ghaemiyeh.com
سلسلة مصطحات معاصرة
العتبة العباسیة المقدسه
المرکز الاسلامي للدراسات الاستراتیجیة
الفيدرالية
تألیف الشیخ مرتضی فرج
الفيدرالية
الشيخ مرتضى فرج
محرر الرقمي: محمد رضا راهجو
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقدِّمة المركز ... 5
مدخل... 7
الفصل الأول
تعريفات الفيدرالية ومفهومها (تجلِّيات المصطلح عبر التاريخ)... 15
الفصل الثاني
نشأة الفيدرالية وتطوِّرها التأريخي وأبرز روّادها الأوائل.. 45
الفصل الثالث
التداخل بين مصطلح الفيدرالية ومصطلحات أخرى مقاربة... 65
الفصل الرابع
نشأة الدولة الفيدرالية وانتهاؤها ... 103
الفصل الخامس
نظريات الفيدرالية ومنظّريها والانتقادات الموجهة لها... 117
الفصل السادس
في تقييم النظام الفيدرالي... 139
خاتمة واستنتاجات... 157
المراجع... 160
تدخل هذه السلسلة التي يصدرها المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية في سياق منظومة معرفية يعكف المركز على تظهيرها، وتهدف إلى بحث وتأصيل ونقد مفاهيم شكَّلت ولمّا تزل مرتكزاتٍ أساسيةً في فضاء التفكير المعاصر.
وسعيًا إلى تحقيق هذا الهدف وضعت الهيئة المشرفة خارطةً شاملةً للعناية بالمصطلحات والمفاهيم الأكثر حضورًا وتداولً وتأثيرًا في العلوم الإنسانية؛ ولا سيما في حقول الفلسفة، وعلم الاجتماع، والفكر السياسي، وفلسفة الدين، والاقتصاد، وتاريخ الحضارات.
أما الغاية من هذا المشروع المعرفي فيمكن إجمالها بالآتي:
أولً: الوعي بالمفاهيم وأهميّتها المركزية في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الإنسانية وإدراك مبانيها وغاياتها، وبالتالي التعامل معها كضرورةٍ للتواصل مع عالم الأفكار، والتعرُّف على النظريات والمناهج التي تتشكّل منها الأنظمة الفكرية المختلفة.
ثانياً: إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالبًا ما تستعمل في غير موضعها أو يجري تفسيرها على خلاف المراد منها. لا سيما وأنّ كثيرًا من الإشكاليات المعرفية ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقية.
ثالثًا: بيان حقيقة ما يؤدّيه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاري بين الشرق والغرب، وما يترتّب على هذا التوظيف من آثارٍ سلبيةٍ بفعل العولمة الثقافية والقيمية التي تتعرَّض لها المجتمعات العربية والإسلامية، وخصوصًا في الحقبة المعاصرة.
رابعًا: رفد المعاهد الجامعية ومراكز الأبحاث والمنتديات الفكرية بعملٍ موسوعيٍ جديدٍ يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الاصطلاحية، ومجال استخداماته العلمية، فضلً عن صِلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى.
وانطلاقًا من البعد العلمي والمنهجي والتحكيمي لهذا المشروع، فقد حرص المركز على أن يشارك في إنجازه نخبةٌ من كبار الأكاديميين والباحثين والمفكّرين من العالمين العربي والإسلامي.
تضيء هذه الدراسة على مصطلح الفيدرالية في نشأته ومعانيه ودلالاته الفلسفية والفكرية، كما تعرض إلى الاستعمالات المختلفة والمتباينة لهذا المفهوم تبعًا للتجارب التاريخية العالمية وفي التجربة الغربية خصوصًا.
والله ولي التوفيق
يشير مصطلح «الفيدرالية » إلى أحد أبرز المصطلحات التي لا يزال يدور حولها نقاشٌ كبير في الأوساط السياسية والقانونية والفكريّة، وعلى الرغم من النظريات والدراسات المتعدِّدة التي صاغها وأولاها منظِّرون ومفكِّرون منذ أمد بعيد حوله، إلا أن هذا المصطلح لم يتحوّل إلى مفهوم تامّ القوام.
وفي الوقت نفسه، فإنّ تتبّع المستجدات بشأن مصطلح الفيدرالية يعدّ أمرًا في غاية الأهميّة، ذلك أن التعريفات النظرية في أغلب الأحيان لا تتفق مع التطبيق العملي لها، بسبب السياسات التي تتجاذبها فتفقدها ما تتضمنه نظرياتها من جوانبَ إيجابيةٍ ومنافعَ ومزايا ملحوظةٍ.
ولأنّنا لم نجد وضوحاً في المطالعات المعاصرة حيال ظهورات هذا المصطلح، فقد ارتأينا أن نركز مسعانا في هذه الدراسة على استقراء ظاهرة الفيدرالية من خلال تاريخها ونشأتها وتطوِّرها ومن ثم تقييمها. وجاء ذلك ضمن ستة فصول، تبدأ في فصلها الأول بتعريف مصطلح الفيدرالية وبيان مفهومها والالتباسات التي لازالت تكتنفها، ثم تقدِّم في الفصل الثاني تتّبعًا تاريخيًا لنشأتها وتطوّرها عبر الزمن والإشكاليات التي مرّت بها، وما هي امتداداتها وتجليّاتها عبر التاريخ؟ فضلً عن بيان الأسباب التي أدّت إلى ظهور مصطلح الفيدرالية، وماهية الظروف التي عمِلَت على ظهوره واعتماده؟ ومن ثم في فصلٍ ثالث، تقف الدراسة على المصطلحات والجوانب
المتداخلة مع الفيدرالية، وتوضح مضامينها والفروقات بينها وبين مصطلح الفيدرالية. وفي الفصل الرابع نسلط الضوء على طرق نشأة الدولة الفيدرالية وانتهائها ومستوياتها ومستويات الفيدرالية وإيجابياتها وسلبياتها لدى التطبيق. أما الفصل الخامس، تتطرّق الدراسة فيه إلى أبرز نظريات الفيدرالية ومنظريها والانتقادات التي وجهت لتلك النظريات. وفي فصلٍ أخير، تقدّم الدراسة تقييمً للفيدرالية بإيجابياتها وسلبياتها، ثم تقدم حلولً ومعالجات مقترحة من شأنها أن تصحّح مساراتها. ثم نقوم بعرض خلاصةٍ ونتيجةٍ حول الفيدرالية وتطبيقاتها، وتقديم التوصيات بشأنها.
1 - أهداف الدراسة
تهدف الدراسة إلى بيان مصطلح ومفهوم الفيدرالية، كما تسعى إلى إزالة الضبابية المعرفية الناتجة من عدم وضوح الرؤية واختلاط المفاهيم، فضلً عن التعريف بالنظريات الفيدرالية وتقديم وعرض رؤى أبرز مفكريها ومنظريها، ولا نكتفي بالسرد والوصف بل نتجه إلى النقد والتحليل للمصطلح والنظريات المتعلقة بالفيدرالية.
ثم نقوم بدراسة مستويات الفيدرالية، لنقف على مزاياها ومنافعها ومساوئها والخيارات البديلة عنها.
2 - أهميّة الدراسة
تكمن أهميّة دراسة موضوع الفيدرالية من خلال مجموعةٍ من النقاط نوجزها في الآتي:
أ- يحتل هذا الموضوع أهميّةً كبيرةً في عموم العالم نظراً
لاستمرار إحتدام الجدال والخلاف حول مصطلح الفيدرالية بشكلٍ خاص ومفهومها بشكلٍ عام.
ب- يحظى هذا الموضوع باهتمامٍ كبيرٍ في مجالات القانون والسياسة والفكر، فالمفكّرون الغربيون يهتمّون إهتماماً كبيراً بقضيّة االفيدرالية، ومراحل تطوّرها منذ العصور القديمة وحتى وقتنا الحاضر.
ج- كون العديد من دول العالم بدأت تتّجه نحو الفيدرالية وتكوين دولة اتحادية سواءً بالانضمام أو التفكّك.
د- بالنظر للتحدّيات التي تواجه تطبيقاتها ولا سيما في توزيع الاختصاصات ضمن الدولة الاتحادية بشكلٍ عامٍّ، والخلافات والتداخلات بين الدولة الاتحادية والأقاليم.
ه - حاجة المكتبات في العراق والمنطقة العربية إلى دراساتٍ حول هذا الموضوع، ولا سيما في مجال التعريف بمصطلح الفيدرالية ومفهومها ونظرياتها وروادها الأوائل من المنظِّرين والمؤسِّسين.
3 - إشكالية الدراسة
لدى دراسة الفيدرالية، تُطرح بشكلٍ مستمرٍّ عدة تساؤلات في مقدمتها: لِمَ تتحد الدول والولايات؟ وما هي العوامل أو الظروف التي استلزمت تبنّي الفيدرالية من قبل الدول المستقلة؟ وكيف يتم تنظيم الاتحاد؟ وكيف يتم تقاسم السلطة بين مستويات الحكومة المذكورة؟ وما هي أوجه النقد التي يمكن أن تقدّم لمصطلح الفيدرالية عامّة باعتبارها اتّجاهاً قويًّا في الفكر السياسي عبر تاريخه؟
هل إنّ الفيدرالية هي وسيلة إلى النهاية أو النهاية نفسها؟ ولِمَذا تنجح بعض الاتحادات وتفشل غيرها؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة في الماضي وفي السنوات الأخيرة كان يدافع عنها أنصار النظريات الفدرالية المختلفة، ومنها النظرية المؤسّسية القانونية، والنظرية الاجتماعية، والنظرية السياسية/المساومة، وأخيرًا النظرية العملية/ التطورية.
3 - محاور الدراسة
نتناول الفيدرالية في مجموعةٍ من المحاور المنبثقة من الأهداف والإشكاليّات معًا، وعلى الوجه الآتي:
أولً- تعريفات الفيدرالية ومفهومها وتجليات المصطلح عبر التاريخ.
ثانيًا- نشأة الفيدرالية وتطوِّرها التاريخي وأبرز روادها الأوائل.
ثالثًا- التداخل بين مصطلح الفيدرالية ومصطلحات أخرى مقاربة.
رابعًا- المؤسّسين للمصطلح وأهمّ المنظّرين له.
خامسًا - مستويات الفيدرالية وتقييم فاعليتها (مزاياها ومساوئها).
سادسًا - نظريات دراسة الفيدرالية والانتقادات الموجَّهة إليها.
سابعًا- مستويات ومنافع ومساوىء الفيدرالية.
4 - منهج الدراسة
تعتمد الدراسة على مجموعةٍ من المناهج، فهي أولً تعتمد على المنهج التاريخي الوصفيّ، بغية الكشف عن تاريخ فكرة الفيدرالية، ومراحل تطوّرها وأشهر مفكِّريها. وتقوم ثانيًا على المنهج التحليليّ الذي يهدف إلى تحليل مصطلح الفيدرالية، وتحديد مفهومه والمبادئ الرئيسة التي يقوم عليها وأنواع الفيدرالية. من المنهج النقدي في التحليل والنقد للنظريات والأفكار.
فضلً عن تحديد السِّمات والملامح الخاصة بالفيدرالية وتحديد الجوانب الخفية والملتبسة فيها من أجل تسليط الضوء عليها أثناء الدراسة.
وهكذا، فقد جرى اعتماد النُهج التاريخية والتحليلية على مدار هذه الدراسة مع مصادر رئيسية وثانوية كمنهج للبحث(1).
5 - فرضية الدراسة
وفقًا لما قدّمناه في إشكالية الدراسة، فإنّ فرضية هذه الدراسة ترتكز على صيغةٍ تفاضليةٍ تفترض أن دولاً كبرى نجحت فيها الاتحادات الفيدرالية كالولايات المتحدة وكندا وأستراليا وغيرها، في حين بقيت دولٌ أخرى ناشئة تعاني من تعثّ مسار الفيدرالية فيها.
كذلك تعتمد الفرضية على صيغةٍ شرطيةٍ تلزم الدول الاتحادية
1) Federalism as a political ideology and system of government: the theoretical perspectives, International Journal of Advanced Academic Research & Sciences, Technology & Engineering, Vol. 3, Issue 9, (September 2017), p. 53.
ألاّ تضيّق حلقة المركزية مع أقاليمها، وفي الوقت نفسه ألا تترك لها التدّخل في اختصاصاتٍ سياديّةٍ تعدّ من اختصاصات الحكومة الاتحادية حصرًا، وهو ما يمكن تسميته «تجاوز الاختصاص».
هذه الجوانب تحدّ من المشاكل والخلافات التي قد تحدث بين الاتحاد والإقليم، ومن ثم تتفادى تهديد الفشل الذي يواجه ديمومة الدولة الفيدرالية وقد يؤدّي إلى تفكّكها، أو انفصال إقليمٍ أو ولايةٍ أو اكثر من تحت مظلة الدولة الفيدرالية.
6 - أهم المصادر والمراجع والدراسات السابقة
اعتمدت الدراسة على عددٍ كبيرٍ من المراجع العلمية باللغات العربية والانكليزية والفرنسية، ولعل من أهمها تلك التي تعود إلى أبرز منظري الفيدرالية من المفكرين الغربيين، وفي مقدمتهم، (William, H.Riker)في كتابه ( The Development of American Federalism )، والمفكر والمنظر (K.C.Wheare )في كتابه ( Federal government)، وكتابه الآخر ( Viewing Federalism as Grand Design ) والمفكر ( Daniel J. Elazar ) في كتابه: (Political Philosophers and the Federal Principle) وكتابه الآخ (Federalism as Grand Design: Political Philosophers and the Federal Principle )، والمفكر( Michel Burgess ) في كتابه ( Comparative Federalism: Theory and Practice )، فضلً عن كُتاب ومفكرين عرب من بينهم الدكتور عبد الرحمن البزاز في كتابه «الدولة الموحّدة والدولة الاتحادية »، وكتاب
الدكتور عصام سليمان «الفيدرالية والمجتمعات التعدّدية ولبنان ،» وكتاب الدكتور نوري طالباني «حول مفهوم النظام الفدرالي ،» وغيرهم من الكُتاب والمفكرين.
وهنالك العديد من الدراسات العالمية المهمة حول الفيدرالية، من بينها، كتاب:
1- (Davis, S. R.: The Federal Principle: A Journey Through Time in Quest of a Meaning Berkeley)
فضلً عن كتاب يتعلّق بالفيدرالية الأميركية:
2- (Dye, T. R.: American Federalism: Competition among Governments).
المبحث الأول: في تعريف مصطلح الفيدرالية
أولً- تعريف عام للمصطلح
الفيدرالية ( Federalism ) هي: «نظامُ حكمٍ تتحد فيه الولايات وتتخلى عن بعض سلطاتها لسلطةٍ مركزيةٍ .(1)»
وعلى الرغم من صعوبة تصوّر تعريفٍ محدّدٍ لها، مع ذلك، فإن الفيدرالية «تتضمّن دائمًا فكرة وجود صلةٍ دائمةٍ بين كياناتٍ ضمن مجموعةٍ أكبرَ. إذ وُلدت الدولة الفيدرالية من تجمّع كيانات لدولةٍ موجودةٍ مسبقًا وتختلف عن الدولة الوحدوية اللامركزية التي تقرِّر سياديًا ما هي الاختصاصات الممنوحة للمناطق. لذلك تتطلب الفيدرالية التنوّع في الوحد (2)».
وهناك من يعرفها، بأنّها: «شكلٌ من أشكال الحكم تكون السلطات فيه مقسمةً دستورياً بين حكومةٍ مركزيةٍ ووحداتٍ حكوميةٍ أصغر (الأقاليم، الولايات)، ويكون كلا المستويين المذكورين من الحكومة معتمداً أحدهما على الآخر ويتقاسمان السيادة في الدولة.
يمكن للفدرالية أن تتضمن شكل الحكومة أو التركيب الدستوري الموجودين في الدولة الفيدرالية(3)».
1) Définition de «federalism» depuis le Dictionnaire Cambridge Academic Content , Cambridge University Press 2019: https://dictionary.cambridge. org/fr/dictionnaire/anglais/federalism
2) Fédéralisme, Dictionnaire historique de la Suisse, Berne, 092006/11/: http://www.hls-dhs-dss.ch/textes/f/F46249.php
3) «الفدرالية »، الموسوعة العربية الحرة «المعرفة »، متوفر على الرابط: https://www.marefa.org/
والدولة الفيدرالية أو الدولة الاتحادية أو الدولة المركزية، هي شكل من أشكال الدولة، تنشأ من من اتحاد عددٍ من الولايات أو الأقاليم أو الدول التي تتعايش معًا دون انفصال(1).
إن مفهوم «الفدرالية » في العلوم السياسية، مثل العديد من المفاهيم الأخرى في العلوم الاجتماعية، هو بدون تعريف مقبول عالميًا. وباعتبارها أيديولوجية من جهة، فإنّ الفدرالية لا تؤدّي فقط وظيفة شرح وتوجيه الناس حول الظاهرة الفيدرالية، ولكنها تمكّنهم من تقييمها وأخيراً توجيه الأعمال والبرامج السياسية التي يتعيّ القيام بها في الاتحاد الفيدرالي(2).
ثانيًا- تعريف المصطلح في الفقهين العربي والغربي
يتصف مصطلح الفيدرالية بالغموض في الدراسات الدستورية والسياسية، حيث أثير حوله الكثير من الجدل والخلاف بين فقهاء القانون، الأمر الذي يتطلب تحليل الفيدرالية مصطلحا وفي سبيل تحديد المعنى المقصود منها وتعريف الدولة الفيدرالية(3)، سنحاول إزالة أيّ غموضٍ يتعلق بمصطلح الفيدرالية.
إنّ هدفنا في الواقع، ليس التقّيد بالتعريفات المعلنة للفيدرالية، أي تلك التي تنص عليها الدساتير وفقًا للغة القانون، إذ إنّ هناك
1) رشيد عمار الزيدي، إشكالية الفيدراليه في الدستور العراقي، مجلة المستقبل العربي العدد 320 ، (بيروت: مركز دراسات الوحده العربية، 2000 )، ص 11 .
2) Federalism as a political ideology and system of government: the theoretical perspectives, op.cit, p. 53.
3) عبد المنعم احمد أبو طبيخ، «توزيع الاختصاصات في الدولة الفيدرالية - دراسة مقارنة »، رسالة ماجستير مقدمة الى مجلس كلية القانون و العلوم السياسة في الأكاديمية العربية المفتوحة في الدانمرك، وهي جزء من متطلبات نيل درجة الماجستير في القانون العام، بإشراف الدكتور مازن ليلو راضي، 2009 ، ص 11 .
بطبيعة الحال، العديد من تعريفات الفيدرالية، لم يتفق عليها الفقهاء ورجال القانون(1)، وكما سنبينه في مواضعَ عدةٍ من هذه الدراسة.
1 - تعريف مصطلح الفيدرالية في الفقه العربي
هناك من يُعرّف الفيدرالية أو الشكل الاتحادي للدولة كنمطٍ من أنماط التنظيم السياسي والمؤسّساتي للدول، تتحد بموجبه مجموعةُ وحداتٍ سياسيّةٍ مستقلةٍ )إمارات، ولايات، كانتونات… إلخ( في دولةٍ فيدراليةٍ واحدةٍ، وتتمتع فيه الوحدات السياسية باستقلاليّةٍ واسعةٍ في تدبير شؤونها وبهياكلَ مؤسساتيّةٍ مستقلةٍ عن الحكومة الفيدرالية، مع أن العلاقة بين الطرفين تبقى محكومةً بمبدأ تقاسم السلطة والسيادة(2).
على إثر دخول هذا المصطلح إلى الموسوعة السياسية ونقله إلى الفقه العربي، قام العديد من فقهاء القانون العام بالبحث عن الكلمة المرادفة للمفردتين الانكليزيتين ) )Federalism و( Federation )، وذلك للحفاظ على بقاء اللغة العربية خالصة دون استعمال المصطلحات الأجنبية. ولعل البعض عَدَّ الفيدرالية والكونفدرالية غريبتين عن لغتنا ولا يتمكن من فهمهما إلا الخاصة ممن أتيح لهم دراسة القانون بلغةٍ أجنبيةٍ، لذا اقترحوا أن يقوم للعرب ولا سيما في الفترة التي كثر فيها الحديث عن الوحدة العربية والاتحاد العربي- باستخدام تعابير عربية يسهل ترديدها
1) W. H. RIPER Pour une introduction à la question , «Six Books in Search of a Subject, or Does Federalism Exist and Does it Matter?»,Comparative Politics, vol. 2, octobre 1969, p p.135- 146.
2) صادق عبدالحميد مالكي، نشأة وتطور النظام الفيدرالي الأمريكي: نموذج تقاسم الصلاحيات السياسية وتوازنها عبر مستويات وقضايا الحكم، مجلة جيل الدراسات السياسية والعلاقات الدولية، العدد 10 ، ص 27 .
ويستساغ فهمها، وتدل دلالةً واضحةً على المراد منها(1).
يُشير الأستاذ عبد الرحمن البزاز، وبالاستناد إلى دائرة المعارف للعلوم الاجتماعية ( Encyclopedia of the Social Science ) إلى أنَّ مصطلح ( Federation ) يتصف بالغموض وعدم الوضوح، وهو يُستخدم غالباً في أربعة معانٍ رئيسةٍ: وهي التحالف ( Alli ance ) والعصبة أو الجامعة ( League )، والدول المتفقة أي الاتحاد الاستقلالي (Confederation )، وأخيرًا الاتحاد بمعناه الأدق ( Fed� .eration) (2)
في حين يؤكِّد الأستاذ عثمان خليل عثمان مثل كثير من الفقهاء بالقول: «إن الدول الأعضاء أو الدويلات تفقد كل سيادتها الخارجية كقاعدةٍ عامّةٍ تلك السيادة التي تختص بها دولة الاتحاد دون هذه الدويلات، وتكون هذه الدولة وحدها المعترف بشخصيتها الدولية لتتمتع بحق التمثيل السياسي وتتصرف باسم الاتحاد، أما الدويلات فتشبه في نظر الدول الأخرى المديريات في الدولة البسيطة».(3)
من خلال ما سبق، يتضح لنا تباينٌ واضحٌ في ما يتعلّق بإعطاء أهميّةٍ للدول المكونة للاتحاد من خلال وصفها ب (الدول) من قبل البعض ووصفها ب (الوحدات الإدارية) من قبل البعض الآخر، ومع ذلك يتفق أغلب الفقهاء في منح دولة الاتحاد أعلى مكانة وأهمية، ومهما كانت مرتبة الدول الداخلة بالاتحاد، إلاَّ أنها مع ذلك تُبقي
1) محمد المجذوب، محاضرات في القانون الدولي العام، (بيروت: الدار الجامعية للطباعة والنشر، 1983 )، ص 54 .
2) عبد الرحمن البزاز، الدولة الموحدة والدولة الاتحادية، ط 3، (بيروت: منشورات دار القلم، 1966 )، ص 67
3) عثمان خليل عثمان، «الوحدة والاتحاد »، بحث منشور في مجلة المحاماة، السنة التاسعة والثلاثين، العدد التاسع، مايو، 1959 ، ص 12
هذه الأهمية محصورة في النطاق الداخلي من خلال الحصول على بعض المزايا على حساب دولة الاتحاد أو التقاسم المشترك للسلطات.
إلا أننا مع احترامنا للآراء التي تنادي بإيجاد مصطلحات مرادفة للمصطلحات الانكليزية، وهذا يدل على الاعتزاز باللغة العربية ومحاولة عدم إدخال مصطلحات أجنبية دخيلة عليها دون تعريبها، مع ذلك، فهناك من يرى أن حقيقة الأشياء، وبالتالي دقة التعبير عنها، تقتضي التمسك بالصفة الفيدرالية مضافة إلى كلمة «دولة » ليكون لدينا مصطلح «الدولة الفيدرالية ». ولا شكّ أنّ كلمة (فيدرالي) هي كلمةٌ أجنبيةٌ، إلاَّ أنها متداولةٌ في لغة العرب وقد أخذت معنىً إصطلاحياً معينًا ومحددًا، الأمر الذي يبرر استخدامها توخياً للدقة العلمية(1).
وعرّفَ الفقهاء العرب (الفيدرالية) مثل غيرهم من فقهاء الغرب بإعطاء معانٍ عدّةٍ وإن اختلفت بعض الشيء، إلا أنها تكاد تكون متفقةً من الناحية الموضوعية، فعلى سبيل المثال لا الحصر، عُرِّفت الفيدرالية بمعناها الواسع، بأنها: «ظاهرةٌ تحرك الجماعات الإنسانية المتميّزة نحو التجمع، بحركةٍ تقدميةٍ تفضي إلى التوفيق بين اتجاهين متناقضين، بين الحرص على ذاتيتها ( Autonomie ) من جهة وبين الشعور بالانتماء إلى تنظيمٍ جماعيٍّ يشملها من جهةٍ أخرى »(2). في حين عرّفها نعمان الخطيب بأنها: «دولةٌ مُركّبةٌ تتكون من عدة دولٍ أو دويلاتٍ اتحدت معاً، وأنشأت دولةً واحدةً تُفنى فيها الشخصية
الدولية لهذه الدويلات الأعضاء »(1). وحيث إن مثل هذا التعريف يستحق الوقوف عنده؛ ذلك لأنّ التسليم بحق الدويلات الأعضاء بممارسة الاختصاصات الخارجية هذا من شأنه أنْ يحّول الاتحاد من فيدرالي إلى اتحادٍ كونفيدراليٍّ، ويشكّل سابقةً دوليةً خطيرةً تؤثِّر في الاتحاد بالسلب وتكون نهايته الانهيار على الأغلب كما حدث للاتحاد السوفيتي السابق، ومن ثم لا يمكن أبدًا أن تمنح الدول الأعضاء في الاتحاد الفيدرالي الشخصية القانونية الدولية، ذلك لأنها بمجرد دخولها في الاتحاد تفقد هذه الشخصية الدولية وتصبح مجرد هيئاتٍ إداريّةٍ(2)
www.uobabylon.edu.iq/publications/humanities_edition19/humanities_ ed19_29.doc
.2 - تعريف مصطلح الفيدرالية في الفقه الغربي
أما تعريف الفيدرالية في الفقه الغربي، فقد قام العديد من فقهاء القانون الدستوري في الغرب بتقديم عدة تعريفات واختلفوا في ما بينهم في إضفاء التكييف الملائم لهذا المصطلح، ولعلّ السبب في ذلك يرجع إلى المصطلح ذاته من حيث إنّه فضفاضٌ وقلّما أعطى معنىً واضحًا غير مشكوكٍ في معناه في آنٍ واحدٍ، إذ يرى البروفسور أس آي سترونج(S.I. Strong )«أنَّ النظام الفيدرالي يختلف في كيانه من بلدٍ إلى بلدٍ ومن عصر إلى عصر».(3)
1) نعمان احمد الخطيب، الوسيط في النظم السياسية والقانون الدستوري،ط 1،(عمان، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2006 )، 55
2) سامر حميد سفر، النظرية العامة للاتحاد الفيدرالي، مجلة العلوم الإنسانية، جامعة بابل، متوفر على الرابط الالكتروني:
3) مجدي سرحان أحمد سرحان، «النظام الفيدرالى تطبيقًا على السودان فى الفترة من 2005 - »2011 ، مجلة الشريعة والقانون بجامعة افريقيا العالمية بالسودان، السنة 15 ، العدد 31 ، شباط/ فبراير 2018 ، ص 136
في حيي یرى الفقيهان جرينستين وبالسباي(Grens tien&Palsby ) أنَّ كلمة ( Federalism ) ترجع إلى الكلمة اللاتينية (Foedus) ومعناها بحسب قاموس (لويس اللاتيني) عصبة ( Le guee )، أو اتفاق بین طرفن أو أكثر (( Treaty ، أو ميثاق( Com pact )، أو تحالف ( Alliance)، أو عقد (Contract )، أو عقد زواج ( Marriage Contract )، والكلمة اللاتينية ( Foedus ) من أصلٍ مش رتكٍ لكلمة ( Fides ) أي الثقة، ولكلمة الارتباط(Bind) الانكليزية، ومن الواضح أَّنَّ أصل ( Foedus ) نوع من الاتفاق يعتمد على الثقة المتبادلة ب ني الأطراف، أو «تعهد موثوق به » (Trusting Promise)، وبخصوص السياسات الدولية يكون المتفقون هم الحكومات والاتفاق بينهم هو اتحاد فيدرالي(1).
أما المُنظر وليامز ريكر ( William Rieker ) فقد عرّفها بأنّها: «التنظيم السياسي الذي تقسّم فيه نشاطات الحكومة بين الحكومات الإقليمية والحكومة المركزية، بالطريقة التي يكون فيها أي نوع من الحكومات يملك بعض النشاطات التي تتخذ بشأنها القرارات الحاسمة(2).
ولعل أصل كلمة «فيدرالي » أو «فيدرالية » يمكن إرجاعها إلى الكلمات اللاتينية ( foedus ( و) fides ) التي لدى ترجمتها إلى الإنكليزية، بمعناها «السابق » تعني اتفاقية أو معاهدة أو ميثاق أو عهد، بينما تعني الأخيرة «الثقة ». وقد درس العديد من الباحثين في الماضي وفي السنوات الأخيرة الفيدرالية من وجهاتِ نظرٍ مختلفةٍ.
مثلها مثل الديمقراطية والاشتراكية، فإن معناها يختلف من شخص إلى آخر. وهكذا، يبدو أن التعريف القاطع لمفهومها، مثل معظم المفاهيم في العلوم الاجتماعية، لم يُحلل بعد وأصبح ينطوي على مشكلاتٍ بسبب غياب المعنى التوافقي بين علماء السياسة، فضلاً عن النظرية العالمية التي تحدث عنها فقهاء كثيرون مثل: راي Ray( 2004 (، وجامبر Gamber( 2005 )، وأديجي ) Adige 2009 (، وتواسا ( Twusa )، وأسانجو Asango) 2013 ، وأكارا Agara( 2014 (، وكايود Kayode) 2015 )، وإيادا ) ،)Iyada وبيلو Bello( 2016 (، وأبا Abah) 2016 ). وما يزيد من تعقيد هذه المشكلة «أن معنى الكلمة قد تم الخلط بينه وبين تغييراتٍ دراماتيكيةٍ في المؤسّسات التي تشير إليها. ومن هنا جاءت كلمة أشارت أصلاً إلى «مؤسسات » مع التركيز على الحكم الذاتي المحلي المتأتي من هيمنةٍ كبيرةٍ في تركيز القوة ».(1)
وبمعنًى أكثر عموميةً، فإنّ (الفيدرالية) هي الترتيب الذي يشترك فيه اثنان أو أكثر من المجتمعات التي تتمتع بالحكم الذاتي في مساحةٍ سياسيةٍ مشتركةٍ، من أجل الإيجاز والحياد وغيرهما(2). على الرغم من ذلك، تبقى هنالك حاجة للنظر في مختلف تعاريف الفيدرالية التي تم طرحها من قبل العلماء المخضرمين(3).
1) Craig Volden, “Origin, Operation, and Significance: The Federalism of William H. Riker”, the Journal of Federalism, Volume 34, Issue 4, 1 January 2004, P.88.
2) Wayne Norman, Negotiating Nationalism: Nation-Building, Federalism, and Succession in the Multinational State, (Oxford: Oxford University Press, 2006) , p.77.
3) Federalism as a political ideology and system of government, the theoretical perspectives, op.cit, p.11.
يجادل دينيس دي روجمنت ( Denis de Rougement ) بأن الفيدرالية «هي في جوهرها موقف، يتألف من أربعة مبادئَ أساسيةٍ: التنوع، والترابط، والمسؤولية، والكفاءة ».(1)ويشير بورغيس وغاغنون ( Burgess and Gagnon )، إلى أن الفيدرالية هي مسكنٌ للتجمعات الإنسانية التي يتم فيها توازن الوحدة والتنوع والحفاظ عليهما، أما بالنسبة إلى ستيفنسون ( Stephenson )، فإنّ الفيدرالية تحمي الأقليات. في حين يقول لافوريست(La Forest) :« إنّ الفيدرالية هي شكلٌ من أشكال الشراكة والصداقة. ويشير مارك تالي (Mark Talty)، الذي يساهم أيضًا في مناقشة هذا الموضوع، إلى أنّ الفيدرالية هي تعبيرٌ عن الممارسات الديمقراطية، التي تشجع على الحكم الذاتي داخل المناطق(2).
أما وفقًا لروبنسون سيميون ( Robinson Simeon )، فإنّ «الفيدرالية تدور حول التعايش بين الولاءات والهويات المتعددة وحول السلطة المشتركة والمقسمة »(3). وأخيراً، يشير كوفيل إلى «أن الفيدرالية تدير الصراع وتتعامل معه ». ويرى آخرون بأنها تؤدي إلى نشوب صراع، كونها تُكِّن من نمو الهويات الإقليمية وتعمل على تفعيلها على حساب الهوية الوطنية العليا(4).
1) John O. Kalu and Dov Bing, Implication of Federalism in ‘Federal’ Related Political Institutions: A Conceptual Analysis, Perspectives on Federalism, Vol. 8, issue 3, 2016,p.48.
2) Peter Graefe & Rachel Laforest, Federalism and Governance , Canadian papers, June 2013, p.11.
3) Ian Robinson and Richard Simeon, the dynamics of Canadian federalism, in: Canadian Politics by Bickerton and Gagnon, (Toronto: University of Toronto, 2004), p.9.
4) General definitions of federalism - Canadian Political : https://www. cpsa-acsp.ca/papers-2005/Verrelli.pdf
أمام هذه التعريفات المتعددة للفيدرالية، فإن السؤال الذي يُطرح هنا: هل هذه التعاريف تجسد الجوهر الحقيقي للفدرالية؟ الجواب البسيط هو بالنفي. إذ سيكون من الواضح لأي تلميذ في الفيدرالية أن هذه التعريفات مفرطة في التبسيط والغموض في الشكل في آنٍ واحدٍ، لكي تقدم أي فهم دقيق أو ملموس للمصطلح، إما كنظريةٍ أو أيديولوجيةٍ أو شكلٍ من أشكال الحكم. على هذا النحو، هناك حاجة إلى نظرةٍ أعمق عن الفيدرالية، كمفهوم ذي قيمة(1).
المبحث الثاني: مفهوم الفيدرالية
توضيح مفاهيمي
توجد خمسة مفاهيم رئيسة تجسد جوهر الفيدرالية، إذ إنّ توضيح كل واحد منها سيوفر لنا خلفيةً فكريةً قويةً للفيدرالية باعتبارها إيديولوجيةً سياسيةً ونظام حكم وفقاً للمنظورات النظرية(2).
أولً- مفهوم عام للفيدرالية
يصعب حصر ما قد ينشر عن موضوع عام مثل الفيدرالية والدولة الاتحادية، خاصة ونحن نعلم أن الموضوع تم التطرق إليه من حيث إنّه شكلٌ من أشكال الدول يقابل في ذلك شكل الدولة الموحدة أو البسيطة التي هي الشكل التقليدي للدولة، وفي ذلك نجد عشرات الكتب في مجال مبادئ العلوم السياسية والنظم السياسية المقارنة والتنمية السياسية التي تشير إلى موضوع
شكل الدولة كموضوعٍ من المواضيع الأساسية في مجال العلوم السياسية (1).
وهناك من يُرجع طبيعة الفيدرالية إلى أنّها شكلٌ من أشكال الحكومة المصمّمة للحصول على أفضل ما يمكن أن يكون في مجالين هما: مزايا الدولة الموحدة، وفوائد التنوع المتأصل في الشعوب والمناطق التي تشكل الدولة(2).
ليس من الممكن إعطاء مفهوم لا لبس فيه للفيدرالية. هذا المفهوم يعني من جهة التجمع في منظمةٍ مستقلةٍ وكبيرةٍ من الكيانات السياسية التي تحفظ استقلالهم ويمكن التأكيد على الحاجة إلى الاتحاد بين الأطراف مثل ما هو عليه الحال في )الولايات المتحدة، وكندا، وأستراليا(، أو على تنوعها غير القابل للاختزال، كما في (سويسرا، النمسا، ألمانيا). إلا أنّ الفيدرالية هي أيضا برنامج ذو قيمةٍ في العمل السياسي، ومبدأ تنظيم في المجتمعات. بهذا المعنى، ينبغي إعادة تصميمها بشكلٍ دوريٍّ وفقًا للحالة التاريخية(3).
يمكننا القول، أنّ الفيدرالية هي شكلٌ من أشكال الدولة الناجحة التي تسمح للتنوع الاجتماعي في الدول بالتعبير عن الخصوصيات الذاتية لمكوناته مع الإبقاء على رابط الوحدة في ظلّ الاتحاد الفيدرالي، لا سيما في عصر العولمة وإفرازاته الثقافية والحضارية، وهي أيضًا واحدة من أهم الوسائل الديمقراطية والحلول العادلة للمجتمعات المتعددة والمتنوعة ثقافياً، ويوجد
في الوقت الحاضر نحو 24 دولة تتبع الفيدرالية تضم مايزيد عن 40 % من سكان العالم(1).
ثانياً: مفهوم الفيدرالية في الفقه العربي والإسلامي اختلف الفقهاء والأكاديميون العرب في تفكيك مفهوم الفيدرالية، مثلما اختلف فيه فقهاء الغرب، إذ يرى الدكتور سليمان الطماوي الفيدرالية بأنها إتحادٌ فيدراليٌّ أو مركزيٌّ، باعتباره أقوى صور الاتحادات في نطاق الدولة المركبة، ففيه يتخذ الاتحاد صورةً دائمةً، وتفقد الدول المنضمة إليه شخصيتها الخارجية، وتخضع كلّها لحكومةٍ مركزيّةٍ، تستأثر بكافة الاختصاصات الخارجية، وبكثيرٍ من الشؤون الداخلية التي ينصّ عليها الدستور الاتحادي. مع ذلك فالدول الأعضاء (أو الولايات أو الأقاليم أو الأقطار) تحتفظ بجانب كبيرٍ من الاختصاصات الداخلية، لا في المجال الإداري فحسب، ولكن في نطاق القضاء والتشريع، ومن ثم فإنه يكون لكلٍّ منها سلطةٌ تشريعيةٌ محليةٌ وسلطةٌ قضائيةٌ وسلطةٌ تنفيذيةٌ (2)، وهو ما أكده الأستاذ إسماعيل مرزه، عندما وصف الفيدرالية بأنها )اتحادٌ مركزيٌّ( يقوم بناءً على دستورٍ تخضع بموجبه عدة دول لنظامٍ قانونيٍّ شاملٍ، تفقد هذه الدول شخصيتها الدولية لصالح دولة الاتحاد التى تختص اختصاصاً مانعاً، بممارسة السيادة الخارجية، كما تشترك حكومتها مع الدول الأعضاء في كثير من الاختصاصات في ميدان السيادة الداخلية(3).
1) رونالد. ل.واتس، الأنظمة لفيدرالية، ترجمة غالى برهومة مها بسطامى ومها تكلا (كندا - أوتاوا: منتدى الاتحادات الفيدرالية 2006 )، ص 2
2) سليمان محمد الطماوي، السلطات الثلاث في الدساتير العربية وفي الفكر السياسي الإسلامي دراسة مقارنة،(القاهرة:دار الفكر العربي، 1974 )،ص 132
3) إسماعيل مرزة، القانون الدستوري، (بيروت: منشورات دار صادر، سنة 1969 )، ص ص 182 – 183
غير أن هنالك من يرى بأنها اتحادُ عدّة دولٍ في شكل دولةٍ واحدةٍ هي الدولة الفيدرالية، بمقتضى دستور اتحادي مع بقاء سلطات الحكم موزعة بين الدول الأعضاء في الحدود التي تتكفل وثيقة الاتحاد ببيانها، مع تمتع كل من الدولة الفيدرالية والدول الأعضاء بالشخصية القانونية الدولية(1).
ذهب البعض ليعّ رب عن مفهوم الفيدرالية بشكلٍ مخت رص فيصفها ب (الدولة الاتحادية )(2)، ووصفها البعض ب (الدولة التعاهدية ) ، وب (الاتحاد الدستوري )، وغيرها الكث ري من التعاب ري المرادفة.
أما الشافعي محمد بشير يصفها بأنها (اتحادٌ دستوريٌّ)، باعتبار أن مثل هذا الاتحاد ينشأ بواسطة دستورٍ لا بمعاهدةٍ دوليةٍ فتتحول بموجب هذا الاتحاد الدول من أشخاصٍ دوليةٍ مستقلةٍ إلى أشخاصٍ دستوريةٍ داخليةٍ تخضع مباشرة للقانون الداخلي (الدستور) وكذلك تتحول العلاقات في ما بينها من علاقاتٍ دوليةٍ إلى علاقاتٍ دستوريةٍ تقوم على أسسٍ اتحاديةٍ (3).
يمكن أن نخلص، إلى أنّ الاختلافات في مفهوم الفيدرالية يختلف من بلدٍ لآخر وبين المفكرين أنفسهم، وبحسب طبيعة النظام (4)- محمد فتوح محمد عثمان، رئيس الدولة في النظام الفيدرالي، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1977 )، ص 13 .
1) السيد صبري، النظم الدستورية في البلاد العربية، القسم الثالث، (القاهرة: جامعة الدول العربية- معهد الدراسات العربية والعالمية، 1964 )، ص 7
2) على صادق ابو هيف، القانون الدولي العام، (الاسكندرية: منشأة المعارف للنشر والتوزيع، 1995 )، ص 111 .
3) الشافعي محمد بشير، القانون الدولي العام في السلم والحرب، (الإسكندرية: منشأة المعارف للنشر والتوزيع، 1971 )، ص 118
الفيدرالي المقصود، إذ إنّ تنوّع الأنظمة يفضي إلى تنوّع المفاهيم التي تصفها وتحدّد معاييرها ومرتكزاتها.
رغم المسلمات البينة للعالم أجمع، لا يزال العديد من المثقفين العرب ومنظري الإسلام السياسي بكلّ أطيافهم يختلفون حول مفاهيم (القومية، والوطنية، والشمولية، واللامركزية، والفيدرالية) بشكلٍ واسع، ويدمجون بين المبادئ الإسلامية المتطرِّفة والمفاهيم القومية. والأغرب من ذلك أن العديد منهم لا يستطيعون فصل العمق القومي عن النزعة الدينية، وعليه يدخلون في تيه المفاهيم والاستنتاجات الخاطئة والتي تُبقي ضبابية في أذهانهم، كرؤيتهم لتسيير الدول بعد سقوط الأنظمة، ومثلها النظرة إلى النظام الفيدرالي على أنها نزعةٌ سياسيةٌ قوميةٌ أو طائفيةٌ لتقسيم الوطن، ففي صدر الإسلام، كان الخلفاء يجتهدون إلى درجةٍ معينةٍ لكسب مبايعة الإمارات شبه المستقلة، وقد تنوّعت الدعوات والاجتهادات بين الخلفاء، إذ إنّ قلائل هم الذين حاولوا فرض السيطرة المركزية الكاملة على النظام اللامركزي. وكثيراً ما أدّت نزعتهم تلك إلى تفسّخ الدولة وانفصالٍ شبه تامٍّ لإماراتٍ بعيدةٍ عن المركز. فمنذ عهد الشورى للخلفاء الراشدين إلى النظام الإقطاعي الوراثي في العصر الأموي، وصولاً إلى العهد العباسي، كانت الإستقلالية شبه التامة للعديد من الإمارات واضحة جداً في العديد من المجالات، حيث إنّها كثيراً ما كانت تابعةً للإمبراطورية روحياً بالأتاوات أو تغليب المفاهيم المذهبية. وعلى الرغم من ذلك فقد كانت أمبراطورية مع خلافةٍ دينيةٍ راسخة، ذات أقاليم شبه كونفيدرالية في أقاليم كثيرة، لكن في الغالب وبشكلٍ عامٍّ كانت إماراتٍ فيدراليّةَ المفاهيم، أي ما معناه ليس هناك اختلاف في مبادئ وبنية الدولة الإسلامية
وفيدرالية الأقاليم الذي تطالب به الآن الكثير من الشعوب. ولعلّ الذين يشككون حاضراً في مثل هذا النظام اللامركزي السياسي من خلفيات التخمين والحدس أو على بنيةٍ فكريةٍ ذات ثقافةٍ ملغيةٍ للآخر، يخالف المنطق الإسلامي في تكوين الوطن الأوسع الذي يشارك فيه أكثر من شعبٍ واحدٍ، كما ويتعارض مع المفاهيم الحضارية الإنسانية العصرية(1)
https://elaph.com/Web/opinion/2011701170/12/.html
.ثالثاً- مفهوم الفيدرالية في الفقه الغربي
بما أنّ الفيدراليّة هي مصطلحٌ ذو أصلٍ لاتينيٍّ، وأنّ اللغة ودلالاتها تقدم وصفًا عامًا مبسطًا لهذا المفهوم أو المصطلح، لذا فإنَّ هذا المصطلح بحاجةٍ إلى إضافاتٍ قانونيّةٍ واجتماعيّةٍ وسياسيّةٍ لتحديده إصطلاحًا وتعريفه تعريفًا علميًا. إذ يعتقد الكث ري من الباحث ني أنّ مصطلح «الفيدرالية » هو مصطلحٌ فضفاضٌ، ولعل ذلك يرجع أساسًا إلى غياب الاتفاق علی الدلالة الاصطلاحية والصعوبة في وضع تحديد وتعريف لمفاهيمه بشكلٍ واضحٍ .»(2)
نحاول ههنا، تجاوز العديد من الصعوبات التقليدية في تحليل مفهوم الفيدرالية من خلال تبنّي التمييز المفاهيمي بين الفيدرالية( federalism)و( federation ) والذي تم تناوله في المذهب الأنجلو أميركي من خلال «بيترسون كينغ » عام 1982 ، الذي شكّل
كتابه ( Federalism and Federation ) مقاربةً جديدةً ومختلفةً لهذا الموضوع(1).
لقد مكّن كتابه الأكاديميين من عدم الوقوع في فخ الحوار العقيم، وقدّم تعريفاً مهماً وجديداً عندما فشلت التعاريف في تقديم تعريفٍ محدّدٍ وواضحٍ لمفهوم الفيدرالية، ولم تؤدي إلى تقديم تحليلٍ دقيقٍ أو تجد لها مكانًا في معاجم المصطلحات(2).
ومن الواضح أن التعريف الديماغوجي في الخمسين سنة الماضية قد ساد كثيرًا من دون فائدة، وتتجنب المقاربة المفاهيمية لدى «بيترسون كينغ » التعاريف المفرغة والرتيبة، وتعيد تحديد التعريف من جديد من خلال التركيز القوي على التحليل المفاهيمي الدقيق الذي يتطلب الدقة في استخدام المصطلح، مع أنّ تقديم المفهوم الشامل للفيدرالية يظهر كشرطٍ لا غنى عنه من أجل دراسةٍ معمقةٍ لها(3).
وهناك من يرى في الفيدرالية أنّها: «أداةٌ من خلالها يتم تنظيم الديمقراطية، دون التخلي عن أي شيءٍ ضروريٍّ للحرية، في وضع يسمح لها بمقاومة الشروط حتى مع الاستبداد المنظم .»(4)
لذا نجد أنّ «الكسندر هاملتون» ،(Alexander Hamilton) يرى أن مفهوم الفيدرالية يُختصر في كونه: «اجتماع جماعات أو اتحاد دولتين أو أكثر في دولةٍ واحدةٍ، وأن مدى السلطان الذي
تتركه الدولة المتحدة لحكومتها المركزية، وتحديد أغراض تلك الحكومة، إنّا هو متروكٌ لحين تصرف القائمين على الأمر (المنشئين للإتحاد)، ولهم أن يُعدّلوا هذه السلطات والأغراض كلما اقتضت ذلك مصلحة باقية، ويظل الاتحاد جمعية دولٍ طالما ظلت حكومتها المركزية بعيدة عن أن تمس التنظيمات المحلية المختلفة للأعضاء الذين يكونوها لأنها تستمد وجودها من الدستور القائم لتحقيق الأغراض المحلية للولايات الأعضاء، وإن كانت خاضعة تمام الخضوع لسلطة الاتحاد العام »(1).
كما يجدها الفقيه «بروس أوبنهيمر» (Bruce Oppenheimer) بأنها: «اتحادٌ دائمٌ لدولٍ مختلفةٍ ذات سيادة تمتلك أجهزتها الخاصة ولديها سلطات لا على مستوى الدول الأعضاء فيها فقط بل أيضًا على نطاق مواطنيها »(2)
ويُنظر أيضًا: شورش حسن عمر، خصائص النظام الفدرالي في العراق: دراسة تحليلية مقارنة، (أربيل: مركز كردستان للدراسات الاستراتيجية)، 2009 ، ص 34 .
. في حين ينظر إليها «كاري دى مالبرغ » Carre De Malberg( (، بأنها: «تبدو من ناحيةٍ كأنّها دولةٌ موحدةٌ، بينما تبدو من ناحية أخرى كتجمع دولٍ متحدةٍ أضعف منها بالتأكيد، ولكنها تشارك فعليًا في إيجاد قوتها وتسهم بإرادتها الخاصة في تكوين إرادتها،(أي إرادة الدولة الفيدرالية) (3).ولعل وجود هاتين الميزتين المتعارضتين في الدولة الفيدرالية
1) الكسندر هاملتون وآخرون، الدولة الاتحادية أسسها ودستورها، ترجمة جمال محمد احمد، (بيروت: مكتبة الحياة، 1959 )، ص 106 .
2) Bruce Oppenheimer, Muir, Jr., Legislature: California’s School for Politics , in: PUBLIUS The Journal of Federalism , Volume 15, Number 4 , 1 January 1985, Pages ؛ 136 – 135
3) عصام سليمان،، الفيدرالية والمجتمعات التعددية ولبنان، ط 1، (بيروت: منشورات دار العلم للملايين، 1991 )، ص 39
يجعل من الصعب تحديد مفهومها تحديدًا واضحًا ودقيقًا. ولدى التوجه نحو تفكيكٍ أعمق لمفهومها، هناك من يُنظّر إليها على أنّها: «دولةٌ واحدةٌ تتضمن كياناتٍ دستوريةً متعددةً، ولكلٍّ منها نظامها القانوني الخاص، واستقلالها الذاتي، وتخضع في مجموعها للدستور الفيدرالي باعتباره المُنشِئ لها والمُنظم لثباتها القانوني والسياسي، وهي بذلك عبارة عن نظام دستوريٍّ وسياسيٍّ مركبٍ .»(1)
ومن وجهة نظرنا، فإنّ المقاربة الأوضح لمفهوم الفيدرالية تشير إلى «أنها شكلٌ من أشكال الدولة الناجحة التي تسمح للتنوّع الاجتماعي في الدول بالتعبير عن الخصوصيات الذائبة لمكوناتها مع الإبقاء على رابطة الوحدة في ظل الاتحاد الفيدرالي، لا سيما في نتاجاته الثقافية والحضارية في عصر العولمة، وهي واحدةٌ من أهم الوسائل الديمقراطية والحلول العادلة للمجتمعات المتعدّدة والمتنوعة ثقافياً .»(2)
http://www.forumfed.org/pubs/FederalOptionsandOtherMeansofAccom modatingDiversity-Arabic-Arabe.pdf
إنّ ما يُعرف بالنظام الاتحادي ضمن (مفهوم الفيدرالية) يقصد به لغةً، الاتحاد، أو النظام التعاهدي الذي يقوم على التحالف، وقد يُراد به الحكم الذاتي، أو الجامعة، وذلك نقلاً وتعريباً عن اللغات الأوربية والإنكليزية مثل مفردات ( Federal / Federalism / Fed eration / Federalist / Confederationn )، كذلك مفردات ( Alli ance / League / Self Government / Autonomic )، والتي ترد كوصفٍ لغويٍّ خاصٍّ بالولايات أو الدويلات أو الدول المشمولة
باتجاهٍ يجمعها في ظلّ حكومةٍ تُعرف بالحكومة المركزية أو الفيدرالية والتي تخضع لقانونٍ اتحاديٍّ ينظم شؤون إدارتها(1).
إن دلالات اللغة تقدِّم وصفاً عاماً مبسّطاً لهذا المفهوم أو المصطلح والذي يحتاج إلى إضافاتٍ قانونيّةٍ واجتماعيةٍ وسياسيةٍ لتحديده اصطلاحاً وتعريفه تعريفًا علميًا، إذ يعتقد الكثير من الباحثين أن مصطلح (الفيدرالية) فضفاضٌ (2)، وربما يرجع هذا أساساً إلى غياب الاتفاق على الدلالة الاصطلاحية وصعوبة وضع تحديد وتعريف لمفهومه بشكلٍ واضح، وربما لهذه الأسباب ولغيرها جرت ترجمته إلى اللغة العربية، على سبيل المثال مركزيًا، أو الدولة التعاهدية، أو الاتحاد الدستوري، بطرقٍ مختلفةٍ ومتعدّدةٍ مثل (الدولة المتحدة اتحادًا) ونحوها من المسميات(3).
وهناك من ذهب إلى أن «الدولة الاتحادية هي مجموعات من الدويلات أو الولايات تخضع في بعض الأمور لسلطةٍ موحدةٍ وتستقل ببعض الأمور فتخضع بشأنها لسلطاتها الخاصة .»(4)
ولعلّ الفيدرالية التعاونية تحظى بنظرةٍ معتبرةٍ كفقرةٍ مرنةٍ في القانون فهي تسمح بتدفق السلطة من خلال الحكومة الفيدرالية،
1) حارث سليمان الفاروقي، المعجم القانوني، ج 1، (بيروت: مطابع تيپو پرس، 1991 )، ص 122
2) أمجد نجم عيدان وحسام شكر أمين، «إشكالية التجربة الفيدرالية في العراق ،» مجلة كلية القانون للعلوم القانونية، جامعة كركوك، ج 2، ص 220 - 221 .
3) عبدالله أبو الغيث، «هل هناك فرق بين الدولة الاتحادية والدولة الفيدرالية؟ ،« صحيفة يمن برس، 20 أبريل 2013 .
4) إسماعيل علوان التميمي، «التعريف بالنظام الفيدرالي 2016،» / 7 / 15 ، متوفر على الرابط الالكتروني: http://www.m.ahewar.org/s.asp?aid=524270&r=0
وهو نموذجٌ أكثر دقةً لكيفية عمل النظام الفيدرالي عبر تاريخ الولايات المتحدة(1).
يلاحظ مما سبق، وضمن نطاق مفهوم الفيدرالية، أنه يوجد اتجاهٌ فقهيٌّ يعطي للدول الأعضاء أهميّةً كبيرةً في حياة الدولة الفيدرالية ولا ينكر فاعليتها، في حين أن اتجاهاً آخر يقلّل من شأن الدول الأعضاء، ومن هؤلاء الدكتور «سموحي فوق العادة » الذي يرى مفهوم الدولة الفيدرالية بأنه: «عبارة عن نظامٍ تتنازل بموجبه الدول الأعضاء عن سيادتها وجميع سلطاتها إلى جهازٍ مركزيٍّ يتولى تسيير جميع الشؤون الرئيسية (كالسياسة الخارجية والدفاع الوطني والاقتصاد والتجارة والصناعة، إلخ)، وتحتفظ ببعض الاختصاصات المحلية الصرفة .»(2)
كما يُعرّفها الأستاذ الدكتور محمد الهماوندي بأنها: «.... دولة واحدة، تتضمّن كياناتٍ دستوريةً متعددةً، لكلٍّ منها نظامها القانوني الخاص واستقلالها الذاتي، وتخضع في مجموعها للدستور الفيدرالي، باعتباره المُنشِئ لها والمُنظّم لبنائها القانوني والسياسي، وهي بذلك عبارة عن نظامٍ دستوريٍّ وسياسيٍّ مركبٍ »(3)، في حين يراها الدكتور محمد عمر مولود بأنها: «تنظيمٌ سياسيٌّ دستوريٌّ داخليٌّ مركبٌ تخضع بموجبه عدة دول أعضاء أو ولايات إلى حكومةٍ اتحاديةٍ
1) Concepts of Federalism, CliffsNotes study guides, op.cit.
2) أزهار هاشم محمد، تنظيم العلاقة بين السلطة المركزية وسلطات الأقاليم في النظام الفيدرالي، (القاهرة: المركز القومي للاصدارات القانونية، 2014 )، ص 21
3) محمد هماوندي، الفدرالية والحكم الذاتي واللامركزية الادارية الاقليمية، ط 2، (أربيل: مؤسسة موكرياني للطباعة والنشر، 2001 )، ص 182
أعلى منها، وينطوي هذا التنظيم على وجهين أحدهما خارجي حيث يظهر الاتحاد كدولةٍ واحدةٍ في ميدان السيادة الخارجية ووجه يتسم بتعدّد الكيانات الدستورية التي تشارك حكومة الاتحاد في ممارسة السيادة الداخلية ».(1)
ولعلّ هناك مجموعة من العوامل هي التي حملت الباحثين على القول بأن هذا النظام الاتحادي الفيدرالي غامض، ومشكوك فيه من الناحية الاصطلاحية لعدة أسباب، من أبرزها:
1 - إنّ هذا النظام قد يختلف في كيانه وهيكله من بلدٍ إلى بلدٍ ومن عصر إلى آخر، فما كان قائماً، ومعمولاً به في النظم الإمبراطورية أو الدولة الرومانية يختلف عنه في الدولة الإسلامية، وما طُبق ومُورس في الدول الإسلامية الأولى يختلف عن نظيره في عهود الدولة الأموية والعباسية والعثمانية، وهو بلا شكّ يختلف في كيانه وهيكله في الولايات المتحدة الأميركيّة عن الاتحاد السوفياتي السابق (سابقًا)، وعن كل من الاتحاد السوفياتي والهند وكندا ودولة الإمارات العربية المتحدة.
2 - إنّ هذا النظام الاتحادي (الفيدرالي) يتباين في نظامه القانوني، وطبيعة نظام المشاركة في السلطة فيه، وحدودها، من دولة إلى أخرى، حسب نظامها القانوني الخاص بها.
1) محمد عمر مولود، مصدر سابق، ص 233
3 - كما أنه يتأثّر بالمفاهيم والنظريات السياسية والاجتماعية السائدة في تشكيل نظام السلطة الإدارية، وما تتبناه في نظامها فما يمكن تصوره وممارسته في دولةٍ ماركسيةٍ أو شيوعيةٍ لابد وأن يختلف عن نظام دولةٍ تتبنى النظام الديمقراطي أو الرأسمالي أو الاشتراكي، وهو أيضاً يختلف في ظلّ نظامٍ سياسيٍّ إسلاميٍّ، أو نظام يقوم على الإقطاع أو الاستبداد أو نظام غير مقيّدٍ بالدستور(1).
وهنا لا بدّ من بيان فحوى مفهوم مصطلح الفيدرالية، وذلك من خلال مصطلحين متداولين بكثرة، هما «الفدرلة والاتحاد الفيدرالي ». والمصطلحان مختلفان في المعنى حيث تنصرف الفدرلة إلى ( federation ) الجانب الفلسفي والإيديولوجي ويراد بها المبدأ الفيدرالي، بينما تعني الفيدرالية أو الاتحاد الفيدرالي التنظيم المؤسّساتي وإنشاء النظام الفيدرالي.
ومن الجدير بالذكر أنّ أغلب الفقهاء الغربيين لم يتّفقوا على مصطلحٍ موحّدٍ للدولة الفيدرالية، مثل الانكليزي (State Federal )أو الفرنسي( Etat Federal )، وهناك العديد من المصطلحات التي هي بحاجة إلى فكّ التداخل بينها، مثل (الدولة الاتحادية، والاتحاد المركزي، والدولة الفيدرالية، والاتحاد الفيدرالي، والاتحاد الدستوري، والدولة التعاهدية، والاتحاد الفيدرالي)، ولكننا نبقى في سياق مفهوم مصطلح الفيدرالية، إذ نجد أن عبدالرحمن البزاز يرى في المصطلح بأنه ليس من المصطلحات الدقيقة، لإتصافه
1) كمال غالي، مبادىء القانون الدستوري، ط 1، (حلب: منشورات جامعة حلب، 1998 )، ص ص 86 - 87
بالغموض وعدم الوضوح، إذ يحتوي على عدة معانٍ أساسية، كالتحالف أو العصبة أو(الاتحاد الاستقلالي) أو(الدول المتفقة) إلا أنّه يستعمل في الغالب بمعنى الاتحاد” (1).
لا تستخدم الأنظمة الفيدرالية دائماً مصطلح «فيدرالي » لوصف نفسها، بل يمكن أن يُدعى المستوى الفيدرالي بالحكومة الوطنية أو المركزية حكومة الاتحاد. ويطلَق على الوحدات المكونة مجموعة من الأسماء، منها ولايات (أستراليا وماليزيا والولايات المتحدة) أو مقاطعات (الأرجنتين وكندا وجنوب أفريقيا)، أو أقاليم )بلجيكا وإيطاليا(، أو كانتونات (سويسرا(، أو جماعات مستقلة )إسبانيا)، أو أراضي (النمسا، وألمانيا)، ولا تتوافق هذه الفروق في المصطلحات بالضرورة مع أي نماذج رسميةٍ محددةٍ للفيدرالية أو مع التوزيع الفعلي للسلطات(2)
https://www.idea.int/sites/default/files/publications/federalism-primer- AR.pdf
.وضمن السياق نفسه المتعلق بمفهوم الفيدرالية، يُنظر إليها (دانيال إليزار) بأنها «آليّةٌ دستوريةٌ لتوزيع السلطة بين مختلف مستويات الحكم، بحيث تتمتع الوحدات الاتحادية بحكمٍ ذاتيٍّ حقيقيٍّ ومضمونٍ دستورياً في مجالاتٍ سياسيةٍ معينةٍ، وتشارك في السلطة وفق قواعد متفق عليها في مجالاتٍ سياسيةٍ أخرى. وهكذا، تجمع الفيدرالية بين حكمٍ ذاتيٍّ جزئيٍّ وحكمٍ مشتركٍ جزئيٍّ ».(3)
1) أحمد ابراهيم علي الورتي، النظام الفدرالي بين النظرية والتطبيق: دراسة مقارنة، (أربيل: دار التفسير، 2008 )، ص 7.
2) الفيدرالية، المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية، 2 أيار، مايو 2015 ، متوفر على الرابط:
3) Daniel J. Elazar, Federalism as Grand Design: Political Philosophers and the Federal Principle, (UK: University Press of America, 1987), p.5.
تسمح الفيدرالية للجماعات المتمايزة المحددة بحدودها الإقليمية بأن تتمتع بحكم ذاتيٍّ مضمونٍ في أمورٍ معيّنةٍ ذات أهميّة خاصة لها، مع بقائها كجزءٍ منا الاتحاد الفيدرالي الأكبر تمارس من خلاله سلطات مشتركة في القضايا ذات الاهتمام المشترك، وتحقيقاً لتلك الغاية، تتضمن مكونات النظام الفيدرالي، بالإضافة إلى المؤسّسات التشريعية والتنفيذية (وأحياناً القضائية) على كل مستوى من مستويات الحكم، دستوراً صارماً نسبياً يبين توزيع السلطات بين مستويات الحكم المختلفة، وهيئة قضائية عليا مسؤولة عن البت في النزاعات بينها(1)
https://www.idea.int/publications/catalogue/federalism?lang=ar
.ومن بين الغموض والتناقض الذي يكتنف مفهوم الفيدرالية، نجد ذلك في النصوص التي تُشكِّل النظام السياسي، فهو بين الفيدرالية واللامركزية الإدارية ؛ ما قاد إلى فشلها في تحقيق التوازن بين سلطات الحكومة الاتحادية والأقاليم، لأنها أثارت الجدل والسجالات والمشاكل بسبب التعارض والتناقض في الاختصاصات الدستورية، وأثارت مشاعر الامتعاض والتخوين والشكوك حول توزيع الاختصاصات وتناقضاتها(2).
رابعًا: مفهوم الفيدرالية من وجهة نظر منظّريها الغربيين
وفقاً لكينيث كلينتون وير ( K.C.Wheare )، فإنّ الاتحاد الفيدرالي هو: «طريقة تقسيم السلطات بحيث تكون
الحكومات العامة والإقليمية، داخل حيّزٍ واحدٍ، منسقةً ومستقلةً ».(1)وبالنسبة إلى «وليام ه. ريكر »، فإن الفيدرالية هي: «منظمة سياسية تنقسم فيها أنشطة الحكومة بن الحكومات الإقليمية والحكومة المركزية، بحيث يكون لكل جهة بعض الأنشطة التي تتخذ بشأنها قرارات نهائية »(2). في حن ترى «إيم.إيوا Eme.Awa( » (، بأنها «تجمع معاً وحدات سياسية مختلفة (أحياناً مميزة) تحت مظلةٍ سياسيةٍ واحدةٍ، وهي سلطة مركزية (حكومية) تمثل الجميع بإخاص، وتعمل نيابة عن الكل في مجالات مثل الشؤون الخارجية، وهي بمثابة نوع من العقد الاجتماعي الذي تم الاتفاق عليه ليكون فيه مصلحة متبادلة للوحدات المختلفة المكونة له».(3)
وهناك من يرى في الفيدرالية بأنها نظريّةٌ تعبّ عن الاتحاد الحرّ بين أفراد البشر والجماعات والدول، وهي الشكل المثالي للحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ولعلّ من خصائصها الاتجاه نحو إحلال علاقات التنسيق بدلاً من علاقات التبعية، أو على الأقل، تضييق نطاق هذه الأخيرة قدر ما يمكن، وإحلال المشاركة محل الإكراه، والإقناع محل الأمر، والقانون محل القوة. والمظهر الأساسي لهذه النظرية هو التعددية، واتجاهها الأساسي التنسيق، والمبدأ الناظم لها هو التضامن. وإذا كان المبدأ الديمقراطي يهدف إلى الغاية
نفسها، لأنه يتجه إلى إشراك الأفراد في تكوين القرارات التي تلزمهم، فإن الديمقراطية لاتعنى إلا بمشاركة الأفراد على أنهم أفراد، أما الفكرة الاتحادية فتتجه إلى تغليب مشاركة الجماعات والدول».(1)
https://www.marefa.org/
أما من وجهة نظر «أوب نوابويز »(O. B. Nwabueze)، فإنّ الفيدرالية هي: «عبارة عن إجراء، أو تدبير يتم بموجبه تقاسم سلطات الحكومة داخل بلد ما بين حكومة وطنية (على مستوى الدولة( وعدد من الحكومات الإقليمية )أي المناطقية المحلية)، بطريقة تكون كل منها بمثابة حكومةٍ منفصلةٍ بشكلٍ مستقلٍّ عن الآخرين، وتعمل بشكلٍ مباشرٍ على إدارة شؤون الأشخاص والممتلكات داخل منطقتها الإقليمية، مع إرادةٍ خاصّةٍ بها، وجهازها الخاص لتسيير شؤونها ضمن سلطةٍ تمتلكها في بعض الاختصاصات دون أخرى(2).
في حين يرى «أس. إي. أوفبير» (S. E. Oyovbaire)، أنّ: «الفيدرالية تدور حول السلطة وتخصيصها وإدارتها، حيث يتم تعريف السلطة على: «أنها نتيجة للتفاعل بين مستويات الحكومة .» وهذا يتعلق بالعملية التي يحصل من خلالها كل مستوى على مطالبات بشأن الموارد».(3)
1) «الفيدرالية »، الموسوعة العربية الحرة، مصدر سابق ، متوفر على الرابط:
2) O. B. Nwabueze, Federalism in Nigeria under the Presidential Constitution, (London: Sweet and Maxwell, 1983), p.1.
3) S. E, Oyovbaire, Federalism in Nigeria: A Study in the Development of the Nigerian State, (London: Macmillan Publishers, 1985).In: federalism as a political ideology and system of government: the theoretical perspectives, p. 55.
وعُرفت كذلك بكونها: «نظام سياسي عالمي يقوم فيه مستويان حكوميان يحكم المنطقة الجغرافية نفسها والسكان أنفسهم».(1)
أما «مارسيل بريلو»(Marcel Prélot)، فقد عرّفَ الفيدرالية بأنها: «اتحاد دول، يخضع جزئياً لسلطةٍ مركزيةٍ واحدةٍ (السلطة الفيدرالية) وتحتفظ جزئياً باستقلالٍ ذاتيٍّ دستوريٍّ وإداريٍّ وقضائيٍّ واسع (سلطة الدول الأعضاء أو المتحدة) ».(2)
وبشأن تعريف الدولة الفيدرالية، هناك العديد من الفقهاء والشراح القانونيين الذي تطرقوا إلى موضوعها وتفسير ماهيتها، إذ تعد الدولة الفيدرالية من أهم أشكال الدولة على اعتبار أنها مُتّبعةٌ في عدة بلدان في العالم وهي الشكل الأساسي لأكبر قوتين في العالم أميركا وروسيا، فقد عرّف الفقيه «مارسيل بريلو» (Prelot Marcel) الدولة الفيدرالية على أنها «اتحادُ دولةٍ يخضع جزئياً لسلطةٍ مركزيةٍ واحدةٍ هي السلطة الفيدرالية ( Federal Pouvoir ) وتحتفظ جزئياً باستقلالٍ ذاتيٍّ، دستوريٍّ، وإداريٍّ وقضائيٍّ واسعٍ، وسلطة الدول الأعضاء( Pouvoir Federe)»(3)
وقد عرفّها الفقيه «أندريه هوريو » بأنها: «شركة دول لها في ما بينها علاقات قانونية داخلية (أي قانون دستوري) بموجبه
1) الفيدرالية المالية (مفاهيم ونماذج)، ط 1، (دمشق: مركز آشتي للدراسات والبحوث، 2013 )، ص 8.
2) عصام سليمان، الفيدرالية والمجتمعات التعددية ولبنان، ط 1، )بيروت: منشورات دار العلم للملايين، 1991 (، ص ص 39 – 40 .
3) قحطان حسين طاهر، «مستقبل إدارة السلطة في العراق مابين الفيدرالية واللامركزية ،» ورقة مقدمة إلى مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية، في الحلقة النقاشية التي عقدها المركز تحت عنوان: «نظام اللامركزية فرص النجاح وتحديات التطبيق 2015،» .
تقوم دولة أعلى فوق الدول المشاركة »(1). في حين يفسرها «مونتسكيو»(Montesquieu) بأنها «... تعاقدٌ تقبل بموجبه عدة كياناتٍ سياسيةٍ أن تصبح (مواطنات)، في دولة أكبر منها تطمع إلى تكوينها، فهي مجتمع مجتمعات »، يمكنه أن يتوسع بانضمام أعضاء جدد إليه ».(2)
كذلك عرّفها «وليامز ريكر »، بأنها: «التنظيم السياسي الذي تقسّم فيه نشاطات الحكومة بين الحكومات الإقليمية والحكومة المركزية، بالطريقة التي يكون فيها أي نوع من الحكومات يملك بعض النشاطات التي تتخذ بشأنها القرارات الحاسمة ».(3)
في حين يعرّفها الفقيه والفيلسوف والقانوني الألماني «جورج جيلينيك» (Jilinek Georg)، بأنها: «دولةٌ سيّدةٌ تتألف من عدة دولٍ غير سيدةٍ، وتنبثق سلطتها عن الدول التي تتركب منها، والتي تترابط في ما بينها بصورة تجعل منها وحدة سياسية»(4)
وفي العصر الحديث لا يزال هناك إجماع بين علماء الفيدرالية حول منح لقب «والد الفيدرالية الحديثة » ل (جان بودين) وفقا ل «أس. موجي »(S. Mogi)، الذي سرعان ما تبعه آخرون مثل «كوزمانوس» (Cosmanus)، و «هوغو غروتيوس»( Hugo Groti)، و «بوفيندور» .(Pufendorf)
1) أندريه هوريو، القانون الدستوري والمؤسّسات السياسية، ترجمة علي مقلد وشفيق حداد وعبد الحسن سعد،(بيروت:الأهلية للنشر والتوزيع، 1974 )، ص 152 .
2) روح الشرائع مونتسكيو ترجمة: عادل زعيتر دار، (القاهرة: دار المعارف، 1953 )، ص 193 .
3) Craig Volden,” op.cit, P. 88.
4) ميشال الرياشي، إسهام في دراسة النظرية التقليدية للدولة الفيدرالية، أطروحة دكتوراه، مقدمة إلى كلية الحقوق والعلوم السياسية والادارية في الجامعة اللبنانية، بيروت، 1992 ، ص 249 .
المبحث الأول: الجذور التاريخية لنشأة الفيدرالية في العصور القديمة
أولً - بدايات ظهور الفيدرالية
ترجع أصول الديمقراطية إلى الدولة المدينة في العصور القديمة والقرون الوسطى، عندما كان المواطنون قادرون على المشاركة مباشرة في الحياة السياسية، وتاريخيًا ساد اعتقادٌ بأنّ الديمقراطية ليست ممكنة إلا في الدول الصغيرة، حيث تتخذ القرارات عبر نقاشاتٍ مباشرةٍ وجهاً لوجه في ساحة المدينة، وسمح تطور المؤسّسات التمثيلية بممارسة الديمقراطية على مستوى الدولة القومية، لكن بقيت مشكلة الحجم لأن لزيادة مساحة الوحدة السياسية عدداً من العواقب(1)
https://www.idea.int/publications/catalogue/federalism?lang=ar
، إذ إنّ أصول فكرة بناء نظاماتحادي (أو فيدرالي) في تاريخ النظم السياسية التي هي ذات قيمةٍ عاليةٍ ومارستها الإنسانية منذ فجر التاريخ وحتى اليوم، فقد عرفت الإمبراطوريات الفكرة العامة لهذا النظام، وكانت الدولة الرومانية تطبقه بطريقةٍ خاصّةٍ بها، كما أنّ الدولة الإسلامية منذ نشأتها وحتى سقوط الدولة العثمانية قامت على أساس نظامٍ شبيهٍ بالولايات المتحدة، وكان هذا النظام ولا زال أساساً في تنظيم السلطة والإدارة في الولايات المتحدة الأميركية وغيرها. (2)Alexander Hamilton, James Madison and John Jay, Federalist papers, (Oxford: Oxford World’s Classics, 1993), p.11.
1) الفيدرالية، المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية، مصدر سابق، متوفر على الرابط الالكتروني:
2) لابد من الاشارة الى أن نشر «الأوراق الفدرالية Federalist Papers » ، وهي سلسلة من المواد والمقالات كتبها الكسندر هاملتون، وجيمس ماديسون، وجون جاي، تروّج للتصديق على دستور الولايات المتحدة، حيث صدرت منها 77 ورقة متسلسلة في ا ن لادپندت جونرال، ونيويورك پاكت، بين أكتوبر 1787 وأغسطس 1788 . كما نُشرت نسخة كاملة من هذه السلسلة وثمانية أوراق أخرى تحت عنوان » الفدرالية »، أو «الدستور الجديد »، على عمودين عام 1788 بقلم ج. وأ. مكلين. ولعل العنوان الصحيح للسلسلة هو «الفيدرالية »، إذ إن عنوان «الأوراق الفيدرالية » لم يكن يستخدم قبل حلول القرن العشرين. يُنظر:
تاريخياً، كانت الدول الصغيرة التي تواجه عدواً مشتركاً أو تحدّياتٍ تهدِّد وجودها تدخل أحياناً في رابطات أو اتحادات تربطها معاً بمعاهدةٍ أو اتفاقٍ تأسيسيٍّ يتيح لها تقاسم سلطات ووظائف معينة، لا سيما الشؤون الخارجية والدفاع والتجارة، دون التضحية بالحكم الذاتي في معظم جوانب السياسات المحلية، ولكن تلك الرابطات أو الاتحادات الأولى كانت في كثير من النواحي، أشبه بالمنظمات الحكومية الدولية السائدة في عالم اليوم منها بالبلدان الفيدرالية الحديثة. وكانت جمعياتها التأسيسية الاتحادية اجتماعات لمندوبين من الدول، وليست برلمانات وطنية حقاً(1)
https://www.idea.int/sites/default/files/publications/federalism-primer- AR.pdf
.كانت المدن اليونانية القديمة على مستوى راقٍ في الحضارة والتطور، لذا فلا غرابة أن يرجع تاريخ تطبيق الفيدرالية في جانبيها النظري ا ولتطبيقي إلى اليونانيين، ومنذ القرن الخامس قبل الميلاد كانت لهذه المدن الرغبة في تحقيق الاتفاق والتفاهم لأغراضٍ لم تكن هذه المدن قادرةً على القيام بها على الوجه الأكمل منفردة دون الاستعانة ببعضها الآخر، ويعتبر البعض
1) الفيدرالية، المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية، مصدر سابق، متوفر على الرابط:
الفيدرالية اليونانية القديمة «نظاماً للحكم عن اتحاد عدد من الولايات أو الدول تتعايش معًا دون انفصال ودون وحدة».(1)ويبدو أن السبب في ذلك يرجع إلى نفسية الرجل الإغريقي القديم الذي كان ينشد الحرية ويفضل الاستقلال داخل مدينته التي نشأ فيها خشية من قيام حكومةٍ تسيطر على جميع المدن لأن ذلك بطبيعة الحال قد يؤدي إلى الطغيان والاستبداد، إلا أن سبب وجود الاتحاد والتحالف بين هذه الدول أو المدن يرجع إلى وجودها على رقعةٍ جغرافيّةٍ صغيرة المسافة، وبالتالي كانت عاجزةً عن تأمين المعيشة الكافية لسكانها ولم تكن قادرةً على صدّ الاعتداءات الخارجيّة، لهذا السبب، فإن فكرة الاتحاد ظهرت كنتيجةٍ طبيعيةٍ فرضتها الحاجة لتأمين الحماية ضدّ العدو الخارجي وتنظم الاقتصاد بصورةٍ مشتركةٍ في ما بين هذه المدن؛ لأن كل مدينة بمفردها كانت عاجزةً عن تنظيم اقتصادها على أساس الاكتفاء الذاتي(2).
ليس هناك اختلاف على ظهور دول في العهد الإغريقي القديم تجسدت فيها بوضوح فكرة الفيدرالية، ومنها ائتلاف الولايات الإغريقية بإشراف (مجلس اللامفكتيويين) وكذلك عصبة الايخائية التي كانت عبارة عن مجموعةٍ من المدن الإغريقية المؤتلفة فضلاً عن إتحاد أثينا وديليا وإتحاد آخاين
1) "اختصاصات السلطات الاتحادية في الدستور العراقي لعام 2005 "، رسالة تقدم بها علي هادي جعفر، إلى مجلس كلية الحقوق / جامعة النهرين، وهي جزء من متطلبات نيل درجة الماجستير في القانون العام، بإشراف د. عامر محمد علي أبو نايلة، 2013 ، ص 22 .
2) جواد كاظم عبد نصيف البكري، أسس توزيع الثروات في الانظمة الفيدرالية، 2011/25/5 ، متوفر على الرابط: / http://www.uobabylon.edu.iq/uobcoleges service_showarticle.aspx?fid=9&pubid=1015
(AcheanLeague) (146–281 ق. م(1)، إلا أنّ النظام الفيدرالي لم يعرف بهذا الاسم في المدن اليونانية القديمة وكان هناك تنظيم يطلق عليه (السايمبوليتيا) يتحتم بوجود حكومةٍ مركزيةٍ تقوم بتقسيم السلطات بينها وبين الحكومة المحلية على أن تختص الأولى بالشؤون الخارجية والدفاع وما يتعلق بجرائم الخيانة، في حين أن الاختصاصات الأخرى كانت تعود للحكومة المحلية وتقع ضمن اختصاصها، وعلى هذا الأساس تم تشبيه (السايمبوليتيا) بالفيدرالية المتعارف عليها في العصر الحديث، ولكن لم يكن هذا التنظيم وحده هو الموجود حينها في المدن اليونانية القديمة، بل كان هناك تنظيم آخر باسم (السايماجيا) يتجاوز قليلاً الاتحاد العسكري ويمكن تشبيهه بالكونفيدراليات الحديثة، كما ظهرت في اليونان القديمة عدد آخر من الاتحادات إلا أن نماذجها كانت مختلفةً ولم يصمد البعض منها إلا فترة من الزمن مثل اتحاد (بيلوبونيسيان) واتحاد (بويوتيان) واتحاد (أتوليان) واتحاد أثينا(2).
ومع كل ما تقدّم، فإنّ تاریخ الفيدرالیة هو أقدم من ذلك بكثیر، إذ تشیر الوثائق التاریخیة إلى أن أوّلَ نظامٍ فيدراليٍّ قد نشأ بین القبائل الإسرائیلیة القدیمة قبل أكثر من 3200 سنة، ویماثل هذا النموذج أیضا من حیث القدم في التاریخ التحالفات الكونفدرالیة
1) إتحاد آخاين: كانت كونفدرالية في العصر الهيلينستي بين مُدن اليونان القديمة التي تقع في شمالي وأواسط بيلوبونيز. تم تسمية الاتحاد على مُسمى منطقة آخايا الواقعة في الشمال الغربي في البيلوبونيز، والذي كان مركزه. الاتحاد الأول تم تأسيسه في القرن الخامس قبل الميلادي، أما الاتحاد الآخايني الثاني فقد تم تأسيسه في 280 ق.م. أنظر: الموسوعة الحرة ويكيبيديا، على الرابط الالكتروني: https://en.wikipedia.org/wiki/Achaean_League
2) محسن خليل، القانون الدستوري والنظم السياسية،(الاسكندرية: مطبعة الاسكندرية، 1987 )، ص 308 .
بین القبائل البدویة وبین السكان الأصلیین في أمیركا الشمالیة. وقد كانت التحالفات المبكرة بین المدن والدول الهیلینیة فی ما یعرف الیوم بالیونان وآسیا الصغرى مصممة لكي تجمع الأنظمة الدیمقراطیة المشاعیة (بمفهوم الكومیونة «المجتمعات الطائفیة ») التي هي عبارة عن تكتلٍ واحدٍ من أجل تعزیز التجارة وضمان الدفاع. كما وضعت الجمهوریة الرومانیة ترتیباتٍ قائمةً على أساسٍ لا تماثلي أصبحت روما بموجبها قوة، في حین ارتبطت بها المدن الأكثر ضعفًا باعتبارها شريكةً في النظام الفيدرالي(1).
ثانيًا- أشكال من الاتحادات في العصور القديمة
عرِفَ الإغريق ثلاثة أشكال من الاتحادات نذكرها على النحو الآتي:
الشكل الأول: يتمثل بنظام تجمع يأخذ طابعاً اتحادياً قريباً من الدولة الفيدرالية حسب المفهوم العصري الذي نعرفه اليوم، ويتم ذلك باتحادٍ يقوم بين مدنٍ متمتعةٍ باستقلالٍ قانونيٍّ وواقعيٍّ، تتنازل كلٌّ منها عن بعض امتيازاتها لتشكيل هيئات سياسية تشترك فيها هذه المدن على قدم المساواة، وتناط بهذه الهيئات اتخاذ القرارات التي تحقق الأهداف المشتركة للاتحاد.
الشكل الثاني: ظهر نتيجة لسيطرة إحدى المدن القوية على المدن التي تجاورها إلا أنّها كانت تبقى لهذه المدن إدارة شؤونها الذاتية، في حين كانت المدينة المسيطرة تتولى
1) جواد الحمد وآخرون، الفيد ا رلية: الفكرة وتداعيات تطبيقها في العالم العربي، (عمان: مركز دراسات الشرق الأوسط، 2015 )، ص 45
السياسة الخارجيّة ويسمي الفقيه( met Gaud ) هذا النوع من الاتحاد بالاتحاد الاستعماري.
الشكل الثالث: كان عبارة عن تحالفات تقوم بين مدن متساوية قانوناً بينما كان هناك بروز لمدينة تتصف عملياً بالتفوق على باقي المدن وتقوم بتسيير وتوجيه هذا التحالف في مجال العلاقات الخارجية، وهو ما يسمى بالتحالف الكونفيدرالي حسب المفهوم الحديث(1).
على الرغم من كل ما سبق من إرجاع الفضل إلى الإغريق القدامى في خلق النظام الفيدرالي، إلا أنّنا لا نعثر على أيّ أثرٍ للفيدرالية في المؤلفات اليونانية القديمة كمؤلفات أفلاطون أو أرسطو وغيره(2)، في حين ظهرت في زمن روما بعض أنواع الاتحادات بين مدنها أثناء الغزوات العسكرية للرومان والفرس ضدّ الإغريق (اليونان) إلا أن هذه الاتحادات لم تكن قويّة بل اتسمت بالضعف(3)، وكانت هذه التحالفات تتم بين روما من جهة والمدن الإيطالية المتحدة ( Federes tats Lese ) من جهةٍ أخرى، حيث إنّ هذه المدن كانت تتمتع بالاستقلال الإداري والبلدي عن روما، وذلك في إدارة شؤونها وسن تشريعاتها وقوانينها وتنظيم مؤسساتها دون أيّ تدخلٍ من روما، لأن ذلك كان من شأنه أن يُحدثَ حرباً أهليّةً بين كلّ مدينةٍ داخلةٍ في التحالف، في حين كانت تقوم فصائل عسكرية للحماية والدفاع عن الاتحاد، إلا أنّه على الرغم من ذلك
لم يثبت أن هذه التحالفات أو الاتحادات قد اتخذت شكلاً تنظيمياً فيدرالياً بصورةٍ مستقرةٍ، كما هو مفهوم الفيدرالية في التاريخ المعاصر، إذ إنّ روما كانت تسيطر على حليفاتها وكانت تستطيع أن تفرض تعديل عقد الاتفاق أو التحالف متى ما شاءت ذلك(1).
وبعد انهيار الامبراطورية الجرمانية المقدسة قدمت مشروعاتٍ متعدّدةً لتحلّ محلّها حماية للسلم ولتوحيد الدول الأوربية، ومنها مشروعات الملك هنري الرابع ومستشاره دوق سولي (Maximilien de Béthume duc de Sully )، كانط .(Kant) ويمكن تلمّس شيء من الفكر الاتحادي في الجمهورية الاتحادية لمونتسكيو، وهو أول من استخلص ضرورة وجود حدٍّ أدنى من التجانس في أيّ نظامٍ من هذا النوع(2).
أما في القرون الوسطى فثمة تحالفات اتحادية قامت في أوروبا ولاسيما بين المدن، وقد ظهر هذا المفهوم واضحاً عند «يوهانس التوسيوس » للمرة الأولى بعد دراسته للتجارب السويسرية والهولندية والامبراطورية الجرمانية المقدسة، وهو يعدُّ تأليف الاتحادات غاية، لاسيما في كتابه الشهير «السياسة » ( 1603 1610 )، إذ ذهب فيه إلى أن النظام السياسي يتدرج من سلسلة اتحادات، تبدأ بالقرى والنقابات المهنية وتنتهي بالامبراطورية، ويمكن النظر إلى فكر ألتوسيوس هذا على أنه محاولة لتحويل مفهوم تسلسل الإقطاع إلى تسلسلٍ دستوريٍّ معاصرٍ(3).
ثالثًا- وجهات نظر كُتّاب ومفكّرين حول بدايات ظهور الفيدرالية
يرى عدد من الباحثين وفي مقدمتهم المنُظر «دبليو.أج.ريكر » (W. H. Riker)، أن «الظهور الأول لما يمكن تسميته بالحكومات الفيدرالية حدث في اليونان القديمة بعد الحرب البيلوبونيسية »(1).وبقدر ما يشعر هؤلاء الباحثون بالرضا عن اليونان القديمة باعتبارها مهدًا للفكرة الفيدرالية، فهناك أولئك الذين يؤرخون لفكرة الفيدرالية على أنهّا تعود إلى العهد القديم في الكتاب المقدس، كما لاحظ العديد من الفلاسفة، اللاهوتيين، والمنظرين السياسيين في العالم الغربي، إذ إنّ الفكرة الفيدرالية لها جذورها في ذلك الكتاب. وفي السياق نفسه، نجد وجهة نظر «دانيال إليزار»(Daniel J. Elazar)تشير إلى أنّ الاستخدام الأول للمصطلح كان لأغراضٍ لاهوتيّةٍ، يتعلق بتحديد الشراكة بين الإنسان والله الموصوف في الكتاب المقدس، والتي بدورها، روّجت لفكرة علاقة (اتحادية) بين الأفراد والعائلات تؤدي إلى تشكيل هيئةٍ سياسيّةٍ، وبين الهيئات السياسية التي تؤدي إلى إنشاء الأنظمة السياسية المركبة، وقد أدت التطبيقات السياسية للاستخدام اللاهوتي إلى تحويل مصطلح «فيدرالي » إلى مفهومٍ سياسيٍّ صريحٍ .»(2)
ولعل «جوهانس الثيسيوس»(Althusius Johannes)[ 1562-1638]، هو أول من صغ مفهوم الفيدرالية معتمداً على التجارب السويسرية والهولندية والجرمانية، إذ كان يعتبر أن النظام السياسي هو تراتبيّة اتحادات فيدرالية تبدأ بالقرية وتنتهي بالإمبراطورية ».(3)
كان هؤلاء الكُتاب والمفكرون، ينظرون إلى الفيدرالية على أنها شكلٌ طوعيٌّ من أشكال الاتحاد السياسي، سواءً أكان مؤقتاً أم دائمياً، من سلطاتٍ مستقلةٍ، لأغراضٍ مشتركةٍ خاصةٍ، مثل الدفاع ضدّ القوى الأجنبية لمصلحة التجارة والاتصالات أو لأسبابٍ أخرى.(1)
يرى البعض، أنّ المفكر الكالفيني والسياسي الألماني في القرن السابع عشر، «يوهانس الثوسيوس»[1557 – 1638] يستحق لقب رائد الفيدرالية، في كتابه الكلاسيكي )) Politica Methodice Diges� ta 1603 (، والذي عُرفت فكرته الفيدرالية بنظرية العقد الاجتماعي للمجتمع. هذا النوع من المجتمع هو ما أسماه ب (الاتحاد)(2). في حين يرى علماء آخرون، لا سيما أولئك الذين يعودون إلى القرن العشرين، بأنها متجذرةٌ من أكسفورد وتتخذ من أستراليا مقراً لها، و قد اكتسب «كي سي وير K.C Wheare » (، لنفسه اللقب مع كتابه الكلاسيكي المعنون «الحكومة الفيدرالية »1946 ، الذي أوضح فيه تقاسم السلطة بين الحكومات العامة والإقليمية على النحو المتجذر في الدستور(3).
يتطلب الأمر التمييز بين «والد الفيدرالية » ما قبل الحداثية من قبل «الأب الفيدرالي » الحديث، كما هو الحال بالنسبة ل «أبو السياسة » الفيلسوف اليوناني أرسطو [384 - 322 ق. م] أو حتى من الإيطالي «نيكولا ميكيافيللي» [1469 – 1527 م]الذي يعد «والد السياسات الحديثة »(4).
1) Dare Leo, “Federalism in Nigeria-Principles and Practice: A Select Bibliography”, (Lagos: Nigerian Institute of International Affairs, 1979), p.26.
2) F. Lépine, a Journey through the History of Federalism. Is Multilevel Governance a Form of Federalism? L’Europe en Formation, no. 36, 2012, pp. 21- 62.
3) K.C.Wheare, op.cit, p.37.
4) A. O, Ogunnoiki, the Social Sciences: The Root and Route of Political Sciences. The International Journal of Humanities and Social Studies, Vol. 5, Is. 7, 2017, pp. 61- 68.
المبحث الثاني: الفيدرالية في العهدين الوسيط والحديث
أولً- الفيدرالية في العصر الوسيط
ظهرت في القرن التاسع الميلادي إمبراطورية شارلمان، فقُسمت إلى ثلاث ممالك توزعت بين أحفاده الثلاثة وفق معاهدة فردون عام 843 م، وكان النظام الإقطاعي هو الذي يسود في هذه المرحلة إلا أنهّ كان يملك لذاته الملامح الكونفيدرالية التي نمّت النظام الفيدرالي، وفي أواخر القرن الثالث عشر الميلادي تشكّل الاتحاد السويسدري نتيجة الاتحاد بين ثلاثة أقاليم دفاعاً عن مصالحها المشتركة، وتم ذلك بإبرام ميثاق بين مقاطعات «أوري» (Uri)، وشفيذس ،(Schwyz) وانترفالدن ( Unterwalden ) لتتحد قواها مجتمعة في مواجهة خطرٍ خارجيٍّ تمثل بالنمسا والإمبراطورية الجرمانية، حتى إن سويسرا استمدت اسمها الحالي من اسم إحدى المقاطعات، وهي شيفذكي بالألمانية أو سويسرا بالفرنسية(1).
في حين شهدت العصور الوسطى مدنا تتمتع بالحكم الذاتي فی ما یعرف الیوم بشمال إیطالیا وألمانیا، كما أقامت الكانتونات في سویسرا روابط على شكل اتحادات كونفدرالیة فضفاضة لأغراض التجارة والدفاع. وقد استمرت الكونفدرالیة في سویسرا، التي تأسست في العام 1291 م ولغایة 1847 م على الرغم من بعض فترات الانقطاع. وفي أواخر القرن السادس عشر، تم تأسیس كونفدرالیة مستقلة هي اتحاد مقاطعات الأراضي المنخفضة/هولندا خلال ثورة ضد اسبانیا، وقد تأثرت الكونفدرالیة في كلٍّ من سویسرا والأراضي
1) ادمون رباط، الوسيط في القانون الدستوري العام، الدول وأنظمتها، ج 1، ط 2، (بيروت: دار العلم للملايين، 1983 )، ص 567 .
المنخفضة/هولندا بحركة الإصلاح الدیني ( Reformation ) التي أثرت في حدة الانقسامات الداخلیة. وشهدت هذه الفترة أیضا الكتابات الأولى عن النظریة الفدرالیة بوضوح، كما جاء في (Methodice Politica Digesta)بقلم الثوسیوس، وما تبع ذلك من جهود من جانب النظریین الألمان من أجل توفیر أرضیةٍ لصیغةٍ حدیثةٍ ومتجددةٍ لامبراطوریة رومانیة مقدسة، كما تأسست عدة مستوطنات بریطانیة في أميركا الشمالیة، وخاصة في نیو إنغلاند/ انجلترا الجدیدة على ترتیبات فيدرالیة نابعة من حركة الإصلاح الدیني البروتستانتیة(1).
ولما انتاب الضعف بمرور الزمن الاتحاد القائم بين هذه المقاطعات، تحوّل إلى اتحادٍ فيدراليٍّ في سنة 1874 وما زالت سويسرا إلى يومنا هذا دولة فيدرالية(2).
في حين يذهب البعض إلى أن (الاتحاد الفيدرالي) هو كشف أميركي، والواقع أن هذا القول غير صحيح، لكن المصطلح ينطبق على صفة الدولة الاتحادية الحديثة التي أقرها مندوبو الولايات الأميركية في فيلادلفيا عام(3)1787 .
وهكذا نجد أنه وبعد كفاح الطبقة البرجوازية تأسست فيدرالية الأراضي المنخفضة لتكون ملاذًا للحرية وخلاصاً من هيمنة الإمبريالية الإقطاعية لملك إسبانيا، وتمثل هذه الفيدرالية
نوعاً فريدًا ومتطورًا إذا ما قورنت بسابقاتها. واستمرت هذه الفيدرالية أكثر من 200 سنة(1).
ثانيًا- الفيدرالية في العصر الحديث
1 - تطور الفيدراليات الحديثة
بدأت الاتحادات الحديثة في الظهور حول العالم منذ القرن الثامن عشر، إذ بدأت في أوروبا وأميركا الشمالية بانتقال الكونفدراليات، التي سبق تعريفها بأنها «اتحادٌ لا يرقى إلى الاندماج الكامل أو التأسيس حيث يفقد أحد أو جميع الأعضاء هويتهم كدول إلى اتحادات، مثل الولايات المتحدة الأميركية [1781 – 1789 ]، وسويسرا [1291 – 1798] ، [1815 – 1848 ]، والمقاطعات المتحدة لهولندا [1579 – 1795 ]، والبوند الألماني [1815 – 1866] ، وأستراليا [1901] (2).
وبشأن تطور الفيدرالية، على المستوى الدولي، فيعبر عنها الفيلسوف الألماني الشهير في القرن الثامن عشر، إيمانويل كانط [1724 – 1804] ، في مقاله «السلام الدائم: رسم فلسفي » الذي كتبه عام 1795 ، إذ شرح فيه فكرة اتحاد الدول الحرة بالقول: «في الواقع ما دعا إليه هو كونفدرالية دول ذات سيادة، وهي اتحاد فضفاض مع مركز ضعيف، ودول أعضاء قوية لا تحتفظ فقط بسيادتها لدى انضمامها إلى الاتحاد طواعية، بل يمكنها أيضاً أن تترك نفسها لغرض صياغة القوانين الدولية التي تنظم سلوك الدول في ما بينها وبالتالي
منع اندلاع الحروب في نظامنا الدولي الفوضوي المحكوم»(1)
بینما تعد الولایات المتحدة، التي اعتمدت في 1787 دستوراً فيدراليًا، على أنها أوّلُ نظامٍ فيدراليٍّ حدیثٍ، في وقتٍ كان فيه الاتحاد القائم بين هذه المقاطعات اتحاداً استقلالياً.
وفي سنة 1776 ، وبعد أن خرجت بريطانيا من أميركا الشمالية أقامت مستعمراتها الثلاث عشرة في ما بينها اتحادًا كونفيدراليًا، إلا أنّ هذا النوع من الاتحاد لم يدم طويلاً، إذ انبثق عن مؤتمر فيلادلفيا الذي انعقد في 17 أيلول/سبتمبر 1717 تكوين الفيدرالية الأميركية، بموجب دستور يعتبر من أقدم الدساتير المكتوبة في العصر الحديث، وهكذا أُنشأت الولايات المتحدة الأميركية وهي باقية على ذلك الشكل الفيدرالي لغاية الآن منذ أكثر من 230 سنة(2).
ففي البدء جرى تأسيس البنية الفيدرالية في اتفاقية فيلادلفيا بشأن التصديق على دستور الولايات المتحدة لعام 1787 ، عندما قامالآباء المؤسّسون لفيدرالية الولايات المتحدة، جيمس مادسون (James Madison) [1836-1571]، وألكساندر هاملتون Alexan 1755 – 1804 (der Hamilton)، وجون جاي [1745 – 1829] (John Jay) من خلال نشر أكثر من 85 مقالة مكتوبة، أطلق عليها (الأوراق الفيدرالية)، تقوم على فكرة أن الأفرع الثلاثة للحكومة
الوطنية تقوم أفقياً ويكون تقسيم السلطة بينها وبين الولايات عمودياً من أجل منع التجاوزات بينهما. وستقوم الدول، من بين مراكز القوى الأخرى، بمتابعة وتقييم عمل ممارسات السلطة الوطنية(1).
وفي السياق نفسه، من المهم ملاحظة أنه خلال القرن التاسع عشر، قام الكونت كاميلو بينسو دي كافور بتوحيد إيطاليا عام 1860 ، في حين شكّلَ «أوتو فون بسمارك » اتحاد شمال ألمانيا بين [1866 - 1867] ، ثم قام الرايخ الألماني عام 1871 ، وفي وقتٍ لاحق، تشكلتّ اتحادات في أميركا الجنوبية (الأرجنتين والبرازيل والمكسيك وفنزويلا)، ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية في عام 1945 ، أصبح تقرير المصير هو طلب المستعمرات التي شكلت الإمبراطورية الاستعمارية الأوروبية الضخمة في آسيا وإفريقيا ومنطقة البحر الكاريبي. إن منح الاستقلال السياسي لمستعمرات سياسية مثل (الهند ونيجيريا وماليزيا) وغيرها من قبل أسيادها الاستعماريين زاد من العدد الإجمالي للاتحادات في مختلف أنحاء العالم(2).
وفي أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي الشيوعي في عام 1991 الذي وضع نهاية للحرب الباردة، خرج الاتحاد الروسي من الاتحاد السوفياتي المنحل كما فعلت البوسنة والهرسك بعد حَل يوغوسلافيا في عام 1992 . مع ذلك، فقد شهدت حقبة ما بعد الحرب الباردة، انتقال دول إلى الفيدرالية بعد صراعٍ طويلٍ من أجل ذلك. مثال
1) R. P.Nathan, Updating Theories of American Federalism. To be presented at the Annual Meeting of the American Political Science Association Philadelphia, Pennsylvania, September, 2006.In: federalism as a political ideology and system of government: the theoretical perspectives, op.cit, p.12.
2) Daniel Ziblatt , “Rethinking the Origins of Federalism: Puzzle, Theory, and Evidence from Nineteenth-Century Europe”, Volume 57, 1 October 2004, p. 73.
جيد على ذلك، هو العراق بعد عام 2003 . وفي الوقت الحاضر، بقيت الدول التي نجت أو لا تزال عالقة في الصراع مثل سريلانكا والصومال أمام خيارين: أولهما، أن تصبح فدرالية، وثانيهما، أن تبقى تعاني من الصراعات والحروب وتدور في أتونهما.
تأريخياً، كانت هناك أيضاً دول وحدوية اتجهت نحو نظام الحكم الفيدرالي، مثل بلجيكا وإسبانيا وجنوب إفريقيا، ومن المثير للاهتمام أن الولايات الموحدة مثل إيطاليا والمملكة المتحدة قد نقلت السلطة إلى المناطق، مع ذلك، فقد اختارت هذه البلدان ألا ترى نفسها أن تصبح اتحاداً(1).
وقد انتشر النظام الفيدرالي في دول العالم الحديث كالاتحاد السوفيتي السابق، أو الاتحاد الروسي، وهو النظام المعمول به أيضًا في الهند وباكستان، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وتأسست الجمهورية العربية السورية قبل الانفصال تحت مسمى الجمهورية المتحدة (مصر وسوريا) وفقًا لهذا النظام، وهو مشروع سياسي لبناء الاتحاد الأوربي أيضًا، إذا ما تم تطوير نظام الجامعة العربية وتفعيله، ومنظمة العالم الإسلامي فإنه قد يكون أساساً لدولة الاتحاد العربي الإسلامي(2).
1) Tunde Agara, “Negotiating the Federal Accommodation: Minorities and the Issue of the National Question in Nigeria,” Journal of Global Initiatives: Policy, Pedagogy, Perspective, Vol. 9, No. 2, 2014, pp.47- 68.
2) محمد علي الناصري، النظام الاتحاد الفيدرالي في العراق، متوفر على الرابط: www.thawabitna1.com/culture/books/books004.htm
2 - نماذج من فيدراليات حديثة
على أثر الثورة الأميركیة أقامت الولایات المستقلة حدیثًاكونفدرالیة في العام 1781 ، ولكن جوانب النقص فیها أدت في العام 1789 إلى تحولّها على أثر مؤتمر فیلادلفیا في عام 1787 إلى أول نظامٍ فيدراليٍّ حدیثٍ.كما حولّت سویسرا نظامها الكونفيدرالي، بعد حرب أهلیة قصیرة، إلى نظامٍ فيدراليٍّ في العام 1848 ، وأصبحت كندا ثالث دولة فدرالیة حدیثة في العام 1867 ، وتم في العام 1871 توسیع فدرالیة شمال ألمانیا التي كانت قد تأسست في العام 1867 لتضم الولایات الألمانیة الجنوبیة. وبعد فترةٍ قصیرةٍ، أصبحت أسترالیا في العام 1901 دولةً فدرالیةً كاملةً، وبالإضافة إلى ذلك، تبنّت بعض جمهوریات أميركا اللاتینیة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرین أنظمة فيدرالیة في محاولةٍ لتقلید فيدرالیة الولایات المتحدة الأميركیة، في حين شهد النصف الثاني من القرن العشرین انتشارًا واسعًا للأنظمة الفدرالیة، بالإضافة إلى أشكال أخرى من الفدرالیة من أجل توحید مجتمعات متعددة الإثنیات في مناطق المستعمرات السابقة وفي أوروبا. وتأسست أنظمة فيدرالیة وشبه فيدرالیة، لم یكتب النجاح لعددٍ منها، لا سيما في قارة آسیا، على سبیل المثال، الهند الصینیة ( 1945 )، وبورما ( 1948 )، وإندونیسیا ( 1949)، والهند ( 1950 )، والباكستان (1956 )، والملایو ( 1948 و 1957)، ثم مالیزیا(1963 )؛ وفي الشرق الأوسط، على سبیل المثال في الإمارات العربیة المتحدة ( 1971 )، وفي أفریقیا، على سبیل المثال في لیبیا ( 1951 )، وإثیوبیا ( 1952 )، ورودیسیا ونیاسالاند ( 1953) ونیجیریا ( 1954 )، ومالي ( 1959 )، والكونغو ( 1960)، والكامیرون ( 1961 )،وجزر الكومور (1978 )، وفي منطقة
البحر الكاریبي، على سبیل المثال في جزر الهند الغربیة ( 1958 ). وشملت الأنظمة الفدرالیة التي تأسست أو أعید تأسیسها في أوروبا الوسطى والشرقیة كلاًّ من النمسا ( 1945 )، ویوغسلافیا( 1946 )، وألمانیا ( 1949 )، وتشیكوسلوفاكیا |( 1970 ). كما تبنت البرازیل ( 1946 )، وفنزویلا ( 1947 )، والأرجنتین ( 1949 ) في أميركا الجنوبیة دساتیر فدرالیة جدیدة.(1)
خلال الفترة ما بین 1960 وأواخر ثمانینيات القرن الماضي، بدا واضحًا بصورةٍ متزایدةٍ أن الأنظمة الفيدرالیة لیست العلاج السحري الذي تخیله كثیرون، إذ شهد العدید من التجارب الفيدرالیة التي نشأت في أعقاب الحرب العالمیة الثانیة فشلً، عندما واجهت بعضها صعوبات وتحديات كبيرة، في حين تم تجمید بعض هذه الأنظمة أو التخلي عنها نهائیًا. إلا أنه ثمة حدود لمدى ملائمة الحلول الفدرالیة أو أشكال معینة منها في ظروفٍ معینةٍ حتى عندما تكون هذه الأنظمة قائمةً على أفضل الدوافع والأهداف(2).
وعلى الرغم من هذه التطورات، فإنّ ثمة اهتمامًا متجددًا في الحلول السیاسیة الفيدرالیة خلال تسعینات القرن الماضي، من بينها بلجیكا التي حوّلت دستورها لیصبح فدرالیًا كاملً في العام 1993 ، وجنوب أفریقیا التي أقرت في العام 1996 مع تعدیلات دستوراً یتضمن مزیجًا من الملامح الفيدرالیة والوحدویة في دستور 1994 المؤقت، وإسبانیا التي أصبحت عملیًا، ونتیجة تنفیذ دستور 1978 ، نظامًا فيدرالیًا بالفعل من أن يكون بالاسم، عندما قد بدأت تتحرك باتجاه أشكالٍ جدیدةٍ وغالباً ما تكون مبتكرةً من الأنظمة الفدرالیة
وشبه الفدرالیة. كما شهدت اتجاه إیطالیا نحو تبني نظامٍ فيدراليٍّ، كما اتخذت المملكة المتحدة تتریبات جدیدة بغرض تفویض السلطات في كلٍّ من اسكوتلندا وإیرلندا ومقاطعة ویلز، في حين أدى التقدم نحو المزید من الدمج فی ما أصبح یعرف الآن بالاتحاد الأوروبي إلى زیادة الاهتمام بالأفكار الفيدرالیة، وكثیرًا ما یشیر القادة السیاسیون وكبار المفكرین وحتى بعض الصحافیین إلى الفيدرالیة باعتبارها شكلاً إیجابیًا متحررًا من أشكال التنظیم السیاسي.(1)
من الضروري أن نؤكِّد هنا على أنّ الفيدرالية وُجدت على أرض الواقع في العصور الماضية بصورٍ مختلفةٍ قبل أن ينظر لها الفلاسفة في كتاباتهم، وقبل أن تستلهم فكرة تقاسم الصلاحيات وضرورتها الثورة الأميركية، لأن قدرة الدولة في الماضي في السيطرة والإدارة المباشرتين من مركز بعينه (أو ما نسميه بالدولة الموحدة في العصر الحديث)كانت محدودةً للغاية بسبب ضعف وسائط النقل والاتصال، وبالتالي ضعف قدرة المركز على حكم النواحي والمدن البعيدة(2).
يعد البعض الولايات المتحدة الأميركية أقدم دولة فيدرالية في العصر الحديث، في حين أن هناك من يعتبر الفيدرالية السويسرية النموذج للنجاح الفيدرالي، إلا أن الولايات المتحدة الأميركية هي الدولة الفيدرالية العصرية التي لم يعرف التاريخ قبلها النموذج الفيدرالي بمعناه القانوني الذي ابتدعه الأميركيون(3).
وهناك من يرى، أنّ من الإجحاف بمكان اعتبار التجربة الفيدرالية
الأميركية التي ظهرت إلى الوجود عام 1887 أول تجربةٍ فيدراليةٍ واعتبار الولايات المتحدة الأميركية أقدم دولةٍ فيدراليةٍ في العالم، لأن هذه التجربة سبقتها تجارب أخرى، وتجارب متأخرة أو متقدمة للفيدرالية كما ذكرنا أثناء سردنا التاريخي الموجز للتجارب العالمية، إذ نجد ملامح (الفيدرالية) التي لم تكن قد سُميت بهذا الاسم بوضوح في بعض الحالات والتجارب الفيدرالية، ولكن يبدو أن تأثر بعض الكتاب والمؤلفين بعظمة أميركا دفعهم إلى إرجاع الفضل إليها في ابتداع النظام الفيدرالي.
أما نحن فإنه يبدو ممّا سبق أنه يمكن اعتبار التجربة الأميركية أول تجربةٍ في العصر الحديث، أما جذور الفيدرالية وطرق نشأتها فإنها أعمق من أن تتوقف عند التجربة الأميركية، كما سبقت الإشارة إليه في موضع سابق من هذه الدراسة(1).
1) راجع الصفحات من 47 - 52 من هذه الدراسة
هناك العديد من المصطلحات التي هي بحاجة إلى توضيح التداخل بينها وبين الفيدرالية، مثل (الاتحاد الفيدرالي، والكونفدرالية، والاتحاد المركزي، واللامركزية الإدارية والسياسية، والفيدرالية الثنائية، والاتحاد الدستوري، والدولة التعاهدية، والاتحاد الفيدرالي، وغيره). ولعل من المهم التطرّق إليها من أجل فضّ الالتباس بينها وبين مصطلح الفيدرالية، وعلى النحو الآتي:
المبحث الأول: الاتحادات الفيدرالية والكونفيدرالية
أولً- الاتحاد الفيدرالي
الاتحاد الفيدرالي: «هو إتحاد يضم عدداً من الولايات أو الأقاليم التي يحتمل أن تتمتع بالحكم الذاتي والتي توحدها حكومة مركزية »، ويعرّفه بورجيس ببساطة: «الاتحاد هو شكلٌ تنظيميٌّ محدّدٌ يتضمن الهياكل والمؤسّسات والإجراءات والتقنيات. إنّها حقيقةٌ مؤسسيّةٌ ملموسةٌ. ويمكن تمييزه عن الأشكال الأخرى للدولة بوضوحٍ نسبيٍّ ».(1)
يتميز الاتحاد الفيدرالي بالمواصفات التالية:
1 - اتحاد ولايات أو أقاليم في إطار دولة اتحاد مركزي يُقام لأجل تعايش استراتيجي موحد.
2 - وحدة التماس الجغرافي (الأرض) لأقاليم الاتحاد يتضمن عاصمة اتحادية تكون مركز الدولة الفيدرالية.
1) Federalism as a political ideology and system of government: the theoretical perspectives, op.cit, p. 5.
3 - ترفع الدولة الفيدرالية العلم الاتحادي، في حين يرفع كلّ إقليمٍ العَلَمَ الخاص به إلى جانب العَلَم الاتحادي.
4 - السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية فيها، على مستويين (اتحادي كمرجع أعلى) ومحلي(على مستوى الإقليم).
5 - يتمتع بدستورٍ فيدراليٍّ إلى جانب دساتير محلية خاصة بالأقاليم.
6 - ذات عملة نقدية واحدة (مركزية).
7 - التمثيل السياسي والدبلوماسي (الخارجي) بيد السلطة المركزية (الاتحادية فقط)
8 - لا يمكن أن يتحوّل إلى اتحادٍ كونفدراليٍّ إلا في حالة الحل وإلغاء الإطار الفيدرالي(1).
ومن مظاهر الاتحاد في الدولة الفيدرالية، ولا سيما في المجال الدولي، أنّ من أهم ما يترتّب على قيام الدولة الفيدرالية ما يأتي:
فناء الشخصية القانونية الدولية للولايات أو الأعضاء المكوِّنة لها.
ظهور الدولة الفيدرالية في نطاق القانون الدولي العام بطابع الوحدة والمركزية.
فالدولة الفيدرالية هي التي تملك وحدها الشخصية الدولية، وتتحمل المسؤولية الدولية عن الولايات، ولا تدع الدساتير الفيدرالية غالبا للولايات الأعضاء حق التمثيل الدبلوماسي أو سلطة
1) علي الشمري، «الفيدرالية »، مجلة النبأ، العدد 59 ، تموز 2001 ، متوفر على الرابط الالكتروني: https://annabaa.org/nba59/fidralia.htm
إعلان الحرب أو إبرام المعاهدات ولا يخاطب القانون الدولي العام الولايات لأنه ليس لأي من الولايات الشخصية الدولية.
ومن الجدير الإشارة إلى أن في الاتحاد السوفيتي تمتلك الولايات الأعضاء في الدولة الفيدرالية حقّ إقامة العلاقات الدبلوماسية، فإنّ كلاًّ من جمهوريات الاتحاد السوفيتي لها هذا الحق. «للجمهورية المتحدة أن تقيم علاقات مع الدول الأجنبية وتعقد معها المعاهدات وتتبادل و إياها الممثلين الدبلوماسيين والقنصليين، وتشارك في نشاط المنظمات الدولية » المادة 79 من دستور الاتحاد السوفيتي لسنة 1،977 هذا قود مارسته فعلا جمهورية روسيا البيضاء (بيلورسيا) وجمهورية (أوكرانيا) وإلى حد وجودهما كأعضاء في هيئة الأمم المتحدة، ومنظماتها المتخصصة. وينتج عن هذا أن الولايات لا تستطيع أن تتمسّك بقواعد القانون الدولي للدفاع عن استقلالها وامتيازاتها وهذا الأمر يتفق مع التكوين القانوني للدولة الفيدرالية باعتبارها دولةً واحدةً وتقوم على أساس قواعد القانون الدستوري لا على قواعد القانون الدولي. هذا إلى جانب أن العلاقات الخارجية متعلقة بمصالح الشعب الفيدرالي في مجموعه، لهذا لابد من أن تواجه بشكلٍ من المركزية و الوحدة، بعيداً عن التردّد والتناقض(1).
ثانيًا- الفيدرالية والكونفيدرالية
يتكون الاتحاد الكونفيدرالي أو التعاهدي نتيجةً لاتفاق دولتين أو أكثر في معاهدةٍ دوليةٍ على تكوين هذا الاتحاد أو الانضمام إليه
1) محمد الهماوندي، الدولة الفيدرالية، متوفر على الرابط الالكتروني: http://www.iraqcfs.org/membersresear-arabic.php.
مع احتفاظ كلّ دولةٍ باستقلالها الخارجي وبقاء نظمها الداخلية من دون تغيير(1).
ويهدف هذا الاتحاد إلى تحقيق مصالح أو أغراض مشتركة وحيوية للدول الأعضاء فيه، تبينها المعاهدة التي هي أساس نشأة الاتحاد كضمان استقلال كل دولة والدفاع عن أمنها الخارجي والعمل على تحقيق مصالح اقتصادية متبادلة(2).
وفي بعض الحالات، تعتبر الكونفيدرالية (وهي شكلٌ رخوٌ من أشكال الاتحاد تتمتع فيه الدول الأعضاء بدرجةٍ أعلى من الحكم الذاتي، وتكون صلاحيات المركز محدودةً بطيفٍ ضيّقٍ جداً من المجالات السياسية كالشؤون الخارجية والدفاع) بديلاً للفيدرالية، ويأتي ذلك أحياناً كمطلبٍ لجماعاتٍ تسعى في النظام الفيدرالي إلى الحصول على حكمٍ ذاتيٍّ أكبر مما هو مسموح به بموجب الدستور الفيدرالي دون حدوث الآثار المزعزعة للاستقلال التام. وقد اقتُحت الحلول الكونفيدرالية في بلجيكا، وأيضاً في كندا في ما يخص كيبيك.
وعلى الرغم من المزايا العديدة التي سبق ذكرها لأسلوب المركزية الإدارية، فإنه وبالمقابل لا يخلو من العيوب والمثالب لا سيما إذا ما تم تطبيقه كأسلوبٍ وحيدٍ في أداء المهام والوظائف الإدارية، ويتولى الإشراف على الاتحاد والتنسيق بين الدول الداخلية
1) حمدوش رياض، مفهوم التكامل وأهدافه، موقع الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية والاستراتيجية، 25 فبراير 2017 ، متوفر على الرابط الالكتروني: https://www.politics-dz.com/community/threads/mfxum-altkaml-uxdafx. 6252
2) عبد الغني بسيوني، النظم السياسية والقانون الدستوري، (الاسكندرية: منشأة المعارف، 1997) ص 104 .
فيه هيئة سياسية مشتركة تسمى مؤتمراً أو جمعية أو مجلس، تتكون من مندوبين يمثلون دول الاتحاد. وقرارات هذه الهيئة غير ملزمةٍ للدول الأعضاء إلا بموافقة هذه الدول(1).
يتميز الاتحاد الكونفدرالي بالمواصفات الآتية:
اتحاد تعاهدي بين دولتين أو أكثر.
يقام لأجل مصالح مشتركة لأجَلٍ قد يكون وقتياً.
تختص كل دولة في الاتحاد بعاصمتها المستقلة.
لكل دولة عَلَمها الخاص بها.
لكل دولة سلطاتها الثلاث الخاصة بها وبمستوى أحادي.
لكل دولة دستورها الخاص بها.
لكل دولة العملة النقدية الخاصة بها، ويمكن الاتفاق على توحيد العملة.
تتمتع كل دولة بحق التمثيل بشكل مستقل.
من الممكن أن يتحول إلى اتحاد فيدرالي في مرحلة لاحقة بحكم الاتفاق والتوافق(2).
ومن أمثلة الاتحاد الكونفيدرالي، الاتحاد السويسري (1815 - 1866 )، والاتحاد الأميركي ( 1776 - 1787 ) والاتحاد الجرماني 1866 .
وفي عالمنا المعاصر يمكن أن يعد الاتحاد الأوربي اتحادًا
كونفيدراليًا. أما الاتحاد الفيدرالي فإنّه يستند إلى الدستور الاتحادي لا إلى معاهدة دولية كما هو الحال في الاتحاد الكونفيدرالي، وبالتالي فإن بحث الاتحاد الكونفيدرالي يدخل ضمن دراسات القانون الدولي العام، أما الفيدرالية فتدخل ضمن دراسة القانون الدستوري.
وإضافةً إلى ما ذكرنا آنفاً، فإن هناك عدّةَ فروقٍ بين الاتحاد الكونفيدرالي والفيدرالية تتلخص بالآتي:
يتكون الاتحاد الكونفدرالي نتيجة إبرام معاهدٍة بين الدول الأعضاء فيه في حين تنشأ الدولة الفيدرالية من خلال عملٍ قانونيٍّ داخليٍّ هو الدستور الاتحادي، ويترتب على ذلك أن يشترط التعديل مضمون الاتحاد الكونفدرالي موافقة كافة الأطراف الموقعة على المعاهدة المنشئة له، بينما لا يشترط لتعديل الدستور الاتحادي هذا الإجماع من الولايات إذ يكفي توافر الأغلبية (1).
لا تمتلك الهيئة السياسة المشرفة على الاتحاد الكونفدرالي مباشرة أي سيادةٍ على رعايا الدول الأعضاء إلا عن طريق الدول ذاتها(2).
يخول الدستور الاتحادي دولة الاتحاد سيادة مباشرة على رعايا الولايات الأعضاء فيه واختصاصات تكفل تنفيذ القرارات
التي تتخذها عن طريق سلطاتها مباشرة من دون حاجة للجوء إلى تلك الدول(1).
أما بشأن الانفصال، فهو حقٌّ مقرّرٌ لكلّ دولةٍ من دول الاتحاد الكونفدرالي وهو ما يسمى ب(حق الانفصال) حيث يجوز لكلّ دولةٍ أن تمارسه في أيّ وقتٍ من الأوقات إذَا ما رأت ذلك، حتى وإن لم ينص عليه صراحة في معاهدة الاتحاد، بينما لاتسمح الدولة الفيدرالية بذلك، وقد قررت ذلك المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأميركية في أعقاب الحرب الأهلية وذلك عندما صارت تكساس إحدى الولايات الأميركية، دخلت في علاقات لا يمكن فسخها. لقد كان انضمامها نهائياً لا مجال لإعادة النظر فيه، أو فسخه ».(2)
هناك جنسية واحدة لجميع أفراد الشعب في الاتحاد الفيدرالي وهي جنسية الدول الاتحادية، في حين يظل رعايا كلّ دولةٍ من دول الاتحاد الكونفيدرالي محتفظين بجنسيتهم الخاصة، لأن العلاقة بين الدول في الاتحاد الكونفدرالي تكون بين حكوماتها فقط(3).
إنّ الحرب التي تندلع بين دولتين من دول الاتحاد الكونفدرالي تعدّ حرباً دولية، بينما الحرب التي تقع بين الولايات الأعضاء في الاتحاد الفيدرالي هي حرب أهلية(4).
وإذا ما تطرّقنا إلى شكل الدولة الاتحادية العراقية، هل هي
فيدرالية أم كونفيدرالية ؟ فالبعض يرى أنّ شكلها غير محددٍ بشكلٍ واضحٍ، هي ما تزال تتأرجح بين دولة اتحادية تقوم على أقاليم، ودولة بسيطة تقوم على محافظات، لذا بقي النظام السياسي نظاماً هجينًا يعاني من عدم الاستقرار وأزمتي الشرعية والاندماج.(1)
جدول مقارنة بين الدولة الموحدة والدولة الكونفيدرالية والدولة الفيدرالية(2)
1) مجاهد هاشم الطائي، »الدولة العراقیة بین الفیدرالیة واللامرکزیة »، مركز إدارك للدراسات والاستشارات،آذار/ مارس 2016 ، متوفر على الرابط الالكتروني: https://idraksy.net/wp-content/uploads/201603//Iraqi-betweenfederalism- and-decentralization.pdf
2) غانم محمد صالح، مفاهيم ومصطلحات، المركز العراقي للدراسات الإستراتيجية، العدد( 6)، أيار 2009 ، ص 42
المبحث الثاني: الفيدرالية والفيدراليات المركّبة
أولً- الفيدرالية واللامركزية الإدارية والسياسية
يقصد بها تقاسم الوظيفة الإدارية بين الدولة، وتمثلها الحكومة المركزية، من جهة، والوحدات الإدارية المحلية من جهة أخرى، بحيث تتولى السلطات المركزية مهمة إشباع الحاجات العامة القومية التي يستفيد منها عموم أبناء الشعب في مختلف أنحاء البلاد. في حين يلقى على عاتق هيئات الإدارة المحلية مهمة إشباع الحاجات المحلية التي يقتصر الاستفادة منها على أفراد منطقةٍ جغرافيةٍ معينةٍ بذاتها(1).
واللامركزية نوعان:
1 - اللامركزية السياسية: هي وضعٌ دستوريٌّ يقوم على توزيع
الوظائف الحكومية المختلفة (التشريعية والتنفيذية والقضائية) بين الحكومة الاتحادية في العاصمة وحكومات الولايات أو الجمهوريات أو الكانتونات أو غيرها من الوحدات السياسية. حيث تمارس الوحدات المذكورة سيادتها الداخلية، فتقيم برلماناً وتنشئ حكومة، وتسن التشريعات وتحكم بموجبها(2).
لقد ساد نظام اللامركزية السياسية، في التاريخ القديم بين المناطق وداخل الأمبراطوريات وحتى بين دول صغيرة عديدة من العالم، وكان هذا هو النظام المسيطر في معظم فترات التاريخ الإسلامي وبأسماء وصفات مغايرة، تلاءمت وتلك العصور، فالبحث في
تاريخ الدولة الإسلامية من بدء إختراقها لجغرافية الجزيرة العربية إلى وقت بروزها كإمبراطورية، يُبيّ بشكلٍ واضحٍ التقسيمات الإدارية المتكاملة بذاتها ولذاتها، والتي كانت تابعةً للمركز اسمياً من خلال دفعها للأتاوات وتعيين الأمراء الإسلاميين الذين كانوا بالأصل من الجزيرة العربية، لكنهم كانوا يمتلكون خصوصيةً مستقلةً في معظمهم، بدءاً من قراراتهم وحتى عند الحروب التي كانوا يقومون بها على الجوار، كانت لهم جيوشهم الخاصة بهم، أي ما معناه بالمفهوم الحاضر سياسياً واقتصادياً وثقافياً الأقاليم الفيدرالية، حينذاك، وفي البدايات بدءاً من الخلفاء الراشدين ومروراً بحكم خلفاء بني أمية وإلى نهاية الخلفاء العباسيين، كانت الأقاليم ذات جغرافية محدّدة، لها أسماؤها وعواصمها الخاصة بها، وأمراؤها، وقواها العسكرية(1).
2 - اللامركزيّة الإداريّة: اللامركزية الإدارية تمثِّل أسلوباً إداريًّايقوم على توزيع الوظيفة الإدارية بين الجهاز الإداري المركزي وهيئات أخرى مستقلة على أساسٍ إقليميٍّ أو موضوعيٍّ. وهي بذلك تختلف عن اللامركزية السياسية في كونها تقتصر على الوظيفة الإدارية وفي إمكان قيامها في الدول المركبة والدول البسيطة على السواء(2).
إنّ اللامركزية هي أسلوبٌ في التنظيم يقوم على توزيع الاختصاصات بين السلطة المركزية وهيئات أخرى مستقلة عنها قانونياً، وهي بهذا المعنى قد تكون لا مركزية سياسية أو لا مركزية
مالية، أو لا مركزية اقتصادية، أو لا مركزية إدارية.
من الضروري أن يكون هناك اتفاق حول معاني المفاهيم المتداولة في إطار اللامركزية الإدارية واللامركزية السياسية. وهناك رأي يقول بأنّ «عدم الاتفاق هو السائد، وهذا من شأنه أن يعقد الرؤية الواحدة، الرؤية التي من شأنها أن تفعّل من المعالجات الصحية للمشاكل الموجودة، فالفارق كبير ما بين الحكم المحلي ذي الصبغة السياسية والإدارة المحلية ذات الصبغة الإدارية، وعلى الرغم من ذلك، فإنّ الدستور العراقي يستخدم مصطلح حكومات الأقاليم وحكومات المحافظات، وفي ذلك وحسب رأينا المتواضع نوع من أنواع الخلط المفاهيمي(1).
إنّ البحث في اللامركزية الإدارية الإقليمية يدخل بصورةٍ أساسيةٍ في نطاق دراسة القانون الإداري، في حين أن البحث في الفيدرالية يدخل بصورةٍ أساسيةٍ في مجال دراسة القانون الدستوري كما أشرنا سابقاً.
ولكن الذي يدفعنا إلى تناول هذا الموضوع هو الخلط بين مفهوم الفيدرالية ومفهوم اللامركزية الإدارية لا سيما في العراق، حيث ظهرت مصطلحات تجمع بين الاثنين على الرغم من الاختلاف بينهما، ومن بين هذه المصطلحات مصطلح (الفيدرالية الإدارية)، وعلى أيّ حالٍ فإن أهم الفروق بين الفيدرالية واللامركزية الإدارية يمكن إجمالها بالآتي:
أ- الفيدرالية عبارة عن نظامٍ سياسيٍّ يتعلق بنظام الحكم في الدولة، لذلك فإنّ البحث في الفيدرالية يدخل بصورةٍ أساسيةٍ في
1) عبد الجبار احمد، الفيدرالية واللامركزية في العراق، ورقة سياسات، مؤسسة فريدريش إيبرت، بغداد، تشرين الثاني، 2013 ، ص 6.
نطاق دراسة القانون الدستوري، وذلك على خلاف اللامركزية الإدارية حيث تندرج دراستها تحت موضوعات القانون الإداري، لأنها عبارة عن نظامٍ إداريٍّ يتعلق بكيفيّة ممارسة الوظيفة الإدارية(1).
ب- في الدولة الفيدرالية نجد أن الولايات الفيدرالية تتمتع بسلطة سنِّ القوانين في معظم المسائل إلا ما استثنى بنصٍّ دستوريٍّ.
وكذلك فإن للولايات أو الأقاليم الفيدرالية محاكمها الخاصة، التي تطبق تشريعاتها الصادرة عنها، والتي قد تختلف من ولاية إلى أخرى(2).
ج- نجد الوظيفة التشريعية والوظيفة القضائية تمارسها في ظل نظام اللامركزية الإدارية سلطات مركزية واحدة(3).
د- تتمتع الولايات الفيدرالية بسلطةٍ مطلقةٍ في المسائل التي تدخل في نطاق اختصاصها، والتي نصّ عليها الدستور الاتحادي، بينما نجد أن الأشخاص في الإدارية اللامركزية يخضعون لرقابة السلطات المركزية وقد تكون الرقابة شديدة وخاصة في ما يتعلق منها بمشروعية الأعمال التي تصدر عن الهيئات الإدارية اللامركزية(4).
ه- تشترك الولاية الفيدرالية أو الإقليم الفيدرالي بهذه الصفة، بتكوين الهيئة التشريعية للدولة الفيدرالية(5).
مثال ذلك الكونغرس الأميركي الذي يعتبر بمثابة البرلمان
الاتحادي، فهو يتكون من مجلسين: مجلس النواب الذي ينتخب مباشرةً من جميع أفراد الشعب الذين لهم مباشرة الحقوق السياسية، ومجلس الشيوخ الذي يتكون من عضوين عن كلّ ولايةٍ أميركية بغض النظر عن مساحتها أو عدد سكانها(1). كذلك الحال مع مجلس المقاطعات السويسري، بينما لا نجد مثل هذا التمثيل غير المتكافئ في نظام اللامركزية الإدارية (2).
وهذا الأسلوب كما هو واضحٌ يؤدي إلى توسيع اختصاصات دولة الاتحاد على حساب اختصاصات الولايات الأعضاء، بحكم أن الدولة الموحدة السابقة كانت تجمع في يدها كل السلطات قبل تحولها إلى دولةٍ فيدراليةٍ.
وعلى العموم فهذه مسألةٌ دستوريةٌ تنظم وفقاً للظروف السياسية والدوافع المختلفة التي كانت وراء نشأة الدولة الفيدرالية(3).
وفي العراق يحتل هذا الموضوع أهميةً كبرى نظراً لاحتدام الجدل والخلاف حول الفيدرالية بشكل عام، وتوزيع الاختصاصات بشكل خاص، وهو ما انعكس على نصوص الدستور الدائم التي حاولت التوفيق بين عدة اتجاهات متباينة، إذ نجد السلطات المتبقية بموجب المادة ( 115 ) من الدستور، قد أصبحت من صلاحية الأقاليم الفيدرالية المكونة للاتحاد الفيدرالي العراقي، كما أصبح أيّ تنازعٍ في الصلاحيات المشتركة، تكون الأولوية فيه لقانون الأقاليم الفيدرالية، والمآخذ على هذه المادة كالآتي:
كان المفروض جعل السلطات المتبقية من صلاحية الحكومة الاتحادية، لأنّ كما أشرنا في بداية هذه الورقة التأطير الدستوري للفيدرالية في الدول التي تتحول حديثًا من المركزية باتجاه الحكم اللامركزي ثم الفيدرالي كانت تترك هذه السلطات بيد الحكومة الاتحادية، كما هو الحال في دساتير كندا، وبلجيكا، والهند، بعكس الحالة في الدول التي نشأت من تجميع لوحدات مستقلة بشكل مسبق، ولايمكن المحاججة بإقليم كردستان، لأن هذا الإقليم ساهمت ظروفٌ مختلفةٌ بإنشائه ولا يمكن اعتباره وحدةً مستقلةً عن الكيان القانوني للعراق.
انطلاقا من الأسس نفسها الموجودة في الفقرة أعلاه نجد أن جَعْل الأولوية في حال التنازع في الصلاحيات لصالح قانون الأقاليم هو أمرٌ غيرُ معمولٍ به في الدول الفيدرالية المشابهة للحالة العراقية، باستثناءاتٍ قليلةٍ، كما هو الحال في ما يتعلق بمعاشات الشيخوخة في الدستور الكندي، حيث جعلت الأ ل ووية فيه لصالح ق ا ونين المقاطعات، فلماذا تركت القاعدة وأخذنا بالاستثناء في الدستور العراقي، على الرغم من أن ذلك قد يسبب مشاكل مستقبلية نظرًا لخطورة الاختصاصات المشتركة وأهميتها ؟(1).
إن الاتحاد الفيدرالي العراقي، يتسم بنوعٍ من الفرادة، قياسًا لبقية الاتحادات، للظروف الخاصة التي اكتنفت نشوءه، والعجلة الواضحة في تأطيره الدستوري، ولو أنّ بعض الباحثين يرون أنّ وجود نصٍّ دستوريٍّ متقدمٍ على واقعه خيرًا من انعدام النصّ في
1) خالد عليوي العرداوي،توزيع الاختصاصات والمسؤوليات في النظم الفيدرالية والواقع الدستوري العراق، بحث متوافر على الرابط الالكتروني: http: www.iraqmemory.org
الدستور، وهو رأيٌ يجب عدم الانتقاص منه وترك المستقبل للحكم على صحته.
توزع السلطة القضائية بين السلطات المركزية والحكومات الإقليمية وتراقب من قبل سلطة قضائية عليا. وتتمتع السلطة القضائية بالسلطة الدستورية لاتخاذ قراراتٍ ملزمةٍ حول صحة التشريع وإجراءات الحكومة، أو عندما يكون هناك تضارب بين قوانين الحكومات المركزية والإقليمية(1).
هناك من يرى أن الدستور العراقي لعام 2005 احتوى على أخطاءٍ دستوريةٍ كارثيةٍ، خاصّةً في ما يتعلق بمفهومي اللامركزية الإدارية والسياسية، وتوزيع الاختصاصات بين الحكومة الاتحادية والأقاليم والمجالس المحلية للمحافظات، ليؤسس لمشاكل جديدةٍ تضاف إلى مشاكل العراق وأزماته كتنازع المؤسّسات، وتعطيل تشريع القوانين وتناقضِ بعضها مع بعض؛ ليترك المجال للتنافس السياسي أن يأخذ مسارات أخرى بعيداً عن الآليات والوسائل الشرعية والديمقراطية(2).
1) Michelle Evans, Rethinking the Federal Balance: How Federal Theory Supports States Rights. The Western Australian Jurist, 2010, Vol. 1, pp. 19.
2) مجاهد هاشم الطائي، مصدر سابق، متوفر على الرابط الالكتروني: https://idraksy.net/wp-content/uploads/2016/03/Iraqi-betweenfederalism- and-decentralization.pdf
ثانيًا- الفيدرالية والفيدرالية الثنائية
تنظر الفيدرالية االثنائية إلى النظام الفيدرالي كطبقةٍ من «طبقة الكيك »، مع كلّ طبقةٍ من مهام الحكومة تعبر عن المعنى الأدقّ لهذا المستوى. يعكس التأطير والتصديق الأولي للدستور هذه النظرية. حتى هؤلاء الناس الذين يدعمون حكومةً وطنيةً أقوى اقترحوا بأن تكون القوى في الحكومة الاتحادية منفصلةً ومحدودةً، مع بعض المهام المنصوص عليها بالنسبة للحكومة الوطنية في الدستور والمهام المتبقية غادرت إلى الحكومة الدولة. ولأن هذه النظرية تترك كل حكومةٍ عليا داخل مجال عملياتها، فإنّها تسمى أحيانًا بالسيادة المزدوجة(1).
إحدى أكثر الثمرات تطرفاً في هذه النظرية هي فكرة «حقوق الولايات » التي تحمل ذلك، لأنه لم يسمح للحكومة الوطنية انتهاك المجال المتروك لحكومة الولاية، وبذلك خالف الحقوق الدستورية للولايات (وخاصة التعديل العاشر، الذي يحتفظ على وجه التحديد بسلطاتٍ غير منوطةٍ بالولايات). يمثل عمل الحكومة الفيدرالية في هذه المجالات استيلاءً غيرَ قانونيٍّ على السلطة من قبل مستوى واحد في الحكومة على حساب مستوىً آخر. وقد تم تعميم وجهة النظر هذه تاريخياً في الجنوب، حيث نظرت إليها الحكومات الوطنية في مجال العلاقات بين الأعراق، ولكن تم الاحتجاج بها في مكان آخر أيضاً(2).
إن ازدواج السلطات العامة في الدولة الاتحادية يؤدي إلى تداخل الاختصاصات بين الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات،
ما يؤدي إلى حصول منازعاتٍ عديدةٍ بينهما، لأنّ أسلوب توزيع الاختصاصات ومهما كان دقيقاً فإنّه لا يستطيع أن يحلّ هذه المسألة بصورةٍ نهائيةٍ(1).
كما أنّها تؤدي إلى زيادة النفقات التشغيلية، إذ إنّ وجود مستوياتٍ متعدّدةٍ للحكم أمرٌ مكلِفٌ، لأن وجود مزيدٍ من المؤسّسات العامة يعني مزيداً من نفقات المكاتب والموظفين والرواتب والعلاوات، وتلبية تلك النفقات تلقي أعباءً ثقيلةً على الخزينة في البلدان الأقلّ نمواً اقتصادياً.
ومن أمثلة ذلك الخلافات المتعدّدة بين حكومة الاتحاد وحكومات الولايات في الولايات المتحدة الأميركية، كالخلاف حول تنظيم خطوط السكك الحديد وقضايا التلغراف والهاتف، غير أنّ وجود القضاء الاتحادي ممثلاً بالمحكمة العليا والمحاكم الاتحادية الأخرى يحسم هذه الخلافات، وبمرور الوقت واستقرار النظام تتضح الأمور وتقلّ الخلافات(2).
على سبيل المثال، يتم توزيع الاختصاصات بين الهيئات الفيدرالية وهيئات الولايات في الولايات المتحدة الأميركية وفق نصوصٍ دستوريّةٍ صريحةٍ لتحقيق التعاون والانسجام بين الطرفين، ولكن- ووفقاً لطبائع الأشياء- يحتمل حدوث منازعاتٍ بين الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات، أو بين بعضها البعض، أو بين أفرادٍ ينتمون إلى عدّة ولايات. وهذه المسائل القانونية وغيرها من الأمور القضائية تحتم وجود نظامٍ قضائيٍّ ذي طابعٍ خاصٍّ تمثله هيئة قضائية فيدرالية تشمل الدولة كلها، وتكفل الحدود الفاصلة بين الحكومة
المركزية وحكومات الولايات أو بين الولايات بعضها البعض، وتحدّد مجالات نشاطها، تحسم النزاع الحاصل بين الأفراد الذين ينتمون إلى ولاياتٍ مختلفةٍ، مما يلزم أن توجد محكمةٌ فيدراليّةٌ عليا للقيام بهذه المهمة وهي ليست أداة في يد الحكومة الفيدرالية تستخدمها لتقوية سلطاتها، أو توسيع اختصاصاتها، وإنما هي هيئةٌ دستوريةٌ مستقلةٌ عن كلٍّ من الحكومة الفيدرالية والولايات، وتسعى إلى تحقيق التوازن والحفاظ عليه بينهما بما يكفل تحقيق الأهداف الذي تبناه الدستور الفيدرالي(1).
ولكي تعد المحكمة الفيدرالية العليا هيئةً محايدةً ومستقلةً فلا بدّ أن يتوفر شرطان كحدٍّ أدنى في تنظيمها، الأول: الاستقلالية عن أيّ تأثيرٍ على المحكمة من أيّ مستوى من مستويات الحكم (الولايات أو الحكومة الفيدرالية، والثاني: التمثيل النسبي في عضوية المحكمة، حيث تؤثر مسألة اختيار قضاة المحكمة على استقلاليتها حيث يتم تعيين قضاة المحكمة العليا في الولايات المتحدة من قبل رئيس الجمهورية بالاشتراك مع مجلس الشيوخ وينص الدستور في كلّ من كندا وأستراليا على أنّ سلطة تعيين قضاة المحكمة العليا الفيدرالية هي من صلاحيّةٍ حصريّةٍ لحكومة الفيدرالية، مع ذلك يجرى العمل على استشارة حكومات الولايات في هذا المجال، كذلك يحتفظ الدستور الهندي والماليزي بحقال حكومة الفيدرالية دون غيرها بتعيين قضاة المحكمة العليا غير أنها تستشير هيئاتٍ معينة قبل القيام بهذه التعيينات(2).
ولعلّ المشكلة لدى إعتماد الفيدرالية الثنائية، تتمثل بمن يحدّد أين ينتهي المستوى الأول ويبدأ المستوى التالي. قبل الحرب الأهلية، قالت بعض الأصوات، لحماية حقوقهم، فهل يمكن للولايات الانفصال من الاتحاد أو الإعلان عن قانونٍ وطنيٍّ الذي يؤثر فيهم بالإلغاء أوالبطلان ولكن هذه الحجج لم تعد تؤخذ على محمل الجد. بدلاً من ذلك، تحل المحكمة العليا في الولايات المتحدة النزاعات داخل الهيكل الفيدرالي، ولأن المحكمة هي مؤسسةٌ وطنيةٌ، فإنها نادراً ما تفضل الولايات(1).
ثالثًا- الفيدرالية والفدرلة بالتفويض
هو آلية تجعل السلطة لا مركزية دون اقتسام السيادة. وجوهر التفويض هو أن المستوى المركزي (كالبرلمان الوطني) يُنشِئ مؤسسات لا مركزية (كالبرلمان الإقليمي أو الجمعية الإقليمية)، ويقرر طبيعة ما يفوَض إلى تلك المؤسّسات من صلاحيات ومداها. ويمكن من حيث المبدأ، إن لم يكن ذلك سهلاً دائماً عملياً، إبطال أو إلغاء سلطات المؤسّسات المفوَضة أو تغيير ترتيباتها المؤسّسيّة بموجب قرارٍ فرديٍّ للسلطة التشريعية المركزية.
والتفويض ترتيبٌ مرنٌ يمكن أن يتغلب على بعض الصعوبات المترافقة مع الفيدرالية. وهو لا يقتضي بالضرورة وجود دستورٍ صارمٍ أو إجراء مراجعة قضائية قوية، لأن معظم الخلافات بين المركز والمناطق المفوضة يمكن في النهاية حلّها بالمفاوضات السياسية، لا بقراراتٍ قضائيةٍ.
وعلى أي حال، تعني هذه المرونة أن التفويض يتوقف على
1) Concepts of Federalism, CliffsNotes study guides, op.cit.
درجة عالية من الثقة والإرادة الطيبة، لأنه إذا لم تثق الوحدات المحلية بالسلطة التشريعية الوطنية لحماية مصالحها وحكمها الذاتي بوسائل سياسية، فلن تغدو الضمانات التي يؤمِّنها التفويض للمناطق المفوَّضة كافية(1).
تشير النتيجة الأساسية للبحوث ذات الصلة، إلى أنّ الفيدرالية لا يمكن أن تغدو شكلاً من أشكال الحكم المستقر والفعال إلا في ديمقراطياتٍ راسخةٍ والعكس صحيح، فالفيدرالية في سياق غير ديمقراطيٍّ ليست في نهاية المطاف سوى شكلٍ غير مستقرٍّ، يسير منطقياً إما نحو التفكك الإقليمي أو نحو أن يصبح مجرد شكلية دستورية(2)، واستناداً إلى بحثٍ أجراه ميخائيل فيليبوف وأولغا شفيتسوفا يستدعي نجاح الفيدرالية وجود مؤسسات ديمقراطية ونظام قضائي يعملان جيداً، وأحزاب سياسية وطنية موحدة وحوافز انتخابية ملائمة تخلقها المنافسة السياسية الديمقراطية(3).
وكانت الولايات المتحدة في ظل وثائق الكونفيدرالية [1781 – 1789 ]، في البداية اتحاداً فضفاضاً من هذا القبيل، ولم تكن للكونغرس قدرةٌ مباشرة على فرض الضرائب، إذ اعتمد على حكومات الولايات لتنفيذ قراراته. ورداً على تلك النواقص، أنشأ الدستور الأميركي نوعاً جديداً من الفيد ا رلية تمكنت من صياغة
1) الفيدرالية، المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية، مصدر سابق، متوفر على الرابط الالكتروني: https://www.idea.int/publications/catalogue/federalism?lang=ar
2) المصدر نفسه.
3) Mikhail Filippov, Peter Ordeshook and Olga Shvetsova ,Designing Federalism: A Theory of Self Sustainable Federal Institutions, ( Cambridg e: Cambridge UniversityPress, 2004),p.181.
اتحاد أكثر تماسكاً، ظل يحترم الحقوق المحفوظة للولايات في كثيرٍ من الأمور المحلية. ولم يكن هذا الدستور الجديد الذي سُنّ بإسم «نحن شعب » لا «نحن شعوب » اتفاقية بين ولاياتٍ ذات سيادةٍ، بل القانون التأسيسي أو الأساسي لدولةٍ فيدراليةٍ جديدةٍ مركبةٍ. ولم تستمد الحكومة الفيدرالية سلطاتها من الولايات، بل من الشعب الأميركي برمته.
وبموجب الدستور، يخضع مواطنو الولايات المتحدة لسلطتين متداخلتين هما الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات، ولكل منهما سلطته التشريعية المباشرة على مجالات محددة دستورياً، وقد أنشأ ذلك النموذج الذي استمدت منه جميع الأنظمة الفيدرالية اللاحقة (على نحو مباشر أو غير مباشر).
ومن خلال الموجات المتعاقبة للتحول نحو الديمقراطية، انتشرت الفيدرالية في جميع أرجاء المعمورة في الديمقراطيات الناشئة والراسخة، وفي اختصاصات القانون العرفي والمدني، وفي بلدان تحكمها سلطات تنفيذية رئاسية أو شبه رئاسية أو برلمانية، وفي كل قارة مأهولة، كما ازداد استخدام الدول لها في جعل السلطة لا مركزية، لتصبح بذلك أداة للمحافظة على البلد الكبير أو المتنوع موحداً في مواجهة الضغوط الاستقلالية أو الانفصالية.(1)
1) الفيدرالية، المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية، مصدر سابق، متوفر على الرابط الالكتروني: https://www.idea.int/publications/catalogue/federalism?lang=ar
المبحث الثالث: الفيدرالية والحكومة والدستور
أولً- الفيدرالية والدستور الاتحادي
يحتل الدستور الاتحادي مكانةً كبيرةً وهامّة لدى دراسة الدولة الفيدرالية؛ لأنّه هو الأساس القانوني الذي تقوم عليه الدولة الفيدرالية، إذ لولا الدستور الفيدرالي لما كان هناك شيء اسمه(الدولة الفيدرالية)، وأن الدستور الاتحادي هو الذي يحدد اختصاصات الحكومة الفيدرالية من حيث الأعمال والمهام المناطة بها سواءً على الصعيد الداخلي أم في الميدان الخارجي، وكذلك يحدد اختصاصات ومهام حكومات الدويلات المكونة للدولة الفيدرالية.
في الفيدرالية، هنالك نظرية معينة، أو نظريات متعددة تدعم السياسات الدستورية. فظاهرياً تشير الفيدرالية دائماً إلى الجانب الدستوري. وبالمثل، فإن موقف الفرد الدستوري هو مؤشرٌ قويٌّ على مفهومه للفيدرالية، أي إنّ الطريقة التي يتصور فيها الفرد، أو الحكومة، أو المؤسّسة، الفيدرالية، أو الاتحاد الفيدرالي، لها تأثير على السياسة الدستورية في أن موقف الفرد من الفيدرالية يترجم إلى موقفٍ دستوريٍّ. لهذا السبب، يصبح فهم المفاهيم والأنماط الفيدرالية وأنواع الفيدرالية(1)
Federalism as a political ideology and system of government: the theoretical perspectives, op.cit, p. 53.
مهمة لفهم الدستور(2).1) اليوم، هناك تسعة أنواع من الفيدرالية، هي: 1) الاتحاد الكونفدرالي. 2)الفيدرالية المتماثلة. 3) الفيدرالية غير المتماثلة. 4) الفيدرالية المزدوجة / طبقة الكعكة. 5)الفيدرالية التعاونية / كعكة الرخام الفيدرالية. 6) الفيدرالية المالية. 7) شبه الفيدرالية. 8) الفيدرالية التنافسية. 9) الفيدرالية الإبداعية. أنظر:
2) General definitions of federalism - Canadian Political, op.cit.
إن دساتير الدول الفيدرالية، هي دساتيرٌ مكتوبةٌ إذ لا توجد حتى الآن دولة فيدرالية ذات دستورٍ عرفيٍّ، إلا أنّ هذا لا يمنع من قيام دولةٍ فيدراليّةٍ ويكون دستورها عرفياً، كأن تتحول دولةٌ بسيطةٌ ذاتُ (دستورٍ عرفيٍّ كالمملكة المتحدة البريطانية إلى دولةٍ فيدراليةٍ).
وبهذا الخصوص يذهب الفقيه «ويير» (Wheare) إلى أن وجود اتفاق يتمخض عنه ولادة دولة فيدرالية هو من الأهمية إلى درجة أن يُعهد بكتابته، وإن لم يكن ذلك ضرورياً من الناحية النظرية، إلا أنّ ذلك مطلوب من الناحية العملية(1).
وإذا ما أخذنا الحالة العراقية مثالاً، فقد ورد نصًّا صريحًا في المادة ( 120 ) من دستور العراق لعام 2005 على: «أن يقوم الإقليم بوضع دستور له....على ألاّ يتعارض مع هذا الدستور ». وإلى جانب قيد عدم مخالفة دستورالإقليم أو الولاية للدستور الفيدرالي، فإنّ كلّ تعديلٍ يجري في الدستور الفيدرالي يتطلب أن تقوم السلطات التأسيسية في هذه الولايات بإجراء التعديلات في دساتيرها لكي تكون متفقةً مع أحكام التعديل الجديد(2).
وفي العراق فإن الإقليم وفقًا للباب الخامس من الدستور العراقي الدائم لعام 2005 بممارسة السلطات الآتية:
1 - يقوم الإقليم بوضع دستور له، يحدّد هيكل سلطات الإقليم، وصلاحياته، وآليات ممارسة تلك الصلاحيات، على ألاّ يتعارض مع هذا الدستور.
2 - لسلطات الأقاليم الحقّ في ممارسة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وفقًا لإحكام هذا الدستور، باستثناء ما ورد فيه من اختصاصاتٍ حصريةٍ للسلطات الاتحادية.
3 - تخصص للأقاليم والمحافظات حصّة عادلة من الإيرادات المحصلة اتحاديًا، تكفي للقيام بأعبائها ومسؤولياتها، مع الأخذ بعين الاعتبار مواردها وحاجاتها، ونسبة السكان فيها.
4 - تختص حكومة الإقليم بكل ما تتطلبه إدارة الإقليم، وبوجهٍ خاصٍّ إنشاء وتنظيم قوى الأمن الداخلي للإقليم كالشرطة والأمن وحرس الإقليم(1).
ويلاحظ أن مشروع دستور إقليم كردستان العراق يعطي للإقليم الحق بعقد اتفاقيات مع حكومات، وأقاليم الدول الأجنبية في الاختصاصات التي تخرج عن الصلاحيات الحصرية للحكومة الفيدرالية.
ثانيًا- الفيدرالية والحكومة
كما سبقت الإشارة إليه، فإنّ الفيدرالية هي فكرةٌ موجودةٌ منذ القدم، إلا أنّها كحكومةٍ، بدأت تتبلور بعد الإصلاح البروتستانتي الذي دافع عنه الألمانيان، (مارتن لوثر وجون كالفن) في القرن السادس عشر في أوروبا، ثم في القرنين السابع عشر والثامن عشر، ولا سيما إبان حقبة الثورة الصناعية وعصر التنوير عندما قدّم الفلاسفة والمنظرون السياسيون(توماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو صاحب نظرية العقد الاجتماعي) تعريفات ومفاهيم لأصل الدول، في وقتٍ تميز فيه القرن السابع عشر في تاريخ العالم
1) عبد المنعم أحمد أبو طبيخ، مصدر سابق، ص 32 .
بعددٍ من الأحداث التي غيرّت كثيرًا في مجال السياسة العالمية عما كانت عليه من قبل، إذ ظهرت في العصر الحديث ككياناتٍ ذاتِ سيادةٍ وكفاعلٍ رئيسيٍّ في النظام الدولي، وعلى وجه التحديد في 24 أكتوبر 1648 ، تم في وسط أوروبا، التوقيع على معاهدة وستفاليا في مونستر وأوسنابروك (ألمانيا الحالية)، والتي وضعت حدًا لحرب الثلاثين عامًا ( 1618 - 1648 ) بين الروم الكاثوليك والبروتستانت الذين حوّلوا أوروبا إلى مسرح للحرب (تلك التي بدأت عندما كان الملك فرديناند الثاني من بوهيميا يروم إلى فرض المذهب الكاثوليكي الروماني كدينٍ وحيدٍ في الإمبراطورية الرومانية المقدسة تحت سلالة هابسبورغ)(1).
في القرن الثامن عشر، قام الفلاسفة السياسيون الفرنسيون بارون دي مونتسكيو (1689 - 1755 ) في كتابه روح القوانين( L’es prit des Lois)(1748 ) وجان جاك روسو (1778 - 1712) في العقد الاجتماعي ( contra du sociale)( 1762 ) بدورٍ مؤثرٍ في انضاج فكرة الفيدرالية، ولا سيما خلال الثورة الفرنسية ( 1789 - 1799 )، في حين أن إليزار( Daniel J. Elazar )، ونورمان (Norman ) ساهما في تطوير الفيدرالية كنظامٍ للحكومة في ما بعد، إذ دعا مونتسكيو إلى (جمهورية كونفدرالية) وفصل السلطة بين الأذرع الثلاثة للحكومة (السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية) من أجل الحؤول دون بروز الاستبداد والطغيان، في حين طرح روسو في نظرية العقد الاجتماعي حجته بأن الدولة هي صياغةُ اتفاقٍ بين حكومةٍ وشعبٍ ذي سيادةٍ شعبيةٍ. ومن ثم، كانت الحكومة تحتفظ بالسلطة من أجل
1) «الفدرالية»، الموسوعة العربية الحرة «المعرفة »، مصدر سابق: https://www.marefa.org/
تعزيز الإرادة العامة للشعب، وقد ساهمت كتابات هؤلاء المفكرين السياسيين بشكلٍ كبيرٍ في التفكير السياسي الذي ذهب إلى تصميم البنية الفيدرالية(1).
ومن الجدير بالذكر، أن أحد المفكرين السياسيين البارزين ورجل الدولة (جون سي كالهون) الذي ساهم في تطوير الفيدرالية كنظامٍ للحكومة هو الذي جاء بفكرة «الأكثرية أو الأغلبية المتزامنة ،»
إذ كان المقصود بها حماية حرية الأقليات من الأغلبية في الولايات المتحدة، وقبل وفاته في عام 1850 ، خاض جون كالهون، الذي عاش في حقبة ما قبل الحرب الأهلية في الولايات المتحدة، صراعًا ضدّ التعدّي على حقوق وصلاحيات الدول المكونة، كما تم توضيحها في الدستور الفيدرالي الأميركي من قبل الحكومة المركزية والتي شكلت بالتالي تهديداً بالازدواج بين دول الشمال والجنوب، وبحلول عام 1863 ، قام الفيلسوف السياسي الفرنسي ووسيط الأناركية (بيير جوزيف برودون)، بالتنبؤ بأن القرن العشرين «سيفتح عصر الاتحادات الفيدرالية، وإلا ستخضع الإنسانية لتطهير آخر لألف عام. وعلى الرغم من أن (هارولد لاسكي) خرج ليقول كتابياً أن «عهد الفيدرالية قد انتهى »، في حين أكد (وليام ريكر)، وهو من أهم منظري الفيدرالية الذي عاش أيضاً في القرن العشرين، وبعد سنوات من إعلانه «هذا هو عصر الفيدرالية »، وقد جاء ريكر إلى هذا الاستنتاج، لأنه في عام 1964 ، حُكِمت أكثر من نصف كتلة اليابسة في العالم من حكومات تصف نفسها بأنها فيدرالية.(2)
وبالمثل، حدد أ. ليجبارت ( 1985 ) خمس سمات رئيسية للفيدرالية كنظام للحكومة. هذه السمات هي:
( 1) دستورٌ مكتوبٌ يحدّد تقسيم السلطة والضمانات لكلٍّ من الحكومات المركزية والإقليمية التي لا يمكن سحب سلطاتها المخصّصة لها.
( 2) مجلسٌ تشريعيٌّ مؤلفٌ من مجلسين يمثل فيه أحد المجلسين عموماً والآخر الوحدات المكونة للاتحاد.
( 3) الإفراط في تمثيل الوحدات المكونة للاتحاد الأصغر في الغرفة الفيدرالية للهيئة التشريعية ذات المجلسين.
( 4) حق الوحدات المكونة للاتحاد في المشاركة في عملية تعديل الدستور الفيدرالي ولكن بإمكانها تغيير دساتيرها من جانب واحد.
( 5) الحكومة تكون غير ﻣرﮐز ﺔﯾ، أي حصة الحكومة الإقليمية ﻓﻲ الاتحاد الفيدرالي كبيرة نسبيًا ﺎﻘﻣر ﺔﻧ بحكومة الإقليم ﻓﻲ اﻟو ﺎﯾﻻت المتحدة(1).
مما تقدم، وبعد أن قدمنا عرضًا من أجل توضيح بعض الالتباسات بين الفيدرالية وعددٍ من المفاهيم المقاربة لها، يبدو لنا بأنّ مفهوم الفيدرالية يتصف بالغموض في الدراسات الدستورية والسياسية، وقد يرجع ذلك إلى أن هذا المفهوم مرتبطٌ بالنظام
1) Daniel J. Elazar, “Viewing Federalism as Grand Design”, Political Philosophers and the Federal Principle. The university Press of America, 1987, p. 6
السياسي والسلطة والديمقراطية والتمثيل السياسي وتقرير المصير، لذلك يبقى دائمًا معرضًا لسوء الفهم والتطبيق، والذي يزيد في هذا الغموض أن الفيدرالية، كما ذهب إلى ذلك(ديفيد.ج. بودنهايمر)، هي عملية دينامية متحركة بصورةٍ متواصلةٍ وتلقائيةٍ، ولذلك ليست الفيدرالية بالضرورة أن تكون على نمطٍ واحدٍ بحيث لاتتبدل بمرور الزمن وبتغيير المكان، ولكنها تخضع للتطور والتجديد المستمر بما يتناسب مع ظروف المكان والزمان ومقتضيات التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والتكنولوجي القائمة في البلدان التي نشأت فيها.(1)
المبحث الرابع: الفيدرالية والأيديولوجية والديمقراطية
أولً- الفيدرالية والأيديولوجية
لدى الحديث عن ماهية الأيديولوجية وعلاقتها بالفيدرالية، نجد أن قبل وبعد زمن سقراط وأفلاطون وأرسطو، كانت الأفكار السياسية موجودة. ومع ذلك، فإن علم الأفكار لم يبدأ حتى عصر التنوير في القرنين السابع عشر والثامن عشر. أما في ما يتعلق بأصل مصطلح الإيديولوجيا ( ideo )، فهو من أصلٍ يونانيٍّ ويعني «فكرة »(logy)، أي «دراسة »، في حين تم صياغة الكلمة الفرنسية (idéologie) في عام 1796 من الفيلسوف السياسي الفرنسي أنطوان لويس كلود ديستوت، كومت دو تريسي ( 1754 - 1836 ) في خضم الثورة الفرنسية ( 1789 - 1799 )(2).
1) ديفيد بردنهايمر، دراسة الفيدرالية والديمقراطية، مجلة الاسلام والديمقراطية، منظمة الاسلام والديمقراطية،العدد 6، متوفر على الرابط الالكتروني: http:www.demoislam.com
2) Liliane Maury, «Une philosophie pour la république: l’Idéologie», Bibnum, Sciences humaines et sociales, mis en ligne le 01 avril 2013, consulté le 03 février 2019. URL : http://journals.openedition.org/bibnum/880
في حين لم يأت أحد بتعريفٍ واحد وافٍ للأيديولوجية، ولا يعود ذلك إلى أن مصطلح «الأيديولوجيا » له مجموعةٌ كاملةٌ من المعاني المفيدة، لا تتوافق جميعها مع بعضها البعض. إن محاولة هذه المعاني في تعريفٍ واحدٍ شاملٍ لن تكون مفيدةً حتى إذا كان ذلك ممكناً(1). ومع ذلك، سيتم النظر في المعاني المختلفة المعطاة حتى الآن لهذا المفهوم. فوفقًا ل(أم.سيلجير) (،M. Seliger)فإن الأيدلوجية هي: «مجموعة من الأفكار التي يفرضها الرجال ويفسرون ويبررون غايات ووسائل العمل الاجتماعي المنظم، وبالتحديد العمل السياسي، بغض النظر عما إذا كان هذا الإجراء يهدف إلى الحفاظ على أو تعديل أو اجتثاث جذور أو إعادة بناء معطى اجتماعياً ».(2)
وبالنسبة إلى (م. هاملتون)، فإن الأيدلوجية هي «نظامٌ للأفكار المعيارية ا ولمعتقدات المعنوية المعروفة بشكلٍ جماعي، التي تدافع عن نمط معين من العلاقات والترتيبات الاجتماعية، و / أو تهدف إلى تبرير نمط معين من السلوك، الذي يسعى مؤيدوه إلى تعزيزه، وتحقيقه، ومتابعته أو المحافظة عليه ».(3)
الفيدرالية، وفقاً ل «توند بابأول» (Tunde Babawale)(4)، تشير إلى «العقيدة التي تدعو وتشجع على شكل تنظيم دولة تكون فيها
1) Terry Eagleton , Ideology: An Introduction, (London: verso, 1991), p.10.
2) Martin Seliger, Ideology and Politics ( London: George Allen and Un win, 1976), p.11.
3) Alexander Hamilton, James Madison and John Jay, op.cit, p. 38.
4) أستاذ الاقتصاد السياسي والعلاقات الدولية في قسم العلوم السياسية، جامعة لاغوس. تمتد مسيرته التعليمية على مدى 20 عاماً، حيث تغطي كلً من المستويات الجامعية والدراسات العليا.
السلطة مشتتة أو لا مركزية من خلال العقد كوسيلة لحماية الهويات المحلية والحريات الفردية ».(1)
هذا الأمر يخبرنا بأنّ الفيدرالية كمفهومٍ هي أيديولوجيا. وبعبارة أخرى، إنّها فكرةٌ بشأن تقاسم السلطة بين مستويات الحكومة في الاتحاد الفيدرالي، والعلاقات الحكومية الدولية )العلاقات الحكومية الدولية الرأسية نموذج القمة إلى القمة / الأعلى أو العلاقات الحكومية الدولية الأفقية( وكيفية قيام دولة اتحادية تنظيمها أو تنظيمها سياسياً. وبشكلٍ عام، فإنّ الأيديولوجيات هي «عبارة عن مجموعات من الأفكار والمفاهيم المربوطة بطريقة معيارية، بما في ذلك تمثيلات خاصة لعلاقات القوة. تساعد هذه الخرائط المفاهيمية الناس على استكشاف تعقيد تكوينهم السياسي وتحميلهم المطالبات بالحقيقة الاجتماعية. باختصار، إنها «مجموعة عادلة وشاملة ومتكاملة من الأفكار التي تشرح وتقيم الظروف الاجتماعية، وتساعد الناس على فهم مكانتهم في المجتمع وتوفر برنامجًا للعمل الاجتماعي والسياسي ».(2)
في حين يرى أكاديميون وعلماء أمثال (إمادي وإكهم ونووكو)، أن النظام الفيدرالي نظامًا سياسيًا أكثر منه أيديولوجيًا. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الفيدرالية هي في الواقع إيديولوجية حيث «يمكن أن تتخذ شكل دليل توجيهي علني للعمل، وهو فلسفي
1) Tunde. Babawale, Re-Inventing Federalism in Nigeria: Issues and Perspectives (Lagos: Friedrich Ebert Foundation and Produced by Malthouse Press Ltd, 2003), p.8.
2) T. Ball, & R.Dagger, Political ideologies and the Democratic Ideal (4th ed.(, )New York: Addison Wesley Longman, 2002).In: federalism as a political ideology and system of government: the theoretical perspectives, op.cit, p.5.
إلى حدّ أنه حكمٌ معياريٌّ على التنظيم المثالي للعلاقات الإنسانية والسلوك ».(1)
برز تصنيف طريقتين لفهم (الفيدرالية الأحادية الوطنية والمتعددة الجنسيات) من تجاور أفكار «باني غانيون» (Bani Ghanaian ) عن نوعين من الاتحادات ومقاصد كل منهما، وتحليل «لالاند »(Lalande) لكيفية استخدام أربع طرق لفهم التصورات المختلفة للفيدرالية. فمن خلال الجمع بين أفكار كل من الأكاديميين والتوسع فيها، يمكننا اكتشاف كيفية فهم المُنظّرين المختلفين لا فقط لمقاصد الفيدرالية والاتحاد الفيدرالي، ولكن أيضًا الالتزامات المرتبطة بها.
علاوة على ذلك، يتيح لنا هذا التوسّع والدمج تحليل كيفية فهم مفاهيم مثل (التنوع، والعدالة، والاستقرار، والنظام، وإعلام المفاهيم المختلفة للفدرالية)، وتحديد أولوياتها ضمن الفئتين(2).
«علی مدى سنوات عديدة، كانت هناك حجج بأن الفيدرالية توفر أفضل حكومة ممكنة لأمة ذات تفاوتٍ عرقيٍّ وإقليميٍّ. والفكرة العامة هي أن الحكومة الفيدرالية المركزية التي تحمي المصالح الوطنية والإقليمية هي الإدارة الأكرث استجابةً لدولةٍ تتميز بالتنوع العرقي والإقليمي(3)» . «إن فكرة
1) André Borges, The political consequences of center-led redistribution in Brazilian federalism: The fall of subnational party machines. Latin American Research Review, 2011, 46(3), pp 21- 22.
2) General definitions of federalism, Canadian Political, op.cit: https://www.cpsa-acsp.ca/papers-2005/Verrelli.pdf
3) A.Obydenkova, The Role of Asymmetrical Federalism in Ethnic- Territorial Conflicts in the Era of Democratization, the RF as a case study, European University Institute Badia Fiesolana, 50016 San Domenico di Fiesole Florence, Italy 2014,p.4.
الترتيب الفيدرالي ملائمة بشكل خاص لإدارة التنوع في النظام السياسي هي وجهة نظر شعبية في الأدبيات المتعلقة بالفيدرالية لدرجة أن بعض العل امء قد اعت ربوا ذلك بمثابة الم ربر الوحيد للفدرالية. إن الآليات المشهود من خلالها للفيدرالية تحقق هذه الأهداف هي ذات شقين، أولهما: تقاسم السلطة والكفاءات ب ني مستويات الحكومة، وثانيه ام: حماية الهوية والاستقلالية ضد الهيمنة ».(1)
إنّ أفكار الفيدرالية التي تنشأ مع مفهوم العلاقات بين الحكومات، تعود إلى الحضارة اليونانية عندما كانت الجهود المبذولة لوصف العلاقات القانونية بين الولايات المدن ».(2)
ولعلّ الفيدرالية تعكس أيديولوجية ثلاثة اتجاهات تعبئة مختلفة عى الأقل، هي التوجه المركزي، واللامركزي، والتوازن(3). فبالنسبة إلى المركزية في الفيدرالية، هي عندما تتركز السلطة في المركز. بالمقابل، يدعم اللامركزية نشر السلطة من المركز إلى الأقاليم، أي إن السلطة لا تتركز في المركز، بل تتشارك مع الوحدات المكونة لها. وأخرًا، فإن الفيدرالية كأيديولوجية تخدم أيضًا الغرض من تحقيق التوازن. وهو يحقق توازنًا بن الحكم الذاتي والحكم المشرك والوحدة والتنوع والقوى الطاردة المركزية والجاذبة
1) Bimbo sifeso, The Principle of Federal Character in Nigeria: Implication for Federal Stability, 2011: https://nigeriaworld.com/ articles/2011/apr/043.html
2) Federalism as a political ideology and system of government: the theoretical perspectives, op.cit, p. 9.
3) Preston King, Federalism and Federation, (London: Croom Helm, 1982), p.45.
المركزية من جهة، وبن السلطة والحكومات المركزية والإقليمية من جهة أخرى(1).
ثانيًا- الفيدرالية والديمقراطية
تستمد الفيدرالية دعمها في المواقف من الديمقراطية، التي تقوم على إرادة الاتفاق، وفكرة السلطة المشتركة والثقة المتبادلة، فمن الثوسيوس ( Althusius ) إلى مونتسكيو( Montesquieu )، مع جمهوريته الاتحادية ( république federative )، باعتبارها (مجتمع المجتمعات)، وفي كتاب روح القوانين ( L’Esprit des Lois ) ثم إلى ماديسون حيث الجوهر النفسي والاجتماعي والأخلاقي والسياسي للفيدرالية، تستمر أن تكون فكرة التعايش بين عدة دول أو ولايات داخل دولة واحدة أكبر، ومجتمعات متعددة داخل مجتمع سياسي أوسع(2).
وفي القرن التاسع عشر، نظر الفرنسي، «الكسيس دي توكفيل» [1805- 1859] (Alexis de Tocqueville )، في كتابه: «الديمقراطية في أميركا » الصادر عام ( 1835 )، في التفاعل المعقد بين الحرية والمساواة والديمقراطية الجماهيرية التي كان قد شاهدها مباشرة في المجتمع الأميركي الناشئ أوائل سنة 1830»(3).
والفيدرالية بحكم الواقع هي الديمقراطية، لذا فإن الأمم تشتري
1) Ibid, p.11.
2) “Ramón Máiz, beyond institutional design: the political culture of federalism (A normative approach)”, in book: Peter Lang & Alain Gagnon, Negotiating Diversity, Identiy, Pluralism and Democracy. Chapter: The Normative theory of federalism and the Idea of Nation, p.21.
3) Michel Burgess, Comparative Federalism: Theory and Practice, (London: Routledge, 2006), p.10.
الفكرة الفيدرالية لأنها ديمقراطية، وتشجع المشاركة السياسية وتمثيل الأشخاص المتنوعين الذين يشكلون اتحادًا على مستويات الحكومة المختلفة. فضلاً عن أن هنالك حجج رئيسية أخرى للفيدرالية تجعلها واعدة، وهي:
( 1) بناء الدولة
«الفيدرالية مفهومة بشكل أكثر إقناعاً بأنها تمرينٌ في بناء الدولة. فهي تخلق أمرين حكوميين، أحدهما يحكم المجتمعات الإقليمية، والآخر يحكم مخاوف الاتحاد بأكمله.
( 2) الوحدة في التنوع
«في العالم المعاصر، أصبحت الفيدرالية كفكرةٍ سياسيةٍ تزداد أهمية كطريقة للتوفيق السلمي بين الوحدة والتنوع داخل النظام السياسي» (Blindenbacher and Watts). وبعبارة أخرى، فإن الفيدرالية هي «شكل من أشكال الهيكل الحكومي والمؤسّسي الذي صممه » المهندسون المعماريون «السياسيون، للتعامل مع المهمة المزدوجة ولكن الصعبة المتمثلة في الحفاظ على الوحدة مع الحفاظ على التنوع في آن .»
( 3) إدارة الصراع
كما قال ج أجينيو ( J. Agnew ) بحق، فإن «الفيدرالية تساعد في إدارة الصراعات بين المجموعات التي قد تتحول إلى أعمال عنف، وتؤدي إلى انتشار الدول الصغيرة دون جدوى كبيرة »(1).
ولعل الحرية السلبية ومساءلة الديمقراطية في إطار الفيدرالية،
1) Federalism as a political ideology and system of government: the theoretical perspectives, op.cit, p. 53.
ترتكز على عدة جوانب لا بدّ من ذكرها هنا:
إنّ الفيدرالية قادرةٌ على حماية الحرية السلبية لأنها تترك مجموعات من الأفراد أحراراً في العيش كما يرون ذلك مناسباً بشأن كل ما يتعلق بمجالات السياسة العامة تحت سلطة الوحدات المكونة لها.
الفدرالية قادرةٌ على تعزيز المساءلة الديمقراطية، فمن خلال إنشاء حكومةٍ مركزيةٍ مشتركةٍ، تمنح الأفراد نفوذاً سياسياً على العمليات التشريعية التي تؤثر في حرياتهم، ولكنها قد تكون خارج نطاق نفوذهم.
تستطيع الفيدرالية دعم المساءلة الديمقراطية لأنها تعزز - بالوسائل الانتخابية والوسائل الإضافية- السياسة لتحفز الأفراد على العمليات التشريعية التي تؤثر فيهم.
تعزز الفيدرالية المساءلة الديمقراطية لأفقي التنافس الحكومي الدولي بين الوحدات المكونة لهم، وتجعل لديهم حافزًا لتنفيذ السياسة العامة التي تتوافق مع التفضيلات السياسية للأفراد(1).
1) Benjamin Herscovitch, a Liberal Theory of Federalism, a thesis submitted in partial fulfilment of the requirements for the degree of Doctor of Philosophy Department of Philosophy - Faculty of Arts and Social Sciences , University of Sydney , 17 December 2013,p.11.
المبحث الأول: نشأة الدولة الفيدرالية وإنتهاؤها
أولً- طرق نشأة الدولة الفيدرالية
تنشأ الدولة الفيدرالية من اتحاد دولتين أو عدد من الدول، تتنازل كلّ واحدةٍ منها عن بعض من سلطاتها الداخلية وعن سيادتها الخارجية ثم تتوحد ثانية لتتكون الدولة الفيدرالية على أساس الدستور الفيدرالي، ومن أمثلة ذلك (الولايات المتحدة الأميركية، وسويسرا، وألمانيا الفيدرالية، والإمارات العربية وغيرها)(1).
يكاد يتفق فقهاء القانون العام على أن الدولة الفيدرالية تنشأ بطريقتين لا ثالث لهما وهما (الانضمام والتفكك)، مع ذلك هناك من يرى بأن الدولة الفيدرالية يمكن أن تقوم بطريقة ثالثة أي بأسلوب الدمج بين هاتين الطريقتين معًا، ويستند في ذلك إلى كيفية نشأة كل من الدولتين الفيدراليتين الهند وكندا ويقول بأن “النمط الثالث هو مزيج بين المسارين (الانضمام والتفكك) وتعتبر كندا والهند المثالين الرئيسين على هذا النمط، فقد تضمنت عملية تكوين الفيدرالية الكندية التنازل عن السلطة المركزية في ما كان سابقًا مقاطعة واحدة منفردة، هي مقاطعة كندا لتكوين مقاطعتين جديدتين (أونتاريو وكيبيك) وإضافة مستعمرتين كانتا منفصلتين سابقًا
1) بموجب هذه الطريقة تنشأ الدولة الفيدرالية بانضمام اختياري بين دول مستقلة إلى بعضها،وأغلب الدول الفيدرالية نشأت بموجب هذه الطريقة، والسبب في ذلك قد يعود الى الوحدة القومية القائمة على أساس وحدة اللغة والتاريخ، أو أن بينهما مصالح مشتركة، اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية أو دفاعية، كما ان اختيار النظام الفيدرالي في هذه الحالة يعود إلى أن التنظيما لفيدرالي يسمح لكل ولاية (دولة) بالمحافظة على قدر من استقلاليتها الذاتية مع الاشتراك في سلطات الدولة الجديدة.
(نيوبرونزويك ونوفا سكوشا) باعتبارهما مقاطعتين في الفيدرالية الجديدة(1)
(Juliàn castro-rea et Frédéric boily ، Conservateur، sous la dir. de Julian Castro-Réa et Frédéric Boily، )Québec: Presses de l’Université Laval،2014).
.في حين أنّ الاتحاد الهندي الذي كان قد تأسس عن طريق دستور 1950 تنازل عن السلطة لولايات كانت في السابق مقاطعات، بالإضافة إلى ضم ولايات كانت منفصلة سابقًا ويحكمها أمراء، إلى الفيدرالية الجديدة(2).
وبشكلٍ عام، تُؤسس الفيدرالية بالطرق الآتية:
-عندما تختار الدول بالاتفاق طواعية أن تكون جزءاً مستقلاً من اتحاد فيدرالي دون أن تفقد هويتها مثل الولايات المتحدة الأميركية وسويسرا وأستراليا.
-اتحاد يتم إنشاؤه بواسطة «تعاقد مشترك » يشبه تلك التي تم تصنيفها آنفاً، وتلجأ إليه دول وحدوية متعددة الأعراق من أجل الحفاظ على وحدة البلاد كدولةٍ ديمقراطيّةٍ من خلال نقل السلطة من المركز إلى الأقاليم، كما في: إسبانيا ( 1978)، بلجيكا ( 1993 ).
1) قام ريجين بيلتير Réjean Pelletier بتقييم ما أسماه «الفيدرالية المفتوحة «في كندا، وهو نموذج جديد كليًا أعلن عنه منذ عام 2005 من قبل (ستيفن هاربر) بقصد تحسين العلاقات الفيدرالية- الإقليمية، وبعد متابعة مفصلة للإجراءات الملموسة من الحكومات الثلاث المحافظة الأخيرة في عدة مجالات من السياسة العامة، وصل بيليتيير إلى استنتاج بأن هذا العرض لم يعمل على تحقيق تحسن واضح في نوعية الفيدرالية الكندية. على عكس ذلك، يكتشف بيللييه أن أوتاوا قد انتقلت من الانفتاح إلى الأحادية في علاقاتها مع المقاطعات. المؤلف يشهد على إلانغلاق بدلاً من الانفتاح على المقاطعات، وقد سببت توجهات الانغلاق تداعيات على كيبيك. لذلك، لا يبدو أن هنالك رغبة لدى حكومة المحافظين في إقامة فيدرالية حقيقية من الانفتاح والتعاون. ينظر للتفاصيل:
2) عبد المنعم احمد أبو طبيخ، مصدر سابق، ص 18 .
في حين تنحصر طرق نشأة الاتحاد الفيدرالي في طريقتين أساسيتين نشأت بموجبها معظم الاتحادات الفيدرالية، الأولى تسمى «الفيدرالية بالاندماج »، والثانية تدعى (الفيدرالية بالتفكك)، وكما أدناه:
( 1) طريقة التجمع والانضمام
ويطلق عليها بالفرنسية ( Federalism par aggregation ou association )، أي «الفيدرالية بالتجمع أو الانضمام »، وبموجب هذه الطريقة تتفق عدة دول مستقلة بالانضمام إلى بعضها البعض وتُصدر دستوراً واحداً يحكمهما، تنشأ بموجبه دولةٌ جديدةٌ في المجتمع الدولي بدلاً من الدول المنظمة، وتتنازل كلّ دولةٍ داخلةٍ في الاتحاد عن بعض سلطاتها الداخلية وعن سيادتها الخارجية(2). وتعد هذه الطريقة الأكثر شيوعاً في تكوين ونشأة الدول الفيدرالية ويطلق عليها أيضًا (الاتحاد التظافري). يقول إيلودي فايبر: «قد تصبح أيّ دولةٍ فيدراليّةٍ أو إقليميّةٍ بطريقتين، إما
أن يجتمع عدد من الوحدات المستقلة لتشكيل دولة اتحادية أو إذا قرّرت دولة مركزية منح بعض السلطات للمناطق المكونة لها »(1).
أما الفيدرالية بالاندماج فيتم بموجبها انضمام عدة دولٍ مستقلةٍ إلى بعضها البعض نتيجةً لاتفاقٍ بينها بموجب الدستور الاتحادي، وتتكون من مجموعها الدول الفيدرالية، وهي الطريقة الغالبة وبموجبها نشأت الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفيتي السابق وكندا وأستراليا والإمارات العربية المتحدة وجنوب أفريقيا وغيرها(2).
والعوامل التي تدفع الدول إلى تكوين دولة فيدرالية متعددة ومتنوعة، قد تكون الرغبة في الاتحاد نتيجة لاتحاد تلك الدول في اللغة أو الدين أو العادات أو نتيجة لاتحاد مصالحها الاقتصادية، أو لشعورها بالحاجة إلى الاتحاد والقوة لمواجهة الخطر الخارجي الذي يواجهها، ولإيقاف مطامع الطامعين فيها، بالإضافة إلى ما في الاتحاد من زيادة في القوة وتنسيق المصالح وسعة النفوذ (3).
ومن الطبيعي أن تختلف هذه العوامل بين دول اتحادية وأخرى تبعاً لاختلاف ظروف الدول الداخلة في تكوينها من سياسية واجتماعية واقتصادية وغيرها. ومهما تكن الدوافع فإنّ أثرها يتمثل في إيجاد رغبةٍ بين الدول في أن تتحد اتحاداً لاينال من سيادتها إلا بالقدر الضروري لأغراض الاتحاد.
هاتان الطريقتان يسميها «ستين روكان وديريك أوروين »
بالفيدرالية العضوية والميكانيكية(1)، ولكن تعرف الطريقتان أيضًا باسم «التجميع » أو «التفصيل » الفيدرالي على التوالي وذلك من خلال التجميع، حيث الدول التي ترغب في تشكيل اتحاد، تتفق طواعية على الاتفاق بالإجماع على المعاهدة التي تحدّد رسميًا الفيدارلية، بعد التخلّ عن جزءٍ من سيادتها لحكومة المركز. فقد بقي تجمع ممثلي 13 مستعمرة بريطانية سابقة في فيلادلفيا، وبنسلفانيا، لصياغة دستور الولايات المتحدة الأميركية عام 1787والتصديق عليه كما تمت الإشارة إليه في موضعٍ سابقٍ من هذه الدراسة مثالاً تقليدياً على تجميع الاتحاد. إذ يعدّ الاتحاد الفدرالي مصنفاً بين البلدان التي تمارس نظام الحكومة الموحدة، ويحدث ذلك عندما تقوم دولةٌ موحدةٌ بتسليم جزءٍ من الصلاحيات من المركز إلى الوحدات المكونة. وفي أكثر الأحيان، يكون قرار القيام بذلك مستندًا إلى التهديد بالانفصال من قبل الحركات الانفصالية وإثارة جماعات الأقليات. بالنسبة إلى (الفريد ستيبان)، فإن الطرق التي ظهرت بها الفيدراليات لا تتعدى اثنتان، أو ثلاثة من حيث العدد، فهي تتلاقى معاً، أو «تأتي معاً » أو «تجتمع » معاً من أجل التمثيل لدى مقارنة المعنى والطريقة نفسيهما(2).
وفي العادة تلجأ الدول إلى هذا الاتحاد نتيجة التقارب الموجود بين شعوبها من الناحية الحضارية والتاريخية والثقافية، أو عندما تشعر هذه الدول أنها بحاجة إلى بعضها الآخر للدفاع وصدّ العدوان
1) Stein Rokkan & Derek W. Urwin, “Introduction: Center and Peripheries in Western Europe‟, in S. Rokkan and D.W. Urwin (Eds). The Politics of Territorial Identity: Studies in European Regionalism. (London: Sage Publications, 1982), p. 13.
2) Federalism as a political ideology and system of government: the theoretical perspectives, op.cit, p. 5.
الذي يأتي من الخارج، والحيلولة دون أن يبلغ الحد ومبتغاه منهم(1)، وبهذه الطريقة نشأت الولايات المتحدة الأميركية عام 1787 بعدما كان هناك اتحاد استقلالي بين ولاياتها الثلاثة عشر منذ عام 1776 لتتوحد جهودهم من أجل الاستقلال عن بريطانيا، ومن الأمثلة الأخرى التي نشأت بهذه الطريقة الاتحاد السويسري والألماني والأسترالي والكندي والجنوب الأفريقي(2).
( 2) طريقة التفكّك
يذهب بعض الكُتاب إلى وصف الطريقة الثانية من طرق تكوين الدولة الفيدرالية بتفكك دولة موحدة أو تقسيم دولة موحدة، وبموجبها تتحول دولةٌ موحدةٌ بسيطةٌ إلى النظام الفيدرالي بتخويل محافظاتها أو وحداتها المحلية قدراً من الاستقلال الداخلي لتصبح ولايات صغيرة في إطار الدولة ألام. وبهذه الطريقة قام النظام الفيدرالي في البرازيل، والأرجنتين، والمكسيك، وبلجيكا بموجب دستورها لعام 1993 (3).
وعلى الرغم من أنّ الاتحاد الفيدرالي يتشكّل وفقاً لهذه الطريقة، إلا أنّ هذه الدويلات المتفكّكة والمنضوية إليه تبدي الرغبة في أن تُبقي بينهما علاقة مميزة بحيث يؤدي ذلك إلى تكوين دولة فيدرالية تتمتع فيها الدويلات باستقلال نسبي لم تكن تتمتع به في ظل الدولة الموحدة(4).
1) إبراهيم عبد العزيز شيحا ومحمد رفعت عبدالوهاب، القانون الدستوري والنظم السياسية، (الإسكندرية: دار الفتح، 2001 )، ص 62
2) ماجد راغب الحلو، النظم السياسية والقانون الدستوري، (القاهرة: دار النهضة العربية، 2005 )، ص 21 .
3) زهدي يكن، مصدر سابق، ص 29 .
4) حميد الساعدي، مبادئ القانون الدستوري وتطور النظام السياسي في العراق، (الموصل: دار الحكمة، 1990 )، ص 47
ويصف البعض رغبة هذه الدويلات في الاستقلال الذاتي بأنه شكلٌ من أشكال الانفصال(1)، إلا أنه يتم توحيد هذه الكيانات بناءاً على الدستور الجديد الذي يتفق عليه الأعضاء لتتشكل بموجبه الدولة الفيدرالية(2).
ثانيًا- طرق انتهاء الفيدرالية
كما تنشأ الدول الفيدرالية وتبدأ بالتطور والنمو، فإنّها أحياناً تنتهي لأسبابٍ مختلفةٍ وبإحدى الطرق الآتية:
( 1) طريقة الانفصال أو الاتحاد
قد تنتهي الدولة الفيدرالية إما بانفصال الولايات عن بعضها البعض بحيث تصبح كلٌّ منها دولةً مستقلةً أو تتحول الدولة الفيدرالية إلى دولةٍ موحدةٍ بسيطةٍ وذلك بأن تتحول الكيانات الدستورية المتميزة إلى مجرد أقسام ووحدات إدارية وهذا ما يحدث عادة في الدولة الفيدرالية، أو قد تنتهي الدولة الفيدرالية بالأساليب العامة التي تنتهي بها الدول وفقًا للقانون الدولي العام(3).
كذلك قد ينتهي الاتحاد الفيدرالي عن طريق تحوله إلى اتحاد كونفيدرالي، فيذهب الكُتاب والمفكرون إلى أن هذا الاحتمال جائزٌ من الناحية النظرية وإن لم يحدث لغاية اليوم(4).
1) إبراهيم أبو خزام، اﻟوسيط ﻓﻲ ا ﻘﻟانون الدﺴﺘوري، ط 1، (بيروت، دار اﺎﺘﻜﻟب الجديد ا ﺤﺘﻟﻤدة، 2002 )، ص 241
2) محمد الهماوندي، الفيدرالية والديمقراطية للعراق، مصدر سابق، ص 185
3) إبراهيم عبد العز يز شيحا، النظم السياسية والقانون الدستوري، (الإسكندرية: منشاة المعارف، بلا سنة طبع)، ص 179
4) زهدي يكن، مصدر سابق، ص 129
ويرى جانب من الفقه أن هذا التحول ربما لن يحصل أبدا، وإن حدث ذلك فمن المستبعد أن يكون تحولاً رضائياً، وإنّا سيكون وليد العنف أو الثورة(1). وقد تنتهي الدولة الفيدرالية عن طريق انهيارها بالطرق التي يقرّرها القانون الدولي العام لانتهاء الدول(2).
( 2) طريقة التفكك
ولعلّ أهم العوامل التي تدفع الدولة الموحدة البسيطة للتحول إلى النظام الفيدرالي هو التغلب على خطر الانقسامات العرقية أو الدينية التي تموج بها وتضطرب بها الدولة.
ولكن الملاحظ هنا أن هذا الوصف غير دقيق، لأن الذي يحصل فعلاً هو إعادة توزيع السلطة السياسية بين الدولة الاتحادية وولاياتها لا تقسيم الدولة إلى دول عديدة(3)، فالدولة تبقى محتفظةً بشخصيتها الدولية وتستأثر وحدها بممارسة كامل السيادة الخارجية بالإضافة إلى جزءٍ من السيادة الداخلية. وهناك من يرى بأنّ معارضي الفيدرالية في العراق قد استغلوا هذا الوصف )التقسيم، والتفكك، والانفصال، وغيرها( لتشويه معنى الفيدرالية بالادعاء أنّ الفيدرالية تهدد وحدة العراق، وبأنها ليست سوى الخطوة الأولى نحو الانفصال، وبأنها رمزٌ من رموز تقسيم البلد. وقد كانت هذه هي الحجة الأساسية لمعارضي الفيدرالية على الرغم من أنها تبدو مجافيةً تماماً لحقيقة النظام الفيدرالي(4).
1) أنظر: رونالد. ل. واتس، مصدر سابق، ص 18
2) عثمان خليل، القانون الدستوري والنظم السياسية، ص 88
3) سعد عصفور، مصدر سابق، ص 256
4) عقيل محمد عبد وسليم نعيم محمد، «رؤية تحليلية لتوزيع الاختصاصات بين الحكومة المركزية والأقاليم الفدرالية في الدستور العراقي الدائم »، مجلة العلوم الاقتصادية، جامعة البصرة، السنة السادسة، العدد 23 ، كانون الثاني 2009 ، ص 102
ومن وجهة نظرنا، فإنّ هذا التحليل ربما يُعدّ مقبولً في بلدانٍ معينةٍ تختلف أوضاعها عن العراق، الذي لم تصل بعض قياداته إلى مرحلة فهم طبيعة الدولة الفيدلرالية كهدف للتوّحد لا وسيلة للانفصال.
3 - الطريقة المختلطة
وهذه الطريقة (يُطلق عليها الطريقة المختلطة) فهي تجمع بين الطريقتين السابقتين لتكون مزيجًا منهما. وتعدّ كندا والهند مثالين رئيسيين على هذه الطريقة -كما سبقت الإشارة إليه- في موضعٍ سابقٍ من هذه الدراسة(1).
كما يمكن أن تنفض الدولة الفيدرالية بأحد أسلوبين يقابلان الأسلوبين اللذين نشأت بهما الدولة الفيدرالية وهما: إما انفصال الولايات إلى دول مستقلة كما حدث في (تشيكوسلوفاكيا) التي تحولت إلى دولتين بسيطتين (هما جمهورية التشيك وسلوفاكيا)، أو بتحّول الدولة الفيدرالية إلى دولةٍ موحدةٍ بسيطةٍ تصبح فيها الولايات مجرد وحدات إدارية بعد أن كانت وحدات سياسية متميزة كما كان الشأن بالنسبة لألمانيا مابين عام 1934 وعام (2)1949 .
المبحث الثاني - مستويات الفيدرالية وتقييم فاعليتها
غالباً ما يطلب من السلطة القضائية في النظام الفيدرالي أن تحل الخلافات بين مختلف مستويات الحكم، وأن تصدر بيانات حول صلاحيات كلّ مستوى ومسؤولياته، ويلقي ذلك مسؤوليةً خاصّةً على عاتق المحكمة العليا أو الدستورية في قمة النظام القضائي،
والتي يجب أن تتمتع بسمعة لا يرقى إليها الشك باستقلاليتها ونزاهتها وكفاءتها. وفي البلدان التي تكون الفيدرالية فيها استجابة لتنوع ثقافي، قد يكون من الضروري ضمان تمثيل مختلف الجماعات في المحكمة أو مشاركتها المتوازنة في عملية التعيينات القضائية. ففي كندا مثلاً، يُعّين ثلث أعضاء المحكمة العليا من مقاطعة كيبيك.(1)
أولً- مستويات الفيدرالية
1 - مستويات الفيدرالية في الولايات المتحدة نموذجًا في الولايات المتحدة، وعلى الرغم من أن القيود والحدود المفروضة على الولايات، ينص التعديل العاشر للدستور على أن الولايات تحتفظ بكل السلطات التي لم تخول للحكومة الفيدرالية، فهو ينص على أن «السلطات التي لم يخولها الدستور ولم يمنعها، تحتفظ بها بالتالي الولايات أو الشعب ». وعليه فإن الولايات تتولى مسؤولية الأمور الآتية:
• تنظيم ملكية الممتلكات.
• تعليم السكان المقيمين.
• تنفيذ برامج المنافع الاجتماعية وتوزيع المساعدات.
• حماية الأهالي من الأخطار المحلية.
• المحافظة على نظام قضائي ولائي.
1) لمزيد من المعلومات عن تركيبة المحاكم العليا أو الدستورية. ينظر: الفيدرالية، المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية، مصدر سابق، متوفر على الرابط الالكتروني: https://www.idea.int/publications/catalogue/federalism?lang=ar
• إنشاء حكومات محلية.
• صيانة الطريق الولائية الرئيسية.
• ضمان إدراة الطرق المحلية.
• تنظيم الصناعات.
• جمع الأموال لتمويل النشاطات الولائية.
من أمثلة ذلك أن الأميركيين يحصلون على رخص قيادة السيارات من الولايات التي يقيمون فيها لا من الحكومة الفيدرالية( وكذلك بطاقة الهوية الشخصية لغير حاملي الرخص)، لذا أصبح اقتراح إصدار بطاقة هوية قومية للمواطنين في أنحاء البلاد مسألة موضع جدال. ثم إن الولايات هي التي تجري الانتخابات، وتطبق كلّ ولاية قواعدها وقوانينها الخاصة، وهكذا فإنّ غالبًا ما يندهش زوار الولايات المتحدة من البلدان الأخرى عندما يعلمون أن النشاطات والصلاحيات التي تمارس على الصعيد القومي في كثير من أنحاء العالم أمور تنظمها القوانين الولائية في الولايات المتحدة(1).
إن النظام الفيدرالي الديناميكي المتطور ضرورةٌ أساسيةٌ للديمقراطية في الولايات المتحدة وللحفاظ على حقوق الأميركيين، ومشاركة الولايات في تعديل الدستور الفيدرالي تهدف للحيلولة دون تغيير النظام القانوني والكيان السياسي للولايات وذلك بألاّ تقوم السلطات الفيدرالية بزيادة اختصاصاتها على حساب اختصاصات الولايات، لأن الدستور الفيدرالي هو الذي يحدّد سلطة كلّ مستوى من مستويات الحكم (الولايات والسلطات الفيدرالية)، وإن عدم اشتراك الولايات في تعديله ربما يؤدي إلى إخضاع الولايات
1) ما هي الفدرالية ؟ المؤتمر القومي للمجالس التشريعية الولائي، وزارة الخارجية الأميركية - مكتب برامج الإعلام الخارجي، أيار 2010
ومركزها القانوني للسلطة المختصة بتعديل الدستور الفيدرالي وهي السلطة الفيدرالية في مثل هذه الحالة(1).
إن مبدأ الفصل بين السلطات يظهر بوضوح في النظام الفيدرالي الأميركي، حيث إن أعضاء الحكومة ليسوا بأعضاء في البرلمان الفيدرالي، وبالتالي فهم غير مسؤولين أمامه بل أمام الرئيس.
ثانيًا- المؤسّسات القضائية ومستويات الفيدرالية في إطار نظريته «المساومة » سابقة الذكر، يرى (ريكر) أن هناك صلة بين تنظيم الأحزاب السياسية وهيكلية الفيدرالية. وفقاً له، يمكن قياس الفيدرالية الاتحادية إما مركزية أو طرفية تلقائية (peripheralised)، إذ تتمحور العلاقة الفيدرالية وفقاً لدرجة تنظيم الأطراف من أجل تفعيل سيطرة الحكومة المركزية على الأحزاب المنظمة لتسيير الحكومات المكونة لها. وهذا يرقى إلى القول بأن السبب المباشر للتغيرات في درجة المركزية (أو التطويق) في البنية الدستورية للفدرالية هو الاختلاف في درجة المركزية للحزب(2).»
وفي التعامل الخارجي فإن الدولة الفيدرالية وحدها هي التي تتمتع بالشخصية الدولية، إذ إنّ شخصيات الدويلات الأعضاء تذوب في شخصية الدولة الفيدرالية ولا سيما في ما يتعلق بالجانب الدولي، أي إنّ القانون الدولي يعترف بالشخصية القانونية للدولة الفيدرالية في حين أنّه يتجاهل شخصية الدول الأعضاء بعدما دخلت وانتظمت مع بعضها في تكوين الدولة الفيدرالية(3).
من الأمثلة على ذلك أن البند 1 من الفصل 10 من دستور الولايات المتحدة ينص على أن الولايات لا تستطيع إقامة أحلافٍ مع حكومةٍ أجنبيةٍ أو تعلن الحرب أو تسك عملة أو تفرض ضرائب على الواردات والصادرات. فالحكومة الفيدرالية وحدها هي التي تمارس هذه الصلاحيات(1).
1) ما هي الفدرالية ؟، مصدر سابق.
تتعدى آثار الفيدرالية من الجانب النظري حدود التصميم المؤسّسي، إذ إنّها مجموعةٌ تفاعليةٌ من الجهات الفاعلة والمؤسّسات التي توضح اللامركزية في صنع القرار والإيواء للتنوع العرقي أو القومي، بحيث تشمل التفسير أو الرؤية الفيدرالية للسياسة. إن هذا البعد التفسيري المهمل إلى حدٍّ ما في الفيدرالية، التي تدعو لها وأسلوبها الخاص في توفير المعنى السياسي للفيدرالية يتطلب اهتمامًا جديدًا، وذلك بالتركيز على دراساتٍ معمقةٍ نتناول أهمها في ما يلي:
المبحث الأول: أصل مصطلح ومفهوم «النظرية » ونُهجها
أولً- أصل مصطلح «نظرية »
إن أصل كلمة «نظرية»( theory )، يمكن إرجاعها إلى الكلمة اليونانية ( theoria ) التي تعني بالإنكليزية «النظر إلى »، بمعنى دراسة شيء من خلال الملاحظة الحسية. والنظرية، كمفهوم تتخلل العلوم الصرفة والاجتماعية، وهي حتى يومنا هذا لا تزال بدون تعريف مقبول عالميًا. على الرغم من ذلك، فقد حاول المثقفون في جميع أنحاء العالم في الأدبيات المنشورة أن يقدموا تعريفًا خاصًّا بعد أن نظروا في الغرض الأساسي لدى استخدام مفردة (نظرية) تشرح، وعندما تكون المتطلبات الوصفية والتفسيرية في صراع، يجب إعطاء الأولوية حتى في حالة وجود شيءٍ من عدم الدقة التمثيلية. يقول الباحث «أف.أن.كيلنجير»( F. N.Kerlinger)، فإن النظرية هي: «مجموعة من التراكيب المترابطة (المفاهيم)، والتعاريف والمقترحات التي تقدم رؤيةً منهجيةً للظواهر من خلال تحديد
العلاقات بين المتغيرات، بهدف توضيح الظواهر والتنبؤ بها »(1).
ولكن بشكلٍ عام، فإنّ أيَّ نظريّةٍ (بما فيها النظرية الفيدرالية)، هي: «تفسير عام لظاهرة معينة مختارة، موضحة بطريقةٍ مرضيةٍ لشخصٍ ما على دراية بخصائص الواقع الجاري دراسته »(2).
في الأدبيات المعاصرة، طرح العديد من الأكاديميين المؤثرين مفاهيم مختلفة حول ماهية الفيدرالية النظرية وكيف يجب أن تعمل في الممارسة، مع أن بعضها واسع للغاية أو مفرط في التبسيط من الناحية النظرية أو المعيارية. ومع ذلك، يمكن فهم هذه المفاهيم المختلفة بشكل أفضل إذا ما فكرنا بها من حيث الفيدرالية الأحادية مقابل الفيدرالية متعددة الجنسيات، أي إنّ الأفكار المختلفة لماهية الفيدرالية نظريًّا وكيف يجب أن تعمل في الواقع، يمكن أن تنحصر في فكرة أن هناك على الأقل مقاربتين عريضتين لفهم الفيدرالية الأحادية الوطنية والمتعددة الجنسيات(3).
ثانيًا- نُهج ومقاربات دراسة الفيدرالية
هناك أربعة نُهج أو مقاربات رئيسية لدراسة الفيدرالية، هي:
النهج المؤسّسي أو الدستوري.
النهج الاجتماعي.
1) F. N.Kerlinger, Foundations of Behavioral Research, (New York: Holt, Rinehart and Winston, 1970), p.15.
2) J. E. Dougherty, & R. L. Jr.Pfaltzgraff, Contending Theories in International Relations, 4th Edition. ( U.S.A: Addison Wesley Longman, 1996).In: federalism as a political ideology and system of government: the theoretical perspectives, op.cit, p. 9.
3) General definitions of federalism , op.cit: https://www.cpsa-acsp.ca/ papers-2005/Verrelli.pdf
النهج السياسي.
نهج العملية(1).
ومع أن هذه المقاربات قد تم التعبير عنها بوضوح، إلا أنهايمكن أن تثير التباسًا في ما يتعلق بالنظرية الفيدرالية لأنها تشرح الظاهرة الفيدرالية من وجهات نظرٍ مختلفةٍ. ومن ثم، يمكن إعادة صياغة المقاربات المذكورة أعلاه مع المُنظرين والباحثين البارزين الذين طوروا كلً من النظريات الفيدرالية الآتية:
1- (ك سي وير) النظرية القانونية- المؤسّسية.
2- (دبليو أس ليفنستون ) النظرية الاجتماعية.
3- (دبليو أج ريكر) النظرية السياسية نظرية المساومة.
4- (سي فريدريتش) النظرية العملية التنموية(2).
المبحث الثاني: تصنيف نظريات الفيدرالية الرئيسة
أولً- النظريات الرئيسة للفيدرالية
يمكن تصنيف النظريات الرئيسة للفيدرالية إلى أربع، هي:
1 - النظريات الكلاسيكية(Classical Theories)
لعلّ النظرية الوحيدة التي تندرج تحت هذه الفئة هي النظرية القانونية المؤسّسية التي بدأت فعليًا في القرن التاسع عشر مع
نظريات القانون الدستوري وأحد متبنيها الفقيه البريطاني ديفيد.أ. في ( A.V. Dicey )، وهي قد صُنفت كنظريةٍ كلاسيكيةٍ بسبب اعتمادها على النهج المؤسّسي في تنظير الفيدرالية، وهو نهجٌ تقليديٌّ في العلوم السياسية.
2 - النظريات الحديثة (Modern Theories)
أهم هذه النظريات هي: الاجتماعية، والمساومة، والنظرية العملية التي اعتمدت النُهج التحليلية والتجريبية في التنظير الفيدرالي.
3 - نظريات المنشأ أو الأصل (Origin Theories)
تعد هذه الفئة من نظريات الفيدرالية التي تمثل العوامل الاجتماعية والسياسية التي أدت إلى ظهور الفيدرالية، في حين تشمل هذه الفئة (النظرية الاجتماعية ونظرية المساومة).
4 - النظريات الوظيفية (Functional Theories)
النظريات الموجودة ضمن هذه الفئة، هي النظرية القانونية والمؤسّسية، والنظرية الاجتماعية، والنظرية العملية. إن الدافع وراء هذه النظريات على التوالي هو كيف يؤدي الدستور الفيدرالي كأداة وظيفة تقاسم السلطة بين مستويين من الحكومة (الحكومة المركزية والحكومات الإقليمية في الاتحاد الفيدرالي)؟ وكيفية استخدام الفيدرالية كجهاز لتوضيح وحماية الصفات الفيدرالية في المجتمع؟ وكيف يمكن إيجاد حلٍّ دائمٍ للمشاكل المشتركة بين الدول المتحدة في ما بينها؟
ثانيًا- مضمون نظريات الفيدرالية الخاصة والانتقادات الموجة لها
1 - نظرية المؤسّسات القانونية (ك. سي. وير)
أ- فحوى النظرية ومنظرها
النظرية القانونية والمؤسّسية للفيدرالية هي نظرية ارتبطت بالباحث والكاتب الأنكلو سكسوني (ك. سي. وير)، الذي يعد عميد الفيدرالية الكلاسيكية التي رفعت مرتبة الفيدرالية إلى مستوى «نظرية ». بعبارة أخرى، عادةً ما يبدأ النقاش حول الفيدرالية المعاصرة بما قدمه (وير) في «تصورات على المفهوم »، حيث أن النظرية القانونية - المؤسّسية، هي نظرية كلاسيكية تم صياغتها وفقاً للنموذج الأميركي للفيدرالية(1).
اتخذت الحكومة الفيدرالية خطوة أخرى من خلال تحديد رغبة الأمم كشرطٍ ضروريٍّ قبل أن يتم تشكيل الاتحاد. قال وير نقلاً عنه حرفياً: «في أواخر القرن الثامن عشر، اجتمعت المستعمرات الثلاث عشرة السابقة لبريطانيا العظمى في مؤتمر فيلادلفيا الشهير عام 1787 واتفقوا طواعية على تشكيل اتحاد، وإطلاق بعض سلطاتهم إلى حكومةٍ مركزيةٍ في مسائل ذات مصالح عامة »(2)، وهكذا، كانت وجهة نظر وير، أن الحكومة الفيدرالية هي «مجموعة من الدول، التي تشكلت لأغراضٍ مشتركةٍ معينةٍ، ولكن في الدول الأعضاء التي تحتفظ بقدرٍ كبيرٍ من استقلالها الأصلي »، فكيف يمكن للمرء أن يعرف على وجه اليقين ما إذا كان النظام السياسي يدير حكومة
اتحادية؟ على أيّ أساس يمكن التأكد من ذلك؟ ورداً على هذا السؤال، قال (ك. سي. وير): «الاختبار الذي أتقدم بطلبه للحكومة الفيدرالية هو ببساطة: هل يجسد نظامٌ حكوميٌّ في الغالب تقسيماً للسلطات بين السلطات العامة والإقليمية، وكل واحدة منها، في مجالها الخاص، تنسق مع الأخرى ومستقلة عنها؟ إذا كان الأمر كذلك، فإن الحكومة هي فيدرالية »(1).
من الجدير بالذكر أن هناك اجماعًا بين فقهاء المدرسة الكلاسيكية في القانون الدولي يفيد بأن فكرة (الشخصية المعنوية (القانونية) تشكل ركيزةً أساسيّةً للدول الفيدرالية شأنها في ذلك شأن الدولة الموحدة، وهو على العكس تمامًا من واقع الاتحاد الكونفيد ا رلي، ومن جانب آخر، ترى غالبية فقهاء هذه المدرسة أمثال لابند ( Laband ) وبوريل ( Borel ) وجيلينك ( Jellinek )، بأنّ كونفيدرالية الدول تحوز على صفة الشخصية المعنوية لأنها ليست دولاً بهذا المعنى. وفي هذا السياق يجادل لابند بأن كونفيدرالية الدول هي علاقة قانونية بين دول لا بين شخصيات قانونية، والدولة هي خلاف ذلك إذ تعتبر وحدةً منظمةً أي شخص قانون وليست علاقة قانونية(2)
ص: 12 .
.خطى (وير) خطوةً إضافيةً من خلال تحديد رغبة الأمم كشرطٍ ضروريٍّ قبل تشكيل الاتحاد، وقد قال حرفياً: «يبدو أن الحكومة الفيدرالية مناسبة لمجموعة من الدول أو المجتمعات إذا أرادوا في وقتٍ واحدٍ وفي الوقت نفسه أن يكونوا متحدين تحت حكومةٍ عامةٍ
واحدةٍ مستقلةٍ لبعض الأغراض، وأن يتم تنظيمهم تحت حكوماتٍ إقليميةٍ مستقلةٍ للآخرين، أو بعبارةٍ قصيرةٍ، يجب أن يكونوا راغبينفي أن يتحدوا، ولكن لا في اطار وحدةٍ سياسيةٍ أو جغرافيةٍ، ومرة أخرى، أكد بعد أربعة عشر عامًا على أن: «الفيدرالية هي شكلٌ مناسبٌ من أشكال الحكومة لتقدمه إلى المجتمعات أو الدول ذات الجنسية المتميزة والمختلفة التي ترغب في تشكيل حكومةٍ مشتركةٍ والتصرف كشعبٍ واحدٍ لهدف ما، ولكنها في الوقت نفسه ترغب في أن تبقى مستقلةً وعلى وجه الخصوص، للحفاظ على الجنسيات من جميع الجوانب»(1).
هذه الرغبة من الدول المستقلة للتوّحد في ما بينها، والتي تم التأكيد عليها مرة أخرى هي ليست واحدة، بل كانت مطلوبة فقط من أجل الوحدة التي تظهر في الأسباب الواردة في كلماته: «لقد التئمت المجتمعات الراغبة في الاتحاد، ولا سيما في الاتحاد الفيدرالي الحديث، لعدة أسباب، لعل من بين أهمها:
الشعور بانعدام الأمن العسكري وما يترتب على ذلك من حاجة للدفاع المشترك.
الرغبة في أن تكون مستقلة عن القوى الأجنبية.
إدراك أنه من خلال الاتحاد فقط يمكن ضمان الاستقلال.
التطلع نحو الفائدة الاقتصادية من الاتحاد.
كانت بعض الجمعيات السياسية للمجتمع المعني قبل اتحادهم الفيدرالي، إما ضمن كونفدرالية فضفاضة، أو كأجزاءٍ من الاتحاد الجديد نفسه.
1) Ibid, p.35.
هذه العوامل الستة تعمل في الولايات المتحدة وسويسرا وكندا وأستراليا، لإنتاج الرغبة في الاتحاد بين المجتمعات المعنية. كانوا يعملون بدرجاتٍ متفاوتة في كل حالة، لكنهم كانوا جميعاً حاضرين(1).
وبعد انتقاده من قبل منظرين فيدراليين آخرين، فإنّ (وير)، سرعان ما زّج العامل الاجتماعي كعامل يمكن أن يستلزم رغبة الأمم في تشكيل اتحاد فيدرالي عندما قال: «سيكون من الواضح أيضاً أن المجتمع من العرق واللغة والدين والجنسية ستوفر فرصة للاتحاد »(2)، وقد ضمّنه في كتاب كلاسيكي بعنوان (الحكومة الاتحادية). وحتى الآن بقي معلمً هامًا في التطور الفكري بشأن الفيدرالية والاتحاد الفيدرالي. وبما أن هذه هي حقيقة واضحة، لذا فإنّ بعض النقاد يميلون إلى «تشويه سمعتها وتجاهلها تحت مبرر تجاوزها فائدتها»(3).
ب- الانتقادات الموجّهة للنظرية
وُجِّهت العديد من الانتقادات لهذه النظرية ولعدة أسباب، أبرزها ما يلي:
للفيدرالية كمبدأٍ فيدراليٍّ لتقسيم السلطة بين الحكومات المركزية والإقليمية كما ينص عليه دستور اتحادي / مكتوب / جامد. وقد تحولّت نظريته إلى نصوصٍ مسهبةٍ، وفي الوقت نفسه فشل قطعياً في التمييز والبرهنة على المستوى الثالث من الحكومة، أي بمعنى الحكومة المحلية في المستوى الأدنى ضمن الاتحادات الحديثة.
وعلى الرغم من أن هذا المستوى الثالث من الحكومة ليست مستقلة من الناحية الدستورية، إلا أنها مع ذلك تعد حلقةً مهمةً في العلاقات الحكومية الدولية، خاصة أنها أقرب مستويات الحكومات إلى الشعب.
كانت هذه النظرية، مركزيةً محضةً، وفي أثناء تطوير نظريته القانونية المؤسّسية، أخذ بعين الاعتبار دستور الاتحادات )سويسرا وكندا وأستراليا وأميركا( أواخر القرن الثامن عشر، عندما اجتمعت المستعمرات البريطانية الثلاث عشرة السابقة للاتفاق بالإجماع على كيفية تقاسم السلطة بين الحكومة الوطنية وحكومة الوحدات المكونة للاتحاد لقد بذل القليل من الجهد، أو لم يقم بأيّ جهدٍ لإجراء دراسة للدساتير الفيدرالية عبر قارات العالم. ونتيجة لذلك، عانت نظريته على مرّ السنين من مثلبة عدم تطبيقها عالمياً، ما أتاح مجالاً لنظريات الفيدرالية الأخرى - المدروسة جيدا-ً من البروز والتفوق.
لم ينجح وير في الحديث عن بعض المفردات التي استخدمها عن غير قصد في تعريفه للفيدرالية كطريقة لتقاسم الصلاحيات بين مستويين من الحكم، بحيث يكون كلّ منهما ضمن مجاله مع التنسيق في إطار الاستقلالية. ولعل كلمة (independent)على سبيل المثال والتي تعني (مستقل) تبقى
مفردةً غامضةً. وفي سياق تعريفه، يمكن أن يفسر البعض أنه يعني أن الوحدات المكونة في الاتحاد الفيدرالي تتمتع بمركز كيان ذي سيادة في حين أن آخرين قد يختارون رؤيتهم على أنهم مستقلون فقط في بعض الأمور بينما يترك باقي الصلاحيات لحكومة المركز.
وفقاً لما تقدم، فإن المجتمع الفيدرالي هو المجتمع الذي يحتوي على عناصر التنوع الموجودة فيه. عادة ما يحدث التنوع بسبب الاختلاف في المصالح الاقتصادية، أو الدين، أو العرق، أو الجنسية، أو اللغة، أو الانفصال بمسافات كبيرة، أو الاختلاف في الخلفية التاريخية، أو الوجود السابق كدولٍ مستقلةٍ أو مستعمراتٍ منفصلةٍ، فضلً عن الاختلاف في المؤسّسات الاجتماعية والسياسية »(3).
وتجنباً لتأكيد ليفريدستون، فإنّه لا يوجد سوى (كارل فريدريش)، القائل بأنّ: «الفيدرالية، هي مبدأ عام للتنظيم الاجتماعي، وأن درجة الفيدرالية في النظام السياسي هي وظيفةٌ اجتماعيةٌ وليست معايير قانونية »(1). وعلى الرغم من أن (ريكر) خرج في وقتٍ لاحقٍ لمواجهة ليفريدستون بكشف خطأه المتمثل ب «التخلص من العنصر الفقهي كلياً »، إذ إنّ مفهوم «الفيدرالية » ذو استخدام شائع «فهو مفهومٌ قانونيٌّ من بين عدة أنواع »(2)، وقد أشّ على أنّ الخطأ يطال جميع النظريات المماثلة للنظرية القانونية والمؤسّسية للمنظر (ك سي وير) لأنه اعتبرها ذات «نغمة قانونية مرتفعة، وتعرض فهماً ضئيلاً للواقع السياسي »(3)على الرغم من أن نظرية (وير)، قد تعرضت لانتقاداتٍ من قِبل معلقين آخرين لكونها قانونية، ورسمية، وجامدة »(4).
3 - نظرية أس. أو. ليفينغستون الاجتماعية
أ- ملخّص النظرية
نظراً لأن النظرية القانونية المؤسّسية، أو النظرية الدستورية القانونية، كما يفضّل البعض تسميتها تنص على أن الفيدرالية، المطبقة وفقًا للمبادىء الفيدرالية، هي «طريقة تقسيم السلطات بحيث تكون الحكومات العامة والإقليمية، في إطار، منسق ومستقل »(5). إلا أن (ليفينغستون) يعتقد خلاف ذلك. إذ يرى
1) C.J.Friedrich, La démocratie constitutionnelle. In: Revue internationale de droit comparé. Vol. 12 N°1, Janvier-mars 1960. pp. 268- 269 :
2) W.Riker the Development of American Federalism, p.106.
3) Ibid, 108.
4) Okechukwu Eme & O. Onyishi, Tony, Federalism and Nation Building in Nigeria. Nigerian Chapter of Arabian Journal of Business and Management Review, Vol. 2, No.6, 2014, P.5.
5) Wheare, op.cit, p.11.
الفيدرالية نتاج للمجتمع، وهو يُذّكر بأن نظريته الاجتماعية ظهرت نتيجة الثغرات في النظرية القانونية المؤسّسية لمنظرها (وير)، وقد أكد ليفنغستون أن «الفيدرالية ليست وظيفة دساتير وإنما مجتمعات »، وبناءً على حجته الاجتماعية حول الفيدرالية، قال بعد أربع سنوات إنه: «يجب البحث عن الطبيعة الأساسية للفيدرالية، لا في تظليل المصطلحات القانونية والدستورية، ولكن في القوى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي جعلت الأشكال الخارجية للفيدرالية ضرورية، ذلك أن جوهر الفيدرالية لا يكمن في البنية الدستورية أو المؤسّسية ولكن في تركيبة المجتمع نفسه، فالحكومة الفيدرالية هي أداة يتم من خلالها التعبير عن الصفات الفيدرالية للمجتمع بشكلٍ مفصليٍّ ومحميٍّ(1).
هذه الصفات التي تتصف بها الفيدرالية، والتي تحدث عنها ليفينغستون، تُعبر عن تنوّع الناس في المجتمع. وقد يتم التعبير عن التنوعات بين أفراد المجتمع بطريقة أن بعض المواقف موجودة في مناطق إقليمية معينة، أو قد تكون مبعثرةً على نطاقٍ واسعٍ في جميع أنحاء المجتمع، إذا تم تجميعها جغرافيًا، فتستفضي النتيجة إلى تكوين مجتمع فيدرالي، أما إذا لم يتم تجميعها على المستوى الإقليمي، حينها لا يمكن القول بأن المجتمع فيدراليٌّ، ولكن في الحالة الأولى فقط يمكن أن يأخذ ذلك شكل الفيدرالية للحكومة الفيدرالية، وفي الحالة الأخيرة تصبح وظيفية / تعددية أو شكل من أشكال الشراكة.(2)
ب- الانتقادات الموجّهة للنظرية
يؤكّد (ريكر) أن الفيدرالية هي نتاج مساومة تم التوصل إليها بين
القادة السياسيين، ليصور القادة المتفاوضين بأنهم رجالٌ عقلانيون قادرون على اتخاذ خياراتٍ عقلانيةٍ يزنون كلفة وفائدة كل خيار سياسي(1)، ولكن على العكس من ذلك، يعلمّنا التاريخ أنه ليس كل الشخصيات القيادية هي كائنات عقلانية ولا سيما عندما يتعلق الأمر باتخاذ قرارات في الشؤون الداخلية والخارجية. وأخيراً، فإنّ نظرية المساومة لدى (ريكر) لا تفي بالغرض في تفسير الاتحادات العضوية مثل الاتحاد الأوروبي. إذ هي هيئةٌ فوق وطنية حيث الرغبة في الدمج ليست محددة، ولكنها تغيرت بمرور الوقت من الجماعة الأوروبية للفحم والصلب ( ECSC ) في عام 1951 ، إلى الجماعة الاقتصادية الأوروبية ( EEC ) في عام 1957 ، ثم إلى الاتحاد الأوروبي (EU) في عام 1992 بسبب ما يسميه (إرنست هاس) ب «التسرب ،» وهو «الوضع الذي يؤدي فيه إجراء معين، مرتبط بهدف محدد، إلى خلق وضع لا يمكن فيه ضمان الهدف الأصلي إلا باتخاذ إجراءات أخرى، ما يؤدي بدوره إلى إنشاء شروطٍ جديدةٍ والحاجة إلى مزيد من الإجراءات الإضافية، وما إلى ذلك « (2)
4 - نظرية عملية فريدريش
أ- ملخّص النظرية
إنها آخر النظريات الفيدرالية، لكن بالتأكيد ليست أقلها قيمة، إذ إنّ النظرية العملية / التنموية لكارل فريدريش- بقدر ما يجعلنا
1) Søren Dosenrode, Federalism Theory and Neo-Functionalism: Elements for an Analytical Framework. Perspectives on Federalism, Vol. 2, 2010, p.28.in: Federalism as a political ideology and system of government: the theoretical perspectives, p.21.
2) L. Lindberg, the Political Dynamics of European Economic Integration, (Standford CA: Stanford University Press, 1963), p.13.
العميد (وير) نفهم أن الفيدرالية هي ظاهرة ثابتة، وهي أيضاً تصميم دستوري / مؤسسي جامد- فإن (فريدريش) يعود ليختلف في توضيح مفهومها بالقول أن: «الفيدرالية هي عملية ديناميكية .»
بهذه الكلمات وعلى حد تعبيره: «يبدو أن الفيدرالية هي العبارة الأكثر ملاءمةً التي يمكن من خلالها تحديد عملية توحيد المجتمع السياسي، أي العملية التي يتم بموجبها إدخال عدد من المنظمات السياسية المنفصلة، سواءً أكانت دولً أم أيّ نوعٍ من المنظمات أو الجمعيات، في ترتيبات من أجل التوصل إلى حلول، واعتماد سياسات مشتركة، واتخاذ قرارات حول المشكلات المشتركة أو العكس. إنها العملية التي أصبح فيها المجتمع السياسي المتحد متفرقاً إلى عددٍ من المجتمعات السياسية المنفصلة والمشخصّة التي غدت اليوم أكثر تنظيمً بشكلٍ مستقل، ولتصبح قادرةً أيضًا على العمل بشكلٍ منفصل، إذ لم تعد ﻼﻜﺸﻣتها ﺘﺮﺸﻣكة. وبعبارة أخرى، فإن الفيدرالية هي «عملية فدرلة فضلاً عن النمط أو التصميم الخاص الذي تعرضه المجموعة المحلية في وقتٍ معيٍّ. وهكذا، فإن الفيدرالية بالنسبة لفريدريك هي «وسيلة لتحقيق غاية لا غاية بحد ذاتها»(1).
ب- الانتقادات الموجّهة للنظرية
يُعتبر بيرش، أحد النقاد الأوائل الذين كشفوا الخطأ في نظرية فريدريش (نظرية التطور)، وذلك عبر أساسين، أولهما: أن اقتراحه النظري يشرح الفيدرالية بشكلٍ عام، وثانيهما: من خلال تصّور الفيدرالية كعمليةٍ ديناميكيةٍ، جعلت من الصعب تحديد وقتٍ معيٍّ يمكن عنده القول أن النظام السياسي يمارس الفيدرالية.
1) C. J. Friedrich,op.cit: www.persee.fr/doc/ridc_0035- 3337_1960_ num_12_1_12357
كما أن نظرية الاجراءات ل «فريدريش » تعدّ معيبةً لعدم تحديدها أفكار المُنظر «م. بيرجس» (Burgess M). حول الفيدرالية، فهي وفقاً له، أن منهجها يصّور العلاقة بين الاجراءات والبنية بمصطلحات غامضة، ولم يشرح بدقة كيف يمكننا أن نعرف على وجه اليقين ما يسمى بعملية «الفدرلة » لدى بدء تطبيقاتها(1).
إنّ نظرية فريدريش العملية، ومن جميع المؤشرات، هي بمثابة افتراضٍ إجرائيٍّ محضٍ. وقد تطرق إلى الشكليات الكامنة وراء تحّول دولة غير فيدرالية إلى دولةٍ فيدراليةٍ، ولكنّه فشل في معالجة كيف تكون الفيدرالية نظامًا للحكومة بعد اكتمال هذه العملية. وبالإشارة أيضًا إلى سبب اتخاذ هذه العملية قرارات موحدة بشأن المشاكل المشتركة، فقد غاب عن بال «فريدريش »، أن مثل هذه العملية يمكن أن تكون ذات فوائدَ سياسيةٍ أو اجتماعيةٍ أو اقتصاديةٍ مشتركةٍ، مستشهداً بمثال الاتحاد الأوروبي، إذ إنّ الممارسة الفيدرالية الجارية في الاتحاد الأوروبي لا تهدف في المقام الأول إلى التوصل إلى قراراتٍ بشأن المشاكل المشتركة، بل إلى تحقيق «المشروع الأوروبي » بإطّراد، وهو دمج الاقتصادات في القارة بهدف الرخاء الاقتصادي والميزانية لكل دولة عضو(2).
4 - نظرية ريكر السياسية / المساومة
أ- ملخّص النظرية
كان «دبليو ريكر» (W.Riker) ، وفقاً لمقياسين للفيدرالية، يقدم دعماً لفيدرالية مركزية، لأن ما أسماه ب (الفيدراليات الطرفية) بحسب
وجهة نظره «بالكاد يمكن أن يتوقع منها تحقيق حكومةٍ فعالةٍ، وأن متبنيها ورعاتها سرعان ما يسقطون تدريجياً ليصبحوا فريسةً سهلةً لأعدائهم ». من ناحية أخرى، تصبح الفيدراليات المركزية أكثر شبهاً بحكوماتٍ وحدويّةٍ أو إمبرياليةٍ في الوقت المناسب، ما يجعل الاتحاد بأكمله قادراً على العمل بفعالية أكبر في عالمٍ معادٍ(1).
ب- الانتقادات الموجّهة للنظرية
ولعلّ أهم من تقاسم وجهات نظر مماثلة مع نظرية (ريكر) حول العلاقة بين بنية الأحزاب السياسية والفيدرالية هو (دوشاك)الذي قال: «تسمى الأحزاب السياسية أحياناً بالمركزية الكبرى أو اللامركزية لنظام فيدرالي، ومن الواضح أن عددهم، وهيكلهم الداخلي، وأيديولوجيتهم، والتزام القائد بالتعددية أو المركزية المركزية، والإجر اءات ذات الصلة بالعمل الفعلي للفيدرالية»(2).
وقد طالت الانتقادات نظرية (ريكر) السياسية / المساومة، كما هو حال النظريات الأخرى للفيدرالية، فأخذت نصيبها العادل منها. يعتمد النقد الأول الموجّه إلى نظرية المساومة على الافتراض الأساسي لنظريّته. ذلك أن حجة (ريكر) بأن التوسع الإقليمي والتهديد العسكري / الدبلوماسي، سواءً أكان خارجياً أم داخلياً، هو عاملٌ وحيدٌ يدفع الأمم إلى الاتحاد فيدراليًا، ليس صحيحاً بشكلٍ مطلقٍ. مثال ذلك أن اجتماع ممثلي ثلاث عشرة مستعمرة بريطانية سابقة في اتفاقية فيلادلفيا عام 1787 ، لغرض صياغة الدستور الفيدرالي الأميركي والتصديق عليه، لم يكن وفقاً ل )ريتشارد هنري
لي)، وهو مضاد للأنتيومتريين، كنتيجةٍ لتهديدٍ عسكريٍّ محتملٍ على الإطلاق(1).
وإذا كان التهديد العسكري الدبلوماسي سبباً وجيهاً وراء توحيد الدول المستقلة، فإن (ريكر) لم يقدم أيّ جديدٍ من الناحية النظرية على مائدة النقاش(2). ومن المعروف للجميع أن الدول ذات السيادة التي تتفاعل في إطار النظام الدولي ستواجه باستمرار تهديداتٍ عسكريّةً من دولٍ مجاورةٍ ودولٍ بعيدةٍ عن الجهات التي تسعى إلى السلطة ومصالحها الوطنية. منظران حدّدا طريقة التهديد العسكري قبل (ريكر) كشرطٍ مسبقٍ لتشكيل اتحاد هما (مادوكس W. P. Maddox ، ووير .Wheare)(3)
وهكذا، كانت الثغرة الأولى في نظرية المساومة لدى (ريكر) مستندةً إلى افتراضٍ قديمٍ، في حين تمثلت الثغرة الثانية في نظرية المساومة بتركيز(ريكر) على الولايات فقط، وعلى صانع القرار، ورجل الدولة »(4). دون أن يعطي للشعب الذي هو عنصٌر أساسيٌّمن عناصر الدولة دورًا. وهكذا فقد استبعدت نظريته تنوع الناس في المجتمع كعاملٍ مهمٍّ في نجاح الفيدرالية، وهو ما لم تأخذ به بقية نظريات الفيدرالية بشكلٍ عامٍّ، ولعلّ ذلك يقودنا إلى الثغرة التالية في نظرية المساومة.
إنّ العامل العسكري المطروح كقوةٍ في نظرية المساومة لدى
1) Hamish Telford , Federalism in multinational societies: Switzerland, Canada, and India in comparative, (Toronto: university of Toronto, 1999), p.22.
2) K.C.Wheare, op.cit, p.44.
3) Federalism as a political ideology and system of government: the theoretical perspectives, op.cit, p.24.
4) Søren Dosenrode, op.cit, p.18.
ريكر حول أصل الاتحادات، هو غير كافٍ تاريخياً في تفسير سبب توحيد الدول. على سبيل المثال، تم تشكيل الاتحاد النيجيري من أجل الراحة الإدارية الاستعمارية البريطانية، ولتعويض عجز ميزانية المحمية الشمالية مع فائض ميزانية المحمية الجنوبية الذي تم إنشاءه من تصدير المنتجات الزراعية والضرائب المفروضة على الخمور المستوردة وغيرها من السلع، وأخيرًا لتوفير منفذ إلى البحر للمحمية الشمالية غير الساحلية، وذلك من خلال المحمية الجنوبية الساحلية(1).
5 - المدرسة الواقعية والمدرسة الليبرالية للفيدرالية
لقد ذهبت المدرسة الواقعية بالضدّ من الموقف القانونيللمدرسة الليبرالية للفيدرالية(2)، فبدلًا من تضييق خطاب الفيدرالية ضمن إطارٍ قانونيٍّ، اختار علماء المدرسة الواقعية بدلاً من ذلك النظر في الواقع السياسي للفدرالية. إذ يرى علماء المدرسة الواقعية في المقام الأول، أن أصل الفيدرالية هي نتيجةٌ لتهديداتٍ داخليةٍ وخارجيةٍ، يمكن أن تكون ذات طبيعةٍ عسكريةٍ أو دبلوماسيةٍ. وفي المقام الثاني، أن تنظيم الأحزاب على مختلف مستويات الحكومة في الاتحاد الفيدرالي هو إما في نطاق نظام حكمٍ فيدراليٍّ مركزيٍّ
1) Federalism as a political ideology and system of government: the theoretical perspectives, op.cit, p. 20.
2) النظرية الليبرالية للفيدرالية تقوم على مفهوم الحد الأدنى من الليبرالية، والتي تنص على أن الأفراد يجب أن يكونوا أحراراً في العيش كما يرونه مناسبًا، شريطة ألا يمنعو الآخرين من العيش كما يرونه مناسبا. وهذا بدوره يعطي رواية رؤية عن الشرعية تفيد بأن أي هيكل مؤسسي مهما كان شرعيا، بشرط أن لا يمنع الأفراد من العيش كما يرونه مناسبا. هذه النظرية الليبرالية للحد الأدنى تبرر بشكلٍ مباشر لنقاط القوة تحديد النظم الفيدرالية. من خلال تكريس دستوري لحق الوحدة التأسيسية، فإن الأنظمة الفيدرالية قادرة على حماية الحرية السلبية وتعزيز المساءلة الديمقراطية.ينظر: Benjamin Herscovitch, op.cit, p.7.
أو مطوَّعٍ (أي لا مركزي). ونسبةً إلى (ريكر)، «فإنّ هيكل الأحزاب يوازي هيكل الفيدرالية، عندما تكون الأحزاب مركزيّةً بالكامل، كماهي الفيدرالية على سبيل المثال في الاتحاد السوفييتي والمكسيك. وعندما تكون الأحزاب لا مركزية إلى حدٍّ ما، تكون الفيدرالية متمركزةً جزئياً فقط »(1).
ولدى الحديث عن الحدّ الأدنى للنظرية الليبرالية للفدرالية، لا بدّ لنا من الإشارة إلى ميزاته، وعلى النحو الآتي:
( 1) يُبنى الحدّ الأدنى للنظرية الليبرالية للفدرالية على النظريات الليبرالية من خلال اتصالٍ مباشرٍ بها، وذلك بربط نقاط القوة الكثيرة للفيدرالية بالمشروع الليبرالي من أجل إنصاف حقيقته التعددية.
( 2) إن الحد الأدنى للنظرية الليبرالية للفيدرالية تعمل على توسيع وتمدّد العديد من الادعاءات المحددة التي قدمتها نظريات ليبرالية منافسة للنظرية الفيدرالية.
( 3) الفدرالية ليست دواءً لكلّ داء، ولكنها تعد أفضل أداة قوة دستورية تسمح للأفراد بالعيش كما يرغبون.
( 4) حتى في المجتمعات التي لا انقسامات وطنية وثقافية لها، تعتبر الفيدرالية أداةً دستوريّةً قويّةً تسمح للأفراد بالعيش كما يرونه مناسبًا(2).
خلاصة الحديث عن نظريات الفيدرالية والانتقادات الموجهة إليها، هو أن تقييم هذه النظريات، يفصح أنها تميلُ إلى الاستقرار / النظام مقابل العدالة، وهو ما يبدو أنهما يعملان، لا يترجمان إلى
مفاهيم مفهومة بشكلٍ متبادلٍ. في الواقع، يمكن ضمان وتأكيد الاستقرار/النظام والعدالة تواجدهما في جميع نظريات الفيدرالية تقريباً. إذ إنّ الفرق، ومن ثم التمييز بين التفاهم أحادي الهوية أو التفاهم متعدّد القوميات، يقع على عاتقه، تحقيق الاستقرار/النظام والعدالة. وللتأكيد، فإن نظريات الفيدرالية تقع ضمن الفئة الأولى في مجال الاستقرار والنظام، التي يتم تأمينها من خلال التأكيد على مفهوم الأمة الواحدة، حيث يتضرر التنوع الاجتماعي والسياسي من أجل تقدم هويّةٍ سياسيّةٍ واحدةٍ؛ أولئك الذين يندرجون في الفئة الثانية على عاتق العدالة للمجتمعات أو الدول، حيث يتم تشجيع التنوع الاجتماعي والسياسي من خلال تسهيل التعبير عن هذا التنوع(1).
تتعدى آثار الفيدرالية من الجانب النظري حدود التصميم المؤسّسي، إذ إنها مجموعةٌ تفاعليّةٌ من الجهات الفاعلة والمؤسّسات التي توضح اللامركزية في صنع القرار والإيواء للتنوع العرقي أو القومي، بحيث تشمل التفسير أو الرؤية الفيدرالية للسياسة. إن هذا البعد التفسيري المهمل إلى حدٍّ ما في الفيدرالية، التي يُدّعى إليها إسلوبها الخاص في توفير المعنى السياسي، يتطلب إهتمامًا جديدًا من ناحية إعادة دراستها وتحليل مضامينها النظرية وممارساتها التطبيقية معًا.
وهكذا فإن النظرية الفيدرالية: «هي سردٌ عامٌّ للترتيب الهيكلي لمستويات الحكومة المزدوجة، الذي يتعدى الوصف البسيط لنظامٍ فيدراليٍّ معيٍّ، أو مقارنة مقترحة بين نظامين فيدراليين أو أكثر،
1) General definitions of federalism - Canadian Political , op.cit: https://www.cpsa-acsp.ca/papers-2005/Verrelli.pdf
وهي تحليلٌ قانونيٌّ يسعى إلى صياغة عملية قابلة للتطبيق، وقواعد لتحديد الحدود وتوفير مبرراتٍ مقنعةٍ لهما بمجرد رسمها، أو تحليل تاريخي يتتبع الفرص في العلاقة بين الدولة المركزية والوحدات التأسيسية ». كما يجب أن يوفر مبررًا عاماً للفيدرالية، ولماذا ينجح البعض، في حين يفشل البعض الآخر »(1).
1) Malcolm M. Feeley and Edward Rubin, Federalism: Political Identity and Tragic Compromise ([s.l.], University of Michigan Press , 2008), p.9.
يختلف المفكِّرون السياسيون وفقهاء القانون في تقييمهم للفيدرالية، فمنهم من يرى فيها انموذجًا لحلّ كافّة المشاكل والمعوقات خاصة المتعلق منها بالوحدة الوطنية، ومنهم من يرى فيها أداةً للتجزئة والفرقة،
ولئن ساعدت الفيدرالية بعض البلدان في تسوية نزاعاتها أو تحسين حكوماتها، فإنها أيضاً قد تفاقم الاختلافات الموجودة فيها، ما يؤدي أحياناً إلى تعميق النزاعات أو فشل الدولة ككل.
وفقا لدوشاك (I. Duchacek) «لا توجد نظرية مقبولة للفيدرالية. كما لا يوجد اتفاق حول ما هية الفيدرالية بالضبط ». ولعلّ العلماء قبل وبعد أنْ أعربوا عن وجهة نظرهم هذه، كانوا يطرحون نظريات الفيدرالية التي تفسر لماذا تتضافر الدول من بين مسائل أخرى ذات أهميةٍ كبيرة في مقابل الفيدرالية. في هذا المنعطف، من المهم أن نُذّكر عرضاً، أن هناك مدرستين فكريتين للفيدرالية تستوعب بعض المنظرين المعروفين فيهما. هذه المدارس هي:
المدرسة الليبرالية.
المدرسة الواقعية.
فالمدرسة الليبرالية، وهي الأكبر بين الاثنين، ترتبط بمؤلفي القرن العشرين مثل «بيرجيس M. Burgess( » (، و «إليزار ،(D. J. Elazar) » و «سبينلي»( A. Spinelli)، و «وير»(K. C. Wheare) (1).
1) Sen Dosenrode, op.cit, p.69.
هؤلاء العلماء عملوا بشكلٍ خاص حول تنظيم دولةٍ اتحاديةٍ. أي تقسيم السلطة الدستورية بين الوحدات المركزية والمكونة للاتحاد، هذا ولم تكن التجربة الفيدرالية التي أجرتها الأمم، ولا سيما إبّان حكم القوى الاستعمارية، جميعها ناجحة. فقد فشل عددٌ من الاتحادات التي تم تأسيسها في نهاية المطاف. ويعني الفشل هنا على وجه التحديد «عدم تحقيق الشروط اللازمة لبقاء اتحاد فيدرالي كما هو متصور في البداية »(1).
هذه الاتحادات هي: 1959 - 1960 اتحاد مالي، 1953 - 1963 اتحاد إفريقيا الوسطى )روديسيا الجنوبية، وروديسيا الشمالية، ونياسالاند(، واتحاد شرق أفريقيا )كينيا، وأوغندا، وزنجيبار، وتنجانيقا( التي لم ترَ النور أبداً، اتحاد ماليزيا )صباح، ومالايا، وساراواك، وسنغافورة( في عام 1965 بعد رحيل سنغافورة، اتحاد جزر الهند الغربية ( 1958 - 1962 ) )أنتيغوا وبربودا، وبربادوس، ودومينيكا، وغرينادا، وجامايكا، ومونتسيرات، ومن ثم سانت كيتس- نيفيس- أنغولا، وسانت لوسيا، وسانت فنسنت وترينيداد وتوباجو(، اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية في 1991 ، ويوغوسلافيا في عام 1992 ، وتشيكوسلوفاكيا في عام 1993 ، وما إلى ذلك(2).
وقد ذكر (توماس م. فرانك)، الذي درس عن كثبٍ أربعة من الاتحادات الفاشلة المذكورة أعلاه - الاتحاد الأفريقي الأوسط، ا وتحاد شرق أفريقيا، ا وتحاد ماليزيا، ا وتحاد جزر الهند الغربية،
مُلخصاً أنّ «السبب الرئيسي للفشل الكلي أو الفشل الجزئي لكل من الاتحادات التي تمت دراستها لم يتم الكشف عنه في تحليل الإحصاءات الاقتصادية أو في قائمة جرد التنوع الاجتماعي أو الثقافي أو المؤسّسي. ولكن وجدت فقط في ظل غياب التزام سياسي إيديولوجي كافٍ بالمفهوم الأساسي أو قيمة الاتحاد الفيدرالي نفسه(1).
وهكذا، فإنّ الفيدرالية شكلٌ معقّدٌ من أشكال الحكم وغالباً ما تكون شديدة الالتزام بالقانون، وهو أمرٌ مكلّفٌ ويعيق وضع السياسات وتطبيقها على نحوٍ متسقٍ.
الفيدرالية من الناحية النظرية وماهيتها، وكيف يجب أن تعمل من أجل السياسة الدستورية، هي مسائل شديدة التناقض ومتجذرة. لقد حاول المنظرون لسنواتٍ طويلةٍ دون جدوى أن يستوعبوا معنى شامل للفيدرالية. على الرغم من أن هذا المسعى قد أثبت أنه غير مثمرٍ، إلا أنّه يوجد إجماع بين الأكاديميين على أن الفيدرالية هي نظامٌ سياسيٌّ يوجد فيه على الأقل مستويان من الحكومة، حيث يتم تحديد المسؤوليات والصلاحيات والاختصاصات، وتقسيمها، وترسيخها في الدستور. علاوةً على ذلك، هناك «مجموعة من الأفكار » وترتيب أولويات للمبادئ الاتحادية التي تقوم عليها المؤسّسات الاتحادية. ومع ذلك، تختلف هذه المجموعات من الأفكار والتشديد على المبادئ من مفكر إلى آخر، كما يختلف العلماء حول كيفية تقاسم السلطة، ودرجة الاستقلالية التي
1) Thomas.M. Franck, Why Federations Fail: An Inquiry into Requisites for Successful Federalism, (New York: New York University Pres, 1968), p.177.
سيتم تخصيصها للوحدات الإقليمية المكونة، ودرجة المركزية واللامركزية، وأخيرًا، لماذا تختار الدولة شكلاً فيدراليًا للحكم على أشكالٍ أخرى(1).
وفي حقبةٍ لاحقةٍ، كان موضوع الاتحادية محلّ جدلٍ وخلافاتٍ قانونيّةٍ بسبب محاولة تحديد مصطلح (الحائز السيادة) بالمعنى التقليدي لنظرية الدولة التي قال بها بودان في كتاب (الجمهورية) عام 1576 ، ذلك أنّ الدولة الحديثة قامت على مفهومٍ أساسيٍّ هو نظرية السيادة التي ابتدعها الفقهاء الفرنسيون في أواخر القرون الوسطى، وشهروها سلاحاً سياسياً لدعم الملكية وتعزيز مركزها في صراعها مع الامبراطورية والبابوية في الخارج، ومع نبلاء الإقطاع في الداخل، ولتمهيد السبيل لإقامة حكمٍ مركزيٍّ قويٍّ. ولهذه السيادة وجهان: السيادة الخارجية، وهي الاستقلال السياسي، أي عدم خضوع الدولة لغيرها، وحقها في تمثيل ذاتها والتصرف باسمها تجاه الدول الأخرى، والسيادة الداخلية وهي حقّ إصدار الأوامر إلى جميع الأفراد الخاضعين للدولة. والسيادة بهذا المعنى وحدة لا تقبل التجزئة ولا التنازل، ولم يتغير هذا المفهوم كثيراً بانهيار الملكية وقيام الثورة الفرنسية إذ حلّت محلّ السيادة الملكية سيادة الأمة مع سائر النتائج التي ترتبت عليها. وهكذا فإنّ الدولة تتميز بوحدة المؤسّسات الحكومية والدستورية، أو بمركز موحد للسلطة، ويطلق عليها اسم الدولة البسيطة أو الموحدة. وكان الجدل القانوني يدور بوجهٍ عامٍّ حول التفريق بين اتحاد الدول والدولة الاتحادية. وكان معيار التمييز: أين تكمن (السيادة)؟ فإذا حافظت العناصر المكونة للاتحاد على سيادتها قيل: إنه (اتحاد دول) أو إنه (دول متعاهدة)
1) General definitions of federalism, Canadian Political, op.cit.
كما يذهب بعضهم، أما إذا كان الاتحاد هو صاحب (السيادة) فيقال أنّه (دولة اتحادية) أو (دولة تعاهدية). ولم يكن ظهور هذا النمط الجديد للدولة، أي الدولة المركبة أو الاتحادية، وليد نظرة فلسفية أو محاكمة منطقية، بل جاء مصادفة ونتيجة مساومات وتسويات. وكما سبقت الإشارة إليه في موضعٍ سابقٍ من هذه الدراسة (1)، فقد اجتمع في فيلادلفيا ممثلو ولايات (دول) الاتحاد الأميركي الثلاث عشرة للنظر في تعديل ميثاق الاتحاد بعد أن تبيّ أن هذا النظام لايصلح للبقاء، لأن السيادة التي احتفظت بها كلّ ولاية من الولايات الأعضاء كانت تعرقل مصالح الطبقة البرجوازية الناشئة. وواجه المؤتمر عقبةً كادت تتحطم فوقها كل رغبةٍ في الاتحاد، تمثلت في سعي الدول الصغيرة إلى المساواة مع الدول الكبيرة بعدد سكانها في كل شأنٍ من شؤون الاتحاد، وانتهى الأمر إلى الأخذ بوجهة نظر توفيقية، فاستقر رأي المؤتمرين على انتخاب مجلسين، يكون أحدهما بنسبة عدد السكان وهو مجلس النواب، والثاني مجلس الشيوخ، ويتكون على أساس عضوين اثنين لكل ولاية كبيرها وصغيرها، ولكلّ عضوٍ منهما صوته المستقل، خلافاً لما كان عليه الحال في عهد الميثاق الاتحادي. وقد رضيت الدول الصغيرة بهذا الحل ووافقت على قبول الأحكام الأخرى، ولم يدر في خلد المؤتمرين أنهم بذلك قد أرسوا الأساس لنمطٍ جديدٍ من الاتحادات هو الدولة المركبة أو الاتحادية. ولم تلبث الخلافات أن دبت بين ولايات الشمال وولايات الجنوب، خشية ولايات الجنوب أن يقوم الاتحاد بإلغاء الرق، إلى جانب الخلاف على التعريفات الجمركية. فعندما أصدر الاتحاد قانوناً جديداً للتعرفة عدّ المجلس التشريعي
1) راجع الصفحة 13 من هذه الدراسة
المحلي في كارولينا الجنوبية هذا القانون مخالفاً للدستور، لأن الدستور يقضي ألا تستخدم التعريفة إلا لجباية الأموال الضرورية لصالح السلطة الاتحادية، لا لاتباع سياسةٍ اقتصاديّةٍ معينةٍ. وقد وجدت هذه الولاية المسوغ لها في حق الولايات الأعضاء في إبطال أيّ قانونٍ يصدره الكونغرس ورفض تطبيقه استناداً إلى نظريّةٍ قانونيّةٍ أعدها «جي.سي.كالهون» (J.C.Calhoun) الذي كان نائباً للرئيس الأميركي ( 1825 - 1832 )، وكان محور هذه النظرية يدور حول وحدة السيادة وعدم قابليتها للتجزئة. فالسيادة لاتقبل التجزئة بطبيعتها لأنها إرادةُ مجتمعٍ سياسيٍّ، وعلى ذلك يمكن في الأمة الاتحادية توزيع السلطات بين الاتحاد والدول الأعضاء فيه، أما السيادة فلا يمكن أن تكون إلا للاتحاد أو للدول الأعضاء. وفي هذه الحالة التي هي موضع البحث فإن السيادة هي من حقّ الدول الأعضاء (الولايات) والتاريخ يؤيد ذلك، ولا سيما في تصديق هذه الدول للدستور(1).
( 1) تصنيف الدساتير في إطار الفيدرالية
يمكن أن يختلف الباحثون بشأن تصنيف الدساتير، ويمكن أن يَعتبر البعض أن البلدان التي يصعب تصنيفها، كإسبانيا أو جنوب أفريقيا، إقليمية، ويَعتبرها البعض الآخر فيدرالية (أو ربما شبه فيدرالية أو فيدرالية في كل شيء سوى الاسم ) إضافةً إلى ذلك، لا تنعكس هذه الاختلافات الشكلية دائماً في درجة اللامركزية الجوهرية، إذ ليس من الضروري مثلاً أن يكون البلد الفيدرالي الرسمي أكثر لا
1) «الفدرالية »، الموسوعة العربية الحرة «المعرفة »، مصدر سابق: https://www.marefa.org/
مركزية في الجوهر من الدولة الإقليمية أو التفويضية، فإسبانيا، على سبيل المثال، لا تُعرِف نفسها رسمياً بأنها دولةٌ فيدراليةٌ، لكن بعض جماعاتها ذات الحكم الذاتي لا سيما تلك التي تتمتع بحقوق تاريخية خاصة كإقليم الباسك( يتمتع بحكم ذاتي واسع ومتين، في حين أن بعض البلدان الفيدرالية شكلياً، مثل النمسا وماليزيا، شديدة المركزية.
علاوةً على ذلك، ليست هذه التسميات مفيدة جداً ثأناء المفاوضات والمداولات المؤدية إلى تبني الدستور أو إصلاحه، ففي عملية بناء الدستور، يمكن أن يصبح بعض المشاركين متعلقين رمزياً بتسميات من قبيل (الفيدرالية ( أو )الإقليمية). وعوضاً عن ذلك، من الحكمة أن ننظر أولاً في الاحتياجات العملية للبلاد ووحداته المحلية ثم في سبل تلبيتها على أكمل وجه بوضع دستورٍ عمليٍّ ومقبولٍ على نطاقٍ واسعٍ، في آنٍ واحدٍ، دون المبالغة في التركيز على تصنيف الإطار الدستوري الناتج كفيدراليٍّ أو إقليميٍّ أو تفويضيٍّ(1).
يشكل القرار بتبني نظامٍ فيدراليٍّ بقيةَ البنية الدستورية، مع ما يترتب على ذلك من آثارٍ تتعلق ببنية السلطة التشريعية وعملية تعديل الدستور وجوانب أخرى من التصميم الدستوري.
وفي الدول التي تعتمد الفيدرالية أساسًا، باعتبارها استجابةً لتنوع مجتمع غير متجانس، لا يمكن أن يدرس التزام الفيدرالية باللامركزية الإقليمية بمعزل عن غيره، بل فقط في علاقته مع كامل حزمة الأحكام الدستورية التي تُشّكل الاتفاقية بين الجماعات، ومنها مسائل اللغة والدين وتمثيل الأقليات.
1) المصدر نفسه.
وإذا كان الهدف من الفيدرالية أن تؤمِّن أولاً الاعتراف والحكم الذاتي لجماعاتٍ عرقيّةٍ أو لغويّةٍ أو ثقافيّةٍ أو دينيّةٍ معيّنةٍ، فمن المهم لأولئك المشاركين في مفاوضات دستورية أن يفكروا في سُبل موازنة تلك الأهداف ودعمها عبر وضع أحكامٍ لإشراك هذه الجماعات في المركز. فأي مجال هناك للحلول الوسط بين الحكم الذاتي والمشاركة في السلطة؟ وأيهما أهم: لا مركزية السلطة بالنسبة لتلك الجماعات أم إشراكها في الحكومة المركزية ؟
( 2) سمو الدستور الفيدرالي
إذا كانت الدولة الفيدرالية قد نشأت نتيجة انضمام عدة دولٍ موحدةٍ فإنه يتوجب أخذ موافقة السلطة التأسيسية الأصلية في كلّ دولةٍ من الدول التي قرّرت الانضمام إلى الاتحاد، وكذلك يستلزم موافقة المجلس النيابي في كلّ دولة حتى يدخل الدستور الاتحادي حيز التنفيذ، إذا كانت الدولة الفيدرالية قد نشأت نتيجةً لتفكك دولة بسيطة فإن إجراءات وضع الدستور، والاتحاد تكون أبسط بكثير مقارنة بالحالة السابقة.
وعندما تنتهي السلطة التأسيسية الأصلية من وضع الدستور الاتحادي وبعد أن يدخل هذا الدستور حيز التنفيذ فإن جميع السلطات والهيئات الفيدرالية بالإضافة إلى سلطات وهيئات الولايات تصبح ملزمة بهذا الدستور، أي يجب أن يكون الدستور الفيدرالي هو القانون الذي يسود على جميع القوانين في الدولة الفيدرالية، ومن هنا يظهر الدستور الفيدرالي كأحد مظاهر الاتحاد في الدول الفيدارلية، لأن جميع السلطات اولهيئات الفيدارلية
والمحلية يجب أن تكون خاضعةً له وبهذا يكون جميع مواطني الدولة وهيئاتها بصورةٍ متساوية تحت سلطان الدستور.
ولأجل أن يتصف الدستور بالسمو يجب أن تتوافر فيه ثلاث سماتٍ رئيسةٍ وهي:
أن يكون مكتوباً، ودائماً، وواضحاً حتى لا يسمح بتأويلات متباينة.
يجب أن يكون الدستور جامداً ( rigid )، أي أنْ تكون إجراءات تعديله معقدة.
بموجب الدستور الاتحادي، يجب أن تخضع كلّ سلطةٍ شرعيةٍ للهيئة التي تنشئ القوانين
في ألمانيا يستوجب الدستور الفيدرالي على دساتير الولايات ألاّ تناقض أحكام الدستور الفيدرالي.(1)
وفي أميركا يسمو الدستور الفيدرالي على دساتير الولايات وكذلك المعاهدات التي تقوم الدولة الفيدرالية بإبرامها لديها السمو على دساتير الولايات وقوانينها(2)، كما يمكن ملاحظة سمو الدستور الاتحادي على دساتير الولايات بوضوح في الدستور الأميركي الذي ينص على أن «هذا الدستور وقوانين الولايات المتحدة التي تصدر بناءً عليه، يجب أن يكون القانون الأسمى للبلاد، وأن القضاة في أيّ ولاية ملزمين به وإن خالف الدستور أو القوانين الصادرة في أيّ ولايةٍ أخرى »(3).
1) عادل ابراهيم أدهم، التنظيم الاداري للدولة الاتحادية (العراق انموذجاً)، رسالة دكتوراه (غير منشورة)، جامعة كركوك، 2014 : http://stclements.edu/grad/gradadham.pdf
2) محمد المجذوب، القانون الدستوري والنظام السياسي في لبنان، ط 4،(بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية، 2002 )، ص 195 .
3) المادة ( 6) من الدستور الأميركي.
وفي يوغوسلافيا (السابقة) يلاحظ سمو الدستور الاتحادي على جميع دساتير الجمهوريات الأعضاء حيث إنّ المادة ( 148 ) من هذا الدستور يمنع دساتير الجمهوريات المكونة للاتحاد اليوغسلافي من أن تتناقض خصوصًا مع دستور الدولة الفيدرالية، وفي حالة ما إذا صدر قانون في إحدى الجمهوريات يتناقض ما قانون فيدرالي، إذ يجب تطبيق القانون الفيدرالي حتى تبت المحكمة الدستورية العليا في ذلك الخلاف الناشئ بينهما(1).
( 3) سيادة الدستور وقواعد تعديله
إن سيادة الدستور )سمو الدستور قانونياً على القوانين العادية وتحصينه وصعوبة تعديله مقارنة بالقوانين العادية(مترافقان بالضرورة مع الفيدرالية وهما يضمنان للوحدات المحلية الاعتراف بوجودها ومكانتها وسلطاتها واحترام حكمها الذاتي، فإذا خُرقت تلك الضمانات، تلجأ الوحدات المحلية عادة إلى المحكمة العليا أو الدستورية، ودون تلك الحماية، يمكن أن تنتقل الصلاحيات من السلطة التشريعية المركزية إلى المؤسّسات المحلية، ولكن قد لا يكون هناك اقتسام فيدرالي حقاً للسيادة ولا ضمانات واضحة بالاستقلالية ضد الأغلبيات في المركز؟
وربما يجب تصميم عملية تعديل الدستور في النظام الفيدرالي، بحيث تمنع إجراء أي تغيير في توزيع السلطات دون موافقة الوحدات المحلية:
ففي استراليا، مثلً، تعكس السيادة الطبيعة الفيدرالية للدولة إذ يجري تقاسمها بين الشعب الأسترالي ككل وشعب كل ولاية أو
1) نوري طالباني، حول مفهوم النظام الفدرالي، ط 2، (اربيل: مؤسسة مركرياني للنشر، 2005)، ص 32 .
وحدة من خلال عملية التعديل، وهكذا، لتعديل الدستور، يجب أن توافق أغلبية الشعب الأسترالي وأغلبية السكان في ما لا يقل عن أربع من الولايات الست.
لا يمكن في بعض البلدان تفعيل دور الوحدات المحلية إلا عندما يتعلق التعديل المقترح بسلطاتها أو اختصاصها أو بأجزاءٍ مهمةٍ متممةٍ للترتيب الفيدرالي في الدستور، ففي الهند مثلاً، يمكن تعديل الدستور بأغلبية ثلثي الأصوات المسجلة في مجلسي البرلمان المركزي، لكن التعديل على توزيع الصلاحيات بين الحكومة المركزية والولايات وتمثيل الولايات في البرلمان المركزي والسلطة القضائية، بالإضافة إلى أحكامٍ معينةٍ أخرى، يجب أيضاً أن توافق أغلبية السلطات التشريعية للولايات.
يمكن في بعض الحالات تطبيق قاعدة الإجماع، إذ ينص دستور كندا على صيغةٍ عامّةٍ للتعديل، وفيها يجب أن توافق على التعديلات السلطات التشريعية في ثلثي المقاطعات، على أن يضم هذين الثلثين 50 بالمائة من السكان على الأقل، وقد وضعت هذه القاعدة لضمان أنّ كلا من المقاطعتين الأكثر اكتظاظاً بالسكان (أونتاريو وكيبيك) تتمتع في معظم الحالات بحق الفيتو على التعديلات، إلا أنّ بعض التعديلات كتلك المتعلقة بمكانة اللغتين الإنكليزية والفرنسية باعتبارهما لغتين رسميتين، وتركيبة المحكمة العليا تتطلب م ا وفقة جماعية من جميع المقاطعات. ولا تسري التعديلات التي تُقيّد صلاحيات المقاطعات وحقوقها تحديداً إلا على المقاطعات التي تتبنى التعديل، ما يمنح كل مقاطعة فرصة أن تختار عدم القبول حمايةً لحقوقها.
وكما يمكن أن يكون مبدأ الفيدرالية شرطاً غير قابل للتعديل
محمياً بما يدعى بند الأبدية كما في (ألمانيا)، ويمكن أيضًأ أن تقرر المحاكم أن الفيدرالية أحد السمات الجوهرية والمحددة للبنية الأساسية للنظام السياسي، من حيث المبدأ، وتكون خارج نطاق سلطة التعديل كما في (الهند)(1).
4 - إيجابيات وسلبيات النظام الفيدرالي
1 - إيجابيات النظام الفيدرالي
على الرغم من الانتقادات التي وجهت إلى النظام الفيدرالي، إلا أنّ هناك العديد من المزايا التي يتمتع بها ذلك النظام، وأن الانتقادات السابقة لايمكن أن تصمد أمام المزايا الكبيرة التي يحققها النظام الفيدرالي، والتي تتلخص بالآتي:
أ إن توزيع الاختصاصات بين الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات يمنع قيام حكومة واحدة مستبدة تملك السلطات على جميع أجزاء الدولة كما هو الحال في الدولة البسيطة، كما يعمل النظام الفيدرالي على التوفيق بين ما تحققه الوحدة الوطنية من مزايا عن طريق ما تتمتع به دولة الاتحاد من سلطةٍ عامةٍ على جميع أجزاء الدولة وبين متطلبات الاستقلال الذاتي الذي يمنح الولايات سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية خاصة بها لتدير كل ولاية شؤونها بما يتلاءم مع بيئتها المحلية وظروفها الخاصة وبما يحقق لسكانها القدر المناسب من الديمقراطية والمصلحة. فهو نظامٌ متكاملٌ للحكم يجمع بين عاطفتي الاستقلال والاتحاد معًا.
ب-يستطيع النظام الفيدرالي توحيد دولٍ ذاتِ نظمٍ متفاوتةٍ في
1) الفيدرالية، المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية، مصدر سابق، متوفر على الرابط الالكتروني: https://www.idea.int/publications/catalogue/federalism?lang=ar
دولةٍ واحدةٍ كبيرةٍ وقويّةٍ، مع الاحتفاظ لكلٍ منها بنوعٍ من الاستقلال، حتى قيل أنّ هذا النظام يمكن تطبيقه على قارةٍ بأسرها، وهو تحقق فعلاً بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية.
ج-يسمح النظام الفيدرالي بإجراء تجاربَ دستوريّة متعدّدة، فنجاح نظامٍ معيٍّ في ولايةٍ من الولايات يساعد على الأخذ به في الولايات الأخرى. وهذا ما يصعب حصوله في الدولة البسيطة. كما أنّ تمتع الولايات في النظام الفيدرالي بالاستقلال الذاتي يعتبر وسيلةً من وسائل توجيه المواطنين في الجوانب السياسية ويثير فيهم روح الاهتمام بالمسائل العامة.
د-تعد الفيدرالية أفضل وسيلة لحماية حقوق الأقليات، فالأقليات الذين يشكلون أقليةً ضمن الدولة بأجمعها ولكنهم يشكلون أغلبيةً في إقليمٍ معيٍّ، يتيح لهم النظام الفيدرالي حماية خصوصيتهم وحقوقهم من خلال سيطرتهم كأغلبيةٍ في وحدة إقليمية ذات حكمٍ ذاتيٍّ تتمتع بسلطات دستورية ضمن الدولة الفيدرالية(1).
ه-تعزز الفيدرالية القيم الديمقراطية الليبرالية عن طريق التأكيد على الشرعية الديمقراطية لكل من الحكومات الفيدرالية وحكومات الوحدات المكونة للفيدرالية التي اختارها ناخبوها مباشرة وهي مسؤولة أمامهم(2).
و-إن الفيدرالية نظامٌ قريبٌ لروح العصر لأن فيه دعوةً للتخصص، إذ تعنى الحكومة الاتحادية بالشؤون الكبرى المتعلقة
بكيان الاتحاد، كالسياسة الخارجية والدفاع والمالية والنقد وغيرها، ويترك للولايات الشؤون ذات الطابع المحلي كالثقافة والتعليم والتنظيم الإداري المحلي(1).
كانت الفيدرالية ولا سيّما في السنوات الأخيرة موضوعًا مثيرًا للجدل بين الباحثين والمحللين، حيث قام البعض منهم بمناصرة أولئك الذين يرونالفيدرالية من زاويةٍ سلبيّةٍ، أي نظام الحكم الذي يضحي بالجدارة كلها من أجل إرضاء المجموعات العرقية المتنوعة في الاتحاد الفيدرالي، فهي مكلفة للغاية في التطبيق، كما أنها تجلب ازدواجية لا داعي لها من المكاتب الحكومية.
فإذا نظرنا للنظام المركزي من الناحية المالية نراه أفضل الأنظمة في مجال اقتصاد المال لأنه يقلّل إلى أبعد الحدود من ظاهرة تبديد النفقات العامة خاصة وإن ثبت بالدليل القاطع أن الاستقلال المالي قد ينجم عنه ظاهرة الأفراد أو المبالغة في الصرف، ما يؤثر سلباً على الوعاء المالي للدولة(2).
تضمن الفيدرالية توزيع الموارد العامة بصورةٍ أوسع بتقاسم الإيرادات، وغير ذلك من أشكال الترتيبات المالية التي تكفل حصول جميع مناطق البلاد على حصةٍ متفقٍ عليها من الموارد، ويفيد ذلك، عندما تكون الحكومة المركزية قد ركزت الموارد في الماضي على العاصمة في أغلب البلدان الفيدرالية.(3)
ويمكن أن نضيف مزيّةً أخرى نعتقد أنها جوهريّةٌ ألا وهي كون إتباع المركزية الإدارية يجعل من الإدارة العامة محايدة في الغالب كونها بعيدة عن الخلافات السياسية والاجتماعية في الإطار المحلي لكل إقليم أو محافظة، ما يجعلها تتعامل في الغالب مع جميع المواطنين وفي مختلف أقاليم الدولة بمنظورٍ واحدٍ ما تتحقق فيه إلى حدٍّ ما العدالة والمساواة، وتعمل على تقليل المصالح الفئوية.
2 - مسأوىء النظام الفيدرالي
مثلما توجد إيجابيات للنظام الفيدرالي، توجد أيضاً سلبيات وعيوب تكتنفه، فضلاً عن أن نجاح تطبيقه في دولةٍ قد لا يناسب دولة أخرى، فلكلّ بلدٍ خصوصيّته (الدينية، أو الاجتماعية، أو السياسية، أو غيرها).
وهكذا، فإنّ للفيدرالية مسأوئَ عديدةً، إذ حتى عندما يكون من الضروري وجود شكل ما من أشكال التقاسم الإقليمي للسلطة، فإن الفيدرالية ليست الطريقة الوحيدة لتحقيقه )وليست بالضرورة الطريقة الأفضل في كل السياقات)، وعلى هذا الأساس فإن أهم العيوب والانتقادات الموجهة للمركزية الإدارية هي ما يلي:
أ. من الناحية السياسية:إن تفرد الحكومة الاتحادية بسلطة اتخاذ القرار وإن كان إلى تقوية نفوذ السلطة المركزية، ويبسط هيمنتها على مختلف أجزاء الدولة، إلا أنّ ذلك سيتبعه من دون شك حرمان السلطة الشعبية أو المنتخبة من المشاركة في صنع القرار وتسيير الشؤون المحلية في الأقاليم.
ب. من الناحية الإدارية: إن تطبيق النظام المركزي في الواقع العملي ينجز عنه حالة من الاختناق في الوسط الإداري بسبب
الإجراءات وكثرة الملفات وتركيز السلطة بين شخص واحد أو مجموعة أشخاص، الأمر الذي ينتج عنه انتشار ظاهرة البيروقراطية بالمفهوم السلبي.فضلاً عن ذلك فإن النظام المركزي ينتج منطقة معينة قد لا يكون عالماً بكل شؤونها لدى اتخاذ القرار.
كما أن إتباع أسلوب المركزية الإدارية كخيارٍ وحيدٍ أصبح يتعارض مع ما بات يعرف بالديمقراطية الإدارية التي تقوم أساساً على إفساح المجال أمام المواطنين وإشراكهم في إدارة الشؤون والمصالح المحلية(1).
ج. من الناحية المالية: يحتاج النظام الفيدرالي إلى نفقاتٍ ضخمةٍ بسبب تعدّد السلطات والتنظيمات الاتحادية والداخلية في الولايات المختلفة، والتي قد يتحملها في النهاية المواطنون على شكل ضرائبَ متنوعة اتحادية ومحلية ورسوم ما يُثقل كواهلهم(2).
د. من الناحية التشريعية
تعد مسألة اختلاف التشريعات القانونية من أبرز التحديات التي تواجه الفيدرالية، في معظم الدول الفيدرالية في العالم.
إنّ حريّةَ الولايات في التشريع في بعض المسائل قد يسبب المتاعب للحكومة الاتحادية إذا ما قامت إحدى الولايات بسنّ قوانين تضرّ برعايا دولة أجنبية مثلً (1).
إنّ النظام الفيدرالي قد يُضعف سلطة الحكومة الاتحادية ويُضعف من قدرتها على تنفيذ قوانينها وقراراتها بالمقارنة مع حكومات الدولة البسيطة الموحدة (2).
إنّ الأسلوب المتبع لحلّ مشكلة توزيع الاختصاصات بشكلٍ عمليٍّ وبصورةٍ نهائيّةٍ يعدّ من بين التحديات التي تواجه الفيدراليات في العالم. ولعلّ من النادر أن تلجأ الدساتير الاتحادية إلى هذا الأسلوب في توزيع الاختصاصات لأنّه من الصعوبة بمكان حصر كافة الاختصاصات ولعدم خوض الدساتير في التفصيلات.
ذلك أنّ ازدواج السلطات العامة في الدولة الاتحادية يؤدي إلى تداخل الاختصاصات بين الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات، ما يؤدي إلى حصول منازعاتٍ عديدةً بينهما، لأنّ أسلوب توزيع الاختصاصات ومهما كان دقيقاً فإنّه لا يستطيع أن يحلّ هذه المسألة بصورةٍ نهائيةٍ(3).
ه. المخاطر على سيادة الدولة
قد يؤدي النظام الفيدرالي إلى تهديد وحدة الدولة ذاتها، وربما يؤدي إلى انفصال ولاياتها، وخاصة إذا ما قويت سلطات الولايات على حساب السلطات الاتحادية.
فلقد شهد النصف الثاني من القرن الماضي فشل بعض الاتحادات الفيدرالية وتفككها، وأبرز الأمثلة على ذلك تفكك الاتحادات الفيدرالية لجزر الهند الغربية 1962 ، ويوغسلافيا 1991 ، والاتحاد السوفيتي 1991 ، وتشيكوسلوفاكيا 1992 (1).
لذا فهناك من يرى أن هنالك أربعة بدائل رئيسية للفيدرالية، هي: (الكونفيدرالية الإقليمية، والحكم الذاتي الخاص، والتفويض، إذ يوجد تفويضٌ لدى بعض الحكومات في الدول الفيدرالية، لكن يمكن للحكومة المفوضة إلغاء السلطة المفوضة من تلقاء نفسها بشكلٍ تقديريٍّ. كما يمكن استخدام التفويض لإنشاء نظامٍ يعملبشكلٍ مماثلٍ للنظام الفيدرالي (كما هو الحال مع الحكومات المحلية في بعض الولايات الأميركية ومعظم المقاطعات الكندية)(2).
يمكننا أن نخلص في ختام هذه الدراسة، إلى بيان أن مفهوم «الفيدرالية » في العلوم السياسية، مثل العديد من المفاهيم الأخرى في العلوم الاجتماعية، يبقى بدون تعريفٍ مقبولٍ عالميًا. وباعتبارها أيديولوجيا، فإن الفيدرالية لا تؤدي فقط إلى توحيد الدول أو الولايات في وعاءٍ كبيرٍ يمثل الظاهرة الفيدرالية، ولكنها تمكّن المنظرين والنقاد والمفكرين أيضًا من تقييمها ومن ثم توجيه الأعمال والبرامج االتي يتعين القيام بها في ظل الاتحاد الفيدرالي، وباعتباره نظامًا حكوميًا، فإنها توضح علاقةَ السلطة بين مستويين (3)- ثروت بدوي، النظم السياسية، ج 1، (بيروت:دار النهضة العربية، 1964 )، ص 77 .
من الحكومة على الأقل، أي كيفية تقسيم السيادة بين الحكومة المركزية ووحدات المكونات الفيدرالية.
إنّ الانتقاد الموجه للنظام الفيدرالي على أساس أنّه يهدّد وحدة الدولة ويؤدي إلى الانفصال، هو انتقادٌ غير دقيقٍ لأنّ الأنظمة الفيدرالية التي فشلت وأدت إلى الانفصال لم تكن مشاكلها بسبب تبني النظام الفيدرالي كنمط للحكم، وإنما بسبب ضعف المؤسّسات الديمقراطية أو غيابها، فسبب فشلها يعود إلى طابعها غير الديمقراطي أكثر من طابعها الفيدرالي. وبالفعل لم يشهد التاريخ أيّ حالةٍ أدت إلى تحلّل الاتحادات الفيدرالية الديمقراطية الحقيقية مهما كانت متنوعة. لذلك نجد أنّ الكثير من الأنظمة الدستورية الأطول عمراً اليوم في أيّ مكانٍ من العالم هي اتحاداتٌ فيدراليةٌ لازالت تعمل بصفةٍ أساسيةٍ وفق دساتيرها الأصلية مثل الولايات المتحدة الأميركية 1789 وسويسرا 1848 وكندا 1867 وأستراليا (1)1901 .
بسبب هذه المزايا انتشر النظام الفيدرالي بين عددٍ كبيرٍ من دول العالم، وهو مستمرٌّ بالتوسع والانتشار بعد النجاحات التي حققتها أغلب الدول الفيدرالية.
كما يمكن أن نستنتج مما تقدم ما يلي:
1) زهدي يكن، مصدر سابق، ص 138 .
تختلف الدول الفيدرالية في دساتيرها وطرق تشكيلها وعدد الوحدات المكونة لها، باختلاف الظروف الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والدولية والسياسية التي أدت إلى تأسيسها.
إنّ توزيع الاختصاصات في الدساتير الفيدرالية، غالبًا ما يكون بتوزيعها إلى ثلاث فئات: حصرية، ومشتركة، ومتبقية، وطبيعة هذه الفئات ومداها تتحكم فيه ظروف نشأة الاتحاد وحاجاته.
مهما حرص المشرعون على توزيع السلطات بشكلٍ دقيقٍ وواضحٍ بين الحكومات الاتحادية وحكومات الأقاليم المنضوية فيها، فإن التشابك والتداخل والاختلاف حاصل لامحالة بينها، وهذا الأمر يجب أن يقبل كواحدةٍ من الحقائق الملازمة للفيدراليات.
ولعلّ خلاصة ما يمكن الوصول إليه في دراستنا هذه بشأن الفيدرالية، هو بقاء مصطلحها غير متفقٍ عليه، ومفهومها يكتنفه الغموض والاختلاف. أما بخصوص تطبيقاتها، فهي قد تنجح في بلدٍ ما ولكنها قد لا تنجح في غيره، فلكلّ بيئةٍ مجتمعيّةٍ محدداتها التي قد تمنعها من أن تؤُسس لقيام فيدرالية ناجحة أو قد لا تنجح في ذلك.
ومن بين تلك المحددات، هي النوايا الحقيقية الصادقة من قبل الحكومات الاتحادية من جهة والولايات أو الدول المنضمة إلى الاتحاد الفيدرالي في التعامل في ما بينها، بعيدًا عن توجهات الهيمنة أو المركزية الشديدة من قبل الحكومة الاتحادية أو توجهات الانفصال المبيتة من قبل الأقاليم ضمن الاتحاد الفيدرالي.
أولاً: العربية
1 - كتب
أبو الغيث، عبدالله، «هل هناك فرق بين الدولة الاتحادية والدولة الفيدرالية؟ «، صحيفة يمن برس، 20 أبريل 2013 .
أبو هيف، على صادق، القانون الدولي العام، (الاسكندرية: منشأة المعارف للنشر والتوزيع، 1995 ).
أبو خزام، إبراهيم، الوسيط في القانون الدستوي، ط 1، (بيروت، دار ا ﺎﺘﻜﻟب الجديد المتحدة، 2002).
بدوي، ثروت، النظم السياسية، ج 1، (بيروت: دار النهضة العربية، 1964 ).
بدوي، محمد طه، أصول علوم السياسة، (الإسكندرية: المكتب المصري الحديث للطباعة والنشر، 1965 ).
البرزنجي، عصام وآخرون، مبادئ وأحكام القانون الإداري، (بغداد: مديرية دار الكتب للطباعة والنشر، 1993 ).
البزاز، عبد الرحمن، الدولة الموحدة والدولة الاتحادية، ط 3، (بيروت: منشورات دار القلم، 1966 ).
بسيوني، عبد الغني، النظم السياسية والقانون الدستوري، (الاسكندرية: منشأة المعارف، 1997 ).
بوضياف، عمار، الوجيز في القانون الإداري،(الجزائر: جسور للنشر والتوزيع، 2008 ).
الحسيني، محمد طه حسين، نشأة وتطور اختصاص البرلمان في المساءلة الجزائية: دراسة مقارنة، (القاهرة: المركز العربي للدراسات،)2016.
حلمي، محمود، المبادئ الدستورية العامة، الطبعة الثانية، (القاهرة: دار الفكر العربي، 1966 ).
الحلو، ماجد راغب، النظم السياسية والقانون الدستوري، (القاهرة: دار النهضة العربية، 2005 ).
الحمد، ج ا ود وآخرون، الفيدارلية: الفكةر ت وداعيات تطبيقها في العالم العربي، (عمان: مركز دراسات الشرق الأوسط، 2015 ).
الخطيب، نعمان أحمد، الوجيز في القانون الدستوري، ط 2، (عَمان: منشورات جامعة مؤتة، 1998).
الخطيب، نعمان أحمد، الوسيط في النظم السياسية والقانون الدستوري، ط 1، (عمان، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2006 ).
خليل، عثمان، القانون الدستوري، ج 1، (القاهرة: مطبعة مصر، .)1956
خليل، محسن، القانون الدستوري والنظم السياسية، (الاسكندرية: مطبعة الاسكندرية، 1987 ).
-(بيروت: دار النهضة،القانون الدستوري والنظم السياسية، .)1979
رباط، ادمون، الوسيط في القانون الدستوري العام، الدول وأنظمتها، ج 1، ط 2، (بيروت: دار العلم للملايين، 1983 ).
الساعدي، حميد، مبادئ القانون الدستوري وتطور النظام السياسي في العراق، (الموصل: دار الحكمة، 1990 ).
سليمان، عصام، الفيدرالية والمجتمعات التعددية ولبنان، ط 1، (بيروت: منشورات دار العلم للملايين، 1991 ).
الشافعي، محمد بشير، القانون الدولي العام في السلم والحرب، (الإسكندرية: منشأة المعارف للنشر والتوزيع، 1971 ).
الشاوي، منذر، القانون الدستوري، ج 1،(بغداد: منشورات مركز البحوث القانونية، 1981 ).
شورش حسن عمر، خصائص النظام الفدرالي في العراق: دراسةتحليلية مقارنة، (أربيل: مركز كردستان للدراسات الاستراتيجية)، 2009 .
شيحا، إبراهيم عبد العزيز، النظم السياسية والقانون الدستوري، (الإسكندرية: منشاة المعارف، بلا سنة طبع).
__ ومحمد رفعت عبدالوهاب، القانون الدستوري والنظم السياسية، (الإسكندرية: دار الفتح، 2001 ).
صابر، محي الدين، الحكم المحلي وتنمية المجتمع في الدول النامية، مركز تنمية المجتمع في العالم العربي،(القاهرة: دار الفكر العربي، 1963 ).
صبري، السيد، النظم الدستورية في البلاد العربية، القسم الثالث،(القاهةر: جامعة الدول الع ب رية - معهد الدارسات الع ب رية ا ولعالمية، .)1964
طالباني، نوري، حول مفهوم النظام الفدرالي، ط 2، (أربيل: مؤسسة مركرياني للنشر، 2005 ).
الطبطبائي، عادل، النظام الاتحادي في الإمارات العربية، دراسة مقارنة، (القاهرة: مطبعة القاهرة الجديدة، 1978 ).
الطماوي، سليمان محمد، السلطات الثلاث في الدساتير العربية وفي الفكر السياسي الإسلامي دراسة مقارنة، (القاهرة: دار الفكر العربي، 1974 ). إسماعيل مرزة، القانون الدستوري، (بيروت: منشورات دار صادر، سنة 1969).
عثمان، محمد فتوح محمد، رئيس الدولة في النظام الفيدرالي، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1977 ).
عصفور، سعد، القانون الدستوري، ط 1، (الاسكندرية: دار المعارف، .)1954
العلوش، سعد عبد الجبار، "الدولة الموحدة والدولة الفيدرالية"، في: دراسات دستورية عراقية حول موضوعات أساسية للدستور العراقي الجديد، (ستراسبورغ: المعهد الدولي لحقوق الانسان، 2005 ).
غالي، كمال، مبادىء القانون الدستوري، ط 1، (حلب: منشورات جامعة حلب، 1998).
الفيدرالية المالية (مفاهيم ونماذج)، ط 1، (دمشق: مركز آشتي للدراسات والبحوث، 2013 ).
قباني، خالد، اللا مركزية ومسألة تطبيقها في لبنان، (بيروت: منشورات البحر المتوسط، ومنشورات عويدات)، 1981 .
لطيف، نوري، القانون الدستوري المبادئ والنظريات العامة، ط 1، (بغداد: مطبعة المعارف، 1987 ).
ليلة، محمد كامل، النظم السياسية، الدولة والحكومة، مطبعة النهضة، (القاهرة: جامعة عين شمس، 1967 ).
المجذوب محمد، محاضرات في القانون الدولي العام، (بيروت: الدار الجامعية للطباعة والنشر، 1983 ).
__ القانون الدستوري والنظام السياسي في لبنان، ط 4، (بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية، 2002 ).
محمد، أزهار هاشم، تنظيم العلاقة بين السلطة المركزية وسلطات الأقاليم في النظام الفيدرالي، (القاهرة: المركز القومي للإصدارات القانونية، 2014 ).
مولود، محمد عمر، الفيدرالية وإمكانية تطبيقها في العراق، ط 1، (بيروت: مؤسسة مجد، 2009 ).
مونتسكيو، روح الشرائع، ترجمة: عادل زعيتر، (دار القاهرة: دار المعارف، 1953 ).
هاملتون، الكسندر وآخرون، الدولة الاتحادية أسسها ودستورها، ترجمة جمال محمد أحمد، (بيروت: مكتبة الحياة، 1959 ).
الهماوندي، محمد، الحكم الذاتي والنظم اللا مركزية الإدارية
والسياسية، (القاهرة: دار المستقبل العربي للنشر والتوزيع، 1996 ).
__ الفيدرالية والديمقراطية للعراق، (أربيل: دار أراس للطباعة والنشر، 2000 ).
هوريو، أندريه، القانون الدستوري والمؤسّسات السياسية، ترجمة علي مقلد وشفيق حداد وعبد الحسن سعد، (بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع، 1974 ).
واتس، رونالد. ل، الأنظمة الفيدرالية، ترجمة غالى برهومة مها بسطامى ومها تكلا (كندا - أوتاوا: منتدى الاتحادات الفيدرالية 2006 ).
الورتي، أحمد ابراهيم علي، النظام الفيدرالي بين النظرية والتطبيق: دراسة مقارنة، (أربيل: دار التفسير، 2008 ).
يكن، زهدي، القانون الدستوري والنظم السياسية، (بيروت: دار يكن للنشر، 1982).
2 - المقالات والبحوث والتقارير
أحمد، عبد الجبار، الفيدرالية واللا مركزية في العراق، ورقة سياسات، مؤسسة فريدريش إيبرت، بغداد، تشرين الثاني، 2013 .
إدريس حسن محمد، الرقابة على الهيئات الإدارية الاقليمية في العراق، العارق- تكريت، مجلة جامعة تكريت للعلوم القان ن وية ا ولسياسية، المجلد الرابع، العدد الرابع عشر، 2012 .
أمجد نجم عيدان وحسام شكر أمين، “إشكالية التجربة الفيدرالية في العراق”، مجلة كلية القانون للعلوم القانونية، جامعة كركوك، ج 2.
رافع خضر شبر، النظام الدستوري الاتحادي في العراق في ضوء دستور 2005 ، مجموعة محا ا ضرت مطبوعة، الد ا رسات العليا، كلية القانون جامعة بابل، 2009 .
صادق عبدالحميد مالكي، نشأة وتطور النظام الفيدرالي الأميركي: نموذج تقاسم الصلاحيات السياسية وتوازنها عبر مستويات وقضايا الحكم، عمان – الأردن، مجلة جيل الدراسات السياسية والعلاقات الدولية، العدد العاشر، 10 ت 1/ أكتوبر، 2017 .
عثمان خليل عثمان، «الوحدة والاتحاد »، بحث منشور في مجلة المحاماة، السنة التاسعة والثلاثين، العدد التاسع، مايو، 1959 .
عقيل محمد عبد وسليم نعيم محمد، «رؤية تحليلية لتوزيع الاختصاصات بين الحكومة المركزية والأقاليم الفدرالية في الدستور العراقي الدائم »، مجلة العلوم الاقتصادية، جامعة البصرة، السنة السادسة، العدد 23 ، كانون الثاني .2009
غانم محمد صالح، مفاهيم ومصطلحات، المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، العدد( 6)، أيار 2009 .
قحطان حسين طاهر،” مستقبل إدارة السلطة في العراق مابين الفيدرالية واللا مركزية”، ورقة مقدمة إلى مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية، في الحلقة النقاشية التي عقدها المركز تحت عنوان: «نظام اللا مركزية فرص النجاح وتحديات التطبيق 2015 ،» .
رشيد عمار الزيدي، إشكالية الفيدراليه في الدستور العراقي، مجلة المستقبل العربي العدد 320 ، (بيروت: مركز دراسات الوحده العربية، 2000 ).
ما هي الفدرالية؟ المؤتمر القومي للمجالس التشريعية الولائي، وزارة الخارجية الأميركية -مكتب برامج الإعلام الخارجي، أيار 2010 .
عمر الح م ضري، جليدة الفيدرالةيّ والكونفدرالةي،ّ صحيفة الرأ ي، 16/9/2018.
3 - دساتير
-الدستور العراقي
-الدستور الأميركي
رابعاً: الرسائل والأطاريح الجامعية
أحمد إبراهيم علي الورتي، «النظام الفيدرالي بين النظرية والتطبيق »، رسالة ماجستير، مقدمة إلى الجامعة العالمية الإسلامية بالمملكة المتحدة – لندن، 2006 .
اختصاصات السلطات الاتحادية في الدستور العراقي لعام « 2005 ، رسالة تقدم بها علي هادي جعفر، إلى مجلس كلية الحقوق / جامعة النهرين، وهي جزء من متطلبات نيل درجة الماجستير في القانون العام، بإشراف د. عامر محمد علي أبو نايلة، 2013 .
عادل إبراهيم أدهم، التنظيم الإداري للدولة الاتحادية (العراق انموذجاً)، رسالة دكتوراه (غير منشورة)، جامعة كركوك، 2014 : http://stclements.edu/grad/gradadham.pdf
عبد المنعم أحمد أبو طبيخ، «توزيع الاختصاصات في الدولة الفيدرالية - دراسة مقارنة »، رسالة ماجستير مقدمة إلى مجلس كلية القانون والعلوم السياسة في الأكاديمية العربية المفتوحة في الدانمرك، وهي جزء من متطلبات نيل درجة الماجستير في القانون العام، بإشراف الدكتور مازن ليلو راضي، 2009 .
ميشال الرياشي، إسهام في دراسة النظرية التقليدية للدولة الفيدرالية، أطروحة دكتوراه، مقدمة إلى كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية في الجامعة اللبنانية، بيروت، 1992 .
خامسًا- الشبكة العالمية للمعلوماتية (الانترنت)
علي الشمري، «الفيدرالية »، مجلة النبأ، العدد 59 ، تموز 2001 ، متوفر على الرابط الالكتروني: https://annabaa.org/nba59/fidralia.htm
« الفدرالية »، الموسوعة العربية الحرة، متوفر على الرابط: https://www.marefa.org/
«الفيدرالية »، المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية، 2 أيار، مايو 2015 ، متوفر على الرابط الالكتروني: https://www.idea.int/sites/default/files/publications/federalism- primer-AR.pdf
إسماعيل علوان التميمي، «التعريف بالنظام الفيدرالي 2016 ،» / 7 / 15 ، متوفر على الرابط الالكتروني: http://www.m.ahewar.org/s.asp?aid=524270&r=0
حمدوش رياض، مفهوم التكامل وأهدافه، موقع الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية والاستراتيجية، 25 فبراير 2017 ، متوفر على الرابط الالكتروني: https://www.politics-dz.com/community/threads/mfxum-altkaml- u-xdafx.6252
خالد عليوي العرداوي، توزيع الاختصاصات والمسؤوليات في النظم الفيدرالية والواقع( الدستوري العراقي، بحث متوافر على الرابط الإلكتروني: http: www.iraqmemory.org
الخيارات الفدراليّة وغيرها من الوسائل للتّوفيق بين المجموعات المتنوّعة، بحث مُقدم من طاقم عمل منتدى الاتحادات الفدراليّة، أوتاوا، كندا، متوفر على الرابط الالكتروني:http://www.forumfed.org/pubs/FederalOptionsandOtherMean sofAccommodatingDiversity-Arabic-Arabe.pdf
جاود كاظم عبد نصيف البكري، أسس توزيع الثراوت في ا ن لأظمة الفيدرالية، 2011 / 25 / 5، متوفر على الرابط الإلكتروني: http://www.uobabylon.edu.iq/uobcoleges/service_ showarticle.aspx?fid=9&pubid=1015
صلاح نيوف، «أن تكون فيدراليا نحو فهم بنية النظام الفيدرالي »، المركز الكردي للدراسات، 20 - 11 - 2014 ، متوفر على الرابط الإلكتروني: http://www.nlka.net/news/details/144
ديفيد بردنهايمر، دراسة الفيدرالية والديمقراطية، مجلة الإسلام والديمقراطية، منظمة الإسلام والديمقراطية،العدد 6، متوفر على الرابط الإلكترو
ني: http:www.demoislam.com
سامر حميد سفر، النظرية العامة للاتحاد الفيدرالي، مجلة العلوم الإنسانية، جامعة بابل، متوفر على الرابط الإلكتروني: www.uobabylon.edu.iq/publications/humanities_edition19/ humanities_ed19_29.doc
مجدي سرحان أحمد سرحان، «النظام الفيدرالي تطبيقًا على السودان فى الفترة من 2005 - »2011 ، مجلة الشريعة والقانون بجامعة افريقيا العالمية بالسودان، السنة 15 ، العدد 31 ، شباط/ فبراير 2018 .
محمود عباس، «الفيدرالية في مفاهيم الإسلام السياسي »، صحيفة إيلاف الإلكترنية، 8 ك 1/ ديسمبر 2011 ، متوفر على الرابط الإلكتروني: https://elaph.com/Web/opinion/2011701170/12/.html
محمد علي الناصري، النظام الاتحاد الفيدرالي في العراق، متوفر على الرابط: www.thawabitna1.com/culture/books/books004.htm
محمد الهماوندي، الدولة الفيدرالية، متوفر على الرابط الإلكتروني: http://www.iraqcfs.org/membersresear-arabic.php.
مجاهد هاشم الطائي، «الدولة العراقیة بین الفیدرالیة واللا مرکزیة ،» مركز إدارك للدراسات والاستشارات، آذار/ مارس 2016 ، متوفر على الرابط الإلكتروني: https://idraksy.net/wp-content/uploads/2016/03/Iraqi-between- federalism-and-decentralization.pdf
نشأة الدولة الفيدرالية، متوفر على الرابط الإلكتروني: https://www.researchgate.net/.../rwyt-thlylyt-ltwzy-alakhtsasat- byn-alhkwmt-almrkzyt-.
6 - موسوعات وقواميس
حارث سليمان الفاروقي، المعجم القانوني،ج 1، (بيروت: مطابع تيپو پرس، 1991 ).
كمال غالي، «الاتحادية »، الموسوعة العربية، متوفر على الرابط الالكتروني: http://arab-ency.com/detail/28
الموسوعة الحرة ويكيبيديا، متوفر على الرابط الإلكتروني: https://en.wikipedia.org/wiki/Achaean_League
ثانيًا- الأجنبية
1-Books
Burgess, Michel, Comparative Federalism: Theory and Practice, (London: Routledge, 2006).
Castro-rea. Juliàn et Frédéric boily, Conservateur، sous la dir. de Julian Castro-Réa et Frédéric Boily) Québec: Presses de l’Université Laval, 2014).
Dougherty.J. E., and R. L. Jr.Pfaltzgraff, Contending Theories in International Relations, 4th Edition. ( U.S.A: Addison Wesley Longman, 1996).
Eagleton. Terry, Ideology: An Introduction, (London: verso, 1991).
Elazar, Daniel J., “Viewing Federalism as Grand Design”, Political Philosophers and the Federal Principle, (Lanham, MD: The university Press of America, 1987).
Eme.Awa. Issues in Federalism, (Benin City: Ethiope Publishers, 1976).
Epstein.Benjamin. R, & Arnold Forster, Report on the John Birch Society John, (New York: Random House, 1966).
Feeley.Malcolm M, and Edward Rubin, Federalism: Po
litical Identity and Tragic Compromise ([s.l.], University of Michigan Press, 2008).
Filippov.Mikhail, Peter ordeshook and Olga Shvetsova, Designing Federalism: A Theory of Self Sustainable Federal Institutions, (Cambridge: Cambridge UniversityPress, 2004).
Forsyth. Murray, Union of States: The Theory and Practice of Federalism, (New York: Leicester University Press, 1981).
Franck.thomas.M. Why Federations Fail: Why Federations Fail: An Inquiry into Requisites for Successful Federalism, (New York: New York University Pres, 1968).
Hamilton. Alexander, James Madison and John Jay, Federalist papers, (Oxford: Oxford World’s Classics, 1993).
Ivo D. Duchacek, Comparative Federalism : The Territorial Dimension of Politics (New York: Holt, Rinehart and Winston, 1970).
J. Elazar. Daniel, Federalism as Grand Design: Political Philosophers and the Federal Principle, (UK: University Press of America, 1987).
Kerlinger.F. N. Foundations of Behavioral Research, (New York: Holt, Rinehart and Winston, 1970). Leo.Dare, “Federalism in Nigeria—Principles and Practice:
A Select Bibliography”, (Lagos: Nigerian Institute of International Affairs, 1979).
Lindberg, L., the Political Dynamics of European Economic Integration, (Standford CA: Stanford University Press,
1963).
Norman, Wayne, Negotiating Nationalism: Nation-Building, Federalism, and Succession in the Multinational State, (Oxford: Oxford University Press, 2006).
Nwabueze, O. B. Federalism in Nigeria under the Presidential Constitution, (London: Sweet and Maxwell, 1983). Preston King, Federalism and Federation, (London: Croom Helm, 1982).
Robinson.Ian, and Richard Simeon, the dynamics of Canadian federalism, in: Canadian Politics by Bickerton and Gagnon, (Toronto: University of Toronto, 2004).
Rokkan, S. and D.W. Urwin (Eds). The Politics of Territorial Identity: Studies in European Regionalism. (London: Sage Publications, 1982).
S. E, Oyovbaire, Federalism in Nigeria: A Study in the Development of the Nigerian State. (London: Macmillan Publishers,1985).
Seliger, Martin, Ideology and Politics ( London: George Allen and Unwin, 1976).
T. Ball, & R.Dagger, Political ideologies and the Democratic Ideal, (4th ed.(, )New York: Addison Wesley Longman, 2002).
Telford.Hamish, Federalism in multinational societies: Switzerland, Canada, and India in comparative, (Toronto: university of Toronto, 1999).
Tunde. Babawale, Re-Inventing Federalism in Nigeria: Issues and Perspectives (Lagos: Friedrich Ebert Foundation and Produced by Malthouse Press Ltd, 2003).
Wheare.K.C., Federal government, 4th ed.(London:Oxford Unoversity Press, 1964).
William, H.Riker, the Development of American Federalism, (USA: Kluwer Academic Publisher, 1987).
____ “Federalism”, in: Greenstein, I. Fred/Polsby, W. Nelson) Addison-Wesley Publishing Company ,[S.L], 1975).
2- Reshach & Articles
O, Ogunnoiki, the Social Sciences: The Root and Route of Political Sciences. The International Journal of Humanities and Social Studies, Vol. 5, Is. 7, 2017.
A.Obydenkova, The Role of Asymmetrical Federalism in Ethnic-Territorial Conflicts in the Era of Democratization, the RF as a case study, European University Institute Badia Fiesolana, 50016 San Domenico di Fiesole Florence, Italy ,2014.
Alfred C. Stepan, Federalism and Democracy: Beyond the U.S. Model, Journal of Democracy, Johns Hopkins University Press, Volume 10, Number 4, October 1999.
André Borges, The political consequences of center-led redistribution in Brazilian federalism: The fall of subnational party machines, Latin American Research Review, 2011, 46(3).
Bruce Oppenheimer, Muir, Jr., Legislature: California’s School for Politics, in: Craig Volden, “Origin, Operation, and Significance: The Federalism of William H. Riker” , the Journal of Federalism, Volume 34,Issue 4، 1 January 2004.
Craig Volden,” Origin, Operation، and Significance: The Federalism of William H. Riker”, the Journal of Federalism, Volume 34, Issue 4, 1 January 2004.
D. E. Ogoma,”Resolving the Crises in Nigerian Federalism and the 2015 Elections”, International Journal of Peace and Conflict Studies (IJPCS), Vol. 2, No. 2, 2014.
Daniel Ziblatt , “Rethinking the Origins of Federalism: Puzzle, Theory, and Evidence from Nineteenth-Century Europe”, Volume 57, 1 October 2004.
Dosenrode, Søren, Federalism Theory and Neo-Functionalism: Elements for an Analytical Framework, Perspectives on Federalism, Vol. 2, 2010.
Elodie Fabre, Belgian Federalism in a Comparative Perspective, Vives Discussion Paper 5, July 2009.
Eme Okechukwu & O. Onyishi, Tony, Federalism and NationBuilding in Nigeria. Nigerian Chapter of Arabian Journal of Business and Management Review, Vol. 2, No.6, 2014.
Frédéric Lépine, a Journey through the History of Federalism.
Is Multilevel Governance a Form of Federalism? Dans: Le journal d’Europe en Formation, No. 363, 2012.
International Journal of Advanced Academic Research Sciences, Technology & Engineering, Vol. 3, Issue 9, September 2017.
John O. Kalu and Dov Bing , Implication of Federalism in ‘Federal’ Related Political Institutions: A Conceptual Analysis, Perspectives on Federalism, Vol. 8, issue 3, 2016.
Livingston, William S, “A Note on the Nature of Federalism”, Political Science Quarterly ,Vol. 67, No. 1 (Mar., 1952).
Michelle Evans, Rethinking the Federal Balance: How Federal Theory Supports States Rights, the Western Australian Jurist journal, Vol. 1, 2010.
Peter Graefe & Rachel Laforest, Federalism and Governance, Canadian papers, June 2013.
R. P.Nathan, Updating Theories of American Federalism.
To be presented at the Annual Meeting of the American Political Science Association Philadelphia, Pennsylvania, September, 2006.
Rainer J. Schweizer, fédéralisme, Inst. Du fédéralisme, université de Fribourg, 09/11/2006.
Ramón Máiz, beyond institutional design: the political culture of federalism, the Journal of Federalism, Volume 15, Number 4, 1 January 1985.
“Ramón Máiz, beyond institutional design: the political culture of federalism (a normative approach)”, in book: Peter Lang & Alain Gagnon, Negotiating Diversity. Identiy, Pluralism and Democracy. Chapter: The Normative theory of federalism and the Idea of Nation.
Stein Rokkan & Derek W. Urwin, “Introduction: Center and Peripheries in Western Europe‟, in S. Rokkan and D.W.
Urwin (Eds). The Politics of Territorial Identity: Studies in European Regionalism. (London: Sage Publications, 1982),
Tunde Agara, “Negotiating the Federal Accommodation: Minorities and the Issue of the National Question in Nigeria,” Journal of Global Initiatives: Policy, Pedagogy, Perspective, Vol. 9, No. 2, 2014.
W. H. RIPER, Pour une introduction à la question , «Six Books in Search of a Subject, or Does Federalism Exist and Does it Matter?»,Comparative Politics, vol. 2, octobre 1969.
3- Thesis
Benjamin Herscovitch , a Liberal Theory of Federalism , a thesis submitted in partial fulfilment of the requirements for the degree of Doctor of Philosophy Department of Philosophy
4- Dictionaries
Le Dictionnaire Cambridge Academic Content , Cambridge University Press 2019: https://dictionary. cambridge.org/fr/dictionnaire/anglais/federalism
Fédéralisme, Dictionnaire historique de la Suisse, Berne, 09/11/2006: http://www.hls-dhs-dss.ch/textes/f/F46249.php
5- Inrenet
Bimbo sifeso,The Principle of Federal Character in
Nigeria: Implication for Federal
Stability, 2011:https://nigeriaworld.com/articles/2011/ apr/043.html
C. J. Friedrich, La démocratie constitutionnelle. In: Revue internationale de droit comparé. Vol. 12 N°1, Janvier-mars 1960. pp. 268-269.
www.persee.fr/doc/ridc_0035-3337_1960_ num_12_1_12357
General definitions of federalism - Canadian Political:https://www.cpsa-acsp.ca/papers-2005/Verrelli.pdf
Fédéralisme, 09/11/2006:
http://www.hls-dhs-dss.ch/textes/f/F46249.php
Liliane Maury, «Une philosophie pour la république : l’Idéologie», Bibnum, Sciences humaines et sociales, mis en ligne le 01 avril 2013, consulté le 03 février 2019. URL: http:// journals.openedition.org/bibnum/880