موسوعة سیرة أهل البیت علیهم السلام جلد 15

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)

تأليف: باقر شريف القَرشي

تحقيق: مهدي باقر القرشي

الناشر : دار المعروف - مؤسسة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)

المطبعة : ستار

الطبعة الثانية : 1433هـ / 2012م

عدد النسخ :1000 نسخة

حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف

ردمك الدورة : 1 - 42 - 8275 - 964 - 978

ردمك الجزء «15» : 5 - 57 - 8275 - 964 - 978

عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏)

مكتبة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) - هاتف 009647805694970

موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)

الجزء الخامس عَشر

الامام زَینِ العَابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

تأليف

باقر شريف القَرشي

تحقيق

مهدي باقر القرشي

مؤسّسة الامام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)

لإحیاء تراث أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)

اشارة

موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)

الامام زَینِ العَابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)

الجزء الخامس عشر

الامام زَینِ العَابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

تأليف

باقر شريف القَرشي

تحقيق

مهدي باقر القرشي

مؤسّسة الامام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)

لإحیاء تراث أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)

موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)

تأليف: باقر شريف القَرشي

تحقيق: مهدي باقر القرشي

الناشر : دار المعروف - مؤسسة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)

المطبعة : ستار

الطبعة الثانية : 1433هـ / 2012م

عدد النسخ :1000 نسخة

حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف

ردمك الدورة : 1 - 42 - 8275 - 964 - 978

ردمك الجزء «15» : 5 - 57 - 8275 - 964 - 978

عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ‏)

مكتبة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) - هاتف 009647805694970

بِسْمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الإهداء

إلى ضمير الأُمّة الإسلاميّة، ورائد كرامتها ووعيها إلى أبى الأحرار وسيّد الشهداء

الامام الحسین (عَلَيهِ السَّلَامُ)

أرفع بخضوع وإجلال إلى مقامه الرفيع هذه الدراسة عن حياة ولده

الامام السجّاد (عَلَيهِ السَّلَامُ)

الذي هو ملء فم الدنيا في فضائله وعلومه وتقواه، راجياً التفضّل علىَّ بالقبول لأُعدّه ذخراً يوم ألقى اللّه

المؤلّف

تقدیمٌ

1 - ليس في تاريخ هذا الشرق - الذي هو مهد النبوّات - من يضارع الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ورعه وتقواه، وشدّة إنابته إلى اللّه، اللّهمّ إلّا آباؤه الذين أضاءوا الحياة الفكريّة بنور التوحيد، وواقع الإيمان.

لقد حكت سيرة هذا الإمام العظيم سيرة الأنبياء والمرسلين، وشابههم بجميع ذاتياتهم واتّجاهاتهم، فهو كالمسيح عيسى بن مريم في زهده وإنابته إلى اللّه، وكالنبيّ أيّوب في بلواه وصبره، وكالرسول محمّد (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) في صدق عزيمته وسموّ أخلاقه.. ولا تحدّ نزعاته الخيّرة وأرصدته الروحيّة، وحسبه أنه وحده في تاريخ هذه الأُمّة قد عُرف بزين العابدين، ولم يمنح هذا اللقب لأحد سواه.

2 - أمّا مُثل الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعناصره النفسيّة، فهى ممّا تبهر العقول، وتدعو إلى الاعتزاز والفخر لكل مسلم، بل لكلّ إنسان يدين لإنسانيته، ويخضع لمثلها وقيمها.

لقد تحلّى هذا الإمام العظيم بكلّ أدب، وتزيّن بكلّ فضيلة وشرف، وتجرّد من كلّ أنانيّة، وابتعد ابتعاداً مطلقاً عن جميع زخارف الحياة ومباهجها، وكان من ألمع نزعاته الإنابة إلى اللّه، والانقطاع إليه، فقد شاعت في عقله وقلبه وجسمه محبّة اللّه والخوف منه، وأشرقت نفسه بنور اليقين باللّه، وامتلأت ذاته رجاءً وأملاً برحمة اللّه..

وكان فيما أجمع عليه المؤرّخون قد أجهد نفسه أي إجهاد على العبادة والطاعة، وحمّلها من أمره رهقاً. ولم ير الناس في عصره من هو أعبد، ولا مَن هو أتقى منه، ونظراً لكثرة عبادته فقد لقب بسيّد الساجدين، وزين العابدين، وإمام المتّقين.

3 - وأشفق عليه أهله من كثرة عبادته، وخافوا عليه ما يعانيه من المشقة والإعياء، فخفّوا مسرعين إلى الصحابي العظيم جابر بن عبداللّه الأنصاري، وكان عنده أثيراً، وطلبوا منه أن يلتمس منه في أن لا يجهد نفسه في العبادة، فكلمه جابر وطلب منه ذلك برجاء، وكان ممّا قاله : «أنّه بقية النبوّة، وبقية اللّه في الأرض، وأنه ممّن يستدفع به البلاء»، إلّا أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصرّ على ما ذهب إليه من الدأب على العبادة، وملازمة الطاعة، فانطلق جابر يقول بإعجاب : «ما رؤي في أولاد الأنبياء مثل عليّ بن الحسين...». حقّاً إنّه لم ير في أولاد الأنبياء مثل عليّ بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في زهده وتقواء، وشدّة إنابته اللّه.

4 -

وظاهرة أخرى من المثل العليا التي اتصف بها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو أنّه كان كثير البرّ والإحسان بالعبيد، وكان يشفق عليهم كثيراً، وكان من أهم ما يصبو إليه في حياته تحريرهم من الرقّ والعبوديّة، وقد أعتق مجموعة كبيرة منهم، ولو وجد مجالاً لما أبقى رقّاً، ولعل السبب في ذلك هو القضاء على الرقية وعلى استعباد الإنسان لأخيه الإنسان، وتعريف المسلمين بواقع دينهم العظيم الذي جاء لتحرير الإنسان وإنقاذه من الذلّ والعبوديّة، وتحريره فكرياً وجسديّاً من حريره فكرياً وجسدياً من جميع ألوان التبعيّة.

5 - وبرز الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على مسرح الحياة الإسلاميّة كألمع سياسي إسلامي عرفه التاريخ، فقد استطاع بمهارة فائقة - وهو في قيد المرض وأسر الأمويّين - أن ينشر أهداف الثورة العظمى التي فجرها أبوه الإمام الحسين القائد الملهم للمسيرة الإسلاميّة الظافرة، فأبرز قيمها الأصيلة بأسلوب مشرق كان في منتهى التقنين والأصالة والإبداع.

لقد قام هذا الإمام العظيم ببلورة الفكر العام، وإزاحة التخدير الاجتماعي الذي مُنيت به الأُمّة أيّام الحكم الأموي الأسود الذي عمد إلى شل الحركة الثوريّة في الإسلام، فصارت حياة المسلمين إلى التبعثر والانقسام ما بها من مبادئ وإحساس.

لقد وضع هذا الإمام العبوات الناسفة في أروقة السياسة الأمويّة، ففجرت نصرهم المزعوم، ونسفت معالم زهوهم وجبروتهم، وأعادت للإسلام حياته ونضارته.. لقد حقق الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الانتصارات الباهرة بخطبه الحماسية الرائعة التي ألقاها على الجماهير الحاشدة في الكوفة وفي دمشق وفي يثرب، والتي كان لها الأثر البالغ في إيقاظ الأُمّة وتحريرها من عوامل الخوف والارهاب.

6 - لقد كان الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أقوى العوامل في تخليد الثورة الحسينيّة، وتفاعلها مع عواطف المجتمع وأحاسيسه، وذلك بمواقفه الرائعة التي لم يعرف لها التاريخ مثيلاً في دنيا الشجاعة والبطولات، وكان من بينها أنّه حينما حُمل أسيراً إلى ابن مرجانة الذي هو أقذر إرهابي على وجه الأرض، إستهان الإمام به، ونعى عليه ما اقترفه من عظيم الجريمة والإثم، وقابله الطاغية بالتهديد بالقتل، إلّا أنّ الإمام لم يعن به، وسدّد له السهام النافذة في قلبه ببليغ منطقه، وقد كان لحديثه معه صدى هامٌّ في الأوساط الرسمية وغيرها من عامة الناس، وظل يلقي الأضواء على معالم الثورة الحسينية، ويبثّ موجاتها على امتداد الزمن والتاريخ.

أمّا خطابه في بلاط يزيد، فإنّه من أروع الوثائق السياسية في الإسلام، ولا أكاد أعرف خطاباً سياسيّاً أبلغ ولا أشدّ تأثيراً منه في إيقاظ الجماهير، وتوعية الرأي العامّ، فقد سدّ على يزيد كلّ نافذة يسلك منها للدفاع عن نفسه، وتبرير جريمته في قتله لسيد شباب أهل الجنّة، وإبادته للعترة الطاهرة.. وأخذ الناس يتحدّثون بإعجاب وإكبار عن خطاب الإمام الذي كان من ثمرات النهضة الحسينية، وصفحة من صفحاتها المشرقة.

7 - وكان من مظاهر تخليده للثورة الحسينيّة كثرة بكائه على ما حلّ بأبيه وأهل بيته وأصحابه من أهوال يوم الطفّ، فقد حرّم (عَلَيهِ السَّلَامُ) على نفسه الفرح والسرور،

وذاب أسى وحزناً، وعُدّ من البكائين الذين مثّلوا الأسى على امتداد التاريخ.

وفيما أحسب أنّ كثرة بكائه ليس من عظم ما مُني به من الخطوب والمصائب الجسام التي حلت به من فجائع كربلاء، وإنما كان تخليداً لثورة أبيه التي كانت من أجل تحرير الإنسان من الظلم والعبوديّة والطغيان، وقد أحدث بكاؤه على أبيه لوعة في نفوس المسلمين.

ولعلّ هذه الظاهرة من جملة العوامل التي حفّزت الجماهير الإسلاميّة على مناجزة الحكم الأموي، فقد انطلقت الشرارة الأولى من يثرب، فأعلن أبناء الصحابة عصيانهم المسلّح على حكومة يزيد التي استهانت بقيم الأُمّة ومقدّراتها.

8 - واتّجه الإمام الأعظم زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد كارثة كربلاء - صوب العلم لأنّه وجد فيه خير وسيلة لأداء رسالته الإصلاحيّة، كما وجد فيه خير ضمان لراحته النفسيّة التي أذابتها كوارث كربلاء، وقد هرع للانتهال من بحر علمه أبناء الصحابة والعلماء والفقهاء، فأخذ يغذيّهم بعلومه ومعارفه ليكونوا مناراً للعلم والأدب في العالم الإسلامي، ويعرض هذا الكتاب إلى إعطاء صورة من تراجمهم.

لقد انبرى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى إنارة الفكر العربي والإسلامي بشتّى أنواع العلوم والمعارف، وقد دعا ناشئة المسلمين إلى الإقبال على طلب العلم، وحثّهم عليه، وقد مجّد طلّابه، وأشاد بحملته، وقد نمت ببركته الشجرة العلميّة المباركة التي غرسها جده الرسول الأعظم (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، فأقبل الناس بلهفة على طلب العلم ودراسته، فكان حقّاً من ألمع المؤسّسين للكيان العلمي والحضاري في دنيا الإسلام.

9 - أمّا الثروات الفكريّة والعلميّة التي أثرت عن الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فإنّها تمثّل الإبداع والانطلاق والتطوّر، ولم تقتصر على علم خاص، وإنما شملت الكثير من العلوم، كعلم الفقه والتفسير وعلم الكلام والفلسفة وعلمي التربية والاجتماع، وقد عني بصورة خاصة بعلم الأخلاق، واهتمّ به اهتماماً بالغاً، ويعود

السبب في ذلك إلى أنه رأى انهيار الأخلاق الإسلاميّة، وابتعاد الناس عن دينهم من جرّاء الحكم الأموي الذي حمل معول الهدم على جميع القيم الأخلاقية، فانبرى (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى إصلاح المجتمع، وتهذيب أخلاقه، وتقول عنه الشيعة : «إنّه حين استسلم الناس لشهواتهم تابعين لملوكهم جعل الإمام يداوي النفوس المريضة بالصرخات الأخلاقية والآيات السامية» (1).

لقد عالج الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بصورة موضوعية وشاملة القضايا التربوية والأخلاقية، وبحوثه في هذا المجال من أنفس البحوث الإسلاميّة وأدقها في هذا الفنّ.

10 - ومن الحقّ أنّ يقال : إنّ هذا الإمام الملهم العظيم ليس لطائفة خاصّة من الناس، ولا لفرقة معينة من الفرق الإسلاميّة دون غيرها، وإنّما هو للناس جميعاً على اختلاف عصورهم، بل وعلى اختلاف أفكارهم وميولهم واتّجاهاتهم، فإنّه سلام اللّه عليه يمثّل القيم والكرامة الإنسانية، ويمثل كلّ ما يعتزّ به هذا الإنسان من الكمال والآداب وسموّ الأخلاق.

ونظراً لسموّ شخصيّته العظيمة، وما له من الأهميّة البالغة في نفوس المسلمين، فقد سارعت كثير من الفرق الإسلاميّة إلى القول بأنه منها، فالمعتزلة التي تعد من أكثر الفرق الإسلاميّة تخصصاً في البحوث الكلامية، قد عدّوه - باعتزاز وشرف - واحداً منهم (2)، كما ادعت الصوفيّة أنه من أعلامهم، وترجموا له في موسوعاتهم (3).

مکتبة الإمام الحسن العامّة

النجف الاشرف

باقر شريف القرشي


1) نظرية الإمامة : 350.

2) طبقات المعتزلة : 15 و 6.

3) حلية الأولياء : 3 : 172.

السيّدة شاه زَنان

إشارة:

نحن بين يدي سيّدة كريمة من سيّدات نساء المسلمين عفة وشرفاً وطهارة، وهي السيدة الجليلة «شاه زنان» سليلة الملوك، وأمّ الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ). وتحتلّ هذه السيّدة الجليلة المكانة المرموقة في عالم المرأة المسلمة، فقد كانت من سيّدات عصرها، بل وفي الطليعة من سيدات نساء المسلمين، وقد تحلّت بأوسمة شريفة كان من بينها :

1 - نسبها الوضاح، فهي حفيدة كسرى الملك العادل، ومفخرة ملوك الشرق الذي يقول فيه النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) باعتزاز : «وُلِدْتُ في زَمَنِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ كِسْرى».

2 - إنّها زوجة أبي الأحرار، وسيد الشهداء الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

3- إنّها جدّة الأئمّة الطاهرين من نسل الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

4 - إنّها الرابطة المقدّسة بين العرب والفرس.

وقد أكسبتها هذه الجهات شرفاً إلى شرفها، ومجداً إلى مجدها

صفاتها النفسيّة

أمّا صفاتها النفسيّة فكان البارز منها : العفّة، والطهارة، والكمال، وسموّ الآداب، وحدة الذكاء، ونظراً لما توفّرت فيها من النزعات الخيّرة، والصفات الشريفة، فقد بادر الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى تزويجها من ولده الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كما عهد إليه

بالإحسان إليها، والبرّ بها، ونعرض بإيجاز إلى بعض شؤونها حسبما نصت عليه المصادر التي في أيدينا.

الروايات في زمن اقترانها

إشارة:

وتضاربت الروايات في الزمن الذي تم فيه اقترانها بالإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وفيما يلي تلك الروايات :

1 - في عهد عمر

روى الكليني بسنده : عن الإمام أبي جعفر الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «لَمَا أُقْدِمَتْ بِنْتُ يَزْدَجِرْدَ عَلَى عُمَرَ أَشْرَفَ لَها عَذارَى الْمَدِينَةِ، وَأَشْرَقَ الْمَسْجِدُ بضَوْئِها، فَلَمّا نَظَرَ إِلَيْها عُمَرُ غَطَّتْ وَجْهَها، وَقالَتْ : أف بيروج بادا هرمز (1).

فَقالَ عُمَرُ : أَتَشْتِمُني هَذِهِ ؟ وَهَمَّ بِهَا.

فقالَ لَهُ أَميرُ الْمُؤْمِنينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): لَيْسَ ذلِكَ لَكَ، خَيْرُها رَجُلاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَاحْسِبُها بِفَيْئِهِ، فَخَيَّرَها، فَجَاءَتْ حتّى وَضَعَتْ يَدَها عَلَى رَأْسِ الْحُسَيْنِ...» (2).

ويقرب من هذه الرواية ما ذكره بعض المؤرّخين من أنّ ليزدجرد ابنتين وقعتا في الأسر في عهد عمر، فأخذهما الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فدفع واحدة منهما إلى الإمام الحسين، فولدت له الإمام زين العابدين، ودفع الأخرى إلى محمّد بن أبي بكر، فولدت له القاسم (3).

وذكر ابن خلّكان مثل ذلك، إلّا أنّه زاد عليه : «إنّهن كنّ ثلاثاً، فدفع الثالثة


1) وتعريبها : «اسودّ يوم هرمز وأساء الدهر إليه»، وهرمز أحد أجدادها من ملوك الفرس.

2) أصول الكافي : 1: 466، الحديث 1.

3) شذرات الذهب : 1 : 104. نزهة المجالس : 2 : 192. زهرة المقول : 6.

إلی عبداللّه بن عمر» (1).

2 - في عهد عثمان

روى الصدوق : «أنّ عبد اللّه بن عامر لمّا فتح خراسان أيّام عثمان أصاب ابنتي یزدجرد، فبعث بهما إلى عثمان، فوهب إحداهما إلى الحسن، والأخرى للحسين، وأنهما توفيتا في حال نفاسهما» (2).

3 - في خلافة أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

روى جمع من المؤرّخين والرواة أنّ الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمّا ولى الخلافة أرسل حريث بن جابر والياً على جانب من المشرق، فبعث إليه بابنتي يزدجرد ابن شهريار، فنحل شاه زنان إلى ولده الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فولدت له الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ونحل الأخرى إلى محمّد بن أبي بكر فولدت له القاسم، الفقيه المشهور (3).

هذه هي الروايات التي ذكرت في زمن زواجها بالإمام سيّد الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ). ومن الجدير بالذكر أن الروايتين الأخيرتين لم تصرحاً بسبى السيدة شاه زنان مع شقيقتها، وإنما صرّحتا بإرسالهما إلى الخليفة. نعم، الرواية الأولى صريحة بسبيهما.

التحقيق في الروايات

ولا بدّ لنا من وقفة قصيرة للنظر في هذه الروايات المتضاربة، والذي نراه بمزيد


1) وفيات الأعيان : 2 : 429.

2) عيون الأخبار وفنون الآثار : 143 روضة الواعظين: 1 : 137. تحفة الراغب : 13. إعلام الورى : 151.

3) الإرشاد : 2 : 137 عمدة الطالب : 192.

من التأمّل أنّ الرواية الأولى بعيدة عن الصحّة، وذلك لما يلي :

أولاً : إنّ يزدجرد كان حيّاً طيلة خلافة عمر، وتوفّي بعد وفاته، وقد قتل في مرو سنة (30هـ) وذلك في السنة السادسة من خلافة عثمان، وأكبر الظنّ أنّ شاه زنان مع شقيقتها قد اختفيتا بعد مقتل أبيهما حتّى خلافة الإمام أمير المؤمنين، فلمّا ولّى حريث بن جابر على تلك المنطقة ظفر بهما، وبعث بهما إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ثانياً : إنّ ممّا يؤكّد عدم صحّة الرواية الأولى هو ما رواه أبو حنيفة أنّه لمّا جيء بابنة يزدجرد إلى الإمام أمير المؤمنين، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لها : اخْتَارِي مَنْ شِئْتِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فأجابته عن وعي وسموّ قصد : إني أريد رأساً لا رأس عليه.

ودلّ ذلك على مدى وعي هذه الأميرة، وردّ عليها الإمام بلطف قائلاً : إِنَّ عَلِيّاً شَيْخٌ كَبِيرٌ.

ومعنى ذلك أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا رغبة له في النساء لأنه شيخ كبير، يضاف إلى ذلك انشغاله بالشؤون العامّة التي أحاطت به.

وأصرّت الأميرة على ما ذهبت إليه قائلة : «قد كلّمتك بالجملة».

وانبرى بعض الدهاقين من الفرس فطلب من الإمام أن يزوجها منه، فردّه الإمام قائلاً: «ذاكَ إِلَيْها، إِنْ شاءَتْ رَفَضَتْ، وَإِنْ شاءَتْ قَبِلَتْ».

إنّه ليس للإمام عليها سلطان في أمر زواجها، وإنما ذلك يتبع إلى رغبتها النفسيّة، وليس لأحد أن يجبرها على ما يريد، وامتنعت السيّدة من إجابته.

ومن المظنون قويّاً أنّها السيّدة (شاه زنان)، وأنّ زمان زواجها قد تمّ في عهد الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ثالثاً : إنّ الرواية الثالثة أشهر من الروايتين المتقدّمتين، والشهرة من مرجّحات الرواية حسبما يرى ذلك أكثر الفقهاء، وقد ذهب المحقّق المقرّم إليها.

أقوال شاذّة

ذكر بعض المؤرّخين أقوالاً شاذة فيما يتعلّق بنسب السيدة (شاه زنان)، وهي :

1- إنها من بلاد السند (1).

2 - إنها من سبي كابل (2).

وهذان القولان قد خالفا ما أجمع عليه الرواة والمؤرّخون من أنّها ابنة يزدجرد ملك الفرس، وقد شاع ذلك حتّى في عصر الإمام، وعرفه الناس جميعاً، وفي ذلك يقول أبو الأسود الدولي المعاصر للإمام :

وَإِنَّ وَليداً بَيْنَ كِسْرَى وَهاشِمٍ***لأَكْرَمُ مَنْ نيطَتْ عَلَيْهِ التَّمَائِمُ

هُوَ النُّورُ نورُ اللّه مَوْضِعُ سِرِّهِ***وَمَنبع يُنبوع الإمامَةِ عالِمُ (3)

وقد أدلى الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك بقوله : «أَنَا ابْنُ الخِيرَتَيْنِ».

وقد أشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك إلى الحديث النبوي المستفيض : «لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ عِبادِهِ خِيرَتانِ : فَخِيرَتُهُ مِنَ الْعَرَبِ قُرَيْضٌ، وَمِنَ الْعَجَمِ فَارِسُ» (4).

وقال بعض المؤرّخين : «إنّ عليّ بن الحسين جمع بين النبوّة والملك من ناحية أجداده».

اسمها الشريف

وعرفت السيدة أُمّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بشاه زنان، وهذا ليس اسماً لها، وإنّما هو لقب لها،


1) مرآة الجنان : 1 : 190. النجوم الزاهرة : 1 : 229. المنمق في أخبار قريش : 437.

2) تاريخ اليعقوبي : 3: 46.

3) بحار الأنوار : 46 : 166.

4) وفيات الأعيان : 2 : 429. الأئمّة الاثنا عشر / ابن طولون : 75.

ومعناه في اللغة العربيّة ملكة النساء أو سيدة النساء (1).

أمّا اسمها الشريف فقد اختلف فيه المؤرّخون، وفيما يلي بعض أقوالهم :

1 - سلامة (2).

2 - سلافة (3).

3 - غزالة (4).

4 - سلمة (5).

5 - سادرة (6).

6 - شهر بانویه (7).

هذه بعض الأقوال التي ذكرت في اسمها، أما التحقيق في أن أي واحد منها هو الصحيح فلن يعنينا ذلك إذ ليس فيه فائدة تعود إلى القرّاء.


1) نور الأبصار : 126.

2) أصول الكافي : 1 : 466. تهذيب الكمال : 13 : 237. سير أعلام النبلاء : 4 : 237. الطبقات / خليفة خيّاط : 238.

3) الإمامة في الإسلام : 116. أنساب الأشراف: 102. دائرة المعارف / البستاني : 9: 355. نور الأبصار : 136. الكامل في التاريخ : 2 : 464. تهذيب الكمال : 20: 384. تاريخ مدينة دمشق : 41: 362.

4) صفة الصفوة : 2 : 52. شذرات الذهب : 1 : 104. سرّ السلسلة العلويّة : 31 نهاية الإرب : 324:21. خلاصة الذهب المسبوك : 8 تهذيب الكمال : 13 : 237.

5) الأئمّة الإثنا عشر : 75.

6) الاتحاف بحبّ الأشراف : 49.

7) روضة الواعظين: 1 : 237. عيون المعجزات : 31 غاية الاختصار : 155.

الرابطة المقدّسة

لقد كانت السيّدة شاه زنان الرابطة المقدّسة بين العرب والفرس، فقد تفرّع منها زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي هو ابن الخيرتين، وأبو الذرّيّة الطاهرة التي أمدّت العالم العربي والإسلامي بجميع عوامل الوعي والشرف والنهوض.

يقول السيّد عبد العزيز الأهل : «وزين العابدين رباط قوي بيننا نحن العرب وبين فارس، ثمّ هو رباط قوي ما بين الناس جميعاً، وكأنه أحد الأسباب القوية التي ساقها القدير اللطيف ليمحو الفرقة، ويعزّ الألفة، ويقرّب بين الناس» (1).

لقد كانت هذه الرابطة من أقوى الروابط وأكثرها عائدة على العرب والفرس، فقد أشاعت بينهما المحبة والمودّة والألفة.

نعرة جاهليّة

وهدم الإسلام جميع الحواجز الجاهليّة التي تفرّق المسلمين، وتشلّ وحدتهم، والتي منها امتناع العربي من الزواج بغير العربيّة، وذلك حفظا على الدم العربي، وعلى الأنساب العربيّة.

ومن المحقّق أنّ هذه الظاهرة ممّا توجب تفكّك المسلمين، وتصدّع شملهم، فإنّ الإسلام بكلّ اعتزاز فخر قد طرح هذه الأنانيات الفارغة، والعناوين الجوفاء، ونادى بشرف النفس، وجمال الروح، قال اللّه تعالى : «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّه أَتْقَاكُمْ» (2).

لقد بيّن الإسلام بصورة إيجابيّة المساواة العادلة بين المسلمين، فحطّم الفوارق


1) زین العابدين 7.

2) الحجرات 49: 13.

الطبقية، وسائر العنصريّات، فقد زوّج رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) قريبته زینب بنت جحش، وهي من سيّدات بني هاشم من مولاه زيد بن حارثة، وقد أراد (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) بذلك أن تتّخذ الجماعة المسلمة درساً منه، وتسير على ضوء هذا الطريق الواضح المستقيم، وقد سار أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) على ضوء هذا المنهج الرسالي، فحاربوا العنصرية، وقاوموا الامتيازات الجاهليّة، فتزوجوا بالإماء بعد عتقهنّ، أو قبل عتقهن بالملك، وكان لذلك الأثر البالغ في نفوس العرب، فقد تراجعوا عن نظريتهم الجاهليّة.

ويقول المؤرّخون : «إنّه عندما تزوّج الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالسيّدة شاه زنان، وأنجبت منه علم الهدى الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ورأى العرب كماله وسموّ ذاته، هرعت قريش إلى اتّخاذ أمهات الأولاد» (1).

ومن الطريف ما روى المبرد عن رجل من قريش كانت أمه أمة، قال : كنت أجالس سعيد بن المسيب، فقال لي يوماً : من أخوالك ؟

• أمي فتاة (2).

ونقص الرجل في عين سعيد، وانحط شأنه، إلّا أنّ الرجل كان ذكيّاً، وانتظر فترة حتّى دخل عليه سالم بن عبد اللّه بن عمر، وهو من ألمع شخصيات قريش، وكانت أمه أمة، وتعاطى معه الحديث، فلما خرج بادر الرجل قائلاً: يا عم، من هذا ؟

فثار سعيد وصاح بالرجل قائلاً يا سبحان اللّه ! أتجهل مثل هذا من قومك، هذا سالم بن عبداللّه بن عمر بن الخطاب.

وانبرى الرجل قائلاً: من أُمّه ؟

• فتاة.

1) تاریخ دمشق : 44: 160. سير أعلام النبلاء : 4 : 390 و 460.

2) الفتاة : مؤنّث الفتى، تجمع على فتيات وفتوات.

وأقبل عليه القاسم بن محمّد بن أبي بكر، وكانت أمه فتاة، ودار بينهما حديث، فلما انصرف من عنده سأله مثل السؤال الأوّل، فأجابه سعيد بمثل جوابه السالف، ثم دخل عليه الإمام زين العابدين وسيد الساجدين، فقابله سعيد باحتفاء وتكريم، فلما خرج من عنده، قال له الرجل : يا عمّ، مَن هذا ؟

فردّ عليه سعيد بتأثر قائلاً: هذا الذي لا يسع كلّ مسلم أن يجهله. هذا عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب.

وسارع الرجل قائلاً: من أُمّه ؟

• فتاة.

وانبرى الرجل قائلاً : يا عمّ، رأيتني نقصت في عينيك حين لت لك : أُمّي فتاة، فمالي أسوة بهؤلاء ؟

والتفت سعيد إلى خطئه، وراح يكبر الرجل ويعتني به (1).

إنّ هذه الظاهرة المنحطة التي كانت سائدة في ذلك العصر إنما هي من مخلفات العصر الجاهلي المتخلف فكرياً واجتماعياً، فأي نقص على الرجل في أن تكون أمه رومية أو فارسيّة أو غيرهما. يقول الشاعر :

لَا تَشْمِتَنَّ امْرَءاً فِي أَنْ تَكُونَ لَهُ***أُمَّ مِنَ الرَّومِ أَوْ سَوداءُ عَجْمَاءُ

فَإِنَّما أُمَّهَاتُ القَومِ أَوْعِيَة***مُسْتَودَعاتٌ وَلِلأَحْسَابِ آبَاءُ

إنّ الذي يرفع من شأن الإنسان إنّما أعماله الحسنة، وخدماته لأمته وبلاده، وسموّ ذاته، وإن كانت أمه سوداء عجماء، وإذا كانت أعماله سيئة، وذاته منحطة، فإنّه وضيع، وإن كان سيّداً قرشيّاً، وقد قرّر ذلك وأكده الإسلام العظيم الذي لا يعنى


1) الكامل / المبرد : 2 : 462 نزهة المجالس : 2 : 23. الأئمّة الاثنا عشر : 76.

إلّا بالأعمال، فهي المقياس عنده في الرفع والخفض.

احتفاء الإمام عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ابهاما

واحتفى الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالسيدة شاه زنان، وذلك لعلمه بإيمانها، ووفور عقلها، وقد أثرت عنه مجموعة من الأخبار التي تشيد بفضلها، كان منها ما يلي :

1 - إنّه أوصى ولده الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالبربها، والإحسان إليها قائلاً: «وَأَحْسِنُ إِلى شَهْرَ بانويه، فَإِنَّها مَرْضِيَّةٌ، سَتَلِدُ لَكَ خَيْرَ أَهْل الْأَرْضِ بَعْدَكَ» (1).

2 - إنّه أخبر أهله بأنّها ستكون الأمّ الطاهرة للأئمة الطاهرين. قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «وَهِيَ اُمُّ الْأَوْصِياءِ، الذُرِّيَّةِ الطَّاهِرَةِ» (2).

لقد تفرّع من هذه السيدة الكريمة الأئمّة الطاهرون الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

لقد اعتنى الإمام أمير المؤمنين بالسيّدة شاه زنان، فقد وجد عندها طاقات من الفضل والكمال والأدب، وقد سألها (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال لها : «ما حَفِظْتِ مِنْ أَبِيكِ بَعْدَ وَقْعَة الفيل ؟

فأجابته بهذه الكلمة الذهبية التي تنم عن سعة فكر أبيها، وخبرته بشؤون الحياة : إنّه كان يقول : إذا غلب اللّه على أمر ذلّت المطامع دونه، وإذا انقضت المدة كان في الحيلة. وبهر الإمام من هذه الكلمة الحكيمة التي حكت واقع الحياة، فراح يبدي إعجابه بها قائلاً : ما أَحْسَنَ ما قال أَبوك، تَذَلُّ الأمورُ لِلْمَقادير حتّى يَكونَ الحَتفُ في التدبيره (3).


1) عيون المعجزات : 71. إثبات الهداة : 5 214، الحديث 2.

2) بصائر الدرجات : 96. إثبات الهداة : 5 : 214. ناسخ التواريخ : 1 : 13.

3) الإرشاد : 1 : 302. بحار الأنوار: 46 : 11 و 12.

إنّ كلّ شيء في هذا الوجود خاضع لمشيئة اللّه وإرادته، وإن اللّه تعالى هو القاهر والغالب، وإنّ الإنسان مهما اعتمد على الوسائل الوثيقة والمحكمة التي يتخيل أنها تدرأ الأخطار عنه فانّها لا تجديه شيئاً، لأنّها قد تنقلب عليه فيكون بها حتفه ونهايته.

عناية الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بها

وأحاط الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) زوجته السيّدة شاه زنان بهالة من العناية والتكريم، وقدّمها على بقيّة نسائه، وقد وجدت هذه السيّدة في كنف الإمام وتحت ظلاله من الاحتفاء والتكريم ما أنساها ما كانت فيه من الترف والنعيم أيّام ملك أبيها، وقد غذاها الإمام بتعاليم الإسلام وروحانيته، حتّى زهدت بما كانت فيه من الملك والسلطان.

يقول السيّد عبدالعزيز سيّد الأهل : «وعلّمها الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من تعاليم الإسلام ما أنساها قصور المدائن، ومروج كابل...» (1).

إشادة المؤرّخين بها

إشارة:

وأشاد بعض المؤرّخين بهذه السيّدة الكريمة، وفيما يلي ما قالوه :

المبرد

وأدلى المبرّد في حق هذه السيّدة الجليلة بقوله : «كانت شاه زنان من خيرة النساء» (2).


1) زین العابدين: 16.

2) الكامل في التاريخ : 2 : 462.

حقّاً لقد كانت شاه زنان من سيّدات النساء فى عفّتها، ووفور عقلها، وسموّ آدابها.

ابن شدقم

قال ابن شدقم : «كانت شاه زنان ذات فضل كثير» (1).

الكنجي

قال الإمام الحافظ محمّد بن يوسف الكنجي : «لقد جعل اللّه تبارك وتعالى الأئمّة المهديّين من نسل الحسين من بنت كسرى دون سائر زوجاته» (2).

لقد منح اللّه هذه السيّدة الكريمة ألطافه وعنايته، فقد حباها بالفضل العظيم بأن جعلها أماً كريمة للإمام زين العابدين، وجدّة طيّبة زكيّة للأئمة الطاهرين الذين رفعوا كلمة اللّه عالية في الأرض.

وبهذا ينتهي بنا الحديث في شؤون هذه السيدة الجليلة


1) زهرة المقول : 16.

2) كفاية الطالب : 454.

الوليدُ العَظيمُ

إشارة:

وأشرقت الدنيا بولادة الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي فجر ينابيع العلم والحكمة في الأرض، وقدّم للناس بسيرته أروع الأمثلة والدروس في نكران الذات، والتجرد عن الدنيا، والانقطاع إلى اللّه.

وقد استقبلت الأسرة النبوية بمزيد من الأفراح والمسرات هذا الوليد المبارك الذي بشّر به النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، وقد شملت الابتهاجات جميع من يتّصل بأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) من الصحابة وأبنائهم، وقد ولد - فيما يقول بعض المؤرّخين - ضعيفاً نحيفاً.

يقول السيّد عبدالعزيز سيّد الأهل : «لقد ولد ضعيفاً نحيفاً تلوح في نظراته ومضات خافتة، وكأنّها ومضات همّ منطفئ، وما لبثت هذه الومضات المكسورة إن دلّت، فإنّما تدلّ على حزن قادم يوشك أن يقع أن يقع...» (1).

لقد رافقته الخطوب، وصاحبته الآلام منذ ولادته، فقد اختطفت يد المنون أمّه الزكيّة وهو في المهد، وتوالت عليه المحن بعد ذلك يتبع بعضها بعضاً، فلم يبتل أي إنسان بمثل ما ابتلي به هذا الإمام العظيم.

مراسيم الولادة

وسارع الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو ولده الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى إجراء مراسيم


1) زین العابدین: 18.

الولادة الشرعيّة على الوليد المبارك، فأذّن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، وقد أقام بذلك في قلبه معبداً ينبض بأحاسيس التقوى والصلاح، فكانت نغماً حياً يسيّره نحو البرّ والعمل الصالح.

إنّ أوّل ما استقبل به الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه الحياة هو صوت «اللّه أكبر»، وقد طبع في قلبه ومشاعره، وصار في ذاتيّاته ومقوّماته، وفي اليوم السابع من ولادته عقّ عنه أبوه بكبش، وحلق رأسه، وتصدق بزنته فضة أو ذهباً على المساكين عملاً بالسنّة الإسلاميّة المقدّسة.

مكان الولادة

واختلف المؤرّخون في المكان الذي حظي بولادة الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وفيما يلي ما ذكروه

1 - إنّه وُلد في الكوفة (1).

2 - كانت ولادته في يثرب (2).

والذي أراه أن ولادته كانت في الكوفة، وذلك لما أجمع عليه الرواة والمؤرّخون أنّه وُلد قبل وفاة جده أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بسنتين (3).

ومن المقطوع به أن الإمام الحسين وأفراد عائلته كانوا مع الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الكوفة، ولم يقم أي أحد منهم في يثرب طيلة خلافته


1) شذرات الذهب : 1 : 104.

2) الفصول المهمة / ابن الصباغ : 187 بحر الأنساب : الورقة 52. دائرة المعارف / البستاني: 9 : 355 الإمامة في الإسلام : 116. نور الأبصار : 136.

3) أخبار الدول : 109 نور الأبصار : 136 مطالب السؤول : 2: 41. تاريخ الأئمّة / ابن أبي الثلج : 4. دائرة المعارف / البستاني : 9: 355.

الزمان

وتضاربت أقوال المؤرّخين في الزمان الذي كانت فيه ولادة الإمام، وفيما يلي ما ذكروه :

1 - ولد في اليوم الخامس من شعبان سنة (38هـ) (1)، وذلك في يوم الخميس (2).

2 - ولد في يوم الجمعة لتسع خلون من شعبان سنة (38هـ) (3).

3 - ولد في النصف من جمادى الأولى سنة (38هـ) (4).

4 - ولد يوم الجمعة 26 جمادى الآخرة سنة (38 هـ) (5).

5 - ولد في شهور سنة (33هـ) (6).

وهذا القول شاذ ومخالف لما أجمع عليه الرواة والمؤرّخون من أن ولادته كانت سنة (38هـ).

والمشهور عند الإماميّة هو القول الأول، فإنّهم يقيمون مهرجاناتهم العامّة إحياء

الذكرى ولادته في اليوم الخامس من شعبان.

تسميته (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

الشيء المحقّق الذي أجمع عليه المؤرّخون والرواة هو أنّ الرسول الأعظم (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)


1) تحفة الراغب : 13 - مطالب السؤول : 2 : 41. الفصول المهمة / ابن الصبّاغ : 212. كشف الغمّة : 2 : 73.

2) مطالب السؤول : 2 : 41. نور الأبصار : 136.

3) روضة الواعظين : 1 : 222.

4) بحر الأنساب : الورقة 52.

5) الإمامة في الإسلام : 116.

6) النفحة العنبرية : 46.

قد سمّى حفيده بعليّ بن الحسين، ولقّبه بزين العابدين، وذلك قبل أن يولد بعشرات السنين، وكان ذلك من العلامات الباهرة لنبوّته، وقد تظافرت الأخبار بنقل ذلك عنه، وهذه بعضها :

1 - روى الصحابي الجليل جابر بن عبداللّه الأنصاري، قال : «كنت جالساً عند رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) والحسين في حجره وهو يداعبه، فقال (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) : يا جَابِرُ، يولَدُ لَهُ مَوْلُودٌ اسْمُهُ عَلِيٌّ، إِذا كانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نادى مُنادٍ : لِيَقُمْ سيّد الْعابِدِينَ، فَيَقومُ وَلَدُهُ، ثُمَّ يُولَدُ لَهُ وَلَدٌ اسْمُهُ محمّد، فَإِنْ أَدْرَكْتَهُ - يا جابر - فَأَقْرتْهُ مِنّى السَّلامَ» (1).

وأذاع جابر هذا الحديث، كما أنه أدرك الإمام محمّد الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبلغه هذه التحيّة من جدّه الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، فتلقاها الإمام بمزيد من الغبطة والسرور.

2 - روى الحافظ ابن عساکر : بسنده عن سفيان بن عيينة، عن ابن الزبير، قال : «كنّا عند جابر، فدخل عليه عليّ بن الحسين، فقال له جابر: كنت عند رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، فدخل عليه الحسين فضمه إليه وقبله، وأقعده إلى جنبه، ثم قال (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) : يولَدُ لابني هذا ابْن يُقالُ لَهُ : عليّ بن الحسين، إِذا كانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نادى منادٍ مِنْ بَنانِ الْعَرْشِ : لِيَقُمْ سيّد الْعابِدِينَ، فَيَقومُ هُوَ» (2).

3 - روى سعيد بن المسيّب، عن ابن عبّاس : «أنّ رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) قال : إذا كانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يُنَادِي مُنادٍ : أَيْنَ زَيْنُ الْعابِدِينَ ؟

فكأَنَّي أَنْظُرُ إِلى وَلَدِي عليّ بن الحسين يَخْطُرُ بَيْنَ الصُّفُوفِ» (3).

هذه بعض النصوص التي أثرت عن النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) في تسميته لحفيده بعليّ، ومنحه


1) وسيلة المآل في مناقب الآل : الورقة 7، من مصوّرات مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

2) تاریخ دمشق : 54 : 276.

3) علل الشرائع : 1 : 230. بحار الأنوار: 46: 3.

بلقب زين العابدين، كما فيها الإشادة بأهميته ومكانته عند اللّه تعالى.

مع ابن تيميّة

وأنكر ابن تيميّة تسمية النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) لولده عليّ بهذا الاسم، وقال : «هذا شيء لا أصل له، ولم يروه أحد من أهل العلم» (1).

وقد أغمض ابن تيميّة عينيه عمّا ذكره الحفاظ وأعلام المؤرّخين والرواة في ذلك ولكنّ الرجل قد مني بالانحراف عن الحق، فأعلن العداء لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الذين ألزم اللّه بمودّتهم، وجعلهم الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) سفن النجاة، وأمن العباد، وقد تنكّر لكلّ فضيلة من فضائلهم، وجحد كلّ ما يرويه الحفّاظ من مآثرهم.

كنيته (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وكنّي الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بما يلي :

1 - أبو الحسين (2).

2 - أبو الحسن (3).

3 - أبو محمّد (4).

4 - أبو عبد اللّه (5).


1) منهاج السنة : 2 : 123.

2) مسند زید : 326.

3) مناقب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) / الشيرواني : 255.

4) تهذيب الأسماء واللغات - القسم الأوّل : 343. نور الأبصار : 137. صفة الصفوة : 2: 52. تحفة الراغب : 13.

5) تهذيب الكمال : 13: 237 تاريخ الإسلام / الذهبي : 2 : 66. تاريخ مدينة دمشق : 44: 147.

ألقابه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

أمّا ألقابه الشريفة، فهي تحكي نزعاته الخيّرة، وما اتصف به من محاسن الصفات ومكارم الأخلاق، وعظيم الطاعة والعبادة للّه، وهذه بعضها :

1 - زين العابدين

وأضفى عليه هذا اللقب جدّه رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) - كما تقدّم - وإنما لقب به لكثرة عبادته (1).

وقد عرف بهذا اللقب واشتهر به، حتّى صار اسماً له، ولم يلقّب به أحد سواه، وحقّاً أنّه كان زيناً لكلّ عابدٍ، وفخراً لكل من أطاع اللّه

2 - سيّد العابدين

من ألقابه البارزة : سيّد العابدين، وذلك لما ظهر منه من الانقياد والطاعة اللّه، فلم يؤثر عن أي أحد من العبادة مثل ما أثر عنه عدا جده الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

3 - ذو الثفنات

لقب بذلك لما ظهر على أعضاء سجوده من شبه ثفنات البعير (2).


1) تهذيب التهذيب : 7: 306 شذرات الذهب : 1 : 104، وجاء فيه : «سمّي زين العابدين لفرط عبادته».

2) صبح الأعشى : 1 : 452. بحر الأنساب : 25. تحفة الراغب : 13. الأضداد في كلام العرب : 1 : 129. ثمار القلوب : 291، وجاء فيه : كان يقال لكلّ من عليّ بن الحسين وعليّ بن عبد اللّه بن العبّاس ذو الثفنات لما على أعضاء السجود منهما من السجّادات الشبيهة بثفنات الإبل، وذلك لكثرة صلاتهما».

وقال الإمام أبو جعفر الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كانَ لأبي في مواضع سُجودِهِ آثَارٌ ناتِنَةٌ، وَكانَ يَقْطَعُها في السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ، فِي كلّ مَرَّةٍ خَمْسَ ثَفِنَاتٍ، فَسُمِّيَ ذو الثَّفَناتِ لَذلك» (1).

وفي رواية : «أنّه جمع الثفنات في كيس وأوصى أن تدفن معه».

4 - السجّاد

من ألقابه الشريفة التى اشتهر بها : السجّاد (2)؛ وذلك لكثرة سجوده، فقد كان من أكثر الناس سجوداً اللّه تعالى وطاعة له.

وحدّث الإمام أبو جعفر الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن كثرة سجود أبيه، قال : «إِنَّ عليّ بن الحسين ما ذَكَرَ للّه عَزَّ وَجَلَّ نِعْمَةً عَلَيْهِ إِلَّا سَجَدَ، وَلَا قَرَأَ آيَةٌ مِنْ كِتابِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ فيها سُجودٌ إِلَّا سَجَدَ، وَكَانَ أَثَرُ السُّجودِ فِي جَمِيعِ مَواضِعِ سُجودِهِ، فَسُمِّيَ السجّاد لِذلِكَ» (3).

ونظم ابن حمّاد كثرة سجود الإمام وعبادته بهذه الأبيات الرقيقة :

وراهِبُ أَهْلِ البَيْتِ كَانَ وَلَمْ يَزَلْ***يُلَقَّبُ بِالسجّاد حينَ تَعَبدِه

يقضي بطولِ الصّوم طول نَهارِهِ***منيباً وَيَقضي ليلَهُ بِتَهَجُّدِه

فَأَيْنَ بِهِ مِنْ عِلمِهِ وَوَفائِهِ***وَأَيْنَ بهِ مَنْ نُسْكِهِ وَتَعَبُده (4)

5 - الزكيّ

لُقّب بالزكيّ (5)لأنّ اللّه زكّاه وطهّره من كلّ دنس، كما زكى آباءه الذين أذهب


1) علل الشرائع : 1 : 233. بحار الأنوار: 46 : 6. وسائل الشيعة : 6: 377، الحديث 3.

2) علل الشرائع : 1 : 232.

3) وسائل الشيعة : 6 : 244، الحديث 1. علل الشرائع : 1 : 233.

4) مناقب آل أبي طالب : 4 : 152.

5) كشف الغمّة : 2 : 317. الفصول المهمة : 3: 6.

عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.

6 - الأمين

من ألقابه الشريفة التى عُرف بها : الأمين (1).

فقد كان المثل الأعلى لهذه الصفات الكريمة، وقد قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَوْ أَنَّ قاتِلَ أَبي أَوْدَعَ عِنْدَي السَّيْفَ الَّذِي قَتَلَ بِهِ أَبِي لأَدَّيْتُهُ إِلَيْهِ» (2).

7 - ابن الخيرتين

من ألقابه التي اشتهر بها : ابن الخيرتين، وكان يعتزّ بهذا اللقب، ويقول : «أنا ابْنُ الْخِيرتيْن»، إشارة لقول جدّه رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) : «للّه تعالى مِنْ عِبادِهِ خِيرتانِ، فَخيَرتُهُ مِنَ الْعَرَبِ هَاشِمٌ، وَمِنَ الْعَجَمِ فَارِسٌ» (3).

ونسب الشبراوي إليه هذه الأبيات التي ذكر فيها اعتزازه بهذا اللقب :

خيرَةُ اللّه مِنَ الخَلقِ أبي***بَعدَ جَدِّي وَأَنَا ابْنُ الخيرَتين

فِضَّةٌ قَدْ صُبغَتْ مِنْ ذَهَبٍ***فأنا الفِضَّةُ ابْنُ الذَّهَبَين

مَنْ لَهُ جَدُّ كَجَدّي في الوَرى***أَوْ كَأُمّي وأنا ابْنُ القَمَرَين

فاطمة الزهراء أمي وأبي***قاصِمُ الكُفْرِ بِبَدْرٍ وَحُنَين

وَلَهُ في يَوْم أَحْدٍ وَقْعَةٌ***شَفَتِ الغِلَّ بعض العَسْكَرَين (4)


1) الفصول المهمّة / ابن الصباغ : 187. بحر الأنساب : الورقة 52 روضة الواعظين: 372. نور الأبصار : 137.

2) أمالي الصدوق : 319، الحديث 204.

3) الكامل المبرد : 1 : 222 وفيات الأعيان : 2 : 429.

4) الاتحاف بحب الأشراف : 49، وفي صدر البيت الثاني زحاف، كما لا يخفى.

وأكبر الظنّ أنّ هذه الأبيات ليست للإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وإنّما قيلت على لسان أبيه، كما هي صريحة في ذلك.

هذه بعض ألقابه، وذكرت له ألقاب أخرى (1)، وهي تنم عما اتصف به من الصفات الرفيعة والنزعات العظيمة.

وفاة أمّه

إشارة:

وأوّل نكبة داهمته وهو في المرحلة الأولى من طفولته وفاة أمه، فقد أصابتها بعد ولادتها حمى النفاس، وضلّت ملازمة لها، وقد اجتهد الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أن يطفئ عنها وقدة الحمى وجذوتها فلم يستطع، واشتدّ بها الحال، وفتك بها المرض فتكاً ذريعاً، وذبلت نضارتها، وعادت كأنها جثمان فارقته الحياة، وكانت تلقى نظرات مشفوعة بالألم والحسرات على طفلها الرقيق الذي لم ينتهل من نمير عطفها وحنانها.

واشتدت بها الحمى، وانتابتها آلام مبرحة، وبقيت أيّاماً تعاني من شدّة الأسقام حتّى صعدت روحها إلى السماء كأسمى روح صعدت إلى اللّه (2).

وقد انطوت بموتها صفحة ناصعة من صفحات الفضيلة والعفّة والحياء، وكلّ ما تعتزّ به المرأة من أدب وكمال.

وقد رزئت الأسرة النبوية بوفاة هذه السيّدة الجليلة التي كانت تمثّل الشرف والفضيلة، وقد جرى لها تشييع حاشد ضمّ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وخيار المسلمين والأصحاب وجماهير كثيرة من المسلمين، وقد وارى جثمانها الشريف في الكوفة، وقد تألّم الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفقد هذه السيدة التي عاشت بينهم أياماً كأيّام الزهور


1) ناسخ التواريخ : 22.

2) إثبات الوصية / المسعودي : 143. زین العابدين : 18.

فلم يطل منها العهد.

لقد نكب الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بوالدته وهو في أوّل مرحلة من مراحل طفولته، وكان ذلك إيذاناً لتتابع المحن والخطوب عليه التي لم تجر على أي إنسان سواه.

مربّيته (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وعهد الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى سيّدة زكيّة من أمهات أولاده بالقيام بحضانة ولده زین العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) و ورضاعته ورعايته، وقد عنيت به هذه المرأة الصالحة أشدّ ما تكون العناية، فكانت ترعاه كما ترعى الأم الرؤوم فلذة كبدها، وقد درج الإمام في جوّ من الكتمان الشديد، فلم يخبره أحد بموت أُمّه إلّا بعد أن كبر لئلا يحترق قلبه ويقلق باله (1).

صفاته (عَلَيهِ السَّلَامُ) الجسمية

أمّا صفاته وملامحه الجسمية، فقد ذكر المؤرّخون أنه كان أسمر، قصيراً، نحيفاً (2)، ورقيقاً (3).

وكان كلّما تقدّمت به السن ازداد ضعفاً وذبولاً، وذلك لكثرة عبادته، وقد أغرقته في الأحزان والآلام مذبحة كربلاء، فقد ظلّت أهوالها تلاحقه حتّى لحق بالرفيق الأعلى.


1) زین العابدین: 19.

2) نور الأبصار : 36.

3) أخبار الدول : 109. الصراط السوي في مناقب آل النبيّ : 192، من مصوّرات مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

هيبته ووقاره (عَلَيهِ السَّلَامُ)

أمّا هيبته فتعنولها الوجوه والجباه، فكانت تعلو على أسارير وجهه أنوار الأنبياء، وهيبة الأوصياء، ووصف شاعر العرب الأكبر الفرزدق في رائعته هيبة الإمام بقوله :

يَكادُ يُمْسِكُهُ عِرفان راحَتِهِ***رُكنُ الْحَطيم إِذا ما جاءَ يَسْتَلِمُ

يُغضى حَياءٌ وَيُغْضَى مِنْ مَهابَتِهِ***فَلَا يُكَلَّمُ إِلَّا حِينَ يَبْتَسِمُ

ويقول الشيخاني القادري : «وكان لا تشبع من رؤية صباحة وجهه عين الناظر» (1).

لقد كانت هيبته تحكي هيبة جدّه الرسول الأعظم (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، وقد بهر بها المجرم السفّاح مسلم بن عقبة الذي استهان بجميع القيم والمقدّرات، فحينما رأى الإمام ارتعدت فرائصه، وقابله بمزيد من العناية والتكريم، وقال لمن حوله : «إنّ على زين العابدين سيماء الأنبياء».

نقش خاتمه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

أمّا نقش خاتمه، فقد كان يحكي مدى انقطاعه واتّصاله باللّه، فقد نقش عليه : «وما توفيقي إلا باللّه» (2).

وقيل : «كان نقش خاتمه : علمت فاعمل» (3).


1) الصراط السوي في مناقب آل النبيّ : 192.

2) الفصول المهمة / ابن الصبّاغ : 187. أخبار الدول : 109. الصراط السوي : 192.

3) عيون الأخبار / ابن قتيبة : 1 : 302.

نشاته وسلوكه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

لقد توفّرت للإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لجميع المكوّنات التربوية الرفيعة التي لم يظفر بها أحد سواه، وقد عملت على تكوينه، وبناء شخصيته بصورة متميّزة جعلته في الرعيل الأوّل من أئمة المسلمين، الذين منحهم الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) ثقته، وجعلهم قادة لأمته، وأمناء على أداء رسالته.. لقد تجسدت في نشأة الإمام وسلوكه جميع عناصر الخير والفضيلة والكمال، ونعرض بإيجاز إلى هاتين الظاهرتين من مناحي حياته :

نشأته (عَلَيهِ السَّلَامُ)

نشأ الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بيت النبوّة والإمامة، ذلك البيت الذي أذن اللّه أن يُرفع ويذكر فيه اسمه، وفي المرحلة الأولى من طفولته كان الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يتعاهده، ويفيض عليه أشعّة من روحه التي طبق شذاها العالم بأسره، فكان الحفيد بحقّ صورة صادقة عن جده، يحاكيه ويضاهيه في عناصره ومكوّناته النفسيّة.

أمّا الفترة التي عاشها الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كنف جده، فقد كانت قصيرة جداً وقد حدّدها المؤرّخون بسنتين، وهي من أثقل السنين التي مرّت على الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد طافت به الأزمات، وتفاقمت عليه الأحداث بصورة رهيبة ومذهلة، وكان من أشدّها وأثقلها عليه أن جيشه الذي كان يقاتل باطل معاوية قد مني بالهزيمة والتمرّد والعصيان، وقد راح يعج بالدعاء والابتهال إلى اللّه أن ينقله إلى جواره، وينقذه من ذلك المجتمع الغوغائي الذي لم يع أهدافه.

وقد استجاب اللّه دعاءه، فانبعث له أشقى الأولين والآخرين الإرهابي المجرم عبدالرحمن بن ملجم فاغتاله وهو في بيت من بيوت اللّه، وكان قائماً يصلّي لربّه، وفي الساعات الأخيرة من حياته احتف به أهل بيته وأبناؤه، وكان من بينهم الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) اللّه، فعهد بالإمامة إلى ولديه الحسن والحسين، ونصّ على إمامة حفيده الطفل زين العابدين، وأبلغه تحيات النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) و تحياته إلى ولده محمّد الباقر عملاق هذه الأُمّة، ورائد نهضتها الفكريّة والعلميّة.

وممّن تولّى تربية الإمام زين العابدين عمّه الزكي الإمام الحسن سيّد شباب أهل الجنّة، وريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) وسبطه الأوّل، فقد كان يغدق عليه عطفه وحنانه، ويغرس في نفسه مثله العظيمة ونزعاته الفذة، وظل ملازماً له حتّى أشرف على ميعة الشباب، وقد انطبعت في أسارير نفسه، ودخائل ذاته سيرة عمّه بطل الفكر والاصلاح في الإسلام.

وكان ممّن تولّى تربية الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) والده أبو الأحرار وسيد الشهداء الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد رأى فيه امتداداً ذاتياً ومشرقاً لروحانيّة النبوّة ومثل الإمامة، فأولاه المزيد من رعايته وعنايته، وقد سكب في نفسه قيمه وطاقاته النديّة، وقد قدمه على بقيّة أبنائه، وصاحبه في أكثر أوقاته.

ويقول المؤرّخون : «إنّ زين العابدين قد مرض فخفّ إليه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مسرعاً لعيادته، وراح يمنيه قائلاً : ما تَشْتَهي يا بُنَيَّ ؟

فأجابه جواب من أناب إلى اللّه وانقطع إليه : أشتهي أن أكونَ ممّن لَا يَفْتَرِحُ عَلَى اللّه رَبِّي ما يُدَبِّرُهُ لي.

وبهر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من هذه الكلمات المشرقة التي دلّت على عظيم المعرفة وعميق الإيمان، وانبرى قائلاً بإعجاب : أَحْسَنْتَ، ضاهَيْتَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ حَيْثُ قَالَ جَبْرائِيلُ لَهُ : هَلْ مِنْ حاجَةٍ ؟

فَقالَ : لَا أَقْتَرِحْ عَلَى رَبِّي، بَلْ حَسْبِيَ اللّه وَنِعْمَ الْوَكيل (1).

حقّاً لقد ضاهي زين العابدين إبراهيم خليل اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عظيم إيمانه، وشدّة إنابته، وانقطاعه إلى اللّه. لقد كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بحكم تربيته ونشأته المثل الأعلى لكلّ ما يعتز به الإنسان من سموّ الكمال وقيم الأخلاق.

سلوكه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

أما سلوك الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فكان كسلوك آبائه مصدر إشعاع وهداية إلى الناس، وكان يتحرّى في سلوكه السير على منهج جدّه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) والاقتداء بسيرته وهديه.

ويقول الرواة : «إنّه كان يمعن في قراءة سيرة جده حينما تجهده العبادة، فيتنفّس الصعداء، ويقول بحسرات : أَيْنَ عِبادَتي مِنْ عِبَادَةِ جَدِّي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ».

لقد كان يحمل في سريرته روح جده الإمام أمير المؤمنين، وسيد العارفين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فسار على منهاجه، واقتدى به في جميع مناحي سلوكه، ونتحدث عن بعض مظاهر هذه الناحية من حياته.

سيرته (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بيته

كان الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أرأف الناس وأبرهم وأرحمهم بأهل بيته، وكان لا يتميّز عليهم، بل كان كأحدهم، وأثر عنه أنه قال : «لانْ أَدْخُلَ السَوقَ وَمَعى دَرَاهِمُ أَبْنَاعُ لِعِيالي لَحْماً، وَقَدْ قَرِموا (2)أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتِقَ نَسَمَةً» (3).


1) بحار الأنوار: 46: 66.

2) قرموا : أي اشتد شوقهم إلى اللحم.

3) الكافي : 4 : 12، الحديث 10. بحار الأنوار: 46 : 66.

وكان يبكّر في خروجه صبحاً لطلب الرزق لعياله، فقيل له : أين تذهب ؟

فقال : أَتَصَدَّقُ لِعيالي مِنْ طَلَبِ الْحَلالِ، فَإِنَّهُ مِنَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ صَدَقَةٌ عَلَيْهِم» (1).

وكان يعين أهله في حوائجهم البيتية، ولا يأمر أحداً منهم فيما يرجع إلى أي شأن من شؤونه الخاصة، كما كان يتولى بنفسه خدمة نفسه، خصوصاً فيما يرجع إلى شؤون عبادته، فإنّه لم يك يستعين أو يعهد بها إلى أحد في قضائها.

لقد سار الإمام في بيته سيرة لم ير الناس مثلها، فقد تمثلت فيها الرحمة والتعاون والرأفة ونكران الذات.

برّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمربّيته

إشارة:

وبعد أن كبر الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) علم بموت أمه، وأدرك أن ما أسدته إليه هذه المربية الصالحة من ألوان البر والإحسان، إنّما كان خدمة له وتقرباً إلى اللّه، فقابل (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذلك المعروف بكلّ ما تمكن عليه من أنواع الإحسان، وقد بلغ من جميل بره بها أنه امتنع أن يواكلها فلامه الناس، وأخذوا يسألونه بإلحاج قائلين : أنت أبرّ الناس. وأوصلهم رحماً فلماذا لا تؤاكل أمّك ؟ فأجابهم جواب من لم تشهد الدنيا مثل أدبه وكماله قائلاً: أَخْشى أَنْ تَسْبِقَ يَدي إلى ما سَبَقَتْ عَيْنُها إِلَيْها فأكون قد عققتها (2).

أيّة إنسانيّة تضارع هذه الإنسانية، وأي نفس ملائكيّة هذه النفس ؟ وحسبه أنّه ابن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي ملأ الدنيا بشرفه وكماله.

رواية موضوعة

ذكر ابن كثير رواية لا أساس لها من الصحّة، فقد روى أن الإمام زين العابدين زوّج


1) بحار الأنوار: 46: 67.

2) شذرات الذهب : 1 : 105. الكامل / المبرد : 1 : 302. عيون الأخبار / ابن قتيبة : 3 : 97.

أمّه من مولى له، وأعتق أمة فتزوجها، فأرسل إليه عبد الملك يلومه في ذلك، فكتب إليه : «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللّه وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللّه كَثِيراً» (1).

وقد أعتق صفيّة فتزوجها، وزوّج مولاه زيد بن حارثة من بنت عمه زينب بنت جحش (2).

أمّا صدر الرواية دون ذيلها فهو مفتعل، والذي يدلل عليه ما يلي :

أوّلاً : إنّ السيّدة أمّ الإمام توفيت في نفاسها، وقد ذكر ذلك جمهور المؤرّخين والرواة، وقد ألمحنا فيما تقدّم إلى مصادر ذلك في هامش الكتاب.

ثانياً : إنّ الإمام أبا الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) صرح بذلك في حديثه مع سهل بن القاسم النوشجاني، فقد قال له : «إِنَّها - أي أمّ الإمام عليّ بن الحسين - ماتَتْ في نِفاسِها فَكَفَلَهُ بَعْضُ أُمَّهَاتِ وَلَدِ أَبيهِ، فَسَمّاها النّاسُ أُمَّهُ، وَإِنَّما هِيَ مَوْلاتُهُ، وَزَعَمُوا أَنَّهُ زَوَّجَ أمَّهُ، وَمَعَاذَ اللّه ذلِكَ، وَإِنَّما زَوْجَ هذِهِ».

قال سهل : ولم يبق طالب بخراسان إلا كتب هذه عن الرضا (3).

إنّ مصدر هذه الرواية لا أساس له من الصحّة مطلقاً، وأما عتق الإمام لبعض مملوكاته وزواجه بها، فأمر يتفق مع روح الإسلام وهديه، ولا مانع منه.

مع أبويه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)

إشارة:

كان الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)مّ من أبر الناس بأبيه ومربيته، فقد خفض لهما جناح


1) الأحزاب 33: 21.

2) البداية والنهاية : 9 : 108.

3) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 281.

المودّة والرحمة، ولم تبق مبرّة ولا خدمة إلا قدّمها لهما.

وبلغ من عظيم برّه لأبيه أنّه طلب من عمّته زينب بطلة كربلاء في يوم الطف أن تزوده بالعصا ليتوكّأ عليها، والسيف ليذبّ به عن أبيه في حين أنّ المرض قد فتك به فلم يتمكّن أن يخطو خطوة واحدة على الأرض، إلّا أنّ عمّته صدّته عن ذلك لئلّا تنقطع ذرّيَّة النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، و أي مبرة مثل هذه المبرة ؟

ومن خدماته لأبيه أنه قام بعد شهادته بتسديد ما عليه من الديون الضخمة التي كان قد أنفقها على البؤساء والمحرومين، ومن مبراته لأبويه دعاؤه لهما.

دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأبويه

أمّا دعاء الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الأبويه فهو من ألمع القواعد في التربية الإسلاميّة الهادفة إلى إصلاح الأسرة وسعادتها، وشيوع المحبة والاحترام بين أفرادها. ومن الطبيعي أنّ الأسرة إذا صلحت الأسرة إذا صلحت صلح المجتمع بأسره، وإذا فسدت فسد المجتمع كذلك، لأنّها الخلية الأولى في بناء المجتمع وتكوينه، وفيما يلي نص هذه اللوحة الذهبيّة من دعائه:

«اللّهمّ صَلَّ عَلَى محمّد عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرينَ، وَاخْصُصْهُمْ بِأَفْضَلِ صَلَواتِكَ وَرَحْمَتِكَ، وَبَرَكاتِكَ وَسَلامِك.

وَاخْصُصِ اللّهمّ والِدَيَّ بِالْكَرامَةِ لَدَيْكَ، وَالصَّلاةِ مِنْكَ يا أَرْحَمَ الرّاحِمينَ.

اللّهمّ صَلِّ عَلَى محمّد وَآلِهِ، وَأَلْهِمْني عِلْمَ مَا يَجِبُ لَهُمَا عَلَيَّ إِلْهَاماً، وَاجْمَعْ لي عِلْمَ ذَلِكَ كُلِّهِ تَماماً، ثُمَّ اسْتَعْمِلْنِي بِمَا تُلْهِمُني مِنْهُ، وَوَفَّقْني

لِلنُّفُوذِ فيما تُبَصِّرُني مِنْ عِلْمِهِ، حتّى لَا يَفُوتَنِي اسْتِعْمَالُ شَيْءٍ عَلَّمْتَنِيهِ، وَلَا تَثْقُلَ أَرْكَانِيَ (1)عَن الْحُفُوفِ (2)فيما أَلْهَمْتَنِيهِ.

ومثّلت هذه الكلمات المشرقة سموّ آداب الإمام ومعالي أخلاقه، ومدى احترامه لأبويه، فقد دعا لهما اللّه أن يخصهما بالفضل والكرامة لديه، وأن يلهمه تعالى ما يجب لهما من الحقوق ليقوم بأدائها، وأن لا يثقله عن أدائها. ولنستمع إلى قطعة أخرى من دعائه لهما :

اللّهمّ صَلِّ عَلَى محمّد وَآلِهِ كَما شَرَّفْتَنا بِهِ، وَصَلِّ عَلَى محمّد وَآلِهِ كَما أَوْجَبْتَ لَنَا الْحَقَّ عَلَى الْخَلْقِ بَسَبَبِهِ.

اللّهمّ اجْعَلْنى أَهابُهُما هَيْبَةَ السُّلْطانِ الْعَسُوفِ، وَأَبَرُّهُما بِرَّ الأُمّ الرَّؤُوفِ، وَاجْعَلْ طَاعَتِي لِوالِدَيَّ، وَبِرَيَ بِهِما أَقَرَّ لِعَيْنِي مِنْ رَقْدَةِ الْوَسْنانِ (3)، وَأَثْلَجَ لِصَدْرِي مِنْ شَرْبَةِ الظَّمْانِ، حتّى أُوثِرَ عَلى هَوايَ هَوَاهُما، وَأَقَدِّمَ عَلى رِضايَ رِضَاهُما، وَأَسْتَكْثِرَ بِرَّهُما بِي وَإِنْ قَلَّ، وَأَسْتَقِلْ بِرَى بِهِما وَإِنْ كَثُرَه.

وليس في دنيا البر والإحسان للأبوين مثل ما ذكره الإمام في هذه الفقرات لأبويه، فقد سأل من اللّه تعالى أن يمنحه المزيد من الهيبة لهما ليطيعهما ولا يخالفهما، وأن يبرهما برّ الأمّ الرؤوف لولدها، وأن يؤثر هواهما على هواه، ويقدّم رضاهما


1) أركاني : أي أعضائي وجوارحي.

2) الحفوف : الإحاطة والشمول.

3) الوسنان : الشديد النعاس الذي تتوق نفسه إلى النوم.

على رضاه، وأن يشكر ما أسدياه إليه من البر والإحسان، وأن يستقلّ برّه لهما.

ومن الطبيعي أنّ مثل هذه الآداب من الأبناء تجاه آبائهم ممّا ينسيهم متاعب الحياة وآلام الشيخوخة، كما توجب سعادة الأسرة، وازدهار الحياة الاجتماعيّة، ونعود إلى مواصلة ذكر الفقرات المشرقة من دعاء الإمام لأبويه.

اللّهمّ خَفَّضْ لَهُما صَوْتي، وَأَطِبْ لَهُما كَلامي، وَأَلِنْ لَهُما عَرِيكَتي، وَأَعْطِفْ عَلَيْهِما قَلْبِي، وَصَيَّرْنِي بِهِما رَفِيقاً، وَعَلَيْهِما شَفيقاً.

اللّهمّ اشْكُرْ لَهُما تَرْبِيَتي، وَأَشِبْهُما عَلَى تَكْرِمَتِي، وَاحْفَظْ لَهُما ما حَفِظَاهُ مِنّى فِي صِغَري.

اللّهمّ وَما مَسَّهُما مِنّي مِنْ أَذىً، أَوْ خَلَصَ إِلَيْهِمَا عَنِّي مِنْ مَكْرُوهِ، أَوْ ضاعَ قِبَلي لَهُما مِنْ حَقٌّ، فَاجْعَلْهُ حِطَّةٌ لِذُنُوبِهِما، وَعُلُوّاً في دَرَجَاتِهِما، وَزِيادَةً في حَسَناتِهِما، يا مُبَدِّلَ السَّيِّئاتِ بِأَضْعافِها مِنَ الْحَسَناتِ.

ومثلت هذه القطعة آداب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وسموّ تربيتهم، فقد أضاف الإمام فيها إلى ما ذكره سابقاً من حقوق الأبوين حقوقاً أخرى، وهي :

1 - أن يخفض الولد صوته أمام أبويه، ولا يعلو به عليهما.

2 - أن يطيّب لهما عريكته، ولا يقابلهما بالشدّة والقسوة.

3 - أن يملأ قلبه عطفاً وحناناً ومودّة لهما.

4 - الدعاء لهما بالمغفرة والرضوان على ما أسدياه إليه من المعروف واللطف أيّام صغره عندما كان في أمسّ الحاجة إلى رعايتهما وتربيتهما

5 -الطلب من اللّه أن يكتب لهما المزيد من الأجر على ما مسهما من الأذى، وخلص إليهما من المكروه أو التقصير في أداء حقوقهما من قبله، وليس في عالم

التربية المثالية مثل هذه الآداب التي يسمو بها الإنسان وتزدهر بها حياته، ولنستمع إلى قطعة أخرى من كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) :

اللّهمّ وَما تَعَدَّيا عَلَيَّ فِيهِ مِنْ قَوْلٍ، أَوْ أَسْرَها عَلَيَّ فِيهِ مِنْ فِعْلٍ، أَوْ ضَيَّعَاهُ لِي مِنْ حَقٌّ، أَوْ قَصَّرا بي عَنْهُ مِنْ واجِبٍ، فَقَدْ وَهَبْتُهُ لَهُما، وَجُدْتُ بِهِ عَلَيْهِما، وَرَغِبْتُ إِلَيْكَ في وَضْع تَبِعَتِهِ عَنْهُما، فَإِنِّي لَا أَتّهِمُهُما عَلَى نَفْسِي، وَلَا أَسْتَبْطِئُهُما فِي بِرِّي، وَلَا أَكْرَهُ ما تَوَلَّياهُ مِنْ أَمْرِي يا رَبِّ. فَهُما أَوْجَبْ حَقّاً عَلَيَّ، وَأَقْدَمُ إِحْساناً إِلَيَّ، وَأَعْظَمُ مِنَّةً لَدَيَّ مِنْ أَنْ أُفَاصَّهُما بِعَدْلٍ، أَوْ أُجَازِيَهُما عَلَىٰ مِثْلٍ.

أَيْنَ إِذاً يا إلهي طُولُ شُغْلِهِما بِتَرْبِيَتِي، وَأَيْنَ شِدَّةً تَعَبِهِما في حراستي، وَأَيْنَ إِقْتارُهُما عَلَى أَنْفُسِهِما لِلتَّوْسِعَةِ عَلَيَّ.

هَيْهاتَ مَا يَسْتَوفِيانِ مِنّي حَقَّهُما، وَلَا أُدْرِلُ ما يَجِبُ عَلَيَّ لَهُما، وَلَا أَنَا بِقاضٍ وَظيفَةَ خِدْمَتِهما.

فَصَلِّ عَلَى محمّد وَآلِهِ، وَأَعِنِّي يَا خَيْرَ مَنِ اسْتُعينَ بِهِ، وَوَفِّقْنِي يا أَهْدَى مَنْ رُغِبَ إِلَيْهِ، وَلَا تَجْعَلْني فِي أَهْلِ الْعُقُوقِ لِلْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ يَوْمَ تُجْزَى كلّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (1).

إنّ هذه التربية العلوية إنّما هي نفحة من روح اللّه لتكون مناراً إلى الأمم والشعوب


1) إشارة إلى قوله تعالى : «وَلِتُجْزَى كلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ» الجانية 45 : 22.

لترفع من قيمة الإنسان، وتسمو به إلى عالم الملكوت، لقد عرض هذا الإمام المربّي إلى أن الواجب يحتّم على الأبناء أن يسامحوا آباءهم على ما يصدر منهم من تعدَّ عليهم في القول، أو إسراف في الفعل، أو تقصير في واجب، عليهم أن يهبوا كلّ ذلك لهم مكافأة لهم، ومجازاة لتربيتهم وعنايتهم ونعمتهم التي لا يؤدي الولد البار مهما عمل من خدمة بعض ما يجب عليه من البر والإحسان لأبيه. ولنستمع إلى القطعة الأخيرة من دعاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ):

اللّهمّ صَلِّ عَلى محمّد وَآلِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، وَاخْصُصْ أَبَوَيَّ بِأَفْضَلِ ما خَصَصْتَ بِهِ آبَاءَ عِبادِكَ الْمُؤْمِنِينَ وأُمَّهَاتِهِمْ، يَا أَرْحَمَ الرّاحِمينَ.

اللّهمّ لَا تُنْسِني ذِكْرَهُما فِي أَدْبَارِ صَلَواتِي، وَفِي إِني مِنْ أَناءِ لَيْلي، وَفِي كلّ ساعَةٍ مِنْ ساعَاتِ نَهَارِي.

اللّهمّ صَلِّ عَلَى محمّد وَآلِهِ، وَاغْفِرْ لِي بِدُعَائِي لَهُمَا، وَاغْفِرْ لَهُما بِرَّهِما بِي مَغْفِرَةً حَتْماً، وَارْضَ عَنْهُما بِشَفاعَتِي لَهُما رِضىً عَزْماً، وَبَلِّغْهُما بِالْكَرَامَةِ مَواطِنَ السَّلامَةِ.

اللّهمّ وَإِنْ سَبَقَتْ مَغْفِرَتُكَ لَهُما فَشَفّعْهُما فِيَّ، وَإِنْ سَبَقَتْ مَغْفِرَتُكَ لي فَشَفَعْني فيهما، حتّى نَجْتَمَعَ بِرَأْفَتِكَ في دارِ كَرامَتِكَ، وَمَحَلِّ مَغْفِرَتِكَ وَرَحْمَتِكَ، إِنَّكَ ذُو الْفَضْلِ الْعَظيم، وَالْمَنَّ الْقَديم، وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمينَ» (1).

إنّ الإنسانية إنّما تسمو وتتميّز بهذه الأخلاق العلويّة الهادفة إلى خلق مجتمع


1) الصحيفة السجّاديّة : الدعاء الرابع والعشرون.

متكامل واحد تسوده المحبّة والألفة والاحترام المتبادل، خصوصاً في عالم الأسرة التي ينطلق منها تهذيب الفرد وبناء شخصيته.

لقد دعا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأبويه في هذه الفقرات الأخيرة طالباً من اللّه أن يتفضّل عليهما بالمغفرة والرضوان، وأن يغفر له ببركة دعائه لهما، وأن يغفر لهما ببرهما له، فأيّ مودة ورحمة للأبوين مثل هذه المودّة والرحمة ؟

مع أبنائه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

أما سلوك الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع أبنائه، فقد تميز بالتربية الإسلاميّة الرفيعة لهم، فغرس في نفوسهم نزعاته الخيّرة، واتجاهاته الإصلاحية العظيمة، وقد صاروا بحكم تربيته لهم من ألمع رجال الفكر والعلم والنضال في الإسلام، فكان ولده الإمام محمّد الباقر الا من أشهر أئمة المسلمين، ومن أكثرهم عطاءاً للعلم، وهو صاحب المدرسة الفقهيّة الكبرى التي تخرّج منها كبار الفقهاء والعلماء أمثال أبان بن تغلب وزرارة بن أعين وغيرهما، ممّن أضاء وا الحياة الفكريّة في الإسلام.

وأمّا ولده عبد اللّه الباهر، فقد كان من أبرز علماء المسلمين في فضله، وسموّ منزلته العلميّة، وقد روى عن أبيه علوماً شتّى، وكتب الناس عنه ذلك (1).

أمّا ولده زيد، فقد كان من أجل علماء المسلمين، وقد تخصص في علوم كثيرة كعلم الفقه والحديث والتفسير وعلم الكلام،وغيرها، وهو الذي تبنّى حقوق المظلومين والمضطهدين، وقاد سيرتهم النضالية في ثورته الخالدة التي نشرت الوعي السياسي في المجتمع الإسلامي، وساهمت مساهمة إيجابيّة وفعالة في الإطاحة بالحكم الأموي.

وعلى أي حال، فإنا نعرض بإيجاز إلى بعض مناحي سلوك الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع أبنائه.


1) غاية الاختصار : 106.

وصإيّاه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأبنائه

وزوّد الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أبناءه ببعض الوصايا التربوية التي هي خلاصة تجاربه في هذه الحياة لتكون منهجاً يسيرون عليه، وفيما يلي بعض وصإيّاه :

1 - أوصى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعض أبنائه بهذه الوصيّة القيمة التي ألقت الأضواء على اللّها الأصدقاء والأصحاب، وألزمت الاجتناب عمّن يتصف منهم بالنزعات الشريرة خوفاً من سريان العدوى والتلوّث إلى من يصادقهم، وهذا نص وصيّته : «يا بُنَيَّ، انظُرْ خَمْسَةٌ فَلاَ تُصَاحِبُهُمْ، وَلا تُخالِطهُمْ، وَلا تُرافِقُهُمْ فى طَريقِ.

فقال : يا أَبَةِ، مَنْ هُمْ؟

قال : إيّاك وَمُصاحَبَةَ الْعَذَابِ، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ السَّرابِ يُقَرِّبُ لَكَ الْبَعيدَ، وَيُبَعدُ لَكَ الْقَرِيبَ.

وَإيّاك وَمُصاحَبَةَ الْفَاسِقِ، فَإِنَّهُ بايعك بأكْلَةٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذلِك.

وَإيّاك وَمُصاحَبَةَ الْبَحْيِلِ، فَإِنَّهُ يَخْذُلُكَ فِي مَالِهِ وَأَنْتَ أَحْوَجَ مَا تَكُونُ إِلَيْهِ.

وَإيّاك وَمُصاحَبَةَ الْأَحْمَقِ، فَإِنَّهُ يُريدُ أَنْ يَنْفَعَكَ فَيَضُرَّكَ.

وَإيّاك وَمُصاحَبَةَ الْقاطِع لِرَحِمِهِ، فَإِنِّي وَجَدْتُهُ مَلْعوناً فِي كِتَابِ اللّه تَعَالَى فِي ثَلَاثِ مواضيع» (1).

إنّ مزاملة هذه الأصناف تجرّ الويل والخسران، وتعود بالأضرار البالغة على من يصادقهم، وما أكثر هذه الأصناف في المجتمع قديماً وحديثاً، وما أندر الأذكياء والأصفياء الذين يُنتفع بمصاحبتهم.


1) تحف العقول: 279. البداية والنهاية : 9: 105. الوافي : 3 : 105. الكافي : 2 : 376 و 377.

2 - ومن جملة وصإيّاه الرفيعة لأبنائه هذه الوصيّة الحافلة بالنصائح الجليلة، وهذا نصّها :

«يا بُنَيَّ، اصْبِرْ عَلَى النَّائِبَةِ، وَلَا تَتَعَرَّضُ لِلْحُقُوقِ، وَلَا تُجِبْ أَخَاكَ إِلى شَيْءٍ مَضَرَّتُهُ عَلَيْكَ أَعْظَمُ مِنْ مَنْفَعَتِهِ لَكَ...» (1).

لقد أوصى الإمام الحكيم ولده بالصبر على النوائب، والأحداث التي تداهمه، وعدم الانهيار أمامها، فإنّ ذلك ممّا يؤدّي إلى تماسك الشخصية وصلابتها، كما أوصى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعدم التعرّض والتعدي على حقوق الناس، فإنّ ذلك أضمن لسلامة الشخص من الاعتداء عليه ومقابلته بالمثل، كما أوصاه بعدم إجابة الصديق إلى أمر يعود عليه بالضرر والخسران.

3 - ومن وصإيّاه لبعض أولاده هذه الوصية الرائعة، وهي : «يا بُنَيَّ، إِنَّ اللّه لَمْ يَرْضَكَ لِي فَأَوْصَاكَ بِي، وَرَضِيَنِي لَكَ فَحَذَرَنِي مِنْكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ خَيْرَ الآباءِ لِلْأَبْنَاءِ مَنْ لَمْ تَدْعُهُ المودّة إِلَى التَّفْريطِ فِيهِ، وَخَيْرَ الْأَبْناءِ لِلْآباءِ مَنْ لَمْ يَدْعُهُ التَّفْصِيرُ إِلَى الْعُقُوقِ لَهُ...» (2).

وحفلت هذه الوصية بالنقاط التالية :

•

إن الأبناء لا يكنون في أعماق نفوسهم لآبائهم من المودّة والعطف مثل ما يكنّه الآباء لهم، ولذلك أكد تعالى في غير آية من كتابه المجيد بلزوم رعايتهم وطاعتهم.

•

إنّ اللّه تعالى حذّر الآباء من أبنائهم من مصادر الفتنة والشقاء لهم.

•

إنّ التربية الناجحة للأبناء هي أن لا يفرّط الآباء بالمودّة والحنان لهم،


1) البيان والتبيين : 2 : 76. العقد الفريد : 3 : 88.

2) العقد الفريد : 3 : 89.

فإنّ ذلك ممّا يؤدّي إلى ضعف شخصيّة الطفل، وعدم استطاعته الصمود أمام الأحداث، وقد أكد هذه الظاهرة علماء التربية والنفس.

• إن أفضل الأبناء هم الذين يقومون بخدمة آبائهم والإحسان إليهم، وبذلك يخرجون من حدود التقصير والعقوق لهم.

4 - ومن وصإيّاه القيمة هذه الوصيّة التي خص بها ولده الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد حذّره فيها من مصاحبة الأحمق، وقد جاء فيها :

«يا بني، إيّاك مِنْ مُصاحَبَةِ الْأَحْمَقِ أَوْ تُخالِطَهُ، وَاهْجُرْهُ، وَلَا تُحادِثُهُ، فَإِنَّ الْأَحْمَقَ هَجنَةٌ عَيَابٌ، غائِباً كانَ أَوْ حاضراً، إِنْ تَكَلَّمَ فَضَحَهُ حُمْقُهُ، وَإِنْ سَكَتَ قَصُرَ بِهِ عِيُّهُ، وَإِنْ عَمِلَ أَفْسَدَ، وَإِنِ اسْتَرْعِيَ أَضَاعَ، لَا عِلْمُهُ مِنْ نَفْسِهِ يُغْنِيهِ، وَلَا عِلْمُ غَيْرِهِ يَنْفَعُهُ، وَلَا يُطيعُ ناصِحَهُ، وَلَا يَسْتَريحُ مُقارِنُهُ، تَوَدُّ اُمُّهُ أَنَّها ثَكَلَتْهُ، وَامْرَأَتُهُ أَنَّها فَقَدَتْهُ، وَجارُهُ بُعْدَ دَارِهِ، وَجَليسُهُ الْوَحْدَةَ مِنْ مُجالَسَتِهِ، إِنْ كانَ أَصْغَرَ مَنْ فِي الْمَجْلِسِ أَعْنى مَنْ فَوْقَهُ، وَإِنْ كَانَ أَكْبَرَهُمْ أَفْسَدَ مَنْ دونَهُ» (1).

لقد عرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى لزوم الابتعاد عن الأحمق، وذلك لما في الاتصال به من المضاعفات السيئة التي تجرّ الويل والعطب، وقد أدلى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعيوب الأحمق ونقائصه.

5 - ومن وصإيّاه الرائعة التي نصح بها أبناءه هذه الوصية :

«جالسوا أَهْلَ الدِّينِ وَالْمَعْرِفَةِ، فَإِن لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَالْوَحْدَةُ آنَسُ وَأَسْلَمُ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا مُجالَسَةَ النَّاسِ فَجالِسوا أَهْلَ الْمُرُوَاتِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَؤْمِنُونَ فِي مَجالِسِهِمْ» (2).

هذه بعض وصإيّاه التربوية لأبنائه، وقد وضع فيها المناهج السليمة لسلوكهم


1) وسائل الشيعة : 5 : 421.

2) بحار الأنوا 71: 96، الحدیث 27.

ومسيرتهم في هذه الحياة.

دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأبنائه

أمّا دعاء الإمام لأبنائه فهو في منتهى الروعة والجلال، فقد حكى سلوكه النير معهم، وما يتمناه لهم من سموّ الآداب، ومكارم الأخلاق، ولنستمع ونصغي إليه، فإنّه من أسمى الثروات في التربية الإسلاميّة :

«اللّهمّ وَمُنَّ عَلَيَّ بِبَقاءِ وُلدي، وَبِإِصْلاحِهِمْ لِي، وَبِإِمتاعي بِهِمْ إِلهي امْدُدْ لي في أَعْمَارِهِمْ، وَزِدْ لي في آجالِهِمْ، وَرَبِّ لي صَغِيرَهُمْ، وَقَولي ضَعيفَهُمْ، وَأَصِحٌ لي أَبْدانَهُمْ وَأَدْيانَهُمْ، وَأَخْلاقَهُمْ، وَعَافِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَفي جَوارِحِهِمْ، وَفِي كلّ ما عُنِيتُ بِهِ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَأَدْرِرْ لي وَعَلَىٰ يَدَيَّ أَرْزاقَهُمْ، وَاجْعَلْهُمْ أَبْرَاراً أَنْقِياءَ، بَصَراءَ سامِعِينَ مُطيعينَ لَكَ، وَلأَوْليائِكَ مُحِبَينَ مُناصِحِينَ، وَلِجَميعِ أَعْدائِكَ مُعَانِدِينَ وَمُبْغِضِينَ، آمين.

ومثلت هذه الفقرات مدى روحانية الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سلوكه لتربية أبنائه، فقد قامت تربيته لهم على الإصلاح الشامل، والتهذيب المطلق، فقد دعا لهم بما يلي :

1 - أن يمنّ اللّه عليهم بالبقاء والإصلاح ليكونوا قرّة عين له.

2 - أن ينعم اللّه عليهم بالصحّة الشاملة لأبدانهم وأديانهم وأخلاقهم.

3 - أن يعافي اللّه نفوسهم وأرواحهم، وذلك بتطهيرها من الرذائل والآثام.

4 - أن يمنحهم تعالى العافية في جوارحهم لئلا يصابوا بعاهة في أجسامهم ممّا تشلّ فعّاليّاتهم.

5 - أن يوسّع اللّه عليه وعليهم في أرزاقهم، ولا يذيقهم مرارة الفقر، فإنّه من أفجع الكوارث وأفتكها.

6 - أن يهديهم تعالى إلى مرضاته فيجعلهم ممّن يسارعون إلى الخيرات ويأمره يعملون.

7 - أن يحبّب لهم تعالى أولياءه، ويبغّض لهم أعداءه.

وهذا العطف ممّا يوجب تماسك الأسرة وانسجامها، وإذا تربّى الولد على هذا الانموذج من الخلق الرفيع كان قرّة عين لأبيه. ولنستمع إلى قطعة أخرى من هذا الدعاء الشريف :

اللّهمّ اشْدُدْ بِهِمْ عَضُدِي، وَأَقِمْ بِهِمْ أَوَدي، وَكَذَّرْ بِهِمْ عَدَدِي، وَزَيَّنْ بِهِمْ مَحْضَرِي، وَأَحْيِ بِهِمْ ذِكْرِي، وَاكْفِنِي بِهِمْ فِي غَيْبَتِي، وَأَعِنِّي بِهِمْ عَلَى حَاجَتي، وَاجْعَا لي مُحِبّينَ، وَعَلَيَّ حَدِبِينَ مُقْبِلِينَ، مُسْتَقِيمينَ لي، مُطيعينَ غَيْرَ عَاصِينَ وَلَا عَاقِّينَ، وَلَا مُخالِفِينَ وَلَا خَاطِئِينَ.

وَأَعِنِّي عَلى تَرْبِيَتِهِمْ وَتَأْديبِهِمْ وَبِرَّهِمْ، وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ مَعَهُمْ أَوْلاداً ذُكُوراً، وَاجْعَلْ ذَلِكَ خَيْراً لي، وَاجَعَلْهُمْ لي عَوْناً عَلَى ما سَأَلْتُكَ.

وَأَعِذْنِي وَذُرِّيَّتِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ، فَإِنَّكَ خَلَقْتَنا وَأَمَرْتَنَا وَنَهَيْتَنَا، وَرَغَبْتَنا في ثَوابِ ما أَمَرْتَنا، وَرَهَّبْتَنا عِقابَهُ، وَجَعَلْتَ لَنا عَدُوّاً يَكيدُنا، سَلَّطْتَهُ مِنَا عَلى ما لَمْ تُسَلِّطْنَا عَلَيْهِ مِنْهُ، أَسْكَنْتَهُ صُدُورَنا، وَأَجْرَيْتَهُ مَجارِيَ دِمَائِنَا، لَا يَغْفُلُ إِنْ غَفَلْنَا، وَلَا يَنْسى إِنْ نَسِينَا، يُؤْمِنُنا عِقابَكَ،

وَيُخَوِّفُنَا بِغَيْرِكَ، إِنْ هَمَمْنا بِفَاحِشَةٍ شَجَّعَنا عَلَيْها، وَإِنْ هَمَمْنا بِعَمَلٍ صالِحٍ ثَبَّطَنَا عَنْهُ، يَتَعَرَّضُ لَنَا بِالشَّهَواتِ، وَيَنْصِبُ لَنا بِالشُّبُهَاتِ، إِنْ وَعَدَنَا كَذَبَنَا، وَإِنْ مَنَانَا أَخْلَفَنا، وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنَّا كَيْدَهُ يُضِلُّنا، وَإِلَّا تَقِنا خَبالَهُ يَسْتَزِلْنا.

اللّهمّ فَاقْهَرْ سُلْطَانَهُ عَنَا بِسُلْطانِكَ، حتّى تَحْبِسَهُ عَنّا بِكَثْرَةِ الدُّعاءِ لَكَ، فَتُصْبِحَ مِنْ كَيْدِهِ فِي الْمَعْصُومِينَ بِكَ.

واحتوت هذه الفقرات الرائعة على أمرين، وهما :

أولاً: إنّ الإمام سأل اللّه تعالى أن يحقّق له ما يرجوه ويأمله في أولاده الأزكياء، وكان ممّا يرجوه منهم ما يلي :

1 - أن يشدّ بهم عضده، ويقوّيه بهم، فإنّ الولد الصالح قوّة للأب.

2 - أن يقيم بهم ما اعوجّ وأشكل عليه من أموره.

3 - أن يكثر بهم عدده، فيكونوا أسرة ذات عدد كبير ملحوظين أمام المجتمع.

4 - أن يزيّن بهم محضره ومجلسه، وذلك بسموّ آدابهم ومعالي أخلاقهم.

5 - أن يكفيه بهم في حال غيابه، وذلك بقيامهم في مهماته

6 - أن يعينوه على حوائجه، ولا يتركوه وحده.

7 - أن يمنحهم تعالى حبّ أبيهم والعطف عليه ليطيعوا أوامره، ويجتنبوا معاصيه، وما لا يرضيه.

إنّ الأبناء إذا كانوا بهذه الصفة من الصلاح والإخلاص لآبائهم، فإنّ جلّ متاعب الدنيا تزول وينعمون بهم في حال شيخوختهم التي هي مركز الضعف.

ثانياً : إنّ الإمام أعاذ نفسه وذريته باللّه تعالى من شرّ الشيطان الرجيم الذي هو العدوّ الأوّل للإنسان الذي يلقيه في متاهات سحيقة من المعاصي والآثام، وقد عرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى سلطة الشيطان على الإنسان، وهيمنته عليه، فقد سكن في أعماق النفوس، ونفذ إلى جميع خلايانا، وذكر أموراً أخرى، والتي منها ما يلي :

1 - إنّ الشيطان يغري الإنسان باقتراف المعاصي، ويسهّل عليه عقاب اللّه الذي أعدّه للعصاة من عباده، كما يخوّف الإنسان بغير اللّه تعالى فيجعله يخاف ويخشى منه أكثر ممّا يخشى ويخاف من اللّه.

2 - إنّ الإنسان إذا هم بمعصية شجّعه الشيطان عليها، ودفعه لها حتّى يوقعه بها.

3 - إنّ الإنسان إذا هم بعمل الخير، وبما يقربه إلى اللّه زلفى تبطه عنه الشيطان وجعله يتكاسل عنه حتّى يصرفه عنه

4 - إنّ الشيطان يغري الإنسان بالشهوات، ويزينها له حتّى ينقاد لها.

5 - إنّ الشيطان يلقي في قلب الإنسان الأوهام والشبهات التي توجب بُعد الإنسان عن ربّه.

وعرض الإمام بعد ذلك إلى أنّ جميع أماني الشيطان للإنسان كذب وخداع، ولا حقيقة ولا واقع لها، ثمّ سأل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يصرف عن المؤمنين كيد الشيطان ومكره حتّى لا يقعوا في حباله. ولنستمع بعد هذا إلى القطعة الأخيرة من هذا الدعاء الشريف :

اللّهمّ أَعْطِني كلّ سُؤْلي، وَاقْضِ لي حَوائِجي، وَلَا تَمْنَعْنِي الْإِجابَةَ وَقَدْ ضَمِنْتَها لي، وَلَا تَحْجُبْ دُعائي عَنْكَ وَقَدْ أَمَرْتَني بِهِ، وَامْنُنْ عَلَيَّ بكلّ ما يُصْلِحُني في دُنْيايَ وَآخِرَتي، ما ذَكَرْتُ مِنْهُ وَمَا نَسِيتُ،

أَوْ أَظْهَرْتُ أَوْ أَخْفَيْتُ، أَوْ أَعْلَنْتُ أَوْ أَسْرَرْتُ.

وَاجْعَلْني فِي جَمِيعِ ذَلِكَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ بِسُؤالي إيّاك، الْمُنْجِحِينَ بِالطَّلَبِ إِلَيْكَ، غَيْرِ الْمَمْنوعِينَ بِالتَّوَكَّلِ عَلَيْكَ، الْمُعَوَّذينَ بِالتَّعَوُّذِ بِكَ، الرّابحينَ في النّجارَةِ عَلَيْكَ الْمُجارِينَ (1)بِعِزَّكَ، الْمُوَسَّع عَلَيْهِمُ الرِّزْقُ الْحَلالُ مِنْ فَضْلِكَ الْواسِع بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ، الْمُعَزِّينَ مِنَ الذُّلُّ بِك، والْمُجارِينَ مِنَ الظُّلْم بِعَدْلِكَ، وَالْمُعَافَيْنَ مِنَ الْبَلاءِ بِرَحْمَتِكَ، وَالْمُغْنَيْنَ مِنَ الْفَقْرِ بِغِناكَ، والْمَعْصُومِينَ مِنَ الذُّنُوبِ وَالزَّلَلِ وَالْخَطَأُ بِتَقْواكَ، وَالْمُوَفَّفَقِينَ لِلْخَيْرِ وَالرُّشْدِ وَالصَّوابِ بِطَاعَتِكَ، وَالْمُحالِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الذُّنُوبِ بِقُدْرَتِكَ، التَّارِكِينَ لِكُلِّ مَعْصِيَتِكَ، السّاكِنينَ فِي جِوارِكَ.

اللّهمّ أَعْطِنَا جَميعَ ذَلِكَ بِتَوْفِيقِكَ وَرَحْمَتِكَ، وَأَعِذْنَا مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ، وَأَعْطِ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ، مِثْلَ الَّذِي سَأَلْتُكَ لِنَفْسي وَلِوُلْدي، في عاجِلِ الدُّنْيا وَآجِلِ الْآخِرَةِ، إِنَّكَ قَريبٌ مُحِيبٌ، سَمِيعٌ عَلِيمٌ، عَفُوٌّ غَفُورٌ، رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، وَآتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنا عَذابَ النَّارِ» (2).

سلام اللّه عليك يا زين العابدين، لقد أوتيت من الحكمة وفصل الخطاب ما لم يؤته أحد سوى آبائك الذين سنّوا أصول الفصاحة والبلاغة والحكمة في


1) المجارين : أي المحفوظين من الظلم.

2) الصحيفة السجّاديّة : الدعاء الخامس والعشرون.

دنيا العرب والإسلام.

لقد أعرب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه الفقرات عن عظيم إخلاصه وإنابته وطاعته اللّه، وتعلّقه به، وانقطاعه إليه، فقد سأل منه تعالى أن يعطيه جميع ما سأله، ما سأله، وأن يقضي جميع حوائجه، وأن يمن عليه بما يصلحه في أمر آخرته ودنياه، وأن يجعله ممّن يريد الإصلاح فيما يستجيب له من دعائه، وأكثر من التذلل والتملك إلى اللّه الذي بيده ملكوت كلّ شيء.

ثمّ سأل اللّه تعالى أن يعطي جميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات مثل الذي سأل لنفسه ولولده في عاجل الدنيا وآجل الآخرة.

لقد ربّى أبناءه على مثل هذا الهدي الذي يمثل جوهر الإسلام، وواقع الإيمان، فكانوا من أتقى أبناء المسلمين، ومن أكثرهم تحرّجاً في الدين.

مع مماليكه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وسار الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع مماليكه سيرة تتسم بالرفق والعطف والحنان، فكان يعاملهم كأبنائه، ويغدق عليهم برّه ومعروفه وإحسانه، وقد وجدوا في كنفه من الرفق ما لم يجدوا في ظلّ آبائهم، ويقول الرواة : إنّه لم يعاقب أمة ولا عبداً فيما إذا اقترفا ذنباً (1).

وقد كان له مملوك فدعاه مرتين فلم يجبه، وفي الثالثة قال له الإمام برفق ولطف : يا بُنَيَّ، أَمَا سَمِعْتَ صَوْتي ؟

•

بلى.

•

لِمَ لَمْ تُجِبْني ؟

•

أمنت منك.


1) بحار الأنوار : 46 : 103.

فخرج الإمام وراح يحمد اللّه ويقول : الْحَمْدُ للّه الَّذِي جَعَلَ مَمْلوكي يَأْمَنُني ؟ (1).

لقد فرح الإمام لأنه لم يكن قاسياً ولا جباراً، حتّى يخاف منه الناس أو يحذرون.

مع جيرانه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

وكان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أبر الناس بجيرانه، فكان يرعاهم كما يرعى أهله، وكان يعول ضعفاءهم وفقراءهم، ويعود مرضاهم، ويشيّع موتاهم، ولم يترك لوناً من ألوان البرّ إلّا أسداه إليهم، وكان يستقي لضعفاء جيرانه في غلس الليل البهيم، كما روى ذلك الزهرى (2)، وليس في تاريخ الإنسانيّة مثل هذا اللون من البرّ والمعروف.

دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لجيرانه

ولم يكتف الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بما أسداه على جيرانه من أنواع البرّ والإحسان، وإنّما شملهم بدعائه، فكان يدعو لهم بالتوفيق والحسنى والسداد، كان يدعو كما لنفسه وأهل بيته، وكانوا من مهامه، وقد خصهم بدعاء من أدعيته الشريفة، وفيما يلي نصه :

«اللّهمّ صَلِّ عَلى محمّد وَآلِهِ، وَتَوَلَّني فِي جِيرَانِي وَمَوالِيَّ الْعَارِفِينَ بِحَقِّنا، وَالْمُنابِذِينَ لأَعْدَائِنَا بِأَفْضَلِ وَلا يَتِكَ، وَوَفِّقْهُمْ لِإِقَامَةِ سُنَّتِك، وَالْأَخْذِ بِمَحاسِنِ أَدَبِكَ فِي إِزْفاقِ ضَعِيفِهِمْ، وَسَدٌ خَلَّتِهِمْ، وَعِيادَةِ مَريضِهِمْ، وَهِدايَةِ مُسْتَرْشِدِهِمْ، وَمُناصَحَةِ مُسْتَشْيرِهِمْ، وَتَعَهْدِ قَادِمِهِمْ، وَكِثْمَانِ أَسْرارِهِمْ، وَسَتْرِ عَوْرَاتِهِمْ، وَنُصْرَةِ مَظْلُومِهِمْ، وَحُسْنِ مُواساتِهِمْ


1) تاریخ دمشق : 41 : 387.

2) بهجة الأبرار : 45.

بِالْماعُونِ، وَالْعَوْدِ عَلَيْهِمْ بِالْجِدَةِ وَالْإِفْضالِ، وَإِعْطَاءِ مَا يَجِبُ لَهُمْ قَبْلَ السُّؤالِ.

لقد دعا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الدعوات المباركة لجيرانه، وخص دعاءه بالعارفين والمؤمنين بحقّ أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الذين ألزم اللّه مودتهم، وجعلهم النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) سفن النجاة، وأمن العباد، والأدلاء على مرضاة اللّه وطاعته، وكان من بنود هذا الدعاء :

1 - أن يوفّقهم اللّه لإقامة سنّة الإسلام، وإحياء فروضه وتعاليمه

2 - أن يوفّقهم اللّه ويهديهم للأخذ بمحاسن آداب اللّه، وهي :

•

أن يرفقوا بضعفائهم ويعطفوا عليهم.

•

أن يقوموا بسدّ حاجات جيرانهم، ويعينوهم على شؤون هذه الدنيا.

•

أن يعود كلّ فرد منهم مرض عند إخوانه في اللّه

•

أن يهدوا من يطلب الهداية والرشاد.

•

أن يقدموا الرأي الصائب، والنصيحة الكاملة لمن يستشيرهم.

•

أن يتعاهدوا من يقدم من إخوانهم من السفر.

•

إذا أسر بعضهم في سره لأخيه فعليه أن يكتمه ولا يذيعه في الناس.

•

أن يستر بعضهم عورة بعض ولا يبديها؛ لأنّ في نشرها هتكاً له وإسقاطاً لكرامته.

•

أن يقوموا بنصرة المظلوم منهم، ولا يدعوه وحده لأن في ذلك نشراً للظلم وإماتة للعدل.

•

أن يواسي بعضهم بعضاً في الحياة الاقتصادية، فلا يتركوا الضعفاء والفقراء ینهشهم الفقر والبؤس.

•

أن يسعفوا فقراءهم بالمال قبل السؤال لأنّ فيه مذلة على الفقير.

وهذه البنود من أهم المواد في النظام الاجتماعي في الإسلام الذي يهدف إلى جمع الناس على صعيد المحبة والمودّة والألفة، ويقضي على جميع النعرات والفوارق التي توجب فساد الحياة الاجتماعيّة. ولنستمع إلى بقية الدعاء الشريف :

واجْعَلْنِي اللّهمّ أَجْزِي بِالْإِحْسانِ مُسيَئَهُمْ، وَأُعْرِضُ بِالتَّجاوُزِ عَنْ ظالِمِهِمْ، وَأَسْتَعْمِلُ حُسْنَ الظَّنِّ في كافَّتِهِمْ، وَأَتَوَلّى بِالْبِرِّ عامَّتَهُمْ وَأَغْضُّ بَصَرِي عَنْهُمْ عِفَّةً، وَأُلِينُ جانبي لَهُمْ تَواضُعاً، وَأَرِقُّ عَلى أَهْلِ الْبَلاءِ مِنْهُمْ رَحْمَةٌ، وَأَسِرُّ لَهُمْ بِالْغَيْبِ مَوَدَّةً، وَأُحِبُّ بَقاءَ النِّعْمَةِ عِنْدَهُمْ نُصْحاً، وَأُوجِبُ لَهُمْ ما أُوجِبُ لِحامَّتِي (1)، وَأَرْعَىٰ لَهُمْ مَا أَرْعَىٰ لِخَاصَّتي.

اللّهمّ صَلِّ عَلى محمّد وَآلِهِ، وَارْزُقْنِي مِثْلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَاجْعَلْ لي أَوْفَى الْحُظُوظ فِيمَا عِنْدَهُمْ، وَزِدْهُمْ بَصيرَةٌ فِي حَقي، وَمَعْرِفَةٌ بِفَضْلي، حتّى يَسْعَدُوا بِي وَأَسْعَدَ بِهِمْ، آمينَ رَبَّ الْعالَمينَ» (2).

إنّ أهمّ ما يتمناه الإمام في هذه الفقرات أن يسدي إلى جيرانه الأيادي البيضاء، ويقدّم لهم المزيد من الخدمات التي منها :

1 - أن يقابل من أساء إليه بالبرّ والإحسان، ليقتلع بذلك النزعة الشرّيرة من نفس المسيء.

2 - أن يتجاوز عمن ظلمه واعتدى عليه، ولا يقابله بالمثل، وهذه سيرة جدّه رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) اللّه، فقد كان يصفح الصفح الجميل عمن ظلمه


1) الحامة : الأقارب.

2) الصحيفة السجّاديّة : الدعاء السادس والعشرون.

3 - أن يستعمل حسن الظنّ بجيرانه، ولا يظنّ بأحد منهم سوءاً، والظنّ الحسن يجمع الناس على صعيد المحبة والألفة والوفاق.

4 - أن يتولّى بالبرّ والإحسان كافة جيرانه، الضعيف والغني، والعدو والصديق.

5 - أن يلين لهم جانبه تواضعاً، ولا يكون معهم فظا غليظاً.

6 - أن يرقّ قلبه على أهل البلاء منهم فيحسن لهم ويدعو لهم.

7 - أن يسر لهم في أعماق قلبه المودّة والرحمة.

8 - أن يحبّ لهم دوام النعمة.

9 - أن يعاملهم بالإحسان والمعروف كما يعامل أقاربه وأرحامه.

10 - أن يرعاهم بألطافه كما يرعى خاصته

إنّ هذه الأخلاق العلوية تمثل جوهر الإسلام وواقعه، وهي تدعو بصورة إيجابية إلى بناء مجتمع متكامل، متحدٍ بمشاعره، متماسكٍ بعواطفه.

وعلى أي حال، فإنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعدما أعلن هذه العواطف الكريمة تجاه جيرانه تمنّى أن يكنواله مثل ما يكن لهم من المودّة والحبّ، كما سأل من اللّه أن يجعل له عندهم أوفى الحظوظ، وأن يزيدهم بصيرة ومعرفة بفضله، وأن يوفقهم للقيام برعاية حقوقه.

مع جلسائه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

أما سلوك الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع جلسائه، فكان يتميّز بالآداب الرفيعة والخُلق الإسلامي العظيم، فكان يحترم ويكرم كلّ من جلس معه، وقد قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ما جَلَسَ إِلَيَّ أَحَدٌ قَطُّ إِلَّا عَرَفْتُ لَهُ فَضْلَهُ» (1).

وكان يوفّر جلساءه، ويقابلهم بالمزيد من ألطافه، ومعالي أخلاقه، وقد دخل


1) بهجة المجالس وأنس المجالس / يوسف القرطبي : 1: 46.

عليه نصر بن أوس الطائي، فرحب به الإمام، وقال له : ممّن أَنْتَ ؟

•

من طيّ.

•

حَيّاكَ اللّه، وَحَيَا قَوْماً عُزِيْتَ إِلَيْهِمْ نِعْمَ الْحَيُّ حَبُّكَ.

والتفت الطائي إلى الإمام فقال له : من أنت ؟

•

عليّ بن الحسين.

•

أولم يقتل بالعراق مع أبيه ؟

فقابله الإمام ببسمات فيّاضة بالبشر قائلاً: لَوْ قُتِلَ يا بُنِيَّ لَمْ تَرَهُ (1).

ويقول المؤرّخون : «إنّه كان لا يسمح لأحد من جلسائه أن يعتدي على من أساء إليه، فقد دخل عليه أحد أعدائه، فقال له : هل تعرف الصلاة ؟

فانبرى أبو حازم وهو من أصحاب الإمام فأراد الوقيعة به، فزجره الإمام، وقال له : مَهْلاً يا أبا حازِمٍ، فَإِنَّ الْعَلَمَاءَ هُمُ الْحُلَماءُ الرُّحَماءُ، ثم التفت إلى الرجل بلطف وقال له : نعم أعرفها.

وسأله الرجل عن بعض خصوصيات الصلاة، فأجابه الإمام عنها، فخجل الرجل، وراح يعتذر للإمام ويقول له : ما تركت لأحدٍ حجّة» (2).

لقد كان شأن الإمام في معالي أخلاقه مع جلسائه وغيرهم شأن جده الرسول الأعظم (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) الذي بُعث ليتمّم مكارم الأخلاق

مع شيعته (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

كان الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يتحرّى في سلوكه مع شيعته أن يكونوا قدوة حسنة لكلّ إنسان مسلم في ورعهم وتقواهم وحريجتهم في الدين، وقد جهد في تربيتهم


1) تاریخ دمشق : 41 : 367.

2) بهجة الأبرار : 42 و 43.

وتهذيبهم بالأخلاق الإسلاميّة الرفيعة، وقد بثّ فيهم المواعظ والنصائح، وحفزهم على التقوى والعمل الصالح.

فقد قال لبعض شيعته : «أَبْلِغْ شِيعَتَنا أَنَّهُ لَنْ يُغْنِيَ عَنْهُمْ مِنَ اللّه شَيْءٌ، وَأَنَّ وَلايَتَنا لَا تُنالُ إِلَّا بِالْوَرَعِ» (1).

إن الورع عن محارم اللّه من أهم الوسائل في نجاة الإنسان من عذاب اللّه وعقابه، كما أنّه من أنجح الطرق للظفر بولاية أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، التي هي حصن من حصون اللّه.

ووفد جماعة على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعرفوا أنفسهم له بأنّهم من الشيعة، فأمعن الإمام في وجوههم فلم ير عليها أثر الصلاح، فقال لهم : أيْنَ السَّمْتُ فى الوجوهِ ؟ أَيْنَ سِيمَاءُ السُّجودِ ؟ إِنَّما شيعَتُنا يُعْرَفُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَشُعْثِهِمْ قَدْ قَرَّحَتِ الْعِبَادَةُ مِنْهُمُ الْأَنافَ، وَدَثَرَتِ الْجِباءَ وَالْمَسَاجِدَ، خُمْصُ الْبُطُونِ، ذُبُلُ الشَّفاءِ، قَدْ هَيَّجَتْ الْعِبادَةُ وجوهَهُمْ، وَأَخْلَقَ سَهَرُ اللَّيالي، وَقَطَعَ الْهَواجِرَ جُثَتُهُمْ، الْمُسَبِّحُونَ إِذَا سَكَتَ النَّاسُ، وَالْمُصَلّونَ إِذا نامَ النَّاسُ، وَالْمَحْزونونَ إِذا فَرِحَ النَّاسُ، يُعْرَفونَ بِالزُّهْدِ، كَلَامُهُمْ الرَّحْمَةِ، وَتَشاعَلُهُمُ الْجَنَّةُ (2).

إنّ هذه الصفات التي ذكرها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إنما تتوفّر في خواص الشيعة، وحواري الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ)، أمثال عمّار بن ياسر، وأبي ذرّ، وسلمان الفارسي، وميثم التمار، ونظرائهم ممّن أترعت نفوسهم بالتقوى والصلاح، ووعوا رسالة الإسلام.

أمّا الأكثرية الساحقة من الشيعة فإنّما هم من أتباع أهل البيت ومواليهم، ولا شبهة أنّ الولاء للأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) ممّا يوجب الغفران، ويدلّل على ذلك ما روي عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، حينما مرض. فقد دخل عليه جماعة من صحابة النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) لعبادته فقالوا له : كيف


1) الدرّ النظيم : 587.

2) صفات الشيعة : 29.

أصبحت يابن رسول اللّه فدتك أنفسنا ؟

•

في عافِيَةٍ وَاللّه الْمَحْمُودُ عَلى ذلِكَ، وَكَيْفَ أَصْبَحْتُمْ أَنْتُمْ ؟

•

أصبحنا واللّه لك يابن رسول اللّه محبّين، وادّين.

فبشّرهم الإمام بالفردوس الأعلى لولائهم لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) قائلاً: مَنْ أَحَبَّنا للّه أَسْكَنَهُ اللّه في ظِلَّ ظَليلٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، وَمَنْ أَحَبَّنَا يُرِيدُ مُكافَأَتَنا كَافَأَهُ اللّه الْجَنَّةَ، وَمَنْ أَحَبَّنا لِغَرَضِ دُنْيَا آتَاهُ اللّه رِزْقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ» (1).

رواية موضوعة

من الروايات الموضوعة ما رواه ابن عساكر : أن جماعة من أهل العراق وفدوا على الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال لهم : يا أهل العراق، أحبّونا حبّ الإسلام، ولا تحبّونا حبّ الأصنام، فما زال بنا حبّكم حتّى صار علينا شيئاً (2).

وهذه الرواية افتعلت للحط من شأن الشيعة، وأنّهم يغالون في حبّهم وولائهم لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ويرفعونهم إلى مستوى الخالق العظيم، وهو اتهام رخيص لا سند له من الواقع.

إنّ حبّ الشيعة للأئمة الطاهرين (عَلَيهِم السَّلَامُ) قائم على أساس الفكر والوعي، ويستند إلى الكتاب العزيز والسنّة المتواترة، وليس فيه أي شائبة من الغلو.

إنّ أهم ظاهرة فى ولاء الشيعة لأئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) هي أنّها تأخذ معالم دينها عنهم، وتلتزم بما أثر عنهم في حياتهم الدينية، ومما لا شبهة فيه أنّ الأخذ بفقه أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) والاستناد إليه في مقام العمل مجز عن الواقع، فهل في هذه الجهة


1) نور الأبصار : 127.

2) تاریخ دمشق : 41 : 292. الشين : ضدّ الزين، أي العيب.

غلوّ وانحراف عن الدين ؟

وقد رويت نفس هذه الرواية بشكل آخر ليس فيها طعن على الشيعة، فقد روى يحيى بن سعيد، قال : «كنت عند عليّ بن الحسين، فجاءه نفر من الكوفيين، فقال لهم عليّ بن الحسين : يا أَهْلِ الْعِراقِ، أَحِبّونا حُبَّ الْإِسْلامِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبي يَقولُ: قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) : يا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَرْفَعُونِي فَوْقَ حَقًّي، فَإِنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ قَدِ اتَّخَذَنِي عبداً قبل أن يتخذني نبيّاً» (1).

وليس في هذه الرواية ما يدعو إلى التشكيك فيها.

إلزامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) للشيعة بالتقيّة

وألزم الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) شيعته بالتقية نظراً للظروف العصيبة الخانقة التي كانت تمرّ بهم، فقد كان الحكم الأموي يفتش بدقة عن العناصر الموالية لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) ليقوم بتصفيتهم جسدياً، وقد جاء أمر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بلزوم التقية وإخفاء شيعته موافقاً للحكمة، ومتفقاً مع روح الإسلام وجوهره.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يَغْفِرُ اللّه لِلْمُؤْمِن كلّ ذَنْبٍ، وَيُطَهِّرُهُ مِنْهُ في الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، ما خَلا ذَنْبَيْنِ : تَرْلُ التَّقِيَّةِ، وَتَضْيِيعُ حُقوقِ الْإِخْوانِ» (2).

لقد حفظت التقية دماء شيعة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) في تلك العصور السود التي كان فيها الحكم الأموي يتتّبعهم تحت كلّ حجر ومدر، فأشاع فيهم القتل والإعدام، وبلغ الحال أنّ من يقذف من المسلمين باليهوديّة والنصرانيّة أهون عليه من أن يوصف بأنه من شيعة آل محمّد (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، وقد ندّد بالشيعة من لا وعي له من الحاقدين


1) الإمام زين العابدین: 202.

2) الذرّيّة الطاهرة : الورقة 29، مخطوط في مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، تسلسل 44.

على آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) لإلتزامهم بالتقيّة، ولم يعلم أنّها ضرورة إسلامية ملحّة، ولولا التزامهم بها لم يبق أحد يدين بالولاء للأئمة الطاهرين.

استغفاره (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمذنبي شيعته

وبلغ من حبّ الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لشيعته والموالين أنّه كان يدعو لمذنبيهم في كلّ يوم، فقد قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأُمّ فروة بنت القاسم بن محمّد بن أبي بكر : «إِنِّي لأدعو لِمُذْنبي شيعَتِنا فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مِائَةَ مَرَّةٍ، لأَنا نَصْبِرُ عَلَى مَا نَعْلَمُ، وَيَصْبِرُونَ عَلَى مَا لَا يَعْلَمُونَ» (1).

ودلّ هذا الحديث على مدى تعاطف الإمام مع شيعته، وحبّه لهم، فقد دعا المذنبيهم بالمغفرة والرضوان، فأي برّ وأي إحسان أعظم من هذا البر والإحسان ؟!

مع أعدائه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

أما سلوك الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع أعدائه والحاقدين عليه، والظالمين له، فقد تميّز بالصفح والعفو عنهم، والإحسان إليهم، والبرّ بهم.

يقول المؤرّخون : «إنّ إسماعيل بن هشام المخزومي كان والياً على يثرب، وكان شديد البغض والحقد على آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وكان يبالغ في إيذاء الإمام زين العابدين، ويشتم آباءه على المنابر تقرباً إلى حكّام دمشق.

ولمّا ولى الوليد بن عبدالملك الخلافة بادر إلى عزله والوقيعة به لهنات كانت بينهما قبل أن يلى الملك والسلطان، وقد أوعز بإيقافه للناس لاستيفاء حقوقهم منه، وفزع اسماعيل كأشدّ ما يكون الفزع من الإمام زين العابدين لكثرة اعتدائه عليه، وإساءته له، وقال : ما أخاف إلّا من عليّ بن الحسين، فإنّه رجل صالح يسمع


1) الوافي : 2 : 183. عيون المعجزات : 76.

قوله فيَّ.

أما الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقد عهد إلى أصحابه ومواليه أن لا يتعرّضوا له بمكروه، وأسرع إليه فقابله ببسمات فيّاضة بالبشر، وعرض عليه القيام بما يحتاج إليه من معونة في أيّام من محنته قائلاً: يا بْنَ الْعَم، عافاك اللّه، لَقَدْ سَاءَني ماصُنِعَ بِكَ، فَادْعُنَا إِلَىٰ مَا أَحْبَبْتَ. وذهل اسماعيل وراح يقول بإعجاب : اللّه أعلم حيث يجعل رسالته فيمن يشاء» (1).

ولنستمع ونمعن في دعائه الشريف بالمغفرة لأعدائه وظالميه، وإلى ما اقترفوه من الاعتداء عليه

يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): «اللّهمّ وَأَيُّمَا عَبْدِ نالَ مِنِّي مَا حَظَرْتَ عَلَيْهِ، وَانْتَهَكَ مِنِّي ما حَجَرْتَ عَلَيْهِ، فَمَضى بِظُلامَتي مَيِّتاً، أَوْ حَصَلَتْ لِي قِبَلَهُ حَيّاً، فَاغْفِرْ لَهُ ما أَلَمَّ بِهِ مِنّي، وَاعْفُ لَهُ عَمَّا أَدْبَرَ بِهِ عَنِّي، وَلَا تَقِفْهُ عَلَى مَا ارْتَكَبَ فِيَّ، وَلَا تَكْشِفْهُ عَمَّا اكْتَسَبَ بي.

وَاجْعَلْ مَا سَمَحْتُ بِهِ مِنَ الْعَفْوِ عَنْهُمْ، وَتَبَرَّعْتُ بِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ، أَزْكَى صَدَقَاتِ الْمُتَصَدِّقِينَ، وَأَعْلى صِلاتِ الْمُتَقَرِّبِينَ، وَعَوِّضْنِي مِنْ عَفْوِيَ عَنْهُمْ عَفْوَكَ، وَمِنْ دُعائِيَ لَهُمْ رَحْمَتَكَ، حتّى يَسْعَدَ كلّ واحِدٍ مِنا بِفَضْلِكَ، وَيَنْجُوَ كلّ مِنَّا بِمَنكَ...» (2).

حقاً لقد كان الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) نسخة لا ثاني لها في تاريخ البشريّة عدا آبائه. لقد كان في سلوكه دنيا من الشرف والنبل والإنسانية ممّا يعجز عنه الوصف، ويقصر اللفظ أن يحيط أو يلم به.


1) وسيلة المآل في عد مناقب الآل : 208. الطبقات الكبرى : 5 : 220.

2) الصحيفة السجّاديّة : الدعاء الثامن والثلاثون.

عناصرة النفسيّة

إشارة:

ولم يخلق اللّه فضيلة أو موهبة كريمة يتميّز بها هذا الإنسان إلّا وهي من عناصر شخصية الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومن ذاتيّاته، فلم يجاره أي أحد في نزعاته وعناصره النفسيّة التي كان السائد فيها سموّ الآداب، ومكارم الأخلاق، وشدّة التحرّج في الدين...

ولا يكاد يقرأ أحد سيرته الندية إلا وينحني إجلالاً وإكباراً له، ويذهب به الاعجاب إلى غير حدّ، وقد استصغر عظماء الرجال في الإسلام من المعاصرين له نفوسهم أمام الحشد الهائل من فضائله وعبقريّاته.

يقول سعيد بن المسيّب، وهو من كبار علماء المدينة : «ما رأيت قطّ أفضل من عليّ بن الحسين، وما رأيته قطّ إلّا مقتُّ نفسي» (1).

لقد رفعته مثله العليا إلى قمة الشرف والمجد التي ارتقى إليها العظماء من آبائه الذين وهبوا حياتهم للإصلاح الاجتماعي، ونتحدث بإيجاز عن بعض عناصره النفسيّة.

الحلم

أمّا الحلم فهو من صفات الأنبياء والمرسلين، وهو من أجلّ صفات الإنسان


1) تاريخ اليعقوبي : 3: 46.

وأميزها؛ لأنه ينم عن سيطرة الإنسان على نفسه، وعدم خضوعه لأية نزعة من نزعات الغضب والانتقام، وقد عرّفه الجاحظ بقوله : «إنّه ترك الانتقام عند شدّة الغضب مع القدرة على ذلك» (1).

وكان الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أعظم الناس حلماً، وأكظمهم للغيظ، وقد ذكر الرواة والمؤرّخون بوادر كثيرة من حلمه، كان منها ما يلي :

1 - كانت له جارية تسكب يديه الماء إذا أراد الوضوء للصلاة، فسقط الإبريق من يدها على وجهه الشريف فشجّه، فبادرت الجارية قائلة : إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول : «وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ».

وأسرع الإمام قائلاً : كَظَمْتُ غَيْظِي.

وطمعت الجارية في حلم الإمام ونبله، فراحت تطلب منه المزيد قائلة: «وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ».

فقال لها الإمام برفق ولطف : عَفا اللّه عَنْكِ.

وأسرعت الجارية قائلة : «وَاللّه يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» (2).

وقابلها الإمام بمزيد من اللطف والإحسان قائلاً : إِذْهَبِي فَأَنْتِ حُرَّةٌ» (3).

2 - ومن بوادر حلمه أن وغداً لئيماً استقبله بالسب والشتم بلا سبب، فقابله الإمام باللطف قائلا له : يا فَتى، إِنَّ بَيْنَ أَيْدِينَا عَقَبَةً كَؤُوداً، فَإِنْ جُزْتُ مِنْهَا فَلَا أُبَالِي بِما تَقُولُ، وَإِنْ أَتَحَيَّرُ فِيْها فَأَنا شَرٌّ ممّا تَقُولُ... (4).


1) تهذيب الأخلاق : 19.

2) آل عمران 3: 134.

3) تاریخ دمشق : 41 : 387. نهاية الأرب : 21 : 326.

4) بحار الأنوار: 46: 96.

لقد كان الإمام مشغولاً بعواطفه ومشاعره نحو اللّه، والفزع من أهوال دار الآخرة التي لا ينجو فيها إلا المتقون، ولم يزعجه هذا الهراء الذي ينم عن نفس قد خسرت الأخلاق والآداب.

3 - ومن آيات حلمه أنه خرج من المسجد، فسبّه رجل، فأسرع إليه الناس للانتقام منه، فنهاهم اللّه عن ذلك، وأقبل عليه قائلاً : ما سَتَرَهُ اللّه عَنْكَ أَكْثَرُ، أَلَكَ حاجَةٌ نُعِينُكَ عَلَيْها ؟

وخجل الرجل، وودّ أنّ الأرض قد ساخت به، ولما نظر إليه الإمام أشفق عليه، فألقى إليه خميصة (1)كانت عليه، وأمر له بألف درهم، وقد قلع بذلك من نفس الرجل نزعة الاعتداء على الناس بغير حقّ، وأعاده إلى طريق الحقّ والرشاد، فكان إذا رأى الإمام بادر إليه قائلاً: إنك من أولاد الأنبياء (2).

4 - وظاهرة أخرى من حلم الإمام : أنّ لئيماً اعتدى عليه فسبه، فأشاح (عَلَيهِ السَّلَامُ) بوجهه عنه، فانتفخت أوداج اللئيم، وراح يقول له : إيّاك أعني.

وأسرع الإمام قائلاً: وَعَنْكَ أُغْضِى.

وتركه الإمام وانصرف عنه، ولم يقابله بالمثل (3).

وقد تميّز الرجل غيظاً وغضباً.

5 - ومن عظيم حلمه أنّ رجلاً افترى عليه، وبالغ في سبّه، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) له : إن كُنا كَما قُلْتَ فَنَسْتَغْفِرُ اللّه، وَإِنْ لَمْ نَكُنْ كَما قُلْتَ فَغَفَرَ اللّه لَك.

وبهت الرجل، وراح يعتذر من الإمام قائلاً: جعلت فداك، ليس كما قلت أنا فاغفر لي.


1) الخميصة : ثوب أسود مربّع.

2) البداية والنهاية : 9 : 105.

3) البداية والنهاية : 9 : 105.

فقابله الإمام ببسمات مقرونة بالرضا والعفو قائلاً: غَفَرَ اللّه لَكَ.

وانصرف الرجل وكلّه إعجاب وإكبار للإمام، وهو يقول : اللّه أعلم حيث يجعل رسالته فيمن يشاء (1).

6 - ونادرة أخرى من حلمه، فقد كان رجل من آل الزبير اعتدى عليه شخص فسبّه، فأعرض عنه، فلما انصرف الرجل قام الزبيري فجعل يسبّ الإمام ويفتري عليه، والإمام ساكت لم يجبه.

فقال له الزبيري : ما يمنعك من جوابي ؟

فقال له الإمام برفق ولطف : ما مَنَعَكَ مِنْ جَوابِ الرَّجُلِ (2).

هذه بعض النوادر التي ذكرها المؤرّخون من حلمه، وهي تكشف عن طاقات غير متناهية من الفضائل الماثلة فيه، والتي رفعته إلى أعلى درجات الكمال الإنساني.

الصبر

ومن عناصره النفسيّة الصبر على ما ألم به من المحن والبلوى، فمن المقطوع به أنّه لم يبتلَ أحد في هذه الدنيا بمثل ما ابتلي به هذا الإمام العظيم، فقد طافت به الخطوب والمصائب منذ أن أدرك الحياة إلى أن فارقها

فقد فجع بوفاة أمه وهو في المرحلة الأولى من طفولته، ولم ينتهل من نمير حنانها وعطفها.

وشاهد وهو في غضون الصبا لوعة أسرته على فقد جده الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي اغتاله المجرم عبد الرحمن بن ملجم.


1) صفة الصفوة : 2 : 54.

2) الكامل / المبرد : 3: 105.

وما أعقب ذلك من إجبار عمه الإمام الزكي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) على مصالحة الباغي ابن الباغية معاوية بن أبي سفيان الذي هو وصمة عار وخزي على العالم العربي والإسلامي، فإنّه حينما استوى على أريكة الحكم ظهرت نزعاته الجاهليّة، وحقده البالغ على الإسلام والمسلمين، فقد سخّر جميع أجهزة دولته على محو الإسلام من خارطة الوجود، واتخذ أشدّ الاجراءات القاسية ضدّ أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ففرض سبهم على المنابر والمآذن، كما قام بالتصفية الجسدية لشيعتهم الذين كانوا يمثلون الوعي الديني والسياسي في الإسلام.

ولمّا أشرف الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ميعة الشباب فجع بوفاة عمه الإمام الحسن ريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، فقد اغتاله بالسمّ (كسرى العرب) معاوية بن هند (1)، وقد ترك ذلك حزناً عميقاً في نفس الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبقية أفراد الأسرة النبوية، فقد أذهلهم هذا المصاب الجلل.

ومن أعظم المحن التي مني بها الإمام أنه رأى السيوف الآثمة في صعيد كربلاء، وهي تحصد رؤوس الصفوة من أهل بيت النبوّة بصورة مفجعة لم يعهد لها نظير في تاريخ الأمم والشعوب، وبعد مصرع تلك الكوكبة من دعاة العدالة والحق، أحاط الجناة من أجلاف أهل الكوفة بالإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأحرقوا خباءه وأخبية عقائل النبوّة، وحملوه أسيراً إلى طاغية لئيم وضيع، وهو ابن مرجانة فقابله بالشماتة والازدراء، والإمام صابر قد أوكل أمره إلى اللّه.

وبعد ذلك حمل إلى لقيط آخر وهو يزيد بن معاوية، وقد جرت عليه من المحن والخطوب ما تذوب لها لفائف القلوب، وقد تجرّع (عَلَيهِ السَّلَامُ) تلك الآلام القاصمة راضياً بقضاء اللّه، فأي نفس كانت نفسه وأي ضمير كان ضميره ؟

أمّا نفسه فإنّها قد رجعت عند كلّ هول عصف بها إلى خالق الكون وواهب


1) منحه هذا اللقب الخليفة الثاني.

الحياة، وأما ضميره فهو الطاهر النقي الذي هو أصلب وأقوى من كلّ شيء.

لقد كان الصبر على المصائب من عناصره وذاتيّاته، وقد أثر عنه في مدح الصبر أنّه رأس طاعة اللّه (1).

ومن عظيم صبره أنه سمع ناعية في بيته، وكان عنده جماعة فنهض ليرى ماذا حدث، فأخبر أنه قد توفى أحد أبنائه، ورجع إلى مجلسه فأخبر أصحابه بالأمر فعجبوا من صبره، فقال لهم :

«إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ تُطِيعُ اللّه فِيما نُحِبُّ، وَنَحْمَدُهُ فِيما نَكْرَهُ» (2).

وكان يرى الصبر من الغنائم والجزع من الضعف (3).

إنّ قوة شخصيته وعدم انهيارها أمام الأحداث المذهلة تُعدّ نادرة فهي من أندر الشخصيّات على امتداد التاريخ.

العزّة والإباء

ومن ذاتيّات الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) العزّة والإباء، فقد ورث ذلك من أبيه سيّد الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي مشى إلى الموت بشوق ورغبة في سبيل عزّته وكرامته، فقد خيّره الزعانف بين السلّة والذلة، فاختار السلّة، وخاطبهم بقوله : وَاللّه لا أَعْطيكُمْ بِيَدِي إِعْطاءَ الزَّليلِ، وَلَا أَقِرُّ لَكُمْ إِقْرارَ الْعَبيدِ.

وقد تمثلت هذه الظاهرة الكريمة فى الإمام زين العابدين، فقد قال : «ما اُحِبُّ أَنَّ لي بِذْلِ نَفْسي حُمْرَ النَّعَمِ» (4).


1) الإمام زين العابدين / المقرّم : 19.

2) حلية الأولياء : 3 : 138.

3) الدرّ النظيم : 173.

4) الخصال : 24.

وقال في عزّة النفس : «مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيا» (1).

ولمّا حمل أسيراً إلى الشام لم يكلف أحداً من الموكلين بحراسته، كما لم يكلّم أي أحد منهم استهانة بهم واحتقاراً لهم.

ويقول المؤرّخون : «إنّ أحد أعمامه أخذ منه بعض حقوقه بغير حق، وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمكّة، والوليد الذي كان ملكاً قد حضر موسم الحج، فقيل له : لو سألت الوليد أن يردّ عليك حقك ؟

فقال لهم هذه الكلمة الخالدة في دنيا الشرف والإباء : أَفي حَرَمِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ أَسْأَلُ غَيْرَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ، إِنِّى أَنفُ أَنْ أَسْأَلَ الدُّنْيا مِنْ خالِقِها، فَكَيْفَ أَسْأَلُها مَخْلُوقاً مثلی» (2).

ومن عزّته أنّه ما أكل بقرابته من رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) درهماً قطّ (3).

ونقل المؤرّخون نوادر كثيرة من عزّته وإبائه، وهي تكشف عن نفس عصيّة على الذل والضيم.

الشجاعة

ومن عناصره النفسيّة الشجاعة والبسالة، فقد كان من أشجع الناس وأربطهم جأشاً، فهو ابن الحسين الذي هو أشجع من وُلِدَ من صلب آدم... وكان من شجاعته النادرة أنّه لمّا أدخل أسيراً على الطاغية عبيد اللّه بن مرجانة جابهه الطاغية بكلمات التشفّي، فأجابه الإمام بكلمات نارية ملتهبة كانت أشدّ على الطاغية اللثيم من وقع السيوف وضرب السياط، ولم يحفل الإمام بسلطانه وجبروته، فاستشاط ابن مرجانة


1) بحار الأنوار: 78: 135. تحف العقول : 278.

2) بحار الأنوار: 46: 64.

3) مجالس ثعلب : 2 : 462.

غيظاً، وانتفخت أوداجه، وأمر بقتله، فلم يرتهب الإمام ولم يفزع، وإنما قال له بكلّ هدوء : «الْقَتْلُ لَنا عادَةٌ، وَكَرامَتُنا مِنَ اللّه الشَّهَادَةُ....».

ولمّا أدخل على يزيد بن معاوية قابله الإمام بكلّ جرأة، ونعى عليه ما اقترفه من عظيم الجرم، وسدّ عليه كلّ ثغرة يسلك منها للدفاع عن نفسه، وتبرير جريمته.

لقد ورث الشجاعة من أبويه علي والحسين اللذين هما من أشجع من خلق اللّه، فليس في دنيا الإسلام ولا في غيره من يضارعهما في البطولة والبسالة وقوة العزم والصلابة في الدفاع عن الحقّ.

التجرّد من الأنانيّة

ومن عناصره النفسيّة البارزة التجرّد من كلّ أنانية، فلم يكن لها أي سلطان عليه، وقد نقل المؤرّخون عنه نوادر كثيرة تدلّل على ذلك، كان من بينها : «أنه إذا أراد السفر سافر مع قوم لا يعرفونه ليقوم بنفسه برعايتهم وخدماتهم، ولا يخدمه أحد منهم، وسافر مرّة مع قوم لا يعرفونه، فنظر إليه رجل فعرفه، فصاح بالقوم : ويلكم أتعرفون هذا ؟

•

لا ندري

•

هذا عليّ بن الحسين.

وأسرع القوم نحو الإمام، وجعلوا يقبلون يديه ورجليه رافعين عقيرتهم قائلين : أتريد أن تصلينا نار جهنّم ؟ ما الذي حملك على هذا ؟

فأجابهم بصوت خافت رقيق النبرات : كُنْتُ قَدْ سَافَرْتُ مَعَ قَوْمٍ يَعْرِفُونَني فَأَعْطَوني بِرَسولِ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) مَا لَا أَسْتَحِقُ، وَإِنِّي أَخَافُ أَنْ تُعْطوني مِثْلَ ذَلِكَ، فَصَارَ كِتْمَانُ أَمْرِي أَحَبَّ إِلَيَّ» (1).


1) عيون أخبار الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 145. وقريب منه في الكامل / المبرد : 2 : 482.

وكان من تجرّده من هذه الظاهرة أنه إذا مر بشارع ورأى ما يؤذي السائرين فيه من حجر أو مدر (1)نزل عن دابته، ونحاه بيده الكريمة عن الطريق (2).

وكان إذا سار في الطريق على بغلته لم يقل لأحد : الطَّريقَ، ويقول : هُوَ مُشْتَرَك، وَلَيْسَ لي أَنْ أَنحَى عَنْهُ أَحَداً (3).

لقد تجسّدت في هذه النفس العظيمة جميع خصائص النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) التي امتاز بها على سائر النبيين، والتي كان من أبرزها : الآداب ومكارم الأخلاق.

الإحسان إلى الناس

ومن ذاتيّات الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الإحسان إلى الناس والبرّ بهم، فقد كان قلبه الشريف يفيض بالرحمة والحنان عليهم، يقول المؤرّخون : «إنّه ما علم أنّ على أحد دَيناً وله به مودّة إلّا أدّى عنه دينه» (4).

وكان يبادر لقضاء حوائج الناس خوفاً من أن يقوم بقضائها غيره فيحرم الثواب، وقد قال : «إِنَّ عَدُوِّي يَأْتِينِي بِحَاجَةٍ فَأَبَادِرُ إِلَى قَضائِهَا خَوْفًا مِنْ أَنْ يَسْبِقَنِي أَحَدٌ إِلَيْهَا، أَوْ أَنْ يَسْتَغْنِي عَنْهَا فَتَفُوتَنِي فَضِيلَتُها» (5).

عطفه وبلغ من على الناس ما رواه الزهري قال : «كنت عند عليّ بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فجاء رجل من أصحابه، فقال له : إنّي أصبحت وعلي أربعمائة دينار دين، ولا أتمكّن من قضائها، وعندي عيال، ولم يكن عند الإمام في ذلك الوقت شيء من


1) المدر: الطين الذي لا رمل فيه.

2) الإمام زين العابدين : 70.

3) سير أعلام النبلاء : 4: 240. تاریخ دمشق : 36 : 161. تاريخ الإسلام : 6 : 438.

4) مسند الإمام زيد / أبو زهرة : 24

5) ناسخ التواريخ : 1 : 13.

المال ليسعفه به، فبكى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقال : أَيَّةً مِحْنَةٍ أَوْ مُصِيبَةٍ أَعْظَمُ عَلَىٰ حُرَّ مُؤْمِنٍ مِنْ أَنْ يَرى بِأَخِيهِ الْمُؤْمِن خِلَّةٌ فَلَا يُمْكِنُهُ سَدّها، وَيُشاهِدُهُ عَلى فاقَةٍ فَلَا يُطِيقُ رَفْعَها (1).

السخاء

إشارة:

أمّا السخاء فكان عنصراً من عناصره، ومقوماً من مقوّماته، وقد أجمع المؤرّخون على أنه كان من أسخى الناس، وأنداهم كفاً، وأبرهم بالفقراء والضعفاء، وقد نقلوا نوادر كثيرة من فيض جوده وكرمه كان منها ما يلي :

مع محمّد بن أسامة

ومرض محمّد بن أسامة فعاده الإمام، ولمّا استقرّ به المجلس أجهش محمّد بالبكاء فقال له الإمام : ما يُبْكِيكَ ؟

•

علىَّ دَين.

•

كَمْ هُوَ؟

خمسة عشر ألف دينار.

• هِي عَلَيَّ.

ولم يقم الإمام من مجلسه حتّى دفعها له (2)، وقد أزاح عنه كابوس الدين وهمّه.

إطعام عامّ

ومن كرمه وسخائه أنه كان يطعم الناس إطعاماً عامّاً في كلّ يوم في يثرب، وذلك


1) أمالي الصدوق : 453.

2) البداية والنهاية : 9: 105. سير أعلام النبلاء : 4: 239 تاريخ الإسلام : 2 : 266. حلية الأولياء : 3 : 141.

في وقت الظهر فى داره (1).

إعالته (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمائة بيت

ومن فيض جوده أنه كان يعول بمائة بيت بالمدينة في السرّ (2)، وكان في كلّ بيت جماعة من الناس (3).

إنّ السخاء يدلّ على طهارة النفس من الشحّ، وعلى الشعور برحمة الناس، وعلى شكر اللّه على عطائه

حنوّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الفقراء

إشارة:

ومن ذاتياته وعناصره العطف والحنان على الفقراء والمحرومين والبؤساء، ونعرض لبعض شؤونه معهم :

1 - تكريمه (عَلَيهِ السَّلَامُ) للفقراء

كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يحتفي بالفقراء، ويرعى عواطفهم ومشاعرهم، فكان إذا أعطى سائلاً قبله لئلا يرى عليه أثر الذل والحاجة (4).

وكان إذا قصده سائل رحّب به وقال له : «مَرْحَباً بِمَنْ يَحْمِلُ زادِي إِلى دارِ الْآخِرَةِ» (5). إنّ تكريم الفقير بمثل هذا النحو من المودّة والعطف ممّا يوجب تماسك المجتمع، وشيوع المحبة بين أبنائه.


1) تاريخ اليعقوبي : 3: 6.

2) تهذيب الأسماء واللغات : 343.

3) بحار الأنوار : 46 : 88.

4) حلية الأولياء : 3 : 137.

5) صفة الصفوة : 2 : 53.

2 - عطفه الا على الفقراء

كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) كثير العطف والحنان على الفقراء والمساكين، وكان يعجبه أن يحضر على مائدة طعامه اليتامى والأضراء والزمنى والمساكين الذين لا حيلة لهم، وكان يناولهم بيده (1).

كما كان يحمل لهم الطعام أو الحطب على ظهره حتّى يأتي باباً من أبوابهم فيناولهم إيّاه (2).

وبلغ من مراعاته لجانب الفقراء والعطف عليهم أنه كره اجتذاذ النخل في الليل وذلك لعدم حضور الفقراء في هذا الوقت فيحرمون من العطاء، فقد قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لقهرمانه - وقد جذّ نخلا له من آخر الليل - :

«لَا تَفْعَلْ، أَلَا تَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) نَهَى عَنِ الْحَصَادِ وَالْجُدَاذِ بِاللَّيْلِ ؟

وَكانَ يَقُولُ : الضَّغْتُ تُعْطِيهِ مَنْ يَسْأَلُ فَذلِكَ حَقُّهُ يَوْمَ حَصادِهِ (3)

3 - نهيه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن ردّ السائل

ونهى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن ردّ السائل وحرمانه من العطاء، وذلك لما له من المضاعفات السيّئة التي منها زوال النعمة وفجأة النقمة.

فقد روى سعيد بن المسيب قال : حضرت عند عليّ بن الحسين يوماً حتّى صلّى الغداة، فإذا سائل على الباب فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أَعْطُوا السّائِلَ، وَلَا تَرُدُّوا السَّائِلَ» (4).


1) بحار الأنوار: 46: 62.

2) بحار الأنوار: 46 : 62، وقريب منه في دائرة المعارف / البستاني : 9 : 355.

3) وسائل الشيعة : 6 : 138.

4) فروع الكافي : 4: 15.

وأكّد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ضرورة ذلك في كثير من أحاديثه.

فقد روى أبو حمزة الثمالي، قال : «صليت مع عليّ بن الحسين الفجر بالمدينة يوم الجمعة، فلما فرغ من صلاته نهض إلى منزله وأنا صلاته نهض إلى منزله وأنا معه، فدعا مولاة له تسمّى سكينة، فقال لها : لَا يَعْبُرُ عَلى بابي سائِلٌ إِلَّا أَطْعَمْتموهُ، فَإِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ جُمُعَةٍ.

فقال له أبو حمزة : ليس كلّ من يسأل مستحقّاً.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَخافُ أَنْ يَكونَ بَعْضُ مَنْ يَسْأَلُنَا مُسْتَحِقَا فَلَا نُطْعِمُهُ وَتَرُدُّهُ، فَيَنْزِلُ بنا أَهْلَ الْبَيْتِ ما نَزَلَ بِيَعْقُوبَ وَآلِهِ. أَطْعِمُوهُمْ، أَطْعِمُوهُمْ إِنَّ يَعْقُوبَ كانَ يَذْبَحُ كلّ يَوْمٍ كَبْشاً فَيَتَصَدَّقُ مِنْهُ، وَيَأْكُلُ مِنْهُ هُوَ وَعِيالُهُ، وَإِنَّ سَائِلاً مُؤْمِناً صَوَاماً مُسْتَحِقاً، لَهُ عِنْدَ اللّه مَنْزِلَةٌ اجْتازَ عَلَى بَابِ يَعْقُوبَ يَوْمَ جُمْعَةٍ عِنْدَ أَوانِ إفْطَارِهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ عَلَى بَابِهِ : أَطْعِمُوا السَّائِلَ الْغَريبَ الْجائِعَ مِنْ فَضْلِ طَعَامِكُمْ، وَهُمْ يَسْمَعُونَهُ وَقَدْ جَهِلُوا حَقَّهُ، وَلَمْ يُصَدِّقوا قَوْلَهُ.

فَلَمّا يَئِسَ مِنْهُمْ وَغَشِيَهُ اللَّيْلُ مَضى عَلى وَجْهِهِ، وَباتَ طَاوِياً يَشْكُو جَوْعَهُ إِلَى اللّه، وَباتَ يَعْقُوبُ وَآلُ يَعْقُوبَ شِباعاً بِطاناً، وَعِنْدَهُمْ فَضْلَةٌ مِنْ طَعَامِهِمْ.

فَأَوْحَى اللّه إِلَى يَعْقُوبَ في صَبيحَةِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ : لَقَدْ أَذلَلْتَ عَبْدِي ذِلَّةٌ اسْتَجْرَرْتَ بِها غَضَبي، وَاسْتَوْجَبْتَ بِها أَدبي، وَنزولَ عُقوبَتِي وَبَلْواي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَلَدِكَ.

یا يَعْقُوبُ، أَحَبُّ أَنبيائي إِلَيَّ، وَأَكْرَمُهُمْ عَلَى مَنْ رَحِمَ مَسَاكِينَ عِبَادِي، وَقَرَّبَهُمْ إِلَيْهِ، وَأَطْعَمَهُمْ، وَكانَ لَهُ مَأوى وَمَلْجَأً.

یا يَعُقوبُ، أما رَحِمْتَ عَبْدَىَ الْمُجْتَهَدَ فِي عِبادَتِهِ، الْقائِعَ بالسِّرِّ مِنْ ظَاهِرِ الدُّنْيا.أَما وَعِزَّتي لأُنْزِلَنَّ بِكَ بَلْوايَ، وَلَأَجْعَلَنَّكَ وَوَلَدَكَ غَرَضاً لِلْمَصَائِبِ.

فقال أبو حمزة : فجعلت فداك، متى رأى يوسف الرؤيا (1).


1) التي رأى فيها أحد عشر كوكباً والشمس والقمر له ساجدين.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): في تِلْكَ اللَّيْلَةِ التي بات فيها يَعْقُوبُ وَآلِهِ شِباعاً، وَباتَ السّائِلُ الفَقيرُ طاوِياً جائعاً»(1).

إن حرمان الفقير المحتاج، وعدم إسعافه ممّا يوجب زوال النعمة، وحلول غضب اللّه، وقد تواترت الأخبار عن أئمة الهدى بذلك، فلا ينبغى لمن أحبّ بقاء نعمة اللّه عليه أن يرد سائلاً أو يحرم بائساً وفقيراً ممّا هو وديعة في يده.

صدقاته (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

وكان من أعظم ما يصبو إليه الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حياته الصدقة على الفقراء لإنعاشهم ورفع البؤس عنهم، وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يحثّ على الصدقة، وذلك لما يترتّب عليها من الأجر الجزيل، فقد قال : «ما مِنْ رَجُلٍ تَصَدَّقَ عَلَى مِسْكِيْنِ مُسْتَضْعَفِ فَدَعَا لَهُ الْمِسْكِينُ بِشَيْءٍ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ» (2).

ونعرض إلى بعض ألوان صدقاته :

1- التصدّق بثيابه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يلبس أفخر الثياب، فكان يلبس في الشتاء الخز، فإذا جاء الصيف تصدّق به أو باعه وتصدق بثمنه، وكان يلبس في الصيف ثوبين من متاع مصر، ويتصدّق بهما إذا جاء الشتاء (3).

وكان يقول : «إِنِّي لَأَسْتَحِي مِنْ رَبِّي أَن أَكُلَ ثَمَنَ ثَوْبٍ قَدْ عَبَدْتُ اللّه فِيهِ» (4).


1) دار السلام / النوري : 2 : 141.

2) وسائل الشيعة : 6 : 296.

3) تاریخ دمشق : 41 : 399.

4) ناسخ التواريخ : 1 : 67.

2 - التصدق بما يحبّ

كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يتصدق بما يحبّ، ويقول الرواة : «إنّه كان يتصدّق باللوز والسكر، فسئل عن ذلك فتلا قوله تعالى : «لَن تَنَالُوا البرَّ حتّى تُنْفِقُوا ممّا تُحِبُّونَ» (1)» (2).

وروى المؤرّخون : «أنّه كان يعجبه العنب، وكان صائماً فقدمت له جاريته عنقوداً من العنب وقت الإفطار، فجاء سائل فأمر بدفعه إليه، فبعثت الجارية من اشتراه منه، وقدّمته إلى الإمام، فطرق سائل آخر الباب، فأمر (عَلَيهِ السَّلَامُ) بدفع العنقود إليه، فبعثت الجارية من اشتراه منه، وقدّمته للإمام، فطرق سائل ثالث الباب، فدفعه الإمام إليه (3).

وقد ضارع بهذه المبرّة آباءه الذين قدموا قوتهم ثلاثة أيّام متوالية وهم صائمون إلى المسكين واليتيم والأسير فأنزل اللّه في حقهم سورة «هَل أتى» التي بقيت وسام الشرف لهم على امتداد الزمن حتّى يرث اللّه الأرض ومن عليها.

3 - مقاسمة أمواله (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وقاسم الإمام أمواله مرتين فأخذ قسماً له، وتصدّق بالقسم الآخر على الفقراء والمساكين (4).

وقد ضارع بذلك عمّه الإمام الحسن ريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، فقد قاسم أمواله مرّتين أو ثلاثاً.


1) آل عمران 3: 92.

2) بحار الأنوار: 46: 89.

3) المحاسن / البرقي : 547. فروع الكافي : 6 : 350.

4) خلاصة تهذيب الكمال : 231 حلية الأولياء : 3: 140. جمهرة الأولياء : 2 : 71. البداية والنهاية : 9: 105. الطبقات الكبرى : 5 : 19.

4 - صدقاته (عَلَيهِ السَّلَامُ) في السرّ

وكان أحبّ شيء عند الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الصدقة في السرّ لئلا يعرفه أحد، وقد أراد أن يربط نفسه ومن يعطيهم من الفقراء برباط الحب في اللّه، وتوثيقاً لصلته بإخوانه الفقراء في الإسلام، وكان يحثّ على صدقة السرّ ويقول : «إِنَّها تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ» (1).

وكان يخرج في غلس الليل البهيم فيصل الفقراء بهباته وعطإيّاه، وهو متلثم، وقد اعتاد الفقراء على صلته لهم في الليل، فكانوا يقفون على أبوابهم ينتظرونه، فإذا رأوه تباشروا وقالوا : جاء صاحب الجراب (2).

وكان له ابن عمّ يأتيه بالليل فيناوله شيئاً من الدنانير، فيقول له العلوي : إنّ عليّ بن الحسين لا يوصلني، ويدعو عليه، فيسمع الإمام ذلك ويغضي عنه ولا يعرّفه بنفسه، ولما توفّي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقدَ الصلة فعلم أنّ الذي كان يوصله هو الإمام، فكان يأتي إلى قبره باكياً ومعتذراً منه (3).

وقال ابن عائشة : «سمعت أهل المدينة يقولون : ما فقدنا صدقة السر حتّى مات عليّ بن الحسين» (4).

وروى المؤرّخون : «أن جماعة من أهل المدينة كانوا يعيشون وهم لا يدرون من الذي يأتيهم بمعاشهم، فلما مات عليّ بن الحسين فقدوا ما كانوا يؤتونه بالليل» (5).


1) تذكرة الحفّاظ : 1 : 75. أخبار الدول : 110. نهاية الإرب : 21 : 326.

2) بحار الأنوار: 46: 89.

3) بحار الأنوار: 46: 100.

4) صفة الصفوة : 2: 54. الاتحاف بحبّ الأشراف : 49.

5) الأغاني : 15: 326.

وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) شديد التكتم في صلاته وهباته، فكان إذا ناول أحداً شيئاً غطّى وجهه لئلا يعرفه (1).

ويقول الذهبي : «إنّه كان كثير الصدقة في السرّ» (2).

وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يجعل الطعام الذي يوزّعه على الفقراء في جراب ويحمله على ظهره، وقد ترك أثراً عليه.

ويروي اليعقوبي : «أنّه لمّا غسّل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وجد على كتفه جلب كجلب البعير (3)، فقيل لأهله : ما هذه الآثار ؟

فقالوا : من حمل الطعام في الليل يدور به على منازل الفقراء» (4).

وعلى أي حال، فقد كانت صدقاته في السرّ من أعظم المبرّات، ومن أكثرها أجراً وثواباً عند اللّه.

ابتغاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمرضاة اللّه تعالى

ولم يك الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يبتغي في برّه وإحسانه إلى الفقراء إلا وجه اللّه والدار الآخرة، فكان من أبرز من عناهم اللّه تعالى بقوله : «الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّه ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَناً وَلَا أَذى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ» (5).


1) بحار الأنوار: 46: 62.

2) تذكرة الحفاظ : 1 : 75.

3) الجلب : جمع جلبة - بضمّ الجيم وسكون اللام - وهي القشرة التي تعلو الجرح عند البرء، ومنه قولهم : «طارت جلبة الجرح». (تاج العروس).

4) تاريخ اليعقوبي : 3: 45.

5) البقرة 2 : 262.

إنّ عطايا الإمام وصدقاته للفقراء كانت خالصة لوجه اللّه غير مشوبة بأي غرض من أغراض الدنيا التي يؤول أمرها إلى التراب، وقد روى الزهري، قال : «رأيت عليّ بن الحسين في ليلة باردة، وهو يحمل على ظهره دقيقاً، فقلت له : يابن رسول اللّه، ما هذا ؟

وسارع الإمام قائلاً بصوت خافت : أعِدُّ سَفَراً، أَعِدُّ لَهُ زاداً أَحْمِلُهُ إِلَى مَوْضِعِ حَرِيزِ.

• هذا غلامي يحمله عنك

فامتنع الإمام من إجابته، وتضرّع الزهري إليه أن يحمله هو بنفسه عنه، إلّا أنّ الإمام أصرّ على ما ذهب إليه، وقال له : وَلكِنِّي لَا أَرْفَعُ نَفْسي عَمّا يُنجيني في سَفَري، وَيُحْسِنُ ورودي عَلى ما أَرِدُ عَلَيْهِ، أَسْأَلُكَ بِحَقِّ اللّه لَما مَضَيْتَ لِحَاجَتِكَ.

وانصرف الزهري عن الإمام، وبعد أيّام التقى به، وقد ظنّ أنّه كان على جناح سفر ولم يع،مراده، فقال له : يابن رسول اللّه، لست أرى لذلك السفر الذي ذكرته أثراً ؟

فأخبره (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالسفر الذي أعد له العدة، وهيّأ له الجهاز اللازم، إنّه السفر إلى دار الحقّ قائلاً: يا زُهْرِيُّ، لَيْسَ ما ظَنَنْته، وَلكِنَّهُ الْمَوْتُ، وَلَهُ كُنْتُ أَسْتَعِدُ، إِنَّمَا الْإِسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ تَجَنُّبُ الْحَرامِ، وَأَبْذُلُ النَّدى لِلْخَيْرِ» (1).

لقد كان إنفاق الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الفقراء إنفاقاً منبعثاً عن طلب مرضاة اللّه، والسعي وراء مغفرته ورضوانه.

الزهد في الدنيا

إشارة:

وظاهرة أخرى من نزعات الإمام النفسيّة، وهي الزهد في الدنيا، وعدم الاعتناء


1) علل الشرائع : 1 : 231. بحار الأنوار: 46: 65 و 66.

بأي مبهج من مباهجها، لقد اعتصم الإمام بالزهد والإعراض الكامل عن الدنيا، فلم تفتنه ولم تخدعه، فقد عرف واقعها وحقيقتها، وعلم أنّ الإنسان مهما تقلب في الطيِّبات والمناعم لا بد أن يتحوّل عن هذه الحياة، ولا يجد بين يديه إلا ما عمل من خير. وقد شاع في عصره أنه من أزهد الناس.

وقد سئل الزهري عن أزهد الناس، فقال : «عليّ بن الحسين» (1).

وقد رأى (عَلَيهِ السَّلَامُ) سائلاً يبكي، فتأثر منه، وراح يقول : «لَوْ أَنَّ الدُّنْيا كانَتْ في كَفَّ هذا ثُمَّ سَقَطَتْ مِنْهُ لَمَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَبْكِيَ عَلَيْها» (2).

إنّ زهد الإمام لم يكن استكانة للفقر أو استسلاماً للعجز أو قناعة بغير عمل، وإنّما كان قائماً على التقوى والورع عن محارم اللّه، والاحتياط الشديد في أمور الدين، شأنه في ذلك شأن جده وأبيه اللذين طلقا الدنيا، ولم يحفلا بأي شأن من شؤونها سوى ما يتصل بالحق وتأييد الفضيلة.

مع الصوفيّة

ونظراً لزهد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإعراضه الكامل عن الدنيا، فقد عدّه الصوفيون من أعلامهم، وترجموا له ترجمة وافية (3).

وجعله الكلابازي ممّن نطق بعلومهم ونشر مقاماتهم، ووصف أحوالهم قولاً وفعلاً بعد الصحابة (4).

وهذا الرأي - فيما أعتقد - ليس موضوعيّاً، وإنما هو سطحي للغاية، فإنّ منهج


1) بحار الأنوار: 46: 62.

2) الفصول المهمة : 192.

3) جمهرة الأولياء : 2 : 71. حلية الأولياء : 3: 133.

4) التعرف : 11.

الصوفيين رفض الحياة الدنيا رفضاً كاملاً، والعيش في ظلمات الكهوف، ولبس أخشن الثياب، وأكل الجشب من الطعام، وغير ذلك من الأمور التي لا تتفق مع واقع الدين الذي لم يقنن أي حكم فيه حرج أو ضيق على الناس.

لقد كانت الحياة التي عاشها الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) تتجافي مع التصوّف، فقد كان يلبس أفخر الثياب، ويقول الرواة : «إنّه كان يلبس جبة خزّ، ومطرف (1)خز، وعمامة خزّ» (2).

وفنّد بعض الباحثين عن التصوّف الرأي القائل أنه من الصوفيّة. يقول : «فزهد عليّ بن الحسين نفسي، وعقلي باطني، وذلك أجدى من الزهد القائم على الجوع، ولبس الصوف لأنّ الأوّل يمليه الإدراك وتقيمه الفطرة العميقة إلى الحياة، أما اللباس ففيه تظاهر» (3).

إنّ سيرة أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الصريحة واضحة في رفض المناهج الصوفيّة. يقول المؤرّخون : «إنّ الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمّا بويع بولاية العهد قال له بعض الصوفيّة : إنّ الإمامة تحتاج إلى من يأكل الجشب، ويلبس الخشن، وكان الإمام متكئاً فاستوى جالساً، فردّ عليه هذا المقال الرخيص قائلا له : كانَ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ نَبِيَّاً فَلَبِسَ أَقْبِيَةَ الدِّيباج الْمُزرّرَةَ بِالذَّهَبِ، وَالْقَباطِيَّ الْمَنْسوجَةَ بِالذَّهَبِ، وَإِنَّما يُرادُ مِنَ الْإِمَامِ قِسْطُ وَعَدْلٌ. إِنَّ اللّه لَمْ يُحَرِّمْ مَلْبوساً وَلَا مَطْعَماً، وتلا قوله تعالى : «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّه الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ» (4)» (5).


1) المطرف : رداء من خز مربع ذي أعلام. القاموس المحيط.

2) الصلة بين التشيّع والتصوّف : 1: 169.

3) الصلة بين التشيّع والتصوّف : 1 : 169.

4) الأعراف 7: 32.

5) تاریخ ابن معين : 1 : 277.

إن هذه السيرة النديه لا تلتقي بأي حال مع التصوّف الذي لا يحمل أي طابع إسلامي.

كراهته للّهو

ومن الصفات التي طبع عليها كراهته للهو، فقد كان يبغض الحياة التافهة ويمجّها ولا يميل إليها، فلم يُرَ في جميع فترات حياته لاهياً ولا ضاحكاً.

وقد قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ ضَحِكَ ضِحْكَةً مَجَ مِنَ الْعِلْمِ مَجَّةٌ (1).

وكان في يثرب رجل بطال يضحك منه الناس، فقال : قد أعياني هذا الرجل - يعني الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) - أن أضحكه، واجتاز عليه الإمام وخلفه موليان له، فبادر الرجل فانتزع الرداء منه، وولّى هارباً، فلم يلتفت له الإمام، وسارع من كان مع الإمام فأخذوا الرداء منه، وطرحوه عليه، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهم : مَنْ هذا ؟

فقالوا : إنّه بطّال يضحك أهل المدينة منه.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): قولوا لَهُ : إِنَّ للّه يَوْماً يَخْسَرُ فيهِ الْمُبْطِلُونَ (2).

الإنابة إلى اللّه تعالى

إشارة:

ومن أبرز عناصر وذاتياته (عَلَيهِ السَّلَامُ) الإنابة إلى اللّه، والانقطاع إليه، وقد تمثل ذلك في مناجاته وأدعيته وعباراته التي حكت شدّة اتصاله باللّه، خالق الكون وواهب الحياة.

لقد أناب الإمام إلى اللّه، وأوكل جميع أموره ومهامه إليه تعالى، فما أهمّه أمر إلا فزع فيه إلى اللّه، فقد أيقن أنّ الإلتجاء إلى غيره يعود بالخيبة والخسران، وقد روى المؤرّخون أنّه اجتاز على رجل جالس على باب رجل من الأثرياء، فبادره الإمام


1) بحار الأنوار: 78: 158، الحديث 9. سير أعلام النبلاء : 4 : 396.

2) أمالي الصدوق : 220.

قائلاً: ما يُقْعِدُكَ عَلَى بَابِ هَذَا الْمُتْرَفِ الْجَبَّارِ؟

•

البلاء، أي الفقر والبؤس.

•

قُمْ فَأَرْشِدُكَ إِلى باب خَيْرٌ مِنْ بابِهِ، وَإِلَى رَبِّ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ.

ونهض معه الرجل فأخذ به حتّى انتهى به إلى مسجد رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، وقال له : اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، وَصَلَّ رَكْعَتَيْنِ، وَارْفَعْ يَدَكَ بِالدُّعاءِ إِلَى اللّه تَعَالَى، وَصَلَّ عَلَى نَبِيِّهِ، ثُمَّ ادْعُ بِآخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ، وَسِتِّ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْحَدِيدِ، وَبِالْآيَتَيْنِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ عِمْرانَ، ثُمَّ سَلِ اللّه سُبْحانَهُ، فَإِنَّكَ لَا تَسْأَلُهُ شَيْئاً إِلَّا أَعْطَاكَ (1).

إنّ من التجأ إلى اللّه فقد التجأ إلى حصن حريز، وأما الالتجاء إلى غيره فإنّه لا يغني شيئاً، ولا يجدي نفعاً.

صور رائعة من إنابته (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

للإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من إنابته وعظيم إخلاصه اللّه تعالى ما احتوت عليه صحيفته السجّاديّة التي هي زبور آل محمّد (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، وهي تصوّر مدى تمسك الإمام وتعلّقه باللّه، وفيما يلي بعضها :

1 - التجاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى اللّه

والتجأ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقلبه ومشاعره نحو اللّه، وأوكل إليه جميع أموره، صغيرها وكبيرها، وقد أدلى بذلك في هذا الدعاء :


1) الجنّة الواقية والجنّة الباقية / الكفعمي : 190، من مخطوطات مكتبة السيّد الحكيم (قدّس سِرُّه)، التسلسل : 1272. الدعوات / القطب الراوندي 55. بحار الأنوار 89: 271، الحدیث 22. مستدرك الوسائل : 6: 317، الحديث 2.

«اللّهمّ إِنْ تَشَأْ تَعْفُ عَنَا فَبِفَضْلِكَ، وَإِنْ تَشَأْ تُعَذِّبْنَا فَبِعَدْلِكَ، فَسَهِّلْ لَنا عَفْوَكَ بِمَنَّكَ، وَأَجِرْنا مِنْ عَذابِكَ بِتَجاوُزِكَ، فَإِنَّهُ لَا طَاقَةَ لَنَا بِعَدْلِكَ، وَلَا نَجَاةَ لِأَحَدٍ مِنَا دُونَ عَفْوِكَ.

يا غَنِيَّ الْأَغْنِياءِ، ما نَحْنُ عِبادُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ، وَأَنا أَفْقَرُ الْفُقَراءِ إِلَيْكَ، فَاجْبُرْ فَاقَتَنا بوُسعكَ، وَلَا تَقْطَعْ رَجَاءَنَا بِمَنْعِكَ، فَتَكُونَ قَدْ أَشْقَيْتَ مَن اسْتَسْعَدَ بِكَ، وَحَرَمْتَ مَنِ اسْتَرْفَدَ فَضْلَكَ، فَإِلَى مَنْ حِينَئِذٍ مُنْقَلَبُنا عَنْكَ، وَإِلَى أَيْنَ مَذْهَبْنا عَنْ بابِكَ ؟

سُبْحانَكَ نَحْنُ الْمُضْطَرُّونَ الَّذِينَ أَوْجَبْتَ إِجَابَتَهُمْ، وَأَهْلُ السُّوءِ الَّذِينَ وَعَدْتَ الْكَشْفَ عَنْهُمْ، وَأَشْبَهُ الْأَشْياءِ بِمَشِيَّتِكَ، وَأَوْلَى الْأُمُورِ بِكَ في عَظَمَتِكَ، رَحْمَةٌ مَنِ اسْتَرْحَمَكَ، وَغَوْتُ مَنِ اسْتَغاثَ بِكَ، فَارْحَمْ تَضَرُّعَنا إِلَيْكَ، وَأَغْنِنَا إِذْ طَرَحْنا أَنْفُسَنَا بَيْنَ يَدَيْكَ.

اللّهمّ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ شَمِتَ بِنا إِذْ شَايَعْنَاهُ عَلَى مَعْصِيتِكَ، فَصَلِّ عَلَى محمّد وَآلِهِ، وَلَا تُشْمِتْهُ بِنا بَعْدَ تَرْكِنا إيّاه لَكَ، وَرَغْبَتِنا عَنْهُ إِلَيْكَ» (1).

ويلمس فى هذا الدعاء الشريف مدى التجاء الإمام إلى اللّه، واعتصامه به، فقد أعلن (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقره وحاجته الملحة إلى عفو اللّه ولطفه، فهو يطلب منه أن لا يحره من فيضه وكرمه، وأن لا يقطع رجاءه بمنعه، فيكون بذلك قد شقي بعد سعادته بمعرفته، وقد أبدى (عَلَيهِ السَّلَامُ) من التذلّل والتضرع أمام الخالق العظيم ما جعله من سادات المتّقين والمنيبين إلى اللّه تعالى


1) الصحيفة السجّاديّة : الدعاء العاشر.

2 - انقطاعه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى اللّه تعالى

وانقطع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى اللّه انقطاعاً كاملاً، وقد آمن إيماناً لا يخامره الشك أن مصادر النفع والقوّة إنّما هي بيد اللّه تعالى وحده، وأن الإلتجاء إلى غيره إنّما هو التجاء إلى ما لا يملك نفعاً ولا ضراً، ولنستمع إلى دعائه في ذلك :

«اللّهمّ إِنِّي أَخْلَصْتُ بِانْقِطاعي إِلَيْكَ، وَأَقْبَلْتُ بِكُلِّي عَلَيْكَ، وَصَرَفْتُ وَجْهِي عَمَّنْ يَحْتاجُ إِلَى رِفْدِكَ، وَقَلَبْتُ مَسْأَلَتِي عَمَّنْ لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْ فَضْلِكَ، وَرَأَيْتُ أَنَّ طَلَبَ الْمُحْتاج إِلَى الْمُحْتاج سَفَهُ مِنْ رَأْيِهِ، وَضَلَّةٌ مِنْ عَقْله.

فَكَمْ قَدْ رَأَيْتُ يا إلهى مِنْ أُناسٍ طَلَبُوا الْعِزَّ بِغَيْرِكَ فَذَلوا، وَرامُوا الثَّرْوَةَ مِنْ سِواكَ فَافْتَقَرُوا، وَحاوَلُوا الْإِرْتِفَاعَ فَاتَّضَعُوا، فَصَحَ بِمُعايَنَةِ أَمْثَالِهِمْ حازِمٌ وَفَقَهُ اعْتِبارُهُ، وَأَرْشَدَهُ إِلَى طَرِيقِ صَوابِهِ اخْتِيَارُهُ.

فَأَنْتَ يا مَوْلايَ دُونَ كلّ مَسْؤُولٍ مَوْضِعُ مَسْأَلَتِي، وَدُونَ كلّ مَطْلُوبٍ إِلَيْهِ وَليُّ حاجَتي، أَنْتَ الْمَخْصُوصُ قَبْلَ كلّ مَدْعٍُّو بِدَعْوَتِي، لَا يَشْرَكُك أَحْدٌ في رَجَائِي، وَلَا يَتَّفِقُ أَحَدٌ مَعَكَ فِي دُعائي، وَلَا يَنْظِمُهُ وَإيّاك نِدائي. لَكَ يا إلهي وَحْدانِيَّةُ الْعَدَدِ، وَمَلَكَةُ الْقُدْرَةِ الصَّمَدِ، وَفَضيلَةُ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ، وَدَرَجَةُ الْعُلُوِّ وَالرَّفْعَةِ، وَمَنْ سِواكَ مَرْحُومٌ فِي عُمُرِهِ، مَغْلُوبٌ عَلى أَمْرِهِ، مَقْهُورٌ عَلَى شَأْنِهِ، مُخْتَلِفُ الْحالاتِ، مُتَنَقِّلٌ في الصِّفاتِ. فَتَعالَيْتَ عَنِ الْأَشْباءِ وَالْأَضْدَادِ، وَتَكَبَّرْتَ عَنِ الْأَمْثَالِ وَالْأَنْدَادِ، فَسُبْحانَكَ

لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (1).

ويلمس في هذه اللوحة الذهبيه مدى انقطاع الإمام إلى اللّه، فقد أقبل بمشاعره وعواطفه نحوه تعالى، وصرف وجهه وقلبه عن غيره من المخلوقين المحتاجين إلى رفده وعطائه، فإن تعلق الرجاء والأمل بهم إنّما هو سفه في الرأي، وضلال في العقل، وقد حصر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) جميع موارد النفع والقوة به تعالى.

وقد نعى على الذين يطلبون العزّة والثروة والارتفاع من غير طريق اللّه، فإنّهم جميعاً قد باءوا بالخيبة والخسران، فقد ذلّوا وافتقروا واتضعوا، وينبغي لكل من يروم الخير، ويطلب العزّة والكرامة أن يتصل باللّه، وينقطع إليه، فهو وحده الذي بيده ملكوت كلّ شيء، وأما غيره فهو مرحوم في عمره، مغلوب على أمره، مقهور على شأنه.

لقد احتوى هذا الدعاء على خالص الإيمان، وجوهر التوحيد.

3 - طلب الحوائج من اللّه تعالى

وكان من إنابته إلى اللّه أنّه قصر طلب حوائجه عليه تعالى وحده لأنه مصدر الفيض ومنبع الرحمة والإحسان، وكان يتوجّه إلى اللّه ويدعوه بهذا الدعاء الشريف :

«اللّهمّ يا مُنْتَهى مَطْلَبِ الْحاجاتِ، وَيا مَنْ عِنْدَهُ نَيْلُ الطَّلِبَاتِ، وَيَا مَنْ لا يَبيعُ نِعَمَهُ بِالْأَثْمَانِ، وَيا مَنْ لَا يُكَدِّرُ عَطَإيّاه بِالْإِمْتِنَانِ، وَيَا مَنْ يُسْتَغْنى بِهِ وَلَا يُسْتَغْنى عَنْهُ، وَيا مَنْ يُرْغَبُ إِلَيْهِ وَلَا يُرْغَبُ عَنْهُ، وَيا مَنْ لَا تُفْني خَزائِنَهُ الْمَسائِلُ، وَيا مَنْ لَا تُبَدِّلُ حِكْمَتَهُ الْوَسائِلُ، وَيا مَنْ لَا تَنْقَطِعُ عَنْهُ


1) الصحيفة السجّاديّة : الدعاء الثامن والعشرون.

حَوائِجُ الْمُحْتاجينَ، وَيَا مَنْ لَا يُعَنِّيهِ دُعاءُ الدّاعِينَ.

تَمَدَّحْتَ بِالْغَناءِ عَنْ خَلْقِكَ وَأَنْتَ أَهْلُ الْغِنَى عَنْهُمْ، وَنَسَبْتَهُمْ إِلَى الْفَقْرِ وَهُمْ أَهْلُ الْفَقْرِ إِلَيْكَ، فَمَنْ حاوَلَ سَدَّ خَلَّتِهِ مِنْ عِنْدِكَ، وَرامَ صَرْفَ لفَقْرِ عَنْ نَفْسِهِ بكَ، فَقَدْ طَلَبَ حَاجَتَهُ فى مَظانِّها، وَأَتى طَلِبَتَهُ مِنْ وَجْهِهَا، وَمَنْ تَوجَّهَ بِحاجَتِهِ إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ جَعَلَهُ سَبَبَ نُجْحِها دُونَكَ، فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلْحِرْمَانِ، وَاسْتَحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَوْتَ الْإِحْسَانِ.

اللّهمّ وَلي إِلَيْكَ حاجَةٌ قَدْ قَصَّرَ عَنْهَا جُهْدِي، وَتَقَطَّعَتْ دُونَها حِيَلي، وَسَوَّلَتْ لي نَفْسِي رَفْعَهَا إِلَى مَنْ يَرْفَعُ حَوائِجَهُ إِلَيْكَ، وَلَا يَسْتَغْني في طَلِباتِهِ عَنْكَ، وَهِيَ زَلَّةٌ مِنْ زَلَلِ الْخاطِئِينَ، وَعَثْرَةٌ مِنْ عَثَراتِ الْمُذْنِبِينَ، ثُمَّ انْتَبَهْتُ بِتَذْكِيرِكَ لى مِنْ غَفْلَتي، وَنَهَضْتُ بِتَوْفِيقِكَ مِنْ زَلَّتي، وَرَجَعْتُ وَنَكَصْتُ بِتَسْدِيدِكَ عَنْ عَشْرَتي، وَقُلْتُ سُبْحانَ رَبِّي، كَيْفَ يَسْأَلُ مُحْتاجٌ مُحْتاجاً، وَأَنَىٰ يَرْغَبُ مُعْدِمٌ إِلى مُعْدِمٍ ؟

فَقَصَدْتُكَ يا إلهي بِالرَّغْبَةِ، وَأَوْفَدْتُ عَلَيْكَ رَجَائِي بِالثَّقَةِ بِكَ، وَعَلِمْتُ أَنَّ كَثيرَ ما أَسْأَلُكَ يَسيرٌ في وُجْدِكَ، وَأَنَّ خَطيرَ ما أَسْتَوْهِبُكَ حَقيرٌ في وُسْعِكَ، وَأَنَّ كَرَمَكَ لَا يَضِيقُ عَنْ سُؤالِ أَحَدٍ، وَأَنَّ يَدَكَ بِالْعَطَايَا أَعْلَىٰ مِنْ كلّ يَدٍ.

اللّهمّ فَصَلِّ عَلى محمّد وَآلِهِ، وَاحْمِلْنِي بِكَرَمِكَ عَلَى التَّفَضّل، وَلَا تَحْمِلْني بِعَدْلِكَ عَلَى الْإِسْتِحْقاقِ، فَمَا أَنَا بِأَوَّلِ رَاغِبٍ رَغِبَ إِلَيْكَ

فَأَعْطَيْتَهُ وَهُوَ يَسْتَحِقُّ الْمَنْعَ، وَلَا بِأَوَّلِ سَائِلِ سَأَلَكَ فَأَفْضَلْتَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَسْتَوْجِبُ الْحِرْمانَ.

اللّهمّ صَلِّ عَلَى محمّد وَآلِهِ، وَكُنْ لِدُعائي مُجِيباً، وَمِنْ نِدائي قَرِيباً. وَلِتَضَرُّعي راحِماً، وَلِصَوْتي سامِعاً، وَلَا تَقْطَعْ رَجائي عَنْكَ، وَلَا تَبَتّ (1)سَبَبي مِنْكَ، وَلَا تُوَجِّهْني في حاجَتي هَذِهِ وَغَيْرِهَا إِلَى سِواكَ، وَتَوَلَّني بِنُجْح طَلِبَتى وَقَضاءِ حاجَتي، وَنَيْلِ سُؤْلى قَبْلَ زَوالي عَنْ مَوْقِفي هذا، بِتَيْسِيرِكَ لِيَ الْعَسِيرَ، وَحُسْنِ تَقْدِيرِكَ لي في جَميعِ الْأُمُورِ.

وَصَلَّ عَلَى محمّد وَآلِهِ، صَلاةٌ دائِمَةً نامِيَةً لَا انْقِطاعَ لأَبَدِها، وَلَا مُنْتَهى لأَمَدِها، وَاجْعَلْ ذَلِكَ عَوْناً لي، وَسَبَباً لِنَجاحِ طَلِبَتي، إِنكَ وَاسِعٌ كَريمٌ، وَمِنْ حاجَتي يا رَبِّ كَذَا وَكَذا.

وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يذكر حاجته بعد هذا الدعاء، ثمّ يسجد ويقول في سجوده:

فَضْلُكَ آنَسَني، وَإِحْسانُكَ دَلَّني، فَأَسْأَلُكَ بِكَ وَبِمحمّد وَآلِهِ صَلَواتُكَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا تَرُدَّني خائِباً» (2).

وحكى هذا الدعاء الشريف شدّة تمسك الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) باللّه، وعظيم إيمانه به، فقد أيقن بأنه تعالى وحده هو المنتهى في طلب حوائج العباد، وهو الذي يفيض عليهم نعمه وألطافه، ولا يبيعها عليهم بالأثمان، ولا يكدرها عليهم بالمن،


1) البتّ : القطع.

2) الصحيفة السجّاديّة : الدعاء الثالث عشر.

فبعطإيّاه يستغني الإنسان، وإن جميع الخلق محتاجون إلى نيله، ومفتقرون إلى كرمه، وهو تعالى في غنى عنهم، وإنّ الذكي العارف هو الذي يلتجئ إلى اللّه تعالى وحده في سدّ خلّته، وصرف الفقر عن نفسه، وأمّا من توجّه إلى غيره في سد خلته وقضاء حوائجه، فقد تعرّض للحرمان، وفوّت على نفسه الإحسان.

ويأخذ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في التضرّع والتذلّل إلى اللّه تعالى طالباً منه المغفرة والرضوان، وعرض (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أنّ خير ما سأله من اللّه إنّما هو يسير بالنسبة إليه تعالى، فهو ذو الهبات والعطايا الواسعة، وأن يده تفيض بالجود والكرم، وهي أعلى من كلّ يد كريمة وسخيّة.

حقاً لقد كان هذا الإمام العظيم سيّد العارفين، وإمام المتقين، وإن في أدعيته ومناجاته مع اللّه أرصدة هائلة لإصلاح النفوس من الغي والتمرّد والشرّ.

4 – تضرّعه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى اللّه عزّ وجلّ

ومن إنابته إلى اللّه أنّه كان دائم التضرّع والاستكانة إليه تعالى، وكان يدعو بهذا الدعاء الشريف :

«إِلهِي أَحْمَدُكَ وَأَنْتَ لِلْحَمْدِ أَهْلٌ عَلى حُسْنِ صَنيعِكَ إِلَيَّ، وَسُبُوغ نَعْمَائِكَ عَلَيَّ، وَجَزيلِ عَطائِكَ عِنْدي، وَعَلَى مَا فَضَّلْتَني بِهِ مِنْ رَحْمَتِكَ، وَأَسْبَغْتَ (1)عَلَيَّ مِنْ نِعْمَتِكَ، فَقَدِ اصْطَنَعْتَ عِنْدِي مَا يَعْجِزُ عَنْهُ شُكْري. وَلَوْلَا إِحْسانُكَ إِلَيَّ وَسُبُوعُ نَعْمَائِكَ عَلَيَّ مَا بَلَغْتُ إِحْرَازَ حَظَّي، وَلَا إِصْلَاحَ نَفْسِي، وَلَكِنَّكَ ابْتَدَأْتَنِي بِالْإِحْسَانِ، وَرَزَقْتَنِي فِي


1) أسبغت : أي أوسعت علَيَّ.

اُموري كُلِّهَا الْكِفايَةَ، وَصَرَفْتَ عَنّي جَهْدَ البَلاءِ، وَمَنَعْتَ مِنِّي مَحْذُورَ القَضاء.

إلهي فَكَمْ مِنْ بَلاءِ جاهِدٍ (1)قَدْ صَرَفْتَ عَنِّي، وَكَمْ مِنْ نِعْمَةٍ سَابِغَةٍ أَقْرَرْتَ بِها عَيْنِي، وَكَمْ مِنْ صَنيعَةٍ كَرِيمَةٍ لَكَ عِنْدِي.

أَنْتَ الَّذِي أَجَبْتَ عِنْدَ الْإِضْطِرارِ دَعْوَتِي، وَأَقَلْتَ عِنْدَ الْعِمثّارِ زَلَّتي، وَأَخَذْتَ لِي مِنَ الْأَعْداءِ بِظُلَامَتِي.

إلهي ما وَجَدْتُكَ بَخيلاً حينَ سَأَلْتُكَ، وَلَا مُنْقَبِضاً حينَ أَرَدْتُكَ، بَلْ وَجَدْتُكَ لِدُعائي سامِعاً، وَلِمَطالِبي مُعْطِياً، وَوَجَدْتُ نُعْماكَ عَلَيَّ سابِغَةً في كلّ شَأْنٍ مِنْ شَأْني وَكُلِّ زَمَانٍ مِنْ زَماني، فَأَنْتَ عِنْدِي مَحْمُودٌ، وَصَنيعُكَ لَدَيَّ مَبْرُورٌ.

تَحْمَدُكَ نَفْسي وَلِسانِي وَعَقْلي، حَمْداً يَبْلُغُ الْوَفاءَ وَحَقيقَةَ الشُّكْرِ، حَمْداً يَكُونُ مَبْلَغَ رِضاكَ عَنِّي، فَنَجِّنِي مِنْ سُخْطِكَ.

يا كَهْفِي حِينَ تُعْيِينِي الْمَذاهِبُ، وَيَا مُقيلي عَثْرَتِي، فَلَوْلَا سَتْرُكَ عَوْرَتي لَكُنْتُ مِنَ الْمَفْضُوحِينَ، وَيَا مُؤَيَّدي بِالنَّصْرِ، فَلَوْلَا نَصْرُكَ إِيَّايَ لَكُنْتُ مِنَ المَغْلُوبينَ، وَيا مَنْ وَضَعَتْ لَهُ الْمُلُوكُ نِيرَ (2)الْمَذَلَّةِ عَلَى أَعْناقِها، فَهُمْ مِنْ سَطَواتِهِ خَائِفُونَ، وَيا أَهْلَ التَّقْوى، وَيا مَنْ لَهُ الْأَسْمَاءُ


1) جاهد : أي موجب للمشقّة.

2) النير : الخشبة التي توضع على عنق الثور وقت الحرث.

الْحُسْنَىٰ، أَسْأَلُكَ أَنْ تَعْفُوَ عَنِّي، وَتَغْفِرَ لِي فَلَسْتُ بَرِيئاً فَأَعْتَذِرَ، وَلَا بِذِي قُوَّةٍ فَأَنْتَصِرَ، وَلَا مَفَرَّ لي فَأَفِرٌ. وَأَسْتَقِيلُكَ عَثَراتِي، وَأَتَنَصَّلُ إِلَيْكَ مِنْ ذُنُوبِي الَّتِي قَدْ أَوْ بَقَتْنِي، وَأَحاطَتْ بِي فَأَهْلَكَتْني، مِنْهَا فَرَرْتُ إِلَيْكَ - رَبِّ - تائِباً فَتُبْ عَلَيَّ، مُتَعَوِّذاً فَأَعِذْنِي، مُسْتَجِيراً فَلَا تَخْذُلْنِي، سَائِلاً فَلَا تَحْرِمْني مُعْتَصِماً فَلَا تُسْلِمْني، داعِياً فَلَا تَرُدَّني حَائِباً. دَعَوْتُكَ - يارَبِّ - مِسْكيناً، مُسْتَكيناً (1)، مُشْفِقاً (2)، خائِفاً، وَجِلاً، فَقيراً، مُضْطَرّاً إِلَيْكَ.

أَشْكُو إِلَيْكَ يا إِلهِي ضَعْفَ نَفْسى عَنِ الْمُسَارَعَةِ فِيمَا وَعَدْتَهُ أَوْلِيَاءَكَ، وَالْمُجانَبَةِ عَمَّا حَذَرْتَهُ أَعْداءَكَ، وَكَثْرَةً هُمُومي، وَوَسْوَسَةً نَفْسِي.

إلهي لَمْ تَفْضَحْني بِسَريرَتي، وَلَمْ تُهْلِكُني بِجَريرَتي، أَدْعُوكَ فَتَجيبُني وَإِنْ كُنْتُ بَطيئاً حينَ تَدْعُونِي، وَأَسْأَلُكَ كُلَّما شِنْتُ مِنْ حوائجي، وَحَيْثُ ما كُنْتُ وَضَعْتُ عِنْدَكَ سِرّي، فَلَا أَدْعُو سِواكَ، وَلَا أَرْجُو غَيْرَكَ.

لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، تَسْمَعُ مَنْ شَكَا إِلَيْكَ، وَتَلْقَى مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْكَ، وَتُخَلِّصُ مَنِ اعْتَصَمَ بِكَ، وَتُفَرِّجُ عَمَّنْ لاذَ بِكَ.

إِلهِي فَلَا تَحْرِمْني خَيْرَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى لِقِلَّةِ شُكْرِي، وَاغْفِرْلي ما تَعْلَمُ مِنْ ذُنُوبي.


1) المستكين : المتضرّع.

2) مشفقاً : أي خائفاً أشدّ الخوف.

إِنْ تُعَذِّبْ فَأَنَا الظَّالِمُ الْمُفَرِّطُ المُضَيِّعُ الْآئِمُ الْمُقَصَّرُ الْمُضَجِّعُ (1)الْمُغْفِلُ حَظَ نَفْسى، وَإِنْ تَغْفِرْ فَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ» (2).

ويفيض هذا الدعاء الشريف بالاستكانة والتذلّل والخضوع إلى اللّه الخالق العظيم، وقد حمد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن إيمان ومعرفة وإخلاص، واعترف بعجزه عن أداء شكره لما أولاه من النعم، ولما أسدى عليه من الألطاف التي لا تحصى، وطلب منه بعد ذلك المغفرة والعفو مستجيراً ومعتصماً به، وقد أبدى (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الخوف والوجل من اللّه تعالى ممّا يهزّ أعماق النفوس، ودخائل القلوب.

5 - تذلّله (عَلَيهِ السَّلَامُ) أمام اللّه عزّ وجلّ

وذاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في محبة اللّه، وأخلص له أعظم ما يكون الإخلاص، وقد تضرّع إليه، وتذلّل أمامه، وكان من مظاهر تذلّله أنّه كان يدعو بهذا الدعاء الشريف.

«رَبِّ أَفْحَمَتْنِي ذُنُوبِي، وَانْقَطَعَتْ مَقالَتي، فَلَا حُجَّةَ لي، فَأَنَا الْأَسِيرُ بِبَلِيَّتي، الْمُرْتَهَنُ بِعَمَلِي، الْمُتَرَدِّدُ في خَطيئَتي، الْمُتَحَيَّرُ عَنْ قَصْدِي، الْمُنْقَطِعُ بِيَ. قَدْ أَوقَفْتُ نَفْسِي مَوْقِفَ الْأَذِلَاءِ الْمُذْنِينَ، مَوْقِفَ الْأَشْقِياءِ الْمُتَجَرِّنِينَ عَلَيْكَ، الْمُسْتَخِفِّينَ بِوَعْدِكَ، سُبْحانَكَ أَيَّ جُرْأَةِ اجْتَرَأَتُ عَلَيْكَ، وَأَيَّ تَغْرِيرٍ غَرَّرْتُ بِنَفْسي.

مَوْلايَ ارْحَمْ كَبْوَتِي لِحُرِّ وَجْهِي وَزَلَّةَ قَدَمى، وَعُدْ بِحِلْمِكَ عَلَى جَهْلي، وَبِإِحْسانِكَ عَلَى إِساءَ تي، فَأَنَا الْمُقِرُّ بِذَنْبِي، الْمُعْتَرِفُ بِخَطيئَتِي،


1) المضجع : المتهاون في الأمر والمقصر فيه.

2) الصحيفة السجّاديّة : الدعاء الخمسون.

وَهَذِهِ يَدي وَناصِيَتِي (1)أَسْتَكِينُ بِالْقَوَدِ مِنْ نَفْسِي، ارْحَمْ شَيْبَتِي وَنَفادَ أَيَّامي، وَاقْتِرابَ أَجَلي، وَضَعْفِي وَمَسْكَنَتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي.

مَوْلايَ وَارْحَمْنِي إِذَا انقَطَعَ مِنَ الدُّنْيا أَثَرِي، وَامَّحَى مِنَ الْمَخْلُوقينَ ذِكْرِي، وَكُنْتُ فِي الْمَنْسِيِّينَ كَمَنْ قَدْنُسِيَ.

مَوْلايَ وَارْحَمْني عِنْدَ تَغَيَّرِ صُورَتي وَحالي، إِذا بَلِيَ جِسْمِي وَتَفَرَّقَتْ أَعْضائي، وَتَقَطَّعَتْ أَوْصالي، يا غَفْلَتِي عَمَا يُرَادُ بِي.

موْلايَ وَارْحَمْني فِي حَشْري (2)وَنَشْرِي (3)، وَاجْعَلْ فِي ذَلِكَ الْيَومِ مَعَ أوْلِيائِكَ مَوْقِفي، وفي أحِبَائِكَ مَصْدَري، وَفي جِوارِكَ مَسْكَني، يا رَبَّ الْعالَمينَ» (4).

لقد استوعب الإيمان باللّه قلب الإمام، وميول فطرته، وحركات جسمه، ولفتات جوارحه وسلوكه، وبهذا الرصيد الهائل من الإيمان استحق أن يكون إمام المتقين وسيّد المنيبين.

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض عناصره النفسيّة.


1) الناصية : مقدّم الرأس.

2) الحشر : هو الجمع.

3) النشر : هو الرجوع إلى الحياة بعد الموت.

4) الصحيفة السجّاديّة : الدعاء الثالث والخمسون.

إمامَتُهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

الإمامة عنصر حي في تكوين الفكر السياسي والحضاري في الإسلام، وهي جزء لا يتجزأ من رسالة الإسلام الخالدة، بل هي جوهره وحقيقته، والإسلام بدونها يفقد ذاتيّاته وفعّاليّاته، ويكون جامداً وشبحاً مبهماً وعصباً خالياً من الحياة والإحساس، ونعرض بإيجاز إلى شؤون الإمامة، وإلى إمامة الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وإلى ما أثر عنه في هذا المجال.

معنى الإمامة

أما معنى الإمامة ومدلولها فهي - كما حددها علماء الكلام وغيرهم - عبارة عن القيادة الروحيّة والزمنيّة للأمة لشخص تتوفّر فيه النزعات الخيّرة، والصفات الشريفة، والتي من أهمها : العدالة، ونكران الذات، والتجرّد عن الأنانيّة، وعدم الانقياد للعواطف وسائر المؤثّرات الخارجيّة سوى ما يتصل منها بالحقّ والعدل.

ضرورة الإمامة

أمّا الإمامة في الإسلام فهي ضرورية لا غنى للحياة الإسلاميّة عنها، وهي عنصر أساسي في إقامة العدل الاجتماعي، وبناء مجتمع أفضل لا ظلّ فيه للغبن الاجتماعي، ولا شبح فيه للفقر والحرمان.

إنّ الإمامة في الإسلام تعنى بتوزيع خيرات اللّه على عباده، وتوفير الفرص

المتكافئة لهم، وحمايتهم من الاستغلال والاستعباد، وهي من أسمى ما توصل إليه تطوّر الفكر البشري في عالم الحكم والسياسة، وهي إنّما تحقّق الوسيلة التي خطط لها الإسلام فيما إذا تقلّدها الأئمّة المتّقون من عترة النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، الذين هم عدلاء الذكر الحكيم، وسفن نجاة هذه الأُمّة، وسنوضح ذلك في البحث التالي :

النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) والإمامة

والشيء المؤكّد الذي لا خفاء فيه أنّ النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) قد رتّب الخلافة والإمامة من بعده، ولم يترك الأُمّة من بعده فوضى تتعرّض للأخطار والأزمات، فقد نص على خلفائه الأئمّة الاثني عشر من أهل بيته، وفي طليعتهم سيّدهم الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد نصبه علماً ومرجعاً للأمة، ولم يكن (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) بذلك مدفوعاً بأي عاطفة من العواطف التقليدية وإنّما قلد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا المنصب الخطير لكفاءته ومواهبه وعبقرياته وشدة احتياطه في الدين.

فقد أجمع علماء المسلمين على اختلاف ميولهم ومذاهبهم على أنّ الإمام أعلم من في الأُمّة بعد النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، وأدراهم بشؤون الشريعة وأحكام الدين، وأعرفهم بالشؤون السياسيّة والعسكريّة والاجتماعيّة، لا سيّما وأن الأُمّة كانت جديدة عهد بالإسلام، فهي تحتاج قبل كلّ شيء إلى بيان محاسن أحكام الشريعة، وتفصيل ما تبتلى به من العقود والإيقاعات والمواريث والحدود وغيرها.

ومن الطبيعي أن عدم ترشيحه لهذا المنصب إنّما هو حرمان للأمة من التمتّع بمواهب هذا العملاق العظيم، وهذا ممّا يمتنع عقلاً صدوره عن النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) الحريص على أمته الرؤوف بها، كما قال تعالى : «لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِن أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ» (1).


1) التوبة 9: 128.

أمّا النصوص التي أثرت عن النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) في النصّ على إمامة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فهي مجموعة ضخمة أجمع الرواة والمؤرّخون على روايتها، ومن أهمّها حديث الغدير المتواتر الذي نصب فيه النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) الإمام خليفة من بعده، وأمر المسلمين بمبايعته، وقال فيه : «مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ. اللّهمّ وال من والاه، وَعادِ مَنْ عاداهُ».

وقد سئل الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن معنى هذا الحديث، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ رَسولَ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) أَخْبَرَهُمُ الإمامَ مِنْ بَعْدِهِ» (1).

وقد عرض السادة العلماء من الشيعة في كتبهم الكلامية وغيرها إلى إقامة الأدلّة العلميّة التي لا تقبل الجدل والشك على إمامة الأئمّة الاثني عشر (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وأنهم أوصياء النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) وخلفاؤه، وأن سيرتهم ومآثرهم تدلل على إمامتهم ونيابتهم العامّة عن الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، كما تدلل على أنهم يملكون أرصدة هائلة من العلم والتقوى والحريجة في الدين لا يملكها أحد غيرهم.

سموّ منزلة الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ)

أمّا سموّ منزلة الأئمّة، وعظيم مكانتهم عند اللّه، فلا يعرفها أحد سواهم، وقد تحدّث عنها الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مواضع متعددة، كان منها :

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ اللّه خَلَقَ محمّداً وَ عَلِيّاً وَأَحَدَ عَشَرَ مِنْ وَلْدِهِ مِنْ نورِ عَظَمَتِهِ، فَأَقَامَهُمْ أَشْبَاحاً في ضِياءِ نُورِهِ، يَعْبُدونَهُ قَبْلَ خَلْقِ الْخَلْقِ، يُسَبِّحُونَ اللّه وَيُقَدِّسونَهُ، وَهُمُ الأئمّة مِنْ وُلْدِ رَسولِ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)» (2).


1) معاني الأخبار : 65.

2) أصول الكافي : 1 : 530، الحديث 6.

وقد اعتقد بذلك حكيم المعرّة أبو العلاء المعرّي الذي كان يسيء الظن بالناس سوى أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، يقول :

وَالشُّخوص التي أضاءَ سَناها***قبل خَلقِ المرّيخ والميزان

قَبْلَ أَن تُخْلَقَ السَّمواتُ***وَتُؤْمَرُ أَفَلاكُهُنَّ بِالدّورانِ

2 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «نَحْنُ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ، وَحُجَجُ اللّه عَلَى الْعالَمينَ، وَسادَةٌ الْمُؤْمِنينَ، وَقادَةُ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ، وَمَوَالِيَ الْمُؤْمِنِينَ، وَنَحْنُ أَمَانُ أَهْلِ الْأَرْضِ كَمَا أَنَّ النُّجومَ أَمانٌ لأَهْلِ السَّماءِ، وَبِنا يُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَبِنا يُمْسِكُ الْأَرْضَ أَنْ تَمِيدَ بِأَهْلِهَا، وَلَمْ تَخْلُ الْأَرْضُ مُنْذُ خَلَقَ اللّه الْأَرْضَ مِنْ حُجَّةٍ للّه مَشْهُورٌ أَوْ غَائِبٌ مَسْتورٌ، وَلَا تَخْلو الْأَرْضُ إِلَى أَنْ تَقومَ السَّاعَةُ مِنْ حُجَّةِ للّه فيها، وَلَوْلا ذلِكَ لَمْ يُعْبَدِ اللّه.

فانبرى إليه شخص قائلاً : كيف ينتفع الناس بالغائب المستور ؟

وردّ الإمام عليه هذه الشبهة ببرهان قاطع قائلاً: كما يَنْتَفِعونَ بِالشَّمْسِ إِذا سَتَرَها السَّحابُ» (1).

أجل واللّه إنّ أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)هم أئمّة المسلمين، وحجج اللّه على الخلق أجمعين، ولولاهم ما عبد اللّه عابد، ولا وحده موحد، ولا أقيمت للإسلام سنة، ولا دانت له كلمة، ولا رفعت له شعائر، وهم الآية المخزونة، والباب المبتلى به الناس، من عرفهم ودان لهم بالولاء فقد نجا، ومن جحدهم وخالفهم فقد هوى.

3 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «رَبِّ صَلِّ عَلَى أَطَائِبٍ أَهْلِ بَيْتِهِ - أهل بيت النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) - الَّذِينَ


1) أمالي الصدوق : 112. ينابيع المودّة : 3 : 147. روضة الواعظين: 170.

اخْتَرْتَهُمْ لأَمْرِكَ، وَجَعَلْتَهُمْ خَزَنَةَ عِلْمِكَ، وَحَفَظَةَ دينِكَ، وَخُلَفَاءَكَ في أَرْضِكَ، وَحُجَجَكَ عَلى عِبادِكَ، وَطَهَّرْتَهُمْ مِنَ الرِّجْسِ وَالدَّنَسِ تَطْهِيراً بِإِرادَتِكَ، وَجَعَلْتَهُمُ الْوَسيلَةَ إِلَيْكَ، وَالْمَسْلَكَ إِلى جَنَّتِكَ.

رَبِّ صَلِّ عَلى محمّد وَآلِهِ، صَلاةٌ تُجْزِلُ لَهُمْ بِها مِنْ نِحَلِكَ (1)وَكَرامَتِكَ، وَتُكْمِلُ لَهُمُ الْأَشْيَاءَ مِنْ عَطإيّاك وَنَوافِلِكَ، وَتُوَفِّرُ عَلَيْهِمُ الْحَظَّ مِنْ عَوائِدِكَ وَفَوائِدِكَ، رَبِّ صَلِّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ صَلاةً لا أَمَدَ في أَوَّلِها، وَلَا غايَةَ لأَمَدِها، وَلَا نِهايَةَ لَآخِرِها.

رَبِّ صَلِّ عَلَيْهِمْ زِنَةَ عَرْشِكَ وَما دُونَهُ، وَمِلْءَ سمواتِكَ وَما فَوْقَهُنَّ، وَعَدَدَ أَرَضِيكَ وَمَا تَحْتَهُنَّ وَمَا بَيْنَهُنَّ، صَلاةً تُقَرِّبُهُمْ مِنْكَ زُلْفَىٰ، وَتَكُونُ لَكَ وَلَهُمْ رِضى، وَمُتَّصِلَةٌ بِنَظَائِرِهِنَّ أَبَداً» (2).

لقد اختار اللّه أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) لأداء رسالته، وجعلهم خزنة لعلمه وحفظة لدينه، وخلفاء في أرضه، وحججاً على عباده، ووهبهم المنزلة الرفيعة عنده، فهم الوسيلة إليه، والمسلك إلى جنته، والأبواب لرحمته.

4 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «نَحْنُ خُلَفَاءُ الْأَرْضِ، وَنَحْنُ أَوْلَى النَّاسِ بِاللّه، وَنَحْنُ الْمَخْصوصونَ فِي كِتابِ اللّه، وَنَحْنُ أَوْلَى النّاسِ بِاللّه، وَنَحْنُ الَّذِينَ شَرَّعَ اللّه لَنا دينَهُ، فَقالَ : «شَرَعَ لَكُم مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا


1) نحلك - جمع نحلة - : وهي العطيّة.

2) المصباح / الكفعمي : 674.

إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى» (1)، فَقَدْ عَلَّمَنا وَبَلَّغَنا وَاسْتَوْدَعَنا عِلْمَهُمْ، وَنَحْنُ وَرَثَةُ الْأَنْبِياءِ، وَنَحْنُ ذُرِّيَّةً أولي العِلْمِ، أَنْ أَقيموا الدِّينَ بِآلِ محمّد (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) وَلَا تَتَفَرَّقوا فيه» (2).

أما أنتم يا أئمة أهل البيت، فخلفاء اللّه في أرضه، وأولى الناس باللّه، قد شرع اللّه لكم دينه، واصطفاكم لتبليغه، وارتضاكم لأداء أمانته، لا يجحد فضلكم إلا كافر أو منحرف عن الدين، ولا يحبّكم إلا كلّ مؤمن امتحن اللّه قلبه للإيمان.

لزوم الرجوع إلى الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ)

ويجب الرجوع إلى أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) في أخذ الأحكام الدينية لأنهم أدرى بشؤون الشريعة، وأعرف بأحكام الدين من غيرهم.

وقد أكّد الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذلك بقوله : «إِنَّ دينَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ لَا يُصاب بالْعُقولِ النّاقِصَةِ، وَالْآراءِ الْباطِلَةِ، وَالْمَقاييسِ الْفَاسِدَةِ، وَلَا يُصاب إِلَّا بِالتَسْلِيم، فَمَنْ سَلَّمَ لَنا سَلِمَ، وَمَنِ اقْتَدِى بِنا هُدِيَ، وَمَنْ كانَ يَعْمَلُ بِالْقِياسِ وَالرَأْي هَلَكَ، وَمَنْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ شَيْئاً ممّا نَقولُهُ أَوْ نَقْضِي بِهِ حَرَجاً كَفَرَ بِالَّذِي أَنْزَلَ السَّبْعَ الْمَثانِيَ وَالْقُرْآنَ الْعَظيمِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ».

لقد أثبتت البحوث الفقهيّة والأصوليّة التي ذكرها علماء الشيعة الإماميّة بطلان التمسك بالقياس والاستحسان في شؤون الشريعة الإسلاميّة، وإن علم الفقه علم توقيفي يجب التعبد فيه بالنصّ، فإن فقد النص أو كان مجملاً أو معارضاً بمثله


1) الشورى 42: 13.

2) ناسخ التواريخ : 2 : 49.

فيجب الرجوع إلى الأصول العمليّة، وهي التي يرجع إليها الشاكّ في مقام العمل، أمّا الرجوع إلى غير ذلك من القياس ونحوه فإنّه لا يجزي ومؤاخذ عليه.

وجوب طاعة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

واهتمّ الإسلام اهتماماً بالغاً بإطاعة الإمام ؛ لأنّ إقامة النظام الاجتماعي في الإسلام يرتبط بها ويتوقف عليها سير الحياة الإسلاميّة، كما أنّ في التمرد وعدم الطاعة إخلالاً في النظام، وإشاعة للفوضى، وتعريض الأُمّة للأزمات والأخطار، وقد أكد الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على لزوم طاعة الإمام، وذكر أهميته وسموّ منزلته.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): اللّهمّ إِنَّكَ أَيَّدْتَ دِينَكَ في كلّ أَوانٍ بِإِمامٍ أَقَمْتَهُ عَلَماً لِعِبادِكَ، وَمَناراً في بلادِكَ، بَعْدَ أَنْ وَصَلْتَ حَبْلَهُ بِحَبْلِكَ، وَجَعَلْتَهُ الذَريعَةَ إلى رضْوانِكَ، وَافْتَرَضْتَ طَاعَتَهُ، وَحَذَّرْتَ مَعْصِيَتَهُ، وَأَمَرْتَ بِامْتِثالِ أَمْرِهِ، وَالْاِنْتِهَاءِ عِنْدَ نَهْيِهِ، وَأَلَا يَتَقَدَّمَهُ مُتَقَدِّمٌ، وَلا يَتَأَخَّرَ عَنْهُ مُتَأَخَّرٌ، فَهُوَ عِصْمَةُ اللَّائِذِينَ، وَكَهْفُ الْمُؤْمِنِينَ، وَعُرْوَةُ المُتَمَسِّكينَ. وَبَهاءُ الْعالَمينَ.

اللّهمّ فَأَوْزِعْ لِوَلِيَّكَ شُكْرَ ما أَنْعَمْتَ بِهِ عَلَيْهِ، وَأَوْزِعْنَا مِثْلَهُ فِيهِ، وَآتِهِ مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصيراً، وَافْتَحْ لَهُ فَتْحاً يَسيراً، وَأَعِنْهُ بِرُكْنِكَ الْأَعَزَّ، وَاشْدُدْ أَزْرَهُ، وَقَوْ عَضُدَهُ، وَراعِهِ بِعَيْنِكَ، وَاحْمِهِ بِحِفْظِكَ، وَانْصُرْهُ بِمَلائِكَتِكَ، وَامْدُدْهُ بِجُنْدِكَ الْأَغْلَبِ، وَأَقِمْ بِهِ كِتَابَكَ وَحُدُودَكَ وَشَرائِعَكَ وَسُنَنَ رَسُولِكَ صَلَواتُكَ اللّهمّ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَأَحْيِ بِهِ مَا أَمَاتَهُ الظَّالِمُونَ مِنْ مَعالِمِ دينِكَ، وَاجْلُ بِهِ صَدَأَ الْجَوْرِ عَنْ طَريقَتِكَ، وَأَبِنْ بِهِ الضَّرَاءَ مِنْ

سَبيلِكَ، وَأَزِلْ بِهِ النّاكِبينَ عَنْ صِراطِكَ، وَامْحَقِّ بِهِ بُعَاةَ قَصْدِكَ عِوَجاً، وَأَلِنْ جانِبَهُ لأَوْلِيائِكَ، وَابْسُطْ يَدَهُ عَلى أَعْدائِكَ، وَهَبْ لَنا رَأْفَتَهُ وَرَحْمَتَهُ، وَتَعَطَّفَهُ وَتَحَنُّنَهُ، وَاجْعَلْنا لَهُ سامِعِينَ مُطيعينَ، وَفي رِضاهُ ساعينَ، وَإِلَى نُصْرَتِهِ وَالْمُدافَعَةِ عَنْهُ مُكْنِفِينَ، وَإِلَيْكَ وَإِلَى رَسُولِكَ صَلَواتُكَ اللّهمّ عَلَيْهِ وَآلِهِ بِذلِكَ مُتَقَرِّبينَ» (1).

وأعرب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه القطعة من كلامه عن وجوب طاعة الإمام، وحرمة مخالفته، ولزوم السير على خطه ومنهاجه، كما أعرب (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن سموّ منزلة الإمام وأهمّيته، فهو عصمة اللائذين، وكهف المؤمنين، وعروة المستمسكين، وقد دعا (عَلَيهِ السَّلَامُ) له بالحفظ والنصر والفتح المبين، والتسديد لإقامة فرائض الدين، وإحياء سنن الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) التي أجهزت عليها القوى الظالمة والمنحرفة عن الإسلام.

عصمة الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

من الصفات الأولية التي يجب أن تتوفّر في الإمام : العصمة من كلّ دنس وإثم، سواء ما ظهر منها أم ما بطن، ويجب أن يتخلّى عن ذلك في جميع مراحل حياته، وقد أدلى الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بضرورة اتّصاف الإمام بالعصمة

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ الإمامَ مِنَا لا يَكونُ إِلَّا مَعْصوماً».

وسئل عن معنى المعصوم، فقال : «وَهُوَ الْمَعْتَصِمُ بِحَبْلِ اللّه، وَحَبْلُ اللّه هُوَ وَالْقُرْآنُ لَا يَفْتَرِقانِ إِلَى يَوْمِ الْقِيامَةِ» (2).


1) المصباح / الكفعمي : 675.

2) تاريخ التربية عند الإماميّة : 19.

وأنكر من لا حريجة له في الدين على الشيعة قولهم بعصمة أئمتهم، وعابوا عليهم ذلك، وقد قاسوا الأئمّة بسائر الناس الذين يخضعون لأهوائهم وشهواتهم، وكان ذلك ناشئاً إما عن حقد على أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) أو عن جهل بمعرفتهم.

فمن المؤكّد أنّ من يمعن النظر فى سيرة الأئمّة الطاهرين (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فإنّه يؤمن إيماناً لا يخامره أدنى شكّ في أنّهم سلام اللّه عليهم يملكون أرصدة هائلة من التقوى والإيمان تمنعهم من اقتراف أي ذنب. ألم يقل سيّد العترة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «وَاللّه لَوْ أُعْطِيتُ الأَقالِيمَ السَّبْعَةَ بِما تَحْتَ أَفْلَاكِها، عَلَىٰ أَنْ أَعْصِيَ اللّه فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُها جُلْبَ شَعِيرَةٍ ما فَعَلْتُهُ».

أليست هذه هي العصمة ؟ ولكن الناقدين للشيعة قد وضعوا حجاباً على عقولهم فهم لا يفقهون.

إمامته (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

وبعد الحديث إلى ما أثر عن الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في شؤون الإمامة نعود إلى البحث عن إمامته، وهي من البديهيّات التي لا تقبل الجدل والشك، وذلك لما يتمتّع به من النزعات الكريمة والصفات الرفيعة التي لا توجد إلا عند من امتحن اللّه قلبه للإيمان، وقد ألمحنا إلى بعضها عند البحث عن سلوكه، وعناصره النفسيّة، وممّا يدلّل على إمامته ما يلي :

النصّ على إمامته (عَلَيهِ السَّلَامُ)

ويعتبر النصّ على الإمام ضرورياً عند الشيعة الإماميّة في تعيين الإمام، ونفي الريب عنه، وقد تواترت النصوص على إمامة الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ونشير إلى بعضها :

1 - إنّ الرسول الأعظم (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) عيّن أوصياءه وخلفاءه الاثني عشر من بعده،

وصرّح بأسمائهم، ومنهم الإمام السجّاد (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد تظافرت النصوص بذلك (1).

2 - إنّ الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد نصّ على إمامة حفيده زين العابدين، وذلك حينما حضرته الوفاة، فقد أوصى إلى ابنه الزكيّ الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعينه من بعده، ودفع إليه مواريث الأنبياء، وأشهد على ذلك ولده الإمام الحسين ومحمّد بن الحنفيّة، وجميع أولاده ورؤساء شيعته، وقال للحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إِنَّكَ الْقَائِمُ بَعْدَ أَخِيكَ الْحَسَن، وَإِنَّ رَسولَ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) يَأْمُرُكَ أَنْ تَدْفَعَ الْمَواريثَ مِنْ بَعْدِكَ إِلَى وَلَدِكَ زَيْنِ العابدينَ، فَإِنَّهُ الْحُجَّةُ مِنْ بَعْدِكَ.

ثم أخذ بيد زين العابدين، وكان طفلاً، وقال له : إِنَّ رَسُولَ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) يَأْمُرُكَ أَنْ تُوصِيَ بِالْإِمَامَةِ مِنْ بَعْدِكَ إِلَى وَلَدِكَ محمّد الْبَاقِرِ، وَاقْرَئْهُ مِنْ رَسولِ اللّه وَمِنّي السَّلامَ (2).

3 - ونصّ الإمام الحسين على إمامة ولده زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) اللّه، وعهد إليه بالإمامة من بعده، فقد روى الزهري، قال : «كنت عند الحسين بن عليّ إذ دخل عليّ بن الحسين الأصغر - يعني زين العابدين - فدعاه الحسين وضمّه إليه ضماً، وقبل ما بين عينيه، والتفت الزهري إلى الإمام الحسين، فقال له : يابن رسول اللّه، إن كان ما نعوذ باللّه أن نراه فإلى من ؟

فقال الحسين : عَلِيٍّ ابني هذا هُوَ الإمام أبو الأئمّة» (3).

وروى مثل هذا الحديث عبداللّه بن عتبة (4).

ويقول رواة الشيعة : «إنّ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمّا أراد السفر إلى العراق استودع المواريث التي تسلّمها من أخيه الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند السيّدة أم سلمة زوجة النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)،


1) كفاية الأثر : 311. الغيبة / الطوسي : 105. مختصر البصائر : 39. سليم بن قيس : 94.

2) أصول الكافي : 1 : 297، باب النصّ على إمامة الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، الحديث 1.

3) روضات الجنّات : 247 و 248.

4) إثبات الهداة : 5 : 214.

وأمرها أن تدفعها من بعده إلى زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولما رجع الإمام السجّاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى يثرب بعد شهادة أبيه سلّمته أم سلمة الوديعة التي عندها (1). وهي من أمارات الإمامة وولائها وكثير من أمثال هذه النصوص قد دوّنتها كتب الشيعة القدامى، ولو لم تك هذه النصوص لكانت مثله العليا، وصفاته الرفيعة تدلّل على إمامته.

الإمامة في عصره (عَلَيهِ السَّلَامُ)

أما الإمامة في اطارها الفكري حسب العقيدة الشيعية فإنّها لم تتبلور في عصر الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلم يك يفهمها أو يدين بها إلا أقل القليل من خواص الشيعة من الذين صهرت نفوسهم تعاليم الإسلام وقيمه.

يقول الحسين بن عبدالوهاب : «وصارت الإمامة - في عصر الإمام - مكتومة مستورة، إلّا ممّن اتبعه من المؤمنين (2).

لقد أحاطت بالإمام مجموعة من العوامل الرهيبة لم تدعه يتمكّن من إظهار المعطيات الضخمة للإمامة، وبيان الحق أصولاً وفروعاً، إلا لطائفة قليلة من خواصه وشيعته (3).

وذكر الكشّي في ترجمة سعيد بن المسيّب أنّ الفضل بن شاذان، قال : «لم يكن في زمان عليّ بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أوّل أمره إلّا خمسة أنفس : سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيّب، ومحمّد بن جبير بن مطعم، ويحيى بن أمّ الطويل، وأبو خالد الكابلي، فهؤلاء كانوا يعرفون الإمامة ويدينون بها دون غيرهم» (4).


1) أصول الكافي : 1 : 304، باب النص على إمامة عليّ بن الحسين علي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، الحديث 3.

2) عيون المعجزات : 70.

3) روضات الجنّات : 4 : 44.

4) رجال الكشي : 184/115.

لقد اعتزل الإمام عن الناس فترة من الزمن، كما اعتزل جده الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيّام الخلفاء، وصار جليس بيته، وقد ضرب الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لنفسه بيتاً من الشعر خارج المدينة (1)مشتغلاً بالعبادة ونشر العلم، وقد حقن بذلك دمه ودماء البقية الباقية من أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وأنقذهم من شرّ ذلك الحكم الأسود الذي امتحن به المسلمون امتحاناً عسيراً.

وعلى أي حال، فإنّ المجتمع الإسلامي لم يع الأهداف المشرقة التي تنشدها الإمامة، كما لم يع الصفات الرفيعة التي يجب أن تتوفّر في الإمام من العصمة ووفور العلم، والدراية التامة بما تحتاج إليه الأُمّة في مجالاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعيّة، ويعود السبب في ذلك إلى اضطهاد الشيعة رسميّاً، وتصفيتهم جسدياً، وزجّ الكثير منهم في ظلمات السجون، وحجبهم عن الإمام السجّاد (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وذلك من قبل الدولة الأمويّة العفنة التي ما تركت لوناً من ألوان الظلم والجور إلّا صبّته على المسلمين.

إمامة محمّد بن الحنفيّة

ووصف المؤرّخون محمّد بن الحنفيّة بأنّه من رجال الدهر في العلم والزهد والعبادة والشجاعة، وهو من أفضل أولاد الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد الإمامين الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ).

وكان،ورعاً، واسع العلم (2)، وقد مالت إليه القلوب (3). وقد دانت بإمامته فرقة من المسلمين سُمّيت بالكيسانيّة، وهي من أقدم الفرق الإسلاميّة، وقد منحوه لقب المهدي الذي بشّر به النبيّ الأعظم (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) وهو قائم آل محمّد (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) الذي أخبر عنه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)


1) فرحة الغري : 33.

2) حلية الأولياء : 3 : 174.

3) حلية الأولياء : 3 : 174.

بأنّه سيخرج في آخر الزمان فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً بعد ما ملئت ظلما وجوراً.

وكان ممّن دان بإمامته الشاعر الإسلامي الكبير السيّد الحميري، وقد اعتقد ببقائه حيّاً، وأنه مقيم بجبل رضوى، وعنده عسل وماء، وقد نظم ذلك في هذه الأبيات الذائعة :

أَلا إِنَّ الأئمّة مِنْ قُرَيش***ولاةُ الحَقُ أَرْبَعَةٌ سَواءٌ

عَلِيُّ والثلاثَةُ مِنْ بَنيه***هُمُ الأَسْبَاطُ لَيْسَ بِهِمْ خَفاءُ

فَسِبْط (1)سِبْطُ إِيمانٍ وَبِرَّ***وَسِبط (2)غَيَّبَتْهُ كَر بَلاءُ

وَسِبْطُ (3)لا يَذوقُ المَوتَ حتّى***يقود الخَيلَ يَقدِمُها اللَّواءُ

تَغَيَّبَ لَا يُرى فيهِمْ زَماناً***برضوى عِندَهُ عَسَل وَمَاءُ (4)

إلّا أنّه لما تبين له الحقّ رجع عن معتقده، ودان بإمامة الأئمّة الطاهرين (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وقد أعلن ولاءه للإمام الأعظم جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله :

تَجَعْفَرتُ بِاسْمِ اللّه وَاللّه أَكْبَرُ***وأَيْقَنْتُ أَنَّ اللّه يَعْفُو وَيَغْفِرُ (5)

الإمام مع ابن الحنفيّة

ومن المؤكّد أنّ محمّد بن الحنفيّة كان يدين بالإمامة للإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولم يدع الإمامة لنفسه، وإنما ادّعاها الناس له، وحاشا أن يدعى ما ليس له، فقد كان


1) أراد بالسبط الإمام الزكي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏).

2) أراد بالسبط الإمام الحسين أبا الأحرار وسيّد الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ).

3) أراد به محمّد بن الحنفيّة.

4) الأغاني : 7: 245. وفي البداية والنهاية : 4 : 355 : أنّ هذه الأبيات للشاعر كثير.

5) الأغاني : 7: 235.

من أشدّ الناس ورعاً، ومن أكثرهم تحرّجاً في الدين، وكان على بيّنة من أمر الإمامة في أنّها ليست بيد أحد، وإنّما أمرها إلى اللّه، فهو الذي يهبها لمن يشاء من عباده، وهو على يقين أن إمام عصره هو الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ويقول الرواة : «إنّه جرى بينه وبين الإمام نزاع صوري حول الإمامة، فاتفقا على المضيّ إلى الكعبة ليتحاكما عند الحجر الأسود، وهو الذي يكون حاكماً بينهما،وإنّما اتّفقا على ذلك لبلورة الرأي العام، وإرجاع القائلين بإمامة محمّد إلى الحقِّ، وسافرا إلى مكة.

فلمّا انتهيا إليها توجّها نحو البيت الحرام، واستقبل الإمام الحجر الأسود، ودعا بهذا الدعاء :

«اللّهمّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْمَكْتُوبِ في سُرادِقِ الْمَجْدِ، وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْمَكْتُوبِ في سُرادِقِ الْبَهَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ المَكْتُوبِ في سُرادِقِ الْعَظَمَةِ، وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ المَكْتُوبِ فِي سُرَادِقِ الْجَلالِ، وَأَسأَلُكَ بِاسْمِكَ الْمَكْتُوبِ في سُرادِقِ الْعِزَّةِ، وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْمَكْتُوبِ في سُرادِقِ الْقُدْرَةِ، وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْمَكْتُوبِ فِي سُرَادِقِ السَّرائِرِ، السَابِقِ الْفَائِقِ، الْحَسَنِ النَّضِيرِ، رَبِّ الْمَلائِكَةِ الثَّمَانِيَةِ وَرَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، وَبِالْعَيْنِ الَّتى لَا تَنَامُ.

وَبِالْاِسْمِ الْأَكْبَرِ الْأَكْبَرِ الْأَكْبَرِ، وَبِالْاِسْمِ الْأَعْظَمِ الْأَعْظَمِ الْأَعْظَمِ، الْمُحيطِ الْمُحيطِ الْمُحِيطِ بِمَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَبِالْإِسْمِ الَّذِي أَشْرَقَتْ بِهِ الشَّمْسُ، وَأَضَاءَ بِهِ الْقَمَرُ، وَسُجِّرَتْ بِهِ الْبِحَارُ، وَنُصِبَتْ بِهِ الْجِبالُ، وَبِالْإِسْمِ الَّذي قامَ بِهِ الْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ، وَبِأَسْمَائِكَ الْمُكَرَّمَاتِ،

الْمُقَدَّسَاتِ، الْمَكنُونَاتِ، الْمَخْرُونَاتِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَسْأَلُكَ بِذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى محمّد وآلِ محمّد...» (1).

وأنطق اللّه الحجر الأسود من باب الإعجاز، كما أنطق عيسى بن مريم وهو في المهد صبيّاً بأنّ الإمام هو زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهو حجّة اللّه على خلقه، وأمينه على دينه، واستبان بذلك الحقّ (2).

ورجع حشد من من القائلين بإمامة محمّد إلى زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد نظم هذه الحادثة الشاعر الكبير السيّد الحميري :

علِيَّ وَمَا كَانَ مِنْ عَمِّهِ***بِرَدِّ الإِمامَةِ عَطفَ العِنانِ

وتحكيمِهِ حَجَراً أسوداً***وما كانَ مِنْ نُطْقِهِ المُستَبانِ

بتسليم عَمَّ بِغَيرِ امْتِراء***إِلَى ابْنِ أَخ مَنْطِقاً بِاللَّسانِ

شَهِدتُ بِذلِكَ صِدْقاً كَما***شَهِدتُ بِتصديقِ أَي القُرانِ

عَلِيٌّ إمامي لا أمْتَرى***وَخَلْيتُ قولى بكان وكان (3)

رجوع الكابلى إلى الحقّ

وكان أبو خالد الكابلي يدين بإمامة محمّد بن الحنفيّة، إلّا أنّه رجع عن ذلك لمّا استبان له الحقّ، ودان بإمامة الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والسبب في ذلك حسبما يقول الرواة : «إنّه قال لمحمّد بن الحنفيّة : جعلت فداك، إنّ لى حرمة ومودّة وانقطاعاً، أسألك بحرمة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) وأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ألا أخبرتني أنت الإمام


1) مهج الدعوات: 197.

2) بحر الأنساب : الورقة 42. إثبات الوصية : 119.

3) أخبار محمّد بن الحنفيّة : 72، نقلاً عن ديوان الحميري المخطوط. الغدير : 2 : 248.

الذي فرض اللّه طاعته على خلقه ؟

فأجابه محمّد جواب المؤمن الذي لا يبغي إلا الحق قائلاً: يا أبا خالد، حلفتني بالعظيم، الإمام عليّ بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، علي وعليك، وعلى كلّ مسلم.

وأسرع أبو خالد نحو الإمام عليّ بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فاستأذن عليه، فأذن له، وقابله بحفاوة وتكريم قائلا له : مَرْحَباً بِكَ يا كَنْكَرُ، مَا كُنْتُ لَنَا بِزائِرِ ما بَدا لَكَ فينا ؟

وانبرى أبو خالد بخضوع وإجلال قائلاً: الحمد للّه الذي لم يمتني حتّى عرفت إمامي.

وأسرع الإمام قائلاً : كَيْفَ عَرَفْتَ إِمَامَكَ ؟

• إنّك دعوتني باسمي الذي سمّتني به أُمّي ! وقد كنت في عمياء من أمري، ولقد خدمت محمّد بن الحنفيّة دهراً من عمري، لا أشك أنه الإمام حتّى سألته بحرمة اللّه وحرمة الرسول وحرمة أمير المؤمنين، فأرشدني إليك، وقال : هو الإمام علَيَّ وعليك، وعلى الخلق كلهم» (1).

ونظم السيّد الحميري هذه الحادثة بقوله :

عَجِبتُ لِكَرْ صُروفِ الزمانِ***وأمر أبي خالد ذي البَيانِ

وَمِنْ رَدِّهِ الأَمرَ لا يَنْثَني***إِلى الطَّيِّبِ الطُّهْرِ نُورِ الْجِنانِ (2)

من دلائل إمامته (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

وكان من دلائل إمامته (عَلَيهِ السَّلَامُ) إخباره بوقوع بعض الأحداث في المستقبل، وقد تحقّقت بعد عشرات السنين كما أخبر عنها، وتعتبر هذه الظاهرة عند الشيعة


1) رجال الكشّي : 192/121.

2) أخبار محمّد بن الحنفيّة : 72. الغدير : 2 : 248.

الإماميّة من دلائل الإمامة، فإنّ الإخبار عن المغيّبات من مكنونات علم اللّه تعالى، ولا يمنحها إلّا لأنبيائه وأوصيائهم.

ومما يدلل على ذلك أن الإمام عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) أخبر عن كثير من الملاحم، وقد تحققت كلّها على مسرح الحياة، فقد أخبر عن مصارع أهل النهروان، ومصرع ذي الثديّة، وأخبر عن زوال دولة بني أميّة، وأخبر عن كثير من الأحداث ما لو جمعت لكانت كتاباً، وقد تحقّق كلّ ما أخبر عنه، وهو القائل لأصحابه : «سَلوني قَبْلَ أَنْ تَفْقِدوني، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ السَّاعَةِ إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ».

وقال مرّة لأصحابه : «لَوْ شِئْتُ لأَخْبَرْتُكُمْ بِما يَأْتي وَيَكونُ مِنْ حَوادِثِ دَهْرِكُمْ، وَنَوائِبِ زَمانِكُمْ، وَبَلاءِ أَيَا مِكُمْ، وَغَمَرَاتِ ساعاتِكُمْ».

وعلّق الأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود على ذلك بقوله : «ولم يكن - أي الإمام - يرجم بظنّ، ولا يستقرئ النجوم، ولا يلتجئ للكهانة، وهو يرى بعينه إلى ما وراء المعلوم المنظور ليأتيهم بشذرة من المجهول المستور.

إنّما كان ينطق عن حقّ لا شبهة فيه لأنه كان عندئذٍ يطلعهم على بعض علم محمّد (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) الذي اختصه به من دون الناس» (1).

إنّ اللّه تعالى قد منح أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) طاقات مشرقة من العلوم، وخصّهم بمكنونات غيبه للتدليل على إمامتهم وقيادتهم الروحية والزمنية لهذه الأُمّة، وممّن خصه اللّه بهذه الفضيلة الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد أخبر عن كثير من الملاحم التي تحقّقت بعده، وكان من بينها :

1 - إخباره (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن شهادة زيد

من الملاحم التي أخبر عنها الإمام اللا أنه أخبر عن شهادة ولده الشهيد العظيم


1) الإمام عليّ بن أبي طالب : 8 : 164.

زيد، فقد روى أبو حمزة الثمالي، قال : «كنت أزور عليّ بن الحسين في كلّ سنة مرة وقت الحجّ، فأتيته سنة، وكان على فخذه صبي فقام عنه، واصطدم بعتبة الباب، فخرج منه دم، فوثب إليه الإمام وجعل ينشف دمه، وهو يقول له : إِنِّي أُعيدُكَ بِاللّه أَنْ تكونَ الْمَصْلوبَ بِالْكُنَاسَةِ.

وبادر أبو حمزة قائلاً: بأبي أنت وأمي، أي كناسة ؟

•

كُناسَةُ الْكُوفَةِ.

•

جعلت فداك، أيكون ذلك ؟

•

إي وَالَّذي بَعَثَ محمّداً بِالْحَقِّ إِنْ عِشْتَ بَعْدِي لَتَرَيَنَّ هَذَا الْغُلامَ في ناحِيَةِ الكوفَةِ مَقْتولاً، مَدفوناً، مَنْبوشاً، مَصْلوباً بِالْكُنَاسَةِ، ثُمَّ يَنْزَلُ فَيُحْرَقُ وَيُدَقُّ وَيُذَرَىٰ في الْبَرَّ.

وبهر أبو حمزة وراح يسأل عن اسم هذا الغلام قائلاً: جعلت فداك، ما اسم هذا الغلام ؟

• زَيْد» (1).

وتحقّق كلّ ما أخبر به الإمام، فلم تمض حفنة من السنين حتّى ثار زيد الشهيد الذي هو من ألمع الثائرين الأحرار، فقد ثار في وجه الطغيان الأموي مطالباً بتحقيق العدالة الإسلاميّة، وتحقيق حقوق الإنسان، فأجهزت عليه القوى الظالمة فأردته قتيلاً.

و انبرى بعض أصحابه فدفنه، إلّا أنّ الحكومة الأمويّة أخرجته من قبره، وصلبته في كناسة الكوفة، ويقي أربع سنين مصلوباً على جذع وهو ينير للناس طريق الحرية والشرف والكرامة، ثمّ أنزلوه بعد ذلك وأحرقوه، وذروا قسماً من رماده في ماء


1) الغارات / الثقفي : 2 : 861، ذوب النصار / ابن نما الحلّي : 64.

الفرات ليشربه الناس حسبما يقوله الأمويون.

لقد تحقّق جميع ما أخبر به الإمام في شأن ولده العظيم، ومن المؤكّد أنّ ذلك من علائم الإمامة ودلائلها.

2 - إخباره (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن حكومة عمر بن عبدالعزيز

من الملاحم التي أخبر عنها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه أخبر عن عمر بن عبد العزيز، وأنّه سيلي أمور المسلمين، ولا يلبث إلا يسيراً حتّى يموت (1)، وتحقق ذلك، فقد ولي عمر الخلافة وبقي زمناً يسيراً ووافاه الأجل المحتوم.

3- إخباره (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن حكومة العبّاسيّين

وأخبر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن حكومة العبّاسيّين، وقد استشف من وراء الغيب أنّ حكمهم يقوم على الظلم والجور وعلى الفسق والفساد، وسيخرجون المسلمين عن دينهم، وستثور عليهم كوكبة من العلويين مطالبين بتحقيق العدل والحقّ بين الناس، وأنّهم سينالون الشهادة على أيدي أولئك الطغاة، وهذا نص حديثه :

روى الإمام أبو جعفر، عن أبيه، أنّه قال : «أما إنَّ في صلبه - أي صلب ابن عبّاس - وديعَةُ ذُرِّيَّةٍ لِنارِ جَهَنَّمَ، وَسَيُخْرَجُونَ أَقواماً مِنْ دين اللّه أَزْواجاً، وَسَتُصْبَغُ الْأَرْضُ مِنْ فِراخ آلِ محمّد (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) تَنْهَضُ تِلْكَ الْفِراخُ فِي غَيْرِ وَقْتٍ، وَتَطْلُبُ غَيْرَ مُدْرَكٍ، وَيُرابِطُ الَّذِينَ آمَنوا، وَيَصْبِرُونَ حتّى يَحْكُمَ اللّه» (2).

لقد ثارت كوكبة من العلويين المجاهدين على طغاة بنى العبّاس، فقد رفع علم الثورة محمّد وإبراهيم على المنصور الدوانيقي الذي هو أعتى ملك في تاريخ هذا


1) دلائل الإمامة : 88.

2) إثبات الهداة : 5 : 241.

الشرق، وكذلك ثار الحسين بن عليّ صاحب واقعة فخ على الهادي العبّاسي، وثار غير هؤلاء من أبناء الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) وقد رفعوا راية الحريّة والكرامة مطالبين بحقوق المظلومين والمضطهدين، وقد سقوا بدمائهم الزكيّة شجرة الإسلام التي جهد العبّاسيون الأقزام على قلعها.

هذه بعض الملاحم التي أخبر الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن وقوعها، وقد تحققت كما أخبر (عَلَيهِ السَّلَامُ).

لقد منح اللّه زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) العلم الذي لا يحدّ كما وهب آباءه، وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يكتم علومه ولا يذيعها بين الناس لئلّا يفتتن به الجهّال، وقد أعلن ذلك بقوله :

إِنِّي لَأَكْتُمُ مِنْ عِلْمي جَواهِرَهُ***كَيْلا يَرى الْحَقَّ ذو جَهْلٍ فَيَفْتَتِنا

يا رُبِّ جَوهَرِ عِلْمٍ لَوْ أَبوحُ بِهِ***لَقِيلَ لِي أَنْتَ ممّن يَعِبُدُ الوَثَنا

وَلَاسْتَحَلَّ رِجالٌ مُسْلِمُونَ دَمي***یَرُونَ أَقْبَحَ ما يَأْتُونَهُ حَسَنا

وَقَدْ تَقَدَّمَ في هذا أَبو حَسَنٍ***إلى الْحُسَيْنِ وَأَوْصَى قَبلَهُ الْحَسَنا (1)


1) منهاج العابدين / أبو حامد الغزالي : الورقة 2 (مصوّر). الاتحاف بحبّ الأشراف : 60. روح المعاني / الآلوسي : 6 : 190. روضات الجنّات : 3: 133.

انطباعاتٌ عَن شخصيتِه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

واتّفق المسلمون على تعظيم الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأجمعوا على الاعتراف له بالفضل، وأنّه نسخة فريدة في هذه الدنيا لا يدانيه أحد في فضائله وعلومه وتقواه، وكان من مظاهر تبجيلهم له، أنّهم كانوا يتبرّكون بتقبيل يده ووضعها على عيونهم (1).

ولم يقتصر تعظيمه على الذين صحبوه أو التقوا به، وإنّما شمل المؤرّخين على اختلاف ميولهم وأهوائهم، فقد رسموا بإعجاب وإكبار سيرته، وأضفوا عليه جميع الألقاب الكريمة، والنعوت الشريفة، وفيما أعتقد أنه لا يكاد يقرأ أحد سيرته العاطرة إلا وينحني إجلالاً وإكباراً أمامه، فليس أحد يجاريه في نزعاته الخيّرة وسائر صفاته العظيمة، فهو قائم في ضمير كلّ إنسان شريف يدين بالولاء للمثل العليا، ويعتزّ بإنسانيّته.

ونعرض إلى انطباعات المعاصرين له، والمؤرّخين عن شخصيّته.


1) العقد الفريد : 2 : 251.

آراء معاصريه

إشارة:

وأدلى المعاصرون للإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من العلماء، ومختلف الشخصيات بانطباعاتهم عن شخصيّته، وكلّها إكبار وتعظيم له، سواء في ذلك من أخلص له في الودّ أو أضمر له العداوة والبغضاء، وفيما يلي كلماتهم :

1 - الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)

قال حفيده الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «ما مِنْ وَلَدِهِ - أي ولد الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) - وَلَا أَهْلِ بَيْتِهِ أَحَدٌ أَقْرَبُ شَبَهَا بِهِ فِي لِبَاسِهِ وَفِقْهِهِ مِنْ عليّ بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)» (1).

2 - ابن زید

قال ابن زيد : «كان أبي يقول : ما رأيت مثل عليّ بن الحسين أعظم قطّ» (2).

هؤلاء بعض المعاصرين للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بما فيهم من محبّين ومبغضين له قد أجمعوا على أنّ الإمام صرح من صروح التقوى والعلم في الإسلام.

3 - ابن شهاب

قال ابن شهاب : «ما رأيت قرشيّاً أفضل من عليّ بن الحسين» (3).

4 - أبو حاتم

قال أبو حاتم الأعرج: «ما رأيت هاشمياً أفضل من عليّ بن الحسين» (4).


1) الإرشاد : 2 : 142 الخرائج و الجرائح : 892. بحار الأنوار: 46: 75، الحديث 65.

2) المعرفة والتاريخ / الفسوي : 1 : 360.

3) المعرفة والتاريخ / الفسوي : 1 : 360.

4) التعديل والتجريح : 1079. تاریخ دمشق : 41: 371 تذكرة الحفاظ : 1: 75. شذرات الذهب : 1 : 105. العبر في خبر من غبر : 1 : 111. تاريخ الإسلام : 2 : 16.

5 - أبو حازم

قال أبو حازم : «ما رأيت هاشمياً أفضل من عليّ بن الحسين» (1).

وقال أيضاً : «ما رأيت أفقه من عليّ بن الحسين» (2).

6 - أبو زرعة

قال أبو زرعة : «ما رأيت أحداً كان أفقه منه - أي من عليّ بن الحسين -» (3).

7 - البرقي

قال أبو بكر بن البرقي : «كان عليّ بن الحسين أفضل أهل زمانه» (4).

8 - الثمالي

قال ثابت بن أبي صفيّة، المشهور بأبي حمزة الثقة المأمون : «ما سمعت بأحد من الناس كان أزهد من عليّ بن الحسين إلا ما بلغني من عليّ بن أبي طالب» (5).

وقال مرّة أخرى : «ما سمعت بأحد قط كان أزهد من عليّ بن الحسين إذا تكلّم في الزهد ووعظ أبكى من بحضرته» (6).


1) تاریخ دمشق : 41 : 373.

2) تهذيب الكمال : 13 : 239 کشف الغمّة : 3 : 292.

3) تاریخ دمشق : 41: 371.

4) سير أعلام النبلاء : 4: 238.

5) سفينة البحار : 1 : 571.

6) أمالي المفيد : 117.

9 - جابر الأنصارى

وكان الصحابي العظيم جابر بن عبداللّه الأنصاري منقطعاً لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ومن الموالين لهم، وقد أعرب عن إعجابه البالغ بالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قائلاً: «ما رؤي في أولاد الأنبياء مثل عليّ بن الحسين» (1).

حقّاً لم ير في أولاد الأنبياء مثل الإمام عليّ بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تقواه وورعه، وشدّة إنابته إلى اللّه، كما لم يبتل أحد منهم بمثل ما ابتلي به، فقد داهمته المحن والخطوب في أكثر أيّام حياته.

10 - حمّاد بن زید

أما حمّاد بن زيد الجهضمي، فهو من أبرز فقهاء البصرة، وكان من أئمّة المسلمين (2).

وقد اتصل بالإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وراح يبدي إعجابه بمثله قائلاً: «كان عليّ بن الحسين أفضل هاشمي أدركته» (3).

لقد امتاز الإمام على جميع الهاشميين في عصره بسموّ آدابه وأخلاقه وكماله.

11 - الحميري

أما السيّد الحميري فقد أوقف مواهبه لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الذين هم معدن الرحمة والفضيلة في الأرض، فلم يترك مأثرة من مآثرهم، ولا فضيلة من فضائلهم إلا نظمها في البديع من شعره، وقد مدح الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذا البيت :


1) أمالي الطوسي : 637. مناقب آل أبي طالب / ابن شهرآشوب : 4 : 149.

2) تهذيب التهذيب : 3 : 9.

3) تهذيب الأسماء واللغات - القسم الأوّل : 343.

ورابِعُهُمْ عَلِيٌّ ذو المساعي***بِهِ لِلدِّينَ والدُّنْيا قوامُ (1)

12 - الزهري

كان محمّد بن مسلم القرشي الزهري الفقيه أحد الأئمّة الأعلام، وعالم الحجاز والشام (2)ممّن أخلص للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهام بحبّه، وقد أدلى بمجموعة من الكلمات القيّمة أعرب فيها عما يتصف به (عَلَيهِ السَّلَامُ) من القيم الكريمة والمثل العظيمة، وهذه بعض كلماته :

•

«ما رأيت هاشمياً مثل عليّ بن الحسين» (3).

•

«ما رأيت أورع ولا أفضل منه...» (4).

•

«ما رأيت قرشياً أفضل من عليّ بن الحسين» (5).

•

«لم أدرك بالمدينة أفضل منه» (6).

•

«لم أدرك من أهل البيت أفضل من عليّ بن الحسين» (7).

•

«ما كان أكثر مجالستي مع عليّ بن الحسين، ما رأيت أحداً أفقه منه» (8).


1) ديوان الحميري : 36. الغدير : 2 : 255.

2) تهذيب التهذيب : 9 : 445.

3) تهذيب الكمال : 2 : 388. الأغاني 15: 325.

4) البداية والنهاية : 9: 104.

5) سير أعلام النبلاء : 4 : 387. تاريخ الإسلام : 2 : 266. الكاشف : 2 : 282، طبقات الفقهاء : 10 : 34.

6) تهذيب الأسماء واللغات - القسم الأوّل : 343.

7) الجرح والتعديل - القسم الأوّل من المجلّد الثالث : 178. سير أعلام النبلاء : 4 : 389.

8) سير أعلام النبلاء : 4 389 تذكرة الحفاظ : 1 : 75 شذرات الذهب : 1 : 105. العبر في خبر من غبر : 1 : 111.

•

«كان عليّ بن الحسين من أفضل أهل بيته، وأحسنهم طاعة» (1).

•

«ينادي مناد في القيامة ليقم سيّد العابدين في زمانه، فيقوم عليّ بن الحسين..». (2).

أشار بذلك إلى الحديث النبوي المشهور : إذا كانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نادى منادٍ مِنْ بُطْنانِ الْعَرْشِ : لِيَقُمْ سيّد العابدينَ، فَيَقومُ» (3).

•

«قيل للزهري : من أزهد الناس في الدنيا ؟ فقال : عليّ بن الحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)» (4).

•

قال سفيان بن عيينة : «قلت للزهري : لقيت عليّ بن الحسين ؟

قال : نعم لقيته، وما لقيت أحداً أفضل منه، واللّه ما علمت له صديقاً في السرّ،ولا عدوّاً في العلانية.

فقيل له : وكيف ذلك ؟

قال : لأنّى لم أر أحداً وإن كان يحبّه إلا وهو لشدّة معرفته بفضله يحسده، ولا رأيت أحداً وإن كان يبغضه إلا وهو لشدّة مداراته له يداريه» (5).

ومن المؤكّد أنّ الزهري لم يدل بهذه الكلمات إلّا بعد اتّصاله الوثيق بالإمام، ومعرفته التامّة بما اتّصف به من المثل العليا والقيم الكريمة، وقد بلغ من إعجابه به أنّه اذا ذكره بكى، وقال : زين العابدين» (6).


1) سير أعلام النبلاء : 4 : 389. تاریخ دمشق : 41: 371.

2) روضات الجنّات: 7: 248. کشف الغمّة : 2 : 106.

3) تاريخ مدينة دمشق : 370:41.

4) بحار الأنوار: 42 : 75 و : 46 : 63.

5) علل الشرائع : 1 : 231. وسائل الشيعة : 5 : 541. بحار الأنوار : 46: 64.

6) تاریخ دمشق : 41 : 373. كشف الغمّة :2 : 288. روضات الجنات : 7 : 246.

13 - زيد بن أسلم

كان زيد بن أسلم في طليعة فقهاء المدينة، كما كان من المفسرين للقرآن الكريم (1).

وقد اختصّ بالإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وبهر في فضله وورعه وتقواه، وانطلق يعرب عن إعجابه البالغ بمثل الإمام وقيمه، وقد أدلى بعدّة كلمات كان منها ما يلي :

•

«ما جالست في أهل القبلة مثله - أي مثل عليّ بن الحسين -» (2).

•

«ما رأيت مثل عليّ بن الحسين فيهم قطّ - أي في أهل البيت -»(3).

•

«ما رأيت مثل عليّ بن الحسين فهماً حافظاً» (4).

ومعنى ذلك أن الإمام أفضل مسلم، وأفضل هاشمي في عصره، كما أنّه لم ير مثله في فهمه وسرعة إدراكه وحفظه، وهذا ممّا تؤكد عليه الشيعة من أنّ الإمام لا بدّ أن يكون أفضل أهل عصره في عبقريّاته ومواهبه.

14 - سعيد بن المسيّب

وكان سعيد بن المسيّب من الفقهاء البارزين في يثرب، ويقول الرواة : «إنه ليس من التابعين من هو أوسع علماً منه» (5).

وقد صحب الإمام زين العابدين ووقف على ورعه، وشدّة تحرّجه في الدين، وقد سجّل ما رآه وبهر به من مثل الإمام بهذه الكلمات :


1) تهذيب التهذيب : 3: 395.

2) تاریخ دمشق : 41: 373.

3) تاریخ دمشق : 41: 373.

4) طبقات الفقهاء : 2 : 34.

5) تهذيب التهذيب : 4 : 85.

•

«ما رأيت أورع منه - أي من عليّ بن الحسين -» (1).

•

«ما رأيت قط أفضل من عليّ بن الحسين، وما رأيته قطّ إلّا مقتُّ نفسي ما رأيته ضاحكاً يوماً قطّ» (2).

•

قال رجل لسعيد : ما رأيت أورع من فلان.

فقال له سعيد : هل رأيت عليّ بن الحسين ؟

قال : لا.

قال : ما رأيت أورع منه (3).

•

كان سعيد جالساً وإلى جانبه فتى من قريش، فطلع الإمام زين العابدين، فسأل القرشي سعيداً عنه، فأجابه سعيد : هذا سيّد العابدين عليّ بن الحسين (4).

•

«ما رأيت أودع وأورع من زين العابدين عليّ بن الحسين» (5).

والمّت هذه الكلمات التي أدلى بها هذا الفقيه ببعض صفات الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الورع والطاعة اللّه، والوداعة في سلوكه وسيرته مع الناس، وهي من أندر الصفات وأعزها وأعظمها عند اللّه.

15 - عبد اللّه بن عبّاس

كان عبداللّه بن عبّاس على جلالة شأنه، وتقدّمه في السنّ، يجلّ الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وينحني خضوعاً وتكريماً له، فإذا رآه قام تعظيماً، ورفع صوته قائلاً:


1) العبر في خبر من غبر : 1 : 111. خلاصة تهذيب الكمال : 231.

2) تاريخ اليعقوبي : 3: 46.

3) سير أعلام النبلاء : 4 : 391. كشف الغمّة : 3 : 392.

4) الفصول المهمّة : 189.

5) جمهرة الأولياء : 2: 74.

«مرحباً بالحبيب بن الحبيب» (1).

16 - عبدالملك بن مروان

وهذا عدوّ آخر من أعداء أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وهو عبد الملك بن مروان قد اعترف بفضل الإمام وذلك حينما التقى به، ورأى ذبوله من كثرة العبادة، فقال له منبهراً : «لقد بان عليك الاجتهاد، ولقد سبق لك من اللّه الحسنى، وأنت بضعة من رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، قريب النسب، وكيد السبب، وإنّك لذو فضل عظيم على أهل بيتك وعصرك، ولقد أوتيت من الفضل والعلم، والدين والورع، ما لم يؤته أحد مثلك، ولا قبلك، إلا من مضى من سلفك» (2).

17 - عمر بن عبدالعزيز

وكان عمر بن عبدالعزيز ممّن يحترم الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويعرف سموّ مكانته، وقد التقى (عَلَيهِ السَّلَامُ) به، فلمّا انصرف من عنده التفت عمر إلى أصحابه فقال : من أشرف الناس ؟

فانبرى المرتزقة من أصحابه قائلين : أنتم

فصارحهم بالحقيقة قائلاً : كلا، إنّ أشرف الناس هذا القائم - يعني الإمام السجّاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) - من عندي، من أحب الناس أن يكونوا منه، ولم يحبّ أن يكون من أحد» (3).

ومعنى ذلك أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد بلغ من الشرف منزلة لم يبلغها أحد من الناس على


1) تاریخ دمشق : 41: 370.

2) بحار الأنوار: 46: 75.

3) بحار الأنوار: 46 3 و 4. وقريب منه جاء في محاضرات الأدباء / الراغب الأصفهاني : 1: 166.

اختلاف طبقاتهم، فقد أحبّوا أن يكون لهم صلة أو اتصال به وذلك لسموّ منزلته ومكانته الاجتماعيّة في حين أنّه لا يرغب ولا يحبّ أن يكون من أحد لأنه دون منزلته.

وبلغ من إكبار عمر للإمام أنّه لما بلغه وفاته أبنه بهذه الكلمة القيّمة : «ذهب سراج الدنيا، وجمال الإسلام، وزين العابدين» (1).

18 - الفرزدق

وكان الفرزدق شاعر العرب الأكبر ممّن غمرته قيم الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وآمن بسموّ ذاته وقداسته، وقد انبرى في رائعته الخالدة التي ارتجلها للإشادة بمواهب الإمام وسائر نزعاته وصفاته، وذلك حينما أنكر الطاغية هشام معرفته أمام أهل الشام لئلا يفتتنوا بمعرفته، فعرّفه الفرزدق لهم بقوله :

هذا الذي تعرفُ البَطْحاء وَطأتَهُ***والبيت يعرفه والحل والحَرَمُ

هذا ابْنُ خَيرِ عِبادِ اللّه كُلهم***هذا النَّقِيُّ النَّقِيُّ الطَّاهِرُ العَلَمُ

إذا رَأَتهُ قُرَيْش قال قائلها***إلى مكارم هذا ينتهي الكَرَمُ

يرقى إِلَى ذِرْوَةِ العِزَّ الَّتِي قَصُرَتْ***عَنْ نَيْلِها عُرُبُ الإِسْلامِ وَالْعَجَمُ

يَكادُ يُمسكه عرفان راحتِهِ***رُكْنَ الحَطيم إذا ما جاءَ يَسْتَلِمُ

يُغضي حَياءٌ وَيُغْضَىٰ مِنْ مَهَابَتِهِ***فَلا يُكَلَّمُ إِلا حينَ يَبْتَسِمُ

بِكَفِّهِ خَيزران ريحُها عَبِقٌ***مِنْ كَفَّ أَرْوَعَ في عِرنينِهِ شَمَمُ

مَنْ جَدُّهُ دانَ فَضْلُ الأنبياءِ لَهُ***وفَضلُ أُمَّتِهِ دانَتْ لَهُ الأمم

يَنشَقُّ نورُ الْهُدى عَنْ نورِ غُرَّتِهِ***كَالشَّمْسِ تَنْجَابُ عَنْ إِشْراقِها الظُّلَمُ


1) تاريخ اليعقوبي : 3 : 48.

مُشْتَقَّةٌ مِنْ رَسولِ اللّه نَبْعَتُهُ***طابَتْ عَناصِرُهُ والخيمُ وَالشَّيَمُ

هذا ابن فاطِمَةٍ إِن كُنتَ جاهله***بِجَدِّهِ أَنْبِياءُ اللّه قَدْ حُتِموا

اللّه شَرَّفَهُ قِدْماً وَفَضَّلَهُ***جرى بذاك لَهُ في لَوْحِهِ القَلَمُ

لقد كان الإمام أعظم صورة رآها الفرزدق في دنيا الشرف والفضائل، فهام بحبّه والولاء له، وسنذكر تمام هذه القصيدة في البحوث الآتية.

19 - مالك

قال مالك : «لم يك في أهل البيت مثل عليّ بن الحسين» (1).

20 - منصور الدوانيقى

وثمّة عدوّ آخر لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) قد أشاد بفضل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو المنصور الدوانيقي، فقد قال في رسالته التي بثّها إلى ذي النفس الزكيّة : «ولم يولد فيكم - أي في العلويين - بعد وفاة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) مولود مثله - أي مثل زين العابدين -» (2).

21 - يحيى بن سعيد

أمّا يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدنى، فكان من كبار التابعين، ومن أفاضل الفقهاء والعلماء (3).

وقد صحب الإمام وعرف فضله، وأدلى بحقه هذه الكلمة القيّمة : «سمعت


1) سير أعلام النبلاء : 4 : 238 تهذيب التهذيب : 7: 305. وفيه : «لم يك في أهل بيت رسول اللّه مثل عليّ بن الحسين».

2) الكامل / المبرد : 25 : 467. العقد الفريد : 5 : 310.

3) تهذيب التهذيب : 8: 222.

عليّ بن الحسين، وكان أفضل هاشمي رأيته» (1).

لقد ساد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) جميع الهاشميين بإيمانه وتقواه وغزارة علمه وفضله.

22 - يزيد بن معاوية

ولم يقتصر الاعتراف بالفضل للإمام زين العابدين على شيعته، وإنما تعدّى إلى أعدائه ومبغضيه، فهذا يزيد بن معاوية الذي هو من ألد أعداء أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) قد اعترف بمواهبه وعبقرياته، وذلك حينما ألح عليه أهل الشام في أن يخطب الإمام، فأبدى الطاغية مخاوفه منه قائلاً: «إنّه من أهل بيت زقوا العلم زقّاً. إنّه لا ينزل إلا بفضيحتي وفضيحة آل أبي سفيان».

وقد أعرب بذلك عن مقدرات الإمام العلميّة ومواهبه الخطابية، وأنه يملك من قوة البيان وروعة الاستدلال ما يستطيع به أن يغيّر الموقف في غير صالح حكومته.


1) تهذيب الكمال : 13: 239 تهذيب الأسماء واللغات - القسم الأوّل : 343. التاريخ الكبير -. القسم الثاني : 3: 266. الطبقات الكبرى : 1 : 214. الجرح والتعديل - القسم الأوّل : 178.

المؤرّخون

إشارة:

أمّا المؤرّخون على اختلاف أفكارهم وميولهم فقد اتّفقوا على تبجيل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتعظيمه، وأنّه قد أوتي من المواهب والعبقريات ما رفعته إلى قمّة الشرف التي انتهى إليها العظماء من آبائه، وفيما يلي بعض ما قالوه :

1 - آقا بزرك

قال شيخ المحقّقين الشيخ محمّد حسن الشهير بآقا بزرك الطهراني : «الإمام زين العابدين، وسيّد الساجدين عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِم السَّلَامُ) رابع أئمّة الشيعة الإماميّة، الذي اتفق مؤرخو الإسلام على أنّه من أشهر رجال التقوى والزهد والعبادة» (1).

2 - ابن تيميّة

وحتّى ابن تيميّة المنحرف عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) والمعادي لهم قد اعترف بفضل الإمام وسموّ منزلته ومكانته، قال : «أما عليّ بن الحسين فمن كبار التابعين وساداتهم علماً وديناً، وله من الخشوع وصدقة السر وغير ذلك من الفضائل ما ه-و معروف» (2).

3 - ابن الجوزى

قال ابن الجوزي : «هذا زين العابدين، وقدوة الزاهدين، وسيّد المتّقين، وإمام المؤمنين، شيمته تشهد له أنّه من سلالة رسول اللّه سلالة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، وسمته يثبت مقام قربه


1) الذريعة : 13 : 345.

2) منهاج السنة : 2 : 123.

من اللّه زلفى، وثفناته تسجّل له كثرة صلاته وتهجّده، وإعراضه عن متاع الدنيا ينطق بزهده» (1).

4 - ابن حجر العسقلاني

قال ابن حجر العسقلاني : «عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، زين العابدين، ثقة، ثبت، عابد، فقيه، فاضل، مشهور قال ابن عيينة، عن الزهري : ما رأيت قرشيّاً أفضل منه» (2).

5 - ابن حجر الهيتمي

قال شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي : «وزين العابدين هذا هو الذي خلف أباه علماً وزهداً وعبادة..».

وأضاف يقول : «وكان زين العابدين عظيم التجاوز والعفو والصفح» (3).

لقد كان زين العابدين قد خلف أباه، وورث أعزّ صفاته من العلم والزهد والعبادة، مضافاً إلى ما كان يتمتع به من عظيم التجاوز والعفو عمّن أساء إليه.

6 - ابن خلكان

قال ابن خلّكان : «هو - أي الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) - أحد الأئمّة الإثني عشر، ومن سادات التابعين. قال الزهري : ما رأيت قرشيّاً أفضل منه». (4).


1) تذكرة الخواص : 382 و 384.

2) تقريب التهذيب : 2 : 35.

3) الصواعق المحرقة : 119.

4) وفيات الأعيان : 2 : 429.

7- ابن سعد

قال محمّد بن سعد : «كان على بن حسين ثقة، مأموناً، كثير الحديث، عالياً. رفيعاً، ورعاً» (1).

لقد اتّفق ابن عساكر مع ابن سعد في إضفاء هذه الصفات الرفيعة على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

8 - ابن شدقم

قال ابن شدقم : «الإمام الحبر، الزاهد عليّ بن الحسين زين العابدين» (2).

9 - ابن عساکر

قال الحافظ أبو القاسم عليّ بن الحسن الشافعي، المعروف بابن عساكر، في ترجمة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «كان عليّ بن الحسين ثقة مأموناً، كثير الحديث، عالياً رفيعاً ورعاً» (3).

وهذه الصفات من أثمن الصفات وأجلّها في دنيا الإسلام

10 - ابن عنبة

قال النسّابة الشهير بابن عنبة : «وفضائله - أي فضائل الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)- أكثر من أن تحصى أو يحيط بها الوصف» (4).

إن مآثر الإمام زين العابدين وفضائله لا يحيط بها الوصف ولا تحصى، فقد كانت


1) الطبقات الكبرى : 5 : 222.

2) زهرة المقول : 6.

3) تاریخ دمشق : 41 362.

4) عمدة الطالب : 193.

مآثره امتداداً ذاتياً لسيرة آبائه الذين أضاءت هذه الدنيا بمآثرهم وفضائلهم.

11 - أبو الفتح

قال أبو الفتح بن صدقة : «الإمام عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب رضوان اللّه عليهم أجمعين، المعروف بزين العابدين، وهو أحد الأئمّة الاثني عشر، ومن سادات التابعين» (1).

12 - أبو الفتوح

قال أبو الفتوح الحسيني : «كان الذكر المخلد، والاشتهار لعليّ الأوسط زين العابدين الملقب بالسجّاد.. وهو أوّل سبط (2)من أسباط الحسين، ورابع معصوم على رأي الإثنى عشرية، وزاهد على رأي غيرهم» (3).

13 - أبو نعيم

قال الحافظ أبو نعيم : «عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) زين العابدين، ومنار القانتين، كان عابداً وفيّاً، وجواداً حفيّاً» (4).

لقد تحدّث أبو نعيم عن بعض صفات الإمام من العبادة والوفاء والسخاء.

14 - أحمد صبحي

قال الدكتور أحمد محمود صبحي : «هذا هو عليّ بن الحسين، ورث إمامته من


1) درر الأبكار : ورقة 70 (مصوّر). مناقب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) : 255.

2) السبط : هو الولد على ما ذكره ابن الأعرابي.

3) النفحة العنبرية : 46.

4) حلية الأولياء : 3 : 133.

انتسابه إلى فاطمة الزهراء، ورسم للشيعة طريق الإمامة الروحيّة، وطبع التشيّع بطابع الحزن المقيم، والبكاء المتصل على الحسين، وعكف على العبادة، فسمّي بالسجّاد، وكنّي بزين العابدين، وانتسب إلى النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) وإلى كسرى فعرف بابن الخيرتين» (1).

ولا بدّ لنا من وقفة قصيرة مع الدكتور أحمد صبحي فيما أفاده، فقد ذكر أنّ الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد ورث الإمامة من جهة انتسابه إلى جدّته فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين، فإنّ ذلك لا واقع له؛ لأنّ الإمامة ليست خاضعة لعملية المواريث، وإنّما هي خاضعة للنصّ، وهي بيد اللّه تعالى، فهو الذي يختار لهذا المنصب الرفيع من يشاء من عباده ممّن تتوفّر فيه النزعات الخيّرة والصفات العظيمة. وهذا هو ما تذهب إليه الشيعة وتدلّل عليه في كتبهم الكلاميّة.

كما أنّ الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليس هو الذي طبع التشيّع بطابع الحزن على الإمام الحسين سيّد شباب أهل الجنّة، وإنّما كانت رزيّة كربلاء التي تذوب من هولها القلوب هي التي طبعت التشيع بعالم الأسى والحزن، وكان الإمام زين العابدين في طليعة المتأثرين بها لأنّه شاهد فصولها الحزينة.

15 - أحمد فهمى

قال الشيخ أحمد فهمي: «كان - أي الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) - أفضل أهل زمانه، وأعلمهم، وأفقههم، وأورعهم، وأعبدهم، وأكرمهم، وأحلمهم، وأفصحهم لساناً، وأكرمهم أحساباً، يحدب على الفقراء، ويعين الضعفاء» (2).

16 - الإربلي

قال أبو الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح الإريلي : «مناقب الإمام علي بن


1) نظرية الإمامة : 307.

2) الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 65.

الحسين تكثر النجوم عدداً، ويجري واصفها إلى حيث لا مدى، وتلوح في سماء المناقب كالنجوم لمن بها اهتدى

وكيف لا وهو يفوق العالمين إذا عدا عليّاً وفاطمة والحسن والحسين ومحمّداً، وهذا تقديم لسجع في الطبع فلا تكون متردّداً، ومتى أعطيت الفكر حقه وجدت ما شئت فخاراً وسؤدداً، فإنّه الإمام الربّاني، والهيكل النوراني، بدل الأبدال، وزاهد الزهاد، وقطب الأقطاب، وعابد العباد، ونور مشكاة الرسالة، ونقطة دائرة الإمامة، وابن الخيرتين، والكريم الطرفين، قرار القلب، وقرّة العين عليّ بن الحسين، وما أدراك ما عليّ بن الحسين ؟ ! الأوّاه الأوّاب، العامل بالسنّة والكتاب، الناطق بالصواب، ملازم المحراب، المؤثر على نفسه، المرتفع في درجات المعارف، فيومه يفوق على أمسه، المتفرّد بمعارفه، الذي فضل الخلائق بتليده وطارفه وحكم في الشرف فتسنّم ذروته، وخطر في مطارقه، وأعجز بما حواه من طيب المولد، وكريم المحتد، وذكاء الأرومة، وطهارة الجرثومة، عجز عنه لسان واصفه، وتفرّد في خلواته بمناجاته، فتعجبت الملائكة من مواقفه، وأجرى مواضعه خوف ربه، فأربي على هامي الصوب وواكفه (1).

فانظر أيّدك اللّه في أخباره، وألمح بعين الاعتبار عجائب آثاره، وفكّر في زهده وتعبده وخشوعه، وتهجّده ودؤوبه في صلاته وأدعيته في أوقات مناجاته، واستمراره على ملازمة عبادته، وإيثاره وصدقاته، وعطإيّاه وصلاته، وتوسلاته التي تدلّ مع فصاحته وبلاغته على خشوعه لربه، وضراعته ووقفه موقف العصاة مع شدّة طاعته، واعترافه بالذنوب على براءة ساحته، وبكائه ونحيبه، وخفوق قلبه من خشية اللّه،ووجيبه، وانتصابه، وقد أرخى الليل سدوله، وجرّ على الأرض ذيوله، مناجياً ربّه، تقدّست أسماؤه، ومخاطباً له تعالى، ملازماً بابه عزّ وجلّ، مصوّراً


1) الصوب : المطر. الواكف : المطر المنهل.

نفسه بين يديه، معرضاً عن كلّ شيء، مقبلاً عليه، وقد انسلخ من الدنيا الدنيّة، وتعرّى من الجثّة البشريّة، فجسمه ساجد في الثرى، وروحه متعلّقة بالملأ الأعلى، يتململ إذا مرت به آية من آيات الوعيد حتّى كأنه المقصود بها، وهو عنها بعيد، تجد أموراً عجيبة، وأحوالاً غريبة، ونفساً من اللّه سبحانه قريبة، وتعلم يقيناً لا شك فيه ولا ارتياب، وتعرف معرفة من قد كشف له الحجاب، وفتحت له الأبواب أنّ هذه الثمرة من تلك الشجرة، كما أنّ الواحد جزء من العشرة، وأنّ هذه النطفة العذبة من ذلك المعين الكريم، وأنّ هذا الحديث من ذلك القديم، وأنّ هذه الدرّة من ذلك البحر الزاخر، وأنّ هذا النجم من ذلك القمر الباهر، وأنّ هذا الفرع النابت من ذلك الأصل الثابت، وأنّ هذه النتيجة من هذه المقدّمة، وأن خليفة محمّد وعلي والحسن والحسين وفاطمة المكرّمة المعظمة هذا أصله الطاهر» (1).

وألم العلّامة المحقّق الإريلي بأبرز صفات الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) التي هي من مواضع الاعتزاز والفخر لكل مسلم، لقد كانت صفاته المشرقة امتداداً ذاتياً لنزعات آبائه وصفاتهم التي غيّروا بها مجرى تاريخ الإنسان، فقد أضاء وا له الطريق، وأرشدوه إلى معالم الحق بعدما كان تائهاً في ميادين سحيقة من مجاهل هذه الحياة.

إن فضائل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومآثره لا يحيط بها الوصف، ولا يستوفيها البيان، فهو فرع من شجرة النبوّة، ودوحة الإمامة التي أودع اللّه فيها الكمال المطلق لتكون مناراً للحقّ في الأرض.

17 - البستاني

قال البستاني : «زين العابدين هو أبو الحسن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، ولكثرة عبادته لقب بزين العابدين، ولقب أيضاً بسيّد العابدين، والزكي،


1) كشف الغمّة : 2: 113 و 114 في ترجمة عليّ بن الحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ).

والأمين، وذي الثفنات» (1).

18 - تاج الدین

قال تاج الدين بن محمّد بن حمزة الحسيني نقيب حلب : كان عليّ بن الحسين سيّد بني هاشم، وموضع علمهم، والمشار إليه منهم» (2).

19 - الجاحظ

قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ : «وأما عليّ بن الحسين، فلم أر الخارجي في أمره إلّا كالشيعي، ولم أرَ الشيعي إلا كالمعتزلي، ولم أرَ المعتزلي إلا كالعامي، ولم أر العامّي إلّا كالخاصيّ، ولم أجد أحداً يتمارى في تفضيله، ويشك في تقديمه» (3).

ومعنى ذلك أنّ المسلمين على اختلاف أفكارهم واتجاهاتهم قد أجمعوا على تعظيم الإمام والاعتراف له بالفضل، وإعلان المودّة والولاء له.

20 - حسین علی محفوظ

قال الدكتور حسين عليّ محفوظ : «كان زين العابدين أفضل خلق اللّه - بعد أبيه - علماً وعملاً، وكان أقرب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) لا شبهاً بأمير المؤمنين في لباسه وفقهه وعبادته» (4).


1) دائرة المعارف / البستاني : 9 : 355.

2) غاية الاختصار : 106.

3) عمدة الطالب : 193 و 194.

4) مجلة البلاغ : العدد 7، الصفحة 54، السنة الأولى.

21 - الذهبي

قال محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي : كانت له أي لزين العابدين - جلالة عجيبة، وحقّ له واللّه ذلك، فقد كان أهلاً للإمامة العظمى لشرفه وسؤدده وعلمه وتألّهه وكمال عقله» (1).

لقد اعترف الذهبي بالواقع المشرق الذي تمتّع به الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأنه أهل للإمامة العظمى وللقيادة الروحية والزمنية لهذه الأُمّة، وهي من أسمى المراتب وأهمها في الإسلام.

22 - الزركلي

قال خير الدين الزركلي : «عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، الهاشمي القرشي، أبو الحسن، الملقّب بزين العابدين : رابع الأئمّة الاثنى عشر عند الإماميّة، وأحد من كان يضرب بهم المثل في الحلم والورع. يقال له : «عليّ الأصغر» للتمييز بينه وبين أخيه على الأكبر» (2).

23 - الشافعي

قال الإمام الشافعي : «إنّ عليّ بن الحسين أفقه أهل المدينة» (3).

24 - الشبراوى

قال الشبراوي: «كان - أي الإمام زين العابدين - رضي اللّه عنه عابداً، زاهداً،


1) سير أعلام النبلاء : 4 : 240.

2) الأعلام 5 : 86.

3) رسائل الجاحظ : 106. شرح نهج البلاغة : 15 : 274.

ورعاً، متواضعاً، حسن الأخلاق» (1).

وهذه الصفات هي التي رفعت الإمام إلى قمّة المجد، وجعلت الناس قد هاموا بحبه وبالإخلاص له.

25- الشيخانى

قال الشيخاني القادري : «سيدنا زين العابدين عليّ بن الحسين بن أبي طالب، اشتهرت أياديه ومكارمه، وطارت بالجوّ في الجود محاسنه، عظیم القدر، رحب الساحة والصدر، وله الكرامات الظاهرة ما شوهد بالأعين الناظرة، وثبت بالآثار المتواترة» (2).

لقد تحدثت الركبان عن فضائل الإمام زين العابدين ومآثره ومناقبه، واشتهرت بين الناس مكارمه وفضائله، مضافاً لذلك ما منحه اللّه من الكرامات التي يمنحها المخلصين من عباده.

26 - صفى الدين

قال صفي الدين : «كان زين العابدين عظيم الهدى والسمت الصالح، وقد أخرج الخطيب في جامعه عن ابن عبّاس أنّ النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) قال : إِنَّ الْهُدى، وَالسَّمْتَ الصّالِحَ، وَالْإِقْتِصَادَ، جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزءاً مِنَ النبوّة» (3).

27 - عارف تامر

قال عارف تامر : «اشتهر - أي الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) - بالزهد والعبادة، ولم يك


1) الاتحاف بحب الأشراف : 49.

2) الصراط السوي : الورقة 19 مصوّرة في مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

3) وسيلة المال في عدّ مناقب الآل : 208.

يوجد من يماثله في هذه الصفات، ولذلك لقّب بزين العابدين والسجّاد» (1).

28 - السيّد عبّاس الموسوى

الامام زين العابدين غصن من تلك الشجرة النبوية التي عاشت الاسلام في عمق الضمير والوجدان وتمثلته في سلوكياتها وحركاتها فجاءت كأفضل ما يكون صورة طبق الأصل عن الاسلام المحمّدي بل عقيدتنا هو الاسلام نفسه من جديد (2).

29 - عماد الدين

قال الداعي عماد الدين إدريس القرشي : كان الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين أفضل بيت رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) وأشرفهم بعد الحسن والحسين عليهم جميعاً الصلاة والسلام، وأكثرهم ورعاً وزهداً وعبادة» (3).

30 - القليوبي

قال أحمد القليوبي الشافعي : «فضائله - أي فضائل الإمام - أكثر من أن تحصى أو يحيط بها الوصف» (4).

31 - السيّد محسن

قال السيّد محسن الأمين العاملي: «كان - أي الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) - أفضل أهل زمانه، وأعلمهم، وأفقههم، وأورعهم، وأعبدهم، وأكرمهم، وأحلمهم، وأصبرهم، وأفصحهم، وأحسنهم أخلاقاً، وأكثرهم صدقة، وأرأفهم بالفقراء،


1) الإمامة في الإسلام : 116.

2) شرح الصحيفة السجّادية : 18.

3) عيون الأخبار وفنون الآثار: 144.

4) تحفة الراغب : 13.

وأنصحهم للمسلمين.

كان معظماً عند القريب والبعيد، والولي والعدو، حتّى أنّ يزيد بن معاوية لما أمر أن يبايعه أهل المدينة على أنّهم عبيد وخول لم يستثن من ذلك إلا عليّ بن الحسين فأمر أن يبايعه على أنه أخوه وابن عمّه» (1).

لقد اتصف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بجميع الصفات العظيمة، فما الصفات العظيمة، فما من فضيلة يمتاز بها الإنسان ويشرف بها إلّا وهي من صفاته وفضائله، فهو كما قيل:

خُلِقْتَ مُهَذَّباً مِنْ كلّ عَيْبٍ***كَأَنَّكَ قَدْ خُلِقْتَ كَما تَشاءُ

32 ۔ محمّد بن سعد

قال محمّد بن سعد : «كان - أي الإمام زين العابدين - ثقة، مأموناً، كثير الحديث عالياً، رفيعاً ورعاً» (2).

33 - محمّد بن طلحة

قال كمال الدين محمّد بن طلحة القرشي الشافعي : «هذا زين العابدين، قدوة الزاهدين، وسيّد المتّقين، وإمام المؤمنين، شيمته تشهد له أنه من سلالة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، وسمته يثبت قربه من اللّه، وثفناته تسجّل له كثرة صلاته وتهجّده، وإعراضه عن متاع الدنيا ينطق بزهده فيها، درّت له أخلاف التقوى فتفوّقها، وأشرقت له أنوار التأييد فاهتدى بها، وألفته أوراد العبادة فأنس بصحبتها، وحالفته وظائف الطاعة فتحلّى بحليتها، طالما اتّخذ الليل مطيّة ركبها لقطع طريق الآخرة، وظماً الهواجر دلیله استرشد به في منارة المسافر، وله من الخوارق والكرامات


1) أعيان الشيعة - القسم الأوّل : 4 : 308.

2) البداية والنهاية : 9: 104.

ما شوهد بالأعين الباصرة، وثبت بالآثار المتواترة أنّه من ملوك الآخرة» (1).

34 - الشيخ المفيد

قال الشيخ المفيد : «كان عليّ بن الحسين أفضل خلق اللّه بعد أبيه علماً وعملاً، وقد روى عنه فقهاء العامّة من العلوم ما لا يحصى كثرة، وحفظ عنه من المواعظ والأدعية، وفضائل القرآن، والحلال والحرام، والمغازي، والأيام، ما هو مشهور بين العلماء» (2).

لقد كان الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثروة من ثروات الفكر الإسلامي، فأشاع العلوم والمعارف في دنيا الإسلام، وقد روى عنه العلماء والفقهاء أحكام الإسلام وآداب الشريعة، وغير ذلك من مختلف الفنون.

35 - المناوي

قال المناوي : «زين العابدين إمام سند اشترت أياديه، ومكارمه، وطارت بالجوّ في الوجود حمائمه، كان عظيم القدر، رحب الساحة والصدر، رأساً لجسد الرئاسة، مؤملاً للإيالة (3)والسياسة» (4).

36 - الموفى

قال السيّد محمود المنوفى : «كان زين العابدين عابداً، وفيّاً، وجواداً صفيّاً،


1) مطالب السؤول : 2 : 41.

2) الإرشاد : 2 : 138 و 153.

3) الإيالة : سياسة الرعيّة وتدبير شؤونها.

4) الكواكب الدرية : 2 : 139.

وكان إذا مشى لا تجاوز يده فخذه» (1).

37 - النووى

قال النووي : «وأجمعوا على جلالته - أي الإمام زين العابدين - في كلّ شيء» (2).

لقد أجمع المسلمون على تعظيم الإمام وإكباره لما يتمتع به من الصفات الرفيعة التي هي موضع الاعتزاز والفخر لجميع المسلمين.

38 - النويرى

قال شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري : «كان عليّ بن الحسين (رَحمهُ اللّه) ثقة، ورعاً، مأموناً، كثير الحديث، من أفضل أهل بيته، وأحسنهم طاعة» (3).

39 - الواقدي

قال الواقدي: «كان - أي زين العابدين - من أورع الناس، وأعبدهم وأتقاهم اللّه عزّ وجلّ، وكان إذا مشى لا يخطر بيده» (4).

لقد نظر الواقدي إلى ورع الإمام وعبادته وتقواه وتواضعه، وهو بهذه الصفات كان من أفضل الناس، ومن أجلّهم.

40 - وجدى

قال محمّد فريد وجدي : زين العابدين هو أبو الحسن عليّ بن الحسين


1) جمهرة الأولياء وأعلام أهل التصوّف : 2 : 71.

2) تهذيب الأسماء واللغات - القسم الأوّل : 343.

3) نهاية الإرب في فنون الأدب : 21: 324.

4) البداية والنهاية : 9 : 104.

عليّ بن أبي طالب، المعروف بزين العابدين، ويقال له عليّ الأصغر، وليس للحسين بن على عقب إلّا من ولده زين العابدين، هو أحد الأئمّة الإثني عشر في مذهب الإماميّة، كان من سادات التابعين ورؤساهم» (1).

41 - اليعقوبي

قال أحمد بن أبي يعقوب: «كان - أي الإمام زين العابدين - أفضل الناس، وأشدّهم عبادة، وكان يُسمّى زين العابدين، وكان يُسمّى أيضاً ذا الثفنات، لما كان في وجهه من أثر السجود» (2).

لقد كان الإمام زين العابدين من أفضل الناس، وأعظمهم شأناً، وأكثرهم عبادة وطاعة للّه.

نقاط مهمة

وحفلت كلمات الأعلام من المعاصرين للإمام، ومن المؤرخين بنقاط مهمة من بينها ما يلي :

أولاً : إنّ الإمام كان أفقه علماء عصره، وأكثرهم دراية وإحاطة بشؤون الشريعة وأحكام الدين.

ثانياً : إنّه أفضل هاشمي، بل وأفضل قرشي في عصره، وذلك لما يتمتّع به من الصفات الكريمة، والمثل العليا التي قل أن تتوفر بعضها في أي إنسان عدا آبائه.

ثالثاً : إنّه أفضل أهل زمانه، وأعلاهم شأناً ومكانة، وذلك لنسبه الرفيع، فهو ابن الخيرتين، مضافاً إلى عبقرياته ومواهبه العظيمة.


1) دائرة معارف القرن العشرين : 4 : 793.

2) تاريخ اليعقوبي : 3: 46.

رابعاً : إنّه من أزهد الناس، وأكثرهم إعراضاً عن مباهج الحياة الدنيا وزينتها، فلم يحفل ولم يعن بها.

خامساً : إنّه من أورع الناس، ومن أكثرهم تقوى وحريجة في الدين.

سادساً : إنه سراج الدنيا، وجمال الإسلام (1)وذلك لسيرته الندية العاطرة التي هي نفحة من نفحات النبوّة والإمامة.

سابعاً : إنّه من أحسن الناس، وأطيبهم ريحاً، وأكرمهم نفساً، وأعظمهم شرفاً.

ثامناً : إنه من أفصح الناس، وأعظمهم بلاغة، فقد كانت أدعيته ومواعظه وكلماته الحكميّة من مناجم الأدب العربي، ومن أنفس الذخائر الثقافية في دنيا الإسلام.

تاسعاً: إنّه من أبرّ الناس بالفقراء، ومن أكثرهم عطفاً وحناناً على البؤساء والمحرومين.

عاشراً: إنّه من أعبد الناس، وأكثرهم طاعة اللّه، فليس هناك من يضارعه في عبادته وطاعته للّه عدا آبائه.

الحادي عشر : إنّه من أحسن الناس أخلاقاً، فقد كان يضارع جدّه الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) في سموّ أخلاقه وآدابه.

الثانى عشر: إنّه أهل للرئاسة، وزعامة الأُمّة، وقيادتها الروحيّة والزمنيّة.

الثالث عشر : إنّ المسلمين قد أجمعوا على تعظيمه، والاعتراف له بالفضل وليس هناك أي أحد من مناوئيه من يخدش به أو ينال منه.

هذه بعض النقاط التي احتوت عليها كلمات المعاصرين للإمام، والمؤرّخين له على اختلاف ميولهم واتجاهاتهم، وهي تدلّل على سموّ الفكرة التي تذهب إليها الشيعة من أنّ الإمام لا بد أن يكون أفضل أهل زمانه وأعلمهم.


1) وصفه بذلك عمر بن عبدالعزيز.

مَعَ رَزَايَا كربلاء

إشارة:

وعاش الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) المحنة القاسية التي عاشها أبوه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيّام حكومة معاوية ويزيد، وشاركه في آلامه وشجونه، وكان من أشقّ ما عاناه الإمام الحسين في تلك الحقبة السوداء أنّه رأى السياسة الأمويّة قد اتجهت في مسارها إلى ضرب الإسلام، وإبادة ركائزه وقواه، والعمل على انحطاط الإنسان المسلم، وشلّ نشاطاته الفكريّة والعقليّة، والحيلولة بينه وبين مبادئ دينه العظيم، ولم يستطع الإمام في أيّام معاوية أن يفجّر ثورته الكبرى؛ وذلك لعلمه بفشلها وعدم استطاعتها على تغيير الأوضاع القائمة في البلاد؛ لأن معاوية كان يتمتع بدبلوماسية قوية وشيطنة يستحيل التغلّب عليه وإفشال مخططاته.

ولكن لما هلك هذا الطاغية، وتسلّم من بعده يزيد مقاليد الحكم رأى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن واجبه الديني يقضي عليه بمناجزة يزيد وإسقاط حكومته حفظاً المصالح المسلمين، ورعاية لحقوقهم، ووفاء لمبادئ دين جده العظيم، فأعلن (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثورته الكبرى التي أوضح اللّه بها الكتاب، وجعلها عبرة لأولي الألباب.

ونعرض بإيجاز إلى لقطات من تلك الثورة، وما رافقها وما رافقها من الأحداث المروعة، والتي كانت بمرأى ومسمع من الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وبالرغم ممّا كان يعانيه من شدة المرض إلا أنه استوعب جميع فصول تلك المأساة بإحساسه المرهف، وعاطفته اليقظة، وفيما يلي ذلك :

على صعيد كربلاء

وانتهى موكب العترة الطاهرة التي تبنت حقوق المظلومين والمضطهدين إلى صعيد كربلاء، وقد تواكبت عليهم المحن والخطوب، وألمّت بهم الرزايا والكوارث، وأيقنوا بالرزء القاصم، فقد أحاطت بهم قوى البغي والعدوان، وهي مصمّمة على إراقة دمائهم، أو إخضاعهم إلى الذل والهوان، ويأبى اللّه لهم ذلك.

ونظر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الفتية من أهل بيته وهم في نضار العمر وريعان الشباب، فأغرق في البكاء وراح يقول: «اللّهمّ إِنَّا عِتْرَةُ نَبِيِّكَ محمّد (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) قَد أُخْرِجْنا وَأُرْعِجْنَا وَطُرِدْنَا عَن حَرَمٍ جَدْنَا، وَتَعَدَّتْ بَنُو أُمَيَّةَ عَلَيْنَا، اللّهمّ فَخُذْ لَنَا بِحَقِّنَا وَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الظَّالِمِينَ».

ثم خاطب الأبطال من أهل بيته وأصحابه قائلاً: «النَّاسُ عَبِيدُ الدُّنيا، وَالدِّينُ لَعِق عَلَى أَلسِنَتِهِم يَحُوطُونَهُ ما دَرَّتْ مَعائِشُهُم، فَإِذَا مُحِّصوا بِالبَلاءِ قَلَّ الدَّيَّانُونَ» (1)

وضبط أبو هلال الحسن بن عبد اللّه العسكري في كتابه (الصناعتين) كلام الإمام الحسين بهذه الصورة «النَّاسُ عَبيدُ الدُّنْيَا، وَالدِّينُ لَغْوَ عَلَى أَلسِنَتِهِم يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ بِهِ مَعَايِشُهُم، فَإِذَا مُحْصُوا بالبَلَاءِ قَلْ الدّيانُونَ».

.

وحكت هذه الكلمات المشرقة الواقع العملي من حياة الناس في جميع مراحل التاريخ، فهم عبيد الدنيا في كلّ زمان ومكان، أما الدين فلاظل له في أعماق قلوبهم، فإذا دهمتهم الكوارث تنكروا له وابتعدوا عنه، فكان حقاً لعقاً على ألسنتهم.

والتفت الإمام إلى أصحابه فقال لهم : «أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ نَزَلَ بِنا ما قَدْ تَرُونَ، وَإِنَّ الدُّنيا قَدْ تَغَيَّرَتْ، وَتَنَكَّرَتْ وأَدْبَرَ مَعْرُوفُها، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صَبابَةٌ كَصَبَابَةِ الإِناءِ،


1) تحف العقول : 245 كشف الغمّة : 1 : 575. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) / الخوارزمي : 1 : 237. الفتوح : 5 : 97.

وَخَسِيسُ عَيْشِ كَالمَرْعَى الوَبيل (1).

أَلَا تَرَوْنَ إِلَى الحَقِّ لَا يُعْمَلُ بِهِ، وَإِلَى البَاطِلِ لا يُتَناهَى عَنْهُ، لِيَرْغَبَ المُؤْمِنُ فِي لِقاءِ اللّه، فإِنِّي لَا أَرَى المَوْتَ إِلا سَعادةُ والحَياةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إِلَّا بَرَماً» (2).

وأعرب في هذا الخطاب عما نزل به من صنوف المحن والبلاء، وأن منطق الدنيا معهم قد تغيّر، فقد ساقت لهم المقادير صنوفاً مرهقة من الخطوب، ولكن حفيد النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) العظيم لم يعبأ ولم يحفل بها، لأنه على بصيرة من أمره، فهو يرى الحقّ لا يعمل به، والباطل لا يتناهى عنه، وقد عادت له الحياة كريهة والموت والشهادة في سبيل اللّه سعادة.

ولمّا أنهى خطابه هب أصحابه جميعاً وهم يضربون أروع الأمثلة للتضحية والفداء من أجل إقامة الحق والعدل، وقد تكلّم كلّ واحد منهم بكلمة الإخلاص فشكرهم الإمام وأثنى عليهم.

الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ينعى نفسه

وفي ليلة العاشر من المحرّم دخل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى خيمته، وجعل يعالج سيفه ويصلحه، وقد أيقن بالقتل، وهو يقول :

يا دَهْرُ أُفٍ لَكَ مِنْ خَلِيلِ****كَمْ لَكَ بِالإِشراقِ وَالأَصِيلِ

مين صاحِب وَطالب قَتِيل***وَالدُّهْرُ لَا يَفْنَعُ بِالبَدِيل


1) المرعى الوبيل : هو الطعام الوخيم الذي يخاف وباله، أي سوء عاقبته. لسان العرب : 15: 202 - وبل.

2) المعجم الكبير / الطبراني : 3 : 114 و 115. حلية الأولياء : 2 : 39 تاريخ مدينة دمشق : 14 : 217 - 218. تاريخ الإسلام (حوادث 61 - (80) : 12.

وَإِنَّمَا الأَمْرُ إِلَى الجَلِيلِ***وَكُلٌّ حَيَّ سالِكٌ سَبِيلِ (1)

وقد نعى نفسه العظيمة بهذه الأبيات، وكان في الخيمة الإمام زين العابدين وحفيدة النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) زينب بنت الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلما سمع الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عرف ما أراده أبوه فخنقته العبرة، ولزم السكوت وعلم أن البلاء قد نزل - حسبما يقول -.

وأمّا عقيلة بني هاشم فقد أحست أنّ شقيقها وبقيّة أهلها عازمون على الموت، ومصممون على الشهادة، فأمسكت قلبها في ذعر، ووثبت وهي تجرّ ثوبها، وقد فاضت عيناها بالدموع، فوقفت أمام أخيها، وقالت له بنبرات لفظت فيها شظايا قلبها : «وا ثكلاه ! واحزناه ليت الموت أعدمني الحياة. يا حسيناه، يا سيداه، يا بقيّة أهل بيتاه، استسلمت ويئست من الحياة، اليوم مات جدي رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، وأمّي فاطمة الزهراء، وأبي عليّ، وأخي الحسن، يا بقية الماضين وثمال الباقين».

فنظر إليها برفق وحنان، وقال لها :

«يَا أُخيَّةً، لَا يَذْهَبَنَّ بحِلْمِكِ الشَّيْطَانُ».

وانبرت العقيلة إلى أخيها وهي شاحبة اللون، قد مزّق الأسى قلبها الرقيق المعذّب، فقالت له : «أتغتصب نفسك اغتصاباً ؟ ! فذاك أطول لحزني، وأشجى لقلبي» (2).

ولم تملك صبرها بعدما أيقنت أن شقيقها مقتول، فعمدت إلى جيبها فشقّته، ولطمت وجهها، وخرّت على الأرض فاقدة لوعيها، وشاركتها النسوة من عقائل


1) تاريخ اليعقوبي : 2 : 157. الكامل في التاريخ : 3 : 285 ينابيع المودّة : 3: 63 و 64.

2) أنساب الأشراف : 3: 393. الفتوح : 5 : 84. المنتظم : 5: 338. البداية والنهاية : 8: 179. السيدة زينب وأخبار الزينبيات : 20 - 21.

الوحي في المحنة القاسية. وصاحت السيدة أم كلثوم : «وامحمّداه، واعليّاه، واأُمّاه، واحسيناه، واضيعتنا بعدك».

وأثر المنظر الرهيب في نفس الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فذاب قلبه أسى وحسرات، وتقدّم إلى السيدات من بنات الوصي فجعل يأمرهن بالخلود إلى الصبر والتحمل الأعباء هذه المحنة الكبرى قائلاً: «يَا أَختَاهُ، يَا أُمَّ كُلْثُومٍ، وَأَنتِ يَا زَيْنَبُ، وَأَنتِ يا فَاطِمَةُ، وَأَنتِ يَا رَبَابُ، أَنظُرْنَ إِذَا قُتِلتُ فَلَا تَشْقُقْنَ عَلَيَّ جَيبَاً، وَلَا تَخْمُشْنَ وَجْهَا، وَلَا تَقُلنَ هَجْراً» (1).

ولقد أمرهن بالخلود إلى الصبر والتجمّل به، واجتناب هجر الكلام أمام المحن القاسية التي ستجري عليهن.

يوم عاشوراء

وليس هناك حادث في التاريخ يضارع في كوارثه وآلامه مثل ما جرى على الإمام الحسين في يوم عاشوراء، فلم تبق محنة من محن الدنيا، ولا كارثة من كوارث الدهر إلا جرت على ريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، وقد تحدث الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن ذلك اليوم العصيب الخالد في دنيا الأحزان، قال : «مَا مِنْ يَوْمٍ أَشَدُّ عَلَى رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) علي مواله من يَومٍ أَحَدٍ، قُتِلَ فِيْهِ عَمُّهُ حَمَزَةُ بنُ عَبدِ المُطَّلِب أَسَدُ اللّه وَأَسَدُ رَسُولِهِ، وَبَعْدِهِ يَومُ مُوْتَةَ قُتِلَ فِيْهِ ابنُ عَمِّهِ جَعفَرُ بنُ أَبي طَالِبٍ».

ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): وَلَا يَوْمٍ كَيومِ الحُسَينِ ارْدَلَفَ إِلَيْهِ ثَلَاثُونَ أَلْفَ رَجُلٍ يَزْعَمُونَ أَنَّهُم مِن هَذَهِ الأُمّة كلّ يَتَقَرَّبُ إِلَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ بِدَمِهِ، وَهُوَ بِاللّه يُذَكِّرُهُم فَلَا يَتَّعِظُونَ حَتَّىٰ قَتَلُوهُ بغياً وَظُلماً وعدواناً» (2).


1) مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) / الخوارزمي : 1 : 238.

2) أمالي الصدوق : 547، الحدیث 731. بحار الأنوار: 44: 298.

وليس في دنيا الإسلام على امتداد التاريخ يوم أشدّ وأقسى من يوم الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد ثار هذا الإمام العظيم ليقيم في هذا الشرق معالم الحياة الكريمة ويوفّر الحرية والرخاء والأمن والاستقرار لجميع شعوب العالم، وقد وقفت في وجهه أولئك الصعاليك من حثالة البشرية، فأراقت دمه الزاكي في وحشيّة قاسية لم يشاهد التاريخ لها مثيلاً فى فظاعتها ومرارتها، وقد اقترفت هذه الجرائم لتعيش هي تحت كابوس من العبوديّة والظلم والجور.

خطبة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

فقبل أن تندلع نار الحرب رأى الإمام العظيم أن يقيم الحجة على أولئك الممسوخين ويسدّ أمامهم كلّ عذر، ويجعلهم على بصيرة وبينة من أمرهم، فقد دعا براحلته فركبها، واتجه نحوهم، وهو بتلك الهيبة التي تحكي هيبة جدّه رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، فخطب فيهم خطابه التاريخي الذي هو من أبلغ وأروع خطاب ورد في الكلام العربي، وقد نادى بصوت عال يسمعه جلّهم، قال :

«أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَولِي وَلَا تَعْجَلُوا حتّى أَعِظَكُمْ بِمَا لِحَقِّ لَكُمْ عَلَيَّ، وَحَتَّى أَعْتَذِرَ إِلَيْكُم مِنْ مَقدَمِي عَلَيْكُم، فَإِنْ قَبِلْتُم عُذْرِي، وَصَدَّقْتُم قَوْلِي َوأَعْطَيْتُمُونِي النَّصَفَ مِنْ أَنْفُسِكُم كُنتُم بِذَلِكَ أسْعَدَ، وَلَمْ يَكُنْ لَكُم عَلَيَّ سَبِيلٌ، وَإِنْ لَمْ تَقْبَلُوا مِنِّى العُذْرَ وَلَمْ تُعطُوا النَّصَفَ مِنْ أَنْفُسِكُم «فَأَجْمِعُوا أَمَرَكُم وَشُرَكَاءَ كُم ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُم عَلَيْكُم غُمَّةٌ ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ» (1)، «إِنَّ وَلِيِّيَ اللّه الَّذِي نَزَّلَ الكِتَابَ وَهُوَ


1) یونس 10 : 71.

يَتَوَلّى الصَّالِحِينَ» (1)».

ونقل الأثير كلماته إلى السيّدات من عقائل النبوّة وحرائر الوحي فتصارخن بالبكاء، وارتفعت أصواتهنّ، فبعث إليهنّ أخاه العبّاس وابنه عليّاً، وقال لهما :

«سَكْنَاهُنَّ فَلَعَمْرِي لَيَكْثُرُ بُكَاؤُهُنَّ» (2).

ولما سكتن استرسل في خطابه فحمد اللّه وأثنى عليه وصلى على النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) وقال في ذلك ما لا يحصى ذكره ولم يسمع لا قبله ولا بعده أبلغ منه في منطقه، وقال :

«الحَمْدُ للّه الَّذِي خَلَقَ الدُّنْيَا فَجَعَلَهَا دَارَ فَنَاءٍ وَزَوَالٍ، مُتَصَرِّفَةً بِأهْلِهَا حَالاً بَعْدَ حَالٍ، فَالمَغْرُورُ مَنْ غَرَّتْهُ، وَالشَّقِيُّ مَنْ فَتَنَتْهُ، فَلَا تَغُرَّنَّكُم هَذِهِ الدُّنيَا فَإِنَّهَا تَقْطَعُ رَجَاءَ مَن رَكَنَ إِلَيْهَا، وَتُخيِّبُ طَمَعَ مَن طَمِعَ فِيْهَا، وَأَرَاكُمُ قَدْ اجْتَمَعْتُم عَلَى أَمْرٍ قَدْ أَسْخَطتُم اللّه فِيْهِ عَلَيْكُم، وَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ الكَرِيم عَنْكُم، وَأَحَلَّ بِكُم نِقْمَتَهُ، فَنعِمَ الرَّبُّ رَبُّنَا، وَبِئْسَ العَبِيدُ أَنْتُم، أَقرَرْتُم بِالطَّاعَةِ، وَآمَنتُم بِالرَّسُولِ محمّد (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) ثُمَّ إِنَّكُم زَحَفْتُم إِلَىٰ ذُرِيَّتِهِ وَعِتْرَتِهِ تُرِيدُونَ قَتْلَهُم. لَقَدْ اسْتَحْوَذَ عَلَيْكُم الشَّيْطَانُ فَأَنسَاكُم ذِكْرَ اللّه العَظِيم، فَتَبَاً لَكُم وَلِمَا تُرِيدُونَ، إِنَّا للّه وإِنَّا إِليهِ رَاجِعُونَ، هَؤُلَاءِ قَومٌ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِم فَبُعْداً للقَوْمِ الظَّالِمِيْنَ» (3).


1) الأعراف 7: 196.

2) تاريخ الأمم والملوك : 4 : 623. الإرشاد / المفيد : 2 : 97. الكامل في التاريخ : 3 : 287.

3) مناقب آل أبي طالب : 4 : 100. بحار الأنوار : 45: 5 - 6. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) / المقرّم : 278 - 279. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) / الخوارزمي : 1 : 252 - 253.

لقد وعظهم بهذه الكلمات، فحذرهم من فتنة الدنيا وغرورها، ودلل على عواقبها الخاسرة، وأهاب بهم من الإقدام على قتل عترة نبيهم، فإنّهم بذلك يخرجون من الإسلام إلى الكفر، ويستوجبون عذاب اللّه ونقمته، ثمّ استرسل الإمام العظيم في خطابه قائلاً:

أَمَّا بَعْدُ، فانسِبُونِى فَانظُرُوا مَنْ أَنَا ؟ ثُمَّ ارْجِعُوا إِلَى أَنْفُسِكُم وَعَاتِبوها، فانظُروا هَل يَحِلُّ لَكُم قَتْلِى وَانتِهَالُ حُرمَتِى ؟!

أَلَسْتُ ابْنَ بِنْتِ نَبِيَّكُم، وَابنَ وَصِيَّهِ، وَابْنِ عَمِّه، وأَوَّلِ المُؤْمِنِينَ باللّه وَالمُصَدِّقِ لِرَسُولِهِ بِمَا جَاءَ مِن عِنْدِ رَبِّهِ ؟

أَوَلَيْسَ حَمَزَةُ سيّد الشُّهَدَاءِ عَمَّ أَبِي ؟!

أوَلَيْسَ جَعْفَرُ الطَّيَّارُ عَمِّى ؟!

أَوَلَمْ يَبْلُغْكُم قَولُ رَسُولِ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) لِي وَلَأخِي: هَذَانِ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجنَّةِ، فَإِنْ صَدَّقْتُمُونِي بِمَا أَقُولُ وَهُوَ الحَقُّ، وَاللّه مَا تَعَمَّدْتُ الكَذِبَ مُنْذُ عَلِمْتُ أَنَّ اللّه يَمقُتُ عَلَيْهِ أَهْلَهُ، وَيَضُرُّ بِهِ مَنْ احْتَلَقَهُ، وإِنْ كَذَّبْتُمُونِي فَإِنَّ فِيكُم مَنْ إِنْ سَأَلْتُمُوهُ أَخْبَرَكُم، سَلُوا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللّه الْأَنصَارِيِّ، وَأَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وَسَهْلَ بنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيّ، وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يُخبِرُوكُم أَنَّهُم سَمِعُوا هَذِهِ المَقَالَةَ مِن رَسُولِ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) لِي وَلِأَخِي، أَما فِي هَذَا حَاجِزٌ لَكُم عَن سَفْكِ دَمِي ؟ (1)


1) الإرشاد / المفيد : 2 : 97 و 98 تاريخ الأمم والملوك : 4: 623. الكامل في التاريخ : 3 : 287. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) / الخوارزمي : 1: 253. ينابيع المودّة : 3: 65.

وكان خليقاً بهذا الخطاب أن يرجع إلى قطعات ذلك الجيش عوازب أحلامه، ويحدث انقلاباً عسكرياً في صفوفهم، لقد دعاهم ليرجعوا إلى نفوسهم وعقولهم لو كانوا يملكونها، فيمعنوا النظر في شأنه، فهو حفيد نبيهم، وابن وصيه، وألصق الناس وأمسهم رحماً بالنبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، وهو سيّد شباب أهل الجنة، وفي ذلك حصانة له من سفك دمه، وانتهاك حرمته، إلّا أنّ ذلك الجيش لم يع هذا المنطق الفيّاض، فقد خلد إلى الجريمة، وغرق في الضلال.

وانبرى إليه الرجس الخبيث شمر بن ذي الجوشن، فقال له : هو يعبد اللّه على حرف إن كان يدري ما تقول.

وتصدّى لجوابه حبيب بن مظاهر، وهو من ذخائر الإيمان والإسلام، فقال له : واللّه إني أراك تعبد اللّه على سبعين حرفاً، وأنا أشهد أنك صادق، ما تدري ما يقول، قد طبع اللّه على قلبك.

واستمرّ الإمام العظيم في خطابه فقال :

فَإِنْ كُنتُم فِي شَكٍّ مِنْ هَذَا القَوْلِ، أَفَتَشُكُونَ أَنِّي ابْنُ بِنْتِ نَبِيِّكُم ؟! فَوَاللّه مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالْمَعْرِبِ ابْنُ بِنْتِ نَبِيٍّ غَيْرِي فِيكُم وَلَا فِي غَيْرِكُم، وَيْحَكُم أَتَطْلُبُونَنِي بِقَتِيلِ مِنْكُم قَتَلْتُهُ، أَو مَالٍ لَكُم اسْتَهَلَكْتُهُ أَو بِقَصَاصِ جِرَاحَةٍ.

وزلزلت الأرض تحت أقدامهم، وغدوا حيارى لا يملكون جواباً لردّه.

ثم نادى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قادة الجيش من الذين كاتبوه بالقدوم لمصرهم، فقال :

يَا شَبَثَ بنَ رِبْعِيُّ، وَيَا حَجَّارَ بنَ أَبْجُرَ، وَيَا قَيْسَ بْنَ الأَشْعَثِ،

وَيَا يَزِيدَ ابْنَ الحَارِثِ، أَلَمْ تَكتِبُوا إِلَيَّ: أَنْ قَدْ أَينَعَتْ الثَّمَارُ وَاخْضَرَّ الجَنَابُ وَطُمَّتْ الحِمَامُ، وَإِنَّمَا تَقْدِمُ عَلَى جُنْدِ لَكَ مُجَنَّدٍ، فَأَقْبِلْ ؟!

ولم تخجل تلك الذوات القذرة من خيانة العهد ونقض الميثاق، فأجابوه مجمعين على الكذب : لم نفعل.

واستغرب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) منهم ذلك، فقال لهم : سُبْحَانَ اللّه ! بَلَى وَاللّه لَقَد فَعَلتُم.

وأشاح الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بوجهه عنهم، ووجّه خطابه إلى جميع قطعات الجيش، فقال لهم : أَيُّهَا النَّاسُ، إِذا كَرِهْتُمُونِي فَدَعُونِي أَنصَرِفُ عَنْكُم إِلَىٰ مَأْمَنِي مِنَ الْأَرْضِ.

وانبرى إليه قيس بن الأشعث وهو من ركائز الإثم والباطل في الكوفة، ومن أسرة لم تنجب شريفاً قط، فقال له : أولا تنزل على حكم بني عمك ؟ فإنّهم لن يروك إلا ما تحبّ، ولن يصل إليك منهم مكروه.

فأجابه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَنْتَ أَخُو أَخِيكَ، أَتُرِيدُ أَنْ يَطلُبَكَ بَنُو هَاشِمٍ بِأكثَرَ مِن دَمِ مُسلِمِ بنِ عَقِيلٍ ؟! لَا وَاللّه لا أُعطِيهِم بِيَدِي إِعْطَاءَ الدَّلِيلِ وَلا أَفِرُ فِرَارَ العبيد (1). عِبادَ اللّه، إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم أَن تَرْجُمُونِ، أَعُوذُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِن كلّ مُتَكَبَرِ لا يُؤْمِنُ بِيَومِ الحِسَابِ (2).


1) وفي رواية : «ولا أقرّ لكم إقرار العبيد».

2) الإرشاد / المفيد : 2: 97 و 98 تاريخ الأمم والملوك : 4 : 623 - 624. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) / الخوارزمي : 1: 253 و 254 الكامل في التاريخ : 3 : 287 و 288. البداية والنهاية : 8: 180 و 181.

ومن المؤسف أنّ هذا الخطاب النيّر لم ينفذ إلى قلوبهم، فقد ختم الجهل على قلوبهم، فكانوا كالأنعام، بل هم أضل سبيلاً.

الحرب

ولمّا فشلت جميع الوسائل التي اتّخذها الإمام لصيانة السلم وعدم سفك الدماء، أعلن ابن سعد الحرب العامّة على الإمام، فقد زحف إلى مقربة من معسكر الإمام، وأخذ سهماً فأطلقه صوب الإمام وهو يصيح : «اشهدوا لي عند الأمير أنّي أوّل من رمى معسكر الحسين».

لقد طلب الباغى اللئيم من الجيش أن يشهدوا له عند أميره وسيّده ابن مرجانة أنّه أوّل من رمى معسكر الحق والكرامة والشرف، وتتابعت السهام كأنها المطر من رماة جيشه على الحسين وأصحابه، فلم يبق أحد منهم إلا أصيب بسهم، والتفت الإمام إلى أصحابه فقال لهم : «قُومُوا يَا كِرَامَ، فَهَذِهِ رُسُلُ القَوْمِ إِلَيْكُم» (1).

وتقدّمت طلائع الحقِّ من أصحاب الإمام إلى ساحة الحرب، وبدأت بذلك المعركة بين المعسكرين، وهي من أعنف المعارك التي جرت على الأرض

مصارع الأبرار

والتحم معسكر الحقِّ مع جيوش الضلال والباطل، وقد تسابق أصحاب الإمام الحسين مع أهل بيته بشوق ورغبة إلى الموت، ليظفروا بالنعيم الدائم، وقد قادوا بذلك حركة الإيمان، ولم تضعف لأي واحد منهم عزيمة الإيمان، وقد دلّلوا


1) مناقب آل أبي طالب : 4 : 100. اللهوف : 60.

بتضحياتهم الهائلة على عظمة الإسلام الذي منحهم تلك الروح الوثابة التي استطاعوا بها على قلتهم أن يقابلوا تلك الوحوش الكاسرة، وينزلوا بها أفدح الخسائر.

لقد أبدى أصحاب الحسين وأهل بيته من صنوف البسالة والشجاعة ما يفوق حدّ الوصف والإطراء، خصوصاً أبا الفضل العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد واسى الحسين وفداه بروحه، وليس في تاريخ الإنسانية في جميع مراحلها أخوة أص-دق ولا أنبل ولا أوفى من تلك الأخوّة، وقد أشاد الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بها.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): رَحِمَ اللّه العبّاس، فَلَقَد آثرَ وَأَبَلَى، وَفَدَى أَخَاهُ بِنَفْسِهِ حتّى قُطِعَت يَدَاهُ، فَأَبدَلَهُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ بِهِمَا جِنَاحَينِ يَطِيرُ بِهِمَا مَعَ المَلَائِكَةِ فِي الجَنَّةِ كَمَا جَعَلَ لِجَعفَرِ بنِ أَبِي طَالِبٍ... وَإِنَّ العبّاس عِنْدَ اللّه تَعَالَى مَنزِلَةٌ يَغْبِطَهُ بِهَا جَمِيعُ الشُّهَدَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ» (1).

وكان أبو الفضل العبّاس هو آخر من قتل من إخوة الحسين، وقد وقف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الجثمان المقدّس، وهو يلفظ شظايا قلبه الذي مزقته الكوارث قائلاً: «الآن انْكَسَرَ ظَهْرِي، وَقَلَّتْ حِيلَتِي» (2).

وشعر الإمام بالوحدة والضيعة بعد فقده لأخيه الذي لم يترك لوناً من ألوان البر والمواساة إلا قدمها له، وقد أتينا على أخبار شهادته وعظيم رزيّة الإمام بها في كتابنا (حياة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)).

استغاثة الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وألقى الإمام الممتحن نظرة مشفوعة بالأسى والحسرة على أهل بيته وأصحابه


1) أمالي الصدوق : 548، الحديث 731. الخصال : 1 : 68. بحار الأنوار: 44 : 298.

2) مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) / الخوارزمي : 2 : 30.

فرآهم مجزّرين كالأضاحي على رمال كربلاء تصهرهم الشمس، وسمع عياله وق-د ارتفعت أصواتهنّ بالعويل والبكاء يندبن قتلاهنّ، ولا يعرفنّ ما سيجري عليهن بعد قتل الحسين، وقد أثر ذلك على الإمام تأثيراً بالغاً، فأخذ يستغيث ويطلب الناصر والمعين ليحامي عن حرم رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) قائلاً :

«هَلْ مِن ذَابِ يَذُبُ عَن حُرَم رَسُولِ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) ؟ هَلْ مِن مُوَحَدٍ يَخَافُ اللّه فِينَا ؟ هَلْ مِنْ مُغِيثٍ يَرْجُو اللّه فِي إِغَاثَتِنَا ؟» (1).

ولما سمع زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الاستغاثة المثيرة، وثب من فراش المرض وجعل يتوكأ على عصا لشدة مرضه، فبصر به الحسین فصاح بأخته السيدة أم كلثوم : «احْبِسِيه لَئِلَّا تَخْلُو الأَرْضُ مِنْ نَسلِ آلِ محمّد»، وبادرت إليه عمّته فأرجعته إلى فراشه (2).

وأخذ يعاني من الآلام النفسيّة أكثر ممّا يعاني من آلام مرضه، فقد طافت به المحن والخطوب، فهو يرى الكواكب المشرقة من إخوته وأبناء عمومته صرعى على الأرض، ويرى أصحابهم الأوفياء مجزّرين كالأضاحي، ويرى أباه وقد أحاط به أعداء اللّه، قد صمّموا على قتله، ويرى عقائل الوحي ومخدّرات الرسالة في حالة من الذعر والخوف ما لا سبيل إلى تصويره، وقد قابل تلك الكوارث المفزعة بالصبر، وتفويض أمره إلى اللّه.

مصرع الإمام العظيم

وأحاط الجفاة الجناة بريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) وهم يوسعونه ضرباً بالسيوف وطعناً بالرماح، ورمياً بالحجارة، وقد أعياه نزف الدم، وبادر المجرم الخبيث شمر بن


1) مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) / الخوارزمي : 2 : 32 درر الأبكار في وصف الصفوة الأخيار : 38.

2) مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) / الخوارزمي : 2 : 32.

ذي الجوشن فاحتز رأس الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ويقول الرواة : «إنّه كان على شفتيه ابتسامة الرضا والنصر الذي أحرزه الإمام إلى الأبد».

لقد استشهد الإمام من أجل أن يقيم في ربوع هذا الشرق دولة الحق، ويقضي على الظلم والغبن، ويوزّع خيرات اللّه على المحرومين والمضطهدين، وينقذ الأُمّة من حكم الأمويّين الذين كفروا بحقوق الإنسان، وحوّلوا البلاد إلى مزرعة لهم يصيبون منها حيثما شاءوا.

حرق الخيام

وعمد أجلاف البشرية وأوغادها إلى حرق خيام الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) غير حافلين بمن فيها من عقائل النبوّة ومخدّرات الوحي وأطفال أهل البيت (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد حملوا أقبسة من النار ومناديهم ينادي : «أحرقوا بيوت الظالمين».

لقد غدا في عرف هؤلاء أن أخبية الحسين هي بيوت الظلم، وبيوت الأمويّين وعملائهم هي بيوت العدل، وهم الذين أغرقوا البلاد في الظلم والجور.

وحينما التهبت النار في الخيام فرّت بنات رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) في البيداء والنار تلاحقهنّ، أمّا اليتامى فقد علا صراخهم وقد هاموا على وجوههم في البيداء، وهم يستغيثون فلا يجدون من يحميهم ويغيثهم، وكان هول ذلك المنظر من أفجع ما رآه الإمام زين العابدين، ولم يغب عن ذهنه طيلة المدة التي عاشها بعد أبيه، فكان دوماً يقول : «وَاللّه، مَا نَظَرْتُ إِلَى عَمَّاتِي وَأَخَوَاتِي إِلَّا وَخَنَقَتِنِي العَبْرَةُ، وَتَذَكَّرتُ فِرَارَهُنَّ يَوْمَ الطَّفٌ مِن خَيمَةٍ إِلَى خَيمَةٍ، وَمِن خِبَاءٍ إِلَى خِبَاءٍ، وَمُنَادِي القَوْمِ يُنَادِي: أَحرِقُوا بُيُوتَ الظَّالِمِينُ» (1).


1) اللهوف : 122. مقتل الحسین (عَلَيهِ السَّلَامُ) / المقرّم : 489. وقريب منه ما جاء في حلية الأولياء : 3: 138.

الهجوم على الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وهجم الكفرة الجفاة على الإمام زين العابدين، وقد أنهكته العلة، ومزقت الأحداث الرهيبة قلبه، وقد أراد المجرم الخبيث شمر بن ذي الجوشن قتله، فنهره حميد بن مسلم، قائلاً: «سبحان اللّه ! أتقتل الصبيان ؟ إنّما هو مريض».

فلم يحفل به، وبادرت إليه العقيلة عمّته زينب فتعلقت به، وقالت : «لا يقتل حتى أقتل دونه» (1)، فكف اللئام عنه، وقد نجا منهم بأعجوبة.

حزن الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وحزن الإمام زين العابدين أشدّ ما يكون الحزن، وتمنّى مفارقة الحياة، وذلك من هول ما رأى من المآسي التي جرت على أهل البيت، وقد أخذ يعاني الام الاحتضار حينما رأى جثّة أبيه وجثث أهل بيته وأصحابه منبوذة بالعراء لم ينبر أحد إلى مواراتها، وبصرت به عمته العقيلة زينب فبادرت إليه مسلّية قائلة : «مَا لِيَ أَرَاكَ تَجُودُ بِنَفْسِكَ يَا بَقِيَّةَ جَدِّي وَأَبِي وَإِخْوَتِي ؟!...

فَوَاللّه إِنَّ ذَلِكَ لَعَهدٌ مِن رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) إِلَى جَدِّكَ وَأَبِيكَ وَعَمِّكَ، وَلَقَد أَخَذَ اللّه مِيثَاقَ أُناسٍ مِن هَذِهِ الأُمّة لَا تَعرِفُهُم فَرَاعِنَةُ هَذِهِ الأُمّة، وَهُم مَعرُوفُونَ فِي أَهلِ السَّمَاوَاتِ، إِنَّهُم يَجمَعُونَ هَذه الأعضَاءَ المُتَفَرَّقَةً، وَهَذِهِ الجُسُومَ المُضَرَّجَةَ فَيُوَارُونَهَا، وَيَنصِبُونَ بِهَذَا الطَّفِّ عَلَماً لِقَبرِ أَبِيكَ سيّد الشُّهَدَاءِ لَا يُدرَسُ أَثَرُهُ، وَلَا يَعفُو رَسمُهُ عَلَى كُرُورِ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ.


1) تاريخ الأمم والملوك : 4: 649. أخبار الدول وآثار الأوّل : 1 : 323. وفي المنتظم : 5 : 341 : «أنّ ابن سعد هو الذي أمر بقتل زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فوقعت عليه زينب وقالت : لا يقتل حتّى أُقتل، فرقّ لها وكفّ عنه».

وَلَيَجتَهِدَنَّ أَئِمَّةُ الكُفْرِ وَأَشْيَاعُ الضَّلَالِ فِي مَحوِهِ وَطَمِسِهِ فَلَا يَزِدَادُ أَثَرُهُ إِلَّا ظُهُوراً، وَأَمرُهُ إِلَّا عُلُوّاً» (1).

وأخذت تسلّيه بهذا ونحوه حتّى أزالت ما ألم به من عظيم الأسى الذي كاد أن يقضي عليه.

مواراته (عَلَيهِ السَّلَامُ) للجثث الطاهرة

وعمد الأجلاف اللئام من أهل الكوفة إلى مواراة جيف قتلاهم، وتركوا جثمان ريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) وجثث أهل بيته وأصحابه الممجّدين على رمضاء كربلاء، وانبرى قوم من بني أسد من الذين لم يشتركوا في الحرب فحفروا القبور لتلك الجثث الزواكي، وكانوا متحيّرين في معرفتها؛ لأنّ الرؤوس قد فصلت عنها، وبينما هم كذلك إذ أطلّ عليهم الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) - حسبما نصت عليه بعض المصادر الشيعية - فأوقف بني أسد على شهداء أهل البيت وغيرهم من الأصحاب، وبادر بنفسه إلى حمل جثمان أبيه فواراه في مثواه الأخير وهو يذرف أحر الدموع قائلاً:

«طُوبَى لِأَرضِ تَضَمَّنَتْ جَسَدَكَ الطَّاهِرَ، فَإِنَّ الدُّنْيَا بَعْدَكَ مُظْلِمَةٌ، وَالآخِرَةَ بِنُورِكَ مُشْرِقَةٌ، أَمَّا اللَّيلُ فَمُسَهَّدٌ، وَالحُزنُ سَرْمَدٌ، أَو يَختَارُ اللّه لِأَهْلِ بَيتِكَ دَارَكَ الَّتِي أَنتَ بِهَا مُقِيمٌ، وَعَلَيكَ مِنِّى السَّلَامُ يَابنَ رَسُولِ اللّه وَرَحمَةُ اللّه وَبَرَكَاتُهُ».

ورسم على القبر الشريف هذه الكلمات : «هَذَا قَبرُ الحُسَينِ بنِ عليّ بن أبي طَالِبٍ الَّذِي قَتَلُوهُ عَطَشَانًاً غَرِيبَاً».

ودفن عند رجلي الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فلذة كبده ولده عليّ الأكبر، ودفن بقية الشهداء من هاشميين وغيرهم في حفرة واحدة، ثمّ انطلق مع الأسديين إلى نهر العلقمي


1) بحار الأنوار: 45 : 179.

فحفر قبراً ووارى فيه قمر بني هاشم أبا الفضل العبّاس ابن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وجعل يبكي أحرّ البكاء وهو يقول : «عَلَى الدُّنْيَا بَعدَكَ العَفَا يَا قَمَرَ بَنِي هَاشِمٍ، وَعَلَيْكَ مِنِّي السَّلامُ مِن شَهِيدٍ مُحتسب وَرَحمَةُ اللّه وَبَرَكَاتُهُ» (1).

وأصبحت تلك القبور الطاهرة رمزاً للكرامة الإنسانية، ورمزاً لكل تضحية تقوم على الشرف والعدل والحق، وقد أصبحت من أقدس مراكز العبادة وأفضلها في الإسلام.

سبايا اهل البيت (عَلَيهِ السَّلَامُ) فى الكوفة

وأدخلت عقائل الوحي ومخدّرات الرسالة سبايا على الكوفة، وقد عزفت أبواق الجيش وخفقت راياتهم معلنة النصر والظفر بقتلهم لريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) وسيد شباب أهل الجنّة، وقد وصف ذلك المنظر مسلم الجصاص، يقول : «دعاني ابن زياد لإصلاح دار الإمارة بالكوفة، فبينما أنا أجصص الأبواب وإذا بالزعقات قد ارتفعت من جميع الكوفة، فأقبلت على أحد خدّام القصر فقلت له : ما لي أرى الكوفة تضج ؟

قال : الساعة يأتوا برأس خارجي خرج على يزيد.

فقلت : من هذا الخارجي ؟

قال : الحسين بن علي.

يقول : فتركت الخادم حتّى خرج وأخذت ألطم على وجهي حتّى خشيت على عيني أن تذهبا، وغسلت يدي من الجص، وخرجت من القصر حتى أتيت إلى الكناس، فبينما أنا واقف والناس يتوقعون وصول السبايا والرؤوس؛ إذ أقبل أربعون جملاً تحمل النساء والأطفال، وإذا بعليّ بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على بعير بغير وطاء


1) مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) / المقرم : 415 و 416.

وأوداجه تشخب دماً، وهو يبكي ويقول :

يَا أُمّةَ السُّوءِ لَا سُفْيَا لِرَبْعِكُمُ***يَا أُمَةٌ لَمْ تُرَاعٍ جَدَّنَا فِيْنَا

لو أنَّنَا وَرَسُولُ اللّه يَجْمَعُنَا***يَوْمَ القِيَامَةِ مَا كُنتُم تَقُولُونَا

تُسَيِّرُونَا عَلَى الأَقْتَابِ عَارِيَةً***كَأَنَّنَا لَم نُشَيِّدْ فِيْكُمْ دينَا» (1)

ويقول بشر بن حذلم : قدمت الكوفة سنة (61هـ) عند مجيء عليّ بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من كربلاء إلى الكوفة ومعه النسوة، وقد أحاطت بهم الجنود، وقد خرج الناس للنظر إليهم، وكانوا على جمال بغير وطاء، فجعلت نساء أهل الكوفة يبكين ويندبن، ورأيت عليّ بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد أنهكته العلة، وفي عنقه الجامعة ويده مغلولة إلى عنقه، وهو يقول بصوت ضعيف : «إِنَّ هَؤُلَاءِ يَبْكُونَ وَيَتَوجَعُونَ مِن أَجلِنَا فَمَن قتلنا ؟ ! (2)».

خطاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الكوفة

وأحاطت الجماهير بالإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فرأى أن يخطب فيهم، ويعرفهم إثم ما اقترفوه، وما جنوه على أنفسهم وعلى الأُمّة، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد حمد اللّه والثناء عليه :

أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ عَرَفَنِي فَقَد عَرَفَنِي، وَمَنْ لَم يَعْرُفْنِي فَأَنَا عليّ بن الحسين بنِ عليّ بن أبي طَالِبٍ، أَنَا ابْنُ مَنْ انتُهِكَتْ حُرمَتُهُ، وَسُلِبَتْ نِعمَتُهُ، وَانتُهِبَ مَالُهُ، وَسُبِيَ عِمَالُهُ، أَنَا ابْنُ المَذْبُوحٍ بِشَطُ الفُراتِ مِنْ غَيْرِ


1) بحار الأنوار: 45 : 114 و 115. عوالم العلوم : 17 : 373.

2) أمالي المفيد : 320 - 321، الحديث 8. الفتوح : 5: 121.

ذَحْلٍ وَلَا تِرَاتٍ، أَنَا ابْنُ مَنْ قُتِلَ صَبْرَاً، وَكَفَى بِذَلِكَ فَخْرَاً.

أَيُّهَا النَّاسُ، نَاشَدْتُكُمُ اللّه هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّكُم كَتَبْتُم إِلَى أَبِي وَخَدَعْتُمُوهُ، وَأَعْطَيْتُمُوهُ مِن أَنفُسِكُم العُهُودَ وَالمِيثَاقَ وَالبَيعَةَ وَقاتَلتُمُوهُ ؟! فَتَباً لَكُم لِمَا قَدَّمتُم لِأَنفُسِكُم وَسَوأةً لِرأيكُم، بِأَيِّةِ عَيْنٍ تَنظُرُونَ إِلَىٰ رَسُولِ اللّه ؟! إِذ يَقُولُ لَكُم : قَتَلتُم عِتْرَتِي، وَانتَهكتُم حُرمَتِي فَلَسْتُم مِنْ أُمَّتِي.

وعلت أصوات أولئك العبيد الذين سوّدوا وجه التاريخ بالبكاء والنحيب، ونادى منادٍ منهم : هلكتم وما تعلمون.

واستمرّ الإمام في خطابه، فقال : رَحِمَ اللّه امْرَعَاً قَبِلَ نَصِيحَتِي وَحَفِظَ وَصِيَّتي فِي اللّه وَفِي رَسُولِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، فَإِنَّ لَنَا فِي رَسُولِ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) أَسْوَةً حَسَنَةٌ

فهتفوا أجمعين بلسان واحد : نحن يابن رسول اللّه سامعون، مطيعون، حافظون لذمامك، غير زاهدين فيك، ولا راغبين عنك، فمرنا بأمرك يرحمك اللّه، فإنا حرب لحربك، وسلم لسلمك، نبرأ ممّن ظلمك وظلمنا.

ور الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عليهم هذا الولاء الكاذب قائلاً: هَيهَاتَ، هَيهَاتَ، أَيَّتُهَا الغَدَرَةُ المَكَرَةُ، حِيلَ بَيْنَكُم وَبَيْنَ شَهَواتِ أَنفُسِكُمْ، أَتُرِيدُونَ أَنْ تَأْتُوا إِلَيَّ كَمَا أَتَيْتُم إِلَى أَبِي مِن قَبْلُ، كَلَّا وَرَبِّ الرَّاقِصَاتِ (1)إِلَىٰ مِنَى، فَإِنَّ الجُرحَ لَمَّا يَندَمِلُ، قُتِلَ أَبِي بِالأمْسِ وأَهلُ بَيْتِهِ، وَلَم يُنسَ تَكْلُ رَسُولِ


1) مطايا الحجيج.

اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) وَثَكْلُ أَبِي وَبَنِي أَبِي، إِنَّ وَجْدَهُ وَاللّه لَبَينَ لُهَاتِي، وَمَرَارَتَهُ بَيْنَ حَنَاجِرِي وَحَلْقِي، وَغُصَصَهُ تَجْرِي فِي فَراشِ صَدرِي...(1).

وأمسك الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الكلام معرضاً عن أولئك الغدرة الفجرة الذين هم وصمة عار على البشرية، فهم الذين قتلوا ريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) الذي جاء ليحرّرهم وينقذهم من ظلم الأمويّين وجورهم، وبعد ذلك ندموا، وراحوا يبكون عليه.

الطاغية مع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وأُدخلت سبايا آل الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) إلى قصر الإمارة حيث يقيم فيه حاكم الكوفة ابن مرجانة، وقد بصر الطاغية بالإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد انهكته العلّة، فسأله قائلاً: مَن أنت ؟

فقيل : عليّ بن الحسين.

قال : أولم يقتل اللّه عليّ بن الحسين ؟

فأجابه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأناة : كَانَ لِى أَخٌ يُسَمَّى عَلِيَّاً قَتَلَهُ النَّاسُ».

فثار ابن زياد في وقاحة وصلف، وصاح بالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : بل اللّه قتله.

فأجابه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بكلّ شجاعة وثبات : ««اللّه يَتَوَفى الانْفَسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا» (2)، «وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذنِ اللّه» (3)».

ودارت الأرض بابن مرجانة، وأخذته عزة بالإثم وغاظه أن يتكلم هذا الغلام الأسير بهذه الطلاقة وقوة الحجّة، والاستشهاد بالقرآن ويرد علیه کلامه، فصاح به :


1) مثير الأحزان / ابن نما : 69 و 70. اللهوف : 92 و 93. الاحتجاج : 2 : 117 - 119.

2) الزمر : 39 : 42.

3) آل عمران 3: 145.

ويك جرأة على ردّ جوابي ؟ ! وفيك بقيّة للردّ علَيَّ ؟ وصاح الرجس الخبيث بأحد جلاديه : خذ هذا الغلام واضرب عنقه.

وطاشت أحلام السيدة زينب حفيدة الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، وانبرت بشجاعة لا يرهبها سلطان فاعتنقت الإمام وقالت لابن مرجانة : «حسبك يابن زیاد من دمائنا ما سفكت، وهل أبقيت أحداً غير هذا، فإن أردت قتله فاقتلني معه».

وبهر الطاغية وقال متعجباً : دعوه لها، يا للرحم ودّت أنها تقتل معه (1).

ولولا هذا الموقف البطولي من العقيلة لقتل الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وذهبت البقية من نسل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) التي هي مصدر الخير والشرف في الأرض.

وروى الجاحظ في رسائله : «أنّ ابن مرجانة قال لأصحابه في عليّ بن الحسين : دعوني أقتله فإنّه بقيّة هذا النسل - يعني نسل الحسين - فأحسم به هذا القرن، وأميت به هذا الداء، وأقطع به هذه المادة» (2).

إلّا أنّهم أشاروا عليه بالإمساك عنه معتقدين أن ما ألمّ به من المرض سوف يقضي عليه.

اختطاف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

واختطف بعض الكوفيين الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأخفاه في داره، وجعل يكرمه ويحسن إليه، وكان كلّما رآه أجهش بالبكاء، فظنّ الإمام به خيراً إلّا أنّه لم تمض فترة يسيرة من الزمن حتّى نادى منادي ابن زياد : من وجد عليّ بن الحسين وأتى به فله ثلاثمائة درهم، فلما سمعه الكوفي أسرع إلى الإمام فجعل في عنقه حبلاً وربط يديه


1) اللهوف : 94 و 95. مثير الأحزان / ابن نما : 71. بحار الأنوار: 45 : 117. الحدائق الوردية : 1 : 128. المنتظم : 5: 345 الكامل في التاريخ : 3 : 297.

2) رسالة الجاحظ في ذيل كتاب النزاع والتخاصم / المقريزي : 126.

بالحبل، وأخذ الدراهم (1).

وهذه البادرة الغريبة - إن صحت - فإنّها تعطي صورة عن تهالك المجتمع الكوفي على المادة، وتفانيه في الحصول عليها بأي طريق كان.

سبايا آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) إلى دمشق

وحملت ودائع الرسالة وعقائل الوحي إلى دمشق الشام، وهنّ في حالة مشجية تذوب من هولها النفوس، وقد خرجت الكوفة بجميع طبقاتها لتوديع السبايا، وقد عج الرجال والنساء بالبكاء، وقد استغرب الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذلك منهم وراح يقول : «هؤلاءِ قَتَلُونا، وَيَبْكُونَ عَلَيْنا» (2).

وأمر الخبيث الدنس شمر بن ذي الجوشن أن يغلّ الإمام زين العابدين بغلّ في عنقه، فعلّ (3).

وانطلق الركب في مسيرته نحو الشام، ويقول المؤرّخون : «إنّ الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يتكلّم مع الجفاة الذين رافقوه بكلمة واحدة، ولا طلب منهم أي شيء في طيلة الطريق (4)، فقد عرفهم أخباثاً لثاماً لا يستجيبون لأي أمر يأمرهم به.

وسارت القافلة لا تلوي على شيء حتّى انتهت إلى القرب من دمشق، فأُقيمت هناك حتّى تتزيّن البلد بمظهر الزهو والأفراح.


1) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان : 98 المنتظم / ابن الجوزي: 5 : 345. الطبقات الكبرى : 5 : 212. تاريخ مدينة دمشق : 41 : 367. وهذه الرواية ممّا تفرّد بها هؤلاء المؤرّخون ولم يذكرها بقيّة أرباب السير والتاريخ.

2) مرآة الزمان : 99 مقتل الحسين / الخوارزمي : 2 : 40.

3) أنساب الأشراف : 3: 416.

4) الإرشاد / الشيخ المفيد : 2 : 119.

ولما تزينت دمشق بأبهى زينة أدخلت سبايا آل النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) وسط هالة من التهليل والتكبير للنصر الذي أحرزه حفيد أبي سفيان على حفيد رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏).

الشامي مع الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وانبرى شيخ من أهل الشام قد ضلّلته الدعايات الكاذبة نحو الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد رفع عقيرته قائلاً: الحمد اللّه الذي أهلككم، وأمكن الأمير منكم.

ويصر به الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فرآه مخدوعاً قد خفي عليه الحق، وخدعه الإعلام الأموي، فقال له : «يَا شَيخُ، هَلْ قَرَأَتَ القُرآنَ ؟».

قال : نعم.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَقرأتَ قَولَهُ تَعَالَى: «قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرَاً إِلَّا المودّة فِي القُربَى» (1)، وَقَولَهُ تَعَالَى: «وآتِ ذَا القُربَى حَقَّهُ» (2)، وَقَولَهُ تَعَالَى: «وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأَنَّ للّه خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُربَى» (3)؟».

وبهر الشيخ فقال بصوت خافت : نعم قرأت ذلك.

قال له الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «ونَحْنُ وَاللّه القُرْبَى يَا شَيخُ أَقْرَأتَ قَولَهُ تَعَالَى: «إِنَّما يُرِيدُ اللّه لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهيراً» (4)؟».

قال الشيخ : بلى.

فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ): «نَحْنُ أَهْلُ البَيْتِ الَّذِينَ خَصَّهُمُ اللّه بِالتَّطْهِيرِ».


1) الشورى 3: 23.

2) الإسراء 17 : 26.

3) الأنفال 8: 41.

4) الأحزاب 33: 33.

وسرت الرعدة في أوصال الشيخ، وتمنّى أن تكون الأرض قد وارته ولم يقل ذلك، وقال للإمام : باللّه عليكم أأنتم هم ؟ !

فقال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَحَقٌّ جَدِّنَا رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) إِنَّا لَنَحْنُ هُم مِن غَيرِ شَكٍّ».

وألقى الشيخ بنفسه على الإمام وهو يوسع يديه تقبيلاً ودموعه تجري على سحنات وجهه قائلاً: أنا أبرأ إلى اللّه ممّن قتلكم.

وطلب الشيخ من الإمام أن يمنحه التوبة، ويعفو عنه، فعفا (عَلَيهِ السَّلَامُ) عنه (1).

الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مجلس يزيد

وعمد جلاوزة يزيد إلى عقائل الوحي وأطفال الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فربقوهم بالحبال كما تربق الأغنام، فكان الحبل في عنق الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى عنق عمته زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ)، وباقي بنات رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، وكانوا كلّما قصروا عن المشي أوسعوهم ضرباً بالسياط، وجاءوا بهم على مثل هذه الحالة التي تتصدّع من هولها الجبال، فأوقفوهم بين يدي يزيد.

فالتفت إليه الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال له : «مَا ظَنُّكَ بِجَدِّنَا رَسُولِ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) لَو يَرَانَا عَلَى مِثلِ هَذِهِ الحَالَةِ ؟ !»، فتهافت الطاغية، ولم يبق أحد في مجلسه إلّا بكى (2)، وتألّم يزيد من ذلك المنظر المفجع فراح يقول : «قبح اللّه ابن مرجانة، لو كان بينكم وبينه قرابة لما فعل بكم هذا» (3).

ثم أمر الطاغية بالحبال فقطّعت، والتفت إلى زين العابدين فقال له : «أيه يا عليّ بن الحسين، أبوك الذي قطع رحمي، وجهل حقي، ونازعني سلطاني


1) اللهوف : 102 و 103. الصواعق المحرقة : 170.

2) الإمام زين العابدين / أحمد فهمي : 55.

3) أنساب الأشراف : 3: 425. المنتظم : 5: 343. تذكرة الخواص : 234.

فصنع اللّه به ما رأيت».

فأجابه شبل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بكلّ هدوء واطمئنان : «مَا أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ فِي الأَرضِ وَلَا فِى أَنفُسِكُم إِلَّا فِي كِتَابٍ مِن قَبل أن نَبَرَأهَا إِنَّ ذَلكَ عَلَى اللّه يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوا عَلى مَا فَانكُم وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُم وَاللّه لَا يُحِبُّ كلّ مُختَالٍ فَخُورٍ» (1).

وتميز الطاغية غضباً وذهبت نشوة أفراحه، وتلا قوله تعالى : «مَا أَصَابَكُم مِن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيدِيكُم» (2).

فقال له (عَلَيهِ السَّلَامُ): «هَذَا فِي حَقٌّ مَنْ ظَلَمَ لَا فِي حَقٌّ مَنْ ظُلِمَ».

وزوى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بوجهه عنه احتقاراً له، واستهانة بشأنه (3).

خطاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في دمشق

وأذن يزيد للناس إذناً عاماً، وقد ازدحم بهو قصره بمختلف الطبقات وهم يهنئونه

بالنصر الكاذب، وهو جذلان، وهو جذلان مسرور قد استوسقت له الدنيا، وصفا له الملك، وقد أوعز إلى الخطيب أن يعتلي المنبر وينال من الإمام الحسين وأبيه أمير المؤمنين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وصعد الخطيب المنبر وبالغ في ذمّ العترة الطاهرة وأثنى ثناء كاذباً على يزيد وأبيه، فانبرى إليه الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فصاح به :

وَيلَك أَيُّهَا الخَاطِبُ، اسْتَرَيتَ رِضًا المَخْلُوقِ بِسَخَطِ الخَالِقِ، فَتَبَوَّاً مَفْعَدَكَ مِنَ النَّارِ.

واتّجه الإمام نحو يزيد فقال له : أَتَأْذَنَ لِي أَنْ أَصْعَدَ هَذِهِ الأَعوَادَ فَأَتَكَلَمُ بِكَلِمَاتٍ


1) الحديد 57 : 22 – 23.

2) الشورى 42: 30.

3) الإرشاد / المفيد : 2 : 120 أنساب الأشراف: 3 : 419 و 420. تاريخ الأمم والملوك : 4 : 655. الفصول المهمة / ابن الصباغ : 195.

فِيهِنَّ للّه رِضاً، وَلِهَوْلَاءِ الجَالِسِينَ أَجْرٌ وَثَوَابٌ ؟

وبهت الحاضرون وعجبوا من هذا الفتى العليل الذي ردّ على الخطيب والأمير وهو أسير، فرفض يزيد إجابته، وألح عليه الجالسون بالسماح له، فردّ عليهم يزيد قائلاً: «إن صعد المنبر لم ينزل إلّا بفضيحتي وفضيحة آل أبي سفيان».

فعجبوا من ذلك وقالوا له : وما مقدار ما يحسن هذا العليل ؟ !

إنهم لا يعرفون الإمام، وحسبوا أنه كبقية الناس، ولكن الطاغية يعرفه، فقال لهم «إنّه من أهل بيت قد زقّوا العلم زقاً».

وأخذوا يلحون عليه في أن يسمح له في الخطاب، ولم يجد بُدّاً من إجابتهم فسمح له، واعتلى أعواد المنبر فخطب خطاباً رائعاً لم يشاهد له التاريخ مثيلاً في روعته وبلاغته، وقد أبكى العيون، واضطرب الجالسون، فقد هيمن على قلوبهم ومشاعرهم، وكان من جملة ما قاله :

أَيُّهَا النَّاسُ، أُعطِينَا سِتّاً، وَفُضْلَنَا بِسَبع: أُعطِينَا العِلْمَ، وَالحِلْمَ، وَالسَّمَاحَةَ، وَالفَصَاحَةَ، وَالشَّجَاعَةَ، وَالمَحَبةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، وَفُضِّلْنَا بَأَنَّ مِنَّا النبيّ المُخْتَارَ محمّداً (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، وَمِنَّا الصِّدِّيقَ، وَمِنَّا الطَّيَّارَ، وَمِنَّا أَسَدُ اللّه وَأَسَدُ الرَّسُولِ، وَمِنَّا سَيِّدَةَ نِسَاءِ العَالَمِينَ فَاطِمَةَ البَتُولَ، وَمِنَّا (سِبْطَي) هَذِهِ الأُمّة (وَسَيِّدَي) شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ.

وبعد هذه المقدّمة التعريفية لأسرته، أخذ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بيان فضائلهم. قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :

فَمَن عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفِنِي أَنبَاتُهُ بِحَسَبِي وَنَسَبِي، أَنَا ابْنُ مَكَّةَ وَمِنَى، أَنَا ابْنُ زَمْزَمَ وَالصَّفَا، أَنَا ابْنُ مَنْ حَمَلَ الزَّكَاةَ بِأطْرَافِ الرِّدَاءِ، أَنَا ابْنُ خَيرِ مَنْ ائْتَزَرَ وَارتَدَى، أنا ابنُ خَيرِ مَنْ انْتَعَلَ وَاحْتَفَى،

أَنَا ابْنُ خَيْرِ مَنْ طَافَ وَسَعَى، أَنَا ابْنُ خَيرِ مَنْ حَجَّ وَلَبَّى، أَنَا ابْنُ مَنْ حُمِلَ عَلَى البُرَاقِ فِي الْهَوَاءِ، أنَا ابْنُ مَنْ أسرِيَ بِهِ مِنَ المَسْجِدِ الحَرَا إِلَى المَسْجِدِ الأقصى فَسُبحَانَ مَنْ أَسْرَى، أَنَا ابْنُ مَنْ بَلَغَ بِهِ جِبْرَئِيلُ إِلَىٰ سِدْرَةِ المُنتَهَى، أَنَا ابْنُ مَنْ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوسَين أَو أَدْنَا، أَنَا ابْنُ مَنْ صَلَّى بِمَلَائِكَةِ السَّمَاءِ، أَنَا ابْنُ مَنْ أَوْحَى إِلَيْهِ الجَلِيلُ مَا أَوْحَى، أَنَا ابْنُ محمّد المُصطَفَى، أَنَا ابْنُ عَلِيَّ المُرتَضَى، أَنَا ابْنُ مَنْ ضَرَبَ خَرَاطِيمَ الخَلْقِ حتّى قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه

أَنَا ابْنُ مَنْ ضَرَبَ بَينَ يَدَى رَسُولِ اللّه بِسَيفَينِ، وَطَعَنَ بِرُمحَينِ، وَهَاجَرَ الهِجْرَتَيْنِ، وَبَايَعَ البَيعَتَينِ، وَصَلَّى القِبْلَتَينِ، وَقَاتَلَ بِبَدْرٍ وَحُنَيْنٍ، وَلَم يَكْفُرْ بِاللّه طَرفَةً عَينِ.

أَنَا ابْنُ صَالِحٍ الْمُؤْمِنِينَ، وَوَارِثِ النَّبِيِّينَ، وَقَاطِع المُلحِدِينَ، وَيَعَسُوبِ المُسلِمِينَ، وَنُورِ المُجَاهِدِينَ، وَزَينِ العَابِدِينَ، وَتَاج البَكَّائِينَ، وَأَصْبَرِ الصَّابِرِينَ، وَأَفضَلِ القَائِمِينَ مِنْ آلِ يَاسِينَ رَسُولِ رَبِّ العَالَمِينَ.

أَنَا ابْنُ المَؤَيَّدِ بِجِبْرَئِيلَ المَنصُورِ بِمِيكَائِيلَ، أَنَا ابْنُ المُحَامِي عَن حُرَمِ المُسْلِمِينَ، وَقَاتلِ النَّاكِثِينَ وَالقَاسِطِينَ وَالمَارِقِينَ، وَالمُجَاهِدِ أَعدَاءَهُ النَّاصِبِينَ، وَأَفَخَرِ مَن مَشَى مِن قُرَيشِ أَجْمَعِينَ، وَأَوَّلِ مَن أَجَابَ وَاسْتَجَابَ للّه مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَقدَمِ السَّابِقِينَ، وَقَاصِمِ المُعتَدِينَ، وَمُبِيرِ

المُشْرِكِينَ، وَسَهُم مِن مَرَامِي اللّه عَلَى المُنَافِقِينَ، وَلِسَانِ حِكْمَةِ العَابِدِينَ. نَاصِرِ دِينِ اللّه، وَوَلَيَّ أَمْرِ اللّه، وَبُستَانِ حِكمَةِ اللّه، وَعَيْبَةِ عِلْمٍ اللّه، سَمِحٌ سَخِيٌّ، بُهلول زَكِيٌّ أَبطَحِيٌّ، رَضِيٌّ مَرضِيٌّ، مُقْدَامٌ هُمَامٌ، صَابِرَ صَوَّامٌ، مُهَذَّبٌ قَوَّامٌ، شُجَاعٌ قُمْقَامٌ، قَاطِعُ الأَصْلَابِ، وَمُفَرِّقُ الأَحزَابِ، أَربَطُهُمْ جَنَانَا، وَأَطلَقُهُم عِنَاناً، وَأَجرَأُهُم لِسَاناً، وَأَمضَاهُم عَزِيمَةً، وَأَشَدُّهُم شَكِيمَةٌ، أَسَدٌ بَاسِلٌ، وَغَيثٌ هَاطِلٌ، يَطحَنُهُم فِي الحُرُوبِ وَيَذَرهُم ذَروَ الرِّيحِ الهَشِيم، لَيثُ الحِجَازِ، وَصَاحِبُ الإِعجازِ، وَكَبْشُ العِرَاقِ الإِمَامُ بِالنَّصَّ وَالاسْتِحْقَاقِ، مَكَّيٌّ مَدَنِيٌّ، أَبطَحَيٌّ تُهَا مِيٌّ، خَيفِيٌّ عَقَبِيٌّ، بَدْرِيٌّ أُحْدِيٌّ، وَشَجَرِيٌّ مُهَاجِرِيٌّ. مِنَ الْعَرَبِ سَيِّدُهَا، وَمِنَ الوَغَىٰ لَيْثُهَا. وَارِثُ المَشْعَرَينِ، وَأَبو السبطينِ الحَسَنِ وَالحُسَينِ، مُظْهرُ العَجَائِبِ، وَمُفَرِّقُ الكَتَائِبِ، وَالشَّهَابُ الثَّاقِبِ، وَالنُّورُ العَاقِبِ، أَسَدُ اللّه الغَالِبُ، مَطلُوبُ كلّ طَالِبٍ، غَالِبٍ كلّ غَالِبٍ، ذَاكَ جَدِّي عَلِيُّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ.

أَنَا ابْنُ فَاطِمَةَ الزَّهرَاءِ، أَنَا ابْنُ سَيِّدَةِ النِّسَاءِ، أَنَا ابْنُ الطُّهرِ البَتُولِ، أَنَا ابْنُ بِضْعَةِ الرَّسُولِ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏).

أَنَا ابْنُ المُرَمَّلِ بِالدِّمَاءِ، أَنَا ابْنُ ذَبِيح كَرْبَلَاءَ، أَنَّا ابْنُ مَنْ بَكَى عَلَيْهِ الجِنُّ فِي الظُّلَمَاءِ، وَنَاحَتْ عَلَيْهِ الطَّيرُ فِي الهَوَاءِ(1).


1) بحار الأنوار : 45 : 137 - 139. نفس المهموم : 410 و 411. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الخوارزمي : 2 : 69 - 71.

ولم يزل (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : أنا، حتّى ضجّ الناس بالبكاء، وخشي يزيد من وقوع الفتنة وحدوث ما لا تحمد عقباه، فقد أوجد خطاب الإمام انقلاباً فكرياً، فقد عرف الإمام نفسه لأهل الشام، وأحاطهم علماً بما كانوا يجهلون، فأوعز يزيد إلى المؤذن أن يؤذن ليقطع على الإمام كلامه، فصاح المؤذن : «اللّه أكبر».

فالتفت إليه الإمام فقال له : «كَبَّرتَ كَبِيرَاً لَا يُقَاسُ، وَلَا يُدرَكُ بِالحَوَاسَ، لَا شَيْءَ أَكبَرُ مِنَ اللّه».

فلمّا قال المؤذن : (أشهد أن لا إله إلا اللّه»

قال عليّ بن الحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) : «شَهِدَ بِهَا شَعرِي وَبَشَرِي، وَلَحمِي وَدَمِي، وَمُخْي وَعَظْمِي».

ولمّا قال المؤذن : «أشهد أن محمّداً رسول اللّه».

التفت الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى يزيد، فقال له : «يَا يَزِيدُ، محمّد هَذَا جَدِّي أَمْ جَدُّكَ ؟ فَإِنْ زَعَمْتَ أَنَّهُ جَدُّكَ فَقَدْ كَذِبتَ، وَإِنْ قُلتَ: إِنَّهُ جَدِّي فَلِمَ قَتَلْتَ عِتَرَتَهُ» ؟ (1).

ووجم يزيد ولم يطق جواباً، فإنّ الرسول العظيم هو جد سيّد العابدين، وأمّا جدّ يزيد فهو أبو سفيان العدو الأوّل للنبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، واستبان لأهل الشام أنّهم غارقون في الإثم، وأنّ الحكم الأموي قد جهد في غوايتهم وإضلالهم.

لقد اقتصر خطاب الإمام على التعريف بالأسرة النبوية، وما لها من عظيم الفضل والشأن عند اللّه، وما قامت به من أعمال جهادية في سبيل الإسلام، كما تعرّض لما جرى عليهم من صنوف القتل والارهاق، ولم يتعرّض لغير ذلك، وفيما أحسب أنّ الاقتصار على ذلك من أروع صور الإلتفات، ومن أدق أنواع البلاغة، فقد كان المجتمع الشامي لا يعرف شيئاً عن أهل البيت سوى ما كان يفتعله ضدّهم وعاظ


1) الفتوح : 5 : 133. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) / الخوارزمي : 2 : 69 - 71.

السلاطين، فقد غذتهم السلطة وعملاؤها بالعداء لآل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وبالولاء لبني أُميّة.

وعلى أي حال، فقد أثر خطاب الإمام في أوساط أهل الشام تأثيراً بالغاً، وجعل بعضهم يسر إلى بعض بدجل الإعلام الأموي، وبالخيبة والخسران الذين آلوا إليهما، حتّى تغيّرت أحوالهم مع يزيد (1)، وأخذوا ينظرون إليه بازدراء واحتقار.

الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع المنهال

والتقى الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالمنهال بن عمر، فبادره قائلاً: كيف أمسيت یابن رسول اللّه ؟

فرمقه الإمام بطرفه، وقال له : «أَمْسَينَا كَبَنِي إِسْرَائِيلَ فِي آلِ فِرْعَونَ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَهُم وَيَستَحيُونَ نِسَاءَهُم.

يَا مِنْهَالُ، أَمسَتْ العَرَبُ تَفتَخِرُ عَلَى العَجَم بِأَنَّ محمّدا مِنهُم، وَأَمَسَتْ قُرَيضٌ تَفْتَخِرُ عَلَى سَائِرِ العَرَبِ بَأَنَّ محمّداً مِنهَا، وَأَمَسَينَا أَهلُ بَيْتِ محمّد وَنَحْنُ مَعْصُوبُونَ مَظْلُومُونَ، مَقهُورُونَ مُقَتَلُونَ، مَثْبُورُونَ مَطْرُودُونَ فَإِنَّا للّه وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ» (2).

لقد كان الرسول الأعظم (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) المصدر الأصيل لشرف الأُمّة العربيّة فهو الذي خطط لها الحياة الكريمة، وبنى لها دولة كانت من أعزّ دول العالم وأمنعها، فكان جزاؤه أن عمدت قريش التي تفتخر على العرب بأنّ محمّداً منها إلى قتل ذريته، واستئصال شأفتهم، وسبي نسائهم.


1) جوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام : 128.

2) الفتوح : 5 : 133. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) / الخوارزمي : 2: 72. تاريخ مدينة دمشق : 41: 396.

اعتذار الطاغية من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

ولما كثر الناقمون على يزيد بقتله لريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) دعا الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأبدى له معاذيره، وألقى المسؤوليّة على ابن مرجانة، قائلاً: «ما كان علي لو احتملت الأذى وأنزلته - يعني الحسين - معي في داري، وحكمته فيما يريد، وإن كان عليّ في ذلك وكف ووهن في سلطاني حفظاً لرسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) ورعاية لحقّه وقرابته ؟ ! لعن اللّه ابن مرجانة فقد بغضني بقتله إلى المسلمين، وزرع لي في قلوبهم العداوة، فبغضني البَرُّ والفاجر بما استعظم الناس في قتلي حسيناً، مالي ولابن مرجانة لعنه اللّه وغضب عليه». (1).

وأعرض الإمام عنه ولم يجبه بشيء، فقد عرف واقع اعتذاره، وأنه كان هرباً من الجريمة التي اقترفها.

حبر يسأل عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وكان في مجلس الطاغية حبر يهودي، وقد أعجب بالإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال ليزيد : من هذا الغلام ؟

•

عليّ بن الحسين.

•

من الحسين ؟

•

ابن عليّ بن أبي طالب.

•

مَن أُمِّه ؟

بنت محمّد.

يا سبحان اللّه ! هذا ابن بنت نبيكم قتلتموه، بئسما خلفتموه في ذريته، فواللّه


1) تاريخ الأمم والملوك : 4 : 655. الكامل في التاريخ : 3: 300.

لو ترك نبينا موسى بن عمران فينا سبطاً لظننت أنا كنا نعبده من دون ربنا، وأنتم فارقكم نبيكم بالأمس فوثبتم على ابنه وقتلتموه، سوءة لكم من أُمّة

وغضب الطاغية وأمر فوجئ (1)في حلقه، فقام الحبر فرفع الحبر عقيرته قائلاً: «إن شئتم فاقتلوني، إنّي وجدت في التوراة من قتل ذرّيّة نبي فلا يزال ملعوناً أبداً ما بقي، فإذا مات أصلاه اللّه نار جهنم» (2).

الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع يزيد

واجتمع الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) اللّه بالطاغية يزيد، فعرض عليه أن يطلب منه حاجة، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أُرِيدُ مِنْكَ أَن تُرِينِي وَجْهَ أَبِي، وَأَن تُعِيدَ عَلَى النِّسَاءِ مَا أُخِذَ مِنْهُنَّ فَفِيهَا مَوَارِيتُ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ، وَإِذَا كُنتَ تُرِيدُ قَبْلِي فَأَرْسِلَ مَعَ العِيالِ مَن يُؤدِّي بِهِنَّ إِلَى المَدِينَةِ» (3).

وإنّما طلب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يريه رأس أبيه وذلك ليودعه الوداع الأخير، أو ليواريه مع جسده الشريف، ولكنّ الطاغية لم يجبه إلى ذلك، فقد أمر أن يطاف به في جميع أنحاء البلاد، وذلك لإشاعة الذعر والفزع بين الناس، وحتى يكون عبرة لكلّ من يحاول الخروج عليه.

وأما طلب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يعيد على النساء ما نهب منهنّ في يوم العاشر من المحرّم، فإنّه لم يرد بذلك الحلي والحلل، وإنّما أراد أن يردّ عليهن المواريث النفيسة التي ورثوها من جدّهم الرسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) كعمامته ودرعه وسيفه، وغير ذلك ممّا هو أثمن من المال.


1) وجِئ ضَرَبَ ودق. لسان العرب : 15 : 214 - وجأ.

2) الفتوح : 5 : 132. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) / الخوارزمي : 2 : 71. الحدائق الورديّة : 1: 131.

3) اللهوف : 113.

وأطرق الطاغية برأسه إلى الأرض يفكّر في ما طلبه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ثم رفع رأسه وقال له : «أما وجه أبيك فلن تراه، وأما ما أخذ منكم فيرد إليكم، وأمّا النسوة فلا يردّهنّ غيرك، وقد عفوت عن قتلك» (1).

السفر إلى يثرب

وعهد يزيد إلى النعمان بن بشير أن يصاحب ودائع رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) وعقائل الرسالة ويردّهنّ إلى يثرب (2)، وأمر بإخراجهنّ ليلاً خوفاً من الفتنة واضطراب الأوضاع (3).

وسارت القافلة تطوي البيداء لا تلوي على شيء، وطالبت العلويّات من الوفد المكلّف بحراستهنّ أن يعرج بهنّ إلى كربلاء ليجدّدن عهداً بقبر سيّد الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولما انتهى إلى كربلاء هرعت العلويات إلى مرقد أبي عبداللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالصراخ والعويل وسالت الدموع منهنّ كلّ مسيل، ويقين ثلاثة أيّام في كربلاء وهنّ يندبن الإمام بأشجى ندبة حتّى بحت الأصوات، وتفتت القلوب، وصرّحت بعض المصادر أنّ الصحابي الجليل جابر بن عبد اللّه الأنصاري قد تشرف بزيارة قبر أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فالتقى به الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) و وحدّثه عما جرى على أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) من صنوف الرزايا وأنواع الخطوب، ثمّ غادروا كربلاء متوجهين إلى يثرب (4).

وأخذ موكب أهل البيت يجدّ في السير لا يلوي على شيء حتّى انتهى إلى القرب من يثرب، وقد جلّلته الأحزان والآلام، وقد فاضت عيون العلويات بالدموع على الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهن يذكرن بمزيد من اللوعة والأسى ما جرى عليهنّ


1) اللهوف : 113. عوالم العلوم : 17 : 444 - 445.

2) تاريخ الأمم والملوك : 4 : 656. الكامل في التاريخ : 3: 300.

3) جوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام : 128.

4) اللهوف : 114. عوالم العلوم : 17 : 446. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) / المقرم : 467. تفسير المطالب في أمالي أبي طالب : 93. الحدائق الوردية : 1 : 133.

من أسر الذل والهوان.

نعي بشر للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

ولما وصل الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالقرب من يثرب نزل فضرب فسطاطه، وأنزل عمّاته وأخواته، والتفت إلى بشر بن حذلم، فقال له : «يَا بِشْرُ، رَحِمَ اللّه أَبَاكَ لَقَد كَانَ شَاعِراً، فَهَلْ تَقدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ مِنْهُ ؟».

قال : بلی یابن رسول اللّه إنّي لشاعر. فقال : «أدخُلْ المَدِينَةَ وَانعَ أَبَا عبد اللّه».

وانطلق بشر إلى المدينة، فلما انتهى إلى الجامع النبوي رفع صوته مشفوعاً بالبكاء، وهو يقول :

يَا أهلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُم بِهَا***قُتِلَ الحُسَينُ فَأَدْمُعِي مِدْرَارُ

الجِسْمُ مِنْهُ بِكَرْبَلاءَ مُضَرَّج***وَالرَّأْسُ مِنهُ عَلَى القَنَاةِ يُدَارُ

وهرعت الجماهير نحو الجامع النبوي، وقد علا صراخهم بالبكاء على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد احتفت ببشر تنتظر منه المزيد من الأنباء وهو غارق بالبكاء، فقال لهم : «هذا عليّ بن الحسين مع عمّاته وأخواته قد حلّوا بساحتكم، وأنا رسوله إليكم أُعرفكم مكانه».

وهرعت الجماهير إلى استقبال الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد عجوا بالبكاء والعويل، فكان ذلك كما وصفه المؤرّخون كاليوم الذي مات فيه رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)(1)، وازدحموا على الإمام وهم يعزّونه بمصابه الأليم، ويشاركونه الأسى واللوعة


1) اللهوف : 115.

خطاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المدينة

ورأى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يحدّث الناس بما جرى عليهم من عظيم الرزايا والنكبات، ولم يكن باستطاعته أن يقوم خطيباً، فقد ألمت به الأمراض، وأنهكته الآلام، فجيء له بكرسى فجلس عليه، فقال :

الحَمْدُ للّه رَبِّ العَالَمِينَ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، بَارِئِ الخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ، الَّذِي بَعْدَ فَارتَفَعَ فِي السَّمَاوَاتِ العُلَى، وَقَرُبَ فَشَهِدَ النَّجْوَى، نَحْمُدُهُ عَلَى عَظَائِمِ الأُمُورِ وَفَجَائِعِ الدُّهُورِ، وَأَلَمِ الفَجَائِعِ وَمَضَاضَةِ اللوَاذِع، وَجَلِيلِ الرُّزْءِ، وَعظيم المَصَائِبِ، الفَاظِعَةِ الكَاظِةِ الفادحة الجَائِحَةِ.

أيُّهَا القَومُ، إِنَّ اللّه تَعَالَى ابْتَلَانَا بِمَصَائِبَ جَلِيلَةٍ، وَثَلمَةٍ فِي الإِسلَامِ عَظِيمَةٍ، قُتِلَ أَبو عبد اللّه الحُسَينُ وَعِترَتُهُ، وَسُبيَتْ نِسَاؤُهُ وَصِبيَتُهُ، وَدَارُوا بِرَأْسِهِ فِي البَلدَانِ مِن فَوقِ عَامِلِ السَّنَانِ، وَهَذِهِ الرَّزِيَةُ الَّتِي لَا مِثْلُهَا رَزِيةٌ.

أَيُّهَا النَّاسُ، فَأَيُّ رِجَالَاتٍ مِنْكُم يُسَرُّونَ بَعْدَ قَتِلِهِ ؟! أَم أَيُّ فُؤَادٍ لَا يَحزَنُ مِنْ أَجْلِهِ ؟! أَم أَيَّةُ عَينِ مِنْكُم تَحْبِسُ دَمْعَهَا، وَتَضِنُّ عَن انهِمَالِهَا ؟! فَلَقَد بَكَتْ السَّبْعُ الشَّدَادُ لِقَتلِهِ، وَبَكَتْ البِحَارُ بِأَمْوَاجِهَا، وَالسَّمَاوَاتُ بِأَركَائِهَا، وَالأَرضُ بِأَرجَائِهَا، وَالأَشْجَارُ بِأَغْصَانِهَا، وَالحِيتَانُ فِي لُجَجِ البِحَارِ، وَالمَلَائِكَةُ المُقَرَّبُونَ، وَأَهْلُ السَّمَاوَاتِ أَجمَعُونَ.

أَيُّهَا النَّاسُ، أَيُّ قَلبٍ لَا يَنصَدِعُ لِقَتلِهِ، أَمْ أَيُّ فُؤَادٍ لَا يَحِنَّ إِلَيْهِ، أَم أَيُّ سَمْعِ يَسْمَعُ بِهَذِهِ الظُّلْمَةِ الَّتِي تُلِمَتْ فِي الإِسلَامِ وَلَا يُصِمُّ.

أَيُّهَا النَّاسُ، أَصْبَحْنَا مُشَرَّدِينَ مَطرُودِينَ مَذَودِينَ شَاسِعِينَ عَنِ الأَمصَارِ كَأَنَّنَا أَولَادُ تُركِ وَكَابُلَ مِن غَيْرِ جُرْمِ اجتَرَمنَاهُ، وَلَا مَكْرُوهِ ارْتَكَبَنَاهُ، وَلَا ثَلمَةٍ فِي الإِسْلَامِ ثَلَمنَاهَا، مَا سَمِعْنَا بِهَذا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ إِن هَذَا إِلَّا اِخْتِلَاقُ (1).

وَاللّه لَو أَنَّ النبيّ تَقَدَّمَ إِلَيْهِم فِي قِتَالِنَا كَمَا تَقَدَّمَ إِلَيْهِم فِي الوَصِيَّةِ بِنَا لَمَا زَادُوا عَلَى مَا فَعَلُوا بِنَا، فَإِنَّا للّه وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ مِن مُصِيبَةٍ مَا أَعظَمَهَا وَأَفجَعَهَا، وَأَكظَّهَا وَأَفظَعَهَا، وَأمَرَّهَا وَأَفَدَحَهَا فَعِنْدَ اللّه نَحْتَسِبُ مَا أَصَابَنَا وَمَا بَلَغَ فَإِنَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (2).

وعرض الإمام في خطابه إلى الخطوب السود التي عانتها الأسرة النبوية وما جرى علیها من النكبات والظلم الهائل، فلم تراع فيهم حقّ النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏).

وانبرى إليه صوحان فألقى إليه معاذيره؛ لأنّه كان زمناً، فترحم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على أبيه، ثم سار الإمام مع عمّاته وأخواته، وقد احتفت به الجماهير، وقد علا منها البكاء والصراخ حتّى انتهوا إلى الجامع النبوي، فأخذت عقيلة آل أبي طالب بعضادتي باب الجامع، وجعلت تخاطب جدّها الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) قائلة : «يا جداه، إنِّي ناعية إليك أخى الحسين» (3).


1) إشارة إلى الآية : 7 من سورة ص.

2) اللهوف : 116 - 118.

3) مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) / المقرم : 488.

وأقامت السيدات من عقائل الوحي المآتم على سيّد الشهداء، ولبسن السواد، وأخذن يندبنه بأشجى ما تكون الندبة.

حزن الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وخلد الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى البكاء ليلاً ونهاراً حزناً على أبيه وأهل بيته. يقول الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «بَكَى عليّ بن الحسين عَلَى أَبِيهِ الحُسَينِ بنِ عَليَّ عِشْرِينَ سَنَةٌ...، وَمَا وُضِعَ بَينَ يَدَيهِ طَعَامُ إِلَّا بَكَى» (1).

وعذله بعض مواليه فقال له : إنّي أخاف عليك أن تكون من الهالكين.

فقال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) برفق : «يَا هَذَا، «إِنَّمَا أَشْكُو بَنثّى وَحُزْنِي إِلَى اللّه وَأَعلَمُ مِنَ اللّه مَا لا تَعْلَمُونَ» (2).

إِنَّ يَعقُوبَ كَانَ نَبيَّاً فَغَيَّبَ اللّه عَنْهُ وَاحِداً مِن أولاده - وَعِنْدَهُ اثنَا عَشَرَ وَلَداً - وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ حَيٌّ فَبَكَى عَلَيْهِ حتّى ابيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الحُزْنِ، وَإِنِّي نَظَرْتُ إِلَى أَبِي وَإِخْوَتِي وَعُمُومَتِي وَصَحْبِي مَقْتُولِينَ حَولِي، فَكَيْفَ يَنقَضِي حُزْنِي ؟!

وَإِنِّي لَأَذكُرُ مَصْرَعَ بَنِي فَاطِمَةَ إِلَّا خَنَقَتِنِي العَبَرَةُ، وَإِذَا نَظَرْتُ إِلَى عَمَّاتِي وَأَخَوَاتِي ذَكَرتُ فِرَارُهُنَّ مِنَ خَيمَةٍ إِلَى خَيمَةٍ» (3).

ويزداد وجيب الإمام، وتتضاعف آلامه حينما كان ينظر إلى الماء، فإنّه كان يذكّره بعطش أبيه وأهل بيته، ويقول الرواة : «إنّه كان إذا أخذ ماءً ليشرب بكى».


1) كامل الزيارات : 213، الحديث 1. اللهوف : 121. الخصال : 2 : 518، الحديث 4.

2) يوسف 12 : 86.

3) اللهوف : 122. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) / المقرم : 489. وقريب منه ما جاء في حلية الأولياء : 3 : 138.

فقيل له في ذلك ؟

فقال : كَيْفَ لا أَبْكِي وَقَدْ مُنِعَ أبي مِنَ الْمَاءِ الَّذي كَانَ مُطْلَقاً لِلسِّباعِ وَالْوُحُوشِ» (1).

لقد كان دائم البكاء على أبيه، وقد قيل له : إنك لتبكى دهرك، فلو قتلت نفسك لما زدت على هذا.

فقال : نَفْسي قَتَلْتُها، وَعَلَيْها أَبكي» (2).

وقد أشفق عليه جماعة من مواليه وأهل بيته من كثرة بكائه على أبيه، فقال له بعضهم : أما آن لحزنك أن ينقضي ؟

فردّ عليه الإمام قائلاً: «وَيْحَكَ ! إِنَّ يَعْقُوبَ النبيّ كَانَ لَهُ إِثْنا عَشَرَ إِبْناً فَغَيَّبَ اللّه واحِداً مِنْهُمْ فَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنْ كَثْرَةِ بُكانِهِ عَلَيْهِ، وَاحْدَوْدَبَ ظَهْرُهُ مِنَ الغَمّ، وَكانَ إبْنه حَيّاً في الدُّنْيا، وأَنا نَظَرْتُ إِلى أَبي وَأَخِي وَعَمِّي، وَسَبْعَةَ عَشَرَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي مَقْتُولِينَ حَوْلِي، فَكَيْفَ يَنْقَضِي حُزْنِي» ؟ (3).

لقد ذابت نفسه الزكية أسى وحزناً على أبيه وأهل بيته وأصحابه الذين حصدت رؤوسهم سيوف البغي بصورة قاسية لم يعهد لها مثيل في تاريخ الحروب.

وفاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الديون أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وكان الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مديناً لجماعة ما يزيد على سبعين ألف دينار، وقد اهتمّ الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) اهتماماً بالغاً بوفائها، حتّى امتنع عن الطعام والشراب، ولما تهيّأ له المبلغ بادر إلى تسديدها وتفريغ ذمة أبيه منها (4).


1) بحار الأنوار: 46: 108.

2) بحار الأنوار: 46: 109.

3) بحار الأنوار: 46: 108.

4) سرّ السلسلة العلوية : 32.

حنوّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على آل عقيل

كان الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يحنو كثيراً على آل عقيل، ويميل لهم أكثر ممّا يميل إلى أبناء عمومته وأسرته، وذلك لما لهم من المواقف المشرّفة يوم الطف،فقد انبرى أبناء عقيل وأحفاده الممجّدون إلى التضحية والشهادة بين يدي الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان معظمهم في غضارة العمر، وريعان الصبا، ولم يبلغوا الحلم، وقد تسابقوا إلى الشهادة بصورة مذهلة، ففدوا دين اللّه بأرواحهم، ولم يسلم أحد منهم في تلك المعركة.

وكان الإمام السجّاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) يعطف عليهم، ويقدّمهم على البقية الباقية من أسرته، وقد قيل له في ذلك، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنِّي أَذْكُرُ يَوْمَهُمْ مَعَ أَبي عَبْدِ اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَأَرِقُ لَهُمْ» (1).

وكان من بره بآل عقيل وتعاطفه معهم أنّ المختار بن يوسف الثائر العظيم قدّم للإمام أمو الأكثيرة، فبنى بها دور آل عقيل التي هدمتها السلطة الأمويّة (2).

إقامته (عَلَيهِ السَّلَامُ) في يثرب

وأقام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في يثرب لم يخرج عنها إلّا لحجّ بيت اللّه الحرام، ويقول الرواة : «إنه سافر إلى العراق لزيارة قبر جده الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)» (3).

ومن المؤكّد أنّه زار قبر أبيه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وبهذا ينتهي بنا الحديث عن رزايا كربلاء، وما عاناه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أهوال وخطوب.


1) كامل الزيارات : 107.

2) غاية الاختصار : 160.

3) قريب منه في إقبال الأعمال / ابن طاووس : 2 : 273. فرحة الغريّ : 73.

عِبَادَاتُهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

وأجمع المسلمون على أن الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان من أعبد الناس، وأكثرهم طاعة اللّه تعالى، ولم ير الناس مثله في عظيم إنابته وعبادته، وقد بهر بها المتقون والصالحون، وحسبه أنه وحده في تاريخ الإسلام قد لُقّب بزين العابدين وسيد الساجدين.

أمّا عبادته (عَلَيهِ السَّلَامُ) فلم تكن تقليديّة، وإنما كانت ناشئة عن إيمانه العميق باللّه تعالى، وکمال معرفته به، فقد عبده لا طمعاً في جنّته، ولا خوفاً من ناره، وإنّما وجده أهلاً للعبادة فعبده، شأنه في ذلك شأن جده الإمام أمير المؤمنين وسيّد العارفين وإمام المتقين، الذي عبد اللّه عبادة الأحرار، وقد اقتدى به حفيده العظيم زین العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد أعرب (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن عظيم إخلاصه في عبادته، فقال : «إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَعْبُدَ اللّه وَلَا غَرَضَ لِي إِلَّا ثَوابُهُ، فَأَكُونَ كَالْعَبْدِ الطَّامِع، إِنْ طَمِعَ عَمِلَ، وَإِلَّا لَمْ يَعْمَلْ، وَأَكْرَهُ أَنْ أَعْبُدَهُ لِخَوْفِ عَذَابِهِ، فَأَكُونَ كَالْعَبْدِ السُّوءِ إِنْ لَمْ يَخَفْ لَمْ يَعْمَلْ...».

فانبرى إليه بعض الجالسين فقال له : فبِم تعبده ؟

فأجابه عن خالص إيمانه : «وَأَعْبُدُهُ لِما هُوَ أَهْلُهُ بِأَيادِيهِ وَإِنْعامِهِ...» (1).

لقد كانت عبادته عن معرفة لا يشوبها شك أو وهم، كما لم تكن وليدة طمع أو خوف، وإنما كانت وليدة إيمان عميق، وقد تحدّث (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أنواع العبادة بقوله :


1) تفسير العسكري : 132.

«إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللّه عَزَّ وَجَلَّ رَهْبَةً فَتِلْكَ عِبادَةُ الْعَبِيدِ، وَآخَرِينَ عَبَدُوا رَغْبَةً فَتِلْكَ عِبادَةُ التَّجَارِ، وَقَوْماً عَبَدُوا اللّه شُكْراً فَتِلْكَ عِبادَةُ الأَحْرارِ...» (1).

هذه أنواع العبادة والطاعة، وأثقلها في الميزان، وأحبها اللّه هي عبادة الأحرار التي لا تكون إلا شكراً للمنعم العظيم لا طمعاً في ثوابه، ولا خوفاً من عقابه.

وقد أكّد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذلك في حديث آخر له قال : «عِبادَةُ الْأَحْرارِ لَا تَكُونُ إِلَّا شُكْراً لِلهِ، لَا خَوْفاً وَلَا رَغْبَةً» (2).

لقد امتزج حبّ اللّه في قلب الإمام وعواطفه، فكان من ذاتياته وعناصره، ويقول الرواة : إنّه كان مشغولاً بعبادة اللّه وطاعته في جميع أوقاته، وقد سئلت جارية له عن عبادته فقالت : أطْيَبُ، أو أختصر... ؟

• بل اختصري...

ما أتيته بطعام نهاراً قط، وما فرشت له فراشاً بليل قطّ... (3).

لقد قضى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) معظم حياته صائماً نهاره قائماً ليله، مشغولاً تارة في الصلاة، وأخرى في صدقة السرّ...

ومن المؤكّد أنه ليس في تاريخ زهاد المسلمين وعبادهم مثل الإمام علي بن الحسين في عظيم إخلاصه وطاعته للّه، ونعرض لبعض شؤون عباداته :

وضوؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

أمّا الوضوء فهو نور وطهارة من الذنوب، والمقدّمة الأولى للصلاة، وكان


1) صفة الصفوة : 2: 53. شذرات الذهب : 1 : 105. حلية الأولياء : 3 : 134. البداية والنهاية : 9: 105. درر الأبكار : الورقة 70.

2) الكواكب الدرية : 2 : 139.

3) الخصال : 488.

الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) دوماً على طهارة، وقد حدّث الرواة عن خشوعه اللّه في وضوئه، فقالوا : إنّه إذا أراد الوضوء اصفر لونه، فيقول له أهله : ما هذا الذي يعتريك عند الوضوء ؟

فأجابهم عن خوفه وخشيته من اللّه قائلاً: «أَتَدْرُونَ بَيْنَ يَدَيْ مَن أَقُومُ ؟» (1).

وبلغ من اهتمامه أنّه كان لا يعينه أحد عليه، وكان بنفسه يستقي الماء لطهوره ويخمره قبل أن ينام، فإذا قام من الليل بدأ بالسواك ثمّ شرع في وضوئه، وبعد الفراغ منه يقبل على صلاته (2).

صلاته (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

أمّا الصلاة فمعراج المؤمن، وقربان كلّ تقي - كما في الحديث - وكانت الصلاة من أهمّ الرغبات النفسيّة للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد اتخذها معراجاً ترفعه إلى اللّه، وتسمو به إلى الاتصال بخالق الكون وواهب الحياة، وكانت تأخذه رعدة إذا أراد الشروع في الصلاة، فقيل له في ذلك فقال : «أَتَدْرُوْنَ بَيْنَ يَدَي مَن أَقُومُ، ومَن أَناجِي ؟» (3).

ونعرض لبعض شؤونه في حال صلاته وتطيبه :

تطيّبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) للصلاة

وكان الإمام إذا أراد الصلاة تطيب من قارورة كان قد جعلها في مسجد صلاته (4).


1) درر الأبكار الورقة 70 نهاية الإرب : 21: 326. سير أعلام النبلاء : 4 : 238. الاتحاف بحبّ الأشراف : 49. أخبار الدول : 109.

2) صفة الصفوة : 2 : 53.

3) وسيلة المآل : الورقة 207. سير أعلام النبلاء : 4: 38 صفة الصفوة : 2: 52. حلية الأولياء : 3 : 132. العقد الفريد : 3: 103.

4) بحار الأنوار: 46 : 58.

فكانت روائح المسك تعبق منه.

لباسه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في صلاته

وكان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا أراد الصلاة لبس الصوف، وأغلظ الثياب (1)مبالغة منه في إذلال نفسه أمام الخالق العظيم.

خشوعه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في صلاته

أمّا صلاة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكانت تمثل الانقطاع التامّ إلى اللّه تعالى، والتجرّد من عالم الماديات، فإنّه لا يحس بشيء من حوله، بل لا يحس بنفسه، فقد تعلّق قلبه باللّه، ووصفه الرواة في حال صلاته، فقالوا : كان إذا قام إلى الصلاة غشي لونه بلون آخر، وكانت أعضاؤه ترتعد من خشية اللّه، وكان يقف في صلاته موقف العبد الذليل بين يدي الملك الجليل، وكان يصلي صلاة مودّع يرى أنّه لا يصلّي بعدها أبداً.

وتحدّث الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن خشوع أبيه في صلاته فقال : «كَانَ عليّ بن الحسين إذا قامَ فِي الصَّلَاةِ كَأَنَّهُ سَاقُ شَجَرَةٍ لَا يَتَحَرَّكُ مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا ما حَرَّكَتِ الرِّيحُ مِنْهُ» (2).

ونقل أبان بن تغلب إلى الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) صلاة جده الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال له : إنّي رأيت عليّ بن الحسين إذا قام إلى الصلاة غشي لونه لوناً آخر، وبهر الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال : وَاللّه إِنَّ عليّ بن الحسين كَانَ يَعْرِفُ الَّذِي يَقومُ بَيْنَ يَدَيْهِ (3).

أجل واللّه إنّه كان على معرفة تامة بعظمة الخالق الحكيم، فكانت عبادته له عن معرفة، وطاعته عن إيمان.


1) بحار الأنوار: 46: 108.

2) وسائل الشيعة : 5 : 474.

3) وسائل الشيعة : 5 : 474.

وكان من مظاهر خشوعه في صلاته أنه إذا سجد لا يرفع رأسه حتّى يرفضَّ عرقاً (1)، أو كأنّه غُمِسَ في الماء من كثرة دموعه وبكائه (2).

ونقل الرواة عن أبي حمزة الثمالي أنه رأى الإمام قد صلّى فسقط الرداء عن أحد منكبيه فلم يسوه، فسأله أبو حمزة عن ذلك فقال له : «وَيْحَكَ، أَتَدْرِي بَيْنَ يَدَيْ مَن كُنْتُ ؟ إِنَّ الْعَبْدَ لَا يُقْبَلُ مِنْ صَلَاتِهِ إِلَّا ما أَقْبَلَ عَلَيْهِ مِنْها بِقَلْبِهِ» (3).

وبلغ من شدّة تعلقه باللّه في حال صلاته أنّ ابناً له سقط في بئر ففزع أهل المدينة فأنقذوه، وكان الإمام قائماً يصلّي في محرابه، ولم يشعر بذلك.

ولما انتهى من صلاته قيل له بذلك فقال : «ما شَعَرْتُ، إِنِّي كُنْتُ أَناجِي رَبِّاً عَظيماً» (4).

ووقع حريق في بيته وكان مشغولاً في صلاته، فلم يعن به، ولما فرغ من صلاته، قيل له في ذلك فقال : «أَلْهَتْنِي عَنْهَا النَّارُ الْكُبْرَى» (5).

وفسّر عبد الكريم القشيري هذه الظاهرة المذهلة التي كانت ملازمة للإمام حال صلاته بأنّها من باب غيبة القلب عن علم ما يجري من أحوال الخلق لاشتغال الحسّ بما ورد عليه... إنّه قد يغيب القلب عن إحساسه بنفسه وغيره بوارد من تذكر ثواب أو تفكّر عقاب (6).


1) تهذيب الأحكام : 2 : 286. بحار الأنوار: 46: 79.

2) بحار الأنوار: 46: 108.

3) علل الشرائع : 1: 233. بحار الأنوار : 46: 61. وسائل الشيعة : 4: 99.

4) أخبار الدول : 110. بحار الأنوار: 46: 99.

5) صفة الصفوة : 2: 52. نهاية الارب : 21: 325 سير أعلام النبلاء : 4 : 238.

6) الرسالة القشرية : 1 : 214.

صلاة ألف ركعة

وأجمع المترجمون للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة (1)، وأنّه كانت له خمسمائة نخلة فكان يصلّي عند كلّ نخلة ركعتين (2)، ونظراً لكثرة صلاته فقد كانت له ثفنات في مواضع سجوده كثفنات البعير، وكان يسقط منها في كلّ سنة، فكان يجمعها في كيس، ولما توفّي دفنت معه (3).

قضاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) للنوافل

ولم تفته نافلة من النوافل طيلة حياته، وكان يقضي ما فاته من صلاة النهار بالليل وكان يوصي أبناءه بذلك، ويقول لهم : «يا بَنِيَّ، لَيْسَ هَذا عَلَيْكُمْ بِواجِبٍ، وَلكِنْ أحِبُّ لِمَنْ عَوَّدَ نَفْسَهُ مِنْكُمْ عادَةً مِنَ الْخَيْرِ أَنْ يَدُومَ عَلَيها» (4).

كثرة سجوده (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إنّ أقرب ما يكون العبد من ربه هو في حال سجوده كما في الحديث، وكان الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كثير السجود اللّه خضوعاً له، وتذلّلاً أمامه، ويقول الرواة : إنّه خرج مرّة إلى الصحراء فتبعه مولى له فوجده ساجداً على حجارة خشنة، فأحصى عليه


1) تهذيب التهذيب : 7: 306 نور الأبصار : 136. الاتحاف بحبّ الأشراف: 49. تذكرة الحفاظ : 1: 71. شذرات الذهب : 1 : 104. الفصول المهمة : 188. أخبار الدول : 110. تاریخ دمشق : 41 : 379 الصراط السوي: الورقة 193. إقامة الحجّة : 171. العبر في خبر من غبر : 1 : 111. دائرة المعارف / البستاني : 9 : 355. تاريخ اليعقوبي : 3: 45. الكواكب الدرّيّة : 2 : 131 - البداية والنهاية : 9: 105.

2) بحار الأنوار : 46 : 61. الخصال : 487.

3) الخصال : 488.

4) صفة الصفوة : 53:2.

ألف مرّة يقول : «لَا إِلهَ إِلَّا اللّه حَقًّا حَقًّاً، لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه تَعَبداً وَرِقَاً، لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه إيماناً وَصِدْقاً» (1).

وكان يسجد سجدة الشكر، ويقول فيها مائة مرّة : «الْحَمْدُ للّه شُكْراً».

وبعدها يقول : «يا ذَا الْمَنِّ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ أَبَداً، وَلَا يُحْصِيهِ غَيْرُهُ عَدَداً، وَيا ذَا الْمَعْرُوفِ الَّذِى لا يَنْفَدُ أَبَداً، يا كَرِيمُ، يَا كَرِيمُ».

ويتضرّع بعد ذلك ويذكر حاجته (2).

كثرة تسبيحه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وكان دوماً مشغولاً بذكر اللّه وتسبيحه وحمده، وكان يسبّح اللّه بهذه الكلمات المشرقة : «سُبْحانَ مَنْ أَشْرَفَ نُورُهُ كلّ ظُلْمَةِ، سُبْحانَ مَنْ قَدَّرَ بِقُدْرَتِهِ كلّ قَدْرَةٍ، سُبْحانَ مَنِ احْتَجَبَ عَنِ الْعِبادِ بِطَرائِقِ نُفُوسِهِمْ، فَلَا شَيْءَ يَحْجِبُهُ، سُبْحانَ اللّه وَبِحَمْدِهِ» (3).

ملازمته (عَلَيهِ السَّلَامُ) لصلاة الليل

من النوافل التي كان لا يدعها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) صلاة الليل، فكان مواظباً عليها في السفر والحضر (4)إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى.

دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد صلاة الليل

وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا فرغ من صلاة الليل دعا بهذا الدعاء الشريف، وهو من غرر أدعية أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وهذا نصّه :


1) وسائل الشيعة : 3: 282.

2) وسائل الشيعة : 7: 17.

3) الدعوات / القطب الراوندي : 92.

4) صفة الصفوة : 2: 53. كشف الغمّة : 2 : 263.

«اللّهمّ ياذَا الْمُلْكِ الْمُتَأَبَدِ بِالْخُلُودِ وَالسُّلْطَانِ، الْمُمْتَنِعِ بِغَيْرِ جُنُودٍ وَلَا أَعْوانِ، وَالْعِزَّ الْباقِي عَلى مَرَّ الدُّهُورِ وَخَوالِي الْأَعْوامِ (1)وَمَواضِي الْأَزْمَانِ وَالْأَيَّامِ، عَزَّ سُلْطانُكَ عِزّاً لَا حَدَّ لَهُ بِأَوَّلِيَّةٍ، وَلَا مُنْتَهى لَهُ بِآخِرِيَّةٍ، وَاسْتَعْلى مُلْكُكَ عُلُوّاً، سَقَطَتِ الْأَشْياءُ دُونَ بُلُوغ أَمَدِهِ، وَلَا يَبْلُغُ أَدْنى مَا اسْتَأْثَرْتَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ أَقْصَى نَعْتِ النَّاعِتِينَ.

ضَلَّتْ فِيكَ الصِّفاتُ، وَتَفَسَّخَتْ دُونَكَ النُّعُوتُ، وَحَارَتْ فِي كِبْرِيائِكَ لَطَائِفُ الْأَوْهَامِ. كَذلِكَ أَنْتَ اللّه الأوّل فِي أَوَّلِيَّتِكَ، وَعَلى ذلِكَ أَنْتَ دائِمٌ لا تَزُولُ، وَأَنَا الْعَبْدُ الضَّعِيفُ عَمَلاً، : أَمَلاً، خَرَجَتْ مِنْ يَدَيَّ أَسْبَابُ الْوَصَلَاتِ إِلَّا ما وَصَلَتْهُ رَحْمَتُكَ، وَتَقَطَّعَتْ عَنِّي عِصَمُ الْآمَالِ إِلَّا ما أَنا مُعْتَصِمٌ بِهِ مِنْ عَفْوِكَ، قَلَّ عِنْدي مَا أَعْتَدُّ بِهِ مِنْ طَاعَتِكَ، وَكَثُرَ عَلَيَّ مَا أَبُوءُ بِهِ مِنْ مَعْصِيَتِكَ، وَلَنْ يَضِيقَ عَلَيْكَ عَفْوٌ عَنْ عَبْدِكَ وَإِنْ أَسَاءَ، فَاعْفُ عَنِّي...

واحتوى هذا المقطع من دعائه على تعظيمه وتوحيده، وذكر بعض صفاته الرفيعة من الخلود الذي لا حد لأوّله ولا لآخره، ومن السلطان القاهر القوي الذي لا يحتاج في تدعيم ملكه إلى الجنود والأعوان، وقد تفسخت النعوت وعجزت الصفات في أن تحكي أي صفة من صفاته أو أي ذاتية من ذاتيّاته، فتعالى اللّه علوّاً كبيراً.

ويمضي الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في إظهار التذلل والخضوع والعبوديّة المطلقة اللّه تعالى.


1) خوالي الأعوام : أي الأعوام الماضية.

وقد تعلّقت جميع آماله وأمانيه به تعالى، فقد اعتصم به، وانقطع إليه، ولنستمع إلى لوحة أخرى من هذا الدعاء الجليل :

اللّهمّ وَقَدْ أَشْرَفَ عَلَى خَفَايَا الْأَعْمالِ عِلْمُكَ، وَانْكَشَفَ كلّ مَسْتُورٍ دُونَ خُبْرِكَ، وَلَا تَنْطَوِي عَنْكَ دَقائِقُ الْأُمُورِ، وَلَا تَعْزُبُ عَنْكَ غَيِّبَاتُ السَّرائِرِ. وَقَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَى عَدُوكَ الَّذِي اسْتَنْظَرَكَ (1)لِغَوايَتِي فَأَنْظَرْتَهُ وَاسْتَمْهَلَكَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ إِضْلَالِي فَأَمْهَلْتَهُ، فَأَوْقَعَنِي، وَقَدْ هَرَبْتُ إِلَيْكَ مِنْ صَغَائِرِ ذُنُوبِ مُوبِقَةٍ وَكَبَائِرِ أَعْمَالٍ مُرْدِيَةٍ، حَتَّىٰ إِذَا قَارَفْتُ مَعْصِيَتَكَ وَاسْتَوْجَبْتُ بِسُوءٍ سَعْيِي سَخْطَتَكَ، فَتَلَ (2)عَنِّي عِذَارَ (3)غَدْرِهِ، وَتَلَقَّاني بِكَلِمَةِ كُفْرِهِ (4)، وَتَوَلَّى الْبَراءَةَ مِنِّي، وَأَدْبَرَ مُوَلِّياً عَنِّي فَأَصْحَرَني (5)لِغَضَبِكَ فَريداً، وَأَخْرَجَنِي إِلَى فِناءِ نَقِمَتِكَ طَرِيداً، لَا شَفِيعٌ يَشْفَعُ لي إِلَيْكَ، وَلَا خَفِيرٌ (6)يُؤْمِنُني عَلَيْكَ، وَلَا حِصْنٌ يَحْجُبُني عَنْكَ، وَلَا مَلاذٌ أَلْجَأُ إِلَيْهِ مِنْكَ.


1) أشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى إبليس العدوّ للإنسان الذي طلب المهلة من اللّه لغواية الناس حيث قال كما في الآية 14 من سورة الأعراف : «أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ».

2) فتل : أي صرف عنّي.

3) العذار : لجام الفرس.

4) أشار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك إلى الآية 16 من سورة الحشر : «كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إِنِّي أَخَافُ اللّه رَبِّ الْعَالَمِينَ».

5) أصحرني : أي أظهرني.

6) الخفير : المجير.

فَهذا مَقامُ الْعائِذِ بِكَ، وَمَحَلُّ الْمُعْتَرِفِ لَكَ، فَلَا يَضِيقَنَّ عَنِّي فَضْلُك، وَلَا يَقْصُرَنَّ دُونِي عَفْوَكَ، وَلَا أَكُنْ أَخْيَبَ عِبادِكَ التَّائِبِينَ، وَلَا أَقْنَطَ وُفُودِكَ الْآمِلِينَ، وَاغْفِرْ لِي إِنَّكَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ...

وتحدّث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه الفقرات عن ضعف النفس البشرية أمام الشهوات وعدم استطالتها لمقاومة الشيطان الرجيم الذي استخدم النزعات الشريرة الكائنة في نفس الإنسان من الطمع والحرص والكبرياء وغيرها، وقد ملك زمامه واستولى على مشاعره وعواطفه، فأخذ يسخّره في ميادين الآثام والموبقات، ويبعده عن عن كلّ طريق يقربه من اللّه زلفى، ويطلب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من اللّه الحماية من هذا العدوّ الماكر الخبيث، ولنستمع إلى قطعة أخرى من هذا الدعاء :

اللّهمّ إِنَّكَ أَمَرْتَني فَتَرَكْتُ، وَنَهَيْتَني فَرَكِبْتُ، وَسَوَّلَ لِيَ الْخَطَأَ خَاطِرُ السُّوءِ فَفَرَّطْتُ، وَلَا أَسْتَشْهِدُ عَلى صِيامي نَهَاراً، وَلَا أَسْتَجِيرُ بِتَهَجدي لَيْلاً، وَلَا تُثْني عَلَيَّ بِإِحْيائِها سُنَّةٌ، حاشى فُرُوضِكَ الَّتي مَنْ ضَيَّعَها هَلَكَ، وَلَسْتُ أَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِفَضْل نافِلَةٍ مَعَ كَثِيرِ مَا أَغْفَلْتُ مِنْ وَظَائِفِ فُرُوضِكَ، وَتَعَدَّيْتُ عَنْ مَقاماتِ حُدُودِكَ إِلى حُرُماتِ انْتَهَكْتُها وَكَبائِرِ ذُنُوبِ اجْتَرَحْتُها (1)كَانَتْ عافِيَتُكَ لي مِنْ فَضائِحِهَا سِتْراً. وَهذا مَقامُ مَنِ اسْتَحْيِي لِنَفْسِهِ مِنْكَ، وَسَخِطَ عَلَيْهَا، وَرَضِيَ عَنْكَ، فَتَلَقَّاكَ بِنَفْسٍ خاشِعَةٍ، وَرَقَبَةٍ حَاضِعَةٍ، وَظَهْرٍ مُثْقَلِ مِنَ الخَطايا، واقِفاً بَيْنَ الرَّغْبَةِ إِلَيْكَ وَالرَّهْبَةِ مِنْكَ، وَأَنْتَ أَوْلى مَنْ رَجَاهُ، وَأَحَقُّ مَنْ خَشِيَهُ وَاتَّفَاهُ، فَأَعْطِني


1) اجترحتها : أي اقترفتها.

يا رَبِّ ما رَجَوْتُ، وَآمِنِّي ما حَذَرْتُ، وَعُدْ عَلَيَّ بِعَائِدَةِ رَحْمَتِكَ، إِنَّكَ أَكْرَمُ الْمَسْؤُولِينَ..

ويعرض الإمام راهب أهل البيت : تذلّله وخضوعه أمام اللّه، ويرى أنّ ما عمله من الحسنات العظام من إحياء ليله في العبادة، والصيام في النهار وأدائه لجميع النوافل والمستحبّات، وإحيائه لسنن الإسلام، وغير ذلك من ضروب المبرّات التي لا تحصى، إنّما هو قليل في جنب اللّه، فأي إنابة إلى اللّه مثل هذه الإنابة ؟ وأي انقطاع إليه مثل هذا الانقطاع ؟ حقاً لقد كان هذا الإمام انموذجاً فريداً في دنيا المتقين والصالحين... ولنستمع إلى قطعة أخرى من هذا الدعاء :

اللّهمّ وَإِذْ سَتَرْتَني بِعَفْوِكَ، وَتَغَمَّدْتَني (1)بِفَضْلِكَ فِي دَارِ الْفَناءِ بِحَضْرَةِ الْأَكْفَاءِ فَأَجِرْنِي مِنْ فَضيحاتِ دارِ الْبَقَاءِ، عِنْدَ مَوَاقِفِ الْأَشْهَادِ مِنَ الْمَلائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَالرُّسُلِ الْمُكَرَّمِينَ، وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ، مِنْ جَارٍ كُنْتُ أُكَاتِمُهُ سَيِّئاتي (2)، وَمِنْ ذِي رَحِمٍ كُنْتُ أَحْتَشِمُ مِنْهُ (3)في سَرِيراتي (4)، لَمْ أَئِقٌ بِهِمْ رَبِّ فِي السِّتْرِ عَلَيَّ (5)، وَوَثِقْتُ بِكَ رَبِّ في الْمَغْفِرَةِ لي، وَأَنْتَ أَوْلى مَنْ وُثِقَ بِهِ، وَأَعْطى مَنْ رُغِبَ إِلَيْهِ، وَأَرْأَفُ


1) تغمدتني : أي شملتني.

2) أكاتمه سيّئاتي : أي أخفي عليه سيّئاتي.

3) احتشم منه : أي استحي منه .

4) سريراتي : أي الأعمال التي ارتكبها سرّاً.

5) أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه لم يثق بمن عرفه أنّهم إن عرفوا السريرة قاموا بإفشائها، وفي ذلك درس إلى المسلمين في أن يتصلوا باللّه وإلا فإنّه منزّه عن كلّ ذنب.

مَنِ اسْتَرْحِمَ، فَارْحَمْني..

وأعرب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه الفقرات عن عظيم ثقته ورجائه بعفو اللّه وألطافه وطلب منه المغفرة والرضوان في دار الجزاء، وعرض (عَلَيهِ السَّلَامُ) لستر اللّه المرخى على عصاة عباده، كما طلب منه أن يجيره من فضيحات دار البقاء عند مواقف من الأشهاد الملائكة المقربين والرسل المكرمين والشهداء والصالحين، وأعطى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك درساً إلى عصاة المسلمين في أن يتوبوا إلى اللّه توبة نصوحة...

ونعود إلى النظر في لوحة أخرى من هذا الدعاء الشريف :

اللّهمّ وَأَنْتَ حَدَرْتَني (1)ماءً مَهِيناً، مِنْ صُلْبٍ مُتَضائِقِ الْعِظامِ (2)حَرِ الْمَسالِكِ (3)إِلَى رَحِمٍ ضَيِّقَةٍ، سَتَرْتَها بِالْحُجُبِ، تُصَرِّفُني حالاً عَنْ حَالٍ، حتّى انْتَهَيْتَ بي إِلى تَمامِ الصُّورَةِ، وَأَثْبَتَ فِي الْجَوارِحَ كَما نَعَتْ في كِتابِكَ (4)نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عِظاماً ثُمَّ كَسَوْتَ الْعِظامَ لَحْماً، ثُمَّ أَنْشَأْتَنى خَلْقاً آخَرَكَما شِئْتَ. حَتَّىٰ إِذَا احْتَجْتُ إِلَى رِزْقِكَ، وَلَمْ أَسْتَغْنِ عَنْ غِياتِ فَضْلِكَ جَعَلْتَ لي قُوتاً مِنْ فَضْلِ طَعامِ وَشَرابِ أَجْرَيْتَهُ لأَمَتِكَ (5)الَّتي أَسْكَنْتَني جَوْفَهَا، وَأَوْدَعْتَني قَرارَ رَحِمِها، وَلَوْ تَكِلُني


1) حدرتني : أي أنزلتني.

2) متضايق العظام : أراد بها عظام الصلب، وهي متداخلة.

3) حرج المسالك : أي ضيق الطريق.

4) أشار (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الآيات 12 - 14 من سورة المؤمنون: «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةٌ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً...».

5) لأمتك : أراد بها والدته.

يا رَبِّ فِي تِلْكَ الْحَالَاتِ إِلَى حَوْلِي، أَوْ تَضْطَرُّني إِلى قُوَّتي، لَكَانَ الْحَوْلُ عَنِّي مُعْتَزِلاً (1)، وَلَكَانَتِ القُوَّةُ مِنّي بَعِيدَةً، فَغَذَوْتَنِي بِفَضْلِكَ غِذاءَ الْبَرِّ اللَّطِيفِ، تَفْعَلُ ذلِكَ بِي تَطَوُّلاً عَلَيَّ إِلى غايتي هذِهِ لَا أَعْدَمُ بِرَّكَ، وَلَا يُبْطِئُ بِي حُسْنُ صَنيعِكَ، وَلَا تَتَأَكَّدُ مَع ذَلِكَ ثِقَتِي فَأَتَفَرَّغَ لِما هُوَ أَحْظى لى عِنْدَكَ. قَدْ مَلَكَ الشَّيْطانُ عِنانى فى سُوءِ الظَّنِّ وَضَعْفِ الْيَقينِ، فَأَنَا أَشْكُو سُوءَ مُجاوَرَتِهِ (2)لِي، وَطاعَةَ نَفْسي لَهُ، وَأَسْتَعْصِمُكَ مِنْ مَلَكَتِهِ، وَأَتَضَرَّعُ إِلَيْكَ فِي صَرْفِ كَيْدِهِ عَنِّي، وَأَسْأَلُكَ فِي أَنْ تُسَهِّلَ إِلَىٰ رِزْقي سَبِيلاً.

فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى ابْتِدائِكَ بِالنِّعَمِ الْجِسامِ، وَإِلْهامِكَ الشُّكْرَ عَلَى الْإِحْسَانِ وَالْإِنْعَامِ، فَصَلَّ عَلَى محمّد وَآلِهِ وَسَهَّلْ عَلَيَّ رِزْقي، وَأَنْ تُقَنِّعَنِي بِتَقْدِيرِكَ لِي، وَأَنْ تُرْضِيَنِي بِحِصَّتي فِيمَا قَسَمْتَ لي، وَأَنْ تَجْعَلَ ما ذَهَبَ مِنْ جِسْمِي وَعُمُرِي فِي سَبِيلِ طَاعَتِكَ، إِنَّكَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ...

وحفلت هذه الفقرات بأوثق الأدلّة على وجود الخالق العظيم، وهو خلقه تعالى

للإنسان من ماء مهين، وضع في رحم ضيّق، وأخذ بعد ذلك بالتطوّر والانتقال من حال إلى حال حتّى ينتهي إلى التكامل، وهو من أعظم مخلوقات اللّه لما فيه من الأجهزة العجيبة كأجهزة الفكر والبصر والسمع وغيرها ممّا تدلل على وجود الخالق الحكيم، وقد كان حديث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مستقى من القرآن الكريم الذي فصل تطوّر خلق


1) معتزلاً : أي بعيداً.

2) مجاورته : الضمير يرجع إلى الشيطان.

الإنسان، ومن الجدير بالذكر أنّ القرآن قد اكتشف كيفية تكوين الجنين على وجه الدقة، وأفاد الإنسانية بهذه الحقيقة المذهلة

يقول السيّد قطب : «يقف الإنسان مدهوشاً أمام ما كشف عنه القرآن من حقيقة في تكوين الجنين، لم تعرف على وجه الدقة إلا أخيراً بعد تقدم علم الأجنة التشريحي، ذلك أنّ خلايا العظم غير خلايا اللحم، وقد ثبت أن خلايا العظام هي التي تتكوّن أوّلاً في الجنين، ولا تشاهد خلية واحدة من خلايا اللحم إلّا بعد ظهور خلايا العظام، وتمام الهيكل العظمي للجنين، وهي الحقيقة التي سجلها النص القرآني...» (1).

وعلى أي حال، فإنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد ما ذكر نعمة اللّه الكبرى عليه، فزع إليه متضرّعاً في أن ينجيه من كيد الشيطان وغروره، فإنّه العدو الأوّل للإنسان.. ولنستمع إلى القطعة الأخيرة من هذا الدعاء :

اللّهمّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ نارٍ تَغَلَّظْتَ بِهَا عَلَىٰ مَنْ عَصَاكَ، وَتَوَعَدْتَ بِهَا مَنْ صَدَفَ عَنْ رِضاكَ، وَمِنْ نارٍ نُورُها ظُلْمَةٌ، وَهَيَّنُها أَلِيمٌ (2)، وَبَعيدُها قَريبٌ، وَمِنْ نارٍ يَأْكُلُ بَعْضُهَا بَعْضاً، وَيَصُولُ (3)بَعْضُها عَلَى بَعْضٍ، وَمِنْ نارٍ تَذَرُ الْعِظَامَ رَمِيماً وَتَسْقِي أَهْلَها حَميماً (4)، وَمِنْ نَارٍ لَا تُبْقي عَلَى مَنْ تَضَرَّعَ إِلَيْهَا، وَلَا تَرْحَمُ مَنِ اسْتَعْطَفَهَا، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى التَّخْفِيفِ عَمَّنْ خَشَعَ لَهَا وَاسْتَسْلَمَ إِلَيْهَا، تُلْقي سُكَانَها بِأَحَرِّ ما لَدَيْها، مِنْ أَلِيمِ النَّكالِ


1) في ظلال القرآن : 17 : 16.

2) أليم : أي مؤلم.

3) يصول : أي يهجم بعضها على بعض.

4) الحميم : المعادن المصهورة والذائبة.

وَشَديدِ الْوَبالِ. وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَقاربها الْفاغِرَةِ أَفْواهَها (1)، وَحَيَاتِها الصَّالِقَةِ (2)بِأَنْيابِها، وَشَرابِها الذي يُقَطِّعُ أَمْعاءَ وَأَفْئِدَةَ سُكَانِها، وَيَنْزِعُ قُلُوبَهُمْ، وَأَسْتَهْدِيكَ لِما باعَدَ مِنْهَا، وَأَخَرَ عَنْها.

اللّهمّ صَلِّ عَلَى محمّد وَآلِهِ وَأَجِرْنِي مِنْهَا بِفَضْلِ رَحْمَتِكَ، وَأَقِلْني عَثَراتِي بِحُسْنِ إِقَالَتِكَ، وَلَا تَخْذُلْني يا خَيْرَ الْمُجِيرِينَ، إِنَّكَ تَقِي الْكَرِيهَةَ وتُعْطِي الْحَسَنَةَ، وَتَفْعَلُ ما تُرِيدُ وَأَنْتَ عَلى كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

اللّهمّ صَلِّ عَلَى محمّد وَآلِهِ إِذا ذُكِرَ الْأَبْرارُ (3)، وَصَلِّ عَلَى محمّد وَآلِهِ مَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ، صَلَاةً لَا يَنْقَطِعُ مَدَدُها، وَلَا يُحْصى عَدَدُها، صَلَاةً تَشْحَنُ (4)الْهَواءَ، وَتَمْلَأُ الْأَرْضَ وَالسَّماءَ، صَلَّى اللّه عَلَيْهِ حتّى يَرضى، وَصَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ بَعْدَ الرّضا، صَلَاةً لا حَدَّ لَها وَلَا مُنْتَهى، يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ» (5).

واحتوت هذه الفقرات على وصف مفزع ومذهل لنار جهنّم التي أعدها اللّه للفجرة والمستبدّين والطغاة من عباده من الذين أشاعوا الجور والفساد في الأرض فإنّهم يعانون في نار جهنّم من صنوف التعذيب ما لا يوصف لهوله وفظاعته أعاذنا اللّه منها.

وبهذا ينتهي هذا الدعاء الشريف الذي كان يدعو به الإمام بعد صلاة الليل،


1) الفاغرة أفواهها : الفاتحة أفواهها.

2) الصالقة : الضاربة.

3) الأبرار جمع بر، وهو الذي يفعل الأفعال الحسنة.

4) تشحن الهواء : أي تملأ الهواء.

5) الصحيفة السجّادية / الدعاء الثاني والثلاثون.

وهو من غرر أدعية أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ).

ضعفه وذبوله (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

وقد ذبل الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من كثرة الصلاة، فقد أجهدته العبادة أي إجهاد، وقد بلغ به الضعف أنّ الريح كانت تميله يميناً وشمالاً بمنزلة السنبلة (1)التي يميلها الريح إذ لم تكن عنده قوّة يستطيع بها الوقوف.

وروى ابنه عبداللّه، قال : «كان أبي يصلي بالليل، فإذا فرغ يزحف إلى فراشه(2)وذلك لأنه لا طاقة له على القيام لشدّة التعب والضعف والإعياء.

وأشفق عليه أهله ومحبّوه من كثرة ما بان عليه من الضعف والجهد من كثرة صلاته وعبادته، وخافوا عليه من الموت، فكلموه في ذلك فأبى أن يجيبهم، وأصرّ على ملازمته لنوافله وعبادته حتّى يلحق بآبائه، وفيما يلي بعض من كلموه :

1 - بعض أبنائه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وخاف عليه بعض أبنائه، فانبرى إليه بلهفة ووجل قائلاً : يا أبة، كم هذا الدؤوب - يعني على الصلاة - ؟

فأجابه الإمام برفق وحنان : أَتَحَبَّبُ إِلى رَبِّي... (3).

لقد تحبّب إلى ربّه، وتقرب إليه بجميع الطرق والوسائل، وليس في دنيا المتقين والصالحين من يضارعه في إنابته وشدّة تعلّقه باللّه.


1) الإرشاد 2: 143. روضة الواعظين: 1 : 237.

2) بحار الأنوار: 46: 99.

3) بحار الأنوار: 46: 91.

2 - جابر الأنصارى

وكان الصحابي العظيم جابر بن عبد اللّه الأنصاري قد أشفق على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وطلب منه أن يخفف من عبادته ولا يجهد نفسه، وقد روى حديثه الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «لَمّا رَأَتْ فاطِمَةُ بِنْتُ الْإِمَامِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مَا يَفْعَلُ ابْنُ أَحْيِهَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بِنَفْسِهِ مِنَ الدَّأْبِ فِي الْعِبادَةِ أَقْبَلَتْ إِلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّه الْأَنْصَارِيِّ، فَقَالَتْ لَهُ : يا صاحِبَ رَسولِ اللّه، إِنَّا لَنا عَلَيْكُمْ حُقوقاً، وَمِنْ حَفَّنا عَلَيْكُمْ أَنْ إِذا رَأَيْتُمْ أَحَدَنَا يُهْلِكُ نَفْسَهُ اجْتِهَاداً أَنْ تُذَكَّروهُ اللّه وَتَدْعُوهُ إِلَى الْبُقْيا عَلَى نَفْسِهِ، وَهَذا عليّ بن الحسين بَقِيَّةُ أَبِيهِ الْحُسَيْنِ قَدِ انْخَرَمَ أَنْفُهُ، وَنُقِبَتْ جَبْهَتُهُ وَرُكْبَتاهُ وَراحَتاهُ ممّا دَأَبَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْعِبادَةِ.

وَانْطَلَقَ جَابِرُ إِلَى الْإِمَامِ زَيْنِ الْعابِدِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَوَجَدَهُ فِي مِحْرابِهِ قَدْ أَضْنَتْه الْعِبادَةُ، وَأَجْهَدَتْهُ الطَّاعَةُ، وَنَهَضَ الْإِمَامُ فَاسْتَقْبَلَ جَابِراً، وَأَجْلَسَهُ إِلَى جَنْبِهِ، وَسَأَلَهُ سُؤالاً حَفِيّاً عَنْ حالِهِ.

وَأَقْبَلَ جَابِرُ عَلَيْهِ قائِلاً: يَابْنَ رَسُولِ اللّه، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللّه تَعَالَى إِنَّما خَلَقَ الْجَنَّةَ لَكُمْ وَلِمَنْ أَحَبَّكُمْ، وَخَلَقَ النّارَ لِمَنْ أَبْغَضَكُمْ وَعاداكُمْ، فَما هَذَا الْجُهْدُ الَّذى كَلَّفْتَهُ نَفْسَكَ ؟

فأجابه الإمام بلطف وحنان قائلاً: يا صَاحِبَ رَسُولِ اللّه، أَما عَلِمْتَ أَنَّ جَدِّي رَسُولَ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) قَدْ غُفِر لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَلَمْ يَدَع الْإِجْتِهادَ لَهُ، وَتَعَبَّدَ - بِأَبِي وَأُمِّي - حتّى انْتَفَخَ ساقُهُ وَوَرُمَ قَدَمُهُ، وَقَدْ قِيْلَ

لَهُ : أَتَفْعَلُ هذا وَقَدْ غَفَرَ اللّه لَكَ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ؟

فَقالَ : أَفَلَا أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً.

ولمّا نظر جابر إلى الإمام لا يُغني معه قول يميل به من الجهد والتعب، طفق يقول له : يابْنَ رَسولِ اللّه، الْبُقْيَا عَلَى نَفْسِكَ، فَإِنَّكَ مِنْ أُسْرَةٍ بِهِمْ يُسْتَدْفَعُ الْبَلاءُ، وَبِهِمْ تُسْتَكشَفُ الْأَهْوَاءُ، وَبِهِمْ تُسْتَمْطَرُ السَّماءُ.

فأجابه الإمام بصوت خافت: لَا أَزالُ عَلَى مِنْهَاجٍ أَبَوَيَّ مُتَأَسِّياً بِهِما حَتَّىٰ أَلْقَاهُما.

ويهر جابر، وأقبل على من حوله قائلاً: ما رُوِيَ فِي أَوْلادِ الْأَنبِياءِ مِثْلُ عليّ بن الحسين، إِلَّا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، وَاللّه لَذرِّيَّةُ الْحُسَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ ذُرِّيَّةِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ إِنَّ مِنْهُمْ لَمَنْ يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلاً كَما مُلِئَتْ جَوْراً» (1). !

أجل واللّه، إنه ليس في أولاد الأنبياء مثل الإمام عليّ بن الحسين في ورعه وتقواه وسائر مثله العليا التي رفعته إلى القمة التي انتهى إليها العظماء من آبائه.

وأعلن جابر أنّ ذرّيّة الحسين أفضل من ذرّيّة يوسف بن يعقوب، لأن فيهم المصلح العظيم قائم آل محمّد (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، الذي بشّر به النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، وأنه سيملأ الأرضقسطاً وعدلاً كما ملئت ظلما وجوراً وذلك في أيّام حكومته وسلطانه.

3 - عبدالملك

وممن أشفق على الإمام من كثرة عبادته عبدالملك بن مروان؛ وذلك حينما


1) الإمام زين العابدين / أحمد فهمي : 72 و 73. مناقب ابن شهر آشوب : 4 : 148.

وفد عليه الإمام ليشفعه في جماعة من المسلمين كانت قد ألقت السلطة القبض عليهم، فلما رآه عبدالملك استعظم ما رآه عليه من أثر السجود بين عينيه فقال له :

لقد بيّن عليك الاجتهاد، ولقد سبق لك من اللّه الحسنى، وأنت بضعة من رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) قريب النسب، وكيد السبب، وإنّك لذو فضل عظيم على أهل بيتك، وذوي عصرك، ولقد أوتيت من الفضل والعلم والدين والورع ما لم يؤته أحد مثلك ولا قبلك إلا من مضى من سلفك... وأقبل على الإمام يطريه ويذكر فضله ومآثره.

فلما انتهى من كلامه قال له الإمام :

«كُلُّ ما ذَكَرْتَهُ مِنْ فَضْلِ اللّه سُبْحانَهُ وَتَأْييدِهِ وَتَوْفِيقِهِ فَأَيْنَ شُكْرُهُ عَلَى ما أَنْعَمَ ؟ وَلَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) يَقِفُ لِلصَّلَاةِ حتّى تَتَوَرَّمَ قَدَماهُ، وَيَظْمَاً فِي الصِّيامِ حتّى يَعْصَبَ فُوهُ (1)فَقِيْلَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللّه، أَلَمْ يَغْفِرِ اللّه لَكَ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ؟

فَيَقُولُ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏): أَفَلَا أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً ؟

الْحَمْدُ للّه عَلى ما أَوْلى وَأَبْلى، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَالأولى، وَاللّه لَوْ تَقَطَّعَتْ أَعْضائِي، وَسَالَتْ مُقْلَتايَ عَلى صَدْرِي لَنْ أَقَوْمَ للّه جَلَّ جَلَالُهُ بِشَكْرِ عُشْرِ الْعُشَيْرِ مِنْ نِعْمَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ جَمِيعِ نِعَمِهِ الَّتِي لَا يُحْصِيها الْعادُونَ وَلَا يَبْلُغُ أَحَدٌ نِعْمَةً مِنْها عَلى جَمِيعِ حَمْدِ الْحامِدِينَ، لَا وَاللّه أَوَيَرَانِي اللّه لَا يَشْغَلُنِي شَيْءٌ عَنْ شُكْرِهِ وَذِكْرِهِ فِي لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ، وَلَا سِرَّ


1) عصب فوه : أي جف ريقه.

وَلَا عَلَانِيَةٍ، وَلَوْلَا أَنَّ لِأَهْلِي عَلَيَّ حَقًّا وَلِسَائِرِ النَّاسِ مِنْ حَاصِهِمْ وَعَامِّهِمْ عَلَيَّ حُقُوقاً لَا يَسَعُنِي إِلَّا الْقِيامُ بِها حَسَبَ الْوُسْع وَالطَّاقَةِ حتّى أُؤَدِّيَها إِلَيْهِمْ لَرَمَيْتُ بِطَرَفِي إِلَى السَّمَاءِ، وَبِقَلْبِي إِلَى اللّه، ثُمَّ لَمْ أَرُدَّهُما حتّى يَقْضِيَ اللّه عَلَى نَفْسِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ».

وبكى الإمام بكاء شديداً، وأثر كلامه ومنظره الذي تعنو له الجباه، وتذلّ له الرقاب في نفس الطاغية عبد الملك وراح يقول بتأثر وإعجاب :

شتّان بين عبد طلب الآخرة وسعى لها سعيها، وبين من طلب الدنيا من أين جاءته وماله في الآخرة من خلاق...

وخضع عبد الملك فشفعه فيمن جاء فيهم، وأطلق سراحهم (1).

هؤلاء بعض الذين أشفقوا على الإمام من كثرة صلاته وعبادته، فقد طلبوا منه بإلحاح أن يخفّف منها، ويميل من التعب إلى الراحة، إلا أنّ الإمام لم يجبهم إلى

ذلك، فقد وجد في الصلاة راحة نفسية لا يعدلها أي شيء.

صومه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

وقضى الإمام معظم أيّام حياته صائماً، وقد قالت جاريته حينما سألت عن عبادته : ما قدمت له طعاماً في نهار قط، وقد أحبّ الصوم، وحثّ عليه، فقد قال : «إِنَّ اللّه تَعالى وَكُل مَلائِكَةُ بِالصَّائِمينَ» (2).

وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا يفطر إلا في يوم العيدين وغيرهما ممّا كان له عذر، ونتحدّث بإيجاز عن بعض شؤونه في شهر رمضان الذي هو شهر اللّه، وشهر الطاعة.


1) بحار الأنوار: 46: 65.

2) الدعوات / القطب الراوندي : 4.

في شهر رمضان

وكان له شأن خاص في شهر رمضان المبارك، فكان يعمل فيه كلّ ما يقربه إلى اللّه زلفي، ويقول الرواة : إنّه لم يترك نوعاً من أنواع البرّ والخير إلا أتى به، وكان لا يتكلّم إلا بالتسبيح والاستغفار والتكبير، وإذا أفطر قال : اللّهمّ إِنْ شِئْتَ أَنْ تَفْعَلَ فَعَلْتَ (1).

دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند رؤية الهلال

وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يستقبل شهر رمضان بشوق ورغبة لأنه ربيع الأبرار، وكان يدعو حين رؤيته لهلاله بهذا الدعاء الشريف الذي يمثل روحانية الإسلام، وهدي أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وهذا نصه :

«الْحَمْدُ للّه الَّذِي هَدَانَا لِحَمْدِهِ وَجَعَلَنَا مِنْ أَهْلِهِ، لِنَكُونَ لِإِحْسَانِهِ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَلِيَجْزِيَنا عَلى ذلِكَ جَزَاءَ الْمُحْسِنِينَ.

وَالْحَمْدُ للّه الَّذِي حَبانا بِدينِهِ، وَاخْتَصَّنا بِمِلَّتِهِ، وَسَبَّلَنا (2)في سُبُلِ (3)إِحْسانِهِ، لِنَسْلُكَهَا بِمَنْهِ إِلَى رِضْوانِهِ، حَمْداً يَتَقَبَّلُهُ مِنَّا، وَيَرْضَى بِهِ عَنَا.

وَالْحَمْدُ للّه الَّذى جَعَلَ مِنْ تِلْكَ السُّبُلِ شَهْرَهُ: شَهْرَ رَمَضانَ، شَهْرَ الصّيامِ، وَشَهْرَ الْإِسْلامِ، وَشَهْرَ الطَّهُورِ (4)، وَشَهْرَ التَّمْحِيضِ وَشَهْرَ الْقِيامِ، «الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدَى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى


1) فروع الكافي : 4 : 88.

2) سبلنا : أي أدخلنا.

3) السبل : الطرق.

4) شهر الطهور : أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن الصائم يطهر في هذا الشهر المبارك من أدران الذنوب.

وَالْفُرْقَانِ» (1).

فَأَبَانَ فَضيلَتَهُ عَلَى سَائِرِ الشُّهُورِ، بِما جَعَلَ لَهُ مِنَ الْحُرُمَاتِ الْمَوْفُورَةِ، وَالْفَضائِلِ الْمَشْهُورَةِ، فَحَرَّمَ فِيهِ ما أَحَلَّ فِي غَيْرِهِ إِعْظاماً، وَحَجَرَ فِيهِ الْمَطاعِمَ وَالْمَشارِبَ إِكْرَاماً، وَجَعَلَ لَهُ وَقْتاً بَيْناً، لَا يُجيزُ جَلَّ وَعَزَّ أَنْ يُقَدَّمَ قَبْلَهُ، وَلَا يَقْبَلُ أَنْ يُؤَخَّرَ عَنْهُ.

ثُمَّ فَضَّلَ لَيْلَةً وَاحِدَةً مِنْ لَياليهِ عَلى لَيالي أَلْفِ شَهْرٍ، وَسَمّاها لَيْلَةَ الْقَدْرِ، «تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِن كلّ أَمْرٍ» (2)، سَلامٌ دائِمُ الْبَرَكَةِ إِلى طُلُوعِ الْفَجْرِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ بِمَا أَحْكَمَ مِنْ قَضائهِ.

واحتوت هذه الكلمات المشرقة على تعظيم شهر رمضان وتبجيله، ونعته بأسمى الأوصاف، التي منها :

1 - وَشَهْرَ الْإِسْلامِ : فمن صامه فقد دخل في إطار الإسلام، ومن أفطر فيه عالماً عامداً فهو ليس من الإسلام في شيء.

2 - وَشَهْرَ الطَّهُورِ : لأن فيه طهارة للنفس من الذنوب، وتزكية لها من الآثام.

3 - وَشَهْرَ التَّمْحيص : فيه يختبر المسلمون ويمخصون، وبه يظهر المطيع من العاصي.

4 - وَشَهْرَ الْقِيامِ : إنّ هذا الشهر ربيع الأبرار والأخيار، فإنّهم يحيون لياليه


1) البقرة 2 : 185.

2) القدر 97: 4.

بالعبادة والطاعة.

5 - ومن مميزات هذا الشهر أنّه أنزل فيه القرآن العظيم، فقد أنزل في ليلة القدر التي هي من أجل لياليه، ففيها : «تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِن كلّ أَمْرٍ».

6 - ومن مميّزات هذا الشهر الشريف أنّ اللّه تعالى جعل له من الحرمات ما ليست لغيره من سائر الشهور، فقد حرّم فيه تعالى على الصائم في أثناء صومه المطاعم والمشارب إكراماً وتعظيماً لهذا الشهر..

ولنستمع إلى قطعة أخرى من هذا الدعاء :

اللّهمّ صَلِّ عَلَى محمّد وَآلِهِ وَأَلْهِمْنا مَعْرِفَةَ فَضْلِهِ، وَإِجْلالَ حُرْمَتِهِ، وَالتَّحَفُّظَ ممّا حَظَرْتَ فِيهِ، وَأَعِنَّا عَلى صِيَامِهِ بِكَفِّ الْجَوارِحَ عَنْ معاصيكَ، وَاسْتِعْمالِها فيهِ بِما يُرْضِيكَ، حَتَّىٰ لَا نُصْغِيَ بِأَسْمَاعِنَا إِلَى لَغْوِ، وَلا تُسْرِعَ بِأَبْصارِنَا إِلَىٰ لَهْوِ، وَحَتَّىٰ لَا نَبْسُطُ أَيْدِيَنَا إِلَىٰ مَحْظُورٍ، وَلَا نَخْطُوَ بِأَقْدامِنَا إِلَى مَحْجُورٍ، وَحَتَّى لَا نَعِيَ بُطُونُنا إِلَّا مَا أَحْلَلْتَ وَلَا تَنْطِقَ أَلْسِنَتُنا إِلَّا بِما مَثَلتَ، وَلَا نَتَكَلَّفَ إِلَّا ما يُدْنِي مِنْ ثَوابِكَ، وَلا نَتَعاطى إِلَّا الَّذي يَقي مِنْ عِقابِكَ، ثُمَّ خَلَّصْ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ رِياءِ الْمُرَائِينَ، وَسُمْعَةِ الْمُسْمِعينَ، لَا نُشْرِكَ فِيهِ أَحَداً دُونَكَ، وَلَا تَبْتَغِي بِهِ مُراداً سِواكَ.

وتعرّض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى ما ينبغي أن يتصف به الصائم في هذا الشهر العظيم من كفّ جوارحه عمّا حرّمه اللّه، والتي منها صيانة لسانه اللّه، والتي منها صيانة لسانه من الكذب والغيبة والبهتان، وصيانة سماعه من اللغو والباطل، وعدم بسط يده إلى السرقة والاعتداء

على الناس، وعدم سعيه إلى محظور ومحجوب عنه، وذلك كالمشي إلى محلّ المعاصي، وعدم أكل الحرام، كما تعرّض (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أنّ الصائم ينبغي له أن تكون أعماله الصالحة ومبرّاته خالصة لوجه اللّه غير مشوبة برياء أو طلب جاه أو سمعة بين الناس، فإنّ ذلك كله ممّا يفسد العمل.

ولنصغ بعد هذا إلى قطعة أخرى من هذا الدعاء الشريف :

اللّهمّ صَلِّ عَلَى محمّد وَآلِهِ وَقِفْنا (1)فيهِ عَلى مَواقِيتِ الصَّلَواتِ الْخَمْسِ بِحُدُودِها الَّتِي حَدَّدْتَ، وَفُرُوضِها الَّتِي فَرَضْتَ، وَوَظَائِفِها التي وَظَفْتَ، وَأَوْقاتِهَا الَّتِي وَقَّتْ.

وَأَنْزِلْنا فِيها مَنْزِلَةَ الْمُصِيبينَ لِمَنازِلِها، الْحافِظِينَ لأَرْكَانِها، الْمُؤَدِّينَ لَها في أَوْقاتِها عَلى ما سَنَّهُ عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وآلِهِ في رُكُوعِها وَسُجُودِها، وَجَميعِ فَواضِلِها عَلَى أَتَمَّ الطَّهُورِ وَأَسْبَغِهِ، وَأَبْيَنِ الْخُشُوعِ وَأَبْلَغِهِ.

وَوَفِّقْنا فِيهِ لأَنْ نَصِلَ أَرْحامَنا بِالْبِرِّ وَالصَّلَةِ، وَأَنْ نَتَعاهَدَ جيراننا بالْإِفْضالِ وَالعَطِيَّةِ، وَأنْ نُخَلَصَ أمْوالَنا مِنَ التَّبِعاتِ، وَأنْ نُطَهِّرَها بِإِخراج الزَّكَواتِ وَأَنْ تُراجِعَ مَنْ هَاجَرَنَا، وَأَنْ تُنْصِفَ مَنْ ظَلَمَنا، وَأَنْ تُسالِمَ مَنَ عادانا، حاشا مَنْ عُودِيَ فيكَ وَلَكَ (2)، فَإِنَّهُ الْعَدُو الَّذي لَا تُواليهِ، وَالْحِزْبُ الَّذِي لَا نُصافيهِ.


1) وقفنا : أي اجعلنا نقف على مواقيت الصلاة.

2) ولك : أي لأجلك.

وَأَنْ نَتَقَرَّبَ إِلَيْكَ فِيهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الزَّاكِيَةِ بِمَا تُطَهِّرُنا بِهِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَتَعْصِمُنَا فِيهِ ممّا نَسْتَأْنِفُ مِنَ الْعُيُوبِ، حتّى لَا يُورِدَ عَلَيْكَ أَحَدٌ مِنْ مَلائِكَتِكَ إِلَّا دُونَ مانورِدُ مِنْ أَبْوابِ الطَّاعَةِ لَكَ، وَأَنْواعِ الْقُرْبَةِ إِلَيْكَ.

وعرضت هذه الفقرات إلى أمور بالغة الأهمية ينبغي للصائم مراعاتها، والقيام بها، وهي :

1 - الحفاظ على الإتيان بالصلاة - التي هي عمود الدين - في أوقاتها التي حددها اللّه، مشفوعة بما سنّه الرسول الأعظم (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) من السنن والآداب والأذكار في ركوعها وسجودها، بل وفي جميع شؤونها، والإتيان بها على أكمل وجه من الخشوع والخضوع اللّه تعالى وحده.

2 - البرّ بالأرحام والصلة لهم، فإنّها من أفضل الطاعات.

3 - الإحسان إلى الجيران، وإسداء المعروف لهم.

4 - تطهير الأموال بإخراج الخمس والزكاة المفروضة فيها.

5 - مراجعة من هجرنا من الأصدقاء والإخوان.

6 - إنصاف الظالم وعدم الاعتداء عليه بقول أو فعل، فإنّ ذلك من مكارم الأخلاق.

7 - مسالمة العدوّ، وعدم معاداته. اللّهمّ إلّا أن تكون العداوة له في اللّه تعالى. فإنّ اللازم مقاطعته وعدم مسالمته.

8 - التقرب إلى اللّه بالأعمال الطيّبة، فإنّها يتأكد استحبابها في شهر رمضان المبارك.

ولنستمع بعد هذا إلى الفقرات الأخيرة من هذا الدعاء الشريف :

اللّهمّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ هَذَا الشَّهْرِ، وَبِحَقِّ مَنْ تَعَبَّدَ لَكَ فِيهِ مِنِ ابْتِدَائِهِ

إِلى وَقْتِ فَنائِهِ مِنْ مَلَكٍ قَرَّبْتَهُ، أَوْ نَبِيٌّ أَرْسَلْتَهُ، أَوْ عَبْدٍ صَالِحٍ اخْتَصَصْتَهُ، أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى محمّد وَآلِهِ، وَأَهَلْنا (1)فيهِ لِما وَعَدْتَ أَوْلِيَاءَكَ مِنْ كَرامَتِكَ، وَأَوْجِبْ لَنا فِيهِ ما أَوْجَبْتَ لأَهْلِ الْمُبَالَغَةِ في طَاعَتِكَ (2)، وَاجْعَلْنَا فِي نَظْم (3)مَنِ اسْتَحَقَّ الرَّفِيعَ الْأَعْلَى بِرَحْمَتِكَ.

اللّهمّ صَلِّ عَلى محمّد وآلِهِ وَجَنِّبْنَا الْإِلْحَادَ فِي تَوْحِيدِكَ، وَالتَّقْصِيرَ في تَمْجِيدِكَ، وَالشَّكَّ في دينِكَ، والْعَمَى عَنْ سَبيلِكَ، وَالْإِغْفال لِحُرْمَتِكَ، وَالْإِنْخِداعَ لِعَدُوِّكَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم (4).

اللّهمّ صَلِّ عَلى محمّد وآلِهِ، وَإِذا كَانَ لَكَ فِي كلّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي شَهْرِنا هذا رقابٌ يُعْتِقُها عَفْوَكَ، أَوْ يَهَبُها صَفْحُكَ، فَاجْعَلْ رقابَنَا مِنْ تِلْكَ الرّقابِ، وَاجْعَلْنَا لِشَهْرِنَا مِنْ خَيْرِ أَهْلِ وَأَصْحَابٍ.

اللّهمّ صَلِّ عَلى محمّد وآلِهِ، وَامْحَقِّ ذُنُوبَنا (5)مَعَ إِمْحاقِ هِلالِهِ(6)، وَاسْلَخْ عَنَا تَبِعَاتِنا مَعَ انْسِلاحَ أَيَّامِهِ، حَتَّىٰ يَنْقَضِيَ عَنا وَقَدْ صَفَّيْتَنَا فِيهِ مِنْ الْخَطيئات، وَأَخْلَصْتَنا فِيهِ مِنَ السَّيِّئَاتِ.


1) أهلنا : أي اجعلنا أهلاً.

2) أهل المبالغة في الطاعة : هم الذين يكثرون في طاعة اللّه ويبالغون فيها.

3) في نظم : أي في عداد.

4) الرجيم : هو المطرود.

5) امحق ذنوبنا : أي امحها.

6) المحاق : هي ثلاثة أو اثنتان أو ليلة واحدة في آخر كلّ شهر لا يظهر فيه القمر ليلاً ولا نهاراً.

اللّهمّ صَلِّ عَلى محمّد وآلِهِ، وَإِنْ مِلْنا فِيهِ فَعَدَّلْنَا، وَإِنْ زُغْنَا فِيهِ فَقَوِّمْنا، وَإِنِ اشْتَمَلَ عَلَيْنا عَدُوكَ الشَّيْطَانُ فَاسْتَنْقِذْنا مِنْهُ.

اللّهمّ اشْحَنْهُ بِعِبادَتِنا إيّاك، وَزَيَّنْ أَوْقاتَهُ بِطَاعَتِنَا لَكَ، وَأَعِنَّا فِي نَهَارِهِ عَلَى صِيَامِهِ، وَفِي لَيْلِهِ عَلَى الصَّلاةِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَيْكَ، وَالْخُشُوع لَكَ، وَالذَّلَّةِ بَيْنَ يَدَيْكَ، حتّى لَا يَشْهَدَ نَهارُهُ عَلَيْنا بِغَفْلَةٍ، وَلا لَيْلُهُ بتَفْريط.

اللّهمّ وَاجْعَلْنا فِي سَائِرِ الشُّهُورِ وَالْأيّام كَذَلِكَ مَا عَمَّرْتَنَا، وَاجْعَلْنَا مِنْ عِبادِكَ الصَّالِحِينَ.

«الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ» (1).

«وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا اتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ راجِعُونَ» (2).

«وَمِنَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ» (3).

اللّهمّ صَلِّ عَلى محمّد وآلِهِ فى كلّ وَقْتٍ وَكُلِّ أَوانٍ، وَعَلى كلّ حالٍ، عَدَدَ مَا صَلَّيْتَ عَلَى مَنْ صَلَّيْتَ عَلَيْهِ، وَأَضْعَافَ ذَلِكَ كُلِّهِ بِالْأَضْعَافِ الَّتِي لَا يُحْصيها غَيْرُكَ، إِنَّكَ فَعَالٌ لِما تُريدُ» (4).

إنّ أدعية الإمام مدرسة للوعي الديني، وهي تفيض بروح الإيمان وجوهر


1) المؤمنون 23 : 11.

2) المؤمنون 23 : 60.

3) المؤمنون 23 : 61.

4) الصحيفة السجّادية : الدعاء الرابع والأربعون.

الإخلاص للّه. وقد احتوت هذه الفقرات المشرقة من دعائه على ما يلي :

1 - إنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) توسّل إلى اللّه تعالى بحرمة رمضان، وبحرمة من تعبد فيه من عباده الصالحين في أن يجعله من أوليائه المقربين، وفي عداد من استحق المنزلة الرفيعة عنده.

2 - أن يجعل أعماله الصالحة ومبرّاته خالصة لوجهه تعالى غير مشوبة برياء ونحوه ممّا يفسد العمل.

3 - أن يجنّبه الشك والأوهام الفاسدة في أمور الدين.

4 - أن لا يسلك غير الطريق الذي شرّعه اللّه، وأن لا يغفل عن حرماته تعالى.

5 - أن لا ينحرف في تيار الشيطان الرجيم

6 - أن يمن عليه فيجعله من جملة عتقائه في هذا الشهر العظيم.

7 - أن يوفقه اللّه في هذا الشهر المبارك للعبادة والطاعة، والتضرّع والخشوع والذلّة له تعالى.

هذه بعض الأمور المهمة التي احتوت عليها هذه الكلمات من دعائه

مبرّاته (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رمضان

إشارة:

كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) كثير البرّ في شهر رمضان، وهذه بعض مبراته :

1 - إطعام الطعام

وحثّ الإسلام على بذل الطعام للصائمين، وندب إليه، وكان الإمام زين العابدين في كلّ يوم من أيّام شهر رمضان يأمر بذبح شاة وطبخها، فإذا كان المساء أكب على القدور يشمها، فإذا نضجت يقول : هاتوا القصاع، ويأمر بأن يغرف إلى الفقراء والأرامل والأيتام حتّى يأتي على آخر القدور، ولا يبقي شيئاً لإفطاره،

وكان يفطر على خبز وتمر (1).

2 – تحريره (عَلَيهِ السَّلَامُ) للعبيد

ومن مبرّات الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في شهر رمضان المبارك كثرة عتقه، وتحرير أرقائه من رقّ العبوديّة، على أنهم كانوا يعيشون في ظلاله محترمين، وكان يعاملهم كأبنائه وكان يغضي عمّن أساء إليه منهم ولا يعاقبه، وكان يعتق جميع ما ملكت يمينه منهم في رمضان.

ونقل الرواة : «أنّه كان لا يعاقب أمة ولا عبداً إذا اقترف أحدهما ذنباً، وإنّما كان يسجّل اليوم الذي أذنبوا فيه، فإذا كان آخر شهر رمضان جمعهم وأظهر الكتاب الذي سجّل فيه ذنوبهم، ويقول لهم :

ارْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ وَقُولُوا: يا عليّ بن الحسين، إِنَّ رَبَّكَ قَدْ أَحْصى عَلَيْكَ كلّ ما عَمِلْتَ كَما أَحْصَيْتَ عَلَيْنا كلّ ما عَمِلْنَا، وَلَدَيْهِ كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةٌ ممّا أَتَيْتَ - أي عملت - إِلَّا أَحْصاها، وَتَجِدُ كلّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ لَدَيْهِ حاضِراً كَما وَجَدْنا كلّ ما عَمِلْنا لَدَيْكَ حاضِراً، فَاعْفُ وَاصْفَحْ كَمَا تَرْجُو مِنَ الْمَلِيكِ الْعَفْوَ، وَكَما تُحِبُّ الْمَلِيْكَ أَنْ يَعْفُو عَنْكَ، فَاعْفُ عَنَّا تَجِدْهُ عَفْواً، وَبِكَ رَحِيماً، وَلَكَ غَفُوراً، وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً، كَما لَدَيْكَ كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ عَلَيْنا لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً ممّا أَتَيْناها إِلَّا أَحْصاها، فَاذْكُرْ يا عليّ بن الحسين ذُلَّ مَقَامِكَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّكَ الْحَكِيمِ الْعَدْلِ، الَّذِي لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ، وَيَأْتِي بِهَا يَوْمَ


1) المحاسن : 396. بحار الأنوار: 46: 72.

الْقِيَامَةِ، وَكَفَى بِاللّه حَسِيباً وَشَهِيداً، فَاعْفُ وَاصْفَحْ يَعْفُ عَنْكَ الْمَلِيك وَيَصْفَحْ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: «وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللّه لَكُمْ» (1)».

وكان يلقنهم بتلك الكلمات التي تمثل مدى انقطاعه إلى اللّه واعتصامه ب-ه وهو واقف يبكي من خشيته تعالى وهو يقول :

رَبَّنا إِنَّكَ أَمَرْتَنا أَنْ نَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنا، وَقَدْ ظَلَمْنا أَنْفُسَنَا، فَنَحْنُ قَدْ عَفَوْنَا عَمَّنْ ظَلَمَنَا كَما أَمَرْتَ، فَاعْفُ عَنَّا فَإِنَّكَ أَوْلَى بِذلِكَ مِنَّا وَمِنَ الْمَأْمُورِينَ، وَأَمَرْتَنا أَلَّا نَرُدَّ سَائِلاً عَنْ أَبْوابِنا وَقَدْ أَتَيْنَاكَ سُؤَالاً وَمَسَاكِينَ، وَقَدْ أَنَخْنا بِفِنائِكَ وَبِبَابِكَ نَطْلُبُ نائِلَكَ وَمَعْرُوفَكَ وَعَطَاءَكَ، فَامْنُنْ بِذلِكَ عَلَيْنا وَلَا تُخَيِّبْنا، فَإِنَّكَ أَوْلى بِذلِكَ مِنَّا وَمِنَ الْمَأْمُورِينَ. إلهي كَرُمْتَ فَأَكْرِمْني إِذْ كُنْتُ مِنْ سُؤَالِكَ، وَجُدْتَ بِالْمَعْرُوفِ فَاخْلُطْني بِأَهْلِ نَوالِك یا کَریمُ.

ثمّ أقبل عليهم بوجهه الشريف وقد تبلّل من دموع عينيه قائلاً لهم بعطف وحنان :

قَدْ عَفَوْتُ عَنْكُمْ، فَهَلْ عَفَوْتُمْ عَنِّي ؟ وَمِمَّا كَانَ مِنِّي مِنْ سُوءِ مَلَكَةٍ فَإِنِّي مَلِيكُ سُوءٍ ظَالِمٌ، مَمْلُوكٌ لِمَلِيكِ كَرِيمٍ، جَوادِ عادِل، مُحْسِنِ مُتَفَضّل.

أيّ نفس ملائكيّة هذه النفس العظيمة التي مثلت روحانية الأنبياء ومحاسن


1) النور 24: 22.

صفاتهم وأخلاقهم ؟

وينبري العبيد قائلين له : قد عفونا عنك يا سيّدنا.

فيقول لهم : قُولُوا : اللّهمّ اعْفُ عَنْ عليّ بن الحسين كَما عَفَا عَنَا، فَأَعْتِقْهُ مِنَ النَّارِ كَمَا أَعْتَقَ رِقَابَنَا مِنَ الرَّقِّ.

فيقولون ذلك، ويقول بعدهم : اللّهمّ آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ. اذْهَبُوا فَقَدْ عَفَوْتُ عَنْكُم، وَأَعْتَقْتُ رِقَابَكُم، رَجَاءَ لِلْعَفْوِ عَنِّي، وَعَتْقِ رَقَبَتِي.

فإذا كان يوم عيد الفطر أجازهم جائزة سنيّة تصونهم عن السؤال، وتغنيهم عمّا في أيدي الناس (1).

وليس في دنيا المتقين والصالحين من أولياء اللّه تعالى مثل هذا الإمام العظيم في تقواه وورعه وعظيم إخلاصه وطاعته اللّه تعالى، فقد ملأ قلبه الشريف بالإيمان ومعرفة اللّه.

وعلى أي حال، فإنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد عمل في شهر رمضان جميع ألوان الخير من البرّ بالضعفاء، وإكرام البؤساء، وإنعاش المحرومين، وتحرير العبيد، وغير ذلك ممّا يقربه إلى اللّه زلفى.

دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في السحر

كان الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يناجي ربه، ويدعوه بتضرع وإخلاص في سحر كلّ ليلة من ليالي شهر رمضان بالدعاء الجليل الذي عرف بدعاء أبي حمزة الثمالي؛ لأنه هو الذي رواه عنه، وهو من غرر أدعية أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، لأنه يمثل مدى


1) بحار الأنوار : 46 : 103 - 105.

الإنابة والانقطاع إلى اللّه، كما أنّ فيه من المواعظ ما يوجب صرف النفس عن غرورها وشهواتها، وبالإضافة إلى ذلك فقد امتاز بجمال الأسلوب وروعة البيان وبلاغة العرض، وفيه من التذلّل والخشوع والخضوع أمام اللّه تعالى ما لا يوجد في بقية الأدعية، ونقتطف بعض القطع المضيئة منه دون أن نذكره بأسره، وذلك لذيوعه وانتشاره في كتب الأدعية التي هي بمتناول الكثيرين من القرّاء.

وقبل أن نذكر بعض فقرات هذا الدعاء نود أن نبيّن أنّه قد احتل مكانة مهمة في نفوس الأخيار والصلحاء من المسلمين، فقد عكفوا على الدعاء به في سحر كلّ ليلة من ليالي رمضان، كما قد رأيت بعض المؤمنين قد حفظه، ويدعو به، وفيما يلي بعض فقراته :

«إِلهِي لَا تُؤَدِّبْني بِعُقُوبَتِكَ، وَلَا تَمْكُرْ بِي فِي حِيلَتِكَ، مِنْ أَيْنَ لِيَ الْخَيْرُ يا رَبِّ وَلَا يُوجَدُ إِلَّا مِنْ عِنْدِكَ، وَمِنْ أَيْنَ لِيَ النَّجاةُ وَلَا تُسْتَطاعُ إِلَّا بِكَ، لَا الَّذِي أَحْسَنَ اسْتَغْنى عَنْ عَوْنِكَ وَرَحْمَتِكَ، وَلَا الَّذِي أَساءَ وَاجْتَرَأَ عَلَيْكَ وَلَمْ يُرْضِكَ خَرَجَ عَنْ قُدْرَتِكَ، يا رَبِّ بِكَ عَرَفْتُكَ، وَأَنْتَ دَلَلْتَني عَلَيْكَ، وَدَعَوْتَني إِلَيْكَ، وَلَوْلا أَنْتَ لَمْ أَدْرِ ما أَنْتَ...

أرأيتم راهب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) كيف يناجي ربه، ويتضرّع إليه بهذا الأسلوب الذي ينبض بواقع الإيمان والمعرفة، ولنستمع إلى قطعة أخرى من هذا الدعاء الشريف :

... يا حَبِيبَ مَنْ تَحَبَّبَ إِلَيْكَ، وَيَا قُرَّةَ عَيْنِ مَنْ لاذَ بِكَ وَانْقَطَعَ إِلَيْكَ، أَنْتَ الْمُحْسِنُ وَنَحْنُ الْمُسيئونَ، فَتَجاوَزْ يارَبِّ عَنْ قَبيح ما عِنْدَنَا بِجَميل ما عِنْدَكَ، وَأَيُّ جَهْلٍ يارَبِّ لا يَسَعُهُ جُودُكَ ؟ وَأَيُّ زَمَانٍ أَطْوَلُ مِنْ أَناتِكَ

وَما قَدْرُ أَعْمَالِنَا فِي جَنْبِ نِعَمِكَ ؟ وَكَيْفَ نَسْتَكْثِرُ أَعْمالاً نُقابِلُ بِها كَرَمَكَ ؟ بَلْ كَيْفَ يَضِيقُ عَلَى الْمُذْنِبِينَ ما وَسِعَهُمْ مِنْ رَحْمَتِكَ ؟ يا واسِعَ الْمَغْفِرَةِ، يَا بَاسِطَ الْيَدَيْنِ بِالرَّحْمَةِ.

فَوَعِزَّتِكَ يا سَيِّدِي لَوِ انْتَهَرْتَني ما بَرِحْتُ مِنْ بابِكَ، وَلا كَفَفْتُ عَنْ تَمَلُّقِكَ لِمَا انْتَهَى إِلَيَّ مِنَ الْمَعْرِفَةِ بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ

وهكذا يستمر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تملقه وتضرعه إلى الخالق العظيم طالباً منه المغفرة والرضوان، واسمعوه كيف يقول :

.. اللّهمّ إِنِّي كُلَّما قُلْتُ قَدْ تَهَيَّأْتُ وَتَعَبَّأْتُ وَقُمْتُ لِلصَّلاةِ بَيْنَ يَدَيْكَ وناجَيْتُكَ، أَلْقَيْتَ عَلَيَّ نُعاساً إِذا أَنَا صَلَّيْتُ، وَسَلَبْتَنِي مُناجاتَكَ إِذا أَنَا ناجَيْتُ، وَمالي كُلَّما قُلْتُ قَدْ صَلُحَتْ سَرِيرَتي، وَقَرُبَ مِنْ مَجالِسِ التَّوَّابِينَ مَجْلِسي، عَرَضَتْ لِي بَلِيَّةٌ أَزالَتْ قَدَمِي، وَحَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ خدمَتِكَ!

سَيِّدي لَعَلَّكَ عَنْ بابِكَ طَرَدْتَني، وَعَنْ خِدْمَتِكَ نَجَّيْتَني ! أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَني مُسْتَخِفَاً بِحَقِّكَ فَأَقْصَيْتَنِي ! أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي مَعْرِضاً عَنْكَ فَلَيْتَني ! أَوْ لَعَلَّكَ وَجَدْتَني في مَقامِ الْكَاذِبِينَ فَرَفَضْتَني ! أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي غَيْرَ شَاكِرِ لِنَعْمَائِكَ فَحَرَمْتَني ! أَوْ لَعَلَّكَ فَقَدْتَني مِنْ مَجالِسِ الْعُلَماءِ فَخَذَلْتَني أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَني فِي الْغَافِلِينَ فَمِنْ رَحْمَتِكَ أَيَسْتَنِي ! أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي الفُ مَجالِسَ الْبَطَالِينَ فَبَيْنِي وَبَيْنَهُمْ خَلَّيْتَنِي ! أَوْ لَعَلَّكَ

لَمْ تُحِبَّ أَنْ تَسْمَعَ دُعائي فَبَاعَدْتَني ! أَوْ لَعَلَّكَ بِجُرْمِي وَجَريرَتي كافَيْتَنِي ! أَوْ لَعَلَّكَ بِقِلَّةِ حَيَائِي مِنْكَ جَازَيْتَنِي !

فَإِنْ عَفَوْتَ يَا رَبِّ، فَطَالَما عَفَوْتَ عَنِ الْمُذْنِبِينَ قَبْلِي، لأَنَّ كَرَمَكَ - أَيْ رَبِّ - يَجِلُّ عَنْ مُجازاةِ الْمُذْنِبينَ، وَحِلْمَكَ يَكْبُرُ عَنْ مُكافاة الْمُقَصِّرِينَ، وَأَنا عائِذٌ بِفَضْلِكَ

وعرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الأمور التي تحجب الإنسان من الإقبال على اللّه في حال صلاته ومناجاته، وهذه بعضها :

1 - الاستخفاف بحقوق اللّه، وذلك بأن يستهين بها.

2 - الإعراض عن اللّه.

3 - عدم اجتناب الكذب الذي هو مجمع الرذائل والموبقات.

4 - عدم شكر النعم التي أنعم اللّه بها على العبد

5 - عدم مجالسة العلماء الواقعيين الذين يذكرون الناس الدار الآخرة ويحثّونهم على فعل الخيرات.

6- الغفلة عن ذكر اللّه، والغفلة عن ذكر الموت، فإنّهما يجران الإنسان إلى الشقوة والهلاك.

7 - مجالسة البطالين الذين يقضون أوقاتهم باللّهو، ويضيّعون أعمارهم في توافه الأمور، فإنّ مجالستهم ممّا يوجب الانصراف عن اللّه.

هذه بعض الأمور التي تحجب التوفيق من الاتصال باللّه، وتصدّه عن فعل الخير، أعاذنا اللّه منها.

ولنستمع إلى فصل آخر من فصول هذا الدعاء :

... إلهي وَسَيِّدِي، وَعِزَّتِكَ وَجَلالِكَ لَئِنْ طَالَبْتَني بِذُنُوبِي لَا طَالِبَنَّكَ بِعَفْوِكَ، وَلَئِنْ طَالَبْتَني بِلُؤْمِي لَا طالِبَنَّكَ بِكَرَمِكَ، وَلَئِنْ أَدْخَلْتَنِي النَّارَ لَأُخْبِرَنَّ أَهْلَ النَّارِ بِحُبِّي لَكَ

إلهي وَسَيِّدي إِنْ كُنْتَ لا تَغْفِرُ إِلَّا لأَوْلِيَائِكَ وَأَهْلِ طَاعَتِكَ، فَإِلَى مَنْ يَفْزَعُ الْمُذْنِبُونَ؟ وَإِنْ كُنْتَ لا تُكْرِمُ إِلَّا أَهْلَ الْوَفاءِ بِكَ، فَبِمَنْ يَسْتَغِيثُ الْمُسئُونَ ؟

إِلهِي إِنْ أَدْخَلْتَنِي النّارَ فَفِي ذَلِكَ سُرُورُ عَدُوِّكَ...» (1).

لقد استعطف سيّد المتقين، وإمام العارفين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الخالق العظيم الذي وسعت رحمته كلّ شيء طالباً منه المغفرة والرضوان للمذنبين والمقصرين من عباده، فإنّ فيضه وجوده لا يقتصر على المؤمنين والمطيعين، وإنّما هو شامل لجميع عباده.

وبهذه اللقطات اليسيرة ينتهي بنا الحديث عن دعاء الإمام في سحر الإمام في سحر كلّ ليلة من ليالي رمضان المبارك.

دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وداع شهر رمضان

وكان الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يتأثر إذا انطوت أيّام رمضان لأنّه ربيع الأبرار، وكان يودّعه بهذا الدعاء الجليل :

«اللّهمّ يا مَنْ لا يَرْغَبُ فِي الْجَزاءِ، وَيَا مَنْ لا يَنْدَمُ عَلَى الْعَطاءِ، وَيَا مَنْ لا يُكافِيُّ عَبْدَهُ عَلَى السَّواءِ، مِنَّتُكَابْتِداء، وَعَفْوُكَ تَفَضُّلٌ، وَعُقُوبَتُكَ


1) مصباح المتهجد / الطوسي : 596.

عَدْلٌ، وَقَضاوُكَ خِيَرَةٌ، إِنْ أَعْطَيْتَ لَمْ تَشُبْ عَطَاءَكَ بِمَنَّ، وَإِنْ مَنعْتَ لَمْ يَكُنْ مَنْعُكَ تَعَدِّياً، تَشْكُرُ مَنْ شَكَرَكَ وَأَنْتَ أَلْهَمْتَهُ شُكْرَكَ، وَتُكافِيُّ مَنْ حَمدَكَ وَأَنْتَ عَلَّمْتَهُ حَمْدَكَ، وَتَسْتُرُ عَلى مَنْ لَوْ شِئْتَ فَضَحْتَهُ، وَتَجُودُ عَلَىٰ مَنْ لَوْ شِئْتَ مَنَعْتَهُ، وَكِلاهُما أَهْلٌ مِنْكَ لِلْفَضِيحَةِ وَالْمَنْعُ، غَيْرَ أَنَّكَ بَنَيْتَ أَفَعالَكَ عَلَى التَّفَضّل، وَأَجْرَيْتَ قُدْرَتَكَ عَلَى التَّجاوُزِ، وَتَلَقَّيْتَ مَنْ عَصاكَ بِالْحِلْمِ، وَأَمْهَلْتَ مَنْ قَصَدَ لِنَفْسِهِ بِالظُّلْمِ، تَسَتَنْظِرُهُمْ بِأَنَاتِكَ إِلَى الْإِنابَةِ، وتَتْرُكُ مُعاجَلَتَهُمْ إِلَى التَّوْبَةِ لِكَيْلا يَهْلِكَ عَلَيْكَ هالِكُهُمْ، وَلَا يَشْقَى بِنِعْمَتِكَ شَقِيُّهُمْ إِلَّا عَنْ طُولِ الْاِعْذارِ إِلَيْهِ، وَبَعْدَ تَرادُفِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ، كَرَماً مِن عَفْوِكَ يا كَريمُ وَعَائِدَةً مِنْ عَطْفِكَ يا حَلِيمُ.

ولا بدّ لنا من وقفة قصيرة للنظر في هذه الفقرات المضيئة من كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد احتوت على ما يلي :

1 - كرم اللّه

أمّا كرم اللّه تعالى وجوده على العباد حسبما أدلى به الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد تميّز بما يلي :

1 - إن نعمة اللّه تعالى على العباد لا يرجو منها جزاءاً لأنه تعالى مستغن عن عباده وهم الفقراء إليه.

2 - إنّه تعالى إذا أنعم على عبد نعمة مهما كبرت، فإنّه لا يندم على عطائه، كما يندم المخلوقون في عطائهم إذا لم يكن هناك عائدة أو منفعة ترجع إليهم.

3 - إنّ نعم اللّه على عباده غير مشوبة بالمنّ، فإنّه تعالى يعطي تفضلاً.

4 - إنّه تعالى هو الذي يبتدئ بالإحسان والكرم على عباده.

2 - عفو اللّه وعقابه

أمّا عفو اللّه عن المذنبين والمسيئين، فإنّما هو تفضّل ورحمة منه، وأما عقابه لهم فإنّما هو عدل لأنه لا يعاقب إلا بقدر ما يستحق المذنب من العقاب.

3 - قضاء اللّه

أمّا قضاء اللّه وصدور الأفعال منه فإنّه باختياره، وهو غير مجبور عليها كما يقول بذلك بعض الفلاسفة

4 - شكره للشاكرين

إنّ اللّه تعالى يشكر من شكره، وذلك بزيادة ألطافه ونعمه عليه، وهذا هو المراد من شكر اللّه لعبده، كما أنّه تعالى يكافئ من حمده، ويزيد عليه ألطافه.

5 - ستره على العبد

ومن ألطاف اللّه على عبده ستره عليه في حال ارتكابه للمعاصي، ولو شاء تعالى لفضحه، وأسقطه من عيون الناس، كما أن ألطافه تعالى على المذنب أنّه يجود عليه ويرزقه، ولو شاء لمنعه رزقه، وأماته جوعاً، ولكنّه تعالى قد جرت مشيئته وقدرته على التجاوز عن المذنبين، رجاء أن يرجع إليهم حلمهم ويتوبوا إلى طريق الحق والرشاد، ولا يشقى منهم إلا من أصر على العصيان ونبذ الحق

هذه بعض المحتويات في كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولنستمع إلى قطعة أخرى من هذا الدعاء الشريف :

أَنْتَ الَّذي فَتَحْتَ لِعِبادِكَ باباً إِلى عَفْوِكَ وَسَمَّيْتَهُ التَّوْبَةَ، وَجَعَلْتَ عَلَى ذلِكَ الْبَابِ دَليلاً مِنْ وَحْيِكَ لِئَلَّا يَضِلُّوا عَنْهُ، فَقُلْتَ تَبارَكَ اسْمُكَ :

«تُوبُوا إِلَى اللّه تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سِيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللّه النبيّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (1)، فَمَا عُذْرُ مَنْ أَغْفَلَ دُخُولَ ذلِك الْمَنْزِلِ بَعْدَ فَتْح الْبَابِ، وَإِقَامَةِ الدَّليل.

وَأَنْتَ الَّذِي زِدْتَ فِي السَّوْمِ (2)عَلى نَفْسِكَ لِعِبادِكَ تُرِيدُ رِبْحَهُمْ في مُتاجَرَتِهِمْ لَكَ، وَفَوْزَهُمْ بِالْوِفادَةِ عَلَيْكَ وَالزِّيادَةِ مِنْكَ، فَقُلْتَ تَبارَكَ اسْمُكَ وَتَعالَيْتَ : «مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا» (3).

وَقُلْت : «مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّه كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كلّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللّه يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ» (4).

وَقُلْتَ: «مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّه قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ» (5)، وَمَا أَنْزَلْتَ مِنْ نَظَائِرِهِنَّ فِي الْقُرْآنِ مِنْ تَضَاعِيفِ الْحَسَنَاتِ.

وَأَنْتَ الَّذي دَلَلْتَهُمْ بِقَوْلِكَ مِنْ غَيْبِكَ وَتَرْغِيبِكَ الَّذِي فِيهِ حَظِّهُمْ عَلَى


1) التحريم 66: 8.

2) السوم: المجاذبة بين البائع والمشتري على السلعة.

3) الأنعام 6: 160.

4) البقرة 2 : 261.

5) البقرة 2 : 245. الحديد 57: 11.

ما لَوْ سَتَرْتَهُ عَنْهُمْ لَمْ تُدْرِكْهُ أَبْصارُهُمْ، وَلَمْ تَعِهِ أَسْمَاعُهُمْ، وَلَمْ تَلْحَقْهُ أَوْهامُهُمْ، فَقُلْتَ: «فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ» (1).

وَقُلْتَ : «لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ» (2).

وَقُلْتَ: «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ» (3)، فَسَمَّيْتَ دُعاءَكَ عِبادَةً، وَتَرْكَهُ اسْتِكْبَاراً، وَتَوَعَدْتَ عَلى تَرْكِهِ دُخُولَ جَهَنَّمَ داخِرينَ، فَذَكَرُوكَ بِمَنَّكَ وَشَكَرُوكَ بِفَضْلِكَ، وَدَعَوْكَ بِأَمْرِكَ، وَتَصَدَّقُوا لَكَ طَلَبَا لِمَزِيدِكَ، وَفِيها كَانَتْ نَجاتُهُمْ مِنْ غَضَبِكَ، وَفَوْزُهُمْ بِرِضَاكَ، وَلَوْدَلَّ مَخْلُوقٌ مَخْلُوقاً مِنْ نَفْسِهِ عَلَى مِثْلِ الَّذِي دَلَلْتَ عَلَيْهِ عِبادَكَ مِنْكَ، كَانَ مَوْصُوفاً بِالْإِحْسَانِ، وَمَنْعُوتاً بِالْاِمْتِنانِ، وَمَحْمُوداً بكلّ لِسانٍ، فَلَكَ الْحَمْدُ ما وُجِدَ فِي حَمْدِكَ مَذْهَبٌ، وَما بَقِي لِلْحَمْدِ لَفْةٌ تُحْمَدُ بِهِ، وَمَعْنىً يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ.

يا مَنْ تَحَمَّدَ إِلَى عِبادِهِ بِالْإِحْسَانِ وَالْفَضْلِ، وَغَمَرَهُمْ بِالْمَنَّ (4)وَالطَّوْلِ (5)ما أَفْشى فينا نِعْمَتَكَ، وَأَسْبَغَ عَلَيْنَا مِنَّتَكَ، وَأَخَصَّنَا بِبِرُكَ، هَدَيْتَنا لِدينِكَ الَّذِي اصْطَفَيْتَ، وَمِلَّتِكَ الَّتِي ارْتَضَيْتَ، وَسَبيلِكَ الذي


1) البقرة 2: 152.

2) إبراهيم 14: 7.

3) غافر 40: 60. داخرين : أي أذلّاء محقّرين.

4) المنّ : النعمة.

5) الطول : الإحسان.

سَهَلْتَ، وَبَصَّرْتَنا الزُّلْفَةَ لَدَيْكَ، وَالْوُصُولَ إِلَى كَرامَتِكَ.

وتحدّث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه القطعة عن عظيم لطف اللّه وفضله على العصاة من عباده، فقد فتح لهم باب التوبة والمغفرة لينقذهم من الهلاك والشقاء في دار الآخرة، والتوبة ماحية للذنوب ومنجية للإنسان من غمرات الأهوال، ويشترط فيها الندم على ما اقترف الإنسان من ذنب، وعدم العودة إليه.

وتحدث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن لطف آخر من ألطاف اللّه على عباده، وذلك بأن حتّهم على الإحسان إلى الناس وفعل الخير، وعلى الصدقة والبرّ بالفقراء والضعفاء، وضمن لهم عوض ذلك الثمن الجزيل في دار البقاء والخلود، كلّ ذلك لنجاتهم وسعادتهم، فما أسبغ نعمته، وأعظم فضله على العباد.

وعرض (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كلامه إلى شكر اللّه على نعمه، وأنّه ممّا يوجب المزيد، كما تعرّض (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الدعاء إلى اللّه والتضرّع إليه، فقد جعل ذلك عبادة وتركه استكباراً حسب ما أعلن القرآن الكريم، ولنستمع بعد هذا إلى قطعة أخرى من هذا الدعاء :

اللّهمّ وَأَنْتَ جَعَلْتَ مِنْ صَفايا تِلْكَ الْوَطَائِفِ، وَخَصَائِصِ تِلْكَ الْفُرُوضِ شَهْرَ رَمَضانِ الَّذِي اخْتَصَصْتَهُ مِنْ سَائِرِ الشُّهُورِ، وَتَخَيَّرْتَهُ مِنْ جَميعِ الْأَزْمِنَةِ وَالدُّهُورِ، وَآثَرْتَهُ عَلى كلّ أَوْقاتِ السَّنَةِ بِمَا أَنْزَلْتَ فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَالنُّورِ، وَضاعَفْتَ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ(1)، وَفَرَضْتَ فِيهِ مِنَ الصِّيام وَرَغَبْتَ فيهِ مِنَ الْقِيام، وَأَجْلَلْتَ فِيهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ.

ثُمَّ أَثَرْتَنَا بِهِ عَلَىٰ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَاصْطَفَيْتَنَا بِفَضْلِهِ دُونَ أَهْلِ الْمِلَلِ فَصُمْنا


1) وَضاعَفْتَ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ : أي جعلت ثواب الإيمان وثواب الأعمال الصالحة فيه مضاعفاً.

بِأَمْرِكَ نَهارَهُ، وَقُمْنَا بِعَوْنِكَ لَيْلَهُ، مُتَعَرِّضِينَ بِصِيَامِهِ وَقِيامِهِ لِمَا عَرَّضْتَنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِكَ، وَتَسَبَّيْنَا إِلَيْهِ مِنْ مَتُوْبَتِكَ.

وَأَنْتَ الْمَلِيُّ بِمَا رُغِبَ فِيهِ إِلَيْكَ، الْجَوادُ بِما سُئِلْتَ مِنْ فَضْلِكَ، الْقَريبُ إلى مَنْ حاوَلَ قُرْبَكَ، وَقَدْ أَقامَ فينا هَذَا الشَّهْرُ مَقامَ حَمْدٍ، وَصَحِبَنا صُحْبَةَ مَبْرُورٍ، وَأَرْبَحَنَا أَفْضَلَ أَرْباحِ الْعَالَمِينَ، ثُمَّ قَدْفَارَقَنا عِنْدَ تَمَامِ وَقْتِهِ وَانْقِطاع مُدَّتِهِ، وَوَفاءِ عَدَدِهِ (1)، فَنَحْنُ مُوَدِّعُوهُ وَداعَ مَنْ عَزَّ فِراقُهُ عَلَيْنا، وَغَمَّنَا وَأَوْحَشَنَا انْصِرافُهُ عَنَا، وَلَزِمَنا لَهُ الدِّمامُ الْمَحْفُوظُ وَالْحُرْمَةُ الْمَرْعِيَّةُ وَالْحَقُّ الْمَقْضِى.

وأشاد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الكلمات بفضل شهر رمضان المبارك الذي ميزه اللّه على سائر الشهور، واختصه بالمزيد من الفضل، ففرض فيه الصيام، وندب فيه إلى إحياء لياليه بالعبادة والطاعة، وجعل ثواب الأعمال الصالحة فيه مضاعفاً، كما خصه بليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وقد آثر اللّه به المسلمين وحباهم به دون غيرهم من سائر الأمم لينالوا الدرجات العالية، والمنزلة الكريمة عنده.

وتعرّض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى حزنه على مفارقة هذا الشهر العظيم الذي كان يكتسب في كلّ ثانية منه الحسنات والأعمال التي تقربه إلى اللّه تعالى زلفى.

ولنستمع إلى قطعة أخرى من هذا الدعاء المبارك :

فَنَحْنُ قائِلُونَ : السَّلامُ عَلَيْكَ يا شَهْرَ اللّه الْأَكْبَرَ، وَيَا عِيدَ أَوْلِيَائِهِ.

السَّلامُ عَلَيْكَ يا أَكْرَمَ مَصْحُوبٍ مِنَ الْأَوْقاتِ، وَيا خَيْرَ شَهْرٍ فِي الْأيّام


1) ووفاء عدده : أي تمام عدده.

والساعات.

السَّلامُ عَلَيْكَ مِنْ شَهْرٍ قَرُبَتْ فيهِ الْآمالُ، وَنُشِرَتْ فيهِ الْأَعْمَالُ.

السَّلامُ عَلَيْكَ مِنْ قَرِينٍ جَلَّ قَدْرُهُ مَوْجُوداً، وَأَفْجَعَ فَقْدُهُ مَفْقُوداً وَمَرْجُوٍّ اَلَمَ فِراقُهُ.

السَّلامُ عَلَيْكَ مِنْ أَليفٍ آنَسَ مُقْبِلاً فَسَرَّ، وَأَوْحَشَ مُنْقَضِياً فَمَضَّ.

السَّلامُ عَلَيْكَ مِنْ مُجاوِرٍ رَقَّتْ فيهِ الْقُلُوبُ، وَقَلَّتْ فيهِ الذُّنُوبُ.

السَّلامُ عَلَيْكَ مِن ناصِرٍ أَعانَ عَلَى الشَّيْطَانِ، وَصَاحِبٍ سَهَّلَ سُبُلَ الْإِحْسانِ.

السَّلامُ عَلَيْكَ ما أَكْثَرَ عُتَقاءَ اللّه فيكَ، وَمَا أَسْعَدَ مَنْ رَعَى حُرْمَتَكَ بِكَ.

السَّلامُ عَلَيْكَ ما كانَ أَمْحاكَ لِلذُّنُوبِ، وَأَسْتَرَكَ لأَنواع العُيُوبِ.

السَّلامُ عَلَيْكَ ما كانَ أَطْوَلَكَ عَلَى الْمُجْرِمِينَ، وَأَهْيَبَكَ فِي صُدُورِ الْمُؤْمِنِينَ.

السَّلامُ عَلَيْكَ مِنْ شَهْرِ لا تُنافِسُهُ الْأَيَّامُ.

السَّلامُ عَلَيْكَ مِنْ شَهْرٍ هُوَ مِنْ كلّ أَمْرٍ سَلامٌ.

السَّلامُ عَلَيْكَ غَيْرَ كَرِيهِ الْمُصاحَبَةِ، وَلا ذَمِيمِ الْمُلابَسَةِ.

السَّلامُ عَلَيْكَ كَما وَفَدْتَ عَلَيْنا بِالْبَرَكاتِ، وَغَسَلْتَ عَنا دَنَسَ الْخَطيئات.

السَّلامُ عَلَيْكَ غَيْرَ مُوَدَّعٍ بَرَماً وَلَا مَتْرُوكٍ صِيامُهُ سَأَماً.

السَّلامُ عَلَيْكَ مِنْ مَطْلُوبِ قَبْلَ وَقْتِهِ، وَمَحْزُونٍ عَلَيْهِ قَبْلَ فَوْتِهِ.

السَّلامُ عَلَيْكَ كَمْ مِنْ سُوءٍ صُرِفَ بِكَ عَنَا، وَكَمْ مِنْ خَيْرٍ أفيضَ بِكَ عَلَيْنا.

السَّلامُ عَلَيْكَ وَعَلَى لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ.

السَّلامُ عَلَيْكَ ما كانَ أَحْرَصَنَا بِالْأَمْسِ عَلَيْكَ، وَأَشَدَّ شَوْقَنا غَداً إِلَيْكَ.

السَّلامُ عَلَيْكَ وَعَلَى فَضْلِكَ الَّذِي حُرِمْناهُ، وَعَلَىٰ مَاضٍ مِنْ بَرَكَاتِكَ سُلبناهُ.

لقد ودّع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) شهر رمضان المبارك بهذه التحيات الحارة العاطرة مشفوعة بالمرارة والأسى على فراقه، لأنه كان ميداناً لمبراته وأعماله الصالحة التي تقرّبه إلى اللّه تعالى.

وقد عرض (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى خصائص هذا الشهر العظيم، وبيان امتيازاته على بقية الشهور، ولنستمع إلى لوحة أخرى من هذا الدعاء الجليل

اللّهمّ إِنَّا أَهْلُ هَذَا الشَّهْرِ الَّذِي شَرَّفْتَنابِهِ، وَوَفَّقْتَنا بِمَنِّكَ لَهُ، حِينَ جَهِلَ الْأَشْقِياءُ وَقْتَهُ، وَحُرِمُوا لِشَقائِهِمْ فَضْلَهُ، وَأَنْتَ وَلِيُّ مَا أَثَرْتَنا بِهِ مِنْ مَعْرِفَتِهِ، وَهَدَيْتَنا لَهُ مِنْ سُنَّتِهِ، وَقَدْ تَوَلَّيْنا بِتَوْفِيقِكَ صِيامَهُ وَقِيامَهُ عَلَى تَقْصِيرٍ، وَأَدَّيْنَا فِيهِ قَليلاً مِنْ كَثِيرٍ.

اللّهمّ فَلَكَ الْحَمْدُ إِقْراراً بِالْإِساءَةِ وَاعْتِرَافاً بِالْاِضاعَةِ (1)وَلَكَ مِنْ قُلُوبِنا


1) أراد (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إنا أضعنا هذا الشهر ولم نقم بما يلزم من رعايته.

عَقْدُ النَّدَم، وَمِنْ أَلْسِنَتِنا صِدْقُ الْاِعْتِدَارِ، فَأَجُرْنا عَلى ما أَصابَنا فِيهِ مِنَ التَّفْرِيطِ، أَجْراً نَسْتَدْرِكَ بِهِ الْفَضْلَ الْمَرْغُوبَ فِيهِ، وَنَعْتاضُ بِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الذُّخْر (1)الْمَحْرُوصِ عَلَيْهِ، وَأَوْجِبْ لَنا عُذْرَكَ عَلَى مَا قَصَّرْنَا فِيهِ مِنْ حَقِّكَ، وَابْلُغْ بِأَعْمَارِنَا مَا بَيْنَ أَيْدِينَا مِنْ شَهْرِ رَمَضانَ الْمُقْبِلِ، فَإِذا بَلَّغْتَناهُ فَأَعِنَا عَلَى تَناوُلِ ما أَنْتَ أَهْلُهُ مِنَ الْعِبادَةِ، وَأَدَّنا (2)إِلَى الْقِيامِ بِما يَسْتَحِقُهُ مِنَ الطَّاعَةِ، وَأَجْرِلَنَا مِنْ صالح الْعَمَلِ ما يَكونُ دَرَكاً لِحَقِّكَ في الشَّهْرَيْنِ (3)مِنْ شُهُورِ الدَّهْرِ.

اللّهمّ وَما أَلْمَمْنَا بِهِ فِي شَهْرِنَا هَذَا مِنْ لَمَمِ (4)أَوْإِثْمِ أَوْ وَاقَعْنَا فِيهِ مِنْ ذَنْبٍ وَاكْتَسَبْنَا فِيهِ مِنْ خَطيئَةٍ عَلَى تَعَمُّدٍ مِنَا أَوْ عَلَى نِسْيانٍ ظَلَمْنا فيهِ أَنْفُسَنا أَوِ انْتَهَكْنَا بِهِ حُرْمَةً مِنْ غَيْرِنَا، فَصَلِّ عَلَى محمّد وَآلِهِ، وَاسْتُرْنا بِسِتْرِكَ، وَاعْفُ عَنَّا بِعَفْوِكَ، وَلا تَنْصِبْنا فيهِ لأَعْيُنِ الشَّامِنِينَ، وَلا تَبْسُطْ عَلَيْنا فِيهِ أَلْسُنَ الطَّاغِينَ، وَاسْتَعْمِلْنا بِمَا يَكُونُ حِطَّةٌ (5)وَكَفَّارَةً لِمَا أَنْكَرْتَ مِنَا فِيهِ بِرَأْفَتِكَ الَّتي لَا تَنْفَدُ وَفَضْلِكَ الَّذِي لَا يَنْقُصُ.

اللّهمّ صَلِّ عَلى محمّد وآلِهِ، وَاجْبُرْ مُصيبَتَنا بِشَهْرِنَا، وَبَارِكْ لَنا فِي يَوْمِ


1) أنواع الذخر : أي الثواب الذي ادّخره اللّه لعباده المؤمنين.

2) أدنا إلى القيام : أي أوصلنا إلى القيام بطاعتك

3) الشهرين : هما رمضان الماضي والآتي.

4) اللّهمّ : صغار الذنوب

5) حطّة : أي سبباً لحط ذنوبنا.

عيدِنَا وَفِطْرِنَا، وَاجْعَلْهُ مِنْ خَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْنَا، أَجْلَبُهُ لِعَفْوِ وَأَمْحَاهُ لِذَنْبٍ وَاغْفِرْ لَنَا مَاخَفِيَ مِنْ ذُنُوبِنَا وَمَا عَلَنَ.

أنظرتم إلى هذا الخضوع والتذلّل أمام الخالق العظيم، وطلب العفو والمغفرة منه، والاعتراف أمامه بالتقصير في أداء ما ينبغي من عبادته وطاعته في شهر رمضان المبارك، هذا وهو زين العابدين وداعية اللّه الأكبر ! حقاً لقد كان هذا الإمام العظيم أنموذجاً فريداً في عالم المتقين والصالحين.

ولنستمع إلى الفصل الأخير من هذا الدعاء :

اللّهمّ اسْلَخْنا بِانْسِلاخ هَذَا الشَّهْرِ مِنْ خَطَايَانَا، وَأَخْرِجْنَا بِخُرُوجِهِ مِنْ سَيِّئَاتِنا، وَاجْعَلْنَا مِنْ أَسْعَدِ أَهْلِهِ بِهِ وَأَجْزَلِهِمْ قِسْماً فِيهِ، وَأَوْفَرِهِمْ حَظَّاً مِنْهُ.

اللّهمّ وَمَنْ رَعَى حَقَّ هَذَا الشَّهْر حَقَّ رعايَتِهِ، وَحَفِظَ حُرْمَتَهُ حَقَّ حِفْظها، وَقامَ بِحُدُودِهِ حَقَّ قِيامِهَا، وَاتَّقى ذُنُوبَهُ حَقَّ تُقَاتِهَا، أَوْ تَقَرَّبَ إِلَيْكَ بِقُرْبَةٍ أَوْجَبْتَ رِضاكَ لَهُ، وَعَطَفْتَ رَحْمَتَكَ عَلَيْهِ، فَهَبْ لَنا مِثْلَهُ مِنْ وَجْدِكَ، وَأَعْطِنَا أَضْعافَهُ مِنْ فَضْلِكَ، فَإِنَّ فَضْلَكَ لا يَغِيضُ (1)، وَإِنَّ خَزائِنَكَ لا تَنْقُصُ بَلْ تَفيضُ، وَإِنَّ مَعادِنَ إِحْسانِكَ لَا تَفْنى، وَإِنَّ عَطَاءَكَ لَلْعَطَاءُ الْمُهَنّا.

اللّهمّ صَلِّ عَلى محمّد وآلِهِ، وَاكْتُبْ لَنَا مِثْلَ أُجُورٍ مَنْ صَامَهُ أَوْ تَعَبَّدَ


1) لا يغيض : مأخوذ من غاض الماء إذا تسرب في باطن الأرض.

لَكَ فِيْهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

اللّهمّ إِنَّا نَتُوبُ إِلَيْكَ فِي يَوْمٍ فِطْرِنَا الَّذِي جَعَلْتَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ عِيداً وَسُرُوراً، وَلأَهْلِ مِلَّتِكَ مَجْمَعاً وَمُحْتَشَداً مِنْ كلّ ذَنْبٍ أَذْنَبْناهُ، أَوْ سُوءٍ أَسْلَفْنَاهُ، أَوْ خَاطِرِ شَرِّ أَضْمَرْنَاهُ، تَوْبَةَ مَنْ لَا يَنْطَوِي عَلَىٰ رُجُوعِ إِلَىٰ ذَنْبٍ، وَلا يَعُودُ بَعْدَها في خَطيئَةٍ، تَوْبَةً نَصُوحاً (1)خَلَصَتْ مِنَ الشَّك وَالْاِرْتِيابِ، فَتَقَبَّلْها مِنّا وَارْضَ عَنا وَثَبِّتْنا عَلَيْها.

اللّهمّ ارْزُقْنا خَوْفَ عِقابِ الْوَعِيدِ، وَشَوْقَ ثَوابِ الْمَوْعُودِ حَتَّىٰ نَجِدَ لَذَّةَ مانَدْعُوكَ بِهِ، وَكَابَةَ مَا نَسْتَجِيرُكَ مِنْهُ، وَاجْعَلْنا عِنْدَكَ مِنَ التَّوَّابِينَ الَّذِينَ أَوْجَبْتَ لَهُمْ مَحَبَّتَكَ، وَقَبلْتَ مِنْهُمْ مُراجَعَةَ طَاعَتِكَ يا أَعْدَلَ الْعادِلينَ.

اللّهمّ تَجاوَزْ عَنْ آبَائِنا وَأُمَّهَاتِنا وَأَهْلِ دينِنَا جَمِيعاً مَنْ سَلَفَ مِنْهُمْ وَمَنْ غَبَرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

اللّهمّ صَلِّ عَلى محمّد نَبِيِّنا وآلِهِ كَما صَلَّيْتَ عَلى مَلائِكَتِكَ الْمُقَرَّبِينَ، وَصَلِّ عَلَيْهِ وآلِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى أَنْبِيائِكَ الْمُرْسَلِينَ، وَصَلَّ عَلَيْهِ وآلِهِ كَما صَلَّيْتَ عَلَى عِبادِكَ الصَّالِحِينَ، وَأَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ يا رَبَّ الْعالَمينَ.

صَلاةً تَبْلُغُنا بَرَكَتُها، وَيَنالُنَا نَفْعُها، وَيُسْتَجَابُ لَها دُعاؤُنا إِنَّكَ أَكْرَمُ مَنْ


1) نصوحاً : أي خالصة لا يشوبها ممّا يفسدها.

رُغِبَ إِلَيْهِ، وَأَكْفى مَنْ تُوَكَّلَ عَلَيْهِ، وَأَعْطى مَنْ سُئِلَ مِنْ فَضْلِهِ، وَأَنْتَ عَلى كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (1).

إنّ هذا الدعاء الشريف، بل وسائر أدعية الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ممّا تهتز لها أعماق النفوس، وتضطرب منها دخائل القلوب، وتبعث للتقوى والإيمان كما تبعث على الندم والحسرات على ما فرّط الإنسان في جنب اللّه.

دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عيد الفطر

كان الإمام زين العابدين لا يستقبل يوم عيد الفطر بالدعاء إلى اللّه تعالى طالباً منه أن يتقبل صومه وسائر عباداته ومبرّاته في شهر رمضان، وأن يمنحه العفو والرضوان.

وكان في الصباح الباكر يعطي الفقراء زكاة الفطرة عن نفسه، وعمن يعول به، كما كان يصلي صلاة العيد، وبعد الفراغ منها يستقبل القبلة ويدعو بهذا الدعاء الجليل :

«يا مَنْ يَرْحَمُ مَنْ لَا يَرْحَمُهُ الْعِبادُ، وَيا مَنْ يَقْبَلُ مَنْ لا تَقْبَلُهُ البلاد، وَيا مَنْ لا يَحْتَفِرُ أَهْلَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَيا مَنْ لا يُخَيِّبُ الْمُلِحِينَ عَلَيْهِ. وَيا مَنْ لا يَجْبَهُ بِالرَّدِّ أَهْلَ الدَالَّةِ عَلَيْهِ، وَيا مَنْ يَجْتَبِي (2)صَغِيرَ ما يُنْحَفُ بِهِ وَيَشْكُرُ يَسِيرَ مَا يُعْمَلُ لَهُ، وَيا مَنْ يَشْكُرُ عَلَى الْقَلِيلِ وَيُجازِي بِالْجَلِيلِ، وَيا مَنْ يَدْنُو إِلَى مَنْ دَنَا مِنْهُ، وَيا مَنْ يَدْعُو إِلَى نَفْسِهِ مَنْ أَدْبَرَ عَنْهُ، وَيا مَنْ


1) الصحيفة السجّادية : الدعاء الخامس والأربعون.

2) يجتبي : أي يختار.

لا يُغَيِّرُ النِّعْمَةَ وَلا يُبادِرُ بِالنَّقِمَةِ، وَيا مَنْ يُثْمِرُ الْحَسَنَةَ حتّى يُنَمِّيها وَيَتَجاوَزُ عَنِ السَّيِّئَةِ حتّى يُعَفِّيها (1)، إِنْصَرَفَتِ الْآمالُ دونَ مَدَى كَرَمِكَ (2)بالحاجاتِ، وَامْتَلَاتْ بِفَيْضِ جُودِكَ أَوْعِيَةُ الطَّلِباتِ، وَتَفَسَّخَتْ دوُنَ بُلُوعْ نَعْتِكَ الصفاتُ.

فَلَكَ الْعُلُو الْأَعْلَى فَوْقَ كلّ عالٍ، وَالْجَلالُ الْأَمْجَدُ فَوْقَ كلّ جَلالٍ، كُلٌّ جَليلٍ عِنْدَكَ صَغِيرٌ، وَكُلُّ شَرِيفٍ فِي جَنْبِ شَرَفِكَ حَقِيرٌ.

خابَ الْوافِدُونَ عَلَى غَيْرِكَ، وَخَسِرَ الْمُتَعَرِّضونَ إِلَّا لَكَ، وَضاعَ الْمُلِمُّونَ إِلَّا بِكَ، وَأَجْدَبَ الْمُنْتَجِعُونَ (3)إِلَّا مَنِ انْتَجَعَ فَضْلَكَ

بابُكَ مَفْتُوحٌ لِلرّاغِبينَ، وَجُودُكَ مُبَاحٌ لِلسَّائِلِينَ، وَإِعَاثَتُكَ قَرِيبَةٌ مِنَ الْمُسْتَغِيثين، لا يَخيبُ مِنْكَ الْآمِلُونَ، وَلا يَيْأَسُ مِنْ عَطَائِكَ الْمُتَعَرِّضونَ، وَلَا يَشْقَى بِنِقْمَتِكَ الْمُسْتَغْفِرُونَ، رِزْقُكَ مَبْسوطٌ لِمَنْ عَصاكَ، وَحِلْمُكَ مُعْتَرِضٌ لِمَنْ ناواكَ.

عادَتُكَ الْإِحْسَانُ إِلَى الْمُسِيئِينَ، وَسُنَّتُكَ الْإِبْقَاءُ عَلَى الْمُعْتَدِينَ، حتّى لَقَدْ غَرَّتْهُمْ أَناتُكَ عَن الرُّجُوع، وَصَدَّهم إِمْهَالُكَ عَنِ النُّزُوعِ، وَإِنَّما تَأَنَّيْتَ بِهِمْ لِيَفيئُوا إِلى أَمْرِكَ، وَأَمْهَلْتَهُمْ ثِقَةٌ بِدَوامِ مُلْكِكَ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ


1) يعفيها : أي يمحوها.

2) مدی كرمك : أي آخر كرمك.

3) المنتجعون : هم الذين يطلبون الماء والكلاء.

السَّعادَةِ خَتَمْتَ لَهُ بِها، وَمَنْ كانَ مِنْ أَهْل الشَّقاوَةِ خَذَلْتَهُ لَها.

وعرض الإمام الأعظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه اللوحة إلى ألطاف اللّه تعالى، وفضله الشامل على العباد، فهو العطوف والرحيم على من انقطع عن العباد، ولا يجد راحماً سواه كما أنّ رحمته تعالى شملت من طاردته الحكومات، فهام على وجهه من الخوف.

ومن ألطاف اللّه تعالى أنّه لا يحتقر المحتاجين إليه كما يحتقرهم العباد، ومن رحمته تعالى أنه لا يخيب آمال الملحين عليه بالمسألة والدعاء، ومن عظيم فضله تعالى وسعة رحمته أنّه يقبل القليل من العمل الصالح، ويجازي عليه بالكثير، وقد تحبّب إلى عباده، فقد دنا إلى من دنا منه، ودعا من أدبر عنه ليمنحهم المنزلة الرفيعة في دار الآخرة، وينقذهم من الهلاك.

ومن ألطاف اللّه على عباده أنّه لا يغيّر نعمة أنعم بها عليهم إلا أن يغيروا ما بأنفسهم، كما أنه تعالى ينمّي الحسنة ويربيها لصاحبها في دار الآخرة.

إن كرم اللّه وجوده لا يحدّ، فقد عجزت الأوصاف والنعوت أن تلم به تعالى. فهو فوق كلّ عال، وفوق كلّ جلال، وفوق كلّ شريف.

ونعى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في دعائه على الذين يلجأون إلى غير اللّه، فقد فوّتوا عليهم الخير، وضاعت آمالهم، وخسرت صفقتهم، كما قد ربح من التجأ إليه تعالى، وفاز فوزاً عظيماً، وتعرّض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى حلم اللّه تعالى وإنابته على المعتدين، فلم يعاجلهم بالعقوبة لعلهم يفيئوا إلى أمره تعالى، ويرجعوا إلى حظيرة الحق..

هذه بعض الأمور التي حفلت بها هذه القطعة من دعاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولنستمع إلى الفصل الأخير منه :

كُلُّهُمْ صائِرُونَ إِلى حُكْمِكَ، وَأمُورُهُمْ آيلَةٌ إِلَى أَمْرِكَ، لَمْ يَهِنْ عَلَىٰ طولِ مُدَّتِهِمْ سُلْطانُكَ، وَلَمْ يُدْحَضْ لِتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ بُرْهانُكَ.

حُجَّتُكَ قائِمَةٌ لا تُدْحَضُ، وَسُلْطانُكَ ثابِتٌ لا يَزُولُ، فَالْوَيْلُ الدَائِمُ لِمَنْ جَنَحَ (1)عَنْكَ، وَالْخَيْبَةُ الْخاذِلَةُ لِمَنْ حَابَ مِنْكَ، وَالشَّقاءُ الْأَشْقَى لِمَن اغْتَر بك (2).

ما أَكْثَرَ تَصَرُّفَهُ (3)في عَذابِكَ، وَما أَطْوَلَ تَرَدُّدَهُ فِي عِقابِكَ، وَمَا أَبْعَدَ غايَتَهُ مِنَ الْفَرَج، وَما أَقْنَطَهُ مِنْ سُهُولَةِ الْمَخْرَجَ، عَدْلاً مِنْ قَضائِكَ لَا تَجُورُ فيهِ، وَإِنْصافاً مِنْ حُكْمِكَ لا تَحيفُ (4)عَلَيْهِ.

فَقَدْ ظَاهَرْتَ الْحُجَجَ، وَأَبْلَيْتَ الْأَعْدَارَ وَقَدْ تَقَدَّمْتَ بِالْوَعِيدِ، وَتَلَطَّفْتَ في التَّرْغِيبِ، وَضَرَبْتَ الْأَمْثَالَ، وَأَطَلْتَ الْإِمْهَالَ، وَأَخَّرْتَ وَأَنْتَ مُسْتَطيع لِلْمُعاجَلَةِ، وَتَأَنَّيْتَ وَأَنْتَ مَلِيٌ (5)بِالْمُبَادَرَةِ، لَمْ تَكُنْ أَناتُكَ عَجْزاً، وَلا إِمْهَالُكَ وَهْناً، وَلا إِمْسَاكُكَ غَفْلَةً، وَلَا انْتِظارُكَ مُداراةً، بَلْ لِتَكُونَ حُجَّتُكَ أَبْلَغَ، وَكَرَمُكَ أَكْمَلَ، وَإِحْسانُكَ أَوْفى، وَنِعْمَتُكَ أَتَمَّ، كلّ ذَلِكَ كانَ وَلَمْ تَزَلْ، وَهُوَ كائِنٌ وَلا تَزالُ، حُجَّتُكَ أَجَلُ مِنْ أَنْ يُوصَفَ بكُلها وَمَجْدُكَ أَرْفَعُ مِنْ أَنْ يُحَدَّ بِكُنْهِهِ، وَنِعْمَتُكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصى بِأَسْرِها، وَإِحْسَانُكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُشْكَرَ عَلَى أَقَلِّهِ، وَقَدْ قَصَّرَ بِيَ السُّكُوتُ


1) جنح : مال وانصرف.

2) اغتر بك : أي انخدع بإمهالك له.

3) تصرّفه : أي تقلبه.

4) لا تحيف : أي لا تجوز.

5) مليء : أي قادر.

عَنْ تَحْمِيدِكَ، وَفَهَّهَني (1)الْإِمْسَالُ عَنْ تَمْجِيدِكَ، وَقُصارايَ الْاِقْرارُ بِالْحُسُورٍ (2)، لا رَغْبَةً يا إلهي بَلْ عَجْزاً، فَها أَنَادًا أَؤُمُّكَ (3)بِالْوِفادَةِ وَأَسْأَلُكَ حُسْنَ الرِّفادَةِ.

فَصَلَّ عَلَى محمّد وَآلِهِ وَاسْمَعْ نَجْوايَ، وَاسْتَجِبْ دُعائي، وَلَا تَخْتِمْ يَوْمِي بِخَيْبَتِي، وَلا تَجْبَهُني بِالرَّدُ في مَسْأَلَتِي، وَأَكْرِمْ مِنْ عِنْدِكَ مُنْصَرَفي، وَإِلَيْكَ مُنْقَلَبي، إِنَّكَ غَيْرُ ضائِقِ بِمَا تُرِيدُ، وَلا عاجِزِ عَمَّا تُسْأَلُ، وَأَنْتَ عَلَى كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَلا حَوْلَ وَلاقُوَّةَ إِلَّا بِاللّه الْعَلِيِّ الْعَظيم» (4).

عرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه الكلمات إلى أنّ جميع الخلق، مؤمنهم وفاسقهم، موحدهم وكافرهم، إنّما هم في قبضة اللّه تعالى، خاضعون لحكمه، صائرون إلى أمره، وأما تعنّد العصاة، واستمرارهم في البغي والتمرّد والعصيان، فإنّهم لا يوهنون بذلك سلطان اللّه، والويل لهم من عقابه الدائم وعذابه الخالد، وإنّما أمهلهم تعالى في دار الدنيا ولم يعجل عقوبتهم، وذلك شفقة منه ولطفاً بهم؛ إذ لعلهم يرجعون إلى حظيرة الحق، ويتوبون إلى اللّه، وبذلك يكون كرمه تعالى أوفى، ونعمته على عباده أكمل.

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن صوم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في شهر رمضان، وقد كان حافلاً بجميع ألوان العبادات والطاعات والمبرات.


1) فههني : أي أعجزني.

2) الحسور : عدم القدرة.

3) أومك : أي أقصدك.

4) الصحيفة السجّادية : الدعاء السادس والأربعون.

حجّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

أمّا الحجّ إلى بيت اللّه الحرام، فكان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ملازماً له، لأنّه يجد في مواقفه الكريمة انتعاشاً لنفسه التي أذابتها كوارث كربلاء، وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يحثّ على الحجّ والعمرة، وذلك لما يترتب عليهما من الفوائد، فقد قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «حِجَوا وَاعْتَمِرُوا تَصِحُّ أَجْسادُكُمْ، وَتَتَّسِعُ أَرْزاقَكُمْ، وَيَصْلُحُ إِيمَانُكُمْ، وَتُكْفُوا مَؤونَةَ النَّاسِ، وَمَؤونَةَ عيالِكُمْ» (1).

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الحاجُّ مَغْفُورٌ لَهُ، وَمَوْجُوبٌ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمُسْتَأْنُفٌ بِهِ الْعَمَلُ، وَمَحْفُوظٌ في أَهْلِهِ وَمَالِهِ» (2).

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «الساعي بَین الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَشْفَعُ لَهُ الْمَلائِكَةُ» (3).

كما كان يدعو إلى تكريم الحجّاج إذا قدموا من بيت اللّه الحرام وتبجيلهم، فقد قال : «اسْتَبْشِرُوا بِالْحُجَاج إذا قَدِموا، وَصافِحوهُمْ، وَعَظْمُوهُمْ، تُشارِكُوهُمْ فِي الأجْرِ قَبْلَ أَنْ تُخالِطُهُمُ الذُّنوبُ» (4).

ونعرض بإيجاز لبعض شؤونه في حجّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

حجّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ماشياً

وحجّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) غير مرّة ماشياً على قدميه، كما حجّ أبوه وعمّه الحسن (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وقد استغرق الوقت في إحدى سفراته إلى البيت عشرين يوماً (5).


1) وسائل الشيعة : 58.

2) الكافي : 4 : 252، الحديث 1.

3) من لا يحضره الفقيه : 2 : 135، الحدیث 27.

4) من لا يحضره الفقيه : 2 : 146، الحديث 97.

5) جاء في العقد الفريد : 3 : 103 : «أنه حج خمساً وعشرين حجّة راجلاً».

حجّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) راكباً

وحجّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ناقته عشرين حجّة، وكان يرفق بها كثيراً، ويقول المؤرّخون : «إنّه ما قرعها بسوط» (1).

وقال إبراهيم بن عليّ : «حججت مع عليّ بن الحسين فتلكأت ناقته، فأشار إليها بالقضيب، ثمّ ردّ يده، وقال : أَو مِنَ الْقَصَاصِ.

وتلكّأت مرّة أخرى بين جبال رضوی، فأراها القضيب، وقال : لَتَنْطَلِقِنَ أَوْ لأفْعَلَنَّ، ثم ركبها فانطلقت (2).

لقد سمت نفسه إلى هذا المستوى من الرحمة والرأفة والرفق بالحيوان، فلم يقرع ناقته بسوط ولم يفزعها، ويرى أنّ الاعتداء على الحيوان يتبعه قصاص ومسؤولية في دار الآخرة.

مرافقة القرّاء له (عَلَيهِ السَّلَامُ)

كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا أراد السفر إلى بيت اللّه الحرام احتف به القراء والعلماء لأنّهم كانوا يكتسبون منه العلوم والمعارف والحكم والآداب.

يقول سعيد بن المسيب : «إنّ القرّاء كانوا لا يخرجون إلى مكّة حتّى يخرج عليّ بن الحسين، فخرج وخرجنا معه ألف راكب (3)، وكانوا يتعلمون منه مسائل الحج، وأحكام الدين، وسائر شؤون الشريعة الإسلاميّة، إذ لم يكن في عصره بإجماع المؤرّخين والرواة من هو أعلم منه بأحكام الكتاب والسنّة».


1) حلية الأولياء : 3: 133.

2) الفصول المهمة : 189.

3) حياة الإمام محمّد الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 1 : 42، نقلاً عن بحار الأنوار: 46 : 149.

زاده (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الحجّ

وكان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يستعدّ أحسن استعداد وأكمله في سفره إلى الحجّ أو العمرة، فكان يتزوّد من أطيب الزاد وأثمره من اللوز والسكر، والسويق المحمض والمحلّى (1).

وقد صنعت له في إحدى سفراته أخته السيّدة الزاكية سكينة زاداً نفيساً أنفقت عليه ألف درهم، إلا أنّه لما كان بظهر الحرّة أمر بتوزيعه على الفقراء والمساكين، فوزّع عليهم (2).

اضطرابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند الإحرام

وإذا انتهى الإمام إلى إحدى المواقيت التي يحرم منها، كمسجد الشجرة الذي هو ميقات المدنيين ومن يجتاز عليه، فيأخذ بعمل سنن الإحرام من الغسل وغيره، وإذا أراد التلبية عند عقد الإحرام اصفر لونه واضطرب، ولم يستطع أن يلبي فقيل له : ما لك لا تلبّي ؟

فيقول وقد أخذته الرعدة والفزع من اللّه : أَخْشَى أَنْ أَقولَ : لَبَّيْكَ فَيُقَالُ لي : لا لبَّيكَ.

وإذا لبّي غشي عليه من كثرة خوفه من اللّه، ويسقط من راحلته، ولا يزال تعتريه هذه الحالة حتّى يقضي حجّه (3).

وروى مالك : «أنّ زين العابدين لما أراد أن يقول : لبيك أغمي عليه حتّى سقط من ناقته فهشم» (4).


1) بحار الأنوار: 46: 71.

2) صفة الصفوة : 2 : 54.

3) نهاية الإرب : 21 : 326. خلاصة تهذيب الكمال : 131 تهذيب التهذيب : 7 : 306.

4) تهذيب التهذيب : 7 : 306.

لقد عرف اللّه معرفة كاملة، فهام بحبّه، وفزع من عقابه، واتّجه نحوه بمشاعره وعواطفه، شأنه في ذلك شأن آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ) الذين هم سادة المتّقين والمنيبين إلى اللّه تعالى

دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند الحجر

وإذا انتهى في طوافه عند الحجر رفع رأسه إلى السماء قائلاً: «اللّهمّ ادْخِلْنِي الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِكَ - وهو ينظر إلى الميزاب - وَأَجِرْنِي بِرَحْمَتِكَ مِنَ النَّارِ، وَعَافِنِي مِنَ السُّقْم، وَأَوْسِعْ عَلَيَّ مِنَ الرِّزْقِ الْحَلالِ، وَادْرَأُ عَنّي شَرَّ فَسَفَةِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، وَشَرَّ فَسَقَةِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ» (1).

صلاته (عَلَيهِ السَّلَامُ) تحت الميزاب

وكان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا أدّى مناسكه في البيت الحرام من الطواف والسعي أقبل على الصلاة تحت ميزاب الرحمة، وقد رآه طاووس اليماني في ذلك المكان المقدّس قائماً وهو يدعو اللّه ويبكي من خشية اللّه، فلما فرغ من صلاته انبرى إليه طاووس قائلاً : رأيتك على حالة من الخشوع، ولك ثلاثة أمور : أرجو أن تؤمنك من الخوف : أحدها أنك ابن ابن رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏). الثاني : شفاعة جدّك. الثالث : رحمة اللّه.

وأجابه الإمام بلطف قائلاً: يا طاووس، أما إلَى ابْنُ رَسولِ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) فَلا يُؤْمِنني، وَقَدْ سَمِعْتُ اللّه تَعالى يَقولُ : «فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ» (2). وَأَمَا شَفَاعَةُ جَدَّي، فَلَا تُؤْمِنُنى لأنَّ اللّه تَعَالَى يَقولُ : «وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى» (3).


1) فروع الكافي : 4 : 407.

2) المؤمنون : 23 : 101.

3) الأنبياء 21 : 28.

وَأَمَّا رَحْمَةُ اللّه، فَاللّه يَقولُ : «إِنَّ رَحْمَةَ اللّه قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ» (1)، وَلَا أَعْلَمُ أَنِّي مُحْسِنٌ» (2).

أرأيتم هذا التواضع ونكران الذات أمام اللّه تعالى، حقاً لقد كان هذا الإمام نسخة لا ثاني لها في بني الإنسان عدا آبائه العظام.

مع هشام بن عبدالملك

حجّ هشام بن عبدالملك بيت اللّه الحرام، وقد صحبته الشرطة، واحتفّت به المرتزقة والوجوه والأعيان من أهل الشام، وقد جهد على استلام الحجر، فلم يستطع لازدحام الحجّاج، وتدافعهم على تقبيل الحجر، ولم يعن أحد بهشام ولم يفسحوا له، فقد انعدمت الفوارق في ذلك البيت العظيم، وقد نصب له منبر فجلس عليه، وجعل ينظر إلى عمليّة الطواف، وأقبل الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليؤدّي طوافه، وبصر به بعض من يعرفه من الحجاج، فنادى بأعلى صوته : هذا بقيّة اللّه في أرضه. هذا بقيّة النبوّة. هذا إمام المتقين وسيد العابدين.

وغمرت الحجّاج هيبة الإمام التي تعنو لها الوجوه والجباه، وهي تحكي هيبة جدّه رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، وتعالت الأصوات من جميع جنبات المسجد بالتهليل والتكبير، وانفرج الناس له سماطين، فكان السعيد من يقبل يده، ويلمس إحرامه، وضح البيت بالتكبير وذهل أهل الشام، وبهروا من هذا المنظر الرهيب، فإنّهم يرون أحداً جديراً بالتكريم والتعظيم غير الأسرة الأمويّة، فهي وارثة النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) والقريبة إليه حسب ما أكّده الإعلام الأموي، وبادر الشاميون إلى هشام قائلين : من هذا الذي هابه الناس هذه المهابة ؟


1) الأعراف 7: 56.

2) بحار الأنوار: 46: 101.

وتميّز هشام من الغيظ، وانتفخت أوداجه، وبرزت عينه الحولاء(1)

الْحَمْدُ للّه الْوَهوبِ الْمُجْزِلِ

فأخذ يصفق بيديه استحساناً لها حتّى صار إلى ذكر الشمس، قال :

وَالشَّمْسُ فِى الْأَرْضِ كَعَيْنِ الْأَحْوَلِ

فأمر بوجأ عنقه وإخراجه».

وعلّق الجاحظ على ذلك بقوله : «وهذا ضعف شديد، وجهل عظيم».

، فصاح بهم : لا أعرفه.

وإنّما أنكر معرفته للإمام مخافة أن يرغب فيه أهل الشام ويزهدوا في بني أُميّة، وكان الفرزدق شاعر العرب الكبير حاضراً، فاستيقظ ضميره، واستوعب الحق فكره، وقد أخذته الرعدة، فاندفع بحماس قائلاً لأهل الشام : أنا أعرفه.

• مَن هو يا أبا فراس ؟

وذعر هشام، وفقد صوابه مخافة أن يعرفه الفرزدق إلى أهل الشام، فصاح به : أنا لا أعرفه.

وعلا صوت الفرزدق بالإنكار عليه قائلاً : بلى تعرفه.

والتفت الفرزدق صوب أهل الشام قائلاً يا أهل الشام، من أراد أن يعرف هذا الرجل فليأت.

وخفّ الشاميّون وغيرهم نحو شاعر العرب الأكبر، وقد استحالوا إلى أذن صاغية، وانبرى الفرزدق وكله حماس لنصرة الحق، فارتجل هذه القصيدة العصماء التي مثلت صدق القول، وجمال الأسلوب، فقال :

هذا سَليلُ حُسَيْنٍ وَابْنُ فَاطِمَةٍ***بنتُ الرَّسولِ الذي انجابَتْ بهِ الظُّلَمُ


1) ذكر الجاحظ في رسائله : 89: «أنّ هشام بن عبدالملك كان يقال له : الأحول السرّاق، وقد أنشده أبو النجم العجلي أرجوزته التي يقول فيها :

هذَا الَّذي تَعْرِفُ البَطْحاءُ وَطأتَهُ***وَالبَيْتُ يَعْرِفُهُ وَالحِلُّ والحَرَمُ

هذا ابْنُ خَيْرٍ عِبادِ اللّه كُلِّهِمْ***هذا التَّقِيُّ النَّقِيُّ الطَّاهِرُ العَلَمُ

إذا رَأَتُهُ قُرَيْش قال قائلها***إلى مكارم هذا ينتهي الْكَرَمُ

يرقى إلى ذِرْوَةِ الْعِز التي قَصُرَتْ***عَنْ نَيْلِها عُرُبُ الإِسلامِ وَالعَجَمُ

يَكادُ يُمْسِكُهُ عِرفان راحَتِهِ***رُكْنَ الخطيم إذا ما جاءَ يَسْتَلِمُ

يُغضي حَياءٌ وَيُغْضَىٰ مِنْ مَهَابَتِهِ***فَلَا يُكَلَّمُ إِلَّا حينَ يَبْتَسِمُ

بِكَفِّهِ خَيزران ريحُها عَبِقٌ***مِنْ كَفَّ أَرْوَعَ في عِرنينِهِ شَمَمُ

مَنْ جَدُّهُ دانَ فَضْلُ الأنبياء لَهُ***وَفَضلُ أُمَّتِهِ دانَتْ لَهُ الأمم

يَنشَقُ نورُ الْهُدى عَنْ نور غُرَّتِهِ***كَالشَّمْسِ تَنْجَابُ عَنْ إِشْرَاقِها الظُّلَمُ

مُشْتَقَّةٌ مِنْ رَسولِ اللّه نَبْعَتُهُ***طابَتْ عَناصِرُهُ والخيمُ وَالشَّيَمُ

هذا ابْنُ فَاطِمَةٍ إِن كُنْتَ جاهِلَهُ***بِجَدِّهِ أَنْبِياءُ اللّه قَدْ خُتِمَوا

اللّه شَرَّفَهُ فِدْماً وفَضَّلَهُ***جرئ بذاك لَهُ فِي لَوْحِهِ القَلَمُ

فَلَيسَ قَولُك مَنْ هذا بضائرِهِ***العُرْبُ تَعْرِفُ مَنْ أَنْكَرْتَ وَالْعَجَمُ

كِلْتا يَدَيْهِ غِياتٌ عَمَّ نَفْعُهُما***يَستَوكِفان وَلَا يَعْرُوهُما عَدَمُ

حَمَالُ أَثقال أقوامٍ إِذا فُدِحوا***حُلوُ الشَّمائِلِ تَحْلو عِندَهُ النَّعَمُ

لا يُخْلِفُ الْوَعْدَ مَيْمُونٌ نَقيبَتُهُ***رحب الفِناءِ أَرْيبٌ حينَ يَعْتَرِمُ

مِنْ مَعْشَرٍ حُبُّهُمْ دينٌ وَيُغْضُهُمْ كُفَرٌ***وَقُرْبُهُمْ مَنْجى وَمُعتَصَمُ

إِنْ عُدَّ أَهْلُ النُّقى كانوا أَئِمَّتَهُمْ***أَوْ قبلَ مَنْ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ قِيلَ هُمُ

لا يَسْتَطيعُ جَوادٌ بُعد غايَتِهِمْ***وَلَا يُدانيهِمْ قَوْمٌ وَإِنْ كَرُموا

هُمُ الغُيوتُ إِذا ما أَزْمَةً أَزِمَتْ***وَالأَسدُ أُسدُ الشَّرى وَالْبَأْسُ مُحْتَدِمُ

لا يَنْقُصُ العُسْرُ بَسْطاً مِنْ أَكُفِّهِم***سَيّانَ ذلِكَ إِنْ أَثروا وَإِن عَدِموا

يُسْتَدْفَعُ السُّوء والبلوى بحُبِّهم***وَيُسْتَرَدُّ بِهِ الْإِحْسانُ وَالنِّعَمُ

مُقَدَّمَ بَعْدَ ذِكْرِ اللّه ذِكْرُهُمُ***في كلّ يَوْمِ وَمَخْتومٌ بِهِ الْكَلِمُ

يَأْبِى لَهُمْ أَنْ يَحِلَّ الضَّيمُ ساحَتَهُم***خیمٌ كَريمٌ وَأَيْدٍ بِالنَّدى هَضِمُ

أَيُّ الخَلائِقِ لَيْسَتْ في رِقابِهِمْ***لأَوَّلِيَّةِ هذا أَوْ لَهُ نِعَمُ

مَنْ يَشْكُرِ اللّه يَشْكُرْ أَوْلِيَّةً ذا***فَالدِّينُ مِنْ بَيْتِ هذا نالَهُ الأُمَمُ (1)

زهر الآداب : 1 : 103 سرح العيون / ابن نباتة : 390 الفصول المهمة / ابن الصباغ : 189. الاتحاف بحبّ الأشراف: 51 أخبار الدول / القرماني : 110. تاريخ دمشق :. 41: 402. روضة الواعظين: 1: 239. دائرة المعارف / البستاني : 9 : 356 أنوار الربيع : 4 : 35، مع اختلاف في ترتيب الأبيات.

وتميّزت هذه القصيدة العصماء على بقيّة الشعر العربي بالخلود على امتداد التاريخ لأنها كانت ثورة على الباطل، ونصرة للحق، فقد جاءت في وقت كمت فيه الأفواه وأخرست الألسن عن ذكر مناقب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فمن ذكر له مأثرة أو فضيلة سيق إلى الإعدام من قبل السلطة الأمويّة العاتية التي سخرت جميع أجهزتها لمحو أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) من خارطة الوجود.

لقد أشاد الفرزدق في قصيدته بالإمام العظيم أمام أهل الشام وغيرهم من سائر الحجّاج ممّا يعتبر ضربة موجعة للسياسة الأمويّة.

وعلّق البستاني على هذه القصيدة بقوله : «وقالوا : كفى بالفرزدق أن يكون قال هذه القصيدة حتّى يدخل الجنّة» (2).


1) نهاية الارب : 21: 327 - 331. وقد ذكرت هذه القصيدة كلاً وبعضاً في كثير من مصادر الأدب والتاريخ والتراجم، نشير إلى بعضها :

2) دائرة المعارف / البستاني : 9 : 356.

ومضافاً لما فيها من روعة الصدق، ونصرة الحق، انسجام أبياتها بهذا اللون من الجمال. يقول السيّد علي المدني : «وأمّا انسجامها فغاية لا تدرك، وعقيلة لا تملك، وقد جنّبها حواشي الكلام، وجاء فيها ببديع الانسجام، ومن رأى شعر الفرزدق، ورأى هذه القصيدة ملك نفسه العجب، فإنّه لا مناسبة بينها وبين سائر قوله سباً ومدحاً وهجاءاً على أنه نظمها بديهة وارتجالاً، ولا شك أنّ اللّه سبحانه أيده في مقالها، وسدّده حال ارتجالها» (1).

تشكيك أبي الفرج

وشكّك أبو الفرج في نسبة هذه القصيدة إلى الفرزدق لأنّ منهاجه في الشعر غير ذلك؛ إذ كان يستوعر في أسلوبه وألفاظه وخياله.

وعلّق على ذلك الشيخ محمّد أبو زهرة بقوله : «وإنّا لا نرى ذلك الشك سائغاً أو يتّفق مع المنهاج السليم في دراسة الروايات للأسباب الآتية :

أوّلها : تظافر الروايات كلّها على نسبتها للفرزدق، وعدم محاولة الإصفهاني الطعن في الرواية بتكذيب رواتها.

ثانيها : إنّه لم يعيّن بالدليل الشاعر الذي ينسب إليه من بين شعراء آل البيت. ولا يصحّ أن يلغي نسب قصيدة لأبيها وقائلها، ويتركها مجهولة النسب أو ينسبها بغير حجّة.

ثالثها : إنّ الشاعر الذي يستوعر قد يرق أحياناً على حسب المقام الذي يقول فيه، فإذا كان الشاعر يصف البادية باكامها وما فيها، فإنّه يستوعر كطبيعته وطبيعة الموضوع الذي يتصدّى لوصفه، وإذا كان الموضوع الذي يتكلّم فيه وصفاً لأخلاق وشيم، فإنّه بلا ريب سيلين إلا ما كان شاعراً مجيداً يتخير ما يناسب


1) أنوار الربيع : 4 : 35.

كلّ مقام من مقال.

وإن امرئ القيس الجاهلي رقّ شعره في آخر حياته عندما نزلت به النوازل، ولسنا بمقام الرواية للأدب حتّى ننقل لك وصفه لمرضه، وما نزل به، وكذلك الأعشى، وكعب بن زهير عندما مدحا النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) رقّ شعرهما رقّة تتّفق مع شيم النبيّ ومكارمه، فليست رقّة الفرزدق في هذه القصيدة بغريبة تستدعي الانكار والشك.

ويجب هنا أن نقرر أن الفرزدق كان يميل ميلاً شديداً إلى آل البيت، وإن لم يكثر من الشعر فيهم اتقاء لأذى الأمويّين» (1).

لقد كان الفرزدق علوي الميول والاتجاه، وقد اندفع إلى مدح الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بوحي من عقيدته.

يقول الشريف المرتضى : «كان الفرزدق شيعيّاً مائلاً لبني هاشم، ونزع في آخر عمره عما كان عليه من الفسق والقذف، وراجع طريقة الدين، على أنه لم يكن في خلال ذلك سلخاً من الدين، ولا مهملاً أمره» (2).

وعلى أي حال، فإنّ نسبة هذه القصيدة العصماء إلى الفرزدق من الأمور التي لا تقبل التشكيك، فقد تواتر النقل بنسبتها إليه.

اعتقال الفرزدق

وثار هشام بن عبدالملك وخرج عن صوابه حينما سمع بهذه القصيدة، وود أنّ الأرض قد ساخت به، فقد دلّلت على واقع الإمام العظيم، وعرفته لأهل الشام الذين جهلوه وجهلوا آباءه، فقد أشاد الفرزدق بمنزلة الإمام، وجعل الولاء له جزءاً لا يتجزأ من الإسلام، وأنّه أفضل إنسان تضمه سماء الدنيا في ذلك العصر.


1) الإمام زيد : 28 و 29.

2) سرح العيون : 390.

وأمر هشام باعتقال الفرزدق، فاعتقل واودع في سجون عسفان، وهو منزل يقع ما بين مكة والمدينة، وبلغ ذلك الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فبعث إليه باثني عشر ألف درهم، فردّها الفرزدق، واعتذر من قبولها، وقال : «إنّما قلت فيكم غضباً اللّه ورسوله»، فردّها الإمام عليه، فقبلها، وجعل الفرزدق يهجو هشاماً، ومما هجاه به :

ليَحْبِسُنِي بَيْنَ المَدِينَةِ وَالَّتى***إلَيْها قُلوبُ النَّاسِ يَهوي منيبها

يُقَلِّبُ رَأْساً لَمْ يَكُنْ رَأْسَ سيّد***وعين لَهُ حَوْلاءَ بادٍ عُيوبُها (1)

مناجاته (عَلَيهِ السَّلَامُ) في البيت الحرام

وأثرت عن الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مناجاة كثيرة في بيت اللّه الحرام، كان يناجي بها ربّه في غلس الليل البهيم، ومن بينها ما يلي :

1 - روى محمّد بن أبي حمزة، قال : «رأيت عليّ بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في فناء الكعبة «وهو يصلّي، فأطال القيام حتّى جعل مرّة يتوكأ على رجله اليمني، ومرّة على رجله اليسرى، ثم سمعته بصوت عال كأنه باك، وهو يناجي ربه قائلاً:

يا سَيِّدي تُعَذِّبُني وَحُبُّكَ في قَلْبي، أَما وَعِزَّتِكَ لَئِنْ فَعَلْتَ لَتَجْمَعَنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ قَوْمِ طالما عَادَيْتُهُمْ فِيكَ» (2).

وفى هذه المناجاة القصيرة أعرب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن مدى انقطاعه وتضرعه إلى اللّه طالباً منه أن يمنحه العفو والرضوان.

2 - روى الأصمعي، قال : «كنت أطوف حول الكعبة، فإذا شاب متعلّق بأستار الكعبة وهو يقول بنبرات حزينة تأخذ بمجامع القلوب :


1) نهاية الارب : 21: 327 - 331. بشارة المصطفى : 377، وفيه : «أتحبسني».

2) الكافي : 2 : 579.

نامَتِ الْعُيونُ، وغارَتِ النُّجومُ، وَأَنْتَ الْمَلِكُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، غَلَّقت الْمُلوكُ أَبْوابَها، وَأَقامَتْ عَلَيْها حَرَاسَها، وبابُكَ مَفْتوحٌ لِلسّائِلِينَ، جِئْتُكَ لِتَنْظُرَ إِلَيَّ بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ

ثم أنشأ يقول:

يا مَنْ يُجيبُ دُعَا الْمُضْطَرِّ في الظُّلَم***یا کاشِفَ الضُّرِّ وَالْبَلْوى مَعَ السَّقَم

قَدْ نام وَفَدُكَ حَوْلَ الْبَيْتِ قاطبةً***وَأَنْتَ وَحْدَكَ يا قَيُّومُ لَمْ تَنَم

أَدْعوكَ رَبِّ دُعاءَ قَدْ أَمَرْتَ بِهِ***فَارْحَمْ بُكائي بِحَقِّ الْبَيْتِ وَالْحَرَمِ

إِنْ كَانَ عَفْوُكَ لا يَرْجُوهُ ذوسَرَفٍ***فَمَنْ يَجودُ عَلَى الْعاصِينَ بِالنِّعَمِ

قال الأصمعي : فاقتفيت أثره، فإذا هو زين العابدين (1)، فوقعت عليه وقلت له : أنت عليّ بن الحسين أبوك شهيد كربلاء، وجدك على المرتضى، وأمّك فاطمة الزهراء، وجدّتك خديجة الكبرى، وجدك الأعلى محمّد المصطفى، وأنت تقول مثل هذا القول ؟

فأجابه الإمام برفق ولطف : أَلَمْ تَقْرَأْ قَوْلَهُ تعالى: «فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ» (2)؟

أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ جَدّي : «خُلِقَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُطيع وَإِنْ كَانَ حَبَشِياً، وَخُلِقَتِ النَّارُ للعاصى وَإنْ كانَ قُرَشِيَاً...» (3).


1) بحار الأنوار: 46: 80.

2) المؤمنون 23 : 101.

3) روضات الجنّات : 5 : 161. وعلّق عليه بقوله : «هذا تمام الحديث، وهو غريب؛ لمنافاته طبقة الأصمعي المذكور المشهور الذي كانت ولادته بعد وفاة السجّاد بكثير، إلا أن يكون الأصمعي رجلاً آخر من قدماء قبيلته المنسوبين إلى جده الأعلى أصمع».

لقد تعلّق هذا الإمام العظيم باللّه تعالى وانقطع إليه، وقد أطاعه وعبده عن معرفة وإيمان وإخلاص.

3 - روى طاووس اليماني، قال : «مررت بالحجر، فإذا بشخص راكع وساجد. تأملته فإذا هو عليّ بن الحسين، فقلت في نفسي : رجل صالح من أهل بيت النبوّة، واللّه لأغتنمنّ دعاءه، فجعلت أرقبه حتّى فرغ من صلاته، فرفع بطن كفيه، وجعل يخاطب اللّه قائلاً:

إلهِي سَيِّدِي سَيِّدي، وَهَذِهِ يَدايَ قَدْ مَدَدْتُهُما إِلَيْكَ بِالذُّنُوبِ مَمْلُوَّةً، وَعَيْنايَ إِلَيْكَ بِالرَّجاءِ مَمْدُودَةً، وَحَقٌّ لِمَنْ دَعَاكَ بِالنَّدَمِ تَذَلُلاً، أَنْ تُجِيبَهُ بِالْكَرَمِ تَفَضَّلاً.

سَيِّدي، أَمِنْ أَهْلِ الشَّقاءِ خَلَقْتَني فَأطيلَ بُكائي، أَمْ مِنْ أَهْلِ السَّعادَةِ خَلَقْتَني فَأَبَشِّرَ رَجَائِي، سَيِّدِي، أَلِضَرْبِ الْمَقامِعِ خَلَقْتَ أَعْضائي، أَمْ لِشُرْبِ الْحَمِيْم خَلَقْتَ أَمْعَائي.

سَيِّدي، لَوْ أَنَّ عَبْداً اسْتَطَاعَ الْهَرَبَ مِنْ مَوْلاهُ، لَكُنْتُ أَوَّلَ الْهَارِبِينَ مِنْكَ، لَكِنِّي أَعْلَمُ أَنَّي لا أَفُوتُكَ.

سَيِّدِي، لَوْ أَنَّ عَذَابِي يَزِيدُ في مُلْكِكَ لَسأَلْتُكَ الصَّبْرَ عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّى أَعْلَمُ أَنَّهُ لا يَزيدُ فى مُلْكِكَ طَاعَةُ المُطيعينَ، وَلا يُنْقِصُ مِنْهُ مَعْصِيَةٌ الْعاصِينَ.

سَيِّدي، ما أَنا وَما خَطَرِي، هَبْ لي خَطَايَايَ بِفَضْلِكَ، وَجَلَّلْني بِسِتْرِكَ، وَاعْفُ عَنْ تَوْبِيخِي بِكَرَمِ وَجْهِكَ.

إِلهِي وَسَيِّدي، إِرْحَمْنِي مَطْرُوحاً عَلَى الْفِراشِ تُقَلِّبُني أَيْدي أَحِبَّتِي، وَارْحَمْنِي مَطْرُوحاً عَلَى الْمُغْتَسَلِ يُغَسِّلُني صالِحُ جِيرَتي، وَارْحَمْني مَحْمُولًا قَدْ تَناوَلَ الْأَقْرِباءُ أَطْرافَ جَنازَتي، وَارْحَمْ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ الْمُظْلِمِ وَحْشَتِي وَغُرْبَتِي وَوَحْدَتي، فَمَا لِلْعَبْدِ مَنْ يَرْحَمُهُ إِلَّا مَوْلاهُ

قال طاووس : فبكيت حتّى علا نحيبي، فالتفت إليّ وقال : ما يُبْكِيكَ يا يَمانِيُّ، أَوَلَيْسَ هَذا مَقامُ الْمُذْنِبِينَ

فقلت : حبيبي، حقيق على اللّه أن لا يردّك وجدّك محمّد (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)» (1).

لقد سمت روح الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الملأ الأعلى، وتعلّقت به، وانقطعت إليه.

4 - ونقل الرواة عن الحسن البصري أنه رأى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الكعبة، وهو يتضرّع إلى اللّه، ويدعوه منيباً، فدنا منه، فسمعه ينشد هذه الأبيات الرقيقة :

أَلا أَيُّهَا الْمَأْمول في كلّ حاجة***شَكَوْتُ إِلَيْكَ الضُّرَّ فَاسْمَعْ شِكَايَتي

ألا يا رَجَائِي أَنْتَ كَاشِفُ كُرْبَتِي***فَهَبْ لي ذُنوبي كُلّها وَاقْضِ حاجتي

وَإِنَّ إِلَيْكَ الْقَصْدَ في كلّ مَطلبٍ***وَأَنْتَ غياثُ الطالبين وغايتي

أَتَيْتُ بِأَعْمال قباحٍ رَدِيَّة***فَما فِي الْوَرى خَلْقٌ جَنىٰ كَجِنايَتِي

فَزادي قَليل ما أراهُ مُبَلِّغي***أَلِلزَّادِ أَبكي أَمْ لِبُعْدِ مَسافتي

أَتَجْمَعُني وَالظَّالِمِينَ مَواقِفٌ***فَأَيْنَ طَوافي ثُمَّ أَيْنَ زِيارَتي

أَتُحْرِقُني في النار يا غايَةَ الْمُنى***فَأَيْنَ رَجَائِي مِنْكَ أَيْنَ مَخافَتي

فَيا سَيِّدِي فَامْنُنْ عَلَيَّ بِتَوبَةٍ***فَإِنَّكَ رَبُّ عالِمٌ بِمَقالتي


1) روضة الواعظين : 1 : 237.

وأثّر ذلك تأثيراً بالغاً في نفس الحسن البصري، فاندفع يقبل رجلي الإمام وهو يقول له : يا سلالة النبوّة، ما هذه المناجاة والبكاء وأنت من أهل بيت النبوّة ؟ قال اللّه : «لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهيراً» (1).

فانبرى الإمام يبيّن له واقع الإسلام الذي تبنّى الأعمال الصالحة ولا يقيم وزناً للأنساب قائلاً : دَعْ هذا، خُلِقَتْ الْجَنَّةُ لِمَنْ أَطاعَ اللّه، وَلَوْ كَانَ عَبْداً حَبَشِيَاً، وَخُلِقَتِ النّارُ لِمَنْ عَصاهُ وَلَوْ كَانَ حُرّاً قُرَشِيَاً، وَقالَ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) : ائتوني بِأَعْمالِكُمْ لَا بِأَنْسابِكُمْ» (2).

واستبعد بعض المؤلّفين صحة هذه الرواية، وذلك لاشتمالها على تلك الأبيات، وهي ركيكة بالإضافة إلى تقبيل الحسن البصري لرجلي الإمام، وهو لا يليق بمكانة البصري، ولا يرضى بذلك الإمام (3)، هذه المناقشة واهية؛ وذلك لما يلي :

أوّلاً : إنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنشد هذه الأبيات ولا يُعلم أنّها من نظمه.

ثانياً : إنا لا نعرف الوجه في ركاكة هذه الأبيات وضعفها، فإنّها من الرقّة والجودة بمكان.

ثالثاً : : إن تقبيل الحسن البصري ليس إهانة له، وإنّما هو شرف وفخر له، فإنّ الإمام بقيّة اللّه في أرضه، وسيّد العترة الطاهرة في عصره، وفلذة من كبد رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، والبصري أعرف بمكانته من هذا المؤلّف.

5 - ومن مناجاته اللّه في البيت الحرام ما رواه طاووس الفقيه، قال : «رأيت عليّ بن الحسين يطوف من العشاء إلى السحر ويتعبّد، فإذا لم ير أحداً رمق السماء بطرفه وقال :


1) الأحزاب 33 : 33.

2) روضات الجنات : 3: 29.

3) الصلة بين التشيّع والتصوّف : 1 : 161.

إلهي غارَتْ نُجُومُ سَماواتِكَ، وَهَجَعَتْ عُيُونُ أَنامِكَ، وَأَبْوَابُكَ مُفَتَّحاتٌ لِلسَّائِلِينَ، جِئْتُكَ لِتَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، وَتُرِيَني وَجْهَ جَدّي محمّد صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ فِى عَرَصاتِ الْقِيامَةِ.

ثمّ بكى وخاطب اللّه تعالى قائلاً:

وَعِزَّتِكَ وَجَلالِكَ ما أَرَدْتُ بِمَعْصِيَتِي مُخالَفَتَكَ، وَما عَصَيْتُكَ إِذْ عَصَيْتُكَ وَأَنَا بِكَ شَاكٌ، وَلا بِنَكالِك جاهِلٌ، وَلا لِعُقُوبَتِكَ مُتَعَرِّضٌ، وَلَكِنْ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي، وَأَعانَني عَلَى ذَلِكَ سِتْرُكَ الْمُرْحَىٰ بِهِ عَلَيَّ.

فَأَنَا الْآنَ مِنْ عَذابِكَ مَنْ يَسْتَنْقِذُني، وَبِحَبْلِ مَنْ أَعْتَصِمُ إِنْ قَطَعْتَ حَبْلَكَ عَنِّى، فَوَاسَوْأَتَاهُ غَداً مِنَ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْكَ، إِذا قِيلَ لِلْمُخِفِّينَ جُوزُوا وَلِلْمُثْقِلينَ حُطُّوا، أَمَعَ الْمُخِفِّينَ أَجُوزُ، أَمْ مَعَ الْمُثْقِلِينَ أَحَطُّ.

وَيْلي كُلَّما طالَ عُمُرِي كَثُرَتْ خَطايايَ وَلَمْ أَتُبْ، أَما آنَ لِي أَنْ أَسْتَحيي مِنْ رَبِّي.

وانفجر بالبكاء وأنشأ يقول :

أَتُحْرِقُنِي بِالنَّارِ يا غايَةَ الْمُنى***فَأَيْنَ رَجَائِي ثُمَّ أَيْنَ مَحَبَّتي

أَتَيْتُ بِأَعْمَالِ قباحٍ رَدِيَّةٍ***وما في الْوَرى خَلْقٌ جَنى كَجِنايَتِي

سُبْحانَكَ تُعْصى كَأَنَّكَ لا تَرَى، وَتَحْلُمُ كَأَنَّكَ لَمْ تُعْصَ، تَتَوَدَّدُ إِلى خَلْقِكَ بِحُسْنِ الصَّنيع كَأَنَّ بِكَ الْحَاجَةَ إِلَيْهِمْ وَأَنْتَ يا سَيِّدِي الْغَنِيُّ عَنْهُمْ.

ثم خرّ إلى الأرض ساجداً، فدنوت منه ورفعت رأسه ووضعته في حجري،

فوقعت قطرات من دموعي على خدّه الشريف، فاستوى جالساً، وقال بصوت خافت : مَنْ هَذَا الَّذِي أَشْغَلَني عَنْ ذِكْرِ رَبِّي ؟

فأجابه طاووس بخضوع وإجلال : أنا طاووس يابن رسول اللّه، ما هذا الجزع والفزع ؟ ونحن يلزمنا أن نفعل مثل هذا ؟ ونحن عاصون جانون، أبوك الحسين بن عليّ ، وأمّك فاطمة الزهراء، وجدّك رسول اللّه.

ولم يحفل الإمام بالنسب الوضاح الذي حظي به، فانبرى قائلاً:

هَيْهاتَ، هَيْهاتَ، يا طاووس، دَعْ عَنْكَ حَدِيثَ أَبِي وَأُمِّي وَجَدِّي، خَلَقَ اللّه الْجَنَّةَ لِمَنْ أَطاعَهُ وَأَحْسَنَ، وَلَوْ كانَ عَبْداً حَبَشِيَاً، وَخَلَقَ النَّارَ لِمَنْ عَصَاهُ وَلَوْ كَانَ سَيِّداً قُرَشِيَاً، أما سَمِعْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى: «فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَساءَلُونَ» (1)، وَاللّه لَا يَنْفَعُكَ غَداً إِلَّا تَقْدِمَةٌ تُقَدِّمُها مِنْ عَمَلٍ صالِحِ» (2).

6 - ومن مناجاته (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بيت اللّه الحرام ما رواه طاووس، قال : «دخلت الحجر - يعني حجر إسماعيل - في الليل، فإذا عليّ بن الحسين قد دخل فقام يصلّي ما شاء اللّه، ثم سجد سجدة فأطالها.

فقلت : رجل صالح من بيت النبوّة، لأصغين إليه، فسمعته يقول : عَبْدُكَ بِفِنائِكَ، مِسْكِينُكَ بِفِنائِكَ، سائِلُكَ بِفِنائِكَ، فَقيرُكَ بِفِنائِك.

وحفظ طاووس هذه المناجاة القصيرة التي عبرت عن نكران الذات، والاعتراف بالعبوديّة المطلقة اللّه، فكان يدعو بها عند الحاجة، وأنّ اللّه يكشف ما ألم به كما حدث بذلك (3).

هذه بعض مناجاة الإمام في بيت اللّه الحرام، وهي تكشف عن عظيم إنابته


1) المؤمنون 23 : 101.

2) مناقب آل أبي طالب : 2 : 291 و 292.

3) نور الأبصار : 127. شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 6: 192.

واتّصاله باللّه، وله مناجاة أخرى سوف نعرض لها عند البحث عن أدعيته ومناجاته (عَلَيهِ السَّلَامُ).

مع رجل يطوف بالكعبة

وسمع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) رجلاً في أثناء طوافه بالكعبة وهو يسأل اللّه الصبر، فالتفت الإمام إليه قائلاً: سَألْتَ البَلاءَ، وَلكِنْ قُلْ : اللّهمّ إنّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ، وَالشُّكْرَ عَلَى الْعافِيَةِ» (1).

لقد أرشده الإمام إلى الدعاء الذي ينبغي أن يدعو به، وهو طلب العافية والشكر عليها، وحذّره من الدعاء بطلب الصبر لأنّه إنّما يكون فيما إذا نزل به بلاء أو فاقة.

إنكاره (عَلَيهِ السَّلَامُ) على سائلين في عرفة

ونظر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى قوم يسألون الناس، ويطلبون رفدهم في يوم عرفة، فأنكر عليهم ذلك، وقال : «وَيْحَكُمْ أَغَيْرَ اللّه تَسْأَلُونَ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ ! إِنَّهُ لَيُرْجِى في هذا الْيَوْمِ لِمَا فِي بُطُونِ الْحُبالى أَنْ يَكونَ سَعِيداً» (2).

تحريره (عَلَيهِ السَّلَامُ) للعبيد في عرفات

كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يشتري السودان وما به إليهم من حاجة، فيأتي بهم إلى عرفات فيسد بهم الفرج والخلال، فإذا أفاض من عرفات أمر بعتق رقابهم، وجوائز لهم من المال (3).

دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عرفات

وكان الإمام في عرفات يقوم بالصلاة والدعاء وتلاوة القرآن الكريم، وكان يدعو


1) الدعوات / القطب الراوندي : 114.

2) بحار الأنوار: 46: 105.

3) بحار الأنوار: 46 : 62.

بهذا الدعاء الشريف، وهو من غرر أدعية أئمّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فقد حفل بأمور بالغة الأهمية، وفيما يلي نصه :

«الْحَمْدُ للّه رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللّهمّ لَكَ الْحَمْدُ بَديعَ السَّمواتِ وَالْأَرْضِ ذَا الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ، رَبَّ الْأَرْبابِ، وَإِلهَ كلّ مَأْلُومٍ، وَخالِقَ كلّ مَخْلُوقٍ، وَوارِثَ كلّ شَيْءٍ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَلَا يَعْزُبُ (1)عَنْهُ عِلْمُ شَيْءٍ، وَهُوَ بكلّ شَيْءٍ مُحِيطٌ، وَهُوَ عَلى كلّ شَيْءٍ رَقِيبٌ.

أَنْتَ اللّه لا إلهَ إِلَّا أَنْتَ الْأَحَدُ الْمُتَوَجِّدُ، الْفَرْدُ الْمُتَفَرِّدُ.

وَأَنْتَ اللّه لا إلهَ إِلَّا أَنْتَ الْكَريمُ الْمُتَكَرِّمُ، الْعَظِيمُ الْمُتَعَظَّمُ، الكَبير الْمُتَكَبِّرُ.

وَأَنْتَ اللّه لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْعَلِيُّ الْمُتَعَالِ، الشَّدِيدُ الْمِحَالِ (2).

وَأَنْتَ اللّه لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، الْعَليمُ الْحَكيمُ.

وَأَنْتَ اللّه لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، الْقَديمُ الْخَبِيرُ، وَأَنْتَ اللّه لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ الْكَرِيمُ الْأَكْرَمُ، الدّائِمُ الْأَدْوَمُ.

وَأَنْتَ اللّه لا إلهَ إِلَّا أَنْتَ الأوّل قَبْلَ كلّ أَحَدٍ، وَالْآخِرُ بَعْدَ كلّ عَدَدٍ.

وَأَنْتَ اللّه لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ الدّاني في عُلُوهِ، وَالْعالي فِي ذُنُوهِ.

وَأَنْتَ اللّه لا إلهَ إِلَّا أَنْتَ ذُو الْبَهَاءِ وَالْمَجْدِ وَالْكِبْرِياءِ وَالْحَمْدِ.


1) لا يعزب : أي لا يغيب.

2) الشديد المحال : أي القوي الحول.

وَأَنْتَ اللّه لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ الَّذي أَنْشَأْتَ الْأَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ سِنْخ (1)، وَصَوَّرْتَ مَا صَوَّرْتَ مِنْ غَيْرِ مِثالٍ، وَابْتَدَعْتَ الْمُبْتَدَعَاتِ بِلاَ احْتِذاء (2).

أَنْتَ الَّذي قَدَّرْتَ كلّ شَيْءٍ تَقْدِيراً، وَيَسَّرْتَ كلّ شَيْءٍ تَيْسِيراً، وَدَبَّرْتَ ما دُونَكَ تَدْبيراً، أَنْتَ الَّذي لَمْ يُعِنْكَ عَلَى خَلْقِكَ شَرِيكَ، وَلَمْ يُوَازِرْكَ في أَمْرِكَ وَزِيرٌ، وَلَمْ يَكُنْ لَكَ مُشاهِدٌ وَلَا نَظير.

أَنْتَ الَّذِي أَرَدْتَ فَكانَ حَتْماً ما أَرَدْتَ، وَقَضَيْتَ فَكَانَ عَدْلاً ما قَضَيْتَ، وَحَكَمْتَ فَكَانَ نِصْفاً ما حَكَمْتَ، أَنْتَ الَّذِي لا يَحْويكَ مَكانٌ، وَلَمْ يَقُمْ لِسُلْطانِكَ سُلْطانٌ، وَلَمْ يُعْيِكَ بُرْهانٌ وَلا بَيان.

وحفلت هذه الكلمات المشرقة بتعظيم اللّه، وتمجيده، والثناء عليه، وبيان معظم صفاته تعالى الايجابية، والتي منها أنه تعالى أنشأ الأشياء وأوجدها وابتدعها بقدرته وإرادته التي أحكمت كلّ شيء صنعاً، فجميع ما في الكون ممّا يُرى ومما لا يُرى قد أحكمه تعالى، وقدره تقديراً، ودبره تدبيراً بحكمة بالغة، وبأسرار عجيبة تذهل الأفكار، وتحيّر الألباب، وكيف يستطيع الإنسان الممكن والمحدود في علمه وقدرته وإرادته أن يصل إلى معرفة الخالق العظيم، الذي هو فوق التصوّر، وفوق الإدراك، وهذا ما يؤكده الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المقطع التالي من هذا الدعاء الشريف :

أَنْتَ الَّذي أَحْصَيْتَ كلّ شَيْءٍ عَدَداً، وَجَعَلْتَ لِكُلِّ شَيْءٍ أَمَداً، وَقَدَّرْتَ كلّ شَيْءٍ تَقْدِيراً، أَنْتَ الَّذي قَصُرَتِ الْأَوْهامُ عَنْ ذَاتِيَّتِكَ،


1) من غير سنخ : أي من غير أصل.

2) بلا احتذاء : أي بلا اقتداء.

وَعَجَزَتِ الْأَنْهَامُ عَنْ كَيْفِيَّتِكَ، وَلَمْ تُدْرِكِ الْأَبْصَارُ مَوْضِعَ أَيْنَيَّتِكَ (1).

أَنْتَ الَّذى لا تُحَدُّ فَتَكُونَ مَحْدُوداً، وَلَمْ تُمَثَّلْ (2)فَتَكُونَ مَوْجُوداً، وَلَمْ تَلِدْ فَتَكُونَ مَوْلُوداً، أَنْتَ الَّذِي لا ضِدَّ مَعَكَ فَيُعائِدَكَ (3)، وَلا عِدْلَ (4)لَكَ فَيُكَاثِرَكَ، وَلَا نِدَّ لَكَ فَيُعارِضَكَ، أَنْتَ الَّذِي ابْتَدَأَ وَاخْتَرَعَ، وَاسْتَحْدَثَ وَابْتَدَعَ، وَأَحْسَنَ صُنْعَ ما صَنَعَ.

سُبْحانَكَ ما أَجَلَّ شَأْنَكَ، وَأَسْنى (5)فِي الْأَماكِنِ مَكانَكَ، وَأَصْدَعَ بِالْحَقِّ فُرْقَانَكَ (6).

وعرض إمام الموحدين في هذه الفقرات إلى علم اللّه تعالى الذي لا يحدّ، والذي كان فيه أنه أحصى جميع ما في الكون عداً، ولم يعزب عنه مثقال ذرة في السموات والأرض، فقد أحاط بكلّ شيء علماً.

كما عرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى عجز الأفهام عن الوصول إلى إدراك حقيقته تعالى، واستحالة ذلك عليها إذ كيف يدرك الممكن حقيقة واجب الوجود الذي ليس له نوع ولا جنس ولا فصل حتّى يتوصّل إلى معرفته بها، وكيف يستطيع هذا الإنسان العاجز عن إدراك حقيقة ذاته ونفسه وما فيه من أجهزة مذهلة وعجيبة حتّى يعرف


1) اينيتك : أي محلّك، وأين أنت.

2) ولم تمثَل : أي ليس لك مثل.

3) فيعاندك : أي يضادّك.

4) أي معادل ومماثل.

5) أسنى : أي أرفع.

6) فرقانك : أي القرآن الكريم.

حقيقة الخالق العظيم الذي خلق الزمان والمكان، وخلق الكواكب والمجرات التي لا يحصي ما فيها من الكواكب إلّا اللّه.

وقد ألمّت هذه الفقرات ببحوث فلسفية مهمة كنفي الحدّ، والمماثل والضدّ، وغيرها عنه تعالى، وقد عرضت لها بالتفصيل الكتب الفلسفيّة والكلاميّة.. ولنستمع إلى فقرات أخرى من هذا الدعاء الشريف :

سُبْحانَكَ مِنْ لَطيف ما أَلْطَفَكَ (1)، وَرَؤُوفٍ مَا أَرْأَفَكَ، وَحَكِيمٍ ما أَعْرَفَكَ (2)، سُبْحانَكَ مِنْ مَليك ما أَمْنَعَكَ، وَجَوادٍ ما أَوْسَعَكَ (3)، وَرَفيع ما أَرْفَعَكَ، ذُو الْبَهَاءِ وَالْمَجْدِ، وَالْكِبْرِياءِ وَالْحَمْدِ. سُبْحانَكَ بَسَطتَ بِالْخَيْرَاتِ يَدَكَ، وَعُرِفَتِ الْهِدايَةُ مِنْ عِنْدِكَ، فَمن الْتَمَسَك (4)لِدين أوْ دُنْيا وَجَدَكَ. سُبْحانَكَ خَضَعَ لَكَ مَنْ جَرى في عِلْمِكَ (5)، وَخَشَعَ لِعَظَمَتِكَ ما دُونَ عَرْشِكَ، وَانْقَادَ لِلتَسْلِيم لَكَ كلّ خَلْقِكَ.

سُبْحانَكَ لا تُحَسُّ (6)وَلَا تُجَسُّ (7)، وَلَا تُمَسُّ (8)وَلَا تُكادُ (9)،


1) ما ألطفك : أي ما أكثر ألطافك وفضلك على خلقك.

2) وحكيم ما أعرفك : أي ما أكثر علمك بمواضع الأشياء.

3) وجواد ما أوسعك : أي ما أوسع عطاءك وجودك.

4) فمن التمسك : أي من طلبك.

5) خضع لك من جرى في علمك : أي جميع المخلوقات خاضعة ومنقادة للّه.

6) لا تحسّ : أي لا تدرك بالحواس.

7) لا تجسّ : أي لا يعلم أخبارك أحد.

8) لا تمسّ : لأنّه تعالى ليس بجسم حتّى يمسّ.

9) لا تكاد : أي لا يصل إليه أحد بكيد أو مكر.

وَلَا تُمَاطُ (1)وَلَا تُنازَعُ، وَلَا تُجارى وَلَا تُمارى (2)، وَلَا تُخادَعُ وَلَا تُماكَرُ.

سُبْحانَك سَبيلُكَ جَدَدٌ (3)، وَأَمْرُكَ رَشَدٌ، وَأَنْتَ حَيٌّ صَمَدٌ (4).

سُبْحانَكَ قَوْلُكَ حُكْمٌ، وَقَضاوُكَ حَتْمٌ، وَإِرادَتُك عَزْمٌ.

سُبْحانَكَ لا رادَّ لِمَشِيَّتِكَ، وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِكَ.

سُبْحانَكَ باهِرَ الْآيَاتِ، فاطِرَ السَّمواتِ، بارِئَ النَّسَماتِ.

وحفلت هذه اللوحة بأروع ما يسبّح به الأولياء والمتقون، وبأزكى ما يمجدون به ربِّهم، فما أعظم اللّه وأجلّه وأعلاه عند الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فهو تعالى اللطيف الرؤوف بعباده، والملك المقتدر، فمن التجأ إليه فقد التجأ إلى حصن وثيق، وكهف حريز.

وعرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى عظمة اللّه تعالى، فقد خضع له كلّ ما في الكون، وخشع له جميع من في الوجود، وإنقاد له بالتسليم جميع خلقه، كما أنّ من عظمته تعالى تنزيهه عن الجسم حتّى لا يدرك بالحواس الخمس، وإنّما هو نور السموات عظمته أنّه ليس بمقدور أي أحد أن يكيده أو يمكر به أو يجادله أو والأرض، ومن ينازعه، وإنما الجميع تحت قبضته وسلطانه وأمره، فقوله حكم، وقضاؤه حتم، وإرادته عزم.

ولنصغ بعد هذا إلى قطعة أخرى من هذا الدعاء الشريف.

لَكَ الْحَمْدُ حَمْداً يَدُومُ بِدَوامِكَ، وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْداً خَالِداً بِنِعْمَتِكَ،


1) لا تماط : أي لا تزال.

2) لا تمارى : أي لا يجادله أحد.

3) جدد : أي واضح.

4) الصمد : السيّد الشريف.

وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْداً يُوازى صُنْعَكَ (1)، وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْداً يَزيدُ عَلى رِضاكَ، وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْداً مَعَ حَمْدِ كلّ حامِدٍ، وَشُكراً يَقْصُرُ عنْهُ شُكْرُ كُلِّ شَاكِرٍ.

حَمْداً لَا يَنْبَغِي إِلَّا لَكَ، وَلَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَّا إِلَيْكَ.

حَمْداً يُسْتَدامُ بِهِ الْأَوَّلُ، وَيُسْتَدْعَى بِهِ دَوامُ الْآخِرِ.

حَمْداً يَتَضاعَفُ عَلى كُرُور الْأَزْمِنَةِ، وَيَتَزايَدُ أَضْعافاً مُتَرادِفَةً.

حَمْداً يَعْجِزُ عَنْ إِحْصائِهِ الْحَفَظَةُ (2)، وَيَزِيدُ عَلَى مَا أَحْصَتْهُ فِي كِتابِكَ الْكَتَبَةُ (3).

حَمْداً يُوازِنُ عَرْشَكَ الْمَجِيدَ، وَيُعادِلُ كُرْسِيَّكَ الرَّفِيعَ.

حَمْداً يَكْمُلُ لَدَيْكَ ثَوابُهُ، وَيَسْتَغْرِقُ كلّ جَزاءٍ جَزاؤُهُ.

حَمْداً ظَاهِرُهُ وَفْقٌ لِباطِنِهِ، وَباطِنُهُ وَفْقٌ لِصِدْقِ النّيَّةِ.

حَمْداً لَمْ يَحْمَدْكَ خَلْقٌ مِثْلَهُ، وَلَا يَعْرِفُ أَحَدٌ سِواكَ فَضْلَهُ.

حَمْداً يُعانُ مَنِ اجْتَهَدَ فِي تَعْدِيدِهِ، وَيُؤَيَّدُ تَعْديدِهِ، وَيُؤَيَّدُ مَنْ أَغْرَقَ نَزْعاً في تَوْفِيَتِهِ (4).


1) يوازي صنعك : أي يعادل صنعك في الكثرة.

2) الحفظة : وهم الملائكة الكرام الذي يحفظون أعمال العباد.

3) الكتبة : وهم الملائكة العظام الذين يكتبون أعمال الناس.

4) التوفية : الوفاء.

حَمْداً يَجْمَعُ مَا خَلَقْتَ مِنَ الْحَمْدِ، وَيَنْتَظِمُ ما أَنْتَ خَالِقُهُ مِنْ بَعْدُ.

حَمْداً لَا حَمْدَ أَقْرَبُ إِلى قَوْلِكَ مِنْهُ، وَلَا أَحْمَدَ ممّن يَحْمَدُكَ بِهِ.

حَمْداً يوجِبُ بِكَرَمِكَ الْمَزِيدَ بِوُفُورِهِ، وَتَصِلُهُ بِمَزيدٍ بَعْدَ مَزيدٍ طَوْلاً (1)مِنْكَ.

حَمْداً يَجِبُ لِكَرَمِ وَجْهِكَ، وَيُقابِلُ عِزَّ جَلالِكَ.

ولم تبق كلمة في قاموس الحمد والثناء إلّا قدّمها الإمام لمحبوبه الأكبر الخالق العظيم، لقد قدّم له الحمد اللامتناهي على عظيم نعمه وألطافه عليه.

ولنستمع بعد هذا إلى لوحة أخرى من هذا الدعاء الشريف :

رَبِّ صَلِّ عَلَى محمّد وَآلِ محمّد الْمُنْتَجَبِ (2)الْمُصْطَفى، الْمُكَرَّم الْمُقَرَّب، أَفْضَلَ صَلَواتِكَ، وَبارِكْ عَلَيْهِ أَتَمَّ بَرَكَاتِكَ، وَتَرَحَمْ عَلَيْهِ أَمْتَعَ رَحَماتِكَ.

رَبِّ صَلِّ عَلى محمّد وَآلِهِ صَلاةً زاكِيَةً لا تَكُونُ صَلاةٌ أَزْكَى مِنْها وَصَلَّ عَلَيْهِ صَلاةً نامِيَةً لَا تَكُونُ صَلاةٌ أَنْمى مِنْهَا، وَصَلِّ عَلَيْهِ صَلاةً راضِيَةً (3)لَا تَكُونُ صَلاةٌ فَوْقَها.

رَبِّ صَلِّ عَلَى محمّد وَآلِهِ صَلاةٌ تُرْضِيهِ وَتَزيدُ عَلَى رِضاهُ، وَصَلِّ عَلَيْهِ


1) طولاً : إحساناً.

2) المنتجب : المختار.

3) راضية : أي مرضيّة.

صَلاةً تُرْضِيكَ وَتَزيدُ عَلى رضاكَ لَهُ، وَصَلَّ عَلَيْهِ صَلاةً لَا تَرْضى لَهُ إلَّا بها، وَلَا تَرى غَيْرَهُ لَها أَهْلاً.

رَبِّ صَلِّ عَلَى محمّد وَآلِهِ صَلاةٌ تُجاوِزُ رِضْوانَكَ (1)، وَيَتَّصِلُ اتصالها بِبَقائِكَ، وَلَا يَنْفَدُ كَمَا لا تَنْفَدُ كَلِمَاتُكَ.

رَبِّ صَلِّ عَلَى محمّد وَآلِهِ صَلاةً تَنْتَظِمُ صَلَواتِ مَلائِكَتِكَ (2)وَأَنْبِيائِكَ وَرُسُلِكَ وَأَهْل طَاعَتِكَ، وَتَشْتَمِلُ عَلى صَلَواتِ عِبَادِكَ مِنْ جِنَّكَ وَإِنْسِكَ وَأَهْلِ إِجابَتِكَ، وَتَجْتَمِعُ عَلى صَلاةِ كلّ مَنْ ذَرَأَتَ (3)وَبَرَأْتَ (4)مِنْ أَصْنافِ خَلْقِكَ.

رَبِّ صَلِّ عَلَيْهِ وَآلِهِ صَلاةً تُحيطُ بكلّ صَلاةٍ سالِفَةٍ وَمُسْتَأْنَفَةٍ، وَصَلِّ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ صَلاةً مَرْضِيَّةً لَكَ وَلِمَنْ دُونَكَ، وَتُنْشِئُ مَعَ ذَلِكَ صَلَواتٍ تُضاعِفُ مَعَهَا تِلْكَ الصَّلَواتِ عِنْدَها، وَتَزيدُها عَلَى كُرُورِ الْأيّام زِيادَةً فِي تَضاعِيفَ لَا يَعُدُّها غَيْرُكَ.

وأشاد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الكلمات بجده الرسول الأعظم (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) وطلب من اللّه تعالى أن يترحّم ويصلّي عليه صلاة زاكية نامية مرضيّة تبقى على كرور الليالي والأيّام، وتتصل ببقاء اللّه الذي لا نهاية له، ولا تنفد كما لا تنفد كلمات اللّه، ولنستمع


1) تجاوز رضوانك : أي تجاوز القدر الذي ترضى به.

2) تنتظم صلوات ملائكتك : أي تكون مع صلاة الملائكة.

3) ذرأت : أي خلقت.

4) برأت : أي أنشأت.

بعد هذا إلى قطعة أخرى من هذا الدعاء :

رَبِّ صَلِّ عَلَى أَطَائِبِ أَهْلِ بَيْتِهِ الَّذين اخْتَرْتَهُمْ لأَمْرِكَ، وَجَعَلْتَهُمْ خَزَنَةَ عِلْمِكَ، وَحَفَظَةَ دينِكَ، وَخُلَفَاءَكَ في أَرْضِكَ، وَحُجَجَكَ عَلَى عِبَادِكَ، وَطَهَّرْتَهُمْ مِنَ الرِّجْسِ (1)وَالدَّنَسِ تَطْهيراً بِإِرادَتِكَ، وَجَعَلْتَهُمُ الْوَسيلَةَ إِلَيْكَ، وَالْمَسْلَكَ إِلى جَنَّتِكَ.

رَبِّ صَلِّ عَلَى محمّد وَآلِهِ، صَلاةٌ تُجْزِلُ لَهُمْ بِها مِنْ نِحَلِكَ (2)وَكَرامَتِكَ، وَتُكْمِلُ لَهُمُ الْأَشْيَاءَ مِنْ عَطإيّاك وَنَوافِلِكَ (3)، وَتُوَفِّرُ عَلَيْهِمُ الْحَظَّ مِنْ عَوائِدِكَ وَفَوائِدِكَ، رَبِّ صَلِّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ صَلاةً لَا أَمَدَ في أَوَّلِها، وَلَا غايَةَ لأَمَدِها (4)، وَلَا نِهايَةَ لآخِرِها.

رَبِّ صَلِّ عَلَيْهِمْ زِنَةَ عَرْشِكَ وَما دُونَهُ، وَمِلْءَ سمواتِكَ وَما فَوْقَهُنَّ، وَعَدَدَ أَرَضِيكَ وَمَا تَحْتَهُنَّ وَمَا بَيْنَهُنَّ، صَلاةً تُقَرِّبُهُمْ مِنْكَ زُلفى، وَتَكُونُ لَكَ وَلَهُمْ رِضى، وَمُتَّصِلَةٌ بِنَظَائِرِهِنَّ أَبَداً.

وأعرب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه الكلمات عن سموّ منزلة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وما منحهم اللّه من الفضائل، والتي منها :

1 - إنّ اللّه تعالى اختارهم لنشر دينه، وأداء رسالته إلى عباده.


1) الرجس : المعاصي.

2) نحلك : جمع نحلة، وهي العطيّة.

3) نوافلك : جمع نافلة، وهي العطيّة الفاضلة.

4) ولا غاية لأمدها : أي لا نهاية لمدّتها.

2 - إن اللّه جعلهم خزنة لعلمه، ومراكز لحكمته.

3 - إنّهم حفظة اللّه من الزيادة والنقصان. دین

4 - إنّهم خلفاء اللّه في أرضه، وحججه على عباده.

5 - إن اللّه طهرهم من الرجس والدنس، كما نطقت بذلك الآية الكريمة : «إِنَّمَا يُريدُ اللّه لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهيراً» (1).

6 - إنّ اللّه تعالى جعلهم الوسيلة إليه، والمسلك إلى جنته، فمن أتاهم فقد نجا، ومن تخلف عنهم فقد غرق وهوى.

هذه بعض فضائلهم ومآثرهم التي تحدّث عنها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وطلب من اللّه تعالى أن يفيض صلواته ومغفرته عليهم، وأن يجزل لهم المزيد من رحماته.

ولنصغ إلى قطعة أخرى من هذا الدعاء :

اللّهمّ إِنَّكَ أَيَّدْتَ دِينَكَ في كلّ أَوانٍ بِإِمَامٍ أَقَمْتَهُ عَلَمَا لِعِبادِكَ، وَمَناراً (2)فِي بِلادِكَ بَعْدَ أَنْ وَصَلْتَ حَبْلَهُ بِحَبْلِكَ، وَجَعَلْتَهُ الذَّريعَةَ إِلَى رِضْوانِكَ، وَافْتَرَضْتَ طَاعَتَهُ، وَحَذَرْتَ مَعْصِيَتَهُ، وَأَمَرْتَ بِامْتِثَالِ أَوامِرِهِ، وَالْإِنْتِهاءِ عِنْدَ نَهْيِهِ، وَأَلَّا يَتَقَدَّمَهُ مُتَقَدِّمٌ، وَلَا يَتَأَخَّرَ عَنْهُ مُتَأَخَّرٌ، فَهُوَ عِصمَةُ اللّائِذِينَ، وَكَهْفُ المُؤْمِنينَ، وَعُرْوَةْ الْمُتَمَسِّكينَ وَبَهاءُ الْعالَمينَ.

اللّهمّ فَأَوْزِعْ لِوَلِيَكَ شُكْرَ ما أَنْعَمْتَ بِهِ عَلَيْهِ، وَأَوْزِعْنَا مِثْلَهُ فِيهِ، وَآتِهِ مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصيراً، وَافْتَحْ لَهُ فَتْحاً يَسيراً، وَأَعِنْهُ بِرُكْنِكَ الْأَعَزّ،


1) الأحزاب 33 : 33.

2) المنار : الموضع الذي يجعل عليه النور ليلاً ليراه المارّ فيعرف به الطريق.

وَاشْدُدْ أَزْرَهُ، وَقَوِّ عَضُدَهُ، وَراعِهِ بِعَيْنِكَ، وَاحْمِهِ بِحِفْظِكَ، وَانْصُرْهُ بِمَلائِكَتِكَ، وَامْدُدْهُ بِجُنْدِكَ الْأَغْلَبِ، وَأَقِمْ بِهِ كِتَابَكَ وَحُدُودَكَ، وَشَرائِعَكَ وَسُنَنَ رَسُولِكَ صَلَواتُكَ اللّهمّ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَأَحْيِ بِهِ ما أَمَاتَهُ الظَّالِمُونَ مِنْ مَعالِم دينِكَ، وَاجْلُ بِهِ صَدَأَ الْجَوْرِ عَنْ طَريقَتِكَ، وَأَبْنِ بِه الضَّرَاءَ مِنْ سَبيلِكَ، وَأَزِلْ بِهِ النَّاكِبينَ عَنْ صِراطِكَ، وَامْحَقِّ بِهِ بُغَاةَ قَصْدِكَ عِوَجاً، وَأَلِنْ جانِبَهُ لأَوْلِيائِكَ، وَابْسُطْ يَدَهُ عَلى أَعْدائِكَ، وَهَبْ لَنَا رَأْفَتَهُ وَرَحْمَتَهُ، وَتَعَطَّفَهُ وَتَحَتُنَهُ، وَاجْعَلْنا لَهُ سَامِعِينَ مُطيعينَ، وَفِي رِضَاهُ ساعينَ، وَإِلى نُصْرَتِهِ وَالْمُدافَعَةِ عَنْهُ مُكْنِفِينَ، وَإِلَيْكَ وَإِلَى رَسُولِكَ صَلَواتُكَ اللّهمّ عَلَيْهِ وَآلِهِ بِذَلِكَ مُتَقَرِّبِينَ.

وتحدّث (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن سموّ منزلة الإمام القائم، وأهمّيته البالغة في دنيا الإسلام، فهو الحافظ لدين اللّه، والهادي إلى سبيل الحق والرشاد، والذريعة إلى رضوان اللّه، والواجب يدعو إلى لزوم طاعته، وحرمة مخالفته ؛ لأنه عصمة اللائذين، وكهف المؤمنين، وعروة المستمسكين، وبهاء العالمين، وقد دعا له بالنصر والفتح المبين ليقيم سنّة الإسلام، ويحيي ما أماته الظالمون من معالم الشريعة وأحكام الدين.

ولنستمع إلى قطعة أخرى من هذا الدعاء العظيم :

اللّهمّ وَصَلِّ عَلى أَوْلِيائِهِمُ الْمُعْتَرِفينَ بِمَقامِهِم، المُتَّبعينَ مَنْهَجَهُم، الْمُقْتَفِينَ آثَارَهُمُ الْمُسْتَمْسِكينَ بِعُرْوَتِهِمُ الْمُتَمَسِّكِينَ بِوَلايَتِهِمُ، الْمُؤْتَمَينَ بِإِمَامَتِهِمُ الْمُسَلَّمينَ لأَمْرِهِمُ الْمُجْتَهِدِينَ في طَاعَتِهِمُ، الْمُنتَظِرِينَ أَيَّامَهُمُ، المادّينَ إِلَيْهِمْ أَعْيُنَهُمُ، الصَّلَواتِ الْمُبارَكاتِ،

الزَّكِياتِ النَّامِياتِ، الْعَادِياتِ الرّائِحَاتِ، وَسَلَّمْ عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَرْواحِهِمْ، وَاجْمَعْ عَلَى التَّقْوى أَمْرَهُمْ، وَأَصْلِحْ لَهُمْ شُؤُونَهُمْ، وَتُبْ عَلَيْهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوابُ الرَّحِيمُ، وَخَيْرُ الْغافِرِينَ، وَاجْعَلْنا مَعَهُمْ في دارِ السَّلامِ بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرّاحِمينَ.

وطلب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من اللّه تعالى أن يصلي ويترحم على شيعة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الذين يمثّلون الوعي الفكري في الإسلام، ويتّبعون منهج الأئمّة الطاهرين، ويقتفون آثارهم، ويتمسكون بولايتهم، ويأتمون بإمامتهم، ويجتهدون في طاعتهم، وينتظرون أيامهم، وهؤلاء هم الملتزمون بحرفية الإسلام، وشايعوا النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) في أقواله وأفعاله، والتي منها اتباع أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) والتمسّك بهم، والأخذ بما أثر عنهم في عالم التشريع، وقد دعا لهم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأن يجمع اللّه أمرهم على التقوى، ويصلح شؤونهم، ويتوب عليهم، ويجعله معهم في دار الحق والسلام.

ولنستمع إلى لوحة أخرى من هذا الدعاء :

اللّهمّ هَذا يَوْمُ عَرَفَةَ، يَوْمٌ شَرَّفْتَهُ کَرَّمتَهُ وَعَظَمْتَهُ، نَشَرْتَ فِيهِ رَحْمَتَكَ، وَمَنَنْتَ فِيهِ بِعَفْوِكَ، وَأَجْزَلْتَ فِيهِ عَطِيَّتَكَ، وَتَفَضَّلْتَ بِهِ عَلَى عبادك.

اللّهمّ وَأَنا عَبْدُكَ الَّذِي أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ قَبْلَ خَلْقِكَ لَهُ، وَبَعْدَ خَلْقِكَ إيّاه، فَجَعَلْتَهُ ممّن هَدَيْتَهُ لِدِينِكَ، وَوَفَقْتَهُ لِحَقِّكَ، وَعَصَمْتَهُ بِحَبْلِكَ، وَأَدْخَلْتَهُ في حِزْبِكَ، وَأَرْشَدْتَهُ لِمُوالاةِ أَوْلِيَائِكَ، وَمُعاداةِ أَعْدائِكَ.

ثُمَّ أَمَرْتَهُ فَلَمْ يَأْتَمِرُ، وَزَجَرْتَهُ فَلَمْ يَنْزَجِرْ، وَنَهَيْتَهُ عَنْ مَعْصِيَتِكَ فَخَالَفَ

أَمْرَكَ إِلى نَهْيِكَ، لَا مُعانَدَةً لَكَ، وَلَا اسْتِكْباراً عَلَيْكَ، بَلْ دَعاهُ هَواهُ إِلَى ما زَيَّلْتَهُ (1)وَإِلى ما حَذَرْتَهُ، وَأَعانَهُ عَلى ذلِكَ عَدُوكَ وَعَدُوُّهُ (2)، فَأَقْدَمَ عَلَيْهِ (3)عارفاً بوعيدك، راجياً لِعَفْوِكَ، واثقاً بِتَجاوُزِكَ، وَكانَ أَحَقَّ عِبادِكَ مَعَ مَا مَنَنْتَ عَلَيْهِ أَلَا يَفْعَلَ.

وَها أَنا ذا بَيْنَ يَدَيْكَ صاغِراً ذليلاً، خاضعاً خاشعاً، خائِفاً مُعْتَرفاً بِعَظيم مِنَ الذُّنُوبِ تَحَمَّلْتُهُ، وَجَليلٍ مِنَ الْخَطَايَا اجْتَرَمْتُهُ (4)، مُسْتَجِيراً بِصَفْحِكَ، لائِذاً بِرَحْمَتِكَ، مُوقِناً أَنَّهُ لَا يُجيرُني مِنْكَ مُجِيرٌ، وَلَا يَمْنَعُني مِنْكَ مانع.

فَعُدْ عَلَيَّ بِمَا تَعُودُ بِهِ عَلَى مَنِ اقْتَرَفَ مِنْ تَغَمُّدِكَ، وَجُدْ عَلَيَّ بِما تَجُودُ عَلَى مَنْ أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَيْكَ مِنْ عَفْوِكَ، وَامْنُنْ عَلَيَّ بِما يَتَعاظَمُكَ أَنْ بِهِ عَلَى مَنْ أَمَّلَكَ مِنْ غُفْرانِكَ (5).

وَاجْعَلْ لي في هَذَا الْيَوْمِ نَصيباً أَنالُ بِهِ حَظًّا مِنْ رِضْوانِكَ، وَلَا تَرُدَّني صِفْراً (6)ممّا يَنْقَلِبُ بِهِ الْمُتَعَبِّدُونَ لَكَ مِنْ عِبادِكَ، وَإِنّي وَإِنْ لَمْ أُقَدِّمْ


1) زيلته : أبعدته.

2) العدوّ: المراد به إبليس الذي هو عدو اللّه وعدوّ الإنسان.

3) الضمير يرجع إلى المنهي عنه والمعصية.

4) اجترمته : أي اقترفته.

5) غفرانك : أي من مغفرتك، وليست هي عظيمة عند اللّه.

6) صفراً : أي خالياً.

ما قَدَّمُوهُ مِنَ الصَّالِحاتِ، فَقَدْ قَدَّمْتُ تَوْحِيدَكَ، وَنَفْىَ الْأَضْدادِ وَالْأَنْدادِ وَالْأَشْباهِ عَنْكَ، وَأَتَيْتُكَ مِنَ الْأَبْوابِ الَّتي أَمَرْتَ أَنْ تُؤْتَى مِنْها (1)، وَتَقَرَّبْتُ إِلَيْكَ بِمَا لَا يَقْرُبُ بِهِ أَحَدٌ مِنْكَ إِلَّا بِالتَّقَرُّبِ بِهِ(2)، ثُمَّ أَتْبَعْتُ ذلِكَ بِالْإِنابَةِ إِلَيْكَ، وَالتَّذَلُّلِ وَالْإِسْتِكانَةِ لَكَ (3)، وَحُسْنِ الظَّنِّ بِكَ، وَالثَّقَةِ بِما عِنْدَكَ، وَشَفَعْتُهُ بِرَجائِكَ الَّذِي قَلَّ ما يَحْيبُ عَلَيْهِ رَاجِيكَ.

وَسَأَلْتُكَ مَسْأَلَةَ الْحَقيرِ الذُّليل، الْبائِسِ الْفَقير، الْخائِفِ الْمُسْتَجِيرِ، وَمَعَ ذَلِكَ خِيفَةً وَتَضَرُّعاً، وَتَعَوُذاً (4)وَتَلَوُّذاً، لا مُسْتَطيلاً بِتَكَبرِ الْمُتَكَبِّرينَ، وَلَا مُتعالِياً بدالة المُطيعينَ، وَلَا مُسْتَطيلاً بِشَفاعَةِ الشَّافِعِينَ، وَأَنا بَعْدُ أَقَلُّ الْأَقلّينَ، وَأَذَلُّ الْأَذَلِّينَ، وَمِثْلُ الذَّرَّةِ أَوْ دُونَها.

وأعرب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا دعائه هذا المقطع من عن تعظيمه وتقديسه ليوم عرفة الذي هو من أجل أيّام اللّه، فقد نشر فيه تعالى رحمته، وتفضل على حجّاج بيته الحرام بالعفو والغفران، كما أبدى (عَلَيهِ السَّلَامُ) تذلله وعبوديته المطلقة للّه معترفاً بتقصيره،واثقاً بلطفه، راجياً منه العفو، مقدماً له الاعتراف بتوحيده ونفي الأضداد والأنداد عنه، سالكاً من الأبواب التي أمر تعالى أن يؤتى منها، وهى أبواب الأئمّة الطاهرين، وفي هذا درس للمقصّرين والمبتعدين على اللّه تعالى أن ينهجوا هذا المنهج لينقذوا أنفسهم من عذاب اللّه في الدار الآخرة، ولنعد إلى الاستماع إلى قطعة أخرى


1) الأبواب التي أمر تعالى أن يؤتى منها : هي أبواب الأئمّة الطاهرين.

2) المراد أنّ اللّه تعالى لا يقبل التقرب إليه إلا من طريق الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ).

3) الاستكانة : التضرّع.

4) التعوذ : الاستجارة.

من هذا الدعاء الشريف :

فَيا مَنْ لَمْ يُعاجِلِ الْمُسيئينَ، وَلَا يَنْدَه (1)الْمُتْرَفِينَ، وَيا مَنْ يَمُنُ بِإقالة الْعاثِرِينَ، وَيَتَفَضَّلُ بِإِنْظارِ الْخاطِئِينَ.

أَنَا الْمُسِيُّ الْمُعْتَرِفُ الْخاطِئُ الْعاثِرُ، أَنَا الَّذِي أَقْدَمَ عَلَيْكَ مُجْتَرِئا، أَنا الَّذِي عَصاكَ مُتَعَمِّداً، أَنَا الَّذِي اسْتَخْفَىٰ مِنْ عِبَادِكَ وَبَارَزَكَ، أَنَا الَّذِي هَابَ عِبادَكَ وَأَمِنَكَ، أَنَا الَّذِي لَمْ يَرْهَبْ سَطْوَتَكَ وَلَمْ يَخَفْ بَأْسَكَ، أَنَا الْجَانِي عَلى نَفْسِهِ، أَنَا الْمُرْتَهَنُ بَلِيَّتِهِ، أَنَا الْقَليلُ الْحَياءِ، أنا الطُّويلُ الْعَناء.

بِحَقِّ مَنِ انْتَجَبْتَ مِنْ خَلْقِكَ، وَبِمَنِ اصْطَفَيْتَهُ لِنَفْسِكَ، بِحَقِّ مَنِ اخْتَرْتَ مِنْ بَرِيَّتِكَ وَمَنِ اجْتَبَيْتَ لِشَأْنِكَ (2)، بِحَقِّ مَنْ وَصَلْتَ طَاعَتَهُ بِطاعَتِكَ، وَمَنْ جَعَلْتَ مَعْصِيَتَهُ كَمَعْصِيَتِكَ، بِحَقِّ مَنْ قَرَنْتَ مُوالاتَهُ بِمُوالاتِكَ، وَمَنْ نُطْتَ (3)مُعاداتَهُ بِمُعاداتِكَ.

تَغَمَّدْني في يَوْمِي هَذا بِما تَتَغَمَّدُ بِهِ مَنْ جَارَ إِلَيْكَ مُتَنَصَّلاً (4)، وَعاذَ بِاسْتِغْفَارِكَ تائِباً، وَتَوَلَّني بِما تَتَوَلّى بِهِ أَهْلَ طَاعَتِكَ، وَالزُّلفى لَدَيْكَ، وَالْمَكانَةِ مِنْكَ، وَتَوَحَدْنِي بِما تَتَوحَدُ بِهِ مَنْ وَفِي بِعَهْدِكَ،


1) ينده : أي يمنع.

2) لشأنك : أي لدينك.

3) نطت : أي علقت.

4) متنضّلاً : أي متبرّئاً.

وَأَتْعَبَ نَفْسَهُ فِي دَاتِكَ، وَأَجْهَدَها فِي مَرْضاتِكَ. وَلَا تُؤاخِذْنِي بِتَفْرِيطي في جَنْبِكَ، وَتَعَدّي طَوْري في حُدُودِكَ، وَمُجاوَزَةِ أَحْكامِكَ، وَلَا تَسْتَدْرِجْني بِإِمْلائِكَ لي اسْتِدْراجَ مَنْ مَنَعَني خَيْرَ مَا عِنْدَهُ، وَلَمْ يَشْرَكْكَ فِي حُلُولٍ نِعْمَتِهِ بِي.

وَنَبِّهْنِي مِنْ رَقْدَةِ الْغَافِلِينَ، وَسِنَةِ الْمُسْرِفِينَ، وَنَعْسَةِ الْمَخْذُولينَ (1)، وَخُذْ بِقَلْبِي إِلَى مَا اسْتَعْمَلْتَ بِهِ الْقَانِتِينَ، وَاسْتَعْبَدْتَ بِهِ الْمُتَعَبِّدِينَ، وَاسْتَنْقَذْتَ بِهِ الْمُتَهَاوِنِينَ، وَأَعِذْنِي ممّا يُباعِدُنِي عَنْكَ، وَيَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ حَظَّي مِنْكَ، وَيَصُدُّني عَمَا أُحاوِلُ لَدَيْكَ، وَسَهِّلْ لي مَسْلَكَ الْخَيْرَاتِ إِلَيْكَ، وَالْمُسَابَقَةَ إِلَيْهَا مِنْ حَيْثُ أَمَرْتَ، وَالْمُشاحَّةَ فِيها عَلَى ما أَرَدْتَ.

وَلَا تَمْحَقْني فِيمَنْ تَمْحَقُ مِنَ الْمُسْتَخِفِّينَ بِمَا أَوْعَدْتَ، وَلَا تُهْلِكْنى مَعَ مَنْ تُهْلِكُ مِنَ الْمُتَعَرِّضينَ لِمَفْتِكَ، وَلَا تُتَبَّرْني (2)فيمَنْ تُتَبَّرُ مِنَ الْمُنْحَرِفينَ عَنْ سُبُلِكَ، وَنَجِّنِي مِنْ غَمَراتِ الْفِتْنَةِ (3)، وَخَلَّصْني مِنْ لَهَواتِ الْبَلْوى، وَأَجِرْنِي مِنْ أَخْذِ الْإِمْلاء (4).


1) المخذولون : وهم الذين تركهم اللّه تعالى وشأنهم ليفعلوا ما يشاءون ليحاسبهم على ما اقترفوا في الدار الآخرة.

2) تتبرني : أي تهلكني.

3) غمرات الفتنة : وهي شدّة الفتن التي تحيط بالإنسان.

4) أخذ الإملاء : وهي كتابة المعاصي والموبقات التي يقترفها الإنسان والتي يحاسب عليها بعد انتهاء أجله.

وتحدّث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه الفقرات عن ألطاف اللّه تعالى على عباده، والتي منها أنّه لا يعجل بالعقوبة والانتقام من المسيئين والعصاة، وإنّما يمهلهم لعلهم يثوبون، ويرجعون إلى طريق الحق والصواب، كما أعرب (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن تذلله وتصاغره ونكران ذاته أمام الخالق العظيم طالباً منه، ومتوسّلاً إليه أن يمنحه العفو والرضوان، وينبهه من رقدة الغافلين، وسنّة المسرفين، ويسلك به مسلك الأخيار والصالحين.

ولنستمع إلى قطعة أخرى من هذا الدعاء الشريف :

وَحُلْ بَيْنِي وَبَيْنَ عَدُوٌّ يُضِلُّني، وَهَوَى يُوبِقُنِي (1)، وَمَنْقَصَةٍ تَرْهَقُني.

وَلَا تُعْرِضْ عَنِّي إِعْراضَ مَنْ لَا تَرْضَىٰ عَنْهُ بَعْدَ غَضَبِكَ، وَلَا تُؤْيِسْنِي مِنَ الْأَمَلِ فِيكَ فَيَغْلِبَ عَلَيَّ الْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَتِكَ، وَلَا تَمْتَحِنِّي بِما لَا طَاقَةَ لي بِهِ فَتَبْهَظَني ممّا تُحَمِّلْنيهِ مِنْ فَضْلِ مَحَبَّتِكَ.

وَلَا تُرْسَلْني مِنْ يَدِكَ إِرْسالَ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ، وَلَا حَاجَةَ بِكَ إِلَيْهِ، وَلَا إِنابَةَ لَهُ، وَلَا تَرْمِ بِي رَمْيَ مَنْ سَقَطَ مِنْ عَيْنِ رِعايَتِكَ، وَمَنِ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْخِزْيٌ مِنْ عِنْدِكَ، بَلْ خُذْ بِيَدِي مِنْ سَقْطَةِ الْمُتَرَدِّينَ، وَوَهْلَةِ الْمُتَعَسِّفِينَ، وَزَلَّةِ الْمَغْرُورينَ، وَوَرْطَةِ الْهالِكينَ، وَعافِنى ممّا ابْتَلَيْتَ بِهِ طَبَقَاتِ عَبِيدِكَ وَإِمائِكَ، وَبَلِّغْنِي مَبالِغَ مَنْ عُنيتَ بِهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ وَرَضِيتَ عَنْهُ، فَأَعَشْتَهُ حَميداً، وَتَوَفَّيْتَهُ سَعيداً.

وَطَوَّقْني طَوْقَ الْاِقْلاعِ عَمَا يُحْبِطُ الْحَسَناتِ، وَيَذْهَبُ بِالْبَرَكاتِ،


1) يوبقني : أي يهلكني.

وَأَشْعِرْ قَلْبِيَ الْإِزْدِجَارَ عَنْ قَبائِحِ السَّيِّئاتِ، وَفَواضِح الْحَوْباتِ (1)، وَلَا تَشْغَلْني بِما لَا أُدْرِكُهُ إِلَّا بِكَ عَمَا لَا يُرْضِيكَ عَنِّي غَيْرُهُ، وَانْزِعْ مِنْ قَلْبي حُبَّ دُنْيا دَنِيَّةٍ تَنْهَى عَمَا عِنْدَكَ، وَتَصُدُّ عَنِ ابْتِغَاءِ الْوَسيلَةِ إِلَيْكَ، وَتُذْهِلُ عَنِ التَّقَرُّبِ مِنْكَ، وَزَيَّنْ لِيَ التَّفَرُّدَ بِمُناجاتِكَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ، وَهَبْ لِي عِصْمَةٌ تُدْنِينِي مِنْ خَشْيَتِكَ، وَتَقْطَعُني عَنْ رُكُوبِ مَحارِمِلَ وَتَفَكَّنِي مِنْ أَسْرِ الْعَظَائِمِ (2).

وَهَبْ لِيَ التَّطْهِيرَ مِنْ دَنَسِ الْعِصْيانِ، وَأَذْهِبْ عَنِّي دَرَنَ (3)الْخَطايا، وَسَرْبِلْني بِسِرْبالِ عافِيَتِكَ (4)، وَرَدني رِداءَ مُعَافَاتِكَ، وَجَلَّلْنِي سَوابِغَ نَعْمائِكَ، وَظَاهِرُ (5)لَدَيَّ فَضْلَكَ وَطَوْلَكَ (6)، وَأَيَّدْني بِتَوْفِيقِك وَتَسْديدِكَ، وَأَعِنِّي عَلى صالِحِ النِّيَّةِ، وَمَرْضِيَّ الْقَوْلِ، وَمُسْتَحْسَنِ الْعَمَل.

وَلَا تَكِلْني إِلى حَوْلِي وَقُوَّتِي دُونَ حَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ، وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ تَبْعَثُنِي لِلِقائِكَ، وَلَا تَفْضَحْنِي بَيْنَ يَدَيْ أَوْلِيَائِكَ، وَلَا تُنْسِنِي ذِكْرَكَ،


1) الحوبات : جمع حوبة، وهي المعصية.

2) العظائم : وهي الذنوب التي يكون الإنسان أسيراً أمامها عند اللّه.

3) الدرن : القذارة، فإنّ الخطايا التي يقترفها الإنسان توجب قذارة النفس.

4) السربال : القميص، وقد شبه به العافية فإنّها تحيط ببدن الإنسان كلّه كالقميص.

5) وظاهر : أي تابع عليَّ.

6) الطول : النعمة.

وَلَا تُذْهِبْ عَنِّي شُكْرَكَ، بَلْ أَلْزِمْنِيهِ فِي أَحْوَالِ السَّهْوِ عِنْدَ غَفَلَاتِ الْجَاهِلِينَ لَآلَآئِكَ (1)، وَأَوْزِعْنِي أَنْ أُثْنِيَ بِمَا أَوْلَيْتَنِيهِ، وَأَعْتَرِفَ بِمَا أَسْدَيْتَهُ إِلَيَّ

أرأيتم هذا الاتجاه إلى اللّه تعالى، والإخلاص في طاعته ؟ ! أرأيتم كيف يسأل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ربّه بتذلّل وخضوع، فقد سأل منه أن يكفيه شرّ الشيطان الرجيم العدو الأوّل للإنسان، وطلب منه أن يصرفه عن كلّ هوى يميل به إلى غير الحق، وأن يشمله برعايته وعنايته، وأن يأخذ بيده من سقطة المتردّين، ووهلة المتعسّفين وزلّة المغرورين، وأن يجعل له الصوارف النفسيّة عن كلّ ذنب وخطيئة، وعن حبّ الدنيا التي هي رأس كلّ خطيئة، وأن يزيّن له طاعته وعبادته حتّى يحظى بطاعته وعبادته والتقرّب إليه.

هذه بعض المطالب التي سألها الإمام من ربه، ولنستمع إلى مقطع آخر من هذا الدعاء الشريف :

وَاجْعَلْ رَغْبَتِي إِلَيْكَ فَوْقَ رَغْبَةِ الرّاغِبينَ، وَحَمْدِي إيّاك فَوْقَ حَمْدِ الْحَامِدِينَ، وَلَا تَخْذُلْني عِنْدَ فَاقَتِي إِلَيْكَ، وَلَا تُهْلِكْنِي بِمَا أَسْدَيْتُهُ إِلَيْكَ، وَلَا تَجْبَهُني بِما جَبَهْتَ بِهِ الْمُعانِدِينَ لَكَ، فَإِنِّي لَكَ مُسَلَّمٌ، أَعْلَمُ أَنَّ الْحُجَّةَ لَكَ، وَأَنَّكَ أَوْلى بِالْفَضْلِ، وَأَعْوَدُ بِالْاِحْسانِ، وَأَهْلُ التَّقْوى (2)، وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ، وَأَنَّكَ بِأَنْ تَعْفُوَ أَوْلى مِنْكَ بِأَنْ تُعاقِبَ، وَأَنَّكَ بِأَنْ تَسْتُرَ


1) الآلاء : جمع مفردة إلي، وهي النعم.

2) أهل التقوى : يعني أنت أهل لأن يتقى ويخاف منك.

أَقْرَبُ مِنْكَ إِلى أَنْ تَشْهَرَ.

فَأَحْيِنِي حَيَاةً طَيِّبَةً تَنْتَظِمُ بِما أُريدُ، وَتَبْلُغُ بِي مَا أُحِبُّ مِنْ حَيْثُ لَا آتِيَ ما تَكْرَهُ، وَلَا أَرْتَكِبُ ما نَهَيْتَ عَنْهُ، وَأَمِثْنى مِيْتَةَ مَنْ يَسْعَىٰ نُورُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَعَنْ يَمِينِهِ، وَذَلِّلْني بَيْنَ يَدَيْكَ، وَأَعِزَّني عِنْدَ خَلْقِكَ، وَضَعْني إذا خَلَوْتُ بِكَ (1)، وَارْفَعْني بَيْنَ عِبادِكَ، وَأَغْنِنِي عَمَّنْ هُوَ غَنِيٌّ عَنِّي، وَزِدْنِي إِلَيْكَ فَاقَةً وَفَقْراً، وَأَعِذْنِي مِنْ شَمَاتَةِ الْأَعْداءِ، وَمِنْ حُلولِ الْبَلاءِ، وَمِنَ الذُّلِّ وَالْعَناءِ، تَغَمَّدْني فيما اطَّلَعْتَ عَلَيْهِ مِنِّي بِما يَتَغَمَّدُ بِهِ الْقادِرُ عَلَى الْبَطْشِ لَوْلا حِلْمُهُ، وَالْآخِذُ عَلَى الْجَريرَةِ لَوْلا أَناتُهُ.

وَإِذا أَرَدْتَ بِقَوْمٍ فِتْنَةً أَوْ سُوءاً فَنَجِّنِي مِنْهَا لِواذَا بِكَ (2)، وَإِذْ لَمْ تُقِمْني مَقامَ فَضيحةٍ فِي دُنْياكَ فَلَا تُقِمْني مِثْلَهُ فِي آخِرَتِكَ، وَاشْفَعْ لِي أَوائِلَ مِنَنِكَ بِأَواخِرها (3)، وَقَديمَ فَوائِدِكَ بِحَوادِثِها.

وَلَا تَمْدُدْ لِي مَداً يَفْسُو مَعَهُ قَلْبي (4)، وَلَا تَقْرَعْني قارِعَةً يَذْهَبُ لَها بهائي، وَلَا تَسُمْني خَسِيسَةٌ يَصْغُرُ لَها قَدْري، وَلاَ نَقيصَةً يُجْهَلُ مِنْ أَجْلِها مَكاني، وَلَا تَرُعْني رَوْعَةً أُبْلِسُ (5)بِهَا، وَلَا خِيفَةً أُوجِسُ دُونَها.


1) وضعني إذا خلوت بك : أي اجعلني وضيعاً ذليلاً إذا خلوت بين يديك.

2) لواذاً بك : أي ملتجناً إليك.

3) واشفع لى أوائل مننك بأواخرها : أي اجعل نعمك متصلة بعضها ببعض عليَّ.

4) ولا تمدّ لي مداً يقسو معه قلبي : أي لا تمدّني بالنعم التي تؤدّي إلى قساوة القلب.

5) أبلس : أي أيأس.

اجْعَلْ هَيْبَتِي فِي وَعبدِكَ، وَحَذَري (1)مِنْ إِعْدَارِكَ وَإِنْدَارِكَ، وَرَهْبَتي عِنْدَ تِلاوَةِ آيَاتِكَ، وَاعْمُرُ لَيْلي بإيقاظي فيهِ لِعِبادَتِكَ، وَتَفَرُّدي بِالتَّهَجُدِ لَكَ، وَتَجَرُّدي بِسُكُونِي إِلَيْكَ، وَإِنْزالِ حَوائِجِي بِكَ، وَمُنازَلَتِي إيّاك في فَكَاكِ رَقَبَتِي مِنْ نارِكَ، وَإِجارَتي ممّا فِيهِ أَهْلُهَا مِنْ عَذَابِكَ.

وَلَا تَذَرْني في طُغْياني عامِها (2)، وَلَا فِي غَمْرَتي سَاهِياً حتّى حينِ (3)، وَلَا تَجْعَلْني عِظَةً لِمَنِ اتَّعَظَ، وَلَا نَكالاً لِمَنِ اعْتَبَرَ، وَلَا فِتْنَةٌ لِمَنْ نَظَرَ، وَلَا تَمْكُرْ بي فيمَنْ تَمْكُرُ بِهِ، وَلَا تَسْتَبْدِلْ بِي غَيْرِي، وَلَا تُغَيِّرْ لى إِسْماً (4)، وَلَا تُبَدِّلْ لى جِسْماً، وَلَا تَتَّخِذْنى هُزُواً لِخَلْقِكَ، وَلَا سُخْريّاً لَكَ (5)، وَلَا تَبَعاً إِلَّا لِمَرْضَاتِكَ وَلَا مُمْتَهَنَا إِلَّا بِالْإِنْتِقَامِ لَكَ.

وعرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مهامه ومطالبه أمام الخالق العظيم طالباً منه إنجازها، وأن لا يجبهه بردّها، فقد سأله أن يحييه حياة طيّبة كريمة، يتحقق فيها ما يأمله ويريده، وأن لا يرتكب معصية أو يقترف إثماً، وأن يميته ميتة الصالحين الذين يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم.

كما سأله أنه إذا وقف في مناجاته وعبادته أن يكون ذليلاً، لا يجد لنفسه أمامه أي كيان، وطلب منه أن يعزّه عند خلقه، ويرفع شأنه بین عباده، وأن يغنيه عنهم،


1) حذري : أي خوفي.

2) العمه : أشد العمى.

3) حتّى حين: أي حتّى حلول المنية.

4) ولا تغيّر اسماً : أي لا تمح اسمي من ديوان السعداء.

5) ولا سخرياً لك : أي لا تعاملني معاملة من تسخر به.

وأن يعيذه من شماتة الأعداء التي هي من أعظم النكبات على الإنسان، وأن ينجيه من حلول البلاء والذل والعناء، وأن لا ينزل به فتنة أو سوءاً أو عذاباً إذا أراد أن يصبه على العصاة من عباده.

إلى غير ذلك من مهام الأمور التي طلبها الإمام من اللّه تعالى، ولنستمع إلى الفصل الأخير من هذا الدعاء الجليل :

وَأَوْحِدْنِي بَرْدَ عَفْوِكَ، وَحَلَاوَةَ رَحْمَتِكَ، وَرَوْحِكَ (1)وَرَيْحانِكَ، وَجَنَّةِ نَعِيمِكَ، وَأَذِقْني طَعْمَ الْفَراغ (2)لِما تُحِبُّ بِسَعَةٍ مِنْ سَعَتِكَ وَالْإِجْتِهادِ فيما يُزْلِفُ لَدَيْكَ وَعِنْدَكَ.

وَأَتْحِفْنِي بِتُحْفَةٍ مِنْ تُحَفَاتِكَ، وَاجْعَلْ تِجَارَتي رابِحَةً، وَكَرَّتي غَيْرَ خاسِرَةِ، وَأَخِفْني مَقَامَكَ، وَشَوِّقْني لِقاءَكَ، وَتُبْ عَلَيَّ تَوْبَةً نَصُوحاً لَا تُبْقِ مَعَها ذُنُوباً صَغِيرَةً وَلَا كَبيرَةً، وَلَا تَذَرْ (3)مَعَها عَلانِيَةً وَلَا سَريرَةً.

وَأَنْزِعِ الْغِلَّ (4)مِنْ صَدْرِي لِلْمُؤْمِنِينَ، وَأَعْطِفْ بِقَلْبِي عَلَى الْخَاشِعِينَ، وَكُنْ لي كَما تَكُونُ لِلصَّالِحِينَ، وَحَلَّني حِلْيَةَ الْمُتَّقِينَ، وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْغَابِرِينَ (5)، وَذِكْراً نامياً فِي الْآخِرينَ، وَوافِ بي عَرْصَةَ (6)


1) روحك : الروح الهواء الطيّب.

2) طعم الفراغ : أي أكون فارغاً لأعمل ما تحبه وتريده.

3) لا تذر : أي لا تبق.

4) الغلّ : الحقد.

5) الغابرين : أي الباقين من بعدي.

6) عرصة الأوّلين : أي ساحتهم، وهو كناية عن الالتحاق بهم.

الْأَوَّلِينَ، وَتَمِّمْ سُبُوغَ نِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَظَاهِرْ كَرامَاتِها لَدَيَّ، إِمْلَأُ مِنْ فَوائِدِكَ يَدَيَّ، وَسُقْ كَرائِمَ مَواهِبِكَ إِلَيَّ، وَجَاوِرْ بِيَ الْأَطْيَبِينَ مِنْ أَوْلِيَائِكَ في الْجِنانِ الَّتي زَيَّنْتَهَا لأَصْفِيائِكَ، وَجَلِّلْني شَرائِفَ نِحَلِكَ (1)في الْمَقامات الْمُعَدَّةِ لأَحِبَائِكَ.

وَاجْعَلْ لي عِنْدَكَ مَقيلاً أوى إِلَيْهِ مُطْمَئِناً، وَمَثَابَةً أَتَبَوَّؤُها (2)، وَأَقَرُّ عَيْناً، وَلَا تُقايِسْني (3)بِعَظيماتِ الْجَرائِرِ، وَلَا تُهْلِكْني يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (4)، وَأَزِلْ عَنِّي كلّ شَكٍّ وَشُبْهَةٍ، وَاجْعَلْ لى فِي الْحَقِّ طَرِيقاً مِنْ كلّ رَحْمَةٍ، وَأَجْزِلْ لِي قِسَمَ الْمَواهِبِ مِنْ نَوالِكَ (5)، وَوَفِّرْ عَلَيَّ حُظُوظَ الْإِحْسانِ مِنْ إِفْضالِكَ، وَاجْعَلْ قَلْبي واثقاً بِما عِنْدَكَ، وَهَمّي مُسْتَفْرَعاً (6)لما هُوَ لَكَ، وَاسْتَعْمِلْني بِما تَسْتَعْمِلُ بِهِ خَالِصَتَكَ، وَأَشْرِبْ قَلْبِي عِنْدَ ذُهُولِ الْعُقولِ (7)طاعَتَكَ.

وَاجْمَعْ لِيَ الْغِنى وَالْعَفَافَ، وَالدَّعَة (8)وَالْمُعافاةَ، وَالصحّة وَالسَّعَةَ،


1) نحلك : أي عطإيّاك.

2) أتبوؤها : أي اتّخذها محلاً ومقرّاً.

3) لا تقايسني : أي لا تؤاخذني.

4) تبلى السرائر : أي تظهر في السرائر، وهي ما أسرّه الإنسان من الحسنات والسيّئات.

5) نوالك : أي هباتك.

6) وهمي مستفرغاً : أي فارغاً.

7) عند ذهول العقول : أي عند غفلتها.

8) الدعة : السعة في العيش.

وَالطُّمَأْنينَةَ وَالْعَافِيَةَ، وَلَا تُحْبِطْ حَسَناتِي بِما يَسُوبُها مِنْ مَعْصِيَتِكَ، وَلَا خَلَواتِي بِمَا يَعْرِضُ لي مِنْ نَزَعَاتِ فِتْنَتِكَ.

وَصُنْ وَجْهِي عَنِ الطَّلَبِ إِلى أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ، وَذُبني (1)عَنِ الْتِمَاسِ ما عِنْدَ الْفَاسِقِينَ، وَلَا تَجْعَلْنِي لِلظَّالِمِينَ ظَهيراً، وَلَا لَهُمْ عَلى مَحْوِ كِتابِكَ يَداً وَنَصيراً، وَحُطني (2)مِنْ حَيْثُ لَا أَعْلَمُ حِياطَةٌ تَقيني بِها، وَافْتَحْ لِي أَبْوابَ تَوْبَتِكَ وَرَحْمَتِكَ وَرَأْفَتِكَ وَرِزْقِكَ الْواسِع إِنِّي إِلَيْكَ مِنَ الرّاغِبينَ، وَأَتْمِمْ لِي إِنْعَامَكَ إِنَّكَ خَيْرُ الْمُنْعِمِينَ. وَاجْعَلْ باقي عُمُري في الحجّ وَالْعُمْرَةِ ابْتِغاءَ وَجْهِكَ يَارَبَّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللّه عَلَى محمّد وَآلِهِ الطَّيبينَ الطَّاهِرينَ، وَالسَّلامُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَبَدَ الأبدينَ» (3).

وبهذا ينتهي هذا الدعاء الشريف الذي هو من غرر أدعية أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وقد حفل بأسمى دروس الحكمة والعرفان والإنابة إلى اللّه بالإضافة إلى أنّه في منتهى الروعة من حيث البلاغة والفصاحة وجمال الأسلوب.

دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم عيد الأضحى

كان الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يستقبل يوم عيد الأضحى بالابتهال إلى اللّه، والتضرّع إليه طالباً منه أن يتفضّل عليه بقبول مناسكه، وسائر طاعته وعباداته، وأن يمنحه المغفرة والرضوان، وكان يدعو اللّه تعالى بهذا الدعاء الجليل، وهذا نصه :


1) ذبني : من الذبّ بمعنى الدفع.

2) حطني : من حاطه إذا حفظه.

3) الصحيفة السجّاديّة : الدعاء السابع والأربعون.

«اللّهمّ هذا يَوْمٌ مُبَارَكٌ مَيْمُونٌ، وَالْمُسْلِمُونَ فِيهِ مُجْتَمِعُونَ فِي أَقْطارِ أَرْضِكَ، يَشْهَدُ السّائِلُ مِنْهُمْ، وَالطَّالِبُ وَالرّاغِبُ وَالرَاهِبُ، وَأَنْتَ النّاظِرُ في حَوائِجِهِمْ، فَأَسْأَلُكَ بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ، وَهَوانِ ما سَأَلْتُكَ عَلَيْكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى محمّد وآلِهِ.

وَأَسْأَلُكَ اللّهمّ رَبَّنا بِأَنَّ لَكَ الْمُلْكَ وَلَكَ الْحَمْدَ لا إِلهَ إِلَّا انْتَ الْحَليم الْكَرِيمُ الْحَنَانُ الْمَنَانُ، ذُو الْجَلالِ وَالْاِكْرامِ، بَديعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، مَهُما قَسَمْتَ بَيْنَ عِبادِكَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ خَيْرِ أَوْ عَافِيَةٍ أَوْ بَرَكَةٍ أَوْ هُدَى أَوْ عَمَلٍ بِطَاعَتِكَ، أَوْ خَيْرٍ تَمُنُّ بِهِ عَلَيْهِمْ تَهْدِيهِمْ بِهِ إِلَيْكَ، أَوْ تَرْفَعُ لَهُمْ عِنْدَاءً دَرَجَةً، أَوْ تُعْطِيهِمْ بِهِ خَيْراً مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَنْ تُوَفِّرَ حَظّي وَنَصيبي مِنْهُ.

وَأَسْأَلُكَ اللّهمّ رَبَّنا بِأَنَّ لَكَ الْمُلْكَ وَلَكَ الْحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى محمّد وَآلِ محمّد عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ وَحَبيبك وَصَفْوَتِكَ وَخِيَرَتِكَ مِنْ خَلْقِكَ، وَعَلَى آلِ محمّد الْأَبْرارِ الطَّاهِرِينَ الْأَخْيَارِ صَلاةً لا يَقْوى عَلى إِحْصائِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَأَنْ تُشْرِكَنَا فِي صَالِحٍ مَنْ دَعَاكَ فِي هَذَا الْيَوْمِ مِنْ عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ يَارَبَّ الْعَالَمِينَ، وَأَنْ تَغْفِرَ لَنَا وَلَهُمْ إِنَّكَ عَلَى كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

اللّهمّ إِلَيْكَ تَعَمَّدْتُ بِحاجَتي، وَبِكَ أَنْزَلْتُ الْيَوْمَ فَقْرِي وَفاقَتي وَمَسْكَنَتِي، وَإِنِّي بِمَغْفِرَتِكَ وَرَحْمَتِكَ أَوْثَقُ مِنّي بِعَمَلي، وَلَمَغْفِرَتُكَ وَرَحْمَتُكَ أَوْسَعُ مِنْ ذُنُوبِي، فَصَلِّ عَلى محمّد وَآلِ محمّد، وَتَوَلَّ فَضاءَ

كُلِّ حاجَةٍ هِيَ لي بِقُدْرَتِكَ عَلَيْهَا، وَتَيْسِيرِ ذَلِكَ عَلَيْكَ، وَبِفَقْرِي إِلَيْكَ وَغِناكَ عَنّي، فَإِنِّي لَمْ أُصِبْ خَيْراً قطُّ إِلَّا مِنْكَ، وَلَمْ يَصْرِفْ عَنِّي سُوءاً قَطُّ أَحَدٌ غَيْرُكَ، وَلا أَرْجُو لأَمْرِ آخِرَتي وَدُنْيايَ سِواك.

اللّهمّ مَنْ تَهَيَّاً وَتَعَبَّاً وَأَعَدَّ وَاسْتَعَدَّ لِوِفادَةٍ إِلَى مَخْلُوقٍ رَجَاءَ رِفْدِهِ وَنَوافِلِهِ وَطَلَبَ نَيْلِهِ وَجائِزَتِهِ، فَإِلَيْكَ يا مَوْلايَ كَانَتِ الْيَوْمَ تَهْبِنَتِي وَتَعْبِنَتِي وَإِعْدادِي وَاسْتِعْدادي رَجَاءَ عَفْوِكَ وَرِفْدِكَ، وَطَلَبَ نَيْلِكَ وَجائِزَتِكَ.

اللّهمّ فَصَلِّ عَلَى محمّد وَآلِ محمّد، وَلا تُخَيِّبِ الْيَوْمَ ذَلِكَ مِنْ رَجائي، يا مَنْ لا يُحْفِيهِ سائِلٌ، وَلا يَنْقُصُهُ نائِلٌ، فَإِنِّي لَمْ اِتِكَ ثِقَةٌ مِنّي بَعَمل صالح قَدَّمْتُهُ، وَلا شَفاعَةِ مَخْلُوقٍ رَجَوْتُهُ، إِلَّا شَفاعَةَ محمّد وَأَهْلِ بَيْتِهِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ سَلامُكَ، أَتَيْتُكَ مُقِرّاً بِالْجُرْمِ وَالْإِساءَةِ إِلَىٰ نَفْسِي، أَتَيْتُكَ أَرْجُو عَظيمَ عَفْوِكَ الَّذِي عَفَوْتَ بِهِ عَنِ الْخَاطِئِينَ، ثُمَّ لَمْ يَمْنَعْكَ طُولُ عُكُوفِهِمْ عَلى عَظيمِ الْجُرْمِ أَنْ عُدْتَ عَلَيْهِمْ بِالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ.

فَيَامَنْ رَحْمَتُهُ واسِعَةٌ وَعَفْوُهُ عَظِيمٌ، يا عَظِیمُ یا عَظیم، یا کریمُ یا کریم، صَلِّ عَلَى محمّد وَآلِ محمّد، وَعُدْ عَلَيَّ بِرَحْمَتِكَ وَتَعَطَّفْ عَلَيَّ بِفَضْلِكَ، وَتَوَسَّعْ عَلَيَّ بِمَغْفِرَتِكَ.

وأشاد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مطلع دعائه بعيد الأضحى، وما له من الأهميّة البالغة عند المسلمين، فهم في أقطار الأرض، سواء من حضر موسم الحجّ أو لم يحضر،

قد رفعوا إلى اللّه تعالى حوائجهم ومهامهم طالبين منه قضاءها، وقد سأل الإمام من اللّه أن يكتب له ما قسمه لعباده في هذا اليوم المبارك من خير أو عافية أو هداية، وأخذ الإمام بعد ذلك بالتضرع والتذلل أمام اللّه الذي بيده العطاء والحرمان أن يتفضّل عليه بالمغفرة والرحمة والرضوان

ولنستمع بعد هذا إلى مقطع آخر من هذا الدعاء :

اللّهمّ إِنَّ هَذَا الْمَقامَ (1)لِخُلْفائِكَ وَأَصْفِيائِكَ وَمَواضِعَ أَمَنائِكَ في الدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ الَّتِي اخْتَصَصْتَهُمْ بِها قَدِ ابْتَزُوهَا وَأَنْتَ الْمُقَدِّرُ لِذلِكَ لا يُغالَبُ أَمْرُكَ، وَلا يُجاوَزُ الْمَحْتومُ مِنْ تَدْبِيرِكَ، كَيْفَ شِئْتَ وَأَنَّى شِئْتَ، وَلِما أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ غَيْرُ مُتَّهَم (2)عَلى خَلْقِكَ، وَلا لِإِرادَتِكَ، حتّى عادَ صَفْوَتُكَ وَخُلَفَاؤُكَ مَغْلُوبينَ مَقْهُورينَ مُبْتَزِّينَ يَرَوْنَ حُكْمَكَ مُبَدَّلاً، وَكِتابَكَ مَنْبُوذا وَفَرائِضَكَ مُحَرَّفَةً عَنْ جِهَاتِ أَشْراعِكَ وَسُنَنَ نَبِيِّكَ مَتْرُوكَةً.

اللّهمّ الْعَنْ أَعْداءَ هُمْ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرينَ، وَمَنْ رَضِيَ بِفِعَالِهِمْ وَأَشْيَاعَهُمْ وَأَتْبَاعَهُمْ.

اللّهمّ صَلِّ عَلى محمّد وَآلِ محمّد إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، كَصَلَواتِكَ وَبَرَكاتِكَ وَتَحِيَّاتِكَ عَلى أَصْفِيائِكَ إِبْراهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ، وَعَجِّلِ الْفَرجَ


1) إنّ هذا المقام : أي مقام صلاة العيد.

2) غير متّهم : أي لا تتهم بأنك قد عملت على خلاف الحكمة.

وَالرَّوْحَ وَالنُّصْرَةَ وَالتَّمْكِينَ وَالتَّأييد لَهُمْ.

وخاض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا المقطع من دعائه الشؤون السياسيّة الحسّاسة في عصره، فقد أدلى بما يلي :

1 - إنّ مقام صلاة العيد وغيرها من الشؤون العامّة، إنّما هي لأئمّة الهدى الذين هم خلفاء النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) و أوصياؤه، وهم الذين يسيرون بين الناس بسياسة قوامها العدل الخالص والحقّ المحض.

2 - إنّ المراكز الحسّاسة في الدولة قد ابتزّها أئمّة الجور والضلال من ملوك الأمويّين الذين لم يألوا جهداً في محاربة الوعي الإسلامي، وإقصاء العقيدة الإسلاميّة عن واقع الحياة.

3 - إنّ أئمة الهدى والحق قد عادوا في ظلال الحكم الأموي الأسود مقهورين مغلوبین، قد ابتزت حقوقهم.

4 - إن السياسة الأمويّة قد عمدت إلى تبديل أحكام اللّه، ونبذ الكتاب، وتحريف الفرائض، وترك سنّة الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏).

ولنعد بعد هذا إلى لوحة أخرى من هذا الدعاء الشريف :

اللّهمّ وَاجْعَلْني مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ بِكَ، وَالتَّصْدِيقِ بِرَسُولِكَ وَالأئمّة الَّذينَ حَتَمْتَ طَاعَتَهُمْ ممّن يَجْرِي ذَلِكَ (1)بِهِ وَعَلَى يَدَيْهِ آمِينَ رَبَّ الْعالَمينَ.

اللّهمّ لَيْسَ يَرُدُّ غَضَبَكَ إِلَّا حِلْمُكَ، وَلا يَرُدُّ سَخَطَكَ إِلَّا عَفْوُكَ،


1) ذلك المشار إليه : النصر.

وَلا يُجيرُ مِنْ عِقابِكَ إِلَّا رَحْمَتُكَ، وَلا يُنجيني مِنْكَ إِلَّا التَّضَرُّعُ إِلَيْكَ، وَبَيْنَ يَدَيْكَ، فَصَلِّ عَلَى محمّد وَآلِ محمّد، وَهَبْ لَنَا يَا إِلهِي مِنْ لَدُنْكَ فَرَجاً بِالْقُدْرَةِ الَّتِي بِها تُحْيِي أَمْواتَ الْعِبادِ، وَبِها تَنْشُرُ مَيْتَ الْبِلادِ، وَلا تُهْلِكُني يا إلهي غَمَا حتّى تَسْتَجِيبَ لي، وَتُعَرَّفَنِي الْإِجابَةَ فِي دُعائي، وَأَذِقْني طَعْمَ الْعَافِيَةِ إِلى مُنْتَهى أَجَلي، وَلا تُشْمِتْ بي عَدُوّي، وَلا تُمَكِّنْهُ مِنْ عُنقي وَلا تُسَلِّطْهُ عَلَيَّ.

إِلَهِي إِنْ رَفَعْتَنِي فَمَنْ ذَا الَّذِي يَضَعُني، وَإِنْ وَضَعْتَنِي فَمَنْ ذَا الَّذِي يَرْفَعُني، وَإِنْ أَكْرَمْتَني فَمَنْ ذَا الَّذِي يُهيتُني، وَإِنْ أَهَنتَني فَمَنْ ذَا الَّذِي يُكْرِمُني، وَإِنْ عَذَّبْتَني فَمَنْ ذَا الَّذِي يَرْحَمُني، وَإِنْ أَهْلَكْتَني فَمَنْ ذَا الَّذِي يَعْرِضُ لَكَ (1)في عَبْدِكَ، أَوْ يَسْأَلُكَ عَنْ أَمْرِهِ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي حُكْمِكَ ظُلْمٌ، وَلا فِي نِقْمَتِكَ عَجَلَةٌ، وَإِنَّما يَعْجَلُ مَنْ يَخافُ الْفَوْتَ، وَإِنَّما يَحْتاجُ إِلَى الظُّلْم الضَّعِيفُ، وَقَدْ تَعَالَيْتَ يَا إِلهِي عَنْ ذَلِكَ عُلُوّاً كَبيراً.

اللّهمّ صَلِّ عَلى محمّد وَآلِ محمّد، وَلا تَجْعَلْني لِلْبَلاءِ غَرَضاً

وَلا لِنِقْمَتِكَ نَصَباً وَمَهِّلْني (2)وَنَفِّسْني (3)وَأَقِلني عَثرَتي، وَلَا تَبْتَلِيَنِّي


1) يعرض لك : أي يعترض لك.

2) ومهلني : أي أعطني المهلة.

3) ونفسني : أي أزل همّي وكربتي.

بِبَلاء عَلَى أَثَرِ بَلاء (1)، فَقَدْ تَرى ضَعْفي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي وَتَضَرُّعِي إِلَيْكَ.

أَعُوذُ بِكَ اللّهمّ الْيَوْمَ مِنْ غَضَبِكَ، فَصَلِّ عَلى محمّد وَآلِهِ وَأَعِذْني، وَأَسْتَجِيرُ بِكَ الْيَوْمَ مِنْ سَخَطِكَ فَصَلِّ عَلى محمّد وَآلِهِ وَأَجِرْنِي، وَأَسْأَلُكَ أَمْناً مِنْ عَذَابِكَ فَصَلِّ عَلَى محمّد وَآلِهِ وَآمِنِّي، وَأَسْتَهْدِيكَ فَصَلَّ عَلَى محمّد وَآلِهِ وَاهْدِنِي، وَأَسْتَنْصِرُكَ فَصَلِّ عَلَى محمّد وَآلِهِ وَانْصُرْني، وَأَسْتَرْحِمُكَ فَصَلِّ عَلَى محمّد وَآلِهِ وَارْحَمْنِي،، فضل على محمّد وَآلِهِ وَاكْفِنِي، وَأَسْتَرْزِقُكَ فَصَلِّ عَلى محمّد وآلِهِ وَارْزُقْني، وَأَسْتَعينُكَ فَصَلِّ عَلَى محمّد وَآلِهِ وَأَعِنِّي، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِي فَصَلِّ عَلَى محمّد وَآلِهِ وَاغْفِرْ لِي، وَأَسْتَعْصِمُكَ فَصَلِّ عَلَى محمّد وَآلِهِ وَاعْصِمْني، فَإِنِّي لَنْ أَعودَ لِشَيْءٍ كَرِهْتَهُ مِنِّي إِنْ شِئْتَ ذَلِكَ يَارَبِّ يَارَبِّ.

ياحَنَانُ یا مَنَانُ، يَاذَا الْجَلالِ وَالْاِكْرامِ، صَلِّ عَلَى محمّد وَآلِهِ وَاسْتَجِبْ لى جَميعَ ما سَأَلْتُكَ وَطَلَبْتُ إِلَيْكَ وَرَغِبْتُ فيهِ إِلَيْكَ، وَأَرِدْهُ (2)وَقَدَّرْهُ وَاقْضِهِ وَامْضِهِ وَخِرْلى فيما تَقْضى مِنْهُ، وَبارِكْ لى فى ذلِكَ، وَتَفَضَّلْ عَلَيَّ بِهِ وَأَسْعِدْنِي بِمَا تُعْطيني مِنْهُ، وَزِدْنِي مِنْ فَضْلِكَ وَسَعَةِ مَا عِنْدَكَ فَإِنَّكَ واسِعٌ كَريمٌ، وَصِلْ ذَلِكَ بِخَيْرِ الْآخِرَةِ وَنَعِيمِها يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ» (3).


1) ولا تبتلينى ببلاء على أثر بلاء : فإنّ تتابع البلاء ممّا يوجب انهيار الإنسان وشقاءه.

2) وأرده : أي أعطني طلبي ورغبتي.

3) الصحيفة السجّادية : الدعاء الثامن والأربعون.

وكان يدعو بعد هذا الدعاء الجليل بما أهمّه، ثمّ يصلّي على النبيّ العظيم (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) ألف مرة.

وانتهى بذلك هذا الدعاء الشريف الحافل بالخضوع والتذلل أمام الخالق العظيم والطلب منه بخير الدنيا والآخرة، فقد سأل منه الإيمان به، والتصديق برسوله وبالأئمّة العظام أوصياء النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) وخلفائه على أُمّته، ومما لا شبهة فيه أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان في أعلى مراتب الإيمان باللّه، والتصديق برسوله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، ومعرفة أوصيائه فهو أحدهم، وإنّما كان يدعو بذلك لإرشاد الأُمّة لاتّباع المنهج السليم في حياتها العقائدية.

مِنْ عُلوم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

أمّا علوم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقد كانت امتداداً ذاتياً لعلوم آبائه الذين ورثوا علوم النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، وفجروا ينابيع العلم والحكمة في الأرض، وأناروا الدنيا بعلومهم ومعارفهم، وقد ورثها الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فكان - فيما أجمع عليه المؤرّخون - من أوسع الناس علماً، ومن أكثرهم دراية لا في علم خاصّ، وإنما في جميع العلوم والفنون، وممّا يدلّل على ذلك أن العلماء والرواة قد رووا عنه من العلوم ما لا يحصى (1).

ونعرض بإيجاز لبعض علومه ومعارفه التي كان يلقيها في محاضراته على الفقهاء والعلماء.

الحديث

إشارة:

أمّا الحديث الشريف فله الأهميّة البالغة في العلوم الإسلاميّة، فقد بُني معظم الفقه الإسلامي عليه، فإنّه يعرض بصورة موضوعيّة وشاملة لتفصيل الأحكام الشرعيّة الواردة في القرآن الكريم، فيذكر أنواعها من الوجوب والحرمة، والاستحباب والكراهة والإباحة، كما يذكر أجزاءها وشرائطها وموانعها، وسائر ما يعتبر فيها، ويعرض لعمومات الكتاب ومطلقاته، فيخصصها ويقيّدها، وبالإضافة


1) خلاصة تهذيب الكمال : 23.

إلى ذلك تناول آداب السلوك، وقواعد الأخلاق، ويعطي البرامج الوافية لسعادة الإنسان وبناء شخصيته.

وعلى أي حال، فقد كان الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أعظم الرواة وأهمّهم في الإسلام، وكانت لرواياته أهميّة خاصّة عند علماء الحديث، خصوصاً ما يرويه الزهري عنه، فقد قال أبو بكر بن أبي شيبة : «أصحّ الأسانيد الزهري عن عليّ بن الحسين، عن أبيه، عن علىّ» (1).

وقد روى (عَلَيهِ السَّلَامُ) مجموعة عة كبيرة من الأحاديث عن جدّيه الرسول الأعظم (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) والإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، و عن أبيه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وغيرهم، ونعرض لبعضها :

رواياته (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)

روى الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كوكبة مشرقة من الأحاديث بسنده عن جدّه رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، وهذه بعضها :

1 - روی (عَلَيهِ السَّلَامُ) بسنده : عن رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) أنّه قال : «إِنْتِظارُ الْفَرَج عِبادَةٌ، وَأَنَّ مَنْ رَضِيَ بِالْقَلِيلِ مِنَ الرِّزْقِ رَضِيَ اللّه مِنْهُ الْقَليلَ مِنَ الْعَمَلِ» (2).

وفي هذا الحديث الشريف دعوة حكيمة للإنسان المسلم لعدم القنوط واليأس من رحمة اللّه، وإنّما عليه الصبر وانتظار الفرج، فإنّ الأمور جميعها بيد اللّه عزّ وجلّ، فهو وحده الذي يتصرف في شؤون عباده، كما فيه دعوة إلى عدم إرهاق الإنسان نفسه في تحصيل المادة والتهالك عليها، فإنّ الرزق قد قسمه اللّه تعالى بين عباده.

2- روى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَنَّ رَسولَ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) قالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، ما جُمِعَ شَيْءٌ


1) خلاصة تهذيب الكمال : 23.

2) الفصول المهمّة / ابن الصباغ : 188.

إِلَى شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ حِلْمٍ إِلَى عِلْمٍ» (1).

لقد دعا النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) الإنسان المسلم إلى التحلي بالعلم والحلم، وهما من الصفات الأصيلة التي تزدهر بهما شخصية الإنسان وتتطوّر بهما حياته وسلوكه.

3 - روى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أبيه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «أَنَّ رَسُولَ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) قَالَ : رَأْسُ الْعَقْلِ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاللّه عَزَّ وَجَلَّ التَّحَبُّبُ إِلَى النَّاسِ (2).

إنّ التودّد إلى الناس، وكسب عواطفهم من أظهر المميزات لشخصية الإنسان كما هو دليل على تمام عقله، ووفور كماله وفضله، وهو من أعظم مكاسبه في حياته.

4 - روى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «أَنَّ رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) قال : الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ» (3).

إنّ الإيمان في جميع صوره وألوانه ليس ظاهرة لفظية يقتصر فيه على عالم اللفظ الذي يتلاشى في الفضاء، وإنّما هو عمل وجهاد يحكي عمّا استقر في دخائل النفس من الإيمان العميق.

5 - روى : (أَنَّ النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) قال : الْإِيمَانُ إِقرارٌ بِالنِّسانِ، وَمَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ، وَعَمَلٌ بِالْأَرْكانِ» (4).

إنّ الإيمان يتقوّم بثلاثة أمور :

الأوّل : الإقرار باللسان الذي هو مترجم لما انطبع في أعماق النفس.

الثاني : أن يعرف القلب الشيء الذي آمن به معرفة تفصيلية، فإذا لم تكن هناك معرفة، فإنّ الإيمان به ينتهى موضوعياً.

الثالث : أن يصحب ذلك العمل بالأركان.


1) الخصال : 5.

2) حلية الأولياء : 3 : 203. الخصال : 17.

3) الخصال : 53.

4) تاریخ بغداد : 1 : 255. الخصال : 165.

6 - روى الزهري عن الإمام عليّ بن الحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) : «أَنَّ النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) قال : «لَا يَتَوارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ، وَلَا يَرِثُ مُسْلِمٌ كافِراً، وَلَا كَافِرٌ مُسْلِماً،، وقرأ (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ» (1)» (2).

لقد اتّفق فقهاء المسلمين على أنّ الكفر حاجب للإرث.

7 - روى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أبيه، عن جدّه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) : «أَنَّ رَسولَ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) قالَ : لَا تَزولُ قَدَمُ عَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حتّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَع : عَنْ عُمُرِهِ فيما أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبابِهِ فيما أَبْلَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ حُبَّنا أَهْلِ الْبَيْتِ» (3).

وحفل الحديث النبوي الشريف بالأمور التالية، وهى :

•

إن الإنسان في يوم حشره ونشره يسأل أمام اللّه تعالى عن أيّام حياته هل أفناها طاعة اللّه ورضوانه، حتّى يثاب على ذلك أم أنّه أنفقها في معصية اللّه لينال جزاءه العادل.

•

إن اللّه يسأل الإنسان عن شبابه الذي هو زهرة حياته، هل انطوت أيامه في المعاصي ليعاقب عليها، أم في الطاعة ليثاب عليها.

•

إنّ اللّه يسأل الإنسان عن أمواله هل اكتسبها من الطرق المشروعة، وهل أنفقها ما يرضي اللّه ليؤجر عليها، أم أنه اكتسبها من الطرق غير المشروعة، كالربا وأكل المال بالباطل، وهل أنفقها في معاصي اللّه ليعاقب عليها.

•

إن اللّه يسأل يوم القيامة الناس عن حبّ أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الذين هم سفن النجاة، وأمن العباد، فمن أحبّهم فإنّ طريقه حتماً إلى الجنة، ومن أبغضهم فإنّ


1) الأنفال 8: 73.

2) الجامع المختصر / ابن الساعي : 9 : 87.

3) الخصال : 231.

طريقه إلى النار حتماً، كما تظافرت النصوص على ذلك

8 - روى (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أبيه، عن جدّه رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، أنه قال : «إِنَّ أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللّه تَعَالَى إِدْخالُ السُّرورِ عَلَى الْمُؤْمِنِ» (1).

إن الإسلام بكلّ اعتزاز قد حرص كلّ الحرص على وحدة المسلمين وتضامنهم ووحدة كلمتهم، ومن أهم برامجه في ذلك حنّه للمؤمنين على إدخال السرور بعضهم على بعض، فإنّ ذلك ممّا يوجب شيوع المودّة والأُلفة بينهم.

9 - قال : «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) : ما يُوضَعُ فى مِيزَانِ امْرِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَفْضَلُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ» (2).

إنّ التحلّي بمكارم الأخلاق من أثمن ما يملكه الإنسان في حياته، ومن أفضل الأعمال التي يدّخرها لآخرته، وقد تبنّى الإسلام الدعوة إلى الأخلاق.

10 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): كانَ رَسولُ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) يَقولُ فِي آخِر خُطْبَتِهِ : طُوبَى لِمَنْ طَابَ خُلقُهُ، لا وَطَهُرَتْ سَجِيَّتُهُ، وَصَلحَتْ سَريرَتُهُ، وَحَسُنَتْ عَلانِيَتُهُ، وَأَنْفَقَ الْفَضْلَ مِنْ مالِهِ، وَأَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ قَوْلِهِ، وَأَنْصَفَ النّاسَ مِنْ نَفْسِهِ» (3).

ودعا النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) الإنسان المسلم إلى الاتصاف بمحاسن الصفات، والالتزام بما يلي :

•

حسن الأخلاق.

•

طهارة الضمير وصلاحه.

•

التحلي بالفضائل والآداب


1) الكافى : 2 : 189، الحدیث 4 مصادقة الإخوان : 167، الحديث 3.

2) أصول الكافي : 2 : 99، الحدیث 2.

3) أصول الكافي : 2 : 144، الحديث 1.

•

إنفاق الفاضل من الأحوال في سبيل اللّه، كإعالة الفقراء والضعفاء.

•

إمساك الفضل من القول، وعدم الخوض في توافه الأمور.

•

إنصاف الناس، وذلك بالتزام الحق ولو على النفس.

11 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَمُدَّ اللّه فِي عُمُرِهِ، وَأَنْ يَبْسُطُ لَهُ فِي رِزْقِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ، فَإِنَّ الرَّحِمَ لَها لِسانٌ يَوْمَ الْقِيامَةِ ذَلِقٌ، تَقولُ : يا رَبِّ، صِلْ مَنْ وَصَلَني، وَاقْطَعْ مَنْ قَطَعَني، فَالرَّجُل لَيُرى بِسَبيلِ خَيْرٍ إِذا أَتَتْهُ الرَّحِمُ الَّتِي قَطَعَهَا فَتَهْوي بِهِ إِلى أَسْفَلِ قَعْرِ في النَّارِ» (1).

إنّ صلة الرحم ممّا يوجب تضامن الأسرة التي هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع الإنساني، ومن الطبيعي أنّ الأسرة إذا سادت فيها المودّة والمحبّة فإنّ ذلك ممّا يوجب صلاح المجتمع ووحدته، وهذا ما يحرص عليه الإسلام في دعوته الخالدة إلى الوحدة والتضامن.

12 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) : مِنْ أَحَبُّ السَّبيلِ إِلَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ جُرْعَتانِ : لا جُرْعَةً غَيْظٍ تَرُدُّهَا بِحِلْمٍ، وَجُرْعَةً مَصِيبَةٍ تَرُدُّهَا بِصَبْرٍ» (2).

لقد دعا الرسول الأعظم (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) إلى بناء شخصية المسلم على دعامتين : الحلم والصبر، وهما من أبرز الصفات الإنسانية، فمن تحلّى بهما فقد بلغ القمة في توازن شخصيّته وكمالها.

13 – روی (عَلَيهِ السَّلَامُ) بسنده عن آبائه : «أَنَّ رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) قالَ : إِنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ الْعَقْلَ مِنْ نورٍ مَخْرُونٍ مَكنون في سابِقِ عِلْمِهِ الَّذى لَمْ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَلَا مَلَك مُقَرَّبٌ، فَجَعَلَ الْعِلْمَ نَفْسَهُ، وَالْفَهْمَ روحَهُ، وَالزَّهْدَ رَأْسَهُ، وَالْحَياءَ عَيْنَهُ، وَالْحِكْمَةَ


1) أصول الكافى : 2 : 156، الحديث 29.

2) أصول الكافي : 2 : 110، الحدیث 9. وسائل الشيعة : 12 : 176.

لِسَانَهُ، وَالرَّأْفَةَ هَمَّهُ، وَالرَّحْمَةَ قَلْبَهُ، ثُمَّ حَشَاهُ وَفَوَاهُ بِعَشَرَةِ أَشْيَاءٍ : بِالْيَقِينِ، وَالْإِيمَانِ، وَالصِّدْقِ، وَالسَّكينَةِ، وَالْإِخْلاصِ، وَالرَّفْقِ، وَالْعَطِيَّةِ، وَالْقُنوعِ، وَالتَّسْلِيمِ، وَالشُّكْرِ.

ثُمَّ قَالَ لَهُ عَزَّ وَجَلَّ : ادْبِرْ فَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : تَكَلَّمْ، فَقالَ : الْحَمْدُ للّه الَّذِي لَيْسَ لَهُ ضِدُّ وَلَا نِدٌ، وَلَا شَبيةٌ، وَلَا كُفْقٌ، وَلَا عَدِيلٌ، وَلَا مَثَلٌ، الَّذِي كلّ شَيْءٍ لِعَظَمَتِهِ حَاضِعٌ ذَلِيلٌ.

فَقالَ الرَّبُّ تَبارَكَ وَتَعالى : وَعِزَّتِي وَجَلالي، ما خَلَقْتُ خَلْقاً أَحْسَنَ مِنْكَ وَلَا أَطْوَعَ لي مِنْكَ، وَلَا أَرْفَعَ مِنْكَ، وَلَا أَشْرَفَ مِنْكَ، وَلَا أَعَزَّ مِنْكَ، بِكَ أُوَحَدُ، وَبِكَ أُعْبَدُ، وَبِكَ أدْعى، وَبِكَ أَرْتَجى، وَبكَ ابْتَغى، وبك أخافُ، وَبكَ أحْذَرُ، وَبِكَ الثَّوابُ، وَبِكَ العقاب...» (1).

وحفل هذا الحديث الشريف بتمجيد العقل وتعظيمه، وبيان أهميته، وما منحه اللّه من الخصائص، فهو أفضل الموجودات التي خلقها اللّه، وقد منحه اللّه للإنسان وميّزه على بقيّة المخلوقات والكائنات، وهو شرط في صحة التكليف في الإسلام، فالفاقد له يكون كالحيوان الأعجم لا يصح أن يتوجّه له التكليف.

14 - روی (عَلَيهِ السَّلَامُ) بسنده عن آبائه، قال : «إِنَّ الْمُسْلِمينَ قالوا لِرسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) : لَوْ أَكْرَهْتَ يَا رَسُولَ اللّه مَنْ قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِنَ النَّاسِ عَلَى الْإِسْلَامِ لَكَثُرَ عَدَدُنَا، وَقَويْنا عَلَىٰ عَدُوّنا.

فَقالَ رَسولُ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) : ما كُنْتُ لألْقَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ بِدْعَةٍ لَمْ يُحْدِثْ إِلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ، وما أنا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ، فَأَنْزَلَ اللّه تَبارَكَ وَتَعالى : يا محمّد، «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَميعاً» عَلى سَبيلِ الْإِلْجاءِ وَالْإِضْطِرارِ فِي الدُّنْيَا، كَمَا يُؤْمِنونَ عِنْدَ


1) بحار الأنوار 1 : 107، كتاب العقل والجهل، الباب 4، الحديث 3. الخصال : 2 : 466، باب العشرة، الحديث 4.

الْمُعايَنَةِ وَرُؤْيَةِ الْبَأْسِ فِي الْآخِرَةِ، وَلَوْ فَعَلْتَ ذلِكَ بِهِمْ لَمْ يَسْتَحِقُوا مِنّي ثَواباً وَلَا مَدْحاً، لكنّى أريدُ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْمِنوا مُخْتارِينَ غَيْرَ مُضْطَرينَ لِيَسْتَحِقُوا مِنَى الزَّلْفى وَالْكَرَامَةَ وَدَوامَ الْخُلود في جَنَّةِ الْخُلْدِ، «أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ» (1).

وأَمَا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : «وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللّه» (2)، فَلَيْسَ ذلِكَ عَلى سَبيلِ تَحْريم الْإِيمَانِ عَلَيْهَا، وَلكِنْ عَلَى مَعْنى أَنَّهَا مَا كَانَتْ لِتُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللّه وَإِذْنُهُ أَمْرُهُ إيّاها بِالْإِيمانِ، ما كانَتْ مُكَلَّفَةٌ مُتَعَبَّدَةً، وَالْجَاؤُهُ إيّاها إِلَى الْإِيمَانِ عِنْدَ زَوالِ التَّكْلِيفِ وَالتَّعَبُدِ عَنْها» (3).

لقد فنّد الرسول الأعظم (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) شبهة الجبر، ونسف جميع أوهامها، فقد خلق اللّه تعالى الناس أحراراً بإرادتهم واختيارهم وأرشدهم إلى أعمال الخير، ونهاهم عن الإثم والشرّ، فهم بإرادتهم يعملون ما يشاءون، ويختارون ما يريدون، وليسوا مجبرين على أي عمل من الأعمال.

ويقول الرواة : «إنّ الإمام الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) تلا هذا الحديث الشريف على المأمون العبّاسي، فأعجب به، وراح يقول له : فرّجت عنّى يا أبا الحسن، فرج اللّه عنك» (4).

15 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): حَدَّثَني أبي سيّد شَبابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْحُسَيْنُ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبي عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : سَمِعْتُ النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) يَقولُ : قالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ لَهُ: إِنِّي أَنا اللّه لا لَا إِلَهَ إِلَّا أَنا فَاعْبُدونِ، فَمَنْ جَاءَ مِنْكُمْ بِشَهادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه بِإِخْلاصِ دَخَلَ في حِصْنِي، وَمَنْ دَخَلَ فِي حِصْني أمِنَ مِنْ عَذابي» (5).


1) یونس 10: 99

2) یونس 10 : 100.

3) التوحيد : 342.

4) التوحيد : 342.

5) التوحيد: 25.

إنّ من أخلص في توحيد اللّه، وأقر بذلك عن وعي وإيمان، فقد اعتصم باللّه ودخل حصناً آمناً من حصونه، وبذلك يكون قد نجا من عذاب اللّه وعقابه.

16 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) : كَفَى بِالْمَرْءِ عَيْباً أَنْ يُبْصِرَ مِنَ النَّاسِ مَا يَعْمَى عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ، وَأَنْ يُؤْذِي جَليسَهُ بِما لَا يُعْنيهِ» (1).

إنّ من نقصان الإنسان أن يفتش عن عيوب الناس، ويعرض عن عيوب نفسه، وإنّ الأولى به أن يهذب نفسه، ويصلح نقصه، ولا يلتفت إلى عورات الناس، كما أنّ من نقصان الإنسان أن يؤذي جليسه بما لا يعنيه، فإنّه يشتري بذلك عدوّاً له، وهو في غنى عن ذلك.

17 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) : مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ ما لَا يُعْنيهِ (2).

إنّ هذه الظاهرة من أبرز صفات الإنسان المسلم، فإنّ عدم دخوله في ما لا يعنيه، وبما لا يتعلّق به، دليل على نضوجه ووفور عقله، أما دخوله في ما لا يعنيه فإنّه يدلّ على ضحالة فكره ويسبب له الاتعاب والإرهاق، ويلقيه في شرّ عظيم.

18 - قال اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) : فى الْجَنَّةِ ثَلاثُ دَرَجاتٍ، وَفي النَّارِ ثَلاتُ دَرَكاتٍ، فَأَعْلى دَرَجاتِ الْجَنَّةِ لِمَنْ أَحَبَّنا بِقَلْبِهِ وَنَصَرَنا بِلِسانِهِ وَيَدِهِ. وَالدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ لِمَنْ أَحَبَّنا بِقَلْبِهِ وَنَصَرَنا بِلِسانِهِ، وَالدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ لِمَنْ أَحَبَّنا بِقَلْبِهِ.

وفى أَسْفَلِ الدَّرْكِ مِنَ النَّارِ مَنْ أَبْغَضَنَا بِقَلْبِهِ، وَأَعانَ عَلَيْنا بِلِسانِهِ وَيَدِهِ، وَفِي الدَّرْكِ الثاني مِنَ النَّارِ مَنْ أَبْغَضَنَا بِقَلْبِهِ، وَأَعانَ عَلَيْنَا بِلِسَانِهِ، وَفِي الدَّرْكِ الثَّالِثِ مِنَ النَّارِ مَنْ


1) أصول الكافى : 2 : 432، الحدیث 1.

2) الذرية الطاهرة : 87 المعرفة والتاريخ : 1 : 360. المصنف / الصنعاني : 11 : 308. مسند أحمد بن حنبل : 1 : 201.

أَبْغَضَنَا بِقَلْبِهِ» (1).

إنّ محبّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) منجاة من الهلكة، ومدعاة إلى الفوز بأسمى الدرجات في الفردوس الأعلى، كما أنّ بعضهم من أسباب الهلكة والتردّي في أسفل درك من النار.

19 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): وقالَ رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) : حُبّى وَحُبُّ أَهْلِ بَيْتي نافِعٌ فِي سَبْع مَواطِنِ له أَهْوَالُهُنَّ عَظيمَةٌ : عِنْدَ الْوَفاةِ، وَفي القَبْرِ، وَعِنْدَ النَّشورِ، وَعِنْدَ الْكِتابِ، وَعِنْدَ الْحِسابِ، وَعِنْدَ الْمِيزَانِ، وَعِنْدَ الصِّراطِ» (2).

وهذه المواطن من أحرج المواقف وأشدّها على الإنسان، ولا يجتازها إلا بمحبّة النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) والمودّة لأهل بيته الأطهار.

20 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏): سِتَّةٌ لَعَنَهُمُ اللّه، وَكُلُّ نَبِيَّ مُجَابٍ، الزَائِدُ في كِتابِ اللّه، وَالْمُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللّه، وَالنَّارِكُ لِسُنَّتِي، وَالْمُسْتَحِلُّ مِنْ عِتْرَتي ما حَرَّمَ اللّه، وَالْمُتَسَلَّطُ بِالْجَبَرُوتِ لِيُذِلُّ مَنْ أَعَزَّهُ اللّه، وَيُعِزُّ مَنْ أَذَلَّهُ اللّه، وَالْمُسْتَأْثِرُ بِفَيْءِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُسْتَحِلُّ لَهُ» (3).

إنّ هؤلاء الأصناف الذين لعنهم اللّه، ولعنهم كلّ نبيّ، هم المنحرفون عن الحقِّ، والنابذون لكلّ ما سنّه اللّه، وهم الشبكة التخريبية في الإسلام من ملوك الأمويّين الذين ناصبوا العداء للعترة الطاهرة، وأشاعوا الفساد والجور في الأرض.

21 - روی (عَلَيهِ السَّلَامُ) بسنده عن جده رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) أَنه قال : «قالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ : عَلِيٌّ ابْنُ أَبي طَالِبٍ حُجَّتِي عَلى خَلْقِي، وَنوري في بلادي، وَأَميني عَلى عِلْمي» (4).


1) المحاسن / البرقي : 1: 153.

2) الخصال : 330.

3) الخصال: 308.

4) مائة منقبة / محمّد بن أحمد القمّي : 78. بحار الأنوار: 27: 116، الحدیث 91.

لقد أعرب هذا الحديث الشريف عن أهمية الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسموّ مكانته عند اللّه، فهو حجّة اللّه الكبرى على العباد، ونوره المشرق في البلاد، وأمينه على علمه.

22 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَخْبَرَنِي أَبي الْحُسَيْنُ، قَالَ : أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، قالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عليّ بن أبي طَالِبٍ، قَالَ : قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) : خُلِقْتُ أَنا وَعَلِيٌّ مِنْ نورٍ واحد» (1).

لقد خلق اللّه تعالى النبيّ والوصي من نور واحد، فأضاء بهما العقول، وأوضح بهما القصد، وأرشد بهما الضال

23 - روى (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «أَنّ رَسولَ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) قال : يا عَلِيُّ، أَوَّلُ ما يُسْأَلُ عَنْهُ الْعَبْدَ بَعْدَ مَوْتِهِ شَهادَةً أَنْ لا إلهَ إِلَّا اللّه، وَأَنَّ محمّداً رَسولُ اللّه، وَأَنَّكَ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا جَعَلَهُ اللّه، وَجَعَلْتُهُ لَكَ، فَمَنْ أَقَرَّ بِذلِكَ وَكَانَ يَعْتَقِدُهُ صَارَ إِلَى النَّعِيمِ الَّذِي لَا زَوالَ لَهُ» (2).

وتظافرت الأخبار بمضمون هذا الحديث، وأنّ الإنسان بعد ما يفارق هذه الحياة يسأل عن هذه الأمور الثلاث، وهي البداية الأولى التي يسأل عنها ويحاسب عليها.

24 - روی (عَلَيهِ السَّلَامُ) بسنده عن أبيه، عن جده : «أَنَّ رَسُولَ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) قَالَ : هَبَطَ عَلَيَّ جَبْرَئِيلُ فَقالَ : إِنَّ اللّه يُقْرِئُكَ السَّلامَ، وَيَقولُ : حُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى صُلْبٍ أَنْزَلَكَ، وَبَطْنٍ حَمَلَكَ، وَحِجْرٍ كَفَلَكَ» (3).

قال السيوطي في تفسير الحديث : «أمّا الصلب الذي نزل منه رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) فعبد اللّه، وأمّا البطن فآمنة، وأمّا الحجر فعمّه أبو طالب وفاطمة بنت أسد» (4).


1) الخصال : 31.

2) الإمام زين العابدين / السيّد المقرم : 283.

3) التعظيم والمنّة في أنّ أبوي رسول اللّه في الجنة : 32.

4) التعظيم والمنّة : 32.

25 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «دَخَلَ رَسُولُ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَهْلِهِ، فَقَالَ : أَلا أُحَدِّثُكُمْ بِما يَكونُ خَيْراً في الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَكُمْ، وَإِذا كَرِبْتُمْ أَوْ غُمِمْتُمْ دَعَوْتُمُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ فَفَرَّجَ عَنْكُمْ، قالوا : بلى يا رسولَ اللّه، قال : قولوا اللّه، اللّه، اللّه رَبُّنَا، لَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً، ثُمَّ ادْعُوا مَا بَدا لَكُمْ» (1).

26 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَتى رَجُلٌ إِلى رسول اللّه ‏ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) فَقالَ لَهُ : ما بَقِيَ مِنَ الشَّرُ شَيْءٌ إِلَّا عَمِلْتُهُ، فَهَلْ مِنْ تَوْبَةٍ ؟

فَقالَ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏): هَلْ بَقِيَ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ ؟

قالَ : نَعَمْ.

قالَ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏): فَبَرَّهُ، فَلَعَلَّهُ أَنْ يُغْفَرَ لَكَ، فَوَلَّى الرَّجُلُ، فَقالَ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) : لَوْ كانَتْ أُمُّهُ» (2).

ودلّ هذا الحديث الشريف على أنّ البرّ بالوالدين والإحسان لهما من موجبات الرحمة، وغفران الذنب، خصوصاً البر بالأم.

27 – روى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، عن أبيه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَنَّ رَسُولَ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) قَالَ لِلْإِمَامِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): الْجَنَّةُ تَشْتاقُ إِلَيْكَ، وَإِلى عَمارِ، وَإِلى سَلْمَانَ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَالْمِقْدادِ» (3).

إنّ الجنّة لتشتاق إلى هؤلاء الجماعة الذين هم من عناصر الإيمان، ومن طلائع المجاهدين في الإسلام، فقد أبلوا في اللّه بلاء حسناً، وأقاموا دين اللّه بجهودهم وجهادهم، فحقاً إنّ الجنّة لتشتاق إليهم.

28 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): حَدَّثَنِي أَبي : أَنَّ جَدَّهُ رَسولَ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) قَالَ : أَعْبَدُ النَّاسِ مَنْ أَقَامَ الْفَرائِضَ، وَأَسْخَى النَّاسِ مَنْ أَدَى الزَّكاةَ، وَأَزْهَدُ النَّاسِ مَنِ اجْتَنَبَ الْمَحارِمَ، وَأَتْقَى


1) الدعوات / الراوندي : 20.

2) الدعوات / الراوندي : 47.

3) الخصال : 275.

النَّاسِ مَنْ قالَ بِالْحَقِّ فِي مَالَهُ وَعَلَيْهِ، وَأَعْدَلُ النَّاسِ مَنْ رَضِيَ لِلنَّاسِ بِمَا يَرْضَىٰ لِنَفْسِهِ، وَكَرِهَ لَهُمْ ما كَرِهَ لِنَفْسِهِ، وَأَكْبَسُ النَّاسِ مَنْ كانَ أَشَدَّ ذِكْراً لِلْمَوْتِ، وَأَغْبَطُ النَّاسِ مَنْ كانَ تَحْتَ التّراب قَدْ أَمِنَ الْعِقابَ، وَيَرْجُو الثَّوابَ، وَأَعْقَلُ النَّاسِ مَنْ يَتَّعِظُ بِتَغَير الدُّنْيا مِنْ حالٍ إِلى حالٍ، وَأَعْظَمُ النَّاسِ فِي الدُّنْيا خَطَراً مَنْ لَمْ يَجْعَلْ لِلدُّنْيا خَطَراً، وَأَعْلَمُ النَّاسِ مَنْ جَمَعَ عِلْمَ النّاسِ إِلى عِلْمِهِ، وَأَشْجَعُ النَّاسِ مَنْ غَلَبَ هَواهُ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ قيمَةً أَكْثَرُهُمْ عِلْماً، وَأَقَلُّ النَّاسِ لَذَّةَ الْحَسودُ، وَأَقَلُّ النّاسَ راحَةٌ الْبَحْيِلُ، وَأَبْخَلُ النّاسِ مَنْ بَخِلَ بِما افْتَرَضَ اللّه عَلَيْهِ، وَأَوْلى النَّاسِ ِبالْحَقِّ أَعْلَمُهُمْ، وَأَقَلُّ النَّاسِ حُرْمَةَ الْفَاسِقُ، وَأَقَلُّ النَّاسِ وَفاءَ الْمُلولُ، وَأَقَلُّ النَّاسَ صَديقاً الْمُلولُ، وَأَفْقَرُ النَّاسِ الطَّمَاعُ، وَأَغْنَى النَّاسِ مَنْ لَمْ يَكُنْ لِلْحِرص أسيراً، وَأَفْضَلُ النَّاسِ إيماناً أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً، وَأَكْثَرُ النّاسِ (1)أَتْقاهُمْ، وَأَعْظَمُ النَّاسِ حَذَراً مَنْ تَرَكَ ما لَا يُعْنِيهِ، وَأَوْرَعُ النَّاسِ مَنْ تَرَكَ الْمِراءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقَّاً، وَأَقَلُّ النَّاسِ مُرُوَّةً مَنْ كانَ كاذِباً، وَأَشْقَى النَّاسِ الْمُلولُ، وَأَمْقَتُ النَّاسِ الْمُتَكَبِّرُ، وَأَشَدُّ النّاسِ اجتهاداً مَنْ تَرَكَ الذُّنوبَ، وَأَحْلَمُ النّاسِ مَنْ فَرَّ مِنْ جُهَالِ النَّاسِ، وَأَسْعَدُ النَّاسِ مَنْ حالَفَ كِرَامَ النَّاسِ، وَأَعْقَلُ النَّاسِ أَشَدُّهُمْ مُداراةٌ لِلنَّاسِ، وَأَوْلَى النَّاسِ بِالتُّهْمَةِ مَنْ جالَسَ أَهْلَ التِّهْمَةِ، وَأَعْتَى النّاسِ مَنْ قَتَلَ غَيْرَ قاتِلِهِ أَوْ ضَرَبَ غَيْرَ ضاربهِ، وَأَوْلَى النَّاسِ بِالْعَفْوِ أَقْدَرُهُمْ عَلَى الْعُقوبَةِ، وَأَحَقُّ النّاسِ بِالذَّنْبِ السَّفِيهُ الْمُغْتَابُ، وَأَذَلُّ النَّاسِ مَنْ أهانَ النّاسَ، وَأَحْزَمُ النّاسِ أَكْظَمُهُمْ لِلْغَيْظِ، وَأَصْلَحُ النَّاسِ أَصْلَحُهُمْ للنّاسِ، وَخَيْرُ النَّاسِ مَنِ انْتَفَعَ بِهِ النَّاسُ» (2).

لقد ألقى هذا الحديث الشريف الأضواء على طبائع الناس واتجاهاتهم وميولهم، ووضع المناهج الحيّة للإصلاح الشامل لكثير من القضايا النفسيّة والتربوية.


1) أسقطت هذه الكلمة من الأصل، ولعلّها : «وأكثر الناس عقلاً أتقاهم».

2) الغايات / ابن بابويه القمّي : 171.

حقّاً لقد كان هذا الحديث من مناجم الأحاديث النبويّة التي ضمّت كنوز العلم والحكمة والعرفان.

29 – روى (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أبيه : «أَنَّ رَسولَ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) قال : ما زِلْتُ أَنا وَمَنْ كَانَ قَبْلَى مِنَ النَّبِيِّينَ مُبْتَلِينَ بِمَنْ يُؤْذِينَا، وَلَوْ كَانَ الْمُؤْمِنُ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ لَقَيَّضَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ مَنْ يُؤذيهِ لِيُؤْجِرَهُ عَلى ذلِكَ» (1).

لقد تعرّض الرسول الأعظم (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) وسائر النبيّين من قبله إلى الاضطهاد والاعتداء من قبل القوى الباغية التي تناهض الإصلاح الاجتماعي، وتناجز دعاته، وجرت على ذلك سنة الحياة من محاربة قوى الشر لقوى الخير، بل لو كان هناك مؤمن مقيم على رأس جبل منعزل عن الناس لانبرى إليه شرير فيؤذيه ويزعجه ليثيبه اللّه.

30 - روى (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أبيه : «أَنَّ رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) قال : عليّ بن أبي طَالِبٍ خَلِيفَةُ اللّه وَخَليفَتي، وَحُجَّةُ اللّه وَحُجَّتِي، وَبَابُ اللّه وَبَابِي، وَصَفِيُّ اللّه وَصَفِنِّي، وَحَبيبُ اللّه وَحَبيبي، وَخَلِيلُ اللّه وَخَليلي، وَسَيْفُ اللّه وَ سَيْفي، وَهُوَ أَخي، وَصاحِبي، وَوَزيري. مُحِبُّهُ مُحِبِّي، وَمُبْغِضُهُ مُبْغِضي، وَوَلِيُّهُ وَلِنِّي، وَعَدُوُّهُ عَدُوّي، وَزَوْجَتُهُ ابْنَتِي، وَوَلَدُهُ وَلَدي، وَقَوْلُهُ قَوْلي، وَأَمْرُهُ أَمْرِي، وَهُوَ سيّد الْوَصِيّينَ، خَيْرُ أُمَّتِي، وَسَبِّدُ وُلد آدَم بعدي» (2).

لقد أشاد النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) في كثير من المواقف في حق أخيه، ووصيه، رائد الحقّ والعدالة الاجتماعيّة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ومن الطبيعي أن ذلك إنّما هو للتدليل على خلافته من بعده، وأنّه هو القائد العام للمسيرة الإسلاميّة بعد وفاته (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏).

31 – روی (عَلَيهِ السَّلَامُ) بسنده عن آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ): «أَنَّ رَسولَ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) قَالَ لَأَصْحَابِهِ : إِنَّ اللّه قَدْ


1) وسائل الشيعة : 12 : 124.

2) مناقب الإمام أمير المؤمنين / ابن شاذان القمّي : 60.

فَرَضَ عَلَيْكُمْ طَاعَتِي، وَنَهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَتِي، وَفَرَضَ عَلَيْكُمْ طَاعَةَ عَلِيٌّ بَعْدِي، وَنَهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَهُوَ وَصِيِّنِّي، وَوارِثي، وَهُوَ مِنّي وَأَنَا مِنْهُ، حُبُّهُ إيمانٌ، وَبُغْضُهُ كُفْرٌ» (1).

إنّ الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) لم يفرض طاعة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على أصحابه، وإنّما لم فرضها على جميع المسلمين، كما يدلّل على ذلك حديث الغدير الذي أجمع المسلمون على روايته، وليس هناك أدنى شك في أنّ مبعث ذلك هي مواهب الإمام وعبقريّاته، وعظيم اتصاله باللّه تعالى، إذ ليس في المسلمين من يدانيه ويضارعه في فضائله ومآثره.

قال الجاحظ : «لا يعلم رجل في الأرض متى ذكر السبق في الإسلام والتقدم فيه ومتى ذكرت النجدة والذب عن الإسلام، ومتى ذكر الفقه في الدين، ومتى ذكر الزهد في الأموال التي تتناحر الناس عليها، وحتى ذكر الإعطاء في الماعون، كان مذكوراً في هذه الخصال كلّها، إلا علي (رضیَ اللّهُ عنهُ)» (2).

22 - روی (عَلَيهِ السَّلَامُ) بسنده عن أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، عن جده الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «أَنَّ النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) قالَ : يُصَلِّى الْمَرِيضُ قائِماً، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى قاعِداً، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَسْجُدَ أَوْمَاً، وَجَعَلَ سُجودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكوعِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ قاعِداً صَلَّى عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنَ مُسْتَقْبِلاَ الْقِبْلَةَ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَىٰ مُسْتَلْقِياً رِجْلَيْهِ ممّا يَلي الْقِبْلَةَ» (3).

وكان هذا الحديث الشريف وغيره ممّا أثر عن أئمة أهل البيت لا في هذا الموضوع ممّا استند إليه الفقهاء في فتياهم بعدم وجوب القيام في الصلاة على المريض الذي يجد حرجاً في الصلاة قائماً، وإنما عليه أن يصلي جالساً لأنّ الإسلام


1) أمالي الصدوق : 271، الحدیث 299.

2) ثمار القلوب / الثعالبي : 67.

3) میزان الاعتدال : 1 : 484 و 485.

لم يشرع أي حكم حرجي.

33 - روى (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «أَنَّ رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) قال : إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَشْبَعَ مِنَ الطَّعامِ فَيَحْمَدُ اللّه فَيُعْطِيهِ اللّه مِنَ الْأَجْرِ مَا يُعْطِي الصَّائِمَ الْقائِمَ، إِنَّ اللّه يُحِبُّ الشَّاكِرِينَ» (1).

هذه بعض الأحاديث التي رواها الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن جدّه رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، وقد روى بعضها مسندة عن أبيه، عن جده الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، عن النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، وأخرى غير مسندة، وهي على كلا الوجهين تتصف بأعلى مراتب الصحّة إن صحّ السند إليه.

رواياته (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

روى الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الطائفة مشرقة من حكم الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد عالج فيها الكثير من القضايا الاجتماعيّة، كما روى طائفة من خطبه ومواعظه، وفي ما يلي بعضها :

1 - قال : «لِلْمُسْرِفِ ثَلاثُ عَلاماتِ : يَأْكُلُ ما لَيْسَ لَهُ، وَيَلْبَسُ مَا لَيْسَ لَهُ، وَيَشْتَرى ما لَيْسَ لَهُ» (2).

إنّ المسرف مصاب بانحراف في سلوكه الاقتصادي، وقد حدّد الإمام الحكيم مظاهر الشذوذ في تصرفاته بأنه يأكل ويلبس ويشتري كلّ ذلك مع ما لا يتناسب وشأنه، ولا يتفق مع دخله ووارده.

2 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «حَدَّثني أبي الْحُسَيْنُ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قالَ : سَمِعْتُ أَبِي عَلِيّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَقولُ : الْأَعْمَالُ عَلى ثَلاثَةِ أَحْوَالٍ : فَرائِضُ، وَفَضائِلُ، وَمَعاصِ، فَأَمَّا الْفَرائِضُ فَبِأَمْرِ اللّه،


1) ربيع الأبرار: 4 : 328.

2) الخصال : 94.

وَبِرِضَى اللّه، وَبِقَضاءِ اللّه وَتَقْدِيرِهِ وَمَشيئَتِهِ وَعِلْمِهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَمَا الْمَعاصِي فَلَيْسَتْ بأَمْرِ اللّه، وَلِكنْ بِفَضاءِ اللّه، وَتَقْدِيرِ اللّه وَبِمَشيئَتِهِ وَعِلْمِهِ، ثُمَّ يُعاقِبُ عَلَيْها» (1).

وألقى الإمام الأضواء على أفعال الإنسان، وارتباطها بالقضاء والقدر، فكلّ ما يصدر من الإنسان من عمل يعلم به اللّه الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولكن لا شيء من أعمال الخير أو الشرّ قد أجبر عليه العباد، وإنّما فوّض ذلك لإرادتهم واختيارهم، وقد دلّل على ذلك علماء الإماميّة في كتبهم الكلاميّة.

3 - روى (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أبيه : «أنّ الإمام أمير الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) قَالَ : إِنَّ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَخْفَى أَرْبَعَةً فِي أَرْبَعَةٍ :

أَخْفَى رِضاهُ في طَاعَتِهِ، فَلَا تَسْتَصْغِرَنَّ شَيْئاً مِنْ طَاعَتِهِ، فَرُبَّما وَافَقَ رِضَاهُ وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ. وَأَخْفى سَخَطَهُ فِي مَعْصِيَتِهِ، فَلَا تَسْتَصْغِرَنَّ شَيْئاً مِنْ مَعْصِيَتِهِ، فَرُبَّما وَافَقَ سَخَطَهُ وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ. وَأَخْفَى إِجَابَتَهُ فِي دَعْوَتِهِ، فَلَا تَسْتَصْغِرَنَّ شَيْئاً مِنْ دُعَائِهِ، فَرُبَّما وافَقَ إِجابَتْهُ وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ. وَأَخْفى وَلِيَّهُ في عِبادِهِ، فَلَا تَسْتَصْغِرَنَّ عَبْداً مِنْ عَبِيدِ اللّه فَرُبَّما يَكونُ وَلِيَّهُ وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ» (2).

لقد دعا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى عدم استصغار هذه الأمور لأنّ في احتقارها بعض المفاسد التي ألمح (عَلَيهِ السَّلَامُ) لها.

4 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): كانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَقولُ : إِنَّمَا الدَّهْرُ ثَلاثَةَ أيّام أَنْتَ في ما بَيْنَهُنَّ : مَضى أَمْسُ بِما فِيهِ فَلا يَرْجِعُ أبداً، فَإِنْ كُنْتُ عَمِلْتَ فِيهِ خَيْراً لَمْ تَحْزَنْ لِذَهَابِهِ، وَفَرِحْتُ بِمَا اسْتَقْبَلْتَهُ مِنْهُ، وَإِنْ كُنْتَ قَدْ فَرَّطْتَ فِيهِ فَحَسْرَتُكَ شَدِيدَةٌ لِذَهَابِهِ


1) الخصال : 156.

2) الخصال : 191.

وَتَفْريطِكَ فيهِ.

وَأَنْتَ فِي يَوْمِكَ الَّذِي أَصْبَحْتَ فِيهِ مِنْ غَدٍ في غِرَّةٍ، وَلَا تَدْري لَعَلَّكَ لَا تَبْلُغُهُ، وَإِنْ بَلَغْتَهُ لَعَلَّ حَظَكَ فيهِ فِي التَّفْرِيطِ مِثْلُ حَظَكَ فِي الْأَمْسِ الْمَاضِي عَنْكَ، فَيَوْمٌ مِنَ الثلاثَةِ قَدْ مَضى أَنْتَ فِيهِ مُفَرِّطٌ، وَيَوْمٌ تَنْتَظِرُهُ لَسْتَ أَنْتَ مِنْهُ عَلى يَقِينِ مِنْ تَرْكِ التَّفْريطِ، وَإِنَّما هُوَ يَوْمُكَ الَّذي أَصْبَحْتَ فِيهِ، وَقَدْ يَنْبَغِي لَكَ إِنْ عَقَلْتَ وَفَكَّرْتَ فيما فَرَّطْتَ فِي الْأَمْسِ الْمَاضِي ممّا فَاتَكَ فِيهِ مِنْ حَسَناتٍ أَلَّا تَكونَ اكْتَسَبْتَهَا، وَمِنْ سَيِّئَاتٍ ألا تَكونَ ابْتَعَدْتَ عَنْهَا، وَأَنْتَ مَعَ هذا مَعَ اسْتِقْبَالِ غَدٍ عَلى غَيْر ثِقَةٍ مِنْ أَنْ تَبْلُغَهُ وَعَلَى غَيْرِ يَقينِ مِنِ اكْتِسابِ حَسَنَةٍ أَوْ مُرْتَدِعٌ عَنْ سَيِّئَةٍ مُحْبِطَةٍ، فَأَنْتَ مِنْ يَوْمِكَ الَّذِي تَسْتَقْبِلُ عَلَى مِثْلِ يَوْمِكَ الَّذِي اسْتَدْبَرْتَ فَاعْمَلْ عَمَلَ رَجُلٍ لَيْسَ يَأْمَلُ مِنَ الْأيّام إِلَّا يَوْمَهُ الَّذِي أَصْبَحَ فِيهِ وَلَيْلَتَهُ، فَاعْمَلْ أَوْ دَعْ، وَاللّه الْمُعِينُ عَلى ذلِكَ» (1).

ودعا سيّد العارفين وإمام المتقين إلى اغتنام الوقت، باكتساب الحسنات، واجتناب السيّئات، فإنّ أيّام الإنسان سرعان ما تنطوي، ويقدم على ربه فيجازيه على ما عمله إن خيراً فخيراً، وإن شراً فشراً.

5 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَقولُ : اللّهمّ مُنَّ عَلَيَّ بِالتَّوَكُلِ عَلَيْكَ، وَالتَّقْويضِ إِلَيْكَ، وَالرّضا بِقَدرِكَ وَالتَّسْلِيم لأمْرِكَ، حتّى لا أحِبَّ تَعْجِيلَ ما أَخَرْتَ، وَلَا تَأْخيرَ ما عَجَّلْتَ يا رَبَّ الْعالَمينَ» (2).

وفي هذه الكلمات الدعوة إلى التوكّل على اللّه تعالى، وتفويض الأمور إليه، والرضا بقدره، والتسليم لأمره، فهو تعالى وحده بيده زمام أمور جميع العباد، وليس لغيره أي سلطان أو قدرة على التصرف في شؤونهم.


1) أصول الكافى : 2 : 453، الحديث 1.

2) أصول الكافي : 2 : 580، الحديث 14. ناسخ التواريخ : 1: 142.

6 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يُعَبِّى أَصْحابَهُ لِلْحَرْبِ إِذ أَتَاهُ شَيْخٌ عَلَيْهِ هَيْئَةُ السَّفَرِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَقالَ لَهُ : إِنِّي أَتَيْتُكَ مِنْ ناحِيَةِ الشَّامِ، وَأَنا شَيْخٌ كَبِيرٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ فيكَ مِنَ الْفَضْلِ ما لَا أَحْصيهِ، وَإِنِّي أَظُنُّكَ سَتُغْتالُ، فَعَلَّمْنِي ممّا عَلَّمَكَ اللّه تَعَالَى.

فَقالَ لَهُ أَميرَ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): نَعَمْ يا شَيْخُ، مَنِ اعْتَدَلَ يَوْمَاهُ فَهُوَ مَغْبُونٌ، وَمَنْ كَانَ فِي الدُّنْيا هِمَّتُهُ كَثُرَتْ حَسْرَتُهُ عِنْدَ فِراقِهَا، وَمَنْ كانَ غَدُهُ شَرّاً مِنْ يَوْمِهِ فَمَحرُومٌ، وَمَنْ لَمْ يُبالِ بِما يُرى في آخِرَتِهِ إِذا سَلِمَتْ لَهُ دُنْيَاهُ فَهُوَ مالِكَ، وَمَنْ لَمْ يَتَعَاهَدِ النَّقْصَ مِنْ نَفْسِهِ غَلَبَ عَلَيْهِ الْهَوى، وَمَنْ كَانَ فِي نَقْصٍ فَالْمَوْتُ خَيْرٌ لَهُ.

يا شَيْخُ، إِنَّ الدُّنْيا حَقيرَةٌ وَلَها أَهْلَ، وَإِنَّ الْآخِرَةَ لَها أَهْلَ، طَلَّقَتْ أَنْفُسُهُمْ عَنْ مُناصَرَةِ أَهْلِ الدُّنْيا، لَا يَتَنافَسونَ فِي الدُّنْيا، وَلَا يَفْرَحُونَ بِغَضَارَتِهَا، وَلَا يَحْزَنُونَ لِبُؤْسِها.

يا شَيْخُ، مَنْ خَافَ الْبَياتَ قَلَّ نَوْمُهُ، وَمَا أَسْرَعَ اللَّيَالِيَ وَالْأيّام فِي عُمُرِ الْعَبْدِ، فَاخْزِنْ كَلامَكَ، وَعِدَّ أَيَّامَكَ، وَلَا تَقُلْ إِلَّا بِخَيْرٍ.

يا شَيْخُ، إِرْضَ لِلنَّاسِ مَا تَرْضَى لِنَفْسِكَ، وَاتِ إِلَى النَّاسِ مَا تُحِبُّ أَنْ يُؤْتى إِلَيْكَ.

وبعد هذه النصائح والمواعظ المشرقة التي وجّهها إلى الشيخ التفت إلى أصحابه فقال لهم :

أَيُّها النَّاسُ، أَما تَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْيا يُمْسونَ وَيُصْبِحُونَ عَلَى أَحْوَالٍ شَتَيْ، فَبَيْنَ صَرِيعِ مُبْتَلَى، وَبَيْنَ عَائِدٍ وَمَعودٍ، وَآخَرَ بِنَفْسِهِ يَجودُ، وَآخَرَ لَا يُرْجِى، وَآخَرَ مُسَجَى، وطالبُ لِلدُّنْيا وَالْمَوْتُ يَطْلُبُهُ، وَغافِلُ وَلَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ، وَعَلَى أَثَرِ الْمَاضِي يَصيرُ الباقي».

لقد تحدّث الإمام الحكيم عن الحياة العامّة التي يعيشها الناس على امتداد التاريخ، فتحدّث عن شؤونهم وأحوالهم، ومجريات أحداثهم بما لا يختلف ولا يتغيّر حتّى يرث اللّه الأرض ومن عليها.

وانبرى إلى الإمام صاحبه وتلميذه زيد بن صوحان العبدي، وهو من خيار أصحابه، وأكثرهم وعياً واستيعاباً لعلومه، فرفع له المسائل التالية :

يا أمير المؤمنين، أي سلطان أغلب وأقوى ؟

فأجابه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : الهَوى.

زيد : أيّ ذلّ أذل ؟

الإمام : الْحِرْصُ عَلَى الدُّنْيا.

زيد : أيّ فقر أشد ؟

الإمام : الْكُفْرُ بَعْدَ الْإِيمانِ.

زيد : أيّ دعوة أضلّ ؟

الإمام : الدّاعي بِما لا يَكونُ.

زيد : أيّ عمل أفضل ؟

الإمام : التَّقوى.

زيد : أيّ عمل أنجح ؟

الإمام : طَلَبُ ما عِنْدَ اللّه.

زيد : أيّ صاحب أشر ؟

الإمام : الْمُزَيَّنُ لَكَ مَعْصِيَةَ اللّه.

زيد : أيّ الخلق أشقى ؟

الإمام : مَنْ باعَ دينَهُ بِدُنْيا غَيْرِهِ.

زيد : أيّ الخلق أقوى ؟

الإمام : الْحَليمُ.

زيد : أيّ الخلق أشحَّ ؟

الإمام : مَنْ أَخَذَ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ فَجَعَلَهُ فِي غَيْرِ حَقٍّهِ.

زيد : أيّ الناس أكيس ؟

الإمام : مَنْ أَبْصَرَ رُشْدَهُ مِنْ غَيّهِ.

زيد : من أحلم الناس ؟

الإمام : الَّذِي لَا يَغْضَبُ.

زيد : أيّ الناس أثبت رأياً ؟

الإمام : مَنْ لَمْ يُغَيّرْهُ النَّاسُ مِنْ نَفْسِهِ، وَلَمْ تُغَيِّرُهُ الدُّنْيا بِشِقْوَتِها.

زيد : أيّ الناس أحمق ؟

الإمام : الْمُغْتَرُّ بِالدُّنْيا، وَهُوَ يَرى ما فيها مِنْ تَقَلُّبِ أَحْوالِها.

زيد : أيّ الناس أشدّ حسرة ؟

الإمام : الذي حُرِمَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ، ذلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ.

زيد : أيّ الخلق أعمى ؟

الإمام : الَّذي عَمِلَ لِغَيْرِ اللّه تَعَالَى، وَيَطْلُبُ بِعَمَلِهِ الثَّوابَ مِنْ عِنْدِ اللّه.

زيد : أيّ القنوع أفضل ؟

الإمام : الْقانِعُ بِما أَعْطاهُ.

زيد : أيّ المصائب أشدّ ؟

الإمام : الْمُصِيبَةُ بِالدِّينِ.

زيد : أيّ الأعمال أحبّ إلى اللّه ؟

الإمام : انْتِظارُ الْفَرَج.

زيد : أيّ الناس خير عند اللّه ؟

الإمام : أَخْوَفُهُمْ لَهُ، وَأَعْمَلُهُمْ بِالتَّقْوى، وَأَزْهَدُهُمْ فِي الدُّنْيا.

زيد : أيّ الكلام أفضل عند اللّه ؟

الإمام : كَثْرَةُ ذِكْرِهِ، وَالتَّضَرُّعُ، وَدُعاؤُهُ.

زيد : أيّ القول أصدق ؟

الإمام : شَهادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه.

زيد : أيّ الأعمال أعظم عند اللّه ؟

الإمام : التَّسْلِيمُ وَالْوَرَعُ.

زيد : أيّ الناس أكرم ؟

الإمام : مَن صَدَقَ فِي الْمَواطِنِ.

وانتهت أسئلة زيد، وقد أجاب الإمام عنها جواب العالم الخبير، المحيط بواقع الأمور، ثمّ إنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) التفت إلى الشيخ فقال له : إنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ خَلْقاً، وَضَيَّقَ الدُّنْيا عَلَيْهِمْ نَظَراً لَهُمْ، فَزَهَّدَهُمْ فِيها وَفي حُطامها، فَرَغِبوا في دارِ السَّلامِ الَّذِي دَعاهُمْ إِلَيْهِ، وَصَبَرُوا عَلَى ضِيقِ الْمَعيشَةِ، وَصَبَرُوا عَلَى الْمَكْرُوهِ، وَاشْتاقوا إلى ما عِنْدَ اللّه مِنَ الْكَرَامَةِ، وَبَذَلوا أَنْفُسَهُمْ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللّه، وَكَانَتْ خَاتِمَةَ أَعْمَالِهِمُ الشَّهَادَةُ، وَلَقُوا اللّه وَهُوَ عَنْهُمْ راضٍ، وَعَلِموا أَنَّ الْمَوْتُ سَبيلٌ لِمَنْ مَضى وَبَقِيَ، فَتَزَوَّدوا لآخِرَتِهِمْ غَيْرَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَبسوا الْخَشِنَ، وَصَبَرُوا عَلى أَدْنَى القوتِ، وَقَدَّموا الْفَضْلَ، وَأَحَبّوا في اللّه، وَأَبْغَضوا في اللّه عَزَّ وَجَلَّ، أُولئِكَ الْمَصابيحُ، وَأَهْلِ النَّعيم في الآخِرَةِ.

وانطبعت هذه المواعظ الحسنة في ضمير الشيخ، وفي أعماق نفسه، فالتفت إلى الإمام قائلاً: أين أذهب وأدع الجنّة ؟ وأرى أهلها معك، جهزني بقوة أتقوّى بها على عدوّك.

فجهزه الإمام بلامة حرب، وكان من ألمع المجاهدين معه، وقد أبلى في الحرب بلاء حسناً حتّى استشهد بين يديه، فصلى عليه الإمام، وترحم عليه» (1).

روى الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) خطبة من خطب جدّه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهذا نصها :

«إِنَّ الْحَمْدَ للّه، أَحْمَدُهُ، وَأَسْتَعِينُهُ، وَاسْتَهْدِيهِ، وَأَعوذُ بِاللّه مِنَ الضَّلالَةِ، مَنْ يَهْدِ اللّه فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إِلَّا اللّه وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وَأَنَّ محمّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، انْتَجَبَهُ لأَمْرِهِ، وَاخْتَصَّهُ بِالنبوّة، أَكْرَمُ خَلْقِهِ، وَأَحَبُّهُمْ إِلَيْهِ، فَبَلَّغَ رِسالَةَ رَبِّهِ، وَنَصَحَ لَأُمَّتِهِ، وَأَدّى الَّذي عَلَيْهِ.

أوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللّه، فَإِنَّ تَقْوَى اللّه خَيْرُ ما تَواصَى بِهِ عِبادُ اللّه، وَأَقْرَبُهُ لِرِضْوانِ اللّه، وَخَيْرُهُ في عَواقِبِ الأُمورِ عِنْدَ اللّه، وَبِتَقْوَى اللّه أَمَرْتُمْ، وَلِلْإِحْسَانِ وَالطَّاعَةِ خُلِقْتُمْ، فَاحْذَرُوا مِنَ اللّه مَا حَذَرَكُمْ مِنْ نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ حَذَرَ بَأْسًا شَدِيداً، وَاخْشَوا اللّه خَشْيَةٌ لَيْسَتْ بِتَعْذِيرٍ، وَاعْمَلُوا فِي غَيْرِ رياءِ وَلَا سُمْعَةٍ، فَإِنْ مَنْ عَمِلَ لِغَيْرِ اللّه وَكَّلَهُ اللّه إلى ما عَمِلَ لَهُ، وَمَنْ عَمِلَ للّه مُخْلِصاً تَوَلَّى اللّه أَجْرَهُ، وَأَشْفِقُوا مِنْ عَذاب اللّه فَإِنَّهُ لَمْ يَخْلُفْكُمْ عَبَثاً، وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئاً مِنْ أَمْرِكُمْ سُدى، قَدْ سَمَى آثَارَكُمْ، وَعَلِمَ أَعْمَالَكُمْ، وَكَتَبَ أَجالَكُمْ، فَلَا تُغَرُوا بالدُّنْيا فَإِنَّها غَرّارَةٌ بِأَهْلِهَا، مَغْرُورُونَ مَنِ اغْتَرُوا بها، وَإِلى فَناء ما هِيَ، وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْحَيَوانِ لَوْ كانوا يَعْلَمُونَ، أَسْأَلُ اللّه مَنازِلَ الشُّهَداءِ، وَمُرافَقَةَ الْأَنْبِياءِ، وَمَعيشَةَ السُّعَداءِ، فَإِنَّما نَحْنُ لَهُ وَبِهِ» (2).


1) أمالي الطوسي : 434، الحديث 974.

2) وقعة صفين : 10.

في هذه الخطبة الشريفة دعوة إلى الموعظة الحسنة، ودعوة إلى تقوى اللّه الذي هو خير ما يتواصی به عباد اللّه المتقون، كما فيها دعوة إلى تزكية العمل وتنزيهه عن الرياء، فإنّ من عمل لغير اللّه فقد أفسد عمله، وضلّ سعيه، وخاب أمله. 8 - قال :

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أميرُ الْمُؤْمِنِينَ : أَيُّهَا النَّاسُ، أَتَدْرُونَ مَنْ يَتْبَعُ الرَّجُلَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَسَكتوا.

فَقَالَ : يَتْبَعُهُ الْوَلَدُ يَتْرُكُهُ فَيَدْعو لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَيَسْتَغْفِرُ لَهُ (1)، وَتَتْبَعُهُ الصَّدَقَةُ يُوقِفُها في حَياتِهِ، فَيَتْبَعُهُ أَجْرُها بَعْدَ مَوْتِهِ، وَتَتْبَعُهُ السُّنَّةُ الصَّالِحَةُ يُعْمَلُ بِها بَعْدَهُ فَيَتْبَعُهُ أَجْرُها، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِها مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقَصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ».

9 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «صَلَّى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثُمَّ لَمْ يَزَلْ فِي مَوْضِعِهِ حَتَّىٰ صَارَتِ الشَّمْسُ عَلَى قَيْدِ رُمْحٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ، فَقالَ : وَاللّه لَقَدْ أَدْرَكْنَا أَقْواماً كانوا يَبيتونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً، يُراوحونَ بَيْنَ جِباهِهِمْ وَرُكَبِهِمْ كَأَنَّ زَفِيرَ النَّارِ فِي آذَانِهِمْ إِذا ذُكِرَ اللّه عِنْدَهُمْ مادوا كَما يَميدُ الشَّجَرُ، كَأَنَّ الْقَوْمَ باتوا غافِلِينَ.

ثُمَّ قامَ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وَما رُنِي ضاحكاً حتّى قُبِضَ» (2).

هذه بعض الأحاديث التي رواها عن جدّه الإمام أمير المؤمنين رائد العلم والحكمة في الأرض.


1) إنّ الولد الذي يدعو لأبيه، ويستغفر له هو الولد الصالح المتّقي دون غيره.

2) مشكاة الأنوار / الطبرسي : 57.

في رحاب القرآن

إشارة:

وقبل أن نعرض إلى نماذج من تفسير الإمام(عَلَيهِ السَّلَامُ) البعض آيات القرآن الكريم نود أن نبيّن بعض ما أثر عنه في رحاب هذا السفر العظيم.

شغفه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالقرآن

كان الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حليفاً للقرآن الكريم، وشغوفاً بتلاوته، وكان يجد فيه متعة لا تعدلها أي متعة، وقد قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَوْ ماتَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَما اسْتَوْحَشْتُ بَعْدَ أَنْ يَكونَ الْقُرْآنُ مَعِي» (1).

تلاوته (عَلَيهِ السَّلَامُ) للقرآن

كان الإمام من أحسن الناس صوتاً في تلاوة القرآن الكريم، فلا يكاد يسمعه أحد إلا ويتأثر به، ويقول الرواة : «إنّ السقّائين الذين يمرون ببابه كانوا يقفون لاستماع صوته» (2).

تدبّره (عَلَيهِ السَّلَامُ) للقرآن

ولم يقرأ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) القرآن الحكيم قراءة عابرة، وإنما كانوا يتلو آياته بتدبّر وإمعان، ويتأمل بما انطوت عليه من كنوز الحكمة والمعرفة، وقد قال اللّه : «آيات الْقُرْآنِ خَزائِنُ، كُلَّما فُتِحَتْ خِزانَةٌ يَنْبَغِى لَكَ أَنْ تَنْظُرَ ما فيها» (3).


1) بحار الأنوار: 46 : 107.

2) شرح الشافية لأبي نؤاس : 2 : 198.

3) الكافي : 2 : 609، باب في قراءته، الحديث 2.

ويقول الرواة : «إنّه إذا قرأ «مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» (1)يكرّرها حتّى كاد أن يموت» (2)والسبب في ذلك تدبّره وتمعنّه في محتوى هذه الآية الكريمة.

دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند ختم القرآن

وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا ختم القرآن الكريم يدعو اللّه مبتهجاً بهذا الدعاء الشريف :

«اللّهمّ إِنَّكَ أَعَنْتَني عَلَى خَتْم كِتابِكَ الَّذي أَنْزَلْتَهُ نُوراً، وَجَعَلْتَهُ مُهَيْمِناً عَلَى كلّ كِتابٍ أَنَزَلْتَهُ، وَفَضَّلْتَهُ عَلَى كلّ حَدِيثٍ قَصَصْتَهُ وَفُرْقاناً فَرَقْتَ بِهِ بَيْنَ حَلالِكَ وَحَرامِكَ، وَقُرْآناً أَعْرَبْتَ بِهِ عَنْ شَرائِعِ أَحْكامِكَ، وَكِتاباً فَصَّلْتَهُ لِعِبادِكَ تَفْصيلاً، وَوَحْياً أَنْزَلْتَهُ عَلَى نَبِيِّكَ محمّد صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَآلِهِ تَنْزِيلاً، وَجَعَلْتَهُ نُوراً نَهْتَدي مِنْ ظُلَم الضَّلالَةِ وَالْجَهالَةِ بِاتِّبَاعِهِ، وَشِفَاءٌ لِمَنْ أَنْصَتَ بِفَهُم التَّصدِّيقِ إِلَى اسْتِمَاعِهِ، وَمِيزانَ قِسْطِ لَا يَحيفُ (3)عَنِ الْحَقِّ لِسانُهُ، وَنُورَ هُدى لا يَطْفَأُ عَن الشَّاهِدِينَ بُرْهانُهُ، وَعَلَمَ نَجاةٍ لا يَضِلُّ مَنْ أَمَّ قَصْدَ سُنَّتِهِ، وَلَا تَنالُ أَيْدِي الْهَلَكَاتِ مَنْ تَعَلَّقَ بِعُرْوَةِ عِصْمَتِهِ.

اللّهمّ فَإِذْ أَفَدْتَنَا الْمَعُونَةَ عَلى تِلاوَتِهِ، وَسَهَّلْتَ جَواسِيَ (4)أَلْسِنَتِنا


1) الحمد 1: 4.

2) أصول الكافى : 2 : 602، الحديث 13.

3) لا يحيف : أي لا يميل.

4) جواسي : أي صلابة وخشونة.

بِحُسْنِ عِبارَتِهِ، فَاجْعَلْنَا ممّن يَرْعاهُ حَقَّ رِعايَتِهِ، وَيَدينُ لَكَ بِاعْتِقادِ التَسْلِيمِ لِمُحْكَمِ آيَاتِهِ، وَيَفْزَعُ إِلَى الْإِقْرَارِ بَمُتَشَابِهِهِ وَمُوضَحَاتِ بَيِّنَاتِهِ.

اللّهمّ إِنَّكَ أَنْزَلْتَهُ عَلى نَبِيِّكَ محمّد صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ مُجْمَلاً، وَأَلْهَمْتَهُ عِلْمَ عَجائِبِهِ مُكَمَّلاً، وَوَرَّثْتَنا عِلْمَهُ مُفَسَّراً، وَفَضَّلْتَنا عَلَى مَنْ جَهِلَ عِلْمَهُ، وَقَوَّيْتَنَا عَلَيْهِ لِتَرْفَعَنا فَوْقَ مَنْ لَمْ يُطِقْ حَمْلَهُ.

اللّهمّ فَكَما جَعَلْتَ قُلُوبَنا لَهُ حَمَلَةٌ، وَعَرَّفْتَنا بِرَحْمَتِكَ شَرَفَهُ وَفَضْلَهُ، فَصَلِّ عَلى محمّد الْخَطيب بِهِ، وَعَلَى آلِهِ الْخُزَانِ لَهُ، وَاجْعَلْنا ممّن يَعْتَرِفُ بِأَنَّهُ مِنْ عِنْدِكَ حتّى لا يُعارِضَنا الشَّكُ في تَصْدِيقِهِ، وَلا يَخْتَلِجَنا الزَّيْغُ عَنْ قَصْدِ طَريقِهِ.

أما القرآن الكريم فهو معجزة الإسلام الكبرى، وقد تحدّث سليل النبوّة في هذا المقطع عن بعض معالمه وأنواره، وهي :

1 - إنّ اللّه تعالى أنزل القرآن الكريم نوراً يهدي به الضال، ويرشد به الحائر، ويوضح به القصد.

2 - إن اللّه تعالى جعل القرآن الحكيم مهيمناً ومشرفاً على جميع كتبه التي أنزلها على أنبيائه (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فهو يكشف عما حدث فيها من التغيير والتبديل والتحريف من قبل المنحرفين ودعاة الضلال.

3 - إنّ اللّه تعالى فضّل كتابه العزيز على كلّ كتاب وحديث عُرض فيه لقصص الأنبياء وشؤونهم، فقد تناول الذكر الحكيم بصورة موضوعية وشاملة أحوالهم وشؤونهم واقتباس العبر منهم.

4 - إنّ القرآن الكريم كان منهجاً ودستوراً عامّاً للحياة، فقد فرّق بين الحلال

والحرام، وأعرب عن شرائع الأحكام، وفصل جميع ما يحتاجه الناس تفصيلاً واضحاً لا لبس فيه ولا غموض.

5 - إنّ اللّه تعالى جعل كتابه الحكيم نوراً يهتدي به من ظلم الضلالة وعماية الجهالة، كما جعله شفاء من الأمراض والعاهات النفسيّة وذلك لمن آمن وصدق به.

6 - إنّ الذكر الحكيم ميزان عدل وقسط، ليس فيه ميل عن الحقِّ، ولا اتّباع لهوى، وإنّ من تمسك واعتصم به فقد سلك الطريق القويم الذي لا التواء فيه، ونجا من الهلاك.

7- من وطلب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من من اللّه أن يتفضّل عليه برعاية كتابه، والتسليم لمحكم آياته، والإقرار بمتشابهاته

إنّ اللّه تعالى قد منح نبيّه العظيم فألهمه عجائب ما في القرآن الكريم، وعلمه تفسيره، كما أشاد بأئمة الهدى من عترة النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) الذين رفعهم اللّه، وأعلى درجتهم، فجعلهم خزنة علمه، والأدلاء على كتابه.

ولنستمع بعد هذا إلى مقطع آخر من هذا الدعاء الشريف :

اللّهمّ صَلَّ عَلى محمّد وَآلِهِ، وَاجْعَلْنَا ممّن يَعْتَصِمُ بِحَبْلِهِ، وَيَأْوِي مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ إِلى حِرْزِ مَعْقِلِهِ، وَيَسْكُنُ فِي ظِلٍّ جَناحِهِ، وَيَهْتَدِي بِضَوْءِ صَباحِهِ، وَيَقْتَدِي بِتَبَلُّج إِسْفارِهِ، وَيَسْتَصْبِحُ بِمِصْباحِهِ، وَلَا يَلْتَمِسُ الْهُدَىٰ فِي غَيْرِهِ.

اللّهمّ وَكَما نَصَبْتَ بِهِ محمّداً عَلَماً لِلدَّلالَةِ عَلَيْكَ، وَأَنْهَجْتَ بِآلِهِ سُبُلَ الرّضا إِلَيْكَ، فَصَلِّ عَلَى محمّد وَآلِهِ وَاجْعَلِ الْقُرْآنَ وَسيلَةً لَنَا إِلَى أَشْرَفِ مَنازِلِ الْكَرامَةِ، وَسُلَّماً نَعْرُجُ فِيهِ إِلى مَحَلَّ السَّلامَةِ، وَسَبَباً نُجْرىٰ بِهِ

النَّجاةَ فِي عَرْصَةِ الْقِيامَةِ، وَذَريعَةً نَقْدُمُ بِها عَلَى نَعِيمِ دَارِ الْمُقامَةِ.

اللّهمّ صَلِّ عَلى محمّد وَآلِهِ، وَاحْطُطْ بِالْقُرْآنِ عَنا ثِقْلَ الأوزار، وَهَبْ لَنا حُسْنَ شَمائِلِ الْأَبْرَارِ، وَاقْفُ بِنا آثارَ الَّذِينَ قامُوا لَكَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرافَ النَّهَارِ، حتّى تُطَهِّرَنا مِنْ كلّ دَنَسٍ بِتَطْهِيرِهِ وَتَقْفُوَ بِنا آثَارَ الَّذِينَ اسْتَضاءُوا بِنُورِهِ، وَلَمْ يُلْهِهِمُ الْأَمَلُ عَنِ الْعَمَلِ فَيَقْطَعَهُمْ بِخُدَعِ غُرُورِهِ.

اللّهمّ صَلِّ عَلى محمّد وَآلِهِ، وَاجْعَلِ الْقُرْآنَ لَنا في ظُلَم الليالي مُؤْنِساً، وَمِنْ نَزَعَاتِ (1)الشَّيْطانِ وَخَطَراتِ الْوَساوِسِ حارساً، وَلأَقْدامِنا عَنْ نَقْلِها إِلَى الْمَعاصي حابساً، وَلأَلْسِنَتِنا عَنِ الْخَوْضِ فِي الْبَاطِلِ مِنْ غَيْرِمَا آفَةٍ مُخْرِساً، وَلِجَوارِحِنا عَنِ اقْتِرافِ الْآثَامِ زاجِراً، وَلِما طَوَتِ الْغَفْلَةُ عَنَا مِنْ تَصَفُّح الْاِعْتِبارِ ناشِراً، حتّى تُوصِلَ إلى قُلُوبِنا فَهْمَ عَجائِبِهِ، وَزَواجِرَ أَمْثَالِهِ الَّتي ضَعُفَتِ الْجِبَالُ الرَّواسِي عَلَى صَلابَتِهَا عَنِ احْتِمالِهِ.

اللّهمّ صَلَّ عَلَى محمّد وَآلِهِ، وَأَدِمْ بِالْقُرْآنِ صَلاحَ ظَاهِرِنا، وَاحْجُبْ بِهِ خَطَراتِ الْوَساوِسِ عَنْ صِحَّةِ ضَمَائِرنا، وَاغْسِلْ بِهِ دَرَنَ قُلُوبِنا وَعَلائِقَ أَوْزارِنا، وَاجْمَعْ بِهِ مُنْتَشَرَ أمورنا، وَارْهِ بِهِ فِي مَوْقِفِ الْعَرْضِ عَلَيْكَ ظَمَاً هَواجِرِنَا، وَاكْسُنَا بِهِ حُلَلَ الْأَمَانِ يَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ فِي نُشُورِنا.


1) النزغات : جمع نزغة، وهي الوسوسة.

وفي هذا المقطع الرائع تضرّع الإمام إلى اللّه تعالى طالباً منه أن يجعله من المعتصمين بحبل القرآن الكريم، وأن يلجأ إليه في متشابهاته ليكشف له الأمر، ويوضح له القصد، وأن يستضيء بنوره، ولا يلتمس الهدى في غيره، كما طلب منه تعالى أن يجعل القرآن الكريم وسيلة يبلغ بها أعلى درجات المقربين، وسلّماً يعرج فيه إلى مواطن السلامة، وسبباً للنجاة في يوم القيامة، وأن يحط به ثقل الذنوب والأوزار، وأن يجعل تلاوته وإمعان النظر في آياته مؤنساً له في ظلم الليالي، وأن يحرسه به من وساوس الشيطان الرجيم. هذه بعض محتويات هذه الفقرات، ولنستمع إلى مقطع آخر من هذا الدعاء الشريف :

اللّهمّ صَلِّ عَلى محمّد وَآلِهِ، وَاجْبُرْ بِالْقُرْآنِ خَلَّتَنا مِنْ عَدَمِ الْإِمْلاقِ (1)، وَسُقْ إِلَيْنَا بِهِ رَغَدَ الْعَيْشِ وَخِصْبَ سَعَةِ الْأَرْزاقِ، وَجَنِّبْنا بِهِ الضَّرائِبَ (2)الْمَذْمُومَةَ وَمَدانِيَ الْأَخْلاقِ، وَاعْصِمْنَا بِهِ مِنْ هُوَةِ الْكُفْرِ وَدَواعِيَ النِّفاقِ، حَتَّىٰ يَكُونَ لَنَا فِي الْقِيَامَةِ إِلَى رِضْوانِكَ وَجِنائِكَ قائِداً، وَلَنا في الدُّنْيا عَنْ سَخَطِكَ وَتَعَدّي حُدُودِكَ دَائِداً، وَلِما عِنْدَكَ بِتَحْلِيلِ حَلالِهِ وَتَحْرِيم حَرامِهِ شَاهِداً.

اللّهمّ صَلِّ عَلى محمّد وَآلِهِ، وَهَوّنْ بِالْقُرْآنِ عِنْدَ الْمَوتِ عَلى أَنْفُسِنا كَرْبَ السَّيَاقِ (3)وَجَهْدَ الْأَنينِ، وَتَرَادُفَ الْحَشارِج (4)، «إِذا بَلَغَتِ النُّفُوسُ


1) الاملاق : الفقر والحاجة.

2) الضرائب : جمع ضريبة، بمعنى السجايا والطباع.

3) السياق : هي حالة المحتضر عند الموت.

4) الحشارج : جمع حشرجة، وهي الغرغرة عند الموت.

التَّراقِيَ (1)وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (2)، وَتَجَلَّى مَلَكُ الْمَوْتِ لِقَبْضِها مِنْ حُجُبِ الْغُيُوبِ، وَرَماهَا عَنْ قَوْسِ الْمَنايا بِأَسْهُم وَحْشَةِ الْفِراقِ، وَدافَ لَهَا مِنْ رُعافِ الْمَوْتِ (3)كَأْساً مَسْمُومَةَ الْمَذاقِ، وَدَنَا مِنَّا إِلَى الْآخِرَةِ رَحِيلٌ وَانْطِلاقُ، وَصَارَتِ الْأَعْمَالُ قَلائِدَ فِي الْأَعْنَاقِ، وَكَانَتِ الْقُبُورُ هِيَ الْمَأْوَىٰ إلى ميقاتِ يَوْمِ التَّلاقِ.

اللّهمّ صَلِّ عَلَى محمّد وَآلِهِ، وَبارِكْ لَنا في حُلُولِ دارِ البِلىَ وَطُولِ الْمُقامَةِ بَيْنَ أَطْباقِ الثَّرَى، وَاجْعَلِ الْقُبُورَ بَعْدَ فِراقِ الدُّنْيا خَيْرَ مَنازِلِنا، وَافْسَحْ لَنَا بِرَحْمَتِكَ فِي ضِيقِ مَلاحِدِنَا، وَلا تَفْضَحْنا في حاضِرِ الْقِيَامَةِ بِمُوبِقاتِ آثامِنَا، وَارْحَمْ بِالْقُرَآنِ فِي مَوْقِفِ الْعَرْضِ عَلَيْكَ ذُلُّ مَقامِنا، وَثَبِّتْ بِهِ عِنْدَ اضْطِرابِ جِسْرِ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْمَجازِ عَلَيْها زَلَلَ أَقْدَامِنَا، وَنَجِّنا بِهِ مِنْ كلّ كَرْبٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَشَدائِدِ أَهْوالِ يَوْمِ الطَّامَّةِ، وَبَيْضُ وُجُوهَنا يَوْمَ تَسْوَدُّ وَجُوهُ الظَّلَمَةِ فِي يَوْمِ الْحَسْرَةِ وَالنَّدَامَةِ، وَاجْعَلْ لَنا فِي صُدُورِ الْمُؤْمِنينَ وُدّاً، وَلا تَجْعَلِ الْحَياةَ عَلَيْنا نَكَداً.

اللّهمّ صَلِّ عَلَى محمّد عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ كَما بَلَّغَ رِسالَتَكَ، وَصَدَعَ بِأَمْرِكَ، وَنَصَحَ لِعِبادِكَ.


1) التراقي : جمع ترقوة، وهي العظم المحيط بالرقبة.

2) اقتباس من قوله تعالى : «كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ» القيامة :75: 26 و 27.

3) زعاف الموت : أي خالصه.

اللّهمّ اجْعَلْ نَبِيَّنَا صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَقْرَبَ النَّبِيِّينَ مِنْكَ مَجْلِساً، وَأَمْكَنَهُمْ مِنْكَ شَفاعَةٌ، وَأَجَلَّهُمْ عِنْدَكَ قَدْرَاً، وَأَوْجَهَهُمْ عِنْدَكَ جاهاً (1).

اللّهمّ صَلِّ عَلى محمّد وَآلِ محمّد، وَشَرِّفْ بُنْيانَهُ (2)، وَعَظِّمْ بَرْهَانَهُ، وَثَقُلْ ميزانَهُ، وَتَقَبَّلْ شَفاعَتَهُ، وَقَرَّبْ وَسيلَتَهُ، وَبَيْضٌ وَجْهَهُ، وَأَتِمَّ نُورَهُ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ، وَأَحْيِنا عَلى سُنَّتِهِ، وَتَوَفَّنا عَلى مِلَّتِهِ، وَخُذْبِنا مِنْهَاجَهُ، وَاسْلُكَ بِنا سَبِيلَهُ، وَاجْعَلْنا مِنْ أَهْلِ طَاعَتِهِ، وَاحْشُرْنا فِي زُمْرَتِهِ، وَأَوْرِدْنا حَوْضَهُ، وَاسْقِنَا بِكَأْسِهِ.

وَصَلَّ اللّهمّ عَلى محمّد وَآلِهِ صَلاةً تُبَلِّغُهُ بِها أَفْضَلَ ما يَأْمُلُ مِنْ خَيْرِكَ وَفَضْلِكَ وَكَرامَتِكَ، إِنَّكَ ذُو رَحْمَةٍ واسعةٍ وَفَضْلٍ كَريم.

اللّهمّ اجْزِهِ بِما بَلَّغَ مِنْ رِسالاتِكَ، وَأَدَىٰ مِنْ آيَاتِكَ، وَنَصَحَ لِعِبادِكَ، وَجاهَدَ في سَبيلِكَ، أَفْضَلَ مَا جَزَيْتَ أَحَداً مِنْ مَلائِكَتِكَ الْمُقَرَّبِينَ، وَأَنْبِيائِكَ الْمُرْسَلِينَ الْمُصْطَفِينَ، وَالسَّلامُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّينَ الطَّاهِرينَ وَرَحْمَةُ اللّه وَبَرَكاتُهُ» (3).

وهكذا ينتهي هذا الدعاء الشريف، وهو من غرر أدعية أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)،


1) جاهاً : أي منزلة ومقاماً.

2) بنیان : أراد به الدين العظيم.

3) الصحيفة السجّادية : الدعاء الثاني والأربعون.

وقد أعرب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه الفقرات عن تعظيمه البالغ للقرآن الكريم، وقد نعته بأجل الأوصاف، وأسمى النعوت؛ إذ ليس أحد يعرف مكانة هذا الكتاب العظيم، ويعلم حقيقته وتفسيره سوى أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الذين هم خزنة علم النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) ورواة حكمته.

لقد طلب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من اللّه تعالى في هذه الفقرات أن يتكرّم عليه بخير الدنيا والآخرة، وأن ينعم عليه بالمغفرة والرضوان إذا انتقل إليه، وصار في جواره، كما احتوت هذه الفقرات على تعظيم الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) باعث الفكر والعلم في الأرض، والدعاء له بمزيد الأجر على جهوده وجهاده في تحرير الإنسان من براثن الكفر والإلحاد.

نماذج من تفسيره (عَلَيهِ السَّلَامُ)

كان الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من ألمع المفسرين للقرآن الكريم، وقد استشهد علماء التفسير بالكثير من روائع تفسيره، ويقول المؤرّخون : «إنّه كان صاحب مدرسة لتفسير القرآن، وقد أخذ عنه ابنه الشهيد زيد في تفسيره للقرآن» (1).

كما أخذ عنه ابنه الإمام أبو جعفر محمّد الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسيره الذي رواه عنه زياد بن المنذر (2)الزعيم للفرقة الجاروديّة.

وعلى أي حال، فإنّا نقدم نماذج موجزة من تفسيره لكتاب اللّه العزيز، وفي ما يلى ذلك :

1 - روى الإمام محمّد الباقر، عن أبيه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) : «في تفسير الآية الكريمة : «الذِي


1) توجد نسخة منه في خزانة المخطوطات في مكتبة الكونكرس الأمريكي حسب ما ذكرته بعض الصحف العراقيّة.

2) حياة الإمام محمّد الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 1 : 11، نقلاً عن فهرست الشيخ الطوسي : 98.

جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشِاً».

إِنَّهُ سُبْحانَهُ وَتَعَالَى جَعَلَ الْأَرْضَ مُلائِمَةٌ لِطباعِكُمْ، مُوافِقَةٌ لأَجْسَادِكُمْ، وَلَمْ يَجْعَلْها شَدِيدَةَ الْحَمَأِ (1)وَالْحَرارَةِ فَتَحْرِقَكُمْ، وَلَا شَدِيدَةَ الْبرودَةِ فَتُجَمِّدَكُمْ، وَلَا شَدِيدَةَ طِيبِ الرّيحِ فَتَصْدَعَ ها ماتِكُمْ، وَلَا شَدِيدَةَ النَّتْنِ فَتَعْطِبَكُمْ (2)، وَلَا شَديدة اللين كَالْماءِ فَتُغْرِفَكُمْ، وَلَا شَدِيدَةَ الصَّلابَةِ فَتَمْتَنِعَ عَلَيْكُمْ في دورِكُمْ وَأَيْنِيَتِكُمْ، وَقُبُورِ مَوْتَاكُمْ، وَلكِنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ فيها مِنَ الْمَتانَةِ (3)ما تَنْتَفِعونَ بِهِ، وَتَتَمَاسَكُونَ وَتَتَماسَكُ عَلَيْهَا أَبْدانُكُمْ، وَجَعَلَ فيها ما تَنْقادُ بِهِ لِدورِكُمْ وَقُبورِكُمْ وَكَثِيرٍ مِنْ مَنافِعِكُمْ، فَلِذلِكَ جَعَلَ الْأَرْضَ فِراشاً لَكُمْ.

ثُمَّ قالَ عَزَّ وَجَلَّ : «وَالسَّمَاءَ بِنَاءً» أَيْ سَقْفاً مِنْ فَوْقِكُمْ مَحْفوظاً، يُدير فيها شَمْسَها وَقَمَرَها وَنُجُومَهَا لِمَنافِعِكُمْ.

ثُمَّ قالَ عَزَّ وَجَلَّ: «وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً» يَعْنِي الْمَطَرَ يُنْزِلُهُ مِنْ عُلَى لِيَبْلُغَ قُلَلَ جِبالِكُمْ وَتِلالِكُمْ وَهِضَابِكُمْ(4)وَأَوْهَادِكُمْ (5)، ثُمَّ فَرَّقَهُ رَذاذاً (6)وَوابِلا (7)وَهَطلا (8)لِتُنشِّفَهُ أَرَضوكُمْ، وَلَمْ يَجْعَلْ ذلِكَ الْمَطَرَ نازلاً عَلَيْكُمْ قِطْعَةً واحِدَةً فَيُفْسِدَ أَرْضَكُمْ


1) الحماً : شدّة حرارة الشمس.

2) تعطبكم : أي تهلككم.

3) المتانة : ما صلب من الأرض وارتفع.

4) الهضاب : الأرض المرتفعة.

5) الأوهاد : الأرض المنخفضة.

6) الرذاذ : المطر الضعيف.

7) الوابل : المطر الشديد.

8) الهطل : المطر الضعيف الدائم.

وَأَشْجَارَكُمْ وَزُروعَكُمْ وَثِمارَكُمْ.

ثُمَّ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: «فأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّکم» يَعْنِي ممّا يُخْرِجُهُ مِنَ الْأَرْضِ رِزْقاً لَكُمْ.

«فَلَا تَجْعَلُوا للّه أَندَاداً»، أَيْ أَشباهاً وَأَمْثالاً مِنَ الْأَصْنامِ الَّتِي لَا تَعْقِلُ وَلَا تَسْمَعُ وَلَا تُبْصِرُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ.

«وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ» (1)أَنَّهَا لَا تَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ النَّعَمِ الْجَلِيلَةِ الَّتِي أَنْعَمَها عَلَيْكُمْ رَبُّكُمْ تَبارَكَ وَتَعالى» (2).

وحفلت هذه القطعة الذهبية من كلام الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأروع أدلّة التوحيد وأوثقها، فقد أعطت صورة متكاملة مشرقة من خلق اللّه تعالى للأرض، فقد خلقها بالكيفية الرائعة التي ليست صلبة ولا شديدة، ليسهل على الإنسان العيش عليها، والانتفاع بخيراتها وثمراتها التي لا تحصى.

إنّ الأرض بما فيها من العجائب كالجبال والأودية والمعادن والبحار والأنهار وغير ذلك من أعظم الأدلة وأوثقها على وجود الخالق العظيم الحكيم.

كما استدلّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على عظمة اللّه تعالى بخلقه السماء، وما فيها من الشمس والقمر وسائر الكواكب التي تزوّد هذه الأرض بأشعتها، فإنّ أشعة الشمس لها الأثر البالغ في تكوين الحياة النباتية، كما أنّ أشعة القمر لها الأثر على البحار في مدها وجزرها، وكذلك لأشعة سائر الكواكب فإنّ لها الأثر التام في منح الحياة العامّة لجميع الموجودات الحيوانية والنباتية في الأرض.

وهذه الظواهر الكونية لم تكتشف إلا في هذه العصور الحديثة، إلا أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)


1) البقرة :2 : 22.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 1 : 137 و 138.

ألمح إليها في كلامه، فكان حقاً هو وآباؤه وأبناؤه المعصومون الروّاد الأوائل الذين رفعوا راية العلم، وساهموا في تكوين الحضارة الإنسانيّة.

وأعطى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) صورة متميّزة عن الأمطار، وأنها تتساقط بصورة رتيبة وفي أوقات خاصة، وذلك لإحياء الأرض، وإخراج ثمراتها، ولو دام المطر ونزل دفعة واحدة لأهلك الحرث والنسل.

وبعدما أقام الإمام الأدلة المحسوسة على وجود الخالق الحكيم، دعا إلى عبادته وتوحيده ونبذ الأصنام والأنداد التي تدعو إلى انحطاط الفكر، وجمود الوعي لأنها لا تضرّ ولا تنفع، ولا تملك أي قدرة في إدارة هذا الكون وتصريف شؤونه.

2 - وأثر عنه أنه فسر الآية الكريمة «وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً» (1)بقوله : «بَيِّنَهُ - أي القرآن - في تِلاوَتِهِ تَبْيِينَا، وَلَا تَنثُرْهُ نَثْرَ الْبَقْلِ، وَلَا تَهُذَّهُ هَدْيَ الشَّعْرِ، قِفوا عِنْدَ عَجائِبِهِ لِتُحَرِّكُوا بِهِ الْقُلوبَ، وَلَا يَكُنْ هَمُ أَحَدِكُمْ آخِرَ السُّورَةِ» (2).

• فسّر الآية الكريمة : «ادْخُلُوا فِي السَّلْمِ كَافَّةً» (3)بقوله : «السِّلْمُ هُوَ وَلايَةً الإمام أميرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ)» (4).

لا شكّ أنّ ولاية الإمام أمير المؤمنين باب مدينة علم النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) هي السلم الحقيقي التي ينعم الناس في ظلالها بالأمن والرخاء والاستقرار، ولو أنّ المسلمين دانوا بها بعد وفاة النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) لما داهمتهم أيّة أزمات في حياتهم السياسيّة والاجتماعيّة.


1) المزمّل 473.

2) الإمام زین العابدین: 279.

3) البقرة :2 : 208.

4) تفسير البرهان : 1 : 129.

4 - سأل شخص الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن تفسير الآية: «أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللّه» (1)، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «جَنْبُ اللّه هُوَ عليّ بن أبي طالب، وَهُوَ حُجَّةُ اللّه عَلَى الْخَلْقِ، فَإِذا كانَ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمَرَ اللّه خُزَانَ جَهَنَّمَ أَنْ يَدْفَعوا مفاتيحها إلى عَلى فَيُدْخِلُ مَنْ يُريدُ وَيُنَجِّي مَنْ يُريدُ، وَقَدْ قَالَ لَهُ رَسولُ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) : يا عَلِيُّ، مَنْ أَحَبَّكَ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَبْغَضَكَ أَبْغَضَنِي.

يا عَلِيُّ، أَنْتَ أَخِي وَأَنَا أَخوك.

يا عَلِيُّ، إِنَّ لِواءَ الْحَمْدِ مَعَكَ يَوْمَ الْقِيامَةِ تَقَدَّمُ بِهِ قُدَّامَ أُمَّتِي وَالْمُؤَذِّنُونَ عَنْ يَمِينِكَ وَشِمالِكَ» (2).

لقد حبا اللّه الإمام أمير المؤمنين بكلّ منزلة كريمة عنده، والتي منها أنه قسيم الجنّة والناركما تظافرت الأخبار بذلك، لقد منحه هذه المنزلة العظيمة لعظيم جهاده في الإسلام وشدّة تقواه وتحرّجه في الدين.

5 - سأل ثوير بن أبي فاختة الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن تفسير هذه الآية : «وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ» (3)، فأجابه الإمام بجواب مطوّل عن أهوال يوم القيامة نذكر بعضه :

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «إِذا كانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَعَثَ اللّه النَّاسَ مِنْ حُفَرِهِمْ غُزلاً جُرْداً مُرْداً، في صعيدٍ واحدٍ، يَسوقُهُمُ النّورُ، وَتَجْمَعُهُمُ الظُّلْمَةُ، حتّى يَقِفُوا عَلَى عَتَبَةِ الْمَحْشَرِ فَيَزْدَحِمونَ دونَها، وَيُمْنَعُونَ مِنَ الْمُضِيّ، فَتَشْتَدَّ أَنْفاسُهُمْ، وَيَكْثُرُ عَرَقُهُمْ، وَتَضيقُ بِهِمْ


1) الزمر :39: 56.

2) تفسیر فرات الكوفي : 3 .

3) الزمر 39: 69.

أمورُهُمْ، وَيَشْتَدُّ ضَحِيجُهُمْ، وَتَرْتَفِعَ أَصْواتُهُمْ.

وَهُوَ أَوَّلُ هَوْلٍ مِنْ أَهْوالِ الْقِيامَةِ، فَعِنْدَها يُشْرِفُ الْجَبَارُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْ فَوْقِ الْعَرْشِ وَيَقولُ : يا مَعْشَرَ الْخَلائِقِ، انْصِتُوا وَاسْمَعوا مُنادِيَ الْجَبَارِ، فَيَسْمَعُ آخِرُهُمْ كَما يَسْمَعُ أَوَّلُهُمْ، فَتَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ، وَتَضْطَرِبَ فَرائِصُهُمْ، وَيَرْفَعونَ رُؤوسَهُمْ إِلى ناحِيَةِ الصَّوْتِ «مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ» (1).

فَيَأْتي النداءُ مِنْ قَبلِ الْجَبَارِ: أَنَا اللّه لَا إِلَهَ إِلَّا أَنا، أَنَا الْحَكَمُ الَّذِي لَا يَجورُ، أَحْكُمُ الْيَوْمَ بَيْنَكُمْ بِعَدْلِي وَقِسْطي، لَا يُظْلَمُ الْيَوْمَ عِنْدَي أَحَدٌ أخُذُ لِلضَّعيفِ مِنَ الْقَوِيّ، وَلِصاحِبِ الْمَظْلِمَةِ بِالْقِصَاصِ مِنَ الْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ، وَأُثيبُ عَلَى الْهَباتِ، وَلَا يَجوزُ هذِهِ الْعَقَبَةَ ظَالِمٌ، وَلَا أَحَدٌ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ يَهَبُها لِصاحِبِها، إِلَّا وَأُثِيبُهُ عَلَيْهَا، وَأَخُذُ لَهُ بِها عِنْدَ الْحِسابِ، وَاطْلُبُوا مَظَالِمَكُمْ عِنْدَ مَنْ ظَلَمَكُمْ بِها فِي الدُّنْيا، وَأَنا شَاهِدُكُمْ وَ كَفى بي شَهيداً» (2).

ويعرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بصورة شاملة إلى تفصيل أهوال يوم القيامة، وما يعانيه الإنسان من الخطوب والارهاق.

6 - روى الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن جدّه الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) تفسير هذه الآية الكريمة : «يَقْبَلُ التّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ» (3).

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسيرها : «وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ» : «إِنِّي ضَامِنٌ عَلَى رَبِّي أَنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَقَعُ فِي يَدِ الْعَبْدِ حتّى تَفَعَ فِي بَدِ الرَّبِّ تَعَالَى».


1) القمر 54: 8.

2) تفسير البرهان : 2: 95.

3) التوبة 9 : 104.

وكان يقول : «لَيْسَ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وُكَّلَ بِهِ مَلَكَ، إِلَّا الصَّدَقَةَ فَإِنَّهَا تَقَعُ في يَدِ اللّه تعالى» (1).

7 - فسر الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ» (2)«بِأَنَّ الثَّمَنَ الْبَخْسَ الَّذِي اشْتَرَوا بِهِ يُوسُفَ كَانَ عِشْرِينَ دِرْهَماً» (3).

8 - روى ثوير بن أبي فاختة أن الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فسّر الآية الكريمة «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً» (4)بقوله : «إِنَّ هَابِيلَ تَقَرَّبَ إِلَى اللّه تَعَالَى بِأَسْمَنِ كَبْشِ كانَ في حيازَتِهِ، وَتَقَرَّبَ قابِيلُ بِضِغْثٍ مِنْ سُنْبُلِ، فَقَبِلَ اللّه تَعَالَى مِنْ هابيلَ، وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْ قابيلَ، فَوَسْوَسَ إبْلِيسُ لِقابيلَ بأَنَّ أَوْلادَ هابيلَ سَيَفْخَرُونَ عَلَى أَوْلادِكَ وَيَقولونَ: بِأَنَّهُمْ أَبْناءُ مَنْ قَبِلَ اللّه قُرْبانَهُ، وَتَحَكَمَ فِيهِ هَذَا الْخَيالُ حتّى حَسَدَ قابيل أخاه هابيلَ، وَعَزَمَ عَلى قَتْلِهِ لِئَلَّا يَكونَ مِنْهُ نَسْلٌ، وَلَمْ يَدْرِ كَيْفَ يَصْنَعُ، فَعَلَّمَهُ إِبْلِيسُ أَنْ يَضَعَ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَينِ وَيَقْتُلَهُ، فَفَعَلَ ذلِكَ، وَلَمْ يَدْرِ كَيْفَ يُوارِيَهُ، حتّى جَاءَ غُرابانِ، وَاقْتَتَلا ثُمَّ حَفَرَ أَحَدُهُما لِلْآخَر وَواراهُ، وَهُوَ يَنْظُرُ فَقامَ وَحَفَرَ لِها بِيلَ وَدَفَنَهُ، وَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ، وَصارَ هذا سُنَّةٌ في دَفْنِ الْمَوْتَى.

وَلَمّا سَأَلَهُ آدَمُ عَنْ أَخِيهِ هَابِيلَ قالَ لَهُ : أَجَعَلْتَني راعِياً لَهُ ؟ ثُمَّ جَاءَ بِهِ إِلى مَكَانِ الْقُرْبانِ فَاسْتَبانَ لَهُ أَنَّهُ قَتَلَهُ، فَلَعَنَ قابلَ، وَأَمَرَ بِلَغْنِهِ، وَبَكَى عَلَىٰ وَلَدِهِ أَرْبَعِينَ سَنَةٌ حَتَّىٰ أَوْحَى اللّه إِلَيْهِ أَنِّي واهِبٌ لَكَ ذَكَراً يَكونُ خَلَفاً عَنْ ها بيلَ، فَوَلَدَتْ لَهُ حَوَاءُ غُلاماً زَكِيَاً


1) تفسير البرهان : 1 : 441. تفسير الصافي : 2 : 372.

2) يوسف 12 : 20.

3) مجمع البيان : 5 : 221.

4) المائدة 5 : 27.

مُبارَكاً، وَفِي الْيَوْمِ السَّابِعِ أَوْحَى اللّه إِلَيْهِ أَنْ سَمِّهِ هِبَةَ اللّه، فَسَمَاهُ بِذلِكَ» (1).

9 - قال سعيد بن جبير : «سألت الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن القربي في الآية الكريمة : «قُل لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا المودّة فِي الْقُرْبَى» (2).

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «هِيَ قَرابَتُنا أَهْلِ الْبَيْتِ» (3).

10 - سأل رجل الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الحق المعلوم الذي ورد في قوله تعالى : «وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ» (4).

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْحَقُّ الْمَعْلُومُ الشَّيْءُ الَّذي يُخْرِجُهُ مِنْ مَالِهِ لَيْسَ مِنَ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ الْمَفْرُوضَتَيْنِ.

فقال له الرجل : فما يصنع به ؟

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : يَصِلُ بِهِ رَحِماً، وَيُقَوّي بِهِ ضَعِيفاً، وَيَحْمِلُ لَهُ كَلَّهُ أَوْ يَصِلُ أَحْاً لَهُ فِي اللّه أَوْ لِنائِبَةٍ تَنوبُهُ.

وبهر الرجل من علم الإمام وراح يقول له : اللّه أعلم حيث يجعل رسالته في من يشاء» (5).

11 - فسّر الإمام الآية الكريمة : «فَاصْفَح الصَّفْحَ الْجَمِيلَ» (6)بِأَنَّهُ الْعَفْوُ


1) تفسير البرهان : 1 : 280.

2) الشورى 42: 23.

3) أحكام القرآن / الجصاص : 3: 475.

4) المعارج 70: 24 و 25.

5) لآلئ الأخبار: 3 : 3. وسائل الشيعة : 6 : 69.

6) الحجر 15: 85.

مِنْ غَيْرِ عِتابٍ (1).

هذه بعض الآيات الكريمة التي أثر تفسيرها عن الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ). والمتتبع في كتب التفسير يجد الكثير من آرائه وأقواله في هذا الموضوع.


1) وسائل الشيعة : 12 : 170. معاني الأخبار : 374.

الفقه

إشارة:

أما علم الفقه فهو من أجل العلوم الإسلاميّة وأهمها ؛ لأنّه يعرض لأفعال المكلفين على ضوء ما قنّن في الشريعة الإسلاميّة، وقد اهتم الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) به اهتماماً بالغاً، فقام بنشره وإذاعته بين الناس، وكان المتخصص الوحيد في عصره في هذا العلم.

ويقول المؤرّخون : «إنّه كان يشبه جده الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قدرته على الإحاطة بالمسائل الفقهية من جميع جوانبها والتفريع عليها» (1).

وكان المرجع الوحيد الذي يرجع إليه العلماء والفقهاء في مهام المسائل الدينيّة، فقد روى المؤرّخون أنّ الزهري وهو من أجلاء فقهاء المدينة المشهورين كان ممّن يرجع إلى الإمام في ما يهمه من الأحكام الشرعيّة.

ويقول الرواة : «إنّه رأى في منامه كأن يده مخضوبة، وفسرت له رؤياه بأنه يبتلى بدم خطأ، وكان في ذلك الوقت عاملاً لبني أمية، فعاقب رجلاً فمات في العقوبة، ففزع وخاف من اللّه، وفر هارباً، فدخل في غار يتعبّد فيه، وكان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد مضى حاجّاً إلى بيت اللّه الحرام فاجتاز على الغار الذي فيه الزهري، فقيل له : هل لك في الزهري حاجة ؟

فأجابهم إلى ذلك، ودخل عليه فرآه فزعاً خائفاً قانطاً من رحمة اللّه.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) له : إنِّي أَخافُ عَلَيْكَ مِنَ الْقُنوطِ ما لَا أَخافُ عَلَيْكَ مِنْ ذَنْبِكَ، فَابْعَثْ بِدِيَةٍ مُسَلَّمَةٍ إِلى أَهْلِهِ، وَاخْرُجْ إِلى أَهْلِكَ وَمَعالِمِ دينِكَ، فاستبشر الزهري، وقال له : فرّجت


1) الإمام زين العابدين : 33.

عنّي يا سيّدي، اللّه أعلم حيث يجعل رسالته في من يشاء» (1).

ونعرض إلى نماذج من الأحكام الشرعيّة التي أدلى بها الإمام.

أقسام الصوم

دخل الزهري مع جماعة من الفقهاء على الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فسأل الإمام الزهري عما كانوا يخوضون فيه، فقال له : تذاكرنا الصوم فأجمع رأيي ورأي أصحابي على أنه ليس من الصوم واجب إلا شهر رمضان.

فنعى عليهم الإمام قلّة معلوماتهم بشؤون الشريعة وأحكام الدين، وبيّن لهم أقسام الصوم قائلاً:

لَيْسَ كَما قُلْتُمْ : الصَّوْمُ عَلى أَرْبَعِينَ وَجْهَا، عَشَرَةٌ مِنْهَا وَاجِبَةٌ كَوجوبِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَعَشَرَةٌ مِنْها صَوْمُهُنَّ حَرامٌ، وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ وَجْهَا صِيامُهُنَّ بِالْخِيار، إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ، وَصَوْمُ الْإِذْنِ عَلَى ثَلاثَةِ أَوْجُهِ، وَصَوْمُ التَأَدبِ، وَصَوْمُ الْإِبَاحَةِ، وَصَوْمُ السَّفَرِ، وَالْمَرَضَ.

وبهر الزهري وبقيّة الفقهاء من سعة علم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإحاطته بأحكام الدين، وطلب منه الزهري إيضاح تلك الوجوه وبيانها

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَمَا الْواجِبُ فَصِيامُ شَهْرِ رَمَضانَ، وَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ لِمَنْ أَفْطَرَ يَوْماً مِنْ شَهْرِ رَمَضانَ مُتَعَمِّداً، وَصِيامُ شَهْرَيْنِ في قَتْلِ الْخَطَأُ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْعِقَ وَاجِبٌ. قال اللّه تعالى : «وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأَ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٌّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن


1) تاریخ دمشق : 36: 16. بحار الأنوار : 46 : 7. أعيان الشيعة : 1 : 99.

قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْن» (1).

وَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ في كَفَارَةِ الظَّهَارِ (2)لِمَنْ يَجِدِ الْعِنْقَ. قال اللّه تعالى: «وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسًا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللّه بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْل أَن يَتَماسًا» (3).

وَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّام فِي كَفَارَةِ الْيَمِينِ وَاجِبٌ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ الْإِطْعَامَ. قالَ اللّه تَعَالَى : «فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أيّام ذَلِكَ كَفَّارَةٌ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ» (4)، كلّ ذلِكَ تَتابعُ وَلَيْسَ بِمُفْتَرِقٍ.

وَصِيامُ أَذَى الْحَلْقِ : حَلْقُ الرَّأْسِ وَاجِبٌ. قالَ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى: «فَمَن كَانَ مِنكُم مرِيضاً أَوْ بِهِ أَدَى مِن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكِ» (5)، وَصَاحِبُها فيها بِالْخَيارِ بَيْنَ صِيامِ ثَلَاثَةِ أيّام أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكِ.

وَصَوْمُ دَمِ الْمُتْعَةِ وَاجِبٌ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ. قالَ اللّه تَبَارَكَ وَتَعالى : «فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الحجّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أيّام فِي الحجّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ» (6).


1) النساء 4: 92.

2) الظهار : أن يقول الرجل لزوجته : «أنت على كظهر أُمّي».

3) المجادلة 58: 3 و 4.

4) المائدة 5: 89.

5) البقرة 2 : 196.

6) البقرة 2 : 196.

وَصَوْمُ جَزاءِ الْعَبْدِ وَاجِبٌ. قالَ اللّه تَبَارَكَ وَتَعالى : «وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيَاماً» (1).

ثُمَّ قالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أَوَ تَدْرِي كَيْفَ يَكونُ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً يا زُهْرِيُّ ؟

فقال : لا أدري.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): تُقَوَّمُ الصَّيْدُ قِيمَةٌ ثُمَّ تُفْضى تِلْكَ القيمَةُ عَلَى الْبِرِّ، ثُمَّ يُكالُ ذلِكَ البر أضواعاً، فَيَصومُ لِكُلِّ نِصْفِ صاعِ يَوْماً، وَصَوْمُ النَّذْرِ وَاجِبٌ، وَصَوْمُ الْإِعْتِكَافِ واجِبٌ (2).

وَأَمَا الصَّومُ الْحَرامُ : فَصَوْمُ يَوْمِ الْفِطْرِ، وَيَوْمِ الْأَضْحَى، وَثَلاثَةِ أيّام مِنْ أيّام التَّشْرِيقِ (3)، وَصَوْمُ يَوْمِ الشَّكُ (4)أَمِرْنا بِهِ، وَنُهينا عَنْهُ : أَمِرْنَا أَنْ نَصُومَهُ مِنْ شَعْبَانَ، وَ وَنُهينا أَنْ يَتَفَرَّدَ الرَّجُلُ بِصيامِهِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يَشْكُ فِيهِ النَّاسُ.

والتفت الزهري إلى الإمام قائلاً: جعلت فداك، فإن لم يكن صام من شعبان شيئاً كيف يصنع ؟

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يَنْوِي لَيْلَةَ الشَّكْ أَنَّهُ صائِمٌ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنْ كَانَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ أَجْزَأَ عَنْهُ، وَإِنْ كانَ مِنْ شَعْبَانَ لَمْ يَضُرُّ.


1) المائدة 5 : 95.

2) الاعتكاف إنّما يجب بعد مضي يومين منه فيتعيّن اليوم الثالث، وكذلك يجب بالنذر وشبهه.

3) أيّام التشريق: وهي أيّام منى، وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر بعد يوم : النحر.

4) يحرم صوم يوم الشكّ إذا نوى أنّه من شهر رمضان.

وأشكل الزهري على الإمام : كيف يجزي صوم تطوع عن فريضة ؟

فأجابه الإمام : لَوْ أَنَّ رَجُلاً صَامَ يَوْماً مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ تَطَوْعاً وَهُوَ لَا يَدْري، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ عَلِمَ بَعْدَ ذلِكَ أَجْزَأَ عَنْهُ لأَنَّ الْفَرْضَ إِنَّمَا وَقَعَ عَلَى الْيَوْمِ بِعَيْنِهِ.

ثم استأنف الإمام حديثه في بيان أقسام الصوم قائلاً : وَصَوْمُ الْوِصالِ حَرام (1)، وَصَوْمُ الصَّمْتِ حَرامٌ (2)، وَصَوْمُ النَّذْرِ لِلْمَعْصِيَةِ حَرامٌ، وَصَوْمُ الدَّهْر حَرام.

وَأَمّا الصَّوْمُ الَّذي صارَ صاحِبُهُ فِيهِ بِالْخَيارِ فَصَوْمُ يَوْمِ الْجُمَعَةِ وَالْخَمِيسِ وَالْإِثْنَيْنِ وَصَوْمِ الْأيّام الْبِيضِ (3)، وَصَوْمُ سِتَّةِ أيّام مِنْ شَوَالَ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَيَوْمٍ عَرَفَةَ، وَيَوْمٍ عاشوراءَ، كلّ ذلِكَ صاحِبُهُ فِيهِ بِالْخيارِ، إِنْ شاءَ صَامَ وَإِنْ شاءَ أَفْطَرَ.

وَأَمَّا الصَّوْمُ بِالْإِذْنِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَصومُ تَطَوعاً إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا، وَالْعَبْدُ لَا يَصومُ تَطَوعاً إِلَّا بِإِذْنِ سَيّدِهِ، وَالضَّيْفُ لَا يَصومُ تَطَوعاً إِلَّا بِإِذْنِ مُضَيِّفِهِ. قَالَ رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) : فَمَنْ نَزَلَ عَلَىٰ قَوْمٍ فَلَا يَصومُ تَطَوعاً إِلَّا بِإِذْنِهِمْ.

وَأَمَا صَوْمُ التَّأْديبِ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ الصَّبِيُّ إِذا راهَقَ تَأديباً، وَلَيْسَ بِفَرْضٍ وَكَذلِكَ مَنْ أَفْطَرَ لَعِلَّةٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، ثُمَّ قَوِيَ بَعْدَ ذلِكَ، أُمِرَ بِالْإِمْسَاكِ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ تَأْدِيبَاً وَلَيْسَ بِفَرْضِ،


1) صوم الوصال : وهو أن يصوم الليل والنهار، وحرمته حرمة تشريعيّة.

2) صوم الصمت : هو أن يمسك الإنسان فيه عن الكلام، وقد كان الكلام محلّلاً على الصائم في الشرائع السابقة، كما أعلن القرآن ذلك فی قصة مريم. قال تعالى : «إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَانِ صَوْماً فَلَنْ أَكَلَّمَ الْيَوْمَ إِنسِباً» مريم 19: 26، إلا أنه نسخ في الشريعة الإسلاميّة المقدّسة.

3) الأيّام البيض : وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وسمّيت لياليها بيضاً لأنّ القمر يطلع فيها من أوّلها إلى آخرها، جاء ذلك في مجمع البحرين : مادّة «بيض».

وَكَذلِكَ الْمُسافِرُ إِذا أَكَلَ مِنْ أَوَّلِ النَّهارِ ثُمَّ قَدِمَ أَهْلَهُ أَمِرَ بِالْإِمْساكِ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ تَأديباً وَلَيْسَ بِفَرْضِ، وَأَمَا صَوْمُ الْإِبَاحَةِ فَمَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ تَقَبَّاً مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ أَباحَ اللّه ذلِكَ وَأَجْزَأَ عَنْهُ صَوْمُهُ.

وَأَمَا صَوْمُ السَّفَرِ وَالْمَرَضِ فَإِنَّ العامّة اخْتَلَفَتْ فيهِ، فَقالَ قَوْمٌ : يَصومُ، وَقالَ قَوْمٌ : لَا يَصومُ، وَقالَ قَوْمَ : إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ، وَأَمَا نَحْنُ فَنَقُولُ : يَفْطُرُ فِي الْحَالَيْنِ جَميعاً، فَإِنْ صامَ في السَّفَرِ أَوْ فى حالِ الْمَرَضِ فَعَلَيْهِ الْقَضاءُ في ذلك لأنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ : «فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّام أُخَرَ» (1)» (2).

وانتهى هذا البحث الفقهي الذي ألقاه الإمام على العلماء والفقهاء، وقد كشف عن مدى إحاطة الإمام بأحكام الشريعة وفروع الفقه، فقد فرّع على الصوم هذه الفروع المهمة التي غفل عنها العلماء، ومن الجدير بالذكر أنّ فقهاء الإماميّة استندوا إلى هذه الرواية في فتاواهم بأحكام الصوم.

الجمع بين صلاتي العشائين

أما الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء فجائز، وليس التفريق بينهما واجباً، وإن كان أفضل، وقد دلّ على ذلك ما روى الفضيل بن يسار: «كان عليّ بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يأمر الصبيان يُجمعون بين المغرب والعشاء الآخرة ويقول : «هُوَ مِنْ أَنْ يَناموا عَنْها» (3).

لقد تظافرت الأخبار عن الأئمّة الطاهرين (عَلَيهِم السَّلَامُ) في جواز الجمع بين الفريضتين


1) البقرة 2 : 184.

2) الخصال : 501 - 504. فروع الكافي : 4 : 38 - 87. المقنعة : 364 - 367. تفسير القمي 172 - 175. تهذيب الأحكام : 4 : 294 – 297.

3) الكافي : 3 : 409، الحديث 2. تهذيب الأحكام : 2 : 380.

وعلى ضوئها أفتى فقهاء الإماميّة بذلك، وهذه الرواية دلّت على جواز ذلك ولكن في خصوص صلاة المغرب والعشاء للصبيان خاصة، ومن المؤكّد أنه لا خصوصية للعشائين ولا للصبيان وإنّما نصّ عليهما لأنّ السؤال كان عنهما.

اعتبار النيّة فى العبادات

وتعتبر النيّة في مطلق العبادات، وأنّها لا تصح بدونها، وقد استدلّ على ذلك بما رُوي عن الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه : «لَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ» (1).

عدم جواز التكفير في الصلاة

ذهبت الشيعة إلى عدم جواز التكفير في الصلاة، وهو وضع إحدى اليدين على الأخرى في حال القيام، وقد استندوا في ذلك إلى طائفة من الأخبار كان من بينها ما رُوي عن الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقد قال : «وَضْعُ الرَّجُلِ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرى في الصَّلاةِ عَمَلٌ، وَلَيْسَ في الصَّلاةِ عَمَلٌ» (2).

شراء الجارية المغنّية

ويحرم شراء الجارية المغنّية بقصد الغناء، أما إذا اشتريت لقراءة القرآن الكريم وغيره ممّا ليس بغناء، فلا مانع من ذلك، وقد استدل الفقهاء على ذلك بما رُوي عن الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد سأله رجل عن شراء جارية لها صوت، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) له : «ما عَلَيْكَ لَوِ اشْتَرَيْتَها فَذَكَرَتْكَ الْجَنَّةَ» يعني بقراءة القرآن والزهد والفضائل التي ليست بغناء، أمّا الغناء فمحظور (3).


1) وسائل الشيعة : 1 : 46، الحديث 1.

2) وسائل الشيعة : 7 : 266، الحديث 4.

3) وسائل الشيعة : 12 : 16، الحديث 2.

حدّ الزنا بالأُخت

أمّا الزنا بالاخت فهو من أفحش المحرمات، وقد سئل الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن حدّه، فقال : «يُضْرَبُ بِالسَّيْفِ بالغاً ما بَلَغَتِ الضَّرْبَةُ، فَإِنْ عاشَ خُلْدَ بِالسِّجْنِ حتّى يَموت» (1).

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض المسائل الفقهيّة التي أفتى بها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويجد المتتّبع في كتب الفقه الإستدلالي وفي موسوعات الحديث طائفة كبيرة من فتاواه الفقهيّة، وقد شملت جميع أبواب الفقه من العبادات والمعاملات، والعقود والايقاعات، وقد استند إليها فقهاء الإماميّة فأفتوا على ضوئها.


1) من لا يحضره الفقيه : 3 : 29، الحديث 3261.

بحوث كلامية

إشارة:

كان الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)المرجع الوحيد الذي كان يرجع إليه العلماء للسؤال عن المسائل الكلامية المعقدة، وكان من بين ما أدلى به وسئل عنه من هذه البحوث ما يلي :

القضاء والقدر

أمّا مباحث القضاء والقدر فهى من غوامض المسائل الكلامية، وأشدّها تعقيداً، وقد سأل رجل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عنها قائلاً: جعلني اللّه فداك، أبقدر يصيب الناس ما أصابهم أم بعمل ؟

فأجابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بجواب حلّل فيه أبعادها، وواقعها على ضوء الفكر الإسلامي، قال : إِنَّ الْقَدَرَ وَالْعَمَلَ بِمَنْزِلَةِ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ، فَالرُّوحُ بِغَيْرِ جَسَدِ لَا تَحِسُّ، وَالْجَسَدُ بِغَيْرِ روح صورَةٌ لا حَراكَ بِها، فَإِذا اجْتَمَعا قويا وَصَلَحا. كَذلِكَ الْعَمَلُ وَالْقَدَرُ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْقَدَرُ واقِعاً عَلَى الْعَمَلِ لَمْ يُعْرَفِ الْخالِقُ مِنَ الْمَخْلُوقِ، وَكانَ الْقَدَرُ شَيْئاً لَا يُحَسُّ، وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْعَمَلُ بِمُوافَقَةٍ مِنَ الْقَدَرِ لَمْ يُمْضَ، وَلَمْ يَتِمُّ، وَلكِنَّهُما باجتِماعِهما لِعِبادِهِ الصَّالِحِينَ.

وأضاف الإمام قائلاً : أَلَا إِنَّ مِنْ أَجْوَر النَّاسِ مَنْ رَأَى جَوْرَهُ عَدْلاً، وَعَدْلَ الْمُهْتَدِينَ جَوْراً، أَلَا إِنَّ لِلْعَبْدِ أَرْبَعَةَ أَعْيُنٍ : عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا أَمْرَ آخِرَتِهِ، وَعَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِما أَمْرَ دُنْيَاهُ، فَإِذا أَرادَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ بِعَبْدِهِ خَيْراً فَتَحَ لَهُ الْعَيْنَيْنِ اللَّتَيْنِ فِي قَلْبِهِ فَأَبْصَرَ بِهِما الْغَيْبَ، وَإِذا أَرادَ غَيْرَ ذلِكَ تَرَكَ الْقَلْبَ بِما فيه.

والتفت (عَلَيهِ السَّلَامُ) له فقال : هذا مِنْهُ، هذا مِنْهُ.

لقد حلّل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) واقع القضاء والقدر، وأزاح الشكوك التي تحوم حولهما، وأثبت الحقيقة التي قررها الإسلام فيهما.

اللّه تعالى نور

دخل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مسجد جده رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) فرأى قوماً يختصمون، فقال لهم : فِيمَ تَخْتَصِمُونَ ؟

فانبروا جميعاً قائلين : في التوحيد

فزجرهم عن الخوض في ذلك، لقلة بضاعتهم في هذا الأمر، وقال لهم : أَعْرِضوا عَنْ مَقَالَتِكُمْ.

واندفع بعضهم قائلاً: إِنَّ اللّه يعرف بخلقه سماواته وأرضه، وهو في كلّ مكان.

وأرشده الإمام إلى مقالة الحق والصواب قائلاً: مَنْ كَانَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، كانَ نَعْتُهُ لَا يَشْبَهُ نَعْتَ شَيْءٍ فَهُوَ ذَاكَ» (1).

عجبه إلا من الشاكّ باللّه تعالى

وتعجب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أشدّ ما يكون التعجّب من الشاكّ باللّه خالق السموات والأرض كما تعجب ممّن أنكر النشأة الأخرى.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «عَجِبْتُ كلّ الْعَجَبِ لِمَنْ شَكٍّ فِي اللّه وَهُوَ يَرَى خَلْقَهُ، وَعَجِبْتُ كلّ الْعَجَبِ لِمَنْ أَنْكَرَ النَّشْأَةَ الأخْرى وَهُوَ يَرَى النَّشْأَةَ الأولى» (2).

حقّاً إن ممّا يدعو إلى التعجّب من أنكر وجود الخالق العظيم الذي تدلّل عليه


1) التوحيد : 366 و 367.

2) بلاغة الإمام عليّ بن الحسين علي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) : 5.

جميع الموجودات إذ تستحيل أن توجد من دون علة خالقة لها، وإن الإنسان إذا تأمل وفكّر لرأى الآيات على وجود اللّه تعالى تصاحب كلّ موجود على وجه الأرض. يقول الشاعر :

في الْأَرْضِ آياتٌ فَلا تَكُ مُنْكِراً***فَعَجانِبُ الْأَشْياءِ مِنْ آيَاتِهِ

كما أن العجب ممّن ينكر النشأة الأخرى، وهو يرى النشأة الأولى التي هي أعظم بكثير من النشأة الأخرى؛ لأنّ عملية التكوين والايجاد أهمّ من عملية الإعادة يقول اللّه تعالى: «قَالَ مَن يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بكلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ» (1).

استحالة وصف اللّه تعالى بالمحدوديّة

ويستحيل أن يوصف اللّه تعالى بالمحدودية التي هي من صفات الممكن.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَا يُوصَفُ اللّه تَعَالَى بِالْمَحْدودِيَّةِ، عَظُمَ اللّه رَبُّنا عَنِ الصِّفَةِ، وَكَيْفَ يُوصَفُ بِمَحْدودِيَّةٍ مَنْ لَا يُحَدُّ وَلَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ، وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصارَ، وَهُوَ اللطيف الْخَبيرُ» (2).

إنّ اللّه تعالى لا تحيط بمعرفته عقول البشر، كما لا تدركه الأبصار المحدودة في نظرها، وكيف يحيط الممكن الفاني بتلك القوة المبدعة لهذه الأكوان التي حارت الأفكار في كيفية إيجادها وتكوينها، وكيف تصل إلى معرفة الخالق العظيم ؟

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض علوم الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) التي هي امتداد لعلوم آبائه وثرواتهم العلميّة والفكريّة.


1) یس 36: 78 و 79.

2) الإمام زين العابدين : 219.

مِنْ مَوَاعِظِهِ وَحِكمة (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

واهتم الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أشد ما يكون الاهتمام بوعظ الناس، وقد أثرت عنه كثير من المواعظ وعظ بها أصحابه، وأهل عصره، وهي لا تزال حية تضع العبر أمام الناس، وتحذرهم من الغرور والطيش، وتدعوهم إلى سبيل الحق والصواب، كما أثرت عنه بعض الحكم الخالدة التي تهدف إلى توازن الإنسان في سلوكه، وازدهار شخصيّته، ونعرض لبعض ما روي عنه في ذلك :

مواعظه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وقبل أن نتحدّث عن مواعظ الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) نود أن نبين إلى ما تهدف إليه مواعظه، ومواعظ سائر الأئمّة الطاهرين (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وفي ما يلي ذلك :

1 - تهذيب النفوس وإصلاحها، وغرس النزعات الكريمة فيها.

2 - إزالة العقد النفسيّة من نفس الإنسان، والقضاء على جميع النزعات الفاسدة والشريرة والأنانيّة والحسد والبغي والاعتداء على الناس.

3 - وضع العبر التي مرّت على الناس عبر التاريخ من دمار الظالمين، وهلاك المستبدين ليتخذ الإنسان منها دروساً تنير له الطريق، وتوضّح له القصد في حياته الاجتماعيّة والفرديّة.

4 - الاتّجاه إلى اللّه تعالى الذي هو أنبل مقصد في هذه الحياة، فإنّه ينجي

الإنسان من كلّ شر وإثم.

5 - التزوّد إلى دار الآخرة التي هي المقرّ الدائم والحقيقي للإنسان، وذلك بعمل الخير.

هذه بعض الأهداف المشرقة في مواعظ أئمة الهدى (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ونعرض إلى مواعظ الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

1 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذم الدنيا والتحذير من شرورها وفتنتها :

«إِنَّ الدُّنْيا قَدِ ارْتَحَلَتْ مُدْبِرَةً، وَإِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ تَرَحَّلَتْ مُقْبِلَةً، وَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُما بَنُونَ فَكُونوا مِنْ أَبْناءِ الْآخِرَةِ، وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْناءِ الدُّنْيا، وَكُونوا مِنَ الزّاهِدِينَ فى الدُّنْيا، الرّاغِبينَ فى الآخِرَةِ.

أَلَا إِنَّ الزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيا اتَّخَذُوا الْأَرْضَ بِساطاً، وَالتُّرابَ فِراشاً. وَالْمَاءَ طيباً، وَقَرَضوا مِنَ الدُّنْيا تَقْريضاً، أَلَا وَمَنِ اشْتاقَ إِلَى الْجَنَّةِ سَلا عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَمَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ رَجَعَ عَنِ الْمُحَرَّماتِ، وَمَنْ زَهِدَ في الدُّنْيا هانَتْ عَلَيْهِ الْمَصائِبُ. أَلَا إِنَّ للّه عِباداً كَمَنْ رَأَىٰ أَهْلَ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ مُخَلَّدينَ، وَكَمَنْ رَأَى أَهْلَ النَّارِ فِى النّارِ مُعَذِّبِينَ، شُرورُهُمْ مَأْمونَةٌ، وَقُلوبُهُمْ مَحْرُونَةٌ، أَنْفُسُهُمْ عَفيفَةٌ، وَحَوائِجُهُمْ خَفِيفَةٌ، صَبَرُوا أَيَّاماً قَليلَةً فَصاروا بِعُقْبَى راحَةٍ طَوِيلَةٍ. أَمَا اللَّيْلُ فَصافَونَ أَقْدَامَهُمْ، تَجْرِي دموعُهُمْ عَلى حُدودِهِمْ، وَهُمْ يَجْأَرُونَ (1)إِلَى رَبِّهِمْ، يَسْعَوْنَ فِي


1) يجأرون : أي يتضرعون.

فَكاكِ رِقابِهِمْ.

وَأَمَا النَّهارُ فَحُلَماءُ عُلَماءُ بَرَرَةٌ أَتْقاءُ كَأَنَّهُمُ الْقِداحُ (1)قَدْ بَرَاهُمُ الْخَوْفُ مِنْ الْعِبادَةِ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ النَّاظِرُ فَيَقولُ : مَرْضى، وَمَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضِ، أَمْ خُولِطوا، فَقَدْ َخالَطَ الْقَوْمَ أَمْرٌ عَظِيمٌ مِنْ ذِكْرِ النّارِ وَما فيها» (2).

لقد حذر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من حبّ الدنيا الذي هو رأس كلّ خطيئة، ودعا إلى الاقتداء بالزهاد من عباد اللّه الصالحين الذين فهموا واقع الحياة الدنيا وما يؤول إليه أمرها من الزوال والفناء، فما هي إلا أيّام معدودة حتّى يقدم الإنسان على اللّه فيسأله عما عمله فى حياته ليجازيه عليه إن خيراً فخيراً، وإن شراً فشراً، ولذا اتجه الأخيار بقلوبهم وعواطفهم نحو اللّه، فأخلصوا في طاعته وعبادته.

2 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يابْنَ آدَمَ، لَا تَزالُ بِخَيْر ما كانَ لَكَ واعِظُ مِنْ نَفْسِكَ : وَما كانَتِ الْمُحاسَبَةُ مِنْ هَمِّكَ، وَما كانَ لَكَ الْخَوْفُ شِعاراً، وَالْحُزْنُ لَكَ دِثاراً.

يابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَيِّتٌ وَمَبْعُوثُ، وَمَوْقوفٌ بَيْنَ يَدَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ وَمَسْؤُول فَأعِدَّ جَواباً» (3).

لقد دعا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أن يقيم الإنسان في أعماق نفسه، ودخائل ذاته واعظاً يعظها ومحاسباً يحاسبها على ما يصدر منها من زلات وهفوات، فإنّه مبعوث في


1) القداح : السهام بلاريش ولا نصل.

2) أصول الكافي : 2 : 131 و 132، الحدیث 15.

3) الدرّ النظيم : 137. تاريخ اليعقوبي : 3: 46.

يوم القيامة، ومحاسب على ما يقترفه من إثم وسيّئات.

3 - روى الزهري، قال : سمعت عليّ بن الحسين يقول : مَنْ لَمْ يَتَعَزَّ بِعَزاءِ اللّه تَقَطَّعَتْ نَفْسُهُ عَلَى الدُّنْيا حَسَراتٍ، وَاللّه مَا الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ إِلَّا كَكَفَّتي ميزانٍ، فَأَيُّهُما رَجَحَ ذَهَبَ بِالْآخَرِ.

ثم تلا قوله تعالى : «إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ»، يَعْنِي الْقِيامَةَ.

«لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ» خَفَضَتْ وَاللّه بِأَعْدَاءِ اللّه إِلَى النَّارِ. «رَافِعَةٌ» (1)رَفَعَتْ وَاللّه أَوْلِياءَ اللّه إِلَى الْجَنَّةِ.

ثم خاطب رجلاً من جلسائه، والذي يظهر من فحوى كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه كان متهالكاً في طلب الدنيا، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) يعظه : اتَّقِ اللّه، وَأَجْمِلْ فِي الطَّلَبِ وَلَا تَطْلُبْ ما لَمْ يُخْلَقُ، فَإِنَّ مَنْ طَلَبَ ما لَمْ يُخْلَقْ تَقَطَّعَتْ نَفْسُهُ، وَلَمْ يَنَلْ ما طَلَبَ، وَكَيْفَ يَنالُ ما لَمْ يُخْلَقْ.

وأسرع الرجل قائلاً : كيف يطلب ما لم يخلق ؟

فأجابه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قائلاً: مَنْ طَلَبَ الْغِنى وَالْأَمْوالَ وَالسِّعَةَ فِي الدُّنْيا، فَإِنَّما يَطْلُبُ ذلِكَ لِلرّاحَةِ فِي الدُّنْيا، وَالرّاحَةُ لَمْ تُخْلَقْ فِي الدُّنْيا، وَلَا لَأَهْلِ الدُّنْيا، وَإِنَّما خُلِقَتِ الرّاحَةُ فِى الْجَنَّةِ، وَالتَّعَبُ وَالنَّصَبُ خُلِقاً في الدُّنْيا وَلأَهْلِ الدُّنْيا، وَما أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْها حَفْنَةٌ إِلَّا أُعْطِيَ مِنَ الْحِرْصِ مِثْلَهَا، وَمَنْ أَصابَ مِنَ الدُّنْيا أَكْثَرَ كَانَ فِيها أَشَدَّ فَقْراً لأَنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى النَّاسِ لِحِفْظِ


1) الواقعة 56 : 1 - 3.

أَمْوالِهِ، وَيَفْتَقِرُ إِلى كلّ آلَةٍ مِنْ آلاتِ الدُّنْيا، فَلَيْسَ فِي غِنىً راحَةٌ، وَلكِنِ الشَّيْطَانُ يُوَسْوِسُ إِلَى ابْنِ آدَمَ أَنَّ لَهُ في جَمْع ذلِكَ الْمالِ راحَةٌ، وَإِنَّما يَسُوقُهُ إِلَى التَّعَبِ في الدُّنْيا، وَالْحِسابُ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ.

وأضاف الإمام قائلاً: كَلَّا ما تَعِبَ أَوْلِيَاءُ اللّه في الدُّنْيا لِلدُّنْيا، بَلْ تَعِبوا في الدُّنْيا لِلْآخِرَةِ. أَلَا وَمَنِ اهْتَمَّ لِرِزْقِهِ كُتِبَ عَلَيْهِ حِفْظُهُ، كَذلِكَ قَالَ الْمَسيحُ عِيسَى لِلْحَواريّينَ : إِنَّمَا الدُّنْيا قَنْطَرَةٌ فَاعْبُرُوها وَلَا تَعْمُرُوها» (1).

وفي هذه الموعظة دعوة إلى الزهد في الدنيا والإجمال في طلبها، فإن السعي وراء المادة سببه الحصول على الراحة، ولكن لا راحة في الدنيا وذلك لكثرة همومها وآلامها، وقد خلقت الراحة في الجنّة التي أعدها اللّه للمتقين أعدّها اللّه للمتقين من عباده، فالطلب ينبغي أن يكون لها لا للدنيا.

4 - سأل شخص الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال له : كيف أصبحت يابن رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)؟

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَصْبَحْتُ مَطلوباً بِثَمانِ : اللّه يُطالبني بِالْفَرائِضِ، وَالنبيّ يُطالبني بِالسُّنَّةِ، وَالْعيالُ بِالْقوتِ، وَالنَّفْسُ بِالشَّهْوَةِ، وَالشَّيْطانُ بِاتِّبَاعِهِ، وَالْحافِظَانِ بِصِدْقٍ فِي الْعَمَلِ، وَمَلَكُ الْمَوْتِ بِالرّوح، وَالقَبْرُ بِالْجَسَدِ، فَأَنا بَيْنَ هَذِهِ الْخِصَالِ مَطْلُوبٌ (2).

لقد نظر الإمام إلى أبعاد الحياة الدنيا، فرآها محاطة بهذه الأمور الثمانية فصمّم


1) الخصال : 64 و 65، الحديث 95.

2) أمالي الشيخ الطوسي : 641، الحديث 1330.

على الزهد فيها، وعدم الاحتفاء بأي شيء من زينتها ومباهجها.

5 - جاء رجل متسوّل يشكو حاله إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأنكر عليه ذلك قائلاً: مِسْكِينُ ابْنُ آدَمَ، لَهُ فِي كلّ يَوْمٍ ثَلاثُ مَصَائِبٍ، لَا يَعْتَبِرُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، وَلَو أعَتَبَرَ لَهانَتْ عَلَيْهِ الْمَصائِبُ، وَأَمْرُ الدُّنْيا، فَأَما المُصيبَةُ الأولى فَالْيَوْمُ الَّذي يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ، وَإِنْ نالَهُ نُقصان فى مالِهِ اغْتَمَّ بِهِ، وَالدَّرْهَمُ يُخْلَفُ عَنْهُ، وَالْعُمُرُ لَا يَرُدَّهُ، وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ يَسْتَوْفِي رِزْقَهُ، فَإِنْ كَانَ حَلالاً حُوسِبَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كانَ حَراماً عُوقِبَ عَلَيْهِ، وَالثَّالِثَةُ أَعْظَمُ مِنْ ذلِكَ.

فقيل له : وما هي ؟

قال : ما مِنْ يَوْمٍ يُمْسِي إِلَّا وَدَنَا مِنَ الْآخِرَةِ رَحْلُهُ لَا يَدْري أَعَلَى الْجَنَّةِ أَمْ عَلَى النَّارِ (1).

لقد دعا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الاعتبار بما يحيط الإنسان من المصائب الثلاث، وهي لو فكر بها لردعته عن التهالك على الدنيا، وعمل لآخرته التي هي دار الخلود والبقاء.

6 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَوْ كانَ النَّاسُ يَعْرِفُونَ جُمْلَةَ الْحالِ فِي فَضْلِ الْإِسْتِنابَةِ، وَجُمْلَةَ الْحالِ فِي صَوابِ التَّبْيينِ، لأَعْرَبوا عَنْ كلّ ما يَتَلَجْلَجُ في صُدورِهِمْ، وَلَوَجَدُوا مِنْ بَرْدِ الْيَقين ما يُغْنِيهِمْ عَنِ الْمُنازَعَةِ إِلى كلّ حالٍ سوى حالِهِمْ، وَعَلَى أَنَّ إِدْراكَ ذلِكَ كَانَ لَا يَعْدِمُهُمْ فِي الْأيّام القَليلَةِ الْعِدَّةِ، وَالْفِكْرَةِ القَصيرَةِ الْمُدَّةِ، وَلكِنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ مَغْمُورٍ بِالْجَهْلِ،


1) الاختصاص : 338.

وَمَفْتونِ بِالْعُجْبِ، وَمَعْدولٍ بِالْهوى مِنْ بابِ التَّثَبُّتِ، وَمَصروفٍ بِسوءِ الْعادَةِ عَنْ فَضْلِ التَّعَلُّم» (1).

إنّ الإنسان لو أمعن النظر وأطال التفكير في شؤون هذا الكون لأمن إيماناً لا يخامره الشك بأنّ هناك خالقاً ومدبّراً يخضع كلّ شيء لإرادته وقضائه، ولا حول ولا قوة لغيره، وإذا آمن الإنسان بذلك لوجد برد اليقين في نفسه، واستراح من كثير من المشاكل والمصاعب التي تداهمه في حياته القصيرة الأمد، ولكن أنّى له بذلك فقد غمره الجهل، وفتنه العجب، وأضلّه الهوى عن فضل التعلم والوصول إلى الحقّ.

7 - ومن مواعظه القيّمة التي وجّهها لأصحابه وشيعته، وهى من أجل ما أثر عنه من المواعظ.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَيُّها النَّاسُ اتَّقوا اللّه، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، فَتَجِدُ كلّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً، «وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّه نَفْسَهُ» (2).

وَيْحَكَ يَابْنَ آدَمَ الْعَافِلَ وَلَيْسَ مَغْفولاً عَنْهُ إِنَّ أَجَلَكَ أَسْرَعُ شَيْءٍ إِلَيْكَ، قَدْ أَقْبَلَ نَحْوكَ حَثِيثًا يَطْلُبُكَ، وَيُوشِكُ أَنْ يُدْركَكَ، فَكَأَنْ قَدْ أَوْفيتَ أَجَلَكَ، وَقَدْ قَبَضَ الْمَلَكُ رُوحَكَ، وَصُيِّرْتَ إِلى قَبْرِكَ وَحيداً. فَرَدَّ إِلَيْكَ رُوحَكَ، وَاقْتَحَمَ عَلَيْكَ مَلَكاكَ : مُنْكِرٌ وَنَكِيرٌ لِمُسَاءَلَتِكَ،


1) البيان والتبيين : 1 :84. زهر الآداب : 1 : 102.

2) آل عمران 3: 30.

وَشَديدِ امْتِحَانِكَ، أَلَا وَإِنَّ أَوَّلَ مَا يَسْأَلَائِكَ عَنْ رَبِّكَ الَّذِي كُنْتَ تَعْبُدُهُ وَعَنْ نَبِيِّكَ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكَ، وَعَنْ دِينِكَ الَّذِي كُنْتَ تَدِينُ بِهِ، وَعَنْ كِتابِكَ الَّذِي كُنْتَ تَتْلُوهُ، وَعَنْ إِمَامِكَ الَّذِي كُنْتَ تَتَوَلَاهُ، وَعَنْ عُمْرِكَ فيما أَفْنَيْتَ، وَعَنْ مالِكَ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبْتَهُ وَفيما أَنْفَقْتَهُ.

فَخُذْ حِذْرَكَ، وَانْظُرْ لِنَفْسِكَ، وَأَعِدَّ الْجَوابَ قَبْلَ الْإِمْتِحَانِ، وَالْمَسْأَلَةِ وَالْإِخْتيار، فَإِنْ تَلْ مُؤْمِناً عارِفاً بِدِينِكَ، مُتَّبِعاً لِلصَّادِقِينَ، مُوالِياً لأَوْلياءِ اللّه لَقَاكَ اللّه حُجَّتَكَ، وَأَنْطَقَ لِسَانَكَ بِالصَّوابِ، فَأَحْسَنْتَ الْجَوَابَ، وَبُشِّرتَ بِالْجَنَّةِ وَالرِّضْوانِ مِنَ اللّه، وَاسْتَقْبَلَتْكَ الْمَلَائِكَةُ بِالرَّوْحِ وَالرَّيْحان.

وَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَذلِكَ تَلَجْلَجَ لِسانُكَ، وَدُحِضَتْ حُجَّتُكَ، وَعَبِيتَ عَنِ الْجَوابِ، وَبُشِّرْتَ بِالنَّارِ، وَاسْتَقْبَلَتْكَ مَلائِكَةُ الْعَذَابِ بِنْزُلٍ مِنْ حَمِيمٍ، وَتَصْلِيَةِ جَحِيم.

وَاعْلَمْ - يَابْنَ آدَمَ - أَنَّ ما وَراءَ هذا - يعني السؤال في القبر - أَعْظَمُ وَأَفْظَعُ وَأَوْجَعُ لِلْقُلوبِ يَوْمَ الْقِيامَةِ، «ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ» (1)، يَجْمَعُ اللّه فِيهِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، وَيُبَعْثَرُ فيهِ الْقُبورُ، ذلِكَ يَوْمُ الْآزِفَةِ (2)«إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ


1) هود 103:11.

2) يوم الأزفة : القيامة.

كَاظِمِينَ» (1)، ذلِكَ يَوْمٌ لَا تُقَالُ فِيهِ عَنْرَةٌ، وَلَا تُؤْخَذُ مِنْ أَحَدٍ فِدْيَةٌ، وَلَا تُقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ مَعْذِرَةٌ، وَلَا لِأَحَدٍ فِيهِ مُسْتَقْبَلُ تَوْبَةٍ، لَيْسَ إِلَّا الْجَزاء بِالْحَسَناتِ، وَالْجَزاءَ بِالسَّيِّئاتِ.

فَمَنْ كانَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عَمِلَ فِي هَذِهِ الدُّنْيا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ وَجَدَهُ، وَمَنْ كانَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عَمِلَ فِى هَذِهِ الدُّنْيا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ شَرٍّ وَجَدَهُ.

فَاحْذَروا أَيُّها النّاسُ مِنَ الذُّنوبِ وَالْمَعاصِي ما قَدْ نَهَاكُمُ اللّه عَنْها، وَحَذَرَكُمُوها فِي الْكِتابِ الصَّادِقِ، وَالْبَيانِ النّاطِقِ، وَلَا تَأْمَنوا مَكْرَ اللّه وَتَدْمِيرَهُ عِنْدَما يَدْعُوكُمُ الشَّيْطَانُ اللعينُ إِلَيْهِ مِنْ عَاجِلِ الشَّهَواتِ وَاللَّذَاتِ في هذِهِ الدُّنْيا، فَإِنَّ اللّه يَقولُ: «إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُبْصِرُونَ» (2).

وَأَشْعِروا قُلوبَكُمْ خَوْفَ اللّه، وَتَذَكَّروا ما قَدْ وَعَدَكُمْ فِي مَرْجِعِكُمْ إِلَيْهِ مِنْ حُسْنِ ثَوابِهِ، كَمَا قَدْ خَوَّفَكُمْ مِنْ شَديدِ عِقابِهِ، فَإِنَّهُ مَنْ خَافَ شَيْئاً حَذِرَهُ، وَمَنْ حَذِرَ شَيْئاً تَرَكَهُ.

وَلَا تَكونوا مِنَ الْغَافِلِينَ الْمَائِلِينَ إِلى زَهْرَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيا، الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ، وَقَدْ قَالَ اللّه تعالى : «أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللّه بهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِن حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ


1) غافر 40: 18.

2) الأعراف 7: 201.

فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ» (1).

فَاحْذَروا ما حَذَّرَكُمُ اللّه بِما فَعَلَ بِالظَّلَمَةِ فِي كِتَابِهِ، وَلَا تَأْمَنوا أَنْ يَنْزِلَ بِكُمْ بَعْضَ مَا تَوَعَدَ بِهِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فِي كِتَابِهِ لَقَدْ وَعَظَكُمُ اللّه بِغَيْرِكُمْ، وَأَنَّ السَّعِيدَ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، وَلَقَدْ أَسْمَعَكُمُ اللّه فِي كِتَابِهِ ما فَعَلَ بِالْقَوْمِ الظَّالِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْقُرى قَبْلَكُمْ حَيْثُ قَالَ : «وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرينَ» (2).

وَقالَ : «فَلَمَّا أَحَسُوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ» (3)، يَعْنِي يَهْرَبُونَ.

وَقالَ: «لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ» (4).

فَلَمّا أَتَاهُمُ الْعَذابُ «قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ» (5).

فَإِنْ قُلْتُمْ أَيُّهَا النَّاسُ : إِنَّ اللّه إِنَّما عَنى بهذا أَهْلَ الشِّرْكِ فَكَيْفَ ذاكَ، وَهُوَ يَقولُ : «وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ» (6).


1) النحل 16 : 45 - 47.

2) الأنبياء 21 : 11.

3) الأنبياء 21 : 12.

4) الأنبياء 21 : 13.

5) الأنبياء 21 : 14.

6) الأنبياء 21 : 47.

اعْلَمُوا عِبادَ اللّه أَنَّ أَهْلَ الشِّرْكِ لَا تُنْصَبُ لَهُمُ الْمَوَازِينُ، وَلَا تُنْشَرُ لَهُمُ الدَّواوِينُ، وَإِنَّمَا يُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً، وَإِنَّما تُنْصَبُ الْمَوازِينُ وَتُنْشَرُ الدَّواوِينُ لأِهْلِ الْإِسْلامِ، فَاتَّقوا اللّه عِبادَ اللّه، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّه تَعَالَى لَمْ يُحِبَّ زَهْرَةَ الدُّنْيا لِأَحَدٍ مِنْ أَوْلِيَائِهِ، وَلَمْ يُرَغَبُهُمْ فِيهَا، وَفي عَاجِلِ زَهْرَتِها، وَظَاهِرِ بَهْجَتِها، فَإِنَّما خَلْقَ الدُّنْيا وَخَلَقَ أَهْلَها لِيَبْلُوَهُمْ فيها أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً لآخِرَتِهِ.

وَأَيْمُ اللّه، لَقَدْ ضُرِبَتْ لَكُمْ فِيهِ(1)الْأَمْثَالُ، وَصُرِّفَتِ الْآيَاتُ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، فَكُونُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ يَعْقِلُونَ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللّه، وَازْهَدوا فيما زَهَدَ كُمُ اللّه فِيهِ مِنْ عَاجِلِ الْحَياةِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ اللّه يَقولُ وَقَوْلُهُ الْحَقُّ : «إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ ممّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازِّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» (2).

وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الدُّنْيا، فَإِنَّ اللّه قالَ لِمحمّد (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏): «وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ» (3).


1) أي في القرآن الكريم.

2) یونس 10: 24.

3) هود 11: 113.

وَلَا تَرْكَنوا إِلى هَذِهِ الدُّنْيا وَما فيها رُكونَ مَن اتَّخَذَها دارَ قَرارِ، وَمَنْزِلَ استيطانٍ، فَإِنَّها دارُ قُلْعَةٍ، وَمُنْزِلُ بُلْغَةٍ، وَدارُ عَمَلِ، فَتَزَوَّدوا الْأَعْمالَ الصَّالِحَةَ قَبْلَ تَفَرُّقِ أَيَّامِهَا، وَقَبْلَ الْإِذْنِ مِنَ اللّه فِي خَرَابِهَا، فَكَانَّ قَدْ أَخْرَبَهَا الَّذِي عَمَّرَها أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَابْتَدَأَها وَهُوَ وَلِيُّ مِيراثِها، وَأَسْأَلُ اللّه لَنا وَلَكُمُ الْعَوْنَ عَلى تَزَوُّدِ التَّقْوى وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيا، جَعَلَنَا اللّه وَإيّاكمْ مِنَ الرَّاهِدِينَ في عاجِلِ هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيا، الرَّاغِبينَ فِي آجِلِ ثَوابِ الْآخِرَةِ، فَإِنَّما نَحْنُ لَهُ وَبِهِ.

وَالسَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللّه وَبَرَكاتُهُ» (1)

لقد حفلت هذه الموعظة بتصوير مذهل ومروّع عن مشاهد يوم القيامة الذي لا تقال فيه عثرة، ولا تؤخذ فيه من أحد فدية، وإنّما يجازى الناس بأعمالهم إن خيراً فخيراً، وإن شراً فشراً، فلانجاة فيه للإنسان من عذاب اللّه إلا بالعمل الصالح، فهو الذي ينقذه من أهوال يوم القيامة ومشاهده المروّعة.

وحذّر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من اقتراف المعاصي والذنوب، واتباع الشهوات التي تلقي الناس في شرّ عظيم، كما حذّر (عَلَيهِ السَّلَامُ) من سلوك طريق الظالمين، لأنّ اللّه تعالى أنزل بهم عقابه الصارم فأهلكهم ودمّر ديارهم، وأذاقهم وبال ما كانوا يظلمون.

وشيء آخر بالغ الأهمية في هذه الموعظة، هو أنّ موازين القسط والعدل التي تنصب يوم القيامة إنما هي للمسلمين، وأما الذين كفروا فلا تنشر لهم الدواوين، ولا تنصب لهم الموازين، وإنّما يساقون إلى جهنّم زمراً.


1) تحف العقول: 249 - 252. أمالي الطوسي : 299 - 301. روضة الكافي : 157 - 160. أمالي الصدوق : 593 - 596. بحار الأنوار : 75: 134 - 146، الحديث 6.

8 - ومن مواعظه القيمة هذه الموعظة المؤثرة، وهذا نصها :

«كَفانا اللّه وَإيّاكمْ كَيْدَ الظَّالِمِينَ، وَبَغْيَ الْحَاسِدِينَ، وَبَطْشَ الْجَبَارِينَ.

أَيُّهَا الْمُؤْمِنونَ، لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الطَّواغِيتُ وَأَتْبَاعُهُمْ مِنْ أَهْلِ الرَّغْبَةِ في الدُّنْيا، المائِلونَ إِلَيْهَا، الْمَفْتُونَونَ بِها، الْمُقْبِلُونَ عَلَيْها وَعَلَى حُطامها الْهامِدِ (1)، وَهَشِيمِها الْبائِدِ غَداً.

وَاحْذَروا ما حَذَرَكُمُ اللّه مِنْهَا، وَازْهَدوا فيما زَهَدَكُمُ اللّه فِيهِ مِنْها. وَلَا تَرْكَنوا إلى ما في هذِهِ الدُّنْيا رُكونَ مَنْ أَعَدَّها داراً وَقَراراً، وَبِاللّه عَلَيْها إِنَّ لَكُمْ ممّا فيها دَليلاً مِنْ زِينَتِها وَتَصْرِيفِ أَيَّامَها، وَتَغْيِيرِ انْقِلابِها وَمَثُلاتِها وَتَلاعُبِها بِأَهْلِها، إِنَّهَا لَتَرْفَعُ الْخَمِيلَ، وَتَضَعُ الشَّرِيفَ، وَتُورِدُ النّارَ أَقواماً غَداً، ففي هذا مُعْتَبَر وَ مُخْتَبَرٌ وَزاجِرٌ لِلمُنتَبِهِ، وَإِنَّ الأمورَ الْوارِدَةَ عَلَيْكُمْ، في كلّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنْ مُظْلِماتِ الْفِتَنِ، وَحَوادِثِ الْبِدَع، وَسُنَنِ الْجَوْرِ، وَبَوائِقِ الزَّمانِ، وَهَيْبَةِ السُّلطان (2)، وَوَسْوَسَةِ الشَّيْطانِ، لَتَتَّبْطُ القُلوبَ عَنْ نِيَّتِها، وَتُذْهِلُها عَنْ مَوْجودِ الْهُدى، وَمَعْرِفَةِ أَهْلِ الْحَقِّ إِلَّا قَليلاً ممّن عَصَمَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ، فَلَيْسَ يَعْرِفُ تَصَرُّفَ أَيَّامِهَا، وَتَقَلُّبَ حالاتِها، وَعاقِبَةَ ضَرَرِ فِتْنَتِها إِلَّا مَنْ عَصَمَ اللّه، وَنَهَجَ سَبيلَ الرُّشْدِ، وَسَلَكَ طَريقَ الْقَصْدِ، ثُمَّ اسْتَعانَ عَلى ذلِكَ بِالزُّهْدِ، فَكَرَّرَ الْفِكَرَ، وَاتَّعَظَ بِالْعِبَرِ وَازْدَجَرَ،


1) الهامد : البالي.

2) لعلّ الصحيح : «ورهبة السلطان».

فَزَهَدَ فِي عَاجِلِ بَهْجَةِ الدُّنْيَا، وَتَجافَى عَنْ لَذَاتِهَا، وَرَغِبَ فِي دَائِم نَعِيمٍ الْآخِرَةِ، وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا، وَراقَبَ الْمَوْتَ، وَشَنَا الْحَياةَ مَعَ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، فَعِنْدَ ذلِكَ نَظَرَ إِلى ما في الدُّنْيا بِعَيْنِ نَيَّرَةٍ، حَدِيدَةِ النَّظَرِ، وَأَبْصَرَ حَوادِثَ الْفِتَنِ، وَضَلالَ الْبِدَع، وَجَوْرَ الْمُلوكِ الظُّلَمَةِ، فَقَدْ لَعَمْرِي اسْتَدْبَرْتُمْ مِنَ الْأُمورِ الْمَاضِيَّةِ فِي الْأيّام الْخَالِيَةِ مِنَ الْفِتَنِ الْمُتَرَاكِمَةِ، وَالْإِنْهِماكِ فيها ما تَسْتَدِلُونَ بِهِ عَلَى تَجَنَّبِ الْغُواةِ وَأَهْلِ الْبِدَع وَالْبَغْيِ وَالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ.

فَاسْتَعينوا بِاللّه، وَارْجِعوا إِلَى طَاعَتِهِ وَطَاعَةِ مَنْ هُوَ أَوْلَى بِالطَّاعَةِ مِنْ طَاعَةِ مَنِ اتَّبَعَ وَأَطِيعَ.

فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ قَبْلِ النَّدَامَةِ وَالْحَسْرَةِ، وَالْقُدومِ عَلَى اللّه، وَالْوقوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَتَاللّه مَا صَدَرَ قَوْمٌ قَطُّ عَنْ مَعْصِيَةِ اللّه إِلَّا إِلَىٰ عَذَابِهِ، وَمَا آثَرَ قَوْمٌ قَطُّ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ إِلَّا ساءَ مُنْقَلَبُهُمْ، وَساءَ مَصِيرُهُمْ، وَما الْعِلْمُ بِاللّه وَالْعَمَلُ بِطَاعَتِهِ إِلَّا إِلْفَانِ مُؤْتَلِفَانِ، فَمَنْ عَرَفَ اللّه خَافَةَ، فَحَنثّهُ الْخَوْفُ عَلَى الْعَمَلِ بِطَاعَةِ اللّه، وَإِنَّ أَرْبابَ الْعِلْمِ وَأَتْبَاعَهُمُ الَّذِينَ عَرَفوا اللّه فَعَمِلوا لَهُ، وَرَغِبوا إِلَيْهِ وَقَدْ قَالَ اللّه: «إِنَّمَا يَخْشَى اللّه مِن عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ» (1).

فَلَا تَلْتَمِسوا شَيْئاً في هذِهِ الدُّنْيا بِمَعْصِيَةِ اللّه، وَاشْتَغلوا في هذِهِ الدُّنْيا بِطَاعَةِ اللّه، وَاغْتَنِموا أَيَّامَها، وَاسْعَوا لِمَا فِيهِ نَجَاتُكُمْ غَداً مِنْ عَذَابِ


1) فاطر 35: 28.

اللّه، فَإِنَّ ذلِكَ أَقَلَّ لِلتَّبِعَةِ، وَأَدْنى مِنَ الْعُذْرِ، وَأَرْجى لِلنَّجاةِ، فَقَدَّموا أَمْرَ اللّه وَطاعَتَهُ وَطَاعَةَ مَنْ أَوْجَبَ اللّه طَاعَتَهُ بَيْنَ يَدَيِ الْأُمورِكُلها، وَلَا تُقَدِّموا الأمورَ الْوارِدَةَ عَلَيْكُمْ مِنْ طَاعَةِ الطَّواغِيتِ، وَفِتْنَةِ زَهْرَةِ الدُّنْيا بَيْنَ يَدَيْ أَمْرِ اللّه وَطاعَتِهِ، وَطاعَةِ أولى الْأَمْرِ مِنْكُمْ.

وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ عَبيدُ اللّه، وَنَحْنُ مَعَكُمْ، يَحْكُمُ عَلَيْنَا وَعَلَيْكُمْ سيّد حاكِمٌ غَداً، وَهُوَ مُوقِفُكُمْ وَمُسائِلُكُمْ، فَأَعِدُّوا الْجَوابَ قَبْلَ الوقوفِ وَالْمَسْأَلَةِ وَالْعَرْضِ عَلى رَبِّ الْعالَمينَ، «يَوْمَئِذٍ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ» (1)، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّه لَا يُصَدِّقُ كاذباً، وَلَا يُكَذِّبُ صادِقاً، وَلَا يَرُدُّ عُذْرَ مُسْتَحِقٌ، وَلَا يَعْذِرُ غَيْرَ مَعْدُورٍ، بَلْ للّه الْحُجَّةُ عَلَى خَلْقِهِ بِالرُّسُلِ وَالاَوْصِياءِ بَعْدَ الرُّسُل.

فَاتَّقوا اللّه وَاسْتَقْبِلُوا مِنْ إِصْلاح أَنْفُسِكُمْ، وَطاعَةِ اللّه وَطاعَةِ مَنْ تَوَلَّوْنَهُ فيها، لَعَلَّ نادِماً قَدْ نَدِمَ عَلى ما قَدْ فَرَّطَ بِالْأَمْسِ فِي جَنْبِ اللّه، وَضَيَّعَ مِنْ حَقَّ اللّه، وَاسْتَغْفِرُوا اللّه وَتُوبُوا إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ، وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ.

وَإيّاكمْ وَصُحْبَةَ الْعَاصِينَ، وَمَعُونَةَ الظَّالِمِينَ، وَمُجاوَرَةَ الْفَاسِقِينَ.

احْذَرُوا فِتْنَتَهُمْ، وَتَباعَدوا مِنْ ساحَتِهِمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ خَالَفَ أَوْلِيَاءَ اللّه، وَدانَ بِغَيْرِ دينِ اللّه، وَاسْتَبَدَّ بِأَمْرِهِ دونَ أَمْرِ وَلِيّ اللّه في نارٍ تَلْتَهِبُ،


1) هود 11 : 105.

تَأْكُلُ أَبْداناً قَدْ غابَتْ عَنْها أَرْواحُها، غَلَبَتْ عَلَيْهَا شِقْوَتُها فَهُمْ مَوْتَى لَا يَجِدونَ حَرَّ النَّارِ، فَاعْتَبِرُوا يا أولى الْأَبْصَارِ، وَاحْمَدوا اللّه عَلَى ما هَدَاكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَا تَخْرُجُونَ مِنْ قُدْرَةِ اللّه إِلَى غَيْرِ قُدْرَتِهِ، وَسَيَرَى اللّه عَمَلَكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ، فَانْتَفِعُوا بِالْعِظَةِ، وَتَأَذَّبُوا بِآدَابِ الصّالِحِينَ» (1).

وهذه الموعظة من غرر مواعظ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولم يقتصر فيها على الدعوة إلى الزهد في الدنيا والعمل للآخرة، وإنما كانت في الوثائق السياسية والاجتماعيّة، وقد حفلت بما يلي :

1 - التحذير من اتّباع الطواغيت وأتباعهم من المفتونين بحب الدنيا، والمغرورين بزينتها، وبهجتها، فإنّهم جميعاً من الشبكة التخريبية التي تعمل على مناهضة الإصلاح الاجتماعي، ونشر الظلم والفساد في الأرض.

2 - ذمّ الدنيا والتنديد بطبيعتها، والتي منها :

•

رفعها الخاملين.

•

وضعها الأحرار والأشراف.

دفعها أقواماً إلى النار، وذلك لانحرافهم عن الحقّ.

وإن كانت طبيعة الدنيا إقامة الرذائل، ومناهضة القوى الخيّرة، فالأجدر الزهد فيها، والتجافي عن شهواتها، والسعي في الظفر بنعيم الآخرة.

3 - إبداؤه الأسى على ما تواجهه الأُمّة في عصره من ألوان مريعة ومذهلة من مضلات الفتن، وحوادث البدع، وسنن الجور من قبل الحكومة الأمويّة التي أغرقت


1) تحف العقول : 252 – 255. أمالي المفيد : 200 - 204. روضة الكافي : 144 - 146.

البلاد بالظلم والفتن والجور، وكان وقع تلك الأحداث شديداً على الأُمّة، فقد ثبطت القلوب عن نيّاتها، وأذهلتها عن طريق الحق والرشاد.

4 - الدعوة إلى طاعة اللّه تعالى وطاعة أئمة الحق والهدى، الذين يسلكون بالناس سبل النجاة، ويهدونهم إلى صراط مستقيم، والذين يمثلون إرادة الأُمّة ووعيها، ويحقّقون لها جميع ما تصبو إليه من العزة والكرامة، كما دعا (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى التمرد على ائمة الجور، وعدم التعاون معهم.

5 - الحثّ على تقوى اللّه وطاعته اللذين تزدهر بهما حياة الإنسان، ويستقيم بهما سلوكه.

هذه بعض محتويات هذه الموعظة الحافلة بالأمور الدينيّة والشؤون السياسية.

9 - من مواعظه القيمة التي تحدّث فيها عن صفات الزاهدين، وقد جاء فيها :

«إِنَّ عَلَامَةَ الزَّاهِدِينَ فِى الدُّنْيا، الرّاغِبينَ فِى الْآخِرَةِ، تَرْكُهُمْ كلّ خَليط وَخَليلٍ، وَرَفْضُهُمْ كلّ صاحِبٍ لَا يُريدُ ما يُرِيدُونَ، أَلَا وَإِنَّ الْعَامِلَ لِثَوابِ الْآخِرَةِ هُوَ الزَّاهِدُ في عاجِلِ زَهْرَةِ الدُّنْيا، الْآخِذُ لِلْمَوْتِ أُهْبَتَهُ، الْحاتُ عَلَى الْعَمَلِ قَبْلَ فَناءِ الْأَجَلِ، وَنُزولِ ما لَا بُدَّ مِنْ لِقائِهِ، وَتَقديمِ الْحَذَرِ قَبْلَ الْحَيْنِ (1)، فَإِنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ : «حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلَّى أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ» (2).

فَلْيُنْزِلَنَّ أَحَدُكُمُ الْيَوْمَ نَفْسَهُ في هذِهِ الدُّنْيا كَمَنْزِلَةِ الْمَكْرُورِ إِلَى الدُّنْيا،


1) الحين : الهلاك.

2) المؤمنون 23 : 99 و 100.

النَّادِمِ عَلى ما فَرَّطَ فِيهَا مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ لِيَوْمِ فَاقَتِهِ وَاعْلَموا عِبادَ اللّه أَنَّهُ مَنْ خَافَ الْبَياتَ تَجافَى عَنِ الْوِسَادِ، وَامْتَنَعَ مِنَ الرُّقادِ، وَأَمْسَكَ عَنْ بَعْضِ الطَّعامِ وَالشَّرابِ مِنْ خَوْفِ سُلْطانِ أَهْلِ الدُّنْيا، فَكَيْفَ وَيْحَكَ يَابْنَ آدَمَ مِنْ خَوْفِ بَياتِ سُلْطانِ رَبِّ الْعِزَّةِ، وَأَخْذِهِ الأَليم وَبَياتِهِ لِأَهْلِ الْمَعاصِي وَالذُّنوبِ، مَعَ طَوارِقِ الْمَنايا بِاللَّيْل وَالنَّهار، فَذلِكَ الْبَياتُ الَّذي لَيْسَ فِيهِ مَنْجى، وَلَا دُونَهُ مُلْتَجَةٌ، وَلَا مِنْهُ مَهْرَبٌ، فَخافوا اللّه أَيُّهَا الْمُؤْمِنونَ مِنَ الْبَياتِ خَوْفَ أَهْل التَّقوى فَإِنَّ اللّه يَقولُ : «ذلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ» (1).

فَاحْذَرُوا زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَغُرورَها وَشُرورَها، وَتَذَكَّروا عاقِبَةَ الْمَيْلِ إِلَيْهَا، فَإِنَّ زِينَتَها فِتْنَةٌ، وَحُبَّها خَطيئَةٌ.

وَاعْلَمْ وَيْحَكَ يَابْنَ آدَمَ! أَنَّ قَسْوَةَ الْبِطْنَةِ، وَكِظَّةَ الْمِلْأَةِ، وَسُكْرَ الشَّبَعِ، وَغِرَّةَ الْمُلْكِ ممّا يُثَبِّطُ وَيُبْطِئُ عَنِ الْعَمَلِ، وَيُنْسِي الذِّكْرَ، وَيُلْهِي عَنِ اقْتِرابِ الْأَجَلِ حتّى كَأَنَّ الْمُبْتَلَى بِحُبِّ الدُّنْيا بِهِ خَبَلْ مِنْ سُكْرِ الشَّرابِ. وَأَنَّ الْعاقِلَ عَنِ اللّه، الْخائِفَ مِنْهُ، الْعامِلَ لَهُ، لَيُمَرِّنُ نَفْسَهُ، وَيُعَوِّدُها الْجُوعَ حتّى مَا تَشْتاقَ إِلَى الشَّبَع، وَكَذلِكَ تُضَمَّرُ الْخَيْلُ (2)لِسَبْقِ الرّهانِ.

فَاتَّقُوا اللّه عِبادَ اللّه تَقْوىٰ مُؤَمِّلِ ثَوابَهُ، وَخَائِفِ عِقابَهُ، فَقَدْ للّه أَنْتُمْ


1) تضمير الخيل : حجبها عن الأكل حتّى تهزل لتستطيع سبق الرهان.

2) إبراهيم 14:14.

أَعْذَرَ وَأَنْذَرَ، وَشَوَّقَ وَأَخْوَفَ، فَلَا أَنْتُمْ إِلَى مَا شَوَّقَكُمْ إِلَيْهِ مِنْ كَرِيم ثَوابِهِ تَشْتاقُونَ فَتَعْمَلُونَ، وَلَا أَنْتُمْ ممّا خَوَّفَكُمْ بِهِ مِنْ شَديدِ عِقابِهِ، وَأَليم عَذَابِهِ، تَرْهَبُونَ فَتَنْكُلُونَ، وَقَدْ نَبَّأَكُمُ اللّه فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ «فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ» (1).

ثُمَّ ضَرَبَ لَكُمُ الْأَمْثَالَ فِي كِتَابِهِ، وَصَرَّفَ الْآيَاتِ لِتَحْذَروا عاجِلَ زَهْرَةِ الْحَياةِ الدُّنْيا، فَقالَ : «أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّه عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ» (2).

فَاتَّقوا اللّه مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَاسْمَعوا وَأَطيعوا، فَاتَّقُوا اللّه وَاتَّعِظُوا بِمَواعِظِ اللّه، وَما أَعْلَمُ إِلَّا كَثِيراً مِنْكُمْ قَدْ نَهَكَتْهُ عَواقِبُ الْمَعَاصِي فَما حَذَرَها، وَأَضَرَّتْ بدينِهِ فَما مَقَتَها، أما تَسْمَعُونَ النَّداءَ مِنَ اللّه بِعَيْبِها وَتَصْغيرها حَيْثُ قالَ : «اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَراً ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللّه وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ * سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِن رَبَّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللّه وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللّه يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّه ذُو الْفَضْلِ


1) الأنبياء 21: 94.

2) الأنفال 8: 28.

العظيم» (1).

وَقالَ : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّه وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللّه إِنَّ اللّه خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللّه فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ» (2).

فَاتَّقوا اللّه عِبادَ اللّه، وَتَفَكَّرُوا وَاعْمَلُوا لِما خُلِقْتُمْ لَهُ، فَإِنَّ اللّه لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً، وَلَمْ يَتْرُكْكُمْ سُدىً، قَدْ عَرَّفَكُمْ نَفْسَهُ، وَبَعَثَ إِلَيْكُمْ رَسولَهُ، وَأَنْزَلَ عَلَيْكُمْ كِتابَهُ فِيهِ حَلالُهُ وَحَرامُهُ، وَحُجَجُهُ وَأَمْثَالُهُ، فَاتَّقُوا اللّه فَقَدِ احْتَجَ عَلَيْكُمْ رَبُّكُمْ فَقالَ : «أَلَمْ نَجْعَل لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ» (3)، فَهَذِهِ حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ، فَاتَّقوا اللّه ما اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللّه، وَلَا تُكَلانَ إِلَّا عَلَيْهِ، وَصَلَّى اللّه عَلى محمّد وَآلِهِ» (4).

وألمّت هذه الموعظة القيّمة بصفات الزاهدين ونزعاتهم، فكانوا حقّاً من خيار خلق اللّه، فلم تفتنهم الدنيا، ولم تغرّهم زينتها وشهواتها، فقد اتّجهوا نحو الدار الآخرة، وعملوا كلّ ما يقرّبهم إلى اللّه زلفى، فكانوا في سلوكهم، وحسن أفعالهم، وجمال أحد وثتهم قدوة حسنة لمن يهتدي بهم.

10 - ومن مواعظه القيمة التي كان يعظ بها أصحابه هذه الموعظة :


1) الحديد 57: 20 و 21.

2) الحشر 59 : 18 و 19.

3) البلد 90 8 - 10.

4) تحف العقول : 272 - 274. بحار الأنوار: 78 129 - 131، الحدیث 1.

«إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَى اللّه أَحْسَنُكُمْ عَمَلاً، وَإِنَّ أَعْظَمَكُمْ عِنْدَ اللّه عَمَلاً أَعْظَمُكُمْ فِي مَا عِنْدَ اللّه رَغْبَةً، وَإِنَّ أَنْجاكُمْ مِنْ عَذَابِ اللّه أَشَدُّ كُمْ خَشْيَةً للّه، وَإِنَّ أَقْرَبَكُمْ مِنَ اللّه أَوْسَعُكُمْ خُلُقاً، وَإِنَّ أَرْضاكُمْ عِنْدَ اللّه أَسْبَغُكُمْ على عيالِهِ، وَإِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَلَى اللّه أَتْقَاكُمْ للّه» (1).

لقد أمر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحابه بمحاسن الصفات، وذخائر الأعمال، ودلّهم على ما ينجيهم من عذاب اللّه في الدار الآخرة، فقد حثهم على ما يلي :

1 - الرغبة في ما عند اللّه، وهي من أعظم الذخائر، أما الرغبة إلى غيره تعالى فإنّها تؤول إلى الخيبة والخسران

2 - الخشية من اللّه، فإنّها تصدّ الإنسان عن اقتراف أي إثم أو جرم، وتغرس في النفس الفضيلة والكرامة.

3 - سعة الأخلاق، فإنّ الإنسان إنّما يمتاز على غيره بسموّ أخلاقه، فإذا فقد الأخلاق فقد فقد إنسانيته.

4 - التوسعة على العيال، وهي ممّا توجب شيوع المودّة والألفة بين أفراد الأسرة التى هى الخلية الأولى في بناء المجتمع الإنساني.

5 - تقوى اللّه، وهي من موجبات التمايز في المجتمع الإسلامي، فقد جاء في الحديث : «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّه أَتْقَاكُمْ» (2).

11 - وممّا وعظ به الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحابه قوله : «إِنَّ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ رَوْضَةً يَرْتَعُ فِي رِياضِها الْأَبْرارُ، وَيَتَنَعَمُ فِي حَدائِقِها الْمُتَّقُونَ، فَادْأبوا رَحِمَكُمُ


1) روضة الكافي : 158. تحف العقول : 279.

2) الحجرات 49: 13.

اللّه في سَهَرِ هَذَا اللَّيْلِ بِتِلاوَةِ الْقُرْآنِ فِي صَدْرِهِ، وَبِالتَّضَرُّعِ وَالْإِسْتِغْفَارِ فِي آخِرِهِ، وَإِذا وَرَدَ النَّهارُ فَأَحْسِنوا قِراهُ بِتَرْكِ التَّعَرُّضِ لِما يَرِدُ لَكُمْ مِنْ مُحَقِّراتِ الذُّنوبِ فَإِنَّها مُشْرِفَةٌ بِكُمْ عَلى قِباحٌ الْعُيوبِ، وَكَأَنَّ الرَّحْلَةَ قَدْ أَظَلَّتْكُمْ، وَكَأَنَّ الْحادِيَ قَدْ حَدا بِكُمْ، جَعَلَنَا اللّه وَإيّاكمْ ممّن أَغْبَطَهُ فَهُمُهُ، وَنَفَعَهُ عِلْمُهُ» (1).

لقد حنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على طاعة اللّه وعبادته في غلس الليل ووضح النهار، وحذّر من اقتراف الذنوب والمعاصي، فإنّها تورد الإنسان موارد الهلكة، فما أسرع ما يفارق هذه الحياة ويرد على اللّه فيجازيه على أعماله إن خيراً فخيراً، وإن شراً فشراً.

12 -ومن مواعظه هذه الموعظة التي وجّه فيها الخطاب لنفسه، وهي من المواعظ التي ترتعد منها الفرائص، وتفزع منها القلوب، وهذا نصها :

«یا نَفْسُ حَتّامَ إِلَى الدُّنْيا سُكونُكِ، وَإِلى عِمارَتِها رُكونُكِ، أَمَا اعْتَبَرْتِ بِمَنْ مَضى مِنْ أَسْلَافِكِ، وَمَنْ وارَتْهُ الْأَرْضُ مِنْ الْآفِكِ، وَمَنْ فُجِعْتِ بِهِ مِنْ إِخْوانِكِ، وَنُقِلَ إِلَى الثَّرَى مِنْ أَقْرانِكِ.

فَهُمْ فِي بُطُونِ الْأَرْضِ بَعْدِ ظُهُورِها***مَحاسِنُهُمْ فيها بَوالٍ دَوائِرُ

خَلَتْ دورُهُمْ مِنْهُمْ وَأَقْوَتْ عِراصُهُمْ***وَساقَتْهُمُ نَحْوَ الْمَنايَا الْمَقادِرُ

وَخُلُّوا عَنِ الدُّنْيا وَما جَمَعوُا لَها***وَضَمَّتْهُمُ تَحْتَ التُّراب الْحَفائِرُ

كُمْ خَرَمَتْ أَيْدِي الْمَنوُنِ، مِنْ قُرونٍ بَعْدَ قُرونِ، وَكَمْ غَيَّرَتِ الْأَرْضُ


1) الدر النظيم : 586.

بِبَلائِها، وَغَيَّبَتْ في تُرابِها ممّن عاشَرَتْ مِنْ صُنوُفٍ وَشَيَّعَتْهُمْ إِلَى الْأَرْمَاسِ، ثُمَّ رَجَعَتْ عَنْهُمْ إِلَىٰ عَمَلِ أَهْلِ الْإِفْلاسِ :

وَأَنْتَ عَلَى الدُّنْيا مُكِبٌ مُنافِسٌ***لِخُطَّابِها فيها حَريصٌ مُكَاثِرُ

عَلى خَطَرٍ تُمْسِي وَتُصْبِحُ لاهِياً***أَتَدْرِي بِماذا لَوْعَقَلْتَ تُخاطِرُ

وَإِنَّ امْرَءٌ يَسْعَى لِدُنْياه دائِباً***وَيَذْهَلُ عَنْ أُخراهُ لا شَلَّكَ خَاسِرُ

فَحَتّامَ عَلَى الدُّنْيا إِقْبالُكَ، وَبِشَهَواتِها اشتغالُكَ، وَقَدْ وَخَطَكَ (1)القتيرُ (2)وَأَتَاكَ النَّذِيرُ، وَأَنْتَ عَمّا يُرادُ بِكَ ساءٍ، وَبِلَذَّةِ يَوْمِكَ وَغَدِكَ لاءِ، وَقدْ رَأَيْتَ انْقِلابَ أَهْلِ الشَّهَواتِ، وَعايَنْتَ مَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ الْمُصيبَاتِ :

وَفِي ذِكْرِ هَوْلِ الْمَوْتِ وَالْقَبْرِ وَالْبِلَى***عَنِ اللّهوِ وَاللَّذَاتِ لِلْمَرْءِ رَاجِرُ

أَبَعْدَ اقْتِرَابِ الْأَرْبَعِينَ تَرَبُّصُ***وَشَيْبُ قِذالٍ مُنْدِرٌ لِلْمُكابر

كَأَنَّكَ مَعْنِيٌّ بِما هُوَ ضَائِرٌ***لِنَفْسِكَ عَمْداً عَن الرُّشْدِ حائِرُ (3)

أنْظُرْ إِلَى الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، وَالْمُلوكِ الْفَانِيَةِ، كَيْفَ اخْتَطَفَتْهُمْ عُقْبانُ الْأَيَّامِ، وَوافاهُمُ الحِمامُ فَانْمَحَتْ مِنَ الدُّنْيَا آثَارُهُمْ، وَبَقِيَتْ فيها أَخْبارُهُمْ، وَأَضْحَوْا رِمَماً في التُّرابِ إِلَى يَوْم الْحَشْرِ وَالْمَآبِ :

أَمْسَوْا رَميماً فى التُراتِ وَعُطِّلَتْ***مَجالِسُهُمْ مِنْهُمْ وَأَخْلَتْ مَقاصِرُ


1) وخطك : أي أسرع إليك.

2) القتير : الشيب.

3) في العجز نقص - كما لا يخفى -، ولعلّ الأصحَ : لنفسك عمداً أو عن الرشد حائر.

وَحَلُوا بِدارٍ لاتَزاوُرَ بَيْنَهُمْ***وَأَنَّى لِسُكَانِ الْقُبُورِ التَزاوُرُ

فَما أَنْ تَرى إِلَّا قُبُوراً ثَوَوْا بِها***مُسَطَّحَةٌ تَسْفى عَلَيْهَا الْأَعاصِرُ

كَمْ مِنْ ذِي مِنْعَةٍ وَسُلْطانِ، وَجُنُودٍ و أَعْوانٍ، تَمَكَّنَ مِنْ دُنْيَاهُ، وَنَالَ ما تَمَنَّاهُ، وَبَنى فيها الْقُصُورَ وَالدَّسَاكِرَ (1)، وَجَمَعَ فِيهَا الْأَمْوالَ وَالدَّخائِرَ، وَمِلَحَ السَّرارِي وَالْحَرائِرَ:

فَما صَرَفَتْ كَفَّ الْمَنِيَّةِ إِذْ أَتَتْ***مُبادِرَةٌ تَهْوِي إِلَيْهِ النَّخائِرُ

وَلا دَفَعَتْ عَنْهُ الْحُصُونُ الَّتي بَني***وَحَفَّتْ بِها أَنْهارُهُ وَالدَّسَاكِرُ

وَلا قارَعَتْ عَنْهُ الْمَنِيَّةَ خَيْلُهُ***وَلا طَمِعَتْ فِي الذَّبِّ عَنْهُ الْعَسَاكِرُ

أَتَاهُ مِنَ اللّه ما لايُرَدُّ، وَنَزَلَ بِهِ مِنْ قَضائِهِ ما لا يُصَدُّ، فَتَعَالَى اللّه الْمَلِكُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ الْعَزِيزُ الْقَهَارُ قاصِمُ الْجَبّارينَ، وَمُبيدُ الْمُتَكَبِّرينَ، الذي ذَلَّ لِعِزّهِ كلّ سُلْطَانٍ، وَأَبادَ بِقُوَّتِهِ كلّ دَيَانٍ:

مَليكَ عَزيزٌ لايُرَدُّ قَضاؤُهُ***حكيمٌ عَليمٌ نَافِذُ الْأَمْرِ قاهِرُ

عَنا كلّ ذِي عِزّ لِعِزَّةِ وَجْهِهِ***فَكَمْ مِنْ عَزِيزِ لِلْمُهَيْمِنِ صَاغِرُ

لَقَدْ خَضَعَتْ وَاسْتَسْلَمَتْ وَتَضاءَلَتْ***لِعِزَّةِ ذِي الْعَرْشِ الْمُلوكُ الْجَبابِرُ

فَالْبَدارِ الْبَدار (2)، وَالْحَذارِ الْحَذارِ، مِنَ الدُّنْيا وَمَكائِدِها، وَما نَصَبَتْ


1) الدساكر: مفردها دسكرة، وهي بناء كالقصر فيه الشراب والملاهي.

2) أي : العجل العجل.

لَكَ مِنْ مَصائِدِها، وَتَحَلَّتْ لَكَ مِنْ زِينَتِها، وَأَظْهَرَتْ لَكَ مِنْ بَهْجَتِها، وَأَبْرَزَتْ لَكَ مِنْ شَهَواتِها، وَأَخْفَتْ عَنْكَ مِنْ قَواتِلِها وَهَلَكاتِها :

وفي دونِ ما عاينتَ مِنْ فَجَعَاتِها***إِلى دَفْعِها داع وَبِالزُّهْدِ آمِرُ

فَجُدَّ وَلا تَغْفَلْ وَكُنْ مُتَيَقّظاً***فَعَمّا قَليلٍ يَتْرُكُ الدّارَ عَامِرُ

فَشَمِّرْ وَلا تَفْتُرْ فَعُمْرُكَ زَائِلٌ***وَأَنْتَ إِلى دار الاقامة صائِرُ

وَلا تَطْلُبِ الدُّنْيا فَإِنَّ نَعِيمَها***وَإِنْ نِلْتَ مِنْها غُبَّةٌ لَكَ ضائِرُ

فَهَلْ يَحْرِصُ عَلَيْها لَبيبٌ، أو يُسَرُّبِها أَريبٌ، وَهُوَ عَلى ثِقَةٍ مِنْ فَنائِها، وَغَيْرُ طَامِع فِي بَقائِها، أَمْ كَيْفَ تَنامُ عَيْنا مَنْ يَخْشَى الْبَياتَ، وَتَسْكُنُ نَفْسُ مَنْ تَوَفَّعَ فِي جَمِيعِ أُمورِهِ الْمَمَاتَ.

أَلا لا وَلكِنّا نَغُرُ نُفوسَنا***وَتَشْغَلُنَا اللَّذَاتُ عَمّا نُحاذِرُ

وَكَيْفَ يَلَذُّ الْعَيْشَ مَنْ هُوَ مؤقَفٌ***بِمَوْقِفِ عَدْلٍ يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ

كَأَنَانَرى أَنْ لانشورَ وَأَنَّنا***سُدى مالَنا بَعْدَ الْمَماتِ مَصادِرُ

وَما عَسَى أَنْ يَنالَ صاحِبُ الدُّنْيا مِنْ لَذَّتِها، وَيَتَمَتَّعَ بِهِ مِنْ بَهْجَتِها، مَعَ صُنُوفِ عَجائِبِهَا، وَقَوارِع فَجَائِعِها، وَكَثْرَةِ عَذَابِهِ فِي مُصابِهَا وَطَلَبِهَا وَما يُعابِدُ مِنْ أَسْقَامِها وَأَوْصَابِها وَآلَامِها :

أَما قَدْ نَرى في كلّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ***يَروحُ عَلَينا صَرْفُها وَيُباكِرُ

تُعاوِرُنا آفاتُها وَهُمومها***وَكَمْ قَدْ تَرى يَبْقَى لَهَا الْمُتَعَاوِرُ

فَلا هُوَ مَغْبُوطٌ بِدُنْيَاهُ آمِنٌ***وَلا هُوَ عَنْ تِطْلَابِهَا النَّفْسَ قاصِرُ

كَمْ قَدْ غَرَّتِ الدُّنْيا مِنْ مُخْلِدِ إِلَيْهَا، وَصَرَعَتْ مِنْ مُكِبٌ عَلَيْها، فَلَمْ تَنْعَشْهُ مِنْ عَثْرَتِهِ، وَلَمْ تَنْقِذْهُ مِنْ صَرْعَتِهِ، وَلَمْ تَشْفِهِ مِنْ أَلَمِهِ. وَلَمْ تَبْرِهِ مِنْ سَقَمِهِ، وَلَمْ تُخَلِّصْهُ مِنْ وَصْمِهِ :

بَلى أَوْرَدَتْهُ بَعْدَ عِزَّ وَمِنْعَةٍ***مَوارِدَ سوء ما لَهُنَّ مَصادِرُ

فَلَمّا رَأى أَنْ لانَجاةَ وَأَنَّهُ***هُوَ الْمَوْتُ لا يُنْجِيهِ مِنْهُ التَّحاذُرُ

تَنَدَّمَ إِذْ لَمْ تُغْنِ عَنْهُ نَدامَةٌ***عَلَيْهِ وَأَبْكَتْهُ الذُّنوبُ الكَبائِرُ

إِذْ بَكَى عَلى ما سَلَفَ مِنْ خَطإيّاه، وَتَحَسَّرَ عَلى ما خَلَّفَ مِنْ دُنْيَاهُ، وَاسْتَغْفَرَ حتّى لَا يَنْفَعُهُ الْإِسْتِغْفَارُ وَلا يُنْجِيهِ الْاِعْتِدَارُ، عِنْدَ هَوْلِ الْمَنِيَّةِ، وَنُزولِ البلية :

أَحاطَتْ بِهِ أَحْزَانُهُ وَهُمومُهُ***وَأَبْلَسَ لَمَا أَعْجَزَتْهُ الْمَقَادِرُ

فَلَيْسَ لَهُ مِنْ كُرْبَةِ الْمَوْتِ فَارِجٌ***وَلَيْسَ لَهُ ممّا يُحاذِرُ ناصِرُ

وَقَدْ جَشَأَتْ خَوْفَ الْمَنِيَّةِ نَفْسُهُ***تُرَدِّدُها مِنْهُ اللّها وَالْحَناجِرُ

هُنالِكَ خَفَّ عُوَادُهُ، وَأَسْلَمَهُ أَهْلُهُ وَأَوْلادُهُ، وَارْتَفَعَتِ الْبَرِيَّةُ بِالْعَويلِ، وَقَدْ أَيَسُوا مِنَ الْعَلِيلِ، فَغَمَّضوا بِأَيْدِيهِمْ عَيْنَيْهِ، وَمَدُّوا عِنْدَ خُروجِ رَوْحِهِ رِجْلَيْهِ، وَتَخَلّى عَنْهُ الصَّديقُ، وَالصَّاحِبُ الشَّفيقُ :

فَكَمْ مُوجَعٍ يَبْكِي عَلَيْهِ مُفَجِّعٍ***وَمُسْتَنْجِدٍ صَبْراً وَمَا هُوَ صابِرُ

وَمُسْتَرْجِعِ داعٍ لَهُ اللّه مُخْلِصاً***يُعَدِّدُ مِنْهُ كلّ مَا هُوَ ذَاكِرُ

وَكَمْ شَامِتٍ مُسْتَبْشِرِ بِوَفاتِهِ***وَعَمّا قَليل للذي صارَ صَائِرُ

فَشَقَّتْ جُيوبَهَا نِسَاؤُهُ، وَلَطَمَتْ خُدودَهَا إِمَاؤُهُ، وَأَعْوَلَ لِفَقْدِهِ حِيرانُهُ، وَتَوَجَّعَ لِرَزِيَّتِهِ إِخْوانُهُ، ثمَّ أقبَلوُا عَلى جِهازِهِ، وَشَمَّروا لاِبْرازِهِ، كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمُ الْعَزيزُ الْمُفَدَى، وَلَا الْحَبيبُ الْمُبَدَى :

وَحَلَّ أَحَبُّ الْقَوْمِ كَانَ بِقُرْبِهِ***يَحُثُّ عَلى تَجْهِيزِهِ وَيُبادِرُ

وَشَمَّرَ مَنْ قَدْ أَحْضَرُوهُ لِغَسْلِهِ***وَوُجِّهَ لَمّا فاضَ لِلْقَبْر حافِرُ

وَكُفَّنَ فِي ثَوْبَيْنِ وَاجْتَمَعَتْ لَهُ***مُشَيّعَةً إِخْوانُهُ وَالْعَشائر

فَلَوْ رَأَيْتَ الْأَصْغَرَ مِنْ أَوْلادِهِ، وَقَدْ غَلَبَ الْحُزْنُ عَلَى فُؤادِهِ، وَيُخْشَىٰ مِنَ الْجَزَع عَلَيْهِ، وَخَضَّبَتِ الدُّموعُ عَيْنَيْهِ، وَهُوَ يَنْدُبُ أَبَاهُ، وَيَقُولُ : يا وَيْلاهُ وا حَرْباهُ :

لَعايَنْتَ مِنْ قُبْح الْمَنِيَّةِ مَنْظَراً***يَهالُ لِمَرْأَهُ وَيَرْتاعُ ناظِرُ

أكابِرُ أَوْلادِ يَهِيجُ اكْتِئَابُهُمْ***إذا ما تَناسَاهُ الْبَنوُنُ الأصاغِرُ

وَرُبَّةَ نِسْوانِ عَلَيْهِ جَوازِعٌ***مَدامِعُهُنْ فَوْقَ الْخُدُودِ غَوازرُ

ثُمَّ أُخْرِجَ مِنْ سِعَةِ قَصْرِهِ إِلَى ضِيقِ قَبْرِهِ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ فِي اللَّحْدِ وَهُيِّيءَ عَلَيْهِ اللَّبْنُ، إحْتَوَشَتْهُ أَعْمَالُهُ، وَأَحاطَتْ بِهِ خَطإيّاه، وَضاقَ ذَرْعاً بِما رَآهُ، ثُمَّ حَثَوْا بِأَيْدِيهِمْ عَلَيْهِ التُّرابَ، وَأَكْثَرُوا الْبُكَاءَ عَلَيْهِ وَالْاِنْتِحابَ،

ثُمَّ وَقَفوا ساعَةً عَلَيْهِ، وَأيسوُا مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ، وَتَرَكوُهُ رَهْناً بِمَا كَسَبَ وَطَلَبَ :

فَوَلُّوا عَلَيْهِ مُعَوِلِينَ وَكُلُّهُمْ***لِمِثْلِ الَّذي لاقى أَخوُهُ مُحاذِرُ

كَشَاءٍ رِتاعٍ آمِنَاتٍ بَدا لَها***بِمِدْيَتِهِ بادِي الذَّراعَيْنِ حَاسِرُ

فَرِيعَتْ وَلَمْ تَرْتَعْ قَليلاً وَأَجْفَلَتْ***فَلَمّا نَأَى عَنْهَا الَّذي هُوَ جَازِرُ

عادَتْ إِلى مَرْعاها، وَنَسِيَتْ ما في أُخْتِها دَهاها، أَفَبِأَفْعَالِ الْأَنْعَامِ اقْتَدَيْنَا، أَمْ عَلَى عَادَتِها جَرَيْنا، عُدْ إِلى ذِكْرِ الْمَنْقَولِ إِلى دارِ الْبِلى، وَاعْتَبِرْ بِمَوْضِعِهِ تَحْتَ الثَّرَى، الْمَدْفَوعَ إِلَى هَوْلِ مَا تَرَى :

ثَوى مُفْرَداً في لَحْدِهِ وَتَوَزَّعَتْ***مواريثَهُ أَوْلادُهُ وَالأَصاهِرُ

وَأَحْنَوْا عَلَى أَمْوَالِهِ يَقْسِمُونَها***فَلا حامِدٌ مِنْهُمْ عَلَيْها وَشاكِرُ

فيا عامِرَ الدُّنْيا وَيا ساعياً لها***وَيا آمِناً مِنْ أَنْ تَدوُرَ الدَّوائِرُ

كَيْفَ أَمِنْتَ هَذِهِ الْحَالَةَ، وَأَنْتَ صائِرٌ إِلَيْهَا لا مَحالَةَ، أَمْ كَيْفَ ضَيَّعْتَ حَياتَكَ، وَهِيَ مَطِيَّتُكَ إِلى مَماتِكَ، أَمْ كَيْفَ تَشْبَعُ مِنْ طَعَامِكَ، وَأَنْتَ مُنْتَظِرٌ حِمامَكَ ؟ ! أَمْ كَيْفَ تَهْنَأُ بِالشَّهَوَاتِ، وَهِيَ مَطِيَّةُ الْآفاتِ :

وَلَمْ تَتَزَوَّدْ لِلرَّحيلِ وَقَدْ دَنَا***وَأَنْتَ عَلى حَالٍ وَشَيكٍ مُسافِرُ

فيالَهُفَ نَفْسي كَمْ أُسَوِّفُ تَوْبَتي***وَعُمْرِيَ فانٍ وَالرَّدى لِيَ ناظر

وَكُلُّ الَّذِي أَسْلَفْتُ فِي الصُّحُفِ مُثْبَتٌ***يُجازِي عَلَيْهِ عَادِلُ الْحُكْمِ قَاهِرُ

فَكَمْ تَرْفَعُ بِآخِرَتِكَ دُنْياكَ، وَتَرْكَبُ غَيَّكَ وَهَواكَ، أَراكَ ضَعِيفَ الْيَقين، يا مُؤْثِرَ الدُّنْيا عَلَى الدّين، أبهذا أَمَرَكَ الرَّحْمَانُ، أَمْ عَلى هَذا نَزَلَ الْقُرْآنُ، أَما تَذْكُرُ ما أَمامَكَ مِنْ شِدَّةِ الْحِسابِ، وَشَرِّ الْمَآبِ، أَما تَذْكُرُ حالَ مَنْ جَمَعَ وَثَمَّرَ، وَرَفَعَ الْبِناءَ وَزَخْرَفَ وَعَمَّرَ، أما صارَ جَمْعُهُمْ بُوراً، وَمَساكِنُهُمْ قبوراً :

تُخَرِّبُ ما يَبْقَى وَتُعْمِرُ فانياً***فَلا ذاكَ مَوْفورٌ وَلا ذاك عامِرُ

وَهَلْ لَكَ إِنْ وافاكَ حَتْفُكَ بَغْتَةً***وَلَمْ تَكْتَسِبْ خَيْراً لَدَى اللّه عَاذِرُ

أَتَرْضىٰ بِأَنْ تَفْنَى الْحَيَاةُ وَتَنْقَضي***وَدينُكَ مَنْقوُصٌ وَمالك وافِرُ» (1)

وانتهت هذه الموعظة، وقد صوّرت واقع الحياة الدنيا، وما يؤول إليه أمر الإنسان من النزوح عن هذه الدنيا، التي هو أحرص ما يكون عليها، فقد هام بحبّها، وتعلق بشهواتها ومباهجها، مع علمه بمفارقتها إلى قبر مظلم ضيّق، تتقطع فيه أوصاله، وتنحسر فيه أخباره، ولا يبقى معه إلا عمله، فإن كان صالحاً فلا يأنس إلا به، وإن كان شراً فلا يخاف إلا منه.

ونحن لا يخالجنا شك في مضامين هذه الموعظة، إلّا أنا نشكّ فيها من جهة ركاكة بعض ألفاظها، خصوصاً ما اشتملت عليه من النظم، وهي لا تتناسب مع بلاغة الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي هو من أبلغ أئمة البلاغة في العالم العربي والإسلامي، فهو صاحب الصحيفة السجّادية التي لم تعرف العربيّة أبلغ وأفصح منها.


1) البداية والنهاية : 9 109 - 113. تاریخ مدينة دمشق : 404:41 - 408. الصحيفة السجّادية : 500 - 506، مؤسسة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، الطبعة الأولى /1411ه.

13 - ومن مواعظه هذه الموعظة القيمة التي حذّر فيها من الدنيا.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَحَذَرْكُمْ مِنَ الدُّنْيا وما فيها، فَإِنَّها دارُ زَوالِ وَانْتِقَالٍ، تَنْتَقِلُ بِأَهْلِها مِنْ حالٍ إِلى حالٍ، وَهِيَ قَدْ أفنَتِ القرونَ الخالِیَةَ، وَالأمَمَ الْمَاضِيَةَ، وَهُمُ الَّذِينَ كانوا أَكْثَرَ مِنْكُمْ مالاً (1)، وَأَطْوَلَ أَعْماراً، وَأَكْثَرَ آثاراً، أَفْنَتْهُمُ الدُّنْيا، فَكَأَنَّهُمْ لا كانوا لَها أَهْلاً، وَلَا سُكاناً.

قَدْ أَكَلَ التُّرابُ لحومَهُمْ، وَأَزالَ مَحاسِنَهُمْ، وَبَدَّدَ أَوْصالَهُمْ وَشَمائِلَهُمْ، وَغَيَّرَ أَلْوانَهُمْ، وَطَحَنَتْهُمْ أَيدي الزَّمانِ.

أَفَتَطْمَعُونَ بَعْدَهُمْ بِالْبَقاءِ؟ هَيْهَاتَ هَيْهاتَ، فَلَابُدَّ مِنَ الْمُلْتَقى، فَقَدْ بُدِّدَ مَا مَضى مِنْ عُمُرِكُمْ، وَمَا بَقِيَ فَافْعَلُوا فِيهِ مَا سَوْفَ يَلْتَقَى عَلَيْكُمْ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ، وَفُروعَ الْأَمَلِ، فَعَنْ قَرِيبٍ تُؤْخَذونَ مِنَ الْقُصورِ إِلَى الْقُبورِ، حَزِنِينَ غَيْرَ مَسْرورينَ.

فَكَمْ وَاللّه مِنْ فَاجِرٍ قَدِ اسْتَحْمِلَتْ عَلَيْهِ الْحَسَرَاتُ، وَكَمْ مِنْ عَزِيزِ وَقَعَ في مَسالِكِ الْهَلَكاتِ حَيْثُ لَا يَنْفَعُهُ النَّدَمُ، وَلَا يُغاتُ مِنْ ظَلَمَ، وَقَدْ وَجَدوا ما أَسْلَفُوا وَأَخَذوا ما تَزَوَّدوا، «وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً» (2)، فَهُمْ فِي مَنازِلِ هُمودٍ (3)، وَفِي عَسْكَرِ الْمَوْتَى


1) الأصح أموالاً.

2) الكهف 18: 49.

3) الهمود : الموت.

خُمودٌ، يَنْتَظِرُونَ صَيْحَةَ الْقِيَامَةِ، وَحُلولِ يَوْمِ الطَّامَّةِ (1)«لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى» (2)» (3).

وبهذا تنتهي بعض مواعظ الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ). حقّاً إنّها من أعظم الأرصدة الروحية، كما أنّها من أنجح الأدوية لمعالجة الأمراض النفسيّة التي تؤدّي إلى انحطاط الإنسان وترديه في متاهات سحيقة من مجاهل هذه الحياة.


1) الطامة : الداهية لأنها تطم كلّ شيء.

2) النجم 53 : 31.

3) نور العين: 69.

من حكمه وتعاليمه

إشارة:

لقد أدلى الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بكثير من الحكم القيمة، والتعاليم الرفيعة التي انبعثت عن خبرته الكاملة لواقع الحياة، وتعمقه في شؤونها الاجتماعيّة، وخبرته بأحوال الناس وأمورهم، وفي ما يلي بعض ما أثر عنه.

ذمّ التكبر

ذمّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) التكبّر، ونعى على المتكبر هذه الظاهرة السيّئة لأنها باب لكلّ شرّ ومصدر لكل رذيلة، فالمتكبر لا يرى غيره يستحق الحياة، ومن ثم يقوم بالظلم والاعتداء على الناس.

يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): «عَجِبْتُ لِلْمُتَكَبِّرِ الْفَخورِ الَّذِي كَانَ بِالْأَمْسِ نُطْفَةٌ ثُمَّ هُوَ غَداً جيفَةٌ» (1).

إنّ المتكبر على الناس الفخور بنفسه، لو تأمل ذاته قليلاً ونظر إلى بداية تكوينه، ونهاية مصيره لما تكبر على النّاس، وفخر بما يتمتع به من مال أو بنين.

من مأمنه يؤتى الحذر

ومن كلماته الحكميّة الخالدة هذه الكلمات الذهبية الرائعة

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مِنْ مَأْمَنِهِ يُؤْتَى الْحَذِرُ (2)، يَكْتَفِي اللَّبِيبُ بِوَحْيِ الْحَدِيثِ، وَيَنْبُو الْبَيانُ عَنْ قَلْبِ الْجَاهِلِ، وَلَا يُنْتَفَعُ بِالْقَوْلِ، وَإِنْ كَانَ بَلِيغاً مَعَ سوءِ الْإِسْتِماعِ» (3).


1) فقه الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) / ابن بابویه : 372.

2) لقد عرف الجاهليّون هذا المثل.

3) التذكرة الحمدونية : 26.

أمّا معطيات هذه الكلمات البليغة فهي :

1 - إنّ الحذر يؤتى من مأمنه، ومعنى ذلك أنّ من يقيم حرساً مكثفاً للحفاظ على حياته كما يفعل الملوك والرؤساء، فإنّ ما يحذرونه يأتي على الأكثر، من أولئك الحرّاس، فإنّهم هم الذين يفتكون بهم كما وقع ذلك كثيراً مع بعض الملوك.

2 - إن اللبيب المتفتح ذهنه هو الذي يفهم الأمور من وحي الحديث، وقرائن الأحوال، ولا يحتاج إلى التعمق والبسط في القول.

3 - إنّ البيان يبتعد عن قلب الجاهل، ولا يصل إليه لأنّه قد ران عليه الجهل فصدّه عن فهم الأمور.

• إن بلاغة القول وحكمته لا ينتفع بهما مع سوء الاستماع، وإنما ينتفع بهما مع الإصغاء.

التحذير من المراء

حذر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من المراء، وهو المجادلة التي لا يقصد منها الوصول إلى الحق وإنّما المقصود المغالبة والاستعلاء.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْمِراءُ يُفْسِدُ الصَّداقَةَ الْقَدِيمَةَ، وَيَحِلُّ الْعُقْدَةَ الْوَثِيقَةَ، وَأَقلُّ مَا فِيهِ أَنْ تَكونَ بِهِ الْمُغالَبَةُ، وَالْمُغالَبَةُ مِنْ أمْتَن أسباب القطيعة» (1).

إنّ المراء مفتاح للشرّ، ويلقي بين الناس العداوة والبغضاء، ويسبب لهم كثيراً من المصاعب والمشاكل.

بالذنب

إنّ الابتهاج بالذنب، والافتخار به ينمّ عن تمادي الشخص في الجريمة.


1) زهر الآداب : 1 : 102.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إيّاك وَالْإِبْتِهاجَ بِالذَّنْبِ، فَإِنَّ الْإِبْتِهَاجَ بِالذَّنْبِ أَعْظَمُ مِنْ رُكوبِهِ» (1).

أنواع الذنوب

أمّا أنواع الذنوب التي توجب سخط اللّه وعذابه فقد تحدّث الإمام عنها، وحذّر منها ليكون الإنسان في سلامة من دنيه ودنياه.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الذُّنوبُ الَّتي تُغَيِّرُ النَّعَمَ الْبَغْيُ عَلَى النَّاسِ، وَالزَّوالُ عَنِ الْعادَةِ فِي الْخَيْرِ، وَاصْطِنَاعُ الْمَعْرُوفِ، وَكُفْرانُ النِّعَمِ، وَتَرْكُ الشُّكْرِ. قالَ اللّه تَعَالَى: «إِنَّ اللّه لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ» (2).

وَالذُّنوبُ الَّتي تورِثُ النَّدَمَ : قَتْلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ اللّه. قال اللّه تعالى في قِصَّةِ قَتْلِ قابيل حينَ قَتَلض أَخاهُ، فَعَجِزَ عَنْ دَفْنِهِ : «فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ» (3)، وَتَرْلُ صِلَةِ الْقَرابَةِ حتّى يَسْتَغْنوا، وَتَرْكُ الصَّلاةِ حتّى يَخْرُجَ وَقْتُها، وَتَرْكُ الْوَصِيَّةِ، وَرَدُّ الْمَظَالِم. وَمَنْعُ الزَّكاةِ حتّى يَحْضَرُ الْمَوْتُ، وَيَنْغَلِقَ اللَّسانُ.

وَالذُّنوبُ الَّتي تُنْزِلُ النَّقَمَ : عِصْيانُ الْعارِفِ، وَالتَّطاولُ عَلَى النَّاسِ، وَالْإِسْتِهْزاءُ بِهِمْ، وَالسُّخْرُ بِهِمْ.

وَالذُّنوبُ الَّتي تَدْفَعُ النَّعَمَ : إِظهارُ الْإِفْتِقارِ، وَالنَّوْمُ عَلَى الْعُتْمَةِ (4)، وَعَنْ صَلاةِ الْغَدَاةِ، وَاسْتِحْفَارُ النَّعَمِ، وَشَكْوَى الْمَعْبُودِ.

وَالذُّنوبُ الَّتي تَهْتِكَ الْعِصَمَ : شُرْبُ الْخَمْرِ، وَاللَّعِبُ بِالْقِمارِ، وَتَعاطي ما يُضْحِك


1) الدرّ النظيم : 586.

2) الرعد 13 : 11.

3) المائدة : 5 : 31.

4) العتمة : هي وقت صلاة العشاء.

النَّاسَ مِنَ اللَّغْوِ وَالْمِزاح، وَذِكْرُ عُيوبِ النَّاسِ، وَمُجالَسَةُ أَهْلِ الرِّيَبِ.

وَالذُّنوبُ الَّتي تُنْزِلُ الْبَلاءَ : تَرْلُ إِعَاثَةِ الْمَلْهُوفِ، وَتَرْكُ مَعُونَةِ الْمَظْلُومِ، وَتَضْيِيعُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ.

وَالذُّنوبُ الَّتي تُديلُ الأعْداءَ : المُجاهَرَةُ بِالظُّلْمِ، وَإِعْلانِ الْفُجورِ، وَإِبَاحَةُ الْمَحْظُورِ، وَعِصْيانُ الْأَخْيَارِ، وَاتِّباعُ الْأَشْرارِ.

وَالذُّنوبُ الَّتي تُعَجِّلُ الْفَناءَ : قَطيعَةُ الرَّحِمِ، وَالْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ، وَالْأَقْوالُ الْكاذِبَةُ، وَالزّنا، وَسَدُّ طَريقِ الْمُسْلِمِينَ، وَادَّعَاءُ الْإِمَامَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ.

وَالذُّنوبُ الَّتي تَقْطَعُ الرَّجاءُ : الْبَأْسُ مِنْ رَوح اللّه، وَالْقُنوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللّه، وَالثَّقَةُ بِغَيْرِ اللّه، وَالتَّكْذِيبُ بِوَعْدِ اللّه.

وَالذُّنوبُ الَّتي تُظْلِمُ الْهَواءَ: السِّحْرُ، وَالْكَهَانَةُ، وَالْإِيمَانُ بِالنُّجومِ، وَالتَّكْذِيبُ بِالْقَدَرِ، وَعُقوقُ الْوالِدَيْنِ.

وَالذُّنوبُ الَّتي تَكْشِفُ الْغِطَاءَ : الْإِسْتِدانَةُ بِغَيْرِ نِيَّةِ الْأَداءِ، وَالْإِسْرافُ فِي النَّفَقَةِ عَلَى الْباطِلِ، وَالْبُخْلُ عَلَى الْأَهْلِ وَالْوَلَدِ وَذَوي الأَرْحَامِ، وَسوءُ الْخُلُقِ، وَقِلَّةُ الصَّبْرِ، وَاسْتِعْمَالُ الضَّجَرِ، وَالإسْتِهانَةُ بأهْل الدِّينِ.

وَالذُّنوبُ الَّتي تَرُدُّ الدُّعاءَ : سوء النِّيَّةِ، وَخُبْثُ السَّرِيرَةِ، وَالْنفاقُ مَعَ الْإِخْوانِ، وَتَرْكُ التَّصْدِيقِ بِالْإِجابَةِ، وَتَأْخِيرُ الصَّلواتِ الْمَفْروضاتِ حتّى تَذْهَبَ أَوْقاتُها، وَتَرْكُ التَّقَرُّبِ إِلَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ بِالْبِرِّ وَالصَّدَقَةِ، وَاسْتِعْمَالُ الْبَذَاءِ وَالْفَحْشِ فِي الْقَوْلِ.

وَالذُّنوبُ الَّتِي تَحْبِسُ غَيْثَ السَّمَاءِ : جَوْرُ الْحُكّام في الْقَضاءِ، وَشَهادَةُ النُّورِ، وَكِتْمَانُ الشَّهادَةِ، وَمَنْعُ الزَّكاةِ، وَالْفَرْضِ، وَالْمَاعون، وَقَسَاوَةُ الْقلوبِ عَلَى أَهْلِ الْفَقْرِ

وَالْفَاقَةِ، وَظُلْمُ الْيَتيم وَالْأَرْمَلَةِ، وَانْتِهارُ السّائِلِ وَرَدُّهُ بِاللَّيْلِ» (1).

لقد حذّر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من اقتراف هذه الذنوب والجرائم التي توجب انحراف الإنسان في سلوكه، وتبعده عن خالقه، وقد ذكر الإمام آثارها الوضعيّة، وما يترتّب عليها من المضاعفات السيّئة في الدنيا قبل دار الآخرة، ومن الحق أنّ هذا الحديث وأمثاله من أحاديث الأئمّة الطاهرين (عَلَيهِم السَّلَامُ) في هذا الموضوع من المناجم الخصبة في تربية النفس وتهذيبها وتنظيم توازنها وسلوكها.

حقيقة الموت

ووصف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) حقيقة الموت بالنسبة للمؤمنين والكافرين، بقوله : «الْمَوْتُ لِلْمُؤْمِنِ كَنَزْعِ ثِيابٍ وَسِخَةٍ، وَفَكَ أَغْلالٍ ثَقِيلَةٍ، وَالْإِسْتِبْدالُ بِأَفْخَرِ الثَّيابِ، وَأَوْطَأ الْمَرَاكِبِ، وَلِلْكَافِرِ كَخَلْعِ ثِيابِ فَاخِرَةِ، وَالنَّقْلُ مِنْ مَنازِلَ أَنيسَةٍ، وَالْإِسْتِبْدالُ بِأَوْسَخ الثَّيابِ وَأَخْشَنِها، وَأَوْحَشِ الْمَنازِلِ وَأَعْظَمِها» (2).

لقد تواترت الأخبار عن أئمة الهدى (عَلَيهِم السَّلَامُ)أنّ : «الدُّنْيا سِجْنُ الْمُؤْمِن، وَجَنَّةُ الْكافِر»، فإذا حلّ الموت بالمؤمن فإنّه لا يجد فيه أي صعوبة، وإنّما يجد الراحة الكبرى لأنّه ينتقل إلى نعيم الآخرة يتبوّأ الفردوس حيثما يشاء، وأما الكافر فإذا نزل الموت بساحته فإنّه يوم شقائه وبلاثه، ويواجه الموت بحسرات وآلام لأنّه ينتقل من جنّة إلى سجن وعذاب دائم.

أهم أنواع الزهد

سأل شخص الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الزهد، فقال : «الزُّهْدُ عَشَرَةُ أَجْزاء،


1) معاني الأخبار : 270 و 271، باب معنى الذنوب التي تغيّر النعم، الحديث 2.

2) معاني الأخبار : 294، باب معنى الموت، الحديث 4.

فَأَعْلَى دَرَجَةِ الزُّهْدِ أَدْنى دَرَجَةِ الْوَرَعِ، وَأَعْلَى دَرَجَةِ الْوَرَعِ أَدْنَىٰ دَرَجَةِ الْيَقِينِ، وَأَعْلَىٰ دَرَجَةِ الْيَقِينِ أَدْنَى دَرَجَةِ الرّضا.

أَلَا وَإِنَّ الزُّهْدَ فِي آيَةٍ مِنْ كِتابِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ: «لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ» (1)» (2)، وألم هذا الحديث الشريف ببعض الحقائق العرفانية، وهي :

1 - إنّ أسمى درجة من الزهد لا تعادل أدنى درجة من الورع عن محارم اللّه الناشئ عن ضبط النفس، والسيطرة عليها.

2 - إن أرقى درجة من الورع هي أدنى درجة من اليقين باللّه تعالى الذي هو من أسمى مراحل الإيمان.

3 - إن أعلى مرتبة من اليقين هي أدنى درجة من الرضا بما قسم اللّه، فإنّه جوهر الإيمان.

4 - إنّ حقيقة الزهد قد ألمت به الآية الكريمة التي حذّرت من الأسى والحزن على ما يفوت الإنسان من المنافع في دار الدنيا، كما حذرت من الفرح والابتهاج بما يكسبه الإنسان ويظفر من ملاذ هذه الحياة وخيراتها الماديّة، لأنّها تؤول إلى التراب.

أفضل الأعمال عند اللّه تعالى

سئل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أفضل الأعمال عند اللّه، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «ما مِنْ عَمَلِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ اللّه، وَمَعْرِفَةِ رَسولِهِ أَفْضَلُ مِنْ بُغْضِ الدُّنْيا، وَإِنَّ لذلِكَ شُعَباً كَثِيرَةٌ، وَإِنَّ لِلْمَعاصِي شُعَباً، فَأَوَّلُ ما عُصِيَ اللّه بِهِ الْكِبْرُ، وَهُوَ مَعْصِيَةُ إِبْلِيسَ حينَ أَبِى وَاسْتَكْبَرَ، وَكَانَ


1) الحديد 57: 23.

2) أصول الكافي : 2 : 62، الحديث 10 و : 128، الحديث 4.

مِنَ الْكَافِرِينَ.

وَالْحَسَدُ هُوَ مَعْصِيَةُ ابْنِ آدَمَ حَيْثُ حَسَدَ أَخَاهُ فَقَتَلَهُ، فَتَشَعَبَ مِنْ ذلِكَ حُبُّ النِّساءِ، وَحُبُّ الدُّنْيا، وَحُبُّ الرِّئاسةِ، وَحُبُّ الرّاحَةِ، وَحُبُّ الكَلامِ، وَحُبُّ الْعُلُوّ، وَحُبُّ الثَّرْوَةِ، قَصِرْنَ سَبْعَ خِصَالٍ، فَاجْتَمَعْنَ كُلُهُنَّ فِي حُبِّ الدُّنْيا، فَقالَ الأنبياءُ وَالْعُلَماءُ بَعْدَ مَعْرِفَةِ ذلِكَ : حُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كلّ خَطيئَةٍ، وَالدُّنْيا دُنْيا بَلاغِ وَدُنْيا مَلْعُونَةٍ» (1).

إنّ حبّ الدنيا أساس البلاء، ومصدر الفتن والأخطار التي يمني بها الإنسان، فإنّ تهالكه على الدنيا يجرّ له كثيراً من المعاصي والآثام، ويلقيه في شرّ عظيم، وقد ذكر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعض الآفات من حب الدنيا، والتي منها :

1 - التكبّر.

2 – الحسد.

3 - حبّ النساء وحبّ الرئاسة.

4 - حبّ الراحة.

5 - حبّ الكلام (2).

6 - حبّ العلوّ على الغير.

7 - حبّ الثروة.

وهذه الآفات قد جعلت الإنسان يسلك في المنعطفات، وأغرقته في الآثام، وأبعدته عن طريق الحقّ.

معرفة العدالة

ومن غرر حكميات الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا الحديث الشريف الذي حدّد فيه عدالة


1) أصول الكافي : 2 : 316، الحديث 8.

2) حبّ الكلام الذي عناه الإمام هو حبّ الكلام في ما لا يعني الإنسان ولا يهمّه.

الإنسان ووثاقته.

قال : إذا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ قَدْ حَسُنَ سَمْتُهُ، وَهَدْهُهُ، وَتَمَادَى فِي مَنْطِقِهِ، وَتَحَاضَعَ في حَرَكاتِهِ، فَرُويْداً لَا يَغُرَّنَّكُمْ، فَمَا أَكْثَرَ مَنْ يُعْجِرُهُ تَناولُ الدُّنْيَا، وَرَكُوبُ الْمَحَارِمِ مِنْهَا لِضَعْفِ نِيَّتِهِ وَمَهَانَتِهِ، وَجُبْن قَلْبِهِ، فَنَصَبَ الدِّينَ فَخَّاً لها، فَهُوَ لَا يَزالُ يَخْتِلُ النَّاسَ بظاهِرِهِ فَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْ حَرامِ اقْتَحَمَهُ.

فَإِذا وَجَدْتُمُوهُ يَعِفُ عَنِ الْمَالِ الْحَرامِ فَرُوَيْداً لَا يَغُرَّنَكُمْ، فَإِنَّ شَهَوَاتِ الْخَلْقِ مُخْتَلِفَةٌ، فَمَا أَكْثَرَ مَنْ يَنبُوا عَنِ الْمَالِ الْحَرامِ وَإِنْ كَثرَ، وَيَحْمِلُ نَفْسَهُ عَلَى شَوْهَاءَ قَبِيحَةٍ، فَيَأْتِي مِنْهَا مُحَرَّماً.

فَإِذا وَجَدْتُموهُ يعف عَنْ ذلِكَ فَرُوَيْداً لَا يَغُرَّنَّكُمْ حتّى تَنْظروا ما عُقْدَةً عَقْلِهِ، فَما أَكْثَرَ مَنْ تَرَكَ ذلِكَ أَجْمَعَ ثُمَّ لَا يَرْجِعُ إِلى عَقْلِ مَتينٍ، فَيَكُونُ مَا يُفْسِدُهُ بِجَهْلِهِ أَكْثَرَ ممّا يُصْلِحُهُ بِعَقْلِهِ.

فَإِذا وَجَدْتُمْ عَقْلَهُ مَتيناً فَرُوَيْداً لَا يُغَرَّنَّكُمْ حتّى تَنْظُرُوا أَمَعَ هَوَاهُ يَكونُ عَلَى عَقْلِهِ، أَمْ يَكونُ مَعَ عَقْلُهُ عَلى هَواهُ ؟ وَكَيْفَ مَحَبَّتُهُ لِلرَّئاساتِ الْباطِلَةِ وَزُهْدُهُ فيها، فَإِنَّ في النّاسِ مَنْ خَسِرَ الدُّنْيا وَالآخِرَةِ بتَرْكِ الدُّنْيا لِلدُّنْيا، وَيَرى أَنَّ لَذَّةَ الرِّئَاسَةِ الْباطِلَةِ أَفْضَلُ مِنْ لَذَّةِ الأمْوالِ وَالنَّعَمِ الْمُباحَةِ الْمُحَلَّلَةِ، فَيَتْرُكُ ذلِكَ أجْمَعَ طَلَبَاً لِلرِّئَاسَةِ، حَتَّىٰ إِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّه أَخْذَتْهُ الْعِزَّةِ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادِ، فَهُوَ يَخْبِطُ خَبْطَ عَشْواءَ، يَقودُهُ أَوَّلُ بِاطِلِهِ إِلَى أَبْعَدِ غاياتِ الْخَسارَةِ، وَيَمُدُّ يده بُعْدُ طَلَبِهِ لِما لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فِي طُغْيانِهِ، فَهُوَ يُحِلُّ ما حَرَّمَ اللّه، وَيُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللّه لَا يُبالي ما فاتَ مِنْ دِينِهِ إِذا سَلِمَتْ لَهُ الرئاسَةُ التي قَدْ شَقِيَ مَنْ أَجْلِها فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ غَضِبَ اللّه عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ عذاباً أليماً.

وَلكِنَّ الرَّجُلُ كلّ الرَّجُلِ، نِعْمَ الرَّجُل هُوَ الَّذي جَعَلَ هَواهُ تَبَعاً لأَمْرِ اللّه، وَقِواهُ

مَبْدَولَةٌ فِي رِضَى اللّه، يَرَى الذُّلَّ مَعَ الْحَقِّ أَقْرَبُ إِلى عِزَّ الْأَبَدِ مَعَ الْعِزَّ فِي الْبَاطِلِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ قَليلَ ما يَحْتَمِلُهُ مِنْ ضَرَائِها يُؤَدِّيهِ إِلى دَوامِ النَّعيم في دارٍ لَا تَبِيدُ، وَلَا تَنْفَدُ، وَأَنَّ كَثيراً ما يَلْحَقُهُ مِنْ سَرَائِها إِنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ يُؤَدِّيهِ إِلى عَذَابِ لَا انْقِطَاعَ لَهُ، وَلَا زَوالَ، فَذَلِكَ الرَّجُلُ نِعْمَ الرَّجُل فَتَمَسَّكوا، بِسُنَّتِهِ فَاقْتَدُوا بِسُنَّتِهِ، وَإِلى رَبِّكُمْ فَتَوَسُلوا، فَإِنَّهُ لَا تُرَدُّ لَهُ دَعْوَةٌ، وَلَا يَخيبُ طَلَبَةٌ» (1).

واستهدف حديث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمعرفة العدالة التي هي من أجل الملكات النفسيّة لأنّ بها يسمو الإنسان، ويتحرّر من أوضار المادة، ومغريات النفس وشهواتها بحيث لم يعد عليه أي سلطان من النزعات الشريرة والفاسدة، وقد استند بعض الفقهاء إلى هذا الحديث إلى اعتبار أرقى مراتب العدالة لمن يتصدّى إلى المرجعيه العامّة من الفقهاء.

لقد دلّ الحديث بوضوح على أن معرفة الرجل العادل الكامل في ورعه وتقواه ینبغي أن تستند إلى الفحص الدقيق، والخبرة الكاملة، لا إلى النظرة الخاطفة، والتي منها ما يلي :

1 - حسن السمت، فإنّه ليس دليلاً على العدالة والتقوى.

2 - إظهار الاصلاح، فإنّه أيضاً ليس دليلاً على العدالة، لأنه قد يكون خداعاً منافقاً، اتخذ الدين وسيلة لنيل مآربه وأطماعه وشهواته بعد أن عجز عن الظفر بها في سائر الوسائل الأخرى.

3 - الامتناع عن المال الحرام، وهذا أيضاً ليس دليلاً على التقوى لأنه قد يحمل نفسه على ذلك، ويرغمها في سبيل تحقيق مآربه وأغراضه التي لا صلة لها بالدين أصلاً.


1) تفسير الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 55. تنبيه الخواطر : 316. الاحتجاج : 2: 175.

أمّا الوسائل التي ستكشف بها كمال الورع والوثاقة والدين، فهي:

1 - أن يغلب عقل الإنسان على هواه وشهواته.

2- عدم حبّ الرئاسة الباطلة، وزهده فيها، فإنّ ذلك من أوثق الأمارات على العدالة والتقوى.

3 - اتباع أوامر اللّه، والانقياد الكامل لطاعته تعالى، بحيث يوجّه جميع طاقاته للحصول على مرضاة اللّه والتقرّب إليه، فهذا هو العادل الواقعي الذي تنبعث عدالته عن فكر وتأمل وإيمان.

صفات المنافق والمؤمن

وأدلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالحديث التالى مبيناً بعض صفات المنافقين والمؤمنين، قال : «إِنَّ الْمُنافِقَ يَنْهَى وَلَا يَنْتَهي، وَيَأْمُرُ وَلَا يَأْتي، إِذا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ اعْتَرَضَ، وَإِذَا رَكَعَ رَبَضَ، وَإِذا سَجَدَ نَفَرَ، يُمْسِي وَهَمُّهُ الْعَشَاءُ وَلَمْ يَصُمْ، وَيُصْبِحُ وَهَمَّهُ النَّوْمُ وَلَمْ يَسْهَرْ.

وَالْمُؤْمِنُ خَلَطَ عِلْمَهُ بِحِلْمِهِ، يَجْلِسُ لِيَعْلَمَ، وَيَنْصِتُ لِيَسْلَمَ، لَا يُحَدِّثُ بِالأَمَانَةِ الأصْدِقاءَ، وَلَا يَكْتُمُ الشَّهادَةَ لِلْبُعَداءِ، وَلَا يَعْمَلُ شَيْئاً مِنَ الْحَقِّ رِيَاءٌ، وَلَا يَتْرُكُهُ حَيَاءٌ إِنْ زُكِّي خافَ ممّا يَقولُونَ، وَيَسْتَغْفِرُ اللّه لِما لَا يَعْلَمُونَ، وَلَا يَضُرُّهُ جَهْلُ مَنْ جَهلَهُ» (1).

لقد ألمّ حديث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأبرز صفات المنافقين والمؤمنين.

أمّا صفات المنافقين، فهي :

1 - إن المنافق ينهي عن المنكر ولا ينتهي عنه، ويأمر بالمعروف ولا يأتي به لأنّه لم يكن يؤمن بذلك في أعماق نفسه، أمّا السبب في أمره ونهيه فهو للخداع والتضليل بأنه من خيار الناس


1) تحف العقول : 280. بحار الأنوار: 75: 138.

2 - إنّه إذا قام للصلاة اعترض على تشريعها، كما أنه إذا ركع في صلاته ربض أي هوى إلى الأرض كالغنم عند ربوضها، وأما سجوده فهو غير مستقرّ فيه، فمثله كمثل الطائر عند نقره الطعام.

3 - إنّه كالبهيمة في أنّ همّها علفها، فكذلك هو يصبح ويمسي ولا همّ له إلا الطعام.

أمّا الصفات التي امتاز بها المؤمن، فهي :

1 - إنّ شخصيّته مركبة من عنصرين، وهما : العلم والحلم، فهو عالم وحليم، ومن اجتمعت فيه هاتان الصفتان بلغ أعلى مراتب الكمال.

2 - إنه لا يجلس عند أحد إلا ليتعلم منه العلم والحكمة، ولا يجلس في مجالس اللّهو والبطالة التي لا يستفيد منها شيئاً.

3 - إنّه إذا أنصت لأحد فإنّما ليسلم منه، ويأمن شرّه والاعتداء عليه (1).

4 - إذا استؤمن على شيء يكتمه، ولا يفشيه لأحد من أصدقائه.

5 - إذا تحمّل الشهادة يدلي بها ولا يكتمها.

6 - إذا عمل شيئاً من الحقّ لا يعمله رياءً ولا سمعة، وإنّما خالصاً لوجه اللّه تعالى.

7 - إذا زُكِّي ونُعت ببعض الأوصاف الشريفة، فإنّه يخاف أن لا يكون قد اتصف بذلك، ويستغفر اللّه لمن أطلق عليه تلك الأوصاف

8 - إنّه لا يهتم بمن جهله، ولا يقيم له وزناً.

إنّ هذه الصفات الماثلة في المؤمن تدلّ على سمو ذاته، وكمال شخصيّته.


1) هذا من باب حفظ اللسان، وعدم الخوض في كلّ حديث، والإمساك في مواطن الشبهات وتجنّب مجالسة القوم الفاسقين.

نصائح رفيعة

وقدم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لبعض أصحابه هذه النصيحة الرفيعة قائلا له : «لَيْسَ لَكَ أَنْ تَقْعُدَ مَعَ مَنْ شِئْتَ، فَإِنَّ اللّه تَبارَكَ وَتَعَالَى يَقولُ : «وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» (1).

وَلَيْسَ لَكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ بِما شِئْتَ، فَإِنَّ اللّه تَعالى يَقولُ : «وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» وَلأَنَّ رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) قَالَ : رَحِمَ اللّه عَبْداً قَالَ خَيْراً فَغَنِمَ، أَوْ صَمَتَ فَسَلِمَ، وَلَيْسَ لَكَ أَنْ تَسْمَعَ مَا شِئْتَ، فَإِنَّ اللّه تَعَالَى يَقولُ : «إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كلّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً» (2)» (3).

إن الإنسان المسلم لو طبّق على واقع حياته هذه النصائح الرفيعة لظفر بخير عميم، وكان بمنجاة من الشقاء والشرور.

المواساة والإحسان

كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يحثّ شيعته وأصحابه على المواساة والإحسان فيما بينهم لأنه خير ضمان لوحدتهم، واجتماع كلمتهم، وقد أثر عنه كثير من الأخبار في ذلك، وهذه بعضها :

1 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ أَرْفَعَكُمْ دَرَجاتٍ، وَأَحْسَنَكُمْ قُصوراً وَأَبْنِيَةٌ - يعني في الجنّة - أَحْسَنُكُمْ فيها إيجاباً لإخْوانِهِ، وَأَكْثَرُكُمْ مُواساةً لِفُقَرائِهِمْ، إِنَّ اللّه لِيُقَرِّبُ الْواحِدَ مِنْكُمْ


1) الأنعام 6: 68.

2) الإسراء 36:17.

3) بحار الأنوار: 71: 308، الحديث 61. تفسير البرهان : 1: 322.

إِلَى الْجَنَّةِ بِكَلَمَةٍ طَيِّبَةٍ يُكَلِّمُ بِها أَخاهُ الْمُؤْمِنَ الْفَقِيرَ، بِأَكْثَرِ مِنْ مَسِيرَةِ أَلْفِ عَامٍ يُقَدِّمُهُ وَكانَ مِنَ الْمُعَذِّبِينَ بِالنَّارِ، فَلَا تَحْتَقِرُوا الْإِحْسَانَ إِلَى إِخْوانِكُمْ، فَسَوْفَ يَنْفَعُكُمْ حَيْثُ لَا يَقومُ مَقامَ غَيْرِهِ» (1).

لقد حثّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على مواساة الفقراء والإحسان إليهم، وذكر ما يترتب عليه من الأجر الجزيل عند اللّه، وعدّ من المواساة الكلمة الطيّبة التي يقدمها الإنسان المسلم لأخيه، لأنّها ممّا توجب شيوع المودّة والألفة بين المسلمين.

2 - قال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «مَنْ باتَ شَبْعاناً وَبِحَضْرَتِهِ مُؤْمِنٌ جَائِعٌ طَاوِ فَإِنَّ اللّه تَعَالَى يَقولُ لِمَلائِكَتِهِ : اشْهَدُوا عَلَى هَذَا الْعَبْدِ أَمَرْتُهُ فَعَصاني وَأَطَاعَ غَيْرِي فَوَكَلْتُهُ إِلَى عَمَلِهِ، وَعِزَّتِي وَجَلالي، لَا غَفَرْتُ لَهُ أَبَداً» (2).

ويعتبر هذا الحديث وأمثاله ممّا أثر عن أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) من العناصر الرئيسية في بناء التكافل الاجتماعي الذي أسسه الإسلام، والذي يقضي بصورة جازمة على الفقر والحرمان.

3 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ ثَوْبٍ فَعَلِمَ أَنَّ بِحَضْرَتِهِ مُؤْمِناً يَحْتاجُ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَدْفَعْهُ إِلَيْهِ أَكَبَّهُ اللّه عَلَى مِنْخَرَيْهِ فِي النَّارِ» (3).

إنّ الإسلام بكلّ اعتزاز وفخر يعتبر الفقر كارثة اجتماعيّة مدمرّة، يجب القضاء عليه بكلّ السبل والوسائل، وقد حشد جميع أجهزته لإبادته، وإنقاذ المجتمع منه.

4 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنِّي لَأَسْتَحْيِ مِنْ رَبِّي أَنْ أَرى أَخاً مِنْ إِخْوانِي، فَأَسْأَلَ اللّه لَهُ الْجَنَّةَ وَأَبْخَلَ عَلَيْهِ بِالدِّينارِ وَالدَّرْهَم، فَإِذا كانَ يَوْمَ الْقِيامَةِ قِيلَ لِي : لَوْ كَانَتِ الْجَنَّةُ لَكَ لَكُنْتَ


1) تفسير البرهان : 1 : 44.

2) عقاب الأعمال : 30.

3) المحاسن والمساوئ : 1 : 97.

بها أَبْخَلَ، وَأَبْخَلَ، وَأَبْخَلَ» (1).

ويحكي هذا الحديث عن مدى تعاطف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أمام قضايا البر والإحسان، وحثّه عليهما.

5 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «مَنْ أَطْعَمَ مُؤْمِناً حتّى يُشْبِعهُ لَمْ يَدْرِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللّه مَا لَهُ مِنَ الْأَجْرِ في الْآخِرَةِ لَا مَلَكَ مُقَرَّبٌ، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، إِلَّا اللّه رَبُّ الْعالَمينَ».

وأضاف الإمام قائلاً: «مِنْ موجِباتِ الْمَغْفِرَةِ : إِطْعَامُ الْمُسْلِمِ السَّغْبانِ (2)، ثم تلا قوله تعالى : «أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمِ ذِي مَسْغَبَةِ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ» (3)» (4).

وفي هذا الحديث دعوة إلى إطعام الجائع، ودفع السغب عنه، وقد حثّ الإسلام على ذلك واعتبره ضرورة إسلاميّة ملحة يسأل عنها الإنسان المسلم، ويحاسب عليها خصوصاً إذا كان الفقير في حاجة ماسة إلى الطعام.

6 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ قَضى لأخيهِ حاجَةٌ قَضَى اللّه لَهُ مائَةَ حَاجَةٍ، وَمَنْ نَفْسَ عَنْ أَخِيهِ كُرْبَةٌ نَفَسَ اللّه عَنْهُ كُرَبَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، بالغاً ما بَلَغَتْ، وَمَنْ أَعانَهُ عَلى ظالم لَهُ أَعانَهُ اللّه عَلَى إِجازَةِ الصِّراطِ عِنْدَ دَحْضِ الْأَقْدامِ، وَمَنْ سَعَى لَهُ فِي حَاجَةٍ حَتَّىٰ قَضَاهَا لَهُ فَسُرَّ بقَضائِها، كانَ كإدْخال السرور عَلَى رَسُولِ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، وَمَنْ سَقَاهُ مِنْ ظَمَأُ سَقاهُ اللّه مِنَ الرَّحيقِ الْمَخْتُومِ، وَمَنْ أَطْعَمَهُ مِنْ جوعِ أَطْعَمَهُ اللّه مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ كَسَاهُ مِنْ عُرْيِ كَسَاهُ اللّه مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَحَرِيرٍ، وَمَنْ كَسَاهُ مِنْ غَيْرِ عُرْيِ لَمْ يَزَلْ فِي ضَمَانِ اللّه مَا دَامَ


1) مصادقة الإخوان : 34. سير أعلام النبلاء : 4: 394 تهذيب الكمال : 13: 243.

2) أي الجائع.

3) البلد 90: 14 - 16.

4) الكافي : 2 : 201، الحديث 6.

عَلَى الْمُكْسِيَّ مِنَ الثَّوْبِ سِلْك، وَمَنْ كَفَاهُ ما أَهَمَّهُ أَخْدَمَهُ اللّه مِنَ الْوِلْدَانِ، وَمَنْ حَمَلَهُ عَلى راحِلَةٍ بَعَثَهُ اللّه يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلَى ناقَةٍ مِنْ نُوقِ الْجَنَّةِ يُباهِي بِهِ الْمَلائِكَةَ، وَمَنْ كَفَّنَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ كَسَاهُ اللّه يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ إِلَى يَوْم يَموتُ، وَمَنْ زَوَّجَهُ زَوْجَةٌ يَأْنَسُ بِهَا، وَسَكَنَ إِلَيْهَا آنَسَهُ اللّه في قَبْرِهِ بِصُورَةٍ أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ، وَمَنْ عَادَهُ فِي مَرَضِهِ حَفَّتْهُ الْمَلَائِكَةُ تَدْعو لَهُ حَتَّىٰ يَنْصَرِفَ، وَتَقولُ : طِبْتَ، وَطابَتْ لَكَ الْجَنَّةُ، وَاللّه لَقَضاءِ حاجَتَهِ أَحَبُّ إِلَى اللّه مِنْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ بِاعْتِكَافِهِمَا فِي الشَّهْرِ الْحَرامِ» (1).

إنّ هذه التعاليم الرفيعة التي أعلنها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ممّا توجب تضامن المسلمين وشيوع المودّة والرحمة والتعاطف بينهم.

7 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْرى ما يَكونُ، وَأَجْوَعَ ما يَكونُ، وَاعْطَشَ مَا يَكونُ، فَمَنْ كَسا مُؤْمِناً في دارِ الدُّنْيا كَساهُ اللّه مِنْ حُلَلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ أَطْعَمَ مُؤْمِناً في دارِ الدُّنْيَا أَطْعَمَهُ اللّه مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ سَقَى مُؤْمِناً فِي دَارِ الدُّنْيا شُرْبَةً سَقاهُ اللّه مِنَ الرَّحيقِ الْمَخْتوم» (2).

إنّ الإسلام يحرص كلّ الحرص على إبادة الفقر والبؤس، ونفي الحاجة من المجتمع وقد ضمن الجزاء الأوفى في دار البقاء لمن يقوم بإسعاف أخيه وبرّه.

8 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ أَطْعَمَ مُؤْمِناً مِنْ جُوعِ أَطْعَمَهُ اللّه مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ سَقَى مُؤْمِناً عَنْ ظَمَأُ سَقاهُ اللّه مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتوم، وَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ كَسا مُؤْمِناً مِنْ عُرْيِ، لَمْ يَزَلْ في سِتْرِ اللّه وَحِفْظِهِ ما بَقِيَتْ مِنْهُ خِرْقَةٌ» (3).


1) ثواب الأعمال : 81.

2) الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 194.

3) المؤمن / الحسين بن سعيد الأهوازي : 19 من مخطوطات مكتبة السيّد الحكيم، التسلسل 196، وقد قامت بتحقيقه ونشره مدرسة الإمام المهدي (عَجَّلَ اللّهُ تَعَالَي فَرَجَهُ الشَریف) في قم سنة 1404 مع كتاب التمحيص للشيخ أبي علي محمّد بن همام الإسكافي (المتوفّى سنة 336هـ)، وقد ورد هذا الحديث تحت رقم 159، الصفحة 63.

إنّ هذه المبادئ التي رفع شعارها الإمام لا تمثل جوهر الإسلام وواقعه ولو طبّقها المسلمون على واقع حياتهم لكانوا سادة الأمم والشعوب.

صلة الارحام

وحثّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على صلة الأرحام، وحذّر من قطيعتها، وذلك لما يترتب عليها من المضاعفات السيّئة.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَمُدَّ اللّه فِي عُمُرِهِ، وَأَنْ يَبْسُطُ لَهُ مِّن رِزْقِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ، فَإِنَّ الرَّحِمَ لَها لِسانٌ يَوْمَ الْقِيامَةِ ذَلِقٌ (1)تَقولُ : يا رَبِّ صِلْ مَنْ وَصَلَني، وَاقْطَعْ مَنْ قَطَعَني، فَالرَّجُلُ لَيْرَىٰ بِسَبِيلِ خَيْرٍ إِذا أَتَتْهُ الرَّحِمُ الَّتِي قَطَعَهَا فَتَهْوِي بِهِ إِلَى أَسْفَلِ قَعْرِ في النّارِ» (2).

لقد تواترت الأخبار عن أئمة الهدى (عَلَيهِم السَّلَامُ) في الحثّ على صلة الأرحام، وإنّها توجب العمر المديد للإنسان، والمزيد من الرزق، والأجر الجزيل في الدار الآخرة، فإنّها توجب تماسك المجتمع، وشيوع المودّة والصفاء بين المسلمين، وذلك من أهمّ ما يدعو إليه الإسلام.

الحبّ في اللّه تعالى

دعا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) المسلمين إلى التحابّ والمودّة فيما بينهم في اللّه تعالى خالصة


1) الذلق : اللسان الفصيح.

2) الكافي : 2 : 156، الحديث 29.

لا يشوبها شيء من شؤون المادة التي لا تلبث أن تتلاشى.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إذا جَمَعَ اللّه الْأَوَّلِينَ وَالآخِرينَ نادى مُنادٍ يَسْمَعُهُ النَّاسُ يَقولُ : أَيْنَ الْمُتَحابَونَ فى اللّه، فَيَقومُ عُنُقٌ مِنَ النَّاسِ فَيُقالُ لَهُمْ : اذْهَبُوا إِلَى الْجَنَّةِ بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ وَيَسْأَلُونَهُمْ عَن الْعَمَلِ الَّذى جازوا بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ، فَيَقولونَ: نَحْنُ الْمُتَحابُونَ فِي اللّه، فَيَقولونَ: وَأَيُّ شَيْءٍ كانَ أَعْمَالُكُمْ ؟ فَيَقولونَ: كُنَّا نُحِبُّ في اللّه وَنُبْغِضُ في اللّه، فَيَقولونَ لَهُمْ : نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ» (1).

إنّ الحبّ في اللّه يوحد ولا يفرّق، ويجمع ولا يشتّت، إنه ناشئ عن الإيمان العميق باللّه.

الدعاء للمؤمن

ودعا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) المؤمنين إلى الدعاء لإخوانهم بظهر الغيب، والثناء عليهم.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ الْمَلائِكَةَ إِذا سَمِعوا الْمُؤْمِنَ يَدْعُو لَأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ أَوْ يَذْكُرُهُ بِخَيْرٍ. قالوا : نِعْمَ الأخُ أَنْتَ لأخيك، تَدْعو لَهُ بِالْخَيْرِ وَهُوَ عَائِبٌ عَنْكَ، وَتَذْكُرُهُ بِخَيْرٍ، قَدْ أَعْطَاكَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ مِثْلَيْ ما سَأَلْتَ لَهُ، وَأَثْنى عَلَيْكَ مِثْلَيْ مَا أَثْنَيْتَ عَلَيْهِ، وَلَكَ الْفَضْلُ عَلَيْهِ، وَإِذا سَمِعوهُ يَذْكُرُ أَخاهُ بِسوءٍ وَيَدْعو عَلَيْهِ، قالوا لَهُ : بِئْسَ الْأَخُ أَنْتَ لأخيك، كُفَّ أَيُّهَا الْمُسْتَتِرُ عَلى ذُنُوبِهِ وَعَوْرَتِهِ، وَأَرْبِعْ عَلى نَفْسِكَ، وَاحْمَدِ اللّه الَّذي سَتَرَ عَلَيْكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ بِعَبْدِهِ مِنْكَ» (2).

إنّ هذه السنن والآداب الكريمة ممّا تعزّز وحدة المسلمين وتضامنهم وتوجب


1) وسائل الشيعة : 11 : 432.

2) أصول الكافي : 2 : 508، الحديث 7.

شيوع المودّة والإخاء فيما بينهم.

جزاء أهل الفضل

وحثّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحابه ودعاهم إلى إسداء الفضل والمعروف إلى الناس، كما دعاهم إلى التحلي بالصبر والتآزر فيما بينهم.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إذا كانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ نادى مُنادٍ : لِيَقُمْ َأهْلُ الْفَضْلِ، فَيَقومُ نَاسٌ قَبْلَ الْحِسابِ، فَيُقالُ لَهُمْ : انْطَلِقُوا إِلَى الْجَنَّةِ، فَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ وَيَسْأَلُونَهُمْ إِلَى أَيْنَ ؟

فَيَقولونَ: إِلَى الْجَنَّةِ، فَإِذا سَأَلُوهُمْ عمَّا اسْتَحَفُّوا ذلِكَ يَقُولُونَ : كُنَّا إِذا جُهِلَ عَلَيْنَا حَلِمْنَا، وَإِذا ظُلِمْنا صَبَرْنَا، وَإِذا أَسِيءَ إِلَيْنَا غَفَرْنَا.

فَيقالُ لَهُمْ : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ.

ثُمَّ يَنادِي مُنادٍ : لِيَقُمْ أَهْلُ الصَّبْرِ، فَيَقومُ ناسٌ فَيُقالُ لَهُمْ : انْطَلِقُوا إِلَى الْجَنَّةِ، فَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ وَيَسْأَلُونَهُمْ مِثْلَ الْأَوَّلِ، فَيَقُولُونَ : صَبَّرْنا أَنْفُسَنا عَلى طَاعَةِ اللّه، وَصَبَّرْناها عَنْ مَعْصِيَةِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ، فَيَقولونَ لَهُمْ : ادْخلوا الْجَنَّةَ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ.

ثُمَّ يُنادي مُنادٍ : لِيَقُمْ جيرانُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ فَيَقومُ ناسٌ، فَيُقَالُ لَهُمْ : انْطَلِقُوا إِلَى الْجَنَّةِ فَتَسْأَلُهُمُ الْمَلائِكَةُ عَمَّا اسْتَحَقَّوا ذلِكَ وَما مُجاوَرَتُهُمْ للّه عَزَّ وَجَلَّ ؟ فَيَقولونَ: كُنَّا نَتَزاوِرُ في اللّه، وَنَتَجالَسُ فِي اللّه، وَنَتَبادَلُ فِي اللّه.

فَيَقولونَ: ادخلوا الْجَنَّةَ فَنِعْمَ أَجْرَ الْعامِلِينَ» (1).

وفي هذا الحديث الشريف دعوة إلى التحلي بمكارم الأخلاق، ومحاسن الصفات التي توجب رفع مستوى الإنسان، وبلوغه ذروة الشرف والكمال.


1) حلية الأولياء : 3 : 159. تاريخ اليعقوبي : 3: 46.

الدعوة إلى الدين

وتقدّم رجل إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فسأله عن الدعوة إلى الدين

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَدْعوك إلى اللّه تعالى وإلى دينِهِ، وَجَمعه :أَمْرانِ

الأوّل : مَعْرِفَةُ اللّه، وَالْآخَرُ الْعَمَلُ بِرِضْوانِهِ، وَإِنَّ مَعْرِفَةَ اللّه أَنْ تَعْرِفَهُ بِالْوَحْدانِيَّةِ وَالرّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْعُلُو عَلى كلّ شَيْءٍ، وَأَنَّهُ النَّافِعُ الصّارُ الْقاهِرُ لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذي لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ، وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبيرُ، وَأَنَّ محمّداً عَبْدُهُ وَرَسولُهُ، وَأَنَّ ما جاءَ بِهِ هُوَ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِ اللّه تعالى، وَأَنَّ ما سواهما هُوَ الْباطِلُ، فَإِذا أَجابوا إِلَى ذلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْهِمْ ما عَلَى الْمُسْلِمِينَ» (1).

إنّ الدعوة إلى الدين والدخول في حظيرته يتركّزان على معرفة اللّه تعالى، والإيمان بوحدانيّته والاعتراف بنبوّة الرسول الأعظم (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، ومن اعترف بكلا الأمرين جرت عليه أحكام الإسلام من حقن دمه وصيانة أمواله، ومعاملته كبقية المسلمين.

التحذير من بعض المحرّمات

وحذّر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من اقتراف بعض المحرمات لأنّها ممّا توجب بعد الإنسان عن ربّه، وتلقيه في شرّ عظيم.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «اتَّقوا الْمُحَرَّماتِ كُلَّها، وَاعْلَمُوا أَنَّ غِيْبَتَكُمْ لأَخِيكُمُ الْمُؤْمِنِ مِنْ شيعَةِ آلِ محمّد (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) أَعْظَمُ في التَّحْريم مِنَ الْمِيتَةِ، قالَ اللّه تَعَالَى: «وَلَا يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ» (2).


1) التهذيب / الطوسي : 2 : 47.

2) الحجرات 49: 12.

وَإِنَّ الدَّمَ أَخَفُ في التَحْريم عَلَيْكُمْ أَكْلُهُ مِنْ أَنْ يَشِيَ أَحَدُكُمْ أَخِيهِ الْمُؤْمِنَ مِنْ شيعَةِ آلِ محمّد (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) إِلى سُلْطانِ جائِرٍ، فَإِنَّهُ يُهْلِكُ نَفْسَهُ وَأَخاهُ الْمُؤْمِنُ، وَالسُّلْطانُ الذي وُشِيَ بِهِ إِلَيْهِ، وَإِنَّ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ أَخَفُ تَحْرِيماً مِنْ تَعْظِيمِكُمْ مَنْ صَغَرَ اللّه، وَتَسْمِيَتِهِمْ بِأَسْمَائِنا أَهْلَ الْبَيْتِ، وَتَلْقيبِهِمْ بِأَلْقابِنا، وَقَدْ سَمَاهُمُ اللّه بِأَسْماءِ الْفاسِقِينَ، وَلَقَّبَهُمْ بِأَلْقابِ الْفاجِرينَ، وَأَنَّ مَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّه أَخَفٌ تَحْرِيماً عَلَيْكُمْ مِنْ أَنْ تَعْقِدُوا نِكَاحاً، أَوْ صَلاةٌ جَمَاعَةٍ مَعَ أَعْدائِنَا الْغَاصِبينَ لِحُقوقِنا، إِذا لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ تَقِيَّةٌ. قالَ اللّه تَعَالَى : «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاعَ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ» (1)، وَمَنِ اضْطَرَهُ اللّهوَ إِلَى تَناوِلِ شَيْءٍ مِنْ هذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ وَهُوَ مُعْتَقِدٌ لِطَاعَةِ اللّه فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ» (2).

لقد حذّر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من اقتراف جميع المحرمات، وأكد بصورة خاصة على اجتناب المحرمات التالية :

1 - الغيبة؛ لأنّها توجب تصدّع الوحدة الإسلاميّة، وشيوع الكراهية والبغضاء بين المسلمين، ومن المقطوع به أنّ من كان قلبه عامراً بالإيمان باللّه فإنّه يبتعد عنها، وكان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يحذّر منها في كثير من نصائحه، فقد قال له رجل : إنّ فلاناً ينسبك إلى الضلال والبدعة.

فأنكر الإمام عليه ذلك وقال له : ما رَعَيْتَ حَقَّ مُجالَسَةِ الرَّجُلِ حَيْثُ نَقَلْتَ كَلامَهُ إِلَيْنَا، وَلَا رَعَيْتَ حتّى حَيْثُ أَبْلَغْتَني عَنْ أَخي ما لَسْتُ أَعْلَمُهُ، إِنَّ الْمَوْتَ يَعُمُّنا، وَالْبَعْثَ مَحْشَرُنا، وَيَوْمَ الْقِيامَةِ مَوْعِدُنا، وَاللّه يَحْكُمُ فينا. إيّاك وَالغيبَةَ فَإِنَّها إدامُ كِلاب أَهْل النّارِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ أَكْثَرَ عُيوب النّاسِ شَهِدَ عَلَيْهِ الْأَكْثَارُ أَنَّهُ إِنَّما يَطْلُبُها


1) البقرة 2 : 173.

2) بحار الأنوار: 26: 234.

بِقَدَرِ ما فيه» (1).

2 - الوشاية بالمؤمن إلى السلطان الجائر، فإنّها من أعظم الموبقات لأنّها تؤدّي إلى التدمير الشامل.

3 - إضفاء الألقاب الكريمة التي تلقب بها أئمة أهل البيت على الظالمين الذين أشاعوا الجور والفساد في ذلك العصر.

4 - الاتّصال بالظالمين، والعمل معهم، فإنّ ذلك يؤدّي إلى تقوية مركزهم وإعلاء شأنهم.

هذه بعض محتويات كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

التحذير من الطمع

دعا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى التحرّر من ذل الطمع.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): رَأَيْتُ الْخَيْرَ كُلَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ في قطع الطَّمَع عَمَا فِي أَبْدِي النَّاسِ، وَمَنْ لَمْ يَرْجُ النَّاسَ فِي شَيْءٍ، وَرَدَّ أَمْرَهُ إِلَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ فِي جَمِيعِ أُمورِهِ، اسْتَجَابَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ لَهُ كلّ شَيْءٍ» (2).

إنّ للطمع آفات خطيرة على الإنسان، فهي تورده المهالك، وتلقيه في شرّ عظيم، والدعوة إلى التحرّر منه إنّما هي دعوة إلى الكمال والسموّ والارتقاء.

شكر المحسن

وأكّد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ضرورة شكر المحسن حتّى لا يضيع المعروف.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ اللّه تَعَالَى يُحِبُّ كلّ قَلْبٍ حَزينٍ، وَيُحِبُّ كلّ عَبْدٍ شَكورٍ، وَيَقولُ اللّه


1) مشكاة الأنوار: 291. الاحتجاج / الطبرسي : 172.

2) أصول الكافي 2 : 148، الحديث.. وسائل الشيعة : 6 : 314

تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِعَبْدِ مِنْ عَبِيدِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ : أَشَكَرْتَ فُلاناً ؟

فَيَقولُ : بَلْ شَكَرْتُكَ يا رَبِّ.

فَيَقولُ : لَمْ تَشْكُرْني إذْ لَمْ تَشْكُرْهُ.

وأضاف الإمام بعد ذلك قائلاً : أَشْكَرُكُمْ للّه أَشْكَرُكُمْ لِلنَّاسِ» (1).

إنّ شكر المنعم والمحسن ضرورة إسلاميّة ملحة ليبقى المعروف والإحسان بين الناس، ويشجّع المحسنون على عمل الخير والبرّ، وإسداء الخدمات الاجتماعيّة للناس.

الأمر بالمعروف

ومن أبرز المبادئ الإسلاميّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد تبنّى ذلك الإسلام بصورة إيجابية من أجل أن تسود العدالة الاجتماعيّة بين الناس، ولا يبقى منكر ولا اعتداء ولا ظلم على واقع الحياة العامّة بين الناس، وقد تواترت الأخبار عن أئمة الهدی (عَلَيهِم السَّلَامُ) على ضرورته ولزومه.

يقول الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «التارِلُ لِلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْي عَنِ الْمُنْكَرِ كَنَابِذِ كِتابِ اللّه وَراءَ ظَهْرِهِ، إِلَّا أَنْ يَتَّقَى تُقاةٌ

فقيل له : ما تقاته ؟

قال : يَخافُ جَبَاراً أَنْ يُقَرُطَ عَلَيْهِ أَوْ أَنْ يَطْغَى» (2).

إنّ الخوف من الجبّار العنيد يسقط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن المكلّف، وقد ذكر الفقهاء في رسائلهم العمليّة شروط القيام بهذا الواجب الإسلامي الخطير.


1) أصول الكافي : 2 : 99، الحديث 30.

2) حلية الأولياء : 3 : 140. الطبقات الكبرى : 5: 213.

فضل الكلام على السكوت

سأل رجل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن السكوت والكلام، أيهما أفضل ؟

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُما آفاتٌ، فَإِذا سَلِما مِنَ الْآفَاتِ، فَالْكَلَامُ أَفْضَلُ مِنَ السكوت.

وانبرى إليه شخص فقال له : كَيْفَ ذاكَ يابنَ رَسولِ اللّه ؟

فأجابه (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّ اللّه سُبْحانَهُ لَمْ يَبْعَثِ الأنبياءَ وَالْأَوْصِياءَ بِالسُّكوتِ، إِنَّما بَعَثَهُمْ بِالْكَلامِ، وَلَا اسْتُحِفَّتِ الْجَنَّةُ بِالسُّكوتِ، إِنَّما ذلِكَ كُلُّهُ بِالْكَلامِ، وَمَا كُنْتُ لأَعْدِلَ الْقَمَرَ بِالشَّمْسِ» (1).

سعادة الإنسان

وتحدث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عمّا يوجب سعادة الإنسان في هذه الدنيا، فقال : «وَمِنْ سَعادَةِ الْمَرْءِ أَنْ يَكونَ مَتْجَرُهُ في بِلادِهِ، وَيَكونَ خُلَطاؤُهُ صالِحينَ، وَيَكونَ لَهُ وَلَدٌ يَسْتَعينُ بِهِمْ» (2).

حقاً أنّ من ظفر بهذه الأمور فقد ظفر بخير الدنيا، وكان من السعداء فيها.

الجامع بين الأديان

سأل رجل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الاطار الجامع بين الأديان السماوية، فقال: «قَوْلُ الْحَقِّ، وَالْحُكْمُ بِالْعَدْلِ، وَالْوَفاءُ بِالْعَهْدِ» (3).


1) الاحتجاج : 2 : 45.

2) الخصال : 245.

3) الخصال : 109.

وتشترك الأديان السماوية في هذه البنود الثلاثة التي هي قوام الحياة الاجتماعيّة، والتي رفع شعارها جميع الأنبياء والمرسلين.

خصال رفيعة

وتحدّث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن بعض الصفات الرفيعة التي ينبغي أن يتصف بها المسلم، والتي يكمل بها إسلامه.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَمُلَ إِسْلامُهُ، وَمُحْصَتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ، وَلَقِيَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ عَنْهُ راضِ : مَنْ وَفِي للّه عَزَّ وَجَلَّ بِمَا يَجْعَلُ عَلَى نَفْسِهِ لِلنَّاسِ، وَصَدَقَ لِسانُهُ مَعَ النَّاسِ، وَاسْتَحْيا مِنْ كلّ قَبيحِ عِنْدَ اللّه وَعِنْدَ النَّاسِ، وَحَسُنَ خُلُقُهُ مَعَ أَهْلِهِ» (1).

إنّ من يتصف بهذه الصفات الرفيعة فهو المؤمن حقاً، المستكمل إيمانه، الذي يلقى اللّه وهو عنه راض.

علامات المؤمن

قال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ): «عَلَامَاتُ الْمُؤْمِن خَمْسٌ

فقال له طاووس اليماني : وما هي يابن رسول اللّه ؟

قال : الْوَرَعُ فِي الْخَلْوَةِ، وَالصَّدَقَةُ فِي الْقِلَّةِ، وَالصَّبْرُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ، والْحِلْمُ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَالصَّدْقُ عِنْدَ الْخَوْفِ» (2).

إنّ هذه الصفات الخمس تدلّ على إيمان من يتصف بها، وإنّه من عباد اللّه الصالحين الذين أترعت نفوسهم بالتقوى.


1) الخصال: 203.

2) الخصال : 245.

الكلام الحسن

حث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحابه على الكلام الحسن مع الناس، وذكر ما يترتّب عليه من المنافع، قال : «الْقَوْلُ الْحَسَنُ يُثْرِي الْمَالَ، وَيُنْمِي الرِّزْقَ، وَيُنْسِئُ الْأَجَلَ، وَيُحَبِّبُ إِلَى الْأَهْلِ، وَيُدْخِلُ الْجَنَّةَ...» (1).

وألمّ حديث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمعطيات القول الحسن، والكلم الطيّب، والتي منها :

1 - إنّه موجب لتنمية المال، وسعة الرزق، ويظهر أثر ذلك – بوضوح - عند ذوي الصناعات وأهل الحرف والتجّار، فإنّ الناس تتعامل بالشراء والتجارة مع من يقابلهم بالكلام الطيب من هؤلاء الأصناف، ومن الطبيعي أنّ ذلك ممّا يوجب زيادة دخل الفرد منهم، كما أنّ الطباع تنفر عن بذيء الكلام وسيئ الخلق، الأمر الذي يوجب کساد سلعته وضيق رزقه.

2 - ومن ثمرات الكلام الطيب أنّه يُنسى في الأجل، وذلك فيما إذا دفع ظلامة عن مؤمن أو أسدى له نفعاً، فإنّ اللّه تعالى يجازي صاحبه بزيادة العمر في الدنيا وجزيل الأجر في الآخرة.

3 - ومن فوائد الكلام الطيب أنه موجب لأن يكون صاحبه عزيزاً ومحبوباً عند أهله وفي المجتمع، فإنّ النفوس تهفو إلى صاحب الكلام الحسن والخُلُق الكامل.

4- ومن منافعه أنّه موجب للفوز بالجنّة، وذلك فيما إذا كان في صلاح ذات البين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

طبقات الناس

وتحدّث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع زرارة بن أوفى عن طبقات الناس، فقال له : يا زرارَةُ،


1) الخصال: 289 وسائل الشيعة : 5: 531.

النَّاسُ في زَمانِنا عَلى سِتْ طَبَقاتِ : أَسَدٌ، وَذِنْبٌ، وَثَعْلَبٌ، وَكَلْبٌ، وَخِنْزيرٌ، وَشاةٌ. فَأَما الأَسَدُ، فَمُلوكُ الدُّنْيا يُحِبُّ كلّ واحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَغْلِبَ وَلَا يُغْلَبَ.

وَأَمَّا الذُّنْبُ : فَتُجَارُكُمْ يَذمون إذا اشْتَرُوا وَيَمْدَحونَ إذا باعوا.

وَأَمَا الثَّعْلَبُ : فَهُؤُلاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ بِأَدْيَانِهِمْ وَلَا يَكونُ في قُلُوبِهِمْ ما يَصِفُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ.

وَأَمَّا الْكَلْبُ : فَهُوَ الَّذى يَهِرُ عَلَى النَّاسِ بِلِسانِهِ، وَيُكْرِمُهُ النَّاسُ مِنْ شَرِّ لِسانِهِ.

وَأَمَا الْخِنْزِيرُ: فَهَؤُلاءِ الْمُخَنَّثُونَ وَأَشْباهُهُمْ لَا يُدْعَوْنَ إِلَىٰ فَاحِشَةٍ إِلَّا أَجابوا.

وَأَمَا الشَّاةُ : فَالْمُؤْمِنونَ الَّذِينَ تُجَزُّ شُعورُهُمْ، وَيُؤْكَلُ لحومُهُمْ، وَيُكْسَرُ عَظْمُهُمْ، فَكَيْفَ تَصْنَعُ الشَّاةُ بَيْنَ أَسَدٍ، وَذِنْبٍ، وَثَعْلَبٍ، وَكَلْبٍ، وَخِنْزِيرٍ ؟ (1)

لقد نظر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعمق وشمول إلى المجتمع الذي عاش فيه فحلّله إلى طبقات ستّ، وذكر خصائص كلّ طبقة بما ينطبق عليها ولا يتخلّف عنها.

التواضع

أمّا التواضع فهو من محاسن الأخلاق التي يشرف بها الإنسان، وقد حثّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على التحلي به. قال : «لَا حَسَبَ لِقَرَشِيٌّ وَلَا لِعَرَبِيٌّ إِلَّا بِتَواضُعِ، وَلَا كَرَمَ إِلَّا بِتَقْوى، وَلَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ، أَلَا وَإِنَّ أَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ مَنْ يَقْتَدِي بِسُنَّةِ إِمَامٍ، وَلَا يَقْتَدِي بِأَعْمَالِهِ» (2).

اقتباس الحكمة

ودعا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى اقتباس الحكمة ولو صدرت من منافق لأنها من مصادر الفكر


1) الخصال: 308.

2) الخصال : 19. تحف العقول : 280.

والوعي الذي يحرص الإسلام على تطوّره.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): وَلَا تَحْتَقِرِ اللُّؤْلُوةَ النَّفِيسَةَ أَنْ تَجْلِبَها مِنَ الْكبا (1)الْخَسِيسَةِ، فَإِنَّ أَبي اللّه حَدَّثَنى، قالَ : سَمِعْتُ أَميرَ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَقولُ : إِنَّ الْكَلِمَةَ مِنَ الْحِكْمَةِ لَتَلَجْلَجُ فِي صَدْرِ الْمُنافِقِ نِزاعاً إلى فطانها (2)، حتّى يَلْفِظُ بها فَيَسْمَعَها الْمُؤْمِنُ فَيَكونُ أَحَقُّ بها وَأَهْلَها فَيَلْقِفَها» (3).

طينة المؤمن والكافر

وأدلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث له عن الطينة التي خلق منها المؤمن والكافر، قال : «إِنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ النَّبِيِّينَ مِنْ طَينَةِ عِلَّيِّينَ، قُلُوبَهُمْ وَأَبْدَانَهُمْ، وَخَلَقَ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ تِلْكَ الطَّينَةِ، وَجَعَلَ خَلْقَ أَبْدانِ الْمُؤْمِنينَ مِنْ دونِ ذلِكَ، وَخَلَقَ الْكُفَّارَ مِنْ طَينَةِ سَجَينِ : قُلُوبَهُمْ وَأَبْدانَهُمْ، فَخَلَطَ بَيْنَ الطَّينَتَيْنِ، فَمِنْ هَذا يَلِدُ الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ، وَيَلِدُ الْكافِرُ الْمُؤْمِنَ، وَمِنْ هاهنا يُصِيبُ الْكافِرُ الْحَسَنَةَ، فَقُلوبُ الْمُؤْمِنينَ تَحِنُّ إلى ما خُلِقوا مِنْهُ، وَقُلوبُ الْكافِرِينَ تَحِنُّ إلى ما خُلِقوا مِنْهُ» (4).

لقد استفاضت النصوص في أنّ اللّه تعالى خلق الإنسان من طين. قال تعالى : «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِن طِينٍ» (5).

وقال تعالى : «وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ» (6)، وقد خلق الأنبياء والمؤمنين


1) الكبا: الكناسة.

2) كذا وردت، ولعلّها : «نطقها».

3) بحار الأنوار: 2 : 97.

4) أصول الكافي : 2: 2، الحديث 1.

5) الأنعام 6: 2.

6) السجدة : 7:32.

من أقدس البقاع وأطهرها، ولذلك كانوا هداة وقدوة، ومنقذين ومحرّرين للناس، وخلق الكفار والمنحرفين من أحطّ بقعة وأقذرها، ومن ثم كانوا حجر عثرة في تقدّم الإنسان وتطوير حياته الاجتماعيّة.

وقد قضت حكمة اللّه تعالى أن تختلط هاتان الطينتان فيخرج منهما ما يعاكس ویباین طبیعتيهما، فقد يولد من النبيين والمؤمنين بعض الشقاة والملحدين كنبيّ اللّه نوح، فقد ولد منه ضالّ عن الطريق، منحرف عن العدل، كافر برسالة أبيه، وقد أغرقه اللّه مع الكافرين، فاشفق عليه نوح، فناجي ربه في شأنه فأجابه تعالى : «إِنَّهُ لَيْسَ مِن أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ» (1).

كما أن بعض الكافرين والضالين قد يولد منهم المؤمنون والصالحون، وكان ذلك من نتائج اختلاط الطينتين، كما قال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

الصبر

وحث الإمام على الصبر، قال : «الصَّبْرُ مِنَ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ، وَلَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا صَبْرَ لَهُ» (2).

إنّ أعظم ما يتسلّح به الإنسان أمام الأحداث والخطوب التي تداهمه هو التذرّع بالصبر وإلجاء الأمور إلى اللّه تعالى، والرضا بما قسم، فإن ذلك جوهر الإيمان

من أخلاق المؤمن

وتحدّث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الصفات الشريفة التي يتصف بها المؤمن.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مِنْ أَخْلاقِ الْمُؤْمِنِ الْإِنْفَاقُ عَلَى قَدْرِ الْإِقْتارِ، وَالتَّوَسُّعُ عَلى قَدْرِ التَّوَسُّعِ،


1) هود 46:11.

2) أصول الكافي : 2 : 89، الحديث 4.

وَإِنْصافُ النَّاسِ مِنْ نَفْسِهِ، وَابْتِدَاؤُهُ إيّاهمْ بِالسَّلامِ» (1).

إن أخلاق المؤمن التوازن في حياته الاقتصاديّة، فلا يسوّف عند الاقتار، ويتوسع عند السعة، كما أنّ أخلاق المؤمن إنصافه للناس حتّى من نفسه، فإنّ ذلك دليل على ورعه، ومن أخلاقه ابتداؤه بالسلام على الناس، فإنّه ينمّ عن حسن أخلاقه، وعدم تكبّره واستعلائه.

العصبيّة

سئل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن العصبية التي هي من أخلاق الجاهليّة، فقال : «الْعَصَبِيَّةُ الَّتي يَأْثَمُ عَلَيْها صاحِبُها أَنْ يَرَى الرَّجُلُ شِرارَ قَوْمِهِ خَيْراً مِنْ خِيَارِ قَوْمِ آخَرِينَ، وَلَيْسَ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يُحِبُّ الرَّجُلُ قَوْمَهُ، وَلَكِنْ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يُعِينَ قَوْمَهُ عَلَى الظُّلْمِ» (2).

لقد حدّد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) العصبيّة الرعناء التي يأثم صاحبها بهذا التحديد الرائع، وهو أن يرى الرجل شرار قومه ومجرميهم من خيار الناس وصلحائهم، وأن يعينهم على الظلم والبغي والاعتداء، فإنّ في ذلك تنكّراً للحقّ، وسحقاً للقيم، أمّا حبّ الإنسان لقومه فإنه ليس من العصبيّة في شيء.

الاتّقاء من الكذب

وكان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يحذر أبناءه من الكذب، ويقول لهم : «اتَّقُوا الْكِذْبَ، الصغيرَ مِنْهُ وَ الْكَبِيرَ، في كلّ جِدَّ وَهَزْلٍ، فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذا كَذَبَ في الصَّغِيرِ اجْتَرَأَ عَلَى الْكَبيرِ، أَما عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) قَالَ : مَا يَزالُ الْعَبْدُ يَصْدُقُ حَتَّىٰ يَكْتُبَهُ اللّه صِدِّيقاً، وَمَا يَزالُ


1) تحف العقول : 282.

2) أصول الكافي : 2 : 308، الحدیث 7.

الْعَبْدُ يَكْذِبُ حتّى يَكْتُبَهُ اللّه كَذَاباً» (1).

لقد حذّر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الكذب في كلّ شيء، لأنه من أفحش الجرائم وأكثرها مقتاً عند اللّه، كما أمر بالتحلي بالصدق لأنه مصدر لكل فضيلة وعنوان لكلّ شرف وكرامة.

التثبّت بالقول

ودعا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحابه إلى التثبّت في القول، وأن يكونوا على علم ممّا يقولونه، خيراً كان أو شرّاً. قال: «لَا يَقولُ رَجُلٌ في رَجُلٍ مِنَ الْخَيْرِ ما لَا يَعْلَمُ إِلَّا أَوْشَكَ أَنْ يُقالَ فِيهِ مِنَ الشَّرِّ ما لَا يَعْلَمُ» (2).

العفّة

وحثّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحابه على التحلّي بالعفّة، واعتبرها من أفضل أنواع العبادة، قال : «إِنَّ أَفْضَلَ الْعِبادَةِ عِفْةَ الْبَطْنِ وَالْفَرْج» (3).

القناعة

أمّا القناعة فإنّها من أسمى الصفات الإنسانيّة، فإذا تحلّى الإنسان بها فقد استراح من هموم الدنيا. قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيها : «مَنْ قَنَعَ بِما قَسَمَ اللّه فَهُوَ مِنْ أَغْنَى النَّاسِ» (4).

إنّ القناعة كنز لا يفنى، فمن قنع بما قسم اللّه فهو من أثرى الناس وأغناهم ومن


1) أصول الكافي : 2 : 338، الحدیث 2.

2) عيون الأخبار / ابن قتيبة : 1 : 275.

3) الاختصاص : 223.

4) الفصول المهمة / ابن الصباغ : 187. جمهرة الأولياء : 2 : 74. وسائل الشيعة : 11 : 304. تحف العقول : 278.

أعظمهم راحة، وأقلهم.هماً.

من منجيات المؤمن

وأدلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بما ينجي المؤمن، قال : «ثَلاثٌ مُنْجِياتٌ لِلْمُؤْمِنِ : كَفَّ لِسانِهِ عَنِ النَّاسِ وَاغْتِيابِهِمْ، وَإِشْغَالُهُ نَفْسَهُ بِما يَنْفَعُهُ لآخِرَتِهِ وَدُنْيَاهُ، وَطُولُ الْبُكاءِ عَلَى خَطِيئَتِهِ» (1).


1) تحف العقول : 282. الدر النظيم : 174.

من سنن وحكم الأنبياء

إشارة:

وقص الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على أصحابه مجموعة من سنن الأنبياء وحكمهم وقضإيّاهم ليهتدوا بسيرتهم ويستنيروا بسلوكهم، وفي ما يلي بعض ما أثر عنه :

وصيّة الخضر لموسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)

روى الزهري أنّ الإمام زين العابدين، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كانَ آخِرُ ما أَوْصى بهِ الْخَضِرُ لِمُوسَى بْنِ عِمْرانَ أَنَّهُ قالَ : لَا تُعَيِّرَنَّ أَحَداً بِذَنْبٍ، وَإِنَّ أَحَبَّ الْأُمورِ إِلَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ ثَلاثَةُ : الْقَصْدُ فِي الْجِدَّةِ، وَالْعَفْوَ فِي الْمَقْدِرَةِ، وَالرَّفْقُ بِعِبَادِ اللّه، وَمَا رَفَقَ أَحَدٌ بِأَحَدٍ فِي الدُّنْيا إِلَّا رَفَقَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَرَأْسُ الْحِكْمَةِ مَحَافَةُ اللّه» (1).

ما أروع معاني هذه الحكمة، وما أسمى مقاصدها، فقد أوصت بكلّ ما يسعد به الإنسان ويشرفه على كلّ كائن حي.

من وحى اللّه تعالى لموسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وحكى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأصحابه إحدى مناجاة اللّه تعالى مع نبيّه موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال :

«أَوْحَى اللّه إِلى مُوسَى : حَبِّبْني إِلى خَلْقِي، وَحَبِّبْ خَلْقِي إِلَيَّ

فَقالَ مُوسى : يا رَبِّ، كَيْفَ أَفْعَلُ ؟

قالَ : ذَكَّرْهُمْ آلانى وَنَعْمانى لِيُحِبّونى، فَلا تَرُدَّ أبقاً عَنْ بابي، أَوْ صَالاً عَنْ فِناني، إنَّ ذلِك أَفْضَلُ لَكَ مِنْ عِبادَةِ مائَةِ سَنَةٍ، يُصامُ نَهارُها، وَيُقامُ لَيْلُها.


1) الخصال : 106. الغايات : 19.

قالَ مُوسَى : مَنْ هَذَا الْعَبْدُ الآبِقُ مِنْكَ ؟

قالَ اللّه : الْمُتَمَرِّدُ.

قالَ : فَمَنِ الضَّالُ عَنْ فِنائِكَ ؟

قالَ : الْجاهِلُ بِإِمام زَمَانِهِ، وَالْغَائِبُ عَنْهُ بَعْدَ مَا عَرَفَهُ، الْجَاهِلُ بِشَرِيعَةِ دينِهِ، تَفعَرَّفُهُ شربَعَتَهُ، وضما يَعْبُدُ بِهِ رَبَّهُ تَعَالَى، وَيَتَوَصَّلُ بِهِ إِلى مَرْضاتِهِ» (1).

لقد حثّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذا الحديث الدعاة إلى اللّه تعالى على بذل المزيد من الجهود لإنقاذ الناس من معاصي اللّه، وترغيبهم في طاعته، وأن لا ينفروهم من ذلك، وإن عملهم في هذا السبيل من أفضل الطاعات وأحبّها اللّه.

حكمة في الإنجيل

ونقل الإمام لأصحابه حكمة مشرقة من حكم الإنجيل، قال : «مكتوب في الْإِنْجِيلِ الإنجيل : لَا تَطْلُبُوا عِلْمَ ما لَا تَعْمَلُونَ، وَلَمَا تَعْمَلُوا بِما عَلِمْتُمْ، فَإِنَّ الْعِلْمَ إذا لَمْ يُعْمَلْ بِهِ لَمْ يَزْدَدْ صاحِبُهُ إِلَّا كُفْراً، وَلَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللّه إِلَّا بُعْداً» (2).

لقد دعا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى العمل بالعلم، وأنه ليس من الحق في شيء أن يعلم الإنسان شيئاً ولا يعمل به، فإنّ ذلك لا يزيده إلا بعداً من اللّه.

موسى مع عابد

وحكى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأصحابه قصة موسى مع عابد، قال : «مَرَّ مُوسى بِرَجُلٍ رافِعٌ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ يَدْعو اللّه تَعَالَى فَعَابَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَرَآهُ رافِعَا يَدَهُ إِلَى


1) بحار الأنوار: 1: 71.

2) أصول الكافي : 1 : 44، الحديث 4.

السَّماءِ، فَقالَ مُوسَى : يَا رَبِّ، هذا عَبْدُكَ رافِعٌ يَدَهُ إِلَيْكَ يَسْأَلُكَ الْمَغْفِرَةَ مِنْذُ سَبْعَةِ أيّام لَا تَسْتَجِيبُ لَهُ ؟

فَأَوْحَى اللّه إِلَيْهِ : يا مُوسَى لَوْ دَعَانِي حتّى تَسْقُطَ يَداهُ، وَيَنْقَطِعَ لِسانُهُ مَا اسْتَجَبْتُ لَهُ حَتَّىٰ يَأْتِيَني مِنَ الْبابِ الَّذِي أَمَرْتُهُ بِهِ» (1).

أمّا هذا الحديث فيدعو كلّ إنسان يتوجه بعبادته إلى اللّه أن يسلك في طاعته من الأبواب التي عينها، ولا يتعثر في سلوكه وطريقه.

موسى مع اللّه تعالى

قال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ): سَأَلَ مُوسَى بْنُ عِمْرانَ رَبَّهُ تَعَالَى : مَنْ أَهْلُكَ الَّذينَ تُظِلُّهُمْ بِظِل عَرْشِكَ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّكَ ؟ فَأَوْحَى إِلَيْهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى : الطَّاهِرَةُ قُلوبُهُمْ، وَالتَّرِبَةُ أَيْديهِمْ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ جَلالي، وَالَّذِينَ يَكْتَفونَ بِطاعَتِي، كَما يَكْتَفِي الصَّغيرُ بِاللَّبَنِ، وَالَّذِينَ يَأْوُونَ إِلَى مَساجِدِي كَمَا تَأْوي النُّسورُ إِلى أَوْ كَارِها، وَالَّذِينَ يَغْضَبُونَ لِمَحارِمِي إذا اسْتَحِلَّتْ مِثْلُ النَّمِر إذا حَرَدَ» (2).

إنّ هذه الجماعة المؤمنة بربّها من خيرة البشر في طهارة قلوبها، وفي سلامة ضمائرها ونيّاتها، فقد اتجهت بقلوبها وعواطفها نحو اللّه لا ترى غيره، ولا تؤمن إلا : به، واللّه يجازيهم على ذلك فيظلّهم بظلّه، ويشملهم بلطفه، ويخصّهم بفضله.

وفاة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)

وروى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وفاة جدّه رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) وما رافقها من الأحداث، ونسوق نصّ


1) الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 202.

2) الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 202.

روايته.

روى الإمام جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، عن أبيه أبي جعفر، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «دَخَلَ عَلى أبي عليّ بن الحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) رَجِلانِ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ : أَلا أُخْبِرُكُما عَنْ رَسولِ اللّه ؟

فَقالا : بَلَى.

فَقالَ : سَمِعْتُ أَبي يَقولُ : كَانَ قَبْلَ وَفَاةِ النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) بِثَلَاثَةٍ هَبَطَ عَلَيْهِ جَبْرَئِيلُ، فَقَالَ : يا أَحْمَدُ، إِنَّ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَرْسَلَني إِلَيْكَ تَفْضِيلاً لَكَ، وَخاصَّةٌ لَكَ، يَسْأَلُكَ عَمَا هُوَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْكَ، يَقولُ : كَيْفَ تَجِدُكَ ؟

فَقالَ رَسولُ اللّه : أَجِدُني يا جِبْرِيلُ مَغْموماً، وَأَجِدُني يا جِبْرِيلُ مَكْرُوباً، فَلَمّا كانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ هَبَطَ جِبْرِيلُ وَمَلَك الْمَوْتُ وَهَبَطَ مَعَهُما مَلَكَ مِنَ الْهَواءِ يُقالُ لَهُ إِسْمَاعِيلُ عَلَى سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ، فَسَبَقَهُمْ جِبْرِيلُ، فَقالَ : يا محمّد، إِنَّ اللّه تَبَارَكَ وَتَعالَىٰ أَرْسَلَني إلَيْكَ إكراماً لَكَ وَتَفْضيلاً وَخاصَّةً لَكَ، يَسْأَلُكَ عَمَا هُوَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْكَ، يَقولُ : كَيْفَ تَجِدُكَ ؟

فَقالَ : يا جِبْرِيلُ، أَجِدُني مغموماً، وَأَجِدُنِي مَكْرُوباً.

وَاسْتَأْذَنَ مَلَكَ الْمَوْتُ عَلَى الْبابِ، فَقالَ جِبْرِيلُ : يا أَحْمَدُ، هذا مَلَكُ الْمَوْتُ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْكَ، لَمْ يَسْتَأْذِنْ عَلَى آدَمِيٌّ قَبْلَكَ، وَلَنْ يَسْتَأْذِنْ عَلَى آدَمِيٌّ بَعْدَكَ.

فَقالَ : إِنْذَنْ لَهُ، فَأَذِنَ لَهُ جِبْرِيلُ، فَأَقْبَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ : يا أَحْمَدُ، إِنَّ اللّه تَبارَكَ وَتَعَالَى أَرْسَلَني إِلَيْكَ وَأَمَرَنِي أَنْ أُطِيعَكَ في ما أَمَرْتَنِي، إِنْ أَمَرْتَنِي أَنْ أَقْبِضَ نَفْسَكَ قَبَضْتُها، وَإِنْ كَرِهْتَ تَرَكْتُها.

فَقالَ النبيّ : يا مَلَكَ الْمَوْتُ، أَتَفْعَلُ ذلِكَ ؟

فَقالَ : نَعَمْ، أُمِرْتُ أَنْ أَطيعك في ما أَمَرْتَني بِهِ.

فَقالَ جِبْرِيلُ : يا أَحْمَدُ، إِنَّ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ قَدِ اشْتَاقَ إِلَىٰ لِقَائِكَ.

فَقالَ النبيّ : يا مَلَكَ الْمَوْتِ، إِمْضِ لِما أُمِرْتَ بِهِ

فَقالَ جِبْرِيلُ : يا أَحْمَدُ، هذا آخِرُ وَطأتي الأَرْضَ، إِنَّمَا كُنْتَ أَنْتَ حَاجَتِي مِنَ الدُّنْيا.

فَلَمّا تُوفِّيَ النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) جاءَتْهُمُ التَّعْزِيَةُ، جاءَهُمْ آتِ يَسْمَعُونَ حِسُّهُ، وَلَا يَرَوْنَ شَخْصَهُ، فَقالَ : السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللّه وَبَرَكاتُهُ «كلّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (1).

إِنَّ فِي اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَزَاءً مِنْ كلّ مُصيبَةٍ، وَخَلَفاً مِنْ كلّ هَالِكِ، وَدَرَكاً مِنْ كلّ فائِتٍ، فَبِاللّه ثِقوا، وَإيّاه فَارْجوا، فَإِنَّ الْمُصابَ مَنْ حُرِمَ الثَّوابُ، وَالسَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللّه وَبَرَكاتُهُ.

قالَ جَعْفَرٌ : قالَ أَبي : قالَ عَلِيٌّ : أَتَدْرُونَ مَنْ هذا ؟

هذا هو الخضر» (2).

وبهذا ينتهي الحديث عن بعض البوادر من سنن الأنبياء وحكمهم التي نقلها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أصحابه وتلاميذه.


1) آل عمران 3: 185.

2) التشوّف إلى رجال التصوّف / يوسف التالي : 31 و 32.

الولاء لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)

إشارة:

وأكد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ضرورة الولاء والمودّة لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، واعتبر ذلك عنصراً مهمّاً من عناصر الإسلام، فقد قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأبي حمزة الثمالي : أَيُّ الْبِقاعِ أَفْضَلُ ؟

وحار أبو حمزة في الجواب، فقال : اللّه ورسوله أعلم.

فأجابه (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّ أَفْضَلَ الْبِقاعِ ما بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقامِ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلاً عُمر ما عُمرَ نوح في قَوْمِهِ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً، يَصومُ النَّهارَ، وَيَقومُ اللَّيْلَ في ذلِكَ الْمَوْضِع، ثُمَّ لَقِيَ اللّه بِغَيْرِ وَلا يَتِنا لَمْ يَنْفَعُهُ ذلِكَ شَيْئاً» (1).

لقد تواترت الأخبار عن الرسول الأعظم (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) وأوصيائه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) في أن ولاية الأئمّة ضرورة إسلاميّة يسأل عنها المسلم في يوم حشره ونشره، ويحاسب عليها كما يحاسب على سائر الواجبات الإسلاميّة، وقد ذهب بعض العلماء إلى أنّها شرط في صحة العمل، لا في قبوله، كشرائط الصحّة في الواجبات.

وعلى أي حال، فقد ذكر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث آخر ما يظفر به محبّو أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) من الأجر الجزيل في دار الآخرة والدنيا، فقد وفد عليه جماعة من شيعته عائدين إيّاه، قالوا له : كيف أصبحت يابن رسول اللّه ؟

فأجابهم الإمام بلطف : في عافِيَةٍ، وَاللّه الْمَحْمودُ عَلى ذلِكَ، وَكَيْفَ أَصْبَحْتُمْ أَنتُمْ جَميعاً ؟

فانبروا قائلين : أصبحنا واللّه لك محبّين.

فبشّرهم بما يظفرون به من الجزاء الأوفى عند اللّه قائلاً : مَنْ أَحَبَّنا للّه أَدْخَلَهُ اللّه


1) الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 202.

ظِلَا ظَليلاً يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، وَمَنْ أَحَبَّنا يُريدُ مُكافَأَتَنا كَافَاهُ اللّه عَنَا الْجَنَّةَ، وَمَنْ أَحَبَّنا لِغَرَضِ دُنْيَاهُ آتَاهُ اللّه رِزْقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ» (1).

حقّ النبيّ وعليّ

وأدلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث له عن الحقوق العظيمة للنبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) والوصيّه وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على هذه الأُمّة.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): وإِنْ كانَ الْأَبْوانِ عَظُمَ حَقَّهُما عَلَى أَوْلادِهِما لإِحْسَانِهِما إِلَيْهِمْ، فَإِحْسَانُ محمّد وَعَلِيٌّ صَلَواتُ اللّه عَلَيْهِما وَعَلَى أَبْنَائِهِما إلى هذه الأُمّة أَجَلُّ وَأَعْظَمُ، فَهُما أَحَقُّ أَنْ يَكونا أَبَوَيْهما» (2).

إن للنبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) ولوصيّه من الحقوق على هذه الأُمّة ما هو أعظم بكثير من حقوق الآباء، فقد حرّرا إرادة الأُمّة وأنقذاها من العبوديّة وظلمات الجهل، ومنحاها الحياة الحرّة الكريمة، ولكن من المؤسف أنّ هذه الأُمّة لم تشكر ألطافهما، فقد عمدت إلى إقصاء العترة الطاهرة عن مراكز الحكم والقيادة، وعمد حكامها إلى إبادتها بشكل رهيب في صعيد كربلاء.

يقول الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : كانَ رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) مُكَفِّراً لَا يُشْكَرُ مَعْروفُهُ، وَلَقَدْ كانَ مَعْرُوفُهُ عَلَى الْفَرَشِيِّ وَالْعَرَبِيَّ وَالْعَجَمِيٌّ، وَمَنْ كَانَ أَعْظَمُ مَعْرُوفاً مِنْ رَسُولِ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) عَلى هذَا الْخَلْقِ ؟ وَكَذلِكَ نَحْنُ أَهْلُ الْبَيْت مُكَفِّرونَ لَا يُشْكَرُ مَعْرُوفُنا» (3).


1) الفصول المهمّة / ابن الصبّاغ : 192. الصراط السوي : 193.

2) الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 202.

3) الوافي : 3 : 133.

سيادة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)

سأل رجل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال له : بماذا فضلتم على الناس جميعاً وسدتموهم ؟

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): اعْلَمْ أَنَّ أَناساً جَمِيعاً لَا يَخْلُونَ مِنْ أَحَدٍ ثَلاثَةٍ : أَمَا رَجُلٌ أَسْلَمَ عَلَى أَيْدِينا فَهُوَ مَوْلى لَنا، يَرْجِعُ إِلَيْنا وَلاؤُهُ فَنَحْنُ سَادَتْهُ، وَأَمَا رَجُلٌ قَاتَلْناهُ فَقَتَلْنَاهُ فَمَضَى إِلَى النّارِ، وَبَقِيَ مالُهُ مَغْنَماً لَنا، وَإِمَا رَجُلٌ أَخَذْنا مِنْهُ جَزْيَتَهُ وَهُوَ صاغِرٌ، وَلَا رابعَ، فَأَيُّ فَضْلٍ لَمْ نُحِزْهُ، وَشَرَفٍ لَمْ نَحْصَلْهُ ؟» (1).

أكبر الظنّ أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إنّما ساق حديثه هذا إلى شخص لا يقرّ بفضل أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ولا يؤمن بسيادتهم المطلقة على جميع هذه الأُمّة، هذا وإنّ لهم من الفضل والمواهب ما لا يحصى، وحسبهم فخراً أنّ اللّه أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وفرض مودتهم على جميع الأُمّة، وقرنهم الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) بمحكم التنزيل، وجعلهم سفن النجاة وأمن العباد.


1) غرر الآثار ودرر الآثار / الديلمي : 80، مخطوط في مكتبة السيّد الحكيم (قدّس سرّه)، التسلسل 549.

روائع الحكم القصار

أما حكم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) القصار فإنّها تمثّل الإبداع، وتطوّر الفكر، وأصالة الرأي، وتحكي خلاصة التجارب التي ظفر بها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حياته، وهي لا تقتصر على جانب خاص من جوانب الحياة، وإنما كانت شاملة لجميع مناحيها، لقد نظر الإمام الحكيم بعمق وشمول إلى جميع شؤون الناس، فوضع الحلول الحاسمة لجميع قضإيّاه وشؤونه، وفي ما يلي بعض ما أثر عنه من غرر الحكم والآداب :

1 - قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيا» (1).

ما أروع هذه الكلمة، فقد حكت واقع الأحرار الذين هانت عليهم الدنيا في سبيل كرامتهم وعزّتهم، فلم يخضعوا للذل والهوان، وكان على رأسهم أبو الأحرار وسيد الشهداء الذي كرمت عليه نفسه فاستهان بالدنيا، فلم يصانع الظالمين، ولم يخضع لجبروتهم، وحمل راية الكرامة الإنسانية، حتّى استشهد وهو مرفوع الرأس موفور الكرامة.

2 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):«الْخَيْرُ كُلُّهُ فِي صِيانَةُ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ» (2).

إنّ الخير بجميع رحابه ومفاهيمه في صيانة الإنسان لنفسه من المعاصي والذنوب والآثام التي تهبط به إلى واد سحيق ليس له قرار.

3 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):«ما أُحِبُّ الْمُؤْمِنَ مُعافى في الدُّنْيا، وَفِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَلَا يُصابُ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَصائِبِ» (3).


1) تحف العقول : 278.

2) تحف العقول : 278.

3) التمحيص : 81: 32، الحدیث 12.

إنّ ما يصاب به المؤمن في هذه الدنيا من الخطوب والنكبات يكون كفارة لما اقترفه من الذنوب كما يكون زيادة في حسناته، ومن الطبيعي أن يحرم من ذلك إذا لم يصب بمصائب الدنيا.

4 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ضَلَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ حَلِيمٌ يُرْشِدُهُ، وَذِلَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ سَفية يَعْضُدُهُ» (1).

إنّ الإنسان إذا لم يكن له حليم يرشده في مهمات أموره، ومعضلات شؤونه، تعثّر في خطاه، وانساب في متاهات سحيقة من مجاهل هذه الحياة، كما أنّه إذا لم يكن له سفيه يعضده، ويذبّ عنه فقد تعرّض للذل والهوان

5 - (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَيْلٌ لِمَنْ غَلَبَتْ أَحادَهُ أَعْشَارَهُ.

وسأل هشام بن سالم الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن معنى هذا الحديث، فقال أَما سَمِعْتَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ : «مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا» (2)، فَالْحَسَنَةُ الْواحِدَةُ إِذا عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْراً، وَالسَّيِّئَةُ الْواحِدَةُ إِذا عَمِلَها كُتِبَتْ لَهُ واحِدَةٌ، فَنَعوذُ بِاللّه ممّن يَرْتَكِبُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ عَشْرَ سَيِّئاتِ، وَلَا تَكونُ لَهُ حَسَنَةٌ وَاحِدَةٌ فَتَغْلِبَ حَسَناتِهِ سَيِّئَاتُهُ» (3).

6 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «اللَّئيمُ يَأْكُلُ مالَهُ الأعْداءُ، وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً» (4).

إنّ اللئيم هو الذي يضنّ بماله، فلا يسعف به فقيراً ولا يعين به مسكيناً، فإنّ اللّه


1) الاتحاف بحبّ الأشراف : 75.

2) الأنعام 6: 160.

3) معاني الأخبار : 348، الحديث 1.

4) نزهة الناظر : 32، الحديث 16.

تعالى يحرمه منه، ويسلّط عليه أعداءه، فينعمون بأمواله، وهو قد تحمّل أوزارها.

7 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ الْجَسَدَ إِذا لَمْ يَمْرَضٌ يَأْشُرُ (1)، وَلَا خَيْرَ في جَسَدٍ يَأْشُرُ» (2).

إنّ الإنسان إذا كان في جميع فترات حياته يتمتّع بصحةٍ جيّدة، ولم تلسعه الأمراض، فإنّه من الطبيعي يكون في بطر وكفران للنعمة، ولا خير في جسد يكون كذلك.

8 -قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «عَلَيْكُمْ بِأَداءِ الأَمانَةِ، فَوَالَّذِي بَعَثَ محمّداً بِالْحَقِّ نَبِيَا لَوْ أَنَّ قاتِلَ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ائْتَمَنَنِي عَلَى السَّيْفِ الَّذِي قَتَلَهُ بِهِ لأَدَّيْتُهُ إِلَيْهِ» (3).

إنّ أداء الأمانة من أبرز الصفات التي ألزم بها الإسلام، واعتبرها عنصراً مهماً في خلق الإنسان المسلم، فمن يخن أمانته ليس من الإسلام في شيء.

9 – قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَفْضَلُ الْأَعْمالِ عِنْدَ اللّه ما عُمِلَ بالسُّنَّةِ» (4).

إنّ من يعمل بالسنّة فقد طبّق الإسلام على واقع حياته، ومنهج سلوكه، ومن الطبيعي أنّ ذلك من أفضل الأعمال وأحبّها للّه.

10 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَقَدْ اسْتَرَقُكَ بِالْوُد مَنْ سَبَقَكَ بِالشُّكْرِ» (5).

إنّ من سبق بالشكر على الإحسان الذي أسدي إليه، فقد استرقّ قلب المحسن إليه بالولاء والودّ.


1) يأشر : أي يبطر.

2) حلية الأولياء : 3 : 134. تذكرة الحفاظ : 1: 71.

3) دار السلام / النوري : 2 : 140.

4) الوافي : 1 : 67. الإمام زین العابدین : 219.

5) نهاية الإرب في فنون الأدب : 21 : 331.

11 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):«لَا يَكونُ الصَّديق صديقاً حتّى يَقْطَعَ لأَخِيهِ الْمُؤْمِن قِطْعَةٌ مِنْ دينِهِ يَرْقَعُها بِالْإِسْتِغْفارِ» (1).

إنّ الصداقة الخالصة في الإسلام هي التي تقوم على المحبة والاخوّة في اللّه، ومن مستلزماتها حسب هذا الحديث أن يقوم الصديق بالاستغفار لصديقه.

12 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ضَمِنْتُ عَلَى رَبِّي أَنَّهُ لَا يَسْأَلُ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَّا اضْطَرَّتْهُ الْمَسْأَلَهُ يَوْماً إِلى أَنْ يَسْأَلَ مِنْ حاجَةٍ» (2).

إنّ السؤال من غير حاجة دليل على ضعف النفس وفقرها، وإن اللّه تعالى ليبلي هذا السائل بالبؤس والفقر فيضطر إلى السؤال.

13 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إيّاك وَما تَعْتَذِرُ مِنْهُ» (3).

لقد حذّر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من اقتراف أي عمل يوجب الاعتذار منه، ومن الطبيعي أنّ ذلك سمت للعمل القبيح.

14 - قال(عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ اللّه جَلَّ جَلالُهُ يَقولُ : وَعِزَّتِي وَعَظَمَتِي وَجَمالي وَبَهائي وَعُلُوّي، وَارْتِفاع مَكاني، لَا يُؤْثِرُ عَبْدٌ هَوايَ عَلى هَواهُ إِلَّا جَعَلْتُ هَمَّهُ فِي آخِرَتِهِ، وَغِناهُ في قَلْبِهِ، وَكَفَفْتُ عَنْهُ ضَيْعَتَهُ، وَضَمِنَتِ السَّمواتُ وَالْأَرْضُ رِزْقَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيا وَهِيَ راغِمَةٌ» (4).

إنّ اللّه تعالى يحب العبد المؤمن الذي يؤثر طاعته على كلّ شيء، ولا ينقاد لهواه


1) بهجة المجالس وأنس المجالس : 1 : 685.

2) وسائل الشيعة 6: 305.

3) كشف الغمّة : 2 : 320.

4) وسائل الشيعة : 11 : 222.

ورغباته النفسيّة، وأنّه تعالى ليمنحه ألطافه ونعمه في الدنيا والآخرة.

15 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «رُبَّ مَغْرُورٍ مَفتون يُصْبِحُ لاهِياً ضاحكاً، يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، وَهُوَ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ قَدْ سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللّه سَخَطَةٌ، يُصْلَى بِها نَارَ جَهَنَّمَ» (1).

لقد حذّر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الغرور واللهو، وعدم المبالاة في معاصي اللّه، وهو لا يأمن من أنّ اللّه تعالى قد سخط عليه، وكتبه من أهل النار وهي الحياة الدائمة الشقيّة.

16 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «سُبْحانَ مَنْ جَعَلَ الْإِعْتِرافَ بِالنِّعْمَةِ لَهُ حَمْداً، سُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ الْإِعْتِرافَ بِالْعَجْزِ عَنِ الشُّكْرِ شُكْراً» (2).

إنّ الاعتراف بنعم اللّه تعالى وألطافه هو حقيقة الحمد له تعالى، كما أن الاعتراف بالعجز عن شكره هو واقع الشكر.

17 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ عَتَبَ عَلَى الزَّمانِ طالَتْ مَعْتَبَتُهُ» (3).

حقاً أنّ من يعتب على الزمان يطول عتابه له، وذلك لكثرة خطوبه ونكباته ومآسيه، خصوصاً مع الأحرار، فإنّ ضرباته لهم متلاحقة، وقسوته معهم مستمرة.

18 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «طَلَبُ الْحَوَائِجِ إِلَى النَّاسِ مَذَلَّةٌ لِلْحَياةِ، وَمَذْهَبَةٌ لِلْحَياءِ، وَاسْتِخْفافٌ بِالْوَقارِ، وَهُوَ الْفَقْرُ الْحاضِرُ، وَقِلَّةُ طَلَبِ الْحَوَائِجِ مِنَ النَّاسِ هُوَ الْغَنَى الحاضِرُ» (4).


1) تحف العقول : 282.

2) تحف العقول : 283.

3) أمالي الصدوق : 530. بحار الأنوار: 51 : 250.

4) تحف العقول : 279.

من المؤكّد أنّ الخضوع للناس، وطلب ما في أيديهم ممّا يوجب الذل والهوان وذهاب الحياء، وهو دليل على فقر النفس وضعفها، فإنّ الشخص العزيز هو الذي يصون نفسه، ويصون كرامته، ولا يطلب من أحد سوى ربّه.

19 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ما اسْتَغْنى أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا افْتَقَرَ النّاسُ إِلَيْهِ» (1).

إنَّ مَن يستغني بماله أو بعلمه فإنّ الناس تفتقر إليه، ولا تستغني عنه

20 - قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْكَرِيمُ يَبْتَهِجُ بِفَضْلِهِ، وَاللَّنِيمُ يَفْتَخِرُ بِمُلْكِهِ» (2).

لقد حكت هذه الكلمة واقع الكريم واللئيم، فالكريم يبتهج ويفخر بما يسديه إلى الناس من فضل وإحسان، أما اللئيم فهو يفخر بما يملكه من الأموال والأمتعة التي يؤول أمرها إلى التراب، إذ ليست له أية صفة شريفة أو نزعة كريمة حتّى يعتز ويفخر بها.

20 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «اسْتَح مِنَ اللّه لِقُرْبِهِ مِنْكَ» (3).

لقد دعا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الخوف من اللّه تعالى، وذلك لقدرته تعالى على جميع عباده، فإنّ جميع الموجودات والكائنات خاضعة لإرادته وتحت قبضته يتصرف فيها كيفما يشاء.

22 - قال: «لَا تُعادِيَنَّ أَحَداً، وَإِنْ ظَنَنْتَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّكَ» (4).

إنّه ليس من الحكمة ولا من المنطق في شيء أن يعادي الإنسان أي أحد كان،


1) بحار الأنوار 78: 161، الحديث 68. نزهة الناظر : 92، الحدیث 19.

2) بحار الأنوار :78: 143، الحديث 5.

3) إثنا عشر رسالة للمحقق الداماد : 4: 95.

4) بحار الأنوار: 71 180، الحدیث 28. نهج السعادة : 7: 410.

وإن ظنّ أنّه لا يضره، فإنّ الرشيد هو الذي يجذب القلوب إليه، ولا يدع أحداً يحقد عليه ويبغضه.

23 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَا تَزْهَدَنَّ فِي صَداقَةِ أَحَدٍ، وَإِنْ ظَنَنْتَ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْري مَتى تَرْجُو صَديقَكَ» (1).

إنّ من الحكمة ووفور العقل أن لا يزهد الإنسان في صداقة أي أحد لأنه لا يأمن أن يأتي عليه وقت يكون في حاجة إلى مناصرته ومساعدته.

24 - قال(عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنِ اتَّكَلَ عَلَى حُسْنِ اخْتِيارِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ لَهُ لَمْ يَتَمَنَّ غَيْرَ الْحالَةِ الَّتِي اخْتارَها اللّه لَهُ» (2).

إنّ من واقع الإيمان الاتكال على حسن اختيار اللّه، والرضا بقضائه، فإنّ من يؤمن بذلك ويطبقه على واقع حياته يكون من أسعد الناس، ومن أكثرهم راحة واستقراراً في عوالمه النفسيّة.

25 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَا يَعْتَذِرُ إِلَيْكَ أَحَدُ إِلَّا قَبِلْتَ عُذْرَهُ، وَإِنْ عَلِمْتَ أَنَّهُ كَاذِبٌ» (3).

إنّ من مكارم الأخلاق قبول عذر المسيء، وعدم مقابلته بالمثل، فإنّ في ذلك جمعاً للكلمة واجتناباً للفرقة.

26 – قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لِيَقِلُ عَيْبُ النَّاسِ عَلى لِسانِكَ» (4).

من الآداب الإسلاميّة الرفيعة تنزيه اللسان على ذكر عيوب الناس، وعدم ذكرهم


1) بحار الأنوار: 74 : 180، الحديث.28 نزهة الناظر : 89، الحديث 3.

2) بحار الأنوار: 78: 142، الحديث 5. نزهة الناظر: 94، الحديث 27.

3) الدرة الباهرة: 30.

4) بحار الأنوار 75: 261. نزهة الناظر : 89، الحديث 3.

إلا بخير.

27 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَاسْتَعِنْ عَلَى الْكَلام بِالسُّكوتِ، فَإِنَّ لِلْقَوْلِ حالاتٍ تَضُرُّ» (1).

لقد أوصى الإمام الحكيم بالسكوت وعدم الكلام في ما لا يعني الإنسان في أمر دينه ودنياه، فإنّ للكلام حالات مضرّة ومهلكة في كثير من الأحيان.

28 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَن رَمَى النَّاسَ بِما هُمْ فيه رَمَوهُ بِما لَيْسَ فيه» (2).

إنّ من يتعرّض لذكر الناس بسوء وإن اتصفوا به، فإنّهم يلصقون به من الصفات السيّئة ما ليس فيه.

29 - قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «خَيْرُ مَفاتيح الأُمورِ الصَّدْقُ، وَخَيْرُ خَواتيمها الْوَفاءُ» (3).

لقد أكد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على لزوم التحلّي بالصدق والوفاء، فإنّهما من أسمى الصفات التي يشرف بها هذا الإنسان.

30 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «صَلاةُ الْفَرِيضَةِ هِيَ الْمِلَّةَ» (4).

إنّ الالتزام بأداء الصلاة المفروضة إقرار وتدين بملة الإسلام التي تعتبر الصلاة العلامة المؤشّرة على الإسلام، والفارقة بين المسلم والكافر.

31 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «شَهادَةً أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه هِيَ الْفِطْرَةُ» (5).

إنّ الإيمان باللّه والإقرار بوحدانيته هما الفطرة التي فطر عليها الإنسان


1) بحار الأنوار: 78: 161، الحدیث 21.

2) بحار الأنوار :75: 261، الحديث 65.

3) بحار الأنوار: 78 : 161، الحديث.21 نزهة الناظر : 93، الحديث 21.

4) نزهة الناظر : 89، الحديث 4.

5) نزهة الناظر : 89، الحديث 4.

وإنّما يخرج عنها بالتربية الضالة، والبيئة المنحرفة، فهما اللذان يهلكانه ويصدّانه عن الطريق القويم.

32 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «طَاعَةُ اللّه هِيَ الْعِصْمَةُ» (1).

إنّ طاعة اللّه تعالى، واجتناب معاصيه هما العصمة من الشيطان والطهارة من الدنس والرجس.

33 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَا يَهْلِكُ مُؤْمِنٌ بَيْنَ ثَلاثِ خِصَالٍ : شَهادَةً أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وَشَفاعَةُ محمّد (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، وَسَعَةُ رَحْمَةِ اللّه» (2).

إنّ هذه الخصال إذا دان بها المؤمن، فإنّها تقربه إلى اللّه زلفى، وتبلغ به إلى ساحات رحمته ورضوانه، أمّا شهادة التوحيد فإنّها تخرجه من ظلمات الكفر، وأمّا شفاعة الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) فإنها تنقذه من الجحيم، وأما سعة رحمته فإنها قد وسعت كلّ شيء لدرجة تتطامن (3)إليها أعناق العتاة العصاة يوم القيامة.

34 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وإذا تَكَلَّفْتَ عَناءَ (4)النَّاسِ كُنْتُ أَغْواهُمْ» (5).

إن من يتكلف لعناء الناس وقضاء حوائجهم لا بقصد القربة إلى اللّه، وإنّما لدواع بعيدة عن الأهداف الخيرة، فإنّه يكون من أغوى الناس ومن أكثرهم جهلاً.


1) نزهة الناظر وتنبيه الخاطر : 89، الحديث 4.

2) كشف الغمّة : 2 : 320 نزهة الناظر : 89، الحديث 1، وأورد ابن حمدون في تذكرته : 107، وبحار الأنوار: 78: 159.

3) تشرئب وتتطاول، وقد ورد في الحديث النبوي الشريف حول هذا المقطع : «إِنَّ للّه رَحْمَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ يَتَطَامَنُ إِلَيْهَا إِبْلِيسُ بِعُنُقِهِ»، وقد أشرنا في تعليقنا على الحديث رقم 46.

4) الأفضل : «عداء».

5) نزهة الناظر : 90، الحديث.7.

35 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «عَجِبْتُ ممّن يَحْتَمِي مِنَ الطَّعَامِ لِمَضَرَّتِهِ، وَلَا يَحْتَمِي مِنَ الذَّنْبِ لِمَعَرَّتِهِ (1)» (2).

إنّ الحمية من الذنوب وما يلحقها من عار، والفرار من المعاصي وما يليها من تبعات أولى من الحمية من الطعام المضرّ، لأنّ الذنب يجر الويل والشقاء في دار الآخرة التي هي دار الخلود والبقاء.

36 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِذا صَلَّيْتَ فَصَلِّ صَلاةَ مُوَدِّع» (3).

لقد دعا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى التوجّه والإقبال الخالص في أداء الصلاة، وأنه ينبغي للمسلم أن يؤدّيها كصلاة مودع للحياة.

37 – قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لِكُلِّ شَيْءٍ فَاكِهَةٌ، وَفاكِهَةُ السَّمْعِ الْكَلامُ الْحَسَنُ» (4).

إنّ الكلام الطيّب هو من أثمن ما يلقى على السمع، وهو فاكهته بل وفاكهة الحياة أيضاً.

38 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «سَبَبُ الرِّفْعَةِ التَّواضُع» (5).

إن الإنسان إنّما يسمو ويرتفع شأنه إذا كان متواضعاً، دمث الأخلاق، وبذلك يسود غيره.

39 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «اللجاجَةُ مَقْرونَةٌ بِالْجَهالَةِ» (6).


1) المعرّة : الإثم والمساءة، والأذى والخيانة.

2) بحار الأنوار 78: 159، الحديث 159.

3) بحار الأنوار: 78: 160، الحدیث 21 نزهة الناظر : 90، الحديث 10. كشف الغمّة: 2: 319.

4) نزهة الناظر : 91، الحدیث 12.

5) نزهة الناظر : 91، الحديث 14.

6) نزهة الناظر : 91، الحديث 14.

إنّ اللجاجة في الأمور تنشأ من الجهالة، وضيق الفكر، وعدم استيعابه لواقع الأمور التي مجرياتها بيد اللّه تعالى.

40 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كُلُّكُمْ سَبَصِيرُ حَديثاً، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَكُونَ حَسَناً فَلْيَفْعَلْ» (1).

لقد نظم هذه الكلمة الذهبية ابن دريد بقوله :

وَإِنَّما الْمَرْهُ حَديثُ بَعدَهُ***فَكُنْ حَديثاً حَسَناً لِمَنْ وَعَى

41 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْحَسودُ لَا يَنالُ شَرَفاً، وَالْحَقودُ يَموتُ كَمَداً» (2).

إنّ الحسد داء خبيث قد ألقى الناس في شرّ عظيم، فمن ابتلي به فقد فقد معالي الأخلاق، وفارق كلّ صفة شريفة، كما أنّ الحقود على الناس يموت كمداً وغيظاً حينما يرى نعم اللّه التي يسديها إلى الناس.

42 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَقْدُ الْأَحِبَّةِ غُرْبَةٌ» (3).

إنّ فقد الأحبّة من أقسى النكبات التي تدهم الإنسان، فإنه يبقى غريباً تطارده الهموم والآلام.

43 - قال: «الرَّضا بِمَكْرُوهِ الْقَضاءِ أَرْفَعُ دَرَجاتِ الْيَقِينِ (4).

إنّ من يرضى بما قسم اللّه له، وما كتبه عليه من الأحداث المذهلة فلا يجزع ولا يفزع، ويكون في راحة واستقرار نفسيين، إنّه من المتقين الذين فوضوا إليه


1) تاريخ اليعقوبي : 2: 304.

2) نزهة الناظر : 92، الحديث 16.

3) تاريخ مدينة دمشق : 41 : 409. سير أعلام النبلاء : 4 : 396. البداية والنهاية / ابن كثير : 9: 132 كشف الغمّة : 2 : 287 و 314.

4) تحف العقول : 278.

تعالى أمورهم، ورضوا بقضائه وحكمه.

44 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «نَظَرُ الْمُؤْمِنُ فِي وَجْهِ أَخِيهِ الْمُؤْمِن لِلْمَوَدَّةِ وَالْمَحَبَّةِ عِبادَةٌ» (1).

إنّ الإسلام حثّ على المحبة والألفة، وحرّم الاختلاف والفرقة، ومن الطبيعي أنّ نظر المؤمن إلى أخيه المؤمن بلطف وعطف، ممّا يوجب شيوع المحبة، وتوثيق الصلة بين المسلمين، وهو من أفضل أنواع العبادة في الإسلام.

45 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وإذا النّاجِرانِ صَدَقا وَبَرًا، بُورِكَ لَهُما، وَإِذا كَذِبًا وَخانَا لَمْ يُبَارَكْ لَهُما» (2).

إنّ من منمّيات التجارة الصدق في المعاملة، والبرّ بالناس، فإذا اتصف بهما التاجر بارك اللّه في سعيه، وزاد في رزقه، وإذا شذ عنهما وسلك الطريق الملتوية، فإنّ نصيبه يكون الخسران.

46 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِذا نَصَحَ الْعَبْدُ للّه فِي سِرِّهِ أَطْلَعَهُ عَلَىٰ مَسَاوِيٌّ عَمَلِهِ، فَتَشَاغَلَ بِذُنوبِهِ عَنْ مَعايبِ النَّاسِ» (3)

إنّ الإنسان إذا خاف اللّه في سرّه، واجتنب معاصيه، فإنّ اللّه تعالى يفيض عليه بألطافه التي منها أنّه يطلعه على مساوئ عمله، ويشغله بذلك عن ذكر معايب الناس، لينجو من تبعات غيبتهم التي هي من أفحش الذنوب.

47 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «للدّابَّةِ عَلى صاحِبِها سِنُّ خِصَالٍ : يَبْدَأُ بَعَلَفِهَا إِذا نَزَلَ، وَيَعْرِضُ


1) تحف العقول : 282.

2) الحديث عن النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)، روي في : الكافي : 5 : 174، الحدیث 2. الخصال : 45، الحديث 42. تهذيب الأحكام : 7 : 26، الحديث 110. بحار الأنوار: 100: 95، الحديث 14.

3) بحار الأنوار : 78: 153، الحديث 17. إعلام الورى بأعلام الهدى : 1: 489.

عَلَيْها الْمَاءَ إِذا مَرَّ بِهِ، وَلَا يَضْرِبُها إِلَّا عَلى حَقٌّ، وَلَا يُحَمِّلُها إِلَّا ما تُطيقُ، وَلَا يُكَلِّفُها مِنَ السَّيْر إلَّا طاقتها، وَلَا يَقِفُ عَلَيْها فَواق (1)» (2).

وأعلن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا الحديث حقوق الحيوان على صاحبه، وقد حفلت بالرحمة والرأفة والمداراة الكاملة له، ولم تشرّع المنظمات التي أسست للرفق بالحيوان مثل هذه الحقوق.

48 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَقْرَبُ ما يَكونُ الْعَبْدُ مِنْ غَضَبِ اللّه إِذا غَضِبَ» (3).

إنّ الغضب ممّا يوجب هلاك الإنسان، ويخرجه عن توازنه، ويلقيه في شرّ عظيم، وإن أكثر الجرائم فظاعة القتل، وإنّما يقترف على الأكثر في حال الغضب وهو ممّا يوجب غضب اللّه ومقته للعبد.

49 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِذا قَدِرْتَ عَلَى عَدُوكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ شُكْراً لِلْمَقْدِرَةِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَفْوَ عَنْ قُدْرَةٍ فَضْلٌ مِنَ الْكَرَمِ» (4).

إنّ العفو عند المقدرة دليل على شرف النفس وسعة حلمها، وهو ضرب من الكرم والسخاء، وأمّا الانتقام فإنّه ينمّ عن اللؤم والخسّة وضيق النفس.

50 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إيّاكمْ وَصُحْبَةَ العاصينَ، وَمَعونَةَ الظَّالِمِينَ» (5).

لقد حذّر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من صحبة العاصين لأنّ لها تأثيراً على سلوك الشخص،


1) الفواق - بضمّ الفاء وفتحها - : ما بين الحلبتين من الوقت.

2) النوادر / الراوندي : 120، الحديث 129، بحار الأنوار: 64: 210، الحديث 16.

3) بلاغة الإمام عليّ بن الحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) : 167، الحديث 86. إرشاد القلوب : 1: 83.

4) أورد صدر الحديث عن أمير المؤمنين علىّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ابن الدمشقي في جواهر المطالب : 2 : 14، الحديث 4.

5) الأمالي / المفيد : 203. تحف العقول : 255. بحار الأنوار: 78: 150، الحديث 11.

وانحرافه عن الطريق القويم، فإنّ الحياة الاجتماعيّة حياة تأثير وتأثر، كما يقول علماء الاجتماع، كما حذر الإمام من معونة الظالمين لأن فيها نشراً للجور، ومساعدة على تعميم الظلم.

51 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الرِّزْقُ الْحَلالَ قُوتُ الْمُصْطَفَينَ» (1).

إنّ الرزق الحلال الذي يكون من الوسائل المشروعة هو قوت الأخيار والمصطفين الذين يتحرّجون كأشدّ ما يكون التحرّج في مكاسبهم ومعاشهم فلا يأكلون إلّا الحلال الطيّب، ويمتنعون عما حرّمه اللّه.

52 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَيْسَ لَكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ بِما شِئْتَ لأَنَّ اللّه تَعَالَى يَقولُ : «وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» وَلَيْسَ لَكَ أَنْ تَسْمَعَ ما شِئْتَ لأَنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ: «إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كلّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً» (2)» (3).

لقد حدّد الإسلام الكلام السائغ الذي يتلفظ به الإنسان وذلك في ما يرجع إلى تدبير شؤون الإنسان في معاملاته، وسائر أغراضه الأخرى المباحة، أما الكلام الذي يتكلّم به لترويج الباطل وقول غير الحق فإنّه حرام ومحاسب عليه، وكذلك حدّد الإسلام الكلام الذي يسمعه الإنسان، وهو الكلام الطيب، فاستماع الغيبة والفحش منهي عنهما، حتّى أنّ الإنسان ليحاسب على أحاسيسه النفسيّة ومشاعره القلبية.

53 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّهُ لَيُعْجِبُنِي الرَّجُلُ أَنْ يُدْرِكَهُ حِلْمُهُ عِنْدَ غَضَبِهِ» (4).

لقد دعا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى التزيّن بالحلم الذي هو من أميز الصفات التي يتحلى بها


1) قرب الإسناد : 380. الكافي : 2 : 553، الحديث 9.

2) الإسراء 36:17.

3) علل الشرائع : 2 : 606. تفسير الصافي : 3: 192، الحديث 36.

4) الكافى : 2 : 112، الحديث. بحار الأنوار : 68: 404، الحديث 13.

الإنسان وأكثرها عائدة عليه، فإنّه ينجيه من كثير من المشاكل والخطوب.

54 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَا يَقِلّ عَمَلٌ مَعَ تَقْوى، وَكَيْفَ يَقِلُّ ما يُتَقَبَّلُ ؟» (1).

إنّ العمل إذا كان مشفوعاً بالتقوى فهو غير قليل، وكيف يقل وهو مقبول عند اللّه تعالى ؟

55 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَوِ اجْتَمَعَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَلَىٰ أَنْ يَصِفُوا اللّه بِعَظَمَتِهِ لَمْ يَقْدروا» (2).

إن ّجميع من في دنيا الوجود لا يتمكنون أن يصفوا عظمة اللّه تعالى، إذ كيف يصل الممكن المحدود في قواه الفكريّة وسائر طاقاته إلى وصف تلك الذات الأزلية التي أبدعت خلق الأشياء، والتي لا يحيط بها إدراك.

56 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «النَّجْدَةُ الْإِقدامُ عَلَى الْكَرِيهَةِ، وَالصَّبْرُ عِنْدَ النَّائِبَةِ، وَالذَّبُ عَنِ الْإِخْوانِ» (3).

أمّا النجدة وهي الشجاعة أو شدّة البأس فهي من أبرز صفات الرجال، والتي كان من مظاهرها الإقدام على الكريهة (4)، والصبر عند النائبة (5)، والذب عن الإخوان (6).

57 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَا يَنْتَفِعُ الْبَلِيعُ بِالْقَوْلِ مَعَ سُوءِ الْإِسْتِماعِ» (7).


1) تحف العقول : 278.

2) الكافي : 1 : 102، الحديث 4.

3) مشكاة الأنوار: 414.

4) أي الحرب.

5) أي المصيبة.

6) أي الدفاع عنهم.

7) نزهة الناظر : 93، الحدیث 22.

إنّ البليغ إذا لم يصغ لقوله وقوبل بالإعراض، فإنّ بلاغته تذهب أدراج الرياح.

58 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لِيُنْفِقَ الرَّجُلُ بِالْقَصْدِ، وَبُلْغَةِ الْكَفافِ، وَيُقَدِّمَ الْفَضْلَ مِنْهُ لآخِرَتِهِ، فَإِنَّ ذلِكَ أَبقى لِلنِّعْمَةِ، وَأَقْرَبُ إِلَى الْمَريدِ مِنَ اللّه تَعَالَى، وَأَنْفَعُ في الْعاقِبَةِ» (1).

لقد أوصى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالاقتصاد، وعدم الإسراف، وأن يبذل الفاضل من الأموال إلى الفقراء والمحرومين، أو المشاريع العامّة للبلاد، ويترتب على ذلك بقاء النعمة، والتقرّب إلى اللّه تعالى، والظفر بالعاقبة الكريمة.

59 – قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إيّاك وَظُلْمَ مَنْ لَا يَجِدُ عَلَيْكَ ناصِراً إِلَّا اللّه» (2).

وأثرت هذه الكلمة القيّمة عن جميع أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وهي تحكي ما اتصفوا به من الرحمة والرأفة، ومقتهم لجميع أنواع الظلم والاعتداء على الناس، خصوصاً على الضعفاء الذين لا يجدون ناصراً إلا اللّه، فإنّ الاعتداء عليهم من أفحش ألوان الظلم.

60 - قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَوْ أَنْزَلَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ كِتاباً أَنَّهُ مُعَذِّبٌ رَجُلاً واحِداً لَرَجَوْتُ أَنْ أَكونَهُ، أَوْ أَنَّهُ رَاحِمَ رَجُلاً لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَهُ، أَوْ أَنَّهُ مُعَذِّبِي لَا مَحالَةَ مَا ازْدَدْتُ إِلَّا اجْتِهَاداً لَئِلًا أَرْجِعَ نَفْسِي بِلَائِمَةٍ» (3).

لقد أعرب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن عظيم خوفه ورجائه من اللّه تعالى، وأنه لو حكم عليه


1) الكافي : 4 : 52، باب فضل القصد، الحديث 1

2) الكافي : 2 : 331، الحديث 5 الخصال : 16، الحديث 59. روضة الواعظين: 465، وفيه : «يا بني، إيّاك».

3) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 15 : 167.

بالعذاب لما ازداد إلا اجتهاداً في طاعته وعبادته لئلا يرجع على نفسه بلائمة.

61 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «السادَةُ النَّاسِ في الدُّنْيا الأَسْخِياءُ، وَسادَةُ النّاسِ فِي الْآخِرَةِ الأتقِياءُ» (1).

وليس من شكّ في أنّ الأسخياء أنّ الأسخياء هم سادة الناس وخيارهم وأشرافهم، كما أنّ سادة الناس في الآخرة هم الأتقياء والصالحون.

62 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «بِئْسَ الأخُ أَحْ يَرْعَاكَ غَنِيّاً، وَيَقْطَعُكَ فَقيراً» (2).

لقد ذمّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الرجل الذي يتودّد لأخيه أو صديقه في حال غناه وثرائه وينبذه إذا صار فقيراً، فإنّ ذلك ينم عن الانتهازية، وفقدان الشرف والكرامة من الإنسان.

63 – قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِعْرِفِ المودّة مِنْ قَلْبِ أَخِيكَ بِما لَهُ مِنْ قَلْبِكَ» (3).

إنّ الإنسان إذا أراد اختبار محبّة أخ أو صديق له فعليه أن يفتّش عن محبّته له في نفسه، فإنّه بقدرها يحبّه ويخلص له.

64 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ كَفَاهُ اللّه هَمَّ الدُّنْيا» (4).

إنّ من يعمل للآخرة، ويتّقي اللّه تعالى فإنّه يكفيه أمر هذه الدنيا، ويريحه من كثير من مشاكلها.


1) مسند زید بن عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 465. أمالي الصدوق : 84، الحديث 1.

2) شرح الأخبار : 3: 283، الحديث 1194.

3) تحف العقول : 295. بحار الأنوار: 78 : 174، الحديث.26.

4) من لا يحضره الفقيه : 4: 706، الحديث 5845. روضة الواعظين: 442. بحار الأنوار: 18: 181، الحديث 36.

65 -قيل للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إنّ الحسن البصري يقول : ليس العجب ممّن هلك كيف هلك، وإنّما العجب ممّن نجا كيف نجا.

فردّ الإمام ذلك، وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أَنا أَقولُ : لَيْسَ الْعَجَبُ ممّن نَجا كَيْفَ نَجا ؟ وَإِنَّما الْعَجَبُ ممّن هَلَكَ كَيْفَ هَلَكَ مَعَ سِعَةِ رَحْمَةِ اللّه (1).

إن رحمة اللّه تعالى قد وسعت كلّ شيء، ويطمع فيها حتّى إبليس، والإمام أعرف بذلك وأدرى من الحسن البصري وغيره.

66 - سئل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أعظم الناس خطراً ؟

فقال : («َنْ لَمْ يَرْضَ الدُّنْيا لِنَفْسِهِ خَطَراً» (2).

إنّ أصوب الناس فكراً، وأكثرهم حزماً ووعياً هو الذي يرى نفسه أعظم من الدنيا، فلا يبيع آخرته بدنياه، وإنّما يتجه صوب اللّه، ويعمل لآخرته فيوفّر لها الزاد والمتاع.

67 - قال رجل للإمام : يابن رسول اللّه، إنّي لأحبّك في اللّه حباً شديداً.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «اللّهمّ إنّى أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَحَبُّ فيكَ وَأَنْتَ لى مُبْغِضٌ» (3).

لقد استعاذ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) باللّه تعالى من أن يحبّ من أجله وهو له مبغض، وقد دلّ ذلك على مدى نكرانه للذات، واعتصامه باللّه، وانقطاعه إليه، ورجائه لعفوه ومرضاته.

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض روائع حكمه القصار، وبها نختم الكلام عن مواعظه وحكمه.

الحمد للّه ربّ العالمين وصلّى اللّه على سيّدنا محمّد وعلى آله الطاهرين


1) أمالي المرتضى : 1 : 113. بحار الأنوار: 75: 153.

2) تهذيب الكمال : 20 : 398. شرح نهج البلاغة : 6: 233، وفيه: «من لم يرَ الدنيا...».

3) تحف العقول : 282.

المحتويات

الإهداء...7

التقديم...9

السيّدة شاه زنان

28 - 15

صفاتها النفسيّة...17

الروايات في زمن اقترانها...18

1 - في عهد عمر...18

2 - في عهد عثمان...19

3 - في خلافة أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...19

التحقيق في الروايات...19

أقوال شاذّة...21

اسمها الشريف...21

الرابطة المقدّسة...23

نعرة جاهليّة...23

احتفاء الإمام عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بها...26

عناية الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بها...27

إشادة المؤرّخين بها...27

المبرد...27

ابن شدقم...28

الكنجي...28

الوليدُ العَظمُ

29 - 41

مراسيم الولادة...31

مكان الولادة...32

الزمان...33

تسميته (عَلَيهِ السَّلَامُ)...33

مع ابن تيمية...35

كنيته (عَلَيهِ السَّلَامُ)...35

ألقابه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...36

1 - زين العابدين...36

2 - سيّد العابدين...36

3 - ذو الثفنات...36

4 – السجّاد....37

5 – الزكي...37

6 – الأمين...38

7 - ابن الخيرتين...38

وفاة أمّه...40

مربّيته (عَلَيهِ السَّلَامُ)...40

صفاته (عَلَيهِ السَّلَامُ) الجسميّة...40

هيبته ووقاره (عَلَيهِ السَّلَامُ)...40

نقش خاتمه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...41

نشأته سلوكه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

43 - 74

نشأته (عَلَيهِ السَّلَامُ)...45

سلوكه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...47

سيرته (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بيته...47

برّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمربّيته...48

رواية موضوعة....48

مع أبويه (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)...49

دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأبويه...49

مع أبنائه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...55

وصإيّاه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأبنائه...56

دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأبنائه...59

مع مماليكه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...64

مع جيرانه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...65

دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لجيرانه...65

مع جلسائه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...68

مع شيعته (عَلَيهِ السَّلَامُ)...69

رواية موضوعة...71

نشاته وسلوكه الحرة

الزامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) للشيعة بالتقية...72

استغفاره (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمذنبي شيعته...73

مع أعدائه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...73

عناصره النفسيّة

75 - 108

الحلم...77

الصبر...80

العزّة والإباء...82

الشجاعة...83

التجرد من الأنانية...84

الإحسان إلى الناس...85

السخاء...86

مع محمّد بن أسامة...86

إطعام عامّ...86

إعالته (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمائة بيت...87

حنوّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الفقراء...87

1- تكريمه (عَلَيهِ السَّلَامُ) للفقراء...87

2- عطفه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الفقراء...88

3 - نهيه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن ردّ السائل...88

صدقاته (عَلَيهِ السَّلَامُ)

1- التصدّق بثيابه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...90

2 - التصدّق بما يحبّ...91

3 - مقاسمة أمواله (عَلَيهِ السَّلَامُ)...91

4- صدقاته (عَلَيهِ السَّلَامُ) في السرّ...92

ابتغاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمرضاة اللّه تعالى...93

الزهد في الدنيا...94

مع الصوفيّة...95

كراهته للهو...97

الإنابة إلى اللّه تعالى...97

صور رائعة من إنابته...98

1 - التجاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى اللّه تعالى...98

2- انقطاعه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى اللّه تعالى...100

3 - طلب الحوائج من اللّه تعالى...101

4- تضرّعه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى اللّه عزّ وجلّ...104

ه - تذلّله (عَلَيهِ السَّلَامُ) أمام اللّه عزّ وجلّ...107

امامته (عَلَيهِ السَّلَامُ)

109- 130

معنى الإمامة...111

ضرورة الإمامة...111

النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏) والإمامة...112

سموّ منزلة الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ)...113

لزوم الرجوع إلى الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ)...116

وجوب طاعة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)....117

عصمة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)....118

إمامته (عَلَيهِ السَّلَامُ)...119

النص على إمامته (عَلَيهِ السَّلَامُ)...119

الإمامة في عصره (عَلَيهِ السَّلَامُ)...121

إمامة محمّد بن الحنفيّة...122

الإمام مع ابن الحنفيّة...123

رجوع الكابلي إلى الحقّ...125

من دلائل إمامته (عَلَيهِ السَّلَامُ)...126

1 - إخباره (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن شهادة زيد...127

2 - إخباره (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن حكومة عمر بن عبدالعزيز...129

3 - إخباره (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن حكومة العبّاسيين...129

انطباعات عن شخشيته (عَلَيهِ السَّلَامُ)

131 - 160

آراء معاصريه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...134

1 - الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)...134

2- ابن زید...134

3- ابن شهاب...134

4 - أبو حاتم...134

5 - أبو حازم...135

6 - أبو زرعة...135

7 – البرقي...135

8- الثمالي...135

9- جابر الأنصاري...136

10- حماد بن زيد...136

11- الحميري...136

12 – الزهري...137

13 - زيد بن أسلم...139

14 - سعيد بن المسيب...139

15 - عبداللّه بن عبّاس...140

16 - عبد الملك بن مروان...141

17- عمر بن عبدالعزيز...141

18 - الفرزدق...142

19 - مالك...143

20 - منصور الدوانيقي...143

21 - يحيى بن سعيد...143

22 - يزيد بن معاوية...144

المؤرّخون...145

1 - آقا بزرك...145

2 - ابن تيمية...145

3- ابن الجوزي...145

4 - ابن حجر العسقلاني...146

5- ابن حجر الهيتمي...146

6 - ابن خلكان...146

7 - ابن سعد...146

8 - ابن شدقم...147

9 - ابن عساکر...147

10 - ابن عنبة...147

11 - أبو الفتح...148

12 - أبو الفتوح...148

13 - أبو نعيم...148

14 - أحمد صبحي...148

15 - أحمد فهمي...149

16 - الإربلي...149

17 - البستاني...151

18 - تاج الدين...152

19 - الجاحظ...152

20 - حسين علي محفوظ...152

21 - الذهبي...153

22 - الزركلي...153

23 - الشافعي...153

24 - الشبراوي...153

25 - الشيخاني...154

26 - صفي الدين...154

27 - عارف تامر...154

28 - السيّد عبّاس...155

29 - عماد الدين...155

30 - القليوبي...155

31 - السيّد محسن...155

32- محمّد بن سعد...156

33- محمّد بن طلحة طلحة...156

34 - الشيخ المفيد...157

35 - المناوي...157

36 - الموفي...157

37- النووي...158

38- النويري...158

39 - الواقدي...158

40 - وجدي...158

41 - اليعقوبي...159

نقاط مهمة...159

مع رزایا کربلاء

161 - 201

على صعيد كربلاء...164

الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ينعى نفسه...165

يوم عاشوراء...167

خطبة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...168

الحرب...173

مصارع الأبرار...173

استغاثة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...174

مصرع الإمام العظيم...175

حرق الخيام...176

الهجوم على الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...177

حزن الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...177

مواراته (عَلَيهِ السَّلَامُ) للجثث الطاهرة...179

سبايا أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) في الكوفة...179

خطاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الكوفة...180

الطاغية مع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ...182

اختطاف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...183

سبايا آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) إلى دمشق...184

الشامي مع الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ...185

الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مجلس يزيد...186

خطاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في دمشق...187

الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) المنهال...192

اعتذار الطاغية من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...193

حبر يسأل عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...193

الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع يزيد...194

السفر إلى يثرب...195

نعي بشر للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...196

خطاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المدينة...197

حزن الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...199

وفاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لديون أبيه لنا...200

حنوّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على آل عقيل...201

إقامته (عَلَيهِ السَّلَامُ) في يشرب...201

عِبَادَاته (عَلَيهِ السَّلَامُ)

203 - 34

وضوؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...206

صلاته (عَلَيهِ السَّلَامُ) ...207

تطيبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) للصلاة...207

لباسه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في صلاته...208

خشوعه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في صلاته...208

صلاة ألف ركعة...210

قضاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) للنوافل...210

كثرة سجوده (عَلَيهِ السَّلَامُ) ...210

كثرة تسبيحه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...211

ملازمته (عَلَيهِ السَّلَامُ) الصلاة الليل...211

دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد صلاة الليل...211

ضعفه وذبوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) ...220

1 - بعض أبنائه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ...220

2- جابر الأنصاري...221

3- عبدالملك...222

صومه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...224

في شهر رمضان...225

دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند رؤية الهلال...232

مبراته (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رمضان...232

1 - إطعام الطعام...232

2- تحريره (عَلَيهِ السَّلَامُ) للعبيد...233

دعاؤه اللّه في السحر...235

دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وداع شهر رمضان...239

دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عيد الفطر...251

حجّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ...256

حجّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ماشياً...256

حجّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) راكباً...257

مرافقة القرّاء له (عَلَيهِ السَّلَامُ) ...258

زاده (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الحجّ...258

اضطرابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند الإحرام...259

دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند الحجر...260

صلاته (عَلَيهِ السَّلَامُ) تحت الميزاب...259

مع هشام بن عبدالملك...260

تشكيك أبي الفرج...264

اعتقال الفرزدق...265

مناجاته (عَلَيهِ السَّلَامُ) في البيت الحرام...266

مع رجل يطوف بالكعبة...273

إنكاره (عَلَيهِ السَّلَامُ) على سائلين في عرفة...273

تحريره (عَلَيهِ السَّلَامُ) للعبيد في عرفات...273

دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عرفات...273

دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم عيد الأضحى...297

مِنْ عُلوم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

305 - 360

الحديث...307

رواياته (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)...308

رواياته (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...322

في رحاب القرآن...331

شغفه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالقرآن...331

تلاوته (عَلَيهِ السَّلَامُ) للقرآن...331

تدبّره (عَلَيهِ السَّلَامُ) للقرآن...331

دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند ختم القرآن...332

نماذج من تفسيره (عَلَيهِ السَّلَامُ)...339

الفقه...348

أقسام الصوم...349

الجمع بين صلاتي العشائين...353

اعتبار النية في العبادات...354

عدم جواز التكفير في الصلاة...354

شراء الجارية المغنية...354

حد الزنا بالأخت... 355

بحوث كلامية...356

القضاء والقدر...356

اللّه تعالى نور...357

عجبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الشاك باللّه تعالى...357

استحالة وصف اللّه تعالى بالمحدودية...358

مِنْ مَوَاعِظِهِ وَحِكَمِه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

359 - 448

مواعظه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...361

من حكمه وتعاليمه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...392

ذم التكبّر... 392

من مأمنه يؤتى الحذر...392

التحذير من المراء...393

الابتهاج بالذنب... 393

أنواع الذنوب...394

حقيقة الموت...396

أهم أنواع الزهد...396

أفضل الأعمال عند اللّه تعالى...397

معرفة العدالة... 398

صفات المنافق والمؤمن...391

نصائح رفيعة...393

المواساة والإحسان... 404

صلة الأرحام...407

الحبّ في اللّه تعالى...407

الدعاء للمؤمن...408

جزاء أهل الفضل...410

الدعوة إلى الدين...410

التحذير من بعض المحرّمات...410

التحذير من الطمع...412

شكر المحسن...412

الأمر بالمعروف...413

فضل الكلام على السكوت...414

سعادة الإنسان...414

الجامع بين الأديان...414

خصال رفيعة...415

علامات المؤمن...415

الكلام الحسن...416

طبقات الناس...416

التواضع...417

اقتباس الحكمة...417

طينة المؤمن والكافر...418

الصبر...419

من أخلاق المؤمن...419

العصبية...420

الاتقاء من الكذب...420

التثبت بالقول...421

العفّة...421

القناعة...421

من منجيات المؤمن...422

من سنن وحكم الأنبياء (عَلَيهِم السَّلَامُ)...423

وصيّة الخضر لموسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)...423

من وحي اللّه تعالى لموسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)...423

حكمة في الإنجيل...424

موسى مع عابد...424

موسى مع اللّه تعالى...425

وفاة النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ‏)...425

الولاء لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)...428

حق النبيّ وعليّ ...429

سيادة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)...430

روائع الحكم القصار...431

محتويات الكتاب...449