ghaemiyeh.com
موسوعة سیرة أهل البیت (علیهم السلام)
تألیف: باقر شریف القرشي
تحقیق: مهدي باقر القرشي
الناشر : ...... دار المعروف - مؤسسة الإمام الحسن (علیه السلام)
المطبعة:..... ستار
الطبعة الثانية : .... 1433ھ / 2012 م
عدد النسخ: ....1000نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك ال - دورة : 1 - 42 - 8275 - 964 - 978
ردمك الجزء (11) : 7 - 53 - 275 - 8275 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) مكتبة الإمام الحسن (علیه السلام) - هاتف 009647805694970
محرر الرقمي: هادي میرزائي
الجزءُ الحادي عشر
الإمام حسن بن علي (علیهما السلام)
تألیف: باقر شریف القرشي
تحقیق: مهدي باقر القرشي
مؤسسة الإمام الحسن لإحیاء تراث أهل البیت (علیهم السلام)
موسوعة سیرة أهل البیت (علیهم السلام)
الإمام حسن بن علي (علیهما السلام)
موسوعة سیرة أهل البیت (علیهم السلام)
الجزءُ الحادي عشر
الإمام حسن بن علي (علیهما السلام)
تألیف: باقر شریف القرشي
تحقیق: مهدي باقر القرشي
موسوعة سیرة أهل البیت (علیهم السلام)
تألیف: باقر شریف القرشي
تحقیق: مهدي باقر القرشي
الناشر : ...... دار المعروف - مؤسسة الإمام الحسن (علیه السلام)
المطبعة:..... ستار
الطبعة الثانية : .... 1433ھ / 2012 م
عدد النسخ: ....1000نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الــدورة : 1 - 42 - 8275 - 964 - 978
ردمك الجزء (11) : 7 - 53 - 275 - 8275 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) مكتبة الإمام الحسن (علیه السلام) - هاتف 009647805694970
بسم الله الرحمن الرحیم
«فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ»
آل عمران 3: 61
«وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا »
الإنسان 76: 8 و 9
«أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ»
البقرة 2 : 157
قدم للجزء الأوّل من هذا الكتاب سماحة الإمام المغفور له الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء نضر الله مثواه ، وقد وعد في تقديمه أن يعطي البيان حقه ، ويكشف الحجب والغموض ، ويرفع الإبهام والالتباس في صلح الإمام الحسن (علیه السّلام) مع معاوية - فيما إذا سمحت له ظروفه بذلك - .
وعندما انتهى الكتاب من الطبع، وعرض عليه كتب هذه الكلمة الرائعة ، وهو في آخر أيام حياته ، وقد اشتملت على مواضيع خطيرة وأبحاث مهمة ، وقد أبرز فيها دقائق التاريخ ، وهي تعد بحق آية من آيات الفنّ من حيث العمق والتحليل وروعة الأسلوب .
وبما أن الكتاب هو الباعث على تحريرها رأينا أن نتوج الجزء الثاني بها ، ونتحف القرّاء بهذه الاضبارة الممتعة من بحوث الإمام كاشف الغطاء .
العداوات والتباغض بين الأفراد والقبائل والجماعات غريزة بعيدة المدی في طبيعة البشر من أوّل عهده ، وبدء وجوده على هذه الكرة من عهد هابيل وقابيل ، مستمرة في جميع الأجيال إلى هذا الجيل ، ومنشأ العداوة وبواعثها غالباً هو التنافس والتعالي والأنانية التي تدفع إلى حبّ الإثرة والغلبة والسيطرة والاستيلاء على مال أو جاء ، أو ولاية وإمرة.
وأنكى العداوات العداوات التي تبعث عن ترة وطلب ثأر وغسل عار ، وللتشفّي والانتقام ، ولكن أسوأ العداء أثراً ، وأبعده مدى ، والذى يستحيل تحويله ، ولا يمكن زواله هو عداوة الضدّيّة الذاتية ، والمباينة الجوهرية ، كعداوة الظلام للنور، والرذيلة للفضيلة ، والقبح للحسن ، والشر للخير ، وأمثال ذا ، فإنّ هذا العداء والتنافر يستحيل من أن يزول إلا بزوال أحدهما ، إذ كلّ يضاد الآخر في أصل وجوده وطباع ذاته ، وكلّ واحد يمتنع على الآخر فلا يجتمعان ولا يرتفعان .
فالذوات الشريرة بذاتها وفى جوهرها تضاد الذوات الخيرة وتعاديها ، وكل واحد من هذين المتضادين المتعاندين يجد ويجتهد في إزالة الآخر ومحوه من الوجود ، كالنور والظلام لا يجتمعان في محلّ واحد أبداً ، وكلّ منهما بطباعه يتنافى مع الآخر ويعاديه ، وكالفضيلة والرذيلة في الإنسان .
وعلى هذا الطراز ومن هذا النوع عداوة بني هاشم وبني أمية عداوة جوهرية ذاتية يستحيل تحويلها ، ويمتنع زوالها عداوة الظلام للنور والشر للخير ، والخبيث للطيب ،
ويعرف كلّ واحد منهما بثماره وآثاره .
وقديماً قيل : «من ثمارهم تعرفونهم» الشجرة لا تُعرف إلا من ثمرها أنها خبيثة أم طيبة ، والإنسان لا يُعرف خبثه وطيبه إلا من أعماله وملكاته وخصاله .
أولد عبد مناف هاشماً وعبد شمس ، ونشب العداء بينهما منذ نشئا وشبا ، لا لشيء سوی اختلاف الجوهرين ، وتبيان الذاتين ، ثم استشرى الشر ، واتسعت عدوى العداء بين القبيلين بحكم الوراثة ، وكان لكل واحد من هذا القبيل ضدّ له من القبيل الآخر ، فعدوّه بالنسب هاشم وعبد شمس ، وعبد المطلب وأمية ، وأبو طالب وحرب ، و محمد (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وأبو سفيان، ما أشرقت أول بارقة من أشعة الإسلام، وما أعلن البشير النذير بدعوة التوحيد إلا وثارت نعرة الشرك والوثنية لطمس أنوار الأحدية .
وقام بحمل معاول المعارضة والهدم لما يبنيه ويتبنّاه منقذ البشرية من مخالب الوحشية ، قام بها ثالوث الجبت والطاغوت ، أبو جهل وأبو لهب وأبو سفيان ، وكان الثالث زعيم الحزب الأموي ، أشدّهم مناوئة للإسلام ومحاربة له ، نصبوا كل الحبائل ، وتوسلوا بجميع الوسائل لإخفات صوته ، وإخماد ضوئه ، واعملوا كل بأس وسطوة في مقاومة تلك الدعوة حتّى ألجأت جماعة ممن تدين بها ، فهاجروا إلى الحبشة .
وتحمّل النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وأصحابه من الاضطهاد والأذى أكثر من عشر سنين حتى اضطر إلى الجلاء من وطنه ووطن آبائه ، ومركز عزّه ، فهاجر إلى يثرب ، فطارده أبو سفيان ، ولاحقه إلى دار هجرته ، وما رفعت راية حرب على الإسلام إلا وبنو أمية وزعيمهم أبو سفيان قائدها و رافعها ، يلهب نارها ، ويثير غبارها ، ويتربص بإخماد ذلك النور والدوائر ، ويهيج نعرة القبائل ، إلى أن فتح الله الفتح المبين ، وأمكن الله نبيه من جبابرة قريش وملكهم عنوة ، فصاروا عبيداً وملكاً بحكم قوانين الحرب ، والاستيلاء على المحاربين بالقوة والسلاح ، ولكنّه سلام الله عليه أطلقهم وعفا عنهم ، وقال لهم : «اذْهَبوا فَأَنْتُمْ الطَّلَقاءُ » ، واكتفى منهم بظاهر الإسلام ، وإطلاق لسانهم بالشهادتين ،
وقلوبهم مملوءة بالكفر والحقد على الإسلام ، يتربصون الفرص لمحو سطوره ، وقلع جذوره ، ما أسلموا بل استسلموا ، ولما وجدوا أعواناً على الإسلام وثبوا ، ما تغير شيء من نفسيات أبي سفيان وبني أمية بعد دخولهم في حضيرة الإسلام قلامة ظفر ، إنّما تغيّر وضع المحاربة ، وكيفية الكفاح والمقاومة .
دخل أبو سفيان ومعاوية في الإسلام ليفتكوا في الإسلام ويكيدوا له ، والعدو الداخل أقدر على الكيد والفتك من العدوّ الخارج ، وهذه العداوة ذاتية متأصلة ، والذاتي لا يزول وليست هي من تنافس على مال ، أو تزاحم على منصب أو جاه ، بل هى عداوة المبادئ ، عداوة التضادّ الطبيعى ، والتنافر الفطري ، عداوة الظلام للنور ، والضلال للهدى، والباطل للحق ، والجور للعدل .
ولذا بقي بنو أمية على كفرهم الداخلي ، ومكرهم الباطني مع عدادهم في المسلمين ، وتمتعهم بنعم الإسلام وبركاته ، لكن لم يمس الإسلام شعرة من شعورهم ، ولا بَلَّ ريشة من أجنحتهم ، كالبط يعيش طول عمره في الماء ولا يبل الماء ريشة منه - فيما يقولون - .
نعم أقرّوا بإسلامهم حقناً لدمائهم، وتربّصاً لسنوح الفرصة لهدم عروش الإسلام وقواعده ، حتى إذا أدلى من كانت له السلطة بالخلافة إلى أوّل خليفة منهم طاروا فرحاً ، وأعلنوا ببعض ما كانت تكنّه صدورهم ، فجمعهم أبو سفيان وقال : «تلقفوها يا بني أمية تلقف الكرة ، فوالذي يحلف به أبو سفيان ما من جنّة ولا نار».
ثمّ أخذوا زمام الخليفة الأموي بأيديهم ، وصاروا يقودونه كالجمل الذلول حيث شاءوا ، فاتخذوا مال المسلمين دولاً ، وعباد الله خولاً ، وانتفضت بلاد المسلمين من جميع أقطارها عليه وعليهم إلى أن حاصروه في داره ، وضايقوه على أن يخلع نفسه من الخلافة ، ويجعلها شورى بين المسلمين ، فتقاعس وتصلب أولاً ، ثمّ لما اشتد الحصار عليه وحبسوا عنه حتى الماء والطعام تراخت أعصابه ، ووهنت أطنابه .
وحاول أن يخمد نار الفتنة بخلع نفسه إجابة للثائرين الذين شدّدوا الحصار ، فأحس بنو أمية وقيادتهم يومئذ بيد مروان في المدينة ، ومعاوية في الشام ، بأنّ صاحبهم إذا خلع نفسه فسوف يفلت الحبل من أيديهم ، وقد غلط الدهر أو غلط المسلمون غلطة يستحيل أن يعودوا لمثلها أبداً ، وبأي سابقة ، أو مكرمة لبني أمية أو جهاد في الإسلام يستحقون أن تكون خلافة المسلمين في واحد منهم ، وهم أعداء الإسلام وخصومه في كلّ موقف من مواقفه ، وفي كلّ يوم من أيامه.
أدرك كلّ ذلك مروان ومن معه من حزبه ، فتواطئوا مع زعيمهم بالشام أن يجهزوا على صاحبهم فيقتلوه قبل أن يخلع نفسه ، وقبل أن يفلت حبل الحيلة من أيديهم . نعم ، يقتلونه ويتخذون قتله ذريعة إلى مطالبة فئة من المسلمين بدمه ، ويتظاهرون لسائر المسلمين بأنه قتل مظلوماً ، ولا بد من الأخذ بثأره ، فيكون أقوى وسيلة إلى استرجاع الخلافة إليهم ، ولولا قتل عثمان وقميصه لما صارت الخلافة إلى معاوية ومروان وأبناء مروان .
ولكان من المستحيل أن يحلموا بها في يقظة أو منام ، ولكن جاءت صاحبهم الأول من غير ثمن ، وقد دفعها إليه من قبله دفعاً . نعم ، أراد السابق أن يحوّلها عن بني هاشم إلى خصومهم الألداء بني أمية ، ففتل حبل الشورى وأبرمه بحيث تصير الخلافة لا محالة إلى عثمان ، وما اكتفى بذلك حتى نفخ روح الطموح إليها في نفس معاوية الطليق ابن الطليق ، وهو وأبوه أكبر الأعداء الألداء للإسلام . كان كل سنة يحاسب عماله ويصادر أموالهم ، ويعاملهم بأشدّ الأحوال ، إلا معاوية .
تتواتر الأخبار لديه بأن معاوية يسرف في صرف أموال المسلمين ، ويلبس الحرير والديباج ، فيتغاضى عنه ، بل يعتذر له ، ويقول : « ذاك كسرى العرب» (1)
فقد جاء في الاستيعاب (المطبوع على هامش الإصابة) : 3 : 377 و 378 : «أن قوماً ذمّوا معاوية عند عمر ، فقال : دعونا من ذمّ فتى من قريش ، من يضحك في الغضب ولا ينال ما عنده إلا على الرضا، ولا يؤخذ ما فوق رأسه إلا من تحت قدميه » .
ولا ندري لما هذا الاطراء على هذا الطليق الذي نظر إليه الرسول (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) نظرة ريبة وشك في إسلامه؟!
.1) كان عمر يضفي على معاوية ثوب البطولات ، ويخلع عليه النعوت والألقاب ، ويبالغ في تسديده ، ولا يسمح بانتقاصه.
مع أن معاوية كان من الضعة والفقر والهوان بأقصى مكان ، كان من الصعاليك الساقطين في نظر المجتمع حتى أن أحد أشراف العرب وفد على النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، ولما أراد الخروج أمر النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) معاوية أن يشيعه إلى خارج المدينة ، وكان الحر شديداً ، والأرض يغلي رملها ويفور ، ومعاوية حافي القدمين ، فقال للوافد الذي خرج في تشييعه : اردفني خلفك.
أنت لا تصلح أن تكون رديف الأشراف والملوك!
ألا فأعطني نعليك أتقي بهما حرارة الشمس .
أنت أحقر من أن تلبس نعلي .
ما أصنع وقد احترقت رجلاي؟
امشي في ظل ناقتي ولا تصلح لأكثر من هذا!
تعساً لك يا زمان ، وأفّ لك يا دهر. هذا الصعلوك النذل صار أو صيروه كسرى العرب!!
نعم ، معاوية ومروان هما اللذان دبرا الحيلة في قتل عثمان ، ومكنوا الثائرين من قتله ، وقضية الجيش الذي أرسله معاوية من الشام إلى المدينة ووصيّته له بأن لا يدخل المدينة حتى يقتل عثمان تشهد لذلك ، وهي مشهورة .
نعم ، وقد أعانهم على قتله أيضاً إحدى زوجات النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) التي كانت تهرج على عثمان وتصرخ في النوادي : «اقتلوا نعثلاً قتل الله نعثلاً ، ثم بعد أن امتثلوا أمرها
وقتلوه ، ثارت أو أثاروها إلى الطلب بدمه ، وكانت من جراء ذلك واقعة الجمل التي ذهب ضحيتها عشرون ألفاً من المسلمين ، وفتحت باب الحروب بين أهل القبلة .
وقال أحد شعراء ذلك العصر يخاطبها ويؤنّبها :
وَأَنتِ البَلاءُ وَأَنْتِ الشَّقاء *** وَأَنتِ السَّحابُ وَأَنتِ المَطَرْ
وَأَنْتِ أَمَرتِ بِقَتْلِ الإِمامِ *** وَقُلْتِ لَنا إِنَّهُ قَدْ كَفَرْ
وقال الآخر :
جاءَتْ مَعَ الأَشْقَينَ فِي هَوْدَجٍ *** تُرْجِي إِلَى الْبَصَرَةِ أَجْنَادَهَا
كَأَنَّها في فعلها هرةٌ *** مِنْ جوعِها تَأْكُلُ أَوْلادَها
وهذه النكبات التي رشح القلم بها هنا ، وهي من أسرار دقائق التاريخ ، والتي قل من تنبه لها ، إنما جاءت عفواً ، وما كانت من القصد في شيء ، إنما المقصود بالبيان أن معاوية وأبا سفيان لما بهرهما الإسلام وقهرهما على الدخول فيه حفظاً لحوبائهما (1)من التلف ، أظهرا الإسلام صورة ، وأضمرا الكيد والفتك به سريرة ، وبقيا يتربصان فكلما سنحت فرصة لذلك ظهرت ركيزتهم في أقوالهم وفي أعمالهم.
وكان معاوية أدهى من أبيه الذي كبر وخرف في آخر عمره ، ومن دهائه وعزمه كان يحتفظ بصورة الإسلام مدة إمرته بالشام عشرين سنة ، فلا يصطدم بشعيرة من شعائره ، ولا يتطاول إلى اعتراض قاعدة من قواعده، فلا يتجاهر بشرب الخمر والأغاني ، ولا يقتل النفس المحرمة ، ولا يلعب بالفهود ، ولا يضرب على المزمار والعود .
نعم ، قد يلبس الحرير والديباج وطيلسان الذهب ، ولا بأس بذلك ، فإنّه «كسرى
1) حوبائهما : هي النفس تجمع على حوباوات . انظر تاج العروس : 1: 446 ، مادة حوب ، حيث ذكر جمعها (حوباوات) ، ومفردها (حوباء) فقط .
العرب»، وما احتفظ بشعائر الإسلام إلا لحاجة في نفس يعقوب ، ومن باب الهدوء قبل العاصفة ، والمشي رويداً لأخذ الصيد.
بقى على ظاهر الإيمان المبطن بالكفر مدة مخالفته ومحاربته لأمير المؤمنين (علیه السلام) في صفّين ، فلما استشهد سلام الله عليه تنفس الصعداء ، وغمرته المسرة ، وأمكنته الفرصة من اللعب على الحبل وتدبير الحيل ، ولكن بعد أن بويع الحسن (علیه السلام) ، والتف عليه الأبطال من أصحاب أبيه وشيعته ومواليه ، ومنهم الرؤوس والضروس والأنياب والعديد والعدة والسلاح والكراع ، فوجد أنه وقع في هوة أضيق وأعمق من الاُولى ، فإنّ الحسن سبط رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، وابن بنته ، وريحانته ، وهو لوداعته وسلامة ذاته محبوب للنفوس ، لم يؤذ أحداً مدة عمره ، بل كان كله خير وبركة ، ولم تعلق به تهمة الاشتراك بقتل عثمان ، بل قد يقال : إنّه كان من الذابين عنه ، فكيف يقاس معاوية به؟ وكيف يعدل الناس عن ابن فاطمة بنت رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) إلى ابن هند آكلة الأكباد ؟
أقلق معاوية ، وأقض مضجعه التفكير بهذه النقاط المركزة التي لا مجال للنقاش والجدال بها ، ولكن سرعان ما اهتدى بدهائه ومكره إلى حلّ عقدتها ، وكشف كربتها ، فلجأ إلى عاملين قويين : أوّلهما : المال الذي يلوي أعناق الرجال ، ويسيل في لعبه لعاب الأبطال ، وبعث إلى أعظم قائد من قادة جيش الحسن (علیه السّلام) الذين بايعوه على الموت دونه ، وأمسهم رحماً به ، وهو عبيد الله بن العباس الذي جعله أميراً حتى على قيس بن سعد بن عبادة ، ذلك الزعيم العظيم الفارس المغوار المتفاني إخلاصاً في حبّ الحسن وأبيه (علیهما السلام).
نعم ، بعث إليه معاوية بأكثر من خمسين ألفاً ، ووعده عند مجيئه إليه بمثلها ، فانسل إلى معاوية في جنح الظلام ، وأصبح الناس ولا أمير لهم ، فصلى بهم قيس، وهون عليهم هذه الفادحة التي أوهت عزيمة الجيش وهيّأتهم للهزيمة قبل النضال ، وقُل ساعد الله قلبك يا أبا محمد ، كيف تحمّلت هذه الرزايا التي أقبلت عليك متتابعة كقطع الليل .
وصار معاوية يعمل بهذه الخطة مع كلّ بارز من الشيعة ورجالهم وأبطالهم ، فاستمالهم إليه جميعاً ، ولم يستعص عليه ويسلم من مكره وحبائله ، إلّا عدد قليل لا يتجاوز العشرة ، كقيس بن سعد ، وحجر بن عدي وأمثالهم ممن ناطحوا صخرة الظلم والضلال براسخ إيمانهم ، وما اختلجهم الشك في كفر معاوية وأبيه وبنيه طرفة عين ، وكان قيس قد أقسم بالله أن لا يلقى معاوية إلا وبينهما الرمح أو السيف في قضية معروفة.
هذا أوّل تدبير اتخذه معاوية للغلبة على الحسن (علیه السّلام) ، واستبداده بالأمر ، واغتصاب الخلافة منه .
الثاني : وهي حيلة تأثيرها أشدّ من الاُولى ، استطابها السواد الأعظم ، وانجرف إليها الرأي العام تلك دعوى معاوية الحسن (علیه السلام) إلى الصلح (1). نعم ، أشدّ ما فت عضد الحسن (علیه السلام) طلب معاوية الصلح ، فقد كانت أفتك غيلة ، وأهلك حيلة لأنّ المال كان يستميل به معاوية عيون الرجال والخواص منهم ، أما العامة فلا ينالهم منه شيء ، ولكن الناس كانوا قد عضّتهم أنياب الحروب حتى أبادت خيارهم ، وأخربت ديارهم في أقل من خمس سنين ثلاثة حروب ضروس : الجمل ، وصفين ، والنهروان ، فأصبحت الدعوة إلى الحرب ثقيلة وبيلة ، والدعوة إلى الصلح والراحة لذيذة مقبولة .
وهنا تأزّمت ظروفه سلام الله عليه ، وحاسب الموقف حساباً دقيقاً ، حساب الناظر المتدبّر في العواقب ، فوضع الرفض والقبول في كفتي الميزان ليرى لأيهما الرجحان ، فوجد أنه لو رفض الصلح وأصرّ على الحرب ، فلا يخلو أما أن يكون هو الغالب ومعاوية المغلوب ، وهذا وإن كانت تلك الأوضاع والظروف تجعله شبه المستحيل ، ولكن فليكن بالفرض هو الواقع ، ولكن هل مغبة ذلك إلا تظلم الناس لبني أمية ، وظهورهم
1) وهي تضارع خديعته في رفع المصاحف التي استطابها الجيش العراقي ، فلم يقرّر حق مصيره بعدما أشرف على الفتح والظفر .
بأوجع مظاهر المظلومية ، بالأمس قتلوا عثمان عين الأمويين وأمير المؤمنين - كما يقولون - واليوم يقتلون معاوية عين الأمويين ، وخال المؤمنين ، يا لها من رزية .
ويتهيأ لبنى اميّة قميص ثانٍ فيرفعون قيمص عثمان مع قيمص معاوية ، والناس رعاع ينعقون مع كل ناعق ، لا تفكير ولا تدبّر ، فماذا يكون موقف الحسن (علیه السلام) إذاً لو افترضناه هو « الغالب »؟
أما لو كان هو «المغلوب» ، فأوّل كلمة تقال من كلّ متكلم إن الحسن (علیه السّلام) هو الذي ألقى نفسه بالتهلكة ، فإنّ معاوية طلب منه الصلح الذي فيه حقن الدماء فأبى وبغى وعلى الباغي تدور الدوائر ، وحينئذ يتمّ لمعاوية وأبي سفيان ما أرادا من الكيد للإسلام وإرجاع الناس إلى جاهليتهم الاُولى وعبادة اللات والعزى ، ولا يُبقي معاوية من أهل البيت نافخ ضرمة ، بل كان نظر الحسن (علیه السلام) في قبول الصلح أدق من هذا وذاك ، أراد أن يفتك به ويظهر خبيئة حاله ، وما ستره في قرارة نفسه قبل أن يكون غالباً أو مغلوباً ، وبدون أن يزج الناس في حرب ، ويحملهم على ما يكرهون من إراقة الدماء .
فقد ذكرنا أن معاوية المسلم ظاهراً العدو للإسلام حقيقة ، وواقعاً كان لوجود المزاحم يخدع الناس بغشاء رقيق من التزمت في ارتكاب الكبائر والموبقات ، وما ينطوي عليه من معاداة الإسلام وتصميم العزيمة على قلع جذوره وإطفاء نوره ، يتكتم بكل ذلك خوفاً من رغبة الناس إلى الحسن وأبيه (علیهما السلام) من قبل ، فأراد الحسن (علیه السلام) أن يخلي له الميدان ، ويسلّم له الأمور ، ويرفع الخصومة حتى يظهر ما يبطن ويبوح بكفره ويعلن ، ويرفع عن وجهه ذلك الغشاء الصفيق ، ويعرف الناس حقيقة أمره ، وكامن سرّه ، وهكذا فعل ، وفور إبرام الصلح صعد المنبر في جمع غفير من المسلمين وقال : «إنّي ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلّوا ، وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم ، وقد أعطيت الحسن شروطاً كلها تحت قدمي) .
انظر إلى الوقاحة والصلف وعدم الحياء وضيق الوعاء ، وصفاقة الوجه ، أما وأيم الله إنه لو لم يكن لقبول الصلح إلا ظهور هذه الكلمات من معاوية لكفى بها دليلاً على
افتضاح معاوية ، ومعرفة الناس بكفره ، فما ظنك به وقد استمر على هذه الخطة الكافرة ، والخطيئة السافرة ، والتحدّي للإسلام وهدم قواعده جهاراً .
لولا صلح الحسن (علیه السلام) لما استلحق معاوية زياداً بأبي سفيان ، وهو ولده من الزنا ، فضرب قول رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم): «الولد للفراش وللعاهر الحجر، ضربها بالحجر وبعرض الجدار بلا خيفة ولا حذر».
لولا الصلح لما قتل حجر بن عدي سيّد الأوابين ، وعشرة من أعلام خيار الصحابة والتابعين ، قتلهم بمرج عذراء صبراً، من دون أى سبب مبرر.
لولا الصلح لما قتل معاوية الصحابي الجليل عمرو بن الحمق ، وحمل رأسه إلى الشام ، وهو أول رأس حمل في الإسلام.
لولا الصلح لما سقى معاوية الحسن (علیه السّلام) السم على يد جعيدة بنت الأشعث .
لولا الصلح لما أجبر معاوية البقية الصالحة من أولاد المهاجرين والأنصار على أخذ البيعة ليزيد وحاله في الفسق والفجور مشهور إلى كثير من أمثال هذه المخازي والفظائع التي لا يبلغها الإحصاء ، ولكن تأمل مليّاً ، وانظر من الغالب ومن المغلوب .
انظر ما صنع الحسن (علیه السلام) بمعاوية في صلحه ، وكيف هد جميع مساعيه وهدم كلّ مبانيه حتى ظهر الحق وزهق الباطل ، وخسر هنالك المبطلون ، فكان الصلح في تلك الظروف هو الواجب والمتعين على الحسن (علیه السّلام) ، كما أن المحاربة والثورة على يزيد في تلك الظروف كان هو الواجب والمتعين على أخيه الحسين (علیه السلام) ، كل ذلك للتفاوت بين الزمانين ، والاختلاف بين الرجلين .
ولولا صلح الحسن (علیه السّلام) الذي فضح معاوية ، وشهادة الحسين (علیه السلام) التي قضت على يزيد ، وانقرضت بها الدولة السفيانية بأسرع وقت .
لولا تضحية هذين السبطين لذهبت جهود جدّهما بطرفة عين ، ولصار الدين دين آل أبي سفيان دين الغدر والمكر ، دين الفسق والفجور ، دين الحانات والخمور،
دين العهار ، دين الفهود والقرود ، دين إبادة الصالحين واستبقاء الفجرة الفاسقين .
فجزاكما الله يا سيدي شباب الجنّة ، ويا سبطي رسول الله ، جزاكما الله عن الإسلام وأهله أفضل الجزاء ، فوالله ما عبد الله عابد ، ولا وحده موحد ، وما حقت فريضة، ولا أقيمت سنّة ، ولا ساعت في الإسلام شريعة ، ولا تحوّلت من الضلال إلى الهدى أمّة ، إلّا ولكما بعد الله ورسوله الفضل والمنة والحجّة البالغة والمحجّة .
جاء رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) بالهدى والنور والخير والبركة للإنسانية أجمع من غير لون ولون ، وعنصر وآخر ، وأمة دون أمة ، وقوم سوى آخرين ، جاء بالإسلام والنور المبين فشيد قواعده ، وأحكمه ، وأقامه ، وأكمله ، وأتمه ، ولم يترك فيه أي نقص وأي عوج .
وجاء أبو سفيان والشجرة الملعونة في القرآن معاوية ويزيد ومروان فحملوا معاول الكفر والشرك ، وتحاملوا على تلك الأسس والقواعد يقلعون جذورها، ويخمدون نورها «يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ» (1)، فوقف السبطان بما لهما من قوة وسلطان سداً منيعاً دون ذلك البنيان ، وما تمّ لهما ما أرادا من حفظ شريعة جدّهما إلا بالتضحية العظمى بأنفسهم وأموالهم ورجالهم وأطفالهم ، وبكل ما في دنيا النعمة والنعيم والعيش الوسيم ، بذلوا كل ذلك في سبيل الله ولحفظ دين الله ، ولولا هذه التضحية وتلك المفادات لأصبح دين الإسلام أسطورة من الأساطير لا تجده إلا في الكتب والقماطير ، يذكره التاريخ كما يذكر الحوادث العابرة والأمم المنقرضة.
سبحان الله ، والله أكبر ، ولله الحمد من هنا تعرف ، ويجب أن تعرف السر في حفاوة المنقذ الأعظم تلك الحفاوة البليغة ، والتعظيم الخارج عن نطاق العرف والمعتاد ، بل وعن رواق التعقل والسداد ، ذلك النبي العظيم والشخصية الحبيبة إلى المبدأ الأعظم التي ملأها هيبة وعظمة ووقاراً ، والذي لا تهزه العواصف ، ولا تستميله
1) التوبة 9: 32 .
العواطف ، ولا خامره في لحظة من عمره العبث واللهو واللعب الذي كانت غريزته التي فطر عليها قوله : «ما أنا مِنْ دَدٍ وَلَا الدَّدُ مِنّى» .
والذي كان من الوقار والهيبة والاتزان ربما يدخل عليه الرجل الذي ما رآه من ذي قبل فترتعد فرائصه من هيبته ، فيقول له النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) : «لَا تَفْزَعْ ، فَإِنِّي ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ كانَتْ تَأْكُلُ القَديدَ» ، حذراً من أن يقول المسلمون فيه ما قالت النصارى في المسيح ، هذا الطود العظيم يحمل الحسن والحسين (علیهما السلام) وهما طفلان على كتفيه ، ويمشي بهما وهما على متنيه في ملأ من المسلمين رافعاً صوته ليسمعوا : «نِعْمَ الْجَمَلُ جملكما ، وَنِعْمَ الْعِدْلانِ أَنْتُما» .
ثم يأتي الحسين (علیه السلام) وهو غلام فيعلو على ظهر النبي والنبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ساجد فلا يرفع رأسه حتى ينزل الحسين حسب إرادته ، النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) يخطب والحسين (علیه السلام) يدرج في المسجد فيعثر فيقطع النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) خطبته ، ويعدو إليه ويحتضنه ويقول: «قاتَلَ اللهُ الشَّيْطَانَ، الْوَلَدُ فِتْنَةٌ لَمَا عَثَرَ وَلَدي هذا أَحْسَسْتُ أَنَّ قَلْبِي قَدْ سَقَطَ مِنّي».
إلى كثير من أمثال هذا مما صدر عنه سلام الله عليه في ولديه ممّا لست بصدد إحصائه وجمعه ، ولكن أقول : إن هذا الشغف والحبّ اللامتناهي ليس لكونهما ابني بنته فحسب ، فإنّ هذه النسبة لا تستوجب كلّ هذا العطف الخارق لسياج العرف والعادة ، ولكن لا شك أنّ هناك أسراراً وأسباباً هي أدق وأعمق ، أسرار روحيّة هي فوق هذه الوشائج الجسمية ، فهل ترى معي أن رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) لعله ارتفع عن أفق الزمان ، وأشرف بروحيّته المقدّسة من نافذة الدهر ، وأطلّ على صحيفة التكوين من ألفه إلى يائه ، فنظر إلى الماضى والحاضر والآتى نظرة واحدة .
رأى الحوادث الآتية ممثلة بعينها في صحيفة الوجود لا بصورها على شاشة التمثيل .
رأى ما كابد ولداه من الدفاع عن دينه ، والحماية لشريعته ، والتضحية بأنفسهم
وأموالهم وأولادهم ، وأنهم أرخصوا في المفادات كلّ غال وعزيز. تجرّع الحسن (علیه السلام) السم من معاوية مراراً حتى قضى بالمرّة الأخيرة التي تقيأ بها كبده قطعة قطعة ، ثمّ ضرب الحسين (علیه السلام) المثل الأعلى في التضحية والمفادات لحفظ شريعة جده ، فاستقبل السيوف والرماح والسهام ، وجعل صدره ونحره ورأسه ورثته وقاية عن المعاول التي اتَّخذها بنو اُميّة لهدم الإسلام ، وقلعه من أساسه ، ونصب نفسه وأولاده وأنصاره الغرّ الميامين هدفاً وشبحاً لوقاية الإسلام من أن تنهار دعائمه ، وتنهد قواعده وقوائمه ، بهجمات الأمويين عليه ، حتى سلم الإسلام وأشرقت أنواره ، وعلمت أسراره ، وهلك الكافرون ، وخسر هنالك المبطلون ، وكانت كلمة الله العليا ، وكلمة أعدائه السفلى ، وكلّ مسلم من أوّل إسلام الناس إلى اليوم ، بل وإلى يوم القيامة مدين ورهين بالشكر والمنة لهذين الإمامين .
ولولا تضحيتهما التي ما حدث التاريخ بمثلها أبداً ، نعم لولا تلك التضحية لعاد الناس بمساعي الأمويين إلى جاهليتهم الاُولى ، بل أتعس إذاً ، فهل تستغرب من النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) تلك الحفاوة والتعظيم لهما وهما طفلان صغيران ، وقد عرف ، بل رأى ، بعين بصيرة تلك الحوادث الفجيعة ، وذلك الكفاح المرير من أجله وفي سبيله ، وكان يشمهما ويضمهما ، ويقول : «هُما وَلَدَايَ وَرَيْحَانَتاي » .
وباليقين أنه كان يتنسم منهما العبق الربوبي ، ويتوسم بهما الألق الإلهي ، وبهذا نعرف ويجب أن نعرف أنّ الحسن والحسين (علیهما السلام) نور واحد لا يفضل أحدهما على آخر قدر عرض شعرة ، كل واحد منهما قد قام بواجبه ، وأدى رسالته ، وعمل بالمنهاج المقرر له من جده وأبيه ، والصك الذي تسلّمه في أول يوم من إمامته .
إذا أردت التوسع في معرفة عظمة الحسن سلام الله عليه وشجاعته وبسالته وقوة قلبه وشدّة عارضته وبليغ حجّته وعدم اكتراثه بزخارف الملك وأبهة السلطان ، فانظر إلى كلماته واحتجاجاته في مجلس معاوية مع رؤوس المنافقين ، وضروس الكفرة الملحدين الذين كان معاوية يحرّش بينهم وبين الحسن (علیه السّلام) ليضحك على ذقونهم ،
كابن العاص وابن شعبة ومروان ونظرائهم من زبانية جهنّم الذين ما آمنوا بالله طرفة عين .
انظرها واعجب بها ما شئت هناك تتمثل لك العظمة في أوج رفعتها ، وتتصوّر لك البسالة في موج لجتها ، وإن شئت المزيد فانظر إلى كلماته في ساعة الموت ، ويوم انطلاقه من هذا السجن ، الكلمات التي قالها لأخيه محمد بن الحنفية في حق أخيه الحسين (علیه السلام) ، هنالك تفتح لك أغلاق أسرار الإمامة ، ويتضح لديك إشراق أنوار النبوة والزعامة ، وتعرف المرعوية النبوية ، والولاية الكلية ، هنالك الولاية لله (1)«النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ » (2)، « مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ » ، «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ » الآية (3).
وقد زحف القلم ، وخرج عن المحدّد ، واشتمر عن قصد الجادة ، وجادة القصد إنما القصارى التي أردتها من كلمتي هذه أن العداوة بين بني هاشم وبني أمية ذاتية متأصلة هى عداوة الهدى للضلال ، والنور للظلام ، ويشهد لذلك أنك لو استعرضت سيرة بني أمية من أولهم من عبد شمس إلى آخرهم مروان الحمار لم تجد في صحيفة الكثير ، بل الأكثر ، منهم إلا الغدر والمكر ونكث العهود ، والفسق والفجور ، والعهر والخنا وأبناء الزنا إلى كلّ ما يتحمّله لفظ الرذيلة من المعاني .
وإذا استعرضت سيرة بني هاشم من أولهم ليومنا هذا لم تجد في صحيفة الكثير ، بل الأكثر ، منهم إلا كل ما يتحمّله لفظ الفضيلة من الوفاء والصدق والشجاعة والعفة وطهارة المولد ، وشرف النفس ، وعلو الهمة ، والتضحية في سبيل المبدأ ، وما إلى ذلك
من كرم الأخلاق ، وطهارة الأعراق .
وهب أنّ هناك من يعذر بني أمية في عداوتهم لبني هاشم ويقول : إنّهم اتخذوها ذريعة ووسيلة إلى الملك والسلطان ، ولكن ما عذر الموالين لبني أمية في هذا العصر ، ما عذر الأموية الحديثة التي لا تنال بذلك حظاً من حظوظ الدنيا ولا نصيباً في الآخرة .
«قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا» (1)، « خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ» (2).
والحمد لله الذي فقأ عيني الكفر والنفاق ، وأقرّ عيني الإسلام والإيمان بالحسن والحسين (علیهما السلام) ، والعترة الطاهرة (علیهم السلام)، ونسأله تعالى كما منّ علينا بمعرفتهم وولايتهم أن يحشرنا في زمرتهم، ويكرمنا بشفاعتهم ، والبراءة من أعدائهم وعداوتهم :
أواليكُمُ ما دَجَتْ مُزْنَةٌ *** وَمَا اصْطَخَبَ الرَّعْدُ أَوْ جَلجَلا
وَأبْرَأُ مِمَّنْ يُعاديكُمُ *** فَإِنَّ البَراءَةَ شَرْطُ الوِلا
وحقاً إنّ الزكيّ أبا محمد سلام الله عليه في المدة القصيرة التي عاشها بعد أبيه تحمّل من الرزايا والمحن ما لم يحتملها نبي ، وما هي بأقل من المصائب التي جرت على أخيه أبي عبد الله (علیه السلام) يوم الطف ، فإن النكبة الأليمة ، والضربة الأثيمة في الأخوين واحدة ، وإن اختلفت الأشكال والأساليب.
وكما أن الحسين (علیه السلام) قابل رزاياه بالصبر الذي عجبت منه ملائكة السماوات ، فكذلك الحسن (علیه السّلام) قاتل عدوه ، وقابل الأمة وأرزاءه بصبر عجیب ، وصدر رحيب ،
ما هان يوماً ولا لان ، ولا تضرع ولا استكان ، وما أخذ من أمواله التي اغتصبها معاوية منه وصارت اُلعوبة بأيدي بني أمية ، ما أخذ واحداً من الآلاف بل من مئات الآلاف ، وكما لا مساغ للتفاضل بين هذين النيرين ، كذلك لا يصح القول بأنّ صبر الحسن دون صبر الحسين (علیهما السلام) ، أو أن مصيبته أهون المصيبتين .
فسلام الله عليكما يا إمامي الهدى ، وسليلي عليّ والزهراء ما أزهرت الفضيلة ، واكفهرت الرذيلة.
واختم كلمتي بأبيات من خاتمة قصيدة رثاء لسيد الشهداء نظمتها منذ مدة تزيد على خمسين سنة استهلها :
خُذوا المَاءَ مِنْ عَيْنِي وَالنَّارَ مِنْ قَلْبِي *** وَلَا تَحْمِلُوا لِلْبَرقِ مِنَا وَلَا السُّحُبِ
وأختها :
بَني الشَّرَفِ الوَضَاحِ وَالْحَسَبِ الذَّي *** تناهى فَأَضْحَى قَابَ قَوْسَينِ لِلرَّبِّ
لَئِنْ عُدَّتِ الأَحْسابُ لِلفَخْرِ أَوْ غَدَتْ *** تَطاوَلُ بِالأَنْسَابِ سَيَّارَةُ الشُّهْبِ
فَما نَسَبِي إِلَّا انْتِسابِي إِلَيْكُمُ *** وَما حَسَبي إِلَّا بِأَنَّكُمْ حَسْبي
حرّر هذه الكلمة بأنامله الرقيمة ، وأقلامه السقيمة، مرتجلاً مترسلاً في بضع سويعات آخرها يوم الحادي والعشرين من شهر رمضان يوم وفاة سيد الوصيين ، وإمام الصدّيقين ، أمير المؤمنين عليه آلاف السلام والتحية سنة 1373ھ.
محمد الحسين آل كاشف الغطاء بمدرسته العلمية بالنجف الأشرف
واعتنى الإسلام بالخلافة (1)اعتناء بالغاً ، فأناط بها المسؤوليات الضخمة ، فجعلها مسؤولة عن نهضة المسلمين وتطورهم وانطلاقهم في ميادين العلم ، وتوجيههم نحو الخير، وإبعادهم عن مسالك الضلال والفساد، والعمل على إيجاد الوسائل السليمة لأسباب قوتهم ورخائهم ، كما أوكل إليها حراسة الدين والحفاظ على شؤونه ، وصيانة مثله فهي المحور الذي تدور عليه سياسته وسائر شؤونه .
إن حقيقة الإسلام وفكرته شاملة لجميع المناحي الدينية والسياسية ، فقد ألف بينهما وحدة متسقة وجعلهما كلاً لا يتجزأ ، وقد أدرك هذه الحقيقة جمهور كبير من علماء المستشرقين .
يقول بعضهم : «إنّ الإسلام ليس ظاهرة دينية فقط ، وإنّما أتى بنظام سياسي ، ذلك أنّ مؤسسه كان نبياً ، وكان حاكماً مثالياً خبيراً بأساليب الحكم » .
وقال جيت : « إنّ الإسلام لم يكن مجرد عقائد دينية فردية ، وإنما استوجب إقامة
1) الخلافة : في الأصل مصدر خلف. يقال : خلفه في قومه خلافة فهو خليفة ، ومنه قوله تعالى : « لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي» الأعراف 7: 142 ، ثمّ أطلقت في العرف على الزعامة العظمى ، وهي الولاية العامة على كافة الأمة ، والقيام بأمورها والنهوض بأعبائها .
مجتمع مستقل ، له أسلوبه المعيّن في الحكم ، وله قوانينه وأنظمته الخاصة به» (1).
إنّ الخلافة ترتبط بالإسلام ارتباطاً وثيقاً ، فهي جزء من برامجه ، وفصل من فصوله ، فلابد من إقامتها على مسرح الحياة .
يقول الشيخ محمد عبده : «الإسلام دين وشرع ، فقد وضع حدوداً، ورسم حقوقاً ، وليس كل معتقد في ظاهر أمره بحكم يجري عليه في عمله ، فقد يغلب الهوى ، وتتحكّم الشهوة فيغمط الحق ، ويتعدّى المعتدي الحدّ ، فلا تكمل الحكمة إلا إذا وجدت قوة لإقامة الحدود ، وتنفيذ حكم القاضي ، وصون نظام الجماعة » (2).
إنّ الإسلام جاء بمجموعة كاملة من النظم والقوانين تهدف إلى تنظيم الحياة ، وصيانة الحقوق والقضاء على الغبن والظلم ، وبسط الأمن والعدل في البلاد ، ومن الطبيعي أنّها تحتاج إلى قوة ودولة لتقوم بحمايتها وتطبيقها على واقع الحياة .
أما من يتولى قيادة الحكم وإدارة شؤون البلاد فقد تحدث الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) عمّا يعتبر فيه من الصفات بقوله :
«وقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الوالي عَلَى الْفُرُوجِ وَالدّماءِ وَالْمَغَانِم وَالْأَحْكامِ وَإِمَامَةِ الْمُسْلِمِينَ الْبَخِيلُ ، فَتَكونَ في أَمْوَالِهِمْ نَهْمَتُهُ (3)، وَلَا الْجَاهِلُ فَيُضِلَّهُمْ بِجَهْلِهِ ، وَلَا الْجَافِي فَيَقْطَعَهُمْ بِجَفائِهِ ، وَلَا الْحَائِفُ (4)لِلدُّوَلِ (5)فَيَتَّخِذَ قَوْماً دُونَ قَوْمٍ ، وَلَا الْمُرْتَشِي فِي الْحُكْمِ
1) النظام السياسي في الإسلام : 15 .
2) الإسلام والنصرانية : 65 .
3) النهمة - بالفتح : الإفراط في الشهوة ، المبالغة في الحرص.
4) الحائف - من الحيف - الجور والظلم .
5) الدول - جمع دولة بالضم - : وهو المال لأنه يتداول به ، وينتقل من يد إلى يد ، وفي التنزيل : « كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ» الحشر 59: 7. والمراد من كلامه (علیه السلام) : أنّ الوالي ليس له أن يحيف في الأموال بأن يفضّل قوماً على قوم في العطاء من دون سبب موجب لذلك .
فَيَذْهَبَ بِالْحُقُوقِ ، وَيَقِفَ فِيهَا دُونَ المَقَاطِع (1)، وَلَا الْمُعطِّلُ لِلسُّنَّةِ فَيُهْلِكَ الأُمَّةَ» (2).
إن من يلى أمور المسلمين ، ويتولى إدارة شؤونهم - في نظر الإمام - لا بد أن يكون ندي الكف ، بعيداً عن البخل ، عالماً بما تحتاج إليه الأمة ، غير حائف للدول ، ولا مرتشي في أعماله ، ولا معطل لحدود الله وسنّة نبيه ، فإنّه إذا تجرّد من هذه الصفات واجهت الأمة في عهده سيلاً عارماً من المحن، وتعرّضت البلاد للأزمات والنكبات .
وأعرب الذكر الحكيم في قصة إبراهيم (علیه السلام) عمن يستحق الإمامة من ذريته قال تعالى : « قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ » (3).
وذكر المفسرون أن المراد بالعهد هو الإمامة ، والإمامة هي الخلافة (4)
فلا ينالها من تلبس بالظلم في أي مرحلة من حياته (5)، سواء أكان الظلم للنفس (6)
1) المقاطع: الحدود التي عينها الله لها .
2) شرح نهج البلاغة / محمد عبده : 2 : 19 .
3) البقرة 2: 124 .
4) مجمع البيان : 1 : 202 .
5) هذا مبني على ما ذهب إليه بعض علماء الأصول في بحوث المشتق من أنّه حقيقة في الأعم ممّن تلبس بالمبدأ ومن انقضى عنه .
6) الظلم للنفس : كالسجود للأصنام، وغير ذلك من الأخلاق الذميمة ، وقد استدل علماء الشيعة بالآية الشريفة على أحقية أمير المؤمنين (علیه السلام) بالخلافة دون غيره ، لأنه لم يظلم نفسه بالسجود للأصنام التي سجد لها غيره من الصحابة قبل بزوغ نور الإسلام .
أو للغير ، فإنّه لا يمنح بذلك اللطف.
لقد اهتم الإسلام اهتماماً كثيراً فيمن يلي أمور المسلمين ، فألزم أن يكون مثالاً للعدل، وعنواناً للحق ، ورمزاً للعدل والفضائل ليرعى مصالح الأمة ، ويحقق في ربوعها جميع ما تصبو إليه من العزة والكرامة ، ولم تتوفر الصفات الرفيعة التي يتطلبها الإسلام في القيادة الرشيدة ، إلا في أهل البيت (علیهم السلام) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ، والذين قرنهم النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) بكتاب الله العزيز الذي «لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ » (1)، وجعلهم سفناً للنجاة ، وأمناً للعباد .
ومن الطبيعي أن ذلك لم يكن ناشئاً إلا عن مدى أهميتهم ، وقد تحدّث الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) عما مثل فيهم من الصفات والنزعات بقوله :
«هُمْ عَيْشُ الْعِلْمِ ، وَمَوْتُ الْجَهْلِ . يُخْبِرُكُمْ حِلْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ ، وَظَاهِرُهُمْ عَنْ باطِنِهِمْ ، وَصَمْتُهُمْ عَنْ حِكَم مَنْطِقِهِمْ. لَا يُخالِفُونَ الْحَقَّ وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ . وَهُمْ دَعائِمُ الْإِسْلَامِ ، وَوَلَائِجُ الْاِعْتِصامِ (2).
بِهِمْ عَادَ الْحَقُّ إِلَى نِصابِهِ ، وَانْزاحَ الْباطِلُ عَنْ مُقامِهِ، وَانْقَطَعَ لِسانُهُ عَنْ مَنْبِتِهِ. عَقَلُوا الدِّينَ عَقْلَ وِعايَةٍ وَرِعايَةٍ (3)، لَا عَقْلَ سَماعٍ وَرِوايَةٍ. فَإِنَّ رُواةَ الْعِلْمِ كَثِيرٌ ، وَرُعاتَهُ قَلِيلٌ» (4).
وبالإضافة إلى هذه القابليات والمواهب التي يتمتعون بها ، فإن النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) نص على اختصاص الخلافة فيهم ، وأنّهم أحق بالأمر من غيرهم ، وقد تواترت النصوص (1)الواردة منه بذلك ، كقوله : «لَا يَزالُ هذَا الدِّينُ قائِماً حَتَّى تَقومَ السَّاعَةُ ، وَيَكونُ عَلَيْهِمْ اثْنا عَشَرَ خَليفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ» (2).
وقال (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم): «يَكونُ بَعْدِي إِثْنَا عَشَرَ أَميراً» ، وقال : «كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ» (3).
إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة بصراحتها وحصرها على اختصاص الخلافة فيهم ، وأنّهم سفن النجاة ، وهداة العباد .
ومن الأئمة الطاهرين الاثني عشر الذين أقامهم الرسول (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) خلفاء من بعده ، وأمناء على تبليغ رسالته الإمام الحسن (علیه السلام) ريحانته ، وسبطه الأكبر ، فقد نصبه إماماً على أمته ، وقال فيه وفي أخيه : «الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ إِمَامَانِ إِنْ قاما وَإِنْ قَعَدا» (4).
ونص على إمامته الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) وأقامه علماً من بعده بعد أن اغتاله ابن مُلْجم ، وقد فزع إليه المسلمون بعد شهادة أمير المؤمنين (علیه السلام) ، وأجمعوا على مبايعته ، فقد اجتمعوا في جامع الكوفة سنة أربعين من الهجرة في صبيحة إحدى وعشرين من شهر رمضان المبارك ، وأقبل (علیه السلام) وقد احتفت به البقية الباقية من صلحاء المهاجرين والأنصار ، فاعتلى منصة الخطابة ، فابتدأ - بعد حمد الله والثناء عليه -
1) التواتر : الاستفاضة في نقل الخبر بحيث يؤدّي إلى القطع بصدقه ، وذلك فيما إذا أحال العقل تواطؤ المخبرين على الكذب ، ولذا كان الخبر المتواتر من أهم الأسباب المؤدية إلى القطع بالأشياء .
2) مناقب آل أبي طالب : 1 : 249. بحار الأنوار: 36 : 239 ، الحديث 38 مسند أحمد بن حنبل : 5 : 89 صحیح مسلم : 6: 4 .
3) الخصال : 469 ، الحديث 14 مناقب آل أبي طالب : 1 : 248. بحار الأنوار: 36: 230 و 231 ، الحدیث 11 .
4) مناقب آل أبي طالب : 3: 163 . بحار الأنوار: 43: 291 ، الحديث 54 .
بتأبين فقيد العدالة الكبرى الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام)، وتعداد بعض فضائله ومواهبه ، فقال : «لَقَدْ قُبِضَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ رَجُلٌ لَمْ يَسْبِقْهُ الْأَوَّلُونَ بِعَمَلٍ ، وَلَمْ يُدْرِكْهُ الْآخَرُونَ بِعَمَلٍ ، لَقَدْ كانَ يُجَاهِدُ مَعَ رَسُولِ اللهِ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) فَيَقِيهِ بنَفْسِهِ ، وَكانَ رَسُولُ اللهِ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) يُوَجِّهُهُ بِرايَتِهِ ، فَيَكْتَنِفُهُ جَبْرَئِيلُ عَنْ يَمِينِهِ، وَمِيكَائِيلُ عَنْ شِمَالِهِ ، لَا يَرْجِعُ حَتَّىٰ يَفْتَحَ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ.
لَقَدْ تُوُفِّي فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ الَّتِي عُرِجَ فِيهَا عِيْسَى بْنُ مَرْيَمَ ، وَقُبِضَ فِيْهَا يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وَصِيُّ مُوسى (علیه السلام)، وَما خَلَّفَ صَفْراءَ وَلَا بَيْضاءَ إِلَّا سَبْعُمانَةِ دِرْهَمٍ فَضُلَتْ مِنْ عَطَائِهِ أَرادَ أَنْ يَبْتَاعَ بِهَا حَادِمَا لِأَهْلِهِ ، وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أَرُدَّها إِلى بَيْتِ الْمَالِ » (1).
وتمثلت صورة أبيه أمامه فخنقته العبرة ، وأرسل ما في عينيه من دموع ، وكذلك بكى جميع من حضر في جنبات الحفل ، وساد الحزن ، وعمّ الأسى ، ثم استأنف الإمام خطابه ، فأعرب للناس سموّ مكانته ، وما يتمتع به من الشرف والمجد قائلاً:
«أَيُّها النَّاسُ ، مَنْ عَرَفَني فَقَدْ عَرَفَني ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي فَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٌّ ، وَأَنَا ابْنُ النَّبِيِّ ، وَأَنَا ابْنُ الْوَصِيَّ، وَأَنَا ابْنُ الْبَشيرِ النَّذِيرِ، وَأَنَا ابْنُ الداعي إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ ، وَأَنَا ابْنُ السَّراج المُنير، وَأَنَا مِنْ أَهْل الْبَيْتِ الَّذينَ كانَ جَبْرَئِيلُ يَنْزِلُ إِلَيْنَا ، وَيَصْعَدُ مِنْ عِنْدِنَا ، وَأَنَا مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ الَّذِينَ أَذْهَبَ اللهُ عَنْهُمْ الرِّجْسَ وَطَهَّرَهُمْ تَطهيراً، وَأَنَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ افْتَرَضَ اللهُ
1) أنساب الأشراف 2 : 499 .
مَوَدَّتَهُمْ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فَقالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ : « قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً» (1)، فَاقْتِرافُ الْحَسَنَةِ مَوَدَّتُنا أَهْلَ الْبَيْتِ» (2).
وحفل خطابه البليغ بما يلي :
1 - إنه عرف الناس بجهاد أبيه ، وعظيم بلائه في الإسلام ، ووقايته لرسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) بنفسه في جميع المواقف والمشاهد ، وقد أبنه بكلمة تمثلت فيها بلاغة الإعجاز ، وروعة الإيجاز ، وهي قوله : « لَمْ يَسْبِقُهُ الْأَوَّلُونَ بِعَمَلٍ ، وَلَمْ يُدْرِكْهُ الْآخَرُونَ بِعَمَلٍ» ، ومن كان لم يسبقه الأولون ولم يدركه الآخرون كان أعظم شخصية ** جميع المصلحين والعظماء في جميع مراحل التاريخ ، وحقاً أنه كذلك ، فليس في جميع فترات الزمن وآناته ، قديماً وحديثاً ، أحد فاق الإمام أو يفوقه في مثله وأعماله وجهاده وذبّه عن حضيرة الإسلام .
2 - وأبان (علیه السلام) في خطابه الرائع قداسة الليلة التي رحل فيها أبوه (علیه السلام) إلى جنان الخلد ، فلقد عرج فيها عيسى بن مريم (علیه السلام) إلى السماء ، ورحل فيها يوشع بن نون وصي موسى إلى جواره تعالى ، وفي هذه الليلة العظيمة انتقل إلى جوار الله سيّد الأوصياء ، وعميد الأتقياء ، وحامي حوزة الإسلام الإمام علي (علیه السلام)، فهي بحق أشرف الليالي وأسماها عند الله .
3 - وأعرب (علیه السلام) لذلك الحفل الحاشد زهد أبيه وعدم اعتنائه بدنیاه ، فلقد رحل عنها ولم يخلّف من حطامها شيئاً ، وقد كان في استطاعته أن يسكن أفخم القصور ، ويلبس الحرير والديباج ، ويأكل ما لذّ من الطعام ، ويتخذ العبيد والإماء ، ولكنه ترك
كلّ ذلك رغبة فيما أعد الله له في دار البقاء من النعيم والكرامة والسعادة ، وما أفاض عليه في هذه الدنيا من خلود الاسم ، والثناء العاطر ، والذكر الحسن المقرون بالإكبار والتقديس عند الناس جميعاً !!
لقد وافى الإمام علياً (علیه السلام) الأجل المحتوم ، وما خلف سوى ثمالة من المال يتركها أقلّ البائسين والضعفاء ، وهو سلطان المسلمين وزعيمهم ، تجبى له الأموال الطائلة من شتّى الأقطار الإسلامية ، ولكنه (علیه السلام) أبى أن يأخذ منها شيئاً .
4 - وتضمن خطابه (علیه السلام) دعوة الناس إلى مبايعته ، وقد كانت دعواه رائعة بكل ما للروعة من معنى ، فلقد عرف نفسه إلى الجماهير بأنه ابن الداعي إلى الله ، وابن السراج المنير ، وأنّه ممّن أذهب الله عنهم الرجس والأباطيل ، وهل هناك أحد أحق بالخلافة من شخص التقت به هذه الكمالات ، واجتمعت فيه هذه الفضائل .
ولما أنهى (علیه السلام) خطابه الذي لم يرو التاريخ إلا شطراً منه انبرى عبيد الله بن العباس فحفّز المسلمين إلى المبادرة لمبايعته قائلاً: «معاشر الناس ، هذا ابن نبيكم ، ووصي إمامكم فبايعوه» .
واستجاب الناس لهذه الدعوة المباركة، فهتفوا بالطاعة ، وأعلنوا الرضا والانقياد قائلين: «ما أحبّه إلينا ، وأوجب حقه علينا ، وأحقه بالخلافة» (1).
وانثالوا على الإمام يبايعونه وهم إنّما يبايعون الله ورسوله .
وأوّل من بايعه المؤمن الثائر ، والحازم اليقظ الزعيم قيس بن سعد الأنصاري ، فقال له بنبرات تقطر حماساً وشوقاً إلى حرب أعداء الله وخصوم الإسلام : «ابسط يدك أبايعك على كتاب الله وسنّة نبيه وقتال المحلّين».
وثقل على الإمام (علیه السلام) أن يعزب عن قيس من أنّ العمل على كتاب الله وسنّة نبيه
1) بحار الأنوار: 43 : 362 ، الحديث 4. كشف الغمة : 2 : 161 . الإرشاد : 2 : 8.
والسير على أضوائهما يغني عن اشتراط قتال المحلّين ، لأن فيهما تبياناً لكلّ شيء . فقال له بلطف ولين : «عَلى كِتابِ اللهِ ، وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ، فَإِنَّهُما يَأْتِيانِ عَلى كُلِّ شَرْطٍ» (1).
وذكر ابن قتيبة أنّ الإمام كلّما قصدته كوكبة من الناس لتبايعه يلتفت إليها قائلاً: تُبايعونَ لي عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ ، وَتُحارِبُونَ مَنْ حارَبْتُ وَتُسالِمُونَ مَنْ سالَمْتُ .
ولما سمعوا هذا الشرط أحجموا عن البيعة (2)
والبيعة نوع من العقد الاجتماعي الذي ذكره (جان جاك روسو) ، وتقوم هذه النظرية على أساس أنّ الاجتماع الذي يقع بين الناس في صورة شعب أو أمة إنّما يقوم على تعاقد بين الأفراد .. فكل فرد قد دخل مع أفراد مجتمعه في عملية تعاقد ، ويقضي ذلك بأن يصبح الفرد جزءاً من المجتمع ، وقد استدل على هذه النظرية (روسو) وأوضح كثيراً من جوانبها في كتابه (العقد الاجتماعي) .
وأمسكوا أيديهم عنها ، وقبض الحسن يده ، فانثالوا نحو الحسين (علیه السلام) و وهم يهتفون : ابسط يدك نبايعك على ما بايعنا عليه أباك ، وعلى حرب المحلّين الضالين أهل الشام .فردعهم الحسين (علیه السلام) قائلاً : مَعاذ اللهِ أَنْ أبابِعَكُمْ ما كانَ الْحَسَنُ حَيّاً .
وبعدما رفض الحسين (علیه السلام) طلبهم أقبلوا نحو الحسن (علیه السلام) فبايعوه وهم مكرهون (3).
وهذا القول بعيد ، فإنّه يدل على رغبة الإمام (علیه السلام) في السلم في أول الأمر ، وهو منافٍ لمواقفه العديدة في إمضائه للحرب وعدم رغبته في الموادعة والمسالمة مع خصمه ، كما سنذكره بالتفصيل ، ولو سلمنا صحة ذلك ، فإنّما كان مع الخوارج
1) الكامل في التاريخ : 3 : 174 . تاريخ ابن خلدون : 2 : 186 .
2) البيعة : هي العهد على الطاعة ، لأنّ المبايع يعاهد أميره على أن يسلّم له أمر النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين لا ينازعه على ذلك .. ويطيعه فيما يكلّفه به من الأمر .. وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يده تأكيداً للعهد ، فأشبه ذلك كلاً من البائع والمشتري .. فسمّى بيعة . مقدمة ابن خلدون : 197.
3) الإمامة والسياسة : 1 : 170 .
الذين يريدون خلق الاضطرابات والشغب في المجتمع العراقي ، وإذاعة الخوف والارهاب بينهم بعزم الإمام (علیه السلام) على الحرب ، ويدل على ذلك إحجامهم عن البيعة في أول الأمر ، وذلك يكشف عن اضطراب نفوسهم ، وعدم ثقتهم وإيمانهم بالخليفة الجديد ، وهذا مما عرفت به الخوارج .
وأمّا شيعته وأصحابه وخواصه ، فإنّ نفوسهم قد ملئت إيماناً وثقة وحباً وإخلاصاً له .
ومهما يكن من شيء ، فإنّ هذا الحديث كما كان يتضمن السلم كذلك يتضمن إمضاء الحرب والتصميم عليه ، فهو جامع بين الأمرين السلم لمن دخل في الطاعة والحرب لمن خرج عنها، سواء أكانوا من الخوارج أم من أهل الشام ، ولكن لم يرق ذلك للخوارج ، فلذا شاغبوا في الأمر ، وأرادوا الحرب خاصة لأهل الشام لا تتعداها إلى غيرهم ، وقبل أن نسدل الستار على هذا الفصل نقدم إلى القارئ الكريم أموراً تتعلّق في هذا الفصل ، وهي كما يلي :
ويتساءل كثير من النقاد عن السبب في قبول الإمام (علیه السلام) للخلافة مع ما منيت به الحاضرة الإسلامية من أخطار وعواصف وفتن ، فكان الأجدر به أن يتريث في الأمر ولا يتسرّع - كما يقولون - .
ولندع الجواب إلى سماحة المغفور له الحجّة آل ياسين . قال نضّر الله مثواه : «أمّا أوّلاً : فلمّا كان الواجب على الناس ديناً الانقياد إلى بيعة الإمام المنصوص عليه كان الواجب على الإمام - مع قيام الحجّة بوجود الناصر - قبول البيعة من الناس .
أما قيام الحجّة - فيما نحن فيه - فقد كان من انثيال الناس طواعية إلى البيعة في مختلف بلاد الإسلام ما يكفي - بظاهر الحال - دليلاً عليه ، ولا مجال للتخلّف عن الواجب مع وجود شرطه .
وأما ثانياً : فإنّ مبعث هذا الانعكاس البدائي عن قضية الحسن (علیه السّلام) هو النظر إليها من ناحيتها الدنيوية فحسب، بينما الأنسب بقضيّة (إمام) أن يستنطقها الباحث من ناحيتها الدينية على الأكثر ، وكثير هو الفرق بين الدنيا والدين في نظر إمام ، والقضيّة من هذه الناحية ظفر لا خسارة - كما سنأتي على توضيحه في محله المناسب - وهي وإن تكن معرض آلام ، ولكنّها آلام في سبيل الإسلام ، ومن أولى بالإسلام من الحسن (علیه السلام) وتحمّل آلامه ، وإنما هو نبت بيته.
وأما ثالثاً : فلم يكن الحسن في رفعة مكانه من زعماء المسلمين، وفي نسبه الممتاز ومركزه من العلم بالذي يستطيع الفراغ ، وإن أراده عن عمد ، ولا بالذي يتركه الناس وإن أراد هو أن يتركهم ، وكان لا بد للرجّات العنيفة في المجتمع الإسلامي أن تتدافع إليه ، تستدعيه للوثوب إحقاقاً للحق ، وإنكاراً للمنكر ، كما وقع لأخيه الحسين (علیه السلام) في ظرفه» (1).
ويأخذ شيخنا في الاستدلال على ضرورة قبول الإمام للخلافة ، ولزوم تسرّعه لإجابة الجماهير الهاتفة باسمه ، وعلى كلّ فليس هناك مجال للشك في أنه (علیه السلام) لو تقاعس عن الاعتلاء على العرش، وترك الأمّة حبلها على غاربها ، لوقعت في محاذير ومصاعب لا يمكن حلها ، ثمّ ما هو المبرّر له في عدم التسرع في الأمر بعدما أجمعت الأمة على مبايعته كما ذكر ذلك بالتفصيل سماحة المغفور له آل ياسين .
وأجمع العالم الإسلامي من أقصاه إلى أدناه على مبايعة الإمام (علیه السلام) والانقياد لحكومته ، والخضوع لأمره، فبايعه من الكوفة اثنان وأربعون ألفاً على السمع
1) صلح الحسن (علیه السّلام) : 47 .
والطاعة ، وكذلك بايعه أهل البصرة والمدائن ، وجميع أهل العراق ، وبايعته فارس على يد زياد بن أبيه ، وبايعه الحجازيون واليمانيون على يد القائد العسكري الحازم اليقظ جارية بن قدامة، وما تخلّف أحد عن البيعة سوى معاوية ومن يمت به ، كما تخلّف عن مبايعة الإمام علي (علیه السلام) من قبل ، فكانت بيعته (علیه السلام) عامة على غرار بيعة أبيه (علیه السلام).
ولما تمت البيعة أخذ (علیه السلام) في إحكام دولته ، فرتب العمال ، ووظف المحنكين والأشراف من عدول المؤمنين وصلحاء المسلمين ، وأعطى الأوامر الحازمة إلى الأمراء ، وزاد في عطاء الجيش مائة مائة ، وكان الإمام علي (علیه السلام) قد فعل ذلك يوم الجمل ، هذه هي الخطوة الاُولى من الإحسان والبرّ والمعروف التي أفاضها على الجيش ، فملك بها القلوب والسيوف حتى قال ابن كثير : «وأحبّوه أشدّ من حبّهم لأبيه» (1).
وهكذا أخذ (علیه السلام) يعمل مجداً في إصلاح دولته ، وإحكامها وصيانتها ، وقد خطب فيهم ، فكان منطق خطابه الحثّ على لزوم طاعته ، ووجوب الانقياد إليه ، لأنّه من العترة الطاهرة، ومن حلقات الثقل الأكبر الذي خلفه رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) في أمته . وحذر (علیه السلام) رعيته من الاصغاء والانجراف بدعاية معاوية وبهتانه وكذبه ، وأمرهم بالتكاتف والاتحاد والوحدة ، لردّ العدوان الأموي الذي يهدّد المجتمع الإسلامي بالخطر ، وينذره بفقدان الحياة ، وقد تقدّم نص هذا الخطاب في الجزء الاُولى من هذا الكتاب.
1) البداية والنهاية : 8: 41.
ووقع فريق من المؤرّخين وكتاب العصر في أخطاء حول بيعة الإمام الحسن (علیه السلام) نشأت من قلة التتبع رأينا من اللازم التنبيه عليها .
ذكر المسعودي : « أنّ الإمام بويع بعد وفاة أبيه بيومين» (1).
وهذا القول لا يتفق مع ما ذكره جمهور المؤرّخين من أنه بويع له في صبيحة الليلة التي واری فيها جثمان أبيه (علیه السلام) .
وذكر الأستاذ السيد محمد فريد وجدي أن الحسن (علیه السلام) بويع له في الخلافة قبل وفاه والده ، ولما انتهت البيعة توفي والده (2).
وهذا القول كالقول السالف في مخالفته لإجماع المؤرّخين ، فقد أجمعوا على أنّ البيعة كانت بعد مقتل الإمام بلا فصل ، ولم يذكر مؤرّخ - فيما نعلم - أنه بويع للإمام في حياة أبيه
ذكر الشيخ محمد الخضري في بيعه الإمام ما نصه : « نظر الحسن إلى بيعته فى أنّها ليست كبيعة أبيه لأنّها ليست عامة ، ولكنها قاصرة على شيعتهم من أهل العراق» (3).
وهذا القول مجافٍ للواقع ، فإنّ بيعة الإمام (علیه السلام) لم تكن قاصرة على أهل العراق من الشيعة ، فإنّ عمّال الإمام في جميع الأقطار الإسلامية قد أخذوا له البيعة من المسلمين - كما ذكرناه سابقا - ولم تبق هناك أي حاضرة من الحواضر الإسلامية إلا بايعته سوى البلاد الخاضعة لمعاوية .
قال الدكتور طه حسين في بيعة الإمام الحسن (علیه السّلام) : « ومهما يكن من شيء ، فلم يعرض الحسن نفسه على الناس ، ولم يتعرّض لبيعتهم ، وإنما دعا الناس إلى هذه البيعة قيس بن عبادة فبكى الناس واستجابوا ، وأخرج الحسن للبيعة ... » (1).
وما ذكره بعيد عن الصحة كل البعد ، وذلك لما يلي :
1 - إن قوله : «إنّ الحسن (علیه السلام) لم يعرض نفسه على الناس ، ولم يتعرّض لبيعتهم» لا واقعية له ، ويردّه خطاب الحسن (علیه السلام) في تأبين أبيه ، فقد دعا الناس إلى مبايعته ، وحفزهم إلى طاعته، وذلك بذكره للفضائل النسبيّه والنفسية التي اختص بها ، فإنّ بيانها وهو في مقام تأبين أبيه ليس المقصود منه إلا الدعوة لمبايعته ، وإرشاد المجتمع الإسلامي إلى أحقيته بالخلافة دون غيره .
2 - وأما قوله : «إن قيس بن عبادة دعا الناس إلى البيعة ولم يكن الإمام حاضراً ، فاستجابوا له ، وأخرج فبويع فإنّه اشتباه ظاهر ، وخلط غريب ، لأن الدعوة إلى البيعة إنّما كانت بعد ما أنهى الإمام خطابه السالف ، ولم تكن قبل ذلك الوقت والذي دعا إليها عبيد الله بن العباس ، وأوّل من بايعه قيس بن سعد كما بيّنا ذلك فيما تقدّم .
إن أغلب بحوث الدكتور في الإمام الحسن (علیه السّلام) كانت خالية عن التحقيق ، وبعيدة
1) علي وبنوه : 195 .
عن الصواب ، فقد مرّ في صلح الإمام (علیه السلام) وفي سائر مناحي حياته مرور منطلق فلم يقف على الحقيقة ، ولم يقرب من الواقع ، وسنشير إلى مواضع اشتباهه سواء من الناحية التاريخية أو الاستنتاج التاريخي في كثير من الجهات التي تخص البحث .
وما أذيع مصير الخلافة الإسلامية إلى حفيد الرسول (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) إلا وموجات من الهموم والأحزان قد طافت بابن هند ، فملكته الحيرة ، واستولى عليه الجزع والذهول ، وذلك لعلمه أن للإمام (علیه السلام) مركزاً عظيماً في نفوس المسلمين ، ومكانة مرموقة في جميع الأوساط ، لأنه سبط النبي العظيم ، وأعز الناس عنده ، وأقربهم إليه .
وقد شاعت بين المسلمين الأحاديث المتواترة عنه (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) في رفع كيانه ، وتعظيم شأنه ، وتقديمه بالفضل على غيره ، فكيف يعدل الناس عنه إلى ابن هند ؟ وكيف يقاس معاوية به وهو من الأسرة الملعونة في القرآن ؟ وقد عرف الجميع عداء أبيه وأسرته للإسلام والمسلمين من يوم بزغ نوره.
اضطرب معاوية وطارت نفسه شعاعاً ، وأقضّ التفكير مضجعه لما ازدانت الخلافة الإسلامية بالإمام الحسن (علیه السّلام) ، وذلك لعلمه أنّ الإمام (علیه السلام) لا يتحوّل عن شريعة جده ، وسيرة أبيه (علیه السلام) ، التي تقضي بلزوم محاربة الباغين ، والقضاء عليهم ، ومعاوية هو رافع لوائهم وعميدهم ، فالحسن (علیه السّلام) لا بد وأن يعمل كل جهوده ، ويبذل جميع مساعيه لمناجزة معاوية والقضاء عليه .
مضافاً إلى ذلك كلّه أنّه لم يجد منفذاً وثغراً يسلك فيه للطعن بشخصية الإمام (علیه السلام) أو اتهامه بشيء ما ، فدم عثمان بريء منه ، بل قد قيل إنّه من الذابين والمدافعين عنه ، فبماذا يتهم الإمام (علیه السلام) إذا وقد نزّه من كل نقص ورذيلة كما تجرّد هو من كلّ مكرمة وفضيلة ؟
وعقد معاوية على أثر ذلك اجتماعاً مفاجئاً في بلاطه ، دعا فيه خلص أتباعه وأشياعه ، فأخبرهم بالموقف الرهيب ، والخطر المفاجئ الذي حل في مملكته . وأعلمهم أنّ الأمر إذا لم تتخذ فيه القرارات الحاسمة، ولم تبذل الجهود الجبارة لانتشاله فسوف يحدق بهم الخطر المنذر بالفناء ، وبعد مداولة الآراء والأفكار أجمعت كلمتهم على ما يلي :
1 - نشر الجواسيس ، وبثّ العيون في الأقطار الإسلامية الخاضعة لحكم الإمام ، خصوصاً البصرة والكوفة ، ليعرفونه الأنباء بالتفصيل ، ويخبرونه باتجاه المجتمع ونيّاته ، ومدى إخلاصه لآل البيت (علیهم السّلام) ، كما ويقومون بعمليات الذعر والخوف والارهاب بين المسلمين بقوّة معاوية وضعف الحسن (علیه السلام).
2 - مراسلة الزعماء والوجوه والشخصيات البارزة ، وإرشاؤهم بالأموال الطائلة والوظائف المهمة في مناصب الدولة إن اتبعوه وانقادوا له ، وخذلوا الإمام الحسن (علیه السلام)، أما هذا الأمر فقد أرجئ تنفيذه بالإجماع إلى وقت آخر قريب .
وأمّا الأمر الأوّل فقد نفّذ فوراً، فقد استدعى معاوية رجلين خبيرين يثق بكفاءتهما ويطمئن بدرايتهما وحذاقتهما في عالم التجسّس ، أما الرجلان فأحدهما من حمير ، وقد أرسله إلى الكوفة ، وأما الآخر فمن بني القين وقد بعثه إلى البصرة .
ولما وصل الحميري إلى الكوفة ، والقيني إلى البصرة ، أخذا بتنفيذ الخطط المقرّرة لهما، وبعدما انتشر أمرهما قبضت عليهما الشرطة المحليّة ، أما الحميري فجيء به إلى الإمام فأمر بقتله ، وأما القيني فجيء به مخفوراً إلى عامل الإمام على البصرة عبدالله بن عباس فأمر بإعدامه أيضاً .
وعلى أثر وقوع هذا الاعتداء الصارخ من معاوية رفع الإمام إليه مذكرة تهدّده فيها وتوعده بإعلان الحرب عليه ، وهذا نصها :
أَمَا بَعْدُ : فَإِنَّكَ دَسَسْتَ إِلَيَّ الرِّجالَ ، كَأَنَّكَ تُحِبُّ اللقاءَ ، لَا شَكَّ في ذلِكَ فَتَوَقَّعْهُ إِنْ شَاءَ اللهُ ، وَبَلَغَني أَنَّكَ شَمَتَّ بِما لَمْ يَشْمَتْ بِهِ ذَوو الْحِجى (1)، وَإِنَّما مَثَلُكَ فِي ذلِكَ كما قَالَ الْأَوَّلُ:
فَإِنَّا وَمَنْ قَدْ مَاتَ مِنا لَكَالَّذِي *** يَروحُ فَيُمْسِي فِي الْمَبيتِ لِيَغْتَدِي
فَقُلْ لِلَّذِي يَبْغِي خِلافَ الَّذِي مَضى *** تَجَهَّز لأُخْرى مِثْلِها فَكَأَنْ قَدِ (2)
ويلمس في هذه الرسالة مدى روح العزم والحزم والتصميم على الحرب إن أصرّ معاوية على البغي والتمرّد والتمادي في الإثم ، كما احتوت على الاستنكار لما أظهره من السرور والغبطة بمقتل الامام أمير المؤمنين (علیه السلام) .
ولما وردت رسالة الإمام (علیه السلام) إلى معاوية فزع منها ، فانبرى يفتش في حقيبة مكره عذراً يدفع به عن نفسه القبيح الذي ارتكبه ، والمنكر الذي فعله ، فلم يجد عذراً إلا إنكار ما أظهره من السرور بمقتل الإمام (علیه السلام) ، ولا بأس عليه في الكذب ، فقد استساغه واستحلّه ، وهو كل ما يملك في خزانة نفسه ، وأما بعثه العيون والجواسيس فرأى أن يتغاضى عن ذكره ، ويعرض عن جوابه ، ويهمل الاعتذار منه ،
وهذا نصه :
أما بعد : فقد وصل كتابك ، وفهمت ما ذكرت فيه ، ولقد علمت بما حدث، فلم أفرح ، ولم أحزن ، ولم أشمت ، ولم آس (1)
أقول :
أولاً : لا يتفق مع ما ذكره معاوية من عدم حزنه بموت الإمام .
وثانياً : إنّه لا يتفق مع سيرة معاوية وعدائه السافر للإمام الذي جعل سبّه فريضة من فرائض الإسلام ، وتتبع شيعته وأصحابه فقتلهم تحت كل حجر ومدر.
، وإن علياً أباك لكما قال أعشى بني قيس بن ثعلبة (2)هو الأعشى الكبير ، اسمه «میمون بن قيس» ولد بقرية باليمامة يقال لها منفوحة ، وفيها داره وقبره ، ويقال : إنّه كان نصرانياً، وهو أوّل من سأل بشعره ، وفد إلى مكة يريد النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وقد مدحه بقصيدة أولها :
أَلَمْ تَغْتَمِضْ عَيْنَاكَ لَيْلَةَ أَرْمَد *** وَبِثَّ كَمَا بَاتَ السَّليمُ مُسَهَّدا
ومنها:
أجدكَ لَمْ تَسْمَعْ وَصاةَ مُحَمَّدٍ *** نَبِيِّ الْإِلهِ حِينَ أَوْصَى وَأَشْهَدا
إِذا أَنتَ لَمْ تَرحَلْ بِزادٍ مِنَ التَّقى *** وَلَاقَيتَ بَعدَ المَوتِ مَنْ قَدْ تَزَوَّدا
نَدمْتَ عَلَى أَلا تَكونَ كَمِثْلِهِ *** فَتُرصد للأمر الذي كان اُرْصِدا
فلقيه أبو سفيان في الطريق فأخبره بقصته ، فجمع له مائة من الإبل وردّه عن قصده ، فلما صار بقاع منفوحة رمى به بعيره فقتله ، ومن شعره :
قَدْ يَتْركِ الدَّهْرُ في خَلقاءَ راسِيَةٍ *** وَهْيَاً وَيَنزِلُ مِنْهَا الأَعْصَمُ الصَّدَعا
وَكانَ شَيءٌ إِلى شَيْءٍ فَفَرَّقَهُ *** دَهَرٌ يَكِرُّ عَلى تَفْريقِ ما جَمَعا
الخلقاء : الصخرة الثابتة . الأعصم : الذي في يده بياض . الصدع : الفتى من الوعول. جاء ذلك في معجم الشعراء / المرزباني : 2 : 401 .
:فَأَنْتَ الجَوادُ وَأَنتَ الذى *** إذا ما القُلوبُ مَلأْنَ الصُّدورا
جَديرٌ بِطَعنَةِ يَومِ اللقا *** يُضَرّبُ مِنْها النساءُ النُّحورا
وَما مُزبدٌ مِنْ خَليج البِحا *** ر يعلو الإكام وَيَعْلو الجُسورا (1)
بِأَجْوَدَ مِنهُ بِما عِندَهُ *** فَيُعطي الألوف وَيُغطي البدورا (2)
جمهرة رسائل العرب : 2 : 10. شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 16: 31.
ويلمس في هذه الرسالة دهاء معاوية وخداعه ، كما يلمس خوره وضعف عزيمته وفزعه من الإمام الحسن (علیه السّلام) ، وذلك لمدحه وثنائه على الإمام علي (علیه السلام) وإنكاره لما أظهره من الفرح والسرور والغبطة بموته ، ولولا ذلك لما سجّل لخصمه هذا الثناء العاطر .
ورفع عامل الإمام على البصرة عبد الله بن عبّاس مذكرة إلى معاوية يستنكر فيها بعثه العيون والجواسيس إلى البصرة، ويهدّده على هذا الاعتداء السافر ، وهذا نصها :
أما بعد : فإنّك ودسّك أخا بني القين إلى البصرة تلتمس من غفلات قريش بمثل ما ظفرت به من يمانيتك لكما . قال أمية بن أبي الصلت (3):
1) مزبد: مشتق من أزبد البحر إزباداً ، فهو مزبد - بالتحريك - وهو كالرغوة . الإكام : جمع أكمة كقصبة ، وهي التل .
2) لبدور : جمع مفرده بدرة كوردة ، وهي كيس فيه ألف أو عشرة آلاف درهم أو سبعة آلاف دينار
3) جاء في جمهرة رسائل العرب : 2 : 4 : « أن الصحيح هو (أمية بن الأسكر) لا أمية بن أبي الصلت ، فإنّه خطأ ، وقد استند إلى ما ذكره برواية الأغاني ، حيث ذكر هذه الأبيات إلى أمية بن الأسكر قالها لما تغلب أصحاب النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) على رهط أميّة بسبب طارق الخزاعي ، وكان قاطناً معهم، فدلّ أصحاب النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) عليهم ، لأنّ خزاعة كان مشركها ومؤمنها يميلون إلى النبي على قريش ، فتأثر أُمية من فعل طارق ، فقال فيه هذه الأبيات ، وأجابه طارق بأبيات استشهد فيها معاوية في جوابه عن رسالة عبدالله بن عباس .
لَعَمُركَ إِنِّي وَالخُزاعي طارقاً *** كَنَعجَةَ غادَتْ حَتفَها تَتَحَفَّرْ (1)
أثارَتْ عَلَيْها شَفْرَةٌ بكراعها *** فَظَلَّتْ بها مِنْ آخر الليل تُنْحَر (2)
شَمِتَّ بِقَومٍ هُمْ صَدِيقُكَ أُهْلِكُوا *** أَصابَهُمْ يَومٌ مِنَ الدَّهْرِ أَعْسَرُ (3)
ولما وردت رسالة ابن عبّاس على معاوية انبرى إليها مجيباً بجواب تمثلت فيه المواربة والخداع ، وهذه صورته :
«أما بعد : فإنّ الحسن كتب إلينا بنحو الذي كتبت به ، أنبني ممّا لم يحقق سوء ظنّ ورأي فيَّ ، وإنك لم تصب مثلي ومثلكم ، وإنما مثلنا كما قال طارق الخزاعي يجيب أميّة على هذا الشعر :
فَوَاللَّهِ ما أَدْرِي وَإِنِّي لَصَادِقٌ *** إِلى أَي مَنْ يَظُنُّني أَتَعَذَّرُ
1) غادت : أي باكرت. الحتف : الموت ، ومنع نعجة من الصرف لأجل الضرورة .
2) الشفرة : السكين العريض ، وحدّ السيف ، وجانب النصل . الكراع : مستدق الساق ، وجاء في المثل : «كالباحث عن المدية» ، ويروى عن الشفرة ، وفي آخر : «كباحثة عن حتفها بظلفها» وأصله أنّ رجلاً كان جائعاً فوجد شاة ولم يكن معه ما يذبحها به ، فبحثت الشاة الأرض بأظلافها ، فسقطت على شفرة فذبحها بها ، يضرب مثلاً لكل من أعان على نفسه بسوء تدبيره .
3) الأغاني : 8 : 62 شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد :16: 32. جمهرة رسائل العرب : 11:2 .
أُعَنَّفُ إِنْ كَانَتْ زَبينَةُ أَهْلَكَتْ *** ونالَ بَني لِحْيانَ شَرّ فَأُنْفروا (1)
وهذا الجواب يضارع الجواب الذي بعثه إلى الإمام (علیه السلام) في إنكاره لما أبداه من السرور والفرح بموت الإمام (علیه السلام) ، كما احتوى جوابه على الدهاء والموارية .
فأما قوله لابن عباس : « إن الحسن قد أنبني » فالإمام الحسن (علیه السّلام) وإن أنبه ولامه على إظهاره للمسرات بمقتل الإمام (علیه السلام) ، إلا أنه تهدّده وتوعده بإعلانه للحرب لما هو أهم من ذلك وأعظم ، وهو بعثه للعيون والجواسيس إلى مملكته ، فإنّ هذه الجهة قد أعرض عنها لئلا يذاع نشاط الإمام وعزمه على إعلان الحرب فتخور عزائم جنده ، وتقوى نفوس أصحاب الإمام .
وعلى أثر ذلك بعث الحازم اليقظ عبد الله بن عباس رسالة إلى الإمام ينشطه فيها على إثارة الحرب ومقاومة معاوية ومناجزته حتى النفس الأخير ، وقد دلّت رسالته على درايته الواسعة، واطلاعه الوافر بفنون السياسة ، ومعرفته التامة بنفوس المجتمع ، ووقوفه التام على نفسيات الأمويين واتجاههم السيء نحو الإسلام والمسلمين ، وهذا نصها : « أما بعد : فإنّ المسلمين ولوك أمرهم بعد علي (علیه السلام) ، فشمّر للحرب ، وجاهد عدوّك ، وقارب أصحابك ، واشتر من الظنين دينه بما لا يثلم لك دنياه (2)، وول (3)أهل البيوت والشرف تستصلح به عشائرهم حتى يكون الناس جماعة ، فإنّ بعض ما يكره الناس ما لم يتعد الحق ، وكانت عواقبه تؤدّي (4)
إلى ظهور العدل، وعزّ الدين خير من كثير ممّا يحبّه الناس إذا كانت عواقبه تدعو إلى ظهور الجور ، وذلّ المؤمنين وعزّ الفاجرين .
واقتد بما جاء عن أئمة العدل ، فقد جاء عنهم أنه لا يصلح الكذب إلا في حرب ، أو إصلاح بين الناس ، فإنّ الحرب خدعة (1)، ولك في ذلك سعة إذ كنت محارباً ما لم تبطل حقاً .
واعلم أن علياً أباك إنما رغب الناس عنه إلى معاوية أنه آسى (2)بينهم في الفيء ، وسوّى بينهم في العطاء ، فثقل عليهم .
واعلم أنك تحارب من حارب الله ورسوله في ابتداء الإسلام حتى ظهر أمر الله . فلما وحد الربّ ، ومحق الشرك ، وعزّ الدين ، أظهروا الإيمان ، وقرأوا القرآن مستهزئين بآياته ، وقاموا إلى الصلاة وهم كسالى ، وأدوا الفرائض وهم لها كارهون .
فلما رأوا أنّه لا يعزّ في الدين إلا الأتقياء الأبرار توسموا بسيماء الصالحين ليظن المسلمون بهم خيراً ، فما زالوا بذلك حتى شركوهم في أماناتهم ، وقالوا حسابهم على الله ، فإن كانوا صادقين فإخواننا في الدين ، وإن كانوا كاذبين كانوا بما اقترفوا هم الأخسرين ، وقد منيت بأولئك وبأبنائهم وأشباههم ، والله ما زادهم طول العمر إلا غيّاً ، ولا زادهم ذلك لأهل الدين إلا مقتاً .
فجاهدهم ولا ترض دنيّة ولا تقبل خسفاً (3)، فإنّ عليّاً أباك لم يجب إلى الحكومة حتى غلب على أمره فأجاب ، وإنّهم يعلمون أنه أولى بالأمر إن حكموا بالعدل ، فلما حكموا بالهوى رجع إلى ما كان عليه حتى أتى عليه أجله ، ولا تخرجنّ
من حق أنت أولى به حتى يحول الموت دون ذلك.
والسلام» (1)
واحتوت هذه الرسالة على أمور بالغة الأهمية ، هي :
1 - إن ابن عباس عرض على الإمام أن يولّي الأشراف وذوي النفوذ ، ويشري من الظنين دينه ليقضي بذلك على روح التفرقة ، ويكون الناس جماعة واحدة ، حتى يتمكن من مناجزة معاوية ومقاومته ، وغفل ابن عبّاس أنّ ذلك يتنافى مع السياسة الرشيدة التي انتهجها أهل البيت (علیهم السلام)، فإنّها بنيت على الحق الخالص ، وعلى شجب كافة الوسائل التي لا تتفق مع المبادئ الإسلامية ، وإن توقف عليها الظفر والنصر ، وسنذكر ذلك بمزيد من التوضيح عند عرض أسباب الصلح .
2 - واشتملت هذه الرسالة على أهم الأسباب الوثيقة التي أدت إلى خذلان الإمام في دور خلافته ، ونجاح معاوية في عهد حكومته ، فإنّ الإمام قد انتهج سياسة العدل والمساواة ، فسوّى بين المسلمين في العطاء ، فلم يقدّم أحداً على أحد في العطاء عملاً بما أمر به الإسلام ، ونصت عليه مبادئه العادلة التي محت التفاوت بين الأبيض والأسود ، وهدمت الحواجز بين الغني والفقير ، وجعلت « النَّاسُ سَواسِيَةٌ كَأَسْنانِ الْمِشْطِ ، كُلُّهُمْ مِنْ آدم وَآدَمُ مِنْ تُراب»، لا ميزة لأحد على أحد إلا بالتقوى ، ولا فضل لأحد على أحد إلا بالعمل والكفاءة .
سار الإمام علي (علیه السلام) على هذه السياسة العادلة ، ومشى على هذه الخطة الواضحة حتى ضرب الرقم القياسي للمساواة والعدل ، فمن بوادر عدله أنّه ساوى بين سيّدة قرشيّة وبين أمة في العطاء ، فغاظ القرشيّة ذلك ، وأقبلت إليه وهي محنقة مغيظة تقول بحرارة : أتساوي في العطاء بيني وبين هذه الأمة ؟
فرمقها الإمام بطرفه وأخذ بيده قبضة من التراب وجعل يقلبه بيده وهو يقول :
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 16: 23 و 24 جمهرة رسائل العرب : 2 : 8 و 9 .
لَمْ يَكُنْ بَعْضُ هذَا التُّرابِ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ
لقد ثقل على الناس هذه المساواة ، وشقّ عليهم هذا العدل ، لأنهم لا يتطلبون إلا مصالحهم الخاصة ، فلذا زهدوا في حكومته ، وخضعوا لحكومة الظلم حكومة معاوية الذي لا هدف له إلا اشباع شهواته ، وتحقيق رغباته.
وأعرب ابن عباس في رسالته عن دراسته الوثيقة لنفسيات الأمويين ، ومعرفته بما انطوت عليه قلوبهم ، فلقد بيّن أنّهم مجموعة من الملحدين والمشركين - كما هم كذلك - فإذا حاربهم الإمام فإنّما يحارب من حارب الله ورسوله حينما بزغ نور الإسلام ، فإنّه لما كتب الله النصر لدينه ، وقهر سلطان الإسلام العرب دخلت أمية فيه ، لكن لا إيماناً منهم بقضيّته ، بل خوفاً من حرّ السيف ، ورهبة الموت ، فكانوا يتظاهرون باعتناق الإسلام ، فيقرأون آيات الذكر الحكيم ، ولكن قراءة استهزاء وسخرية لا إيماناً واعتقاداً به .
وكانوا يقيمون الصلاة ولكنّهم يؤدونها وهم كسالى ، ويقيمون فرائض الإسلام ولكن عن كره ونفاق ، ولما رأوا أنّ خطتهم مغلوطة ولا تضمن لهم النجاح ، ولا تكفل لهم السعادة إذ لا يعزّ في هذا الدين إلا الأبرار الصلحاء لقوله تعالى : «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ » (1)أظهروا تدليساً ورياء الصلاح والتقى والإيمان ، وأضمروا في دخائل نفوسهم الشرك والنفاق والحقد على الإسلام ، وظلّوا على هذا الحال يظهرون الطاعة لله والانقياد لأوامره وأحكامه ، حتى أشركهم المسلمون في أمورهم وشؤونهم ، ولكنّ المسلمين مع ذلك كانوا مرتابين منهم ، شاكين في أمرهم على ريب من صدقهم .
4 - واحتوت هذه الرسالة على حثّ الإمام وتحريضه لمحاربة هؤلاء المنافقين والمارقين من الدين ، ومواصلة حربهم حتى النفس الأخير لتستريح الأمة من شرّهم ،
1) الحجرات 49: 13 .
وتسلم من مكرهم وغوائلهم ، ولا شك أنّ هذه الرسالة التي درّجها يراع هذا الحبر الجليل كان لها موقع حسن في نفس الإمام ، فقد حفزته إلى مناجزة معاوية ومقاومته ، وإعلان الحرب عليه.
وأرسل الإمام رسالة أخرى إلى معاوية يدعوه إلى مبايعته وطاعته ، والدخول فيما دخل فيه المسلمون ، وقد أرسل هذه الرسالة بيد شخصين من عيون المؤمنين ، وثقات الإسلام ، وهما الحارث بن سويد التميمي (1)
هو أبو عائشة الكوفي . روى عن جماعة من ثقات الصحابة ، منهم الإمام علي (علیه السلام) وابن مسعود ، وروى عنه جماعة من الثقات ، وقد عظم الرواة شأنه ، فقال ابن معين: «إنّه ثقة»، وقال غيره : «إنّه أجود إسناد روي عن الإمام علي (علیه السلام) » ، وقد أطرى على الرجل وأثنى عليه بثناء عاطر ، ويكفيه فضلاً أنه ثقة الإمام الحسن (علیه السلام) ومعتمده الذي بعثه لمعاوية .
توفي في أواخر أيام عبدالله بن الزبير . تهذيب التهذيب : 2: 173 .
وجندب الأزدي (2)يكنى بأبو عبدالله ، وهو أحد الصحابة ، وقد روى عن النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) أنه قال : « حَدُّ السَاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ». روى عن جماعة من الصحابة منهم الإمام علي (علیه السلام) وسلمان الفارسي ، وروى عنه جماعة آخرون ، وذكره ابن حبّان من ثقات التابعين.
توفّي في آخر خلافة معاوية . تهذيب التهذيب : 2 : 118 .
، وإليك نص رسالته :مِنْ عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ.
أَمَّا بَعْدُ : فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّداً رَحْمَةً لِلْعالَمينَ ، فَأَظْهَرَ بِهِ الْحَقَّ ،
وَقَمَعَ بِهِ الشَّرْكَ ، وَأَعَزَّ بِهِ الْعَرَبَ عامَّةً ، وَشَرَّفَ بِهِ قُرَيْشَاً حَاصَّةً ، فَقَالَ:«وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ» (1)
فَلَمّا تَوَفَّاهُ اللهُ تَنازَعَتِ الْعَرَبُ فِي الْأَمْرِ بَعْدُ ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ : نَحْنُ عَشِيرَتُهُ وَأَوْلِيَاؤُهُ فَلَا تُنازِعونا سُلْطَانَهُ ، فَعَرَفَتِ الْعَرَبُ لِقُرَيْشٍ ذلِكَ ، وَجاحَدَتْنَا قُرَيْشٌ مَا عَرَفَتْ لَهَا الْعَرَبُ.
فَهَيْهَاتَ مَا أَنْصَفَتْنا قُرَيْشٌ ، وَقَدْ كانوا ذَوي فَضيلَةٍ فِي الدِّينِ ، وَسَابِقَةٍ في الْإِسْلامِ ، وَلَا غَرْوَ إِلَّا مُنازَعَتُكَ إِيَّانَا الْأَمْرَ بِغَيْرِ حَقٍّ فِي الدُّنْيا مَعْرُوفٍ ، وَلَا أَثَرٍ فِي الْإِسْلامِ مَحْمُودٍ ، فَاللَّهُ الْمَوْعِدُ ، نَسْأَلُ اللهَ مَعْرُوفَهُ أَنْ لَا يُؤْتِينا في هذِهِ الدُّنْيا شَيْئاً يُنْقِصُنا عِنْدَهُ فِي الْآخِرَةِ.
إِنَّ عَلِيّاً لَمّا تَوَفَّاهُ اللهُ وَلَاني الْمُسْلِمُونَ الْأَمْرَ بَعْدَهُ ، فَاتَّقِ اللَّهَ يَا مُعَاوِيَةَ ، وَانْظُرْ لَأُمَّةِ مُحَمَّدٍ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ما تَحْقِنُ بِهِ دِمَاءَهَا ، وَتُصْلِحُ بِهِ أَمْرَهَا .
وَالسَّلامُ (2)
وتروى هذه الرسالة بصورة أخرى أبسط من هذه الصورة وأوفى ، نذكرها لما فيها من مزيد الفائدة:
مِنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ
سَلامٌ عَلَيْكَ ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللهُ الذي لا إلهَ إِلّا هُوَ .
أَمَا بَعْدُ .. فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ جَلالُهُ بَعَثَ مُحَمَّداً رَحْمَةً لِلْعالَمينَ ، وَمِنَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَكافَّةً لِلنَّاسِ أَجْمَعِينَ «لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ» (1)، فَبَلَّغَ رِسالاتِ اللهِ ، وَقامَ بِأَمْرِ اللَّهِ ، حَتَّىٰ تَوَفَّاهُ اللَّهُ غَيْرَ مُقَصِّرٍ وَلَا وانٍ.
وَبَعْدَ أَنْ أَظْهَرَ اللَّهُ بِهِ الْحَقَّ ، وَمَحَقَ بِهِ الشَّرْكَ ، وَخَصَّ بِهِ قُرَيْشاً خاصةً . فَقالَ لَهُ: :«وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ» (2).
فَلَمّا تُوُفِّي تَنازَعَتْ سُلْطَانَهُ الْعَرَبُ ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ : نَحْنُ قَبِيلَتُهُ وَاُسْرَتُهُ وَأَوْلِيَاؤُهُ ، وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تُنازِعونا سُلْطَانَ مُحَمَّدٍ وَحَقَّهُ ، فَرَأَتِ الْعَرَبُ أَنَّ الْقَوْلَ ما قالَتْ قُرَيْشٌ ، وَأَنَّ الْحُجَّةَ فى ذلِكَ لَهُمْ عَلى مَنْ نازَعَهُمْ أَمْرَ مُحَمَّدٍ ، فَأَنْعَمَتْ لَهُمْ (3)، وَسَلَّمَتْ إِلَيْهِمْ.
ثُمَّ حاجَجْنا نَحْنُ قُرَيْشاً بِمِثْلِ ما حاجَجَتْ بِهِ الْعَرَبَ فَلَمْ تُنْصِفْنَا قُرَيْشٌ إِنْصافَ الْعَرَبِ لَها ، إِنَّهُمْ أَخَذوا هذَا الْأَمْرَ دونَ الْعَرَبِ بِالْإِنْصافِ والإحتجاج.
فَلَمّا صِرْنا أَهْلُ بَيْتِ مُحَمَّدٍ وَأَوْلِيَاؤُهُ إِلى مُحاجَجَتِهِمْ وَطَلَبِ النَّصَفِ (4)
مِنْهُمْ ،باعَدونا ، وَاسْتَوْلَوا بِالْإِجْتِماعِ عَلَى ظُلْمِنا وَمُراغَمَتِنا (1)، وَالْعَنَتِ مِنْهُمْ لَنَا ، فَالْمَوْعِدُ اللهُ ، وَهُوَ الْوَليُّ النَّصيرُ .
وَلَقَدْ كُنَّا تَعَجَّبْنا لِتَوَثُّبِ الْمُتَوَكِّبِينَ عَلَيْنَا فِي حَقِّنَا ، وَسُلْطَانِ بَيْتِنَا ، وَإِنْ كانوا ذَوي فَضيلَة وَسابِقَةٍ فِي الْإِسْلامِ ، وَأَمْسَكْنَا عَنْ مُنازَعَتِهِمْ مَخافَةً عَلَى الدِّيْنِ أَنْ يَجِدَ الْمُنافِقُونَ وَالْأَحْزَابُ (2)فِي ذلِكَ مَغْمَزاً يَظْلِمُونَهُ بِهِ ، أَوْ يَكونُ لَهُمْ بِذلِكَ سَبَبٌ إِلى ما أَرادوا مِنْ إِفْسادِهِ ، فَالْيَوْمَ فَلْيَتَعَجَّبِ المُتَعَجِّب مِنْ تَوَثُّبِكَ يا مُعاوِيَةُ عَلى أَمْرٍ لَسْتَ مِنْ أَهْلِهِ، لَا بِفَضْلٍ في الدِّينِ مَعْرُوفٍ ، وَلَا أَثَرٍ في الْإِسْلامِ مَحْمُودٍ ، وَأَنْتَ ابْنُ حِزْبٍ مِنَ الْأَحْزاب، وَابْنُ أَعْدَى قُرَيْشٍ لِرَسولِ اللَّهِ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وَلِكِتَابِهِ ، وَاللَّهُ حَسِيبُكَ ، فَسَتُرَدُّ وَتَعْلَمُ لِمَنْ عُقْبى الدارِ ، وَبِاللَّهِ لَتَلْقضيَنَّ عَنْ قَليلٍ رَبَّكَ ثُمَّ لَيَجْزِيَنَّكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ ، وَمَا اللَّهُ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ .
إنَّ عَلِيّاً لَمَا مَضى لِسَبِيلِهِ - رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ يَوْمَ قُبِضَ ، وَيَوْمَ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْإِسْلامِ ، وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً - وَلَاني الْمُسْلِمُونَ بَعْدَهُ ، فَأَسْأَلُ اللهَ أَنْ لَا يُؤْتِينا في الدُّنْيَا الزَّائِلَةِ شَيْئاً يُنْقِصُنَا بِهِ فِي الْآخِرَةِ مِمَّا عِنْدَهُ مِنْ كَرامَةٍ ، وَإِنَّما حَمَلَني عَلَى الْكِتابِ إِلَيْكَ الْإِعْذَارُ فيما بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَمْرِكَ ،
وَلَكَ في ذَلِكَ إِنْ فَعَلْتَهُ الْحَظُّ الْجَسيم ، وَالصَّلاحُ لِلْمُسْلِمينَ ، فَدَع التَّمَادِيَ فِي الْباطِلِ ، وَادْخُلْ فيما دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ مِنْ بَيْعَتِي ، فَإِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكَ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ كُلِّ أَوَّابٍ (1)حَفِيظٍ ، وَمَنْ لَهُ قَلْبٌ مُنيبٌ ، وَاتَّقِ اللهَ وَدَعِ الْبَغْيَ ، وَاحْقِنْ دِماءَ الْمُسْلِمِينَ ، فَوَاللَّهِ مَا لَكَ خَيْرٌ في أَنْ تَلْقَى اللَّهَ مِنْ دِمَائِهِمْ بِأَكْثَرِ مِمَّا أَنْتَ لاقيهِ بِهِ ، وَادْخُلْ فِي السَّلْم وَالطَّاعَةِ وَلَا تُنازِعِ الْأَمْرَ أَهْلَهُ ، وَمَنْ هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْكَ لِيُطْفِئَ اللهُ النَّائِرَةَ (2)بِذلِكَ ، وَيَجْمَعَ الْكَلِمَةَ ، وَيُصْلِحَ ذاتَ الْبَيْنِ ، وَإِنْ أَنْتَ أَبَيْتَ إِلَّا التَّمَادِيَ في غَيِّكَ سِرْتُ إِلَيْكَ بِالْمُسْلِمِينَ ، فَحاكَمْتُكَ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (3).
وحفلت هذه الرسالة - على كلتا الروايتين - بأمور مهمة :
1 - إنّ الإمام أعرب فيها عن شعوره تجاه الخلافة الإسلامية ، فهو يرى أنّها من حقوق أهل البيت (علیهم السلام) لا يشاركهم فيها أحد ، وإن من ابتزها منهم فقد اعتدى عليهم وسلب تراثهم ، وقد سلك الإمام في الاستدلال على رأيه الوثيق بعين ما استدلت به قريش على العرب في أحقّيّتهم بالخلافة من أنّهم أقرب الناس إلى النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، وأمس الناس رحماً به ، فإنّ هذا الشعار الذي هتفوا به موجود في أهل البيت على النحو الأكمل ، فإنّهم فرع دوحته ، وألصق الناس به، وأقربهم إليه ، ومن الغريب أن العرب قنعت بحجّة قريش ، ولكنّ القرشيين لم يخضعوا لمقالة أهل البيت (علیهم السلام).
نعم ، يعود السبب في ذلك إلى الأضغان والأحقاد التي أترعت نفوسهم بها ، فناصبوا عترة نبيّهم ، وبالغوا في إرهاقهم والتنكيل بهم، فواجهت العترة الطاهرة ألواناً قاسية من المحن والخطوب .
2 - وذكر الإمام الحسن (علیه السلام) السر في إمساكهم وإحجامهم عن المطالبة بحقهم ، وذلك خوفاً منهم على بيضة الإسلام ، وكلمة التوحيد من الأحزاب والمنافقين الذين مردوا على النفاق ، فقد قويت شوكتهم بموت النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، وأخذوا ينتهزون الفرصة لمحق الإسلام ، واستئصال شأفته ، فآثروا مصلحة الإسلام على ضياع حقهم .
وقد صرّح الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) بذلك في كتابه الذي بعثه إلى أهل مصر ، وقد جاء فيه :
«فلمَّا مَضى عَليهِ السَّلَامُ تَنازَعَ الْمُسْلِمُونَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ، فَواللهِ ما كانَ يُلْقَى فِي رُوعي ، وَلَا يَخْطُرُ بِبالي ، أَنَّ الْعَرَبَ تُزْعِجُ هَذا الأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلَا أَنَّهُمْ مُنَحُوهُ عَنِّي مِنْ بَعْدِهِ ! فَما راعَني إِلَّا انْثِيَالُ النَّاسِ عَلَى فُلَانٍ يُبايِعُونَهُ ، فَأَمْسَكْتُ يَدِي حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ النَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الْإِسْلَامِ ، يَدْعُونَ إِلَىٰ مَحْقِ دِينِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً ، تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلَايَتِكُمُ الَّتي إِنَّما هِيَ مَتاعُ أَيَّامٍ قَلَائِلَ ، يَزُولُ مِنْها ما كانَ ، كَما يَزُولُ السَّرابُ ، أَوْ كَما يَتَقَشَعُ السَّحابُ» (1).
1) شرح نهج البلاغة / محمد عبده : 3 : 118 و 119 . بحار الأنوار: 29 : 622 ، الحديث 34.
فلأجل الحفاظ على الإسلام ، والاحتياط على مصلحة المسلمين أمسكوا (علیهم السلام) عن المطالبة بحقوقهم ، ولم يناجزوا القوم بالسيف ، وسلّموا الأمر إلى الله .
3 - وأعرب الإمام الحسن (علیه السّلام) في رسالته عن استغرابه من نزاع معاوية وتطاوله عليه ، وهو من الحزب الذي سعر الدنيا حرباً على رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، وأثاروا عليه حفائظ الجاهلية وأحقادها ، فكيف ينازع حفيد النبي ووريثه على منصبه ومقامه !
وهناك باعث آخر من بواعث استغراب الإمام (علیه السلام) على منازعة معاوية له ، وهو أن معاوية ليس له فضل في الدين معروف ، ولا أثر في الإسلام محمود وليست له أي موهبة أو فضيلة حتّى يستحق هذا المنصب العظيم في الإسلام.
4 - وذكر (علیه السلام) لمعاوية عموم البيعة له بعد وفاة أبيه ، وأنّ الأمة قد أجمعت على مبايعته وعلى الانقياد إليه ، وهي حجّة بالغة لو وعاها معاوية ورجع إلى منطق الحق والصواب.
ولما وصلت رسالة الإمام إلى معاوية أجاب عنها بجواب يلمس فيه المكر والخداع ، وهذه صورته :
«أمّا بعد ، فقد فهمت ما ذكرت به رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، وهو أحق الأولين والآخرين بالفضل كله ، وذكرت تنازع المسلمين الأمر بعده ، فصرّحت بتهمة أبي بكر الصديق ،وعمر ، وأبي عبيدة الأمين، وصلحاء المهاجرين ، فكرهت لك ذلك . إنّ الأمّة لما تنازعت الأمر بينها رأت قريشاً أخلقها به، فرأت قريش والأنصار وذوو الفضل والدين من المسلمين أن يولوا من قريش أعلمها بالله ، وأخشاها له ، وأقواها على الأمر ، فاختاروا أبا بكر ولم يألوا (1)، ولو علموا مكان رجل غير أبي بكر يقوم مقامه ،
1) لم يألوا : أي لم يقصروا .
ويذبّ عن حرم الإسلام ذبّه ، ما عدلوا بالأمر إلى أبي بكر ، والحال اليوم بيني وبينك على ما كانوا عليه ، فلو علمت أنك أضبط لأمر الرعيّة ، وأحوط على هذه الأمة ، وأحسن سياسة ، وأكيد للعدو، وأقوى على جمع الفيء ، لسلّمت لك الأمر بعد أبيك ، فإنّ أباك سعى على عثمان حتى قتل مظلوماً ، فطالب الله بدمه ، ومن يطلبه الله فلن يفوته ، ثم ابتز الأمة أمرها ، وفرّق جماعتها ، فخالفه نظراؤه من أهل السابقة والجهاد والقدم في الإسلام ، وادعى أنّهم نكثوا بيعته ، فقاتلهم فسفكت الدماء ، واستحلت الحرم ، ثم أقبل إلينا يدعي علينا بيعة ، ولكنه يريد أن يملكنا اغتراراً فحاربناه وحاربنا .
ثم صارت الحرب إلى أن اختار رجلاً واخترنا رجلاً ليحكما بما تصلح عليه الأمة ، وتعود به الجماعة والألفة، وأخذنا بذلك عليهما ميثاقاً ، وعليه مثله ، وعلينا مثله على الرضا بما حكما ، فأمضى الحكمان عليه الحكم بما علمت ، وخلعاه فوالله ما رضي بالحكم ، ولا صبر لأمر الله ، فكيف تدعوني إلى أمر إنّما تطلبه بحق أبيك ، وقد خرج منه ، فانظر لنفسك ولدينك ، والسلام» (1).
وروي هذا الجواب بصورة أخرى أوسع وأبسط من الاُولى ، وهذا نصه :
«من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى الحسن بن عليّ .
سلام عليك
فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو .
أمّا بعد : فقد بلغني كتابك ، وفهمت ما ذكرت به محمداً رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) من الفضل ، وهو أحق الأولين والآخرين بالفضل كلّه قديمه وحديثه ، وصغيره وكبيره ، وقد والله بلغ وأدّى ، ونصح وهدى ، حتى أنقذ الله به من الهلكة ، وأنار به من العمى ، وهدى به من الجهالة والضلالة ، فجزاه الله أفضل ما جزى نبيّاً عن أمته وصلوات الله
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 16 : 25 .
عليه يوم ولد ويوم بعث ويوم قبض ويوم يبعث حيّاً، وذكرت وفاة النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، وتنازع المسلمين بعده ، وتغلبهم على أبيك ، فصرّحت بتهمة أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وأبي عبيدة الأمين وحواري (1)رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، وصلحاء المهاجرين والأنصار ، فكرهت ذلك لك ، إنّك امرؤ عندنا وعند الناس غير الظنين ، ولا المسيء ، ولا اللئيم ، وأنا أحبّ لك القول السديد والذكر الجميل .
إنّ هذه الأمة لما اختلفت بينها لم تجهل فضلكم ولا سابقتكم ، ولا قرابتكم من نبيكم ، ولا مكانكم في الإسلام وأهله ، فرأت الأمة أن تخرج من هذا الأمر لقريش لمكانتها من نبيّها ، ورأى صلحاء الناس من قريش والأنصار وغيره من سائر الناس وعوامهم ، أن يولوا هذا الأمر من قريش أقدمها إسلاماً ، وأعلمها بالله ، وأحبها له ، وأقواها على أمر الله ، فاختاروا أبا بكر ، وكان ذلك رأي ذوي الدين والفضل ، والناظرين للأمة ، فأوقع ذلك في صدوركم لهم التهمة ، ولم يكونوا متهمين ، ولا فيما أتوا بالمخطئين.
ولو رأى المسلمون أنّ فيكم من يغني غناءه (2)، ويقوم مقامه ، ويذبّ عن حريم الإسلام ذبّه ، ما عدلوا بالأمر إلى غيره رغبة عنه ، ولكنّهم عملوا في ذلك بما رأوه صلاحاً للإسلام وأهله ، والله يجزيهم عن الإسلام وأهله خيراً ، وقد فهمت الذي دعوتني إليه من الصلح ، والحال فيما بيني وبينك اليوم مثل الحال التي كنتم عليها أنتم وأبو بكر بعد وفاة النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، فلو علمت أنك أضبط منّي للرعيّة ، وأحوط على هذه الأمة ، وأحسن سياسة ، وأقوى على جمع الأموال ، وأكيد للعدو لأجبتك إلى ما دعوتني إليه ، ورأيتك لذلك أهلاً، ولكن قد علمت أنّي أطول منك ولاية ، وأقدم منك بهذه الأمة تجربة ، وأكبر منك سنّاً ، فأنت أحق أن تجيبني إلى هذه المنزلة
التي سألتني ، فادخل في طاعتي ، ولك الأمر من بعدي ، ولك ما في بيت مال العراق من مال بالغاً ما بلغ ، تحمله إلى حيث أحببت ، ولك خراج أي كور العراق شئت معونة لك على نفقتك يجبيها أمينك ، ويحملها لك في كل سنة ، ولك أن لا يستولى عليك بالإساءة ، ولا تقضى دونك الأمور ، ولا تعصى في أمر أردت به طاعة الله ، أعاننا الله وإياك على طاعته ، إنّه سميع مجیب الدعاء .
والسلام (1)
واشتملت هذه الرسالة - بكلتا الروايتين - على دجل معاوية ومراوغته وأغاليطه، كما يقول الدكتور أحمد الرفاعي (2)، ولا بد لنا من وقفة قصيرة للنظر في محتوياتها ، وهي :
1 - جاء فيها : « أنّ هذه الأمّة لما اختلفت بينها لم تجهل فضلكم ، ولا سابقتكم للإسلام ، ولا قرابتكم من نبيكم ...» إنّ من تتبع الأحداث التي وقعت بعد وفاة النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) عرف زيف هذا الكلام ومجافاته للواقع ، فإنّ العترة الطاهرة واجهت بعد النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) أشق المحن والخطوب ، فإنّ الجرح لما يندمل ، والرسول لما يقبر ، استبدّ القوم بالأمر، وعقدوا سقيفتهم متهالكين على الحكم ، وتغافلوا عترة نبيّهم ، فلم يأخذوا رأيهم ، ولم يعتنوا بهم ، ولما تم انتخاب أبي بكر خفوا مسرعين إلى بيت بضعته وريحانته وهم يحملون مشاعل النار لإحراقه ، وسحبوا أخا النبي ووصيه أمير المؤمنين مقاداً بحمائل سيفه ليبايع قسراً ، وهو يستجير فلايجار ، وخلد بعد ذلك إلى العزلة يسامر همومه وشجونه ، وتتابعت عليهم منذ ذلك اليوم المصائب والخطوب، فلم يمض على انتقال النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) إلى دار الخلد خمسون عاماً ، وإذا بالمسلمين في موكب جهير يجوب البيداء من بلد إلى بلد وهم يحملون رؤوس
أبنائه على أطراف الرماح ، وبناته سبايا «يَسْتَشْرِفُهُنَّ أَهْلُ المَنَاهِلِ وَالمَعَاقِلِ (1)
المعاقل : سكنة الحصون . لسان العرب 9: 331 - عقل .
وَيَتَصَفَّحُ وُجُوهَهُنَّ القَرِيبُ وَالبَعِيدُ» . وبعد هذه المحن التي ألمت بهم هل أدّت الأمة حقهم ، وعرفت مكانتهم ، ولم تجهل فضلهم .2 - ومن محتوياتها : « ورأى صلحاء الناس من قريش والأنصار وغيرهم أن يولوا هذا الأمر من قريش ... الخ » إنّ صلحاء المسلمين وخيارهم كانوا مع أمير المؤمنين (علیه السلام) ولم يرتضوا بيعة أبي بكر ، وأقاموا على ذلك سيلاً من الاحتجاج والانكار ذكرناه بالتفصيل في الجزء الأول من هذا الكتاب .
لقد كانت مغبة اختيار قريش أن يحكم رقاب المسلمين معاوية ويزيد ومروان والوليد وأمثالهم من أئمّة الظلم والجور الذين أغرقوا البلاد في المآسي والشجون ، وأمعنوا في إذلال المسلمين وإرهاقهم حتى بايعوا في عهد يزيد أنّهم خول وعبيد له هذا ما رآه صلحاء الناس من قريش في صرف الأمر عن عترة نبيهم كما قال معاوية ، وقد وفقت في اختيارها - كما يقولون - فإنا لله وإنا إليه راجعون .
ومن غريب هذه الرسالة قوله : «فلو علمت أنك أضبط للرعيّة منّي ، وأحوط على هذه الأمة ، وأحسن سياسة ... الخ » نعم تجلّت حيطته على الإسلام وحسن سیاسته حينما تم له الأمر ، وصفا له الملك ، فإنّه أخذ يتتبع صلحاء المسلمين وأبرارهم فيمعن في قتلهم ومطاردتهم وزجهم في السجون ، ومن حيطته على الإسلام استلحاقه لزياد ابن أبيه ، وسبّه الأمير المؤمنين (علیه السلام) على المنابر وفي قنوت الصلاة ، ونصبه ليزيد حاكماً على المسلمين ، وأمثال هذه الموبقات والجرائم التي سوّدت وجه التاريخ .
1) المناهل - جمع منهل - : وهو موضع الشرب من العيون لسان العرب 14 : 310 - نهل ، والمراد من يسكن فيها .
وأرسل معاوية إلى الإمام مذكرة يحذره فيها من الخلاف عليه ، ويمنيه بالخلافة من بعده إن تنازل له عن الأمر، وهذا نصها:
أما بعد : فإنّ الله يفعل في عباده ما يشاء لا معقب لحكمه ، وهو سريع الحساب ، فاحذر أن تكون منيّتك على أيدي رعاع من الناس ، وأيس من أن تجد فينا غميزة ، وإن أنت أعرضت عمّا أنت فيه وبايعتني وفيت لك بما وعدت ، وأجريت لك ما شرطت ، وأكون في ذلك كما قال أعشى بني قيس بن ثعلبة :
وَإِنْ أَحَدٌ أَسْدَى إِلَيكَ أَمانَةً *** فَأَوفِ بِها تُدْعَى إِذا مِتَّ وافيا
وَلَا تَحْسُدِ المَولى إِذا كانَ ذا غِنىً *** وَلا تَجْفُهُ إِن كان في المال فانيا
ثمّ الخلافة لك من بعدي ، فأنت أولى الناس بها .
والسلام (1)
وأكبر الظنّ أنّ هذه الرسالة المشتملة على مثل هذا اللون من التهديد والتوعيد إنما بعثها معاوية إلى الإمام بعد ما اتصل اتصالاً وثيقاً بزعماء الجيش العراقي وقادته فضمنوا له تنفيذ مخططاته ، فإنّه لم يكتب ذلك إلا بعد الاتصال بزعماء العراق وانقطاع أمله من إجابة الحسن له .
ولم يعتن الإمام بتهديد معاوية ، وأجابه بجواب يلمس فيه الحزم والاصرار منه على الحرب ، وهذا نصه :
أَمَا بَعْدُ : فَقَدْ وَصَلَ إِلَيَّ كِتابُكَ تَذْكُرُ فِيهِ ما ذَكَرْتَ ، وَتَرَكْتُ جَوابَكَ
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 16 : 36 و 37. جمهرة رسائل العرب : 2 : 17 .
خَشْيَةَ الْبَغْي عَلَيْكَ ، وَبِاللَّهِ أَعوذُ مِنْ ذلِكَ ، فَاتَّبِعِ الْحَقَّ تَعْلَمُ أَنَّي مِنْ أَهْلِهِ ، وَعَلَيَّ إِثْمٌ أَنْ أَقُولَ فَأَكْذِبَ.
والسلام (1)
وكانت هذه الرسالة هي آخر الرسائل التي دارت بين الإمام ومعاوية ، وعلى أثرها علم معاوية أنّه لا يجديه خداعه وأباطيله ، ولا تنفع مغالطاته السياسية ، وعرف أنّ الإمام مصمّم على حربه ، فاتجه بعد ذلك إلى الحرب وتهيئة أسبابه ومقتضياته .
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 16: 37. مناقب آل أبي طالب : 3: 194. بحار الأنوار : 44: 55 ، الحديث 6.
وبعد ما فشلت أغاليط معاوية ومخططاته السياسيّة رأى أنّ خير وسيلة له للتغلب على الأحداث أن يبادر إلى إعلان الحرب لئلا يتبلور الموقف ، وتفوت الفرصة ، وأكبر الظنّ أنّه بالإضافة إلى ذلك إنما استعجل الحرب لأمور ، وهي :
1 - إنّه اتصل اتصالاً وثيقاً بزعماء العراق ، وقادة الجيش ، ورؤساء القبائل ، فاشترى ضمائرهم الرخيصة بالأموال ، ومناهم بالوظائف ، فأجابوه سرّاً إلى خيانة الإمام وتنفيذ أغراضه ، ويدل على ذلك مذكرته التي بعثها إلى عماله وولاته يطلب منهم النجدة والالتحاق به ، فإنّه أعرب فيها عن اتصالهم به .
2 - علمه بتفكك الجيش العراقي وتفلّله ، وعدم طاعته للإمام (علیه السلام)، وذلك مسبب عن أمور نذكرها مشفوعة بالتفصيل عند عرض علل الصلح وأسبابه .
3 - علمه بوجود الخطر الداخلي الذي مني به العراق وسلمت منه الشام ، وهي فكرة الخوارج التي انتشرت مبادئها بين الأوساط العراقية ، ومن أوليات مبادئهم إعلان التمرد والعصيان على الحكم القائم ، ونشر الفوضى في البلاد ليتسنّى لهم الاطاحة به واستلام قيادة الأمة .
4 - مقتل الامام أمير المؤمنين (علیه السلام) الذي فقد به العراق قائداً وموجهاً وخطيباً يحملهم على الحقِّ ، ويثيبهم إلى الصواب ، وقد أصبح العراقيون بعد فقده يسيرون في ظلام قاتم ، ويتخبطون خبط عشواء قد فقدوا الرائد والدليل.
هذه الأمور - فيما نعلم - هي التي حفزت معاوية إلى إعلان الحرب واستعجاله ،
فإنّ العراق لو لم يُمن بمثل هذه الكوارث والفتن لما وجد معاوية إلى الحرب سبيلاً، ولبذل جميع طاقاته في تأخير الحرب ، وعقد الهدنة المؤقتة - كما فعل ذلك مع ملك الروم - حتّى يتبين له الأمر ، فإنّا لا ننسى كلماته التي تنم عن خوفه وفزعه من العراقيين حينما كانوا صفاً واحداً غير مبتلين بالتفكك والانحلال ، فقد قال : «ما ذكرت عيونهم تحت المغافر (1)بصفّين إلا لبس على عقلي » .
ووصف اتحادهم بقوله : « إنّ قلوبهم كقلب رجل واحد»، فلولا اختلافهم وتشتتهم لما بادر معاوية إلى إعلان الحرب واستعجاله .
ورفع معاوية مذكرة ذات مضمون واحد إلى جميع عماله وولاته يحثهم فيها على الخروج إلى حرب الإمام ، ويأمرهم بالالتحاق به سريعاً بأحسن هيئة، وأتم استعداد ، وهذا نصها :
من عبد الله معاوية أمير المؤمنين ، إلى فلان ابن فلان ومن قبله من المسلمين.
سلام عليكم ، فإنّي أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو .
أما بعد : فالحمد لله الذي كفاكم مؤونة عدوّكم ، وقتلة خليفتكم ، إن الله بلطفه أتاح لعلي بن أبي طالب رجلاً من عباده فاغتاله فقتله ، فترك أصحابه متفرقين مختلفين ، وقد جاء تناكتب أشرافهم وقادتهم يلتمسون الأمان لأنفسهم وعشائرهم ، فأقبلوا إلى حين يأتيكم كتابي هذا بجهدكم وجندكم ، وحسن عدّتكم ، وفقد أصبتم بحمد الله الثأر، وبلغتم الأمل ، وأهلك الله أهل البغي والعدوان .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (2)
ولما وصلت هذه الرسالة إلى عماله وولاته ، قاموا بتحريض الناس وحثّهم على الخروج والاستعداد لحرب ريحانة رسول الله وسبطه ، وفي أقرب وقت التحقت به قوى هائلة منظمة لا ينقصها شيء من حيث الكراع والسلاح ، والعدد والعدة.
ولمّا توفّرت له القوّة الهائلة من الجند والعسكر وأصحاب المطامع الذين لا يقدسون سوى المادة زحف نحو العراق وتولّى بنفسه القيادة العامة للجيش وأناب عنه في عاصمته الضحاك بن قيس الفهري ، وقد كان عدد الجيش الذي نزح معه ستين ألفاً، وقيل أكثر من ذلك ، ومهما كان عدده فقد كان مطيعاً لقوله ، ممتثلاً لأمره ، منفّذاً لرغباته ، مذعناً له لا يخالفه ولا يعصيه .
وطوى معاوية البيداء بجيشه الجرّار ، فلما انتهى إلى جسر منبج (1)
قيْلٌ بِمَنبج مَثواهُ وَنائِلُهُ *** فِي الْأَفقِ يَسْأَلُ عَمَّنْ غَيرَهُ سَأَلا
ولها يتشوّق إبراهيم بن المدبر ، وكان يهوى جارية بها في قوله :
وَلَيلَةَ عَينٍ المَرج زارَ خَيالُهُ *** فَهَيَّجَ لي شَوْقاً وَجَدَّدَ أحْزاني
فَأَشْرَفْتُ أَعْلى الدِّيرِ أَنظُرُ طامحاً *** بألمح أماقي وَأَنظر إنساني
لَعَلي أرى أبيات منبج رُؤْيَةً ***تُسَكّنُ مِنْ وَجْدِي وَتَكشِفُ أَشْجاني
معجم البلدان : 5: 206 .
، فعسكر بجيشه هناك .وحينما أذيع خبر توجّهه وبلوغه إلى هذا المحلّ عمّ العراقيين الذعر والخوف . ولما علم الإمام بتوجهه أمر بعض أصحابه أن ينادي في العاصمة « الصلاة جامعة » ،
1) جسر منبج - بفتح الميم وسكون النون وكسر الباء - : بلد قديم ، المسافة بينه وبين حلب يومان ، أوّل من بناه كسرى ، وقد أنجب جماعة من الشعراء يعد في طليعتهم البحتري ، وقد عناها المتنبي بقوله :
ويقصد بذلك جمع الناس في جامع البلد ، فنودي بذلك ، وما هي إلا فترة يسيرة من الزمن حتى اكتظ الجامع بالجماهير الحاشدة ، فخرج (علیه السلام) فاعتلى المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال :
أَمَا بَعْدُ : فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْجِهَادَ عَلى خَلْقِهِ وَسَمَّاهُ كُرْهاً ، ثُمَّ قَالَ لِأَهْلِ الْجِهادِ : «وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ» (1)، فَلَسْتُمْ أَيُّها النَّاسُ نائِلينَ ما تُحِبُّونَ إِلَّا بِالصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُونَ.
إِنَّهُ بَلَغَنى أَنَّ مُعاوِيَةَ بَلَغَهُ أَنا كُنَّا أَزْمَعْنا عَلَى الْمَسِيرِ إِلَيْهِ ، فَتَحرَّكَ لِذلِكَ ، فَاخْرُجُوا رَحِمَكُمُ اللهُ إِلَى مُعَسْكَرِكُمْ بِالنَّخِيلَةِ (2)
إنِّي أدينُ بِما دانَ الشُّراةُ بِهِ *** يَومَ النُّخَيلَةِ عِندَ الجَوسَقِ الخَرِبِ
حَتَّى نَنْظُرَ وَتَنْظُروا ، وَنَرَىٰ وَتَرَووا» (3)معجم البلدان : 8: 275
.ولما أنهى (علیه السلام) خطابه وجم الحاضرون ، وأخرست ألسنتهم ، واصفرت ألوانهم كأنهم قد سيقوا إلى الموت ، فلم يجب الإمام أحد منهم ، كل ذلك لخوفهم من أهل الشام ، وحبّهم للسلم ، وإيثارهم للعافية، وكان هذا التخاذل في بداية الدعوة إلى جهاد العدو ينذر بالخطر ، ويدعو إلى التشاؤم واليأس من صلاحهم .
ولما رأى الصحابي العظيم والحازم اليقظ عدي بن حاتم (4)
كان أبوه حاتم مضرب المثل في الجود والسخاء ، يكنّى عدي بأبي طريف ، وفد على النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) في السنة التاسعة من الهجرة ، وكان نصرانياً فأسلم ، ولإسلامه حديث طريف طويل ، ذكره ابن الأثير في أسد الغابة . روى عن النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) أحاديث كثيرة ، كان جواداً شريفاً في قومه ، عظيماً عندهم وعند غيرهم ، وكان حاضر الجواب ، ومن أهل الدين والتقى ، وهو القائل : ما دخل عليَّ وقت الصلاة إلا وأنا مشتاق إليها ، ودخل يوماً على عمر بن الخطاب فرأى منه تكبّراً واستخفافاً بحقه ، فالتفت إليه قائلاً: أتعرفني؟
فأجابه عمر : بلى والله أعرفك ، أكرمك الله بأحسن المعرفة ، أعرفك والله ، أسلمت إذ كفروا ، وعرفت إذ أنكروا ، ووفيت إذ غدروا ، وأقبلت إذ أدبروا .
فقال عدي : حسبي حسبي ، شهد فتوح العراق ، ووقعة القادسية ، ووقعة النهروان ، ويوم الجسر مع أبي عبيد وغير ذلك ، ومن كرمه ونبله أنّ الأشعث بن قيس أرسل إليه شخصاً يستعير منه قدور حاتم ، فملأها عدي طعاماً وحملها إليه ، فأرسل إليه الأشعث إنّما أردناها فارغة .
فأجابه عدي : إنا لا نعيرها فارغة .
وكان يفت الخبز للنمل ويقول : إنّهنّ جارات ولهنّ حقّ ، كان من المنحرفين عن عثمان ، وشهد مع الإمام وقعة الجمل ففقئت عينه بها ، وله ولدان ، قتل أحدهما مع الإمام علي (علیه السلام) ، والآخر مع الخوارج، وشهد صفين أيضاً ، وكان له بها مواقف مشهورة .
توفي سنة سبع وستين من الهجرة ، وقيل غير ذلك ، كان له من العمر مائة وعشرون سنة ، قيل توفّي بالكوفة ، وقيل بقرقيسيا، والأوّل أصح . أسد الغابة : 3 : 392 ، وقريب منه في الإصابة والاستيعاب وتهذيب التهذيب .
سكوت الجماهيروعدم إجابتهم للإمام غاظه ذلك والتاع أشد اللوعة ، فانبرى إليهم منكراً سكوتهم ، وتخاذلهم المفضوح قائلاً بنبرات تقطر حماساً وعزماً :
«أنا عدي بن حاتم ، سبحان الله ، ما أقبح هذا المقام ! ألا تجيبون إمامكم ، وابن بنت نبيكم ؟! أين خطباء مُضر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة ، فإذا جدّ الجدّ فرواغون كالثعالب ، أما تخافون مقت الله ، ولا عيبها وعارها» .
ثم التفت إلى الإمام مظهراً له الطاعة والامتثال قائلاً: « أصاب الله بك المراشد وجنّبك المكاره ، ووفقك لما يحمد ورده وصدره ، قد سمعنا مقالتك ، وانتهينا إلى أمرك ، وسمعنا لك، وأطعنا فيما قلت ورأيت » .
ثمّ أظهر إلى المجتمع عزمه على الخروج لحرب معاوية فوراً قائلاً: « وهذا وجهي إلى معسكرنا ، فمن أحبّ أن يوافي فليواف».
ثم خرج من المسجد وكانت دابته بالباب ، فركبها وخرج وحده من دون أن يلتحق به أحد ، وأمر غلامه أن يلحقه بما يصلحه ، فانتهى إلى النخيلة فعسكر بها وحده (1).
وهكذا اضطرب غيظاً وموجدة كل من الزعيم قيس بن سعد بن عبادة ، ومعقل بن قيس الرياحي (2)
أدرك النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم). قال ابن عساكر : « أوفد عمار معقلاً على عمر يخبره بفتح تستر ، كما وجهه إلى بني ناجية حين ارتدوا ، وكان من أمراء الإمام علي (علیه السلام) يوم الجمل ومدير شرطته ، وذكر خليفة بن الخياط أن المستورد بن علقمة اليربوعي الخارجي بارزه لما خرج بعد عليّ ، فقتل كلّ منهما الآخر ، وكان ذلك سنة 42 هجرية في خلافة معاوية ، وقيل : سنة 39 في خلافة عليّ . الإصابة : 3: 475 .
، وزياد بن صعصعة التميمي لما رأوا سكوت الجماهير وعدم إجابتهم بشيء ، فلاموهم على هذا التخاذل ، وبعثوا فيهم روح النشاط إلى حرب عدوّهم ومناجزته ، ثم التفتوا إلى الإمام وكلّموه بمثل كلام عدي في الانقياد والطاعة والامتثال لأمره . فشكرهم الإمام على موقفهم المشرف ، وأثنى على شعورهم الطيب قائلاً: ما زِلْتُ أَعْرِفُكُمْ بِصِدْقِ النِّيَّةِ وَالْوَفاءِ وَالنَّصيحَةِ فَجَزاكُمُ اللهُ خَيْراً.وخرج الإمام (علیه السلام) من فوره لردّ العدوان الأموي ، واستخلف في عاصمته المغيرة
ابن نوفل بن الحرث (1)
ولد على عهد الرسول (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) بمكة قبل الهجرة ، وقيل لم يدرك من حياة رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) إلا ست سنين ، يكنى بأبي يحيى ، تزوج بامامة بنت أبي العاص بن الربيع ، وكانت امامة زوجاً للإمام علي (علیه السلام) ، فلما قتل أوصى (علیه السلام) أن يتزوجها المغيرة من بعده ، فلما مات (علیه السلام) تزوّج بها المغيرة ، وهو ممن شهد مع الإمام صفّين، وكان في أيّام عثمان قاضياً ، وقد روى عن النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) حديثاً واحداً ، وهو قوله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) : « مَنْ لَمْ يَحْمَدْ عَدْلاً وَلَمْ يَذُمَّ جَوْراً ، فَقَدْباتَ لِلَّهِ بِالْمُحارَبَةِ » . أسد الغابة : 4 : 407 .
، وأمره بحث الناس على الجهاد وإشخاصهم إليه في النخيلة ، وطوى (علیه السلام) البيداء بجيشه الجرّار المتخاذل - وسيأتي وصفه بعد قليل - حتى انتهى إلى النخيلة ، فاستقام فيها ، فنظم جيشه (2)، ثم ارتحل عنها وسار حتى انتهى إلى (دير عبد الرحمن) ، فأقام به ثلاثة أيّام ليلتحق به المتخلّفون من جنده ، وعنّ له أن يرسل مقدّمة جيشه للاستطلاع على حال العدوّ وإيقافه في محله لا يتجاوزه إلى آخر .واختار إلى مقدّمته خلّص أصحابه من الباسلين والماهرين ، وكان عددهم اثني عشر ألفاً، وأعطى القيادة العامة إلى ابن عمه عبيد الله بن العباس ، وقبل أن تتحرّك هذه الفصيلة من الجيش دعا الإمام قائدها العام عبيد الله فزوده بهذه الوصية القيمة ، وهي :
يابْنَ الْعم ، إِنِّي باعِثٌ مَعَكَ اثْنَي عَشَرَ أَلْفاً مِنْ فُرْسانِ الْعَرَبِ وَقُرّاءِ الْمِصْرِ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَزيدُ الْكَتِيبَةَ ، فَسِرْ بِهِمْ ، وَأَلِنْ لَهُمْ جانِبَكَ ، وَابْسُطْ
1) المغيرة بن نوفل بن الحرث بن عبدالمطلب الهاشمي :
2) جاء في الخرائج والجرائح : 2 : 574 : «أنّه نزح مع الإمام من أراد الخروج وتخلف عنه خلق كثير لم يفوا بما قالوا وبما وعدوا ، وغروه كما غزوا الإمام عليا (علیه السلام) من قبل ، وعسكر (علیه السلام) في النخيلة عشرة أيام فلم يحضر معه إلا أربعة آلاف ، فرجع إلى الكوفة ليستنفر الناس وخطب خطبته التي يقول فيها : «قَدْ غَرَرْتُمُونِي كَمَا غَرَرْتُمْ مَنْ كَانَ قَبْلِي ...».
لَهُمْ وَجْهَكَ ، وَافْرُشْ لَهُمْ جَناحَكَ ، وَأَدْنِهِمْ مِنْ مَجْلِسِكَ ، فَإِنَّهُمْ بَقِيَّةُ ثُقاتِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَسِرْ بِهِمْ عَلَى شَطِّ الْفُراتِ ، ثُمَّ امْضِ حَتَّى تَسْتَقْبِلَ بِهِمْ مُعاوِيَةَ ، فَإِنْ أَنْتَ لَقِيتَهُ فَاحْتَبِسْهُ حَتَّىٰ آتِيكَ ، فَإِنِّي عَلى أَثَرِكَ وَشيكاً ، وَلْيَكُنْ خَبَرُكَ عِنْدِي كُلَّ يَوْمٍ ، وَشاوِرْ هَذَيْنِ - قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ وَسَعِيدَ بْنَ قيس - وَإِذا لَقِيتَ مُعَاوِيَةَ فَلَا تُقاتِلْهُ حَتَّى يُقاتِلَكَ ، فَإِنْ فَعَلَ فَقاتِلْهُ وَإِنْ اُصِبْتَ ، فَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ عَلَى النَّاسِ ، فَإِنْ أُصيبَ ، فَسَعِيدُ بْنُ قَيْسٍ عَلَى النَّاسِ» (1).
وحفلت هذه الوصيّة بما يلي :
1 - إنّها دلّت على اطلاعه الوافر في تدبير شؤون الدولة ، فإنّ التوصية بالجيش بهذا اللون المشتمل على العطف والحنان ، والإطراء عليه بمثل هذا الثناء ، من أنّهم بقية ثقات أمير المؤمنين ، وإلزام القيادة العامة باللين والبسط مما يزيد الجيش إخلاصاً وإيماناً بدولته .
ومن الطبيعي أنّ الجيش إذا أخلص لحكومته ، وآمن بسياستها ثبتت قواعدها ، وظفرت بسياج حصين يمنع عنها العدوان الخارجي ، ويقيها من الشرّ والفتن الداخليّة ، ويوجب لها المزيد من الهدوء والاستقرار.
2 - وأما أمره أن لا يعتدي عبيد الله على معاوية ، ولا يناجزه الحرب حتى يكون هو المبتدي ، فليس ذلك لأن معاوية من مصاديق قوله تعالى : «وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» (2)، فإنّ معاوية لم يبق
وليجة للاعتداء إلا سلكها ، فقد اعتدى في تخلفه عن بيعة أمير المؤمنين ، ومحاربته له في صفّين ، وفي بعثه السفّاح بسر بن أبي أرطاة ، وفعله بأمره ما فعل من المنكرات ، ولم يزل معتدياً وخارجاً على الإسلام إلى حين وفاة أمير المؤمنين ، ولكن إنما أمر الحسن (علیه السلام) أن لا يبتدي عبيد الله بحربه لسدّ مراوغاته حتى لا يستطيع أن يدعي أنه ما جاء للحرب وإنما جاء للتداول في إصلاح أمر المسلمين.
3 - ونصت وصيّة الإمام على إلزام عبيد الله بمشاورة قيس بن سعد وسعيد بن قيس ، وترشيحهما للقيادة من بعده ، وفي ذلك إلفات منه إلى الجيش أن أمره المتبع هو المقرون بمشاورة الرجلين ، كما فيه توثيق لهما .
والحق أنه لم يكن في جيش الإمام من يضارعهما في نزعاتهما الخيّرة ، وفي ولائهما لأهل البيت ، وأعظم بهما شأناً أنّهما نالا ثقة الإمام واهتمامه .
وقبل أن نطوي الحديث على هذا الموضوع نعرض بعض الجهات التي ترتبط فيه ، وهي :
ويتساءل الكثير عن الحكمة التي رشّح الإمام من أجلها عبيد الله لقيادة مقدمة جيشه مع أنه كان في ذلك الجيش من هو أصلب منه إيماناً وأقوى عقيدة ، وأعظم إخلاصاً كالزعيم قيس بن سعد ، وسعيد بن قيس وأضرابهما من الثقات والمؤمنين.
والجواب عن ذلك :
أولاً : إن الإمام أراد بذلك تشجيعه وإخلاصه بإسناد القيادة العامة إليه.
ثانياً : إنّ له من الكفاءة والقدرة والحزم ما يجعله أهلاً لهذا المنصب الرفيع ، فهو قد تربى في مدرسة الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) ولكفاءته وقدرته نصبه الإمام (علیه السلام) والياً على اليمن .
ثالثاً : إنّه حريّ بأن يخلص ويبذل قصارى جهوده في المعركة لأنه موتور من قبل معاوية ، فلقد قتل ولديه بسر بن أبي أرطاة .
رابعاً : إنّ الإمام (علیه السلام) لم يجعل القيادة العامة بيده ، بل جعلها ثلاثية بينه وبين قيس بن سعد ، وسعيد بن قيس ، وقد أوفى المسألة حقها من جميع الوجوه سماحة المغفور له آل ياسين (1).
واضطربت كلمة المؤرّخين في تحديد الجيش الذي نزح مع الإمام إلى مظلم ساباط ، فابن أبي الحديد ذكر أنه نزح مع الإمام جيش عظيم ولم يحدّده إلا أنه حدّد المقاومة التي تولّى قيادتها عبيد الله ، فقال : «إن عددها كان اثني عشر ألفاً من فرسان العرب وقراء المصر» (2).
وذكر الطبري وغيره أنه كان أربعين ألفاً (3).
ويستفاد من مطاوي بعض الأحاديث التي دارت بين الإمام وبعض أصحابه في أمر الصلح أنّ عدد الجيش كان مائة ألف ، كقول سليمان بن صرد للإمام (علیه السلام) وهو في مقام التقريع له على إمضائه وقبوله الصلح : «أما بعد : فإن تعجبنا لا ينقضي من بيعتك معاوية ومعك مائة ألف مقاتل من أهل العراق » (4).
كما يستفاد أيضاً أنّه كان تسعين ألفاً (5).
1) صلح الحسن (علیه السّلام) : 96 .
2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 16 : 22، مقاتل الطالبيين: 40 .
3) تاريخ الأمم والملوك : 4 : 120 - 122 .
4) الإمامة والسياسة : 1 : 151.
5) تاريخ اليعقوبي : 2 : 218 ، ذكر ذلك في جواب زياد إلى معاوية حينما هدّده وذلك قبل أن يستلحقه به ، فقال زياد : إن ابن آكلة الأكباد ، وكهف النفاق ، وبقيّة الأحزاب ، كتب يتوعدني ويتهدّدني وبيني وبينه ابنا رسول الله في تسعين ألفاً .
وقيل : إنه سبعون ألفاً (1)
فأجابه الإمام : إِنَّ مُعاوِيَةَ يَعِدُنيها وَيَتَوَعَّدُ.
فقال الرجل : قد كنت على النصف منه .
فأجابه الإمام : إِنّى خَشَيتُ أَنْ يَجِيءَ يَوْمَ الْقِيامَةِ سَبْعُونَ أَلْفاً أَوْ ثَمانُونَ أَوْ أَكْثَرُ أَوْ أَقَلُّ تَنْضَحُ أَوْداجُهُمْ دَماً كُلُّهُمْ يَسْتَعدي الله فيمَ أَهْرِيقَ دَمُهُ » .
وقريب من هذا ذكره ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : 16 : 40 و 41.
، إلى غير ذلك .والذي نذهب إليه أنّ عدد الجيش كان يربو على أربعين ألفاً ، ويدل على ذلك ما حدث به نوف البكالي (2)
كان من أصحاب أمير المؤمنين (علیه السلام) ، ونقل عن ثعلب أنّه منسوب إلى بكال قبيلة من همدان ، ويقال : بكيل ، وهو أكثر .
وقال ابن أبي الحديد : إنّه بكال بكسر الباء ، وهي قبيلة من حمير، منهم هذا الشخص وهو نوف بن فضالة صاحب الإمام علي (علیه السلام) التعليقات : 354 .
، قال : «لما عزم الإمام على العودة إلى حرب معاوية قبيل وفاته باسبوع عقد للحسين على عشرة آلاف، ولأبي أيوب على عشرة آلاف ، ولقيس بن سعد على عشرة آلاف ، ولغيرهم على أعداد أخر وهو يريد الرجعة إلى صفين ، فما دارت عليه الجمعة حتّى ضربه ابن ملجم بالسيف» (3).فهذا القول يروي لنا جيشاً مسلّحاً كان متهيّئاً للحرب قد عدّ أسماء جماعة من قادته لهم السلطة على ثلاثين ألف جندي مسلّح ، ولم يذكر لنا أسماء القادة الأخر الذين نصبهم الإمام على كتائب جيشه ، ولا كميّة عدد الجيش الآخر ، ولا شك
بأنّهم كانوا يربون على عشرة آلاف ، هؤلاء جميعاً قد بايعوا الحسن ونفروا معه إلى حرب عدوّه ، ويدل على ذلك ما رواه أبو الفداء : أنّ الحسن تجهز إلى حرب معاوية بالجيش الذي بايع أباه (1).
ويؤيّده أيضاً ما ذكره ابن الأثير ، قال : «كان أمير المؤمنين علي قد بايعه أربعون ألفاً من عسكره على الموت لما ظهر ما كان يخبرهم به عن أهل الشام ، فبينما هو يتجهز للمسير قتل (علیه السلام) ، وإذا أراد الله أمراً فلا مردّ له ، فلما قتل وبايع الناس ولده الحسن بلغه مسير معاوية في أهل الشام إليه ، فتجهز هو والجيش الذين كانوا بايعوا عليّاً وسار عن الكوفة إلى لقاء معاوية» (2).
ويؤكد ذلك حديث المسيب بن نجبة مع الإمام في أمر الصلح ، قال له : «ما ينقضي عجبي منك ، صالحت معاوية ومعك أربعون ألفاً » (3).
فعدد الجيش على هذه الروايات المتوافرة كان أربعين ألفاً، وهو الذي يذهب إليه ، وقد ناقش سماحة الحجّة المغفور له آل ياسين الروايات المتقدمة واختار بعد التصفية والمناقشة أنّ عدده كان عشرين ألفاً أو يزيد قليلاً (4).
ومهما كان الأمر ، فإن الاختلاف في عدده ليس بذي خطر لأن الجيش مهما كان عدده كثيراً وخطيراً إذا كان مختلف الأهواء والنزعات لا بد وأن ينخذل ولا يحرز فتحاً ولا نصراً ، لأنّ الاعتبار في النصر والظفر دائماً إنّما هو بالإخلاص والإيمان والعقيدة ووحدة الكلمة ، لا بالكثرة وضخامة العدد، فكم فئة قليلة تضامنت فيما بينها ، واتحدت وتعاونت ، قد حازت النصر وفتحت فتحاً مبيناً ، وسحقت القوى
المقابلة لها ، وإن كانت أكثر منها عدة ، وأعظم استعداداً أوفر قوّة ، والجيش العراقي مهما بلغ عدده، وبولغ في كثرته ، فإنّه مصاب بالاختلاف والتفكك والانحلال ، ومع ذلك فكيف يظفر بالنجاح ، وماذا تفيده الكثرة ؟ وضخامة العدد ؟
لا شك أن الجيش هو العماد الذي يقوم عليه عرش الدولة ، ويبتني عليه كيانها ، وهو السياج الواقي للحكومة والشعب من الاعتداء ، وعليه المعوّل في حفظ النظام وسيادة الأمن، لكن فيما إذا كان مخلصاً في دفاعه ومؤمناً بحكومته .
وأما إذا كان خائناً ، أو لا ينظر لدولته إلّا بنظر العداء والانتقام ، ويترقب الفرص للفتك بها ، وتمكين العدوّ منها ، فإنّها حتماً لا تنجح في أي ميدان من ميادين الصراع الداخلي والخارجي ، ولا تفوز بالنجاح حينما يتلبّد جوها السياسي بالغيوم القاتمة والأخطار الفاتكة ، وكان الجيش العراقي الذي زحف مع الإمام لمحاربة معاوية قد ركس في الفتنة ، وماج في الشقاء ، فكان خطره على الدولة أعظم من خطر معاوية ، وقد وصفه الشيخ المفيد (رحمه الله) وقسمه إلى عناصر ، وقد أجاد في وصفه وأبدع في تقسيمه .
قال طيب الله مثواه : « واستنفر الناس للجهاد فتثاقلوا عنه ، ثمّ خفّوا وخف معه أخلاط من الناس بعضهم شيعة له ولأبيه ، وبعضهم محكمة يؤثرون قتال معاوية بكل حيلة ، وبعضهم أصحاب فتن وطمع بالغنائم ، وبعضهم شكاك ، وبعضهم أصحاب عصبيّة اتّبعوا رؤساء قبائلهم لا يرجعون إلى دين» (1).
1) الإرشاد : 2: 10 . وذكر هذا المعنى بعينه عليّ بن محمّد الشهير بابن الصباغ في الفصول المهمة : 2: 721 ، والإربلي في كشف الغمة : 2 : 162 . والمجلسي في بحار الأنوار 44: 46.
وأعرب الشيخ المفيد نضر الله مثواه في كلامه :
أولاً : عن كراهة الجيش للحرب ، وإيثاره للعافية ، ورغبته في السلم .
وأفاد ثانياً في تقسيمه أنّ الجيش ينقسم إلى عناصر متباينة في أفكارها ، مختلفة في عقائدها ، وهي كما يلي :
وهؤلاء فيما يظهر عدد قليل في الجيش العراقي ، ولو كانوا عدداً كثيراً فيه لما أجبر أمير المؤمنين (علیه السلام) على التحكيم في صفّين، ولما صالح الحسن (علیه السّلام) معاوية ، وهذا العنصر يخالف بقيّة العناصر في تفكيره وشعوره وإيمانه ، فهو يرى أن الخلافة من حقوق أهل البيت ، وأنهم أوصياء النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وحضنة الإسلام وحماته ، وطاعتهم مفروضة على جميع المسلمين.
وهم الخوارج الذين ضمّهم جيش الإمام ، وكان يرومون قتال معاوية بكل حيلة ووسيلة لا إيماناً منهم بقضيّة الحسن (علیه السلام) وباطل معاوية ، بل كانوا يرون الحسن (علیه السلام) ومعاوية في صعيد واحد ، وإنّهما لا يستحقان الخلافة وإنما كانوا يستعجلون حرب معاوية ومناجزته لأنهم يعلمون أنّه أوفر قوّة من الإمام ، فرأوا أن ينضموا إلى جيشه مؤقتاً حتى ينهوا أمره ، فإن قضي عليه فيكون أمر الحسن سهلاً لأن اغتياله ليس بالعسير عليهم ، فقد اغتالوا أباه من قبل .
وضم جيش الإمام فصيلة من الجند لا تؤمن بالقيم الروحية ، ولا تقدّس العدل ، ولا تفقه الحق ، وإنما كانوا ينشدون مصالحهم وأطماعهم ، وكانوا يرقبون عن كثب
أي الجهتين قد كتب لها النصر والظفر حتى يلحقوا بها.
وأكبر الظنّ أنّ الشكاكين هم الذين أثرت عليهم دعوة الخوارج ودعاية الأمويين حتى شككوا في مبدأ أهل البيت (علیهم السلام) ، وفي رسالتهم الإصلاحية ولو اندلعت نيران الحرب لما ساعدوا الإمام بشيء ، لأنهم لم يكونوا مدفوعين بدافع الإيمان والعقيدة .
وهم أكثر العناصر عدداً ، وأعظمهم خطراً ، فهم يتبعون زعماءهم ورؤساءهم اتباعاً أعمى لا إرادة لهم ولا تفكير ولا شعور بالواجب ، وهم المعبّر عنهم بالهمج الرعاع . وكان أغلب سواد العراق قد انتمى إلى أحد الزعماء على غرار العشائر العراقية فى هذا الوقت، وأكثر زعماء العراق ممّن كاتب معاوية بالطاعة والانقياد كقيس بن الأشعث ، وعمرو بن الحجاج وحجّار بن أبجر (1)
كان أبوه نصرانياً ، فقال له : يا أبت ، أرى قوماً قد دخلوا في هذا الدين فشرفوا ، وقد أردت الدخول فيه .
فقال له أبوه : يا بني ، اصبر حتى أقدم معك على عمر ليشرفك ، وإياك أن تكون لك همة دون الغاية القصوى.
ووفد على عمر ، فقال أبجر لعمر : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن حجاراً يشهد أن محمداً رسول الله .
فقال عمر : وما يمنعك أن تقولها أنت؟
فقال أبجر : إنّما أنا هامة اليوم أو غد .
وذكر المرزباني في معجم الشعراء : «إن أبجر مات على نصرانيته في زمن أمير المؤمنين علي (علیه السلام) قبل قتله بيسير ، ولما مات شيعته النصارى ، وكان حجّار يمشي في جانب مع أناس من المسلمين الإصابة : 1 : 373 .
وجاء في كثير من المصادر التاريخية : أنّ حجّاراً كان من الأشخاص الذين راسلوا سيد الشهداء الحسين (علیه السلام) بالقدوم إلى العراق ، ولما قدم (علیه السلام) إلى العراق كان هذا الأثيم في طليعة الواثبين عليه .
وأضرابهم من الخوارج1) حجار بن أبجر العجلي :
والمنافقين الذين اشتركوا في أعظم مأساة سجّلها التاريخ ، وهي قتل سيد شباب أهل الجنة الحسين (علیه السلام) .
هذه هي العناصر التي تكوّن منها الجيش العراقي ، بل العراق كله من نفر منه إلى الحرب ومن لم ينفر ينطبق عليه أحد هذه العناوين التي ذكرها شيخ الإسلام المفيد (رحمه الله) في كلامه القيّم ، وأكثر هؤلاء لا يؤمن من شرّهم في السلم فضلاً عن الحرب .
وقع فريق من المؤرّخين والكتاب في أخطاء تتعلّق في هذا الفصل يجدر التنبيه عليها ، وهم :
أفاد الحاكم النيسابوري : أنّ الحسن (علیه السلام) أسند قيادة مقدّمته إلى ابن عمه عبد الله بن جعفر ، وضمّ إليه عشرة آلاف جندي (1).
وقد تفرّد الحاكم بهذا القول ، وهو مخالف لما أجمع عليه رواة الأثر من أنّ قيادة المقدّمة كانت لعبيد الله بن العباس بإشراك قيس بن سعد وسعيد بن قيس ، كما أن
1) مستدرك الحاكم : 3 : 174 .
عدد المقدّمة كان اثني عشر ألفاً حسب ما ذكروه لا عشرة آلاف .
ذكر المؤرّخ الشهير اليعقوبي : أنّ الإمام الحسن (علیه السلام) تجهز لحرب معاوية بعد ثمانية عشر يوماً من وفاة أبيه (1).
وهو اشتباه ، لأنّ الإمام لم يتجهز لمحاربة خصمه إلا بعد أن راسله بتلك الرسائل التي مرّ ذكرها في الفصل السالف ، وعلى الظاهر أنّ مدّة المراسلة كانت تزيد على شهرين ، كما أنّ الإمام لم يستعدّ للحرب إلا بعدما فشلت جميع الوسائل التي اتّخذها لأجل السلم والوئام ، وعلم أنّ معاوية قد زحف إليه بجنده ، ففي ذلك الوقت تجهز للحرب لا قبله ، كما أجمع عليه المؤرّخون ، وإذا أردنا تصحيح ما ذكره اليعقوبي ، فإنّ هذه المدة التي ذكرها كانت فاتحة المراسلات التي دارت بينهما .
قال ابن كثير : « ولم يكن في نيّة الحسن أن يقاتل أحداً ، ولكن غلبوه على رأيه ، فاجتمعوا اجتماعاً عظيماً لم يسمع بمثله ، فأمر الحسن بن علي قيس بن سعد بن عبادة على المقدمة في اثني عشر ألفاً بين يديه ... الخ» (2).
وهذا القول ليس بوثيق لأنّ الإمام الحسن (علیه السّلام) لو لم يكن من رأيه الحرب لما بعث إلى معاوية تلك المذكرات التي يتهدّده فيها ويتوعده بإعلان الحرب إن لم يدخل في طاعته ، ولو لم يكن من نيّته الحرب لما اعتلى المنبر وحفّز الناس على الجهاد ، ودعاهم إلى الحرب ، كما ذكرنا ذلك بالتفصيل .
وأما قوله : « إنّ الناس اجتمعوا اجتماعاً عظيماً لم يسمع بمثله وهم يدعون الإمام إلى الحرب» فينافيه ويرده تقاعسهم وعدم إجابتهم له، وسكوتهم لما دعاهم (علیه السلام) إلى الجهاد في خطابه السالف الذكر .
قال الدكتور طه حسين : « ومكث الحسن بعد البيعة شهرين أو قريباً من ذلك لا يذكر الحرب ، ولا يظهر استعداداً لها ، حتى ألح عليه قيس بن سعد ، وعبيد الله بن العباس ، وكتب إليه عبد الله بن عبّاس من مكة يحرّضه على الحرب ، ويلح عليه في أن ينهض فيما كان ينهض فيه أبوه» (1)، ومواقع النظر في كلامه ما يلي :
1 - إن قوله : « ومكث الحسن بعد البيعة شهرين أو قريباً من ذلك لا يذكر الحرب ولا يظهر استعداداً لها» ، فإنّه بعيد عن الواقع ، وهو قريب مما ذكره ابن كثير في كلام المتقدم .
ولعلّ الدكتور استند إليه ، وتفنّده رسائل الإمام التي مرّ بيانها فإنّها صريحة في تصميمه وعزمه على الحرب، وللاستدلال على ذلك نسوق بعض فقراتها يقول (علیه السلام): «وَإِنْ أَنْتَ أَبَيْتَ إِلَّا التَّمَادِيَ في غَيِّكَ سِرْتُ إِلَيْكَ بِالْمُسْلِمِينَ ، حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ».
وهذه الفقرات واضحة صريحة فيما ذكرناه ، ولعلّ الدكتور لم يلحظ هذه الجوانب من رسائل الإمام ، فأرسل حكمه محفوفاً بالخلط والاشتباه .
وبالإضافة إلى ذلك فإنّ الإمام ملزم بمناجزة معاوية ، لأنّ الله أوجب حرب البغاة الذين يشقون عصا الطاعة ، ويخرجون على إمام المسلمين . قال تعالى: «فَقَاتِلُوا
1) علي وبنوه : 195 .
الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ» (1).
وقال رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم): « مَنْ دَعَا إِلَى نَفْسِهِ أَوْ إِلَى أَحَدٍ وَعَلَى النَّاسِ إِمَامٌ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ فَقاتِلوهُ» (2).
ومعاوية قد خرج على أمير المؤمنين (علیه السلام) من قبل وبغى عليه ، وقد أغرق البلاد في الدماء ، وأشاع بين المسلمين الحزن والشكل والحداد ، فمناجزته من أهم الواجبات الإسلاميّة ، فكيف يتخلف الإمام عنها وهو سبط النبي وريحانته.
2 - وأما قوله : « أنّ قيس بن سعد وعبيد الله بن العباس ألحا عليه في أن ينهض للحرب» فإنّ هذا من الوهم والخلط ، لأنّا ذكرنا في أوائل هذا البحث النصوص التاريخيّة التي دلّت على أنّ الإمام نفر إلى الحرب حينما علم أن معاوية قد زحف إليه ، ولم يكن أحد قد ألح عليه في ذلك ، وإنما كانت حراجة الموقف والضرورة البالغة تقضيان بخروجه ، فإنّه لو لم ينفر لحرب معاوية وردّ عدوانه لاحتل الكوفة ، وأخذ الإمام أسيراً ، فكان خروجه للدفاع والجهاد أمراً لازماً ، ولم يكن هناك أي أحد ألح عليه في ذلك .
إن بحوث الدكتور طه حسين في هذه الجهات محفوفة بالاسفاف والخلط وفاقدة للتحقيق الذي يتطلبه البحث العلمي الذي لا يخضع للعاطفة والأهواء ، فإنّ التاريخ - كما يقول - قد خُلط بالموضوعات حتى أصبح من العسير أن يخلص المؤرخ للحق في أبسط الأمور وأيسرها فضلاً عن أمثال هذه الجوانب التي لبست أسمك جلابيب الغموض بسبب الروايات التي تعمّد أصحابها على وضعها انتصاراً للأمويين ، وتقليلاً لجانب أهمية أهل البيت ، فيجب التثبت والوقف في كثير مما انفردوا بروايته، وملاحظة أقوال المؤرّخين الذين عرفوا بالاستقامة وعدم الانحراف ،
وتحرجوا من الوضع ، وليس من الحق أن يعتمد الدكتور على روايات ابن كثير وأمثاله ممّن جرفتهم العصبيّة ، ومالوا عن القصد ، فدوّنوا ما هو مجاف للواقع وبعيد عن الحق .
إن مصدر الخطأ والالتباس في بحوث المتأخرين إنما جاءت من الاعتماد على أمثال هذه المصادر، وعدم التحقيق والتدقيق فيما انفردوا بروايته انتصاراً للحكم القائم ، وليس شيء أدعى للمؤرّخ الذي يريد أن يخلص للحقِّ من التثبت في ذلك ، فإنّه مما يقتضيه البحث الحرّ الذي نحن في أمس الحاجة إليه .
في سجل التاريخ حوادث مفجعة يذوب القلب من هولها أسى وحسرات ، وذلك بما تتركه من الآثار المريعة ، والمضاعفات السيئة ، وبما تخلّفه من المشاكل والمصاعب ، كانتشار الظلم ، وذيوع الجور، وهضم الحق ، وضياع العدل .
ومن أفجع هذه الحوادث وأقساها ، انتصار الظالمين وتغلبهم على أئمة الحق والعدل ، فإنّه يؤدي حتماً إلى شل الحركة الإصلاحية ، وتدمير القيم الإنسانية ، وظهور البغي والجور في البلاد .
وتمثلت هذه المأساة المحزنة بأبشع صورها على مسرح الزمن الهازل في صراع الإمام الحسن (علیه السلام) مع معاوية ، وغلبة معاوية عليه، وقد انتصرت بذلك القوى الحاقدة على الإسلام ، والباغية على المسلمين ، واندحرت المبادئ العليا التي جاء هذا الدين ليقيمها .
إن من نكد الدنيا غلبة معاوية وانتصاره على سبط النبي وريحانته ، وابتزازه لحقه ، وفرضه حاكماً على المسلمين باسم الإسلام ، وهو من ألد خصومه وأعدائه . إن السرّ في انتصار معاوية يرجع إلى أسباب كثيرة وعوامل متعدّدة ، وأهمها الحوادث القاسية التي وقعت في (مسكن) (1)التي كانت تضم مقدّمة جيش الإمام ،
1) مسكن - بفتح أوله وكسر ثالثه - : قال أبو منصور : يقال للموضع المعروف الذي يسكنه الإنسان (مسكن) بفتح الثالث وكسره ، واللغة الثانية شاذة، والقياس الفتح ، وهو موضع قريب من (أوانا) على نهر الدجيل ، وبها كانت الواقعة بين عبدالملك بن مروان ومصعب بن الزبير سنة 72ھ ، وفيها قتل مصعب وإبراهيم بن مالك الأشتر ، ودفنا هناك ، ولهما قبر معروف. معجم البلدان : 5 : 127 .
والحوادث المؤسفة التي جرت في (المدائن) التي استقرّت فيها عامة جيوشه ، وقد عانى الإمام منها ألواناً شاقة من المحن والخطوب، حتى اضطر إلى الصلح ، والتجأ إلى مسالمة الخصم ، وعلينا أن ننظر إلى تلكم الأحداث ونتأملها ، فإنّها من أهم علل الصلح وأسبابه - فيما نحسب - وهي كما يلي :
وبعد ما أسند الإمام (علیه السلام) القيادة العامة في مقدّمة جيشه إلى عبيد الله بن العباس انطلق عبید الله يطوي البيداء مع الجيش حتى انتهى إلى (سينور)، ومنها خرج إلى (شاهي) (1)
فإن كان الذي قَدْ قُلتَ حقاً *** بأن قَدْ أكْرهوك على القضاء
فَما لَكَ مُوضِعٌ في كُلِّ يَوم *** تلقى مَنْ يَججُ مِنَ النِّساءِ
مقيماً في قرى شاهي ثلاثاً *** بِلا زادٍ سوی كسر وماء
معجم البلدان : 3: 316
، فلزم الفرات والفلوجة حتى وصل إلى مسكن ، فاستقام فيها وقابل العدو وجهاً لوجه ، وقد قام معاوية بدوره بعمليات التخريب والإفساد فسلك جميع الوسائل للقضاء على إصالة المقدّمة وتمزيق وحداتها ، وإماتة نشاطها العسكري ، فنشر فيها المخاوف والأراجيف ، وبثَّ فيها العصيان والتمرد، ونقدّم عرضاً لبعضها :1) شاهي : موضع قريب من القادسية ، وكان شريك بن عبدالله قاضي الكوفة قد خرج إلى شاهي يستقبل الخيزران ، فأقام فيه ثلاثة أيام ينتظرها حتى نفد طعامه ، وكان عنده خبز يابس ، فجعل يبلله بالماء ، فنظر إليه العلاء بن منهال فقال فيه :
وكانت باكورة الدسائس الخطيرة التي قام بها معاوية في إفساده مقدّمة جيش الإمام أنّه بعث الجواسيس ، ونشر العيون ليذيعون الذعر والارهاب ، ويقومون بخذلان الجيش، وكانت دعايتهم ذات طابع واحد وهي «إنّ الحسن يكاتب معاوية على الصلح فلم تقتلون أنفسكم؟» (1).
وتركت هذه الموجة من الافتراء اضطراباً فظيعاً، وخوفاً بالغاً في النفوس ، وأحدثت تمرداً شاملاً في جميع الوحدات العسكرية.
ولم يقتصر معاوية في عمليات التخريب على ذلك ، فقد صنع ما هو أفتك منها ، وهو شراؤه الضمائر الرخيصة من قادة الجيش وزعمائه المقيمين في (مسكن) ، فقد بذل لهم أموالاً ضخمة ، ومناهم بالوظائف والمراتب ، فأجابوه إلى ذلك ، وتسلّلوا إليه ، والتحقوا بمعسكره في غلس الليل وفي وضح النهار ، وكتب عبيد الله أنباءهم بالتفصيل إلى الإمام الحسن (2).
ولما رأى معاوية أنّ عمليّة الرشوة قد نجح بها إلى حدّ كبير راح يعمل بنشاط في إغرائه لذوي الضمائر القلقة ، والنفوس المريضة ، فمدّ أسلاك مكره إلى عبيد الله بن العباس ، فجذبه إليه ، وصار العوبة بيده ، وقد خان عبيد الله بذلك ثقل رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، وترك موكب الحق والهدى، وانضم إلى معكسر الخيانة والجور.
أما نص رسالة معاوية التي خدعه بها فهي :
«إن الحسن قد راسلني في الصلح ، وهو مسلّم الأمر إلي ، فإن دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعاً ، وإلا دخلت وأنت تابع ، ولك إن أجبتني الآن أن أعطيك ألف ألف درهم ، أعجّل لك في هذا الوقت نصفها ، وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر » (1).
وتمثل الكذب الصريح ، والمكر السافر في قوله : «إنّ الحسن قد راسلني في الصلح» . إنّ الإمام متى راسله في الصلح ؟ أفي رسائله ومذكراته التي احتوت على تهديده وتوعيده بإعلانه للحرب عليه إن لم يثب لطاعته ، أم بخروجه لمناجزته ؟ مضافاً إلى أنّه لم تجر أي اتصالات بينه وبين الإمام في ذلك الوقت .
وليس هناك أدنى مجال للشك في أن عبيد الله كان يؤمن في قرارة نفسه بكذب هذا الادعاء لأنّ الإمام. لو كان قد راسله في الصلح فلأيّ شيء يمنيه معاوية بهذه الأموال الطائلة ، وما قيمته إن أجابه الإمام إلى ذلك .
وغزا معاوية برسالته مشاعر عبيد الله ، فقد أخذ يطيل التفكير في ارتكاب الجريمة والخيانة ، وتمثلت أمامه النقاط المغريات التي عرضها عليه معاوية ، وهي :
1 - مراسلة الحسن (علیه السلام) له في الصلح حسب الادّعاء المزعوم .
2 - الدخول في معسكر معاوية وهو متبوع خير له من أن يكون تابع .
3 - الحصول على ألف ألف درهم .
وأنفق ليله ساهراً يفكر فى الأمر ، قد ملأت الحيرة إهابه ، وتمثلت أمامه (المادة) التي منّاه بها معاوية وهو لم يظفر ببعضها في ظلّ الحكومة الهاشمية التي بنيت على بسط العدل والمساواة ، وأخيراً سوّلت له نفسه الأثيمة بالغدر ونكث العهد ،
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 16 : 42 .
فاستجاب لدنيا معاوية ، ومال عن الحقِّ ، وانحرف عن الطريق القويم ، وخان الله ورسوله ، وترك سبط النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وريحانته والتحق بمعسكر الظلم والجور، وقد تسربل بثياب العار والخزي .
لقد تسلّل عبيد الله إلى معاوية في غلس الليل البهيم ومعه ثمانية آلاف من الجيش (1)من ذوي الأطماع والأهواء الذين لم ينطبع الدين في قلوبهم ، ففي عنق عبيد الله الخائن الأثيم تقع المسؤولية الكبرى ، فقد أدت خيانته إلى زعزعة الجيش وتقلّل وحداته واضطرابه .
إنّ هذه الخطة التي سلكها معاوية كانت من أهم الأسباب التي مهدت نجاحه وفوزه بالموقف، وتغلبه على الأحداث ، فقد سببت اندحار جيش الإمام ، وقضت على عزائمه ، وفتحت باب الخيانة والغدر على مصراعيهما .
وأصبحت البقية الباقية من الجيش تفتش عن قائدها ليصلي بها صلاة الصبح فلم تجده ، ولما علمت خيانته وغدره والتحاقه بالعدوّ اضطربت أشدّ الاضطراب ، وماجت في الفتن وارتطمت بالنزاع والخلاف .
ولما رأى قيس بن سعد الرجّات العنيفة ، والفتن السود قد ضربت أطنابها على الجيش قام فصلّى بهم صلاة الصبح ، وبعد الفراغ منها قام خطيباً فهدأ روعهم ، وأثابهم إلى الصواب والرشاد ، وهذا نص خطابه :
«إن هذا وأباه وأخاه لم يأتوا بيوم خيراً قط ، إن أباه عم رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) خرج يقاتله ببدر ، فأسره أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري (2)
شهد بدراً بعد العقبة ، وهو الذي أسر العباس يوم بدر ، وانتزع راية المشركين ، وكانت بيد أبي عزيز، وشهد مع أمير المؤمنين صفين. توفّي في يثرب سنة 55ھ. الاستيعاب : 4: 215.
وجاء في تهذيب التهذيب: 8: 437: «أنّه آخر من مات من أهل بدر ، وأنّه شهد مع أمير المؤمنين جميع مشاهده توفّي وله من العمر مائة وعشرون سنة».
وفي المسند من حديث له : « أن النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) بعثه في حاجة ، فرآه مولياً ، فقال : اللهم أَمْتِعْنا بِهِ ، فكان من آخر الصحابة موتاً ، وكان إذا حدث بهذا الحديث بكى وقال : امتعوا بي لعمري حتى كنت من آخرهم » .
، فأتى به رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) فأخذفداءه ، فقسمه بين المسلمين، وإن أخاه ولاه عليّ على البصرة فسرق ماله ومال المسلمين فاشترى به الجواري ، وزعم أن ذلك له حلال ، وإن هذا ولاه عليّ على اليمن فهرب من بسر بن أبي أرطاة ، وترك ولده حتى قتلوا ، وصنع الآن هذا الذي صنع» (1).
وملك قيس أحاسيس الجيش وشعورهم بخطابه المؤثر الرصين ، فقد رأوا في كلامه منطق الحقِّ ، وفي شخصيته صلابة الإيمان ، وتبين لهم أن عبيد الله خليق بالخيانة ، ومظنة لكل سوء ، وأنه لو كان عنده شعور نبيل أو عاطفة إنسانية لما هرب من اليمن وترك ولديه بيد الجزار بسر بن أبي أرطاه فقتلهما .
وانبرى الجيش بجميع كتائبه فأعلن التأييد والخضوع لمقالته وهم يهتفون : «الحمد لله الذي أخرجه من بيننا» (2).
وتسلّم قيس القيادة - بعد غدر عبيد الله - بنص الإمام (علیه السلام)، وبالترشيح من جميع القوات المسلّحة ، وحينما تسلّم منصبه الجديد رفع للإمام مذكرة أخبره فيها بوقوع الحادث المؤسف وبتسلّمه مهام القيادة ، وهذا نصها :
«إنّهم نازلوا معاوية بقرية يقال لها (الجنوبية) بأزاء (مسكن) وأن معاوية أرسل
إلى عبيد الله بن العباس يرغبه في المصير إليه ، وضمن له ألف ألف درهم ، يعجل له منها النصف، ويعطيه النصف الآخر عند دخوله الكوفة ، فانسل عبيد الله في الليل إلى معسكر معاوية في خاصته ، وأصبح الناس قد فقدوا أميرهم ، فصلّى بهم قيس بن سعد ونظر في أمورهم» (1).
ساعد الله قلب الإمام الحسن (علیه السلام) حينما انتهى إليه هذا النبأ المؤسف ، فقد أترعت نفسه الشريفة بالآلام والهواجس ، ويئس من الظفر والنصر ، وعلم أنّ أكثر من معه لا واقعية لهم ، وأنّهم يسلمونه عند الوثبة ، ويغدرون به عند اندلاع نار الحرب .
وأما جيشه الرابض معه في (المدائن) فإنّه لمّا علم بخيانة عبيد الله والتحاقه بمعسكر العدوّ ارتطم في الفتن، وماج في الشر، واستولى عليه الذعر والخوف ، وأخذ أكثر قادته يلتمسون الطرق للاتصال بمعاوية والظفر بأمواله .
وبعدما طعن معاوية الجيش العراقي في صميمه بعمليات الرشوة ، سلك طرقاً أخرى في إفساده وإماتة نشاطه ، فقد أرسل عيونه وخواصه ينشرون الأكاذيب ، ويبنون الإرهاب في جميع كتائب الجيش ، سواء المقيمة في المدائن أو في مسكن ، وكانت تلكم الإشاعات ذات صور وهي :
1 - إذاعتهم في (المدائن) أن قيس بن سعد قد صالح معاوية وصار معه (2)، ولم يشك الجيش في صدق هذه الدعاية ، فإنّ عبيد الله بن العباس الذي هو أمس الناس رحماً بالإمام قد غدر به وخانه ، فكيف بغيره .
2 - إشاعتهم في (مسكن) أنّ الإمام قد صالح معاوية وأجابه (1).
3 - افتراؤهم على مَن في (المدائن) أن قيس بن سعد قد قتل فانفروا (2).
و مزقت هذه الدعايات الكاذبة أعصاب الجيش ، وأماتت نشاطه العسكري ، وأصبح متفككاً تسوده الفتن والأهواء .
ومجمل ما تقدّم من الفتن السود ، والخيانة المفضوحة التي منيت بها المقدّمة التي هي أقوى فصائل الجيش أمور:
1 - تسلّل ذوي الوجاهة والنفوذ من ذوي البيوتات الشريفة والاُسر البارزة إلى معاوية .
2 - غدر القائد العام عبيد الله بن العباس وخيانته لسبط النبي وريحانته .
3 - خيانة ثمانية آلاف من الجيش، والتحاقهم بمعسكر معاوية ، وناهيك بالضعف والاختلال الذي منيت به المقدّمة بعد انسحاب هذا العدد الخطير منها .
4 - اضطراب الجيش على الإطلاق، سواء أكان في مسكن ، أو في المدائن بسبب الإشاعات الكاذبة التي أذاعها أتباع معاوية من أن الحسن قد صالح معاوية ، وأن قيساً قد قتل .
هذه خلاصة الأخطار الفظيعة التي أصيبت بها (المقدمة) ، وقد أوجبت انهيارها وأماتت نشاطها ، وأصبحت لا لياقة لها على مواجهة الأحداث ، ولا قابلية لها على الدفاع وردّ العدوان الأموي الذي يتمتع بأتم القابليات وأضخم الطاقات . وبعد هذه
الزعازع التي فتكت بالمقدّمة هل يصح أن يقال إنّها جبهة قوية لها القدرة على مناجزة معاوية ؟ !
ونزح الإمام الحسن (علیه السلام) عن عاصمته ، وقد نفر معه أخلاط من الناس ، وأخذ في مسيره على حمام عمر حتى أتى دير كعب في (مُظْلِمُ ساباط) (1)
أَلا بَلْغَا عَنِّي أَبا حَفْصَ آيَةً *** وَقَولا لَهُ قَولَ الكَمِي المُغاوِرِ
بِأَنَا أَثَرنا آلَ طَورانَ كُلُّهُمْ *** لَدَى مُظْلِم يَهْفُو بِحُمِرِ الصَّرَاصِرِ
معجم البلدان : 5 : 152 .
فاستقوا فيه ، وأخذ معاوية يعيث فساداً في جيش الإمام حتى ارتطم بالفتن والخطوب، ونقدّم عرضاً من النكبات التي مني بها ، وإلى الأحداث الهائلة التي واجهها الإمام الحسن (علیه السلام) .وكانت أوّل بادرة فعلها معاوية لإفساد جيش الإمام أنّه بعث عبدالله بن عامر ليبثّ الخوف والجزع في نفوس العراقيين ، فانطلق عبدالله فنادى بأعلى صوته بين صفوف الجيش العراقي : «يا أهل العراق ، إنّي لم أرَ القتال ، وإنّما أنا مقدّمة معاوية ، وقد وافى الأنبار في جموع أهل الشام ، فاقرأوا أبا محمد - يعني الحسن - عنّي السلام وقولوا له : أنشدك الله في نفسك ، وأنفس هذه الجماعة التي معك » (2).
وحينما سمعوا ذلك داخلهم من الخوف والرهبة إلى حد لا سبيل إلى تصويره ،
وأخذ بعضهم يخذل بعضاً ، وسئموا القتال ، وكرهوا الحرب .
لا تزال الرشوة قديماً وحديثاً هي الثغرة الوحيدة التي يسلك فيها المستعمرون للاستيلاء على الشعوب، وسلب سيادتها ، والقضاء على أصالتها ، وقد أمعن معاوية في استعمال الرشوة بنطاقها الواسع في شراء الضمائر والذمم والأديان لأجل تدعيم ملكه ، والقضاء على حكومة الإمام، واستعمل في سبيل هذه الغاية كلّ وسيلة ، وسلك كل طريق لأن (الغاية تبرر الواسطة) والرشوة التي استعملها كانت ذات طوابع مختلفة ، وهي :
1 - منح الوظائف المهمة ، والمناصب الخطيرة في الدولة ، كالولاية على قطر من الأقطار، أو القيادة العامة على جيش من جيوشه لمن غدر بالإمام الحسن (علیه السلام) ، واستجاب له .
2 - بذل الأموال الضخمة من المائة ألف فما فوق .
3 - الوعد بتزويج إحدى بناته ، ومن الغريب أن تتوصل خساسة الرشوة إلى مثل هذا اللون الذي ينمّ عن انحطاط النفس وتماديها في الرذائل والموبقات .
ودلّت هذه الأساليب على دراسة معاوية لنفوس العراقيين، فقد عرف الأشخاص الذين تشترى ضمائرهم بالمادة ، فبذلها لهم بسخاء ، والأشخاص الذين لا يقيمون وزناً للمادة مناهم بالوظائف والنفوذ ، والأشخاص الذين يحبون الاتصال والقرب منه مناهم بزواج إحدى بناته .
وقد نص على هذه الجهات الصدوق (رحمه الله) في كلامه ، قال : « وبعث معاوية لكلّ من عمرو بن حريث (1)
كان عمره يوم توفي رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) اثنتي عشرة سنة ، وكان من الطلقاء الصغار ، ولي الكوفة عن زياد ، وابنه عبيدالله .
توفي سنة 85 ، وقيل : 98ھ . تهذيب التهذيب : 7: 17 .
، والأشعث بن قيس ، وحجّار بن أبجر عيناً من عيونه يمني1) عمرو بن حريث بن عثمان القرشي المخزومي الكوفي :
كل واحد منهم بقيادة جند من جنوده ، أو بتزويج إحدى بناته ، أو بمائة ألف درهم إن هم قتلوا الحسن (علیه السلام)، وقد بلغه ذلك فاستلأم (1)ولبس درعاً ، فكان لا يتقدّم للصلاة إلّا وعليه وقاية » (2).
واستجابت النفوس المريضة التي لم يهذبها الدين إلى دعوى معاوية ، وانجرفت بدنياه الحلوة، وانخدعت بوعوده المعسولة ، فأخذت تتهاوى على أعتابه ملبية طلباته ، وممتثلة لأمره ، فراسله جمع من الأشراف والوجوه والبارزين برسائل متعدّدة أعربوا فيها عن استعدادهم إلى الفتك بالإمام متى طلب وأراد ، وهي ذات مضمونین:
1 - تسليم الحسن له سراً أو جهراً .
2 - اغتياله وقتله متى أراد ذلك .
وقد بعث معاوية بتلكم الرسائل إلى الإمام ليطلع فيها على خيانة جيشه ، وعندما عرضت عليه تلك الرسائل أيقن بفسادهم وتخاذلهم وسوء نياتهم (3).
ومن تأثير الرشوة على تلك النفوس المريضة التي انمحت عنها جميع النواميس الإنسانية ، أن الإمام (علیه السلام) وجه قائداً من كندة في أربعة آلاف ، وأمره أن يعسكر
بالأنبار، وأن لا يُحدث شيئاً حتى يأتيه أمره ، فلما نزل بها عرف معاوية ، فوجه إليه رسولاً وكتب معه : « إنّك إن أقبلت إليَّ اُولك بعض كور الشام والجزيرة غير منفس عليك » ، وأرسل إليه بخمسمائة ألف درهم ، فقبض الكندي المال وانحاز إلى معاوية في مائتي رجل من خاصته وأهل بيته ، فبلغ الحسن (علیه السلام) ذلك ، فتأثر وقام خطيباً وهو متذمّر ومتألم أشدّ الألم من ذلك المجتمع الذي جرفته الخيانة ، وصار فريسة للباطل والضلال فقال (علیه السلام) :
هذَا الْكِنْدِيُّ تَوَجَّهَ إِلى مُعاوِيَةَ ، وَغَدَرَ بِي وَبِكُمْ ، وَقَدْ أَخْبَرْتُكُمْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةً إِنَّهُ لَا وَفاءَ لَكُمْ ، أَنْتُمْ عَبيدُ الدُّنْيا ، وَأَنا مُوَجِّهٌ رَجُلاً آخَرَ مَكَانَهُ ، وَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَفْعَلُ بي وَبِكُمْ ما فَعَلَ صاحِبُكُمْ ، وَلَا يُراقِبُ الله فيَّ وَلَا فِيكُمْ» (1).
وبعث (علیه السلام) رجلاً آخر من مراد في أربعة آلاف، وتقدّم إليه بمشهد من الناس ، وتأكد عليه ، ولكنّه أخبره أنه سيغدر كما غدر الكندي ، فحلف بالأيمان الموثّقة أنه لا يفعل ذلك ، فلم يطمئن منه الحسن (علیه السلام) وقال متنبئاً : إِنَّهُ سَيَغْدُرُ .
وسار حتى انتهى إلى الأنبار ، فلما علم معاوية به أرسل إليه رسلاً وكتب إليه بمثل ما كتب إلى صاحبه ، وبعث إليه بخمسة آلاف ، ولعلّها خمسمائة ألف درهم ، ومناه أي ولاية أحب من كور الشام والجزيرة ، فقلب على الحسن (علیه السلام) وأخذ طريقه إلى معاوية ولم يحفظ ما أخذ عليه من العهود (2).
وارتكب هذه الخيانة جمع غفير من الأشراف والوجوه ، وقد أدّى ذلك إلى زعزعة كيان الجيش واضطرابه ، وتقلل جميع وحداته.
وانحطّت نفوس ذلك الجيش انحطاطاً فظيعاً، واستولت على ضمائره قاتمة لا بصيص فيها من نور الكرامة والشرف ، فارتكبوا كلّ جريمة وموبقة ، ومن انحطاط نفوسهم أنّ بعضهم جعل ينهب بعضاً ، ولم يكتفوا بذلك حتى عدوا إلى أمتعة الإمام وأجهزته فنهبوها .
وأكبر الظنّ أنّ للخوارج ضلعاً كبيراً في هذا الإجرام ، فإنّهم لا يرون حرمة للإمام ولا حرمة لأموال غيرهم ، فقد أباحت خططهم الملتوية أموال من لا يدين بفكرتهم ولا يخضع لدينهم ، وقد وقعت جريمة نهب الإمام في موردين هما :
1 - حينما دسّ معاوية عيونه في جيش الإمام ليذيعون أن الزعيم قيس بن سعد قد قتل ، فإنّهم حينما سمعوا ذلك نهب بعضهم بعضاً حتى انتهبوا سرادق الحسن (1)، وتنص بعض المصادر أنهم نزعوا بساطاً كان الإمام جالساً عليه واستلبوا منه رداءه (2).
2 - لما أرسل معاوية المغيرة بن شعبة وعبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن الحكم إلى الإمام ليفاوضونه في أمر الصلح ، فلما خرجوا من عنده أخذوا يبثون بين صفوف الجيش لإيقاع الفتنة فيه قائلين: «إنّ الله حقن الدماء بابن بنت رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وقد أجابنا إلى الصلح» (3).
ولما سمعوا بمقالتهم اضطربوا اضطراباً شديداً ، ووثبوا على الإمام فانتهبوا مضاربه وأمتعته (4).
وخيّم الجهل على قلوب ذلك الجيش المصاب بأخلاقه وعقيدته ، فراح يسرح في ميادين الشقاء والغواية متمادياً في الإثم والضلال، وبلغ من طيشه وجهله أنّ بعضهم حكم بتكفير حفيد نبيهم ، فلقد انبرى له الجرّاح بن سنان الذي أراد قتله قائلاً: «أشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل ! » .
إنّ مجتمعاً يرى هذا الاعتداء الصارخ على حفيد نبيهم ولا يقومون بنجدته لجدير بأن ينبذ ويترك لأنّه لا ينفعه النصح ، ولا يثوب إلى الحق والرشاد ، وأغلب الظنّ أنّ الذين حكموا بكفر الإمام كانوا من الخوارج؛ إذ لا يصدر هذا الاعتداء إلا من هؤلاء الأشرار.
ولم تقف محنة الحسن (علیه السلام) وبلاؤه في جيشه إلى هذا الحد ، فلقد عظم بلاؤه إلى أكثر من ذلك ، فقد أقدم المرتشون والخوارج على قتله ، وقد اغتيل (علیه السلام) ثلاث مرات ، وسلم منها ، وهي :
1 - إنّه كان يصلّي فرماه شخص بسهم فلم يؤثر شيئاً فيه .
2 - طعنه الجرّاح بن سنان في فخذه ، وتفصيل ذلك ما رواه الشيخ المفيد (رحمه الله)، قال : «إنّ الحسن أراد أن يمتحن أصحابه ليرى طاعتهم له ، وليكون على بصيرة من أمره ، فأمر (علیه السلام) أن يُنادى بالصلاة جامعة ، فلما اجتمع الناس قام (علیه السلام) خطيباً فقال :
«الحمد لله كلما حمده حامد ، وأشهد أن لا إلهَ إِلَّا اللَّهُ كُلَّما شَهِدَ لَهُ شاهِد وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسولُهُ ، أَرْسَلَهُ بِالْحَقِّ ، وَائْتَمَنَهُ عَلَى وَحْيِهِ.
أَمَا بَعْدُ : فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكونَ قَدْ أَصْبَحْتُ - بِحَمْدِ اللهِ وَمَنْهِ - وَأَنَا أَنْصَحُ خَلْقِ اللَّهِ لِخَلْقِهِ ، وَما أَصْبَحْتُ مُحْتَمِلاً عَلَى مُسْلِمٍ ضَعْينَةً وَلَا مُريداً لَهُ بِسُوءٍ ، وَلَا غَائِلَةٍ ، وَإِنَّ مَا تَكْرَهُونَ فِي الْجَمَاعَةِ خَيْرٌ لَكُمْ مِمّا تُحِبُّونَ فِي الْفُرْقَةِ ، أَلَا وَإِنِّي ناظِرٌ لَكُمْ خَيْراً مِنْ نَظَرِكُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَلا تُخالِفُوا أَمْرِي ، وَلَا تَرُدُّوا عَلَيَّ رَأْيِي ، غَفَرَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ ، وَأَرْشَدَني وَإِيَّاكُمْ لِمَا فِيهِ الْمَحَبَّةُ وَالرّضا .
ونظر الناس بعضهم إلى بعض وهم يقولون : ما ترونه يريد ؟
واندفع بعضهم يقول : والله يريد أن يصالح معاوية ويسلّم الأمر إليه !!
وما سمعوا بذلك إلا وهتفوا : كفر الرجل !!
وشدّوا على فسطاطه فانتهبوه ، حتى أخذوا مصلاه من تحته ، ثمّ شدّ عليه الأثيم عبد الرحمن بن عبد الله بن جعال الأزدي ، فنزع مطرفه من عاتقه ، فبقي الإمام جالساً متقلّداً سيفه بغير رداء ، ودعا (علیه السلام) بفرسه فركبه ، وأحدقت به طوائف من خاصته وشيعته محافظين عليه ، وطلب (علیه السلام) أن تدعى له ربيعة وهمدان ، فدعيتا له ، فطافوا به ، ودفعوا الناس عنه ، وسار موكبه ولكن فيه خليطاً من غير شيعته.
فلما انتهى (علیه السلام) إلى مظلم ساباط بَدَر إليه رجل من بني أسد يقال له الجرّاح بن سنان ، فأخذ بلجام بغلته ، وبيده معول (1)فقال له : الله أكبر ، أشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل !
ثمّ طعن الإمام في فخذه ، فاعتنقه الإمام وخرًا جميعاً إلى الأرض ، فوثب إليه رجل من شيعة الحسن (علیه السلام) يقال له عبد الله بن الأخطل الطائي ، فانتزع المعول من يده
1) المعول : آلة تشبه السيف.
فخضخض به جوفه ، وأكبّ عليه شخص آخر يدعى بظبيان بن عُمارة فقطع أنفه . ثم حمل الإمام (علیه السلام) جريحاً على سرير إلى المدائن في المقصورة البيضاء لمعالجة جرحه» (1).
3 - طعنه بخنجر في أثناء الصلاة (2).
واتضحت للإمام (علیه السلام) بعد هذه الأحداث الخطيرة نوايا هؤلاء الأجلاف ، وأنّه سيبلغ بهم الإجرام والشرّ إلى ما هو أعظم من ذلك ، وهو تسليمه إلى معاوية أسيراً ، فتهدر بذلك كرامته ، أو يُغتال ويضاع دمه الشريف من دون أن تستفيد الأمة بتضحيته شيئاً.
وكان موقف الإمام الحسن (علیه السلام) من هذه الزعازع والفتن السود التي تدع الحليم حيراناً ، موقف الحازم اليقظ ، فقد كان من حنكته وحسن تدبيره ، وبراعة حزمه في مثل الانقلاب الذي مني به جيشه أن جمع الزعماء والوجوه ، فأخذ يبين لهم النتائج المرّة والأضرار الجسيمة التي تترتب على مسالمة معاوية قائلاً:
وَيْلَكُمْ! وَاللَّهِ إِنَّ مُعاوِيَةَ لَا يَفِي لِأَحَدٍ مِنْكُمْ بِما ضَمِنَهُ فِي قَتْلِي ، وَإِنِّي أَظُنُّ إِنْ وَضَعْتُ يَدي فِي يَدِهِ فَاُسالِمُهُ لَمْ يَتْرُكْنِي أُدِينُ بِدينِ جَدِّي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ.
وَإِنِّي أَقْدِرُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَحْدي ، وَلكِنْ كَأَنَّي أَنْظُرُ إِلى أَبْنَائِكُمْ واقِفِينَ عَلَى أَبْوابِ أَبْنَائِهِمْ يَسْتَسْقُونَهُمْ وَيَسْتَطْعِمُونَهُمْ بِمَا جَعَلَ اللَّهُ
لَهُمْ فَلَا يُسْقُونَ وَلَا يُطْعَمُونَ ، فَبُعْداً وَسُحْقاً لِما كَسَبَتْهُ أَيْديهِمْ « ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» (1). (2).
ولم تنفع جميع المحاولات التي بذلها الإمام من أجل استقامتهم وصلاحهم ، فقد أخذ الموقف تزداد حراجته ، ويعظم بلاؤه ، وتشتد فيه الفتن والخطوب ، وقد وجد زعماء الجيش انشغال الإمام بمعالجة جرحه فرصة إلى الاتصال المفضوح بمعاوية ، والتزلّف إليه بكل وسيلة ، وقد علم الإمام (علیه السلام) جميع ما صدر منهم من الخذلان والاتصال بالعدو.
حقاً لقد كان موقف الإمام موقفاً تمثلت فيه الحيرة والذهول ، ينظر إلى معاوية فيرى حربه ضرورياً يقضي به الدين ، ويلزم به الشرع ، وينظر إلى الانقلاب والتفكك الذي أصيب به جيشه ، وإلى المؤامرات المفضوحة على اغتياله ، فينفض يده منهم ، وييأس من صلاحهم ، ومع ذلك أراد (علیه السلام) أن يمتحنهم ليرى موقفه من الحرب لو اندلعت نارها .
فأمر (علیه السلام) بعض أصحابه أن ينادي في الناس (الصلاة جامعة) ، فاجتمع الجمهور فقام فيهم خطيباً ، فقال بعد حمد الله والثناء عليه :
أَما وَاللَّهِ ما ثَنانَا عَنْ قِتالِ أَهْلِ الشَّامِ ذِلَّةٌ وَلَا قِلَّةٌ ، وَلكِنْ كُنَّا نُقاتِلُهُمْ بِالسَّلامَةِ وَالصَّبْرِ ، فَشِيبَتِ السَّلامَةُ بِالْعَداوَةِ ، وَالصَّبْرُ بِالْجَزَع ، وَكُنتُمْ تَتَوَجَّهُونَ مَعَنا وَدينُكُمْ أَمامَ دُنْياكُمْ ، وَقَدْ أَصْبَحْتُمُ الْآنَ وَدُنْيَاكُمْ أَمامَ دِينِكُمْ ، وَكُنَّا لَكُمْ وَكُنْتُمْ لَنَا ، وَقَدْ صِرْتُمُ الْيَوْمَ عَلَيْنا.
ثُمَّ أَصْبَحْتُمْ تَعُدُّونَ قَتِيلَيْنِ : قَتِيلاً بِصِفَينَ تَبْكُونَ عَلَيْهِمْ ، وَقَتِيلاً بِالنَّهْرَوانِ تَطْلُبُونَ بِثَأرِهِمْ ، فَأَمَّا الْبَاكِي فَخَاذِلٌ ، وَأَمَّا الطَّالِبُ فَثَائِرٌ » .
وأعرب (علیه السلام) بهذا الخطاب البليغ عن بعض العوامل التي أدت إلى تفككهم وانحلالهم ، وعرض عليهم بعد هذا دعوة معاوية في الصلح قائلاً:
وَإِنَّ مُعَاوِيَةَ قَدْ دَعَا إِلَى أَمْرٍ لَيْسَ فِيهِ عِزّ وَلَا نَصَفَةٌ ، فَإِنْ أَرَدْتُمُ الْحَياةَ قَبِلْناهُ مِنْهُ ، وَأَغْضَضْنَا عَلَى الْقَذى ، وَإِنْ أَرَدْتُمُ الْمَوْتَ بَذَلْنَاهُ فِي ذَاتِ اللَّهِ ، وَحاكَمْناهُ إِلَى اللهِ ».
وما إن انتهى (علیه السلام) من هذه الكلمات إلا وارتفعت الأصوات من جميع جنبات الجمع ، وهي ذات مضمون واحد : البقيّة ، البقيّة (1).
ورأى (علیه السلام) بعد هذا الموقف أنّه إن حارب معاوية حاربه بيد جذاء؛ إذ لا ناصر له ولا معين ، ولم يكن هناك ركن شديد حتى يأوي إليه ، واستبانت له الخطط المفضوحة التي سلكها زعماء الجيش من تسليمه إلى معاوية أسيراً أو اغتياله ، رأى بعد هذا كله أن الموقف يقضي بالسلم واستعجال الصلح .
وحدث زيد بن وهب الجهني عن مدى استياء الإمام وتذمره من أجلاف الكوفة وأوباشهم ، قال : « دخلت عليه لما طعن فقلت له : يابن رسول الله ، إن الناس متحيّرون .
فاندفع الإمام يقول بأسى بالغ وحزن عميق : وَاللَّهِ أَرَى مُعاوِيَةَ خَيْراً لِي ،
1) حماة الإسلام : 1 : 123 . المجتنى / ابن دريد : 36 . أعلام الدين : 292 و 293 . بحار الأنوار: : 44: 21 و 22. أسد الغابة : 2: 13 و 14. تاریخ دمشق : 13 : 268. الكامل في التاريخ : 3: 406.
هؤُلاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ لي شيعَةٌ ابْتَغَوا قَتْلي ، وَانْتَهَبوا ثِقْلِي ، وَأَخَذوا مالي.
وَاللَّهِ لَئِنْ آخُذَ مِنْ مُعَاوِيَةَ عَهْداً أَحْقِنُ بِهِ دَمِي ، وَآمِنُ بِهِ أَهْلِي وَشِيعَتِي خَيْرٌ لِي مِنْ أَنْ يَقْتُلُونِي فَيَضِيعَ أَهْلُ بَيْتِي ، لَوْ قَاتَلْتُ مُعاوِيَةَ لأَخَذوا بِعُنُقي حَتَّىٰ يَدْفَعَونِي إِلَيْهِ سِلْماً.
وَاللَّهِ لَئِنْ اُسالِمَهُ وَأَنا عَزِيزٌ أَحَبُّ مِنْ أَنْ يَقْتُلَنِي وَأَنا أَسِيرٌ ، أَوْ يَمُنَّ عَلَيَّ فَتَكونَ سُبَّةً عَلَى بَني هاشم إِلى آخِرِ الدَّهْرِ ، وَلِمُعاوِيَةَ لَا يَزالُ يَمُنُّ بِها وَعَقِبُهُ عَلَى الْحَيَّ مِنّا وَالْمَيِّتِ» (1).
وأعرب الإمام في حديثه عن مدى ما لاقاه من الاعتداء الغادر على حياته وكرامته من هؤلاء المنافقين الذين يزعمون أنهم شيعة له ، وأنه سيبلغ بهم التفسخ إلى أقصى حد فسيقتلونه أو يسلمونه أسيراً إلى معاوية فيقتله أو يمن عليه فيسجل له بذلك يداً على الإمام ، وتكون سبة وعاراً على بني هاشم إلى آخر الدهر .
وأخذ (علیه السلام) بعد هذه الأحداث الخطيرة يجيل النظر ، ويقلب الرأي على وجوهه في حرب معاوية وتصوّر المستقبل الملبد بالزعازع والاضطرابات التي تقرر المصير المخوف والنهاية المحتومة لدولته وحياته معاً ، بل وعلى حياة الإسلام أيضاً ، لأنّ القلة المؤمنة التي يحويها جيشه كانت بين ذرية النبي الأعظم (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وبين حملة الدين الإسلامي المقدّس ، من بقايا الصحابة وتلامذة أمير المؤمنين (علیه السلام) ، وهؤلاء إن طحنتهم الحرب تفنى معنويات الإسلام ، ويقضى على كيانه ، وتحطم عروشه ، لأنهم هم القائمون بنشر طاقاته .
1) الاحتجاج : 2 : 10 . بحار الأنوار: 44: 20 ، الحديث 4 .
ومضافاً إلى ذلك أنّ الإسلام لا يستفيد بتضحيتهم شيئاً ، لأن معاوية بمكره سوف يلبسهم لباس الاعتداء ، ويوصمهم بالخروج عن الطاعة والإخلال بالأمن العامّ والقضاء عليهم أمر ضروري حفظاً لحياة المسلمين من القلق والاضطراب .
حقاً لقد تمثلت الحيرة والذهول في ذلك الموقف الرهيب ، والخروج من مأزقه يحتاج إلى فكر ثاقب وإلى مزيد من التضحية والإقدام ، رأى الإمام (علیه السلام) أن المصلحة التامة تقضي أن يصالح معاوية ، ويعمل بعد ذلك على تحطيم عروش دولته ، ويعرب للناس عاره وعياره ، ويظهر لهم الصور الإجرامية التي تتمثل فيه !
لقد سالم (علیه السلام) وكانت المسالمة أمراً ضرورياً يلزم بها العقل ويوجبها الشرع المقدّس ، وتقتضيها حراجة الموقف .
وإضافة لهذه الحوادث سوف نقدم أسباباً أخرى توضح المقام ، وترفع أثر الشك ، وتردّ شبهات الناقدين.
تحوم حول صلح الإمام الحسن (علیه السلام) مع خصمه معاوية كثير من الظنون والأقوال ويستفاد منها حكمان متباينان بكل ما للتباين من معنى ، والحق أن أحدهما خطأ وبعيد عن الصواب ، كما هو الشأن في كل حكمين متباينين :
الأول - من من هذين الحكمين - : تبرير موقف الامام (علیه السلام) في صلحه وموفقيته فيه إلى أبعد الحدود، ويختلف مبنى التعليل فيه ، فطائفة من العلماء والبحاث عللته بأنه إمام ، والإمام معصوم من الخطأ ، فلا يفعل إلا ما هو الصالح العام لجميع الأمة .
وسنذكر في أواخر هذا البحث الذاهبين إلى هذا القول ، وتعليل آخر يكشف عن مناط القول الأول ، ويوضح مدركه ، وهو يستند إلى العلل الماديه التي اضطرت الإمام إلى الصلح كخذلان جيشه ، وفساد مجتمعه ، وخيانة الزعماء والمبرزين والوجهاء من شعبه ، وغير ذلك من العوامل .
الثاني : تعود خلاصته إلى ضعف إرادة الإمام ، وعدم إحاطته بشؤون السياسة العامة ، وعجزه عن إدارة دفة الدولة ، وعدم تداركه للموقف بالاعتماد على الأساليب السياسية ، وإن منع عنها الدين، فإن نال الظفر فذاك ، وإلا فالشهادة في سبيل المجد التي هي شعار الهاشميين ، وهدف المصلحين .
وهذا الرأي مبني على ظواهر لا تمت إلى الواقع بصلة ، ولا تلتقي معه بطريق ، وذلك لعدم ابتنائه على دراسة الظروف المحيطة بالإمام ، وعدم الوقوف على اتجاه
شعبه الذي أصيب بأخلاقه وعقيدته ، فلذا كان هذا الرأي سطحيّاً وخالياً عن التحقيق ، وبعيداً عن الواقع .
أما الذاهبون لهذا الرأي ، فهم :
قال الصفدي في شرحه لهذا البيت من لاميّة العجم :
حُبُّ السَّلامَةِ يَثْني عَزْمَ صاحِبِهِ *** عَنِ المَعالي وَيُغري المرء بالكسل
وقد رضي بالخمول جماعة من الرؤساء والأكابر المتقدمين في العلم والمنصب ، وفارقوا مناصبهم ، وأخلوا الدسوت من تصديرهم ، ثم ذكر جماعة من الذين رضوا بالخمول ، ونزعوا عن أنفسهم الخلافة .
ثمّ قال : «وهذا الحسن بن علي بن أبي طالب (علیه السلام) قال لمعاوية : إنّ عليَّ ديناً فأوفوه عنّي ، وأنتم في حلّ من الخلافة ، فأوفوا دينه وترك لهم الخلافة» (1)
وقد خبط الصفدي خبط عشواء ، فإنّ الإمام متى باع الخلافة على خصمه بوفاء دينه؟
نعوذ بالله من هذا الافتراء .
.قال الأستاذ فيليب حتّي : «وفي بدء حكم معاوية قامت حركة أخرى كان لها شأن كبير في الأجيال التي تلت ، أعني إعلان أهل العراق الحسن بن علي الخليفة الشرعي ، ولعملهم هذا أساس منطقي ، لأنّ الحسن كان أكبر أبناء عليّ ، وفاطمة ابنة النبي الوحيدة الباقية بعد وفاته ، ولكنّ الحسن (علیه السلام) الذي كان يميل إلى الترف والبذخ لا إلى الحكم والإدارة لم يكن رجل الموقف ، فانزوى عن الخلافة مكتفياً بهبة سنوية
1) شرح لامية العجم : 2 : 27 .
منحه إياها » (1).
قال الأستاذ العلائلي : « ولكنه - يعني الحسن (علیه السلام) - كان قديراً على أن يعدّ الجماعات المنحلة عن طريق الاستثارة والاحماس ، وبثَّ روح العزم والإرادة ، كما رأينا في القادة الحديديين أمثال (نابليون) الذي تولّى شعباً أنهكته الثورة الطويلة كما أنهكت العرب، وزاد هو في إنهاكه بالحروب المتتالية المستمرة التي أخذ بها أوروبا، ولكن القائد غمرته موجة السأم التي غمرت الناس » (2).
قال هذ المستشرق : « فإنّ الأخبار تدلّ على أنّ الحسن كانت تنقصه القوّة المعنوية ، والقابلية العقليّة لقيادة شعبه بنجاح» (3)
وهذا المستشرق من الحاقدين على الإسلام ، وقد شحن كتابه بالكذب والطعن على الإسلام ، والحطّ من قيمة أعلامه النابهين، وقد تعرّض الأستاذ السيد عبدالهادي المختار في مجلة البيان الزاهرة في عددها الخاص بسيد الشهداء من السنة الثانية ، العدد 35 - 39 إلى تزييفه وعرض أكاذيبه .
.قال هذا الإنكليزي المتهوّس الأثيم الذي لم يفهم من التاريخ الإسلامي شيئاً : «وبويع للحسن بعد مقتل عليّ ، فحاول أنصاره أن يقنعوه بالعودة إلى قتال أهل
الشام ، وقلب هذا الإلحاح من جانبهم حفيظة الحسن القعيد الهمة ، فلم يعد يفكر إلا في التفاهم مع معاوية ، كما أدى إلى وقوع الفرقة بينه وبين أهل العراق ، وانتهى بهم الأمر إلى إثخان إمامهم اسماً ، لا فعلاً بالجراح ، فتملكت الحسن (علیه السّلام) منذ ذلك الوقت فكرة واحدة هي الوصول إلى اتفاق مع الأمويين، وترك له معاوية أن يحدّد ما يطلبه جراء تنازله عن الخلافة ، ولم يكتف الحسن بالمليوني درهم التي طلبها معاشاً لأخيه الحسين ، بل طلب لنفسه خمسة ملايين درهماً أخرى ، ودخل كورة في فارس طيلة حياته ، وعارض أهل العراق بعد ذلك في تنفيذ الفقرة الأخيرة من هذا الاتفاق ، بَيْد أنّه اُجيب إلى كلّ ما سأله حتى أنّ حفيد النبي اجترأ فجاهر بالندم على أنه لم يضاعف طلبه ، وترك العراق مشيّعاً بسخط الناس عليه ليقبع في المدينة» (1)
وهذه الدائرة لم تكن إلا دائرة كذب وافتراءات ، فقد حفلت بالطعن على الإسلام ، والسب لأعلامه ، خصوصاً في بحوث (لامنس) عن الشيعة وعن أئمتهم ، فإنّها مليئة بالبهتان والتهريج عليهم ، والسبب في ذلك أن لجان التبشير المسيحي هي التي تدفع أمثال هذه الأقلام المأجورة لتشويه الإسلام والكيد له.
مضافاً إلى أن بحوث المستشرقين تعتمد على دراسة سطحية خالية عن التحقيق والتدقيق ، ومن الجدير بالذكر أن بعض المستشرقين زار (طهران) عاصمة إيران بعد أن تعلم اللغة الفارسية في مدارس الألسنة الشرقية ، وقد حاول أن يضع تاريخاً عن حالة إيران الاجتماعية والأخلاقية كما يشاهدها ، فرأى حمّالين وعلى رؤوسهم أوانياً وأسباباً فاخرة ، وأمامهم الدفوف والمزامير ، فسأل عن ذلك ، فقال له بعض الحاضرين : إنهم يحملون جهاز عروس ، ثم سأل عن اسم الزوج فقال له بعض الحاضرين : ماذا يهمك؟ وفي المساء رأى هذا المستشرق رجلاً يضرب امرأة في الشارع ، فسأل بعض الحاضرين عن القصّة ، فأخبره أنّ الضارب زوجها ، وقد تركته بغير حق .
ثمّ سأل عن اسم الزوج ، فقال له : ماذا يهمك؟
فظنّ المستشرق أنّ اسم الرجل ماذا يهمك ، وإنّه العريس الذي رأى جهازه صباحاً ، فكتب هذا المستشرق في كتابه تاريخ إيران أنّه رأى في عاصمتها عريساً يقترن صباحاً ، ويضرب عروسه في الشارع مساء ، وأن اسمه ماذا يهمك .
هذا حال المستشرقين في الأمور الظاهرة البديهية ، فكيف حالهم في النظريات الدقيقة الغامضة . هذا إذا لم يعتمدوا على التحريف ، فكيف إذا اعتمدوا عليه . ومن المؤسف أن شبابنا قد عكف على دراسة مؤلّفاتهم ، والاعتماد عليها في أطروحاتهم ، مع إنّها لا نصيب لها من الصحة والواقع .
.1) دائرة المعارف الإسلامية : 7 : 400 .
وهؤلاء الناقدون لصلح الإمام (علیه السلام) كان بعضهم مدفوعاً بدافع الحقد والعداء للإسلام ، وبعضهم لم يكن رأيه خاضعاً لحرية الفكر ولم يحتضن قولهم الدليل في جميع أحواله ، وذلك لعدم وقوفهم على العوامل التي أحاطت بالإمام حتّى دعته إلى مسالمة خصمه .
ويجب على الكاتب الذي يريد أن يمثل للمجتمع صورة عن شخصيّة مهمّة لها من الخطورة شأن كبير أن يحيط بأطرافها من جميع النواحي ليكون رأيه قريباً إلى الصواب وبعيداً عن الخطأ.
وبما أنا وقفنا بعض الوقوف أو أقله على بعض العلل والعوامل التي دعت الإمام لمسالمة عدوّه ، وهي تتلخص في أمور استنبطنا بعضها من الأبحاث السالفة ، والبعض الآخر استنتجناه من دراسة نفسيّة معاوية وملاحظة أعماله ، ومن الوقوف على أضواء سيرة الإمام الرفيعة، ومعرفة سياسة أهل البيت (علیهم السلام) التي لا تتذرّع بالوسائل التي شجبها الإسلام في سبيل الوصول إلى الحكم .
وقبل أن نعرض أسباب الصلح نود أن نبيّن أنا قد نعيد نماذج بعض المواضيع السالفة لأجل الاستدلال على ما نذهب إليه ، فإنّ في الإعادة ضرورة ملزمة يقتضيها البحث ، فإن تفصيل هذا الموضوع والإحاطة به أهم من غيره ، ولعلّ نظر القراء إليه ، وهي كما يلي :
إنّ أعظم ما تواجهه الدولة في جميع مجالاتها مسبب - على الأكثر - من خبث الجند ، وشدّة خلافه وعصيانه لقيادته العامة ، وقد مُني الجيش العراقي آنذاك بالتمرّد والانحلال بما لم يبتل به جيش معاوية ، فإنّه ظل محتفظاً بالولاء لحكومته ، ولم يصب بمثل هذه الرجّات والانتكاسات ، أما العلل التي أدت إلى اضطراب الجيش العراقي وانشقاقه فهي :
إنّ الأحزاب إذا تضاربت في الجيش ، وكانت مدفوعة بالحقد للحكم القائم ، أو كان لها اتصال بدولة أجنبية تعمل بوحي منها ، وتستمد منها التوجيهات للإطاحة به ، فإنّ الدولة لا تلبث أن تلاقي النهاية المحتومة إن عاجلاً أو آجلاً، وقد ابتلي الجيش العراقي في ذلك الوقت بحزبين ليس فيهما صديق للدولة الهاشمية ولا محافظ عليها ، وإنما كانا يبذلان المساعي والجهود للقضاء عليها ، وهما :
وهؤلاء هم أبناء الأسر البارزة وذوو البيوتات الشريفة الذين لا يهمهم غير الزعامة الدنيوية ، والظفر بالمال والسلطان ، كعمر بن سعد ، وقيس بن الأشعث ، وعمرو بن حريث ، وحجار بن أبجر ، وعمرو بن الحجاج ، وأمثالهم من الذين لا صلة لهم بالفضيلة والكرامة ، وكانوا أهم عنصر مخيف في الجيش ، فقد وعدوا معاوية باغتيال الإمام أو بتسليمه له أسيراً ، كما قاموا بدورهم بأعمال بالغة الخطورة ، وهي :
1 - إنّهم سجّلوا كل ظاهرة أو بادرة في الجيش فأرسلوها إلى معاوية للاطلاع عليها .
2 - كانوا همزة وصل بين معاوية وبقيّة الوجوه .
3 - قاموا بنشر الأراجيف والارهاب في نفوس الجيش بقوة معاوية وضعف الإمام الحسن (علیه السلام) .
وأدّت هذه الأعمال إلى انهيار الجيش ، وزعزعة كيانه ، وضعف معنوياته في جميع المجالات.
وهذا الحزب قد أخذ على نفسه الخروج على النظام القائم ، ومحاربته بجميع الوسائل ، وقد انتشرت مبادئه في الجيش العراقي انتشاراً هائلاً، لأنّ المبشرين بأفكارهم كانوا يحسنون غزو القلوب والأفكار ، ويجيدون الدعاية ، وقد وصف زياد ابن أبيه مدى قابلياتهم بقوله : «لكلام هؤلاء أسرع إلى القلوب من النار إلى اليراع (1)».
ووصف المغيرة بن شعبة شدّة تأثيرهم في النفوس بقوله : «إنهم لم يقيموا ببلد إلا أفسدوا كل من خالطهم » (2).
وقد استولوا على عقول السذج والبسطاء من الجيش بشعارهم الذي هتفوا به : «لا حكم إلا لله» ، ولم يقصد بذلك إلا حكم السيف ، كما يقول (فان فلوتن) (3).
لقد قضت خطط الخوارج الملتوية بوجوب الخروج على ولي أمر المسلمين إذا لم ينتم إليهم ، وهو عندهم جهاد ديني تجب التضحية في سبيله ، وقد قاموا بأعنف الثورات ضدّ الولاة حتّى عسر عليهم مقاومتهم .
وكان الخوارج يحملون حقداً بالغاً في نفوسهم على الحكومة الهاشمية ، لأنها قد وترتهم بأعلامهم ، وقضت على الكثيرين منهم في واقعة النهروان ، وقد فتكوا
بالإمام علي (علیه السلام) وتركوه صريعاً في محرابه ، انتقاماً منه بما فعله فيهم ، كما اغتالوا الالها الإمام الحسن (علیه السّلام) وطعنوه في فخذه، وحكموا بتكفيره ، وكان تعداد هذه العصابة كبير للغاية ، فقد نصت بعض المصادر أن أكثرية الجيش كانت من الخوارج (1).
وهذان الحزبان السائدان في العراق قد بذلا جميع الطاقات لإفساد الجيش وبذر الخلاف والانشقاق في جميع وحداته ، حتى ارتطم في الفتن والأهواء .
ويضاف لذلك أنّ هناك مجموعة كبيرة منه كان موقفها موقفاً سلبياً في قضيّة الإمام الحسن (علیه السّلام) ، لأنها لا تفقه الأهداف الأصيلة التي ينشدها الإمام ، ولضيق تفكيرها ترى أنّ الإمام كلّ من ارتقى دست الحكم من أي طريق كان ، فالحسن ومعاوية سيّان ، وإن حارب الحسن (علیه السّلام) معاوية على الدين، وحارب معاوية الحسن (علیه السّلام) على الدنيا .
ولم يعد بعد ذلك من يناصر الحكومة الهاشمية ، ويقف إلى جانبها سوى الفئة الشيعية التي ترى رأي العلويين في أحقيتهم بالخلافة ، أمثال الزعيم قيس بن سعد ، وسعيد بن قيس ، وعدي بن حاتم الطائي ، وحجر بن عدي ، ورشيد الهجري ، وحبيب بن مظاهر ، وأضرابهم من تلامذة أمير المؤمنين (علیه السلام) ، وهم الأقلية عدداً ، كما قال تعالى : « وَقَلِيلٌ مَا هُمْ» (2)، وليس باستطاعتهم أن ينتشلوا الحكومة من الأخطار الحافة بها ، فإنّهم لو كانوا كثرة في الجيش لما اضطر الإمام أمير المؤمنين على قبول التحكيم ، ولما التجأ الإمام الحسن (علیه السلام) إلى الصلح .
إنّ من طبيعة الكوفة التي جُبلت عليها نفوس أهلها السأم والملل ، « ولا رأي
لملول » ، ومضافاً لهذه الظاهرة النفسية التي عرفوا بها أنّ هناك سببين أوجبا زيادته ومضاعفته، وهما :
وممّا سبّب شيوع الملل والسأم في نفوس الجيش العراقي الحروب المتتالية ، فإنّ الدولة كانت تستعمله في الفتوحات والدفاع عنها ، وزاد في ضعف أعصابه وانهياره حرب صفين والنهروان ، فقد طحنت الحرب فيها جمعاً غفيراً منهم حتى أصبحوا يكرهون الحرب ويؤثرون السلم ويحبّون العافية .
ولم يربح الجيش العراقي في حرب الجمل وصفّين والنهروان شيئاً من العتاد والأموال ، لأنّ الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) لم يعاملهم معاملة الكفار فيقسّم غنائمهم على المسلمين ، وإنّما أمر بإرجاع جميع الأموال التي اغتنمها جيشه إلى أهلها بعد انتهاء حرب البصرة (1).
وقد علم الجيش أنّ الإمام الحسن (علیه السّلام) لا يتحول عن سيرة أبيه ونهجه ، فلم يثقوا بالأموال والغنائم إن حاربوا معاوية ، فأعلنوا العصيان ، وأظهروا التمرد والسأم من الحرب .
إن كراهية الجيش العراقي للحرب وإيثاره للعافية لم يكن ناشئاً في (مسكن) وإنّما كان عقيب رفع المصاحف وواقعة النهروان ، فقد خلد بجميع كتائبه إلى السلم .
وقد ذكرنا في الجزء الأول من هذا الكتاب صوراً من الاعتداءات الغادرة التي قامت بها قوات معاوية على الحدود العراقية ، وغزوهم لمدن العراق ، وترويعهم للآمنين ، وقتلهم الأبرياء ، وهم متخاذلون متقاعسون عن ردّها لا تحركهم العواطف
1) عليّ وبنوه : 55 .
الدينية ، ولا يهزّهم الشعور الإنساني لدفع الضيم والذل عنهم ، يأمرهم الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) بالجهاد فلا يطيعونه، ويدعوهم إلى مناصرته فلم يستجيبوا له . وقد ترك ذلك أسى مريراً وشجاً مقيماً في نفسه ، وقد اندفع في كثير من خطبه إلى انتقاصهم وذمّهم .
يقول (علیه السلام): « أُفٍّ لَكُمْ لَقَدْ سَئِمْتُ عِتابَكُمْ : أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ عِوَضاً ؟ وَبِالذُّلِّ مِنَ الْعِزَّ خَلَفاً ؟ إِذَا دَعَوْتُكُمْ إِلَى جِهادِ عَدُوِّكُمْ دارَتْ أَعْيُنُكُمْ ، كَأَنَّكُمْ مِنَ الْمَوْتِ فِي غَمْرَةٍ ، وَمِنَ الذُّهُولِ فِي سَكْرَةِ ».
ويستمر في تقريعة ولومه لهم ، وإبداء تأثره من تخاذلهم ونكوصهم عن الحرب ، فيقول (علیه السلام) :
وَما أَنْتُمْ بِرُكْنٍ يُمالُ بِكُمْ، وَلَا زَوافِرُ عِزٍّ يُفْتَقَرُ إِلَيْكُمْ . مَا أَنتُمْ إِلَّا كَإِبِلٍ ضَلَّ رُعَاتُهَا ، فَكُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبٍ انْتَشَرَتْ مِنْ آخَرَ ، لَبِئْسَ - لَعَمْرُ الله - سُعُرُ نارِ الْحَرْبِ أَنْتُمْ تُكَادُونَ وَلَا تَكِيدُونَ ، وَتُنْتَقَصُ أَطرافُكُمْ فَلَا تَمْتَعِضُونَ؛ لَا يُنامُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ فِي غَفْلَةٍ ساهُونَ ، غُلِبَ وَاللهِ الْمُتَحَاذِلُونَ : وَأَيْمُ اللهِ إِنِّي لَأَظُنُّ بِكُمْ أَنْ لَوْ حَمِسَ الْوَغَى ، وَاسْتَحَرَّ الْمَوْتُ ، قَدِ انْفَرَجْتُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ انْفِراجَ الرَّأْسِ ».
ويصف (علیه السلام) في خطاب آخر عدم اندفاعهم للجهاد في سبيل الله ، ومدى محنته وبلائه فيهم فيقول (علیه السلام) :
«وَدَعَوْتُهُمْ سِرّاً وَجَهْراً ، وَعَوْداً وَبَدْءًا ، فَمِنْهُمُ الآتى كارهاً ، وَمِنْهُمُ الْمُعْتَلُّ كاذباً ، وَمِنْهُمُ الْقاعِدُ خاذِلاً أَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ لي مِنْهُمْ
فَرَجاً عاجِلاً فَواللهِ لَوْلَا طَمَعى عِنْدَ لِقائي عَدُوِّي فِي الشَّهَادَةِ ، وَتَوْطِيني نَفْسي عَلَى الْمَنِيَّةِ ، لَأَحْبَبْتُ أَلَّا أَلْقَى مَعَ هَؤُلَاءِ يَوْماً وَاحِداً ، وَلَا أَلْتَقِيَ بِهِمْ أَبَداً» (1).
ويقول (علیه السلام) في خطاب آخر له :
«المَغْرُورُ وَاللَّهِ مَنْ غَرَرْتُمُوهُ ، وَمَنْ فَازَ بِكُمْ فَقَدْ فَازَ - وَاللهِ - بِالسَّهم الْأَخْيَبِ ، وَمَنْ رَمَى بِكُمْ فَقَدْ رَمَى بِأَفْوَقَ ناصِلٍ (2). أَصْبَحْتُ وَاللهِ لا أُصَدِّقُ قَوْلَكُمْ ، وَلَا أَطْمَعُ في نَصْرِكُمْ ، وَلَا أُوعِدُ العَدُوَّ بِكُمْ. ما بالُكُمْ؟ ما دَواؤُكُمْ ؟ ما طِبُّكُمْ ؟» (3).
وقد احتوى (نهج البلاغة) على طائفة كبيرة من خطب الإمام (علیه السلام) تدلّ على استيائه البالغ ، وحزنه العميق من تخاذل جيشه ، وعدم استجابتهم لنصرته حتى ملأوا قلبه غيظاً ، وجرعوه نغب التهمام أنفاساً - على حد تعبيره (علیه السلام) - وبقي سأمهم من الحرب وكراهيتهم للجهاد مستمراً طيلة أيام أمير المؤمنين (علیه السلام).
ولما آل الأمر إلى الحسن (علیه السلام) ظهر ذلك بأبشع الصور ، فإنّه لما عرض عليهم دعوة معاوية للصلح ارتفعت أصواتهم وهم يهتفون : « البقية البقية » .
ودلّ ذلك على مدى جزعهم من الحرب ، وكراهيتهم للجهاد ، وأنهم لم يكونوا
بأي حال مع الإمام لو فتح باب الحرب مع معاوية .
وممّا سبّب تقلّل الجيش العراقي فقده للقوى الواعية من أعلام الإسلام الذين آمنوا بحق أهل البيت ، وعرفوا فضلهم ، وكان الجيش بجميع كتائبه يكن لهم أعمق الولاء والتقدير لأنّهم من خيار المسلمين ، ومن الذين أبلوا في الإسلام بلاءً حسناً ، وكان لهم شأن كبير في تنظيم الحركة العسكرية ، وفي توجيه الجيش في خدمة الأهداف الإسلامية ، وهم أمثال الصحابي العظيم عمار بن ياسر ، والقائد الملهم هاشم المرقال ، وثابت بن قيس ، وذو الشهادتين ، ونظائرهم من الذين سبقوا إلى الإسلام والإيمان ، وقد طحنتهم حرب صفين.
وقد أحصى رواة الأثر عدد البدرتين منهم فكانوا ثلاثاً وستين بدريّاً، وهناك كوكبة أخرى من أبرار الصحابة وخيارهم قد استشهدوا في تلك الحروب التي أثارها الطامعون والمنحرفون عن الإسلام ضدّ وصيّ رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، وباب مدينة علمه ، وقد ترك فقدهم فراغاً هائلاً في الجيش العراقي ، فقد خسر الضروس والرؤوس ، ويلي من بعدهم بالمنافقين والخوارج الذين كانوا سوسة تنخر في كيانه ، ولو ضمّ جيش الإمام أمثال أولئك الأبرار لما التجأ إلى الصلح والموادعة مع خصمه.
ومما سبب ضعف العزائم ، وإخماد نار الثورة في نفوس الجيش دعوة معاوية إلى الصلح وحقن الدماء ، فقد كانت هذه الدعوى لذيذة مقبولة إلى حد بعيد، فقد استطابها البسطاء والسذّج ، ورحب بها عملاء معاوية وأذنابه من الذين ضمّهم جيش الإمام.
ولم تكن الأكثرية الساحقة في الجيش تعلم بنوايا معاوية وما بيته لهم من الشر،
فانخدعوا بدعوته إلى الصلح كما انخدعوا من قبل في رفع المصاحف ، مضافاً لذلك خيانة زعمائهم والتحاقهم بمعسكر معاوية .
وعلى أي حال، فقد رحبت أكثرية الجيش بالدعوة إلى الصلح ، وآثرت السلم على الحرب ، ولم يكن في استطاعة الإمام أن يرغمهم على مناجزة معاوية ومقاومته .
ويعتبر خذلان عبيد الله بن العباس من العوامل المهمة التي سببت تفكك الجيش وتخاذله ، فقد طعن بخيانته الجيش العراقي طعنة نجلاء ، وفتح باب الخيانة والغدر ، ومهد السبيل للالتحاق بمعاوية ، وقد وجد ذوو النفوس الضعيفة مجالاً واسعاً للغدر بخيانتهم للإمام ، فاتخذوا من غدر عبيد الله وسيلة لذلك ، فهو ابن عم الإمام وأقرب الناس إليه ، وقديماً قد قيل :
إذا فاتَكَ الأَدْنى الَّذي أَنتَ حِزْبُهُ *** فَلا عَجَبٌ إِنْ أَسْلَمَتْكَ الأَباعِدُ
وقد أولد غدر عبيد الله في نفس الإمام حزناً بالغاً وأسى مريراً ، فإنّه لم يرع الدين ، ولا الوتر، ولا العنعنات القبلية ، ولا الرحم الماسة من رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، ولا من قائده الأعلى ، ولا الميثاق الذي واثق الله عليه في البيعة منذ كان أوّل من دعا الناس إلى بيعة الحسن في مسجد الكوفة ، ولا الخوف من حديث الناس ، ونقمة التاريخ
وبالأموال تشترى ذمم الرجال ، وتباع الأوطان ، وتخمد الأفكار ، ويسيل لها لعاب الأبطال ، وقد عمد معاوية إلى بذلها بسخاء إلى الوجوه والأشراف والزعماء ، فإنّه لم ير وسيلة للتغلب على الأحداث إلا بذلك ، فغدروا بالإمام ، وتسللوا إليه
في غلس الليل وفي وضح النهار غير حافلين بالعار والخزي وعذاب الله ، وقد أدت خيانتهم إلى اضطراب الجيش وتفلّله ، وإعلانه للعصيان والتمرد .
إنّ الأكثرية الساحقة من الجيش لم يكن لها أي هدف نبيل ، وإنما كانت تسعى نحو المنافع والأطماع ، وقد أدلى بعضهم بذلك في بعض المعارك ، فقال : « من أعطانا الدراهم قاتلنا معه » .
وهجا بعض الشعراء شخصاً قتل في تلك المعارك يقول لأبنائه :
وَلَا في سَبيلِ اللهِ لاقى حِمامَهُ *** أَبوكُمْ وَلكِنْ في سَبيلِ الدراهم (1)
إن الجيش إذا كان مدفوعاً بالدوافع المادية فإنّه لا يخلص في دفاعه ، ولا يؤمن من انقلابه ، وخطره على حكومته أعظم من الخطر الخارجي .
لقد بلغ من فساد العراقيين وجشعهم في الحصول على أموال معاوية أنّ الإمام الحسن (علیه السلام) لما نزل بالمدائن للاستشفاء من جرحه في دار سعد بن مسعود الثقفي (2)
ذكره البخاري في الصحابة ، وقال الطبراني له صحبة ، ولاه أمير المؤمنين (علیه السلام) على بعض أعماله. واستصحبه معه إلى صفين ، وروى عنه أنه قال : «كان نوح إذا لبس ثوباً حمد الله ، وإذا أكل وشرب حمد الله ، فلذا سمّي عبداً شكوراً». الإصابة : 2 : 34 .
وكان والياً على المدائن من قبل أمير المؤمنين (علیه السلام) ، وأقره الإمام الحسن (علیه السّلام) عليها ، أقبل إليه ابن أخيه المختار - على ما قيل - وكان آنذاك غلاماً فقال له : يا عم ، هل لك في الغنى والشرف ؟وما ذاك ؟
توثق الحسن وتستأمن به إلى معاوية !
فانبرى إليه عمّه وقد لسعه قوله قائلاً: عليك لعنة الله ، أثب على ابن بنت
رسول الله فاوثقه ، بئس الرجل أنت» (1).
ولم يكن المختار وحده - على تقدير صحة هذه الرواية - قد غمره هذا الشعور بالخيانة ، فقد غمر ذلك أكثرية الجيش الذي كان مع الإمام ، فقد تسابقوا إلى مطامع الدنيا ، وليس ذلك في زمان الحسن (علیه السّلام) وإنما كان في زمان أمير المؤمنين (علیه السلام) فقد قال الإمام زين العابدين : إ«ِنَّ عَلِيّاً كانَ يُقاتِلُهُ مُعاوِيَةُ بِذَهَبِهِ» (2).
إنّ معاوية عرف نقطة الضعف في جيش الإمام ، فأغدق عليهم الرشوات حتى استجابوا له وتركوا عترة نبيهم ووديعته في أمته
ومما سبب انحلال الجيش الإشاعات الكاذبة التي أذاعها عملاء معاوية في (المدائن) بأنّ قيس بن سعد قد قتل ، وأشاعوا أخرى أنّه قد صالح معاوية ، وقد اعتقد الجيش بصحة هذه الأنباء، فارتطم بالفتن والاختلاف ، وأعظم هذه الدعايات بلاء ، وأشدّها فتكاً هي ما بثّه الوفد الذي أرسله معاوية للإمام ، فإنّه لما خرج منه أخذ يفتري عليه بأنه قد أجابهم إلى الصلح .
وحينما سمعوا بذلك اندفعوا كالموج فنهبوا أمتعته ، واعتدوا عليه ، ولو كانت عند الزعماء والوجوه صبابة من الإنسانية والكرامة لقاموا بحماية الإمام ، وردّ الغوغاء عنه حتّى يتبين لهم الأمر ، ولكنّهم أقاموا في ثكناتهم العسكرية ولم يقوموا بحمايته ونجدته .
إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن العوامل التي أدت إلى تفكك الجيش والقضاء
على أصالته ، ومن البديهى أنّ القوى العسكريّة قلب الدولة ومصدر حمايتها ، فإذا أصيبت بمثل هذه الزعازع والأخطار فهل يتمكن القائد الأعلى أن يحقق أهدافه أو يفتح باب الحرب مع القوى المعادية له ؟ !
العامل الثاني الذي دعا الإمام إلى المصالحة والمسالمة هو ما يتمتع به خصمه من القوى العسكرية وغيرها التي لا طاقة للإمام على مناجزتها ، ولا قابلية له للوقوف أمامها ، حتى استطاع معاوية أن يناجز أمير المؤمنين (علیه السلام) من قبل ، ويرغم الإمام الحسن (علیه السلام) على الصلح ، ونقدم عرضاً لبعضها ، وهي :
وغرس معاوية حبّه في قلوب جيشه ، وهيمن على مشاعرهم وعواطفهم ، فقد عرف ميولهم واتجاههم فسايرها حتى أحبهم وأحبوه ، وصاروا طوع إرادته ، وقد اختمر في أذهانهم بسبب دعايته وتمويهه أنّه الحجة من بعد الخلفاء ، وأن النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ليس له وارث شرعي غير بني أمية .
فقد نقل المؤرخون أن أبا العباس السفاح (1)
أوّل خلفاء بني العباس ولد سنة 108ھ بالحميمة من ناحية البلقاء ، ونشأ بها ، وبويع له بالكوفة في 3 ربيع الأول سنة 132ھ ، وكان سريعاً إلى سفك الدماء ، وسار على منواله عماله بالمشرق والمغرب.
توفي بالجدري سنة 136ھ. تاريخ الخلفاء / السيوطي : 100 .
لما فتح الشام أقبلت إليه طائفة من الزعماء والوجوه فحلفوا له أنهم ما علموا للرسول قرابة ، ولا أهل بيت يرثونه غير بني أميّة حتّى تولّى بنو العباس الخلافة ، وفي ذلك يقول إبراهيم بن المهاجر1) أبو العباس :
البجلي (1)
هو أبو إسحاق الكوفي . روى عن جماعة من الثقات ، وروى عنه آخرون . اختلف في روايته ، فقيل : إنّه ثقة ، وقيل : إنّه ضعيف . تهذيب التهذيب : 1: 167 .
:أَيُّها النَّاسُ اسْمَعوااُخبِرُكُمْ *** عَجَباً زادَ عَلى كُلِّ العَجَبْ
عَجَباً مِنْ عَبدِ شَمْسٍ إِنَّهُمْ *** فَتحوا للناس أبواب الكذب
ورثوا أحْمَدَ فيما زَعَموا *** دونَ عَبَاسِ بْنِ عَبدِ المُطَّلِبْ
كذبوا وَاللهِ ما نَعْلَمُهُ يحرز الميراث إِلَّا مَنْ قَرُب (2).
ويعود السبب في ذلك إلى الروايات التي تعمّد وضعها الرواة المستأجرون وأشاعوها في أوساط دمشق من أن معاوية هو وارث النبي ، وأقرب الناس إليه ، وقد أفاضوا عليه وعلى الشجرة الملعونة من أسرته النعوت الحسنة والأوصاف الشريفة حتى جعلوهم في الرعيل الأول من المصلحين الأخيار ، وأصبحت طاعتهم فرضاً من فروض الدين ، واعتقدوا فيه وفي بني أمية أكثر من ذلك .
يقول الأستاذ (فان فلوتن) : « وكان السواد الأعظم يرى في حزب بني أمية حزب الدين والنظام».
وقال : « وكان معاوية في نظر الحزب الأموي خليفة الله كما كان ابنه يزيد إمام المسلمين ، وعبد الملك إمام الإسلام وأمين الله» (3).
وبلغ من ودّهم وطاعتهم له أنه كان يسلك بهم جميع المسالك البعيدة التي تتنافى مع الدين حتى استطاع أن يحقق بهم جميع ما يصبو إليه ، ونظراً لمزيد طاعتهم له تمنّى أمير المؤمنين (علیه السلام) أن يصارفه معاوية بأصحابه فيعطيه واحداً منهم ،
ويأخذ عشرة من العراقيين الذين عرفوا بالشغب والتمرّد .
وأتاح الزمن الهزيل إلى معاوية أن يسيطر على جيش كان مثالاً للسذاجة والبساطة ، فلم يعرف الأكثر منهم أي طرفيه أطول ، وقد احتفظ التاريخ بصور كثيرة من بلاهتهم تدلّ على مدى خمولهم وعدم نباهتهم.
فقد ذكر المؤرخون أنّ رجلاً من أهل الكوفة قدم على بعير له إلى دمشق حال منصرفهم من صفين ، فتعلق به رجل من أهل دمشق قائلا له : «هذه ناقتي أخذت منّي بصفين».
وحدث بينهما نزاع حاد ، فرفعا أمرهما إلى معاوية ، وأقام الدمشقى بينة على دعواه تتألف من خمسين رجلاً يشهدون أنّها ناقته ، فقضى معاوية على الكوفي ، وأمره بتسليم البعير إليه فوراً ، فالتفت إليه العراقي متعجباً من هذا الحكم قائلاً: أصلحك الله ، إنّه جمل وليس بناقة !
فقال معاوية : حكم قد مضى.
ولما انفض الجمع أمر معاوية بإحضار العراقي ، فلمّا مثل عنده سأله عن ثمن البعير ، فأخبره به ، فدفع إليه ضعفه ، وبر به ، وأحسن إليه ، ثمّ قال له : أبلغ عليّاً أنّى أقاتله بمائة ألف ما فيهم من يفرق بين الناقة والجمل» (1).
إنّ خمسين رجلاً منهم لا يفرّقون بين الناقة والجمل ، وليس من شك أنّ الأكثرية الساحقة منهم لا يميزون بين الحق والباطل ، ولا يتدبرون الفرق بين المحسوسات همج رعاع ، لا تفكير لهم ولا تدبّر وأدلّ دليل على غفلتهم قصة الصحابي العظيم عمّار بن ياسر حينما نال الشهادة ،
1) مروج الذهب 3: 39 .
فوقع الاختلاف فيما بينهم لقول النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) : «إِنَّ ابْنَ سُمَيَّةَ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْباغِيَةُ» ، ولما رأى ابن العاص الخلاف قد دبّ فيهم قال لهم : إنّ الذي قتله من أخرجه ، فصدقوا قوله ، ورجعوا إلى طاعة معاوية .
ومن الطبيعي أنّ الدولة إذا ظفرت بمثل هذا الجند المطيع الغافل توصلت إلى غاياتها وتحقيق أهدافها .
وأبقى معاوية أهل الشام على غفلتهم يتخبطون في دياجير الجهالة ويسرحون في ميادين الشقاء رازحين تحت نير الاستعباد الأموي قد وضع بينهم وبين الناس حجاباً حديدياً ، فلم يسمح للغير أن يتصل بهم ، ولم يسمح لهم بالاتصال بالغير لئلا تتبلور أفكارهم ويقفون على الحقيقة ، فيتبين لهم باطل معاوية وابتزازه للخلافة من أهلها .
ذكرنا في بحوثنا السابقة ما مُني به العراق من الاختلاف والتفكك بسبب الأحزاب التي كانت تعمل على زعزعة كيان الدولة الهاشمية وتحطيم عروشها ، وعلى العكس من ذلك كانت الشام فإنّها بجميع طبقاتها لم تبتل بتلك الأحزاب ولم تصب بالأفكار المعادية للحكم القائم ، فقد كان السلام والوئام والهدوء مخيماً على دمشق وجميع ملحقاتها ، ولم يكن في الجيش ولا في المملكة وكر للخوارج ولا دعاة لهم ولا لغيرهم ممن يعملون على قلب الحكم ، وهذا الاتفاق الداخلي هو السبب في قوّة معاوية واتساع نطاقه ونفوذه .
وأنفق معاوية جميع جهوده المعنوية والمادية في إصلاح جيشه وتقويته . فإنّه لمّا منيت الشام بخطر الروم بادر فعقد هدنة مؤقتة مع ملكها ودفع إليه أموالاً
خطيرة ، ولم يفتح معه باب الحرب لئلا تضعف أعصاب جيشه .
ومضافاً إلى ذلك فإنّه لم يستعمله في الفتوح والحروب ، فلم يكن قد ولج به حرباً غير صفين ، فكان محتفظاً بنشاطه وقوته .
وبالإضافة لجيشه الذي كان مقيماً معه في دمشق فإنّه لما عزم على حرب الإمام الحسن (علیه السلام) كتب إلى عماله وولاته في جميع الأقطار يطلب منهم النجدة والاستعداد الكامل لحرب ريحانة رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم).
وفي فترات قصيرة التحقت به قوى هائلة ضخمة ، فضمها إلى جيوش أهل الشام ، وزحف إلى العراق بجيش جرّار كامل العدد ، حسن الهيئة ، موفور القوّة ، مطيع لأمره ، فرأى الإمام الحسن (علیه السلام) أنه لا يتمكن على مقابلته ولا يستطيع أن يحاربه بجيشه المتخاذل الذي تسوده الخيانة والغدر .
ومضافاً إلى ما كان يتمتع به معاوية من القوى العسكرية فقد ظفر بقوة أخرى لها أثرها الفعّال في تقوية جبهته وتوجيهه وتدبير شؤونه ، وهي انضمام المحنكين والسياسيين إليه طمعاً بماله ودنياه ، وهم كالمغيرة بن شعبة الذي قيل في حيلته ودهائه : «لو كان المغيرة في مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج منها إلا بالمكر والخداع لخرج المغيرة من أبوابها كلّها » .
وقيل في عظيم مكره: «كان المغيرة لا يقع في أمر إلا وجد له مخرجاً، ولا يلتبس عليه أمران إلا أظهر الرأي في أحدهما » .
ومن حاشيته عمرو بن العاص الذي كان قلعة من المكر والباطل ، وقد قيل في وصفه : «ما رأيت أغلب للرجال ، ولا أبذلهم حين يجتمعون من عمرو بن العاص».
وهو في طليعة من رفع علم الثورة على عثمان ، لأنه عزله عن منصبه ، وكان يثير عليه حفائظ النفوس ، ويحفّز القريب والبعيد لمناجزته ، وقال في ذلك : « والله لألقى
الراعي فأحرّضه على عثمان فضلاً عن الرؤساء والوجوه».
ولما بلغه مقتله قال : «أنا أبو عبد الله ما نكأت قرحة إلا أدميتها» ، وهو الذي خدع الجيش العراقي برفع المصاحف ، فتركه ممزق الأوصال ، مختلف الأهواء .
لقد جذب معاوية هؤلاء الدهاة الماكرين الذين يخلطون السم بالعسل ، ويلبسون الباطل لباس الحقِّ ، ولم يتحرّجوا من الإثم والمنكر في سبيل نزعاتهم الشريرة ، ولم يكن لهم هدف إلا القضاء على ذرّيّة النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ومن يمت إليهم من صلحاء المسلمين ليتسنى لهم القضاء على الإسلام حتى يمعنوا في التحلل حيثما شاء وا.
وقد وقف الإمام الحسن (علیه السّلام) معهم في صلحه أحزم موقف يتخذه المفكرون ، فقد حفظ ذريّة رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وحقن دماء المؤمنين من شيعته لأن التضحية في ذلك الوقت لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تعود بالصالح العام للمسلمين لأنّهم يضفون عليها أصباغاً من التمويه والتضليل ما تفقد به معنويّتها وأصالتها .
ويسر لمعاوية من الثراء العريض الذي مهدته له بلاد الشام طيلة ملكه لها ، فإنّه لم ينفقها في صالح المسلمين ، وإنّما شرى بها الضمائر والأديان ، ليمهد بذلك الطريق الموصل لفوزه بالإمرة والسلطان والتحكم في رقاب المسلمين.
لقد وجّه معاوية الجباة السود إلى أخذ الضرائب من الشعوب الإسلامية التي احتلها ، وقد عمدوا إلى أخذ أموال المسلمين بغير حق، حتّى بالغوا في إرهاقهم وإرغامهم على أدائها .
كما فرض عليهم من الضرائب ما لا يقرّه الإسلام ، كهدايا النيروز وغيرها، وقد امتلأت خزائنه بها ، فأنفقها بسخاء على حرب ريحانة رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، والتغلب عليه ، وقد رأى السبط بعد هذه القوى التي ظفر بها ابن هند أنه لا يمكن مناجزته ولا الانتصار عليه ، وأن الموقف يقضي بالصلح والمسالمة لا بالحرب والمناجزة ،
فإنّها تجرّ للأمة من المضاعفات السيئة ما لا يعلم خطورتها إلا الله .
ومن العوامل التي دعت الإمام (علیه السلام) إلى الصلح ما روع به من اغتيال أبيه (علیه السلام)، فقد ترك ذلك حزناً مقيماً وأسى شديداً في نفسه ، لأنّه قد قتل على غير مال احتجبه ، ولا سنّة في الإسلام غيّرها، ولا حق اختص به دونهم ، وكان يحيى بينهم حياة الفقراء والضعفاء ، ويتطلّب لهم حياة حافلة بالنعم والخيرات ، ويسعى جاداً في إقامة العدل، وإماتة الجور، ونصرة المظلومين ، وإعالة الضعفاء والمحرومين ، فعمدوا إلى اغتياله وتركوه صريعاً في محرابه لم يحفظوا حرمته ، ولا حرمة رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) فيه ، وقد رأى الإمام الحسن (علیه السلام) بعد ارتكابهم لهذه الجريمة النكراء أنّه لا يمكن إصلاحهم ، وإرجاعهم إلى طريق الحق والصواب ، فتنكر منهم ، وزهد في ولايتهم ، وقد أدلى بذلك بقوله : « وَقَدْ زَهَّدَني فيكُمْ اغْتِیالُكُمْ أَبي».
حقاً أن يكون اغتيال الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) رائد العدالة الاجتماعية الكبرى من الأسباب الوثيقة التي زهّدت الإمام الحسن (علیه السّلام) في ذلك الشعب الجاهل الذي غمرته الفتن والأطماع ، وانحرف عن الطريق القويم .
ومن دواعي الصلح رغبة الإمام الملحة في حقن دماء المسلمين وعدم إراقتها ، ولو فتح باب الحرب مع معاوية لضحى بشيعته وأهل بيته ، ويجتث بذلك الإسلام من أصله ، وقد صرّح (علیه السلام) بذلك في جوابه عن دوافع صلحه ، فقال له : «إِنِّي خَشِيتُ أَنْ يُجْتَثَّ الْمُسْلِمُونَ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ ، فَأَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ لِلدِّينِ نَاعِي» (1).
1) تاریخ دمشق : 13: 280 .
وأجاب (علیه السلام) بعض الناقمين عليه من شيعته في الصلح ، فقال : «ما أَرَدْتُ بِمُصالَحَتي مُعاوِيَةَ إِلَّا أَنْ أَدْفَعَ عَنْكُمْ الْقَتْلَ» (1).
وأعرب في خطابه الذي ألقاه في المدائن عن مدى اهتمامه في دماء المسلمين ، فقد جاء فيه : « أيُّها النّاسُ ، إِنَّ الأمر الذى اخْتَلَفْتُ فيهِ أنا وَمُعاوِيَةُ إِنَّما هُوَ حَقٌّ أَتْرُكُهُ لإصلاح أمْرِ الأُمَّةِ ، وَحَفَنِ دِمائِها » (2).
ومن حيطته ورعايته لذلك أنّه أوصى أخاه الحسين حينما وافاه الأجل المحتوم أن لا يهرق في أمره ملء محجمة دماً .
إن أحب شيء للإمام (علیه السلام) الحفاظ على دماء المسلمين ، ونشر الأمن والوئام فيما بينهم ، وقد بذل في سبيل ذلك جميع جهوده ومساعيه.
لقد علم الإمام (علیه السلام) أنه إن حارب معاوية فإنّ أجلاف العراقيين وأوباشهم سوف يسلّمونه أسيراً إلى معاوية ، وأغلب الظنّ أنّه لا يقتله ، بل يخلى عنه ويسجل له بذلك مكرمة وفضيلة ويسدي يداً بيضاء على عموم الهاشميين، ويغسل عنه العار الذي لحقه من أنه طليق وابن طليق .
وقد صرّح الحسن (علیه السلام) بهذه الخاطرة قائلاً:
وَاللَّهِ لَوْ قَاتَلْتُ مُعاوِيَةَ لأَخَذوا بعُنُقى حَتَّى يَدْفَعُونِي إِلَيْهِ سِلْماً ، وَاللَّهِ لَئِنْ اُسالِمَهُ وَأَنا عَزيزٌ ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَقْتُلَني وَأَنا أَسيرٌ ، أَوْ يَمُنَّ عَلَيَّ فَتَكونَ سُنَّةٌ عَلَى بَني هَاشِمٍ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ ، وَلِمُعاوِيَةَ لَا يَزالُ يَمُنُّ
بها وَعَقِبُهُ عَلَى الْحَيَّ مِنّا وَالْمَيِّتِ» (1).
وهذا السبب له مكانته من التقدير، فإنّ الإمام أراد أن لا يسجّل لخصمه أي فضيلة ومكرمة .
ومن جملة الأسباب التي دعت الإمام إلى الصلح هي الحوادث القاسية التي لاقاها في المدائن ، وقد ذكرناها مشفوعة بالتفصيل وخلاصتها :
1 - خيانة الزعماء والوجوه واتصالهم بمعاوية .
2 - الحكم عليه بالتكفير من قبل الخوارج .
3 - اغتياله .
4 - نهب أمتعته .
هذه بعض العوامل التي أدت الإمام إلى السلم ، وفيما نعلم أنها تلزم بالصلح وعدم فتح أبواب الحرب .
نظر النبى (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) إلى الحوادث الآتية من بعده فرآها بعينها وحقيقتها لا بصورها وأشكالها ، رأى أمته ستخيّم عليها الكوارث ، وتنصب عليها الفتن والخطوب ، حتى تشرف على الهلاك والدمار ، وإنّ إنقاذها ممّا هي فيه من الواقع المرير سيكون على ید سبطه الأكبر ، وريحانته من الدنيا الإمام الحسن (علیه السلام) ، فأرسل كلمته الخالدة قائلاً: «إِنَّ ابْني هذا سَيِّدٌ ، وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَظيمَتَيْنِ» (2).
وانطبع هذا الحديث في أعماق الإمام الحسن (علیه السلام) وفي دخائل ذاته منذ نعومة أظفاره، وتمثل أمامه في ذلك الموقف الرهيب ، وإنه ليطمئن إلى قول جده كما يطمئن إلى محكم التنزيل ، وهاهو ذا جده العظيم يقول له : « وكأن صوته الشريف يرنّ بعذوبته المحببة في أذنه ، ويقول لأمه الطاهرة البتول ، ويقول على منبره ، ويقول بين أصحابه ، ويقول ما لا يحصى كثرة : إِنَّ ابني هذا سَيِّدٌ ، وَسَيُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ».
وزادت هذه الذكرى تفاعلاً شديداً في نفسه ، فقد رأى ما عناه جده (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) في (المدائن) رأى طائفتين :
إحداهما : شيعته ، وهم من خيار المسلمين وصلحائهم من الذين وقفوا على أهداف الإسلام ، وعرفوا حقيقته وواقعه .
الثانية : أتباع معاوية من السذج والبسطاء والمنحرفين عن الإسلام ، وهؤلاء وإن كانوا بغاة قد خرجوا على إمام زمانهم ، ولكنّهم يدعون الإسلام ، وهاتان الطائفتان إن دارت رحى الحرب فإنّها ستطحن الكثير منهم ، وبذلك يتضعضع كيان الإسلام وتنهار قواه ، ومن يصدّ عن المسلمين العدوّ الرابض الذي يراقب الأحداث ليثب عليهم ، ومن هو يا تُرى حريص على رعاية الإسلام والحفاظ على المسلمين غير سبط النبي ووارثه ، فآثر الصلح على ما فيه من قذى في العين ، وشجاً في الحلق .
ويذهب شمس الدين الصقلي (المتوفى سنة 565ھ) إلى أن الباعث لخلع الحسن نفسه عن الخلافة حديث النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) في ذلك (1).
وزعم الرواة أن النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) كان يحدث أصحابه عن عمر له كان يحدث أصحابه عن عمر الخلافة الإسلامية ، فقال لهم : إنّ الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، ثم تكون ملكاً .
1) أنباء نجباء الأبناء : 56 .
ولاحظوا أنّ في مصالحة الحسن (علیه السّلام)المعاوية قد كملت الثلاثون سنة حسب ما يقولون (1)
وعندي أنّ هذا الحديث من الموضوعات لأنّ الخلافة قد صارت ملكاً عضوضاً في أيام عثمان ، فهو الذي حوّلها عن مفاهيمها الخلاقة ، وآثر الأمويين في الحكم والأموال ، وأتاح لهم من القوى ما هيأهم لمنازعة أمير المؤمنين (علیه السلام).
وقد تحدث النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) عما يؤول إليه الأمر من بعده ، فقال : « إِنَّ أَوَّلَ دينِكُمْ بَدْءُ نُبُوَّةٍ وَرَحْمَةٍ ، ثُمَّ يَكونُ مُلْكاً وَجَبْرِيَّةً ». رواه السيوطي في تاريخ الخلفاء : 6. وقد تحقق قوله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، فإنّ الدين أوّل بدئه كان نبوّة ورحمة ، ثمّ تحوّل في زمان الأمويين إلى ملك وطغيان وجبرية .
.نظر الحسن (علیه السّلام) إلى قول جده (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) فعلم أن الأمر لا بد أن ينتقل إلى معاوية ، ومضافاً لذلك فقد أخبره أبوه بذلك كما حدث عنه فقال (علیه السلام) :
قالَ لي أَبي ذات يَوْم : كَيْفَ بكَ - يا حَسنُ - إِذَا وَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ بَنو اُمَيَّةَ ؟ وَأَمِيرُها الرَّحِبُ الْبَلْعوم ، الواسِعُ الْأَعْفَاجِ ، يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ ، يَموتُ وَلَيْسَ لَهُ فِي السَّمَاءِ نَاصِرٌ ، وَلَا فِي الْأَرْضِ عاذِرٌ، ثُمَّ يَسْتَوْلي عَلَى غَرْبِها وَشَرْقِهَا ، تَدينُ لَهُ الْعِباد ، وَيَطولُ مُلْكُهُ ، وَيَسْتَنُّ بِسُنَنِ الْبَدَعِ وَالضَّلالِ ، وَيُمِيتُ الْحَقَّ وَسُنَّةَ رَسولِ اللهِ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، يَقْسِمُ الْمَالَ في أَهْلِ وِلايَتِهِ ، وَيَمْنَعُهُ عَمَّنْ هُوَ أَحَقُّ بِهِ ، وَيَذُلُّ في مُلْكِهِ الْمُؤْمِنُ ، وَيَقْوى في سُلْطانِهِ الْفَاسِقُ ، وَيَجْعَلُ الْمَالَ بَيْنَ أَنْصارِهِ دُوَلاً ، وَيَتَّخِذُ عِبادَ اللَّهِ خَوَلاً ، وَيَدْرُسُ في سُلْطانِهِ الْحَقُّ ، وَيَظْهَرُ الْباطِلُ ، وَيَقْتُلُ مَنْ ناوَأَهُ عَلَى الْحَقِّ» (2).
إن النبي والوصي قد استشفا من حجاب الغيب ما تمنى به الأمة الإسلامية من المحن والبلاء بسبب تخاذلها عن مناصرة الحق ومناجزة الباطل ، وأنّها من جرّاء ذلك سيتولى أمرها الأدعياء من الطلقاء وأبنائهم ، فيسومونها سوء العذاب ، ويستأثرون بمال الله ، ويتخذون المسلمين عبيداً لهم وخولاً .
وكان معاوية يعلم بمصير الأمر إليه في زمان أمير المؤمنين (علیه السلام) ، فقد صنع فذلكة استعلم بها منه عمّا يؤول إليه أمره ، فبعث جماعة من أصحابه إلى الكوفة ليشيعون أن معاوية قد مات ، فبلغ ذلك أمير المؤمنين (علیه السلام) ، وتكرر حديث الناس حول هذه الاشاعة ، فقال (علیه السلام): «قَدْ أَكْثَرْتُمْ مِنْ نَعْي مُعاوِيَةَ ، وَاللهِ ما ماتَ ، وَلَا يَموتَنَّ حَتَّى يَمْلِك ما تَحْتَ قَدَمي» (1).
ولما بلغه ذلك اعتقد به لعلمه أنّ الإمام هو باب مدينة علم النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ومستودع سره ، وأن قوله لا يتخلف عن الواقع ولا يخطئ الحق .
ومهما يكن الأمر ، فإنّ الإمام الحسن (علیه السّلام) بصلحه مع معاوية قد لقبه المسلمون بالمصلح العظيم ، وقد أفاض عليه هذا اللقب جده الرسول من قبل .
وذكرت طائفة من العلماء الأعلام صلح الإمام (علیه السلام) فعللته بالعصمة ، وأنّ الإمام المعصوم لا يرتكب الخطأ، ولا يفعل إلا ما فيه الخير والصلاح لجميع الأمة ، ولعل الوجوه التي ذكرناها قد كشفت عن مناط هذا القول وأوضحت حسنه ، وذلك للأسباب والعوامل التي أحاطت بالإمام حتى دعته إلى الصلح ، ونشير إلى بعض الذاهبين إلى هذا القول وهم :
1) مروج الذهب : 2 : 465 .
قال الشريف المرتضى علم الهدى (رحمه الله) (1)
هو علي بن الحسين ، ينتهي نسبه الوضاح إلى إمام المسلمين موسى بن جعفر (علیه السلام) ، كانت له نقابة الطاليبين ، لقب بالمرتضى وعلم الهدى، كانت ولادته في سنة (355ھ) ووفاته في سنة (436ھ) ، وكان أكبر من أخيه الشريف الرضي .
قال أبو جعفر الطوسي : « قد توحد المرتضى في علوم كثيرة ، وكان مجمعاً على فضله ومقدّماً في العلوم ، كعلم الكلام والفقه وأصول الفقه والأدب ، وغير ذلك ، وله ديوان شعر يزيد على عشرة آلاف بيت، وله مؤلّفات كثيرة في مختلف الفنون . معجم الأدباء : 13: 146 .
: «إنّه - يعني الحسن (علیه السلام) - قد ثبت أنه المعصوم المؤيد بالحجج الظاهرة، والأدلة القاهرة، فلابد من التسليم لجميع أفعاله ، وإن كان فيها ما لا يعرف وجهه على التفصيل أو كان له ظاهر نفرت منه النفوس» (2).وعلل نابغة الإسلام السيد الجليل ابن طاووس طيب الله مثواه (3)
هو السيد الجليل ، الكامل ، العابد ، المجاهد ، رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن طاووس الحسني الحسيني ، لقب بالطاووس من جهة حسن وجهه ، وخشونة رجليه ، وكان من سكنة الحلّة ، وهو من السادة المعظمين، ومن النقباء ، وله مؤلفات كثيرة ، وقد ذكر جميع مناقبه وعلومه الحجّة الثبت السيّد محمّد باقر الخوانساري في مؤلّفه روضات الجنّات : 3: 43 - 47 .
وجاء في الكنى والألقاب : 1 : 328 : «أن السيد تولّى نقابة الطالبيين ، وكان يجلس في قبة خضراء والناس تقصده ، وقد لبسوا لباس الخضرة بدل السواد وذلك عقيب وقعة بغداد ، وفي ذلك يقول علي بن حمزة :
فَهذا عَلِيٌّ نَجلُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ *** شَبيهُ عَلِيٍّ نَجلِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ
فذاكَ بِدَسْتٍ لِلْإِمَامَةِ أَخْضَرِ *** وَهَذَا بِدَسْتٍ لِلنَّقَابَةِ أَخْضَرِ
يشير بذلك إلى الإمام الرضا (علیه السلام) لما ولي العهد ، فقد لبس لباس الخضرة. توفي السيد ابن طاووس يوم الاثنين خامس ذي القعدة سنة (664ھ) .
في وصيتهلولده صلح الإمام بالعصمة وببعض الأسباب التي ذكرناها .
قال (رحمه الله) يخاطب ولده : «وليس بغريب من قوم عابوا جدّك الحسن على صلح معاوية ، وهو كان بأمر جدّه وقد صالح جده الكفار وكان عذره في ذلك أوضح الأعذار.
فلما قام أخوه الحسين بنصرهم وإجابة سؤالهم ، وترك المصالحة ليزيد المارق كانوا بين قاتل وخاذل حتى ما عرفنا أنّهم غضبوا في أيام يزيد لذلك القتل الشنيع ، ولا خرجوا عليه ، ولا عزلوه عن ولايته ، وغضبوا لعبد الله بن الزبير وساعدوه على
ضلالته، وافتضحوا بهذه المناقضة الهائلة وظهر سوء اختيارهم النازلة ، فهل يستبعد من هؤلاء ضلال عن الصراط المستقيم ؟ وقد بلغوا إلى هذا الحال السقيم العظيم الذميم» (1).
وعدّل السيّد (رحمه الله) صلح الإمام :
أوّلاً: بالعصمة من الخطأ، وقاس صلحه (علیه السلام) بصلح جده الرسول (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) مع المشركين في قصة الحديبية ، فكما أن صلح الرسول لا يتطرّقه الشك ، ولا يأتيه النقد نظراً لوجود المصلحة فيه ، فكذلك صلح الإمام مع خصمه ، فإنّه محفوف بالمصلحة العامة لعموم المسلمين .
1) كشف المحجّة لثمرة المهجة : 46 ، يحتوي على وصايا رفيعة لولده .
وثانياً : ببلاء الإمام ومحنته بذلك المجتمع الضال الذي لم يقم وزناً للفضيلة، ولم يفقه من القيم الروحيّة شيئاً ، فإنّه هو الذي اضطر الإمام إلى الصلح والمسالمة
وأقام السيد الدليل على تفسّخ أخلاق ذلك المجتمع وتماديه في الشر وذلك بمتابعته ليزيد شارب الخمور، ومعلن الفسق والفجور، ومناصرته والاشتراك معه في أفظع جريمة سجّلها التاريخ ، وهي قتل سيد شباب أهل الجنة الحسين (علیه السلام) ، ولم يظهر أحد منهم الأسف والحزن على هذه الجريمة ، وما ثاروا عليه ، ولا عزلوه عن منصبه .
وقد ذكرنا في الأبحاث السالفة الأسباب التي أوجبت هذا الانحطاط الهائل في جموع أهل العراق .
كان معاوية قبل أن يستولي على زمام الحكم ملتزماً بتعاليم الإسلام ظاهراً ، ويظهر الاهتمام بشؤون المسلمين ، ولكن كان ذلك - من دون شك - رياءً منه ومكيدة من باب المشي رويداً لأخذ الصيد ، كان يبطن الكفر والنفاق ، ويضمر السوء والعداء للمسلمين ، فأراد الإمام الحسن (علیه السلام) بصلحه أن يبرز حقيقته ، ويظهر للناس عاره وعياره ، ويعرفه للذين خدعهم بمظاهره من أنه أعدى عدوّ للإسلام .
فأخلى له الميدان ، وسلّم له الأمر ، فإذا بكسرى العرب كما يقولون - تتفجر سياسته الجهنمية بكلّ ما خالف كتاب الله وسنّة رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، وإذا به يعمد إلى فصم عرى الإسلام وإلى نسف طاقاته ، وإلى الإجهاز على القوى الواعية فيه، فيصب عليها وابلاً من العذاب الأليم ، فيعدم وينكل بمن شاء منها ، ويرغم المسلمين على البراءة من عترة نبيّهم ، وإعلان سبهم وانتقاصهم على الأعواد والمنابر ، وبذلك ظهرت خفايا نفسه .
وفهم المسلمون جميعاً حقيقة هذا الطاغية وما يبغيه من الغوائل لهم،
ولو لم تكن للصلح من فائدة إلا إظهار ذلك لكفى بها كما نص على ذلك الإمام كاشف الغطاء (رحمه الله) في مقدمته لهذا الكتاب (1).
إنّ معاوية بعد أن آل إليه الأمر حمل معول الهدم على جميع الأسس الإسلامية محاولاً بذلك إطفاء نور الإسلام ، ولف لوائه ، ومحو أثره ، وقلع جذوره ، وإعادة الحياة الجاهليّة الاُولى، وقبل أن نعرض بعض موبقاته ومردياته التي سود بها وجه التاريخ نذكر ما أثر عن أبويه من الحقد والعداء للإسلام ، وما ورد عن النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) من الأخبار في انتقاصه وذمه لنرى هل كان خليقاً بأن تسند إليه الإمارة ويفرض حاكماً على المسلمين ، ويخلّى بينه وبين الحكم يتصرّف فيه كيفما يشاء من دون أن يحاسب أو يراقب ، وإلى القراء ذلك.
وأبو سفيان من ألد أعداء النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، فهو الذي قاد الأحزاب ، وظاهر اليهود ، وناصر جميع القوى المعادية للإسلام، وتضاعف حقده على النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) حينما وتره بأسرته وبسبعين رجلاً من صناديد قريش ممن كانوا تحت لواء الشرك في غزوة بدر الكبرى ، فأترعت نفسه الأثيمة بالحزن عليهم ، وظلّ يناجز الرسول (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم)، ويؤلب عليه الأحقاد ، ولكن الله ردّ كيده ، فنصر رسوله ، وأعزّ دينه ، وأذل أبا سفيان وحزبه ، فقد فتح النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) مكة ودخل ظافراً منتصراً فحطّم الأصنام، وكسر الأوثان ، ودخل أبو سفيان - على كُره منه - في الإسلام ذليلاً مقهوراً يلاحقه العار والخزي ، وظل بعد إسلامه محتفظاً بجاهليته لم يغير الإسلام شيئاً من طباعه وأخلاقه ، وكان بيته وكراً للخيانة ، وكان هو كهفاً للمنافقين (2).
ولما فجع المسلمون بالنبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وتقمص أبو بكر الخلافة أقبل أبو سفيان يشتدّ إلى أمير المؤمنين (علیه السلام) يطلب منه الثورة ومناجزة أبي بكر لإرجاع الخلافة إليه ، ولم يكن ذلك منه إيماناً بحق أمير المؤمنين ، ولكن ليجد بذلك منفذاً يسلك فيه للتخريب والهدم ، ولم يخف على الإمام نواياه الشريرة ، فأعرض عنه وزجره ، وظل أبو سفيان بعد ذلك قابعاً في زوايا الخمول ينظر إليه المسلمون نظرة ريبة وشك في إسلامه .
ولما آل الأمر إلى عثمان وقرب بني أمية ، وفوض إليهم أمور المسلمين ، ظهر أبو سفيان وعلا نجمه ، وراح يظهر الأحقاد والعداء إلى النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، فوقف يوماً قبال مرقد سيّد الشهداء حمزة (علیه السلام)، فألقى ببصره المتغوّر على القبر ثم حرك شفتيه قائلاً : «يا أبا عمارة ، إنّ الأمر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمسى في يد غلماننا يلعبون به » .
ثم ركل القبر الشريف برجله ، ومضى مثلوج الصدر ، ناعم البال ، قرير العين ، كلّ ذلك بمرأى ومسمع من عثمان ، فلم يوجه له عتاباً ولم يُنزل به عقاباً ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
هذا واقع أبي سفيان في كفره وحقده على الإسلام .
وأما زوجته هند ، فإنّها لا تقل ضراوة عن زوجها ، وكانت أحقد منه على رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، فكانت تحرّض المشركين على قتاله ومناجزته ، ولما انتهت واقعة بدر بقتل أهلها ومن يمت إليها من المشركين ، لم تظهر الحداد والحزن (1)
مَن كانَ مَسْرُوراً بِمَعْتَلِ مالِكٍ *** فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنا بِوَجْهِ نَهارٍ
يَجِدِ النِّساء حواسِراً يَنْدُبْنَهُ *** يَلْطِمنَ حُرَّ الْوَجْهِ بِالأَسْحَارِ
صبح الأعشى : 1: 405 .
عليهم ، تحرّض1) كانت العادة في الجاهليّة تأخير البكاء على القتيل منهم حتى يؤخذ بثأره ، فإذا أخذ بكت عليه نسوتهم ، وفي ذلك يقول شاعرهم :
بذلك قريشاً على الطلب بثأرهم ، وجاءتها نسوة قريش قائلات لها : ألا تبكين على أبيك وأخيك وعمّك وأهل بيتك ؟
فانبرت إليهنّ قائلة بحرارة : حَلاني أن أبكيهم فيبلغ محمّداً وأصحابه فيشمتوا بنا ونساء بني الخزرج ، لا والله حتى أثأر محمّداً وأصحابه ، والدهن عليَّ حرام إن دخل رأسي حتى نغزو محمّداً ، والله لو أعلم أنّ الحزن يذهب عن قلبي لبكيت . ولكن لا يذهبه إلا أن أرى ثأري بعيني من قتلة الأحبّة .
ومكثت على حالها لم تظهر الأسى ، ولم تقرب من فراش أبي سفيان ، ولم تدهن حتى صارت واقعة أحد (1).
فأخذت ثأرها من سيّد الشهداء حمزة ، فمثلت به ، وفعلت معه ذلك الفعل الشنيع ، فعند ذلك أظهرت السرور والفرح ، وأخذت ترتجز قائلة :
شفَيتُ مِنْ حَمْزَةَ نَفْسي بِأحد *** حين بَقَرتُ بَطَنَهُ عَن الكبد
أَذهَبَ عَنِّي ذاك ما كُنتُ أَجِدْ *** مِنْ لَوعَةِ الحُزنِ الشَّديدِ المُعْتَمِد
والحَرْبُ تَعلُوكُمْ بِشُؤْبُوبٍ بَرِدْ *** نُقْدِمُ إقداماً عَلَيْكُمْ كَالأسد (2)
ولما رأى رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ما فعلته هند بعمه من التنكيل غاظه ذلك والتاع أشد اللوعة ، وقال : ما وَقَفْتُ مَوْقِفاً أَغْيَظُ إِلَيَّ مِنْ هذَا الْمَوْقِفِ .
وقال (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ثانياً : لَنْ اُصابَ بِمِثْلِ حَمْزَةَ أَبَداً (3).
ولما كان يوم الفتح ودخل المسلمون مكة قام أبو سفيان في أزقة مكة وشوارعها منادياً على كره منه : مَن ألقى سلاحه فهو آمن ، ومن دخل داره فهو آمن ، ومن دخل
دار أبي سفيان فهو آمن ، فلما سمعت هند منه ذلك لطمته على وجهه وجعلت تصيح بلا اختیار « اقتلوا الخبيث الدنس ، قبح من طليعة قوم » .
ثم التفتت إلى قريش محرّضة لهم على الحرب قائلة بنبرات تقطر حماساً: هلا قاتلتم عن بلادكم ، ودفعتم عن أنفسكم .
تثير بذلك حفائظ النفوس، وتلهب نار الثورة في قومها، ولكن الله ردّ كيدها ، وخيب سعيها ، فنصر الإسلام وأهله.
وهذان أبوا معاوية ، وبقاعدة الوراثة نجزم بأنّ ما استقر في نفسيهما من الغلّ والحقد والبغض والعداء للإسلام ولرسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) قد انتقل إلى معاوية ، ومضافاً إلى ذلك ، فإن رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) قد لاقى الأمويين عموماً بالاستهانة والتحقير وذلك لما لاقى منهم من العناء والآلام ، فأمر بإبعادهم عن يثرب كالحكم وابنه مروان ، وسعيد بن العاص، والوليد ، وأمر المسلمين بالتجنّب عنهم وسماهم بالشجرة الملعونة ، وهذه الأمور التي شاهدها معاوية قد أولدت في نفسه حقداً على النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وعلى أهل بيته.
وتظافرت الأخبار الواردة عن النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) في ذمّ معاوية وفي الاستهانة به ، وهي :
1 - قال (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) : « يَطْلُعُ مِنْ هَذَا الْفَجِّ رَجُلٌ يُحْشَرُ عَلى غَيْرِ مِلَّتي ، فطلع معاوية» (1).
2 - ورأى رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) أبا سفيان مقبلاً على حمار ، ومعاوية يقوده ، ويزيد ابنه
1) تاريخ الأمم والملوك : 8: 186 . وروى نصر بن مزاحم في كتاب صفين : 247: أن النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) قال : يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ مِنْ هذَا الْفَجِّ رَجُلٌ يَموتُ حينَ يَموتُ عَلَى غَيْرِ سُنَّتي».
يسوقه ، فقال : لَعَنَ اللهُ الْقائِدَ ، وَالرَاكِبَ وَالسَّائِقَ (1).
وروى البراء بن عازب ، قال : «أقبل أبو سفيان ومعه معاوية ، فقال رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم): اللهم عَلَيْكَ بِالْأُقَيْعِسِ .
وسأل ابن البراء أباه عن الأقيعس ، فقال له : إنّه معاوية (2).
وجاءت إلى النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) امرأة تستشيره في الزواج من معاوية فنهاها ، وقال لها : إِنَّهُ صُعلوك .
وروى أبو برزة الأسلمي (3)
هو نضلة بن عبيد ، كان صاحباً لرسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، وروى عنه وعن أبي بكر ، وروى عنه جماعة آخرون . قال ابن سعد : كان من ساكني المدينة ، ثمّ البصرة ، وغزا خراسان .
وقال الخطيب : شهد مع علي (علیه السلام) فقاتل الخوارج بالنهروان ، وغزا بعد ذلك خراسان ، فمات بها ، وقيل : إنّه مات بنيسابور ، وقيل : بالبصرة ، وقيل : غير ذلك . تهذيب التهذيب : 10:446.
، قال : «كنا مع رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) فسمعنا غناءاً : فتشرفنا له ، فقام رجل فاستمع له وذاك قبل أن تحرّم الخمر ، فأتانا وأخبرنا أنّه معاوية وابن العاص يجيب أحدهما الآخر بهذا البيت :يزالُ حَوارِي تَلوحُ عِظامُهُ *** زوى الحَربَ عَنهُ أَنْ يُحَسَّ فَيُقْبَرا (4)
فلما سمع بذلك رسول الله رفع يديه بالدعاء وهو يقول : اللهمَّ أَرْكِسْهِمْ (5)
1) تاريخ الأمم والملوك : 8: 185 ، ورواه الإمام السبط الحسن (علیه السلام) عن جده ، ذكره نصر بن مزاحم في كتاب صفين : 247 .
2) كتاب صفین : 217 و 218 ، ورواه الإمام الحسن (علیه السّلام) أيضاً .
3) أبو برزة :
4) الحسّ : القتل الشديد ، وفي الكتاب العزيز : إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ» آل عمران 3 : 152 .
5) الاركاس والركس : الردّ والارجاع . وفي التنزيل : « وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا» النساء 4: 88.
فى الْفِتْنَةِ رَكْساً ، اللهم دُعَّهُمْ (1)إِلَى النَّارِ دَعّاً » (2).
واستشف رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) من وراء الغيب أن معاوية سوف يتولى شؤون الحكم ، فحذر المسلمين منه ، وأمرهم بقتله ، فقال (علیه السلام):« إذا رَأَيْتُمْ مُعَاوِيَةَ يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرِي فَاضْرِبوا عُنُقَهُ» (3)
وروى الحاكم في تاريخه عن ابن مسعود ، قال : « قال رسول الله : إذا رأيتم معاوية على منبري فاقبلوه ، فإنّه أمين مأمون » .
ومتى كان ابن هند أميناً ومأموناً بمحاربته لوصي رسول الله ، أو لولوغه في دماء المسلمين، وقتله الأخيار والصلحاء ، وغير ذلك من الأحداث الجسام التي تكشف عن جاهليته وعدم تحرّجه في الدين .
.وكان الحسن (علیه السّلام) إذا حدث بهذا الحديث يقول - والتأثر ظاهر عليه - : « فَما فَعَلُوا وَلَا أَفْلَحوا» (4).
وهكذا كان معاوية في زمان النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) مهان الجانب ، محطم الكيان ، صعلوكاً ، ذليلاً، يلاحقه العار ويتابعه الخزي ، يتلقى من النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) اللعن، ومن المسلمين الاستهانة والتحقير .
ولما آل الأمر إلى عمر جافى ما أثر عن النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) فيه ، فقربه وأدناه ، ورفعه بعد الضعة والهوان ، فجعله والياً على الشام ، ومنحه الصلاحيات الواسعة ، وفوّض إليه أمر القضاء والصلاة ، وجباية الأموال ، وغير ذلك من الشؤون العامة التي تتوقف على الوثاقة والعدالة .
1) الدع : الدفع الشديد. وفي الكتاب «يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا » الطور 52: 13 .
2) وقعة صفين : 219. مسند أحمد بن حنبل : 4 : 421 .
3) تناول المحرفون هذا الحديث الشريف فرووه بصورة أخرى . رواه الخطيب في تاريخه عن جابر مرفوعاً ، قال رسول الله : «إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاقبلوه ، فإنه أمين».
4) وقعة صفين : 216 .
وبلغ من عظيم حبّه وتسديده له أنه كان في كل سنة يحاسب عماله ، وينظر في أعمالهم ، إلا معاوية فإنّه لم يحاسبه ، ولم يراقبه . وقد قيل له : إنّه قد انحرف عن الطريق القويم ، فبدّد في الثروات ، ولبس الحرير والديباج ، فلم يلتفت لذلك ، وأضفى عليه ثوب الأبهة والمجد ، فقال : «ذاك كسرى العرب» .
ولما فتل حبل الشورى لأجل إقصاء عترة النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) عن الحكم ، وجعله في بني أمية أشاد بمعاوية وهو في أواخر حياته ، ونفخ فيه روح الطموح ، فقال لأعضاء الشورى: «إن تحاسدتم وتقاعدتم وتدابرتم وتباغضتم غلبكم على هذا معاوية بن أبي سفيان » ، وكان إذ ذاك أميراً على الشام (1).
وما أكثر عماله وولاته ، فلماذا أشاد به دونهم ؟! وكيف ساغ له أن يهدّد أعضاء الشورى بسطوته وهم ذوو المكانة العليا ، وقد مات رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وهو عنهم راض - كما يقول - وإذا كان يخاف عليهم منه فكيف أبقاه في جهاز الحكم . إن هذه الأمور تدعو إلى التساؤل والاستغراب .
وعلى أي حال، فإنّ معاوية كان أثيراً عند عمر وعزيزاً عليه ، ولما آل الأمر إلى عثمان زاد في رقعة سلطانه ، وفي تقوية نفوذه كما أوضحنا ذلك في الجزء الأوّل من هذا الكتاب.
فصار يعمل في الشام عمل من يريد الملك والسلطان ، ولما قتل المسلمون عثمان نظراً للأحداث الجسام التي ارتكبها ، اتّخذ معاوية قتله وسيلة لتحقيق مآربه وأهدافه ، فبغى على أمير المؤمنين (علیه السلام) بدعوة أنّه رضى بقتله ، وأوى قتلته ، وأعقبت ذلك من الخطوب والمحن ما بلي بها الإسلام، وتصدّع بها شمل المسلمين، فأدت الأحداث المؤسفة إلى انتصاره ، وخذلان الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) وولده الإمام الحسن (علیه السّلام) ، ولما صار الأمر إليه بعد الصلح أخذ يعمل مجداً في إحياء جاهليته
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 1 : 187 .
الاُولى والقضاء على كلمة الإسلام وتحطيم أسسه ، وإلغاء نصوصه ، وقد ظهرت منه تلك الأعمال بوضوح لما خلاله الجوّ وصفا له الملك ، فلم يخش أو يراقب أحداً في إظهار نواياه ، وفي إبراز اتجاهه وعدائه للإسلام وللمسلمين ، وقد أوضح الإمام الحسن (علیه السّلام) في صلحه حقيقته وبيّن واقعه ، وسلبه بذلك الغشاء الرقيق الذي تستر به باسم الدين ، ودونك - أيها القارئ - النزر اليسير من نواياه وأعماله :
كان معاوية يكنّ في نفسه بغضاً عارماً للنبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ولذريته ، ويحاول بكل جهوده القضاء على كلمة الإسلام ومحو أثره ، وقد أدلى بذلك في حياته مع المغيرة بن شعبة ، فقد حدّث عنه ولده مطرف ، قال : « وفدت مع أبي المغيرة على معاوية فكان أبي يأتيه يتحدث عنده ، ثم ينصرف إليَّ فيذكر معاوية وعقله ، ويعجب بما یری منه.
وأقبل ذات ليلة فأمسك عن العشاء وهو مغتمّ أشدّ الغم ، فانتظرته ساعة وظننت أنّه لشيء حدث فينا أو في عملنا ، فقلت له : ما لي أراك مغتمّاً منذ الليلة ؟
يا بني، إنّي جئت من أخبث الناس !
وما ذاك ؟
خلوت بمعاوية فقلت له : إنّك قد بلغت مُناك يا أمير المؤمنين ، فلو أظهرت عدلاً، وبسطت خيراً ، فإنّك قد كبرت ، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم ، فوالله ما عندهم اليوم شيء تخافه.
فقال لي : هيهات هيهات! ملك أخو تيم فعدل ، وفعل ما فعل ، فوالله ما عدا أن هلك ، فهلك ذكره ، إلا أن يقول قائل أبو بكر . ثمّ ملك أخو عدي فاجتهد ، وشمّر عشر سنين ، فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكره ، إلا أن يقول قائل عمر ، ثمّ ملك أخونا عثمان فملك ، رجل لم يكن أحد في مثل نسبه ، فعمل ما عمل وعُمل به ، فوالله
ما عدا أن هلك حتى هلك ذكره ، إلا أن يقول قائل : عمر ، وإن ابن أبي كبشة ليُصاح به في كلّ يوم خمس مرات : أشهد أن محمداً رسول الله ، فأي عمل يبقى ، وأي ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك ، إلا دفناً دفناً ؟» (1).
وهذه البادرة تدل بوضوح على كفره وإلحاده، وعلى حقده البالغ على النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، فقد أزعجه وساءه أن يذكر اسمه كل يوم خمس مرات في الأذان ، ولو وجد سبيلاً لمحا ذلك ، ولشدّة بغضه وعدائه لذرّيّته أنه مكث في أيام خلافته أربعين جمعة لا يصلّي فيها على النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، وقد سئل عن ذلك ، فقال : لا يمنعني من ذكره إلا أن تشمخ رجال بآنافها (2).
ولم يعتن معاوية بالحدود الإسلامية ، ولم يهتم بإقامتها ، فقد عفا عمّن ثبت عليه الحد ، فقد جيء إليه بجماعة سارقين فقطع أيديهم ، ويقي واحد منهم فقال السارق :
يميني أميرَ المُؤْمِنِينَ أُعيذها *** بعَفوِكَ أَنْ تُلقى مكاناً يُشينُها
يدي كانَتِ الحَسناء لَوْ تَمَّ سِتْرُها *** وَلَا تَعدِمِ الحَسناءُ عَيباً يُشيبُها
فَلا خَيرَ في الدُّنْيا وَكانَتْ حَبيبَةً *** إذا ما شمالي فارقَتْها يَمينُها
وغزت هذه الأبيات قلب معاوية فقال له : كيف أصنع بك ؟ قد قطعنا أصحابك . فأجابته أمّ السارق : يا أمير المؤمنين ، اجعلها في ذنوبك التي تتوب منها .
فخلي سبيله ، وأطلق سراحه ، فكان أول حد ترك في الإسلام (3).
ومنع الإسلام من الربا أشدّ المنع ، وجعله من الموبقات والكبائر ، فلعن المعطي والآخذ ، والوسيط والشاهد، ولم يعتن معاوية بتحريم الإسلام له ، فعن عطاء بن يسار أن معاوية باع سقاية من ذهب ، أو ورق بأكثر من وزنها ، فقال له أبو الدرداء (1)
اختلف في اسمه ، فقيل : عامر وعويمر ، واختلف في اسم أبيه ، فقيل : عامر ومالك وعبدالله ، ينتهي نسبه إلى كعب بن الخزرج الأنصاري ، أسلم أبو الدرداء يوم بدر وشهد أحداً.
قال (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) في حقه : «أبو الدَّرْداءِ حَكيمُ أُمَّتي» ، كان تاجراً قبل الإسلام ، فلما أسلم ترك التجارة ، ولاه معاوية قضاء دمشق في خلافة عمر. توفّي لسنتين بقيتا من خلافة عثمان ، وقيل : مات سنة 32 ، وقيل : مات بعد صفين . الإصابة : 4 : 46 .
وجاء في الكنى والأسماء : 72: « أنّ أبا الدرداء روى عن رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) أنه قال : «إِنَّ أَثْقَلَ شَيْءٍ في ميزانِ الْمُؤْمِنِ خُلُقٌ حَسَنٌ ، وَإِنَّ اللهَ يُبْغِضُ الفَاحِشَ الْبَذِيءَ ».
: «سمعت رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ينهى عن مثل هذا ، إلا مثلاً بمثل».فانبرى معاوية مظهراً له عدم اعتنائه بنهي رسول الله ، وتحريمه له قائلاً: ما أرى بمثل هذا بأساً.
فاستاء أبو الدرداء من هذه الجرأة ، واندفع وهو غضبان متألم قائلاً: « من يعذرني من معاوية أنا أخبره عن رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ويخبرني عن رأيه ، لا أساكنك بأرض أنت بها » .
ثم ترك الشام وانصرف إلى عاصمة الرسول (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وهو ثائر غضبان ، واستقال من وظيفته (2).
وقضى الشرع الإسلامي بإتيان الأذان والإقامة في خصوص الصلاة اليومية الواجبة ، وأما ما عداها من الصلاة المندوبة كصلاة النوافل أو الواجبة ، كصلاة العيدين والآيات فإنّ الشرع قد حكم بتركها ، فقد قال رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) : «لَيْسَ في الْعِيدَيْنِ أَذانٌ ، وَلَا إِقامَةٌ» (1).
وسار على هذه السنّة الخلفاء من بعد رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) (2).
ولكن بشر بن مروان أوّل من أذن وأقام في صلاة العيد لم يبال بذلك ، فقد أحدث الأذان والإقامة في صلاة العيد (3).
وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن المسيب : « أنّ أوّل من أحدث الأذان لصلاة العيد معاوية » ، ومثله رواه الشافعي عن الثقة ، وزاد : « وأخذ به الحجّاج حين أمر على المدينة » ، وروى ابن المنذر : «أنّ أوّل من أحدثه زياد بالبصرة ، وقيل : أوّل من أحدثه بشر بن مروان» (4).
وبذلك خالف رسول الله وجافى ما أثر عنه ، وكان مبدعاً في تشريعه ، ومعاوية أوّل من قعد في الخطب (خطب صلاة العيد والجمعة) .
وألزمت السنّة الإسلامية في صلاة العيد بالخطبة بعد فراغ الإمام من الصلاة ،
فقد صلى النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) صلاة عيد الفطر ، وبعد الفراغ منها قام خطيباً بين أصحابه ، وفعل النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) كقوله سنة يجب اتباعه ، وصلى من بعده الخلفاء على وفق صلاته (1).
ولكن معاوية لم يعتن بذلك ، فقد قدّم الخطبة على الصلاة، واقتفى بفعله الأمويون (2)، وبذلك فقد هجر سنة النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم).
وفرض الإسلام الزكاة في موارد مخصوصة ذكرها الفقهاء ، وما عداها فلا تجب فيه الزكاة ، ولكنّ معاوية قد أعرض عن ذلك ، فأخذ الزكاة من الاُعطية ولم تشرّع فيها الزكاة بإجماع المسلمين، وقد ارتكب معاوية ذلك (3).
أما جهلاً منه بالحكم الشرعي أو تعمّداً منه على مخالفة السنة ، والثاني أولى بسيرته
ويجب على المحرم في الحج أن يترك الطيب ما دام محرماً ، فإذا حلّ من إحرامه جاز له استعماله ، ولكنّ معاوية خالف ذلك فتطيب في حال إحرامه (4)، عناداً منه للإسلام أو لجهله بتعاليمه وفروضه .
ويحرم استعمال أواني الذهب والفضة ، إلا أنّ معاوية قد عمد إلى مخالفة ذلك ،
وأخذ يستعملها في مأكله ومشربه ، ولما تلي عليه قول رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) في التحريم قال : لا أرى بأساً في ذلك (1).
وحرّم الإسلام لبس الحرير على الرجال ، إلا في حال الحرب ، ولكن معاوية قد جافي ذلك ، فقد عمد إلى لبسه (2)غير معتن بتحريم الإسلام ونهيه عنه .
وحرّم الإسلام أموال الناس وأخذها بالباطل ، ولكن معاوية لم يلتزم بذلك، فقد استصفى أموال الناس من دون عوض (3).
وليس في سوق التجارة رذيلة أسوأ من شراء ضمائر الناس وأديانهم ، فإنّه ينم عن سوء سريرة البائع والمشتري ، وقد مهر معاوية في هذه الصنعة ، وكان يتجاهر بها من دون خيفة وحذر.
فقد ذكر الرواة أنه وفد عليه الأحنف بن قيس وجارية بن قدامة والجون بن قتادة والحتات بن يزيد ، فأعطى معاوية كلّ واحد منهم مائة ألف ، وأعطى الحتات سبعين ألفاً ، فلمّا كانوا في الطريق ذكر كل منهم جائزته ، فرجع الحتات مغضباً ، فالتفت إليه معاوية قائلا له : ما ردّك ؟
في عشيرتي ؟
فأجابه معاوية : بلى .
واندفع الحتات قائلاً: فما بالك خست بي دون القوم ، وأعطيت من كان عليك أكثر ممن كان لك - يريد الأحنف وجارية فهما كانا مع علي (علیه السلام) في حرب الجمل - وهو قد اعتزل القتال .
فقال له معاوية بلا حياء ولا خجل : إنّي اشتريت من القوم دينهم ، ووكلتك إلى دينك
فأمر له بإتمام الجائزة (1).
واتسعت الدعارة وانتشر المجون في الحاضرة الإسلامية في عصر بني أمية ، فكان الشعراء يتشببون ويتغزلون بالنساء ، وأوّل من فتح باب الدعارة معاوية ، فقد حدثوا أنّ عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت (2)
ولد في زمن النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، كان شاعراً ، قليل الحديث . ذكره ابن معين في تابعي أهل المدينة ، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين. توفي سنة 104ھ ، وأبطل هذا القول ابن عساكر فقال : إنّه قيل إنّه عاش ثمانى وأربعين عاماً ، ومقتضاه أنّه ما أدرك أباه لأنه مات بعد الخمسين بأربع أو نحوها ، وقد ثبت أنّه كان رجلاً في زمان أبيه ، وأبوه القائل :
فَمَنْ لِلقَوافِي بَعدَ حَسَانَ وَابْنِهِ *** وَمَنْ لِلْمَثَانِي بَعدَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتِ
قلت : وإن يثبت أنه ولد في العهد النبوي ، وعاش إلى سنة 104ھ يكون عاش 98 ، فلعل الأربعين محرفة . الإصابة : 3 : 67 .
وذكر الزمخشري في الكشاف أنّ عبد الرحمن قال في معاوية قصيدة منها :
أَلا أَبْلِغْ مُعَاوِيَةَ بْنَ حَرْبٍ *** أَميرَ الظَّالِمِينَ ثَنا كلامي
مُعاوِيَةَ بْنَ هِندٍ وَابْنَ صَخْرٍ *** لَحاكَ اللهُ مِنْ مَرْءٍ حَرامي
تَجَشّمْنَا بِإِمْرَتِكَ المَنايا *** وَقَدْ دَرَجَ الكِرامُ بَنو الكرامِ
أميرُ الْمُؤْمِنِينَ أَبو حُسَيْنٍ *** مُفَلِّقُ رَأْسِ جَدِّكِ بِالحُسام
وَإِنَّا صابِرُونَ وَمُنْظروكُمْ *** إِلَى يَومِ التَّغَابُنِ وَالْخِصام
قد تشبّب بابنة معاوية ، فبلغ ذلكیزید ، فغضب ودخل على أبيه قائلاً بنبرات تقطر ألماً : يا أبة ، أقتل عبدالرحمن بن حسان .
لم ؟
تشبب بأختي .
وما قال ؟
قال :
طالَ لَيلي وَبِتُ كَالمَحْرُونِ *** وَمَلَلْتُ الثّواءَ في جَيْرون
فأجابه معاوية باستهزاء وسخرية : يا بني ، وما علينا من طول ليله وحزنه ، أبعده الله.
فالتفت يزيد إلى أبيه إنّه يقول :
فَبِتِلكَ اغْتَريتُ بِالشَّامَ حَتَّى *** ظَنَّ أَهْلي مُرَجِماتِ الظُّنونِ
يا بني ، وما علينا من ظنّ أهله .
هِيَ زَهراءُ مِثلُ لُؤْلُوةِ الغَوّا *** صِ مِيزتْ مِنْ جَوهَرٍ مَكْنُون
وإِذا ما نَسَبْتَها لَمْ تَجِدْها *** في سَناءٍ مِنَ المَكارِمِ دُونِ
صدق يا بني .
إنه يقول :
ثمّ خاصرتها إلى القبة الخض *** راء تمشي في مرمر مسنون
وما زال يزيد يذكر له ما قاله عبد الرحمن من التشبيب بأخته ، ومعاوية يدافعه عن ذلك ، ويظهر براءته وعدم استحقاقه العقاب ، وانتشر تشبيب عبد الرحمن ، وافتضحت ابنة معاوية ، فأقبلت إليه طائفة فأكبروا هذه الجسارة على ابنته وقالوا له : لو جعلته نكالاً ، فامتنع معاوية من إجابتهم .
وقال لهم : لا ولكن أداويه بغير ذلك ، واتفق أن عبدالرحمن وفد على معاوية فاستقبله أحسن استقبال وأجلسه على سريره وأقبل عليه بوجهه ، ثمّ قال : إن ابنتي الأخرى عاتبة عليك .
في أيّ شيء ؟
في مدحك أختها وتركك إياها .
لها العتبى ، وكرامة أنا أذكرها .
وأخذ يتغزّل بابنة معاوية ، فلما علم الناس ذلك قالوا : « قد كنا نرى أن تشبيب حسان بابنة معاوية لشيء ، فإذا هو على رأي معاوية وأمره» (1)
وقد ذكر ابن عساكر في تاريخ دمشق : 66: 261 و 262 بعض هذه الأبيات وأضاف إليها أبيات أخرى في ترجمة أبي دهبل الجمحي وهب بن زمعة بن أسيد ، وقال : وقد روي هذا الشعر لعبد الرحمن بن حسان وليس بصحيح .
.1) الأغاني : 13 : 149 . وذكر بعض هذا الحديث في تاريخ دمشق : 34: 296 .
وهذه البادرة تدلّ على ميوعته ، وتفسّخ أخلاقه ، وقد فتح بذلك باب الفساد ، ومكن الماجنين من التعرّض لبنات المسلمين حتى بلغ التهالك على اللذة منتهاه في عصره وعصر بني أمية .
وتشبب أبو دهبل الجحمي (1)
اسمه وهب بن زمعة بن أسيد ، كان شاعراً محسناً مداحاً وهو القائل :
يا لَيتَ مَنْ يَمنَعُ المَعْرُوفَ يَمنَعُهُ *** حَتَّى يَذوقَ رِجالٌ غِب ما صَنَعوا
وَلَيتَ رِزْقُ أُناسٍ مِثلَ نائِلِهِمْ *** قُوتٌ كقفُوتٍ وَوِسْعٌ كَالَّذِي وَسِعوا
وَلَيتَ لِلنَّاسِ حَظَاً في وُجُوهِهِم *** تَبِينُ أَخلاقُهُمْ فِيهِ إِذَا اجْتَمَعوا
وَلَيتَ ذو الْفُحْشِ لاقى فاحشاً أَبَداً *** وَوافَقَ العِلمَ أَهلُ الجَهْلِ فَارْتَدَعوا
معجم الشعراء : 1 : 117 .
وقد نشر الشيء الكثير من شعره في المجلة الآسيوية البريطانية .
بابنته فعامله باللين ووصله وأعطاه (2).وسار بنو أمية على هذه الخطة ، وقد حاولوا أن يقلبوا الدنيا إلى مسارح للعبث والمجون ، فحبّبوا إلى الناس الفسق والدعارة وساقوهم إلى الضلال والباطل والفساد.
ومن تهتك معاوية ومجونه أنّه اشترى جارية بيضاء جميلة ، فأدخلها عليه مولاه (خديج) وهي مجرّدة عارية ليس عليها شيء ، وكان بيده قضيب فجعل يهوي به إلى متاعها وهو يقول : هذا المتاع ، لو كان لي متاع (3).
وأمر بها إلى يزيد ، ثمّ عدل عن ذلك ووهبها إلى عبد الله بن مسعدة الفزاري (4)
جيء به وهو صغير في سبي فزارة فوهبه رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) لابنته فاطمة فأعتقته ، وكان صغيراً ثمّ كان عند عليّ ، والتحق بمعاوية فكان من أشدّ الناس وأعداهم لعلي ، وكان علی جند دمشق بعد وقعة الحرّة ، وبقي إلى خلافة مروان ، وقيل : إنّه غزا الروم سنة 49ھ ، وكان أميراً على الجيش عبدالرحمن بن خالد بن الوليد ، فمات في أرض الروم ، فاستخلف من بعده عبدالله الفزاري ، وهى أوّل ولاية وليها ، وفيه يقول الشاعر:
أَقِمْ بِابْنِ مَسْعُودٍ قَناة قَويمَة *** كَمَا كَانَ سُفْيَانُ بْنُ عَوْفٍ يُقِيمُها
ولما دخل على معاوية سأله عن الشعر ، فقال : إن الشاعر ضمني إلى من لست له بكفء ، وهو سفيان بن عوف . الإصابة 2 : 367 .
.فقال له : دونك هذه الجارية الروميّة فبيض ولدك (1).
وذكر المؤرّخون بوادر كثيرة من استهتاره ومجونه دلت على تحلله من جميع القيم الإنسانية .
قال الله تعالى في كتابه الكريم : «إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ » (2)، وقرب معاوية من يفتري الكذب على الله ورسوله ، ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ، فقربهم إليه ، وأدناهم منه ، ومنحهم الأموال الضخمة ، وأوعز إليهم أن يضعوا الأحاديث الكاذبة على رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) في فضله وفي فضل الأمويين والصحابة ، وفى الحط من كرامة العترة الطاهرة وانتقاصها ، خصوصاً سيدها الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) ، وكتب مذكرة بذلك إلى جميع عماله وولاته ، جاء فيها :
«انظروا من قبلكم من شيعة عثمان الذين يرون فضله ، ويتحدثون بمناقبه فأكرموهم وشرّفوهم ، واكتبوا إلي بما يروي كلّ واحد منهم فيه باسمه واسم أبيه ،
وممن هو».
فامتثل عماله وولاته ذلك فأدنوا الرواة المستأجرين وأشادوا بهم ، ومنحوهم الأموال الكثيرة ، ودوّنوا ما افتعلوه في فضل عثمان ، وأرسلوه إليه ، ولما رأى الناس أنّ الحكومة تشجّع الوضاعين وتقابلهم بالحفاوة والتكريم ، وتمنحهم الأموال والثراء العريض بادر من غرته الدنيا إلى وضع الأحاديث ، وأخذ عوضها من الجهة المختصة ، وقد رووا في فضل معاوية طائفة كبيرة ، فمن جملة ما وضعوه : أنّ النبي قال : « اللّهمّ علّمه الكتاب والحساب ، وقه العذاب ، وأدخله الجنّة » (1).
وأخرج الترمذي أنّ النبي قال لمعاوية : « اللهم اجعله هادياً مهدياً » .
وروى الحارث بن أبي أسامة أنه (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) قال : « أبو بكر أرق أمتي وأرحمها » .
ثم ذكر مناقب الخلفاء الأربعة ، ومناقب جماعة آخرين من أصحابه ، ثم ذكر (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) معاوية ، فقال (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) : «ومعاوية بن أبي سفيان أحلم أمتي وأجودها» (2).
ورووا أن النبي أشاد بفضل أصحابه ، ثمّ قال في معاوية : « وصاحب سرّي معاوية بن أبي سفيان» (3).
1) تطهير الجنان : 26 . البداية والنهاية : 8: 124 .
2) تاريخ مدينة دمشق : 59: 88. البداية والنهاية : 8: 121. تطهير الجنان (المطبوع على هامش الصواعق المحرقة) : 24 .
3) تطهير الجنان واللسان : 26 ، وقد استند ابن حجر إلى هذه الروايات الموضوعة في فضل معاوية ونزهه عن كل ما ارتكبه من المأثم والموبقات، وألحقه بالصحابة المتحرّجين في دينهم ، وقد أعمى الله بصيرة ابن حجر وأضله عن الطريق القويم ، فراح يمجد أعداء الله ، وخصوم الإسلام الذين هم صفحة عار وخزي على المجموعة الإنسانية ، لقد بلي المسلمون بأمثال هؤلاء المؤرّخين الذين لا ينظرون إلى الواقع إلا بمنظار أسود فجنوا على الإسلام والمسلمين بمفترياتهم وأكاذيبهم.
وحكى المقدسي أنه كان بجامع واسط وإذا برجل قد اجتمع عليه الناس فدنا منه ، فإذا هو يروي حديثاً بسنده عن النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) أن الله يدني معاوية يوم القيامة فيجلسه إلى جنبه ويغلفه بيده ثمّ يجلوه على الناس كالعروس فقال له المقدسي : بماذا ؟
قال : بمحاربته عليّاً .
فأجابه المقدسي : كذبت يا ضال !!
فقال : خذوا هذا الرافضي ، فتدافع الناس عليه للبطش به وأنقذه شخص كان يعرفه (1).
وحكى المقدسي أيضاً أنه تعرّض للقتل حينما أنكر على رجل قوله : إن معاوية نبي مرسل (2).
وحدّث بعضهم ، قال : «رأيت رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وعنده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية ، إذ جاء رجل فقال عمر : يا رسول الله ، هذا ينتقصنا ، فكأنّه انتهره رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم).
فقال : يا رسول الله ، إنّي لا أنتقص هؤلاء ، ولكن هذا - يعني معاوية - .
فقال : ويلك أوليس هو من أصحابي ؟ قالها ثلاثاً ، ثم أخذ رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) حربة فناولها معاوية ، فقال : جابها في لبته فضربه بها ، وانتهيت إلى منزلي ، فإذا ذلك الرجل قد أصابته الذبحة من الليل ومات ، وهو راشد الكندي» (3).
وتعصب البسطاء والسذج لمعاوية ، وبالغوا في تقديره نظراً لهذه الأخبار
الموضوعة والدعايات الكاذبة ، فقد ذكر المؤرخون أن عبد الرحمن النسائي دخل دمشق فسئل عن معاوية ، وما روي من فضائله ، فقال : أما يرضى معاوية أن يخرج رأساً برأس حتّى يفضّل ؟
وفي رواية : أنّه قال : ما أعرف له فضيلة إلا « لا أشبع الله له بطناً» فثاروا عليه وداسوه ، فحمل إلى الرملة فمات بسبب ذلك (1).
لقد أراد معاوية بهذه الأحاديث التي أصدرتها لجان الوضع أن يضفي على نفسه ثوب القداسة والإيمان لتمنحه الأمة ثقتها ، وتنقاد إليه بدافع العقيدة ، ولكنها محاولة فاشلة لأنّ المسلمين ينظرون إليه نظرة ريبة وشك في إسلامه ، لأنه من الشجرة الملعونة في القرآن التي ناجزت النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، وقادت الجيوش لمحاربته ، بالإضافة إلى الأحداث الجسام التي ارتكبها كمناجزته لوصي رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وباب مدينة علمه ، وقتله الأخيار ، ومطاردته الصلحاء ، وبدعه التي أحدثها في الإسلام ، وغير ذلك من الكبائر والموبقات التي سوّد بها وجه التاريخ ، ومن الطبيعي أن هذه الدعايات والأكاذيب لا تمحو عنه العار والخزي .
وعلى أي حال ، فقد كثرت الأحاديث التي وضعها الدجالون في فضل معاوية ، وفي فضل عثمان بن عفان ، وقد خاف أن يفوت غرضه ، ويفتضح أمره ، ولا يصل إلى هدفه من البغي على العترة الطاهرة ، فكتب مذكرة إلى عماله يأمرهم فيها بأن يكفّ الوضاعون عن ذلك ، ويضعوا الأحاديث في فضل الشيخين ، لأنّ ذلك من أقرب الطرق ، ومن أهم الوسائل في محاربة ذرّيّة النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) والحط من قيمتهم ، وهذا نص ما كتبه :
«إنّ الحديث قد كثر في عثمان ، وفشا في كلّ مصر ، وفي كل ناحية ، فإذا جاءكم كتابي فادعوهم إلى الرواية في أبي بكر وعمر ، فإنّ فضلهما وسوابقهما أحبّ إليَّ
1) طبقات الشافعية / السبكي : 2 : 84. وفيات الأعيان : 1 : 37 .
وأقرّ لعيني ، وأدحض لحجّة أهل هذا البيت - يعني أهل بيت النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) - وأشدّ عليهم من مناقب عثمان وفضله » .
وقرأ القضاة والأمراء كتابه على الناس ، فبادر الوضاعون إلى افتعال الأحاديث في مناقب أبي بكر وعمر ، وأمر معاوية بتدوينها ، وإنفاذ نسخ منها إلى جميع العمّال والولاة ليقرأوها على المنابر ، ويتلوها في الجوامع ، وأوعز إليهم أن ينفذوها إلى المعلمين ليجعلوها من مناهج دروسهم ، ويرغموا الأطفال على حفظها ، وقد اهتمت الحكومات المحلية في ذلك اهتماماً بالغاً ، فألزمت الناشئة وسائر الطبقات بحفظ تلك الأخبار المفتعلة حتى حفظها الأولاد وحفظتها النساء والخدم والحشم (1).
وقد عرض الإمام الباقر (علیه السلام) بعض تلك الأخبار الموضوعة في حديث مع أبان ، وندّد بها ، فقد قال له أبان : أصلحك الله ، سم لي من ذلك شيئاً ؟
قال (علیه السلام): رَوَوا إِنَّ سَيِّدَيْ كُهولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَبو بَكْرٍ وَعُمَرُ (2).
إ ِنَّ عُمَرَ مُحَدَّثٌ - بصيغة المفعول أي تحدثه الملائكة - .
إِنَّ عُمَرَ يُلَقِّنُهُ الْمَلَكُ .
إِنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ .
إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَسْتَحِي مِنْ عُثْمَانَ (3).
1) كتاب سليم بن قيس : 29 . شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 11: 45 .
2) وضع المستأجرون هذا الحديث لمعارضة الخبر المتواتر الوارد عن النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) في حق السبطين : «الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدا شَبابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ » ، وقد سئل الإمام الجواد عنه ، ففنده وقال : « وَاللَّهِ لَيْسَ فِي الْجَنَّةِ كُهولٌ بَلْ كُلُّهُمْ شَبابٌ مُرْد» .
3) وأمارة الوضع على هذا الحديث ظاهرة ، فإنّ الملائكة لماذا تستحي من عثمان بن عفان ، فهل إنّه اجتاز عليها فرآها تعمل القبيح، وترتكب المنكر فاستحيت منه ، أو أنه فعل ذلك فاستحيت منه ، إنا لا نتصوّر وجهاً لهذا الاستحياء المزعوم.
ثم استرسل (علیه السلام) في عرض الأخبار المفتعلة حتى عدّ أكثر من مائة رواية (1)يحسبها الناس أنّها حق .
ثم قال (علیه السلام) : وَاللهِ كُلَّها كَذِبٌ وَزُورٌ (2).
ويقول المحدّث ابن عرفة المعروف بنفطويه (3)
ولد سنة 244ھ بواسط ، وهو صاحب المؤلّفات الحسنة ، لقب بنفطويه لدمامته ، وأدمته تشبيهاً له بالنفط ، ومن شعره :
قَلْبِي أَرَقُّ عَلَيْكَ مِنْ خَدَّيْكا *** وَقُوَايَ أَوْهِی مِنْ قُوَىٰ جِفْنَيْكا
لِمَ لَا تَرِقُ لِمَنْ يُعَذّبُ نَفْسَهُ *** ظُلْماً وَيَعْطفُهُ هَواهُ عَلَيْكا
هجاه أبو عبدالله الواسطي بقوله :
مَنْ سَرَّهُ أَنْ لَا يَرى فاسِقاً *** فَلْيَجْتَهِد أَنْ لَا يَرَى نَفْطَوَيْه
أَحْرَقَهُ اللهُ بِنِصْفِ اسْمِهِ *** وَصَيَّرَ الباقي صُراحاً عَلَيْهِ
توفي في صفر 323ھ . وفيات الأعيان : 1 : 30 .
: « إنّ أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أمية ، تقرباً إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به اُنوف بني هاشم» (4).ولم يكتف معاوية بتلك الأخبار الكثيرة التي وضعت في مناقب الشيخين ، فقد عمد إلى تشجيع الوضاعين لاختلاق الحديث ضدّ أهل البيت (علیهم السلام)، وقد أنفق عليهم الأموال الطائلة في سبيل ذلك ، فقد أعطى الجلاد سمرة بن جندب أربعمائة ألف على أن يخطب في أهل الشام ، ويذكر لهم أنّ الآية الكريمة وهي :
«وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ» (1)نزلت في عليّ ، فروى لهم سمرة ذلك (2).
وأخذ العوض من بيت مال المسلمين ، وقد ألزم الإسلام بإنفاقه على صالح المسلمين، وإعالة ضعيفهم ومحرومهم ، ولكن ابن هند أنفقه على حرب الإسلام وعلى الكيد والطعن في أعلامه الذين نافحوا عن رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) في جميع المواقف والمشاهد، وأرغموا معاوية وأباه على الدخول في حضيرته .
وعلى أي حال، فقد انطلق ذوو الأطماع والمنحرفون عن الإسلام إلى افتعال الأحاديث في الحطّ من قيمة أهل البيت للظفر بالأموال والثراء العريض . وروى ابن العاص لأهل الشام أن النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) قال في آل أبي طالب : « إِنَّ آلَ أَبي طالِبٍ لَيْسوا لي بِأَوْلِياءَ ، إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللهُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ» (3).
وهكذا أخذت لجان الوضع تفتعل أمثال هذه الأحاديث ضدّ عترة النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ، محاولة بذلك إطفاء نور الله ، وحجب المسلمين عن قادتهم الواقعيين الذين نصّ عليهم النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وجعلهم خلفاء من بعده على أمته .
وتحدّث الإمام الباقر عن زيف تلك الأخبار وكذبها ، فقال: «وَيَروونَ عَنْ عَلِيٍّ أَشْيَاءَ قَبِيحَةً ، وَعَنِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ مَا يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّهُمْ قَدْ رَوَوا فِي ذلِكَ الْبَاطِلَ وَالْكَذِبَ وَالزُّورَ» (4).
وقال ابن أبي الحديد : « وذكر شيخنا أبو جعفر الإسكافي أنّ معاوية وضع قوماً من الصحابة ، وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في عليّ (علیه السلام) تقتضي الطعن فيه ، والبراءة منه ، وجعل لهم على ذلك جعلاً يرغب في مثله ، فاختلقوا ما أرضاه ، منهم أبو هريرة ، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة ، ومن التابعين عروة بن الزبير» (1).
إنّ هذه الاجراءات التي اتخذها معاوية ضدّ أهل البيت (علیهم السلام) قد أشاعت الفرقة بين المسلمين، وفتحت باب الكذب على الله وعلى رسوله ، وقد أعرض خيار الصحابة عن تلك الأخبار، ولم يصغوا لرواتها ، فقد نقل الرواة أنّ بشير العدوي (2)
ويقال العامري ، ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل البصرة ، وقال : إنّه ثقة إن شاء الله ، وقال النسائي : إنه ثقة . تهذيب التهذيب : 1: 471 .
ولا نعلم أنه كيف كان ثقة مع إعراض ابن عباس عن حديثه .
جاء إلى ابن عبّاس ، وجعل يحدثه ، ويقول له : قال رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، وابن عبّاس لا يأذن لحديثه ، ولا ينظر إليه ، وقابله بالاستخفاف والاستهانة .فاندفع بشير قائلاً إنا كنا إذا سمعنا رجلاً يقول : قال رسول الله ابتدرته أبصارنا ، وأصغينا إليه بآذاننا ، فلما ركب الناس الصعبة والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرفه (3).
إنّ الناس قد ركبوا الصعبة والذلول - على حدّ تعبير ابن عباس - وسلكوا جميع المسالك التي تتنافى مع الدين ، فلم يتحرّجوا من الكذب على الله ، ولم يتأتموا من الوضع على رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، فلذا كان التوقف والتثبت في الأخبار أمراً ضرورياً .
والمحنة الكبرى التي امتحن المسلمون بها امتحاناً عسيراً هو أن تلك الأخبار التي افتعلتها لجان الوضع قد وصلت إلى الثقات والحفاظ فدوّنوها في كتبهم ، وهم - من دون شك - لو علموا واقعها لأسقطوها وتبرأوا منها ، وما رووها ، وقد ألمع إلى ذلك المدائني في حديثه عن الوضاعين في عصر معاوية ، ونسوق نص كلامه في ذلك قال : «وظهر حديث كثير موضوع ، وبهتان منتشر ، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة ، وكان أعظم الناس في ذلك بلية القرّاء المراء ون ، والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ، ويقرّبوا مجلسهم ، ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل ، حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان ، فقبلوها ، ورووها وهم يظنون أنّها حقّ ، ولو علموا أنّها باطلة لما رووها ، ولا تدينوا بها» (1).
وقد فاضت الكتب بتلك الأخبار الموضوعة ، وامتلأت بالإسرائيليات (2)وبخرافات أبي هريرة ، ومما لا شبهة فيه أنها أضرت بالإسلام، فشوّهت شريعته السمحاء ، وأفسدت عقائد المسلمين، وفرقتهم شيعاً وأحزاباً .
وليس من شكّ في أنّ الخلفاء لو بادروا إلى تدوين ما أثر عن النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) من الأحاديث لصانوا الأمة من الاختلاف، ووقوها من الفتن والخطوب ، ولكنّهم لم يفعلوا ذلك ، فقد عمد أبو بكر إلى جمع بعض الأحاديث فأحرقها (3).
وجاء بعده عمر ، فاستشار الصحابة في تدوينها ، فأشار عليه عامتهم بذلك
ولبث مدّة يفكر في الأمر ، ثمّ عدل عنه ، وقال لهم : «إنّي كنت قد ذكرت لكم من كتاب السنن ما قد علمتم ، ثمّ تذكرت ، فإذا أناس من أهل الكتاب قبلكم قد كتبوا مع كتاب الله كتباً فأكبّوا عليها ، وتركوا كتاب الله ، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبداً».
ثمّ ترك ذلك وعدل عنه (1).
وهو تعليل لا يساعده الدليل ، لأن حديث النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) لا يشذ عن كتاب الله ، ولا يخالفه بحال من الأحوال ، وليس تدوينه موجباً لهجر القرآن الكريم ، ولا مستلزماً للإعراض عنه .
وأكبر الظنّ أنّهم إنّما أبوا من تدوينه لأنّ شطراً كبيراً منه يتعلّق في فضل العترة الطاهرة ، وفي لزوم مودتها ، ووجوب الرجوع إليها في جميع المجالات ، وليس من الممكن التبعيض في كتابة الحديث بأنّ تُدوّن السننن وتُترك الأخبار الواردة في حق أهل البيت (علیهم السلام).
ومن الطبيعي أنّ تدوينها يتنافى مع ابتزازهم حقهم ، وإجماعهم على هضمهم ، وإقصائهم عن مراتبهم التي رتبهم الله فيها ، وقد بلغ من عظيم وجدهم وحقدهم عليهم أنهم لمّا شعروا أنّ النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) يريد أن يعهد بالأمر إليهم ويكتب في ذلك كتاباً ردوا عليه وهو في ساعاته الأخيرة ، فقالوا : « حسبنا كتاب الله » .
وأثر عنهم أنّهم قالوا : « لا تجتمع النبوّة والخلافة في بيت واحد » .
وبعد هذا ، فكيف يثبتون أخبار النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) في أهل بيته.
1) تقييد العلم : 49 بأسانيد متعدّدة. جامع بيان العلم وفضله : 1: 77. السنة قبل التدوين: 310. الطبقات الكبرى : 3: 206 القسم الأوّل . مجلّة الأضواء : 50 . تنوير الحوالك : 4. معالم المدرستين: 2 : 41 و 44. جامع أحاديث الشيعة : 1 2 . النص والاجتهاد : 162 . الغدير : 6: 297 .
وعلى أي حال، فإنّ أعظم ما مني به المسلمون من الكوارث هي الروايات المفتعلة التي عهد معاوية بوضعها ، فإنّها قد أوجبت تشتت المسلمين واختلافهم في كلّ شيء ، وهي مما لا شبهة فيه من أعظم موبقات ابن هند .
قال رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) : « الْوَلَدُ لِلْفِراشِ ، وَللْعَاهِرِ الْحَجَرُ » .
لقد ضرب معاوية كلام رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) بعرض الجدار بلا خيفة ولا حذر ، فعاكس قوله ، وردّ حكمه علانية لأجل تدعيم ملكه ، وإقامة سلطانه ، فاستلحق به زیاد بن أبيه طبقاً لما كان عليه العمل قبل الإسلام !
يقول الله تعالى : «أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ » (1).
لقد بغى معاوية حكم الجاهليّة ، وأحيى سننها ، فألحق به زياد بن أبيه وهو ابن بغية ، فإنّ سميّة كانت من ذوات الرايات بالطائف تؤدي الضريبة إلى الحارث بن كلدة (2)
كان طبيباً مشهوراً عند العرب، وكان من الشعراء ، ومن شعره :
إ ِنَّ اخْتِيارَيكَ لَا عَنْ خِبرَةٍ سَلَفَتْ *** وَلا الرَّجاءُ وَمِمّا يُخْطِئُ النَّظَرُ
كَالمُستغيث ببطن السيل يَحسَبُهُ *** جَزْراً يُبادِرُهُ إِذْ بَلَّهُ المَطَرُ
فَقَدْ رَأَيْتَ بِعَبدِ اللهِ واعِظَةً *** تَنْهَى الحَلِيمَ فَمَا آتَانِيَ الغُرَرُ
إِنَّ السَّعيدَ لَهُ في غَيرِهِ عِظَة *** وَفي التّجارِبِ تَحْكيمٌ وَمُعتَبَر
لأغرفنّك إِن أَرْسَلْتُ قافِيَة *** تُلقى المعاذير إذ لا تنفع العذر
معجم الشعراء : 172
من بغيها ، وكانت تنزل بالموضع الذي تنزل فيه البغايا خارجاً عن الحضرفي محلّة يقال لها حارة البغايا (1).
هذه أمّ زياد في قذارتها وفجورها ، ولم يأنف معاوية من إلحاق هذا الدعي به.
أمّا بواعث هذا الاستلحاق فيقول عنه المؤرّخون : إنّ أمير المؤمنين (علیه السلام) كان قد ولّى زياداً قطعة من أعمال فارس ، واصطنعه لنفسه ، فلما قتل (علیه السلام) يقي زياد في عمله ، وخاف معاوية جانبه ، وعلم صعوبة ناحيته ، وأشفق من ممالاته الحسن بن علي (علیهما السلام) ، فكتب إليه هذه الرسالة :
«من أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان إلى زياد بن عبيد :
أما بعد : فإنّك عبد قد كفرت النعمة ، واستدعيت النقمة ، ولقد كان الشكر أولى بك من الكفر ، وإنّ الشجرة لتضرب بعرقها، وتتفرّع من أصلها ، إنّك لا أمّ لك ، بل لا أب لك ، قد هلكت وأهلكت، وظننت أنك تخرج من قبضتي ، ولا ينالك سلطاني .
هيهات ما كلّ ذي لب يصيب رأيه ، ولا كلّ ذي رأي ينصح في مشورته ، أمس عبد واليوم أمير خطة ما ارتقاها مثلك يابن سميّة ، إذا أتاك كتابي هذا فخذ الناس بالطاعة والبيعة وأسرع الإجابة ، فإنّك إن تفعل فدمك حقنت ، ونفسك تداركت ، وإلا اختطفتك بأضعف ريش ، ونلتك بأهون سعي .
وأقسم قسماً مبروراً أن لا أوتى بك إلا في زمارة (2)تمشي حافياً من أرض فارس إلى الشام حتى أقيمك في السوق، وأبيعك عبداً ، وأردك إلى حيث كنت فيه وخرجت منه
والسلام » (3)
وفي هذه الرسالة قد نسب زياداً إلى عبيد ، واعترف برقيته ، وإنه إذا تمكن منه يبيعه في أسواق دمشق ويرده إلى أصله
ولما وصلت هذه الرسالة إلى زياد ورم أنفه من الغضب ، وأمر بجمع الناس ، وخطب فيهم فقال - بعد حمد الله والثناء عليه - :
ابن آكلة الأكباد ، وقاتلة أسد الله ، ومظهر الخلاف ، ومسر النفاق ، ورئيس الأحزاب ، ومن أنفق ماله في إطفاء نور الله ، كتب إليَّ يرعد ويبرق عن سحابة جفل لا ماء فيها ، وعما قليل تصيّرها الرياح قزعاً (1)، والذي يدلّني على ضعفه تهدّده قبل القدرة ، أفمن إشفاق على تنذر وتعذر ، كلا ؟ ولكن ذهب إلى غير مذهب ، وقعقع لمن ربي بين صواعق تهامة ، كيف أرهبه وبيني وبينه ابن بنت رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وابن ابن عمه في مائة ألف من المهاجرين والأنصار ، والله لو أذن لي فيه أو ندبني إليه لأرينه الكواكب نهاراً ، ولأسعطنه ماء الخردل (2)دونه الكلام اليوم ، والجمع غداً ، والمشورة بعد ذلك إن شاء الله » (3).
وقد أبرق زياد وأرعد ، وتهدّد وأوعد ، وذلك لعدم علمه بما مني به جيش الإمام من التخاذل والانحلال معتقداً بأنّ الجيش على وضعه الأوّل محتفظاً بنشاطه وقواه ، وأنّه مائة ألف من المهاجرين والأنصار ، ولم يعلم بما نكب به من الانحلال والفتن التي مزقته وقضت على نشاطه ، وأنّ أعلام المهاجرين والأنصار قد طحنتهم حرب صفين ، وأبادتهم واقعة النهروان ، وأصبح الجيش لا يضم من أولئك الرؤوس والضروس ، إلا ما هو أقل من الصبابة.
وأقسم بالله إنّ الإمام لو استدعى زياداً حينذاك لغدر به وما استجاب له ،
وآية ذلك أنه لما علم بوهن جيش الإمام انحاز إلى معاوية وغدر بالإمام ، وكيف ينخدع وهو من ذوي الضمائر القلقة ، وقد أبان الزمان خبثه ، وكشف عن عدم طيب إنائه ، فقد عاد بعد الاستلحاق من ألد الأعداء على أمير المؤمنين (علیه السلام) وذريته وشيعته .
ومهما يكن من شيء ، فإنّ زياداً عقيب خطابه أجاب معاوية عن رسالته وهذا نص جوابه :
«أما بعد : فقد وصل إليَّ كتابك يا معاوية ، وفهمت ما فيه ، فوجدتك كالغريق يغطيه الموج فيتشبث بالطحلب ، ويتعلّق بأرجل الضفادع طمعاً في الحياة ، إنما يكفر النعم ، ويستدعي النقم من حاد الله ورسوله ، وسعى في الأرض فساداً .
فأما سبّك لي ، فلولا حلم ينهاني عنك ، وخوفى أن اُدعى سفيهاً لأثرت لك مخازي لا يغسلها الماء.
وأما تعييرك لي بسميّة ، فإن كنت ابن سميّة فأنت ابن جماعة (1).
وأما زعمك أنك تخطفني بأضعف ريش ، وتتناولني بأهون سعي ، فهل رأيت بازياً يفزعه صغير القنابر ؟ ! أم هل سمعت بذئب أكله خروف ، فامض الآن لطيتك ، واجتهد جهدك ، فلست أنزل إلا بحيث تكره ، ولا اجتهد إلا فيما يسوءك ، وستعلم أينا الخاضع لصاحبه ، الطالع إليه .
والسلام» (2).
ولما قرأ معاوية رسالة زياد طار قلبه رعباً ، وداخله فزع شديد ، فاستدعى داهية العرب المغيرة بن شعبة ، فقال له : يا مغيرة ، إنّي أريد مشاورتك في أمر أهمني ،
فانصحني فيه ، وأشر عليَّ برأي المجتهد ، وكن لي أكن لك ، فقد خصصتك بسري ، وآثرتك على ولدي .
فقال له المغيرة : فما ذاك ؟ والله لتجدني في طاعتك أمضى من الماء في الحدور ، ومن ذي الرونق في كفّ البطل الشجاع .
ولما أظهر له المغيرة الانقياد والخضوع لطاعته عرض عليه مهمته قائلاً: يا مغيرة ، إن زياداً قد أقام بفارس يكش لنا كشيش الأفاعي (1)، وهو رجل ثاقب الرأي ، ماضي العزيمة ، جوّال الفكر ، مصيب إذا رمى ، وقد خفت منه الآن ماكنت آمنه ، إذ كان صاحبه حيّاً ، وأخشى ممالأته حسناً ، فكيف السبيل إليه ؟ وما الحيلة في إصلاح رأيه ؟
ولما عرف الداهية الماكر مهمة معاوية أشار عليه بأن يخدعه ويمنّيه ، ويكتب له بناعم القول ، وكان رأيه في ذلك مبنياً على دراسته لنفسية زياد ، ومعرفته باتجاهه وميوله ، قائلا له : إن زياداً رجل يحبّ الشرف والذكر وصعود المنابر ، فلو لاطفته المسألة ، وألنت له الكتاب ، لكان لك أميل ، وبك أوثق ، فاكتب إليه وأنا الرسول .
واستجاب معاوية لنصيحة المغيرة ، فكتب إلى زياد رسالة تمثلت فيها المواربة والخداع ، وهذا نصها :
«من أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان إلى زياد بن أبي سفيان .
أما بعد : فإنّ المرء ربّما طرحه الهوى في مطارح العطب ، وإنّك للمرء المضروب به المثل قاطع الرحم ، وواصل العدو، وحملك سوء ظنك بي وبغضك لي على أن عققت قرابتي ، وقطعت رحمي ، ويتت نسبي وحرمتي ، حتى كأنك لست أخي ، وليس صخر بن حرب أباك وأبي ، وشتان ما بيني وبينك ، أطلب بدم ابن أبي العاص وأنت تقاتلني ، ولكن أدركك عرق الرخاوة من قبل النساء ، فكنت «كتاركة بيضها
1) كشيش الأفاعي : صوت جلدها .
بالعراء ، وملحفة بيض أخرى جناحها ، وقد رأيت أن أعطف عليك ولا أؤاخذك بسوء سعيك ، وأن أصل رحمك ، وأبتغي الثواب في أمرك .
فاعلم أبا المغيرة أنك لو خضت البحر في طاعة القوم فتضرب بالسيف حتى ينقطع متنه لما ازددت منهم إلا بعداً ، فإنّ بني شمس أبغض إلى بني هاشم من الشفرة إلى الثور الصريع وقد أوثق للذبح .
فارجع رحمك الله إلى أصلك ، واتصل بقومك ، ولا تكن كالموصول يطير بريش غيره ، فقد أصبحت ضال النسب ، ولعمري ما فعل بك ذلك إلا اللجاج ، فدعه عنك ، فقد أصبحت على بينة من أمرك ، ووضوح من حجّتك ، فإن أحببت جانبي ، ووثقت بي ، فإمرة بإمرة ، وإن كرهت جانبي ولم تثق بقولي ففعل جميل ، لا علَيَّ ولا لي .
والسلام» (1)
وأخذ المغيرة الرسالة التي كتبت على وفق رأيه ، وهي لا تحمل جانباً من الواقعية ، ولا بصيص فيها من نور الحق والصدق ، فغادر دمشق إلى فارس ، وأقبل إلى زياد ، فلما رآه رحّب به وأدناه من مجلسه ، وأخذ الداهية الماكر يكلم زياداً بمختلف الطرق وشتّى الأساليب حتى غزا قلبه ، وهيمن على مشاعره ، فأجابه إلى ما أراد .
وبعدما وقع زياد في شباك المغيرة غادر فارس إلى دمشق ، فلما انتهى إليها ومثل عند معاوية رحّب به وأدناه ، وأمر أخته جويرية بنت أبي سفيان أن تستدعيه ، فلما حضر عندها كشفت عن شعرها بين يديه ، وقالت له : أنت أخي ، أخبرني بذلك أبو مريم .
ثم أخرجه إلى المسجد وجمع الناس ليعلن أمامهم أن زياداً أخوه ، وقام أبو مريم
1) الغارات : 2 : 929 و 930 . شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 16: 184 و 185 .
السلولي الخمّار أمام ذلك المجتمع الحاشد فأدى شهادته بزنا أبي سفيان بسميّة شهادة أخزت أبا سفيان ومعاوية وألحقت العار بزياد ، وهذا نصها :
«أشهد أنّ أبا سفيان قدم علينا بالطائف وأنا خمار في الجاهلية ، فقال : أبغي بغياً .
فأتيته وقلت : لم أجد إلا جارية الحارث بن كلدة ، سميّة .
فقال : ائتني بها على ذفرها (1)وقذرها ، وثار زياد فقطع على أبي مريم شهادته قائلاً له بصوت يقطر غضباً : مهلاً يا أبا مريم، إنّما بعثت شاهداً ولم تبعث شاتماً .
فقال أبو مريم : لو كنتم أعفيتموني لكان أحبّ إليَّ ، وإنما شهدت بما عاينت ورأيت .
ثم استرسل في بيان شهادته فقال : والله لقد أخذ بكم درعها ، وأغلقت الباب عليهما ، وقعدت دهشاناً ، فلم ألبث أن خرج علي يمسح جبينه ، فقلت : مه يا أبا سفیان ؟
فقال : ما أصبت مثلها يا أبا مريم ، لولا استرخاء من ثديها ، وذفر من فيها .
هذه شهادة أبي مريم في فجور سميّة ، وتندى لفظاعتها وخزيها وجه الإنسانية ، ولكنّ معاوية ما خجل منها ، وما أنف ولا استحى ، وكيف يخجل ابن هند من هذه المساوئ والمخازي وهو الذي جرّ ذيله على الرذائل والخداع ، كما يقول (2)، حتّى صارت الرذيلة عنصراً من عناصره ، ومقوّماً من مقوماته . لقد ألحق معاوية زياد بن أبيه به ليستريح من خصومته ، ويستعين به على تحقيق أهدافه وتدعيم سلطانه .
وسبب استلحاق معاوية لزياد استياءاً شاملاً في نفوس المسلمين ، فقد رأوا أنّ
معاوية قد عمد إلى مخالفة النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وإلى هجر سنته ، وقد خافوه على دينهم ، فاندفع جمع من الأحرار والمصلحين إلى إعلان سخطهم ، وإنكارهم عليه وعلى زياد ، ونشير إلى بعض المنكرين والنقادين له ، وهم :
ورفع الإمام الحسن (علیه السّلام) رسالة إلى زياد بين فيها فساد استلحاقه بمعاوية ، وأعرب له أن الإسلام لا يقرّ ذلك بحال من الأحوال ، وهذا نصها :
مِنَ الْحَسَنِ بْنِ فاطِمَةَ إِلى زيادِ بْنِ سُمَيَّةَ
أَمَا بَعْدُ : فَإِنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قالَ : الْوَلَدُ لِلْفِراشِ، وَلِلْعاهِرِ الْحَجَرُ ، وَالسَّلامُ» (1).
وقال (علیه السلام) له في حضور معاوية وعمرو بن العاص ومروان بن الحكم :
وَما أَنْتَ يا زيادُ وَقُرَيْشٌ ؟ لَا أَعْرِفُ لَكَ فيها أَديماً صحيحاً ، وَلَا فَرْعاً نابِتاً ، وَلَا قَديماً ثابتاً ، وَلَا مَنْبِتاً كريماً ، بَلْ كانَتْ أُمُّكَ بَغِيّاً تَداوَلَها رِجال قُرَيْشٍ وَفُجَّارُ الْعَرَبِ.
فَلَمّا وُلِدْتَ لَمْ تَعْرِفْ لَكَ الْعَرَبُ والِداً ، فَادَّعَاكَ هذا - يعني معاوية - بَعْدَ مَمَاتِ أَبِيهِ ، ما لَكَ افْتِخارٌ ، تَكْفيكَ سُمَيَّةُ وَيَكْفينا رَسولُ اللهِ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم)» (2).
ولما رأى سيّد الشهداء الإمام الحسين (علیه السلام) معاوية قد حمل معول الهدم على
جميع الأسس الإسلامية اندفع (علیه السلام) ثائراً في وجهه ، ورفع له رسالة سجّل فيها موبقاته ، وقد عرض فيها استلحاقه لزياد، وهذا نص ما كتبه في ذلك :
«أَوَلَسْتَ المُدَّعِي زِيَادَ ابْنَ سُمَيَّةَ المَولُودَ عَلَى فِرَاشِ عُبَيدِ ثَقِيفٍ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ ابْنُ أَبِيكَ ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم): الوَلَدُ لِلْفَرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ (1)، فَتَرَكْتَ سُنَّةَ رَسولِ اللهِ تَعَمُّداً ، وَاتَّبَعْتَ هَوَاكَ بِغَيرِ هُدىً مِنَ الله» (2).
وكان يونس بن عبيد ممن حضر هذه المأساة ، وشاهد فصولها ، فانطلق إلى معارضة معاوية وإلى الإنكار عليه قائلاً: «يا معاوية ، قضى رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) أن الولد للفراش، وللعاهر الحجر ، وقضيت أنت أنّ الولد للعاهر مخالفة لكتاب الله تعالى، وانصرافاً عن سنة رسول الله بشهادة أبي مريم على زنا أبي سفيان .
فانبرى إليه معاوية يتهدّده ويتوعده بالقتل قائلاً: والله يا يونس لتنتهي أو لأطيرن بك طيرة بطيئاً وقوعها .
فقال له يونس : هل إلا إلى الله ، ثمّ أقع ؟
قال له معاوية : نعم» (3).
وما رضي بهذا الاستلحاق حتى بنو أمية ، فقد نقموا عليه ذلك ، فقد أقبل عبد الرحمن بن الحكم ومعه جماعة من بني أمية ، فقال عبد الرحمن لمعاوية : يا معاوية ، لو لم تجد إلا الزنج لاستكثرت بهم علينا - يعني على بني العاص - قلة وذلّة .
فالتفت معاوية إلى مروان قائلاً: اخرج عنا هذا الخليع .
إي والله إنّه لخليع ما يُطاق .
فقال معاوية : والله لولا حلمي وتجاوزي لعلمت أنّه يطاق ، ألم يبلغني شعره فيَّ وفي زياد .
قال مروان : وماذا قال ؟
أَلا أَبْلِغْ مُعَاوِيَةَ بْنَ حَرْبٍ *** لَقَدْ ضَاقَتْ بِما يَأْتِي اليَدانِ
أَتَغْضَبُ أَن يُقال أَبوك عَفٌ *** وَتَرْضى أَنْ يُقالَ أَبوك زاني
فَأَشْهَدُ أَن رَحْمَكَ مِنْ زِيادٍ *** كَرَحْم الفيلِ مِنْ وَلَدِ الأَتانِ
وَأَشْهَدُ أَنَّها حَمَلَتْ زياداً *** وَصَخْرٌ مِنْ سُمَيَّةَ غَيْرُ دان
وتألم معاوية حينما قرأها ، فقال : والله لا أرضى عنه حتى يأتي زياداً فيترضاه ويعتذر إليه .
وخرج عبد الرحمن وقد غضب عليه معاوية ، فجاء إلى الكوفة وقصد زياداً يعتذر منه ، فاستأذن عليه بالدخول فلم يأذن له، وتوسّط في شأنه وجهاء قريش فسمح له بالدخول ، فلما دخل عليه أعرض عنه ، ثم التفت له قائلاً: أنت القائل ما قلت ؟ !!
ما الذي قلت ؟
قلت ما لا يقال !
أصلح الله الأمير إنّه لا ذنب لمن أعتب ، وإنما الصفح عمّن أذنب ، فاسمع مني ما أقول :
هات ما عندك .
إِلَيكَ أَبا المُغِيرَةَ تُبْتُ مِمّا *** جَرى بِالشَّامِ مِنْ خَطَلِ اللّسانِ
وَأَغْضَبْتُ الْخَلِيفَةَ فِيكَ حَتَّى *** دَعاهُ فَرطُ غَيْظ أن هَجاني
وَقُلتُ لِمَنْ لَحاني في اعْتِذاري *** إِلَيكَ اذْهَبْ فَشَأْنُكَ غَيْرُ شاني
عَرَفْتُ الحَقَّ بَعْدَ ضَلالِ رَأْيى *** وَبَعدَ الغَيِّ مِنْ زَيغِ الْجَنانِ
زِيادٌ مِنْ أَبِي سُفيانَ غُصْنٌ *** تهادی ناضراً بَيْنَ الجنان
أراك أخاً وَعَمَاً وَابْنَ عَم *** فَما أَدْري بعيب ما تراني
أَلا بَلّغْ مُعَاوِيَةَ بْنَ حَرْبٍ *** فَقَدْ ظَفَرتْ بِما تَأْتِي اليَدانِ
فقال زياد : أراك أحمق صرفاً شاعراً صنع اللسان ، يسوغ لك ريقك ساخطاً ومسخوطاً ، ولكنا قد سمعنا شعرك وقبلنا عذرك ، فهات حاجتك .
تكتب إلى أمير المؤمنين بالرضا عنّي .
نعم .
ثم دعا كاتبه فرسم له العفو والرضا ، فأخذ الكتاب ومضى إلى معاوية ، فلمّا قرأ الأبيات قال : لحا الله زياداً ألم ينتبه لقوله : وإن زيادة في آل حرب ؟
ثمّ رضي عن عبدالرحمن ورده إلى حالته الاُولى (1).
وكان أبو العريان شيخاً مكفوفاً ، ذا لسان وعارضة شديدة ، فاجتاز عليه زياد
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 16: 190 و 191 . الاستيعاب : 1 : 552 - 554 .
في موكبه فقال أبو العريان : ما هذه الجلبة ؟
إنه موكب زياد بن أبي سفيان .
والله ما ترك أبو سفيان إلا يزيد ومعاوية وعتبة وعنبسة وحنظلة ومحمّداً، فمن أين جاء زياد ؟
ونقل المتزلّفون حديث أبي العريان إلى زياد، فأشار عليه بعض خواصه أن يوصله بالمال حتى يكف لسانه عنه ، فاستصوب الرأي ، وأمر له بمائتي دينار ، فجاء بها الرسول إليه ، فقال له : يا أبا العريان ، ابن عمّك زياد الأمير قد أرسل إليك مائتي دينار لتنفقها.
فلما سمع أبو العريان بذلك طار فرحاً فقال : وصلته رحم إي والله ابن عمّي حقاً .
واجتاز موكب زياد عليه في اليوم التالي ، فسلّم عليه زياد ، فبكى أبو العريان ، فقيل له : ما يبكيك ؟
عرفت صوت أبي سفيان في صوت زياد .
هكذا تفعل المادة بالضمائر القذرة التي لم تنطبع فيها العقيدة ، وكان أبو العريان عارياً من الإيمان ، فتغيّر بهذه الصلة الضئيلة ، ولما سمع حديثه معاوية كتب إليه :
ما أَلْبَثَتْكَ الدَّنانيرُ الَّتي بُعِثَتْ *** أَنْ لَوَّنَتْكَ أَبا العُرْيانِ أَلْوانا
أَمْسَى إِلَيْكَ زِيادٌ في أَرومَتِهِ *** نُكْراً فَأَصْبَحَ مَا أَنْكَرْتَ عِرْفانا
للهِ دَر زِيادٍ لَوْ تَعَجَّلها *** كانَتْ لَهُ دونَ ما يَخْشَاهُ قُرْبانا
فلما قرأت على أبى العريان هذه الأبيات أجابه :
أَحْدِث لَنا صِلَة تَحْيا النفوس بها *** قَدْ كِدْتَ يَابْنَ أَبِي سُفْيانَ تَنْسانا
أَما زيادٌ فَقَدْ صَحتْ مَناسِبُهُ *** عِنْدي فَلا أَبْتَغِي فِي الحَقِّ بُهتانا
مَنْ يُسْدِ خَيْراً يُصِبْهُ حِينَ يَفْعَلُهُ *** أَوْ يُسْدِ شَرّاً يُصِبْهُ حيثما كانا (1)
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 16 : 187 و 188 .
ومن جملة الناقمين على معاوية والناقدين لزياد على هذا الاستلحاق الفظيع أبو بكرة (1)
اسمه نفيع بن الحارث بن كلدة ، قيل : اسم أبيه مسروح ، وكان عبداً للحارث ، فاستلحقه الحارث وهو أخو زياد ، وإنّما لقب بأبي بكرة لأنه تدلّى من حصن الطائف ببكرة إلى النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، فلذا سمي بهذا الاسم ، وارتكب جريمة هو وجماعة من أصحابه فجلدهم عمر بن الخطاب ثمّ تابوا ، فكان يقبل شهادتهم بعد التوبة ، إلّا أبا بكرة فإنّه لم يجز شهادته .
قال ابن سعد : مات بالبصرة في ولاية زياد ، وقال المدائني : مات سنة 50ھ ، وقيل : مات هو والحسن (علیه السّلام) في سنة واحدة . تهذيب التهذيب : 10: 469.
وجاء في الاستيعاب (المطبوع على هامش الإصابة): 3: 537 أنّ أبا بكرة أوصى بنيه حين الوفاة فقال لهم : « إنّ أبي مسروح الحبشي».
أخو زياد ، فقد أنكر على أخيه أشدّ الإنكار ، فقاطعه ولم يتصل به، ولمّا عزم زياد على السفر إلى بيت الله الحرام أقبل إليه أبو بكرة ، فلما بصر بعض الحرس أقبل مسرعاً إلى زياد، فقال له : أيها الأمير ، هذا أخوك أبو بكرة قد دخل القصر .ويحك ! أنت رأيته ؟
ها هو ذا قد طلع !
أقبل أبو بكرة فوقف على رأس زياد وكان قد احتضن غلاماً له فوجه أبو بكرة خطاباً إلى الغلام ولم يوجهه إلى زياد ترفعاً واستحقاراً له : يا غلام ، إن أباك ركب في الإسلام عظيماً ، زنى أمه وانتفى من أبيه ، ولا والله ما علمت سميّة رأت أبا سفيان قط ، ثمّ أبوك يريد أن يركب ما هو أعظم من ذلك يوافي الموسم غداً ، ويوافي أم حبيبة بنت أبي سفيان ، وهي من أمهات المؤمنين ، فإن جاء أن يستأذن عليها فأذنت له فأعظم بها فرية على رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) و مصيبة ، وإن هي منعته فأعظم بها
1) أبو بكرة :
على أبيك فضيحة .
ثم تركه وانصرف .
فقال زياد : جزاك الله يا أخي عن النصيحة خيراً ساخطاً كنت أو راضياً (1).
وهجا هذا الشاعر العبقري زياداً ببيتين من الشعر كانتا وصماً عليه وعاراً مدى الأجيال والأحقاب ، وهما :
فَكِّرْ فَفي ذاكَ إِن فَكَّرْتَ مُعْتَبَرٌ *** هَلْ نِلْتَ مَكْرُمَةً إِلَّا بِتَأْمير
عاشَتْ سُمَيَّةُ ماعاشَتْ وَما عَلِمَتْ *** أَنَّ ابْنَهَا مِنْ قُرَيْشٍ في الجَماهير
وارتاع زياد وحزن من هذا الهجاء ، فقال : ما هجيت قط أشدّ عليَّ من هاتين البيتين (2).
ولم يقتصر هذا الشاعر الفذ على ذلك ، فقد نظم أقسى الشعر وألذعه نقداً وهجاء الزياد ومعاوية على ارتكابهما هذه الجريمة التي انتهكت بها حرمة الإسلام، وإليك بعض ما جادت به قریحته وخياله الخصب :
شَهِدْتُ بِأَنَّ أُمَّكَ لَمْ تُباشِرْ *** أَبا سُفْيانَ واضِعَةَ القِناعِ
وَلكِنْ كانَ أَمْرٌ فيهِ لَبْسٌ *** عَلَى حَذَرٍ شَديدٍ وَارْتِياعِ
إِذا أَوْدى مُعاوِيَةُ بْنُ حَرْبٍ *** فَبَشِّرْ شَعْبَ قَعْبِكَ بِانْصِداع
وقال أيضاً :
إِنَّ زياداً ونافعاً وأَبا بكْ *** رَةَ عِنْدِي مِنْ أَعْجَبِ العَجَبِ
هُمْ رِجالٌ ثَلاثَةٌ خُلِقوا *** في رَحْم أُنثى وَكُلُّهُمْ لأَب
ذا قُرَشِيٌّ كَما يَقولُ وَذا *** موْلَى وَهَذَا بِزَعْمِهِ عَرَبي (1)
وذكر المسعودي في (مروج الذهب) أن هذه الأبيات إلى خالد النجاري ، وأنّه قال في هجاء زياد لما استلحق به عباداً :
أَعَبّادُ ما لِلُّؤْم عَنْكَ مُحَوِّلٌ *** وَلَا لَكَ أُمٌّ في قُرَيْشٍ وَلَا أَبٌ
وقُلْ لِعُبيد الله مالك والد *** بحَقّ وَلَا يُدْرِي امْرُؤٌ كَيْفَ تُنْسَبُ (2)
لقد كان استلحاق زياد لعباد على غرار استلحاق معاوية له مخالفاً لسنة رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم)، وقد قال (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) : «من ادعى أباً في الإِسْلامِ غَيْرَ أَبِيهِ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرامٌ» (3).
وما جرأ زياداً على ارتكاب هذه الموبقة إلا معاوية ، فهو الذي فتح باب الفساد ، وخالف أحكام الإسلام وتعاليمه وفروضه من دون خيفة ولا حذر.
ومن جملة الناقمين على معاوية والناكرين عليه الحسن البصري (4)
أبوه أبو يسار كان مولى لزياد بن ثابت الأنصاري ، وأمه خيرة كانت مولاة لأم سلمة زوج النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب بالمدينة. يقال : إنه ولد على الرقّ ، وكان من سادات التابعين وكبرائهم ، توفّي بالبصرة مستهل رجب سنة 110ھ ، وكان تشييعه حافلاً لم يشهد له أحد نظيراً .
قال حميد الطويل : توفّي الحسن عشية الخميس ، وأصبحنا يوم الجمعة ففرغنا من أمره ، وحملناه بعد صلاة الجمعة ودفناه فتبع الناس كلّهم جنازته ، واشتغلوا به فلم تقم صلاة العصر بالجامع ، ولا أعلم أنها تركت منذ كان الإسلام إلا يومئذ لأنهم تبعوا كلهم جنازته ، ولم يبق بالمسجد من يصلّي العصر ، ولم يحضر ابن سيرين جنازته لشيء كان بينهما. وفيات الأعيان : 4 : 124 .
وكان الحسن من المؤازرين لبني مروان حتى قالوا عنه : لولا لسان الحسن وسيف الحجاج لوئدت الدولة المروانية في لحدها ، وأخذت من وكرها ، وذكر الحفاظ أنه كان مدلساً في حديثه .
، فقد جعلهذا الاستلحاق إحدى موبقاته وسيئاته ومردياته ، فقال : « أربع خصال كن في معاوية لو لم يكن فيه منهنّ إلا واحدة لكانت موبقة انتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها - يعني الخلافة - بغير مشورة منهم وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة، واستخلافه ابنه بعده سكيراً خميراً يلبس الحرير والديباج ، ويضرب بالطنابير ، وادّعاؤه زياداً ، وقد قال رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) : الولد للفراش ، وللعاهر الحجر ، ويلاً له من حجر وأصحاب حجر مرتين» (1).
وهذه الجرائم الأربعة التي هي بعض موبقات معاوية تعد من أفظع الكبائر التي اقترفها ، وسيحاسب عليها حساباً عسيراً عند الله ، وذلك لما أحدثته من المضاعفات السيّئة التي مني بها المسلمون .
وقال العلامة السكتواري : « أوّل قضيّة ردّت من قضايا رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) علانية دعوة معاوية زياداً ، وكان أبو سفيان تبرأ منه ، وادعى أنه ليس من أولاده، وقضى بقطع نسبه ، فلما تأمر معاوية قربه واستأمره ، ففعل ما فعل زياداً ابن أبيه - يعني ابن زنية -
1) تاريخ الأمم والملوك : 6: 157 . البداية والنهاية : 1: 196.
من الطغيان والإساءة في حق أهل بيت النبوة» (1).
وهؤلاء بعض الناقمين على معاوية والمنكرين عليه في استلحاقه زياداً ، وهم - من دون شك - كانوا مدفوعين بدافع العقيدة والغيرة على الإسلام ، فقد رأوا أنّ معاوية قد عمد بذلك إلى إحياء سنن الجاهلية وبدعها ، وإماتة ما فرضه الإسلام ، استجابة لعواطفه ورغبته الملحة في السيطرة على المسلمين وإخضاع القوى المعارضة له بشتى الوسائل والأساليب.
وعلى أي حال ، فإنّ زياداً قد استخدم جميع الوسائل لإثبات نسبه وإلحاقه بالعنصر الأموي ، فقد كتب إلى عائشة رسالة افتتحها بقوله : « من زياد بن أبي سفیان » ، وقد ظنّ أنّها ستقرّ نسبه ، فيتخذ من ذلك دليلاً يستدل به على صحة نسبه، ولم يخف ذلك على عائشة ، فقد أجابته : « من عائشة أم المؤمنين إلى ولدها زیاد» (2).
وقد خاب بذلك سعيه ، وباء بالفشل والخزي ، ولما ولي الكوفة قال لأهلها : قد جئتكم في أمر ما طلبته إلا لكم
ادعنا إلى ما شئت .
تلحقون نسبي إلى معاوية .
فأعلن الأحرار والمؤمنون عدم إجابتهم له قائلين : أما بشهادة الزور فلا ! ! (3).
لقد أبت العرب من أن تلحق هذا الدعي بها ، ولكن السلطة الأموية سجلته في دیوان قريش ، وظلّ على هذا الحال هو وأبناؤه ، ولما انقرضت الدولة الأموية
وجاءت دولة بني العباس ألغى الخليفة المهدي هذا الاستلحاق وأمر بإخراج آل زياد من ديوان قريش ومن العرب ، وذلك في سنة 159ھ ، وبذلك فقد عادت ذرّيّة زياد إلى جدّها الأوّل عبيد الرومي .
وعانت الشعوب الإسلامية في أيام معاوية ألواناً مريعة من المحن والخطوب، لأنّ الحكم القائم فيها مبني على العنف والجبروت، وعلى البطش والارهاق ، واستنزاف الثروات ، وعلى التنكر لجميع القيم الإسلامية ، حتّى ضجّ المجتمع من الظلم والجور والاستبداد ، فلم تبق حاضرة من الحواضر الإسلامية إلا عمها الخوف ، وساد فيها الارهاب والاضطراب .
ومن مظاهر ذلك الظلم الاجتماعى أن معاوية سلّط على المسلمين حثالة من شذاذ الجلادين والسفاكين، فأسرفوا في سفك الدماء ، وعمدوا إلى نهب إمكانيات البلاد ، وحكموا البلاد حكماً كيفيّاً يستند إلى الأهواء والشهوات ، فلا عهد له بالدعة والعدل .
وقد وصف الخوارج قسوة ذلك الحكم ومدى شذوذه وجوره ، فقالوا : إن بني أمية فرقة ، بطشهم بطش الجبارين ، يأخذون بالظنّة ، ويقضون بالهوى ، ويقتلون على الغضب (1).
وهو وصف دقيق للسياسة الأموية الجائرة التي انتهجت منهج الشدّة في جميع مجالاتها ، فلم تؤمن بحقوق الإنسان، ولا بكرامته ، واستحقاقه الحياة ، فكانت تسوق المواطنين إلى المجازر والسجون، وتقضي بالهوى والشهوات ، فلا تستند في حكمها إلى كتاب الله وسنّة نبيّه ، وتقتل على الغيظ والغضب في سبيل مصالحها
1) البيان في تفسير القرآن : 1 : 95.
وأهدافها الضيّقة .
وقد عبر عمرو بن العاص وزير معاوية ، ووالي مصر عمّا يكنّه في نفسه الشريرة من الاستهتار والاستهانة بحقوق المسلمين ، فقال : « إنّما السواد بستان لقريش». إنّ السواد الذي هو ملك للمسلمين وسائر الشؤون الاقتصادية الأخرى في رأيه ملك لقريش ، وأي حقّ لها في ذلك ، وهي التي ناجزت النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وأعلنت الحرب على أهدافه ومبادئه ، ووقفت صامدة تدافع عن جاهليتها وأوثانها ، فأي حق لها بأموال المسلمين ، وأي حقّ لها في السيطرة على شؤونهم .
وعلى أي حال، فإنّ كسرى العرب - كما يقولون - قد مكّن المجرمين والسفاكين من رقاب المسلمين ، فأسند لهم الحكم المطلق ، يتصرفون في العباد والبلاد كيفما شاءوا ، قد أقرّ جورهم ، وأمضى ظلمهم ، وحمى جانبهم ، فقاموا بدورهم على استعباد المسلمين وإذلالهم وإرهاقهم ، ونذكر عرضاً موجزاً من تراجم هؤلاء السفاكين مع بيان بعض ما صدر منهم من الأعمال البربرية ، وإلى القراء ذلك :
ومن سماسرة معاوية وأعوانه على نشر الظلم والجور: سمرة بن جندب الشقي الأثيم ، فقد سوّدت جرائمه وجه التاريخ وصحائف السِّير، وقبل التحدث عن سيرته في زمن ولايته من قبل السلطة الأموية نذكر بإيجاز سيرته أيام النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم).
لقد كان هذا الوغد في زمان النبي معروفاً بالنفاق والتمرّد ، فقد ذكر الرواة أنه زاحم أحد الأنصار في نخل - وما أهونها - كانت له في بستان ذلك الأنصاري ، فشكا أمره إلى رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، فاستدعى سمرة ، فلما مثل بين يديه قال (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) له : بعْ نَخْلَكَ مِنْ هذا وَخُذْ ثَمَنَهُ .
لا أفعل .
خُذْ نَخْلاً مَكَانَ نَخْلِكَ .
لا أفعل .
فَاشْتَرِ مِنْهُ بُسْتانَهُ .
لا أفعل
فَاتْرُكْ لى هذا وَلَكَ الْجَنَّةُ .
لا أفعل .
ولما رأى رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) عناد سمرة وشرّه وخبثه وضراوته وإضراره للأنصاري ، التفت (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) - والاستياء بادٍ عليه - إلى الأنصاري قائلاً : اذْهَبْ فَاقْطَعْ نَخْلَهُ ، فَإِنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فيه (1)
وذكر الزمخشري في الفائق : « أنّ رسول الله قال لسمرة : إِنَّكَ رَجُلٌ مُضارٌّ ، لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرار في الإسلام.
وفي رواية زرارة ، عن أبي جعفر (علیه السلام) : « أَنَّ رَسولَ اللهِ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) قَالَ لِلْأَنصَارِيِّ : اذْهَبْ
فَاقْلَعْها ، وَارْمِ بِهَا إِلَيْهِ ، فَإِنَّهُ لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرارَ».
وادعى فخر المحققين في الايضاح في باب الرهن تواتر هذا الحديث ، والتواتر المدعى إما إجمالي أو معنوي ، وأما اللفظي فغير حاصل ، نظراً لاختلاف اللفظ في نقل الحديث ، وقد بسطنا الكلام في هذه القاعدة في الجزء الثالث من مؤلّفنا (إيضاح الكفاية) .
.وتدلّ هذه القصة على تمادي سمرة في الإثم والشقاء ، وانعدام الإنسانية والمثل الكريمة من نفسه ، فقد ترجاه سيّد النبيين وأشرف المخلوقين في حسم النزاع والخصومة ، وضمن له عوض تلك النخيلات الزهيدة بقعة في الفردوس مقرّ الأنبياء والصالحين يتنعم فيها ، فلم يجبه ، وأصرّ على تمرّده وعصيانه ، فحرم نفسه السعادة ورضى لها بالشقاء .
ومن موبقات سمرة ومردياته أنّه كان يبيع الخمر بعدما حرمها الإسلام ، فبلغ
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 4 : 78.
عمر بن الخطاب ذلك ، فقال : قاتل الله سمرة . إنّ رسول الله قال : لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحومُ فَباعوها (1)
وفي رواية الزمخشري في الفائق ، قال : «لَعَنَ اللهُ الْيَهودَ ، حُرَّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحومُ فَجَمَلوها فَباعوها » ، أي أذابوها فباعوها .
.هذا وضع سمرة في غلظته وجفائه وتمرده . ولما آل الأمر إلى معاوية استعمله زياد على البصرة نائباً عنه ، فأسرف في قتل الأبرياء ، وازهاق الأنفس بغير حق ، فقد حدث محمد بن سليم ، قال : «سألت أنس بن سيرين (2)
ولد لسنة أو لسنتين بقيتا من خلافة عثمان . روى عن جماعة من الصحابة ، وروى عنه جماعة .
قال ابن معين وغيره : إنّه ثقة. وقال ابن سعد : إنّه ثقة ، قليل الحديث. وقال العجلي : تابعي ، ثقة . مات سنة 118ھ ، وقيل : مات سنة .120ھ . تهذيب التهذيب : 1 : 374 .
: هل كان سمرة قتل أحداً ؟فاندفع أنس بحرارة والتأثر بادٍ عليه قائلاً: وهل يحصى من قتل سمرة بن جندب ؟ استخلفه زياد على البصرة وأتى الكوفة ، فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس ، فقال له - يعني زياداً - : هل تخاف أن تكون قد قتلت أحداً بريئاً ؟ !
فانبرى الأثيم معلناً عدم اهتمامه بإراقة دماء المسلمين قائلاً: لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت » (3).
وقال أبو سوار العدوي (4)
قيل : اسمه حسان بن حريث ، وقيل : حريث بن حسان ، وقيل : منقذ. روى عن أمير المؤمنين (علیه السلام) و عن الامام الحسن ، وروى عنه جماعة آخرون .
قال ابن سعد : كان ثقة ، وعن أبي داود : أنّه من ثقات الناس . وقال النسائي في الكنى : أبو السوار حسّان بن حريث العدوي ثقة . تهذيب التهذيب : 12 : 123.
: « قتل سمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلاًقد جمع القرآن» (1).
وحدّث عوف عن إجرام سمرة ، قال : « أقبل سمرة من المدينة ، فلما كان عند دور بني أسد خرج رجل من بعض أزقتهم ، ففاجأ أوّل القوم ، فحمل عليه رجل فأوجره الحربة بغياً وعتواً.
قال : ثمّ مضت الخيل فأتى عليه سمرة وهو متشحط بدمه ، فقال : ما هذا ؟
فقال عتوّاً واستكباراً : إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتقوا أسنتنا» (2).
وكان هذا الطاغي الظامئ إلى إراقة الدماء يقتل على الظنّة والتهمة ، فقيل له : يا سمرة ، ما تقول لربّك غداً ؟ تؤتى بالرجل فيقال لك هو من الخوارج ، فتأمر بقتله ، ثم تؤتى بآخر فيقال لك ليس الذي قتلته بخارجي إنّما وجدناه ماضياً في حاجته فشبّه علينا ، وإنما الخارجي هذا ، فتأمر بقتل الثاني !!
فأجاب سمرة عمّا انطوت عليه نفسه من الوحشية والإجرام ، وما طبع عليه من الزيغ والضلال ، قائلاً: وأيّ بأس في ذلك ! إن كان من أهل الجنة مضى إلى الجنّة ، وإن كان من أهل النار مضى إلى النار (3).
وحدث الحسن البصري ، قال : جاء رجل من أهل خراسان إلى البصرة فزكى مالاً كان معه في بيت المال ، وأخذ براءة ، ثم دخل المسجد فصلى ركعتين ، فأخذه سمرة واتهمه برأي الخوارج ، فقدمه فضرب عنقه ، فنظروا فيما معه ، فإذا البراءة
فقال سمرة : أخوك - يعني زياداً - أمرني بذلك» (2).
ويقي سمرة ملازماً لزياد ، فلما هلك صار بخدمة الأثيم الوغد ابنه عبيد الله ، فكان مديراً لشرطته ، واشترك معه في أفظع جريمة سجّلها التاريخ ، وهي : قتل سيد شباب أهل الجنّة ، وريحانة الرسول (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام ، فكان يحرّض الناس على حربه والخروج إلى قتله (3).
ومن إجرامه وموبقاته أنّه جيء إليه بجمهور من المسلمين ، فكان يقول للرجل : ما دينك ؟
فيقول : أشهد أن لا إله إلا الله ، وإنّي بريء من الحرورية ، فيأمر به ، فتضرب عنقه حتى أعدم في جلسة واحدة ما يزيد على عشرين مسلماً (4).
وما فعل سمرة هذه الموبقات إلا إرضاءً لمعاوية ، وقد قال بعدما عزله عن ولاية البصرة : «لعن الله معاوية ، والله لو أطعت الله كما أطعت معاوية ما عذبني أبداً» (5)
والعجب من البخاري حيث أخذ بأقوال سمرة ، واعتمد على حديثه في : 8: 138 ، وبموجب هذه الأعمال التي ذكرها رواة الأثر يجب أن يعد من جملة المارقين عن الدين ، ولا تؤخذ رواياته وأخباره ، ولكن قاتل الله العصبية فإنّها ألقت الناس في شرّ عظيم ، و حرفتهم عن الطريق القويم.
.ومهما يكن من شيء فإنّ هذه الفظائع التي صدرت من سمرة تدلّ على نفس تجرّدت منها الإنسانية والرحمة، وتمادت في العقوق والإجرام والشرّ .
ومن ولاة معاوية وأعوانه على تحقيق الظلم والجور والتعسف والارهاب بسر بن أبي أرطاة الوغد الأثيم الذي فعل الأفاعيل المنكرة ، فقتل الشيوخ الركع ، وذبح الأطفال الرضع لتدعيم ملك معاوية وسلطانه ، فإنّه لما وجهه معاوية مع جيشه إلى اليمن فعل الأفاعيل المنكرة التي لم يشاهد التاريخ نظيراً لها في فظاعتها وقسوتها .
وقبل أن يتوجّه هذا الأثيم إلى مهمته استدعاه معاوية فزوده بوصيّته النارية التي احتوت على ترويع المسلمين وقتلهم ، وهذا نصها :
«سر حتى تمر بالمدينة ، فاطرد الناس ، وأخف من مررت به ، وانهب أموال كل من أصبت له مالاً ممن لم يكن دخل في طاعتنا ، فإذا دخلت المدينة فأرهم أنك تريد أنفسهم ، وأخبرهم أنه لا براءة لهم عندك ولا عذر حتى إذا ظنوا أنك موقع بهم، فاكفف عنهم ، ثمّ سر حتّى تدخل مكة ، ولا تعرض فيها لأحد ، وارهب الناس عنك فيما بين المدينة ومكة ، واجعلها شرودات حتى تأتي صنعاء والجند ، فإن لنا بها شيعة ، وقد جاءني كتابهم» (1).
وقد امتثل هذا المجرم وصيّة ابن هند فروع المسلمين، وأدخل الفزع والخوف فيهم ، وأشاع القتل والفساد في الأرض ، فقد سبى نساء همدان ، واُقمن في الأسواق ، فأيتهنّ كانت أعظم ساقاً اشتريت ، فكنّ أوّل مسلمات سبين في الإسلام (2).
واجتاز على قوم واقفين على بئر لهم ، فألقاهم مع غلمانهم في تلك البئر (1)، ثمّ ولّى عنهم وزحف إلى يثرب فدخلها بغير حرب ، وصعد المنبر فأعرب عن طغيانه وكفره قائلاً: « والله لولا ما عهد إلي معاوية ما تركت بها - يعني المدينة - محتلماً » .
وأقام فيها شهراً ، فهدم دور أهلها ، وجعل يستعرض الناس ، فلا يقال له عن أحد أنه شرك في دم عثمان إلا قتله ، ثمّ زحف بجيشه إلى اليمن فقتل جمهوراً غفيراً من شيعة أمير المؤمنين (علیه السلام) ، وطلب طفلين لعبيد الله بن العباس ، فلما ظفر بهما أمر بقتلهما ، فقام إليه رجل من كنانة فقال له : عَلى مَ تقتل هذين ولا ذنب لهما ، فإن كنت قاتلهما فاقتلني.
فأمر بقتل الكناني ، ثمّ قتل الطفلين ، فانبرت إليه امرأة من كنانة وقد طاش لبها من هذا العمل الفظيع ، فقالت بنبرات تقطر ألماً وحزناً : يا هذا ، قتلت الرجال ، فعلى م تقتل هذين، والله ما كانوا يقتلون في الجاهلية والإسلام ، والله يابن أبي أرطاة إنّ سلطاناً لا يقوم إلا بقتل الصبي الصغير ، والشيخ الكبير ، ونزع الرحمة ، وعقوق الأرحام لسلطان سوء (2)
وذكر ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : 2 : 14 - 16: «أن بسراً التفت إلى نسوة كنانة فقال لهنّ : والله لهممت أن أضع فيكنّ السيف ، فقالت له الناقدة لجوره : والله لأحبّ إليَّ إن فعلت ، ثمّ زحف هذا المجرم إلى صنعاء فقتل بها مائة شيخ من أبناء فارس لأن ابني عبيدالله بن العباس كانا متسترين في بيت امرأة من أبنائهم تعرف بابنة بزرج » .
.نعم والله إنّ سلطة معاوية لسلطة سوء ، فقد قامت على الظلم والجور، وأسست على إراقة الدماء ، وإدخال الرعب والفزع في نفوس الأبرياء .
وذكر الرواة أنّ هذا الأثيم قتل ثلاثين ألفاً من المسلمين عدا من أحرقهم بالنار (3).
كان شيخ المضيرة أبو هريرة الدوسي ذليل الجانب ، محطّم الكيان ، نشأ في صباه وهو عاشق للهرة ، مولع بحبّها حتى لقب بها (1)
وجاء فيه أن أبا هريرة كان يقول : « وكنيت بأبي هريرة بهرة صغيرة كنت ألعب بها » ، ولغرامه بالهرة وهيامه بحبها حدث عن رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) أن امرأة دخلت النار في هرة ربطتها ،
فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض». صحيح البخاري : 2 : 149 .
، قضى شطراً من حياته وهو بائس فقير معدم يعيش على التسوّل ، فإن لم يجده كان خادماً في البيوت يستأجر نفسه لشبع بطنه (2)، راضياً بهذه الضعة والهوان .ولما انبثق نور الإسلام دخل فيمن دخل في الإسلام، فكان على وضعه الأوّل من الفقر والبؤس ، وقد أدرج نفسه بفقراء الصفة (3)، يعيش بفضلات البيوت ، وصدقات المسلمين، وقد وصف فقره وسوء حاله فقال: «كنت امرءاً مسكيناً من مساكين الصفة » (4)
وكان يتصل برسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ليشبع بطنه ، ويسد خلته (5).
وهكذا بقي على هذا الحال الحرير حفنة من السنين ، وهو جائع عريان ، لا مأوى له ولا مال .
فلما انتهى أمر الخلافة إلى عمر تفضّل عليه فأنقذه من هوّة الفقر ، وحضيض
1) المعارف : 1 : 93 .
2) الإصابة : 4 : 207 ، وذكره أبو نعيم في الحلية ، وابن سعد في الطبقات الكبرى .
3) الصفة : موضع مظلّل من مسجد النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) كان أضياف الإسلام يبيتون بها. القاموس المحيط / الفيروزآبادي : مادة « الصف » .
4) صحيح البخاري : 2 : 1.
5) الإصابة : 4: 204.
البؤس، فاستعمله والياً على البحرين سنة إحدى وعشرين من الهجرة ، فلما كانت سنة ثلاث وعشرين عزله لأنه ظهرت منه الخيانة ، ولم يكتف بعزله حتى استنقذ منه ما اختلسه من أموال المسلمين ، فقال له : علمت أنّي استعملتك على البحرين وأنت بلا نعلين ، ثمّ بلغني أنّك ابتعت أفراساً بألف دينار وستمائة دينار .
فقال أبو هريرة وقد استولى عليه الخوف : يا أمير المؤمنين ، كانت لنا أفراس تناتجت ، وعطايا تلاحقت .
فقال له عمر وهو ثائر غضبان : حسبت لك رزقك ومؤونتك ، وهذا فضل فأدّه .
ليس لك ذلك .
بلى والله وأوجع ظهرك .
ثمّ قام عليه بالدرّة فضربه حتى أدماه، ولما أخذ الألم منه مأخذاً عظيماً وافق على إرجاعها وقال : ائت بها واحتسبها عند الله .
فانبرى إليه عمر مبطلاً زعمه في هذا الاحتساب قائلاً: ذلك لو أخذتها من حلال وأديتها طائعاً ، أجئت من أقصى حجر البحرين يجبي الناس لك لا لله ولا للمسلمين ؟ ما رجعت بك أميمة (1)إلا لرعية الغنم .
ثم أخذ الأموال التي اختلسها (2)، ورجع أبو هريرة إلى حاله الأول قابعاً في زوايا الخمول ، قد وصم بالخيانة والاختلاس .
ولما انتهى الأمر إلى عثمان انضم إليه وصار من أعوانه ، وأخذ يفتعل الأحاديث في فضله ، فقال : قال رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) : «إنّ لكلّ نبي خليلاً من أمته ، وإن خليلي عثمان» (3).
«لكل نبي رفيق في الجنة ، ورفيقي فيها عثمان» (1).
إلى غير ذلك من الأحاديث التي زوّرها على رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) في فضل عثمان والأمويين ، ولما انتفضت الأمة على عثمان وقتلته لسوء تصرفاته وعدم تدبيره ، وصارت الخلافة إلى أمير المؤمنين (علیه السلام) رجع أبو هريرة إلى الذبول بعد النضارة ، فهاجر من يثرب إلى دمشق فعقد صلته بمعاوية ، وأخذ يتزلّف إليه ، ويعمل في إرضائه بكل طريق ، وجعل يروي لأهل الشام عن رسول الله قائلاً لهم : «إنّ رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) قال : إن الله ائتمن على وحيه ثلاثة : أنا وجبرئيل ومعاوية » .
وقال لهم : « إنّ النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ناول معاوية سهماً ، فقال له : خذ هذا السهم حتى تلقاني في الجنّة» (2).
وهكذا أخذ أبو هريرة يفتعل الحديث تلو الحديث في فضل معاوية والأمويين والصحابة يتقرب بذلك إلى معاوية لينال من دنياه، وقد أغدق عليه الأموال الطائلة ورفع من شأنه ، فكساه الخز، وألبسه الكتان المشيق (3).
ولما كان عام الجماعة قدم مع معاوية إلى العراق ، فلما رأى كثرة المستقبلين له جثا على ركبتيه ، ثمّ ضرب صلعته مراراً ، وقال : يا أهل العراق ، أتزعمون أني أكذب على الله ورسوله ، وأحرق نفسي بالنار ؟ ! والله لقد سمعت رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) يقول : إنّ لكل نبى حرماً ، وأن المدينة حرمى ، فمن أحدث فيها حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، وأشهد أن علياً أحدث فيها .
فلما بلغ معاوية ذلك أجازه وأكرمه ، وولاه إمارة المدينة (1).
لقد استحق أبو هريرة هذا المنصب العظيم لأنه افتعل الحديث ضد أمير المؤمنين (علیه السلام) تقرباً لمعاوية ، وسعياً وراء منافعه وأطماعه .
لقد فتك شيخ المضيرة بالإسلام فتكاً ذريعاً بسبب رواياته المفتعلة التي شوّهت الشريعة الإسلامية ، وألصقت بها الخرافات والأوهام ، وأضافت إلى الدين ما ليس منه ، وشتت شمل المسلمين ، وتركتهم أشياعاً وأحزاباً مختلفين في أصول الدين وفي فروعه وفي كل شيء.
وقد بحث سماحة الإمام المغفور له شرف الدين عن موضوعات أبي هريرة في كتابه الخالد (أبو هريرة) ، وكذلك تناوله بالنقد سماحة العلامة الكبير الشيخ محمود أبو رية في كتابه (شيخ المضيرة) ، وأثبت أنه في طليعة الوضاعين والمحرفين للسنة الإسلاميّة المقدّسة ، والمسلمون في أمس الحاجة إلى أمثال هذه البحوث الحرّة التي تكشف الغطاء عن هؤلاء الدجالين الذين لم يألوا جهداً في الكيد للإسلام ، والبغي للمسلمين بما وضعوه من الروايات التي لا واقعيّة ولا نصيب لها من الصحّة .
ومن أخطر ولاة معاوية ، وأكثرهم جوراً وظلماً زياد ابن أبيه ، فقد ذكر الرواة أنه أوّل من شدّد السلطة ، وأكد الملك لمعاوية ، فجرّد سيفه وأخذ بالظنّة ، وعاقب على الشبهة (2)، وهو أوّل من مشى بين يديه بالأعمدة الحديدية ، وأوّل من جلس الناس بين يديه على الكراسي ، وأوّل من اتخذ العسس والحرس (3)، وقد زاد معاوية في
ربقة سلطانه ، فولاه البصرة والكوفة وسجستان وفارس والسند والهند (1).
وقد ارتطمت هذه الأقطار الإسلامية الخاضعة لنفوذه بالبلاء والمحن والشقاء ، وعمّ فيها الهرج والمرج ، وانتزعت منها جميع الحريات، واضطربت أفكار أهلها بالخوف والفزع من تلك السلطة الجائرة التي لم تعرف الرحمة والرأفة .
فقد أخذت بالظنّة والتهمة، وقطعت الأيدي والأرجل ، وسملت الأعين ، حتّى خيم الموت على حميع الأحرار والنبلاء ، وبلغت الشدّة والصرامة في الحكم إلى حد لا سبيل إلى تصويره ، وقد عبر زياد عن سياسته العمياء وخطته الارهابية في خطبته البتراء (2)، فقد جاء فيها :
«وإنّي أقسم بالله لآخذن الوليّ بالوليّ ، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والصحيح منكم بالسقيم ، حتّى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول : انج سعد فقد هلك سعيد».
ومنها : « وقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة ، فمن غرق قوماً غرقناه ، ومن حرق على قوم حرقناه ، ومن نقب بيتاً نقبت عن قلبه ، ومن نبش قبراً دفنته حيّاً».
ثمّ قال : « وأيم الله إنّ لي فيكم لصرعى كثيرة فليحذر كل امرئ منكم أن يكون من صرعاي» (3).
ومعنى هذا الخطاب أن ما بيّنه الله ورسوله للمسلمين من الحدود لم يكن في رأي زیاد كافياً لحمل أهل البصرة والكوفة على الجادّة والرجوع بهم إلى الصراط المستقيم ، فالإسلام لا يغرق من أغرق ، ولا يحرق من أحرق ، ولا ينقب عن قلب السارق وإن نقب عن البيوت، والإسلام لا يدفن الناس في القبور أحياء ، وإن نبشوا
عن الموتى في قبورهم ، والإسلام لا يقيم الحدود بالشبهة ، وإنما يدرؤها بها، فهذا من التشريع في الدين، وهو أقل ما قام به زياد من الموبقات .
إنّ هذه السياسة المنكرة التي أعلنها زياد لم يعرفها المسلمون ولم يألفوها ، وقد دلّت على أن صاحبها طاغية يريد أن يحكم الناس بالبغي ويملأ قلوبهم رعباً ورهباً ، ويغتصب منهم الطاعة والخضوع للسطان اغتصاباً .
لقد قضت سياسة زياد الملتوية بأخذ الصحيح بذنب السقيم ، والمقبل بذنب المدبر ، وهو حكم كيفي يبرأ من العدل والرحمة ، وحينما ألقى خطابه القاسي قام إليه أبو بلال مرداس بن أدية وهو يهمس ويقول : «أنبأنا الله بغير ما قلت . قال الله عز وجل : «وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى» (1)، فأوعدنا الله خيراً مما وعدت يا زياد .
فانبرى إليه زياد قائلاً بنبرات تقطر غضباً وانتقاماً : «إنا لا نجد إلى ما تريد أنت وأصحابك سبيلاً حتّى تخوض إليها الدماء» (2).
وسار زياد على هذه الخطة الارهابية الجائرة التي تحمل شارات الموت والإعدام لجميع الأحرار والمفكرين حتى ضرب الرقم القياسي للسلطة الجائرة ، وقد بلغ به الإجرام أنّه كان يقتل بعض النفوس وهو يعلم ببراءتها وعدم تدخلها واشتراكها في أي أمر من الأمور السياسية ، فقد قبضت شرطته على أعرابي فجيء به مخفوراً إليه ، فقال له زیاد هل سمعت النداء ؟
لا والله ، قدمت بحلوبة لي ، وغشيني الليل ، فاضطررتها إلى موضع فأقمت لأصبح ، ولا علم لي بما كان من الأمير .
أظنك والله صادقاً ولكن في قتلك صلاح هذه الأمة .
ثم أمر به فضربت عنقه صبراً (1)من دون أن يقترف أي ذنب ، وهكذا كان زياد يلغ في دماء المسلمين ، لا حرمة لها عنده ، ولا حريجة له في سفكها ، وقد بالغ هذا الوغد الأثيم في سفك دماء شيعة آل محمد (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) فقتلهم تحت كل كوكب ، وتحت كل حجر ومدر ، وقطع الأرجل والأيدي منهم ، وصلبهم على جذوع النخل ، وسمل أعينهم، وطردهم وشرّدهم (2).
ففي ذمة الله تلك الدماء الزكيّة التي سفكت ، والنفوس الكريمة التي روّعت ، والنساء التي رمّلت ، والأطفال التي يتمت .
هؤلاء بعض ولاة معاوية وجلاديه الذين سلّطهم على الأمة الإسلامية ، فذبحوا أبناءها ، واستحيوا نساءها، ونهبوا ثرواتها ، وعمدوا إلى إشاعة المنكرات والفساد فيها .
وعمد ولاة ابن هند إلى نشر الجور والظلم في جميع أنحاء البلاد ، فكانت دوائرهم مصدراً للقلق والاضطراب ، وباباً من أبواب البلاء على الناس ، فما راجعها أحد إلا اكتوى بنارها . يقول عبد الملك في وصفها : « أنعم الناس عيشاً من له . ما يكفيه ، وزوجة ترضيه ، ولا يعرف أبوابنا الخبيثة فتؤذيه» (3).
لقد بالغ الولاة في ظلم المواطنين واضطهادهم ، فأخذوا ينهبون الأموال بغير حق ، ويتشددون في الخراج ، ويرغمون الناس على أدائها .
يقول (فان فلوتن) : «وبدل أن يتخذ الخلفاء - أي ملوك الأمويين - التدابير
لمحاسبة الولاة ، ومنعهم من الظلم نجدهم يقاسمونهم في فوائدهم من الأموال التي جمعوها بتلك الطرق المفضوحة ، وهذا معناه رضى الخلفاء بسوء تصرّف العمّال مع أهل البلاد ، بالإضافة إلى أنه دليل على أن بعضهم كان يهمه مصالح الخزينة المركزية بالدرجة الاُولى» (1).
إن معاوية وسائر ملوك بني أمية لم يحاسبوا والياً من ولاتهم ، ولم يمنعوهم من الظلم والاعتداء على الناس . يقول عقبة بن هبيرة الأسدي لمعاوية مندّداً بطمع ولاته واستصفائهم أموال الرعيّة :
مُعَاوِيَ إِنَّنَا بَشَرٌ فَأَسجِحْ *** فَلَسنَا بِالجِبَالِ وَلَا الحَدِيدِ (2)
أكَلْتُمْ أَرْضَنَا فَجَرَدْتُمُوهَا *** فَهَلْ مِنْ قَائم أوْ مِنْ حَصِيد
فَهَبنَا أُمَّةٌ ذَهَبَتْ ضَيَاعاً *** يَزِيدُ أَمِيرُهَا وَأبُو يَزيد
أَتَطْمَعُ فِي الخِلافةِ إِذْ هَلكَنا *** وَلَيسَ لَنَا وَلَا لَكَ مِن خُلُود
ذَرُوا خَولَ الخِلافةِ وَاسْتَقِيمُوا *** وَتَأْمِيرُ الأَراذِلِ وَالعَبِيدِ
وَأَعْطونا السُّويَّةَ لَا تَزُركُمْ *** جنُودٌ مُردِفَاتٌ بِالجُنُودِ (3)
ويقول الشاعر الراعى النميري لعبد الملك بن مروان مبيناً له جور عماله واضطهادهم لقومه حتى افتقروا ، وهربوا في البيداء وليس معهم سوى إبل مهزولة .يقول الراعي :
أخَليفَةَ الرَّحْمَنِ إِنَّا مَعشَرٌ *** حُنَفَاءُ نَسجُدُ بُكرَةً وَأَصِيلا
إِنَّ السُّعاةَ عَصَوْكَ يَومَ أَمَرْتَهُمْ *** وَأَتَوا دَواهِيَ لَوْ عَلِمْتَ وَغَولا
أَخَذوا الْعَرِينَ فَقَطَّعوا حَيزُومَهُ *** بِالْأَصْبَحَيَّةِ قائِماً مَغْلُولاً (1)
حَتَّى إِذا لَمْ يَتركوا لِعِظامِهِ *** لَحْماً ولا لِفُؤادِهِ مَعْقُولا (2)
جاء وا بِصَكّهِمُ وَأَحدَرَ أَشْأَرَتْ *** منه السياطُ يَراعَهُ إِجْفيلا (3)
أَخَذُوا حَمولَتَهُ فَأَصْبَحَ قاعِداً *** لا يَسْتَطِيعُ عَنِ الدِّيارِ حَويلا
يَدعوا أَميرَ الْمُؤْمِنِينَ وَدونَهُ *** خَرْقٌ تَجُرُّ بِهِ الرِّياحُ ذُيولا (4)
كَهَداهِدٍ كَسَرَ الرُّماةُ جَناحَهُ *** يدعو بقارعة الطريق هديلا
أَخَليفَةَ الرَّحْمَنِ إِنَّ عَشِيرَتي *** أَمْسَى سَوامُهُمْ عِزِينَ فُلولا (5)
قومٌ عَلَى الإِسْلامِ لَمّا يَتْرُكوا *** ما عونَهُمْ وَيُضَيعوا التهليلا (6)
قطعوا اليَمَامَةَ يَطرُدونَ كَأَنَّهُمْ *** قَوْمٌ أَصابوا ظالِمينَ قَتيلا
شَهْرَي رَبيع ما تَذوقُ لُبونَهُمْ *** إلا حُموضاً وَحْمَة وذَبيلا (7)
وَأَتاهُمُ يَحيى فَشَدّ عَلَيهِم *** عَقْداً يَراهُ المُسلِمونَ ثَقيلا (8)
كتباً تَرَكْنَ غَنِيَّهُمْ ذا عَيلَةٍ *** بعد الغنى وَفَقيرَهُمْ مَهْزولا
فَتَرَكْتُ قَوْمِي يَقْسِمونَ أُمورَهُمْ *** إِلَيْكَ أَمْ يَتَرَبَّصُونَ قَليلا (9)
1) الحيزوم: وسط الظهر. الأصبحية : السياط ، جمع أصبح .
2) المعقول : الإدراك .
3) أشارت : أي بقيت في الإناء بقية . الإجفيل : الخائف .
4) الخرق: الصحراء الواسعة .
5) عزين: الجماعات .
6) الماعون : الزكاة .
7) الحموض : المر المالح من النبات .
8) يحيى : أحد السعاة الظالمين .
9) طبقات الشعراء : 439 - 441 . جمهرة أشعار العرب : 341 .
وهذا الشعر طافح بالأسى والألم قد صوّر فيه الشاعر الجور والمظالم التي صبّها الولاة على الناس ، وقد استمرّ الجور حتى فى دور عمر بن عبد العزيز الذي هو أعدل ملوك بني أمية - كما يقولون - فإنّ عمّاله لم يألوا جهداً في نهب أموال الناس وسلب ثرواتهم، وفي ذلك يقول كعب الأشعري مخاطباً له :
إن كُنْتَ تَحفَظُ ما يليكَ فَإِنَّما *** عُمّالُ أَرْضِكَ بِالبِلادِ ذِئَابُ
لَنْ يَسْتَجيبوا لِلَّذِي تَدْعو لَهُ *** حَتَّى تُجَلَّلَ بِالسُّيوفِ رِقابُ
بِأَكُفِّ مُنْصَلِتينَ أَهلِ بَصائِرٍ *** في وَقْعِهِنَّ مَزاجِرٌ وَعِقابُ (1)
و انبرى لعمر رجل وهو على المنبر فقال له :
إِنَّ الَّذين بَعَثْتَ في أَقْطَارِها *** نَبَذوا كِتابَكَ وَاسْتُحِلَّ الْمَحرَمُ
طلْسُ الثِّيابِ عَلَى مَنابِرِ أَرْضِنا *** كُلٌّ يَجورُ وَكُلُّهُمْ يَتَظَلَّمُ (2)
وَأَرَدْتَ أَنْ يَلِي الْأَمانَةَ مِنْهُمُ *** عَدْلٌ وَهَيهات الأمينُ الْمُسلِمُ (3)
لقد امتحن المسلمون امتحاناً عسيراً ، وأرهقوا ارهاقاً شديداً من الحكم الأموي الذي عمد إلى إماتة الحقِّ ، ومناهضة العدل، ونشر الفقر والبؤس في جميع أنحاء البلاد .
ومهما يكن الأمر ، فإنّ هذه البوادر التي ذكرناها عن معاوية وعن بني أمية قد شدّدت نقمة الناس عليهم في جميع مراحل التاريخ ، فقد أبرزت واقعهم الجاهلي الذي لا إلتقاء له مع النواميس الدينية ، وكان هذا هو الانتصار الرائع الذي أحرزه الإمام الحسن (علیه السّلام) في صلحه ، فقد عاد الصلح بالنكاية ببني أمية ، وبالتشهير والقدح
بمعاوية حياً وميتاً ، وعاد الحكم الأموي مثالاً للسلطة الجائرة التي تحمل شعار الظلم والاستبداد ، والاستهانة بحقوق الناس .
ونكتفي بهذا العرض الموجز من موبقات معاوية التي سوّدت وجه التاريخ ، وقد أبرزها الإمام الحسن (علیه السلام) في صلحه .
ويجدر بنا ونحن في بيان أسباب الصلح ، وفي إيضاح علله أن نعرض بعض الجوانب من سياسة أهل البيت (علیهم السلام) لنتبين مدى أصالة سياستهم البنّاءة ، ونقف على الأهداف الرفيعة التي ينشدون تحقيقها في ظلال الحكم ، فإنّ إيضاح هذه الجوانب - فيما نحسب - يعطينا أضواء على صلح الإمام الحسن (علیه السّلام) مع طاغية زمانه ، ويكشف لنا عن الأسباب التي أدت إلى تظافر القوى الباغية على مناجزته ، ومناجزة أبيه من قبل ، وإلى القراء ذلك.
إن السياسة التي يجب أن تسود جميع أنحاء البلاد - عند أهل البيت (علیهم السلام) - هي السياسة البنّاءة التي تضمن مصالح المجتمع ، وتعمل على إيجاد الوسائل السليمة لرقيه وبلوغ أهدافه وآماله ، وحمايته من الظلم والاعتداء ، وتحقيق المساواة العادلة في ربوعه ، والفرص المتكافئة بين أبنائه لوقايتهم من البؤس والحرمان .
إن سياسة أهل البيت (علیهم السلام) قد تبنت العدل الخالص، والحق المحض ، ومثلت وجهة الإسلام وأهدافه في عالم السياسة والحكم ، فهي أرقى سياسة عرفها الناس وأجدرها بتحقيق العدل السياسي والاجتماعي بين الناس ، لأنها في جميع مجالاتها تنشد الاطمئنان الذي لا يشوبه قلق ، والأمن الذي لا يشوبه خوف ، والعدل الذي لا يشوبه ظلم ، وهي بجميع مفاهيمها تباين السياسة الأموية الجائرة التي رفعت
شعار الظلم والجور، وتذرّعت بجميع وسائل المكر والخداع للمساومة على مصالح الشعوب ، وابتزاز إمكانياتها والتغلب عليها .
إنّ السياسة الأصيلة عند أهل البيت (علیهم السلام) هي التي لا تعتمد على المكر والمواربة والخداع والتهريج والتضليل ، وغير ذلك من الأساليب التي لا تحمل جانباً من الواقعية ، وأنها لا بد أن تكون صريحة واضحة في جميع أهدافها ومعالمها ، لتحقق العدل في البلاد ، ولصلابة سياستهم في الحق وصرامتها في العدل ثار عليهم النفعيون والمنحرفون ، وطالبوهم أن ينهجوا منهجاً خاصاً لا يتنافى مع مصالحهم وأطماعهم ، ولو أنّهم استجابوا لهم لما آلت الخلافة إلى غيرهم ، ولكنّهم سلام الله عليهم آثروا رضا الله ، وسلكوا الطريق الواضح ، وابتعدوا عن الخطط الملتوية التي لا يقرها الدين.
إنّ الخلافة عندهم هي ظلّ الله في الأرض ، فيجب أن يتحقق في ظلالها العدل الشامل ، وتسود الرفاهية ، ويعم الأمن بين جميع المواطنين، وإذا تجردت السلطة من هذه الأهداف فلا طمع ولا إرب لهم بها. يقول الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) لابن عباس - وكان يخصف نعله بذي قار - : يابنَ عَبّاسٍ ، ما قِيمَةُ هذَا النَّعْلِ ؟
لا قيمة له يا أمير المؤمنين .
وَاللَّهِ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِمْرَتِكُمْ ، إِلَّا أَنْ أُقيمَ حَقًّا ، أَوْ أَدْفَعَ باطِلاً.
إنّ حذاءه الذي كان من ليف أثمن عنده من الإمرة التي لا يقام فيها الحق ،
ولا يدفع فيها الباطل ، فضلاً عن السلطة الجائرة التي تضيع العدل ، وتحيي الجور، وتميت الحق ، وقد كشف (علیه السلام) - في بعض كلماته - السرّ في إحجامه عن مبايعة أبي بكر في دور السقيفة قائلاً:
اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذِي كَانَ مِنَا مُنافَسَةً فِي سُلْطَانٍ ،
وَلَا الْتمَاسَ شِيْءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ ، وَلكِنْ لِنَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ وَنُظْهِرَ الْإِصْلَاحَ فِي بِلَادِكَ ، فَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ ، وَتُقامَ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ (1).
ولهذه الأسباب الوثيقة أعلن سخطه على أبي بكر ، وامتنع من مبايعته ، وأقام عليه سيلاً من الأدلة على أحقيته بالخلافة دونه ، ولكنه لم يناجزه الحرب لأنه يرى أنّ الأمة من واجبها أن تنقاد إليه كما أمره رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) بذلك ، فقد قال له : « يا عَلِيُّ ، أَنْتَ بِمَنْزِلَةِ الْكَعْبَةِ تُوتى وَلَا تَأْتِي ، فَإِنْ أَتَاكَ هَؤُلَاءِ الْقَومُ فَسَلَّموها إِلَيْكَ - يعني الخلافة - فَاقْبَلْ مِنْهُمْ ، وَإِنْ لَمْ يَأْتُوكَ فَلَا تَأْتِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتُوكَ» (2).
إن الواجب على المسلمين كان هو الانقياد لعترة نبيّهم ، والرجوع إليهم ليحكموا فيهم بما أنزل الله ، ويردّوهم إلى الحق الواضح ، وإلى الطريق المستقيم ، ولكنّ القوم قد غرتهم الدنيا ، وخدعتهم السلطة ، فانطلقوا وراء أطماعهم وأهوائهم ، فصرفوا الأمر عن أهله ، ووضعوه في غير محله ، فأدى ذلك إلى المحن الشاقة والخطوب السود التي مني بها المسلمون في جميع مراحل تاريخهم .
أمّا الأهداف السليمة والمثل العليا التي رفع شعارها أهل البيت (علیهم السلام)، وتبنوها في جميع المجالات ، فهي كما يلي :
إنّ السياسة الإسلامية بجميع مفاهيمها قد تبنت العدل ، وآمنت به إيماناً مطلقاً ،
وركزت جميع أهدافها على أضوائه ، فأهابت بالحكّام والأمراء أن يطبقوه على مسرح الحياة ، وأن لا يكون الحكم الصادر منهم مبعثه الهوى وسائر الأغراض التي لا تمت بصلة للعدل . قال تعالى : «وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ» (1).
وقال تعالى: «يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» (2).
وقد أجمع المسلمون على أن الحاكم إذا انحرف في حكمه وجب عزله ، وقد عزل أمير المؤمنين أحد ولاته حينما أخبرته سودة بنت عمارة الهمدانية بأنّه قد جار في حكمه ، فجعل الإمام يبكي ويقول : اللهمَّ أَنْتَ الشَّاهِدُ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ ، أَنِّي لَمْ آمُرُهُمْ بِظُلْمِ خَلْقِكَ ، وَلَا بِتَرْكِ حَقِّكَ .
ثم عزله فى الوقت (3).
ويقول الإمام الصادق (علیه السلام): « اتَّقوا اللهَ وَاعْدِلُوا ، فَإِنَّكُمْ تَعيبُونَ عَلَى قَوْمٍ لَا يَعْدِلُونَ» (4).
إنّ سعادة الأمّة ورقيها بعدل حكامها ، فإذا جافی الحكام العدل وجاروا في الحكم تعرّضت البلاد للأزمات والنكسات ، وسادت فيها الفوضى والنزعات ، ومن ثم فإن الإسلام بحرص كل الحرص على أن يكون الحكم بيد الصلحاء والثقات ، لأن للحكم اغراء لا يفلت من ربقته إلا ذوو النفوس الزكية الكريمة - وما أقل عددهم - وقد تحدثنا عن مظاهر العدل، وبسطنا القول فيه في كتابنا (النظام السياسي في
الإسلام) ولا نرى أنّ هنا حاجة في عرض تلك البحوث ، وإنّما نريد أن نقول إنّ سياسة أهل البيت (علیهم السلام) قد تركزت على العدل الشامل وبنت جميع أهدافها عليه.
إنّ الإسلام أسبغ نعمة المساواة على الإنسانية بصورة لم يسبق لها مثيل في تاريخ المجتمع العالمي ، فقد أعلن المساواة العادلة ما بين الأفراد والجماعات ، وما بين الأجناس ، فلا فضل الأبيض على أسود ، ولا لعربي على أعجمي ، فالناس سواسية كأسنان المشط ، لا فضل لبعضهم على بعض إلا بالتقوى والعمل الصالح.
يقول الأستاذ جيب : «إنّ الإسلام هو الدين الوحيد الذي ما زال في قدرته أن ينجح نجاحاً باهراً في تأليف العناصر والأجناس البشرية المتنافرة في جبهة واحدة أساسها المساواة ، وإذا وضعت منازعات الشرق والغرب موضع الدرس فلابد من الالتجاء إلى الإسلام» (1).
وقد طبق الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) المساواة العادلة تطبيقاً شاملاً في دور حكمه ، فأمر عماله وولاته أن يساووا بين الناس حتى في اللحظة والنظرة ، فقد جاء في بعض رسائله ما نصه :
«وَاخْفِضْ لِلرَّعِيَّةِ جَناحَكَ ، وابْسُطْ لَهُمْ وَجْهَكَ ، وَأَلِنْ لَهُمْ جانِبَكَ ، وَآسِ (2)بَيْنَهُمْ فِي اللَّحْظَةِ وَالنَّظْرَةِ ، وَالْإِشَارَةِ وَالتَّحِيَّةِ ، حَتَّى لَا يَطْمَعَ الْعُظَمَاءُ فِي حَيْفِكَ ، وَلَا يَيْأَسَ الضُّعَفَاءُ مِنْ عَدْلِكَ» (3).
وهذه السياسة العادلة هي التي أثارت عليه الأحقاد والضغائن ، وأدت إلى تكتل القوى الباغية وتظافرها على مناجزته ، وقد نص على ذلك المدائني بقوله : « إن من أهم الأسباب في تخاذل العرب عن علي بن أبي طالب (علیه السلام) كان اتباعه لمبدأ المساواة بين الناس حيث كان لا يفضّل شريفاً على مشروف ، ولا عربياً على عجمي ، ولا يصانع الرؤساء والقبائل» (1).
إنّ طغاة قريش ، ومن سار في ركابهم من جبابرة العرب لم يكونوا بأي حال قد وعوا الأهداف الأصيلة التي جاء بها الإسلام لتعميم المساواة ، وبسط العدل والقضاء على الغبن ، إنّهم يريدون الامتيازات والاستئثار بأموال المسلمين، والاستعلاء على الفقراء والضعفاء ، وكلّ ذلك يتنافى مع سيرة ابن أبي طالب رائد العدالة الاجتماعية الكبرى فى الأرض ، وقد سار الإمام الحسن (علیه السلام) على خطته وسيرته ولم يتحوّل عن نهجه ، فأثار ذلك عليه الأحقاد والأضغان .
وتبنّى الإسلام الحرية العامة لجميع المواطنين ، وألزم الدولة بحمايتها وتطبيقها على مسرح الحياة ، سواء أكانت الحرية في العقيدة أو في التفكير ، والتعبير عن الرأي ، أو في المناحي السياسية ، واعتبر الإسلام كلّ ذلك من الحقوق الطبيعية للإنسان التي لا غنى عنها بحال من الأحوال.
وقد طبق الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) الحرية بأرحب مفاهيمها في دور خلافته ، فإنّه لم يرغم القعاد على مبايعته ، ولم يكرههم على طاعته ، وإنّما تركهم وشأنهم يتمتعون بحريتهم من دون أن يتعرّض لهم بأذى أو مكروه ، وكذلك عامل الخوارج فإنّه لم يناجزهم الحرب حتى أنذرهم وأعذر فيهم ، وحاججهم فأبطل شبههم ،
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 2 : 197.
ولما صمّموا على فكرتهم ولم يتنازلوا عنها خلى سبيلهم وأطلق سراحهم ، ولكن لما عاثوا فساداً في الأرض ، وأخلوا بالأمن العام ناجزهم عملاً بقوله تعالى :« فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ» (1).
ولما فرغ من حربهم كان في المجتمع العراقي جمهور غفير ممن يعتنق فكرتهم ، فلم يتعرّض لهم بمكروه ، ولم يمنعهم من الفيء ، ولم يرد أحداً منهم عن الخروج إن أراده ، ومنحهم الحرّيّة التامة ، فلم تراقبهم السلطة ، ولم تتبعهم أو تنكل بأحد منهم ، وكذلك أعطى الحرية الواسعة إلى الحزب الأموي ، فلم يتعرّض لهم بأذى أو مكروه مع العلم أنّهم كانوا من ألد خصومه وأعدائه .
وهذه الحرّيّة الواسعة التي أعطاها الإمام للأحزاب المناوئة له كانت أوسع حرية عرفها التاريخ ، لقد قضت سياسته البنّاءة على عدم استكراه الناس على الطاعة ، وعدم إرغامهم على ما لا يحبّون .
إنّ السياسة الرشيدة التي رفع شعارها أهل البيت (علیهم السلام) تسير على ضوء الصدق والواقع فلاتوارب، ولا تنافق ، ولا تغري الشعوب بالوعود الكاذبة ، ولا تمنيها بالأماني المعسولة ، رائدها في جميع مخططاتها الصراحة والصدق .
لقد حفلت سياستهم بالصراحة في جميع الميادين ، فليس من منطقها الخداع والنفاق ، وقد صارح الإمام الحسين (علیه السلام) سبط النبي وممثل الإسلام الجماهير التي صحبته من مكة والتي التحقت به في أثناء الطريق حينما بلغه مقتل سفيره وممثله في العراق الشهيد العظيم مسلم بن عقيل (علیه السلام) صارحهم بمقتله ، وخيانة أهل الكوفة به ، وغدرهم بعهودهم ومواثيقهم ، وإنّه متوجّه في سفره إلى ساحة الموت ، فتفرق
1) الحجرات 49: 9 .
ذوو الأطماع والأهواء عنه .
لقد أدلى (علیه السلام) في تلك الساعة الرهيبة بالحقيقة الراهنة ، وكشف لهم الستار عن خطته وأهدافه ، ليكونوا على بصيرة من أمره عملاً بأوامر الإسلام التي تلزم بالصراحة والصدق ، ولا تبيح أي وسيلة من وسائل الغدر والخداع.
إنّ المواربة لو كانت سائغة في الإسلام بأي شكل من الأشكال لما تغلب معاوية بن أبي سفيان خصم الإسلام على الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) ، فكان بإمكانه أن يساومه بعد مقتل عثمان ويبقيه على ولايته في دمشق ، ثمّ يعزله بعد ذلك عن منصبه ، ويتخلّص من شرّه وتمرّده ، ولكنّ الإسلام يأبى له تلك المساومة الرخيصة ، فامتنع من إبقائه في جهاز الحكم ولو زمناً قصيراً .
وهناك أمر آخر هو أعمق أثراً ، وأبعد مدى في عالم الصراحة من ذلك هو امتناع الإمام من إجابة عبد الرحمن بن عوف أحد أعضاء الشورى الذين رشّحهم الخليفة الثاني لانتخاب الخليفة الجديد من بعده.
فقد ألح عبد الرحمن على الإمام إلحاحاً بالغاً أن يبايعه وينتخبه لمركز الخلافة الإسلامية العظمى ، ولكن شرط عليه أن يسير بسيرة الشيخين ، ويقتفي بسياستهما ، فامتنع (علیه السلام) من إجابته على هذا الشرط ، وأبى إلا أن يسير على كتاب الله ، ويقتدي بسنة نبيه (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) في سياسته وأعماله الإدارية وغيرها .
لقد كان بإمكانه أن يوافق على ذلك الشرط ابتداءً ثم يعدل عنه ويسير في سياسته على وفق الأهداف التي رسمها الإسلام ، ويعتقل كلّ من يعارضه ، ويقف في وجه حكومته ، ولكنه أبى إلا الصراحة والصدق في القول والفعل .
إنّ الإسلام يأمر بالتمسّك بالصدق ، ولا يسيغ استعمال الطرق الملتوية التي لا تمت بصلة إلى الواقع في تثبيت الحكم وتدعيم السلطة .
يقول الرسول (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) :«عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ ، فَإِنَّ الصَّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي
إِلَى الْجَنَّةِ ، وَما زالَ الرَّجُلُ يَصْدُقُ ، وَيَتَحَرَى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقاً .
وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجورِ ، وَإِنَّ الْفُجورَ يَهْدِي إِلَى النّارِ ، وَما يَزالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَاباً» (1).
إن أهل البيت (علیهم السلام) قد ركزوا سياستهم على الصدق والصراحة ، وجنبوها من المكر والخداع .
يقول الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام): «لَوْلا أَنَّ الْمَكْرَ وَالْخِداعَ فِي النَّارِ لَكُنْتُ أَمْكَرَ النّاس» (2).
وكان (علیه السلام) كثيراً ما يتنفس الصعداء من الآلام المرهقة التي يلاقيها من خصومه ويقول : «وا وَيْلاهُ ، يَمْكُرُونَ بي وَيَعْلَمونَ أَنِّي بِمَكْرِهِمْ عَالِمٌ ، وَأَعْرَفُ مِنْهُمْ بوجوه الْمَكْرِ ، وَلكِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ الْمَكْرَ وَالْخَديعَةَ فِي النَّارِ ، فَأَصْبِرُ عَلَى مَكْرِهِمْ وَلَا أَرْتَكِبُ مِثْلَ ما ارْتَكَبوا» (3).
ويقول في الغدر : «لِكُلِّ غادِر لِواءٌ يُعْرَفُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (4).
إنّ الغدر إنّما ينبعث عن نفس لا تؤمن بالمثل الإنسانية ، والقيم الدينية ، ويصف الإمام أمير المؤمنين الغادر بأنه قد نسخ من كيان نفسه الإيمان بالله يقول (علیه السلام) :
«إِنَّ الْوَفاءَ تَوْأَمُ الصِّدْقِ ، وَلَا أَعْلَمُ جُنَّةً أَوْقَى مِنْهُ ، وَما يَغْدِرُ مَنْ عَلِمَ كَيْفَ الْمَرْجِعُ . وَلَقَدْ أَصْبَحْنا في زَمَانٍ قَدِ اتَّخَذَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ الْغَدْرَ كَيْساً ،
وَنَسَبَهُمْ أَهْلُ الْجَهْلِ فِيهِ إِلى حُسْنِ الْحِيلَةِ.
ما لَهُمْ قاتَلَهُمُ اللهُ : قَدْ يَرَى الْحُوَّلُ الْقَلَّبُ وَجْهَ الْحِيلَةِ وَدُونَهَا مَانِعٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ ، فَيَدَعُها رَأْيَ عَيْنٍ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا ، وَيَنْتَهِزُ فُرْصَتَهَا مَنْ لَا حَرِيجَةَ لَهُ فِي الدِّينِ» (1).
وتحدّث عمّن قال في دور حكومته من عبيد الشهوات والمناصب بأنه لا دراية له في شؤون السياسة ، وإن معاوية خبير بها ، وخليق بإدارة دفة الحكم .
قال (علیه السلام): «وَاللهِ ما مُعاوِيَةُ بِأَدْهَى مِنِّي ، وَلَكِنَّهُ يَغْدِرُ وَيَفْجُرُ . وَلَوْلَا كَرَاهِيَةُ الْغَدْرِ لَكُنْتُ مِنْ أَدْهَى النَّاسِ ، وَلَكِنْ كُلُّ غُدَرَةٍ فُجَرَةٌ ، وَكُلُّ فُجَرَةٍ كُفَرَةٌ» (2).
إن سياسة الإمام أمير المؤمنين وأئمة أهل البيت (علیهم السلام) في جميع شؤونها قد عبّرت عن جميع القيم السياسية الخيرة التي أعلنها الإسلام ، فهى لا تقرّ الغدر ، ولا المكر ، ولا الخداع ، ولا تؤمن بأي وسيلة من وسائل النفاق الاجتماعي ، وإن توقف عليها النجاح السياسي المؤقت ، لأنّ الخلافة الإسلامية من أهم المراكز الحسّاسة في الإسلام ، فلابد لها من الاعتماد على الخلق الرصين والإيمان العميق بحق المجتمع والأمة .
وسار الإمام الحسن (علیه السلام) على مخططات أبيه ومقرراته في عالم السياسة والحكم ، فلم يعتمد على أي وسيلة لا يقرّها الدين، وتجنّب جمیع الطرق الشاذة التي لا تلتقي مع الواقع ، ولو أنّه سلك بعض الأساليب التي سلكها معاوية لما تغلب عليه ، وقد أدلى (علیه السلام) بذلك إلى سليمان بن صرد ، فقال له : «فَلَوْ كُنْتُ بِالْحَزْمِ فِي أَمْرِ الدُّنْيا أَعْمَلُ ، وَلِسُلْطانِها أَرْكُضُ وَأَنْصَبُ ، ما كانَ مُعاوِيَةُ بِأَبْأَسَ مِنِّي بَأْساً ، وَلَا أَشَدَّ
شَكِيمَةً ، وَلَا أَمْضى عَزيمَةً ، وَلكِنِّي أَرى غَيْرَ ما رَأَيْتُمْ ، وَمَا أَرَدْتُ بِمَا فَعَلْتُ إِلَّا حَقْنَ الدماء» (1).
ودلّ ذلك على أنه لو كان يعمل للدنيا لكان أقوى عليها من خصومه ، ولكنّ التغلب على الأحداث والظفر بالحكم يتوقف على اتخاذ المسائل التي لا تتفق مع الدين ، وهو (علیه السلام) أحرص المسلمين على صياغة الإسلام ورعايته .
ويرى أهل البيت (علیهم السلام) أن الموظفين في جهاز الحكم لا بد أن يكونوا من خيرة الرجال في الجدارة والنزاهة والكفاءة والقدرة على إدارة شؤون البلاد ، ليضعوا المصلحة العامة نصب أعينهم، ويسيروا بين الناس سيرة قوامها العدل الخالص، والحق المحض ، ويكونوا أمناء فيما يجبونه من الناس وفيما ينفقونه على المرافق العامة ، وأن يكونوا - قبل كل شيء - بعيدين عن الرشوة ، وعمّا في أيدي الناس ، فإنّ الرشوة تؤدّي إلى انهيار الأخلاق ، وشيوع الباطل ، والفساد في الأرض ، وقد بعث الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) إلى أمراء الأجناد بهذه الرسالة:
«أَمَا بَعْدُ ، فَإِنَّما هَلَكَ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ مَنَعُوا النَّاسَ الْحَقَّ فَاشْتَرَوْهُ ، وَأَخَذُوهُمْ بِالْباطِلِ فَاقْتَدَوْهُ» (2).
إن من أهم الأسباب التي تؤدّي إلى دمار الحكومة وزوالها هي أن تحجب المواطنين عن الحقِّ حتى يضطروا إلى استنقاذه بالرشوة ، ومن الطبيعي أن ذلك يؤدّي إلى فقدان الأمن واضطراب المجتمع ، وانتشار الظلم والجور.
وقد نظر أهل البيت (علیهم السلام) إلى ما هو أبعد من ذلك وأعمق بكثير ، فقد فرضوا على
ولاتهم أن يبتعدوا عن الناس بكل نحو من أنحاء الصلة ، ولو كانت موجبة للربط الودّي أو العاطفي لما عسى أن يكون لذلك أثر على مجرى العدل ، ولذلك أن أمير المؤمنين (علیه السلام) لما بلغه أنّ عامله بالبصرة سهل بن حنيف قد دعي إلى مأدبة فأجاب إليها ، فكتب إليه يستنكر منه ذلك ، ويوبخه على ما صدر منه ، وهذا نص ما كتبه إليه :
أَمَا بَعْدُ ، يَابْنَ حُنَيْفٍ : فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلاً مِنْ فِتْيَةِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ دَعَاكَ إلى مَأْدُبَةٍ فَأَسْرَعْتَ إِلَيْهَا تُسْتَطَابُ لَكَ الْأَلْوانُ ، وَتُنْقَلُ إِلَيْكَ الْجِفَانُ. وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُجِيبُ إِلى طَعَام قَوْم ، عائِلُهُمْ (1)مَجْفُو (2)، وَغَنِيُّهُمْ مَدْعُو . فَانْظُرْ إِلَى مَا تَقْضَمُهُ مِنْ هذا الْمَقْضَم (3)، فَمَا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ عِلْمُهُ فَالْفِظْهُ، وَما أَيْقَنَتَ بِطِيبِ وُجُوهِهِ (4)فَنَلْ مِنْهُ» (5).
وأراد الأشعث بن قيس أن يتقرب إلى أمير المؤمنين (علیه السلام) ، ويتصل به فصنع له حلوى جيّدة فقدّمها إليه ، ولندعه (علیه السلام) يحدثنا عن موقفه تجاه هذا الأمر يقول (علیه السلام):
«وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ طَارِقٌ طَرَقَنا بِمَلْفَوفَةٍ (6)في وِعائِها ، وَمَعْجُونَةٍ شَنِئتُها ، كَأَنَّمَا عُجِنَتْ بِرِيقِ حَيَّةٍ أَوْ قَيْئِهَا ، فَقُلْتُ: أَصِلَةٌ أَمْ زَكَاةٌ،
أَمْ صَدَقَةٌ ؟ فَذَلِكَ مُحَرَّمٌ عَلَيْنا أَهْلَ الْبَيْتِ !
فَقالَ : لَا ذا وَلَا ذاكَ ، وَلكِنَّها هَدِيَّةٌ .
فَقُلْتُ: هَبِلَتْكَ (1)الْهَبُولُ (2)! أَعَنْ دِينِ اللَّهِ أَتَيْتَنِي لِتَخْدَعَني ؟ : أَمُخْتَبِط (3)أَنْتَ أَمْ ذُو جِنَّةٍ ، أَمْ تَهْجُرُ (4)؟ وَاللهِ لَوْ أُعْطِيتُ الْأَقالِيمَ السَّبْعَةَ بِما تَحْتَ أَفْلَاكِها ، عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُها جُلْبَ شَعِيرَة (5)ما فَعَلْتُهُ، وَإِنَّ دُنْيَاكُمْ عِنْدِي لَأَهْوَنُ مِنْ وَرَقَةٍ فِي فَمِ جَرَادَةٍ تَقْضَمُها ما لِعَلِيٍّ وَلِنَعِيمٍ يَفْنَى ، وَلَذَّةٍ لَا تَبْقَى! نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سُبَاتِ الْعَقْلِ (6)، وَقُبْح الزَّلَلِ . وَبِهِ نَسْتَعِينُ» (7).
وبهذه السياسة البنّاءة تتحقق العدالة الاجتماعية ، ويسود الأمن والرخاء ، ويقضي على جمع أفانين الظلم والغبن .
ولم تقض سياسة أهل البيت (علیهم السلام) بإرغام الناس على الخدمة العسكريه ، فلم يؤثر
1) هبلتك - بكسر الباء - ثكلتك .
2) الهبول - بفتح الهاء - : المرأة لا يعيش لها ولد .
3) المختبط : من اختل نظام إدراكه .
4) تهجر : أي تهذي بما لا معنى له .
5) جلب الشعيرة - بضم الجيم - قشرها. وأصل الجلب : غطاء الرحل ، فيجوز في إطلاقه على غطاء الحبة .
6) سبات العقل : نومه .
7) نهج البلاغة / محمد عبده : 2 : 244 .
عنهم أنهم أكرهوا الناس على الخروج إلى الحرب ، وإنما كانوا يدعون إلى الجهاد كفرض من فروض الله ، فمن شاء أن يخرج خرج مؤدّياً لما فرض عليه ، ومن قعد فإنّما يقعد غير ممتثل لما أوجبه الله عليه من دون أن ينال عقوبة أو يتعرّض للسخط والارهاب .
وكانت هذه خطة الحسن (علیه السلام) لما أراد مناجزة معاوية ، فإنّه لم يكره أحداً على ذلك ، وإنّما ندبهم إلى الجهاد ، وقد فعل ذلك أمير المؤمنين (علیه السلام) من قبل في حرب الجمل وصفّين والنهروان ، وقد أرادوا بذلك أن يكون الناس مندفعين بدافع الإيمان والعقيدة لما أوجبه الله عليهم من الفرض .
وعلى عكس ذلك سار بنو أمية ، فإنّهم كانوا يفرضون أشد العقاب على من عن تخلّف الحرب ، كما يحدثنا التاريخ بذلك في سيرة عبيد الله بن زياد لما أمر بالخروج لحرب سيّد الشهداء ، فقتل الشامي على أنه لم يكن ممن أمر بالخروج إلى الحرب وقتل الحجّاج عمرو بن ضابي البرجمي لأنه لم يستجب للالتحاق بجيش المهلب بن أبي صفرة ، وفي ذلك يقول الشاعر :
تَخَيَّرْ فَأَمَّا أَنْ تَزورَ ابْنَ ضَابِيّ *** عُمَيراً وَأَمَّا أَنْ تَزورَ المُهَلّبا
وأدّت هذه الخطة الارهابية إلى إرغام الناس على الاستجابة لهم عن كره ، ولو أنّ الإمام الحسن (علیه السلام) أجبر جيشه على الطاعة ، وأنزل العقاب الصارم بالمتمردين والمتخاذلين ، وعاقب على الظنّة والتهمة لما أصيب جيشه بتلك الزعازع والانتكاسات، ولكنّه سلام الله عليه قد سلك الطريق الواضح الذي لا تعقيد فيه ولا التواء ، وآثر رضاء الله في كلّ شيء .
أما السياسة المالية التي انتهجها أهل البيت (علیهم السلام) فكانت تلزم بصرف الخزينة المركزية على المصالح العامة ، كإنشاء المؤسسات، وإيجاد المشاريع الحيوية
التي تنتظم بها الحياة ، ويُقضى بها على شبح الفقر والحرمان ، ولا يسوغ عندهم صرف درهم واحد فيما لا تعود فيه منفعة أو فائدة للأمة .
وقد احتاطوا في هذه الجهة احتياطاً بالغاً، فقد أطفأ الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) سراج بیت المال عن طلحة والزبير لما أرادا أن يفاوضاه في مصالحهما الشخصية ، فإنّ الضياء الذي في بيت المال ملك للمسلمين ، فلا يجوز استعماله إلا في مصالحهم.
وقد أثارت عليه هذه السياسة الصارمة أحقاد العرب، وأضغان قريش ، وأقبلت إليه طائفة من أصحابه يطلبون منه أن يغير سياسته قائلين : يا أمير المؤمنين ، اعط هذه الأموال ، وفضّل هؤلاء الأشراف من العرب وقريش على الموالي والعجم ، واستمل من تخاف خلافه من الناس .
فلذعه هذا المنطق الرخيض وانبرى قائلاً: «أَتَأْمُرُونَني أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ» (1).
إن تفضيل العرب على الموالي ، ومنح الأموال للوجوه كلّ ذلك جور واعتداء على حقوق المسلمين في نظر ابن أبي طالب ، رائد المساواة والعدالة الكبرى في الأرض.
إن أموال المسلمين يجب أن تنفق على مصالحهم ، وضمان عائلهم ومحرومهم ، وليس لزعيم الدولة أن يصطفي منها ، أو يؤثر بها أقاربه ، ومن يمت إليه ، فإن ذلك خيانة لله وللمسلمين، وقد طبق الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) هذه السياسة العادلة على واقع الحياة حينما آل إليه الأمر ، فإنّه لم يقتن الدور والضياع ، ولم يرفّه على نفسه ، فيعير لبالي ثوبه اهتماماً ، أو يأكل ما لذ من الطعام ، أو يتمتع بشيء من متع الحياة ، وإنما كان يعيش عيشة الفقراء والبؤساء.
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 2: 203.
فقد روى هارون عن أبيه عنترة ، قال : « دخلت على عليّ وهو بالخورنق ، وعليه خلق قطيفة ، وكان الوقت شديد البرد ، فقلت له : يا أمير المؤمنين ، إن الله قد جعل لك ولأهلك في هذا المال نصيباً ، وأنت تفعل هذا بنفسك ؟ !
فانبری (علیه السلام) مجيباً له : وَاللهِ ما أَرْزَأكُمْ شَيْئاً ، وَما هِيَ إِلَّا قَطِيفَتِي الَّتِي أَخْرَجْتُها مِنَ الْمَدِينَةِ (1).
إنّه ليس عنده من اللباس ما يقيه من البرد سوى خلق قطيفة جاء بها من يثرب ، وفي استطاعته أن يلبس الحرير الموشّى ، ولكنه أبى أن يصطفي من أموال المسلمين شيئاً ، كما إنّه لم يؤثر بها أحداً من أهل بيته وأبنائه ، فقد روى أبو رافع (2)
قيل اسمه : إبراهيم ، وقيل : أسلم، كان قبطياً ، قيل : كان ملكاً للعباس فوهبه إلى رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، ولما أسلم العباس بشر أبو رافع رسول الله بإسلامه ، فأعتقه . توفي في خلافة عثمان ، وقيل في خلافة أمير المؤمنين. الاستيعاب : 4 : 70 .
، وكان خازناً لبيت المال ، قال : « دخل علي أمير المؤمنين وقد أعطيت ابنته لؤلؤة من بيت المال ، فلما رآها عرفها ، وقد تغيّر لونه ، ومشت الرعدة بأوصاله ، فقال : مِنْ أَيْنَ لَها هَذِهِ ؟ وَاللَّهِ لَأَقْطَعَنَّ يَدَها .فلما رأى أبو رافع جدّه في الأمر، وعزمه على ذلك قال له : أنا والله يا أمير المؤمنين أعطيتها وهي عارية مضمونة .
فهدأ روعه ، وسكن غضبه، واندفع قائلاً: لَقَدْ تَزَوَّجْتُ بِفَاطِمَةَ وَما لي فِراش ، إِلَّا جِلْدُ كَبْشٍ نَنامُ عَلَيْهِ بِاللَّيْلِ ، وَنَعْلِفُ عَلَيْهِ نَاضِحَنا بِالنَّهارِ ، وَما لي خادِمٌ غَيْرُها (3).
إنّ مثله الرفيعة لم تسمح له أن يؤثر ابنته على بنات المسلمين ، وهذا هو منتهى
العدل الذي لم يحققه أحد غيره ، ومن مساواته بين المسلمين ، واحتياطه البالغ في أموالهم ما رواه عاصم بن كليب (1)
روى عن جماعة من أعيان الصحابة ، وروى عنه جماعة آخرون .
قال ابن معين والنسائي : إنّه ثقة ، وقال ابن شهاب : إنّه من العباد ، ومن أفضل أهل الكوفة ، اتهم بالمرجئة ثمّ نزّه من ذلك ، وعدّه ابن حبان في الثقات ، وقال : إنّه ثقة مأمون .
توفي سنة 137ھ. تهذيب التهذيب : 5 : 55 .
عن أبيه ، قال : «قدم على عليّ مال من أصبهان فقسمه على سبعة أسهم ، فوجدفيه رغيفاً فقسمه على سبعة أقسام ، ودعا أمراء الأسباع فأقرع بينهم لينظر أيهم يُعطى أولاً» (2).إنّ هذا هو العدل الذي لم تحققه الإنسانية في جميع مراحل تاريخها ، فإنّها على ما جربت من تجارب ، وبلغت من رقي وإبداع في فنون الحكم ، فإنّها لا تستطيع بأي حال من الأحوال أن تنشئ نظاماً سياسياً تتحقق فيه العدالة الكبرى كهذا النظام الذي وضعه ابن أبي طالب، وسار على منهاجه أبناؤه من بعده .
إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن بعض المثل العليا التي ينشدها أهل البيت (علیهم السلام) في ظلال الحكم ، ولو أنّ الإمام الحسن (علیه السلام) انحرف عنها ، ونهج في سياسته منهج من يعمل للدنيا ، وسلك مسلك من يبغي الملك والسلطان ، فراوغ وداهن ، وأنفق المال في غير محله ، لما آل الأمر إلى ابن هند الذي سلك جميع الوسائل في سبيل الوصول إلى الحكم ، ولكنّه سلام الله عليه آثر صيانة الإسلام ، والحفاظ على مقدراته ومعنوياته ، فسار بسيرة جدّه وأبيه التي لا تقرّ كل طريق يتصادم مع الدين.
وبقي هنا شيء ذكره الناقدون للصلح ، وهو عدم استشهاد الإمام (علیه السلام) ، فقد كان الأجدر به أن يناجز معاوية حتّى ينال الشهادة ، كما استشهد أخوه سيّد الشهداء
الحسين (علیه السلام) ، وسنذكر جواب ذلك مشفوعاً بالتفصيل عند التحدّث عن موقف الإمام الحسين (علیه السلام) من الصلح
واختلف المؤرخون اختلافاً كثيراً فيمن بادر لطلب الصلح ، فابن خلدون وجماعة من المؤرّخين ذهبوا إلى أن المبادر لذلك هو الإمام الحسن (علیه السلام) بعدما آل أمره إلى الانحلال (1)
وفي الإصابة : 2 : 64: « أنّه لمّا طعن الإمام بخنجر دعا عمرو بن سلمة الأرحبي وأرسله إلى معاوية يشترط عليه».
وفي الكامل في التاريخ : 3 : 205 ، قال : « لما رأى الإمام الحسن تفرّق الأمر عنه كتب إلى معاوية». وذكر ذلك ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : 4 : 8.
.وذهب فريق آخر إلى أن معاوية هو الذي بادر لطلب الصلح بعد ما بعث إليه برسائل أصحابه المتضمّنة للغدر والفتك به متى شاء معاوية أو أراد (2).
وذكر سبط ابن الجوزي : « أنّ معاوية قد راسل الإمام سراً يدعوه إلى الصلح فلم يجبه ، ثم أجابه بعد ذلك» (3)
وذكر الحاج أحمد أفندي في فضائل الأصحاب : 157 : « أنه يمكن الجمع بين الأخبار بأن معاوية أرسل له أوّلاً في الصلح ، فكتب الحسن إليه ثانياً يطلب ما ذكر » .
وأجملت بعض المصادر الأمر ، فقال اليعقوبي في تاريخه : 2: 192 : « لما رأى الحسن أن لا قوّة به وأن أصحابه قد افترقوا عنه فلم يقوموا له صالح معاوية». وكذا ذكر غيره .
.وأكبر الظنّ أنّ معاوية هو الذي استعجل الصلح وبادر إليه ، وذلك خوفاً من العراقيين أن ترجع إليهم أحلامهم ، ويثوب إليهم رشدهم ، وذلك لما عرفوا به من سرعة الانقلاب وعدم الاستقامة على رأي .
ومما يدل على أن معاوية هو الذي ابتدأ في طلب الصلح ، خطاب الإمام الحسن (علیه السلام) الذي ألقاه في المدائن ، فقد جاء فيه : « أَلَا وَإِنَّ مُعَاوِيَةَ دَعانا لأَمْرِ لَيْسَ فِيهِ عِزَّ وَلَا نِصَفَةٌ » .
ومهما يكن من شيء ، فإن تحقيق ذلك ليس بذي أهمية ، لأن الإمام إن كان هو الذي استعجل الصلح فلا ضير عليه نظراً للمحن الشاقة التي أحاطت به حتى ألجأته إلى المسالمة ، وإن كان معاوية هو الذي استعجل الصلح فلا ضير على الإمام أيضاً لما أوضحناه في أسباب الصلح ، والمهم البحث عن الشروط التي اشترطها الإمام على خصمه .
فقد اختلف التاريخ فيها اختلافاً فاحشاً ، واضطربت كلمات المؤرخين في ذلك ، وفيما يلي بعض تلك الأقوال :
1 - ذكر بعض المؤرّخين أنّ الإمام أرسل سفيرين إلى معاوية ، هما عمرو بن سلمة الهمداني ، ومحمّد بن الأشعث الكندي (1)
أمه فروة أخت أبي بكر . قيل : ولد على عهد رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، وهذا لا يصح لأن الأشعث تزوج بفروة في خلافة أبي بكر ، ولاه ابن الزبير الموصل ، وقتله المختار سنة 66ھ ، وقيل : سنة 70 ھ. :: تهذيب التهذيب : 9 : 64 .
ليستوثقا من معاوية ويعلما ما عنده ، فأعطاهما معاوية هذا الكتاب وهذا نصه :1) محمّد بن الأشعث الكندي الكوفي :
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا كتاب للحسن بن عليّ من معاوية بن أبي سفيان .
إنِّي صالحتك على أن لك الأمر من بعدي ، ولك عهد الله وميثاقه وذمته ، وذمة رسوله محمد ، وأشدّ ما أخذه الله على أحد من خلقه من عهد وعقد ، لا أبغيك غائلة ولا مكروهاً ، وعلى أن أعطيك في كلّ سنة ألف ألف درهم من بيت المال ، وعلي أن لك خراج فسا ودارابجرد (1)، تبعث إليهما عمالك ، وتصنع بهما مابدا لك».
شهد بها عبدالله بن عامر، وعمرو بن سلمة الكندي، وعبد الرحمن بن سمرة ، ومحمد بن الأشعث الكندي . كتب في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين هجرية (2)
(2 - 4) الكامل في التاريخ : 3: 205 . تاريخ الأمم والملوك : 3 : 321 .
.وتنص هذ الوثيقة على إعطاء معاوية ثلاثة أشياء للحسن (علیه السلام):
1 - جعله ولي عهده .
2 - للإمام (علیه السلام) من بيت المال راتب سنوي ألف ألف درهم .
3 - منحه كورتين من كور فارس يرسل إليهما عماله ، ويصنع بهما ما شاء.
واحتفظ الإمام (علیه السلام) برسالة معاوية ، فأرسل إليه رجلاً من بني عبدالمطلب وهو عبدالله بن الحارث بن نوفل ، وأمه أخت معاوية ، فقال له : ائْتِ خالَكَ وَقُلْ لَهُ: إِنْ أمثنْتَ النَّاسَ بايَعْتُكَ (3).
ولما انتهى عبد الله إلى معاوية وعرض عليه مهمة الإمام (علیه السلام) وهي طلب الأمن العام لعموم الناس ، استجاب له وأعطاه طوماراً وختم في أسفله وقال له : فليكتب الحسن فيه ما شاء ، فجاء عبدالله بن الحارث بهذا التفويض المطلق إلى الإمام (4).
فكتب (علیه السلام) ما رامه من الشروط ، وسنذكر نص ما كتبه عند التعرض لبعض
الروايات ، لأنّه لا يختلف عنها ، وقد عوّل على هذه الرواية الدكتور طه حسين (1).
2 - وروى كلّ من الطبري وابن الأثير صورة غير هذه ، وخلاصتها : أن الإمام راسل معاوية في الصلح واشترط عليه أموراً ، فإن التزم بها ونفّذها أجرى الصلح وإلا فلا يبرمه ، فلما وصلت رسالة الإمام إلى معاوية أمسكها واحتفظ بها ، وكان معاوية قبل ورود هذه الرسالة عليه قد بعث للإمام صحيفة بيضاء مختوماً في أسفلها ، وكتب إليه أن اشترط في هذه الصحيفة ما شئت ، وقد وصلت هذه الصحيفة إلى الإمام بعد ما بعث إلى معاوية الوثيقة التي سجل فيها ما أراده، وسجل الإمام في تلك الصحيفة البيضاء أضعاف الشروط التي اشترطها أولاً ، ثم أمسكها ، فلمّا سلّم له الأمر طلب منه الوفاء بالشروط التي اشترطها أخيراً ، فلم يف له بها وقال له : « لك ما كنت كتبت إليَّ أولاً تسألني أن أعطيكه ، فإنّي قد أعطيتك حين جاءني كتابك » .
فقال له الحسن (علیه السلام): وَأَنا قَدِ اشْتَرَطْتُ حينَ جاءَنِي كِتابُكَ وَأَعْطَيْتَنِي الْعَهْدَ عَلَى الْوَفاءِ بِما فيهِ ، فاختلفا في ذلك ، فلم ينفّذ للحسن من الشروط شيئاً (2).
وهذه الرواية لم تذكر لنا الشروط التي اشترطها الإمام أولاً ، ولا ما سجله ثانياً في الصحيفة البيضاء التي بعث بها معاوية إليه ، إلا أن أبا الفداء في تاريخه نص على الشروط الاُولى التي اشترطها الإمام فقال : « وكتب الحسن إلى معاوية ، واشترط عليه شروطاً ، وقال : إن أجبت إليها فأنا سامع مطيع .
فأجاب معاوية إليها ، وكان الذي طلبه الحسن أن يعطيه ما في بيت مال الكوفة ، و خراج دارا بجرد من فارس ، وأن لا يسب عليّاً ، فلم يجبه إلى الكفّ عن سبّ عليّ ، فطلب الحسن أن لا يشتم عليّاً وهو يسمع فأجابه إلى ذلك ، ثمّ لم يف له به» (3).
وعندي أنّ ما ذكره ابن الأثير والطبري بعيد عن الصحة كل البعد ، وذلك لأنّ الشروط التي اشترطها الإمام أخيراً إن كانت ذات أهمية بالغة ، فلماذا أهملها ولم ينص عليها في بداية الأمر ؟ ولو أغمضنا النظر عن ذلك فأي فائدة في تسجيلها مع عدم اطلاع معاوية عليها وإقراره لها ، مضافاً لذلك أن معاوية في تلك المرحلة لو سأله الإمام أي شيء لأجابه إليه .
3 - روى ابن عبد البر : « إنّ الإمام كتب إلى معاوية يخبره أنه يصير الأمر إليه على أن يشترط عليه أن لا يطلب أحداً من أهل المدينة والحجاز ولا أهل العراق بشيء كان في أيام أبيه ، فأجابه معاوية وكاد يطير فرحاً ، إلا أنه قال : أما عشرة أنفس فلا أؤمنهم ، فراجعه الحسن فيهم ، فكتب إليه يقول : إنّي قد آليت متى ظفرت بقيس بن سعد أن أقطع لسانه ويده ، فراجع الحسن إنّي لا أبايعك أبداً وأنت تطلب قيساً أو غيره بتبعة ، قلت أو كثرت ! فبعث معاوية حينئذ برق أبيض ، وقال : اكتب ما شئت فيه وأنا ألتزمه ، فاصطلحا على ذلك ، واشترط عليه الحسن أن يكون له الأمر من بعده ، فالتزم ذلك كله معاوية» (1).
وقد احتوت هذه الرواية على أنّ أهمّ ما طلبه الإمام الأمن العام لعموم أصحابه وأصحاب أبيه ، ولا شك أنّ هذا الشرط من أوليات الشروط وأهمها عند الإمام ، أمّا أن الصلح جرى بهذا اللون فأنا أشك في ذلك .
4 - وذكر جماعة من المؤرّخين أنّ الإمام ومعاوية اصطلحا وارتضيا بما احتوته الوثيقة الآتية ، وقد وقع عليها كل منهما وهذا نصها :
بسم الله الرحمن الرحيم
«هذا ما صالح عليه الحسن بن علي بن أبي طالب ، معاوية بن أبي سفيان؛ صالحه على أن يسلّم إليه ولاية أمر المسلمين على أن يعمل فيهم بكتاب الله ، وسنّة
1) الاستيعاب : 1 : 370 .
رسوله ، وسيرة الخلفاء الصالحين، وليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد إلى أحد من بعده عهداً ، بل يكون الأمر من بعده شوری بین المسلمين ، وعلى أنّ الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم ، وعلى أنّ أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم، وعلى معاوية بن أبي سفيان بذلك عهد الله وميثاقه ، وما أخذ الله على أحد من خلقه بالوفاء ، وبما أعطى الله من نفسه، وعلى أن لا يبغي للحسن بن عليّ ولا لأخيه الحسين ، ولا لأحد من أهل بيت رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) غائلة ، سراً ولا جهراً، ولا يخيف أحداً منهم في أفق من الآفاق . شهد عليه فلان ابن فلان بذلك ، وكفى بالله شهيداً» (1).
وهذه الصورة أفضل صورة وردت مبينة لكيفية الصلح ، فقد احتوت على أمور مهمة يعود صالح الأكثر منها إلى عموم المسلمين، إلّا أنا نشك في أنّ ما احتوت عليه هذه الوثيقة هو مجموع ما طلبه الإمام وأراده ، ونذكر فيما يلي مجموع الشروط التي ذكرها رواة الأثر ، وإن كان كل واحد منهم لم يذكرها بأسرها ، إلا أن بعضهم نص على طائفة منها ، والبعض الآخر ذكر طائفة أخرى ، وقد اعترف الفريقان أنّ ما ذكره كل واحد من الشروط ليس جميع ما اشترطه الإمام ، وإنما هي جزء من كلّ ، وها هي :
1 - تسليم الأمر إلى معاوية على أن يعمل بكتاب الله ، وسنة نبيه (2)، وسيرة الخلفاء الصالحين (3).
2 - ليس لمعاوية أن يعهد بالأمر إلى أحد من بعده ، والأمر بعده للحسن (1)، فإن حدث به حدث فالأمر للحسين (2).
3 - الأمن العام لعموم الناس ، الأسود والأحمر منهم سواء فيه ، وأن يحتمل عنهم معاوية ما يكون من هفواتهم ، وأن لا يتبع أحداً بما مضى ، وأن لا يأخذ أهل العراق بإحنة (3).
4 - أن لا يسمّيه أمير المؤمنين (4).
5 - أن لا يقيم عنده الشهادة (5).
6 - أن يترك سبّ أمير المؤمنين (6)، وأن لا يذكره إلا بخير (7).
7 - أن يوصل إلى كل ذي حق حقه (8).
8 - الأمن لشيعة أمير المؤمنين وعدم التعرّض لهم بمكروه (9).
9 - يفرّق في أولاد من قتل مع أبيه في يوم الجمل وصفين ألف ألف درهم،
1) الإصابة : 1 : 329 . الطبقات الكبرى / الشعراني : 23 . حياة الحيوان / الدميري : 1 : 57 . تهذيب التهذيب : 2: 229 تهذيب الأسماء واللغات / النووي : 1 : 199. ذخائر العقبی : 139 . الإمامة والسياسة : 1: 171 . ينابيع المودة : 293 ، وجاء فيه أن يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين.
2) عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب / جمال الحسني : 67.
3) مقاتل الطالبيين : 26 . الأخبار الطوال : 200.
4) تذكرة الخواص / ابن الجوزي : 206 .
5) أعيان الشيعة : 4 : 43.
6) أعيان الشيعة : 4 : 43.
7) مقاتل الطالبيين : 26 . شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 4 : 15 .
8) الفصول المهمة / ابن الصباغ : 144 . مناقب آل أبي طالب : 2 : 167 .
9) أعيان الشيعة : 4 : 43. تاريخ الأمم والملوك : 4: 108.
ويجعل ذلك من خراج دارا بجرد (1).
10 - أن يعطيه ما في بيت مال الكوفة (2)، ويقضي عنه ديونه ، ويدفع إليه في كل عام مائة ألف (3).
11 - أن لا يبغي للحسن بن عليّ ولا لأخيه الحسين ولا لأهل بيت رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) غائلة ، سرّاً ولا جهراً ، ولا يخيف أحداً منهم في أفق من الآفاق (4).
وهذه بنود الصلح ومواده التي ذكرها رواة الأثر ، أما أن الإمام قد اشترطها كلها أو بعضها فسوف نذكر ذلك عند دراسة الشروط وتحليلها ، وقبل أن نلقي الستار على هذا الفصل لا بدّ لنا من التعرض إلى أنه في أي مكان جرى الصلح ، وفي أي زمان نفّذ ؟
أمّا المكان الذي جرى فيه الصلح ، فقد كان في مسكن حسب ما ذكرته أوثق المصادر ، ففي تلك البقعة أبرم الصلح ونفّذ أمام جمع حاشد من الجيش العراقي والشامي .
وذهب بعض المؤرّخين إلى أنه وقع في بيت المقدس (5).
وذهب بعض آخر إلى أنه وقع بأذرح من أرض الشام (6).
1) بحار الأنوار: 44: 3 ، الحديث 2. تاريخ دول الإسلام : 1: 52 . الإمامة والسياسة : 200 . تاريخ مدينة دمشق : 13 : 264 ، وجاء فيه أن يعطيه خراج فسا ودارابجرد .
2) تاریخ دول الإسلام : 1: 53 .
3) جوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام : 112.
4) بحار الأنوار: 44: 65. النصائح الكافية : 160 .
5) تاريخ الخميس : 2 : 323. دائرة المعارف / البستاني : 7 : 38 .
6) تذكرة الخواص : 206 .
وهذان القولان من الشذوذ بمكان فلا يعوّل عليهما .
وكما اختلف المؤرّخون في المكان الذي وقع فيه الصلح ، فقد اختلفوا في الزمان أيضاً ، فقد قيل : إنّه كان سنة 41ھ في ربيع الأول ، وقيل : في ربيع الآخر . ، وقيل : في جمادى الاُولى .
وعلى الأوّل تكون خلافته خمسة أشهر ونصف، وعلى الثاني فستة أشهر وأيام ، وعلى الثالث فسبعة أشهر وأيام (1).
وقيل : وقع الصلح سنة أربعين من الهجرة في ربيع الأول (2)
وجاء في الاستيعاب : 1 : 387 « أن الإمام سلّم الأمر إلى معاوية في النصف من جمادى الاُولى سنة 41ھ ، وكل من قال : إنّه كان سنة أربعين فقد توهّم ، وفي تاريخ سينا أن الإمام تنازل عن الخلافة في 26 ربيع الثاني سنة 41ھ».
.وقيل غير ذلك ، والأصح أن مدة خلافته كانت ستة أشهر حسب ما ذكره أكثر المؤرخين .
وعلى أي حال ، فقد اصطلح بعض المؤرخين على تسمية ذلك العام - الخالد في دنيا الأحزان - بتسميته بعام الجماعة ، نظراً لاجتماع كلمة المسلمين بعد الفرقة ، ووحدتهم بعد الاختلاف، ولكنّ الحقّ أنّ هذه التسمية من باب تسمية الضد باسم ضده لأن المسلمين منذ ذلك العام قد وقعوا في شرّ عظيم ، وانصبت عليهم الفتن كقطع الليل المظلم ، حتّى تغيّرت معالم الدين، وتبدّلت سنن الإسلام ، وآلت الخلافة الإسلامية إلى المصير المؤلم تنتقل بالوراثة من ظالم إلى ظالم حتى اغرقت
البلاد في الدماء والمآسي والشجون .
يقول الجاحظ : « فعندما استوى معاوية على الملك ، واستبدّ على بقية الشورى ، وعلى جماعة المسلمين من الأنصار والمهاجرين في العام الذي سموه (عام الجماعة) ، وماكان عام جماعة ، بل كان عام فرقة وقهر وجبرية وغلبة ، والعام التي تحولت فيه الإمامة ملكاً كسرويّاً، والخلافة منصباً قيصرياً» (1).
لقد انفتح باب الجور على مصراعيه منذ ذلك العام الذي تم فيه الملك إلى (كسرى العرب) ، فقد لاقى المسلمون ، وخصوصاً شيعة آل محمد (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، من العناء والظلم والارهاق ما لم يشاهد له التاريخ نظيراً في فظاعته وقسوته .
يقول ابن أبي الحديد عما جرى على المسلمين بعد عام الصلح : « ولم يبق أحد من المؤمنين إلا وهو خائف على دمه أو مشرد في الأرض ، يطلب الأمن فلا يجده » . وبعد هذا الظلم الشامل والجور المرهق هل يصح أن يسمّى ذلك العام عام الجماعة والألفة ؟ !
ولا بد لنا من وقفة قصيرة للنظر في تحقيق الشروط التي اشترطها الإمام على معاوية ، كما لا بد من دراستها والإحاطة بها ولو إجمالاً ، لأنّها قد احتوت على أمور بالغة الأهميّة ، فقد ألغمت نصر معاوية ببارود ، وعادت عليه بالخزي ، وأخرجته من حكام العدل إلى حكام الجور والظالمين .
أما الشروط التي ذكرت فإنّا نؤمن بجميعها سوى شرطين ، وهما : أن يكون للإمام ما في بيت مال الكوفة ، ومنحه راتب سنوي له ولأخيه .
أما الأول فهو بعيد ، لأنّ ما في خزانة الكوفة من الأمتعة والأموال قد كانت تحت
1) الغدير: 10 : 227 .
قبضة الإمام (علیه السلام)، وبيده ، يتصرّف فيها حيثما أراد ، ولم تكن محجوبة عنه أو ممنوعة عليه حتى يشترط على معاوية أن يمكنه منها ، على أنا نشك أن خزانة الدولة قد احتوت على أموال كثيرة لأن سياسة أهل البيت (علیهم السلام) تقضي بصرف المال فوراً على ما خصصه الإسلام لها .
وأما الثاني : فهو بعيد لأنّ الإمام (علیه السلام) كان في غنى عن أموال معاوية ، وليس بحاجة لها ، ولو سلمنا ذلك فإنّه لا ضير على الإمام من أخذها ، لأنّ إنقاذ أموال المسلمين من حكام الجور أمر لازم كما سنوضّحه عند التعرض لسفر الإمام إلى دمشق ، والذي أراه أن معاوية قد أعطى الإمام في بداية الأمر هذين الشرطين ، فتوهم بعض المؤرّخين أنهما من جملة الشروط التي اشترطها الإمام عليه .
وعلى أي حال، فإنّ تلك الشروط كانت تهدف إلى طلب الأمن العام ، والسلم الشامل لجميع المسلمين، وتدعوهم في نفس الوقت إلى اليقظة والتحرّر من الاستعباد الأموي ، كما دلّت على براعة الإمام (علیه السلام) في الاحتفاظ بحقه الشرعي ، والتدليل على غصب معاوية له ، وإنّه لم يتنازل له عن حقه .
أما محتويات الشروط فهي كما يلي :
ولم يحل الإمام بين معاوية وبين المسلمين يتصرّف في شؤونهم حيثما شاء ، فقد أخذ عليه أن لا يعدو الكتاب والسنة في سياسته وسياسة عماله ، ولو كان يراه يسير على ضوء القرآن ، ويسير على منهج الإسلام لما شرط عليه ذلك ، وجعله من أهم الشروط السياسية التي ألزمه بها .
وعالج الإمام نقطة مهمة في تلك المعاهدة، وهي مصير الخلافة الإسلامية بعد
هلاك معاوية ، فقد شرط عليه أن تكون الخلافة له ولأخيه من بعده ، وصرّحت بعض المصادر أنّ الإمام اشترط عليه أن يكون الأمر شورى بين المسلمين بعد هلاك معاوية ، وعلى كلا القولين فقد أرجع الإمام الخلافة إلى كيانها الرفيع ، وإنما شرط عليه ذلك لعلمه باتّجاهاته السيّئة ، وأنّه لا بد أن ينقل الخلافة الإسلامية من واقعها إلى الملك العضوض ، ويجعلها في عقبة من شذاذ الآفاق والمجرمين ، فأراد الإمام إيقاظ المجتمع ، وبعثه إلى مناجزته إن أقدم على ذلك .
وأهم ما ينشده الإمام من تلكم الشروط هو بسط الأمن ، ونشر العافية بين جميع المسلمين ، سواء الأسود منهم والأحمر ، وقد دلّ ذلك على مدى حنانه وعطفه على جميع المسلمين ، كما نصت هذه المادة على أن لا يتبع أحداً بما مضى، وأن لا يأخذ أهل العراق بإحنة مما قد مضى ، وإنما شرط عليه ذلك لعلمه بما سيعاملهم به من الارهاق والتنكيل انتقاماً لما صدر منهم في أيام صفين .
وفي رفض الإمام (علیه السلام) تسمية معاوية بأمير المؤمنين تجريد له من السلطة الدينية عليه وعلى سائر المسلمين، ولم يلتفت معاوية إلى هذه الطعنة النجلاء ، فإنّه إذا لم يكن على الحسن أمير لم تكن له بالطبع على المسلمين إمرة أو سلطان ، وكان بذلك حاكم جور وبغي، وقد جرّده بذلك من منصب الإمامة والخلافة ، وأثبت له الغصب لهذا المركز العظيم
وهذه المادة قد فضحت معاوية وأخزته ، ودلّت على أنه من حكام الجور،
فإنّ إقامة الشهادة حسب ما ذكره الفقهاء إنّما تقام عند الحاكم الشرعي ، فهي من الوظائف المختصة به ، وإذا لم تصح إقامة الشهادة عند معاوية ، فهو ليس بحاكم عدل ، وإنما هو حاكم جور، وحكام الجور لا يكون حكمهم نافذاً، ولا تصرفهم ماضياً عند الشرع ، ويجب على الأمة أن تزيلهم عن هذا المنصب الذي أنيط به حفظ الدماء ، وصيانة الأعراض ، وحفظ الأموال ، وفي هذا الشرط بين الإمام أنه صاحب الحق ، وأن معاوية غاصب له .
وأظهر (علیه السلام) بهذا الشرط تمادي معاوية في الإثم ، فقد علم أنه لا يترك سبّ أمير المؤمنين ، والحط من كرامته ، فأراد (علیه السلام) أن يبين للمجتمع الإسلامي مدى استهتاره ، وعدم اعتنائه بشؤون الإسلام وتعاليمه ، فإنّ سبّ المسلم وانتقاصه قد حرمه الإسلام ، ولكن ابن هند لم يقم للإسلام وزناً ، فقد أخذ بعد إبرام الصلح يسبّ أمير المؤمنين على رؤوس الأشهاد ، كما سنبين ذلك عند التعرّض لخرقه شروط الصلح، ولا يخفى أنّ الإمام قد فضحه بهذا الشرط ، وأماط عنه الستر الصفيق الذي تستر به باسم الدين .
كان الإمام حريصاً أشد الحرص على شيعته وشيعة أبيه ، فقد صالح معاوية حقناً لدمائهم ، وحفظاً عليهم ، وقد اشترط على معاوية أن لا يتعرّض لهم بمكروه وسوء ، وهذا الشرط عنده من أهم الشروط وأعظمها .
قال سماحة المغفور له آل ياسين : « واعتصم فيها - أي في المعاهدة - بالأمان لشيعته وشيعة أبيه ، وإنعاش أيتامهم ليجزيهم بذلك على ثباتهم معه ، ووفائهم مع أبيه ، وليحتفظ بهم أمناء على مبدئه ، وأنصاراً مخلصين لتمكين مركزه ومركز أخيه
يوم يعود الحق إلى نصابه» (1).
إنّ أغلب الشروط التي اشترطها الإمام كانت تهدف لصالح شيعته ، وضمان حقوقهم، وعدم التعرّض لهم بأذى أو مكروه.
واشترط الإمام على معاوية أموالاً خاصة ينفقها على شيعته وشيعة أبيه ، وهي خراج دارا بجرد ، والوجه في هذا التخصيص إنّ الذي يجلب إلى الدولة من الأموال يسمّى بعضه بالفيء ، وهو المال المأخوذ من الأراضي المفتوحة عنوة ، وهذا يصرف على المصالح العامة، وعلى الشؤون الاجتماعية كتحسين الجيش ، وإنشاء المؤسسات وما شاكل ذلك من المشاريع الحيوية ، وقسم من الأموال يسمّى (بالصدقة) وهي الضرائب المالية التي فرضها الإسلام في أموال مخصوصة وأنواع من الواردات يدور عليها رحى سوق التجارة في العالم فرضها على الأغنياء تجلب منهم ، وتدفع إلى الفقراء لمكافحة الفقر ، وقلع بذور البؤس ، فقد قال (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم): «أُمِرْتُ في الصَّدَقَةِ أَنْ آخُذها مِنْ أَغْنِيائِكُمْ ، وَأَرُدَّها في فُقَرائِكُمْ» (2).
وقد كره الحسن أن يأخذ من هذه الأموال لنفسه أو لشيعته ، أما له فإنّها محرّمة عليه لأنّ الصدقة حرام على آل البيت ، وأمّا كراهة أخذها لشيعته فلأن أموال الصدقة لا تخلو من حزازة عليهم لأنّها أوساخ الناس ، وقد كره (علیه السلام) أن يأخذ منها لشيعته وخص ما يأخذه لهم من دارا بجرد لأنها قد فتحت عنوة ، وما فتح عنوة فهو ليس بصدقة ، وبذلك قد اختار لشيعته من الأموال ما هو أبعد عن الشبهة الشرعية ، وهي خراج دارا بجرد التي هي للمسلمين ، وعلى الإمام أن ينفقها على صالحهم .
ومن مواد المعاهدة أن لا يبغي معاوية للحسن والحسين ، ولا لأهل بيت النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) غائلة ، ولا يخيف أحداً منهم ، وإنما شرط عليه ذلك لعلمه بما سيبغيه لهم من الشرّ والمكر ، فكان من غوائله لهم أنّه دس السم للإمام - كما سنبينه - فأراد الإمام بهذا الشرط وبغيره من بنود الصلح أن يكشف الستار عن معاوية ، ويبدي عاره وعياره ، وأنه لا ذمة ولا حريجة له في الدين .
هذه بعض بنود الصلح ، وقد حفلت بعناصر ذات أهمية بالغة دلّت على براعة الإمام (علیه السلام)، وقابلياته الفذة في التغلب على خصمه.
يقول سماحة المغفور له آل ياسين في هذه المعاهدة : « ومن الحق أن نعترف للحسن بن عليّ على ضوء ما أثر عنه من تدابير ودساتير هي خير ما تتوصل إليه اللباقة الدبلوماسيّة لمثل ظروفه من زمانه وأهل زمانه بالقابليات السياسية الرائعة التي لو قدر لها أن تلي الحكم في ظرف غير هذا الظرف ، وفي شعب أو بلاد رتيبة بحوافزها ودوافعها لجاءت بصاحبها على رأس القائمة من السياسيين المحنكين ، وحكام الإسلام اللامعين، ولن يكون الحرمان يوماً من الأيام ، ولا الفشل في ميدان من الميادين بدوافعه القائمة على طبيعة الزمان دليلاً على ضعف أو منفذاً إلى نقد ، ما دامت الشواهد على بعد النظر وقوة التدبير، وسموّ الرأي ، كثيرة متظافرة تكبر على الريب وتنبو عن النقاش.
وللقابليات الشخصية مضاؤها الذي لا يعدم مجال العمل ، مهما حدّ من تيارها الحرمان أو ثنى من عنانها الفشل، وها هي من لدن هذا الرجل تستجد - منذ الآن - میدانها البكر القائم على الفكرة الجديدة القائمة على صيانة أمة بكاملها في حاضرها ومستقبلها ، بما تضعه المعاهدة من خطوط وبما تستقبل به خصومها من شروط» (1).
1) صلح الحسن (علیه السّلام) : 257 .
كان موقف سيد الشهداء الإمام الحسين (علیه السلام) من قضيّة الصلح كموقف أخيه الحسن (علیه السّلام) ، فكان يرى ضرورة المهادنة ، ولزوم المسالمة ، وأنّه ليس من الحكمة ، ولا من الصالح فتح باب الحرب مع معاوية ، فإنّه يعود بالمضاعفات السيئة على الإسلام ، ويجرّ الويلات للمسلمين ، وذلك لتفلّل الجيش الذي نزح معهم .
فقد ذكرنا في البحوث السابقة الخيانات المفضوحة التي ظهرت من أغلب الأمراء والوجوه ، والتحاقهم بمعسكر معاوية ، وضمانهم له الفتك بالإمام الحسن (علیه السلام)، أو تسليمه أسيراً له، فكيف يحاربه بهذه القوى الغادرة التي تبغي له الغوائل وتتربص به الفرص للفتك به ؟ إن الإمام الحسين (علیه السلام) كان من رأيه أن يستجيب أخوه للصلح ، ولا يناجز معاوية نظراً للعوامل المريرة التي أحاطت به حتى جعلت من المستحيل التغلب على معاوية والانتصار عليه ، فما عمله الإمام الحسن (علیه السّلام) من الصلح كان أمراً متعيّناً ولا سبيل لغيره - كما أوضحنا ذلك في أسباب الصلح - ، فكيف يخالف الإمام الحسين (علیه السلام) أخاه في ذلك ولا يقرّه عليه .
وزعم بعض المؤرّخين أنّ الإمام الحسين (علیه السلام) كان كارهاً لما فعله أخوه ، وأنّه قال له : أنشدك الله أن تصدق أحدوثة معاوية ، وتكذب أحدوثة أبيك !
فأجابه الحسن : أنا أعلم بهذا الأمر منك (1).
1) أسد الغابة : 2 : 20.
ورووا أيضاً : « إن الحسن (علیه السّلام) قال لابن عمه عبد الله بن جعفر : إني رأيت رأياً أحبّ أن تتابعني عليه .
فانبرى إليه ابن جعفر قائلاً: ما هو ؟
فأيّد ابن جعفر رأيه قائلاً: جزاك الله عن أمة محمد خيراً ، وأنا معك .
ثم بعث نحو الحسين ، فلما مثل بين يديه قال له : إني رأيت رأياً ، وأحبّ أن تتابعني عليه .
فذكر له رأيه في ذلك .
فانبرى الحسين وهو غضبان قائلاً: أعيذك بالله أن تكذب عليّاً في قبره وتصدّق معاوية .
تأثر الحسن من كلامه، وقال له : والله ما أردت أمراً إلا خالفتني عليه إلى غيره ، والله لقد هممت أن أقذفك في بيت فأطينه عليك ، حتى أقضي أمري» .
فلما رأى الحسين غضب أخيه وجده في الأمر انسحب عن فكرته وتنازل عن رأيه وقال له بصوت خافت : أنت أكبر ولد علي ، وأنت خليفتي ، وأمرنا لأمرك متبع ، فافعل ما بدا لك (2).
لا شك في افتعال ذلك كله ، وأنّه من الموضوعات لأنّ الإمام الحسين (علیه السلام) كان عالماً بالعلل والأسباب التي ألجأت أخاه إلى الصلح وألزمته بالمسالمة ، فإن رأيه في
الصلح كان موافقاً لرأي أخيه لا يخالفه ولا يختلف عنه ، ويدل على ذلك أنّ الإمام الحسن (علیه السلام) لما أبرم الصلح أقبلت إلى الإمام الحسين طائفة من الزعماء والوجوه يطلبون منه أن ينقض ما أبرمه أخوه ، ويناجز معاوية ، فأبى (علیه السلام) وامتنع ، ولو كان رأيه مخالفاً لرأي أخيه لأجابهم إلى ذلك ، ولما انتقل الإمام الحسن (علیه السّلام) إلى حظيرة القدس رفعت إليه طوائف من زعماء العراق عدّة رسائل يطلبون منه إعلان الثورة على معاوية فامتنع من إجابتهم وقال لهم : ما دام معاوية في قيد الحياة فلا أتحرك بكلّ شيء ، وإذا مات نظرت في الأمر (1).
إنّ امتناعه من القيام بالأمر ما دام معاوية حياً يدل بصراحة أنه كان يرى ضرورة المهادنة والمسالمة المؤقتة ، فإنّ الثورة لا تنتج ولا التضحية تجدي شيئاً مع وجود معاوية لأنه يلبسها ثوباً يخرجها عن اطار الاصلاح كما أوضحنا ذلك فيما تقدّم .
نعم ، لا شك أن الصلح قد ترك في نفس الحسين (علیه السلام) أسى مريراً وحزناً مرهقاً ،كما ترك في نفس الحسن (علیه السلام) أيضاً لوعة وحزناً ، ولكنّهما سلام الله عليهما ماذا يصنعان والظروف لم تكن مواتية لهما حتّى يقوما بمناجزة معاوية .
وممّا يدلّ على وضع ذلك وعدم صحته أنه جاء في الرواية الثانية أنّ الإمام قال لأخيه الحسين : ما أردت أمراً إلا خالفتني عليه .
إنّ هذا الكلام شاهد على الافتعال والوضع لأنّ الإمام الحسين (علیه السلام) تصدّه مثله العليا عن مخالفة أخيه وعدم طاعته له ، فقد تربيا معاً في حجر المشرع الأعظم ، وأفاض عليهما مثله وتهذيبه وهديه حتى صارا صورة صادقة عنه ، فكيف يخالف أوامر أخيه ، ولا يطيعه في أمر يعود بالصالح العام لجميع المسلمين ، إنّ الإمام الحسين (علیه السلام) كان يكبر أخاه ويجله ولا يخالف له أمراً ، فقد روى حفيده الإمام الباقر (علیه السلام) عن مدى إجلاله وتعظيمه له قال : « ما تَكَلَّمَ الْحُسَيْنُ بَيْنَ يَدَيِ الْحَسَنِ
1) الإرشاد : 2 : 31 .
إعظاماً لَهُ» (1).
وبعد هذا التقدير والإكبار هل يصح أن يقول الحسن لأخيه : ما أردت أمراً إلا خالفتني عليه .
وانجرف الدكتور طه حسين بهذه الرواية المفتعلة فقال : «كره صلح أخيه وهم أن يعارض ، فأنذره أخوه بأن يشدّه في الحديد حتى يتم الصلح » .
وقال : « وكان الحسين يعيب الصلح لأنه إنكار لسيرة أبيه » .
وقال أيضاً : «رأى الوفاء لأخيه حقاً فوفى له ، وأطاعه كما أطاع أباه من قبله ، وما أشك في أنه أثناء هذه السنين التي قضاها في المدينة بعد صلح أخيه كان يتحرّق تشوّقاً إلى الفرصة التي تتيح له استئناف الجهاد حيث تركه أبوه» (2).
أما قوله : «كره صلح أخيه وهم بالمعارضة ، فأنذره أخوه بأن يوثقه في الحديد ، وأنه كان يعيب عليه لأنه إنكار لسيرة أبيه » فيردّه أنه لو كان كارهاً لذلك لأجاب الكوفيين إلى مناجزة معاوية بعد ما جرى الصلح ، ولأعلن الثورة عليه بعد موت أخيه ، مضافاً إلى أنه لو كان الصلح مخالفاً لسيرة أمير المؤمنين (علیه السلام) لما سكت الحسين لحظة واحدة لأنّ السكوت عن الحق جبن ومعصية ، ولو كان مخالفاً لسيرة أمير المؤمنين (علیه السلام) التي هي سيرة رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) لما أبرم الحسن (علیه السّلام) الصلح ونفذه .
نعم ، كان الحسين يتحرّق شوقاً إلى الجهاد تحرّق الظمآن إلى الماء ، قد انطوى قلبه على شجى مكتوم وحزن مرهق ، ولكنّه لم ينفرد بذلك ، فقد شاركه أخوه في جميع محنه وأشجانه ، وكانا معاً يترقبان بفارغ الصبر الفرصة السانحة للثورة على حكومة أمية ، ولكنّ الفرصة التي يؤمل بها النصر والفتح كانت معدومة ما دام معاوية
حيّاً ، فإن فتح باب الحرب معه يعود بالضرر البالغ على الإسلام والمسلمين .
بقي هنا شيء لم نذكره في أسباب الصلح ، وهو أنّه لماذا لم يفتح الإمام الحسن (علیه السلام) باب الحرب مع معاوية ، وإن عدم الناصر والمعين فيستشهد كما استشهد أخوه سيّد الشهداء الإمام الحسين (علیه السلام).
وهذه الشبهة قد ذهب إليها بعض الناقدين للصلح ، ولندع الجواب إلى إمام من أئمّة المسلمين وهو آية الله المغفور له السيد عبد الحسين شرف الدین ، فقد كشف الغطاء عنها في مقال عنوانه : ثورة الحسين صدى لصلح الحسن (علیه السّلام) ، وقد نشر في أغلب الصحف المحليّة ، نذكره بأسره لما فيه من مزيد الفائدة .
قال له : «كان بنفسي من قديم أن أعني ببحث هذه المسألة بحثاً يدفع هذه الشبهة عن أبي محمد في نفوس المتمكنين في فهم التأريخ فهماً صحيحاً ، وكثير من هؤلاء لا يرجعون إلى مصدر علمي في وزن هؤلاء النفر من أهل البيت (علیهم السلام)، وإخضاع حركاتهم في حالتي مدّها وجزرها للمبدأ الأسمى ، الذي طوّعهم لخدمته ، وأفنى ذواتهم في ذاته ، فكانوا ينقبضون حين يشاء لهم الانقباض ، وينبسطون حين يشاء لهم الانبساط كذلك .
كان بنفسي أن أردّ هذه الشبهة عن أبي محمد السبط بإقامة هذا الميزان العلمي الذي يجلو هذه الحقيقة ، ويكشف خدرها، غير أن وارداً ثقيلاً من المشاغل التي لا تنتهي كان يصرفني عمّا بنفسي من ذلك ، فها أنا الآن اُوجز الإشارة إلى هذه الشبهة ودفعها ، وعسى أن تعود هذه النواة غرساً أتعهده أنا بما ينميه إن سنحت الفرصة أوّلاً فينميه قلم من هذه الأقلام الصقيلة ، المغموسة بقلوب الأحرار، وعقول العلماء من خدام الحقائق .
أمّا الشبهة فقديمة كقدم النظر القاصر فيمن يأخذون من الأشياء بالظاهر والملمون بتاريخ الحسن (علیه السلام) يعرفون أنّ قوماً من صحابته أخذوا عليه قعوده عن
حرب معاوية ، ومناجزته إيَّاه القتال ، حتى لأوشك أن يذهب يومئذ ضحيّة هذه الفتنة ، وحتى دخل عليه خاصته بسلام غليظ يقولون فيه : السلام عليك يا مذلّ المؤمنين.
وقد يكون لهؤلاء عذر بحماستهم التي نعرفها لذوي النجدة من فتيان الإيمان الذين تغلب فيهم عاطفة الحماسة ، واستقرار الرويّة ويُعد النظر.
وقد يكون ذلك ، ولكنا لا نقصد الآن إلى الاعتذار لهم ، بل نريد أن نثبت طرف هذه الشبهة عن الأوّل لنراها تتسلسل منه ، فتظهر بين حين وآخر طوراً على لسان أوليائه ، وتارة على لسان أعدائه ، وهي هنا وهناك لا تظهر إلا لتدل على جهل هؤلاء وأولئك .
فنحن حين نزن صلحه (علیه السلام) وحربه نرجّح كفّة الصلح من حيث اعتبرت المعايير المرعبة ، وكن إن شئت (ماديّاً) ، أو كن (روحيّاً) تتجاوز بإيمانك وفهمك مدى المحسوسات المرئية .
كن أوّل الأمر مادياً وناقش حرب الحسن في جيش حكم على نفسه بالهزيمة قبل أن يخوض المعركة ، وغزاه معاوية الذي ثبت لعلي من قبل ، ولعلي معنوية عسكرية ترجف الأرض من خيفتها ، مضافاً إلى معنوياته الأخرى التي لم يكن الحسّ يتمتع بمثلها في نفوس معاصريه ، بحكم انضوائه إلى لواء أبيه.
نعم لك أن تقول كان على الحسن أن يستشهد فيموت عزيزاً ، ولكن أعد النظر في تاريخ هذه الفترة لترى أنّ الاستشهاد فيها ينمسخ إلى معنى من معاني (الخروج) ، فلم تكن يومئذ حقيقة وطنيّة ثابتة ، ولا روح مبدئيّة مستقرّة لتكون التضحية تضحية مقرّرة القواعد وليس أتفه - في هذه الحال - من الموت يعين على صاحبه ويميته مرّة أخرى في معناه .
كانت الحياة الإسلامية تنتكس حقاً وتتحوّل إلى ملك عضوض ، وكانت المطامع
تتجند في ركاب الملك هاربة من حواشي الخلافة، ولكنّها كانت ما تزال تحتفظ بوسيلة الإسلام وظاهر مبادئه في (وصوليّة) صاغها معاوية بدهائه ، وكان هذا وحده عذراً للحسن من ناحيتين :
1 - كان عذره في الصلح لأنّ (الدنيا) كانت تظاهر معاوية فتستلب منه ابن عمه وقائد عسكره .
2 - ثم كان عذره في القعود عن الشهادة لأنّ ذلك بعينه ليس ظرف الشهادة ، لأنه كان قادراً على مسخها .
فأي ربح مادّي في الموت لو اختاره الحسن كما يريد هؤلاء ، غير أنه يعين معاوية على نفسه حياً وميتاً.
إنني لا أرى شيئاً أدل على عظمة الحسن من هذه السياسة المادية التي حددت موقفه على هذا النحو في أخطر دور مرّ به الإسلام ، فكانت نواة لقلب الحكم الأموي وفضحه ، كما كانت مادة ذلك المارد الجبار الذي انفجر في مصرع الحسين (علیه السلام) ذلك الانفجار ، ولو لم يكن موقف الحسن هذا لأتيح لمعاوية سلطان لا يعرف الناس منطوياته ، ولما أتيح للحسين أن يكون الفداء الخالد للمبدأ الخالد .
وبعد ، إن كنت مادياً فكن (روحيّاً) وناقش حرب الحسن لتجتمع لك الاعتبارات كلها على رجحان كفّة الصلح .
الحسن (علیه السّلام) ليس من طلاب (الإمرة) لذات الإمرة ، بل هو ممن يريدون الخلافة وسيلة للإصلاح، وإقامة العدل والسلام بين الناس ، وما أظن هذه العقيدة الروحية تعدم دليلها المادي ، فأبوه وجده أثبتا في الإسلام أنهما كذلك، وله قبل الإسلام إرث ينهض دليلاً على أنه من معدن مصلح لا يطلب النفوذ إذا استغنى عن فعل الخير.
ومن هنا كان سهلاً عليه أن يتنازل عن الخلافة لأنه في فترة لا تقدر هي على إبداء
الخير في ظلّ ذلك الجيل المكبوت المشتاق إلى الشهوات يصيب منها فوق كفايته على موائد معاوية ، بل لقد كان الواجب عليه أن يتنازل مع عدم القدرة على تذليل العقبة من إخضاع (الأموية) المندفعة ، لأنّ تنازله يأتي وفق الخطة التي رسمتها له مبادؤه .
وليس عائبو تنازله أشدّ إحساساً منه بآلام التنازل وهو المجروح ، ولكنها التضحية الضخمة فرضت عليه أن يتحمّل آلام القعود التي كتبتها عليه مثله العليا ومبادؤه الحسنى.
وهي تضحية لا تقل قدراً - إن لم تزد - عن تضحية الحسين (علیه السلام)، وكن الآن ما شئت ، كن مادياً ، أو كن روحياً فستنتهي آخر الأمر إلى نتيجة رائعة ، وهي أن صلح الحسن مصدر من أكبر مصادر ثورة الحسين التحريرية ، وإلى أن جوهر التضحية واحد عند الإمامين، وإن اختلف مظهرهما .
والحق أنّ يوم الطف كان صدى ليوم المدائن صلّى الله على سيدي شباب أهل الجنّة ، ونفع المسلمين بذكرياتهما المجدّدة المتجدّدة، ووفق العرب والمسلمين إلى الاهتداء بهديهما في مرحلتهم الصعبة هذه» (1).
ورأي سماحة الإمام شرف الدين رأي وثيق تعضده الأدلة ويسنده المنطق العلمي من جميع جهاته ، والحق إنه (علیه السلام) لو ضحى بنفسه لذهبت تضحيته معدومة الأثر ، لا تقيم حقاً ، ولا تغيّر باطلاً، لأن معاوية بمكره وخداعه ، يلقي المسؤولية على الحسن ، ويبرئ نفسه عن ارتكاب الجريمة ، فيقول للناس : إنّي دعوت الحسن للصلح ، ولكنّ الحسن أبى إلا الحرب ، وكنت أريد له الحياة ، ولكنّه أراد لى القتل، وأردت حقن الدماء ، ولكنه أراد هلاك الناس بيني وبينه .
1) جريدة الساعة الغرّاء عددها الخاص بسيد الشهداء (علیه السلام) من السنة 4 بعدد 908 ، ونشرتها مجلة الغري الزاهرة بعددها الخاص بالإمام الحسين (علیه السلام) من السنة 9 ، العدد 11.
ومعاوية له هذه القابليات التي يظهر بها نفسه مظهر العادل المنصف، وبذلك تكون التضحية مسلوبة الأثر معدومة الفائدة
وأما الحسين (علیه السلام) فقد جاءت تضحيته الخالدة موافقة لظرفها الملائم ومنسجمة مع مقتضيات الزمن ، لأنّ الأثيم يزيد ليس معه من يدير شؤونه ويردعه عن طيشه وغروره ، فقد هلكت تلك العصابة التي كان يعتمد عليها معاوية في تدبير شؤونه كابن العاص ، والمغيرة وأمثالهما من دهاة العرب، ولم يبق منهم معه أحد، فلذا نهض الإمام الحسين (علیه السلام) بتلك النهضة الموفّقة التي جاءت بالنهاية المحتومة لدولة أمية .
وبالجملة إنّ مهادنة الحسن وشهادة الحسين (علیهما السلام) قائمتان على فكرة عميقة منبعثة من وحي جدّهما الرسول (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، ولولا صلح الإمام الحسن (علیه السّلام) ، وشهادة أخيه سيّد الشهداء (علیه السلام) لما بقي للإسلام اسم ولا رسم ، وقد صرّح بهذا الإمام كاشف الغطاء في مقدمته للجزء الأول من هذا الكتاب .
قال له : « إنه كما كان الواجب والمتعين الذي لا محيص عنه في الظروف التي ثار بها الحسين سلام الله عليه على طاغوت زمانه أن يحارب ويقاتل حتى يُقتل هو وأصحابه ، وتسبى عياله ودائع رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، كما كان هذا هو المتعيّن في فنّ السياسة ، وقوانين الغلبة والكياسة مع قطع النظر عن الأوامر الإلهية ، والمشيئة الأزليّة ، كذلك كان المتعيّن والواجب الذي لا محيص عنه في ظروف الحسن (علیه السلام) وملابساته هو الصلح مع فرعون زمانه ، ولولا صلح الحسن ، وشهادة الحسين (علیهما السلام) لما بقي للإسلام اسم ولا رسم ، ولضاعت كل جهود محمد (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وما جاء به للناس من خير وبركة ورحمة».
نعم ، لولا صلح الحسن وشهادة الحسين لقضي على الإسلام ولف لواؤه ، فإنّ الحسن (علیه السلام) بصلحه فضح معاوية وأظهر عداءه السافر للإسلام والمسلمين ، والحسين (علیه السلام) بتضحيته وشهادته فتك بدولة أميّة وقضى عليها وعلى كل ظالم
مستبد ، وأعطى الدروس الخلّاقة لكل مصلح يريد أن يثور على الظلم والطغيان والاستغلال .
لعلّ أقسى محنة اجتازتها نفس أي إنسان كانت هي التي ألمت بالإمام الحسن (علیه السلام) حينما اجتمع بابن أبي سفيان ، فقد أودع ذلك الاجتماع ألماً مرهقاً ، وأسى مرّاً ، استوعب نفسه الشريفة؛ ذلك لأنه رأى باطل معاوية قد استحكم وجوره قد انتصر ، وزاد في أساه ما ستعانيه الأمّة في دور هذا الطاغية من المآسي والشجون ، فترك ذلك أعمق الألم والحزن في نفسه •
لقد اجتمع الإمام - على كره - بمعاوية ، وكان الاجتماع بالنخيلة (1)، وقيل بالكوفة (2)، وقد حضرته جموع حاشدة من المسلمين ، تنتظر بفارغ الصبر ما يفوه به الملك الظافر من الأمن والرفاهية وما يبسطه على الناس من العدل، وما عسى معاوية أن يفعل في هذه الساعة الرهيبة ، إنّه اعتلى المنبر فأظهر خبث ذاته ، وسوء سريرته ، وأعلن ما يضمره للمسلمين من الشر والارهاق ، كما أظهر لهم السرّ في الحرب التي أثارها على أمير المؤمنين (علیه السلام) وولده الحسن (علیه السلام) قائلاً:
«أيّها الناس ، ما اختلف أمر أمة بعد نبيها إلا وظهر أهل باطلها على أهل حقها».
ولما افتتح خطابه بهذا القول الذي حكى فيه الواقع التفت إلى أنه قد عنى به
نفسه ، فندم على ذلك ، فاستدرك قائلاً: « إلا هذه الأمة » .
ثمّ وجّه خطابه القاسي إلى العراقيين معرباً لهم عن حقيقة الحرب التي أثارها عليهم ، وإنّ الهدف الأقصى الذي ينشده من وراء ذلك إنّما هو الملك ، لا الطلب بدم عثمان قائلاً:
«والله إنّي ما قاتلتكم لتصلوا ، ولا لتصوموا ، ولا لتحجوا ، ولا لتزكوا ، إنكم لتفعلون ذلك ، وإنّما قاتلتكم لأتأمر عليكم ، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون .
ثمّ صرّح بعد ذلك بعدم التزامه ووفائه بالشروط التي أعطاها للإمام فقال : «ألا إن كلّ دم أصيب في هذه الفتنة مطلول ، وكلّ شرط شرطته فتحت قدمي هاتين (1)
و قريب منه ذكره الشيخ المفيد في الإرشاد : 2 : 14. مقاتل الطالبتين : 45 .
، ولا يصلح الناس إلا ثلاث : إخراج العطاء عند محله ، وإقفال الجنود لوقتها ، وغزو العدوّ في داره ، فإن لم تغزوهم غزوكم».حقاً إنّ هذا هو التمادي في الإثم ، وكان عبد الرحمن بن شريك (2)
روى عن أبيه ، وروى عنه البخاري في كتاب الأدب ، عده ابن حبان في الثقات ، وقال : ربّما أخطأ. توفي سنة 227ھ. تهذيب التهذيب : 6: 194.
إذا حدث بذلك يقول : « والله هذا هو التهتك »ويقول أبو إسحاق السبيعي - وهو ممن روى خطاب معاوية - : «كان والله غدّاراً » .
وأخذ معاوية يكيل السب والشتم إلى أمير المؤمنين (علیه السلام) وولده الحسن غير مستأثم من ذلك ولا متحرّج ، وقد خرق بذلك أبرز بنود المعاهدة التي وقع عليها .
وطلب معاوية من الإمام أن يعتلي منصة الخطابة ليبين للناس تنازله عن الأمر. وقيل إنّ ابن العاص أشار عليه بذلك ليظهر للناس - بحسب زعمه - عيّ الإمام وعدم مقدرته على الخطاب ، وقد أخطأ في ذلك ، فإنّ الإمام قد خطب الناس غير مرّة في حياة أبيه ، وبعد وفاته ، ولم يُعرف عنه العيّ والحصر ، لأنه من أهل بيت كانوا معدن الفصاحة والبلاغة ، وفصل الخطاب.
وانبرى الإمام إلى أعواد المنبر والناس كلّهم أذن صاغية وهم ما بين راغب وراغم ، فخطبهم خطبة طويلة كانت في منتهى الروعة والبلاغة ، وعظ فيها الناس ، ودعاهم إلى الألفة والمحبة ، وصوّر فيها الأحداث الرهيبة التي جرت على أهل البيت بعد وفاة النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وعزا ما جرى عليهم من المحن والخطوب إلى الصدر الأول الذين نزعوا الخلافة منهم ، وردّ في آخر خطابه على معاوية ، وهذا نص خطابه :
«الْحَمْدُ لِلَّهِ كُلَّما حَمِدَهُ حامِدٌ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كُلَّما شَهِدَ لَهُ شاهِدٌ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى ، وَائْتَمَنَهُ عَلَى الْوَحْي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
أَمَا بَعْدُ: فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَرْجو أَنْ أَكونَ قَدْ أَصْبَحْتُ بِحَمْدِ اللَّهِ وَمَنهِ وَأَنَا أَنْصَحُ خَلْقِ اللَّهِ لِخَلْقِهِ ، وَما أَصْبَحْتُ مُحْتَمِلاً عَلَى مُسْلِمٍ ضَغينَةٌ ، وَلَا مُريداً لَهُ سُوءاً وَلَا غائِلَةً .
أَلا وَإِنَّ مَا تَكْرَهُونَ فِي الْجَمَاعَةِ خَيْرٌ لَكُمْ مِمَّا تُحِبُّونَ فِي الْفُرْقَةِ ، أَلا وَإِنِّي ناظِرٌ لَكُمْ خَيْرٌ مِنْ نَظَرِكُمْ لأَنْفُسِكُمْ ، فَلَا تُخالِفُوا أَمْرِي ، وَلَا تَرُدُّوا
عَلَيَّ رَأْيِي غَفَرَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ ، وَأَرْشَدَنِي وَإِيَّاكُمْ لِمَا فِيهِ الْمَحَبَّةُ وَالرّضا» (1).
ثمّ التفت إلى الجماهير فقال (علیه السلام) لها :
«أَيُّها النَّاسُ ، إِنَّ أَكْيَسَ الْكَيْسِ التَّقى ، وَأَحْمَقَ الْحُمْقِ الْفُجورُ ، وَاللهِ لَوْ طَلَبْتُمْ ما بَيْنَ جابَلْقَ (2)وَجابَرْسَ (3)رَجُلاً جَدُّهُ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ مَا وَجَدْتُمُوهُمْ غَيْرِي وَغَيْرَ أَخيِ الْحُسَيْنِ ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ اللهَ هَداكُمْ بِجَدّي مُحَمَّدٍ فَأَنْقَذَكُمْ بِهِ مِنَ الضَّلالَةِ ، وَرَفَعَكُمْ بِهِ مِنَ الْجَهالَةِ ، وَأَعَزَّكُمْ بَعْدَ الذِّلَّةِ ، وَكَثَّرَكُمْ بِهِ بَعْدَ الْقِلَّةِ .
وَإِنَّ مُعاوِيَةَ نازَعَني حَقًّاً هُوَ لى دونَه ، فَنَظَرْتُ لِصَلاحِ الْأُمَّةِ ، وَقَطع الْفِتْنَةِ ، وَقَدْ كُنْتُمْ بِايَعْتُموني عَلى أَنْ تُسالِموا مَنْ سالَمْتُ ، وَتُحارِبُوا مَنْ حارَبْتُ ، فَرَأَيْتُ أَنْ اُسالِمَ مُعاوِيَةَ ، وَأَضَعَ الْحَرْبَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ ، وَقَدْ بِايَعْتُهُ ، وَرَأَيْتُ أَنَّ حَقنَ الدَّمَاءِ خَيْرٌ مِنْ سَفْكِها ، وَلَمْ أَرِدْ بِذلِكَ إِلَّا صَلاحَكُمْ
1) الإرشاد : 2 : 169 .
2) جابلق - بالباء الموحدة المفتوحة واللام المسكنة - : روي عن ابن عباس أنّها بأقصى المغرب ، وأهلها من ولد عاد. معجم البلدان : 3 : 32.
3) جابرس : مدينة بأقصى الشرق ، زعم اليهود أن أولاد نبيهم موسى (علیه السلام) هربوا إما في حرب طالوت ، أو في حرب بخت نصر ، فسيّرهم الله وأنزلهم في هذا الموضع فلا يصل إليهم أحد ، وقد طويت لهم الأرض وجعل عليهم الليل والنهار سواء ، حتى انتهوا إلى (جابرس) فسكنوا فيها ، ولا يحصي عددهم إلا الله ، فإذا قصدهم أحد من اليهود قتلوه وقالوا : لم تصل إلينا حتى أفسدت سنتك ، وبهذا الاعتبار يستحلون دمه . معجم البلدان : 3: 33.
وَبَقَاءَكُمْ «وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ» (1)» (2).
وأخذ (علیه السلام) يبين ظلامة أهل البيت فقال (علیه السلام) :
وَإِنَّ مُعاوِيَةَ زَعَمَ لَكُمْ أَنِّي رَأَيْتُهُ لِلْخِلافَةِ أَهْلاً ، وَلَمْ أَرَ نَفْسي لَهَا أَهْلاً، فَكَذَبَ مُعاوِيَةُ ، نَحْنُ أَوْلَى النَّاسِ بِالنَّاسِ فِي كِتابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَعَلَىٰ لِسانِ نَبِيِّهِ ، وَلَمْ نَزَلَ - أهل البيت - مَظْلُومِينَ مِنْذُ قَبَضَ اللَّهُ نَبيَّهُ ، فَاللَّهُ بَيْنَنا وَبَيْنَ مَنْ ظَلَضمَنا ، وَتَوَثَبَ عَلى رقابنا ، وَحَمَلَ النّاسَ عَلَيْنا ، وَمَنَعَنا سَهْمَنا مِنَ الْفَيْءِ ، وَمَنَعَ اُمَّنا ما جَعَلَ لَهَا رَسولُ اللهِ ، وَأُقْسِمُ بِاللهِ لَوْ أَنَّ النَّاسَ بايعوا أبي حِينَ فَارَقَهُمْ رَسولُ اللهِ لأَعْطَتْهُمُ السَّماءُ قَطْرَها ، وَالْأَرْضُ بَرَكَتَها، وَلَما طَمِعْتَ فيها يا مُعاوِيَةُ.
فَلَمّا خَرَجَتْ مِنْ مَعْدِنِها تَنازَعَتْها قُرَيْشٌ بَيْنَها ، فَطَمِعَ فيها الطُّلَقَاءُ وَأَبْناءُ الطَّلَقَاءِ ، أَنْتَ وَأَصْحابُكَ ، وَقَدْ قالَ رَسولُ اللهِ : ما وَلَّتْ أُمَّةٌ أَمْرَها رَجُلاً وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ إِلَّا لَمْ يَزَلْ أَمْرُهُمْ يَذْهَبُ سِفالاً حَتَّى يَرْجِعوا إِلى ما تَرَكوا .
فَقَدْ تَرَكَ بَنو إِسْرَائِيلَ هارونَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ خَليفَةُ مُوسى فيهِمْ وَاتَّبَعوا السّامِرِئَ، وَتَرَكَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ أَبي وَبايَعوا غَيْرَهُ ، وَقَدْ سَمِعوا رَسولَ اللَّهِ يَقولُ لَهُ : أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هارونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا النُّبُوَّةِ ، وَقَدْ رَأوا
رَسولَ اللَّهِ نَصَّبَ أَبِي يَوْمَ غَديرِخُمْ ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُبَلِّغَ أَمْرَهُ الشَّاهِدُ الْغائِبَ ، وَهَرَبَ رَسولُ اللَّهِ مِنْ قَوْمِهِ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ حَتَّى دَخَلَ الْغارَ ، وَلَوْ أَنَّهُ وَجَدَ أَعْواناً لَما هَرَبَ ، كَفَّ أَبِي يَدَهُ حِينَ نَاشَدَهُمْ ، وَاسْتَغاثَ فَلَمْ يُغَثْ ، فَجَعَلَ الله هارونَ فِي سَعَةٍ حِينَ اسْتَضْعَفوهُ ، وَكادوا يَقْتُلُونَهُ ، وَجَعَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ فِي سَعَةٍ حِينَ دَخَلَ الْغَارَ وَلَمْ يَجِدْ أَعْوانَا. وَكَذَلِكَ أَبِي وَأَنَا فِي سَعَةٍ مِنَ اللَّهِ حِينَ خَذَلَتْنا هَذِهِ الْأُمَّةُ ، وَإِنَّما هِيَ السُّنَنُ وَالْأَمْثَالُ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضاً » (1).
والتفت إلى حضار الحفل فقال (علیه السلام) لهم :
«فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً بِالْحَقِّ ، لَا يَنْقُصُ مِنْ حَقِّنا - أهل البيت - أَحَدٌ إِلَّا نَقَصَهُ اللَّهُ مِنْ عَمَلِهِ ، وَلَا تَكونُ عَلَيْنا دَوْلَةٌ إِلَّا وَتَكونُ لَنَا الْعَاقِبَةُ «وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ» (2)» (3).
والتفت (علیه السلام) إلى معاوية فردّ عليه سبّه لأبيه فقال له :
أَيُّها الذَّاكِرُ عَلِيّاً ، أَنَا الْحَسَنُ وَأَبِي عَلِيٌّ ، وَأَنْتَ مُعاوِيَةُ وَأَبوكَ صَخْرٌ، وَأُمِّي فاطِمَةُ وَأُمُّكَ هِنْدٌ ، وَجَدّي رَسولُ اللَّهِ وَجَدُكَ حَرْبٌ ، وَجَدَّتي خَدِيجَةُ وَجَدَّتُكَ قَتِيلَةُ ، فَلَعَنَ اللهُ أَخْمَلَنا ذِكْراً ، وَأَلْأَمَنا حَسَباً ، وَشَرَّنا
قِدَماً ، وَأَقْدَمَنا كُفْراً وَنِفاقاً » (1).
وارتفعت الأصوات من جميع جنبات الحفل بقول : آمين.. آمين .
وما سمع أحد هذا الخطاب إلا شاركهم بقول : آمين ، ونحن نقول : آمین آمین . وهذه الخطبة أبلغ خطبة عرفها التاريخ ، فقد وضع الإمام فيها النقاط على الحروف - كما يقولون - وصوّر الموقف الدقيق الذي هو فيه ، وربط بين الأحداث التي واجهها ، وبين الأحداث التي جرت على أبيه ، وأنها جميعاً تستند إلى من تقمّص الخلافة بعد وفاة النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، فلولاهم لما طمع معاوية في الخلافة ونازعه فيها .
ولما سمع الزعيم الفذ قيس بن سعد بالنبأ المؤلم جمد دمه ، واستولت عليه موجة من الهموم ، وغشيته سحب من الأحزان حتّى تمنّى مفارقة الحياة ، وجعل يردّد في دخيلة نفسه : كيف سالم أمير الحق أمير الباطل ؟ !
ووقف وهو حائر اللب ، خائر القوى يريد أن ينقل قدمه من الأرض فلم يتمكن ، قد مشت الرعدة بأوصاله ، والحيرة بصدره ، وسرى الألم العاصف في محياه ، ثم انفجر باكياً وهو ينظم ذوب الحشا قائلاً:
أتاني بِأَرضِ العَالِ مِنْ أَرضِ مَسْكَنٍ *** بِأَنَّ إِمَامَ الحَقِّ أَضْحَى مُسالِما
فَما زِلتُ مُذْ بَيَّنْتُهُ مُتَلَدِّداً *** اُراعي نُجوماً خاشِعَ القَلبِ واجِما (2)
والتفت إلى الجيش وقد علاه الانكسار واستولى عليه الجزع والذهول قائلاً بصوت خافت حزين النبرات : « اختاروا إحدى اثنتين : إما قتال بغير إمام ، وإما أن
تبايعوا بيعة ضلال ! » .
فأجابوه وقد علاهم الذل والهوان قائلين : بل نقاتل بغير إمام .
وزحفوا إلى جموع أهل الشام فضربوهم حتى أرجعوهم إلى مصافهم ، واضطرب معاوية من ذلك أشدّ الاضطراب ، فراسل قيساً يمنيه ويتوعده ، فأجابه قيس : لا والله ، لا تلقاني إلا وبيني وبينك السيف أو الرمح .
ولما يئس منه معاوية أرسل إليه رسالة يشتمه فيها ويتوعده وهذا نصها :
«أمّا بعد : فإنّك يهودي تشقي نفسك ، وتقتلها فيما ليس لك ، فإن ظهر أحبّ الفريقين إليك نبذك وغدرك ، وإن ظهر أبغضهم إليك ، نكل بك وقتلك ، وقد كان أبوك أوتر غير قوسه ، ورمى غير غرضه ، فأكثر الجد ، وأخطأ المفصل ، فخذله قومه ، وأدركه يومه ، فمات بحوران غریباً ، والسلام».
فأجابه قيس: «أما بعد ، فإنّما أنت وثن ابن وثن ، دخلت في الإسلام كرهاً، وأقمت فيه فرقاً ، وخرجت منه طوعاً، ولم يجعل الله لك فيه نصيباً ، لم يقدم إسلامك ، ولم يحدث نفاقك ، ولم تزل حرباً لله ولرسوله ، وحزباً من أحزاب المشركين ، وعدواً لله ولنبيه وللمؤمنين من عباده ، وذكرت أبي فلعمري ما أوتر إلا قوسه ، ولا رمى إلا غرضه ، فشعب عليه من لا تشقّ غباره ، ولا تبلغ كعبه ، وزعمت أنّي يهودي ابن يهودي وقد علمت وعلم الناس أنّي وأبي أعداء الدين الذي خرجت منه ، وأنصار الدين الذي دخلت فيه وصرت إليه ، والسلام » .
وحكت هذه الرسالة حقيقة معاوية وواقعه ، ولما قرأها انتفخت أوداجه ، وورم أنفه ، فأراد أن يجيبه ، ولكن الداهية الماكر وزيره ابن العاص نهاه عن ذلك قائلا له :
«فإنّك إن كاتبته أجابك بأشدّ من هذا ، وإن تركته دخل فيما دخل فيه الناس».
واستصوب معاوية رأي ابن العاص، فأعرض عن الشدّة والعنف (1)
وذكر المسعودي في مروج الذهب : 2 : 319 : «أنّ هذا الحديث دار بين معاوية وقيس في حياة أمير المؤمنين (علیه السلام) حينما كان قيس عاملاً له على مصر » .
.1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 16: 43 .
وبعث إليه رسالة جاء فيها : « على طاعة من تقاتل ؟ وقد بايعني الذي أعطيته طاعتك» .
ولم يقتنع قيس بذلك وبقي مصرّاً على رأيه ، ولكن معاوية خاف من الفتنة ومن تطوّر الأحداث فبعث إليه طوماراً ختم في أسفله ، وقال للرسول : قل له : فليكتب فيه ما شاء ، وغاظ ذلك ابن العاص، لأنّ فيه نوعاً من التكريم والحفاوة بقيس ، فالتفت إلى معاوية قائلاً : لا تؤته هذا وقاتله .
ولم يخف على معاوية حقد ابن العاص لقيس وعدم نصحه في مقاله ، فأجابه : على رسلك ، فإنّا لا نخلص إلى قتلهم حتى يقتل أعدادهم من أهل الشام ، فما خير في العيش بعد ذلك ، وإنّي والله لا اُقاتله أبداً حتى لا أجد من قتاله بداً.
وأوصل الرسول الطومار إلى قيس، وأبلغه بمقالة معاوية ، فتأمل قيس وأطال التفكير ، وأخيراً لم يجد بداً من الدخول فيما دخل فيه الناس ، إذ لم تكن عنده قوّة يستطيع بها على مناجزة معاوية ، ولم يكن هناك ركن شديد يأوي إليه حتى يتخلّص من بيعته ، فأجاب الرسول بالموافقة ، وسجّل في الطومار الأمان له ولشيعته ، ولم يسأل غير ذلك (1).
ولكنه امتنع من الاجتماع معه لأنه قد عاهد الله أن لا يجتمع معه ، إلّا وبينهما السيف والرمح ، فلما علم معاوية ذلك أمر بإحضار سيف ورمح ليجعل بينهما حتى يبرّ قيس بيمينه ولا يحنث ، فعند ذلك التجأ قيس إلى الاجتماع به ، فأقبل وقد أحاطت به الجماهير، وشخصت نحوه الأبصار ، وهو مطأطئ الرأس ، مثقل الخطى ، لا يبصر طريقه من الأسى والذل ، يتنفّس فيلفظ شظايا قلبه مع أنفاسه ، ولما استقر
1) الكامل في التاريخ : 3 : 207 . تاريخ الأمم والملوك : 4: 125.
به المجلس التفت إلى الجموع الحاشدة قائلاً:
«يا معشر الناس ، لقد اعتضتم الشرّ من الخير ، واستبدلتم الذل من العزّ، والكفر من الإيمان ، فأصبحتم بعد ولاية أمير المؤمنين وسيّد المسلمين ، وابن عم رسول ربّ العالمين، وقد وليكم الطليق ابن الطليق ، يسومكم الخسف ويسير فيكم بالسيف ، فكيف تجهل ذلك أنفسكم ، أم طبع الله على قلوبكم وأنتم لا تعقلون» (1).
ثم التفت إلى الإمام (علیه السلام) وقد استولى عليه الذل والانكسار قائلاً بصوت خفيض وبنبرات مرتعشة : أفي حل أنا من بيعتك ؟
والتاع الإمام أشدّ اللوعة من حديث قيس، فأجابه بكلمة واحدة : نَعَمْ .
ولم يكتف معاوية بذلك ، فقد دفعته الوقاحة وصفاقة الوجه وضيق الوعاء أن يقول له : أتبايع يا قيس ؟
فأجابه بصوت خافت حزين : نعم .
ثمّ أطرق برأسه ووضع يده على فخذه لم يمدّها إليه ، وقام معاوية من سريره وأكبّ عليه ومسح يده ، وقيس لم يرفع يده .
إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن اجتماع الإمام بمعاوية، وقد كان الاجتماع من أعظم المحن وأقساها عليه ، وأقبل (علیه السلام) بعد ذلك يتهيأ للسفر إلى يثرب ليترك العراق الذي غدر به وبأبيه من قبل ، فلم يف لهما بعهد ووعد ، يتركه إلى معاوية ولبني أمية يتصرفون فيه حسبما شاءت لهم أهواؤهم الخاصة ، فقد أخرجوه من الدعة والرفاهية والأمن إلى الشدّة والقسوة والعذاب، وجعل العراقيون بعد نزوح الإمام عنهم يذكرون أيام حياتهم تحت ظلال الحكومة الهاشمية فيحزنون أشد الحزن ، ويندمون أشدّ الندم على تفريطهم في جنب أمير المؤمنين وولده الحسن (علیهما السلام).
1) تاريخ اليعقوبي : 2 : 192 .
ولم تقتصر محنة الإمام وبلواه الخالدة على ما لاقاه من عظيم البلاء وشدّة المحنة في صلحه مع معاوية واجتماعه به ، فقد تجاوز بلاؤه إلى ما هو أعظم من ذلك ، وأشدّ أثراً في نفسه ، وهو كلام المنددين بصلحه من أعدائه وأصحابه ، فقد جابهوه بكلام أشدّ عليه من وقع الحسام المهنّد ، فقد رأى منهم غلظة في القول ، وقسوة في الحديث ، وجفاء أي جفاء ، فاستاء (علیه السلام) من شيعته أكثر مما استاء من أعدائه ، لأنّهم على علم بالظروف السود ، والعوامل المرّة التي ألجأته إلى الصلح والهدنة ، وفيما يلي كلام المندّدين في ذلك مع جواب الإمام (علیه السلام) لهم :
وأقبل بطل العقيدة ومثال الإيمان حجر بن عدي إلى الإمام ، وقد مشت الرعدة بأوصاله ، واستولى عليه الحزن قائلاً:
«أما والله ، لوددت أنك متّ في ذلك اليوم ومتنا معك ولم نرَ هذا اليوم، فإنا رجعنا راغمين بما كرهنا ، ورجعوا مسرورين بما أحبّوا » .
ولا أدري كيف فاه حجر بهذا الكلام القاسي ، وهو أعلم بمركز الإمام وبواقعه من غيره ، وأدرى بالظروف العصيبة والمصاعب الشديدة التي أحاطت به (علیه السلام) حتى اضطرته إلى الصلح ، ولكنه يعذر لأن لوعة المصاب وذهول النفس تخرج الإنسان عن موازين الاعتدال والاستقامة ، وقام الإمام (علیه السلام) فأخذ بيد حجر واختلى به في
زاوية من زوايا البيت فبين له الحكمة التي من أجلها صالح معاوية قائلاً:
«يا حِجْرُ ، قَدْ سَمِعْتُ كَلامَكَ فِي مَجْلِسِ مُعاوِيَةَ ، وَلَيْسَ كُلُّ إِنْسانٍ يُحِبُّ ما تُحِبُّ ، وَلَا رَأْیُهُ كَرَأْيِكَ ، وَإِنِّي لَمْ أَفْعَلْ إِلَّا إِبْقاءً عَلَيْكُمْ ، وَاللهُ تَعالَى كُلُّ يَوْمٍ فِي شَأْنٍ» (1).
وقد أبان (علیه السلام) عدم وجود المخلصين له في الجيش العراقي ، ولو كان هناك أمثال حجر في عقيدته وإيمانه ورأيه وإخلاصه لما صالح معاوية ، كما بين (علیه السلام) أنه إنما صالح خصمه محافظة على حجر وأمثاله من المؤمنين .
وعدي بن حاتم هو الفذ المثالي الذي ضرب الرقم القياسي للعقيدة والإيمان والفداء في سبيل الله ، وقد اندفع هذا الصحابي العظيم بثورة نفسية عارمة إلى إنكار الصلح ، وكانت لهجة حديثه لهجة مؤدّب كامل ، فقال للإمام وقد ذابت حشاه من الحزن والمصاب :
«يابن رسول الله ، لوددت أني مت قبل ما رأيت ، أخرجتنا من العدل إلى الجور ، فتركنا الحق الذي كنا عليه ، ودخلنا في الباطل الذي كنا نهرب منه ، وأعطينا الدنية من أنفسنا ، وقبلنا الخسيس التي لم تلق بنا».
وترك كلام عدي في نفس الإمام بالغ الأسى والحزن ، فانبرى (علیه السلام) مبيناً له العلة التي صالح من أجلها قائلاً:
يا عَدِيٌّ ، إِنِّي رَأَيْتُ هَوى مُعْظَمِ النَّاسِ فِي الصُّلْحِ ، وَكَرِهوا الْحَرْبَ ،
1) مناقب آل أبي طالب : 2 : 169 .
فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَحْمِلَهُمْ عَلى ما يَكْرَهُونَ ، فَصَالَحْتُ بُقْيَاً عَلَى شِيعَتِنا مِنَ الْقَتْلِ ، فَرَأَيْتُ دَفْعَ هَذِهِ الْحُروبِ إِلَى يَوْم مَا ، فَإِنَّ اللَّهَ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ».
وأعرب (علیه السلام) في جوابه عن سأم جيشه من الحرب ، وحبّه للعافية ، وإيثاره للسلم ، وإنّه عازم على إثارة الحرب ومناجزة معاوية ، ولكن في وقت مناسب يضمن له النجاح والنصر .
ولم يقتنع عدي بكلام الإمام ، فمضى وهو مثقل الخطى نحو الإمام الحسين (علیه السلام) وقلبه يلتهب ناراً وحماساً ، وكان معه عبيدة بن عمر ، فلما انتهى إلى الإمام قال له بنبرات تقطر حماساً وعزماً إلى إثارة الحرب :
«يا أبا عبدالله شريتم الذل بالعزّ، وقبلتم القليل وتركتم الكثير ، أطعنا اليوم واعصينا الدهر ، دع الحسن وما رأى من هذا الصلح ، واجمع إليك شيعتك من أهل الكوفة وغيرها ، وولّني وصاحبي هذه المقدّمة ، فلا يشعر ابن هند إلا ونحن نقارعه بالسيوف».
فقال له (علیه السلام): «إِنَّا قَدْ َبايَعْنا وَعاهَدْنا ، وَلَا سَبِيلَ لِنَقْضِ بَيْعَتِنا» (1).
والمسيب بن نجبة (2)
كوفي . روى عن أمير المؤمنين (علیه السلام) وحذيفة ، وروى عنه جماعة ، خرج مع سليمان بن صرد في الطلب بثأر الحسين (علیه السلام) فقتل سنة 65ھ.
وقال ابن سعد: في الطبقة الاُولى من أهل الكوفة ، المسيب بن نجبة بن ربيعة بن ریاح ، شهد القادسية ، ومشاهد علي (علیه السلام) ، وقتل يوم عين الوردة .
وقال العسكري : روى المسيب عن النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) مرسلاً وليست له صحبة . تهذيب التهذيب : 10: 154.
من عيون المؤمنين ، وخيار الصالحين ، الذين عرفوا بالولاءوالإخلاص لآل البيت (علیهم السلام) ، وقد تأثر من الصلح ، وتألم بكل ما للتألم من معنى ، فقد أقبل إلى الإمام وهو محزون النفس ، مكلوم القلب قائلاً: «ما ينقضي تعجبي منك !! بايعت معاوية ومعك أربعون ألفاً ، ولم تأخذ لنفسك وثيقة وعهداً ظاهراً، أعطاك أمراً فيما بينك وبينه ، ثمّ قال : ما قد سمعت ، والله ما أراد بها غيرك .
فقال له الإمام : ما تَرى ؟
فانبرى إليه مبيناً له أنّ المصلحة كانت تقضي بالصلح قائلاً: يا مُسَيِّبُ ، إِنِّى لَوْ أَرَدْتُ - بما فعلت - الدُّنْيا لَمْ يَكُنْ مُعَاوِيَةُ بِأَصْبَرَ عِنْدَ اللَّقاءِ ، وَلَا أَثْبَتَ عِنْدَ الْحَرْبِ مِنِّي ، وَلكِنِّي أَرَدْتُ صَلاحَكُمْ ، وَكَفَّ بَعْضِكُمْ عَنْ بَعْضٍ» (1).
وأعرب الإمام (علیه السلام) في حديث أنه لو كان من طلاب الدنيا وعشاق الملك والسلطان ما كان معاوية بأصبر منه ، ولا أثبت في الحرب ، ولكن الانتصار عليه يتوقف على الاعتماد على الطرق التي لا يقرّها الدين ، كالمواربة والمداهنة والخداع ، وما شاكل ذلك ولكنّه (علیه السلام) أبى أن يسلك ذلك وسار على خطة أبيه الداعية إلى ملازمة الحق والعدل، ومتابعة الشرع .
ودخل على الإمام مالك بن ضمرة (2)
كان معروفاً بسعة العلم والفضل ، وكان ملازماً للصحابي العظيم أبي ذرّ ، وقد أدرك النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، ولما حضرته الوفاة أوصى بسلاحه إلى المجاهدين من بني ضمرة ، واشترط عليهم أن لا يقاتلوا به أهل البيت (علیه السلام) ، فقال له أخوه : يا أخي ، عند الموت تقول هذا؟
فقال له : هو ذاك ، ولما أقبل سيّد الشهداء إلى العراق وخرج أهل العراق لقتاله ، جاء أحد أعوان ابن زياد إلى موسى بن مالك مستعيراً منه رمح أبيه ليقاتل به ريحانة رسول الله ، فأعطاه إياه ، فلمّا خرج قالت له امرأة من أهله: يا موسى، أما تذكر وصيّة أبيك ، فلما سمع بذلك طلبه حتى أخذ منه الرمح فكسره . الإصابة : 3: 460 .
، فتكلم معه بكلام مرّ كان في منتهى الشدّة .فأجابه الإمام (علیه السلام): «إِنِّي خَشِيتُ أَنْ يُجْتَثَّ الْمُسْلِمُونَ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ ، فَأَرَدْتُ أَنْ يَكونَ لِلدِّينِ ناعِي» (1).
وأدلى الإمام (علیه السلام) في حديث عن حرصه على دماء المسلمين ، وأنه لو فتح باب الحرب بينه وبين معاوية لما بقي مسلم على وجه الأرض ، فصالح حفظاً على دماء المسلمين وإبقاء عليهم .
وسفيان بن أبي ليلى كان ممن يدين بفكرة الخوارج ، فقد دخل على الإمام وتكلم بكلمات تنمّ عن نفس مترعة بالجفاء والجهل قائلاً: السلام عليك يا مذلّ المؤمنين .
فتأثر (علیه السلام) منه ، واندفع قائلاً:
وَيْحَكَ أَيُّهَا الْخارِجِيُّ ، لَا تُعَنِّفْنِي ، فَإِنَّ الَّذِي أَحْوَجَني إلى ما فَعَلْتُ قَتْلُكُمْ أَبِي ، وَطَعْنُكُمْ إِيَّايَ ، وَانْتِهابُكُمْ مَتَاعي ، وَإِنَّكُمْ لَمَا سِرْتُمْ إِلَى صِفِّينَ كَانَ دِينُكُمْ أَمامَ دُنْيَاكُمْ ، وَقَدْ أَصْبَحْتُمُ الْيَوْمَ وَدُنْياكُمْ أَمَامَ دِينِكُمْ.
وَيْحَكَ أَيُّهَا الْخارِجِيُّ ! إِنِّي رَأَيْتُ أَهْلَ الْكُوفَةِ قَوْماً لَا يُوثَقُ بِهِمْ،
1) تاريخ مدينة دمشق : 13 : 280 .
وَما اعْتَزَّ بِهِمْ إِلَّا مَنْ ذَلَّ ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يُوافِقُ رَأْيَ الْآخَرِ ، وَلَقَدْ لَقِيَ أَبِي مِنْهُمْ أُموراً صَعْبَةً ، وَشَدائِداً مُرَّةً ، وَهِيَ أَسْرَعُ الْبِلادِ خَراباً ، وَأَهْلُها هُمُ الَّذِينَ فَرَّقوا دِينَهُمْ وَكانوا شِيَعاً » (1)
وروى ابن أبي الحديد في شرح النهج والكشي في رجاله صورة أخرى غير هذه الصورة.
.ودخل بشير الهمداني على الإمام ، وكان (علیه السلام) في يثرب فقال له : السلام عليك يا مذلّ المؤمنين .
فلما استقر به المجلس التفت (علیه السلام) قائلاً: لَسْتُ مُذِلّاً لِلْمُؤْمِنينَ ، وَلكِنِّى مُعِزُهُمْ ، ما أَرَدْتُ بِمُصالَحَتي إِلَّا أَنْ أَدْفَعَ عَنْكُمُ الْقَتْلَ عِنْدَما رَأَيْتُ تَباطُؤَ أَصْحابي وَنُكولَهُمْ عَنِ الْقِتالِ (2).
وسليمان بن صرد من صفوة أصحاب الإمام في إيمانه وعقيدته وولائه لآل البيت (علیهم السلام) ، ولم يكن حاضراً في المدائن حينما جرى الصلح ، فلما وافته الأنباء المؤلمة توجه إلى الإمام ، وكان في يثرب ، فلما انتهى إليه اندفع قائلاً: السلام عليك يا مذلّ المؤمنين .
فلما جلس اندفع قائلاً: إن تعجبنا لا ينقضي من بيعتك لمعاوية ! ومعك مائة ألف مقاتل من أهل العراق ، وكلّهم يأخذ العطاء مع مثلهم من أبنائهم ومواليهم سوى شيعتك من أهل البصرة وأهل الحجاز ، ثمّ لم تأخذ لنفسك ثقة في العهد ، ولا حظاً من القضيّة ، فلو كنت إذ فعلت ما فعلت، وأعطاك ما أعطاك بينك وبينه من العهد والميثاق كنت كتبت عليه بذلك كتاباً ، وأشهدت عليه شهوداً من أهل المشرق والمغرب .
إنّ هذا الأمر لك من بعده ، كان الأمر علينا أيسر، ولكنه أعطاك هذا فرضيت به من قوله ، ثمّ قال : وزعم على رؤوس الناس ما قد سمعت : إنّي كنت شرطت لقوم شروطاً، ووعدتهم عدات ، ومنيتهم أماني ، إرادة إطفاء نار الحرب ، ومداراة لهذه الفتنة ، إذ جمع الله لنا كلمتنا والفتنا ، فإنّ كلّ ما هنالك تحت قدمي هاتين، والله ما أعني بذلك إلّا نقض ما بينك وبينه ، فأعد للحرب خدعة ، واذن لي أشخص إلى الكوفة ، فأخرج عامله منها ، وأظهر فيها خلعه ، وانبذ إليه على سواء إن الله لا يهدي كيد الخائنين .
وقد دلّ حديث سليمان على ولائه وإخلاصه للإمام (علیه السلام) ، وقد حفزه إلى الثورة على حكومة معاوية ونقض البيعة لأنه لم يف بالعهد ، ولم يلتزم ببنود الصلح ، كما أعلن ذلك أمام الرأي العام ، وصادف حديث سليمان هوى في نفوس من حضر نادي الإمام فهتفوا بالتأييد لمقالته قائلين: ابعث سليمان بن صرد ، وابعثنا معه ، ثمّ ألحقنا إذا علمت أنا قد أشخصنا عامله ، وأظهرنا خلعه .
ولمّا كانت المصلحة العامة للمسلمين لا تساعد على خلع معاوية ونقض المعاهدة، لأنّ ذلك غير ممكن نظراً لتلبد الجوّ بالفتن والاضطرابات ، ولقلّة الناصر ، وخذلان المحبّ ، وكثرة العدو ، فقد أمرهم (علیه السلام) بالسكون وهدّأ ثورتهم النفسية قائلاً لهم بعد حمد الله والثناء عليه :
أَمَا بَعْدُ ، فَإِنَّكُمْ شِيعَتُنا ، وَأَهْلُ مَوَدَّتِنا ، وَمَنْ نَعْرِفُهُ بِالنَّصيحَةِ وَالصُّحْبَةِ وَالْإِسْتِقامَةِ لَنَا ، وَقَدْ فَهِمْتُ مَا ذَكَرْتُمْ ، وَلَوْ كُنْتُ بِالْحَزْمِ فِي أَمْرِ الدُّنْيا ، وَلِلدُّنْيا أَعْمَلُ وَأَنْصَبُ ، ما كانَ مُعاوِيَةُ بأبْأَسَ مِنَى بَأْساً ، وَأَشَدَّ شَكِيمَةً ، وَلَكانَ رَأْيِي غَيْرَ ما رَأَيْتُمْ ، وَلكِنِّي أَشْهَدُ وَإِيَّاكُمْ أَنِّي لَمْ أُرِدْ بِما رَأَيْتُمْ إِلَّا حَقْنَ دِمائِكُمْ ، وَإِصْلاحَ ذاتِ بَيْنِكُمْ ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَارْضَوا بِقَضاءِ اللَّهِ ، وَسَلَّموا الْأَمْرَ لِلَّهِ ، وَالْزَمُوا بُيوتَكُمْ ، وَكُفُّوا أَيْدِيكُمْ ، حَتَّىٰ يَسْتَرِيحَ بَر ، أَوْ يُسْتَراحُ مِنْ فَاجِرٍ ، مَعَ أَنَّ أَبِي كَانَ يُحَدِّثُني أَنَّ مُعَاوِيَةَ سَيَلِي الْأَمْرَ ، فَوَاللَّهِ لَوْ سِرْنا إِلَيْهِ بِالْجِبَالِ وَالشَّجَرِ مَا شَكَكْتُ أَنَّهُ سَيَظْهَرُ إِنَّ اللَّهَ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ، وَلَا رَادَّ لِقَضائِهِ.
وَأَمَا قَوْلُكَ : يَا مُذِلَّ الْمُؤْمِنِينَ ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ تَذُلُّوا وَتَعَافُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَغْرُوا وَتُقْتَلُوا ، فَإِنْ رَدَّ اللهُ عَلَيْنا حَقَّنا في عافِيَةٍ قَبِلنَا ، وَسَأَلْنَا اللَّهَ الْعَوْنَ عَلى أَمْرِهِ ، وَإِنْ صَرَفَهُ عَنّا رَضِينَا وَسَأَلْنَا اللَّهَ أَنْ يُبارِكَ فِي صَرْفِهِ عَنَّا فَلْيَكُنْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ حِلْساً مِنْ أَحْلاسِ بَيْتِهِ ، ما دام مُعاوِيَةُ حَيّاً ، فَإِنْ يَهْلَكَ وَنَحْنُ وَأَنْتُمْ أَحْيَاءُ سَأَلْنَا اللَّهَ الْعَزِيمَةَ عَلَى رُشْدِنَا ، وَالْمَعَونَةَ عَلَى أَمْرِنَا ، وَأَنْ لَا يَكِلْنا إِلَى أَنْفُسِنَا ، فَإِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنونَ» (1).
لقد أمر الإمام شيعته بالخلود إلى الصبر والسكون ما دام معاوية في قيد الحياة ، وعلّل صلحه بأمور تقدّم بيانها بالتفصيل .
1) المحاسن والمساوئ / البيهقي : 1 : 60 - 65 .
وعبد الله بن الزبير وغد خبيث عرف بالبغض والعداء لآل رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) . وقد عاب على الإمام صلحه مع معاوية ، فأجابه (علیه السلام) قائلاً:
وَتَزْعَمُ أَنَّى سَلَّمْتُ الْأَمْرَ ، وَكَيْفَ يَكونُ ذلِكَ - وَيْحَكَ - كَذلِكَ وَأَنَا ابْنُ أَشْجَعِ الْعَرَبِ ، وَقَدْ وَلَدَتْني فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِساءِ الْعَالَمِينَ ، لَمْ أَفْعَلْ ذلِك - وَيْحَكَ - جُبْناً وَلَا ضَعْفاً ، وَلِكنَّهُ بايَعَنى مِثْلَكَ ، وَهُوَ يَطْلُبُني بِتِرَة وَيُداجِينِي الْمَوَدَّةَ ، وَلَمْ أَثِقْ بِنُصْرَتِهِ» (1).
لقد اتّهم ابن الزبير الإمام بالجبن ، وحاشاه من ذلك ، فمن أين جاءه الجبن «أمن أبيه أسد الله وأسد رسوله ، أم من جديه رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وشيخ البطحاء ، أم من عميه سيدي الشهداء العظيمين حمزة وجعفر ، أم من أخيه أبي الشهداء ، أم من مواقفه المشهورة في مختلف الميادين ، يوم الدار ويوم البصرة ، وفي مظلم ساباط ، وهو ذلك الرئبال الذي (إذا سار سار الموت حيث يسير) على حدّ تعبير عدوّه فيه ؟
وأقبل أبو سعيد إلى الإمام يعاتبه على صلحه ، ويؤنّبه على ذلك قائلاً: يابن رسول الله ، لِمَ هادنت معاوية وصالحته ، وقد علمت أن الحق لك دونه ، وأن معاوية ضال باغ ؟
يا أَبا سَعِيدٍ ، أَلَسْتُ حُجَّةَ اللهِ عَلى خَلْقِهِ ، وَإِمَاماً عَلَيْهِمْ بَعْدَ أَبِي ؟
بلى .
1) صحيفة الحسن (علیه السلام) : 304 . الانتصار: 8: 101 .
يا أَبا سَعِيدٍ ، إِذا كُنْتُ إِمَاماً مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَمْ يَجِبْ أَنْ يُسَفَّهَ رَأْيِي فِيمَا أَتَيْتُهُ مِنْ مُهادَنَةٍ أَوْ مُحارَبَةٍ ، وَإِنْ كَانَ وَجْهُ الْحِكْمَةِ فِيمَا أَتَيْتُهُ مُلْتَبِساً ، أَلَا تَرَى الْخَضِرَ لَمّا خَرَقَ السَّفِينَةَ ، وَقَتَلَ الْغُلامَ ، وَأَقَامَ الْجِدَارَ ، سَخَطَ مُوسَى فِعْلَهُ لاشْتِباهِ الْحِكْمَةِ عَلَيْهِ ، حَتَّى أَخْبَرَهُ فَرَضِيَ ، هكذا أَنا سَخَطْتُمْ عَلَيَّ بِجَهْلِكُمْ وَجْهَ الْحِكْمَةِ ، وَلَوْلا مَا أَتَيْتُ لَما تُرِكَ مِنْ شيعَتِنا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ إِلَّا قُتِلَ» (1).
إنّ شأن الإمام كشأن النبي ، لا يفعل إلا ما فيه الصالح العام ، ولكن المصلحة قد تخفى أحياناً على الناس فلا يعقلونها إلا بعد حين ، وقد شبّه صلحه بفعل الخضر (علیه السلام) لما خرق السفينة ، وهدم الجدار ، وقتل الغلام ، ولما لم يفهم صاحبه المصلحة في ذلك نقم عليه ، وراح يشتد في معارضته والإنكار عليه ، وحينما تبين له الحال أذعن له وأطاع ، وكذلك الإمام في صلحه ، فإنّ الحكمة قد خفيت على كثير من شيعته فاندفعوا إلى إعلان سخطهم وإلى الإنكار عليه.
ودخل على الامام بعض أصحابه ، وهو مندلع الثورة قد أخذ منه الوجد والأسى مبلغاً ليس بالقليل ، فقال له : يابن رسول الله ، أذللت رقابنا بتسليمك الأمر إلى
1) علل الشرائع : 1 : 211. بحار الأنوار: 44 : 2 ، الحديث 2.
هذا الطاغية .
فأجابه الإمام (علیه السلام): وَاللهِ : إِنِّي ما سَلَّمْتُ الْأَمْرَ إِلا لأني لَمْ أَجِدْ أَنْصاراً ، وَلَوْ وَجَدْتُ أَنْصاراً لَقَاتَلْتُهُ لَيْلي وَنَهاري حَتَّىٰ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ ، وَلَكِنْ عَرَفْتُ أَهْلَ الْكُوفَةِ وَبَلَوْتُهُمْ ، وَلَا يَصْلُحُ لي مِنْهُمْ مَنْ كانَ فاسِداً ، إِنَّهُمْ لَا وَفاءَ لَهُمْ وَلَا ذِمَّةً فِي قَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ ، إِنَّهُمْ لَمُخْتَلِفُونَ وَيَقولونَ لَنا : إِنَّ قُلُوبَهُمْ مَعَنا ، وَإِنَّ سُيوفَهُمْ لَمَشْهُورَةٌ عَلَيْنا (1).
لقد بيّن (علیه السلام) أنه لا ناصر له ولا معين ليناجز معاوية ، إذ لم يكن معه سوى أهل الكوفة الذين لا وفاء لهم ولا ذمة في قول ولا فعل ، فكيف يحارب بهم معاوية ؟
لقد ردّ (علیه السلام) شبه الناقدين، وأوضح لهم الحكمة في ذلك ، وأجاب كلاً على عتابه ببراعة الحجّة ، وروعة العرض ، وأصالة الرأى.
1) الاحتجاج : 2: 12. بحار الأنوار: 44: 147 ، الحديث 14 .
بقي الإمام (علیه السلام) في الكوفة أياماً وهو مكلوم القلب قد طافت به الهموم والآلام يتلقى من شيعته مرارة الكلام ، وقسوة القول ، ومن معاوية وحزبه الاستهانة بمركزه الرفيع ، وهو مع ذلك صابر محتسب ، قد كظم غيظه ، وأوكل أمره إلى الله ، وقد عزم على مغادرة العراق - البلد الذي غدر به وبأبيه من قبل - والشخوص إلى مدينة جده ، وقد أظهر عزمه ونيته إلى أصحابه ، ولما اُذيع ذلك دخل عليه المسيب بن نجبة الفزاري ، وظبيان بن عمارة التميمي (1)
روى عن أمير المؤمنين (علیه السلام) . ذكره البخاري في الصحابة ، وذكره في التابعين ابن حاتم وابن حبّان . الإصابة : 2 : 232 .
وجاء في لسان الميزان : 3 : 215 : «إنّ ابن حبّان عدّ ظبياناً من الثقات ، وابن حاتم لم يذكر فيه جرحاً».
ليودعاه .فالتفت لهما ونفسه الشريفة مترعة بالألم والحزن على ما آل إليه أمر المسلمين قائلاً : الْحَمْدُ لِلَّهِ الْغالِبِ عَلَى أَمْرِهِ ، لَوْ أَجْمَعَ الْخَلْقُ جَمِيعاً عَلَىٰ أَنْ لَا يَكونَ مَا هُوَ كَائِنٌ ما استطاعوا (2).
ويلمس في كلامه التسليم لقضاء الله وقدره والحزن واللوعة على ضياع حقه الشرعي ، ولما رأى المسيب الشجا قد بدا على غصني النبوة ، وفرعي الإمامة ،
وذلك لخوفهم على شيعتهم من أن يضاموا في عهد هذا الطاغية التفت لهما مهدئاً روعهما قائلاً: إنه والله ما يكبر علينا هذا الأمر إلا أن تضاموا وتنتقصوا، فأما نحن فإنّهم سيطلبون مودتنا بكل ما قدروا عليه .
فانبرى إليه الإمام الحسين (علیه السلام) يشكره على ولائه وإخلاصه قائلاً: يا مُسَيَّبُ ، نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّكَ تُحِبُّنا .
والتفت إليه الإمام الحسن (علیه السّلام) فبشره بحبه لهم قائلاً: سَمِعْتُ أَبي يَقولُ : سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) يَقولُ : مَنْ أَحَبَّ قَوْماً كَانَ مَعَهُمْ .
وطلب منه المسيب وظبيان المكث في الكوفة ، فامتنع (علیه السلام) من إجابتهم وقال : لَيْسَ إِلَى ذلِكَ مِنْ سَبيل (1).
وأخذ (علیه السلام) يعمل في تهيئة سفره ، وبعدها توجّه هو وأهل بيته إلى عاصمة جدّه ، وقد خرج أهل الكوفة بجميع طبقاتهم إلى توديعه وهم ما بين باك وآسف (2)، يندبون حظهم التعيس وسعادتهم التي حطموها بأيديهم ، فقد نقلت الخلافة ومعها بيت المال من بلدهم إلى دمشق ، وقد أقض ذلك مضاجعهم ، ولكن بعد أن سبق السيف العذل ، فقد كانوا أصحاب الدولة وإذا ببلدهم بعد غدرهم بالإمام وعدم مناصرته - قد أصبحت مصراً من الأمصار ، وإذا القطع السورية من الجيش تدخل مصرهم وتسيطر عليهم ، ويقام في بلدهم حكم ارهابي عنيف لا يعرف الرحمة والرأفة .
لقد رحل (علیه السلام) عن الكوفة هو وأهل بيته ومعه أبو رافع خازن بيت المال ، وقد غشيتها الكآبة وخيّم عليها الحزن ، وحلّ بها الشقاء والوبال والدمار ، فلقد صبّ الله عليها بعد خروج الإمام الطاعون ، فقضى على كثير من أبنائها ، وفرّ منها المغيرة بن
شعبة واليها ، ثمّ بعد مدة عاد إليها ، فلما وصل جرفه الطاعون فمات به (1).
وسارت قافلة الإمام تطوي البيداء ، فلما انتهت إلى دير هند (2)ألقى الإمام (علیه السلام) على عاصمته نظرة ملؤها الأسى واللوعة ، ثمّ تمثل ببيت من الشعر يلمس فيه مدى استيائه وحزنه قائلاً:
وَلَا عَنْ قلى فارَقْتُ دار معاشري *** هُمُ الْمانِعونَ حَوزَتي وَذِماري (3)
لقد ودّع الإمام الكوفة بالأسى والحسرات ، ولم يذكر ما لاقاه من الغدر والخيانة به ، فأي نفس ملائكية هذه التي لقيت من نشوز هذه الحاضرة ومن بوائقها ما لقيت ، ثم هي تودعها بهذا البيت من الشعر ، فلا تذكر من تاريخها الطويل العريض ، إلا وفاء الأوفياء المانعين الحوزة والذمار، وهم الذين منعوا عنه من أراده في المدائن ، والذين ثبتوا على طاعته يوم العسرة في مسكن ، فكانوا إخوان صدق ، وخيرة الأنصار على قلّتهم .
وسار موكب الإمام (علیه السلام) ، ولكنه لم يبعد كثيراً حتى أدركه رسول معاوية يريد أن يرده إلى الكوفة ليقاتل طائفة من الخوارج خرجت عليه ، فأبى (علیه السلام) أن يعود وكتب إلى معاوية : لَوْ آثَرْتُ أَنْ أُقاتِلَ أَحَداً مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ لَبَدَأْتُ بِقِتالِكَ ، فَإِنِّي تَرَكْتُكَ لِصَلاح الأُمَّةِ وَحَقْنِ دِمائِها (4).
ثم مضى (علیه السلام) ولم يعتن بمعاوية ، وما اجتاز موكبه على حي أو قرية إلا وخف فيهما إلى استقباله والتشرّف بمقابلته ، وكان أوّل حديث يبدأون به السؤال عمّا
صار إليه أمره مع معاوية فيخبرهم (علیه السلام) بالحال فيظهرون له الاستياء والتذمر وعدم الرضا، وذلك لخوفهم من سلطة معاوية ، ولكنه (علیه السلام) ما يصنع وقد مني جيشه وشعبه بالتمرد والخذلان حتى التجأ إلى الصلح والمسالمة .
وانتهت قافلة الإمام إلى يثرب ، فلما علم أهلها بتشريفه (علیه السلام) خفوا جميعاً لاستقباله ، فقد أقبل إليهم الخير ، وحلّت في ديارهم السعادة والرحمة وعاودهم الخير الذي انقطع عنهم منذ نزح أمير المؤمنين (علیه السلام) عنهم ، جاء إلى يثرب فاستقام فيها عشر سنين ، فملأ رباعها بعطفه المستفيض ، ورقيق حنانه وحلمه ، ونقدّم عرضاً موجزاً لبعض أعماله وشؤونه حين مكثه فيها :
وأنشأ الإمام مدرسته الكبرى في يثرب ، وراح يعمل مجداً في نشر الثقافة الإسلاميّة ، وتوجيه المجتمع الإسلامي نحو الدين، وإفهامه بالنظم الإسلامية ، وقد انتمى لمدرسته كبار العلماء ، وعظماء المحدثين والرواة ، وقد وجد بهم خير عون لأداء رسالته الإصلاحية الخالدة التي بلورت عقلية المجتمع ، وأيقظته بعد الغفلة والجمود ، وقد ذكر المؤرّخون بعض أعلام تلامذته ورواة حديثه ، وهم :
ابنه الحسن المثنى، والمسيب بن نجبة، وسويد بن غفلة ، والعلاء بن عبد الرحمن ، والشعبي ، وهبيرة بن يريم، والأصبغ بن نباتة ، وجابر أبو خالد ، وأبو الحوراء ، وعمير بن مأموم ويقال : مأموم بن زرارة ، وأبو يحيى عمير بن سعيد النخعي ، وأبو مريم قيس الثقفي ، وطحرب العجلي ، وإسحاق بن يسار ، والد محمد بن إسحاق ، وعبد الرحمن بن أبي عوف، وسفيان بن الليل ، وعمرو بن قيس الكوفي (1).
1) تاريخ مدينة دمشق : 13 : 163 . تهذيب الكمال : 4 : 373 .
وقد ازدهرت يثرب بهذه الكوكبة من العلماء والرواة ، فكانت من أخصب البلاد الإسلاميّة علماً وأدباً وثقافة.
وكما كان يتولى نشر العلم في يثرب ، كان يدعو الناس إلى مكارم الأخلاق ، ومحاسن الأعمال ، والتأدب بسنة النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، وقد رفع (علیه السلام) منار الأخلاق التي جاء بها جده الرسول لإصلاح المجتمع وتهذيبهم ، فمن سمو أخلاقه أنّه كان يصنع المعروف والإحسان حتى مع أعدائه ومناوئيه ، وقد بلغه أن الوليد بن عقبة قد ألم به السقم ، فمضى لعيادته مع ما عرف به الوليد من البغض والعداء لآل البيت (علیهم السلام) فلما استقر المجلس بالإمام انبرى إليه الوليد قائلاً: إنّى أتوب إلى الله تعالى ممّا كان بيني وبين جميع الناس إلا ما كان بيني وبين أبيك ، فإنّي لا أتوب منه (1).
وأعرض الإمام عنه ولم يقابله بالمثل ، ولعله أوصله ببعض ألطافه وهداياه .
وأخذ (علیه السلام) يفيض الخير والبرّ على الفقراء والبائسين، وينفق جميع ما عنده عليهم ، وقد ملأ قلوبهم سروراً بإحسانه ومعروفه ، ومن كرمه أنه جاءه رجل في حاجة فقال له : اكْتُبْ حَاجَتَكَ فِي رَقْعَةٍ وَادْفَعْهَا إِلَيْنا .
فكتبها ذلك الشخص ورفعها إليه ، فأمر (علیه السلام) بضعفها له ، فقال بعض الحاضرين : ما كان أعظم بركة هذه الرقعة عليه يابن رسول الله ؟ !
فأجابه (علیه السلام): بَرَكَتُها عَلَيْنا أَعْظَمُ ، حِينَ جَعَلَنَا لِلْمَعْرُوفِ أَهْلاً .
أما عَلِمْتَ أَنَّ الْمَعروف ما كانَ ابْتِداءاً مِنْ غَيْر مَسْأَلَةٍ ، فَأَمَّا مَنْ أَعْطَيْتَهُ بَعْدَ مَسْأَلَةٍ ، فَإِنَّما أَعْطَيْتَهُ بِما بَذَلَ لَكَ مِنْ وَجْهِهِ ، وَعَسَى أَنْ يَكونَ باتَ لَيْلَتَهُ مُتَمَلْمِلاً أَرِقاً يَمِيلُ بَيْنَ
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 4 : 82.
الْيَأْسِ وَالرَّجاءِ ، لَا يَعْلَمُ بِمَا يَرْجِعُ مِنْ حاجَتِهِ ، أَبِكَآبَةٍ أَمْ بِسُرورِ النُّجْحِ ، فَيَأْتيك وَفَرائِصُهُ تُرْعَدُ ، وَقَلْبُهُ خَائِفٌ يَخْفِقُ ، فَإِنْ قَضَيْتَ لَهُ حَاجَتَهُ فِيمَا بَذَلَ مِنْ وَجْهِهِ ، فَإِنَّ ذلِكَ أَعْظَمُ مِمّا نالَ مِنْ مَعْروفِكِ» (1).
لقد كان موئلاً للفقراء والمحرومين ، وملجأ للأرامل والأيتام ، وقد تقدّم في الجزء الأوّل من هذا الكتاب بعض بوادر جوده ومعروفه ، التي كان بها مضرب المثل للكرم والسخاء .
كان (علیه السلام) في عاصمة جده كهفاً منيعاً لمن يلجأ إليه ، وملاذاً حصيناً لمن يلوذ به ، قد كرّس أوقاته في قضاء حوائج الناس ، ودفع الضيم والظلم عنهم ، وقد استجار به سعيد بن أبي سرح من زياد فأجاره ، فقد ذكر الرواة أنه كان معروفاً بالولاء لأهل البيت (علیهم السلام) ، فطلبه زياد من أجل ذلك فهرب إلى يثرب مستجيراً بالإمام ، ولما علم زياد ذلك عمد إلى أخيه وولده وزوجه فحبسهم ، ونقض داره ، وصادر أمواله وحينما علم الإمام الحسن (علیه السلام) لذلك شقّ عليه الأمر ، فكتب رسالة إلى زياد يأمره فيها بأن يعطيه الأمان ، ويخلي سبيل عياله وأطفاله ، ويشيد داره ، ويرد عليه أمواله ، وهذا نص كتابه:
«أَمَّا بَعْدُ : فَإِنَّكَ عَمَدْتَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَهُ مَا لَهُمْ ، وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ، فَهَدَمْتَ دارَهُ ، وَأَخَذْتَ مالَهُ ، وَحَبَسْتَ أَهْلَهُ وَعِيالَهُ ، فَإِنْ أَتاكَ كتابي هذا فَابْنِ لَهُ دَارَهُ ، وَارْدُدْ عَلضيْهِ مَالَهُ ، وَشَفِّعْنى فيهِ ، فَقَدْ أَجَرْتُهُ ، وَالسَّلامُ ».
وقد أمر الإمام زياداً في هذه الرسالة بالمعروف ونهاه عن المنكر ، فقد أوصاه أن یرد على سعيد ما أخذه منه ، وأن لا ينكل به ؛ لأنه لم يحدث فساداً في الأرض حتى
1) صلح الحسن / السيد شرف الدين : 28 .
يستحق العذاب والتنكيل ، ولما قرأ زياد هذه الرسالة ورم أنفه من الغضب ، لأنّ الإمام لم ينسبه إلى أبي سفيان ، فأجاب الإمام بجواب ينم عن مدى خبثه ، ولؤم عنصره ، وهذا نصه :
من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن بن فاطمة .
أما بعد : فقد أتاني كتابك ، تبدأ فيه بنفسك قبلي وأنت طالب حاجة وأنا سلطان ، وأنت سوقة وتأمرني فيه بأمر المطاع المسلّط على رعيته ، كتبت إليَّ في فاسق آويته إقامة منك على سوء الرأي ، ورضا منك بذلك .
وأيم الله لا تسبقني به ولو كان بين جلدك ولحمك ، وإن نلت بعضك غير رقيق بك ، ولا مرع عليك ، فإن أحبّ لحم عليّ أن آكله اللحم الذي أنت منه ، فسلّمه بجريرته إلى من هو أولى به منك ، فإن عفوت عنه لم أكن شفعتك فيه ، وإن قتلته لم أقتله إلا لحبه أباك الفاسق ، والسلام شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 16 : 194. تاريخ مدينة دمشق : 19 : 198 . (1).
وقد أعرب زياد بهذه الرسالة عن صفاته ، وعدم حيائه ونكرانه المعروف ، فقد تناسى الأيادي البيضاء التي أسداها عليه أمير المؤمنين (علیه السلام) وولده الحسن (علیه السلام) في توليته فارس ، فقابل ذلك المعروف بالإساءة ، والنعمة بالكفران .
أنّ لك يا زمان ، وتعساً لك يا دهر، أمثل ابن سميّة يتطاول على سبط النبي وريحانته ، وينال من كرامته ، إنّ الذي دعاه لأن يشمخ بأنفه ليس إلا السلطة التي يتمتع بها ، وإلا فأيّ فضيلة أو مكرمة ماثلة فيه حتى يعتز بها ويفتخر.
ولما وصلت رسالته إلى الإمام (علیه السلام) قرأها وتبسم وعلم سرّ غضبه وثورته ، لأنه لم ينسبه إلى أبي سفيان ، وانبرى (علیه السلام) فكتب إلى معاوية كتاباً عرفه فيه بمهمته ، وأودع في جوفه رسالة زياد ، ورسم رسالة أخرى إلى زياد حطم بها كیانه ،
ورد غلواءه ، وأفسد التحاقه بأبي سفيان ، وقد تقدم ذكرها .
ولما وصلت رسالة الإمام إلى معاوية واطلع على جراءة زياد واستهتاره واستخفافه بمركز الإمام رفع من فوره رسالة إلى زياد، وهذا نصها :
«أما بعد : فإنّ الحسن بن علي بعث إليَّ بكتابك إليه جواباً عن كتاب كتبه إليك في ابن سرح ، فأكثرت العجب منك !! وعلمت أنّ لك رأيين أحدهما من أبي سفيان ، والآخر من سميّة ، فأما الذي من أبي سفيان حلم وحزم ، وأما الذي من سميّة فما يكون رأي مثلها ، من ذلك كتابك إلى الحسن تشتم أباه ، وتعرض له بالفسق ، ولعمري إنّك أولى بالفسق من أبيه ، فأما أنّ الحسن بدأ بنفسه ارتفاعاً عليك ، فإنّ ذلك لا يضعك لو عقلت ، وأمّا تسلّطه عليك بالأمر فحق لمثل الحسن أن يتسلّط .
وأما تركك تشفيعه فيما شفّع فيه إليك فحظ دفعته عن نفسك إلى من هو أولى به منك ، فإذا ورد عليك كتابي فخل ما في يديك لسعيد بن أبي سرح وابن له داره ، واردد عليه ماله ، ولا تعرض له فقد كتبت إلى الحسن (علیه السّلام) أن يخبره إن شاء أقام عنده ، وإن شاء رجع إلى بلده ، ولا سلطان لك عليه لا بيد ولا لسان .
وأما كتابك إلى الحسن (علیه السلام) باسمه واسم أمه ولا تنسبه إلى أبيه ، فإنّ الحسن ويحك من لا یرمی به الرجوان ، وإلى أي أمّ وكلته لا أمّ لك ، أما علمت أنها فاطمة بنت رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) فذاك أفخر له لو كنت تعلمه وتعقله »
ثم كتب في آخر الكتاب أبياتاً في مدح الإمام من جملتها :
أَما حَسَنٌ فَابْنُ الَّذي كانَ قَبْلَهُ *** إذا سار سارَ المَوْتُ حَيثُ يَسيرُ
وَهَلْ يَلِدُ الرِّنْبالُ إِلَّا نَظيرَهُ *** وذا حَسَن شِبْهٌ لَهُ وَنَظير
وَلكِنَّهُ لَوْ يُوزَنُ الحِلْمُ وَالحِجا *** بِأَمْرٍ لقالوا يَذْبُلُ وَثَبير (1)
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 16: 195.
وقد اعترف معاوية بهذه الرسالة بمواهب الإمام وملكاته وشرفه وعظيم شأنه، وإنّه لو وزن حلمه بثبير (1)لرجح عليه ، فتعساً للزمن الهزيل الذي جراً زياداً أن ينال من كرامته، ويعتدي عليه .
وحبيب بن مسلمة الفهري (2)
كان يقال له حبيب الروم لكثرة دخوله إليهم ونيله منهم ، وكان من خلص أصحاب معاوية ولم يفارقه في حروبه بصفين وغيرها ، وجهه معاوية والياً إلى أرمينية فمات بها سنة 42ھ . الاستيعاب : 1 : 327 .
من أوغاد قريش ومن عملاء معاوية الذين يحقدون على آل البيت ، التقى به الإمام في الطواف فقال له (علیه السلام): يا حَبِيبُ ، رُبَّ مَسيرٍ لَكَ في غَيْرِ طَاعَةِ اللهِ .فانبرى إليه حبيب بسخرية قائلاً : أما مسيري من أبيك فليس من ذلك ..
فردّ عليه الإمام مقالته قائلاً : بلى واللهِ ، وَلكِنَّكَ أَطَعْتَ مُعاوِيَةَ عَلَى دُنْيا قَلِيلَةٍ رَائِلَةٍ ، فَلَئِنْ قامَ بِكَ فِي دُنْياكَ ، لَقَدْ قَعَدَ بِكَ فِي آخِرَتِكَ ، فَلَوْ كُنْتَ إِذا فَعَلْتَ شَرّاً قُلْتَ خَيْراً كُنتَ كَما قالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : «وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا» (3)، ، وَلكِنَّكَ كَما قالَ : «كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ » (4)، ثم تركه وانصرف (5).
ورام معاوية أن يصاهر بني هاشم ليحوز بذلك الشرف والمجد ، فكتب إلى عامله على المدينة مروان بن الحكم أن يخطب ليزيد زينب بنت عبدالله بن جعفر على حكم أبيها في الصداق ، وقضاء دينه بالغاً ما بلغ ، وعلى صلح الحيين بني هاشم وبني أمية ، فبعث مروان خلف عبدالله ، فلما حضر عنده فاوضه في أمر كريمته ، فأجابه عبدالله : إنّ أمر نسائنا بيد الحسن بن علي فاخطب منه .
فأقبل مروان إلى الإمام فخطب منه ابنة عبد الله ، فقال (علیه السلام) : اجْمَعْ مَنْ أَرَدْتَ ، فانطلق مروان فجمع الهاشميين والأمويين في صعيد واحد وقام فيهم خطيباً قائلاً:
أما بعد : فإنّ أمير المؤمنين معاوية أمرني أن أخطب زینب بنت عبدالله بن جعفر ليزيد بن معاوية على حكم أبيها في الصداق ، وقضاء دينه بالغاً ما بلغ ، وعلى صلح الحيّين بني هاشم وبني أمية ، ويزيد بن معاوية كفؤ من لا كفؤ له ، ولعمري لمن يغبطكم بيزيد أكثر ممّن يغبط يزيد بكم ، فيزيد ممّن يستسقى بوجهه الغمام .
ومروان يرى أنّ قيم الرجال إنّما هي بالإمرة والسلطان ، وقد أعرب بذلك عن حماقته وجهله ، فردّ الإمام عليه أباطيله ، وعلّق على كلّ جملة من كلامه ، فقال (علیه السلام) - بعد حمد الله والثناء عليه - :
أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ حُكْمِ أَبيها في الصَّدَاقِ ، فَإِنَّا لَمْ نَكُنْ لِنَرْغَبَ عَنْ سُنَّةِ رَسولِ اللهِ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) فِي أَهْلِهِ وَبَناتِهِ (1).
وَأَمَّا قَضاءُ دَيْن أَبِيها ، فَمَتى قَضَتْ نِسَاؤُنَا بِمُهُورِهِنَّ ديونَ آبَائِهِنَّ ؟!
وَأَمّا صُلْحُ الْحَيَّيْنِ ، فَنَحْنُ عَادَيْنَاكُمْ لِلَّهِ وَفِي اللَّهِ ، فَلَا نُصالِحُكُمْ لِلدُّنْيا .
1) كانت سنة رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) في مهر أزواجه وبناته أربعمائة درهم .
وَأَمَا قَوْلُكَ يَزِيدٌ كُفْوُ مَنْ لَا كُفْوَ لَهُ ، فَأَكْفَاؤُهُ الْيَوْمَ أَكْفَاؤُهُ بِالْأَمْسِ لَمْ يَزِدْهُ سُلْطانُهُ.
وَأَمَا قَوْلُكَ : مَنْ يَغْبِطُنَا بِيَزِيدَ أَكْثَرُ مِمَّا يَغْبِطُهُ بِنَا ، فَإِنْ كَانَتِ الْخِلافَةُ قادَتِ النُّبُوَّةَ (1)فَنَحْنُ الْمُغْبَطُونَ ، وَإِنْ كانَتِ النُّبُوَّةُ قادَتِ الْخِلافَةَ فَهُوَ الْمَغْبوطُ بِنا .
وَأَمَا قَوْلُكَ : إِنَّ الْغَمامَ يُسْتَسْقَى بِوَجْهِ يَزِيدَ ، فَإِنَّ ذلِكَ لَمْ يَكُنْ إِلَّا لِآل رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) .
وقد فنّد (علیه السلام) بكلامه مزاعم مروان، وردّ عليه بهتانه ، ثم أخذ (علیه السلام) في إحباط مساعيه ، وتحطيم آماله قائلاً:
وَقَدْ رَأَيْنا أَنْ نُزَوِّجَها - يعني زينب - مِنْ ابْنِ عَمَّهَا الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَقَدْ زَوَّجْتُهَا مِنْهُ ، وَجَعَلْتُ مَهْرَها ضَيْعَتي التي لي بِالْمَدِينَةِ ، وَقَدْ أَعْطَانِي بِهَا مُعَاوِيَةُ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ.
ولما سمع ذلك مروان فقد شعوره وصاح بلا اختيار : أغدراً يا بني هاشم .
إن مروان أولى بالغدر والخبث ، وقد صنع الإمام خيراً حيث لم يزوج العلوية من يزيد الفاسق الفاجر .
ورفع مروان في الوقت رسالة إلى معاوية أخبره بالحادث ، فلما وصلت إليه قال متأثراً : خطبنا إليهم فلم يفعلوا ، ولو خطبوا إلينا لما رددناهم (2)
وجاء في مجمع الزوائد : 4 : 278 عن معاوية بن خديج ، قال : « أرسلني معاوية بن أبي سفيان إلى الحسن بن عليّ أخطب على يزيد بنتاً له - أو أختاً له - فأتيته فذكرت له يزيد فقال : إنا قوم لا نزوّج نساءنا حتى نستأمرهن ، فأتيتها فذكرت لها يزيد فقالت : والله لا يكون ذلك حتى يسير فينا صاحبك كما سار فرعون في بني إسرائيل ، يذبح أبناءهم ، ويستحيي نساءهم ، فرجعت إلى الحسن فقلت له : أرسلتني إلى فلقة من الفلق تسمّي أمير المؤمنين فرعون .
قال (علیه السلام): يا مُعاوِيَةُ ، إِيَّاكَ وَبُغْضَنا ، فَإِنَّ رَسولَ اللهِ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) قالَ : لَا يُبْغِضُنَا وَلَا يَحْسُدُنا أَحَدٌ إِلَّا ذِيدَ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَنِ الْحَوْضِ بِسِياطٍ مِنْ نارٍ » .
.لقد كان (علیه السلام) يعلم بدوافع معاوية وبما يبغيه من تشييد أسرته ، فكان يسعى لإحباط الوسائل التي يتخذها ويفسد عليه أمره ، وقد بلغه أنه قال : « لا ينبغي أن يكون الهاشمي غير جواد ، ولا الأموي غير حليم ، ولا الزبيري غير شجاع ، ولا المخزومي غير تياه » .
وعرف (علیه السلام) أن غرض معاوية بذلك إنّما هو تحطيم هذه الأسر ، وتشييد أسرته .
فرد عليه مقاتله وقال : «قاتَلَهُ اللهُ ، أَرادَ أَنْ يَجودَ بَنو هاشم فَيَنْقَذَ ما بِأَيْدِيهِمْ ، وَيَحْلُمَ بَنو أُمَيَّةَ فَيَتَحَبَّبوا إِلَى النَّاسِ ، وَيَتَشَجِّعَ آلُ الزَّبيرِ فَيَفْنَوا ، وَيَتِيهَ بنو مَخْرُومٍ فَيَبْغَضُهُمُ النّاسُ» (1).
وهكذا كان (علیه السلام) يندّد بأعمال معاوية ويكشف الستار عن خبثه وسوء سريرته ، غير مكترث بسلطته ، ولا هيّاب لسلطانه .
وروى الخوارزمي أنّ معاوية سافر إلى يثرب فرأى تكريم الناس وحفاوتهم بالإمام وإكبارهم له ، فساءه ذلك ، فاستدعى أبا الأسود الدؤلي ، والضحاك بن قيس
1) عيون الأخبار / ابن قتيبة : 1 : 196 .
الفهري ، فاستشارهم في أمر الحسن وأنه بماذا يوصمه ليتخذ من ذلك وسيلة إلى الحط من شأنه ، والتقليل من أهميّته أمام الجماهير، فأشار عليه أبو الأسود بالترك قائلاً : رأي أمير المؤمنين أفضل ، وأرى ألا يفعل فإنّ أمير المؤمنين لن يقول فيه قولاً إلا أنزله سامعوه منه به حسداً ، ورفعوا به صعداً ، والحسن يا أمير المؤمنين معتدل شبابه ، أحضر ما هو كائن جوابه ، فأخاف أن يردّ عليك كلامك بنوافذ تردع سهامك ، فيقرع بذلك ظنوبك (1)، ويبدي به عيوبك ، فإذن كلامك فيه صار له فضلاً، وعليك كلاً ، إلا أن تكون تعرف له عيباً في أدب ، أو وقيعة في حسب ، وإنّه لهو المهذب ، قد أصبح من صريح العرب في عزّ لبابها، وكريم محتدها ، وطيب عنصرها ، فلا تفعل يا أمير المؤمنين» (2).
وقد أشار عليه أبو الأسود بالصواب ، ومنحه النصيحة ، فأي نقص أو عيب في الإمام حتّى يوصمه به ، وهو المطهر من كلّ رجس ونقص كما نطق بذلك الذكر الحكيم ، ولكنّ الضحاك بن قيس قد أشار على معاوية بعكس ذلك ، فحبّذ له أن ينال من الإمام ويتطاول عليه قائلاً: « امض يا أمير المؤمنين فيه برأيك ، ولا تنصرف عنه بدائك ، فإنّك لو رميته بقوارص كلامك ، ومحكم جوابك ، لذل لك كما يذلّ البعير الشارف (3)من الإبل» (4).
واستجاب معاوية لرأي الضحاك ، فلمّا كان يوم الجمعة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، وصلّى على نبيه ، ثم ذكر أمير المؤمنين وسيّد المسلمين علي بن أبي طالب (علیه السلام) فانتقصه ، ثم قال :
«أيها الناس ، إنّ صبية من قريش ذوي سفه وطيش ، وتكدّر في عيش ، أتعبتهم المقادير ، فاتخذ الشيطان رؤوسهم مقاعد، وألسنتهم مبارد ، فباض وفرّخ في صدورهم ، ودرج في نحورهم ، فركب بهم الزلل، وزيّن لهم الخطل ، وأعمى عليهم السبل ، وأرشدهم إلى البغي والعدوان ، والزور والبهتان ، فهم له شركاء وهو لهم قرين «وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا» (1)، وكفى لهم مؤدباً والمستعان الله» (2).
فوثب إليه الإمام الحسن (علیه السلام) مندفعاً كالسيل راداً عليه افتراءه وأباطيله قائلاً:
أَيُّها النَّاسُ ، مَنْ عَرَفَني فَأَنَا الَّذي يُعْرَفُ ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي فَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، أَنَا ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ، أَنَا ابْنُ مَنْ جُعِلَتْ لَهُ الْأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهوراً ، أَنَا ابْنُ السِّراج الْمُنيرِ ، أَنَا ابْنُ الْبَشِيرِ النَّذِيرِ ، أَنَا ابْنُ خَاتَم النَّبِيِّينَ وَسَيّدِ الْمُرْسَلِينَ ، وَإِمام الْمُتَّقِينَ ، وَرَسولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، أَنَا ابْنُ مَنْ بُعِثَ إِلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ، أَنَا ابْنُ مَنْ بُعِثَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
وشقّ على معاوية كلام الإمام ، فبادر إلى قطعه قائلاً: يا حسن ، عليك بصفة الرطب
فقال (علیه السلام): الرِّيحُ تَلْقَحُهُ ، وَالْحَرُّ يُنْضِجُهُ ، وَاللَّيْلُ يُبَرِّدُهُ وَيُطَيِّبُهُ ، عَلى رَغْمَ أَنْفِكَ يا مُعاوِيَةُ.
ثمّ استرسل (علیه السلام) في تعريف نفسه قائلاً:
أَنَا ابْنُ مُسْتَجابِ الدَّعْوَةِ ، أَنَا ابْنُ الشَّفيع الْمُطَاع ، أَنَا ابْنُ أَوَّلِ مَنْ يَنْفِضُ
رَأْسَهُ مِنَ التُّرابِ، وَيَقْرَعُ بابَ الْجَنَّةِ ، أنا ابْنُ مَنْ قاتَلَتِ الْمَلائِكَةُ مَعَهُ ، وَلَمْ تُقاتِلْ مَعَ نَبِيٍّ قَبْلَهُ ، أَنَا ابْنُ مَنْ نُصِرَ عَلَى الْأَحْزابِ ، أَنَا ابْنُ مَنْ ذَلَّتْ لَهُ قُرَيْشٌ رَغْماً .
وغضب معاوية واندفع يصيح : أما إنّك تحدّث نفسك بالخلافة .
فأجابه الإمام (علیه السلام) عمن هو أهل للخلافة قائلاً:
أَمَّا الْخِلافَةُ فَلِمَنْ عَمِلَ بِكِتابِ اللهِ ، وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ، وَلَيْسَتِ الْخِلافَةُ لِمَنْ خالَفَ كِتابَ اللهِ ، وَعَطَّلَ السُّنَّةَ ، إِنَّما مَثَلُ ذلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ أَصابَ مُلْكاً فَتَمَتَّعَ بِهِ ، وَكَأَنَّهُ انْقَطَعَ عَنْهُ وَبَقِيَتْ تَبِعَاتُهُ عَلَيْهِ.
وراوغ معاوية ، وانحط كبرياؤه فقال : ما في قريش رجل إلا ولنا عنده نعم جزيلة ويد جميلة .
فرد عليه الإمام قائلاً: بَلَى ، مَنْ تَعَزَّزْتَ بِهِ بَعْدَ الذِّلَّةِ ، وَتَكَثَرْتَ بِهِ بَعْدَ القلة.
من أولئك يا حسن ؟
مَنْ يُلْهِيكَ عَنْ مَعْرِفَتِهِمْ.
ثم استمر (علیه السلام) في تعريف نفسه إلى المجتمع فقال : أَنَا ابْنُ مَنْ سادَ قُرَيْشاً شاباً وَكَهْلاً ، أَنَا ابْنُ مَنْ سادَ الْوَرى كَرَماً وَنُبْلاً ، أَنَا ابْنُ مَنْ سادَ أَهْلَ الدُّنيا بِالْجُودِ الصَّادِقِ ، وَالْفَرْعِ الْباسِقِ ، وَالْفَضْلِ السّابِقِ ، أَنَا ابْنُ مَنْ رِضاهُ رِضَى الله ، وَسَخَطُهُ سَخَطُ اللَّهِ ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تُسامِيَهُ يَا مُعاوِيَةُ ؟
فقال معاوية : أقول لا ، تصديقاً لقولك .
فقال الحسن : الْحَقُّ أَبْلَجَ ، وَالْباطِلُ لَجْلَجَ ، وَلَنْ يَنْدَمَ مَنْ رَكِبَ الْحَقَّ ، وَقَدْ خَابَ مَنْ رَكِبَ الْباطِلَ ، وَالْحَقُّ يَعْرِفُهُ ذَوُو الْأَلْبابِ .
فقال معاوية على عادته من المراوغة : لا مرحباً بمن ساءك (1).
واعتقد الدكتور طه حسين أنّ الإمام أيام مكثه في المدينة قد شكل حزباً سياسياً وتولى هو رئاسة الحزب ، ومن الخير سوق كلامه ، قال : « وأعتقد أنا أنّ اليوم الذي لقي الحسن فيه هؤلاء الوفد من أهل الكوفة فسمع منهم ما سمع ، وقال لهم ما قال ، ورسم لهم خطتهم ، هو اليوم الذي أنشأ فيه الحزب السياسي المنظم لشيعة عليّ وبنيه ، نُظم الحزب في ذلك المجلس ، وأصبح الحسن له رئيساً ، وعاد أشراف أهل الكوفة إلى من وراءهم ينبئونهم بالنظام الجديد ، والخطة المرسومة ، ويهيئونهم لهذا السلم الموقوت ولحرب يمكن أن تثار حين يأتي الأمر بإثارتها من الإمام المقيم في يثرب .
وكان برنامج الحزب في أوّل إنشائه كما ترى واضحاً يسيراً ، لا عسر فيه ولا تعقيد ، طاعة الإمام من بنى علي والانتظار في سلم ودعة حتى يؤمروا بالحرب فيثيروها» (2).
ورأي الدكتور رأي وثيق ، ويدل عليه سفر الإمام (علیه السلام) إلى دمشق لنقد معاوية وإذاعة مساوئه ومخازيه في عاصمته وبلاطه ، فإنّ من جملة أهداف ذلك السفر التبشير بالحزب الذي عقده لقلب الحكم الأموي وإرجاع الدولة الإسلامية إلى نظامها العادل.
واتفق جمهور المؤرّخين أن الإمام الحسن (علیه السّلام) قد وفد على معاوية في دمشق ، واختلفوا في أنّ وفادته كانت مرّة واحدة أو أكثر، وإطالة الكلام في تحقيق هذه الجهة لا تعنينا شيئاً ، وإنّما المهم البحث عن سر سفره ، فالذي نذهب إليه أن المقصود منه ليس إلا الدعاية لمبدأ أهل البيت، وإبراز الواقع الأموي أمام ذلك المجتمع الذي أضلّه معاوية وحرفه عن الطريق القويم .
أما الاستدلال عليه ، فإنّه يظهر من مواقفه ومناظراته مع معاوية - التي سنذكرها - فإنّه قد هتك بها حجابه ، وأبدى عاره وعياره ، وفل بها عروش دولته.
ثمّ إنّه على تقدير أن يكون سفره لأخذ العطاء من معاوية - كما يقول به البعض - فقد قيل إنّه كيف جاز له أن يأخذ صلاته مع أن جلها أموال مغصوبة .
وقد كفانا مؤونة البحث عن هذه المسألة علماء الفقه الإسلامي ، فقد ذكروا أنّ صلات السلطان الجائر وهداياه جائزة ما لم تشتمل على أموال مغصوبة يعلم غصبها على نحو التعيين ، فحينئذ لا يجوز أخذها ، وإن أخذت وجب ردّها إلى أهلها (1).
وأكثر الأموال التي كانت بيد معاوية إنما هي من أموال الخراج والزكاة وما شاكل ذلك من الأموال التي تجبيها الدولة ، فإن استيلاء معاوية عليها وإن كان غير مشروع
1) المكاسب / الشيخ الأنصاري ، وقد بسط الكلام في هذه الجهة ، فراجع .
لأنه من حكّام الظلم والجور ، إلا أن لخيار المسلمين الحق في استنقاذها وردّها إلى أهلها ، فضلاً عن الإمام الذي له الولاية العامة على جميع المسلمين.
أمّا الذاهبون إلى أنّ سفره كان لأخذ العطاء ، فقد استندوا إلى إحدى الروايات الموضوعة - فيما نحسب - فقد روي أنه كان يفد في كلّ سنة إلى معاوية فيصله بمائة ألف ، فلم يمض في بعض السنين فنساه معاوية ولم يبعث له بصلة ، فهم الإمام أن يكتب له ، فرأى رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) في منامه وهو يقول له : يا حسن ، أتكتب إلى مخلوق تسأله حاجتك وتدع أن تسأل ربك ؟
فقال له : ما أصنع يا رسول الله ؟
فعلمه رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) بهذا الدعاء : اللهم إني أسألك من كل أمر ضعفت عنه حيلتي ، ولم تنته إليه رغبتي ، ولم يخطر ببالي ، لم يجر على لساني من الشيء الذي أعطيته أحداً من المخلوقين الأولين المهاجرين ، والآخرين الأنصار .
وانتبه الحسن (علیه السّلام) من منامه وهو حافظ للدعاء ، فدعا به، فلم يلبث معاوية أن بعث إليه بصلته بعدما نبهه بعض خواصه أنّ الإمام لم يفد عليه في تلك السنة (1).
وهذه الرواية لا يمكن الاعتماد عليها لأنّ الامام قد عرف بالعزة والإباء والشمم ، فكيف يتنازل لابن هند فيهم أن يكتب له ويسأله العطاء ، فينهاه رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) عن ذلك ، على أنه كان في غنى عن صلات معاوية لأنّ له ضياعاً كبيرة في يثرب كانت تدرّ عليه الأموال الطائلة ، مضافاً إلى ما كان يصله من الحقوق التي يدفعها خيار المسلمين وصلحاؤهم له ، على أنّ الأموال التي كان يصله بها معاوية على القول بذلك لم يكن ينفقها على نفسه وعياله .
1) تاريخ مدينة دمشق : 13 : 166 - ترجمة الإمام الحسن (علیه السلام).
فقد ورد أنّه لم يكن يأخذ منها مقدار ما تحمله الدابة بفيها (1).
ومع هذا فكيف يكون سفره لمعاوية لأخذ العطاء منه ؟ !
وضاق معاوية ذرعاً بالإمام حينما كان في دمشق ، فقد رأى من إقبال الناس واحتفائهم به ما ساءه ، فعقد عدة مجالس حشدها بالقوى المنحرفة عن أهل البيت والمعادية لهم ، كابن العاص والمغيرة بن شعبة ، ومروان بن الحكم ، والوليد بن عتبة ، وزياد بن أبيه ، وعبد الله بن الزبير ، وأوعز لهم بالتطاول على ريحانة الرسول والنيل منه ، ليزهد الناس فيه ، ويشفي نفسه من ابن فاتح مكة ، ومحطّم أوثان قريش ، وقد قابله هؤلاء الأوغاد بمرارة القول ، وبذاءة الكلام ، وبالغوا في الاستهتار والاعتداء عليه . وكان (علیه السلام) يسدد لهم سهاماً من منطقه الفياض فيرديهم صرعى يلاحقهم العار والخزي ، ويلمسهم مساوئهم وما عُرفوا به من الزيغ والانحطاط ، كان يجيبهم - وهو مكره - ، ويرد على بذاءتهم وهو يقول : أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّ بَنِي أُمَيَّةَ تَنْسِبُني إلَى الْعَجْزِ عَن الْمَقَالِ لَكَفَفْتُ تَهاوناً .
ولروعة كلامه ، وقوّة حجّته كان عبد الله بن عبّاس يقبل ما بين عينيه ويقول له : أفديك يابن العم ، والله ما زال بحرك يزخر ، وأنت تصول حتى شفيتني من أولاد البغايا .
لقد كان الإمام في جميع تلك المناظرات هو الظافر المنتصر وخصومه الضعفاء قد عرتهم الاستكانة والهزيمة والذهول ، وقد أوصاهم كبيرهم بعدما شاهد أشلاء هم مضرّجة بطعناته ، أن يجتنبوا محاوراته (2).
وعلى أي حال، فإنّ نصوص هذه المشاجرات بصيغها البلاغية ، وقيمها الأدبية جديرة بالعرض ، كتراث عربي أصيل يدلّ بنفسه على صحة نسبه ، وتعطينا بأسلوبه وصياغته صورة عن أدب المشاجرات في عصره . وقد تركت نوادي دمشق ومحافلها مشغولة بها تردّدها مقرونة بالإكبار والتقدير للإمام، وبالاستهانة والاحتقار لخصومه ، وفيما يلي نصوصها :
1 - وأقبل معاوية على الإمام (علیه السلام) فقال له : يا حسن ، أنا خير منك !
وَكَيْفَ ذَاكَ يَابْنَ هِنْدٍ ؟!
لأنّ الناس قد أجمعوا عليَّ ، ولم يجمعوا عليك .
وحيث إنّ الإمرة لم تكن في الإسلام موجبة للتمايز ، وإنما توجبه التقوى وعمل الخير ، وقد انبرى (علیه السلام) مبطلاً دعوى معاوية :
هَيْهاتَ !! لَشَرَّ ما عَلَوْتَ بِابْنَ آكِلَةِ الْأَكْبَادِ ، الْمُجْتَمِعُونَ عَلَيْكَ رَجُلانِ ، بَيْنَ مُطيعٍ وَمُكْرَهٍ ، فَالطَّائِعُ لَكَ عاصٍ لِلهِ ، وَالْمُكْرَهُ مَعْذورٌ بِكِتابِ اللهِ .
وحاشا لِلَّهِ أَنْ أَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْكَ لأَنَّكَ لَا خَيْرَ فِيكَ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ بَرَّأَنِي مِنَ الرَّذائِلِ كَما بَرَّأَكَ مِنَ الْفَضائِلِ (1).
إنّ هذا هو منطق الثورة ، ومنطق الأحرار الذين يشجبون الظلم ، ويقاومون المنكر ، وليس هذا هو منطق من يريد العطاء والأموال .
2 - ودخل الإمام على معاوية ، فلما رأى ابن العاص ما في الإمام من عظيم الهيبة والوقار ساءه ذلك ، وتميّز من الغيظ والحسد فاندفع قائلاً: قد جاءكم الفهيهُ العييّ ، الذي كان بين لحييه عقله.
1) مناقب آل أبي طالب : 3: 186 . بحار الأنوار: 44: 104.
وكان عبدالله بن جعفر حاضراً فلذعه قوله ، فصاح به : مه ، والله لقد رمت صخرة ململمة ، تنحط عنها السيول ، وتقصر دونها الوعول ، ولا تبلغها السهام، فإيّاك والحسن إياك ، فإنك لا تزال رائعاً في لحم رجل من قريش ، ولقد رميت فما برح سهمك ، وقدحت فما أورى زندك .
وسمع الإمام الحديث ، فلما اكتظ مجلس معاوية بالناس انبرى (علیه السلام) فوجه خطابه إلى معاوية ، فألقى عليه ذنب وزيره ابن العاص، وتهدّده بإعلان الحرب عليه إن لم ينته عن مكره وغيه ، وذكر له الصفات الرفيعة الماثلة في شخصيته الكريمة قائلاً:
يا مُعاوِيَةُ ، لَا يَزالُ عِنْدَكَ عَبْدٌ راتِعاً في لحومِ النَّاسِ ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُ لَيَكونَنَّ بَيْنَنا ما تَتَفاقَمُ فيه الأمورُ ، وَتُخْرَجُ مِنْهُ الصُّدورُ .
ثم أنشأ يقول :
أَتَأْمُرُ يا مُعاوِيَ عَبْدَ سَهْم *** بِشَتْمي وَالْمَلا مِنَّا شُهُودُ
إذا أَخَذَتْ مَجالِسَها فَرَيْش *** فَقَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ ما تُريدُ
أَأَنْتَ تَظَلُّ تَشْتِمُنى سَفاها (1)*** لِضِغْنِ ما يَزولُ وَما يَبيدُ
فَهَلْ لَكَ مِنْ أَبٍ كَأَبِي تُسامي (2)*** بِهِ مَنْ قَدْ تُسامي أَوْ تَكيدُ
وَلَا جَدٍّ كَجَدِّي يَابْنَ حَرْبٍ (3)*** رَسُولِ اللهِ إِنْ ذُكِرَ الْجُدودُ
وَلَا أُمَّ كَامّي مِنْ قُرَيْشٍ *** إذا ما حَصَّلَ الْحَسَبُ التَّليدُ
فَما مِثْلِي تَهَكَّمُ يَابْنَ حَرْبٍ *** وَلَا مِثْلي يُنَهْنِهُهُ الْوَعِيدُ (4)
فَمَهْلاً لَا تُهجْ مِنَّا أموراً *** يَشيبُ لِهَوْلِها الطِّفْلُ الْوَلِيدُ (1)
لقد عرض (علیه السلام) بعض فضائله ومآثره ، ونشر مساوئ معاوية ومخازيه بهذا الكلام الرائع الذي تمثلت فيه بلاغة الإعجاز ، وروعة الإيجاز ، وسرعة البديهة ، وقوّة الحجّة ، فحط به من غلواء معاوية، وأصاب أبرز مقوماته من حسبه المعروف ، ونسبه الموصوف ، فأين الفهاهة والعيّ يابن العاص ؟
3 - وعظم أمر الإمام في الشام ، فقد أقبلت الوفود تترى لزيارته وإلى الاستماع لحديثه ، فملك (علیه السلام) القلوب والمشاعر والعواطف، وتحدثت الأندية والمجالس بعظيم فضله ومواهبه .
ولما رأى ذلك أذناب معاوية وعملاؤه وهم : عمرو بن العاص ، والوليد بن عقبة ، وعتبة بن أبي سفيان ، والمغيرة بن شعبة ، خافوا أن يحدث ما لا تحمد عقباه ، وينفلت الأمر من أيديهم ، وتندك عروش الدولة الأموية ، فعقدوا في البلاط الأموي اجتماعاً، وذكر والمعاوية حفاوة الجماهير بالإمام ، وتكريمهم له ، وازدحامهم على زيارته ، وأن وجوده في دمشق خطر على الدولة الأموية ، وقد رأوا خير وسيلة للحط من كرامته ، ولإعراض الناس عنه ، أن يستدعوه فيتّهمون أباه بقتل عثمان ، ويسبّونه على ذلك ، وهذا نص حديثهم :
إن الحسن قد أحيا أباه وذكره ، وقال فصدق ، وأمر اُطيع ، وخفقت له النعال ، وإنّ ذلك لرافعه إلى ما هو أعظم منه ، ولا يزال يبلغنا عنه ما يسوؤنا .
فقال لهم معاوية : ما تريدون ؟
قالوا : ابعث عليه فليحضر لنسبه ونسب أباه ، ونعيّره ونوبخه ، ونخبره أنّ أباه قتل عثمان ، ونقرّره بذلك ، ولا يستطيع أن يغير علينا شيئاً من ذلك.
1) المحاسن والأضداد / الجاحظ : 95. المحاسن والمساوئ / البيهقي : 1 : 62. شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 2: 102. جمهرة رسائل العرب : 1 : 428 .
ولم يخف على معاوية سخافة رأيهم ، ويُعد تفكيرهم عن الصواب ، وذلك لعلمه أنّ الإمام سوف يفلجهم ، ويخرج ظافراً بخزيهم ، فقال لهم : إنّي لا أرى ذلك ولا أفعله .
عزمنا عليك يا أمير المؤمنين لتفعلن .
ويحكم لا تفعلوا ! فوالله ما رأيته قط جالساً عندي إلا خفت مقامه ، وعيبه لي .
ابعث إليه على كل حال .
إن بعثت إليه لأنصفنه منكم .
فقال ابن العاص : أتخشى أن يأتي باطله على حقنا ، أو يربي قوله على قولنا ؟
ولما رأى معاوية إصرارهم عليه قال لهم : أما إنّي إن بعثت إليه لآمرنّه أن يتكلّم بلسانه كله .
فقالوا له : مره بذلك.
وأجابهم إلى ما أرادوا ، وأمرهم أن يسلكوا خطة خاصة في حديثهم مع الإمام قائلاً: أما إذا عصيتموني وبعثتم إليه ، وأبيتم إلا ذلك ، فلا تمرضوا له في القول ، واعلموا أنهم أهل بيت لا يعيبهم العائب ، ولا يلصق بهم العار، ولكن اقذفوه بحجره ، تقولون له : إنّ أباك قتل عثمان ، وكره خلافة الخلفاء من قبله.
ثمّ بعث خلف الإمام ، فقام (علیه السلام) واستدعى ثيابه فلبسها ، وعرف الغاية من هذه الدعوى ، فخرج وهو يدعو بهذا الدعاء :
اللهُمَّ إِنِّي أَعوذُ بِكَ مِنْ شُرورِهِمْ ، وَأَدْرَأُ بِكَ فِي نُحورِهِمْ ، وَأَسْتَعينُ بِكَ عَلَيْهِمْ ، فَاكْفِنِيهِمْ كَيْفَ شِئْتَ ، وَأَنَّى شِئْتَ ، بِحَوْلٍ مِنْكَ وَقُوَّةٍ يَا أَرْحَمَ الرّاحِمينَ.
ثم سار (علیه السلام) حتى انتهى إلى معاوية ، فلما رآه مقبلاً قابله بحفاوة وتكريم ثم التفت إليه معتذراً يا أبا محمد، إنّ هؤلاء بعثوا إليك وعصوني .
فانبرى إليه الإمام مبيّناً له عدم واقعيّة هذا الاعتذار قائلاً: سُبْحانَ اللهِ ! الدّارُ دارُكَ ، وَالْإِذْنُ فِيهَا إِلَيْكَ ، وَاللَّهِ إِنْ كُنْتَ أَجَبْتَهُمْ إلى ما أرادوا وَما في أَنْفُسِهِمْ إِنِّي لَأَسْتَحْيِي لَكَ مِنَ الْفُحْشِ ، وَإِنْ كَانُوا غَلَبُوكَ عَلَىٰ رَأْيِكَ إِنِّي لأَسْتَحْيِي لَكَ مِنَ الضَّعْفِ ، فَأَيَّهُما تُقِرُّ ، وَأَيَّهُما تُنْكِرُ ؟
أَما إِنِّي لَوْ عَلِمْتُ بِمَكانِهِمْ لَجِئْتُ بِمِثْلِهِمْ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَما لي أَنْ أَكونَ مُسْتَوْحِشاً مِنْكَ وَمِنْهُمْ ، إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ ، وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ.
فقال معاوية : إنّي كرهت أن أدعوك ، ولكن هؤلاء حملوني على ذلك مع كراهتي له ، وإنّ لك منهم النصف ومنّي ، وإنّما دعوناك لنقررك أنّ عثمان قتل مظلوماً ، وأنّ أباك قتله ، فاستمع منهم ثم أجبهم ، ولا تمنعك وحدتك واجتماعهم أن تتكلم بكل لسانك .
ولما سكت معاوية ابتدأ بالحديث أوّلاً عمرو بن العاص .
واندفع ابن العاص فسبّ الإمام أمير المؤمنين ، واتهمه بسب أبي بكر وكراهته لخلافته ، وأنّه شرك في دم عمر بن الخطاب ، وقتل عثمان ظلماً ولا أبقى شيئاً من صفات الذمّ إلا وألصقها به ، ثم التفت إلى الإمام الحسن (علیه السّلام) قائلاً: إنكم يا بني عبد المطلب لم يكن الله ليعطيكم الملك على قتلكم الخلفاء ، واستحلالكم ما حرّم الله من الدماء ، وحرصكم على الملك ، وإتيانكم ما لا يحصل ، ثمّ إنّك يا حسن تحدّث نفسك أنّ الخلافة صائرة إليك، وليس عندك عقل ذلك ولا لبه ، كيف ترى الله سبحانه سلبك عقلك ، وترك أحمق قريش يسخر منك ، ويهزأ بك ، وذلك لسوء عمل أبيك ، وأنّ ما دعوناك لنسبك وأباك ، فأما أبوك فقد تفرّد الله به وكفانا أمره ،
وأما أنت فإنّك في أيدينا نختار فيك الخصال ، ولو قتلناك ما كان علينا إثم من الله ، ولا عيب من الناس ، فهل تستطيع أن تردّ علينا وتكذبنا ؟
فإن كنت ترى أنا كذبنا في شيء فاردده علينا فيما قلنا ، وإلا فاعلم أنك وأباك ظالمان .
وليس في هذا الكلام سوى القذف والسبّ المنبعث عن نفس مترعة بالباطل والعداء لآل البيت (علیهم السلام) ، ثم انبرى من بعده الوليد بن عقبة .
وانطلق هذا الأثيم قائلاً: إنكم كنتم أخوال عثمان ، فنعم الولد كان لكم فعرف حقكم ، وكنتم أصهاره ، فنعم الصهر كان لكم ، يكرمكم فكنتم أول من حسده ، فقتله أبوك ظلماً لا عذر له ولا حجّة ، فكيف ترون الله طلب بدمه ، وأنزلكم منزلتكم ، والله إنّ بني أمية خير لبني هاشم من بني هاشم لبني أمية ، وإن معاوية خير لك من نفسك .
ثم سكت وتكلّم من بعده عتبة بن أبي سفيان .
و انبرى عتبة ، فأظهر خبث سريرته وعداءه لآل البيت (علیهم السلام) قائلاً : يا حسن ، كان أبوك شرّ قريش لقريش لسفكه لدمائها ، وقطعه لأرحامها ، طويل السيف واللسان ، يقتل الحي ويعيب الميّت ، وإنك ممّن قتل عثمان ، ونحن قاتلوك به ، وأما رجاؤك الخلافة فلست في زندها قادحاً ، ولا في ميراثها راجحاً ، وإنكم يا بني هاشم قتلتم عثمان ، وإن في الحقِّ أن نقتلك وأخاك به ، فأما أبوك فقد كفانا الله أمره ، وأقاد منه ، وأمّا أنت فوالله ما علينا لو قتلناك بعثمان إثم ولا عدوان.
واندفع من بعده المغيرة بن شعبة ، وابتدأ المغيرة أولاً بشتم أمير المؤمنين (علیه السلام)، ثم قال : والله ما أعيبه في قضيّة يخون ، ولكنه قتل عثمان .
ثم سكتوا عن الكلام ، فانبرى إليهم الإمام (علیه السلام) فوضعهم على طاولة التشريح ، فنشر عيوبهم ومخازيهم ، وأشاد بفضل أبيه أمير المؤمنين (علیه السلام).
وقد وجه خطابه أولاً إلى معاوية قائلاً: يا مُعاوِيَةُ ، ما هَؤُلاءِ شَتَموني ، وَلكِنَّكَ شَتَمْتَني ، فُحْشاً أَلِفْتَهُ، وَسوءَ رَأْي عُرِفْتَ بِهِ ، وَخُلْقاً سَيِّئَاً ثَبَتَّ عَلَيْهِ ، وَبَغْياً عَلَيْنا عَداوَةً مِنْكَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ، وَلكِنِ اسْمَعْ يا مُعاوِيَةُ ، وَاسْمَعوا ، فَلَأقولَنَّ فيكَ وَفِيهِمْ ما هُوَ دونَ ما فيكُمْ .
انْشِدُكُمُ اللهَ أَيُّهَا الرَّهْطُ ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي شَتَمْتُمُوهُ مِنْذُ الْيَوْمِ صَلَّى القِبْلَتَيْنِ كِلْتَيْهِما ؟ وَأَنْتَ يا مُعاوِيَةُ بهما كافِرٌ تَرَاهُما ضَلالَةً ، وَتَعْبُدُ اللَّاتَ وَالْعُزّى غِوايَةً.
وَاُنْشِدُكُمُ اللَّهَ ! هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ بِايَعَ الْبَيْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِما بَيْعَةَ الْفَتْحِ وَبَيْعَةَ الرّضْوانِ ؟ وَأَنْتَ يا مُعاوِيَةُ بِإِحْدَاهُمَا كَافِرٌ وَبِالْأُخْرى ناكِثٌ.
وَاُنْشِدُكُمُ اللَّهَ ! هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَوَّلُ النَّاسِ إِيمَاناً ؟ وَإِنَّكَ - يا مُعاوِيَة - وَأَباكَ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قلوبهم ، تسرُّونَ الكفر، وتظهرون الإسلام، وتستمالون بالأموال.
وَاُنْشِدُكُمُ اللهُ! : أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَانَ صَاحِبَ رَايَةِ رَسولِ اللَّهِ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) يَوْمَ بَدْرٍ ، وَإِنَّ رَايَةَ الْمُشْرِكِينَ كَانَتْ مَعَ مُعاوِيَةَ وَمَعَ أَبِيهِ ، ثُمَّ لَقِيَكُمْ يَوْمَ أُحُدٍ وَيَوْمَ الْأَحْزَابِ وَمَعَهُ رايَةُ رَسولِ اللهِ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، وَمَعَ أَبيك رايَةُ الشِّرْكِ ، وَفي كُلِّ ذلِكَ يَفْتَحُ اللهُ لَهُ وَيُفْلِجُ حُجَّتَهُ (1)، وَيَنْصُرُ دَعْوَتَهُ ، وَيُصَدِّقُ حَدِيثَهُ،
1) وفي رواية : « ويعلم صحته » .
وَرَسولُ اللهِ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) فِي تِلْكَ الْمَواطِنِ كُلِّها عنهُ راضٍ ، وَعَلَيْكَ وَعَلى أبيك ساخطٌ.
وَاُنْشِدُكَ بِاللَّهِ يا مُعاوِيَةُ : أَتَذْكُرُ يَوْمَ جَاءَ أَبوكَ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرٍ وَأَنْتَ تَسوقُهُ ، وَأَخوكَ عُتْبَةُ هذا يَقودُهُ ، فَرَآكُمْ رَسُولُ اللَّهِ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) فَقالَ : اللَّهُمَّ الْعَنِ الرّاكِبَ وَالْقائِدَ وَالسَّائِقَ ، أَتَنْسى يا مُعاوِيَةُ الشَّعْرَ الَّذِي كَتَبْتَهُ إِلَى أَبِيكَ لَمّا هَمَّ أَنْ يُسْلِمَ تَنْهاهُ عَنْ ذلِكَ ؟
يا صَخْرُ لَا تُسْلِمَنْ يَوْماً فَتَفْضَحَنا *** بَعْدَ الَّذِينَ بِبَدْرٍ أَصْبَحُوا مِزَقا
خالي وَعَمِّي وَعَمُ الأُمِّ ثَالِثُهُمْ *** وَحَنْظَلُ الخَيرِ قَدْ أَهْدَى لَنَا الأَرقا
لَا تَرْكَنَنَّ إِلى أَمْرٍ تُكَلِّفُنا *** وَالرّاقِصاتُ بِهِ فِي مَكَّةَ الْخَرَقا
فَالمَوتُ أَهْونُ مِنْ قَولِ الْعُدَاةِ لَقَدْ *** حادَ ابْنُ حَرْبٍ عَنِ العُزَّى إِذا فَرَقا
وَاللَّهِ لَما أَخْفَيْتُ مِنْ أَمْرِكَ أَكْبَرُ مِمَا أَبْدَيْتُ.
وَاُنْشِدُكُمُ اللهَ أَيُّهَا الرَّهْطُ! أَتَعْلَمُونَ أَنَّ عَلِيّاً حَرَّمَ الشَّهَوَاتِ عَلَى نَفْسِهِ بَيْنَ أَصْحَابِ رَسولِ اللهِ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم)، فَأَنْزَلَ فِيهِ : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ» (1)، وَإِنَّ رَسولَ اللهِ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) بَعَثَ أَكابِرَ أَصْحَابِهِ إِلَى بَني قُرَيْظَةَ فَنَزلوا مِنْ حِصْنِهِمْ فَهُزموا ، فَبَعَثَ عَلِيّاً بِالرَايَةِ فَاسْتَنْزَلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ وَحُكْمِ رَسولِهِ ، وَفَعَلَ فِي خَيْبَرٍ مِثْلَها .
ثم قال : يا مُعاوِيَةُ ، أَظُنُّكَ لَا تَعْلَمُ أَنِّي أَعْلَمُ ما قالَهُ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
1) المائدة 5 : 87 .
عَلَيْهِ وَآلِهِ فِيكَ لَمَا أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ كِتاباً إِلَى بَنِي خُزَيْمَةَ فَبَعَثَ إِلَيْكَ فَلَمْ تَأْتِهِ فَدَعا عَلَيْكَ بِالنَّهَم إلى أَنْ تَموتَ . وَأَنْتُمْ أَيُّها الرَّهْطُ نَشَدْتُكُمُ الله أَلا تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ لَعَنَ أَبَا سُفْيانَ فِي سَبْعَةِ مَواطِن لَا تَسْتَطيعونَ رَدَّها .
أَوَّلُها يَوْمَ لَقِيَ رَسولَ اللَّهِ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) خارِجاً مِنْ مَكَّةَ إِلَى الطَّائِفِ يَدْعو ثَقيفاً إِلَى الدِّينِ فَوَقَعَ بِهِ وَسَبَّهُ وَسَفَّهَهُ وَشَتَمَهُ وَكَذَّبَهُ وَتَوَعَّدَهُ وَهَمَّ أَنْ يَبْطِشَ بِهِ ، فَلَعَنَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصُرِفَ عَنْهُ.
الثَّانِيَةُ : يَوْمَ الْعِيرِ إِذْ عَرَضَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَهِيَ جائِيَةٌ مِنَ الشَّامِ فَطَرَدَها أَبو سُفْيان ، وَساحَلَ بِهَا فَلَمْ يَظْفَرِ الْمُسْلِمُونَ بِها ، وَلَعَنَهُ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَدَعا عَلَيْهِ ، فَكانَتْ واقِعَةُ بَدْرِ لأَجْلِها .
الثَّالِثَةُ : يَوْمَ أُحُدٍ حَيْثُ وَقَفَ تَحْتَ الْجَبَل وَرَسولُ اللهِ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) في أَعْلاهُ وَهُوَ يُنادِي اعْلُ هُبَلْ مِراراً ، فَلَعَنَهُ رَسولُ اللهِ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) عَشْرَ مَرَاتٍ ، وَلَعَنَهُ الْمُسْلِمُونَ.
الرّابِعَةُ : يَوْمَ جَاءَ بِالْأَحْزَابِ وَغَطَفَانَ الْيَهود فَلَعَنَهُ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَابْتَهَلَ .
الْخامِسَةُ : يَوْمَ جَاءَ أَبو سُفْيانَ فِى قُرَيْشٍ فَصَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْي مَعْكوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَّةِ ، فَلَعَنَ رَسولُ اللَّهِ أَبَا سُفْيانَ ، وَلَعَنَ الْقادَةَ وَالْأَتبَاعَ ، وَقَالَ : مَلْعُونَونَ كُلُّهُمْ ، وَلَيْسَ فيهِمْ مَنْ يُؤْمِنُ ، فَقِيلَ : يا رَسولَ اللهِ ، أَفَمَا يُرْجَى الْإِسْلامُ لأَحَدٍ مِنْهُمْ
فَكَيْفَ بِاللَّعْنَةِ؟
فَقالَ : لَا تُصِيبُ اللَّعْنَةُ أَحَداً مِنَ الْأَتبَاعِ ، وَأَمَا الْقادَةُ فَلَا يُفْلِحُ مِنْهُمْ أَحَدٌ.
السَّادِسَةُ: يَوْمَ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ.
السّابِعَةُ: يَوْمَ وَقَفُوا لِرَسولِ اللهِ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) فِي الْعَقَبَةِ لِيَسْتَنْفِرُوا ناقَتَهُ وَكانوا اثْنَي عَشَرَ رَجُلاً مِنْهُمْ أَبو سُفْيانَ ، فَهَذا لَكَ يا مُعاوِيَةُ.
وأنزل (علیه السلام) بكلامه معاوية من قصره إلى قبره ، ومن عرشه إلى نعشه ، وتركه والحزن يحز في نفسه .
ثم التفت إلى عمرو بن العاص ، فقال له :
وَأَمَّا أَنْتَ يابْنَ الْعَاصِ ، فَإِنَّ أَمْرَكَ مُشْتَرَكٌ ، وَضَعَتْكَ أُمُّكَ مَجْهولاً مِنْ عِهْرٍ وَسِفَاحٍ ، فَتَحاكَمَ فِيكَ أَرْبَعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَغَلَبَ عَلَيْكَ جَزَارُها ، أَلْأَمهُمْ حَسَباً ، وَأَخْبَثُهُمْ مَنْصِباً ، ثُمَّ قامَ أَبوكَ فَقَالَ : أَنَا شَانِئُ مُحَمَّدٍ الْأَبْتَرِ، فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِ ما أَنْزَلَ .
وَقاتَلْتَ رَسُولُ اللهِ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) في جَميعِ الْمَشَاهِدِ ، وَهَجَوْتَهُ وَآذَيْتَهُ بِمَكَّةَ، وَكِدْتَهُ كَيْدَكَ كُلَّهُ ، وَكُنْتَ مِنْ أَشَدَّ النَّاسِ لَهُ تَكْذِيباً وَعَداوَةً ، ثُمَّ خَرَجْتَ تُريدُ النَّجَاشِيَّ مَعَ أَصْحَابِ السَّفِينَةِ لِتَأْتِيَ بِجَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ ، فَلَمّا أَخْطَأَكَ ما رَجَوْتَ ، وَأَرْجَعَكَ اللهُ خَائِباً ، وَأَكْذَبَكَ واشياً ، جَعَلْتَ حَدَّكَ عَلَى صَاحِبِكَ عُمارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ ، فَوَشَيْتَ بِهِ إِلَى النَّجَاشِيِّ حَسَداً لِمَا ارْتَكَبَ مِنْ حَلِيلَتِهِ ، فَفَضَحَكَ اللَّهُ وَفَضَحَ صَاحِبَكَ ، فَأَنْتَ عَدُوُّ بَني هَاشِمٍ
فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلامِ.
ثُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ وَكُلُّ هَؤُلاءِ الرَّهْطِ يَعْلَمُونَ أَنَّكَ هَجَوْتَ رَسُولَ اللَّهِ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) بِسَبْعِينَ بَيْتاً مِنَ الشَّعْرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) : اللَّهُمَّ إِنِّي لَا أَقولُ الشَّعْرَ وَلَا يَنْبَغِي لِي.
اللهُمَّ الْعَنْهُ بِكُلِّ حَرْفٍ أَلْفَ لَعْنَةً ، فَعَلَيْكَ إِذاً مِنَ اللَّهِ مَا لَا يُحْصَى مِنَ اللَّعْن.
وَأَمّا ما ذَكَرْتَ مِنْ أَمْرِ عُثْمَانَ فَأَنْتَ سَعَرْتَ عَلَيْهِ الدُّنْيا ناراً ، ثُمَّ لَحِقْتَ بِفَلَسْطِينَ ، فَلَمّا أَتَاكَ قَتْلُهُ قُلْتَ: أنا أَبو عَبْدِ اللَّهِ إِذَا نَكَأَتْ قَرْحَةٌ أَدْمَيْتُهَا ، ثُمَّ حَبِسْتَ نَفْسَكَ إِلى مُعاوِيَةَ وَبِعْتَ دِينَكَ بِدُنْيَاهُ ، فَلَسْنَا نَلُومُكَ عَلَى بُغْضٍ، وَلَا نُعاتِبُكَ عَلى وُدٍّ ، وَبِاللهِ ما نَصَرْتَ عُثْمَانَ حَيَّا وَلَا غَضِبْتَ لَهُ مَقْتولاً ، وَيْحَكَ بِابْنَ الْعَاصِ ! أَلَسْتَ الْقَائِلُ فِي بَنِي هَاشِمٍ لَمَا خَرَجْتَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى النَّجَاشِيِّ :
تَقولُ ابْنَتِي أَينَ هذَا الرَّحيلُ *** وَمَا السَّيرُ مِنّي بِمُسْتَنْكَرِ
فَقُلتُ ذَرِيني فَإِنِّي امْرُؤٌ*** أريدُ النَّجَاشِيَّ في جَعْفَرِ
لأكويَهُ عِندَهُ كَيَّةً *** أُقيمُ بِها نَحْوَةَ الأَضْعَرِ
وَشَانِئُ أَحْمَدَ مِنْ بَيْنِهِمْ *** وَأَقوَلُهُمْ فِيهِ بِالْمُنْكَرِ
وَأَجْري إِلى عُتْبَةٍ جاهِداً *** وَلَو كانَ كالذَّهَبِ الْأَحْمَرِ
وَلَا أَنْتَني عَنْ بَني هَاشِمٍ *** وَمَا اسْطَعْتُ فِي الْغَيْبِ وَالْمَحْضَرِ
فَإِن قَبِلَ العَتْبَ مِنّي لَهُ *** وَإِلَّا لَويتُ لَهُ مِشْفَري
فَهذا جَوابُكَ هَلْ سَمِعْتَهُ ؟
لقد ذكر (علیه السلام) ما هو ماثل في ابن العاص من الرذائل والمخازي ، ومن الحقد العارم للإسلام والمسلمين ، واشتراكه في دم عثمان ، وانضمامه بعد ذلك إلى معاوية طمعاً بدنياه .
ثم التفت (علیه السلام) إلى الوليد بن عقبة فقال له :
وَأَمَّا أَنْتَ يا وَلِيدُ ، فَوَاللَّهِ ما أَلومُكَ عَلى بُغْضِ عَلِيٍّ ، وَقَدْ جَلَدَكَ ثَمَانِينَ جَلْدَةً فِي الْخَمْرِ ، وَقَتَلَ أَبَاكَ بَيْنَ يَدَيْ رَسولِ اللَّهِ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، وَأَنْتَ الَّذِي سَمَاهُ اللَّهُ الْفَاسِقَ ، وَسَمّى عَلِيّا الْمُؤْمِنَ ، حَيْثُ تَفَاخَرْتُما ، فَقُلْتَ لَهُ : اسْكُتْ يَا عَلِيُّ ، فَأَنا أَشْجَعُ مِنْكَ جَناناً ، وَأَطْوَلُ مِنْكَ لِساناً ، فَقالَ لَكَ عَلِيٌّ : اسْكُتْ يا وَلِيدُ ، فَأَنَا مُؤْمِنٌ وَأَنْتَ فَاسِقٌ ، فَأَنْزَلَ اللهُ فِى مُوافَقَةِ قَوْلِهِ : «أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ» (1).
ثُمَّ أَنْزَلَ عَلى مُوافَقَةِ قَوْلِهِ : «إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا» (2).
وَيْحَكَ يا وَلِيدُ ! مَهُما نَسِيْتَ فَلَا تَنْسَ قَوْلَ الشَّاعِرِ فِيكَ وَفِيهِ .
ثم ذكر (علیه السلام) الأبيات التي قيلت فيه :
لَيْسَ مَنْ كانَ مُؤْمِناً يَعْبُدُ الله *** كَمَنْ كانَ فاسِقاً خَوَانا
سَوْفَ يُدْعَ الْوَلِيدُ بَعْدَ قَليلٍ *** وَعَلِيٌّ إِلَى الْحِسَابِ عَيانا
فَعَلِيٌّ يُجْزى بذاكَ جِناناً *** وَوَليدٌ يُجْزَى بِذاكَ هَوانا
وَما أَنْتَ وَقُرَيْش إِنَّمَا أَنْتَ عِلْجٌ مِنْ أَهْلِ صَفَورِيَةَ ، وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَأَنْتَ أَكْبَرُ فِي الْمِيلادِ ، وَأَسَنُّ مِمَّنْ تُدْعَى إِلَيْهِ.
إن السبب الداعي إلى بغض الوليد وعدائه إلى أمير المؤمنين (علیه السلام) أن الإمام مثال للإيمان والوليد رمز للكفر ، ومن المعلوم أنّ التضاد بين الإيمان والكفر تضاد ذاتي وتنافر طبيعي ، ومضافاً إلى ذلك ، فإنّ أمير المؤمنين قد جلده ثمانين جلدة لشربه الخمر ، وقد أولد ذلك في نفسه عداء لأمير المؤمنين (علیه السلام) أي عداء ، وبعد ما أخزى (علیه السلام) الوليد التفت إلى عتبة بن أبي سفيان ، فقال له :
وَأَما أَنْتَ يا عُتْبَةُ ، فَوَاللَّهِ ما أَنْتَ بِحَصِيفٍ فَأُجِيبُكَ ، وَلَا عَاقِلٍ فَأُحاوِرُكَ وَأعاتِبُكَ ، وَما عِنْدَكَ خَيْرٌ يُرْجى ، وَلَا شَرٌّ يُتَّقى ، وَما عَقْلُكَ وَعَقْلُ أَمَتِكَ إِلَّا سَواءٌ ، وَما يَضُرُّ عَلِيّاً لَوْ سَبَيْتَهُ عَلَى رُؤوسِ الْأَشْهَادِ .
وَأَمَا وَعِيدُكَ إِيَّايَ بِالْقَتْلِ فَهَلّا قَتَلْتَ اللَّحْيَانِيَّ إِذْ وَجَدْتَهُ عَلَى فِرَاشِكَ ، أَما تَسْتَحْيِي مِنْ قَوْلِ نَصْرِ بْنِ الْحَجَاجِ فِيكَ :
يا للرِّجالِ وَحادِثُ الْأَزْمَانِ *** وَلِسُبَّةٍ تُخْزِي أَبَا سُفْيَانِ
نُبِّئتُ عُتْبَةَ خانَهُ في عِرْسِهِ *** جِنْسٌ لَئِيمُ الْأَصْل مِنْ لَحْيانِ
وَبَعْدَ هذا ما أَرْبَأُ بِنَفْسي عَنْ ذِكْرِهِ لِفُحْشِهِ ، فَكَيْفَ يَخَافُ أَحَدٌ سَيْفَكَ وَلَمْ تَقْتُلْ فَاضِحَكَ ؟! وَكَيْفَ أَلومُكَ عَلى بُغْضِ عَلِيٍّ وَقَدْ قَتَلَ خالَكَ الْوَلِيدَ مُبارَزَةً يَوْمَ بَدْرٍ ، وَاشْتَرَكَ مَعَ حَمْزَةَ فِي قَتْلِ جَدِّكَ عُتْبَةَ وَأَوْحَدَكَ مِنْ أَخيِكَ حَنْظَلَةَ فِي مَقامٍ وَاحِدٍ ؟!
لقد بيّن (علیه السلام) سفاهة عتبة وعدم عقله، وفقدانه الشرف ، وأن أمير المؤمنين (علیه السلام) قد حصد ببتّاره رأس جده وخاله وأخيه يوم بدر ، فلهذا كان يكن في نفسه الحقد
والبغض له .
ثم التفت (علیه السلام) بعد ذلك إلى المغيرة بن شعبة فقال له :
وَأَمَا أَنْتَ يا مُغِيرَةُ ، فَلَمْ تَكُنْ بِخَليقٍ أَنْ تَقَعَ فِي هذا وَشِبْهِهِ ، وَإِنَّما مَثَلُكَ مَثَلُ الْبَعوضَةِ إِذْ قالَتْ لِلنَّخْلَةِ : اسْتَمْسِكي فَإِنِّي طَائِرَةٌ عَنْكِ.
فَقالَتِ النَّخْلَةُ : وَهَلْ عَلِمْتُ بِكِ واقِعَةً عَلَيَّ فَأَعْلَمُ بِأَنَّكِ طَائِرَةٌ عَنِّي .
وَاللهِ ما نَشْعُرُ بِعَداوَتِكَ إِيَّانَا ، وَلَا اغْتَمَمْنا إِذْ عَلِمْنا بها ، وَلَا يَشُقُّ عَلَيْنا كَلامُكَ ، وَإِنَّ حَدَّ اللَّهِ فِى الزِّنا لَثَابِتٌ عَلَيْكَ ، وَلَقَدْ دَرَأَ عُمَرُ عَنْكَ حَقًّا اللهُ سائِلُهُ عَنْهُ، وَلَقَدْ سَأَلْتَ رَسولَ اللهِ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) : هَلْ يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى الْمَرْأَةِ يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَها ؟
فَقالَ : لَا بَأْسَ بِذلِكَ يا مُغيرَةُ ، ما لَمْ يَنْوِ الزّنا لِعِلْمِهِ بِأَنَّكَ زانٍ .
وَأَمَا فَخْرُكُمْ عَلَيْنَا بِالْإِمَارَةِ ، فَإِنَّ اللهَ تَعالى يَقولُ: «وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا» (1).
وانتهى بذلك حديث الإمام مع خصومه ، وقد دلّهم (علیه السلام) على عيوبهم ورذائلهم النفسيّة والنسبية ، وكشف الستار عن مخازيهم ، وسلبهم ثوب الافتخار ، وترك (علیه السلام) الكمد والحزن يحزّان في نفوسهم ، فلما أراد الانصراف تعلّق بطرف ثوبه ابن العاص وهو يقول : يا أمير المؤمنين ، قد شهدت قوله في قذف أُمّي ، وأنا مطالب له بحق القذف.
فصاح به معاوية في غيظ : خلّ عنه لا جزاك الله خيراً .
1) الإسراء 17 : 16 .
ثم التفت إلى بطانته مندّداً بهم ولائماً لهم على عصيانهم ومخالفتهم له قائلاً: قد أنبأتكم أنه ممن لا يُطاق عارضته ، ونهيتكم أن تسبّوه فعصيتموني ، والله ما قام حتى أظلم عليَّ البيت ، قوموا عنّي ، فلقد فضحكم الله وأخزاكم بترككم الحزم ، وعدولكم عن رأي الناصح المشفق ، والله المستعان (1).
4 - واجتمع معاوية مع بطانته فجعل بعضهم يفخر على بعض ويتطاولون فيما بينهم ، فأراد معاوية أن يضحك على ذقونهم فقال لهم : أكثرتم الفخر ، فلو حضركم الحسن بن عليّ وعبد الله بن عبّاس لقصرا من أعنّتكم ما طال .
فاندفع زياد بن سميّة فقال : وكيف ذلك يا أمير المؤمنين ، ما يقومان لمروان بن الحكم في غرب منطقه (2)، ولا لنا في بواذخنا (3)، فابعث إليهما في غد حتّى تسمع كلامنا .
فالتفت معاوية إلى وزيره ابن العاص يستشيره في ذلك : ما تقول ؟
وبعث معاوية ابنه يزيد خلفهما ، فلما حضرا قال لهما معاوية : إنّي أجلكما وأرفع قدركما عن المسامرة بالليل ، ولا سيما أنت يا أبا محمد ، فإنّك ابن رسول الله وسيّد شباب أهل الجنة.
فشكر الإمام (علیه السلام) وابن عبّاس مقالته ، واندفع ابن العاص قائلاً: يا حسن، إنا قد تفاوضنا فقلنا : إنّ رجال بني أمية أصبر عند اللقاء ، وأمضى في الوغى ، وأوفى عهداً ، وأكرم خيماً (4)، وأمنع لما وراء ظهورهم من بني عبد المطلب.
ثم سكت ، وتكلّم من بعده مروان بن الحكم فقال : وكيف لا نكون كذلك وقد قارعناكم فغلبناكم ، وحاريناكم فملكناكم ، فإن شئنا عفونا ، وإن شئنا بطشنا .
وسكت مروان ، فتكلّم زياد فقال : ما ينبغي لهم أن ينكروا الفضل لأهله ، ويجحدوا الخير في سلطانه ، نحن أهل الحملة في الحروب ، ولنا الفضل على سائر الناس قديماً وحديثاً .
فانبرى إليهم الإمام (علیه السلام) كالأسد محطّماً لكيانهم ، ومبيداً لفخرهم قائلاً:
لَيْسَ مِنَ الْعَجْزِ أَنْ يَصْمَتَ الرَّجُلُ عِنْدَ إِیرَادِ الْحُجَّةِ ، وَلَكِنْ مِنَ الْإِفْكِ أَنْ يَنْطُقَ الرَّجُلُ بِالْخَنا ، وَيُصَوِّرَ الْباطِلَ بِصُورَةِ الْحَقِّ.
ثم وجه (علیه السلام) خطابه إلى عمر و بن العاص فقال له : يا عَمْرو ، افْتِخاراً بِالْكَذِبِ ، وَجُرْأَةً عَلَى الْإِفْكِ، ما زِلْتُ أَعْرِفُ مَثالِبَكَ الْخَبيثَةَ ، اُبْدِيها مَرَّةً وَأَمْسِكُ عَنْهَا أُخْرَى ، فَتَأْبِى إِلَّا انْهِماكاً في الضَّلالَةِ ، أَتَذْكُرُ مَصابيح الدجى ، وَأَعْلامَ الْهُدى، وَفُرْسانَ الطَّرادِ ، وَحُتوفَ الْأَقْرانِ ، وَأَبْناءَ الطَّعانِ ، وَرَبيعَ الضّيْفانِ ، وَمَعْدِنَ النُّبُوَّةِ ، وَمَهْبِطَ الْعِلْمِ.
وَزَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَحْمى لِما وَراءَ ظُهُورِكُمْ ، وَقَدْ تَبَيَّنَ ذلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ نَكَصَتِ الْأَبْطالُ ، وَتَساوَرَتِ الْأَقْرانُ ، وَاقْتَحَمَتِ الليوثُ، وَاعْتَرَكَتِ الْمَنِيَّةُ ، وَقامَتْ رَحاها عَلى قُطبها ، وَافْتَرَتْ عَنْ نابِها ، وَطارَ شِرارُ الْحَرْبِ ، فَقَتَلْنا رِجَالَكُمْ ، وَمَنَّ النَّبِيُّ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) عَلَى ذَرَارِيكُمْ ، فَكُنتُمْ لَعَمْرِي في ذلِكَ الْيَوْمِ غَيْرَ مانِعينَ لِما وَراءَ ظُهُورِكُمْ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِب .
ثم التفت (علیه السلام) إلى مروان فقال له :
وَأَمَا أَنْتَ يا مَرْوانُ ، فَما أَنْتَ وَالْإِكْثَارُ فِي قُرَيْشٍ ، وَأَنْتَ طَلِيقٌ وَأَبوك طَرِيدٌ يَتَقَلَّبُ مِنْ خِزْيَةٍ إِلى سَوْأَةٍ ، وَلَقَدْ جِيءَ بِكَ إِلى أَمِيرِ الْمُؤْمِنينَ ، فَلَمّا رَأَيْتَ الضَّرْغامَ قَدْ دُمِيَتْ بَراثِنُهُ ، وَاشْتُبِكَتْ أَنْيَابُهُ كُنْتَ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ :
لَيْثٌ إِذا سَمِعَ الليوثُ زَيرَهُ *** بَصْبَصْنَ ثُمَّ قَذَفْنَ بِالْأَبْعَارِ(1)
فَلَمّا مَنَّ عَلَيْكَ بِالْعَفْوِ ، وَأَرْحَى خِناقَكَ بَعْدَ ما ضاقَ عَلَيْكَ وَغَصَصْتَ بِرِيقِك ، لَمْ تَقْعُدْ مَعَنا مَقْعَدَ أَهْلِ الشُّكْرِ ، وَلكِنْ كَيْفَ تُساوينا وَتُجارينا (2)وَنَحْنُ مِمَّا لَا يُدْرِكُنا عارٌ ، وَلَا تَلْحَقُنا خِزْيَةٌ .
ثم وجه (علیه السلام) خطابه إلى زياد فقال له :
وَما أَنْتَ يا زِيادُ وَقُرَيْشٌ ، لَا أَعْرِفُ لَكَ فيها أَديماً صحيحاً (3)، وَلَا فَرْعاً نابتاً ، وَلَا قَديماً ثابتاً ، وَلَا مَنْبتاً كَرِيماً ، بَلْ كَانَتْ أُمُّكَ بَغِيّاً تَداوَلَها رِجالٌ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَفُجَارِ الْعَرَبِ ، فَلَمّا وُلِدْتَ لَمْ تَعْرِفْ لَكَ الْعَرَبُ والِداً ، فَادَّعاكَ هذا - وأشار إلى معاوية - بَعْدَ مَماتِ أبيهِ .
ما لَكَ افْتِخارٌ ، تَكْفيك سُمَيَّةٌ ، وَيَكْفينا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ، وَأَبي عَلِيُّ بْنُ أَبي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ سَيِّدُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِي لَمْ يَرْتَدَّ عَلَى عَقِبَيْهِ ، وَعَمّي حَمْزَةُ سَيْدُ الشُّهَداءِ وَجَعْفَرُ الطَّیَارِ ، وَأَنَا وَأَخِي سَيِّدا شَبابِ
أَهْلِ الْجَنَّةِ.
وبعدما ألقم الحجر أفواه خصومه التفت إلى ابن عبّاس قائلاً : يابن العم ، إنّما هي بغاث الطير انقض عليها أجدل .
وأراد ابن عباس أن يتكلم فخاف معاوية من حديثه ، فأقسم عليه أن يسكت ، فسكت ، ثم خرج الإمام وابن عباس ، فالتفت معاوية إلى بطانته مستهزئاً بهم : أجاد عمرو الكلام لولا أنّ حجّته دحضت، و تكلم مروان لولا أنه نكص .
ثم التفت إلى زياد فأنكر عليه هذا التدخل قائلاً: ما دعاك إلى محاورته ماكنت إلا كالحَجَل في كف البازي .
والتفت ابن العاص إلى معاوية : ألا رميت من ورائنا ؟
إذا كنت شريككم في الجهل ، أفاخر رجلاً رسول الله جدّه ، وهو سيّد من مضى ومَن بقي ، وأمه فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين.
ثم التفت إلى ابن العاص : والله لئن سمع به أهل الشام لهي السوءة السوآء.
فقال عمرو : لقد أبقى عليك، ولكنه طحن مروان وزياداً طحن الرحا بثفالها ، ووطأهما وطء البازل القراد بمنسمه .
واندفع زياد يؤيّد مقالة ابن العاص في تحطيم الإمام لهم قائلاً: قد والله فعل ، ولكن معاوية يأبى إلا الإغراء بيننا وبينهم ، لا جرم والله لا شهدت مجلساً يكونان فيه إلا كنت معهما على من فاخرهما .
وخلا ابن عبّاس بالإمام ، فقبل ما بين عينيه وأظهر له الإعجاب بحديثه ، ورده على هؤلاء الأوغاد قائلاً: أفديك يابن العم ، والله ما زال بحرك يزخر ، وأنت تصول حتى شفيتني من أولاد البغايا (1).
1) يقول السيد المرعشي في كتابه إحقاق الحق : 5 : 62 : « هذا الحديث رواه ابن حسنویه في كتابه در بحر المناقب : 72 ، مخطوط » .
5 - وغاب الإمام (علیه السلام) عن دمشق أياماً ، ثم رجع إليها ، فدخل على معاوية وكان في مجلسه عبدالله بن الزبير، فلما رأى معاوية الإمام قام إليه فاستقبله ، وبعد ما استقرّ به المجلس التفت إليه قائلاً: يا أبا محمد ، إنّي أظنك تعباً نصباً ، فأت المنزل فأرح نفسك فيه .
وخرج الإمام من عنده ، والتفت معاوية إلى عبد الله بن الزبير مغرياً له : لو افتخرت على الحسن ، فإنك ابن حواري رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وابن عمته ، ولأبيك في الإسلام نصيب وافر .
فانخدع ابن الزبير بمقالة معاوية ، فأظهر له الاستعداد على مطاولة الإمام ومفاخرته قائلاً: أنا له .
وانصرف ابن الزبير وقد أنفق ليله ساهراً وهو يفكر بماذا سيوصم به الإمام ؟ فلما أصبح جاء يشتدّ إلى مجلس معاوية ليطاول الإمام ويعتدي عليه حتى يرضي عواطف معاوية ، وأقبل الإمام (علیه السلام) فقام إليه معاوية واحتفى به .
ولما استقر به المجلس اندفع ابن الزبير قائلاً: لولا أنك خوار في الحرب غير مقدام ما سلّمت لمعاوية الأمر ، وكنت لا تحتاج إلى اختراق السهوب (1)، وقطع المفاوز ، تطلب معروفه ، وتقوم ببابه ، وكنت حرياً أن لا تفعل ذلك وأنت ابن عليّ في بأسه ونجدته ، فما أدري ما الذي حملك على ذلك ؟ أضعف في الرأي أم وهن نحيزة (2)، فما أظنّ لك مخرجاً من هاتين الخلتين .
أما والله لو استجمع لي ما استجمع لك لعلمت أني ابن الزبير ، وإنّي لا أنكص عن الأبطال ، وكيف لا أكون كذلك وجدّتي صفية بنت عبدالمطلب ، وأبي الزبير من
حواریّي رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، وأشد الناس بأساً ، وأكرمهم حسباً في الجاهلية ، وأطوعهم لرسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم).
واندفع الإمام فردّ عليه أباطيله وبهتانه قائلاً:
أَما وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّ بَني أُمَيَّةَ تَنْسِبُني إِلَى الْعَجْزِ عَنِ الْمَقالِ لَكَفَفْتُ عَنْكَ تَهاوُناً ، وَلَكِنْ سَاُبَيِّنُ لَكَ ذلِكَ لِتَعْلَمَ أَنَّي لَسْتُ بِالْعَیِيِّ ، وَلَا الْكَليل اللَّسانِ ، إِيَّايَ تُعَيِّرُ ، وَعَلَيَّ تَفْتَخِرُ ؟ ! وَلَمْ يَكُنْ لِجَدِّكَ بَيْتٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا مَكْرُمَةٌ ، فَزَوْجَتُهُ جَدَّتي صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، فَبَذَخَ عَلى جَميع الْعَرَبِ بِهَا ، وَشَرَفِ مَكانِها ، فَكَيْفَ تُفاخِرُ مَنْ هُوَ مِنَ الْقِلادَةِ واسِطَتُها ، وَمِنَ الْأَشْرافِ سادَتُهَا ، نَحْنُ أَكْرَمُ أَهْلِ الْأَرْضِ زَنْداً ، لَنا الشَّرَفُ الثَّاقِبُ ، وَالْكَرَمُ الْغَالِبُ.
ثُمَّ تَزْعَمُ أَنِّي سَلَّمْتُ الْأَمْرَ ، فَكَيْفَ يَكونُ ذلِكَ وَيْحَكَ كَذلِكَ ؟!
وَأَنَا ابْنُ أَشْجَعِ الْعَرَبِ ، وَقَدْ وَلَدَتْني فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِساءِ الْعالَمينَ ، وَخِيَرَةُ الْإِمَاءِ ، لَمْ أَفْعَلْ ذلِكَ وَيْحَكَ جُبْناً وَلَا ضَعْفاً ، وَلِكنَّهُ بِايَعَني مِثْلُكَ ، وَهُوَ يَطْلُبُني بِتِرَةً ، وَيُداجيني الْمَوَدَّةَ ، وَلَمْ أَثِقْ بِنُصْرَتِهِ ، لأَنَّكُمْ أَهْلُ بَيْتِ غَدْرٍ ، وَكَيْفَ لَا يَكونُ كَما أَقولُ؟ وَقَدْ بايَعَ أَبوكَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ نَكَثَ بَيْعَتَهُ ، وَنَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ ، وَاخْتَدَعَ حَشْيَةً مِنْ حَشايا رَسولِ اللهِ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) لِيُضِلَّ بها النّاسَ ، فَلَمّا دَلَفَ نَحْوَ الْأَعِنَّةِ ، وَرَأى بَرِيقَ الْأَسِنَّةِ ، قُتِلَ مَضْيعَةً لا ناصِرَ لَهُ ، وَأُتِيَ بِكَ أَسيراً ، قَدْ وَطَأَتْكَ الْكُماة بِأَظْلافِها ، وَالْخَيْلُ بِسَنابِكها ، وَاعْتَلاكَ الْأَشْتَرُ فَغَصَصْتَ بِرِيقِك ، وَأَقْعَيْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ كَالْكَلْبِ إِذا
احْتَوَشَتْهُ الليوث.
فَنَحْنُ وَيْحَكَ نُورُ الْبِلادِ وَأَمْلاكُهَا ، وَبِنا تَفْخَرُ الْاُمَّةُ ، وَإِلَيْنَا تُلْقَى مَقاليد الْأَزِمَّةِ ، أَتَصولُ وَأَنْتَ تَخْدَعُ النِّسَاءَ ثُمَّ تَفْتَخِرُ عَلَى بَنِى الْأَنْبِياءِ ، لَمْ تَزَلِ الْأَقاويلُ مِنّا مَقْبُولَةً ، وَعَلَيْكَ وَعَلى أَبِيكَ مَرْدُودَةً .
دَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ جَدّي طائِعينَ وَكَارِهِينَ ، ثُمَّ بِايَعُوا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلامُ ، فَسارَ إِلى أَبيكَ وَطَلْحَةَ حينَ نَكَثا الْبَيْعَةَ ، وَخَدَعا عُرْسَ رَسولِ اللَّهِ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) (1)، فَقُتِلَ أَبوكَ وَطَلْحَةُ وَأتِيَ بِكَ أَسيراً ، فَبَصْبَصْتَ بِذَنْبِكَ وَنَاشَدْتَهُ الرَّحِمَ أَنْ لَا يَقْتُلَكَ فَعَفَا عَنْكَ ، فَأَنْتَ عِناقَةُ أَبِي ، وَأَنا سَيَّدُكَ وَسَيِّدُ أَبِيكَ ، فَذُقْ وَبَالَ أَمْرِكَ.
وخجل ابن الزبير وندم على ما فرّط في أمره ، فتقدّم إلى الإمام بأسلوب ليّن ناعم يلتمس فيه العفو والرضا ، معرباً له أن معاوية هو الذي أغراه بذلك قائلاً: أعذر يا أبا محمد ، فإنّما حملني على محاورتك هذا - وأشار إلى معاوية - فهلا إذ جهلت أمسكت عنّي ، فإنّكم أهل بيت سجيتكم الحلم والعفو .
والتفت الإمام إلى معاوية فقال له : انْظُرْ هَلْ أَكيعُ عَنْ مُحاوَرَةِ أَحَدٍ ؟ وَيْحَكَ : أَتَدْرِي مِنْ أَيِّ شَجَرَةٍ أَنَا ؟ وَإِلَى مَنْ أَنْتَمي ؟ انْتَهِ قَبْلَ أَنْ أَسِمَكَ بِمَيْسَم تَتَحَدَّثُ بِهِ الرُّكْبانُ فِي الْآفَاقِ وَالْبُلْدَانِ .
فقال ابن الزبير : هو لذلك أهل .
فالتفت معاوية إلى ابن الزبير قائلاً: أما إنّه قد شفى بلابل صدري منك ،
1) أراد (علیه السلام) بذلك ، عائشة زوج النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم).
ورمی مقتلك ، فصرت كالحجل في كف البازي يتلاعب به كيف أراد ، فلا أراك تفتخر على أحد بعدها (1).
6 - ومن مناظراته (علیه السلام) القيمة ، ومشاجراته مع خصومه التي حطم بها كيانهم أنه (علیه السلام) أقبل إلى معاوية فلما بصر به حاجبه أسرع إليه فعرفه بتشريف الإمام ، فالتفت معاوية إلى بطانته قائلاً: إنّه إن دخل علينا أفسد ما نحن فيه .
فقال له مروان : ائذن له، فإنّي أسأله عما ليس عنده جواب.
فنهره معاوية وقال له : لا تفعل إنهم قوم الهموا الكلام .
وأذن معاوية للإمام ، فلما دخل قام إليه فرحب به والتفت مروان قائلاً باستهزاء : أسرع الشيب إلى شاربك يا حسن ، ويقال : إنّ ذلك من الخرق (2).
فأجابه الإمام قائلاً: لَيْسَ كَما بَلَغَكَ ، وَلكِنَّا مَعْشَرَ بَنى هاشم طَيِّبَةٌ أَفْواهُنا ، فَنِسَاؤُنَا يُقْبِلْنَ عَلَيْنَا بِأَنْفَاسِهِنَّ ، وَأَنْتُمْ مَعاشِرَ بَني أُمَيَّةَ فِيكُمْ بَخْرٌ شَديدٌ (3)فَنِسَاؤُكُمْ يَصْرِفْنَ أَفْواهَهُنَّ وَأَنْفَاسَهُنَّ عَنْكُمْ إِلَى أَصْدَاغِكُمْ (4)، فَإِنَّما يَشيبُ مَوْضِعُ الْعِذَارِ مِنْ أَجْلِ ذلِكَ .
فغضب معاوية وصاح بأصحابه : قد كنت أخبرتكم فأبيتم حتى سمعتم ما أظلم عليكم بيتكم ، وأفسد مجلسكم .
وخرج الإمام من عندهم وقد ترك الكمد ملأ نفوسهم وهو يقول :
وَمارَسْتُ هذا الدهرَ خَمْسِينَ حِجَّةً *** وَخَمْساً أُرَجّي قائِلاً بَعدَ قَائِل
فَما أَنا في الدُّنْيا بَلَغتُ جَسيمها *** وَلا في الَّذِي أَهْوَىٰ كَدَحْتُ بِطائِل
وَقَدْ أَسْرَعَتْ في المَنايا أَكُفُها *** وَأَيْقَنتُ أَنِّي رَهْنُ مَوتٍ مُعاجِلٍ (1)
7 - وتحدث في مجلس معاوية عن عظيم فضله ، وشرف نسبه قائلاً:
قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ بِأَسْرِها أَنِّي مِنْها فِي عِزّ أُرومَتِها ، لَمْ أُطْبَعْ عَلى ضَعْفٍ ، وَلَمْ أَعْكِسْ عَلى خَسْفٍ ، أُعْرَفُ بِشِبْهي ، وَ اُدعى لأبي» (2).
وساء ذلك ابن العاص فانبرى قائلاً: قد علمت قريش أنك من أقلها عقلاً، وأكثرها جهلاً ، وإن فيك خصالاً لو لم يكن فيك إلا واحدة منهن لشملك خزيها كما شمل البياض الحالك (3)لعمر الله لتنتهين عمّا أراك تصنع أو لأكبسنّ لك حافة كجلد العائط (4)أرميك من خللها بأحر من وقع الأثافي (5)أعرك منها أديمك عرك السلعة (6)، فإنّك طالما ركبت صعب المنحدر ، ونزلت فى أعراض الوعر التماساً للفرقة ، وإرصاداً للفتنة ، ولن يزيدك الله إلّا فظاعة .
فردّ عليه الإمام مقالته : أَما وَاللهِ لَوْ كُنْتَ تَسْمو بِحَسَبِكَ ، وَتَعْمَلُ بِرَأْيِكَ ، ما سَلَكَتَ فَجَّ قَصْدٍ ، وَلَا حَلَلْتَ رابِيَةَ مَجْدٍ ، وَأَيْمُ اللَّهِ لَوْ أَطَاعَنِي مُعَاوِيَةُ لَجَعَلَكَ بِمَنْزِلَةِ الْعَدُوِّ الْكاشِح (7)، فَإِنَّهُ طَالَ مَا طَوَيْتَ عَلَى هَذا كَشْحَكَ ،
وَأَخْفَيْتَهُ فِي صَدْرِكَ ، وَطَمَعَ بِكَ الرَّجاءُ إِلَى الْغَايَةِ الْقُصوى الَّتي لَا يُورِقُ لَها غُصْنُكَ ، وَلَا يَخْضَرُّ لَها مَرْعاكَ .
أَما وَاللَّهِ لَيُوشَكَنَّ بِابْنَ الْعَاصِ أَنْ تَقَعَ بَيْنَ لِحْيَيْ ضِرْعَامٍ مِنْ قُرَيْشٍ ، قَوِيٌّ مُمْتَنِع ، فَرُوسٍ ذي لُبَدٍ ، يَضْغَطُكَ ضَغْطَ الرَّحا لِلْحَبِّ ، لَا يُنْجِيكَ مِنْهُ الرَّوَغانُ (1)إِذا الْتَقَتْ حَلَقَتا الْبِطَانِ (2).
لقد كان ابن العاص يتحرّى في كل مناسبة انتقاص أهل البيت (علیهم السلام) ، ويعلن عداءه وبغضه لهم ، وما سبب ذلك إلا لخبث ذاته ، وعدم طهارة إنائه ، وقد رأى الإمام في الطواف فجعل يشتد نحوه ، فلما انتهى إليه رفع عقيرته : يا حسن ، أزعمت أن الدين لا يقوم إلا بك وبأبيك ، فلقد رأيت الله عزّ وجلّ أقامه بمعاوية فجعله راسياً بعد ميله ، وبيناً بعد خفائه ، أفرضي الله قتل عثمان أم من الحق أن تدور بالبيت كما يدور الجمل بالطحين عليك ثياب كغرقئ البيض (3)، وأنت قاتل عثمان ، والله إنّه لألم للشعث ، وأسهل للوعث (4)أن يوردك معاوية حياض أبيك.
فوجه (علیه السلام) إليه سهاماً من قوله قائلاً: إنَّ لأَهْلِ النَّارِ عَلاماتٍ يُعْرَفونَ بِها ، وَهِيَ الْإِلْحادُ لأَوْلياءِ اللَّهِ ، وَالْمُوالاة لأَعْداءِ اللَّهِ ، وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنَّ عَلِيّاً لَمْ يَتَرَيَّبْ فِي الدِّينِ ، وَلَمْ يَشُك في اللهِ وَلَا طَرْفَةَ عَيْنٍ قَطُّ، وَأَيْمُ الله لَتَنْتَهِيَنَّ بِابْنَ أُمِّ عَمْرٍو أَوْ أَقْرَعَنَّ جَبِينَكَ بِكَلامٍ تَبْقَىٰ سِمَتُهُ عَلَيْكَ
ما حَبِيتَ ، فَإِيَّاكَ وَالْإِبْرازُ عَلَيَّ ، فَإِنِّي مَنْ قَدْ عَرَفْتَ لَسْتُ بَضَعيف الْغَميزة (1)، وَلَا بِهَشِّ المُشاشَةِ (2)، وَلَا بِمَرِيء الْمَأْكَلَةِ ، وَإِنِّي مِنْ قُرَيْشٍ كَأَوْسَطِ الْقِلادَةِ ، يُعْرَفُ حَسَبى ، وَلَا اُدْعَىٰ لِغَيْرِ أَبِي ، وَقَدْ تَحَاكَمَتْ فِيكَ رِجالٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَغَلَبَ عَلَيْكَ أَلْأَمُهُمْ نَسَباً ، وَأَظْهَرُهُمْ لَعْنَةً ، فَإِيَّاكَ عَنِّي ، فَإِنَّكَ رِجْسٌ ، وَأَمَا نَحْنُ بَيْتُ الطَّهَارَةِ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنا الرِّجْسَ ، وَطَهَّرَنا تطهيراً (3).
8 - ومما وقع للإمام في دمشق أنه دخل على معاوية فلما رآه قام إليه واحتفى به فساء ذلك مروان واضطرب غيظاً وموجدة ، واندفع قائلاً: يا حسن ، لولا حلم أمير المؤمنين ، وما قد بنى له آباؤه الكرام من المجد والعُلا ما أقعدك هذا المقعد ، ولقتلك وأنت له مستوجب بقودك الجماهير .
فلمّا أحسست بنا ، وعلمت أن لا طاقة لك بفرسان أهل الشام ، وصناديد بني أميّة أذعنت بالطاعة، واحتجزت بالبيعة ، وبعثت تطلب الأمان ، أما والله لولا ذلك لاُريق دمك ، وعلمت أنا نعطي السيوف حقها عند الوغى ، فاحمد الله إذ ابتلاك بمعاوية فعفا عنك بحلمه ، ثم صنع بك ما ترى !
فردّ عليه الإمام قائلاً:
وَيْحَكَ يا مَرْوانُ : لَقَدْ تَقَلَّدْتَ مَقاليدَ الْعَارِ فِي الْحُروبِ عِنْدَ مُشاهَدَتِها وَالْمُخاذَلَةِ عِنْدَ مُخالَطَتِها ، نَحْنُ - هَبِلَتْكَ الهَوابِلُ - لَنَا الْحُجَجُ الْبَوالِغُ ،
وَلَنا إِنْ شَكَرْتُمْ عَلَيْكُمُ النِّعَمُ السَّوابِعُ ، نَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنَا إِلَى النَّارِ ، فَشَتَانَ مَا بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ .
تَفْخَرُ بِبَني أُمَيَّةَ ، وَتَزْعَمُ أَنَّهُمْ صُبَّرٌ في الحُروبِ ، اُسدٌ عِنْدَ اللّقاءِ، ثَكَلَتْكَ أُمُّكَ ، أَوْلَئِكَ الْبَهاليلُ السّادَةُ ، وَالْحُماة الذّادَةُ ، وَالْكِرَامُ الْقادَةُ ، بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
أَما وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتَهُمْ وَجَميعَ مَنْ في هذَا الْبَيْتِ ما هالَتْهُمُ الْأهْوالُ ، وَلَمْ يُحيدُوا عَنِ الْأَبْطَالِ ، كَاللُّيوثِ الضَّارِيَةِ الْباسِلَةِ الْحَنِقَةِ ، فَعِنْدَها وَلَّيْتَ هارباً ، وَأُخِذْتَ أسيراً ، فَقَلَّدْتَ قَوْمَكَ الْعارَ لأَنَّكَ فِي الْحُروبِ خَوَارٌ.
أَيُراقُ دَمِي ، زَعَمْتَ أَفَلَا أَرَقْتَ دَمَ مَنْ وَثَبَ عَلى عُثْمَانَ في الدّارِ فَذَبَحَهُ كَمَا يُذْبَحُ الْجَمَلُ؟ وَأَنْتَ تَثْغُو ثُغَاءَ النَّعْجَةِ : وَتُنادِي بِالْوَيْلِ وَالثُّبورِ كَالْأَمَةِ اللَّكْعاءِ ، أَلَا دَفَعْتَ عَنْهُ بِيَدٍ أَوْ نَاضَلْتَ عَنْهُ بِسَهْمٍ ؟!
لَقَدِ ارْتَعَدَتْ فَرائِصُكَ ، وَغُشِيَ بَصَرُكَ ، فَاسْتَغَثْتَ بِي كَمَا يَسْتَغِيثُ الْعَبْدُ بِرَبِّهِ ، فَأَنْجَيْتُكَ مِنَ الْقَتْلِ ، وَمَنَعْتُكَ مِنْهُ ، ثُمَّ تَحُثُ مَعاوِيَةَ عَلى قَتْلي ؟ وَلَوْ رامَ ذلِكَ مَعَكَ لَذُبِحَ كَما ذُبِحَ ابْنُ عَفَانَ ، أَنْتَ مَعَهُ أَقْصَرُ يَداً ، وَأَضْيَقُ باعاً ، وَأَجْبَنُ قَلْباً مِنْ أَنْ تَجْسُرَ عَلى ذلِكَ .
ثُمَّ تَزْعَمُ أَنِّي ابْتَلَيْتُ بِحِلْمِ مُعاوِيَةَ ، أَما وَاللَّهِ لَهُوَ أَعْرَفُ بِشَأْنِهِ ، وَأَشْكَرُ لِما وَلَّيْناهُ هذَا الْأَمْرَ ، فَمَتى بَدا لَهُ ، فَلَا يُغْضِيَنَّ جَفْنَةً عَلَى الْقَذى مَعَكَ فَوَاللَّهِ لَأَعْقَبَنَّ أَهْلَ الشَّامِ بِجَيْشٍ يَضِيقُ عَنْهُ فَضاؤُها ، وَيَسْتَأْصِلُ فُرْسانَها .
ثُمَّ لَا يَنْفَعُكَ عِنْدَ ذلِكَ الْهَرْبُ وَالرَّوَغَانُ ، وَلَا يَرُدُّ عَنْكَ الطَّلَبَ تَدْرِيجُكَ الْكَلامَ ، فَنَحْنُ مِمَّنْ لَا يُجْهَلُ آبَاؤُنَا الْقُدَمَاءُ الْأَكابِرُ، وَفُروعُنَا السَّادَةُ الْأَخْيَارُ ، انْطِقُ إِنْ كُنْتَ صادِقاً .
فقال ابن العاص مستهزئاً بمروان : ينطق بالخنا وتنطق بالصدق ، ثم أنشأ يقول :
قَدْ يَضرُطُ العِيرُ وَالمكواة تَأخُذُهُ *** لا يَضرُطُ العِيرُ وَالمِكواة في النّارِ
ذق ويال أمرك يا مروان .
وصاح معاوية بمروان : قد كنت نهيتك عن هذا الرجل وأنت تأبى إلا انهماكاً فيما لا يعنيك أربع على نفسك فليس أبوك كأبيه ، ولا أنت مثله ، أنت ابن الطريد الشريد ، وهو ابن رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) الكريم ، ولكن ربّ باحث عن حتفه وحافر عن مديته .
وانتفخت أوداج مروان غضباً وحنقاً فاندفع نحو معاوية قائلاً: ارم من دون بيضتك ، وقم بحجّة عشيرتك .
ثم التفت إلى ابن العاص قائلاً وطعنك أبوه فوقيت نفسك بخصييك فلذلك تحذره .
ثمّ قام وهو محطّم الكيان قد أهين وحقر ، فقال معاوية : لا تجار البحور فتغمرك ، ولا الجبال فتبهرك (1).
ودخل الإمام (علیه السلام) على معاوية ، وكان في مجلس ضيّق ، فجلس (علیه السلام) عند رجليه ، فتحدّث معاوية بما شاء أن يتحدّث به ، ثم قال : عجباً لعائشة ! تزعم أنّي في غير ما أنا أهله ، وإن الذي أصبحت فيه ليس لي بحق ، ما لها ولهذا يغفر الله لها ،
1) المحاسن والمساوئ : 1: 63 - 65 .
إنّما كان ينازعنى أبو هذا الجالس - وأشار إلى الحسن (علیه السّلام) - وقد استأثر الله به .
فقال (علیه السلام): أَوَعَجَبٌ ذلِكَ يا مُعاوِيَةُ ؟!
إي والله .
أَفَلا أُخْبِرُكَ بِما هُوَ أَعْجَبُ ؟!
ما هو ؟
جُلوسُكَ في صَدْرِ الْمَجْلِسِ وَأَنَا عِنْدَ رِجْلَيْكَ .
فضحك معاوية وراوغ على عادته ، وقال : يابن أخي ، بلغني أن عليك ديناً ، كم هو ؟
مائَةُ ألف
أمرنا لك بثلاثمائة ألف ، مائة ألف منها لدينك ، ومائة ألف تقسمها في أهل بيتك خاصة ، ومائة ألف لخاصة نفسك ، فقم مكرّماً ، فاقبض صلتك .
وخرج الإمام من عنده وكان يزيد حاضراً في مجلس أبيه ، فلما رأى حفاوته بالإمام ساءه ذلك وحينما انصرف من في المجلس اندفع قائلاً: تالله ما رأيت رجلاً مثلك ، استقبلك بما استقبلك به ثمّ أمرت له بثلاثمائة ألف !
وقد اعترف معاوية أنّ الخلافة الإسلامية لأهل البيت (علیهم السلام) ، وأنه قد غصبها منهم.
هذه بعض مناظرات الإمام مع خصومه ، قد روى أكثرها البيهقي والجاحظ ، ونص عليها غيرهما من المؤرّخين، وقد فضح بها الإمام معاوية وأتباعه ، وأبدى عارهم وعيارهم ، وأظهر لأهل الشام مخازي بني أمية ، وعيوب آل أبي سفيان ، فهي بحق ثورة على حكومة معاوية ، فقد حطّمت كيانه ، وأنزلته من عرشه إلى قبره .
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 16 : 12 .
وشكك بعض أهل العلم في بعض تلك المناظرات ، واحتمل فيها الوضع لأنها قد اشتملت على تعيير الإمام لخصومه باُسلوب يستبعد صدوره منه ، وقد استدل على ذلك بما روي من أنّ الإمام لم تسمع منه كلمة فحش قط ، إلا قوله لمروان : لَيْسَ لَكَ عِنْدِي إِلَّا ما رَغِمَ بِهِ أَنْفُكَ .
ومع هذا فكيف يصدر ذلك منه ، وهو احتمال موهوم لأنّ خصومه الحقراء قد تجرأوا عليه وجابهوه بألفاظ قاسية بذيئة ، فردّ عليهم اعتداءهم ، ولكن لم يستعن بالكذب ، ولم يتذرّع بالبذاء كما تذرّعوا به .
وعلى أي حال ، فإنّ معاوية بالرغم ممّا أنزله الإمام به من الذل والهوان ، فإنّه كان يحذر جانبه ويخشاه وذلك لما له من المكانة المرموقة في نفوس المسلمين، وتقديمهم له بالفضل على غيره ، وكانوا يعلنون ذلك أمام معاوية ، فقد ذكر رواة الأثر أن معاوية تحدّث في مجلسه فقال : اخبروني بخير الناس أباً وأمّاً ، وعمّاً وعمة ، وخالاً وخالة ، وجداً وجدة .
وإنما قال ذلك ليرى مدى انطباع المسلمين عن الإمام ، فقام إليه مالك بن عجلان فقال له : هذا - وأشار إلى الحسن (علیه السلام) - خير الناس ، أبوه علي بن أبي طالب وأمه فاطمة بنت رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وعمه جعفر الطيار في الجنان وعمته أمّ هاني بنت أبي طالب ، وخاله القاسم ابن رسول الله وخالته زينب بنت رسول الله ، وجده رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وجدته خديجة بنت خويلد .
فسكت معاوية ولم يطق جواباً ، ولما انصرف الإمام انبرى ابن العاص إلى مالك فأنكر عليه قوله قائلاً له : أحبُّ بني هاشم حملك على أن تكلمت بالباطل ؟ !
فردّ عليه مالك قائلاً: ما قلت إلّا حقاً ، وما أحد من الناس يطلب مرضاة المخلوق بمعصية الخالق ، إلا لم يعط اُمنيته في دنياه ، وختم له بالشقاء في آخرته ، بنو هاشم أنضرهم عوداً ، وأوراهم زنداً .
والتفت إلى معاوية فقال له : أليس هم كذلك ؟
ولم يسع معاوية إلا التصديق لكلامه (1).
إنّ معاوية كان يخشى من الإمام ويحذر من انتفاضته عليه ، ولا تزال ذكريات صفين ماثلة أمامه فيفزع منها ، ويخاف أن تعود عليه مرة أخرى ، ولهذا كان يرعى عواطف الإمام ، وقد ذكر المؤرخون أنّ عمرو بن عثمان بن عفان وأسامة بن زيد مولى رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) تخاصما عند معاوية في أرض ، فقال عمرو لاُسامة : كأنك تنكرنی ؟!
فردّ عليه اُسامة مقاتله ، وكثر التشاجر بينهما ، فهدّده أسامة بالهاشميين ، ثمّ قام فجلس إلى جانب الحسن (علیه السلام)، وقام الهاشميون فجلسوا إلى جانبه ، ولما رأى الأمويون ذلك انضموا إلى ابن عثمان ، وخاف معاوية من إثارة الفتنة فبادر إلى حسم النزاع قائلاً: لا تعجلوا ، أنا كنت شاهداً إذ أقطعها رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) اُسامة .
وقد حكم بذلك لاُسامة وقدّمه على عمرو ، ولما خرج الإمام أقبل الأمويون على معاوية يلومونه على ذلك ، وقالوا له : ألا كنت أصلحت بيننا ؟
فأجابهم معاوية بما ينم عن فزعه وخوفه قائلاً: دعوني ، فوالله ما ذكرت عيونهم تحت المغافر بصفّين إلا لبس عليَّ عقلي ، وإنّ الحرب أوّلها نجوى ، وأوسطها شكوى، وآخرها بلوى.
ثم تمثل بأبيات لامرئ القيس قائلاً:
الحَرب أَوَّلُ ما تَكونُ فَتِيَّةٌ *** تَدْنُو بِزِينَتِها لِكُلِّ جَهول
حتى إذا حَمِيَتْ وَشَبّ ضِرامها *** عادَتْ عَجوزاً غَيْرَ ذَاتِ حَليل
شعْطاءُ جَزَّتْ رَأْسَها وَتَنكّرَتْ *** مكروهة لِلشَّمّ وَالتَّقبيل
ثمّ قال : ما في القلوب يشب الحروب ، والأمر الكبير يدفعه الأمر الصغير ، وتمثل
1) المحاسن والمساوئ : 1 : 62 .
بقول الشاعر :
قَدْ يَلحَقُ الصّغيرُ بِالجَليل *** وَإِنَّما القَرْمُ مِنَ الأَفيَل
*** وَتُسْحَقُ النَّخلُ مِنَ الفَسيلِ (1)
إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن سفر الإمام إلى دمشق ، وعن مناظراته (علیه السلام) فيها.
1) مروج الذهب : 2 : 309 .
والتزمت أغلب الأمم والشعوب على اختلاف عناصرها وأديانها بالوفاء بالعهود ، وتنفيذ الشروط، وعدم مجافاتها لما تلتزم به ، وذلك حرصاً منها على الروابط الاجتماعية ، وحفظاً على النظام العام ، وقد اهتم الإسلام بهذه الناحية اهتماماً بالغاً فأكد رعاية العهود، وضرورة الوفاء بها . قال تعالى : «وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا» (1).
وقال تعالى : «وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ» (2).
لقد دعا تعالى المسلمين بهذه الآية إلى أن يهبوا إلى نصرة إخوانهم في الدين ، وإلى الاشتراك معهم في عمليات الحروب إذا دعوهم إلى ذلك ، وقد استثنى تعالى المسلمين الذين بينهم وبين المشركين عهد وميثاق ، فإنّه لا يجوز لهم خرق ذلك الميثاق ، وذلك لما للعهود من الأهمية عند الله ، يقول الرسول (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) : « الْمُؤْمِنونَ عِنْدَ شروطهم»، وقال : «الْمُؤْمِنُ إِذا وَعَدَ وَفي».
ويقول أمير المؤمنين (علیه السلام) في عهده لمالك الأشتر : وَإِنْ عَقَدْتَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَدُوِّكَ عُقْدَةً ، أَوْ أَلْبَسْتَهُ مِنْكَ ذِمَّةً ، فَحُطْ عَهْدَكَ بِالْوَفَاءِ ، وَارْعَ ذِمَّتَكَ
بالأَمانَةِ ، وَاجْعَلْ نَفْسَكَ جُنَّةً دُونَ ما أَعْطَيْتَ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فَرائِضِ اللَّهِ شَيْءٌ النَّاسُ أَشَدُّ عَلَيْهِ اجْتِمَاعاً ، مَعَ تَفَرُّقِ أَهْوَائِهِمْ ، وَتَشَتُّتِ آرائِهِمْ ، مِنْ تَعْظيم الْوَفاءِ بِالْعُهُودِ. وَقَدْ لَزِمَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ دُونَ الْمُسْلِمِينَ لِمَا اسْتَبْلُوا مِنْ عَواقِبِ الْغَدْرِ؛ فَلَا تَغْدِرَنَّ بِذِمَّتِكَ وَلَا تَخِيسَنَّ بَعَهْدِكَ ، وَلَا تَخْتِلَنَّ عَدُوَّكَ ، فَإِنَّهُ لَا يَجْتَرِيءُ عَلَى اللَّهِ إِلَّا جَاهِلٌ شَقِيٌّ.
وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ عَهْدَهُ وَذِمَّتَهُ أَمْناً أَفْضَاهُ بَيْنَ الْعِبَادِ بِرَحْمَتِهِ ، وَحَرِيماً يَسْكُنُونَ إِلَى مَنَعَتِهِ ، وَيَسْتَفِيضُونَ إِلَى جِوارِهِ؛
هذا هو موقف الإسلام تجاه المعاهدات والشروط ، فقد ألزم بوفائها ورعايتها ، وحرم نكثها ، ولنرجع بعد هذا إلى اتفاقية الصلح التي تمت بين الإمام ومعاوية ، لنرى مدى الالتزام بها من الجانبين ، أما ما يخص الإمام الحسن (علیه السلام) من الشروط التي اشترطها معاوية عليه ، فإنّه لم يكن سوى شرط واحد ، وهو أن لا يخرج الإمام عليه ، وقد وفى له بذلك ، فقد خفّ إليه خلص شيعته بعد أن أعلن معاوية نقضه للشروط التي أعطاها للإمام ، فعرضوا عليه أن يخرج على معاوية ويناجزه ، فأبى (علیه السلام) أن ينقض ما أعطاه من العهد .
وبعد خروجه من الكوفة وشخوصه إلى يثرب جاءه زعماء شيعته فطلبوا منه مناجزة معاوية ، وضمنوا له احتلال الكوفة وإخلاءها من عامل معاوية ، فامتنع (علیه السلام) من إجابتهم وأمرهم بالخلود إلى الصبر ، كما تقدم بيان ذلك.
وأما ما يخص معاوية فإنّه قد خان بعهده ، وحنث بيمينه ، وكذب بمواعيده ، بالرغم من أنّه ألزم نفسه بالأيمان المغلظة ، والعهود المؤكدة على الوفاء بما أعطاه للإمام من شروط ، فقد جاء في ختام المعاهدة بتوقيعه : «وعلى معاوية بن أبي
سفیان بذلك عهد الله وميثاقه ، وما أخذ الله على أحد من خلقه بالوفاء ، وبما أعطى الله من نفسه» ، فلم تمض أيّام على إمضاء المعاهدة حتّى أعلن نقضها ، فقال أمام المسلمين : ألا إنّ كلّ شيء أعطيته للحسن بن علي تحت قدمي هاتين لا أفي به .
يقول الحصين بن نمير : ما وفى معاوية للحسن بشيء مما أعطاه ، قتل حجراً وأصحاب حجر ، وبايع لابنه ، وسمّ الحسن (1).
إن جميع ما شملته بنود المعاهدة من شرط قد نقضها (كسرى العرب) فلم يف بشيء منها ، وقد أسفر بذلك عن سياسته التي رفعت شعار الغدر ونكث الذمم ونقض العهود ، وفيما يلي الشروط التي نقضها ولم يف بها :
إذا مات الإنسان وجب أن تموت معه الحزازات ، وتنطوي معه الأحقاد ، وسائر المؤثرات ، وقد جرت سيرة الناس على ذلك منذ فجر التاريخ ، ولكن ابن هند قد جافى ذلك ، فقد أخذ بعد إبرام الصلح يعلن سبّ أمير المؤمنين (علیه السلام) ويبالغ في انتقاصه ، لم يمنعه عنه أنه قد اشترط عليه تركه في اتفاقية الصلح ، ولم يمنعه عنه انتقال الإمام إلى جوار الله ، وقد قيل :
وَاحْتِرَامُ الأَمْواتِ حَتْمٌ وَإِنْ كَا *** نوا بُعاداً فَكَيْفَ بِالقُرَباءِ (2)
لقد اندفع معاوية بجميع طاقاته وقواه إلى النيل من الإمام وإلى الحطّ من شأنه ، وقد سخّر جميع أجهزة دولته في ذلك حتى جعل سبّ العترة الطاهرة سنة من سنن المسلمين يحتجون على تركها ، ويتنادون عليها ، ويأثمون على عدم أدائها.
ومما لا شبهة فيه أنّ سبّ أمير المؤمنين (علیه السلام) إنما هو سب للنبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، وانتقاص
له ، فقد أثر عنه (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) أنه قال : «مَنْ سَبَّ عَلِيّاً فَقَدْ سَبَّني ، وَمَنْ سَبَني فَقَدْ سَب الله» (1).
وأثر عنه أنه قال : « مَنْ أذى عَلِيّاً فَقَدْ آذَانِي» (2)
وجاء في مجمع الزوائد : 9: 129 : عن سعد بن أبي وقاص ، قال : «كنت جالساً في المسجد أنا ورجلين معي ، فنلنا من علي ، فأقبل رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) غضبان يُعرف في وجهه الغضب ، فتعوذت بالله من غضبه ، فقال (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) : ما لَكُمْ وَما لي؟ مَنْ آذىٰ عَلِيّاً فَقَدْ آذَانِي» .
وفي ذخائر العقبي : 65: عن عمرو بن شاس الأسلمي ، قال : « قال رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم): مَنْ أَحَبَّ عَلِيّاً فَقَدْ أَحَبَّنِي ، وَمَنْ أَبْغَضَ عَلِيّاً فَقَدْ أَبْغَضَنِي ، وَمَنْ آذىٰ عَلِيّاً فَقَدْ آذَانِي ، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى الله » .
.وقال (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) : «اللَّهُمَّ والِ مَنْ والاهُ ، وَعادِ مَنْ عاداهُ ، وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ » (3).
وتواترت الأخبار عنه (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) في أنّ الإمام أخوه ، ووصيه ، وخليله ، وباب مدينة علمه ، ولولا جهاده ودفاعه عن دين الله لما قام الإسلام ، وما عبد الله عابد ، ولا وحده موحد ، وقديماً قيل :
أَعَلى المَنابِرِ تُعْلِنُونَ بِسَبِّهِ *** وَبِسَيفِهِ نُصِبَتْ لَكُمْ أَعْوَادُها
أما بواعث سبه ، فإنّ معاوية علم أنه لا يستقيم له الأمر إلا بانتقاص الإمام والنيل منه ، وقد صرّح بذلك مروان بن الحكم ، فقال : «لا يستقيم لنا الأمر إلّا بذلك - أي بسبّ عليٍّ» (4).
وعلى أي حال ، فإنّ معاوية حينما رجع إلى دمشق بعد الصلح أمر بجمع الناس ، فقام فيهم خطيباً فقال : أيّها الناس ، إن رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) قال لي : إنك ستلي الخلافة
من بعدي ، فاختر الأرض المقدّسة فإنّ فيها الأبدال ، وقد اخترتكم فالعنوا أبا تراب .
فأخذ الناس في لعنه وانتقاصه (1).
ثم اتخذ سبّه سنّة جارية في خطب الجمعة والأعياد ، فكان يخطب على الناس ويقول في آخر خطبته : « اللهم إنّ أبا تراب ألحد في دينك ، وصد عن سبيلك فالعنه لعناً وبيلاً، وعذبه عذاباً أليماً».
فكانت هذه الكلمات يشاد بها على المنابر (2).
ثم كتب إلى جميع عماله وولاته بلعن أخي رسول الله وسيد هذه الأمة ، فانبرت الخطباء في كلّ كورة وعلى كلّ منبر يلعنونه ويبرأون منه (3)
و من الخير أن نذكر موقف أمير المؤمنين وولده الحسن (علیهما السلام) من سب معاوية ، فقد جاء في شرح نهج البلاغة : 1: 420 : أنّ أمير المؤمنين (علیه السلام) سمع قوماً من أصحابه يسبّون أهل الشام أيام صفين ، فنهرهم ونهاهم وقال لهم : إِنِّي أَكْرَهُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا سَبَابِينَ ، وَلَكِنَّكُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ ، وَذَكَرْتُمْ حالَهُمْ ، كانَ أَصْوَبَ فِى الْقَوْلِ ، وَأَبْلَغَ فِي الْعُذْرِ ، وَقُلْتُمْ مَكَانَ سَبِّكُمْ إِيَّاهُمْ : اللَّهُمَّ احْقِنْ دِمَاءَنَا وَدِمَاءَهُمْ ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَبَيْنِهِمْ ، وَاهْدِهِمْ مِنْ ضَلَالَتِهِمْ ، حَتَّى يَعْرِفَ الْحَقَّ مَنْ جَهِلَهُ ، وَيَرْعَوِيَ عَنِ الْغَيِّ وَالْعُدْوانِ مَنْ لَهِجَ بِهِ .
وأما موقف الإمام الحسن (علیه السلام) من سب معاوية ، فقد جاءه رسول معاوية ، فلما رأى الرسول هيبة الإمام وعظمته قال له : أسأل الله أن يحفظك ويهلك هؤلاء القوم .
فنهره الإمام وقال له : رِفْقاً لا تَخُنْ مَنِ ائْتَمَنَكَ ، وَحَسْبُكَ أَنْ تُحِبَّنِي لِحُبُ رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ولأبي وأمي ، وَمِنَ الْخِيانَةِ أَنْ يَثقَ بِكَ قَوْمٌ وَأَنتَ عَدُوٌّ لَهُمْ ، وَتَدْعو عَلَيْهِمْ الملاحم والفتن : 143 .
.وسار عماله على ذلك ، ومن أبى منهم عزله ، فقد عزل سعيد بن العاص عن إمارة
يثرب لأنه امتنع من سبّ الإمام ، وجعل في مكانه مروان بن الحكم ، وقد بالغ هذا الوغد الخبيث في لعن الإمام وانتقاصه حتى امتنع الإمام الحسن (علیه السلام) من الحضور في الجامع (1).
وكان المغيرة بن شعبة يبالغ في كثرة السبّ حتى لم يحص أحد كثرة سبّه له (2).
وكان زياد يحرّض الناس على ذلك ، ومن أبى عرضه على السيف (3).
لقد بالغ الولاة في لعن الإمام حتى جعلوا سبّه من أجزاء صلاة الجمعة ، وبلغ الحال أنّ بعضهم نسي اللعن في خطبة الجمعة ، فذكره وهو في السفر فقضاه ، وبنوا مسجداً سموه (مسجد الذكر) (4). .
وخطب هشام بن عبدالملك بعرفة فلم يتناول الإمام بسوء ، فأنكر عليه عبد الملك بن الوليد قائلاً: « يا أمير المؤمنين ، هذا يوم كانت الخلفاء تستحبّ فيه لعن أبي تراب .
فقال له هشام : ليس لهذا جئنا» (5).
ولما ولي عبدالملك بن مروان جعل في طليعة مهامه سبّ أمير المؤمنين ، وتعميم لعنه على جميع الحواضر الإسلامية ، وقد رمي بالفجور في مجلسه ، وكان خالد بن عبد الله القسري (6)
كان أمير العراقين من قبل هشام بن عبدالملك ، وكانت أمه نصرانية ، فبنى لها كنيسة تتعبد بها ، وفي ذلك يقول الفرزدق في هجائه :
أَلا قَبحَ الرَّحمنُ ظَهرَ مَطِيَّةٍ *** أَتَتْنَا تُهَادِي مِنْ دِمَشْقٍ بِخَالِدٍ
وَكَيفَ يُؤُمُّ النَّاسَ مَنْ كَانَت أُمُّهُ *** تُدينُ بِأَنَّ اللهَ لَيسَ بِواحِدٍ
بَنی بَيْعَةً فيها الصَّليب لأُمِّهِ *** وَيَهْدِمُ مِنْ بُغْضٍ مَنَارَ الْمَسَاجِدِ
وعزله هشام عن العراقين ، لأنه قد أكره امرأة مسلمة على الزنا ، ثمّ قتله في أيام الوليد . وفيات الأعيان : 5 : 152 – 162.
و قريب منه ذكره ابن كثير في البداية والنهاية : 10: 20.
والعجب من ابن حبّان حيث عدّ هذا المجرم الأثيم من الثقات ، كما ذكر ذلك ابن حجر في تهذيب التهذيب : 3 : 101 قاتل الله العصبيّة فإنّها تلبس الباطل لباس الحق .
وهو أحد ولاة الأمويين على مكة والعراق يجاهر في لعنأمير المؤمنين والحسن والحسين (علیهم السلام)، فكان ينزو على المنبر ويقول : « اللهم العن عليّ بن أبي طالب بن عبدالمطلب بن هاشم صهر رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) على ابنته ، وأبا الحسن والحسين ».
ثم يلتفت إلى الناس ويقول لهم : هل كنّيت ؟ (1)
وذكر الحافظ السيوطي أنه كان في أيام بني أمية أكثر من سبعين ألف منبر يلعن عليها ابن أبي طالب (علیه السلام) وذلك بما سنّه لهم معاوية .
وفي ذلك يقول العلامة أحمد حفظي مصطفى : الشافعي في اُرجوزته:
وقَد حَكَى الشَّيخُ السَّيوطي أَنَّه *** قد كان فيما يَجْعَلُوهُ سُنَّه
سبعون ألفَ مِنْبرٍ وَعَشَرَة *** مِنْ فَوقِهِنَّ يَلعَنونَ حَيدَرَه
وهذهِ في جَنْبِها العَظائِمُ *** تصغرُ بَلْ تُوجّه اللوائم (2)
ولما رأى سواد الناس والطبقة الواطئة في الشعب أنّ أحبّ شيء للسلطة الأموية
وأقوى سبب للاتصال بها سبّ أمير المؤمنين (علیه السلام) وانتقاصه أخذوا يتقربون إليها بذلك ، فقد أقبل بعض الأوغاد إلى الحجاج وهو رافع عقيرته قائلاً: أيها الأمير ، إنّ أهلي عقوني فسموني عليّاً ، وإنّي فقير بائس ، وأنا إلى صلة الأمير محتاج .
فأنس الحجّاج بذلك وتضاحك وقال له : للطف ما توصلت به ، فقد وليتك موضع كذا (1).
لقد انتشر سبّ أمير المؤمنين (علیه السلام) ولعنه في جميع الأقطار الإسلامية سوى سجستان ، فإنّه لم يلعن على منابرها إلا مرة واحدة ، ولما أصر الأمويون على ذلك امتنعوا عليهم حتى اضطر الأمويون أخيراً إلى موافقتهم (2).
وظلّ الأمويون مصرّين على سبّ بطل الإسلام وحامي حوزته ، وقد بذلوا قصارى جهودهم في نشر ذلك إلى أن جاء دور عمر بن عبد العزيز فمنع السب وكتب بالمنع إلى جميع عماله وولاته ، وأمر أن يجعل بدل اللعن في خطبة الجمعة والأعياد قوله تعالى: « رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ» (3).
وقيل : بل جعل مكان ذلك قوله تعالى : «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» (4).
وقيل : بل جعلهما معاً (5)
وذكر ابن أبي الحديد في شرح النهج : 4 : 58 و 59: أنّ عمر حدّث عن السبب في تركه لسب أمير المؤمنين ، قال : كنت غلاماً أقرأ القرآن على بعض ولد عتبة بن مسعود ، فمرّ بي يوماً وأنا ألعب مع الصبيان ونحن نلعن عليّاً ، فكره ذلك ودخل المسجد ، فتركت الصبيان وجئت إليه لأدرس عليه وردي، فلما رآني قام فصلى وأطال في الصلاة شبه المعرض عنّي حتى أحسست منه بذلك ، فلما انفتل من صلاته كلح في وجهي ، فقلت له : ما بال الشيخ؟
فقال لي : أنت اللاعن عليّاً منذ اليوم؟
قلت : نعم .
قال : فمتى علمت أن الله سخط على أهل بدر بعد أن رضي عنهم؟
فقلت له : يا أبتِ ، وهل كان عليّ من أهل بدر؟
فقال : ويحك! وهل كانت بدر كلّها إلا له .
فقلت له : لا أعود .
فقال : بالله عليك لا تعود .
فقلت له : نعم .
وقال : كنت أحضر تحت منبر المدينة وأبي يخطب يوم الجمعة ، وهو حينئذ أمير المدينة ، فكنت أسمع أبي يمرّ في خطبه تهدر شقاشقه حتى يأتي إلى لعن علي (علیه السلام) فيجمجم ، ويعرض له من الفهاهة والحصر ما الله عالم به ، فكنت أعجب من ذلك ، فقلت له يوماً : يا أبت أنت أفصح الناس وأخطبهم ، فما بالي أراك أفصح خطيب يوم حفلك حتى إذا مررت بلعن هذا الرجل صرت ألكن عيباً؟
فقال : يا بني ، لو علم من تحت منبرنا من أهل الشام وغيرهم فضل هذا الرجل ما يعلمه أبوك لم يتبعنا منهم أحد .
فقال عمر : فوقرت كلمته في صدري مع ما قال لي معلمي أيام صغري ، فأعطيت الله عهداً لئن كان لي في هذا الأمر نصيب لاُغيّرنّه .
فلما منّ الله عليَّ بالخلافة أسقطت ذلك .
وجاء في الإسلام بين السنّة والشيعة : 25 : «أنّ عمر بن عبدالعزيز لما ألغى سبّ أمير المؤمنين خطب بعض الخطباء بجامع (حران) ، ولما ختم خطابه لم يسبّ أمير المؤمنين ، فتصايح الناس من كل جانب : ويحك السنّة السنة ، تركت السنة » .
وذكرت بعض المصادر أن جميع الحواضر الإسلامية تركت سبّ أمير المؤمنين بعد تحریم عمر بن عبدالعزيز له سوى أهل حمص ، فإنّهم أصروا على ذلك .
.وقد سجّل بذلك مكرمة لا تنسى مدى الأجيال والأحقاب ، وقد مدحه شاعر العبقرية والنبوغ السيد الشريف الرضي (رحمه الله) على ذلك ، وشكر له هذه اليد البيضاء التي أسداها على عموم المسلمين فقال :
يابن عبد العزيز لَوْ بَكَتِ العـ *** ينُ فَتى مِنْ أُمَيَّةَ لَبَكَيْتُك
غَيرَ أَنِّي أَقولُ إِنَّكَ قَدْ طِبْـ *** تَ وَإِنْ لَمْ يَطِبْ وَلَمْ يَزْك بَيْتك
أَنتَ نَزَّهْتَنا عَن السَّبِّ والقَذْ *** فِ فَلَو أَمْكَنَ الجَزاءُ جَزَيْتُك
وَلَو أَني رأيتُ قَبرَكَ لاسْتَحْـ *** يَبْتُ مِنْ أَنْ أُرى وَما حَيَّبْتُك
وقَليلٌ لَوْ أَنْ بَزَلْتُ دِمَاءَ ال *** ـبدنِ صِرْفاً عَلَى الذُّرى وَسَقَيْتُك
دَيْرَ سَمْعَانَ فيك مأوى أَبِى حَفـ *** ص فَبِودي لو أنَّني أَوَيْتُك
دَيْرَ سَمْعَانَ لا أَغَبَّكَ غَيثٌ *** خَيرُ مَيْتٍ مِنْ آلِ مَروانَ مَيْتُك (1)
لقد قدّم له السيد الشريف آيات الشكر والثناء بهذه الأبيات الرائعة وشكره على محوه لهذه البدعة التي أثبتت جاهليّة معاوية ، ومروقه من الدين .
أثار سبّ الإمام أمير المؤمنين سخط الأخيار والمتحرّجين في دينهم ، لأنّ الإمام نفس النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، وأخوه ، وأبو سبطيه ، وصاحب العناء في الإسلام ، ولأن سبّ
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 4 : 60 .
المسلم من أفحش المحرمات ، فقد أثر عن النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) أنه قال :
«إِنَّ سِبَابَ الْمُسْلِمِ فُسوق» (1).
وقال : لا يَكونُ الْمُؤْمِنُ لَعَاناً» (2).
إلى غير ذلك من الأحاديث التي وردت عنه (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) في تحريم سب المسلم وقذفه ، فلذا اندفعوا إلى إعلان سخطهم وإلى الإنكار عليه وعلى ولاته ، ونسوق نص كلامهم في ذلك :
وعزّ على سعد أن يسمع سبّ أمير المؤمنين (علیه السلام) وهو يعير ذلك اُذناً صمّاء من دون أن ينكر عليه ، فقد ذكر المؤرّخون أنّ معاوية بعد عام الصلح قصد بيت الله الحرام ، وبعد فراغه من الطواف توجّه إلى دار الندوة ، فلما استقر به المجلس شرع في سبّ أمير المؤمنين (علیه السلام) ، فغضب سعد والتفت إلى معاوية قائلاً:
«يا معاوية ، أجلستني على سريرك ، ثمّ شرعت في سبّ علي ، والله لان يكون في خصلة واحدة من خصال كانت لعلي أحبّ إليَّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس ، والله لإن أكون صهراً لرسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ولي من الولد ما لعلي أحب إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس .
والله لإن يكون رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) قال لي ما قال فيه يوم خيبر : لَأَعْطِيَنَّ الرّايَةَ غَداً رَجُلاً يُحِبُّهُ اللهُ وَرَسولُهُ ، وَيُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَيْسَ بِفَرّارٍ ، يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَىٰ يَدَيْهِ أحبّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس .
والله لئن يكون رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) قال لي ما قال له في غزوة تبوك : أَلَا تَرْضَىٰ أَنْ تَكُونَ
مِنّي بِمَنْزِلَةِ هارونَ مِنْ مُوسَى إِلا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي ، أحب إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس ، وأيم الله ما دخلت لك داراً ما بقيت ، ثم نهض وهو غضبان ثائر (1)
وذكره ابن كثير في تاريخه : 7: 376 ، ومسلم في صحيحه : 7: 120 ، والترمذي في صحیحه : 13: 171 ، مع اختلاف يسير بين الروايات ، وذكر المسعودي جواب معاوية لسعد ما يقبح التصريح به رأينا من المناسب تركه .
».وكانت السيدة أم سلمة عالمة بمنزلة أمير المؤمنين (علیه السلام) ، ولما له من المنزلة الكريمة عند رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، ولما رأت أن معاوية يسبّه علانية وجهراً اندفعت إلى إنكار ذلك ، وقد رفعت إلى معاوية مذكرة جاء فيها : «إنّكم تلعنون الله ورسوله على منابركم ، وذلك أنكم تلعنون علي بن أبي طالب الله (علیه السلام) ومن أحبه ، وأنا أشهد أنّ الله أحبه ورسوله » .
ولكن إنكارها لم يجد شيئاً ، فقد بقي معاوية مصرّاً على غيه وإثمه (2)
وجاء في مستدرك الصحيحين: 1 : 121 : عن أبي عبدالله الجدلي ، قال : «دخلت على اُمّ سلمة فقالت لي : أيسب رسول الله صلى الله عليه وآله فيكم؟
فقلت : معاذ الله ، أو سبحان الله ! أو كلمة نحوها .
فقالت : سمعت رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) يقول : مَنْ سَبَّ عَلِيّاً فَقَدْ سَبَّني» .
.واجتاز حبر الأمة عبدالله بن عبّاس على قوم يسبّون أمير المؤمنين (علیه السلام)، فقال
لقائده : أدنني منهم ، فأدناه ، فانبرى إليهم وقد قُدّ قلبه قائلاً لهم بنبرات تقطر غضباً وألماً : أيكم السابّ الله ؟
قالوا : سبحان الله ! مَن يسبّ الله فقد أشرك !
قال : أيكم السابّ رسول الله ؟
نعوذ بالله أن نسب رسول الله !
أيكم السابّ عليّ بن أبي طالب ؟
أما هذه فنعم.
أشهد لقد سمعت رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) يقول : مَنْ سَبَّنِي فَقَدْ سَبَّ اللَّهَ ، وَمَنْ سَبَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَقَدْ سَبَّني .
فأطرقوا برؤوسهم إلى الأرض خجلاً لا يطيقون جواباً ، ثم تركهم وانصرف ، وقد ترك الحزن يحز في نفوسهم . والتفت إلى قائده فقال له : كيف رأيتهم ؟
فأجابه وهو جذلان بما فعله بهؤلاء المجرمين قائلاً:
نَظَرُوا إِلَيْكَ بِأَعْيُنٍ مُحْمَرَّةٍ *** نَظَر التيوس إلى شِفارِ الجازر
فأنس ابن عباس وقال له : زدني فداك أبي وأمي ؟
خُزْرُ العُيونِ مُنَكِّسي أَذْقَانِهِمْ *** نَظَرَ الذَّليلِ إِلى العَزيزِ القَاهِرِ
زدني فداك أبوك ؟ !
ما عندي مزيد ، ولكن عندي :
أحياؤُهُمْ خِزْيٌ عَلى أمواتِهِمْ *** والمَيِّتُونَ فَضيحة للغابر (1)
وجرت محاورة بين ابن عباس وبين معاوية ، ، وهي تكشف عن الخطط الرهيبة
1) مروج الذهب : 2: 299. الرياض النضرة : 2: 166 . أمالي الصدوق : 157 ، الحديث 151.
التي سلكها معاوية في إخفاء مآثر الإمام وفي حجب مناقبه وفضائله ، نسوق نصها لما لها من الأهمية البالغة ، فقد ذكر المؤرخون أن معاوية بعد عام الصلح حج بيت الله الحرام فاجتاز على جماعة من قريش فقاموا إليه سوى ابن عباس ، فبادره معاوية قائلاً : يابن عباس ، ما منعك من القيام كما قام أصحابك إلا لموجدة عليَّ بقتالي إيّاكم يوم صفين ؟ يابن عباس ، إن ابن عمّي عثمان قتل مظلوماً .
فعمر بن الخطاب قد قتل مظلوماً ، فسلّم الأمر إلى ولده ، وهذا ابنه ، وأشار إلى عبد الله بن عمر .
إن عمر قتله مشرك .
فمن قتل عثمان ؟
قتله المسلمون .
عبّاس .
فذلك أدحض لحجّتك ، إن كان المسلمون قتلوه وخذلوه فليس إلا بحق !
فإنا كتبنا إلى الآفاق ننهى عن ذكر مناقب عليّ وأهل بيته ، فكف لسانك يابن عباس.
فتنهانا عن قراءة القرآن ؟
لا.
فتنهانا عن تأويله ؟
نعم .
فنقرأه ولا نسأل عما عنى الله به ؟
نعم.
فأيهما أوجب علينا قراءته أو العمل به ؟
العمل به .
فكيف نعمل به حتى نعلم ما عنى الله بما أنزل علينا ؟
سل عن ذلك من يتأوّله على غير ما تتأوّله أنت وأهل بيتك .
إنّما أنزل القرآن على أهل بيتي ، فاسأل عنه آل أبي سفيان وآل أبي معيط ؟ !
فاقرأوا القرآن ، ولا ترووا شيئاً ممّا أنزل الله فيكم ، ومما قال رسول الله ، وارووا ما سوى ذلك .
قال الله تعالى: «يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ» (1).
يابن عباس ، اكفني نفسك ، وكفّ عنّي لسانك ، وإن كنت فاعلاً فليكن سرّاً ، ولا تسمعه أحداً علانية (2).
ودلّت هذه المحاورة على عمق الأساليب التي اعتمد عليها معاوية في محاربة أهل البيت (علیهم السلام)، وفي ستر فضائلهم ، وحجب المسلمين عنهم .
ودخل الأحنف بن قيس على معاوية ، فلما استقر به المجلس قام وغد أثيم من الشاميين خطيباً ، فافتتح خطابه بسب أمير المؤمنين (علیه السلام) ، وثقل ذلك على الأحنف ، فالتفت إلى معاوية وقد اسود الفضاء في وجهه ممّا داخله من الحزن قائلاً: إن هذا القائل لو يعلم أنّ رضاك في لعن المرسلين لعنهم ، فاتق الله يا معاوية ، ودع عنك عليّاً ، فلقد لقي ربه ، وأفرد بقبره ، وخلي بعمله ، كان والله مبروراً في سبقه - أي إلى الإسلام - طاهر الثوب ، ميمون النقيبة ، عظيم المصيبة .
فالتاع معاوية من هذا التقريع ، وتألم من هذا الثناء العاطر على أمير المؤمنين (علیه السلام)
أمام أهل الشام ، فالتفت إلى الأحنف قائلاً: يا أحنف ، لقد أغضيت العين على القذى وقلت ما ترى ، أما والله لتصعدن المنبر وتلعن عليّاً كرهاً أو طوعاً .
فقال له الأحنف : إن تعفني فهو خير لك ، وإن تجبرني على ذلك فوالله لا تجري شفتای به أبداً.
فلم يعتن معاوية بكلامه وقال له بشدّة : قم فاصعد المنبر .
أما والله لأنصفنك في القول والفعل .
وما أنت قائل إن أنصفتني ؟!
أصعد المنبر فأحمد الله وأثنى عليه ، وأصلي على نبيه محمد (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، ثم أقول : أيّها النّاس ، إنّ أمير المؤمنين معاوية أمر أن ألعن عليّاً ، وإنّ عليّاً ومعاوية اختلفا واقتتلا فادعى كلّ واحد منهما أنه بغى عليه وعلى فئته ، فإذا دعوت فأمنوا رحمكم الله ، ثمّ أقول : اللهم العن أنت وملائكتك وأنبياؤك وجميع خلقك الباغي منهما على صاحبه ، والعن الفئة الباغية ، اللهم العنهم لعناً كثيراً ، أمنوا رحمكم الله .
يا معاوية ، لا أزيد على هذا ولا أنقص حرفاً ، ولو كان فيه ذهاب روحي .
فراوغ معاوية وقال : إذاً نعفيك يا أبا بحر (1).
ومن جملة المنكرين لسبّ الإمام الشاعر العبقري كثير بن كثير السهمي (2)
روى عن أبيه وعن سعيد بن جبير وجماعة ، وروى عنه جماعة آخرون .
قال ابن سعد : كان شاعراً ، قليل الحديث. وقال أحمد وابن معين : إنّه ثقة ، وذكره ابن حبّان في الثقات : 7 : 180. تهذيب التهذيب : 8: 426 .
،فقد دفعته عقيدته الدينية وشعوره الحيّ إلى شجب ذلك ، وإعلان سخطه ، وقد نظم ذلك بأبيات تمثلت فيها الروعة والرقة :
لعَنَ اللهُ مَنْ يَسُبُّ عَلِيّاً *** وَحُسَيْناً مِنْ سوقَةٍ وإِمام
أَيْسَبُ المُطَهَّرُونَ جُدوداً *** والكرامُ الأَخْوالِ والأَعمام
يَأْمَنُ الطَّيرُ والحَمامُ ولا يأ *** مَنْ آلُ الرَّسولِ عِندَ المَقامِ
طِبْتَ بَيْتاً وطابَ أَهْلُكَ أَهلاً *** أَهْلُ بَيْتِ النَّبِيِّ وَالإِسْلامِ
رَحْمَةُ اللهِ والسَّلامُ عَلَيهِمْ *** كُلَّما قامَ قائِمٌ بِسَلام (1)
وذكر ابن أبي الحديد هذه الأبيات ونسبها إلى عبدالله بن كثير السهمي ، وهو اشتباه ، إذ لم يوجد في كتب التراجم هذا الاسم ، والموجود كثير بن كثير ، وأنّ هذه الأبيات له .
وذكره المرزباني في معجم الشعراء : 2: 348 ، وقال : إن السبب في نظمه لهذه الأبيات أنه سمع عبدالله بن الزبير يتناول أهل البيت فنظمها ، وقيل : إن السبب في نظمها أنّ هشام بن عبدالملك كتب إلى عامله بالمدينة أن يأخذ الناس بسب أمير المؤمنين ، فمن أجل ذلك نظم كثير هذه الأبيات .
ولمّا أقدم معاوية الخطباء يعلنون سب أمير المؤمنين (علیه السلام) وانتقاصه اندفع أنيس الأنصاري ، وهو من أطائب الصحابة ، فأنكر على معاوية ذلك ، فقد خطب وقال - بعد حمد الله والثناء عليه - : «إنّكم قد أكثرتم اليوم في سبّ هذا الرجل - يعني علياً (علیه السلام) - وشتمه ، وإنّي أقسم بالله إني سمعت رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) يقول : إِنِّي لَأَشْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لأَكْثَرِ مِمَّا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ مَدَرٍ وَشَجَرِ ، وأقسم بالله ما أحد أوصل لرحمه منه ، أفترون شفاعته تصل إليكم وتعجز عن أهل بيته» (2).
ورأى الصحابي زيد بن أرقم المغيرة بن شعبة يعلن سبّ أمير المؤمنين (علیه السلام)، فانبرى إليه منكراً سبّه للإمام قائلاً: « يا مغيرة ، ألم تعلم أن رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) نهى عن سب الأموات ، فلم تسبّ عليّاً وقد مات ؟ (1)
مسند أحمد بن حنبل : 4 : 369 . المعجم الكبير : 5: 168 .
.وخطب بسر بن أبي أرطاة الأثيم المجرم في البصرة فشتم أمير المؤمنين (علیه السلام) على المنبر ، ثم التفت إلى الناس فقال لهم : ناشدت الله رجلاً علم أني صادق إلا صدقني ، أو كاذب إلا كذبني .
فقال أبو بكرة : اللهم لا نعلمك إلا كاذباً !
فطاش عقل بسر وأمر بأبي بكرة فخنق ثمّ أنقذوه منه (2).
وعلى أي حال، فإنّ هؤلاء الناقمين على معاوية كانوا مدفوعين بدافع الحرص على كرامة الإسلام المتمثلة في الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) ، فقد رأوا أن معاوية قد عمد إلى إبادة مآثر الإمام ، فاندفعوا إلى الإنكار عليه .
لقد حاول معاوية وأتباعه القضاء على أمير المؤمنين (علیه السلام) ، وتحطيم شخصيته الرفيعة ، ولكنّ الله بإرادته الأزليّة قد حكم ببقاء الحق وخلوده، وبزوال الباطل وانعدامه، وإنه وإن انتصر على الحق زماناً ، فإنّ انتصاره لا بد أن يتلاشى كما يتلاشى الدخان في الفضاء ، فها هو أمير المؤمنين قد استوعب ذكره جميع لغات الأرض ،
وعجّت المحافل والنوادي بذكره ومدحه، وبالافتخار والاعتزاز بشخصيته المقدّسة ، وها هو قبره الشريف قد أصبح كعبة للوافدين، وملجأ للملهوفين، وملاذاً للمؤمنين ، تؤمه الملايين من المسلمين كما تؤم بيت الله الحرام يتبركون بزيارته ، ويتقربون إلى الله بالوفادة عليه ، حقاً هذا هو الظفر والفتح والعاقبة للمتقين.
وها هو معاوية لا يذكر إلا مع الاحتقار والاستخفاف وسوء المصير ووخز الضمير ، وها هو قبره المحطّم في مزبلة من مزابل الشام قد استولى عليه الهوان ، وخيم عليه الذل . حقاً هذه هي الميتة ، وهذا هو الخزي والعار .
وقد وقف الشاعر الكبير محمد مجذوب السوري على قبر معاوية، فرأى قذارة ذلك القبر المهان ، ورأى الذباب يعربد فيه ، فاندفع إلى نظم قصيدته العصماء ، وقد جاء فيها :
هذا ضَريحُكَ لَو بَصُرْتَ بِبُؤْسِهِ *** الأَسالَ مَدمَعَكَ المَصِيرُ الأَسْوَدُ
كُتَلٌ مِنَ التُّربِ المُهينِ بِخَربَةٍ *** سكَرَ الذُّبابُ بِها فَراحَ يُعَرْبِدُ
خَفِيَتْ مَعَالِمُها عَلى زُوّارِها *** فَكَأَنَّها في مَجْهَل لا يُقْصَدُ
وَمَشى بِها رَكْبُ البِلا فَجِدارها *** عارٍ يَكادُ مِنَ الضَّراعَةِ يَسْجُدُ
وَالقُبَّةُ الشَّمَاءُ نُكصَ طَرفُها *** فَبِكُلِّ جُزءٍ لِلفَناءِ بِها يَد
تهمي السَّحائِبُ مِنْ خِلالِ شقوقها *** والرّيحُ في جَنَباتِها تَتَرَدَّدُ
حتى المُصَلَّى مُظْلِمُ فَكَأَنَّهُ *** مُذْ كانَ لَمْ يَجْتَزْ بِهِ مُتَعَبّدُ (1)
لقد مشى موكب الزمن، وإذا بالإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) عملاق الإنسانية ورائد العدالة الاجتماعية الكبرى في الأرض ، وإذا بمعاوية قد عاد في عرف المسلمين وغيرهم هو الباغي الأثيم الذي تلاحقه النقمة والاحتقار .
1) شرح الأخبار: 2 : 173 .
ومن جملة الشروط التي اشترطها الإمام على معاوية أن يعطيه خراج دارا بجرد ليرفه بذلك على الفقراء والمعوزين من شيعته ، ولكن معاوية قد خاس بذلك ولم يف كما صرح بذلك أبو الفداء .
وذكر الطبري أنّ أهل البصرة حالوا بين الإمام وبين خراج دارا بجرد ، ونص ابن الأثير أنّ منعهم كان بايعاز من معاوية ، والغرض منه لئلا تقوى شوكة الإمام ويعظم أمره .
ومن أهم الشروط التي اشترطها الإمام على خصمه الأمن العام لشيعته وشيعة أبيه ، وعدم التعرّض لهم بسوء أو مكروه، ولكن ابن أبي سفيان قد نقض عهده فلم يف للإمام بذلك ، وجعل أهم أهدافه القضاء على هذه الطبقة المؤمنة التي آمنت بحق أهل البيت (علیهم السلام).
لقد أسرف معاوية في إرهابها وإرهاقها ، فأذاق بعضها كأس الحمام ، وأودع البعض الآخر في ظلمات السجون ، وقد وجد الشيعة من العناء والمحن والخطوب ما تنوء بحمله الجبال ، وما نحسب أنّ أمّة من الأمم لاقت من الأذى والاضطهاد كما لاقته شيعة أهل البيت (علیهم السلام) ، وكان أشدهم بلاء وأعظمهم محنة وشقاء أهل الكوفة ، فقد استعمل عليهم معاوية زياداً بعد هلاك المغيرة ، وكان بهم عالماً ، فأشاع فيهم القتل والإعدام ، فقتلهم تحت كل حجر ومدر ، وقطع أيديهم وأرجلهم ، وسمل عيونهم ، وصلبهم على جذوع النخل ، وشرّدهم وطردهم (1).
ورفع معاوية مذكرة إلى جميع عماله وولاته جاء فيها : « انظروا إلى من قامت
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 11: 44 .
عليه البيّنة أنّه يحبّ عليّاً وأهل بيته ، فامحوه من الديوان ، وأسقطوا عطاءه ورزقه » .
ثمّ شفع ذلك بنسخة أخرى جاء فيها : «ومن اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكلوا به واهدموا داره ».
وتحدّث الإمام الباقر (علیه السلام) عما جرى على أهل البيت وعلى شيعتهم من الاضطهاد والأذى في زمن معاوية ، فقال : «وَقُتِلَتْ شيعتنا بِكُلِّ بَلْدَةٍ ، وَقُطِعَتِ الأيْدى وَالْأَرْجُلِ عَلَى الظَّنَّةِ ، وَكانَ مَنْ يُذْكَرُ بِحُبِّنَا وَالْإِنقطاع إِلَيْنَا سُجِنَ ، أَوْ نُهِبَ مَالُهُ ، أَوْ هُدِّمَتْ داره» (1).
إنّه منذ ولي الأمر ابن هند انفتح باب الظلم والجور على شيعة أمير المؤمنين (علیه السلام)، فلقد جابهوا من المشكلات السياسية والمعضلات الاجتماعيّة ، ولاقوا من الهوان والعذاب والتنكيل إلى حدّ لا سبيل إلى تصويره في فضاعته ومرارته ، فقد بلغ الحال أن حب أهل البيت (علیهم السلام) أصبح عاراً ومنقصة أو ذنباً وخطيئة يقترفها الشخص ، وحكم بعضهم أنّ مودّة أهل البيت (علیهم السلام) كفر والحاد ومروق من الدين ، وقد حكى لنا ذلك شاعر الإسلام والعقيدة الكميت بقوله :
يُشيرونَ بِالأيْدي إليَّ وقَولُهُم ***أَلا خابَ هذا وَالمُشيرونَ أَخْيَبُ
فَطَائِفَةٌ قَدْ كَفَّرتني بحُبِّكُمُ *** وطائِفَةٌ قالوا مُسيئٌ وَمُذنِبُ
يعيبونَني مِنْ خَبِّهِمْ (2)وَضَلالِهِمْ *** عَلى حُبِّكُمْ بَل يَسخَرُونَ وَأَعْجَبُ
وقالوا تُرابِيٌّ هَواهُ وَرَأيه *** بذلِكَ أُدْعى فيهِمْ وَأُلَقَّبُ (3)
ويقول أبو الأسود الدؤلي :
اُحِبُّ مُحَمَّداً حُباً شديداً *** وَعَبّاساً وحَمْزَةَ وَالوَصِيّا (1)
هَوى أَعْطَيْتُهُ مُنْذُ اسْتَدارَتْ *** رحَى الإِسْلامِ لَمْ يَعدِلْ سَوِيَا (2)
بنو عَمَ النَّبِيِّ وأَقْرَبُوهُ *** أَحَبُّ النَّاسِ كُلِّهِمْ إِلَيا
فَإِنْ يَكُ حُبُّهُمْ رُشْداً أُصِبْهُ *** وَلَسْتُ بِمُخْطئ إِنْ كانَ غَيّا (3)
ويردّ عبد الله بن كثير السهمي على من عابه على موالاة آل النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) بقوله :
إِنَّ امْرَءٌ أَمْسَتْ مَعَايبُهُ *** حُبُّ النَّبِي لَغَيرُ ذي ذنب
وبَني أَبي حَسَنٍ وَوالدِهِمْ *** مَنْ طَابَ فِي الأَرْحَامِ وَالصُّلْبِ
أَبْعَدُّ ذَنْباً أَنْ اُحِبَّهُمُ *** بَلْ حُبُّهُمْ كَفَارَةُ الذَّنْبِ (4)
وقد سار على منهاج معاوية في ظلم الشيعة واحتقارهم خلفاؤه الأمويون وملوك بني العباس من بعدهم ، ولو أردنا أن نستعرض ما لاقوه من المحن والخطوب السود لاحتجنا في بيان ذلك إلى مجلّد ضخم.
ومهما يكن من شيء ، فإنّ الشيعة لم يعتنوا بارهاب معاوية وتنكيله وتعذيبه لهم ، فقد قدّموا أنفسهم قرابين وضحايا لفكرتهم الدينية المقدسة ، وها نحن نقدّم أسماء بعض الشهداء الذين قتلهم معاوية صبراً لا لذنب اقترفوه ، سوى مودتهم لأهل البيت (علیهم السلام) ، وهم :
وحجر بن عدي من أهم الشخصيات الإسلامية الرفيعة ، فقد كان في طليعة
صحابة النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) في فضله وعلمه وقداسته وزهده وعبادته ، فقد بلغ من عظيم طاعته إلى الله أنه ما أحدث إلا توضأ، وما توضأ إلا صلّى ، وكان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة ، وكان مستجاب الدعوة ، فإنّه لما أخذ أسيراً إلى معاوية أصابته جنابة في أثناء الطريق ، فقال للموكل به : أعطني شرابي أتطهر به .
فأجابه الموكل به : أخاف أن تموت عطشاً إذا أعطيته لك فيقتلني معاوية ، فشقّ على حجر أن يبقى جنباً ، فدعا الله أن يمكنه من الماء ، فاستجاب الله دعاءه ، فبعث سحابة أسكبت ماءاً غزيراً ، فأخذ منه ما احتاجه (1).
إنّ فضائل حجر ومآثره أكثر من أن تحصى ، وعلينا أن نبحث عن سبب شهادته . بقي حجر بعد صلح الإمام الحسن (علیه السّلام) ينسج من خيوط محنة بلواه الخالدة في التاريخ ، ويضرب الرقم القياسي لنكران السياسة الأموية العمياء التي تهدّد المجتمع الإسلامي بفقدان الحياة ، والتي تحيي العصبيات الجاهلية التي حطمها الإسلام، وتهدم الكفاءات والمواهب ، وتحتكر الصلاحيات وتنتهب الأقوات ، وتروّع المجتمع بعد أمنه ، وتفرّقه بعد اجتماعه ، وتفقره بعد غناه، وتذلّه بعد عزّه، وتستعبده بعد حرّيّته ، وتتجاهر بارتكاب الباطل والمنكر .
وقد رأى حجر وأصحابه الصفوة المؤمنون أن السكوت وعدم النقد لهذه السياسة المجرمة ما هو إلا التمادي في الباطل ، والتعزيز للمنكر ، والاستهانة بالحق ، وعلى المسلم الذي فهم الإسلام حقاً أن يسير على سنة الرسول (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) الداعية إلى مناجزة الظالمين والمستبدين وأعداء الشعوب .
إن حجراً هو الذي فهم الإسلام حقاً ، وعرف أهدافه ، وأحاط بقيمه ، كان تلميذاً في مدرسة النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، وخريجاً من مدرسة الإمام ، فكيف لا ينكر باطل معاوية ، ولا يقاوم ظلمه وظلم ولاته وعماله ، ولا يحارب بدعهم وأهواءهم .
1) الإصابة : 1 : 313 .
لقد رأى حجر المغيرة قد نزا على المنبر بجامع الكوفة ، وتعرّض في أثناء خطابه إلى سبّ أمير المؤمنين (علیه السلام) ، فلم يسعه السكوت ، فانبرى إليه منكراً عليه قائلاً: «كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ» (1)، وأنا أشهد أن من تذمون وتعيرون لأحقّ بالفضل ، ومَن تزكون أولى بالذم .
ووثب قوم من أصحاب حجر فقالوا بمثل مقالته ، فالتفت المغيرة إلى حجر قائلاً: يا حجر ، لقد رمى بسهمك إذ كنت أنا الوالي عليك . يا حجر اتّق غضب السلطان اتق غضبه وسطوته ، فإنّ غضبة السلطان مما تهلك أمثالك كثيراً .
ولم يزل حجر متحمّساً على نكران السياسة الأموية ، حتى أشار على المغيرة جمع من المرتزقين والمتزلّفين إلى السلطة بقتل حجر ، فامتنع من إجابتهم وقال : لا أحبّ أن يُبْتداً أهل هذا المصر بقتل خيارهم ، وسفك دمائهم ، فيسعدوا بذلك وأشقى ، ويعزّ في الدنيا معاوية ، ويذلّ يوم القيامة المغيرة .
ولم تزل بطانة المغيرة تلح عليه في أمر حجر ، فأجابهم جواب المنافق الخبير : إنِّي قد قتلته .
كيف ذاك ؟
إنه سيأتي أمير بعدي فيحسبه مثلي فيصنع به شبيهاً بما ترونه يصنع بي ، فيأخذه عند أوّل وهلة فيقتله شر قتلة .
وهلك المغيرة ، وولي الكوفة من بعده زياد بن سميّة ، فجعل حجر ينكر عليه خططه الملتوية ، ويشدّد النقمة على سياسته الارهابية ، فقد نزا زياد على المنبر يوم الجمعة فأطال في خطابه حتى ضاق وقت الصلاة ، فانبرى إليه حجر منكراً عليه تأخير الفريضة قائلاً: الصلاة .
فلم يعتن ابن سميّة بمقالة حجر ، لم يعر للصلاة أي اهتمام ، ثمّ مضى في
1) النساء 4 : 135 .
خطبته ، فانبرى إليه حجر ثانياً رافعاً صوته : الصلاة ، ولم يقم زياد وزناً لإنكار حجر ، فاسترسل في خطابه فخشی حجر فوت الصلاة ، فضرب بيده إلى كف من الحصا، وثار الناس معه .
فلما رأى ذلك زياد نزل عن المنبر وصلّى بالناس ، وقد انتفخت أوداجه غيظاً وغضباً من حجر ، وعزم على التنكيل به ، وقد أعرب عن عزمه السيء في خطابه الذي ألقاه في الجامع قائلاً فيه :
ما أنا بشيء إن لم أمنع ساحة الكوفة من حجر وأدعه نكالاً لمن بعده ، ويل أمك یا حجر «سقط العشاء بك على سرحان » ثم تمثل بقول الشاعر :
أَبْلِغْ نَصِيحَة إِنَّ رَاعِيَ إِبلها *** سَقَطَ العِشَاءُ بِهِ عَلَى سَرْحانِ
وأرسل زياد إلى جماعة من وجوه الكوفة وأشرافها فأمرهم أن يردّوا حجراً عن خطته ، فامتنع عليهم حجر ، وأخيراً أمر الشرطة أن يأتوه به ، فانطلقت الشرطة للقبض عليه ، فحدثت بينهم وبين أصحابه مناوشات ، وأخيراً لم تستطع القبض عليه ، فقد التفت حوله جموع من المؤمنين تمنعه وتمنع أصحابه من تسليمهم إلى زياد ، وكان قيس بن فهدان الكندي يلهب نار الحماس والثورة في نفوس الكوفيين ، فكان يقوم خطيباً في المحافل والنوادي فيمجد حجراً وأصحابه ويدعو المسلمين إلى حمايته ونصرته ، وكان يرتجز ويقول :
يا قَوْمَ حِجْرٍ دافعوا وَصاوِلوا *** وَعَنْ أَخِيكُمْ سَاعَةً فَقاتِلوا
لا يُلقَيَنْ مِنْكُمْ لِحِجر خاذِلٌ *** أَلَيسَ فيكُمْ رامِحٌ وَنابِل
وفارِسٌ مُسْتَلئِم وَراجِل *** وَضارِبٌ بِالسَّيفِ لَا يُزايل
وتحصن حجر وأصحابه فلم يتمكن منهم زياد، فخاف منهم ، فجمع الزعماء وأبناء البيوت الذين تستعين بهم السلطة على تحقيق أهدافها ، فقال لهم :
يا أهل الكوفة ، أتشجون بيد وتأسون بأخرى ، أبدانكم معي وأهواؤكم مع حجر
الهجهاجة ، الأحمق المذبوب أنتم معي ، واخوانكم وأبناؤكم وعشائركم مع حجر ، هذا والله من دحسكم (1)وغشكم ، والله لتظهرون لى براءتكم أو لأتينكم بقوم أقيم بهم أودكم وصعركم (2).
فانبروا إليه يظهرون له الطاعة والولاء قائلين : معاذ الله سبحانه أن يكون لنا فيما هاهنا رأي إلا طاعتك ، وطاعة أمير المؤمنين - يعني معاوية - وكل ما ظننا أن فيه رضاك ، وما يستبين به طاعتنا وخلافنا لحجر فمرنا به .
فقال لهم : ليقيم كل امرئ منكم إلى هذه الجماعة حول حجر فليدع كل رجل منكم أخاه وابنه وذا قرابته ومن يطيعه من عشيرته حتى تقيموا عنه كل من استطعتم أن تقيموه (3).
وقام هؤلاء الأجلاف بإفساد أمر حجر وخذلان الناس عنه ، وأمر زياد مدير شرطته العام شدّاد بن الهيثم الهلالي بالقبض على حجر وأصحابه ، ثم عرف أن مدير شرطته لا يتمكن عليه ، فاستدعى محمّد بن الأشعث الكندي ، فقال له : يا أبا ميثاء ، أما والله لتأتيني بحجر أو لا أدع لك نخلة إلا قطعتها ، ولا داراً إلا هدمتها ، ثم لا تسلم حتى أقطعك إربا إرباً ..
امهلني ثلاثاً حتى أطلبه .
أمهلتك ، فإن جئت به وإلا عد نفسك من الهلكى (4).
وقام ابن الأشعث مع مدير الشرطة فتتبعوا حجراً وأصحابه ، وبعد مصادمات عنيفة جرت بين الفريقين استطاعت جلاوزة زياد القبض على حجر وأصحابه،
فجيء بهم إليه ، فأمر بإيداعهم في السجن .
وطلب زياد من أهل الكوفة أن يشهدوا على حجر وأصحابه ، فشهد قوم بأنّهم تولّوا عليّاً، وعابوا عثمان ، ونالوا من معاوية ، فلم يرض زياد بهذه الشهادة ، وقال : إنها غير قاطعة .
فانبرى أبو بردة بن أبي موسى الأشعري الوغد ، فكتب شهادة هذا نصها :
«هذا ما شهد عليه أبو بردة بن أبي موسى الأشعري لله ربّ العالمين شهد أن حجر بن عدي خلع الطاعة وفارق الجماعة ، ولعن الخليفة ، ودعا إلى الحرب ، وجمع إليه الجموع يدعوهم إلى نكث البيعة ، وكفر بالله كفرة صلعاء » (1).
فرضي زياد بهذا وطلب من الناس أن يمضوا هذه الشهادة ، فأمضاها خلق كثير حتى بلغ الشهود سبعين رجلاً فيما قال المؤرخون ، ورفع الوثيقة إلى معاوية ، فأمره بأن يحمله إليه ويشدّه موثوقاً بالحديد ، وأمر زياد بإخراج حجر وأصحابه ليلاً إلى دمشق ، فاُخرجوا ، ووقعت النياحة ، وعلا الصراخ المؤلم في دار حجر ، وصعدت ابنته ولا عقب له غيرها فوق سطح الدار تلقي على القافلة - التي تسير إلى الموت - نظرة الوداع وهي تبكي أمر البكاء وأشجاه ، وأخذت تناجي القمر وتبثه أحزانها ولوعتها وتصوغ من محنتها وبلواها ومصابها أبياتاً يلمس فيها ذوب قلبها :
تَرَفعُ أَيُّها القَمَرُ المُنيرُ *** لَعَلَّكَ أَنْ تَرى حِجْراً يَسيرُ
يسير إلى مُعاوِيَةَ بْنِ حَرْبٍ *** لِيَقْتُلَهُ كَذا زَعَمَ الأَميرُ
وَيَصْلبَهُ عَلى بابَي دِمَشْقٍ *** وَتَأْكُلُ مِنْ مَحاسِنِهِ الطُّيورُ
تَجَبَّرَتِ الجَبابِرُ بَعدَ حِجْرٍ *** وَطابَ لَها الخُوَرْنَقُ وَالسَّديرُ (2)
1) تاريخ الأمم والملوك : 4: 200 . أعيان الشيعة : 1: 43 .
2) الخورنق والسدير : قصران يقعان بالقرب من الحيرة بناهما النعمان بن امرئ القيس . ويقال : إن السبب في بنائهما أن يزدجرد بن سابور كان لا يعيش له ولد ، فسأل عن مكان صحيح الهواء ، فذكروا له ظهر الحيرة ، فدفع ابنه بهرام إلى النعمان وأمره ببناء الخورنق ، فبناه في عشرين سنة ، وكان الباني له رجل يسمّى سنمار . نهاية الإرب : 1: 372.
أَلا يا حِجْرُ حِجْرَ بَني عَدِيٍّ *** تَلَقَّتْكَ السَّلامَةُ وَالسُّرورُ
أَخافُ عَلَيْكَ ما أَرْدَى عَدِيّاً *** وَشَيْخاً في دِمَشْقَ لَهُ زَئيرُ
ألا يا ليتَ حِجْراً ماتَ مَوْتاً *** وَلَمْ يُنْحَرْ كَما نُحِرَ البعيرُ
فَإِنْ تَهَلَك فَكُلُّ عَميدِ قَوْمٍ *** إلى هُلْكٍ مِنَ الدُّنْيا يَصيرُ (1)
وانتهت القافلة إلى مرج عذراء ، فلما عرف حجر أنّه بهذه القرية قال : « والله إنّي لأوّل مسلم نبحته كلابها ، وأوّل مسلم كبر بواديها» (2).
وتقدّم البريد بأخبارهم إلى معاوية ، فأنس وارتاح بذلك ، فأرسل إليهم رجلاً أعور فأمره بإعدامهم إن لم يتبرأوا من أمير المؤمنين ويسبّوه ، فلما قدم عليهم رآه بعضهم فقال متنبئاً : إن صدق الزجر (3)فإنّه سيقتل نصفنا ، وينجو الباقون .
وكيف ذاك ؟
أما ترون الرجل المقبل مصاب بإحدى عينيه .
وقدم الجلاد فالتفت إلى حجر قائلاً: إن أمير المؤمنين أمرني بقتلك يا رأس الضلال ، ومعدن الكفر والطغيان، والمتولي لأبي تراب ، وقتل أصحابك إلا أن ترجعوا عن كفركم ، وتلعنوا صاحبكم وتتبرأوا منه .
فانبرى إليه حجر مع الزمرة الصالحة التي آمنت بإيمانه ، وهم يضربون أمثلة للعقيدة وللفداء في سبيل الله قائلين بلسان واحد : إنّ الصبر على حد السيف لأيسر علينا مما تدعوننا إليه ، ثمّ القدوم على الله وعلى نبيه وعلى وصيّه أحبّ إلينا من دخول النار (1).
ورجع نصف من أصحاب حجر عن عقيدتهم والنصف الآخر بقوا على عقيدتهم وولائهم لأمير المؤمنين (علیه السلام) ، وصدق زجر من قال منهم إنّه يقتل منهم ثمّ حفرت قبورهم وقام الجلّادون لتنفيذ حكم الإعدام فيهم ، فطلب منهم حجر حاجة قبل تنفيذ إعدامه ، غالية عنده ، رخيصة عند القوم قائلاً: اتركوني أتوضأ واُصلي ، فإنّي ما توضأت إلا صليت ؟
فسمحوا له بذلك ، فصلّى حجر وأطال في صلاته ، وبعد الفراغ منها التفت إلى القوم قائلاً: والله ما صليت صلاة أخف منها ، ولولا أن تظنوا فيَّ جزعاً من الموت لاستكثرت منها .
وأخذ يناجي ربه ويبثّه شكواه وأحزانه من هذه الأمة التي أسلمته إلى عدوّه الماكر قائلاً: اللهم إنا نستعيذك على اُمتنا فإن أهل الكوفة شهدوا علينا، وأنّ أهل الشام يقتلوننا ، أما والله لئن قتلتموني بها فإنّي لأوّل فارس من المسلمين هلل في واديها ، وأوّل رجل من المسلمين نبحته كلابها .
وانطلق إليه الخبيث الأعور هدبة بن فياض القضاعي شاهراً سيفه ، فلما رآه حجر ارتعدت أوصاله ، وخارت قواه فقالوا له : زعمت أنك لا تجزع من الموت فابرأ من صاحبك وندعك .
فقال لهم :حجر ومالي لا أجزع وأرى قبراً محفوراً وكفناً منشوراً وسيفاً مشهوراً ،
1) مروج الذهب : 3 : 13 .
وإني والله إن جزعت من القتل لا أقول ما يسخط الربّ (1).
ثم أجري عليه الإعدام ، فكان آخر ما انطلق من حنجرته : لا تطلقوا عنّي حديداً ، ولا تغسلوا عنّي دماً ، فإنّي ملاق معاوية على الجادة (2).
وألقي حجر إلى الأرض جثّة هامدة يتخبط بدمه مع ستة من أصحابه الشهداء الأبرار ، ففي ذمة الله يا حجر أنت وأصحابك ، فقد مضيتم إلى عالم الخلود وأنتم شهداء العقيدة ، وشهداء الإنسانية الكاملة ، فأنتم من أروع أمثلة البطولة الفذة التي ثارت على الظلم والطغيان، وقاومت جور الحاكمين واستبداد الطغاة الظالمين.
ولم يذق حجر الحمام ويقتل صبراً وحده ، فقد قتل معه ومن بعده جماعة من أصحابه المثاليين الذين ضحوا بحياتهم الغالية من أجل عقيدتهم الدينية ومبدئهم المقدس غير مبالين بالموت ، وبهؤلاء وأمثالهم من أبطال الخلود ، وعظماء العالم ترتكز العقائد ، ويستقيم الحق ، ويعم العدل ، ويزول الظلم ، وها نحن نذكر أسماءهم مع ما جرى عليهم من العسف والتنكيل من قبل معاوية وولاته :
وكان عبدالرحمن بن حسّان العنزي في طليعة أصحاب حجر ، واُخذ معه مكبّلاً بالحديد إلى مرج عذراء ، فطلب من الجلاوزة مواجهة معاوية لعله أن يعفو عنه ، فاستجابوا لقوله ، فجيء به إليه ، فلمّا مثل عنده قال له معاوية : إيه أخا ربيعة ، ما تقول في عليّ ؟
دعني ولا تسألني ، فهو خير لك !
والله لا أدعك .
أشهد أنّه كان من الذاكرين الله كثيراً ، والأمرين بالحق ، والقائمين بالقسط ، والعافين عن الناس .
ولم يجد معاوية بعد هذا وسيلة يستبيح بها إراقة دمه ، فعرج إلى دم عثمان الذي بلي به المسلمون حياً وميتاً فقال له : ما قولك في عثمان ؟
هو أول من فتح باب الظلم ، وأرتج أبواب الحق .
قتلت نفسك !
بل إياك قتلت ولا ربيعة بالوادي .
لقد ظنّ أنّ أسرته تتشفّع به وتفك أسره، وتدفع عنه ظلامته ، فلم يجبه أحد ، وأشاح معاوية بوجهه عنه ، ثمّ رفع رسالة إلى عامله زياد جاء فيها : أما بعد ، فإنّ هذا العنزي شرّ من بعثته فعاقبه عقوبته التي هو أهلها وأقتله أشر قتلة .
ولما وردت رسالته إلى زياد بعث به إلى قسّ الناطف (1)، وأمر بدفنه حيّاً فيه ، فدفن وهو حي (2).
وصيفي بن فسيل الشيباني من أبطال المسلمين وعباقرتهم وأفذاذهم ، ومن خيرة أصحاب حجر سعي به إلى زياد فبعث الدعي خلفه ، فلما حضر عنده بادره بالسؤال عن أمير المؤمنين (علیه السلام) ليتخذ من ذلك وسيلة يستحلّ بها دمه ، فقال له بنبرات تقطر
غيظاً وغضباً .
یا عدو الله ! ما تقول في أبى تراب ؟
ما أعرف أبا تراب .
ما أعرفك به !
ما أعرفه .
أما تعرف علي بن أبي طالب ؟
بلى .
فذاك أبو تراب .
كلا ، ذاك أبو الحسن والحسين (علیهم السلام)
والتفت مدير شرطة زياد إلى صيفي منكراً عليه مقاله ليتقرب إلى ابن سمية قائلاً: يقول لك الأمير : هو أبو تراب ، وتقول أنت : لا ؟ !
فنهره صيفي وردّ عليه وهو غير معتن به ولا بأميره قائلاً: وإن كذب الأمير أتريد أن أكذب ، وأشهد له على باطل كما شهد !
فثار ابن سمية وانتفخت أوداجه غضباً ، فقال له : وهذا أيضاً مع ذنبك .
والتفت إلى شرطته وهو مغيظ فقال لهم : عليّ بالعصا ، فأتي بها ، فالتفت إلى صيفي : ما قولك ؟
فقال له بكل شجاعة وإيمان : أحسن قول أنا قائله في عبد من عباد الله المؤمنين.
وأمر زياد جلاوزته بضرب عاتقه حتى يلصق بالأرض ، فبادروا إليه وضربوه ضرباً عنيفاً حتى وصل عاتقه إلى الأرض ، ثمّ أمرهم بالكفّ عنه ، والتفت إليه : إيه ما قولك في علي ؟
وأصر بطل العقيدة على إيمانه فقال : والله لو شرحتني بالمواسي والمدى ما قلت
إلا ما سمعت مني!
لتلعنه أو لأضربن عنقك !
إذاً تضربها والله قبل ذلك فإن أبيت إلا أن تضربها رضيت بالله وشقيت أنت !
ادفعوا في رقبته .
ثمّ أمر به ثانياً أن يوقر بالحديد ويلقى في ظلمات السجون (1)، وأخيراً بعثه مع حجر فاستشهد معه في مرج عذراء .
ومن جملة أصحاب حجر الذين أرهقهم زياد قبيصة بن ربيعة العبسي ، فقد بعث إليه مدير شرطته شدّاد بن الهيثم فهجم عليه خفية ، فلمّا أحسّ به قبيصة أخذ سيفه ووقف للدفاع عن نفسه ، ولحق به فريق من قومه ، فقال مدير الشرطة لقبيصة مخادعاً : أنت آمن على دمك ومالك ، فلم تقتل نفسك ؟
ولما سمع بذلك أصحابه انخدعوا ، فلم يحاموا عنه ولم ينقذوه لأنّ خوفهم من سلطة زياد كان أشد وقعاً في نفوسهم من خطر الموت ، فاندفعوا قائلين : قد آمنت فعلامَ تقتل نفسك وتقتلنا معك ؟
ولم يذعن لمقالة أصحابه وذلك لعلمه بغدر الأمويين وعدم وفائهم بالعهد والوعد فقال لهم : ويحكم ! إن هذا الدعي ابن العاهرة والله لئن وقعت في يده لا أفلت أبداً أو يقتلني .
ولما لم يجد بداً من ذلك وضع يده في أيديهم ، وأخذ أسيراً إلى زياد ، فلما مثل
1) تاريخ الأمم والملوك : 4: 198. الكامل في التاريخ : 3: 139 .
عنده قال له : أما والله لأجعلن لك شاغلاً عن تلقيح الفتن والتوثب على الأمراء .
إنِّي لم آتك إلا على الأمان .
انطلقوا به إلى السجن (1).
لقد نقض زياد الأمان وخاس بالميثاق ، ثم أمر به أن يحمل مع حجر وأصحابه إلى مرج عذراء ، فحمل معهم ، فلما انتهت قافلتهم إلى جبانة (عرزم) وكانت فيها داره ، نظر إليها وإذا بناته قد أشرفن من أعلى الدار ينظرن إليه ، وهن يخمشن الوجوه، ويخلطن الدموع بالدعاء ، قد أخذتهنّ المائقة ، ومزق الأسى قلوبهن .
فلما نظر إلى ذلك المنظر الرهيب طلب من الشرطة الموكلة بخفارته أن يسمحوا له بالدنو من بناته ليوصيهن بما أراد ، فسمحوا له بذلك ، فلما دنا منهنّ علا صراخهنّ ، فأمرهنّ بالسكوت والخلود إلى الصبر، وأوصاهن بوصيته التي مثلت الإيمان والرضا بقضاء الله قائلاً: اتقين الله عز وجل ، واصبرن ، فإنّي أرجو من ربِّي في وجهي هذا إحدى الحسنيين : إما الشهادة وهي السعادة ، وإما الانصراف إليكن في عافية ، وإنّ الذي كان يرزقكنّ ويكفيني مؤونتكن هو الله تعالى ، وهو حي لا يموت أرجو أن لا يضيّعكن ، وأن يحفظني فيكن.
ثمّ ودّعهنّ وانصرف، ولما رأى من معه شجو بناته وما داخلهن من الفزع والمصاب رقّوا لهنّ ، ثم رفعوا أيديهم بالدعاء والابتهال إلى الله تعالى طالبين منه العافية والسلامة إلى قبيصة .
فانبرى إليهم قائلاً: إنّه لممّا يعدل عندي خطر ما أنا فيه هلاك قومي حيث لا ينصرونني (2).
أراد بذلك عدم نصرة قومه وخذلانهم له ، وأن ذلك أشد وقعاً على نفسه من
هلاكه ، وسار قبيصة مع حجر إلى مرج عذراء فاستشهد معه ، وأما بقية أصحاب حجر الذين استشهدوا معه فلم نعثر على معلومات وافية عنهم ، ونشير إلى أسمائهم، وهم :
شريك بن شداد الحضرمي .
كدام بن حيان العنزي .
محرز بن شهاب التميمي .
وهؤلاء الحماة الذين قدموا نفوسهم ضحايا للعقيدة ، وقرابين للحق كانوا من خيار المسلمين ومن صلحائهم ، قد ساقتهم السلطة الأموية إلى ساحة الإعدام ، فاستباحت دماءهم ، لا لذنب اقترفوه ، سوى مودّتهم للعترة الطاهرة التي هي عديلة القرآن الكريم في لزوم مراعاتها ومودتها .
وذُعر المسلمون لهذا الحادث الخطير ، وعمّ السخط جميع أرجاء البلاد ، لأنّ حجراً من أعلام الإسلام ، ومن خيار صحابة النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، وقد انتهكت في قتله حرمة الإسلام ، لأنه لم يحدث فساداً في الأرض ، وإنما رأى منكراً فناهضه ، وجوراً فناجزه ، رأى زياداً يؤخر الصلاة فطالبه بإقامتها ، ورآه يسبّ أمير المؤمنين (علیه السلام) فطالبه بالكف عنه ، فقُتل من أجل ذلك ، وقد اندفعت الشخصيات الرفيعة في العالم الإسلامي إلى إعلان سخطها على معاوية وإلى الإنكار عليه ، ومن الخير أن نذكر بعضهم ، ونستمع إلى نقدهم ، وهم :
ورفع الإمام الحسين (علیه السلام) من يثرب رسالة إلى معاوية أنكر فيها أشدّ الإنكار على ما ارتكبه من قتل حجر وأصحابه الأبرار ، وهذا نصها :
«أَلَسْتَ القَاتِلَ حُجْراً أَخَا كِنْدَةَ، وَالْمُصَلِّينَ العَابِدِينَ الَّذِينَ كَانُوا يُنْكِرُونَ الظُّلمَ وَيَسْتَعْظِمُونَ الْبِدَعَ ، وَلاَ يَخَافُونَ فِي اللهِ لَومَةَ لائِم ؟ قَتَلْتَهُمْ ظُلْماً وَعُدْوَاناً مِنْ بَعْدِ مَا كُنْتَ أَعْطَيْتَهُمُ الْأَيْمَانَ الْمُغَلَّظَةَ وَالْمَوَاثِيقَ الْمُؤَكَّدَةَ أَلَّا تَأْخُذَهُمْ بِحَدَثٍ كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ ، وَلَا بِإِحْنَةٍ تَجِدْها فِي نَفْسِكَ عَلَيْهِمْ ...» (1).
لقد أنكر الإمام (علیه السلام) برسالته على معاوية استباحته لدم حجر وأصحابه المثاليين الذين أنكروا الظلم وناهضوا الجور ، واستعظموا البدع ، وقد قتلهم ظلماً وعدواناً ، بعد ما أكد على نفسه وأعطاهم المواثيق المؤكدة أن لا يأخذهم بحدث ولا بإحنة فيما مضى ، ولكن ابن هند قد خاس بذلك ولم يف به .
ومن جملة المنكرين على معاوية عائشة ، فقد دخل عليها في بيتها بعد منصرفه من الحجّ فقالت له : أأمنت أن أخبأ لك من يقتلك ؟
فقال لها مخادعاً : بيت الأمن دخلت .
وكانت دوماً تتحدّث عن مصاب حجر ، فقد حدثت عمّا سمعته من رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) في فضله ، قالت : « سمعت رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) يقول : سَيُقْتَلُ بِعَذْراءَ أُناسٌ يَغْضَبُ اللهُ لَهُمْ وَأَهْلُ السَّماءِ» (3).
وقالت مندّدة بأهل الكوفة : « أما والله لو علم معاوية أنّ عند أهل الكوفة منعة ما اجترأ على أن يأخذ حجراً وأصحابه من بينهم حتى يقتلهم بالشام ، ولكن ابن آكلة الأكباد علم أنّه قد ذهب الناس ، أما والله إن كانوا لجمجمة العرب عزّاً ومنعة وفقهاً ولله در لبيد حيث يقول :
ذَهَبَ الَّذِينَ يُعَاشُ فِي أَكْنَافِهِمْ *** وَبَقِيتُ فِي خَلَفٍ كَجِلدِ الْأَجْرَبِ
لا يَنْفَعُونَ وَلا يُرَجَى خَيرُهُمْ *** ويُعاب قائِلُهُمْ وَإِنْ لَمْ يَشْغَب (1)
ومن الناقمين على معاوية الربيع بن زياد البصري (2)
كان عاملاً لمعاوية على خراسان ، وكان كاتبه الحسن البصري . روى عن أبي بن كعب، وعن جماعة ، وروى عنه قوم، توفي سنة 51ھ. تهذيب التهذيب : 3: 43 .
وجاء في الإصابة : 1 : 491: « أنّ الربيع وفد على عمر بن الخطاب فقال له : يا أمير المؤمنين ، والله ما وليت هذه الأمة إلا ببليّة ابتليت بها ، ولو أنّ شاة ضلت بشاطئ الفرات. لسئلت عنها يوم القيامة ، فبكى عمر حينما سمع منه هذا الكلام ».
عامله على خراسان ، فإنّه سمع بالنبأ المؤلم طاش لبه ، وذهبت نفسه حسرات ، فقال والحزن بادٍ عليه : لا تزال العرب تقتل صبراً بعده - أي بعد مقتل حجر - ولو نفرت عند قتله لم يقتل واحد منهم صبراً ، ولكنها أقرت فذلت !إن أهل الكوفة لو منعوا السلطة الأموية من قتل حجر وأصحابه لما تمكن الأمويون من قتل أحرارهم وأخیارهم ، ولكنّهم رضوا بالخمول والذل ، وكرهوا الموت في سبيل الله ، فهان أمرهم وذلوا ، وعمل فيهم الأمويون ما أرادوا من إخضاعهم للذل والهوان .
وبقي الربيع ذاهل النفس ، خائر القوى ، قد مزق الأسى قلبه ، فلما صار يوم الجمعة صلّى بالناس صلاة الجمعة ، وبعد الفراغ منها خطب الناس فقال في خطابه : أيّها الناس ، إنّي قد مللت الحياة ، وإنّي داع فأمنوا ، ثمّ رفع يديه بالدعاء فقال : اللّهمّ إن كان للربيع عندك خير فاقبضه إليك وعجل .
فاستجاب الله دعاءه ، فما فارق المجلس حتى وافاه الأجل المحتوم (1).
وعد الحسن البصري قتل حجر إحدى الموبقات الأربعة التي ارتكبها معاوية ، فقال فيما يخص حجراً : ويل له من حجر وأصحاب حجر مرتين (2).
لقد ذعر ابن عمر حينما علم بمقتل حجر ، فقد أخبر بقتله وهو بالسوق وكان محتبياً فأطلق حبوته وولّى وهو يبكي أشدّ البكاء وأمره (3).
وانتهى الخبر المؤلم إلى معاوية بن حديج (4)
وقيل : الكندي ، هو الذي قتل العبد الصالح الطيب محمد بن أبي بكر بأمر ابن العاص ، وقد غزا أفريقيا ثلاث مرّات . الاستيعاب : 3: 389 .
، وكان في أفريقيا مع الجيش ، فقال لقومه الذين كانوا معه من كندة : «ألا ترون أنا نقاتل لقريش ونقتل أنفسنا لنثبّتملكها ، وأنّهم يثبون على بني عمّنا فيقتلونهم ».
لقد كان قتل حجر من الأحداث الكبار ، وكان صدعاً في الإسلام وبلاء على عموم العرب ، وكان معاوية نفسه لا يشك في ذلك ، فكان ينظر إليه شبحاً مخيفاً ويردّد ذكره في خلواته ، وقد ذكره كثيراً في مرضه الذي هلك فيه فكان يقول : ويلي منك يا حجر .
وكان يقول : يوم لي من ابن الأدبر - يعني حجراً - طويل ، قال ذلك ثلاث مرات (1).
نعم ، إنّ يومه لطويل من حجر وأمثاله من المؤمنين والصالحين، الذين سفك دماءهم لا لذنب اقترفوه ، سوى حبهم لأهل البيت (علیهم السلام) ، وهنا ينتهي بنا الحديث عن محنة حجر وأصحابه لنلتقي بزملاء له آخرين .
ورشيد الهجري يُعدّ في طليعة رجال الإسلام ورعاً وتقى وعلماً وفضلاً، فقد تتلمذ في مدرسة أمير المؤمنين (علیه السلام) ، ونال الكثير من علومه ومعارفه ، فكان (علیه السلام) يسمّيه (رُشَيْدُ البلايا) ، وحدثت ابنته قنواء قالت: «سمعت أبي يقول : قال لي أمير المؤمنين : يا رَشِيدُ ، كَيْفَ صَبْرُكَ إِذا أَرْسَلَ إِلَيْكَ دَعِيُّ بَنِي أُمَيَّةَ ، فَقَطَعَ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ وَلِسانَكَ ؟
يا أمير المؤمنين ، آخر ذلك إلى الجنّة ؟
يا رَشِيدُ ، أَنْتَ مَعِي فِي الدَّنْيا وَالْآخِرَةِ » .
وخرج رشيد مع أمير المؤمنين (علیه السلام) إلى بستان فاستظلا تحت نخلة ، فقام صاحب البستان إلى النخلة فأخذ منها رطباً وقدّمه إلى أمير المؤمنين (علیه السلام) ، فأكل (علیه السلام) منه ،
1) تاريخ الأمم والملوك : 4 : 208 .
فالتفت رشيد إلى الإمام قائلاً له : ما أطيب هذا الرطب ؟
فكان رشيد بعد حديث الإمام يتعاهد تلك النخلة التي أكل من رطبها فيسقيها ويتعبد تحتها ، واجتاز عليها يوماً فرأى سعفها قد قطع ، فشعر بدنو أجله ، واجتاز عليها مرّة أخرى فرأى نصفها قد جعل زرنوقاً يستسقى عليه ، فتيقن بدنو الأجل المحتوم منه (1).
وفي فترات تلك المدّة الرهيبة بعث خلفه ابن سميّة ، فلما حضر عنده قال له : ما قال لك خليلك إنا فاعلون بك ؟
تقطعون يديَّ ورجلي وتصلبوني .
أما والله لأكذِّبن حديثه ، خلّوا سبيله .
فأطلقت الجلاوزة سراحه ، فلما خرج قال زياد لجلاوزته : ردوه ، فردوه إليه ، فالتفت له قائلاً : لا نجد لك شيئاً أصلح مما قال صاحبك ، إنك لا تزال تبغي لنا سوءاً إن بقيت . اقطعوا يديه ورجليه .
فامتثلت الجلاوزة أمره ، فقطعوا يديه ورجليه وهو يتكلم ، فغاظ كلامه زياداً ، فقال لجلاوزته : اصلبوه خنقاً .
فقال رشيد لهم : بقي لي عندكم شيء ما أراكم فعلتموه - أراد بذلك قطع لسانه - ،فأمر زياد بقطع لسانه.
ولما أرادوا قطع لسانه قال لهم : نفسوا عنّي حتى أتكلم كلمة واحدة ، فأعطوه ذلك ، فقال : وهذا تصديق خبر أمير المؤمنين (علیه السلام) أخبرني بقطع لساني ، ثم قطع الجلاوزة لسانه (2)
وقال الحافظ الذهبي في التذكرة : « قتل زياد رشيداً الهجري ، فقطع لسانه وصلبه لتشيعه».
.أي ذنب اقترفه هذا العابد العظيم حتى يستحق هذا التنكيل ويمثل به بذلك التمثيل الفظيع ، ولكن ابن سميّة ومعاوية قد راما بذلك تصفية الحساب مع شيعة أهل البيت (علیهم السلام) والقضاء على روح التشيع .
وكان عمرو بن الحمق يحمل شعوراً دينياً قوياً حراً ، وكان من خيرة الصحابة في ورعه وتقواه ، وهو الذي سقى النبي لبناً ، فدعا له (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) أن يمتعه الله بشبابه ، فاستجاب الله دعاء نبيه (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) فأخذ عمرو بعنق الثمانين عاماً ولم تُر في كريمته شعرة بيضاء (1).
وكان من صفوة أصحاب أمير المؤمنين (علیه السلام)، ومن خلّص أصحابه ، وقد دعا (علیه السلام) له فقال : اللَّهُمَّ نَوِّرْ قَلْبَهُ بِالتَّقى ، وَاهْدِهِ إِلى صِراطِكَ الْمُسْتَقِيم» (2).
وكان لا يكبره ويجله ويقدمه على غيره ، فقد قال له : « لَيْتَ لي في جُنْدِي مِثْلَكَ مائة» (3).
وقال لأمير المؤمنين (علیه السلام) معرباً له عن ولائه وإخلاصه : يا أمير المؤمنين ، والله ما أحببتك للدنيا ، ولا للمنزلة تكون لي بها ، وإنّما أحببتك لخمس خصال : إنّك أوّل المؤمنين إيماناً ، وابن عم رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، وأعظم المهاجرين والأنصار ، وزوج سيّدة ، النساء (علیها السلام) ، وأبو ذرّيّته الباقية من رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، فلو قطعت الجبال الرواسي ، وعبرت البحار الطوامي في توهين عدوّك وتلقيح حجّتك لرأيت ذلك قليلاً من كثير
ما يجب عليَّ من حقك (1).
وقد دلّ حديثه على عقيدته وإيمانه وعظيم ولائه لأمير المؤمنين (علیه السلام) ولاء يلتمس منه وجه الله ويبغي فيه الدار الآخرة .
ولما ولي زياد الكوفة وتتبع زعماء الشيعة ووجوههم خاف الخزاعي من سلطته الغاشمة ، ففرّ إلى المدائن، ومعه رفاعة بن شداد، فمكثا فيها برهة من الزمن، ثمّ هربا إلى الموصل، وقبل أن يصلا إليها مكثا في جبل هناك ليستجما فيه ، وبلغ عبد الله بن أبي بلتعة عامل ذلك الرستاق أن رجلين قد كمنا في جبل من جبال الموصل ، فاستنكر شأنهما ، فسار إليهما مع فريق من أصحابه ، فلما انتهوا إلى الجبل خرج إليهما عمرو ورفاعة .
فأما عمرو فقد كان مريضاً لأنه قد سقي سمّاً وليس عنده قوة يستطيع بها على خلاص نفسه ، فوقف ولم يهرب ، وأمّا رفاعة فقد كان في شرخ الشباب ، فاعتلى فرسه ثم التفت إلى عمرو فقال له : أقاتل عنك ؟
فنهاه عن ذلك وقال له : وما ينفعني أن تقاتل ، انج بنفسك إن استطعت .
ومضى رفاعة فهجم على القوم فأفرجوا له ، ثم خرجوا في طلبه فلم يتمكنوا عليه لأنه كان رامياً ، وأخذ عمرو أسيراً وطلبوا منه أن يعرفهم شخصيّته ، فامتنع وقال لهم : أنا من إن تركتموه كان أسلم لكم ، وإن قتلتموه كان أضر لكم .
وأصروا عليه أن يعرفهم نفسه، فأبى، فارتابوا من أمره، فأرسلوه مخفوراً إلى عبد الرحمن بن عبد الله الثقفي حاكم الموصل ، فلما رآه عرفه ورفع بالوقت رسالة إلى معاوية عرّفه بالأمر .
فأجابه : إنّه زعم أنه طعن عثمان بن عفان تسع طعنات بمشاقص (2)كانت معه .
وإنا لا نريد أن نعتدي عليه ، فاطعنه تسع طعنات كما طعن عثمان .
فأخرجه عبدالرحمن وأمر بطعنه تسع طعنات ، فمات في الاُولى أو الثانية منها (1).
ثم احتزّ رأسه وبعثه إلى معاوية ، فأمر أن يُطاف به في الشام وغيره ، فكان أوّل رأس طيف به في الإسلام.
ثم أمر أن يبعث به إلى زوجته آمنة بنت الشريد ، وكانت في سجنه ، فجيء به فوضع في حجرها وهي غافلة لا تعلم من أمره شيئاً ، فلما بصرت به اضطربت حتى كادت أن تموت، ثمّ قالت ودموعها تتبلور على وجهها واحزناه لصغره في دار هوان ، وضيق من ضيمة سلطان ، نفيتموه عنّي طويلاً، وأهديتموه إليَّ قتيلاً ، فأهلاً وسهلاً بمن كنت له غير قالية ، وأنا له اليوم غير ناسية .
ثم التفتت إلى الحرسي فقالت له : ارجع به أيها الرسول إلى معاوية فقل له ولا تطوه دونه ، أيتم الله ولدك ، وأوحش منك أهلك ولا غفر لك ذنبك .
ورجع الرسول إلى معاوية فأخبره بمقالتها ، فغضب وغاظه كلامها ، فأمر بإحضارها في مجلسه ، فجيء بها إليه ، فقال لها : أئتِ يا عدوة الله صاحبة الكلام الذي بلغني ؟
فانبرت إليه غير مكترثة ولا هيابة لسطانه قائلة : نعم غير نازعة عنه ، ولا معتذرة منه ، ولا منكرة له ، فلعمري لقد اجتهدت في الدعاء ، إن نفع الاجتهاد وإن الحق لمن وراء العباد ، وما بلغت شيئاً من جزائك ، وإنّ الله بالنقمة لمن ورائك .
فالتفت إياس بن حسل إلى معاوية متقرباً إليه : اقتل هذه يا أمير المؤمنين ، فوالله ما كان زوجها أحق بالقتل منها .
1) تاریخ دمشق : 48 : 336 – 340. تاريخ الأمم والملوك : 6: 58 - 61. النجوم الزاهرة : 1: 110.
فقالت له : تباً لك ، ويلك بين لحييك كجثمان الضفدع ، ثمّ أنت تدعوه إلى قتلي كما قتل زوجي بالأمس ! إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض ، وما تريد أن تكون من المصلحين .
فضحك معاوية وقال متبهراً : لله درّك اخرجي ، ثمّ لا أسمع بك في شيء من الشام .
فقالت له : وأبي لأخرجنّ ثمّ لا تسمع لي في شيء من الشام ، فما الشام لي بحبيب ، ولا أعرج فيها على حميم ، وما هي لي بوطن ، ولا أحن فيها إلى سكن، ولقد عظم فيها ديني ، وما قرّت فيها عيني ، وما أنا فيها إليك بعائدة ، ولا حيث كنت بحامدة .
وثقل كلامها على معاوية ، فأشار إليها ببنانه بالخروج ، فخرجت وهي تقول : واعجبي لمعاوية يكفّ عني لسانه ويشير إليَّ بالخروج ببنانه ، أما والله ليعارضنه عمرو بكلام مؤيد شديد أوجع من نوافذ الحديد ، أو ما أنا بابنة الشريد.
ثم خرجت من مجلسه (1).
لقد كان قتل عمرو من الأحداث الجسام في الإسلام لأنه من صحابة النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وقد عمد معاوية إلى إراقة دمه ، فخالف بذلك ما أمر الله به من حرمة سفك دماء المسلمين إلا بالحقِّ ، ولم يشف قتله غليل معاوية ، فقد أمر بأن يطاف برأسه في بلاد المسلمين ، وبعث به إلى زوجته فروعها ، وكادت أن تموت من ألم المصاب ، وقد رفع الإمام الحسين (علیه السلام) من يثرب رسالة إلى معاوية أنكر فيها ارتكابه لهذا الحادث الخطير ، وهذا نصها :
«أَوَلَسْتَ قَاتِلَ عَمْرَو بْنِ الْحَمِقِ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، الْعَبْدِ الصَّالِحِ
1) أعلام النساء : 1: 4 .
الَّذِي أَبْلَتْهُ العِبَادَةُ فَنَحِلَ جِسْمُهُ ، وَاصْفَرَ لَونُهُ ، بَعدَمَا آمَنْتَهُ ، وَأَعْطَيْتَهُ مِنْ عُهُودِ اللَّهِ وَمَوَاثِيقِهِ مَا لَوْ أَعْطَيْتَهُ طَائِراً لَنَزَلَ إِلَيْكَ مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ، ثُمَّ قَتَلْتَهُ جُرْأَةً عَلَى رَبِّكَ وَاسْتِخْفَافَاً بِذَلِكَ الْعَهْدِ» (1).
لقد أشاد الإمام الحسين (علیه السلام) بفضل عمرو ، فذكر أنه صاحب رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم)، وأنه قد أبلت العبادة جسمه ، كما ذكر أن معاوية قد أبرم عهداً خاصاً في شأنه يتضمن أمنه ، وعدم البغي عليه ، ولكنّه قد خاس بعهده ولم يف به .
وكان أوفى بن حصن من المنددين بالسياسة الأموية، ومن الناقدين لسلطتهم وكان يذيع مساوئهم بين أوساط الكوفيين ، فبلغ ذلك زياداً ، فبعث في طلبه ، فاختفى أوفى ، واستعرض زياد الناس ، فاجتاز عليه أوفى فشك في أمره ، فقال لمن معه : مَن هذا ؟
أوفى بن حصن .
علَيَّ به .
فجيء به إليه فقال متبهّراً : أتتك بخائن رجلاه تسعى ، ثم التفت إليه قائلاً: ما رأيك في عثمان ؟
ختن رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) على ابنته .
ما تقول في معاوية ؟
جواد حليم .
ما تقول فيَّ ؟
1) الإمامة والسياسة : 1 : 181 . التعليقات : 246 .
بلغني أنك قلت بالبصرة : والله لأخذن البريء بالسقيم ، والمقبل بالمدير.
قد قلت ذلك .
خبطتها خبط عشواء !
ليس النفاخ بشر الزمرة ، ثمّ أمر بقتله (1).
إن نكران أوفى لسياسة زياد في ذلك الظرف العصيب من أعظم الأعمال التي قام بها ، ومن أفضل الجهاد الذي عناه رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) بقوله : «أَفْضَلُ الْجِهَادِكَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جائِرٍ ، وَأَفْضَلُ الشُّهَداءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَرَجُلٌ تَكَلَّمَ عِنْدَ سُلْطَانٍ جائِرٍ ، فَامِرَ بِهِ فَقُتِلَ (2).
أما جويرية بن مسهر فهو من أفذاذ المؤمنين ، وعلم من أعلام الإسلام ، أخلص للإمام وتولاه ، وتغذى ببعض علومه ومعارفه .
وكان جويرية من خلّص أصحاب الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام)، ومن حملة حديثه ، ومن المقربين عنده ، فقد نظر إليه يوماً فناداه : يا جويرية ، إلحق بي ، فإنّي إذا رأيتك هويتك ، ثمّ حدّثه ببعض أسرار الإمامة ، وقال له : يا جُوَيْرِيَةُ ، أَحْبِبْ حَبيبَنا ما أَحَبَّنَا ، فَإِذا أَبْغَضَنَا فَأَبْغِضْهُ ، وَأَبْغِضُ بَغِيضَنا ما أَبْغَضَنا ، فَإِذا أَحْبَّنا فَأَحِبَّهُ (3).
ودخل على أمير المؤمنين (علیه السلام) يوماً وكان مضطجعاً فقال له جويرية : أيها النائم ، استيقظ ، فلتضربن على رأسك ضربة تخضب منها لحيتك .
فتبسم أمير المؤمنين (علیه السلام) وانبرى إليه فأخبره بما يجري عليه من بعده من ولاة
الجور قائلاً: اُحَدِّثُك يا جُوَيْرِيةُ بِأَمْرِكَ ، أَمَّا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُعْتَلَنَّ (1)إِلَى الْعُتُلّ الزَّنِيمِ ، وَلَيَقْطَعُنَّ يَدَكَ وَرِجْلَكَ ، وَلَيَصْلِبُنَّكَ تَحْتَ جِذْعٍ كَافِرٍ (2)» (3).
وما دارت الأيام حتى استدعى ابن سميّة جويرية فأمر بقطع يده ورجله ، ثمّ صلبه على جذع قصير ، وقد ألف هشام بن محمد بن السائب كتاباً في فاجعة جويرية ورشيد وميثم التمار (4).
وكان عبد الله الحضرمي من أولياء أمير المؤمنين (علیه السلام)، و من صفوة أصحابه ، وكان من شرطة الخميس (5)
وذكرت بعض المصادر أن شرطة الخميس كانوا معروفين بالثقة والعدالة حتى كانت شهادة أحدهم تعدل شهادة رجلين.
.ولما قتل أمير المؤمنين (علیه السلام) حزن عليه عبدالله حزناً مرهقاً ، فترك الكوفة وبنى له صومعة يتعبد فيها هو وأصحابه المؤمنون ، ولما علم ابن هند بجزعهم وحزنهم على موت أمير المؤمنين (علیه السلام) أمر بإحضارهم عنده .
فلما جيء بهم أمر بقتلهم صبراً ، فقتلوا (6).
1) تعتلن : أي تجذبن.
2) الجذع الكافر : القصير .
3) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 2 : 291.
4) التعليقات : 366 .
5) الخميس : اسم من أسماء الجيش ، سمي به لأنه قد قسم إلى خمسة أقسام المقدمة ، والميمنة ، والميسرة ، والقلب ، والساقة ، وقيل : إنما سمّي به لأن الغنائم تخمس فيه. نهاية ابن الأثير .
6) بحار الأنوار: 44: 9.
ففي ذمة الله هؤلاء الصلحاء الأخيار الذين سفكت دماؤهم ، وتقطعت أوصالهم ، لم يرتكبوا ذنباً أو يحدثوا في الإسلام حدثاً سوى ولائهم لأمير المؤمنين (علیه السلام) امتثالاً الرسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) الذي فرض ودّه على جميع المسلمين.
ولم يقتصر معاوية في عدائه للشيعة على قتل زعمائهم ، فقد قام بأمور بالغة الخطورة ، وهي :
وبذل معاوية جميع جهوده في سبيل القضاء على شيعة أمير المؤمنين (علیه السلام) ، فأمر عماله أن يهدموا دورهم ، فقامت جلاوزته بهدمها (1)، وقد تركهم بلا مأوى يأوون إليه ، كلّ ذلك لأجل القضاء على التشيّع ومحو ذكر أهل البيت (علیهم السلام) .
وعمل معاوية جميع ما يمكنه في إذلال الشيعة وقهرهم ، فقد كتب إلى جميع عماله أن لا يجيزوا لأحد من شيعة أمير المؤمنين وأهل بيته شهادة (2)، فامتثل العمّال أمره ، فلم تقبل شهادة الشيعة وهم من ثقات المسلمين وعدولهم وأخيارهم .
وأذاع معاوية الرعب والارهاب في نفوس الشيعة ، فخلّد بعضهم في السجون حتى ماتوا ، وروّع جمعاً آخرين حتى تركوا أوطانهم وفروا هائمين على وجه الأرض يطاردهم الخوف والرعب ، وقد قبضت شرطته على الكثيرين منهم فجيء بهم مخفورين إليه ، فقابلهم بالاستخفاف والاستهانة والتحقير ، ونحن نذكر أسماءهم
مع ما جرى عليهم من العسف والظلم ، وهم :
محمّد بن أبي حذيفة يعدّ في طليعة ثقات الإسلام ، ومن خيرة صلحاء المسلمين ، فقد كان من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، وقد قال أمير المؤمنين في حقه : «إِنَّ الْمَحامِدَةَ تَأْبِى أَنْ يُعْصَى اللَّهُ».
ثم عدّه منهم ، وكان ملازماً لأمير المؤمنين وفي خدمته ، ولما قتل (علیه السلام) وانتهى الأمر إلى معاوية أراد قتله ، ثم بدا له أن يسجنه ، فسجنه أمداً غير قصير ، والتفت يوماً إلى أصحابه فقال لهم : ألا نرسل إلى هذا السفيه محمد بن أبي حذيفة فنبكته ونخبره بضلاله ، ونأمره أن يقوم فيسب عليّاً ، فأجابوه إلى ذلك ، ثم أمر بإحضاره .
فلما مثل عنده التفت إليه قائلاً: يا محمد ، ألم يأن لك أن تبصر ما كنت عليه من الضلالة بنصرتك عليّ بن أبي طالب ؟ ألم تعلم أنّ عثمان قتل مظلوماً ، وأنّ عائشة وطلحة والزبير خرجوا يطلبون بدمه ، وأن علياً هو الذي دسّ الناس في قتله ، ونحن اليوم نطلب بدمه ؟
فأجابه محمد : إنك لتعلم أنّي أمس القوم بك رحماً ، وأعرفهم بك.
فقال له معاوية : أجل .
واندفع محمد فقال له : فوالله الذي لا إله غيره، ما أعلم أحداً شرك في دم عثمان وألّب الناس عليه غيرك لما استعملك ، ومن كان مثلك ، فسأله المهاجرون والأنصار أن يعزلك فأبى ، ففعلوا به ما بلغك .
والله ما أحد شرك في قتله بدئاً وأخيراً إلا طلحة والزبير وعائشة ، فهم الذين شهدوا عليه بالعظمة ، وألبوا عليه الناس ، وشركهم في ذلك عبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وعمار والأنصار جميعاً .
فارتاع معاوية وقال منكراً عليه : قد كان ذلك !
والله يا معاوية ، ما خفي عليك ما صنعت ، وما خفي عليهم ما صنعوا إذ أحلوا أنفسهم بسخط الله في طاعتك ، والله لا أزال أحبّ عليّاً لله ولرسوله ، وأبغضك في الله ورسوله أبداً ما بقيت !
ففزع معاوية وقال : إنّي أراك على ضلالك بعد ، ردّوه إلى السجن ، فردّوه للسجن ، فمكث فيه مدة من الزمن حتى مات فيه (1).
لقد لاقى محمّد حتفه وهو مروّع في ظلمات السجون ، لأنه لم يرتض أعمال معاوية ، ولم يقرّه على منكراته ، ومساوئه ، وهكذا كان مصير الأحرار والنبلاء المعارضين لحكومة معاوية يلاقون التعذيب والتنكيل والتخليد في السجون .
ومن زعماء الشيعة وعيونهم الذين روّعهم معاوية : الزعيم المثالي عبد الله بن هاشم المرقال ، فقد كان معاوية يحمل في نفسه كمداً وحقداً عليه ، وذلك لولائه وإخلاصه لأمير المؤمنين (علیه السلام)، ولموقف أبيه هاشم في يوم صفين ، ذلك الموقف الخالد الذي أخافه وأرهبه حتى صمّم على الهزيمة والفرار ، وللتشفّي والانتقام منه ، فقد كتب إلى عامله زياد رسالة يطلب فيها القبض على عبد الله لینكل به ، وهذا نص كتابه :
1) رجال الكشي : 71/ 126 . بحار الأنوار: 33: 243 . الغارات : 2 : 751.
أما بعد : فانظر عبد الله بن هاشم بن عتبة فشدّ يده إلى عنقه ، ثمّ ابعث به إليَّ .
ولما وصلت رسالة معاوية إلى زياد قام في طلبه ، وحينما علم بذلك عبدالله هرب واختفى منه ، وعلم به بعض الأوغاد فجاء إلى معاوية ليتقرب إليه ، فأخبره أنه اختفى عند امرأة مخزومية .
فكتب معاوية إلى زياد ما يلي : أما بعد ، فإذا أتاك كتابي هذا فاعمد إلى حي بني مخزوم ، ففتشه داراً داراً ، حتى تأتي إلى دار فلانة المخزومية ، فاستخرج عبدالله بن هاشم المرقال منها ، فاحلق رأسه ، وألبسه جبّة شعر ، وقيده وغل يده إلى عنقه، واحمله على قتب بغير وطاء ولا غطاء ، وأقدمه إليَّ .
وقام زياد ففتّش حي بني مخزوم ، حتى ظفر بعبدالله فحمله إليه بالكيفية التي أرادها وهو مهان الجانب ، محطّم الكيان ، فوصل إلى دمشق في يوم الجمعة وهو يوم القبول الذي أعده معاوية لمقابلة أشراف قريش ووجوه العراقيين ، ولم يشعر معاوية إلا وابن هاشم قد أدخل عليه ، فعرفه ولم يعرفه ابن العاص ، فالتفت معاوية إليه قائلاً:
يا أبا عبد الله ، هل تعرف هذا الفتى ؟
قال : لا .
فقال معاوية : هذا الذي يقول أبوه يوم صفّين :
قَدْ أَكْثَرُوا لَوْمي وَمَا أَقَلًا *** إِنِّي شَرِبْتُ النَّفْسَ لَنْ أَعْتَلا
أَعْوَرُ يَبْغِي نَفْسَهُ مَحَلَاً *** قد عالَجَ الحَياةَ حَتَّى مَلا
لَا بُدَّ أن يَفُل أو يُفَلا *** أَشُلُهُمْ بِذِي الكعوبِ شَلَّا
*** لَا خَيْرَ عِنْدِي فِي كَرِيمٍ وَلَّىٰ
فبهر ابن العاص وقال متمثلاً :
وقَدْ يَنبُتُ المَرْعَى عَلَى دِمَنِ الثّرى*** وَتَبْقى حزازات النفوس كما هيا
وتذكّر ابن العاص مواقف أبيه يوم صفين ، فقال لمعاوية : دونك يا أمير المؤمنين الضبّ المضب، فاشخب أوداجه على أثباجه ، ولا تردّه إلى أهل العراق ، فإنّه لا يصبر على النفاق ، وهم أهل غدر وشقاق ، وحزب إبليس ليوم هيجانه ، وإن له هوى سيوديه ، ورأياً سيطغيه ، وبطانة ستقويه ، وجزاء سيّئة سيّئة مثلها .
فانبرى إليه عبد الله كالأسد الغضبان مسدّداً له سهاماً من القول غير هياب له قائلاً: یا عمرو ، إن أقتل فرجل أسلمه قومه ، وأدركه يومه ، أفلاكان هذا منك إذ تحيد عن القتال ونحن ندعوك إلى النزال ، وأنت تلوذ بشمال النطاف (1)، وعقائق الرصاف (2)كالأمة السوداء ، والنعجة القوداء ، لا تدفع يد لامس ؟
فالتاع ابن العاص ولم يستطع أن يقول شيئاً سوى التهديد والتوعيد له قائلاً: أما والله لقد وقعت في لهازم شدقم (3)للأقران ذي لبد ، ولا أحسبك منفلتاً من مخالب أمير المؤمنين .
فأجابه ابن هاشم غير معتن بتهديده قائلاً: أما والله يابن العاص إنّك لبطر في الرخاء جبان عند اللقاء ، غشوم إذا وليت ، هيّاب إذا لقيت ، تهدر كما يهدر العود المنكوس المقيد بين مجرى الشوك ، لا يستعجل في المدة ، ولا يرتجي في الشدة، أفلاكان هذا منك إذ غمرك أقوام لم يعنفوا صغاراً ، ولم يمزقوا كباراً ، لهم أيد شداد ، وألسنة حداد ، يدعمون العوج، ويذهبون الحرج ، يكثرون القليل ، ويشفون الغليل ، ويعزّون الذليل ؟
فلم يطق ابن العاص جواباً ، وبقي يفتش في حقيبة مكره عيباً يوصم به عبدالله،
فلم يجد شيئاً سوى افتعال الكذب فقال : أما والله لقد رأيت أباك يومئذ تخفق أحشاؤه (1)، وتبق أمعاؤه ، وتضطرب أصلاؤه (2)كأنما انطبق عليه ضمد .
فانبرى إليه عبدالله مجيباً عن بهتانه وكذبه قائلاً له : يا عمرو، إنا قد بلوناك ومقالتك فوجدناك لسانك كذوباً غادراً ، خلوت بأقوام لا يعرفونك ، وجند لا يساومونك ، ولو رمت المنطق في غير أهل الشام لجحظ عليك عقلك (3)، ولتلجلج لسانك ، ولاضطرب فخذاك اضطراب القعود الذي أثقله حمله .
والتفت إليهما معاوية فقطع حديثهما قائلاً: إيهاً عنكما .
ثم أمر بإطلاق سراح عبد الله ، فاستاء ابن العاص لهذا العفو ، وانبرى إلى معاوية يحرّضه على الفتك والبطش به ، ويذكّره مواقف أبيه هاشم في أيام صفين ، وقد نظم ذلك بأبيات من الشعر ، قال :
أَمَرْتُكَ أَمْراً حازماً فَعَصَيْتَني *** وَكَانَ مِنَ التَّوفِيقِ قَتَلُ ابْنِ هَاشِمِ
وكان أبوه يا مُعاوِيَةُ الذي *** أعانَ عَلِيّاً يَومَ حَزِّ الغَلاصم
فَلَمْ يَنْثَنِ حَتَّى جَرَتْ مِنْ دِمائِنا *** بِصِفّينَ أَمثالُ البحورِ الخَضارِمِ
وهذا ابْنُهُ وَالمَرْءُ يَشبهُ شَيخَهُ *** ويوشِكُ أَنْ تُقْرَع بِهِ سِنُ نادِمِ
فأجابه عبدالله :
مُعاوِي إِنَّ المَرْهَ عَمْراً أَبَتْ لَهُ *** ضَغِينَةُ صَدرٍ غِشُها غَيرُ نائِم
يَرى لَكَ قَتْلي يابْنَ هِنْدٍ وَإِنَّما *** يرى ما يرى عَمْرو مُلوكُ الأَعاجِمِ
على أَنَّهُمْ لَا يَقْتُلُونَ أَسيرَهُمْ *** إِذا مَنَعَتْ مِنْهُ عُهودُ المُسالِمِ
وَقَدْ كانَ مِنّا يَومَ صِفّينَ نَفْرَةٌ *** عَلَيكَ جَناها هاشم وَابْنُ هاشم
قضى ما قضى مِنْها وَلَيسَ الَّذي مَضى *** وَلَا مَا مَضَى إِلَّا كَأَضْعَاثِ حَالِم
فَإِنْ تَعفُ عَنِّى تَعفُ عَنْ ذِي قَرابَةٍ *** وَإِنْ تَرَ قَتْلي تَسْتَحِلُّ مَحارِمي
واندفع معاوية قائلاً:
أَرى العَفْوَ عَنْ عُلْيا قُرَيشٍ وَسيلَةً *** إِلَى اللهِ في يَوْمِ العَضيبِ القُماطِرِ
وَلَستُ أَرى قَتْلَ العُداةِ ابْنِ هاشم *** بإدراك ثاري في لُؤيّ وَعامِرٍ
بَلِ العَفوَ عَنهُ بَعدَ ما بانَ قِدْحُهُ *** وَزَلَّتْ بِهِ إحدى الحُدودِ العواثر
فكان أبوهُ يَومَ صِفّينَ محنَقاً *** عَلَينا فَأَردَتْهُ رِماحُ يُحابِرِ (1)
لقد رُوّع عبد الله وأفزعه معاوية وهو لم يقترف ذنباً سوى ولائه لأمير المؤمنين (علیه السلام) الذي جعله ابن هند من أعظم الموبقات والجرائم .
وصرّحت بعض المصادر أنه لم يعف عنه ، بل أودعه في ظلمات السجون .
وعبد الله بن خليفة الطائي ممّن عرف بالولاء والإخلاص لأمير المؤمنين (علیه السلام) ، فقد جاء إليه حينما توجه (علیه السلام) إلى البصرة فقال له : الحمد لله الذي ردّ الحق إلى أهله ووضعه في موضعه ، فإن كره ذلك قوم فقد والله كرهوا محمداً (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ونابذوه وقاتلوه ، فرد الله كيدهم في نحورهم ، وجعل دائرة السوء عليهم ، والله لاُجاهد معك في كلّ موطن تحفّظاً لحق رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) (2).
وقد دلّ حديثه على تبصره في دينه ، وعلى طيب عنصره ، وحسن رأيه ، ولعظيم إيمانه ووفور عقله، كان من المقربين عند الإمام، ومن الذين يستشيرهم في مهام أموره .
وفي محنة حجر كان عبدالله في طليعة أصحابه ، ومن المعارضين للسياسة الأموية ، ومن المشتركين معه في ثورته ، ولما قبض زياد على حجر وأصحابه أمر شرطته أن يأتوه بعبد الله ، ففتشوا عنه فوجدوه ، فناجزهم عبدالله ، وبعد صراع جرى فيما بينهم لم يتمكن عبد الله من إنقاذ نفسه منهم ، فقبضوا عليه ، فاستنجدت أخته النوار بقومها وأسرتها ، فطلبت نصرة أخيها قائلة : يا معشر طيء ، أتسلمون سنانكم ولسانكم عبد الله بن خليفة ؟ (1)
فثار الطائيون على الشرطة فضربوهم وناجزوهم ، حتى انتزعوا منهم عبد الله ، فرجعت الشرطة إلى زياد وأخبرته بالأمر ، فاستدعى زعيم طيء وعميدها عدي بن حاتم ، فقال له : ائتني بعبدالله بن خليفة ؟
وبعد حديث جرى بينهما أجابه ابن حاتم بمنطق الأحرار قائلاً: لا والله لا آتيك به أبداً ، أجيئك بابن عمّي تقتله ؟ والله لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه .
فالتاع زياد ، وأمر به إلى السجن ، ولم يبق بالكوفة يماني ولا ربعي إلا أتوا زياداً فكلموه في شأن عدي، وأخبروه بعظم شأنه وشرفه ، فاضطر زياد إلى إطلاق سراحه ، ولكنّه شرط عليه أن يغيّب ابن عمّه عن الكوفة ، فوافق عدي على ذلك ، وأمر عبد الله أن يغادر الكوفة ويلحق بـ (الجبلين) ، فغادر عبدالله الكوفة ، وقد سرى الألم العاصف في محياه على بعده عن وطنه ، وعلى فراقه لأصحابه وأهله ، وقد أرسل إلى عدي بعد نفيه قصيدة عصماء يرثي بها حجراً وأصحابه ، ويذكر فيها ما يعانيه من ألم الفراق ، فيقول في رثاء حجر :
1) صلح الحسن (علیه السّلام) / السيد شرف الدين: 360 .
ولاقى بها (1)حُجرٌ مِنَ اللهِ رَحْمَةً *** فَقَدْ كان أَرْضى اللهَ حُجرٌ وَأَعْذَرا
وَلَا زالَ تَهْطَالٌ مُلِثٌ وَدِيمَة *** عَلى قَبرِ حُجرٍ أو يُنادي فَيُحْشَرا
فَيا حُجرُ مَنْ لِلخَيل تُدمى نُحورُها *** وَلِلمَلِكِ المَغزِي إِذا ما تَغَشْمَرا (2)
وَمَنْ صادِعٌ بِالْحَقِّ بَعدَكَ ناطق *** بتَقْوى وَمَنْ إِنّ قِيلَ بِالجَورِ غَيّرا
فَنِعْمَ أَخو الْإِسْلامِ كُنْتَ وَإِنَّني *** لأَطْمَعُ أَنْ تُؤْتى الخُلودَ وَتُحْبَرا
وَقَدْ كُنتَ تُعطي السَّيف في الحَرب حَقَّهُ *** وَتَعرِفُ مَعْروفاً وَتُنْكِرُ مُنْكَرا
ثم يسترسل في رثاء حجر فيذكر صفاته ومواهبه وملكاته ويبكيه أمر البكاء ، وينتهي في قصيدته إلى وصف محنته وبلواه ، وإلى ما يلاقيه من الألم والأسى في غربته فيقول :
فَها أَنا ذا آوِي بِأَجْبَالِ طَيّء *** طريداً فَلَوْ شَاءَ الإِلهُ لَغَيَّرا
تفانِي عَدُوّي ظالِماً عَنْ مَهاجِري *** رَضِيتُ بِما شاءَ الإِلهَ وَقَدَّرا
وَأَسْلَمَني قَوْمِي بِغَيْرِ جِنايَةٍ *** كَأَنْ لَمْ يَكونوا لي قَبِيلاً وَمَعْشَرا
وذكر الطبري وابن الأثير بقيّة قصيدته التي أعرب فيها عن شجونه وأحزانه ، وظلّ عبد الله منفياً حتى مات بالجبلين قبل موت زياد (3).
وصعصعة بن صوحان من سادات العرب وفصحائهم النابهين ، وخطبائهم المفوّهين ، كان من ذوي الفضيلة والدين ، أسلم على عهد رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وهو صغير
ولم يجتمع به لصغر سنه ، ووفد على عمر وكان يقسم أموال الغنائم وكان مقدارها ألف ألف درهم، ففضّها على المسلمين وبقيت منها فضلة فاختلفت الصحابة فيها ، فقام فيهم عمر خطيباً فقال في خطابه :
أيّها الناس ، قد بقيت لكم فضلة بعد حقوق الناس ، فما تقولون فيها ؟
فانبرى إليه صعصعة منكراً عليه تحيّره في هذه المسألة البسيطة قائلاً: يا أمير المؤمنين ، إنّما تشاور الناس فيما لم ينزل الله فيه قرآناً ، وأما ما أنزل الله به القرآن ووضعه مواضعه فضعه في مواضعه التي وضعه الله تعالى .
فاستحسن عمر رأيه ، وقال له : صدقت أنت منّي وأنا منك .
ثم قسم المال بين المسلمين (1).
وكان صعصعة من صفوة أصحاب أمير المؤمنين (علیه السلام) ، ومن الملازمين له ، وقال الإمام الصادق (علیه السلام) في حقه : «ما كانَ مَعَ أَميرِ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ يَعْرِفُ حَقَّهُ إِلَّا صَعْصَعَةُ وَأَصْحابُهُ» (2).
ومرض صعصعة فعاده (علیه السلام) فقال له : يا صَعْصَعَةُ ، لَا تَتَّخِذْ عِيادَتِي لَكَ أَبُّهَةً عَلَى قَوْمِكَ .
بلى والله أعدّها منة من الله وفضلاً علَيَّ .
إِنَّكَ إِنْ كُنْتَ عَلى ما عَلِمْتُكَ فَأَنْتَ خَفيفُ الْمَؤُونَةِ ، حَسَنُ الْمَعُونَةِ .
وأنت يا أمير المؤمنين ، بالله عليماً ، وبالمؤمنين رؤوفاً رحيماً (3).
ولحصافة رأيه ، وسداد منطقه كان الإمام (علیه السلام) يرسله في مهامه ، فقد أرسله مرّة
إلى معاوية ومعه كتاب منه ، فلما انتهى إليه قال معاوية مشيداً بنفسه ومبرّراً لأعماله : الأرض لله ، وأنا خليفة الله ، فما أخذ من مال الله فهو لي ، وما تركت منه كان جائزاً لي .
وثقل على صعصعة هذا الكلام الملتوي فانبرى إليه مجيباً :
تُمَنِّيكَ نَفْسُكَ ما لا يَكو *** نُ جَهْلاً مُعَاوِيَ لَا تَأْثَم
فتألّم معاوية ، وقال مندّداً به : تعلمت الكلام .
العلم بالتعلم ، ومن لا يعلم يجهل .
ما أحوجك إلى أن أذيقك وبال أمرك .
ليس ذلك بيدك ، ذلك بيد الذي لا يؤخر نفساً إذا جاء أجلها .
من يحول بيني وبينك ؟
الذي يحول بين المرء وقلبه .
اتسع بطنك للكلام كما اتسع بطن البعير للشعير .
اتسع بطن من لا يشبع ، ودعا عليه من لا يجمع (1).
ودلّت هذه المحاورة على قوّة جنان صعصعة ، وأنه ليس بالرعديد ولا الهياب ، فقد ردّ على معاوية مقالته بالمثل ، وقابله بالاستخفاف والاستهانة وهو غير خائف من سلطانه .
وخطب معاوية بعد ما تمّ له الأمر ، فقام إليه صعصعة فعلق على كل جملة من خطابه ، وفيما يلي خطاب معاوية مع ردّ صعصعة عليه :
قال معاوية : لو أنّ أبا سفيان ولد الناس كلهم كانوا أكياساً .
قد ولد الناس كلّهم مَن هو خير من أبي سفيان آدم ، فمنهم الأحمق والكيس !
1) مروج الذهب : 2 : 342 .
إن أرضنا قريبة من المحشر .
إن المحشر لا يبعد على مؤمن، ولا يقرب من كافر .
إن أرضنا أرض مقدسة .
إن الأرض لا يقدّسها شيء ولا ينجسها ، إنما تقدّسها الأعمال .
عباد الله ، اتخذوا الله وليّاً ، واتّخذوا خلفاءه جُنّة تحرزوا بها .
كيف ؟ ! وقد عطّلت السنّة ، وأخفرت الذمة ، فصارت عشواء مطلخمة في دهياء مدلهمة ، قد استوعبتها الأحداث ، وتمكنت منها الأنكاث .
فثار معاوية وصاح به : يا صعصعة ، لئن تقع على ضلعك خير لك من استبراء رأيك ، وإبداء ضعفك ، تعرض بالحسن بن عليّ ، ولقد هممت أن أبعث إليه .
فأجابه صعصعة قائلاً: إي والله ، وجدتهم أكرمكم جدوداً، وأحياكم حدوداً ، وأوفاكم عهداً ، ولو بعثت إليه لوجدته في الرأي أديباً ، وفي الأمر صليباً ، وفي الكرم نجيباً ، يلذعك بحرارة لسانه ، ويقرعك بما لا تستطيع إنكاره !
ولسع قوله معاوية فراح يهدّده قائلاً: لأجفينك عن الوساد ، ولأشردن بك في البلاد .
والله إن في الأرض لسعة ، وإن في فراقك لدعة .
والله لأحبسن عطاءك .
إن كان ذلك بيدك فافعل ، إنّ العطاء وفضائل النعماء في ملكوت من لا تنفد خزائنه ، ولا يبيد عطاؤه ، ولا يحيف في قضيته .
لقد استقتلت !
مهلاً ، لم أقل جهلاً، ولم أستحل قتلاً، لا تقتل النفس التي حرم الله إلا بالحقِّ ، ومن قتل مظلوماً كان الله لقاتله مقيماً ، يرهقه أليماً ، ويجرعه حميماً ،
ويصليه جحيماً (1).
وانصرف صعصعة وترك معاوية يتميّز غيظاً وكمداً ، وعمد بعد ذلك إلى سجنه مع جماعة من أصحابه ، وبقوا في سجنه مدة من الزمن فدخل عليهم قائلاً لهم : نشدتكم الله إلا ما قلتم حقاً وصدقاً ، أي الخلفاء رأيتموني ؟
فانبرى إليه عبد الله بن الكواء قائلاً : لولا أنك عزمت علينا ما قلنا ، لأنك جبّار عنيد ، لا تراقب الله في قتل الأخيار ، ولكنا نقول : قد علمنا أنك واسع الدنيا ، ضيق الآخرة ، قريب الثرى ، بعيد المرعى ، تجعل الظلمات نوراً والنور ظلمات !
فقال معاوية له : إنّ الله أكرم هذا الأمر بأهل الشام الذابين عن بيضته ، التاركين لمحارمه ، ولم يكونوا كأمثال أهل العراق المنتهكين لمحارم الله ، والمحلّين ما حرّم الله ، والمحرّمين ما أحل الله .
فأجابه ابن الكواء : يابن أبي سفيان ، إنّ لكلّ كلام جواباً ، ونحن نخاف جبروتك ، فإن كنت تطلق ألسنتنا ذببنا عن أهل العراق بألسنة حداد لا يأخذها في الله لومة لائم ، وإلا فإنا صابرون حتى يحكم الله ويضعنا على فرجه .
فقال له معاوية : لا والله لا يطلق لك لسان .
وسكت عبدالله فتكلّم صعصعة : تكلمت يابن أبي سفيان فأبلغت ، ولم تقصر عما أردت ، وليس الأمر كما ذكرت ، أنّى يكون الخليفة من ملك الناس قهراً ، ودانهم كبراً ، واستولى بأسباب الباطل كذباً ومكراً !
أما والله ما لك في يوم بدر مضرب ولا مرمى، وما كنت فيه إلّا كما قال القائل : «لا حلي ولا سيري» (2)، ولقد كنت أنت وأبوك في العير والنفير ممن أجلب على
رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، وإنما أنت طليق ابن طليق ، أطلقكما رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، فأنی تصلح الخلافة لطليق ؟
وامتلأ قلب معاوية غيظاً وكمداً فالتفت إليهم : لولا أني أرجع إلى قول أبي طالب حيث يقول :
قابلتُ جَهْلَهُمْ حِلْماً وَمَغْفِرَةً *** وَالْعَفْوُ عَنْ قُدْرَةٍ ضَرْبٌ مِنَ الكَرَمِ
لقتلتكم (1).
وكان صعصعة من جملة الأشخاص الذين طلب لهم الإمام الحسن (علیه السّلام) من معاوية الأمن ، وعدم التعرّض لهم بسوء ومكروه (2)، ولكن معاوية لم يف بذلك ، فقد روعه وأفزعه وأودعه في سجنه ، كما روّع غيره من زعماء الشيعة .
وصرّحت بعض المصادر أنّ المغيرة نفى صعصعة بأمر معاوية من الكوفة إلى الجزيرة أو إلى البحرين أو إلى جزيرة ابن كافان ، فمات بها معتقلاً منفيّاً عن وطنه وبلاده ، وأنشد له المرزباني :
هَلّا سَأَلتَ بَني الجارودِ أَيَّ فَتيً *** عِندَ الشَّفاعَةِ وَالبَانِ ابْنُ صَوْحانا
كُنا وكانوا كَأمّ أَرْضَعَتْ وَلَداً *** عَقّ وَلَمْ نَجْزِ بِالإحْسانِ إِحْسانا (3)
وعدي بن حاتم من أهم الشخصيات الرفيعة الفذة في العراق ، فقد كان قبل الإسلام يتمتّع بمجد أصيل وشرف أثيل ، فهو ابن حاتم مضرب المثل في الجود والسخاء ، وبالإضافة إلى مجده الموروث ، فقد كان في الإسلام من أبطال العقيدة ،
ومن عيون المؤمنين ، ومن رجال الإسلام البارزين.
وقد تقدّم في هامش هذا الكتاب شيء موجز عن ترجمته ، والمهم التعرّض إلى ما لاقاه من الهوان والاستخفاف من قبل ابن هند لأجل ولائه وإخلاصه لأمير المؤمنين (علیه السلام)، فقد دخل يوماً على معاوية فقال له متشمتاً به :
ما فعلت الطرفات (1)؟
قتلوا مع علي .
ما أنصفك علي ، قتل أولادك وأبقى أولاده !
ما أنصفك علَيَّ إذ قتل وبقيت بعده .
فتألّم ابن هند من مقال عدي وقال مهدّداً له : أما إنّه قد بقي قطرة من دم عثمان ما يمحوها إلا دم شريف من أشراف اليمن - يعني به عدياً - .
فانبرى إليه عدي وهو غير مكترث بتهديده قائلا له : والله إن قلوبنا التي أبغضناك بها لفي صدورنا ، وإن أسيافنا التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا ، ولئن أدنيت إلينا من الغدر فتراً ، لندنين إليك من الشرّ شبراً ، وإن حزّ الحلقوم وحشرجة الحيزوم (2)لأهون علينا من أن نسمع المساءة في عليّ ، فسلّم السيف يا معاوية لباعث السيف .
فراوغ معاوية على عادته وقال : هذه كلمات حكم فاكتبوها .
ثم أقبل عليه يحدثه كأنّه لم يخاطبه بشيء (3)ثم قال له : صف لي عليّاً .
إن رأيت أن تعفيني .
لا أعفيك .
فأقسم لقد رأيته ليلة وقد مثل في محرابه وأرخى الليل سرباله ، وغارت نجومه ، ودموعه تتحادر على لحيته ، وهو يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، فكأني الآن أسمعه وهو يقول :
يا دُنْيا إِلَيَّ تَعَرَّضْتِ أَمْ إِلَيَّ أَقْبَلْتِ ؟ غُرِّي غَيْرِي لَا حَانَ حَيْنُكِ قَدْ طَلَّقْتُكِ ثَلاثاً لَا رَجْعَةَ لى فِيكِ ، فَعَيْشُكِ حَقيرٌ ، وَخَطَرُكِ يَسيرٌ ، آهٍ مِنْ قِلَّةِ الزّادِ ، وَبُعْدِ السَّفَرِ ، وَقِلَّةِ الأنيسِ .
فوكفت عينا معاوية ، وجعل ينشفهما بكمّه وهو يقول : يرحم الله أبا الحسن ، كان كذلك ، فكيف صبرك عنه ؟
كصبر من ذبح ولدها في حجرها ، فهي لا ترقاً دمعتها، ولا تسكن عبرتها .
فكيف ذكرك له ؟
وهل يتركني الدهر أن أنساه ؟ (1)
وقد دلّ هذا الحديث على ولاء عدي لأمير المؤمنين (علیه السلام)، ومن أجل ولائه
1) المحاسن والمساوئ : 1 : 32 .
وإخلاصه ، فقد رُوّع وأفزع ، وقد تقدم أن زياداً أودعه فى السجن حفنة من الأيام من أجل عبد الله بن خليفة الطائي ولم يراع شخصيته الكريمة ، ومكانته الاجتماعية ، وعظم منزلته ، وإنّما فعل ذلك به ليقضي على شيعة أمير المؤمنين (علیه السلام).
ووفد جارية بن قدامة السعدي على معاوية ، فقال له معاوية : أنت الساعي مع عليّ بن أبي طالب ، والموقد النار في شعلك ، تجوس قرى عربية تسفك دماءهم ؟
يا معاوية دع عنك عليّاً ، فما أبغضنا عليّاً منذ أحببناه ، ولا غششناه منذ صحبناه .
ويحك يا جارية ! ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية !
أنت يا معاوية كنت أهون على أهلك إذ سموك معاوية (1).
لا أم لك .
أم ما ولدتني (2)، إن قوائم السيوف التي لقيناك بها بصفّين في أيدينا .
إنك لتهددني ؟
إنّك لم تملكنا قسرة ، ولم تفتحنا عنوة ، ولكن أعطيتنا عهوداً ومواثيق ، فإن وفيت لنا وفينا ، وإن ترغب إلى غير ذلك فقد تركنا وراءنا رجالاً مداداً، وأدرعاً شداداً ، وأسنّة حداداً ، فإن بسطت إلينا فتراً من غدر ، زلفنا إليك بباع من ختر .
لا كثر الله في الناس من أمثالك.
وتركه جارية والأسى ملأ إهابه (1)، لقد لقى جارية هذا الهوان والتبكيت من أجل ولائه للعترة الطاهرة التي فرض الله مودّتها على جميع المسلمين.
ولم يقتصر معاوية في ارهابه واضطهاده على رجال الشيعة وزعمائهم ، فقد أخذ يتحرى نساءهم فما ذكرت له امرأة منهم ذات مكانة مهمّة إلا وبعث خلفها فقابلها بالاستخفاف والاستهانة ، وأدخل الفزع والخوف في نفسها ، وإذا وفدت عليه امرأة منهم قابلها بالاذلال ، وأظهر لها ما يكنّه في نفسه من الحقد والبغض العارم للإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) ولشيعته .
وها نحن نقدّم إلى القارئ الكريم أسماء بعض السيدات اللاتي بعث خلفهنّ ، واللاتي وفدن عليه مع ما جرى بينهن وبينه من الحديث :
وكانت الزرقاء بنت عدي بن غالب ممّن عُرفت بالولاء والإخلاص لأمير المؤمنين (علیه السلام)، وكانت من ربات البلاغة والفصاحة والرأي الصائب ، وكانت في واقعة صفين تدعو الجماهير إلى نصرة أمير المؤمنين (علیه السلام) ، وتحرّضهم على قتال عدوّه .
ولما فجع الإسلام بقتل أمير المؤمنين (علیه السلام) وانتهى الأمر إلى ابن هند كتب إلى عامله بالكوفة أن يحمل إليه الزرقاء بنت عدي ، فبعث بها إليه ، فلما دخلت عليه رحب بها ، ثمّ قال لها : هل تعلمين لم بعثت إليك ؟
سبحان الله ، أنّى لي بعلم ما لم أعلم !! وهل يعلم ما في القلوب إلا الله .
بعثت إليكِ أن أسألك : ألستِ راكبة الجمل الأحمر يوم صفين بين الصفين
1) تاريخ الخلفاء : 199 .
توقدين الحرب، وتحرّضين على القتال، فما حملك على ذلك ؟
يا أمير المؤمنين ، إنّه قد مات الرأس ، ويُتر الذنب ، والدهر ذو غير ، ومن تفكر أبصر ، والأمر يحدث بعده الأمر ! !
صدقت ، فهل تحفظين كلامك يوم صفين ؟
ما أحفظه .
ولكني والله أحفظه ، لله أبوك لقد سمعتك تقولين : أيها الناس ، إنكم في فتنة غشتكم جلابيب الظلم ، وجارت بكم عن المحجّة ، فيا لها من فتنة عمياء صمّاء تسمع لناعقها، ولا تسلس لقائدها . إن المصباح لا يضيء في الشمس ، وإن الكواكب لا تنير مع القمر ، وإنّ البغل لا يسبق الفرس ، وإن الزف (1)لا يوازن الحجر ، ولا يقطع الحديد إلا الحديد ، ألا من استرشدنا أرشدناه ، ومن استخبرنا أخبرناه . إنّ الحقّ كان يطلب ضالته فأصابها ، فصبراً يا معشر المهاجرين والأنصار ، فكأن قد اندمل شعب الشتات ، والتأمت كلمة العدل ، وغلب الحق باطله ، فلا يعجلنّ أحد فيقول : كيف العدل وأنّى ؟ ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ، ألا إن خضاب النساء الحنّاء ، وخضاب الرجال الدماء ، والصبر خير عواقب الأمور ، إيهاً إلى الحرب غير ناكصين، ولا متشاكسين ، فهذا يوم له ما بعده.
وبعد ما تلا معاوية كلامها تأثر منه ، واندفع وهو مغيظ محنق فقال لها : والله یا زرقاء ، لقد شركت عليّاً في كلّ دم سفكه.
أحسن الله بشارتك ، وأدام سلامتك ، مثلك من بشر بخير وسرّ جليسه .
وقد سرّكِ ذلك ؟
نعم والله ، لقد سرني قولك فأنی لي بتصديق الفعل ؟ !
فتبهر معاوية من إخلاصها لأمير المؤمنين (علیه السلام) فقال : والله لوفاؤكم له بعد موته
1) الزفّ : الصغير من الريش .
أحبّ إليَّ من حبّكم له في حياته ، اذكري حاجتك ؟
إني قد آليت على نفسي أن لا أسأل أميراً أعنت عليه شيئاً أبداً، ومثلك أعطى من غير مسألة ، وجاد عن غير طلب
صدقت
ثمّ أقطعها ضيعة ، وأوصلها وردّها إلى أهلها (1).
إنه وإن أكرمها أخيراً، وأجزل لها العطاء ، إلا أنه قد روّعها وأفزعها أولاً ، وأظهر لها الظفر والغلبة والنصر عليها .
كانت أمّ الخير بنت الحريش البارقية من سيّدات النساء ، ومن البليغات البارعات ، وقد عرفت بالولاء والإخلاص لأمير المؤمنين ، وكانت في واقعة صفين تحرّض الجماهير على حرب ابن هند، وتحفزهم على الذب عن أمير المؤمنين ونصرته ، وقد تألّم معاوية من مواقفها ، وأضمر لها الحقد والعداء ، ولما انحسرت روح الإسلام باستيلائه على زمام الحكم كتب إلى واليه على الكوفة يأمره بأن يحمل إليه أمّ الخير لينتقم منها ، فلما ورد الكتاب إلى عامله بعثها إليه ، فلمّا دخلت على معاوية قالت : السلام عليك يا أمير المؤمنين .
وعليكِ السلام ، وبالرغم والله دعوتني بهذا الإسم .
مه يا هذا ، فإنّ بديهة السلطان مدحظة لما يجب علمه .
صدقتِ يا خالة ، وكيف رأيت مسيرك ؟
لم أزل في عافية وسلامة حتى أوفدت إلى ملك جزل ، وعطاء بذل ، فأنا في عيش أنيق عند ملك رفيق .
1) بلاغات النساء / ابن طيفور : 32 المستطرف : 1 : 410.
بحسن نيتي ظفرت بكم وأعنت عليكم .
مه يا هذا ، لك والله من دحض المقال ما تردى عاقبته .
ليس لهذا أردناك .
إنّما أجرى في ميدانك إذا أجريت شيئاً أجريته ، فاسأل عما بدا لك ؟
كيف كان كلامكِ يوم قتل عمار بن ياسر ؟
لم أكن والله رويته قبل ، ولا زورته بعد ، وإنما كانت كلمات نفثهن لساني حين الصدمة، فإن شئت أن أحدث لك مقالاً غير ذلك فعلت ؟
لا أشاء ذلك !
ثم التفت إلى أصحابه فقال لهم : أيكم حفظ كلام أم الخير ؟
فانبرى إليه أحدهم فقال له : أنا أحفظه يا أمير المؤمنين كحفظي سورة الحمد.
فقال له : هاته .
فقال : كأنّي بها وعليها برد زبيدي كثيف الحاشية ، وعلى جمل أرمك (1)، وقد اُحيط حولها ، وبيدها سوط منتشر الضفر ، وهي كالفحل يهدر في شقشقته تقول : أيّها النّاس اتقوا ربكم إنّ زلزلة الساعة شيء عظيم ، إن الله قد أوضح الحق ، وأبان الدليل ، ونوّر السبيل ، ورفع العلم، فلم يدعكم في عمياء مبهمة ، ولا سوداء مدلهمة ، فإلى أين تريدون رحمكم الله ! أفراراً عن أمير المؤمنين؟ أم فراراً من الزحف ؟ أم رغبة عن الإسلام ؟ أم ارتداداً عن الحقِّ ؟ أما سمعتم الله عزّ وجلّ يقول : «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ» (2).
ثم رفعت رأسها إلى السماء وهي تقول : اللهم قد عيل الصبر ، وضعف اليقين،
وانتشر الرعب ، وبيدك يا ربّ أزمة القلوب ، فاجمع الكلمة على التقوى ، وألف القلوب على الهدى، وردّ الحق إلى أهله ، هلموا رحمكم الله إلى الإمام العادل، والوصيّ الوفي ، والصدّيق الأكبر ، إنّها إحن بدريّة، وأحقاد جاهلية ، وضغائن أحديّة ، وثب بها معاوية حين الغفلة ، ليدرك بها ثارات بني عبد شمس .
ثم قالت : قاتلوا أئمة الكفر إنّهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون، صبراً معاشر المهاجرين والأنصار ، قاتلوا على بصيرة من ربّكم ، قد لقيتم أهل الشام كحمر مستنفرة ، فرّت من قسورة ، لا تدري أين يسلك بها من فجاج الأرض ، باعوا الآخرة بالدنيا ، واشتروا الضلالة بالهدى، وباعوا البصيرة بالعمى ، وعما قليل ليصبحن نادمين ، حين تحلّ الندامة فيطلبون الإقالة ، إنه والله من ضلّ عن الحق وقع في الباطل ، ومن لم يسكن الجنّة نزل النّار .
أيّها النّاس ، إنّ الأكياس استقصروا عمر الدنيا فرفضوها ، واستبطأوا مدة الآخرة فسعوا لها ، والله أيّها النّاس لولا أن تبطل الحقوق، وتعطل الحدود ، ويظهر الظالمون ، وتقوى كلمة الشيطان لما اخترنا ورود المنايا على خفض العيش وطيبه ، فإلى أين تريدون رحمكم الله ؟ عن ابن عم رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وزوج ابنته وأبي ابنيه ؟ خلق من طينته ، وتفرع من نبعته ، وخصه بسره ، وجعله باب مدينته ، وأعلم بحبّه المسلمين ، وأبان ببغضه المنافقين ، فلم يزل كذلك يؤيّده بمعونته ، ويمضي على سنن استقامته لا يرجع لراحة اللذات، وهو مفلق الهام ، ومكسر الأصنام ، إذ صلى والنّاس مشركون ، وأطاع والنّاس مرتابون ، فلم يزل كذلك حتى قتل مبارزي بدر ، وأفنى أهل اُحد ، وفرّق جمع هوازن، فيالها وقائع زرعت في قلوب قوم نفاقاً ، وردة وشقاقاً ، وقد اجتهدت في القول ، وبالغت في النصيحة ، وبالله التوفيق ، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .
فانتفخت أوداج معاوية غيظاً وحنقاً ، وقال لها بنبرات تقطر غضباً: والله يا أمّ الخير ما أردت بهذا إلا قتلي ، والله لو قتلتك ما حرجت في ذلك.
فأجابته وهي غير خائفة منه : والله ما يسوءني يابن هند أن يجري الله ذلك على يد من يسعدني الله بشقائه .
هیهات يا كثيرة الفضول ، ما تقولين في عثمان بن عفان ؟
وما عسيت أن أقول فيه ، استخلفه النّاس وهم كارهون ، وقتلوه وهم راضون .
وبعد حديث جرى بينهما أطلق أخيراً سراحها ، وعفا عنها (1).
وسودة بنت عمارة بن الأشتر الهمداني من سيدات نساء العراق ، ومن ربات الفصاحة والبيان ، ورثت حبّ أمير المؤمنين من آبائها الكرام الذين عرفوا بالحبّ والإخلاص له، وفدت على معاوية تشتكي عنده جور عامله .
فلما دخلت عليه عرفها فقال لها : ألست القائلة يوم صفين :
شَمِّرْ كَفِعل أبيكَ يابنَ عُمارَةٍ *** يَومَ الطَّعانِ وَمُلتقى الأَقْرانِ
وَانْصُرْ عَلِيّاً والحُسَينَ وَرَهْطَهُ *** وَاقْصِد لِهِنْدٍ وَابْنِها بهوان
إِنَّ الإِمامَ أَخا النَّبِيِّ مُحمدٍ *** عَلَمُ الهُدى وَمَنارةُ الإِيمانِ
فَقُدِ الجيوش وسِرْ أَمَامَ لِوائِهِ *** قدماً بِأَبيض صارِمٍ وسِنانِ
قالت : إي والله ، ما مثلي من رغب عن الحق ، أو اعتذر بالكذب .
فما حملك على ذلك ؟ !
حبّ علي واتباع الحقِّ .
فوالله ما أرى عليك من أثر علي شيئاً ؟!
يا أمير المؤمنين ، مات الرأس ، ويتر الذنب ، فدع عنك تذكار ما قد نسي،
1) أعلام النساء : 1 : 332 . بلاغات النساء : 36 .
وإعادة ما مضى .
هيهات ما مثل مقام أخيك ينسى ، وما لقيت من أحد ما لقيت من قومك وأخيك .
صدق فوك لم يكن أخي ذميم المقام ، ولا خفي المكان ، كان والله كقول الخنساء:
وَإِنَّ صَخْراً لَتَأْتَمُّ الْهُداةُ بِهِ ***كَأَنَّهُ عَلَمٌ في رأْسِهِ نارُ
صدقت ، كان كذلك .
مات الرأس ، ويُتر الذنب ، وبالله أسأل أمير المؤمنين إعفائي مما استعفيت منه .
قد فعلت ، فما حاجتك ؟
إنك أصبحت للناس سيّداً، ولأمرهم متقلّداً ، والله سائلك من أمرنا ، وما افترض من حقنا ، ولا يزال يقدم علينا من ينوء بعزّك ، ويبطش بسلطانك ، فيحصدنا حصد السنبل ، ويدوسنا دوس البقر ، ويسومنا الخسيسة ، ويسلبنا الجليلة. هذا بسر بن أرطاة قدم علينا من قبلك ، فقتل رجالي ، وأخذ مالي ، ولولا الطاعة لكان فينا عزّ ومنعة ، فأما عزلته عنا فشكرناك ، وإما لا فعرفناك .
فتأثر معاوية من كلامها وقال لها : أتهدّديني بقومك ؟ لقد هممت أن أحملك على قتب أشرس ، فأردك إليه ينفّذ فيك حكمه.
فأطرقت إلى الأرض وهي باكية العين، حزينة القلب ، ثم أنشأت تقول :
صَلَّى الإِلهُ عَلى جِسْمٍ تَضَمَّنَهُ *** قَبْرٌ فَأَصْبَحَ فِيهِ الْعَدلُ مَدفونا
قد حالف الْحَقّ لا يبغى بِهِ بَدَلاً *** فَصارَ بِالحَقِّ وَالإيمانِ مقرونا
علي بن أبي طالب.
وما صنع بك حتى صار عندك كذلك ؟
قدمت عليه في رجل ولاه صدقتنا ، فكان بيني وبينه ما بين الغث والسمين ، فأتيت علي (علیه السلام) لأشكو إليه ما صنع ، فوجدته قائماً يصلي ، فلما نظر إليَّ انفتل من صلاته ، ثمّ قال لي برأفة وتعطف : ألكِ حاجَةٌ ؟
فأخبرته الخبر ، فبكى ثمّ قال : اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَنْتَ الشَّاهِدُ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ ، إِنِّي لَمْ آمُرُهُمْ بِظُلْمِ خَلْقِكَ ، وَلَا بِتَرْكِ حَقِّكَ.
ثمّ أخرج من جيبه قطعة جلد كهيئة طرف الجراب ، فكتب فيها :
بسم الله الرحمن الرحيم
«وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ» (1).
إِذا قَرَأْتَ كِتابِي فَاحْتَفِظْ بِما فِي يَدَيْكَ مِنْ عَمَلِنَا حَتَّىٰ يَقْدِمَ عَلَيْكَ مَنْ يَقْبِضُهُ مِنْكَ ، وَالسَّلام» .
فأخذته منه ، والله ما ختمه بطين ولا حزمه بحزام .
فانبهر معاوية وتعجب من هذا العدل والإنصاف ، وقال : اكتبوا لها بالإنصاف والعدل لها.
فانبرت قائلة : ألي خاصة أم لقومي عامة ؟
1) هود 11 : 85 و 86 .
هي والله إذن الفحشاء واللؤم إن لم يكن عدلاً شاملاً، وإلا فأنا كسائر قومي .
هيهات لقد لمظكم ابن أبي طالب الجرأة وغركم قوله :
فَلَو كُنتُ بَوّاباً عَلى بابِ جَنَّةٍ *** لَقُلتُ لِهَمْدانَ ادْخُلُوا بِسَلامٍ
ثمّ قال : اكتبوا لها ولقومها بحاجتها (1).
وكانت أمّ البراء بنت صفوان بن هلال من سيّدات النساء في عفتها وطهارة ذيلها، عرفت بالولاء والإخلاص لأمير المؤمنين (علیه السلام) ، وكان لها موقف مشرف في صفين ، فكانت تحرّض الجماهير الحاشدة على مناجزة معاوية وقتاله ، ولما انتهى الأمر إليه وفدت عليه فقال لها : كيف أنت يا بنت صفوان ؟
بخير يا أمير المؤمنين .
كيف حالك ؟
ضعفت بعد جلد ، وكسلت بعد نشاط.
شتان بينك اليوم وحين تقولين :
يا عَمْرو دونَكَ صارِماً ذا رَونَقٍ *** عَضْبُ المَهَزَّةِ ليسَ بِالخَوَارِ
أَسْرِجْ جَوادَكَ مُسْرِعاً وَمُشَمّراً *** للحَرْبِ غَيرَ مُعَرِّدٍ لِفِرارِ
أجِب الإمامَ وَدُبّ تَحتَ لِوائِهِ *** وَافرِ العَدُو بِصَارِمٍ بَتّارِ
يا لَيْتَنِي أَصْبَحتُ لَيسَ بِعَوْرة *** فَاذُبّ عنه عَساكر الفُجّار
1) أعلام النساء : 2 : 663 . العقد الفريد : 1 : 21.1. بلاغات النساء : 30 .
عَمَّا سَلَفَ» (1)».
فقالت : نسيته.
فانبرى إليه بعض جلسائه فقال إنّها تقول :
يا للرِّجالِ لِعِظم هَولِ مُصيبَةٍ *** فَدحَتْ فَليسَ مُصابها بالهازِلِ
الشَّمْسُ كاسِفَةٌ لِفَقدِ إمامنا *** خَيْرِ الخلائق والإمام العادل
يا خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطِيّ وَمَنْ مَشى *** فَوقَ التُّرابِ لِمُحْتَفِ أو ناعِل
حاشا النَّبِيَّ لَقَدْ هَدَدْتَ قُواءَنا *** فَالحَقُّ أَصبَحَ خاضعاً لِلبَاطِلِ
فتألّم ابن هند وقال لها : قاتلكِ الله يا بنت صفوان ، ما تركت لقائل مقالاً ، اذكري حاجتك .
ولما رأت بنت صفوان الاستهانة والتحقير من معاوية امتنعت أن تفوه بحاجتها وتسأله بمسألتها ، فقالت له : هيهات بعد هذا ، والله لا سألتك شيئاً
ولما قامت من مجلسه عثرت فقالت : تعس شانئ علي (2).
وقد لاقت هذه المرأة النبيلة الكريمة المحتد ، والطيبة العنصر ، الاستهانة والإذلال لحبها لأمير المؤمنين (علیه السلام).
وبكارة الهلالية من سيّدات النساء الموصوفات بالشجاعة والإقدام والفصاحة
والبلاغة ، كانت من أنصار أمير المؤمنين في واقعة صفين ، وقد خَطَبَتْ فيها خطباً حماسية دعت فيها جنود الحقِّ للذب عن سيّد المسلمين وأمير المؤمنين (علیه السلام) ولحرب عدوّه .
وفدت بكارة على معاوية بعد أن تم له الأمر، وقد كبرت ودق عظمها، ومعها خادمان وهي متكئة عليهما وبيدها عكاز ، فسلمت على معاوية بالخلافة فأحسن لها الردّ وأذن لها بالجلوس ، وكان عنده مروان بن الحكم، وعمرو بن العاص ، فعرفها مروان ، فالتفت إلى معاوية قائلاً: أما تعرف هذه يا أمير المؤمنين ؟ !
ومن هي ؟
هي التي كانت تعين علينا يوم صفّين وهي القائلة :
يا زيد دونَكَ فَاحْتَفِرْ مِنْ دارِنا *** سيفاً حساماً في التراب دفينا
قَدْ كانَ مَذخوراً لِكُلِّ عَظيمَةٍ *** فاليومَ أَبْرزَهُ الزَّمانُ مَصونا
واندفع ابن العاص قائلاً يا أمير المؤمنين ، وهي القائلة :
أَتَرى ابن هند للخلافة مالكاً *** هيهات ذاكَ وَما أَرادَ بَعيدُ
مَنَّتْكَ نَفْسُكَ فِي الخَلاءِ ضَلالَةً *** أغْراكَ عَمرٌو لِلشَّقا وَسَعِيدُ
فَارْجِعْ بِأَنْكَدِ طائِرٍ بِنُحوسِها *** لاقَتْ عَلِيّاً أَسْعدٌ وسعودُ
وانبرى بعدهما سعيد قائلاً يا أمير المؤمنين ، وهي القائلة :
قَدْ كُنتُ آمَلُ أَنْ أَمُوتَ وَلا أَرى *** فوق المنابر مِنْ أُمَيَّةَ خاطباً
فَاللَّهُ أَخَّرَ مُدَّتي فَتَطَاوَلَتْ *** حتى رأيتُ مِنَ الزمانِ عجائبا
في كُلِّ يَومٍ لا يَزالُ خَطيبُهُمْ *** وَسَطَ الجُموعِ لِآلِ أَحْمَدَ عَائِبا
وسكت القوم ، فالتفتت بكارة إلى معاوية قائلة له : نبحتني كلابك يا أمير المؤمنين واعتورتني ، فقصرت محجّتي ، وكثر عجبي ، وعشى بصري ، وأنا والله قائلة ما قالوا
لا أدفع ذلك بتكذيب ، فامض لشأنك ، فلا خير في العيش بعد أمير المؤمنين (1).
ثم انصرفت والألم في فؤادها ، قد نبحتها كلاب معاوية واحتوشها جلساؤه الأوغاد.
وأروى بنت الحارث بن عبدالمطلب من سيّدات نساء المسلمين في إقدامها وشجاعتها وحسن منطقها ، قد عرفت بالولاء والحبّ لأمير المؤمنين (علیه السلام)، وفدت على معاوية فوجهت له سهاماً من القول ، وعرضت في كلامها عن محنة أهل البيت وما لاقوه بعد النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) من المحن والبلاء ، وهذا نص كلامها :
أنت يابن أخي لقد كفرت بالنعمة ، وأسأت لابن عمك - تعني عليّاً - الصحبة ، وتسمّيت بغير اسمك ، وأخذت غير حقك بغير بلاء كان منك ولا من آبائك في الإسلام ، ولقد كفرتم بما جاء به محمد (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، فأتعس الله منكم الجدود ، وأصعر منكم الخدود ، حتى ردّ الله الحقّ إلى أهله ، وكانت كلمة الله هي العليا، ونبينا محمد (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) هو المنصور على من ناواه ولو كره المشركون ، فكنا أهل البيت أعظم الناس في الدين حظاً ونصيباً وقدراً ، حتى قبض الله نبيه (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) مغفوراً ذنبه ، مرفوعاً درجته ، شريفاً عند الله ، مرضيّاً ، فصرنا أهل البيت منكم بمنزلة قوم موسى من آل فرعون؛ يذبحون أبناءهم ، ويستحيون نساءهم ، وصار ابن عم سيد المرسلين فيكم بعد نبينا بمنزلة هارون من موسى ، حيث يقول : « ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي» (2)، ولم يجمع بعد رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) لنا شمل ، ولم يسهل لنا وعر ، وغايتنا الجنة ، وغايتكم النار .
وكان ابن العاص حاضراً فلسعه كلامها فاندفع قائلاً: أيتها العجوز الضالة ، اقصري من قولك ، وغضّي من طرفك .
ومن أنت لا أم لك ؟
عمرو بن العاص .
يابن اللخناء النابغة ، أتكلمني ؟! أربع على ضلعك ، واعن بشأن نفسك، فوالله ما أنت من قريش في اللباب من حسبها ، ولا كريم منصبها ، ولقد ادعاك ستّة من قريش كل واحد يزعم أنه أبوك ، ولقد رأيت أمك أيام منى بمكة مع كل عبد عاهر فأتم بهم فإنّك بهم أشبه .
والتفت لها مروان بن الحكم فقال لها : أيتها العجوز الضالة ، ساخ بصرك مع ذهاب عقلك ، فلا تجوز شهادتك .
فانبرت إليه قائلة : يا بني أتتكلم ؟ فوالله لأنت إلى سفيان بن الحارث بن كلدة أشبه منك بالحكم ، وإنّك لشبهه في زرقة عينيك ، وحمرة شعرك ، مع قصر قامته ، وظاهر دمامته ، ولقد رأيت الحكم ماد القامة ، ظاهر الأمة ، سبط الشعر ، وما بينكما من قرابة إلاكقرابة الفرس الضامر من الأتان المقرب فاسأل أمك عمّا ذكرت لك ، فإنّها تخبرك بشأن أبيك إن صدقت.
ثم التفتت إلى معاوية فقالت له : والله ما عرضني لهؤلاء غيرك ، وإن أمك هند القائلة في يوم أحد في قتل حمزة رحمة الله عليه :
نَحْنُ جَزَيْنَاكُمْ بِيَومِ بَدرٍ *** والحَرب يَومَ الحَرب ذات سُعرٍ
ما كانَ عَنْ عُتْبَةَ لِي مِنْ صَبْرٍ *** أَبي وَعَمِّي وَأَخِي وَصِهْري
شَفيتَ وَحْشِيُّ غَليلَ صَدْرِي *** شفيتَ نَفسي وَقَضيتَ نَذْرِي
فَشُكْرُ وَحْشِيَّ ٍعَلَيَّ عُمْرِي *** حَتَّىٰ تَغِيبَ أَعْظُمي في قَبْرِي
فأجبتها :
یا بِنْتَ رَقَاعٍ عَظيمِ الكُفْرِ *** خُزيتِ في بَدْرٍ وغَيرِ بَدْرٍ
صَبَّحَكَ اللهُ قُبيل الفجر *** الهاشميين الطُّوالِ الزُّهْرِ
بِكُلِّ قَطَاعٍ حِسامٍ يَفري *** حَمْزَةَ لَيْثي وَعَلِي صَقْري
إِذْ رامَ شَيْبٌ وَأَبوكِ غَدْري *** أَعْطَيْتِ وَحْشِيَّ ضَميرَ الصَّدرِ
هَتّكَ وَحْشِيّ حِجَابَ السِّتْرِ *** ما للبغايا بَعدَها مِنْ فَخْرِ
فثار معاوية والتفت إلى ابن العاص ومروان قائلاً: ويلكما ! أنتما عرضتماني لها، وأسمعتماني ما أكره .
ثم التفت إليها فقال لها : يا عمّة ، اقصدي حاجتك ، ودعي عنك أساطير النساء .
تأمر لي بألفي دينار ، وألفي دينار ، وألفي دينار.
ما تصنعين بألفي دينار ؟
أشتري بها عيناً خرخارة ، في أرض خوارة ، تكون لولد الحارث بن عبد المطلب.
نعم الموضع وضعتها ، فما تصنعين بألفي دينار ؟
أزوّج بها فتيان عبد المطّلب من أكفائهم .
نعم الموضع وضعتها ، فما تصنعين بألفي دينار.
أستعين بها على عسر المدينة ، وزيارة بيت الله الحرام .
نعم الموضع وضعتها ، هي لك ، نعم وكرامة .
ثمّ التفت إليها بعد هذا العطاء الجزيل ليرى مدى إخلاصها لأمير المؤمنين قائلاً: أما والله لو كان على ما أمر لك بها !!
كتابه الحقوق لأهلها وبينها فلم تأخذ بها ، ودعانا عليّ إلى أخذ حقنا الذي فرض الله لنا ، فشغل بحربك عن وضع الأمور في مواضعها، وما سألتك من مالك شيئاً فتمن به ، إنّما سألتك من حقنا ، ولا نرى أخذ شيء غير حقنا ، أتذكر عليّاً فضَ الله فاك وأجهد بلاءك ؟
ثم بكت وقالت راثية لأمير المؤمنين (علیه السلام) :
ألا يا عَينُ وَيُحَكِ أَسْعِدينا *** أَلا وَابْكى أَميرَ الْمُؤْمِنينا
رُزِينا خَيرَ مَنْ رَكِبَ المَطايا *** وَفارِسَها وَمَنْ رَكِبَ السَّفينا
وَمَنْ لَيسَ النعال أو احتذاها *** وَمَنْ قَرَأَ المَثانِي وَالمِئينا
إذا استقبلت وَجْهَ أَبي حُسَينٍ *** رَأَيْتَ البَدر راع الناظرينا
ولا والله لا أَنْسى عَلِيّاً *** وَحُسْنَ صَلاتِهِ في الرّاكِعينا
أفي الشهرِ الحَرامِ فَجَعْتُمونا *** بِخَيرِ النَّاسِ طُرّاً أَجْمَعينا
فأمر لها معاوية بستة آلاف دينار، فأخذتها وانصرفت (1).
وقد أراد معاوية بتكريمه لها استمالة قلبها وصرفها عن حب أمير المؤمنين (علیه السلام) ، وقد خاب سعيه ، فإنّ من طبع على حبّ أمير المؤمنين والإخلاص إليه كيف يغيره المال ؟ وتقلب عقيدته المادة ، وقد فاهت بهذا الشعور الطيب كريمة أبي الأسود الدؤلي ، فقد بعث معاوية حلوى هدية إلى أبيها ليستميله عن حبّ أمير المؤمنين (علیه السلام)، فتناولت ابنته قطعة من تلك الحلوى ووضعتها في فيها ، فقال لها أبوها يا بنتي ، اُلقيها فإنّها سمّ ، هذه حلواء أرسلها إلينا معاوية ليخدعنا عن أمير المؤمنين ويردّنا عن محبة أهل البيت ! !
فلما سمعت بذلك انبرت إلى أبيها تعرب له عن شعورها الطيب وعن مدى حبها
1) بلاغات النساء : 27 . العقد الفريد : 1: 219 .
لأمير المؤمنين قائلة : قبحه الله ، يخدعنا عن السيد المطهر بالشهد المزعفر ، تباً لمرسله وآكله !!
ثمّ قاءت ما أكلته وأنشأت تقول :
أَبِالشَّهْدِ المُزَعْفَرِ يَابْنَ هِنْدٍ *** نَبيعُ عَلَيْكَ أَحْساباً ودينا
مَعَاذَ اللهِ كَيفَ يَكونُ هذا *** ومولانا أميرُ الْمُؤْمِنينا (1)
وعكرشة بنت الأطش سيّدة جليلة تعدّ في طليعة نساء العرب في شجاعتها ، وقوة بيانها ، كانت في صفّين تدعو النّاس إلى نصرة الإمام ومناجزة عدوّه ، ولما تمّ الأمر إلى معاوية وفدت عليه فسلّمت عليه بالخلافة ، فتذكر موقفها في صفين ، فقال لها : يا عكرشة ، الآن صرت أمير المؤمنين ؟
فقالت له : نعم ، إذ لا عليّ حيّ .
فلم يقتنع بذلك وأخذ يذكرها بموقفها وخطبها في صفين قائلاً: ألست صاحبة الكور المسدول ، والوسيط المشدود ، والمتقلّدة بحمائل السيف ، وأنت واقفة بين الصفين تقولين : يا أيها النّاس ، عليكم أنفسكم ، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ، إنّ الجنّة دار لا يرحل عنها من قطنها ، ولا يحزن من سكنها ، فابتاعوها بدار لا يدوم نعيمها، ولا تنصرم همومها، كونوا قوماً مستبصرين ، إنّ معاوية دلف إليكم بعجم العرب ، غلف القلوب ، لا يفقهون الإيمان ، ولا يدرون ما الحكمة ؟ دعاهم بالدنيا فأجابوه ، واستدعاهم إلى الباطل فلبوه ، فالله الله عباد الله في دين الله !! وإياكم والتواكل، فإنّ في ذلك نقض عروة الإسلام ، وإطفاء نور الإيمان ، وذهاب السنّة ، وإظهار الباطل ، هذه بدر الصغرى ، والعقبة الأخرى ، قاتلوا يا معشر الأنصار
1) الكنى والألقاب : 1 : 8.
والمهاجرين على بصيرة من دينكم ، واصبروا على عزيمتكم ، فكأنّي بكم غداً وقد لقيتم أهل الشام كالحمر الناهقة ، والبغال الشحاجة ، تضفع ضفع البقر ، وتروث روث العتاق .
وبعد ما تلا معاوية عليها خطابها قال لها بنبرات تقطر غضباً : فوالله لولا قدر الله ، وما أحبّ أن يجعل لنا هذا الأمر لقد كان انكفأ عَلَيَّ العسكران فما حملك على ذلك ؟
فقابلته بناعم القول قائلة : إن اللبيب إذا كره أمراً لم يحب إعادته .
صدقت ، اذكري حاجتك.
إن الله قد ردّ صدقاتنا علينا ، وردّ أموالنا فينا إلا بحقها ، وإنّا قد فقدنا ذلك ، فما ينعش لنا فقير ، ولا يجبر لنا كسير ، فإن كان ذلك عن رأيك فما مثلك من استعان بالخونة ، ولا استعمل الظالمين.
فما اعتنى معاوية باسترحامها وقال لها : يا هذه ، إنّه تنوبنا أمور هي أولى بنا منكم ، من بحور تنبثق ، وثغور تنفتق .
قالت : يا سبحان الله ! ما فرض الله لنا حقاً جعل لنا فيه ضرراً على غيرنا ما جعله لنا وهو علّام الغيوب .
ولم يجد حينئذ معاوية بداً من إجابتها فقال لها : هيهات يا أهل العراق ، نبّهكم ابن أبي طالب فلن تطاقوا .
ثمّ أمر لها بقضاء حاجتها وردّها إلى أهلها (1).
ومن سيّدات النساء وخيارهنّ الدارمية الحجونيّة، عرفت بالصلاح والنسك .
1) بلاغات النساء : 70. العقد الفريد : 1: 215 .
وبقوّة الحجّة ، وشدّة العارضة ، قد والت الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) ، ولما تم الأمر إلى معاوية بعث خلفها ، وكان آنذاك في الحجاز ، فلما مثلت عنده قال لها : كيف حالك يا ابنة حام .
قالت : بخير ، ولست لحام ، وإنّما أنا امرأة من قريش من بني كنانة ثمت من بني أبيك .
قال : صدقت ، هل تعلمين لم بعثت إليك ؟
قالت : لا ، يا سبحان الله ! وأنّى لي بعلم ما لم أعلم ؟
بعثتُ إليك أن أسألك علام أحببت عليا (علیه السلام) وأبغضتيني ؟ وعلام واليتيه وعاديتيني ؟
أو تعفيني من ذلك .
لا أعفيك ، لذلك دعوتكِ .
فأما إذ أبيت فإنّي أحببت عليا (علیه السلام) على عدله في الرعية ، وقسمه بالسوية ، وأبغضتك على قتالك من هو أولى بالأمر منك ، وطلبك ما ليس لك ، وواليت عليّاً على ما عقد له رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) من الولاية وحب المساكين، وإعظامه لأهل الدين، وعاديتك على سفكك الدماء ، وشقّك العصا .
فتأثر ابن هند من مقالها وقال فاحشاً ومستهزئاً : صدقتِ فلذلك انتفخ بطنك ، وكبر ثديك ، وعظمت عجيزتك.
فردت عليه مقالته بالمثل : يا هذا بهند والله يضرب المثل لا أنا .
فهدأ روعها ، وسكن غضبها ، ثم التفت لها : هل رأيت عليّاً ؟
كيف رأيته ؟
لم ينفخه الملك ، ولم تصقله النعمة (1).
هل سمعت كلامه ؟
كان والله كلامه يجلو القلوب من العمى ، كما يجلو الزيت صداء الطست .
صدقت ، هل لك من حاجة ؟
أو تفعل إذا سألتك .
نعم .
تعطيني مائة ناقة حمراء فيها فحلها وراعيها .
ما تصنعين بها ؟
أغذ و بألبانها الصغار ، وأستحيي بها الكبار ، واكتسب بها المكارم ، وأصلح بها بين العشائر .
فإن أعطيتك ذلك فهل أحلّ عندك محلّ عليّ بن أبي طالب ؟
سبحان الله !! أو دونه أو دونه .
فانبهر معاوية وقال :
«إِذا لَمْ أَعُدْ بِالحِلْم مِنّي عَلَيكُمُ *** فَمَنْ ذَا الَّذِي بَعْدِي يُؤَمَّلُ لِلْحِلْمِ
خُذيها هنيئاً وَاذْكُري فِعْلَ ماجِدٍ *** جَزاكِ عَلَى حَرْبِ الْعَداوَةِ بِالسِّلْمِ
أما والله لو كان عليّ حيّاً ما أعطاك منها شيئاً .
إلى هنا ينتهي بنا الحديث عما لاقته شيعة أمير المؤمنين (علیه السلام) من التنكيل والتعذيب والإعدام والعسف والارهاب والاذلال والتحقير من قبل معاوية وعامله زیاد ، وبذلك فقد نقض معاوية أهم شروط الصلح ، وهو عدم التعرض لشيعة آل البيت بسوء ومكروه وغائلة .
ولما رأى سيّد الشهداء الإمام الحسين (علیه السلام) الإجراءات الحاسمة التي اتخذها معاوية ضدّ العترة الطاهرة ، عقد (علیه السلام) مؤتمراً في مكة ، دعا فيه جمهوراً غفيراً ممن شهد موسم الحج من المهاجرين والأنصار والتابعين وغيرهم من سائر المسلمين، وعرض عليهم ما ألمّ بأهل البيت (علیهم السلام) ويشيعتهم من المحن والخطوب من جرّاء الحكم القائم الذي عمد إلى اتخاذ جميع الوسائل للكيد لآل النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وإخفاء فضائلهم ، وستر ما أثر عن الرسول في حقهم ، وقد ألزم حضار مؤتمره بإذاعة ذلك بين المسلمين .
ونسوق ما رواه سليم بن قيس في ذلك ، قال : « ولما كان قبل موت معاوية بسنة حج الحسين بن علي (علیه السلام)، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن جعفر ، فجمع الحسين (علیه السلام) بني هاشم رجالهم ونساءهم ومواليهم ومن حج من الأنصار ممّن يعرفهم الحسين (علیه السلام) وأهل بيته ، ثم أرسل رسلاً، وقال لهم : لَا تَدَعُوا أَحَداً حَجّ العَامَ مِنْ أَصْحَابِ رَسولِ اللهِ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) الْمَعْرُوفِينَ بِالصَّلَاح وَالنُّسُكِ إِلَّا اجْمَعُوهُم لِي ، فاجتمع إليه بمنى أكثر من سبعمائة رجل في سرادقه ، عامتهم من التابعين ، ونحو من مائتي رجل من أصحاب النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، والحسين (علیه السلام) في سرادقه ، فقام فيهم خطيباً فحمد الله وأثنى عليه .
ثمّ قال : أَمَّا بَعدُ ، فَإِنَّ هَذَا الطَّاغِيَةَ - يعني معاوية - قَدْ فَعَلَ بِنَا وَبِشِيعَتِنَا مَا قَدْ رَأَيْتُمْ وَعَلِمْتُمْ وَشَهِدْتُمْ ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَإِنْ
صَدَقْتُ فَصَدِّقُونِي ، وَإِنْ كَذِبْتُ فَكَذَّبُوني ، اِسْمَعُوا مَقَالَتِي ، وَاكْتُبُوا قَوْلِي ، ثُمَّ ارْجِعُوا إِلَى أَمْصَارِكُمْ وَقَبائِلِكُمْ ، فَمَنْ أَمِنْتُمْ مِنَ النَّاسِ ، وَوَثِقْتُمْ بِهِ فَادْعُوْهُمْ إِلَىٰ مَا تَعْلَمُونَ مِنْ حَقْنَا ، فَإِنِّي أَتَخَوَّفُ أَنْ يُدْرَسَ هَذَا الْأَمْرُ وَيُغْلَبَ ، وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ» .
وما ترك شيئاً ممّا أنزله الله فيهم من القرآن إلا تلاه وفسره ، ولا شيئاً مما قاله رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) في أبيه وأخيه وأمه وفي نفسه وأهل بيته إلا رواه .
وكل ذلك يقول أصحابه : اللهم نعم ، قد سمعنا وشهدنا ، ويقول التابعي : اللّهمّ قد حدثني به من أصدقه وأئتمنه من الصحابة .
فقال (علیه السلام): أُنْشِدُكُمُ اللهَ إِلَّا حَدَّثْتُمْ بِهِ مَنْ تَثِقُونِ بِهِ وَبِدِينِهِ (1).
وكان هذا المؤتمر الذي عقده الإمام أوّل مؤتمر عرفه العالم الإسلامي في ذلك الوقت ، فقد شجب فيه الإمام سياسة معاوية ، ودعا المسلمين إلى مناهضة حكمه ، وإلى الإطاحة بسلطانه .
ومن أهم بنود الصلح إرجاع الخلافة الإسلامية إلى الإمام الحسن ، ومن بعده إلى أخيه الحسين (علیهما السلام) بعد هلاك معاوية ، فقد كانت هذه المادة من أهم شروط الصلح التي وقع عليها معاوية ، ولكنه بعد ما تم له الأمر ، وصفا له الملك ، صمم على نقضها ، وعلى عدم الوفاء بها ، فقد أخذ يعمل مجداً في جعل الخلافة وراثة في أهل بيته ، وهو بهذا الفعل كما يقول الأستاذ السيد قطب : « مدفوع بدافع لا يعرفه الإسلام ، دافع العصبية العائلية والقبلية ، وما هى بكثيرة على معاوية ولا بغريبة
1) كتاب سليم بن قيس : 320 . الاحتجاج : 2 : 87 و 88 .
عليه ، فمعاوية بن أبي سفيان وابن هند بنت عتبة ، وهو وريث قومه ، وأشبه شيء بهم في بعد روحه عن حقيقة الإسلام» (1).
لقد كان معاوية في فعله هذا مدفوعاً بدافع الجاهلية العمياء ، وبدافع العصبية القبلية التي شجبها الإسلام، فقد اعتبر المواهب والكفاءة والعلم والجدارة فيمن يتولى شؤون الحكم ، وألغى جميع الاعتبارات التي لا تمت لذلك ، فقد صح عن رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) أنه قال : «منْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئاً فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَحَداً مُحاباةً فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ لَا يَقْبَلُ مِنْهُ صَرْفاً وَلَا عَدْلاً حَتّى يُدْخِلَهُ جَهَنَّمَ» (2).
ولكن معاوية الذي برئ من الإسلام راح يعمل بوحي من جاهليته على الانتقام من الإسلام وعلى تمزيق صفوف المسلمين ، فعمد إلى جعل الخلافة إلى ولده الفاسق الأثيم يزيد ، وقد صوّر فسقه ومجونه الشاعر العبقري الأستاذ الكبير بولس سلامة بقوله :
وَتَرَفَّقْ بِصَاحِبِ العَرشِ مَشْغُو *** لاً عَنِ اللهِ بِالقِيانِ الملاح
أَلفُ (اللَّهُ أَكبرُ) لَا يُساوي *** بين كفَّي يزيد نهلة راح
تَتَلَظَّى في الدنان بكراً فَلَمْ *** تُدَنَّسْ بِلَثْمٍ وَلَا بِماءٍ قِراحٍ (3)
وقال فيه عبد الله بن حنظلة الصحابي العظيم المنعوت بالراهب قتيل واقعة الحرّة : « والله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء ، إنه رجل ينكح الأمهات والبنات والأخوات ، ويشرب الخمر ، ويدع الصلاة ، والله لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت لله فيه بلاء حسناً » (4).
وقال فيه المنذر بن الزبير لما قدم المدينة : « إنّ يزيد قد أجازني بمائة ألف ، ولا يمنعني ما صنع بي أن أخبركم خبره ، والله إنّه ليشرب الخمر ، والله إنه ليسكر حتى يدع الصلاة» (1).
وقال ابن فليح : «إنّ أبا عمرو بن حفص وفد على يزيد فأكرمه ، وأحسن جائزته ، فلما قدم المدينة قام إلى جنب المنبر وكان مرضيّاً صالحاً ، فخطب الناس فقال لهم : ألم أحب ؟؟ ألم أكرم ؟ والله رأيت يزيد بن معاوية يترك الصلاة مسكراً» (2).
لقد كان معاوية يعلم فسق ولده وارتكابه للموبقات ، وإدمانه على شرب المسكر ، وتركه للصلاة ، وقد أدلى بذلك في كتابه الذي ندّد فيه بأفعاله ، فقد جاء فيه ما نصه :
«بلغني أنّك اتخذت المصانع والمجالس للملاهي والمزامير كما قال تعالى : «أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ» (3)، وأجهرت الفاحشة حتى اتخذت سريرتها عندك جهراً .
اعلم يا يزيد ، إنّ أوّل ما سلبكه السكر معرفة مواطن الشكر لله على نعمه المتظاهرة ، وآلائه المتواترة ، وهي الجرحة العظمى، والفجعة الكبرى ، ترك الصلوات المفروضات في أوقاتها ، وهو من أعظم ما يحدث من آفاتها ، ثم استحسان العيوب ، وركوب الذنوب ، وإظهار العورة ، وإباحة السر، فلا تأمن نفسك على سرك ، ولا تعتقد على فعلك » (4)
ومع علمه بمروق ولده عن الدين، واستحلاله لما حرّم الله ، وإغراقه في
الشهوات ، كيف يمكنه من رقاب المسلمين، ويفرضه حاكماً عليهم ، إنه بذلك مدفوع بدافع الحقد على الإسلام ، ويدافع العصبية الجاهلية التي أترعت بها نفسه الشريرة .
لقد أجهد معاوية نفسه في فرض يزيد حاكماً على المسلمين، فقد ظلّ سبع سنين يروّض الناس ، ويعطي الأقارب، ويدني الأباعد من أجل ذلك (1).
ولمّا هلك زياد وكان كارهاً لبيعة يزيد أظهر عهداً مفتعلاً عليه فيه عقد الخلافة ليزيد من بعده (2).
وهكذا اعتمد على جميع الوسائل التي لم يألفها المسلمون ، ولم يقرها الدين في سبيل جعل الملك في بني أمية وتحويل الخلافة عن مفاهيمها الخلاقة إلى الملك العضوض .
وقد جرت تلك المقدّمات التي عملها معاوية في حياة الإمام الحسن (علیه السّلام) ، ولكنه لم يعلن البيعة الرسمية ليزيد إلا بعد اغتياله للإمام ، وعلينا أن نعرض بعض الوسائل التمهيدية التي عملها معاوية من أجل ذلك .
وأوّل من تصدّى إلى الدعوة لهذه البيعة المشؤومة المنافق الأثيم أعور ثقيف المغيرة بن شعبة ، صاحب الأحداث والموبقات في الإسلام (3)، وسبب وسبب ذلك فيما يرويه المؤرّخون أن معاوية أراد عزله عن الكوفة فبلغه ذلك ، فرأى أن يسافر إلى
دمشق ويبادر بتقديم استقالته عن منصبه حتّى لا تكون عليه حزازة ، وليرى الناس أنّه كاره للإمارة والحكم ، ولما وصل إلى دمشق عنّ له أن يلتقي بيزيد قبل التقائه بمعاوية فيحبّذ له الخلافة من بعد أبيه ليتخذ من إغرائه وسيلة إلى إقراره في الحكم ، كما أدلى بذلك لأصحابه ، ولما التقى بيزيد قال له : إنّه قد ذهب أعيان أصحاب محمد (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وكبراء قريش وذوو أسنانهم ، وإنّما بقي أبناؤهم وأنت من أفضلهم ، وأحسنهم رأياً ، وأعلمهم بالسنة والسياسة ، ولا أدري ما يمنع أمير المؤمنين أن يعقد لك البيعة ؟
ولمّا سمع ذلك يزيد الطائش المغرور طار لبه فرحاً وسروراً ، فانبرى إليه قائلاً: أو ترى ذلك يتم ؟
ومضى يزيد مستعجلاً إلى أبيه فأخبره بمقالة المغيرة ، فارتاح معاوية بذلك ، وبعث بالوقت خلفه فعرض عليه مقالته ليزيد ، فأجابه بصدور ذلك منه ، ثم انبرى إليه يحفّزه على تحقيق هذه الفكرة قائلاً له مقال المنافق الذي لا يعرف الخير ولا يفكّر به : يا أمير المؤمنين ، قد رأيت ما كان من سفك الدماء والاختلاف بعد عثمان ، وفي يزيد منك خلف فاعقد له ، فإن حدث بك حدث كان كهفاً للناس وخلفاً منك ، ولا تسفك دماء ، ولا تكون فتنة !
وأصابت هذه الكلمات الهدف المقصود لمعاوية ، فقال له مخادعاً ومستشيراً : ومَن لي بهذا ؟
فاستحسن معاوية رأيه ، وأجازه على ذلك، فأقرّه في عمله ، ثمّ أمره بالخروج إلى الكوفة ليعمل على تحقيق ذلك ، ولما انصرف عنه اجتمع بقومه فبادروه
بالسؤال عن مصيره ، فأجابهم بما جلبه من البلاء والفتن لعموم المسلمين من أجل غايته قائلاً: لقد وضعت رجل معاوية في غرز بعيد الغاية على أمة محمد (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم)، وفتقت عليهم فتقاً لا يرتق أبداً .
وتمثل :
بمثلي شاهَدَ النَّجْوى وَغالى *** بي الأَعْداءُ وَالخَصْمُ الغِضابا
وسار المغيرة حتى انتهى إلى الكوفة ، ففاوض بمهمته جماعة ممن عرفهم بالولاء والإخلاص للبيت الأموي، فأجابوه إلى ما أراد ، فأوفد منهم عشرة إلى معاوية بعد أن أرشاهم بثلاثين ألف درهم ، وجعل عليهم ولده موسى عميداً ، فلمّا انتهوا إلى معاوية حبّذوا له الأمر ودعوه إلى إنجازه فشكرهم معاوية ، وأوصاهم بكتمان الأمر ، ثم التفت إلى ابن المغيرة فساره قائلاً: بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم ؟
فضحك معاوية وقال : لقد هان عليهم دينهم (1).
لقد توصل معاوية إلى تحقيق ذلك بشراء الأديان والضمائر وإلى الاعتماد على الوسائل التي لم يألفها المسلمون ، ولم يقرّها الدين .
ووجّه معاوية دعوة رسمية إلى جميع الشخصيات الرفيعة في العالم الإسلامي يدعوهم إلى الحضور في دمشق ليفاوضهم في أمر البيعة ليزيد ، فلما حضروا عنده
1) تاريخ الأمم والملوك : 4 : 169. الكامل في التاريخ : 3 : 214 . النصائح الكافية : 64 . وكان قدوم المغيرة على معاوية في سنة 45ھ ، وفيها عمل معاوية مقدّمات البيعة لولده .
دعا الضحاك بن قيس الفهري سرّاً وقال له : إذا جلست على المنبر ، وفرغت من بعض موعظتي وكلامي ، فاستأذني للكلام ، فإذا أذنت لك فاحمد الله تعالى ، واذكر يزيد وقل فيه الذي يحق له عليك من حسن الثناء عليه ، ثم ادعني إلى توليته من بعدي ، فإنّي قد رأيت وأجمعت على توليته ، فاسأل الله في ذلك وفي غيره الخيرة وحسن القضاء.
ثم دعا فريقاً آخر من الأذناب والعملاء الذين هان عليهم دينهم ، فباعوه بأبخس الأثمان ، فأمرهم بتصديق مقالة الضحاك وتأييد فكرته ، وهم : عبدالرحمن بن عثمان الثقفي ، وعبد الله بن مسعدة الفزاري ، وثور بن معن السلمي ، وعبد الله بن عضاة الأشعري ، فاستجابوا لدعوته ، ونزا معاوية على المنبر فحدّث الناس بما شاء أن يتحدّث به .
وبعد الفراغ من حديثه انبرى إليه الضحاك فاستأذنه بالكلام ، فأذن له ، فقال بعد حمد الله والثناء عليه :
«أصلح الله أمير المؤمنين، وأمتع به ، إنّا قد بلونا الجماعة والألفة والاختلاف والفرقة ، فوجدناها ألم لشعثنا ، وأمنة لسبلنا ، وحاقنة لدمائنا ، وعائدة علينا في عاجل ما نرجو ، وأجل ما نؤمل ، مع ما ترجو به الجماعة من الألفة ، ولا خير لنا أن نترك سدى ، والأيام عوج رواجع ، والله يقول : «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ» (1)، ولسنا ندري ما يختلف به العصران ، وأنت يا أمير المؤمنين ميت كما مات من كان قبلك من أنبياء الله وخلفائه ، نسأل الله بك المتاع ، وقد رأينا من دعة يزيد ابن أمير المؤمنين ، وحسن مذهبه ، وقصد سيرته ، ويمن نقيبته ، مع ما قسم الله له من المحبّة في المسلمين ، والشبه بأمير المؤمنين ، في عقله وسياسته وشيمته المرضية ، ما دعانا إلى الرضا به في أمورنا ، والقنوع به فى الولاية علينا ، فليوله أمير المؤمنين - أكرمه
1) الرحمن 55: 29 .
الله - عهده ، وليجعله لنا ملجأً ومفزعاً بعده ، نأوي إليه إن كان كون ، فإنّه ليس أحد أحق بها منه ، فاعزم على ذلك عزم الله لك في رشدك ، ووفقك في أمورنا».
ودلّ هذا الكلام على أن صاحبه رجل سوء ونفاق ، فقد عمد إلى سحق جميع القيم الإسلامية في سبيل أطماعه ومنافعه
ولما فرغ الضحاك من مقالته انبرى من بعده زملاؤه فأيّدوا مقالته ، وأخذوا ينسبون ليزيد فضائل المحسنين، ويضفون عليه مواهب العباقرة ، ويطلقون عليه الألقاب الضخمة ، والنعوت الشريفة التي اتّصف بعكسها، وأخذوا يموّهون على المجتمع أنّهم إنّما تكلّموا من صالحه وإسعاده ، وهم - يعلم الله - إنّما أرادوا هلاكه وتحطيمه ، والقضاء على نواميسه ومقدساته.
وبعد ما انتهى حديث هؤلاء التفت معاوية إلى الوفد العراقي ليسمع رأيه ، وكان شخصية الوفد الأحنف بن قيس حليم العرب ، وسيد تميم ، فطلب منه معاوية الرأي في الأمر ، فقام الأحنف خطيباً ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم التفت إلى معاوية قائلاً: «أصلح الله أمير المؤمنين ، إنّ الناس في منكر زمان قد سلف ، ومعروف زمان مؤتنف ، ويزيد ابن أمير المؤمنين نعم الخلف، وقد حلبت الدهر أشطره . يا أميرالمؤمنين ، فاعرف من تسند إليه الأمر من بعدك ، ثمّ أعص أمر من يأمرك ، ولا يغررك من يشير عليك ، ولا ينظر لك، وأنت أنظر للجماعة ، وأعلم باستقامة الطاعة ، مع أنّ أهل الحجاز وأهل العراق لا يرضون بهذا ، ولا يبايعون ليزيد ما كان الحسن حياً» (1).
لقد منح الأحنف النصيحة إلى معاوية وأرشده إلى الحق ، فأشار عليه بعدم سماع أقوال المرتزقة الذين ينظرون إلى صالح أنفسهم أكثر مما ينظرون لصالحه ، وبيّن له أن العراقيين والحجازيين لا يرضون بهذه البيعة ما دام حفيد الرسول وسبطه الأوّل
1) الغدير : 10 : 231 . الإمامة والسياسة : 1 : 169 . مروج الذهب : 3 : 27 .
حيّاً ، وقد أثارت هذه الكلمات غضب النفعيين والمرتشين الذين تذرّع معاوية بهم إلى تحقيق هدفه ، فقام إليه الضحاك بن قيس فندّد بمقالته ، وشتم العراقيين ، وهذا نص كلامه : «أصلح الله أمير المؤمنين ، إنّ أهل النفاق من أهل العراق مروءتهم في أنفسهم الشقاق ، واُلفتهم في دينهم الفراق ، يرون الحقّ على أهوائهم ، كأنّما ينظرون بأقفائهم ، اختالوا جهلاً وبطراً ، لا يرقبون من الله راقبة ، ولا يخافون وبال عاقبة ، اتخذوا إبليس لهم رباً ، واتخذهم إبليس حزباً ، فمن يقاربوه لا يسروه ، ومن يفارقوه لا يضروه .
فادفع رأيهم يا أمير المؤمنين في نحورهم ، وكلامهم في صدورهم ، ما للحسن وذوي الحسن في سلطان الله الذي استخلف به معاوية في أرضه ؟ هيهات لا تورث الخلافة عن كلالة ، ولا يحجب غير الذكر العصبة ، فوطنوا أنفسكم يا أهل العراق على المناصحة لإمامكم ، وكاتب نبيّكم وصهره ، يسلم لكم العاجل ، وتربحوا من الآجل » .
ولم نحسب أن العراق قد ذمّ بمثل هذا الذم الفظيع ، أو وصم بمثل هذه الأمور ، ولكنّ العراقيين هم الذين جرّوا لأنفسهم هذا البلاء ، وتركوا هذا الوغد وأمثاله يحطّ من كرامتهم ويتطاول عليهم .
وعلى أي حال ، فإنّ الأحنف لم يذعن لمعاوية ولم يعتن بمقالة الضحاك ، فقد انبرى يهدّد معاوية بإعلان الحرب إن أصرّ على تنفيذ فكرته قائلاً:
«يا أمير المؤمنين ، إنا قد فررنا (1)عنك قريشاً فوجدناك أكرمها زنداً، وأشدّها عقداً ، وأوفاها عهداً ، قد علمت أنك لم تفتح العراق عنوة ، ولم تظهر عليها قعصاً ، ولكنك أعطيت الحسن بن علي من عهود الله ما قد علمت ليكون له الأمر من بعدك ، فإن تف فأنت أهل الوفاء ، وإن تغدر تعلم .
1) فررنا : أي بحثنا وفتشنا .
والله إنّ وراء الحسن خيولاً جياداً، وأذرعاً شداداً ، وسيوفاً حداداً ، إن تدن له شبراً من غدر تجد وراءه باعاً من نصر ، وإنّك تعلم أنّ أهل العراق ما أحبوك منذ أبغضوك ، ولا أبغضوا عليّاً وحسناً منذ أحبوهما ، وما نزل عليهم في ذلك غير من السماء ، وإنّ السيوف التي شهروها عليك مع عليّ يوم صفين لعلى عواتقهم، والقلوب التي أبغضوك بها لبين جوانحهم ، وأيم الله إنّ الحسن لأحبّ لأهل العراق من عليّ » .
لقد بالغ الأحنف في نصح معاوية ، وذكر له تمسك العراقيين بولاء أهل البيت (علیهم السلام) ، وأن إخلاصهم للإمام الحسن (علیه السلام) أكثر من أبيه ، وهم على استعداد إلى مناجزته إن نفّذ بيعة يزيد ، وانطلق عبد الرحمن بن عثمان فندّد بمقالة الأحنف وحرّض معاوية على تنجيز مهمته قائلا له :
«أصلح الله أمير المؤمنين ، إن رأي الناس مختلف ، وكثير منهم منحرف ، لا يدعون أحداً إلى رشاد ، ولا يجيبون داعياً إلى سداد ، مجانبون لرأي الخلفاء ، مخالفون لهم في السنّة والقضاء ، وقد وقفت ليزيد في أحسن القضية وأرضاها لحمل الرعيّة ، فإذا خار الله لك فاعزم ، ثمّ اقطع قالة الكلام ، فإنّ يزيد أعظمنا حلماً وعلماً ، وأوسعنا كنفاً ، وخيرنا سلفاً، قد أحكمته التجارب ، وقصدت به سبل المذاهب، فلا يصرفنّك عن بيعته صارف ، ولا يقفن بك دونها واقف ، ممّن هو شائع عاص ينوص للفتنة كلّ مناص لسانه ملتو ، وفى صدره داء دوي ، إن قال فشر قائل ، وإن سكت فذو دغائل ، قد عرفت من هم أولئك وما هم عليه لك من المجانبة للتوفيق والكلف للتفريق ، فاجل ببيعته عنا الغمّة ، واجمع به شمل الأمة ، فلا تحد عنه إذا هديت له ، ولا تنش عنه إذا وقفت له ، فإنّ ذلك الرأي لنا ولك ، والحق علينا وعليك ، أسأل الله العون وحسن العاقبة لنا ولك » .
وصوّرت لنا هذه الكلمات ضميراً قلقاً، ونفساً أثيمة ، قد اعتنقت الشرّ، وابتعدت عن الخير ، وانبرى معاوية يهدّد من لا يوافقه على رغبته ، ليفرض على
المجتمع الخضوع لفكرته ، والرضا ببيعة يزيد قائلاً: «أيها الناس ، إنّ لإبليس إخواناً وخلالاً، بهم يستعد ، وإياهم يستعين ، وعلى ألسنتهم ينطق ، إن رجوا طمعاً أوجفوا ، وإن استغنى عنهم أرجفوا ، ثمّ يلحقون الفتن بالفجور، ويشققون لها حطب النفاق عيابون مرتابون ، إن ولوا عروة أمر حنقوا ، وإن دعوا إلى غيّ أسرفوا ، وليسوا أولئك بمنتهين، ولا بمقلعين، ولا متعظين، حتى تصيبهم صواعق خزي وبيل ، وتحل بهم قوارع أمر جليل ، تجتث أصولهم كاجتثاث أصول الفقع (1)، فأولى لأولئك ثمّ أولى ، فإنّا قد قدمنا وأنذرنا إن أغنى التقدم شيئاً أو نفع النذر» .
بمثل هذا الارهاب الفظيع الذي لم يعهد له نظير تذرّع معاوية إلى تحقيق فكرته ، ثم استدعى الضحاك بن قيس فولاه الكوفة جزاءاً لكلامه بعد هلاك المغيرة ، واستدعى عبد الرحمن فولاه الجزيرة ، وقام يزيد بن المقفع رافعاً عقيرته قائلاً: أمير المؤمنين هذا - وأشار إلى معاوية - .
ثمّ قال : فإن هلك ، فهذا - وأشار إلى يزيد - .
ثمّ قال : فمن أبى ، فهذا - وأشار إلى السيف - .
فاستحسن معاوية كلامه وقال له : اجلس ، فأنت سيّد الخطباء وأكرمهم !
بهذا اللون من الارهاب فرض معاوية ابنه الفاسق الفاجر خليفة على المسلمين ، فلولا السيف لما وجد إلى ذلك سبيلاً. ولما رأى الأحنف بن قيس تصميم معاوية على فكرته، وعدم تنازله عنها ، انبرى إليه قائلاً: « يا أمير المؤمنين ، أنت أعلمنا بليله ونهاره ، ويسره وعلانيته ، فإن كنت تعلم أنّه خير لك فوله واستخلفه ، وإن كنت تعلم أنّه شرّ لك ، فلا تزوّده الدنيا وأنت صائر إلى الآخرة ، فإنّه ليس لك من الآخرة إلا ما طاب .
واعلم أنه لا حجّة لك عند الله إن قدمت يزيد على الحسن والحسين وأنت تعلم
1) الفقع - بالفتح والكسر : البيضاء الرخوة من الكمأة .
من هما ، وإلى ما هما ، وإنما علينا أن نقول : « سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (1)» (2).
ولم يعتن معاوية بمقالة الأحنف ونصحه ، ولم يفكر في مصير المسلمين إذا استخلف عليهم ولده قرين الفهود والمدمن على الخمور ، وأخذ معاوية ولده يزيد فأجلسه في قبة حمراء وبايعه بولاية العهد ، وأمر الناس بمبايعته ، وأقبل بعض العملاء فسلّم عليهما ، ثمّ أقبل على معاوية فقال له : « يا أمير المؤمنين ، اعلم أنك لو لم تولّ هذا - وأشار إلى يزيد - أمور المسلمين لأضعتها » .
فالتفت معاوية إلى الأحنف: ما بالك لا تقول يا أبا بحر ؟
أخاف الله إذا كذبت ، وأخافكم إذا صدقت .
جزاك الله على الطاعة خيراً .
وخرج الأحنف فلقيه ذلك الرجل بعد أن أجزل له معاوية بالعطاء فقال للأحنف معتذراً من مقالته : يا أبا بحر ، إنّي لأعلم أن شرّ من خلق الله هذا وابنه - يعني معاوية ويزيد - ولكنّهم استوثقوا من هذه الأموال بالأبواب والأقفال ، فليس يطمع في استخراجها إلا بما سمعت (3).
لقد أحدث معاوية بهذه البيعة المشؤومة صدعاً في الإسلام ، وقد صوّر لنا الشاعر الموهوب عبد الله بن هاشم السلولي بمقطوعته الرائعة جزعه وجزع خيار المسلمين من خلافة يزيد بقوله :
فَإِنْ تَأْتُوا بِرَمْلَةَ أَوْ بِهِنْدٍ *** نُبايِعُها أَميرَة مُؤْمِنينا
إذا ما ماتَ كِسْرى قامَ كِسْرى *** نَعُد ثَلاثَةً مُتَناسِقِينا
فَيا لَهْفَاً لَوْ أَنَّ لَنا اُلوفاً *** وَلكِنْ لَا نَعودُ كَما عنينا
إِذاً لَضُرِبْتُموا حَتَّى تَعودوا *** بِمَكَّةَ تَلْعَقُونَ بِها السّخِينا
خشينا الغَيظَ حَتَّى لَوْ شَرِبْنا *** دماءَ بَني أُمَيَّةَ ما روينا
لَقَدْ ضَاعَتْ رَعِيَّتُكُمْ وَأَنْتُمْ *** تصيدون الأرانب غافلينا (1)
لقد ذعر المسلمون في جميع أقطار الأرض من هذا الحادث الخطير لأنّ الخلافة عندهم ليست كسرويّة ولا قيصرية حتى تورث بل أمرها شوری بین المسلمين يختارون لخلافتهم من أحبّوا ، وذلك عند الجمهور من أبناء السنة والجماعة ، وأما عند الشيعة فإنّها حق شرعي لأمير المؤمنين وأولاده الطيبين ، كما نص النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) على ذلك .
ومهما يكن من شيء فإنّ معاوية بعدما أخذ البيعة ليزيد من أهل دمشق رفع مذكرة إلى جميع عماله يطلب فيها أخذ البيعة ليزيد من جميع المواطنين ، واستجاب جميع عماله لذلك سوى مروان بن الحكم ، فإنّه قد ورم أنفه لصرف الأمر عنه وهو شيخ الأمويين بعد معاوية ، وتوجّه فوراً بحاشيته إلى دمشق ، فلما مثل عند معاوية انبرى إليه وهو مغيظ قائلاً: أقم الأمور يابن أبي سفيان ، واعدل عن تأميرك الصبيان ، واعلم أنّ لك من قومك نظراء ، وأنّ لك على منا وأتهم وزراء .
فاندفع إليه معاوية يخادعه قائلاً له بناعم القول : أنت نظير أمير المؤمنين ، وعدته في كل شديدة ، وعضده ، والثاني بعد ولي عهده .
ثمّ أعطاه ولاية العهد حيلة منه ومكراً ، وأخرجه من عاصمته مكرّماً ، فلما وصل إلى يثرب عزله عن منصبه (2)، وجعل مكانه سعيد بن العاص ، وقيل : الوليد بن
عقبة ، وكتب إليه أن يأخذ البيعة من أهل المدينة لولده ، إلا أنه فشل أخيراً في أداء مهمته ، فقد أصرّت الجماهير على رفض دعوة معاوية وعدم طاعته في شأن خليفته الجديد ، خصوصاً الشخصيات الرفيعة من أبناء المهاجرين والأنصار ، فإنّهم قد شجبوا ذلك وأعلنوا سخطهم وإنكارهم على معاوية ، فإنّهم كانوا يحقرون يزيد ، ويأنفون أن يعد في مصافهم ، فضلاً عن أن يكون خليفة عليهم .
ورأى معاوية بعد امتناع المدنيين عن بيعة يزيد وإجماعهم على رفضها أن ينطلق بنفسه إلى المدينة ليفاوض أهل الحل والعقد ، وليشتري الذمم والضمائر بالأموال ، ويتوعد ويرهب من لم يخضع للمادة ليفوز ولده بالخلافة .
وسافر من أجل هذه الغاية إلى يثرب ، وذلك سنة خمسين من الهجرة ، فلمّا انتهى إليها بعث فوراً نحو عبد الله بن عبّاس ، وعبد الله بن جعفر ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن الزبير ، فلما حضروا عنده أمر حاجبه أن لا يسمح لأحد بالدخول عليه حتى يخرج هؤلاء النفر من عنده ، ثم التفت إليهم قائلاً:
«الحمد لله الذي أمرنا بحمده ، ووعدنا عليه ثوابه ، نحمده كثيراً كما أنعم علينا كثيراً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله .
أما بعد : فإنّي قد كبر سني ، ووهن عظمي ، وقرب أجلي ، وأوشكت أن اُدعى فأجيب ؟ وقد رأيت أن أستخلف بعدي يزيد ، ورأيته لكم رضاً وأنتم عبادلة قريش وخيارهم ، وأبناء خيارهم ، ولم يمنعني أن أحضر حسناً وحسيناً إلا أنهما أولاد أبيهما عليّ ، على حسن رأي فيهما وشديد محبتي لهما ، فردوا على أمير المؤمنين خيراً رحمكم الله» (1).
1) الإمامة والدراسة : 1 : 172 .
وقد احتوى كلامه على اللين والمدح والثناء ، ولكنّ هؤلاء الأبطال الذين هم نخبة العرب والمسلمين رأياً وإقداماً ، لم يذعنوا لمعاوية وردّوا عليه مقاله ، وعرّفوه بمن هو أهل للخلافة ، وأوّل من تكلّم منهم حبر الأمّة عبد الله بن عبّاس ، فقال :
«الحمد الله الذي ألهمنا أن نحمده ، واستوجب علينا الشكر على آلائه وحسن بلائه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله ، وصلى الله على محمد وآل محمد .
أمّا بعد ، فإنّك قد تكلّمت فأنصتنا ، وقلت فسمعنا ، وأنّ الله - جل ثناؤه ، وتقدست أسماؤه - اختار محمداً (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) لرسالته ، واختاره لوحيه وشرفه على خلقه ، فأشرف الناس من تشرف به ، وأولاهم بالأمر أخصهم به ، وإنما على الأمة التسليم لنبيها إذ اختاره الله لها ، فإنّه إنّما اختار محمداً بعلمه ، وهو العليم الخبير ، واستغفر الله لي ولكم» (1).
وتكلّم من بعده عبدالله بن جعفر ، فقال :
«الحمد الله أهل الحمد ومنتهاه ، نحمده على إلهامنا حمده ، ونرغب إليه في تأدية حقه ، وأشهد أن لا إله إلا الله واحداً صمداً ، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً ، وأنّ محمداً عبده ورسوله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم).
أما بعد : فإنّ هذه الخلافة إن أُخذ فيها بالقرآن ، فأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ، وإن أخذ فيها بسنة رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، فأولو رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، وإن أخذ فيها بسنة الشيخين أبي بكر وعمر ، فأي الناس أفضل وأكمل وأحق بهذا الأمر من آل الرسول (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ؟ ! وأيم الله لو ولوه بعد نبيهم لوضعوا الأمر موضعه لحقه وصدقه ، ولأطيع الرحمن ، وعُصي الشيطان ، وما اختلف في الأمة سيفان ، فاتق الله يا معاوية فإنّك قد صرت راعياً ونحن رعيّة ، فانظر لرعيّتك فإنّك مسؤول عنها غداً ، وأمّا
1) الإمامة والسياسة : 1 : 172 .
ما ذكرت من ابني عمي وتركك أن تحضرهما ، فوالله ما أصبت الحق ، ولا يجوز لك ذلك إلا بهما ، وأنّك لتعلم أنّهما معدن العلم والكرم ، فقل أو دع ، واستغفر الله لي ولكم» (1).
وبيّن عبدالله بن جعفر استحقاق أهل البيت (علیهم السلام) للخلافة على جميع الوجوه ، فإن كان مدرك استحقاقها القرآن الكريم فأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض ، وإن كانت السنة المقدّسة فآل الرسول أولى بالأمر من غيرهم ، وإن كانت سنة الشيخين فآل الرسول (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) أولى بالأمر ، وذلك لمواهبهم وكمالهم وتقدّمهم على غيرهم بالعلم والفضل ، ثمّ بيّن الأضرار الناجمة من ترك الأمة لهم وعدم اتباعهم .
وانبرى من بعده عبد الله بن الزبير فقال :
«الحمد لله الذي عرّفنا دينه ، وأكرمنا برسوله ، أحمده على ما أبلى وأولى، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً عبده ورسوله .
أما بعد ، فإنّ هذه الخلافة لقريش خاصة تتناولها بمآثرها السنية ، وأفعالها المرضية ، مع شرف الآباء ، وكرم الأبناء ، فاتق الله يا معاوية ، وأنصف نفسك ، فإنّ هذا عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، وهذا عبد الله بن جعفر ذي الجناحين ابن عم رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، وأنا عبد الله بن الزبير ابن عمة رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، وعلي خلف حسناً وحسيناً وأنت تعلم من هما وما هما ، فاتق الله يا معاوية ، وأنت الحاكم بيننا وبين نفسك» (2).
وقد رشح ابن الزبير هؤلاء النفر للخلافة ، وحفزهم لمعارضة معاوية وإفساد مهمته.
وانبرى من بعده عبدالله بن عمر ، فقال :
«الحمد الله الذي أكرمنا بدينه ، وشرّفنا بنبيه (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم).
أما بعد ، فإنّ هذه الخلافة ليست بهرقليّة ، ولا قيصرية ، ولا كسروية يتوارثها الأبناء عن الآباء ، ولو كان كذلك كنت القائم بها بعد أبي ، فوالله ما أدخلني مع الستة من أصحاب الشورى ، إلا على أنّ الخلافة ليست شرطاً مشروطاً ، وإنّما في قريش خاصة لمن كان لها أهلاً ممن ارتضاه المسلمون لأنفسهم ممن كان أتقى وأرضى ، فإن كنت تريد الفتيان من قريش فلعمري إنّ يزيد من فتيانها ، واعلم أنه لا يغني عنك من الله شيئاً » (1).
لقد شجب ابن عمر بيعة يزيد ، ولكنّه لم يلبث أن سمع وأطاع وبايع له ، لأنّ معاوية قد أرشاه بمائة ألف دينار (2)، ويذلك فقد باع عليه ضميره ودينه .
ومهما يكن من شيء فإنّ معاوية قد ثقل عليه كلام هؤلاء النفر ، فلقد جابهوه بعدم صلاحية ابنه للخلافة ، وأنهم أولى بها منه ، وانبرى إليهم مجيباً :
«قد قلت وقلتم ، وأنّه قد ذهبت الآباء وبقيت الأبناء ، فابني أحبّ إليَّ من أبنائهم ، مع أنّ ابني إن قاولتموه وجد مقالاً ، وإنما كان هذا الأمر لبني عبد مناف؛ لأنهم أهل رسول الله ، فلما مضى رسول الله ولى الناس أبا بكر وعمر من غير معدن الملك والخلافة غير أنهما سارا بسيرة جميلة ثم رجع الملك إلى بني عبد مناف فلا يزال فيهم إلى يوم القيامة ، وقد أخرجك الله يابن الزبير، وأنت يابن عمر منها ، فأما ابنا عمي هذان فليسا بخارجين من الرأي إن شاء الله» (3).
وعلى أي حال ، فقد فشل معاوية في مهمته ، ونزح عن يثرب وولى إلى عاصمته ، وأعرض عن ذكر بيعة يزيد (4)، فلقد عرف أنّها لا تتم ما دام الحسن (علیه السلام)
حياً ، فأخذ يطيل التفكير في كيفية اغتيال الإمام حتّى يتم له الأمر ، وقد توصل إلى ما أراد ، فاغتاله بالسم كما سنبينه عند نهاية المطاف من هذا الكتاب .
لقد اتخذ معاوية بعد اغتياله للإمام جميع التدابير ، واعتمد على جميع الوسائل في إرغام المسلمين على بيعة يزيد ، وفرضه حاكماً عليهم ، وقد راسل الوجوه من أبناء المهاجرين والأنصار يدعوهم إلى ذلك ، وذكر المؤرّخون نصوص رسائله مع أجوبتهم له ، وقد كتب إلى الإمام الحسين (علیه السلام) ما نصه :
«أما بعد : فقد انتهت إليّ منك أمور ، لم أكن أظنك بها رغبة عنها ، وإن أحق الناس بالوفاء لمن أعطى بيعة من كان مثلك ، في خطرك وشرفك ، ومنزلتك التي أنزلك الله بها ، فلا تنازع إلى قطيعتك ، واتَّق الله ، ولا تردن هذه الأمة في فتنة ، وانظر لنفسك ودينك وأمة محمّد ، « وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ» (1)».
وأجابه سيّد الشهداء (علیه السلام) فذكر له الأحداث الجسام التي ارتكبها وعرض عليه ما مني به المسلمون من الظلم والجور في دوره ، وقد استشهدنا ببعض فصوله للاستدلال به على شجب الإمام الحسين (علیه السلام) الموبقات معاوية ، وقد جاء في آخر جوابه ما لفظه :
«... وَقُلْتَ فِيمَا قُلْتَ : لَا تَرِدَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ فِي فِتْنَةٍ اُنْظُرْ لِنَفْسِكَ وَدِينِكَ وَلَأُمَّةِ مُحَمَّدِ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، وَاتَّقِ شَقَّ عَصَا هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَأَنْ تُرْدِهِمْ فِي فِتْنَةٍ ، وَإِنِّي لا أَعلَمُ فِتْنَةً أَعْظَمَ عَلى هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ وِلَايَتِكَ عَلَيْهَا، وَلَا أَعْظَمُ لِنَفْسِي وَلِدِينِي وَلِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) أَفْضَلَ مِنْ أَنْ أُجَاهِرَكَ ، فَإِنْ فَعَلْتُ فَإِنَّهُ قُرْبَةً إِلَى اللَّهِ ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ فَإِنِّي اسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِدِينِي ، وَأَسْأَلُهُ تَوْفِيقَهُ
1) الروم 30: 60 .
لإرشَادِ أَمْرِي .
وَقُلْتَ فِيمَا قُلتَ إِنِّي إِنْ أَنْكُرْكَ تَنْكُرْنِي ، وَإِنْ أَكِدْكَ تَكِدْنِي ، فَكِدْنِي مَا بَدَا لَكَ ، فَإِنِّي أَرْجُو أَلَّا يَضُرَّنِي كَيْدُكَ فِيَّ ، وَأَلا يَكُونَ عَلَى أَحَدٍ أَضَرّ مِنْهُ عَلَى نَفْسِكَ، لأَنَّكَ قَدْ رَكِبْتَ جَهْلَكَ ، وَتَحرَّصْتَ عَلَى نَقْضِ عَهْدِكَ . وَلَعَمْرِي مَا وَفَيْتَ بِشَرْطٍ ، وَلَقَدْ نَقَضْتَ عَهْدَكَ بِقَتْلِ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ الَّذِينَ قَتَلْتَهُمْ بَعْدَ الصُّلْحُ وَالْأَيْمَانِ وَالْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ ، فَقَتَلْتَهُمْ مِن غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا قَاتَلُوا وَقَتَلُوا ، وَلَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ بِهِمْ إِلَّا لِذِكْرِهِمْ فَضْلَنَا وَتَعْظِيمِهِمْ حَقَّنَا وَمَخَافَةَ أَمْرٍ لَعَلَّكَ لَوْ لَمْ تَقْتُلُهُمْ مِنَّ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلُوا، أَوْ مَاتُوا قَبْلَ أنْ يُدْرِكُوا .
فَأَبْشِرْ يَا مُعَاوِيَةُ بِالْقَصَاصِ ، وَاسْتَيْقِنْ بِالْحِسَابِ ، وَاعْلَمْ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى كِتَابَاً لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا . وَلَيسَ اللَّهُ بِنَاسِ لِأَخْذِكَ بِالظَّنَّةِ وَقَتْلِكَ أَوْلِيَاءَهُ عَلَى التُّهَم ، وَنَفْسِكَ إِيَّاهُمْ مِنْ دُورِهِمْ إلى دارِ الْغُرْبَةِ ، وَأَخْذِكَ النَّاسَ بِبَيْعَةِ ابْنِكَ الْغُلَامِ الْحَدَثِ ، يَشْرَبُ الشَّرابَ ، وَيَلْعَبُ بِالْكِلَابِ ، مَا أَرَاكَ إِلَّا قَدْ خَسِرْتَ نَفْسَكَ ، وَتَبَّرْتَ دِينَكَ (1)، وغَشَمْتَ رَعِيَّتَكَ ، وَأَخْزَيْتَ أَمَانَتَكَ ، وَسَمِعْتَ مَقَالَةَ السَّفِيهِ الْجَاهِلِ ، وَأَخَفْتَ الْوَرعَ التَّقِيَّ ، وَالسَّلَامُ» (2).
ولم يجد مع ابن هند النصح ولا التحذير من عقوبة الله ، فقد راح يعمل بوحي من جاهليته على ضرب الإسلام، وعلى إرغام المسلمين على مبايعة يزيد المستحل لجميع ما حرم الله.
ولما رأى معاوية أنّ خيار الصحابة ، وأبناء المهاجرين والأنصار لم يستجيبوا لدعوته ، وأصروا على رفض بيعة يزيد سافر مرّة أخرى إلى يثرب ، وقد أحاط نفسه بالقوى العسكرية ليرغم الجبهة المعارضة على الاستجابة له .
وفي اليوم الثاني من قدومه أرسل إلى الإمام الحسين (علیه السلام) وإلى عبد الله بن عباس ، وسبق ابن عبّاس فأجلسه معاوية عن يساره وشاغله بالحديث حتى أقبل الحسين (علیه السلام)، فأجلسه عن يمينه وسأله عن بني الحسن وعن أسنانهم ، فأخبره بذلك ، وخطب معاوية خطبة أشاد فيها بيزيد ، وذكر علمه بالقرآن والسنّة ، وحسن سیاسته ، ثم دعاهم إلى بيعته وإلى الاستجابة لقوله .
وقام أبيُّ الضيم بعد خطاب معاوية ، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال :
«أَمَّا بَعْدُ يَا مُعَاوِيَةُ ، فَلَنْ يُؤَدِّي الْمَادِحُ وَإِنْ أَطْنَبَ فِي صِفَةِ الرَّسُولِ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) مِنْ جَمِيعٍ جُزْءاً ، وَقَدْ فَهِمْتُ مَا لَبِسْتَ بِهِ الْخَلَفَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) مِنْ إِيجَازِ الصِّفَةِ ، وَالتَّنَكُبِ عَنِ اسْتِبْلاَغِ النَّعْتِ ، وَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ يَا مُعَاوِيةُ !
فَضَحَ الصُّبْحُ فَحْمَةَ الدُّجَى ، وَبَهَرَتِ الشَّمْسُ أَنْوَارَ السُّرُجِ ، وَلَقَدْ فَضَّلْتَ حَتَّىٰ أَفْرَضْتَ ، وَاسْتَأْثَرْتَ حَتَّى أَجْحَفْتَ ، وَمَنَعْتَ حَتَّى بَخِلْتَ ، وَجُرْتَ حَتَّى جَاوَزْتَ ، مَا بَذَلْتَ لِذِي حَقٍّ مِنْ أَتَمَّ حَقَّهِ مِنْ نَصِيبٍ حَتَّى أَخَذَ الشَّيْطَانُ حَظَّهُ الْأَوْفَرَ، وَنَصِيبَهُ الْأَكْمَلَ .
وَفَهِمْتُ مَا ذَكَرْتَهُ عَنْ يَزِيدَ مِن اكْتِمَالِهِ وَسِيَاسَتِهِ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ، تُرِيدُ أَنْ تُوهِمَ النَّاسَ فِي يَزِيدَ ، كَأَنَّكَ تَصِفُ مَحْجُوباً ، أَوْ تَنْعَتُ غَائِباً ، أَوْ تُخبِرُ عَمَّا كانَ مِمَّا احْتَوَيْتَهُ بِعِلْمٍ خَاصَّ ، وَقَدْ دَلَّ يَزِيدُ مِنْ نَفْسِهِ عَلَى مَوقِع رَأْيِهِ ، فَخُذْ لِيَزِيدَ فِيمَا أَخَذَ بِهِ مِنِ اسْتِقْرَائِهِ الْكِلَابَ الْمُهَارِشَةَ عِنْدَ النَّهَارُشِ ، وَالحَمَامَ السُّبَّقَ لِأَترَابِهِنَّ ، وَالْقِيَانَ ذَوَاتَ الْمَعَازِفِ ، وَضُرُوبَ الْمَلَاهِي تَجِدْهُ بَاصِرَاً.
وَدَعْ عَنْكَ مَا تُحَاوِلُ فَمَا أَغْنَاكَ أَنْ تَلْقَى اللَّهَ بِوِزرِ هَذَا الخَلْقِ بِأَكْثَرِ مِمَّا أَنْتَ لَاقِيهِ ، فَوَاللَّهِ مَا بَرِحْتَ تَقْدَحُ بَاطِلاً فِي جَوْرٍ ، وَحَنَقاً فِي ظُلْمٍ ، حَتَّى مَلَأتَ الْأَسْقِيَةَ ، وَمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْمَوْتِ إِلَّا غَمْضَةٌ ، فَتَقْدِمَ عَلَى عَمَلٍ مَحْفُوطٍ فِي يَوْمٍ مَشْهُودٍ ، وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ . وَرَأَيْتُكَ عَرَضتَ بِنَا بَعْدَ هَذَا الْأَمْرِ، وَمَنَعْتَنَا عَنْ آبَائِنَا تُرَاثَاً، وَلَعَمْرُ اللهِ أَوْرَثَنَا الرَّسُولُ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وِلاَدَةً وَجِئَتْ لَنَا بِهَا مَا حَجَجْتُمْ بِهِ الْقَائِمَ عِنْدَ مَوْتِ الرَّسُولِ ، فَأَذْعَنَ لِلحُجَّةِ بِذلِكَ وَرَدَّهُ الْإِيمَانُ إِلَى النَّصَفِ ، فَرَكِبْتُمُ الْأَعَالِيلَ ، وَفَعَلْتُمُ الْأَفَاعِيلَ، وَقُلْتُمْ : كَانَ وَيَكُونُ ، حَتَّى أَتَاكَ الْأَمْرُ يَا مُعَاوِيَةُ مِنْ طَرِيقٍ كَانَ قَصْدُهَا لِغَيْرِكَ ، فَهُنَاكَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ.
وَذَكَرْتَ قِيَادَةَ الرَّجُلِ القَوْمَ بِعَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وَتَأْمِيرِهِ لَهُ ، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ وَلِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَوْمَئِذٍ فَضِيلَةٌ بِصُحْبَةِ الرَّسُولِ ، وَبَيْعَتِهِ لَهُ ، وَمَا صَارَ لِعَمْرٍو يَوْمَئِذٍ مَبْعَثُهُمْ حَتَّى أَنِفَ الْقَوْمُ إِمْرَتَهُ، وَكَرِهُوا تَقْدِيمَهُ ، وَعَدُوا عَلَيْهِ أَفْعَالَهُ ، فَقَالَ الله : لَا جَرَمَ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ لَا يَعْمَلُ عَلَيْكُمْ بَعْدَ الْيَوْمِ غَيْرِي ، فَكَيْفَ تَحْتَجُ بِالْمَنْسُوخِ مِنْ فِعْلِ الرَّسُولِ فِي أَوْكَدِ الْأَحْكَامِ ، وَأَوْلَاهَا بِالْمُجْتَمِع عَلَيْهِ مِنَ الصَّوَابِ ؟ أَمْ كَيْفَ صَاحَبْتَ بِصَاحِبٍ تَابِعَاً ؟ وَحَوْلُكَ مَنْ لَا يُؤْمَنُ فِي صُحْبَتِهِ ، وَلَا يُعْتَمَدُ فِي دِينِهِ وَقَرَابَتِهِ ، وَتَتَخَطَّاهُم إِلَى مُسْرِفٍ مَفْتُونِ، تُرِيدُ أَنْ تُلَبِّسَ النَّاسَ شُبْهَةً يَسْعَدُ بِهَا البَاقِي فِي دُنْيَاهُ وَتَشْقَى بِهَا فِي آخِرَتِكَ ، إِنَّ هَذا لَهُوَ الخُسْرَانُ المُبِينُ ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُم.
وذهل معاوية ، فنظر إلى ابن عبّاس فقال له : ما هذا يابن عبّاس ؟ !
وانصرف الإمام (علیه السلام) وترك الأسى يحز في نفس معاوية ، واعتمد معاوية بعد ذلك على جميع وسائل العنف والارهاب، فقد روى المؤرّخون : أنّه لمّا كان في مكة أحضر الإمام الحسين وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر ، وابن عمر ، وقال لهم : إنى أتقدم إليكم ، إنّه قد اُعذر من اُنذر ، إنّي كنت أخطب فيكم فيقوم إلى القائم منكم فيكذبني على رؤوس الناس ، فأحمل ذلك وأصفح ، وإنّى قائم بمقالة ، فاُقسم
1) أعيان الشيعة : 1: 583 - 584 . الغدير : 10 : 248 – 249. الإمامة والسياسة : 1: 195 و 196 .
بالله لئن ردّ عليّ أحدكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه ، فلا يبقين رجل إلا على نفسه !
ودعا صاحب حرسه بحضورهم ، فقال له : أقم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين ومع كل واحد سيف ، فإن ذهب رجل يردّ عليَّ كلمة بتصديق أو تكذيب فليضرباه بسيفيهما ؟ !
وخرج وخرجت الجماعة معه ، فنزا على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : «إنّ هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم ، لا يبتز أمر دونهم ، ولا يقضى إلا عن مشورتهم ، وإنّهم قد رضوا وبايعوا يزيد ، فبايعوا على اسم الله » (1).
وبهذه الوسائل الرهيبة والكذب السافر حمل معاوية المسلمين على بيعة يزيد . وقد انتهك بذلك الحرمات ، وألقى المسلمين في الفتن والبلاء .
ولم تعارض عائشة هذه البيعة المشؤومة، ولم تعمل أي عمل إيجابي ضدّ هذه الكارثة الكبرى التي روّع بها المسلمون، وانتهكت بها حرمة الإسلام، فقد كانت تُدلي بالرأي لمعاوية في حمل المعارضين على الطاعة فقد أوصته بالرفق بهم ، واللين معهم ليستجيبوا له قائلة : « وارفق بهم - أي بالمعارضين - فإنّهم يصيرون إلى ما تحبّ إن شاء الله» (2).
لقد وقفت عائشة هذا الموقف المؤسف من بيعة يزيد الماجن الخليع وهي من دون شك تعلم بفسقه ، ويلعبه بالفهود والقرود ، واستباحته لما حرم الله .
إن الفكر ليقف حائراً أمام موقفها هذا ، وموقفها من بيعة أمير المؤمنين (علیه السلام) الذي
هو أخو النبي وأبو سبطيه ، وباب مدينة علمه ، فإنّها لما أخبرت ببيعته انهارت أعصابها ، وهتفت وهي حانقة مغيظة ، وبصرها يشير إلى السماء ثم ينخفض فيشير إلى الأرض قائلة : « والله ليت هذه انطبقت على هذه إن تم الأمر لابن أبي طالب !».
وقفلت راجعة إلى مكة تحفّز الجماهير لحرب الإمام رائد العدالة الاجتماعية الكبرى في الأرض ، فقادت الجيوش لمناجزته حتى أغرقت الأرض بالدماء ، وأشاعت الشكل والحزن والحداد بين المسلمين للإطاحة بحكمه .
وعلى أي حال، فإنّ موقف عائشة من بيعة يزيد ، وتأييد ابن عمر وسائر القوى النفعية لها قد أخلد للمسلمين الفتن والمصاعب ، وجرّلهم الويلات والخطوب ، فقد سارت الخلافة الإسلامية تنتقل بالوراثة إلى الطلقاء وأبناء الذين لم يألوا جهداً في الكيد للإسلام ، وفي نشر البغي والفساد في الأرض.
وتساءل السائلون عن كثرة أزواج الإمام الحسن (علیه السّلام) ، وأرجف المرجفون ذلك ، وقد بلغ الحقد وسوء الظن ببعض الجاهلين أن قالوا إنّه إنّما تزوّج بهذه الكثرة إجابة لداعي الهوى وإشباعاً للشهوة ، وما عرفوا أن الإمام بعيد كل البعد عن الانقياد لهذه الغرائز، فهو سيّد شباب أهل الجنّة ، وممّن نطق القرآن الكريم بعصمته وطهارته .
وسنذكر نص كلام القائلين بذلك مشفوعاً ببيان بطلانه وفساده ، وحيث أن الموضوع قد حامت حوله الشكوك والظنون ، وحقت به التهم والطعون ، فلابد من البحث عنه ، وبيان الواقع فيه ولو إجمالاً ، فنقول :
قد ذهب بعض أهل العلم إلى تصحيح ذلك ، وإلى عدم منافاته لسيرة الإمام (علیه السلام) وهديه ، وذهب بعض آخر إلى وضع ذلك وعدم صحته ، ومن الخير أن نسوق أدلّة الطرفين ، أما المصححون فقد استدلوا عليه بما يلي :
1 - إنّه لا مانع بحسب الشريعة الإسلامية المقدّسة من كثرة الزواج ، فقد ندب الإسلام إليه كثيراً ، وقد اشتهرت كلمة المنقذ الأعظم في الحث على ذلك ، فقد قال : «تَناكَحوا تَناسَلُوا حَتَّى اُبَاهِي بِكُمُ الأُمَمَ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَوْ بِالسِّقْطِ».
وقال سفيان الثوري : «ليس في النساء سرف » .
وقال الخليفة الثاني : «إنّي أتزوج المرأة وما لي فيها من إرب، وأطأها وما لي
فيها من شهوة .
فقيل له : فلماذا تتزوجها ؟
فقال : حتى يخرج منّي من يكاثر به النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم)».
وتزوّج المغيرة بن شعبة بألف امرأة (1).
وقد كان لأمير المؤمنين أربع نسوة ، وتسعة عشر وليدة (2)هذا في الإسلام ، وأما قبل الإسلام فقد كان لسليمان بن داود سبعمائة حرّة وثلاثمائة سرية ، وتزوّج أبوه داود (علیه السلام) بمائة حرّة وثلاثمائة سرية ، فكثرة التزويج لا مانع منها بحسب الشرع الإسلامي وغيره، وعليه فأي حزازة على الإمام فى عمله ذلك كثرة أزواجه ؟
2 - إنّما تزوّج بهذه الكثرة لتقوى شوكته ، ويشتد أزره بالمصاهرة على الأمويين الذين بذلوا جميع جهودهم للقضاء على الهاشميين ، وتحطيم كيانهم ومحو ذكرهم .
3 - إن أولياء النسوة كانوا يعرضون بناتهم على الإمام ويلحون عليه بالتزويج بهنّ لأجل التشرّف به ، والتقرّب إليه ، فهو حفيد النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وسبطه الأكبر ، وسيد شباب أهل الجنّة ، ومضافاً إلى ذلك أنهم رأوا أنّ عائشة بنت أبي بكر كان أبوها من أواسط قريش شرفاً ويسبب زواج النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) بابنته قد احتل مكانة مرموقة في العالم الإسلامي.
ولهذا الأمر كانوا يعرضون بناتهم على الإمام ويلحون عليه بالتزويج بهنّ ليحظوا بالعز والشرف بمصاهرة الإمام لهم .
هذا ما استدلّ به المصححون للكثرة .
وأما النافون ، فقد استدلوا على ذلك بأمور :
1 - كراهة الطلاق شرعاً ، لقد ثبت عند القائلين بالكثرة والملتزمين بها أنّ الإمام كان مطلاقاً ، وأنّه كان يفارق من تزوجها بأقرب وقت، ومن المعلوم أنّ الطلاق من أبغض الأشياء في الإسلام ، وقد تواترت الأخبار في كراهته ، وفي النهي عنه ، فقد أثر عن النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) أنه لما بلغه أن أبا أيوب يريد أن يطلق زوجه ، قال (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) : إنَّ طَلاقَ أُمِّ أَيُّوبَ لَحوبٌ - أي إثم - (1).
وقال أبو عبد الله الصادق (علیه السلام) : « إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْبَيْتَ الَّذي فيهِ الْعُرْسُ ، وَيَبْغَضُ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الطَّلَاقُ ، وَما مِنْ شَيْءٍ أَبْغَضُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الطَّلَاقِ» (2).
وقال أبو عبدالله (علیه السلام) : « ما مِنْ شَيْءٍ مِمَّا أَحَلَّهُ اللهُ أَبْغَضُ إِلَيْهِ مِنَ الطَّلاقِ ، وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْغَضُ المِطْلاقَ الذَّواقَ» (3).
وقال : « تَزَوَّجوا ، وَلَا تُطَلِّقوا ، فَإِنَّ الطَّلاق يَهْتَزُّ مِنْهُ الْعَرْشُ» (4).
ومع هذه الكراهية الشديدة كيف يطلق الإمام النساء ويبالغ في الطلاق ؟
2 - منافاته لهدي الإمام (علیه السلام) . وقد ثبت أنّ الإمام حليم المسلمين، والمثل الأعلى للأخلاق الفاضلة ، ومن المعلوم أنّ الطلاق ينافي الحلم ، إذ فيه كسر لقلب المرأة ، وإذلال لها ، وذلك لا يتفق مع ما عُرف به الإمام من الحرص على إدخال السرور على الناس ، واجتناب المساءة ، والأذى لكل إنسان .
3 - انشغاله عن ذلك . لقد كان الإمام مشغولاً عن أمثال هذه الأمور بعبادته واتجاهه نحو الله ، وعمله المستمرّ في حقل الإصلاح وقضاء حوائج الناس ، وجلب
الخير لهم ، ودفع الشرّ والشقاء عنهم ، فلا تفكير له إلا بالأمور الإصلاحية ، وليس عنده مزيد من الوقت ليقضيه في ذلك.
هذا مجموع ما استدل به النافون ، وإن كان بعضه لا يخلو من ضعف .
أما أنا فبحسب تتبعي عن أحوال الإمام (علیه السلام) أرى أن هذه الكثرة موضوعة وبعيدة عن الواقع كل البعد ، وبيان ذلك لا يتم إلا بعرض الروايات ، والبحث عن سندها الذي هو شرط في قبول الرواية ، فنقول :
قد اختلف رواة الأثر في ذلك اختلافاً كثيراً ، فقد روي أنّهنّ :
1 - سبعون .
2 - تسعون .
3 - مائتان وخمسون .
4 - ثلاثمائة .
وروي غير هذا ، إلّا أنّه من الشذوذ بمكان ، والمهم البحث عن سند هذه الروايات فعليها يدور البحث نفياً وإثباتاً ، فنقول :
أما الرواية الاُولى :
فقد ذكرها ابن أبي الحديد وغيره (1).
وقد أخذوها عن عليّ بن محمّد بن عبد الله البصري الشهير بالمدائني (المتوفى سنة 225ھ) ، وهو من الضعفاء الذين لا يعوّل على أحاديثهم ، فقد امتنع مسلم من الرواية عنه في صحيحه (2).
وضعفه ابن عدي في الكامل ، فقال فيه : «ليس بالقوي الحديث ، وهو صاحب
الأخبار قل ما له من الروايات المسندة» (1).
وقال له الأصمعي : «والله لتتركن الإسلام وراء ظهرك» (2).
وكان من خلّص أصحاب أبي إسحاق الموصلي ، وقد رافقه من أجل أمواله وثرائه .
فقد روى أحمد بن أبي خيثمة ، قال : «كان أبي ويحيى بن معين ، ومصعب الزبيري يجلسون على باب مصعب ، فمر رجل على حمار فاره ، وبزة حسنة ، فسلّم وخص بسلامه يحيى ، فقال له : يا أبا الحسن ، إلى أين ؟
قال : إلى دار هذا الكريم الذي يملأ كمي دنانير ودراهم إسحاق الموصلي .
فلمّا ولّى يحيى قال : ثقة ، ثقة ، ثقة .
فسألت أبي مَن هذا ؟
فقال : هذا المدائني» (3).
وكان يروي عن عوانة بن الحكم (المتوفى سنة 158ھ) ، وهو عثماني ، وكان يضع الأخبار لبني أمية (4)، ولذا كان المدائني يشيد بالأمويين ويبالغ في تمجيدهم .
وبالإضافة إلى ذلك فقد كان مولى السمرة بن جندب ، ويقال ابن حبيب الأموي (5)، والموالي على الأكثر تنطبع في نفوسهم ميول مواليهم وسائر نزعاتهم ، وقد تأثر المدائني بنفسيّة سمرة ، فكان أموي النزعة ، ومن المنحرفين عن أهل البيت (علیهم السلام) ، وبعد هذا فلا يبقى لنا أي وثوق برواياته وأحاديثه .
وأما الرواية الثانية :
فقد اقتصر على روايتها الشبلنجي (1)، وقد رواها مرسلة فلا يصح التعويل عليها نظراً لإرسالها.
وأما الرواية الثالثة والرابعة :
فقد رواهما المجلسي (2)، وابن شهرآشوب (3)، وقد نص كلّ منهما أنه قد أخذهما عن (قوت القلوب) لأبي طالب المكي (المتوفى سنة 380ھ) ، وقد راجعنا هذا الكتاب فوجدناه قد ذكر ذلك ، وهذا نص ما جاء فيه : « وتزوّج الحسن بن على (علیه السلام) مائتين وخمسين ، وقيل : ثلاثمائة ، وكان عليّ يضجر من ذلك ويكره حياءً من أهلهنّ إذا طلقهنّ ، وكان يقول : إن حسناً مطلق فلا تنكحوه ، فقال له رجل من همدان : والله يا أمير المؤمنين ، لننكحنّه ما شاء ، فمن أحبّ أمسك ، ومن كره فارق ، فسرّ عليّ بذلك وأنشأ يقول :
وَلَوْ كُنتُ بَوّاباً عَلَى بَابِ جَنَّةٍ *** لَقُلتُ لِهَمْدَانَ ادْخُلُوا بِسَلامٍ
وهذا أحد ما كان الحسن يشبه فيه رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، وكان يشبهه في الخلق ، والخُلق ، فقد قال رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) : أَشْبَهتَ خَلْقِي وَخُلُقي ، وقال : حَسَنٌ مِنِّي ، وَحُسَيْنٌ مِنْ عَلِيٍّ ، وكان الحسن ربّما عقد له على أربعة وربّما طلّق أربعة » (4).
وأبو طالب المكي لا يعوّل على مؤلّفه ، فقد ورد في ترجمته أنه لما ألف (قوت القلوب) كان طعامه عروق البردي حتى اخضر جلده من كثرة تناولها ، وكان مصاباً
بالهستيريا . قدم بغداد واعظاً ، فاحتف به البغداديون فرأوا في حديثه هذياناً وخروجاً عن موازين الاستقامة ، فتركوه ونبذوه، ومن هجره وشذوذه قوله : «ليس على المخلوقين أضر من الخالق » ، وكان يبيح سماع الغناء ، فدعا عليه عبدالصمد بن علي ودخل عليه معاتباً فقال له أبو طالب :
فيا ليل كَمْ فِيكَ مِنْ مِتْعَةٍ *** ويا صُبحُ لَيَتَكَ لَمْ تَقْرُب
فخرج منه عبد الصمد وهو ساخط عليه ، ومن شذوذه أنه لما حضرته الوفاة دخل عليه بعض أصدقائه ، فقال له أبو طالب : إن ختم لي بخير فانثر على جنازتي لوزاً وسكراً .
فقال له صديقه : وما علامة الغفران لك ؟
قال : إن قبضت على يديك ، فلما حان موته قبض على يد صاحبه قبضاً شديداً، فامتثل زميله ذلك ، فنثر على جنازته لوزاً وسكّراً (1)، ونصّ المترجمون له أيضاً أنه ذكر في كتابه أحاديث لا أصل لها .
ومع هذا ، فكيف يعوّل على رواياته ويؤخذ بها، ومن أخذ عنه فهو غير عالم بحاله ، وعلى كلّ فالرقم القياسي لكثرة أزواج الإمام مستندة إليه ومأخوذة عنه ، ونظراً لما هو فيه من الشذوذ والانحراف فلا يمكن التعويل على ما ذكره .
ومهما يكن من شيء فليس عندنا دليل مثبت لكثرة أزواج الإمام سوى هذه الروايات ، وهي لا تصلح للاعتماد عليها نظراً للشبه والطعون التي حامت حولها ، ويؤيد افتعال تلكم الكثرة أمور :
1 - إنها لو صحت لكان للإمام من الأولاد جمع غفير يتناسب معها ، والحال أنّ
1) البداية والنهاية : 11 : 319. لسان الميزان : 5 : 300. الكنى والألقاب : 1 : 106 . المنتظم / ابن الجوزي: 7: 190.
النسابين والرواة لم يذكروا للإمام ذرّيّة كثيرة ، فإنّ الرقم القياسي الذي ذكر لها اثنان وعشرون ولداً ما بين ذكر وأنثى ، وهذا لا يلتئم كلّيّاً مع تلك الكثرة ولا يلتقي معها بصلة .
ومما يزيد وضوحاً في افتعال تلكم الروايات هي المناظرات التي جرت بين الإمام الحسن (علیه السّلام) وبين خصومه في دمشق وغيره، وقد أجهدوا نفوسهم، وأنفقوا كثيراً من الوقت للتفتيش عمّا يشين الإمام ليتخذوه وسيلة إلى التطاول عليه والنيل منه ، فلم يجدوا لذلك سبيلاً، كما تقدّم بيانه عند عرض مناظراته ، ولو كان الإمام الكثير الزواج والطلاق - كما يقولون - لقالوا له : أنت لا تصلح للخلافة لأنك مشغول بالنساء ، ولطبّلوا بذلك ، واتّخذوه وسيلة للتشهير به، وجابهوه به عند اجتماعهم به، فسكوتهم عنه وعدم ذكرهم له مما يدل على عدم واقعيّته وصحته.
3 - ومما يؤيد عدم صحة تلك الروايات أن أبا جعفر محمد بن حبيب (المتوفى سنة 245ھ) قد ذكر في كتابه (المحبر) ثلاثة أصهار للإمام ، وهم : الإمام علي بن الحسين (علیه السلام) وعنده أمّ عبد الله ، وعبد الله بن الزبير وعنده أمّ الحسن ، وعمرو بن المنذر وعنده أمّ سلمة (1)، ولم يزد على ذلك ، ولو كان الإمام (علیه السلام) كثير الأزواج لكان له من الأصهار ما يتناسب مع تلك الكثرة ، ومضافاً لذلك ، فإنّ أبا جعفر من المعنيين بأمثال هذه البحوث ، فقد ذكر في (المحبر) كثيراً من نوادر الأزواج ، ولو كان للإمام تلك الكثرة من الأزواج لألمع لها في محبره .
4 - ومما يدل على وضع ذلك وعدم صحته ما روي أنّ الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) كان يصعد المنبر فيقول : « لَا تُزَوِّجوا الْحَسَنَ فَإِنَّهُ مِطْلاق» ، كما روى ذلك أبو طالب وغيره ، إن نهي أمير المؤمنين الناس عن تزويج ولده على المنبر لا يخلو إما أن يكون قد نهى (علیه السلام) ولده عن ذلك فلم يستجب له حتى اضطر (علیه السلام) إلى الجهر به ، وإلى نهي
1) المحبر : 57 .
الناس عن تزويجه ، وإما أن يكون ذلك النهي ابتداء من دون أن يعرف ولده الإمام (علیه السلام) مبغوضيّة ذلك وكراهته لأبيه ، وكلا الأمرين بعيدان كل البعد .
أمّا الأوّل ، فهو بعيد لأنّ الإمام الحسن (علیه السّلام) من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس ، وممن باهل بهم النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، ومن المستحيل أن يخالف أباه ويعصي أمره .
وأما الثاني : فبعيد أيضاً ، لأن الاُولى بالإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) أن يعرف ولده بمبغوضية ذلك وكراهته له ، ولا يعلن ذلك على المنبر أمام الجماهير الحاشدة الأمر الذي لا يخلو من حزازة على ولده ووصيه وشريكه في آية التطهير .
ومضافاً إلى ذلك أنّ الأمر إما أن يكون سائغاً شرعاً أو ليس بسائغ ، فإن كان سائغاً فما معنى نهي الإمام (علیه السلام) عنه ، وإن لم يكن سائغاً فكيف يرتكبه الحسن ؟
إنا لا نشك في افتعال هذا الحديث ووضعه من خصوم الإمام ليشوّهوا بذلك سيرته العاطرة التي تحكي سيرة جده رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وسيرة أبيه أمير المؤمنين (علیه السلام).
5 - ومما يؤيد افتعال تلك الكثرة لأزواجه ما روي أنّ الإمام الحسن (علیه السلام)لما وافاه الأجل المحتوم خرجت جمهرة من النسوة حافيات حاسرات خلف جنازته ، وهن يقلن نحن أزواج الإمام الحسن (1).
إن افتعال ذلك صريح واضح ، فإنا لا نتصوّر ما يبرّر خروج تلك الكوكبة من النسوة حافيات حاسرات ، وهن يهتفن أمام الجماهير بأنهنّ زوجات الإمام ، فإن كان الموجب لخروجهنّ إظهار الأسى والحزن ، فما الموجب لهذا التعريف والسير في الموكب المزدحم بالرجال ، مع أنّهنّ قد أمرن بالتستّر وعدم الخروج من بيوتهن .
إنّ الحديث وأمثاله قد وضعه خصوم العلويين من الأمويين والعباسيين ،
1) بحار الأنوار: 44: 158 .
والغرض منه الحط من قيمة الإمام ، وتقليل أهميته .
ومن الأخبار الموضوعة التي تشابه تلك الأخبار ما رواه محمد بن سيرين أنّ الإمام الحسن (علیه السلام) تزوج بامرأة فبعث لها صداقاً مائة جارية ، مع كل جارية ألف درهم (1).
إنا نستبعد أن يعطي الإمام هذه الأموال الضخمة مهراً لإحدى زوجاته ، فإن ذلك لون من ألوان الاسراف والتبذير ، وهو منهي عنه في الإسلام ، فقد أمر بالاقتصار على السنة ، وكره تجاوزه ، فقد اُثر عن النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) أَنَّه قال : « أَفْضَلُ نِساءِ أُمَّتِي أَقَلُّهُنَّ مَهْراً».
وتزوج (علیه السلام) نساءه بمهر السنّة ، وكذلك تزويج أمير المؤمنين به ولم يتجاوزه ، وسبب ذلك تسهيل أمر الزواج لئلا يكون فيه ارهاق وعسر على الناس ، ومن المقطوع به أنّ الإمام الحسن (علیه السلام) لا يجافي سنة جده ، ولا يسلك أي مسلك يتنافى مع شريعته .
إن هذا الحديث وأمثاله من الموضوعات في المقام تؤيد وضع كثرة الأزواج ، وتزيد في الافتعال وضوحاً وجلاء.
وعلى أي حال ، فليس هناك دليل يثبت كثرة أزواج الإمام سوى تلكم الروايات ، ونظراً لما ورد عليها من الطعون فلا تصلح دليلاً للإثبات .
وأكبر الظنّ أنّ أبا جعفر المنصور هو أوّل من افتعل ذلك ، وعنه أخذ المؤرّخون ، وسبب ذلك هو ما قام به الحسنيون من الثورات التي كادت أن تطيح بسلطانه ، وعلى أثرها ألقى القبض على عبدالله بن الحسن وخطب على الخراسانيين في الهاشمية
1) البداية والنهاية : 8: 38. المسالك : 8 : 168 .
خطاباً شحنه بالسب والشتم لأمير المؤمنين ولأولاده، وافتعل فيه على الحسن ذلك ، وهذا نص خطابه :
«إن ولد آل أبي طالب تركناهم والذي لا إله إلا هو والخلافة ، فلم نعرض لهم لا بقليل ولا بكثير ، فقام فيها علي بن أبي طالب (علیه السلام) ، فما أفلح وحكم الحكمين ، فاختلفت عليه الأمة ، وافترقت الكلمة ، ثمّ وثب عليه شيعته وأنصاره وثقاته فقتلوه ، ثمّ قام بعده الحسن بن عليّ ، فوالله ماكان برجل عرضت عليه الأموال فقبلها ، ودسّ إليه معاوية أنّي أجعلك وليّ عهدي ، فخلعه ، وانسلخ له مما كان فيه وسلّمه إليه ، وأقبل على النساء يتزوّج اليوم واحدة ، ويطلق غداً أخرى ، فلم يزل كذلك حتى مات على فراشه » (1).
وحفل خطابه بالمغالطات والأكاذيب ، فقد جاء فيه :
1 - إنّ الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) قد حكم الحكمين ، وهو افتراء محض ، فإنّ الذي حكم الحكمين إنّما هو المتمرّدون من جيش الإمام ، فقد أصروا على ذلك ، وأرغموه على قبوله ، فاضطر (علیه السلام) إلى إجابتهم كما بيّنا ذلك في الحلقة الاُولى من هذا الكتاب .
2 - وجاء في خطابه أنّ الإمام قد وثبت عليه شيعته وأنصاره وثقاته فقتلوه، وقد جافى بذلك الواقع، فإنّ الذي قتله إنّما هم الخوارج، وهم ليسوا من شيعته ، ولا من أنصاره ، وإنّما كانوا من ألد أعدائه وخصومه.
3 - وذكر إن الإمام الحسن (علیه السلام) أقبل على النساء يتزوّج اليوم واحدة ، ويطلق غداً أخرى ، وهو بعيد كل البعد ولم يفه به أحد سواء.
وإنّما عمد إلى تلفيق هذه الأكاذيب لأجل تدعيم ملكه وسلطانه ، وقهر الحسنيين والحطّ من شأنهم ، لأنه قد بايع محمّداً ذا النفس الزكية مرتين ، ولم يكن
1) مروج الذهب : 3: 226 .
له أي أمل بالخلافة كما لم يكن له أي شأن في المجتمع ، فقد كان فقيراً بائساً يجوب القرى والأرياف وهو يمدح العترة الطاهرة فيتصدق عليه المسلمون ، وليس له ولأسرته أي خدمة للمجتمع حتّى يستحق هذا المنصب الخطير .
ومن مفتريات هذا الطاغية السفاك على سبط الرسول (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وريحانته ما جاء في كتابه إلى ذي النفس الزكية ، وهذا نصه :
وأفضى أمر جدّك - يعني أمير المؤمنين (علیه السلام) - إلى الحسن فباعها إلى معاوية بخرق ودراهم ، ولحق بالحجاز، وأسلم شيعته بيد معاوية ، ودفع الأمر إلى غير أهله ، وأخذ مالاً من غير ولاته ، ولا حلّه ، فإن كان لكم فيها شيء فقد بعتموه ، وأخذتم ثمنه» (1).
لقد عمد المنصور إلى هذا التهريج وإلى هذه المغالطات ليبرّر تقمصه للخلافة ، فقد أخذها بغير حقّ لأنّ الثورة التي أطاحت بالحكم الأموي كانت من أجل العلويين ، ولإرجاع حقهم الغصيب ، وليس للعباسيين فيها أي نصيب .
وطالما تحدّى لامنس كرامة الإسلام ، فألصق به التهم ، وطعن برجاله وحماته ، وقد ذكرنا في أسباب الصلح شطراً من مفترياته على الإمام وقد كتب في بحثه عن أزواج الإمام ما نصه :
«ولما تجاوز - يعني الإمام الحسن (علیه السّلام) - الشباب ، وقد أنفق خير سني شبابه في الزواج والطلاق فأحصي له حوالي المائة زوجة ، واُلصقت به هذه الأخلاق السائبة لقب المطلاق ، وأوقعت عليّاً في خصومات عنيفة وأثبت الحسن كذلك أنه مبذر كثير السرف ، وقد خصص لكل من زوجاته مسكناً ذا خدم وحشم ، وهكذا نرى
1) صبح الأعشى : 1 : 233 . جمهرة رسائل العرب : 3: 92.
كيف يبعثر المال أيّام خلافة علي التي اشتد عليها الفقر» (1).
لقد اعتمد لامنس في قوله : إنّ الإمام كان كثير الزواج والطلاق على أقوال المدائني وأمثاله من المؤرّخين الذين تابعوا السلطة الحاكمة فكتبوا لها لا للتاريخ ، وقد استقى المستشرقون الذين كادوا للإسلام في بحوثهم من منهل المؤرّخين الذين ساندوا تلك الدول الجائرة التي ناهضت أهل البيت ، وعملت على تشويه واقعهم ، والحط من كرامتهم ، وقد زاد عليهم (لامنس) فذكر من المخاريق والأكاذيب بما لم يقل به أحد غيره ، فقد قال :
1 - إنّه ألقى أباه بسبب كثرة زواجه وطلاقه في خصومات عنيفة ، ولم يشر أحد ممّن ترجم الإمام إلى تلك الخصومات العنيفة التي زعمها لامنس .
2 - وذكر أنّ الإمام خصص لكل من زوجاته مسكناً ذا خدم وحشم . إن جميع المؤرّخين لم ينقلوا ذلك ، وهو من الكذب السافر والافتراء المحض .
إن لجان التبشير المسيحي التي حاربت الإسلام وبغت عليه هي التي تدفع هذه الأقلام المأجورة وتزج بها للنيل من الإسلام ، وإلى تشويه واقعه ، والحط من قيم رجاله وأعلامه الذين أناروا الطريق للركب الإنساني ، ورفعوا منار الحضارة في العالم .
إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن كثرة أزواج الإمام مع ما حف بها من الطعون والشكوك ، وقد بقى علينا أن نشير إلى أسماء أزواجه اللاتي ذكرهنّ المؤرّخون مع بیان ما عثرنا عليه من تراجمهنّ ، وإليك ذلك :
وخولة بنت منظور الفزارية من سيّدات النساء في وفور عقلها وكمالها ، تزوّج بها الإمام وفي ليلة اقترانه بها بات معها على سطح الدار ، فشدّت خمارها برجله،
1) دائرة المعارف : 7: 400 .
وشدت الطرف الآخر بخلخالها ، فلمّا استيقظ وجد ذلك ، فسألها عنه ، فقالت له معربة عن إخلاصها وحرصها على حياته : خشيت أن تقوم من وسن النوم فتسقط ، فأكون أشأم سخلة على العرب.
فلما رأى ذلك منها أحبّها وأقام عندها سبعة أيام (1).
وقد بقيت عنده حولاً لم تتزين ولم تكتحل حتى رزقت منه السيد الجليل (الحسن) ، فتزيّنت حينئذٍ ، فدخل عليها الإمام فرآها متزينة ، فقال لها : ما هذا ؟ فقالت له : خفت أن أتزين وأتصنّع فتقول النساء تجملت فلم تر عنده شيئاً ، فأما وقد رزقت ولداً فلا أبالي .
وبقيت عنده إلى أن توفي (علیه السلام) فجزعت عليه جزعاً شديداً ، فقال لها أبوها مسلّياً :
نُبِّئْتَ خَوْلَةَ أَمْسِ قَدْ جَزِعَتْ *** مِنْ أَنْ تَنوبَ نَوائِبُ الدَّهرِ
لَا تَجْزَعِي يَا خَوْلُ وَاصْطَبِرِي *** إِنَّ الكِرامَ بَنوا عَلى الصَّبرِ (2)
وذكرت السيدة زينب بنت علي العامرية في ترجمة خولة ما حاصله : أنّها لما بلغت مبالغ النساء خطبها جملة من وجهاء قريش وأشرافهم ، فامتنع أبوها من إجابتهم لأنّهم ليسوا بأكفاء لها ، ثمّ إنّه طلّق أمّها مليكة بنت خارجة ، فتزوجها من بعده طلحة بن عبيد الله ، وتزوج ابنه محمّد بخولة ، فأولدت له إبراهيم وداود وأمّ القاسم ، وقتل زوجها محمّد في واقعة الجمل، فخطبها جماعة من الناس ، فجعلت أمرها بيد الحسن (علیه السّلام)ا فتزوجها .
ولما نزح الإمام إلى يثرب حملها معه ، فبلغ أباها ذلك ، فأقبل إلى مسجد رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وبيده راية فركزها في المسجد فلم يبق قيسي إلا وانضمّ تحتها ، وهو يهتف
بقومه ويستنجد بهم على أخذ بنته من الإمام ، فلما بلغه (علیه السلام) ذلك خلى سراحها ، فأخذها وخرج ، فجعلت خولة تتوسل به على إرجاعها ، وتندّد بعمله ، وتذكر له فضل الإمام (علیه السلام) ، فندم على فعله، وقال لها : البثي هاهنا ، فإن كان للرجل بك من حاجة سيلحق بك ، فلحقه الإمام مع أخيه الحسين وعبد الله بن عباس ، فلما انتهوا إليه قابلهم بحفاوة وتكريم وأرجعها إلى الإمام ، وفي ذلك يقول جبير العبسي :
إِنَّ النَّدى في بَني ذُبْيانَ قَدْ عَلِموا *** والجود في آلِ مَنْظورٍ بْنِ سَیّارِ
والماطرينَ بِأَيْدِيهِمْ نَدَى دِيَما *** وَكُلَّ غَيْثٍ مِنَ الوَسْمِيّ مِدْرارِ
تزورُ جارَتُهُمْ وَهْناً قَوابِضَهُمْ *** وَما فَتاهُمْ لَها سِرّاً بِزَوَارِ
تَرْضَىٰ قُرَيشٌ بِهِمْ صِهْراً لأَنْفُسِهِمْ *** وَهُمْ رِضاً لِبَني أُخْتٍ وَأَصْهارِ (1)
ثمّ إنّها بقيت عند الإمام حتى أسنّت ، ولما مات الإمام لم تتزوج من بعده ، وقيل : إنّها تزوّجت بعبد الله بن الزبير، ودخلت عليها النوار زوج الفرزدق مستشفعة بزوجها فأجابتها إلى ذلك ، فكلمت عبد الله به فأجابها إلى ذلك ، وفي هذا يقول الفرزدق :
أَمَا بَنوهُ فَلَمْ تُقْبَلْ شَفاعَتُهُمْ *** وَشُفّعَتْ بِنْتُ مَنْظورِ بْنِ زَبّانا
لَيسَ الشَّفيع الذي يَأْتيكَ مُؤْتَزِراً *** مثلَ الشَّفيعِ الَّذِي يَأْتيكَ عُرْيانا (2)
وعندي أنّ هذه القصة ضرب من الخيال ، ولا نصيب لها من الواقع ، وذلك لأنّ زواج الإمام بها من دون مراجعة أبيها أمر لا يتناسب مع كرامة الإمام ، ومحال أن يقدم عليه من دون مراجعته ، وأخذ رأيه في ذلك .
ومضافاً لهذا ، فإنّه من المستبعد عدم علم أبيها بقتل زوجها الأول في تلك المدة الطويلة من الزمن حتّى تزوّج بها الإمام ، ويبعده أيضاً نزوحه إلى يثرب واستنجاده
بأسرته ليأخذ ابنته من الإمام ، وقد كان يتطلب مصاهرة الأشراف ، ومناسبة العظماء ، فردّ جماعة من الأشراف الذين خطبوا ابنته لأنهم ليسوا أكفاءاً لها ، وبعد هذا فكيف لا يرضى بمصاهرة الإمام له وهو من ألمع الشخصيات في العالم الإسلامي ، إنا لا نشك في افتعال ذلك وعدم صحته .
واختلف المؤرّخون في اسمها ، فقيل : سكينة ، وقيل : شعثاء ، وقيل : عائشة، والأصح أنها جعدة حسب ما ذكره أكثر المؤرّخين (1).
وسبب زواج الإمام بها أن أمير المؤمنين (علیه السلام) خطب من سعيد بن قيس الهمداني ابنته أمّ عران لولده الحسن ، فقال له سعيد : امهلني يا أمير المؤمنين حتى استشير ، ثم خرج من عنده ، فلقيه الأشعث فسأله عن مجيئه ، فأخبره بالأمر ، فقال له هذا المنافق مخادعاً : كيف تزوّج الحسن وهو يفتخر عليها ولا ينصفها ويسيء إليها ؟ فيقول لها : أنا ابن رسول الله ، وابن أمير المؤمنين ، وليس لها هذا الفضل ، ولكن هل لك في ابن عمها فهى له وهو لها .
ومن ذلك ؟
محمد بن الأشعث ؟
فانخدع هذا الغبي من مقالته ، وقال : قد زوجته من ابنتي .
وأخذ الأشعث يشتد نحو أمير المؤمنين (علیه السلام) فقال له : خطبت إلى الحسن ابنة سعيد ؟
نعم .
فهل لك في أشرف منها بيتاً ، وأكرم منها حسباً ، وأتم منها جمالاً وأكثر مالاً ؟
1) مقاتل الطالبيين : 33 ، وغيره.
ومَن هي ؟
جعدة بنت الأشعث بن قيس .
قد قاولنا رجلاً - يعني سعيداً الهمداني - .
ليس إلى ذلك الذي قاولته من سبيل .
إنه فارقني ليستشير أمها .
قد زوجها من محمّد بن الأشعث .
متى ؟!
قبل أن آتيك .
فوافق أمير المؤمنين ، ولما فهم سعيد بإغراء الأشعث ومخادعته له أقبل نحوه يشتد فقال له : يا أعور خدعتني !
وأقبل الأشعث إلى الإمام فقال له : يا أبا محمد ، ألا تزور أهلك ؟ مستعجلاً في الأمر خوفاً من فواته ، ثمّ إنّه فرش أبسطة من باب بيته إلى بيت الإمام ، وزفّ ابنته إليه (1)بهذه الصورة كان زواج الإمام بجعدة.
ومن جملة أزواج الإمام عائشة الخثعمية تزوّجها في حياة أمير المؤمنين (علیه السلام) ، ولما قتل (علیه السلام) أقبلت إلى الإمام الحسن (علیه السّلام) فأظهرت الشماتة بوفاة أبيه ، فقالت له : لتهنك الخلافة.
ولما علم (علیه السلام) شماتتها قال لها : القتل علي تظهرين الشماتة ؟ اذهبي فأنت طالق .
1) الأذكياء / ابن الجوزي : 27 .
فتلفّعت بثيابها وقعدت حتى انقضت عدّتها ، فبعث لها بقيّة صداقها وعشرة آلاف درهم صدقة لتستعين بها على أمورها ، فلما وصلت إليها قالت : متاع قليل من حبيب مفارق (1).
ولم يذكر التاريخ أن الإمام طلّق زوجة سوى هذه ، وأمّ كلثوم وامرأة من بني شيبان ، فأين كثرة الزواج والطلاق التي طبّل بها بعض المؤرخين ؟ !
وأما بقيّة أزواجه اللاتي لم نعثر على تراجمهنّ ، فهن :
أمّ كلثوم بنت الفضل بن العباس ، تزوجها (علیه السلام) ثم فارقها فتزوجها من بعده أبو موسى الأشعري (2).
أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التيمي ،أولدت منه ولداً أسماه طلحة.
أم بشير بنت أبي مسعود الأنصاري ، أولدت منه ولداً أسماء زيداً .
هند بنت عبدالرحمن بن أبي بكر .
امرأة من بنات عمرو بن أهيم المنقري.
امرأة من ثقيف ، أولدت له ولداً أسماه عمراً .
امرأة من بنات زرارة.
امرأة من بني شيبان من آل همام بن مرّة، فقيل له : إنها ترى رأي الخوارج فطلقها ، وقال : إني أكره أن أضم إلى نحري جمرة من جمر جهنم (3).
أم عبد الله ، وهي بنت الشليل بن عبد الله أخو جرير البجلي .
أمّ القاسم ، وهي أم ولد ، وقيل اسمها نفيلة ، وقيل : رملة .
فمجموع ما تزوّجه الإمام من النساء هذا العدد المذكور لم يتجاوزه بقليل ، وهو كما ترى لا يمت إلى الكثرة المزعومة بصلة .
إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن أزواج الإمام (علیه السلام) ، وقد بقي علينا الإشارة إلى عدد أولاده ذكوراً وإناثاً ، وقد اختلف المؤرخون في ذلك اختلافاً كثيراً ، فقد روي أنهم :
1 - اثنا عشر : ثمانية ذكور ، وأربع إناث (1).
2 - تسعة عشر : الذكور خمسة عشر ، والإناث أربع (2).
3 - ستة عشر : الذكور أحد عشر ، والإناث خمس (3)
وقد نص على أسمائهم ، فالذكور زيد، والحسن والحسين الأثرم ، وطلحة ، وإسماعيل ، وعبد الله ، وحمزة ، ويعقوب ، وعبدالرحمن ، وأبو بكر ، وعمر .
وأمّا الإناث : أمّ الخير ، ورملة ، وأمّ الحسن ، وأم سلمة ، وأمّ عبد الله.
جاء فيه أنّ زيداً وأمّ الخير وأمّ الحسن أمّهم خزرجيّة ، وأمّ الحسن خولة بنت منظور الفزارية، وزوجه عمه الحسين بنته فاطمة ، وعمر أمه أم ولد ، والحسين أُمّه أم ولد ، وطلحة أمه من تيم قرشيّة ، وذكر أن عبدالرحمن ابن الإمام الحسن مات محرماً بالأبواء فكفّنه عمه الحسين ولم يحنطه ولا غطى وجهه .
.4 - تسعة عشر : الذكور ثلاثة عشر والبنات ست (4).
5 - عشرون : ستة عشر ذكراً ، وأربع بنات (5).
6 - ثلاثة وعشرون : الذكور خمسة عشر ، والإناث ثمان (6).
وقيل غير ذلك ، وقد اتفق المؤرّخون أنّه لم يعقب أحد من أولاده سوى الحسن وزيد ، أما أعلام أولاده فهم :
وفي طليعة أولاد الإمام الحسن (علیه السلام): القاسم ، وقد استشهد مع عمه سيّد الشهداء في واقعة كربلاء الخالدة في دنيا الأحزان ، وكان حينذاك في ريعان الشباب ، وغضارة العمر ، وكالقمر في جماله وبهائه ونضارته، برز يوم الطف حينما رأى ريحانة النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وحيداً ، قد أبيدت الصفوة من أهل بيته ، وعلا الصراخ والعويل من ثقل النبوة ، فلم يتمكن أن يرى ذلك ، فانبرى إلى عمه يقبل يديه ورجليه يطلب منه الإذن للدفاع عنه ، فأذن له.
أمّا كيفية شهادته فتذوب لها النفس لهولها أسى وحسرات ، وقد ذكرها المؤرّخون وأرباب المقاتل والسير بالتفصيل .
واسمه عبد الله ، أمّه أمّ ولد (1)يقال لها رملة (2)، برز يوم الطف يحامي عن دين الله ، ويذبّ عن ريحانة رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، فاستشهد في تلك الواقعة التي وتر فيها رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم).
استشهد مع عمّه سيّد الشهداء في كارثة كربلاء ، وله من العمر إحدى عشرة سنة ، نظر إلى عمه الحسين وقد أحاطت به جيوش الأمويين ، فأقبل يشتدّ للدفاع
عنه ، وأهوى بحر بن كعب بالسيف ليضرب الإمام الحسين ، فصاح به الغلام ، ويلك يابن الخبيثة ! أتضرب عمّي ؟ واتقى الغلام الضربة بيده ، فأطنّها إلى الجلد ، فإذا هي معلقة ، فاستنجد الغلام بعمه ، فانبرى إليه الإمام فضمه إليه (1).
وبينما هو في حجره إذ رماه حرملة بن كاهل بسهم فذبحه فذبحه (2).
وليس في تاريخ الإنسانية قديماً ولا حديثاً مثل أولئك الفتية من آل النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) في نخوتهم ونبلهم وبطولتهم .
وزيد أمه خزرجيّة ، كان جليل القدر ، كريم الطبع ، كثير البر والإحسان ، قصده الناس من جميع الآفاق لطلب بره ومعروفه ، وكان يلي صدقات رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، فلما ولي سليمان بن عبد الملك عزله عنها ، ولما هلك واستخلف عمر بن عبدالعزيز أرجعه إليها ، وقد مدحه محمد بن بشير الخارجي بقوله :
إذا نَزَلَ ابْنُ المُصْطَفَى بَطْنَ تَلعَةٍ *** نَفى جَدْبَها وَاخْضَرَّ بِالنَّبتِ عودها
وَزَيدٌ رَبَيعُ النَّاسِ في كُلِّ شَتْوَةٍ *** إذا أَخْلَقَتْ أَنْواؤُهَا وَرُعودُها
حمول لأشتات الديات كَأَنَّهُ *** سراجُ دُجیً قَدْ فَارَقَتْهُ سُعودُها (3)
وكان يركب فيأتي سوق الظهر فيقف به فتزدحم الناس على النظر إليه ، ويعجبون من خلقه ، ويقولون يشبه جدّه رسول الله (4).
توفي سنة مائة وعشرين، وله من العمر تسعون سنة وقيل : مائة ، ورثاه جماعة
من الشعراء منهم قدامة بن موسى الجمحي بقوله :
فَإِن يَكُ زَيدٌ غَالَتِ الأَرضُ شَخْصَهُ *** فَقَدْ بانَ مَعروفٌ هُناكَ وَجود
وَإِنْ يَكُ أَمْسَى رَهِنَ رَمْسٍ فَقَدْ ثَوى *** بِهِ وَهوَ مَحْمودُ الفِعالِ فَقيدُ
سَميعٌ إِلى المُضْطَرِّ يَعلَمُ أَنَّهُ *** سَيَطْلُبُهُ المَعْرُوفَ ثُمَّ يَعودُ
وليس بقَوَّالٍ وَقَدْ حَطَّ رَحلَهُ *** لِمُلْتَمِسِ المَعْرُوفِ أَيْنَ تُريدُ
إذا قَصَّرَ الوَعْدُ الدَّنِيُّ نَما بِهِ *** إِلى المَجدِ آباءٌ لَهُ وَجُدودُ
مباذيلُ لِلمَولى محاشيدُ لِلْقِرى *** وفي الروع عِندَ النائباتِ أسودُ
إذا مات مِنْهُمْ سَيِّدٌ قامَ سَیّد *** كَريمٌ يُبَنِّي مَجْدَهُمْ وَيَشيدُ (1)
كان الحسن سيّداً جليلاً عظيم القدر ، وهو وصيّ أبيه ، ووالي صدقته (2)، حضر عمه الحسين (علیه السلام) في واقعة كربلاء ، فقاتل معه حتى سقط إلى الأرض جريحاً، ولما أقبل أجلاف أهل الكوفة على حزّ رؤوس الشهداء وجدوا في الحسن رمقاً، فجاء أسماء بن خارجة الفزاري ، وكان من أخواله ، فاستشفع به، فشفعوه فيه ، فحمله معه إلى الكوفة وعالجه حتى برئ ثم لحق بالمدينة ، وكان يلي صدقات جده أمير المؤمنين (علیه السلام) ، وقد تزوّج بابنة عمه فاطمة بنت الحسين ، ولما مات جزعت عليه جزعاً شديداً ، فضربت على قبره فسطاطاً سنة كاملة ، فكانت تصلّي في الليل وتصوم في النهار (3).
توفّي وعمره خمس وثلاثون سنة مسموماً ، قد سقاه السم الوليد بن عبد الملك (1).
إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن أولاده، وقد بحثنا عنهم بحثاً موجزاً ، وعسى أن يساعدني التوفيق فأتشرف بالبحث عن سيرتهم وثورات أحفادهم الإصلاحية ضدّ الظالمين والمستبدين من خلفاء الأمويين والعباسيين.
1) عمدة الطالب : 78 .
وحقق معاوية جميع ما يصبو إليه في هذه الحياة، ونال من دنياه كل ما اشتهى وأراد ، ولكن بقيت عنده فكرة واحدة تراوده في جميع أوقاته قد أقضت مضجعه ، لو تمت لتمّ له كلّ شيء بحسابه ، وهي جعل الخلافة والملك العضوض وراثة في أبنائه وذريته ، وقد بذل جميع جهوده ومساعيه في تحقيق ذلك ، فأدنى الأباعد ، وأنفق الأموال الطائلة ، وسافر إلى يثرب مع ما هو فيه من الشيخوخة والضعف ، فلم يظفر بذلك ما دام الإمام الحسن (علیه السلام) حياً ، فعلم أنّه لا يتمكن من إنجاز مهمته إلا باغتيال شخصية الإمام التي ينتظر دورها العادل جميع المسلمين لينتشر العدل ويعم الخير والرفاهية في جميع أنحاء البلاد.
وأخذ معاوية يفكر في ذلك ، فيطيل التفكير ، ويقلب الرأي على وجوهه بأي وسيلة يتوصل إلى تحقيق أمنيته ، فمثل أمامه قوله الذي ضربه مثلاً للفتك والغدر: إن لله جنوداً من عسل ، وقد طبق ذلك ، فنجح به مع سعد بن أبي وقاص ، والزعيم مالك الأشتر ، فانحصرت وسيلته بتطبيق ذلك ، فأرسل إلى الإمام غير مرة سماً مميتاً حين ما كان في دمشق فلم ينجح به، فراسل عاهل الروم يطلب منه أن يبعث إليه سماً فاتكاً سريع التأثير ، فامتنع من إجابته قائلا له : إنه لا يصلح لنا في ديننا أن نعين على قتال من لا يقاتلنا.
إن ملك الروم لم يسمح له دينه أن يغتال بريئاً ، ولكنّ معاوية قد أباح ذلك ، وأعرب عن كفره ، فراسله مرة ثانية يخبره بمشروعية هذا الأمر قائلاً: إن هذا الرجل
ابن الذي خرج بأرض تهامة - يعني رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) - قد خرج يطلب ملك أبيه ، وأنا أريد أن أدسَ إليه من يسقيه السم ، فأريح منه العباد والبلاد .
لقد استحلّ اغتيال الإمام (علیه السلام) لأنه ابن رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) الذي حطم أوثان الجاهلية ، وقضى على الشرك ، وقد وجد ملك الروم عند ذلك مجالاً ، فبعث إليه سمّاً مميتاً (1).
ولما وصل السمّ إلى معاوية جعل يفكر في إيصاله إلى الإمام ، فاستعرض أقرباء الإمام ومن يمتّ إليه ، فلم يجد أحداً يعينه على ارتكاب هذه الجريمة ، فاستعرض ثانياً أزواج الإمام فوجد في جعدة بنت الأشعث طلبته ، فأبوها الذي أرغم أمير المؤمنين على قبول التحكيم ، واُفسد جيشه ، ولعله يجد في ابنته تحقيق إربه وبلوغ أمنيته ، فأرسل إليها السم بتوسط الأثيم مروان بن الحكم ، وأمره أن يمنيها بزواج يزيد ، وأن يقدّم لها مائة ألف درهم (2).
وحري بهذه الأثيمة أن تجيب نداء ابن هند ، فهي من أسرة انتهازية لها تاريخها الأسود، فقد جبلت على الطمع وعلى الاستجابة لجميع الدوافع المادية ، وقد قال الإمام الصادق (علیه السلام) فيها : «إِنَّ الأَشْعَثَ شَرِكَ في دَمِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَابْنَتَهُ جَعْدَةَ سَمَّتِ الْحَسَنَ ، وَابْنَهُ شَرِكَ فِي دَمِ الْحُسَيْنِ» (3).
ويضاف لذلك أن جعدة كانت مصابة بالعقد النفسيّة لأنّها لم ترزق من الإمام ولداً ، وكانت تعامل في بيتها معاملة عادية .
ولما وصل السمّ إلى مروان حمله إليها ، فقدّم لها الأموال ، ومناها بزواج يزيد إن
أجابت طلبته ، فأخذ الشيطان يوسوس لها ، فانخدعت وفرحت بالأموال وباقترانها بيزيد ، فوافقت على ارتكاب الجريمة ، فأخذت منه السمّ وكان الإمام صائماً في وقت شديد الحرّ ، فأخرجت له إفطاره وألقت السمّ في لبن ، فتناول الإمام جرعة ، فلما وصل إلى جوفه تقطعت أمعاؤه ، فقال (علیه السلام) لما أحسن بألمه الشديد : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعونَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى لِقاءِ مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ ، وَأَبِي سَيِّدِ الْوَصِيِّينَ ، وَأُمِّي سَيِّدَةِ نِساءِ الْعالَمينَ ، وَعَمِّي جَعْفَرٍ الطَّيَارِ ، وَحَمْزَةَ سَيِّدِ الشُّهَداءِ .
ثم التفت إلى جعدة فقال لها : يا عَدُوَّةَ اللهِ ، قَتلتيني قَتَلَكِ اللَّهُ ، وَاللَّهِ لَا تُصيبينَ مِنِّي خَلَفاً ، وَلَقَدْ غَرَّكَ - يعني معاوية - وَسَخِرَ مِنْكَ ، يُخْزِيكِ اللهُ وَيُخْزِيهِ (1).
لقد أخزاها الله ، فلقد أصبحت مضرب المثل للسوء والخزي والإثم والخيانة ، فقد أصبحت عاراً لذرّيّتها وأبنائها من غير الإمام ، فقد وصموا بأبناء مسممة الأزواج (2).
ولقد سخر منها معاوية فلم يف لها بزواج يزيد حيث طلبت منه ذلك ، فقد ردّها بسخرية واستهزاء قائلاً: إنا نحب حياة يزيد ، ولولا ذلك لوفينا لك بتزويجه (3).
واتفق أكثر المؤرّخين أن الإمام مات مسموماً ، وأن معاوية هو الذي دسّ إليه السمّ فقتله (4)
وهذه المصادر كلّها لأبناء السنّة والجماعة ، وقد عزت قتل الإمام إلى معاوية ، وبهذا يتضح فساد ما ذهب إليه بعض المؤرّخين من أنّ الشيعة هي التي روت أن معاوية قد سمّ الإمام ، كما أنه يتضح فساد ما ذكره الدكتور فيليب حتي في كتابه (العرب) : 79 ما نصه : « وأمّا الشيعة فتعزوا مقتله - يعني الحسن - إلى معاوية ، وتجعل الحسن شهيداً لا بل سيد الشهداء أجمعين».
وقد استقى الدكتور قوله من ابن خلدون ، ولم يتتبع بقية المصادر ليطلع على جلية الحال ، وهذا دليل على فقدان المستشرقين للتحقيق العلمي وعدم تركيز بحوثهم على المنطق والدليل .
.وذهب فريق آخر أن يزيد هو الذي سمّ الإمام (1)
وعند ابن كثير أن هذا ليس بصحيح من يزيد فضلاً عن معاوية ، ولم يبيّن مدرك عدم الصحة وما سبب ذلك ، إلّا العصبية الهوجاء ، وإلا فما يمنع يزيد من ذلك ، وهو الذي قتل سيد شباب أهل الجنّة الحسين وأباح عاصمة الرسول لجنده ثلاثة أيام ، وزنى بعمته أمّ الحكم.
.ولو سلمنا ذلك فإنّه إنما كان بأمر من أبيه إذ لا يعقل أن يرتكب مثل هذا الحادث الخطير من دون مراجعته وإحراز موافقته ، ومن الغريب جداً ما ذهب إليه ابن خلدون حيث حاول تبرير ساحة معاوية ونفي الجريمة عنه ، قال : « وما ينقل من أنّ معاوية قد دسّ السمّ إلى الإمام الحسن على يد زوجته جعدة بنت الأشعث ، فهو من أحاديث الشيعة ، وحاشا لمعاوية ذلك» (2).
وابن خلدون مدفوع بدافع العصبية ، وهي داء خبيث قد ألقت الناس في شرّ عظيم ، وقد مني به هذا المؤرّخ ، فهو لم يكتب في أمثال هذه البحوث إلا ليرضي عصبيته وعاطفته وميوله ، وإنا لنسأله ما الذي يمنع معاوية من ارتكاب هذه الجريمة في سبيل توطيد ملكه وسلطانه ، وقد ارتكب من أجل ذلك أفحش الموبقات وأعظم الجرائم ، فحارب الخليفة الشرعي أمير المؤمنين (علیه السلام) وولده الحسن ، وقتل
الصحابي حجر بن عدي وأصحابه المؤمنين ، وسمّ مالك الأشتر ، وسعد بن أبي وقاص ، واستلحق به زياد بن أبيه إلى غير ذلك من جرائمه التي لا تحصى ، وبعد هذا فما الذي يمنعه من اغتيال الإمام وسمّه وقد علم أنّ الأمر لا يتمّ لولده إلا بذلك.
ولا بأس بالإشارة إلى بعض الأقوال الغريبة التي تضارع قول ابن خلدون في عدم الصحة ، وفي البعد عن الواقع ، وهي :
ذكر المستشرق روايت .م. رونلدس أن الإمام الحسن (علیه السلام) مات بالسلّ عندما بلغ من العمر خمساً وأربعين سنة (1).
وهذا القول من الغرابة بمكان ولم يذهب إليه أحد من المؤرّخين ، فقد أجمعوا أنه مات مسموماً ولم يصب بداء السل ، وقد كتب هذا المستشرق جميع بحوثه على هذا الطراز في الخلوّ عن التحقيق وفي الاعتماد على الافتراء والكذب .
ذكر الأستاذ حسين واعظ : « أنّ الإمام الحسن قد ترك المدينة إلى الموصل في العراق بقصد الاستشفاء ، لأنه شعر بتأخر في صحته من بعد حوادث التسميم ، إلا أن شخصاً فقيراً أعمى قد جاء يطلب منه أن يتصدّق عليه ، وكان (علیه السلام) جالساً على الأرض فرمى الأعمى عصاه على رجل الحسن ، ثمّ ضغطها على رجله ، وكانت
1) عقيدة الشيعة : 90 ، وذكر عين هذا المعنى (لامنس) في دائرة المعارف الإسلامية : 7: 400.
عصاه متسمّمة ، إلّا أنّه عولج على أيدي الأطباء هناك فبرئ من ذلك» (1).
وهذا القول بعيد عن الصحة كل البعد ، إذ لم يصرّح مؤرّخ بما ذكره وهو افتراض محض لا نصيب له من الصحة .
ذكر المؤرّخ الشهير أحمد بن سهل البلخي الشهير بالمقدسي : « أنّ الإمام كان يطوف في البيت الحرام فطعنه شخص بظهر قدمه بزج (2)مسموم ، فتوفّي على أثر ذلك» (3).
وهذا القول من الغرابة بمكان قد انفرد به هذا المؤرّخ ، ولعله أراد تنزيه معاوية ورفع المسؤولية عنه بارتكابه هذه الجريمة ، ولم نحسب أن مؤرخاً قد ذهب إلى ذلك .
ذكر الدكتور حسن إبراهيم أن بعض المؤرخين ذهب إلى أن الإمام مات حتف أنفه بعد رجوعه من العراق إلى يثرب بأربعين يوماً (4)
وذكر قريب من ذلك محمد أسعد طلس في كتابه تاريخ الأمة العربية : 9 و 16 ، فقال : «وغادر الحسن - بعد الصلح - إلى المدينة ، ولم يلبث أكثر من شهرين حتى مات».
.وهذا القول ظاهر الفساد ، فإنّ الإمام أوّلاً لم يمت حتف أنفه ، وثانياً إنه قد مكث في يثرب حفنة من السنين بعد وصوله إليها حتى وافاه الأجل المحتوم ، كما أجمع
على ذلك المؤرّخون .
ونعود بعد هذا إلى تفصيل حالة الإمام ، فإنّه لما وصل السم إلى جوفه أخذ يعاني آلام الموت ، فبقي في فراش المرض أربعين يوماً (1).
وقيل : شهرین (2).
وفي كل يوم تزداد فعاليّة السمّ في جسمه حتّى ذاب قلبه الشريف من الألم ، ذلك القلب الذي يضم الحبّ والعطف للناس جميعاً، دخل عليه عائداً شقيقه الحسين ، فلما رآه وهو خابئ اللون ، معصوب الرأس ، قد ذابت حشاه من السم ، التفت إليه وقد أذهله المصاب ، وأفزعه الخطب قائلاً:
أخي مَنْ سَقاكَ السَّمَّ ؟
وَما تُريدُ مِنْهُ ؟
أريدُ أنْ أقْتُلَهُ.
إِنْ يَكُنِ الَّذي أَظُنُّهُ فَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكيلاً ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فَمَا أُحِبُّ أَنْ يُقْتَلَ بي بريءٌ (3).
وهكذا كان (علیه السلام) محتاطاً في الدماء ، حريصاً عليها ، لا يحبّ أن يهراق في أمره ملء محجمة دماً ، وجيء له بطبيب ففحصه فحصاً دقيقاً وبعد الامعان في التشخيص يئس منه ، فالتفت إلى أهله قائلاً لهم : إنّ السمّ قد قطّع أمعاءه (4).
فعند ذلك يئس الإمام من حياته ، ودخل عليه عائداً الصحابي العظيم جنادة بن
أبي أمية ، فالتفت إلى الإمام قائلاً: عظني يابن رسول الله .
فأجاب (علیه السلام) طلبته وهو في أشدّ الأحوال حراجة ، وأقساها ألماً ومحنة ، فأتحفه بهذه الكلمات الذهبية التي هي أغلى وأثمن من الجوهر ، وقد كشفت عن أسرار إمامته ، قائلاً:
يا جُنادَةُ ، اسْتَعِدَّ لِسَفَرِكَ ، وَحَصِّلْ زَادَكَ قَبْلَ حُلولِ أَجَلِكَ ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ تَطْلُبُ الدُّنْيا وَالْمَوْتُ يَطْلُبُكَ ، وَلَا تَحْمِلْ هَمَّ يَوْمِكَ الَّذِي لَمْ يَأْتِ عَلى يَوْمِكَ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ لَا تَكْسِبُ مِنَ الْمَالِ شَيْئًا فَوْقَ قُوَّتِكَ إِلَّا كُنْتَ فِيهِ حَازِنَا لِغَيْرِكَ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الدُّنْيا فِي حَلالِها حِسابٌ ، وَفي حَرامِها عِقابٌ ، وَفي الشُّبُهَاتِ عِتابٌ ، فَأَنْزِلِ الدُّنْيا بِمَنْزِلَةِ الْمَيْتَةِ ، خُذْ مِنْهَا مَا يَكْفِيكَ ، فَإِنْ كَانَ حلالاً كُنْتَ قَدْ زَهِدْتَ فِيهِ ، وَإِنْ كانَ حَراماً لَمْ يَكُنْ فِيهِ وِزْرٌ ، فَأَخَذْتَ مِنْهُ كَما أَخَذْتَ مِنَ الْمَيْتَةِ ، وَإِنْ كَانَ الْعِقابُ فَالْعِقابُ يَسيرٌ ، وَاعْمَلْ لِدُنْياك كَأَنَّكَ تَعيشُ أَبَداً ، وَاعْمَلْ لَآخِرَتِكَ كَأَنَّكَ تَموتُ غَداً ، وَإِذا أَرَدْتَ عِزّاً بِلا عَشِيرَةٍ ، وَهَيْبَةً بِلا سُلْطَانٍ ، فَاخْرُجْ مِنْ ذُلِّ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلَى عِزّ طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَإِذا نازَعَتْكَ إِلى صُحْبَةِ الرّجالِ حَاجَةٌ فَاصْحَبْ مَنْ إِذا صَحِبْتَهُ زانَكَ ، وَإِذا أَخَذْتَ مِنْهُ صانَكَ ، وَإِذا أَرَدْتَ مِنْهُ مَعونَةً أَعانَكَ ، وَإِنْ قُلْتَ صَدَّقَ قَوْلَكَ ، وَإِنْ صُلْتَ شَدَّ صَوْلَتَكَ ، وَإِنْ مَدَدْتَ يَدَكَ بِفَضْلٍ مَدَّها ، وَإِنْ بَدَتْ مِنْكَ ثُلْمَةٌ سَدَّها ، وَإِنْ رَأى مِنْكَ حَسَنَةً عَدَّها ، وَإِنْ سَأَلْتَهُ أَعْطَاكَ ، وَإِنْ سَكَتَ عَنْهُ ابْتَدَأَكَ ، وَإِنْ نَزَلَتْ بِكَ إِحْدَى الْمُلِمَاتِ وَاسَاكَ
مَنْ لَا تَأْتيكَ مِنْهُ الْبَوائِقُ ، وَلَا تَخْتَلِفُ عَلَيْكَ مِنْهُ الطَّرائِقُ ، وَلَا يَخْذُلُك عِنْدَ الْحَقائِقِ ، وَإِنْ تَنازَعْتُما مُنْقَسِماً آثَرَكَ » (1).
لقد أعطى (علیه السلام) لجنادة بهذه الوصيّة الخالدة الدروس النافعة ، والحكم القيمة ، والآراء الصائبة التي استقاها من جده الرسول (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ومن أبيه أمير المؤمنين (علیه السلام) . فقد أرشده إلى أفضل المناهج التي تضمن له النجاح في آخرته ودنياه .
ودخل على الإمام عائداً عمير بن إسحاق ، فالتفت (علیه السلام) له قائلاً: يا الله عُمَيْرُ سَلْني قَبْلَ أَنْ لَا تَسَلْنِي !
وثقل على عمير أن يسأله وهو بهذه الحالة فقال له : لا والله لا أسألك حتى يعافيك الله ثمّ أسألك (2).
والتفت (علیه السلام) إلى أهل بيته معرباً لهم عما يعانيه من ألم السمَ : لَقَدْ أَلْقَيْتُ طائِفَةً مِنْ كَبِدي (3)
وفي تاج العروس : 2 : 481 ، ما نصه : « وربما سمّي الجوف بكامله كبداً ، حكاه ابن سيده عن كراع أنه ذكره في المنجد وأنشد :
إذا شاءَ مِنهُمْ نَاشِيٌّ مَدَّ كَفَّهُ *** إِلَى كَبِد مَنْساءَ أَوْ كلفل نهد
قال : ومن المجاز الكبد الجنب ، وفي الحديث : فوضع يده على كبده ، وإنما وضعها على جنبه من الظاهر ، وفي حديث مرفوع : وتلقي الأرض أفلاذ كبدها» ، أي تلقي ما خبّى في بطنها من الكنوز والمعادن فاستعار لها الكبد .
وجاء أيضاً في لسان العرب : 4 : 378 .
وعلى ذلك فيكون المراد من الرواية أنّه ألقى من جوفه قطعاً من الدم المتخثّر تشبه الكبد ، وبهذا ظهر عدم التنافي بين الرواية وبين ما ذكره الأطباء فيما نحسب والله العالم .
، وَإِنِّي سُقيتُ السُّمَّ مِراراً ، فَلَمْ أَسْقَهُ مِثْلَ هَذِهِ الْمَرَّةِ ، لَقَدْ1) أعيان الشيعة : 4 : 85 .
2) صفة الصفوة : 1 : 320 . البداية والنهاية : 8 : 42 .
3) لقد نصت الرواية على تقدير ثبوتها أن السم أثر في كبد الإمام (علیه السلام) حتى قاء بعضاً منه ، وقد تحقق في الطب الحديث أن السم لا يوجب قيء الكبد ، وإنّما يحدث التهاباً بالمعدة ، وتهيجاً في الأمعاء إذا كان التسمم حاداً ، وإذا كان غير حاد فإنّه يؤدّي إلى هبوط في ضغط الدم ، وإلى التهاب في الأعصاب ، وقد يؤدّي في أحوال نادرة إلى التهاب كبدي ، وغير ذلك من العوارض التي نص عليها الأطباء المختصون في الطب العدلي ، وقد يتوهم أن هذا يتصادم مع ما جاء في الرواية ، وهو مدفوع فإنّ الكبد في الاستعمالات العربية يطلق على الجهاز الخاص في الجانب الأيمن الذي يفرز الصفراء ، كذلك يطلق على ما في الجوف بكامله . القاموس المحيط : 1 : 332.
لَفَظْتُ قِطْعَةً مِنْ كَبِدي ، فَجَعَلْتُ اُقَلِّبُها بِعودٍ مَعَي (1).
ودخل عليه عائداً أخوه سيّد الشهداء ، فلما نظر إلى ما يعانيه من ألم السم غامت عيناه بالدموع ، فنظر إليه الحسن فقال له : ما يُبْكَيكَ يا أَبا عَبْدِ اللَّهِ ؟
واستشف الإمام الحسن (علیه السلام) بما سيجري على أخيه من بعده ، فهان عليه ما هو فيه ، وأرخى عينيه بالدموع وقال له بنبرات مرتعشة حزينة : إِنَّ الَّذِي أُوتِيَ إِلَيَّ سُمٌّ اُقْتَلُ بِهِ ، وَلكِنْ لَا يَوْمَ كَيَوْمِكَ يا أبا عَبْدِ اللهِ وَقَدِ ازْدَلَفَ إِلَيْكَ ثَلاثونَ أَلفاً ، يَدعونَ أَنَّهُمْ مِنْ أُمَّةِ جَدْنا محمد (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وَيَنْتَحِلُونَ دينَ الْإِسْلامِ ، فَيَجْتَمِعُونَ عَلَى قَتْلِكَ ، وَسَفْكِ دَمِكَ ، وَانْتِهاكِ حُرْمَتِكَ ، وَسَبْي ذَرارِيكَ وَنِسائِكَ ، وَانْتِهابِ ثِقْلِكَ» (2).
إنّ جميع ما واجهته العترة الطاهرة بعد وفاة النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) من الشجون والخطوب لا يضارع كارثة أبي عبد الله (علیه السلام)، فلا يوم كيومه ، فقد ذلّ فيه الإسلام ، وانتهكت فيه كرامة المسلمين ، وحرمة النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) التي هي أولى بالرعاية والعطف من كلّ شيء ، ويشتدّ الوجع به ، ويسعر عليه الألم فيجزع ، فيلتفت إليه بعض عوّاده قائلا له :
يابن رسول الله ، لمَ هذا الجزع ؟ أليس الجد رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، والأب عليّ ، والأم فاطمة ، وأنت سيّد شباب أهل الجنة ؟ !
فأجابه بصوت خافت : أبكي لِخَصْلَتَيْنِ : هَوْلُ الْمُطَّلَعِ ، وَفِراقِ الْأَحِبَّةِ (1).
ولما ازداد ألمه وثقل حاله علم أنه قد قرب دنوه من دار الآخرة ، وبعده عن هذه الدنيا ، فاستدعى أخاه سيّد الشهداء فأوصاه بوصيّته ، وعهد إليه بعهده ، وقد روت الشيعة وصيّته بلون لا يتفق مع ما روته أبناء السنة والجماعة .
أما ما روته الشيعة فهذا نصه :
هذا ما أَوْصى بِهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٌّ إِلَى أَخِيهِ الْحُسَيْنِ.
أَوْصى أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَنَّهُ يَعْبُدُهُ حَقَّ عِبادَتِهِ ، لَا شَرِيكَ لَهُ فِي الْمُلْكِ ، وَلَا وَليَّ لَهُ مِنَ الذُّلُّ ، وَأَنَّهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ، وَأَنَّهُ أَوْلى مَنْ عُبِدَ ، وَأَحقُّ مَنْ حُمِدَ ، مَنْ أَطاعَهُ رَشَدَ ، وَمَنْ عَصاهُ غَوى ، وَمَنْ تابَ إِلَيْهِ اهْتَدَى .
فَإِنِّي أُوصِيكَ - يا حُسَيْنُ - بِمَنْ خَلَّفْتُ مِنْ أَهْلِي وَوَلَدي وَأَهْلِ بَيْتي ، أَنْ تَصْفَحَ عَنْ مُسِيئِهِمْ ، وَتَقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ ، وَتَكونَ لَهُمْ خَلَفاً وَوالِداً ، وَأَنْ تَدْفِتَني مَعَ رَسُولِ اللهِ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، فَإِنِّي أَحَقُّ بِهِ وَبِبَيْتِهِ ، فَإِنْ أَبُوا عَلَيْكَ فَاُنْشِدَكَ اللَّهَ وَبِالْقَرابَةِ الَّتي قَرَّبَ اللهُ مِنْكَ ، وَالرَّحِمِ الْمَاسَةِ مِنْ رَسولِ
1) أمالي الصدوق : 133.
اللهِ (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) أَنْ لَا يُهْراقَ مِنْ أَمْرِي مِحْجَمَةٌ مِنْ دَمٍ حَتَّى تَلْقَى رَسولَ اللهِ فَتَخْصِمَهُمْ وَتُخْبِرَهُ بِما كانَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ إِلَيْنا» (1).
وقد اشتملت فقرات هذه الوصيّة على توحيد الله تعالى وتنزيهه عن المماثل ، ونفي الشريك عنه ، وقد أمر فيها أخاه بالصفح عمّن أذنب من أهل بيته ، والإحسان لمن أساء منهم ، ومواراة جثمانه بجوار جده ، فهو أولى الناس به، فإن عارضه المناوئون لهم بذلك فلا يهريق من أجل ذلك محجمة دم ، وقد عرف (علیه السلام) بالمحافظة على هذه الجهات ، فقد أنفق جميع ما عنده في سبيل الله ، وقابل جميع من أساء إليه بالصفح والإحسان ، وترك الخلافة محافظة على دماء المسلمين .
وأما ما روته أبناء السنة والجماعة فهذا نصه :
«يا أخي ، إن أباك لما قبض رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) استشرف لهذا الأمر ورجا أن يكون صاحبه فصرفه الله عنه ووليها أبو بكر ، فلما حضرت أبا بكر الوفاة تشوّف لها أيضاً ، فصرفت عنه إلى عمر ، فلما احتضر عمر جعلها شورى بين ستة هو أحدهم ، فلم يشك أنّها لا تعدوه ، فصرفت عنه إلى عثمان ، فلمّا هلك عثمان بويع ثم نوزع حتى جرّد السيف وطلبها فما صفا له شيء منها ، وإنّي والله ما أرى أن يجمع الله فينا أهل البيت النبوة والخلافة فلا أعرفنّ ما استخفّك سفهاء أهل الكوفة فأخرجوك ، إنّي وقد كنت طلبت إلى عائشة إذا متّ أن تأذن لي فأدفن في بيتها مع رسول الله صلّى الله عليه وآله ، فقالت نعم .
وإنّي لا أدري لعلّها كان ذلك منها حياءً ، فإذا أنا مت فاطلب ذلك منها ، فإن طابت نفسها فادفني في بيتها ، وما أظنّ القوم إلا سيمنعونك إذا أردت ذلك ،
1) أعيان الشيعة : 4: 79. مرآة العقول : 1 : 226 . أمالي الطوسي : 160. بحار الأنوار: 44: 152 .
فإن فعلوا فلا تراجعهم في ذلك ، وادفني في بقيع الغرقد ، فإن لي فيمن فيه اُسوة» (1).
وقد اشتملت هذه الوصيّة على الحطّ من كرامة أمير المؤمنين (علیه السلام) وانتقاصه ، وهذا لا يتفق مع سيرة الإمام الحسن بحال من الأحوال ، ولكن في التاريخ صوراً هزيلة أثبتت لأغراض غير خفيّة على النبيه .
ومشى الموت إلى الإمام (علیه السلام) فعلم أنّه على أبواب الآخرة ، فأمر قنبراً أن يحضر أخاه محمّد بن الحنفية ، فمضى إليه مسرعاً ، فلمّا رآه محمّد ذُعر فقال : هل حدث إلّا خير ؟
فأجابه بصوت خافت : أجب أبا محمد
فذهل محمد واندهش وخرج يعد و حتّى إنه لم يسوّ شسع نعله من كثرة ذهوله ، فدخل على أخيه وهو مصفر الوجه قد مشت الرعدة بأوصاله ، فالتفت (علیه السلام) قائلا له :
اجْلِسْ يَا مُحَمَّدُ ، فَلَيْسَ يَعْيبُ مِثْلُكَ عَنْ سَماعِ كَلامٍ تُحْيِي بِهِ الأَمْواتُ ، وَتَمُوتُ بِهِ الْأَحْيَاءُ ، كُونُوا أَوْعِيَةَ الْعِلْمِ ، وَمَصابيح الدجى ، فَإِنَّ ضَوْءَ النَّهَارِ بَعْضَهُ أَضْوَءُ مِنْ بَعْضٍ ، أَما عَلِمْتَ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ وَلَدَ إِبْرَاهِيمَ أَئِمَّةً ، وَفَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، وَآتى داوُدَ زَبوراً ، وَقَدْ عَلِمْتَ بِمَا اسْتَأْثَرَ اللهُ بِهِ مُحَمَّداً (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم).
يا مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيّ، إِنِّي لَا أَخافُ عَلَيْكَ الْحَسَدَ ، وَإِنَّما وَصَفَ اللهُ بِهِ
1) الاستيعاب : 1 : 375. تاريخ الخميس : 2 : 227 .
الْكافِرِينَ ، فَقالَ تَعالى : « كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ» (1)وَلَمْ يَجْعَلِ اللهُ لِلشَّيْطانِ عَلَيْكَ سُلْطاناً.
يا مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ ، أَلا أُخْبِرُكَ بِما سَمِعْتُ مِنْ أَبِيكَ فِيكَ ؟
بلی.
سَمِعْتُ أَبَاكَ يَقولُ يَوْمَ الْبَصْرَةِ : مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَبِرَّني في الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَبرَّ مُحَمَّداً .
يا مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيّ، لَوْ شِئْتُ أَنْ أَخْبِرَكَ وَأَنْتَ نُطْفَةٌ في ظَهْرِ أَبِيكَ لأَخْبَرْتُكَ.
يا مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ بَعْدَ وَفَاةِ نَفْسي ، وَمُفارَقَةِ روحي جَسَدِي إِمَامٌ بَعْدِي ، وَعِنْدَ اللهِ فِي الْكِتابِ الْمَاضِي وِراثَةُ النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) أَصَابَها في وِراثَةِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ ، عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ خَيْرُ خَلْقِهِ فَاصْطَفَى مِنْكُمْ مُحَمَّداً ، وَاخْتارَ مُحَمَّدٌ عَلِيّاً ، وَاخْتارَني عَلِيٌّ لِلْإِمَامَةِ وَاخْتَرْتُ أَنا الْحُسَيْنَ.
فانبرى إليه محمّد مظهراً له الطاعة والانقياد قائلاً:
أنت إمامي ، وأنت وسيلتي إلى محمد (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، والله لوددت إن نفسي ذهبت قبل أن أسمع منك هذا الكلام ، ألا وإن في رأسي كلاماً لا تنزفه الدلاء ، ولا تغيّره بعد الرياح ، كالكتاب المعجم في الرق المنهنم ، أهمّ بابدائه فأجدني سبقت إليه سبق
1) البقرة :2 : 109 .
الكتاب المنزل ، وما جاءت به الرسل ، وإنّه لكلام يكلّ به لسان الناطق ، ويد الكاتب ، ولا يبلغ فضلك ، وكذلك يجزي الله المحسنين ، ولا حول ولا قوة إلا الله .
إنّ الحسين أعلمنا علماً ، وأثقلنا حلماً ، وأقربنا من رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) رحماً ، كان إماماً فقيهاً قبل أن يخلق ، وقرأ الوحي قبل أن ينطق ، ولو علم الله أن أحداً خير منا ما اصطفى محمّداً منا ، فلما اختار محمد عليّاً إماماً ، واختارك على بعده ، واخترت الحسين بعدك سلّمنا ورضينا بمن هو الرضا» (1).
وذكر الدينوري : أنّ الإمام في ساعاته الأخيرة بعث خلف أخيه محمّد ، وكان في ضيعة له ، فلما مثل عنده فتح (علیه السلام) عينيه ، وكان مغمى عليه ، فالتفت إلى أخيه الحسين أولاً موصياً له بمحمد قائلاً له : يا أخي ، أوصيك بمحمد خيراً ، فإنّه جلدة ما بين العينين .
ثم التفت إلى محمّد ، فقال له : يا محمد، وأنا أوصيك بالحسين كانفه ووازره » (2).
وثقل حال الإمام ، واشتدّ به الوجع ، فأخذ يعاني آلام الاحتضار ، فعلم أنه لم يبق من حياته الغالية إلا بضع دقائق ، فالتفت إلى أهله قائلاً: أَخْرِجوني إِلى صَحْنِ الدّارِ أَنْظُرُ فِي مَلَكُوتِ السَّماءِ .
فحملوه إلى صحن الدار ، فلما استقر به رفع رأسه إلى السماء وأخذ يناجي ربه ويتضرع إليه قائلاً: اللهُمَّ إِنِّي أَحْتَسِبُ عِنْدَكَ نَفْسي ، فَإِنَّها أَعَزُّ الْأَنْفُسِ عَلَيَّ ، لَمْ اُصَبْ بمِثْلِها ، اللهم آنِسْ صَرْعَتي ، وَأَنِسْ فِي الْقَبْرِ وَحْدَتي.
ثمّ حضر في ذهنه غدر معاوية به ، ونكثه للعهود، واغتياله إيَّاه ، فقال : لَقَدْ حاقَتْ شَرْبَتُهُ ، وَاللهِ ما وَفی بِما وَعَدَ ، وَلَا صَدَقَ فيما قال (1).
وأخذ يتلو آي الذكر الحكيم، ويبتهل إلى الله ويناجيه حتى فاضت نفسه الزكية إلى جنة المأوى ، وسمت إلى الرفيق الأعلى، تلك النفس الكريمة التي لم يُخلق مثلها من نظير فيما مضى من سالف الزمن ، وما هو آت حلماً وسخاء وعلماً وعطفاً وحناناً ، وبراً على الناس جميعاً .
لقد مات حليم المسلمين، وسيّد شباب أهل الجنة ، وريحانة الرسول ، وقرة عينه ، فأظلمت الدنيا لفقده ، وأشرقت الآخرة بقدومه (2)
وقيل : سنة 50ھ ، ذهب إلى ذلك الخطيب البغدادي في تاريخه : 1: 151. وابن قتيبة في الإمامة والسياسة : 1 : 196 وقيل غير ذلك .
وأما الشهر الذي توفي فيه فقد اختلف فيه أيضاً ، فقيل : في ربيع الأول لخمس بقين منه ، وقيل : في صفر لليلتين بقيتا منه ، وقيل : يوم العاشر من المحرّم يوم الأحد سنة 45 من الهجرة ، كما في المسامرات : 26 .
والمشهور عند الشيعة أنه توفي في صفر في السابع منه ، إذ تقام فيه مراسيم الذكرى له ، وقد ذكر السيد مهدي الكاظمي في دوائر المعارف : 23 تفصيل الأقوال في وفاته .
.وارتفعت الصيحة من بيوت الهاشميين ، وعلا الصراخ والعويل من بيوت يثرب ، وهرع أبو هريرة وهو باكي العين ، مذهول اللبّ إلى مسجد رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وهو ينادي بأعلى صوته : يا أيها الناس ، مات اليوم حب رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) فابكوا (3).
1) تذكرة الخواص : 23 . تاريخ مدينة دمشق : 4 : 226. حلية الأولياء : 2 : 38. صفة الصفوة : 1: 320. مروج الذهب : 3: 5 .
2) اختلف المؤرخون في السنة التي توفّي فيها الإمام ، فقيل : سنة 49ھ ، ذهب إلى ذلك ابن الأثير : 3 : 460. وابن حجر في تهذيب التهذيب : 2: 261.
3) تهذيب التهذيب : 2 : 301. تاريخ مدينة دمشق : 13: 295 .
وصدّعت كلماته القلوب ، وتركت الأسى يحز في النفوس ، وهرع من في يثرب نحو ثوي الإمام وهم ما بين واجم وصائح ومشدوه ونائح قد نخب الحزن قلوبهم على فقد الراحل العظيم الذي كان ملاذاً لهم ، وملجاً ومفزعاً إن نزلت بهم كارثة أو حلّت بهم مصيبة .
وأخذ سيّد الشهداء في تجهيز أخيه ، وقد أعانه على ذلك عبدالله بن عباس ، وعبد الرحمن بن جعفر ، وعليّ بن عبد الله بن عباس ، فغسله وكفنه وحنطه وهو يذرف من الدموع مهما ساعدته الجفون ، وبعد الفراغ من تجهيزه أمر (علیه السلام) بحمل الجثمان المقدّس إلى مسجد الرسول لأجل الصلاة عليه (1).
كان تشييع الإمام تشييعاً حافلاً لم تشهد نظيره عاصمة الرسول ، فقد بعث الهاشميون إلى العوالي والقرى المحيطة بيثرب من يعلمهم بموت الإمام ، فنزحوا جميعاً إلى يثرب ليفوزوا بتشييع الجثمان العظيم (2)، وقد حدث ثعلبة بن مالك عن كثرة المشيعين فقال : « شهدت الحسن يوم مات ، ودفن في البقيع ، ولو طرحت فيه إبرة لما وقعت إلا على رأس إنسان» (3).
وقد بلغ من ضخامة التشييع أن البقيع ما كان يسع أحداً من كثرة الناس ، وحقّ على المسلمين أن يخفّوا لتشييع حفيد نبيهم الذي تكفّل بصالحهم ، وعال ضعيفهم
وعاجزهم ، وأوقف نفسه على البر والمعروف إليهم .
وحمل الجثمان المقدّس من ثوي الإمام إلى مسجد النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) على أطراف الأنامل قد حقت به الوجوه والأشراف ، فوضع في الجامع فتقدم الإمام الحسين (علیه السلام) فصلى عليه وقد ائتمت به بقيّة الصحابة والناس على اختلاف طبقاتهم .
وذكر ابن أبي الحديد : إن الإمام الحسين (علیه السلام) أمر سعيد بن العاص بالصلاة عليه وقال له : لولا أنّها سنّة لما قدمتك (1).
وهذا القول بعيد نظراً لتوتر العلاقات بين الأمويين والهاشميين ، فكيف يقدّم الإمام الحسين (علیه السلام) عميدهم للصلاة عليه ؟ والصحيح ما روي أنه لم يحضر أحد من الأمويين في موكب التشييع سوى سعيد بن العاص (2).
واتجهت مواكب التشييع نحو المرقد النبوي ليجدّدوا بالجثمان الطاهر عهداً عند جده ويوارونه بجواره ، ولما علم الأمويون ذلك تكتلوا وانضم بعضهم إلى بعض ، فقد دفعتهم الأنانية والعداء للهاشميين إلى إحداث المعارضة والشغب في دفن الإمام بجوار جدّه ذلك لأنهم رأوا أن عميدهم عثمان قد دفن في حشّ كوكب مقبرة اليهود ، ويدفن الحسن مع جده فيكون ذلك عاراً عليهم وخزياً، وأخذوا يهتفون بلسان واحد : يا ربّ هيجا هي خير من دعة ، أيدفن عثمان بأقصى المدينة ، ويدفن الحسن عند جده ؟ !
وانعطف مروان بن الحكم، وسعيد بن العاص نحو عائشة وهما يستفزانها ويستنجدان بها في مناصرتهم ، وقد عرفا دخيلة نفسها وما تكنّه من الموجدة والغيرة والحسد لولد علي وفاطمة قائلين لها : يا أم المؤمنين ، إنّ الحسين يريد أن يدفن أخاه الحسن مع رسول الله ، لئن دفن الحسن بجوار جده ليذهبن فخر أبيك ، وصاحبه عمر إلى يوم القيامة .
وألهبت هذه الكلمات نار الثورة في نفسها ، فاندفعت بغير اختيار لمناصرتهما كما اندفعت قبل ذلك لحرب أمير المؤمنين (علیه السلام) لا على أساس وثيق ، بل للعاطفة والميول التي طبعت المرأة نفسيّاً على الانقياد إليهما ، والتفتت إلى مروان قائلة : ما أصنع يا مروان ؟
فقامت مسرعة مدهوشة ، فجيء لها ببغلة فامتطتها وأقبلت إلى مواكب التشييع الحاشدة ، وهي تصيح بلا اختيار قائلة : لا تُدخلوا بيتي من لا أحب ؟! إن دفن الحسن في بيتي لتجز هذه - وأومأت إلى ناصيتها - (1).
وما علمت عائشة أنّ كلامها سيؤدّي إلى إراقة الدماء ، وإلى تفريق صفوف المسلمين، وهي من دون شك لا يهمها ذلك ، فقد أراقت يوم الجمل أنهاراً من دمائهم استجابة لعواطفها المترعة بالحقد تجاه أمير المؤمنين (علیه السلام) .
وإنا لنتساءل أولاً : من أين جاء لها البيت الذي دفن فيه رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم)؟
1) ذكر فريق كبير من المؤرّخين منع عائشة لدفن الإمام الحسن (علیه السلام) بجوار جده منهم ابن أبي الحديد في شرح النهج : 16: 50 . وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص : 223. واليعقوبي في تاريخه : 1 : 200 . وابن كثير الدمشقي في البداية والنهاية : 1 : 192 . وأبو علي النيسابوري في روضة الواعظين : 143. وأبو الفرج في مقاتل الطالبيين : 52 . الخرائج والجرائح : 1: 242 و 243 .
ألم يزعم أبوها أن رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) قال : إنا معاشر الأنبياء لا نورث ذهباً ولا فضة ولا داراً ولا عقاراً ، فهل إنّ هذه الرواية اختصت بسيدة النساء فاطمة سلام الله عليها فمنعت من إرثها ، وحرمت من حقها ، وإذا كانت عامة فلماذا لا تعمل بها أمّ المؤمنين ؟ ولو سلّمنا أنّها ترث من البيت فما هو مقدار حصتها منه ، لأنها لا تستحق إلا التسع من الثمن ، وقد قيل :
لَكَ التِّسْعُ مِنَ الثَّمْنِ *** وَبِالكُلِّ تَمَلكْتِ
وبالإضافة لذلك فإنّ الزوجة لا ترث من الأرض ، وإنّما ترث من العمارات ، وسائر الأموال المنقولة .
ونتساءل ثانياً لماذا لا تحبّ ريحانة رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وثمرة فؤاده، وقد قال فيه : «اللَّهُمَّ إِنِّي أحِبُّهُ ، وَأحِبُّ مَنْ يُحِبُّهُ» .
لقد جافت عائشة بذلك ما أثر عن رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) في سبطه وريحانته (1).
نعم استجابت عائشة لرغبات الأمويين ، وانطلقت في موكبهم فمنعت سبط النبي أن يدفن مع جده ، وما راعت حرمة العترة الطاهرة التي فرض الله مودّتها في كتابه الكريم ، فإنّا لله وإنا إليه راجعون .
ونص المؤرّخون أنّ عائشة سمحت بأن يدفن عبد الرحمن بن عوف في حجرة النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) (2)، وهو من الغرابة بمكان ، فهل إنّ عبد الرحمن أولى بالنبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) من الإمام الحسن (علیه السّلام) الذي هو سبطه وريحانته ، رحماك يا رب ! !
أي موقف هذا الذي وقفته عائشة ، فإنّها تسمح لابن عوف أن يوارى مع رسول الله ، ويحظى بجواره، وتبعد عنه ريحانته ، وفلذة كبده ، فتحول بينه وبين أغلى أمانيه ، ولم ترع عواطف النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وشدة حبّه له وتعلقه به .
وعلّق الأستاذ السيد سعيد الأفغاني على موقف عائشة ، فقال : « ولعلّ آخر تعبير عن موقفها - يعني عائشة - السلبي من عليّ ، انقباضها عن ولديه الحسن والحسين ، فلقد كانت تحتجب منهما وهما لها من المحارم ، إنّهما سبطا زوجها ولا تحلّ لهما ، ولا يحلان لها ، ومن المعروف بداهة أنّه لا تحلّ امرأة الرجل لولده ولا لولد ولده وأولاد بناتهم ، وهي تعرف ذلك حق المعرفة لكنّها حجبتهما ، ولم تكن تأذن لهما إلا من وراء حجاب مبالغة في مباعدتهما .
ولقد علّق على هذا الحادث ابن عبّاس بقوله : إن دخولهما عليها لحل (1).
ثمّ كانت الاُمنية الأخيرة للحسن بعد وفاة عليّ وتنازله لمعاوية عن الخلافة أن يدفن عند جده رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وهي اُمنية حق ما كان ينبغي أن يحرمها إذ كان أقرب الأحياء يومئذ من رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) وهو أمسهم به رحماً بعد ابنته وأزواجه ، ولكن للأهواء السياسية منحى لا يخضع لحق ولا منطق (2).
لقد ارتكبت عائشة في فعلها شططاً ، وأوضحت عمّا تكنه من العداء لأمير المؤمنين ولأولاده ، ونحن لا نجد ما يبرّر فعلها ، ولما رأى محمد بن الحنفية موقفها المرير انبرى إليها وقد قدّ قلبه قائلاً بنبرات تقطر غضباً : يا عائشة ، يوماً على جمل ، ويوماً على بغل ، فما تملكين نفسك ، ولا تملكين الأرض عداوة لبني هاشم .
فأثارت هذه الكلمات الغضب في نفسها ، فأرادت أن تفصل محمداً عن الفاطميين وتفرّق بينهم وبينه قائلة له : هؤلاء بنو الفواطم لا يتكلمون .
ولم يخف على الحسين ما أرادته عائشة من التفرقة وصدع الشمل ، فاندفع إليها راداً عليها مقالها قائلاً وأنتِ تبعدين محمّداً من الفواطم ، فوالله لقد ولدته ثلاث من الفواطم ، فاطمة بنت عمران بن عابد بن مخزوم ، وفاطمة بنت أسد بن هاشم ، وفاطمة بنت زائدة .
فقالت عائشة وهي مغيظة حانقة : نحوا ابنكم واذهبوا به ، فإنكم قوم خصمون (1).
وانعطف نحو عائشة ابن أخيها القاسم بن محمد الطيب ابن الطيب فزجرها وردعها عن موقفها قائلاً : يا عمّة ، ما غسلنا رؤوسنا من يوم الجمل الأحمر ، أتريدين أن يقال يوم البغلة السهباء ! (2).
وأقبل إليها ابن عباس وهو لا يبصر طريقه من الغضب ، فسدّد لها سهماً من منطقه الفياض قائلاً واسوأتاه ، يوماً على بغل ، ويوماً على جمل ، تريدين أن تطفئي نور الله ، وتقابلين أولياءه .
ثم التفت إلى مروان فقال له : ارجع يا مروان من حيث جئت ، فإنا لا نريد دفن صاحبنا عند رسول الله ، ولكن نريد أن نجدد به عهداً ، ثمّ ندفنه عند جدته فاطمة بنت أسد عملاً بوصيّته ، ولو أوصانا بدفنه عند جده لعلمت من هو أقصر باعاً (3).
ولما رأى ذلك أبو هريرة أخذ ينادي بأعلى صوته : أرأيتم لو مات ابن لموسى بن عمران ، أما كان يدفن مع أبيه ؟ وإني سمعت رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) يقول : الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدا شَبابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ .
ولم يسجّل التاريخ لأبي هريرة موقفاً كريماً سوى هذا الموقف ، وقد اغتاظ مروان
من مقالته وصاح به، لقد ضاع حديث رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) (1)
وجاء قريباً منه في مستدرك الحاكم : 3 : 171 ، وجاء في تاريخ دمشق : 13 : 288 أنّ محرز بن جعفر روى عن أبيه ، قال : «سمعت أبا هريرة يقول يوم دفن الحسن بن عليّ : قاتل الله مروان . قال : والله ما كنت لأدع ابن أبي تراب يُدفن مع رسول الله وقد دفن عثمان في البقيع .
فقلت : يا مروان ، اتق الله ، ولا تقل لعلي إلا خيراً. أشهد لقد سمعت رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) يقول يوم خيبر : لاُعْطِي الرَايَةَ رَجُلاً يُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ ، لَيْسَ بِفَرَارٍ ، وأشهد سمعت رسول الله يقول في حسن: اللهم إنّي اُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ ، وَأحِبُّ مَنْ يُحِبُّهُ.
قال مروان : إنّك والله أكثرت على رسول الله ، فلا نسمع منك ما تقول ، فهل غيرك يعلم ما تقول؟
قال : قلت : هذا أبو سعيد الخدري .
فقال مروان : لقد ضاع حدیث رسول الله ، حيث لا يرويه إلا أنت وأبو سعيد الخدري ، والله ما أبو سعيد الخدري إلا غلام ، ولقد جئت من جبال دوس قبل وفاة رسول الله بيسير فاتّق الله يا أبا هريرة .
قال : قلت : نعم ما أوصيت به ، وسكت عنه » .
.وخرج أبان بن عثمان وهو رافع عقيرته قائلاً: إن هذا لهو العجب يدفن ابن قاتل عثمان مع رسول الله وأبي بكر وعمر ، ويدفن أمير المؤمنين الشهيد المظلوم ببقيع الغرقد (2).
ولما رأى الهاشميون موقف بني أمية ومنعهم من دفن الإمام بجوار جده عزموا على مناجزتهم ، فانحاز كلّ منهما في جانب ، وهم بعضهم على بعض بالهجوم، فلما رأى الإمام الحسين (علیه السلام) ذلك بادر نحو الهاشميين فصاح بهم :
الله الله يا بني هاشم، لَا تُضَيِّعوا وَصِيَّةَ أَخِي ، وَاعْدِلُوا بِهِ إِلَى الْبَقيعِ ،
فَإِنَّهُ أَقْسَمَ عَلَيَّ إِنْ أَنَا مُنِعْتُ مِنْ دَفْنِهِ مَعَ جَدِّهِ أَنْ لَا اُخَاصِمَ فِيهِ أَحَداً وَأَنْ أَدْفِنَهُ فِي الْبَقيعِ مَعَ أُمِّهِ .
ثم التفت إلى الأمويين فقال لهم : وَاللهِ لَوْلا عَهْدُ الْحَسَنِ إِلَيَّ أَنْ لَا اُهْرِيقَ في أَمْرِهِ مِحْجَمَةً مِنْ دَمٍ لَعَلِمْتُمْ كَيْفَ تَأْخُذُ سُيوفُ اللَّهِ مِنْكُمْ مَأْخَذَها ، وَقَدْ نَقَضْتُمُ الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ، وَأَبْطَلْتُمْ ما اشْتَرَطْنَا عَلَيْكُمْ لأَنْفُسِنا (1)
ويؤيده ما جاء في تاريخ دمشق : 13 : 292 ، وانتهى الحسين إلى قبر النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) فقال : احْفِروا هاهنا ، فسكت عنه سعيد بن العاص وهو الأمير ولم يحل بينه وبينه ، وصاح مروان في بني أمية فلبسوا السلاح ، وقال مروان : لا كان هذا أبداً .
فقال له الحسين : يابْنَ الزَّرْقاءِ ، مَا لَكَ وَلهذا ، أَوْ أَوْلى أَنْتَ بِهِ؟
قال مروان : لا كان هذا ولا يخلص إليه وأنا حي ، وصاح بحلف الفضول ، فاجتمعت (بنو هاشم) ، وتيم وزهرة أسد و.. وقد لبسوا السلاح وقد لبسوا السلاح ، وعقد مروان لواء وعقد الحسين لواء ، فقال الهاشميون يدفن مع النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) حتى كان بينهم المراماة في النبل .. الخ» .
.ثمّ أمر (علیه السلام) بحمل الجثمان المقدّس إلى البقيع ، فحمل على الأنامل قد حف به الهاشميون والطالبيّون وهم يذرفون الدموع ، ويصعدون من الحسرات ما يسعره الألم ، قد أخذتهم المائقة ، وأذاب الحزن قلوبهم على فقيدهم العظيم ، وعلى ما ارتكبه الأمويون منهم .
وجيء بالجثمان الطاهر إلى البقيع ، فأودع في مقره الأخيره بجوار جدته فاطمة بنت أسد (2).
لقد أودع في الثرى ريحانة الرسول وسبطه ، فاُقبر معه الحلم والكرم والفضل .
و وقف سيّد الشهداء على حافة القبر وهو شاخص العين لم يطرف له هدب، ولم يهدأ له قلب ، وأخذ يؤبن أخاه ، ويصوغ من حزنه كلمات :
رَحِمَكَ اللهُ أَبَا مُحَمَّدٍ ، إِنْ كُنْتَ لَتُباصِرُ الْحَقَّ مَظَانَّهُ ، وَتُؤْثِرُ اللهَ عِنْدَ التَّداحُضِ فِي مَواطِنِ التَّقِيَّةِ بِحُسْنِ الرَّوِيَّةِ ، وَتَسْتَشِفُّ جَليلَ مَعاظِمِ الدُّنْيا بِعَيْنٍ لَها حاقِرَةٍ ، وَتُفيضُ عَلَيْها يَداً طَاهِرَةَ الْأَطْرافِ ، نَقِيَّةَ الْاُسْرَةِ ، وَتَرْدَعُ بادِرَةَ غَرْبِ أَعْدائِكَ بِأَيْسَرِ الْمَؤُونَةِ عَلَيْكَ ، وَلَا غَرْوَ فَأَنْتَ ابْنُ سُلالَةِ النُّبُوَّةِ ، وَرَضِيعُ لِبانِ الْحِكْمَةِ ، فَإِلَى رَوْحٍ وَرَيْحَانٍ ، وَجَنَّةٍ وَنَعِيمٍ ، أَعْظَمَ اللهُ لَنا وَلَكُمُ الْأَجْر عَلَيْهِ ، وَوَهَبَ لَنا وَلَكُمْ حُسْنَ الأسى (1)عَنْهُ» (2).
ثم جلس على القبر وأخذ يروي أديمه بماء عينيه ، وينشد :
أَأَدْهَنُ رَأْسِي أُم تَطيبُ مَحاسِني *** وَخَدُّكَ مَعْفورٌ وَأَنْتَ سَليب
أَأَشْرَبُ ماءَ المُزنِ مِنْ غَيرِ مَائِهِ *** وَقَدْ ضَمِنَ الأَحْشاءَ مِنكَ لَهِيبُ
أوِ اسْتَمْتِعُ الدُّنْيا لِشَيْءٍ أَحِبُّهُ *** إلى كُلِّ ما أَدنى إِلَيْكَ حَبيبُ
سَأَبْكِيك ما ناحَتْ حَمامَةُ أَيْكَة *** وَما اخْضَرّ في دَوح الحِجازِ قَضيبُ
غَرِيبٌ وَأَكْنَافُ الْحِجازِ تَحوطُهُ *** أَلا كُلُّ مَنْ تَحتَ التُّرابِ غَريبُ
فَلا يَفرَحُ الباقي بِبُعْدِ الذي مضى *** فَكُلُّ فَتى لِلمَوتِ فيهِ نَصيبُ
وَلَيسَ حَريباً مَنْ أُصيبَ بِمالِهِ *** ولكن مَنْ وارى أَخاهُ حَريبُ
بكائي طويل والدموعُ غَزيرة *** وأنت بعيد والمزارُ قَريبُ
نَسيبُكَ مَنْ أَمْسَى يُناجِيكَ طَيفُهُ *** وَلَيسَ لِمَنْ تَحْتَ التُّرابِ نَسيبُ (1)
وأقبل أخوه الثاكل الحزين محمد بن الحنفية فوقف على حافة القبر كأنه يعاني آلام الاحتضار ، قد استجاب لأحاسيس نفسه الولهى ، وقلبه المتصدع الذي ليس فيه فراغ لغير الأسى والحزن ، وهو يصوغ من حزنه كلمات قائلاً:
«رحمك الله يا أبا محمد ، فوالله لئن عزت حياتك لقد هدّت وفاتك ، ولنعم الروح روح عمّر بدنك ، ونعم البدن بدن تضمّنه كفنك ، ولنعم الكفن كفن تضمّنه لحدك ، وكيف لا تكون كذلك وأنت سليل الهدى، وحليف أهل التقى ، ورابع أصحاب الكساء ، وجدّك المصطفى ، وأبوك المرتضى ، وأمّك فاطمة الزهراء ، وعمّك جعفر الطيار في جنة المأوى ، غذتك أكف الحق ، وربيت في حجر الإسلام ، وأرضعتك ثدي الإيمان فطبت حياً وميتاً ، وإن كانت أنفسنا غير قالية لحياتك ، ولا شاكة في الخيار لك ، وإنّك وأخاك لسيدا شباب أهل الجنة ، فعليك أبا محمد منا السلام» (2).
وبعد الفراغ من دفن الإمام وتأبينه أقبلت الجماهير ترفع للإمام الحسين (علیه السلام) التعازي الحارة وتواسيه بمصابه الأليم وهو (علیه السلام) واقف يشكرهم على مواساتهم وتعازيهم .
وما اُذيع النبأ المؤلم في العالم الإسلامي إلا واهتز من أقصاه إلى أدناه حزناً ووجداً ، فلقد مات سيّد المسلمين وإمامهم ، والملجأ الوحيد لهم ، وقد أدخل موته
ذلاً على عموم العرب والمسلمين (1)
وجاء فيه أن عمر بن بشير سأل أبا إسحاق فقال له : متى ذلّ الناس؟
فقال : حين مات الحسن .
، وعلينا أن ننظر إلى العواصم الإسلامية التي غرمها الحزن ، وهي :أمّا يثرب عاصمة الإسلام، ، فقد لبست الحزن والحداد على الفقيد الراحل ، فعطّلت أسواقها ومكاسبها (2)، وبكاه الرجال والنساء سبعة أيام، واستمرت نساء بني هاشم في النياحة عليه شهراً ، وأظهرن الحداد ، ولبسن السواد سنة كاملة (3).
وعمّ الحزن والأسى أهل مكة ، فإنّه لما انتهى إليهم النبأ المريع أغلقوا حوانيتهم ، وعطلوا مكاسبهم ، واستمروا بالنياحة ، يبكون رجالاً ونساءً سبعة أيام (4).
وحمل النبأ المؤلم إلى البصرة عبد الله بن سلمة ، فأخبر به حاكمها زياد ابن أبيه ، وفهم بذلك الحكم بن أبي العاص الثقفي ، فخرج إلى الناس فنعى إليهم الإمام ، فلمّا سمعوا بذلك علا منهم البكاء والضجيج ، وسمع أبو بكرة أخو زياد الصراخ والعويل ، وكان سقيماً ، فقال لزوجه ميسة بنت سخام : ما هذا ؟
فقال لها بصوت خافت : اسكتى ويحك ! فقد أراحه الله من شر كثير ، وفقد الناس بموته خيراً كثيراً ، يرحم الله حسناً (1).
ورثاه شاعر البصرة الجارود بن أبي سبرة ، فقال :
إذا كانَ شَرٌّ سارَ يَوماً وَلَيلَةً *** وَإِنْ كَانَ خَيرٌ أَخَّرَ السَّيرَ أَرْبَعا
إذا ما بريدُ الشَّرِّ أَقْبَلَ نَحوَنا *** بإحدى الدواهي الرُّبْدِ سارَ وَأَسْرَعا (2)
وحينما اُذيع النبأ المؤلم في الكوفة تصدّعت القلوب ، وأرجفت من هوله النفوس، وأخذ الكوفيون بالبكاء والنحيب ، وهم يعدّدون مزايا الإمام ويذكرون خطأهم وتقصيرهم تجاهه ، وقد رثاه شاعرهم الموهوب سليمان بن قتة بقوله :
یا كَذَّبَ اللهُ مَنْ نَعَى حَسَناً *** ليسَ لِتكذيب نَعِيهِ ثَمَنُ
كُنتَ خَليلي وَكُنتَ خَالِصَتي *** لِكُلِّ حَيَّ مِنْ أَهْلِهِ سَكَنُ
أَجولُ في الدَّارِ لَا أَراكَ وَفي الـ *** دارِ اُناسٌ جِوارُهُمْ غَبَنُ
بدِّلتُهُمْ مِنْكَ لَيتَ أَنَّهُمْ *** أَضْحَوا وَبَيْنِي وَبَيْنَهُمْ عَدَنُ (3)
ورثاه شاعر الكوفة الكبير قيس بن عمر الشهير بالنجاشي بأبيات ذكر فيها جريمة بنت الأشعث ، وذكر فضل الإمام وجوده وسخاءه :
جَعَدَةُ بَكَّهِ وَلَا تَسْأَمي *** بعد بُكاءَ المُعوِلِ الثّاكِل
لَمْ يُسبَلِ السِّترُ عَلى مِثلِهِ *** في الْأَرْضِ مِنْ حافٍ وَمِنْ ناعِلِ
كان إذا شُبَّتْ لَهُ نارُهُ *** يَرفَعُها بالسَّنَدِ الغاتل
كَيْما يراها يائِسٌ مُرمِلٌ *** وَفَردُ قومٍ لَيسَ بِالآهِلِ
يغلي بِنَيْءِاللَّحْم حَتَّى إِذا *** أَنضَجَهُ لَمْ يَغْلُ مِنْ آكِلِ
أَعْني الذي أَسلَمَنا هَلْكُهُ *** لِلزَّمَنِ الْمُسْتَحرِج الماحِلِ (1)
واجتمع زعماء الشيعة وشخصياتهم في ثوي سليمان بن صرد الخزاعي ، فرفعوا إلى الإمام الحسين (علیه السلام) رسالة يعزونه بمصابه المؤلم ، ويعربون له الولاء والإخلاص والطاعة لأمره ، وهذا نصها :
بسم الله الرحمن الرحيم
للحسين بن علي ، من شيعته وشيعة أبيه أمير المؤمنين ، سلام عليك، فإنّا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو .
أمّا بعد : فقد بلغنا وفاة الحسن بن عليّ ، فسلام عليه يوم ولد ، ويوم يموت ، ويوم يبعث حيّاً ، غفر الله ذنبه ، وتقبل حسناته، وألحقه بنبيه (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، وضاعف لك الأجر في المصاب به ، وجبر بك المصيبة من بعده ، فعند الله تحتسبه ، وإنا لله وإنا إليه راجعون ، ما أعظم ما أصيبت به هذه الأمة عامة ، وأنت وهذه الشيعة خاصة ، بهلاك ابن الوصي وابن بنت النبي ، علم الهدى، ونور البلاد المرجوّ لإقامة الدين،
وإعادة سيرة الصالحين . فاصبر رحمك الله على ما أصابك إنّ ذلك من عزم الأمور ، فإنّ فيك خلفاً ممّن كان قبلك ، وإن الله يؤتي رشده من يهتدي بهديك ، ونحن شيعتك المصابة بمصيبتك المحزونة بحزنك ، المسرورة بسرورك ، السائرة بسيرتك ، المنتظرة
1) مروج الذهب : 2 : 427 .
لأمرك ، شرح الله صدرك ، ورفع ذكرك ، وأعظم أجرك ، وغفر ذنبك ، وردّ عليك حقك ، والسلام» (1).
كان معاوية يتشوّق بفارغ الصبر أنباء يثرب ، ويترقب ساعة فساعة ، قد ألح على عامله أن يعرفه بأخبار الإمام في كل يوم ، ولما انتهى إليه النبأ بموت الإمام لم يملك نفسه من السرور حتى خرّ ساجداً ، وكبر وكبر من كان معه في الخضراء ، ولما سمعت ذلك زوجه فاختة بنت فرضة خرجت من خوخة لها فرأت زوجها قد غمره الفرح والسرور فقالت له : سرّك الله يا أمير المؤمنين ، ما هذا الذي بلغك فسررت به ؟
فاستعبرت ، وقالت : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ثم بكت وقالت : مات سيد المسلمين، وابن بنت رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) (2).
وأخذ معاوية يتعجب من سرعة تأثير السمّ الذي بعثه للإمام قائلاً: يا عجباً من الحسن شرب شربة من عسل بماء رومة فقضى نحبه (3).
وبلغ معاوية ما أراده الهاشميون من دفن الحسن في بيت النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ، فقال : ما أنصفتنا بنو هاشم حين يزعمون أنهم يدفنون حسناً مع النبي ، وقد منعوا عثمان أن يدفن إلا في أقصى البقيع ، إن يك ظنّي بمروان صادقاً لا يخلصون إلى ذلك ، وجعل يقول : ويهاً مروان أنت لها (4).
ووفد عليه المقدام بن معدي كرب ، وكان من شيعة أمير المؤمنين ، فقال له معاوية مظهراً له الشماتة بموت الإمام : يا مقدام ، أعلمت أن الحسن بن علي توفّي ؟
فاسترجع المقدام واستعبر ، فالتفت إليه معاوية والسرور بادٍ على وجهه ، وابتسامته ظاهرة على شفتيه قائلاً له باستهزاء : أترى موت الحسن مصيبة !
لقد فرح معاوية بموت الإمام ، لأنه قد تمت بحسابه بوارق آماله وأحلامه ، وتحقق عنده جعل الملك العضوض وراثة في أبنائه وذريته ، وقد وصف لنا الفضل بن العباس مدى سرور معاوية وشماتته بموت الإمام بقوله :
أَصْبَحَ اليَومَ ابْنُ هِند شامِتاً *** ظَاهِرَ النَّخْوَةِ إِذْ مَاتَ الحَسَن
رَحْمَةُ الله عَليهِ إِنَّهُ *** طالَما أَشْجى ابْنَ هِندٍ وَأَرَن
فاشتراحَ اليَومَ مِنهُ بَعدَهُ *** إِذْ تَوى رَهْناً لأَحْداثِ الزَّمَن
فَارتَعِ اليَوْمَ ابْنُ هِنْد آمِناً *** إِنَّما يَعْمُصُ بِالعِيرِ السِّمَن
لست بالباقی فَلا تَشمَتْ بِهِ *** كُلُّ حَي بِالْمَنايا مُرْتَهَن
يابن هِندٍ إِن تَذُقْ كَأسَ الرَّدى *** تَكُ فى الدهر كَشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ (2)
وذكر المؤرّخون أن ابن عبّاس دخل على معاوية ، فلما استقر به المجلس التفت إليه معاوية - وهو جذلان مسرور بموت الإمام - قائلاً: يابن عباس هلك الحسن !
في عمرك ، ولقد مات وهو خير منك ، ولئن أصبنا به لقد أصبنا بمن كان خيراً منه ، جده رسول الله (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) فجبر الله مصيبته ، وخلف من بعده أحسن الخلف .
وشهق ابن عباس من الحزن ثمّ انفجر باكياً ، فبكى من حضر في بلاط معاوية ، وتباكى معاوية رياءً ، فلم يرَ أكثر باك في ذلك اليوم، والتفت معاوية والفرح والسرور باد على سحنات وجهه قائلاً له : يابن عبّاس ، إنّه ترك بنين صغاراً .
ولم يخف على ابن عبّاس ما في كلام معاوية من الشماتة فقال له : كلّنا كنا صغاراً فكبرنا .
كم أتى له من العمر ؟
أمر الحسن أعظم من أن يجهل أحد مولده .
وسكت معاوية برهة ثم التفت إليه ليعرف مدى اتجاهه نحو الحسين قائلاً: يابن عباس ، أصبحت سيد قومك ؟ !
وعرف ابن عبّاس غايته فقال له : أما ما أبقى الله أبا عبدالله الحسين فلا
فأجابه معاوية على عادته من المراوغة : لله أبوك يابن عباس ! ما استنبأتك إلا وجدتك معدّا !
وبهذا ينتهي بنا المطاف عن حياة الإمام أبي محمد ، فسلام عليه يوم ولد ، ويوم مات ، ويوم يبعث حيّاً ، فقد خسر المسلمون بفقده قيادته الروحيّة والزمنيّة ، وأسلمهم فقده للخطوب والنكبات ، وجهد الأمويون من بعده إلى إذلال المسلمين ، وإلى إرغامهم على ما يكرهون .
وأعرض إلى القرّاء أنّ هذا الكتاب إنما هو خلاصة ما توصلت إليه من الدراسة لحياة الإمام الزكي أبي محمد ، وعن تراثه ومثله ، وعن عصره وخلافته ، وما أحاط به من الظروف العصيبة التي ألجأته إلى الصلح ، ولا أزعم أنّي قد وفقت إلى الكمال فيه ، فإنّ الكمال لله ، ولكني لم آل جهداً في البحث والتنقيب ، وفي عرض الأخبار
وتحليلها ، ومناقشة بعضها ، وعسى أن أكون قد وفقت في جميع ذلك إلى إعطاء صورة حية عن الإمام وعن العصر الذي عاش فيه ، وقد توسعت كثيراً في عرض الأحداث التي رافقت الإمام ، وفيما أحسب أنّ في عرض ذلك ضرورة ملحة يقتضيها البحث .
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله الطاهرین
القرآن الكریم
1 - أبو الشهداء الحسين بن علي : العقاد ، عباس محمود (1889 - 1964ھ) : الشريف الرضي - قم المقدّسة ، الطبعة الاُولى / 1413ھ.
2 - أبو هريرة : الإمام شرف الدين = عبدالحسين الموسوي العاملي (1873 - 1958م) .
3 - الإتحاف بحُبِّ الأشراف : الشبراوي الشافعي = عبد الله بن محمّد بن عامر ( - 1172ھ) : تحقيق : سامي الغريري، مؤسسة دار الكتاب الإسلامي - قم المقدسة ، الطبعة الاُولى 1423ھ / 2002م .
4 - اتعاظ الحنفاء في الردّ على الأئمّة الخلفاء : تقي الدين المقريزي = أحمد بن علاء : (766 - 845ھ) : تحقيق : د. جمال الدين الشيال و د. محمد حلمي عبدالهادي ، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - القاهرة / 1973م.
5 - إتمام الوفاء في سيرة الخلفاء : الخضري ، محمد بن عفيفي المصري المالكي الباجوري : المكتبة التجارية الكبرى - مصر .
6 - الاثنا عشرية : الحسيني ، محمد بن الحسن بن عبد الله بن محمد بن قاسم (717 - 776) .
7 - الاجتهاد في مقابل النصّ = النص والاجتهاد : الإمام شرف الدين = عبدالحسين الموسوي العاملي (1873 - 1958م) : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، الطبعة الحادية عشر 1426ھ / 2005م .
8 - الاحتجاج على أهل اللجاج : الطبرسي = أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب ( - 560ھ) : تحقيق : إبراهيم البهادري و محمد هادي به ، الناشر : دار أسوة - ايران ، الطبعة السادسة / 1425ھ.
9 - إحقاق الحقِّ وإزهاق الباطل : القاضي التستري = نور الله بن شريف الدين الحسيني المرعشي (956 - 1019ھ) : مكتبة السيد المرعشي النجفي (قدس سره) - قم المقدسة / 1410ھ.
10 - الأحكام السلطانية والولايات الدينية : الماوردي = أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري الشافعي (364 - 450ھ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1992م.
11 - أحكام القرآن : الجصاص = أحمد بن علي (350 - 370ھ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1992م.
12 - إحياء علوم الدين : الغزالي ، محمد بن محمد (450 - 505ھ) : المكتبة العصرية - بيروت / 2000 م .
13 - الأخبار الطوال : ابن قتيبة الدينوري = أبو محمد عبدالله بن مسلم (213 - 276ھ) : منشورات الشريف الرضي ، قم المقدّسة / 1412ھ.
14 - الأدب المفرد : البخاري = أبو عبدالله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفي (194 - 256ھ) : عالم الكتب - بيروت / 1405ھ.
15 - الأذكياء : سبط ابن الجوزي = شمس الدين أبي المظفر يوسف بن فرغلي بن عبدالله البغدادي (581 - 654ھ :) : دار صادر - بيروت / 1990م .
16 - الإرشاد الإرشاد في أصول الاعتقاد : إمام الحرمين الجويني = عبدالملك بن عبدالله (419 – 478ھ) : القاهرة / 1990م.
17 - الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد : الشيخ المفيد = أبو عبدالله محمد بن محمد النعمان العكبري البغدادي (336 - 413ھ) : طبع وتحقيق : مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) - قم المقدسة / 1416ھ.
18 - أسباب النزول : الواحدي النيسابوري ، علي بن أحمد ( - 468ھ) : نی - طهران / 1383ھ. ش .
19 - الاستيعاب في معرفة الأصحاب : ابن عبدالبر = أبو عمر يوسف بن عبدالله بن محمد النمري القرطبي الأندلسي (368 - 463ھ) : دار الإسلام - عمان / 2002م .
20 - أسرار آل محمّد : ابن قيس الهلالي - أبو صادق العامري الكوفي ( - 76ھ) : تحقيق : محمد باقر الأنصاري الزنجاني ، نشر الهادي - قم المقدّسة ، الطبعة الاُولى / 1415ھ.
21 - اُسد الغابة في معرفة الصحابة : ابن الأثير الجزري = عز الدين علي بن محمد بن محمد (555 - 630ھ) : دار الكتاب العربي - بيروت / 2006 م .
22 - إسعاف الراغبين في سيرة المصطفى وآل بيته الطاهرين : الصبان ، محمد بن عليّ ( - 1206ھ) ، نشر دار الفكر - بيروت .
23 - الإسلام بين السنّة والشيعة : الدفتر ، هاشم الانصاف - بيروت ، الطبعة الاُولى / 1951م.
24 - الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية : عبدة ، محمد (1849 - 1905 م) : دار الحداثة - القاهرة ، الطبعة الثالثة / 1988م.
25 - الإصابة في تمييز الصحابة : ابن حجر العسقلاني = شهاب الدين أحمد بن عليّ الشافعي (133 - 852ھ) : دار الفكر - بيروت / 2001 م .
26 - الأصول العامة للفقه المقارن : الحكيم ، محمد تقي (1305ھ) : دار الأندلس - بيروت / 1990م.
27 - الأعلام : الزركلي = خير الدين بن محمود بن محمد ( - 1410ھ) : دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة التاسعة / 1990 م .
28 - أعلام الدين في صفات المؤمنين : الديلمي = أبو محمد الحسن بن محمد الواعظ ( - 841ھ) : تحقيق ونشر : مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التراث ، الطبعة الاُولى / 1408ھ.
29 - أعلام النساء في عالمي العرب والإسلام : كحالة ، عمر رضا : مؤسسة الرسالة - بيروت / 1984م.
30 - إعلام الورى بأعلام الهدى : الطبرسي = أبو علي الفضل بن الحسن (من أعلام القرن السادس) : مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التراث - قم المقدسة / 1417ھ.
31 - أعيان الشيعة : الأمين العاملي ، محسن (1865 - 1952م) : دار التعارف للمطبوعات - بيروت / 2000م .
32 - الأغاني : أبو الفرج الاصفهاني = علي بن حسين (284 - 356ھ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1994م.
33 - الأمالي : الزجاج : المحمودية التجارية - القاهرة ، الطبعة الثانية / 1935م.
34 - الأمالي : الشيخ الصدوق = أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381ھ) : تحقيق ونشر قسم الدراسات الإسلامية ، مؤسسة البعثة - قم المقدّسة ، الطبعة الاُولى / 1417ھ.
35 - الأمالي : شيخ الطائفة = أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (385 – 460ھ) : تحقيق : قسم الدراسات الإسلامية في مؤسسة البعثة ، دار الثقافة - قم المقدسة ، الطبعة الاُولى / 1414ھ.
36 - الأمالي: الشيخ المفيد = أبو عبدالله محمد بن محمد النعمان العكبري البغدادي (336 - 413ھ) : تحقيق : علي أكبر غفاري، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المقدّسة ، الطبعة الخامسة / 1425ھ.
37 - الإمام الحسين (علیه السلام) : العلائلي ، عبدالله (1914 - 1997م) : دار مكتبة التربية - بيروت / 1972م.
38 - الإمام عليّ بن أبي طالب : عبدالمقصود ، عبدالفتاح (1912 - 1993ھ) : مكتبة العرفان - بيروت / 1971م.
39 - الإمام علي صوت العدالة الإنسانية : جرداق ، جورج (1926 - م) : ذوي القربى - قم المقدسة / 1423ھ.
40 - الإمامة والسياسة : ابن قتيبة الدينوري = أبو محمد عبدالله بن مسلم (213 - 276ھ) : المكتبة الحيدرية - قم المقدّسة / 2007م.
41 - إمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأموال والحفدة والمتاع : تقي الدين المقريزي = أحمد بن علي بن عبد القادر (766 - 845ھ) : تحقيق وتعليق : محمد عبدالحميد النميسي ، منشورات محمد علي بيضون - دار الكتب العلمية - بيروت 1420ھ / 1999م.
42 - الأموال : القاسم بن سلام ، أبو عبيد ( - 224ھ) ، تحقيق : محمد خلیل هراس ، دار الفكر للطباعة والنشر - بيروت 1408ھ / 1988م.
43 - الانتصار الشريف المرتضى = علم الهدى أبي القاسم علي بن الحسين الموسوي (355 - 436ھ) : تحقيق ونشر : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين - قم المقدسة، الطبعة الاُولى / 1415ھ.
44 - أنساب الأشراف : البلاذري = أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي ( - 279ھ) : تحقيق : د . سهیل زكار و د: ریاض زكلي ، دار الفكر - بيروت 1417ھ / 1997م.
45 - الأنوار البهية في تواريخ الحجج الإلهية : القمي ، الشيخ عباس (1254 - 1319ھ) : تحقيق : فارس حسون كریم، انتشارات فدك - قم المقدّسة ، الطبعة الاُولى 1433ھ/ 2012 م .
46 - إيضاح الفوائد في شرح إشكالات القواعد: فخر المحققين = أبو طالب محمد بن الحسن بن يوسف (682 - 771ھ) : علّق عليه وأشرف على طبعه : السيد حسين الموسوي الكرماني والشيخ علي پناه الاشتهاردي والشيخ عبدالرحيم البروجردي ، نشر : الحاج محمد حسین كوشانپور - المطبعة العلمية - قم المقدسة / 1389ھ.
47 - إيضاح الكفاية : القرشي ، باقر شريف (1926 - م) : مخطوط .
48 - بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار : العلامة المجلسي = محمدباقر بن محمد تقي (1037 - 1111ھ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1989م .
49 - بدائع الصنائع في تريب الشرائع : علاء الدين الكاساني = ملك العلماء ، أبو بكر بن مسعود الحنفي : المكتبة الحبيبية - باكستان ، الطبعة الاُولى 1409ھ / 1989م.
50 - البداية والنهاية في التاريخ - تاريخ ابن كثير : عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي (700 - 774ھ) : تحقيق : مكتب تحقيق التراث ، نشر دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1993م.
51 - البدء والتاريخ : ابن قيسراني ، محمد بن طاهر (448 - 507ھ) : دار صادر - بيروت / 1994م.
52 - بلاغات النساء : ابن طيفور = أحمد بن أبي طاهر (204 - 280ھ) : تحقيق : د. يوسف البقاعي ، الناشر : دار الأضواء - بيروت ، الطبعة الاُولى 1420ھ / 1999م.
53 - البيان في تفسير القرآن (تفسير) : السيد الخوئي 1 ، أبو القاسم الموسوي (1278 - 1371ھ) : دار الثقلين - قم المقدّسة ، الطبعة الاُولى 1401ھ / 1981م ، مجلد .
54 - البيان والتبيين : الجاحظ ، عمرو بن بحر (150 - 255ھ) : مكتبة الخانجي - القاهرة / 1968م.
55 - تاج العروس من جواهر القاموس : الزبيدي الحنفي = محب الدين أبي فيض السيد محمد مرتضى الحسيني الواسطي (1145 - 1205ھ) : دراسة وتحقيق : علي شيري ، دار الفكر - بيروت ، الطبعة الاُولى 1414ھ / 1994م (20 مجلداً) .
56 - التاج في أخلاق الملوك : الجاحظ ، عمرو بن بحر (150 - 255ھ) : دار الفكر - بيروت / 1955م.
57 - تاریخ ابن الورديّ : ابن الوردي، زين الدين عمر بن مظفّر ( - 749ھ) : دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الاُولى 1417ھ / 1996م.
58 - تاريخ الإسلام السياسي : إبراهيم حسن ، حسن : دار الكتاب - بيروت / 1401ھ.
50 - تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير الأعلام : شمس الدين الذهبي = محمد بن أحمد بن عثمان (673 - 748ھ) : دار الكتاب العربي - بيروت / 2004م .
60 - تاريخ الأمة العربية : أسعد أطلس ، محمد : دار الأندلس - بيروت / 1963م.
61 - تاريخ بغداد : الخطيب البغدادي = أبو بكر أحمد بن علي (392 - 463ھ) : تحقيق : مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الاُولى 1417ھ/ 1997م.
62 - تاريخ التمدن الإسلامي : زيدان ، جرجي : دار مكتبة الحياة - بيروت / 1964م .
63 - تاريخ الخلفاء : جلال الدين السيوطي ، عبدالرحمن بن أبي بكر الشافعي (849 - 911ھ) : السعادة - القاهرة ، الطبعة الاُولى / 1952م.
64 - تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس : الدياربكري = حسين بن محمد بن حسن ( - 966ھ) : مؤسسة شعبان - بيروت / 1990م .
65 - تاريخ دول الإسلام : الصدفي : الهلال - مصر / 1907م .
66 - التاريخ السياسي للدولة العربية : ماجد ، عبد المنعم .
67 - تاريخ الطبري - تاريخ الأمم والملوك : أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري (224 - 310ھ) : مؤسسة الأعلمي - بيروت ، الطبعة الخامسة 1409 ھ / 1989م.
68 - تاريخ علماء الشيعة : منتجب الدين = علي بن عبيد الله بن الحسن ، المدعو بـ «حسكا » بن الحسين (504 - 585) .
69 - تاريخ مدينة دمشق : ابن عساكر ، أبو القاسم علي بن الحسين بن هبة الله الشافعي الدمشقي (499 - 571ھ) : دار الفكر - دمشق / 1419ھ .
70 - تاريخ اليعقوبي : اليعقوبي ، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح ( - 278ھ) : دار صادر - بيروت / 1984م .
71 - تحف العقول عن آل الرسول : ابن شعبة الحرّاني ، أبو محمد الحسن بن علي بن الحسين (من أعلام القرن الرابع الهجري) : دار الشريف الرضي - قم المقدسة / 1421ھ.
72 - تحفة الأنام في مختصر تاريخ الإسلام : الفاخوري ، الشيخ عبد الباسط بن عليّ .
73 - تحفة المحتاج إلى أدلّة المنهاج (شرح منهاج الطالبين للنووي) : ابن حجر الهيتمي = أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمد بن عليّ (909 - 974ھ) : دار المعارف - القاهرة / 1982م.
74 - تذكرة الحفاظ : الذهبي ، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان ( - 748) : وضع حواشیه : زكريا عميرات ، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الاُولى / 1419ھ / 1998م (4 أجزاء في مجلدين).
75 - تذكرة خواص الأمة : سبط ابن الجوزي = شمس الدين أبي المظفر يوسف بن فرغلي بن عبدالله البغدادي (581 - 654ھ :) : منشورات الشريف الرضي - قم المقدسة ، الطبعة الاُولى 1418ھ / 1997م.
76 - الترغيب والترهيب في الحديث الشريف : زكي الدين المنذري ، عبدالعظيم : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1388ھ .
77 - التصوّف الإسلامي : مبارك ، زكي : الرسالة - القاهرة ، الطبعة الاُولى / 1928م.
78 - تطهير الجنان واللسان : ابن حجر العسقلاني ، شهاب الدين أحمد .
79 - التعليقات : الشيخ الرئيس = ابن سينا : مركز النشر التابع للمكتب الإسلامي - قسم التبليغ ، الطبعة الرابعة 1421ھ.
80 - تعليقات على منهاج المقال (م) : البهبهاني ، محمد باقر : ایران / 1307ھ . ش .
81 - تفسير الآلوسي = روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني : أبو الفضل شهاب الدين السيد محمود الآلوسي البغدادي (1217 - 1270ھ) : دار الفكر - بيروت ، الطبعة الاُولى 1417ھ / 1997م (30 جزءاً في 16 مجلداً) .
82 - تفسير ابن كثير - القرآن العظيم : عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي (701 - 774ھ) : تحقيق : سامي بن محمد سلامة، دار طيبة ، الطبعة الثانية 1420ھ / 1999م.
83 - تفسير البيضاوي - أنوار التنزيل وأسرار التأويل : ناصر الدين أبي سعيد عبدالله بن عمر بن محمد البيضاوي الشيرازي ( - 791ھ) : دار الفكر - بيروت / 2005 م .
84 - تفسير الثعلبي - الكشف والبيان : أبو إسحاق النيسابوري - أحمد بن محمد بن إبراهيم ( - 427ھ) : دراسة وتحقيق : أبو محمد بن عاشور ، مراجعة وتدقيق : نظير الساعدي ، دار إحياء التراث العربي - بيروت ، الطبعة الاُولى 1422ھ / 2002م (10 مجلدات) .
85 - تفسير الجلالين : جلال الدين السيوطي = عبدالرحمن بن الكمال (849 - 911ھ) : مكتبة لبنان - بيروت / 2000م .
86 - تفسير الخازن = لباب التأويل في معاني التنزيل : علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم الخازن البغدادي ( - 725ھ :) : تحقيق : عبد السلام محمد علي شاهين ، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الاُولى 1415ھ / 1995م (4 مجلّدات) .
87 - تفسير الرازي = التفسير الكبير = مفاتيح الغيب : خطيب الري = فخر الدين أبي عبدالله محمد بن ضياء الدين عمر بن الحسن بن الحسين (544 - 606ھ) : تقديم : الشيخ خليل محيي ، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت، الطبعة الاُولى 1415ھ / 1995م (32 جزءاً في 16 مجلداً + مجلد الفهرس) .
88 - تفسیر روح البيان : حقي البروسوي ، إسماعيل بن مصطفى (1063 - 1127ھ): استانبول - دار الأرقام / 1417ش .
89 - تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق التنزيل : جار الله الزمخشري = أبو القاسم محمود بن عمر (467 - 538ھ) : مؤسسة التاريخ العربي - بيروت / 2000م .
90 - تفسير السيوطي = الدر المنثور في التفسير بالمأثور: جلال الدین عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي (849 - 911ھ) : تصحيح وتخريج الأحاديث : الشيخ نجدت نجیب ، دار إحياء التراث العربي - بيروت ، الطبعة الاُولى 1421ھ / 2001م (8 مجلدات) .
91 - تفسير الطبرسي = الجامع الكبير = جمع الجوامع : أمين الإسلام = أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطوسي (468 - 548ھ) : تحقيق ونشر : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المقدسة ، الطبعة الاُولى / 1418ھ.
92 - تفسير الطبرسي = مجمع البيان : أمين الإسلام ، أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطوسي الطبرسي (468 - 548ھ) : تحقيق : السيد هاشم الموسوي المحلاتي والسيد فضل الله اليزدي الطباطبائي : دار المعرفة - بيروت ، الطبعة الثانية / 1408ھ - 1998م .
93 - تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن : أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (310ھ) : تحقيق : الدكتور عبدالله بن عبد المحسن التركي، بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر - القاهرة ، الطبعة الاُولى 1422ھ / 2001م ، (24 مجلداً + مجلدا الفهارس) .
94 - تفسير فتح القدير : الشوكاني = محمد بن علي بن محمد (1173 - 1250ھ) : تحقیق : عبد الرزاق المهدي، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الاُولى 1420ھ / 1999م (5 مجلدات + مجلد الفهارس) .
95 - تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن : أبو عبدالله محمد بن أحمد القرطبي الأنصاري ( - 671ھ) : التحقيق : هشام سمير البخاري ، دار عالم الكتب - الرياض 1423ھ / 2003م .
96 - تقييد العلم : الخطيب البغدادي ، أبو بكر أحمد بن عليّ (392 - 463ھ) : دار إحياء السنة النبوية - بيروت / 1395ھ.
97 - تلخيص المستدرك : الذهبي ، شمس الدين أبو عبدالله محمد بن أحمد بن عثمان ( - 748ھ) - المطبوع في ذيل المستدرك على الصحيحين، للحاكم النيسابوري دراسة وتحقيق : مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الاُولى 1411ھ / 1990م.
98 - تمام المتون في شرح رسالة ابن زيدون : صلاح الدين الصفدي = خليل بن أيبك بن عبد الله (696 - 764ھ) : المكتبة العصرية - بيروت / 1419ھ.
99 - تمهيد الباقلاني : الباقلاني ، محمد بن طيب (338 - 403ھ) : دار الفكر - بيروت / 1981م.
100 - التنبيه والإشراف : المسعودي = أبو الحسن علي بن الحسين بن علي ( - 345ھ) : دار مكتبة الهلال - بيروت / 1993م.
101 - تنزيه الأنبياء والأئمة (علیهم السلام) : الشريف المرتضى - علم الهدى أبي القاسم علي بن الحسين الموسوي (355 - 436ھ) : تحقيق : فارس حسون كریم، بوستان كتاب - قم المقدسة / 1422ھ.
102 - تنقيح المقال في علم الرجال : المامقاني ، الشيخ عبدالله ( - 1351ھ) : المطبعة المرتضوية - النجف الأشرف / 1352ھ.
103 - تنوير الحوالك شرح على موطأ مالك : السيوطي ، جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر الشافعي (849 - 911ھ) : تحقیق : محمد عبدالعزيز الخالدي ، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الاُولى 1418ھ / 1997م .
104 - تهذيب الأحكام : شيخ الطائفة = أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (385 - 460ھ) : مكتبة الصدوق - طهران / 1417ھ .
105 - تهذيب الأسماء واللغات : النووي = أبو زكريا محيي الدين بن شرف ( - 676ھ) : طبعة دار الكتب العلمية - بيروت.
106 - تهذيب التهذيب : ابن حجر العسقلاني ، أحمد بن علي بن محمد (773 - 852 ھ) : دار الفكر - بيروت / 1995م.
107 - تهذيب الكمال في أسماء الرجال : الحافظ المزي ، جمال الدين أبي الحجاج يوسف (654 - 742ھ) : مراجعة : سهيل زكار ، تحقيق : أحمد علي عبيد ، وحسن أحمد آقا ، دار الفكر - بيروت ، الطبعة الاُولى 1414 ھ / 1994م (22 مجلداً + مجلدا الفهارس).
108 - الثقات : ابن حبّان السجستاني = الحافظ محمد بن أحمد أبو حاتم السبتي التميمي (370 - 354ھ) : دار الكتب العلميّة - بيروت / 1998م.
109 - ثمرات الأوراق : أبو بكر الحموي = أحمد بن محمد (من أعلام القرن الحادي عشر) : دار الكتب العلمية - بيروت / 1983م.
.........................
110 - جامع أحاديث الشيعة : المعزي الملايري ، إسماعيل : بإشراف آية الله البروجردي (قدس سره) طبع المطبعة العلمية - قم المقدسة / 1399ھ.
111 - جامع أسرار العلماء - شرح الاستبصار - (م) : ابن الوندي = قاسم بن محمد الكاظمي النجفي ( - 1100ھ).
112 - جامع بيان العلم وفضله : ابن عبدالبر = أبو عمر يوسف بن عبدالله بن محمد النمري القرطبي الأندلسي المالكي (363 - 463ھ) : تحقيق : أبي الأشبال الزهيري ، دار ابن الجوزي - الدمام ، الطبعة الثالثة 1418ھ / 1998م (مجلدان) .
113 - جامع الرواة وإزاحة الاشتباهات عن الطرق والاسناد : الأردبيلي الحائري ، محمد بن عليّ ( - 1101ھ) : دار الأضواء - بيروت 1403ھ / 1983م .
114 - جامع السعادات : النراقي ، مهدي بن أبي ذرّ (1128 - 1209ھ) : تعليق : مؤسسة السيدة المعصومة (علیها السلام) - قم المقدسة / 2005م .
115 - جريدة الساعة : العدد 908 (عدد خاص بسيد الشهداء (علیه السلام)) .
116 - الجمل : الشيخ المفيد = أبو عبد الله محمد بن محمد النعمان العكبري البغدادي (336 - 413ھ) : دار الأنصار - قم المقدسة / 1430ھ.
117 - جمهرة أشعار العرب : ابن شبة = أبو زيد عمر النميري البصري ، الطبعة الأميرية / 1308ھ.
118 - جمهرة رسائل العرب : زكي صفوت ، أحمد : مصطفى البابي الحلبي - القاهرة ، الطبعة الاُولى / 1937م .
119 - جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام : الشيخ النجفي ، محمد حسن ابن الشيخ باقر ابن الشيخ عبدالرحيم (1200 - 1266) : حققه وعلّق عليه وأشرف على طبعه : الشيخ عباس القوچاني ، دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1400ھ.
120 - جوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام : القراغولي البغدادي ، السيد محمود : الآداب - بغداد / 1329ھ .
121 - الحدائق الوردية في مناقب الزيدية : الشهيد المحلى = حسام الدين حميد بن أحمد ( - 652ھ) : جامع النهرين - صنعاء / 1402ھ.
122 - حق اليقين في معرفة أصول الدين : عبد الله شبر = السيد عبدالله بن محمد رضا بن محمد بن أحمد بن عليّ (1188 - 1242ھ) : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت ، الاُولى / 1418ھ.
123 - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء : أبو نعيم الاصفهاني ، الحافظ أحمد بن عبدالله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران (336 - 430ھ) : دار الكتاب العربي - بيروت / الطبعة الخامسة / 1987م.
124 - حماة الإسلام : نجيب ، مصطفى بن محمد (1861 - 1901م) : مصر 1901م .
125 - حياة الحيوان الكبرى : الدميري ، كمال الدین محمد بن موسى (742 - 808 ھ) : ناصر خسرو - طهران (اوفسيت عن طبعة مصطفى البابي الحلبي - القاهرة 1390ھ / 1970م).
126 - حياة عليّ بن أبي طالب : ابن التلاميد الشنقيطي ، محمد محمود : الاستقامة - مصر / 1936م.
127 - حياة محمد : هيكل ، محمد حسنين : السنّة المحمدية - القاهرة / 1965م.
128 - الخرائج والجرائح : الراوندي = قطب الدين أبي الحسين سعيد بن هبة الله ( - 573ھ) : مؤسسة النور للمطبوعات - بيروت ، الثانية / 1411ھ .
129 - خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب : البغدادي ، عبد القادر بن عمر (1030 - 1093ھ) : مكتبة الخانجي - القاهرة / 1983م.
130 - خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب : النسائي = أبو عبدالرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن بحر (215 - 303ھ) : تحقيق : السيد جعفر الحسيني ، دار الثقلين - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1419ھ .
131 - الخصائص الكبرى : جلال الدين السيوطي = جلال الدين عبدالرحمن بن الكمال (849 - 911ھ) : دار الكتب العلمية - بيروت / 1405ھ .
132 - الخصال : الشيخ الصدوق = أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381ھ) : نشر وتحقيق : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين / 1424ھ.
133 - خلاصة تذهيب تهذيب الكمال : الخزرجي الأنصاري ، أحمد (من أعلام القرن العاشر) : قدّم له واعتنى بنشره: عبدالفتاح أبو غدة ، دار البشائر الإسلامية ، الطبعة الرابعة / 1411ھ.
134 - الخلفاء الراشدون : النجّار ، عبد الوهاب (1862 - 1941م) : دار الفكر - بيروت / 1990م.
135 - دائرة المعارف : البستاني ، بطرس (1819 - 1883م) : دار الجيل - بيروت / 1979م.
136 - دائرة معارف القرن العشرين : وجدي ، محمد فريد .
137 - الدرّة الثمينة في تاريخ المدينة : التميمي الكوفي ، ابن نجار .
138 - درّة الناصحين في الوعظ والإرشاد : الخويري ، عثمان بن حسن شاكر (القرن 13) : مكتبة الثقافة - بيروت / 1985م.
139 - دوائر المعارف : الكاظمي ، محمد مهدي : مطبعة الساعة - بغداد / 1949م.
140 - ديوان الرصافي : الرصافي ، معروف (1875 - 1945م): شرح مصطفى علي، منشورات وزارة الإعلام - بغداد / 1975م.
141 - ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى : الطبري ، محبّ الدين أبو العباس أحمد بن عبدالله بن محمد المكي الشافعي (615 - 694ھ) : تحقيق وتعليق : أكرم البوشي ، مكتبة الصحابة - جدة ، الطبعة الاُولى 1415ھ / 1995م.
142 - ذخيرة الدارين : الحائري، مجيد : المرتضوية - النجف الأشرف / 1341ھ .
. . . . . . . . ...
143 - رجال الكشي = اختيار معرفة الرجال : شيخ الطائفة = أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (385 - 460 ھ) : تحقيق : محمّد تقى فاضل الميبدي والسيد أبو الفضل الموسويان ، وزارة الثقافة والإرشاد - طهران ، الطبعة الاُولى / 1382ھ . ش .
144 - الروائع المختارة من خطب الإمام الحسن (علیه السلام) : الموسوي ، مصطفى : دار المعلم - طهران ، الطبعة الاُولى / 1395ھ
145 - روضات الجنّات في أحوال العلماء والسادات: الخوانساري - الميرزا محمد باقر الموسوي ( - 1313ھ) ، مكتبة إسماعيليان - قم المقدسة / 1390ھ.
146 - روضة الشهداء فى المقتل ومخزن الإنشاء : الواعظ الكاشفي ، الملا حسين بن عليّ السبزواري ( - 910ھ) .
147 - روضة الصفا : خاوند شاه ، میر خواند (837 - 903ھ) : باللغة الفارسية .
148 - الروضة المختارة - شرح القصائد الهاشميات والعلويات للكميت بن زياد (60 - 126ھ) : ابن أبي الحديد المعتزلي (586 - 656ھ) - : مؤسسة النعمان - بيروت ، الطبعة الاُولى / 1979م.
149 - روضة الواعظين وبصيرة المتعلمين : الفتّال النيشابوري ، محمد بن أحمد ( - 508ھ) : دار الشريف الرضي - قم المقدّسة ، الطبعة الاُولى / 1386 ش .
150 - الرياض النضرة في مناقب العشرة : محبّ الدين الطبري = أبي جعفر أحمد بن عبدالله الشافعي (615 - 694ھ) : تحقيق عبدالمجيد الحلبي ، دار المعرفة - بيروت ، الطبعة الاُولى 1418ھ / 1997م (4 أجزاء في مجلد) .
151 - زهر الآداب وثمر الألباب : أبو إسحاق القيرواني = إبراهيم بن علي الحصري : دار الجيل - بيروت / 1973م.
152 - سبل السلام في شرح بلوغ المرام : محمد بن إسماعيل ، أمير الكحلاني (1099 - 1182ھ): دار ابن الجوزي - الرياض / 1421ھ .
153 - سرّ السلسلة العلوية : البخاري = أبو نصر سهل بن عبد الله بن داود ( - 341ھ) : الشريف الرضي - قم المقدّسة ، الطبعة الاُولى / 1413ھ.
154 - سفر السعادة : الفيروزآبادي = أبو طاهر مجدالدين محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم (729 - 817ھ) .
155 - سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار : الشيخ القمي ، عباس بن محمد رضا (1254 - 1359ھ) : دار اُسوة للطباعة والنشر - قم المقدّسة ، الطبعة الرابعة / 1427ھ.
156 - سنن ابن ماجة : ابن ماجة القزويني = أبو عبد الله محمد بن يزيد ( - 273ھ) : تحقیق : خليل مأمون شيحا ، دار المعرفة - بيروت، الطبعة الثانية 1418ھ / 1997م (4 مجلدات + مجلّد الفهرس) .
157 - سنن أبي داود : الحافظ أبو داود سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني (202 - 275ھ) : تحقيق : سعيد محمد اللحام ، دار الفكر - بيروت ، الطبعة الاُولى 1410ھ / 1990م.
158 - سنن البيهقي = السنن الكبرى : أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي (384 - 458ھ) : مكتبة دار الفكر - بيروت 1416ھ / 1996م.
159 - سنن الترمذي : أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي (209 - 279ھ) : الجمعية الإسلامية / 1421ھ.
160 - السنّة قبل التدوين : د . عجاج الخطيب ، محمد : دار الفدكر - بيروت ، الطبعة الثانية / 1391ھ .
161 - السيادة العربية والشيعة والإسرائيليات : فلوتن، خراوف فان (1866 - 1903م) : ترجمة : د. حسن إبراهيم ومحمد زكي ، مكتبة النهضة المصرية - القاهرة ، الطبعة الثانية / 1965م.
162 - السياسة الشرعيّة في إصلاح الراعي والرعيّة : ابن تيمية الحراني = تقي الدين أحمد بن عبد الحليم الدمشقي (661 - 782ھ :) : مطبوعات الجامعة الإسلامية - المدينة المنوّرة 1379ھ / 1960م.
163 - سير أعلام النبلاء : شمس الدين الذهبي = محمد بن أحمد بن عثمان (673 - 748ھ) : مؤسسة الرسالة - بيروت / 1419ھ .
164 - السيرة الحلبية : الحلبي = علي بن برهان الدين (975 - 1044ھ) : دار الكتب العلمية - بيروت / 2006 م .
165 - السيرة النبوية : ابن هشام = أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري ( - 218ھ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 2000 م .
166 - السيدة زينب وأخبار الزينبيات : العبيدلي ، جمال الدين أبو الفضل أحمد بن مهنا : دار المعرفة - بيروت / 1982م.
................
167 - شذرات الذهب في أخبار من ذهب : ابن عماد الحنبلي = أبو الفلاح عبد الحي بن أحمد (1032 - 1089ھ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1967م.
168 - شرح إحقاق الحق وإزهاق الباطل : القاضي التستري ، نور الله بن شريف الدين الحسيني المرعشي الشوشتري (956 - 1019ھ) : علّق عليه : السيد شهاب الدين المرعشي (قدس سره) ، مكتبة المرعشي النجفي (قدس سره) - قم المقدسة / 1410ھ .
169 - شرح ع الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار : القاضي المغربي ، أبو حنيفة النعمان بن محمد التميمي المصري ( - 363ھ) : تحقيق : السيد محمد الحسيني الجلالي ، مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدسة / 1409ھ .
170 - شرح الشفا : الخفاجي الحنفي ، علي بن سلطان محمد القاري : الأزهرية المصرية - دار الكتاب العربي - بيروت / 1327ھ.
171 - شرح لامية العجم : صلاح الدين الصفدي = خليل بن أيبك بن عبدالله (696 - 764ھ) : دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الاُولى / 1975م.
172 - شرح نهج البلاغة : ابن أبي الحديد = عزّ الدين أبي حامد عبدالحميد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسين المدائني المعتزليّ (586 - 655ھ) ، قدم له وعلّق عليه : الشيخ حسين الأعلمي ، الناشر : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت ، الطبعة الاُولى / 1415ھ - 1995م.
173 - شرح نهج البلاغة : عبدة ، محمد (1849 - 1905 م) : مؤسسة الأعلمي - بيروت / 1985 م .
174 - الشرف المؤبد : النبهاني ، يوسف بن إسماعيل : الميمنية - القاهرة .
175 - الشفا بتعريف أحوال المصطفى : القاضي اليحصبي ، عياض بن موسى (476 - 544ھ) : دار المكتبة العلميّة والمكتبة العصرية - بيروت / 2001م.
176 - شيخ المضيرة أبو هريرة : أبو رية ، محمود ( - 1385ھ) : دار المعارف - القاهرة / 1969م.
177 - الشيعة في الميزان : مغنية ، محمد جواد (1904 - 1979م) : دار الجواد و دار التيار الجديد - بيروت، الطبعة العاشرة 1409ھ / 1989م.
. . . . . . . ....
178 - صبح الأعشى في صناعة الإنشا : القلقشندي = أحمد بن علي بن أحمد ( - 821 ھ) : دار الكتب العلميّة - بيروت / 1987م .
179 - الصحاح = تاج اللغة وصحاح العربيّة : الجوهري، إسماعيل بن حماد (قيل : 332 - 392ھ) : تحقيق : أحمد عبد الغفور عطّار ، دار العلم للملايين - بيروت ، الطبعة الرابعة / 1990م.
180 - صحيح البخاري : أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفي البخاري (194 - 256ھ) : ضبطه ورقمه : الدكتور مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير ودار اليمامة - دمشق . الطبعة الخامسة 1414ھ / 1993م (6 مجلدات + مجدّد الفهارس) .
181 - صحيح الترمذي : محمد بن عيسى بن سورة الترمذي (209 - 279ھ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1985م .
182 - صحيح مسلم = الجامع الصحيح : أبو الحسين مسلم بن حجاج القشيري النيسابوري (206 - 261ھ) : دار ابن حزم - بيروت، الطبعة الاُولى 1416ھ / 1995م.
183 - صفة الصفوة : ابن الجوزي ، أبو الفرج جمال الدین عبدالرحمن بن علي بن محمد (508 - 597ھ) : دار المعرفة - بيروت / 1979م.
184 - صلح الحسن (علیه السلام): آل ياسين ، راضي (1896 - 1953ھ) : الشريف الرضي - قم المقدسة / 1414ھ.
18 - الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة : ابن حجر الهيتمي = أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمد بن علي (909 - 974ھ) : تحقيق : عبدالرحمان التركي وكامل محمد الخراط، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الاُولى 1417ھ / 1997م (مجلّدان) .
186 - طبقات الشافعية الكبرى : رضي الدين السبكي الشافعي = أبو نصر عبدالوهاب بن عليّ بن عبد الكافي ( - 771ھ) : تحقیق : محمود الطناحي وعبد الفتاح الحلو ، دار إحياء الكتب العربية - القاهرة (10 مجلدات) .
187 - طبقات الشعراء: ابن المعتز ( - 296ھ) : تحقيق : عبدالستار أحمد فراج ، دار المعارف - القاهرة / 1968م.
188 - طبقات الصحابة : ابن منيع القرشي ، محمد بن سعد .
189 - الطبقات الكبرى : ابن سعد الواقدي، أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع البصري الزهري (168 - 230ھ) : تحقیق : محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلميّة - بيروت ، الطبعة الاُولى 1410ھ / 1990م (8 مجلدات + مجلد الفهارس) .
190 - الطبقات الكبرى = لواقح الأنوار: الشعراني = أبو المواهب عبدالوهاب بن أحمد المصري : صحح بمعرفة لجنة من العلماء بالقاهرة / 1374ھ / 1954م .
191 - عائشة والسياسة : الأفغاني ، سعيد : لحنة التأليف والترجمة - القاهرة ، الطبعة الثانية / 1957م.
192 - عبقرية الإمام عليّ : العقاد ، عبّاس محمود (1889 - 1964ھ) : دار المعارف - بيروت / 1990م.
193 - العدالة الاجتماعيّة في الإسلام : السيد قطب، ابن إبراهيم حسين الشاذلي (1906 - 1966ھ) : بيروت / 1968م.
194 - العدد القوية لدفع المخاوف اليومية : العلامة الحلّي = أبو منصور الحسن بن يوسف المطهر الأسدي (648 - 726ھ) : مكتبة السيّد المرعشي النجفي (قدس سره) - قم المقدسة ، الطبعة الاُولى / 1408ھ.
195 - عصر المأمون : الرفاعي ، أحمد فريد : مطبعة جامعة البصرة / 1980م.
196 - العقد الفريد : ابن عبدربه الأندلسي ، أبو عمر أحمد بن محمد (246 - 328ھ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1989م.
197 - عقيدة الشيعة : م . دو نلاسن ، دوایت: تعریب ، ع . م ، مكتبة الخانجي - مصر .
198 - علل الشرائع : الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي (311 - 381ھ) : دار الحُجّة للثقافة - قم المقدّسة ، الطبعة الاُولى / 1416ھ (جزءان في مجلد) .
199 - العلم الشامخ في إيثار الحق على الآباء والمشائخ : المقبلي ، صالح بن مهدي (1040 - 1108ھ) : مصر .
200 - علم النفس في الحياة : ماندر : لجنة التأليف - القاهرة / 1938م .
201 - علي وبنوه : د. حسين ، طه (1889 - 1973م) : دار المعارف - القاهرة / 1989م.
202 - العمدة في محاسن الشعر : ابن رشيق القيرواني ، الحسن بن رشيق ( - 456ھ) : دار الجيل - بيروت / 1972م.
203 - عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب : ابن عنبة = جمال الدين أحمد بن علي بن الحسين الحسيني (741 - 828 ھ) : المكتبة الثقافية - قم المقدسة / 2004 م .
204 - عمدة القارئ : بدر الدين العيني ، أبو محمد محمود بن أحمد (763 - 855) : مصطفى الحلبي - القاهرة / 1973م.
205 - العناصر النفسية : جبري ، شفيق : دار المعارف ، الطبعة الاُولى / 1945م.
206 - عوالم العلوم والمعارف والأحوال : البحراني الأصفهاني ، الشيخ عبد الله ( - 1130ھ) : مدرسة ومؤسسة الإمام المهدي (عجل الله تعالی فرجه الشریف) - قم المقدسة ، الطبعة الاُولى / 1407ھ.
207 - عيون الأخبار: ابن قتيبة الدينوري، عبدالله بن مسلم (213 - 276ھ) : دار الكتب المصرية - القاهرة / 1996م.
208 - الغارات : ابن هلال الثقفي ، إبراهيم بن محمد الكوفي ( - 283ھ) : دار الكتاب الإسلامي - قم المقدّسة / 1411ھ .
209 - غاية النهاية في طبقات القرّاء : الجزري الشافعي = أبو الخير شمس الدين محمد بن محمد الدمشقي ( - 833 ھ).
210 - الغدير في الكتاب والسنة والأدب : العلامة الأميني ، عبدالحسين (1281 - 1349 ھ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1990م.
211 - غوالي اللآلئ العزيزية في الأحاديث الدينية : ابن أبي جمهور الأحسائي = محمد بن عليّ بن إبراهيم ( - 880 ھ) : دار سيّد الشهداء (علیه السلام) - قم المقدّسة ، الطبعة الاُولى /1405ھ.
212 - الفائق في غريب الحديث : جار الله الزمخشري = أبو القاسم محمود بن عمر (467 - 538ھ) : دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الاُولى / 1417ھ.
213 - فاطمة وبنات محمّد : المستشرق الأب لامنس، هنري (1862 - 1937م) .
214 - فتح الباري في شرح صحيح البخاري : ابن حجر العسقلاني = شهاب الدين أحمد بن عليّ الشافعي (733 - 852ھ) : تحقيق : عبدالعزیز بن عبدالله بن باز ، دار الفكر - بيروت ، الطبعة الاُولى 1414ھ / 1993م (15 مجلداً + مجلدا المقدّمة والخاتمة).
215 - الفتنة الكبرى : د. حسین ، طه (1889 - 1973م) : المكتبة الإسلامية - القاهرة / 1991م.
216 - الفتوح : ابن أعثم الكوفي ، أحمد بن محمد بن عليّ ( - 314ھ) : دار الكتاب العلمية - بيروت ، الطبعة الاُولى 1406ھ / 1986م.
217 - الفتوحات الإسلامية : زيني دحلان، أحمد : المدني - القاهرة / 1968م.
218 - فجر الإسلام : أمين ، أحمد : دار الكتاب العربي - بيروت ، الطبعة الحادية عشر /1975م.
219 - فصول المهمة في معرفة أحوال الأئمة : ابن الصباغ ، علي بن محمد بن أحمد المالكي (855 ھ) : دار الأضواء - بيروت، الطبعة الثانية 1409ھ / 1988م.
220 - فضائل الأصحاب : أفندي ، أحمد .
221 - فضائل الخمسة من الصحاح الستة : الحسيني الفيروزآبادي ، مرتضى (1289 - 1368ھ) ، مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الرابعة 1402ھ / 1982م.
222 - فوائد (على هامش التعليقات) : البهبهاني ، محمد باقر .
223 - في العقد الاجتماعي : جاك روسو ، جان : دار القلم - بيروت ، الاُولى / 1973م.
224 - فيض القدير شرح الجامع الصغير : عبدالرؤوف المناوي ، محمد الشافعي (952 - 1031ھ) : تحقيق : أحمد عبدالسلام ، دار الكتب العلميّة - بيروت ، الطبعة الاُولى / 1415ھ.
225 - القاموس المحيط : الفيروزآبادي = أبو طاهر مجدالدين محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم (729 - 817) : تقديم وتعليق : الشيخ أبو الوفا نصر الهوريني المصري الشافعي ، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الاُولى 1425ھ / 2004م .
226 - قوت القلوب : المكي ، أبو طالب : دار صادر - بيروت / 1310ھ .
227 - قوة الإرادة : سويت ماردن ، اريسون .
228 - الكافي : ثقة الإسلام = أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الرازي الكليني (328 - 329ھ) : مؤسسة الأعلمي - بيروت ، الطبعة الاُولى 1426ھ / 2005م .
229 - الكامل في التاريخ : ابن الأثير = عزّ الدين أبي الحسن علي بن محمد بن أبي الكرم الشيباني (555 - 630ھ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الاُولى 1408ھ / 1989م.
230 - الكامل في اللغة والأدب : المبرد = أبو العباس محمد بن يزيد (210 - 286ھ) : دار الفكر العربي - القاهرة / 1997م .
231 - كشف الخفاء ومزيل الالتباس : العجلوني = إسماعيل بن محمد الجراحي ( - 1162ھ) : دار الكتب العلمية - بيروت 1408ھ / 1988م.
232 - كشف الغمة في معرفة الأئمة : الإربلي = أبو الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح (467 - 538ھ) : دار الأضواء - بيروت / 1985م .
233 - كشف المحجة : السيد ابن طاووس - رضي الدين أبي القاسم علي بن بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر (589 - 644ھ) .
234 - كفاية الطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب : الحافظ الكنجي الشافعي = أبو عبدالله محمد بن يوسف القرشي ، ( - 658ھ) : تحقيق : محمد هادي الأميني ، دار إحياء تراث أهل البيت (علیهم السلام) - طهران ، الطبعة الثانية / 1404ھ.
235 - الكلمة الغرّاء فى تفضيل الزهراء : الإمام شرف الدين = عبدالحسين الموسوي العاملي (1873 - 1958م) : انتشارات دليل ما / 1422ھ.
236 - كنز العلوم : وجدي ، محمد فريد الواعظ - القاهرة / 1905م .
237 - كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال : المتقي الهندي = علاء الدين علي بن حسام الدين (888 - 975ھ) : مؤسسة الرسالة - بيروت / 2004 م .
238 - كنوز الحقائق : عبدالرؤوف المناوي ، محمد الشافعي (952 - 1031ھ) : المكتبة الإسلامية - القاهرة / 1986م.
239 - الكنى والأسماء : الرازي الدولابي ، أبو بشر محمد بن أحمد (224 - 310ھ) .
240 - الكنى والألقاب : الشيخ القمي ، عبّاس (1254 - 1319ھ) : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المشرّفة ، الطبعة الاُولى / 1425ھ.
241 - لسان العرب : ابن منظور ، جمال الدين أبو الفضل محمد بن مكرم بن علي بن أحمد الأنصاري الأفريقي المصري (630 - 711ھ) : تنسيق وتعليق : علي شيري ، دار صادر - بيروت / 1995م.
242 - لسان الميزان : ابن حجر العسقلاني ، شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي (773 - 853) : تحقيق : عادل أحمد وعلي معوّض ، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الاُولى 1416ھ / 1996م (7 مجلدات) .
243 - اللهوف في قتلى الطفوف : السيد ابن طاووس ، رضي الدين أبي القاسم علي بن بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر (589 - 644ھ) : أنوار الهدى - قم المقدسة ، الطبعة الاُولى / 1417ھ.
244 - المجتنى : ابن دريد = أبي بكر محمد بن الحسن الأزدي (223 - 321ھ) : حیدر آباد .
245 - المجدي في أنساب الطالبيين : العلوي العمري ، نجم الدين أبو الحسن علي بن محمد : مكتبة آية الله العظمى المرعشي 1 - قم المقدّسة / 1409ھ .
246 - مجلة الآسيوية - البريطانية
247 - مجلة الأضواء .
248 - مجلة البيان : العدد 35 - 39 (عدد خاص بسيد الشهداء (علیه السلام)) .
249 - مجلة العرفان : الزين ، أحمد عارف .
250 - مجلة الغري : آل كاشف الغطاء شيخ العراقين ، عبدالرضا : عدد خاص بسيد الشهدا (علیه السلام).
251 - مجمع البحرين ومطلع النيّرين : فخر الدين الطريحي - محمد بن علي (979 - 1085ھ) : تحقيق : قسم الدراسات الإسلامية ، مؤسسة البعثة - طهران ، الطبعة الاُولى / 1414ھ (3 مجلدات) .
252 - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد : نور الدين الهيثمي = الحافظ علي بن أبي بكر المصري الشافعي (735 - 807 ھ) : دار الكتب العلمية - بيروت 1408ھ / 1988م.
253 - مجموعة ورّام = تنبيه الخواطر ونزهة النواظر: المالكي الأشتري = الأمير أبو الحسين ورام بن أبي فراس ( - 605ھ) : دار الكتب الإسلامية - طهران ، الطبعة الثانية / 1368ھ.
254 - : المحاسن والأضداد الجاحظ ، عمرو بن بحر (150 - 255ھ) : دار إحياء العلوم - بيروت ، الطبعة الاُولى / 1986م.
255 - المحاسن والمساوئ : البيهقي = إبراهيم بن محمد (من أعلام القرن الرابع) : دار بيروت - بيروت 1404ھ / 1984م.
256 - محاضرات الأوائل : السكتواري ، علاء الدين 1300ھ.
257 - محاضرة الأبرار و مسامرة الأخيار : محيي الدين ابن العربي أبو عبدالله محمد بن علي بن محمد بن عبدالله الحاتمي الطائي (560 - 638ھ) : دار صادر - بيروت .
258 - المحبر : ابن حبيب الهاشمي البغدادي ، محمد : دار الغد العربي - القاهرة / 2000م .
259 - محمد بن الحنفية : الهاشمي ، عليّ : شريعت - قم المقدّسة ، الطبعة الاُولى / 1404ھ.
260 - مدينة معاجز الأئمة الاثنى عشر ودلائل الحجج على البشر : البحراني = السيد هاشم بن سليمان بن إسماعيل الحسيني التوبلي ( - 1107ھ) : تحقيق : لجنة بإشراف فارس كريم ، مؤسسة المعارف الإسلامية - قم المقدسة / 1416ھ.
261 - المراجعات : الإمام شرف الدين ، عبدالحسين الموسوي العاملي (1873 - 1958م) : دار الأنصار - قم المقدسة / 1386ھ.
262 - مرآة العقول : العلامة المجلسي ، محمد باقر بن محمد تقي (1037 - 1111ھ): منشورات دار الكتب الإسلامية ، طهران ، ایران 1404ھ.
263 - مروج الذهب ومعادن الجوهر المسعودي ، أبو الحسن علي بن الحسين بن عليّ ( - 346ھ) : تحقيق : عبد الأمير المهنا ، نشر مؤسسة الأعلمي - بيروت ، الطبعة الاُولى 1411ھ / 1991م.
264 - مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام الشهيد الثاني = الشيخ زين الدين بن عليّ بن أحمد بن جمال الدين العاملي الجعبي (911 - 965ھ) : تحقيق ونشر : مؤسسة المعارف الإسلامية - قم المقدّسة ، الطبعة الثالثة / 1421ھ.
265 - مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل : المحدّث النوري - الحاج الميرزا حسين بن محمد تقي بن تقي الطبرسي (1254 - 1320ھ) : مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التراث - قم المقدّسة ، الطبعة الاُولى / 1408ھ.
266 - المستطرف : شهاب الدين الأبشهيّ ، أحمد : مصطفى البابي الحلبي - القاهرة / 1942م .
267 - مسند أحمد بن حنبل : ابن حنبل ، أحمد ( - 241ھ) : مؤسسة الرسالة - بيروت ، الطبعة الثانية 1420ھ / 1999م.
268 - مشكل الآثار : الطحاوي ، أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة (239 - 321ھ) : مؤسسة الرسالة - بيروت 1408ھ / 1987م.
269 - مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار : عبدالله شبر ، السيد عبدالله بن محمد رضا بن محمد بن أحمد بن عليّ (1188 - 1242ھ) : مكتبة بصيرتي - قم المقدسة .
270 - مصابيح السنّة : البغوي ، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد الفراء ( - 516ھ) : تحقيق : د. يوسف عبدالرحمن المرعشلي ومحمد إبراهيم سمارة وجمال حمدي الذهبي دار المعرفة - بيروت ، الطبعة الاُولى 1407ھ / 1987م.
271 - مطالب السؤول في مناقب آل الرسول : القرشي ، كمال الدين محمد بن طلحة بن محمد بن الحسن الشافعي (583 - 652ھ :) : مؤسسة أم القرى - قم المقدسة / 1420ھ.
272 - المعارف : ابن قتيبة الدينوري ، أبو محمد عبد الله بن مسلم (213 - 276ھ) : دار الكتب العلميّة ، بيروت / 1407ھ.
273 - معالم المدرستين العسكري ، مرتضى : منشورات مؤسسة النعمان للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت 1410ھ / 1990م.
274 - معجم الأدباء : ياقوت الحموي ، شهاب الدين أبو عبدالله ياقوت بن عبدالله الرومي البغدادي (574 - 626ھ) : دار المأمون - القاهرة / 2001م .
275 - معجم البلدان : ياقوت الحموي ، شهاب الدين أبو عبد الله الرومي البغدادي ( - 626ھ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1399ھ.
276 - معجم الشعراء : المرزباني ، محمد بن عمران (297 - 384ھ) : المكتبة الإسلامية - القاهرة / 1354ھ.
277 - المعجم الكبير : الطبراني ، أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي (260 - 360ھ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1996م.
278 - مقاتل الطالبيين : أبو الفرج الأصفهاني ، علي بن الحسين بن محمد بن أحمد ( - 356 ھ) : مكتبة الشريف الرضي - قم المقدسة / 1416ھ.
279 - مقتل الحسين (علیه السلام) : الخوارزمي = أخطب خوارزم، موفق بن أحمد بن محمد البكري الحنفي المكي (484 - 568ھ) : تحقيق : محمد السماوي ، أنوار الهدى - قم المقدسة / 1418ھ.
280 - مقتل الحسين (علیه السلام) = حديث كربلاء : المقرّم ، عبد الرزاق الموسوي : قدّم له محمد حسين المقرّم ، منشورات الشريف الرضي - قم المقدّسة ، الطبعة الرابعة / 1414ھ .
281 - مقدّمة ابن خلدون : عبدالرحمن بن محمد بن خلدون (732 - 808 ھ) : دار إحياء التراث - بيروت / 1995م.
282 - مكارم الأخلاق : أمين الإسلام ، أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطوسي الطبرسي (468 - 548ھ) : دار الفقه - قم المقدّسة / 1425ھ .
283 - المكاسب المحرمة : الشيخ الأعظم = مرتضى بن محمد أمين الدزفولي الأنصاري (1214 - 1281ھ) : دار الحكمة - قم المقدسة / 1416ھ.
284 - الملاحم والفتن : السيد ابن طاووس، رضي الدين أبي القاسم علي بن بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر (589 - 644ھ) : مؤسسة صاحب الأمر (عجل الله تعالی فرجه الشریف) / 1416ھ.
285 - ملحمة الغدير: سلامة ، بولس : مطبعة النشر - بيروت / 1949م.
286 - الملل والنحل : الشهرستاني ، أبو الفتح محمد بن عبدالكريم (479 - 548ھ) : مؤسسة الصادق (علیه السلام) - طهران / 1387ھ .
287 - مناقب أبي حنيفة : أخطب خوارزم = الموفق بن أحمد بن محمد البكري الحنفي المكي الخوارزمي (484 - 568ھ) : مكتبة الخانجي - القاهرة / 1988م .
288 - مناقب أحمد بن حنبل : ابن الجوزي - أبو الفرج جمال الدين عبدالرحمن بن علي بن محمد (508 - 597ھ) : دار ابن خلدون - الاسكندرية / 1986م.
289 - مناقب آل أبي طالب : ابن شهرآشوب ، أبو جعفر رشيد الدين محمد بن علي السروي المازندراني (488 - 588ھ) : دار الأضواء - بيروت، الطبعة الثانية 1412ھ / 1991م.
290 - المنتظم في تاريخ الأمم والملوك : ابن الجوزي = أبو الفرج جمال الدين عبدالرحمن بن عليّ بن محمّد ( - 597ھ) : تحقيق وتقديم : سهيل زكار، الطبعة الاُولى / 1415ھ - 1995م.
291 - من لا يحضره الفقيه : الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي (311 - 381ھ) : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، الطبعة الاُولى 1426ھ / 2005م .
292 - منهاج السنة النبوية : ابن تيمية الحراني ، تقي الدين أحمد بن عبدالحليم الدمشقي (661 - 782ھ) : إدارة الثقافة - مكة المكرمة / 1412ھ.
293 - المواهب اللدنية بالمنح المحمدية : القسطلاني المصري ، أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمد (851 - 923ھ) : الدار العلمية - بيروت / 1996م.
294 - میزان الاعتدال في نقد الرجال : الذهبي = شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان (673 - 748ھ) : دار الفكر - بيروت / 1420ھ .
295 - النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: الأتابكي ، أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي (784ھ) : دار الكتب المصرية - القاهرة ، الطبعة الاُولى / 1932م .
296 - نزهة المجالس و منتخب النفائس : الصفوري الشافعي ، عبدالرحمان بن عبد السلام ( - 5894) : المعارف - الاسكندرية / 2001 م.
297 - النصائح الكافية لمن يتولى معاوية : العلوي ، محمد بن عقيل بن عبدالله بن عمر (1863 - 1931م) : مؤسسة الفجر - بيروت / 1991م.
298 - النظام السياسي في الإسلام : القرشي ، باقر شريف (1926 م) : النجف الأشرف / 1962م.
299 - نظم درر السمطين في فضائل المصطفى والمرتضى والبتول والسبطين : الزرندي الحنفي ، جمال الدين محمد بن يوسف بن الحسن بن محمد المدني (693 - 750ھ) : المجمع العالمي للتقريب - طهران / 2009م .
300 - النفحة العنبرية في أنساب خير البرية : اليماني ، كاظم .
301 - نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار : الشبلنجي ، مؤمن بن حسن بن مؤمن : تحقيق : عبد الوارث محمد علي ، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الاُولى 1418ھ / 1997م.
302 - نهاية الإرب في فنون الأدب : النويري ، أحمد بن عبدالوهاب ( - 733ھ) : طبعة وزارة الثقافة والإرشاد القومي، المؤسسة المصرية ، مطبعة دار الكتب المصرية.
304 - نهج البلاغة (مجموع ما اختاره الشريف الرضي من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب 7) : دار التعارف للمطبوعات - بيروت ، الطبعة الاُولى / 1410ھ - 1990م.
304 - نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة : المحمودي ، محمد باقر وزارة الثقافة والإرشاد - طهران / 1418ھ .
305 - وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة : الحر العاملي = محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن الحسين (1033 - 1104ھ) : مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) - قم المقدسة ، الطبعة الثانية / 1416ھ .
306 - وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى : نور الدين السمهودي = نور الدين علي بن القاضي عفيف الدين عبد الله بن أحمد الحسيني الشافعي (843 - 911ھ) : دار الفكر - بيروت / 1980م.
307 - وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان : ابن خلكان = أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر ( - 681ھ) : تحقيق : د . إحسان عباس ، منشورات الشريف الرضي - قم المقدّسة ، الطبعة الثانية / 1406ھ .
308 - وقعة صفّين : المنقري ، نصر بن مزاحم (212ھ) : طبع مكتبة المرعشي النجفي - قم المقدّسة / 1404ھ (بالأفسيت عن الطبعة الثانية للمؤسسة العربية الحديثة - القاهرة / 1382ھ) .
309 - الولاة والقضاة: الكندي = أبو عمر محمد بن يوسف ، مكتبة الخانجي - القاهرة /1988م.
310 - ينابيع المودة لذوي القربى : القندوزي، سليمان بن إبراهيم الحنفي ( - 1294ھ) : تحقيق : السيد علي جمال أشرف الحسيني ، الناشر : دار الاُسوة للطباعة والنشر - قم المقدّسة ، الطبعة الاُولى / 1416ھ.
بنو هاشم وبنو أمية والحسن ومعاوية ...9
البيعة... 25 - 41
أمور تتعلّق بهذا الفصل
1 - قبول الخلافة ...36
2 - عموم البيعة ...37
3 - إحكام الدولة ...38
4 - أخطاء تاريخية ...39
المسعودي ...39
فريد وجدي ...39
الخضري ...39
طه حسين ...40
الحرب الباردة 43 - 67
المؤتمر الأموي...46
مذكرة الإمام ...47
جواب معاوية ...47
مذكرة ابن عبّاس ...49
جواب معاوية ...50
رسالة ابن عباس للإمام (علیه السلام)...51
رسالة الإمام (علیه السلام) إلى معاوية ...55
جواب معاوية ...61
مذكرة معاوية ...66
جواب الإمام (علیه السلام)...66
اعلان الحرب 69 - 90
مذكرة معاوية لعماله ...72
فزع العراقيين ...73
1 - اختيار عبیدالله ...79
2 - عدد الجيش ...80
3 - وصف الجيش ...83
1 - الشيعة ...84
2 - المحكمة ... 84
3 - أصحاب المطامع ...84
4 - الشكاكون ...85
5 - أتباع الرؤساء ...85
4 - أخطاء تاريخية ...86
1 - الحاكم ...86
2 - اليعقوبي ...87
3 - ابن كثير ...87
4 - طه حسين ...88
في المدائن 91 - 112
حوادث مسكن ...94
بثّ الجواسيس ...95
رشوة الوجوه ...95
إغراؤه لعبيد الله ...95
غدر وخيانة ...96
اضطراب الجيش ...97
أكاذيب وأضاليل ...99
خلاصة الأحداث ...100
حوادث المدائن ...101
إذاعة الذعر ...101
رشوة الزعماء ...102
تأثير الرشوة ...103
نهب أمتعة الإمام ...105
تكفيره (علیه السلام) ...106
اغتياله (علیه السلام)... 106
الموقف الرهيب ... 108
اسباب الصلح 113 - 224
الناقدون لموقف الإمام (علیه السلام) :
1 - الصفدي ...116
2 - الدكتور فيليب حتّي ...116
3 - العلائلي ...117
4 - المستشرق روايت .م . رونلدس ...117
5 - لامنس ...117
الأسباب التي دعت إلى الصلح :
أولاً : تقلّل الجيش ...120
1 - تضارب الحزبية فيه ...120
الحزب الأموي ...120
الحزب الحروري ...121
1 - السأم من الحرب ...122
1 - الحروب المتتالية ...123
2 - اليأس من الغنائم ...123
3 - فقد القوى الواعية ...126
4 - الدعوة إلى الصلح ...126
5 - خيانة عبيد الله ...127
6 - رشوات معاوية ...127
7 - الإشاعات الكاذبة ...129
ثانياً : قوّة العدوّ ...130
1 - طاعة الجيش ...130
2 بساطة وسذاجة ...132
إنفاق الكلمة ...133
ضخامة القوى العسكرية ...133
حاشيته ... 134
ضخامة الأموال ...135
3 - اغتيال أمير المؤمنين (علیه السلام) ...136
4 - حقن الدماء ...136
5 - منة معاوية ...137
6 - حوادث المدائن ...138
7 - الحديث النبوي ...138
8 - العصمة ...141
1 - الشريف المرتضى ...142
2 - السيّد ابن طاووس ...142
9 - إبراز الواقع الأموي ...144
أبو سفيان وهند ...145
ما أثر عن النبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) في معاوية ...148
1 - عداؤه للنبي (صلَّیٰ اللهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وسَلَّم) ...152
2 - تعطيله الحدود ...153
3 - إباحته الربا ...154
4 - الأذان في صلاة العيد ...155
5 - الخطبة قبل صلاة العيد ...155
6 - أخذه الزكاة من الاُعطية ...156
7 - تطيبه في الإحرام ...156
8 - استعماله أواني الذهب والفضة ...156
9 - لبسه الحرير ...157
10 - استحلاله أموال الناس ...157
11 - شراؤه الأديان ...157
12 - خلاعة ومجون ...158
13 - افتعال الحديث ...162
14 - استلحاقه زياداً ...172
الاستياء الشامل ...178
1 - الإمام الحسن (علیه السلام) ...179
2 - الإمام الحسين (علیه السلام) ...179
3 - يونس بن عبيد ...180
4 - عبد الرحمن بن الحكم ...181
5 - أبو العريان ...182
6 - أبو بكرة ...184
7 - يزيد بن المفرغ ...185
8 - الحسن البصري ...186
9 - السكتواري ...187
15 - عماله وولاته ...189
1 - سمرة بن جندب ...190
2 - بسر بن أبي أرطاة ...195
3 - أبو هريرة ...197
4 - زياد ابن أبيه ...200
الجور الشامل ...203
سياسة أهل البيت (علیهم السلام) ...207
السياسة البناءة ...207
نظرهم إلى الخلافة ...208
المثل العليا ...209
1 - العدل ...209
2 - المساواة ...211
3 - الحرية ...212
الصراحة والصدق ...213
الولاة والعمّال ...217
الخدمة العسكرية ...219
السياسة المالية ...220
بنود الصلح 225 - 241
مكان الصلح ...234
عام الصلح ...235
دراسة وتحليل ...236
1 - العمل بكتاب الله ...237
2 - ولاية العهد ...237
3 - الأمن العام ...238
4 - عدم تسميته بأمير المؤمنين ...238
عدم إقامة الشهادة ...238
6 - ترك سبّ أمير المؤمنين (علیه السلام) ...239
7 - الأمن العام للشيعة ...239
8 - خراج دارا بجرد ...240
9 - عدم البغي عليهم ...241
مَوقِفُ الإِمَامِ الحُسين (علیه السلام) 243 - 254
اجتماع الإمام بمعاوية ...255
خطاب الإمام الحسن (علیه السلام) ...259
موقف الزعيم قيس ...263
اجتماع الإمام بمعاوية 255 - 266
خطاب الإمام الحسن (علیه السلام) ...259
موقف الزعيم قيس ...263
المنددون بالصلح 267 - 279
1 - حجر بن عدي ...269
2 - عدي بن حاتم ...270
المسيب بن نجبة ...271
4 - مالك بن ضمرة ...272
5 - سفيان بن أبي ليلى ...273
6 - بشير الهمداني ...274
7 - سليمان بن صرد ...274
8 - عبد الله بن الزبير ...277
9 - أبو سعيد ...277
10 - بعض أصحابه ...278
الى يثرب 281 - 298
مدرسته (علیه السلام) ...286
عطفه (علیه السلام) على الفقراء ...287
الاستجارة به ...288
مع حبيب بن مسلمة مسلمة ...291
رفضه مصاهرة الأمويين ...292
مع معاوية في يثرب ...294
الحزب السياسي ...298
الى دِمَشْق 299 - 334
مناظراته (علیه السلام) ...303
جوابه لمعاوية ...310
خرق مُعاوية شروط الصلح 335 - 444
1 - سبّه لأمير المؤمنين (علیه السلام) ...339
المنكرون ذلك ... 346
1 - سعد بن أبي وقاص ...347
2 - السيدة أم سلمة ...348
3 - عبدالله بن عباس ... 348
4 - الأحنف بن قيس ... 351
5 - كثير بن كثير ...352
6 - أنيس الأنصاري ...353
7 - زيد بن أرقم ...354
8 - أبو بكرة ...354
2 - خراج دارا بجرد ...356
3 - شيعة أمير المؤمنين (علیه السلام) ...356
حجر بن عدي ... 358
ضحايا العقيدة من أصحاب حجر ...366
1 - عبدالرحمن ... 366
2 - صيفي بن فسيل ...367
3 - قبيصة بن ربيعة ...369
صدى الفاجعة ... 371
الإمام الحسين (علیه السلام)...371
عائشة ...372
الربيع بن زياد ...373
الحسن البصري ...374
عبدالله بن عمر ...374
معاوية بن حديج ...374
رشيد الهجري ...375
عمرو بن الحمق الخزاعي ...377
أوفى بن حصن ...381
جويرية بن مسهر العبدي ...382
عبدالله بن يحيى الحضرمي ...383
هدم دور الشيعة ...384
عدم قبول شهادة الشيعة ...384
إشاعة الارهاب والاعتقال ...384
1 - محمد بن أبي حذيفة ...385
2 - عبد الله بن هاشم المرقال ...386
3 - عبدالله بن خليفة الطائي ...390
4 - صعصعة بن صوحان ... 392
5 - عدي بن حاتم ...397
6 - جارية بن قدامة ...400
ترويع نساء الشيعة ... 401
1 - الزرقاء بنت عدي ... 401
2 - أُمّ الخير البارقية ... 403
3 - سودة بنت عمارة ... 406
4 - أم البراء بنت صفوان ... 409
5 - بكارة الهلالية ...410
6 - أروى بنت الحارث ...412
7 - عكرشة بنت الأطش ... 416
8 - الدارمية الحجونية ... 417
المؤتمر الحسيني ...420
4 - البيعة ليزيد ... 421
دعوة المغيرة ... 424
وفود الأمصار ... 426
سفرة معاوية الاُولى ليثرب ... 434
سفره الثاني إلى يثرب ... 440
خطبة الامام الحسين (علیه السلام) ...440
عائشة وبيعة يزيد ... 443
أزْوَاجُه و عقبه 445 - 469
فرية المنصور ... 456
مخاريق لامنس ... 458
أسماء أزواجه (علیه السلام) :
1 - خولة الفزارية ... 459
2 - جعدة بنت الأشعث ... 462
3 - عائشة الخثعمية ... 463
أما أعلام أولاده فهم :
1 - القاسم ... 466
2 - أبو بكر ... 466
3 - عبدالله ... 466
4 - زيد ... 467
5 - الحسن ... 468
إلی جنة المأوی 471 – 505
أقوال غريبة ...477
1 - موته بالسلّ ...477
2 - سمّه في العصا ...477
3 - سمّه في الطواف ...478
4 - موته حتف أنفه ...478
وصيّته للحسين (علیه السلام) ...483
وصيّته لمحمّد ... 485
إلى الرفيق الأعلى ... 487
تجهيز الإمام (علیه السلام) ...489
مواكب التشييع ... 489
الصلاة على الجثمان ... 490
الفتنة الكبرى ...490
إجازة عائشة لدفن عبدالرحمن ... 492
على حافة القبر ...497
صدى الفاجعة ... 498
1 - يثرب ... 499
2 - مكة ... 499
3 - البصرة ... 499
4 - الكوفة ... 500
سرور معاوية ... 502
مصادر الكتاب ... 507
محتويات الكتاب ... 539