ghaemiyeh.com
موسوعة سیرة اهل البیت (علیهم السّلام)
الجزء الثالث عشر
الأمام الحسین بن علي (علیه السّلام)
تأليف باقر شریف القرشي
تحقيق مهدي باقر القرشي
موسسة الأمام الحسن (علیه السّلام)
لإحیاء ترراث أهل البیت (علیهم السّلام)
الطبعة الثانية : .... 1433ه- / 2012م
عدد النسخ : .... 1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978
ردمك الجزء ( 39 ) : 0 - 1 - 8270 - 964 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول صلی الله علیه وآله وسلم
مكتبة الإمام الحسن علیه السلام - هاتف 009647805694970
موسوعة سيرة اهل البیت (علیهم السّلام)
الأمام الحسین بن علي (علیه السّلام)
موسوعة سیرة اهل البیت (علیهم السّلام)
الجزء الثالث عشر
الأمام الحسین بن علي (علیه السّلام)
تأليف باقر شریف القرشي
تحقيق مهدي باقر القرشي
موسسة الأمام الحسین
لاحياء تراث اهل البيت
موسوعة سیرة اهل البیت (علیهم السّلام)
تأليف: باقر شریف القرشي
تحقيق: مهدي شریف القرشي
الناشر : ... دار المعروف - مؤسسة الإمام الحسن (علیه السّلام)
المطبعة: ... ستار
الطبعة الثانية : ... 1433هـ / 2012م
عدد النسخ: ... 1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978
ردمك الجزء (13) : 1- 55 - 8275 - 164 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)
مكتبة الإمام الحسن (علیه السّلام) - هاتف 009647805694970
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِن خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ آل عمران 3 : 169 - 171
الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ البقرة 2 : 156 و 157
1 لقد أثرت الأحداث الرهيبة التي عاصرها الإمام الحسين (علیه السّلام) تأثيراً هائلاً في تغيير مناهج الحياة الفكرية والاجتماعية في الإسلام ، كما لعبت دورها الخطير على مسرح الحياة السياسية على امتداد التأريخ ، وكان من أبرز نتائج تلك الأحداث التناحر على السلطة ، والتنافس على الحكم ، والصراع على الظفر بخيرات البلاد.
وكان من الطبيعي أن يحدث ذلك الصراع السياسي بأقسى صوره ، وأبشع ألوانه ، و أن يحتدم الجدال أشدّ وأعنف ما يكون الجدال، فقد سحرت عيون الكثيرين من الصحابة والتابعين ما رأوه من ألوان الترف وخفض العيش ورقته ، وما شاهدوه من جلال الملك الذي أزالوه من فارس ، وما احتلوه من بلاد الروم ، وهالتهم الفتوحات التي تقوم بها الجيوش الإسلامية ، وما يفتح الله على أيديهم ، وما يجلبونه من البلاد المحتلة من الرقيق ، وسائر الأموال التي لم يكونوا يحلمون بالنظر إليها ، كل ذلك دفعهم إلى التهالك على السلطة ، وفتنهم عن دينهم .
واستشف الرسول الأعظم الله من وراء الغيب ما تبلغه أُمته من المجد والسيادة على جميع شعوب الأرض ، وسقوط الدول الكبرى تحت وطأة الزحف الإسلامي المقدس، فأذاع ذلك بين المسلمين وآمنوا به كجزء من عقيدتهم ، كما استشف النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من وراء الغيب ما تُمنى به أمته من الفتنة والفرقة ، فاحتاط لها أشدّ ما يكون الاحتياط ،
فوضع لها رصيداً يحسم كل داء ، ويقضي على كل خلاف ، فدلل على إمامة العترة الطاهرة من أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ، ولم يكن بذلك مدفوعاً بدافع العاطفة أو الحبّ ، فإنّ شأن النبوة أسمى من أن يخضع لأي عامل من عوامل الحبّ أو غيره من الاعتبارات المادية .
وبلغت أحاديث الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) في فضل عترته حد التواتر ، ولم يتطرق إليها الريب والشك عند أحد من المسلمين ، فقد قرنهم بمحكم التنزيل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وجعلهم سفن النجاة وأمن العباد . وأما سيد العترة الإمام أمير المؤمنين الا فإنه - حسب النصوص النبوية - أخو النبي ونفسه ، وباب مدينة علمه ، و أقضى أمته ، وإنَّه منه بمنزلة هارون من موسى ، و «مَنْ كُنْتُ مَولَاهُ فَهذا عَلِيٌّ مَوْلَاهُ ...»(1)
سنن الترمذي : 5 : 591 . ينابيع المودة : 1 : 107.
، ولكن القوم كرهوا اجتماع النبوة والخلافة في بيت واحد ، فتأولوا النصوص وزووا الخلافة عن أهل بيت النبوة ، ومعدن الحكمة ، ومهبط الوحي ، حرموا الأمة من التمتع بظلال حكمهم الهادف إلى نشر عدالة السماء في الأرض .وأدَّت عملية الفصل إلى التطاحن الفظيع على كراسي الحكم بين الأسر البارزة في الإسلام ، فمُنيت الأمة من جراء ذلك بالكوارث والخطوب التي أحالت الحياة في تلك العصور إلى جحيم لا يطاق ، فقد كان حكم النطع والسيف هو السائد بين الناس .
2 وظهر الصراع السياسي بأبشع ألوانه حينما أمسك الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) زمام السلطة في البلاد ، فقد تحركت القوى الطامعة في الحكم وهي تعلن العصيان المسلّح محاولة بذلك إسقاط حكومته التي احتضنت مصالح الشعوب الإسلامية ، وتبنت حقوق الإنسان ، وراحت تؤسس معالم العدل والحق ، وتدلُّ صون الظلم ، وتنسف قلاع الباطل ، وترفع منار الكرامة الإنسانية ، وتقضي على
1) تفسير القمي : 1 : 174 . الخصال : 219 . شرح الأخبار : 1: 101 . روضة الواعظين: 103 .
جميع أسباب التخلف والفساد التي تركها الحكم المباد.
لقد أوجد الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) انقلاباً جذرياً، وتحوّلاً اجتماعياً في الميادين السياسية والفكرية والاقتصادية ، التى كان منها العدالة في التوزيع ، وإلغاء الامتيازات التي منحتها حكومة عثمان لبني أمية وآل أبي معيط ، ومصادرة الأموال التي اختلسوها بغير حقّ ، وعزل الولاة وسائر الموظفين الذين اتخذوا الحكم وسيلة للإثراء والاستعلاء على الناس بغير حق .
وقد أدت التغييرات الاجتماعية التي أوجدتها حكومة الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) إلى زيادة الأزمات النفسية في نفوس القرشيين وغيرهم من الحاقدين على الإصلاح الاجتماعي ، فأيقنوا أنّ حكومة الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) ستدمر مصالحهم الاقتصادية وغيرها ، فهبوا متضامنين إلى إعلان المعارضة . ومن المؤسف حقاً أن تضمّ المعارضة بعض أعلام الصحابة كطلحة والزبير ، وأن يكون العضو البارز فيها السيدة عائشة زوج النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ، ومن المؤكد أنه لم تكن للمعارضين أية أهداف اجتماعية أو إصلاحية ، وإنما دفعتهم الأنانية والأطماع الأنانية والأطماع حسب التصريحات التي أدلوا بها في كثير من المناسبات .
وقد كان في طليعة القوى المتآمرة على الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) الحزب الأموي، فقد سخَّر جميع أرصدته المالية التي حصل عليها أيام حكومة عثمان فجعلها تحت تصرّف المعارضين ، فاشتروا جميع أدوات الحرب ، ووهبوا الكثير من الأموال للمرتزقة ، وقد اندلعت بذلك نار الحرب التي أسماها بعض المؤرخين بحرب الجمل ، وقد أسرع إليها الإمام (علیه السّلام) فأخمد نارها ، وقضى على معالمها ، إلا أنها أسفرت عن أفدح الخسائر التي مُني بها المسلمون ، فقد فتحت باب الحرب بين المسلمين ، ومهدت الطريق إلى معاوية أن يُعلن تمرده على الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، ويناجزه أعنف الحروب وأشدها ضراوة .
وأخذت الأحداث الجسام يتصل بعضها ببعض، ويتفرع بعضها على بعض حتى
انتهت بمقتل الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، وخذلان ولده الحسن ، وانتصار القوى الحاقدة على الإسلام . وكانت من أفجع الأحداث و أقساها كارثة كربلاء التي استشهد فيها سبط رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وريحانته .
ويعرض هذا الكتاب إلى تفصيل ذلك بصورة موضوعية بما لا تحيّز فيه.
3 ونجحت الزمرة الأموية بأساليبها الماكرة ، وبما استخدمته من وسا دبلوماسيتها الغادرة في الاستيلاء على السلطة في البلاد، وظهرت على الصعيد الإسلامي دولة الأمويين بقيادة زعيمهم معاوية بن أبي سفيان ، وأبوه كان القائد الأول لجميع عمليات الحروب التي ناهضت الإسلام حينما فجر المعلم والقائد الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) دعوته الخلاقة الهادفة لتطوير الوعي الاجتماعي ، وتأسيس مجتمع يقوم على العدل والمساواة .
ووقعت الأمة فريسة تحت أنياب الأمويين ، واستسلمت لحكم إرهابي عنيف تتصاعد فيه الأحقاد والأضغان على قيم الأمة ومكوناتها الفكرية والاجتماعية ، وإزالة ما حققه الإسلام من المكاسب على الصعيد الاقتصادي والسياسي والتربوي .
واتجهت السياسة الأموية تضع المخططات الرهيبة للقضاء على مقومات الأمة ، واستئصال أرصدتها الروحية والفكرية ، وكان من أفجع وأقسى ما اتخذته من المقررات السياسية ، ما يلي :
1 - الحط من قيمة أهل البيت (علیهم السّلام) الذين هم مركز الوعي الاجتماعي في الإسلام ، والعصب الحسّاس في جسم الأمة الذي يمدّها بالنهوض والارتقاء ، وقد سخّرت السلطة جميع أجهزتها السياسية والاقتصادية ، وسائر إمكانياتها الأخرى لتحويل قلوب المسلمين عن أهل البيت (علیهم السّلام) وفرض بغضهم على واقع الحياة الإسلامية ، وجعله جزءاً لا يتجزأ من الإسلام ، وقد استخدمت في هذا السبيل أجهزة التربية والتعليم ، وأجهزة الوعظ والإرشاد وغيرها، واتخذت سب العترة على المنابر فرضاً واجباً
تحاسب عليه وتنزل أقصى العقوبات على من يتهاون في أدائه .
2 - إبادة العناصر الواعية في الإسلام والتي تربَّت على هديه وواقعه ، فقد ساقت إلى ساحات المجازر أعلام الإسلام كحُجر بن عدي ، وميثم التمار ، ورشيد الهجري ، وعمرو بن الحَمِق الخُزاعي ، وأمثالهم من الذين يملكون القدرة على التوجيه الاجتماعي ، والقابلية على صيانة الأمة من الانحراف والسلوك في المنعطفات ، وتذرعت السلطة في سفك دمائهم بأنهم خلعوا يد الطاعة وفارقوا الجماعة ، ولم يكن لذلك أي نصيب من الصحة ، وإنّما رأوا الاتجاه السياسي يتصادم مع الدين ، ويتصادم مع مصالح الأمة ، فأمروا السلطة بالاستقامة والخلود إلى التوازن ، ومجافاة الإضرار بمصالح المجتمع ، فاستباحت من أجل ذلك دماءهم .
3 - تغيير الواقع المشرق للإسلام ، وقلب جميع مفاهيمه ومقوماته ، وتدنيسه بالخرافات والأوهام حتى تشلَّ طاقاته ، ويصبح عاجزاً عن مسايرة الحياة ، والانطلاق مع الإنسان لتنمية ملكاته ، وقدراته وتطوير وسائل حياته .
ووضعت الحكومة لجان الوضع ، ورصدت لها الأموال الهائلة لتضع الأحاديث على لسان المنقذ العظيم الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)؛ لتكون من بنود التشريع وتلحق بقافلة السنة التي هي من مدارك الأحكام ، وقد راح الوضاعون يلفّقون الأكاذيب وينسبونها للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وكثير مما وضعوه يتنافى مع منطق العقل ، ويتجافى مع سنن الحياة ، ومن المؤسف أنها دونت في كتب السنة ، وأُدرجت في كتب الأخبار، مما اضطر بعض الغيارى من علماء المسلمين أن يألفوا بعض الكتب التي تدلل على بعض تلك الموضوعات .
وفيما أحسب أنّ هذا المخطط الرهيب من أفجع ما رُزى به المسلمون ، فإنه لم يكن الابتلاء به آناً من الزمن ، وإنّما ظل مستمراً مع امتداد التاريخ ، فقد تفاعلت تلك الموضوعات مع حياة الكثيرين من المسلمين ، وظلوا متمسكين بها على أنها جزء من دينهم ، وقد وضعت الحواجز في نمو المواهب وانطلاق الفكر ، كما بقيت حجر عثرة في طريق التطور والإبداع الذي يريده الإسلام لأبنائه.
4 وعانى الإنسان المسلم في عهد معاوية ضروباً شاقة وعسيرة من المحن والبلوى ، فقد جهدت حكومة معاوية على نشر الظلم والجور في جميع أرجاء البلاد ، وعهدت بأمور المسلمين إلى الجلادين والجزارين أمثال زياد بن أبيه ، وبسر بن أبي أرطاة ، وسمرة بن جندب ، والمُغيرة بن شعبة ، وأمثال هؤلاء من أرجاس البشرية ، وقد صبوا على الناس وابلاً من العذاب الأليم لم تشهد له الإنسانية مثيلاً في كثير من مراحل تاريخها .
لقد كانت المظالم الاجتماعية - في عهد معاوية - بمرأى من الإمام الحسين (علیه السّلام) ومسمع ، فروعته و أفزعته إلى حد بعيد ، فقد كان بحكم قيادته الروحية لأمة جده يحسّ بأحاسيسها ، ويتألم لآلامها ، ويحيا بحياتها ، وكان من أعظم ما عاناه من المحن والخطوب تتبع الجزارين والجلادين من ولاة معاوية لشيعة أهل البيت إمعاناً في قتلهم ، وحرقاً لبيوتهم ، ومصادرة لأموالهم ، لا يألون جهداً في ظلمهم بكل طريق . وقد قام الإمام بدوره في شجب تلك السياسة الظالمة ، فبعث المذكرات الصارخة لطاغية دمشق يشجب فيها الإجراءات الظالمة التي اتخذها عماله وولاته لإبادة محبي أهل البيت والعارفين بفضلهم ، وقد جاء في بعض بنودها أنّه نفى أن يكون معاوية من هذه الأمة ، وإنّما هو عنصر غريب ، ومعادٍ لها ، والحق أنه كذلك فقد أثبتت تصرفاته السياسية أنّه من ألد أعدائها ، وأنه كان يبغي لها الغوائل ، ويكيد لها في غلس الليل ، وفي وضح النهار ، قد جهد في إذلالها وإرغامها على الجور.
وكان من أفجع ما رزاً به معاوية الأمة ، ومن أقذر مخلفاته ومتاركه أنه فرض خليعه المتهتك يزيد القرود والفهود - كما يسميه المؤرخون - خليفة عليها يعيث في دينها ودنياها ، ويجر لها الويلات والخطوب .
5 وفقدت الأمة فى عهد معاوية وخليعه يزيد جميع عناصرها ومقوماتها، ولم تعد خير أُمة أُخرجت للناس - حسب ما يريده الله لها - فقد عاث فيها معاوية فربّاها على الوصولية والانتهازيّة ، وربّاها على الذل والعبودية ، وسلب عنها
صفاتها ، وجرَّد عنها أخلاقها القويمة، فلم تعد تهتم بتحقيق أهدافها وآمالها ، ولا بما يضمن لها الحياة الكريمة ، فقد استسلمت للحكم الأموي ، وقبعت ذليلة مهانة تحت وطأة سياطه ، وهو يسفك دماءها ، ويستنزف ثرواتها ، ويشيع فيها الجور والفساد. فقد تخدَّرت بشكل فظيع ، وأصبحت جثة هامدة لا وعي فيها ولا حراك ، فلم تهب للدفاع عن كرامتها وعزتها ، ولم تنطلق في ميادين الشرف والتضحية لتحمي نفسها من الظلم والاعتداء .
فرأى الإمام الحسين (علیه السّلام)- وهو سبط الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)، وأمله الباسم الذي تجسدت فيه جميع طاقاته - حالة المسلمين ، وما هم فيه من الذل والهوان ، وأنهم لم يعودوا تلك الأمة العظيمة التي تبنّت رسالة الإسلام ، وحملت مشعل الهداية والنور إلى جميع شعوب الأرض .
واستوعب الألم القاسي مشاعر الإمام الحسين (علیه السّلام) وعواطفه ، وراح يطيل التفكير ، ويُنفق الليل ساهراً في إنقاذ دين جده العظيم ، وحمايته من الردة الجاهلية ، فعقد المؤتمرات تارةً في مكة ، وأخرى في يثرب ، وعرض على الصحابة وأبنائهم الحالة الراهنة التي مني بها المسلمون ، وأخذ يُدلي بمنكرات معاوية وموبقاته ، وقد استبان له أنّ هذه الطريقة لا تُجدي بأية حال في ميادين الإصلاح الاجتماعي ، ولا يمكن أن ترد شوارد الأهواء وترجع للامة ما فقدته من معنوياتها ، فرأى أنّه بين أمرين لا ثالث لهما ، وهما :
الأول : أن يسالم الأمويين ويبايع ليزيد ، ويغض الطرف عما تقترفه السلطة من الظلم والجور ، وما تعانيه الأمة من الأزمات في مجالاتها العقائدية والاجتماعية ، ويكون بذلك - على سبيل الاحتمال لا القطع - قد ضمن سلامته وحياته . ولكن هذا مما يأباه الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، ويأباه ضميره الحيّ المترع بتقوى الله ، فهو بحسب مكانته من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) مسؤول أمام الله عن صيانة الأمة وحماية أهدافها ومبادئها ، ومسؤول أمام جده الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) عن رعاية الإصلاح الاجتماعي ، وصيانة الإسلام من عبث
العابثين ، وكيد الفاجرين ، وقد أعلن - سلام الله عليه - هذه المسؤولية الخطيرة وما يفرضه الواجب عليه في خطابه الذي ألقاه على الحر وأصحابه من شرطة ابن زياد ، قائلاً: «أَيُّها النَّاسُ ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) قَالَ : مَنْ رَأَى سُلْطَاناً جَائِراً ، مُسْتَحِلَا لِحُرَمِ اللهِ ، ناكِثاً عَهْدَهُ ، مُخالِفاً لِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم)، يَعْمَلُ فِي عِبادِ اللهِ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ ، فَلَمْ يُغَيِّرْ عَلَيْهِ بِفِعْلِ وَلَا قَوْلٍ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ مَدْخَلَه ...»(1)
مقتل الحسين (علیه السّلام) / الخوارزمي : 1: 234 و 235 .
.لقد كان الواجب الشرعي حسبما أدلى به مما يحتم عليه القيام في مقارعة الظلم ومناهضة الجور ، والضرب على أيدي المعتدين والظالمين .
الثاني : أن يعلن الثورة ويضحي بنفسه وأهل بيته وشيعته ، وهو على يقين بعدم نجاح الثورة ، فقد درس أوضاع المجتمع وعرف أنّ الدين لعق على ألسنة الناس ، إلا أنّه أيقن أن تضحيته ستعود على المسلمين بالخير العميم، فستتحرر إرادتهم ويهبون إلى ميادين الجهاد ، ويرفعون أعلام الحرية وينزلون الجبابرة الطغاة من بني أمية من عروشهم إلى قبورهم ، واختار هذا الطريق المشرق على ما فيه من مآس وخطوب لا يطيقها أي كائن حي .
6 ودرس الإمام الحسين (علیه السّلام) أبعاد التضحية بعمق وشمول ، فرأى أن يزج بجميع ثقله في المعركة ، ويقدّم أروع التضحيات التي تهز الضمير الإنساني على امتداد التاريخ ، وتعيد للأمة أصالتها ووعيها عبر أجيالها الصاعدة .
لقد خطط الإمام الحسين (علیه السّلام) فصول مأساته ، وفصول تضحيته على أسس عميقة من الوعي والإدراك بحيث تؤدي إلى النتائج المشرقة التي منها انتصار القضية الإسلامية وإعادة الحياة الدينية إلى شرايين الأمة ، وإزالة التخدير الذي بسطه الأمويون على جميع أجزائها .
1) وقعة الطف / أبو مخنف : 172 . بحار الأنوار: 44 : 382 تاريخ الأمم والملوك : 4 : 605 .
وقد أعلن - سلام الله عليه - ما صمّم عليه ، وأذاع فصول مأساته الخالدة في كثير من المناسبات ، وهذه بعضها :
1 - أدلى بمصرعه - وهو بمكة - في خطابه الذي أعلن فيه الثورة على بني أمية، فقد جاء فيه : «وَخِيرَ لِي مَصْرَعَ أنا لاقِيهِ ، كَأَنِّي بِأَوْصالِي تُقَطْعُها عُسْلَانُ الْفَلَواتِ بَيْنَ التَّواوِيسِ وَكَرْبَلَاة ...»(1).
أليس في هذا الكلام دلالة على روعة العزم والتصميم على التضحية ؟!
أليس فيه إخبار جازم عن مصرعه الكريم ، وأنه في كربلاء ؟ ! فهي التي تحظى بمواراة جثمانه الطاهر كما أذاع ذلك جده وأبوه من قبل .
2 - أعلن الإمام العظيم المآسي الأليمة ، والخطوب المفجعة التي تحل بأهل بيته من القتل والسبي والأسر ، وذلك حينما أشار عليه ابن عباس بألا يحمل معه مخدرات النبوة وعقائل الوحي إلى العراق ، ويتركهن في يثرب حتى تستقيم له الأمور ، فأجابه الإمام الحسين (علیه السّلام) قائلاً: «إِنَّ اللهَ شَاءَ أَنْ يَراهُنَّ سَبايا»(2).
لقد صحب معه عياله وهو يعلم ما سيجري عليهم من الأسر والسبي؛ لأنّ بأسرهم وسلبهم سوف تستكمل رسالته ، وتؤدي فعاليتها في القضاء على العرش الأموي وإعادة الحياة الإسلامية إلى واقعها المضيء .
3 - كان الإمام الحسين (علیه السّلام) يتحدث وهو في طريقه إلى العراق من أن رأسه الشريف سوف يرفع على الحراب ، فيطاف به في الأقطار والأمصار ، ويهدى إلى بغي من بغايا بني أمية كما صنع برأس أخيه يحيى بن زكريا ، حيث أُهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل .
لقد استهان بجميع ما يعانيه في سبيل إحقاق الحق ، وإعلاء كلمة الله في الأرض .
7 وفجر الإمام الحسين (علیه السّلام) ثورته الكبرى التي أوضح الله بها الكتاب ، وجعلها برة لأولي الألباب ، وهي بجميع مخططاتها جزء من رسالة إسلام ، وامتداد مشرق لثورة الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وتجسيد حي لأهدافه وآماله ، ولولاها لذهبت جهود النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وضاعت آماله ، ولم يبق للإسلام أثر ولا عين .
، لقد انتصر الإمام الحسين (علیه السّلام) وفتح الله له الفتح المبين ، فقد أشرقت سماء الإسلام بثورته الخالدة، وتفاعلت تضحيته مع مشاعر الناس وعواطفهم، وامتزجت بقلوبهم ، وأصبحت أعظم مدرسة للإيمان بالله ، تبثّ روح العقيدة والفداء في سبيل الحق والعدل، وتغذى الناس بالقيم الكريمة والمثل العليا ، وتعمل على توجيههم نحو الخير و تهديهم إلى سواء السبيل .
لقد أقبل الناس بلهفة على مأساة أبي الأحرار (علیه السّلام) ، وهم يمعنون النظر في فصولها ، ويقتبسون منها أروع الدروس عن الكرامة والتضحية ، والبطولات الخارقة والعزّة التي لا يلويها الظلم والجور.
إن الإنسانية لتنحني إجلالاً وإكباراً للإمام العظيم الذي رفع راية الحق عالية خفاقة ، وتبنّى حقوق المظلومين ، ودافع عن مصالح المضطهدين ، وإنها لتمجد ذكره أكثر مما تمجد ذكرى أي مصلح اجتماعي في الأرض ، وقد أحرز الإمام العظيم بذلك من النصر ما لم يحرزه غيره من المصلحين في العالم .
لقد كان من أوليات النصر الذي حققه الإمام الحسين (علیه السّلام) تحطيم الكيان الأموي ، فقد وضعت ثورته الخالدة العبوات الناسفة في قصور الأمويين ، وألغمت طريقهم ، فلم يمضِ قليل من الزمن حتى تفجرت فأطاحت برؤوس الأمويين واكتسحت نشوة نصرهم ، وجعلتهم أثراً بعد عين ، ويعرض هذا الكتاب بصورة موضوعية إلى بعض ما قدمته الثورة من المعطيات المشرقة على الصعيد الفكري والاجتماعي للعالم الإسلامي .
8 ولن يستطيع التاريخ الإسلامي أن يأخذ حظه من الحياة إذا كان مثقلاً بالقيود والأغلال ، ولم يخضع للدراسة والنقد، فلا بد أن تتسلط مجاهر البحث العلمي النزيه على أحداثه ، وتُدرس بدقة وتجرّد شأن غيرها من تاريخ الأمم الحيّة التي تتناول أحداثه أقلام المفكرين والباحثين بكثير من العمق والتحليل ، فإن دراسة التاريخ عندهم تحتل الصدارة في دراساتهم الثقافية والعلمية .
إنا إذا أردنا للتاريخ الإسلامي أن يزدهر ويساير النهضة الفكرية والتطور العلمي في هذه العصور ، فلابد من دراسته دراسة واعية تعتمد على المناهج العلمية ، وعلى التجرد من النزعات المذهبية والتقليدية ، فننظر بدقة إلى الأحداث الجسام التي دهمت المسلمين في عصورهم الأولى فإنها - فيما نعتقد - مصدر الفتنة الكبرى التي أخلدت لهم المصاعب ، وجرت لهم الفتن والخطوب على امتداد التاريخ .
إن البحث عن التاريخ الإسلامي في تلك الحقبة الخاصة من الزمن إذا لم يعرض لتلك الأحداث بالبسط والتحليل ، ولم يلق الأضواء على دوافعها ومجرياتها ، فإنّه يكون بحثاً تقليدياً لا روح فيه ، ولا ثمرة تعود فيه على القراء .
وقد أشرنا في الجزء الأول هذا من الكتاب إلى الكثير من الأحداث ، وعرضنا الأنظمة السياسية والاقتصادية التي وضع برامجها الخلفاء في العصر الأول ، وقد تأملنا في كثير منها بتحفظ وتجرّد شأن الباحث الذي يهمه الوصول إلى الواقع مهما استطاع إليه سبيلاً ، وإني - فيما اعتقد - أن من الإثم وتعمّد الجهل أن نتكلف إخفاء أية ناحية من النواحي السياسية أو الاجتماعية في ذلك العصر، فإن إخفاء ذلك من ألوان التضليل والدجل على القرّاء .
وليس في دراسة التاريخ دراسة منهجية تغيير له ، أو قلب لمفاهيمه ، أو خروج عن موازين البحث العلمي المجرد ، وإنما هي من صميمه كما هي من متطلبات الحياة الثقافية في هذا العصر.
وعلى أية حال فإنّ هذه الدراسة ترتبط ارتباطاً ذاتياً وموضوعياً بحياة الإمام
الحسين (علیه السّلام)، فقد عاش تلك الحقبة الخاصة من الزمن المليئة بالأحداث ، وقد نظر إليها بعمق وشمول ووقف على أهدافها ، وهى - من دون شك قد ساهمت مساهمة إيجابية في كثير من الأحداث التي فزع منها المسلمون ، والتي كان منها كارثة كربلاء ، فإنها كانت إحدى النتائج المباشرة لذلك التخدير الذي منيت به الأمة من جراء الحكم الأموي الذي جهد على شل الحياة الفكرية والاجتماعية ، وإشاعة الانتهازية بين المسلمين .
وأنا آمل أن أكون في هذه الدراسة قد واكبت الواقع ، وابتعدت عن العواطف التقليدية ، وآثرت الحق في جميع ما كتبته ، لا أبتغي بذلك إلا إبراز التاريخ الإسلامي على واقعه من دون تحيّز .
والله ولي التوفيق
کنبة امام الحسن العامة
باقر شریف القرشي
النجف الاشرف
وفزعت القبائل القرشية أشدّ ما يكون الفزع هولاً من حكومة الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، وأيقنت أن جميع مخططاته السياسية والاقتصادية إنما هي امتداد ذاتي للاتجاهات الفكرية والاجتماعية عند الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) الذي أطاح بغلوائهم وكبريائهم ، وحطّم حياتهم الاقتصادية القائمة على الربا والاحتكار والاستغلال ، ومما زاد في فزعهم القرارات الحاسمة التي أعلنها الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) فور انتخابه للحكم ، والتي كان منها إقصاء ولاة عثمان عن جميع مراكز الدولة ، ومصادرة جميع ما نهبوه من الخزينة المركزية ، كما اضطربوا من إعلانه للمساواة العادلة بين جميع الشعوب الإسلامية ، ومن مساواته في الحقوق والواجبات ، ومساواته في كلّ شيء ، وقد هالهم ذلك ، فكانوا يرون أنّ لهم التفوق على بقية الشعوب ، ولهم امتيازات خاصة على بقية الناس.
لقد ورمت آناف القرشيين وسائر القوى المنحرفة عن الحق من حكومة الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، فأجمع رأيهم على إعلان العصيان المسلّح ، وإشعال نار الحرب في البلاد للإطاحة بحكومته التي اتخذت الحكم وسيلة للإصلاح الاجتماعي ، وتطوير حياة الإنسان ، وأوّل الحروب التي أثيرت على الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) هي حرب الجمل ، وأعقبتها حرب صفين ، ثمّ حرب النهروان ، وقد وضعت تلك الحروب الحواجز والسدود أمام حكمه الهادف إلى رفع مستوى القيم الإنسانية ، والقضاء على جميع ألوان التأخر في البلاد.
ويقول الرواة : إن الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) قد أحاط الإمام علماً بما يُمنى به في عهد خلافته من تمرّد بعض الفئات عليه ، وقد عهد إليه بقتالهم ، وقد أسماهم الناكثين والقاسطين والمارقين(1)
الزوائد : 6: 235 . كنز العمّال : 11: 292 ، 327. مجمع.
، ولابد لنا أن نعرض بإيجاز لهذه الحروب التي تصوّر لنا الحياة السياسية والفكرية في ذلك العصر ، الذي أترعت فيه عواطف الكثيرين بحب الملك والسلطان ، كما تصوّر لنا الأحقاد التي تكنها القبائل القرشية للإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، و من المقطوع به أن هذه الأحداث قد ساهمت مساهمة إيجابية في خلق كارثة كربلاء ، فقد نشرت الأوبئة الاجتماعية ، وخلقت جيلاً انتهازياً ، لا ينشد إلا مطامعه الخاصة ، وفيما يلي ذلك :1) المستدرك على الصحيحين: 3: 139 تاریخ بغداد : 8 : 341. أسد الغابة : 4 : 33 .
وهم الذين نكثوا بيعتهم، وخاسوا ما عاهدوا عليه الله في التضحية والطاعة للإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، فانسابوا في ميادين الباطل وساحات الضلال ، وتمرسوا في الإثم . وقد أجمع فقهاء المسلمين على تأثيمهم إذ لم يكن لهم أي مبرر في الخروج على السلطة الشرعية التي تبنّت المصالح العامة ، وأخذت على عاتقها أن تسير بين المسلمين بالحق المحض والعدل الخالص، وتقضي على جميع على جميع أسباب التخلّف في البلاد .
أمّا أعلام الناكثين فهم : طلحة ، والزبير ، والسيدة عائشة بنت أبي بكر(1)
«قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لعلى (علیه السّلام) : سَيَكُونُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَائِشَةَ أَمْرٌ .
قال (علیه السّلام): أَنا يا رَسُولَ اللهِ ؟
قال (صلی الله علیه و آله و سلم): نَعَمْ .
قال (علیه السّلام): أنا مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِي ؟
قال (صلی الله علیه و آله و سلم): نَعَمْ .
قال (علیه السّلام): فَأَنا أَشْفَاهُمْ ؟!
قال (صلی الله علیه و آله و سلم): لا ، وَلكِنْ إِذا كانَ ذلِكَ فَارْدُدَها إِلَى مَأْمَنِها» - المعجم الكبير / الطبراني : 1: 332 و 333 ، الحديث 995 .
، ومروان ابن الحكم ، وسائر بني أمية ، وغيرهم من الذين ضاقوا ذرعاً من عدله ومساواته .والشيء المحقق أنه لم تكن للناكثين أية أهداف اجتماعية ، وإنّما دفعتهم
1) وقد أحاط النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) الإمام علي (علیه السّلام) بما يقع بينه وبين عائشة ، بما ورد عن أبي رافع قال :
مصالحهم الخاصة لنكث بيعة الإمام ، فطلحة والزبير قد خفّا إليه بعد أن تقلد الخلافة يطلبان منحهما ولاية البصرة والكوفة(1)، فلما خاب أملهما أظهرا السخط ، ومضيا الهوى إلى الغاية ، وخرجا من لدنه إلى السادة ورؤوس الناس يحرضانهم عليه ، وينقمان منه أنّه خالف سنة عمر في التقسيم ، أكان عمر حرياً أن يصيب دون رسول الله ؟!
ولقد لقيت دعوتهما هذي صدى فى النفوس الصاغية للدنيا ، فالتف بهما قوم ميزهم التوزيع العمري ووضعهم العلوي حيثما أرادت شرعة المساواة. ووقفوا جميعاً يتحينون اللحظات عساهم يستطيعون أن يزيلوا دولة هذا الرجل - أي أمير المؤمنين (علیه السّلام)- الذي لا يأبه في حكمه بعراقة الأنساب أو مفاخرة الأحساب ، والذي نزل بأقدارهم إلى مثل الدرك الذي كانت عليه أقدار الفرس والمصريين من الأجناس الدنيا حتى الأمس القريب .
وقد أدلى الزبير بتصريح أعرب فيه عن أهدافه ، فقد أقبل إليه وإلى طلحة رجل فقال لهما : إن لكما صحبة وفضلاً فأخبراني عن مسيركما وقتالكما ، أشيء أمركما به رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، أم رأي رأيتما ؟! ،
وسكت طلحة ، وأما الزبير فقال : حُدّثنا أنّ هاهنا بيضاء وصفراء - يعني دراهم و دنانير - فجئنا لنأخذ منها(2).
من أجل الظفر بالمنافع الماديّة أعلن الشيخان تمردهما على حكومة الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام).
وأما السيدة عائشة فإنّها كانت تروم إرجاع الخلافة إلى أسرتها ، فهي أول من قدح زناد الثورة على عثمان ، وأخذت تُلهب المشاعر والعواطف ضده ، وكانت تقول :
«اقتلوا نعثلاً فقد كفر»(1).
وقد جهدت على ترشيح طلحة للخلافة ، وكانت تشيد به في كل مناسبة إلّا أنّها أخيراً استجابت لعواطفها الخاصة المترعة بالود والحنان لابن أختها عبد الله بن الزبير فرشحته لإمارة الصلاة وقدّمته على طلحة(2).
وأما بنو أمية فقد طلبوا من الإمام على (علیه السّلام) أن يضع عنهم ما أصابوه من المال في أيام عثمان ، فرفض (علیه السّلام) أن يضع عنهم ما اختلسوه من أموال الأمة فأظهروا له العداء ، وعملوا على إثارة الفتنة والخلاف .
وعلى أية حال فإنّه لم تكن للناكثين نزعة إصلاحية أو دعوة إلى الحق ، وإنّما كانت بواعثهم الأنانية والأطماع والأحقاد على الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) ؛ الذي هو نفس رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، و باب مدينة علمه.
وأيقن معاوية بأهداف الزبير وطلحة ، فقام بدوره في خديعتهما وإغرائهما ؛ ليتخذهما سلّماً يعبر عليهما لتحقيق أهدافه وماريه ، فقد كتب إلى الزبير رسالة جاء فيها : «لعبد الله الزبير أمير المؤمنين من معاوية بن أبي سفيان ، سلام عليك . أما بعد ، فإنّي قد بايعت لك أهل الشام ، فأجابوا واستوسقوا كما يستوسق الجلب ، فدونك الكوفة والبصرة لا يسبقك إليها ابن أبي طالب فإنّه لا شيء بعد هذين المصرين ، وقد بايعت لطلحة بن عبيد الله من بعدك ، فاظهرا الطلب بدم عثمان ، وادعوا الناس إلى ذلك ، وليكن منكما الجدّ والتشمير ، أظفركما الله وخذل منا وتكما ...».
ولما وصلت هذه الرسالة إلى الزبير لم يملك صوابه من الفرح والسرور ، وخف إلى طلحة ، فأخبره بذلك ، فلم يشكا في صدق نيته وإخلاصه لهما، وتحفّزا إلى إعلان الثورة عليه (علیه السّلام)، واتخذا دم عثمان شعاراً لهما(1).
وخفّ المتآمرون إلى مكة فاتخذوها وكراً لدسائسهم التخريبية الهادفة لتقويض حكم الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، وقد وجدوا في هذا البلد الحرام تجاوباً فكرياً مع الكثيرين من أبناء القبائل القرشية التي كانت تكن في أعماق نفسها الكراهية والحقد على الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)؛ لأنه قد وتر الكثيرين منهم في سبيل الإسلام.
وعلى أية حال فقد تداول زعماء الفتنة الآراء في الشعار الذي يتبنونه ، والبلد الذي يغزونه ، وسائر الشؤون الأخرى التي تضمن لثورتهم النجاح .
واتخذ أعضاء المؤتمر بالإجماع القرارات التالية ، وهي :
الأول : أن يكون شعار المعركة دم عثمان والمطالبة بثأره ؛ لأنه قتل مظلوماً ، واستباح الثوّار دمه بعد توبته بغير حق ، لقد رفعوا قميص عثمان شعاراً لهم فكان شعاراً للتمرّد ، وشعاراً للرأسمالية القرشية التي طغت في البلاد(2).
الثاني : تحميل الإمام علي (علیه السّلام) المسؤولية في إراقة دم عثمان ؛ لأنه أوى قتلته ولم يقتص منهم(3).
الثالث : الزحف إلى البصرة واحتلالها ، واتخاذها المركز الرئيسي للثورة ؛ لأن لهم
بها حزباً وأنصاراً ، وقد أعرضوا عن الزحف إلى يثرب ؛ لأن فيها الخليفة الشرعي ، وهو يتمتع بالقوى العسكرية التي لا قابلية لهم عليها ، كما أعرضوا عن النزوح إلى الشام ؛ لأنّ الأمويين لم يستجيبوا لهم ؛ لأنها كانت تحت قبضتهم ، فخافوا عليها من التصدّع والاحتلال(1).
وجهز يعلى بن أمية جيش عائشة بالأموال التي نهبها من بيت المال حينما كان والياً على اليمن أيام عثمان ، ويقول المؤرخون : إنّه أمد الجيش بستمائة بعير ، وستمائة ألف درهم(2). وأمدّهم عبد الله بن عامر والي عثمان على البصرة بمال كثير كان قد اختلسه من بيت المال(3)، ولم يتحرّج أعضاء القيادة العسكرية العامة في جيش عائشة من هذه الأموال المحرّمة .
وخطبت عائشة في مكة خطاباً سياسياً حمّلت فيه المسؤولية في إراقة دم عثمان على الغوغاء ، فهم الذين سفكوا الدم الحرام في الشهر الحرام ، وقد قتلوا عثمان بعد ما أقلع عن ذنوبه وأخلص في توبته ، ولا حجة لهم فيما اقترفوه من سفك دمه(4).
وقد كان خطابها - فيما يقول المحققون : - حافلاً بالمغالطات السياسية ، فإنّ الغوغاء لم يسفكوا دمه ، وإنّما سفك دمه الذين رفعوا علم الثورة عليه ، وفي
طليعتهم كبار الصحابة كعمار بن ياسر ، وأبي ذر ، وعبد الله بن مسعود ، وطلحة ، والزبير ، وكانت هي بالذات من أشد الناقمين عليه ، فقد اشتدت في معارضته ، وأفتت في قتله وكفره ، فقالت : «اقتلوا نعثلاً فقد كفر»(1)، فأية علاقة للغوغاء بإراقة دمه ؟!
وأما توبته فإنّ عثمان أعلن غير مرة عن تراجعه عن أحداثه إلا أن بني أُمية كانوا يزجونه في مخططاتهم السياسية فيعود إلى سياسته الأُولى ، ولم يقلع عنها حتى قتل .
وعلى أية حال فقد كان خطابها أوّل بادرة لإعلان العصيان المسلح على حكومة الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، وكان الأولى بعائشة - بحسب مكانتها الاجتماعية - أن تدعو إلى وحدة الصف وجمع كلمة المسلمين، وأن تقوم بالدعم الكامل لحكومته (علیه السّلام) التي تمثل أهداف النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وما تصبوا إليه الأمة من العزة والكرامة.
ومن الغريب حقاً أن تخفّ عائشة إلى أم سلمة تطلب منها القيام بمناجزة الإمام علي (علیه السّلام)، مع علمها بما تكنه من الولاء والتقدير له ، الأمر الذي دل على عدم خبرتها بالاتجاهات الفكرية لضرّاتها من أزواج النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، ولما قابلتها خاطبتها بناعم القول ، قائلة : يا بنت أبي أمية ، أنتِ أوّل مهاجرة من أزواج رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وأنت كبيرة أمهات المؤمنين ، وكان رسول الله يقسم لنا من بيتك ، وكان جبرئيل أكثر ما يكون في منزلك .
ورمقتها أُم سلمة بطرفها ، وقالت لها بريبة : لأمر ما قلت هذه المقالة ؟ !
فأجابتها عائشة مخادعة : إن القوم استتابوا عثمان ، فلما تاب قتلوه صائماً في
1) بحار الأنوار: 32 : 143 . الغدير : 9: 80. الإمامة والسياسة : 1 : 52 . الكامل في التاريخ : 3: 105.
الشهر الحرام ، وقد عزمت على الخروج إلى البصرة ، ومعي الزبير وطلحة فاخرجي معنا لعل الله يصلح هذا الأمر على أيدينا .
وأسدت لها أُم سلمة النصيحة ، وذكرتها بمواقفها مع عثمان ونقمتها عليه ، وحذرتها من الخروج على ابن عم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قائلة : يا بنت أبي بكر ، بدم عثمان تطلبين ؟ ! والله لقد كنت من أشدّ الناس عليه ، وما كنت تسمينه إلا نعثلاً، فمالكِ ودم عثمان ؟ وعثمان رجل من بني عبد مناف، وأنتِ امرأة من بني تيم بن مرّة ، ويحك يا عائشة ، أعلى علي وابن عم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) تخرجين ، وقد بايعه المهاجرون والأنصار ؟!
وجعلت أم سلمة تذكر عائشة فضائل علي ومآثره وقرب منزلته من رسول الله ، وكان عبد الله بن الزبير يسمع حديثها فغاظه ذلك ، وخاف أن تصرف عائشة عن عزمها ، فصاح بها : يا بنت أبي أمية ، إننا قد عرفنا عداوتك لآل الزبير .
فنهرته أم سلمة وصاحت به : والله لتوردتها ثم لا تصدرتها أنت ولا أبوك ، أتطمع أن يرضى المهاجرون والأنصار بأبيك الزبير وصاحبه طلحة ، وعلي بن أبي طالب حتي وهو ولي كل مؤمن ومؤمنة.
فقال لها ابن الزبير : ما سمعنا هذا من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ساعة قط .
فقالت أم سلمة : إن لم تكن أنت سمعته ، فقد سمعته خالتك عائشة ، وها فاسألها قد سمعته (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول : عَلِيٌّ خَلِيفَتِي عَلَيْكُمْ فِي حَياتِي وَمَمَاتِي ، مَنْ عَصَاهُ فَقَدْ عصانِي أتشهدين يا عائشة بهذا أم لا ؟
فلم يسع عائشة الإنكار ، وراحت تقول : اللهم نعم .
ومضت أم سلمة في نصيحتها لعائشة قائلة : اتقي الله يا عائشة في نفسك، واحذري ما حذرك الله ورسوله ، ولا تكوني صاحبة كلاب الحوأب ، ولا يغرنك الزبير وطلحة فإنّهما لا يغنيان عنكِ من الله شيئاً ...
ولم تعِ عائشة نصيحة أم سلمة ، واستجابت لعواطفها ، وأصرت على مناجزة الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام). وكتبت أم سلمة بجميع الأحداث التي جرت في مكة إلى الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، وأحاطته علماً بأعضاء الفتنة(1).
وتحركت كتائب عائشة صوب البصرة ، ودق طبل الحرب ، ونادى المتمرّدون بالجهاد ، وقد تهافت ذوو الأطماع والحاقدون على الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) إلى الالتحاق بجيش عائشة ، قد رفعوا أصواتهم بالطلب بدم عثمان الذي سفكه طلحة والزبير وعائشة ، واتجهت تلك الجيوش لتشق كلمة المسلمين ، وتغرق البلاد بالتكل والحزن والحداد .
وسار موكب عائشة في البيداء يجد السير ، فصادفهم العرني صاحب عسكر ، فعرض له راكب فقال له : يا صاحب الجمل ، أتبيع جملك ؟
نعم .
بكم ؟
بألف درهم .
ويحك !! أمجنون أنت ، جمل يباع بألف درهم ؟
نعم ، جملي هذا ، فما طلبت عليه أحداً قط إلا أدركته ، ولا طلبني وأنا عليه أحد قط إلا فته ...
1) بحار الأنوار: 32 : 168 الفتوح : 2 : 454 - 455 . شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد: 6: 217 و 218.
لو تعلم لمن نريده لأحسنت بيعنا .
لمن تريده ؟
لأمك.
لقد تركت أمي في بيتها قاعدة ما تريد براحاً.
إنّما أريده لأم المؤمنين عائشة .
هو لك خذه بغير ثمن .
ارجع معنا إلى الرحل فلنعطك ناقة مَهْريَّة(1)، ونزيدك دراهم .
فقفل معهم فأعطوه الناقة وأربعمائة درهم أو ستمائة درهم ، وقدم عسكر إلى عائشة فاعتلت عليه(2)، وقد أصبح كعجل بني إسرائيل فقطعت الأيدي ، وأُزهقت الأنفس وأُريقت الدماء من حوله .
وسارت قافلة عائشة ، فاجتازت على مكان يقال له : (الحوأب)(3)، فتلقت الركب كلاب الحيّ بهرير وعواء ، فذعرت عائشة ، فالتفتت إلى محمّد بن طلحة فقالت له : أي ماء هذا يا محمد ؟
فهتفت وهي تلهث : ما أراني إلا راجعة.
سمعت رسول الله يقول لنسائه : كَأَنِّي بِإِحْداكُنَّ قَدْ نَبَحَتْهَا كِلَابُ الْحَوْابِ ، وَإِيَاكِ أَنْ تَكُونِى أَنْتِ يا حُمَيْراءُ(1).
تقدمي رحمك الله ودعي هذا القول.
فلم تبرح من مكانها ، وطافت بها الهموم والآلام ، وأيقنت بضلالة قصدها، وذعرت القيادة العسكرية من توقف عائشة التي اتخذوها قبلة لهم يغرّون بها السذَّج والبسطاء ، فخفّوا إليها في دهشة قائلين : يا أُمه .
فقطعت عليهم الكلام ، وراحت تقول بنبرات ملؤها الأسى والحزن : أنا والله صاحبة كلاب الحوأب ، ردّوني ، ردّوني .
وأسرع إليها ابن أختها عبد الله بن الزبير كأنه ذئب فانهارت أمامه ، واستجابت لعواطفها ، ولولاه لارتدت على عقبيها إلى مكة ، فجاء لها بشهود اشتری ضمائرهم ، فشهدوا عندها أنه ليس بماء الحوأب ، وهي أول شهادة زور تُقام في الإسلام(2)، فأقلعت عن فكرتها ، وأخذت تقود الجيوش لحرب وصيّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و باب مدينة علمه .
ودهمت جيوش عائشة أهل البصرة ، فمُلئت قلوبهم ذعراً وفزعاً وخوفاً ،
1) روی ابن عباس عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال يوماً لنسائه وهن جميعاً عنده : «أَيَّتُكُنَّ صاحِبَةُ أنه الْجَمَلِ الْأَدَبِّ تَنْبَحُها كِلَابُ الْحَوْأَبِ؟ يُقْتَلُ عَنْ يَمِينِها وَشِمَالِها قَتْلَى كَثِيرَةً كُلُّهُمْ في النّارِ ، وَتَنْجُو بَعْدَ مَا كَادَتْ» - تاريخ اليعقوبي : 2: 79. تاريخ الأمم والملوك : 4: 178. الاستيعاب : 4 : 1885 . وجاء فيه : «وهذا الحديث من أعلام نبوته (صلی الله علیه و آله و سلم)». الكامل في التاريخ : 3 : 107 . تذكرة الخواص : 68. شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 9: 311. البداية والنهاية : 7: 242 الخصائص الكبرى : 2 : 137 .
2) تاريخ اليعقوبي : 2 : 79 مروج الذهب : 2 : 358.
فقد أحاطت ببلدهم القوات العسكرية التي تُنذر باحتلال بلدهم ، وجعلها منطقة حرب ، وعصيان على الخليفة الشرعي، وانبرى حاكم البصرة عثمان بن حنيف وهو من ذوي الإدارة والحزم والحريجة في الدين، فبعث أبا الأسود الدؤلي إلى عائشة يسألها عن سبب قدومها إلى مصرهم ، ولما مثل عندها قال لها : ما أقدمك يا أم المؤمنين ؟
أطلب بدم عثمان .
ليس في البصرة من قتلة عثمان أحد .
صدقت ، ولكنهم مع عليّ بن أبي طالب بالمدينة ، وجئت أستنهض أهل البصرة لقتاله ، أنغضب لكم من سوط عثمان ، ولا نغضب لعثمان من سيوفكم ؟ !
ورد عليها أبو الأسود قائلاً:
ما أنتِ من السوط والسيف ؟ ! إنّما أنتِ حبيسة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، أمرك أن تقرّي في بيتك وتتلي كتاب ربّك ، وليس على النساء قتال ، ولا لهنّ الطلب بالدماء ، وإنّ عليّاً لأولى منك ، وأمس رحماً ، فإنّهما ابنا عبد مناف.
ولم تذعن لقوله ، وراحت مصرّة على رأيها قائلة :
لست بمنصرفة حتّى أمضي لما قدمت إليه ، أفتظن أبا الأسود أن أحداً يقدم على قتالي ؟!
وحسبت أنها تتمتع بحصانة لعلاقتها الزوجية من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ، فلا يقدم أحد على قتالها ، ولم تعلم أنّها أهدرت هذه الحرمة ولم ترعَ لها جانباً ، فأجابها أبو الأسود بالواقع قائلاً: أما والله لتقاتلن قتالاً أهونه الشديد .
ثمّ انعطف أبو الأسود صوب الزبير فذكره بماضي ولائه للإمام أمير المؤمين (علیه السّلام) وقربه منه ، قائلاً : يا أبا عبد الله ، عهد الناس بك وأنت يوم بويع أبو بكر آخذاً بقائم سيفك تقول : لا أحد أولى بهذا الأمر من ابن أبي طالب ، وأين هذا المقام من ذاك ؟
فأجابه الزبير بما لم يؤمن به قائلاً: نطلب بدم عثمان.
قال : أنت وصاحبك وليتماه فيما بعد .
وَلَانَ الزبير واستجاب لنصيحة أبي الأسود ، إلا أنه طلب منه مواجهة طلحة وعرض الأمر عليه ، فأسرع أبو الأسود تجاه طلحة ، وعرض عليه النصيحة فأبي من الاستجابة وأصرّ على الغي والعدوان .
ورجع أبو الأسود من وفادته التي أخفق فيها ، فأحاط ابن حنيف علماً بالأمر، فجمع أصحابه وخطب فيهم ، وقال : أيها الناس ، إنّما بايعتم الله ، يدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِم فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَن أوفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أجْراً عَظِيماً(1).
والله لو علم على أحداً أحق بهذا الأمر منه ما قبله ، ولو بايع الناس غيره لبايع وأطاع ، وما به إلى أحد من صحابة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) حاجة ، وما بأحد عنه غنى ، ولقد شاركهم في محاسنهم ، وما شاركوه في محاسنه ، ولقد بايع هذان الرجلان ، وما يريدان الله ، فاستحلا الفطام قبل الرضاع، والرضاع قبل الولادة، والولادة قبل الحمل ، وطلبا ثواب الله من العباد ، وقد زعما أنهما بايعا مستكرهين ، فإن كانا استكرها قبل بيعتهما وكانا رجلين من عرض قريش لهما أن يقولا ولا يأمرا ألا وإنّ الهدى ما كانت عليه العامة ، والعامة على بيعة على ، فما ترون أيها الناس(2).
فقام إليه الفذ النبيل حكيم بن جبلة ، فخاطبه بمنطق الإيمان والحق والإصرار على الحرب(3).
وجرت مناظرات بين الفريقين إلا أنّها لم تنته إلى خير ، وخطب طلحة والزبير ،
وكان خطابهما الطلب بدم عثمان ، فردّ عليهما أهل البصرة ممن كانت تأتيهم رسل طلحة بالتحريض على قتل عثمان ، وحمّلوه المسؤولية في إراقة دمه ، وخطبت عائشة خطابها الذي كانت تكرره في كل وقت وهو التحريض على المطالبة بدم عثمان ؛ لأنه قد خلص من ذنوبه وأعلن توبته ، ولكنها لم تنه خطابها حتى ارتفعت الأصوات ، فقوم يصدقونها وقوم يكذبونها ، وتسابوا فيما بينهم وتضاربوا بالنعال .
واقتتل الفريقان أشدّ القتال وأعنفه ، وأسفرت الحرب عن عقد هدنة بينهما حتى يقدم الإمام علي (علیه السّلام) ، وكتبوا بينهم كتاباً وقعه عثمان بن حنيف ، وطلحة والزبير ، وقد جاء فيه بإقرار عثمان بن حنيف على الإمرة ، وترك المسلحة وبيت المال له ، وأن يباح للزبير وطلحة وعائشة ومن انضم إليهم أن ينزلوا حيث شاءوا من البصرة .
ومضى ابن حنيف يُقيم بالناس الصلاة ، ويُقسم المال بينهم ، ويعمل على نشر الأمن وإعادة الاستقرار في المصر ، إلا أنّ القوم قد خاسوا بعهدهم ومواثيقهم ، فأجمعوا على الفتك بابن حنيف.
ويقول المؤرخون : إن حزب عائشة انتهز وا ليلة مظلمة شديدة الريح ، فعدوا على ابن حنيف وهو يصلي بالناس صلاة العشاء ، فأخذوه ، ثمّ عدوا إلى بيت المال فقتلوا من حرسه أربعين رجلاً واستولوا عليه ، وزجوا بابن حنيف في السجن ، وأسرفوا في تعذيبه بعد أن نتفوا لحيته وحاجبيه(1).
وغضب قوم من أهل البصرة، ونقموا على ما اقترفه القوم من نقض الهدنة ، والنكاية بحاكمهم ، واحتلال بيت المال ، فخرجوا يريدون الحرب ، وكانت هذه الفئة من ربيعة يرأسها البطل العظيم حكيم بن جبلة ، فقد خرج في ثلاثمائة رجل من بني عبد القيس ، وخرج أصحاب عائشة ، وحملوها معهم على جمل ، وسمّي ذلك
1) الكامل في التاريخ : 3 : 110. شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 9: 319 - 321.
اليوم يوم الجمل الأصغر(1)، والتحم الفريقان في معركة رهيبة ، وقد أبلى ابن جبلة بلاء حسناً .
ويقول المؤرخون : إنّ رجلاً من أصحاب طلحة ضربه ضربة قطعت رجله ، فجثا حكيم وأخذ رجله المقطوعة فضرب بها الذي قطعها فقتله ، ولم يزل يقاتل حتى قتل(2).
لقد أضاف القوم إلى نقض بيعتهم للإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) نكثهم للهدنة التي وقعوا عليها مع ابن حنيف، وإراقتهم للدماء بغير حق، ونهبهم ما في بيت المال ، وتنكيلهم بابن حنيف .
ويقول المؤرخون : إنّهم قد همّوا بقتله لولا أنّه هددهم بأخيه سهل بن حنيف الذي يحكم المدينة من قِبَل الإمام علي (علیه السّلام) ، وأنه سيضع السيف في بني أبيهم إن أصابوه بمكروه ، فخافوا من ذلك وأطلقوا سراحه ، فانطلق حتى التحق بالإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) في بعض طريقه إلى البصرة ، فلما دخل عليه قال له مداعباً أرسلتني إلى البصرة شيخاً فجئتك أمرد(3).
وأوغرت هذه الأحداث الصدور ، وزادت الفرقة بين أهل البصرة ، فقد انقسموا على أنفسهم ، فطائفة منهم تسللوا حتى التحقوا بالإمام ، وقوم انضموا إلى جيش عائشة ، وطائفة ثالثة اعتزلت الفتنة ، ولم يطب لها الانضمام إلى أحد الفريقين.
وليس من الغريب في شيء أن يتنازع كلّ من طلحة والزبير على إمامة الصلاة ،
فإنّهما إنّما نكثا بيعة أمير المؤمنين (علیه السّلام) طمعاً بالحكم وسعياً وراء المصالح المادية .
ويقول المؤرخون : إن كل واحد منهما كان يوم التقدم على صاحبه لإمامة الناس ، والآخر يمنعه حتى فات وقت الصلاة ، فخافت عائشة من تطور الأحداث ، فأمرت أن يصلي بالناس يوماً محمّد بن طلحة ، ويوماً عبد الله بن الزبير(1)، فذهب ابن الزبير ليصلي فجذبه محمد وتقدّم للصلاة فمنعه عبد الله .
ورأى الناس أنّ خير وسيلة لقطع حبل النزاع القرعة ، فاقترعا فخرج محمد بن طلحة ، فتقدم وصلى بالناس وقرأ في صلاته سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِع(2)، وأثارت هذه الصور الهزيلة السخرية عليهم بين الناس ، واندفعوا إلى نقدهم ، وفي ذلك يقول الشاعر :
تبارَى الغُلامانِ إِذْ صَلَّيا *** وَشَحُ عَلَى المُلْكِ شَيخاهما
وَمَالِي وَطَلْحَةَ وَابْنِ الزُّبيرِ *** وهذا بِذِي الجِزْع مَولاهُما(3)
فَأُمُّهُما اليَومَ غَرْتهُمَا *** وَيَعلَى بْنُ أُمَيَّةَ دَلَّاهُما(4)
إنّ هذه البادرة تصوّر مدى تهالك القوم على الأمرة والسلطان ، وهم بعد في بداية الطريق ، فلو كُتب لهم النجاح في القضاء على حكم الإمام علي (علیه السّلام) ، لفتح بعضهم على بعض باب الحرب للاستيلاء على زمام الحكم .
وأوفد الإمام علي (علیه السّلام) رسله إلى أهل الكوفة يستنجد بهم ، ويدعوهم إلى نصرته ،
والقيام معه لإخماد نار الفتنة التي أشعلها المتمرّدون ، وأقبل الرسل إلى الكوفة ، فوجدوا عاملها أبا موسى الأشعري يدعو إلى الفتنة ، ويخذل الناس عن نصرة إمامهم ، ويدعوهم إلى التمرّد ، ويحبب لهم العافية ، ولم تكن لأبي موسى حجّة في ذلك ، وإنما كان يعبّر عن حقده وأضغانه على الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، وكان - فيما أجمع عليه المؤرخون - عثماني الهوى .
وأقبلت رسله (علیه السّلام) على أبي موسى يعنّفونه ويلومونه ، إلا أنه لم يُعنّ بهم ، فبعثوا إلى الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) رسالة ذكروا فيها تمرّده وعدم استجابته لنداء الحق ، وأرسل إليه الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) هاشم المرقال وهو من خيرة أصحابه ، وزوّده برسالة يطلب فيها مجيء أبي موسى إليه .
ولما انتهى إليه هاشم وعرض عليه رسالة الإمام علي (علیه السّلام) لم يستجب له ، ويقي مصمّماً على عناده وعصيانه ، فأرسل هاشم رسالة يخبره فيها بموقف أبي موسى وتمرده ، فبعث ولده الحسن (علیه السّلام) وعمّار بن ياسر ومعهما رسالة بعزله ، وتعيين قرظة بن كعب الأنصاري مكانه .
ولما وصل الإمام الحسن (علیه السّلام) إلى الكوفة التأم الناس حوله زمراً ، وهم يظهرون له الطاعة والولاء ، وأعلن لهم عزل الوالي المتمرّد ، وتعيين قرظة في منصبه ، إلا أن ، أبا موسى بقي مصمّماً على غيّه يثبّط عزائم الناس ، ويدعوهم إلى التخاذل والخروج عن الطاعة ، ولم يستجب للإمام الحسن (علیه السّلام)، ورأى الزعيم الكبير مالك الأشتر أن الأمر لا يتم إلا بإخراج أبي موسى مهان الجانب ، فجمع نفراً من قومه أُولي بأس شديد ، فأغار بهم على قصر الإمارة، وأخذ الناس ينهبون أمتعته وأمواله ، فاضطر الجبان إلى الاعتزال عن عمله ، ومكث ليلته في الكوفة ، ثم خرج هارباً حتى أتى مكة فأقام مع المعتزلين.
ودعا الإمام الحسن (علیه السّلام) الناس إلى الخروج لنصرة أبيه ، وقد نفر معه آلاف كثيرة ، فريق منها ركب السفن، وفريق آخر ركب المطي، وهم مسرورون أشدّ ما يكون
السرور بنصرتهم للإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام).
وطوت الجيوش البيداء تحت قيادة الإمام الحسن (علیه السّلام) فانتهوا إلى ذي قار حيث كان الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) مقيماً هناك ، وقد سرّ بنجاح ولده ، وشكر له مساعيه وجهوده ، وانضمت جيوش الكوفة إلى الجيش الذي كان معه والبالغ عدده أربعة آلاف ، وكان فيهم أربعمائة ممن شهد بيعة الرضوان مع النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وقد أسند قيادة ميمنة جيشه إلى الإمام الحسن (علیه السّلام)، وقيادة ميسرته إلى الحسين (علیه السّلام)(1)كما كانت جيوشه مزوّدة بأحسن السلاح. ويقول المؤرخون : إن الحسين كان قد ركب فرس جده (صلی الله علیه و آله و سلم) المسمى بـ(المرتجز)(2).
وتحركت قوات الإمام علي (علیه السّلام) من ذي قار ، وهي على بينة من أمرها ، فلم تكن مترددة ولا شاكة في أنّها على الهدى والحق ، وقد انتهت إلى مكان يسمى بـ(الزاوية)(3)يقع قريباً من البصرة ، فأقام فيه الإمام ، وقد بادر إلى الصلاة وبعدما فرغ منها أخذ يبكي ودموعه تسيل على سحنات وجهه الشريف وهو يتضرع إلى الله في أن يحقن دماء المسلمين ، ويجنّبه ويلات الحرب ، ويجمع كلمة المسلمين على الهدى والحق .
وأوفد الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) رسل السلام للقاء عائشة ، وهما : زيد بن صوحان ، وعبيد الله بن العباس ، ولما مثلا عندها ذكراها بما أمرها الله أن تقرّ في بيتها،
وألا تسفك دماء المسلمين، وبالغا في نصيحتها ، ولو أنّها وعت نصيحتهما لعادت على الناس بالخير العميم، وجنبتهم كثيراً من المشاكل والفتن ، إلا أنها جعلت كلامهما دبر أذنيها وراحت تقول لهما : فإنّي لا طاقة لي بحجج عليّ بن أبي طالب(1).
وبذل الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) قصارى جهوده في الدعوة إلى السلم وعدم إراقة الدماء ، إلا أنّ هناك بعض العناصر لم تَرُقُ لها هذه الدعوة ، وراحت تسعى لإشعال نار الحرب وتقويض دعائم السلم .
ولما باءت بالفشل جميع الجهود التي بذلها الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) من أجل حقن الدماء ندب الإمام (علیه السّلام) أصحابه لرفع كتاب الله العظيم ، ودعوة القوم إلى العمل بما فيه ، وأخبرهم أنّ من يقوم بهذه المهمة فهو مقتول ، فلم يستجب له أحد سوى فتى نبيل من أهل الكوفة ، فانبرى إليه ، وقال : أنا له يا أمير المؤمنين(2).
فأدار الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) بوجهه عنه ، وطاف في أصحابه ينتدبهم لهذه المهمة فلم يستجب له أحد سوى ذلك الفتى ، فناوله (علیه السّلام) المصحف ، فانطلق الفتى مز هو اً لم يختلج في قلبه خوف ولا رعب ، وهو يلوّح بالكتاب أمام عسكر عائشة ، قد رفع صوته بالدعوة إلى العمل بما فيه ، ولكن القوم قد دفعتهم الأنانية إلى الفتك به ، فقطعوا يمينه فأخذ المصحف بيساره ، وهو يناديهم بالدعوة إلى العمل بما فيه ، فاعتدوا عليه وقطعوا يساره ، فأخذ المصحف بأسنانه وقد نزف دمه ، وراح يدعوهم إلى السلم وحقن الدماء ، قائلاً : الله في دمائنا ودمائكم .
وانثالوا عليه يرشقونه بنبالهم ، فوقع على الأرض جثّة هامدة ، فانطلقت إليه أُمه تبكيه وترثيه بذوب روحها قائلة :
يا رَبِّ إِنَّ مُسلِماً أَتاهُمُ *** يَتلُو كِتَابَ اللهِ لا يَخشَاهُمُ
فَخَضَّبُوا مِنْ دَمِهِ لِحَاهُمُ *** وَأُمُّهُ قائِمَةٌ تَرَاهُمُ
ورأى الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) بعد هذا الإعذار أن لا وسيلة له سوى الحرب فقال لأصحابه : الآنَ حَلَّ قِتالُهُمْ ، وَطابَ لَكُمُ الضّراب(1).
ودعا الإمام (علیه السّلام) حصين بن المنذر وكان شاباً ، فقال له : يا حُضَيْنُ ، دَونَكَ هَذِهِ الرّايَةُ ، فَوَاللهِ ما خَفَقَتْ قَطُّ فِيما مَضى ، وَلَا تَخْفِقُ فِيما بَقِيَ رايَةٌ أَهْدَى مِنْهَا إِلَّا رَايَةٌ خَفَقَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم).
وفي ذلك يقول الشاعر :
لِمَنْ رايَةً حَمْراهُ يَخفِقُ ظِلُّها *** إذا قيل قدمها حُضَينُ تَقَدِّما
ويدنو بها في الصف حَتَّى يُديرها *** حِمامَ المَنايا يَقطُرُ المَوتُ وَالدَّما(2)
ولما استيأس الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) من السلم عباً جيشه تعبئة عامة ، وكذلك فعل أصحاب عائشة ، وقد حملوها على جملها (عسكر) وأُدخلت هودجها المصفّح بالدروع ، والتحم الجيشان التحاماً رهيباً .
ويقول بعض المؤرخين : إنّ الإمام الحسين (علیه السّلام) قد تولى قيادة فرقة من فرق الجيش ، وأنّه كان على الميسرة ، وخاض المعركة ببسالة وصمود(3). وكان جمل
عائشة - فيما يقول بعض من شهد المعركة - هو راية أهل البصرة يلوذون به كما يلوذ المقاتلون براياتهم ، وقد حمل الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) عليهم فرفع العلم بيسراه ، وشهر في يمينه ذا الفقار الذي طالما ذب به عن دين الله ، وحارب به المشركين على عهد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).
واقتتل الفريقان أشدّ ما يكون القتال ضراوة ، يريد أصحاب عائشة أن يحرزوا النصر ويحموا أُمهم ، ويريد أصحاب الإمام علي (علیه السّلام) أن يحموا إمامهم ويموتوا دونه .
وكان الزبير رقيق القلب شديد الحرص على مكانته من النبي له إلا أن حبّ الملك هو الذي أغراه ودفعه إلى الخروج على الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، يضاف إلى ذلك ولده عبد الله فهو الذي زج به في هذه المهالك، وباعد ما بينه وبين دينه ، وقد عرف الإمام علي (علیه السّلام) رقة طبع الزبير فخرج إلى ميدان القتال ورفع صوته : أَيْنَ الزُّبَيْرُ ؟ فخرج الزبير وهو شاك في سلاحه ، فلما رآه الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) بادر إليه واعتنقه ، وقال له بناعم القول : يا أَبا عَبْدِ اللَّهِ ، ما جاءَ بِكَ هَاهُنا ؟!
فرمقه الإمام (علیه السّلام) بطرفه ، وقال له : تَطْلُبُ دَمَ عُثْمَانَ ؟!
نعم.
قَتَلَ اللَّهُ مَنْ قَتَلَ عُثْمَانَ .
وأقبل عليه يحدثه برفق ، قائلاً : أَنْشُدُكَ الله يا زُبَيْرُ ، هَلْ تَعْلَمُ أَنَّكَ مَرَرْتَ بِي وَأَنتَ مَعَ رَسولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) وَهُوَ مُتَّكِيٌّ عَلَى يَدِكَ ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَضَحِكَ إِلَيَّ ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْكَ ، فَقالَ لَكَ : يا زُبَيْرُ ، إِنَّكَ تُقاتِلُ عَلِيّاً وَأَنْتَ لَهُ ظَالِمٌ ؟
وتذكر الزبير ذلك وقد ذهبت نفسه أسى وحسرات ، وندم أشدّ ما يكون الندم
على موقفه هذا ، والتفت إلى الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) وهو يصدق مقالته : اللهم نعم .
نسيتها والله ، ولو ذكرتها ما خرجت إليك ولا قاتلتك(1).
ارجع .
كيف أرجع ؟! وقد التقت حلقتا البطان ، هذا والله العار الذي لا يغسل.
ارْجِعْ قَبْلَ أَنْ تَجْمَعَ الْعَارَ وَالنَّارَ .
وألوى عنان فرسه ، وقد ملكت الحيرة والقلق نفسه ، وراح يقول :
اخْتَرتُ عاراً عَلَى نارٍ مُؤَججةٍ *** ما إن يَقُومُ لَها خَلقَ مِنَ الطِّينِ
نادَى عَلِيٌّ بِأمرٍ لَستُ أَجْهَلَهُ *** عارٌ لَعَمرُكَ فِي الدُّنيا وَفِي الدِّينِ
فَقُلتُ حَسبُكَ مِنْ عَدْلٍ أَبا حَسَنٍ *** فَبَعْضُ هَذَا الَّذِي قَد قُلتَ يَكفِينِي(2)
وقفل الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) راجعاً إلى أصحابه ، فقالوا له : تبرز إلى الزبير حاسراً ، وهو شاك السلاح ، وأنت تعرف شجاعته !
فقال (علیه السّلام): إِنَّهُ لَيْسَ بِقاتِلِي ، إِنَّمَا يَقْتُلُنِي رَجُلٌ حَامِلُ الذِّكْرِ ، ضَئِيلُ النَّسَبِ ، غِيلَةٌ فِي غَيْرِ مَأْقَطِ(3)، حَرْبٍ وَلَا مَعْرَكَةِ رِجَالٍ . وَيلُ أُمِّهِ؛ أَشْقَى الْبَشَرِ لَيَوَدُّ أَنَّ أُمَّهُ هَبِلَتْ(4)بِهِ ، أَما إِنَّهُ وَأَحْمَرَ ثَمُودَ لَمَقْرُونَانِ فِي قَرْنٍ ...(5).
واستجاب الزبير لنداء الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) فاتجه صوب عائشة فقال لها :
يا أُمّ المؤمنين ، إنّي والله ما وقفت موقفاً قط إلا عرفت أين أضع قدمي فيه إلا هذا الموقف ، فإنّي لا أدري أمقبل أنا فيه أم مدير ؟
وعرفت عائشة تغيير فكرته وعزمه على الانسحاب من حومة الحرب ، فقالت له باستهزاء وسخرية مثيرة عواطفه : يا أبا عبد الله ، خفت سيوف بني عبد المطلب ؟!
وعاثت هذه السخرية في نفسه ، فالتفت إليه ولده عبد الله فعيّره بالجبن قائلاً: إنك خرجت على بصيرة ، ولكنك رأيت رايات ابن أبي طالب ، وعرفت أن تحتها الموت فجبنت .
إنه لم يخرج على بصيرة ولا بيّنة من أمره ، وإنما خرج من أجل الملك والسلطان .
والتاع الزبير من حديث ولده فقال له : ويحك إنّي قد حلفت له ألا أُقاتله.
فقال له : كفّر عن يمينك بعتق غلامك سَرْجِس .
قال الأميني (رحمه الله علیه) : «إنما حلف الزبير على ترك القتال ؛ لأنه وجده - بعد تذكير الإمام (علیه السّلام) له الحديث النبوي ، وبعد إتمام الحجة عليه بذلك - محرماً عليه في الدين ، وإنّه من الظلم الفاحش الذي استقل العقل بتحريمه فهل التكفير بعتق الغلام یبیح ذلك المحرم بالعقل والشريعة ؟ ويسوّغ الخروج على الإمام المفترض طاعته ؟ لا ، لكن تسويل عبدالله هو الذي فرّق بين الزبير وبين آل عبد المطلب(1).
فأعتق غلامه ، وراح يجول في ميدان الحرب ليُري ولده شجاعته ، ويوضح له إنّه إنّما فر بدينه لا جبناً ولا خوراً.
ومضى منصرفاً على وجهه حتى أتى وادي السباع ، وكان الأحنف بن قيس مع قومه مقيمين هناك ، فتبعه ابن جرموز فأجهز عليه وقتله غيلة ، وحمل نبأ مقتله إلى الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) ، فحزن عليه أشدّ ما يكون الحزن ، ويقول الرواة
1) الغدير : 9 : 102 .
إنَّه أخذ سيفه وهو يقول : سَيْفٌ طَالَما جَلَا الْكُرُوبَ عَنْ وَجهِ رَسولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم)(1).
وعلى أية حال لقد كانت النهاية الأخيرة للزبير تدعو إلى الأسف والأسى، فقد تمرّد على الحق ، وأعلن الحرب على وصيّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و باب مدينة علمه .
وخاض طلحة المعركة ، وهو يحرّض جيشه على الحرب ، فبصر به مروان بن الحكم ، فرماه بسهم طلباً بثأر عثمان ، فوقع على الأرض يتخبط بدمه(2)، وكان مروان يقول لبعض ولد عثمان : لقد كفيتك ثأر أبيك من طلحة . وأمر طلحة مولاه أن يأوي به إلى مكان ينزل فيه ، فأوى به بعد مشقة إلى دار خربة من دور البصرة ، فهلك فيها بعد ساعة .
وتولّت عائشة قيادة الجيش بعد هلاك الزبير وطلحة ، وقد تفانت بنو ضبة والأزد ، وبنو ناجية في حمايتها ، ويقول المؤرخون : إنّهم هاموا بحبّها فكانوا يأخذون بعر جملها ويشمونه ، ويقولون : بعر جمل أمنا ريحه ريح المسك(3)، وكانوا محدقين به لا يريدون فوزاً ولا انتصاراً سوى حمايتها ، وإن راجزهم يرتجز :
يا معشر الأَرْدِ عَلَيْكُمْ أُمُّكُمْ *** فَإِنَّها صَلَاتُكُمْ وَصَومُكُمْ
والحُرمَةُ العُظمى الَّتِي تَعمُكُمْ *** فَأَحضِرُوها جدكُمْ وَحَرمَكُمْ
لا يغلِبَنُ سَمُ العَدُو سَمُكُمْ *** إِنَّ العَدوّ إِنْ عَلاكُمْ زَمَّكُمْ
وَخَصَّكُم بِجُورِهِ وَعَمَّكُمْ *** لا تُفضَحُوا اليَومَ فِداكُمْ قَومُكُمْ(1)
وكانت تُحرّض على الحرب وهي تهيب بهم إلى المقاومة كأنّها تصور أمام عيونهم أبواب الجنة ، فيندفعون إلى الموت سراعاً يبتغون الخلود .
فالتفتت يسرة وسألت حماتها : مَن القوم ؟
قال صبرة بن شيمان : بنوك الأزد يا أُم المؤمنين .
فردّت تبثّ فيهم النخوة ، وتثير من أمجاد الماضي بأنفسهم ما يشترون بمثله الموت سلعة ثمينة ، يا آل غسان ، حافظوا اليوم جلادكم الذي كنا نسمع به ، وتمثلت :
وجالدَ مِنْ غَسَانَ أَهْلُ حِفاظها *** وَهِنْبٌ وَأَوسٌ جَالَدَتْ وَشَبِيبُ
ونظرت يمنة ، وسألت من القوم ؟ قالوا : بكر بن وائل ، فهتفت لكم يقول الشاعر :
وَجَاءُوا إِلَينا فِي الحَدِيدِ كَأَنَّهُمْ *** مِنَ العِزَّةِ القَعَسَاءِ بَكْرُ بنُ وَائِلِ
فما كان لأحد فيهم يسمع هذا الحديث منها وأمثاله إلا استبسل ، وثبت ثباتاً لا يتزحزح عنه أو يهلك(2).
وكان أصحاب الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) يلحون على أصحاب عائشة بالتخلّى عنها وراجزهم يرتجز :
يا أُمَّنا أعَنَّ أُمِّ تَعلَمُ *** والأُم تَعْذُو وُلدَها وَتَرحَمُ
أَما تَرَيْنَ كَمْ شُجَاعٍ يُکْلَمُ *** وتُختَلَى مِنْهُ يَدٌ وَمِعصَمْ(1)
وكان أصحاب عائشة يردّون عليهم ويقولون :
نَحنُ بَنُو ضَبَّةَ أَصحابُ الجَمَل *** تُنازِلُ القَرْن إِذا الفَرنُ نَزَلْ
وَالقَتلُ أَشهَى عِندَنا مِنَ العَسَلْ *** نبغِي ابنَ عَفَّانَ بِأَطْرَافِ الْأَسَلْ
رَدُّوا عَلَينا شَيخنا ثُمَّ بَجَلْ(2)
واشتد القتال أشدّ وأعنف ما يكون القتال، وكَثُرَ الجرحى وملأت أشلاء القتلى وجه الأرض .
ورأى الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) أن الحرب لا تنتهي ما دام الجمل موجوداً ، فصاح بأصحابه : اعْفُرُوا الْجَمَلَ ، فَإِنَّ فِي بَقَائِهِ فَنَاءَ الْعَرَبِ(3).
وانعطف عليه الإمام الحسن (علیه السّلام)، فقطع يده اليمنى ، وشدّ عليه الإمام الحسين (علیه السّلام) فقطع يده اليسرى(4)، فهوى إلى جنبه وله عجيج منكر لم يسمع مثله ، وفرّ حُماة الجمل في البيداء ، فقد تحطّم صنمهم الذي قدموا له هذه القرابين ، وأمر الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) بحرقه وتذرية رماده في الهواء لئلا تبقى منه بقية يفتتن بها
1) تاريخ الأمم والملوك : 4: 230. مناقب آل أبي طالب : 3 : 160. شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 1 : 264 .
2) تاريخ الأمم والملوك : 4 : 230 مروج الذهب : 2 : 366. شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 1: 254.
3) مناقب آل أبي طالب : 3 : 161. شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 1: 253. بحار الأنوار: 32 : 182.
4) وقعة الجمل / محمد بن زكريا 44 .
السذج والبسطاء ، وبعد الفراغ من ذلك قال : لَعَنَهُ اللَّهُ مِنْ دابَّةٍ ، فَمَا أَشْبَهَهُ بِعِجْلٍ بَنِي إسرائيل(1).
ومد بصره نحو الرماد الذي تناهبه الهواء ، فتلا قوله تعالى : وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً(2).
وبذلك فقد وضعت الحرب أوزارها ، وكتب النصر للإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) ، وباءت القوى الغادرة بالخزي والخسران .
وأوفد الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) للقيا عائشة الإمامين الحسن والحسين (علیهما السّلام) ومحمد ابن أبي بكر(3)، فانطلقوا إليها، فمد محمد يده في هودجها، فجفلت منه ، وصاحت به : مَن أنت ؟
أبغض أهلكِ إليكِ .
ابن الخثعمية ؟
نعم ، أخوك البر.
عقوق .
هل أصابك مكروه ؟
سهم لم يضرني .
فانتزعه منها ، وأخذ بخطام هودجها وأدخلها في الهزيع الأخير من الليل إلى دار عبد الله خلف الخزاعي على صفية بنت الحارث فأقامت فيه أياماً(4).
وسار الإمام علي (علیه السّلام) في أهل البصرة سيرة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في أهل مكة كما قال (علیه السّلام)، فآمن الأسود والأحمر - على حد تعبير اليعقوبي(1)- ولم ينكل بأيّ أحد من خصومه ، وجلس للناس فبايعه الصحيح منهم والجريح ، ثمّ عمد إلى بيت المال فقسّم ما وجد فيه على الناس بالسواء(2).
وسار (علیه السّلام) إلى عائشة فبلغ دار عبد الله بن خلف الخزاعي الذي أقامت فيه عائشة ، فاستقبلته صفية بنت الحارث شرّ لقاء ، فقالت له : يا علي ، يا قاتل الأحبة ، أيتم الله بنيك كما أيتمت بني عبد الله ، وكانوا قد قتلوا في المعركة مع عائشة فلم يجبها ، ومضى حتى دخل على عائشة ، فأمرها أن تغادر البصرة وتمضي إلى يثرب لتقرّ في بيتها كما أمرها الله.
ولما انصرف أعادت عليه صفية القول الذي استقبلته به ، فقال لها : لَوْ كُنْتُ قاتِلَ الْأَحِبَّةِ ، لَقَتَلْتُ مَنْ فِى هذَا الْبَيْتِ ، وهو يشير إلى أبواب الحجرات المقفلة ، وكان فيها كثير من الجرحى ، وغيرهم من أعضاء المؤامرة ، قد آوتهم عائشة ، فسكتت صفية . وأراد من كان مع الإمام (علیه السّلام) أن يبطشوا بهم فزجرهم زجراً عنيفاً ، وبذلك فقد منح العفو لأعدائه وخصومه(3).
وسرّح الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) عائشة تسريحاً جميلاً، وأرسل معها جماعة من النساء بزي الرجال لتقر في بيتها حسبما أمرها الله ، وقد رحلت عائشة من البصرة وأشاعت في بيوتها الشكل والحزن والحداد .
يقول عمير بن الأهلب الضبي وهو من أنصارها :
لَقَد أَوْرَدَتْنا حَومَةَ المَوتِ أُمُّنا *** فَلَم تَنصَرف إِلَّا وَنَحنُ رِواهُ
أَطَعْنا بَنِي تَيمِ لِشِقوةِ جَدْنا *** وَمَا تَيمُ إِلَّا أَعْبُدُ وَإِماء(1)
لقد أوردت أم المؤمنين أبناءها حومة الموت ، فقد كان عدد الضحايا من المسلمين - فيما يقول بعض المؤرخين - عشرة آلاف نصفهم من أصحابها ، والنصف الآخر من أصحابه(2)وكان من أعظم الناس حسرة الإمام علي (علیه السّلام) ، لعلمه بما تجر هذه الحرب من المصاعب والمشاكل .
وأعقبت حرب الجمل أفدح الخسائر، وأعظم الكوارث التي ابتلي بها المسلمون ، ومن بينها ما يلي :
1 - إنها مهدت السبيل لمعاوية لمناجزة الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) والتصميم على قتاله ، فقد تبنّى شعار معركة الجمل وهو المطالبة بدم عثمان ، ولولا حرب الجمل لما استطاع معاوية أن يعلن العصيان والتمرد على حكم الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام).
2 - إنّها أشاعت الفرقة والاختلاف بين المسلمين، فقد كانت روح المودة والألفة سائدة فيهم قبل حرب الجمل ، وبعدها انتشرت البغضاء بين أفراد الأسر العربية ، فقبائل ربيعة واليمن في البصرة أصبحت تكن أعمق البغض والكراهية لإخوانهم من ربيعة وقبائل اليمن في الكوفة ، وتطالبها بما أُريق من دماء أبنائها ، بل أصبحت الفرقة ظاهرة شائعة حتى في البيت الواحد ، فبعض أبنائه كانوا شيعة
العلي (علیه السّلام) والبعض الآخر كانوا شيعة لعائشة .
ويقول المؤرخون : إنّ البصرة بقيت محتفظة بولائها لعثمان حفنة من السنين، وإن الإمام الحسين (علیه السّلام) إنما لم ينزح إليها لما عرفت به من الولاء لعثمان .
3 - إنّها أسقطت هيبة الحكم وجرأت على الخروج عليه ، فقد تشكلت الأحزاب النفعية التي لا هم لها إلا الاستيلاء على السلطة والظفر بخيرات البلاد ، حتى كان التطاحن على الحكم من أبرز سمات ذلك العصر.
4 - إنّها فتحت باب الحرب بين المسلمين ، وقبلها كان المسلمون يتحرّجون أشدّ ما يكون التحرّج في سفك دماء بعضهم بعضاً .
إنّها عملت على تأخير الإسلام وشلّ حركته وإيقاف نموّه ، فقد انصرف الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) بعد حرب الجمل إلى مقاومة التمرد والعصيان الذي أعلنه معاوية وغيره من الطامعين في الحكم مما أدى إلى أفدح الخسائر التي منى بها الإسلام.
يقول الفيلسوف ولز : «إنّ الإسلام كاد أن يفتح العالم أجمع لو بقي سائراً سيرته الأولى ولو لم تنشب في وسطه من أوّل الأمر الحرب الداخلية ، فقد كان هم عائشة أن تقهر علياً قبل كل شيء»(1).
6 - واستباحت هذه الحرب حرمة العترة الطاهرة التي قرنها النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بمحكم التنزيل وجعلها سفن النجاة وأمن العباد ، فمنذ ذلك اليوم شهرت السيوف في وجه عترة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، واستحل الأوغاد إراقة دمائهم ، وسبي ذراريهم ، فلم يرعَ بنو أمية في وقعة كربلاء أية حرمة للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في أبنائه ، وانتهكوا معهم جميع الحرمات.
هذه بعض متارك حرب الجمل التي جرت للمسلمين أفدح الخسائر في جميع فترات التاريخ.
1) نقلاً عن كتاب شيخ المضيرة أبو هريرة : 173 .
ولم يكد يفرغ الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) من حرب الناكثين كما أسماهم رسول الله (علیه السّلام) حتى جعل يتأهب لحرب القاسطين الذين أسماهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بذلك . ورأى الإمام الا أن يغادر البصرة إلى الكوفة ؛ ليستعدّ لحرب عدو عنيف هو معاوية بن أبي سفيان - فوالده - الذي حارب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وأبلى في حربه أشدّ البلاء وأقواه ، ولم يكن معاوية بأقل تنكراً للإسلام وبغضاً لأهله من أبيه ، وكان المسلمون الأولون ينظرون إليهما نظرة ريبة وشك في إسلامهما ، وقد استطاع بمكره ودهائه أن يغزو قلب الخليفة الثاني ، ويحتل المكانة المرموقة في نفسه فجعله والياً على الشام ، وظل يبالغ في تسديده وتأييده ، وبعد وفاته أقرّه عثمان وزاد في رقعة سلطانه.
وظل معاوية في الشام يعمل عمل من يريد الملك والسلطان ، فأحاط نفسه بالقوة ، واشترى الضمائر ، وسخّر اقتصاد بلاده في تدعيم سلطانه ، وبعد الأحداث التي ارتكبها عثمان علم معاوية أنّه مقتول لا محالة ، فاستغاث به عثمان حينما حوصر فأبطأ في نصره وظل متربصاً حتى قتل ؛ ليتخذ من قميصه ودمه وسيلة للتشبث بالملك ، وقد دفعه إلى ذلك حرب الجمل التي كان شعارها المطالبة بدم عثمان ، فاتخذه خير وسيلة للتذرّع لنيل الملك .
ويقول المؤرخون : إنّه استعظم قتل عثمان وهؤل أمره ، وراح يبني ملكه على المطالبة بدمه وكان الإمام أمير المؤمنين المحتاطاً في دينه أشدّ ما يكون الاحتياط فلم يُصانع ولم يُحابِ ، وإنّما سار على الطريق الواضح ، فامتنع أن يستعمل معاوية على الشام لحظة واحدة ؛ لأنّ في إقراره على منصبه تدعيماً للظلم وتركيزاً للجور.
وعلى أية حال فإنّ الإمام علي (علیه السّلام) بعد حرب الجمل قد غادر البصرة مع قواته
المسلحة ، واتجه إلى الكوفة ليتخذها عاصمة ومقراً له ، واتجه فور قدومه إليها يعمل على تهيئة وسائل الحرب لمناهضة عدوه العنيف الذي يتمتع بقوى عسكرية هائلة أجمعت على حبه ونصرته ، وكان السنّي يحرّض الإمام علي (علیه السّلام) ويحفزه على حرب أهل الشام بعد ما أحرزه من النصر في وقعة الجمل ، وقد قال له :
قُل لِهَذَا الإِمَامِ قَدْ خَبَتِ الحَر *** بُ وَتَمَّتْ بِذَلِكَ النِّعماءُ
وَفَرَعْنا مِنْ حَرْبِ مَنْ نَكَثَ العَهـ *** ـد وبِالشَّامِ حَيَّةٌ صَمَّاءُ
تَنفُتُ السُّمَّ مَا لِمَن نَهَشَتَهُ *** فازمِها قَبلَ أَنْ تَعَضٌ شِفاءُ(1)
وقبل أن يعلن الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) الحرب على غول الشام أوفد للقياه جرير بن عبد الله البجلي يدعوه إلى الطاعة والدخول فيما دخل فيه المسلمون من مبايعته ، وقد زوده برسالة(2)دعاه فيها إلى الحق من أقصر سبيله ، ويأوضح أساليبه وفيها الحكمة الهادية لمن أراد الهداية ، وشرح الله صدره ، وفجر في فؤاده ينبوع النور ، وانتهى جرير إلى معاوية فسلّمه رسالته (علیه السّلام)، وألح عليه في الوعظ والنصيحة ، وكان معاوية يسمع منه ولا يقول له شيئاً، وإنّما أخذ يطاوله ويسرف في مطاولته، لا يجد لنفسه مهرباً سوى الإمهال والتسويف .
ورأى معاوية أنّه لن يستطيع التغلب على الأحداث إلا إذا انضم إليه داهية العرب عمرو بن العاص، فيستعين به على تدبير الحِيَل ووضع المخططات التي تؤدي إلى
نجاحه في سياسته ، فراسله طالباً منه الحضور إلى دمشق(1)، وكان ابن العاص - فيما يقول المؤرخون - قد وَجَد على عثمان حينما عزله عن مصر ، فكان يؤلّب الناس عليه ، ويحرّضهم على الوقيعة به ، وهو ممّن مهد للفتنة والثورة عليه ، ولما أيقن بحدوث الانقلاب عليه خرج إلى أرض كان يملكها بفلسطين فأقام فيها ، وجعل يتطلع الأخبار عن قتله.
ولما انتهت رسالة معاوية إلى ابن العاص تحيّر في أمره ، فاستشار ولديه عبدالله ومحمّداً ، أما عبد الله فكان رجل صدق وصلاح ، فأشار عليه أن يعتزل الناس ولا يجيب معاوية إلى شيء حتى تجتمع الكلمة ويدخل فيما دخل فيه المسلمون .
وأما ابنه محمّد فقد طمع فيما يطمع فيه فتيان قريش من السَّعَة والتقدّم وذيوع الاسم، فقد أشار عليه بأن يلحق بمعاوية لينال من دنياه .
فقال عمر و لولده عبد الله : أما أنت فأمرتني بما هو خير لي في ديني ، وقال لولده محمد : أما أنت فأمرتني بما هو خير لي في دنياي ، وأنفق ليله ساهراً يفكر في الأمر هل يلتحق بعلي فيكون رجلاً كسائر المسلمين له مالهم وعليه ما عليهم من دون أن ینال شيئاً من دنياه ، ولكنّه يضمن أمر آخرته ، أو يكون مع معاوية ، فيظفر بتحقيق ما يصبو إليه في الدنيا من الثراء العريض ؟ وهو لم ينسَ ولاية مصر فكان يحنّ إليها حنيناً متصلاً، وقد أثر عنه تلك الليلة من الشعر ما يدلّ على الصراع النفسي الذي خامره تلك الليلة.
ولم يُسفر الصبح حتى آثر الدنيا على الآخرة ، فاستقر رأيه على الالتحاق بمعاوية ، فارتحل إلى دمشق ومعه ابناه ، فلما بلغها جعل يبكي أمام أهل الشام كما تبكي المرأة وهو يقول : واعثماناه ، أنعى الحياء والدين(2).
قاتلك الله يابن العاص ، أأنت تبكي على عثمان ؟! وأنت الذي أوغرت عليه الصدور وأثرت عليه الأحقاد ، وكنت تلفي الراعي فتحرّضه عليه حتى سفك دمه .
لقد بلغ التهالك على السلطة في ذلك العصر مبلغاً أنسى الناس دينهم ، فاقترفوا في سبيل ذلك كلّ ما حرمه الله .
ولما التقى ابن العاص بمعاوية فتح معه الحديث في حربه مع الإمام علي (علیه السّلام)، فقال ابن العاص : أمّا عليّ ، فوالله لا تساوي العرب بينك وبينه في شيء من الأشياء ، وإنّ له في الحرب لحظاً ما هو لأحد من قريش إلا أن تظلمه.
واندفع معاوية يبيّن دوافعه في حربه له قائلاً: صدقت ، ولكنا نقاتله على ما في أيدينا ، ونلزمه قتلة عثمان .
واندفع ابن العاص ساخراً منه قائلاً واسوأتاه ، إنّ أحق الناس ألا يذكر عثمان أنت !
ولم ويحك ؟!
أما أنت فخذلته ومعك أهل الشام حتى استغاث بيزيد بن أسد البجلي فسار إليه ، وأما أنا فتركته عياناً وهربت إلى فلسطين(1).
واستيقن معاوية أنّ ابن العاص لا يخلص له، ورأى أنّ من الحكمة أن يستخلصه ويعطيه جزاءه من الدنيا ، فصارحه قائلاً: أتحبني يا عمرو ؟
لماذا للآخرة ؟! فوالله ما معك آخرة ، أم للدنيا ؟! فوالله لا كان حتى أكون شريكك فيها .
أنت شريكي فيها.
اكتب لي مصر وكورها .
1) تاريخ اليعقوبي : 2 : 85 .
فسجّل له ولاية مصر ، وجعلها ثمناً لانضمامه إليه(1)في مناهضته لوصي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وقد ظفر بداهية من دواهي العرب وبشيخ من شيوخ قريش قد درس أحوال الناس ، وعرف كيف يتغلب على الأحداث .
ولما اجتمع لمعاوية أمره وأحكم وضعه ردّ جرير، وأرسل معه إلى الإمام علي الرسالة حمله فيها المسؤولية في إراقة دم عثمان ، وعرفه بإجماع أهل الشام على حربه إن لم يدفع له قتلة عثمان ، ويجعل الأمر شورى بين المسلمين(2).
وارتحل جرير إلى الكوفة ، فأنبأ علياً بامتناع معاوية عليه ، وعظم له أمر أهل الشام ، ورأى الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) أن يقيم عليه الحجة مرة أخرى ، فبعث له سفراء آخرين يدعونه إلى الطاعة والدخول فيما دخل فيه المسلمون ، إلا أنّ ذلك لم يُجدِ شيئاً فقد أصرّ معاوية على غيّه وعناده حينما أيقن أن له القدرة على مناجزته ومناهضته.
وألهب معاوية بمكره وخداعه قلوب السذج والبسطاء من أهل الشام حزناً وأس على عثمان ، فكان ينشر قميصه الملطخ بدمائه على المنبر فيضجون بالبكاء والعويل ، واستخدم الوعاظ فجعلوا يهوّلون أمره ، ويدعون الناس إلى الأخذ بثأره ، وكان كلّما فتر حزنهم عليه يقول له ابن العاص بسخرية واستهزاء : حَرِّكُ لَها
حوارَها تَحِنُ(1).
فيُخرج إليهم قميص عثمان فيعود لهم حزنهم ، وقد أقسموا ألا يمسهم الماء إلا من الاحتلام ، ولا يأتون النساء ، ولا ينامون على الفراش حتى يقتلوا قتلة عثمان(2)، وكانت قلوبهم تتحرق شوقاً إلى الحرب للأخذ بثأره ، وقد شحن معاوية أذهانهم بأنّ علياً هو المسؤول عن إراقة دمه، وأنّه قد آوى قتلته ، وكانوا يستنهضون معاوية للحرب ، ويستعجلونه أكثر منه.
وعلم معاوية أنّه لابد من الحرب ؛ لأنّ الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) يحابي ولا يداهن في دينه ، فلا يُقرّه على ولاية الشام، ولا يُسند له أي منصب من مناصب الدولة ، وإنّما يُقصيه عن جميع أجهزة الحكم ؛ لما يعرفه عنه من الالتواء في دينه .
وسار معاوية في جموع أهل الشام وقدم بين يديه الطلائع ، وقد أنزل أصحابه أحسن منزل ، وأقربه إلى شريعة الفرات، وقد احتل الفرات ، وعدّ هذا أوّل الفتح ؛ لأنه حبس الماء على عدوه ، وبقيت جيوشه رابضة هناك تصلح ، أمرها ، وتنظم قواها استعداداً للحرب(3).
وتهيأ الإمام علي (علیه السّلام) للحرب ، وقام الخطباء في الكوفة يحفّزون الناس للجهاد ويحثونهم على مناجزة معاوية بعدما أحرزوه من النصر الكبير في معركة الجمل،
وقد خطب فيهم الإمام الحسين (علیه السّلام) خطاباً رائعاً ومثيراً ، قال فيه بعد حمد الله والثناء عليه : يا أَهْلَ الْكُوفَةِ ، أَنْتُمُ الْأَحِبَّةُ الْكُرَماء ، وَالشَّعارُ دُونَ الدَّثار(1)، جِدُوا فِي إطفاء ما دَثَرَ بَيْنَكُمْ ، وَتَسْهِيل ما تَوَهِّرَ عَلَيْكُمْ ، أَلَا إِنَّ الْحَرْبَ شَرُّها ذَرِيعٌ ، وَطَعْمُها فَظِيعٌ ، فَمَنْ أَخَذَ لَها أَهْبَتَها وَاسْتَعَدَّ لَها عُدْتَها، وَلَمْ يَأْلَمْ كُلُومَها قَبْلَ حُلُولِها فَذاكَ صاحبها ، وَمَنْ عاجَلَها قَبْلَ أَوانِ فُرْصَتِها ، وَاسْتِبْصَارِ سَعْيِهِ فِيها ، فَذاكَ قَمِنٌ(2)أَلا يَنْفَعَ قَوْمَهُ ، وَأَنْ يُهْلِكَ نَفْسَهُ ، نَسْأَلُ اللهَ بِقُوَّتِهِ أَنْ يَدْعَمَكُم بِالْفَيْنَةِ(3).
وحفل هذا الخطاب بالدعوة إلى استعجال الحرب ، والاستعداد الشامل لها، والإمعان في وسائلها ، فإنّ ذلك من موجبات النصر، ومن وسائل التغلب على الأعداء ، وإن إهمال ذلك وعدم الاعتناء به ممّا يوجب الهزيمة والاندحار ، ودلّ هذا الخطاب على خبرة الإمام (علیه السّلام) الواسعة في الشؤون العسكرية والحربية .
وتهيأ الناس بعد خطاب سبط النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى الحرب ، وأخذوا يجدون في تنظيم قواهم ، ولما تمّت عدّتهم زحف بهم الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) لحرب ابن أبي سفيان ، وقد قدم طلائعه، وأمرهم ألا يبدأوا أهل الشام بقتال حتى يدركهم .
وزحفت كتائب الجيش العراقي كأنها السيل ، وهي على يقين أنها إنما تحارب القوى الباغية على الإسلام والمعادية لأهدافه ، وقد جرت في أثناء مسيرة الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) أحداث كثيرة لا حاجة إلى إطالة الكلام بذكرها ، فإنا لا نقصد بهذه البحوث أن نلم بها ، وإنما نشير إليها بإيجاز .
ولم يجد أصحاب الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) شريعة على الفرات يستقون منها الماء وهي محاطة بالقوى المكثّفة من جيش معاوية ، يمنعونهم أشدّ المنع من الاستسقاء من الماء ، ولما رأى ذلك أوفد رسله إلى معاوية يطلبون منه أن يُخلّي بينهم وبين الماء ليشربوا منه ، فلم تسفر مباحثتهم معه أي شيء ، وإنّما وجدوا منه إصراراً على المنع ، يريد أن يحرمهم منه كما حرموا عثمان من الماء ، وأضرّ الظمأ بأصحابه.
وانبرى الأشعث بن قيس يطلب الإذن من الإمام أميرالمؤمنين (علیه السّلام) أن يفتح باب الحرب ويقهر القوى المعادية على التخلي عن الفرات ، فلم يجد (علیه السّلام) بداً من ذلك فأذن له ، فاقتتل الفريقان أشدّ ما يكون القتال ، وكتب النصر لقواته ، فاحتلت الفرات . وأراد أصحاب الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) أن يقابلوهم بالمثل فيحرمونهم منه كما صنعوا ذلك معهم ، ولكنه (علیه السّلام) لم يسمح لهم بذلك ، وعمل معهم عمل المحسن الكريم ، فخلى بينهم وبين الماء(1).
لقد كان اللؤم والخبث من عناصر الأمويين وذاتياتهم ، فقد أعادوا على صعيد كربلاء ما اقترفوه من الجريمة في صفين، فحالوا بين الإمام الحسين (علیه السّلام) وبين الماء وتركوا عقائل الوحي ومخدرات الرسالة ، وصبية أهل البيت قد صرعهم العطش، ومزّق الظمأ قلوبهم ، فلم يستجيبوا لأية نزعة إنسانية ، ولم ترق قلوبهم فيعطفوا عليهم بقليل من الماء .
وكان الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) متحرّجاً أشدّ ما يكون التحرّج في سفك دماء
1) وقعة صفين: 160 - 167 .
المسلمين ، فقد جهد على نشر السلام والوئام ، فأوفد إلى معاوية عَدِيّ بن حاتم ، وشَبَثَ بن ربعي ، ويزيد بن قيس ، وزياد بن خصفة ، يدعونه إلى حقن دماء المسلمين ، ويذكرونه الدار الآخرة ، ويحذرونه أن ينزل به ما نزل بأصحاب الجمل ، ولكن ابن هند لم يستجب لذلك وأصرّ على الغي والتمرّد ، وقد حمّل الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) المسؤولية في قتل عثمان بن عفان ، وقد دفعه إلى العصيان ما يتمتع به من القوى العسكرية واتفاق كلمتها وإصرارها على الطلب بدم عثمان .
ورجعت رسل السلام وقد أخفقت في سفارتها ، واستبان لها أن معاوية مصمّم على الحرب ، ولا رغبة له في الصلح ، وأحاطوه علماً بذلك ، فجعل يتهيأ للحرب ، ويدعو الناس إلى القتال .
وعبأ الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) أصحابه على راياتهم ، واستعد للقتال ، وقد أمر أصحابه ألا يبدأوهم بقتال كما عهد لهم في حرب الجمل ، وألا يقتلوا مدبراً ولا يُجهزوا على جريح ، ولا يمثلوا بقتيل ، ولا يهيجوا امرأة ، إلى غير ذلك من الوصايا التي تمثل شرف القيادة العسكرية في الإسلام.
وجعلت فرق من جيش الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) تخرج إلى فرق من جيش معاوية ، فيقتتل الفريقان نهاراً كاملاً أو طرفاً منه ، ثم يتحاجزان من دون أن تقع حرب عامة بينهما ، وقد رجا بذلك أن يثوب معاوية إلى الصلح وحقن الدماء ، ودام الأمر على هذا حفنة من الأيام من شهر ذي الحجّة ، فلمّا أطل شهر المحرم - وهو من الأشهر التي يحرم فيها القتال في الجاهلية والإسلام - توادعوا شهرهم كله ، وأُتيح للفريقين أن يلتقوا آمنين ، وقد أمن بعضهم بعضاً ولم تقع بينهم أية حرب ، وقد سعت بينهم سفراء السلم ، إلا أنّها أخفقت في سعيها ، وقد احتدم الجدال بين الفريقين ، فأهل العراق يدعون أهل الشام إلى جمع الكلمة ، وحقن الدماء ، ومبايعة
وصيّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، والدخول فيما دخل فيه المسلمون ، وأهل الشام يدعون العراقيين إلى الطلب بدم عثمان ، ورفض بيعته ، وإعادة الأمر شوري بين المسلمين(1).
ولما انقضى شهر محرم مضى القوم على الحرب ، ولكنّها لم تكن عامة ، وإنما كانت متقطعة تخرج الكتيبة للكتيبة ، والفرقة للفرقة .
وسئم الفريقان هذه الحرب المتقطعة ، وتعجّلوا الحرب العامة ، فعبأ الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) جيوشه تعبئة عامة ، وكذلك فعل معاوية ، والتحم الجيشان التحاماً رهيباً، واقتتلوا أبرح قتال وأعنفه ، وانكشفت ميمنة جيشه انكشافاً بلغ الهزيمة ، فقاتل الإمام أمير المؤمنين ومعه الحسن والحسين (علیهم السّلام)(2)وانحازو إلى ميسرة جيشه من ربيعة ، فاستماتت ربيعة دون الإمام علي (علیه السّلام) ، وكان قائلهم يقول : لا عذر لكم بعد اليوم عند العرب إن أصيب أمير المؤمنين (علیه السّلام) وهو فيكم ، وتحالفت ربيعة على الموت ، وصمدت في الحرب ، ورجعت ميمنة الإمام علي (علیه السّلام) إلى حالها بفضل الزعیم مالك الأشتر ، واستمرت الحرب بأعنف ما يتصوّر ، وقد ظهر الضعف وبان الانكسار في جيش معاوية، وهم معاوية بالفرار لولا أنّه تذكر قول ابن الأطنابة :
أُبَتْ لِي هِمْنِي وَأَبي بَلَائِي *** وإقدامِي عَلَى البَطَلِ المُشيح
وإعطائي عَلَى المَكرُوهِ مالي *** وَأَخذِي الحَمدَ بِالثَّمنِ الرَّبِيحِ
وَقُولِي كُلَّما جَشَأَتْ وَجاشَتْ *** مكانكِ تُحمَدِي أَوْ تَستَرِيحِي
وقد ردّه هذا الشعر إلى الصبر والثبات ، كما كان يتحدّث بذلك أيام المُلك والسلطان(3).
ومنع الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) سبطي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) من الاشتراك في عمليات الحروب ، فقال (علیه السّلام) : اِمْلِكُوا عَنِّي هَذَينِ الْغُلَامَينِ - يعني الحسن والحسين (علیهما السّلام)- لئلا يَنْقَطِعَ بهما نَسْلُ رَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم)(1). لقد حرص الإمام علي (علیه السّلام) على ريحانتي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)؛ لأنّ بهما امتداداً لنسله وإبقاء لذريته .
وعمّار بن ياسر (رضی الله عنه) من ألمع أصحاب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وأكثرهم جهاداً وبلاء في الإسلام ، وقد شايع علياً ولازمه بعد وفاة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، فقد أيقن أنه مع الحق والحق معه كما قال فيه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وكان في أيام صفين شيخاً قد نيف على التسعين عاماً، ولكن قلبه وبصيرته كانا بمأمن من الشيخوخة ، فقد كان في تلك المعركة كأنه في ريعان الشباب ، وكان يحارب راية ابن العاص ، وهو يشير إليها قائلاً: والله إنّ هذه الراية قاتلتها ثلاث عركات وما هذه بأرشدهن(2).
وكان يقول لأصحابه لما رأى انكشافهم في المعركة : والله لو ضربونا حتى يبلغونا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحقِّ ، وأنّهم على الباطل(3).
ويقول الرواة : إنّه جلس مبكراً في يوم من أيام صفين ، وقد ازداد قلبه شوقاً إلى ملاقاة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و ملاقاة أبويه ، فخف إلى الإمام علي (علیه السّلام) مسرعاً يطلب منه الإذن في أن يلج الحرب لعله يرزق الشهادة ، فلم يسمح له بذلك ، وظل يعاوده
مستأذناً ، فلم تطب نفس الإمام (علیه السّلام) بذلك ، وراح يلح عليه فأذن له ، وأجهش الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) بالبكاء حُزناً وموجدة عليه .
وانطلق عمّار إلى ساحات الحرب وهو موفور القوى ، قد استرد نشاطه وهو جذلان فرح بما يصير إليه من الشهادة ، وقد رفع صوته عالياً :
اليَومَ أَلقَى الأحبة *** مُحَمَّداً وحزبه
وكان صاحب الراية في الكتيبة التي يقاتل فيها عمار هو هاشم بن عتبة المرقال، وكان من فرسان المسلمين وخيارهم وأحبهم للإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) وأخلصهم له ، وكان أعور ، فاتجه نحوه عمار فجعل تارة يدفعه بعنف إلى الحرب ويقول له : تقدّم يا أعور ، وأُخرى يرفق به أشدّ الرفق ويقول له : احمل فداك أبي وأُمّي ، وهاشم يقول له : رحمك الله يا أبا اليقظان ، إنك رجل تستخف الحرب ، وإنِّي إنّما أزحف زحفاً لعلي أبلغ ما أريد ، وضجر هاشم فحمل ، وهو يرتجز :
قَد أَكثَرُوا لَومِي وَمَا أَقَلًا *** إِنِّي شَرَيتُ النَّفْسَ لَنْ أَعتَلًا
أَعورُ يَبْغِي نَفسَهُ مَحَلَّا *** لابد أن يَقُل أو يُغَلا
قد عالَجَ الحَياةَ حَتَّى مَلا *** أَشُلُهُم بِذِي الكُعُوبِ شَلا(1)
وقد دلّ هذا الرجز على تصميمه على الموت، وسأمه من الحياة، وجال في ميدان القتال، وعمّار معه يقاتل ويرتجز :
نَحنُ ضَرَبَناكُمْ عَلَى تَنزِيلِهِ *** وَاليَومَ نَضْرِبُكُم عَلَى تَأْوِيلِهِ
ضَرْباً يُزِيلُ الهامَ عَن مَقِيلِهِ *** وَيذهِلُ الخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ
أو يرجع الحَقُّ إلى سبيله(2)
لقد قاتل عمّار - بإيمان وإخلاص - المشركين مع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وناضل أشدّ ما يكون النضال دفاعاً عن كلمة التوحيد ، وقاتل أعنف القتال مع أخي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) دفاعاً عن تأويل القرآن ودفاعاً عن إمام المسلمين ، فما أعظم عائدة عمّار وألطافه على الإسلام.
والتحم عمّار مع القوى الغادرة التحاماً رهيباً ، وحمل عليه رجس من أرجاس البشرية يسمى أبو الغادية فطعنه برمحه طعنة قاتلة ، فهوى إلى الأرض ذلك الصرح الشامخ من العقيدة والإيمان يتخبّط بدمائه الزكيّة، وقد أضرّ به العطش ، فبادرت إليه امرأة بلبن ، فلما رآه تبسّم ، وأيقن بدنو أجله ، وراح يقول بنبرات هادئة مطمئنة : قال لي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): آخِرُ شَرابِكَ مِنَ الدُّنْيا ضِياحٌ مِنْ لَبَنِ ، وَتَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْباغِيَةُ(1).
ولم يلبث قليلاً حتّى لفظ أنفاسه الأخيرة ، وانطوت بموته أروع صفحة مشرقة من الإيمان والجهاد، وارتفعت روح ذلك العملاق الذي أضاء الحياة الفكرية بإخلاصه واندفاعه نحو الحق .
وكان الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) برحاً(2)لم يقرّ له قرار حينما برز عمار إلى ساحة الجهاد ، فكان يقول : فَتُشُوا لِي عَنِ ابْنِ سُمَيَّةَ .
وانطلقت فصيلة من الجند تبحث عنه ، فوجدوه قتيلاً مضمخاً بدم الشهادة ، فانبروا مسرعين إليه فأخبروه بشهادته ، فانهد ركنه ، وانهارت قواه ، وسرت موجات من الألم القاسي في محياه ، فقد غاب عنه الناصر والأخ والمُدافع ، فمشى الإمام علي (علیه السّلام) المصرعه كئيباً حزيناً، وعيناه تفيضان دموعاً ، وسار معه قادة الجيش،
وقد أخذتهم المائقة(1)حزناً على البطل العظيم.
ولما انتهى إليه ألقى بنفسه عليه وجعل يوسعه تقبيلاً، وقد انفجر بالبكاء ، وجعل يؤبنه بحرارة قائلاً : إِنَّ امْرَءاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَعْظُمْ عَلَيْهِ قَتْلُ ابْنِ يَاسِرٍ ، وَتَدْخُلْ عَلَيْهِ الْمُصِيبَةُ الْمُوجِعَةُ لَغَيْرُ رَشِيدٍ . رَحِمَ اللهُ عَمَاراً يَوْمَ أَسْلَمَ.
رَحِمَ اللهُ عَمّاراً يَوْمَ قُتِلَ . رَحِمَ اللهُ عَماراً يَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً .
لَقَدْ رَأَيْتُ عَمَاراً وَما يُذْكَرُ مِنْ أَصْحَابِ رَسولِ اللهِ أَرْبَعَةٌ إِلَّا كانَ رابعاً ، وَلَا خَمْسَةٌ إِلا كانَ خامساً ، وَمَا كَانَ أَحَدٌ مِنْ قُدَمَاءِ أَصْحَابِ رَسولِ اللهِ يَشُكُ أَنَّ عَمَاراً قَدْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ وَلَا اثْنَيْنِ ، فَهَنِيئاً لِعَمَارِ بِالْجَنَّةِ...(2)
وأخذ الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) رأسه فجعله في حجره ودموعه تتناثر على خديه . وانبرى الإمام الحسن (علیه السّلام) وغيره ، فأبنوا الشهيد العظيم بقلوب مذابة من الحزن ، ثم قام الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) فواراه في مقره الأخير.
ويقول المؤرخون : إن الفتنة وقعت في جيش معاوية حينما أُذيع مقتل عمّار فقد سمعوا أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال في فضل عمّار : إِنَّ الْفِئَةَ الْباغِيةَ تَقتُلُهُ(3)، وقد اتضح لهم أنهم الفئة الباغية التي عناها رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، ولكن ابن العاص استطاع أن يزيل الخلاف ، فقال لهم : إن الذي أخرج عماراً هو الذي قتله ، وأذعن بسطاء أهل الشام لما قاله ابن العاص(4)
معاني الأخبار : 35 الاحتجاج : 1: 430 و 431 . بحار الأنوار: 33 7 و 8 شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 20: 334 ، الحديث 835.
.واشتد القتال بأعنفه بعد مقتل عمار، وقد تقللت جميع قوى معاوية ، وبان الضعف في جيشه .
لعل أبشع مهازل التاريخ البشري في جميع فترات التاريخ هي مكيدة ابن العاص في رفع المصاحف ، وقد وصفها (را و حوست ميلر) بأنها من أشنع المهازل وأسوئها في التاريخ البشري(1)، وأكاد أعتقد أنّ هذه المكيدة لم تكن وليدة المصادفة أو المفاجأة ، فقد حيكت أصولها ، ووضعت مخططاتها قبل هذا الوقت ، فقد كان ابن العاص على اتصال دائم - أحيط بكثير من الكتمان - مع جماعة من قادة الجيش العراقي في طليعتهم الأشعث بن قيس ، فهما اللذان دبّرا هذا الأمر .
وقد ذهب إلى هذا الرأي الدكتور طه حسين ، فقال : «فما أستبعد أن يكون الأشعث بن قيس - وهو ماكر أهل العراق وداهيتهم - قد اتصل بعمرو بن العاص ماكر أهل الشام وداهيتهم ، ودبّرا هذا الأمر بينهم تدبيراً ، ودبّروا أن يقتتل القوم فإن ظهر أهل الشام فذاك ، وإن خافوا الهزيمة أو أشرفوا عليها رفعوا المصاحف ، فأوقعوا الفرقة بين أصحاب عليّ ، وجعلوا بأسهم بينهم شديداً»(2).
وعلى أية حال فإنّ الهزيمة لما بدت بأهل الشام ، وتغللت جميع قواعدهم، فزع معاوية إلى ابن العاص يطلب منه الرأي ، فأشار عليه برفع المصاحف .
فأمر بالوقت برفعها ، فرفعت زهاء خمسمائة مصحف على أطراف الرماح وتعالت الأصوات من أهل الشام بلهجة واحدة هذا كتاب الله بيننا وبينكم من فاتحته إلى خاتمته ، من لثغور أهل الشام بعد أهل الشام ؟ ومن لثغور أهل العراق
بعد أهل العراق ؟ ومن لجهاد الروم ؟ ومن للترك ؟ ومن للكفار ؟(1).
وكانت هذه الدعوى كالصاعقة على رؤوس الجيش العراقي ، فقد انقلب رأساً على عقب ، فتدافعوا كالموج نحو الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) وهم ينادون : لقد أعطاك معاوية الحق ، دعاك إلى كتاب الله فاقبل منه ...(2).
ودلّهم الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) على زيف هذه الحيلة ، وإنّها جاءت نتيجة فشلهم في العمليات العسكرية ، وإنّها لم يُقصد بها إلا خداعهم ، وإنّهم إنّما رفعوا المصاحف لا إيماناً بها ، وإنّما هو من الخداع والمكر . ومما يؤسف له أنّهم لم يقرروا حق مصيرهم ، ومصير الأمة في تلك الفترات الحاسمة من تاريخهم التي أشرفوا فيها على الفتح والنصر ، ولم يبق من دك حصون الظلم ونسف قواعد الجور إلا لحظات .
يا للمصيبة والأسف ، لقد أصروا على التمرد والعناد ، فانحاز منهم اثنا عشر ألفاً وهم أهل الجباه السود، فخاطبوه باسمه الصريح قائلين : يا عليّ ، أجب القوم إلى كتاب الله إذ دعيت له ، وإلا قتلناك كما قتلنا ابن عفان ، فوالله لنفعلنها إن لم تجبهم...(3).
فكلّمهم الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) برقة ولطف ليقلع روح التمرد منهم ، إلا أن كلامه (علیه السّلام) ذهب هباءً ، وراح القوم في غيّهم يعمهون ، وهم يُصرون على إرغام الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) على إيقاف القتال ، وكان الأشعث بن قيس هو الذي يدفعهم إلى ذلك وينادي بأعلى صوته بالرضاء والقبول لدعوة أهل الشام .
ولم يَرَ الإمام علي (علیه السّلام) بداً من إجابتهم ، فأصدر أوامره بإيقاف عمليات الحروب ، وقلبه الشريف يتقطع ألماً وحزناً ، فقد أيقن أن الباطل قد انتصر على الحق ،
وأن جميع متاعبه ودماء جيشه قد ذهبت سُدى.
وأصرّ المتمردون عليه بسحب مالك الأشتر من ساحة الحرب ، وكان قد أشرف على الانتصار، ولم يبقَ بينه وبين الفتح إلا حلبة شاة ، فأرسل إليه الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) بالقدوم إليه ، فلم يعن بما أمر به ، وقال لرسوله : قل لسيدي : ليست هذه بالساعة التي ينبغي لك أن تزيلني فيها عن موقفي إنِّي قد رجوت الله أن يفتح لي ، فلا تعجلني .
ورجع الرسول فأخبر الإمام (علیه السّلام) بمقالة القائد العظيم ، فارتفعت أصوات أولئك الوحوش بالإنكار عليه قائلين : والله ما نراك إلا أمرته أن يقاتل .
وامتحن الإمام علي (علیه السّلام) في أمرهم أشدّ ما تكون المحنة ، فقال لهم : أَرَأَيْتُمُونِي سارَرْتُ رَسُولِي ؟ أَلَيْسَ إِنَّما كَلَّمْتُهُ عَلَى رُؤُوسِكُمْ عَلَانِيَةً وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ؟(1).
وأصروا على الغي قائلين : فابعث إليه فليأتيك ، وإلا فوالله اعتزلناك .
وأجمعوا على الشر، وأوشكوا أن يفتكوا بالإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، فأصدر أوامره المشددة بانسحاب مالك الأشتر من ساحة الحرب ، واستجاب الأشتر لأمره (علیه السّلام)، فقفل راجعاً وقد تحطّمت قواه ، وقال ليزيد بن هانئ السبيعي الذي كان رسول الإمام علي (علیه السّلام): ألرفع هذه المصاحف ؟ يعني حدثت هذه الفتنة .
قال : نعم .
وعرف الأشتر مكيدة ابن العاص ، فقال : أما والله لقد ظننت أنها حين رفعت ستوقع اختلافاً وفرقة ، إنها مشورة ابن العاهرة. ألا ترى إلى الفتح ؟! ألا ترى إلى ما يلقون ؟ ! ألا ترى إلى الذي يصنع الله لنا ؟ ! أينبغي أن ندع هذا وننصرف عنه ؟!
وأحاطه يزيد علماً بحراجة الموقف والأخطار الهائلة التي تحف بالإمام علي (علیه السّلام)
1) تاريخ الأمن الملوك : 4 : 314 .
قائلاً: أتحب أنك أن ظفرت هاهنا ، وأن أمير المؤمنين (علیه السّلام) بمكانه الذي هو به يُفرج عنه ويُسلّم إلى عدوه ؟
فقال الأشتر مقالة المؤمن : سبحان الله ! لا والله ما أحب ذلك .
قال : فإنّهم قالوا : لترسلن إلى الأشتر فليأتينك ، أو لنقتلنك بأسيافنا كما قتلنا ابن عفان ، أو لنسلمنّك إلى عدوك(1).
وقفل الأشتر راجعاً قد استولى عليه الحزن ، فقد ذهبت آماله أدراج الرياح، فتوجه نحوهم يلومهم ويعنّفهم ، ويطلب منهم أن يُخلّوا بينه وبين عدوهم ، فقد أشرف على النصر والفتح .
ولم يُذعن أولئك الممسوخون لمقالة الأشتر ، فقد أصروا على الذل والوهن قائلين له : لا ، لا .
فقال : أمهلوني عَدْوَةً فرس ، فإنّي قد طمعت في النصر .
فقالوا له : إذا ندخل معك في خطيئتك .
وانبرى الأشتر يحاججهم ، وينقد ما ذهبوا إليه قائلاً : حدّثوني عنكم - وقد قتل أما ثلكم ويقى أراذلكم - متى كنتم محقين أحين كنتم تقتلون أهل الشام ، فأنتم الآن حين أمسكتم عن القتال مبطلون ، أم أنتم الآن في إمساككم عن القتال محقون ؟ فقتلاكم إذاً الذين لا تنكرون فضلهم ، وكانوا خيراً منكم في النار(2).
ولم يُجْدِ معهم هذا الكلام المشرق ، فقالوا له : دعنا منك يا أشتر ، قاتلناهم في الله ، إنا لسنا نطيعك فاجتنبنا .
وردّ عليهم الأشتر بعنف حينما يئس من إصلاحهم ، وأخذ يحذرهم من مغبة
هذه الفتنة ، وأنّهم لا يرون بعدها عزّاً أبداً(1).
وحقاً إنّهم لم يروا عزّاً ، فقد أفلتْ من أفقهم دولة الحق ، وآل أمرهم إلى معاوية فأخذ يسومهم سوء العذاب .
وطلب مالك الأشتر من الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) أن يناجزهم الحرب فأبى ؛ لأن المعارضين كانوا يمثلون الأكثرية الساحقة في جيشه ، وفتح باب الحرب يؤدي إلى أفظع النتائج ، فإنّ الأمة تقع فريسة سائغة بأيدي الأمويين.
وأطرق الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) برأسه ، وقد طافت به موجات من الآلام، وأخذ يطيل التفكير في العاقبة المرّة التي جرّها هؤلاء العصاة للأُمة .
ويقول المؤرخون : إنّهم قد اتخذوا سكوته رضاً منه بالتحكيم فهتفوا : إنّ علياً أمير المؤمنين قد رضي الحكومة ، ورضي بحكم القرآن .
وكان (علیه السّلام) غارقاً في الهموم ، فقد أفلت منه الأمر ، وتمرد عليه جيشه ، وليس باستطاعته أن يعمل شيئاً ، وقد أدلى بما مُني به ، بقوله (علیه السّلام): لَقَدْ كُنْتُ أَمْسِ أَمِيراً ، فَأَصْبَحْتُ الْيَوْمَ مَأْمُوراً ، وَكُنْتُ أَمْسِ ناهِياً فَأَصْبَحْتُ الْيَوْمَ مَنْهِيّا(2).
ولم تقف محنة الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) وبلاؤه في جيشه المتمرّد إلى هذا الحدّ من العصيان والخذلان ، وإنّما تجاوز الأمر إلى أكثر من هذا ، فقد أصرّ المتمردون بقيادة الأشعث بن قيس على انتخاب أبي موسى الأشعري الذي هو من ألد أعدائه، وأكثرهم حقداً عليه(3)
وكان فيما يبدو من بعض المؤرخين حجاماً ، فقد التقى الفرزدق بابنه أبي بردة ، وكان يفخر بأبيه ، فقال له الفرزدق : لو لم يكن لأبي موسى منقبة إلا أنه حجم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لكفاه .
فامتعض أبو بردة من هذا التعريض ، وقال : صدقت ، ولكنه ما حجم أحداً قبله ولا بعده .
فقال الفرزدق : كان أبو موسى أفضل من أن يجرب الحجامة في رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) . فسكت أبو بردة على غيض - سير أعلام النبلاء : 5 : 7 .
، وإنّما ألحوا على انتخابه لعلمهم بأنه سيعزل الإمامأمير المؤمنين (علیه السّلام) عن الحكم وينتخب غيره ممن يحقق أطماعهم .
وقد احتف هؤلاء العصاة بالإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، وهم يهتفون : إنا رضينا بأبي موسى الأشعري.
وزجرهم الإمام علي (علیه السّلام) ونهاهم عن انتخابه ، قائلاً: إِنَّكُمْ قَدْ عَصَيْتُمُونِي فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ، فَلَا تَعْصُونِي الْآنَ ، إِنِّي لَا أَرى أَنْ أُوَلِّيَ أَبا مُوسَىٰ .
وأصروا على غيّهم وعنادهم قائلين : لا نرضى إلا به ، فما كان يحذرنا وقعنا فيه . وأخذ الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) يُدلي عليهم واقع أبي موسى وانحرافه عنه ، قائلاً: إِنَّهُ لَيْسَ لِي بِثِقَةٍ ، قَدْ فَارَقَنِي ، وَخَذَلَ النَّاسَ عَنِّي ، ثُمَّ هَرَبَ عَنِّي حَتَّىٰ آمَنْتُهُ بَعْدَ أَشْهُرٍ ، وَلَكِنْ هذَا ابْنُ عَبّاسِ نُولِّيَهُ.
وامتنعوا من ترشيح ابن عباس ، فأرشدهم ثانياً إلى انتخاب مالك الأشتر ، فرفضوه ، وأصروا على انتخاب الأشعري ، ولم يجد بعد هذا بداً من الرضا والإذعان(1).
واتفق الفريقان على أن يحكموا ابن العاص من قبل أهل الشام ، وأبا موسى
1) وقعة صفين : 499 . تاريخ الأمم والملوك : 4 : 315 .
الأشعري من قبل العراقيين ، وقد كتبوا صحيفة سجّلوا فيها ما اتفقوا عليه من الأخذ بما يتفق عليه الحكمان ، وهذا نصها كما رواها الطبري :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان - قاضى عليّ على أهل الكوفة ومن معهم من شيعتهم من المؤمنين والمسلمين ، وقاضي معاوية على أهل الشام ومن كان معهم من المؤمنين والمسلمين -.
إنا ننزل عند حكم الله عزّ وجلّ وكتابه ، ولا يجمع بيننا غيره ، وإن كتاب الله عزّ وجل بيننا من فاتحته إلى خاتمته نحيي ما أحيا ، ونميت ما أمات ، فما وجد الحكمان في كتاب الله عزّ وجلّ - وهما : أبو موسى الأشعري عبدالله بن قيس ، وعمرو بن العاص القرشي - عملا به ، وما لم يجدا في كتاب الله عزّ وجلّ فالسنة العادلة الجامعة غير المفرّقة ، وأخذ الحكمان من عليّ ومعاوية ومن الجندين من العهود والميثاق والثقة من الناس أنهما آمنان على أنفسهما وأهلهما ، والأُمة لهما أنصار على الذي يتقاضيان عليه ، وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين كلتيهما عهد الله وميثاقه ، العمل على ما في هذه الصحيفة، وإن قد وجبت قضيتهما على المؤمنين ، فإنّ الأمن والاستقامة ووضع السلاح بينهم أينما ساروا على أنفسهم ، وأهليهم ، وأموالهم ، وشاهدهم ، وغائبهم .
وعلى عبد الله بن قيس ، وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه أن يحكما بين هذه الأمة ، ولا يردّاها في حرب ولا فرقة حتى يعصيا ، وأجل القضاء إلى رمضان ، وإن أحبا أن يؤخرا ذلك أخراه على تراض منهما ، وإن توفي أحد الحكمين فإن أمير الشيعة يختار مكانه ، ولا يألوا من أهل المعدلة والقسط ، وإن مكان قضيتهما الذي يقضيان فيه مكان عدل بين أهل الكوفة وأهل الشام ، وإن رضيا وأحبا فلا يحضرهما فيه إلا من أرادا ، ويأخذ الحكمان من أرادا من الشهود ثم يكتبان شهادتهما على
ما في هذه الصحيفة ، وهم أنصار على من ترك ما في هذه الصحيفة ، وأراد فيه إلحاداً وظلماً ، اللهم إنا نستنصرك على من ترك ما في هذه الصحيفة(1).
ووقع عليها طائفة من الفريقين، وأصبحت نافذة المفعول ، وقد حققت آمال معاوية ، وأنقذته من الأخطار التي كادت أن تطوي حياته ، وتقضي على أتباعه .
والشيء المهم في هذه الوثيقة أنّها أهملت المطالبة بدم عثمان ، فلم تعرض لا بقليل ولا بكثير وإنّما كانت تنشد إيقاف الحرب ، ونشر السلم والعافية بين الفريقين، وفيما اعتقد أنها كتبت ولم يكن للإمام العالمي (علیه السّلام) فيها أي رأي ، فقد خلّى بين جيشه وبين ما يريدون .
وغادر الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) صفين متجهاً إلى الكوفة ، ولا أعتقد أن يلم كاتب بتصوير المحنة الكبرى التي ألمت به ، فقد رجع مثقلاً بالهموم يرى باطل معاوية قد استحكم ، وأمره قد تمّ ، وينظر إلى جيشه أصبح متمرّداً يدعوه فلا يستجيب ، ويأمره فلا يطيع ، قد مزقت الفتنة جميع كتائبه ، فقد كانوا - فيما يقول المؤرخون - يتشاتمون ، ويتضاربون بالسياط ، ويبغي بعضهم على بعض ، وأخطر ما حدث فيه انبثاق الفكرة الحرورية التي سنتحدث عنها ، فإنّها كانت سوسة تنخر في المعسكر العراقي ، وأهم من أي خطر داهم عليه ، فقد أخذت تعمل على تفلل وحدة جيشه ، وتذيع الفتنة والخوف بين صفوفه.
ودخل الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) الكوفة ، فرأى لوعة وبكاء قد سادت في جميع أرجائها ، حزناً على من قتل منها في صفين، فإن قتلى صفين بالقياس إلى قتلى الجمل كانوا أضعافاً .
1) تاريخ الأمم والملوك : 4 : 317 و 318.
ويقول الرواة : إن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) سمّى أهل النهروان بالمارقين(1)
تاريخ مدينة دمشق : 470:42 و 471 .
، وإنه قد عهد إلى الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) بقتالهم كما عهد إليه بقتال الناكثين والقاسطين من بعده(2)كنز العمّال : 11 : 327 ، الرقم 31649 .
.والظاهرة البارزة في اتجاهات الخوارج هي الالتواء في السلوك والإصرار على الجهل والعناد ، فقد بنوا واقعهم على التعصب، وعدم التدبّر والإمعان في حقائق الأمور ، وقد كان شعارهم الذي تفانوا في سبيله وقدموا له المزيد من الضحايا : لا حكم إلا لله»(3)، ولكنهم لم يلبثوا أن جعلوا الحكم للسيف ، فنشروا الإرهاب والخوف والفساد في الأرض كما سنذكر ذلك.
وعلى أية حال فإنّ الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)لما نزح من صفين إلى الكوفة لم يدخلوا إليها ، وإنّما انحازوا إلى (حروراء) فنسبوا إليها ، وكان عددهم - فيما يقول المؤرخون - اثني عشر ألفاً ، وقد جعلوا أميرهم على القتال شَبَث بن ربعي ، وعلى الصلاة عبد الله بن الكواء اليشكري ، وخلعوا الإمام علي (علیه السّلام) عن الخلافة ، وجعلوا الأمر شورى بين المسلمين .
والتاعَ الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) من تمردهم ، فأوفد للقياهم عبد الله بن عباس ، وأمره ألا يخوض معهم في ميدان الخصومة والنزاع حتى يأتيه ، إلا أنه لم يجد بُداً
من الحوار معهم ، وبينما هو يحاورهم ؛ إذ أطلّ عليهم فنهى ابن عباس عن مناظرتهم ، وأقبل عليهم ، فقال لهم (علیه السّلام): اللهمَّ إِنَّ هذا مُقامٌ مَنْ أُفْلِجَ فِيهِ كَانَ أَوْلَىٰ بِالْفَلَجِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ نَطَقَ وَأَوْعَتَ فِيهِ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً.
ثم قال لهم : مَنْ زَعِيمُكُمْ ؟
قالوا : ابن الكواء .
قال علي (علیه السّلام): فَما أَخْرَجَكُمْ عَلَيْنا ؟
قالوا : حكومتكم يوم صفين .
قال (علیه السّلام): أَنشُدُكُمْ بِاللهِ ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ حَيثُ رَفَعُوا الْمَصاحِفَ ، فَقُلْتُمْ : نُجِيبُهُمْ إِلَىٰ كِتابِ اللهِ ، قُلتُ لَكُمْ: إِنِّي أَعْلَمُ بِالْقَومِ مِنْكُمْ ، إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَصْحَابِ دِينِ ، وَلَا قُرْآنٍ . إِنِّي صَحِبْتُهُمْ وَعَرَفْتُهُمْ أطفالاً وَرجالاً ، فَكانُوا شَرَّ أَطفال ، وَشَرُ رِجالٍ ، أَمْضُوا عَلى حَقَّكُمْ وَصِدْقِكُمْ ، فَإِنَّمَا رَفَعَ الْقَوْمُ هَذِهِ الْمَصَاحِفَ خَدِيعَةً وَدَهْنا وَمَكِيدَةٌ .
فَرَدَدْتُمْ عَلَيَّ رَأْبِي ، وَقُلْتُمْ : لَا ، بَلْ نَقْبَلُ مِنْهُمْ.
فَقُلْتُ لَكُمْ : اذْكُرُوا قَوْلِي لَكُمْ ، وَمَعْصِيَتُكُمْ إِيَّايَ .
فَلَمّا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْكِتابَ اشْتَرَطْتُ عَلَى الْحَكَمَيْنِ أَنْ يُحْيِيا ما أَحْيَا الْقُرْآنُ ، وَأَنْ يُمِيتا ما أَماتَ الْقُرْآنُ ، فَإِنْ حَكَما بِحُكْمِ الْقُرْآنِ فَلَيْسَ لَنا أَنْ نُخالِفَ حُكْماً يَحْكُمُ بِما في الْقُرآنِ ، وَإِنْ أَبَيا فَنَحْنُ مِنْ حُكْمِهِما بُراءُ ؟!!(1).
وأبطلت هذه الحجّة النيرة جميع أوهامهم، فهم المسؤولون عن التحكيم ، كما هم مسؤولون عن كلّ ما حدث من الفتنة والفساد ، وليس للإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) ضلع في ذلك ، وأيقنوا أنّ الذنب ذنبهم ، وليس عليه أية تبعة في ذلك ، فقالوا له :
1) تاريخ الأمم والملوك : 4 : 327 . الكامل في التاريخ : 3: 166.
أتراه عدلاً تحكيم الرجال في الدماء ؟ !
فقال (علیه السّلام): لَسْنَا حَكَمْنَا الرَّجالَ إِنَّما حَكَمْنَا الْقُرْآنَ ، وَهَذَا الْقُرْآنُ إِنَّمَا هُوَ خَط مَسْطُورٌ بَيْنَ دَفْتَيْنِ لَا يَنْطِقُ وَإِنَّما يَتَكَلَّمُ بِهِ الرّجالُ .
فقالوا له : خبرنا عن الأجل لم جعلته فيما بينك وبينهم ؟
فقال (علیه السّلام): لِيَعْلَمَ الْجاهِلُ ، وَيُثْبِتَ الْعَالِمُ ، وَلَعَلَّ اللَّهَ يُصْلِحُ فِي هَذِهِ الْهِدْنَةِ هَذِهِ الْأُمَّةَ .
وسدّ عليهم الإمام علي (علیه السّلام) كل نافذة ينفذون منها ، ووجد منهم تقارباً وإذعاناً المقالته فخاطبهم بناعم القول : اُدْخُلُوا مِصْرَكُمْ رَحِمَكُمُ اللهُ.
فأجابوه إلى ذلك ، ورحلوا عن آخرهم معه إلى الكوفة ، إلا أنّهم بقوا مصرين على فكرتهم يذيعونها بين البسطاء ، حتى شاع أمرهم ، وقويت شوكتهم وأخذوا ينشرون الخوف والإرهاب ، ويدعون إلى البغي و عزل الامام (علیه السّلام) ، وجعل الأمر شورى بين المسلمين(1).
وانتهت المدة التي عينها الفريقان للتحكيم ، وقد استردّ معاوية قواه التي فقدها أيام صفين ، واستحكم أمره ، وقد أرسل إلى الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) يطلب منه الوفاء بالتحكيم ، وإنما سارع إلى ذلك لعلمه بما مني به جيشه من الفرقة والخلاف .
ثم هو على علم بأنّ النتيجة ستكون من صالحه ؛ لأنّ المنتخب للتحكيم هو أبو موسى الأشعري ، وهو على علم بانحرافه عنه.
وأشخص الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) أبا موسى الأشعري إلى التحكيم ، وأرسل أربعمائة من أصحابه جعل عليهم شريح بن هاني ، وعبد الله بن عباس يصلي بهم .
1) حياة الإمام الحسن بن علي علي (علیهما السّلام) : 1 : 469 - 472 .
والتقى الحكمان الضالان - على حد تعبير النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)(1)
فقلت له : احذر يا أبا موسى أن تكون أحدهما .
قال : فخلع قميصه وقال : أبرأ إلى الله من ذلك كما أبرأ من قميصي هذا - شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 13 : 315. تاريخ اليعقوبي : 2 : 91.
- في دومة الجندل(2)أو في أذْرُح(3).ويقول المؤرخون : إنّ ابن العاص لم يفتح الحديث مع الأشعري ثلاثة أيام، فقد أفرد له مكاناً خاصاً ، وجعل يقدّم له أطائب الطعام والشراب حتى استبطنه وأرشاه ، ولما أيقن أنه صار العوبة بيده أخذ يضفي عليه النعوت الحسنة والألقاب الكريمة ، حتى ملك مشاعره وعواطفه ، فقد قال له : يا أبا موسى ، إنّك شيخ أصحاب محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) وذو فضلها ، وذو سابقتها ، وقد ترى ما وقعت فيه هذه الأمة من الفتنة العمياء التي لا بقاء معها ، فهل لك أن تكون ميمون هذه الأمة فيحقن الله بك دماءها فإنّه يقول في نفس واحدة : وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً(4)، فكيف بمن أحيا هذا الخلق كله ؟!
ومتى كان الأشعري شيخ صحابة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، ومن ذوي الفضائل والسوابق في
1) روى سويد بن غفلة ، قال : كنت مع أبي موسى الأشعري على شاطئ الفرات في خلافة عثمان فروى لي خبراً عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال : سمعته يقول : إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ اخْتَلَفُوا ، فَلَمْ يَزَلِ الْإِخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ حَتَّى بَعَثُوا حَكَمَيْنِ ضالين ضَلًّا وَأَضَلَّا مَنِ اتَّبَعَهُما ، وَلَا يَنفَكُ أَمْرُ أُمَّتِي حَتَّى يَبْعَثُوا حَكَمَيْنِ يَضِلَّانِ وَيُضَلَّانِ مَنِ اتَّبَعَهُما.
2) دومة الجندل : بضمّ أوّله وفتحه ، حصن وقرى بين الشام والمدينة - معجم البلدان : 2: 554.
3) أذْرُحُ : هو اسم بلد في أطراف الشام من أعمال الشراة ، ثم من نواحي البلقاء وعمان مجاورة لأرض الحجاز - معجم البلدان : 1 : 157 .
4) المائدة 5: 32.
الإسلام ؟! وانخدع الأشعري بهذه الكلمات المعسولة ، فطفق يسأل ابن العاص عن سبل الإصلاح وحقن الدماء ، فأجابه ابن العاص : تخلع أنت عليّ بن أبي طالب ، وأخلع أنا معاوية بن أبي سفيان ونختار لهذه الأمة رجلاً لم يحضر في شيء
من الفتنة ، ولم يغمس يده فيها(1).
فبادر أبو موسى يسأل عن الرجل الذي لم ينغمس في الفتنة قائلاً: من يكون ذلك ؟
وكان ابن العاص قد عرف ميول الأشعري واتجاهاته نحو عبد الله بن عمر فقال له : إنّه عبد الله بن عمر .
وسرّ الأشعري بذلك ، واندفع يطلب منه العهود على الالتزام بما قاله : كيف لي بالوثيقة منك ؟
يا أبا موسى، ألا بذكر الله تطمئن القلوب ، خُذ من العهود والمواثيق حتى ترضى .
ولم يبقَ يميناً إلا أقسم به على الالتزام بما قاله ، وأيقن الأشعري بمقالة ابن العاص ، فأجابه بالرضا والقبول، وعيّنا وقتاً خاصاً يذيعان فيه ما اتفقا عليه .
وأقبلت الساعة الرهيبة التي كانت تنتظرها الجماهير بفارغ الصبر ، وأقبل الماكر ابن العاص مع زميله الأشعري إلى منصة الخطابة ليعلنا للناس ما اتفقا عليه ، واتجه ابن العاص نحو الأشعري فقال له : قم فاخطب الناس يا أبا موسى .
فقال له : قم أنت فاخطبهم .
وراح ابن العاص يُخادع الأشعري قائلا له : سبحان الله ، أنا أتقدمك ! وأنت شيخ أصحاب رسول الله ؟! والله لا فعلت ذلك أبداً .
1) وقعة صفين : 544 - 546 . تاريخ اليعقوبي : 2: 90 تاريخ الأمم والملوك : 4: 328 - 331. الكامل في التاريخ : 3: 168 .
وداخل الأشعري العجب بنفسه من هذه الألقاب الفخمة التي أضفاها عليه ابن النابغة ، وطلب الخامل المخدوع من ابن العاص الأيمان أن يفى له بما قال ، فأقسم له على الوفاء بما اتفقا عليه(1)، ولم تخف هذه الخديعة على حبر الأمة عبد الله بن عباس ، فالتفت إلى الأشعري يحذره من مكيدة ابن العاص قائلاً له:ويحك ، والله إنّي لأظنه قد خدعك ، إن اتفقتما على أمر فقدمه فليتكلم بذلك الأمر قبلك ، ثم تكلم أنت بعده ، فإنّ عَمْراً رجل غادر لا أمن من أن يكون قد أعطاك الرضا فيما بينك وبينه ، فإذا قمت في الناس خالفك.
ولم يُعنَ الغبي بابن عباس ، وإنّما راح يشتد نحو منصة الخطابة ، فلما استوى عليها حمد الله وأثنى عليه ، وصلى على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ثم قال : أيها الناس إنا قد نظرنا في أمرنا ، فرأينا أقرب ما يحضرنا من الأمن ، والصلاح ، ولمّ الشعث ، وحقن الدماء ، الألفة ، خلعنا علياً ومعاوية ، وقد خلعت علياً كما خلعت عمامتي هذه وأهوى إلى عمامته فخلعها - واستخلفنا رجلاً قد صحب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بنفسه ، وصحب أبوه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فبرز في سابقته ، وهو عبد الله بن عمر(2).
أف للزمان وتعساً للدهر أن يتحكّم في المسلمين أمثال هؤلاء الصعاليك الذين ران الجهل على قلوبهم .
لقد عزل الأشعري الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) حكيم هذه الأمة ، ورائد العدالة الكبرى في الأرض ، الذي طوّق الدنيا بعبقرياته ومواهبه ، لقد جعل الأشعري قيادة الأمة بيد عبد الله بن عمر وهو لا يحسن طلاق زوجته - على حدّ تعبير أبيه - إنّها من مهازل الزمن التي تمثلت على مسرح الحياة العامة في ذلك العصر الذي أُخمدت فيه أضواء العقل ، وراح الإنسان يسير خلف رغباته وميوله.
وعلى أية حال فقد انبرى الخاتل الماكر ابن العاص إلى منصة الخطابة فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : أيها الناس ، إنّ أبا موسى عبد الله بن قيس خلع علياً، وأخرجه من هذا الأمر الذي يطلب ، وهو أعلم به ، ألا وإنّي خلعت علياً معه ، وأثبت معاوية علي وعليكم ، وإن أبا موسى ، قد كتب في الصحيفة(1)إن عثمان قد قتل مظلوماً شهيداً وإنّ لوليه أن يطلب بدمه حيث كان ، وقد صحب معاوية رسول الله بنفسه ، وصحب أبوه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ، ثم أخذ يُثني على معاوية ، ويصفه بما هو ليس أهلاً له ثمّ قال : هو الخليفة علينا ، وله طاعتنا وبيعتنا على الطلب بدم عثمان(2).
واشتد الأشعري نحو ابن العاص بعدما غدر به ونكث عهده فصاح به : ما لك عليك لعنة الله ؟ ! ما أنت إلا كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث ، وإن تتركه يلهث .
فزجره ابن العاص : لكنّك مثل الحمار يحمل أسفاراً.
وصدق كلّ منهما في وصف صاحبه ، فتعساً لك يا زمان ! كيف يؤول أمر المسلمين إلى مائق وماكر ؟ ! وهما الحاكمان في أُمور المسلمين .
لقد جرّ هذا التحكيم إلى الأمة كثيراً من المصاعب والفتن ، وأخلد لها الخطوب والويلات .
وماج العراقيون في الفتنة ، وأيقنوا بضلال ما أقدموا عليه ، وانهزم الأشعري نحو مكة يصحب معه العار والخزي له ولذريته(3)
فرد عليه الفرزدق قائلاً: أما أحدهما فمائق ، وأما الآخر ففاسق ، فكن ابن أيهما شئت - شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 19: 353 .
و نظر رجل إلى بعض ولد أبي موسى يختال في مشيته ، فقال : ألا ترون مشيته ؟! كأن أباه خدع عمرو بن العاص .
، فقد غدر بالمسلمين غدرة منكرة ،وأكثر شعراء ذلك العصر في هجاء الكوفيين وهجاء الأشعري ، يقول أيمن بن خريم الأسدي :
لَوْ كَانَ لِلقَومِ رَأْيِّ يُعصَمُونَ بِهِ *** مِنَ الضَّلَالِ رَمَوكُمْ بِابْنِ عَبّاسِ
لِلَّهِ درُّ أبیه أيما رَجُلٍ *** ما مِثلُهُ لِفصالِ الخَطْبِ فِي النَّاسِ
لَكِنْ رَمَوكُمْ بِشَيخ مِنْ ذَوِي يَمَنٍ *** لَم يَدرِ ما ضَرْبُ أَخْمَاسٍ لِأَسْداسِ
إِنْ يَخْلُ عَمْرُو بِهِ يَقْذِفُهُ فِي لُجَجِ *** يَهْوِي بِهِ النَّجْمُ نَّيْساً بَينَ أَنياسِ
أَبْلِغْ لَدَيكَ عَلِيّاً غَيرَ عاتبِهِ *** قولُ امرِي لاَ يَرَى بِالْحَقِّ مِن بَاسِ
ما الأشعَرِيُّ بِمَأْمُونٍ أبا حَسَنٍ *** فَاعْلَم هُدِيتَ وَلَيسَ العَجْرُ كالرَّاسِ
فاصدِمْ بِصاحِبِكَ الأدْنَى زَعيمَهُمُ *** إِنَّ ابنَ عَمِّكَ عَبّاسٌ هُوَ الآسِي(1)
لقد نجح ابن أبي سفيان بإمرة الدولة بعد أن كان قد أعياه أن يظل والياً على الشام ، فقد عاد إليه أهل الشام يسلّمون عليه بإمرة المؤمنين وأمّا الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) فقد أغرق جيشه في الفتنة والفرقة والخلاف ، فجعل بعضهم يتبرأ من بعض ، وقد شاع فيهم الخلاف ، وعرفوا وبال ما جنت أيديهم ، فخطب الإمام الحسن (علیه السّلام) خطاباً مسهباً دعاهم فيه إلى الألفة والمودة ، وكذلك خطب فيهم عبد الله ابن عباس ، وعبد الله بن جعفر ، وقد شجبا في خطابهما التحكيم ، ودَعَوا الناس إلى الطاعة ونبذ الخلاف(2)، وقد استجاب لهم بعض الناس ، وأصر آخرون على التمرد والعصيان .
ولما انتهى خبر التحكيم إلى الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) بلغ به الحزن أقصاه ، فجمع الا الناس وخطبهم خطاباً مؤثراً صعد فيه آلامه وأحزانه على مخالفة أوامره في إيقاف القتال ، والاستجابة لنداء عدوّه الذي قضى فيه على ما أحرزوه من الفتح والنصر ، يقول (علیه السّلام) : الْحَمدُ لِلَّهِ ، وَإِنْ أَتَى الدَّهْرُ بِالْخَطْبِ الْفادِحِ ، وَالْحَدَثِ الْجَلِيلِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَيْسَ مَعَهُ إِلهُ غَيْرُهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ .
أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ مَعْصِيَةَ النَّاصِحِ الشَّفِيقِ الْعالِمِ الْمُجَرِّبِ تُورِثُ الْحَسْرَةَ ، وَتُعْقِبُ النَّدامَةَ ، وَقَدْ كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ فِي هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ ، وَهَذِهِ الْحُكُومَةِ أَمْرِي ، وَنَخَلْتُ لَكُمْ رَأْيِي لَوْ كانَ يُطَاعُ لِقَصِيرِ أَمْرٌ فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ إِبَاءَ الْمُخَالِفِينَ الْجُفَاةِ ، وَالْمُنابِذِينَ الْعُصاةِ؛ حَتَّى ارْتابَ النَّاصِحُ بِنُصْحِهِ ، وَضَنَّ الزَّنْدُ بِقَدْحِهِ ، فَكُنْتُ أَنا وَإِيَّاكُمْ كَما قَالَ أَخُو هَوازِنَ :
أَمَرْتُكُمْ أَمْرِي بِمُنْعَرَج اللوى *** فَلَمْ تَسْتَبِينُوا النُّصْحَ إِلَّا ضُحَى الْغَدِ
أَلا إِنَّ الرَّجُلَيْنِ اللَّذِيْنِ اخْتَرْتُمُوهُما حَكَمَيْنِ قَدْ نَبَذَا حُكْمَ الْكِتَابِ وَراءَ ظُهُورِهِما ، وَارْتَأَيَا الرَّأْيَ مِنَ قِبَلِ أَنْفُسِهِما ، فَأَماتا مَا أَحْيا الْقُرْآنُ ، وَأَحْيَا مَا أَمَاتَ الْقُرْآنُ ، ثُمَّ اخْتَلَفا فِي حُكْمِهِما ، فَكِلَاهُما لَا يَرْشُدُ وَلَا يُسَدَّدُ فَبَرِئَ اللَّهُ مِنْهُما وَرَسُولُهُ ، وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ، فَاسْتَعِدُوا لِلْجِهادِ ، وَتَأَهَبُوا لِلْمَسِيرِ ، وَأَصْبِحُوا فِي مُعَسْكَرِكُمْ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ إِنْ شاءَ الله»(1).
وتهيأت قواته المسلحة إلى السفر في الموعد الذي ضربه لها ، وكتب إلى أهل البصرة يدعوهم إلى نصرته ، فالتحقت به كتائب من الجيش .
وسافر الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) بأصحابه يريد الشام، ولكنه لم يلبث حتى وافته
1) نهج البلاغة : 1 : 86 ، الخطبة 35. أنساب الأشراف: 3: 140 و 141 .
الأنباء بتمرد الخوارج وفسادهم ، وأنهم عادوا إلى فكرتهم.
ويقول المؤرخون : إن جماعة منهم خرجوا من الكوفة والتحق بهم إخوانهم من أهل البصرة ، وساروا جميعاً إلى النهروان فأقاموا فيها وأخذوا يعيثون في الأرض فساداً ، فأستحلوا دماء المسلمين، وقالوا بكفرهم ، واجتاز عليهم الصحابي عبد الله ابن خباب بن الأرت ، فتصدوا له ، فسألوه عن اسمه ، فأخبرهم به ، ثمّ سألوه عن انطباعاته الخاصة عن الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، فاثنى عليه ، فاستشاطوا غضباً، فانبروا إليه وأوثقوه كتافاً ، وأقبلوا به وبامرأته وكانت حبلى قد أشرفت على الولادة ، فجاء وا بهما تحت نخل ، فسقطت رطبة منها فبادر بعضهم إليها فوضعها في فيه ، فأنكروا عليه ، فألقاها من فمه، واخترط بعضهم سيفاً فضرب به خنزيراً لأهل الذمة فقتله ، فصاح به بعضهم إنّ هذا من الفساد في الأرض ، فبادر الرجل إلى الذمي فأرضاه .
فلما نظر عبد الله إلى احتياطهم في الأموال قال لهم : لئن كنتم صادقين فيما أرى ما عليّ منكم بأس ، والله ما أحدثت حدثاً في الإسلام وإني لمؤمن، وقد آمنتموني وقلتم لا روع عليك.
فلم يعنوا به ، وعمدوا إليه فاقبلوا به إلى الخنزير الذي قتلوه فوضعوه عليه ، وذبحوه ، وأقبلوا على امرأته وهي ترتعد من الخوف ، فقالت لهم مسترحمة : إنّما أنا امرأة أما تتقون الله ؟
ولم تلن قلوبهم التي طبع عليها الزيغ فذبحوها ويقروا بطنها ، وعمدوا إلى ثلاثة نسوة فقتلوهن(1)، وفيهن أم سنان الصيداوية ، وكانت قد صحبت النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وجعلوا يذيعون الذعر ، وينشرون الفساد في الأرض .
وأوفد الإمام لهم الحرث بن مرة العبدي يسألهم عن هذا الفساد الذي أحدثوه ،
1) أنساب الأشراف : 3 : 142 .
ويطلب منهم أن يسلّموا إليه الذين استحلوا قتل الأنفس التي حرم الله إزهاقها بغير الحق ، ولم يكد الرسول يدنو منهم حتى قتلوه ولم يدعوه يدلي بما جاء به(1).
وكره أصحاب الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) أن يسيروا إلى الشام ويتركوا من ورائهم الخوارج يستبيحون أموالهم وأعراضهم من بعدهم ، فطلبوا منه أن ينهض بهم لمناجزتهم فإذا فرغوا منهم تحولوا إلى حرب معاوية ، فأجابهم (علیه السّلام) إلى ذلك وسار بهم حتى أتى النهروان ، فلما صار بإزاء الخوارج أرسل إليهم يطلب منهم قتلة عبد الله ابن خبّاب ومن كان معه من النسوة ، كما طلب منهم قتلة رسوله الحرث ابن مرّة ، ليكف عنهم ويمضي إلى حرب معاوية ، ثمّ ينظر في أمورهم فأجابوه : ليس بيننا وبينك إلا السيف إلا أن تقرّ بالكفر ، وتتوب كما تبنا .
فالتاع منهم ، وانطلق يقول (علیه السّلام) : أَبَعْدَ جِهادِي مَعَ رَسولِ اللَّهِ ، وَإِيْمَانِي أَشْهَدُ عَلَى نَفْسِي بِالْكُفْرِ ؟ ! لـقَد ضَلَلْتُ إذا وَما أَنَا مِنَ المُهْتَدِينَ(2).(3)
وجعل الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) يعظهم تارةً ويراسلهم أخرى ، فجعل كثير منهم يتسللون ويعودون إلى الكوفة ، وقسم منهم التحق بالإمام ، وفريق ثالث اعتزل الحرب ، ولم يبق إلا ذو الثفنات عبد الله بن وهب الراسبي زعيم الخوارج ومعه ثلاثة آلاف.
ولما يئس الإمام من إرشادهم عباً جيشه ، وأمر بألا يبدأوهم بقتال حتى يقاتلوهم ، ولما نظر الخوارج إلى تهيئة الإمام تهيّأ وا للحرب ، وكانت قلوبهم تتحرّق
شوقاً إلى القتال تحرّق الظمآن إلى الماء ، وهتف بعضهم : هل من رائح إلى الجنة ؟ فتصايحوا جميعاً الرواح إلى الجنة .
ثمّ حملوا حملة منكرة على جيش الإمام (علیه السّلام) وهم يهتفون بشعارهم : «لا حكم إلا الله» ، فانفرجت لهم خيل الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) فرقتين ، فرقة تمضي إلى الميمنة ، وفرقة تمضي إلى الميسرة ، والخوارج يندفعون بين الفرقتين ، ولم تمض إلا ساعة حتى قُتلوا عن آخرهم ، ولم يفلت منهم إلا تسعة(1).
ولما وضعت الحرب أوزارها طلب الإمام علي (علیه السّلام) من أصحابه أن يلتمسوا له (ذا الثدية) فى القتلى ، ففتشوا عنه فلم يظفروا به ، فعادوا إليه يُخبرونه بعدم ظفرهم به فأمرهم ثانياً أن يبحثوا عنه قائلاً : وَاللهِ ما كَذَبْتُ وَلا كُذَّبْتُ ، وَيْحَكُمُ الْتَمِسوا الرَّجُلَ فَإِنَّهُ في القتلى ، فانطلقوا يبحثون عنه فظفر به رجل من أصحابه ، وكان قد سقط قتيلاً في ساقية ، فمضى يُهرول فأخبره به ، فلمّا سمع النبأ خرّ ساجداً هو ومن معه من أصحابه ، ثم رفع رأسه وهو يقول : ما كَذَبْتُ وَلا كُذَّبْتُ ، وَلَقَدْ قَتَلْتُمْ شَرِّ النَّاسِ .
وأخذ الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) يحدث أصحابه بما سمعه من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فيه ، أنه قال : سَيَخْرُجُ قَوْمٌ يَتَكَلَّمُونَ بِكَلامِ الْحَقِّ لَا يُجاوِزُ حُلُوقَهُمْ ، يَخْرُجُونَ مِنَ الْحَقِّ خُرُوجَ السَّهم - أَوْ مُرُوقَ السَّهْم - إِنَّ فِيهِمْ رَجُلاً مُخْدَجَ الْبَدِ ، فِي يَدِهِ شَعَرَاتٌ سُودٌ ، فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ فَقَدْ قَتَلتُمْ شَرَّ النّاسِ ...(2)
ولا يخفى على القارئ اللبيب أن كلام النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ينتهي بكلمة «شعرات سود»، وما تلاه فهو من كلام أمير المؤمنين (علیه السّلام).
.وأمر الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) بإحضار جئته ، فأحضرت له ، فكشف عن يده
فإذا على منكبه ثدي كثدي المرأة ، وعليها شعرات سود، تمتد حتى تحاذي بطن يده الأُخرى ، فإذا تركت عادت إلى منكبه ، فلما رأى ذلك خر الله ساجداً ، ثم عمد إلى القتلى من الفريقين فدفنهم، وقسّم بين أصحابه سلاح الخوارج ودوابهم وردّ الأمتعة والعبيد إلى أهليهم ، كما فعل ذلك بأصحاب الجمل .
وانتهت بذلك حرب النهروان التي تفرعت من واقعة صفين، وقد أسفرت عن تشكيل حزب ثوري عنيف ظهر في الإسلام ، وهو حزب الحرورية(1)الذي أخذ على نفسه التمرد على الحكومات القائمة في البلاد الإسلامية ومحاربتها بشكل سافر ، مما أدى إلى إراقة الدماء ، وإشاعة الفتنة والخلاف في كثير من تلك العصور .
لقد كان البارز في الأنظمة الدينية للخوارج هو الحكم بكفر كل من لا يدين بفكرتهم من المسلمين ، واستباحة دمائهم وأموالهم ، وفيما أحسب أنّ أكثر الجرائم المريعة التي صدرت في معركة كربلاء تستند إلى هؤلاء الممسوخين الذين سلبت عنهم كل نزعة إنسانية ، فقد تأثر الكثيرون من ذلك الجيش بأخلاقهم فاندفعوا إلى الجريمة بأبشع صورها وألوانها .
وأعقبت تلك الحروب أعظم المحن وأشدها هولاً ، ولم يمتحن الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) بها وحده ، وإنّما امتحن بها العالم الإسلامي ، فقد أخلدت له الفتن ، وجرت له الكثير من الويلات والخطوب، ولعلّ أعظم ما عاناه منها ما يلي :
وأتاحت الفرص لمعاوية بعد تلك الأحداث أن يُعلن نفسه لأول مرة بأنه المرشح
1) حروراء - بالمد -: قرية بقرب الكوفة تُنسب إليها فرقة الخوارج الحرورية ، فقد كان اجتماعهم فيها ، فتعمقوا بأمر الدين حتى مرقوا فيه - معجم البلدان : 2 : 283 .
للخلافة ، بعد أن كان حاكماً على إقليم الشام ، وراح يُعلن انتصاره وتغلبه عليه ، بقوله : لقد حاربت علياً بعد صفين بغير جيش ولا عناء ، أو قال : ولا عتاد(1).
وأمّا الإمام علي (علیه السّلام) فقد أصبح بمعزل عن السلطات السياسية والعسكرية ، فكان يدعو فلا يسمع لدعوته ، ويقول فلا يلتفت إلى قوله .
لقد أدّت تلك الحروب إلى تحوّل الخلافة الإسلامية إلى حكم قيصري لا ظل فيه لحكم الإسلام ومنطق القرآن ، فقد آل الأمر إلى معاوية ، فاتخذ مال الله دولاً ، وعباد الله خولاً ، وأرغم المسلمين على ما يكرهون .
وتقللت جميع القوات العسكرية في جيشه ، وشاعت الفرقة والاختلاف فيما بينها، خصوصاً بعد واقعة النهروان ، فقد انحطت معنويات الجيش .
يقول البلاذري : إنّ معاوية أرسل عمارة بن عقبة إلى الكوفة ليتجسس له عن حالة جيش الإمام ، فكتب له : خرج على عليّ أصحابه ونساكهم ، فسار إليهم فقتلهم ، فقد فسد عليه جنده وأهل مصره ، ووقعت بينهم العداوة ، وتفرقوا أشدّ الفرقة .
فقال معاوية للوليد بن عقبة : أترضى أخوك بأن يكون لنا عينا - وهو يضحك - فضحك الوليد وقال : إن لك في ذلك حظاً ونفعاً، وقال الوليد لأخيه عمارة :
إِن يَك ظَنِّى بِابْن أُمِّى صادِقاً *** عمارة لا يَطلُبُ بِذَحْل وَلَا وَتْرِ
مُقِيمٌ وَقَتَالُ ابْنَ عَفَانَ حَولَهُ *** يمشي بها بَينَ الخَوَرنَقِ وَالجِسْرِ
وَتَمْشِي رَخِيَّ البَالِ مُنَتشِرَ القِوَى *** كَأنَّكَ لَمْ تَشْعُرُ بِقَتل أبي عَمْرِو(2)
لقد مني جيش الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) بالفتنة والخلاف ، ولم يكن باستطاعته
بما يملك من طاقات خطابية هائلة أن يرجع إليهم حوازب أحلامهم ، ويقضي على عناصر الشغب والتمرد التي أصبحت من أبرز ذاتياتهم .
ومما زاد في تمرّد الجيش أن معاوية راسل جماعة من زعماء العراق البارزين - كالأشعث بن قيس - فمنّاهم بالأموال ، ووعدهم بالهبات والمناصب إذا قاموا بعمليات التخريب في جيشه وشعبه ، فاستجابوا إليه فقاموا بدورهم في إشاعة الأراجيف ، وتضليل الرأي العام، وبثَّ روح التفرقة والخلاف بين الناس ، وقد أثرت دعايتهم تأثيراً هائلاً في أوساط ذلك الجيش ، فقد خلعوا طاعة الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، وعمدوا إلى عصيانه(1).
لقد كانت الأكثرية الساحقة في معسكره لهم رغباتهم الخاصة التي تتنافى مع مصلحة الدولة وغايات رئيسها ، في حين أن شعب الشام كان على العكس من ذلك . يقول الحجاج بن خزيمة لمعاوية : إنك تقوى بدون ما يقوى به على ؛ لأن معك قوماً لا يقولون إذا سكت ، ويسكتون إذا نطقت ، ولا يسألون إذا أمرت ، ومع علي قوم يقولون إذا قال ، ويسألون إذا سكت(2).
ولم تقف محنة الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) وبلاؤه عند حد ، وإنما أخذت تتتابع عليه المحن ، وهي أشدّ ما تكون هولاً ، فإنّه لم يكد ينتهي من مناجزة المارقين حتّى ابتلى في أمر دولته ، فقد أخذ معاوية يحتل أطرافها ، ويغير على بعضها ، ويشيع فيها الخوف والإرهاب، فقد أيقن بتخاذل جيشه ، وما مُني به من الفرقة والاختلاف ، وقد أجمع رأيه على احتلال مصر التي هي قلب البلاد العربية ، وقد جعلها طعمة إلى
وزيره وباني دولته عمرو بن العاص ليتمتع وحده بخيراتها .
وكان الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) قد ولى على مصر الزعيم الكبير قيس بن سعد الأنصاري الذي كان من ألمع الشخصيات الإسلامية في حسن سياسته وعمق تفكيره وبعد نظره ، وقد ساس المصريين أيام المحنة سياسة عدل وحق ، وقضى على الاضطرابات الداخلية ، ونشر المحبة والألفة فيها ، وقد عزله عنها وولى مكانه الطيب محمد بن أبي بكر، فاضطرب أمر مصر ، وظهرت الدعوة العثمانية فيها فعزل الإمام على (علیه السّلام) محمداً عنها وولى مكانه مالك الأشتر النخعي الذي هو من أنصح الناس إليه وأكثرهم إخلاصاً له ، إلا أنه لم يكد ينتهي إلى (القلزم) حتى مات .
وأجمع المؤرخون على أن معاوية قد أغوى صاحب الخراج في القلزم فدسّ إليه سماً في شربة من عسل فمات بها ، وكان معاوية وصاحبه ابن العاص يتحدثان بعد ذلك ، ويقولان : إنّ الله جنوداً من عسل(1).
وجهز معاوية جيشاً لاحتلال مصر ، وأمر عليه ابن العاص ، ولما علم الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) ذلك أقرّ محمّداً على مصر، ووعده بأن يمده بالجيش والمال ، وأخذ يدعو أهل الكوفة لنجدة إخوانهم في مصر ، فلم يستجيبوا له ، وجعل يلح عليهم ويطلب منهم النجدة ، فاستجاب له جند ضئيل كأنّما يساقون إلى الموت(2)، فأرسلهم إلى مصر ، ولكنّه لم يلبث أن وافته الأنباء بأنّ ابن العاص قد احتل مصر ، وأن عامله محمداً قد قتل وأحرقت جثته في النار ، فردّ جنده ، وخطب أهل الكوفة خطاباً مثيراً ندد بهم ، ونعى عليهم تخاذلهم وخور عزائمهم.
وعلى أية حال فإنّ احتلال مصر قد قوّى شوكة معاوية ، ودفعه إلى أن يغزو أهل العراق في عقر دارهم.
ولم يقنع معاوية بما أحرزه من النصر في احتلاله لمصر، وإنما راح يشيع الذعر والهلع في البلاد الخاضعة لحكم الإمام علي (علیه السّلام): ليشعر أهلها بأن علياً قد ضعف سلطانه وأنّه لا يتمكن من حمايتهم ورد الاعتداء عنهم ، وقد شكل قطعاً من جيوشه وعهد إليها أن تتوغل في البلاد وتشيع فيها الفساد والقتل ، وقد ولّى عليها جماعة من السفاكين الذين تمرسوا في الجرائم ، وتجردوا من كل نزعة إنسانية ، وعهد لكل واحد منهم أن يقتل كل من كان شيعة له ، ويغير على جهة خاصة بسرعة خاطفة ، ونعرض بإيجاز إلى بعض تلك الغارات :
وشكل معاوية أربع قطع للغارة على أطراف العراق وداخله ؛ ليملأ قلوب العراقيين فزعاً وخوفاً حتّى لا يستجيبوا للجهاد إذا دعاهم الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) إليه ، وهذه بعض المناطق العراقية التي أغار عليها :
وأرسل معاوية النعمان بن بشير الأنصاري في ألف رجل إلى عين التمر ، وكان فيها مالك بن كعب ، ومعه كتيبة من الجيش تبلغ ألف رجل إلا أنّه لم يعلم بغزو أهل الشام له ، فأذن لجنده بإتيان أهلهم في الكوفة وبقي في مائة رجل ، ولما دهمه جيش معاوية قاومه مقاومة باسلة، وتوجهت له نجدة تبلغ خمسين رجلاً فلما رآهم النعمان فزع وولى هارباً ، فقد ظن أن لهم مدداً.
ولما بلغت الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) أنباء هذه الغارة قام خطيباً في جيشه يدعوهم إلى نجدة عامله ، فقال (علیه السّلام): عَجَباً لَكُمْ عَجَباً لَكُمْ يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ ، كُلَّما أَطَلَّتْ عَلَيْكُمْ
سَرِيَّةٌ وَأَتاكُمْ مَنْسِر(1)مِنْ مَناسِرِ أَهْلِ الشَّامِ أَغْلَقَ كُلُّ امْرِي مِنْكُمْ بِابَهُ ، قَدِ انْجَحَرَ فِي بَيْتِهِ الْجِحارَ الضَّبِّ فِي جُحْرِهِ ، وَالضَّبْع في وجارِها ، وَالذُّلِيلُ وَاللهِ مَنْ نَصَرْتُمُوهُ ، وَمَنْ رَمَى بِكُم رَمَى بِأَفْوَقِ نَاصِلٍ(2)، فَقُبْحاً لَكُمْ وَتَرَحاً ، وَقَد نَادَيْتُكُمْ ، وَنَاجَيْتُكُمْ فَلَا أَحْرارٌ عِنْدَ النَّداءِ ، وَلَا إِخْوانَ عِنْدَ النَّجاءِ ، قَدْ مُنِيتُ مِنْكُمْ بِصُمَّ لَا يَسْمَعُونَ ، وَبُكْمٍ لَا يَعْقِلُونَ ، وَكُمْهِ لَا يُبْصِرُونَ»(3).
ووجّه معاوية للغارة على هيت سفيان بن عوف وضمّ إليه ستة آلاف ، وأمره أن يأتي بعد الغارة عليها إلى الأنبار والمدائن فيوقع بأهلها ، وسار بجيشه إلى هيت فلم يجد بها أحداً ، فانعطف نحو الأنبار فوجد بها مسلحة للإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) تتكون من مائتي رجل ، فقاتلهم وقتل أشرس بن حسّان البكري مع ثلاثين رجلاً من أصحابه ، ثمّ نهبوا ما في الأنبار من أموال وتوجهوا إلى معاوية وهم مسرورون بما أحرزوه من النصر ، وبما نهبوه من الأموال(4).
وبلغت أنباء الأنبار الإمام عليا (علیه السّلام) فأثارته إلى حد بعيد ، وبلغ به الغيظ أقصاه ، وكان عليلاً لا يمكنه الخطاب ، فكتب كتاباً قُرِئ على الناس ، وقد أُدني من السدّة ليسمع القراءة(5)، وهذا نصه :
1) المَنْسِر : قطعة من الجيش تمرّ قدام الجيش الكثير - القاموس المحيط : 620 - نسر .
2) الفوق : مشق رأس السهم حيث يقع الوتر، وإذا كان في الفوق ميل أو انكسار فذلك السهم أفوق - لسان العرب : 10: 353 - فَوَقَ . الناصل : السهم المنكسر الفوق الذي لا نصل فيه - لسان العرب : 14 : 168 - نَصَلَ .
3) أنساب الأشراف: 3 : 207 تاريخ الأمم والملوك : 4: 385 .
4) الكامل في التاريخ : 3 : 189.
5) أنساب الأشراف: 3 : 201 و 202.
«وأَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ الْجِهَادَ بابٌ مِنْ أَبْوابِ الْجَنَّةِ ، فَتَحَهُ اللهُ لِحَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ ، فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةٌ عَنْهُ أَلْبَسَهُ اللهُ ثَوْبَ الذُّلُّ ، وَشَمِلَهُ الْبَلاءُ ، ودُيْتَ بِالصَّغارِ ، وَسِيْمَ الْخَسْفَ ، وَمُنِعَ النَّصَفَ ، وَقَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلَى جَهَادِ هؤلَاءِ الْقَوْمِ لَيْلاً وَنَهَاراً ، وَعَلَانِيَةً وَسِرًا ، وَأَمَرْتُكُمْ أَنْ تَغْرُوهُمْ قَبْلَ أَن يَغْزُوكُمْ ، فَإِنَّهُ ما غُزِيَ قَوْمٌ فِي عُقْرِ دارِهِمْ إِلَّا ذَلُّوا ، فَتَوا كَلْتُمْ وَتَحَاذَلْتُمْ وَثَقُلَ عَلَيْكُمْ قَوْلِي ، وَعَصَيْتُمْ أَمْرِي وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِياً ، حَتَّى شُنَّتْ عَلَيْكُمُ الغاراتُ مِنْ كُلِّ ناحِيَةٍ ، هذا أَخُو عَامِدٍ قَدْ وَرَدَتْ خَيْلُهُ الْأَنْبَارَ ، فَقَتَلَ حَسَانَ بْنَ حَسَانٍ الْبَكْرِيَّ ، وَأَزَالَ مَسالِحَكُمْ عَنْ مَوَاضِعِها ، وَقَتَلَ مِنْكُمْ رِجَالاً صَالِحِينَ ، وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الشّامِ كَانَ يَدْخُلُ بَيْنَ الْمُسْلِمَةِ وَالْأُخْرَى الْمُعَاهِدَةِ فَيَأْخُذُ حِجْلَها وقُلْبَها(1)وَقِلَادَتَها .
فَيا عَجَباً يُمِيتُ القَلْبَ ، وَيَجْلِبُ الْهَمَّ ، وَيُسْمِرُ الأحزانَ مِنْ جِد هؤلَاءِ الْقَوْمِ في باطِلِهِم ، وَفَشَلِكُمْ عَنْ حَقَّكُمْ ، فَقَبْحاً وَتَرْحاً حَيْثُ صِرْتُمْ غَرَضاً يُرْمَى ، يُغَارُ عَلَيْكُمْ فَلَا تَغِيرُونَ ، وَيُعْصَى اللَّهُ فَتَرْضَوْنَ ، إِذا قُلْتُ لَكُمُ اغْرُوا عَدُوَّكُمْ فِي الْحَرَّ ، قُلْتُمْ هَذِهِ حَمَارَّةُ الْقَيْظِ مَنْ يَغْزُو فِيها ؟ ! أَمْهِلْنا يَنْسَلِخُ عَنَا الْحَرُّ ! وَإِذا قُلْتُ اغْزُوهُمْ فِي أَنْفِ الشَّتاءِ ، قُلْتُمُ الصِّرُّ وَالْقُرُ(2)، فَكُلُّ هذا مِنْكُمْ فِراراً مِنَ الْحَرِّ وَالْقُرِّ ؟ فَأَنْتُمْ وَاللَّهِ مِنَ السَّيْفِ أَفَرُّ .
يا أَشباءَ الرّجالِ ، وَحُلومَ الْأَطْفالِ ، وَعُقولَ رَبَاتِ الْحِجالِ ، لَوَدَدْتُ أَنَّيَ لَمْ أَرَكُمْ ، وَأَنَّ اللَّهَ أَخْرَجَنِي مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ ، فَلَقَدْ مَلَاتُمْ صَدْرِي غَيْظاً وَجَرَّعْتُمُونِي نُغَبَ الهمام(3)أَنْفاساً ، وَأَقْسَدْتُمْ عَلَيَّ رَأْيِي بِالْعِصْيانِ ، حَتَّىٰ قَالَتْ قُرَيْشُ : إِنَّ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ
1) القلب : سِوارُ المرأة - لسان العرب : 11: 272 - قلب.
2) الصُّرُّ : شدة البرد - لسان العرب : 7: 321 - صرر. القُرّ : البرد عامّة - لسان العرب : 11 : 97 - قرر .
3) النغب : هو الابتلاع للريق والماء - لسان العرب : 14 : 218 - نغب. وفي شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 2 : 80: النقب : جمع نغبة وهي الجرعة ، والتهمام بفتح التاء : الهم .
رَجُلٌ شُجاعٌ ، وَلَكِنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِالْحَرْبِ، لِلَّهِ أَبوهُمْ ، وَهَلْ مِنْهُمْ أَحَدٌ أَشَدُّ لَها مِراساً وَقِعاساً(1)
القَعَس : الثبات - لسان العرب : 11: 243 - قعس.
مِنِّي ، لَقَدْ نَهَضْتُ فِيها وَقَد بَلَغْتُ الْعِشْرِينَ(2)فَها أَنا ذا قَدْ ذَرُقْتُ عَلَى السِّتِّينَ ، وَلكِنْ لَا رَأْيَ لِمَنْ لَا يُطاعُ(3).وقد صوّر هذا الخطاب ما في نفس الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) من غيط ممض ، ويأس شديد من أصحابه الذين امتلأت قلوبهم خوفاً وذلاً من أهل الشام ، فتخاذلوا وقبعوا في بيوتهم يطاردهم الفزع حتى فسد عليه أمره .
ووجه معاوية الضحاك بن قيس الفهري إلى واقصة(4)ليغير على كل من كان فيها من شيعة الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، وضم إليه ثلاثة آلاف رجل ، فسار الضحاك فنهب أموال الناس ، وقتل كل من ظنّ أنّه على طاعته (علیه السّلام) ، وسار حتى انتهى إلى القطقطانة(5)وهو يشيع القتل والإرهاب ثم سار إلى السماوة ، وبعدها ولى إلى الشام .
ولما وافت الأنباء الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) قام خطيباً في جيشه ، وقد دعاهم إلى صد هذا الاعتداء ، فلم يستجب له أحد ، فقال (علیه السّلام) : وَدَدْتُ - وَاللَّهِ - أَنَّ لِي بِكُلِّ عَشَرَةٍ مِنْكُمْ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الشَّامِ ، وَأَنِّي صَرَفْتُكُمْ كَما يُصرَفُ الذَّهَبُ ، وَلَوَدَدْتُ أَنِّي لَقِيتُهُمْ
عَلَى بَصِيرَتِي فَأَراحَنِيَ اللهُ مِن مُقاساتِكُمْ وَمُداراتِكُمْ».
وسار الإمام علي (علیه السّلام) وحده نحو الغريين لصدّ هذا الاعتداء ، فلحقه عبدالله ابن جعفر بدابة فركبها ، ولما رأى الناس ذلك خفّ إليه بعضهم ، فسرّح أمير المؤمنين (علیه السّلام) لطلب الضحاك حُجْر بن عدي في أربعة آلاف ، وسار في طلبه فلم يدركه فرجع(1).
لقد أخذت غارات معاوية تتوالى على العراق، من دون أن تتعرض لأيّة مقاومة تذكر ، وقد أيقن معاوية بالنصر والظفر لما مني به أصحاب الإمام (علیه السّلام) من التخاذل .
وبعث معاوية بسر بن أبي أرطاة في ثلاثة آلاف للغارة على الحجاز واليمن، فاتجه نحو يثرب فلم يجد من أهلها أية مقاومة ، فصعد المنبر ورفع عقيرته يندب عثمان وينشر الرعب والإرهاب بين الناس .
وأخذ البيعة من أهلها لمعاوية ، ثم سار إلى اليمن ، وكان عليها عبيد الله بن عباس عاملاً للإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) ، فهرب منه حتى أتى الكوفة ، فاستخلف الإمام
علي (علیه السّلام) عليها عبد الله الحارثي فقتله بسر ، وقتل ابنه ، وعمد إلى طفلين لعبيد الله فقتلهما ، ولما انتهى خبرهما إلى أمهما فقدت وعيها وراحت ترثيهما بذوب روحها بأبياتها المشهورة(2).
لقد قام سلطان معاوية على قتل الأبرياء ، وذبح الأطفال ، وإشاعة الرعب والفزع في البلاد.
ولما انتهت الأنباء الأليمة إلى الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) مزق الأسى قلبه ، وراح يخطب في جيشه يذكر ما عاناه من الخطوب والكوارث منهم قائلاً أُنْبِنْتُ بُسْراً
قدِ أطْلَعَ الْيَمَنَ(1)وَإِنِّي - واللهِ لَأَظُنُّ أنَّ هؤلَاءِ الْقَوْمَ سَيْد الونَ(2)مِنْكُمْ بِاجْتِمَاعِهِمْ - عَلَى باطِلِهِمْ ، وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقًّكُمْ ، وَبِمَعْصِيَتِكُمْ إِمَامَكُمْ فِي الْحَقِّ وَطاعَتِهِمْ إِمَامَهُمْ فِي الْباطِلِ ، وَبأَدائِهِمُ الأمَانَةَ إِلَى صاحِبِهِمْ وَخِيانَتِكُمْ ، وَبِصَلَاحِهِمْ فِي بِلَادِهِمْ وَفَسادِكُمْ ، فَلَوِ اثْتَمَنْتُ أَحَدَكُمْ عَلَى قَعْبٍ(3)لَخَشِيْتُ أَن يَذْهَبَ بِعِلَاقَتِهِ(4). اللهُمَّ إِنِّي قَدْ مَلِلْتُهُمْ وَمَلُّونِي ، وَسَنِمْتُهُمْ وَسَيْمُونِي ، فَأَبْدِلْنِي بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ ، وَأَبْدِلْهُمْ بِي شَرّاً مِنّي . اللهُمَّ مِنْ فِي قُلُوبِهِمْ كَمَا يُمَانُ(5)الْمِلحُ فِي الْمَاءِ ، أَما وَاللَّهِ لَودَدْتُ أَنَّ لِي أَلْفَ فَارِسٍ مِنْ بَنِي فِراسِ بْنِ غُنْم(6):
هنالِكَ لَوْ دَعوتَ أَتاكَ مِنْهُمْ *** فَوارِسُ مِثلُ أَرْمِيَةِ الحَمِيمِ(7)
ثم نزل عن المنبر وهو غارق بالهموم والأحزان قد استولى اليأس على نفسه من أصحابه الذين أصبحوا أعصاباً رخوة خالية من الشعور والإحساس .
هذه بعض الغارات التي شنها معاوية على العراق وخارجه من الأقاليم الإسلامية الخاضعة لحكمه ، وكان المقصود منها زعزعة هذه المناطق من إيمانها بمقدرة الإمام علي (علیه السّلام) على حمايتها من الاعتداء ، وإذاعة مقدرة معاوية وقوته العسكرية ، وتقوية الروح المعنوية في جيشه وحزبه المنتشر في تلك البلاد.
وعلى أية حال فقد صوّرت هذه الغارات جانباً كبيراً من الضعف والتمرد في
1) اطَّلع اليمن : بلغها واحتلتها قواته .
2) سيدالون : أي ستكون لهم الدولة بسبب اجتماع كلمتهم ، واختلاف رأي العراقيين.
3) القعب - بالفتح - : القدح الكبير - لسان العرب : 11 : 235 - تعب .
4) علاقته - بكسر العين - ما يعلق به القعب من ليف ونحوه.
5) ماث الشيء : أي ذاب في الماء - مجمع البحرين : 2 : 265 - موث.
6) بنو فراس : قبيلة عربية مشهورة بالشجاعة والإقدام .
7) شرح نهج البلاغة / محمد عبده : 1 : 64 - 66 .
جيش الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، حتى طمع معاوية في شنّ هجوم عام على العراق ؛ لاحتلاله والقضاء على حكومته (علیه السّلام)، ومن المؤكد أنّه لو فعل ذلك لوجد الطريق سهلاً، ولم يجد أية صعوبة أو مقاومة تذكر ، فقد خلد القوم إلى الراحة وسئموا من الجهاد .
وتواكبت المحن الشاقة على الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) يقفو بعضها بعضاً ، فغارات معاوية متصلة على العراق وخارجه، وهي تنشر الرعب والهلع في قلوب المواطنين، وهو لا يتمكن على حماية الأمن وصيانة الناس من الاعتداء ، قد خلع جيشه يد الطاعة وأعلن العصيان والتمرد ، ولم يعد له أي نفوذ أو سلطان عليه .
ومن تلك المحن الشاقة التي ابتلي بها الإمام (علیه السّلام) فتنة الخوارج ، فإنّه لم يقض عليهم في النهروان ، وإنّما قضى على جماعة منهم ، ويقي أكثرهم يعيشون معه ، وهم يكيدون له ، ويتربصون به الدوائر ، ويحوّلون قلوب الناس عنه ، قد أمنوا من بطشه ، واستيقنوا أنّه لن يبسط عليهم يداً ، ولا ينزل بهم عقوبة ، وقد أطمعهم عدله ، وأغراهم لينه ، فراحوا يجاهرون بالردّ والإنكار عليه ، فقد قطع بعضهم عليه خطبته تالياً قوله تعالى : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُك وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ(1).
فأجابه (علیه السّلام) بآية أُخرى : فاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يُسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ(2).
وجاءه الخريت بن راشد السامي في ثلاثين من أصحابه فقال له : يا علي ،
والله لا أطيع أمرك ، ولا أصلي خلفك ، وإنّي غداً مفارق لك . فلطف به وحاججه ، وخلّى بينه وبين حريته فلم يسجنه ، وإنّما ترك له الطريق مفتوحاً، وولى الرجل إلى قومه من بني ناجية فأخبرهم بما كان بينه وبين الإمام علي (علیه السّلام)، ثم خرج في الليل يريد الحرب ، وجرت أحداث كثيرة في خروج الخريت وتمرده ذكرها المؤرخون بالتفصيل(1).
وعلى أية حال، فإنّ المسؤولية الكبرى في كثير من الأحداث المفزعة التي مُني بها العالم الإسلامي تقع على الخوارج ، فهم الذين قضوا على مصير الأمة في أهم الفترات الحاسمة من تاريخها ، حينما كتب النصر للإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) وباء معاوية بالهزيمة والفشل ، بحيث لم يبق من حياته إلا فترة يسيرة من الزمن ، قدرها قائد القوات العسكرية في جيشه - وهو مالك الأشتر - بحلبة شاة أو بعدوة فرس ، فأضاعوا ذلك النصر الكبير ، وأرغموه على قبول التحكيم .
وطافت بالإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) موجات رهيبة ومذهلة من الأحداث والأزمات ، فهو يرى باطل معاوية قد استحكم وأمره قد تم ، ويرى نفسه في أرباض الكوفة قد احتوشته ذئاب العرب الذين كرهوا عدله ، ونقموا عليه مساواته ، وعملوا جاهدين على الحيلولة بينه وبين تحقيق آماله من القضاء على الأثرة والاستعلاء والطغيان .
والشيء الوحيد الذي أقض مضجعه هو تمزق جيشه ، وتفلل جميع وحداته ، فقد أصبح بمعزل عن جميع السلطات ، وقد نظر إلى المصير المؤلم الذي سيلاقي فيه القطعات الشعبية من بعده ، فقال (علیه السّلام): أَما إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي ذُلّاً شامِلاً ، وَسَيْفاً
1) أنساب الأشراف: 3 : 177.
قاطعاً ، وَأَثَرَةٌ يَتَّخِذُها الظَّالِمُونَ فِيكُمْ سُنَّةٌ ، فَيُفَرِّقُ جَمَاعَتَكُمْ ، وَيُبْكِي عُيُونَكُمْ ، وَيُدْخِلُ الْفَقْرَ بُيُوتَكُمْ ، وَتَتَمَنَّوْنَ عَنْ قَلِيلٍ أَنَّكُمْ رَأَيْتُمُونِي فَنَصَرْتُمُونِي ، فَسَتَعْلَمُونَ حَقَّ ما أَقُولُ لَكُمْ ، وَلَا يُبْعِدُ اللهُ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ وَأثِمَ»(1).
ولم يُجدِ نصح الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) معهم شيئاً ، فقد تمادوا في الغي ، وعادت لهم جاهليتهم الرعناء.
وقد سئم منهم وراح يتمنى مفارقة الدنيا ، فكان كثيراً ما يقول في خطبه : مَتَى يُبْعَثُ أَشْقاها ؟ ! وأخذ يلح بالدعاء ويتوسل إلى الله بقلب منيب أن يريحه منهم ، فقد روى البلاذري عن أبي صالح قال : شهدت علياً، وقد وضع المصحف على رأسه حتى سمعت تقعقع الورق وهو يقول : اللهُم إِنِّي سَأَلْتُهُمْ مَا فِيهِ فَمَتَعُونِي ذَلِكَ ، اللهُمَّ إِنِّي قَدْ مَلَلْتُهُمْ وَ مَلُونِي ، وَأَبْغَضْتُهُمْ وَأَبْغَضُونِي ، وَحَمَلُونِي عَلَى غَيْرِ خُلُقِي ، وَعَلَىٰ أَخْلَاقٍ لَمْ تَكُنْ تُعْرَفُ لِي ، فَأَبْدِلْنِي خَيْراً لِي مِنْهُمْ ، وَأَبْدِلْهُمْ بِي شَرَاً ، وَمِنْ قُلُوبَهُمْ مَيْتَ الْمِلْحِ(2).
واستجاب الله دعاء وليّه العظيم ، فنقله بعد قليل إلى حظيرة القدس مع النبيين والصديقين وأراحه من ذلك المجتمع الذي كره الحق ، ونقم على العدل ، وقد سلّط الله عليهم من بعده أرجاس البشرية ، فأخذوا يمعنون في ظلمهم وإذلالهم ، فيأخذون البريء بالسقيم ، والمقبل بالمدبر ، ويقتلون على الظنة والتهمة ، فاستيقظوا عند ذلك ، وأخذوا يندمون أشد الندم على ما اقترفوه من الإثم تجاهه ، وما فرّطوا به من عصيانه وخذلانه .
هذه بعض مخلفات تلك الحروب التي امتحن بها الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) أشدّ ما يكون الامتحان قسوة وإرهاقاً ، ولم يمتحن بها وحده وإنّما امتحن بها العالم الإسلامي بأسره ، فقد أخلدت للمسلمين المشاكل والخطوب والقتهم في شرّ عظيم .
لقد واكب الإمام الحسين (علیه السّلام) هذه الأحداث المفزعة التي جرت على أبيه ، ووقف على واقعها ، وقد استبان له كراهية القوم لأبيه ؛ لأنه لم يداهن في دينه ، وأراد أن يحمل الناس على الحق المحض والعدل الخالص ، ولا يدع محروماً ، ولا مظلوماً في البلاد .
وعلى أية حال فإنّ هذه الحروب قد ساهمت مساهمة إيجابية في خلق كارثة كربلاء التي لم تأتِ إلا بعد انهيار الأخلاق ، وإماتة الوعي الديني والاجتماعي ، وإشاعة الانتهازية والتحلل بين أفراد المجتمع ، فقد سيطرت الرأسمالية القرشية على الشؤون الاجتماعية ، فأخذت تعيث فساداً في الأرض ، وتنقض جميع ما أقامه الإسلام من صروح للفضيلة والأخلاق ، وكان من أسوأ ما قامت به أنها عملت جاهدة على إشاعة العداء والكراهية لأهل البيت (علیهم السّلام) الذين هم مصدر الوعي والإحساس في هذه الأمة.
فقد عمدت بشكل سافر إلى تقطيع أوصالهم على صعيد كربلاء ، وإبادتهم إبادة جماعية بصورة رهيبة لم يحدث لها نظير في تاريخ الإنسانية .
وليس في تاريخ هذا الشرق ولا في غيره حاكم كالإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) في عدله ونزاهته وإيثاره للحق على كل شيء ، فقد كان - فيما أجمع عليه المؤرخون - لم يخضع لأية نزعة عاطفية ، ولم يستجب لأيّ هوى مطاع ، وإنما سار على الطريق الواضح ، والمنهج السليم الذي سلكه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، فلم يحاب ، ولم يداهن في دينه ، وتبنى النصح الخالص لجميع المسلمين ، وقد حاول جاهداً أيام حكومته أن يرفع راية الإسلام ، ويحقق مبادئه التي كان منها رفع الحيف والظلم ، ومنع الاستغلال ، وإزالة الفوارق بين أبناء المسلمين .
وكان من أعظم ما عنى به وضع أموال الدولة في مواضعها ، فلم ينفق أي شيء منها إلا على مرافقها التي عينها الإسلام ، وما تاجر بها ، ولو اشترى بها العواطف والضمائر - كما كان يفعل معاوية - لما تنكر عليه النفعيون في جيشه كالأشعث بن قيس وغيره من أقطاب الخيانة والعمالة .
لقد احتاط فى أموال الدولة أشدّ ما يكون الاحتياط ، وأجهد نفسه وحملها من أمره رهقاً من أجل أن يبسط العدل الاقتصادي بين الناس .
يقول عبد الله بن رزين : «دخلت على علي (علیه السّلام) يوم الأضحى ، فقرّب إلينا حريرة ، فقلت له : أصلحك الله ، لو قربت إلينا من هذا البط فإنّ الله قد أكثر الخير .
فقال : يابْنَ رَزِينِ ، سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) يَقولُ : لَا يَحِلُّ لِخَلِيفَةٍ مِن مالِ اللهِ
إِلَّا قِصْعَتانِ ، فَصْعَةٌ يَأْكُلُها هُوَ وَأَهْلُهُ ، وَقَصْعَةٌ يَضَعُها بَيْنَ يَدَيِ النَّاسِ(1).
وقد نقم على سياسته كل من استسلم لدوافع المادة وشهواتها ، فراحوا يعملون جاهدين للإطاحة بحكومته الله ، وتشكيل حكومة تضمن مصالحهم الاقتصادية والسياسية .
ومن المؤكد أنّ الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) كان يعلم كيف يجلب له الطاعة ، وكيف يبسط سلطانه ونفوذه على أولئك الذين نقموا عليه ، ولكن ذلك لا يتم إلا بأن يداهن في دينه فيوارب ويخادع ويعطي المال في غير حقه ، فيكون كبقية عشاق الملك والسلطان ، ومن الطبيعي أن الانحراف عن الحق والمتاجرة بمصالح الحق والمتاجرة بمصالح الأمة مما يأباه على وتأباه مثله العليا ، فلا السلطة تغريه ، ولا اجتماع الناس حوله يزيده عزّة ، ولا تفرقهم عنه يزيده وحشة كما كان يقول .
لقد كان الإمام يؤمن إيماناً خالصاً بالدين، ويرى من الضرورة أن يكون هو المسيطر على قلوب الناس وتفكيرهم ، وألا يكون هناك أي ظل للمنافع والأهواء ، ومما لا شك فيه أنّ هذا النوع الخالص من الإيمان لم يتحقق إلا للقلة القليلة من أصحابه كحُجر بن عدي، ومالك الأشتر ، وعدي بن حاتم ، وميثم التمار ونظرائهم ممّن تغذوا بهديه ، وهم الذين قرأوا القرآن فأحكموه ، وتدبّروا الفرض فأقاموه ، أحيوا السنة وأماتوا البدعة على حد تعبيره . أما الأكثرية الساحقة من جيشه وشعبه ، فإنّهم لم يعوا أهدافه ومبادئه ، وجهلوا القيم العليا في سياسته المشرقة ، التي كانت تهدف إلى ضمان حقوق المظلومين والمضطهدين.
لقد تحرّج الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) في سلوكه السياسي ، فأخضع سياسته العامة للقيم الدينية والخلقية ، فبسط الحق بجميع رحابه ومفاهيمه ، ولم يعد أي نفوذ
1) تذكرة الخواص : 107 . جواهر المطالب : 1 : 283 .
للأقوياء ، ولا سلطان للرأسمالية القرشية التي كانت تعتبر السواد بستاناً لقريش(1).
وقد هبت القوى المنحرفة عن الحق في وجه الإمام ، فأشعلت نار الحرب ، وأوقفت مسيرته في تطبيق العدل الاجتماعي ، ووضعت السدود والحواجز في طريقه ، وقد وقف الإمام العظيم ملتاعاً حزيناً قد احتوشته ذئاب الأثرة والاستغلال، وتناهبت مشاعره الأحداث المفزعة التي تواكبت عليه ، وكان من أفجعها الفتن الداخلية التي يثيرها الخوارج الذين كانوا يعيشون معه وهم يجاهرونه بالعداء، وينشرون الفتن والاختلاف، ويتربصون الفرص للخروج عليه .
ونزح فريق من الخوارج إلى مكة فعقدوا فيها مؤتمراً عرضوا فيه مصارع إخوانهم الذين قتلوا في النهروان ، كما عرضوا فيه الأحداث الجسام التي يواجهها العالم الإسلامي ، والتي أدت إلى اختلافه وتفككه ، وعزوها إلى ثلاثة - حسبما يزعمون - الإمام علي (علیه السّلام) ، ومعاوية ، وعمرو بن العاص ، وقد عقدوا النية بعد تبادل الرأي على القيام باغتيالهم ، وانبرى لتنفيذ هذا المخطط كل من :
أولاً : عبد الرحمن بن ملجم ، تعهد بقتل الإمام علي (علیه السّلام).
ثانياً : الحجاج بن عبد الله التميمي الصريمي ، تعهد بقتل معاوية .
ثالثاً : عمرو بن بكر السهمي السعدي ، التزم بقتل ابن العاص .
وقد اتفقوا على القيام بعملية الاغتيال في ليلة الثامن عشر من رمضان ، ساعة خروج هؤلاء الثلاثة إلى صلاة الصبح ، وقد أقاموا بمكة أشهراً ، واعتمروا في رجب، ثمّ تفرّقوا وقصد كل واحد لتنفيذ ما عهد إليه(2).
من الآراء الزائفة التي تحملها بعض الكتب ما ذهب إليه الدكتور بديع شريف من اتهام الفرس بقتل عليّ(1)، وهل وقف الدكتور على نسب ابن ملجم ، وأنّه كان فارسياً ؟ أليس هو من مراد(2)إحدى القبائل العربية التي كانت تقطن في الكوفة ؟!
وعلّق الدكتور نوري جعفر على هذا الرأي بقوله : «ومن يدري فلعل حبّ الفرس لعلي هو الذي جعل هؤلاء الكتاب يبغضونهم ، ويكيلون لهم التهم بغير حساب»(3).
وذكر المؤرخون هذا الحادث الخطير بشيء كثير من التحفظ ، فلم يكشفوا النقاب عن أبعاده ، والذي نراه في كثير من الترجيح أن المؤامرة لم تكن مقتصرة على الخوارج ، وإنما كان للحزب الأموي ضلع كبير فيها ، والذي يدعم ذلك ما يلي :
أوّلاً: أن أبا الأسود الدؤلي ألقى تبعة مقتل الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) على بني أمية ، وذلك في مقطوعته التي رثاه بها ، فقد جاء فيها :
أَلَا أَبْلِغْ مُعَاوِيةَ بنَ حَرْبٍ *** فَلَا قَرَّتْ عُيُونُ السَّامِنِينا
أَفِي شَهرِ الصِّيامِ فَجَعَتُمُونا *** بِخَيرِ النَّاسِ طُرّاً أَجْمَعِينا
قتلتُم خَيرَ مَنْ رَكِبَ المَطايا وَرَحْلَها وَمَنْ رَكِبَ السَّفِينا(4)
ومعنى هذه الأبيات أن معاوية هو الذي فجع المسلمين بقتل الإمام أمير
المؤمنين (علیه السّلام) الذي هو خير الناس ، فهو المسؤول عن إراقة دمه ، ومن الطبيعي أنّ أبا الأسود لم ينسب هذه الجريمة لمعاوية إلا بعد التأكد من اشتراكه فيها ، فقد كان الرجل متحرّجاً أشدّ التحرّج فيما يقول .
ثانياً : أن القاضي النعمان المصري - وهو من المؤرخين القدامى - قد ذكر قولاً في أنّ معاوية هو الذي دسَّ ابن ملجم لاغتيال الإمام على (علیه السّلام) ، قال ما نصه : وقيل : إنّ معاوية أمره بذلك ودسّ إليه فيه ، وجعل له مالاً عليه(1).
ثالثاً : ومما يؤكد اشتراك الحزب الأموي في المؤامرة هو أن الأشعث بن قيس قد ساند ابن ملجم، ورافقه أثناء عملية الاغتيال، فقد قال له : النجا فقد فضحك الصبح .
ولما سمعه حُجر بن عدي صاح به قتلته يا أعور ، وكان الأشعث من أقوى العناصر المؤيدة للحزب الأموي ، فهو الذي أرغم الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) على قبول التحكيم ، وهدّده بالقتل قبل قتله بزمان قليل ، كما كان عيناً لمعاوية بالكوفة(2).
إن المؤامرة - كما يقول الرواة - قد أُحيطت بكثير من السر والكتمان ، فما الذي أوجب فهم الأشعث ودعمه لها ؟ لولا الإيعاز إليه من الخارج.
رابعاً : أن مؤتمر الخوارج قد انعقد في مكة أيام موسم الحج ، وهي حافلة - من دون شك - بالكثيرين من أعضاء الحزب الأموي الذين نزحوا إلى مكة لإشاعة الكراهية والنقمة على حكومة الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، وأغلب الظن أنّهم تعرفوا على الخوارج الذين كانوا من أعدى الناس عليه ، فقاموا بالدعم الكامل لهم على اغتياله ؛ إذ لو كانت الفكرة لهم وحدهم لأسندوا هذه المهمة لفرسانهم الأقوياء وأبطالهم الشجعان، أما أن يسندوها إلى هولاء الأذناب ، فذلك ما لا تسكن إليه
النفس ولا يطمئن إليه القلب.
ومما يساعد على ذلك أنّ الخوارج بعد انقضاء الموسم أقاموا بمكة إلى رجب ، فاعتمروا في البيت ثم نزحوا إلى تنفيذ مخططهم ، فمن المحتمل أن يكونوا في طيلة هذه المدة على اتصال دائم مع الحزب الأموي ، وسائر الأحزاب الأخرى المناهضة لحكم الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام).
خامساً: والذي يدعو إلى الاطمئنان في أن الحزب الأموي كان له الضلع الكبير هذه المؤامرة هو أنّ ابن ملجم كان معلما للقرآن(1)، وكان يأخذ رزقه من بيت المال ، ولم تكن عنده أية سعة مالية ، فمن أين له الأموال التي اشترى بها سيفه الذي اغتال به الإمام بألف وسمه بألف ؟! ومن أين له الأموال التي أعطاها مهراً لقطام وهو ثلاثة آلاف وعبد وقينة ؟ كل ذلك يدعو إلى الظن أنه تلقى دعماً مالياً من الأمويين إزاء قيامه باغتياله (علیه السّلام).
سادساً : ومما يؤكد أن ابن ملجم كان عميلاً للحزب الأموي هو أنّه كان على اتصال وثيق بعمرو بن العاص وزميلاً له منذ عهد بعيد ، فإنّه لمّا فتح ابن العاص مصر كان ابن ملجم معه ، وكان أثيراً عنده فقد أمره بالنزول بالقرب منه(2).
وأكبر الظن أنّه أحاط ابن العاص علماً بما اتفق عليه مع زميليه من عملية الاغتيال له وللإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) ومعاوية ، ولذا لم يخرج ابن العاص إلى الصلاة وإنما استناب غيره ، فلم تكن نجاته وليدة مصادفة وإنما جاءت وليدة مؤامرة حيكت أصولها مع ابن العاص .
هذه بعض الأمور التي توجب الظن باشتراك الحزب الأموي في تدبير المؤامرة ودعمها .
وأطلّ على المسلمين شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ، وقد كان على يقين بانتقاله (علیه السّلام) إلى حظيرة القدس في هذا الشهر العظيم ، فكان يجهد نفسه ويرهقها على أن يفطر على خبز الشعير وجريش الملح ، وألا يزيد على ثلاث لقم حسب ما يقوله المؤرخون ، وكان يحيي ليالي هذا الشهر بالعبادة .
ولما أقبلت ليلة الثامن عشر أحسّ الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) بنزول الرزء القاصم ، فكان برماً تساوره الهموم والأحزان ، وجعل يتأمل فى الكواكب وهي مرتعشة الضوء كأنها ترسل أشعة حزنها إلى الأرض ، وطفق يقول : ما كَذَبْتُ وَلَا كُذَّبْتُ ، إنها اللَّيْلَةُ الَّتِي وُعِدْتُ فِيها .
وأنفق ليله ساهراً ، وقد راودته ذكريات جهاده وعظيم عنائه في الإسلام ، وزاد وجيبه وشوقه لملاقاة ابن عمه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ليشكو إليه ما عاناه من أُمته من الأود(1).
وتوجه بمشاعره وعواطفه إلى الله يطلب منه الفوز والرضوان ، وقبل أن تشرق أنوار ذلك الفجر الذي دام في ظلامه على البؤساء والمحرومين انطلق الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) فأسبغ الوضوء ، وتهيأ إلى الخروج من البيت ، فصاحت في وجهه الإوز كأنها ملتاعة حزينة تنذر بالخطر العظيم الذي سيدهم أرض العرب والمسلمين ، وتنبأ من لوعتهن بنزول القضاء ، فقال (علیه السّلام): لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ ، صَوائِحُ تَتْبَعُها نَوائِحُ(2).
وخرج (علیه السّلام) إلى بيت الله فجعل يوقظ الناس على عادته إلى عبادة الله ثم شرع فى صلاته وبينما هو ماثل بين يدي الله وذكره على شفتيه إذ هوى عليه المجرم
الخبيث عبد الرحمن بن ملجم، وهو يهتف بشعار الخوارج «الحكم الله لا لك يا عليّ» فعلا رأس الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) بالسيف فقد جبهته الشريفة التي طالما عفرها بالسجود الله ، وانتهت الضربة الغادرة إلى دماغه المقدّس الذي ما فكر فيه إلا في سعادة الناس ، وجمعهم على صعيد الحق .
ولما أحسّ الإمام علي (علیه السّلام) بلذع السيف انفرجت شفتاه عن ابتسامة ، وانطلق صوته يدوّي في رحاب الجامع قائلاً: فُرْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَة(1).
لقد كنتَ - يا أمير المؤمنين - أوّل الفائزين ، وأعظم الرابحين بمرضاة الله تعالى، فقد سايرت الحق منذ نعومة أظفارك ، فلم تداهن في دينك ، ولم تؤثر رضا أحد على طاعة الله ، قد جاهدت وناضلت من أجل أن تعلو كلمة الله في الأرض ، ووقيت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بنفسك ومهجتك .
لقد فزت ، وانتصرت مبادؤك ، وبقيت أنت وحدك حديث الدهر بما تركته من سيرة مشرقة أضاءت سماء الدنيا، وغذت الأجيال بجوهر الحق والعدل.
وخف الناس مسرعين إلى الجامع حينما أذيع مقتل الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) فوجدوه طريحاً في محرابه وهو يلهج بذكر الله قد نزف دمه ، ثم حمل إلى داره والناس تعج بالبكاء ، وهم يهتفون بذوب الروح : قتل إمام الحق والعدل ، قتل أبو الضعفاء وأخو الغرباء .
واستقبلته عائلته بالصراخ ، فأمرهم (علیه السّلام) بالخلود إلى الصبر، واغرورقت عينا الإمام الحسن (علیه السّلام) بالبكاء ، فالتفت إليه الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) قائلاً : يَا بُنَيَّ ، لَا تَبْكِ فَأَنْتَ تُقْتَلُ بِالسُّمِّ ، وَيُقْتَلُ أَخوكَ الْحُسَيْنُ بِالسَّيْفِ(2).
وتحقق تنبؤ الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، فلم تمض حفنة من السنين وإذا بالإمام الحسن (علیه السّلام) اغتاله معاوية بالسم ، فذابت أحشاؤه ، وأما الإمام الحسين فتناهبت جسمه السيوف والرماح، وتقطعت أوصاله على صعيد كربلاء .
ويقول المؤرخون : إنّ الإمام الحسين (علیه السّلام) لم يكن حاضراً بالكوفة حينما اغتيل أبوه ، وإنما كان في معسكر النخيلة قائداً لفرقة من الجيش الذي أعده لمناجزة معاوية ، وقد أرسل إليه الإمام الحسن (علیه السّلام) ورسولاً يعرفه بما جرى على أبيه ، فقفل راجعاً إلى الكوفة ، وهو غارق بالأسى والشجون ، فوجد أباه على حافة الموت ، فألقى بنفسه عليه يوسعه تقبيلاً ودموعه تتبلور على خدّيه(1).
وأخذ الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) العظيم يوصي أولاده بالمثل الكريمة والقيم الإنسانية ، وعهد إليهم ألا يقتلوا غير قاتله، وألا يتخذوا من قتله سبباً لإثارة الفتنة وإراقة الدماء بين المسلمين كما فعل بنو أمية حينما قتل عميدهم عثمان(2).
وأخذ الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) يعاني آلام الاحتضار وهو يتلو آيات الذكر الحكيم ، وكان آخر ما نطق به قوله تعالى : لِمِثْل هَذا فَليَعْمَل العامِلُونَ(3)، ثم فاضت روحه الزكية تحفّها ملائكة الرحمن، فمادت أركان العدل في الأرض ، وانطمست معالم الدين ، لقد مات ملاذ المنكوبين والمحرومين ، الذي جهد نفسه أن يقيم في ربوع هذا الكون دولة تكتسح الأثرة والاستغلال ، وتقيم العدل والحق بين الناس .
وقام سبطا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بتجهيز أبيهما ، فغسلا جسده الطاهر ، وأدرجاه في
أكفانه ، وفي الهزيع الأخير من الليل حملوه إلى مقره الأخير ، فدفنوه في النجف الأشرف ، وقد واروا معه العدالة الاجتماعية ، والقيم الإنسانية .
ويقول المؤرخون : إنّ معاوية لما وافاه النبأ بمقتل الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) فرح ، قتله عيداً رسمياً في دمشق ، فقد تمت بوارق آماله ، وتم له اتخاذ الملك واتخذ يوم وسيلة لاستعباد المسلمين وإرغامهم على ما يكرهون .
وتركت حكومته آثاراً بالغة الأهمية والخطورة في المجتمع الإسلامي ، ولعلّ من أهمها ما يلي :
أولاً : إنّها أبرزت الواقع الإسلامي بجميع طاقاته في عالم السياسة والحكم ، فقد كان الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) يهدف في حكمه إلى إزالة الفوارق الاجتماعية بين الناس ، وتحقيق الفرص المتكافئة بينهم على اختلاف قومياتهم وأديانهم ، ومعاملة جميع الطوائف بروح المساواة والعدالة فيما بينهم من دون أن تتمتع أية طائفة بامتياز خاص. وقد أوجدت سياسة الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) هذه رصيداً شعبياً هائلاً، فقد ظلّ علي قائماً في قلوب الجماهير الشعبية بما تركه من صنوف العدل والمساواة ، وقد هام بحبه الأحرار ، ونظروا إليه كأعظم مصلح اجتماعي في الأرض ، وقدموه على جميع أعلام تلك العصور.
یقول أيمن بن خُريم الأسدي مخاطباً بني هاشم وعلى رأسهم الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام):
نَهارُكُمْ مُكابَدَةً وَصَوْمٌ *** وَلَيْلُكُمْ صَلَاةٌ وَاقْتِراءُ
وَلِيتُمْ بِالْقُرانِ وَبِالتَّزَكِّي *** فَأَسْرَعَ فِيكُمُ ذاكَ الْبَلاءُ
بَكَى نَجْدٌ غَداةَ غَدٍ عَلَيكُمْ *** وَمَكَةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْجِواءُ
وَحَقُّ لِكُلِّ أَرْضِ فَارَقُوها *** عَلَيْكُمْ لَا أَبا لَكُمُ الْبُكاءُ
أَ أَجْعَلُكُمْ وَأقواماً سَواءٌ *** وَبَينَكُمْ وَبَينَهُمُ الهَواءُ
وَهُمْ أَرضٌ لِأَرْجُلِكُمْ وَأَنتُمْ *** لِأَرؤُسِهِمْ وَأَعْيُنِهِمْ سَماءُ(1)
ثانياً : إن مبادئ الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) وآراءه النيّرة ظلت تطارد الأمويين وتلاحقهم في قصورهم فكانوا ينظرون إليها شبحاً مخيفاً يهدد سلطانهم ، ممّا جعلهم يفرضون سبَّه على المنابر للحطّ من شأنه ، وصرف الناس عن قيمه ومبادئه .
ثالثاً : أنّ حكومة الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) التي رفعت شعار العدالة الاجتماعية الكبرى قد جرّت لأبنائه كثيراً من المشاكل والمصاعب، وألحقت بهم والقتل من حكام عصرهم ، وقد تنبأ النبي الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) بذلك .
فقد روى أبو جعفر الإسكافي أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) دخل على فاطمة فوجد علياً نائماً فذهبت لتوقظه ، فقال (صلی الله علیه و آله و سلم) : دَعِيهِ ، فَرُبَّ سَهَر لَهُ بَعْدِي طَوِيلٌ ، وَرُبِّ جَفْوَةٍ لِأَهْلِ بَيْتِي مِنْ أَجْلِهِ فبكت فاطمة ، فقال لها : لَا تَبْكِي فَإِنَّهُ مَعَي ، وَفِي مَوْقِفِ الْكَرَامَةِ عِنْدِي(2).
لقد أمعن الحكم الأموي والعباسي في ظلم أبناء الإمام على (علیه السّلام) ؛ لأنهم الا تبنوا حقوق المظلومين والمضطهدين، وتبنّوا المبادئ العليا التي رفع شعارها الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، فناضلوا أشدّ ما يكون النضال في سبيل تحقيقها على مسرح الحياة .
وكان من أشدّ أبناء الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) حماساً واندفاعاً في حماية مبادئ أبيه الإمام الحسين (علیه السّلام)، فقد انطلق إلى ساحات الجهاد عازماً على الموت آيساً من الحياة ليحمي مبادئ جده وأبيه ، ويرفع راية الإسلام عالية خفاقة ، وينكس أعلام الشرك
والإلحاد ، ويحطّم قيود العبودية والذل .
رابعاً : وأوجد الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) في أثناء حكمه القصير وعياً أصيلاً في لا مقارعة الظلم ، ومناهضة الجور، فقد هب في وجه الحكم الأموي أعلام أصحابه كحُجر بن عدي ، وعمرو بن الحَمِق الخزاعي ، وعبد الله بن عفيف الأزدي ، وأمثالهم من الذين تربوا بهداه ، فدوّخوا أولئك الظالمين بثورات متلاحقة أطاحت بزهوهم وجبروتهم ، لقد كان حكمه حقاً مدرسة للنضال والثورة ، ومدرسة لبثّ الوعي الديني والإدراك الاجتماعي . وبهذا ينتهي بنا الحديث عن مخلّفات حكومته (علیه السّلام).
وتقلد الإمام الحسن (علیه السّلام) أزمة الخلافة الإسلامية بعد أبيه ، فتسلّم قيادة حكومة شكلية عصفت بها الفتن ومزقت جيشها الحروب والأحزاب ، ولم تعد هناك أيّة قاعدة شعبية تستند إليها الدولة ، فقد كان الاتجاه العام الذي يمثله الوجوه والأشراف مع معاوية ، فقد كانوا على اتصال وثيق به قبل مقتل الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) وبعده ، كما كان لهم الدور الكبير في إفساد جيشه حينما مني جيش معاوية بالهزيمة والفرار.
وعلى أية حال فإنّ الإمام الحسن (علیه السّلام) بعد أن تقلد الخلافة أخذ يتهيأ للحرب ، وقد أمر بعقد اجتماع عام في جامع الكوفة ، وقد حضرته القوات المسلحة وغيرها، فألقى خطاباً رائعاً ومؤثراً دعا فيه إلى تلاحم القوى ووحدة الصف ، وحذر فيه من الدعايات التي تبثها أجهزة الحكم الأموي ، ثمّ ندب الناس لحرب معاوية ، فلمّا سمعوا ذلك وجلت قلوبهم وكمّت أفواههم ، ولم يستجب منهم أحد سوى البطل الملهم حُجر بن عدي فانبرى يعلن دعمه الكامل له ، ووجه أعنف اللوم والتقريع لأهل الكوفة على موقفهم الانهزامي . واستبان للإمام الحسن (علیه السّلام) وغيره أن جيشه لا يريد الحرب ، فقد خلع يد الطاعة ، وانساب في ميادين العصيان والتمرد .
وبعد جهود مكثفة قام بها بعض المخلصين له نفر للحرب أخلاط من الناس - على حدّ تعبير الشيخ المفيد(1)- كان أكثرهم من الخوارج ، والشكاكين ، وذوي الأطماع ، وهذه العناصر لم تؤمن بقضية الإمام (علیه السّلام)، وقد تطعمت بالخيانة والغدر.
ويقول الرواة : إنّ الإمام الحسن (علیه السّلام) أسند قيادة مقدمة جيشه لعبيد الله بن العباس الذي وتره معاوية بابنيه ؛ ليكون ذلك داعية إخلاص له ، وحينما التقى جيشه بجيش معاوية ، مدّ إليه معاوية أسلاك مكره ، فمنّاه بمليون درهم يدفع نصفه في الوقت والنصف الآخر إذا التحق به(2)، وسال لعاب عبيد الله فاستجاب لدنيا معاوية ومال عن الحق فالتحق بمعسكر الظلم والجور ومعه ثمانية آلاف من الجيش(3)غير حافل بالخيانة والعار ، ولا بالأضرار الفظيعة التي ألحقها بجيش ابن عمه ، فقد تقللت جميع وحداته وقواعده .
ولم تقتصر الخيانة على عبيد الله بن العباس ، وإنّما خان غيره من كبار قادة ذلك الجيش ، فالتحقوا بمعاوية ، وتركوا الإمام الحسن (علیه السّلام) في أرياض ذلك الجيش المنهزم يصعد آهاته وآلامه .
ولم تقتصر محنة الإمام الحسن (علیه السّلام) وبلاؤه في جيشه على خيانة قادة فرقه ، وإنّما تجاوز بلاؤه إلى ما هو أعظم من ذلك ، فقد قامت فصائل من ذلك الجيش بأعمال رهيبة بالغة الخطورة ، وهي :
أولاً : الاعتداء على الإمام الحسن (علیه السّلام)
وقام الرجس الخبيث الجرّاح بن سنان بالاعتداء عليه فطعنه في فخذه بمغول(4)
فهوى الإمام الحسن (علیه السّلام) جريحاً ، وحُمِل إلى المدائن لمعالجة جرحه(1).
وطعنه شخص آخر بخنجر في أثناء الصلاة ، كما رماه شخص بسهم في الصلاة إلا أنّه لم يؤثر فيه شيئاً(2).
وأيقن الإمام الحسن (علیه السّلام) أن أهل الكوفة جادون في قتله واغتياله .
ثانياً : الحكم عليه بالكفر
وأُصيب ذلك الجيش بدينه وعقيدته فقد رموا حفيد نبيهم (صلی الله علیه و آله و سلم) وريحانته بالكفر والمروق من الدين ، فقد جابهه الجرّاح بن سنان رافعاً عقيرته قائلاً: أشركت يا حسن كما أشرك أبوك(3).
وكان هذا رأي جميع الخوارج الذين كانوا يمثلون الأكثرية الساحقة في ذلك الجيش .
ثالثاً : الخيانة العظمى
والخيانة العظمى التي قام بها بعض زعماء ذلك الجيش أنهم راسلوا معاوية ، وضمنوا له تسليم الإمام الحسن (علیه السّلام) أسيراً ، أو اغتياله متى رغب وشاء(4)، وأقض ذلك مضجعه فخاف أن يؤسر ويسلّم إلى معاوية فَيَمُنَّ عليه ، ويسجل بذلك يداً لبني أمية على الأسرة النبوية ، كما كان (علیه السّلام) يتحدث بذلك بعد إبرام الصلح .
1) الإرشاد / المفيد : 2 : 12.
2) حياة الإمام الحسن بن علي (علیهما السّلام): 2 : 102 - 105 .
3) الإرشاد / المفيد : 2: 12. حياة الإمام الحسن بن علي (علیهما السّلام) : 2: 103. الأخبار الطوال : 217. شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 15: 41 .
4) حياة الإمام الحسن بن علي (علیهما السّلام) : 2: 100 . تاريخ الأمم والملوك : 4: 406. تذكرة الخواص 1790 .
رابعاً : نهب أمتعة الإمام الحسن (علیه السّلام)
وعمد أجلاف أهل الكوفة إلى نهب أمتعة الإمام الحسن (علیه السّلام) وأجهزته ، فنزعوا بساطاً كان جالساً عليه كما سلبوا منه رداءه(1).
هذه بعض الأحداث الرهيبة التي قام بها ذلك الجيش الذي تمرّس في الخيانة والغدر.
ووقف الإمام الحسن (علیه السّلام) من هذه الفتن السود موقف الحازم اليقظ الذي تمثلت فيه الحكمة بجميع رحابها ومفاهيمها ، فرأى أنّه أمام أمرين :
الأول : أن يفتح باب الحرب مع معاوية ، وهو على يقين لا يخامره أدنى شك أنّ الغلبة ستكون لمعاوية ، فأما أن يقتل هو وأصحابه وأهل بيته الذين يمثلون القيم الإسلامية ، ويخسر الإسلام بتضحيتهم قادته ودعاته من دون أن تستفيد القضية الإسلامية أي شيء ، فإنّ معاوية بحسب قابلياته الدبلوماسية يحمّل مسؤولية ذلك على الإمام الحسن (علیه السّلام) ويلقي على تضحيته ألف حجاب ، أو أنه يؤسر فيَمُنَّ عليه معاوية فتكون شبة على بني هاشم وفخراً لبني أمية.
الثاني : أن يصالح معاوية فيحفظ للإسلام رجاله ودعاته ، ويبرز في صلحه واقع معاوية، ويكشف عنه ذلك الستار الصفيق الذي تستر به ، وقد اختار (علیه السّلام) هذا الأمر على ما فيه من قذى في العين وشجاً في الحلق .
ويقول المؤرخون : إنّه جمع جيشه فعرض عليهم الحرب أو السلم فتعالت الأصوات من كل جانب وهم ينادون : البقية البقية(2).
لقد استجابوا للذل ، ورضوا بالهوان ، ومالوا عن الحق ، وقد أيقن الإمام الحسن (علیه السّلام) أنهم قد فقدوا الشعور والإحساس ، وأنّه ليس بالمستطاع أن يحملهم على الطاعة ويكرههم على الحرب ، فاستجاب - على كره ومرارة - إلى الصلح .
لقد كان الصلح أمراً ضرورياً يحتمه الشرع ، ويلزم به العقل ، وتقضي به الظروف الاجتماعية الملبدة بالمشاكل السياسية ، فإنّ من المؤكد أنه لو فتح باب الحرب لمني جيشه بالهزيمة ، ومُنيت الأمة من جراء ذلك بكارثة لا حد لأبعادها .
أما كيفية الصلح وشروطه وأسبابه وزيف الناقدين له ، فقد تحدثنا عنها بالتفصيل في كتابنا (حياة الإمام الحسن بن علي (علیهما السّلام)) .
والشيء المحقق أن الإمام الحسين (علیه السّلام) قد تجاوب فكرياً مع أخيه في أمر الصلح ، وأنّه تمّ باتفاق بينهما ، فقد كانت الأوضاع الراهنة تقضي بضرورته ، وأنه لابد منه ، وهناك بعض الروايات الموضوعة تعاكس ما ذكرناه ، وأنّ الإمام الحسين (علیه السّلام) كان كارها للصلح ، وقد همّ أن يعارضه فأنذره أخوه بأن يقذفه في بيتٍ فيطينه عليه حتى يتم أمر الصلح ، فرأى أنّ من الوفاء لأخيه أن يطيعه ولا يخالف له أمراً ، فأجابه إلى ذلك ، وقد دللنا على افتعال ذلك ، وعدم صحته إطلاقاً في كتابنا (حياة الإمام الحسن بن على (علیهما السّلام))(1).
ولما أبرم أمر الصلح خفّ حُجر بن عدي ومعه عبيدة بن عمر إلى الإمام الحسين (علیه السّلام) وقلبه يلتهب ناراً فدعاه إلى إثارة الحرب، قائلاً: يا أبا عبد الله ، شريتم
1) حياة الإمام الحسن بن علي (علیهما السّلام): 2 : 241 - 244 .
الذل بالعز ، وقبلتم القليل ، وتركتم الكثير ، أطعنا اليوم، واعصنا الدهر ، دع الحسن وما رأى من هذا الصلح ، واجمع إليك شيعتك من أهل الكوفة وغيرها وولني هذه المقدمة ، فلا يشعر ابن هند إلا ونحن نقارعه بالسيوف.
وصاحبي فقال الحسين (علیه السّلام) : إِنَّا قَدْ بايَعْنا وَعاهَدْنا ، وَلَا سَبِيلَ لِنَقْضِ بَيْعَتِنا(1).
ولو كان الحسين (علیه السّلام) يرى مجالاً للتغلب على الأحداث لخاض الحرب وناجز معاوية ، ولكن قد سدّت عليه وعلى أخيه جميع النوافذ والسبل ، فرأوا إنّه لا طريق لهم إلا الصلح.
وتحوّلت الخلافة الإسلامية من طاقتها الأصيلة ومفاهيمها البناءة إلى ملك عضوض مستبد لا ظلّ فيه للعدل ، ولا شبح فيه للحق ، قد تسلّطت الطغمة الحاكمة من بني أُمية على الأمة وهي تمعن في إذلالها ونهب ثرواتها ، وإرغامها على العبودية .
يقول بعض الكتاب : «ونجم عن زوال الخلافة الراشدة وانتقال الخلافة إلى بني أمية نتائج كبيرة ، فقد انتصرت أسرة بني أمية على الأسرة الهاشمية ، وهذا كان معناه انتصار الأرستقراطية القرشية وأصحاب رؤوس المال والمضاربات التجارية على أصحاب المبادئ والمثل ، لقد كان نصر معاوية هزيمة لكل الجهود التي بذلت للحد من طغيان الرأسمالية القرشية ، هزيمة لحلف الفضول ، وهزيمة للدوافع المباشرة لقيام الإسلام وحربه على الاستغلال والظلم ، هزيمة للمثل والمبادئ ، ونجاح للحنكة والسياسة المدعومة بالتجربة والمال، ولقد كان لهذه الهزيمة وقع مفجع على الإسلام وأجيال المسلمين».
1) الأخبار الطوال: 220 .
ويقول نيكلسون : «واعتبر المسلمون انتصار بني أمية وعلى رأسها معاوية انتصاراً للأرستقراطية الوثنية التي ناصبت الرسول وأصحابه العداء، والتي جاهدها رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) حتى قضى عليها ، وصبر معه المسلمون على جهادها ومقاومتها حتى نصرهم الله ، وأقاموا على أنقاضها دعائم الإسلام ذلك الدين السمح الذي جعل الناس سواسية في السراء والضراء ، وأزال سيادة رهط كانوا يحتقرون الفقراء ، ويستذلّون الضعفاء ، ويبتزون الأموال» .
وعلى أية حال، فقد فجع العالم الإسلامي - بعد الصلح - بكارثة كبرى فخرج من عالم الدعة والأمن والاستقرار إلى عالم مليء بالظلم والجور ، فقد أسرع الأمويون بعد أن استتب لهم الأمر إلى الاستبداد بشؤون المسلمين، وإرغامهم على ما يكرهون .
وعانى الكوفيون من الظلم ما لم يعانه غيرهم ، فقد أخذت السلطة تحاسبهم حساباً عسيراً على وقوفهم مع الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) في أيام صفين، وعهدت في شؤونهم إلى الجلادين أمثال المغيرة بن شعبة وزياد بن أبيه فصبّوا عليهم وابلاً من العذاب الأليم ، وأخذ الكوفيون يندبون حظهم التعيس على ما اقترفوه من عظيم الأثم في خذلانهم للإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) وولده الحسن (علیه السّلام)، وجعلوا يلحون على الإمام الحسين (علیه السّلام) بوفودهم ورسائلهم لينقذهم من ظلم الأمويين وجورهم ، إلا أنّ من المدهش حقاً أنّه لما استجاب لهم شهروا في وجهه السيوف ، وقطعوا أوصاله وأوصال أبنائه على صعيد كربلاء !!
وبهذا ينتهي بنا المطاف عن أفول دولة الحق .
واستقبل المسلمون حكومة معاوية - بعد الصلح - بكثير من الذعر والفزع والخوف ، فقد عرفوا واقع معاوية ، ووقفوا على اتجاهاته الفكرية والعقائدية ، فخافوه على دينهم ، وعلى نفوسهم وأموالهم ، وقد وقع ما خافوه ، فإنّه لم يكد يستولي على رقاع الدولة الإسلامية حتّى أشاع الظلم والجور والفساد في الأرض . ويقول المؤرخون : إنّه ساس المسلمين سياسة لم يألفوها من قبل ، فكانت سياسته تحمل شارات الموت والدمار ، كما كانت تحمل معول الهدم على جميع القيم الأخلاقية والإنسانية ، وقد انتعشت في عهده الوثنية بجميع مساوئها التي نفر منها الناس.
يقول السيد مير علي الهندي : «ومع ارتقاء معاوية الخلافة في الشام عاد حكم التوليغارشية الوثنية السابقة ، فاحتل موقع ديمقراطية الإسلام، وانتعشت الوثنية بكل ما يرافقها من خلاعات ، وكأنها بعثت من جديد ، كما وجدت الرذيلة والتبذل الخلقي لنفسها متسعاً في كل مكان ارتادته رايات حكام الأمويين من قادة جند الشام»(1).
والشيء المؤكد أنّ حكومة معاوية لم تستند إلى رضى الأمة أو مشورتها ، وإنّما فرضت عليها بقوة السلاح ، وقد اعترف معاوية بذلك اعترافاً رسمياً بتصريح أدلى به
1) روح الإسلام : 296.
أمام جمهور غفير من الناس ، فقال : والله ما وليتها - أي الخلافة - بمحبة علمتها منكم ولا مسرّة بولايتي ، ولكن جالدتكم بسيفي هذا مجالدة ، فإن لم تجدوني مجتمعكم كله فاقبلوا مني بعضه(1).
ولما وقعت الأمة فريسة تحت أنيابه - بعد الصلح - خطب في (النخيلة) خطاباً قاسياً أعلن فيه عن جبروته وطغيانه على الأمة واستهانته بحقوقها ، فقد جاء فيه : «والله إنّي ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا ، ولا لتحجوا ولا لتزكوا ، إنكم لتفعلون ذلك ، وإنّما قاتلتكم لأتأمر عليكم ، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون»(2).
ومثل هذا الخطاب الاتجاهات الشريرة التي يحملها معاوية ، فمن أجل الإمرة والسيطرة على العباد أراق دماء المسلمين ، وأشاع في بيوتهم الشكل والحزن والحداد .
ولابد لنا من دراسة موجزة للمخططات السياسية التي تبنتها حكومة معاوية وما رافقها من الأحداث الجسام ، فإنها - فيما نعتقد - من أهم الأسباب في ثورة الإمام الحسين (علیه السّلام) ، فقد رأى ما مُني به المسلمون في هذا العهد من الحرمان والاضطهاد ، وما أُصيبوا يبوا به من الانحراف والتذبذب من جرّاء النقائص الاجتماعية التي أوجدها الحكم الأموي ، فهبّ - سلام الله عليه - بعد هلاك معاوية إلى تفجير ثورته الكبرى التي أدت إلى إيقاظ الوعي الاجتماعي الذي اكتسح الحكم الأموي وأزال جميع معالمه وآثاره . وهذه بعض معالم سياسة معاوية .
ولم تكن لمعاوية أيّة سياسة اقتصادية في المال حسب المعنى المصطلح لهذه
الكلمة ، وإنّما كان تصرّفه في جباية الأموال وإنفاقها خاضعاً لرغباته وأهوائه فهو يهب الثراء العريض للقوى المؤيدة له ، ويحرم العطاء للمعارضين له ، ويأخذ الأموال ويفرض الضرائب كل ذلك بغير حق .
إنّ من المقطوع به أنّه لم يعد في حكومة معاوية أي ظل للاقتصاد الإسلامي الذي عالج القضايا الاقتصادية بأروع الوسائل وأعمقها ، فقد عنى بزيادة الدخل الفردي، ومكافحة البطالة ، وإذابة الفقر، واعتبر مال الدولة ملكاً للشعب يصرف على تطوير وسائل حياته ، وازدهار رخائه ، ولكن معاوية قد أشاع الفقر والحاجة عند الأكثرية الساحقة من الشعب ، وأوجد الرأسمالية عند فئة قليلة راحت تتحكم في مصير الناس وشؤونهم : وهذه بعض الخطوط الرئيسية في سياسته الاقتصادية :
وأشاع معاوية الحرمان الاقتصادي في بعض الأقطار التي كانت تضم الجبهة المعارضة له ، فنشر فيها البؤس والحاجة حتى لا تتمكن من القيام بأية معارضة له ، وهذه بعض المناطق التي قابلها بالاضطهاد والحرمان :
وسعى معاوية لإضعاف يثرب، فلم ينفق على المدنيين أي شيء من المال ، وجهد على فقرهم وحرمانهم ؛ لأنّهم من معاقل المعارضة لحكمه ، وفيهم كثير من الشخصيات الحاقدة على الأسرة الأموية والطامعة في الحكم ، ويقول المؤرخون : إنّه أجبرهم على بيع أملاكهم فاشتراها بأبخس الأثمان ، وقد أرسل القيم على أملاكه لتحصيل وارداتها ، فمنعوه عنها ، وقابلوا حاكمهم عثمان بن محمد ، وقالوا له : إن هذه الأموال لنا كلها ، وإن معاوية أثر علينا في عطائنا ، ولم يعطنا درهماً فما فوقه حتّى مضنا الزمان ونالتنا المجاعة ، فاشتراها بجزء من مائة من ثمنها ، فرد عليهم
حاكم المدينة بأقسى القول وأمره.
ووفد على معاوية الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري فلم يأذن له تحقيراً وتوهيناً له فانصرف عنه ، فوجه له معاوية بستمائة درهم فردها جابر وكتب إليه :
وَإِنِّي لَأَختارُ القُنوعَ عَلَى الغِنَى *** إذا اجتمعا والماء بالبارِدِ المَحْضِ
وَأَقضِي عَلَى نَفْسِي إِذَا الْأَمْرُ نابَني *** وَفِي النَّاسِ مَن يُقضى عَلَيْهِ وَلَا يَقْضِي
وألبس أثواب الحَياءِ وَقَدْ َأرَى *** مَكانَ الغِنَى أَلَّا أُهِينَ لَهُ عِرضِي
وقال الرسول معاوية : قل له : والله يابن آكلة الأكباد لا تجد في صحيفتك حسنة أنا سببها أبداً .
وانتشر الفقر في بيوت الأنصار ، وخيَّم عليهم البؤس حتّى لم يتمكن الرجل منهم من شراء راحلة يستعين بها على شؤونه .
ولما حج معاوية واجتاز على يثرب استقبله الناس ، ومنهم الأنصار وكان أكثرهم مشاة ، فقال لهم : ما منعكم من تلقي كما يتلقاني الناس ؟!
فقال له سعيد بن سعد بن عبادة : منعنا من ذلك قلّة الظهر ، وخِفّة ذات اليد بإلحاح الزمان علينا ، وإيثارك بمعروفك غيرنا .
فقال له معاوية باستهزاء وسخرية : أين أنتم عن نواضح المدينة ؟
فسدد له سعيد سهماً من منطقه الفياض قائلاً: نحرناها یوم بدر، يوم قتلنا حنظلة بن أبي سفيان(1).
لقد قضت سياسة معاوية بنشر المجاعة في يثرب، وحرمان أهلها من الصلة والعطاء .
1) الاحتجاج : 2 : 81. أنساب الأشراف : 5 : 124 .
يقول عبد الله بن عباس في رسالته إلى يزيد : «فلعمري ما تؤتينا مما في يدك من حقنا إلا القليل ، وإنّك لتحبس عنا منه العريض»(1).
وقد أوعز معاوية إلى الحكومة المركزية في يثرب برفع أسعار المواد الغذائية فيها حتى تعم فيها المجاعة ، وقد ألمع إلى ذلك يزيد في رسالته التي بعثها للمدنيين ووعدهم فيها بالإحسان إن خضعوا لسلطانه ، وقد جاء فيها : «ولهم على عهد أن أجعل الحنطة كسعر الحنطة عندنا ، والعطاء الذي يذكرون أنّه احتبس عنهم في زمان معاوية فهو عليَّ لهم وفراً كاملاً»(2).
وقد جعل معاوية الولاة على الحجاز تارةً مروان بن الحكم ، وأُخرى سعيد بن العاص ، وكان يعزل الأول ويولّي الثاني ، وقد جهدا في إذلال أهل المدينة وفقرهم .
أمّا العراق فقد قابله معاوية بالمزيد من العقوبات الاقتصادية باعتباره المركز الرئيسي للمعارضة ، والقطر الوحيد الساخط على حكومته ، وكان قد عهد بولايته وحكمه إلى الانتهازي المعروف المغيرة بن شعبة ، فأخذ يحبس العطاء والأرزاق عن أهل الكوفة ، وقد سار حكّام الأمويين من بعد معاوية على هذه السيرة في اضطهاد العراق وحرمان أهله ، فإنّ عمر بن عبد العزيز أعدلهم لم يساو بين العراقيين والشاميين في العطاء ، فقد زاد في عطاء الشاميين عشرة دنانير ، ولم يزد في عطاء أهل العراق(3).
لقد عانى العراق في عهد الحكم الأموي أشدّ ألوان الضيق مما جعل العراقيين
يقومون بثورات متصلة ضد حكمهم .
ونالت مصر المزيد من الاضطهاد الاقتصادي، فقد كتب معاوية إلى عامله : «أن زد على كل امرئ من القبط قيراطاً»، فأنكر عليه عامله ، وكتب إليه : «كيف أزيد عليهم وفي عهدهم ألا يزاد عليهم ؟!»(1).
وشمل الضيق الاقتصادي سائر الأقطار الإسلامية ليشغلها عن معارضة حكمه .
وبينما كانت البلاد الإسلامية تعاني الجهد والحرمان نجد الشام في رخاء شامل وأسعار موادها الغذائية منخفضة جداً ؛ لأنّها أخلصت للبيت الأموي ، وعملت على تدعيم حكمه ، فكان الرفاه فيها شائعاً ، أما ما يؤيد ذلك فهو رسالة يزيد التي ذكرناها قبل قليل .
وقد حملوا أهل الشام على رقاب الناس كما أشار إلى ذلك مالك بن هبيرة في حديثه مع الحصين بن نمير ، يقول له : هلم فلنبايع لهذا الغلام - أي خالد بن يزيد - الذي نحن ولدنا أباه وهو ابن أختنا ، فقد عرفت منزلتنا من أبيه ، فإنّه كان يحملنا على رقاب العرب(2).
واستخدم معاوية الخزينة المركزية لتدعيم ملكه وسلطانه ، واتخذ المال سلاحاً يمكنه من قيادة الأمة ورئاسة الدولة ، وكان يقول : والله لأستميلن بالأموال ثقات
عليّ ، ولأقسمن فيهم المال حتى تغلب دنياي آخرته(1).
يقول السيد مير علي الهندي : «وكانت الثروات التي جمعها معاوية من عماله على الشام يبذرها هو وبطانته على جنوده المرتزقة الذين ساعدوه بدورهم على وإسكات كلّ همسة ضدهم ...»(2).
وكانت هذه السياسة غريبة على المسلمين لم يفكر فيها أحد من الخلفاء السابقين ، وقد سار عليها من جاء بعده من خلفاء الأمويين ، فاتخذوا المال وسيلة لدعم سلطانهم .
يقول الدكتور محمد مصطفى : «وكان من عناصر سياسة الأمويين استخدام المال سلاحاً للإرهاب، وأداة للتقريب ، فحرموا منه فئة من الناس ، وأغدقوه أضعافاً مضاعفة لطائفة أُخرى ثمناً لضمائرهم ، وضماناً لصمتهم»(3).
وجعل شكري فيصل المال أحد العاملين الأساسيين اللذين خضع لهما المجتمع الإسلامي خضوعاً عجيباً ، وكان من جملة الأسباب في فتن السياسة ، وسيطرة الطبقة الحاكمة من قريش ، كما إنّه أحد الأسباب في وقوع الخلاف ما بين العرب والعجم بل وما بين العرب أنفسهم(4).
ومنح معاوية الأموال الهائلة لأسرته ، فوهبهم الثراء العريض(5)وذلك لتقوية
مركزهم ، وبسط نفوذهم على العالم الإسلامي ، في حين أشاع البؤس والحرمان عند أغلب فئات الشعب.
ووهب معاوية خراج مصر لابن العاص ، وجعله طعمة له ما دام حيّاً(1)وذلك لتعاونه معه على مناجزة الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) رائد الحق والعدالة في الأرض، وقد أشرنا إلى تفصيل ذلك في البحوث السابقة .
وأغدق معاوية الأموال الهائلة على المؤيدين له والمنحرفين عن الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) ، وقد أسرف في ذلك إلى حد بعيد . ويقول الرواة : إن يزيد بن منية قدم عليه من البصرة يشكو له ديناً قد لزمه ، فقال معاوية لخازن بيت المال : إعطه
ثلاثين ألفاً ، ولما ولى قال : وليوم الجمل ثلاثين ألفاً أُخرى(2). لقد وهب له هذه الأموال الضخمة جزاءً لمواقفه ومواقف أخيه الذي أمدّ المتمردين في حرب الجمل بالأموال التي نهبها من بيت مال المسلمين ، وقد حفل التاريخ ببوادر كثيرة من هبات معاوية للقوى المنحرفة عن الإمام ، والمؤيدة له .
وفتح معاوية باباً جديداً في سياسته الاقتصادية وهي شراء الأديان وخيانة الذمم ، فقد وفد عليه جماعة من أشراف العرب فأعطى كل واحد منهم مائة ألف وأعطى الحتات عم الفرزدق سبعين ألفاً ، فلما علم الحتات بذلك رجع مغضباً إلى
معاوية فقال له : فضحتني في بني تميم ، أما حسبي فصحيح ؟ أولست ذا سن ؟ أولست مطاعاً في عشيرتي ؟
قال : بلى . قال : فما بالك خسست بي دون القوم ، وأعطيت من كان عليك أكثر ممن كان لك ؟!
فقال معاوية بلا حياء ولا خجل : إني اشتريت من القوم دينهم ، ووكلتك إلى دينك .
فقال : وأنا ، فاشتر مني ديني .
فأمر له بإتمام الجائزة(1). لقد خسرت هذه الصفقة التي كشفت عن مسخ الضمائر وتحولها إلى سلعة تباع وتشرى .
ومنيت الخزينة المركزية بعجز مالي خطير نتيجة الإسراف في الهبات لشراء الذمم والأديان ، ولم تتمكن الدولة من تسديد رواتب الموظفين مما اضطر معاوية إلى أن يكتب لابن العاص راجياً منه أن يسعفه بشيء من خراج مصر الذي جعله طعمة له ، فقد جاء في رسالته : «أما بعد ، فإنّ سؤال أهل الحجاز ، وزوّار أهل العراق قد كثروا عليّ ، وليس عندي فضل من أعطيات الجنود ، فأعنّي بخراج مصر هذه السنة» . ولم يستجب له ابن العاص ، وراح ينكر عليه ، ويذكره بأياديه التي أسداها عليه ، وقد أجابه بهذه الأبيات :
مُعاوِي إِن تُدرككَ نَفسٌ شَحِيحَةٌ *** فَما وَرُثَتْنِي مِصرَ أُمِّي وَلَا أَبِي
وَما يَلتُها عَفواً وَلكِنْ شَرَطتها *** وَقَد دارَتِ الحَرْبُ العَوانُ عَلَى قُطب
ولولا دِفاعِي الأشعري وَصَحبَهُ *** لأَلفَيتَها تَرْغُو كَراغِيَةِ السِّقْبِ
1) تاريخ الأمم والملوك : 4 : 469. الكامل في التاريخ : 3 : 231.
ولما قرأ معاوية الأبيات تأثر منه ، ولم يعاوده بشيء منه ، ولم يعاوده بشيء من أمر مصر(1).
واضطر معاوية بعد إسرافه وتبذيره إلى مصادرة أموال المواطنين ليسد العجز المالي الذي منيت به خزينة الدولة ، وقد صادر مواريث الحنات عم الفرزدق فأنكر عليه الفرزدق ، وقال يهجوه :
أَبُوكَ وَعَمِّي يا مُعاوِيَ أَورَثا *** تُراثاً فَأَولَى بِالتُّراثِ أَقَارِبُة
فَما بالُ مِيراثِ الحُتاتِ أَخَذْتَهُ *** وميراثُ صَخْرٍ جامد لك ذائبة
فَلَوْ كانَ هذا الحُكْمُ في جاهلية *** عَلِمتَ مِنَ المَرءِ القَلِيل حَلَائِبة
وَلَو كانَ هذَا الأَمْرُ فِي غَيْرِ مُلْكِكُمْ *** لأودَيتَهُ أَوْ غَصَّ بالماء شارية شارِبُهُ
أَلَسْتُ أعَرُ النَّاسِ قَوماً وَأُسرَةً *** وأمنعهم جاراً إِذا ضِيمَ جَانِبُهُ
وَما وَلَدَتْ بَعدَ النَّبِيِّ وَآلِهِ *** كَمِثْلِي حَصانٌ في الرَّجالِ يُقارِبُهُ
وييتي إلى جنب الثريا فناؤُهُ *** وَمِن دُونِهِ البَدْرُ المُضِيءُ كَواكِبُهُ
أنا ابنُ الجِبالِ السُّمِّ في عَدَدِ الحَصى *** وَعِرقُ الثّرى عِرقِي فَمَن ذَا يُحاسِبُهُ
وَكَمْ مِنْ أَبِ لِي يا مُعاوِيَ لَم يَزل *** أغَرُ يُباري الرِّيحَ مَا ازْوَر جانبة
نَمَتهُ فُرُوعُ المالكينَ وَلَمْ يَكُنْ *** أبوك الذي مِنْ عَبدِ شَمسٍ يُقارِبُهُ(2)
ومعنى هذه الأبيات أن الأموال التي خلفها صخر جد معاوية قد انتقلت إلى وراثه في حين أن ميراث عمّ الفرزدق قد صادره معاوية ، ولو كان ذلك في الجاهلية لكان
معاوية أقصر باعاً من أن تمتد يده إليه ، فإنّ الفرزدق ينتمي إلى أُسرة هي من أعز الأسر العربية وأمنعها .
وفرض معاوية على المسلمين ضريبة النيروز ليسدّ بها نفقاته ، وقد بالغ في إرهاق الناس واضطهادهم على أدائها ، وقد بلغت - فيما يقول المؤرخون - عشرة ملايين درهم(1)، وهي من الضرائب التي لم يألفها المسلمون ، وقد اتخذها الخلفاء من بعده سنة ، فأرغموا المسلمين على أدائها .
وأصبحت الولاية في عهد معاوية مصدراً من مصادر النهب والسرقة ، ومصدراً للثراء وجمع الأموال. يقول أبو الأسود الدولي لحارثة الغداني صاحب زياد بن أبيه حينما ولّي على (سُرّق) وهي إحدى كُور الأهواز:
أحارُ بنُ بَدرٍ قد وَليتَ إمارة *** فَكُن جُرداً مِمَّن يَخُونُ وَيَسرِقُ
وَباءِ تَميماً بِالغِنَى إِنَّ لِلغنى *** لساناً بِهِ المَرهُ الهَيُوبَةُ يَنطِقُ
وَلَا تَحقِرَن با حارٌ شَيئاً أَصَبْتَهُ *** فَحَظُكَ مِن مُلكِ العِراقين سُرقُ(2)
ويصف عقبة بن هبيرة الأسدي ظلم الولاة واستصفاءهم أموال الرعية بقوله :
معاويَ إِنَّنا بَشَرٌ فَأَسجِحْ *** فَلَسنا بالجِبالِ وَلَا الحَدِيدِ(3)
فَهَبنا أُمَةٌ ذَهَبَتْ ضَياعاً *** يَزِيدُ أَمِيرُها وَأَبو يَزيد
أَكَلْتُمْ أَرضَنا فَجَرَدْتُمُوها *** فَهَلْ مِن قائم أَوْ مِنْ حَصِيدِ
أَتَطْمَعُ في الخلافة إذْ هَلكنا *** وَلَيسَ لَنا وَلَا لَكَ مِن خُلُودِ
ذَرُوا خَونَ الخِلَافَةِ وَاسْتَقِيمُوا *** وَتَأْمِيرَ الأَراذل والعَبِيدِ
وأعطونا السُّويَّةَ لَا تَزُرْكُمْ *** جنُودٌ مُردِفاتٌ بِالجُنُودِ(1)
وقد عانى المسلمون ضروباً شاقة وعسيرة من جور الولاة وظلم الجباة ، فقد تمرسوا بالسلب والنهب ، ولم يتركوا عند أحد من الناس فضلاً من المال إلا صادروه.
أما جباية الخراج فكانت خاضعة لرغبات الجباة وأهوائهم ، وقد سأل صاحب (إخنا)(2)عمرو بن العاص عن مقدار ما عليه من الجزية ، فنهره ابن العاص وقال له : لو أعطيتني من الأرض إلى السقف ما أخبرتك ما عليك ، إنما أنتم خزانة لنا إن كثر علينا كثرنا عليكم ، وإن خفف عنا خففنا عنكم(3).
و هدمت هذه الإجراءات الظالمة جميع قواعد العدل والمساواة التي جاء بها الإسلام.
وأوعز معاوية إلى زياد بن أبيه أن يصطفي له الذهب والفضة ، فقام زياد مع عماله بإجبار المواطنين على مصادرة ما عندهم من ذلك وإرساله إلى دمشق(4)، وقد ضيق
بذلك على الناس ، وترك الفقر آخذاً بخناقهم .
وشلّت الحركة الاقتصادية في جميع أنحاء البلاد، فخربت الزراعة والتجارة ، وأُصيب الاقتصاد العام بنكسة شاملة نتيجة تبذير معاوية وإسرافه ، وقد أعلن ذلك عبد الله بن همام السلولي ، فقد كتب شعراً في رقاع وألقاها في المسجد الجامع يشكو فيها الجور الهائل ، والمظالم الفظيعة التي صبّها معاوية وعماله على الناس ، وهذه هي الأبيات:
أَلَا أَبلِغْ مُعاوِيةَ بن صَخرٍ *** فَقد خَرِبَ السَّوادُ فَلَا سَوادا
أرى العُمّال أقساءً عَلَينا *** يعاجِلِ نَفعِهِمْ ظَلَمُوا العِبادا
فَهَل لَكَ أَن تَدارَكَ ما لَدَينا *** وَتَدفَعَ عَن رَعِيَّتِكَ الفَسادا
وَتَعزِلَ تابِعاً أَبَداً هَواهُ *** يُخَرِّبُ مِنْ بَلَادَتِهِ البِلادا
إذا ما قُلْتُ : أَقصِرْ عَنْ هَواهُ *** تمادى فِي ضَلَالَتِهِ وَزادا(1)
وقد صوّر السلولي بهذه الأبيات سوء الحالة الاقتصادية وتسلّط الولاة على ظلم الرعية ودعا السلطة إلى عزلهم وإقصائهم عن وظائفهم، فقد جهدوا في خراب السواد وامتصوا الدماء ، واتبعوا الهوى ، وضلوا عن الطريق القويم .
ويرى معاوية أن أموال الأمة وخزينتها المركزية ملك له يتصرف فيها حيثما شاء ، يقول : الأرض الله ، وأنا خليفة الله ، فما آخذ من مال الله فهو لي ، وما تركته
1) تاريخ مدينة دمشق : 35: 51 و 52 أسد الغابة : 3 334 ، الحديث 3284. الإسلام والحضارة العربيّة : 2 : 149 و 150 .
كان جائزاً لي(1).
وهذا المنطق بعيد عن روح الإسلام، وبعيد عن اتجاهاته ، فقد قنّن الإسلام أُسسه الاقتصادية على أساس أن المال مال الشعب ، وأن الدولة ملزمة بتنميته وتطويره ، وليس لرئيس الدولة وغيره أن يتلاعب باقتصاد الأمة ، وينفقه على رغباته وأهوائه فإنّ ذلك يؤدي إلى إذاعة الحاجة، ونشر البطالة، ويعرض البلاد للأزمات الاقتصادية .
لقد اعتبر الإسلام الفقر كارثة اجتماعية ووباء شاملاً يجب مكافحته بكل الطرق والوسائل ، وليس لرئيس الدولة أن يصطفي من مال الأُمة أي شيء ، هذا هو رأي الإسلام ، ولكن معاوية - بصورة لا تقبل الجدل - لم يع ذلك ، فتصرف بأموال المسلمين حسب رغباته وأهوائه.
هذه بعض معالم سياسة معاوية الاقتصادية التي فقدت روح التوازن وأشاعت البؤس والحرمان في البلاد.
وبنى معاوية سياسته على تفريق كلمة المسلمين ، وتشتيت شملهم ، وبث روح التفرقة والبغضاء بينهم ، إيماناً منه بأنّ الحكم لا يمكن أن يستقر له إلا في تفلل وحدة الأمة ، وإشاعة العداء بين أبنائها .
يقول العقاد : «وكانت له - أي لمعاوية - حيلته التي كررها وأتقنها وبرع فيها ، واستخدمها مع خصومه في الدولة من المسلمين وغير المسلمين ، وكان قوام تلك الحيلة العمل الدائب على التفرقة والتخذيل بين خصومه بإلقاء الشبهات بينهم ، وإثارة الإحن فيهم ، ومنهم من كانوا من أهل بيته وذوي قرباه .... كان لا يطيق أن
1) الغدير : 8: 349 و : 10 : 176 . حياة الإمام موسى بن جعفر (علیهما السّلام): 1: 301.
يرى رجلين ذوي خطر على وفاق ، وكان التنافس الفطري بين ذوي الأخطار ممّا يعينه على الإيقاع بهم»(1).
لقد شتّت كلمة المسلمين ، وفَصَم عُرى الأخوة الإسلامية التي عقد أواصرها الرسول الكريم ، وبنى عليها مجتمعه.
وبالغ معاوية في اضطهاد الموالي وإذلالهم ، وقد رام أن يبيدهم إبادة شاملة ، يقول المؤرخون : إنّه دعا الأحنف بن قيس ، وسمرة بن جندب ، وقال لهما : إنّي رأيت هذه الحمراء قد كثرت، وأراها قد قطعت على السلف ، وكأني أنظر إلى وثبة منهم على العرب والسلطان ، فقد رأيت أن أقتل شطراً منهم ، وأدَعَ شطراً لإقامة السوق وعمارة الطريق ، ولم يرتض الأحنف وسمرة هذا الإجراء الخطير ، فأخذا يلطفان به حتّى عدل عن رأيه(2).
لقد سنّ معاوية اضطهاد الموالي ، وأخذت الحكومات التي تلت من بعده تشيع فيهم الجور والحرمان ، بالرغم من اشتراكهم في الميادين العسكرية وغيرها من أعمال الدولة .
يقول شاعر الموالي شاكياً مما ألم بهم من الظلم:
أَبْلِغْ أُمَيَّةَ عَنِّي إِنْ عَرَضَتْ لَها *** وابن الزبير وأبلغ ذَلِكَ العُرُبا
إِنَّ المَوالِي أَضحَتْ وَهيَ عاتِبَةٌ *** عَلَى الخَلِيفَةِ تَشكُو الجُوعَ وَالحَرَبا
وانبرى أحد الخراسانيين إلى عمر بن عبد العزيز يطالبه بالعدل فيهم قائلاً له : يا أمير المؤمنين، عشرون ألفاً من الموالي يغزون بلا عطاء ، ولا رزق ، ومثلهم
قد أسلموا من أهل الذمة يؤدون الخراج(1).
وكان الشعبي قاضي عمر بن عبد العزيز قد بغض المسجد حتى صار أبغض إليه من كناسة داره - حسب ما يقول - لأنّ الموالي كانت تصلي فيه(2)، وقد اضطر الموالي إلى تأسيس مسجد خاص لهم أسموه (مسجد الموالي) كانوا يقيمون الصلاة فيه .
ويميل (خُدا بخش) إلى الظن أنهم إنّما اضطروا إلى تأدية صلاتهم فيه بعد ما رأوا تعصب العرب ضدهم ، وأنّهم لم يكونوا يسمحون لهم بالعبادة معهم في مسجد واحد(3)، وكان الموالي يلطفون بالردّ على العرب ويدعونهم إلى الهدى قائلين : «إننا لا ننكر تباين الناس ، ولا تفاضلهم ، ولا السيد منهم والمسود ، والشريف والمشروف ، ولكنّنا نزعم أن تفاضل الناس فيما بينهم هو ليس بآبائهم ، ولا بأحسابهم ، ولكنّه بأفعالهم وأخلاقهم ، وشرف أنفسهم ، وبعد هممهم ، فمن كان دنيء الهمة ، ساقط المروءة لم يشرف وإن كان من بني هاشم في ذؤابتها ، إنّما الكريم من كرمت أفعاله ، والشريف من شرفت همّته»(4).
ولم يعِ الأمويون ومن سار في ركابهم هذا المنطق المشتق من واقع الإسلام وهديه الذي أمر ببسط المساواة والعدل بين جميع الناس من دون فرق بين قومياتهم .
وعلى أية حال فقد أدّت هذه السياسة العنصرية إلى إشاعة الأحقاد بين المسلمين واختلاف كلمتهم ، كما أدت إلى تجنيد الموالي لكل حركة ثورية تقوم
ضد الحكم الأموي ، وكانوا بالأخير هم القوة الفعّالة التي أطاحت بالأمويين وطوت معالمهم وآثارهم.
وتبعاً لسياسة التحزب والتفريق التي سار عليها الأمويون فقد أحيوا العصبيات القبلية ، وقد ظهرت في الشعر العربي سوراً مريعة ومؤلمة من ألوان ذلك الصراع الذي كانت تخلقه السلطة الأموية لإشغال الناس بالصراع القبلي عن التدخل في الشؤون السياسية ، وإبعادهم عمّا يقننه معاوية من الظلم والجور.
ويقول المؤرخون : إنه عمد إلى إثارة الأحقاد القديمة ما بين الأوس والخزرج محاولاً بذلك التقليل من أهميتهم ، وإسقاط مكانتهم أمام العالم العربي والإسلامي ... كما تعصب لليمنيين على المضريين، وأشعل نار الفتنة فيما بينهم حتى لا تتحد لهم كلمة تضر بمصالح دولته.
وسار عمّال معاوية على وفق منهج سياسته التخريبية ، فكان زياد بن أبيه يضرب القبائل بعضها ببعض ، ويؤجج نار الفتنة فيما بينها حتى تكون تحت مناطق نفوذه .
يقول ولهاوزن : «وعرف زياد كيف يخضع القبائل بأن يضرب إحداها بالأخرى ، وكيف يجعلها تعمل من أجله ، وأفلح في ذلك ؟!»(1).
وحفلت مصادر التاريخ ببوادر كثيرة من ألوان التناحر القبلي الذي أثاره معاوية وعماله ممّا أدّى إلى انتشار الضغائن بين المسلمين ، وقد عانى الإسلام من جرّاء ذلك أشدّ ألوان المحن ، فقد أوقف كل نشاط مثمر له ، وخولف ما كان يدعو له النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من التآخي والتعاطف بين المسلمين.
1) الدولة العربية : 207.
وساس معاوية الأمة سياسة بطش وجبروت فاستهان بمقدراتها وكرامتها ، وقد أعلن - بعد الصلح - أنّه إنّما قاتل المسلمين وسفك دماءهم ليتأمر عليهم ،وأن جميع ما أعطاه للإمام الحسن (علیه السّلام) من شروط فهي تحت قدميه لا يفي بشيء منها ، وقد أدلى بتصريح عبر فيه عن كبريائه وجبروته فقال : نحن الزمان ، من رفعناه ارتفع ، ومن وضعناه اتضع(1).
وسار عماله وولاته على هذه الخطة الغادرة ، فقد خطب عتبة بن أبي سفيان بمصر فقال : يا حاملي الأم أنوف ركبت بين أعين ، إنّي قلمت أظفاري عنكم لِيَلِينَ مسي إيّاكم ، وسألتكم صلاحكم إذا كان فسادكم راجعاً عليكم ، فأما إذا أبيتم إلا الطعن على الولاة والتنقص للسلف ، فوالله لأقطعن على ظهوركم بطون السياط ، فإن حسمت داءكم وإلا فالسيف من ورائكم، ولست أبخل عليكم بالعقوبة إذا جدتم لنا بالمعصية(2).
وخاطب المصريين في خطاب آخر له ، فقال : يا أهل مصر، إياكم أن تكونوا للسيف حصيداً ، فإنّ الله فيكم ذبيحاً لعثمان ... فلا تصيروا إلى وحشة الباطل بعد أنس الحق بإحياء الفتن، وإماتة السنن فأطاكم والله وطأة لارمق معها حتى تنكروا ما كنتم تعرفون(3).
ومثلت هذه القطع من خطابه مدى أحقاده على الأمة وتنكره لجميع قيمها وأهدافها ، ومن أولئك الولاة الذين كفروا بالحق والعدل خالد القسري ، فقد خطب في مكة، وهو يهدد المجتمع بالدمار والفناء ، فقد جاء في خطابه : «أيها الناس ، عليكم بالطاعة ، ولزوم الجماعة ، وإياكم والشبهات فإنِّي - والله - ما أُوتى بأحد يطعن
على إمامه إلا صلبته في الحرم»(1).
وكانت هذه الظاهرة مائلة عند جميع حكام الأمويين وولاتهم ، يقول الوليد ابن یزید :
فَدْع عَنكَ اذْكَارَكَ آلَ سُعْدَى *** فَنَحْنُ الْأَكثرُونَ حَصى وَمالا
وَنَحْنُ المالِكونَ النَّاسَ قَسْراً *** نَسُومُهُمُ المَذَلَّةَ وَالنَّكالا
وَنُورِدُهُمْ حِياضَ الخَسْفِ ذُلاً *** وَما نَأْلُوهُمْ إِلَّا خبالا(2)
وصوّرت هذه الأبيات مدى استهانته بالأمة ، فإنّه مع بقية الحكام من أُسرته قد ملكوا الناس بالغلبة والقوة، وإنّهم يسومونهم الذل ، ويوردونهم حياض الخسف ...
ومن أولئك الملوك عبد الملك بن مروان ، فقد خطب في يثرب أمام أبناء المهاجرين والأنصار فقال : ألا وإنّي لا أداوي أمر هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم قناتكم ، وإنّكم تحفظون أعمال المهاجرين الأولين ، ولا تعملون مثل عملهم ، وإنكم تأمروننا بتقوى الله وتنسون أنفسكم ، والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه(3).
وحفل هذا الخطاب بالطغيان الفاجر على الأمة ، فهو لا يرى حلاً لأزماتها إلا بسفك الدماء وإشاعة الجور والإرهاب، أما بسط العدل ونشر الدعة والرفاهية بين الناس فلم يفكر به ولا دار بخلده ولا في خلد واحد من حكام الأمويين.
وتبنى الحكم الأموي في جميع أدواره اضطهاد الفقراء واحتقار الضعفاء ، ويقول
المؤرخون : إن بني أمية كانوا لا يسمحون للفقراء بالدخول إلى دوائرهم الرسمية إلا في آخر الناس ، يقول زياد بن أبيه لعجلان حاجبه : كيف تأذن للناس ؟
على البيوتات ، ثمّ على الأسنان ، ثمّ على الأدب .
مَنْ تؤخر ؟
الذين لا يعبأ الله بهم .
مَنْ هم ؟
الذين يلبسون كسوة الشتاء في الصيف ، وكسوة الصيف في الشتاء(1).
وهدمت هذه السياسة قواعد العدل والمساواة التي جاء بها الإسلام ، فإنّه لم يفرق بين المسلمين وجعلهم سواسية كأسنان المشط.
وأقام معاوية دولته على المخاتلة والخداع ، فلا ظل للواقع في أي تحرك من تحركاته السياسية ، فما كان مثل ذلك الضمير المتحجر أن يعي الواقع أو يفقه الحق ، وقد حفل التاريخ بصور كثيرة من خداعه ، وهذه بعضها :
الأولى : لمّا دسّ معاوية السمّ إلى الزعيم الكبير مالك الأشتر أقبل على أهل الشام فقال لهم : إنّ علياً وجه الأشتر إلى مصر فادعوا الله أن يكفيكموه(2).
فكان أهل الشام يدعون عليه في كل صلاة ، ولما أخبر بموته أنبأ أهل الشام بأن موته نتج عن دعائهم لأنهم حزب الله ، ثمّ همس في أُذُنِ ابن العاص قائلاً: إن الله جنوداً من عسل(3).
الثانية : ومن خداع معاوية وأضاليله أنّ جرير البجلي لما أوفده الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) إلى معاوية يدعوه إلى بيعته ، طلب معاوية حضور شرحبيل الكندي ، وهو من أبرز الشخصيات في الشام ، وقد عهد إلى جماعة من أصحابه أن ينفرد كل واحد منهم به ، ويلقي في روعه أن عليا (علیه السّلام) هو الذي قتل عثمان بن عفان ، ولما قدم عليه شرحبيل أخبره معاوية بوفادة جرير، وأنه يدعوه إلى بيعته ، وقد حبس نفسه في البيعة حتّى يأخذ رأيه ؛ لأنه قد قتل عثمان ، وطلب منه شرحبيل أن يمهله لينظر في الأمر ، فلما خرج التقى به القوم كل على انفراد، وأخبروه أنّ الإمام علي (علیه السّلام) هو المسؤول عن إراقة دم عثمان ، فلم يشك الرجل في صدقهم.
فانبرى إلى معاوية وهو يقول له : يا معاوية ، أبى الناس إلا أن علياً قتل عثمان ، والله إن بايعت لنخرجنّك من شامنا ولنقتلنك .
فقال معاوية مخادعاً له : ماكنت لأخالف عليكم ، ما أنا إلا رجل من أهل الشام(1).
بمثل هذا الخداع والبهتان أقام دعائم سلطانه ، وبنى عليه عرش دولته .
الثالثة : ومن ألوان خداعه لأهل الشام أنّه لمّا راسل الزعيم قيس بن سعد يستميله ويمنيه بسلطان العراقين ، ويسلطان الحجاز لمن أحب من أهل بيته إن صار معه ، فردّ عليه قيس بأعنف القول ، فأظهر معاوية لأهل الشام أنّه قد بايع ، وأمرهم بالدعاء له ، واختلق كتاباً نسبه إليه وقد قرأه عليهم وهذا نصه :
«أما بعد ، إن قتل عثمان كان حدثاً في الإسلام عظيماً ، وقد نظرت لنفسي وديني فلم أرَ بوسعي مظاهرة قوم قتلوا إمامهم مسلماً محرماً براً تقياً ، فنستغفر الله لذنوبنا ، ألا وأنّي قد ألقيت لكم بالسلام، وأحببت قتال قتلة إمام الهدى المظلوم ، فاطلب مني ما أحببت مني من الأموال والرجال اعجله إليك»(2).
وبهذه الأساليب المنكرة خدع أهل الشام وزج بهم لحرب وصي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وباب مدينة علمه .
الرابعة : لقد كان الخداع من ذاتيات معاوية ، ومن العناصر المقومة لسياسته ، وقد بهر ولده يزيد حينما بويع وكان الناس يمدحونه ، فقال لأبيه : يا أمير المؤمنين ، ما ندري أنخدع الناس أم يخدعوننا ؟
فأجابه معاوية : كل مَنْ أردت خديعته فتخادع لك حتى تبلغ منه حاجتك فقد خدعته(1).
لقد جرّ معاوية ذيله على الخداع ، وغذى به أهل مملكته حتى نشأ جيل كانت هذه الظاهرة من أبرز ما عرف منه .
وعملت حكومة معاوية على إشاعة الانتهازية والوصولية بين الناس ، ولم يعد ماثلاً عند الكثيرين منهم ما جاء به الإسلام من إيثار الحق ونكران الذات، ومن مظاهر ذلك التذبذب ما رواه المؤرخون أن يزيد بن شجرة الرهاوي قد وفد على معاوية ، وبينما هو مقبل على سماع حديثه إذ أصابه حَجَر عاثر فأدماه فأظهر تصنعاً عدم الاعتناء به ، فقال له معاوية : الله أنت ، ما نزل بك ؟
ما ذاك يا أمير المؤمنين ؟
هذا دم وجهك يسيل .
إن حديث أمير المؤمنين ألهاني حتى غمز فكري ، فما شعرت بشيء حتى نبهني أمير المؤمنين .
فبهر معاوية ، وراح يقول : لقد ظلمك من جعلك في ألف من العطاء ، وأخرجك
1) الكامل في اللغة والأدب : 1: 416 .
من عطاء أبناء المهاجرين ، وكماة أهل صفين.
وأمر له بخمسمائة ألف درهم ، وزاد في عطائه ألف درهم(1).
وكانت هذه الظاهرة سائدة في جميع أدوار الحكم الأموي ، فقد ذكر المؤرخون أنّ إسماعيل بن يسار كان زبيري الهوى ، فلمّا ظفر آل مروان بآل الزبير انقلب إسماعيل عن رأيه وأصبح مروانياً ، وقد استأذن على الوليد فأخره ساعة ، فلما أذن له دخل وهو يبكي ، فسأله الوليد عن سبب بكائه ، فقال : أخرتني وأنت تعلم مروانيتي ، ومروانية أبي .
وأخذ الوليد يعتذر منه ، وهو لا يزداد إلا إغراقاً في البكاء ، فهون عليه الوليد وأحسن صلته ، فلما خرج تبعه شخص ممن يعرفه فسأله عن مروانيته التي ادعاها متى كانت ؟ فقال له : بغضنا لآل مروان .
وهي التي حملت أباه يساراً في حال موته أن يتقرب إلى الله بلعن مروان بن الحكم ، وهي التي دعت أمه أن تلعن آل مروان مكان ما تتقرب به إلى الله من التسبيح(2).
ونقل المؤرخون بوادر كثيرة من ألوان هذا الخداع الذي ساد في تلك العصور وهو من دون شك من مخلفات سياسة معاوية الذي ربّى جيله على التذبذب والانحراف عن الحق .
وعرف معاوية بالخلاعة والمجون ، يقول ابن أبي الحديد : «كان معاوية أيام عثمان شديد التهتك موسوماً بكل قبيح ، وكان في أيام عمر يستر نفسه قليلاً خوفاً
منه إلا أنه كان يلبس الحرير والديباج ، ويشرب في آنية الذهب والفضة ، ويركب البغلات ذوات السروج المحلاة بها - أي بالذهب والفضة - وعليها جلال الديباج والوشي ، وكان حينئذٍ شاباً وعنده نزق الصبا ، وأثر الشبيبة ، وسكر السلطان والإمرة ، ونقل الناس عنه في كتب السيرة أنّه كان يشرب الخمر في أيام عثمان في الشام ...»(1).
ولا خلاف في أنّه سمع الغناء ، وطرب عليه ، ووصل عليه أيضاً .
وتأثر به ولده يزيد فكان مدمناً خليعاً مستهتراً ، وتأثر بهذا السلوك جميع خلفاء بني أمية .
يقول الجاحظ : «وكان يزيد - يعني ابن معاوية - لا يمسي إلا سكراناً ، ولا يصبح إلا مخموراً ، وكان عبد الملك بن مروان يسكر في كل شهر مرة حتى لا يعقل في السماء هو أو في الماء ، وكان الوليد بن عبد الملك يشرب يوماً ويدع يوماً، وكان سليمان بن عبد الملك يشرب في كل ثلاث ليال ليلة، وكان هشام يشرب في كل جمعة ، وكان يزيد بن الوليد ، والوليد بن يزيد يدمنان اللهو والشراب ، فأما يزيد ابن الوليد فكان دهره بين حالتي سكر وخمار ، ولا يوجد أبداً إلا ومعه إحدى هاتين ، وكان مروان بن محمد يشرب ليلة الثلاثاء وليلة السبت»(2).
وولى هشام بن عبد الملك الوليد على الحجّ سنة (119هـ) فحمل معه كلاباً في صناديق فسقط منها صندوق وفيه كلب . وحمل معه قبة عملها على قدر الكعبة ليضعها عليها ، وحمل معه خمراً ، وأراد أن ينصب القبة على الكعبة ويجلس فيها فخوّفه أصحابه ، وقالوا له : لا نأمن الناس عليك وعلينا فترك(3).
ووفد علي بن عياش على الوليد بن يزيد في خلافته ، وقد أُتي بابن شراعة(1)من الكوفة ، فبادره قائلاً: والله ، ما بعثت إليك لأسألك عن كتاب الله وسنة رسوله .
فضحك ابن شراعة وقال : إنّك لو سألتني عنهما لوجدتني حماراً .
قال : إنّما أنا أرسلت إليك لأسألك عن القهوة - أي الخمر - ؟! قال : دهقانها الخبير ، ولقمانها الحكيم ، وطبيبها العليم .
قال : فكيف علمك بالأشربة ؟
فقال : يسأل أمير المؤمنين عما بدا له !!
قال : ما تقول في الماء ؟
فقال : لابد منه ، والحمار شريكي فيه .
وأخذ يسأله عن المشروبات حتى انتهى إلى الخمر ، فقال له : ما تقول في الخمر ؟
فقال : أوّاه تلك صديقة روحي .
فقال الوليد : أنت والله صديق روحي(2).
وأرسل الوليد إلى عامله على الكوفة يطلب منه أن يبعث إليه الخلعاء والشعراء الماجنين ليستمع منهم ما يلهو به من الفسق والمجون ، وقد سخّر أجهزة جميع دولته للذاته وشهواته ، وكتب إلى واليه على خراسان أن يبعث إليه ببرابط وطنابير(3)
البرابط - جمع بربط - : وهو العود - لسان العرب : 1 : 357 - بربط . الطنابير - جمع طنبور - : وهو القانون ومن الآلات ذات الأوتار - تاج العروس : 9 : 315 - قَنَّ.
، وقال أحد شعراء عصره ساخراً منه :أَبْشِرْ يا أَمِينَ الـ *** لهِ أَبشر بتباشِيرٌ
بِإِبل يُحْمَلُ المال *** عَلَيها كالأنابيز(1)
بِعَالٌ تَحْمِلُ الخَمْرَ *** حقائبُها طَنابِيرْ
فَهذَا لَكَ فِي الدُّنيا *** وَفِي الجَنَّةِ تَحبِيرْ
وسادت اللذة واللهو في المجتمع العربي ، وتهالك الناس على الفسق والفجور ، ومن طريف ما ينقل في هذا الموضوع أنه أتي بشيخ إلى هشام بن عبد الملك وكان معه قيان وخمر ويربط ، فقال : اكسروا الطنبور على رأسه فبكى الشيخ ، فقال له أحد الجالسين : عليك بالصبر ، فقال له الشيخ : أتراني أبكي للضرب ؟ إنّما أبكي لاحتقاره البربط إذ سمّاه طنبوراً(2).
لقد كانت سيرة الأمويين في جميع أدوارهم امتداداً لسيرة معاوية الذي أشاع حياة اللهو والخلاعة في البلاد للقضاء على أصالة الأمة ، وسلب وعيها الديني والاجتماعي .
وعمد معاوية إلى إشاعة الدعارة والمجون في الحرمين للقضاء على قدسيتهما وإسقاط مكانتهما الاجتماعية في نفوس المسلمين.
يقول العلائلي : «وشجّع الأمويون حياة المجون في مكة والمدينة إلى حدّ الإباحة ، فقد استأجر طوائف من الشعراء والمخنثين من بينهم عمر بن أبي ربيعة
لأجل أن يمسحوا عاصمتي مكة والمدينة بمسحة لا تليق ، ولا تجعلهما صالحتين للزعامة الدينية . وقد قال الأصمعي : دخلت المدينة فما وجدت إلّا المخنثين ورجلاً يضع الأخبار والطرف»(1).
وقد شاعت في يثرب مجالس الغناء ، وكان الوالي يحضرها ويشارك فيها(2)، وانحسرت بذلك روح الأخلاق ، وانصرف الناس عن المُثل العليا التي جاء بها الإسلام.
واستخف معاوية بكافة القيم الدينية ، ولم يعن بجميع ما جاء به الإسلام من الأحكام ، فاستعمل أواني الذهب والفضة ، وأباح الربا ، وتطيب في الإحرام ، وعطل الحدود(3)، وقد أُلغيت معظم الأحكام الإسلامية في أغلب أدوار الحكم الأموي ، وفي ذلك يقول شاعر الإسلام الكميت :
وَعُطِّلتِ الأَحْكامُ حَتَّى كَأَنَّنا *** عَلى مِلَّةٍ غَيْرِ الَّتِي نَتَنَحْلُ
أَأَهْلُ كِتابٍ نَحْنُ فِيهِ وَأَنتُمُ *** عَلَى الحَقِّ نَقضى بالكتاب وَنَعدِلُ
كَانُ كِتابَ اللهِ يُعْنَى بِأَمرِهِ *** وَبِالنَّهِي فِيهِ الكَودَنِيُّ المُرَكَّلُ(4)
فَتِلكَ مُلُوكُ السُّوء قد طال مُلكُهُمْ *** فَحَامَ حَتّامَ العَناء المُطَوَّلُ
وَما ضَرَبَ الأَمْثَالَ فِي الجَورِ قَبلَنا *** لأَجْوَرَ من حُكّامنا المُتمَثْلُ(5)
1) سموّ المعنى في سموّ الذات : 30 .
2) العقد الفريد : 6: 27 و 28 .
3) ذكرنا مصادر هذه الأحداث في الجزء الثاني من كتابنا (حياة الإمام الحسن بن علي (علیهما السّلام)).
4) الكودنى : نسبة إلى الكودن وهو البرذون يشبه به البليد - أقرب الموارد : 3 359 - كدن .
5) القصائد الهاشميات والقصائد العلويات : 61 ، 63 و 64.
واستخف معاوية بالمقدسات الإسلامية واحتقرها ، يقول الرواة : إنّه لما تغلب قيل له : لو سكنت المدينة ، فهي دار الهجرة ، وبها قبر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، فقال : قَدْ ضَلَلتُ إذا وَما أَنا مِنَ المُهتَدِينَ(1).
واقتدى به في ذلك جميع بني أمية ، فقد انبرى يحيى بن الحكم إلى عبد الله بن جعفر فقال له : كيف تركت الخبيثة ؟ يعني مدينة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).
فأنكر عليه ابن جعفر وصاح به : سماها رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) طيبة ، وتسميها خبيثة ؟! قد اختلفتما في الدنيا وستختلفان في الآخرة .
قال يحيى : والله لئن أموت وأدفن بأرض الشام المقدسة أحب إلي من أن أدفن بها .
فقال له : اخترت مجاورة اليهود والنصارى على مجاورة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) والمهاجرين(2).
ومن مظاهر استخفاف معاوية بالقيم الإسلامية استلحاقه زياد بن عبيد الرومي وإلصاقه بنسبه من دون بيّنة شرعية ، وإنّما اعتمد على شهادة أبي مريم الخمّار ، وهو مما لا يثبت به نسب شرعي ، وقد خالف بذلك قول رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) : «الْوَلَدُ لِلْفِراشِ وَلِلْعاهِرِ الْحَجَرُ»(3).
لقد قام بذلك انطلاقاً وراء أهدافه السياسية ، وتدعيماً لحكمه وسلطانه .
ومن طريف ما ينقل في الموضوع أن نصر بن الحجاج خاصم عبد الرحمن بن
خالد بن الوليد عند معاوية في عبد الله مولى خالد بن الوليد ، فأمر معاوية حاجبه أن يؤخرهما حتى يحتفل مجلسه ، فلما اكتمل مجلسه ، أمر بحجر فأدني منه ، وألقى عليه طرفاً من ثيابه ثمّ أذن لهما ، فترافعا عنده في شأن عبد الله ، فقال له نصر : إن أخي وابن أبي عهد إلي أنه - يعني عبد الله - منه.
وقال عبد الرحمن : مولاي وابن عبد أبي وأمته ، ولد على فراشه .
وأصدر معاوية الحكم في المسألة ، فقال : يا حرسي ، خذ هذا الحجر فادفعه إلى نصر بن الحجاج ، فقد قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «الْوَلَدُ لِلْفِراشِ وَلِلْعاهِرِ الْحَجَرُ».
وانبرى نصر فقال : أفلا أجريت هذا الحكم في زياد ؟
فقال معاوية : ذلك حكم معاوية وهذا حكم رسول الله(1).
وأنكر الإمام الحسين (علیه السّلام) على معاوية هذا الاستلحاق الذي خالف به قول رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فكتب إليه مذكرة تضمّنت الأحداث الجسام التي اقترفها معاوية ، وقد جاء فيها: «أَوَلَسْتَ الْمُدَّعِي زيادَ ابْنَ سُمَيَّةَ الْمَوْلُودَ عَلى فِراشِ عُبَيْدِ ثَقِيفِ ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ ابْنُ أَبِيكَ ، وَقَدْ قَالَ رَسولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم): الْوَلَدُ لِلْفِراشِ وَلِلْعاهِرِ الْحَجَرُ(2)، فَتَرَكْتَ سُنَّةَ رَسولِ اللهِ تَعَمُّداً ، وَاتَّبَعْتَ هَواكَ بِغَيرِ هُدى مِنَ اللهِ»(3).
لقد أثار استلحاق معاوية لزياد موجة من الغضب والاستياء عند الأخيار والمتحرّجين في دينهم ، وقد بسطنا الكلام في ذلك في كتابنا (حياة الإمام الحسن
ابن علي (علیهما السّلام)) .
وحقد معاوية على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فقد مكث في أيام خلافته أربعين جمعة لا يصلي عليه ، وسأله بعض أصحابه عن ذلك فقال : لا يمنعني عن ذكره إلا أن تشمخ رجال بأنافها(1).
وسمع المؤذن يقول : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فلم يملك صوابه ، واندفع يقول : الله أبوك يابن عبد الله ، لقد كنت عالي الهمة ، ما رضيت لنفسك إلا أن يقرن اسمك باسم رب العالمين(2).
ومن مظاهر حقده على الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) ما رواه مطرف بن المغيرة قال : وفدت مع أبي على معاوية ، فكان أبي يتحدث عنده ثم ينصرف إلي ، وهو يذكر معاوية وعقله ، ويعجب بما يرى منه ، وأقبل ذات ليلة وهو غضبان فأمسك عن العشاء ، فانتظرته ساعة ، وقد ظننت أنه لشيء حدث فينا أو في عملنا ، فقلت له : مالي أراك مغتمّاً منذ الليلة ؟
فقال : يا بني ، جئتك من أكفر الناس وأخبثهم .
قلت : ما ذاك ؟
قال : خلوت بمعاوية فقلت له : إنّك قد بلغت مناك يا أمير المؤمنين ، فلو أظهرت عدلاً وبسطت خيراً فإنّك قد كَبُرت ، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم ، فوصلت أرحامهم ، فوالله ما عندهم اليوم شيء تخافه ، وإنّ ذلك مما يبقى لك ذكره وثوابه .
فثار معاوية واندفع يقول : هيهات!! هيهات أي ذكر أرجو بقاءه ، ملك أخو تيم
فعدل ، وفعل ما فعل ، فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكره ، إلا أن يقول قائل : أبو بكر ، ثم ملك أخو عدي فاجتهد وشمّر عشر سنين ، فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكره ، إلا أن يقول قائل : عمر ، ثم ملك أخونا عثمان فملك رجل لم يكن أحد في مثل نسبه ، فعمل به ما عمل ، فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكره ، وإن أخا هاشم يصرخ به في كل يوم خمس مرات : أشهد أن محمداً رسول الله ، فأي عمل يبقى بعد هذا لا أم لك إلا دقتاً دفناً(1).
ودلّت هذه البادرة على مدى تزعزع العقيدة الدينية في نفس معاوية ، وأنّها لم تكن إلا رداءً رقيقاً يشف عما تحته من حبّ الجاهلية والتأثر بها إلى حد بعيد ، وكانت النزعة الإلحادية ماثلة عند أغلب ملوك الأُمويين ، يقول الوليد في بعض خمرياته منكراً للبعث والنشور :
أَدِرِ الكَأسَ يَمِيناً *** لا تدرها ليسار
اشق هذا تم هذا *** صاحِبَ العُودِ النضارِ
مِن كُمَيتٍ عَتَّقوها *** مُنذُ دَهرٍ في جرارٍ
ختموها بالأفاوِيـ *** ـهِ وَكافُورٍ وَقارِ(2)
فَلَقَدْ أَيقَنتُ أنّي *** غَيرُ مَبعوث لِنارِ
سَأَرُوضُ النَّاسَ حَتَّى *** يَركَبوا أَيرَ الحِمارِ
وَذَرُوا مَن يَطلُبُ الـ *** جَنَّةَ يَسعَىٰ لِتَبارِ(3)
وتأثر الكثيرون من ولاتهم بهذه النزعة الإلحادية ، فكان الحجاج يخاطب الله أمام الجماهير الحاشدة قائلاً: أرسولك أفضل أم خليفتك ؟ يعني أن عبد الملك أفضل
من النبي العظيم (صلی الله علیه و آله و سلم)(1).
وكان ينقم على الذين يزورون قبر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ويقول : تباً لهم ، إنّما يطوفون بأعواد ورمة بالية ، هلا طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك ، ألا يعلمون أن خليفة المرء خير من رسوله(2).
وهكذا كان جهاز الحكم الأموي في كثير من أدواره قد تنكر للرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) و از دری برسالته.
وعمد معاوية إلى تغيير الواقع الإسلامي المشرق الذي تبنى الحركات النضالية والقضايا المصيرية لجميع الشعوب ، فأهاب بالمسلمين ألا يقروا على ظالم ، ولا سعب مظلوم ، وقد تبنّى هذا الشعار المقدّس الصحابي العظيم أبو ذر الغفاري الذي فهم الإسلام عن واقعه ، فرفع راية الكفاح في وجه الحكم الأموي ، وطالب عثمان ومعاوية بإنصاف المظلومين والمضطهدين، وتوزيع ثروات الأمة على الفقراء والمحرومين .
لقد أراد معاوية إقبار هذا الوعي الديني ، وإماتة الشعور بالمسؤولية ، فأوعز إلى لجان الوضع التي ابتدعها أن تفتعل الأحاديث على لسان المحرّر العظيم الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) في إلزام الامة بالخضوع للظلم ، والخنوع للجور، والتسليم لما تقترفه سلطاتها من الجور والاستبداد ، وهذه بعض الأحاديث :
الأوّل : روى البخاري بسنده عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال لأصحابه : «إنكم سترون بعدي أثَرةً ، وأُموراً تنكرونها .
قالوا : فما تأمرنا يا رسول الله ؟
قال : أدوا إليهم حقهم ، واسألوا الله حقكم»(1).
الثاني : روى البخاري بسنده عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال : «مَن رأى من أميره شيئاً یکره فليصبر عليه ، فإنّه من فارق الجماعة شبراً فمات ، ألا مات ميتة جاهليّة»(2).
الثالث : روى البخاري بسنده عن مسلمة بن زيد الجعفي أنه سأل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال له : يا نبي الله ، أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا ، فما ترى؟
فأعر (رضی الله عنه) عنه ، فسأله ثانياً وثالثاً والرسول معرض ، فجذبه الأشعث بن قيس ، فقال رسول (صلی الله علیه و آله و سلم): اسمعوا وأطيعوا ، فإنّ عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حُمّلتم(3).
الرابع : روى البخاري بسنده عن عجرفة قال : «سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول : إنه ستكون هنات وهناتٌ ، فمن أراد أن يُفرّق أمر هذه الأمة وهي جمع فاضربوه بالسيف كائناً ما كان»(4).
إلى غير ذلك من الموضوعات التي خدّرت الأمة وشلت حركتها الثورية ، وجعلتها قابعة ذليلة تحت وطأة الاستبداد الأموي وجوره ، وقدهب الإمام الحسين (علیه السّلام) الثائر الأول في الإسلام إلى إعلان الجهاد المقدّس ليوقظ الأمة من سباتها ، ويعيد للإسلام نضارته وروحه النضالية التي انحسرت في عهد الحكم الأموي .
وسخّر معاوية جميع أجهزته للحط من قيمة أهل البيت (علیهم السّلام) الذين هم وديعة
رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، والعصب الحساس في هذه الأُمة، و قد استخدم أخطر الوسائل في محاربتهم وإقصائهم عن واقع الحياة الإسلامية ، وكان من بين ما استخدمه في ذلك ، ما يلي :
وسخّر معاوية الوعاظ في جميع أنحاء البلاد ليحولوا القلوب عن أهل البيت ويذيعوا الأضاليل في انتقاصهم تدعيماً للحكم الأموي .
واستخدم معاوية معاهد التعليم وأجهزة الكتاتيب لتغذية النشء ببغض أهل البيت (علیهم السّلام)، وخلق جيل معادٍ لهم(1)، وقد قامت تلك الأجهزة بدور خطير في بثّ روح الكراهية في نفوس النشء لعترة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم).
وأقام معاوية شبكة لوضع الأخبار تعد من أخطر الشبكات التخريبية في الإسلام ، فعهد إليها بوضع الأحاديث على لسان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) للحط من قيمة أهل البيت (علیهم السّلام) ، أمّا الأعضاء البارزون في هذه اللجنة ، فهم :
1 - أبو هريرة الدوسي .
2 - سمرة بن جندب .
3 - عمرو بن العاص .
4 - المغيرة بن شعبة .
1) حياة الإمام الحسن بن علي (علیهما السّلام) : 2 : 161 و 162.
وقد افتعلوا آلاف الأحاديث على لسان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وكانت عدة طوائف مختلفة حسب التخطيط السياسي للدولة ، وهي :
الطائفة الأولى : وضع الأخبار في فضل الصحابة لجعلهم قبال أهل البيت ، وقد عدّ الإمام الباقر (علیه السّلام) أكثر من مائة حديث ، منها :
الأول : أن عمر مُحَدَّث - بصيغة المفعول - أي تُحدثه الملائكة(1).
الثاني : أنّ السَّكِينَةَ تنطق على لسان عمر(2).
الثالث : أنّ عمر يلقنه المَلَك(3).
الرابع : أن الملائكة لتستحي من عثمان(4)
إلى كثير من أمثال هذه الأخبار التي وضعت في فضل الصحابة ، يقول المحدّث ابن عرفة المعروف بـ(نفطويه) : «إن أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أمية تقرباً إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنوف بني هاشم»(5).
كما وضعوا في فضل الصحابة الأحاديث المماثلة للأحاديث النبوية في فضل العترة الطاهرة ، كوضعهم : «إنّ سيدي كهول أهل الجنّة أبو بكر وعمر» ، وقد عارضوا بذلك الحديث المتواتر : «الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيّدا شَبابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ»(6).
1) صحيح البخاري : 5 : 78 و 79 صحيح مسلم : 7 : 115 . تاريخ الإسلام - عهد الخلفاء الراشدين : 260 .
2) تاريخ الإسلام - عهد الخلفاء الراشدين : 260.
3) أنساب الأشراف : 10: 296 .
4) حياة الإمام الحسن بن علي (علیهما السّلام): 2 : 162. صحیح مسلم : 7: 117 . تاريخ الإسلام - عهد الخلفاء الراشدين : 471 .
5) النصائح الكافية : 99 شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 11: 47 .
6) بحار الأنوار: 2 : 218 و 27 : 212 و 213 . حياة الإمام الحسن بن علي (علیهما السّلام): 2 : 162 .
الطائفة الثانية : وضع الأخبار في ذمّ العترة الطاهرة (علیهم السّلام)، والحط من شأنها ، فقد أعطى معاوية سمرة بن جندب(1)
قيل : إن سمرة أصابه كزاز شديد ، فكان لا يدفأ فأمر بقدر عظيمة فملئت ماءً وأوقد تحتها ، واتخذ فوقها مجلساً ، وكان يصعد إليه بخارها فيدفئه ، فبينما هو كذلك خسفت به فحصل في النار ، فذلك الذي قال له ، والله العالم .
أربعمائة ألف على أن يخطب في أهل الشام ، ويروي لهم أنّ الآية الكريمة نزلت في عليّ ، وهي قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَىٰ ما فِي قَلْبِهِ وَهوَ أَلَدُّ الخِصامِ * وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ ليُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الفَسَادَ(2)، فروى لهم سمرة ذلك ، وأخذ العوض الضخم من بيت مال المسلمين﴾(3).ومما رووا أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال في آل أبي طالب : «إن آل أبي طالب ليسوا بأولياء لي ، إنّما وليّي الله وصالح المؤمنين»(4).
وروى الأعمش أنّه لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة سنة (41 ھـ) جاء إلى مسجد الكوفة ، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه ثمّ ضرب صلعته مراراً ، وقال : يا أهل العراق، أتزعمون أنى أكذب(5)على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وأحرق نفسي بالنار ؟ لقد سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول : إن لكل نبي
1) عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال لعشرة أنفس فيهم سمرة بن جندب : «آخِرُكُمْ يَمُوتُ فِي النَّارِ» ، فكان سمرة آخر العشرة موتاً - البداية والنهاية : 6: 232.
2) البقرة 2: 204 و 205
3) النصائح الكافية : 253 .
4) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 4 : 64.
5) علق على ذلك العلامة فقيد الإسلام الشيخ محمود أبو رية في كتابه أبو هريرة : 236 بقوله : «يدلّ هذا القول على أن كذب أبي هريرة على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) كان قد اشتهر حتى عم الآفاق ، وأصبح الناس يتحدثون به في كل مكان».
حرماً ، وإن حرمي بالمدينة ما بين عير إلى ثور ، فمن أحدث فيهما حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وأشهد بالله أن علياً أحدث فيها !!
فلما بلغ معاوية قوله أجازه وأكرمه وولاه إمارة المدينة(1).
إلى كثير من أمثال هذه الموضوعات التي تقدح في العترة الطاهرة التي هي مصدر الوعي والإحساس في العالم الإسلامي .
الطائفة الثالثة : افتعال الأخبار في فضل معاوية لمحو العار الذي لحقه ولحق أباه وأسرته في مناهضتهم للإسلام ، وإخفاء ما أثر عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في ذمهم ، وهذه بعض الأخبار المفتعلة :
أولاً : قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «معاوية بن أبي سفيان أحلم أُمتي وأجودها»(2).
ثانياً : قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «صاحب سرّي معاوية بن أبي سفيان»(3).
ثالثاً : قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «اللهم علمه - معاوية - الكتاب ، وقه العذاب ، وأدخله الجنّة»(4).
رابعاً : قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاقبلوه(5)، فإنّه أمين هذه الأمة»(6).
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 4 : 67 .
2) تاريخ مدينة دمشق 59: 88 البداية والنهاية : 8: 121 تطهير الجنان المطبوع على هامش الصواعق المحرقة : 26 .
3) تطهير الجنان : 26 .
4) تطهير الجنان : 26 البداية والنهاية : 8 124 .
5) وضع هذا الحديث لمعارضة الحديث الصحيح المروي عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) «إِذَا رَأَيْتُمْ مُعاوِيَةَ يَخْطِبُ عَلَى مِنْبَرِي فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ». تاريخ الإسلام (حوادث ووفيات 41 - 60) : 312.تاريخ بغداد : 12 : 181 . البداية والنهاية : 8: 135.
6) تاریخ بغداد : 1: 259 .
إلى غير ذلك من الأحاديث الموضوعة التي تعكس الصراع الفكري ضد الإسلام عند معاوية وأنه حاول جاهداً محو هذا الدين والقضاء عليه.
من الأحاديث الموضوعة على الإمام الحسين (علیه السّلام) ما روي أنه وفد على معاوية زائراً في يوم الجمعة وكان قائماً على المنبر خطيباً ، فقال له رجل من القوم : ائذن للإمام الحسين (علیه السّلام) يصعد المنبر . فقال له معاوية : ويلك دعني أفتخر ، ثمّ حمد الله وأثنى عليه ، ووجه خطابه للإمام الحسين (علیه السّلام) قائلا له : سألتك بالله يا أبا عبد الله : أليس أنا ابن بطحاء مكة ؟
فقال الحسين : أي والذي بعث جدّي بشيراً .
ثم قال : سألتك بالله يا أبا عبد الله : أليس أنا خال المؤمنين ؟
فقال : أي والذي بعث جدّي نبياً.
ثم قال : سألتك يا أبا عبد الله : أليس أنا كاتب الوحي ؟!
فقال : أي والذي بعث جدي نذيراً.
ثم نزل معاوية عن المنبر ، فصعد الحسين (علیه السّلام) فحمد الله بمحامد لم يحمده الأولون والآخرون بمثلها ، ثم قال : حدثني أبي عن جدي عن جبرئيل عن الله تعالى : أنّ تحت قائمة كرسي العرش ورقة آس خضراء مكتوب عليها : «لا إله إلا الله محمّد رسول الله ، يا شيعة آل محمد لا يأتي أحدكم يوم القيامة إلا أدخله الله الجنة» .
فقال له معاوية : سألتك يا أبا عبد الله : مَنْ شيعة آل محمّد ؟
فقال (علیه السّلام) : الذين لا يشتمون الشيخين أبا بكر وعمر ، ولا يشتمون عثمان ولا يشتمونك يا معاوية .
وعلّق الحافظ ابن عساكر على هذا الحديث بقوله : «هذا حديث منكر ، ولا أرى سنده متصلاً إلى الحسين»(1).
وقد امتحن المسلمون امتحاناً عسيراً بهذه الموضوعات التي دونت في كتب السنّة ، وظنّ الكثيرون من المسلمين أنها حقّ ، فأضفوا على معاوية ثوب القداسة ، وألحقوه بالرعيل الأول من الصحابة المتحرّجين في دينهم ، وهم - من دون شك - لو علموا واقعها لتبرأوا منها ، كما يقول المدائني(2).
ولم تقتصر الموضوعات على تقديس معاوية والحط من شأن أهل البيت (علیهم السّلام) وإنّما تدخلت في شؤون الشريعة ، فألصقت بها المتناقضات والمستحيلات مما شوّهت الواقع الإسلامي وأفسدت عقائد المسلمين.
وتمادى معاوية في عدائه للإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، فأعلن سبه ولعنه في نواديه العامة والخاصة ، وأوعز إلى جميع عماله وولاته أن يذيعوا سبه بين الناس، وسرى سب الإمام علي (صلی الله علیه و آله و سلم) في جميع أنحاء العالم الإسلامي ، وقد خطب معاوية في أهل الشام فقال لهم : أيها الناس ، إنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال لي : إنك ستلي الخلافة لي من بعدي ، فاختر الأرض المقدسة - يعني الشام - فإنّ فيها الأبدال ، وقد اخترتكم فالعنوا أبا تراب .
وعجّ أهل الشام بسب الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)(3).
وخطب في أولئك الوحوش فقال لهم : ما ظنكم برجل - يعني علياً - لم يصلح لأخيه - يعني عقيلاً - ؟ يا أهل الشام ، إن أبا لهب المذموم في القرآن هو عم علي بن أبي طالب(1).
ويقول المؤرخون : إنّه كان إذا خطب ختم خطابه بقوله : «اللهم إن أبا تراب ألحد في دينك ، وصد عن سبيلك ، فالعنه لعناً وبيلاً، وعذبه عذاباً أليماً».
وكان يشاد بهذه الكلمات على المنابر(2)، ولما ولى معاوية المغيرة بن شعبة إمارة الكوفة كان أهمّ ما عهد إليه ألا يتسامح في شتم الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) والترحم على عثمان ، والعيب لأصحابه وإقصائهم .
وأقام المغيرة والياً على الكوفة سبع سنين وهو لا يَدَع ذمّ الإمام علي (علیه السّلام) والوقوع فيه(3)، وقد أراد معاوية بذلك أن يصرف القلوب عن الإمام علي (علیه السّلام) ، وأن يحول بين الناس وبين مبادئه التي أصبحت تطارده في قصوره.
يقول الدكتور محمود صبحي : «لقد أصبح علي جثة هامدة لا يزاحمهم في سلطانهم ، ويخيفهم بشخصه ، ولا يعني ذلك - أي سب الإمام - إلا أن مبادئه في الحكم وآراءه في السياسة كانت تنغص عليهم في موته كما كانت في حياته»(4).
لقد كان الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) رائد العدالة الإنسانية ، والمثل الأعلى لهذا الدين ، يقول الجاحظ : «لا يعلم رجل في الأرض متى ذكر السبق في الإسلام والتقدّم فيه ، ومتى ذكر النخوة والذب عن الإسلام، ومتى ذكر الفقه في الدين، ومتى ذكر الزهد في الأمور التي تناصر الناس عليها كان مذكوراً في هذه الخلال كلها
إلا في على»(1).
ويقول الحسن البصري : «والله ، لقد فارقكم بالأمس رجل كان سهماً صائباً من مرامي الله عزّ وجل ، ربّاني هذه الأمة بعد نبيها (صلی الله علیه و آله و سلم)، وصاحب شرفها وفضلها ، وذا القرابة القريبة من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، و لم يكن بالنومة عن أمر الله ، ولاسروقة لمال لم الله ، أعطى القرآن عزائمه فأورده رياضاً موفقة ، وحدائق مغدقة ، ذلك علي بن أبي طالب»(2).
لقد عادت اللعنات التي كان يصبّها معاوية وولاته على الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) بإظهار فضائله ، فقد برز الإمام علي (علیه السّلام) للناس أروع صفحة في تاريخ الإنسانية كلها ، وظهر للمجتمع أنّه المنادي الأوّل بحقوق الإنسان، والمؤسس الأول للعدالة الاجتماعية في الأرض . لقد انطوت السنون والأحقاب ، واندكت معالم تلك الدول التي ناوأت الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، سواء أكانت من بني أُمية أم من بني العباس ، ولم يبق لها أثر ، وبقي وحده قد احتل قمة المجد ، فهاهو رائد الإنسانية الأوّل وقائدها الأعلى ، وإذا بحكمه القصير الأمد يصبح طغراء في حكام هذا الشرق ، وإذا الوثائق الرسمية التي أثرت عنه تصبح مناراً لكل حكم صالح يستهدف تحقيق القضايا المصيرية للشعوب، وإذا بحكم معاوية أصبح رمزاً للخيانة والعمالة ، ورمزاً لاضطهاد الشعوب واحتقارها .
وحاول معاوية بجميع طاقاته حجب فضائل آل البيت (علیهم السّلام)، وستر مآثرهم عن المسلمين ، وعدم إذاعة ما أثر عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في فضلهم .
يقول المؤرخون : إنّه بعد عام الصلح حج بيت الله الحرام فاجتاز على جماعة ، فقاموا إليه تكريماً ولم يقم إليه ابن عباس ، فبادره معاوية قائلاً: يابن عباس ، ما منعك من القيام كما قام أصحابك ؟ ! إلا لموجدة عليّ بقتالي إياكم يوم صفين. يابن عباس ، إن ابن عمّي عثمان قتل مظلوماً .
فرد عليه ابن عباس ببليغ منطقه قائلاً: فعمر بن الخطاب قد قُتِلَ مظلوماً ، فسلَّم الأمر إلى ولده ، وهذا ابنه وأشار إلى عبد الله بن عمر .
أجابه معاوية بمنطقه الرخيص : إن عمر قتله مشرك .
فانبری ابن عباس قائلاً : فمن قتل عثمان ؟
وأمسك ابن عباس بزمامه فقال له : فذلك أدحض لحجتك إن كان المسلمون قتلوه وخذلوه فليس إلا بحق .
ولم يجد معاوية مجالاً للردّ عليه ، فسلك حديثاً آخر أهم عنده من دم عثمان ، فقال له : إنا كتبنا إلى الآفاق ننهى عن ذكر مناقب عليّ وأهل بيته ، فكف لسانك يابن عباس .
فانبرى ابن عباس بفيض من منطقه وبليغ حجته يسدّد سهاماً لمعاوية قائلاً: فتنهانا عن قراءة القرآن ؟!
لا
فتنهانا عن تأويله ؟
نعم
فنقرأه ولا نسأل عما عنى الله به ؟
نعم
فأيهما أوجب علينا قراءته أو العمل به ؟
العمل به .
فكيف نعمل به حتى نعلم ما عنى الله بما أنزل علينا ؟
سل عن ذلك ممّن يتأوله على غير ما تتأوله أنت وأهل بيتك .
إنما نزل القرآن على أهل بيتي ، فأسأل عنه آل أبي سفيان وآل أبي معيط ؟!!
فاقرأوا القرآن ، ولا ترووا شيئاً ممّا أنزل الله فيكم ، ومما قاله رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فيكم ، وارووا ما سوى ذلك .
وسخر منه ابن عباس ، وتلا قوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِم وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَو كَرِهَ الكَافِرُونَ(1).
وصاح به معاوية : اكفني نفسك ، وكف عني لسانك ، وإن كنت فاعلاً فليكن سراً ، ولا تسمعه أحداً علانية(2).
ودلّت هذه المحاورة على عمق الوسائل التي اتخذها معاوية في مناهضته لأهل البيت ، وإخفاء مآثرهم .
وبلغ الحقد بمعاوية على الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) أنّه لما ظهر عمرو بن العاص بمصر على محمّد بن أبي بكر وقتله ، استولى على كتبه ومذكراته وكان من بينها عهده له ، وهو من أروع الوثائق السياسية ، فرفعه ابن العاص إلى معاوية ، فلما رآه قال لخاصته : إنا لا نقول هذا من كتب علي بن أبي طالب ، ولكن نقول : هذا من كتب أبي بكر التي كانت عنده(3).
وأسرف الحكم الأموي إلى حد بعيد في محاربة الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)،
فقد عهد بقتل كل مولود يسمى علياً ، فبلغ ذلك علي بن رباح فخاف ، وقال : لا أجعل في حلّ من سماني علياً ، فإنّ اسمي عليّ بضم العين(1).
ويقول المؤرخون : إنّ العلماء والمحدثين تحرّجوا من ذكر الإمام علي (علیه السّلام) والرواية عنه خوفاً من بني أمية ، فكانوا إذا أرادوا أن يرووا عنه يقولون : روى أبو زينب(2).
وروی معمر ، عن الزهري، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : «قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَنَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَطْرَ السَّمَاءِ بِسُوءِ رَأْيِهِمْ فِي أَنْبِيَائِهِمْ ، وَاخْتِلَافِهِمْ فِي دِينِهِمْ ، وَإِنَّهُ أَخَذَ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ بالسِّنِينَ ، وَمَنَعَهُمْ قَطْرَ السَّمَاءِ بِبَغْضِهِمْ عَلِيَّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ».
قال معمر : حدثني الزهري في مرضة مرضها ، ولم أسمعه يحدّث عن عكرمة قبلها ولا بعدها ، فلما أبل من مرضه ندم على حديثه لي ، وقال : يا يماني ، اكتم هذا الحديث واطوه دوني ، فإنّ هؤلاء - يعني بني أمية - لا يعذرون أحداً في تقريظ عليّ وذكره .
قال معمر : فما بالك عبت علياً مع القوم ، وقد سمعت الذي سمعت ؟
قال الزهري: حسبك ياهذا ، إنّهم شركونا في لهاهم فانحططنا لهم في أهوائهم(3).
وقد امتحِنَ المسلمون امتحاناً عسيراً في مودتهم للإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) ، وتحرّجوا أشدّ التحرج في ذلك ، يقول الشعبي : «ماذا لقينا من عليّ ؟! إن أحببناه ذهبت دنيانا ، وإن أبغضناه ذهب ديننا».
ويقول الشاعر:
حُبُّ عَلِيٌّ كُلُّهُ ضَرْبُ *** يَرجِفُ مِن تَذكارِهِ القَلْبُ(1)
هذه بعض المحن التي عاناها المسلمون في مودتهم لأهل البيت (علیهم السّلام) التي هي جزء من دينهم .
واضطهدت الشيعة أيام معاوية اضطهاداً رسمياً في جميع أنحاء البلاد ، وقوبلوا بمزيد من العنف والشدّة ، فقد انتقم منهم معاوية أشدّ ما يكون الانتقام قسوة وعذاباً ، فقد قاد مركبة حكومته على جثث الضحايا منهم ، وقد حكى الإمام الباقر (علیه السّلام) صوراً مريعة من بطش الأمويين بشيعة آل البيت (علیهم السّلام)، يقول : وَقُتِلَتْ شِيعَتُنا بِكُلِّ بَلْدَةٍ ، وَقُطِّعَتْ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلُ عَلَى الظَّنَّةِ ، وَكانَ مَنْ يُذْكَرُ بِحُبِّنَا وَالْإِنْقِطَاعِ إِلَيْنا سجِنَ ، أَوْ نُهب ماله ، أو هُدِمَتْ دارُهُ»(2).
تحدّث بعض رجال الشيعة إلى محمّد بن الحنفية عمّا عانوه من المحن والخطوب بقوله : «فما زال بنا الشين في حبكم حتّى ضُربت عليه الأعناق ، وأبطلت الشهادات ، وشردنا في البلاد ، وأوذينا حتى لقد هممت أن أذهب في الأرض قفراً فاعبد الله حتى ألقاه ، لولا أن يخفى عليّ أمر آل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وحتى هممت أن أخرج مع أقوام(3)شهادتنا وشهادتهم واحدة على أُمرائنا فيخرجون فيقاتلون(4).
لقد كان معاوية لا يتهيب من الإقدام على اقتراف أيّة جريمة من أجل أن يضمن ملكه وسلطانه ، وقد كانت الشيعة تشكل خطراً على حكومته ، فاستعمل معهم
أعنف الوسائل وأشدّها قسوة من أجل القضاء عليهم ، ومن بين الإجراءات القاسية التي استعملها ضدّهم ما يلي :
وأسرف معاوية إلى حدّ كبير في سفك دماء الشيعة ، فقد عهد إلى الجلادين من قادة جيشه بتتبع الشيعة وقتلهم حيثما كانوا ، وقد قتل بسر بن أبي أرطاة - بعد التحكيم - ثلاثين ألفاً عدا من أحرقهم بالنار(1)، وقتل سمرة بن جندب ثمانية آلاف من أهل البصرة(2)، وأما زياد بن أبيه فقد ارتكب أفظع المجازر فقطع الأيدي والأرجل وسمل العيون، وأنزل بالشيعة من صنوف العذاب ما لا يوصف لمرارته وقسوته .
وعمد معاوية إلى إبادة القوى المفكرة والواعية من الشيعة ، وقد ساق زمراً منهم إلى ساحات الإعدام ، وأسكن الشكل والحداد في بيوتهم ، وفيما يلي بعضهم :
لقد رفع حُجر بن عدي علم النضال ، وكافح عن حقوق المظلومين ، وسحق إرادة الحاكمين من بني أُمية الذين تلاعبوا في مقدرات الأمة وحولوها إلى مزرعة جماعية لهم ولعملائهم وأتباعهم ، لقد استهان حُجْر بالموت وسخر من الحياة ، واستلذ الشهادة في سبيل عقيدته ، فكان أحد المؤسسين لمذهب أهل البيت (علیهم السّلام).
وامتحن حُجْر أشدّ ما تكون المحنة قسوة حينما رأى السلطة تعلن سبّ الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، وترغم الناس على البراءة منه ، فأنكر ذلك وجاهر بالردّ على ولاة
الكوفة ، واستحل زياد بن أبيه دمه ، فألقى عليه القبض وبعثه مخفوراً مع كوكبة من إخوانه إلى معاوية ، وأوقفوا في (مرج عذراء)(1)، فصدرت الأوامر من دمشق بإعدامهم ، ونفذ الجلادون فيهم حكم الإعدام ، فخرت جثثهم على الأرض وهي ملفعة بدم الشهادة والكرامة ، وهي تضيء للناس معالم الطريق نحو حياة أفضل لا ظلم فيها ولا طغيان .
لقد عامل معاوية شيعة الإمام الحسين (علیه السّلام) وأنصاره كالملحدين والكافرين الذين لا يغسلون ولا يكفنون ولا تجري عليهم المراسيم الإسلامية .
وفزع الإمام الحسين (علیه السّلام) حينما وافته الأنباء بمقتل حُجْر ، فرفع مذكرة شديدة اللهجة إلى معاوية ذكر فيها أحداثه وبدعه، والتي كان منها قتله لحُجْر والبررة من أصحابه ، وقد جاء فيها :
«أَلَسْتَ الْقَاتِلَ حُجْراً أَحَا كِنْدَةَ ، وَالْمُصَلِّينَ الْعَابِدِينَ الَّذِينَ كانوا يُنكرونَ الظُّلْمَ وَيَسْتَعْظِمُونَ الْبِدَعَ ، وَلَا يَخافُونَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِم ثُمَّ قَتَلْتَهُمْ ظُلْماً وَعُدْواناً مِنْ بَعْدِ مَا كُنْتَ أَعْطَيْتَهُمُ الْأَيْمَانَ الْمُغَلَّظَةَ ، وَالْمَوَاثِيقَ الْمُؤَكَّدَةَ أَلَّا تَأْخُذَهُمْ بِحَدَثٍ كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ ، وَلَا بِإِحْنَةٍ تَجِدُها في نَفْسِكَ عَلَيْهِمْ ...»(2).
واحتوت هذه المذكرة على ما يلي :
1 - الإنكار الشديد على معاوية لقتله حُجْراً وأصحابه من دون أن يقترفوا جرماً ،
أو يحدثوا فساداً في الأرض.
2 - إنّها أشادت بالصفات البطولية في هؤلاء الشهداء من إنكار الظلم ، ومقاومة الجور ، واستعظام البدع والمنكرات التي أحدثتها حكومة معاوية ، وقد هبوا إلى ميادين الجهاد لإقامة الحق ومناهضة المنكر .
3 - إنّها أثبتت أن معاوية قد أعطى حُجْراً وأصحابه عهداً خاصاً في وثيقة وقعها قبل إبرام الصلح ألا يعرض لهم بأي إحنة كانت بينه وبينهم ، ولا يصيبهم بأيّ مكروه، ولكنه قد خاس بذلك فلم يف به ، كما لم يف للإمام الحسن (علیه السّلام) بالشروط التي أعطاها له ، وإنما جعلها تحت قدميه كما أعلن ذلك في خطابه الذي ألقاه في النخيلة(1).
لقد كان قتل حُجْر من الأحداث الجسام في الإسلام ، وقد توالت صيحات الإنكار على معاوية من جميع الأقاليم الإسلامية ، وقد ذكرناها بالتفصيل في كتابنا (حياة الإمام الحسن بن علي (علیهما السّلام)) .
وفي فترات المحنة الكبرى التي منيت بها الشيعة في عهد ابن سمية تعرّض رشيد الهجري لأنواع المحن والبلوى ، فقد بعث زیاد شرطته إليه ، فلمّا مَثْل عنده صاح به : ما قال لك خليلك - يعني علياً - إنا فاعلون بك ؟
فأجابه بصدق وإيمان : تقطعون يدي ورجلي ، وتصلبوني .
وقال الخبيث مستهزئاً وساخراً : أما والله لأكذبن حديثه ، خلّوا سبيله .
وخلت الجلاوزة سراحه ، وندم الطاغية فأمر بإحضاره ، فصاح به : لا نجد شيئاً أصلح مما قال صاحبك ، إنّك لا تزال تبغي لنا سوءً إن بقيت ، اقطعوا يديه ورجليه .
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 16: 47 . الفتوح : 4: 294 .
وبادر الجلادون فقطعوا يديه ورجليه ، وهو غير حافل بما يعانيه من الآلام ، ويقول المؤرخون : إنّه أخذ يذكر مثالب بني أمية ، ويدعو إلى إيقاظ الوعي والثورة ، مما غاظ ذلك زياداً فأمر بقطع لسانه(1)الذي كان يطالب بالحق والعدل ، وينافح عن حقوق الفقراء والمحرومين .
ومن شهداء العقيدة الصحابي العظيم عمرو بن الحَمِق الخزاعي الذي دعا له النبى (صلی الله علیه و آله و سلم) أن يمتعه الله بشبابه ، واستجاب الله دعاء نبيه فقد أخذ عمر و بعنق الثمانين عاماً ولم ترَ في كريمته شعرة بيضاء(2)، وتأثر عمر و بهدي أهل البيت وأخذ من علومهم فكان من أعلام شيعتهم .
وفي أعقاب الفتنة الكبرى التي منيت بها الكوفة في عهد الطاغية زياد بن سمية شعر عمر و بتتبع السلطة له، ففرّ مع زميله رفاعة بن شدّاد إلى الموصل ، وقبل أن ينتهيا إليه كمنا في جبل ليستجما فيه ، وارتابت الشرطة فبادرت إلى إلقاء القبض على عمرو ، أما رفاعة ففرّ ولم تستطع أن تلقي عليه القبض ، وجيء بعمرو عمرو مخفوراً إلى حاكم الموصل عبد الرحمن الثقفي ، فرفع أمره إلى معاوية ، فأمره بطعنه تسع طعنات بمشاقص(3)لأنه طعن عثمان بن عفان(4).
وبادرت الجلاوزة إلى طعنه فمات في الطعنة الأولى ، واحتز رأسه الشريف وأُرسل إلى طاغية دمشق ، فأمر أن يطاف به في الشام . ويقول المؤرخون : إنه أوّل
رأس طيف به في الإسلام(1)، ثم أمر به معاوية أن يحمل إلى زوجته السيدة آمنة بنت سُوَيد وكانت في سجنه(2)، فلم تشعر إلا ورأس زوجها قد وضع في حجرها ، فذعرت وكادت أن تموت، وحملت من السجن إلى معاوية وجرت بينها وبينه محادثات دلّت على ضعة معاوية واستهانته بالقيم العربية والإسلامية القاضية بمعاملة المرأة معاملة كريمة ولا تؤخذ بأي ذنب يقترفه زوجها أو غيره .
والتاع الإمام الحسين (علیه السّلام) أشد ما تكون اللوعة حينما علم بمقتل عمرو ، فرفع مذكرة إلى معاوية عدد فيها أحداثه وما تعانيه الأمة في عهده من الاضطهاد والجور ، وجاء فيما يخص عمراً :
أَوَلَسْتَ قَاتِلَ عَمْرِو بْنِ الْحَمِقِ صاحِبِ رَسولِ اللَّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم)، الْعَبْدِ الصَّالِحِ الَّذِي أَبْلَتْهُ الْعِبادَةُ فَنَحِلَ جِسْمُهُ ، وَاصْفَرَّ لَوْنُهُ ، بَعدَما آمَنْتَهُ ، وَأَعْطَيْتَهُ مِنْ عُهُودِ اللهِ وَمَواثِيقِهِ ما لَوْ أَعْطَيْتَهُ طَائِراً لَنَزَلَ إِلَيْكَ مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ ، ثُمَّ قَتَلْتَهُ جُرأَةَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَاسْتِخْفَافاً بِذَلِكَ الْعَهْدِ»(3).
لقد خاس معاوية بما أعطاه لهذا الصحابي الجليل - بعد الصلح - من العهد والمواثيق بألا يعرض له بسوء ولا مكروه.
وكان أوفى بن حصن من خيار الشيعة في الكوفة وأحد أعلامهم النابهين ، وهو من أشد الناقمين على معاوية ، فكان يذيع مساوئه وأحداثه ، ولما علم به
ابن سميّة أوعز إلى الشرطة بالقاء القبض عليه ، ولما علم أوفى بذلك اختفى، وفي ذات يوم استعرض زياد الناس ، فاجتاز عليه أوفى فشك في أمره فسأل عنه فأُخبر باسمه ، فأمر بإحضاره ، فلما مثل عنده سأله عن سياسته فعابها وأنكرها ؛ فأمر زياد بقتله ، فهوى الجلادون عليه بسيوفهم وتركوه جثة هامدة(1).
وكان عبد الله الحضرمي من أولياء الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، ومن خلص شيعته كما كان من شرطة الخميس ، وقد قال له يوم الجمل : أَبْشِرْ يَا عَبْدَ اللَّهِ فَإِنَّكَ وَأَبَاكَ مِنْ شَرَطَةِ الْخَمِيسِ ، لَقَدْ أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ بِاسْمِكَ وَاسْمِ أَبِيكَ فِي شَرَطَةِ الْخَمِيسِ.
ولما قتل الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) جزع عليه الحضرمي ، وبنى له صومعة يتعبد فيها وانضم إليه جماعة من خيار الشيعة ، فأمر ابن سمية بإحضارهم ، ولما مثلوا عنده أمر بقتلهم ، فقتلوا صبراً(2).
لقد كانت فاجعة عبد الله كفاجعة حُجر بن عدي ، فكلاهما قتل صبراً وكلاهما أخذ بغير ذنب سوى الولاء لعترة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).
وفزع الإمام الحسين (علیه السّلام) أشد ما يكون الفزع ألماً ومحنة على مقتل الحضرمي وجماعته الأخيار ، فأنكر على معاوية في مذكرته التي بعثها له ، وقد جاء فيها :
«أَوَلَسْتَ قاتِلَ الْحَضْرَمِي الَّذِي كَتَبَ فِيهِ إِلَيْكَ زِيادٌ أَنَّهُ عَلَى دِينِ عَلِيٍّ (علیه السّلام)، فَكَتَبْتَ الا إِلَيْهِ أَنِ اقْتُلْ كُلَّ مَنْ كانَ عَلَى دِينِ عَلِيٍّ ، فَقَتَلَهُمْ وَمَثْلَ فِيهِم بِأَمرِكَ ، وَدِينِ عَلِيٌّ هُوَ دِينُ
ابْنِ عَمِّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) الَّذِي أَجْلَسَكَ مَجْلِسَكَ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ ، وَلَوْلَا ذلِكَ لَكَانَ شَرَفُكَ وَشَرَفُ آبائِكَ تَجَمُّمَ الرّحْلَتَيْن رِحْلَةَ الشَّتاءِ وَالصَّيْفِ»(1).
ودلّت هذه المذكرة بوضوح على أن معاوية قد عهد إلى زياد بقتل كل من كان على دين علي (علیه السّلام) الذي هو دين رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، كما دلت على أن زياداً قد مثل بهؤلاء البررة بعد قتلهم تشفياً منهم لولائهم لعترة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).
ومن عيون شيعة الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) جويرية بن مسهر العبدي ، وفي فترات المحنة الكبرى التي امتحنت بها الشيعة أيام ابن سمية ، بعث خلفه فأمر بقطع يده ورجله وصلبه على جذع قصير(2).
ومن أبطال العقيدة الإسلامية صيفي بن فسيل الذي ضرب أروع الأمثلة للإيمان فقد سُعي به إلى الطاغية زياد فلما جيء به إليه صاح به : يا عدو الله ، ما تقول في أبي تراب(3)
وفي الأغاني : 13: 168 : «أن زياداً كان يحتقر الشيعة ويسميهم الترابية» .
؟ما أعرف أبا تراب ؟!
ما أعرفك به ؟!
أما تعرف علي بن أبي طالب ؟
بلى .
فذاك أبو تراب ؟!
كلا ، ذاك أبو الحسن والحسين . وانبرى أمير شَرَطَة زياد منكراً عليه : يقول لك الأمير : هو أبو تراب ، وتقول أنت : لا !
فصاح به البطل العظيم مستهزئاً منه ومن أميره : وإن كذب الأمير أتريد أن أكذب ؟ وأشهد على باطل كما شهد.
وتحطم كبرياء الطاغية ، وضاقت به الأرض فقال له : وهذا أيضاً مع ذنبك .
وصاح بشرطته : عليّ بالعصا .
فأتوه بها ، فقال له : ما قولك في عليّ ؟
وانبرى البطل بكل بسالة وإقدام غير حافل به ، قائلاً : أحسن قول أنا قائله في عبد من عباد الله المؤمنين .
وأوعز السفاك إلى جلاديه بضرب عاتقه حتى يلتصق بالأرض ، فسعوا إليه بهرا واتهم فضربوه ضرباً مبرحاً حتى وصل عاتقه إلى الأرض .
ثمّ أمرهم بالكف عنه ، وقال له : إيه ، ما قولك في عليّ ؟
وحَسِبَ الطاغية أنّ وسائل تعذيبه سوف تقلبه عن عقيدته ، فقال له : والله لو شرحتني بالمواسي والمدى ، ما قلت إلّا ما سمعت مني .
وفقد السفاك صوابه فصاح به : لتلعنه ، أو لأضربن عنقك .
وهتف صيفي يقول : إذا تضربها والله قبل ذلك ، فإن أبيت إلا أن تضربها رضيت بالله ، وشقيت أنت .
وأمر به أن يوقر في الحديد، ويلقى في ظلمات السجون(1)، ثمّ بعثه مع حُجْر
1) تاريخ الأمم والملوك : 4 : 489. الكامل في التاريخ : 3: 236.
ابن عدي فاستشهد معه(1).
وكان عبد الرحمن بن حسّان العنزي من خيار الشيعة، وقد وقع في قبضة جلاوزة زياد ، فطلب منهم مواجهة معاوية لعله أن يعفو عنه فاستجابوا له ، وأرسلوه مخفوراً إلى دمشق ، فلمّا مَثْل عند الطاغية قال له : إيه أخا ربيعة ، ما تقول في علي ؟
قال : دعني ولا تسألني فهو خير لك.
قال معاوية : والله لا أدعك .
فانبرى البطل الفذ يدلي بفضائل الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، ويشيد بمقامه قائلاً: أشهد أنّه كان من الذاكرين الله كثيراً ، والأمرين بالحق ، والقائمين بالقسط ، والعافين عن الناس .
والتاع معاوية ، فعرّج نحو عثمان لعله أن ينال منه فيستحل إراقة دمه ، فقال له : ما قولك في عثمان ؟
فأجابه عن انطباعاته عن عثمان ، فغاظ ذلك معاوية ، وصاح به : قتلت نفسك.
قال : بل إياك قتلت ، ولا ربيعة بالوادي .
وظن عبد الرحمن أن أسرته ستقوم بحمايته وإنقاذه ، فلم ينبر إليه أحد ، ولما أمن منهم معاوية بعثه إلى الطاغية زياد ، وأمره بقتله، فبعثه زياد إلى (قُسٌ الناطف)(2)فدفنه وهو حي(3).
لقد رفع هذا البطل العظيم راية الحق ، وحمل معول الهدم على قلاع الظلم والجور ، واستشهد منافحاً عن أقدس قضية في الإسلام .
هؤلاء بعض الشهداء من أعلام الشيعة الذين حملوا مشعل الحرية ، وأضاء وا الطريق لغيرهم من الثوار الذين أسقطوا هيبة الحكم الأموي ، وعملوا على نقضه.
وروع معاوية طائفة كبيرة من الشخصيات البارزة من رؤساء الشيعة ، وفيما يلي بعضهم :
1 - عبد الله بن هاشم المرقال .
2 - عدي بن حاتم الطائي .
3 - صعصعة بن صوحان .
4 - عبد الله بن خليفة الطائي .
وقد أرهق معاوية هؤلاء الأعلام إرهاقاً شديداً ، فطاردتهم شرطته وأفزعتهم أشد الفزع ، وقد ذكرنا ما عانوه من الخطوب في كتابنا (حياة الإمام الحسن بن علي (علیهما السّلام)).
ولم يقتصر معاوية في تنكيله على السادة من رجال الشيعة ، وإنما تجاوز ظلمه إلى السيدات من نسائهم ، فأشاع فيهن الذعر والإرهاب ، فكتب إلى بعض عماله بحمل بعضهن إليه ، فحملت له هذه السيدات :
1 - الزرقاء بنت عدي.
2 - أم الخير البارقية .
3 - سودة بنت عمارة .
4 - أمّ البراء بنت صفوان .
5 - بكارة الهلالية .
6 - أروى بنت الحارث .
7 - عكرشة بنت الأطرش .
8 - الدارمية الحجونية .
وقد قابلهن معاوية بمزيد من التوهين والاستخفاف ، وأظهر لهنّ الجبروت والقدرة على الانتقام غير حافل بوهن المرأة وضعفها ، وقد ذكرنا ما جرى عليهن في مجلسه من التحقير في كتابنا (حياة الإمام الحسن بن علي (علیهما السّلام)) .
وأوعز معاوية إلى جميع عماله بهدم دور الشيعة ، فقاموا بنقضها(1)وتركوا شيعة آل البيت (علیهم السّلام) بلا مأوى يأوون إليه ، ولم يكن هناك أي مبرر لهذه الإجراءات القاسية سوى تحويل الناس عن عترة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).
ومن المآسي الكئيبة التي عانتها الشيعة في أيام معاوية أنه كتب إلى جميع عماله نسخة واحدة جاء فيها : انظروا إلى من قامت عليه البينة أنه يحب علياً وأهل بيته ، فامحوه من الديوان ، وأسقطوا عطاءه ورزقه(2). وبادر عماله في الفحص في سجلاتهم فمن وجدوه محباً لآل البيت (علیهم السّلام) المحوا اسمه ، وأسقطوا عطاءه.
وعمد معاوية إلى إسقاط الشيعة اجتماعياً، فعهد إلى جميع عماله بعدم قبول
شهادتهم في القضاء وغيره(1)مبالغة في إذلالهم وتحقيرهم .
وأراد زياد بن أبيه تصفية الشيعة من الكوفة وكسر شوكتهم ، فأجلى خمسين ألفاً منهم إلى خراسان ، المقاطعة الشرقية في فارس(2)، وقد دقّ زياد بذلك أوّل مسمار في نعش الحكم الأموي ، فقد أخذت تلك الجماهير التي أُبعدت إلى فارس تعمل على نشر التشيع في تلك البلاد، حتّى تحولت إلى مركز للمعارضة ضد الحكم الأموي ، وهي التي أطاحت به تحت قيادة أبي مسلم الخراساني .
هذا بعض ما عانته الشيعة في عهد معاوية من صنوف التعذيب والإرهاب، وكان ما جرى عليهم من المآسي الأليمة من أهم الأسباب في ثورة الإمام الحسين (علیه السّلام) ، فقد رفع علم الثورة لينقذهم من المحنة الكبرى التي امتحنوا بها ، ويعيد لهم الأمن والاستقرار.
وختم معاوية حياته بأكبر إثم في الإسلام وأفظع جريمة في التاريخ ، فقد أقدم غير متحرّج على فرض خليعه يزيد خليفة على المسلمين يعيث في دينهم ودنياهم ، ويخلّد لهم الويلات والخطوب، وقد استخدم معاوية شتى الوسائل المنحطة في جعل الملك وراثة في أبنائه ، ويرى الجاحظ أنه تشبّه بملوك الفرس والبيزنطيين ، فحوّل الخلافة إلى ملك كسروي ، وعصب قيصري .
وقبل أن نعرض إلى تلك البيعة المشومة وما رافقها من الأحداث نذكر عرضاً
جزاً لسيرة يزيد ، وما يتصف به من القابليات الشخصية التي عجّت بذمها كتب التاريخ من يومه حتى يوم الناس هذا ، وفيما يلي ذلك :
ولد يزيد سنة (25) أو (26هـ)(1)وقد دهمت الأرض شعلة من نار جهنم وزفيرها ، تحوط به دائرة السوء وغضب من الله ، وهو أخبث إنسان وجد في الأرض ، فقد تربى على الجرمية والإساءة إلى الناس ، وأصبح علماً للانحطاط الخلقي والظلم الاجتماعي ، وعنواناً بغيضاً للاعتداء على الأمة وقهر إرادتها في جميع العصور.
يقول الشيخ محمد جواد مغنية : « أما كلمة يزيد فقد كانت من قبل اسماً لابن معاوية ، أمّا هي الآن عند الشيعة فإنّها رمز للفساد والاستبداد والتهتك والخلاعة ، وعنوان للزندقة والإلحاد ، فحيث يكون الشر والفساد فثم اسم يزيد ، وحيثما يكون الخير والحق والعدل فتم اسم الحسين (علیه السّلام)»(2).
وقد أُثر عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه نظر إلى معاوية يتبختر في بردة حبرة وينظر إلى عطفيه ، فقال (صلی الله علیه و آله و سلم): « أَيُّ يَوْمٍ أَسْوَاْ لِأُمِّنِي مِنْكَ ، وَأَيُّ يَوْمٍ أَسْوَأَ لِذُرِّيَّتِي مِنْ جِرْوِ يَخْرُجُ مِنْ صُلْبِكَ يَتَّخِذُ آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً ، وَيَسْتَحِلُّ مِنْ حُرمَتِي ما حَرَّمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ»(3).
نشأ يزيد عند أخواله في البادية من بني كلاب الذين كانوا يعتنقون المسيحية قبل الإسلام، وكان مرسل العنان مع شبابهم الماجنين ، فتأثر بسلوكهم إلى حد بعيد ،
فكان يشرب معهم الخمر ويلعب معهم بالكلاب .
يقول العلائلي : «إذا كان يقيناً أو يشبه اليقين أن تربية يزيد لم تكن إسلامية خالصة ، أو بعبارة أخرى كانت مسيحية خالصة ، فلم يبق ما يستغرب معه أن يكون متجاوزاً مستهتراً مستخفّاً بما عليه الجماعة الإسلامية ، لا يحسب لتقاليدها واعتقاداتها أي حساب ، ولا يقيم لها وزناً ، بل الذي نستغرب أن يكون على غير ذلك»(1).
والذي نراه أن نشأته كانت نشأة جاهلية بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة ، ولا تحمل أي طابع من الدين مهما كان، فإن استهتاره في الفحشاء ، وإمعانه في المنكر والإثم مما يوحي إلى الاعتقاد بذلك .
أما صفاته الجسمية فقد كان شديد الأدمة بوجهه آثار الجُدري(2)كما كان ضخماً ذا سمنة كثير الشعر(3). وأما صفاته النفسية فقد ورث صفات جده أبي سفيان وأبيه معاوية من الغدر والنفاق ، والطيش والاستهتار .
يقول السيد مير علي الهندي : «وكان يزيد قاسياً غدّاراً كأبيه ، ولكنّه ليس داهية مثله ، كانت تنقصه القدرة على تغليف تصرفاته القاسية بستار من اللباقة الدبلوماسية الناعمة ، وكانت طبيعته المنحلة وخلقه المنحط لا تتسرب إليهما شفقة ولا عدل ، كان يقتل ويعذب نشداناً للمتعة واللذة التي يشعر بها ، وهو ينظر إلى آلام الآخرين ، وكان بؤرة لأبشع الرذائل ، وهاهم ندماؤه من الجنسين خير شاهد على ذلك ،
لقد كانوا من حثالة المجتمع»(1).
لقد كان جافي الخلق مستهتراً ، بعيداً عن جميع القيم الإنسانية ، ومن أبرز ذاتياته ميله إلى إراقة الدماء ، والإساءة إلى الناس ، ففي السنة الأولى من حكمه القصير أباد وَاللَّهُ عترة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وفي السنة الثانية أباح المدينة ثلاثة أيام وقتل سبعمائة رجل ، من المهاجرين والأنصار وعشرة آلاف من الموالي والعرب والتابعين.
ومن مظاهر صفات يزيد ولعه بالصيد فكان يقضى أغلب أوقاته فيه ، ويقول المؤرخون : «كان يزيد بن معاوية كلفاً بالصيد، لاهياً به، وكان يُلبس كلاب الصيد الأساور من الذهب والجلال المنسوجة منه ، ويهب لكل كلب عبداً يخدمه»(2).
وكان يزيد - فيما أجمع عليه المؤرخون - ولعاً بالقرود ، فكان له قرد يجعله بين يديه ويكنيه بأبي قيس، ويسقيه فضل كأسه ، ويقول : هذا شيخ من بني إسرائيل أصابته خطيئة فمسخ ، وكان يحمله على أتان وحشية ويرسله مع الخيل في حلبة السباق ، فحمله يوماً فسبق الخيل فسر بذلك وجعل يقول :
تَمسَّكُ أَبا قَيْسٍ بِفَضلِ زمامِها *** فَلَيسَ عَلَيْهَا إِنْ سَقَطتَ ضَمَانُ
فَقَدْ سَبقَتْ خَيلَ الجَمَاعَةِ كُلَّها *** وَخَيلُ أَمِير المُؤمِنِينَ أَتانُ(3)
وأرسله مرة في حلبة السباق فطرحته الريح ، فمات فحزن عليه حزناً شديداً وأمر
بتكفينه ودفنه كما أمر أهل الشام أن يعزوه بمصابه الأليم ، وأنشأ رائياً له :
کَم من كرام وقوم ذُو مُحافظة *** جاء والنا لِيُعَزُوا في أبِي قَيسِ
شَيخُ العَشِيرة أمضاها وأجملها *** عَلَى الرُّؤوسِ وَفِي الأَعناقِ وَالرِّيسِ
لا يُبْعِدُ الله قبراً أَنْتَ ساكنه *** أَ فِيهِ جَمالٌ وَفِيهِ لِحيَّةُ التَّيس(1)
وذاع بين الناس هيامه وشغفه بالقرود ، حتى لقبوه بها ، ويقول رجل من تنوخ ها جياً له :
يَزِيدٌ صَدِيقُ القِرْدِ مَل جوارنا *** فَحَنَّ إِلى أَرضِ القُرُودِ يَزِيدُ
فَتَباً لِمَنْ أَمْسَى عَلَينا خَلِيفَةً *** صحابتُهُ الأدْنَوْنَ مِنهُ قُرُودُ(2)
يعي من السكر.
والظاهرة البارزة من صفات يزيد ادمانه على الخمر(3)، وقد أسرف في ذلك إلى حد كبير فلم ير في وقت إلا وهو ثمل لا یعي من السکر.
وقد خطب عبدالله بن الزبير أيام يزيد بن معاوية ، فقال في خطبته : يزيد القرود ، يزيد الفهود ، يزيد الخمور ، يزيد الفجور ، أما والله لقد بلغنى أنّه لا يزال مخموراً يخطب الناس ، وهو طافح في سكره(4).
ومن شعره في الخمر :
أَقُولُ لِصَحْبٍ ضَمَّتِ الكَأْسُ شَمْلَهُم *** وَداعِي صَباباتِ الهَوى يَتَرنَّمُ
خُذُوا بِنَصِيبٍ مِن نَعِيمٍ وَلذَّةٍ *** فَكُل وَإِن طال المدى يَتَصرَّمُ
وَلَا تَترُكُوا يَومَ السُّرُورِ إِلى غَدٍ *** فَرُبِّ غَدٍ يَأْتِي بِما لَيسَ يُعلَمُ(1)
وجلس يوماً على الشراب وعن يمينه ابن زياد بعد قتل الحسين ، فقال :
إسقِنِي شُرِبَةٌ تُروِّي مُشاشِي *** ثُمَّ مِلْ فَاسْقِ مِثلَها ابن زياد
صاحِبُ السِّرِّ وَالأَمانَةِ عِندِي *** وَلِتَسدِيدِ مَعْنَمِي وَجِهادِي(2)
وفي أنساب الأشراف : 5 : 311 ، هكذا :
إِسْقِنِي مُزَّةٌ تُرَوِّي مُشاشِي *** وَأَدِرْ مِثْلَهَا عَلَى ابْنِ زِيَادِ
مَوضِعُ السِّرِّ وَالأَمانَةِ عِندِي *** وَعَلَى تَعْرِ مَعْنَمِي وَجِهَادِي
وفي عهده طرأ تحوّل كبير على شكل المجتمع الإسلامي ، فقد ضعف ارتباط المجتمع بالدين ، وانغمس الكثير من المسلمين في الدعارة والمجون ولم يكن ذلك التغيير إقليمياً ، وإنّما شمل جميع الأقاليم الإسلامية فقد سادت فيها الشهوات والمتعة والشراب ، وقد تغيّرت الاتجاهات الفكرية التي ينشدها الإسلام عند أغلب المسلمين.
قال المسعودي : «كان يزيد صاحب طرب وجوارح وكلاب وقرود وفهود ومنادمة على الشراب ... وغلب على أصحاب يزيد وعماله ما كان يفعله من الفسوق وفي أيامه ظهر الغناء بمكة والمدينة ، واستعملت الملاهي ، وأظهر الناس شرب الشراب»(3).
وقد اندفع الأحرار من شعراء المسلمين في أغلب عصورهم إلى هجاء يزيد لإدمانه على الخمر، يقول الشاعر ابن عرادة :
أَبَنَي أُمَيَّةَ إِنَّ آخِرَ مُلكِكُمْ *** جَسَدٌ بِحُوّراينَ ثَمَّ مُقِيمُ
طَرَقَتْ مَنيَّتُهُ وَعِندَ وِسادِهِ *** كُوبٌ وَزِقٌ راعِفٌ مَرتُومُ
ومُرِئَةٌ تَبكي عَلَى نَشْوانِهِ بِالصَّنْج تقعد تارةً وَتَقومُ(1)
ويقول فيه أنور الجندي :
خُلِقَتْ نَفْسُهُ الأَثِيمَةُ بِالمَكرِ *** وهامَتْ عيناه بالفحشاء
فَهُوَ وَالكَأْسُ في عِناقٍ طَوِيلٍ *** وَهُوَ وَالعارُ وَالخَنا في خِباء
ويقول فيه بولس سلامة :
رافع الصوتِ داعياً لِلفَلَاحِ *** أخفض الصوت في أذانِ الصَّباح
وَتَرفُقُ بصاحب العَرشِ مَشـ *** غُولاً عَنِ اللهِ بِالقِيانِ المِلَاحِ
ألف (الله أكبَرُ) لَا تُساوِي *** بَينَ كَفَّي يَزِيدَ نَهْلَةَ راح
عَنَّسَتْ في الدنان بكراً فَـ *** ـلَمْ تُدَنَّسٌ بِليْمٍ وَلَا بِمَاءٍ قِراحِ(2)
لقد عاقر يزيد الخمر ولقب بيزيد الخمور ، وبلغه يوماً أنّ المِسْوَرَ بن مَخرمة يرميه بشرب الخمور ، فكتب إلى عامله في المدينة يأمره أن يجلد المسور حدّ القذف ، ففعل العامل ما أمر به ، فقال المِسْور :
أَيشْرَبُها صَهباءً كالمِسكِ رِيحُها *** أبو خالِدٍ وَيُضَرَبُ الحَدَّ مِسْوَرُ(3)
وأسرف في الإدمان ، حتى أن بعض المصادر تعزو سبب وفاته إلى أنّه شرب كمية كبيرة منه فأصابه انفجار فهلك منه(4).
واصطفى يزيد جماعة من الخلعاء والماجنين فكان يقضي معهم لياليه الحمراء بين الشراب والغناء ، وفي طليعة ندمائه الأخطل الشاعر المسيحي الخليع ، فكانا يشربان ويسمعان الغناء ، وإذا أراد السفر صحبه معه(1).
ولمّا هلك يزيد وآل أمر الخلافة إلى عبد الملك بن مروان قربه فكان يدخل عليه بغير استئذان، وعليه جبة خز، وفي عنقه سلسلة من ذهب ، والخمر يقطر من لحيته(2).
ولما شاع استهتار يزيد واقترافه لجميع ألوان المنكر والفساد ، استدعاه معاوية فأوصاه بالتكتم في نيل الشهوات لئلا تسقط مكانته الاجتماعية ، قائلاً: يا بني ، ما أقدرك على أن تصير إلى حاجتك من غير تهتك يذهب بمروءتك وقدرك ، ثم أنشده.
انصَبْ نَهاراً في طِلابِ العُلَى *** وَاصبِرْ عَلَى هَجرِ الحَبيبِ القريب
حَتَّى إِذا الليلُ أنَّى بِالدُّجَى *** واكتَحَلتُ بالغَمْضِ عَينُ الرَّقِيبِ
فَباشر الليل بما تشتهي *** فَإِنَّمَا اللَّيلُ نَهارُ الأرِيبِ
کَم فاسِقِ تَحَسبُهُ ناسِكاً *** قد باشر الليل بأمرٍ عَجِيبٍ(3)
من الكتاب الذين يحملون النزعة الأموية فى هذا العصر محمد عزة دروزة ، «فقد جهد نفسه - مع الأسف - على الدفاع عن منكرات الأمويين وتبرير ما أثر عنهم من الظلم والجور والفساد ، وقد دافع عن معاوية ونزّهه عمّا اقترفه من الموبقات التي هي لطخة عار في تاريخ الإنسانية ، وقد علّق على هذه البادرة بقوله : «نحن ننزّه معاوية صاحب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وكاتب وحيه ، والذي أثرت عنه مخافة الله وتقواه وحرصه ، عن أن يرضى من ابنه الشذوذ عن هذه الحدود بالتشجيع ، بل نستبعد هذا عن يزيد»(1).
وهذا مما يدعو إلى السخرية والتفكه ، فقد تنكر دروزة للواضحات التي لا يشك فيها أي إنسان يملك عقله واختياره ، وقديماً قد قيل :
وَلَيْسَ يَصُحُ فِي الأَذهَانِ شَيءٌ *** إِذَا احتاجَ النَّهارُ إلى دليل
إن ما أثر عن معاوية من الأحداث الجسام كقتله حُجر بن عدي ، ورشيد الهجري وعمرو بن الحَمِق الخزاعي ونظراءهم من المؤمنين ، وسبّه للعترة الطاهرة ، ونكايته بالأمة بفرض يزيد خليفة عليها وغير ذلك من الجرائم التي أشرنا إلى بعضها في البحوث السابقة وهي مما تدلّ على تشويه إسلامه وانحرافه عن الطريق القويم ، ولكن دروزة وأمثاله لا ينظرون إلى الواقع إلا بمنظار أسود ، فراحوا يقدسون الأمويين الذين أثبتوا بتصرفاتهم السياسية والإدارية أنّهم خصوم الإسلام وأعداؤه .
وهام معاوية بحبّ ولده يزيد فأقره على فسقه وفجوره ولم يردعه عنه ، ويقول
1) تاريخ الجنس العربي : 8 : 86.
المؤرخون : إنّه نقل له أن ولده على الشراب ، فأتاه يتجسس عليه ، فسمعه ينشد :
أقُولُ لِصَحْبٍ ضَمَّتِ الكَأْسُ شَملَهُمْ *** وداعي صباباتِ الهَوى يَتَرتُمُ
خُذُوا بِنَصِيبٍ مِن نَعِيمٍ وَلَذَّةٍ *** فَكُل وَإن طال المَدَى يَتصرُّمُ
وَلا تَترُكوا يومَ السُّرُورِ إِلَى غَدٍ *** فَإِنَّ غَدٍ يَأْتِي بِمَا لَيسَ يُعْلَمُ
ألَا إِنْ أَهْنَا العَيشِ مَا سَمِحَتْ بِهِ *** صُرُوفُ اللَّيالي وَالحَوادِثُ نُومُ(1)
فعاد معاوية إلى مكانه ولم يعلمه بنفسه ، وراح يقول : والله لا كنت عليه ، ولا نغصت عليه عيشه .
وأترعت نفس يزيد بالحقد على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والبغض له ؛ لأنه وتره بأسرته يوم بدر ، ولمّا أباد العترة الطاهرة جلس على أريكة الملك جذلان مسروراً يهز أعطافه ، فقد استوفى ثأره من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وتمنى حضور أشياخه ليروا كيف أخذ بثأرهم، وجعل يترنم بأبيات ابن الزبعرى :
ليتَ أَشْياخِي بِبَدرِ شَهِدوا *** جَزَعَ الخَرْرَجِ مِن وَقْعِ الأَسَلْ
لأَهلُّوا وَاستَهَلُوا فَرَحاً *** ثُمَّ قَالوا يا يَزِيدُ لَا تُشَلْ
قد قتلنا القَرمَ مِن أَشْياخِهِم *** وَعَدَلْناهُ بِبَدْرٍ فاعتَدَلْ
لَعِبَتْ هاشِمُ بِالمُلْكِ فَلا *** خَبْرٌ جَاءَ وَلَا وَحَى نَزَلْ
لَسْتُ مِن خِندِفَ إِنْ لَمْ أَنْتَقِمْ *** مِنْ بَنِي أَحْمَدَ ما كانَ فَعَلْ(2)
وكان يزيد يبغض الأنصار بغضاً عارماً ؛ لأنهم ناصروا النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وقاتلوا قريشاً ، وحصدوا رؤوس أعلامهم ، وقد قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) : «الأَنْصَارُ كَرْشِي وَعَيْبَتِي لَوْ سَلَكَ صلى الله عليه وسلم : النَّاسُ وادِياً وَسَلَكَ الأَنْصَارُ شِعْباً لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأَنصار اللهمَّ اغْفِرْ لِلأَنصار وَلِأَبْناءِ الأنصارِ وَلِأَبْناءِ أَبْناءِ الأَنصار»(1).
كما كان الأنصار يبغضون بني أمية ، فقد قتل عثمان بين ظهرانيهم ولم يدافعوا عنه ، ثم بايعوا علياً ، وذهبوا معه إلى صفين لحرب معاوية ، ولما استشهد الإمام كانوا من أهم العناصر المعادية لمعاوية ، وكان يزيد يتميّز من الغيظ عليهم ، وطلب من كعب بن جعيل التغلبي أن يهجوهم فامتنع وقال له : أردتني إلى الإشراك بعد الإيمان ، لا أهجو قوماً نصر وا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، ولكن أدلك على غلام منا نصراني كأن لسانه لسان ثور ، يعني الأخطل .
فدعا يزيد الأخطل وطلب منه هجاء الأنصار فأجابه إلى ذلك ، وهجاهم بهذه الأبيات المقذعة :
لَعَنَ الإِلهُ مِنَ اليَهُودِ عِصابَةٌ *** بالجزعِ بَينَ صُلَيصِلٍ وَصِرارِ(2)
قومٌ إذا هَدَرَ العَصِيرُ رَأَيْتَهُمْ *** حمْراً عُيونُهُمْ مِنَ المُسطار(3)
خَلُوا المَكارِمَ لَستُمُ من أَهْلِها *** وَخُذُوا مَساحِيَكُمُ بَنِي النَّجَارِ
إِنَّ الفَوارِسَ يَعْلَمُونَ ظُهُورَكُم *** أَولَادَ كُلِّ مُقبَّح أَكَارِ(4)
ذَهَبَتْ قُرِيضٌ بِالمَكارِمِ والعُلَا *** واللَّوْمُ تَحتَ عَمائِمِ الأنصارِ(1)
لقد ابتدأ الأخطل هجاءه للأنصار بذم اليهود وقرن بينهم وبين الأنصار ؛ لأنّهم يساكنونهم في يثرب ، وقد عاب على الأنصار بأنّهم أهل زرع وفلاحة ، وأنّهم ليسوا أهل مجد ولا مكارم ، واتهمهم بالجبن عند اللقاء ، ونسب الشرف والمجد إلى القرشيين ، واللؤم كلّه تحت عمائم الأنصار ، وقد أثار هذا الهجاء المرّ حفيظة النعمان ابن بشير الذي هو أحد عملاء الأمويين ، فانبرى غضباناً إلى معاوية فلما مثل عنده حسر عمامته عن رأسه ، وقال : يا معاوية أترى لؤماً ؟
لا بل أرى خيراً وكرماً ، فما ذاك ؟!
زعم الأخطل أن اللؤم تحت عمائمنا .
واندفع النعمان يستجلب عطف معاوية قائلاً:
معاوِي إِلَّا تُعْطِنَا الحَقِّ تَعترف *** لِحَى الأَرْدِ مَسْدُولاً عَلَيها العَمائِمُ
أَيشتِمُنا عَبدُ الْأَرَاقِم ضِلَّةٌ *** فَمَاذَا الَّذِي تُجدِي عَلَيْكَ الأَراقِمُ
فَما لِيَ ثَارٌ دُونَ قَطع لِسانِهِ *** فَدُونَكَ مَن تُرضيهِ عَنهُ الدَّرَاهِمُ(2)
قال معاوية : ما حاجتك ؟
لسانه .
ذلك لك.
وبلغ الخبر الأخطل فأسرع إلى يزيد مستجيراً به وقال له : هذا الذي كنت أخافه ، فطمأنه يزيد وذهب إلى أبيه ، فأخبره بأنّه قد أجاره ، فقال معاوية : لا سبيل إلى ذمّة أبي خالد - يعني يزيد - فعفا عنه ، وجعل الأخطل يفخر برعاية يزيد له ، ويشمت
بالنعمان بقوله :
أبا خالِدٍ دافَعْتَ عَنِّي عَظيمة *** وَأَدْرَكتَ لَحمِي قَبْلَ أن يتبددا
وَأَطْفَأْتَ عَنِّي نارَ نُعمانَ بَعدَما *** أَغَذ لأمْر عاجز وتجردا
وَلَمّا رَأَى النُّعمانُ دَوّي ابنَ حُرَّةٍ *** طَوَى الكَشْحَ إِذْ لَمْ يَستَطِعْنِي وَعَرَّدا(1)
هذه بعض نزعات يزيد واتجاهاته ، وقد كشفت عن مسخه وتمرّسه في الجريمة، وتجرّده من كل خلق قويم ، وإن من مهازل الزمن وعثرات الأيام أن يكون هذا الخليع حاكماً على المسلمين وإماماً لهم .
وأوّل من تصدّى لهذه البيعة المشومة أعور ثقيف المغيرة بن شعبة صاحب الأحداث والموبقات في الإسلام(2)
أسد الغابة : 4 : 472 ، الحديث 5064 .
. وقد وصفه (بروكلمان) بأنه رجل انتهازي لا ذمة له ولا ذمام(3)، وهو أحد دهاة العرب الخمسة(4)، وقد قضى حياته في التأمر على الأمة ، والسعي وراء مصالحه الخاصة.أما السبب في دعوته لبيعة يزيد - فيما يرويه المؤرخون - فهو أن معاوية أراد عزله من الكوفة ليولّي عليها سعيد بن العاص(5)
البداية والنهاية : 8: 82.
، فلما بلغه ذلك سافر إلى دمشق ليقدم1) ديوان الأخطل : 89. الأخبار الموفقیات : 229 و 230 تاریخ مدينة دمشق : 48: 115.
2) من موبقات المغيرة أنّه أوّل من رشي في الإسلام كما يروي البيهقي ، كما أنّه كان الوسيط في استلحاق زياد بمعاوية ، وقد شُهِدَ عليه عند عمر بالزنا عند ما كان والياً على البصرة .
3) تاريخ الشعوب الإسلامية : 1 : 145 .
4) تاريخ الأمم والملوك : 9 : 481 .
5) الإمامة والسياسة : 1 : 165. تاريخ الأمم والملوك : 4 : 518 . تجارب الأمم 2 : 34 .
استقالته من منصبه حتى لا تكون حزازة عليه في عزله ، وأطال التفكير في أمره ، فرأى أنّ خير وسيلة لإقراره في منصبه أن يجتمع بيزيد فيحبذ له الخلافة حتى يتوسط في شأنه إلى أبيه ، والتقى الماكر بيزيد فأبدى له الإكبار ، وأظهر له الحبّ ، وقال له : قد ذهب أعيان محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) وكبراء قريش وذوو أسنانهم ، وإنّما بقي أبناؤهم، وأنت من أفضلهم وأحسنهم رأياً ، وأعلمهم بالسنة والسياسة ، ولا أدري ما يمنع أمير المؤمنين أن يعقد لك البيعة ؟(1).
وغزت هذه الكلمات قلب يزيد فشكره وأثنى على عواطفه ، وقال له : أترى ذلك يتم ؟
قال : نعم .
وانطلق يزيد مسرعاً إلى أبيه فأخبره بمقالة المغيرة ، فسرّ معاوية بذلك وأرسل خلفه ، فلمّا مَثْل عنده أخذ يحفزه على المبادرة في أخذ البيعة ليزيد قائلاً: يا أمير المؤمنين قد رأيت ما كان من سفك الدماء والاختلاف بعد عثمان ، وفي يزيد منك خلف فاعقد له ، فإن حدث بك حدث كان كهفاً للناس ، وخلفاً منك ، ولا تسفك دماء ، ولا تكون فتنة(2).
وأصابت هذه الكلمات الوتر الحسّاس في قلب معاوية ، فراح يخادعه مستشيراً في الأمر قائلاً: من لي بهذا ؟
قال : أكفيك أهل الكوفة ، ويكفيك زياد أهل البصرة ، وليس بعد هذين المصرين أحد يخالفك .
واستحسن معاوية رأيه فشكره عليه وأقرّه على منصبه ، وأمره بالمبادرة إلى الكوفة لتحقيق غايته ، ولما خرج من عند معاوية ، قال الحاشيته : لقد وضعت رجل
معاوية في غرز بعيد الغاية على أمة محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)، وفتقت عليه فتقاً لا يرتق ، ثم تمثل بقول الشاعر :
بِمِثْلِي شَاهِدِي النَّجْوَى وَعَالِي *** بِيَ الأعدَاءَ وَالخَصم الغِضابا
ففي سبيل المغنم فتق المغيرة على أمة محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) فتقاً لا يرتق ، وأخلد لها الكوارث والخطوب.
وسار المغيرة إلى الكوفة ، وهو يحمل الشر والدمار لأهلها ولعموم المسلمين ، وفور وصوله عقد اجتماعاً ضمّ عملاء الأمويين ، فعرض عليهم بيعة يزيد فأجابوه إلى ذلك ، وأوفد جماعة منهم إلى دمشق وجعل عليهم ولده أبا موسى .
فلما انتهوا إلى معاوية حفّزوه على عقد البيعة ليزيد ، فشكرهم على ذلك وأوصاهم بالكتمان ، والتفت إلى ابن المغيرة فقال له : بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم ؟
قال : بثلاثين ألف درهم.
فضحك معاوية وقال ساخراً : لقد هان عليهم دينهم .
ثم وصلهم بثلاثين ألف درهم(1).
لقد استجاب لهذه البيعة ورضي بها كل من يحمل ضميراً قلقاً عرضه للبيع والشراء .
ودافع جماعة من المؤلفين والكتاب عن معاوية ، وبرروا بيعته ليزيد التي كانت من أفجع النكبات التي مُني بها العالم الإسلامي ، وفيما يلي بعضهم :
1) الكامل في التاريخ : 3: 249 .
ومن أصلب المدافعين عن معاوية أحمد دحلان ، قال : «فلما نظر معاوية إلى قوة شوكتهم - يعني الأمويين - واستحكام عصبيتهم حتى أنهم لو خرجت الخلافة عنهم بعده يحدثون فتنة ويقع افتراق للأمة ، فأراد اجتماع الكلمة بجعل الأمر فيهم ، ثمّ أنّه نظر فيمن كان منهم أقوى شوكة فرآه ابنه يزيد ؛ لأنّه كان كبيراً ، وباشر إمارة الجيوش في حياة أبيه وصارت له هيبة عند الأمراء ، وله تمكن ونفاذ كلمة ، فلو جعل الأمر لغيره منهم كان ذلك سبباً لمنازعته ، لا سيما وله تمكن واقتدار على الاستيلاء على ما في بيت المال من الأموال ، فيقع الافتراق والاختلاف لو جعل الأمر لغيره ، فرأى أنّ جعل الأمر له بهذا الاجتهاد يكون سبباً للألفة وعدم الافتراق ، وهذا هو السبب في جعله ولي عهده، ولم يعلم ما يبديه الله بعد ذلك(1).
حفنة من التراب على أمثال هؤلاء الذين دفعتهم العصبية الآثمة إلى تبرير المنكر وتوجيه الباطل ، فهل أن أمر الخلافة التي هي ظلّ الله في الأرض يعود إلى الأمويين حتى يرعى معاوية عواطفهم ورغباتهم وهم الذين ناهضوا نبي الإسلام ، وناجزوه الحرب ، وعذبوا كل من دخل في دين الإسلام، فكيف يكون أمر الخلافة بأيديهم ؟! ولو كان هناك منطق ووعي ديني لكانوا في ذيل القافلة ولا يحسب لهم أي حساب .
ومن المبررين لمعاوية في بيعته ليزيد الدكتور عبد المنعم ماجد ، قال : «ويبدو أن معاوية قصد من وراء توريث يزيد الخلافة القضاء على افتراق كلمة الأمة الإسلامية، ووقوع الفتنة مثلما حدث بعد عثمان ، ولعله أيضاً أراد أن يوجد حلاً
1) تاريخ الدول الإسلامية : 28 .
للمسألة التي تركها النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) دون حل وهي إيجاد سلطة دائمة للإسلام ، ومن المحقق أن معاوية لم يكن له مندوحة من أن يفعل ذلك خوفاً من غضب بني أُمية الذين لم يكونوا يرضون بتسليم الأمر إلى سواهم»(1).
وهذا الرأي لا يحمل أي طابع من التوازن ، فإنّ معاوية في بيعته ليزيد لم يجمع كلمة المسلمين وإنّما فرقها وأخلد لهم الشر والخطوب ، فقد عانت الأمة - في عهد يزيد - من ضروب البلاء والمحن ما لا يوصف لفضاعته ومرارته ، فقد جهد حفيد أبي سفيان على تدمير الإسلام ، وسحق جميع مقدساته وقيمه ، فأباد العترة الطاهرة التي هي عديلة القرآن الكريم - حسب النصوص النبوية المتواترة - وأنزل بأهل المدينة في واقعة الحرّة من الجرائم ما يندى له جبين الإنسانية ، فهل جمع بذلك معاوية كلمة المسلمين ووحد صفوفهم ؟!
ومما يدعو إلى السخرية ما ذهب إليه من أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ترك مسألة الخلافة بغير حلّ فجاء معاوية فحلّ هذه العقدة ببيعته ليزيد ! إنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لم يترك أي شأن من شؤون أمته بغير حلّ ، وإنّما وضع لها الحلول الحاسمة ، وكان أهم ما عنى به شأن الخلافة ، فقد عهد بها إلى أفضل أمته وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) وقد بايعه كبار الصحابة وعموم من كان معه في يوم الغدير ، ولكن القوم كرهوا اجتماع النبوة والخلافة في بيت واحد ، فزووا الخلافة عن أهل بيت نبيهم فأدى ذلك إلى أن ولي أمر المسلمين يزيد وأمثاله من المنحرفين الذين أثبتوا في تصرفاتهم أنهم لا علاقة لهم بالإسلام ، ولا عهد لهم بالدين .
ومن - المدافعين - بحرارة - عن معاوية في ولايته ليزيد حسين محمد يوسف،
1) التاريخ السياسي للدولة العربية : 2 : 62 .
وقد أطال الكلام بغير حجة في ذلك ، قال في آخر حديثه : «وخلاصة القول في موقف معاوية أنه كان مجتهداً فى رأيه ، وأنه حين دعا الأمة إلى بيعة يزيد كان حسن الظن به ؛ لأنّه لم يثبت عنده أي نقص فيه ، بل كان يزيد يدس على أبيه من يحسن له حاله ، حتى اعتقد أنّه أولى من أبناء بقيّة الصحابة كلهم ، فإن كان معاوية قد أصاب في اختياره فله أجران ، وإن كان قد أخطأ فله أجر واحد ، وليس لأحد بعد ذلك أن يخوض فيما وراء ذلك ، فإنّما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى»(1).
إنّ من المؤسف حقاً أن ينبري هؤلاء لتبرير فعل معاوية في اقترافه لهذه الجريمة النكراء التي أغرقت العالم الإسلامي بالفتن والخطوب، ومتى اجتهد معاوية في فرض ابنه خليفة على المسلمين ؟ فقد سلك في سبيل ذلك جميع المنعطفات والطرق الملتوية ، فأرغم عليها المسلمين ، وفرضها عليهم تحت غطاء مكثف من قوة الحديد ، إن معاوية لم يجتهد في ذلك ، وإنّما استجاب لعواطفه المترعة بالحنان والولاء لولده من دون أن يرعى أية مصلحة للأمة في ذلك .
هؤلاء بعض المؤيدين لمعاوية في عقده البيعة ليزيد ، وهم مدفوعون بدافع غريب على الإسلام، وبعيد كل البعد عن منطق الحقِّ .
الأولى : كلمة الحسن البصري : وشجب الحسن البصري بيعة يزيد ، وجعلها من جملة موبقات معاوية ، قال : «أربع خصال كن في معاوية ، لو لم يكن فيه منهنّ إلا واحدة لكانت موبقة : انتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها بغير مشورة منهم وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة ، واستخلاف ابنه بعده سكيراً خميراً يلبس الحرير ويضرب بالطنابير ، وادّعاؤه زياداً ، وقد قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): الْوَلَدُ
1) سيّد شباب أهل الجنة الحسين بن عليّ : 208.
للفراش وَلِلْعاهِرِ الْحَجَرُ ، وقتله حُجْراً وأصحابه ويل له من حُجْر وأصحابه»(1).
الثانية: كلمة ابن رشد: ويرى الفيلسوف الكبير ابن رشد أن بيعة معاوية ليزيد قد غيرت مجرى الحياة الإسلامية، وهدمت الحكم الصالح في الإسلام ، قال : «إنّ أحوال العرب في عهد الخلفاء الراشدين كانت على غاية من الصلاح ، فكأنما وصف إفلاطون حكومتهم في (جمهوريته) الحكومة الجمهورية الصحيحة التي يجب أن تكون مثالاً لجميع الحكومات، ولكن معاوية هدم ذلك البناء الجليل القديم ، وأقام مكانه دولة بني أمية وسلطانها الشديد ، ففتح بذلك باباً للفتن التي لا تزال إلى الآن قائمة حتى في بلادنا هذه ، يعني الأندلس»(2).
لقد نقم على معاوية في بيعة يزيد جميع أعلام الفكر وقادة الرأي في الأمة الإسلامية منذ عهد معاوية حتى يوم الناس هذا ، ووصفوها بأنها اعتداء صارخ على الأمة وخروج على إرادتها .
أمّا الدوافع التي دعت معاوية لفرض ابنه السكير خليفة على المسلمين فكان من أبرزها الحبّ العارم لولده ، فقد هام بحبّه ، وقد أدلى بذلك في حديثه مع سعيد بن عثمان حينما طلب منه أن يرشحه للخلافة وبدع ابنه يزيد ، فسخر منه معاوية وقال له : والله ، لو ملئت لي الغوطة رجالاً مثلك لكان يزيد أحب إلي منكم كلكم(3)
البداية والنهاية : 8: 82.
.لقد أعماه حبه لولده وأضله عن الحق ، وقد قال : لولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي(1)
البداية والنهاية : 8 : 126 .
.وكان يؤمن بأنّ استخلافه ليزيد من أعظم ما اقترفه من الذنوب ، وقد صارح ولده بذلك فقال له : ما ألقى الله بشيء أعظم في نفسي من استخلافي إياك(2).
لقد اقترف معاوية وزراً عظيماً فيما جناه على الأمة بتحويل الخلافة إلى ملك عضوض لا يعنى فيه بإرادة الأمة واختيارها .
أما الوسائل الدبلوماسية التي اعتمد عليها معاوية في فرض خليعه على المسلمين ، فهي :
أما الشعراء فكانوا - في ذلك العصر - من أقوى أجهزة الإعلام ، وقد أجزل لهم معاوية العطاء ، وأغدق عليهم الأموال فانطلقت ألسنتهم بالمديح والثناء على يزيد فأضافوا إليه الصفات الرفيعة ، وخلعوا عليه النعوت الحسنة ، وفيما يلي بعضهم :
ومدحه العجاج مدحاً عاطراً ، فقال فيه:
إذا زلزلَ الأَقوَامُ لَم تُزَلزَلِ *** عَن دِينِ مُوسَى وَالرَّسولِ المُرسَلِ
وَكُنت سيف اللهِ لَم يُقلل *** يفرع(1)أحياناً وَحِيناً يَختَلِي(2)
ومعنى هذا الشعر أن يزيد يقتفي أثر الرسول موسى والنبي محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) وأنه سيف الله البتّار، إلا أنّه كان مشهوراً على أولياء الله وأحبائه .
ومدحه الشاعر الأحوص بقصيدة جاء فيها :
مَلِكُ تَدِينُ لَهُ المُلوكُ مُبارك *** كادَت لِهَيْبَتِهِ الجِبالُ تَزُولُ
تُجبَىٰ لَهُ بَلْخُ وَدِجَلَهُ كُلُّها *** وَلَهُ الفُراتُ وما سقى والنيل(3)
أنا لا أدري من أين جاءته تلك الهيبة التي تخضع لها الجباه ، وتزول منها الجبال ، من إدمانه على الخمر ومزاملته للقرود ، ولعبه بالكلاب واقترافه للجرائم والموبقات ؟!!
ومن الشعراء المرتزقة مسكين الدارمي ، وقد أوعز إليه معاوية أن يحثّه على بيعة يزيد أمام من كان عنده من بني أمية وأشراف أهل الشام ، فدخل مسكين على معاوية ، فلما رأى مجلسه حاشداً بالناس رفع عقيرته :
إِنْ أُدعَ مِسْكِيناً فَإِنِّي ابْنُ مَعْشَرٍ *** مِنَ النَّاسِ أَحْمِي عَنهُمْ وَأَذُودُ
أَلَا لَيْتَ شِعْري ما يَقولُ ابنُ عامرٍ *** وَمَروان أم ماذا يَقُولُ سَعِيدُ
بَنِي خُلَفَاءِ اللهِ مهلاً فَإِنَّما *** يُبَوءُها الرحمن حيثُ يُرِيدُ
إذا المنبر الغربي خَلاهُ رَبُّهُ *** فَإِنَّ أمير المؤمنينَ يَزِيدُ
عَلَى الطَّائِرِ المَيمُونِ وَالجَدُّ ساعدٌ *** لِكُلِّ أُناس طائِرٌ وَجُدُودُ
فَلَا زِلْتَ أَعْلَى النَّاسِ كَعْباً وَلَمْ تَزَلْ *** وفود تُسامِيها إليكَ وُفُودُ
وَلَا زالَ بَيتُ المُلْكِ فَوقَكَ عالياً *** تُشَيْدُ أَطنابٌ لَهُ وَعَمُودُ(1)
هؤلاء بعض الشعراء الذين مدحوا يزيد، وافتعلوا له المآثر لتغطية ما ذاع عنه من الدعارة والمجون .
أما أبو حزابة فهو من شعراء تميم ، وقد ألح عليه قومه بالوفود إلى يزيد ، وقالوا له : إنك ستشرف بمصيرك إليه ، فأنكر عليهم ذلك ، وقال :
يُشَرِّفُني سَيفي وَقَلبٌ مُجانِبٌ *** لِكُلِّ لَيْيم باخِلٍ وَمُعَلهَج
وَلَما أكثر عليه قومه في الوفادة على يزيد أتاه ، فلم يسمح له بالدخول ، فرجع إلى قومه ، وقال :
فَوَاللَّهِ لَا آتِي يَزِيدَ وَلَوْ حَوَتْ *** أَنامِلُهُ ما بَينَ شَرِقٍ إِلَى غَربِ
لأَن يَزِيداً غَيْرَ اللهُ ما بِهِ *** جَنُوحٌ إِلَى السَّوْأَى مُصِرٌّ عَلَى الذَّنْبِ
وأخذ يهجوه ويهجو بني حرب ، وكان مما هجاه :
أَيَشْرَبُها صِرْفاً إِذا الليلُ جَنَّهُ *** مُعتقةً كالمِسْكِ تَخْتالُ في العُلْبِ
وَيَلْحَى عَلَيها شارِييْها وَقَلْبُهُ *** يَهِيمُ بِها إِنْ عَابَ يَوماً عَنِ الشُّربِ(2)
وأنفق معاوية الأموال الطائلة بسخاء للوجوه والأشراف ليقروه على فرض ولده السكير خليفة على المسلمين.
ويقول المؤرخون : إنه أعطى عبد الله بن عمر مائة ألف درهم فقبلها منه(1)، وكان ابن عمر من أصلب المدافعين عن بيعة يزيد ، وقد نقم على الإمام الحسين (علیه السّلام) في خروجه عليه ، وسنذكر ذلك بمزيد من التفصيل في البحوث الآتية .
وراسل معاوية جميع عمّاله وولاته في الأقاليم الإسلامية بعزمه على عقد البيعة ليزيد(2)، وأمرهم بتنفيذ مايلي :
أوّلاً: إذاعة ذلك بين الجماهير الشعبية ، وإعلامها بما صمّمت عليه حكومة دمشق من عقد الخلافة ليزيد(3).
ثانياً : الإيعاز للخطباء وسائر أجهزة الإعلام بالثناء على يزيد ، وافتعال المآثر له .
ثالثاً : إرسال الوفود إليه من الشخصيات الإسلامية حتى يتعرف على رأيها في البيعة ليزيد(4). وقام الولاة بتنفيذ ما عهد إليهم ، فأذاعوا ما صمّم عليه معاوية من عقد البيعة ليزيد ، كما أوعزوا للخطباء وغيرهم بالثناء على يزيد .
واتصلت الحكومات المحليّة في الأقطار الإسلامية بقادة الفكر ، فعرضت عليهم
ما عزم عليه معاوية من تولية ولده للخلافة ، وطلبوا منهم السفر فوراً إلى دمشق لعرض آرائهم على معاوية ، وسافرت الوفود إلى دمشق وكان في طليعتهم :
1 - الوفد العراقي بقيادة زعيم العراق الأحنف بن قيس .
2 - الوفد المدني بقيادة محمد بن عمرو بن حزم(1).
وانتهت الوفود إلى دمشق لعرض آرائها على عاهل الشام ، وقد قام معاوية بضيافتهم والإحسان إليهم .
وعقدت وفود الأقطار الإسلامية مؤتمراً في البلاط الأموي في دمشق لعرض آرائها في البيعة ليزيد ، وقد افتتح المؤتمر معاوية بالثناء على الإسلام ، ولزوم طاعة ولاة الأمور ، ثم ذكر يزيد وفضله وعلمه بالسياسة ودعاهم لبيعته.
وانبرت كوكبة من أقطاب الحزب الأموي فأيدوا معاوية وحثوه على الإسراع للبيعة وهم :
1 - الضحاك بن قيس .
2 - عبد الرحمن بن عثمان الثقفي.
3 - ثور بن معن السلمي .
4 - عبد الله بن عضاة الأشعري(2).
5 - عبد الله بن مسعدة .
وكان معاوية قد عهد إليهم بالقيام بتأييده ، والردّ على المعارضين له .
ومن بينهم عمرو بن سعيد ، قال له معاوية : قم يا أبا أُمية ، فقام فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ، فإن يزيد بن معاوية أصل تأملونه وأجل تأمنونه ، إن استضفتم إلى حلمه وسعكم ، وإن احتجتم إلى رأيه أرشدكم ، وإن افتقدتم إلى ذات يده أغناكم جذع قارح سوبق فسبق ، وموجد فمجد ، وقورع فخرج ، فهو خلف أمير المؤمنين ولا خلف منه .
فقال معاوية : أوسعت يا أبا أُميَّة ، فاجلس(1).
وانبرى إلى الخطابة زعيم العراق وسيد تميم الأحنف بن قيس الذي تقول فيه ميسون أم يزيد : لو لم يكن في العراق إلا هذا لكفاهم(2)، وتقدم فحمد الله وأثنى عليه ثم التفت إلى معاوية، قائلاً: أصلح الله أمير المؤمنين ، إنّ الناس في منكر زمان قد سلف ، ومعروف زمان مؤتنف ، ويزيد ابن أمير المؤمنين نعم الخلف ، وقد حلبت الدهر أشطره . يا أمير المؤمنين ، فاعرف من تسند إليه الأمر من بعدك ، ثمّ أعص أمر من يأمرك ، ولا يغررك من يشير عليك ، ولا ينظر لك، وأنت أنظر للجماعة ، وأعلم باستقامة الطاعة ، مع أن أهل الحجاز وأهل العراق لا يرضون بهذا ، ولا يبايعون ليزيد ما كان الحسن حيّاً(3).
وأثار خطاب الأحنف موجة من الغضب والاستياء عند الحزب الأموي ، فاندفع الضحاك بن قيس مندّداً به، وشتم أهل العراق ، وقدح بالإمام الحسن (علیه السّلام)،
ودعا الوفد العراقي إلى الإخلاص لمعاوية ، والامتثال لما دعا إليه ، ولم يعن به الأحنف ، فقام ثانياً فنصح معاوية ودعاه إلى الوفاء بالعهد الذي قطعه على نفسه من تسليم الأمر إلى الحسن (علیه السّلام) من بعده حسب اتفاقية الصلح التي كان من أبرز بنودها إرجاع الخلافة من بعده إلى الإمام الحسن (علیه السّلام) ، كما أنه هدد معاوية بإعلان الحرب إذا لم يف بذلك .
وفشل المؤتمر فشلاً ذريعاً بعد خطاب الزعيم الكبير الأحنف بن قيس ، ووقع نزاع حاد بين أعضاء الوفود وأعضاء الحزب الأموي ، وانبرى يزيد بن المقنّع فهدد المعارضين باستعمال القوة قائلاً : أمير المؤمنين هذا - وأشار إلى معاوية - فإن هَلَك فهذا - وأشار إلى يزيد - فمن أبى فهذا وأشار إلى سيفه.
فاستحسن معاوية قوله ، وراح يقول له : اجلس فأنت سيد الخطباء وأكرمهم . ولم يعنّ به الأحنف بن قيس فانبرى إلى معاوية فدعاه إلى الإمساك عن بيعة يزيد ، وألا يقدم أحداً على الحسن والحسين (علیهما السّلام)، وأعرض عنه معاوية ، وبقي مصرّاً على فكرته التي هي أبعد ما تكون عن الإسلام(1).
وعلى أية حال فإن المؤتمر لم يصل إلى النتيجة التي أرادها معاوية ، فقد استبان له أنّ بعض الوفود الإسلامية لا تقره على هذه البيعة ولا ترضى بها .
وقرّر معاوية السفر إلى يثرب التي هي محط أنظار المسلمين ، وفيها أبناء الصحابة
1) عيون الأخبار: 2 : 210 الإمامة والسياسة : 1 : 171 الفتوح : 4 : 333. العقد الفريد: 4: 370 مروج الذهب : 3 : 28 .
الذين يمثلون الجبهة المعارضة للبيعة ، فقد كانوا لا يرون يزيداً نداً لهم ، وأن أخذ البيعة له خروج على إرادة الأمة ، وانحراف عن الشريعة الإسلامية التي لا تبيح ليزيد أن يتولى شؤون المسلمين ؛ لما عرف به من الاستهتار وتفسّخ الأخلاق.
وسافر معاوية إلى يثرب في زيارة رسمية، وتحمّل أعباء السفر لتحويل الخلافة الإسلامية إلى ملك عضوض لا ظلّ فيه للحق والعدل .
وفور وصول معاوية إلى يثرب أمر باحضار عبد الله بن عباس ، وعبد الله بن جعفر ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن عمر ، وعقد معهم اجتماعاً مغلقاً ، ولم يحضر معهم الحسن والحسين (علیهما السّلام)؛ لأنه قد عاهد الحسن (علیه السّلام) أن تكون الخلافة له من بعده ، فكيف يجتمع به ، وماذا يقول له ؟ ! وقد أمر حاجبه ألا يسمح لأي أحد بالدخول عليه حتى ينتهي حديثه معهم .
وابتدأ معاوية الحديث بحمد الله والثناء عليه ، وصلى على نبيه ، ثم قال : «أمّا بعد ، فقد كبر سني ، ووهن عظمي ، وقرب أجلي ، وأوشكت أن أدعى فأجيب ؟ وقد رأيت أن أستخلف بعدي يزيد ، ورأيته لكم رضاً وأنتم عبادلة قريش وخيارهم ، وأبناء خيارهم ، ولم يمنعني أن أحضر حسناً وحسيناً إلا أنهما أولاد أبيهما علي ، على حسن رأي فيهما وشدّة محبتي لهما ، فردوا على أمير المؤمنين خيراً رحمكم الله»(1).
ولم يستعمل معهم الشدّة والإرهاب ؛ استجلاباً لعواطفهم ، ولم يخف عليهم ذلك ، فانبروا جميعاً إلى الإنكار عليه .
1) الإمامة والسياسة : 1 : 172 .
وأوّل من كلّمه عبد الله بن عباس ، فقال بعد حمد الله والثناء عليه :
«أما بعد ، فإنّك قد تكلّمت فأنصتنا ، وقلت فسمعنا ، وأنّ الله - جل ثناؤه ، وتقدست أسماؤه - اختار محمداً (صلی الله علیه و آله و سلم) لرسالته ، واختاره لوحيه وشرفه على خلقه ، فأشرف الناس من تشرف به ، وأولاهم بالأمر أخصهم به ، وإنما على الأمة التسليم به، لنبيّها إذ اختاره الله لها ، فإنّه إنّما اختار محمّداً بعلمه ، وهو العليم الخبير ، واستغفر الله لي ولكم»(1).
وكانت دعوة ابن عباس صريحة في إرجاع الخلافة لأهل البيت (علیهم السّلام) الذين هم ألصق الناس برسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وأمسهم به رحماً ، فإنّ الخلافة إنما هي امتداد لمركز رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فأهل بيته أحق بمقامه وأولى بمكانته .
و انبرى عبد الله بن جعفر ، فقال بعد حمد الله والثناء عليه :
«أما بعد ، فإنّ هذه الخلافة إن أخذ فيها بالقرآن ، فأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ، وإن أخذ فيها بسنة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فولو رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وإن أخذ فيها بسنة الشيخين أبي بكر وعمر ، فأي الناس أفضل وأكمل وأحق بهذا الأمر من آل الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)؟!
وأيم الله لو ولوه بعد نبيهم لوضعوا الأمر موضعه لحقه وصدقه ، ولأطيع الرحمن ، وعُصي الشيطان، وما اختلف في الأمة سيفان ، فاتق الله يا معاوية فإنك قد صرت راعياً ونحن رعيّة ، فانظر لرعيّتك فإنّك مسؤول عنها غداً ، وأما ما ذكرت من ابني عمي وتركك أن تحضرهما ، فوالله ما أصبت الحقِّ ، ولا يجوز ذلك إلا بهما ،
1) الإمامة والسياسة : 1 : 172 .
وأنك لتعلم أنهما معدن العلم والكرم ، فقل أو دع ، واستغفر الله لي ولكم»(1).
وحفل هذا الخطاب بالدعوة إلى الحق والإخلاص للأمة ، فقد رشح أهل البيت (علیهم السّلام) للخلافة وقيادة الأمة ، وحذره من صرفها عنهم كما فعل غيره من الخلفاء ، فكان من جراء ذلك أن مُنيت الأمة بالأزمات والنكسات ، وعانت أعنف المشاكل وأقسى الحوادث .
وانطلق عبد الله بن الزبير للخطابة ، فحمد الله وأثنى عليه ، وقال:
«أما بعد ، فإنّ هذه الخلافة لقريش خاصة تتناولها بمآثرها السنية ، وأفعالها المرضية ، مع شرف الآباء ، وكرم الأبناء ، فاتق الله يا معاوية ، وأنصف نفسك ، فإنّ هذا عبد عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وهذا عبد الله بن جعفر ذي الجناحين ابن عم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وأنا عبد الله بن الزبير ابن عمة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وعليّ خلف حسناً وحسيناً وأنت تعلم من هما وما هما ، فاتق الله يا معاوية ، وأنت الحاكم بيننا وبين نفسك»(2).
وقد رشّح ابن الزبير هؤلاء النفر للخلافة ، وقد حفزهم بذلك لمعارضة معاوية وإفساد مهمته.
واندفع عبد الله بن عمر ، فقال بعد حمد الله والصلاة على نبيه :
«أما بعد ، فإنّ هذه الخلافة ليست بهرقلية ، ولا قيصرية ، ولا كسروية يتوارثها
الأبناء عن الآباء ، ولو كان كذلك كنت القائم بها بعد أبي ، فوالله ما أدخلني مع الستة من أصحاب الشورى ، إلا على أن الخلافة ليست شرطاً مشروطاً، وإنما هي في قریش خاصة لمن كان لها أهلاً ممّن ارتضاه المسلمون لأنفسهم ممن كان أتقى وأرضى ، فإن كنت تريد الفتيان من قريش فلعمري إنّ يزيد من فتيانها ، واعلم أنه لا يغني عنك من الله شيئاً»(1).
ولم تعبر كلمات العبادلة عن شعورهم الفردي ، وإنّما عبّرت تعبيراً صادقاً عن رأي الأغلبية الساحقة من المسلمين الذين كرهوا خلافة يزيد ، ولم يرضوا بها .
وثقل على معاوية كلامهم ، ولم يجد ثغرة ينفذ منها للحصول على رضاهم، فراح يشيد بابنه ، فقال :
«قد قلت وقلتم ، وأنه قد ذهبت الآباء وبقيت الأبناء ، فابني أحبّ إليَّ من أبنائهم ، مع أن ابني إن قاولتموه وجد مقالاً ، وإنما كان هذا الأمر لبنى عبد مناف ؛ لأنهم أهل رسول الله ، فلما مضى رسول الله ولي الناس أبا بكر وعمر من غير معدن الملك والخلافة غير أنهما سارا بسيرة جميلة ثم رجع الملك إلى بني عبد مناف فلا يزال فيهم إلى يوم القيامة ، وقد أخرجك الله يابن الزبير، وأنت يابن عمر منها ، فأما ابنا عمّي هذان فليسا بخارجين من الرأي إن شاء الله»(2).
وانتهى اجتماع معاوية بالعبادلة ، وقد أخفق فيه إخفاقاً ذريعاً ، فقد استبان له أنّ القوم مصممون على رفض بيعة يزيد ، وعلى أثر ذلك غادر يثرب ، ولم تذكر المصادر التي بأيدينا اجتماعه بسبطي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فقد أهملت ذلك ، وأكبر
الظن أنه لم يجتمع بهما.
وذعر المسلمون حينما وافتهم الأنباء بتصميم معاوية على فرض ابنه خليفة عليهم ، وكان من أشدّ المسلمين خوفاً المدنيون والكوفيون ، فقد عرفوا واقع يزيد ، ووقفوا على اتجاهاته المعادية للإسلام .
يقول توماس آرنولد : «كان تقرير معاوية للمبدأ الوراثي نقلة خطيرة في حياة المسلمين الذين ألفوا البيعة والشورى ، والنظم الأولى في الإسلام وهم بعد قريبون منها ، ولهذا أحسوا - وخاصة في مكة والمدينة حيث كانوا يتمسكون بالأحاديث والسنن النبوية الأُولى - أن الأمويين نقلوا الخلافة إلى حكم زمني متأثر بأسباب دنيوية ، مطبوع بالعظمة وحب الذات بدلاً من أن يحتفظوا بتقوى النبي وبساطته»(1).
لقد كان إقدام معاوية على فرض ابنه يزيد حاكماً على المسلمين تحوّلا خطيراً في حياة المسلمين الذين لم يألفوا مثل هذا النظام الثقيل الذي فرض عليهم بقوة السلاح.
روى الأسود بن يزيد ، قال : «قلت لعائشة : ألا تعجبين من رجل من الطلقاء ينازع أصحاب محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) في الخلافة ؟!
قالت : وما العجب من ذلك ! هو سلطان الله يؤتيه البر والفاجر ، وقد ملك فرعون أهل مصر أربعمائة سنة»(2).
وأعلن الأحرار والمصلحون في العالم الإسلامي رفضهم القاطع لبيعة يزيد ، ولم يرضوا به حاكماً على المسلمين، وفيما يلي بعضهم.
وفي طليعة المعارضين لبيعة يزيد الإمام الحسين (علیه السّلام) ، فقد كان يحتقر يزيد ، ويكره طباعه الذميمة ، ووصفه بأنه صاحب شراب وقنص ، وأنه قد لزم طاعة الشيطان وترك طاعة الرحمن، وأظهر الفساد ، وعطّل الحدود، واستأثر بالفيء ، وأحلّ حرام الله وحرّم حلاله(1)، وإذا كان بهذه الضعة فكيف يبايعه ويقره حاكماً على المسلمين.
ولما دعاه الوليد إلى بيعة يزيد قال له الإمام الحسين (علیه السّلام): «أَيُّهَا الْأَمِيرُ ، إِنَّا أَهْلُ بَيْتِ النُّبُوَّةِ ، وَمَعْدِنُ الرِّسالَةِ ، وَمُخْتَلَفُ الْمَلَائِكَةِ ، وَمَحَلُّ الرَّحْمَةِ ، بنا فَتَحَ اللهُ ، وَبنا يَخْتِمُ ، وَيَزِيدُ رَجُلٌ فاسِقٌ ، شارِبُ الْخَمْرِ ، َقاتِلُ النَّفْسِ الْمُحَرَّمَةِ ، مُعْلِنٌ بِالْفِسْقِ، وَمِثْلِي لَا يُبَايِعُ مِثْلَهُ»(2).
ورفض بيعة يزيد جميع أفراد الأسرة النبوية تبعاً لزعيمهم العظيم ، ولم يشذوا عنه .
وقابل معاوية الأسرة النبوية بحرمان اقتصادي عقوبة لهم ؛ لامتناعهم عن بيعة يزيد ، فقد حبس عنهم العطاء سنة كاملة(3)، ولكن ذلك لم يثنهم عن عزمهم
في شجب البيعة ورفضها .
ومن الذين نقموا على بيعة يزيد عبد الرحمن بن أبي بكر ، فقد وسمها بأنّها هر قلية كلّما مات هرقل قام مكانه هرقل آخر(1)، وأرسل إليه معاوية مائة ألف درهم ليشتري بها ضميره فأبى وقال : لا أبيع ديني(2).
ورفض عبد الله بن الزبير بيعة يزيد ، ووصفه بقوله : «يزيد الخمور، ويزيد الفجور، ويزيد الفهود ، ويزيد القرود ، ويزيد الكلاب ، ويزيد النشوات ، ويزيد الفلوات»(3)، ولمّا أجبرته السلطة المحلية في يثرب على البيعة فرّ منها إلى مكة.
وكره المنذر بن الزبير بيعة يزيد وشجبها ، وأدلى بحديث له عن فجور يزيد أمام أهل المدينة فقال : «إنّه قد أجازني بمائة ألف ، ولا يمنعني ما صنع بي أن أخبركم خبره والله إنّه ليشرب الخمر ، والله إنّه ليسكر حتى يدع الصلاة»(4).
خامسا: عبد الرحمن بن سعيد
وامتنع عبد الرحمن بن سعيد من البيعة ليزيد ، وقال في هجائه :
لَستَ مِنًا وَلَيسَ خالك مِنا *** يا مُضيعَ الصَّلاةِ لِلشُّهَواتِ(1)
ورفض عابس بن سعيد بيعة يزيد حينما دعاه إليها عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال له : أنا أعرف به منك ، وقد بعت دينك بدنياك(2).
وكان عبد الله حنظلة بن من أشدّ الناقمين على البيعة ليزيد ، وكان على البيعة ليزيد ، وكان من الخارجين عليه في وقعة الحرّة ، وقد خاطب أهل المدينة فقال لهم : فوالله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمي بالحجارة من السماء ، إنّ رجلاً ينكح الأمهات والبنات ، ويشرب الخمر ، وبدع الصلاة ، والله لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت الله فیه بلاء حسناً(3)، وكان يرتجز في تلك الواقعة :
بُعْداً لِمَن رامَ الفَسَادَ وَطَغَى *** وَجانبَ الحَقَّ وَآيَاتِ الهُدى
لا يُبعِدُ الرَّحْمَنُ إِلَّا مَنْ عَصَى(4)
ونقم بعض الأمويين على معاوية في عقده البيعة ليزيد ، ولكن لم تكن نقمتهم عليه مشفوعة بدافع ديني أو اجتماعي ، وإنّما كانت من أجل مصالحهم الشخصية الخاصة ؛ لأنّ معاوية قلّد ابنه الخلافة وحرمهم منها ، وفيما يلي بعض الناقمين :
وحينما عقد معاوية البيعة ليزيد أقبل سعيد بن عثمان إلى معاوية وقد رفع عقيرته قائلاً: علام جعلت ولدك يزيد ولي عهدك ؟! فوالله لأبي خير من أبيه ، وأُمّي خير من أُمه ، وأنا خير منه ، وقد وليناك فما عزلناك ، وبنا نلت ما نلت .
فراوغ معاوية ، وقال له : أما قولك : إنّ أباك خير من أبيه فقد صدقت ، لعمر الله إن عثمان لخير مني .
وأما قولك : إنّ أُمّك خير من أُمه ، فحسب المرأة أن تكون في بيت قومها وأن يرضاها بعلها ، وينجب ولدها .
وأما قولك : إنّك خير من يزيد ، فوالله يابني ما يسرني أن لي بيزيد ملء الغوطة مثلك .
وأما قولك : إنّكم وليتموني فما عزلتموني فما وليتموني وإنّما ولاني من هو خير منكم عمر بن الخطاب فأقررتموني ، وما كنت بئس الوالي لكم ، لقد قمت بتأركم ، وقتلت قتلة أبيكم ، وجعلت الأمر فيكم ، وأغنيت فقيركم ، ورفعت الوضيع منكم . فکلمه يزيد فأرضاه ، وجعله والياً على خراسان(1).
وشجب مروان بن الحكم البيعة ليزيد ، وتقديمه عليه ، فقد كان شيخ الأمويين وزعيمهم ، فقال له : أقم يابن أبي سفيان ، واهدأ من تأميرك الصبيان ، واعلم أنّ لك في قومك نظراء وأنّ لهم على منا وأتك وزراء .
فخادعه معاوية ، وقال له : أنت نظير أمير المؤمنين بعده ، وفي كل شدة عضده ،
1) الأغاني : 18 : 200 و 201 . وفيات الأعيان : 6 : 348 .
فقد وليتك قومك ، وأعظمنا في الخراج سهمك ، وإنّا مجيزو وفدك ومحسنو رفدك(1).
وقال مروان لمعاوية : جئتم بها هرقلية تبايعون لأبنائكم(2).
وكره زياد ابن أبيه بيعة معاوية لولده ، وذلك لما عرف به من الاستهتار والخلاعة والمجون .
ويقول المؤرخون : إنّ معاوية كتب إليه يدعوه إلى أخذ البيعة بولاية العهد ليزيد ، وإنّه ليس أولى من المغيرة بن شعبة ، فلما قرأ كتابه دعا برجل من أصحابه كان يأتمنه حيث لا يأتمن أحداً غيره ، فقال له : إنّي أريد أن ائتمنك على ما لم ائتمن عليه بطون الصحائف ، ائتِ معاوية وقل له : يا أمير المؤمنين ، إنّ كتابك ورد علي بكذا ، فماذا يقول الناس ؟ ! إنا دعوناهم إلى بيعة يزيد ، وهو يلعب بالكلاب والقرود ، ويلبس المصبغ ، ويدمن الشراب ، ويمسي على الدفوف، ويحضرهم - أي الناس - الحسين بن علي ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن عمر، ولكن تأمره أن يتخلق بأخلاق هؤلاء حولاً أو حولين ، فعسانا أن نموّه على الناس .
وسار الرسول إلى معاوية فأدى إليه رسالة زياد ، فاستشاط غضباً وراح يتهدده ويقول : ويلي على ابن عبيد ، لقد بلغنى أنّ الحادي حدا له أنّ الأمير بعدي زياد ، والله لأردّنه إلى أمه سميّة وإلى أبيه عبيد(3)
هؤلاء بعض الناقدين لمعاوية من الأسرة الأموية وغيرهم في توليته لخليعه يزيد
خليفة على المسلمين .
واتبع معاوية سياسة التفريق بين الأمويين حتى يصفو الأمر لولده يزيد ، فقد عزل عامله على يثرب سعيد بن العاص، واستعمل مكانه مروان بن الحكم ، ثم عزل مروان واستعمل سعيداً مكانه ، وأمره بهدم داره ، ومصادرة أمواله ، فأبى سعيد من تنفيذ ما أمره به معاوية فعزله ، وولّى مكانه مروان، وأمره بمصادرة أموال سعيد وهدم داره فلما هم مروان بتنفيذ ما عهد إليه أقبل إليه سعيد وأطلعه على كتاب شأنه معاوية في ، فامتنع مروان من القيام بما أمره معاوية ، وكتب سعيد إلى معاوية رسالة يندد فيها بعمله ، وقد جاء فيها : «العجب مما صنع أمير المؤمنين بنا في قرابتنا له أن يضغن بعضنا على بعض ، فأمير المؤمنين في حلمه وصبره على ما يكره من الأخبثين، وعفوه وإدخاله القطيعة بنا ، والشحناء وتوارث الأولاد ذلك»(1).
وعلّق عمر أبو النصر على سياسة التفريق التي تبعها معاوية مع أسرته بقوله : «إنّ سبب هذه السياسة هو رغبة معاوية في إيقاع الخلاف بين أقاربه الذين يخشى نفوذهم على يزيد من بعده ، فكان يضرب بعضهم ببعض حتى يظلوا بحاجة إلى عطفه وعنايته»(2).
كما أنه حاول أن يبث بين بني هاشم روح الفرقة والاختلاف ؛ وذلك بتقديم عبد الله بن جعفر (رضی الله عنه) وجعله سيدهم ، فوجد الرد الحاسم منه ، والاعتراف والإذعان للسيدين الحسن والحسين (علیهما السّلام)(3).
وجمّد معاوية رسمياً البيعة ليزيد إلى أجل آخر حتى يتم له إزالة الحواجز والسدود التي تعترض طريقه .
ويقول المؤرخون : إنّه بعد ما التقى بعبادلة قريش في يثرب واطلع على آرائهم المعادية لما ذهب إليه أوقف كل نشاط سياسي في ذلك ، وأرجأ العمل إلى وقت آخر(1).
ورأى معاوية أنّه لا يمكن بأية حال تحقيق ما يصبو إليه من تقليد ولده الخلافة مع وجود الشخصيات الرفيعة التي تتمتع باحترام بالغ في نفوس المسلمين ، فعزم على القيام باغتيالهم ليصفو له الجو ، فلا يبقى أمامه أي مزاحم ، وقد قام باغتيال الذوات التالية :
ولسعد المكانة العليا في نفوس الكثيرين من المسلمين ، فهو أحد أعضاء الشورى ومن المرشحين وفاتح العراق ، وقد ثقل مركزه على معاوية فدس إليه سمّاً فمات منه(2).
وأخلص أهل الشام لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد وأحبوه كثيراً ، وقد شاورهم معاوية فيمن يعقد له البيعة بعد وفاته ، فقالوا له : رضينا بعبد الرحمن بن خالد ،
فشق ذلك عليه وأسرها في نفسه ، ومرض عبد الرحمن ، فأمر معاوية طبيباً يهودياً كان مكيناً عنده - أن يأتيه للعلاج فيسقيه سقية تقتله ، فسقاه الطبيب فمات على أثر ذلك(1)
قال : قتلت المأمور وبقي الآمر» .
.وكان عبد الرحمن بن أبي بكر من أقوى العناصر المعادية لبيعة معاوية لولده ، وقد أنكر عليه ذلك ، وبعث إليه معاوية بمائة ألف درهم فردّها عليه ، وقال : لا أبيع ديني بدنياي ، ولم يلبث أن مات فجأة بمكة(2)، وتعزو المصادر سبب وفاته إلى أن معاوية دس إليه سمّاً فقتله.
وقام معاوية باقتراف أعظم جريمة وإثم في الإسلام ، فقد عمد إلى اغتيال سبط النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وريحانته الإمام الحسن (علیه السّلام) الذي عاهده بأن يكون الخليفة من بعده ، ولم يتحرّج الطاغية من هذه الجريمة في سبيل إنشاء دولة أُموية تنتقل بالوراثة إلى أبنائه وأعقابه .
وقد وصفه (الميجر أوزبورن) بأنه مخادع وذو قلب خالٍ من كل شفقة ، وأنه كان لا يتهيب من الإقدام على أية جريمة من أجل أن يضمن مركزه ، فالقتل إحدى وسائله لإزالة خصومه ، وهو الذي دبّر تسميم حفيد الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) كما تخلّص من
مالك الأشتر قائد عليّ بنفس الطريقة(1).
وقد استعرض الطاغية السفاكين ليعهد إليهم القيام باغتيال ريحانة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، فلم ير أحداً خليقاً بارتكاب الجريمة سوى جعدة بنت الأشعث(2)، فإنّها من بيت قد جبل على المكر وطبع على الغدر والخيانة ، فأرسل إلى مروان بن الحكم سمّاً فاتكاً كان قد جلبه من ملك الروم ، وأمره بأن يغري جعدة بالأموال وزواج ولده يزيد إذا استجابت له ، وفاوضها مروان سراً ففرحت ، فأخذت منه السم ودسته للإمام الحسن (علیه السّلام) وكان صائماً في وقت ملتهب من شدّة الحر ، ولما وصل إلى جوفه تقطعت أمعاؤه ، والتفت إلى الخبيثة فقال لها : «قَتَلْتيني قَتَلَكِ اللَّهُ ، وَاللَّهِ لَا تُصيبينَ مِنِّي خَلَفاً ، لَقَدْ غَرَّكِ - يعني معاوية - وَسَخِرَ مِنكِ ، يُخْزِيكِ اللهُ وَيُخْزِيهِ»(3).
وأخذ حفيد الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) يعاني الآلام الموجعة من شدة السم ، وقد ذبلت نضارته واصفر لونه حتى وافاه الأجل المحتوم، وقد ذكرنا تفصيل وفاته مع ما رافقها من الأحداث في كتابنا (حياة الإمام الحسن بن علي (علیهما السّلام)) .
وصفا الجو لمعاوية بعد اغتياله لسبط الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) وريحانته ، فقد قضى على مَنْ كان يحذر منه ، وقد استتبت له الأمور ، وخلت الساحة من أقوى المعارضين له ، وكتب إلى جميع عماله أن يبادروا دونما أي تأخير إلى أخذ البيعة ليزيد ، ويرغموا المسلمين على قبولها ، وأسرع الولاة في أخذ البيعة من الناس ، ومن تخلف عنها نال أقصى العقوبات الصارمة .
وامتنعت يثرب من البيعة ليزيد ، وأعلن زعماؤها وعلى رأسهم الإمام الحسين (علیه السّلام) رفضهم القاطع للبيعة ، ورفعت السلطة المحلّية ذلك إلى معاوية ، فرأى أن يسافر إلى يثرب ليتولى بنفسه إقناع المعارضين، فإن أبوا أجبرهم على ذلك ، واتجه معاوية إلى يثرب في موكب رسمي تحوطه قوة هائلة من الجيش ، ولما انتهى إليها استقبله أعضاء المعارضة فجفاهم وهددهم ، وفي اليوم الثاني أرسل إلى الإمام الحسين (علیه السّلام) وإلى عبد الله بن عباس ، فلما مثلا عنده قابلهما بالتكريم والحفاوة ، وأخذ يسأل الحسين (علیه السّلام) عن أبناء أخيه والإمام الحسين (علیه السّلام) يجيبه ، ثم خطب معاوية فأشاد بالنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وأثنى عليه ، وعرض إلى بيعة يزيد ومنح ابنه الألقاب الفخمة والنعوت الكريمة ودعاهما إلى بيعته.
وانبرى أبي الضيم فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال :
«أَمَّا بَعدُ يا مُعاوِيَةُ ، فَلَنْ يُؤَدِّي الْمادِحُ وَإِنْ أَطْنَبَ فِي صِفَةِ الرَّسُولِ (صلی الله علیه و آله و سلم) مِن جَمِيع جُزْءاً ، وَقَدْ فَهِمْتُ مَا لَبَستَ بِهِ الْخَلَفَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ إِيْجازِ الصِّفَةِ ، وَالتَّنَكُبِ عَن اسْتِبَلَاغِ النَّعْتِ ، وَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ يَا مُعَاوِيَةٌ ! فَضَحَ الصُّبْحُ فَحْمَةَ الدُّجَى ، وَبَهَرَتِ الشَّمْسُ أنوارَ السُّرُج ، وَلَقَدْ فَضَّلْتَ حَتَّى أَفْرَضْتَ ، وَاسْتَأْثَرْتَ حَتَّى أَجْحَفْتَ ، وَمَنَعْتَ حَتَّى بَخِلْتَ ، وَجُرْتَ حتى جاوَزْتَ ، مَا بَذَلْتَ لِذِي حَقٌّ مِنْ أَتَمَّ حَقِّهِ مِنْ نَصِيبٍ حَتَّى أَخَذَ الشَّيْطانُ حَقَّهُ الْأَوْفَرَ ، وَنَصِيبَهُ الْأَكْمَلَ .
وَفَهِمْتُ مَا ذَكَرْتَهُ عَنْ يَزِيدَ مِن اكْتِمَالِهِ وَسِياسَتِهِ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله و سلم)،
تُرِيدُ أَنْ تُوهِمَ النَّاسَ في يَزِيدَ ، كَأَنَّكَ تَصِفُ مَحْجُوباً ، أَوْ تَنعَتُ عَائِباً، أَوْ تُخْبِرُ عَمّا كانَ مِمَا احْتَوَيْتَهُ بِعِلْم خاص ، وَقَدْ دَلَّ يَزِيدُ مِنْ نَفْسِهِ عَلَى مَوْقِع رَأْيِهِ ، فَخُذْ لِيَزِيدَ فِيمَا أَخَذَ بِهِ مِنِ اسْتِقرائِهِ الْكِلَابَ المُهارِشَةَ عِنْدَ النَّهارَشِ ، وَالْحَمامَ السُّبَّقَ لِأَتْرَابِهِنَّ ، وَالْقِيانَ ذَواتِ الْمَعَازِفِ ، وَضُروبَ الْمَلَاهِي تَجِدْهُ باصِراً .
وَدَعْ عَنْكَ ما تُحاوِلُ فَما أَعْناكَ أَنْ تَلَقَّى اللَّهَ بِوِزْرِ هَذَا الْخَلْقِ بِأَكْثَرِ مَمَا أَنْتَ لَا فِيهِ ، فَوَاللَّهِ مَا بَرِحْتَ تَقْدَحُ باطِلاً في جَوْرٍ ، وَحَنَقاً في ظُلْم، حَتَّى مَلَاتَ الْأَسْقِيَةَ ، وَمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْمُوتِ إِلَّا غَمُضَةٌ ، فَتَقْدِمَ عَلى عَمَلٍ مَحْفُوظٍ فِي يَوْمٍ مَشْهُودٍ ، وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ.
وَرَأَيْتُكَ عَرَضْتَ بِنا بَعْدَ هَذَا الأَمرِ ، وَمَنَعْتَنا عَنْ آبَائِنا تُراثاً ، وَلَعَمْرُ اللَّهِ أَوْرَثَنَا الرَّسُولُ (صلی الله علیه و آله و سلم) وِلَادَةٌ وَجِئَتْ لَنَا بِها مَا حَجَجْتُمْ بِهِ الْقائِمَ عِنْدَ مَوْتِ الرَّسولِ ، فَأَذْعَنَ لِلْحُجَّةِ بِذلِكَ وَرَدَّهُ الْإِيْمَانُ إِلَى النَّصَفِ ، فَرَكِبْتُمُ الأَعالِيلَ ، وَفَعَلْتُمُ الْأَفاعِيلَ ، وَقُلْتُمْ : كانَ وَيَكُونُ ، حَتَّى أَتاكَ الأَمرُ يا مُعاوِيَةٌ مِن طَرِيقِ كَانَ قَصْدُها لِغَيْرِكَ ، فَهُناكَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ.
وَذَكَرْتَ قِيادَةَ الرَّجُلِ الْقَوْمَ بِعَهْدِ رَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) وَتَأْمِيرَهُ لَهُ ، وَقَدْ كانَ ذَلِكَ وَلِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَوْمَئِذٍ فَضِيلَةٌ بِصُحْبَةِ الرَّسولِ ، وَبَيْعَتِهِ لَهُ ، وَما صَارَ لِعَمْرِو يَوْمَئِذٍ مَبْعَثَهُمْ حَتَّى أَيْفَ الْقَوْمُ إِمْرَتَهُ ، وَكَرِهوا تَقْدِيمَهُ، وَعَدوّا عَلَيْهِ أَفْعَالَهُ ، فَقالَ (صلی الله علیه و آله و سلم): لَا جَرَمَ يا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ لَا يَعْمَلُ عَلَيْكُمْ بَعْدَ الْيَوْمِ غَيْرِي .
فَكَيْفَ تَحْتَجُ بِالْمَنسُوخِ مِنْ فِعْلِ الرَّسولِ فِي أَوْكَدِ الْأَحْكامِ ، وَأَوْلَاها بِالْمُجْتَمِعِ عَلَيْهِ مِنَ الصَّوابِ ؟
أَمْ كَيْفَ صاحَبْتَ بِصاحِبٍ تابِعاً ؟ وَحَوْلُكَ مَنْ لَا يُؤْمَنُ فِي صُحْبَتِهِ ، وَلَا يُعْتَمَدُ فِي دِينِهِ وَقَرابَتِهِ ، وَتَتَخَطَّاهُمْ إِلَى مُسْرِفِ مَفْتُونِ ، تُرِيدُ أَنْ تُلَبَّسَ النَّاسَ شُبْهَةٌ يَسْعَدُ بِهَا الْباقِي في دُنْيَاهُ وَتَشْقَىٰ بِهَا فِي آخِرَتِكَ ، إِنَّ هذا لَهُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ»(1).
وفند الإمام الحسين (علیه السّلام) في خطابه جميع شبهات معاوية وسدّ عليه جميع الطرق والنوافذ ، وحمّله المسؤولية الكبرى فيما أقدم عليه من إرغام المسلمين على البيعة لولده ، كما عرض للخلافة وما منيت به من الانحراف عمّا أرادها الله من أن تكون في العترة الطاهرة إلا أنّ القوم زووها عنهم ، وحرفوها عن معدنها الأصيل .
وذهل معاوية من خطاب الإمام الحسين (علیه السّلام)، وضاقت عليه جميع السبل، فقال لابن عباس : ما هذا يابن عباس ؟
فقال ابن عباس : لعمر الله إنّها لذرية الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)، وأحد أصحاب الكساء ، وفي البيت المطهر فالة عما تريد ، فإنّ لك في الناس مقنعاً حتى يحكم الله بأمره وهو خير الحاكمين(2).
ونهض أبي الضيم وترك معاوية يتميّز من الغيظ ، وقد استبان له أنّه لا يتمكن أن يخدع الإمام الحسين (علیه السّلام) ويأخذ البيعة منه .
وغادر معاوية يثرب متجهاً إلى مكة وهو يطيل التفكير في أمر المعارضين ، فرأى أن يعتمد على وسائل العنف والإرهاب ، وحينما وصل إلى مكة أحضر الإمام الحسين (علیه السّلام)، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن عمر وعرض عليهم مرة أخرى البيعة إلى يزيد ، فأعلنوا رفضهم لها ، فانبرى إليهم مغضباً وقال : إنّي أتقدم إليكم أنّه قد أعذر من أنذر ، إنّي كنت أخطب فيكم فيقوم إلى القائم منكم فيكذبني على رؤوس الناس ، فأحمل ذلك وأصفح ، وإنّي قائم بمقالة فأقسم بالله لئن ردّ عليّ أحدكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه ، فلا يسبقني رجل إلا على نفسه(1).
ودعا صاحب حرسه بحضرتهم فقال له : أقم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين، ومع كل واحد سيف، فإن ذهب رجل منهم يردّ عليّ كلمة بتصديق أو تکذیب فليضرباه بسيفيهما(2).
ثم خرج وخرجوا معه فرقى المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : إنّ هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم ، لا يبتز أمر دونهم ، ولا يقضى إلا عن مشورتهم ، وأنّهم رضوا وبايعوا ليزيد ، فبايعوا على اسم الله . فبايعه الناس ، ثم ركب رواحله ، وغادر مكة(3).
وقد حسب معاوية أنّ الأمر قد تمّ لولده ، واستقر الملك في بيته ، ولم يعلم أنه قد جرّ الدمار على دولته ، وأعدّ المجتمع للثورة على حكومة ولده .
كان موقف الإمام الحسين (علیه السّلام) مع معاوية يتّسم بالشدّة والصرامة ، فقد أخذ يدعو المسلمين بشكل سافر إلى مقاومة معاوية ، ويحذرهم من سياسته الهدّامة الحاملة الشارات الدمار إلى الإسلام.
وأخذت الوفود تترى على الإمام الحسين (علیه السّلام) من جميع الأقطار الإسلامية وهي تعج بالشكوى إليه وتستغيث به ممّا ألمّ بها من الظلم والجور، وتطلب منه القيام بإنقاذها من الاضطهاد ، ونقلت الاستخبارات في يثرب إلى السلطة المحلية تجمع الناس واختلافهم عليه ، وكان الوالي مروان ، ففزع من ذلك وخاف إلى حد بعيد.
ورفع مروان مذكرة لمعاوية سجل فيها تخوفه من تحرك الإمام الحسين (علیه السّلام)، واختلاف الناس عليه ، وهذا نصها : «أمّا بعد فقد كثر اختلاف الناس إلى حسين ، : والله إنّي لأرى لكم منه يوماً عصيباً»(1).
وأمره معاوية بعدم القيام بأية حركة مضادة للإمام الحسين (علیه السّلام)، فقد كتب إليه :
«اترك حسيناً ما تركك ، ولم يظهر لك عداوته ويبدِ صفحته ، واكمن عنه كمون الثرى إن شاء الله ، والسلام»(2).
لقد خاف معاوية من تطور الأحداث ، فعهد إلى مروان بعدم التعرض له بأي أذى
أو مكروه .
واقترح مروان على معاوية إبعاد الإمام الحسين (علیه السّلام) عن يثرب ، وفرض الإقامة الجبرية عليه في الشام ، ليقطعه عن الاتصال بأهل العراق ، ولم يرتض معاوية ذلك فردّ عليه : أردت والله أن تستريح منه وتبتليني به ، فإن صبرت عليه صبرت على ما أكره، وإن أسأتُ إليه قطعت رحمه»(1).
واضطرب معاوية من تحرّك الإمام الحسين (علیه السّلام)، واختلاف الناس عليه فكتب إليه رسالة ، وقد رويت بصورتين:
الأولى : رواها البلاذري، وهذا نصها: «أما بعد ، فقد أُنهيت إلى عنك أمور ، إن كانت حقاً فإنّي لم أظنّها بك رغبة عنها ، وإن كانت باطلة فأنت أسعد الناس بمجانبتها ، ويحظ نفسك تبدأ، وبعهد الله توفي ، فلا تحملني على قطيعتك والإساءة إليك ، فإنّك متى تنكرني أنكرك ، ومتى تكدني أكدك ، فاتق الله يا حسين في شقّ عصا الأمة ، وأن تُردِهِم في فتنة»(2).
الثانية : رواها ابن كثير ، وهذا نصها : «إنّ من أعطى الله صفقة يمينه وعهده لجدير بالوفاء ، وقد أُنبئت أنّ قوماً من أهل الكوفة قد دعوك إلى الشقاق ، وأهل العراق من قد جربت ، قد أفسدوا على أبيك وأخيك، فاتق الله ، واذكر الميثاق ، فإنك متى تكدني أكدك»(3).
واحتوت هذه الرسالة - حسب النص الأخير - على ما يلي :
أوّلاً : أنّ معاوية قد طالبه بتنفيذ ما شرطه عليه في بنود الصلح ألا يخرج عليه ، وقد وفى له بذلك ، إلا أن معاوية لم يف بشيء مما أبرمه على نفسه من شروط الصلح .
ثانياً : أن معاوية كان على علم بوفود أهل الكوفة التي دعت الإمام الحسين (علیه السّلام) للخروج عليه ، وقد وسمهم بأنّهم أهل الشقاق، وأنّهم قد غدروا بعلي والحسن (علیهما السّلام) من قبل .
ثالثاً: التهديد السافر للإمام الحسين (علیه السّلام) بأنه متى كاد معاوية فإنّه يكيده .
ورفع الإمام الحسين (علیه السّلام) إلى معاوية مذكرة خطيرة كانت جواباً لرسالته حمله مسؤوليات جميع ما وقع في البلاد من سفك الدماء ، وفقدان الأمن ، وتعريض الأمة للأزمات ، وهي من أروع الوثائق الرسمية التي حفلت بذكر الأحداث التي صدرت من معاوية ، وهذا نصها :
أَمَا بَعْدُ ، فَقَدْ بَلَغَنِي كِتابُكَ تَذْكُرُ فِيهِ أَنَّهُ انْتَهَتْ إِلَيْكَ عَنِّي أُمُورٌ أَنْتَ عَنْها راغِبٌ وَأَنَا بِغَيْرِها عِندَكَ جَدِيرٌ ، وَإِنَّ الْحَسَناتِ لَا يَهْدِي لَها وَلَا يُسَدِّدُ إِلَيْهَا إِلَّا اللهُ تَعالى .
وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّهُ رَقَىٰ إِلَيْكَ عَنِّي ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا رَقَاهُ إِلَيْكَ الْمَلَاقونَ الْمَشَاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ ، الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْجَمْعِ ، وَكَذِبَ الْغَاوُونَ الْمَارِقونَ ، ما أَرَدْتُ لَكَ حَرْباً ، وَلَا عَلَيْكَ خِلَافاً ، وَإِنِّي لَأَخْشَى اللَّهَ فِي تَرْكِ ذَلِكَ مِنْكَ ، وَمِن الْإِعْدَارِ فِيهِ إِلَيْكَ وَإِلَى أَوْلِيَائِكَ الْقَاسِطِينَ المُحِلِّينَ حِزْبٍ
الظُّلَمَة ، وَأَعْوانِ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ .
أَلَسْتَ الْقَاتِلَ حُجْرَ بْنَ عَدِيٌّ أَخا كِنْدَةَ وَأَصْحَابَهُ الْمُصَلِّينَ الْعَابِدِينَ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ كَانُوا يُنْكِرُونَ الظُّلْمَ ، وَيَسْتَعْظِمونَ الْبِدَعَ ، وَيَأْمُرونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَلَا يَخافُونَ فِي اللهِ لَوْمَةَ لائِم ، ثُمَّ قَتَلْتَهُمْ ظُلْماً وَعُدْواناً ، مِنْ بَعْدِ ما أَعْطَيْتَهُمُ الْأَيْمانَ الْمُغَلَّظْةَ وَالْمَواثِيقَ الْمُؤَكَدَةَ جُرْأَةٌ عَلَى اللهِ وَاسْتِخْفافاً بِعَهْدِهِ.
أَوَلَسْتَ قاتِلَ عَمْرَو بْنَ الْحَمِقِ الخُزَاعِيَّ صَاحِبِ رَسولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) الْعَبْدِ الصّالِح الَّذِي أَبْلَتْهُ الْعِبادَةُ فَنَحِلَ جِسْمُهُ وَاصْفَرَّ لَوْنُهُ ، فَقَتَلْتَهُ بَعْدَ ما آمَنْتَهُ، وَأَعْطَيْتَهُ مِنَ الْعُهُودِ ما لَوْ فَهَمَتْهُ الْعُصْمُ لَنَزَلَتْ مِنْ شَعَفِ الْجِبالِ .
أَوَلَسْتَ الْمُدَّعِي زِيادَ بْنَ سُمَيَّةَ المولودَ عَلى فِراشِ عُبَید ثَقِيفٍ ؟! فَزَعَمتَ أَنَّهُ ابْنُ أَبِيكَ ، وَقَدْ قَالَ رَسولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم): الْوَلَدُ لِلْفِراشِ وَلِلْعاهِرِ الْحَجَرُ ، فَتَرَكْتَ سُنَّةَ رَسولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) تَعَمُّداً وَتَبَعْتَ هَواكَ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ ، ثُمَّ سَلَّطْتَهُ عَلى أَهْلِ الْإِسْلَام يَقْتُلُهُمْ وَيُقَطِّعُ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ ، وَيَسْمِلَ أَعْيُنَهُمْ ، وَيَصْلِبُهُمْ عَلى جُذُوعِ النَّخْلِ ، كَأَنَّكَ لَسْتَ مِنْ هذِهِ الْأُمَّةِ وَلَيْسوا مِنْكَ.
أَوَلَسْتَ قاتِلَ الْحَضرَمِي الَّذِي كَتَبَ فِيهِ إِلَيْكَ زِيادٌ أَنَّهُ عَلى دِينِ عَلِيٌّ (علیه السّلام)، فَكَتَبتَ إِلَيْهِ أَنِ اقْتُلْ كُلَّ مَنْ كَانَ عَلَى دِينِ عَلِيٌّ فَقَتَلَهُمْ ، وَمَتَّلَ بِهِمْ بَأَمْرِكَ ، وَدِينُ عَلِيٍّ هُوَ دِينُ ابْنُ عَمِّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) الَّذِي أَجْلَسَكَ
مَجْلِسَكَ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكانَ شَرَفُكَ وَشَرَفُ آبَائِكَ تَجَشُمُ الرَّحْلَتَيْنِ ، رِحْلَةَ الشَّتاءِ وَالصَّيفِ .
وَقُلْتَ فِيما قُلْتَ: «انْظُرْ لِنَفْسِكَ وَدِينِكَ وَلأُمَّةِ مُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله و سلم)، وَاتَّقِ شَقَّ عَصا هذِهِ الْأُمَّةِ ، وَأَنْ تُرْدِهِمْ فى فِتْنَةِ» ، وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ فِتْنَةٌ أَعْظَمُ عَلَى هذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ وِلَايَتِكَ عَلَيْهَا ، وَلَا أَعْظَمُ لِنَفْسِي وَلِدِينِي وَلِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله و سلم) أَفْضَلَ مِنْ أَنْ أُجَاهِرَكَ ، فَإِنْ فَعَلتُ فَإِنَّهُ قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ ، وَإِلَى اللَّهِ ، وَإِنْ تَرَكْتُهُ فَإِنِّي اسْتَغْفِرُ اللهَ لِدِينِي ، وَأَسْأَلُهُ تَوْفِيقَهُ لِإِرْشَادِ أَمْرِي .
وَقُلْتَ فِيما قُلْتَ: «إِنَّى إِنْ أَنْكُرْكَ تَنْكُرْنِي ، وَإِنْ أَكِدْكَ تَكِدْنِي»، فَكِدْنِي ما بَدا لَكَ ، فَإِنِّي أَرْجُو أَلَّا يَضُرَّنِي كَيْدُكَ فِيَّ ، وَأَلَّا يَكُونَ عَلى أَحَدٍ أَضَرَّ مِنْهُ عَلى نَفْسِكَ ؛ لأَنَّكَ قَدْ رَكِبْتَ جَهَلَكَ ، وَتَحَرَّصْتَ عَلَى نَقْضِ عَهْدِكَ .
وَلَعَمْرِي مَا وَفَيْتَ بِشَرِطٍ ، وَلَقَدْ نَقَضْتَ عَهْدَكَ بِقَتْلِ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ الَّذِينَ قَتَلْتَهُمْ بَعْدَ الصُّلْحِ وَالْأَيْمَانِ وَالْعُهُودِ وَالْمَواثِيقِ ، فَقَتَلْتَهُمْ مِن غَيْرِ أن يَكُونوا قاتَلُوا وَقَتَلُوا ، وَلَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ بِهِمْ إِلَّا لِذِكْرِهِمْ فَضْلَنَا وَتَعْظِيمِهِمْ حَفَّنا وَمَخافَةَ أَمْرِ لَعَلَّكَ لَوْ لَمْ تَقْتُلُهُمْ مِنَّ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلُوا ، أَوْ مَاتُوا قَبْلَ أَنْ يُدركوا .
فأَبْشِرْ - يَا مُعاوِيَةُ بِالْقَصَاصِ ، وَاسْتَيْقِنْ بِالْحِسابِ ، وَاعْلَمْ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى كِتاباً لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا . وَلَيسَ اللَّهُ بِناسِ لِأَخْذِكَ بِالظُّنَّةِ وَقَتْلِكَ أَوْلِيَاءَهُ عَلَى النُّهَمِ ، وَنَفْيِكَ إِيَّاهُمْ مِنْ دُورِهِمْ إِلى دارِ الْغُربَةِ ،
وَأَخْذِكَ النَّاسَ بِبَيْعَةِ ابْنِكَ الْغُلَامِ الْحَدَثِ ، يَشْرَبُ الشَّرابَ ، وَيَلْعَبُ بِالْكِلَابِ ، ما أَراكَ إِلَّا قَدْ خَسِرْتَ نَفْسَكَ ، وَتَبَّرْتَ دِينَكَ(1)، وغَشَشْتَ رَعِيَّتَكَ ، وَأَخْزَيْتَ أَمانَتَكَ ، وَسَمِعْتَ مَقالَةَ السَّفِيهِ الْجَاهِلِ ، وَأَخَفْتَ الْوَرِعَ التَّقِيَّ ، وَالسَّلَامُ(2).
لا أكاد أعرف وثيقة سياسية في ذلك العهد عرضت لعبث السلطة ، وسجّلت الجرائم التي ارتكبها معاوية ، والدماء التي سفكها ، والنفوس التي أرعبها ، غير هذه الوثيقة ، وهي صرخة في وجه الظلم والاستبداد والله كم هي رقيقة شاعرة هذه الكلمة «كَأَنَّكَ لَسْتَ مِنْ هذِهِ الْأُمَّةِ وَلَيْسوا مِنْكِ».
فهذه الكلمة المشبعة بالشعور القومي الشريف ، وقديماً قال الصابي : «إنّ الرجل من قوم ليست له أعصاب تقسو عليهم» ، وهو اتهام من الحسين (علیه السّلام) المعاوية في وطنيته وقوميته ، واتخذ من الدماء الغزيرة المسفوكة عنواناً على ذلك(3).
لقد حفلت هذه المذكرة بالأحداث الخطيرة التي اقترفها معاوية وعماله خصوصاً زیاد بن سميّة الذي نشر الإرهاب والظلم بين الناس فقتل على الظنة والتهمة ، وأعدم كل من كان على دين الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) الذي هو دين ابن عمه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وقد أسرف هذا الطاغية في سفك الدماء بغير حق ، ومن الطبيعي أنه لم يقترف ذلك إلا بإيعاز من معاوية ، فهو الذي عهد إليه بذلك .
ولما انتهت رسالته إلى معاوية ضاق بها ذرعاً ، وراح يراوغ على عادته ويقول : إن أثرنا بأبي عبد الله إلّا أسداً(1).
وعقد الإمام الحسين (علیه السّلام) في مكة مؤتمراً سياسياً عاماً دعا فيه جمهوراً غفيراً ممن شهد موسم الحج من المهاجرين والأنصار والتابعين وغيرهم من سائر المسلمين ، فانبرى (علیه السّلام) خطيباً فيهم ، وتحدّث ببليغ بيانه بما ألم بعترة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وشيعتهم من المحن والخطوب التي صبّها عليهم معاوية ، وما اتخذه من الإجراءات المشدّدة من إخفاء فضائلهم ، وستر ما أثر عن الرسول الأعظم في حقهم وألزم حضار مؤتمره بإذاعة ذلك بين المسلمين.
وفيما يلي نص حديثه فيما رواه سُليم بن قيس قال : «ولمّا كان قبل موت معاوية بسنة حج الحسين بن علي (علیه السّلام)، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن جعفر ، فجمع الحسين (علیه السّلام) بني هاشم ونساءهم ومواليهم ومن حجّ من الأنصار ممن يعرفهم الحسين (علیه السّلام) وأهل بيته ، ثم أرسل رسلاً، وقال لهم : لَا تَدَعوا أَحَداً حَجَّ الْعَامَ مِنْ أَصْحَابِ رَسولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) الْمَعْرُوفِينَ بِالصَّلَاح وَالنُّسُكِ إِلَّا اجْمَعُوهُمْ لِي .
فاجتمع إليه بمنى أكثر من سبعمائة رجل وهم في سرادق ، عامتهم من التابعين ، ونحو من مائتي رجل من أصحاب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، فقام فيهم خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ هَذَا الطَّاغِيَةَ - يعني معاوية - قَدْ فَعَلَ بِنَا وَبِشِيعَتِنا مَا قَدْ رَأَيْتُمْ وَعَلِمْتُمْ وَشَهِدْتُمْ ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسأَلَكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَإِنْ صَدَقْتُ فَصَدِّقُونِي ،
1) تاريخ مدينة دمشق : 14: 206 . تاريخ الإسلام (حوادث 61 - 80) : 6 . سير أعلام النبلاء : 3: 294.
وَإِنْ كَذِبْتُ فَكَذَّبُوني ، إِسْمَعوا مَقَالَتِي ، وَاكتُبُوا قَوْلِي ، ثُمَّ ارْجِعُوا إِلَى أَمْصارِكُمْ وَقَبائِلِكُمْ ، فَمَنْ أَمِنْتُمْ مِنَ النَّاسِ ، وَوَثِقْتُمْ بِهِ فَادْعُوهُمْ إلى ما تَعلَمونَ مِن حَقِّنا ، فَإِنِّي أَتَخَوَّفُ أَنْ يُدْرَسَ هَذَا الْأَمْرُ وَيُغْلَبَ ، وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ .
وما ترك شيئاً ممّا أنزله الله فيهم من القرآن إلا تلاه وفسره ، ولا شيئاً مما قاله رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في أبيه وأخيه وفي نفسه وأهل بيته إلا رواه .
وكل ذلك يقول أصحابه : اللهم نعم ، قد سمعنا وشهدنا ، ويقول التابعي : اللهم قد حدثني به من أصدقه وأنتمنه من الصحابة ، فقال : أَنشُدُكُمُ اللَّهَ إِلَّا حَدَّثْتُمْ بِهِ مَنْ تَلِقُونِ بِهِ وَبِدِينِهِ(1).
وكان هذا المؤتمر أوّل مؤتمر إسلامي عرفه المسلمون في ذلك الوقت ، وقد شجب فيه الإمام الحسين (علیه السّلام) سياسة معاوية ، ودعا المسلمين لإشاعة فضائل أهل البيت (علیهم السّلام)، وإذاعة مآثرهم التي حاولت السلطة حجبها عن المسلمين .
وكان جعدة بن هبيرة بن أبي وهب من أخلص الناس للإمام الحسين (علیه السّلام) وأكثرهم (علیه السّلام) مودة له ، وقد اجتمعت عنده الشيعة ، وأخذوا يلحون عليه في مراسلته للقدوم إلى مصرهم ليعلن الثورة على حكومة معاوية، ورفع جعدة رسالته للإمام الحسين (علیه السّلام) ، وهذا نصها :
«أما بعد ، فإنّ من قبلنا من شيعتك متطلعة أنفسهم إليك ، لا يعدلون بك أحداً ، وقد كانوا عرفوا رأي الحسن (علیه السّلام) أخيك في الحرب ، وعرفوك باللين لأوليائك والغلظة على أعدائك، والشدّة فى أمر الله ، فإن كنت تحب أن تطلب هذا الأمر ، فاقدم علينا فقد وطنا أنفسنا على الموت معك».
1) کتاب سليم بن قيس : 320 . الاحتجاج : 2 : 87 و 88 .
ولم يكن من رأي الإمام الحسين (علیه السّلام) الخروج على معاوية ، وذلك لعلمه بفشل الثورة وعدم نجاحها ، فإنّ معاوية بما يملك من وسائل دبلوماسية وعسكرية لابد أن يقضي عليها ، ويخرجها من إطارها الإسلامي إلى حركة غير شرعية ، ويوصم القائمين بها بالتمرد والخروج على النظام ، وقد أجابهم (علیه السّلام) بعد البسملة والثناء على الله بما يلي :
«أَمَّا أَخِي فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللهُ قَدْ وَفَقَهُ وَسَدَّدَهُ ، وَأَمَّا أَنَا فَلَيْسَ رَأْتِيَ الْيَوْمَ ذَلِكَ ، فالْصَقُوا - رَحِمَكُمُ الله - بِالْأَرْضِ ، وَاكْمِنُوا فِي الْبُيُوتِ ، وَاحْتَرِسُوا مِنَ الظَّنَّة ما دامَ مُعاوِيَةٌ حَيّاً ، فَإِنْ يُحْدِثِ اللَّهُ بِهِ حَدَثاً وَأَنَا حَيٌّ ، كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ بِرَأْبِي ، وَالسَّلَامُ»(1).
لقد أمر (علیه السّلام) لشيعته بالخلود إلى الصبر والإمساك عن المعارضة ، وأن يلزموا بيوتهم خوفاً عليهم من سلطان معاوية الذي كان يأخذ البريء بالسقيم ، والمقبل بالمدبر، ويقتل على الظنّة والتهمة ، وأكبر الظنّ أنّ هذه الرسالة كانت في عهد زياد الذي سمل عيون الشيعة ، وصلبهم على جذوع النخل ، ودمرهم تدميراً ساحقاً.
وشاعت في الأوساط الاجتماعية أنباء وفود أهل الكوفة ، على الإمام الحسين (علیه السّلام) واستنجادهم به ؛ لإنقاذهم من ظلم معاوية وجوره ، ولما علم أبو سعيد الخدري بذلك خف مسرعاً للإمام الحسين (علیه السّلام) ينصحه ويحذره ، وهذا نص حديثه : يا أبا عبد الله ، إنّي لكم ناصح ، وإنّي عليكم مشفق ، وقد بلغني أنه قد كاتبك قوم من شيعتكم بالكوفة ، يدعونكم إلى الخروج إليهم ، فلا تخرج إليهم ، فإنّي سمعت أباك يقول بالكوفة : وَاللهِ ، لَقَد مَلِلْتُهُمْ وَأَبْغَضْتُهُمْ ، وَ مَلُونِي وَأَبْغَضُونِي ، وَما يَكُونُ مِنْهُمْ وَفاءً
1) الأخبار الطوال : 222 أنساب الأشراف : 3: 366 .
قَطُّ ، وَمَنْ فازَ بِهِمْ فَازَ بِالسُّهُم الأَخْيَبِ وَاللَّهِ ما لَهُمْ ثَبَاتٌ وَلَا عَزْمٌ عَلَى أَمْرٍ ، وَلَا صَبْرٌ عَلَى السَّيْفِ(1).
وليس من شك في أنّ أبا سعيد الخدري كان من ألمع أصحاب الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) وأكثرهم إخلاصاً وولاء لأهل البيت ، وقد دفعه حرصه على الإمام الحسين (علیه السّلام) وخوفه عليه من معاوية أن يقوم بالنصيحة له في عدم خروجه على معاوية ، ولم تذكر المصادر التي بأيدينا جواب الإمام الحسين (علیه السّلام) له.
وكان معاوية ينفق أكثر أموال الدولة على تدعيم ملکه ، كما كان يهب الأموال الطائلة لبني أُمية لتقوية مركزهم السياسي والاجتماعي ، وكان الإمام الحسين (علیه السّلام) يشجب هذه السياسة، ويرى ضرورة إنقاذ الأموال من معاوية وإنفاقها على المحتاجين ، وقد اجتازت على يثرب أموال من اليمن إلى خزينة دمشق ، فعمد إلى الاستيلاء عليها ، ووزعها على المحتاجين من بني هاشم وغيرهم ، وكتب إلى معاوية :
مِنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ، إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيانَ ، أَمَا بَعْدُ ، فَإِنَّ عِيراً مَرَّتْ بِنا مِنَ الْيَمَنِ تَحْمِلُ مَالاً وَحُلَلاً وَ عَنْبَراً وَطِيباً إِلَيْكَ لِتُودِعَهَا خَزائِنَ دِمَشْقَ ، وَتَعَلَّ بِها بَعْدَ النَّهُلِ بَنِي أَبِيكَ، وَإِنِّي احْتَجْتُ إِلَيْها فَأَخَذْتُها ، وَالسَّلَامُ .
«من عبد الله معاوية إلى الحسين بن عليّ .
1) تاريخ مدينة دمشق : 14 : 205 تاريخ الإسلام (حوادث 61 - 80): 5 و 6 . سير سير أعلام النبلاء : 3 : 294 . البداية والنهاية : 8 : 163 .
أما بعد ، فإنّ كتابك ورد علي تذكر أنّ عِيراً مرّت بك من اليمن تحمل مالاً ، وحُلَلاً وعنبراً وطيباً إليّ لأودعها خزائن دمشق، وأعل بها بعد النهل بني أبي ، وإنك احتجت إليها فأخذتها ، ولم تكن جديراً بأخذها إذ نسبتها إلي ؛ لأنّ الوالي أحق بالمال ، ثمّ عليه المخرج منه . وأيم الله ، لو تركت ذلك حتى صار إلي لم أبخسك حظك منه ، ولكنني قد ظننت - يابن أخي - أنّ في رأسك نزوة ، وبودي أن يكون ذلك في زماني فأعرف لك قدرك ، وأتجاوز عن ذلك ، ولكنني والله أتخوف أن تبلى بمن لا ينظرك فواق ناقة».
وكتب في أسفل كتابه هذه الأبيات :
يا حُسين بن عليَّ لَيسَ ما *** جِئْتَ بِالسّائغ يَوماً وَالعَلَلْ
أخذك المال وَلَمْ تُؤمَرُ بِهِ *** إنَّ هذا مِنْ حُسَينِ لَعَجَلْ
قَدْ أَجزناها وَلَمْ نَغضَبْ لَها *** وَاحْتَمَلْنا مِنْ حُسَيْنٍ ما فَعَلْ
يا حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٌّ ذَا الأَمَل *** لكَ بَعدِي وَثْبَةٌ لا تُحتمل
ويؤدي أنَّني شاهِدُها *** فَإِلَيْهَا مِنكَ بِالخُلقِ الأَجَلْ
إنني أرهَبُ أَنْ تَصلَى بِمَن *** عِندَهُ قَد سَبَقَ السَّيفُ العَذَل(1)
وفي هذا الكتاب تهديد للإمام الحسين (علیه السّلام) بمن يخلف معاوية وهو ابنه يزيد الذي لا يؤمن بمقام الحسين (علیه السّلام) ومكانته من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).
وعلى أية حال فقد قام الإمام الحسين (علیه السّلام) بإنقاذ هذه الأموال من معاوية وأنفقها على الفقراء في حين أنّه لم يكن يأخذ لنفسه أية صلة من معاوية ، وقد قدّم له مالاً كثيراً ، وثياباً وافرة ، وكسوة فاخرة ، فردّ الجميع عليه(2).
وقد روى الإمام موسى بن جعفر (علیه السّلام) أن الحسن والحسين (علیهما السّلام) كانا لا يقبلان جوائز معاوية(1).
من الأخبار الموضوعة ما روي أن الإمام الحسين (علیه السّلام) وفد مع أخيه الحسن (علیه السّلام) على معاوية ، فأمر لهما بمائتي ألف درهم، وقال لهما : خذاها وأنا ابن هند ، ما أعطاها أحد قبلي ، ولا يعطيها أحد بعدي .
فانبرى إليه الإمام الحسين (علیه السّلام) قائلاً: والله ما أَعْطَى أَحَدٌ قَبْلَكَ وَلَا بَعْدَكَ لِرَجُلَيْنِ أَشْرَفَ مِنا(2).
ولا مجال للقول بصحة هذه الرواية ، فإنّ الإمام الحسين (علیه السّلام) لم يفد على معاوية بالشام ، وإنما وفد عليه الإمام الحسن (علیه السّلام) لا لأجل الصلة والعطاء كما يذهب لذلك بعض السذج من المؤرخين ، وإنما كان الغرض إبراز الواقع الأموي ، والتدليل على مساوئ معاوية ، كما أثبتت ذلك مناظراته مع معاوية وبطانته ، والتي لم يقصد فيها إلا تلك الغاية ، وقد أوضحنا ذلك بصورة مفصلة في كتابنا (حياة الإمام الحسن بن علي (علیهما السّلام)).
كانت العداوة بين الحسين (علیه السّلام) وبين بني أمية ذاتية ، فهي عداوة الضدّ للضدّ ، وقد سأل سعيد الهمداني الإمام الحسين (علیه السّلام) عن بني أمية ، فقال (علیه السّلام) : إِنَّا وَهُمْ الْخَصْمَانِ اللذانِ اخْتَصَما في رَبِّهِمْ(3).
أجل إنّهما خصمان في أهدافهما، وخصمان في اتجاههما ، فالحسين (علیه السّلام) كان يمثل جوهر الإيمان بالله ، ويمثل القيم الكريمة التي يشرف بها الإنسان ، وينو أمية كانوا يمثلون مساوئ الجاهلية التي تهبط بالإنسان إلى مستوى سحيق ، وكان الأمويون بحسب طباعهم الشريرة يحقدون عليه ، ويبالغون في توهينه ، وقد جرت منازعة بين الحسين وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان في مال كان بينهما ، فتحامل الوليد على الحسين (علیه السّلام) في حقه ، فثار في وجهه ، وقال (علیه السّلام): أَحْلِفُ بِاللهِ لَتَنْصِفُنِي مِنْ حَتّى أَوْ لَآخُذَنَّ سَيْفِي ، ثُمَّ لَأَقومَنَّ فِي مَسْجِدِ رَسولِ اللَّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) وَأَدْعُوَنَّ بِحِلْفِ الْفُضُولِ .
لقد أراد أن يحيي حلف الفضول الذي أسسه الهاشميون ، والذي كان شعاره إنصاف المظلومين والأخذ بحقوقهم ، وقد حاربه الأمويون في جاهليتهم ؛ لأنه يتنافى مع طباعهم ومصالحهم .
وانبرى عبد الله بن الزبير، فانضم للحسين (علیه السّلام) وانتصر له ، وقال : وأنا أحلف بالله لئن دعا به لأخذن سيفي ، ثمّ لأقومن معه حتى ينتصف من حقه أو نموت جميعاً.
وبلغ المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري الحديث ، فانضم للحسين (علیه السّلام)، وقال بمثل مقالته ، وشعر الوليد بالوهن والضعف، فتراجع عن غيه ، وأنصف الحسين (علیه السّلام) من حقه(1).
ومن ألوان الحقد الأموي على الحسين (علیه السّلام) أنه كان جالساً في مسجد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فسمع رجلاً يحدث أصحابه ، ويرفع صوته ليُسمع الحسين (علیه السّلام)، وهو يقول : إنا شاركنا آل أبي طالب في النبوة حتى نلنا منها مثل ما نالوا منها من السبب والنسب ، ونلنا من الخلافة ما لم ينالوا ، فبم يفخرون علينا ؟!
وكرر هذا القول ثلاثاً ، فأقبل عليه الإمام الحسين (علیه السّلام)، فقال له : أَمَا فِي أَوَّلِ وَهْلَةٍ
1) السيرة النبوية / ابن هشام : 1 : 134 و 135 . تاريخ مدينة دمشق : 63: 210 .
فإِنِّي كَفَفْتُ عَنْكَ حِلْماً ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِنِّي كَفَفْتُ عَنْكَ عَفْواً ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَإِنِّي أَجِيبُكَ : إِنِّي سَمِعتُ أَبِي يَقُولُ : إِنَّ فِي الْوَحْيِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله و سلم) إِذَا قَامَتِ الْقِيَامَةُ الْكُبْرِى حَشَرَ اللهُ بَنِي أُمَيَّةَ فى صُورَةِ الذَّرِّ يَطَاهُمُ النَّاسُ حَتَّى يُفْرَغَ مِنَ الْحِسابِ ، ثُمَّ يُؤْتَى بِهِمْ فَيُحَاسَبُوا ، وَيُصارُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ(1)، ولم يُطقِ الأُموي جواباً وانصرف وهو يتميّز من الغيظ .
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن موقف الإمام الحسين (علیه السّلام) مع معاوية وبني أُمية ، ونعرض فيما يلي إلى وفاة معاوية وما رافقها من الأحداث.
ومرض معاوية وتدهورت صحته ، ولم تجد معه الوصفات الطبية ، فقد تناهبت جسمه الأمراض ، وقد شعر بدنو أجله ، وكان في حزن على ما اقترفه في قتله لحُجْر ابن عدي فكان ينظر إليه شبحاً مخيفاً ، وكان يقول : ويلي منك يا حُجْر ، إنّ لي مع ابن عدي ليوماً طويلاً(2)، وتحدّث الناس عن مرضه ، فقالوا : إنّه الموت ، فأمر أهله أن يحشو عينيه إثمداً(3)، ويسبغوا على رأسه الطيب ، ويجلسوه ، ثم أذِنَ للناس فدخلوا وسلّموا عليه قياماً ، فلما خرجوا من عنده أنشد قائلاً:
وَتَجَلُّدِي لِلشَّامِنِينَ أُرِيهِمْ *** أَنِّي لِرَيبِ الدَّهرِ لَا أَتَضَعْضَعُ(4)
1) المناقب والمثالب : 201.
2) أنساب الأشراف: 5 : 275 تاريخ الطبري : 500:4 . الفتوح : 4 : 345 . الأغاني : 17 : 344 . و 345. الكامل في التاريخ : 3 : 243 الفتنة الكبرى (ضمن إسلاميات طه حسين): 1012 .
3) الإثمد : حَجَرٌ يتخذ منه الكحل - لسان العرب : 2 : 125 - ثمد .
4) تاريخ الأمم والملوك : 4: 537 . الفتوح : 4 : 345. المنتظم : 5 : 332. الكامل في التاريخ : 3 260 . سير أعلام النبلاء : 3 : 161 .
فسمعه رجل من العلويين ، فأجابه .
وَإِذَا المَنيَّةُ أَنشَبَتْ أَظفارها *** أَلفَيتَ كُلَّ تَمِيمَةٍ لَا تَنفَعُ(1)
ولما ثقل حال معاوية عهد بوصيته إلى يزيد ، وقد جاء فيها: «يا بني ، إنّي قد كفيتك الشد والترحال ، ووطأت لك الأمور ، وذللت لك الأعداء ، وأخضعت لك رقاب العرب ، وجمعت لك ما لم يجمعه أحد ، فانظر أهل الحجاز فإنّهم أصلك ، وأكرم من قدم عليك منهم ، وتعاهد من غاب . وانظر أهل العراق فإن سألوك أن تعزل كلّ يوم عاملاً فافعل ، فإنّ عزل عامل أيسر من أن يشهر عليك مائة ألف سيف . وانظر أهل الشام فليكونوا بطانتك وعيبتك ، فإن رابك من عدوك شيء ، فانتصر بهم ، فإذا أصبتهم فاردد أهل الشام إلى بلادهم ، فإن أقاموا بغير بلادهم تغيّرت أخلاقهم ، وإني لست أخاف عليك أن ينازعك في هذا الأمر إلا أربعة نفر من قريش : الحسين ابن عليّ ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الرحمن بن أبي بكر.
فأما ابن عمر فإنّه رجل قد وقذته العبادة ، فإذا لم يبق أحد غيره بايعك . وأما الحسين بن عليّ فهو رجل خفيف ، ولن يتركه أهل العراق حتى يخرجوه ، فإن خرج وظفرت به فاصفح عنه ، فإنّ له رحماً ماسة وحقاً عظيماً وقرابة من محمد . وأما ابن أبي بكر فإن رأى أصحابه صنعوا شيئاً صنع مثله ، ليس له همة إلا في النساء واللهو . وأما الذي يجثم لك جثوم الأسد ، ويراوغك مراوغة الثعلب فإن أمكنته فرصة وثب فذاك ابن الزبير ، فإن هو فعلها بك فظفرت به فقطعه إربا إرباً واحقن دماء قومك ما استطعت»(2).
وأكبر الظن أن هذه الوصية من الموضوعات ، فقد افتعلت لإثبات حلم معاوية ، وأنّه عهد إلى ولده بالإحسان الشامل إلى المسلمين ، وهو غير مسؤول عن تصرفاته . ومما يؤيد وضعها ما يلي :
أوّلاً: إنّ المؤرخين رووا أن معاوية أوصى يزيد بغير ذلك ، فقال له : إنّ لك من أهل المدينة يوماً ، فإن فعلوها فارمهم بمسلم بن عقبة فإنّه رجل قد عرفنا نصيحته(1).
وكان مسلم بن عقبة جزاراً جلاداً لا يعرف الرحمة والرأفة ، وقد استعمله يزيد بعهد من أبيه في واقعة الحرّة فاقترف كل موبقة وإثم ، فكيف تلتقي هذه الوصية بتلك الوصية التي عهد فيها بالإحسان إلى أهل الحجاز ؟!
ثانياً : إنّه أوصاه برعاية عواطف العراقيين والاستجابة لهم إذا سألوه في كل يوم عزل من ولاه عليهم ، وهذا يتنافى مع ما ذكره المؤرخون أنّه عهد بولاية العراق إلى عبيد الله بن زياد ، وهو يعلم شدّته وصرامته وغدره ، فهو ابن زياد الذي أغرق العراق بدماء الأبرياء ، فهل العهد إليه بولاية العراق من الإحسان إلى العراقيين والبرّ بهم ؟!
ثالثاً : إنه جاء في هذه الوصية أنّه يتخوّف عليه من عبد الله بن عمر وقد وصفه بأنه قد وقذته العبادة، وإذا كان كذلك فهو بطبيعة الحال منصرف عن السلطة والمنازعات السياسية ، فما معنى التخوّف منه ؟!
رابعاً : إنه جاء في هذه الوصية أنّه يتخوّف عليه من عبد الرحمن بن أبي بكر . وقد نص المؤرخون أنّه توفي في حياة معاوية(2)، فما معنى التخوّف عليه من إنسان ميت ؟!
خامساً : إنّه أوصاه برعاية الحسين (علیه السّلام) وأن له رحماً ماسة وحقاً عظيماً وقرابة من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، ومن المؤكد أن معاوية بالذات لم يرع أي جانب من جوانب القرابة من رسول الله ، فقد قطع جميع أواصرها ، فقد فرض سبها على رؤوس الأشهاد ، وعهد إلى لجان التربية والتعليم بتربية النشء ببغض أهل البيت ، ولم يتردد في ارتكاب أية وسيلة للحط من شأنهم.
وقد علق الأستاذ عبد الهادي المختار على هذه الفقرات من الوصية بقوله : وتقول بعض المصادر: إنّ معاوية أوصى ولده يزيد برعاية الحسين (علیه السّلام)، والذي نعتقده أنه لا أثر لها من الصحة ، فإنّ معاوية لم يتردد في اغتيال الإمام الحسن حتّى بعد ما بايعه ، فكيف يوصي ولده بالعفو عن الحسين إن ظفر به ؟!
لم يكن معاوية بالذي يرعى الرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) حرمة أو قرابة حتى يوصي ابنه برعاية آل محمد كلا أبداً ، فقد حارب الرسول في الجاهلية حتى أسلم كرهاً يوم فتح مكة ، ثمّ حارب صهر الرسول وخليفته وابن عمه علياً ، ونزا على خلافة المسلمين ، وانتزعها قهراً ، وسمّ ابن بنت الرسول الحسن (علیه السّلام)، فهل يصدق بعد هذا كله أن يوصي بمثل ما أوصى به ؟!
قد يكون أوصاه أن يغتاله سرّاً ويدسّ له السمّ ، أو يبعث له من يطعنه بليل ، ربّما كان هذا الفرض أقرب إلى الصحة من تلك الوصية ، ولكنّ المؤرخين - سامحهم الله أرادوا أن يبرئوا ساحة الأب ، ويلقوا جميع التبعات على الابن، وهما في الحقيقة غرس إثم واحد ، وثمرة جريمة واحدة».
وأضاف يقول : «ولو أنّ الوصية المزعومة كانت صحيحة لما كان يزيد لا هم له بعد موت أبيه إلا تحصيل البيعة من الحسين (علیه السّلام)، وتشديده على عامله بالمدينة بلزوم إجبار الحسين (علیه السّلام) على البيعة»(1)
1) مجلة الغريّ : العدد 9 و 10 / السنة الثامنة .
واستقبل معاوية الموت غير مطمئن ، فكان يتوجع ويظهر الجزع على ما اقترفه من الإسراف في سفك دماء المسلمين ونهب أموالهم ، وقد وافاه الأجل في دمشق محروماً عن رؤية ولده الذي اغتصب له الخلافة، وحمله على رقاب المسلمين، وكان يزيد - فيما يقول المؤرخون - مشغولاً عن أبيه في أثناء وفاته برحلات الصيد وعربدات السكر، ونغمة العيدان .
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن حكومة معاوية ، وما رافقها من الأحداث الجسام .
وتسلّم يزيد بعد هلاك أبيه قيادة الدولة الإسلامية ، وهو في غضارة العمر ، لم تهذبه الأيام ولم تصقله التجارب ، وإنما كان - فيما أجمع عليه المؤرخون - موفور الرغبة في اللهو والقنص والخمر والنساء وكلاب الصيد، وممعناً كل الإمعان في اقتراف المنكر والفحشاء ، ولم يكن حين هلاك أبيه في دمشق ، وإنما كان في رحلات الصيد في حوارين الثنية(1)، فأرسل إليه الضحاك بن قيس رسالة يعزيه فيها بوفاة معاوية ، ويهنئه بالخلافة ، ويطلب منه الإسراع إلى دمشق ليتولى أزمة الحكم ، وحينما قرأ الرسالة اتجه فوراً نحو عاصمته في ركب من أخواله ، وكان ضخماً كثير الشعر ، وقد شعث في الطريق وليس عليه عمامة ، ولا متقلداً بسيف ، فأقبل الناس يسلمون عليه ، ويعزّونه ، وقد عابوا عليه ما هو فيه ، وراحوا يقولون : هذا الأعرابي الذي ولاه معاوية أمر الناس ، والله سائله عنه(2).
واتجه نحو قبر أبيه ، فجلس عنده وهو باكي العين ، وأنشأ يقول :
جاءَ البَرِيدُ بقرطاس يَخُبُّ بِهِ *** فَأَوجَسَ القَلْبُ مِن قِرطاسِهِ فَزِعا
قُلنا لَكَ الوَيلُ ماذا فِي كِتابِكُمُ *** قالَ الخَليفةُ أَمسَى مُدْيفاً وَجِعَا(3)
ثم سار متجهاً نحو القبة الخضراء في موكب رسمي تحف به علوج أهل الشام وأخواله وسائر بني أُمية.
واتجه يزيد نحو منصّة الخطابة ليعلن للناس سياسته ، ومخططات حكومته ، فلما استوى عليها ارتج عليه ، ولم يُطقِ الكلام ، فقام إليه الضحاك بن قيس ، فصاح به يزيد : ما جاء بك ؟
قال له الضحاك : كلّم الناس وخذ عليهم ، فأمره بالجلوس(1)، وانبرى خطيباً ، فقال : الحمد لله الذي ما شاء صنع ، ومن شاء منع ، ومن شاء خفض ، ومن شاء رفع ، إنّ أمير المؤمنين - يعني معاوية - كان حبلاً من حبال الله مده ما شاء أن يمده، ثمّ قطعه حين أراد أن يقطعه ، وكان دون من قبله ، وخيراً ممن يأتي بعده ، بعده ، ولا أُزكيه عند ربه وقد صار إليه ، فإن يعفُ عنه فبرحمته ، وإن يعاقبه فبذنبه ، وقد وليت بعده الأمر ، ولست أعتذر من جهل ، ولا أني عن طلب علم ، وعلى رسلكم إذا كره الله شيئاً غيره وإذا أحب شيئاً يسره(2).
ولم يعرض يزيد في هذا الخطاب لسياسة دولته ، ولم يُدل بأي شيء مما تحتاج إليه الأمة في مجالاتها الاقتصادية والاجتماعية ، ومن المقطوع به أنّ ذلك مما لم يفكر به ، وإنما عرض لطيشه وجبروته واستهانته بالأمة ، فهو لا يعتذر إليها من أيّ جهل يرتكبه ، ولا من سيئة يقترفها ، وإنما على الأمة الإذعان والرضا لظلمه وبطشه.
وخطب في أهل الشام خطاباً أعلن فيه عن عزمه وتصميمه على الخوض في
حرب مدمرة مع أهل العراق ، وهذا نصه :
يا أهل الشام ، فإنّ الخير لم يزل فيكم ، وسيكون بيني وبين أهل العراق حرب شديد ، وقد رأيت في منامي كأنّ نهراً يجري بيني وبينهم دماً عبيطاً ، وجعلت أجهد في منامي أن أجوز ذلك النهر فلم أقدر على ذلك حتّى جاءني عبيد الله بن زياد فجازه بين يدي ، وأنا أنظر إليه».
وانبرى أهل الشام فأعلنوا تأييدهم ودعمهم الكامل له قائلين : يا أمير المؤمنين ، امض بنا حيث شئت ، وأقدم بنا على من أحببت ، فنحن بين يديك ، وسيوفنا تعرفها أهل العراق في يوم صفين.
فشكرهم يزيد وأثنى على إخلاصهم وولائهم له(1). وقد بات من المقطوع به عند أوساط الشام أنّ يزيد سيعلن الحرب على أهل العراق لكراهتهم لبيعته ، وتجاوبهم مع الإمام الحسين (علیه السّلام).
مات معاوية وكان يزيد غائباً ، فلما قدم دمشق بعد موت أبيه كتب إلى عامله في المدينة : «أما بعد ، فإن معاوية بن أبي سفيان كان عبداً استخلفه الله على العباد ، ومكن له في البلاد . وكان من حادث قضاء الله - جل ثناؤه ، وتقدست أسماؤه - فيه ما سبق في الأولين والآخرين ، لم يدفع عنه ملك مقرب ولا نبي مرسل ، فعاش حميداً ومات سعيداً . ولقد قلدنا الله - عز وجل - ما كان إليه ، فيالها مصيبة ما أجلّها ، ونعمة ما أعظمها ، نقل الخلافة، وفقد الخليفة ، فنستوزعه الشكر ، ونستلهمه الحمد ، ونسأله الخيرة في الدارين معاً ، ومحمود العقبى في الآخرة والأولى إنّه ولي ذلك ، وكل شيء بيده لا شريك له.
1) الفتوح: 5 : 7 و 8.
وإنّ أهل المدينة قومنا ورجالنا ، ومن لم نزل على حسن الرأي فيهم والاستعداد بهم ، واتباع أثر الخليفة فيهم ، والاحتذاء على مثاله لديهم من الإقبال عليهم ، والتقبل من محسنهم ، والتجاوز عن مسيئهم ، فبايع لنا قومنا ، ومن قبلك من رجالنا . بيعة منشرحة بها صدوركم ، طيبة عليها أنفسكم ، وليكن أول من يبايعك من قومنا وأهلنا الحسين، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن جعفر، ويحلفون على ذلك بجميع الأيمان اللّازمة ، ويحلفون بصدقة أموالهم غير عشرها ، وجزية رقيقهم ، وطلاق نسائهم بالثبات على الوفاء بما يعطون من بيعتهم ، ولا قوة إلا بالله ، والسلام(1).
ولم يرق ليزيد أن يرى جبهة معارضة لا تخضع لسلطانه ولا تدين بالولاء لحكومته ، وقد عزم على التنكيل بها بغير هوادة ، فقد استتبت له الأمور ، وخضعت له الرقاب ، وصارت أجهزة الدولة كلها بيده ، فما الذي يمنعه من إرغام أعدائه ومناوئيه ؟
وأهم ما كان يفكر به من المعارضين الإمام الحسين لا ؛ لأنه يتمتع بنفوذ واسع النطاق ، ومكانة مرموقة بين المسلمين ، فهو حفيد صاحب الرسالة ، وسيد شباب أهل الجنة ، أما ابن الزبير فلم تكن له تلك الأهمية البالغة في نفسه.
وأصدر يزيد أوامره المشددة إلى عامله على يثرب الوليد بن عتبة بإرغام المعارضين له على البيعة ، وقد كتب إليه رسالتين :
1) الإمامة والسياسة : 1: 203 و 204.
الأولى : وقد رويت بصورتين :
الصورة الأولى : رواها الخوارزمي ، وهذا نصها : «أما بعد ، فإنّ معاوية كان عبداً من عباد الله أكرمه ، واستخلصه ، ومكّن له ، ثمّ قبضه إلى روحه وريحانه ورحمته ، عاش بقدر ومات بأجل ، وقد كان عهد إلي وأوصاني بالحذر من آل أبي تراب ؛ لجرأتهم على سفك الدماء ، وقد علمت يا وليد أن الله تبارك وتعالى منتقم للمظلوم عثمان بآل أبي سفيان ؛ لأنّهم أنصار الحق وطلاب العدل ، فإذا ورد عليك كتابي هذا فخذ البيعة على جميع أهل المدينة»(1).
وقد احتوت هذه الرسالة على ما يلي :
أولاً : نعي معاوية إلى الوليد .
ثانياً : تخوّف يزيد من الأسرة النبوية ؛ لأنّه قد عهد إليه أبوه بالحذر منها ، وهذا يتنافى مع تلك الوصية المزعومة لمعاوية التي جاء فيها اهتمامه بشأن الحسين (علیه السّلام) و الزام ولده بتكريمه ورعاية مقامه.
ثالثاً: الإسراع في أخذ البيعة من أهل المدينة .
الصورة الثانية : رواها البلاذري ، وهذا نصها : «أما بعد ، فإنّ معاوية بن أبي سفيان كان عبداً من عباد الله أكرمه الله واستخلفه وخوّله ومكن له ، فعاش بقدر ومات بأجل ، فرحمة الله عليه ، فقد عاش محموداً ومات براً تقياً ، والسلام»(2).
وأكبر الظن أنّ هذه الرواية هي الصحيحة ، فإنها قد اقتصرت على نعي معاوية إلى الوليد من دون أن تعرض إلى أخذ البيعة من الحسين (علیه السّلام) وغيره من المعارضين ، أما على الرواية الأولى ، فإنّه يصبح ذكر الرسالة التالية - التي بعثها يزيد إلى الوليد
الإرغام الإمام الحسين (علیه السّلام) على البيعة - لغواً.
الثانية : رسالة صغيرة ، وصفت كأنّها أذن فأرة ، وقد رويت بثلاث صور :
الصورة الأولى : رواها الطبري والبلاذري ، وهذا نصها : «أما بعد ، فخذ حسيناً ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن الزبير ، أخذاً شديداً ليست فيه رخصة حتى يبايعوا ، والسلام»(1).
الصورة الثانية : رواها اليعقوبي ، وهذا نصها : «إذا أتاك كتابي ، فأحضر الحسين ابن عليّ وعبد الله بن الزبير ، فخذهما بالبيعة لي فإن امتنعا فاضرب أعناقهما ، وابعث إلي برؤوسهما ، وخذ الناس بالبيعة فمن امتنع فأنفذ فيه الحكم ، وفي الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير ، والسلام»(2).
وليس في هذه الصورة ذكر لعبد الله بن عمر ، وأكبر الظن أنه أُضيف اسمه إلى الإمام الحسين (علیه السّلام) وابن الزبير ؛ لإلحاقه بالجبهة المعارضة وتبريره من التأييد السافر لبيعة يزيد .
الصورة الثالثة : رواها الحافظ ابن عساكر ، وهذا نصها : «أن ادعُ الناس فبايعهم ، وابدأ بوجوه قريش ، وليكن أوّل من تبدأ به الحسين بن علي ، فإن أمير المؤمنين - يعني معاوية - عهد إلي في أمره الرفق به واستصلاحه»(3).
وليس في هذه الصورة ذكر لابن الزبير وابن عمر ؛ إذ لم تكن لهما أية أهمية في نظر يزيد ، إلّا أنا نشك فيما جاء في آخر هذه الرسالة من أن معاوية قد عهد إلى يزيد الرفق بالإمام الحسين (علیه السّلام) واستصلاحه ، فإنّ معاوية قد وقف موقفاً سلبياً يتسم بالعداء والكراهية لعموم أهل البيت (علیهم السّلام)، واتخذ ضدّهم جميع الإجراءات القاسية
كما أشرنا إلى ذلك في البحوث السابقة ، وأكبر الظن أن هذه الجملة قد أُضيفت إليها لتبرير أخلاق معاوية وأعماله السيئة ، ونفي المسؤولية عنه فيما ارتكبه ولده من الجرائم ضد العترة الطاهرة .
يقي هنا شيء وهو أن هذه الرسالة قد وصفها المؤرخون كأنها أذن فأرة لصغرها ، ولعل السبب في إرسالها بهذا الحجم هو أن يزيد قد حسب أن الوليد سينفذ ما عهد إليه من قتل الإمام الحسين (علیه السّلام) وابن الزبير ، ومن الطبيعي أن لذلك كثيراً من المضاعفات السيئة ومن أهمها ما يلحقه من التذمر والسخط الشامل بين المسلمين ، فأراد أن يجعل التبعة على الوليد ، وأنّه لم يعهد إليه بقتلهما ، وأنه لو أمره بذلك لأصدر مرسوماً خاصاً مطولاً به.
وحمل الرسالتين زريق مولى معاوية فأخذ يجد في السير لا يلوي على شيء حتى انتهى إلى يثرب(1)
وجاء في تاريخ مدينة دمشق : 14 : 206 : «وكتب يزيد مع عبد الله بن عمرو بن إدريس العامري - عامر بن لؤي - هذه الرسالة».
، وكان معه عبد الله بن سعد بن أبي سرح متلثّماً لا يبدو منه إلا عيناه ، فصادفه عبد الله بن الزبير فأخذ بيده وجعل يسأله عن معاوية وهو يجيبه ، فقال له : أمات معاوية ؟ فلم يكلّمه بشيء ، فاعتقد بموت معاوية ، وقفل مسرعاً إلى الحسين (علیه السّلام) وأخبره الخبر(2).فقال له الحسين (علیه السّلام): إنى أظن أن معاوية قد مات، فقد رأيت البارحة في منامي كأن منبر معاوية منكوس ، ورأيت داره تشتعل ناراً ، فأولت ذلك في نفسي بموته(3).
وأقبل زريق إلى دار الوليد ، فقال للحاجب استأذن لي ، فقال : قد دخل ولا سبيل إليه ، فصاح به زريق ، إنّي جئته بأمر ، فدخل الحاجب وأخبره بالأمر فأذن له ، وكان جالساً على سرير فلما قرأ كتاب يزيد بوفاة معاوية جزع جزعاً شديداً، وجعل يقوم على رجليه ، ويرمي بنفسه على فراشه(1).
وفزع الوليد ممّا عهد إليه يزيد من التنكيل بالمعارضين ، فقد كان على يقين من أن أخذ البيعة من هؤلاء النفر ليس بالأمر السهل ، حتى يقابلهم بالعنف ، أو يضرب أعناقهم كما أمره يزيد ، إن هؤلاء النفر لم يستطع معاوية مع ما يتمتع به من القابليات الدبلوماسية أن يخضعهم لبيعة يزيد ، فكيف يصنع الوليد أمراً عجز عنه معاوية ؟!
وحار الوليد في أمره ، فرأى أنّه في حاجة إلى مشورة مروان - عميد الأسرة الأموية - فبعث خلفه ، فأقبل مروان وعليه قميص أبيض وملاءة مورّدة(2)فنعى إليه معاوية فجزع مروان وعرض عليه ما أمره يزيد من إرغام المعارضين على البيعة له وإذا أصروا على الامتناع فيضرب أعناقهم ، وطلب من مروان أن يمنحه النصيحة ، ويخلص له في الرأي.
وأشار مروان على الوليد فقال له : ابعث إليهم في هذه الساعة فتدعوهم إلى البيعة والدخول في طاعة يزيد ، فإن فعلوا قبلت ذلك منهم ، وإن أبوا قدّمهم
واضرب أعناقهم قبل أن يدروا بموت معاوية ، فإنّهم إن علموا ذلك وثب كل رجل منهم فأظهر الخلاف ، ودعا إلى نفسه ، فعند ذلك أخاف أن يأتيك من قبلهم ما لا قبل لك به ، إلّا عبد الله بن عمر فإنّه لا ينازع في هذا الأمر أحداً ، مع أني أعلم أن الحسين ابن علي لا يجيبك إلى بيعة يزيد ، ولا يرى له عليه طاعة ، ووالله لو كنت في موضعك لم أراجع الحسين بكلمة واحدة حتّى أضرب رقبته كائناً في ذلك ما كان(1).
وعظم ذلك على الوليد وهو أحنك بني أمية ، فخشي أن يعاجل الله دولة بني ية بالدمار والبوار ، فقال لمروان : يا ليت الوليد لم يولد ، ولم يك شيئاً مذكوراً .
فسخر منه مروان ، وراح يندد به قائلاً: لا تجزع مما قلت لك ، فإن آل أبي تراب هم الأعداء من قديم الدهر ولم يزالوا ، وهم الذين قتلوا الخليفة عثمان بن عفان ، ثم ساروا إلى أمير المؤمنين - يعني معاوية - فحاربوه .
ونهره الوليد فقال له : مهلاً، ويحك يا مروان عن كلامك هذا ، وأحسن القول في ابن فاطمة فإنّه بقية ولد النبيين(2).
واتفق رأيهم على استدعاء القوم ، وعرض الأمر عليهم للوقوف على مدى تجاوبهم مع السلطة في هذا الأمر.
لقد حرّض مروان الوليد على التنكيل بالمعارضين ، واستهدف بالذات الإمام (علیه السّلام)، فألح عليه بالفتك به إن امتنع من البيعة ، وفيما أحسب أنه إنما دعاه لذلك ما يلي :
أوّلاً : إنّ مروان كان يحقد على الوليد ، وكانت بينهما عداوة متأصلة وهو على يقين أن الوليد يحبّ العافية ، ولا ينفّذ ما عهد إليه في شأن الإمام الحسين (علیه السّلام)، فاستغل الموقف وراح يشدد عليه في اتخاذ الإجراءات الصارمة ضده ؛ ليستبين الطاغية الشام موقفه فيسلب ثقته عنه ويقصيه عن ولاية يثرب، وفعلاً قد تحقق ذلك ، فإنّ يزيد حينما علم بموقف الوليد مع الإمام الحسين (علیه السّلام) غضب عليه وأقصاه عن منصبه .
ثانياً : إن مروان كان ناقماً على معاوية حينما عهد بالخلافة لولده ولم يرشحه لها ؛ لأنه شيخ الأمويين وأكبرهم سناً ، فأراد أن يورّط يزيد في قتل الإمام الحسين (علیه السّلام)؛ ليکون به زوال ملکه .
ثالثاً : كان مروان من الحاقدين على الإمام الحسين (علیه السّلام) ؛ لأنه سبط رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) الذي حصد رؤوس بني أمية ، ونفى أباه الحكم عن يثرب ، وقد لعنه ولعن من تناسل منه ، وقد بلغ الحقد بمروان للأسرة النبوية أنه منع من دفن جنازة الإمام الحسن (علیه السّلام) مع جده رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).
ويقول المؤرخون : إنّه كان يبغض أبا هريرة ؛ لأنّه يروي ما سمعه من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في فضل سبطيه وريحانتيه ، وقد دخل على أبي هريرة عائداً له ، فقال له : يا أبا هريرة ، ما وجدت عليك في شيء منذ اصطحبنا إلا في حبّك الحسن والحسين .
فأجابه أبو هريرة : أشهد لقد خرجنا مع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فسمع الحسن والحسين يبكيان ، فقال : ما شَأْنُ ابْنَيَّ ؟
فقالت فاطمة : الْعَطَشُ ... يا مروان كيف لا أُحبّ هذين، وقد رأيت من رسول الله ما رأيت ؟!(1).
1) تاريخ مدينة دمشق : 13 : 221 تهذیب التهذيب : 2 : 258 .
لقد دفع مروان الوليد إلى الفتك بالحسين (علیه السّلام) لعله يستجيب له فيروي بذلك نفسه المترعة بالحقد والكراهية لعترة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم).
رابعاً : كان مروان على يقين أنه سيلي الخلافة ، فقد أخبره أمير المؤمنين (علیه السّلام) وصي النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وباب مدينة علمه حينما تشفّع الحسنان (علیهما السّلام) به بعد واقعة الجمل ، فقال (علیه السّلام): إِنَّ لَهُ إِمْرَةً كَلَعْقَةِ الْكَلْبِ أَنْفَهُ(1)، وقد اعتقد بذلك مروان ، وقد حرّض الوليد على الفتك بالحسين (علیه السّلام)؛ ليكون ذلك سبباً لزوال ملك بني سفيان ورجوع الخلافة إليه .
هذه بعض الأسباب التي حفزت مروان إلى الإشارة على الوليد بقتل الإمام الحسين (علیه السّلام)، وأنّه لم يكن بذلك مشفوعاً بالولاء والإخلاص إلى يزيد .
وأرسل الوليد في منتصف الليل(2)عبد الله بن عمرو بن عثمان وهو غلام حدث خلف الحسين (علیه السّلام) وابن الزبير ، وإنما بعثه في هذا الوقت لعله يحصل على الوفاق من الحسين (علیه السّلام) ولو سراً على البيعة ليزيد ، وهو يعلم أنه إذا أعطاه ذلك فلن يخيس بعهده ، ولن يتخلف عن قوله .
ومضى الفتى يدعو الحسين (علیه السّلام) و ابن الزبير للحضور عند الوليد فوجدهما في مسجد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فدعاهما إلى ذلك فاستجابا له ، وأمراه بالانصراف ، وذعر ابن الزبير ، فقال للإمام الحسين (صلی الله علیه و آله و سلم) ما تراه بعث إلينا في هذه الساعة التي لم يكن يجلس فيها ؟!
فقال (علیه السّلام): أَظُنُّ أَنَّ طَاغِيَنَهُمْ - يعني معاوية - قَدْ هَلَكَ فَبَعَثَ إِلَيْنَا بِالْبَيْعَةِ قَبْلَ أَنْ يَفْسُوَ بِالنَّاسِ الْخَبَرُ .
قال : وأنا ما أظن غيره ، فما تريد أن تصنع ؟
فقال (علیه السّلام): أَجْمَعُ فِتْيَانِي السَّاعَةَ ، ثُمَّ أَسِيرُ إِلَيْهِ ، وَأُجْلِسُهُمْ عَلَى الْبَابِ .
قال : إنّي أخاف عليك إذا دخلت .
فقال (علیه السّلام): لا آتِيهِ إِلَّا وَأَنَا قَادِرٌ عَلَى الْإِمْتِناعِ(1).
وانصرف أبي الضيم إلى منزله فاغتسل ، وصلى ودعا الله(2)، وأمر أهل بيته، بلبس السلاح والخروج معه ، فخفوا محدقين به ، فأمرهم بالجلوس على باب الدار ، وقال لهم : إني داخِلٌ ، فَإِذَا دَعَوْتُكُمْ أَوْ سَمِعْتُمْ صوتِيَ قَدْ عَلَا فَادْخُلُوا عَلَيَّ بِأَجْمَعِكُمْ .
ودخل الإمام الحسين (علیه السّلام) على الوليد فرأى مروان عنده وكانت بينهما قطيعة ، فأمرهما بالتقارب والإصلاح، وترك الأحقاد ، وكانت سجيته التي طبع عليها الإصلاح حتى مع أعدائه وخصومه ، فقال (علیه السّلام) لهما : الصَّلَةُ خَيْرٌ مِنَ الْقَطِيعَةِ ، وَالصُّلْحُ خَيْرٌ مِنَ الْفَسادِ ، وَقَدْ آنَ لَكُما أَنْ تَجْتَمِعا ، أَصْلَحَ اللهُ ذاتَ بَيْنِكُما(3).
ولم يجيباه بشيء فقد علاهما صمت رهيب ، والتفت الإمام (علیه السّلام) إلى الوليد فقال له : هَلْ أَتَاكَ مِنْ مُعاوِيَةَ خَبَرٌ ؟ فَإِنَّهُ كَانَ عَلِيلاً وَقَدْ طَالَتْ عِلَّتُهُ ، فَكَيْفَ حَالُهُ الآنَ ؟
فقال الوليد بصوت خافت حزين النبرات : آجرك الله في معاوية ، فقد كان لك عمّ صدوق ، وقد ذاق الموت ، وهذا كتاب أمير المؤمنين يزيد .
فاسترجع الحسين (علیه السّلام)، وقال له : لِماذا دَعَوْتَنِي ؟
فقال : دعوتك للبيعة(4).
1) وقعة الطف / أبو مخنف : 80. تاريخ الأمم والملوك : 4 : 549 . المنتظم : 5: 323. الكامل في التاريخ : 3 : 264 .
2) الدر النظيم : 162 . مقتل الحسين (علیه السّلام)/ الخوارزمي : 1 : 183 .
3) مقتل الحسين (علیه السّلام)/ الخوارزمي : 1 : 183 . الكامل في التاريخ : 3 : 264 .
4) الفتوح : 5: 13 . مقتل الحسين (علیه السّلام)/ الخوارزمي : 1 : 183 .
فقال (علیه السّلام): إِنَّ مِثْلِي لَا يُبايِعُ سِراً ، وَلَا يُجْتَزَأَ بِها مِنِّي سِرّاً ، فَإِذَا خَرَجْتَ إِلَى النَّاسِ وَدَعَوْتَهُمْ لِلْبَيعَةِ دَعَوْتَنا مَعَهُمْ كَانَ الْأَمْرُ واحِداً(1).
لقد طلب الإمام الحسين (علیه السّلام) تأجيل الأمر إلى الصباح ، حتى يُعقد اجتماع جماهيري فيدلي برأيه في شجب البيعة ليزيد ، ويستنهض همم المسلمين على الثورة والإطاحة بحكم يزيد وكان الوليد - فيما يقول المؤرخون - يحبّ العافية(2)ويكره الفتنة ، فشكر الإمام الحسين (علیه السّلام) على مقالته ، وسمح له بالانصراف إلى داره ، وانبرى الوغد الخبيث مروان بن الحكم وهو مغيظ محنق فصاح بالوليد : لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبداً حتى تكثر القتلى بينكم وبينه ، احبسه فإن بايع وإلا ضربت عنقه .
ووثب أبي الضيم إلى الوزغ ابن الوزغ ، فقال له : يابْنَ الزَّرقاءِ ، أَأَنتَ تَقْتُلُنِي أَمْ هُوَ ؟ كَذِبْتَ وَاللهِ وَلَوْمْتَ(3)
الكامل في التاريخ : 3 : 264 .
.وأقبل على الوليد فأخبره عن عزمه وتصميمه على رفض البيعة ليزيد ، قائلاً: أَيُّها الأَمِيرُ ، إِنَّا أَهْلُ بَيْتِ النُّبُوَّةِ ، وَمَعْدِنُ الرِّسالَةِ ، وَمُخْتَلَفُ الْمَلَائِكَةِ ، وَمَحَلُّ الرَّحْمَةِ ، بِنا فَتَحَ اللهُ ، وَبِنا خَتَمَ ، وَيَزِيدُ رَجُلٌ فاسِقٌ ، شارِبُ الْخَمْرِ ، قاتِلُ النَّفْسِ الْمُحَرَّمَةِ ، مُعْلِنٌ بِالْقِسقِ ، وَمِثْلِي لَا يُبَايِعُ مِثْلَهُ ، وَلكِنْ نُصْبِحُ وَتُصْبِحُونَ ، وَنَنْظُرُ وَتَنْظُرُونَ أَيُّنَا أَحَقُّ بِالْخِلافَةِ وَالْبَيْعَةِ(4).
وكان هذا أوّل إعلان له على الصعيد الرسمي - بعد هلاك معاوية - في رفض
البيعة ليزيد ، وقد أعلن ذلك في بيت الإمارة ورواق السلطة بدون مبالاة ولا خوف ولا ذعر .
لقد جاء تصريحه بالرفض لبيعة يزيد معبراً عن تصميمه ، وتوطين نفسه حتى النهاية على التضحية عن سمو مبدئه ، وشرف عقيدته ، فهو بحكم مواريثه الروحية ، ويحكم بيته الذي كان ملتقى لجميع الكمالات الإنسانية كيف يبايع يزيد الذي هو من عناصر الفسق والفجور ؟ ! ولو أقره إماماً على المسلمين لساق الحياة الإسلامية إلى الانهيار والدمار، وعصف بالعقيدة الدينية في متاهات سحيقة من مجاهل هذه الحياة .
وكانت كلمة الحق الصارخة التي أعلنها أبو الأحرار قد أحدثت استياء في نفس الوزغ مروان فاندفع يعنف الوليد ويلومه على إطلاق سراحه ، قائلاً: عصيتني ! لا والله لا يمكنك مثلها من نفسه أبداً(1).
وتأثر الوليد من منطق الإمام الحسين (علیه السّلام) وتيقظ ضميره ، فاندفع يرد أباطيل مروان ، قائلاً : ويحك ! إنّك أشرت علَيَّ بذهاب ديني ودنياي ، والله ما أحب أن أملك الدنيا بأسرها وأنّي قتلت حسيناً ، سبحان الله !! أأقتل حسيناً إن قال : لا أبايع ؟ والله ما أظنّ أحداً يلقى الله بدم الحسين (علیه السّلام) إلا وهو خفيف الميزان ، لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكيه وله عذاب أليم .
فسخر منه مروان ، وطفق يقول : إذا كان هذا رأيك فقد أصبت!!(2).
وأين هذا الموقف من موقف الإمام الحسين (علیه السّلام) يوم جاء هو وأخوه ومعهما مروان يستشفعان له عند أمير المؤمنين (علیه السّلام) يوم الجمل فشفعهما ، ونجا من القتل .
وعزم الحسين (علیه السّلام) على مغادرة يثرب والتوجه إلى مكة ليلوذ بالبيت الحرام
ويكون بمأمن من شرور الأمويين واعتدائهم .
والتقى أبي الضيم في أثناء الطريق بمروان بن الحكم في صبيحة تلك الليلة التي أعلن فيها رفضه لبيعة يزيد ، فبادره مروان قائلاً: إني ناصح ، فأطعني ترشد وتسدّد(1).
قال (علیه السّلام): وَما ذاكَ يا مَرْوانُ ؟
فقال : إنّى آمرك ببيعة أمير المؤمنين يزيد ، فإنّه خير لك في دينك ودنياك .
والتاع أشدّ ما تكون اللوعة واسترجع ، وأخذ يردّ على مقالة مروان ببليغ منطقه قائلاً: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ، وَعَلَى الْإِسْلَامِ السَّلَامُ ، إِذْ قَدْ بُلِيَتِ الأُمَّةُ بِراعٍ مِثْلَ يَزِيدَ .
ثم أقبل الإمام الحسين (علیه السّلام) على مروان ، وقال : وَيْحَكَ يا مَروانُ ، أَتَأْمُرُنِي بِبَيْعَةِ يَزِيدَ ، وَهُوَ رَجُلٌ فاسِقٌ ؟ ! لَقَدْ قُلْتَ شَطَطًا مِنَ الْقَوْلِ وَزَلَلاً ، وَلَا أَلومُكَ عَلَى قَوْلِكَ؛ لِأَنَّكَ اللَّعِينُ الَّذِي لَعَنَكَ رَسولُ اللَّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) وَأَنتَ فِي صُلْبِ أَبِيكَ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ .
وأضاف يقول : إِلَيْكَ عَنِّي يا عَدُوَّ اللَّهِ ، فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) وَالْحَقُّ فِينا ، وَبِالْحَقِّ تَنْطِقُ أَلْسِنَتُنا ، وَقَدْ سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) يَقُولُ : الْخِلَافَةُ مُحَرَّمَةٌ عَلَى آلِ أَبِي سُفْيانَ ، وَعَلَى الطَّلَقاءِ وَأَبْناءِ الطَّلَقاءِ ، فَإِذا رَأَيْتُمْ مُعاوِيَةَ عَلَى مِنْبَرِي فَابْقُرُوا بَطْنَهُ ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ رَآهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَلَى مِنْبَرِ جَدِّي فَلَمْ يَفْعَلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ .
وتميّز الخبيث الدنس مروان غيظاً وغضباً ، واندفع يصيح : والله لا تفارقني أو تبايع ليزيد صاغراً ، فإنّكم آل أبي تراب ، قد أُشربتم بغض آل أبي سفيان ، وحق عليكم أن تبغضوهم ، وحق عليهم أن يبغضوكم .
1) الفتوح : 5 : 16 و 17 . مقتل الحسين (علیه السّلام)/ الخوارزمي : 1 : 184 .
فصاح به الإمام الحسين (علیه السّلام): وَيْلَكَ يا مَروان ، إِلَيْكَ عَنِّي فَإِنَّكَ رِجْسٌ ، وَإِنَّا مِنْ أَهْلِ بَيْتِ الطَّهَارَةِ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللهُ فِيهِمْ عَلَى نَبِيِّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم): إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطْهِيرًا(1).
ولم يُطقِ مروان الكلام ، وقد تحرق ألماً وحزناً ، فقال له الإمام الحسين (علیه السّلام): أَبْشِرُ يابْنَ الزَّرْقاءِ بِكُلِّ ما تَكْرَهُ مِنَ الرَّسُولِ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يَوْمَ تَقدِمُ عَلَى رَبِّكَ فَيَسْأَلُكَ جَدى جَدِّي عَنْ حَقًّي وَحَقٍّ يَزِيدَ .
وانصرف مروان مسرعاً إلى الوليد فأخبره بمقالة الحسين (علیه السّلام) له(2).
وأحاط الوليد يزيد علماً بالأوضاع الراهنة في يثرب ، وعرفه بامتناع الحسين (علیه السّلام) من البيعة ، وأنّه لا يرى له طاعة عليه ، ولما فهم يزيد ذلك تميّز غيظاً وغضباً .
وأصدر يزيد أوامره المشددة إلى الوليد بأخذ البيعة من أهل المدينة ثانياً ، وقتل الحسين (علیه السّلام) وإرسال رأسه إليه ، وهذا نص كتابه : «من عبد الله يزيد أميرالمؤمنين إلى الوليد بن عتبة .
أما بعد ، فإذا ورد عليك كتابنا هذا ، فخذ البيعة ثانياً على أهل المدينة بتوكيد منك عليهم ، وذر عبد الله بن الزبير فإنّه لن يفوت أبداً ما دام حياً ، وليكن مع جوابك إلي رأس الحسين بن عليّ ، فإن فعلت ذلك ، فقد جعلت لك أعنة الخيل ولك عندي الجائزة العظمى ، والحظ الأوفر ، والسلام»(3).
ورفض الوليد رسمياً ما عهد إليه يزيد من قتل الحسين ، وقال : لا والله ، لا يراني الله قاتل الحسين بن عليّ ، لا أقتل ابن بنت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ولو أعطاني يزيد الدنيا بحذافيرها(1)، وقد جاءته هذه الرسالة بعد مغادرته (علیه السّلام) يثرب إلى مكة .
وخفّ الحسين (علیه السّلام) في الليلة الثانية إلى قبر جده (صلی الله علیه و آله و سلم) وهو حزين كئيب ليشكو إليه ظلم الظالمين له ، ووقف أمام القبر الشريف - بعد أن صلى ركعتين - وقد ثارت مشاعره وعواطفه ، فاندفع يشكو إلى الله ما ألم به من المحن والخطوب ، قائلاً: اللهم إِنَّ هذا قَبْرُ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ، وَأَنَا ابْنُ بِنْتِ مُحَمَّدٍ ، وَقَدْ حَضَرَنِي مِنَ الْأَمْرِ مَا قَدْ عَلِمْتَ ، اللهُمَّ إِنِّي أُحِبُّ الْمَعْرُوفَ وَأَنكِرُ الْمُنْكَرَ ، وَأَنا أَسْأَلُكَ يا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ بِحَقِّ هَذَا الْقَبرِ وَمَنْ فِيهِ إِلَّا مَا اخْتَرْتَ لِي ما هُوَ لَكَ رِضاً وَلِرَسولِكَ رِضاً(2).
وأخذ الحسين (علیه السّلام) يطيل النظر إلى قبر جده ، وقد وثقت نفسه أنّه لا يتمتع برؤيته ، وانفجر بالبكاء ، وقبل أن يندلع نور الفجر غلبه النوم فرأى جده الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) قد أقبل في كتيبة من الملائكة فضم الحسين (علیه السّلام) إلى صدره وقبل ما بين عينيه ، وهو يقول له : يا بُنَيَّ ، كَأَنَّكَ عَنْ قَرِيبٍ أَراكَ مَقْتُولاً مذبوحاً بِأَرْضِ كَرْبٍ وَبَلَاءِ بَيْنَ عِصابَةٍ مِنْ أُمَّتِي ، وَأَنْتَ مَعَ ذَلِكَ عَطْشَانُ لَا تُسْقى ، وَظَمْآنُ لَا تُرْوى ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَرْجُونَ شَفاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَمَا لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ خَلَاقٍ .
حَبِيبي يا حُسَيْنُ ، إِنَّ أَبَاكَ وَأُمَّكَ وَأَخَاكَ قَدْ قَدِموا عَلَيَّ ، وَهُمْ إِلَيْكَ مُشْتاقُونَ ، وَإِنَّ لَكَ فِي الْجَنَّةِ دَرَجَاتٍ لَنْ تَنالَهَا إِلَّا بِالشَّهَادَةِ .
وجعل الإمام الحسين (علیه السّلام) يطيل النظر إلى جده (صلی الله علیه و آله و سلم) ويذكر عطفه وحنانه عليه فازداد حزنه ، وتمثلت أمامه المحن الكبرى التي يعانيها من الحكم الأموي ، فهو إمّا أن يبايع فاجر بني أمية أو يُقتل ، وأخذ يتوسل إلى جده ويتضرع إليه قائلاً: يا جَدَاهُ ، لا حاجَةَ لي في الرُّجُوعِ إِلَى الدُّنْيا ، فَخُذْني إِلَيْكَ ، وَأَدْخِلْنِي مَعَكَ إِلَى مَنْزِلِكَ .
والتاع النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فقال له : لَا بُدَّ لَكَ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى الدُّنْيا ، حَتَّى تُرْزَقَ الشَّهَادَةَ ، وَما كَتَبَ اللهُ لَكَ فِيها مِنَ النَّوابِ الْعَظيم ، فَإِنَّكَ وَأَبَاكَ وَأَخَاكَ وَعَمَّكَ وَعَمَّ أَبِيكَ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِي زُمْرَةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ(1).
واستيقظ الحسين (علیه السّلام وقد ألمت به تيارات من الأسى والأحزان ، وصار على يقين لا يخامره أدنى شك أنّه لابد أن يرزق الشهادة ، وجمع أهل بيته فقص عليهم رؤياه الحزينة ، فطافت بهم الآلام ، وأيقنوا بنزول الرزء القاصم . ووصف المؤرخون شدّة حزنهم بأنّه لم يكن في ذلك اليوم لا في شرق الأرض ولا في غربها أشدّ غماً من أهل بيت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و لا أكثر باكية وبالك منهم(2).
وتوجه الحسين (علیه السّلام) في غلس الليل البهيم إلى قبر أُمه وديعة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ويضعته ، ووقف أمام قبرها الشريف مليّاً، وهو يلقي عليه نظرات الوداع الأخير ، وقد تمثلت أمامه عواطفها الفياضة ، وشدّة حنوّها عليه، وقد ودّ أن تنشق الأرض لتواريه معها ، وانفجر بالبكاء ، وودع القبر وداعاً حارّاً ثم انصرف إلى قبر أخيه الزكي
أبي محمد ، فأخذ يروّي ثرى القبر من دموع عينيه ، وقد ألمت به الآلام لالا والأحزان ، ثم رجع إلى منزله وهو غارق بالأسى والشجون(1).
ولما عزم الإمام على مغادرة يثرب واللجوء إلى مكة اجتمعن السيدات من نساء بني عبد المطلب ، وقد جاشت عواطفهن بالأسى والحزن ، فقد تواترت عليهن الأنباء عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) عن مقتل ولده الحسين ، وجعلن ينحن، وتعالت أصواتهن بالبكاء ، وكان منظراً مفزعاً .
وانبرى إليهنّ الإمام الحسين (علیه السّلام) وهو رابط الجأش ، فقال لهن: أَنْشُدُكُنَّ اللهَ أَنْ تُبْدِينَ هذَا الأَمْرَ مَعْصِيَةٌ للهِ وَلِرَسولِهِ .
فذابت نفوسهن ، وصحن : لمن نستبقي النياحة والبكاء ، فهو عندنا كيوم مات فيه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وعلي وفاطمة والحسن ... جعلنا الله فداك يا حبيب الأبرار .
وأقبلت عليه بعض عمّاته ، وهي شاحبة اللون ، فقالت بنبرات منقطعة بالبكاء : لقد سمعت هاتفاً يقول :
وَإِنَّ قَتِيلَ الطَّفُ مِنْ آلِ هَاشِمٍ *** أذَلَّ رِقاباً مِن قُرَيشِ فَذَلَّتِ
وجعل الإمام الحسين (علیه السّلام) يهدئها ، ويأمرها بالخلود إلى الصبر ، كما أمر سائر السيدات من بني عبد المطلب بذلك(2).
وفزع محمّد بن الحنفية إلى الإمام الحسين (علیه السّلام)، فجاء يتعثر في خطاه ، وهو
لا يبصر طريقه من شدة الحزن والأسى ، ولما استقر به المجلس أقبل على الإمام الحسين (علیه السّلام) وقال له بنبرات مشفوعة بالإخلاص والحنو عليه : يا أخي فدتك نفسي ، أنت أحبّ الناس إليّ ، وأعزّهم عليّ ، ولست والله أدخر النصيحة لأحد من الخلق ، وليس أحد أحق بها منك ، فإنّك كنفسي وروحي ، وكبير أهل بيتي ، ومن عليه اعتمادي ، وطاعته في عنقي ؛ لأنّ الله تبارك وتعالى قد شرّفك وجعلك من سادات أهل الجنة ، وإنّي أُريد أن أشير عليك برأيي فاقبله مني.
لقد عبّر محمّد بهذا الحديث الرقيق عن عواطفه الفياضة المترعة بالولاء والإكبار لأخيه ؛ لأنه ممّن افترض الله طاعته عليه ، وأقبل عليه فقال له محمد : أشير عليك أن تتنحى ببيعتك عن يزيد بن معاوية وعن الأمصار ما استطعت ، ثم ابعث برسلك إلى
الناس ، فإن بايعوك حمدت الله على ذلك ، وإن اجتمعوا على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك ، ولم تذهب مروءتك ولا فضلك ، وإنّى أخاف عليك أن تدخل مصراً من هذه الأمصار فيختلف الناس بينهم ، فطائفة معك وأخرى عليك فيقتتلون ، فتكون لأوّل الأسنة غرضاً ، فإذا خير هذه الأمة كلها نفساً وأباً وأُماً أضيعها دماً وأذلها أهلاً(1).
وبادر الإمام الحسين (علیه السّلام) فقال له : أَيْنَ أَذْهَبُ ؟
فقال : تنزل مكة ، فإن اطمأنّت بك الدار ، وإلا لحقت بالرمال ، وشعب الجبال ، وخرجت من بلد إلى آخر حتى تنظر ما يصير إليه أمر الناس ، فإنّك أصوب ما تكون رأياً وأحزمه عملاً، حتى تستقبل الأمور استقبالاً ، ولا تكون الأمور أبداً أشكل عليك منها حين تستدبرها استدباراً(2).
وانطلق الإمام وهو غير حافل بالأحداث، فأخبره عن عزمه الجبار وتصميمه الكامل على رفض البيعة ليزيد قائلاً: يا أخي ، لَوْ لَمْ يَكُنْ في الدُّنْيا مَلْجَأَ وَلَا مَأوى لما بايَعْتُ يَزِيدَ بْنَ مُعاوِيَةَ(1).
وانفجر ابن الحنفية بالبكاء ، فقد أيقن بالرزء القاصم ، واستشف ماذا سيجري على أخيه من الرزايا والخطوب ، وشكر الإمام نصيحته وقال له : يا أَخِي ، جَزاك الله خَيْراً لَقَدْ نَصَحْتَ وَأَشَرْتَ بِالصَّوابِ ، وَأَنا عَازِمٌ عَلَى الْخُرُوج إِلَى مَكَّةَ ، وَقَدْ تَهَيَّأْتُ لِذلِكَ أَنا وَإِخْوَتِي وَبَنُو أَخِي وَشِيعَتِي ، أَمْرُهُم أَمْرِي ، وَرَأَيْهُمْ رَأْبِي ، وَأَمَا أَنْتَ فَلَا عَلَيْكَ أَنْ تُقِيمَ بِالمَدِينَةِ فَتَكُونَ لِي عَيْناً لَا تُخْفِ عَنِّى شَيْئاً مِن أُمُورِهِمْ(2).
وصيّته لابن الحنفية (رضی الله عنه)
وعهد الإمام الحسين (علیه السّلام) بوصيته الخالدة إلى أخيه ابن الحنفية، وقد تحدّث فيها عن أسباب ثورته الكبرى على حكومة يزيد ، وقد جاء فيها :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
هذا ما أَوْصَى بِهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيَّ إِلَى أَخِيهِ مُحَمَّدٍ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ الحَنَفِيَّةِ : إِنَّ الْحُسَيْنَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، جاءَ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِهِ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا ، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ.
وَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِراً وَلَا بَطِراً، وَلَا مُفْسِداً وَلَا ظالِماً، وَإِنَّما خَرَجْتُ
لِطَلَبِ الْإِصْلَاح في أُمَّةِ جَدِّي (صلی الله علیه و آله و سلم)، أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَأَسِيرَ بِسِيرَةِ جَدِّي وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، فَمَنْ قَبِلَنِي بِقَبُولِ الْحَقِّ ، فَاللَّهُ أَوْلَى بِالْحَقِّ، وَمَن رَدَّ عَلَيَّ أَصْبِرُ حَتَّىٰ يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَ الْقَوْمِ بِالْحَقِّ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ.
وَهذِهِ وَصِيَّتِي إِلَيْكَ يَا أَخِي ، وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ»(1).
من أجل هذه الأهداف النبيلة فجر الإمام الحسين (علیه السّلام) ثورته الخالدة ، فهو لم يخرج أشراً ولا بطراً ، ولم يبغ أية مصلحة مادية له أو لأسرته ، وإنما خرج على حكم الظلم والطغيان ، يريد أن يقيم صروح العدل بين الناس ، وما أروع قوله : « فَمَنْ قَبِلَنِي بِقَبولِ الْحَقِّ فَاللَّهُ أَوْلَى بِالْحَقِّ ، وَمَنْ رَدَّ عَلَيَّ أَصْبِرُ حَتَّىٰ يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَ الْقَوْمِ بِالْحَقِّ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ» .
لقد حدد الإمام الحسين (علیه السّلام) خروجه بأنّه كان من أجل إحقاق الحق وإماتة الباطل ، ودعا الأمة باسم الحق إلى الالتفاف حوله لتحمي حقوقها وتصون كرامتها وعزتها التى انهارت على أيدي الأمويين ، وإذا لم تستجب لنصرته فسيواصل وحده مسيرته النضالية بصبر وثبات في مناجزة الظالمين والمعتدين حتى يحكم الله بينه وبينهم بالحقِّ وهو خير الحاكمين ، كما حدد المنهاج الخالد الذي يسير وهو منهاج جده وأبيه ، وليس على نهج أي أحد من الخلفاء . وهذه الوصية من البنود التي نرجع إليها في دراستنا عن أسباب ثورته .
وتهيأ الإمام بعد وصيته لأخيه محمد إلى السفر إلى مكة ليلتقي بحجاج بيت الله
1) بحار الأنوار: 44 : 329 الفتوح : 5 : 21. مقتل الحسين (علیه السّلام)/ الخوارزمي : 1 : 188 - 189 .
الحرام وغيرهم، ويعرض عليهم الأوضاع الراهنة في البلاد ، وما تعانيه الأُمة من الأزمات والأخطار في عهد يزيد .
وقبل أن يغادر الإمام الحسين (علیه السّلام) يشرب متجهاً إلى مكة دخل مسجد جده الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) وهو غارق في الأسى والشجون ، فألقى عليه نظرة الوداع الأخير ، وقد نظر إلى محراب جده (صلی الله علیه و آله و سلم)، ومنبره ، فطافت به ذكريات ذلك العطف الذي كان يفيضه عليه جده (صلی الله علیه و آله و سلم) حينما كان في غضون الصبا ، فلم ينسَ الحسين في جميع فترات حياته ذلك الحنان الذي أغدقه عليه جده حينما يقول فيه : «حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ ، أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْناً ، حُسَيْنُ سِبْطُ مِنَ الْأَسْبَاطِ»(1).
وتذكر كيف كان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يفرغ عليه ما انطوت عليه نفسه الكبيرة من المثل العليا التي كان بها خاتم النبيين وسيد المرسلين، وأيقن أنّه لم يكن يشيع ذلك في نفسه بمحض العاطفة بل بشعور آخر هو الإبقاء على رسالته ومبادئه ، ورأى أنّه لابد أن يقدّم التضحية الرهيبة التي تصون رسالة الإسلام من عبث الناقمين عليه ، فيقول المؤرخون : إنّه دخل المسجد بين أهل بيته ، وهو يعتمد في مشيه على رجلين ويتمثل بقول يزيد بن مفرغ :
لا ذَعَرتُ السَّوامَ في فَلَقِ الصُّبْـ *** ـح مُغيراً وَلَا دُعِيتُ يزيدا
يَومَ أُعطِي مِنَ المَهانَةِ ضَيماً *** والمَنايا تَرصُدنَنِي أَنْ أَحِيدا(2)
ويقول أبو سعيد : لما سمعت هذين البيتين قلت في نفسي : إنّه ما تمثل بهما
1) كامل الزيارات : 116 ، الحديث 126 . شرح الأخبار: 3 : 112 . المعجم الكبير / الطبراني : 3: 33 ، الرقم 2589 . و : 32 ، الرقم 9 سنن ابن ماجة: 1: 51 ، الحديث 144. سنن الترمذي : 5 : 617 ، الحديث 3775. أسد الغابة : 1 : 497 .
2) وقعة الطف / أبو مخنف : 83. أنساب الأشراف: 3 : 368. الكامل في التاريخ : 3: 265 . البداية والنهاية : 8 : 167 .
إلا لشيء يريده ، فما مكث إلا قليلاً حتى بلغني أنه سار إلى مكة(1)، لقد صمم على التضحية والفداء ليغيّر مجرى الحياة ، ويرفع كلمة الله ، ويبسط الخير في الأرض .
أما يثرب مهد النبوة فإنّه حينما أُذيع فيها مغادرة الإمام الحسين (علیه السّلام) عنها علتها الكآبة ، وخيّم على أهلها الحزن والذعر ، فقد أيقنوا بالخسارة الفادحة التي ستحلّ بهم ، فسيغيب عنهم قبس من نور الرسالة الذي كان يضيء لهم الحياة ، وحزنت البقية الباقية من صحابة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أعظم ما يكون الحزن ، فقد كانوا يرون في الحسين (علیه السّلام) امتداداً لجده الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) الذي أنقذهم من حياة التيه في الصحراء .
1) تاريخ الأمم والملوك : 4: 551 . مقتل الحسين (علیه السّلام)/ الخوارزمي : 1 : 186 . تاريخ مدينة دمشق : 204:14.
ولم يفجر الإمام الحسين (علیه السّلام) ثورته الكبرى أشراً ولا بطراً ، ولا ظالماً ولا مفسداً، وإنما انطلق ليؤسس معالم الإصلاح في البلاد، ويحقق العدل الاجتماعي بين الناس ، ويقضي على أسباب النكسة الأليمة التي مُني بها المسلمون في ظل الحكم الأموي الذي ألحق بهم الهزيمة والعار .
لقد انطلق الإمام الحسين (علیه السّلام) ليصحح الأوضاع الراهنة في البلاد ، ويعيد للأمة ما فقدته من مقوماتها وذاتياتها ، ويعيد لشرايينها الحياة الكريمة التي تملك بها إرادتها وحريتها في مسيرتها النضالية لقيادة أمم العالم في ظل حكم متوازن تذاب فيه الفوارق الاجتماعية ، وتقام الحياة على أسس صلبة من المحبة والإخاء ، إنّه حكم الله خالق الكون وواهب الحياة ، لا حكم معاوية الذي قاد حكومته على إماتة وعي الإنسان ، وشلّ حركته الفكرية والاجتماعية .
لقد فجر الإمام الحسين (علیه السّلام) ثورته الكبرى التي أوضح الله بها الكتاب ، وجعلها عبرة لأولي الألباب ، فأضاء بها الطريق ، وأوضح بها القصد ، وأنار بها الفكر ، فانهارت بها السدود والحواجز التي وضعها الحكم الأموي أمام التطوّر الشامل الذي يريده الإسلام لأبنائه ، فلم يعد بعد الثورة أي ظل للسلبيات الرهيبة التي أقامها الحكم الأموي على مسرح الحياة الإسلامية ، فقد انتفضت الأمة - بعد مقتله (علیه السّلام)- كالمارد الجبار وهي تسخر من الحياة ، وتستهزئ بالموت ، وتزج بأبنائها في ثورات متلاحقة حتى أطاحت بالحكم الأموي ، واكتسحت معالم زهوه .
ولم يقدم الإمام الحسين (علیه السّلام) على الثورة إلا بعد أن انسدت أمامه جميع الوسائل الالها وانقطع كلّ أمل له في إصلاح الأمة ، وإنقاذها من السلوك في المنعطفات ، فأيقن أنه لا طريق للإصلاح إلا بالتضحية الحمراء ، فهي وحدها التي تتغير بها الحياة ، وترتفع راية الحقِّ عاليةً في الأرض .
وفيما أعتقد أنّ أهم ما يتطلبه القرّاء لأمثال هذه البحوث الوقوف على أسباب الثورة الحسينية ومخططاتها ، وفيما يلي ذلك :
وأحاطت بالإمام الحسين (علیه السّلام) عدة من المسؤوليات الدينية والواجبات الاجتماعية وغيرها ، فحفّزته إلى الثورة ، ودفعته إلى التضحية والفداء ، وهذه بعضها :
أعلن الإسلام المسؤولية الكبرى على كل مسلم عما يحدث في بلاد المسلمين من الأحداث والأزمات التي تتنافى مع دينهم، وتتجافى مع مصالحهم ، فإنّه ليس من الإسلام في شيء أن يقف المسلم موقفاً يتسم بالميوعة واللامبالاة أمام الهزات التي تدهم الأمة وتدمر مصالحها ، وقد أعلن الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) هذه المسؤولية ، يقول (صلی الله علیه و آله و سلم): «كُلُّكُمْ راعٍ ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»(1)، فالمسلم مسؤول أمام الله عن رعاية مجتمعه ، والسهر على صالح بلاده، والدفاع عن امته.
وعلى ضوء هذه المسؤولية الكبرى ناهض الإمام الحسين (علیه السّلام) جور الأمويين ، لا وناجز مخططاتهم الهادفة إلى استعباد الأمة وإذلالها ، ونهب ثرواتها ، وقد أدلى (علیه السّلام) بما يحتّمه الإسلام عليه من الجهاد لحكم الطاغية يزيد ، أمام الحر وأصحابه ،
1) مسند أحمد بن حنبل : 2 : 5. صحيح البخاري : 3: 243 ، الحديث 23. صحيح مسلم : 6: 8.
قال (علیه السّلام): أَيُّها النَّاسُ ، إِنَّ رَسولَ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) قَالَ : مَنْ رَأَى سُلْطَاناً جَائِراً مُسْتَحِلَا لِحُرَمِ اللهِ ، ناكِثاً لِعَهْدِ اللَّهِ ، مُخالِفاً لِسُنَّةِ رَسولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم)، يَعْمَلُ فِي عِبَادِ اللَّهِ بِالْإِثْمِ وَالْعُدوانِ ، فَلَمْ يُغَيِّرْ عَلَيْهِ بِقَوْلٍ وَلَا فِعْلِ كَانَ حَقًّاً عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ مَدْخَلَهُ(1).
لقد كان الواجب الديني يحتم عليه القيام بوجه الحكم الأموي الذي استحل حرمات الله ، ونكث عهوده وخالف سنة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وقد صرّح جماعة من علماء المسلمين بأنّ الواجب الديني كان يقضي عليه أن ينطلق في ميادين الجهاد دفاعاً عن الإسلام، وفيما يلي بعضهم:
قد أشار الإمام محمد عبده في حديثه عن الحكومة العادلة والجائرة في الإسلام إلى خروج الإمام الحسين (علیه السّلام)على حكومة يزيد ، ووصفه بأنّه كان واجباً شرعيّاً عليه ، قال : إذا وجد في الدنيا حكومة عادلة تقيم الشرع، وحكومة جائرة تعطله وجب على كل مسلم نصر الأولى وخذل الثانية ... ومن ومن هذا الباب خروج الإمام الحسين (علیه السّلام) سبط الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) على إمام الجور والبغي الذي ولي أمر المسلمين بالقوة والمنكر يزيد بن معاوية خذله الله ، وخذل من انتصر له من الكرامية والنواصب(2).
تحدث الأستاذ محمد عبد الباقي سرور عن المسؤولية الدينية والاجتماعية اللتين تحتّمان على الإمام القيام بمناهضة حكم يزيد ، فقال : «لو بايع الحسين يزيد الفاسق المستهتر ، الذي أباح الخمر والزنا ، وحطّ بكرامة الخلافة إلى مجالسة
الغانيات، وعقد حلقات الشراب في مجلس الحكم ، والذي ألبس الكلاب والقرود خلاخل من ذهب ومئات الألوف من المسلمين صرعى الجوع والحرمان .
لو بايع الحسين يزيد أن يكون خليفة لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) على هذا الوضع لكانت فتيا من الحسين بإباحة هذا للمسلمين ، وكان سكوته هذا أيضاً رضاً ، والرضا من ارتكاب المنكرات ولو بالسكوت إثم وجريمة في حكم الشريعة الإسلامية .
والحسين بوضعه الراهن في عهد يزيد هو الشخصية المسؤولة في الجزيرة العربية - بل في البلاد الإسلامية كافة - عن حماية التراث الإسلامي ؛ لمكانته في المسلمين ، ولقرابته من رسول ربّ العالمين ، ولكونه بعد موت كبار المسلمين كان أعظم المسلمين في ذلك الوقت علماً وزهداً وحسباً ومكانةً ، فعلى هذا الوضع أحس بالمسؤولية تناديه وتطلبه لإيقاف المنكرات عند حدها، ولاسيما أن الذي يضع هذه المنكرات ويشجّع عليها هو الجالس في مقعد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، هذا أولاً.
وثانياً : أنّه (علیه السّلام) لا جاءته المبايعات بالخلافة من جزيرة العرب ، وجاء ثلاثون ألفاً من الخطابات من ثلاثين ألفاً من العراقيين من سكان البصرة والكوفة يطلبون فيها منه الشخوص لمشاركتهم في محاربة يزيد بن معاوية، وألحوا تكرار هذه الخطابات حتى قال رئيسهم عبد الله بن الحصين الأزدي : يا حسين، سنشكوك إلى الله تعالى يوم القيامة إذا لم تلب طلبنا ، وتقوم بنجدة الإسلام ، وكيف والحسين ذو حميّة دينية ونخوة إسلامية ، والمفاسد تترى أمام عينيه ، كيف لا يقوم بتلبية النداء ؟ وعلى هذا الوضع لبي النداء ، كما تأمر به الشريعة الإسلامية ، وتوجه نحو العراق»(1).
وهذا الرأي وثيق للغاية، فقد شفع بالأدلة الشرعية التي حملت الإمام مسؤولية الجهاد والخروج على حكم طاغية زمانه .
1) الثائر الأول في الإسلام : 79.
يقول الأستاذ عبد الحفيظ أبو السعود : «ورأى الحسين أنه مطالب الآن - يعني بعد هلاك معاوية - أن يعلن رفضه لهذه البيعة، وأن يأخذ البيعة لنفسه من المسلمين ، وهذا أقل ما يجب حفاظاً لأمر الله ، ورفعاً للظلم ، وإبعاداً لهذا العابث - يعني يزيد - عن ذلك المنصب الجليل»(1).
وممن صرّح بهذه المسؤولية الدينية الدكتور أحمد محمود صبحي ، حيث قال : ففي إقدام الحسين على بيعة يزيد انحراف عن أصل من أصول الدين من حيث إنّ السياسة الدينية للمسلمين لا ترى في ولاية العهد وراثة الملك إلا بدعة هرقلية دخيلة على الإسلام ، ومن حيث إنّ اختيار شخص يزيد مع ما عرف عنه من سوء السيرة ، وميله إلى اللهو وشرب الخمر ، ومنادمة القرود ؛ ليتولى منصب الخلافة عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أكبر وزر يحل بالنظام السياسي للإسلام ، يتحمل وزره كل من شارك فيه ورضي عنه ، فما بالك إذا كان المقدم على ذلك هو ابن بنت رسول الله ...»(2).
كان خروج الإمام الحسين (علیه السّلام) إذا أمراً يتصل بالدعوة والعقيدة أكثر مما يتصل بالسياسة والحرب .
يقول الشيخ عبد الله العلائلي : «وهناك واجب على الخليفة إذا تجاوزه وجب على الأمة إسقاطه ، ووجبت على الناس الثورة عليه ، وهو المبالغة باحترام القانون
الذي يخضع له الناس عامة ، وإلا فأي تظاهر بخلافه يكون تلاعباً وعبثاً ، ومن ثمّ وجب على رجل القانون أن يكون أكثر تظاهراً باحترام القانون من أي شخص آخر ، وأكبر مسؤولية من هذه الناحية ، فإذا فسق الملك ثمّ جاهر بفسقه ، وتحدّى الله ورسوله والمؤمنين لم يكن الخضوع له إلا خضوعاً للفسق وخضوعاً للفحشاء والمنكر ، ولم يكن الاطمئنان إليه إلا اطمئناناً للتلاعب والمعالنة الفاسقة .
هذا هو المعنى التحليلي لقوله (علیه السّلام): وَيَزِيدُ رَجُلٌ فاسِقٌ ، شَارِبٌ لِلْخَمْرِ ، وَقاتِلُ النَّفْسِ الْمُحَرَّمَةِ ، مُعْلِنُ بِالْفِسْقِ»(1).
هذه بعض الآراء التي أدلى بها جماعة من العلماء في إلزام الإمام الحسين (علیه السّلام) شرعاً بالخروج على حكم الطاغية يزيد ، وأنه ليس له أن يقف موقفاً إيجابياً أمام ما يقترفه يزيد من الظلم والجور.
وكان الإمام الحسين (علیه السّلام) بحكم مركزه الاجتماعي مسؤولاً أمام الأمة عمّا مُنيت به من الظلم والاضطهاد من قبل الأمويين ، ومن هو أولى بحمايتها ، وردّ الاعتداء عنها غيره ، فهو سبط رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وريحانته ، والدین دین جده ، والأُمة أُمة جدّه ، وهو المسؤول بالدرجة الأولى عن رعايتهما .
لقد رأى الإمام الحسين (علیه السّلام) أنه مسؤول عن هذه الأمة ، وأنّه لا يجدي بأية حال فى تغيير الأوضاع الاجتماعية التزام جانب الصمت، وعدم الوثوب في وجه الحكم الأموي المليء بالجور والآثام ، فنهض بأعباء هذه المسؤولية الكبرى ، وأدى رسالته بأمانة وإخلاص ، وضحى بنفسه وأهل بيته وأصحابه ؛ ليعيد على مسرح الحياة عدالة الإسلام وحكم القرآن .
1) الحسين بن عليّ : 94 .
وقامت الحجّة على الإمام لإعلان الجهاد، ومناجزة قوى البغي والإلحاد، فقد تواترت عليه الرسائل والوفود من أقوى حامية عسكرية في الإسلام ، وهي الكوفة ، فكانت رسائل أهلها تحمّله المسؤولية أمام الله إن لم يستجب لدعواتهم الملحة لإنقاذهم من عسف الأمويين وبغيهم . ومن الطبيعي أنه لو لم يُجبهم لكان مسؤولاً أمام الله ، وأمام الأمة في جميع مراحل التاريخ ، وتكون الحجّة قائمة عليه.
ومن أوكد الأسباب التي ثار من أجلها حفيد الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) حماية الإسلام من خطر الحكم الأموي الذي جهد على محو سطوره ، وقلع جذوره ، وإقبار قيمه ، فقد أعلن يزيد وهو على دست الخلافة الإسلامية الكفر والإلحاد بقوله :
لَعِبتْ هَاشِمُ بِالمُلكِ فَلَا *** خَبَرٌ جاءَ وَلَا وَحيَّ نَزَل(1)
وكشف هذا الشعر عن العقيدة الجاهلية التي كان يدين بها يزيد ، فهو لم يؤمن بوحي ولا كتاب ، ولا جنّة ولا نار ، وقد رأى السبط أنّه إن لم يثأر لحماية الدين فسوف يجهز عليه حفيد أبي سفيان ويجعله أثراً بعد عين ، فثار (علیه السّلام) ثورته الكبرى التي فدى بها دين الله ، فكان دمه الزاكي المعطّر بشذى الرسالة هو البلسم لهذا الدين، فإن من المؤكد أنّه لولا تضحيته لم يبق للإسلام اسم ولا رسم ، وصار الدين دين الجاهلية ودين الدعارة والفسوق ، ولذهبت سدى جميع جهود النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ، و ما كان ينشده للناس من خير وهدى ، وقد نظر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من وراء الغيب واستشفّ مستقبل أمته ، فرأى بعين اليقين ما تمنى به الأمة من الانحراف عن الدين ،
1) الاحتجاج : 2 : 122 و 123 . الغدير : 3: 260 ، مقاتل الطالبيين : 119 .
وما يصيبها من الفتن والخطوب على أيدي أغيلمة من قريش ، ورأى أنّ الذي يقوم بحماية الإسلام هو الحسين (علیه السّلام)، فقال (صلی الله علیه و آله و سلم) كلمته الخالدة : «حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَيْنِ»(1). فكان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) حقاً من الحسين ؛ لأن تضحيته كانت وقاية للقرآن ، وسيبقى دمه الزكي يروّي شجرة الإسلام على مرّ الأحقاب والآباد .
ومن ألمع الأسباب التي ثار من أجلها الإمام الحسين (علیه السّلام) تطهير الخلافة الإسلامية من أرجاس الأمويين الذين نزوا عليها بغير حقّ ، فلم تعد الخلافة في عهدهم كما يريدها الإسلام وسيلة لتحقيق العدل الاجتماعي بين الناس ، والقضاء على جميع أسباب التخلف والفساد في الأرض .
لقد اهتم الإسلام اهتماماً بالغاً بشأن الخلافة باعتبارها القاعدة الصلبة لإشاعة الحق والعدل بين الناس ، فإذا صلحت نَعُمت الأمة بأسرها ، وإذا انحرفت عن واجباتها فإنّ الأمة تصاب بتدهور سريع في جميع مقوماتها الفكرية والاجتماعية ، ومن ثُمَّ فقد عنى الإسلام في شأنها أشدّ ما تكون العناية ، فألزم من يتصدى لها بأن تتوفر فيه النزعات الخيّرة والصفات الشريفة من العدالة والأمانة والخبرة بما تحتاج إليه الأمة في مجالاتها الاقتصادية والإدارية والسياسية ، وحرّم على من فقد هذه الصفات أن يرشّح نفسه للخلافة ، وقد تحدث (علیه السّلام) في أولى رسائله إلى أهل الكوفة عن الصفات التي يجب أن تتوفر فيمن يرشّح نفسه إلى إمامة المسلمين وإدارة شؤونهم قال (علیه السّلام): «فَلَعَمْرِي ما الْإِمَامُ إِلَّا الْعامِلُ بِالْكِتابِ ، وَالْآخِذُ بِالْقِسْطِ ، وَالدّائِنُ بِالْحَقِّ ، وَالْحَابِسُ نَفْسَهُ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ»(2).
فمن تحلّى بهذه الصفات كان له الحق في تقديم نفسه لإمامة المسلمين وخلافتهم ، ومن لم يتصف بها فلا حق له في التصدّي لهذا المركز الخطير الذي كان يشغله مع الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) . إن الخلافة الإسلامية ليست مجرد سلطة زمنية على الأمة ، وإنما هي نيابة عن الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) وامتداد ذاتي لحكومته المشرقة .
وقد رأى الإمام الحسين (علیه السّلام) أن مركز جده قد صار إلى سكير مستهتر لا يعي إلا شهواته ورغباته ، فثار (علیه السّلام) ليعيد للخلافة الإسلامية كيانها المشرق وماضيها الزاهر .
ولم تملك الأمة في عهد معاوية ويزيد إرادتها واختيارها ، فقد كانت جثة هامدة لا وعي فيها ولا اختيار ، قد كبّلت بقيود ثقيلة سدّت في وجهها منافذ النور والوعي ، وحيل بينها وبين إرادتها .
لقد عمل الحكم الأموي على تخدير المسلمين وشلّ تفكيرهم ، وكانت قلوبهم مع الإمام الحسين ، إلا أنّهم لا يتمكنون من متابعة قلوبهم وضمائرهم ، فقد استولت عليها حكومة الأمويين بالقهر ، فلم يملكوا من أمرهم شيئاً ، فلا إرادة لهم ولا اختيار ، ولا عزم ولا تصميم ، فأصبحوا كالأنصاب لا وعي فيهم ولا حراك ، قد قبعوا أذلاء صاغرين تحت وطأة سياط الأمويين وبطشهم.
لقد هب الإمام الحسين (علیه السّلام) إلى ساحات الجهاد والفداء ؛ ليطعم المسلمين روح العزة والكرامة ، فكان مقتله نقطة تحوّل في تاريخ المسلمين وحياتهم ، فانقلبوا رأساً على عقب ، فتسلّحوا بقوة العزم والتصميم ، وتحرّروا من جميع السلبيات التي كانت ملمّة بهم ، وانقلبت مفاهيم الخوف والخنوع التي كانت جائمة عليهم إلى مبادئ الثورة والنضال ، فهبوا متضامنين في ثورات مكثفة، وكان شعارهم «یا لثارات الحسين»، فكان هذا الشعار هو الصرخة المدوّية التي دكت عروش الأمويين وأزالت سلطانهم.
وانهار اقتصاد الأُمة الذي هو شريان حياتها الاجتماعية والفردية ، فقد عمد الأمويون بشكل سافر إلى نهب الخزينة المركزية والاستئثار بالفيء وسائر ثمرات الفتوح والغنائم ، فحازوا الثراء العريض ، وتكدّست في بيوتهم الأموال الطائلة التي حاروا في صرفها ، وقد أعلن معاوية أمام المسلمين أن المال مال الله ، وليس مال المسلمين ، فهو أحق به ، ويقول سعيد بن العاص : إنّما السواد بستان قريش. وقد أخذوا ينفقون الأموال على أغراضهم السياسية التي لا تمت بصلة لصالح الأمة .
أما موارد إنفاقهم البارزة ، فهي :
الأوّل : شراء الضمائر والأديان ، وقد تقدمت الشواهد المؤيدة لذلك عند البحث عن سياسة معاوية الاقتصادية.
الثاني : الإنفاق على لجان الوضع لافتعال الأخبار التي تدعم الكيان الأموي وتحط من قيمة أهل البيت (علیهم السّلام)، وقد أشرنا إلى ذلك بصورة مفصلة.
الثالث : الهبات الطائلة والعطايا الوافرة للوجوه والأشراف لكم أفواههم عمّا تقترفه السلطة من الظلم للرعيّة .
الرابع : الصرف على المجون والدعارة، فقد امتلأت بيوتهم بالمغنين والمغنيات وأدوات العزف وسائر المنكرات .
هذه بعض الموارد التي كان ينفق عليها الأموال ، في حين أن الجوع قد نهش الأمة وعمّت فيها المجاعة ، وانتشر شبح الفقر في جميع الأقطار الإسلامية سوى الشام ، فقد رفّه عليها لأنها الحصن المنيع الذي كان يحمي جور الأمويين وظلمهم .
وقد ثار الإمام الحسين (علیه السّلام) ليحمي اقتصاد الأمة ويعيد توازن حياتها المعاشية ، وقد صادر أموالاً من الخراج كانت قد أرسلت لمعاوية ، كما صادر أموالاً أُخرى أرسلت من اليمن إلى خزينة دمشق في أيام يزيد ، وقد أنفقها على الفقراء
والمعوزين ، وكان (علیه السّلام) أكثر ما يعاني من الآلام هو أنّه يرى الفقر قد أخذ بخناق المواطنين ، ولم ينفق شيء من بيت المال على إنعاش حياتهم .
وانتشرت المظالم الاجتماعية في أنحاء البلاد الإسلامية، فلم يعد قطر من الأقطار إلا وهو يعج بالظلم والاضطهاد من جورهم ، وكان من مظاهر ذلك الظلم ، ما يلي :
وانعدم الأمن في جميع أنحاء البلاد ، وساد الخوف والإرهاب على جميع المواطنين ، فقد أسرفت السلطة الأموية بالظلم ، فجعلت تأخذ البريء بالسقيم ، والمقبل بالمدبر ، وتعاقب على الظنّة والتهمة ، وتسوق الأبرياء بغير حساب إلى السجون والقبور ، وكان زياد يقول : أقسم بالله لأخذن الولي بالولي ... والصحيح منكم في نفسه بالسقيم ، حتّى يلقى الرجل أخاه فيقول : انجُ سَعدٌ فَقَدْ هَلَكَ سعید(1).
ولا يوجد أحد إلا وهو خائف على دمه وماله ، فثار الإمام الحسين (علیه السّلام) لينقذ الناس من هذا الجور الهائل .
وكان الخط السياسي الذي انتهجه الأمويون العمل على إذلال الأمة والاستهانة بها ، وكان من مظاهر ذلك الاحتقار أنّهم كانوا يختمون في أعناق المسلمين كما توسم الخيل علامة لاستعبادهم ، كما نقشوا على أكف المسلمين علامة لاسترقاقهم
1) العقد الفريد : 4 : 111 . شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 16 : 202.
كما يصنع بالعلوج من الروم والحبشة(1).
وقد هب الإمام الحسين (علیه السّلام) في ميادين الجهاد ليفتح للمسلمين أبواب العزة والكرامة ، ويحطّم عنهم ذلك الكابوس المظلم الذي أحال حياتهم إلى ظلام قاتم لا بصيص فيه من النور .
وذهبت نفس الإمام الحسين أسى على ما عانته الشيعة - في عهد معاوية - من ضروب المحن والبلاء ، فقد أمعن معاوية في ظلمهم وإرهاقهم ، وفتك بهم فتكاً ذريعاً ، وراح يقول للإمام الحسين (علیه السّلام): يا أبا عبد الله ، علمت أنا قتلنا شيعة أبيك فحنّطناهم وكفّناهم وصلّينا عليهم ودفناهم(2)، وقد بذل قصارى جهوده في تصفية الحساب معهم .
وقد ذكرنا عرضاً مفصلاً لِما عانوه في عهد معاوية ، وخلاصته :
أولاً : إعدام أعلامهم كحُجر بن عدي ، وعمرو بن الحمق الخزاعي ، وصيفي بن فَسيل ، وغيرهم .
ثانياً : صلبهم على جذوع النخل .
ثالثاً : دفنهم أحياء .
رابعاً : هدم دورهم.
خامساً : عدم قبول شهادتهم.
سادساً : حرمانهم من العطاء .
سابعاً : ترويع السيدات من نسائهم .
ثامناً : إذاعة الذعر والخوف في جميع أوساطهم .
إلى غير ذلك من صنوف الإرهاق الذي عانوه .
وقد ذعر الإمام الحسين (علیه السّلام) مما حل بهم ، فبعث بمذكرته الخطيرة لمعاوية التي سجل فيها ما ارتكبه من جرائم في حق الشيعة، وقد ذكرناها في البحث عن حكومة معاوية .
لقد كانت الاجراءات القاسية التي اتخذها الحكم الأموي ضد الشيعة من أسباب
ثورته ، فهبّ لإنقاذهم من واقعهم المرير ، وحمايتهم من الجور والظلم .
ومن ألمع الأسباب التي ثار من أجلها أبو الشهداء (علیه السّلام) هو أن الحكم الأموي قد جهد على محو ذكر أهل البيت (علیهم السّلام) واستئصال مآثرهم ومناقبهم ، وقد استخدم معاوية في هذا السبيل أخبث الوسائل ، وهي :
أولاً : افتعال الأخبار فى الحطّ من شأنهم.
ثانياً : استخدام أجهزة التربية والتعليم لتربية النشء على بغضهم .
ثالثاً : معاقبة من يذكر مناقبهم بأقصى العقوبات .
رابعاً : سبهم على المنابر والمآذن وفي خطب الجمعة .
وقد عقد الإمام الحسين (علیه السّلام) مؤتمره السياسي الكبير في مكة المكرمة ، وأحاط المسلمين علماً بالإجراءات الخطيرة التي اتخذها معاوية إلى إزالة أهل البيت (علیهم السّلام) عن الرصيد الإسلامي ، وكان (علیه السّلام) يتحرق شوقاً إلى الجهاد ، ويود أن الموت قد وافاه ولا يسمع سبّ أبيه على المنابر والمآذن .
وعمد الأمويون إلى تدمير القيم الإسلامية ، فلم يعد لها أي ظلّ على واقع الحياة
الإسلامية ، وهذه بعضها :
وأشاع الأمويون الفرقة والاختلاف بين المسلمين فأحيوا العصبيات القبلية ، وشجّعوا الهجاء بين الأسر والقبائل العربية حتى لا تقوم وحدة بين المسلمين ، وقد شجّع يزيد الأخطل على هجاء الأنصار الذين أووا النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وحاموا عن دينه أيام غربة الإسلام ومحنته .
لقد كانت الظاهرة البارزة في شعر ذلك العصر هي الهجاء المقذع ، فقد قصر الشعراء مواهبهم الأدبية على الهجاء والتفنن في أساليب القذف والسب للأُسر التي كانت تنافس قبائلهم ، وقد خلا الشعر الأموي عن كل نزعة إنسانية أو مقصد اجتماعي ، وتفرّد بظاهرة الهجاء ، وقد خولف بذلك ما كان ينشده الإسلام من الوحدة الشاملة بين أبنائه .
وهدم الأمويون المساواة العادلة التي أعلنها الإسلام ، فقدموا العرب على الموالي ، وأشاعوا جوّاً رهيباً من التوتر والتكتل السياسي بين المسلمين، وكان من جراء ذلك أن ألف الموالي مجموعة من الكتب في انتقاص العرب وذمهم .
کما ألف العرب كتباً في انتقاص الموالي واحتقارهم ، وعلى رأس القائمة التي أثارت هذا النحو من التوتر بين المسلمين زياد بن أبيه ، فقد كان حاقداً على العرب ، وقد عهد إلى الكتاب بانتقاصهم .
وقد خالفت هذه السياسة النكراء روح الإسلام الذي ساوى بين المسلمين في جميع الحقوق والواجبات على اختلاف قومياتهم .
ولم يعد أي مفهوم للحرية مائلاً على مسرح الحياة طيلة الحكم الأموي ، فقد كانت السلطة تحاسب الشعب حساباً منكراً وعسيراً على كل بادرة لا تتفق مع رغباتها ، حتى لم يعد في مقدور أي أحد أن يطالب بحقوقه ، أو يتكلم بأية مصلحة للناس ، فقد كان حكم النطع والسيف هو السائد في ذلك العصر .
لقد ثار أبو الأحرار (علیه السّلام) لينقذ الإنسان المسلم وغيره من الاضطهاد الشامل ، ويعيد للناس حقوقهم التي ضاعت في أيام معاوية ويزيد.
وانهار المجتمع في عصر الأمويين ، وتحلل من جميع القيم الإسلامية .
أما أهم العوامل التي أدت إلى انهياره ، فهي :
أولاً : حرمان المجتمع من التربية الروحية ، فلم يحفل بها أحد من الخلفاء سوى الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، فقد عنى بها عناية بالغة إلا أنه قد مُني بالأحداث الرهيبة التي منعته من مواصلة مسيرته في إصلاح الناس وتقويم أخلاقهم .
ثانياً : إمعان الحكم الأموي في إفساد المجتمع وتضليله ، وتغذيته بكل ما هو بعيد عن واقع الإسلام وهديه .
إنّ هذين العاملين - فيما نحسب - من أهم العوامل التي أدت إلى انهيار ذلك المجتمع .
أمّا مظاهر ذلك التحلل والانهيار ، فهي :
أوّلاً : نقض العهود ، ولم يتألّم أغلب أبناء ذلك المجتمع من نقض العهود والمواثيق ، فقد كان عدم الوفاء بها أمراً عادياً، ومتسالماً عليه ، وقد شجعهم على
ذلك (كسرى العرب)(1)، فقد أعلن في خطابه بالنخيلة أنّ كلّ ما شرطه على نفسه للإمام الحسن (علیه السّلام) يفي به ، وعمد إلى نقض جميع الشروط التي أعطاها له . وكانت هذه الظاهرة من أبرز ذاتيات الكوفيين ، فقد أعطوا للإمام الحسين (علیه السّلام) أعظم العهود والمواثيق على مناصرته ومناجزة عدوه، إلّا أنّهم خاسوا ما عاهدوا عليه الله فخذلوه وقتلوه .
ثانياً : عدم التحرج من الكذب ، ومن الأمراض التي أُصيب بها ذلك المجتمع عدم التحرّج من الكذب ، وقد مُني الكوفيون بذلك بصورة خاصة ، فإنّهم لما أحاطوا بالإمام الحسين (علیه السّلام) يوم الطف لقتله ، وجه سؤالاً إلى قادة الفرق الذين كاتبوه بالقدوم إليهم ، فقال (علیه السّلام): يا شَبَتَ بنَ رِبْعِي، وَيا حَجَارَ بْنَ أَبْجُر ، وَيا قَيْسَ بْنَ الأَشْعَثِ ، وَيا يَزَيدَ بْنَ الْحَارِثِ ، أَلَمْ تَكْتُبُوا إِلَيَّ أَنْ قَدْ أَيْنَعَتْ الثَّمَارُ ، وَاخْضَرَّ الْجَنابُ ، وَإِنَّما تَقْدِمُ عَلى جُنْدِ لَكَ مُجَنَّدَةٌ ...
ولم تخجل تلك النفوس القذرة من تعمد الكذب فأجابوه مجمعين : لم نفعل ويهر الإمام الحسين (علیه السّلام) فاندفع يقول : سُبْحانَ اللهِ ! ! بَلَى وَاللهِ لَقَدْ فَعَلْتُمْ ...(2).
وقد جروا إلى المجتمع بما اقترفوه من الآثام كثيراً من الويلات والخطوب ، وتسلّح بهم أئمة الظلم والجور إلى اضطهاد المسلمين وإرغامهم على ما يكرهون .
ثالثاً : عرض الضمائر للبيع ، وقد كان من أحطّ ما وصل إليه ذلك المجتمع من الانحراف والزيغ عرض الضمائر والأديان لبيعها على السلطة جهاراً ، وقد أشرنا إلى ذلك بصورة مفصلة عند البحث عن عهد معاوية .
رابعاً: الإقبال على اللهو ، وأقبل المجتمع بنهم على اللهو والدعارة ، وقد شجع
الأمويون بصورة مباشرة حياة المجون لزعزعة العقيدة الدينية من النفوس ، وصرف الناس عمّا ينشده الإسلام من التوازن في سلوك الفرد .
هذه بعض الأمراض التي ألمت بالمجتمع الإسلامي ، وقد أدت إلى تسيبه ، وانهيار قيمه ، وقد ثار الإمام الحسين (علیه السّلام) ليقضي على التذبذب والانحراف الذي منيت به الأمة.
وانبرى الإمام الحسين (علیه السّلام) للجهاد دفاعاً عن حقوقه التي نهبها الأمويون واغتصبوها ، وأهمها - فيما نحسب - ما يلي :
آمن الإمام الحسين ال - كأبيه - أنّ العترة الطاهرة أولى بمقام رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وأحق بمركزه من غيرهم ؛ لأنّهم أهل بيت النبوة ، ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة ، بهم فتح الله ، وبهم ختم وقد طبع على هذا الشعور وهو في غضون الصبا، فقد انطلق إلى عمر وكان على منبر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فصاح به : «انْزِلْ عَنْ مِنْبَرِ أَبِي ، وَاذْهَبْ إِلَى مِنْبَرِ أَبِيكَ»(1).
ولم ينفرد الإمام الحسين (علیه السّلام) بهذا الشعور وإنّما كان سائداً عند أئمة أهل البيت (علیهم السّلام)، فهم يرون أنّ الخلافة من حقوقهم لأنهم ألصق الناس برسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وأكثرهم وعياً لأهدافه.
وهناك شيء آخر جدير بالاهتمام وهو أن الحسين (علیه السّلام) كان هو الخليفة الشرعي بمقتضى معاهدة الصلح التي تم الاتفاق عليها ، فقد جاء في بنودها : ليس لمعاوية
1) الاحتجاج 2 : 77 .
أن يعهد بالأمر إلى أحد من بعده والأمر بعده للحسن (علیه السّلام)، فإن حدث به حدث فالأمر للحسين (علیه السّلام)(1). وعلى هذا فلم تكن بيعة يزيد شرعية ، ولم يخرج الإمام الحسين (علیه السّلام) على إمام من أئمة المسلمين - كما يذهب لذلك بعض ذوي النزعات الأموية - وإنما خرج (علیه السّلام) على ظالم مغتصب لحقه.
والخمس حق مفروض لأهل البيت (علیهم السّلام) نص عليه القرآن وتواترت به السنّة، ولكن الحكومات السابقة تناهبته فلم تؤد لهم منه شيئاً لشل حركة المقاومة عند العلويين ، وقد أشار الإمام الحسين (علیه السّلام) إلى ذلك في حديثه مع أبي هرة الذي نهاه عن الخروج على بني أمية ، فقال (علیه السّلام) له : «يا أَبَا هِرَّةَ ، إِنَّ بَنِي أُمَيَّةَ أَخَذوا مالِي فَصَبَرْتُ...»(2).
وأكبر الظنّ أنّ المال الذي أخذته بنو أمية منه هو الخمس ، وقد أعلن ذلك دعبل الخزاعي في رائعته التي أنشدها أمام الإمام الرضا (علیه السّلام) في خراسان بقوله :
أرَى فَيْنَهُمْ فِي غَيْرِهِمْ مُتَقسْماً *** وَأَيْدِيهِمْ مِنْ فَيْنِهِمْ صَفِراتِ(3)
والتاع الإمام الرضا (علیه السّلام) فجعل يقلب يديه ، وهو يقول : «إِنَّها وَاللهِ لَصَفِراتِ».
وقد أقض مضاجع العلويين منعهم من الخمس باعتباره أحد المصادر الرئيسية لحياتهم الاقتصادية .
ولعلّ الإمام الحسين (علیه السّلام) قد استهدف بنهضته إرجاع هذا الحق السليب لأهل البيت (علیهم السّلام).
ومن أوكد الأسباب التي ثار من أجلها أبى الضيم (علیه السّلام) إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإنّهما من مقومات هذا الدين، وهو بالدرجة الأولى مسؤول عنهما ، وقد أدلى بذلك في وصيته لأخيه ابن الحنفية التي أعلن فيها عن أسباب خروجه على يزيد ، فقال (علیه السّلام): إِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِراً وَلَا بَطِراً ، وَلَا ظَالِماً وَلَا مُفْسِداً ، وَإِنَّما خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإِصْلاح في أُمَّةٍ جَدِّي ، أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنهَى عَنِ الْمُنْكَرِ(1).
لقد انطلق الإمام الحسين (علیه السّلام) إلى ميادين الجهاد ليقيم هذا الصرح الشامخ الذي بنيت عليه الحياة الكريمة في الإسلام ، وقد انهارت دعائمه أيام الحكم الأموي ، فقد أصبح المعروف في عهدهم منكراً ، والمنكر معروفاً ، وقد أنكر عليهم في كثير من المواقف والتي كان منها خطابه الرائع أمام المهاجرين والأنصار ، فقد شجب فيه تخاذلهم عن نصرة الحق ودحض الباطل ، وإيثارهم للعافية ، وقد ذكرناه في الجزء الأول من هذا الكتاب .
ومما قاله (علیه السّلام) في هذا المجال أمام أصحابه وأهل بيته يوم الطف : أَلَا تَرَوْنَ إِلَى الْحَقِّ لَا يُعْمَلُ بِهِ ، وَإِلَى الْباطِلِ لَا يُتَناهَى عَنْهُ ، لِيَرْغَبَ الْمُؤْمِنُ فِى لِقاءِ رَبِّهِ(2)، لقد آثر الموت على الحياة ؛ لأنّه يرى الحق قد تلاشى والباطل قد استشرى.
وعمد الحكم الأموي إلى نشر البدع بين المسلمين ، التي لم يقصد منها إلا محق الإسلام ، وإلحاق الهزيمة به ، وقد أشار الإمام الحسين (علیه السّلام) إلى ذلك في رسالته التي
بعثها لأهل البصرة ، يقول (علیه السّلام): «فَإِنَّ السُّنَّةَ قَدْ أُمِينَتْ ، وَالْبِدْعَةَ قَدْ أُحْيِيَتْ»(1).
لقد ثار (علیه السّلام) ليقضي على البدع الجاهلية التي تبناها الأمويون ، ويحيي سنة جده التي أماتوها ، فكانت نهضته الخالدة من أجل إماتة الجاهلية ونشر راية الإسلام .
واستشف النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من وراء الغيب ما يُمنى به الإسلام من الأخطار الهائلة على أيدي الأمويين ، وأنّه لا يمكن بأية حال تجديد رسالته وتخليد مبادئه إلا بتضحية ولده الإمام الحسين (علیه السّلام) فإنه هو الذي يكون الدرع الواقي لصيانة الإسلام ، فعهد إليه بالتضحية والفداء ، وقد أدلى الإمام بذلك حينما عذله المشفقون عليه من الخروج إلى العراق ، فقال (علیه السّلام) لهم : ( أَمَرَنِي رَسولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) بِأَمْرٍ وَأَنا ماض إلَيْهِ ...»(2).
ويقول المؤرخون : إنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) كان قد نعى الحسين (علیه السّلام) إلى المسلمين وأحاطهم علماً بشهادته ، وما يعانيه من أهوال المصائب ، وكان - باستمرار - يتفجع عليه ويلعن قاتله ، وكذلك أخبر الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) بشهادته وما يجري عليه ، وقد ذكرنا في الجزء الأول من هذا الكتاب الأخبار المتواترة بذلك .
وكان الإمام الحسين (علیه السّلام) على علم وثيق بما يجري عليه ، فقد سمع ذلك من جده وأبيه وقد أيقن بالشهادة ، ولم يكن له أي أمل في الحياة ، فمشى إلى الموت بعزم وتصميم امتثالاً لأمر جده (صلی الله علیه و آله و سلم) الذي عهد إليه بذلك .
ومن أوثق الأسباب التى ثار من أجلها أبو الأحرار هو العزة والكرامة ، فقد أراد
الأمويون إرغامه على الذل والخنوع ، فأبى إلا أن يعيش عزيزاً تحت ظلال السيوف والرماح ، وقد أعلن - سلام الله عليه - ذلك يوم الطف بقوله : «أَلَا وَإِنَّ الدَّعِيَّ ابْنَ الدَّعِى قَدْ رَكَزَ بَيْنَ اثْنَتَينِ ، بَيْنَ السِّلةِ وَالذُّلَّةِ ، وَهَيْهاتَ مِنَا الذُّلُهُ ، يَأْبَى اللهُ لَنا ذلك وَرَسُولُهُ ، ونُفُوسٌ أَبِيَّةٌ ، وَأُنُوفٌ حَمِيَّةٌ مِنْ أَنْ نُؤْثِرَ طَاعَةَ اللَّنامِ عَلَى مَصارع الكرام...»(1).
وقال (علیه السّلام): «لَا أَرَى الْمَوتَ إِلَّا سَعادَةً وَالْحَياةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إِلَّا بَرَماً»(2).
لقد عانق الموت بثغر باسم في سبيل إبائه وعزته ، وضحى بكل شيء من أجل حريته وكرامته .
وأيقن الإمام الحسين (علیه السّلام) أن الأمويين لا يتركونه ، ولا تكف أيديهم عن الغدر والفتك به حتى لو سالمهم وبايعهم ، وذلك لما يلي :
أولاً : إن الإمام الحسين (علیه السّلام) كان ألمع شخصية في العالم الإسلامي ، وقد عقد له المسلمون في دخائل نفوسهم خالص الود والولاء ؛ لأنّه حفيد نبيهم وسيد شباب أهل الجنة ، ومن الطبيعي أنّه لا يروق للأُمويين وجود شخصية تتمتع بنفوذ قوي ومكانة مرموقة في جميع الأوساط ، فإنّها تشكل خطراً على سلطانهم وملكهم .
ثانياً : إن الأمويين كانوا حاقدين على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ؛ لأنه وترهم في واقعة بدر ، وألحق بهم الهزيمة والعار ، وكان يزيد يترقب الفرص للانتقام من أهل بيت النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ليأخذ ثارات بدر منهم ، ويقول الرواة إنّه كان يقول :
لَسْتُ مِن خِنْدِفَ إِن لَمْ أَنتَقِمْ *** مِنْ بَنِي أَحْمَدَ ما كانَ فَعَلْ(1)
ولما استوفى ثأره ورؤى أحقاده بإبادتهم ، أخذ يترنّم ويقول :
قَد قَتَلنا القَرمَ مِنْ ساداتِهِمْ *** وَعَدَلناهُ بِبَدْرٍ فاعتَدَلْ(2)
ثالثاً : أنّ الأُمويين قد عُرفوا بالغدر ونقض العهود ، فقد صالح الحسن (علیه السّلام) معاوية ، وسلّم إليه الخلافة ، ومع ذلك فقد غدر معاوية به فدسّ إليه سمّاً .فقتله . وأعطوا الأمان لمسلم بن عقيل فخانوا به ، وقد ذكرنا في البحوث السابقة مجموعة من الشخصيات التي اغتالها معاوية خشية منهم .
وقد أعلن الإمام الحسين (علیه السّلام) أن بني أمية لا يتركونه . يقول (علیه السّلام) لأخيه محمد ابن الحنفية : «لَوْ دَخَلْتُ فِي جُحْرِ هَامَّةٍ مِنْ هَذِهِ الْهَوامُ لَاسْتَخْرَجُونِي حَتَّى يَقْتُلُونِي»(3).
وقال الجعفر بن سليمان الضبعي : «وَاللهِ لَا يَدَعُونِي حَتَّى يَستَخرِجُوا هَذِهِ الْعَلَقَةَ - يعني قلبه الشريف - مِنْ جَوْفِي»(4).
واختار (علیه السّلام) أن يعلن عليهم الحرب ويموت ميتة كريمة تهز عروشهم ، وتقضي على جبروتهم وطغيانهم .
هذه بعض الأسباب التي حفزت أبا الأحرار إلى الثورة على حكم يزيد .
1) تفسير القمي : 2 : 86. روضة الواعظين : 191 . الاحتجاج : 2: 123. بحار الأنوار 45: 157 . ينابيع المودة : 3 : 32.
2) تفسير القمي : 2 : 86 . روضة الواعظين : 191 . بحار الأنوار: 45 : 167 مقاتل الطالبيين : 119.
3) تاريخ الطبري : 4 : 589. مقتل الحسين (علیه السّلام)/ الخوارزمي : 1 : 218. الكامل في التاريخ : 3: 276.
4) الإرشاد / المفيد : 2 : 76 . تاريخ الأمم والملوك : 4: 596. الكامل في التاريخ : 3: 276.
ووصف جماعة من المتعصبين لبني أُمية خروج الإمام الحسين (علیه السّلام) على يزيد بأنه كان من أجل الملك والظفر بخيرات البلاد وهذا الرأي ينمّ عن حقدهم عليه بما أحرزه من الانتصارات الرائعة في نهضته المباركة التي لم يظفر بمثل معطياتها أيّ مصلح اجتماعي في الأرض ، وقد يكون لبعضهم العذر لجهلهم بواقع النهضة الحسينية ، وعدم الوقوف على أسبابها . لقد كان الإمام الحسين (علیه السّلام) على يقين بإخفاق ثورته في الميادين العسكرية ؛ لأنّ خصمه كان يدعمه جند مكثف أُولوا قوّة وأُولوا بأس شديد ، وهو لم تكن عنده أية قوة عسكرية ليحصل على الملك ، ولو كان الملك غايته - كما يقولون - لعاد إلى الحجاز أو مكان آخر حينما بلغه مقتل سفيره مسلم ابن عقيل (علیه السّلام) وانقلاب الكوفة عليه ، ويعمل حينئذ من جديد على ضمان غايته ونجاح مهمته.
لقد كان الإمام الحسين (علیه السّلام) على علم بأنّ الأوضاع السائدة كلّها كانت في صالح بني أُمية وليس منها مما يدعمه أو يعود لصالحه يقول ابن خلدون : «إنّ هزيمة الحسين كانت أمراً محتماً ؛ لأن الحسين لم تكن له الشوكة التي تمكنه من هزيمة الأمويين ؛ لأن عصبية مضر في قريش ، وعصبية قريش عبد مناف ، وعصبية عبد مناف في بني أمية ، فعرف ذلك لهم قريش وسائر الناس لا ينكرونه»(1).
لقد كانت ثورته من أجل غاية لا يفكر بها أُولئك الذين فقدوا وعيهم واختيارهم ، فقد كان خروجه على حكم يزيد من أجل حماية المثل الإسلامية والقيم الكريمة من الأُمويين الذين حملوا عليها معول الهدم .
1) مقدّمة ابن خلدون : 270 .
يقول بعض الكتاب المعاصرين : ويحق لنا أن نسأل ماذا كان هدف الحسين (علیه السّلام) ، وماذا كانت القضية التي يعمل من أجلها ؟
أما لو كان هدفه شخصياً يتمثل في رغبته في إسقاط يزيد ليتولى هو بنفسه الخلافة التي كان يطمح إليها ، ما وجدنا فيه هذا الإصرار على التقدّم نحو الكوفة رغم وضوح تفرّق الناس من حوله ، واستسلامهم لابن زياد ، وحملهم السلاح في أعداد كثيرة لمواجهته والقضاء عليه.
إنّ أقصر الناس نظراً كان يدرك أن مصيره لن يختلف عما آل إليه فعله ، ولو كان الحسين بهذه المكانة من قصر النظر لعاد إلى مكة ليعمل من جديد للوصول إلى منصب الخلافة ، ولو كان هدفه في أوّل الأمر الوصول إلى منصب الخلافة ، ثمّ لمّا بلغه مصرع ابن عمه قرر مواصلة السفر للثأر من قاتليه - كما يزعم بعض الباحثين - استجابة لقضية أهله وأقاربه ، لو كان هذا هدفه لأدرك أن جماعته التي خرجت معه للثأر وهي لا تزيد على التسعين رجالاً ونساءً وأطفالاً لن تصل إلى شيء من ذلك من دون أن يقضى على أفرادها جميعاً ، وبغير أن يضحي هو بنفسه ضحية رخيصة في ميدان الثأر، ومن ثمّ يكون من واجبه للثأر أن يرجع ليعيد تجميع صفوف أنصاره وأقربائه ، ويتقدم في الجمع العظيم من الغاصبين والموتورين .
فالقضية إذاً ليست قضية ثأر والهدف ليس هدفاً شخصياً ، وإنّما الأمر أمر الأمة ، والقضية كانت للحق ، والإقدام إقدام الفدائي الذي أراد أن يضرب المثل بنفسه في البذل والتضحية ، ولم يكن إصرار الحسين على التقدّم نحو الكوفة بعد ما علم من تخاذل أهلها ونكوصهم عن الجهاد إلا ليجعل من استشهاده علماً تلتف حوله القلة التي كانت لا تزال تؤمن بالمثل وتلتمس في القادة من ينير لها طريق الجدد في الكفاح ، وتحريكاً لضمائر المتخاذلين القاعدين عن صيانة حقوقهم ورعاية مصالحهم .
وألم هذا القول بالواقع المشرق الذي ناضل من أجله الإمام الحسين (علیه السّلام)، فهو
لم يستهدف أية مصلحة ذاتية ، وإنّما استهدف مصلحة الأمة وصيانتها من الأُمويين .
ودرس الإمام الحسين (علیه السّلام) أبعاد الثورة بعمق وشمول ، وخطط أساليبها بوعى وإيمان ، فرأى أن يزج بجميع ثقله في المعركة ، ويضحي بكل شيء لإنقاذ الأمة من محنتها في ظلّ ذلك الحكم الأسود الذي تنكّر لجميع متطلبات الأمة . وقد أدرك المستشرق الألماني (ماريين) تخطيط الإمام الحسين (علیه السّلام) لثورته ، فاعتبر أنّ الحسين قد توخى النصر منذ اللحظة الأولى ، وعلم النصر فيه ، فحركة الحسين (علیه السّلام) في خروجه على يزيد - كما يقول - إنّما كانت عزيمة قلب كبير عزّ عليه الإذعان ، وعزّ عليه النصر العاجل ، فخرج بأهله وذويه ذلك الخروج الذي يبلغ به النصر الأجل بعد موته ، ويحيي به قضية مخذولة ليس لها بغير ذلك حياة .
لقد أيقن أبو الشهداء (علیه السّلام) أن القضية الإسلامية لا يمكن أن تنتصر إلا بفخامة ما يقدمه من التضحيات ، فصمّم بعزم وإيمان على تقديم أروع التضحيات ، وهذه بعضها :
أعلن الإمام الحسين (علیه السّلام) عن عزمه على التضحية بنفسه ، فأذاع ذلك في مكة ، فأخبر المسلمين أنّ أوصاله سوف تتقطع بين النواويس وكربلاء ، وكان في أثناء مسيرته إلى العراق يتحدّث عن مصرعه، ويشابه بينه وبين أخيه يحيى بن زكريا ، وأن رأسه الشريف سوف يرفع إلى بغي من بغايا بني أمية كما رفع رأس يحيى إلى بغي من بغايا بني إسرائيل(1).
1) بحار الأنوار: 44: 365. الفتوح : 5: 25 .
لقد صمّم على الموت واستهان بالحياة من أجل أن ترتفع راية الحق وتعلو كلمة الله في الأرض ، وبقي صامداً على عزمه الجبار ، فلم يرتهب حينما أحاطت به الجيوش الهائلة وهي تبيد أهل بيته وأصحابه في مجزرة رهيبة اهتز من هولها الضمير الإنساني ، وقد كان في تلك المحنة الحازبة من أربط الناس جأشاً ، وأمضاهم جناناً ، فلم ير قبله ولا بعده شبيهاً له في شدّة بأسه وقوة عزيمته ، كما لا يعرف التاريخ في جميع مراحله تضحية أبلغ أثراً في حياة الناس من تضحيته (علیه السّلام)، فقد بقيت صرخة مدوّية في وجوه الظالمين والمستبدين.
أقدم أبو الشهداء (علیه السّلام) على أعظم تضحية لم يقدمها أي مصلح اجتماعي في الأرض ، فقد قدّم أبناءه وأهل بيته وأصحابه فداءً لما يرتأيه ضميره من تعميم العدل وإشاعة الحق والخير بين الناس .
وقد خطط هذه التضحية ، وآمن بأنّها جزء من رسالته الكبرى ، وقد أذاع ذلك وهو في يثرب حينما خفت إليه السيدة أُمّ سلمة زوج النبي تعذله عن الخروج ، فأخبرها عن قتله وقتل أطفاله ، وقد مضى إلى ساحات الجهاد وهو متسلّح بهذا الإيمان ، فكان يشاهد الصفوة من أصحابه الذين هم من أنبل من عرفتهم الإنسانية في ولائهم للحق ، وهم يتسابقون إلى المنية بين يديه، ويرى الكواكب من أهل بيته وأبنائه ، وهم في غضارة العمر وريعان الشباب ، وقد تناهبت أجسادهم السيوف والرماح ، فكان يأمرهم بالثبات والخلود إلى الصبر قائلاً: «صَبراً يا بَنِي عُمُومَتِي ، صَبْراً يا أَهْلَ بَيْتِي ، لَا رَأَيْتُمْ هَوَاناً بَعْدَ هَذَا الْيَومِ أَبَداً»(1).
واهتزت الدنيا من هول هذه التضحية التي تمثل شرف العقيدة ، وسمو القصد
1) اللهوف : 68 . بحار الأنوار : 45 : 36 .
وعظمة المبادئ التي ناضل من أجلها ، وهي - من دون شك - ستبقى قائمة على مر القرون والأجيال ، تضيء للناس الطريق، وتمدهم بأروع الدروس عن التضحية في سبيل الحق والواجب.
وضحى أبي الضيم بجميع ما يملك فداءً للقرآن ، ووقاية لدين الله ، وقد هجمت - بعد مقتله - الوحوش الكاسرة من جيوش الأمويين على مخيمه فتناهبوا ثقله ومتاعه حتّى لم يتركوا ملحفة أو إزاراً على مخدّرات الرسالة إلا نهبوه ، ومثلوا بذلك خسة الإنسان حينما يفقد ذاتياته، ويمسخ ضميره .
وكان من أروع ما خططه الإمام العظيم (علیه السّلام) في ثورته الكبرى حمله لعقائل النبوة ومخدّرات الرسالة إلى كربلاء ، وهو يعلم ما سيجري عليهن من النكبات والخطوب ، وقد أعلن ذلك حينما عذله ابن الحنفية عن حملهن معه إلى العراق ، فقال له : «قَدْ شَاءَ اللهُ أَنْ يَرَاهُنَّ سَبايا»(1).
لقد أراد (علیه السّلام) بذلك أن يستكمل أداء رسالته الخالدة في تحرير الأمة وإنقاذها من الاستعباد الأموي ، وقد قامت تلك السيدات بدور مشرق في إكمال نهضة أبي الشهداء (علیه السّلام)، فأيقظن المجتمع بعد سُباته ، وأسقطن هيبة الحكم الأموي ، وفتحن باب الثورة عليه ، ولولاهن لم يتمكن أحد أن يفوه بكلمة واحدة أمام ذلك الطغيان الفاجر ، وقد أدرك ذلك كلّ من تأمّل في نهضة الإمام الحسين (علیه السّلام) ودرس أبعادها ، وقد أشار إليها بعض العلماء والكتاب ، وفيما يلي بعضهم
1) بحار الأنوار: 44: 364 . اللهوف : 40 . ينابيع المودة : 3 : 60 .
أكد الإمام الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء (رحمه الله علیه) في كثير من مؤلفاته أن الغاية من خروج الإمام الحسين الا بعائلته إلى كربلاء إكمالاً لنهضته وبلوغاً إلى هدفه في تحطيم دولة الأمويين ، يقول : «وهل تشك وترتاب في أن الحسين (علیه السّلام) لو قتل هو وولده ، ولم يتعقبه قيام تلك الحرائر في تلك المقامات بتلك التحديات لذهب قتله جُباراً(1)، ولم يطلب به أحد ثاراً ، ولضاع دمه هدراً ، فكان الحسين (علیه السّلام) يعلم أن هذا عمل لا بدّ منه ، وأنّه لا يقوم به إلا تلك العقائل فوجب عليه حتماً أن يحملهنّ معه لا لأجل المظلومية بسبيهن فقط ، بل لنظر سياسي وفكر عميق ، وهو تكميل الغرض ، وبلوغ الغاية من قلب الدولة على يزيد ، والمبادرة إلى القضاء عليها قبل أن تقضي على الإسلام وتعود الناس إلى جاهليتها الأولى...»(2).
يقول الأستاذ السيد أحمد فهمي : «وقد أدرك الحسين أنه مقتول ؛ إذ هو يعلم علم اليقين قبح طوية يزيد ، وإسفاف نحيزته(3)، وسوء سريرته ، فيزيد بعد قتل الحسين ستمتد يده إلى أن يؤذي النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في سلالته من قتل الأطفال الأبرياء ، وانتهاك حرمة النساء ، وحملهن ومن بقي من الأطفال من قفرة إلى قفرة ، ومن بلد إلى بلد ، فيثير مرأى أولئك حفيظة المسلمين ، فليس ثمة أشنع ولا أفظع من التشفّي والانتقام من النساء والأطفال بعد قتل الشباب والرجال ، فهو بخروجه بتلك الحالة أراد أن يثأر من يزيد في خلافته ، ويقتله في كرامته ، وحقاً لقد وقع ما توقعه،
فكان لما فعله يزيد وعصبته من فظيع الأثر في نفوس المسلمين ، وزاد في أضغانهم ما عرضوا به سلالة النبوّة من هتك خدر النساء ، وهن اللاتي ما عُرفن إلا بالصيانة والطهر والعزّ والمنعة ، ممّا أطلق ألسنة الشعراء بالهجاء والدم ، ونفر أكثر المسلمين من خلافة الأمويين، وأسخط عليهم قلوب المؤمنين ، فقد قتله الحسين أشدّ من قتله إياه»(1).
يقول الدكتور أحمد محمود صبحي : «ثمّ رفض - يعني الحسين - إلا أن يصحب أهله ليشهد الناس على ما يقترفه أعداؤه بما لا يبرره دين ولا وازع من إنسانية ، فلاتضيع قضيته مع دمه المراق في الصحراء فيفترى عليه أشدّ الافتراء حين يعدم الشاهد العادل على كل ما جرى بينه وبين أعدائه . تقول الدكتورة بنت الشاطئ : أفسدت زينب أخت الحسين على ابن زياد وبني أُمية لذة النصر ، وسكبت قطرات من السم الزعاف في كؤوس الظافرين ، وإن كل الأحداث السياسية التي ترتبت بعد ذلك من خروج المختار ، وثورة ابن الزبير ، وسقوط الدولة الأموية ، وقيام الدولة العباسية ، ثمّ تأصل مذهب الشيعة إنّما كانت زينب هي باعثة ذلك ومثيرته»(2).
أُريد أن أقول : ماذا يكون الحال لو قتل الحسين ومن معه جميعاً من الرجال ؟ إلا أن يسجل التاريخ هذه الحادثة الخطيرة من وجهة نظر أعدائه ، فيضيع كلّ أثر لقضيته مع دمه المسفوك في الصحراء ؟!»(3).
هذه بعض الآراء التي تدعم ما ذكرناه من أن خروج الحسين (علیه السّلام) بعائلته لم يكن
الغرض منه إلا بلورة الرأي العام، وإيضاح المقاصد الرفيعة التي ثار من أجلها ، ومن أهمها القضاء على دولة الأمويين التي كانت تشكل خطراً مباشراً على العقيدة الإسلامية .
وهناك رأي آخر أدلى به العلامة المغفور له الشيخ عبد الواحد المظفر ، وهو أن الحسين إنما خرج بعائلته خوفاً عليها من اعتقال الأمويين وزجها في سجونهم ، قال : «الحسين لو أبقى النساء في المدينة لوضعت السلطة الأموية عليها الحجر . لا ، بل اعتقلتها علناً وزجتها في ظلمات السجون ، ولابد له حينئذ من أحد أمرين خطيرين كلّ منهما يشل أعضاء نهضته المقدسة : إما الاستسلام لأعدائه وإعطاء صفقته لهم طائعاً ليستنقذ العائلة المصونة ، وهذا خلاف الإصلاح الذي ينشده ، وفرض على نفسه القيام به مهما كلّفه الأمر من الأخطار ، أو يمضي في سبيل إحياء دعوته ، ويترك المخدرات اللواتي ضرب عليهن الوحي ستراً من العظمة والإجلال ، وهذا ما لا تطيق احتماله نفس الحسين (علیه السّلام) الغيور ، ولا يردع أُمية رادع من الحياء ، ولا يزجرها زاجر من الإسلام .
إنّ أُمية لا يهمها اقتراف الشائن في بلوغ مقاصدها ، وإدراك غاياتها فتتوصل إلى غرضها ولو بارتكاب أقبح المنكرات الدينية والعقلية .
ألم يطرق سمعك سجن سجن الأمويين لزوجة عمرو بن الحَمِق الخزاعي ، وزوجة عبيد الله بن الحرّ الجعفي ، وأخيراً زوجة الكميت الأسدي»(1).
وعلى أية حال فقد حطّم الإمام الحسين (علیه السّلام) بخروجه لعائلته جميع مخططات السياسة الأموية ونسف جميع ما أقامه معاوية من معالم الظلم ، فقد قامت عقائل
1) توضيح الغامض من أسرار السنن والفرائض : 297 و 298.
الوحي بدور فعال ببث الوعي الاجتماعي ، وتعريف المجتمع بواقع الأمويين وتجريدهم من الإطار الديني ، ولولاهن لاندرست معالم ثورة الحسين (علیه السّلام)، وذهبت أدراج الرياح .
إن من ألمع الأسباب في استمرار خلود مأساة الإمام الحسين (علیه السّلام)، واستمرار فعالياتها في بثَّ الإصلاح الاجتماعي على امتداد التاريخ هو حمل ودائع الرسالة وعقائل الوحي مع الإمام ، فقد قمن بدور مشرق ببلورة الرأي العام، فحملن راية الإيمان التي حملها الإمام العظيم (علیه السّلام) ونشرن مبادئه العليا التي استشهد من أجلها ، فقد انبرت حفيدة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) وشقيقة الحسين (علیه السّلام) السيدة زينب بنت أمير المؤمنين (علیه السّلام) إلى ساحات الجهاد ، وهي تدك حصون الظالمين ، وتدمر جميع ما أحرزوه من الانتصارات في قتل أخيها ، وتلحق بهم الهزيمة والعار ، وتملأ بيوتهم مأساة وحزناً .
لقد أقبلت قائدة المسيرة الحسينية عقيلة الوحى زينب (عليها السلام) إلى ساحة المعركة وهي تشق صفوف الجيش تفتش عن جثمان أخيها الإمام العظيم ، فلما وقفت عليه شخصت لها أبصار الجيش واستحال إلى سمع ، فماذا تقول أمام هذه الخطوب المذهلة التي تواكبت عليها ؟ إنّها وقفت عليه غير مدهوشة لم تذهلها الرزايا التي تميد منها الجبال ، فشخصت ببصرها إلى السماء وهي تقول بحماسة الإيمان وحرارة العقيدة قائلة : اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنّا هَذَا القُرْبانَ(1).
وأطلقت بذلك أول شرارة للثورة على الحكم الأموي بعد أخيها ، وود الجيش أن تسيخ به الأرض ، فقد استبان له عظم ما اقترفه من الإثم ، وأنّه قد أباد عناصر الإسلام ، ومراكز الوعي والإيمان .
ولما اقتربت سبايا أهل البيت (علیهم السّلام) إلى الكوفة خرجت الجماهير الحاشدة
1) زينب الكبرى / النقدي : 94 .
لاستقبال السبايا ، فخطبت فيهم عقيلة الوحي خطاباً مثيراً ومذهلاً، وإذا بالناس حيارى لا يعون ولا يدرون ، قد استحالت بيوتهم إلى مآتم وهم يندبون حظهم التعيس ويبكون على ما اقترفوه من الجرم، وحينما انتهت إلى دار الإمارة استقبلها الطاغية متشفّياً بأحط وأخس ما يكون التشفّي قائلاً: كيف رأيت صنع الله بأخيك ؟!
وانطلقت عقيلة بني هاشم ببسالة وصمود ، فأجابته بكلمات النصر والظفر قائلة : ما رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلاً، هؤُلَاءِ قَوْمٌ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ فَبَرَزُوا إِلَى مَضاجِعِهِمْ ، وَسَيَجْمَعُ اللَّهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ فَتَحاجُ وَتُحَاصَمُ ، فانْظُرْ لِمَنِ الْفَلَجُ يَوْمَئِذٍ ؟! تَكَلَتْكَ أُمُّكَ يابْنَ مَرْجانَةَ(1).
وأخزت هذه الكلمات ابن مرجانة فكانت أشقّ عليه من ضرب السيوف وطعن الرماح ، ولما انتهت إلى الشام هزّت العرش الأموي بخطابها المثير الرائع ، وحققت بذلك من النصر ما لم تحققه الجيوش .
لقد كان حمل الإمام الحسين (علیه السّلام) لعائلته قائماً على أساس من الوعي العميق الذي أحرز به الفتح والنصر .
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض أسباب الثورة الحسينية ومخططاتها .
1) الفتوح : 5 : 122. مقتل الحسين (علیه السّلام)/ الخوارزمي : 2 : 42 .
وبعدما أعلن الإمام الحسين (علیه السّلام) رفضه الكامل لبيعة يزيد اتجه مع أهل بيته إلى مكة التي هي حرم الله ، وحرم رسوله ، عائذاً ببيتها الحرام الذي فرض فيه تعالى الأمن والطمأنينة لجميع العباد .
لقد اتجه إلى هذا البلد الأمين ليكون بمأمن من شرور الأمويين واعتداءاتهم ، ويقول المؤرخون : إنّه خرج ليلة الأحد لليلتين بقيتا من رجب سنة (60هـ)(1)، وقد خيم الذعر على المدنيين حينما رأوا آل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ينزحون عنهم إلى غير مآب .
وفصل الركب من يثرب، وهو جاد في مسيرته ، وكان الإمام الحسين (علیه السّلام) يتلو قوله تعالى : «رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَومِ الظَّالِمِينَة(2)»(3).
لقد شبه خروجه بخروج موسى على فرعون زمانه ، وكذلك فهو قد خرج على طاغية زمانه فرعون هذه الأمة ليقيم الحق ، ويبني صروح الأمة ليقيم الحق ، ويبني صروح العدل ، وسلك الطريق العام الذي يسلكه الناس من دون أن يتجنب عنه ، وأشار عليه بعض أصحابه أن يحيد عنه كما فعل ابن الزبير - مخافة أن يدركه الطلب من السلطة في يثرب،
فأجابه (علیه السّلام) بكل بساطة وثقة في النفس قائلاً: «لا وَاللهِ ، لَا فَارَقْتُ هذَا الطَّرِيقَ أَبَداً ، أَوْ أَنظُرُ إِلى أَبْيَاتِ مَكَّةَ ، أَوْ يَقْضِيَ اللهُ فِي ذلِك ما يُحِبُّ وَيَرْضى»(1).
لقد رضي بكلّ قضاء يبرمه الله ، ولم يضعف ، ولم توهن عزيمته الأحداث الهائلة التي لا يطيقها أي إنسان ، وكان يتمثل في أثناء مسيرته بشعر يزيد بن مفرغ :
لَا ذَعَرْتُ السَّوامَ في فَلَقِ الصُّبْـ *** ـح مُغِيراً وَلَا دُعِيتُ يَزِيدا
يَومَ أُعطِي مَخافَةَ المَوتِ ضَيماً *** وَالمَنايا يَرصُدنَنِي أَنْ أَحِيدا(2)
1 : 186 . تاريخ مدينة دمشق : 14 : 204. البداية والنهاية : 8: 167 .
لقد كان على ثقة أن المنايا ترصده ما دام مصمّماً على عزمه الجبار في أن يعيش عزيزاً لا يضام ولا يذل ولا يخضع لحكم يزيد ، ويقول بعض الرواة : إنّه كان في مسيرته ينشد هذه الأبيات :
إِذا المَرءُ لَم يَحْمِي بَنِيهِ وَعِرضَهُ *** وَنِسوَتَهُ كانَ اللَّئِيمَ المُسَبَّبا
وَمِنْ دُونِ ما يُبغِي يَزِيدُ بِنا غَداً *** نَخُوضُ حِياضَ الموتِ شَرقاً وَمَغربا
وَنَضْرِبُ ضَرباً كالحَرِيقِ مُقدِّماً *** إذا ما رَآهُ ضَيغَمْ فَرَّ هاريا(3)
ودلّ هذا الشعر على مدى عزمه على أن يخوض حياض الموت سواء أكانت في المشرق أم في المغرب ولا يبايع يزيد بن معاوية .
واستقبله في أثناء الطريق عبد الله بن مطيع العدوي ، فقال له : أين تريد
أبا عبد الله ، جعلني الله فداك ؟
فقال (علیه السّلام): أَمَا فِي وَقتِي هَذَا أُرِيدُ مَكَّةَ ، فَإِذَا صِرْتُ إِلَيْهَا اسْتَخَرتُ اللهَ فِي أَمرِي بَعدَ ذَلِكَ .
قال : خار الله لك يابن بنت رسول الله فيما قد عزمت عليه ، إنّي أُشير عليك بمشورة فاقبلها مني .
فقال (علیه السّلام): ما هي ؟
قال : إذا أتيت مكة فاحذر أن يغرّك أهل الكوفة ، فيها قتل أبوك وأخوك طعنوه بطعنة كادت أن تأتي على نفسه، فالزم الحرم فإنك سيد العرب في دهرك ، فوالله لئن هلكت ليهلكن أهل بيتك بهلاكك . وشكره وودعه ودعا له بخير(1)
وجاء في تاريخ مدينة دمشق : 14: 182 : «أنّ الحسين (علیه السّلام) بابن مطيع وهو يحفر بئراً ، فقال له : إلى أين فداك أبي وأمي ؟
فقال له : أَرَدتُ مَكَّةَ ، وذكر له كتب أهل الكوفة إليه .
فقال ابن مطيع : فداك أبي وأمي متعنا بنفسك ولا تسر إليهم ، فأبى الحسين (علیه السّلام).
ثمّ قال له ابن مطيع : إنّ بئري هذه قد رشحتها وهذا اليوم أوان تمامها ، قد خرج إلينا في الدلو شيء من مائها ، فلو دعوت الله لنا فيها بالبركة .
فقال (علیه السّلام): هاتِ مِنْ مائها ، فأتاه منه فشرب منه ، وتمضمض وردّه في البئر فعذب ماؤها».
وجاء في وسيلة المآل في عد مناقب الآل : 185 : «إن عبد الله بن عباس لقي الحسين (علیه السّلام) ، فقال له : جعلت فداك ، أين تريد ؟
فقال : أَمَّا الْآنَ فَمَكَّةَ ، وَأَمَّا بَعْدَها فَأَسْتَخِيرُ الله .
فقال : خار الله لك ، وجعلنا فداك ، إلزم الحرم فإنّك سيد العرب لا يعدل بك أهل الحجاز أحداً، وتتداعى إليك الناس من كل جانب ، لا تفارق الحرم فداك عمّي وخالي ، فوالله إن هلكت لنسترقن بعدك» - وقعة الطف : 88. البداية والنهاية : 8: 164. الفصول المهمة / ابن الصباغ : 2 : 796 - 799 .
.1) الفتوح : 5 : 22 و 23 . المنتظم : 5 : 327 .
وسار موكب الإمام الحسين (علیه السّلام) يجد السير لا يلوي على شيء حتى انتهى إلى مكة فلما نظر إلى جبالها تلا قوله تعالى : وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ(1)»(2).
لقد كانت هجرته إلى مكة كهجرة موسى (علیه السّلام) إلى مَدْيَن، فكلّ منهما قد فرّ من فرعون زمانه ، وهاجر لمقاومة الظلم ومناهضة الطغيان .
وانتهى الإمام الحسين (علیه السّلام)إلى مكة ليلة الجمعة لثلاث ليال مضين من شعبان(3)، وقد حط رحله في دار العباس بن عبد المطلب(4).
قال أخطب خوارزم : «قال الإمام أحمد بن أعثم الكوفي : ولما دخل الحسين مكة فرح به أهلها فرحاً شديداً ، وجعلوا يختلفون إليه غدوة وعشية ، وكان قد نزل بأعلى مكة ، وضرب هناك فسطاطاً ضخماً ، ونزل عبد الله بن الزبير داره بـ(قعيقعان) ، ثم تحول الحسين (علیه السّلام) إلى دار العباس حوّله إليها عبد الله بن عباس . وكان أمير مكة من قبل يزيد يومئذ عمر بن سعد بن أبي وقاص، فأقام الحسين مؤذناً يؤذن رافعاً صوته فيصلي بالناس ، وهاب ابن سعد أن يميل الحجاج مع الحسين لما يرى من كثرة اختلاف الناس إليه من الآفاق ، فانحدر إلى المدينة وكتب بذلك إلى يزيد»(5).
1) القصص 28: 22.
2) الفتوح: 5: 23 . الفصول المهمة / ابن الصبّاغ: 2 : 799.
3) المنتظم : 5 : 324 .
4) تاريخ مدينة دمشق : 14 : 207. وفي الأخبار الطوال : 229 : «أنه نزل في شعب علي».
5) مقتل الحسين (علیه السّلام)/ الخوارزمي : 1 : 190 . الفتوح : 5 : 23 ، لكن لم يرد في نسخة (الفتوح) التي بين أيدينا النص كاملاً، والظاهر أن الخوارزمي قد نقله بالمعنى . وقد ورد في النص الذي ذكره أن أمير مكة هو عمر بن سعد بن أبي وقاص ، مع أن الصحيح - حسبما تذكر المصادر التاريخية - أنّه عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق .
وقد استقبل استقبالاً حافلاً من المكيّين، وجعلوا يختلفون إليه بكرة وعشية ، وهم يسألونه عن أحكام دينهم ، وأحاديث نبيهم ، يقول ابن كثير : «وعكف الناس بمكة يفدون إليه ، ويجلسون حواليه ، ويستمعون كلامه، وينتفعون بما يسمعون منه ، ويضبطون ما يروون عنه»(1).
لقد كان بجاذبيته الروحيّة مهوى القلوب ، وندى الأفئدة، وقد حامت حوله النفوس تروّي غليلها من نمير علومه التي هي ! من علوم جدّه مفجّر العلم والنور في الأرض.
وأخذ القادمون إلى بيت الله من الحجّاج والمعتمرين من سائر الآفاق يختلفون إليه(2)ويهتفون بالدعوة إليه ، ويطوفون حوله ، هذا يلتمس منه العلم والحديث ، وذاك يقتبس منه الحكم النافعة ، والكلم الجامعة ليهتدي بأنوارهما في ظلمات الحياة(3).
ولم يترك الإمام الحسين (علیه السّلام) ثانية من وقته تمر دون أن يبثّ الوعي الاجتماعي ، ويدعو إلى اليقظة والحذر من السياسة الأموية الهادفة إلى استعباد المسلمين وإذلالهم.
وكان ابن الزبير لاجئاً إلى مكة فراراً من البيعة ليزيد ، وقد ثقل عليه اختلاف الناس على الإمام الحسين (علیه السّلام) وإجماعهم على تعظيمه وتبجيله ، وزهد الناس وانصرافهم عنه ؛ لأنه لم يكن يتمتع بصفة محبوبة ، ولا بنزعة كريمة. يقول زيد بن عليّ الجذعاني : «وكانت فيه خلال لا تصلح معها الخلافة ؛ لأنه كان بخيلاً ضيق العطن(1)، سيء الخلق ، حسوداً ، كثير الخلاف ، أخرج محمد بن الحنفية ، ونفى عبد الله بن عبّاس إلى الطائف»(2).
ومن مظاهر ذاتياته الشح والبخل ، وفيه يقول الشاعر:
رأيتُ أبا بَكْرٍ وَرَبُّكَ غالِبٌ *** عَلَى أَمْرِهِ يَبغِي الخِلَافَةَ بِالتَّمْرِ(3)
وقد عانى الشعب في أيام حكمه القصير الجوع والحرمان ، كما عانت الموالي التي بالغت في نصرته أشد ألوان الضيق ، وقد عبر شاعرهم عن خيبة أملهم في نصرته حيث يقول :
إِنَّ المَوالِي أَمسَتْ وَهيَ عاتِبَةٌ *** عَلَى الخَلِيفَةِ تَشكُو الجُوعَ وَالحَرَبا
ماذا علينا وماذا كان يَرزَؤُنا *** أيُّ المُلُوكِ عَلى ما حَولَنا غَلَبا(4)
وأظهر ابن الزبير النسك والطاعة والتقشف تصنعاً لصيد البسطاء وإغراء السذج ، وقد وصفه الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) بقوله : «يَنْصِبُ حِبالَةَ الدِّينِ لِاصْطِيادِ الدُّنْيا»(5).
ومن المؤكد أنه لم يكن يبغي في خروجه على سلطان بني أمية وجه الله ، وإنّما كان يبغي الملك والسلطان ، وقد أدلى بذلك معاصره عبد الله بن عمر حينما ألحت عليه زوجته في مبايعته ، وذكرت له طاعته وتقواه ، فقال لها : أما رأيت بغلات معاوية التي كان يحج عليها الشهباء ؟ فإنّ ابن الزبير ما يريد غيرهن(1).
وعلى أية حال فإنّ ابن الزبير لم يكن شيء أثقل عليه من أمر الحسين (علیه السّلام)؛ لعلمه بأنّه لا يبايعه أحد مع وجود الحسين (علیه السّلام)، لأنه ابن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فليس على وجه الأرض أحد يساميه ولا يساويه كما يقول ابن كثير(2)
وجاء في وسيلة المآل : 185 : «وقد ثقلت وطأة الحسين على ابن الزبير؛ لأن أهل الحجاز لا يبايعونه ما دام الحسين (علیه السّلام) بالبلد ، ولا يتهيأ له ما يطلب منهم مع وجود الحسين (علیه السّلام)».
.وأكد ذلك (أوكلي) حيث قال : «إنّ ابن الزبير كان مقتنعاً تماماً بأنّ كلّ جهوده ستضيع عبثاً طالما بقي الحسين على قيد الحياة ، ولكن إذا أصابه مكروه فإنّ طريق الخلافة سيكون ممهداً له.
وكان ابن الزبير يشير على الإمام الحسين (علیه السّلام) بالخروج إلى العراق للتخلّص منه ، ويقول له : ما يمنعك من شيعتك وشيعة أبيك ؟ فوالله لو أن لي مثلهم ما توجهت إلا إليهم»(3).
وبعد ما يشير عليه بالذهاب إلى الكوفة ، وحتّى لا يكون متهماً ، يقول له : وإن شئت فأقم هنا ونحن نبايعك ونقف إلى جانبك حتى الموت(4).
ولم يمنح ابن الزبير النصيحة للإمام الحسين (علیه السّلام)، ولم يخلص له في الرأي ، وإنّما أراد أن يستريح منه ، ولم تخف على الإمام الحسين (علیه السّلام) دوافعه ، فراح يقول لأصحابه : إِنَّ هذا - وأشار إلى ابن الزبير - لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيا أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ أَخْرُجَ مِنَ الْحِجازِ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ النَّاسَ لَا يَعْدِلُونَهُ بِي فَوَدُّ أَنِّي خَرَجْتُ حَتَّىٰ يَخْلُوَ لَهُ(1).
وذكر ابن أبي الحديد أنه لما خرج الحسين (علیه السّلام) من مكة إلى العراق ضرب عبد الله بن عباس بيده على منكب ابن الزبير ، فقال :
يا لَكِ مِنْ قُبَّرة بِمَعمَر *** خَلَالَكِ الجَرُّ فَبِيْضِى واصفري
وَنَقْرِي ما شِبْتِ أَنْ تُنَفِّري *** [هذَا الحُسينُ سائِرٌ فَأَبْشِرِي](2)
خلا الجو والله لك يابن الزبير، وسار الحسين (علیه السّلام) إلى العراق ، فقال ابن الزبير یابن عباس ، والله ما ترون هذا الأمر إلا لكم ، ولا ترون إلا أنكم أحق به من جميع الناس .
فقال ابن عباس : إنّما يرى من كان في شك ، ونحن على يقين ، ولكن أخبر عن نفسك بماذا تروم هذا الأمر ؟ قال : بشرفي !
قال : وبماذا شرفت إن كان لك شرف ؟ ! فإنّما هو بنا، فنحن أشرف منك ؛ لأنّ شرفك منا ، وعلت أصواتهما .
فقال غلام من آل الزبير : دعنا منك يابن عباس ، فوالله لا تحبوننا يا بني هاشم ، ولا نحبكم أبداً ، فلطمه عبدالله بن الزبير بيده ، وقال : أتتكلم وأنا حاضر ؟ ! فقال ابن عباس : لِمَ ضربت الغلام ؟ والله أحق بالضرب منه مَن مَزَق ومَرَق .
قال : ومَن هو ؟ قال : أنت .
قال : واعترض بينهما رجال من قريش فاسكتوهما(1).
ولم تحفل السلطة الأموية بابن الزبير ، وإنّما وجهت جميع اهتماماتها نحو الإمام الحسين (علیه السّلام).
واستبعد الشيخ محمد الغزالي أنّ ابن الزبير قد أشار على الحسين (علیه السّلام) بالخروج إلى العراق ليستريح منه ، قال : فعبد الله بن الزبير أتقى الله وأعرق في الإسلام من أن يقترف هذه الدنية(2).
وهذا الرأي بعيد عن الواقع ، فإنّ ابن الزبير لم تكن له أية حريجة في الدين، فهو الذي أجّج نار الفتنة في حرب الجمل وزج أباه فيها ، وقد تهالك على السلطان ، وضحى بكل شيء في سبيله ، وقد كان من أعدى الناس للعترة الطاهرة ؛ ولما عوتب في ترك الصلاة على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) اعتذر بأن له أهيل سوء ، فإذا ذكرته اشرأبت أعناقهم ، صلى الله عليه وسلمه فمن كان هذا شأنه فهل يكون تقيّاً وعريقاً في الإسلام ؟!
من الآراء الرخيصة ما ذهب إليه أنيس زكريا المعروف بنزعته الأموية : «إن من أهم الأسباب التي أدت إلى قتل الإمام الحسين (علیه السّلام) تشجيع ابن الزبير له في الخروج إلى العراق ، فقد كان له أثره المهم في نفسه»(3).
وهذا القول من أهزل الآراء ، فإنّ الإمام الحسين (علیه السّلام) لم يتأثر بقول ابن الزبير ،
ولم ينخدع بتشجيعه له ، وإنما كانت هناك عوامل أخرى حفزته إلى الخروج إلى العراق ، وقد ذكرناها بالتفصيل في البحوث السابقة .
وذعرت السلطة المحلية في مكة من قدوم الإمام الحسين (علیه السّلام) إليها ، وخافت أن الله يتخذها مقراً سياسياً لدعوته ، ومنطلقاً لإعلان الثورة على حكومة دمشق ، وقد خف حاكم مكة عمرو بن سعيد الأشدق وهو مذعور فقابل الإمام الحسين (علیه السّلام) ، فقال له : ما أقدمك ؟
فقال (علیه السّلام): عائذاً باللهِ ، وَبهذَا الْبَيْتِ(1).
لقد جاء الإمام الحسين (علیه السّلام) عائداً ببيت الله الحرام الذي من دخله كان آمناً ، وكان محصناً من كل ظلم واعتداء .
ولم يحفل الأشدق بكلامه ، وإنّما رفع رسالة إلى يزيد أحاطه بها علماً بمجيء الإمام الحسين (علیه السّلام) إلى مكة ، واختلاف الناس إليه ، وازدحامهم على مجلسه ، وإجماعهم على تعظيمه ، وأخبره أن ذلك يشكل خطراً على الدولة الأموية .
واضطرب يزيد أشدّ ما يكون الاضطراب حينما وافته الأنباء بامتناع الإمام الحسين (علیه السّلام) عن بيعته وهجرته إلى مكة، واتخاذها مركزاً لدعوته ، وإرسال أهل العراق الوفود والرسائل إلى الدعوة لبيعته ، فكتب إلى عبد الله بن عبّاس رسالة ، وهذا نصها :
«أما بعد ، فإنّ ابن عمّك حسيناً ، وعدو الله ابن الزبير التويا ببيعتي ولحقا بمكة
1) تذكرة الخواص : 214 .
مرصدين للفتنة ، معرضين أنفسهما للهلكة ، فأما ابن الزبير فإنّه صريع الفنا، وقتيل السيف غداً ، وأما الحسين فقد أحببت الإعذار إليكم أهل البيت مما كان منه ، وقد بلغني أنّ رجالاً من شيعته من أهل العراق يكاتبونه ويكاتبهم ، ويمنّونه الخلافة ويمنيهم الإمرة ، وقد تعلمون ما بيني وبينكم من الوصلة وعظيم الحرمة ونتائج الأرحام.
وقد قطع ذلك الحسين وبته ، وأنت زعيم أهل بيتك ، وسيد بلادك ، فالقه فاردده عن السعي في الفتنة ، فإن قبل منك وأناب فله عندي الأمان والكرامة الواسعة ، وأجري عليه ما كان أبي يجريه على أخيه ، وإن طلب الزيادة فاضمن له ما أراك الله وأنفذ ضمانك ، وأقوم له بذلك وله علي الأيمان المغلظة ، والمواثيق المؤكدة بما تطمئن به نفسه ، ويعتمد في كل الأمور عليه ، عجل بجواب كتابي ، وبكل حاجة لك قبلي ، والسلام» .
وختم كتابه بهذه الأبيات :
يا أيُّها الرّاكِبُ الغادِي لِطِيَّتِهِ *** على عَذافِرَةٍ فِي سَيرِها فَحَمْ(1)
ابلِغْ قُريشاً عَلَى نَأْي المَزارِ بِها *** بَيني وَبَينَ الحُسَينِ اللهُ وَالرَّحِمُ
وَمَوقِفٌ بِفِناءِ البَيتِ أَنشده *** عَهْدُ الإِلهِ غَداً تُوفِي بِهِ الذّمَمُ
عَنَيْتُمْ قَومَكُمْ فَخْراً بِأُمِّكُمْ *** أَمْ لَعَمْرِي حَصالٌ عَفَةٌ كَرَمُ
هي التي لا يُدانِي فَضلَها أَحَدٌ *** بِنتُ الرَّسُولِ وَخَيرُ النّاسِ قَدْ عَلِمُوا
إني لأعلَمُ أَوْ ظَنّاً كَعالمه *** وَالظُّنُّ يَصدُقُ أحياناً فينتَظِمُ
أَنْ سَوفَ يَترُكُكُمْ ما تَدْعُونَ بها *** قَتلَى تَهاداكُمُ العُقْبانُ وَالرَّخَمُ
1) الطَّيَّة : النية - المحيط في اللغة : 9: 237 - طيأ . وقد وردت في بعض المصادر : «مطيته» أو «المطيته» وهو تصحيف .
يا قومنا لَا تَشبُوا الحَربَ إِذْ سَكَنَتْ *** وَأَمسِكُوا بِحِبالِ السَّلم وَاعتَصِمُوا
قَد جَرَّبَ الحَرب مَنْ قَدْ كانَ قَبلَكُمْ *** من القُرونِ وقَد بادَتْ بِها الأُمَمُ
فَأَنصِفُوا قَومَكُم لا تهلكوا بدخاً *** فَرُبَّ ذِي بَذَخِ زَلَّت بِهِ القَدَمُ(1)
ودلّت هذه الرسالة على غباوة يزيد ، فقد حسب أنّ الإمام الحسين (علیه السّلام) يطلب المال والثراء في خروجه عليه ، ولم يعلم أنّه إنّما ناهضه لا يبغي بذلك إلا الله والتماس الأجر في الدار الآخرة.
وأجابه ابن عباس : «أما بعد ، فقد ورد كتابك تذكر فيه لحاق الحسين وابن الزبير بمكة ، فأما ابن الزبير فرجل منقطع عنا برأيه وهواه ، يكاتمنا مع ذلك أضغاناً يسرها في صدره ، يوري علينا وري الزناد ، لا فك الله أسيرها ، فاراً في أمره ما أنت راءٍ . وأما الحسين فإنّه لما نزل مكة وترك حرم جده ومنازل آبائه سألته عن مقدمه فأخبرني أن عمالك بالمدينة أساءوا إليه ، وعجلوا عليه بالكلام الفاحش ، فأقبل إلى حرم الله مستجيراً به ، وسألقاه فيما أشرت إليه ، ولن أدع النصيحة فيما يجمع الله به الكلمة ، ويطفئ به النائرة، ويخمد به الفتنة ، ويحقن به دماء الأمة ، فاتق الله في السر والعلانية ، ولا تبيتن ليلة وأنت تريد لمسلم غائلة ، ولا ترصده بمظلمة ، ولا تحفر له مهواة(2).
فكم من حافر لغيره حفراً وقع فيه ، وكم من مؤمل أملاً لم يؤتَ أمله ، وخذ بحظك من تلاوة القرآن ، ونشر السنّة ، وعليك بالصيام والقيام لا تشغلك عنهما ملاهي الدنيا وأباطيلها ، فإنّ كلّ ما اشتغلت به عن الله يضرّ ويفنى ، وكل ما اشتغلت
به من أسباب الآخرة ينفع ويبقى ، والسلام»(1).
وحفلت هذه الرسالة بما يلي :
أوّلاً: إنّه لا علاقة لبني هاشم بابن الزبير ، ولا هم مسؤولون عن تصرفاته ، فقد كان عدوّاً لهم يتربص بهم الدوائر ، ويبغي لهم الغوائل .
ثانياً : إنّ الإمام الحسين (علیه السّلام) إنما نزح من يثرب إلى مكة لا لإثارة الفتنة ، وإنّما لإساءة عمّال يزيد له ، وقد قدم إلى مكة ليستجير ببيتها الحرام .
كان الوليد بن عتبة بن أبي سفيان والياً على يثرب بعد عزل مروان عنها ، وكان - فيما يقول المؤرخون - فطناً ذكياً يحبّ العافية ويكره الفتنة ، ولما امتنع الإمام الحسين (علیه السّلام) من البيعة ليزيد لم يتخذ معه الإجراءات الصارمة ، ولم يكرهه على ما لا يحبّ ، وإنّما فسح له المجال في الرحيل إلى مكة من دون أن يعوقه عنها ، في ين أنّه قد أصرّ عليه مروان بالتنكيل به فرفض ذلك ، وقد نقل الأمويون موقفه المتّسم باللين والتسامح مع الحسين (علیه السّلام) إلى يزيد ، فغضب عليه وعزله عن ولايته(2)، وقد عهد بها إلى جبار من جبابرة الأمويين عمرو بن سعيد الأشدق(3)
وجاء في تاريخ مدينة دمشق : 46 34 : «إنّه كان عظيم الشدقين. وجاء ذلك في معجم الشعراء : 49 ، إنّه عظيم الشدقين في شتم علي (علیه السّلام)».
وقد عرف بالقسوة والغلظة . قدم إلى المدينة في رمضان بعد أن تسلّم ولايته عليهافصلي بالناس صلاة العتمة، وفي الصباح خرج على الناس وعليه قميص أحمر وعمامة حمراء فرماه الناس بأبصارهم منكرين ما هو عليه ، فصعد المنبر فقال : يا أهل المدينة ، ما لكم ترموننا بأبصاركم كأنكم تقروننا سيوفكم ؟ أنسيتم ما فعلتم ؟ ! أما لو أنتقم في الأولى ما عدتم إلى الثانية ، أغركم إذ قتلتم عثمان فوجدتموه صابراً حليماً وإماماً ، فذهب غضبه، وذهبت ذاته ، فاغتنموا أنفسكم ، فقد وليكم إمام بالشباب المقتبل البعيد الأمل ، وقد اعتدل جسمه ، واشتد عظمه ، ورمى الدهر ببصره، واستقبله بأسره ، فهو إن عزّ لهس ، وإن وطئ فرس ، لا يقلقل له الحصى ، ولا تقرع له العصا(1).
ورعف الطاغية على المنبر فألقى إليه رجل عمامة فمسح بها دمه ، فقال رجل من خثعم : دم على المنبر في عمامة ، فتنة عمّت وعلا ذكرها ورب الكعبة(3).
وقد أُثر عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال : «لَيَرْعُفَنَّ عَلَىٰ مِنْبَرِي جَبَارٌ مِن جَبَابِرَةِ بَنِي أُمَيَّةَ ، فَيَسِيلُ رُعافُهُ»(4).
وعزم الأشدق على مقابلة الجبهة المعارضة بالقوة والبطش ، وقد حفزه إلى ذلك ما حلّ بسلفه الوليد من الإقصاء وسلب الثقة عنه نتيجة تساهله مع الحسين (علیه السّلام)، ولعلّ من أوثق الأسباب التي دعت الإمام الحسين (علیه السّلام) إلى مغادرة الحجاز هو الحذر من بطش هذا الطاغية به ، والخوف من اغتياله وهو في الحرم .
وكان عبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عمر مقيمين في مكة حينما أقبل الإمام. الحسين (علیه السّلام) إليها ، وقد خفا لاستقباله والتشرف بخدمته ، وكانا قد عزما على مغادرة مكة ، فقال له ابن عمر أبا عبد الله ، رحمك الله ، اتق الله الذي إليه معادك ، فقد عرفت من عداوة أهل هذا البيت - يعني بني أُمية - لكم ، وقد ولي الناس هذا الرجل یزید ابن معاوية ، ولستُ أمن أن يميل الناس إليه لمكان هذه الصفراء والبيضاء ، فيقتلونك ، ويهلك فيك بشر كثير ، فإنّي قد سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول : «حُسَيْنٌ مَقْتُولٌ ، وَلَئِنْ قَتَلُوهُ وَخَذَلُوهُ ، وَلَنْ يَنْصُرُوهُ؛ لَيَخْذُلُهُمُ اللَّهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ، وأنا أُشير عليك أن تدخل في صلح ما دخل فيه الناس ، واصبر كما صبرت لمعاوية من قبل فلعل الله أن يحكم بينك وبين القوم الظالمين .
فقال له أبي الضيم : أنا أبايِعُ يَزِيدَ ، وَأَدْخُلُ في صُلْحِهِ ؟!! وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ (صلی الله علیه و آله و سلم) فِيهِ وَفِي أَبِيهِ ما قالَ .
وانبری ابن عباس فقال له : صدقت أبا عبد الله ، قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في حياته : ما لي وَلِيزِيدَ ، لَا بارَكَ اللهُ في يَزِيدَ ، وَإِنَّهُ يَقْتُلُ وَلَدِي ، وَوَلَدَ ابْنَتِي الْحُسَينَ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَا يَقْتُلْ وَلَدِي بَيْنَ ظَهرَانِي قَوْمٍ فَلَا يَمْنَعُونَهُ إِلَّا خَالَفَ اللهُ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ . وبكى ابن عباس والحسين (علیه السّلام)، والتفت إليه قائلاً: يَابْنَ عَبّاسٍ ، أَتَعْلَمُ أَنِّي ابْنُ بِنْتِ صلى الله رَسولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم)؟
فقال : اللهم نعم ، نعلم ما في الدنيا أحد هو ابن بنت رسول الله غيرك ، وأن نصرك لفرض على هذه الأمة كفريضة الصلاة والزكاة التي لا يقبل أحدهما دون الأخرى.
فقال له الإمام الحسين (علیه السّلام): يابنَ عَبّاس ، ما تَقُولُ فِي قَوْمٍ أَخْرَجُوا ابْنَ بِنْتِ رَسولِ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) مِن دارِهِ وَقَرارِهِ وَمَولِدِهِ ، وَحَرَم رَسولِهِ ، وَ مُجاوَرَةِ قَبْرِهِ وَمَسْجِدِهِ وَمَوْضِعِ
مُهَاجِرِهِ ، فَتَرَكُوهُ خَائِفاً مَرْعُوباً لَا يَسْتَقِرُّ فِي قَرَارٍ ، وَلَا يَأْوِي فِي مَوْطِنٍ ، يُريدُونَ فِي ذَلِكَ قَتْلَهُ ، وَسَفْكَ دَمِهِ ، وَهُوَ لَمْ يُشْرِكْ بِاللهِ وَلَا اتَّخَذَ مِنْ دُونِهِ وَلِيّاً ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ عَمّا كانَ عَلَيْهِ رَسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) .
وانبری ابن عباس يؤيد كلامه ، ويدعم قوله قائلاً : ما أقول فيهم إِلَّا أَنَّهُم كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُم كُسَالَى(1)يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلاً مُذَبذَبِينَ بَينَ ذَلِكَ لَا إِلى مَوْلَاءِ وَلَا إِلَىٰ مَوْلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً(2)، وعلى مثل هؤلاء تنزل البطشة الكبرى ، وأما أنت يابن رسول الله فإنّك رأس الفخار برسول الله ، فلا تظن يابن بنت رسول الله أن الله غافل عما يفعل الظالمون، وأنا أشهد أنّ من رغب عن مجاورتك ، وطمع في محاربتك ، ومحاربة نبيك محمد فما له من خلاق .
وانبرى الإمام الحسين (علیه السّلام) فصدق قوله قائلاً: اللهمَّ نَعَمْ .
وانطلق ابن عباس يظهر له الاستعداد للقيام بنصرته قائلاً: جعلت فداك يابن بنت رسول الله ، كأنك تريدني إلى نفسك ، وتريد مني أن أنصرك ، والله الذي لا إله إلا هو أن لو ضربت بين يديك بسيفي هذا بيدي حتى انخلعا جميعاً من كفّي لما كنت ممن وفي من حقك عُشر العُشر ، وها أنا بين يديك مرني بأمرك .
وقطع ابن عمر كلامه ، وأقبل على الحسين فقال له :
مهلاً عما قد عزمت عليه ، وارجع من هنا إلى المدينة ، وادخل في صلح القوم ، ولا تغب عن وطنك ، وحرم جدّك رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، ولا تجعل لهؤلاء الذين لا خلاق لهم على نفسك حجّة وسبيلاً، وإن أحببت ألا تبايع فأنت متروك حتى ترى رأيك ، فإنّ يزيد بن معاوية عسى ألا يعيش إلا قليلاً فيكفيك الله أمره .
وزجره الإمام ، وردّ عليه قوله قائلاً : أُفٍّ لِهذَا الْكَلَامِ ، أَبَداً ما دَامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ ، أَسْأَلُكَ يا عَبْدَ اللهِ ، أَنَا عِنْدَكَ عَلى خَطَأَ مِنْ أَمْرِيَ هذا ؟ فَإِنْ كُنْتُ عَلَى خَطَأ رُدَّنِي فَأَنا أَخْضَعُ وَأَسْمَعُ وَأُطِيعُ .
فقال ابن عمر : اللهم لا ، ولم يكن الله تعالى يجعل ابن بنت رسول الله على خطأ، وليس مثلك من طهارته وصفوته من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) على مثل يزيد بن معاوية ، ولكن أخشى أن يضرب وجهك هذا الحسن الجميل بالسيوف وترى من هذه الأمة ما لا تحبّ ، فارجع معنا إلى المدينة ، وإن لم تحب أن تبايع ، فلا تبايع أبداً ، واقعد في منزلك .
فالتفت إليه الإمام فأخبره عن خبث الأمويين، وسوء نواياهم نحوه ، قائلاً: هَيْهاتَ يابْنَ عُمَرَ ! إِنَّ الْقَوْمَ لَا يَتْرُكُونِي ، وَإِنْ أَصابُونِي وَإِنْ لَمْ يُصِيبُونِي ، فَلَا يَزالُونَ حَتَّى أُبايِعَ وَأَنا كارة ، أَوْ يَقْتُلُونِي. أَما تَعْلَمُ يا عَبْدَ اللَّهِ ، إِنَّ مِنْ هَوانِ الدُّنْيا عَلَى اللهِ تَعَالَى أَنَّه أُتِيَ بِرَأْسِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا إِلَى بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَالرَّأْسُ يَنْطِقُ بِالْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ؟! أَمَا تَعْلَمُ يا أَبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا يَقْتُلُونَ مَا بَيْنَ طلُوعِ الْفَجْرِ إِلى طُلُوعِ الشَّمْسِ سَبْعِينَ نَبِيَّاً ثُمَّ يَجْلِسُونَ فِي أَسْواقِهِمْ يَبِيْعُونَ وَيَشْتَرُونَ كُلُّهُمْ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَصْنَعُوا شَيْئاً ، فَلَمْ يُعَجِّلِ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ أَخَذَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ أَخْذَ عَزِيزِ مُقْتَدِرٍ ...(1).
وكشفت هذه المحاورة عن تصميمه على الثورة ، وعزمه على مناجزة يزيد ؛ لأنه لا يتركه وشأنه ، فأما أن يبايع، وبذلك يذل هو ويذل الإسلام وتستباح حرمانه ، وأما أن يقتل عزيزاً كريماً ، فاختار المنية للحفاظ على كرامته وكرامة الأمة ومقدساتها .
1) الفتوح : 5: 23 - 25 . مقتل الحسين (علیه السّلام)/ الخوارزمي : 1: 192 و 193.
وأقبل الإمام الحسين (علیه السّلام) على ابن عباس ، فعهد إليه بهذه الوصية قائلاً: «وَأَنْتَ يا بْنَ عَبّاسٍ ، إِنَّكَ ابْنُ عَمَّ أَبِي ، وَلَمْ تَزَلْ تَأْمُرُ بِالْخَيرِ مُنْذُ عَرَفْتُكَ ، وَكُنْتَ مَعَ أَبِي تُشِيرُ عَلَيْهِ بِما فِيهِ الرَّشادُ وَالسَّدادُ ، وَقَدْ كانَ أَبِي يَسْتَصْحِبُكَ وَيَسْتَنْصِحُكَ وَيَسْتَشِيرُكَ ، وَتُشِيرُ عَلَيْهِ بِالصَّوابِ ، فَامْضِ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي حِفْظِ اللَّهِ ، وَلَا تُخْفِ عَلَيَّ شَيْئًا مِنْ أَخْبَارِكَ ، فَإِنِّي مُسْتَوْطِنْ هذَا الْحَرَمَ ، وَمُقِيمٌ بِهِ مَا رَأَيْتُ أَهْلَهُ يُحِبُّونَني وَيَنْصُرُونَنِي ، فَإِذا هُمْ خَذَلُونِي اسْتَبْدَلْتُ بِهِمْ غَيْرَهُمْ ، وَاسْتَعْصَمْتُ بِالْكَلِمَةِ الَّتِي قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ يَوْمَ ألْقِيَ فِي النَّارِ : حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ، فَكانَتِ النَّارُ عَلَيْهِ بَرْداً وَسَلَاماً»(1).
وحينما علم أشياعه في العراق بموت معاوية واستخلاف ولده ، وفرار الحسين الايام من المدينة إلى مكة رغبة بنفسه عن مبايعته ، فاجتمع مؤتمرهم في الكوفة ببيت سليمان بن صُرَد كما سيأتي ذكره - واجتمع مؤتمرهم في البصرة ببيت مارية بنت سعد(2)، وناقش المؤتمران كلاهما في الأمر، واتفقا على لوم سياسة معاوية ، ورفض ولاية يزيد ، ودعوة الحسين (علیه السّلام) للشخوص إليهم ، وإعطائه بيعتهم والكتابة إليه بما انتهى إليه الرأي ، واستقرت عليه الكلمة .
وكتب الإمام الحسين (علیه السّلام) إلى رؤساء الأخماس بالبصرة يستنهضهم على نصرته والأخذ بحقه ، وقد كتب إلى الأشراف ومن بينهم :
1 - مالك بن مسمع البكري .
2 - الأحنف بن قيس .
3 - المنذر بن الجارود العبدي .
4 - مسعود بن عمرو الأزدي .
5 - قيس بن الهيثم .
6 - عمر بن عبيد الله بن معمر(1).
وقد أرسل كتاباً إليهم بنسخة واحدة ، وهذا نصه :
أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مُحَمَّد (صلی الله علیه و آله و سلم) مِنْ خَلْقِهِ ، وَأَكْرَمَهُ بِنُبُوَّتِهِ ، وَاخْتارَهُ لِرِسالَتِهِ ، ثُمَّ قَبَضَهُ إِلَيْهِ ، وَقَدْ نَصَحَ لِعِبادِهِ ، وَبَلَغَ ما أُرْسِلَ بِهِ ، وَكُنَّا أَهْلَهُ وَأَوْلِياءَهُ وَأَوْصِياءَهُ وَوَرَثَتَهُ ، وَأَحَقَّ النَّاسِ بِمَقامِهِ ، فَاسْتَأْثَرَ عَلَيْنا قَوْمُنا بِذلِكَ فَرَضِينَا ، وَكَرِهْنَا الْفُرْقَةَ ، وَأَحْبَيْنَا الْعافِيةَ ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَا أَحَقُّ بِذلِكَ الْحَقِّ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْنا مِمَّنْ تَوَلَّاهُ .
وَقَدْ بَعَثْتُ رَسولي إِلَيْكُمْ بِهَذَا الْكِتابِ ، وَأَنا أَدْعُوكُمْ إِلَى كِتابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم)، فَإِنَّ السُّنَّةَ قَدْ أُمِينَتْ ، وَإِنَّ الْبِدْعَةَ قَدْ أُحْيِيَتْ ، فَإِنْ تَسْمَعُوا قَوْلِي أُهْدِكُمْ إِلَى سَبِيلِ الرَّشادِ ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ»(2).
وألقت هذه الرسالة الأضواء على الخلافة الإسلامية فهي - حسب تصريح الإمام الحسين (علیه السّلام) -حق لأهل البيت (علیهم السّلام)، لأنهم ألصق الناس برسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وأكثرهم وعياً لأهدافه ، إلّا أنّ القوم استأثروا بها ، فلم يسع العترة الطاهرة إلا الصبر كراهة للفتنة وحفظاً على وحدة المسلمين ، كما حفلت هذه الرسالة بالدعوة إلى الحق بجميع رحابه ومفاهيمه ، فدعت إلى إحياء كتاب الله وسنّة نبيه ، فإنّ الحكم الأموي
عمد إلى إقصائهما عن واقع الحياة .
وعلّق بعض الكتاب على دعوة الإمام الحسين (علیه السّلام) لأهل البصرة لبيعته ، فقال : «إن رسالة الحسين إلى أهل البصرة ترينا كيف كان يعرف مسؤوليته ويمضي معها ، فأهل البصرة لم يكتبوا إليه ، ولم يدعوه إلى بلدهم كما فعل أهل الكوفة ، ومع هذا فهو يكتب إليهم ، ويعدّهم للمجابهة المحتومة ، ذلك أنه حين قرر أن ينهض بتبعات دینه وأُمته ، كان قراره هذا آتياً من أعماق روحه وضميره ، وليس من حركة أهل الكوفة ودعوتهم إياه» .
وعلى أية حال فقد بعث الإمام الحسين (علیه السّلام) كتبه لأهل البصرة بيد مولى له يقال له : سليمان، ويكنى أبا رزين ، وقد جدّ في السير حتى انتهى إلى البصرة فسلّم الكتب إلى أربابها .
وأجاب الأحنف بن قيس زعيم العراق الإمام الحسين (علیه السّلام) برسالة كتب فيها هذه الآية الكريمة ولم يزد عليها : فاصبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ ولا يَستَخِفْنَّكَ الَّذينَ لَا يُوقِنُونَ(1)، وقد طلب منه الخلود إلى الصبر ، ولا يستخفه الذين لا يوقنون بالله ، ولا يرجون له وقاراً .
أما المنذر بن الجارود العبدي فقد كان من أجلاف العرب وحقرائهم ، فقد عمد إلى رسول الإمام الحسين (علیه السّلام) فبعثه مخفوراً إلى ابن زياد - وكان ابن زياد زوج ابنته بحرية - ليظهر له الإخلاص والولاء ، فقتله ابن مرجانة وصلبه عشية الليلة التي خرج
1) سير أعلام النبلاء : 3: 298 . والآية 60 من سورة الروم .
في صبيحتها إلى الكوفة(1)فكان ضحية فداء قبل سفره .
واعتذر بعض المؤرخين عن المنذر - أو هو اعتذر عن نفسه - بأنه خشي أن يكون الرسول من قبل ابن مرجانة لاختباره فلذا سلّمه إليه وهو اعتذار مهلهل ، أو يجري معه التحقيق حتى يستبين له الأمر.
واستجاب الزعيم الكبير يزيد بن مسعود النهشلي إلى تلبية نداء الحق ، فاندفع بوحي من إيمانه وعقيدته إلى نصرة الإمام ، فعقد مؤتمراً عاماً دعا فيه القبائل العربية الموالية له ، وهي :
1 - بنو تميم .
2 - بنو حنظلة .
3 - بنو سعد .
ولما اجتمعت هذه القبائل ، انبرى فيهم خطيباً ، فوجه خطابه أوّلاً إلى بني تميم فقال لهم : يا بني تميم ، كيف ترون موضعي فيكم ، وحسبي منكم ؟!
وتعالت أصوات بني تميم وهي تعلن ولاءها المطلق ، وإكبارها له قائلين بلسان واحد : بخ بخ ، أنت والله فقرة الظهر ، ورأس الفخر ، حللت في الشرف وسطاً ، وتقدمت فيه فرطاً .
وسره تأييدهم ، فانطلق يقول : إنّى جمعتكم لأمر أريد أن أشاوركم ، وأستعين بكم عليه . واندفعوا جميعاً يظهرون له الولاء والطاعة قائلين : إنّا والله نمنحك النصيحة ، ونجهد لك الرأي ، فقل حتى نسمع .
وتطاولت الأعناق ، واشرأبت النفوس لتسمع ما يقول الزعيم الكبير ، وانبرى
1) الأخبار الطوال : 231 و 232 تاريخ الأمم والملوك : 4 : 565 .
قائلاً: إنّ معاوية مات ، فأهون به - والله - هالكاً ومفقوداً ، ألا إنّه قد انكسر باب الجور والإثم ، وتضعضعت أركان الظلم ، وكان قد أحدث بيعة عقد بها أمراً ظنّ أنّه قد أحكمه ، وهيهات الذي أراد . اجتهد والله ففشل، وشاور فخذل ، وقد قام يزيد شارب الخمور ورأس الفجور يدعي الخلافة على المسلمين ، ويتأمر عليهم بغير رضاً منهم ، مع قصر حلم وقلة علم، لا يعرف من الحقِّ موطى، قدميه ، فأقسم بالله قسماً مبروراً لجهاده على الدين أفضل من جهاد المشركين.
وهذا الحسين بن علي وابن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، ذو الشرف الأصيل والرأي الأثيل(1)، له فضل لا يوصف وعلم لا ينزف ، وهو أولى بهذا الأمر لسابقته وسنّه ، وقدمه وقرابته ، يعطف على الصغير ، ويحسن إلى الكبير ، فأكرم به راعي رعية ، وإمام قوم وجبت الله به الحجّة وبلغت به الموعظة ، فلا تعشوا عن نور الحق ولا تسكعوا في وهد الباطل ، فقد كان صخر بن قيس انخذل بكم يوم الجمل فاغسلوها بخروجكم إلى ابن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ونصرته ، والله لا يقصر أحدكم عن نصرته إلّا أورثه الله الذل في ولده ، والقلة في عشيرته.
وها أنا ذا قد لبست للحرب لامتها، وادّرعت لها ،بدرعها ، من لم يقتل يمت، ومن يهرب لم يفت ، فأحسنوا رحمكم الله ردّ الجواب(2).
وحفل هذا الخطاب الرائع بأمور بالغة الأهمية ، وهي :
أوّلاً: الاستهانة بهلاك معاوية ، وأنه قد انكسر بموته باب الظلم والجور .
ثانياً : القدح في بيعة معاوية ليزيد.
ثالثاً : عرض الصفات الشريرة الماثلة في يزيد من الإدمان على الخمر، وفقد الحلم ، وعدم العلم ، وعدم التبصر بالحق .
رابعاً : الدعوة إلى الالتفاف حول الإمام الحسين (علیه السّلام) ؛ وذلك لما يتمتع به من الصفات الشريفة كأصالة الفكر ، وغزارة العلم ، وكبر السن، والعطف على الكبير والصغير ، وغير ذلك من النزعات الكريمة التي تجعله أهلاً لإمامة المسلمين.
خامساً : إنّه عرض للجماهير عن استعداده الكامل للقيام بنصرته والذب عنه .
ولما أنهى الزعيم العظيم خطابه انبرى وجهاء بني حنظلة فأظهروا الدعم الكامل له قائلين : يا أبا خالد ، نحن نبل كنانتك ، وفرسان عشيرتك ، إن رميت بنا أصبت ، وإن غزوت بنا فتحت ، لا تخوض والله غمرة إلّا ،خضناها ، ولا تلقى والله شدّة إلا لقيناها . ننصرك بأسيافنا ، ونقيك بأبداننا إذا شئت فافعل .
وكان منطقاً مشرفاً دلّ على تعاطفهم ، ووقوفهم إلى جانبه .
وقام من بعدهم بنو عامر فأعربوا عن ولائهم العميق له قائلين: يا أبا خالد ، نحن بنو أبيك وحلفاؤك ، لا نرضى إن غضبت ، ولا نبقى إن ظعنت ، والأمر إليك فادعنا إذا شئت.
وأما بنو سعد فأظهروا التردد وعدم الرغبة فيما دعاهم إليه ، قائلين : يا أبا خالد : إنّ أبغض الأشياء إلينا خلافك ، والخروج عن رأيك ، وقد كان صخر بن قيس أمرنا بترك القتال يوم الجمل ، فحمدنا أمرنا ، ويقي عزنا فينا ، فأمهلنا نراجع المشورة ، ونأتيك برأينا .
وساءه تخاذلهم فاندفع يندد بهم قائلاً : لئن فعلتموها لارفع الله السيف عنكم أبداً ، ولا زال سيفكم فيكم(1).
ورفع يزيد بن مسعود رسالة للإمام الحسين (علیه السّلام) دلت على شرفه ونبله ، واستجابته
1) اللهوف : 27 و 28 .
لدعوته ، وهذا نصها :
«أما بعد ، فقد وصل إلي كتابك ، وفهمت ما ندبتني إليه ، ودعوتني له من الأخذ بحظي من طاعتك ، والفوز بنصيبي من نصرتك ، وإنّ الله لم يخل الأرض قط من عامل عليها بخير ، ودليل على سبيل نجاة ، وانتم حجّة الله على خلقه ، ووديعته في أرضه ، تفرّعتم من زيتونة أحمدية هو أصلها وأنتم فرعها ، فاقدم سعدت بأسعد طائر . فقد ذللت لك أعناق بني تميم ، وتركتهم أشدّ تتابعاً في طاعتك من الإبل الظماء لورود الماء يوم خمسها(1)، وقد ذللت لك رقاب بني سعد ، وغسلت درن قلوبها بماء سحابة مزن حين استهل برقها فلمع»(2).
وحفلت هذه الرسالة بسمو أدبه ، وكريم طباعه ، وتقديره البالغ للإمام الحسين (علیه السّلام).
يقول بعض المؤرخين : إنّها انتهت إلى الإمام الحسين (علیه السّلام) في اليوم العاشر من المحرم بعد مقتل أصحابه وأهل بيته ، وهو وحيد فريد قد أحاطت به القوى الغادرة ، فلما قرأ الرسالة طفق يقول : مالَكَ ! آمَنَكَ اللهُ مِنَ الْخَوفِ ، وَأَرْواكَ يَوْمَ الْعَطَشِ الْأَكْبَرِ.
فلما تجهز ابن مسعود لنصرة الإمام الحسين (علیه السّلام) بلغه قتله فجزع لذلك وذابت نفسه أسى وحسرات(3).
ولبى نداء الحقِّ يزيد بن تُبيط(4)العبدي البصري ، وكان - فيما يقول المؤرخون - يتردد إلى دار مارية بنت سعد أو منقذ ، وكانت دارها من منتديات الشيعة ،
وفيها تذاع فضائل أهل البيت (علیهم السّلام) وتنشر مآثرهم ، ولما وجه الإمام الحسين (علیه السّلام) دعوته إلى أهل البصرة لنصرته استجاب لها يزيد بن تُبيط ، ولحق به من أولاده العشرة عبد الله وعبيد الله ، وخاف عليه أصحابه أن يدركه الطلب من شرطة ابن زياد ، فقال لهم : لو استوت أخفافها بالجدد(1)لهان علي طلب من طلبني(2)، واستوى على جواده مع ولديه ، وصحبه مولاه ،عامر ، وسيف بن مالك ، والأدهم بن أُمية ، فلحقوا بالإمام الحسين (علیه السّلام) في مكة وصحبوه إلى العراق واستشهدوا بين يديه في كربلاء(3).
وكره العراقيون بصورة عامة حكم الأمويين، ويغضوا سلطانهم ، وفيما الأمويين أن الأسباب في ذلك ما يلي :
الأول : إن العراق أيام معاوية أصبح يساس بالروح العسكرية والأحكام العرفية التي لا تتقيد بالقانون خصوصاً أيام زياد بن سمية ، فقد كان يأخذ البريء بالسقيم ، والمقبل بالمدبر ، ويقتل على الظنّة والتهمة ، مما أدّى إلى إشاعة الكراهية للأمويين .
الثاني : إن الكوفة كانت في عهد الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) عاصمة الدولة الإسلامية ، وفي أيام معاوية أصبحت دمشق العاصمة ومركز الحكم ، وأصبح العراق مصراً كسائر الأمصار ، وانتقلت عنه الخزينة المركزية، وقد أخذ الكوفيون يندبون حظهم التعيس بعد تحوّل الخلافة عنهم ، وأصبح اسم الإمام الحسين (علیه السّلام) عندهم رمزاً إلى دولتهم المفقودة، وتعلقت آمالهم بأبناء الإمام علي (علیه السّلام) فكانوا ينظرون
إليهم أنهم الأبطال لاستقلال بلادهم السياسي وتحررها من التبعية لدمشق ، فقد كره أهل العراق الخضوع لأهل الشام كما كره أهل الشام الخضوع والسيطرة لأهل العراق ، وقد صوّر شاعر الشام هذه النزعة بقوله :
أرَى الشّامَ تَكرَهُ مُلكَ العِراقِ *** وَأَهْلَ العِراقِ لَها كارهونا
فَقَالُوا: عَلِيٌّ إمام لنا *** فقلنا : رضينا ابْنَ هِندٍ رَضِينا
وصوّر شاعر العراق هذه النزعة السائدة عند العراقيين بقوله مخاطباً أهل الشام :
أَتاكُمْ عَلِيٌّ بِأَهْلِ العِراقِ *** وَأَهْلِ الحِجازِ فَما تَصنعُونا
فَإِنْ يَكره القومُ مُلك العراقِ *** فقدماً رضينا الذي تكرهونا(1)
وكانت الثورات المتلاحقة التي قام بها العراق إنما هي لكراهية أهل الشام والتخلّص من حكم الأمويين .
الثالث : إن السياسة الخاطئة التي اتبعها معاوية مع زعماء الشيعة الذين تبنّوا القضايا المصيرية للشعب العراقي وكافة الشعوب الإسلامية وما عانوه من القتل والتنكيل ، قد هزت مشاعر الكوفيين، وأوغرت صدورهم بالحقد على الأمويين. كما أنّ سبّ الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) على المنابر قد زاد في بعضهم للأمويين ، وأشعل جذوة المعارضة في نفوسهم.
الرابع : إن الأمويين كانوا ينظرون إلى أهل الكوفة أنهم الجبهة المعارضة لحكمهم وأنّهم المصدر الخطير الذي يهدد دولتهم ، فقابلوهم بمزيد من القسوة والإرهاب ، مما دعا الكوفيين إلى العمل المستمر لمناهضة الحكم الأموي وتقويض سلطانه .
هذه بعض الأسباب التي أدت إلى نقمة العراق على الحكم الأموي وبغضهم له
1) وقعة صفين : 56 و 57 . الأخبار الطوال : 160 و 161 . الكامل في اللغة والأدب : 1 : 267 ، 270.
وبعد هلاك معاوية أيقن العراقيون بانهيار الدولة الأموية ، وقد رأوا أنّ في تقليد يزيد مهام الخلافة إنّما هو استمرار للحكم الأموي الذي جهد على إذلالهم وقهرهم .
وقد أجمعت الشيعة في الكوفة على مناجزته والخروج على سلطانه ، ورأوا أنّ في كفاحهم له جهاداً دينياً ، حسبما يقول (جولد تسيهر)(1).
ويرى (كريمر) أنّ الأخيار والصلحاء من الشيعة كانوا ينظرون إلى يزيد نظرتهم إلى ورثة أعداء الإسلام وخلفاء أبي سفيان(2).
وعلى أية حال فإنّ شيعة الكوفة لم ترضَ بحكم يزيد ، وأجمعت على خلعه ، والبيعة للإمام الحسين (علیه السّلام) ، وقد قاموا بما يلي :
وعقدت الشيعة بعد هلاك معاوية مؤتمراً عاماً في بيت أكبر زعمائها سليمان ابن صُرَد الخزاعي ، واندفعوا اندفاعاً كلياً في إلقاء الخطب الحماسية التي تظهر مساوئ الحكم الأموي وفضائحه ، كما أشادوا بالإمام الحسين (علیه السّلام) ودعوا إلى البيعة له .
واعتلى سليمان بن صُرَد منصة الخطابة ، فافتتح أولى جلساتهم بهذا الخطاب ، وقد جاء فيه : «إن معاوية قد هلك ، وإن حسيناً قد قبض على القوم ببيعته ، وقد خرج إلى مكة وأنتم شيعته وشيعة أبيه ، فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهد و عدوه فاكتبوا إليه ، وإن خفتم الوهن والفشل فلا تغرّوا الرجل من نفسه» .
وتعالت أصواتهم من كل جانب وهم يقولون بحماس بالغ : لا ، بل نقاتل عدوّه ، ونقتل أنفسنا دونه(1).
وأظهروا رغبتهم الملحة ودعمهم الكامل للإمام الحسين (علیه السّلام)، وقرروا ما يلي :
1 - خلع بيعة يزيد .
2 - إرسال وفد للإمام الحسين (علیه السّلام) يدعونه للقدوم إليهم .
3 - بعث الرسائل للإمام الحسين (علیه السّلام) من مختلف الطبقات الشعبية التي تمثل رغبة الجماهير الحاشدة لحكمه (علیه السّلام).
وأوفدت الكوفة وفداً إلى الإمام الحسين (علیه السّلام) يدعونه إلى القدوم إليهم ، ومن بین ذلك الوفد أبو عبد الله الجدلي(2)، ولما مثل الوفد عنده عرض عليه إجماع أهل الكوفة على نصرته والأخذ بحقه ، وأنه ليس لهم إمام غيره ، وحتوه على القدوم إليهم .
وعمد أهل الكوفة بعد مؤتمرهم فكتبوا الرسائل إلى الإمام الحسين (علیه السّلام) وهي تعرب عن إخلاصهم وولائهم له ، وتحنّه على القدوم إليهم ليتولى قيادة الأمة ، وهذه بعضها .
الأولى : قد جاء فيها بعد البسملة ، ما نصه :
«من سليمان بن صُرَد، والمسيب بن نَجَبة ، ورفاعة بن شداد، وحبيب بن مظاهر(1)، وشيعته والمسلمين من أهل الكوفة .
أما بعد ، فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد - يعني معاوية - الذي انتزى على هذه الأمة فابتزها ، أمرها ، واغتصبها فينها ، وتأمر عليها بغير رضاً منها ، ثمّ قتل خيارها واستبقى ،شرارها وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وأغنيائها فبعداً له كما بعدت ثمود ، إنّه ليس علينا إمام، فاقبل لعل الله يجمعنا بك على الحق ، والنعمان بن بشير في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعة ، ولا نخرج معه إلى عيد ، ولو بلغنا أنّك قد أقبلت إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام إن شاء الله ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته»(2).
وكتبت هذه الرسالة في أواخر شهر شعبان ، وحملها عبد الله بن سبع الهمداني، وعبد الله بن وال التيمي ، وقد أمر وهما بالإسراع والحذر من العدو، وأخذا يجدان في السير لا يلويان على شيء، وقدما مكة لعشر مضين من رمضان(3)، وسلّما الرسالة للإمام الحسين (علیه السّلام) وعرفاه بشوق الناس إلى قدومه .
وقد عرضت هذه الرسالة مساوئ الحكم الأموي ، فوصفت معاوية بالجبار العنيد ، وأنّه ابتز أمر الأمة بالقهر والغلبة ، وتأمر عليها بغير رضاً منها ، وقد قتل
1) هو حبيب بن مظهر بن رئاب بن الأشتر ، أبو القاسم الأسدي الفقعسي ، ومظهر بزنة محمد على الأشهر، ويضبط بالطاء المهملة في بعض الأصول. ويمضي على الألسن وفي بعض الكتب : «مظاهر» وهو خلاف المضبوط قديماً، ويؤيد الرأي الأوّل أرجوزته . إبصار العين: 75.
2) الإمامة والسياسة : 2: 4 أنساب الأشراف: 3: 369 تاريخ الأمم والملوك : 4: 560 . الكامل في التاريخ : 3: 266 .
3) أنساب الأشراف: 3: 370 الأخبار الطوال : 229 الفتوح : 5: 28 البداية والنهاية : 8: 154 ، وفيها اختلاف في اسمي المبعوثين.
خيارها وصلحاءها ، وجعل العطاء خاصة للأغنياء والوجوه ، وحرم منه بقية طوائف الشعب . كما عرضت إلى مقاطعة الشيعة لحاكم الكوفة النعمان بن بشير ، وأنهم إذا بلغهم قدومه قاموا بإقصائه عن الكوفة وإلحاقه بدمشق.
الثانية : وقد أرسل الرسالة الثانية جماعة من أهل الكوفة ، وهذا نصها :
«إلى الحسين بن على من شيعته والمسلمين. أما بعد ، فحيَّهلا(1)فإنّ الناس ينتظرونك ولا رأي لهم غيرك(2)، فالعجل ثم العجل ، والسلام»(3).
وحمل هذه الرسالة قيس بن مسهر الصيداوي من بني أسد ، وعبد الرحمن بن عبد الله الأرحبي ، وعمارة بن عبد الله السلولي ، كما حملوا معهم نحواً من خمسين صحيفة من الرجل والاثنين والثلاثة والأربعة(4)وهي تحت الإمام على الإسراع إليهم والترحيب بقدومه ، وتعلن دعمهم الكامل له .
الثالثة : وأرسل هذه الرسالة جماعة من الانتهازيين الذين لا يؤمنون بالله ، وهم شَبَثُ بنُ ربعي اليربوعي ، ومُحَمد بن عمر التميمي ، وحجّار بن أبجر العجلي ، ويزيد بن الحارث الشيباني ، وعزرة بن قيس الأحمسي ، وعمرو بن الحجاج الزبيدي ، وهذا نصها :
أما بعد ، فقد اخضر الجناب ، وأينعت الثمار ، وطمت الجمام(5)، فأقدم على جند لك مجندة ، والسلام عليك»(6).
1) حيَّهلا : اسم فعل بمعنى أقبل وعجّل - الصحاح : 5: 1853 - هلل .
2) في تاريخ اليعقوبي : 2 : 155 : «لا إمام لهم غيرك».
3) الإرشاد / المفيد : 2 : 38 تاريخ الأمم والملوك : 4: 560 .
4) أنساب الأشراف: 3 : 370 . الأخبار الطوال : 229 تاريخ الأمم والملوك : 4 : 560 .
5) الجمام : الآبار الصحاح : 5 : 189 - جَمَمَ . تاج العروس : 8: 232 - جَمَمَ .
6) أنساب الأشراف: 3: 370 مطالب السؤول في مناقب آل الرسول : 74.
وأعربت هذه الرسالة عن شيوع الأمل وازدهار الحياة ، وتهيئة البلاد عسكرياً للأخذ بحقه ، ومناجزة خصومه ، وقد وقعها أولئك الأشخاص الذين كانوا في طليعة القوى التي زجها ابن مرجانة لحرب الإمام الحسين (علیه السّلام)، ومن المؤكد أنّهم لم يكونوا مؤمنين بحقه ، وإنّما اندفعوا لمساومة السلطة الأموية ، والحصول منها على الأموال ومتع الحياة ، كما صرّح الإمام الحسين (علیه السّلام) بذلك أمام أصحابه .
الرابعة : ومن بين تلك الرسائل : «إنّا قد حبسنا أنفسنا عليك، ولسنا نحضر الصلاة مع الولاة ، فأقدم علينا فنحن في مائة ألف سيف ، فقد فشا فينا الجور ، وعمل فينا بغير كتاب الله وسنّة نبيه ، ونرجو أن يجمعنا الله بك على الحق ، وينفي عنا بك الظلم ، فأنت أحق بهذا الأمر من يزيد وأبيه الذي غصب الأمة ، وشرب الخمور ، ولعب بالقرود والطنابير ، وتلاعب بالدين»(1).
الخامسة : وكتب جمهور أهل الكوفة الرسالة الآتية ووقعوها ، وهذا نصها :
للحسين بن عليّ أمير المؤمنين من شيعة أبيه (علیه السّلام). أما بعد . فإنّ الناس ينتظرونك لا رأي لهم في غيرك.
العجل العجل يابن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لعل الله أن يجمعنا بك على الحق ويؤيد بك المسلمين والإسلام ، بعد أجزل السلام وأتمه عليك ورحمة الله وبركاته»(2).
السادسة : وكتب إليه جماعة هذه الرسالة الموجزة : «إنّا معك ، ومعنا مائة ألف سيف»(3).
السابعة : وكانت آخر الرسائل التي وصلت إليه هذه الرسالة : «عجّل القدوم
يابن رسول الله ، فإنّ لك بالكوفة مائة ألف سيف فلا تتأخر»(1).
وقد تتابعت عليه الرسائل ما ملأ منها خرجين، ويقول المؤرخون : إنّه اجتمع عنده في نوب متفرقة اثنا عشر ألف كتاب(2)، ووردت إليه قائمة فيها مائة وأربعون ألف اسم يعربون عن نصرتهم له حال ما يصل إلى الكوفة(3)، كما وردت عليه في يوم واحد ستمائة كتاب(4).
وعلى أية حال فقد كثرت كتب أهل الكوفة إلى الإمام الحسين (علیه السّلام)، وقد وقع فيها الأشراف وقراء المصر ، وهي تمثل تعطشهم لقدومه ؛ ليكون منقذاً لهم من طغمة الحكم الأموي ، ولكن بمزيد الأسف فقد انطوت صحيفة ذلك الأمل ، وانقلب الوضع وتغيّرت الحالة ، وإذا بالكوفة تنتظر الحسين (علیه السّلام) لتسقي سيوفها من دمه ، وتطعم نبالها من لحمه ، تريد أن تحتضن جسد الحسين (علیه السّلام) التوزّعه السيوف ، وتطعنه الرماح ، وتسحقه الخيول بحوافرها .
الكوفة تنتظر الحسين (علیه السّلام) لشاب عليه وثبة الأسد ، وتنشب أظفارها بذلك الجسد الطاهر . الكوفة تنتظر الحسين (علیه السّلام) لتسبي عياله بدل أن تحميهم ، وتروّع أطفاله بدل أن تؤويهم(5).
ومنح الإمام الحسين (علیه السّلام) هذه الكتب مزيداً من العناية ، فقد كان أصحاب الرسائل رجالاً بارزين من القبائل وخاصة اليمانية ، وقد كانت أكبر القبائل عدداً وأهمية
في الكوفة(1).
وهكذا شاءت المقادير ، ولا راد لأمر الله على نكث القوم لبيعة الإمام الحسين (علیه السّلام) وإجماعهم على حربه .
ويقول المؤرخون : إنّ الإمام الحسين (علیه السّلام) بعدما وافته هذه الرسائل عزم على أن يلبي نداءات أهل الكوفة ويوفد إليهم ممثله العظيم مسلم بن عقيل (علیه السّلام).
1) الشيعة والخوارج : 160 .
وتتابعت كتب أهل الكوفة - كالسيل - إلى الإمام الحسين (علیه السّلام)، وهي تحته على المسير والقدوم إليهم لإنقاذهم من ظلم الأمويين وعنفهم ، وكانت بعض تلك الرسائل تحمّله المسؤولية أمام الله والأمة إن تأخر عن إجابتهم.
ورأى الإمام الحسين (علیه السّلام) قبل كل شيء أن يختار للقياهم سفيراً له يعرفه باتجاهاتهم ، وصدق نياتهم ، فإن رأى منهم نية صادقة ، وعزيمة مصممة فيأخذ البيعة منهم ، ثمّ يتوجه إليهم بعد ذلك ، وقد اختار لسفارته ثقته وكبير أهل بيته ، والمبرز بالفضل فيهم مسلم بن عقيل (علیه السّلام)(1)
وكان من جملة السبي : التغلبية أم عمر الأطرف ، ووالد الحسن البصري ، وسيرين والد محمد ابن سیرین ، وأبان والد حمران مولى المسيب ، وآخرون .
وكان عمر قد تخلف عن المسير إلى العراق مع أخيه الحسين (علیه السّلام)، وقد دعاه لذلك يقال : لما بلغه قتل أخيه الحسين (علیه السّلام) خرج بمعصفرات له ، وجلس بفناء داره ، وقال : أنا الغلام الحازم ، ولو خرجت معهم لذهبت في المعركة وقتلت . ويسمى عمر الأطرف تمييزاً بينه وبين عمر الأشرف ابن الإمام زين العابدين (علیه السّلام) - بطل العلقمي : 3: 515 - 519 .
، وهو من أفذاذ التاريخ ، ومن أمهر الساسة ، وأكثرهم قابلية على مواجهة الظروف ، والصمود أمام الأحداث .1) تزوّج مسلم (علیه السّلام) رقية بنت الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) ، وأمها تغلبية ، وكان خالد بن الوليد سباها في الردة من عين التمر أي شفاثة - فاشتراها علي (علیه السّلام) وتزوجها ، فأولدها عمر ورقية .
وعرض عليه الإمام القيام بهذه المهمة فاستجاب له عن رضاً ورغبة ، وزوّده برسالة رويت بصور متعددة ، وهي :
الأولى : رواها أبو حنيفة الدينوري ، وهذا نصها :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مِنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيَّ إِلى مَنْ بَلَغَهُ كَتابِي هذا مِنْ أَوْلِيَائِهِ وَشِيعَتِهِ بِالْكُوفَةِ ، سَلَامٌ عَلَيْكُمْ .
أَمَا بَعْدُ ، فَقَدْ أَتَتْني كُتُبُكُمْ ، وَفَهِمْتُ ما ذَكَرْتُمْ مِنْ مَحَبَّتِكُمْ لِقُدُومِي عَلَيْكُمْ ، وَإِنِّي باعِثُ إِلَيْكُمْ بِأَخِي وَابْنِ عَمْيِ ، وَثِقَنِي مِنْ أَهْلِي مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ لِيَعْلَمَ لِي كُنْةَ أَمْرِكُمْ ، وَيَكْتُبَ إِلَيَّ بِمَا يَتَبَيَّنُ لَهُ مِنِ اجْتِمَاعِكُمْ .
فَإِنْ كَانَ أَمْرُكُمْ عَلَى مَا أَتَتْنِي بِهِ كُتُبُكُمْ ، وَأَخْبَرَتْنِي بِهِ رُسُلُكُمْ أَسْرَعْتُ الْقُدُومَ إِلَيْكُمْ إِنْ شاءَ اللهُ ، وَالسَّلَامُ(1).
الثانية : رواها صفي الدين، وقد جاء فيها بعد البسملة :
أَمَا بَعْدُ ، فَقَدْ وَصَلَتْنِي كُتُبُكُمْ ، وَفَهِمْتُ ما اقْتَضَتْهُ آرَاؤُكُمْ ، وَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ ثِقَتِي وَابْنَ عَمِّي مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلٍ ، وَسَأَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَشِيكاً في أَثَرِهِ إِنْ شاءَ الله(2).
وهذه الرواية شاذة ؛ إذ لم يذكر فيها مهمة مسلم (علیه السّلام) في إيفاده إليهم من أخذ البيعة في له ، وغير ذلك مما هو من صميم الموضوع في إرسال مسلم (علیه السّلام).
الثالثة : رواها الطبري، وقد جاء فيها بعد البسملة :
مِنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ إِلَى الْمَلَأُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ . أَمَا بَعْدُ ، فَإِنَّ هَاتِنَا
وَسَعِيداً(1)قَدِما عَلَيَّ بِكُتُبِكُمْ ، وَكانا آخِرَ مَنْ قَدِمَ عَلَيَّ مِنْ رُسُلِكُمْ ، وَقَدْ فَهِمْتُ كُلَّ الَّذِي اقْتَصَصْتُمْ وَذَكَرْتُمْ ، وَمَقالَةٌ جُلْكُم : إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْنا إمامٌ فَأَقْبِل لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْمَعَنا بِكَ عَلَى الْهُدَى وَالْحَقِّ .
وَقَدْ بَعَثْتُ لَكُمْ أَخِي وَابْنَ عَمِّي، وَثِقَتِي مِنْ أَهْلِ بَيْنِي ، وَأَمَرْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَيَّ بِحالِكُمْ وَأَمْرِكُمْ وَرَأْيكُمْ ، فَإِنْ كَتَبَ إِلَيَّ أَنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ رَأْيُ مَلَئِكُمْ وَذَوِي الْفَضْلِ وَالْحِجا مِنْكُمْ عَلَى مِثْلِ ما قَدِمَتْ عَلَيَّ بِهِ رُسُلُكُمْ ، وَقَرَأْتُ فِي كُتُبِكُمْ؛ أَقْدِمْ عَلَيْكُمْ وَشِيكاً إِنْ شاءَ الله ، فَلَعَمْرِي مَا الْإِمَامُ إِلَّا الْعامِلُ بِالْكِتابِ وَالآخِذُ بِالْقِسْطِ وَالدَّائِنُ بِالْحَقِّ ، وَالْحَابِسُ نَفْسَهُ عَلَىٰ ذَاتِ اللهِ ، وَالسَّلَامُ(2).
وحفلت هذه الرسالة - حسب نص الطبري - بالأُمور التالية :
الأول : توثيق مسلم (علیه السّلام) والتدليل على سمو مكانته ، فهو ثقة الحسين (علیه السّلام).
الثاني : تحديد صلاحية مسلم (علیه السّلام) باستكشاف الأوضاع الراهنة ، ومعرفة التيارات السياسية ، ومدى صدق القوم في دعواهم ، ومن الطبيعي أنّه لا تناط معرفة هذه الأمور الحساسة إلا يمن كانت له المعرفة التامة بشؤون المجتمع وأحوال الناس .
الثالث : إنّه أوقف قدومه عليهم بتعريف مسلم (علیه السّلام) له بإجماع الجماهير ورجال الفكر على بيعته ، فلا يقدم عليهم حتى يعرّفه سفيره بذلك .
الرابع : إنّه تحدّث عما يجب أن يتصف به الإمام ، والقائد لمسيرة الأمة من الصفات ، وهي :
1 - العمل بكتاب الله.
2 - الأخذ بالقسط .
3 - الإدانة بالحق .
4 - حبس النفس على ذات الله .
ولم تتوفر هذه الصفات الرفيعة إلا في شخصيته الكريمة التي تحكي اتجاهات الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) ونزعاته .
وتسلّم مسلم (علیه السّلام) هذه الرسالة ، وقد أوصاه الإمام الحسين (علیه السّلام) بتقوى الله ، وكتمان أمره(1)، وغادر مسلم (علیه السّلام) مکة ليلة النصف من شهر رمضان(2)وعرّج في طريقه على يثرب فصلى في مسجد الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) وطاف بضريحه ، وودّع أهله وأصحابه(3)، وكان ذلك هو الوداع الأخير لهم ، واتجه صوب العراق وكان معه قيس بن مسهر الصيداوي ، وعمارة بن عبد الله السلولي ، وعبد الرحمن بن عبد الله الأزدي ، واستأجر من يثرب دليلين من قيس يدلانه على الطريق(4).
وسارت القافلة تجد في السير لا تلوي على شيء، يتقدمها الدليلان وهما يتنكبان الطريق خوفاً من الطلب ، فضلا عن الطريق ، ولم يهتديا له ، وقد أعياهما السير واشتد بهما العطش ، فأشارا إلى مسلم (علیه السّلام) بسنن الطريق بعد أن بان لهما ، وتوفيا في ذلك المكان حسبما يقوله المؤرخون(5).
وسار مسلم (علیه السّلام) مع رفقائه حتى أفضوا إلى الطريق، ووجدوا ماء فأقاموا فيه ليستريحوا مما ألم بهم من عظيم الجهد والعناء .
ويقول المؤرخون : إن مسلماً (علیه السّلام) تخوف من سفره وتطير بعد أن أصابه من الجهد وموت الدليلين، فرفع للإمام الحسين (علیه السّلام) رسالة يرجو فيها الاستقالة من سفارته ، وهذا نصها :
«أما بعد ، فإنّي أقبلت من المدينة مع دليلين ، فجازا(1)عن الطريق فضلا واشتد عليهما العطش فلم يلبثا أن ماتا ، وأقبلنا حتى انتهينا إلى الماء فلم ننج إلا بحشاشة أنفسنا ، وذلك الماء بمكان يدعى المضيق من بطن الخبت ، وقد تطيرت من توجهي هذا فإن رأيت أعفيتني منه ، وبعثت غيري ، والسلام» .
وكتب الإمام الحسين (علیه السّلام) جواباً لرسالة مسلم (علیه السّلام) ندد فيه بموقفه ، واتهمه بالجبن ، وهذا نصه : أَمَّا بَعْدُ ، فَقَد خَشِيتُ أَلَّا يَكُونَ حَمَلَكَ عَلَى الْكِتَابِ إِلَيَّ فِي الْإِسْتِعْفَاءِ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي وَجَّهْتُكَ لَهُ إِلَّا الْجُبْنُ ، فَامْضِ لِوَجْهِكَ الَّذِي وَجَّهْتُكَ فِيهِ ، وَالسَّلَامُ(2)
وفي الحدائق الوردية 1: 117 : «خرج مسلم (علیه السّلام) من مكة حتى أتى المدينة ، وأخذ منها دليلين فمرا به في البرية فأصابهما عطش فمات أحد الدليلين ، فكتب مسلم (علیه السّلام) إلى الحسين (علیه السّلام) يستعفيه ، فكتب إليه الحسين (علیه السّلام): أَنِ امْضِ إِلَى الْكُوفَةِ» .
.وأكبر الظن أن رسالة مسلم (علیه السّلام) مع جواب الإمام الحسين (علیه السّلام) من الموضوعات ، ولا نصيب لها من الصحة ، وذلك لما يلي :
أوّلاً : إنّ مضيق الخبت الذي بعث منه مسلم (علیه السّلام) رسالته إلى الإمام الحسين (علیه السّلام) يقع ما بين مكة والمدينة حسبما نص عليه الحموي(1)، في حين أن الرواية تنص على أنّه استأجر الدليلين من يثرب، وخرجوا إلى العراق فضلوا عن الطريق ومات الدليلان ، ومن الطبيعي أن هذه الحادثة وقعت ما بين المدينة والعراق ولم تقع ما بين مكة والمدينة .
ثانياً : إنّه لو كان هناك مكان يدعى بهذا الاسم يقع ما بين يثرب والعراق لم يذكره الحموي فإنّ السفر منه إلى مكة ذهاباً وإياباً يستوعب زماناً يزيد على عشرة أيام ، في حين أن سفر مسلم (علیه السّلام) من مكة إلى العراق قد حدده المؤرخون فقالوا : إنّه سافر من مكة في اليوم الخامس عشر من شهر رمضان ، وقدم إلى الكوفة في اليوم الخامس من شوال ، فيكون مجموع سفره عشرين يوماً، وهي أسرع مدة يقطعها المسافر من مكة إلى الكوفة ، فإنّ المسافة بينهما تزيد على ألف وستمائة كيلو متر ، وإذا استثنينا من هذه المدة سفر رسول مسلم (علیه السّلام) من ذلك المكان ورجوعه إليه ، فإنّ مدة سفره من مكة إلى الكوفة تكون أقل من عشرة أيام ، ويستحيل عادة قطع تلك المسافة بهذه الفترة من الزمن.
ثالثاً : إنّ الإمام الحسين (علیه السّلام) اتهم مسلماً - في رسالته - بالجبن ، وهو يناقض توثيقه له من أنّه ثقته وكبير أهل بيته ، والمبرز بالفضل عليهم ، ومع اتصافه بهذه الصفات كيف يتهمه بالجبن ؟ !
رابعاً : إنّ اتهام مسلم (علیه السّلام) بالجبن يتناقض مع سيرته ، فقد أبدى هذا البطل العظيم من البسالة والشجاعة النادرة ما يبهر العقول، فإنّه حينما انقلبت عليه جموع أهل الكوفة قابلها وحده من دون أن يعينه أو يقف إلى جنبه أي أحد ، وقد أشاع في تلك الجيوش الكبيرة القتل ممّا ملأ قلوبهم ذعراً وخوفاً . ولما جيء به أسيراً إلى ابن زياد
1) معجم البلدان: 2: 393 .
لم يظهر عليه أي ذلّ أو انكسار .
ويقول فيه البلاذري : إنّه أشجع بني عقيل وأرجلهم(1)، بل هو أشجع هاشمي عرفه التاريخ بعد أئمة أهل البيت (علیهم السّلام).
إن هذا الحديث من المفتريات الذي وضع للحطّ من قيمة هذا القائد العظيم الذي هو من مفاخر الأمة العربية والإسلامية .
وسار مسلم (علیه السّلام) يطوي البيداء حتى دخل الكوفة فاختار النزول في بيت المختار الثقفي(2)
وقيل : «نزل مسلم (علیه السّلام) في بيت مسلم بن عوسجة» . وقيل : «نزل في بيت هانئ بن عروة»- الإصابة : 2 : 15 ، وتهذيب التهذيب : 2 : 302.
وهو من أشهر أعلام الشيعة وأحد سيوفهم ، ومن أحبّ الناس وأنصحهم للإمام الحسين (علیه السّلام).لقد اختار المسلم (علیه السّلام) النزول في بيت المختار دون غيره من زعماء الشيعة ؛ وذلك لوثوقه بإخلاصه للإمام الحسين (علیه السّلام)، وتفانيه في حبّه . كما أن هناك عاملاً آخر له على أهميته ، فقد كان المختار زوجاً لعمرة بنت النعمان بن بشير حاكم الكوفة(3)، ولا شك أنّ يده لن تمتد إلى مسلم (علیه السّلام) طالما كان مقيماً في بيت صهره المختار ، وقد دلّ ذلك على إحاطة مسلم (علیه السّلام) بالشؤون الاجتماعية .
وفتح المختار أبواب داره لمسلم ، وقابله بمزيد من الحفاوة والتكريم ، ودعا الشيعة إلى مقابلته ، فأقبلوا إليه من كل حدب وصوب، وهم يظهرون له الولاء والطاعة .
وعمّت الأفراح بمقدم مسلم (علیه السّلام) جميع الأوساط الشيعية في الكوفة ، وقد وجد منهم مسلم (علیه السّلام) ترحيباً حاراً ، وتأييداً شاملاً ، وكان يقرأ عليهم رسالة الحسين (علیه السّلام) وهم يبكون ، ويبدون التعطش لقدومه ، والتفاني في نصرته ؛ لينقذهم من جور الأمويين وظلمهم، ويعيد في مصرهم حكم الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) مؤسس العدالة الكبرى في الأرض ، وكان مسلم (علیه السّلام) يوصيهم بتقوى الله ، وكتمان أمرهم حتى يقدم إليهم الإمام الحسين (علیه السّلام).
وانثالت الشيعة على مسلم (علیه السّلام) تبايعه للإمام الحسين (علیه السّلام) ، وكانت صيغة البيعة الدعوة إلى كتاب الله وسنة رسوله ، وجهاد الظالمين ، والدفع عن المستضعفين ، وإعطاء المحرومين ، وقسمة الغنائم بين المسلمين بالسوية ، وردّ المظالم إلى أهلها ، ونصرة أهل البيت (علیهم السّلام)، والمسالمة لمن سالموا، والمحاربة لمن حاربوا ، وقد شبه السيد المقرم هذه البيعة ببيعة الأوس والخزرج للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم)(1)، وكان حبيب بن مظاهر الأسدي يأخذ البيعة منهم للحسين (علیه السّلام)(2).
وانبرى المؤمن الفذ عابس بن شبيب الشاكري فأعرب المسلم عن ولائه الشخصي واستعداده للموت في سبيل الدعوة ، إلّا أنّه لم يتعهد له بأي أحد من أهل مصره ، قائلاً: أما بعد ، فإنّي لا أخبرك عن الناس ، ولا أعلم ما في أنفسهم ،
وما أغرك منهم ، والله إنّي محدثك عمّا أنا موطن عليه نفسي ، والله لأجيبنكم إذا دعوتم ، ولأقاتل معكم عدوكم ، ولأضربن بسيفي دونكم حتى ألقى الله ، لا أريد بذلك إلا ما عند الله.
وقد صدق عابس ما عاهد عليه الله ، فلم يخن ضميره ففدى بنفسه ريحانة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) واستشهد بين يديه في كربلاء .
وانبری حبیب بن مظاهر فخاطب عابساً ، قائلاً له : رحمك الله ، فقد قضيت ما في نفسك بواجز من قولك ، وأنا والله الذي لا إله إلا هو على مثل ما أنت عليه .
واندفع سعيد الحنفي فأيّد مقالة صاحبيه(1)، وهؤلاء الأبطال من أنبل من عرفهم التاريخ صدقاً ووفاء ، فقد بذلوا أرواحهم بسخاء إلى الإمام الحسين (علیه السّلام)، واستشهدوا بين يديه في كربلاء .
ولم يذكر لنا التاريخ دور الانتهازيين الذين كاتبوا الحسين (علیه السّلام)- أمثال عمر بن سعد وغيره - مدة مكث مسلم (علیه السّلام) بالكوفة ومبايعة الناس له ، ولعل مسلماً عزلهم عن التدخل في شؤون البيعة ، أو أنهم يترقبون الأحداث ويتجسسون على الثورة ليراسلوا فاجر الشام بما يحدث.
وتسابقت جماهير الكوفة إلى بيعة الإمام الحسين (علیه السّلام) على يد سفيره مسلم بن عقيل (علیه السّلام) ، وقد اختلف المؤرخون في عدد من بايعه ، وهذه بعض الأقوال :
الأوّل : أربعون ألفاً(2).
الثاني : ثلاثون ألفاً ، ومن بينهم حاكم الكوفة النعمان بن بشير(1).
الثالث : ثمانية وعشرون ألفاً(2).
الرابع : ثمانية عشر ألفاً، حسبما جاء في رسالة مسلم (علیه السّلام) إلى الحسين (علیه السّلام) يقول فيها : «وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفاً فعجل الإقبال»(3).
الخامس : اثنا عشر ألفاً(4).
وازداد مسلم (علیه السّلام) إيماناً ووثوقاً بنجاح الدعوة حينما بايعه ذلك العدد الهائل من أهل الكوفة ، فكتب للإمام الحسين (علیه السّلام) رسالة يستحثّه فيها على القدوم إليهم . وكان قد كتبها قبل شهادته ببضع وعشرين ليلة(5)، وهذا نصها :
«أما بعد ، فإنّ الرائد لا يكذب أهله ، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفاً(6)
وفي رواية البلاذري : «إنّ جميع أهل الكوفة معك» - أنساب الأشراف: 3 : 378.
، فعجل حين يأتيك كتابي ، فإنّ الناس كلهم معك ليس لهم في آل معاوية1) شرح الأخبار : 3 : 147 . روضة الأعيان في أخبار مشاهير الزمان / محمد بن أبي بكر (المتوفى سنة 730هـ) : 67 ، من مصورات مكتبة الإمام الحكيم (قدس سره) العامة . جواهر المطالب : 2 : 265 ، وجاء فيه : «أنّ النعمان قال : يا أهل الكوفة ، ابن بنت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أحبّ إليكم من ابن بنت بحدل .
2) تاريخ أبي الفداء : 1 : 264 .
3) تاريخ الأمم والملوك : 4: 580 سير أعلام النبلاء : 3: 299 . البداية والنهاية : 8: 154 .
4) مروج الذهب: 3 : 54 . الصراط السوي في مناقب آل النبي : 86 من مصورات مكتبة الإمام الحكيم (قدس سره) العامة . تهذيب التهذيب : 2: 302. الإصابة : 2 : 15 . الحدائق الوردية : 1: 117.
5) أنساب الأشراف: 3 : 378.
6) تاريخ الأمم والملوك : 4 : 580 .
رأي ولا هوى»(1).
لقد كتب المسلم (علیه السّلام) هذه الرسالة لأنه لم يرَ أيّة مقاومة لدعوته ، وإنّما رأى إجماعاً شاملاً على بيعة الإمام الحسين (علیه السّلام) ، وتلهفاً حاراً لرؤيته ، وحمل الكتاب جماعة من أهل الكوفة ، وعليهم البطل العظيم عابس الشاكري .
وقدم الوفد مكة المكرمة ، وسلّم الرسالة إليه ، وقد استحثوه على القدوم إلى الكوفة ، وذكروا إجماع أهلها على بيعته ، وما لاقاه مسلم (علیه السّلام) من الحفاوة البالغة منهم ، وعند ذلك تهيأ الإمام الحسين (علیه السّلام) إلى السفر للكوفة .
كان موقف النعمان بن بشير(2)
كان قد ولاه معاوية الكوفة بعد عبد الرحمن بن الحكم ، وكان عثماني الهوى يجاهر ببغض علي (علیه السّلام) ويسيء القول فيه ، وقد حاربه يوم الجمل وصفين ، وسعى بإخلاص لتوطيد الملك إلى معاوية ، وهو الذي قاد بعض الحملات الإرهابية على بعض المناطق العراقية .
ويقول المحققون : إنّه كان ناقماً على يزيد ، ويتمنى زوال الملك عنه شريطة ألا تعود الخلافة لآل عليّ .
ومن الغريب في شأن هذا الرجل أن يزيد لما أوقع بأهل المدينة وأباحها لجنده ثلاثة أيام لم يثأر النعمان لكرامة وطنه وقومه .
وفي الإصابة : 6: 240: «أنّه لما هلك يزيد دعا النعمان إلى ابن الزبير ، ثم دعا إلى نفسه فقاتله مروان فقتل ، وذلك في سنة (65هـ) ، وكان شاعراً مجيداً ، له ديوان شعر» .
من الثورة موقفاً يتسم باللين والتسامح ، وقد اتهمه الحزب الأموي بالضعف ، أو التضاعف في حفظ مصلحة الدولة والاهتمام بسلامتها فأجابهم : لئن أكون ضعيفاً وأنا في طاعة الله أحب إلي من أن أكون قوياً في معصيةالله ، وما كنت لأهتك ستراً ستره الله(1).
وقد أعطى الشيعة بموقفه هذا قوة ، وشجّعهم على العمل ضد الحكومة علناً ، ولعلّ سبب ذلك ذلك يعود لأمرين :
الأوّل : إنّ مسلم بن عقيل (علیه السّلام) كان ضيفاً عند المختار وهو زوج ابنته عمرة فلم يعرض للثوار بسوء رعاية للمختار .
الثاني : إنّ النعمان كان ناقماً على يزيد ؛ وذلك لبغضه للأنصار فقد أغرى الأخطل الشاعر المسيحي في هجائهم فئأر لهم النعمان كما أشرنا إلى ذلك في البحوث السابقة ، ولعلّه لهذا ولغيره لم يتخذ النعمان أي إجراء مضاد للثورة.
وأعطى النعمان للشيعة قوة في ترتيب الثورة وتنظيمها ، وهيأ لهم الفرص في إحكام قواعدها مما ساء الحزب الأموي ، فأنكروا عليه ذلك ، وحرّضوه على ضرب الشيعة ، فخرج النعمان وصعد المنبر فأعلن للناس سياسته المتسمة بالرفق ، فقال بعد حمد الله والثناء عليه :
«أمّا بعد، فاتقوا الله عباد الله، ولا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة فإنّ فيهما تهلك الرجال وتسفك الدماء ، وتغصب الأموال . إنّي لم أقاتل من لم يقاتلني ولا أثب على من لا يثب عليّ ، ولا ، شاتمكم ، ولا أتحرش بكم ، ولا أخذ بالقرف(2)ولا الظنّة ولا التهمة ، ولكنكم إن أبديتم صفحتكم لي ، ونكثتم بيعتكم ، وخالفتم إمامكم فوالله الذي لا إله إلا هو لأضر بنكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ، ولو لم يكن لي منكم ناصر، أما إنّي أرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر
ممن يرديه الباطل»(1).
وليس في هذا الخطاب أي ركون إلى وسائل العنف والشدّة ، وإنما كان فيه تحذير من مغبة الفتنة وحب للعافية ، وعدم التعرض لمن لا يثب على السلطة ، وعدم أخذ الناس بالظنّة والتهمة كما كان يفعل زياد بن أبيه والي العراق .
وعلّق أنيس زكريا على خطاب النعمان بقوله : «ولنا من خطبه - أي خطب النعمان - في الكوفة برهان آخر على أنّه كان يرى الفتنة يقظى ، ولابد أن تشتعل ، وأنه لن يهاجم القائمين بها قبل أن يهاجموه ، فجعل لأنصارها قوة وطيدة الأركان ، ويداً فعّالة في ترتيب المؤامرة وتنظيمها على الأسس المتينة»(2).
وأغضبت سياسة النعمان عملاء الحكم الأموي ، فانبرى إليه عبد الله بن مسلم الحضرمي حليف بني أمية ، فأنكر خطبته قائلاً: إنه لا يصلح ما ترى إلا الغشم(3)، إنّ هذا الذي أنت عليه فيما بينك وبين عدوك رأي المستضعفين(4).
ودافع النعمان عن نفسه بأنّه لا يعتمد على أية وسيلة تبعده عن الله ، ولا يسلك طريقاً يتجافى مع دينه ، وقد استبان للحزب الأموي ضعف النعمان ، وانهياره أمام الثورة .
وفزع الحزب الأموي من تجاوب الرأي العام مع مسلم (علیه السّلام) واتساع نطاق الثورة ،
في حين أن السلطة المحلية غضت النظر عن مجريات الأحداث ، وقد اتهمتها بالضعف أو بالتواطؤ مع الثوار ، وقام الحزب الأموي باتصال سريع بحكومة دمشق وطلبوا منها اتخاذ الإجراءات الفورية قبل أن يتسع نطاق الثورة ، ويأخذ العراق استقلاله ، وينفصل عن التبعية لدمشق، ومن بين الرسائل التي وفدت على يزيد رسالة عبد الله الحضرمي ، جاء فيها :
«أما بعد ، فإنّ مسلم بن عقيل قدم الكوفة ، وبايعته الشيعة للحسين بن عليّ ، فإن كان لك بالكوفة حاجة فابعث إليها رجلاً قوياً ينفذ أمرك ، ويعمل مثل عملك في عدوك ، فإنّ النعمان بن بشير رجل ضعيف أو هو يتضعف»(1).
وتدعو هذه الرسالة إلى إقصاء النعمان عن مركزه ، واستعمال شخص آخر مكانه قوي البطش ليتمكن من القضاء على الثورة، فإنّ النعمان لا يصلح للقضاء عليها ، وكتب إليه بمثل ذلك عمارة بن الوليد بن عقبة ، وعمر بن سعد .
وكان عمر بن سعد ، وشمر بن ذي الجوشن ، وشَبَث بن ربعي ، وزحر بن قيس من جملة الأربعة والأربعين الذين شهدوا على حُجْر وأصحابه بالخروج عن الطاعة ، حسب رغبة زياد ، وتزلفاً للسلطة ، فأودت بأرواحهم إلى جنة عرضها السماوات والأرض(2).
وفزع يزيد حينما توافدت عليه رسائل عملائه في الكوفة بمبايعة أهلها للحسين (علیه السّلام)، فراودته الهواجس، وظلّ ينفق ليله ساهراً يطيل التفكير في الأمر ، فهو يعلم أن العراق مركز القوة في العالم الإسلامي، وهو يبغضه ويحقد على أبيه ،
فقد أصبح موتوراً منهم لما صبّوه عليه من الظلم والجور، وأن كراهية أهل العراق ليزيد لا تقل عن كراهيتهم لأبيه ، كما أنّه على يقين أنّ الأغلبية الساحقة في العالم الإسلامي تتعطش لحكم الإمام الحسين (علیه السّلام)، لأنه الممثل الشرعي لجده وأبيه ، ولا يرضون بغيره بديلاً.
وأحاطت الهواجس بيزيد، وشعر بالخطر الذي يهدد ملکه فاستدعى سرجون الرومى ، وكان مستودع أسرار أبيه ، ومستشاراً سياسياً له ، كما كان من أدهى الناس ، فعرض عليه الأمر ، وقال له : ما رأيك ، إنّ حسيناً قد توجّه إلى الكوفة ، ومسلم بن عقيل بالكوفة يبايع للحسين ، وقد بلغني عن النعمان ضعف وقول سيء ، فما ترى من استعمل على الكوفة ؟
وتأمل سرجون ، وأخذ يطيل التفكير ، فقال له أرأيت أن معاوية لو نشر أكنت آخذاً رأيه ؟
فقال يزيد : نعم .
فأخرج سرجون عهد معاوية لعبيد الله بن زياد على الكوفة ، وقال : هذا رأي معاوية وقد مات ، وقد أمر بهذا الكتاب(1).
أما دوافع سرجون في ترشيح ابن زياد لولاية الكوفة فهي لا تخلو من أمرين :
الأوّل : إنّه يعرف قسوة ابن زياد وبطشه ، وإنّه لا يقوى أحد على إخضاع العراق غيره ، فهو وحده الذي يتمكن من القضاء على الثورة بما يملك من وسائل الإرهاب والعنف.
الثاني : إنّه قد دفعته العصبية القومية لهذا الترشيح فإنّ ابن زياد رومي النسب
1) الكامل في التاريخ : 3 : 268 .
وسرجون رومي ؛ فلذا اختاره .
وكان يزيد ناقماً على ابن زياد أشد ما تكون النقمة ، وأراد عزله عن البصرة(1)وذلك لمعارضة أبيه في البيعة له ، إلا أنّه استجاب لرأي سرجون فقد رأى فيه الحفاظ على مصلحة دولته ، فعهد له بولاية الكوفة والبصرة، وبذلك فقد خضع العراق بأسره لحكمه ، وكتب إليه هذه الرسالة :
«أما بعد ، فإنّه كتب إلي شيعتي من أهل الكوفة يخبرونني أن ابن عقيل بالكوفة يجمع الجموع لشقّ عصا المسلمين ، فَسِرْ حين تقرأ كتابي هذا حتّى تأتي الكوفة فتطلب ابن عقيل كطلب الخرزة حتى تثقفه فتوثقه أو تقتله أو تنفيه ، والسلام»(2)
وأشارت هذه الرسالة إلى مدى قلق السلطة في دمشق وفزعها من مسلم بن عقيل (علیه السّلام)، وقد شددت على ابن زياد في الإسراع بالسفر إلى الكوفة لإلقاء القبض عليه . وتنص بعض المصادر أن يزيد كتب إلى ابن زياد : «إن كان لك جناحان فَطِرْ إلى الكوفة»(3)، وهذا مما ينبئ عن الخوف الذي ألم بيزيد من الثورة في العراق .
وحمل مسلم بن عمرو الباهلي العهد لابن زياد بولاية الكوفة مع تلك الرسالة .
ويقول المؤرخون : إنّ الباهلي كان من عيون بني أمية في الكوفة ومن أهم عملائهم ، كما كان من أجلاف العرب ، وهو الذي ظنّ على مسلم (علیه السّلام) أن يشرب جرعة من الماء حينما جيء به أسيراً إلى ابن زياد .
وكم لهذا الجلف الباهلي من موقف مخز ، فإنّه لما اشتد النزاع بين ابن زياد
وهانئ طلب من ابن زياد أن ينفرد بهانئ ، ولما خلابه أخذ يرجح له تسليم مسلم (علیه السّلام) لابن زياد ، وأنه ابن عمّ القوم ليسوا بضاريه ، ولكنّ هانئاً لم ينخدع بقوله ، وراح مصمماً على رأيه وحمايته لضيفه وذماره ، ولكن الباهلي لا يعبأ بالخزيلمواقفه المخزية .
وتسلّم ابن زياد من الباهلي العهد له بولاية الكوفة ، وقد طار فرحاً ، فقد تمّ له الحكم على جميع أنحاء العراق بعد ما كان مهدداً بالعزل عن ولاية البصرة ، وقد سرّ بما خولته دمشق من الحكم المطلق على العراق، وبما سوّغت له من استعمال الشدة والقسوة وسفك الدماء لكل من لا يدخل في طاعة يزيد أو يشترك بأية مؤامرة ضدّه ، وكان هذا التفويض المطلق في استعمال القسوة على الناس ممّا يتفق مع رغبات ابن زیاد و ميوله ، فقد كان من عوامل استمتاعاته النفسية حبّ الجريمة والإساءة إلى الناس ، وعدم التردد في سفك الدماء .
وتهيأ ابن زياد لمغادرة البصرة والتوجّه إلى الكوفة ، وقبل مغادرته لها جمع الناس ، وخطب فيهم خطاباً قاسياً جاء فيه :
ه إن أمير المؤمنين يزيد ولاني الكوفة ، وأنا غادٍ إليها الغداة ، فوالله إنّي ما تقرن بي الصعبة ، ولا يُقعقع لي بالسنان(1)
وفي المثل : «ما يُقعقعُ لَهُ بالشنان ، يضرب لمن لا يتضع لحوادث الدهر ، ولا يروعه ما لا حقيقة له - القاموس المحيط : 974 - قعع ، و : 1561 - شَنَنَ . الأمثال : 2 : 261 .
، وإنّي لَنكل لمن عاداني ، وسَم لمن حاريني ، فقد أنصف القارة من راماها .يا أهل البصرة ، قد استخلفت عليكم عثمان بن زياد بن أبي سفيان ، وإياكم
1) السنان : القربة البالية الصغيرة .
والخلاف والإرجاف، فوالله الذي لا إله غيره لئن بلغني عن رجل منكم خلاف لأقتلنه وعرينه(1)ووليه ، ولآخذن الأدنى بالأقصى حتى تسمعوا لي ، ولا يكون فيكم مخالف ولا مشاق ، أنا ابن زياد أشبهته بين من وطأ الحصى ، ولم ينتزعني شبه خال ولا ابن عم»(2).
فما أهون سفك الدماء عند أولئك البرابرة الوحوش من ولاة بني أُمية ، لقد تحدّث الطاغية عن نفسيته الشريرة التي توغلت في الإثم ، فهو يأخذ البريء بالسقيم ، والمقبل بالمدير ، والأدنى بالأقصى ، ويقتل على الظنّة والتهمة كما كان يفعل أبوه زياد الذي أشاع القتل في ربوع العراق .
ولم يذكر توجّه الإمام الحسين (علیه السّلام) إلى الكوفة ، مخافة التحاق أهل البصرة به ، أو انتفاضة أهل البصرة عليه ؛ ولذا تهدد وتوعد .
وكان رجل بالبصرة من بني سعد من قادة جيش عبيد الله بن زياد قد سقط من السطح فانكسرت رجله ، فدخل عليه أبو قلابة(3)فعاده ، فقال : أرجو أن يكون لك خيراً .
فقال له : يا أبا قلابة ، وأي خير في كسر رجلي جميعاً ؟ فقال : ما ستر الله عليك أكثر ، فلما كان بعد ثلاث ورد علیه کتاب ابن زیاد يسأله أن يخرج فيقاتل الحسين (علیه السّلام)، فقال له : قد أصابني ما أصابني !
ثمّ إنّه لم يكن إلا سبعة أيام حتى وافى الخبر بقتل الحسين (علیه السّلام). فقال الرجل :
رحم الله أبا قلابة لقد صدق أنه كان خيراً لي(1).
بنی عبیدالله بن زیاد مساجد بالبصرة تقوم على بغض علي (علیه السّلام) والوقيعة فيه ، فبنى مسجد بني عدي، ومسجد بني مجاشع ، ومسجد كان في العلاقين على فرضة(2)البصرة ، ومسجد في الأزد(3).
وسار الرجس الخبيث من البصرة متجهاً إلى الكوفة ليقترف أعظم موبقة لم يقترفها شقي غيره ، وقد صحبه من أهل البصرة خمسمائة رجل فيهم عبد الله بن الحارث بن نوفل ، وشريك بن عبد الله الأعور الحارثي(4)، وهو من أخلص أصحاب الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، وقد صحب ابن زياد ليكون عيناً عليه ، ويتعرف على خططه ، وقد صحب ابن زياد هذا العدد ليستعين بهم على بثّ الإرهاب ، وإذاعة الخوف بين الناس والاتصال بزعماء الكوفة لصرفهم عن الثورة .
وعلى أية حال فقد أخذ ابن زياد يجد في السير لا يلوي على شيء قد واصل السير إلى الكوفة مخافة أن يسبقه الحسين (علیه السّلام) إليها ، وقد جهد أصحابه ، وأعياهم المسير فسقط منهم جماعة منهم عبدالله بن الحارث فلم يعبأ بهم ، ولما ورد القادسية سقط مولاه مهران ، فقال له ابن زياد : إن أمسكت على هذا الحال فتنظر إلى القصر فلك مائة ألف.
فقال له مهران : لا والله لا أستطيع.
ونزل الطاغية فلبس ثياباً يمانية وعمامة سوداء وتلتم ؛ ليوهم من رآه أنّه الحسين (علیه السّلام) وسار وحده فدخل الكوفة ممّا يلي النجف(1)، وكان قلبه كجناح طائر من شدة الخوف ، ولو كانت عنده مسكة من البسالة والشجاعة لما تنكر وغير بزته ، وأوهم على الناس أنّه الحسين (علیه السّلام)، وقد تذرّع الجبان بهذه الوسائل لحماية نفسه ، وتن بعض المصادر أنه نفسه عن الكلام خوفاً من أن يعرفه الناس فتأخذه سيوفهم .
وأسرع الخبيث نحو قصر الإمارة(2)
وقد وقفت عليه غير مرّة ، وتطلعت إلى كثير من معالمه ، ففي بعض أبوابه الرئيسية مظلات لحرّاس القصر قد ردمت ولم يبق منها إلا بعض معالمها ، وفي جانب منه بعض الغرف التي أُعدت للسجن ، وقد صمّمت بشكل غريب ، وفي جانب منه مطابخ القصر ولم يشر الأستاذ الجنابي إليها وقد أحكم بناء القصر حتى كان من المتعذر اقتحامه والاستيلاء عليه .
وقد علاه الفزع ، وساءه أشدّ ما يكون1) مقتل الحسين (علیه السّلام)/ المقرم : 170 .
2) قصر الإمارة : هو أقدم بناية حكومية شيّدت في الإسلام ، بناها سعد بن أبي وقاص ، وقد اندثرت معالمه ، كما اندثرت جميع معالم الكوفة ما عدا الجامع ، وقد اهتمت مديرية الآثار العامة في العراق بالتعرّف عليه ، فكشفت في مواسم مختلفة أُسسه ، وقد أظهرت نتائج الحفائر التي أجريت عليه أنه يتألف من سور خارجي يضم أربعة جدران تقريباً طولها 170 متراً ومعدل سمكها 4 أمتار ، وتدعم كل ضلع من الخارج ستة أبراج نصف دائرية باستثناء الضلع الشمالي ، حيث يدعمها برجان فقط . والمسافة ما بين كل برج وآخر 24 متراً و 60 سنتمتراً ، وارتفاع هذا السور بأبراجه يصل إلى ما يقرب من عشرين متراً ، وقد بني القصر بناء محكماً ، وصمّمت هندسته على غاية حربية ليكون في حماية آمنة من كل غزو خارجي . جاء ذلك في تخطيط مدينة الكوفة للدكتور كاظم الجنابي : 135 - 155 .
الاستياء من تباشير الناس وفرحهم بقدوم الإمام الحسين (علیه السّلام)، ولما انتهى إلى باب القصر وجده مغلقاً ، والنعمان بن بشير مشرف من أعلى القصر ، وكان قد توهّم أنّ القادم هو الحسين (علیه السّلام)؛ لأن أصوات الناس قد تعالت بالترحيب به والهتاف بحياته ، فانبرى يخاطبه : ما أنا بمؤد إليك أمانتي يابن رسول الله ، ومالي في قتالك من إرب .
ولمس ابن مرجانة في كلام النعمان الضعف والانهيار ، فصاح به بنبرات تقطر غيظاً . افتح لافتحتَ ، فقد طال ليلك(1).
ولما تكلم عرفه بعض من كان خلفه فصاح بالناس : إنّه ابن مرجانة ورب الكعبة ومن الغريب أنّ ذلك المجتمع لم يميز بين الإمام الحسين (علیه السّلام) وبين ابن مرجانة ، مع أنّ كلاً منهما قد عاش فترة في ديارهم ، ولعلّ الذي أوقعهم في ذلك تغيير ابن زیاد لبزته ، ولبسه للعمامة السوداء .
وعلى أية حال فإنّ الناس حينما علموا أنّه ابن زياد جفلوا وخفّوا مسرعين إلى دورهم وهم يتحدثون عما عانوه من الظلم والجور أيام أبيه ، وقد أوجسوا من عبيد الله الشر، وبادر ابن زياد في ليلته فاستولى على المال والسلاح ، وأنفق ليله ساهراً قد جمع حوله عملاء الحكم الأموي فأخذوا يحدثونه عن الثورة ويعرفونه بأعضائها البارزين ، ويضعون معه المخططات للقضاء عليها .
وعندما انبثق نور الصبح أمر ابن مرجانة بجمع الناس في المسجد الأعظم ، فاجتمعت الجماهير ، وقد خيم عليها الذعر والخوف ، وخرج ابن زیاد متقلداً سيفه ومعتماً بعمامة ، فاعتلى أعواد المنبر ، وخطب الناس ، فقال : «أما بعد ، فإنّ
1) تاريخ الأمم والملوك : 4 : 567 .
أمير المؤمنين - أصلحه الله - ولاني مصركم وثغركم وفيئكم ، وأمرني بإنصاف مظلومكم وإعطاء محرومكم ، وبالإحسان إلى سامعكم ومطيعكم ، وبالشدّة على مريبكم ، فأنا لمطيعكم كالوالد البرّ الشفيق ، وسيفي وسوطي على من ترك أمري ، وخالف عهدي فليبقِ امرؤ على نفسه ، الصدق ينبئ عنك لا الوعيد»(1).
وحفل هذا الخطاب بما يلي :
أوّلاً: إعلام أهل الكوفة بولايته على مصرهم ، وعزل النعمان بن بشير عنه.
ثانياً : تعريفهم أن حكومة دمشق قد عهدت له بالإحسان على من يتبع السلطة ولم يتمرّد عليها ، واستعمال الشدّة والقسوة على الخارجين عليها .
ولم يعرض ابن مرجانة في خطابه للإمام الحسين (علیه السّلام) وسفيره مسلم (علیه السّلام) خوفاً من انتفاضة الجماهير عليه وهو بعد لم يحكم أمره .
وعمد ابن زياد إلى نشر الإرهاب، وإذاعة الخوف، ويقول بعض المؤرخين : إنّه لما أصبح ابن زياد بعد قدومه إلى الكوفة صال وجال ، وأرعد وأبرق ، وأمسك جماعة من أهل الكوفة فقتلهم في الساعة(2)، وقد عمد إلى ذلك لإماتة الأعصاب ، وصرف الناس عن الثورة . فقد أحدث تهديد ابن زياد تحولاً غريباً ، فقد ظهرت قوة الحزب الأُموي للوجود بعد أن أشرفت على العدم.
وفي اليوم الثاني أمر بجمع الناس في المسجد ، وخرج إليهم بزي غير ما كان يخرج به ، فخطب فيهم خطاباً عنيفاً تهدد فيه وتوعد ، فقد قال بعد حمد الله والثناء عليه : «أما بعد ، فإنّه لا يصلح هذا الأمر إلا في شدّة من غير عنف ، ولين من غير
ضعف ، وأن آخذ البريء بالسقيم ، والشاهد بالغائب ، والولي بالولي».
فانبرى إليه رجل من أهل الكوفة يقال له : أسد بن عبد الله المرّي فردّ عليه : أيها الأمير ، إن الله تبارك وتعالى يقول: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزرَ أُخرَى(1)إِنَّما المرء بجده ، والسيف بحده ، والفرس بشدّه ، وعليك أن تقول ، وعلينا أن نسمع ، فلا تقدّم فينا السيئة قبل الحسنة . وأفحم ابن زياد ، فنزل عن المنبر ودخل قصر الإمارة(2).
واضطر مسلم (علیه السّلام) إلى تغيير مقرّه ، وإحاطة نشاطه السياسي بكثير من السرّ والكتمان ، فقد شعر بالخطر الذي داهمه حينما قدم الطاغية إلى الكوفة ، فهو يعلم بخبث هذا الوغد ، وأنّه لا يرجو الله وقاراً ولا يتحرج من اقتراف الإثم ، وقد أجمع أمره على مغادرة دار المختار ؛ لأنه لم تكن عنده قوة تحميه ، ولم يكن يأوي إلى رکن شديد ، فالتجأ إلى دار هانئ بن عروة فهو سيد المصر وزعيم مراد ، وعنده من القوة ما يضمن حماية الثورة والتغلب على الأحداث. فقد كان فيما يقول المؤرخون : إذا ركب يركب معه أربعة آلاف دارع وثمانية آلاف راجل ، فإذا أجابتها أحلافها من كندة وغيرها كان في ثلاثين ألف دارع(3)، كما كانت له ألطاف وأيادٍ بيضاء على أسرته مما جعلتهم يكنون له أعمق الود والإخلاص .
ومضى مسلم (علیه السّلام) إلى دار هذا الزعيم العربي الكبير فرحّب به ، واستقبله بحفاوة بالغة ، وتنص بعض المصادر(4)أنّه قد ثقل على هانئ استجارة مسلم (علیه السّلام) به ، الله وعظم عليه أن يتخذ داره معقلاً للثورة، ومركزاً للتجمعات ضد الدولة ، فإنّه بذلك
يعرّض نفسه للنقمة والبلاء ، إلا أنّه استجاب لمسلم على كره خضوعاً للعادات العربية التي لا تطرد اللاجئ إليها وإن عانت من ذلك أعظم المصاعب والمشاكل .
والذي نراه أنّه لا صحة لذلك، فإنّ مسلماً لو شعر منه عدم الرضا والقبول لما ركن إليه ، وتحرّج أشدّ ما يكون التحرّج من دخول داره ؛ وذلك لما توفرت في المسلم (علیه السّلام) من الطاقات التربوية الدينية ، وما عرف به من الشمم والإباء الذي يبعده كل البعد من سلوك أي طريق فيه حرج أو تكلّف على الناس ، وبالإضافة إلى ذلك فإن مسلماً لو لم يحرز منه التجاوب التام ، والإيمان الخالص بدعوته لما التجأ إليه في تلك الفترة العصيبة التي تحيط به .
إن من المؤكد أنّ هانئاً لم يستجب الحماية المسلم (علیه السّلام) والدفاع عنه على كره أو حياء ، وإنّما استجاب له عن رضاً وإيمان بوحي من دينه وعقيدته .
وعلى أية حال فقد استقر مسلم (علیه السّلام) في دار هانئ واتخذها مقراً للثورة ، وقد احتفى به هانئ ، ودعا القبائل لمبايعته ، فبايعه في منزله ثمانية عشر ألفاً(1)، وقد عرف مسلم (علیه السّلام) هانئاً بشؤون الثورة ، وأحاطه علماً بدعاتها وأعضائها البارزين .
وذهب معظم المؤرخين إلى أن شريك بن عبد الله الأعور مرض مرضاً شديداً في بیت هاني بن عروة أو في بيته(2)، فانتهى خبره إلى ابن زياد فأرسل إليه رسولاً يعلمه أنه آت لعيادته ، فاغتنم شريك هذه الفرصة ، فقال لمسلم : إنّما غايتك وغاية شيعتك هلاك هذا الطاغية، وقد أمكنك الله منه ، وهو صائر إليّ ليعودني ،
فقم فادخل الخزانة حتّى إذا اطمأن عندي فاخرج إليه فاقتله ، ثمّ صر إلى قصر الإمارة فاجلس فيه فإنّه لا ينازعك فيه أحد من الناس ، وإن رزقني الله العافية صرت إلى البصرة فكفيتك أمرها ، وبايع لك أهلها(1).
وكره هانئ أن يقتل ابن زياد في داره تمسكاً بالعادات العربية التي لا تبيح قتل الضيف والقاصد إليها في بيوتها(2)، فقال له : ما أحب أن يقتل في داري .
فقال له شريك : ولمَ ؟ فوالله إن قتله لقربان إلى الله .
ولم يُعنَ شريك بهانئ والتفت إلى مسلم (علیه السّلام) يحثه على اغتيال ابن زياد قائلاً له: لا تقصر في ذلك .
وبينما هم في الحديث وإذا بالضجّة على الباب ، فقد أقبل ابن مرجانة مع حاشيته ، فقام مسلم (علیه السّلام) ودخل الخزانة مختفياً بها، ودخل ابن زياد فجعل يسأل شريكاً عن مرضه ، وشريك يجيبه ، ولما استبطأ شريك خروج مسلم جعل يقول :
ما الانْتِظارُ بِسَلْمَى أَنْ تُحَبُّوها *** حَيُّوا سُلَيْمَى وَحَبُّوا مَن يُحييها
كَأْسُ المَنيَّةِ بِالتَّعجِيلِ فَاسْقُوها(3)
مَا الانْتِظَارُ بِسَلمى لا تُحبُّوهَا *** حَيوا سُليمى وَحَبُّوا مَنْ يُحَيّيها
هَلْ شِرْبَةٌ عَذْبَةٌ أُسقَى عَلَى ظَمَا *** وَلَوْ تَلِفْتُ وَكَانَتْ مُنْيَتِي فِيهَا
فَإِنْ أَحَسَّتْ سُليمى مِنكَ دَاهِيةً *** فَلَسْتَ تَأْمَنُ يَوماً مِنْ دَواهِيهَا»
وفي الفتوح : 5 : 42 والأخبار الطوال : 234 : «أنّه أنشد هذا البيت :
مَا تَنظُرُونَ بِسَلْمَى عِندَ فُرصَتِها *** فَقَد وَفي وُدُّها وَاسْتَوْسَقَ الصَّرَمُ»
1) الأخبار الطوال : 234 مقاتل الطالبيين : 101 . الكامل في التاريخ : 3 : 269 ، وذهب بعض المؤرخين إلى أنّ الذي دعا مسلماً لاغتيال ابن زياد هو هانئ بن عروة كما في الإمامة والسياسة : 2 : 5 .
2) يشير إلى ذلك ما جاء في مقاتل الطالبيين : 101 : «أنّ هانئاً استقبح قتل ابن زياد في داره».
3) مقاتل الطالبيين : 98. وفي مقتل أبي مخنف : 29 : «أنّه أنشد هذه الأبيات :
ورفع صوته ليُسمع مسلماً قائلاً: الله أبوك إسقنيها وإن كانت فيها نفسي(1).
وغفل ابن زياد عن مراده، وظنّ أنّه يهجر ، فقال لهانئ : أيهجر ؟
قال : نعم ، أصلح الله الأمير لم يزل هكذا منذ أصبح(2).
وفطن مهران مولی ابن زیاد - وكان ذكياً - إلى ما دُبّر لسیده ، فغمزه ونهض به سريعاً ، فقال له شريك : أيها الأمير ، إني أريد أن أوصي إليك فقال له ابن زياد : إنّي أعود إليك .
والتفت مهران - وهو مذعور - إلى ابن زياد ، فقال له : إنّه أراد قتلك.
فبهر ابن زياد ، وقال : كيف مع إكرامي له ؟!! وفي بيت هانئ ويد أبي عنده !
ولما ولى الطاغية خرج مسلم (علیه السّلام) من الحجرة ، فالتفت إليه شريك وقلبه يذوب أسى وحسرات ، قال له : ما منعك قتله ؟(3).
فقال مسلم (علیه السّلام) : منعني منه خلتان إحداهما كراهية هانئ لقتله في منزله ، والأخرى قول رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «إِنَّ الْإِيْمَانَ قَيْدُ الْفَتْكِ»(4)ولا يفتك مؤمن.
فقال له شريك : أما والله لو قتلته لاستقام لك أمرك ، واستوسق لك سلطانك(5)
وفي الكامل في التاريخ : 3 : 270 : «أن هانئاً قال لمسلم : لو قتلته لقتلت فاسقاً فاجراً كافراً غادراً.
وذكر ابن نما : أن امرأة هانئ تعلقت بمسلم ، وأقسمت عليه بالله ألا يقتل ابن زياد في دارها ، فلما علم هانئ قال : يا ويلها قتلتني وقتلت نفسها ، والذي فرّت منه وقعت فيه .
.1) مقاتل الطالبيين : 101.
2) الكامل في التاريخ : 3: 270 .
3) مقاتل الطالبيين : 102 . الكامل في التاريخ : 3: 270 .
4) «وهذا الحديث النبوي المراد منه أن الإنسان المؤمن يمتنع لأجل إيمانه أن يسفك الدم الحرام طاعة لأمر الحمية ، وركوباً بالسنن الجاهلية ، فكان إيمانه قيد فتكه» - المجازات النبوية : 230 .
5) الأخبار الطوال : 235 .
ولم يلبث شريك بعد الحادثة إلا ثلاثة أيام حتى توفي ، فصلى عليه ابن زياد ودفنه بالثوية ، ولما تبين له ما دبره له شريك طفق يقول : والله لا أصلي على جنازة عراقي ، ولولا أن قبر زياد فيهم لنبشت شريكاً(1).
ويتساءل الكثيرون من الناس عن موقف مسلم (علیه السّلام)، فيلقون عليه اللوم والتقريع ، ويحملونه مسؤولية ما وقع من الأحداث ، فلو اغتال الطاغية لأنقذ المسلمين من شرّ عظيم ، وما مني المسلمون بتلك الأزمات الموجعة التي أغرقتهم في المحن والخطوب .
أما هذا النقد فليس موضوعياً، ولا يحمل أي طابع من التوازن والتحقيق ؛ وذلك لعدم التقائه بسيرة المسلم (علیه السّلام) ولا بواقع شخصيته ، فقد كان الرجل فذاً من أفذاذ الإسلام في ورعه وتقواه وتحرّجه في الدين، فقد تربى في بيت عمه أمير المؤمنين (علیه السّلام)، وحمل اتجاهاته الفكرية ، واتخذ سيرته المشرقة منهاجاً يسير على أضوائها في حياته ، وقد بنى الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) واقع حياته على الحق المحض الذي لا التواء فيه ، وتحرّج أعظم ما يكون التحرّج في سلوكه ، فلم يرتكب أي شيء شد عن هدي الإسلام وواقعه ، وهو القائل : «قَدْ يَرَى الْحُولُ الْقُلَّبُ وَجْهَ الحيلة وَدُونَها حاجز مِنْ تَقْوَى الله»(2).
وعلى ضوء هذه السيرة بنى ابن عقيل حياته الفكرية ، وتكاد أن تكون هذه السيرة هي المنهاج البارز في سلوك العلويين.
يقول الدكتور محمد طاهر درويش : «كان للهاشميين مجال يحيون فيه ، ولا يعرفون سواه ، فهم منذ جاهليتهم للرئاسة الدينية ، قد طبعوا على ما توحي به من الإيمان والصراحة ، والصدق والعفّة ، والشرف والفضيلة والترفع ، والخلائق المثالية والمزايا الأدبية ، والشمائل الدينية والآداب النبوية»(1).
إن مسلماً لم يقدم على اغتيال عدوّه الماكر ؛ لأنّ الإيمان قيد الفتك ، ولا يفتك مؤمن، وعلّق هبة الدين على هذه الكلمة بقوله : «كلمة كبيرة المغزى ، بعيدة المدى ، فإن آل علي من قوة تمسكهم بالحق والصدق نبذوا الغدر والمكر حتى لدى الضرورة ، واختاروا النصر الأجل بقوة الحق على النصر العاجل بالخديعة ، شنشنة فيهم معروفة عن أسلافهم ، وموروثة في أخلاقهم ، كأنّهم مخلوقون لإقامة حكم العدل والفضيلة في قلوب العرفاء الأصفياء ، وقد حفظ التاريخ لهم الكراسي في القلوب»(2)
ويقول الشيخ أحمد فهمي : «فهذا عبيد الله بن زياد، وهو من هو في دهائه ، وشدّة مراسه أمكنت مسلماً الفرصة منه إذ كان بين يديه، ورأسه قريب المنال منه ، وكان في استطاعته قتله ولو أنّه فعل ذلك لحرم يزيد نفساً جبارة ، ويداً فتاكة ، وقوة لا يستهان بها ، ولكن مسلماً متأثر بهدي ابن عمّه ، عاف هذا المسلك وصان نفسه من أن يقتله غيلة ومكرا»(3).
إن مهمة مسلم (علیه السّلام) التي عهد بها إليه هي أخذ البيعة من الناس والتعرف على مجريات الأحداث ، ولم يعهد إليه بأكثر من ذلك ، ولو قام باغتيال الطاغية لخرج عن حدود مسؤولياته ، على أنّ الحكومة التي جاء ممثلاً لها إنّما هي حكومة دينية تُعنى
قبل كل شيء بمبادئ الدين والالتزام بتطبيق سننه وأحكامه ، وليس من الإسلام في شيء القيام بعملية الاغتيال .
وقد كان أهل البيت (علیهم السّلام) يتحرّجون أشدّ ما يكون التحرج من السلوك في المنعطفات ، وكانوا ينعون على الأمويين شذوذ أعمالهم التي لا تتفق مع نواميس الدين، وما قام الإمام الحسين (علیه السّلام) بنهضته الكبرى إلا لتصحيح الأوضاع الراهنة وإعادة المنهج الإسلامي إلى الناس ، وماذا يقول المسلم (علیه السّلام) للأخيار والمتحرّجين في دينهم لو قام بهذه العملية التي لا يقرها الدين ؟!
وعلى أية حال فقد استمسك مسلم (علیه السّلام) بفضائل دينه وشرفه من اغتيال ابن زياد ، وكان تحت قبضته ، وإن من أهزل الأقوال وأوهنها القول بأنّ عدم فتكه به ناشئ عن ضعفه وخَوَره ، فإنّ هذا أمر لا يمكن أن يُصغى إليه ، فقد أثبت في مواقفه البطولية في الكوفة حينما غدر به أهلها ما لم يشاهد التاريخ له نظيراً في جميع مراحله ، فقد صمد أمام ذلك الزحف الهائل من الجيوش فقابلها وحده ، ولم تظهر عليه أية بادرة من الخوف والوهن ، فقد قام بعزم ثابت يحصد الرؤوس ويحطم الجيوش حتى ضجّت الكوفة من كثرة من قتل منها ، فكيف يتهم بطل هاشم وفخر عدنان بالوهن والضعف ؟!!
وأدّت المخططات الرهيبة التي صممها الطاغية إلى نجاحه في الميادين السياسية وتغلبه على الأحداث ، فبعد أن كانت الكوفة تحت قبضة مسلم (علیه السّلام) انقلبت عليه رأساً على عقب ، فزج بها الماكر الخبيث إلى حرب مسلم (علیه السّلام)، والقضاء عليه ، ومن بين هذه المخططات :
وأوّل بادرة سلكها ابن زياد هى التجسس على مسلم (علیه السّلام)، ومعرفة جميع نشاطاته السياسية والوقوف على نقاط القوة والضعف عنده ومن المؤكد أنّ للتجسس أهمية فعالة في شلّ الحركات السرية والعلنية المناهضة للدولة ، وقد اتخذه الأمويون أداة فعالة لعرقلة كل حركة مناهضة لدولتهم ، وذلك منذ تأسيسها .
وقد اختار للقيام بهذه المهمة مولاه معقلاً، وكان من صنائعه ، وتربى في كنفه ، ودرس طباعه ، ووثق بإخلاصه ، وكان فطناً ذكياً ، فأعطاه ثلاثة آلاف درهم ، وأمره أن يتصل بالشيعة ، ويعرفهم أنّه من أهل الشام ، وأنّه مولى لذي الكلاع الحميري ، وكانت الصبغة السائدة على الموالي هي الإخلاص لأهل البيت (علیهم السّلام)؛ ولذا أمره بالانتساب إلى الموالي حتّى ينفي الشك والريب عنه ، وقال له : إنه إذا التقى بهم فليعرفهم بأنّه ممّن أنعم الله عليه بحب أهل البيت (علیهم السّلام)، وقد بلغه قدوم رجل إلى الكوفة يدعو للإمام الحسين (علیه السّلام)، و عنده مال يريد أن يلقاه ليوصله إليه حتى يستعين به علی حرب عدوّه ، ومضى معقل في مهمته فدخل الجامع ، وجعل يفحص ويسأل عمّن له معرفة بمسلم ، فأرشد إلى مسلم بن عوسجة ، فانبرى إليه ، وهو يظهر الإخلاص والولاء للعترة الطاهرة قائلا له : إنّي أتيتك لتقبض مني هذا المال ، وتدلّني على صاحبك لأبايعه ، وإن شئت أخذت بيعتي قبل لقائي إياه(1).
فقال ابن عوسجة : لقد سرني لقاؤك إياي لتنال الذي تحبّ ، وينصر الله بك أهل بيت نبيه ، وقد ساءني معرفة الناس هذا الأمر منّي قبل أن يتم مخافة هذا الطاغية وسطوته ، ثمّ أخذ منه البيعة وأخذ منه المواثيق المغلّظة على النصيحة وكتمان الأمر(2)وفي اليوم الثاني أدخله على مسلم (علیه السّلام) فبايعه وأخذ منه المال وأعطاه إلى الله
أبي ثمامة الصائدي - وكان قد عيّنه لقبض المال - ليشتري به السلاح والكراع ، وكان معقل فيما يقول المؤرخون : أوّل من يدخل على مسلم الله ، وآخر من يخرج منه ، وجميع البوادر والأحداث التي تصدر ينقلها بتحفظ في المساء إلى ابن زياد(1)حتى وقف على جميع أسرار الثورة .
والذي يواجه أعضاء الثورة من المؤاخذات ، ما يلي :
أوّلاً: إن معقلاً كان من أهل الشام الذي عرفوا بالبغض والكراهية لأهل البيت (علیهم السّلام) والولاء لبني أمية والتفاني في حبّهم ، فما معنى الركون إليه ؟
ثانياً : إن اللازم التريب حينما أعطى المال لمسلم بن عوسجة وهو يبكي ، فما معنى بكائه أو تباكيه ؟ أليس ذلك مما يوجب الريب في شأنه ؟
ثالثاً : إنّه حينما اتصل بهم كان أوّل داخل وآخر خارج ، فما معنى هذا الاستمرار والمكث الطويل في مقر القيادة العامة ؟ أليس ذلك مما يوجب الشك في أمره ؟
لقد كان الأولى بالقوم التحرز منه ، ولكن القوم قد خدعتهم المظاهر المزيفة ، ومن الحق أن هذا الجاسوس كان ماهراً في صناعته ، وخبيراً فيما انتدب إليه .
وعلى أية حال فإنّ ابن زياد قد استفاد من عملية التجسس أُموراً بالغة الخطورة ، فقد عرف العناصر الفعّالة في الثورة، وعرف مواطن الضعف فيها ، وغير ذلك من الأمور التي ساعدته في التغلب على الأحداث.
و وقف ابن زياد على نبض الكوفة ، وعرف كيف يستدرج أهلها فبادر إلى إرشاء
1) الأخبار الطوال : 236 .
الوجوه والزعماء فبذل لهم المال بسخاء فاستمال ودّهم، واستولى على قلوبهم ، فصارت ألسنتهم تكيل له المدح والثناء ، وكانوا ساعده القوي في تشتيت شمل الناس وتفريق جموعهم عن المسلم (علیه السّلام).
لقد استعبدهم ابن مرجانة بما بذله من الأموال ، فأخلصواله ومنحوه النصيحة ، وخانوا بعهودهم ومواثيقهم التي أعطوها لمسلم ، وقد أخبر بعض أهل الكوفة الإمام الحسين (علیه السّلام) عن هذه الظاهرة حينما التقى به في أثناء الطريق ، فقال له : أما أشراف الناس فقد عظمت رشوتهم ، وملئت غرائرهم ، يستمال ودهم ، ويستخلص به نصيحتهم ، وأما سائر الناس فإنّ أفئدتهم تهوي إليك ، وسيوفهم غداً مشهورة عليك(1).
لقد تناسى الكوفيون كتبهم التي أرسلوها للإمام الحسين (علیه السّلام) وبيعتهم له على يد سفيره من أجل الأموال التي أغدقتها عليهم السلطة ، يقول بعض الكتاب : «إنّ الجماعات التي أقامها النكير على بني ية ، وراسلت الحسين (علیه السّلام) وأكدت له إخلاصها ، وذرفت أمام مسلم (علیه السّلام) أعزّ دموعها هي الجماعات التي ابتاعها عبيد الله بن زياد بالدرهم والدينار، وقد ابتاعها فيما بعد مصعب بن الزبير فتخلوا عن المختار ، وتركوه وحيداً يلقى حتفه ، ثمّ اشتراها الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان فتخلوا عن مصعب ، وتركوه يلقى مصيره على يد عبد الملك بن مروان»(2).
وعلم الطاغية أنّ هانئاً هو العضو البارز في الثورة ، فقد أطلعه الجاسوس الخطير معقل على الدور الفعّال الذي يقوم به هانئ في دعم الثورة ، ومساندتها بجميع
قدراته ، وعرّفه أنّ داره أصبحت المركز العام للشيعة ، والمقر الرئيسي لسفير الحسين مسلم (علیهما السّلام)، فلماذا لم يقم بكبسها وتطويقها بالجيش ليقضي بذلك على الثورة ؟ وإنّما أحجم عن ذلك لعجزه عسكرياً ، وعدم مقدرته على فتح باب الحرب ، فإن دار هانئ مع الدور التي كانت محيطة بها كانت تضم أربعة آلاف مقاتل ممّن بايعوا مسلماً بالإضافة إلى أتباع هانئ ومكانته المرموقة في المصر ، فلهذا لم يستطع ابن زياد من القيام بذلك نظراً للمضاعفات السيئة .
وأنفق ابن زياد لياليه ساهراً يطيل التفكير، ويطيل البحث مع حاشيته في شأن هانئ ، فهو أعزّ مَنْ في المصر ، وأقوى شخصية يستطيع القيام بحماية الثورة ، ولا يدع مسلماً فريسة لأعدائه ، فإذا قضى عليه فقد استأصل الثورة من جذورها ، وقد أعرض عن إلقاء القبض عليه وتطويق داره ، فإن ذلك ليس بالأمر الممكن ، وقد اتفق رأيه على خديعته بإرسال وفد إليه من قبل السلطة يعرض عليه رغبة ابن زياد في زيارته ، فإذا وقع تحت قبضته فقد تمّ كلّ شيء ، ويكون تشتيت أتباعه ليس بالأمر العسير، وشكل وفداً لدعوته ، وهم :
1 - حسان بن أسماء بن خارجة زعيم فزارة .
2 - محمد بن الأشعث زعيم كندة ، وكان ابن زياد قد تزوج ابنته عائشة حينما استعمله يزيد على الكوفة(1).
3 - عمرو بن الحجاج ، وكانت روعة أخت عمرو بن الحجاج تحت هانئ بن عروة ، وهي أُم يحيى بن هانئ .
ولم يكن لحسان بن أسماء علم بالمؤامرة التي دبرت ضد هانئ ، وإنما كان يعلم
1) عيون الأخبار : 4 : 98 .
بها محمد بن الأشعث وعمرو بن الحجاج ، وقد أمرهم ابن زياد أن يحملوا له عواطفه ورغبته الملحة في زيارته ، ويعملوا جاهدين على إقناعه.
وأسرع الوفد إلى هانئ عشية فوجدوه جالساً على باب داره فسلموا عليه ، وقالوا له : ما يمنعك من لقاء الأمير فإنّه قد ذكرك ؟ وقال : لو أعلم أنّه شاكٍ لعدته) .
فقال لهم : الشكوى تمنعني .
وأبطلوا هذا الزعم وقالوا له : إنّه قد بلغه أنك تجلس كل عشية على باب دارك ، وقد استبطأك ، والإبطاء والجفاء لا يحتمله السلطان ، أقسمنا عليك لما ركبت معنا .
وأخذوا يلحون عليه في زيارته ، فاستجاب لهم وهو لا يعلم ما أضمرته له الأقدار.
ولا أدري كيف اقتنع هانئ أن يذهب معهم إلى ابن زياد ليلقي نفسه في الفخ مع قيامه بمناصرة مسلم (علیه السّلام) الذي يريد قلب الحكم الأموي وهو في ضيافته ؟! وهل من الحزم والحيطة أن يستجيب لرسل ابن زياد حتّى يأتي معهم إليه ، أو أن الأمر ليس من الخطورة في شيء ؟
كلا ثم كلا ، بل إن التدبير السياسي يقتضي ألا يجتمع معه إلا ومعه الخيل والسلاح ، وهو ذلك الزعيم المتبوع ؛ ليتمكن من التخلص منه إذا اقتضت الحاجة إليه كما صنع الإمام الحسين (علیه السّلام) مع أمير المدينة ، ولكن لا راد لقضاء الله.
ثم إن هانئاً دعا بثيابه فلبسها ودعا ببغلة فركبها ، فلمّا كان قريباً من القصر أحست نفسه بالشر فعزم على الانصراف ، وقال لحسان بن أسماء : يابن الأخ ، إني والله لخائف من هذا الرجل فما ترى؟ فقال حسان: يا عم ، والله ما أتخوّف عليك شيئاً ولم تجعل على نفسك سبيلاً. وأخذ القوم يلحون عليه حتى أدخلوه على
ابن مرجانة ، فاستقبله بعنف وشراسة ، وقال : أتتك بحائن رجلاه(1).
وكان شريح إلى جانبه ، فقال له :
أريد جاءَهُ وَيُريد قتلي *** عُذيركَ مِن خَلِيلِكَ مِنْ مُراد(2)
وذعر هانئ فقال له : ما ذاك أيها الأمير ؟
فصاح به الطاغية بعنف : إيه يا هانئ ، ما هذه الأمور التي تتربص في دارك لأمير المؤمنين وعامة المسلمين ؟ جئت بمسلم بن عقيل فأدخلته دارك ، وجمعت له السلاح والرجال في الدور حولك ، وظننت أن تلك الأمور تخفى علي ؟
فأنكر ذلك هانئ ، وقال : ما فعلت ذلك وما مسلم عندي .
قال : بلى قد فعلت.
وطال النزاع واحتدم الجدال بينهما ، فرأى ابن زياد أن يحسم النزاع ، فدعا معقلاً الذي جعله عيناً عليهم ، فلما مثل عنده قال لهانئ : أتعرف هذا ؟
قال : نعم .
وسُقط في يد هانئ ساعة ، وأطرق برأسه إلى الأرض ، ولكن سرعان ما سيطرت شجاعته على الموقف ، فانتفض كالأسد ، وقال لابن مرجانة : قد كان الذي بلغك ، ولن أضيع يدك عندي ، تشخص لأهل الشام أنت وأهل بيتك سالمين بأموالكم ، فإنه جاء حق من هو أحق من حقك وحق صاحبك(3).
1) الحائن : الأحمق . مجمع الأمثال : 1 : 21 ، المثل 57 لسان العرب : 3 : 324 - حَيَنَ.
2) الأغاني : 15: 166 . والبيت لعمرو بن معدي كرب ، وروي : «أُريد حياته ...» كما في الكامل في التاريخ : 4 : 28 تاريخ الأمم والملوك : 4 : 272 .
3) مروج الذهب : 3 : 57 . الكامل في التاريخ : 3 : 271. سمط النجوم العوالي : 3 : 61 . تاريخ الإسلام (حوادث 41 - 60) : 171 ، 301. وروي كلامه بصورة أخرى وهي تخالف ما رواه مشهور المؤرّخين .
فثار ابن زیاد وصاح به : والله لا تفارقني حتى تأتيني به .
وسخر منه هانئ ، وأنكر عليه قائلاًله مقالة الرجل الشريف : لا آتيك بضيفي أبداً .
ولما طال الجدال بينهما انبرى إلى هانئ مسلم بن عمرو الباهلي وهو من خدّام السلطة ، ولم يكن رجل في المجلس غريب غيره ، فطلب من ابن زياد أن يختلي بهانئ ليقنعه فأذن له، فقام وخلا به ناحية بحيث يراهما ابن زياد ويسمع صوتهما إذا علا ، وحاول الباهلي إقناع هانئ فحذره من نقمة السلطان وأنّ السلطة لا تنوي السوء بمسلم قائلاً: يا هانئ ، أنشدك الله أن تقتل نفسك، وتدخل البلاء على قومك ، إنّ هذا الرجل - يعني مسلماً - ابن عمّ القوم ، وليسوا بقاتليه ، ولا ضائريه ، فادفعه إليه فليس عليك بذلك مخزاة ، ولا منقصة إنّما تدفعه إلى السلطان .
ولم يخف على هانئ هذا المنطق الرخيص، فهو يعلم أن السلطة إذا ظفرت بمسلم فسوف تنكل به ، ولا تدعه حيّاً وأنّ ذلك يعود عليه بالعار والخزي إن سلّم ضيفه وافد آل محمّد فريسة لهم ، فأجابه قائلاً :
بلى والله عليَّ في ذلك أعظم العار أن يكون مسلم في جواري وضيفي وهو رسول ابن بنت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وأنا حي صحيح الساعدين كثير الأعوان ، والله لو لم أكن إلا وحدي لما سلّمته أبداً.
وحفل هذا الكلام بمنطق الأحرار الذين يهبون حياتهم للمثل العليا ولا يخضعون لما يخل بشرفهم .
ولما يئس الباهلي من إقناع هاني انطلق نحو ابن زياد فقال له : أيها الأمير ، قد أبى أن يسلّم مسلماً أو يقتل(1).
وصاح الطاغية بهانئ : أتأتيني به أو لأضربن عنقك ؟
1) الفتوح : 5 : 47 .
فلم يعبأ به هانئ ، وقال : إذن تكثر البارقة حولك .
فثار الطاغية وانتفخت أوداجه ، وقال : والهفا عليك ، أبالبارقة تخوفني ؟(1)
وصاح بغلامه مهران وقال : خذه ، فأخذ بضفيرتي هانئ ، وأخذ ابن زياد القضيب فاستعرض به وجهه ، وضربه ضرباً عنيفاً حتى كسر أنفه ، ونثر لحم خدّيه وجبينه على لحيته حتى تحطّم القضيب وسالت الدماء على ثيابه ، وعمد هانئ إلى قائم سيف شرطي محاولاً اختطافه ليدافع به عن نفسه فمنعه منه ، فصاح به ابن زیاد : أحروري أحللت بنفسك ، وحل لنا قتلك .
وأمر ابن زياد باعتقاله في أحد بيوت القصر ، واندفع حسّان بن أسماء بن خارجة وكان ممّن أمّن هانئاً وجاء به إلى ابن زياد ، وقد خاف من سطوة عشيرته ونقمتهم عليه ، فأنكر عليه ما فعله بهانئ ، قائلاً: أرسله يا غادر ، أمرتنا أن نجيئك بالرجل فلما أتيناك به هشمت وجهه ، وسیلت دماءه وزعمت أنك تقتله(2).
وغضب منه ابن زياد فأوعز إلى شرطته بتأديبه فلهز وتعتع ثمّ ترك ، وأمّا ابن الأشعث المتملق الحقير فجعل يحرّك رأسه ويقول ليسمع الطاغية : قد رضينا بما رأى الأمير لنا كان أم علينا ، إنّما الأمير مؤدّب(3).
ولا يهم ابن الأشعث ما اقترفه الطاغية من جريمة في سبيل تأمين مصالحه ورغباته .
وانتهى خبر هانئ إلى أسرته فاندفعت بتثاقل ، فقاد جموعها الانتهازي الجبان
عمرو بن الحجاج الذي لا عهد له بالشرف والمروءة ، فأقبل ومعه مذحج وهو يرفع عقيرته لتسمع السلطة مقالته قائلاً: أنا عمرو بن الحجّاج ، وهذه فرسان مذحج ووجوهها ، لم نخلع طاعة ولم نفارق جماعة(1).
وحفل كلامه بالخنوع والمسالمة للسلطة وليس فيه اندفاع لإنقاذ هانئ ، ولذا لم يحفل به ابن زياد ، فالتفت إلى شريح القاضي فقال له : ادخل على صاحبهم فانظر إليه ، ثمّ اخرج إليهم فأعلمهم أنه حيّ ، وخرج شريح فدخل على هانئ فلما بصر به صاح مستجيراً : يا للمسلمين، أهلكت عشيرتي ؟ !! أين أهل الدين ؟ ! أين أهل المصر؟! أيحذرونني عدوهم ؟(2).
وكان قد سمع الأصوات وضجيج الناس فالتفت إلى شريح(3)
وجاء في حياة الحيوان / الدميري : «أنّ شريحاً ظل قاضياً على الكوفة خمساً وسبعين سنة من عهد عمر بن الخطاب إلى عهد الحجاج ، وكان من أصل فارسي».
قائلاً: يا شريح ، إنّي لأظنّها أصوات مذحج وشيعتي من المسلمين ، إنّه إن دخل علي عشرة نفر أنقذوني(4)وجاء في تهذيب التهذيب : 2: 303: «إنّ هانئاً قال لشريح : يا شريح ، اتق الله فإنّه قاتلي».
.وخرج شريح وكان عليه عين لابن زياد مخافة أن يدلي بشيء على خلاف رغبات السلطة فيفسد عليها أمرها ، فقال لهم : قد نظرت إلى صاحبكم وأنّه حيّ لم يقتل .
وبادر عمرو بن الحجاج فقال : فأما إذ لم يقتل فالحمد الله(1).
وولوا منهزمين كأنما أُتيح لهم الخلاص من السجن وهم يصحبون العار والخزي ، وظلوا مثالاً للخيانة والجبن على امتداد التاريخ - وفيما أحسب - أن هزيمة مذحج بهذه السرعة وعدم تأكدها من سلامة زعيمها جاءت نتيجة اتفاق سري بين زعماء مذحج وبين ابن زياد للقضاء على هانئ ، ولولا ذلك لنفرت مذحج حينما أُخرج هانئ من السجن في وضح النهار ، ونفّذ فيه حكم الإعدام في سوق الحذائين.
وعلى أية حال فقد خلدت مذحج للذل ، ورضيت بالهوان ، وانبری شاعر مجهول أخفى اسمه حذراً من نقمة الأمويين وبطشهم فرثى هانئاً وندد بأسرته محاولاً بذلك أن يثير في نفوسهم روح العصبية القبلية ليثأروا لقتيلهم ، يقول :
إِذا كُنتِ لَا تَدرِينَ ما المَوتُ فانظُرِي *** إلى هاني فِي السُّوقِ وَابْنِ عَقِيلِ
إِلَى بَطَلِ قَد هَسمَ السِّيفُ وَجهَهُ *** وآخرَ يَهوِي مِن طَمارِ قَتِيلِ(2)
أصابَهُما أَمرُ الأَمِيرِ فَأَصْبَحا *** أحاديث من يَسري بِكُلِّ سَبيل(3)
تَرَى جَسَداً قَدْ غَيَّر المَوتُ لَونَهُ *** وَنَضْحَ دَمٍ قَد سالَ كُلَّ مَسيل
فتى هُوَ أَحْيِي مِن فَتاةٍ حَبِيَّةٍ *** وَأَقطعُ مِن ذِي شَفَرَتَيْنِ صَقِيلِ
أَيَركَبُ أَسماء الهَمالِيجَ آمِناً *** وَقَدْ طَلَبَتْهُ مَذحج بذحُول(4)
الذحول - جمع ذحل : طلب الثأر - لسان العرب : 5 : 27 .
تطوفُ حَوَالَيهِ مُرَادٌ وَكُلُّهُمْ *** عَلَى رِقْبةٍ من سائلٍ وَمَسُولِ
1) الكامل في التاريخ : 3: 271.
2) الطمار : اسم لغرفة شيدت فوق قصر الإمارة ، وفي أعلاها قتل مسلم بن عقيل ، ورميت جثته إلى الأرض ، وما ذكره ابن أبي الحديد أن الطمار هو الجدار فليس بصحيح .
3) وفي رواية: «أصابهما بغي الأمير».
4) الهماليج - جمع هملاج - : وهو نوع من البرذون - لسان العرب : 15 : 136 - هملج .
فَإِنْ أَنتُمْ لَمْ تَثْأَرُوا بِأَخِيكُمُ *** فَكُونُوا بَغايَا أُرْضِيَتْ بِقَلِيلِ(1)
وعلّق الدكتور يوسف خليف على هذه الأبيات بقوله : واللحن هنا تأثر عنيف ، والتعبير فيه قوي صريح ، بل تصل فيه الصراحة إلى درجة الجرأة ، وشجّع الشاعر على هذه الجرأة أنه كان في مأمن من بطش الأمويين ؛ لأنه استطاع أن يخفي اسمه ، حتى أصبح شخصاً مختلفاً فيه عند بعض الرواة ، ومجهولاً تماماً عند بعضهم ، وهو في هذا اللحن لا يتحدث عن الحسين ، ولا عن السياسة ، وإنما كل حرصه أن يثير روح العصبية القبلية في نفوس اليمنية ليثأر والقتيلهم وهو - من أجل هذا - أغفل متعمداً من غير شك ذكر محمد بن الأشعث اليمني ، ولم يذكر إلا أسماء بن خارجة الفزاري على أنّه هو المسؤول عن دم هانئ مع أن كليهما كان رسول ابن زياد إليه .
ولكن الشاعر حرص على أن يغفل ذكر ابن الأشعث حتّى لا يثير فتنة أو انقساماً بين اليمنية ، وهو في أشدّ الحاجة إلى أن يوحد صفوفهم حتى يدركوا ثأرهم .
واعتمد الشاعر في قصيدته على هذه الصورة المفزعة التي رسمها للقتيلين اللذين هشم السيف وجه أحدهما وألقي بالآخر من أعلى القصر ، واللذين أصبحا أحاديث للناس في كل مكان ، وهو حريص في هذه الصورة على أن يعرض للناس منظرين رهيبين يثيران في نفوسهم كلّ عواطف الحزن والسخط والانتقام ، منظر هذين الجسدين وقد غيّر الموت من لونهما ، وهذا الدم الذي ينضح منهما ويسيل كل مسيل ، ثمّ منظر أسماء بن خارجة وهو يختال في طرقات الكوفة على دوابه التي تتبختر به آمناً مطمئناً ، ويسأل إلى متى سيظل هذا الرجل في أمنه وخيلاته
1) في مروج الذهب : 3 : 60 إنّها لشاعر مجهول . وكذلك في الأغاني : 14 : 161 . وفي مقاتل الطالبيين : 109 ، إنّها لعبد الله بن الزبير الأسدي . وكذلك في تاريخ الأمم والملوك : 4: 285 ، وقيل : إنّها للفرزدق . وفي الأخبار الطوال : 242 إنّها لعبد الرحمن بن الزبير : الأسدي . وفي لسان العرب : 8: 199 ، إنّها لسليم بن سلام الحنفي .
ومن حوله قبيلة القتيل تطالبه بالثأر ، فلا يجد أشدّ من طعنها في كرامتها ؟ ! فيقول لهم : إن لم تثأروا بقتيلكم فكونوا بغايا يبغى شرفهن بثمن بخس دراهم معدودات(1).
لقد تنكرت مذحج لزعيمها الكبير فلم توف له حقوقه فتركته أسيراً بيد ابن مرجانة يمعن في إرهاقه من دون أن تحرك ساكناً في حين أنها كانت لها السيادة والسيطرة على الكوفة كما يرى ذلك (فلهوزن) .
وعلى أية حال فقد كان لاعتقال هانئ الأثر الكبير في ذيوع الفزع والخوف في نفوس الكوفيين مما أدى إلى تفرق الناس عن مسلم (علیه السّلام) وإخفاق الثورة .
ولما علم مسلم (علیه السّلام) بما جرى على هانئ بادر لإعلان الثورة على ابن زياد لعلمه بأنّه سيلقى نفس المصير الذي لاقاه هانئ ، فأوعز إلى عبد الله بن حازم أن ينادي في أصحابه وقد ملأ بهم الدور ، فاجتمع إليه أربعة آلاف(2)، أو أربعون ألفاً(3)، وهم ينادون بشعار المسلمين يوم بدر : يا منصور أمت(4).
وقام مسلم (علیه السّلام) بتنظيم جيشه ، فأسند القيادات العامة في الجيش إلى من عرفوا بالولاء والإخلاص لأهل البيت (علیهم السّلام) ، وهم :
أولاً : عبيد الله بن عمرو بن عزير الكندي ، جعله على ربع كندة .
1) حياة الشعر في الكوفة إلى نهاية القرن الثاني للهجرة : 463 و 464 .
2) مناقب آل أبي طالب : 4 : 92. الكامل في التاريخ : 3: 271.
3) تهذيب التهذيب : 2 : 303 تذهیب التهذيب / الذهبي : 1 : 150 ، من مصورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام).
4) هذا الشعار فيه تحريض للجيش على الموت في الحرب للتغلب على الأعداء ، وفيه تفاؤل بالنصر.
ثانياً : مسلم بن عوسجة ، جعله على ربع مذحج وأسد.
ثالثاً : أبو ثمامة الصائدي، جعله على ربع قبائل بني تميم وهمدان .
رابعاً : العباس بن جعدة الجدلي ، جعله على ربع المدينة .
واتجه مسلم (علیه السّلام) بجيشه نحو قصر الإمارة فأحاطوا به(1)، وكان ابن زياد قد خرج من القصر ليخطب الناس على أثر اعتقاله لهانئ ، فجاء إلى المسجد الأعظم فاعتلى أعواد المنبر ، ثمّ التفت إلى أصحابه فرآهم عن يمينه وشماله وفي أيديهم الأعمدة وقد شهر وا سيوفهم للحفاظ عليه .
فهدأ روعه وخاطب أهل الكوفة قائلاً: أما بعد ، يا أهل الكوفة فاعتصموا بطاعة الله ورسوله ، وطاعة أئمتكم ولا تختلفوا ، ولا تفرقوا فتهلكوا وتذلّوا، وتندموا وتقهروا ، فلا يجعلن أحد على نفسه سبيلاً ، وقد أعذر من أنذر(2).
وما أتم الطاغية خطابه حتى سمع الضجّة وأصوات الناس قد علت ، فسأل عن ذلك فقيل له : الحذر ، الحذر ، هذا مسلم بن عقيل قد أقبل في جميع من بايعه(3).
واختطف الرعب لونه ، وسرت الرعدة بجميع أوصاله فأسرع الجبان نحو القصر وهو يلهث من شدّة الخوف ، فدخل القصر ، وأغلق عليه أبوابه(4)، وامتلأ المسجد والسوق من أصحاب مسلم (علیه السّلام)، وضاقت الدنيا على ابن زياد ، وأيقن بالهلاك ؛ إذ لم تكن عنده قوة تحميه سوى ثلاثين رجلاً من الشرط، وعشرين رجلاً من الأشراف الذين هم من عملائه ، وقد تزايد جيش مسلم (علیه السّلام) حتى بلغ فيما يقول
بعض المؤرخين ثمانية عشر ألفاً(1)، وقد نشروا الأعلام وشهروا السيوف ، وقد ارتفعت أصواتهم بقذف ابن زياد وشتمه ، وجرى بين أتباع ابن زياد وبين جيش مسلم (علیه السّلام) اقبال شديد كما نص على ذلك بعض المؤرخين .
وأمعن الطاغية في أقرب الوسائل التي تمكنه من إنقاذ حكومته من الثورة فرأى أن لا طريق له سوى حرب الأعصاب ودعايات الإرهاب فسلك ذلك .
وأوعز الطاغية إلى جماعة من وجوه أهل الكوفة أن يبادروا ببث الذعر ونشر الخوف بين الناس ، وقد انتدب للقيام بهذه المهمة الذوات التالية :
أولاً : كثير بن شهاب الحارثي .
ثانياً : القعقاع بن شَوْر الدهلي .
ثالثاً : شَبَث بن ربعي التميمي .
رابعاً : حجّار بن أبجر العجلي .
خامساً : شمر بن ذي الجوشن الضبابي(2).
وانطلق هؤلاء إلى صفوف جيش مسلم (علیه السّلام) فأخذوا يشيعون الخوف، ويبتون الأراجيف فيهم ، ويظهرون لهم الإخلاص والولاء خوفاً عليهم من جيوش أهل الشام - مع العلم أن بعضهم ممن كاتب الحسين (علیه السّلام) كسَبَتْ وشمر - فكان ما قاله كثير بن شهاب : أيها الناس ، الحقوا بأهاليكم ، ولا تعجلوا الشر، ولا تعرضوا أنفسكم للقتل فإنّ هذه جنود أمير المؤمنين - يعني يزيد - قد أقبلت ، وقد أعطى الله الأمير - يعني ابن زیاد - العهد لئن أقمتم على حربه، ولم تنصرفوا من عشيتكم أن يحرم ذريتكم
العطاء ، ويفرّق مقاتلكم في مغازي أهل الشام من غير طمع ، وأن يأخذ البريء بالسقيم ، والشاهد بالغائب ، حتّى لا تبقى فيكم بقية من أهل المعصية إلا أذاقها وبال ما جرت أيديها(1).
وكان هذا التهديد كالصاعقة على رؤوس أهل الكوفة ، فقد كان يحمل ألواناً قاسية من الإرهاب، وهي :
الأوّل : التهديد بجيوش أهل الشام ، فقد زحفت إليهم ، وهي ستشيع فيهم القتل والتنكيل إن بقوا مصرين على المعصية والعناد .
الثاني : حرمانهم من العطاء ، وقد كانت الكوفة حامية عسكرية تتلقى جميع مواردها الاقتصادية من الدولة .
الثالث : تجميرهم(2)في مغازي أهل الشام ، وزجهم في ساحات الحروب .
الرابع : إنّهم إذا أصروا على التمرد فإن ابن زياد سيعلن الأحكام العرفية ويسوسهم بسياسة أبيه التي تحمل شارات الموت والدمار حتى يقضي على جميع ألوان الشغب والعصيان .
وقام بقية عملاء السلطة بنشر الإرهاب وإذاعة الذعر ، وكان من جملة ما أذاعوه بين الناس : «يا أهل الكوفة ، اتقوا الله ولا تستعجلوا الفتنة ، ولا تشقوا عصا هذه الأمة ، ولا توردوا على أنفسكم خيول الشام ، فقد ذقتموها ، وجربتم شوكتها» .
وسرت أوبئة الخوف والفزع في نفوس الكوفيين ، وانهارت أعصابهم وكأن الموت قد خيّم عليهم ، فجعل بعضهم يقول لبعض: ما نصنع بتعجيل الفتنة ،
وغداً تأتينا جموع أهل الشام ، ينبغي لنا أن نقيم في منازلنا ، وندع هؤلاء القوم حتى يصلح الله ذات بينهم(1).
وكانت المرأة تأتي ابنها أو أخاها أو زوجها ، وهي مصفرة الوجه من الخوف فتتوسل إليه قائلة : الناس يكفونك(2)، وكان الرجل يأتي إلى ولده وأخيه فيملأ قلبه رعباً وخوفاً ويقول له : ما لنا والدخول بين السلاطين.
وقد نجح ابن زياد في ذلك إلى حدّ بعيد ، فقد تغلب على الأحداث ، وسيطر على الموقف سيطرة تامة ، وقد خلع الكوفيون ما كانوا يرتدونه من ثياب التمرد على بني أمية ولبسوا ثياب الذل والعبودية من جراء ذلك الإرهاب الهائل والقسوة في الحكم ، فكانت الدماء تترقرق بين العمائم واللحى .
ومني جيش مسلم (علیه السّلام) بهزيمة مخزية لم يحدث لها نظير في جميع فترات التاريخ ، فقد هزمته الدعايات المضللة من دون أن تكون في قباله أية قوة عسكرية ، ويقول المؤرخون : إنّ مسلماً كلّما انتهى إلى زقاق انسلّ جماعة من أصحابه ، وفرّوا منهزمين وهم يقولون : مالنا والدخول بين السلاطين!(3).
ولم يمض قليل من الوقت حتى انهزم معظمهم ، وقد صلّى بجماعة منهم صلاة العشاء في الجامع الأعظم فكانوا يفرون في أثناء الصلاة ، وما أنهى ابن عقيل صلاته حتى انهزموا بأجمعهم بما فيهم قادة جيشه ، ولم يجد أحداً يدله على الطريق ، ويقي حيراناً لا يدري إلى أين مسراه ومولجه ؟!(4)وكان قد أُثخن بالجراح فيما يقوله
بعض المؤرخين(1)، وقد أمسى طريداً مشرداً لا مأوى يأوي إليه ، ولا قلب يعطف عليه .
وسار القائد العظيم سليل هاشم وفخر عدنان مُتَلَدِداً(2)في أزقة الكوفة وشوارعها ، ومضى هائماً على وجهه في جهة كندة(3)يلتمس داراً لينفق فيها بقية الليل ، وقد خلت المدينة من المارة ، وعادت كأنها واحة موحشة ، فقد أسرع كلّ واحد من جيشه وأعوانه إلى داره وأغلق عليه الأبواب مخافة أن تعرفه مباحث الأمن وعيون ابن زياد بأنّه كان مع ابن عقيل فتلقي عليه القبض .
وأحاطت بمسلم تيارات مذهلة من الهموم ، وكاد قلبه أن ينفجر من شدة الألم وعظيم الحزن ، وقد هاله إجماع القوم على نكث بيعته وغدرهم به ، واستبان له أنه ليس في المصر رجل شريف يقوم بضيافته وحمايته أو يدله على الطريق ، فقد كان لا يعرف مسالك البلد وطرقها ، وسار وهو حائر الفكر خائر القوى حتى انتهى إلى دار سيّدة يقال لها طوعة - هي سيدة من في المصر رجالاً ونساءً بما تملكه من إنسانية ونبل - وكانت أم ولد للأشعث بن قيس وقد أعتقها ، فتزوجها أسيد الحضرمي فولدت له بلالاً(4)
وفي الفتوح : 5 : 50 : «أنّها كانت فيما مضى امرأة قيس الكندي ، فتزوجها رجل من بعده من حضرموت يقال له : أسد بن البطين، فأولدها ولداً يقال له : أسد».
، وكانت السيدة واقفة على الباب تنتظر ابنها ، وترتقب طلوعهللأحداث الرهيبة التي حلت في المصر ، ولما رآها مسلم (علیه السّلام) بادر إليها ، فسلّم عليها فردت عليه السلام بتثاقل ، وقالت له : ما حاجتك ؟
قال : اسقيني ماء.
فبادرت إلى دارها ، وجاءته بالماء ، فشرب منه ، ثمّ لم يبرح مكانه ، فاسترابت من أمره ، فقالت له : ألم تشرب الماء ؟
قال : بلى .
قالت : اذهب إلى أهلك ، إنّ مجلسك مجلس ريبة(1).
وسکت مسلم (علیه السّلام)، فأعادت عليه القول بالانصراف وهو ساكت ، وكررت عليه القول ثالثاً فلم يجبها ، فذعرت منه وصاحت به : سبحان الله ! إنّي لا أُحلّ لك الجلوس على بابي .
ولما حرّمت عليه الجلوس لم يجد بُداً من الانصراف ، فقال لها بصوت خافت حزين النبرات : ليس لي في هذا المصر منزل ولا عشيرة ، فهل لك إلى أجر ومعروف ؟ ولعلّي أكافئك بعد اليوم .
وشعرت المرأة بأنّ الرجل غريب ، وأنّه على شأن كبير ، وله مكانة عظمى يستطيع أن يجازيها على معروفها وإحسانها ، فبادرته قائلة : ما ذاك ؟
فقال لها وعيناه تفيضان دموعاً : أنا مسلم بن عقيل كذبني القوم وغرّوني(2).
فقالت المرأة في دهشة وإكبار : أنت مسلم بن عقيل ؟
قال : نعم .
وانبرت السيدة بكل خضوع وتقدير فسمحت لضيفها الكبير بالدخول إلى
منزلها ، وقد حازت الشرف والمجد ، فقد آوت سلیل هاشم ، وسفير ريحانة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وأدخلته في بيت في دارها غير البيت الذي كانت تأوي إليه ، وجاءته بالضياء والطعام ، فأبى أن يأكل ، فقد مزق الأسى قلبه الشريف ، وأيقن بالرزء القاصم ، وتمثلت أمامه الأحداث الرهيبة التي سيواجهها ، وكان أكثر ما يفكر به كتابه للحسين (علیه السّلام) بالقدوم إلى الكوفة.
ولم يمض قليل من الوقت حتى جاء بلال بن أسيد(1)ابن السيدة طوعة ، فرأى أمّه تكثر الدخول والخروج إلى ذلك البيت لتقوم برعاية ضيفها ، فأنكر عليها ذلك واستراب منه ، فسألها عنه فأنكرته فألح عليها فأخبرته بالأمر بعد أن أخذت عليه العهود والمواثيق بكتمان الأمر وطارت نفس الخبيث فرحاً وسروراً ، وقد أنفق ليله ساهراً يترقب بفارغ الصبر انبثاق نور الصبح ليخبر السلطة بمقام مسلم (علیه السّلام) عندهم ، وقد تنكر هذا الخبيث للأخلاق العربية التي تلزم بقرى الضيف وحمايته ، فقد كان هذا الخلق سائداً حتّى في العصر الجاهلي . وإنا لنتخذ من هذه البادرة مقياساً عاماً وشاملاً لانهيار القيم الأخلاقية والإنسانية في ذلك المجتمع الذي تنكر لجميع العادات والقيم العربية .
وعلى أية حال فقد طوى مسلم (علیه السّلام) ليلته حزيناً ، قد ساورته الهموم ، وتوسد الأرق ، وكان فيما يقول المؤرخون : قد قضى شطراً من الليل في عبادة الله ما بين الصلاة وقراءة القرآن ، وقد خفق في بعض الليل فرأى عمه أمير المؤمنين (علیه السّلام) فأخبره بسرعة اللحاق به ، فأيقن عند ذلك بدنو الأجل المحتوم منه .
ولما انهزمت جيوش أهل الكوفة ، وولّت الأدبار تصحب معها الخيانة والعار،
1) وزعموا أنه كان شريداً من الناس. وقال بعضهم : كان يشرب مع أصحاب له - تاريخ الأمم والملوك : 4 : 577 .
وقد خلا الجامع الأعظم منهم ، لم يطمئن الطاغية الجبان من ذلك ، خوفاً من أن يكون ذلك مكيدة وخديعة ، فعهد إلى أذنابه بالتأكد من انهزام جيش مسلم (علیه السّلام)، وأمرهم بأن يشرفوا على ظلال المسجد لينظروا هل كمن أحد من الثوار فيه ؟ وأخذوا يدلون القناديل ، ويشعلون النار في القصب ، ويدلونها بالحبال فتصل إلى صحن الجامع ، وفعلوا ذلك بالظُّلَّة التي فيها المنبر ، فلم يروا إنساناً ، فأخبروه بذلك فاطمئن بفشل الثورة وأيقن بالقضاء عليها(1).
وأعلن الطاغية في الصباح الباكر حالة الطوارئ في جميع أنحاء المصر ، وقد شدّد على المدير العام لشرطته الحصين بن تميم(2)بتنفيذ ما يلي :
أوّلاً : تفتيش جميع الدور والمنازل في الكوفة تفتيشاً دقيقاً للبحث عن مسلم(3)
ثانياً : الإحاطة بالطرق والسكك لئلا يهرب منها مسلم (علیه السّلام).
ثالثاً : الاعتقالات الواسعة لجميع المؤيدين للثورة ، وقد ألقت الشَرَطَةُ القبض على هؤلاء :
1 - عبد الأعلى بن يزيد الكلبي .
2 - عمارة بن صلخب الأزدي .
3 - عبد الله بن نوفل بن الحارث .
1) تاريخ الأمم والملوك : 4 : 577 .
2) لا يخفى على القارئ اللبيب أن الحصين اسم يحمله شخصان : أحدهما ابن تميم التميمي وهو على شرطة ابن زياد في الكوفة وقد قدم معه من البصرة ، وهو الذي اشترك في قتال الإمام الحسين (علیه السّلام) . والآخر ابن نمير السكوني وهو شامي حارب به يزيد بن معاوية أهل المدينة ومكة - إبصار العین : 17 و 18.
3) الأخبار الطوال : 240 .
4 - المختار بن أبي عبيد الثقفي .
5 - الأصبغ بن نباتة .
6 - الحارث الأعور الهمداني .
وأوعز الطاغية إلى محمّد بن الأشعث أن يرفع راية الأمان ، ويعلن إلى الملأ أنّ من انضم إليها كان آمناً ، ولعل أسباب ذلك ما يلي :
1 - التعرف على العناصر الموالية لمسلم لإلقاء القبض عليها .
2 - إعلان الانتصار والقضاء على الثورة .
3 - شلّ حركة المقاومة ، وإظهار سيطرة الدولة على جميع الأوضاع في البلاد. و رفعت راية الأمان فسارع الكوفيون الذين كانوا مع مسلم (علیه السّلام) إلى الانضمام إليها ؛ لنفي التهمة وإظهار إخلاصهم للحكم القائم آنذاك.
ومن الغريب ما ذكره ابن قتيبة(1)، والحر العاملي(2)من أنّ مسلماً كان في بيت المختار ثم خرج لحرب ابن زياد ، وبعد فشل ثورته التجأ إلى بيت هانئ ، فأجاره هانئ ، وقال له : إنّ ابن زياد يدخل داري فاضرب عنقه، فامتنع مسلم (علیه السّلام) من الفتك به ، وقام ابن زیاد باعتقالهانئ ثمّ أرسل شرطة لإلقاء القبض على مسلم (علیه السّلام) فقاتلهم حتى ضعف عن المقاومة فوقع أسيراً بأيديهم ، وهذا الذي أفاداه لم يذهب إليه أحد من المؤرخين فإنّ تفصيل الحادثة حسبما ذكرناه ، وما عداه فهو من الأقوال
الشاذة التي نشأت من قلة التتبع.
ولما أيقن الطاغية بفشل ثورة مسلم (علیه السّلام)، وتقلل قواته المسلحة أمر بجمع الناس في الجامع ، فتوافدت الجماهير، وقد خيّم عليها الذعر والخوف فجاء الطاغية ، وهو يرعد ويبرق ويتهدد ويتوعد فصعد المنبر ، فقال : «أيّها الناس ، إنّ مسلم بن عقيل أتى هذه البلاد، وأظهر العناد ، وشقّ العصا، وقد برئت الذمة من رجل أصبناه في داره ، ومن جاء به فله دیته ، اتقوا الله عباد الله ، وإلزموا طاعتكم وبيعتكم ، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلاً، ومن أتاني بمسلم بن عقيل فله عشرة آلاف درهم ، والمنزلة الرفيعة من يزيد بن معاوية ، وله في كل يوم حاجة مقضية»(1).
وحفل هذا الخطاب بالقسوة والصرامة ، وفيه هذه النقاط التالية :
الأولى : الحكم بالإعدام على كل من أوى مسلماً مهما كانت لذلك الشخص من مكانة اجتماعية في المصر.
الثانية : إن ديّة مسلم (علیه السّلام) تكون لمن جاء به .
الثالثة : إنّ من ظفر بمسلم تمنحه السلطة عشرة آلاف درهم.
الرابعة : إن من يأتي به يكون من المقربين عند يزيد ، وينال ثقته .
الخامسة : تكافئ السلطة من جاء به بقضاء حاجة له في كل يوم.
وتمنّى أكثر أُولئك الأوغاد الظفر بمسلم لينالوا المكافأة من ابن مرجانة والتقرب إلى يزيد بن معاوية .
1) الفتوح : 5 : 52 .
وطالت تلك الليلة على بلال ابن السيدة الكريمة طوعة التي آوت مسلماً ، فقد ظل يترقب بفارغ الصبر طلوع الصبح ليخبر السلطة بمقام مسلم (علیه السّلام) عندهم ، ولم يرقد تلك الليلة من الفرح والسرور ، فقد تمت - فيما يحسب - بوارق آماله وأحلامه ، وما كاد الصبح أن يتنفس حتى أسرع ولدها إلى القصر بحالة تلفت النظر إليها من الدهشة ، فقصد عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ، وهو من الأسرة الخبيثة التي لا عهد لها بالشرف والمروءة فسارّه ، وأعلمه بمكان مسلم (علیه السّلام) عنده ، فأمره عبد الرحمن بالسكوت لئلا يسمع غيره فيبادر بإخبار ابن زياد فينال الجائزة منه ، وأسرع عبد الرحمن إلى أبيه محمد بن الأشعث ، فأخبره بالأمر ، وفطن ابن زياد إلى خطورة الأمر فبادر يسأل ابن الأشعث قائلاً : ما قال لك عبد الرحمن ؟
فقال : أصلح الله الأمير البشارة العظمى.
قال : ما ذاك ؟ مِثْلُكَ من بشر بخير.
فقال : إن ابني هذا يخبرني أن مسلم بن عقيل (علیه السّلام) في دار طوعة .
وسرّ ابن زياد ، ولم يتمالك نفسه من الفرح ، فانبرى يمني ابن الأشعث بالمال والجاه قائلاً: قم فأتنى به ، ولك ما أردت من الجائزة والحظ الأوفى(1).
لقد تمكن ابن مرجانة من الظفر بسليل هاشم ليجعله قرباناً إلى أمويته اللصيقة التي نحر في سبيلها هو وأبوه جميع القيم الإنسانية، واستباحا كل ما حرّمه الله من إثم وفساد .
وندب الطاغية لحرب مسلم عمرو بن حريث المخزومي صاحب شَرَطَته
1) الفتوح : 5 : 52 و 53 .
ومحمد بن الأشعث(1)وضمّ إليهما ثلاثمائة رجل من صناديد الكوفة وفرسانها ، وأقبلت تلك الوحوش الكاسرة لحرب القائد العظيم الذي أراد أن يحررها من الذل والعبودية، وينقذها من الظلم والجور، ولما سمع وقع حوافر الخيل وصيحات الرجال علم أنه قد أتي إليه فبادر إلى فرسه فأسرجه والجمه وصب عليه درعه ، وتقلّد سيفه، والتفت إلى السيدة الكريمة طوعة فشكرها على ضيافتها ، وأخبرها أنه إنما أُتي إليه من قبل ابنها الباغي اللئيم قائلاً: رحمك الله ، وجزاك عني خیرا، اعلمي إنما أُتيت من قبل ابنك(2).
واقتحم الجيش عليه الدار ، فشدّ عليهم يضربهم بسيفه، ففروا منهزمين، ثمّ عادوا إليه فأخرجهم منها وانطلق نحوهم في السكة شاهراً سيفه لم يختلج في قلبه خوف ولا رعب ، فجعل يحصد رؤوسهم بسيفه ، وقد أبدى من البطولات النادرة ما لم يشاهد لها التاريخ نظيراً في جميع عمليات الحروب ، وكان يقاتلهم وهو يرتجز :
هوَ المَوتُ فاصنَعْ وَيْكَ ما أَنتَ صانعُ *** فَأَنتَ بِكَأْسِ المَوتِ لَا شَكٍّ جَارِعُ
فَصَبْراً لأَمْرِ اللهِ جَلَّ جَلالُهُ *** فحُكْمُ قَضاءِ اللهِ فِي الخَلْقِ ذَائِعُ(3)
وأبدى سليل هاشم من الشجاعة وقوة البأس ما حيّر الألباب ، وأبهر العقول ، فقد قتل منهم فيما يقول بعض المؤرخين : واحداً وأربعين رجلاً(4)ما عدا الجرحى ، وكان من قوته النادرة أنه يأخذ الرجل بيده ويرمي به من فوق البيت(5)، وليس في تاريخ الإنسانية مثل هذه البطولة ، ولا مثل هذه القوة. وليس هذا غريباً عليه فعمه عليّ بن أبي طالب (علیه السّلام) أشجع الناس وأقواهم بأساً ، وأشدّهم عزيمة .
واستعمل معه الجبناء من أنذال أهل الكوفة ألواناً قاسية وشاذة من الحرب، فقد اعتلوا سطوح بيوتهم وجعلوا يرمونه بالحجارة وقذائف النار(1)، ولو كانت في ميدان فسيح لأتى عليهم ولكنها كانت في الأزقة والشوارع .
وفشلت جيوش أهل الكوفة ، وعجزت عن مقاومة البطل العظيم ، فقد أشاع فيهم القتل ، وألحق بهم خسائر فادحة ، وأسرع الخائن الجبان محمد الأشعث يطلب من سيده ابن مرجانة أن يمده بالخيل والرجال فقد عجز عن مقاومة مسلم ، ولامه الطاغية قائلاً: سبحان الله !! بعثناك إلى رجل واحد تأتينا به ، فثلم في أصحابك هذه الثلمة العظيمة(2).
وثقل هذا التقريع على ابن الأشعث ، فراح يشيد بابن عقيل قائلاً: أتظن أنك أرسلتني إلى بقال من بقالي الكوفة أو جرمقاني من جرامقة(3)الحيرة(4)، وإنما بعثتني إلى أسد ضرغام ، وسيف حسام في كف بطل همام من آل خير الأنام(5).
وأمده ابن زياد بقوة كبيرة من الجيش ، فجعل البطل العظيم يقاتل وحده وهو يرتجز :
أَقْسَمْتُ لا أُقْتَلُ إِلَّا حُرّاً ***وَإِنْ رَأَيْتُ المَوتَ شَيْئاً نُكْرا
1) المحاسن والمساوئ / البيهقي : 1: 43. مقتل الحسين (علیه السّلام)/ الخوارزمي : 1 : 209 . الكامل في التاريخ : 3 : 273.
2) الفتوح: 5: 53 .
3) الجرامقة : قوم من العجم صاروا إلى الموصل - لسان العرب : 2 : 262 - جَرمق. القاموس المحيط : 1125 - جرمق .
4) مقتل الحسين (علیه السّلام)/ المقرّم : 183 و 184 . مقتل الحسين (علیه السّلام)/ الخوارزمی : 1 : 209 .
5) الفتوح : 5: 53 . مقتل الحسين (علیه السّلام)/ الخوارزمي : 1: 209.
كُلُّ امرِي يَوماً مُلَاقٍ شَرًّا *** أَوْ يُخلط الباردُ سُخناً مُرًا
رُدَّ شُعاعُ الشَّمس فاستَقَرًا *** أَخافُ أَنْ أُكذَبَ أَوْ أَغَرًا(1)
لقد كنت يابن عقيل سيد الأحرار ، فقد رفعت لواء العزة والكرامة ورفعت شعار الحرية والإباء ، وأمّا خصومك الحقراء فهم العبيد الذين رضوا بالذل والهوان .
وحلل الدكتور يوسف خليف هذا الرجز بقوله : «هو رجز - من الناحية النفسية - صادق كل الصدق ، معبراً تعبيراً دقيقاً عن الموجات النفسية التي كانت تندفع في نفس الشاعر وهو في موقفه الضيق الحرج ، فهو قبل كلّ شيء مصمم على أن يحتفظ بحريته ولو أدّى هذا إلى قتله ، وهو يعلن في صراحة وصدق أن الموت شيء منكر ولا يقول هذا كما يقوله غيره ممّن يغالطون أنفسهم أنّ الموت شيء محبب إلى نفسه ، وإنّما يعبر عن نفسيته تعبيراً صادقاً ، فالموت شيء لا يحبه ، ولكنّه لا يفر منه ما دام قد صمّم على الاحتفاظ بحريته . ثمّ يحاول أن يهدئ من روعه ، ويجعل هذه الموجة العالية الرهيبة تنحسر عن نفسه دون أن يجذبها في تيارات من الهلع والفزع ، فيحدث عن نفسه بأنّ الدنيا متقلبة ، وكل امرئ فيها لابد أن يلاقي ما يسوءه، وهو يعرض هذا الحديث النفسي في صورة فنية رائعة» .
وأضاف يقول : «إنّه حريص على الحياة ، ولكنّه حريص على الحرية بجعله متردداً لأنه يخشى - بل يخاف - أن يكذب عليه أعداؤه أو يخدعوه فيقتلوه دون محاولة منه لتنفيذ عهده بأن يموت في سبيل حريته ، أو يأسروه فيفقد حريته التي يحرص عليها حرصه على الحياة .
أرأيت كيف استطاع أن يصوّر موقفه الضيق الحرج هذا التصوير الفني الرائع الذي يشمل روعته من تعبيره عن نفسيته تعبيراً صادقاً لا رياء فيه ولا تضليل ؟! إن هذا هو السرّ الذي يجعل هذه السطور القليلة تؤثر في نفوسنا تأثيراً يجعلنا نشعر بما كان
1) تاريخ الأمم والملوك : 4 : 579 . الكامل في التاريخ : 3: 273.
يعانيه قائلها من صراع داخلي هائل لا يعد له إلا صراعه الخارجي مع أعدائه»(1).
ولمّا سمع محمد بن الأشعث رجز مسلم (علیه السّلام) الذي أقسم فيه أن يموت ميتة الأحرار، وألا يخدع ولا يغر انبرى إليه قائلاً : إنّك لا تكذب ولا تخدع ، إن القوم بنو عمّك وليسوا بقاتليك ولا ضاريك(2).
فلم يعتن به مسلم (علیه السّلام) ، وإنما مضى يقاتلهم أعنف القتال وأشدّه ، ففروا منهزمين من بين يديه، واعتلوا فوق بيوتهم يرمونه بالحجارة، فأنكر عليهم مسلم (علیه السّلام) ذلك قائلاً: ويلكم ، مالكم ترمونني بالحجارة ، كما تُرمى الكفار، وأنا من أهل بيت الأبرار ؟! ويلكم أما ترعون حقّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وذريته ؟!
ولم يستطيعوا مقابلته وجبنوا عن مقاتلته ، وضاق بابن الأشعث أمره فصاح بالجيش : ذروه حتّى أُكلّمه ، ودنا منه ، فخاطبه : يابن عقيل ، لا تقتل نفسك،أنت آمن ، ودمك في عنقي .
ولم يحفل به مسلم (علیه السّلام) فإنه على علم بأن ابن الأشعث لم يمر في تاريخه ولا في تاريخ أسرته أي معنى من معاني الشرف والنبل والوفاء ، فاندفع يقول له : يابن الأشعث ، لا أعطي بيدي أبداً ، وأنا أقدر على القتال ، والله لا كان ذلك أبداً.
وحمل مسلم (علیه السّلام) على ابن الأشعث ففرّ الجبان يلهث كأنّه الكلب ، وأخذ العطش القاسي من مسلم (علیه السّلام) مأخذاً عظيماً ، فجعل يقول : اللهم إن العطش قد بلغ منّي .
وتكاثرت الجنود عليه إلّا أنّها منيت بالذعر والجبن ، وصاح بهم ابن الأشعث : إنّ هذا هو العار والفشل أن تجزعوا من رجل واحد هذا الجزع، احملوا عليه
بأجمعكم حملة واحدة(1).
وحملوا عليه حملة واحدة فضربه بكير بن حمران الأحمري ضربة منكرة على شفته العليا ، وأسرع السيف إلى السفلى ، وضربه المسلم (علیه السّلام) ضربة منكرة على رأسه ، وثنّى بأخرى على حبل عاتقه كادت تأتي إلى جوفه(2).
وبعدما أُثخن مسلم (علیه السّلام) بالجراح ، وأعياه نزيف الدم ، انهارت قواه ، وضعف عن المقاومة ، فوقع أسيراً بأيدي أولئك الأوغاد ، فتسابقوا إلى ابن زياد يحملون له البشرى بأسرهم للقائد العظيم الذي جاء ليحررهم من الذل والعبودية ، وقد طار الطاغية فرحاً ، فقد ظفر بخصمه ، وتم له القضاء على الثورة . أما كيفية أسره فقد اختلفت فيها أقوال المؤرخين ، وهذه بعضها :
الأول : ما ذكره ابن اعثم الكوفي أنّ مسلماً وقف ليستريح مما ألم به من الجروح ، من خلفه رجل من أهل الكوفة طعنة غادرة فسقط إلى الأرض فأسرعوا إلى فطعنه أسره(3).
الثاني : ما : ما ذكره الشيخ المفيد أن مسلماً لما أثخن بالحجارة وعجز عن القتال أسند ظهره إلى جنب دار فقال له ابن الأشعث : لك الأمان .
فقال مسلم (علیه السّلام): آمن أنا ؟
قال : نعم .
فقال للقوم الذين معه : ألي الأمان ؟
قالوا : نعم ، إلّا عبيد الله بن العباس السلمي(1)فإنّه قال : لا ناقة لي في هذا ولا جمل ، وتنحى .
فقال مسلم (علیه السّلام): أما لو لم تؤمنوني ما وضعت يدي في أيديكم .
وأتي ببغلة فحمل عليها فاجتمعوا حوله ، وانتزعوا سيفه فكأنه عند ذلك أيس ، فقال : هذا أوّل الغدر(2).
الثالث : ما ذكره أبو مخنف : أنهم عملواله حفيرة وستروها بالتراب ، ثم انكشفوا بين يديه، فحمل عليهم ، فلما انتهى إليها سقط فيها ، فازدحموا عليه وأسروه(3)، وهذا القول لم يذهب إليه غير أبي مخنف.
ولم يفكر مسلم (علیه السّلام) في تلك الساعة الحرجة بما سيعانيه من القتل والتنكيل على يد الطاغية ابن مرجانة ، وإنما شغل فكره ماكتبه للإمام الحسين (علیه السّلام) بالقدوم إلى هذا المصر ، فقد أيقن أنه سيلاقى نفس المصير الذي لاقاه، فدمعت عيناه ، وظنّ عبيد الله بن العباس السلمي أنّه يبكي لما صار إليه من الأسر ، فأنكر عليه ذلك، وقال له : إنّ من يطلب مثل الذي تطلب إذا نزل به مثل الذي نزل بك لم يبكِ .
فردّ عليه مسلم (علیه السّلام) ما توهمه فيه قائلاً إني والله ما لنفسي بكيت ، ولا لها من القتل أرثى ، وإن كنت لا أحب لها طرفة عين تلفاً ، ولكن أبكي لأهلي المقبلين ، أبكي للحسين وآل الحسين(4).
1) وفي تاريخ الأمم والملوك : 4 : 579 : «عمرو بن عبيد الله السلمي» .
2) الإرشاد / المفيد : 2 : 59 . تاريخ الأمم والملوك : 4 : 579 . الكامل في التاريخ : 3: 273.
3) مقتل الحسين (علیه السّلام)/ أبو مخنف : 37 . وذكر ذلك الطريحي في المنتخب : 299.
4) الإرشاد / المفيد : 2 : 59 تاريخ الأمم والملوك : 4 : 579 .
وازدحمت الشوارع والأزقة بالجماهير الحاشدة لتنظر ما يؤول إليه أمر القائد العظيم ، وما سيلاقيه من الأمويين ، ولم يستطع أحد منهم أن ينبس ببنت شفة حذراً من السلطة العاتية .
وجيء بمسلم أسيراً تحف به الشرطة وقد شهرت عليه السيوف ، فلما انتهي به إلى قصر الإمارة رأى جرّة فيها ماء بارد ، وقد أخذ العطش منه مأخذاً أليماً ، فالتفت إلى من حوله قائلاً: اسقوني من هذا الماء .
فانبرى إليه اللثيم الدنس مسلم بن عمرو الباهلي ، فقال له : أتراها ما أبردها ؟ والله لا تذوق منها قطرة حتى تذوق الحميم في نار جهنم .
ولا حد لظلم الإنسان ، ولا منتهى لوحشيته وجفائه ، فما يضر أولئك الجفاة لو سقوه الماء وهو أسير بين أيديهم لا يملك من أمره شيئاً، وكان هذا السمت من التردّي وسقوط الأخلاق قد عرف به هولاء من قتلة المصلحين .
فانبرى مسلم (علیه السّلام) فأراد التعرف على هذا الإنسان الممسوخ الذي تنكر لأبسط القيم الإنسانية قائلا له : من أنت ؟
فأجابه مفتخراً بأنّه من عملاء السلطة الأموية وأذنابها قائلاً: أنا من عرف الحق إذ تركته ، ونصح الأمة والإمام إذ غششته ، وسمع وأطاع إذ عصيته ، أنا مسلم بن عمرو.
أي حق عرفه الباهلي ؟ وأية نصيحة أسداها للأمة هذا الجلف الجافي الذي ارتطم في الباطل وماج في الضلال ؟ لقد كان منتهى ما يفخر به تماديه في خدمة ابن مرجانة الذي هو صفحة عار وخزي على الإنسانية في جميع مراحل التاريخ .
وردّ عليه مسلم (علیه السّلام) بمنطقه الفياض قائلاً : لأمك الشكل ، ما أجفاك وأفظك وأقسى
قلبك وأغلظك ؟ ! أنت يابن باهلة أولى بالحميم والخلود في نار جهنم منّي(1).
واستحيا عمارة بن عقبة(2)من جفوة الباهلي وقسوته ، فدعا بماء بارد ، فصبّه في قدح فأخذ مسلم (علیه السّلام) كلما أراد أن يشرب يمتلئ القدح دماً، وفعل ذلك ثلاثاً، فقال وقد ذاب قلبه من الظمأ : لو كان من الرزق المقسوم لشربته(3).
وهكذا شاءت المقادير أن يحرم من الماء ويموت ظامئاً ، كما حرم من الماء ابن عمه ريحانة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) وسيد شباب أهل الجنة .
وكان من أعظم ما رزئ به مسلم (علیه السّلام) أن يدخل أسيراً على الدعي ابن مرجانة ، الله فقد ودّ أنّ الأرض وارته ولا يمثل أمامه ، وقد شاءت المقادير أن يدخل عليه ، وقد دخل تحف به الشرطة ، فلم يحفل البطل بابن زياد ولم يُعنَ به ، فسلّم على الناس ولم يسلّم عليه ، فأنكر عليه الحرسي وهو من صعاليك الكوفة قائلاً: هلا تسلم على الأمير ؟
فصاح به مسلم (علیه السّلام) محتقراً له ولأميره : اسكت لا أُمّ لك ، مالك والكلام ، والله ليس لي بأمير فأسلم عليه.
وكيف يكون ابن مرجانة أميراً على مسلم (علیه السّلام) سيد الأحرار ، وأحد المستشهدين في سبيل الكرامة الإنسانية ؟ ! إنّما هو أمير على أولئك الممسوخين الذين لم يألفوا
إلا الخنوع والذل والعار .
والتاع الطاغية من احتقار مسلم (علیه السّلام) ، وتبدّد جبروته ، فصاح به : لا عليك سلمت أم لم تسلّم فإنّك مقتول .
ولم يملك الطاغية سوى سفك الدم الحرام ، وحسب أن ذلك يخيف مسلماً أو يوجب انهياره وخضوعه له ، فانبرى إليه بطل عدنان قائلاً بكل ثقة واعتزاز بالنفس : إن قتلتني فقد قتل من هو شرّ منك من كان خيراً منّي .
ولذعه هذا الكلام الصارم ، وأطاح بغلوائه ، فقد ألحقه مسلم (علیه السّلام) بالجلادين والسفاكين من قتلة الأحرار والمصلحين ، واندفع الطاغية يصيح بمسلم : يا شاق ، يا عاق، خرجت على إمام زمانك ، وشققت عصا المسلمين ، وألقحت الفتنة.
أي إمام خرج عليه مسلم الا وأية عصاً للمسلمين شقّها ، وأيّة فتنة القحها ؟ إنما خرج على قرين الفهود والقرود ، لقد خرج لينقذ الأمة من محنتها أيام ذلك الحكم الأسود وانبرى مسلم (علیه السّلام) يردّ عليه قائلاً: والله ما كان معاوية خليفة بإجماع الأمة ، بل تغلب على وصيّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بالحيلة ، وأخذ منه الخلافة بالغصب ، وكذلك ابنه يزيد ، وأمّا الفتنة فإنّما ألقحتها أنت وأبوك زياد ابن علاج من بني ثقيف .
وأنا أرجو أن يرزقني الله الشهادة على يد شرّ بريته ، فوالله ما خالفت ولا كفرت ولا بدّلت ، وإنّما أنا في طاعة أمير المؤمنين الحسين بن علي (علیهما السّلام) ونحن أولى بالخلافة من معاوية وابنه وآل زياد(1).
وكانت هذه الكلمات أشدّ على ابن مرجانة من الموت ، فقد كشفت واقعه أمام شرطته وعملائه ، وجرّدته من كل نزعة إنسانية ، وأبرزته كأحقر مخلوق
1) الفتوح : 5 : 55 و 56 . تاريخ الأمم والملوك : 4 : 581 .
على وجه الأرض .
ولم يجد الدعي وسيلة يلجأ إليها سوى الافتعالات الكاذبة التي هي بضاعته وبضاعة أبيه زياد من قبل ، فأخذ يتهم مسلماً بما هو بريء منه ، قائلاً: يا فاسق ، ألم تكن تشرب الخمر في المدينة ؟
فصاح به المسلم (علیه السّلام) : أحق والله بشرب الخمر من يقتل النفس المحرمة ، وهو يلهو ويلعب كأنّه لم يسمع شيئاً.
واسترد الطاغية تفكيره فرأى أنّ هذه الأكاذيب لا تجديه شيئاً ، فراح يقول له : منتك نفسك أمراً حال الله بينك وبينه وجعله لأهله .
فقال مسلم (علیه السّلام) باستهزاء وسخرية : من أهله ؟
يزيد بن معاوية .
الحمد الله كفى بالله حاكماً بيننا وبينكم .
أتظن أن لك من الأمر شيئاً ؟
لا والله ما هو الظن ولكنه اليقين .
قتلني الله إن لم أقتلك.
إنك لا تدع سوء القتلة ، وقبح المثلة ، وخبث السريرة ، والله لو كان معي عشرة ممن أثق بهم ، وقدرت على شربة ماء لطال عليك أن تراني في هذا القصر ، ولكن إن كنت عزمت على قتلي فأقم لي رجلاً من قريش أُوصي له بما أُريد(1).
وسمح له الطاغية بأن يوصي بما أهمّه .
1) الفتوح : 5: 56 . تاريخ الأمم والملوك : 4 : 581 و 582 .
ونظر مسلم (علیه السّلام) في مجلس ابن زیاد فرأى عمر بن سعد فأحبّ أن يعهد إليه بوصيته فقال له : لا أرى في المجلس قرشياً غيرك(1)، ولي إليك حاجة وهي سر(2).
واستشاط ابن زياد غضباً حيث نفاه المسلم (علیه السّلام) من قريش ، وأبطل استلحاقه ببني أُمية ، فقد أبطل ذلك النسب اللصيق الذي ثبت بشهادة أبي مريم الخمّار ولم يستطع أن يقول ابن زياد شيئاً .
وامتنع ابن سعد من الاستجابة لمسلم إرضاء لعواطف سيده ابن مرجانة ، وكسباً لمودته ، وقد لمس ابن زياد خوره وخنوعه فأسرّها في نفسه ، ورأى أنّه خليق بأن يرشّحه لقيادة قواته المسلحة التي يزج بها لحرب ريحانة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).
وأمر ابن زياد عمر بن سعد بأن يقوم مع المسلم (علیه السّلام) ليعهد إليه بوصيته ، وقام ابن سعد معه ، فأوصاه مسلم (علیه السّلام) بما يلي :
أولاً : إن عليه ديناً بالكوفة يبلغ سبعمائة درهم ، فيبيع سيفه ودرعه ليوفيها عنه(3)
وفي تاريخ الأمم والملوك : 4 : 581 . والأخبار الطوال : 241 : «إن علَي ألف درهم».
، وقد دلّ ذلك على شدة احتياطه وتحرّجه في دينه ، كما أوصى أن يعطي لطوعة ما يفضل من وفاء دينه .ثانياً : أن يستوهب جنّته من ابن زياد فيواريها(4)، وذلك لعلمه بخبث الأمويين ، وأنهم لا يتركون المثلة .
ثالثاً : أن يكتب للحسين (علیه السّلام) بخبره(1)
وفي تاريخ الأمم والملوك : 4 : 580 : «أنّ محمّد بن الأشعث أرسل إلى الحسين (علیه السّلام) إياس بن العثل الطائي من بني مالك».
، فقد شغله أمره لأنه كتب إليه بالقدوم إلى الكوفة .وأقبل ابن سعد يلهث على ابن زياد فقال له : أتدري أيها الأمير ما قال لي ؟ إنّه قال كذا وكذا(2).
فأنكر عليه ابن زياد إبداءه السرّ ، فقال : لا يخونك الأمين ، ولكن قد يؤتمن الخائن ، أما ماله فهو لك تصنع به ما شئت، وأما الحسين فإن لم يردنا لم نرده ، وإن أرادنا لم نكف عنه ، وأما جئته فإنّا لن نشفّعك فيها(3).
لقد ترك الطاغية شفاعة ابن سعد في جنّة مسلم (علیه السّلام) ، فقد عزم على التمثيل بها للتشفّي منه ، منه ، وليتخذ من ذلك وسيلة لإرهاب الناس وخوفهم .
وصاح ابن مرجانة بمسلم (علیه السّلام)، فقال له : بماذا أتيت إلى هذا البلد ؟ شتت أمرهم ، وفرّقت كلمتهم ، ورميت بعضهم على بعض .
وانطلق فخر هاشم قائلاً بكل ثقة واعتزاز بالنفس : لست لذلك أتيت هذا البلد، ولكنّكم أظهرتم المنكر ، ودفنتم المعروف، وتأمّرتم على الناس من غير رضاً ، وحملتموهم على غير ما أمركم الله به ، وعملتم فيهم بأعمال كسرى وقيصر ، فأتيناهم لنأمر بالمعروف ، وننهي عن المنكر ، وندعوهم إلى حكم الكتاب والسنة
وكنا أهل ذلك ، فإنّه لم تزل الخلافة لنا منذ قتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، ولا تزال الخلافة لنا فإنّا قهرنا عليها . إنّكم أوّل من خرج على إمام هدى ، وشقّ عصا المسلمين، وأخذ هذا الأمر غصباً ، ونازع أهله بالظلم والعدوان(1).
وأدلى مسلم (علیه السّلام) بهذا الحديث عن أسباب الثورة التي أعلنها الإمام الحسين (علیه السّلام) على الحكم الأموي ، وقد التاع الطاغية من كلام مسلم (علیه السّلام)، وتبددت نشوة ظفره ، لالا فلم يجد مسلكاً ينفذ منه لإطفاء غضبه سوى السبّ للعترة الطاهرة ، فأخذ يسبّ عليّاً والحسن والحسين (علیهم السّلام).
وثار مسلم (علیه السّلام) في وجهه ، فقال له : أنت وأبوك أحق بالشتم منهم ، فاقض ما أنت قاض ، فنحن أهل بيت موكل بنا البلاء(2).
لقد ظل مسلم (علیه السّلام) حتى الرمق الأخير من حياته عالي الهمة ، وجابه الأخطار ببأس شديد ، فكان في دفاعه ومنطقه مع ابن مرجانة مثالاً للبطولات النادرة .
وآن للقائد العظيم أن ينتقل عن هذه الحياة بعد ما أدّى رسالته بأمانة وإخلاص ، وقد رزق الشهادة على يد الممسوخ القذر ابن مرجانة ، فندب لقتله بكير بن حمران الذي ضربه المسلم (علیه السّلام)، فقال له : خذ مسلماً ، واصعد به إلى أعلى القصر ، واضرب عنقه بيدك ؛ ليكون ذلك أشفى لصدرك(3).
والتفت المسلم (علیه السّلام) إلى ابن الأشعث الذي أعطاه الأمان ، فقال له : يابن الأشعث ،
أما والله لولا أنك آمنتني ما استسلمت ، قم بسيفك دوني فقد أخفرت ذمتك ، فلم يحفل به ابن الأشعث(1).
واستقبل مسلم (علیه السّلام) الموت بثغر باسم ، فصعد به إلى أعلى القصر وهو يسبح الله ويستغفره بكل طمأنينة ورضاً ، وهو يقول : اللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا ، وخذلونا(2).
وأشرف به الجلاد على موضع الحذائين(3)فضرب عنقه ، ورمى برأسه وجسده من أعلى القصر أمام الجماهير المحتشدة ، فاستولى الخوف والتخاذل على الناس . وذهب كل إنسان لبيته وكأنّ الأمر لا يعنيه(4).
وهكذا انتهت حياة هذا البطل العظيم الذي يحمل نزعات عمه أمير المؤمنين (علیه السّلام)، ومثل ابن عمه الحسين (علیه السّلام)، وقد استشهد دفاعاً عن الحق ودفاعاً عن حقوق المظلومين والمضطهدين.
ونزل القاتل الأثيم ، فاستقبله ابن زياد فقال له : ما كان يقول وأنتم تصعدون به ؟ قال : كان يسبح الله ويستغفره ، فلما أردت قتله قلت له : الحمد الله الذي أمكنني منك وأقادني منك ، فضربته ضربة لم تغن شيئاً ، فقال لي : أما ترى في خدشاً تخدشنيه وفاء من دمك أيها العبد .
فبهر ابن زياد وراح يبدي إعجابه وإكباره له قائلاً أو فخراً عند الموت(5)!
وقد انطوت بقتل مسلم بن عقيل (علیه السّلام) صفحة مشرقة من أروع صفحات العقيدة
والجهاد في الإسلام، فقد استشهد في سبيل العدالة الاجتماعية ، ومن أجل إنقاذ الأُمة وتحريرها من الظلم والجور، وهو أول شهيد من الأسرة النبوية يقتل علناً أمام المسلمين ، ولم يقوموا بحمايته والذب عنه سلب مسلم (علیه السّلام)
وانبرى سليل الخيانة محمد بن الأشعث(1)
إنما سمي بالأشعث لشعوثة رأسه ، واسمه معدي كرب ، هلك بعد مقتل الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) بأربعين ليلة ، وكان عمره 63 سنة - أسد الغابة : 1 : 118 و 119. تاريخ الإسلام - عهد الخلفاء الراشدين : 609 و 610.
أما محمد بن الأشعث فأمه أم فروة أُخت أبي بكر لأبيه - الرياض المستطاب : 8.
إلى سلب مسلم (علیه السّلام)، فسلب سیفه ودرعه ، وهو غير حافل بالعار والخزي ، وقد تعرّض للنقد اللاذع من جميع الأوساط في الكوفة ، ويقول بعض الشعراء في هجائه :وَتَرَكتَ عَمَّكَ أَن تُقاتِلَ دُونَهُ *** فَشَلاً وَلَولَا أَنتَ كانَ مَنِيعا
وَقَتَلْتَ وافِدَ آلِ بَيتِ مُحَمَّدٍ *** وَسَلَبتَ أَشيافاً لَهُ وَدُرُوعا(2)
أَتَرَكتَ أشركت مُسلِمَ لا تُقَاتِلُ دُونَهُ **** حَذَرَ المَنية أن تكون صريعا
وَقَتَلتَ وَافِدَ آلِ بَيتِ مُحَمَّدٍ *** وَسَلَبْتَ أسيافاً لَهُ وَدُرُوعًا
لوْ كُنتَ مِنْ أَسَدٍ عَرَفتَ مَكَانَهُ *** وَرَجُوتَ أَحمدَ فِي المَعادِ شَفيعا
وعمد بعض أجلاف أهل الكوفة فسلبوا رداء مسلم (علیه السّلام) وثيابه .
وأمر الطاغية بإعدام الزعيم الكبير هاني بن عروة، وإلحاقه بمسلم مبالغة في
إذلال زعماء الكوفة وإذاعة للذعر والخوف بين الناس ، وقام محمد بن الأشعث فتشفع فيه خوفاً من بطش أسرته ، قائلاً: أصلح الله الأمير ، إنك قد عرفت شرفه في عشيرته ، وقد عرف قومه أنّي وأسماء بن خارجة جئنا به إليك ، فأنشدك الله أيها الأمير لما وهبته لي ، فإنّي أخاف عداوة أهل بيته ، وأنهم سادات أهل الكوفة وأكثرهم عدداً(1).
فلم يحفل به ابن زياد ، وإنّما زبره وصاح به فسكت العبد ، وأُخرج البطل إلى السوق في موضع تباع فيه الأغنام(2)مبالغة في إذلاله ، ولما علم أنه ملاق حتفه جعل يستنجد بأسرته ، وقد رفع عقيرته : وامذحجاه ، ولا مذحج لي اليوم ، واعشيرتاه(3).
ولو كانت عند مذحج صبابة من الشرف والنبل لانبرت إلى إنقاذ زعيمها ، ولكنها كانت كغيرها من قبائل الكوفة ، قد طلقت المعروف ثلاثاً .
وعمد هانئ إلى إخراج يده من الكتاف ، وهو يطلب السلاح ليدافع به عن نفسه ، فلمّا بصروا به بادروا إليه فأوثقوه كتافاً ، وقالوا له : امدد عنقك.
فأجاب برباطة جأش ورسوخ يقين : لا والله ، ماكنت بالذي أُعينكم على نفسي .
وانبرى إليه وغد من شرطة ابن زياد يقال له :
رشيد التركي إِنِّي قَتَلتُ رَاشِدَ التَّركيا *** وَلَيتَهُ أَبيضَ مَشرَفِيًا
أَرضِي بِذاك الله وَالنَّبِيا
جاء ذلك في أنساب الأشراف : 2 : 340 و 341 .(4)فضربه بالسيف
1) تاريخ الأمم والملوك : 4 : 583 . مقتل الحسين (علیه السّلام)/ الخوارزمي : 1 : 214.
2) ويقع سوق الأغنام شرقي الكناسة على تخوم محلة مذحج ، وإنما فعل ذلك إذلالاً لأسرته فقد نفّذ فيه حكم الإعدام بالقرب منه . خطط الكوفة : 125 .
3) أنساب الأشراف: 2: 340. تاريخ الأمم والملوك : 4: 583 . مقتل الحسين (علیه السّلام)/ الخوارزمي : 1 : 214.
4) وقد ثأر لدم هانئ عبد الرحمن بن حصين المرادي فقتل رشيداً ، يوم الخازر بالموصل ، وفي ذلك يقول :
فلم يصنع به شيئاً ، ورفع هانئ صوته قائلاً: اللهم إلى رحمتك ورضوانك ، اللهم اجعل هذا اليوم كفارة لذنوبي ، فإنّي إنّما تعصبت لابن بنت نبيك محمد .
وضربه الباغي ضربة أخرى فهوى إلى الأرض يتخبط بدمه الزاكي ، ولم يلبث إلا قليلاً حتى فارق الحياة(1)، وكان عمره يوم استشهد تسعاً وتسعين سنة(2)، وقد مضى شهيداً دون مبادئه وعقيدته ، وجزع لقتله الأحرار والمصلحون ، وقد رثاه أبو الأسود الدؤلي بقوله :
أَقُولُ وَذَاكَ مِنْ جَزَعِ وَوَجْدِ *** أَزَالَ اللهُ مُلكَ بَنِي زِيَادِ
هُمْ جَدَعُوا الأُنُوفَ وَكُنَّ شُمَّاً *** بِقَتلِهُمُ الكَرِيمَ أَخا مُرادِ(3)
أَقُولُ وَرَادَنِي جَزَعاً وَغَيظاً *** أَزَالَ اللهُ مُلكَ بَنِي زِيادِ
وَأَبْعَدَهُمْ بِما غَدَرُوا وَخانوا *** كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ وَقَومُ عادِ
وَلَا رَجَعَتْ رِكَابُهُمْ إِلَيهِمْ *** إذا وَقَفَتْ إلى يوم التنادِ
ورثاه الأخطل بقوله :
وَلَم يَكُ عَن يَومِ ابْنِ عُروةَ غَائِباً *** كَما لَم يَغِبْ عَنْ لَيْلَةِ ابْنِ عَقِيل
أَخُو الحَرْبِ صَرَاهَا فَلَيسَ بِناكِلٍ *** جبارٍ وَلَا وَجْبِ الفُؤادِ ثَقِيل(4)
وعهد الطاغية إلى زبانيته وعملائه بسحل جثة المسلم (علیه السّلام) وهانئ في الشوارع والأسواق ، فعمدوا إلى شدّ أرجلهما بالحبال ، وأخذوا يسحلونهما في الطرق(1)وذلك لإخافة العامة وشيوع الإرهاب، وليكونا عبرة لكل من تحدثه نفسه بالخروج على الحكم الأموي .
لقد سحب هانئ أمام أسرته وقومه ، ولو كان عندهم ذرة من الشرف والحمية لانبروا إلى تخليص جنّة زعيمهم من أيدي الغوغاء الذين بالغوا في إهانتها .
ولما قضى الطاغية أربه في سحل جنّة مسلم (علیه السّلام) وهانئ أمر بصلبهما ، فصلبا منكوسين(2)في الكناسة(3)، فكان مسلم (علیه السّلام)- فيما يقول المؤرخون - أوّل قتيل صلبت جثته من بني هاشم(4)، وقد استعظم المسلمون أشدّ ما يكون الاستعظام هذا الحادث الخطير ، فإنّ هذا التمثيل الفظيع إنّما هو جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ، ويسعون في الأرض فساداً ، ومسلم (علیه السّلام) وهانئ إنما هما من رواد الحق ودعاة الإصلاح في الأرض .
وعلى أية حال فقد أخضع الطاغية - بعد قتله لمسلم وهاني العراق الثائر ، وارتمت جميع أوساطه تحت قدميه بدون أية مقاومة .
وعمد ابن مرجانة إلى إرسال رأس مسلم (علیه السّلام) وهانئ وعمارة بن صلخب الأزدي(1)هدية إلى سيده يزيد لينال الجائزة ، ويحرز إخلاص الأسرة المالكة له ويثبت التصاقه بهم ، وقد أرسل معها هذه الرسالة : «أما بعد ، فالحمد لله الذي أخذ لأمير المؤمنين بحقه ، وكفاه مؤونة عدوه . أخبر أمير المؤمنين - أكرمه الله - أن مسلم بن عقيل (علیه السّلام) لجأ إلى دار هانئ بن عروة المرادي ، وأنّي جعلت عليهما العيون ، و دسست إليهما الرجال ، وكدتهما حتى استخرجتهما ، وأمكن الله منهما فضربت أعناقهما ، وبعثت إليك برأسيهما مع هانئ بن أبي حيّة الوادعي الهمداني ، والزبير بن الأروح التميمي ، وهما من أهل السمع والطاعة ، فليسألهما أمير المؤمنين عمّا أحبّ فإنّ عندهما علماً وصدقاً وفهماً وورعاً ، والسلام»(2).
واحتوت هذه الرسالة على العمليات التي قام بها الطاغية للقضاء على الثورة ، والتي كان من أهمها :
أولاً : استعانته بالعيون والجواسيس في معرفة شؤون الثورة والوقوف على أسرارها ، وقد قام بهذه العملية معقل مولاه .
ثانياً : إنه دس لهانئ - العضو البارز في الثورة - الرجال حتى صار تحت قبضته واعتقله ، وكذلك كاد لمسلم حينما ثار عليه ، فقد أرسل عيون أهل الكوفة ووجوهها مع العرفاء فأخذوا يذيعون الذعر وينشرون الإرهاب حتى انهزم جيشه .
ولما انتهت الرؤوس إلى دمشق سرّ يزيد بذلك سروراً بالغاً ، وكتب لابن مرجانة
جواباً عن رسالته شكره فيها ، وهذا نصها: «أما بعد ، فإنك لم تعد أن كنت كما أُحبّ ، عملت عمل الحازم وصلت صولة الشجاع الرابض ، فقد كفيت وصدقت ظنّي ورأيي فيك ، وقد دعوت رسوليك فسألتهما عن الذي ذكرت ، فقد وجدتهما في رأيهما وعقلهما وفهمهما وفضلهما ومذهبهما كما ذكرت ، وقد أمرت لكلّ واحد منهما بعشرة آلاف درهم ، وسرحتهما إليك فاستوص بهما خيراً .
وقد بلغني أنّ الحسين بن علي قد عزم على المسير إلى العراق ، فضع المراصد والمناظر واحترس ، واحبس على الظنّ، واكتب إليّ في كل يوم بما يتجدد لك من خير أو شر ، والسلام»(1)
ونقل الزركلي في هامش أعلامه 8: 68 عن : 68 عن صلة تاريخ الطبري : 62 من حوادث سنة 304هـ : «أنه ورد إلى بغداد كتاب من خراسان يذكر فيه أنّه وجد بـ(قندهار) في أبراج سورها برج متصل بها فيه خمسة آلاف رأس في سلال من حشيش ، ومن هذه الرؤوس تسعة وعشرون رأساً في أذن كل رأس منها رقعة مشدودة بخيط إبريسم باسم كل رجل منهم، وعد منهم هانئ بن عروة ، وقال : إنهم قد وجدوا على حالهم إلا أنه قد جفت جلودهم والشعر عليها بحالته لم يتغير».
.وحفلت هذه الرسالة بالتقدير البالغ لابن زياد ، وأضفت عليه صفة الحازم اليقظ ، وأنّه قد حقق ظنّ يزيد فيه أنّه أهل للقيام بمثل هذه الأعمال الخطيرة ، وقد عرّفه
1) أنساب الأشراف : 2 : 342. الفتوح : 5: 63. ولم يتعرّض المؤرخون إلى شؤون هذه الرؤوس الكريمة ، فهل دفنت في دمشق أو في مكان آخر ؟ فقد أهملوا ذلك ، إلا أنه جاء في مرآة الزمان : 59 ، فيما يخص رأس هانئ ما نصه : «إنّه في هذه - السنة أي سنة 302هـ ورد الخبر إلى بغداد أنه وجد بخراسان بالقصر أزجاً [الأزج : ضرب من الأبنية ، بيت يبنى طولا- تاج العروس : 2 : 4 - أزج] فيه ألف رأس في برج ، في أذن كل واحد خيط من إبريسم فيه رقعة فيها اسم صاحبه ، وكان من جملتها رأس هاني بن عروة، وحاتم بن حسنة ، وطلق بن معاذ وغيرهم ، وتاريخهم - أي تاريخ وضعهم في ذلك الأزج - سنة سبعين من الهجرة» .
يزيد بعزم الإمام الحسين (علیه السّلام) على التوجّه إلى العراق، وأوصاه باتخاذ التدابير التالية :
الأول : وضع المراصد والحرس على جميع الطرق والمواصلات .
الثاني : التحرّس في أعماله ، وأن يكون حذراً يقظاً.
الثالث : أخذ الناس بسياسة البطش والإرهاب.
الرابع : أن يكون على اتصال دائم مع يزيد ، ويكتب له بجميع ما يحدث في القطر.
وطبق ابن مرجانة جميع ما عهده إليه سيده ، ونفّذ ما يلي :
وبعدما أطاح الطاغية بثورة مسلم (علیه السّلام) قبض على العراق بيد من حديد ، وأعلن الأحكام العرفية في جميع أنحاء العراق ، واعتمد في تنفيذ خططه على القسوة البالغة ، فأشاع من الظلم والجور ما لا يوصف، فكان اسمه موجباً لإثارة الفزع والخوف في نفوس العراقيين كما كان اسم أبيه زياد من قبل .
لقد فوضت إليه حكومة دمشق السلطات الواسعة، وأمرته بأخذ الناس بالظنّة . وإعدام كلّ من يحقد على الحكم الأموي ، أوله ضلع بالاشتراك في أية مؤامرة تحاك ضده. وبهذه الأساليب الرهيبة ساق الناس لحرب الإمام الحسين (علیه السّلام)، فقد كان يحكم بالموت على كل من يتخلّف أو يرتدع عن الخوض في المعركة(1).
واحتل ابن زیاد جميع الحدود العراقية احتلالاً عسكرياً ، ومنع الناس من الدخول للعراق والخروج منه إلا بإذن وتأشير خاص من شرطة الحدود، وكانوا
1) الدولة الأموية في الشام : 56 .
اذا أخذوا رجلاً أجروا معه التحقيق الكامل ، فإن علموا براءته أطلقوا سراحه وإلا بعثوه مخفوراً إلى السلطة المركزية في الكوفة لتجري معه المزيد من التحقيق ، وقد احتاط في هذه الجهة أشدّ الاحتياط مخافة أن يلج أحد إلى العراق أو يخرج منه من شيعة الإمام الحسين (علیه السّلام).
ويقول المؤرخون : إنه جعل على جميع المفارق ورؤوس المنازل عيوناً من عسكره ، كما عيّن في البر نقاطاً ومسالح ترصد جميع الحركات ، وقد بعث الحصين ابن تميم رئيس شرطته إلى القادسية ، ومنها إلى خفّان(1)، ثمّ إلى القطقطانة(2)
معجم البلدان : 424:4 و 425.
وجبل لعلع ، ورتب في كلّ مكان جماعة من الفرسان والخيالة لتفتيش الداخل والخارج ، وقد حفظت هذه الإجراءات تلك المناطق من الاشتراك بأي عمل ضد الدولة ، كما حفظت خطوط المواصلات بين الكوفة والشام ، وقد ألقت الشرطة القبض على قيس بن مسهر الصيداوي رسول الإمام الحسين (علیه السّلام) إلى الكوفة ، وبعثته مخفوراً إلى ابن زياد ، وسنذكر حديثه في البحوث الآتية.وقام ابن زياد بحملة اعتقالات واسعة النطاق في صفوف الشيعة فاعتقل منهم - فيما يقول بعض المؤرخين - اثني عشر ألفاً(3)، وكان من بين المعتقلين سليمان ابن صُرَد الخزاعي ، والمختار بن أبي عبيد الثقفي ، وأربعمائة من الأعيان والوجوه(4).
وقد أثارت هذه الإجراءات عاصفة من الفزع والهلع لا في الكوفة فحسب وإنّما في جميع أنحاء العراق ، وقد ابتعد الكوفيون عن التدخل في أية مشكلة سياسية ، ولم تبد منهم أية حركة من حركات المعارضة ، وأيقنوا أن لا قدرة لهم على الإطاحة بالعرش الأموي ، وظلوا قابعين تحت وطأة سياطه القاسية.
ويتساءل الكثيرون عن الأسباب التي أدت إلى إخفاق المسلم (علیه السّلام) في ثورته مع ما كان يتمتع به من القوى العسكرية في حين أن خصمه لم تكن عنده أية قوة يستطيع أن يدافع بها عن نفسه فضلاً عن الهجوم والدخول في عمليات القتال . ويعزو بعضهم السبب في ذلك إلى قلة خبرة مسلم (علیه السّلام) في الشؤون السياسية ، وعجزه من السيطرة على الموقف ، فترك المجال مفتوحاً لعدوه حتى تغلب عليه .
وهذا الرأي - فيما يبدو - سطحي ليست له أية صبغة من التحقيق ؛ وذلك لعدم ابتنائه على دراسة الأحداث بعمق وشمول ، ومن أهمها - فيما نحسب - دراسة المجتمع الكوفي ، وما مُني به من التناقض في سلوكه الفردي والاجتماعي ، والوقوف على المخططات السياسية التي اعتمد عليها ابن زياد للتغلب على الأحداث، والنظر في الصلاحيات المعطاة لمسلم بن عقيل من قبل الإمام الحسين (علیه السّلام)، فإن الإحاطة بهذه الأمور توضح لنا الأسباب في إخفاق الثورة ، وفيما يلي ذلك :
ولابد لنا أن نتحدث بمزيد من التحقيق عن طبيعة المجتمع الكوفي فإنّه المرآة الذي تنعكس عليه الأحداث الهائلة التي لعبت دورها الخطير في تاريخ الإسلام السياسي ، وأن نتبين العناصر التي سكنت الكوفة ، وننظر إلى طبيعة الصلات
الاجتماعية فيما بينها ، والحياة الاقتصادية التي كانت تعيش فيها ، فإنّ البحث عن ذلك يلقى الأضواء على فشل الثورة ، كما يلقي الأضواء على التذبذب والانحرافات الفكرية التي مُني بها هذا المجتمع ، والتي كان من نتائجها ارتكابه لأبشع جريمة في تاريخ الإنسانية ، وهي إقدامه على قتل ريحانة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وإلى القراء ذلك :
أما الظواهر الاجتماعية التي تفرّد بها المجتمع الكوفي دون بقية الشعوب ، فهي:
والظاهرة الغريبة في المجتمع الكوفي أنّه كان في تناقض صريح مع حياته الواقعية ، فهو يقول شيئاً ويفعل ضدّه ، ويؤمن بشيء ويفعل ما ينافيه ، والحال أنّه يجب أن تتطابق أعمال الإنسان مع ما يؤمن به ، وقد أدلى الفرزدق بهذا التناقض حينما سأله الإمام الحسين الالها عن أهل الكوفة ، فقال له : خلّفت قلوب الناس معك ، وسيوفهم مشهورة عليك(1).
وكان الواجب يقضي أن تذب سيوفهم عمّا يؤمنون به ، وأن يناضلوا عمّا يعتقدون به ، ولا توجد مثل هذه الظاهرة في تاريخ أي شعب من الشعوب .
ومن غرائب هذا التناقض أن المجتمع الكوفي قد تدخل تدخلاً إيجابياً في المجالات السياسية وهام في تياراتها ، فكان يهتف بسقوط الدولة الأموية ، وقد كاتبوا الإمام الحسين (علیه السّلام)، لينقذهم من جور الأمويين وبطشهم ، وبعثوا الوفود إليه مع آلاف الرسائل التي تحثّه على القدوم لمصرهم ، ولما بعث إليهم سفيره مسلم بن عقيل ل(رحمه الله علیه) ه قابلوه بحماس بالغ وأظهر واله الدعم الكامل حتى كاتب الإمام الحسين (علیه السّلام)
1) الإرشاد / المفيد : 2 : 67 . الفتوح : 5 : 71 . العقد الفريد : 4 : 384.
بالقدوم إليهم ، ولكن لما دهمهم ابن مرجانة ونشر الرعب والفزع في بلادهم تخلّوا عنه ، واقفلوا عليهم بيوتهم وراحوا يقولون : مالنا والدخول بين السلاطين(1).
إنّ حياتهم العملية لم تكن صدى لعقيدتهم التي آمنوا بها ، فقد كانوا يمنون قادتهم بالوقوف معهم ثمّ يتخلون عنهم في اللحظات الحاسمة.
ومن مظاهر ذلك التناقض أنّهم بعدما أرغموا الإمام الحسن (علیه السّلام) على الصلح مع معاوية وغادر مصرهم جعلوا ينوحون ويبكون على ما فرّطوه تجاهه ، ولما قتلوا الإمام الحسين (علیه السّلام) ودخلت سبايا أهل البيت (علیهم السّلام) مدينتهم أخذوا يعجون بالنياحة والبكاء فاستغرب الإمام زين العابدين (علیه السّلام)ذلك منهم وراح يقول : إِنْ هَؤُلَاءِ يَبْكُونَ وَيَتُوحُونَ مِنْ أَجْلِنا ، فَمَنْ قَتَلَنا ؟!!(2).
إن فقدان التوازن في حياة ذلك المجتمع جرّ لهم الويلات والخطوب وألقاهم في شرّ عظيم .
والظاهرة الأخرى في المجتمع الكوفي الغدر ، فقد كانت من خصائصهم التي اشتهروا بها ، وقد ضرب بهم المثل فقيل : أغدر من كوفي(3)، كما ضرب المثل بعدم وفائهم فقيل : الكوفي لا يوفي(4).
وقد وصفهم أمير المؤمنين (علیه السّلام) بقوله : «أُسُودٌ رَوَاعَةٌ ، وَتَعَالِبُ رَوَاغَةٌ».
وقال فيهم : إنّهم أناس مجتمعة أبدانهم، مختلفة أهواؤهم ، وإن من فاز بهم
فاز بالسهم الأخيب، وأنه أصبح لا يطمع في نصرتهم ولا يصدق قولهم(1).
إنّ للكوفيين طابعاً خاصاً عرفوا به ، وهو النكول في العهد والنكوص عن الوعد والهروب من الحق ، وهذه الصفات سمة كل جماعة لم تنضج تربيتها الإيمانية العالية .
لقد كان الجانب العملي في حياتهم هو التقلب والتردد والتخاذل ، وقد غرّوا زيد ابن علي (علیه السّلام) الثائر العظيم ، فقالوا له : إن معك مائة ألف رجل من أهل الكوفة يضربون دونك بأسيافهم(2)، وقد أحصى ديوانه منهم خمسة عشر ألفاً كانوا قد بايعوه على النصرة(3)، ثمّ لما أعلن الثورة هبط عددهم إلى مائتين وثمانية عشر رجلاً(4).
وقد نصح داود بن علي زيداً بألا ينخدع بأهل الكوفة ، فقال له : يابن عم ، إنّ هؤلاء يغرونك من نفسك ، أليس قد خذلوا من كان أعز عليهم منك جدّك علي بن أبي طالب (علیه السّلام) حتى قتل ، والحسن (علیه السّلام) من بعده بايعوه ثمّ وثبوا عليه فانتزعوا رداءه من عنقه ، وانتهبوا فسطاطه وجرحوه ؟ أوليس قد أخرجوا جدك الحسين (علیه السّلام) وحلفوا بأوكد الأيمان ثمّ خذلوه وأسلموه ؟ ثمّ لم يرضوا بذلك حتى قتلوه(5).
وكانوا ينكثون البيعة بعد البيعة ، وقد أشار إلى هذه الظاهرة أعشى همدان الذي كان شاعر ثورة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الذي ثار على الحجاج ، يقول داعياً على أهل الكوفة :
أَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتَمِّمَ نُورَهُ *** ويُطفِئَ نُورَ الفاسِقِينَ فَيَخمُدا
ويُنزِلَ ذلاً بِالعِرَاقِ وَأَهلِهِ *** لِما نَقَضُوا العَهدَ الوَثِيقَ المُؤَكَّدا
وَما أَحدَثُوا مِن بِدعَةٍ وَعَظيمَةٍ *** مِنَ القَولِ لَمْ تَصْعَدْ إلَى اللهِ مَصعدا
وما نَكَنُوا مِنْ بَيعَةٍ بَعدَ بَيعَةٍ *** إذا ضَمِنُوها اليوم خاسُوا بها غَدًا(1)
ويقول النجاشي في هجائهم :
إِذَا سَقَى اللهُ قَوْماً صَوبَ غَادِيةٍ *** فَلا سَقَى اللهُ أَهْلَ الكُوفَةِ المَطَرا
ألقَى العَداوَةَ وَالبَغْضاءَ بَينَهُمُ *** حَتَّى يَكُونُوا لِمَنْ عاداهُمْ جَزَرا(2)
وقد عُرفوا بهذا السمت عند جميع الباحثين .
ويرى (فلهوزن) : أنّهم مترددون متقلبون وأنّهم لم يألفوا النظام والطاعة ، وأن الإخلاص السياسي والعسكري لم يكن معروفاً لهم على الإطلاق.
وأكد ذلك الباحث (وزتر شنين) يقول : «إن من صفاتهم المميزة البارزة الهوائية والتقلب ونقص الثقة بأنفسهم»(3).
ولم يكن هذا التذبذب في حياتهم مقتصراً على العامة ، وإنما كان شائعاً حتى عند رجال الفكر والأدب ، فسراقة البارقي الشاعر المعروف وقف في وجه المختار ، واشترك في قتاله يوم جبانة السبيع ، فلما انتصر المختار وقع سراقة أسيراً بين يدي أصحاب المختار ، فزج به في السجن ، فأخذ سراقة يستعطفه وينظم القصيد في مدحه ، ويذكر مبادئ ثورته ويبالغ في تمجيده ، فكان مما قاله فيه :
نُصِرتَ عَلَى عَدُوِّكَ كُلَّ يَومٍ *** بِكُلِّ كَتِيبَةٍ تَنْعَى حُسَينا
كَنَصرِ مُحَمَّدٍ فِي يَومِ بَدْرٍ *** وَيَومِ الشَّعَبِ إِذْ لَاقَى حُنَينا
فَأَسجِحْ إِذْ مَلَكْتَ فَلَوْ مَلكنا *** لجُرنا في الحُكُومَةِ وَاعتَدينا(1)
تَقَبَّلْ تَوبَةٌ مِنِّي فَإِنِّي *** سَأَشْكُرُ إِنْ جَعَلتَ النَّقْدَ دَينَا
ولما عفا عنه المختار خرج من الكوفة فلم يبعد عنها قليلاً حتّى أخذ يهجو المختار ويحرّض عليه ، وقد قال في هجائه :
أَلا أَبلغ أبا إسحاق إِنِّي *** رَأَيتُ البَلقَ دُهماً مُصمِناتِ
كَفَرْتُ بوَحيكُمْ وَجَعَلتُ نَذراً *** عَلى قِتالَكُم حَتَّى المَماتِ
أُرِي عَيْنَيَّ مالَم تُبصِراهُ *** كلانا عالم بالتُّرْهاتِ
إذا قالُوا أَقولُ لَهُم كَذِبتُمْ *** وَإِنْ خَرجُوا لَبِستُ لَهُم أَدَاتِي(2)
لقد مضى يصب ثورته وسخريته على المختار وأصحابه في نفس الوزن الذي نظم فيه قصيدته السابقة ، ومن الطبيعي أن هذا التناقض في حياتهم كان ناجماً من الاضطراب النفسي ، وعدم التوازن في السلوك .
ومن غرائب ذلك التناقض أن بعضهم كان يحتاط في أبسط الأمور ولا يتحرّج من اقتراف أعظم الموبقات ، فقد جاء رجل من أهل الكوفة إلى عبد الله بن عمر يستفتيه في دم البعوض يكون على الثوب أطاهر أم نجس ؟ فقال له ابن عمر : من أين أنت ؟
فقال : من أهل العراق .
فيهر ابن عمر وراح يقول : انظروا إلى هذا يسألني عن دم البعوض !! وقد قتلوا ابن بنت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وقد سمعته يقول فيه وفي أخيه : «هُما رَيْحَانَتايَ مِنَ الدُّنْيا»(3)
الصراط السوي في مناقب آل النبي : 94.
.ويعز و بعضهم السبب في هذا الاضطراب إلى الظروف السياسية القاسية التي مرت عليهم ، فإنّ الحكم الأموي كان قد عاملهم بمنتهى القسوة والشدة ، فرماهم بأقسى الولاة وأشدّهم عنفاً أمثال المغيرة بن شعبة ، وزياد بن سمية مما جعل الحياة السياسية ضيقة ومتحرّجة ممّا نجم عنه هذا التناقض في السلوك .
والطابع الخاص الذي عرف به المجتمع الكوفي التمرد على الولاة والتبرّم منهم ، فلا يكاد يتولى عليهم وال وحاكم حتى أعلنوا الطعن عليه ، فقد طعنوا في سعد بن أبي وقاص مؤسس مدينتهم واتهموه بأنّه لا يحسن الصلاة(1)، فعزله عمر وولّى مكانه الصحابي الجليل عمار بن ياسر ، ولم يلبثوا أن شكوه إلى عمر فعزله ، وولّى مكانه أبا موسى الأشعري ، ولم تمض أيام من ولايته حتى طعنوا فيه ، وقالوا : لا حاجة لنا في أبي موسى(2)، وضاق عمر بهم ذرعاً وبدا عليه الضجر فسأله المغيرة عن شأنه، فقال له : ما فعلت هذا يا أمير المؤمنين إلا من عظيم ، فهل نابك من نائب ؟
فانبرى عمر يشكو إليه الألم الذي داخله من أهل الكوفة ، قائلاً : وأي نائب أعظم من مائة ألف لا يرضون عن أمير ، ولا يرضى عنهم أمير(3).
وتحدّث عمر عنهم ، فقال : من عذيري من أهل الكوفة إن استعملت عليهم القوي فجروه ، وإن وليت عليهم الضعيف حقروه(4).
لقد جبلوا على التمرّد فهم لا يطيقون الهدوء والاستقرار.
ويرى ديمومبين أن هذه الظاهرة اعتادها الكوفيون من أيام الفرس الذين دأبوا على تغيير حكامهم دوماً(1).
ويذهب فان فلوتن إلى أنّ العرب المستقرين بالكوفة كانوا قد تعوّدوا على حياة الصحراء بما فيها من ضغن وشحناء وحبّ الانتقام والتخريب والأخذ بالثأر ؛ فلذا تعودوا على التمرّد ، وعدم الطاعة للنظام(2).
والظاهرة الغريبة التي عرف بها المجتمع الكوفي هي الانهزامية ، وعدم الصمود أمام الأحداث، فإذا جدّ الجد ولّوا منهزمين على أعقابهم ، فقد أجمعوا في حماس على مبايعة مسلم (علیه السّلام) ونصرته ، ولما أعلن الثورة على ابن مرجانة انفضوا من حوله حتى لم يبقَ معه إنسان يدله على الطريق . وقد وقفوا مثل هذا الموقف مع زيد بن علي (علیه السّلام) ، فقد تركوه وحده يصارع جيوش الأمويين ، وراح يقول : فعلوها حسينية ، وبايعوا عبد الله بن معاوية ، فقالوا له : ادعُ إلى نفسك فبنو هاشم أولى بالأمر من بني مروان(3)، وأخرجوه حيث كان مقيماً ، وأدخلوه القصر فبايعوه ، ولما زحف لقتاله والي الأمويين عبد الله بن عمر فروا منهزمين ، ونظر عبدالله بن معاوية فإذا الأرض بيضاء من أصحابه فقد غدر به قائد قواته ؛ لأنه كان على اتفاق مع والي الأمويين فانهزم وانهزم معه الجيش(4).
وكان عيسى بن زيد يقول فيهم : لا أعرف موضع ثقة يفي ببيعته ، ويثبت عند اللقاء(1).
واتصفت الأكثرية الساحقة من أهل الكوفة بمساوئ الأخلاق .
فقد وصفهم الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) بقوله : «إنْ أَهْمِلْتُمْ خُضْتُمْ ، وَإِنْ حُوربْتُمْ خُرْتُمْ ، وَإِنِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلى إِمَامٍ طَعَنْتُمْ ، وَإِنْ جِئْتُمْ إِلَى مُشاقَّةٍ نَكَصْتُمْ»(2).
ويقول فيهم عبد الله بن الحسن : إنّهم «نفخ العلانية ، خور السريرة ، هرج في سرح في الرخاء ، جزع في اللقاء ، تقدمهم ألسنتهم ، ولا تشايعهم قلوبهم»(3).
ووصفهم المختار لعبد الله بن الزبير حينما سأله عنهم ، فقال : لسلطانهم في العلانية أولياء وفي السر أعداء.
وعلّق ابن الزبير على قول المختار فقال : هذه صفة عبيد السوء إذا رأوا أريابهم خدموهم وأطاعوهم ، فإذا غابوا عنهم شتموهم(4).
وهجاهم أعشى هَمْدان بقوله :
وَجُبناً حَشَاهُ رَبُّهُمْ فِي قُلوبِهِمُ *** فَما يَقْرَبُونَ النّاسَ إلا تهددا
فَلَا صِدْقَ في قول وَلَا صَبْرَ عِندَهُمُ *** وَلَكن فَخْراً فِيهِمْ وَتَزيدا(5)
ويقول فيهم أبو السرايا :
وَمارَستُ أقطار البِلادِ فَلَم أَجِدْ *** لَكُم شَبَهاً فيما وَطَأْتُ مِنَ الأَرضِ
خلافاً وَجَهْلاً وانتشار عَزِيمَةٍ *** وَوَهناً وَعَجْزاً فِي الشَّدائِدِ وَالخَفْضِ
لَقَدْ سَبَقتْ فِيكُمْ إِلَى الحَشْرِ دَعوَةٌ *** فَلا عَنكُمُ راضٍ وَلَا فِيكُمْ مَرضِي(1)
سَأَبعُدُ دَارِي مِنْ قِلَى عَنْ دِيارِكُمْ فَذُوقُوا إِذا وَلّيتُ عاقِبةَ البُغضِ(2)
وحلّل الدكتور يوسف خليف هذه الأبيات بقوله : «وأبو السرايا في هذه الأبيات يردد تلك الفكرة القديمة التي عرفت عن أهل الكوفة من أنهم أهل شقاق ونفاق ومساوئ أخلاق ، فيصفهم بالشقاق والجهل وتفرّق العزيمة والضعف والعجز ، ویری أن هذه صفاتهم التي تلازمهم دائماً في الحرب والسلم ، وهي صفات لم تجعل أحداً من زعمائهم أو أئمتهم يرضى عنهم ، وهم منفردون بها من بين سائر أقطار الأرض التي وطأتها قدماه ، ثمّ يعلن في النهاية بغضه لهم البشر في جميع واعتزامه البعد عنهم ليذوقوا من بعده سوء العاقبة وسوء المصير»(3).
ووصفهم أبو بكر الهذلي بقوله : «إنّ أهل الكوفة قطعوا الرحم ووصلوا المثانة، كتبوا إلى الحسين بن عليّ إنّا معك مائة ألف وغروه حتى إذا جاء خرجوا إليه وقتلوه وأهل بيته صغيرهم وكبيرهم ، ثم ذهبوا يطلبون دمه ، فهل سمع السامعون بمثل هذا ؟!»(4).
وهناك نزعة عامة سادت في أوساط المجتمع الكوفي ، وهي التهالك على المادة
والسعي على حصولها بكل طريق ، فلا يبالون في سبيلها بالعار والخزي ، ولقد لعبت هذه الجهة دورها الخطير في إخفاق ثورة مسلم (علیه السّلام)، فقد بذل ابن زياد الأموال بسخاء للوجوه والأشراف فخفّوا إليه سراعاً فغدروا بمسلم ونكثوا عهودهم ، وقد ملكهم ابن زياد بعطائه فأخرجهم لحرب ريحانة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بعد أن أقسموا الأيمان المغلّظة على نصرته والذب عنه .
وظاهرة أُخرى من ظواهر المجتمع الكوفي وهي سرعة التأثر بالدعايات من دون فحص ووقوف على واقعها، وقد استغل هذه الظاهرة الأمويون أيام (مشكين)(1)فأشاعوا في أوساط الجيش العراقي أنّ الحسن صالح معاوية ، وحينما سمعوا بذلك ماجوا في الفتنة وارتطموا في الاختلاف، فعمدوا إلى أمتعة الإمام الحسن (علیه السّلام) فنهبوها ،كما اعتدوا عليه فطعنوه في فخذه ، ولما أذاعت عصابة ابن زياد بين جيش مسلم (علیه السّلام) أن جيش أهل الشام قد أقبل إليكم فلا تجعلوا أنفسكم عرضة للنقمة والعذاب ، وسمعوا ذلك انهارت أعصابهم ، وولّوا منهزمين ، وأمسى ابن عقيل وحده ليس معه إنسان يدله على الطريق .
هذه بعض مظاهر الحياة الاجتماعية في الكوفة ، وهي تكشف عن ضحالة ذلك المجتمع ، وانهياره أمام الأحداث، فلم تكن له إرادة صلبة ولا وعي اجتماعي أصيل ، وقد جرّوا لهم بذلك الويل ، فدمروا قضاياهم المصيرية وتنكروا لجميع حقوقهم ، وفتحوا المجال للطاغية ابن مرجانة أن يتحكم فيهم ويصبّ عليهم وابلاً من العذاب الأليم .
1) مسكن : موضع قريب من (أوانا) على نهر دجيل عند دير الجائليق ، وفيه قتل مصعب بن الزبير - معجم البلدان : 5: 149.
أما الحياة الاقتصادية في الكوفة فكانت تتسم بعدم التوازن ، فقد كانت فيها الطبقة الأرستقراطية التي غرقت في الثراء العريض ، فقد منحتها الدولة الأموية أيام عثمان ومعاوية الهبات والامتيازات الخاصة فأثرت على حساب الضعفاء والمحرومين ، ومن بين هؤلاء :
الأوّل: الأشعث بن قيس ، وقد اشترى في أيام عثمان أراضي واسعة في العراق ، وكان في طليعة الإقطاعيين في ذلك العصر، وهو الذي أرغم الإمام على (علیه السّلام) على قبول التحكيم ؛ لأنّ حكومته كانت تهدد مصالحه وامتيازاته الخاصة .
الثاني : عمرو بن حريث، وكان أثرى رجل في الكوفة(1)، وقد لعب دوراً خطيراً في إفساد ثورة مسلم الوشل حركتها .
الثالث : شَبَثُ بن ربعي ، وهو من الطبقة الأرستقراطية البارزة في الكوفة(2)، وهو أحد المخذلين عن مسلم الا ، كما تولى قيادة بعض الفرق التي حاربت الإمام الحسین (علیه السّلام).
هؤلاء بعض المثرين في ذلك العصر ، وكانوا يداً لابن مرجانة وساعده القوي ، فقد كانوا يملكون نفوذاً واسعاً في الكوفة ، وقد استطاعوا أن يعلنوا معارضتهم للمختار رغم ما كان يتمتع به من الكتل الشعبية الضخمة المؤلفة من الموالي بحكومته .
والعبيد ، وهم الدين أما الأكثرية الساحقة في المجتمع الكوفي فكانت مرتبطة بالدولة تتلقى مواردها المعاشية منها باعتبارها المعسكر الرئيسي للدولة فهي التي تقوم بالإنفاق عليها ،
وقد عانى بعضهم الحرمان والبؤس، وقد صوّر الشاعر الأسدي سوء حياته الاقتصادية بقصيدة يمدح بها بعض نبلاء الكوفة لينال من معروفه وكرمه ، يقول فيها :
يا أَبا طَلْحَةَ الجَوادِ أَغِثْنِي *** بسجالٍ مِن سَيبِكَ المَقسُومِ
أحْيِي نَفْسِي - فَدَتكَ نَفْسِي - فَإِنِّي *** مُفلِسٌ - قَد عَلِمتَ ذَاكَ - عَدَيم
تَطوَّعْ لَنا بِسُلْتِ دَقيقٍ *** أجرُهُ - إِنْ فَعَلتَ ذَاكَ - عظيم
قَدْ عَلِمْتُمْ فَلا تُعَامِسَ عَنِّي *** ما قَضى اللهُ فِي طَعامِ اليَتيمِ
لَيسَ لِي غَيرُ جَرَّةٍ وَأَصِيصٌ *** وكتابٌ مُنَمنَم كالوشُومِ
وَكِساءٌ أَبيعُهُ بِرَغيف *** قد رقعنا خُروقَهُ بِأَدِيمِ
وإكاف أعارتيهِ نَشِيط *** ولِحافٌ لِكُلِّ ضَيفٍ كَرِيمٍ(1)
أرأيت هذا الفقر المدقع الذي دعا الشاعر إلى هذا الاستعطاف والتذلل ؟! إنّها مشكلة الفقر الذي أخذ بخناقه .
وعلّق شوقي ضيف على هذه الأبيات بقوله : «ومن هنا ارتفع صوت المال في القصيدة الأموية ، واحتل جوانب غير قليلة منها ، فقد كان أساسياً في حياة الناس . فطبيعي أن يكون أساسياً في فنّهم وشعرهم ؛ أليس المال دعامة هامة من دعائم الحياة ؟ ! فلِمَ لا يكون دعامة هامة من دعائم البناء الفني ؟ ! إنه يستتر في قاع الحياة ، وقاع الشعر ؛ لأنّ الشعر إنّما هو تعبير عن الحياة»(2).
إن الحياة الاقتصادية تؤثر تأثيراً عميقاً وفعّالاً في كيان المجتمع ، وتلعب دوراً خطيراً في توجيه المجتمع نحو الخير أو الشر ، وقد ثبت أن كثيراً من الجرائم التي يقترفها بعض المصابين في سلوكهم إنما جاءت نتيجة لفقرهم ويؤسهم أو لجشعهم
على تحصيل المادة ، وقد اندفع أكثر الجيش الذي خرج لحرب الإمام الحسين (علیه السّلام) حينما مناهم ابن مرجانة بزيادة مرتباتهم التي يتقاضونها من الدولة .
وعلى أية حال فإنّ سوء الحالة الاقتصادية في الكوفة كانت من الأسباب الفعالة في إخفاق ثورة مسلم (علیه السّلام) وتحوّل الجماهير عنه حينما أغدق ابن زياد الأموال على الوجوه والعرفاء وغيرهم فاندفعوا إلى القيام بمناهضة مسلم (علیه السّلام) وصرف الناس عنه.
كانت الكوفة أممية قد امتزجت فيها عناصر مختلفة في لغاتها ، ومتباينة في طباعها وعاداتها وتقاليدها فكان فيها العربي والفارسي والنبطي إلى جانب العبيد وغيرهم ، ولم تعد مدينة عربية خالصة كمكة والمدينة ، وإنّما كانت مدينة أهلها أخلاط من الناس - كما يقول اليعقوبي - وقد هاجرت إليها هذه العناصر باعتبارها المركز الرئيسي للمعسكر الإسلامي، فمنها تتدفق الجيوش الإسلامية للجهاد ، كما تتدفق بها المغانم الكثيرة التي وعد الله بها المجاهدين، وقد بلغ نصيب الجندي المقاتل من في المدائن اثني عشر ألفاً(1)، مما دعا ذلك إلى الهجرة إليها باعتبارها السبيل إلى الثروة ، ونشير إلى بعض تلك العناصر :
وحينما تم تأسيس الكوفة على يد فاتح العراق سعد بن أبي وقاص اتجهت إليها أنظار العرب ، وتسابقوا إلى الهجرة إليها ، فقد سكنها في وقت مبكر سبعون بدرياً وثلاثمائة من أصحاب الشجرة(2).
وقد ترجم ابن سعد في طبقاته مائة وخمسين صحابياً ممّن نزلوا الكوفة(1).
ويقول فيها السفاح : «وهي - أي الكوفة - منزل خيار الصحابة وأهل الشرف»(2)، أما القبائل العربية التي سكنتها ، فهي :
أولاً : القبائل اليمنية : وتسابقت القبائل اليمنية إلى سكنى الكوفة ، فكان عددهم - فيما يقول المؤرخون - اثني عشر ألفاً(3)، وهي : قُضاعة ، غَسّان ، بَجِيْلَة . : خَثْعَم ، عِنْدَة ، حَضْرَمَوت ، الأزد ، مَدْحِج ، حِمْيَر ، هَمْدان ، النَّخَعِ .
فهذه هي الأسر التي تنتمي إلى اليمن ، وقد استوطنت الكوفة ، ونزلت في الجانب الشرقي من المسجد .
ويرى (فلهوزن) : أن القبائل المشهورة من اليمن - وهي مَذحج ، وهَمْدان ، وكندة - قد كانت لها السيطرة والسيادة على الكوفة .
ويقول عبد الملك بن مروان بعد دخوله إلى الكوفة حينما جاءته قبائل مذحج وهَمْدان : ما أرى لأحد مع هؤلاء شيئاً .
ثانياً : القبائل العدنانية : أما القبائل العدنانية التي سكنت الكوفة فكان عددها ثمانية آلاف شخص ، وهي تتشكل من أسرتين : تَمِيم ، بَنُو العصر .
ثالثاً : قبائل بني بكر وسكنت الكوفة قبائل بني بكر ، وهي عدة أسر ، منها : بنو أ أَسَد ، غَطَفان ، مُحارِب ، نُمير .
وهناك مجموعة أُخرى من القبائل العربية استوطنت الكوفة ، وهي : كنانة ، وجديلة ، وضُبيعة ، وعبد القيس ، وتغلب ، وإياد ، وَطَيء ، وثَقيف ، وعامر ،
ومزينة(1).
ویری (ماسنيون) أنّه إلى جانب القرشيين الذين سكنوا الكوفة عناصر شديدة البداوة من سكان الخيام وبيوت الشعر، وأصحاب الإبل من بني دارم التميمي وجيرانهم اليهنيين القدماء من طيء ، وعناصر نصف رحالة من ربيعة وأسد من الغرب والشمال الغربي ، وبكر من الشرق والجنوب الشرقي ، وعبد القيس الذين جاء وا من هَجَر من الجنوب الشرقي . ثمّ عناصر متحضرة من القبائل الجنوبية الأصيلة العربية الذين نزحوا من اليمن وحضرموت ، وهؤلاء كانوا قسمين: عناصر نصف متحضرة من كندة وبجيلة ، وعناصر متحضرة تماماً من سكان المدن والقرى اليمنية من مذحج وحمير وهَمْدان(2).
إنّ العنصر العربي الذي استوطن الكوفة منذ تأسيسها كان مزيجاً من اليمانية والنزارية وغيرهما ، ولكن اليمانية كانت أكثر عدداً كما كان تأثيرها في حياة المجتمع الكوفي أشدّ من غيرها .
وسادت في قبائل المجتمع العربي في الكوفة الروح القبلية فكانت كل قبيلة تنزل في حي معين لها لا يشاركها فيه إلا حلفاؤها ، كما كان لكل قبيلة مسجدها الخاص ، ومقبرتها الخاصة .
ويرى ماسنيون أنّ جبّانات الكوفة هى إحدى الصفات المميزة لطوبوغرافيتها(3).
كما سميت شوارعها وسككها بالقبائل التي كانت تقطن فيها(1)، وغدت المدينة صورة تامة للحياة القبلية، وبلغ الإحساس بالروح القبلية والتعصب لها إلى درجة عالية ، فكانت القبائل تتنافس فيما بينها على إحراز النصر كما حدث في واقعة الجمل . ومن هنا غلب على الحياة فيها طابع الحياة الجاهلية(2).
ويحدثنا ابن أبي الحديد عن الروح القبلية السائدة في الكوفة بقوله : «إنّ أهل الكوفة في آخر عهد علي كانوا قبائل ، فكان الرجل يخرج من منازل قبيلته فيمرّ بمنازل قبيلة أخرى ، فينادي باسم قبيلته يا للنخع أو بالكندة ، فيتألب عليه فتيان القبيلة التي مر بها فينادون بالتميم أو يالربيعة ، ويقبلون إلى ذلك الصائح فيضربونه فيمضي إلى قبيلته فيستصرخها فتسل السيوف وتثور الفتنة»»(3).
لقد كانت الروح القبلية هي العنصر البارز في حياة المجتمع الكوفي ، وقد استغلّ ابن سمية هذه الظاهرة في إلقاء القبض على حُجْر وإخماد ثورته ، فضرب بعض الأسر ببعض ، وكذلك استغل هذه الظاهرة ابنه للقضاء على حركة مسلم الا وهانئ وعبد الله بن عفيف الأزدي .
وإلى جانب العنصر العربي الذي استوطن الكوفة كان العنصر الفارسي ، وكانوا يسمون الحمراء(4)، وقد سألوا عن أمنع القبائل العربية فقيل لهم : تميم ، فتحالفوا معهم(5). وأكبر موجة فارسية استوطنت الكوفة عقيب تأسيسها هي المجموعة
الضخمة من بقايا فلول الجيوش الساسانية التي انضمت إلى الجيش العربي وأخذت تقاتل معه ، وقد عرفت في التاريخ باسم (حمراء ديلم) فكان عددهم - فيما يقول المؤرخون - أربعة آلاف جندي يرأسهم رجل يسمى (ديلم) قاتلوا معه تحت قيادة رستم في القادسية ، فلما انهزمت الفرس وقتل رستم عقدوا أماناً مع سعد بن أبي وقاص ، وشرطوا عليه أن ينزلوا حيث شاءوا ، ويحالفوا من أحبوا وأن يفرض لهم العطاء ، وقد حالفوا زهرة بن حُوَيّة التميمي أحد قادة الفتح ، وفرض لهم سعد في ألف ألف ، وأسلموا وشهدوا فتح المدائن معه كما شهدوا فتح جلولاء ، ثمّ تحوّلوا فنزلوا الكوفة(1)، وقد كونت هذه الجالية مجموعة كبيرة في المجتمع الكوفي .
ويذكر (فلهوزن) أنهم كانوا أكثر من نصف سكان الكوفة ، وقد أخذ عددهم بازدياد حتى تضاءلت نسبة العرب في الكوفة ، وتغلبوا في عصر المأمون حتى كانت اللغة الفارسية تحتل الصدارة في ذلك العصر(2).
ويقول الجاحظ : «إنّ اللغة الفارسية أثرت تأثيراً كبيراً في لغة الكوفة»(3).
وعلى أية حال فإنّ الفرس كانوا يشكلون عنصراً مهماً في الكوفة ، وكونوا بها جالية متميزة ، فكان أهل الكوفة يقولون : «جئت من حمراء ديلم»(4).
ويقول البلاذري : «إنّ زياداً سيّر بعضهم إلى الشام ، وسیر قوماً منهم إلى البصرة»(5)، وقد شاركت هذه الجالية في كثير من الفتوحات الإسلامية ، كما شكلت المد العالي للإطاحة بالحكم الأموي .
وكانت الأنباط من العناصر التي سكنت الكوفة ، وقد أثروا في الحياة العامة تأثيراً عقلياً واجتماعياً، ويقول المؤرخون : إنّ الأنباط ليسوا عنصراً خاصاً من البشر وإنّما هم من العرب ، وكانوا يستخدمون اللغة الآرامية في كتابتهم ، وكانوا يستوطنون بلاد العرب الصخرية ، وقد انتقلوا منها إلى العراق ، واشتغلوا بالزراعة ، وكانوا ينطقون بلغتهم الآرامية(1)، وقد أثروا تأثيراً بالغاً في حياة الكوفة .
يقول أبو عمرو بن العلاء لأهل الكوفة : «لكم حذلقة النبط وصلفهم ، ولنا دهاء فارس وأحلامهم»(2).
ويروي الطبري : أنّ رجلاً من بني عبس أسر رجلاً من أهل نهاوند اسمه دينار ، وكان يواصل العبسي ويهدي إليه ، وقد قدم الكوفة في أيام معاوية ، فقام في الناس وقال لهم : يا معشر أهل الكوفة ، أنتم أوّل من مررتم بنا كنتم خيار الناس ، فعمرتم بذلك زمان عمر وعثمان ، ثمّ تغيرتم وفشت فيكم خصال أربع : بخل ، وخبّ ، وغدر ، وضيق ، ولم يكن فيكم واحدة منهن ، فرافقتكم فإذا ذلك في مولّديكم ، فعلمت من أين أتيتم(3).
ويرى دي بود أن التغير الاجتماعي وتبدل الأخلاق في الكوفة قد نشأ في وقت مبكر أيام معاوية بن أبي سفيان(4).
ومن الطبيعي أن للأنباط ضلعاً كبيراً في هذا التغيير .
والعنصر الرابع الذي شارك في تكوين الكوفة هم السريان ، فقد كانوا منتشرين في العراق قبل الفتح الإسلامي ، وكان الكثيرون منهم مقيمين على حوض دجلة ، وبعضهم كان مقيماً في الحيرة والكوفة ، وقد ارتبطوا بأهل الكوفة وتأثروا بعاداتهم وأخلاقهم ، فإنّ الحياة الاجتماعية - كما يقول علماء الاجتماع - حياة تأثير وتأثر فكلّ إنسان يتأثر ويؤثر فيمن حوله .
هذه هي العناصر التي شاركت في استيطان الكوفة وبناء مجتمعها فهي لم تكن عربية خالصة وإنّما امتزجت بها هذه العناصر ، وقد نشأت بينها المصاهرة ، فنشأ جيل مختلط من هذه العناصر ، ولكن التغلّب الجنسي كان للعرب باعتبارهم الأكثرية الساحقة في القطر ، فقد أصبحت التقاليد الدينية والعادات الاجتماعية خاضعة للعرب ، كما كانت لهم الكلمة العليا في البلاد.
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن عناصر السكان في الكوفة .
ولم يكن المجتمع الكوفي يدين بدين واحد ، وإنما كانت فيه أديان متعددة ، ولكل دين الحرية في إقامة طقوسه الدينية ، وهذه بعضها :
وكان الإسلام دين الأكثرية الساحقة للعرب الذين استوطنوا الكوفة فإنّها إنّما أنشئت لتكون حامية للجنود الإسلامية التي كانت تبعث بهم الدولة لحركات الفتوح وعمليات الجهاد ، ولكن الإسلام لم ينفذ إلى أعماق قلوب الكثيرين منهم ، وإنّما جرى على ألسنتهم طمعاً بثمرات الفتوح التي أفاء الله بها على المجاهدين. وقد أكد علم الاجتماع أن التحوّل الاجتماعي لا يكون إلا بعد أجيال وأجيال ، وأن المجتمع
يظل محافظاً على عاداته وتقاليده التي اكتسبها من آبائه ، ويؤيد ذلك ما مني به من الحركات الفكرية التي تتنافى مع الإسلام ، وإلى الانقسامات الخطيرة بين صفوفه ، ونشير إلى بعض تلك الانقسامات :
واعتنق هذه الفكرة القرّاء وأصحاب الجباه السود حينما رفعت المصاحف في صفين ، وقد أرغموا الإمام على قبول التحكيم بعد ما مني معاوية بالهزيمة الساحقة ، فاستجاب لهم الإمام على كره ، وقد حذرهم من أنّها مكيدة وخديعة فلم يكن يجدي ذلك معهم ، وأصروا على فكرتهم ، ولما استبان لهم ضلال ما اقترفوه أقبلوا على الإمام وهم يقولون له : إنا قد كفرنا وتبنا ، فأعلن توبتك وقر على نفسك بالكفر لنكون معك فأبى (علیه السّلام) فاعتزلوه ، واتخذوا لهم شعار «لا حكم إلا الله»(1).
وانغمسوا في الباطل وماجوا في الضلال ، فحاربهم الإمام وقضى على الكثيرين منهم إلّا أنّ البقية الباقية منهم ظلت تواصل نشر أفكارها بنشاط ، وقد لعبت دوراً مهماً في إفساد جيش الإمام الحسن (علیه السّلام) حتى اضطر إلى الصلح مع معاوية ، كما كان أكثر الجيش الذي زجّه ابن زياد لحرب الإمام الحسين (علیه السّلام) من الخوارج وكانوا موتورين من الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) فرووا أحقادهم من أبنائه الطيبين في كارثة كربلاء .
وهؤلاء يمثلون وجوه الكوفة وزعماءها ، كقيس بن الأشعث ، وعمرو بن الحجاج الزبيدي، ويزيد بن الحرث ، وشَبَث بن ربعي ، وعمرو بن حريث ، وعمر بن سعد ، وكانوا يدينون بالولاء لبني أمية ، ويرون أنهم أحق بالخلافة وأولى بزعامة الأمة
1) تاريخ الأمم والملوك : 4 : 320 .
من آل البيت (علیهم السّلام)، وقد لعبوا دوراً خطيراً في فشل ثورة مسلم (علیه السّلام)، كما زجوا الناس لحرب الإمام الحسين (علیه السّلام) .
وهي التي تدين بالولاء لأهل البيت (علیهم السّلام)، وترى أنه فرض ديني ، وقد أخلصت شيعة الكوفة في الولاء لهم ، أما مظاهر حبّهم ، فهي :
الأوّل : الخطب الحماسية التي يمجدون فيها أهل البيت (علیهم السّلام)، ويذكرون فضلهم ومآثرهم ، وما شاهدوه من صنوف العدل والحق في ظل حكومة الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام).
الثاني : الدموع السخية التي يهريقونها حينما يذكرون آلام آل البيت (علیهم السّلام) وما عانوه في عهد معاوية من التوهين والتنكيل .
ولكنّهم لم يبذلوا أيّة تضحية تذكر لعقيدتهم، فقد كان تشيعهم عاطفياً لا عقائدياً ، وقد تخلوا عن مسلم (علیه السّلام) وتركوه فريسة بيد الطاغية ابن مرجانة .
ويروي البلاذري : أنّهم كانوا في كربلاء وهم ينظرون إلى ريحانة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وقد تناهبت جسمه الشريف السيوف والرماح فكانوا يبكون ، ويدعون الله قائلين: اللهم أنزل نصرك على ابن بنت نبيك ، فانبرى إليهم أحدهم فأنكر عليهم ذلك الدعاء ، وقال لهم : هلا تهبون إلى نصرته بدل هذا الدعاء ؟ وقد جردهم الإمام الحسين (علیه السّلام) من إطار التشيع وصاح بهم يا شيعة آل أبي سفيان(1).
والحق أن الشيعة بالمعنى الصحيح لم تكن إلا فئة نادرة في ذلك العصر ، وقد التحق بعضهم بالإمام الحسين الله واستشهدوا معه ، كما زُج الكثيرون منهم في ظلمات السجون .
1) اللهوف : 71.
روى زيد بن أرقم عن الحسين (علیه السّلام)، قال : «ما مِنْ شيعَتِنا إِلا صِدِّيقٌ شَهِيدٌ.
قال : قلت له : جعلت فداك ؛ أنّى يكون ذلك وعامتهم يموتون على فراشهم ؟
فقال : أما تَتْلُو كِتابَ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّدِيقُونَ والشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبهم(1).
قال : فقلت : كأنّي لم أقرأ هذه الآية من كتاب الله تعالى .
قال : لَوْ كانَ الشُّهَداءُ لَيْسَ إِلَّا كَما تَقُولُ لَكَانَ الشُّهَدَاءُ قَلِيلاً»(2).
وعلى أية حال فلم يكن المسلمون في الكوفة على رأي واحد وإنّما كانت هناك انقسامات خطيرة بين صفوفهم .
من العناصر التي سكنت الكوفة النصارى ، فقد أقبلوا إليها من الحيرة بعد زوال مجدها ، وقد أقاموا لهم في الكوفة عدة كنائس ، فقد كانت لهم كنيسة في ظهر قبلة المسجد الأعظم(3)وكان لهم أسقفان أحدهما نسطوري ، والآخر يعقوبي(4)، وكانوا طائفتين :
أولاهما : نصارى تغلب : وقد استوطنوا الكوفة عند تخطيطها مع سعد ، وكانت لهذه الطائفة عزّة ومنعة(5)، وقد رفض أبناؤها دفع الجزية مما اضطر عمر أن يعاملهم معاملة المسلمين فجعل جزيتهم مثل صدقة المسلمين(6).
ثانيهما: نصاری نجران: وقد نزلوا الكوفة في خلافة عمر ، واستوطنوا في ناحية
منها سميت محلة النجرانية(1).
وقد شاركت النصارى مشاركة إيجابية في كثير من أعمال الدولة ، فقد اتخذ أبو موسى الأشعري - أمير الكوفة - كاتباً نصرانياً(2)، كما ولى الوليد بن عقبة - والى عثمان - رجلاً مسيحياً لإدارة شؤون مسجد قريب من الكوفة(3).
وقد شغل المسيحيون في الكوفة أعمال الصيرفة ، وكوّنوا أسواقاً لها(4)، وكانت ، الحركة المصرفية بأيديهم ، كما كانوا يقومون بعقد القروض لتسهيل التجارة . وكانت تجارة التبادل والصيرفة بأيديهم(5)، وقد مهروا في الصيرفة ونظموها على شكل يشبه البنوك في هذا العصر.
وكانت هذه البنوك الأهلية تستقرض منها الحكومة المحلية الأموال إذا حدثت ثورة في القطر ، فكانت الأموال توزّع على أعضاء الثورة لإخمادها ، وقد استقرض منها ابن زياد الأموال فوزعها على وجوه الكوفة وأشرافها للقضاء على ثورة مسلم (علیه السّلام).
وعلى أية حال فإن المجتمع الكوفي كان مزيجاً من المسلمين والمسيحيين وكانت العلاقة بينهما وثيقة للغاية .
واستوطن اليهود الكوفة سنة (20هـ)(6)، وقد قدم قسم كبير منهم من الحجاز
بعد أن أجلاهم منه عمر بن منه عمر بن الخطاب(1)، وقد كانت لهم محلّة تعرف باسمهم في الكوفة ، كما بنوا فيها معابد لهم . ويذكر الرحالة (بنيامين) أنّ بالكوفة سبعة آلاف يهودي ، وفيها قبر يسكنه اليهود وحوله كنيس لهم(2). وقد زاولوا بعض الحرف التي كان العرب يأنفون منها كالصياغة وغيرها، وكانت اليهود تحقد على الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) أعظم ما يكون الحقد ؛ لأنّه أباد الكثيرين منهم وألحق بهم العار والهزيمة ، وقد قاموا بدور فعال - فيما يقول بعض المحققين - في مجزرة كربلاء تشفياً من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بأبنائه وذريته.
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض الأديان السائدة في الكوفة ، وقد اشترك معظمها في حركات الجهاد وعمليات الحروب في ذلك العصر.
وأنشأت الكوفة لتكون معسكراً للجيوش الإسلامية ، وقد نظم الجيش فيها على أساس قبلي كما كانوا مرتبين وفق قبائلهم ، وكانوا يقسمون في معسكراتهم باعتبار القبائل والبطون التي ينتمون إليها ، وقد رتبت كما يلي :
ووزّع الجيش توزيعاً سباعياً يقوم قبل كل شيء على أساس قبلى بالرغم من أنّهم كانوا يقاتلون في سبيل الله إلا أن الروح القبلية كانت سائدة ولم تضعف ، وفيما يلي أنظمتها:
السبع الأول : كنانة وحلفاؤها من الأحابيش وغيرهم ، وجديلة ، وكانوا أعواناً
طيعين للولاة القرشيين منذ إمارة سعد ، وتولوا بإخلاص عمّال بني أُمية وولاتهم .
السبع الثاني : قضاعة ، وغسان ، وبجيلة، وخثعم ، وكندة ، وحضرموت ، والأزد.
السبع الثالث : مَذحج ، وحِمْير ، وهَمْدان وحلفاؤهم ، وقد اتسموا بالعداء لبني أمية والمساندة الكاملة للإمام على وأبنائه (علیهم السّلام).
السبع الرابع : تميم ، وسائر الرباب وحلفاؤهما .
السبع الخامس : أسد ، وغطفان ، ومحارب ، وضبيعة ، وتغلب ، والنمر.
السبع السادس : إياد ، وعك ، وعبد القيس ، وأهل هجر ، والحمراء .
السبع السابع : طيء(1).
وتحتوي هذه الأسباع على قطعات قبلية من الجيش ، وقد استعمل هذا النظام لأجل التعبئة العامة للحروب التي جرت في ذلك العصر، وتوزيع الغنائم عليها بعد العودة من الحرب، وظلّت الكوفة على هذا التقسيم ؛ حتّى إذا كانت سنة (50 هـ) عمد زياد بن أبيه حاكم العراق فغير ذلك المنهج وجعله رباعياً ، فكان على النحو التالي :
الأوّل : أهل المدينة ، وجعل عليهم عمرو بن حريث .
الثاني : تميم ، وهمدان ، وعليهم خالد بن عرفطة .
الثالث : ربيعة وبكر ، وكندة ، وعليهم قيس بن الوليد بن عبد شمس.
الرابع : مذحج ، وأسد(2)، وعليهم أبو بردة بن أبي موسى .
وإنما عمد إلى هذا التغيير لإخضاع الكوفة لنظام حكمه ، كما أنّ الذين انتخبهم
الرئاسة الأنظمة قد عرفوا بالولاء والإخلاص للدولة، وقد استعان بهم ابن زياد لقمع ثورة مسلم (علیه السّلام)، كما تولى بعضهم قيادة الفرق التي زجها الطاغية لحرب الإمام الحسين (علیه السّلام)، فقد كان عمرو بن حريث وخالد بن عرفطة من قادة ذلك الجيش .
أما رؤساء الأنظمة فقد كانت الدولة لا تنتخب إلا من ذوي المكانة الاجتماعية المعروفين بالنجدة والبسالة والتجربة في الحرب(1)، ورؤساء الأرباع يكونون خاضعين للسلطة الحكومية ، كما أنّ اتصال السلطة بالشعب يكون عن طريقهم ، ونظراً لأهميتهم البالغة في المصر فقد كتب إليهم الإمام الحسين (علیه السّلام) يدعوهم إلى نصرته والذب عنه(2).
وكانت الدولة تعتمد على العرفاء(3)
والعريف : هو القائم بأمور القبيلة والجماعة من الناس يلي أمورهم ، ويتعرف الأمير منه أحوالهم - تاج العروس : 6 : 195
، فكانوا يقومون بأمور القبائل ويوزعون عليهم العطاء ، كما كانوا يقومون بتنظيم السجلات العامة التي فيها أسماء الرجال والنساء والأطفال، وتسجيل من يولد ليفرض له العطاء من الدولة ، وحذف العطاء لمن يموت(4).كما كانوا مسؤولين عن شؤون الأمن والنظام ، وكانوا في أيام الحرب يندبون الناس للقتال ويحثّونهم على الحرب ، ويخبرون السلطة بأسماء الذين يتخلّفون
عن القتال(1). وإذا قصر العرفاء أو أهملوا واجباتهم فإنّ الحكومة تعاقبهم أقسى العقوبات وأشدّها(2).
ومن أهم الأسباب في تفرّق الناس عن مسلم (علیه السّلام) وهو قيام العرفاء في تخذيل الناس عن الثورة وإشاعة الإرهاب والأراجيف بين الناس(3)، كما كانوا السبب الفعّال في زج الناس وإخراجهم لحرب الإمام الحسين (علیه السّلام).
إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن مظاهر الحياة الاجتماعية في الكوفة ، وكان الإلمام بها من ضرورات البحث ؛ وذلك لما لها من الأثر في إخفاق الثورة .
ولابد لنا أن نتعرّف على قائد الانقلاب الطاغية ابن مرجانة فنقف على نشأته وصفاته ومخططاته الرهيبة التي أدت إلى القضاء على الثورة ، وإلى القرّاء ذلك :
ولد الطاغية سنة (33 هـ)(4)، وقد ولد لخلق الكوارث وإشاعة الخطوب في الأرض . وعلى هذا فيكون عمره يوم قتله لريحانة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) (28 سنة) ، الله ولم تعيّن المصادر التي بأيدينا المكان الذي ولد فيه .
أما أبوه فهو زياد بن سمية ، وهو من عناصر الشر والفساد في الأرض ، فقد سمل
عيون الناس ، وصلبهم على جذوع النخل ، وقتل على الظنّة والتهمة وأخذ البريء بذنب السقيم ، وأغرق العراق بالحزن والشكل والحداد .
وأمّا أُمه مرجانة فكانت مجوسية(1)وقد عرفت بالبغاء ، وقد عرض بها عبيد الله التميمي أمام ابنها عبيد الله ، فقال : إنّ عمر بن الخطاب كان يقول : اللهم إني أعوذ بك من الزانيات وأبناء الزانيات .
فالتاع ابن زياد وردّ عليه : إن عمر كان يقول : لم يقم جنين في بطن حمقاء تسعة أشهر إلا خرج ماثقا(2)، وفارق زياد مرجانة فتزوج بها شيرويه(3).
واتهم عبيد الله بفجور أُمه ، وعدم شرعية ولادته ، وفي ذلك يقول ابن مفرغ في هجائه :
وَقُلْ لِعُبَيدِ اللهِ مالكَ وَالِدٌ *** بِحَقِّ وَلَا يَدرِي امْرُؤٌ كَيْفَ تُنسَبُ(4)
نشأ الطاغية في بيت الجريمة ، وقد قطع دور طفولته في بيت زوج أمه شيرويه ، ولم يكن مسلماً ، ولما ترعرع أخذه أبوه زياد ، وقد ربّاه على سفك الدماء والبطش بالناس ، وربّاه على الغدر والمكر ، وقد ورث جميع صفات أبيه الشريرة من الظلم والتلذذ بالإساءة إلى الناس ، وقد كان لا يقل قسوة عن أبيه ، وقد قال الطاغية في بعض خطبه : «أنا ابن زياد ، أشبهته من بين من وطأ الحصى ، ولم ينتزعني شبه خال ولا ابن عم»(5). لقد كان كأبيه في شدّته وصرامته في الباطل وتنكره للحق .
أما صفاته النفسية فكان من أبرزها القسوة والتلذذ بسفك الدماء ، وقد أخذ امرأة من الخوارج فقطع يديها ورجليها ، وأمر بعرضها في السوق(1).
ووصفه الحسن البصري بأنّه غلام سفيه سفك الدماء سفكاً شديداً(2).
ويقول فيه مسلم بن عقيل (علیه السّلام): «ويقتل النفس التي حرم الله قتلها على الغضب والعداوة وسوء الظن وهو يلهو ويلعب كأنه لم يصنع شيئاً»(3).
وكان متكبراً لا يسمع من أحد نصيحة ، وقد دخل عليه الصحابي عائذ بن عمرو فقال له : أي بُني ، إنّي سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول : إِنَّ شَرَّ الرَّعاءِ الحُطَمَةُ(4)فإيّاك أن تكون منهم .
فلذعه قوله وصاح به : اجلس إنّما أنت من نخالة أصحاب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).
فأنكر عليه عائذ ، وقال : وهل كان فيهم نخالة ؟ إنّما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم(5).
ومن صفات ابن مرجانة الغش ، فهو أول من غش الدراهم وضربها زيوفاً حين فرّ من البصرة ، وذلك في سنة (64هـ) ، ثم فشت في الأمصار(6).
وعرف في أثناء ولايته على البصرة بالغش للرعية والخديعة لها ، وقد نصحه معقل بن يسار أن يترك ذلك ، وقال له : إني سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول : «ما مِنْ عَبْدِ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّتَهُ وَيَموتُ وَهُوَ عَاشُ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»(1).
فهذه بعض نزعاته وصفاته النفسية . أما صفاته الجسمية فقد كان منها ما يلي :
ونشأ الطاغية فى بيت أمه مرجانة ولم تكن عربية فأخذ لكنتها ، فقد نشأ معها بالأساورة(2)، وكان زياد قد زوجها من شيرويه الأساور . ولم يكن يفهم اللغة العربية ، فقد قال لجماعة : افتحوا سيوفكم(3)وهو يريد سلّوا سيوفكم ، وإلى هذا يشير يزيد بن مفرغ في هجائه له :
وَيَومَ فَتَحتَ سَيفَكَ مِن بَعيدٍ *** أَضَعتَ وَكُلُّ أَمرِكَ لِلضّياع
وجرت بينه وبين سويد مشادة ، فقال له عبيد الله : اجلس على است الأرض . فسخر منه سويد وقال : ما كنت أحسب أنّ للأرض استاً(4).
وكان لا ينطق بالحاء ، وقد قال لهانئ : أهروري سائر اليوم ، يريد أحروري ، وكان يقلب العين همزة كما كان يقلب القاف كافاً ، فقد قال يوماً : من كاتلنا كاتلناه ، يريد من قاتلنا قاتلناه(5).
1) صحیح مسلم : 1 : 88 تاريخ مدينة دمشق : 37 : 447. البداية والنهاية : 8: 288.
2) الأساورة : قوم من العجم بالبصرة نزلوها قديماً - القاموس المحيط : 527 - سور .
3) وعلّق ابن قتيبة الدينوري على ذلك بقوله : «إمّا للكنة فيه ، أو لجبن ، أو دهشة» - عيون الأخبار: 1: 165 .
4) البيان والتبيين : 2 : 155 و 156 .
5) تاريخ مدينة دمشق : 37 : 440 . البداية والنهاية : 8: 287.
من الصفات الجسدية لابن مرجانة أنّه كان أرقط(1).
قال ابن دريد : «وكان عبيد الله بن زياد أرقط ، شديد الرقطة فاحشها» .
ويقول المؤرخون : إنّه كان نهماً في الطعام ، فكان في كل يوم يأكل خمس أكلات آخرها جنبة بغل ، ويوضع بين يديه بعد ما يفرغ عناق(2)أوجدي فيأتي عليه وحده(3).
وكذلك كان مسرفاً في النساء فقد بنى ليلة قدومه إلى الكوفة بأم نافع بنت عمارة بن عقبة بن أبي معيط(4).
وحينما تزوّج ابن زياد هنداً بنت أسماء بن خارجة سيد فزارة عاب محمد بن عمير بن عطارد التميمي ومحمد بن الأشعث أسماء تزويجه لابنته ، ولما بلغ ذلك عبيد الله أرغم ابن الأشعث على تزويجه ابنته ، وزوّج أخاه عثمان ابنة محمد بن عمير(5). هذه بعض صفاته الجسمية .
وأسند إليه معاوية إمارة البصرة وولاه أُمور المسلمين ، وكان في ميعة الشباب
وغروره وطيشه ، وقد ساس البصرة كما ساسها أبوه ، فكان يقتل على الظنّة والتهمة ، ويأخذ البريء بالسقيم والمقبل بالمدبر ، وقد وثق به معاوية وارتضى سيرته ، وكتب إليه بولاية الكوفة إلا أنّه هلك قبل أن يبعث إليه بهذا العهد .
ولما بنى ابن زياد بيضاء البصرة أمر أصحابه أن يسمعوا من أفواه الناس ما يقولون ، فأتي برجل ، قيل له : إنه لما رآها تلا قوله تعالى : أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةٌ تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ(1).
فقال له : ما حملك على ما قلت ؟ قال : لم يكن أيها الأمير عن قصد ، وإنّما آية خطرت على قلبي فقرأها لساني ؛ لا روية لي فيها ولا نية ، قال : فوالله لأعملن فيك بالآية الثالثة : وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُم جَبَّارِينَ(2)، فأمر فبني ركن من أركان القصر عليه(3).
أتي عبيد الله بن زياد بجارية خُماسية من الخوارج كان يطلب أباها بذحل ، فقال : أين أبوك ؟
قالت : لو كان تحت أخمصي ما رفعته عنه.
قال : حبّك له لأنّه يفعل بأمك ؟
قالت : إن فعل فبنكاح استحله بكتاب الله وسنة رسوله ، ليس كمن جاء من سفاح لا نكاح !!
فقال بعض جلسائه : لعلك تعنيني ؟!
قالت : لا والله ، ولكنّي أعني صاحب السرير .
قال : ما تقولين في الشيخين ؟
قالت : سبقا وفازا ، واتبعا ما به أمرا .
قال : ما تقولين في عثمان وعلي ؟
قالت : إن كانا أحسنا فالله ولي إحسانهما ، وإن كانا أساءا فالله غفور رحيم .
قال : ما تقولين في معاوية وعمرو ؟ فلعنتهما .
قال : ما تقولين في يزيد ؟
قالت : أقول فيمن أنت سيئة من سيئاته ؟!! عليك وعليه لعنة الله.
قال : فما تقولين في ؟
قالت : أقول : أولك لزنية ، وآخرك لدعوة ، وأنت فيما بين ذلك جبار عنيد(1).
كان ابن زياد صديقاً حميماً لعبد الله بن الزبير، وكان يصله ويقضي ديونه ، وكان يجمعهما الولاء لبني أمية ، والبغض لعترة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)؛ ولابن الزبير مدائح لابن زياد ، منها :
إليك عُبيد الله تهوى ركابنا *** تَعَشفُ مَجهول الفَلَاةِ وَتَدابُ
وَقَد ضَمَرَتْ حَتَّى كَأَنَّ عُيُونَها *** نطافُ فَلَاةٍ ماؤُها مُتَصَبِّبُ
فَقُلتُ لَها لَا تَشتكي الأَينَ إِنَّهُ *** أَمامَكِ قَوْمٌ مِنْ أُمَيَّةَ مُصعَبٌ
إِذَا ذَكَرُوا فَضْلَ امري كانَ قِبلَةٌ *** فَفَضْلُ عُبَيدِ اللهِ أَثَرَى وَأَطيبُ
وَإِنَّكَ لَو يُشفَى بِكَ الفَرحُ لَمْ يَعُدْ *** وَأَنْتَ عَلَى الأَعداء نابٌ وَمِخْلَبُ
1) ربيع الأبرار: 3: 153 و 154 ، الباب الحادي والأربعون ، الحديث 42 .
تصافي عُبيد اللهِ وَالمَجدُ صَفوة الـ *** خلِيفَينِ ما أَرسَى شَبِيرٌ وَيَثرِبُ
وَأَنتَ إِلَى الخَيراتِ أول سابق فَأَبْشِرْ فَقَد أدركت ما كُنتَ تَطْلُبُ(1)
وكان يزيد ناقماً ناقماً على ابن مرجانة أشدّ ما يكون الانتقام ؛ لأمور كان من أهمها أن أباه زياداً كان من المنكرين على معاوية ولايته ليزيد ؛ لاستهتاره ، وإقباله على اللهو والمجون ، وقد أراد يزيد أن يعزل عبيد الله من البصرة، ويجرده من جميع الامتيازات ، إلا أنّه لما أعلن الإمام الحسين (علیه السّلام) الثورة وبعث سفيره مسلماً لأخذ البيعة من أهل الكوفة أشار عليه سرجون بأن يقره على ولاية البصرة ويضم إلي-ه الكوفة ، ويندبه للقضاء على الثورة ، فاستجاب له يزيد ، وقد خلص العراق بأسره لحكم ابن زياد فقبض عليه بيد من حديد ، واندفع كالمسعور للقضاء على الثورة ليحرز بذلك ثقة يزيد به، وينال إخلاص البيت الأموي له .
وبالرغم من حداثة سن ابن زياد فإنّه كان من أمهر السياسيين في الانقلابات ، وأكثرهم تغلباً على الأحداث، وقد استطاع بغدره ومكره أن يسيطر على حامية الكوفة ، ويقضي على جذور الثورة ويخمد نارها ، وقد كانت أهم مخططاته ما يلي :
أولاً : التجسس على مسلم (علیه السّلام) ، والوقوف على جميع شؤون الثورة .
ثانياً : نشر أوبئة الخوف ، وقد أثار جواً من الفزع والإرهاب لم تشهد له الكوفة نظيراً ، وانشغل الناس بنفوسهم عن التدخل في أيّ شأن من الشؤون السياسية .
ثالثاً: بذل المال للوجوه والأشراف ، وقد صاروا عملاء عنده يوجههم حيثما
1) الأغاني : 14 : 164 و 165 .
شاء ، وقد أفسدوا عشائرهم وألحقوا الهزيمة بجيش مسلم (علیه السّلام).
رابعاً : الاحتيال على هانئ بإلقاء القبض عليه ، وهو أمنع شخصية في المصر ، وقد قضى بذلك على أهم العناصر الفعالة في الثورة .
هذه بعض المخططات الرهيبة التي استطاع أن يسيطر بها الطاغية على الموقف ، ويقضي على الثورة ويزج حامية الكوفة إلى حرب ريحانة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).
أما مسلم بن عقيل (علیه السّلام) فكان من أعلام التقوى في الإسلام ، وكان متحرّجاً في دينه أشدّ ما يكون التحرّج ، فلم يسلك أي منعطف في طريقه ، ولا يقرّ أية وسيلة من وسائل المكر والخداع ، وإن توقف عليها النصر السياسي شأنه في ذلك شأن عمه أمير المؤمنين (علیه السّلام)، بالإضافة إلى ذلك إنه لم يبعث إلى الكوفة كوال مطلق حتى يتصرّف حسبما يراه ، وإنما كانت مهمته محدودة وهي أخذ البيعة للإمام الحسين (علیه السّلام)، والاستطلاع على حقيقة الكوفيين فإن رآهم مجتمعين بعث إليه بالقدوم إليهم ، ولم يؤمر بغير ذلك ، وقد أطلنا الحديث في هذه الجهة في البحوث السابقة .
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن إخفاق ثورة المسلم (علیه السّلام) التي كانت فاتحة لفاجعة كربلاء ، ومصدراً لآلامها العميقة ، كما ينتهي بنا الحديث عن حياة الإمام الحسين (علیه السّلام) في الجزء الثاني من هذا الكتاب .
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله الطاهرين والطَّاهِرِينَ
تقديم ... 7
مَعَ النَّاكِثينَ وَالقَاسِطين والمارقین
19 - 99
الناكثون ... 23
دوافع التمرّد ... 23
خديعة معاوية للزبير ... 25
مؤتمر مكة ... 26
قرارات المؤتمر ... 26
تجهيز الجيش بالأموال المنهوبة ... 27
الخطاب السياسي لعائشة ... 27
عائشة مع أم سلمة ... 28
الزحف إلى البصرة ... 30
عسكر ... 30
الحوابُ ... 31
في ربوع البصرة ... 32
النزاع على الصلاة ... 36
رسل الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) إلى الكوفة ... 37
التقاء الجيشين ... 39
رسل السلام ... 39
الدعوة إلى القرآن ... 40
الحرب العامة ... 41
مصرع الزبير ... 42
مصرع طلحة ... 45
قيادة عائشة للجيش ... 45
عقر الجمل ... 47
العفو العام ... 49
متارك الحرب ... 50
القاسطون ... 52
إيفاد جرير ... 53
معاوية مع ابن العاص ... 53
رد جرير ... 56
قميص عثمان ... 56
زحف معاوية لصفين ... 57
تهيؤ الإمام علي (علیه السّلام) للحرب ، وخطاب الإمام الحسين (علیه السّلام) ... 57
احتلال الفرات ... 59
رسل السلام ... 59
الحرب ... 60
منع الحسنين (علیهما السّلام) من الحرب ... 62
مصرع عمار (رضی الله عنه) ... 62
مكيدة ابن العاص ... 66
التحكيم ... 70
وثيقة التحكيم ... 71
رجوع الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) للكوفة ... 73
المارقون ... 74
اجتماع الحكمين ... 76
تمرد المارقين ... 82
قتال المارقين ... 84
مخلفات الحرب ... 86
1- انتصار معاوية ... 86
2 - تفلل جيش الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) ... 87
3 - احتلال مصر ... 88
4 - الغارات ... 90
الأولى : الغارة على العراق ... 90
1 - عين التمر ... 90
2 - هیت ... 91
3 - واقصة ... 93
الثانية : الغارة على الحجاز واليمن ... 94
عبث الخوارج ... 96
دعاء الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) على نفسه ... 97
أفوك دولة الحق
101 - 120
مؤتمر مكة ... 105
رأي رخيص ... 106
اشتراك الامويين في المؤامرة ... 106
اغتيال الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) ... 109
إلى الرفيق الأعلى ... 111
متارك حكومة الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) ... 112
خلافة الإمام الحسن (علیه السّلام) ... 114
الصلح بين الإمام الحسن (علیه السّلام) ومعاوية ... 117
موقف الإمام الحسين (علیه السّلام) ... 118
حُجر بن عدي مع الإمام الحسين (علیه السّلام) ... 118
تحوّل الخلافة ... 119
حكومة مُعاوية
121 - 240
سياسته الاقتصادية ... 124
الحرمان الاقتصادى ... 125
الأولى : يثرب ... 125
الثانية : العراق ... 127
الثالثة : مصر ... 128
الرفاه على الشام ... 128
استخدام المال في تدعيم ملکه ... 128
المنح الهائلة لأسرته ... 129
منح خراج مصر لعمرو ... 130
هبات الأموال للمؤيدين ... 130
شراء الأديان ... 130
عجز الخزينة المركزية ... 131
مصادرة أموال المواطنين ... 132
ضريبة النيروز ... 133
نهب الولاة والعمّال ... 133
جباية الخراج ... 134
اصطفاء الذهب والفضة ... 134
شل الحركة الاقتصادية ... 135
حجة معاوية ... 135
سياسة التفريق ... 136
اضطهاد الموالي ... 137
العصبية القبلية ... 139
سياسة البطش والجبروت ... 140
احتقار الفقراء ... 141
سياسة الخداع ... 142
إشاعة الانتهازية ... 144
الخلاعة والمجون ... 145
إشاعة المجون في الحرمين ... 148
الإستخفاف بالقيم الدينية ... 149
استلحاق زیاد ... 150
إنكار الإمام الحسين (علیه السّلام) ... 151
الحقد على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ... 152
تغيير الواقع الإسلامي ... 154
مع أهل البيت (علیهم السّلام) ... 155
أوّلاً : تسخير الوعّاظ ... 156
ثانياً : استخدام معاهد التعليم ... 156
ثالثاً : افتعال الأخبار ... 156
حديث مفتعل على الإمام الحسين (علیه السّلام) ... 160
سب الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) ... 161
ستر فضائل أهل البيت (علیهم السّلام) ... 163
التحرج من ذكر الإمام علي (علیه السّلام) ... 165
مع الشيعة ... 167
القتل الجماعي ... 168
إبادة القوى الواعية ... 168
أولاً : حُجْر بن عدي (رضی الله عنه) ... 168
مذكرة الإمام الحسين (علیه السّلام) ... 169
ثانياً : رشيد الهجري (رضی الله عنه) ... 170
ثالثاً : عمرو بن الحمق الخزاعي (رضی الله عنه) ... 171
مذكرة الإمام الحسين (علیه السّلام) ... 172
رابعاً : أوفى بن حصن (رضی الله عنه) ... 172
خامساً : عبدالله الحضرمي (رضی الله عنه) مع جماعته ... 173
إنكار الإمام الحسين (علیه السّلام) ... 173
سادساً : جويرية العبدي (رضی الله عنه) ... 174
سابعاً : صيفي بن فسيل (رضی الله عنه) ... 174
ثامناً : عبد الرحمن العنزي (رضی الله عنه) ... 176
المروّعون من أعلام الشيعة ... 177
ترويع النساء ... 177
هدم دور الشيعة ... 178
حرمان الشيعة من العطاء ... 178
عدم قبول شهادة الشيعة ... 178
إبعاد الشيعة إلى خراسان ... 179
البيعة ليزيد ... 179
ولادة يزيد ... 180
نشأته ... 180
صفاته ... 181
ولعه بالصيد ... 182
شغفه بالقرود ... 182
إدمانه على الخمر ... 183
ندماؤه ... 186
نصيحة معاوية ليزيد ... 186
دفاع محمد عزة دروزة ... 187
إقرار معاوية لاستهتار يزيد ... 187
صلى الله حقد يزيد على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ... 188
بغضه للأنصار ... 189
دعوة المغيرة لبيعة يزيد ... 191
تبرير بعض الكتاب لمعاوية في البيعة ليزيد ... 193
أولاً: أحمد دحلان ... 194
ثانياً : الدكتور عبد المنعم ماجد ... 194
ثالثاً : حسين محمد يوسف ... 195
كلمتان في شجب البيعة ... 196
دوافع معاوية ... 197
الوسائل الدبلوماسية في أخذ البيعة ... 198
الأُولى : استخدام الشعراء ... 198
العجاج ... 198
الأحوص ... 199
مسكين الدارمي ... 199
الشاعر أبو حزابة ويزيد ... 200
الثانية : بذل الأموال للوجوه ... 201
الثالثة : مراسلة الولاة ... 201
الرابعة : وفود الأقطار الإسلامية ... 201
مؤتمر الوفود الإسلامية ... 202
المؤيدون للبيعة ... 202
خطاب الأحنف بن قيس ... 203
فشل المؤتمر ... 204
الخامسة : سفر معاوية ليثرب ... 204
اجتماع مغلق ... 205
كلمة معاوية ... 205
كلمة عبد الله بن عباس ... 206
كلمة عبد الله بن جعفر ... 206
كلمة عبد الله بن الزبير ... 207
كلمة عبد الله بن عمر ... 207
كلمة معاوية ... 208
فزع المسلمين ... 209
رأي السيدة عائشة في بيعة يزيد ... 209
الجبهة المعارضة ... 210
أولاً : الإمام الحسين (علیه السّلام) ... 210
ثانياً : عبد الرحمن بن أبي بكر ... 211
ثالثاً : عبد الله بن الزبير ... 211
رابعاً : المنذر بن الزبير ... 211
خامساً : عبد الرحمن بن سعيد ... 211
سادساً : عابس بن سعيد ... 212
سابعاً : عبد الله بن حنظلة ... 212
موقف الأسرة الأموية ... 212
أولاً : سعيد بن عثمان ... 213
ثانياً : مروان بن الحكم ... 213
ثالثاً : زياد بن أبيه ... 214
إيقاع الخلاف بين الأمويين ... 215
تجميد البيعة ... 216
اغتيال الشخصيات الإسلامية ... 216
الأول : سعد بن أبي وقاص ... 216
الثاني : عبد الرحمن بن خالد ... 216
الثالث : عبد الرحمن بن أبي بكر ... 217
الرابع : الإمام الحسن (علیه السّلام) ... 217
إعلان البيعة رسمياً ... 218
مع المعارضين في يثرب ... 219
خطاب الإمام الحسين (علیه السّلام) ... 219
إرغام المعارضين ... 222
موقف الإمام الحسين (علیه السّلام) ... 223
وفود الأقطار الإسلامية ... 223
مذكرة مروان لمعاوية ... 223
جواب معاوية ... 223
رأي مروان في إبعاد الإمام الحسين (علیه السّلام) ... 224
رسالة معاوية للإمام الحسين (علیه السّلام) ... 224
جواب الإمام الحسين (علیه السّلام) ... 225
صدى الرسالة ... 229
المؤتمر السياسي العام ... 229
رسالة جعدة للإمام الحسين (علیه السّلام) ... 230
جواب الإمام الحسين (علیه السّلام) ... 231
نصيحة الخدري للإمام الحسين (علیه السّلام) ... 231
استيلاء الإمام الحسين الا على أموال للدولة ... 232
جواب معاوية ... 232
حدیث موضوع ... 234
الإمام الحسين (علیه السّلام) مع بني أُمية ... 234
مرض معاوية ... 236
وصايا معاوية ... 237
موت معاوية .... 240
بدِايَةُ حُكُومَةِ يَزِيدَ
241 - 266
خطاب العرش ... 244
خطابه في أهل الشام ... 244
خطابه إلى أهل المدينة ... 245
مع المعارضة في يثرب ... 246
الأوامر المشدّدة إلى الوليد ... 246
تفاؤل الإمام الحسين (علیه السّلام) بموت معاوية ... 249
فزع الوليد ... 250
استشارته لمروان ... 250
رأي مروان ... 250
أضواء على موقف مروان ... 251
استدعاء الإمام الحسين (علیه السّلام) ... 253
الإمام الحسين (علیه السّلام) مع مروان ... 257
اتصال الوليد بدمشق ... 258
الأوامر المشددة من دمشق ... 258
رفض الوليد ... 259
وداع الإمام الحسين (علیه السّلام) القبر جده (صلی الله علیه و آله و سلم) ... 259
رؤيا الإمام الحسين (علیه السّلام) الجده (صلی الله علیه و آله و سلم ... 259
وداعه لقبر أمه وأخيه (علیهما السّلام) ... 260
فزع الهاشميات ... 261
مع أخيه ابن الحنفية (رضی الله عنه) ... 261
وصيته لابن الحنفية (رضی الله عنه) ... 263
الثَّوْرةُ الحُسَينِيَةُ اسبابها ومخططاتها
267 - 300
أسباب الثورة ... 270
1 - المسؤولية الدينية ... 270
الإمام محمد عبده ... 271
محمد عبد الباقي ... 271
عبد الحفيظ أبو السعود ... 273
الدكتور أحمد محمود صبحي ... 273
عبدالله العلائلي ... 273
2 - المسؤولية الاجتماعية ... 274
3 - إقامة الحجّة عليه ... 275
4 - حماية الإسلام ... 275
5 - صيانة الخلافة ... 276
6 - تحرير إرادة الأمة ... 277
7 - تحرير اقتصاد الامة ... 278
8 - المظالم الاجتماعية ... 279
أوّلاً : فقد الأمن ... 279
ثانياً : احتقار الأُمة ... 279
9 - المظالم الهائلة على الشيعة ... 280
10 - حو ذكر أهل البيت (علیهم السّلام) ... 281
11 - تدمير القيم الإسلامية ... 281
الأولى : الوحدة الإسلامية ... 282
الثانية : المساواة ... 282
الثالثة : الحرية ... 283
12 - انهيار المجتمع ... 283
13 - الدفاع عن حقوقه (علیه السّلام) ... 285
الأوّل : الخلافة ... 285
الثاني : الخمس ... 286
14 - الأمر بالمعروف ... 287
15 - إماتة البدع ... 287
16 - العهد النبوي ... 288
17 - العزة والكرامة ... 288
18 - غدر الأمويين وفتكهم ... 289
رأي رخيص ... 291
تخطيط الثورة ... 293
أولاً : التضحية بنفسه ... 293
ثانياً : التضحية بأهل بيته ... 294
ثالثاً : التضحية بأمواله ... 295
رابعاً : حمل عقائل النبوة ... 295
1 - الإمام كاشف الغطاء ... 296
2 - أحمد فهمي ... 296
3 - أحمد محمود صبحي ... 297
4 - الشيخ عبد الواحد المظفر ... 298
الأمام الحسين في مكة
301 - 335
مع عبد الله بن مطيع ... 304
في مكة ... 306
احتفاء الحُجَّاج والمعتمرين به ... 307
فزع ابن الزبير ... 308
رأى الغزالي ... 311
رأي رخيص ... 311
فزع السلطة المحلية ... 312
قلق يزيد ... 312
جواب ابن عباس ... 314
إقصاء حاكم المدينة ... 312
الإمام الحسين (علیه السّلام) مع ابن عمر وابن عباس ... 317
وصيته لابن عباس ... 320
مؤتمر البصرة ... 320
رسائله إلى زعماء البصرة ... 320
جواب الأحنف بن قيس ... 322
جريمة المنذر ... 322
استجابة يزيد بن مسعود ... 323
جوابه للإمام الحسين (علیه السّلام) ... 325
استجابة يزيد البصرى ... 326
نقمة العراق على الامويين ... 327
إعلان التمرد في العراق ... 329
أوّلاً : المؤتمر العام ... 329
ثانياً : خطبة سليمان ... 329
ثالثاً : وفد الكوفة ... 330
رابعاً : الرسائل ... 330
ايفادُ مُسلم إلى العراق
337 - 413
رسالة مسلم (علیه السّلام) للإمام الحسين (علیه السّلام) ... 343
جواب الإمام الحسين (علیه السّلام) ... 343
أضواء على الموضوع ... 343
في بيت المختار ... 345
ابتهاج الكوفة ... 346
البيعة للإمام الحسين (علیه السّلام) ... 346
كلمة عابس الشاكري ... 346
إبعاد الانتهازيين ... 347
عدد المبايعين ... 347
رسالة مسلم (علیه السّلام) للإمام الحسين (علیه السّلام) ... 348
موقف النعمان بن بشير ... 349
خطبة النعمان ... 350
سخط الحزب الاموي ... 351
اتصال الحزب الاموي بدمشق ... 351
فزع يزيد ... 352
استشارته لسرجون الرومي ... 353
ولاية ابن زياد على الكوفة ... 354
خطبة ابن زياد في البصرة ... 355
بغض عبید الله لآل البيت (علیهم السّلام) ... 357
سفر الطاغية إلى الكوفة ... 357
في قصر الإمارة ... 358
خطابه في الكوفة ... 359
نشر الإرهاب ... 360
تحول مسلم (علیه السّلام) إلى دار هانئ ... 361
امتناع مسلم (علیه السّلام) من اغتيال ابن زیاد ... 362
أضواء على الموقف ... 365
المخططات الرهيبة ... 367
1 - التجسس على المسلم (علیه السّلام) ... 368
مع أعضاء الثورة ... 369
2 - رشوة الزعماء والوجوه ... 369
3 - الإحجام عن كبس دار هانئ ... 370
رسل الغدر ... 371
اعتقال هانئ (رضی الله عنه) ... 372
انتفاضة مذحج ... 375
ثورة مسلم (علیه السّلام) ... 379
دعایات ابن زياد المناهضة ... 381
أوبئة الفزع والخوف ... 382
هزيمة الجيش ... 383
في ضيافة طوعة ... 384
تأكد الطاغية من فشل الثورة ... 386
إعلان حالة الطوارئ ... 387
راية الأمان ... 388
اشتباه ... 388
خطبة ابن زياد ... 389
الإفشاء بمكان مسلم (علیه السّلام) ... 390
الهجوم على مسلم (علیه السّلام) ... 390
فشل الجيوش ... 392
أمان ابن الأشعث ... 394
أسر مسلم (علیه السّلام) وقتله ... 395
مع عبيد الله السلمي ... 396
مع مسلم بن عمرو الباهلي ... 397
مع ابن زياد ... 398
وصية مسلم (علیه السّلام) ... 401
الطاغية مع مسلم (علیه السّلام) ... 402
إلى الرفيق الأعلى ... 403
سلب مسلم (علیه السّلام) ... 405
تنفيذ الإعدام في هانئ (رضی الله عنه) ... 405
السحل في الشوارع ... 408
صلب الجثتين ... 408
حمل رؤوس الشهداء إلى دمشق ... 409
جواب یزید ... 409
إعلان الأحكام العرفية ... 411
احتلال الحدود العراقية ... 411
الاعتقالات الواسعة ... 412
اخْفَاقُ الثَّوْرة
415 - 453
المجتمع الكوفي ... 417
الظواهر الاجتماعية ... 418
أوّلاً : التناقض في السلوك ... 418
ثانياً : الغدر والتذبذب ... 419
ثالثاً : التمرد على الولاة ... 423
رابعاً : الانهزامية ... 424
خامساً : مساوئ الأخلاق ... 425
سادساً : الجشع والطمع ... 426
سابعاً : التأثر بالدعايات ... 427
الحياة الاقتصادية ... 428
عناصر السكان ... 430
الأوّل : العرب ... 430
الروح القبلية ... 432
الثاني : الفرس ... 433
الثالث : الأنباط ... 435
الرابع : السريان ... 436
الأديان ... 436
الإسلام ... 436
أوّلاً : الخوارج ... 437
ثانياً : الحزب الأموي ... 437
ثالثاً : الشيعة ... 438
النصارى ... 439
اليهود ... 440
تنظيم الجيش ... 441
نظام الأسباع ... 441
العرفاء ... 443
الطاغية ابن مرجانة ... 444
ولادته وأبواه ... 444
نشأته .... 445
صفاته ... 446
1 - الغش ... 446
2 - اللكنة ... 447
3 - الرَّقطة ... 448
4 - نهمه في الطعام ... 448
ولايته على البصرة ... 448
مع الخوارج ... 449
ابن زیاد وابن الزبير الشاعر ... 450
أحقاد يزيد على ابن مرجانة ... 451
مخططات الانقلاب ... 451
مسلم بن عقيل (علیه السّلام) ... 452
المحتويات ... 453