ghaemiyeh.com
موسوعة سيرة اهل البیت (عليهم السلام)
الجزء العاشر
الإمام الحسن بن علی(عليه السلام)
تأليف باقر شریف القرشی
تحقيق مهدی باقر القرشی
موسسه الأمام الحسن(عليه السلام)
لإحياء تراث أهل البيت (عليهم السلام)
الطبعة الثانية : .... 1433ه- / 2012م
عدد النسخ : .... 1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978
ردمك الجزء ( 39 ) : 0 - 1 - 8270 - 964 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول صلی الله علیه وآله وسلم
مكتبة الإمام الحسن علیه السلام - هاتف 009647805694970
محرر الرقمي: علي رضا حقاني فر
موسوعة سيرة اهل البیت(عليهم السلام)
الأمام الحسن بن عَلَى(عليه السلام)
موسوعة سيرة اهل البیت(عليهم السلام)
الجزء العاشر
الأمام الحسن بن عَلَى (عليه السلام)
الحَسَنَ عَلَى(عليه السلام)
تالیف
باقر شریف القرشي
تحقيق
مهدي باقر القرشي
موسوعة سيرة اهل البیت(عليهم السلام)
تالیف : باقر شریف القرشي
تحقيق : مهدي باقر القرشي
لاحياء تراث اهل البيت(عليهم السلام)
الناشر : دار المعروف - مؤسسة الإمام الحسن(عليه السلام)
المطبعة :...ستار
الطبعة الثانية : ... 1433هـ / 2012م
عدد النسخ :....1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978
ردمك الجزء ( 10 ) : 0 - 52 - 275 - 964 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)
مكتبة الإمام الحسن (عليه السلام)- هاتف 009647805694970
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ آل عمران 3: 33 و 34
إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً الأحزاب 33 : 33
قُل لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَفْتَرِفْ حَسَنَةٌ نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ الشورى 42: 23
المحتویات
إليك يا علّة الموجودات ، وسيّد الكائنات إليك يا منقذ الإنسانية من ظلمات الجهل ، و باعث الروح والعلم في الأجيال إليك يا رسول الله ، وخاتم النبيين محمّد(صلی الله علیه وآله وسلم) أرفع بكلتا يدى هذه الوريقات التي بحثت فيها عن سيرة سبطك الأكبر، وريحانتك الذي غذّيته من كمال النبوة، وأورثته هيبتك وسؤددك .
وهي بضاعتي المزجاة التي أعددتها لذخري يوم الوفادة عليك، فعسى أن تقع من مقامكم الرفيع موقع القبول، وهو حسبي .
المؤلّف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الإمام السبط أبو محمد الزكي أوّل الأسباط الأحد عشر من نسل محمد صلى الله عليه وسلم صلى الله سيد الأنبياء ونسل عليّ سيّد البشر ، وأوّل من اجتمع فيه نور النبوة ونور الإمامة ، فكان مجمع النورين وأحد النيرين وملتقى البحرين : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ* يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ(1)، علي بحر نور الإمامة ، وفاطمة بحر نور النبوة والكرامة ، يخرج منهما اللؤلؤ الأخضر بخضرة السم في السماء ، والمرجان الأحمر بحمرة الأرض من الدماء .
الحسن أوّل الأئمة الأمناء من صلب سيّد الأوصياء ، الحسن الذي أظهر الحقّ ، وأزهق الباطل ، وحقن بصلحه الدماء .
وقد كانت ولادته في ليلة النصف من شهر رمضان على أشهر الأقوال ، وقد صادف إملائي لهذه الكلمات هذه الليلة التي هي ليلة النور ، وليلة الفرح والسرور لأهل البيت(عليهم السلام) الذين يجب أن نفرح لفرحهم ونحزن لحزنهم . فإلى سيد الكائنات ، وعلي وفاطمة صلوات الله عليهم أزفَ الأناشيد والتهاني والترانيم ؛ مهنيّاً لهم بهذا
1) الرحمن 55 19 - 22
المولود المبارك الذي يقول فيه علة الوجود ، ومرأة المعبود ، وفي أخيه: «نِعْمَ الْجَمَلُ جَمَلُكُما ، وَنِعْمَ الرّاكِبانِ أَنْتُما» .
وإنّي لا أحاول من هذه المقالة التي جرى بها القلم على العجالة أن أذكر ما لأبي محمّد الزكيّ (عليه السلام) من عظمة المآثر ومآثر العظمة ، وكبرياء الجبروت وجبروت الكبرياء ، وعلوّ المفاخر والمناقب ومفاخر العلياء، كلا ثم كلا ، فإنّ صقر باعي ، ونسر يراعي على سعة معرفتي واطلاعي ينحطان ويسقطان عن العروج إلى ذلك العرش المتمرّد بمناعته على العقول ، والذى لا تنال منه الأفكار مهما تعالت وتغالت سوى الدهشة والذهول .
وإنّما أريد أن أتعرّض إلى ناحية من نواحي حياته ، وآية واحدة من آيات معجزاته و معجزات آياته ، وهي ناحية صلحه مع الطاغية ابن الغاوي والغاوية معاوية ، فإنّ هذه الناحية قد تعقدت ولبست أسمك جلابيب الغموض ، وساءت في توجيهها الظنون ، وباءت بالفشل كل الفروض ، وسرى الشك ، وتضعضعت أركان الإيمان ، حتى من أخص أصحابه وأصحاب أبيه(عليهم السلام)، والخلّص من شيعته ومواليه ، فحمل الغيظ والغضب ذلك الطود الأشم على إساءة الأدب ، فقال: السلام عليك .. وكان الواجب أن يقول: يا معزّ المؤمنين فقال عكسها .
ولم يزل الغموض والإلتباس يضفي على القضيه أسوأ لباس حتى على المعتقدين بإمامته وعصمته ؛ ولكن غلبت العاطفة فيها ، وصدمة الرزيّة على التعقل والروية . ولو أمعنوا النظرة ، وفسحوا المجال للفكرة لتجلّى لهم جلاء الشمس ، إن كل الصلاح وصلاح الكلّ فيما فعله سلام الله عليه ، لا من حيث التعبد والتسليم والخضوع للأمر الواقع مهما كان خيراً أو شرّاً ، ولا من حيث الاعتقاد بالعصمة ، وإن عمل المعصوم لا بد وأن يكون موافقاً للحكمة ، كلا بل لو تدبّرنا الواقعة ونظرناها من جميع أطرافها وظروفها وملابساتها ونتائجها ومقدماتها لاتضح لنا على القطع واليقين أنّ ما فعله سلام الله عليه هو المتعيّن ولا يصح غيره .
نعم ، هو الحزم بعينه ، وهو الظفر بخصمه ، وهو عين الفتك بعدوّه من حيث الفنون الحربية والسياسة الزمنيّة ، فَعَلَ فِعل القائد المحنّك ، والحازم المجرب ، فحارب عدوّه بالسلم ، وغلب عليه بالصلح ، فأخمد ناره ، وهتك ستاره ، وأبدى للناس عاره وعياره ، وما كان من الصلاح إلا أن يحاربه بالصلح لا بالسلاح ، ويذبحه بأعماله لا بقتاله ونباله ، وهذا أتمّ للحجة ، وأقطع للمعاذير ، وأبلغ في دفع الريب والشبهة ، وإيضاح كلّ هذا وإنارته بحيث يرى بالعين ، ويلمس باليد ، يحتاج إلى فضل بيان ، وقوة جنان ، وسعة في القول ، ولا يساعدني على شيء من ذلك جسمي العليل ، وبصري الكليل وكثرة أشغالي، وبالي البالي ، وضيق مجالي، وسوء حالي.
وعسى أن يلطف جلّ شأنه فيسمح لي بانتهاز فرصة أخرى أستطيع أن أعطي البيان حقه في هذا المضمار ، وأكشف عن هذا الغموض الحجب والأستار ، حتى يظهر الحق ، وتسطع الأنوار ، ولكن لا أجد بداً من أن أختم كلمتي هذه بالحق المحض ، وزبدة المخض .
وهي على الجملة والطي أنّه كما كان الواجب والمتعين الذي لا محيص عنه في الظروف التي ثار بها الحسين - سلام الله عليه - على طاغوت زمانه أن يحارب ويقاتل حتى يقتل هو وأصحابه ، وتسبى عياله ودائع رسول الله ، كما كان هذا هو المتعيّن في فن السياسة وقوانين الغلبة والكياسة ؛ مع قطع النظر عن الأوامر الإلهية ، والمشيئة الأزلية ، كذلك كان المتعيّن والواجب الذي لا محيص عنه في ظروف الحسن(عليه السلام)وملابساته هو الصلح مع فرعون زمانه ، ولولا صلح الحسن وشهادة الحسين(عليه السلام) لما بقى للإسلام اسم ولا رسم ، ولضاعت كل جهود محمد(صلی الله علیه وآله وسلم)، وما جاء به للناس من خير وبركة وهدى ورحمة ، فإن أبا سفيان ونغله معاوية وسخله يزيد دبّروا كل التدابير ، وأعملوا كل الحيل لمحو الإسلام ، وردّ الناس إلى جاهليتهم الأولى وعبادة اللات والعزّ، ولعلّ إلى هذه النكتة الدقيقة أشار النبى(صلی الله علیه وآله وسلم) بالحديث المشهور ، الظاهر بصحته ظهور النور ، يقول(صلی الله علیه وآله وسلم):« الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ إمامانِ قاما أَوْ قَعَدا » ، لعلّه يعنى أنّ
الحسن إمام في قعوده كما أن الحسين إمام في قيامه ونهضته .
وكانت جمهرة المؤرّخين وأرباب التراجم والسير تسرد قضيّة الحسن - سلام الله عليه - وصلحه مع معاوية على سطحها الظاهر وشكلها البسيط ، من غير تحليل ولا تعليل ، ولا تعميق وتحقيق ، ومن دون نظر إلى ظروف الواقعة وملابساتها ومبادئها وغاياتها ، ولذا قد يستبق إليها نوع من الاستنكار لعدم النظر إليها بنظر التدبّر والاعتبار.
ولكن بما أنّ الحق والحقيقة نور ، والنور إذا اشتد يشقّ الستور ، ويأبى إلا الظهور ، قيض الله في هذا العصر بعض الأفاضل من ذوي الأقلام البارعة ، والأفهام الفارعة ، والانظار السديدة ، والأفكار الحرّة ، فكشفوا بمؤلّفاتهم عن حياة الحسن(عليه السلام) وسيرته وصلحه الغموض والتعقيد ، وأزاحوا لثام بعض الأوهام التي زلق فيها بعض الكتبة من المعاصرين ومن الذين قبلهم .
وممن عرف فألف وأجاد فيما جمع وصنّف ، وترجم للحسن(عليه السلام)في حياته فأحسن وأتقن ، وجمع فبرع ، العالم الفاضل ، النجيب الأديب ، الشيخ باقر القرشي أيده الله بروح العناية منه والتوفيق، فقد رفع إلى بعض فصول الجزء الأول من مؤلّفه«حياة الحسن(عليه السلام)»، فوجدت فيه روح الطموح وطموح الروح ، ووجدت فيه نفساً وثابة قد جرت في أشواط السباق ، وإذا كانت في البداية فهي على وشك الوصول إلى الغاية .
وأحسن شاهد على فضل كتابه نفس كتابه : « سُبُوحٌ لَها مِنها عَلَيْها شَواهِدٌ » شكر الله مساعيه ، وبلغه أمانيه .
بدعاء أبيه الروحي
محمّد الحسين آل كاشف الغطاء
صدر من مدرستنا العلميّة بالنجف الأشرف
بتاريخ 20 شهر الصيام المبارك سنة 1373هـ.
1- لريحانة الرسول الله وسبطه الأول الإمام الزكي الحسن بن علي أمير المؤمنين(عليه السلام) الحياة مثالية ، وسيرة فواحة عطرة تتدفق بها طاقات الإسلام الثرة الندية ، وتتمثل فيها سيرة النبي الله وأخلاقه واتجاهاته ، وتتجسّد فيها جميع عناصر التربية الإسلامية الرفيعة ، فهي بحق من أروع الشخصيات الفذة التي لمعت في سماء الأمة الإسلامية ، وفي طليعة الذوات الخيرة التي تحلّى بها قاموس الإنسانية، وذلك لما اتصفت به من الحلم والعلم والخلق والسجاحة والسخاء ، وغير ذلك من الصفات الرفيعة التي شابهت صفات الرسول وحكت أخلاقه وحفلت حياة الإمام (عليه السلام) بالمصاعب والكوارث ، وامتحن امتحاناً عسيراً بالأمويين الذين جرعوه أقسى ألوان الخطوب والآلام، فقد ابتلي بهم الإمام كما ابتلى بهم جده وأبوه من قبل ، فقد كان الأمويون يكنون في دخائل نفوسهم وأعماق قلوبهم بغضاً عارماً للهاشميين ، ومصدر ذلك العداء يرجع إلى التنافر الذاتي بين الأسرتين واختلاف طباعهما وتباين اتّجاههما .
فقد كان الهاشميّون يمثّلون الأريحيّة والشمم والإباء والوفاء وحماية الضعيف وقرى الضيف ، وكانت أندية العرب ومجالسهم تتحدّث عن مكارمهم ولين طباعهم ، وعما تركوه في ربوع مكة من أنظمة للعدل وأسباب للنعيم والتجارة .
وأمّا الأمويّون فقد عُرفوا باللؤم والجفاء والغلظة والغدر والخيانة ، وعدم الاستجابة
أو المساهمة في أي عمل من أعمال الخير ، وهم في جاهليتهم وإسلامهم سواء ، لم تصدر منهم بادرة من بوادر الكرم أو ظاهرة من ظواهر الاصلاح والنفع العام .
يقول فيهم الجاحظ : « ليس لهم قدم مذكور ، ولا يوم مشهود ، فلا سابقة ولا جهاد ،وإذا كان شيء من هذا فإنّما يكون فيما يضر الناس » .
ولما أسس الهاشميون في الجاهلية حلف الفضول الذي كان شعاره مناصرة المظلوم حتى يدفعوا عنه ظلامته ، ومنع القويّ من ظلم الضعيف ، والقاطن من الاعتداء على الغريب ، كان الأمويون وحدهم قد تخلفوا عن مناصرة هذا الحلف والانتماء إلي-ه لدوافع أهمها أنّ هذا الحلف يتنافى مع ميولهم التي طبعت على الظلم والاعتداء والغرور والحسد للهاشميين .
2-ولمّا صدع الرسول الأعظم(صلی الله علیه وآله وسلم)برسالته الخالدة الداعية إلى يقظة الضمير وتحرير العقول ، ثقل على الأمويين هذا المجد الذي اختص بالهاشميين ، وعظم عليهم الأمر ، فألهبت قلوبهم بالحقد والكراهية ، وقد تحدث الحكم بن هشام مع قرينه في الشرك أبي جهل ، فأعرب له عما يكنه في قرارة نفسه من البغض العارم للهاشميين ، وعدم الاستجابة لدعوة الإسلام قائلاً: «تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف ، أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ، حتى إذا تحاذينا على الركب ، وكنا کفرسي رهان ، قالوا منا نبي يأتيه الوحى من السماء ، فمتى ندرك مثل هذا؟! واللات لا نؤمن به ولا نصدقه »(1).
وقد أجمعت كلمتهم على مكافحة الدعوة الإسلامية ، فألبوا على الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) القبائل ، وقادوا الجيوش لمناجزته ، ولكن الله ردّ كيدهم في نحرهم ، ونصر الإسلام ، وأعزّ رسوله ، فقد تحطّمت قوى الأمويين ومن تابعهم من شذاذ الآفاق وأعداء الإسلام ، واتجهت الجيوش الإسلامية الظافرة إلى احتلال مكة المكرمة ، وقد وقع
1) تاريخ الإسلام : 1: 161 . البداية والنهاية : 3 : 82 و 83 .
أبو سفيان أسيراً هو والعباس بيد القوات الإسلامية الزاحفة ، فأمر الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) بحبسهما في المضيق ليشاهد أبو سفيان قوة المسلمين وضخامة جيشهم ، واجتازت عليه القوات العسكرية الهائلة، فوقف مذهولاً مبهوتاً ، قد انهارت قواه ، وانطلق يقول للعباس: « لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيماً !
فأجابه العباس: إنّها النبوّة .
فقال أبو سفيان بصوت خافض متحجر: نعم إذن»(1)
إنّها لكلمة يسمعها بأذنه فلا يفقهها قلبه ، فما كان مثل هذا القلب ليفقه إلّا معنى الملك والسلطان، كما يقول السيد قطب (2).
وأطلق رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) سراح أبي سفيان ، وعفا عنه ؛ كما عفا عن أهل مكّة ، فانطلق يهرول قد غمرته عظمة المسلمين وقوّتهم ، وهو يهتف بين قومه: «من دخل داره فهو آمن ، ومن ألقى سلاحه فهو آمن ، ومن دخل دار أبي سفيان هو آمن» .
ولمّا سمعت هند زوجته ذلك ، وشعرت بخوفه وإيثاره العافية ، وطلبه للسلم جعلت تصيح وهي حانقة مغيضة :« اقتلوا الخبيث الدنس الذي لا خير فيه ، قبح من طليعة قوم ، هلا قاتلتم ودفعتم عن أنفسكم وبلادكم ! » (3)!
تحرّض بذلك قريشاً على الحرب ، وتلهب في نفوسهم نار الثورة ، وروح العصبية ، ودخل رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) ملكة فاتحاً ، وقام بتطهير البيت الحرام من الأوثان والأصنام ، وقد حطمها أمير المؤمنين(عليه السلام)، فكسر لاتهم وهبلهم ، وصعد بلال فوق ظهر الكعبة
يؤذن للصلاة ، فلما سمعه أبو سفيان انخلع قلبه ، وصرخ منادياً بلا اختيار: «لقد أسعد الله عتبة بن ربيعة إذ لم يشهد هذا المشهد» (4)
3- ولما اندحرت قوى الإلحاد ، وانهارت معنوية المشركين لم يجد الأمويون بداً من الدخول في حضيرة الإسلام، فدخلوا فيه وهم أذلاء صاغرون ، قد كسرت شوكتهم ، وأخمدت نارهم ، وقد ظلت قلوبهم مترعة بالحقد والكراهية للإسلام ، وقد شعر الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)بذلك ، فأصدر قراره الحاسم بإبعاد رؤوسهم عن يثرب عاصمة المسلمين ، وحرّم عليهم الدخول إليها ، وقابلهم بالاستهانة والتحقير، فقد أقبل أبو سفيان راكباً ومعه معاوية وأخوه ، أحدهما قائد والآخر سائق ، فلما رآهم النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، قال : ( اللهم العن القائد والسائق والراكب»(1).
وأقبلت امرأة إلى رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) أرادت التزويج بمعاوية ، فنهاها عن ذلك وقال لها: إنه صعلوك(2).
ومتى كان هذا الصعلوك كاتب الوحي ، أو مقرباً عند النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)(3)
وقال العلامة المحقق محمّد بن عقيل في النصائح الكافية : 206 ما نصه : «أما كتابة معاوية للوحي والتنزيل فلم تصح ، ومن ادعى ذلك فليثبت أية آية نزلت فكتبها معاوية . اللهم إلا أن يأتينا بالحديث الموضوع أنه كتب آية الكرسي بقلم من ذهب جاء به جبرئيل
هدية لمعاوية من فوق العرش ، نعوذ بالله من الفرية على الله وعلى أمينه ورسوله . وقال السيد قطب في العدالة الاجتماعية : 182 : «إنّ أبا سفيان حين أسلم رجا النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) في أن يسند إلى معاوية شيئاً يعتز به أمام العرب، ويعوّضه عن سبة التأخر في الإسلام ، وأنه من الطلقاء الذين لا سابقة لهم في الإسلام ، فاستخدمه النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) في الرسائل والحوائج والصدقات ، ولم يقل أحد من الثقات أنه كتب للنبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، كما أشاع أنصاره بعد استقرار الملك كما يصنع سائر الدعاة ، وإن كان استخدام النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) لمعاوية محلّ ريب؛ لأنّ الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)كان ينظر إليه وإلى أسرته نظرة ريبة لشكله(صلی الله علیه وآله وسلم) في إسلامهم »
، كما يقولون .لقد قابل الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) عموم الأمويين بالاستهانة والتحقير والحط من شأنهم؛ وذلك لأنه استشف من وراء المغيبات أنهم مصدر الفتن والاضطراب والقلق بين المسلمين ،فباعدهم ، وقد رأى(صلی الله علیه وآله وسلم) في منامه أنهم ينزون على منبره نزو القردة والخنازير ، فأنزل الله تعالى عليه قوله: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةٌ لِّلنَّاسِ(1)، وما رؤي بعد ذلك ضاحكاً (2)
4 -ولما انقصم ظهر الإسلام ، وانحسرت روحه بموت الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)، انصبت الفتن على المسلمين كقطع الليل المظلم ، حتّى فقدوا الرشد والصواب ، فناصبوا عترة الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) الذين هم وديعة النبي ، فأبعدوهم عن مراتبهم التي رتبهم الله فيها ، وسلبوا الخلافة الإسلامية من أيديهم ، وتهالكوا على الإمرة والسلطان ، وقد مهد الخليفة الثاني الحكم للأمويين ، فاستعمل معاوية والياً على الشام ، وأطلق له العنان ، فلم يحاسبه على إسرافه ، ولم يعاتبه على تبذيره وبذخه ، كما فعل مع بقيّة عمّاله ، وقد قيل له في ذلك ، فاعتذر لنفسه ، واعتذر عنه قائلاً: « ذاك كسرى العرب ؟»(3).
ولم يكتفِ بهذا المدّ للأمويين ، وبهذا الإحسان الذي أسداه إليهم ، فقد فتل حبل الشورى الذي أنتج فوزهم بالخلافة ، وتلاعبهم بمقدّرات الأمة وإمكانياتها ، وجرّ الخطوب والويلات لها ، وانتهاك كرامة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) في عترته وذريته .
ولما استولى الأمويون على زمام الحكم كان هدفهم طوي هذا الدين ، وقلع جذوره ، ومحو سطوره ، وإبادة معالمه وآثاره ، ولولا فيض عارم في مبادئه ، وقوّة كامنة في طاقاته ، وتضحيات العلويين لانتشاله ، وعناية قبل كل شيء فيه من الله تعالى لأصبح الإسلام معدوم الأثر من دنيا الوجود؛ لأنه حينما استتب لهم الأمر ، وصفا لهم
الجوّ ، ظهر مدى حقدهم البالغ على الإسلام ، وظهرت رغباتهم في الملك والسلطان ، فكانوا لا يفكرون إلا بذلك ، ولا يحلمون إلا بأن تكون دولة المسلمين العوبة بأيدي أبنائهم وصبيانهم ، وقد أدلى بذلك أبو سفيان بكلمته التي ألقاها أمام أسرته وذويه قائلاً لهم:« يا بني أمية ، تلاقفوها تلقف الكرة ، فوالذي يحلف به أبو سفيان ما من جنّة ولا نار ، وما زلت أرجوها لكم ، ولتصيرن إلى صبيانكم وراثة »(1).
قال هذه الكلمة أبو سفيان بمرأى ومسمع من عثمان ، وهي صريحة في ارتداده ، وظاهرة في إلحاده ، والواجب الشرعي يحتّم على عثمان أن يقيم عليه الحد باعتباره خليفة المسلمين ، وهو مسؤول عن تنفيذ أحكام الدين ، وتطبيق حدوده ، ولكنه أعار ذلك أذناً صمّاء ، وأهمل ما وجب عليه .
وحينما نشبت أظفار معاوية بالملك اتضح عداؤه السافر للإسلام والمسلمين ، وقد برز ذلك في أقواله وأعماله واتجاهاته ، فقد خطب في النخيلة ، وكانت نشوة الظفر عليه بادية ، فقال: « يا أهل العراق ، والله إنّي ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ، ولا لتحجوا ، ولا لتزكوا ، وإنّما قاتلتكم لأتأمر عليكم ، وقد أعطاني الله ذلك»(2).
وأيّة قيمة للصلاة والصوم والزكاة والحجّ؟ وأي أثر لسائر الطقوس الدينية عند ابن هند التي نهشت كبد سيّد الشهداء حمزة ، إنّه ما قاتلهم من أجل ذلك ، ولا من أجل المطالبة بدم عثمان الذي أقام الدنيا وأقعدها بسببه ، وإنما قاتلهم من أجل الظفر بالملك والسلطان .
لقد منيت البلاد الإسلامية أيام حكمه وسلطانه بالظلم والجور والاستبداد ، ومُني المسلمون بالاستعباد والاستغلال ، فقد قضت سياسته الإرهابية الملتوية بإرسال الأخيار والمصلحين إلى ساحات الإعدام وظلمات السجون ، فقد أعدم الصحابي
العظيم حجر بن عدي وإخوانه الصالحين؛ لأنهم أنكروا على ولاته سبهم لأمير المؤمنين وسيّد المتّقين .
إنّ البارز في سياسة معاوية نشر الإرهاب والخوف ، وإشاعة الفتن والاضطراب ، وإباحة الغدر والخيانة ، والولوغ في دماء المسلمين ، فقد أسرف هو وعماله في ذلك حتّى قتلوا الأطفال الصغار ، والشيوخ العاجزين بعد ما تجاوزوا الحد في قتل الرجال وسجن النساء ، وقد ارتطمت البلاد بالفتن ، وضجّ الناس من الظلم والجور.
وقد ساند سياسته فريق من المرتزقة وباعة الضمير، الذين وضعوا دنياهم فوق رؤوسهم ، ودينهم تحت أقدامهم ، فراحوا يلقون عليه التقديس ، ويخلعون عليه النعوت الحسنة ، ويبرّرون جرائمه و موبقاته وهم ما بين راو وخطيب وزعيم ، فأخذوا يذيعون بين الشاميين قربه من الرسول ، وأنه وارثه ، حتى انقضى ردح من الزمن وهم لا يظنون أن هناك أحداً أقرب إلى النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) من معاوية وبني أمية ، كما افتعلوا الأحاديث الكثيرة في الثناء عليه، وضرورة تكريمه وتقديره، ومضافاً لهذا الفريق المرتزق البطانة التي ظفر بها، كعمرو بن العاص ،والمغيرة بن شعبة ، وزياد بن أبيه ، وأضرابهم من دهاة العرب وأبالسة الدنيا، فقد أخذوا في تسديده ، وإحكام سلطانه ، و تخذيل أعدائه ، حتى أصبحت مقاومة حكمه من الصعوبة بمكان ، فقد عجز أمير المؤمنين(عليه السلام) عن مقاومته ومناجزته ، حيث أفسد عليه جيشه وتركه في أرباض الكوفة يتمنى النزوح عن هذه الدنيا ، ومفارقة ذلك المجتمع المصاب بأخلاقه حتى قضى(عليه السلام) شهيداً صابراً .
5- ولمّا فجع الإسلام ، ونكب المسلمون بقتل وصي الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)، وبايعت الحواضر الإسلامية سبط النبي الإمام الحسن (عليه السلام)، أخذ معاوية وعملاؤه يدبرون نفس الخطة التي دبروها مع أبيه من قبل ، فأفسدوا عليه جيشه وخواصه بالمال تارة ، وبالإرهاب أخرى ، حتى بلغ بهم التخاذل والانحطاط مبلغاً فظيعاً، فقد كاتبوا معاوية بتسليم الإمام له أسيراً سرّاً أو علانية إن شاء ذلك ، وانضمت إلى ذلك عوامل
أخرى سنذكرها مشفوعة بالتفصيل في غضون هذا الكتاب ، فرأى لا أنه إن ق-اوم معاوية قاومه بيد جذاء ، ولو ضحى بنفسه لذهبت تضحيته سُدى ، وتعود بالضرر الجسيم على الإسلام والمسلمين ، فوقف الله مع عدوّه موقف الحازم اليقظ ، والبصير المحنك ، فصالح معاوية وحفظ دمه ودم أهل بيته ، والبقية الصالحة من المؤمنين ، وقد كشف ذلك عن سموّ رأيه ، وعمق نظره ، ولم يترك الا بعد الصلح جهاده المقدّس ، فقد انبرى يعمل في تحطيم عروش الدولة الأموية ، ويبيّن أخطارها على العقيدة الإسلامية ، وقد تصدّى لمعاوية بالذات، فذكر مثالبه وموبقاته في بلاطه ، وذلك حين سافر(عليه السلام) إلى الشام .
وسيقف القارئ الكريم في بحوث هذا الكتاب على مدى الآلام المرهقة التي تجرعها سبط الرسول الله من معاوية ومن جلاوزته ، ويقف على ما ألم به من المحن والبلوى ، والاستهانة به حتى من خلّص أصحابه وأصحاب أبيه ، فقد جابهوه بعد إبرام الصلح بأقسى القول وأمره ، وكان أشدّ على نفسه من ضربات السيوف ، وقد صبر -سلام الله عليه - على ما انتابه من الخطوب ، وبثّ حزنه وشكواه إلى الله .
وبحثنا في هذا الكتاب عن مظاهر شخصيته وعن سيرته الندية ، التي هي بحق من أروع ما حفل به تاريخ المسلمين من المآثر والمفاخر ، كما ذكرنا الأدوار التي اجتازت عليه ، وما في عصره من الظواهر الاجتماعية ، فإنّ الإحاطة بذلك فيما نعلم ضرورة ملزمة يقتضيها البحث ، وقد بحثنا عن ذلك كله ببحث حرّ جهد ما توصل إليه تتبعنا .
وفي الختام : لقد تفضّل المحسن الكبير الحاج محمد رشاد عجينة نجل الوجيه الحاج محمد جواد عجينة مشكوراً بطباعة هذا الكتاب بطبعته الأولى ، سائلاً الله أن يوفقه إلى إحياء مآثر أهل البيت(عليهم السلام)، وأن يمنحه المزيد من الأجر ، إنّه ولي ذلك والقادر عليه .
مکتبۀ الذمام الحسن العامۀ
النجف الاشرف
باقر شریف القرشی
نشأت الصدّيقة فاطمة سيّدة بنات حوّاء في إبان الدعوة الإسلامية ، وترعرعت والإسلام في مرحلة الارتقاء ، وقد قام بدور تربيتها منقذ الإنسانية ، وسيد ولد آدم ، الرسول محمد(صلی الله علیه وآله وسلم)، فغذاها من حكمه وكماله ، وأفرغ عليها أشعة من روحه المقدّسة ، وأشبعها من مكرمات نفسه العظيمة ، لتكون قدوة لنساء أمته ، ومثالاً للكمال الإنساني ، وعنواناً للظهر والعفاف.
وحمل الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) في نفسه من الحبّ لها ما لم يحمله لغيرها ؛ ذلك لأنها البقية الصالحة من زوجته الطاهرة أمّ المؤمنين خديجة رضي الله عنها(1)
زوج النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، وأول من آمنت به وصدقته بإجماع المسلمين ، وكانت تدعى في الجاهليّة « الطاهرة ، وهي ذات ثراء عريض ، كانت تستأجر الرجال للتجارة في أموالها ،وقد بلغها عن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) صدق حديثه ، وعظم أمانته ، وكرم أخلاقه ، فبعثت إليه وعرضت عليه التجارة في أموالها ، فأجاب إلى ذلك وخرج إلى الشام مع غلام لها اسمه ميسرة .
فلمّا قدم(صلی الله علیه وآله وسلم) إلى الشام استظل تحت شجرة ، وكانت قريبة من صومعة راهب ، فأطلّ الراهب وقال لميسرة : مَن هذا الرجل ؟
فقال له : إنّه من قريش ، من أهل الحرم .
فقال الراهب : ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلّا نبّي .
التي منحته1) خديجة بنت خويلد بن أسد القرشيّة الأسدية :
بعطفها وحنانها ، وآمنت به قبل غيرها ، ورصدت جميع أموالها وإمكانياتها لتقويم دعائم الإسلام ، وتشييد دعوته حتى نفد جميع ما عندها من الثراء العريض .
ولم ينس الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) تلك اليد البيضاء التي أسدتها على الإسلام ، فقد قابلها بالشكر الجزيل ، والثناء العاطر ، فكان بعد موتها دوماً يترحم عليها ، ويذكر وفاءها وإحسانها ، حتى وجدت عليها عائشة ، وانطلقت تقول له : ما تذكر من عجوز حمراء
ثم باع رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) الأموال التي جاء بها واشترى ما أراد ، ثمّ قفل راجعاً إلى مكة ، وأعطى خديجة الأموال وقد ربحت ربحاً كثيراً ، وحدّثها ميسرة عن قول الراهب، فبعثت خلف النبي ، فقالت له : إنّي قد رغبت فيك لقرابتك منّي ، وشرفك في قومك ، وأمانتك عندهم، وحسن خُلقك ، وصدق حديثك ، وعرضت عليه الزواج بها ، وكانت من أوسط قريش نسباً ، وأعظمهم شرفاً ، وأكثرهم مالاً .
وخرج الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) فعرض مقالتها على أعمامه ، فخرج عمه حمزة ودخل على أبيها خويلد فخطبها منه ، فأجابه إلى ذلك ، فتزوج بها رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) ، وكان عمرها أربعين سنة ، وعمره الشريف خمس وعشرون سنة ، وقيل غير ذلك .
ولمّا بُعث رسول الله كانت أوّل من آمنت به وآزرته ، وكان لا يسمع شيئاً يكرهه من ردّ عليه وتكذيب له ممّا يحزنه إلا خففت عنه ، وهونت عليه أمر الناس وصدقته ، ولعظم جهادها في الإسلام بشرها رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) بيت في الجنة من قصب ، لا صخب فيه ولا نصب ، وكان جبرئيل يحمل لها السلام من الله ، وقال(صلی الله علیه وآله وسلم) في حقها: «خَيْرُ نِساءِ الْعَالَمِينَ أَرْبَعَ : مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ ، وَآسِيَةً بِنْتُ مُزاحِمٍ امْرَأَةٌ فِرْعَوْنَ ، وَخَدِيجَةُ ابْنَةُ خُوَيْلِدٍ ، وَفاطِمَةً بِنْتُ مُحَمَّدٍ» .
وما فتئ رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) يذكرها حتى إنه إذا ذبح شاة يتتبع رفيقات خديجة فيهدي لهنّ من لحمها . وقد توفيت قبل الهجرة بثلاث سنين ، وقيل : إنّها توفيت بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام ، فتتابعت على رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) المصائب ما بعد فقده لهما .
توفيت في رمضان ، وكان عمرها خمساً وستين سنة ، ودفنت بالحجون . جاء ذلك في أسد الغابة : 5: 439 . الإصابة : 8 : 103 .
الشدقين(1)، قد أبدلك الله خيراً منها .
فغضب النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) من هذا التوهين ، فقال لها : « لَا وَاللهِ ! ما أَبْدَلَى اللَّهُ خَيْراً مِنْها : آمَنَتْ ِبي إِذْ كَفَرَ بِيَ النَّاسُ ، وَوَاسَتْني في مالِها إِذْ حَرَمَنى النَّاسُ ، وَرَزَقَنِي مِنْها أَوْلَاداً إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّساءِ»(2).
لقد واسته خديجة حينما وجدت عليه جبابرة قريش، فوقفت إلى جانبه تحميه وتصون دعوته بأموالها الضخمة ، كما رزق منها الولد ولم يرزقه من غيرها ، فقد رزق منها سيدة نساء العالمين ، شبيهة القديسة مريم بنت عمران في عفافها وطهارة ذيلها فاطمة الزهراء(عليها السلام)، التي بتلها الله عن النظير ، وهو السبب في تسميتها بـ « البتول » ، كما أن السبب في تسميتها بفاطمة أنّ الله قد فطمها وذريتها من النار(3)
فقال له : إِنَّ اللهَ قَدْ فَطَمَها وَذُرِّيَّتَها مِنَ النَّارِ».
وذكره الحافظ محبّ الدين الطبري في ذخائر العقبى : 26 ، وجاء فيه: «إنّ الإمام علي بن موسى الرضا روى الحديث في مسنده ولفظه : أن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) قال : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَطَمَ ابْنَتِي فَاطِمَةَ وَوَلَدَها وَمَنْ أَحَبَّهُمْ مِنَ النَّارِ»
وعن ابن عباس(رضی الله عنه)، قال : « قال رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) : إِنَّ ابْنَتِي فَاطِمَةَ حَوْراءٌ؛ إِذْ لَمْ تَحِضْ وَلَمْ تَطْمِتْ ، وَإِنَّما سُمِّيَتْ فَاطِمَةُ لأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَطَمَهَا وَمُحِبيها عَنِ النَّارِ » . تاريخ بغداد : 12: 328 الصواعق المحرقة : 153 . كنز العمال : 12 : 109 .
.وأدلى الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) بعظيم منزلة الزهراء(عليها السلام)، وسمو مكانتها عند الله ، فقال(صلی الله علیه وآله وسلم)
مخاطباً لها : «إِنَّ اللهَ يَغْضَبُ لَغَضَبِكِ ، وَيَرْضى لرضاك »(1).
وأخذ بيدها وقال للمسلمين : « مَنْ عَرَفَ هَذِهِ فَقَدْ عَرَفَهَا ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفُها فَهِيَ فاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ ، وَهِيَ بَضْعَةٌ مِنِّي ، وَهِيَ قَلْبِي ، وَهِيَ رُوْحِيَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيَّ مَنْ آذَاهَا فَقَدْ آذَانِي ، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى الله» (2).
لقد قرن الرسول راحتها براحته ، وسعادتها بسعادته ، وقد تظافرت الأخبار التي أثرت عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) بذلك ، فقد قال(صلی الله علیه وآله وسلم): « إِنَّما فاطِمَةُ شَجَنَةٌ(3)مِنِّي ، يُبْسِطُنِي(4)ما يُبْسِطُها ، وَيُقْبِضُنِي (5)ما يُقْبِضُها »(6)
وروت عائشة عن مدى حفاوته(صلی الله علیه وآله وسلم) وتكريمه للزهرا(عليها السلام)، فقالت : « إنّها إذا
دخلت عليه قام إليها فقبلها ، ورحب بها ، وأخذ بيدها فأجلسها في مجلسه (7).
وسئلت عائشة فقيل لها : أيّ النّاس كان أحبّ إلى رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)؟
فقالت: فاطمة .
فقيل لها ومن الرجال ؟
فقالت : زوجها ، إن كان ما علمت صوّاماً قواماً (8).
1) مستدرك الحاكم : 3: 153 أسد الغابة : 5 : 522 . الإصابة : 8: 159 . تهذيب التهذيب : 12 : 441 . كنز العمال: 6: 219 فضائل الخمسة من الصحاح الستة : 3: 156 ميزان الاعتدال : 1: 525 .
2) نور الأبصار : 41 .
3) الشجنة : العضو المشتبك والغصن .
4) البسط : السرور .
5) القبض : الإستياء .
6) كنز العمال: 12 : 111 . مستدرك الحاكم : 3 : 154 .
7) مستدرك الحاكم : 3 : 157 . إسعاف الراغبين : 169 .
8) مستدرك الحاكم : 3 : 157 . ذخائر العقبي : 35 ، وجاء فيه زيادة على الرواية : « جديراً بقول الحقّ » ، وعن بريدة كما في الاستيعاب : 4 : 378 ، قال : «كان أحب النساء إلى رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) فاطمة ، ومن الرجال عليّ ».
وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده : « أنّ النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) قال : فداؤها أبوها . قال ذلك ثلاث مرّات »(1)
وبلغ من حبه وتقديره لها أنه إذا سافر جعلها آخر الناس عهداً به ، وإذا قدم من سفره جعلها أوّل من يقصده(2).
وروى أنس بن مالك : « أنّ رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) كان يمر بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج لصلاة الفجر يقول : الصَّلَاةَ يا أَهْلَ الْبَيْتِ ، ويتلو قوله تعالى : إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ الآية(3).
لقد كان كلف النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) وإشفاقه على بضعته الزهراء فوق كلف الآباء وإشفاقهم على أبنائهم (4)
وأضاف يقول : « ولقد كانت تعامل في بيت والدها معاملة عادية ».
إنّ « لامنس معروف بعمالته للاستعمار ، وبحقده على الإسلام ، فمن أي مصدر استنتج منه هذه النتائج ، وقد طفحت الكتب الإسلامية بالأخبار المتظافرة الواردة عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)في سمو منزلتها ، وعظيم شأنها عنده(صلی الله علیه وآله وسلم) ، وما ذكرناه من الأحاديث السابقة التي أجمع المسلمون على روايتها تدل بوضوح على مدى تكريم النبي لها(عليهم السلام)، وإنما أراد «لامنس » تشويه الإسلام ، والحطّ من أهمّ شخصيّاته الرفيعة .
.1) الصواعق المحرقة : 109 .
2) مستدرك الحاكم : 3 : 154 .
3) الأحزاب 33: 33.
4) كتب المستشرق « لامنس » في كتابه «فاطمة وبنات محمّد مغالطات وبحوثاً معكوسة يقول عند التحدّث عن سيدة النساء فاطمة ما نصه : « ولم يكن شأنها في بيت والدها خطيراً ظاهر الأثر ، بادي الخطورة ، بل لقد كان خطرها أقل من خطر عائشة وزينب وحفصة » .
ومن المعلوم الذي لا ريب فيه أنّ الرسول الله لم يمنحها هذا العطف ، ولم يفض عليها هذا التكريم لأنّها ابنته ، ولا عقب له سواها ، فإنّ شأن النبوة بعيد كل البعد عن المحاباة والاندفاع بعاطفة الهوى والحبّ ، وإنما صنع ذلك لتشييد الفضيلة ، ورفع مستوى القيم الرفيعة ، فإنّه (صلی الله علیه وآله وسلم) لم يجد في بنات المسلمين ونسائهم من تضارع ابنته في كمالها وعفافها وطهارة ذيلها ، فقد تجسّمت فيها جميع المثل الخيّرة من العلم والعبادة والتقوى ، وغير ذلك من الصفات التي عزّ وجود بعضها في بنات حواء .
ولمّا أشرفت كريمة الرسول (صلی الله علیه وآله وسلم)على ميعة الشباب تشرّفت مشيخة الصحابة بمقابلة الرسول (صلی الله علیه وآله وسلم)، وعرضوا عليه رغبتهم في التشرف بمصاهرته ، فقد جاء أبو بكر خاطباً، فردّه الله وقال له : أَنتَظِرُ بها الْفَضاءَ .
وأعقبه عمر ، فردّه بمثل ما ردّ به صاحبه(1).
ولما علم المسلمون أنّ أمر الزهراء بيد الله تعالى وليس للنبي(صلی الله علیه وآله وسلم)أن يبتّ فيه ، وجموا عن مذاكرته في ذلك ، ومضت فترة من الزمن اجتمع في خلالها نفر من الصحابة بعلي ، فذكروا له قربه من الرسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، وشدّة بلائه في الإسلام ، ومناصرته للنبي في جميع المواقف والمشاهد، وحفّزوه على خطبة كريمته ليفوز بمصاهرته ، ويحوز إلى شرف جهاده شرف المصاهرة ، فسار بين إحجام وإقدام يمشي في خطو متمهل وئيد ، حتى دخل على النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)وقد أخذه صمت رهيب(2)
فقال له رسول الله : أَنْتَ أَخِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ».
إلى غير ذلك من الأخبار التي دلّت على أنه نفس النبي الله ، وأنه أخوه ووصيه ووزيره وخليفته من بعده على أمته ، ولم يحز الإمام هذه المنزلة إلا لعظيم اتصاله بالله .
.1) الطبقات الكبرى : 8 : 11 . تاريخ الخميس : 1 : 407 . ذخائر العقبي : 29
2) علّل بعض الحاقدين على أمير المؤمنين(عليه السلام) ذلك الصمت أنّه كان يخاف من النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)أن يردّه لفقره ، وهو تعليل موهوم ، فإنّ النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)لا يعني من المسلم إلّا فضائله وتقواه ، ولم يعر أي اهتمام للثراء وتضخّم الأموال ، ولقد أخى بين نفسه وبين علي مع علمه بفقره ، فقد جاء في مستدرك الحاكم : 3 : 14 ، وفي الاستيعاب : 3: 35 ما نصه : « إن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) لمّا أخي بين أصحابه جاءه علي(عليه السلام)، فقال : أَخَيْتَ بَيْنَ أَصْحَابِكَ وَلَمْ تُوْاحَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَحَدٍ؟
فالتفت(صلی الله علیه وآله وسلم) إليه مستفسراً : ما حاجَةُ ابْنِ أَبي طالب ؟
فغالبه الحياء برهة ثم أجاب : ذَكَرْتُ فَاطِمَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ .
فأجابه الرسول والسرور بادٍ على وجهه ، وابتسامة ظاهرة على شفتيه قائلاً: مَرْحَباً ، إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَزَوِّجَكَ مِنِ ابْنَتِي (1)
وتغمر المسرات قلب الإمام بما أراد له الخالق الحكيم من خير الدنيا والآخرة ، فهو ابن عم الرسول (صلی الله علیه وآله وسلم)وسيصبح له صهراً ، وورد في بعض التفاسير أنه هو المعني بهذه الآية: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً (2)
ويلتفت النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) إلى أصحابه فيخبرهم بما أمره الله به قائلاً: «لَقَدْ أَتَانِي مَلَكَ فَقالَ لِي : يَا نَبِيَّ اللهِ ، إِنَّ اللهَ يُفْرِؤُكَ السَّلَامَ ، وَيَقُولُ لَكَ : إِنِّي زَوَّجْتُ فَاطِمَةَ مِنْ عَلِيٍّ فِي الْمَلَأُ الْأَعْلَى ، فَزَوِّجْهَا مِنْهُ فِي الْأَرْضِ »(3)
ويدخل الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) على ابنته ، وقد أترعت نفسه الشريفة بالأفراح ، فيخبرها بذلك قائلاً لها : « زَوَّجْتُكِ خَيْرَ أُمَّتِي ؛ أَعْلَمَهُمْ عِلْماً ، وَأَفْضَلَهُمْ حِلْماً ، وَأَوَّلَهُمْ سِلْماً» (4)
ويقول لها مرة أخرى : « أَمَا عَلِمْتِ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ ، فَاخْتارَ مِنْهُمْ أَبَاكِ ، فَبَعَثَهُ نَبِيَّاً ، ثُمَّ اطَّلَعَ ثَانِيَةً فَاخْتارَ بَعْلَكِ فَأَوْحَى إِلَيَّ فَأَنْكَحْتُهُ وَاتَّخَذْتُهُ وَصِيّاً» (1).
ويقول لها : « إِنَّهُ لأَوَّلُ أَصْحَابِي إِسْلَاماً أَوْ أَقْدَمُ أُمَّتِي سلما -، وَأَكْثَرُهُمْ عِلْماً ، وَأَعْظَمُهُمْ حِلْماً »(2).
ومع توفّر هذه المثل الرفيعة ، والقيم العليا في شخصية الإمام الكيف لا يزوجه الرسول (صلی الله علیه وآله وسلم)من كريمته التي لا كفؤ لها في المسلمين سوى أمير المؤمنين(عليه السلام)، كما جاء بذلك الحديث الشريف : « لَوْ لَمْ يُخْلَقْ عَلِيٌّ لَما كانَ لِفَاطِمَةَ كَفُورٌ »(3).
وانبرى الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)وقد غمرته موجات من السرور إلى الإمام(عليه السلام) قائلا له : ما عِنْدَكَ مِنَ الْمَهْر ؟
أجابه الإمام(عليه السلام) أنه لا يملك شيئاً من متع الدنيا سوى فرسه وسيفه ودرعه ، وكانت الدرع ممّا أفاء الله بها عليه من غنائم بدر.
فقال له النبي(صلی الله علیه وآله وسلم): «أَمَا فَرَسُكَ فَلَا بُدَّ لَكَ مِنْهَا ، وَأَمَا سَيْفُكَ فَلَا غِنى لَكَ عَنْهُ ، وَأَمَا دِرْعُكَ فَبِعْهُ »(4).
1) كنز العمال : 6: 153 .
2) كنز العمال : 6: 153 . مسند أحمد بن حنبل : 5 : 26. مجمع الزوائد : 6: 101 : 6: 101 . الرياض النضرة : 2 : 194 .
3) مسند أحمد بن حنبل : 5 : 36 . مجمع الزوائد : 6: 101 . الرياض النضرة : 2 : 194 . كنوز الحقائق المناوي : 124 . من لا يحضره الفقيه : 3 249 .
4) كفاية الطالب : 166 . بحار الأنوار: 43: 130 .
وانطلق الإمام إلى السوق فباع درعه بأربعمائة وثمانين درهماً ، وجاء بالثمن معقوداً في طرف ثوبه(1)
وجاء في تاريخ الخميس : 407:1: « أنه باع بعيراً وبعض أمتعته وأعطاه مهراً»، وهو مخالف لما عليه المشهور من أنه باع درعه وأعطى ثمنه مهراً لفاطمة .
، فوضعه بين يدي الرسول (صلی الله علیه وآله وسلم) وقد غلبه الحياء ، حيث يعلم أن هذا المهر هو أقل ما يبذله الفقراء مهراً لأزواجهم ، ولكن الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) أحب مصاهرته لا لشيء من حطام الدنيا ، ولا لغير ذلك مما يؤول أمره إلى التراب ، بل إنّما خصه بهذه المكرمة لأنّه الفرد الأوّل فى أمته الذي امتاز على غيره بسبقه إلى الإسلام(2)، وجهاده عن حياض هذا الدين، بالإضافة إلى عبقري~اته الأخرى التي لا تتوفر بعضها في أي إنسان .وعندما قبض الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) المهر ناول بعضاً منه بلالاً ليشتري شيئاً من الطيب والروائح ، وناول بعضه الآخر سلمان وأمّ سلمة ليشتريا بقيّة الأثاث ، وما هي إلا ساعة حتى تم جهاز العرس ، وكان : إهاب كبش إذا أرادا أن يناما قلباه على صوفه ، ووسادة من أدم حشوها ليف(3)، وسريراً مشروطاً(4)، ورحيين، وسقاء ، وجرّتين(5)
وجاء في ذخائر العقبي : 35 : « أن عليّاً له قال : لَقَدْ تَزَوَّجْتُ فاطِمَةَ وَما لي وَلَها فِراش غَيْرُ جِلْدِ كَبْشٍ تَنامُ عَلَيْهِ بِاللَّيْلِ ، وَنَعْلِفُ عَلَيْهِ النَّاضِحَ بِالنَّهَارِ » .
، وغير ذلك مما هو زهيد في بادئ الرأي ، ولكنه في نظر الإسلام أثمن1) کنز العمال : 7: 114 .
2) جاء في كل من : مستدرك الحاكم : 3 : 112 والاستيعاب : 3: 31 : « أنه بعث النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)يوم الإثنين ، وأسلم عليّ يوم الثلاثاء ، وكذا جاء في غيرهما من المصادر. وقد أجمع المسلمون : « أنّه أوّل من أسلم وآمن بالرسول(صلی الله علیه وآله وسلم).
3) الطبقات الكبرى : 8: 14 ، رواه بسنده عن جعفر بن محمد ، عن أبيه(عليهم السلام).
4) مشروطاً : أي مشدوداً بشريط ، وهو خوص مفتول يشترط ، أي يشدّ ويربط به السرير ، والرواية ذكرها أبو نعيم في حلية الأولياء : 3: 329 ، رواها بسنده عن عكرمة .
5) مسند أحمد بن حنبل : 1: 104. كنز العمال: 7: 113.وجاء في مستدرك الحاكم : 2 : 185 ، قال : « جهز رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) فاطمة في خميل ، وقربة ، ووسادة حشوها ليف».
من الجوهر ، وأغلى من الأمتعة الثمينة التي توجد عند الملوك وذوي الثراء العريض .
وقد استنتج المستشرق الانكليزي ( لامنس ) من هذا الجهاز المقدّس نتيجة معكوسة . يقول : « وبالأحرى أنّ هذا الجهاز الذي أمر به محمد (صلی الله علیه وآله وسلم) دليل على الكراهية التي في نفس محمد(صلی الله علیه وآله وسلم)لابنته فاطمة ولزوجها ، وكانت كراهيته له لا تقل عنها(1).
ولحقد ( لامنس ) على الإسلام وجهله بحكم تشريعاته استنتج ذلك ، فقد اعتقد أنّ مظاهر الحبّ من الوالد تجاه ولده تتجلّى فيما إذا أكثر له من ملاذ الحياة ونعيمها ومباهجها ، ولم يعلم أنّ مقام الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)أسمى من أن يخضع لعاطفة الحب التي تجرّ إلى زخارف الحياة ، فإنّه في عمله هذا كان في مقام التشريع والتأسيس لأهم نقطة حيوية في الإسلام تبتني عليها سعادة المسلمين ، وهي تسهيل الزواج ، وعدم تعقيده بزيادة المهر ، فإنّ المهر الذي ارتضاه لابنته ، وهذا الجهاز الزهيد الذي هيّأه لها مع أنّها أعزّ أبنائه وبناته ، إنّما هو سنّة من نظامه الرفيع الخالد الذي كره المغالاة في المهر ، فإنّ زيادته تمنع الفقراء والبؤساء من الاقتران ، ولهذه الغاية النبيلة قال(صلی الله علیه وآله وسلم): «أَفْضَلُ نِساءِ أُمَّتِي أَفَلَهُنَّ مَهْراً »(2)
ويقول الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام):« كانَ الرَّجُلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ
عَلَى السُّورَةِ مِنَ الْقُرْآنِ ، وَعَلَى الدَّرْهَمِ ، وَعَلَى الْحِنْطَةِ الْقَبْضَةِ(1).
«وقد زوّج(صلی الله علیه وآله وسلم)أحد أصحابه وجعل صداق زوجه تعليم سورة من القرآن الكريم » (2).
لقد حثّت الشريعة الإسلاميّة على الزواج ، وتساهلت في صداقه، وألغت التفاضل بين الزوجين، وجعلت المسلم كفء المسلمة ، والحكمة في ذلك هو قمع الفساد ، والقضاء على البغاء ، وتكثير النسل ، وقد خفيت هذه العلل والأسباب على (لامنس ) الذي لا ينظر إلى الأشياء إلا من زاوية المادة ، فاستنتج النتيجة السالفة على غير هدى، جاهلاً بالنظم الإسلامية الداعية إلى سعادة المجتمع ودفع الشقاء عنه.
ولما تم شراء الجهاز دعا رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) جماعة من المهاجرين والأنصار لحضور مجلس العقد ، فلما مثلوا عنده أجرى (صلی الله علیه وآله وسلم) لخطبة النكاح ، وهذا نصها :
« الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَحْمُودِ بِنِعْمَتِهِ ، الْمَعْبُودِ بِقُدْرَتِهِ، الْمُطَاع بِسُلْطانِهِ، الْمَرْهُوبِ مِنْ عَذَابِهِ وَسَطَواتِهِ ، النَّافِذِ أَمْرُهُ فِي سَمَائِهِ وَأَرْضِهِ، الَّذِي خَلَقَ الْخَلْقَ بِقُدْرَتِهِ ، وَمَيَّزَهُمْ بِأَحْكامِهِ ، وَأَعَزَّهُمْ بِدِينِهِ ، وَأَكْرَمَهُمْ بِنَبِيَّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ.
إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَتْ عَظَمَتُهُ جَعَلَ الْمُصاهَرَةَ نَسَباً لاحقاً، وَأَمْراً مُفْتَرَضاً ، أَوْشَجَ بِهِ الْأَرْحَامَ، وَأَلْزَمَهَا الْأَنامَ، فَقالَ عَزَّ مِنْ قائِل : وَهُوَ
الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً(1). وَأَمْرُ اللَّهِ يَجْرِي إِلَى قَضائِهِ، وَقضَاؤُهُ يَجْرِي إِلى قَدَرِهِ، وَلِكُلِّ قَضاءِ قَدَرٌ ، وَلِكُلِّ قَدَرٍ أَجَلٌ ، وَلِكُلٍّ أَجَلٍ كِتَابٌ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُوَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ(2).
ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَنِي أَنْ أَزَوِّجَ فَاطِمَةَ مِنْ عَلِيٌّ ، ثُمَّ إِنِّي أُشْهِدُ كُمْ أَنِّي قَدْ زَوَّجْتُ فَاطِمَةَ مِنْ عَلِيٌّ عَلَى أَرْبَعِمَانَةِ مِثْقَالِ فِضَّةٍ إِنْ رَضِيَ بِذلِكَ عَلَى السُّنَّةِ الْقائِمَةِ، وَالْفَرِيضَةِ الْواجِبَةِ، فَجَمَعَ اللهُ شَمْلَهُما ، وَبارَكَ لَهُما ، وَأَطَابَ نَسْلَهُما ، وَجَعَلَ نَسْلَهُما مَفاتِيحَ الرَّحْمَةِ ، وَمَعادِنَ الْحِكْمَةِ، وَأَمْنَ الْأُمَّةِ. أَقُولُ قَوْلِي هذا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ »(3).
ولم يكن الإمام حاضراً خطبة العقد، وإنّما كان في حاجة الرسول الله ،وحينما انتهت خطبة العقد دخل أمير المؤمنين(صلی الله علیه وآله وسلم) على النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، فلما رآه تبسم قال له : يا عَلِيُّ، إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَزَوِّجَكَ فَاطِمَةَ، وَإِنِّي قَدْ زَوْجْتُكَها عَلى أَرْبَعِمانَةِ مِثْقَالِ فِضَّة.
فقال أمير المؤمنين(عليه السلام) : رَضِيتُ ، وخرّ(عليه السلام)ساجداً الله شاكراً له ، ولما رفع رأسه من السجود قال(صلی الله علیه وآله وسلم): بارَكَ اللهُ لَكُما وَعَلَيْكُما ، وَأَسْعَدَ جَدَّكُما ، وَجَمَعَ بَيْنَكُما ، وَأَخْرَجَ مِنْكُما الْكَثِيرَ الطَّيِّبَ (4).
وأمر الرسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)أن يقدّم للمدعوّين وعاء فيه بسر ، وقال لهم : انتهبوا ، فتخاطف المدعوّون منه(1)، وبعد الفراغ تفرّقوا وهم يدعون للزوجين بالسعادة والهناء والذرّيّة الطاهرة .
ولمّا حانت ليلة اقتران النورين قال رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وقد غمرته الأفراح : « يا عَلِيُّ ، لا بُدَّ لِلْعَرُوسِ مِنْ وَلِيمَةٍ »(2)
فانطلق سعد بن عبادة فتبرع بكبش ، وتبرّع الأنصار بأصوع من ذرة (3)، ودعي المسلمون لتناول طعام العشاء .
وتقول أسماء : « ما كانت وليمة في ذلك الزمان أفضل من وليمة عليّ»(4)
وجاء في الرياض النضرة : 2 : 182 ، عن جابر ، قال : « حضرنا عرس عليّ ، فما رأيت عرساً كان أحسن منه ، حشونا البيت طيباً ، وأتينا بتمر وزيت فأكلنا منه» .
.وقام المدعوون فتناولوا الطعام ، وبعد الفراغ منه أقبلوا يهنئون الإمام(عليه السلام) ويباركون له .
وطلب النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) من أم سلمة أن تذهب بكريمته إلى دار أمير المؤمنين(عليه السلام)،
1) ذخائر العقبي : 30 . الرياض النضرة : 2 : 181
2) کنز العمال : 7: 114 .
3) الطبقات الكبرى : 8 : 13 . أسد الغابة : 5 : 521 .وفي كنز العمال : 7: 114 : « أن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، قال : لا بُدَّ لِلْعَروسِ مِنْ وَلِيمَةٍ ، ثُمَّ أَمَرَ بِكَيْشٍ فَجَمَعَهُمْ عَلَيْهِ».
4) الطبقات الكبرى : 8: 14
فمضت أمّ سلمة مع مجموعة من النساء تقدّمهنّ أمهات المؤمنين قد زففن الصدّيقة الطاهرة إلى بيت الإمام وهنّ يردّدن الأهازيج والأشعار، وبعدما فرغ الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) من صلاة العشاء انطلق إلى دار عليّ، فاستقبلته أم أيمن ، فقال بصوت فياض بالبشر : ماهنا أخي؟
وملكت الدهشة أم أيمن، فراحت تقول : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، فمن أخوك ؟
-عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ .
-وكيف يكون أخاك وقد زوجته ابنتك ؟ !
ودخل النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، فنهض الزوجان تكريما وإجلالاً له ، فالتفت إلى فاطمة وأمرها بأن تناوله ماءً ، فأحضرت له قعباً فيه ماء ، فأخذه ومج فيه ، وقال لها : قومي ، فنضح بعض ذلك الماء على ثدييها(1)ورأسها ، وهو يرفع صوته بالدعاء إلى الله : : اللهُمَّ إِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ .
وقال لعليّ : عَلَيَّ بِماءٍ ، فأحضره له ، فأخذ منه شيئاً ثم مجه فيه، وصبه على رأسه، وانطلق يدعو له : اللَّهُمَّ إِنِّي أعِبْدُهُ بِكَ وَذُرِّيَّتَهُ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّحِيم.
ثمّ قال له : أَدْبِرْ ، فأدبر وصبّ بقيّة ذلك الماء بين كتفيه ، ودعاله ، وقال له : ادْخُلْ بِأَهْلِكَ بِاسْمِ اللَّهِ وَالْبَرَكَةِ(2).
وانصرفت النسوة إلى منازلها، وتخلّفت أسماء بنت عميس ، فقال لها الله مَنْ أَنْتِ ؟
فشكر النبي علل ذلك منها ، وانطلق يوافي ابنته بدعائه : إِنِّي أَسْأَلُ إلهي أَنْ يَحْرُسَكِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْكِ ، وَمِنْ خَلْفِكِ ، وَعَنْ يَمِينِكِ ، وَعَنْ شِمَالِكِ ، مِنَ الشَّيْطانِ الرَّحِيمِ .
وقام النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) فأغلق الباب بيده ، وانصرف وهو يدعو لهما خاصة لا يشرك أحداً في دعائه ، حتى توارى في حجرته (1).
وكان تأسيس هذا البيت الجديد في السنة الثانية من الهجرة (2)
وذكر المسعودي : « أن تزوّج عليّ لفاطمة(عليها السلام) بعد سنة مضت من الهجرة ، وقيل أقلّمن ذلك » - مروج الذهب : 2 : 306 .
كما ذكر ابن حجر :« أن عمر الإمام علي(عليه السلام) في ذلك الوقت إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر، وعمر الصدّيقة (عليها السلام) خمس عشر سنة خمسة أشهر » - المواهب اللدنية : 257:1
وذكر المسعودي : « أنّه في آخر هذه السنة - وهي سنة اثنين من الهجرة - كان دخول علي بن أبي طالب(عليه السلام) بفاطمة بنت رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)- مروج الذهب : 2 : 312 .
وجاء هذا أيضاً في طبقات الصحابة : 8 13.
وجاء في بحار الأنوار: 43 7: «أنّ عمرها الشريف كان عشر سنين ، وأنها توفيت وعمرها ثماني عشرة سنة » .
.ويمتد الزمن بعد زواج الإمام والعيش هادئ ، والحياة البيتية كل يوم في سرور قد غمرتها المودة والوداعة ، وبذل المعونة ، وترك الكلفة ، واجتناب هجر
الكلام ومرّه ، فكان الإمام يشارك زوجته في شؤونها البيتية ، ويعينها بما تحتاج إليه ، فكانت حياتهما أسمى مثل للرابطة الزوجية الرفيعة .
وفي فترات تلك المدة السعيدة عرض للصديقة (عليها السلام)حمل ، وكان الرسول يبشر بطلائعه ، وأنه غلام ، وذلك حينما جاءت إليه أمّ الفضل تطلب منه تفسير رؤياها(1)
هي زوجة العباس بن عبدالمطلب ، واسمها لبابة ، وهي بنت الحارث الهلالية ، وهي أوّل امرأة آمنت بعد خديجة رضي الله عنها ، وهي شقيقة ميمونة زوجة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، وهي إحدى الراويات عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، كذا جاء في الإصابة : 4 : 483 .
وفي الاستيعاب ( المطبوع على هامش الإصابة ) : 4: 398: «أن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)كان يزورها ، ويقيل عندها ، وروت عنه أحاديث كثيرة ، وقد ولدت أمّ الفضل للعباس ستة رجال لم تلد امرأة مثلهم، وهم الفضل ، وبه كانت تكنّى ، ويكنّى زوجها العباس أيضاً : أبا الفضل ، وعبد الله الفقيه، وعبيد الله الفقيه ، ومعبد، وقثم ، وعبدالرحمن ، وأم حبيبة سابعة .
وفي أمّ الفضل يقول عبدالله بن يزيد الهلالي :
ما وَلَدَتْ نَجِيبَةٌ مِنْ فَحْلِ *** بِجَبَلٍ نَعْلَمُهُ وَسَهْلِ
كَسِنَّةٍ مِنْ بَطْن أُمِّ الفضل*** أَكْرِمْ بها مِن كَهْلَةٍ وَكَهل
عم النَّبيِّ المُصْطَفَى ذِي الفَضلِ*** وَخاتم الرُّسُلِ وَخَيرِ الرُّسُلِ
قائلة له : يا رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، إني رأيت في المنام أنّ عضواً من أعضائك سقط في بيتي .فقال لها (صلی الله علیه وآله وسلم): خَيْراً رَأَيْتِ. تَلِدُ فاطِمَةُ غُلاماً فَتَرْضَعيهِ بِلَبَنِ قُثَم (2)
وفي الإصابة : 4 : 484: « أنّ الرؤيا التي قصّتها أمّ الفضل كانت قبل ولادة الحسين (عليه السلام)فلما ولد أرضعته » .
وكان المسلمون آنذاك ينتظرون بفارغ الصبر ، وخصوصاً الرسول له ساعة ولادة
الصدّيقة شوقاً إلى المولود المبارك لتطيب به للإمام(عليه السلام)ولزوجته الحياة ، وتظلّهما السعادة ، ونختم الفصل لنستقبل الوليد الجديد .
أطلّ على العالم الإسلامي نور الإمامة من بيت أذن الله أن يرفع ويذكر فيه اسمه ، وانبثق من دوحة النبوة والإمامة فرع طيب زاك رفع الله به كيان الإسلام ، وأشاد به صروح الإيمان ، وأصلح به بین فئتين عظيمتين .
لقد استقبل حفيد الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) وسبطه الأكبر سيد شباب أهل الجنّة دنيا الوجود فى شهر هو أبرك الشهور وأفضلها ، حتى سُمّى شهر الله ، وهو شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ، وكان ذلك في السنة الثانية أو الثالثة من الهجرة (1)
وجاء في شذرات الذهب : 1 : 10 : « أن ولادته كانت في الثالث من شهر شعبان » ، وهو اشتباه ظاهر، ولعله اشتبه بالإمام الحسين(عليه السلام) ، فإنّ ولادته كانت في الخامس من شهر شعبان ، وذهب جماعة أن ولادته(عليه السلام)كانت في السنة الثانية من الهجرة .
وجاء في مرآة العقول 5: 350 ، ما نصه : «إنّ التحقيق أنّه لا منافاة بين تاريخي الولادة؛ لأن كلاً مبني على اصطلاح في مبدأ التاريخ غير الاصطلاح الذي عليه بناء الآخر ، وتفصيله أنّ فيه ثلاث اصطلاحات :
الأول : أن يكون مبدؤه في شهر ربيع الأول ، فإن الهجرة إنما كانت فيه ، وبناء الصحابة عليه إلى سنة ستين ، ورواية أنّ الحسن ولد سنة اثنتين من الهجرة محمول
.1) الإصابة : 1 : 328 . الاستيعاب : 1 : 368 . تاريخ الخلفاء : 73. دائرة المعارف / / البستاني : 7 : 38 ، ذكر هؤلاء أن ولادته(عليه السلام)كانت في السنة الثالثة من الهجرة في النصف من شهر رمضان .
وقد شوهدت في طلعة الوليد طلعة الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)، وبدت فيه شمائل النبوة ومحاسن الإمامة .
ولمّا أذيع نبأ ولادة الصدّيقة بالمولود المبارك غمرت موجات من السرور والفرح قلب النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، فسارع إلى بيت ابنته -أعز الباقين والباقيات عليه من أبنائه - ليهنئها بمولودها الجديد ، ويبارك به لأخيه أمير المؤمنين (عليه السلام)، ويفيض على المولود شيئاً من مكرمات نفسه التي طبق شذاها العالم بأسره .
ولما وصل(صلی الله علیه وآله وسلم) إلى مثوى الإمام(عليه السلام) نادى : يا أَسْماءُ ، هاتِي ابْنِي .
على هذا المبنى
الثاني : أن يكون مبدؤه شهر رمضان السابق على شهر ربيع الأول ، الذي وقعت فيه الهجرة؛ لأنّه أوّل السنة الشرعية ، ورواية أنّ الحسن(عليه السلام) ولد سنة ثلاث مبني على هذا .
الثالث : ما اخترعه عمر ، وهو أنّ مبدأه المحرّم » ، انتهى
و ما أفاده صاحب مرآة العقول رافع للتعارض بين القولين. وأما ما أفاده الأستاذ محمد فريد وجدي في دائرة المعارف : 3: 443: «أن ولادة الحسن (عليه السلام)كانت قبل الهجرة بست سنين ، فهو مخالف لإجماع المؤرّخين ، فإنّه قبل الهجرة لم يكن الإمام أمير المؤمنين متزوجاً بالصديقة ، كما أوضحنا ذلك .
وأما كيفية ولادة الصدّيقة بالإمام(عليه السلام)، فقد جاء بيانها في تاريخ الخميس : 1: 470: أنّه لما حان وقت ولادتها بعث إليها رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)أسماء بنت عميس وأم أيمن ، فقرأتا عليها آية الكرسي و المعوذتین، وحدّثت أسماء ، فقالت : قبلت فاطمة بالحسن(عليه السلام) فلم أرَ لها دماً ، فقلت : يا رسول الله ، إنّي لم أرَ لفاطمة دماً في حيض ولا نفاس ؟!
فقال(صلی الله علیه وآله وسلم): أَما عَلِمْتِي أَنَّ فاطِمَةَ طَاهِرَةٌ مُطَهَّرَةٌ ، لَا يُرى لَهَا دَمٌ فِي طَمَثٍ وَلَا وِلادَةٍ .
فانبرت أسماء ودفعته إليه في خرقة صفراء ، فرمى بها ، وقال : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ أَنْ لا تَلْقُوا الْمَوْلُودَ فِي خِرْقَةٍ صَفْرَاءَ ؟
وقام(صلی الله علیه وآله وسلم) فسرَّهُ(1)، وألبأه بريقه(2)، وضمه إلى صدره ، ورفع يديه بالدعاء له : اللهُمَّ إِنِّي أعِيْدُهُ بِكَ وَذُرِّيَّتَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (3).
وأخذ(صلی الله علیه وآله وسلم) بإجراء مراسيم الولادة وسننها على مولوده المبارك ، وهي :
وأذن الله في أذنه اليمنى ، وأقام في اليسرى(4)
وقيل : إنّه لم يفعل ذلك بنفسه ، وإنّما أوعز إلى أسماء بنت عميس وأمّ سلمة أن تفعلا ذلك به ساعة الولادة ذكره الشبلنجي في نور الأبصار : 237 .
.وفي الخبر : « إن ذلك عصمة للمولود من الشيطان الرجيم»(5)
همسة رائعة همس بها خير بني آدم في أذن وليده ، ليستقبل عالم الوجود بأسمى
ما فيه ، فأيّة بداية منحها الإنسان أفضل من هذه البداية التي منحها السبط الأكبر ؟ فإنّ أوّل صوت قرع سمعه هو صوت جده الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) علة الموجودات ،
1) سرّه : قطع سرته .
2) ألباه بريقه : مأخوذ من اللباء ، وهو أوّل اللبن عند الولادة، والمراد أنه(صلی الله علیه وآله وسلم) أطعمه بريقه كما يُطعم الصبي اللباء .
3) دائرة المعارف / البستاني : 7: 38
4) مسند الإمام أحمد بن حنبل : 6: 391. صحيح الترمذي : 1: 286. سنن أبي داود : 499:2
5) جواهر الكلام - كتاب النكاح : 31 :252
وسيّد الكائنات ، وأنشودة ذلك الصوت : «الله أكبر ... لا إله إلا الله » .
بهذه الكلمات المنطوية على الإيمان بكل ماله من معنى يستقبل بها الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) سبطه فيغرسها في أعماق نفسه، ويغذي بها مشاعره وعواطفه ، لتكون أنشودته في بحر هذه الحياة .
والتفت عل الله إلى أمير المؤمنين ، وقد أترعت نفسه العظيمة بالغبطة والمسرّات ، فقال له : هَلْ سَمَّيْتَ الْوَلِيدَ الْمُبارَكِ ؟
فأجابه الإمام : ما كُنْتُ لِأَسْبِقَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ .
وانطلق النبي له ، فقال له : ما كُنْتُ لِأَسْبِقَ رَبِّي .
وما هي إلا لحظات وإذا بالوحي يناجي الرسول ويحمل له التسمية من الحقّ تعالى . يقول له جبرئيل : سمّه حسناً(1)
بعدك ، فسمّ ابنك هذا باسم ولد هارون .
فقال له(صلی الله علیه وآله وسلم) : وما كانَ اسْمُ ابْن هارونَ يا جَبْرَئِيلُ؟
فقال : شبّر.
فقال له(صلی الله علیه وآله وسلم) : إِنَّ لِسانِي عَرَبِيٌّ؟
فقال : سمّه الحسن ، ففعل(صلی الله علیه وآله وسلم) ذلك » .
وقريب من هذا ذكره العاملي الله في أعيان الشيعة : 1: 385.
وجاء في أسد الغابة : 2 : 9 و تاريخ الخميس : 1: 470 : « أن اسم الحسن لم يكن معروفاً في الجاهلية . وأن رسول الله أسماء بهذا الاسم في اليوم السابع من ولادته ».
وهذا القول بعيد؛ لأنّ التسمية وقعت عقيب الولادة بلا فصل ، كما ذهب إليه كافّة المؤرّخين.
وجاء في الاستيعاب : 1 : 368 ، وفي الأدب المفرد : 120: «إنّه لما ولد الحسن(عليه السلام) جاء رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، فقال : أَروني ابْنِي ، فَما أَسْمَيْتموه؟
قالوا : حرباً .
فقال(صلی الله علیه وآله وسلم): بَلْ هُوَ حَسَنٌ .
فلما ولد الحسين ، قال : أَروني ابْني ، فَما أَسْمَيْتُموه؟
قالوا : حرباً .
فقال(صلی الله علیه وآله وسلم): بَلْ هُوَ حُسَيْنٌ .
فلما ولد الثالث ، قال : ما أَسْمَيْتموه؟ قالوا : حرباً .
فقال(صلی الله علیه وآله وسلم) : بَلْ هُوَ مُحْسِنٌ .
ثم قال(صلی الله علیه وآله وسلم): إِنِّي سَمَّيْتُهُمْ بِأَسْماءَ وَلَدِ هَارُونَ شُبَرٌ وَشَبِيرٍ وَمُشَبَّرٍ » .
ويمكن أن يقال : إن هذه الرواية موضوعة .
أولاً : إن العداء بين الهاشميين وآل حرب غير خفي ، فما هو المحبّذ لآل البيت بتسمية أبنائهم باسم حرب الذي ينتمي إليه الأمويون .
وثانياً : إن إعراض الرسول الله عن اسم حرب حين ولادة الحسن (عليه السلام)هو كافٍ في إعراض آل البيت عن تسمية الحسين والمحسن بهذا الاسم. وثالثاً : إن المحسن لم يولد في حياة الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) ، فهذه الأمور تبعد صحة الرواية التي ذكرها صاحب الاستيعاب وغيره.
وروى أحمد بن حنبل في مسنده : 1 : 159 عن علي(عليه السلام)، أنَّه قال : «لَمَا وُلِدَ لِي الْحَسَنُ سَمَّيْتُهُ بِاسْمِ عَلَى حَمْزَةَ ، وَلَمَا وُلِدَ الْحَسَيْنُ سَمِّبْتُهُ بِاسْمِ أَخي جَعْفَرٍ ، فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) فَقال : إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ أَغَيْرُ اسْمَ هذينِ ، فَسَمَّاهُما حَسَناً وَحُسَيْناً». وهذه الرواية أيضاً ضعيفة ، فإنّ الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)أسمى حفيديه عقيب ولادتهما ، ولم يذهب أحد إلى ما ذكره الإمام أحمد
1) تاريخ الخميس : 1 : 470 ، وجاء فيه : « أنّ أمين الوحي جبرئيل هبط على النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، فقال له : إنّ ربّك يقرأك السلام ويقول لك : عليّ منك بمنزلة هارون من موسى ، ولكن لا نبي
حقاً إنّه اسم من أحسن الأسماء ، وكفى به جمالاً وحسناً أنّ الخالق الحكيم
هو الذي اختاره ليدل جمال لفظه على جمال المعنى وحسنة.
المجرة العاشرة
وانطوت سبعة أيام على ولادة حفيد الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)، فاتجه(صلی الله علیه وآله وسلم) إلى بيت الإمام(عليه السلام)ليقوم ببعض التكريم والاحتفاء ، فجاء بأقصى ما عنده من البر والتوسعة ، فعقّ عنه بكبش واحد(2)
وذكر الشبلنجي في نور الأبصار : 237 ، والطحاوي في مشكل الآثار: 1: 456 ، والحاكم في المستدرك : 4 : 237 : « أن رسول الله الله علق عن الحسن والحسين عن كلّ واحد بكبشين ، وهذه الرواية ضعيفة ، فقد طعن بها شمس الدين الذهبي في تلخيص المستدرك ( المطبوع على هامش مستدرك الحاكم : 4 237 ، فقال : «إنّ راويها سوار ، وهو ضعيف الرواية » . هذا أوّلاً.
وثانياً : إنّ أئمة الفقه لم يذكروا في تشريع العقيقة إلا واحدة
، وأعطى القابلة منه الفخذ ، وصار فعله هذا سنّة لأمته من بعده .و حلق(صلی الله علیه وآله وسلم) رأس حفيده بيده المباركة، وتصدّق بزنته فضة على المساكين(3)،
1) العقيقة في اللغة : صوف الجذع ، وشعر كل مولود من الناس . وهي مأخوذة من العق ، وهو الشق والقطع ، سمّي الشعر المذكور بذلك لأنه يحلق عنه ، والعقيقة من المستحبات الأكيدة ، وذهب بعض الفقهاء إلى وجوبها. وقال(صلی الله علیه وآله وسلم) حين ذبحها : بِسْمِ اللهِ ، عَقيقَةٌ عَنِ الْحَسَنِ. اللَّهُمَّ عَظْمُها بِعَظْمِهِ ، وَلَحْمُها بِلَحْمِهِ . اللَّهُمَّ اجْعَلْها وقاءٌ لِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ» . الكافي : 6: 33 ، الحديث 1.
2) تاريخ الخميس : 1 : 470. مشكل الآثار: 1: 456. حلية الأولياء : 7: 116 الترمذي : 1 : 286 . أعيان الشيعة : 4 : 108 .
3) تاريخ الخميس : 1 : 470 . نور الأبصار : 237 صحيح الترمذي : 1 : 286 ، وجاء فيها : «إنّ زنة شعره كانت درهماً أو بعض درهم».
وطلى رأسه بالخلوق(1)
وفي بحار الأنوار: 44: 251 : « أنّ العادة في الجاهلية كانوا يطلون رأس الصبي بالدم ، فقال له الله : الدَّمُ مِنْ فِعْل الْجَاهِلِيَّةِ ، ونهى أسماء عن فعل ذلك».
حقاً لم نر حناناً مثل هذا الحنان ، ولا عطفاً يضارع هذا العطف
وكناه النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)أبا محمد(2)
والكنية هي أن تصدّر بأب أو أم ، وهي من سنن الولادة ، فعن الإمام محمد الباقر الله : إِنَّا لِتُكَنِّي أَوْلادَنا في صِغَرِهِمْ مَخافَةَ النَّبْزِ أَنْ يَلْحَقَ بِهِمْ » . الكافي : 6 : 20 ، الحديث 11.
ولا كنية له غيرها .وبهذه انتهت جميع مراسيم الولادة التي قام النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) بها السبطه الأكبر .
ولقب(عليه السلام) بالسبط ، والزكي ، والمجتبى ، والسيد ، والتقّي .
أمّا ملامحه ، فكانت تحاكي ملامح جده الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)، فقد حدث أنس بن مالك قال : « لم يكن أحد أشبه بالنبي من الحسن بن علي» (3)
وفي الإصابة : 1 : 329 عن البهي ، قال : « تذاكرنا من أشبه النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)من أهله ، فدخل علينا عبدالله بن الزبير ، فقال : أنا أحدثكم بأشبه أهله به ، وأحبّهم إليه ، الحسن بن عليّ». ورواه الهيثمي في مجمعه : 9 : 175 .
وفي المحبر : 469 : « أن فاطمة (عليها السلام)كانت ترقص ولدها الحسن ، وتقول له :
وَا بِأَبِي شَبَهُ أَبِي*** غَيْرُ شَبِيهِ بِعَلِي
.1) الخلوق : طيب مركب من زعفران وغيره.
2) أسد الغابة : 2: 9 ·
3) فضائل الأصحاب : 166 وفي صحيح الترمذي : 2 : 307: عن علي اللا ، قال : « الْحَسَنُ أَشْبَهُ بِرَسُولِ اللَّهِ(صلی الله علیه وآله وسلم)ما بَيْنَ الصَّدْرِ إِلَى الرَّأْسِ ، وَالْحُسَيْنُ أَشْبَهُ بِالنَّبِيِّ(صلی الله علیه وآله وسلم) ما كانَ أَسْفَلَ مِنْ ذلِكَ ».
وقد صوّر رواة الأثر صورته بما ينطبق على صورة جده(صلی الله علیه وآله وسلم)، فقالوا :« إنه كان، أبيض مشرباً بحمرة، أدعج العينين(1)، ذا وفرة(2)، عظيم الكراديس(3)بعيد المنكبين(4)، جعد الشعر(5)، كث اللحية(6)، كأنّ عنقه إبريق فضة »(7)
وهذه الأوصاف تضارع أوصاف النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)حسب ما ذكره الرواة من أوصافه(صلی الله علیه وآله وسلم). وكما شابه جدّه في صورته ، فقد شابهه وماثله في أخلاقه الرفيعة(8).
رأى النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)أن سبطه الحسن الصورة مصغرة عنه ، يضارعه في أخلاقه ، ويحاكيه في سموّ نفسه ، وأنّه قبس من سناه ، يرشد أمته من بعده إلى طريق الحقّ ، ويهديها إلى سواء السبيل .
واستشفع(صلی الله علیه وآله وسلم) من وراء الغيب أنّ كلّ ما يصبو إليه في هذه الحياة من المثل العليا سيحققه على مسرح الحياة ، فأفرغ عليه أشعة من روحه العظيمة ، وقابله بالعناية
1) الأدعج: شدّدة في سواد العين مع سعتها .
2) الوفرة : الشعر السائل على الأذنين ، أو هو الشعر المجتمع على الرأس.
3) الكراديس : جمع مفرده الكردوسة ، وهي كل عظمين التقيا في مفصل ، أو العظم الذي يجتمع عليه اللحم ، والمراد : ضخم الأعضاء.
4) المنكبين : تثنية منكب ، وهو مجتمع رأس الكتف والعضد.
5) الجعد : الشعر الذي فيه التواء وتقبض، وهو خلاف المسترسل .
6) كث اللحية : قصرها مع كثرة شعرها .
7) تاريخ الخميس : 1 : 171 ، وذكر البستاني في دائرة المعارف : 7: 38 بعض هذه الأوصاف .
8) تاريخ اليعقوبي : 2 : 201 ، وعن الغزالي في إحياء العلوم : 2: 30 : « أن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)قال للحسن : أَشْبَهتَ خَلْقِي وَخُلُقي».
والتكريم ، وأفاض عليه حنانه وعطفه من حين ولادته ونشأته ، وسنقدم عرضاً مفصلاً لألوان ذلك التكريم والاحتفاء الذي صدر من النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) تجاه الحسن في حال طفولته وصباه .
ومما لا شبهة فيه أنّ للتربية الصالحة أهمية كبرى في تكوين الطفل ، وتنمية مداركه ، كما أن سلوك الوالدين له الأثر الفعّال في نموّ ذكائه ، وفي سلوكه العام ، وطفولة الإمام الحسن(عليه السلام) قد التقت بها جميع هذه العناصر الحية .
فالرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) تولى تربية سبطه ، وأفاض عليه مكرمات نفسه ، والإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)غذّاه بحكمه ومثله ، والعذراء القدّيسة أفضل بنات حوّاء قد غرست في نفس وليدها الفضيلة والكمال، وبذلك سمت طفولته فكانت مثالاً للتكامل الإنساني ، وعنواناً للسموّ والتهذيب ، ورمزاً للذكاء والعبقرية .
لقد ذهب بعض علماء النفس إلى أنّ الطفل فى أصغر ما يلزمه من العادات ، وفي أهم الخصائص العقلية والخلقية ، وفي الموقف العام الذي يقفه من الناس ، وفي وجهة النظر العامة التي ينظر بها إلى الحياة ، أو العمل في كل هذه الأشياء ، مقلد إلى حد كبير ، وقد يكون التقليد أحياناً شعورياً مقصوداً ، ولكنه في أغلب الحالات يكون لا شعورياً ، فإذا منح الطفل بتقليده الأشخاص المهذبين ظل متأثراً بأخلاقهم وعواطفهم ، وإنّ هذا التأثير في أول الأمر يعتبر تقليداً ، ولكنه سرعان ما يصبح عادة ، والعادة طبيعة ثانية، والتقليد هو أحد الطريقين اللذين تكتسب بهما الخصائص الفرديّة، وتتكوّن بهما الأخلاق الشخصية(1).
1) علم النفس في الحياة / ماندر : 75.
إن الإمام الحسن - على ضوء هذا الرأي هو الفرد الأول في خصائصه العقلية والخلقية ؛ لأنه نشأ في بيت الوحي ، وتربّى في مدرسة التوحيد ، وشاهد جده الرسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) الذي هو أكمل إنسان ضمّه هذا الوجود ، يقيم في كل فترة من الزمن صروحاً للعدل ، ويشيد دعائم الفضيلة والكمال ، قد وسع الناس بأخلاقه ، وجمعهم على كلمة التوحيد ، وتوحيد الكلمة ، فتأثر السبط بذلك ، وانطلق يسلك خطى جده في نصح الناس وإرشادهم ، فقد اجتاز مع أخيه سيّد الشهداء(عليه السلام)، وهما في دور الطفولة على شيخ لا يحسن الوضوء ، فلم يدعهما السموّ في النفس ، وحبّ الخير للناس أن يتركا الشيخ على حاله لا يحسن وضوءه ، فأحدثا نزاعاً صورياً أمامه ، وجعل كلّ منهما يقول للآخر : أَنْتَ لَا تُحْسِنُ الْوُضُوءَ .
والتفتا إلى الشيخ بأسلوب هادئ وجعلاه حاكماً بينهما ، قائلين له : يا شَيْخُ ، يَتَوَضَّأُ كُلُّ واحِدٍ مِنَا أَمامَكَ ، وَانْظُرْ أَيُّ الْوُضُوءَ بْنِ أَحْسَنُ ؟
فتوضئا أمامه ، وجعل الشيخ يمعن في ذلك ، فتنبه إلى قصوره ، والتفت إلى تقصيره من دون أن يأنف ، فقال لهما : كلاكما - يا سيّديّ تحسنان الوضوء ، ولكنّ هذا الشيخ الجاهل هو الذي لا يحسن، وقد تعلّم الآن منكما، وتاب على يديكما (1).
وهذه البادرة ترينا بوضوح أن اتجاه الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) في هداية الناس بالطرق السليمة ، والأخلاق الرفيعة ، قد انطبعت في ذهن الإمام الحسن(عليه السلام) وهو في دور الصبا ، حتى صارت من خصائصه ومن طبائعه .
لقد ذهب بعض علماء النفس إلى وراثة الخلق الفردي ، وأنّ لها أثراً مهماً في تكوين أخلاق الشخص، وأنّها لا تقل أهمية عن التقليد.
يقول « هكسلي » : « ما من أثر أو خاصة لكائن عضوي إلا ويرجع كلّها إلى الوراثة ،
1) بحار الأنوار: 43: 319.
أو إلى البيئة ، فالتكوين الوراثي يضع الحدود لما هو محتمل ، والبيئة تقرّر أنّ هذا الاحتمال سيتحقق ، فالتكوين الوراثي ليس إلا القدرة على التفاعل مع أية بيئة بطريق خاصّ» .
وقد أيّد هذه النظرية « جنجز » ، فقال : « إنّ كلّ إنسان لديه قوى موروثة كامنة ، ولكن إظهار أية واحدة يقف على الظروف التي تحيط بهذه القوى عند نموّها ».
وقاعدة الوراثة تقضي أنّ الإمام الحسن(عليه السلام) في طليعة من ظفر بهذه الظاهرة ، فقد ورث ما استقر في نفس جده(صلی الله علیه وآله وسلم)من القوى الروحية ، والثروة الإصلاحية الهائلة ، يضاف إلى ذلك تأثره بالبيئة الصالحة التي تكونت من أسرته ، ومن خيار المسلمين وصلحائهم .
وملك الإمام الحسن(عليه السلام) بمقتضى ميراثه من الذكاء وسموّ الإدراك ما لا يملكه غيره ، فقد حدّث الرواة عن مدى نبوغه الباكر ، فقالوا : « إنّه كان لا يمرّ عليه شيء إلّا حفظه ، وكان يحضر مجلس جده(صلی الله علیه وآله وسلم)فيحفظ الوحى ، فينطلق إلى أمه فيلقيه عليها ، فتحدّث به أميرالمؤمنين (عليه السلام)، فيتعجب ، ويقول : مِنْ أَيْنَ لَكِ هذا ؟ !
واختفى الإمام(عليه السلام) في بعض زوايا البيت ليسمع ولده ، ويقبل الحسن على عادته على أمه ليلقي عليها ما حفظه من آيات الوحي والتنزيل ، فيرتج عليه ، ولا يستطيع النطق ، فتبادر البتول قائلة : يا بُنَيَّ ، لِماذا أَرْتجَ عَلَيْكَ ؟ !
وهذه البادرة تدل بوضوح على مدى إدراكه الواسع ، الذي يبصر به الأشياء من بعيد، ويستشف به ما غاب عنه من وراء حجاب .
1) مناقب آل أبي طالب : 2 : 148 .
وحفظ(عليه السلام) وعمره الشريف أربع سنين الشيء الكثير مما سمعه من جده الله ، ونشير إلى بعض ما رواه عنه :
1 - قال(عليه السلام):« وعَلَّمَني رَسولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم)كَلِماتٍ أَقولُهُنَّ فِي الْوِتْرِ : اللَّهُمَّ اهْدِنِي فيمَنْ هَدَيْتَ ، وَعافِني فيمَنْ عَافَيْتَ ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ ، وَقِنِي شَرَّ ما قَضَيْتَ ، فَإِنَّكَ تَقضي ولا يُقضى عَلَيْكَ ، وَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ مَنْ والَيْتَ ، تَبارَكْتَ وَتَعالَيْتَ» (1).
2 - وروى عمير بن مأمون ، قال :« سمعت الحسن بن علي(عليهم السلام)يقول : مَنْ صَلَّى صَلاةَ الْغَدَاةِ فَجَلَسَ فِى مُصَلَاهُ حَتَّى تَطْلِعَ الشَّمْسُ ، كانَ لَهُ حِجَابٌ مِنَ النَّارِ ، أَوْ قَالَ : سترٌ مِنَ النَّارِ»(2).
3- وقال له بعض أصحابه : ما تذكر من رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) ؟
فقال : أَخَذْتُ تَمْرَةٌ مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ ، فَتَرَكْتُها فِي فَمِي ، فَنَزَعَها بِلُعابِها .
فقیل: یا رسول الله ، ما كان عليك من هذه التمرة ؟ !
قال : إِنَّا آلُ مُحَمَّدٍ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ(3).
4 - وسئل(عليه السلام)عمّا سمعه من رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، فقال :« سَمِعْتُهُ يَقولُ لِرَجُلِ : دَعْ ما يُريبُك إلى ما لا يُريبُكَ ، فَإِنَّ الشَّرريبَةٌ ، وَالْخَيْرَ طُمَأْنينَةٌ »(4).
1) صحيح الترمذي : 1 : 93 . مستدرك الحاكم : 3 : 172 . تاريخ دمشق : 13 : 164 .
2) أسد الغابة : 2 : 11 .
3) أسد الغابة : 2 : 11 . صحيح مسلم : 2 : 751 ، الحديث 161 . الإصابة : 1: 329. والمراد من الصدقة المحرّمة على آل البيت هي الصدقة الواجبة ، كالزكاة والفطرة دون غيرهما من الصدقات المندوبة .
4) تاريخ اليعقوبي : 2 : 201.وفي مسند أحمد بن حنبل : 1 : 200 : أنه(عليه السلام) قال : « سَمِعتُ رَسولَ اللهِ قَدْ قَالَ : دَعْ ما يريبك إلى ما لا يُريبُكَ ، فَإِنَّ الصَّدقَ طَمَانِينَةٌ ، وَإِنَّ الكِذَّبَ رِيبَةٌ».
5 - وحدث(عليه السلام) أصحابه عن خلق جده الرسول عل الله وسيرته ، فقال : «كانَ رَسولُ الله له له إِذا سَأَلَهُ أَحَدٌ حَاجَةٌ لَمْ يَرُدَّهُ إِلَّا بِها ، أَوْ بِمَيْسورٍ مِنَ الْقَوْلِ (1).
6 - قال(عليه السلام): « سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) يَقولُ : ادْعوا لي سَيِّدَ الْعَرَبِ - يعني عليّاً (عليه السلام)..
فَقالَتْ لَهُ عَائِشَةُ : أَلَسْتَ سَيِّدُ الْعَرَب ؟
فَقالَ لَها : أَنا سَيِّدُ وُلْدِ آدَمَ ، وَعَلِيٌّ سَيِّدُ الْعَرَبِ .
فَدْعِيَ لَهُ الإمامُ ، فَلَمّا مَثْلَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَرْسَلَ خَلْفَ الأَنْصَارِ ، فَلَمَّا حَضَرُوا الْتَفَتَ إِلَيْهِمْ قائِلاً: يا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ، أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ ما إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَبَداً .
قالوا : بَلَى يَا رَسولَ اللهِ.
فَقالَ : هذا عَلِيٌّ فَأَحِبُّوهُ بِحُبِّي ، وَأَكْرِمُوهُ بِكَرامَتِي ، فَإِنَّ جَبْرَئِيلَ أَخْبَرَنِي بِالَّذِي قُلْتُ لَكُمْ عَن الله عَزَّ وَجَلَّ» (2)
وذكر الدكتور زكي مبارك في التصوّف الإسلامي : 1 : 274 في بيان مأخذ عقيدة الصوفية في سيد الأنبياء محمد(صلی الله علیه وآله وسلم) ، قال : « ومن الخير أن ننص على أنّ هذا الشطط استند فيه الصوفية إلى حديث : أَنا سَيِّدُ الأَنْبِياءِ ، وهو حديث شك فيه العلماء ، فقد جاء في كتاب العجلوني المسمّى كشف الخفاء والالتباس : 1 : 462 عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس : أن الحسن بن علي روى أن الرسول قال : ادعوا لي سَيِّدَ الْعَرَبِ - يعني عليا ..
فقالت له عائشة : ألست سيّد العرب ؟!
فقال(صلی الله علیه وآله وسلم): أنا سَيدُ وَلدِ آدَمَ ، وَعَلِيٌّ سَيِّدُ الْعَرَبِ.
ثم حدثنا العجلوني أنّ الذهبي يجنح إلى الحكم على هذا الحديث بالوضع » .
أقول : لم يتبين لنا بجلاء ما أفاده الدكتور زكي مبارك في مأخذ عقيدة الصوفية ، ولبي الحال نقول : إنّهم قد انفردوا عن بقيّة فرق الإسلام بالتزامهم بجهتين: الأولى : إنّ هناك تعيناً أولياً، وهو مجمع التعينات، وهو المسمّى بـ(العقل الأوّل) و ( الصادر الأوّل ) في لسان الفلاسفة القدامى، ومستندهم في ذلك هي البراهين التي أقيمت في الفلسفة التي منها : «إنّ الواحد لا يصدر منه إلا الواحد ».
الثانية : تطبيق العقل الأوّل والصادر الأوّل على الحقيقة الأحمديّة المقدّسة ، وبهذا التطبيق انحازوا عن الفلاسفة ، وحجتهم في ذلك هي الأخبار ، كحديث : أَنا سَيِّدُ النَّاسِ و لَوْلايَ لِما خُلِقَتِ الْأَكْوانِ و أَنَا نَبِيٍّ وَآدَمُ بَيْنَ الْمَاءِ وَالطَّينِ ، ونحوها من الأخبار الدالة على إثبات مطلوبهم بنحو من الدلالة العقلية.
والمتصوّفة إنما كانوا متصوّفة بالتزامهم بالجهة الأولى التي ذهبت إليها الفلاسفة ، فكان الأجدر بالدكتور زكي مبارك أن لا يطلق القول في أن عقيدة الصوفية قد أخذت من الأخبار ، وعليه أن يبيّن أن إستنادهم إلى الأخبار إنّما هو لتطبيق العقل الأول والصادر الأوّل على الحقيقة الأحمدية ، وكان المناسب له التعرّض إلى مناقشة الصوفية في الجهة الأولى ، وبيان السرّ في تشكيك العلماء في حديث أنا سَيِّدُ النَّاسِ هل كان مصدره ضعف الراوي ، أو من جهة اعتماد الصوفية عليه ، والأخير غير صالح للتضعيف ، والأوّل غير معلوم .
.وقد نقل علماء الفقه ورواة السنة الشيء الكثير عنه الا الله مما سمعه وشاهده من رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)فيما يتعلق بأحكام الشريعة المقدّسة وآدابها ، وذلك يدل على نبوغه وعبقريته وإدراكه الواسع، والناظر في دور طفولتها يهيم بها إعجاباً وإكباراً وتقديساً، وذلك لما لها من آيات الكمال والفضيلة والذكاء ، ولما أنيطت بلون من التربية الرفيعة التي لم يظفر بها إنسان فيما نحسب.
وأشاد كتاب الله العزيز بفضل أهل البيت(عليهم السلام)، واحتفى بهم رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم). فقرنهم بمحكم الكتاب ، وفرض على الأمة مودّتهم وحبّهم ، ولا بد لنا أن نشير إلى بعض ما ورد في الكتاب والسنة في حق أهل البيت(عليهم السلام)، فإن ذلك يرتبط ارتباطاً وثيقاً بما نحن فيه ، ويكشف لنا عن مدى علوّ درجة الإمام الحسن(عليه السلام)وعظم شأنه ، وسموّ منزلته ، وإلى القرّاء ذلك :
ونطق كتاب الله العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بفضل أهل البيت ، وبسموّ مكانتهم عند الله ، وحسبنا أن نشير إلى بعض آياته :
وفرض الله على المسلمين مودة أهل البيت(عليهم السلام)، وقد نطق القرآن بذلك . قال تعالى :قُل لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى(1).
وروى ابن عبّاس ، قال : « لما نزلت هذه الآية قال بعض المسلمين : يا رسول الله، من قرابتك الذين أوجبت علينا طاعتهم ؟
1) الشورى 42 :23
فقال(صلی الله علیه وآله وسلم) : عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَابْنَاهُما (1)
وروى أبو نعيم بسنده عن جابر ، قال : «جاء أعرابي إلى النبي الله ، فقال :
يا محمد اعرض عليَّ الإسلام .
فقال : تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ .
قال : تسألنى عليه أجراً ؟
قال : لَا ، إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى .
قال : قرباي أم قرباك ؟
« بَلْ قُرْبايَ .
قال : هات أبايعك، فعلى من لا يحبّك ولا يحبّ قرباك لعنة الله .
قال(صلی الله علیه وآله وسلم) : آمين»(2).
وصرّح الإمام الحسن(عليه السلام)أنه من المعنيين بهذه الآية في بعض خطبه ، قال(عليه السلام) : وَأَنَا مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ الَّذِينَ افْتَرَضَ اللَّهُ مَوَدَّتَهُمْ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : قُللَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةٌ نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً، فَاقْتِرافُ الْحَسَنَةِ مَوَدَّتُنا أَهْلَ الْبَيْتِ »(3).
وإلى مضمون الآية الكريمة يشير الإمام الشافعي في قوله :
1) التفسير الكبير : 7 : 406 . تفسير الدر المنثور : 7 7 تفسیر جامع البيان / الطبري : 5 : 16 .تفسیر الكشاف : 3 : 467 تفسير سورة الشورى الصواعق المحرقة : 102 . ذخائر العقبى : 25 . نور الأبصار : 100 .
2) حلية الأولياء : 3 : 201 .
3) مستدرك الحاكم : 3 172 مجمع الزوائد : 9: 146 الصواعق المحرقة : 101. مجمع البيان :9: 29 ، تفسير سورة الشورى .
يا أَهْلَ بَيتِ رَسولِ اللهِ حُبُّكُم*** فَرْضُ مِنَ اللهِ في القُرْآنِ أَنْزَلَهُ
كَفَاكُمْ مِنْ عَظيمِ الفَخْرِ أَنَّكُمْ*** مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْكُمْ لَا صَلَاةَ لَهُ (1)
وأفاد الفخر الرازي ما نصه : « وإذا ثبت هذا يعني أنّها نزلت في علي وفاطمة وابناهما - وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم ، وتدلّ عليه وجوه :
الأول : قوله تعالى : إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى .
ووجه الاستدلال به ما سبق ، وهو ما ذكره من قبل من أن آل محمد(صلی الله علیه وآله وسلم) هم الذين يؤول أمرهم إليه ، فكل من كان أمرهم إليه أشدّ وأكمل كانوا هم الآل ، ولا شك أنّ فاطمة وعليّاً والحسن والحسين(عليهم السلام)كان التعلق بينهم وبين رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)أشد التعلقات ، وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر ، فوجب أن يكونوا هم الآل .
الثاني : لا شك أن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)كان يحب فاطمة (عليها السلام). قال(صلی الله علیه وآله وسلم): فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي ، يُؤْذِيني ما يُؤْذِيها ، وثبت بالنقل المتواتر عن محمد(صلی الله علیه وآله وسلم) أنه كان يحبّ عليّاً والحسن والحسين(عليهم السلام)، وإذا ثبت ذلك وجب على كل الأمة مثله ؛ لقوله تعالى : وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(2)
ولقوله تعالى : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ(3)
ولقوله تعالى : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ (4)
ولقوله تعالى : ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ (5)
الثالث : إنّ الدعاء للآل منصب عظيم ، ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهد في الصلاة ، وهو قوله : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَارْحَمْ مُحَمَّداً وَآلِ مُحَمَّدٍ .
وهذا التعظيم لم يوجد في حق غير الآل ، فكل ذلك يدل على أنّ حبّ آل محمد واجب(1).
إن مودة أهل البيت (عليهم السلام)من أهم الواجبات الإسلامية، ومن أقدس الفروض الدينية ؛ لأنّ فيها أداء لأجر الرسالة ، وصلة للرسول (صلی الله علیه وآله وسلم)، و وشكراً له على ما لاقاه من عظيم العناء في سبيل إنقاذ المسلمين من الشرك وعبادة الأوثان ، فحقه على الأمة أن توالى عترته ، وتكن لها المودة والاحترام.
ومن آيات الله البينات الدالة على عصمة أهل البيت (عليهم السلام) من الذنوب ، وعلى طهارتهم من الزيغ والآثام ، آية التطهير . قال تعالى : إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(2)، وهي صريحة في العصمة ، ويقع البحث في الآية من جهات :
وكيفية الاستدلال بها على عصمة أهل البيت(عليهم السلام)أنه تعالى حصر إرادة إذهاب الرجس - أي المعاصي - بكلمةإِنَّمَا ، وهي من أقوى أدوات الحصر ، وبدخول اللام في الكلام الخبري ، وبتكرار لفظ الطهارة وذلك يدلّ - بحسب الصناعة - على الحصر والاختصاص.
ومن المعلوم أن إرادة الله تعالى يستحيل فيها تخلّف المراد عن الإرادة إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ(1)، وبذلك يتم الاستدلال بها على عصمة أهل البيت الا من كل ذنب ومعصية .
وأجمع ثقات الرواة أنها نزلت في رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، وفي أمير المؤمنين وفاطمة
رسول
والحسنين الله ، ولم يشاركهم أحد في هذه الفضيلة(2)، فقد روى الحاكم بسنده عن أم سلمة ، أنها قالت: « في بيتي نزلت هذه الآية إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ .
قالت : فأرسل رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) إلى علي وفاطمة والحسن والحسين ، فقال : اللهُمَّ هَؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتي .
قالت أم سلمة : يا رسول الله ، ما أنا من أهل البيت» ؟
قال : إِنَّكِ إِلى خَيْرٍ ، وَهَؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتي ، اللهُمَّ أَهْلُ بَيْتي أَحَقُّ »(3).
وفي رواية أم سلمة الأخرى : « قالت في بيتي نزلت :إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ، وفي البيت فاطمة وعلي والحسن والحسين ، فجللهم رسول الله له بكساء كان عليه ، ثم قال : هؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ
1) یس 36 :82
2) انظر: التفسير الكبير : 6: 783. صحيح مسلم : 2 : 331 الخصائص الكبرى : 2 : 264 . الرياض النضرة : 2 : 188. خصائص النسائي : 4 . تفسير جامع البيان : 22 : 5 . مسند أحمد ابن حنبل : 4 : 107 . السنن الكبرى / البيهقي : 2 : 150 مشكل الآثار : 1 : 334 . أسباب النزول / الواحدي : 239 روضة الواعظين : 157 ، تفسير سورة الأحزاب ، وغيرها.
3) مستدرك الحاكم : 2 : 416 . أسد الغابة : 5 : 521 .
وَطَهُرْهُمْ تَطْهِيراً »(1).
وروى الخطيب البغدادي بسنده عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي الله في قوله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ، قال : « جمع رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)علياً وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام)، ثم أدار عليهم الكساء ، فقال : هؤلَاءِ أَهْلُ بَيْتي ، اللهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهُرْهُمْ تَطْهِيراً ، وأمّ سلمة على الباب ، فقالت : يا رسول الله ، ألست منهم ؟
فقال : إِنَّكِ لَعَلَى خَيْرٍ - أَو إِلَى خَيْرٍ-» (2)
ويدلّ على اختصاص الآية بهم ، وعدم شمولها لغيرهم ، ما رواه ابن عباس ، قال : شهدت رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) تسعة أشهر يأتي كل يوم باب علي بن أبي طالب(عليه السلام)عند وقت كل صلاة ، فيقول : السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ أَهْلَ الْبَيْتِ ،إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً الصَّلاةَ رَحِمَكُمُ اللهُ كل يوم خمس مرات »(3).
وأخرج ابن جرير وابن مردويه ، عن أبي الحمراء ، قال : « حفظت من رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) ثمانية أشهر بالمدينة ليس من مرّة يخرج إلى صلاة الغد إلا أتى باب عليّ ، فوضع يده على جنبتي الباب ، ثم قال : الصَّلاةَ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً »(4)
وروى أبو برزة ، قال : « صليت مع رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)سبعة أشهر، فإذا خرج من بيته أتى باب فاطمة(عليها السلام)، فقال: السَّلامُ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ
أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (1) وروى أنس بن مالك ، قال : كان النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) يمرّ بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج الصلاة الفجر ، ويقول : الصَّلاةَ يا أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ﴾(2).
وقال الإمام الحسن(عليه السلام)في بعض خطبه : « وَإِنا مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ الَّذِي كَانَ جَبْرَئِيلُ يَنْزِلُ إِلَيْنَا ، وَيَصْعَدُ مِنْ عِنْدِنَا ، وَإِنَّا مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ الَّذِينَ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهَّرَهُمْ تَطْهيراً» (3).
لقد تواترت الأخبار الصحيحة التي لا مجال للشك في سندها ودلالتها على اختصاص الآية الكريمة في الخمسة من أهل الكساء(عليهم السلام)، وعدم تناولها لغيرهم من أسرة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم).
وليس لنساء النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) نصيب في هذه الآية ، فقد اختصّ بها أهل الكساء ، وللتدليل على ذلك نذكر ما يلي :
1 - خروجهنّ موضوعاً عن الأهل ، فإنّه موضوع لعشيرة الرجل وذوي قرباه ، ولا يشمل الزوجة ، ويؤكد هذا المعنى ما صرح به زيد بن أرقم حينما سئل من أهل بيته - أي النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)- نساؤه ؟
فقال : لا وأيم الله ، إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ، ثمّ يطلقها فترجع
إلى أبيها وقومها أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده »(1).
2 - إنا لو سلمنا أنّ الأهل يطلق على الزوج فلابد من تخصيصه ؛ وذلك للأخبار المتواترة التي تقدم ذكرها ، وهي توجب تقييد الإطلاق من دون شكّ .
وزعم عكرمة أنّ الآية نزلت في نساء النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، وكان ينادي بذلك في السوق(2)، وبلغ من إصراره وعناده أنه كان يقول :« مَن شاء باهلته أنها نزلت في أزواج النبي»(3)، وعكرمة لا يعوّل على روايته ، ولا يوثق به ، وذلك لما يلي :
1 - إنّه من الخوارج(4)، وموقف الخوارج من الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) معروف من ناحية النصب والعداء .
2 - إنه قد عُرف بالكذب واشتهر به ، فعن ابن المسيب ، أنه قال لمولى اسمه برد : لا تكذب عليَّ كما كذب عكرمة على ابن عبّاس(5).
وعن عثمان بن مرّة ، أنّه قال للقاسم : «إنّ عكرمة حدثنا عن ابن عبّاس كذا ، فقال القاسم : يابن أخي ، إنّ عكرمة كذاب يحدث غدوة حديثاً يخالفه عشيّاً»(6).
ومع اتّهامه بالكذب كيف يمكن التعويل على حديثه ؟ !
3 - إنّه كان فاسقاً يسمع الغناء ، ويلعب بالنرد ، ويتهاون في الصلاة ، وأنّه
كان خفيف العقل(1).
4 - إنّه كان منبوذاً عند المسلمين ، فقد جفوه وتجنّبوه ، وبلغت من كراهيّتهم له أنّه لمّا توفّي لم يصلّوا عليه ، ولم يشهدوا تشييع جنازته (2).
ومع هذه الطعون التي واجهته واشتهر بها كيف يمكن التعويل على روايته ؟
مضافاً إلى أنّها من أخبار الآحاد حتى لو تمنى بالضعف، فإنّها لا تصلح لمعارضة الأخبار الصحيحة المتواترة .
من آيات الله الباهرات التي أشادت بفضل أهل البيت(عليهم السلام)آية المباهلة . قال تعالى : فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (3).
فقد روى الجمهور بطرق مستفيضة أنّها نزلت في أهل البيت(عليهم السلام)(4)، وأنأبْنَاءَنَاإشارة إلى الحسنين(عليهم السلام)،وَنِسَاءَنَا إلى فاطمة ،وَأَنفُسَنَا إلى عليّ .
وموجز قصّة المباهلة أنّ وفداً من نصارى نجران قدموا على رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)
1) تهذيب التهذيب : 7 : 263 .
2) تهذيب التهذيب : 7 : 240 .
3) آل عمران 3: 61 .
4) تفسير الجلالين: 1 : 35 تفسیر روح البيان : 1 : 457 . تفسير الكشاف : 1 : 149 . تفسير أنوار التنزيل وأسرار التأويل : 76. التفسير الكبير : 2 : 699. صحيح الترمذي : 2 : 166 . السنن الكبرى : 7: 63. مسند أحمد بن حنبل : 1 : 85 مصابيح السنّة / البغوي : 2 : 201 .
ليناظروه في دينه ، وبعد حديث دار بينهما اتفقا على المباهلة ، وهي أن يبتهلوا أمام الله تعالى فيجعلوا لعنته الخالدة وعذابه المعجل على الكاذبين، وعيّنوا زماناً خاصّاً لها.
وخرج رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)في اليوم الذي اتفقا عليه ، وقد اختار للمباهلة أعز الناس لديه ، وأكرمهم عند الله ، وهم الحسن والحسين وسيدة النساء فاطمة وأمير المؤمنين ، واحتضن عل الله الحسين وأمسك بيده الأخرى الحسن ، وسارت خلفه الزهراء وهي مغشّاة بملاءة من نور الله ، وأمير المؤمنين يسير خلفها وهو بادي الجلال ، وخرج السيّد والعاقب بولديهما وعليهما الحليّ والحلل ، ومعهم نصارى نجران وفرسان بني الحرث على خيولهم ، وهم على أحسن هيئة واستعداد ، وقد اجتمعت الجماهير الحاشدة وهي تراقب الحادث الخطير ، ويسأل الناس بعضهم بعضاً : هل تباهل النصارى أو تكفّ عن ذلك ؟وبينما هم على هذا الحال ؛ إذ تقدّم السيّد والعاقب إلى رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) وقد بدا عليهما الذهول والارتباك قائلين: يا أبا القاسم ، بمن تباهلنا ؟
فأجابهم(صلی الله علیه وآله وسلم) : أباهِلُكُمْ بِخَيْرِ أَهْلِ الْأَرْضِ ، وَأَكْرَمِهِمْ عَلَى اللهِ ، وأشار إلى علي وفاطمة والحسنين.
وقدما له سؤالاً مقروناً بالتعجب : لِمَ لا تباهلنا بأهل الكرامة والكبر وأهل الشارة ، ممن آمن بك واتبعك ؟ !
فقال رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم): أَجَلْ ، أباهِلُكُمْ بِهِؤُلاءِ خَيْرِ أَهْلِ الْأَرْضِ وَأَفْضَلِ الْخَلْقِ .
فذهلوا وذابت قلوبهم من الخوف والرعب ، ورجعوا قافلين إلى الأسقف زعيمهم يستشيرونه في الأمر قائلين : يا أبا حارثة ، ماذا ترى في الأمر ؟
فأجابهم الأسقف وقد غمرته هيبة آل الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) قائلاً: أرى وجوهاً لو سأل الله بها أحد أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله ، ولا يكتفي بذلك بل يدعم قوله بالبرهان
واليمين التي تؤيد مقالته : أفلا تنظرون محمداً رافعاً يديه ينظر ما تجيئان به ، وحق المسيح - إن نطق فوه بكلمة - لا نرجع إلى أهل ولا إلى مال !
وجعل يصيح بهم : ألا ترون إلى الشمس قد تغيّر لونها ، والأفق تنجع فيه السحب الداكنة(1)، والريح تهب هائجة سوداء حمراء ، وهذه الجبال يتصاعد فيها الدخان ، لقد أطل علينا العذاب ، انظروا إلى الطير وهي تقيء حواصلها ، وإلى الشجر كيف تتساقط أوراقها ، وإلى هذه الأرض كيف ترجف تحت أقدامنا !
الله أكبر ، لقد غمرت المسيحيّين عظمة تلك الوجوه المقدّسة ، وآمنوا بما لها من الكرامة والشأن عند الله ، ووقفوا خاضعين أمام النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)ونفذوا طلباته .
وقال(صلی الله علیه وآله وسلم) : وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ ، إِنَّ الْعَذابَ تَدَلَّى عَلى أَهْلِ نَجْرانَ ، وَلَوْ لَا عَنوا لَمُسِحُوا قِرَدَةً وَخَنازِيرَ ، وَلاضْطَرَمَ عَلَيْهِمُ الْوادِي ناراً ، وَلاسْتَأْصَلَ اللهُ نَجْرانَ وَأَهْلَهُ حَتَّى الطَّيْرَ عَلَى الشَّجَرِ ، وَما حالَ الْحَوْلُ عَلَى النَّصارى كُلِّهِمْ »(2)
ودلّت قصة المباهلة على عظيم منزلة أهل البيت(عليهم السلام)، وسمو مكانتهم ، وأنّهم أفضل خلق الله وأحبّهم إلى رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، ولا يداني فضلهم أحد من سائر العالمين.
ونزلت في أهل البيت(عليهم السلام)سورة مباركة من سور القرآن الكريم ، وهي سورة هل أتى، فقد روى جمهور المفسرين والمحدّثين أنّها نزلت فيهم(3).
والسبب في نزولها : أنّ الحسن والحسين (عليهم السلام)مرضا ، فعادهما جدّهما رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) مع بعض الصحابة ، فقالوا للإمام : لو نذرت الله إن عافى ولديك ، فنذر(عليه السلام) صوم ثلاثة أيام شكراً الله إن برنا ، وتابعته الصديقة(عليها السلام)وجاريتها فضة في هذا النذر .
ولمّا أبل الحسنان من المرض صاموا جميعاً ، ولم يكن عند أمير المؤمنين(عليه السلام)في ذلك الوقت شيء من الطعام ليجعله إفطاراً لهم ، فاستقرض ثلاثة أصواع من الشعير ، فعمدت الصدّيقة(عليها السلام) في اليوم الأوّل إلى صاع فطحنته وخبزته ، فلما آن وقت الإفطار وإذا بمسكين يستمنحهم من القوت شيئاً ، فتبرع الإمام في إفطاره ، وتابعه الجميع في صنعه ، وناولوا طعامهم إلى المسكين وقضوا ليلتهم ولم يذوقوا من الطعام شيئاً ، وأصبحوا وهم صائمون ، فلما حان وقت الإفطار والطعام بين أيديهم ، وإذا بيتيم على الباب يشكو ألم الجوع ، فتبرعوا جميعاً بقوتهم وطووا ليلتهم ، ولم يذوقوا سوى الماء القراح .
وفي اليوم الثالث قامت سيدة النساء فطحنت ما فضل من الشعير وخبزته ، فلمّا حان وقت الإفطار قدّمت لهم الطعام ، وسرعان ما طرق الباب أسير يشكو الجوع ، فسحبوا أيديهم من الطعام ومنحوه له ،سبحانك اللهم أية مبرة أعظم من هذه المبرّة، وأى إيثار أعظم من هذا الإيثار ؟!
وفي اليوم الرابع جاء رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) لزيارتهم ، فرآهم ، ويا لهول ما رأى ، رأى الصفرة بادية على الوجوه ، والارتعاش حلّ في أجسامهم من الضعف ، فتغير حاله ، وانطلق يقول : واغَوْثاهُ ، أَهْلُ بَيْتِ مُحَمَّدٍ يَموتونَ جياعاً !
ولم ينته الرسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)من كلامه حتى هبط عليه أمين الوحي ، وهو يرفع إليه سورة هل أتى ، وفيها أجمل الثناء ، وعاطر الذكر لأهل البيت(عليهم السلام). قال تعالى : إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ
يُفَجَّرُونَهَا تَفْجِيراً * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً (1) لقد شكر الله سعيهم على هذا الإيثار الذي لا نظير له في عالم المبرّات والإحسان ، وأورثهم في دار الآخرة الفردوس يتقلبون في نعيمه، وجعل ذكرهم خالداً ، وحياتهم قدوة ، وجعلهم أئمة للمسلمين حتّى يرث الله الأرض ومن عليها .
وبهذا ينتهي المطاف عن بعض الآيات التي نزلت في حق أهل البيت(عليهم السلام)، وهي من دون شك تتناول الإمام الحسن(عليه السلام)، وتدل على خطورة شأنه ، وسموّ منزلته عند الله .
1) الإنسان 76 5 - 9 .
أما الأخبار التي أثرت عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) في سبطه الأكبر ، وأشادت بعظيم شأنه ، وبينت عمّا يكنه الرسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) في نفسه من عميق الود، وخالص الحبّ ، فهي على طوائف ثلاث : الأولى مختصة به ، والثانية وردت فيه وفي أخيه سيد الشهداء
(عليه السلام) ، والثالثة في أهل بيته.
ومن المعلوم أن الإمام الحسن(عليه السلام)من أبرارهم فتشمله بالضرورة تلك الأخبار وهذه المناحي قد تظافرت بها النصوص وتواترت حتى أفادت القطع واليقين ، وإلى القرّاء ذلك :
، فهي روايات عدّة نقتصر منها على ما يلي :
1 - روى البراء بن عازب(1)
يكنى أبا عمارة، شهد مع رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)واقعة بدر ، ولكنه لم يأذن له في الجهاد لصغر سنّه ، وغزا مع رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)أربع عشرة غزوة ، وهو الذي فتح الري سنة أربع وعشرين في قول أبي عمرو الشيباني ، وشهد مع أمير المؤمنين(عليه السلام) الجمل وصفين والنهروان ، نزل الكوفة وابتنى بها داراً ، ومات أيام مصعب بن الزبير . أسد الغابة : 1: 171 .
، قال : « رأيت النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) والحسن على عاتقه يقول : «اللهُمَّ إِنِّي أحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ» (2)ورواه الترمذي في صحيحه : 2 : 307. مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة : 7: 130 . ابن كثير في البداية والنهاية : 8: 34 .
كيم وحفاوة
2 - وروت عائشة ، قالت : « إن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) كان يأخذ حسناً فيضمه إليه ثمّ يقول : اللهُمَّ إِنَّ هَذَا ابْني وأنا أُحِبُّهُ وَأُحِبُّ مَنْ يُحِبُّهُ »(1)
و تظافرت الأخبار بهذا المضمون عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، فعن سعيد بن زيد ، قال :« احتضن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) حسناً ثم قال : اللهمَّ إِنِّي قَدْ أَحْبَبْتُهُ فَأَحِبَّهُ» ذكره المتقي الهندي في كنز العمّال : 7: 105 ، وقال : أخرجه الطبراني وأبو نعيم .
وذكر ابن حجر في الإصابة : 3: 78 ، قال : وأخرج البغوي من طريق يزيد بن أبي زياد ، عن يزيد بن أبي الحسن ، عن سعد بن زيد الأنصاري : « أنّ النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) حمل حسناً ثم قال : اللهم إني أحبه مرتين ».
إِنِّي أُحِبُّهُ إِنِّي وروي عن أبي هريرة : « أن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) قال : اللهم إني أحِبُّهُ ، فَأَجِبُهُ ، وَأَحِبُّ مَنْ يُحِبُّهُ» يقولها ثلاث مرّات. صحيح مسلم : 7 130 . صحيح البخاري : 7: 159 .
.3 - وروى زهير بن الأقمر ، قال : « بينا الحسن بن علي يخطب بعدما قتل علي الله إذ قام إليه رجل من الأزد آدم طوال ، فقال : لقد رأيت رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) واضعه في حبوته ، يقول : مَنْ أَحَبَّنِي فَلْيُحِبَّهُ فَلْيُبَلِّغ الشَاهِدُ الْغائِبَ ، ولولا عزمة من رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)ما حدثتكم»(2).
4 - وروى أبو بكرة ، قال : « رأيت رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه ، وهو يقبل على الناس مرة ، وعليه أخرى ، ويقول : إِنَّ ابْني هذا سَيِّدٌ ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِتَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ»(3)
قال المبارك : فذكر شيئاً ، ثم قال : إِنَّ ابْني هذا سَيِّدٌ ، وَسَيُصْلِحُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وذكره ابن حجر في صواعقه : 212.
وجاء في العقد الفريد : 1: 164 : « أن الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) دخل على ابنته فاطمة فوجد الحسن طفلاً يلعب بين يديها ، فقال لها : إِنَّ اللهَ سَيُصْلِحُ عَلَى يَدَيْ ابْنِكَ هَذا بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ».
.1) كنز العمّال : 7 : 104 ، وذكره الهيثمي في مجمعه : 9: 176 .
2) تهذيب التهذيب : 2: 297 مسند أحمد بن حنبل : 5 : 366 . الصواعق المحرقة : 82.
3) الإصابة : 1 : 330. صحيح البخاري : 1 : 152 ، ذكره في الصلح ، ورواه أحمد بن حنبل في مسنده : 5 : 44 ، بإسناده عن المبارك ، عن الحسن ، عن أبي بكرة، قال: «كان رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) يصلي بالناس ، وكان الحسن بن عليّ يثب على ظهره إذا سجد ، ففعل ذلك غير مرّة ، فقالوا له : والله إنّك لتفعل بهذا شيئاً ما رأيناك تفعله بأحد .
5 - وروى ابن عباس ، قال : « أقبل النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)وقد حمل الحسن على رقبته فلقيه رجل ، فقال : نعم المركب ركبت يا غلام .
فقال رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم): «وَنِعْمَ الرّاكِبُ هُوَ »(1).
6 - وروى عبد الله بن عبد الرحمن بن الزبير ، قال : « أشبه أهل النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، وأحبهم إليه ، الحسن ، رأيته يجىء وهو ساجد فيركب رقبته - أو قال : ظهره - فما ينزله حتى يكون هو الذي ينزل ، ولقد رأيته وهو راكع فيفرج له بين رجليه حتى يخرج من الجانب الآخر »(2).
7 - وروي : « أن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) صلى إحدى صلاتي العشاء ، فسجد سجدة أطال فيها : السجود ، فلمّا سلّم قال له الناس في ذلك ، فقال : إِنَّ ابْنِي هذا - يعني الحسن(عليه السلام)- از تَحَلَنِي فَكَرِهْتُ أَنْ أَعَجِّلَهُ »(3).
8- وصعد(صلی الله علیه وآله وسلم) على المنبر ليخطب ، فجاء الحسن فصعد المنبر ، فوضعه على رقبته حتى كان يرى بريق خلخاليه من أقصى المسجد ، وهما يلمعان على صدر الرسول ، ولم يزل على هذه الحالة حتى فرغ لعل الله من خطبته »(4).
9- وقال(صلی الله علیه وآله وسلم): «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى سَيِّدِ شَبابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى الْحَسَنِ»(5).
10 - وقال :« الْحَسَنُ رَبْحانَتِي مِنَ الدُّنْيا »(1).
11 - وروى أنس بن مالك ، قال : «دخل الحسن على النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، فأردت أن أميطه عنه ، فقال صلى الله عليه وسلم : « وَيْحَكَ يا أَنَسُ ! دَعِ ابْنِي وَثَمَرَةَ فُوْادِي ، فَإِنَّ مَنْ آدَى هَذَا فَقَدْ آذانِي ، وَمَنْ آذَانِي فقد آذَى الله»(2).
هذه طائفة من الأخبار التي وردت عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)في سبطه الأكبر ، ويلمس فيها أسمى ألوان التكريم والحفاوة والحب العميق .
فكوكبة من الروايات الصحاح التي دوّنها الثقات والحفاظ ، وهي صريحة الدلالة في أنهما (عليه السلام)من أعز الناس عند رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، ومن أحبهم له ، ونذكر منها ما يلي :
1 - روى سعيد بن راشد ، قال : «جاء الحسن والحسين(عليهم السلام)يسعيان إلى رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، فأخذ أحدهما فضمه إلى إبطه ، ثمّ جاء الآخر فضمه إلى إبطه الأخرى ، وقال : هذان رَبْحانَتاي مِنَ الدُّنْيا ، مَنْ أَحَبَّنِي فَلْيُحِبُّهُما»(3).
وكان النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)دوماً يضفي عليهما هذا اللقب ، وقد وردت بذلك روايات عديدة (4)
قال : فلما قبض النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) قال علي بن أبي طالب(عليه السلام): هذا أَحَدُ الرُّكْنَيْنِ اللَّذِيْن قالَ النَّبِي(صلی الله علیه وآله وسلم)، فلما ماتت فاطمة(عليها السلام) قال علي(عليه السلام): هذا الرُّكْنُ الْآخَرُ الَّذِي قَالَ النَّبِيُّ(صلی الله علیه وآله وسلم). وفي كنز العمال: 7 110 ، عن سعد بن مالك ، قال : «دخلت على النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)وآله والحسن والحسين يلعبان على ظهره ، فقلت : يا رسول الله ، أتحبّهما ؟
فقال : وَما لي لا أحِبُّهُما ، وَأَنَّهُما رَيْحَانَتاي مِنَ الدُّنْيا».
.1) الاستيعاب : 2: 369 البداية والنهاية : : 35 فضائل الأصحاب : 165 .
2) كنز العمّال : 6: 222
3) ذخائر العقبي : 124 .
4) روى أبو نعيم في حلية الأولياء : 3 : 201 ، عن جابر : « أنّ رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) قال لعلي بن أبي طالب(عليه السلام) : سَلامٌ عَلَيْكَ يا أبا الرَّيْحَانَتَيْنِ ، أَوْصِيكَ بِرَبْحانَتَيْ مِنَ الدُّنْيا خَيْراً ، فَعَنْ قَليلٍ يَنْهَدُ رُكْنَاكَ وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَيْكَ .
2 - وروى أنس بن مالك ، قال : سئل رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) : أي أهل بيتك أحب إليك ؟ قال الله : الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ ، وكان يقول : لفاطمة : ادعي ابْنَيَّ ، فيشمهما ويضمهما إليه»(1).
3 - وروى أسامة بن زيد ، قال : « طرقت النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) ذات ليلة في بعض الحاجة ، فخرج النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) وهو مشتمل على شيء لا أدري ما هو ؟ فلما فرغت من حاجتي قلت : ما هذا الذي أنت مشتمل عليه ؟
قال : فكشفه ، فإذا هو حسن وحسين على وركيه ، فقال : هذانِ ابْنايَ ، وَابْنا ابنتي . اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُهُما فَأَحِبُهُما ، وَأَحِبُّ مَنْ يُحِبُّهُما»(2).
4 - وروى سلمان الفارسي ، قال : سمعت رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)يقول : الْحَسَنُ وَالْحُسَينُ ابْنَايَ ، مَنْ أَحَبَّهُما أَحَبَّنِي ، وَمَنْ أَحَبَّنِي أَحَبَّهُ اللهُ ، وَمَنْ أَحَبَّهُ اللهُ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ ، وَمَنْ أَبْغَضَهُما أَبْغَضَنِي ، وَمَنْ أَبْغَضَنِي أَبْغَضَهُ اللهُ ، وَمَنْ أَبْغَضَهُ اللهُ أَدْخَلَهُ النَّارَ»(3).
5- وروى ابن عمر ، قال : « قال رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) : الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيْدا شَبابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَأَبُوهُما خَيْرٌ مِنْهُما »(4).
1) صحيح الترمذي : 2 : 306. فيض القدير : 1 : 148
2) صحيح الترمذي : 2 : 240 كنز العمال: 7 : 110 ، وذكر آخر الحديث ابن حجر في صواعقه : 114 .
3) مستدرك الحاكم : 3 : 166 ، وبتغيير يسير رواه الهيثمي في مجمعه : 9 : 181 ، وكذلك في كنز العمّال : 6 : 221 .
4) مستدرك الحاكم : 3 167 . سنن ابن ماجة : 1 : 44 .وتظافرت الأخبار الواردة عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)أن سبطيه سيدا شباب أهل الجنة : روى الترمذي في صحيحه : 2: 306 عن أبي سعيد الخدري ، قال : «قال رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) : الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيْدا شَبابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ » .ورواه أحمد بن حنبل في مسنده : 3: 3. وروى الخطيب البغدادي في تاريخه : 1: 140 بسنده عن علي(عليه السلام)، قال : « قالَ رَسُولُ اللهِ : الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدا شَبابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ».
6 - واعتلى(صلی الله علیه وآله وسلم) أعواد المنبر يخطب ، فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران ، وهما يمشيان ويعثران ، فنزل (صلی الله علیه وآله وسلم) عن المنبر فحملهما ، ووضعهما بين يديه ، وقال : صَدَقَ اللهُ إِذْ يَقولُ : أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ(1)لَقَدْ نَظَرْتُ إِلَى هذَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ وَهُما يَمْشِيانِ وَيَعْثَرانِ فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قَطَعْتُ حَديثي وَرَفَعْتُهُما »(2).
7 - وروى ابن عباس ، قال : « بينا نحن ذات يوم مع النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)إذا أقبلت فاطمة سلام الله عليها تبكي ، فقال لها رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) : فداك أبوك ، ما يُبْكِيكَ ؟
قالت : إِنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ خَرَجا وَلَا أَدْرِي أَيْنَ بَاتا.
فقال لها رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم): لا تَبْكِينَ ، فَإِنَّ خالِقَهُما أَلْطَفُ بِهِما مَنِّى وَمِنْكَ ، ثم رفع صلى الله عليه وسلم : يديه فقال : اللهمَّ احْفَظْهُما وَسَلَّمْهُما .
فهبط جبرئيل وقال : يا محمد ، لا تحزن فإنّهما في حضيرة بني النجار نائمان ، وقد وكل الله بهما ملكاً يحفظهما .
فقام النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) ومعه أصحابه حتى أتى الحضيرة ، فإذا الحسن والحسين(عليهم السلام)معتنقان نائمان ، وإذا الملك الموكل بهما قد جعل أحد جناحيه تحتهما والآخر فوقهما يظلّلهما ، فأكبّ النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)عليهما يقبلهما حتى انتبها من نومهما ، ثم جعل الحسن على عاتقه الأيمن ، والحسين على عاتقه الأيسر، فتلقاه أبو بكر وقال :
يا رسول الله ، ناولني أحد الصبيين أحمله عنك ؟
فقال(صلی الله علیه وآله وسلم): نِعْمَ الْمَطِيُّ مَطِيُّهُما ، وَنِعْمَ الرّاكِبانِ هُما ، وأبوهُما خَيْرٌ مِنْهُما ، حتى أتى المسجد فقام رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) على قدميه وهما على عاتقيه ، ثم قال : مَعاشِرَ الْمُسْلِمِينَ ، أَلا أدلُّكُمْ عَلَى خَيْرِ النَّاسِ جَدًا وَجَدَّةٌ ؟
بلى يا رسول الله
الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ ، جَدَّهُما رَسولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم) خاتَمُ الْمُرْسَلِينَ ، وَجَدَّتُهُما خَديجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ، سَيَّدَةُ نِساءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ .
ثم قال(صلی الله علیه وآله وسلم): ألا أدلُّكُمْ عَلى خَيْرِ النَّاسِ عَمَاً وَعَمَّةٌ ؟
قالوا : بلى يا رسول الله.
ثم قال : أَيُّها النّاسُ ، أَلا أَدُلُّكُمْ عَلى خَيْرِ النَّاسِ خالاً وَخالَةٌ ؟
قالوا : بلى يا رسول الله.
ثمّ قال : اللهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ فِي الْجَنَّةِ ، وَعَمَّهُما فِي الْجَنَّةِ ، وَعَمَّتَهُما فِي الْجَنَّةِ ، وَمَنْ أَحَبَّهُما فِي الْجَنَّةِ ، وَمَنْ أَبْغَضَهُما في النَّارِ »(1).
ودل الحديث على مدى حبه(صلی الله علیه وآله وسلم) لسبطيه ، وأنهما أحبّ أهل بيته إليه ، وآثرهما . ومن المعلوم أنّ شأن النبوّة بعيد عن الاندفاع بعواطف الحبّ ، فإنه(صلی الله علیه وآله وسلم) لم يمنحهما هذا الحبّ إلا لأنهما مصدر كل فضيلة ، ومنبع كل خير .
1) ذخائر العقبی : 130 .
8-وروى جابر ، قال :« دخلت على النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) والحسن والحسين على ظهره ، وهو يقول : نِعْمَ الْجَمَلُ جَمَلَكُما ، وَنِعْمَ الْعِدْلانِ أَنْتُما»(1).
وبهذا المضمون روى عمر ، قال : رأيت الحسن والحسين(عليه السلام)على عاتقي النبي(صلی الله علیه وآله وسلم): فقلت : نعم الفرس تحتكما .
فقال النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) : وَنِعْمَ الفَارِسانِ هُما»(2)
وقد نظم ذلك شاعر العقيدة السيد الحميري في قوله :
أتى حَسَنُ وَالْحُسَيْنُ النَّبِئ*** وَقَد جَلَسا حَجْرةً يَلْعَبانِ
فَفَدَاهُما ثُمَّ حَيَاهُما*** وَكانا لَدَيهِ بِذاكَ الْمَكانِ
فراحا وَتَحْتَهُما عاتِقاهُ*** فَنِعمَ المَطِيَّةُ وَالرَّاكِبان(3)
9- وروى يعلى بن مرّة الثقفي (4)
وجاء في كل من الإصابة : 6: 540 وأسد الغابة : 5 : 129 : «أن يعلى بن مرّة من أفاضل الصحابة ، روى عن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)و عن أمير المؤمنين(عليه السلام) ، وشهد مع النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) الحديبية ، وبايع بيعة الرضوان ، وشهد خيبر والفتح وهوازن والطائف».
قال : «جاء الحسن والحسين يستبقان إلى رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، فضمهما إليه ، وقال : إِنَّ الْوَلَدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ »(5).10- وقال(صلی الله علیه وآله وسلم): « الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سِيْطانِ مِنَ الْأَسْبَاطِ »(6).
1) کنز العمال : 7 : 108 . مجمع الزوائد : 9: 182 .
2) مجمع الزوائد : 9 181 كنز العمال: 7 : 106 .
3) طبقات الشعراء : 35
4) روى في المستدرك الحديث عن يعلى بن منبه الثقفي ، وراجعنا كتب التراجم فلم نجد يعلى بن منبه ، وإنما الموجود يعلى بن مرّة ، ولعل ما وقع في المستدرك كان سهواً .
5) مستدرك الحاكم : 3 : 168 . مسند أحمد بن حنبل : 4 : 172 .
6) الصواعق المحرقة : 114 . كنز العمال : 6 : 221 .
11- وبلغ من مزيد حبّه وإشفاقه على سبطيه أنه كان يعوّذهما خوفاً عليهما من الحسد ، فقد روى أبو نعيم بسنده عن عبد الله ، قال : «كنا جلوساً مع رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)إذا مر الحسن والحسين وهما صبيان ، فقال : هاتِ ابْنَيَّ أَعَوِّذُهُما بِما عَوَّذَ بِهِ إِبْراهِيمُ ابْنَيْهِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ، فَقالَ : أُعِيدُ كُما بِكَلِماتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ ، وَمِنْ كُلِّ شَيْطانِ وَهامَّةٍ»(1).
وليس في سجل المودة الإنسانية أجمل من هذا الحنان ، ولا أكرم من هذا العطف .
12 - وممّا اشتهر بين المسلمين قوله(صلی الله علیه وآله وسلم): «الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ إمامان إن قاما وَإِنْ قَعَدا »(2)
وجاء في نزهة المجالس : 2 : 184 ، وفى الإتحاف بحبّ الأشراف: 129 : أنّ رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) قال للحسن والحسين :
« أَنْتُما الإمامانِ ، وَلَأُمِّكُما الشَّفَاعَةُ » . وجاء في منهاج السنة : 4 : 210 : « أن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) قال للحسين(عليه السلام): هذا إمام ، ابْنُ إمام ، أخو إمام ، أبو أَئِمَّةِ تِسْعَةٍ ».
.وأضفى(صلی الله علیه وآله وسلم) على حفيديه حلة الإمامة ، وهي من أهم الصفات الماثلة فيهما ؛ وذلك لما تستدعيه من المثل العليا التي لا تتوفّر إلا عند من اختاره الله واصطفاه من بين عباده ، فقد خص الله بها خليله إبراهيم . قال تعالى : قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(3).
وسنتحدّث عن الإمامة ، وما يعتبر في الإمام من المؤهلات والصفات عند عرض مثله (عليه السلام).
، وأنه حرب لمن حاربهم ، وسلم لمن سالمهم ، وقرنهم بمحكم الكتاب ، وجعلهم سفن النجاة ، وأمان الأمة ، وإلى القرّاء بعض تلك السنن:
1 - روى زيد بن أرقم : « أن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين : أنا حَرَبِّ لِمَنْ حارَبْتُمْ ، وَسِلْمٌ لِمَنْ سالَمْتُمْ »(1).
2 - وعن أبي بكر ، قال : « رأيت رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) مخيم خيمة ، وهو متكئ على قوس عربية ، وفي الخيمة علي وفاطمة والحسن والحسين عالم ، فقال : مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ ، أَنَا سِلْمٌ لِمَنْ سالَمَ أَهْلَ الْخَيْمَةِ ، وَحَرْبٌ لِمَنْ حارَبَهُمْ ، وَوَلِيٍّ لِمَنْ والاهُمْ . لَا يُحِبُّهُمْ
إِلَّا سَعِيدُ الْجَدَّ ، طَيِّبُ الْمَوْلِدِ ، وَلَا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا شَقِيُّ الْجَدَّ ، رَدِيءُ الْوِلادَةِ »(2).
3 - وروى أحمد بن حنبل : « أنّ النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) أخذ بيد الحسن والحسين ، وقال : مَنْ أَحَبَّنِي ، وَأَحَبَّ هَدَيْنِ ، وَأَبَاهُما ، وَأَمَّهُما ، كانَ مَعِي فِي دَرَجَتي يَوْمَ الْقِيَامَةِ »(3).
4 - وروى جابر ، قال رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) ذات يوم بعرفات وعلي تجاهه : إِدْنُ مِنّي يا عَلِيُّ ، خُلِقْتُ أَنا وَأَنْتَ مِنْ شَجَرَةٍ ، أَنا أَصْلُها ، وَأَنْتَ فَرْعُهَا ، وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ أَغْصانُها ، فَمَنْ تَعَلَّقَ بِغُصْنٍ مِنْهَا أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ (4).
5 - وروى ابن عباس ، قال : « قال رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم): النُّجومُ أَمانٌ لأَهْلِ الْأَرْضِ مِنَ الْفَرَقِ ، وَأَهْلُ بَيْتي أَمانٌ لأمتي مِنَ الْإِخْتِلافِ ، فَإِذَا خَالَفَتْها قَبِيلَةٌ مِنَ الْعَرَبِ اخْتَلَفُوا
فصاروا حِزْبَ إِبْلِيسَ»(1)
6 - روى زيد بن أرقم ، قال : « قال رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم): إني تارك فيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي ، أَحَدُهُما أَعْظَمُ مِنَ الْآخَرِ : كِتابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتي أَهْلُ بَيْتِي ، وَلَنْ يَفْتَرِنَا حَتَّى يَرِدا عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفوني فيهما !»(2).
إن حديث الثقلين من أوثق الأحاديث النبوية ، وأكثرها ذيوعاً ، وقد اهتم العلماء به اهتماماً بالغاً ؛ لأنّه يحمل جانباً مهماً من جوانب العقيدة الإسلامية ، كما أنّه من أظهر الأدلة التي تستند إليها الشيعة في حصر الإمامة في أهل البيت ، وفي عصمتهم من الأخطاء والأهواء ؛ لأنّ النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) قرنهم بكتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فلا يفترق أحدهما عن الآخر .
ومن الطبيعي أن صدور أية مخالفة لأحكام الدين تعتبر افتراقاً عن الكتاب العزيز ، وقد صرّح النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) بعدم افتراقهما حتى يردا عليه الحوض ، فدلالته على العصمة ظاهرة جليّة . وقد كرّر النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) هذا الحديث في غير موقف من المواقف لأنه يهدف إلى صيانة الأمة والمحافظة على استقامتها ، وعدم انحرافها في المجالات العقائدية ، وغيرها إن تمسكت بأهل البيت(عليهم السلام)ولم تتقدم عليهم ، ولم تتأخر عنهم .
واستيفاء البحث في جوانب الحديث يستدعي وضع كتاب خاص ، وقد كفانا مؤونة البحث عنه ما ذكره العلماء من التحقيق الرائع في جميع مناحي الحديث ، سواء أكان من ناحية السند أم الدلالة وغيرهما(3).
7 - روى أبو سعيد الخدري ، قال : « سمعت النبي الا الله يقول : إِنَّمَا مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي فِيكُمْ كَسَفِينَةٍ نُوحٍ ، مَنْ رَكِبها نَجا ، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ ، وَإِنَّمَا مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي فِيكُمْ مَثَلُ بابِ حِطَّةَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ، مَنْ دَخَلَهُ غُفِرَ لَهُ »(1)
وجاء في مستدرك الحاكم : 2 : 343 و : 3 : 151: عن حنش الكناني ، قال : « سمعت أبا ذر يقول وهو آخذ بباب الكعبة : أيها الناس ، من عرفني فأنا من عرفتم ، ومن أنكرني فأنا أبو ذر ، سمعت رسول الله يقول : مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي مَثَلُ سَفِينَةٍ نُوحٍ ، مَنْ رَكِبَهَا نَجا ، وَمَنْ تَخَلَّفَ
عَنْها غَرِقَ».
وقد تظافرت الأخبار بهذا النصّ .
.يقول الإمام شرف الدين في مراجعاته القيمة في بيان الحديث ، ما نصه : « وأنت تعلم أن المراد من تشبيههم(عليهم السلام) بسفينة نوح أن من لجأ إليهم في الدين فأخذ فروعه وأصوله عن أئمتهم الميامين نجا من عذاب النار ، ومن تخلف عنهم كان كمن أوى يوم الطوفان إلى جبل ليعصمه من أمر الله ، غير أنّ ذاك غرق في الماء ، وهذا في الحميم والعياذ بالله .
والوجه في تشبيههم(عليهم السلام) بباب حطة هو أنّ الله تعالى جعل ذلك الباب مظهراً من مظاهر التواضع لجلاله والبخوع لحكمه ، وبهذا كان سبباً للمغفرة .
هذا وجه الشبه ، وقد حاوله ابن حجر إذ قال - بعد أن أورد هذه الأحاديث وغيرها من أمثالها - : ووجه تشبيههم بالسفينة أنّ من أحبهم وعظمهم شكراً لنعمة مشرّفهم ، وأخذ بهدي علمائهم ، نجا من ظلمة المخالفات ، ومن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم ، وهلك في مفاوز الطغيان»
إلى أن قال : « ويباب حطة - يعني وجه تشبيههم بباب حطة - أنّ الله جعل دخول ذلك الباب الذي هو باب أريحا أو بيت المقدس مع التواضع والاستغفار سبباً
1) مجمع الزوائد : 9: 168
للمغفرة ، وجعل لهذه الأمة مودّة أهل البيت سبباً لها»(1).
8- قال(صلی الله علیه وآله وسلم): « مَعْرِفَةُ آلِ مُحَمَّدٍ بَراءَةٌ مِنَ النّارِ ، وَحُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ جَوازٌ عَلَى الصِّراطِ، وَالْوَلايَةُ لآلِ مُحَمَّدٍ أَمانٌ مِنَ الْعَذاب» (2).
9 - قال(صلی الله علیه وآله وسلم): « مَنْ ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ شَهِيداً ، أَلَا وَمَنْ ماتَ عَلَى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ مَغْفُوراً لَهُ ، أَلَا وَمَنْ ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ تَائِباً ، أَلَا وَمَنْ ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ مُؤْمِناً مُسْتَكْمِلَ الْإِيمَانِ ، أَلَا وَمَنْ مَاتَ عَلَىٰ حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ بَشَّرَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ بِالْجَنَّةِ ، ثُمَّ مُنْكِرٌ وَنَكِيرٌ ، أَلَا وَمَنْ ماتَ عَلَى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ يُزَفُ إِلَى الْجَنَّةِ كَما تُزَقُّ الْعَرُوسُ إِلى بَيْتِ زَوْجِهَا ، أَلَا وَمَنْ ماتَ عَلَى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ فُتِحَ لَهُ في قَبْرِهِ بابانِ إِلَى الْجَنَّةِ ، أَلَا وَمَنْ مَاتَ عَلَى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ جَعَلَ اللَّهُ قَبْرَهُ مَزارَ مَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ ، أَلَا آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ عَلَى السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ ، أَلَا وَمَنْ ماتَ عَلى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ جاءَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مَكْتُوباً بَيْنَ عَيْنَيهِ : آيسٌ مِنْ رَحمَةِ اللهِ »(3).
10 - قال(صلی الله علیه وآله وسلم) :« واجْعَلُوا أَهْلَ بَيْتِي مِنْكُم مَكانَ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ ، وَمَكَانَ الْعَينَينِ مِنَ الرَّأْسِ ، وَلَا يَهْتَدِي الرَّأْسُ إِلَّا بِالعَينَينِ»(4).
إن الواجب على المسلمين أن يجعلوا أهل بيت نبيّهم مكان الرأس من الجسد، ومكان العينين من الرأس، فيتمسكوا بأهدافهم، ويأخذوا بأفعالهم وأقوالهم ، ولو أنّهم حققوا ذلك لكانوا سادات الأمم وهداة الشعوب ، ولكنّهم ناصبوهم العداء ، وأخروهم عن مراتبهم ، وأزالوهم عن مكانتهم ، فأصيبت الأمة بالنكسات ، وحفّت
بها الخطوب والأخطار ، فإنا لله وإنّا إليه راجعون .
11 - قال(صلی الله علیه وآله وسلم): « لَا تَزولُ قَدَما عَبْدٍ - يوم القيامة - حَتَّى يُسْأَلُ عَنْ أَرْبَعِ : عَنْ عُمُرِهِ - فيما أَقْناهُ ، وَعَنْ جَسَدِهِ فيما أَبْلاهُ ، وَعَنْ مالِهِ فيما أَنْفَقَهُ ، وَمِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ ، وَعَنْ مَحَيَّتِنا أَهْلَ الْبَيْتِ »(1).
إنّ المسلمين مسؤولون أمام الله عن مودة أهل البيت(عليهم السلام)وعن حبهم ، ومن أظهر ألوان الحبّ الأخذ بأقوالهم والاقتداء بهم في جميع المجالات.
12 - قال :« مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَحْيا حَياتي ، وَيَموتُ مَمَاتِي ، وَيَسْكُنُ جَنَّةَ عَدْنٍ له « غَرَسَها رَبِّي ، فَلْيُوالِ عَلِيّاً مِنْ بَعْدِي ، وَلْيُوالِ وَلِيَّهُ ، وَلْيَقْتَدِ بِأَهْلِ بَيْتِي مِنْ بَعْدِي ، فَإِنَّهُمْ عِتْرَتي ، خُلِقوا مِنْ طِيْنَتِي ، وَرُزِقوا فَهُمي وَعِلْمِي ، فَوَيْلٌ لِلْمُكَذِّبِينَ بِفَضْلِهِمْ مِنْ أُمَّتي ، الْقاطِعِينَ فِيهِمْ صِلَتي ، لَا أَنا لَهُمُ اللهُ شَفاعَتي »(2).
ونقتصر على هذه السنن التي أثرت عن الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) في أهل بيته ، وهناك عشرات أمثالها ذكرت في كتب الحديث ، وهي تهتف بفضلهم ، وتلزم المسلمين بالرجوع إليهم في جميع المجالات.
واحتفى المسلمون بالإمام الحسن(عليه السلام) احتفاء بالغاً ، فكان كبار الصحابة يقابلونه بالتجلّة والتكريم ، ويتسابقون إلى القيام بخدمته ، فهذا عبدالله بن عباس حبر الأمة كان إذا ركب الحسن والحسين(عليه السلام) بادر فأمسك لهما الركاب، وسوّى عليهما الثياب ، وقد لامه مدرك بن زياد على ذلك ، فنهره وقال له : يا لكع ! أتدري من
هذان ؟ ! هذان ابنا رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، أوليس ممّا أنعم الله به عليّ أن أمسك لهما الركاب ، وأسوّي عليهما الثياب (1).
وبلغ من تعظيم المسلمين وتكريمهم لهما أنهما كانا يفدان إلى بيت الله الحرام ماشيين ، فما اجتازا على ركب إلا ترجّل ذلك الركب إجلالاً وإكباراً لهما ، وإذا طافا بالبيت الحرام بلغ زحام الناس عليهما مبلغاً هائلاً لم يشاهد نظيره لأجل السلام عليهما ، والتبرك بزيارتهما(2).
وكان أبو هريرة إذا رأى الإمام الحسن(عليه السلام) مقبلاً قام إليه فقبله بسرته ؛ لأنه رأى رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)يفعل ذلك (3).
وحقاً للمسلمين أن يكرموا حفيد نبيهم ويقدسوه بعد ما كرمه النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)ورفع من شأنه.
وتوفّرت في الإمام أبي محمد الصفات الرفيعة والمثل الكريمة ، وتجسّدت فيه طاقات الإسلام وعناصره ومقوماته ، فهو بحكم قابليّاته ونزعاته فذ من أفذاذ العقل الإنساني ، ومثل من أمثلة التكامل البشري ، وعظيم من عظماء الإسلام .
لقد بلغ الإمام الذروة في فضائله ومآثره، وأصالة رأيه ، وسموّ تفكيره، وشدّة ورعه ، وسعة حلمه ، ودماثة أخلاقه ، إلى غير ذلك من ملكاته التي كان بها موضع اعتزاز المسلمين وفخرهم ، ونشير إلى بعضها :
ومن أبرز الصفات المائلة فيه هي الإمامة ، وذلك لما تستدعيه من المُثل والقابليات التي لا تتوفّر إلا عند من اصطفاه الله واختاره من بين عباده ، وقد حباه تعالى بها ، وأعلن ذلك الرسول الكريم بقوله فيه وفي أخيه : « الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ إمامانِ إن قاما وَإِنْ فَعَدا» (1).
ولا بدّ لنا من وقفة قصيرة لنتبين فيها معنى الإمامة ، وبعض الشؤون التي تتعلّق بها ، فإنّها تكشف عن سموّ مكانة الإمام وعظيم شأنه ، وإلى القرّاء ذلك :
1) مناقب آل أبي طالب : 3: 163 . عوالي اللثالي : 4 : 93 . بحار الأنوار: 43: 291 .
وحدّدها علماء الكلام ، فقالوا : « الإمامة رئاسة عامّة في أمور الدين والدنيا لشخص إنساني » ، فالإمام - حسب هذا التحديد - هو الزعيم العام والرئيس المتبع ، وله السلطة الشاملة على الناس في جميع شؤونهم الدينية والدنيوية .
والإمامة ضرورة من ضروريات الحياة لا يمكن الاستغناء عنها بحال من الأحوال ، فيها يقام ما اعوج من نظام الدنيا والدين ، وبها تتحقق العدالة الكبرى التي ينشدها الله في أرضه، ويتحقق الأمن العام ، والسلام بين الناس ، ويدفع عنهم الهرج والمرج ، ويمنع القوي من أن يتحكم في الضعيف .
ومن أهمّ الأمور الداعية إلى وجود الإمام إيصال الناس إلى عبادة الله ، ونشر أحكامه وتعاليمه، وتغذية المجتمع بروح الإيمان والتقوى ليبتعد الإنسان بذلك عن الشرّ ويتجه إلى الخير ، ويجب على الأمة كافة الانقياد إليه ، والامتثال لأوامره ليقيم أودها ، ويلم شعثها ، ويهديها إلى سواء السبيل .
إن على إمام المسلمين وولي أمرهم أن يقوم بما يلي :
1 - حفظ الدين ، وحراسة الإسلام ، وصيانته من المستهترين بالقيم والأخلاق .
2 - تنفيذ الأحكام ، والقضاء على الخصومات ، وإنصاف المظلوم من ظالمه
3 - حماية البلاد الإسلامية من الغزو الخارجي، سواء أكان الغزو عسكرياً أم فكرياً ، كما في هذه العصور التي غزت بلادنا بعض المبادئ الهدامة التي تدعو إلى تحطيم الأسس التي أقامها الإسلام.
4 - إقامة الحدود، والقضاء على كافة الجرائم التي توجب شقاء الإنسان .
5 - تحصين الثغور .
6 - الجهاد .
7 - جباية الأموال ، كالزكاة والخراج وغيرها من الأمور التي نص عليها التشريع الإسلامي.
8- استخدام الأمناء في جهاز الحكم ، وعدم استعمال الموظف محاباة أو إثرة . - النظارة على أمور الرعية بالذات ، ولا يجوز له أن يعول على الغير لينظر فيها ، لأنّ ذلك من حقوق الرعيّة (1).
10 - القضاء على البطالة ، ونشر الرفاهية الشاملة في ربوع الأمة ، وإنقاذها من الفقر والحرمان .
هذه بعض الأمور التي يجب على الإمام أن يطبقها على مسرح الحياة العامة ، وقد استوفينا البحث في هذه الجهات في كتابنا نظام الحكم والإدارة في الإسلام.
ولا بدّ فى الإمام أن تتوفّر فيه الشروط الآتية ، وهي :
1 - العدالة على شروطها الجامعة ، وهي الامتناع من ارتكاب كبائر الذنوب والإصرار على صغائرها .
2- العلم بما تحتاج إليه الأمة في جميع مجالاتها ، ومعرفة النوازل والأحكام .
3- سلامة الحواس ، كالسمع والبصر واللسان ، ليصح معها مباشرة ما يدرك كما يشترط سلامة الأعضاء الأخرى من أي نقص.
4 - الرأي المفضي إلى سياسة الرعيّة وتدبير المصالح العامّة.
5- الشجاعة والنجدة والقدرة على حماية بيضة الإسلام وجهاد العدوّ.
1) السياسة الشرعية : 7 .
6- النسب ، وهو أن يكون الإمام من قريش .
وقد ذكر هذه الشروط والأوصاف، كلّ من الماوردي وابن خلدون(1).
7 - العصمة ، وعرفها المتكلمون : بأنّها لطف من الله يفيضها على أكمل عباده ، وبها يمتنع من ارتكاب الجرائم والموبقات ، عمداً وسهواً، وقد أجمعت الشيعة على اعتبارها في الإمام ، ويدلّ عليها حديث الثقلين، فقد قرن الرسول له بين الكتاب والعترة ، وكما أن الكتاب معصوم من الخطأ والزلل ، فكذلك العترة الطاهرة ، وإلّا لما صحت المقارنة والمساواة بينهما ، وقد تقدّم الكلام في بيان ذلك .
وهذه الأوصاف لم تتوفر إلا في أئمة أهل البيت لا للحضنة الإسلام وحماته ، والأدلاء على مرضاة الله وطاعته، وقد وصفهم الكميت شاعر العقيدة الإسلامية بقوله :
للقريبينَ مِنْ نَدى وَالْبَعيدين*** مِنَ الجور في عُى الأَحْكامِ
وَالمُصيبينَ باب ما أَخطأَ النَّا ***سُ وَمُرْسَى قَواعِدِ الإسلام
وَالْحُماةِ الْكُفاة في الْحَربِ*** إِنْ لَفَّ ضِراماً وَقودُهُ بِضِرامِ
وَالْغُيوث الذين إن أَمْحَلَ النّا*** سُ فَمَأوى حَواضِنِ الأَبْتامِ
راجحي الوزن كاملي العَدلِ في الـ*** سَيرَةٍ طبّينَ بِالأمورِ الحِسامِ
ساسَةٌ لا كَمَنْ يُرى رَعْيَةَ النّا*** س سَواءٌ وَرِعْيَةَ الأَنعام (2)
إنّ أئمة أهل البيت سلام الله عليهم قد دلّلوا بسيرتهم وهديهم على عصمتهم من الخطأ والزيغ ، وقد برهنت الحوادث والوقائع على ذلك ، ودلّت على أنهم نسخة لا مثيل لها في تاريخ الإنسانية ، وذلك لما لهم من عظيم الفضل والتقوى والحراجة
في الدين .
وذهبت الشيعة إلى أن تعيين الإمام ليس بيد الأمّة ، ولا بيد أهل الحل والعقد منها ، والانتخاب في الإمامة باطل ، والاختيار فيها مستحيل ، فحالها كحال النبوّة ، فكما أنّها لا تكون بإيجاد الإنسان وتكوينه كذلك الإمامة ، لأن العصمة - التي هي شرط في الإمامة - لا يعرفها إلا الله المطلع على خفايا النفوس ، وقد أوضح ذلك واستدلّ عليه حجّة آل محمّد ومهدي هذه الأمة القائم المنتظر الا في حديثه مع سعد بن عبد الله ، فقد عبدالله ، فقد سأل عن العلة التي تمنع الناس من اختيار إمام لأنفسهم .
فقال(عليه السلام) له : يَخْتارونَ مُصْلِحاً أَوْ مُفسداً ؟
بل مصلحاً .
فَهَلْ يَجوزُ أَنْ تَقَعَ خِيرَتُهُمْ عَلَى الْمُفْسِدِ بَعْدَ أَنْ لَا يَعْلَمَ أَحَدٌ بِما يَخْطُرُ بِبَالِهِ مِنْ إِصْلَاحِ أَوْ فَسَادٍ ؟
بلی
فَهِيَ الْعِلَّةُ أُوْرِدُها لَكَ بِبُرْهَانٍ يَثِقُ بِهِ عَقْلُكَ ، أَخْبِرْنِي عَنِ الرُّسُلِ الَّذِينَ اصْطَفَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ عَلَيْهِمْ ، وَأَيَّدَهُمْ بِالْوَحْيِ وَالْعِصْمَةِ؛ إِذْ هُمْ أَعْلامُ الْاُمَم ، وَأَهْدِى إِلَى الْإِخْتِيَارِ مِنْهُمْ ، مِثْلِ مُوسَى وَعِيسَى، هَلْ يَجوزُ مَعَ وُفورِ عَقْلِهِما ، وَكَمالِ عِلْمِهِما إذا هَمَا بِالْإِخْتِيارِ
أَنْ تَقَعَ خِيرَتُهُما عَلَى الْمُنافِقِ وَهُما يَظُنَانِهِ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ ؟
-لا.
قالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَاخْتارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا (1)
إِلى قَوْلِهِ : فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةٌ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ(2).
فَلَمّا وَجَدْنَا اخْتِيارَ مَنْ قَدِ اصْطَفَاهُ اللهُ تَعَالَى لِلنُّبُوَّةِ واقعاً عَلَى الْأَفْسَدِ دونَ الْأَصْلَحُ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ الْأَصْلَحَ عَلِمْنا أَنَّ الْإِخْتِيارَ لَيْسَ إِلَّا لِمَنْ يَعْلَمُ
ما تُخفي الصُّدُورُ وَتَكِنُّ الضَّمَائِرُ »(3).
إن الطاقات البشرية قاصرة عن إدراك الأصلح الذي تسعد به الأمة ، فليس اختياره بيد الإنسان وإنّما هو بيد الله العالم بخفايا الأمور .
هذه صورة مجملة عن الإمامة ، وتفصيل الكلام يجده المتتبع مستوفى في كتب الكلام .
قال بعض علماء الاجتماع : «إنّما تتفاضل الأمم في حال البداوة بالقوة البدنيّة، فإذا ارتقت تفاضلت بالعلم ، ثمّ إذا بلغت من الارتقاء غايته تفاضلت بالأخلاق .
فالأخلاق هي غاية ما يصل إليه الإنسان في سموّه وكماله وتهذيبه .
إن الخلق الكامل إذا انطبع في النفس لا يمكن أن تنحرف عن الطريق القويم ، أو تحلّ الأنانية محل الإيثار ، أو تستولي عليها المغريات والنقائص .
من أجل ذلك كانت الأخلاق من أهم العناصر التي تبتني عليها الحياة الاجتماعيّة والفرديّة ، كما أنّها من أوثق الأسباب في بقاء الأمم وفي دوام حضارتها وأصالتها .
إنّ من أقوى العلل في ظهور الشرائع السماوية ، وبقاء سلطانها الروحي عنايتها بالأخلاق واهتمامها بتهذيب النفوس وتربيتها بالنزعات الخيّرة ، وقد اهتم النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) بها اهتماماً بالغاً ، واعتبرها من أبرز الأسباب التي بعث من أجلها . يقول(صلی الله علیه وآله وسلم): « إِنَّما بعِثْتُ لأتمم مكارم الأخْلاقِ»(1).
وقد استطاع بمكارم أخلاقه أن يوقظ البشر من سباته ، ويؤسس معالم الحضارة في العالم ، ويغيّر مجرى التاريخ ، فقد ألّف ما بين القلوب ، ووحد المشاعر والعواطف ، وجمع الناس على صعيد المحبّة والإخاء .
كان النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) في عظيم أخلاقه مثالاً للرحمة الإلهية التي تملأ القلوب البائسة الحزينة رجاءاً ورحمة ، كان يزور ضعفاء المسلمين، ويعود مرضاهم ، ويشهد جنائزهم، ويجيب دعوة من دعاه، ولا يردّ دعوة مملوك ولا فقير(2)، ومن جالسه صابره حتى يكون جليسه هو المنصرف ، وما أخذ أحد بيده فجذبها منه حتى يكون الآخذ هو الذي يرسلها ، وكان حريصاً على تطييب النفوس ، واجتناب الإساءة لأيّ
إنسان .
وهذه الأخلاق الرفيعة قد تمثلت في الإمام الحسن(عليه السلام) بحكم ميراثه من جده
العظيم ، وقد ذكر التاريخ بوادر كثيرة من مكارم أخلاقه نسوق بعضها ، وهي :
1 - إنّه اجتاز على جماعة من الفقراء قد وضعوا على وجه الأرض كسيرات من الخبز كانوا قد التقطوها من الطريق، وهم يأكلون منها ، فدعوه إلى مشاركتهم ، فأجابهم إلى ذلك وهو يقول : إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُتَكَبِّرين.
ولما فرغ من تناول الطعام دعاهم إلى ضيافته، فأطعمهم وكساهم(1)وأغدق عليهم نعمه وإحسانه .
إن التواضع دليل على كمال النفس وسموها وشرفها ، وفي الحديث : «إنّ التَّواضُعَ لَا يَزِيْدُ الْعَبْدَ إِلَّا رِفْعَةً ، فَتَواضَعُوا يَرْحَمُكُمُ اللهُ»(2).
2 - ومن آيات أخلاقه أنه مرّ على صبيان يتناولون الطعام ، فدعوه لمشاركتهم ، فأجابهم إلى ذلك ، ثمّ حملهم إلى منزله ، فمنحهم برّه ومعروفه ، وقال : « الْيَدُ لَهُمْ ؛ لأَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا غَيْرَ ما أَطْعَمُونِي ، وَنَحْنُ نَجِدُ مِمَّا أَعْطَيْنَاهُمْ»(3)
3 - ومن مكارم أخلاقه أنه كان يغضي عمّن أساء إليه ، ويقابله بالإحسان ، فقد كانت عنده شاة فوجدها يوماً قد كسرت رجلها ، فقال الله لغلامه : مَنْ فَعَلَ هذا بها ؟
أنا .
لِمَ ذَلِكَ ؟
لأجلب لك الهم والغم !
قتبسم الإمام(عليه السلام) وقال له : لَأَسُرَّنَّكَ ، فأعتقه وأجزل له في العطاء(4).
4 - ومن عظيم أخلاقه أنه كان جالساً في مكان فأراد الانصراف منه ، فجاءه فقير فرحب به ولاطفه ، وقال له : إِنَّكَ جَلَسْتَ عَلى حِينِ قيامِ مِنَا ، أَفَتَأْذَنَ لِي بِالْإِنْصِرافِ ؟
إنّ مراعاة حق الجليس من الآداب الاجتماعية التي توجب المحبّة والألفة. وتوجد التعاون والترابط بين الناس ، فلذا أمر الإسلام بها وحثّ عليها .
5- واجتاز على الإمام شخص من أهل الشام ممّن غذاهم معاوية بالكراهية والحقد على آل البيت ، فجعل يكيل للإمام السب والشتم ، والإمام ساكت لم يردّ عليه شيئاً من مقالته ، وبعد فراغه التفت الإمام فخاطبه بناعم القول وقابله ببسمات فياضة بالبشر قائلاً: أَيُّها الشَّيْخُ ، أَظُنُّكَ غَريباً ، لَوْ سَأَلْتَنا أَعْطَيْنَاكَ ، وَلَوِ اسْتَرْشَدْتَنا أَرْشَدْناكَ ، وَلَوِ اسْتَحْمَلْتَنا حَمَلْنَاكَ ، وَإِنْ كُنْتَ جائِعاً أَطْعَمْناكَ ، وَإِنْ كُنْتَ مُحْتاجاً أَغْنَيْناكَ ، وَإِنْ كُنْتَ طَرِيداً أَوَيْناكَ .
وما زال(عليه السلام) يلاطف الشامي بهذا ومثله ليقلع روح العداء والشرّ من نفسه ، حتى ذهل ولم يطق ردّ الكلام ، وبقي حائراً خجلاً كيف يعتذر للإمام ، وكيف يمحو الذنب عنه ؟ وطفق يقول : الله أعلم حيث يجعل رسالته فيمن يشاء»(2).
وهكذا كان الا مثالاً للإنسانيّة الكريمة ، ورمزاً للخلق العظيم ، لا يثيره الغضب ، ولا يزعجه المكروه ، قد وضع نصب عينيه قوله تعالى :ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ(3).
وقد قابل جيع ما لاقاه من سوء وأذى ومكروه من الحاقدين عليه بالصبر والصفح
الجميل . لقد كان الإمام كجده الرسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)في سعة حلمه ، وعظيم أخلاقه ، وصفحه عمّن أساء إليه ، وقد روى التاريخ بوادر كثيرة من أخلاقه دلّت على أنه في طليعة الأخلاقيين والمساهمين في بناء الأخلاق والآداب في دنيا العرب والمسلمين ، حتّى اعترف ألد خصومه مروان بن الحكم بسمو حلمه ، وعظيم خلقه ، وذلك حينما انتقل الإمام إلى الرفيق الأعلى ، فبادر مروان إلى حمل جثمانه ، فقال له سيد الشهداء(عليه السلام) : تَحْمِلُ الْيَوْمَ سَرِيرَهُ وَقَدْ كُنْتَ بِالْأَمْسِ تُجَرِّعُهُ الْغَيْظَ ؟
قال مروان : نعم ، إنّي كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال(1).
من كان ندي الكف ، مبسوط اليدين بالعطاء ، متمسكاً بأهداب السخاء، بعيداً عن البخل وضروبه ، فأعظم به من خير عميم ، كبير الثقة بالله ، عظيم النفس ، شريف الذات .
وقد تحدث رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) عن شرف هذه الظاهرة ، فقال : « خُلُقانِ يُحِبُّهُما اللهُ ،وَهُما الشَّجَاعَةُ وَالسَّخاءُ ، (2).
وقال : « السَّخاءُ مِنَ الْإِيْمَانِ»(3).
إن السخاء ينم عن طيب القلب ، ويكشف عن الفضائل النفسيّة ، ويحكي عن رحمة الإنسان ورأفته .
ومن الطبيعي أنّه إنما يكون كذلك فيما إذا كان بذله بداعي الخير والمعروف لا بداعي السمعة والمديح والثناء وغير ذلك من الدواعي التي لا تمتّ إلى
الإحسان بصلة .
وقد حدث التاريخ عن أناس كانوا يهبون الألوف للوافدين ، ويبذلون القرى للأضياف ، ولكن سرعان ما انكشف أنّه تصنّع لا اتصال له بحقيقة الكرم والمعروف ، وذلك كعطاء معاوية بن أبي سفيان وهباته للوافدين عليه ، فإنّ ذلك لم يكن بداعي الإحسان وإنّما كان لشراء الضمائر لأجل التمسك بزمام الحكم.
إن السخاء الحقيقي هو بذل الخير بداعي الخير ، وبذل الإحسان بداعي الإحسان ، وقد تجلت هذه الصفة الرفيعة بأجلى مظاهرها ، وأسمى معانيها في الإمام أبي محمد(عليه السلام) حتى لقب بكريم أهل البيت .
تلقّى هذه المكرمة من سلفه الطاهر الذي عرف بالسخاء والمعروف ، ونجدة الضعيف والإحسان إلى كلّ منقطع ومحروم ، وفي جده الأعلى يقول القائل :
عُمْرُو العُلا هَشَمَ النَّرِيدَ لِقَوْمِهِ*** ورجالُ مَكّةَ مُسْيَتُونَ عِجافُ
وزاد الحسن (عليه السلام)على سلفه الطاهر فى ذلك ، فقد كان لا يعرف للمال قيمة ، ولا يرى له أهمية سوى ما يرد به جوع جائع، أو يكسو به عارياً ، أو يغيث به ملهوفاً ، أو يفي به دين غارم .
إنّ السخاء عنصر من عناصر ذاته، ومقوّم من مقومات مزاجه ، وقد أثر عنه أنّه ما قال السائل « لا » قطّ(1).
وقيل له : لأي شيء لا نراك تردّ سائلاً؟
فأجاب : «إِنِّي لِلهِ سائِلٌ ، وَفِيهِ راغِبٌ ، وَأَنا أَسْتَحي أَنْ أَكُونَ سائِلاً وَأَرَدَّ سَائِلاً ، وَإِنَّ اللَّهَ عَوَّدَنى عادَةً أَنْ يُفِيضَ نِعَمَهُ عَلَيَّ ، وَعَوَّدْتُهُ أَنْ أَفِيضَ نِعَمَهُ عَلَى النَّاسِ ، فَأَخْشَى إِنْ قَطَعْتُ الْعادَةَ أَنْ يَمْنَعَنِي الْعادَةَ » ، وأنشأ يقول :
1) الطبقات الكبرى / الشعراني : 1 : 23 . جوهرة الكلام / القراغولي : 112 .
إذا ما أَتاني سائِلٌ قُلتُ مَرْحَباً*** بِمَنْ فَضْلُهُ فَرْضٌ عَلَيَّ مُعَجِّلُ
وَمَنْ فَضْلُهُ فَضْلٌ عَلَى كُلِّ فاضِل*** وَأَفْضَلُ أَيَّامِ الْفَتى حِينَ يُسْأَلُ(1)
ونسبت له أبيات نظمها في الجود والسخاء منها قوله :
إنَّ السَّخاءَ عَلَى الْعِبادِ فَريضَةٌ*** لِلَّهِ يُقرأُ في كِتابٍ مُحْكَمِ
وَعَدَ الْعِبادَ الأَسْخِياءَ جنانَهُ*** وَأَعَدُّ لِلبُخَلاءِ نارَ جَهَنَّم
منْ كانَ لا تَنْدَى يَداهُ بِنائِل*** لِلرّاغبينَ فَلَيْسَ ذَاكَ بِمُسْلِم (2)
وله أيضاً :
خَلَقْتَ الْخَلائِقَ مِنْ قُدْرَةِ*** فَمِنْهُم سَخِي وَمِنْهُم بَخيل
فَأَما السَّخِيُّ فَفي راحَةٍ*** وأما الْبَخيلُ فَحُزنٌ طويل(3)
وكانت الوفود من المرتزقة والمحتاجين تزدحم عليه، فيغدق عليهم بره وإحسانه ، ويجزل لهم المزيد من العطاء ، وقد ذكر التاريخ بوادر كثيرة من كرمه وجوده نسوق إلى القرّاء بعضها :
1 - جاءه أعرابي سائلاً ، فقال لا : اعْطُوهُ ما فِي الْخِزَانَةِ » ، وكان فيها عشرة آلاف درهم .
فقال له الأعرابي : هلّا تركتني أبوح بحاجتي وأنشر مدحتي .
فأجابه الإمام :
نَحْنُ أُناسٌ نَوالُنَا خَضِلُ*** يَرْتَعُ فِيهِ الرَّجاءُ وَالأَمَلُ
تَجُودُ قِبْلَ السَّؤالِ أَنْفُسُنا*** خوفاً على مَاءِ وَجْهِ مَنْ يَسَلُ
لَوْيَعْلَمُ البَحْرُ فَضْلَ نائلنا*** لَغَاضَ مِنْ بَعْدِ فَيْضِهِ خَجَلُ(1)
2 - واجتاز(عليه السلام) على غلام أسود بين يديه رغيف يأكل منه لقمة ويدفع لكلب كان عنده لقمة أخرى .
فقال له الإمام : ما حَمَلَكَ عَلى ذلِكَ ؟
رأى الإمام فيه خصلة من أحبّ الخصال عنده ، فأحب أن يجازيه على صنعه ، ويقابل إحسانه بإحسان ، فقال له : لَا تَبْرَحْ مَكانَكَ . ثم انطلق فاشتراه من مولاه واشترى الحائط(2)الذي هو فيه ، فأعتقه وملكه إياه(3)
3- واجتاز يوماً في بعض أزقة المدينة ، فسمع رجلاً يسأل الله أن يرزقه عشرة آلاف درهم ، فانطلق إلى بيته وأرسلها إليه بالوقت(4).
4- وجاءه شخص يظهر الاعواز والحاجة ، فقال له (عليه السلام): ما هذا حَقُّ سُؤَالَكَ يَعْظُمُ لَدَيَّ مَعْرِفَتى بِما يجِبُ لَكَ ، وَيَكْبُرُ عَلَيَّ وَيَدايَ تَعْجَرُ عَنْ نَيْلِكَ بِما أَنْتَ أَهْلُهُ ، وَالْكَثِيرُ في ذاتِ اللَّهِ تَعَالَى قَلِيْلٌ ، وَما في مُلْكِي وَفاءً لِشُكْرِكَ ، فَإِنْ قَبِلْتَ مِنَا الْمَيْسُور ، وَرَفَعْتَ عَنا مَؤونَةَ الْإِحْتِفَالِ وَالْإِهْتِمَامِ فَعَلْتَ .
فأجابه الرجل : يابن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، أقبل القليل ، وأشكر العطية ، وأعذر على المنع .
فأحضر(عليه السلام) وكيله وحاسبه ، وقال له : هاتِ الْفاضِلَ مِنَ الْمَالِ ، وكان الفاضل خمسين ألف درهم ، فدفعها إليه .
ولم يكتف(عليه السلام) بذلك ، بل قال لوكيله : ما فَعَلْتَ بِالْخَمْسِ مِائَةِ دينار التي عِنْدَكَ ؟
فقال : هي عندي ، فأمره بإحضارها ثم دفعها إلى الرجل وهو يعتذر منه(1)
فقال له مواليه : یابن رسول الله ، والله ما عندنا درهم .
فقال(عليه السلام) لهم : أرجو أنْ يَكونَ لى عِنْدَ اللهِ أَجْرٌ عَظِيمٌ» .
.إن قوله (عليه السلام): ( الْكَثِيرُ في ذاتِ اللهِ قَليل، ينم عن أنّ هذا العطاء إنّما هو في سبيل الله تعالى لا يبتغي من أحد جزاءاً أو شكوراً.
5 - ومن مكارمه(عليه السلام)أنه خرج هو وأخوه الحسين(عليه السلام) وابن عمهما عبدالله بن جعفر(2)
وقال فيه(صلی الله علیه وآله وسلم) : عَبْدُ اللَّهِ يَشْبَهُ خَلْقِي وَخُلُقي .
واطلع(صلی الله علیه وآله وسلم) عليه يوماً وهو يبيع مع الصبيان ، فقال : الصبيان ، فقال : اللهُمَّ بَارِكْ لَهُ في بَيْعِهِ - أَوْ صَفْقَتِه- ، وهو أحد الأجواد المشهورين ، ونقلت عن جوده وسخائه أخبار كثيرة ، وفيه يقول عبد الله بن قيس الرقيات :
وما كُنتُ إِلَّا كَالأَغَرِّ ابْنِ جَعْفَرٍ*** رَأى المالَ لَا يَبْقَى فَأَبْقَى لَهُ ذِكْرًا
ويقول فيه الشماخ بن ضرار :
إنَّكَ يَابْنَ جَعَفَرِ نِعمَ الفَتى ***وَنِعمَ مَأوى طارق إِذا أَتى
وَرُبَّ ضَيففٍ طَرَقَ الْحَيَّ سُرى*** صادَفَ زاداً وَحَديثاً ما اشْتَهى
توفي سنة ثمانين من الهجرة ، وقد عرف ذلك العام الذي توفي فيه بعام الجحاف لحدوث سيل كان ببطن مكة أجحف الحاج ، وذهب بالإبل وعليها الحمولة . الإصابة : 2: 289 و 290 .
وافدين إلى بيت الله الحرام ، وفي أثناء الطريق أصابهم جوع وعطش1) دائرة المعارف / البستاني : 7 39 . إحياء العلوم / الغزالي : 3: 171 ، وزاد فيه : « أنه(عليه السلام)قال للرجل : هاتِ مَنْ يَحْمِلُ هَذِهِ الأمْوالَ ، فأتاه بحمالين فدفع(عليه السلام)رداءه لكراء الحمالين.
2) عبدالله بن جعفر بن أبي طالب الهاشمي ، وأمه أسماء بنت عميس الخثعمية. ولد بأرض الحبشة لما هاجر إليها أبوه ، ولما قتل جعفر مسح النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) على رأس عبد الله وقال : اللهم اخْلُفْ جَعْفَراً فى وَلَدِهِ .
وقد سبقتهم أثقالهم ، فانعطفوا على بيت قد ضرب أطنابه في وسط تلك البيداء القاحلة ، فلما وصلوا إلى البيت لم يروا فيه إلا عجوزاً ، فطلبوا منها شراباً وطعاماً، فأجابت بما طبعت عليه نفس الكريم قائلة : نعم .
إنّها النفس إذا جبلت على الخير وطبعت فيها الأريحية قدمت في سبيل العز والمجد كل ما تملك ، لم يك عند العجوز سوى شاة هي كل ما تملك مما أظلّته الخضراء وأقلته الغبراء ، فتقدمت وبيدها الشاة قائلة لهم : دونكم هذه الشاة ، فاحلبوها واشربوا لبنها ، فلما فعلوا ذلك تقدمت إليهم مرة أخرى قائلة : أقسم عليكم إلا ما ذبحها أحدكم حتى أهيء لكم الحطب لشيّها ، ففعلوا ذلك ، وهيأت العجوز الحطب ، وبعد الفراغ من تناول الطعام عزموا على الرحيل ، فتقدّموا إليها وعرّفوها بشخصياتهم ليجازوها على صنعها خيراً إن رجعوا إلى وطنهم ، قائلين : يا أمة الله ، إنّا نفر من قريش نريد حج بيت الله الحرام ، فإذا رجعنا سالمين فهلمي إلينا لنكافئك عن هذا الصنع الجميل .
ثم انصرفوا لشأنهم ، ولمّا عن غياب القرص عن السماء أقبل ربّ البيت على عادته ، فأخبرته العجوز بالقصة ، فاستولى عليه الغضب ، ذلك لأنّ الشاة هي مصدر القوت وإدرار الرزق عليهم ، فقال لها : ويحك ! أتذبحين الشاة لأناس لا تعرفينهم ؟ ثم تقولين إنهم نفر من قريش .
وطوى الدهر عجلته ، فمضت سنة وأقبلت أخرى ، فاعترت البادية أزمة شديدة لأنّ السماء قد منعتها قطرها حتى قلت موارد العيش، وانعدمت أسباب القوت ، فرحلا عن البادية ونزلا المدينة ، ولم يجدا عملاً يحيطان به خبراً سوى التقاط البعر
من الطرقات والشوارع ، فاتخذا ذلك مهنة لهما .
وفي يوم من الأيام وهما على عملهما أرادت السعادة أن تحنو عليهما ، فلمح الحسن(عليه السلام)العجوز فعرفها ، وقد حلّ وفاء الدين، والمعروف في ذمة الأحرار دين، فأمر(عليه السلام)غلامه أن يأتي بها إليه ، فلما مثلت بين يديه ، قال(عليه السلام): أَتَعْرِفِيني يا أَمَةَ الله ؟
لا.
أنا أَحَدُ ضُيوفِكِ يَوْمَ كَذَا ، سَنَةَ كَذا .
لست أعرفك .
إِنْ لَمْ تَعرفيني فَأَنا أَعْرِفُكِ، ثم أمر(عليه السلام) غلامه فاشترى لها من غنم الصدقة ألف شاة ، وأعطاها ألف دينار ، ثم أمر(عليه السلام) غلامه أن يذهب بها إلى أخيه الحسين(عليه السلام) ويعرّفه بها ، فأخذها الغلام ، فلما دخلت عرفها الحسين(عليه السلام)، فقال للغلام : كم أعطاها أخي ؟ فأخبره الغلام بعطائه ، فوصلها(عليه السلام) بمثل ذلك ، ثم بعث الحسين بها إلى عبدالله بن جعفر ، فلما دخلت عليه عرفها ، فأمر لها بألفي شاة وألفي دينار ، فأخذت ذلك جميعاً وانصرفت(1)وقد تغيّر حالها من فقر مدقع إلى غناء وثروة حسدها عليه كلّ من عرفها ، كلّ ذلك من بر الحسن(عليه السلام)وفضله .
6 - ومن آيات مكارمه(عليه السلام)أنه اشترى حائطاً من الأنصار بأربعمائة ألف ، فبلغه أنهم قد احتاجوا إلى ما في أيدي الناس ، فردّه إليهم. (2)
إنّ إنقاذ هؤلاء من ذل السؤال وردّ شرفهم إليهم من أفضل أنواع السخاء ، ومن أسمى مراتب الجود .
7 - ومن مكارمه(عليه السلام) : أن جارية حيّته بطاقة من ريحان ، فقال(عليه السلام) لها : أَنْتِ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللهِ .
فلامه أنس على ذلك ، فأجابه(عليه السلام): أَدَّبَنا الله فَقالَ تَعَالَى : وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَبُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا(1)، وَكانَ أَحْسَنَ مِنها إِعْتاقُها(2).
8- ومن مكارمه(عليه السلام) : أنّ مروان بن الحكم ، قال : إنّي لمشغوف ببغلة الحسن بن عليّ ، فمن يأتيني بها ؟
فانبرى إليه ابن أبي عتيق قائلاً: أنا آتيك بها ، لكن بشرط أن تقضي لي ثلاثين حاجة ؟
فقال ابن أبي عتيق لمروان : إذا اجتمع الناس عندك العشيّة ، فإنّي آخذ في مآثر قريش ، وأمسك عن الحسن ، فلمني على ذلك ، فلما اجتمع الناس أخذ ابن أبي عتيق في مآثر قريش وسكت عن ذكر فضائل الإمام الحسن الله .
فقال له مروان : ألا تذكر أولية أبي محمد ، وله في هذا ما ليس لأحد منا ؟
فقال ابن أبي عتيق : إنّما كنا في ذكر الأشراف ، ولو كنا في ذكر الأنبياء لذكرنا فضائل أبي محمد .
ولما خرج الإمام(عليه السلام) تبعه ابن أبي عتيق ، فلما نظر إليه الحسن(عليه السلام) تبسم وعرف الغاية من مديحه ، فقال(عليه السلام)له : أَلَكَ حاجَةٌ ؟
فقال : نعم ، ذكرت البغلة ، فنزل(عليه السلام)عنها ودفعها إليه(3).
9 - ومن جوده (عليه السلام): أن رجلاً سأله أن يعطيه شيئاً ، فقال له(عليه السلام): إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا فِي غُرْمِ فادح(1)، أَوْ فَقْرِ مُدْقِعِ ، أَوْ حَمالَةٌ مُفْظِعَةٌ (2)
فقال : ما جئت إلا في إحداهنّ.
فأمر(عليه السلام) له بمائة دينار ، ثم انعطف الرجل نحو الحسين(عليه السلام)فسأله مثل سؤال أخيه ، فأعطاه مائة دينار سوى دينار ، لأنه كره أن يساوي أخاه في عطائه ، وانعطف الرجل بعد ذلك إلى عبدالله بن عمر فسأله ، فأعطاه سبعة دنانير ، فقال الرجل لعبد الله : إنّي أتيت الحسن والحسين ، وحكى له ما جرى له معهما ، فقال ابن عمر : ويحك ! أنّى تجعلني مثلهما ؟ إنهما غزا العلم(3)، غرًا المال(4).
10 - ومن مكارمه أنه ما اشترى من أحد حائطاً ثم افتقر البائع ، إلا وردّه عليه ، وأردفه بالثمن معه(5).
11 - وجاءه فقير يشكو حاله ، ولم يك عنده(عليه السلام)في ذلك اليوم شيء ، فعزّ عليه الأمر ، واستحى من ردّه ، فقال(عليه السلام): إني أدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ يَحْصَلُ لَكَ مِنْهُ الْخَيْرُ.
فقال الفقير يابن رسول الله ، ما هو ؟ !
قال (عليه السلام): اذْهَبْ إِلَى الْخَلِيفَةِ ، فَإِنَّ ابْنَتَهُ قَدْ تُوفِّيَتْ ، وَانْقَطَعَ عَلَيْهَا ، وَمَا سَمِعَ مِنْ أَحَدٍ تَعْزِيَةٌ بَلِيغَةً فَعَزِّهِ بِهَذِهِ الْعَلَمَاتِ يَحْصَلُ لَكَ مِنْهُ الْخَيْرُ .
قال : یابن رسول الله ، حفظني إيَّاها .
قال : قُلْ لَهُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَتَرَها بِجُلوسِكَ عَلى قَبْرِها ، وَلَمْ يَهْتِكْهَا بِجُلوسِها عَلَى قَبْرِكَ .
وحفظ الفقير هذه الكلمات وجاء إلى الخليفة فعزّاه بها ، فذهب عنه حزنه ، وأمر له بجائزة ، وقال له : أكلامك هذا ؟
الخليفة : صدقت ، فإنه معدن الكلام الفصيح ، وأمر له بجائزة أخرى(1).
وذكر المترجمون للإمام صوراً كثيرة من ألوان برّه ومعروفه على الفقراء ، وقيامه بإنقاذهم من كابوس الحاجة والفقر إلى الدعة والسعة في العيش ، وجميع تلك المبرّات التي أسداها عليهم كانت خالصة لوجه الله ، ولم تكن مشفوعة بأي غرض من الأغراض ، فإنّه كان يمنحهم العطاء والبر قبل أن يبوحوا بحاجاتهم ، ويذكروا مديحهم وثناءهم ، لئلا يظهر عليهم ذل السؤال والاحتياج .
إنّ الإنسان كلّما ازداد معرفة بالله ازداد إيماناً به، وحباً له ، وانقياداً لأوامره وطاعته ، وسعياً في جميع الوسائل التي تقربه إليه .
والإمام الحسن(عليه السلام)قد تغذّى بلباب المعرفة ، وبجوهر الإيمان ، وبواقع الدين، وانطبعت مثله في دخائر نفسه وأعماق ذاته ، فكان من أشد الناس إيماناً ، ومن أكثرهم إخلاصاً وطاعة الله .
وقد حدّث الرواة عن مدى طاعته ، فقالوا : إنّه لم ير في وقت من الأوقات إلا وهو يلهج بذكر الله (2).
وإنّه إذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم (1)، فسأل الله الجنّة وتعوّذ من النار .
وإذا ذكر الموت وما يعقبه من البعث والنشور بكى بكاء الخائفين والمنيبين(2).
وإذا ذكر العرض على الله شهق شهقة يغشى عليها منها.(3)
وكان من أشدّ المعتبرين بالموت ، فإذا حضر جنازة ظهرت عليه السكينة أياماً ، وإذا مات في جواره ميت سمع منه النحيب والبكاء كما يسمع من دار الميت(4).
و دلّت هذه الأمور على عظيم طاعته ، وخوفه من الله ، ونسوق إلى القرّاء بعض مظاهر عبادته :
كان الإمام إذا أراد الوضوء تغيّر حاله ، وداخله خوف عميق حتى يصفر لون-ه وترتعد فرائصه ، وسئل عن سرّ ذلك ، فقال : حَقٌّ عَلَى كُلِّ مَنْ وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ الْعَرْشِ أَنْ يَصْفَرَّ لَوْنُهُ ، وَتَرْتَعِدَ فَرَائِصُهُ.
وإذا فرغ من الوضوء وأراد الدخول إلى المسجد رفع صوته قائلاً: «إلهي ضَيْفُكَ بِبابِكَ ، يا مُحْسِنُ قَدْ أَتَاكَ الْمُسِيءُ فَتَجاوَزْ عَنْ قَبِيح ما عِنْدَنَا بِجَمِيلِ مَا عِنْدَكَ یا کریم »(5)
وإذا أقبل على صلاته بدأ عليه الخضوع والخشوع ، وظهر عليه الخوف حتّى
ومن مظاهر عبادته ، وعظيم إخلاصه وطاعته الله تعالى أنّه حج بيت الله الحرام خمساً وعشرين حجّة ماشياً على قدميه ، وكانت النجائب(3)تقاد بين يديه (4).
وسئل عن كثرة حجّه ماشياً ، فأجاب: «إِنِّي لَأَسْتَحْيِي مِنْ رَبِّي أَنْ أَلْقَاهُ وَلَمْ أَمْشِ إلى بَيْتِهِ (5)
كان الإمام(عليه السلام)يتلو الذكر الحكيم تلاوة إمعان وتدبّر ، فلا يمر بآية تشتمل على نداء المؤمنين إلا قال : لَبَّيْكَ اللهم لَبَّيْكَ (6).
وكان يقرأ في كل ليلة سورة الكهف(7).
وقدم الإمام(عليه السلام) في سبيل مرضاة الله كل غال ونفيس، فقد خرج عن جميع ما
1) أمالي الصدوق : 108 .
2) بحار الأنوار: 43: 339 .
3) النجائب - جمع مفرده : نجيبة - : وهي الفاضل من الحيوانات ، وفي بعض المصادر : « وإن الجنائب لتقاد بين يديه » ، والجنائب - جمع جنيبة : وهي الدابة التي تقاد .
4) شرح نهج البلاغة : 16: 10. بحار الأنوار: 43: 357 ، وفيه : « وقيل : إنه حج خمس عشرة حجّة ، وقيل : عشرون » . وذكر الصدوق في أماليه : «إنّه ربّما مشي حافياً إلى بيت الله» .
5) البداية والنهاية : 8 37 تاريخ مدينة دمشق : 13 : 242 . بحار الأنوار: 43 : 339
6) أمالي الصدوق : 108 .
7) البداية والنهاية : 8 :37
يملك مرتين ، وشاطر الله أمواله ثلاث مرات حتى أعطى نعلاً ، وأمسك أخرى(1).
ورفض الإمام جميع مباهج الحياة ، وزهد في ملاذها ونعيمها، واتجه إلى الدار الآخرة التي أعدّها الله للمتقين من عباده ، وقد تحدث اللا عن عزوفه عن الدنيا ، واقتناعه بالقليل منها . يقول :
لَكِسْرَةٌ مِنْ حَسِيْسِ الخُبْزِ تُشْبِعُني*** وَشَرْبَةٌ مِنْ قَراحِ المَاءِ تَكْفِيني
وَطَرَّةٌ مِنْ دَقيقِ الثَّوبِ(2)تَسْتُرُني*** حَيّاً وَإِنْ مِتُ تَكْفِيني لِتَكْفِيني(3)
ورسم على خاتمه بيتين من الشعر يلمس فيها مدى زهده ، وهما :
قَدَّمْ لِنَفْسِك ما اسْتَطَعْتَ مِنَ التَّقى*** إِنَّ المَنِيَّةَ نازِلٌ بِكَ يا فتى
أَصْبَحْتَ ذا فَرَح كَأَنَّكَ لا تَرى *** أَحْبَابَ قَلْبِكَ في المَقابِرِ والبلى(4)
وكان كثيراً ما يتمثل بهذا البيت :
يا أَهْلَ لَذَاتِ دُنيا لَا بَقاءَ لَها*** إِنَّ اغْتِرَاراً بِظِلُّ زائِلٍ حَمَقُ (5)
وممّا ينسب له في ذمّ المغرور في الدنيا ، والمفتون بحبّها ، قوله :
قُلْ لِلْمُقيم بِغَيْرِ دارِ إقامة ***حانَ الرَّحيلُ فَوَدِّعِ الأَحْبابا
إِنَّ الذين لقيتهُمْ وَصَحِبْتَهُمْ*** صاروا جميعاً في القبور تُرابا (1)
ومن مظاهر زهده(عليه السلام)ما حدث به مدرك بن زياد(2)، قال : «كنا في حيطان ابن عبّاس ، فجاء الحسن والحسين ، وابنا العباس ، فطافوا في تلك البساتين ، ثمّ جلسوا على ضفاف بعض السواقي .
فقال الحسن(عليه السلام) : يا مُدْرِكُ ، هَلْ عِنْدَكَ غَدَاءٌ ؟
فقلت : نعم ، ثم انطلقت فجئته بخبز وشيء من الملح مع طاقتين من بقل ، فأكل منه ، وقال : يا مُدْرِكُ ، ما أَطْيَبَ هذا .
وجيء بعد ذلك بالطعام، وكان في منتهى الحسن والجودة ، فالتفت(عليه السلام) إلى مدرك وأمره بأن يجمع الغلمان ويقدم لهم الطعام ، فدعاهم مدرك ، فأكلوا من ولم يأكل الإمام منه شيئاً .
فقال له مدرك : لماذا لا تأكل منه ؟
فقال(عليه السلام) : إِنَّ ذلِكَ الطَّعامَ أَحَبُّ عِنْدِي»(3)، لأنه طعام الفقراء والمحرومين ، ومما له يدل على عظيم زهده(عليه السلام)انه زهد في الملك طلباً لمرضاة الله ، وخوفاً على دماء المسلمين ، وقد ألف في زهده محمد بن بابويه القمي(4)كتاباً أسماه زهد الحسن ،
1) مناقب آل أبي طالب : 2 : 145 .
2) مدرك بن زياد أحد الصحابة . توفّي في دمشق بقرية يقال لها « راوية». وهو أول مسلم دفن فيها . الإصابة : 394:3.
3) تاريخ مدينة دمشق : 13 : 238 و 239.
4) محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي : من أعظم العلماء الشيعة ، ورئيس المحدثين ، لم ير في القميين مثله في حفظه وكثرة علمه ، وهو أستاذ الشيخ المفيد . له من المؤلّفات ثلاثمائة مؤلّف . توفّى بالري سنة 381هـ. الكنى والألقاب : 1 : 212 .
وأجمع المترجمون له أنه كان أزهد الناس ، وأفضلهم بعد جده وأبيه (صلوات الله عليهما ) .
إن شخصية الإمام(عليه السلام)كانت تملأ العيون ، وتهيمن على النفوس ، لأنه قد التقت بها عناصر النبوة والإمامة ، وتمثلت فيها هيبة النبي ، وقد حدث واصل بن عطاء (1)
كان متكلّماً بليغاً متشدّقاً ، وكان يلثغ بالراء ، نقل عنه أنه هجر الراء وتجنّبها في خطابه ، وقيل فيه :
وَيَجْعَلُ البُرَّ قَمْحاً في تَصَرُّفِهِ*** وَخالَفَ الرّاءَ حَتَّى احْتالَ لِلشَّعْرِ
وَلَمْ يُطِقُ مَطَراً وَالقَولُ يُعجِلُهُ*** فَعاذَ بِالغَيثِ إِشفاقاً مِنَ الْمَطَر
من المؤلفات :«أصناف المرجئة »، « التوبة »، « معاني القرآن». وكان يتوقف من القول بعدالة أهل الجمل ، وهو شيخ المعتزلة ومن أجلاتها.
ولد في يثرب سنة ثمانين، وتوفي سنة مائة وإحدى وثلاثين من الهجرة. لسان الميزان : 6: 214 .
، قال :« كانت على الحسن سيماء الأنبياء ، وبهاء الملوك»(2).وقال ابن الزبير : « والله ما قامت النساء عن مثل الحسن بن عليّ في هيبته وسموّ منزلته »(3).
وبلغ من عظيم هيبته أنّه كان يفرش له على باب البيت ، فإذا خرج وجلس انقطع الطريق لأنه لا يمر أحد إلا جلس إجلالاً وإكباراً له ، فإذا علم ذلك قام ودخل البيت(4).
ومن عظيم هيبته ، وسموّ مكانته في نفوس المسلمين أنه ما اجتاز مع أخيه على ركب في حال سفرهما إلى بيت الله الحرام ماشيين إلا ترجّل ذلك الركب تعظيماً وإكباراً لهما ، حتّى ثقل المشي على جماهير الحجّاج ، فكلّموا سعد بن أبي وقاص في ذلك ، فبادر إلى الإمام وقال له : إن المشي قد ثقل على الحجاج ، لأنهم إذا رأوكما لم تطب نفوسهم بالركوب ، فلو ركبتما رحمة لهم ؟
فأجابه الإمام(عليه السلام). بما ينم عن نفس قد عاهدت الله أن تبذل في مرضاته كلّ غال ونفيس، قائلاً: لَا تَرْكَبُ فَقَدْ عَاهَدْنَا اللَّهَ أَنْ نَؤُم بَيْتَهُ ما شِيَيْن ، وَلكِنْ نَتَنَكَّبُ الطَّريقَ (1).
وسار(عليه السلام) في بعض طرق يثرب وقد لبس حلة فاخرة ، وركب بغلة فارهة ، ووجهه الشريف يشرق حسناً وجمالاً ، وقد حفت به خدمه وحاشيته ، فرآه بعض أغبياء اليهود ، فبادر إليه وقال له : يابن رسول الله ، عندي سؤال ؟
ما هُوَ ؟
إن جدك رسول الله الله يقول : الدُّنْيا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ ، فأنت المؤمن وأنا الكافر، وما الدنيا إلا جنّة لك تتنعم فيها ، وتستلذ بها وأنت مؤمن، وما أراها إلا سجناً قد أهلكني حرها ، وأجهدني فقرها ؟
لَوْ نَظَرْتَ إلى ما أَعَدَّ اللهُ لى وَلِلْمُؤْمِنِينَ في الدّارِ الْآخِرَةِ مِمَّا لَا عَيْنَ رَأَتْ ، وَلَا أُذُنَ سَمِعَتْ ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرِ لَعَلِمْتَ أَنِّي قَبْلَ انْتِقَالي إِلَيْهَا وَأَنَا فِي هَذِهِ الحالة في سِجْنٍ .
وَلَوْ نَظَرْتَ إِلَى مَا أَعْدَ اللهُ لَكَ ، وَلِكُلِّ كَافِرِ في دارِ الْآخِرَةِ مِنْ سَعِيرِ نَارِ جَهَنَّمَ ، وَنَكال الْعَذابِ الأليمِ الْمُقِيمِ لَرَأَيْتَ قَبْلَ مَصيرِكَ إِلَيْهِ أَنَّكَ في جَنَّةٍ واسِعَةٍ ، وَنِعْمَةٍ جَامِعَةٍ (2).
وتركه الإمام واليهودي يتميّز من الغيظ والحقد .
ورأى هيبة الإمام(عليه السلام)ووقاره بعض الأغبياء من الحاقدين عليه ، فقال له : إن فيك عظمة .
فأجابه الإمام : بَلْ فِي عِزَّةٌ قالَ اللهُ تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ (1).
إنّ الحسن(عليه السلام)كان يحكي جده الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)في هيبته وسؤدده وكريم طباعه .
وكلّ ظاهرة من ظواهر الكمال قد تمثلت في الإمام أبي محمد(عليه السلام)، وتحلّت بها شخصيّته الكريمة ، ومن أروع صفاته البلاغة والفصاحة في الكلام ، فقد كان(عليه السلام)من أبرع البلغاء في إصابته للمناسبات ، ومن أقدرهم على الايجاز والاعجاز والابداع في الكلام ، وحقاً أن يكون كذلك ، فقد تفرع من دوحة الفصاحة والبلاغة وفصل الخطاب .
فالجد رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)أفصح من نطق بالضاد ، والأب على(عليه السلام)سيّد البلغاء وأمير البيان .
إن الحسن(عليه السلام)في فصاحته وبلاغته كأبيه(عليه السلام) ، وقد ترك(عليه السلام)تراثاً رفيعاً ، وحكماً بالغة تحتوي على أصول الآداب الاجتماعيّة والنصح والإرشاد والوعظ الخالد ، وقد رصعت بجمال اللفظ ، وسموّ المعنى ، وإلى القرّاء بعضها :
وجّه الإمام على(عليه السلام)إلى الحسن(عليه السلام)أسئلة تتعلق بأصول الأخلاق والفضائل فأجابه الحسن(عليه السلام) بما هو عفو البداهة ،والخاطر ، فكان الجواب آية من آيات
1) تحف العقول : 234 ، مناقب آل أبي طالب : 149:2. المنافقون : 63 : 8.
البلاغة والاعجاز :
قيل له(عليه السلام) : ما الزُّهْدُ؟
قال(عليه السلام) : الرَّغْبَةُ فِي التَّقوى ، والزَّهادَةُ فِي الدُّنْيا. قيل له : فَمَا الْحِلْمُ؟
قال (عليه السلام): عَظْمُ الْغَيْظِ ، وَمَلْكُ النَّفْسِ .
قيل له(عليه السلام): ما السَّداد؟
قال(عليه السلام) : دَفْعُ الْمُنْكَرِ بِالْمَعْرُوفِ .
قيل(عليه السلام): فَما الشَّرَفُ؟
قال(عليه السلام) : اضطناعُ العَشيرَةِ ، وَحَمْلُ الْجَريرَة.
قيل له(عليه السلام): فَمَا النَّجْدَةُ؟
قال(عليه السلام) : الذَّبُ عَنِ الْجارِ ، وَالصَّبْرُ فِي الْمَواطِنِ ، وَالْإِقْدَامُ عِنْدَ الْكَرِيهَةِ .
قيل(عليه السلام): فَما الْمَجْدُ؟
قال(عليه السلام) : أَنْ تُغطي فِي الْغُرْمِ ، وَأَنْ تَعْفُو عَنِ الْجُرْمِ.
قيل (عليه السلام): ما العقل؟
قال(عليه السلام) : حِفْظُ الْقَلْبِ كُلَّ مَا اسْتَرْعَيْتَهُ (1)
1) وفي رواية أبي نعيم : « حِفْظُ الْقَلْبِ كُلَّ مَا اسْتَوْعَبْتَهُ». وفي رواية أخرى : « حِفْظُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ما اسْتَتَرَ فِيهِ» - حلية الأولياء : 2 : 36 .
قيل له(عليه السلام) : فَمَا الْمُروَّةُ؟
قال(عليه السلام) : حِفْظُ الدين ، وَإِعْزازُ النَّفْسِ ، وَلينُ الكَنَفِ ، وَتَعَهدُ الصَّنيعَةِ وَأَداءِ الْحُقوقِ ، وَالتَّحَبُّبُ إِلَى النَّاسِ .
قيل له(عليه السلام) : فَمَا الْكَرَمُ؟
قال(عليه السلام) : الْإِبْتِداءُ بِالْعَطِيَّةِ قَبْلَ الْمَسْأَلَةِ ، وَإِطْعَامُ الطَّعامِ فِي الْمَحْلِ.
قيل له(عليه السلام) : فَمَا الدَّنِيئَةُ؟
قال(عليه السلام) : النَّظَرُ فِي الْيَسيرِ ، وَمَنْعُ الْحَقِيرِ .
قيل له(عليه السلام) : فَما اللُّؤْمُ؟
قال(عليه السلام) : قِلَّةُ النَّدى ، وَأَنْ يُنْطَقَ بِالْخَنى.
قيل له(عليه السلام) : فَما السَّماحُ؟
قال(عليه السلام) : الْبَذْلُ فِى السَّرَاءِ وَالضَّرَاءِ .
قيل له (عليه السلام): فَمَا الشُّحُ؟
قال(عليه السلام) : أَنت ترى ما فِي يَدَيْكَ شَرَفاً ، وَمَا أَنْفَقْتَهُ تَلَفاً.
قيل له(عليه السلام) : فَمَا الْإِخاءُ؟
قال(عليه السلام) : الْوَفاءُ فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخاءِ .
قبل له(عليه السلام) : فَمَا الْجُبْنُ ؟
قال(عليه السلام) : الْجُرْأَةُ عَلَى الصَّديقِ ، وَالنُّكُولُ عَنِ الْعَدُوِّ .
قيل له(عليه السلام) : فَمَا الْغِنى؟
قال(عليه السلام) : رِضَى النَّفْسِ بِمَا قُسِمَ لَهَا وَإِنْ قَلَّ .
قيل له(عليه السلام) : فَمَا الْفَقْرُ؟
قال(عليه السلام) : شَرَهُ النَّفْسِ إِلى كُلِّ شَيْءٍ .
قيل له(عليه السلام) : فَمَا الْجُودُ؟
قال(عليه السلام) : بَذْلُ الْمَجْهودِ.
قيل له (عليه السلام): فَمَا الْكَرَمُ؟
قال(عليه السلام) : الحفاظ في الشِّدَّةِ وَالرَّخاءِ .
قيل له(عليه السلام) : فَما الْجُرْأَةُ؟
قال(عليه السلام) : مُواقَفَةُ الْأَقْرانِ(1).
قيل له(عليه السلام) : فَمَا الْمَنْعَةُ؟
قال(عليه السلام) : شِدَّةُ الْبَأْسِ ، وَمُقارَعَةُ أَشَدَّ النّاسِ .
قيل له(عليه السلام): فَما الذَّلَّ؟
قال(عليه السلام) : الْفَزَعُ عِنْدَ الْمَصْدُوقَةِ.
قيل له(عليه السلام) : فَمَا الْخُرْقُ؟
قال(عليه السلام) : مُناواتُكَ أَميرَكَ وَمَنْ يَقْدِرُ عَلى ضُرّك.
قيل له(عليه السلام): فَمَا السَّناءُ؟
1) المواقفة : المحاربة ، يقال : واقفه في الحرب أو الخصومة ، أي : وقف كلّ منهما مع الآخر.
قال (عليه السلام): إِثْيَانُ الْجَميلِ وَتَرْكُ القبيح.
قيل له(عليه السلام) : فَمَا الْحَزْمُ؟
قال (عليه السلام): طُولُ الْأَناةِ (1)، وَالرِّفْقُ بِالْوُلاةِ ، وَالْإِحْتِرَاسُ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ .
قيل له(عليه السلام) : فَمَا الشَّرَفُ؟
قال (عليه السلام): مُوافَقَةُ الْإِخْوانِ ، وَحِفْظُ الْجيران.
قيل له(عليه السلام) : فَمَا الْحِرْمَانُ؟
قال(عليه السلام) : تَرْكُكَ حَظَّكَ وَقَدْ عُرِضَ عَلَيْكَ .
قيل له(عليه السلام): فَما السَّفَهُ؟
قال(عليه السلام) : اتِّباعُ الدُّناةِ ، وَمُصاحَبَةُ الْغُواة.
قيل له(عليه السلام) : فَمَا العِيُّ؟
قال(عليه السلام) : الْعَبَثُ بِاللَّحْيَةِ ، وَكَثْرَةُ التَّنَحْنُحِ عِنْدَ الْمَنْطِقِ .
قيل له(عليه السلام) : فَما الشَّجَاعَةُ؟
قال(عليه السلام) : مَوافِقَةُ الْأَقْرانِ ، وَالصَّبْرُ عِنْدَ الطَّعانِ .
قيل له(عليه السلام) : فَمَا الْكُلْفَةُ؟
قال له(عليه السلام) : كَلامُكَ فيما لَا يَعْنيك .
قيل له (عليه السلام): وَما السَّفاهُ؟
1) الأناة : الوقار والحلم والانتظار.
قال (عليه السلام): الْأَحْمَقُ فِي مَالِهِ ، الْمُتهَاوِنُ بِعِرْضِهِ .
قيل له(عليه السلام) : فَما اللُّؤْمُ؟
قال(عليه السلام) : إِحْرازُ الْمَرْءِ نَفْسَهُ ، وَإِسْلامُهُ عِرْسَهُ(1)» (2).
إنّ النفس لتقف حائرة أمام هذا الاسترسال العجيب من الإمام الحسن(عليه السلام)و عدم تكلّفه في الجواب ، وإحاطته خبراً بمعاني هذه النقاط الحيوية ، فلن يسع النفس إلا الإكبار والإعجاب والاعتراف بالعظمة والخضوع لتلك المواهب العلمية .
قال جابر : « سمعت الحسن(عليه السلام)يقول : مَكارِمُ الْأَخْلَاقِ عَشْرَةٌ : صِدْقُ اللَّسانِ، وَصِدْقُ الْبَأْسِ، وَإِعْطَاءُ السَّائِلِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ ، وَالمُكافَتَةُ بِالصَّنائِعِ ، وَصِلَةُ الرَّحِم ، وَالنَّذَمُّمُ (3)عَلَى الْجارِ ، وَمَعْرِفَةُ الْحَقِّ لِلصّاحِب، وقرى الضَّيْفِ ، وَرَأَسَهُنَّ الحَياءُ(4)» .
والتفت معاوية يوماً إلى الإمام(عليه السلام) قائلا له : « يا أبا محمد ، ثلاث خلال لم أجد من يجيبني عنها .
ما هِيَ ؟
المروءة ، الكرم ، النجدة .
أَمَا الْمُرُوْءَةُ : فَإِصْلَاحُ الرَّجُلِ أَمْرَ دَيْنِهِ ، وَحُسْنُ قِيامِهِ عَلَى مَالِهِ ، وَإِنْشَاءُ السَّلَامِ ،
وَ التَّحَبُّبُ إِلَى النَّاسِ .
الْكَرَمُ : الْعَطِيَّةُ قَبْلَ السُّؤَالِ ، وَالتَّبَرُّعُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالْإِطْعَامُ فِي الْمَحْلِ .
النَّجْدَةُ : الذَّبُ عَنِ الْجارِ ، وَالْمُحاماة في الْكَرَيْهَةِ ، وَالصَّبْرُ عِنْدَ الشَّدائِدِ.
وجاء إليه شخص ، فقال : یابن رسول الله ، مَن أحسن الناس ؟
مَنْ أَشْرَكَ النَّاسَ فِي عَيْشِهِ .
من أشر الناس ؟
مَنْ لَا يَعِيشُ فِي عَيْشِهِ أَحَدٌ (1).
قال(عليه السلام) : « هَلَالُ النَّاسِ في ثَلَاثٍ : الْكِبْرُ ، الْحِرْصُ ، الْحَسَدُ .
الْكِبْرُ : بِهِ هَلَالُ الدِّيْنِ ، وَبِهِ لُعِنَ إِبْلِيسُ .
الْحِرْصُ : عَدُوُّ النَّفْسِ ، وَبِهِ أُخْرِجَ آدَمُ مِنَ الْجَنَّةِ .
الْحَسَدُ : رَائِدُ السُّوْءِ ، وَبهَ قَتَلَ قابيْلُ هابيْلَ »(2).
لا شك أنّ هذه الرذائل الثلاث التي حث الإمام(عليه السلام)على اجتنابها ، وأقام الشواهد على أضرارها هي أصول الإجرام وأمهات الرذائل .
قال لبنيه : « تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ ، فَإِنَّكُمْ صِغَارُ الْقَوْمِ ، وَكِبَارُهُمْ غَداً ، وَمَنْ لَمْ يَحْفَظُ مِنْكُمْ فَلْيَكْتُبْ »(3)
وقال(عليه السلام) :« وعَلَّم النّاسَ عِلْمَكَ ، وَتَعَلَّمْ عِلْمَ غَيْرِكَ ، فَتَكونَ قَدْ أَنْقَنْتَ عِلْمَكَ ، وَعَلِمْتَ ما لَمْ تَعْلَمْ »(1)
وقال(عليه السلام) : حُسْنُ السُّوَالِ نِصْفُ الْعِلْمِ(2).
قال(عليه السلام) :« لَا أَدَبَ لِمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ ، وَلَا مُرُوةَ لِمَنْ لَا هِمَّةَ لَهُ ، وَلَا حَياءَ لِمَنْ لا دِينَ لَهُ.
رَأْسُ الْعَقْلِ مُعاشَرَةُ النَّاسِ بِالْجَمِيلِ ، وَبِالْعَقْلِ تُدْرَكُ سَعادَةُ الدّارينِ ، وَمَنْ حُرِمَ مِنَ الْعَقْلِ حُرِمَهُما جَميعاً »(3).
قال(عليه السلام) : « إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ فِيهِ مَصابيحُ النُّورِ ، وَشِفَاءُ الصُّدورِ ، لِيَجْلُ جالٍ بِضَوْنِهِ ، وَلِيُلْجِم(4)الصَّفَة قَلْبَهُ ، فَإِنَّ التفكيرَ حَياةُ الْقَلْبِ الْبَصيرِ ، كَما يَمْشِي الْمُسْتَنيرُ في الظُّلُماتِ بِالنُّورِ» (5)
قال(عليه السلام): « ما فَتَحَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلى أَحَدٍ بابَ مَسْأَلَةٍ فَخُرْنَ (6)عَنْهُ بابُ
الْإِجابَةِ ، وَلَا فَتَحَ الرَّجُلُ(1)بابَ عَمَلٍ فَخْزِنَ عَنْهُ بَابُ الْقَبولِ ، وَلَا فُتِحَ لِعَبْدِ بابُ شُكْرِ فَخُرْنَ عَنْهُ بابُ المَزيدِ»(2).
سأله شخص عن رأيه في السياسة ؟
فقال(عليه السلام) : هِيَ أَنْ تَرْعَى حُقوق اللهِ ، وَحُقوق الْأَحْياءِ ، وَحُقوقَ الْأَمْواتِ ، فَأَمَا حقوقُ اللَّهِ فَأَداءُ مَا طَلَبَ ، وَالْإِجْتِنابُ عَمَّا نَهَى .
وَأَمّا حُقوقُ الْأَحْياءِ فَهِيَ أَنْ تَقومَ بِواجِبِكَ نَحْوَ إِخْوانِكَ ، وَلَا تَتَأَخَّرْ عَنْ خِدْمَةِ اُمَّتِكَ ، وَأَنْ تَخْلُصَ لِوَلِيُّ الْأَمْرِ ما أَخْلَصَ لَأُمَّتِهِ ، وَأَنْ تَرْفَعَ عَقِيرَتَكَ فِي وَجْهِهِ إِذَا مَا حَادَ عَنِ الطَّرِيقِ السَّوِيِّ .
وَأَمَّا حُقوقُ الْأَمْوَاتِ فَهِيَ أَنْ تَذْكُرَ خَيْراتِهِمْ ، وَتَتَغاضَىٰ عَنْ مَسَاوِنِهِمْ ، فَإِنَّ لَهُمْ رَبَّاً يُحاسبهم»(3).
وقال له معاوية : ما يجب لنا في سلطاننا ؟
ما قالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدِ.
وما قال سليمان ؟
إِنَّهُ قالَ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ : أَتَدْري ما يَجِبُ عَلَى الْمَلِكِ فِي مُلْكِهِ ، وَما لَا يَضُرُّهُ إِذا أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ مِنْهُ ، إِذا خَافَ اللَّهَ فِي السِّرِّ وَالْعَلانِيَةِ ، وَعَدَلَ فِي الْغَضَبِ وَالرّضا،
وَقَصَدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنى ، وَلَمْ يَأْخُذِ الْأَمْوالَ غَصْباً ، وَلَمْ يَأْكُلْها إِسْرافاً وَتَبْذِيراً ، وَلَمْ يَضُرُّهُ ما تَمَتَّعَ بِهِ مِنْ دُنْيَاهُ إذا كانَ مِنْ خَلْتِهِ»(1).
هذه هي السياسة الصحيحة التي لو سارت عليها الدول لدام لها البقاء ، وكان الشعب والحكومة في راحة ونعيم ، وقد أدلى الإمام(عليه السلام) بهذه الآراء القيمة إلى عدوّه لأجل المصلحة العامة عله أن يسير خصمه على ضوء الحقّ.
قال(عليه السلام) :« أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ صَديقٍ كانَ لي مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ فِي عَيْنِي ، وَكَانَ رَأْسُ ما عَظُمَ بِهِ فِي عَيْنِي صِغَرَ الدُّنْيا فِي عَيْنِهِ .
وَكانَ خارجاً مِنْ سُلْطانِ بَطْنِهِ فَلَا يَشْتَهِي ما لَا يَحِلُّ ، وَلَا يَكْنِزُ إِذا وَجَدَ ، وَكَانَ خارجاً مِنْ سُلْطانِ الْجَهالَةِ ، فَلَا يَمُدُّ يَداً إِلَّا عَلى ثِقَةٍ لِمَنْفَعَةٍ .
كانَ لَا يَتَشَكَّي وَلَا يَتَبَرَّمُ .
كانَ أَكْثَرَ دَهْرِهِ صَامِتاً ، فَإِذا قالَ بَذَ(2)الْقَائِلِينَ كَانَ ضَعِيفاً مُسْتَضْعَفاً ، فإِذا جاءَ الْجِدُّ فَهُوَ اللَّيْتُ عادياً.
كانَ إِذا جامَعَ الْعُلَماءَ عَلَى أَنْ يَسْتَمِعَ أَحْرَصَ مِنْهُ عَلَى أَنْ يَقُولَ ، كَانَ إِذَا غُلِبَ عَلَى الْكَلَامِ لَمْ يُغْلَبْ عَلَى السُّكوتِ .
كانَ لَا يَقولُ ما يَفْعَلُ ، وَيَفْعَلُ ما لَا يَقولُ .
كانَ إِذا عَرَضَ لَهُ أَمْرانِ لَا يَدْري أَيُّهما أَقْرَبُ إِلَى رَبِّهِ نَظَرَ أَقْرَبَهُما مِنْ هَوَاهُ فَخَالَفَهُ ،
كانَ لا يَلومُ أَحَداً عَلى ما قَدْ يَقَعُ الْعُذْرُ فِي مِثْلِهِ .
كانَ لا يَقولُ حَتَّى يَرى قاضِياً عَدْلاً ، وَشُهوداً عدولاً »(1).
وقال(عليه السلام) لبعض ولده : « يا بُنَيَّ ، لَا تُواخ أَحَداً حَتّى تَعْرِفَ مَوارِدَهُ وَمَصادِرَهُ . الْغَريبُ مَنْ قَرَّبَتْهُ الْمَوَدَّةُ ، وَالْبَعِيدُ مَنْ باعَدَتْهُ الْمَوَدَّةُ وَإنْ قَرُبَ نَسَبُهُ »(2).
وسأله رجل أن يكون صديقاً له وجليساً ، فقال له(عليه السلام): إِيَّاكَ أَنْ تَمْدَحَنِي ، فَأَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسي مِنْكَ ، أَوْ تُكَذِّبَني فَإِنَّهُ لَا رَأْيَ لِمَكْذوبٍ ، أَوْ تَخْتابَ عِنْدي أَحَداً .
فقال الرجل : ائذن لي في الانصراف .
قال له : نَعَمْ ، إِذا شِئْتَ»(3).
كان(عليه السلام) يطوف في بيت الله الحرام، فسأله رجل عن معنى الجواد ، فقال له : إِنَّ لِكَلامِكَ وَجْهَيْنِ : فَإِنْ كُنْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْمَخْلُوقِ ، فَإِنَّ الْجَوادَ الَّذِي يُؤَدِّي مَا افْتَرِضَ عَلَيْهِ ، وَالْبَحْيِلَ الَّذى يَبْخَلُ بما اقْتُرضَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كُنْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْخَالِقِ فَهُوَ الْجَوادُ إِنْ أَعْطَى وَهُوَ الْجَوادُ إِنْ مَنَعَ ، لأنَّهُ إِنْ أَعْطى عَبْداً أَعْطاهُ مَا لَيْسَ لَهُ ، وَإِنْ مَنَعَ مَا لَيْسَ له »(4).
وقال(عليه السلام) :« الْمَعْرُوفُ ما لَمْ يَتَقَدَّمْهُ مَلٌ ، وَلَا يَتْبَعُهُ مَنْ ، وَالْإِعْطاءُ قَبْلَ السُّوَالِ مِنْ أَكْبَرِ السُّودَدِ »(5).
قال(عليه السلام) :« الْبُخْلُ جَامِعٌ لِلْمَساوِيُّ وَالْعُيوبِ ، وَقاطِع لِلْمَودَاتِ مِنَ الْقُلوبِ»(1).
وسئل(عليه السلام) عن البخل ، فقال :« الْبُخْلُ أَنْ يَرَى الرَّجُلُ ما أَنْفَقَهُ تَلَفاً ، وَما أَمْسَكَهُ شَرَفاً »(2)
قال(عليه السلام) : أَعْرَفُ النَّاسِ بِحُقوقِ إِخْوَانِهِ ، وَأَشَدُّهُمْ قَضاءاً لَهَا ، أَعْظَمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ شَأناً ، وَمَنْ تَواضَعَ في الدُّنْيا لإِخْوانِهِ فَهُوَ عِنْدَ اللهِ مِنَ الصِّدِّيقِينَ ، وَمِنْ شِيعَةِ عَلِيَّ بْنِ أبي طالب(عليه السلام)» (3)
قيل له(عليه السلام) : إن أبا ذر كان يقول : الفقر أحبّ إليَّ من الغنى ، والسقم أحبّ إليَّ من الصحة .
فقال : رَحِمَ اللهُ أبا ذر ، أَمَّا أَنا فَأَقولُ : مَنِ اتَّكَلَ عَلى حُسْنِ اخْتِيَارِ اللَّهِ لَمْ يَتَمَنَّ أَنَّهُ فِي غَيْرِ الْحالِ الَّتى اخْتارَها اللهُ لَهُ (3).
ورفع أهالي البصرة إليه(عليه السلام) رسالة يطلبون منه رأيه في مسألة الجبر(4).
1) الروائع المختارة من خطب الإمام الحسن(عليه السلام): 112.
2) نهاية الإرب في فنون الأدب : 3 : 398.
3) البداية والنهاية : 8 :39
4) مبحث الجبر والتفويض من أهم المسائل الكلامية وأشكلها ، وقد اضطربت فيها أقوال العلماء ، واختلفت إلى أبعد الحدود ، وقد شاعت فكرة الجبر في البصرة بسبب الحسن البصري وأبي الحسن الأشعري حفيد أبي موسى الأشعري ، ومجمل فكرة الجبر أن الفعل الصادر من العبد ليس مخلوقاً له ، وإنّما هو مخلوق الله تعالى ، وإن إرادة العبد وقدرته لا مدخل لهما في إيجاد الفعل ، سواء كان الفعل الصادر من العبد باختياره أو مضطراً عليه وقد تعرّض آية الله الأستاذ السيد أبو القاسم الخوئي سلّمه الله في بحثه إلى المسألة فأوفاها بحثاً وتحقيقاً ، وبين فساد الجبر والتفويض ، وأثبت أنّ الأمر بين الأمرين ، وهي الفكرة التي تذهب إليها الشيعة ، وقد كتبنا ما أفاده سلّمه الله برسالة مستقلة.
فأجابهم(عليه السلام) : مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَقَضائِهِ وَقَدَرِهِ فَقَدْ كَفَرَ ، وَمَنْ حَمَلَ ذَنْبَهُ عَلَى رَبِّهِ فَقَدْ فَجَرَ ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُطاعُ اسْتِكْراهَا ، وَلَا يُعْصَى لِغَلَبَةٍ ، لأَنَّهُ الْمَليكُ لِما مَلَكَهُمْ ، وَالْقادِرُ عَلى ما أَقْدَرَهُمْ ، فَإِنْ عَمِلُوا بِالطَّاعَةِ لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما فَعَلُوا ، فَإِذا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَيْسَ هُوَ الَّذي أَجْبَرَهُمْ عَلى ذلِكَ ، فَلَوْ أَجْبَرَ اللهُ الْخَلْقَ عَلَى الطَّاعَةِ لأَسْقَطَ عَنْهُمُ الثَّوابَ ، وَلَوْ أَجْبَرَهُمْ عَلَى الْمَعَاصِي لَأَسْقَطَ عَنْهُمْ الْعِقابَ ، وَلَوْ أَهْمَلَهُمْ لَكَانَ عَجْزاً فِي الْقُدْرَةِ ، وَلكِنْ لَهُ فِيهِمُ الْمَشيئَةُ الَّتي غَيْبَها عَنْهُمْ ، فَإِنْ عَمِلُوا بِالطَّاعَاتِ كَانَتْ لَهُ الْمِنَّةُ عَلَيْهِمْ ، وَإِنْ عَمِلُوا بِالْمَعْصِيَةِ كانَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ»(1).
قال(عليه السلام): «اعْلَموا أَنَّ اللهَ لَمْ يَخْلُقُكُمْ عَبَاً ، وَلَيْسَ بِتارِكِكُمْ سُدى ، كَتَبَ أَجالَكُمْ ، وَقَسَمَ بَيْنَكُمْ مَعَائِشَكُمْ لِيَعْرِفَ كُلُّ ذي لُبِّ مَنْزِلَتَهُ ، وَأَنَّ ما قُدِّرَ لَهُ أَصابَهُ ، وَما صُرِفَ عَنْهُ فَلَنْ يُصِيبَهُ ، قَدْ كَفَاكُمْ مَؤونَةَ الدُّنْيا ، وَفَرَّغَكُمْ لِعِبادَتِهِ ، وَحَنَّكُمْ عَلَى الشُّكْرِ ، وَافْتَرَضَ عَلَيْكُمُ الذِّكْرَ ، وَأَوْصَاكُمْ بِالتَّقْوى ، وَجَعَلَ التَّقْوى منتهى رِضاهُ ، وَالتَّقْوى بابَ كُلِّ تَوْبَةٍ ، وَرَأْسُ كُلِّ حِكْمَةٍ ، وَشَرَفُ كُلِّ عَمَلِ . بِالتَّقْوى فازَ مَنْ فَازَ مِنَ الْمُتَّقِينَ . قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ
1) جمهرة رسائل العرب : 2 : 25 .
وَتَعالى: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَارًا(1)
وَقالَ: وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ(2).
فَاتَّقوا عِبادَ اللهِ ، وَاعْلَموا أَنَّ مَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً مِنَ الْفِتَنِ ، وَيُسَدِّدْهُ في أَمْرِهِ ، وَيُهَيِّئْ لَهُ رُشْدَهُ ، وَيُفْلِحْهُ بِحُجَّتِهِ ، وَيُبَيِّضُ وَجْهَهُ ، وَيُعْطِهِ رَغْبَتَهُ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصَّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رفيقاً ﴾(3)» (4)
قال(عليه السلام): « يابنَ آدَمَ ، عِفَّ عَنْ مَحارِمِ اللهِ تَكُنْ عابداً ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ تَكُنْ غَنِيّاً ، وَأَحْسِنْ جوارَ مَنْ جاوَرَكَ تَكُنْ مُسْلِماً .
وَصاحِبِ النَّاسَ بِمِثْلِ ما تُحِبُّ أَنْ يُصاحِبوكَ بِهِ تَكُنْ عَادِلاً ، إِنَّهُ كَانَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ قَوْمٌ يَجْمَعُونَ كَثِيراً ، وَيَبْنونَ مَشيداً ، وَيَأْمُلُونَ بَعيداً ، أَصْبَحَ جَمْعُهُمْ بُوراً ، وَعَمَلُهُمْ غُروراً ، وَمَساكِنُهُمْ قُبوراً .
يابْنَ آدَمَ ، إِنَّكَ لَمْ تَزَلْ فِي هَدْمِ عُمْرِكَ مُنْذُ(5)سَقَطتَ مِنْ بَطْنِ أُمِّكَ ، فَجُدْ(6)بِمَا فِي يَدَيْكَ ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَتَزَوَّدُ ، وَالْكَافِرُ يَتَمَتَّعُ .
وكان يتلو عقيب كلامه هذا قوله تعالى: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى(1)» (2).
وقال(عليه السلام) :« اتَّقوا عِبادَ اللهِ ، وَجِدوا في الطَّلَبِ ، وتجاه الْهَرَبِ ، وَبادِروا الْعَمَلَ قَبْلَ مُقَطِّعاتِ النّقِماتِ ، وَهادِم اللذاتِ ، فَإِنَّ الدُّنْيا لَا يَدومُ نَعِيمُها ، وَلَا تُؤْمَنُ فَجِيعُها ، وَلَا تَتَوَفَّى فِي مَساوِيها ، غُرورٌ حائِلٌ ، وَسِنادٌ مائِلٌ ، فَاتَّعِظوا عِبادَ اللهِ بِالْعِبَرِ ، وَاعْتَبِرُوا بِالأَثَرِ ، وَازْدَجِروا بِالنَّعَمِ ، وَانْتَفِعُوا بِالْمَواعِظِ ، فَكَفَى بِاللَّهِ مُعْتَصِماً وَنَصِيراً ، وَكَفَىبِالْكِتابِ حَجِيجاً وَخَصيماً ، وَكَفَى بِالْجَنَّةِ ثَواباً ، وَكَفَى بِالنَّارِ عِقاباً وَوَبالاً»(3).
وعزّى رجلاً قد مات بعض ذويه ، فقال له : «إنْ كَانَتْ هَذِهِ الْمُصِيبَةُ أَحْدَثَتْ لَكَ مَوْعِظَةٌ ، وَكَسَبَتْكَ أَجْراً فَهُوَ ، وَإِلَّا فَمُصيبَتُكَ فِي نَفْسِكَ أَعْظَمُ مِنْ مُصِيبَتِكَ فِي مَيِّتِكَ »(4).
وجاءه رجل من الأثرياء فقال له : يابن رسول الله ، إنِّي أخاف من الموت ! !
فقال له(عليه السلام) : ذاك لأنك أَخَّرْتَ مالَكَ ، وَلَوْ قَدَّمْتَهُ لَسَرَّكَ أَنْ تَلْحَقَ به»(5).
ومرّ(عليه السلام)على قوم يلعبون ويضحكون في يوم عيد الفطر ، فوقف(عليه السلام)والتفت إليهم قائلاً : إِنَّ اللهَ جَعَلَ شَهْرَ رَمَضانَ مِضْماراً لِخَلْقِهِ فَيَسْتَبِقُونَ فِيهِ بِطَاعَتِهِ إِلَى مَرْضاتِهِ ، فَسَبَقَ قَوْمٌ فَفازوا ، وَقَصَّرَ آخَرُونَ فَخابوا ، فَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِنْ صَاحِكِ لاعِبِ في الْيَوْمِ الَّذِي يُثَابُ فِيهِ الْمُحْسِنُونَ ، وَيَخْسَرُ فِيهِ الْمُبْطِلُونَ .
وَأَيْمُ اللهِ لَوْ كُشِفَ الْغِطَاءُ لَعَلِموا أَنَّ الْمُحْسِنَ مَشْعُولٌ بِإِحْسانِهِ ، وَالْمُسِيءَ مَشْغُولٌ بِإِساءَتِهِ . ثمّ تركهم(عليه السلام)ومضى(1).
وقال(عليه السلام) : « أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ ، وَإِدامَةِ التَّفَكُرِ ، فَإِنَّ التَّفَكَّرَ أَبو كُلِّ خَيْرٍ وَأُمُّهُ» .
وقال(عليه السلام) : « مَنْ عَرَفَ الله أَحَبَّهُ ، وَمَنْ عَرَفَ الدُّنْيا زَهِدَ فيها ، وَالْمُؤْمِنُ لا يلهو حتّى يَغْفَلَ ، وَإِذَا تَفَكَّرَ حَزِنَ »(2).
ومر(عليه السلام) على ميت يراد دفنه ، فقال :« إِنَّ أَمْراً هذا آخِرُهُ لَحَقيقُ بِأَنْ يُزْهَدَ فِي أَوَّلِهِ ، وَإِنَّ أَمْراً هذا أَوَّلُهُ لَحَقيقُ أَنْ يُخَافَ مِنْ آخِرِهِ» (3).
وقال(عليه السلام) : « النَّاسُ في دارِ سَهْوِ وَغَفْلَةٍ يَعْمَلُونَ وَلَا يَعْلَمُونَ ، فَإِذا صاروا إلى دار الْآخِرَةِ صاروا إلى دارِ يَقِينِ يَعْلَمُونَ وَلَا يَعْمَلُونَ»(4).
قال(عليه السلام) : ولَا تُجاهِدِ الطَّلَبَ جِهَادَ الْغالِبِ ، وَلَا تَتَّكِلْ عَلَى الْقَدَرِ اتِّكَالَ الْمُسْتَسْلِم ، فَإِنَّ ابْتِغَاءَ الْفَضْلِ مِنَ السُّنَّةِ ، وَالْإِجْمَالَ فِي الطَّلَبِ مِنَ الْعِفَّةِ ، وَلَيْسَتِ الْعِفَّةُ بِدافِعَةٍ رِزْقاً ، وَلَا الْحِرْصُ بِجالِب فَضْلاً ، فَإِنَّ الرِّزْقَ مَقْسُومٌ ، وَاسْتِعْمَالَ الْحِرْصِ اسْتِعْمَالُ الْمَاثِم» (5)
قال(عليه السلام) : « مَنْ أَدامَ الْإِخْتِلافَ إِلَى الْمَسْجِدِ أَصابَ إِحْدَى ثَمَانٍ : آيَةٌ مُحْكَمَةٌ ،
وَأَخاً مُسْتَفاداً ، وَعِلْماً مُسْتَطْرَفاً ، وَرَحْمَةٌ مُنْتَظَرَةٌ ، وَكَلِمَةٌ تَدُلُّهُ عَلَى الْهُدَى ، أَوْ تَرُدُّهُ عَنْ رَدى ، وَتَرْكَ الذُّنوب حياءٌ أَوْ خَشْيَةٌ »(1).
قال(عليه السلام): وغَسْلُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الطَّعامِ يَنْفِي الْفَقْرَ ، وَبَعْدَهُ يَنْفِي الْهَمَّ» (2).
وقال(عليه السلام): « فِي الْمَائِدَةِ اثْنَا عَشَرَةَ خِصْلَةٌ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَعْرِفَها ، أَرْبَعُها فيها فَرْضٌ ، وَأَرْبَعٌ سُنَّةٌ ، وَأَرْبَعٌ تَأْدِيبٌ :
الْفَرْضُ : الْمَعْرِفَةُ ، الرّضا ، التَّسْمِيَةُ ، الشُّكْرُ .
السُّنَّةُ : الوضوءُ قَبْلَ الطَّعَامِ الْجُلُوسُ عَلَى الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ، الْأَكْلُ بِثَلَاثَةِ أَصابع ، وَلَعْقُ الأصابع .
التَّأْديبُ : الأَكْلُ مِمَّا يَلِيكَ ، تَصْغِيرُ اللُّقْمَةِ ، تَجْويدُ الْمَضْعَ ، قِلَّةُ النَّظَرِ في وُجوهِ النَّاسِ»(3).
قال له رجل: يابن رسول الله ، إنّي من شيعتكم !!
فقال(عليه السلام): يا عَبْدَ اللَّهِ ، إِنْ كُنْتَ لَنا في أَوامِرِنا وَزَواجِرِنا مُطيعاً فَقَدْ صَدَقْتَ ، وَإِنْ كُنْتَ بِخِلافِ ذلِكَ فَلا تَزِدْ في ذُنوبِكَ بِدَعْواكَ مَرْتَبَةٌ شَريفَةً لَسْتَ مِنْ أَهْلِها ، لَا تَقُل:
أَنَا مِنْ شيعَتِكَ ، وَلكِنْ قُلْ : أنا مِنْ مَوالِيكُمْ وَ مُحبّيكُمْ ، وَمُعادِي أَعْدائِكُمْ ، وَأَنْتَ في خَيْرٍ وَإِلى خَيْرٍ(1).
وجاء رجل إلى مسجد رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) ليسأل عن المراد من قوله تعالى :وَشَاهِدِ وَمَشْهُودٍ(2)، فرأى في المسجد ثلاثة أشخاص قد احتف بكل واحد منهم جمع من الناس وهم يحدّثونهم عما سمعوه من رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)من الأحكام والآداب ، فقصد واحداً منهم فسأله عن مسألته ، فقال له : الشاهد يوم الجمعة ، والمشهود يوم عرفة .
ثمّ انعطف إلى الثاني ، فسأله عن مسألته ، فقال له : الشاهد يوم الجمعة ،والمشهود يوم النحر .
ثم انعطف نحو الشخص الثالث فسأله عن مسألته ، فقال له : الشَّاهِدُ رَسولُ الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ .
ودعم كلامه بالبرهان قائلاً: أَما سَمِعْتَ اللهَ يَقولُ فِي كِتَابِهِ : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً(3)، وَقالَ تَعالى: وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ(4).
فسأل من هو الأوّل ؟ قيل له : هو عبد الله بن عبّاس(5)
ابن عم النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)أمه أمّ الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية. ولد قبل الهجرة بثلاث سنين ، وقيل بخمس ، وقد دعا له رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، فقال : اللَّهُمَّ فَقُهْهُ فِي الدِّينِ ، وَعَلَّمْهُ التَّأْوِيلِ .
و قال(صلی الله علیه وآله وسلم) : اللهمَّ زِدْهُ عِلْماً وَفِقها ، فكان ببركة دعاء رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) من أساطين العلماء .
وقال مسروق : إذا رأيت عبدالله بن عباس قلت : أجمل الناس ، فإذا تكلم قلت : أفصح الناس ، وإذا تحدث قلت : أعلم الناس ، وقيل : لو سمعت فارس والروم والترك كلامه لأسلمت ، وقد عمي * آخر عمره فقال :
إِنْ يَأْخُذِ اللَّهُ مِنْ عَيْنَيَّ نورَهُما*** فَفي لساني وَقَلبي مِنْهُما نورُ
قلبي ذَكِيٌّ وَعَقْلِي غَيرُ ذِي دَخَلٍ *** وَفي فَمي صارِمٌ كَالسَّيفِ مَأْثورُ
مات في الطائف سنة ثمان وستين في أيام الزبير ، وكان عمره سبعين سنة ، وقيل : إحدى وسبعون ، وقيل : أربع وسبعون ، وصلى عليه محمد بن الحنفية ، وكبر عليه أربعاً ، وقال : «اليوم مات ربّاني هذه الأمة». الاستيعاب (المطبوع على هامش الإصابة ) : 2 : 350.
.فسأل مَن هو الثاني ؟ قيل له : عبد الله بن عمر(1)
ولد بعد المبعث النبوي بثلاث سنين ، ومات سنة أربع وثمانين من الهجرة ، وقيل غير ذلك . الإصابة : 2 : 347 .
وجاء في الاستيعاب : 2 343 : « أنّه لم يتبع عليّاً ، وقعد وندم على ذلك ، ولما : 2: « حضرته الوفاة قال : ما أجد في نفسي شيئاً إلا أني لم أقاتل الفئة الباغية مع عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)».
وذكر المسعودي في مروج الذهب : 2 : 238 جماعة تخلّفوا عن بيعة عليّ ، ذكر منهم عبدالله بن عمر ، وكان سبب تخلفهم خروجاً عن الأمر، ومخالفة لعلي(عليه السلام).
.فسأل من هو الثالث ؟ قيل له : الحسن بن علي(2).
قال(عليه السلام) : « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّهُ مَنْ نَصَحَ لِلَّهِ ، وَأَخَذَ قَوْلَهُ دَليلاً هُدِيَ لِلَّتِي
هِيَ أَقْوَمُ ، وَوَفَّقَهُ اللَّهُ لِلرَّشادِ ، وَسَدَّدَهُ لِلْحُسْنَى ، فَإِنَّ جَارَ اللَّهِ آمِنٌ مَحْفُوظٌ ، وَعَدُوَّهُ حَائِفٌ مَخْدُولٌ ، فَاحْتَرِسوا مِنَ اللهِ بِكَثْرَةِ الذِّكْرِ، وَاخْشَوا اللهَ بِالتَّقْوى ، وَتَقَرَّبوا إِلَى اللهِ بِالطَّاعَةِ ، فَإِنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ . قالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ(1).
فَاسْتَجيبوا لِلَّهِ ، وَآمِنوا بِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَ عَظَمَةَ اللَّهِ أَنْ يَتَعاظَمَ ، فَإِنَّ رِفْعَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ عَظَمَةَ اللهِ أَنْ يَتَواضعوا ، وَالَّذينَ يَعْرفونَ ما جَلالُ اللَّهِ أَنْ يَتَذَكَّلوا ، وَسَلامَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا قُدْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَسْتَسْلِموا لَهُ وَلَا يُنْكِرُونَ أَنْفُسَهُمْ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ ، وَلَا يَضِلُّوا بَعْدَ الْهُدى. وَاعْلَمُوا عِلْماً يَقيناً أَنَّكُمْ لَنْ تَعْرِفُوا التَّقى حَتَّى تَعْرِفُوا صِفَةَ الْهُدَى ، وَلَنْ تُمَسِّكُوا بِمِيثَاقِ الْكِتَابِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَبَذَهُ، وَلَنْ تَتْلُوا الْكِتَابَ حَقَّ تِلاوَتِهِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي حَرَّفَهُ .
فَإِذا عَرَفْتُمْ ذلِكَ عَرَفْتُمُ الْبِدَعَ وَالتَّكَلُّفَ ، وَرَأَيْتُمُ الْفِرْيَةَ عَلَى اللهِ وَالتَّحْرِيفَ ، وَرَأَيْتُمْ كَيْفَ يَهْوِي مَنْ يَهْوى ، وَلَا يُجْهِلَنَّكُمُ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ.
وَالْتَمِسوا ذلِكَ عِنْدَ أَهْلِهِ ، فَإِنَّهُمْ خَاصَّةٌ نُورٌ يُسْتَضاءُ بِهِمْ ، وَأَئِمَّةٌ يُقْتَدى بِهِمْ ، بِهِمْ عَيْشُ الْعِلْمِ ، وَمَوْتُ الْجَهْلِ ، وَهُمُ الَّذِينَ أَخْبَرَكُمْ
1) البقرة 2 :186 .
حلمُهُمْ عَنْ جَهْلِهِمْ ، وَحُكْمُ مَنْطِقِهِمْ عَنْ صَمْتِهِمْ ، وَظَاهِرُهُمْ عَنْ باطِنِهِمْ ، لَا يُخالِفُونَ الْحَقَّ وَلَا يَخْتَلِفونَ فِيهِ ، وَقَدْ خَلَتْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ سُنَّةٌ ،
وَمَضى فيهِمْ مِنَ اللهِ حُكْمٌ إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ، وَاعْقِلُوهُ إِذا سَمِعْتُمُوهُ عَقْلَ رِعايَةٍ ، وَلَا تَعْقِلُوهُ عَقْلَ رِوايَةٍ ، فَإِنَّ رُواةَ الْكِتَابِ كَثِيرٌ ،
وَرُعاتُهُ قَليلٌ ، وَاللهُ الْمُسْتَعان»(1).
وكان(عليه السلام) خطيباً مفوّهاً من أبرع الخطباء ، وأقدرهم على الارتجال والابداع في القول ، وإليك أيها القارئ الكريم بعضاً من خطبه :
قال(عليه السلام) : نَحْنُ حِزْبُ اللهِ الْغالِبُونَ ، وَعِتْرَةُ رَسولِهِ الْأَقْرَبُونَ ، وَأَهْلُ بَيْتِهِ الطَّيِّبونَ الطَّاهِرُونَ ، وَأَحَدُ التَّقْلَيْنِ اللَّذَيْنِ خَلَّفَهُما رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ فِى أُمَّتِهِ الله ، والتالى كِتابُ اللهِ ، فِيهِ تَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ ، لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ. فَالْمُعَوَّلُ عَلَيْنَا فِي تَفْسِيرِهِ، لَا نَتَظَنَّى تَأْوِيلَهُ ، بَلْ نَتَيَقَّنُ حَقائِقَهُ .
فَأَطيعُونا فَإِنَّ طَاعَتَنا مَفْرُوضَةٌ ، إِذْ كانَتْ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسولِهِ مَقْرُونَةٌ . قالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ(2)، وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ
الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ(1). وَاحَذِّرُكُمُ الْإِصْعَاءَ لِهِتافِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ فَتَكونوا كَأَوْلِيانَهُ الَّذِينَ قالَ لَهُمْ: لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ
و فَلَمّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ ﴾(2)، فَتُلْقُونَ إِلَى الرِّماح وِزْراً ، وَإِلَى السُّيوفِ جَزْراً ، وَلِلْعَمْدِ حَطْماً ، وَلِلسِّهام غَرَضاً ، ثُمَّلَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً (3)»(4).
ومرض الإمام علي(عليه السلام) يوماً ، فأمر الحسن أن يصلي بالناس صلاة الجمعة ، فصعد(عليه السلام) المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال :
«إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيَّاً إِلَّا اخْتارَ لَهُ نَفْساً وَرَهْطَاً وَبَيْتاً ، فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً بِالْحَقِّ لَا يَنْتَقِصُ مِنْ حَقًّنا أَهْلَ الْبَيْتِ أَحَدٌ إِلَّا نَقَصَهُ اللَّهُ مِنْ عَمَلِهِ مِثْلَهُ ، وَلَا يَكونُ عَلَيْنا دُولَةٌ إِلَّا وَتَكونُ لَنَا الْعَاقِبَةُ ، وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ(5)» (6)
1 - قال(عليه السلام) «فَضَحَ الْمَوْتُ الدُّنْيا »(1).
2 - قال(عليه السلام) «اجْعَلْ مَا طَلَبْتَ مِنَ الدُّنْيا فَلَمْ تَظْفَرُ بِهِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَمْ يَخْطُرْ ببالك »(2).
3-قال(عليه السلام) « إِذا أَضَرَّتِ النَّوافِلُ بِالْفَريضَةِ فَاتْرُكوها »(3).
4-قال(عليه السلام) «أَشَدُّ مِنَ الْمُصيبَةِ سُوءُ الْخُلُقِ»(4).
5-قال(عليه السلام) « إِنَّ مَنْ طَلَبَ الْعِبادَةَ تَزَكَّى لَها »(5).
6- قال(عليه السلام) « تَمامُ الصَّنيعَةِ خَيْرٌ مِن ابْتِدائِها»(6)
7-قال(عليه السلام) « الْعَارُ أَهْوَنُ مِنَ النَّارِ »(7)
8- قال(عليه السلام) « الْفُرْصَةُ سَريعَةُ الْفَوْتِ ، بَطيئَةُ الْعَوْدِ»(8)
9-قال(عليه السلام) « لا فَوْتُ الْحَاجَةِ خَيْرٌ مِنْ طَلَبِها إِلى غَيْر أَهْلِها »(9).
1) مجموعة ورّام : 201. وقال خالد بن صفوان : « أفصح الناس الحسن بن علي(عليه السلام) لقوله هذه الكلمة الذهبية التي مثلت الإعجاز والابداع والايجاز » .
2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 18: 89
3) تحف العقول : 236 ، وفيه : «فَارْ فُضوها» بدل «فَاتْرُ کوها». بحار الأنوار: 75 : 109
4) نهج السعادة : 8: 280
5) تحف العقول : 236 . بحار الأنوار: :75 :109
6) كشف الغمة : 2 : 196 . بحار الأنوار: 75: 111
7) تحف العقول : 234 .
8) بحار الأنوار 75: 113 البداية والنهاية : 11 : 122
9) تحف العقول : 359 . بحار الأنوار: 73: 62
10 - قال(عليه السلام)« القَريبُ مَنْ قَرَّبَتْهُ الْمَوَدَّةُ وَإِنْ بَعُدَ نَسَبُهُ ، وَالْبَعيدُ مَنْ باعَدَتْهُ الْمَودَّةُ وَإِنْ قَرُبَ نَسَبُهُ »(1).
11 - قال(عليه السلام)« قَطْعُ الْعِلْمِ عُذْرُ الْمُتَعَلِّمِينَ»(2).
12 - قال(عليه السلام)« كُنْ فِي الدُّنْيا بِبَدَنِكَ ، وَفِي الْآخِرَةِ بِقَلْبِكَ »(3).
13 - قال(عليه السلام)« لَا تُعاجِلِ الذَّنْبَ بِالْعُقوبَةِ ، وَاجْعَلْ بَيْنَهُما لِلْإِعْتِدَارِ طَريقاً »(4).
14 - قال(عليه السلام)« لَا يَغُشُ الْعاقِلُ مَنِ اسْتَنْصَحَهُ ».(5)
15 - قال(عليه السلام)« لا ما تَشاوَرَ قَوْمٌ إِلَّا هُدُوا إِلى رُشْدِهِمْ »(6).
16 - قال(عليه السلام)« مُروءَةَ الْقَناعَةِ وَالرّضا أَكْثَرُ مِنْ مُروءَةِ الْإِعْطَاءِ»(7).
17 - قَالَ(عليه السلام)« الْمِزاحُ يَأْكُلُ الْهَيْبَةَ ، وَقَدْ أَكْثَرَ مِنَ الْهَيْبَةِ الصّامِتُ»(8).
18 - قال(عليه السلام)« الْمَسْؤُولُ حُرٌّ حَتَّى يَعِدَ ، وَمُسْتَرَقٌ بِالْوَعْدِ حَتَّى يُنجز»(9).
19 - قَالَ(عليه السلام) « مَنْ بَدَأَ بِالْكَلَامِ قَبْلَ السَّلَامِ فَلَا تُجِيبُوهُ »(10)
1) تحف العقول : 234 .
2) تحف العقول : 236 . بحار الأنوار : 70 : 158 ، وفيه : «المتعلّلين».
3) تحف العقول : 287. بحار الأنوار : 70 40 ، وفي نسخة : « بروحك » .
4) بحار الأنوار : 75: 113 . أعيان الشيعة : 1 : 577 .
5) تحف العقول : 236 .
6) تحف العقول : 233 .
7) بحار الأنوار: 75: 111.
8) بحار الأنوار : 75: 113. أعيان الشيعة : 1 : 577 .
9) بحار الأنوار: 75: 113
10) كشف الغمة : 2 : 197.
20 - قال(عليه السلام)« مَنْ تَذَكَّرَ بُعْدَ السَّفَرِ اعْتَدَّ» (1)
21 - قَالَ(عليه السلام)« الْوَعْدُ مَرَضٌ في الجودِ ، وَالْإِنْجَازُ دَواؤُهُ »(2).
22 - قال(عليه السلام)« الْيَقينُ مَعَاذُ السَّلامَة »(3)
23 - قَالَ(عليه السلام)« لا تُجْهَلُ النَّعَمُ ما أَقامَتْ ، فَإِذا وَلَّتْ عُرِفَتْ»(4).
24 - قَالَ(عليه السلام)« إِنْ لَمْ تُطِعْكَ نَفْسُكَ فيما تَحْمِلُها عَلَيْهِ مِمّا تَكْرَهُ ، فَلَا تُطِعْها فيما تَحْمِلُكَ عَلَيْهِ مِمَّا تَهْوى» (5)
25 - قال(عليه السلام) لأصحابه : هَلْ رَأَيْتُمْ ظَالِماً أَشْبَهَ بِمَظْلُومٍ؟
قالوا : وكيف ذاك يابن رسول الله !
قال : الْحاسِدُ ، فَإِنَّهُ فِي تَعَبٍ ، وَمَنْ حَسَدَهُ في راحَةٍ(6).
26 - وسأله شخص عن الصمت ؟
فقال(عليه السلام) : سِتْرُ الْعِيِّ ، وَزَيْنُ الْعِرْضِ ، وَفاعِلُهُ في راحَةٍ ، وَجَليسُهُ في أَمْنِ(7).
وقال الرجل قد برئ من مرضه : إِنَّ اللهَ قَدْ ذَكَرَكَ فَاذْكُرْهُ ، وَأَقالَكَ فَاشْكُرْهُ»(8).
1) تحف العقول : 236 . بحار الأنوار: 75 :109
2) بحار الأنوار : 75: 113 . العدد القوية : 37 .
3) تحف العقول : 236 . بحار الأنوار: 75: 109
4) بحار الأنوار: 75 115 . أعيان الشيعة : 1 : 577
5) مجموعة ورّام : 113 . الروائع المختارة : 119 .
6) الروائع المختارة من خطب الإمام الحسن(عليه السلام)
7) بحار الأنوار: 75: 111.
8) تحف العقول : 234 . بحار الأنوار: 75: 106 .
أمّا نظم الامام(عليه السلام) للشعر فقليل ، وقد تقدمت في بحوث هذا الكتاب أبيات نسبت له ، ولكن ابن رشيق قد عد الإمام الله من الشعراء ، واستشهد له ببيت واحد كان الإمام قد أنشده وهو مختضب بالسواد ، فقال(عليه السلام):
نُسَوْدُ أَعْلاها وتَأبى أصولها*** فَلَيتَ الَّذي يَسْوَدُّ مِنْها هُوَ الْأَصْلُ(1)
وجاء في أعيان الشيعة أنه(عليه السلام) قال في الوعظ:
ذري كَدَرَ الأَيَّامِ إِنَّ صَفاءَها*** تَوَلَّى بِأَيَّامِ السُّرورِ الذَّواهِبِ
وَكَيفَ يَغُرُ الدَّهرُ مَنْ كانَ بَينَهُ*** وبَينَ الليالي مُحْكَماتُ التَّجارب(2)
وجاء في المناقب أنه(عليه السلام) قال :
لَئِنْ ساءَني دَهِرٌ عَزَمَتُ تَصَبُّرا*** وَكُلُّ بَلاء لَا يَدومُ يَسيرُ
وَإِنْ سَرَّني لَمْ أَبْتَهِجْ بِسرورِهِ*** وَكُلُّ سُرورٍ لَا يَدومُ حَقيرُ
وفي شعر منسوب إليه(عليه السلام) :
قدِّم لنفسكَ ما اسْتَطَعْتَ مِنَ التَّقى*** إِنَّ الْمَنَيَّةَ نازِلٌ بِكَ يا فَتى
أَصْبَحَتَ ذَا فَرَحٍ كَأَنَّكَ لَا تَرَى*** أَحْبابَ قَلبِكَ فِي الْمَقابِرِ وَالْبِلى(3)
إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن تراثه ومثله .
وقطع الحسن(عليه السلام) شوطاً من طفولته مع جده الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)، حتى توسعت مداركه ،ونمت ملكاته، وهو ناعم البال ، قرير العين ، يستقبل الحياة كل يوم بثغر باسم ، وبهناء وسعادة ، يرى من جده(صلی الله علیه وآله وسلم)الحنان والعطف ، ومن مشيخة الصحابة التعظيم والتكريم ، وقد رأى(عليه السلام) ما بلغه الإسلام من التوسع وكثرة الغزوات حتى دخل الناس في دين الله أفواجاً أفواجاً. فقد تحطّمت عروش الشرك ، واندحرت قوى الإلحاد ، وغزت الجيوش الإسلامية مكة التي هي أعزّ بلد وأمنعه في الجزيرة العربية ، وقام الإسلام وهو عبل الذراع ، مفتول الساعد ، شامخ الكيان ، وسرت موجات فتحه إلى أغلب شعوب الأرض ، وقد غمرت قلوب المسلمين المسرات على هذا النصر الذي أعزّهم الله وأيّدهم به، وكان أشدّ المسلمين فرحاً، وأعظمهم سروراً بهذه الانتصارات التي حققها الإسلام أهل البيت(عليه السلام).
ولكن لم تدم لهم الحالة الهانئة ، فقد عبس الزمن في وجوههم واكفهر ، وغزا قلوبهم بخوف غامض وحزن ،بهيم ، فقد أن للرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)أن يفد على الله ، وينتقل إلى حظيرة القدس ، وقد بدت له طلائع الرحيل ، وأمارات الانتقال ، وهي :
1 -كانت أوّل النذر بمغادرته لهذه الحياة نزول الوحى عليه بهذه الآية :إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَيِّتُونَ(1)، وقد أثارت كوامن التوجّس في نفسه، فقد سمعه
1) الزمر :39: 30
المسلمون ينعى نفسه ويقول : لَيْتَنى أَعْلَمُ مَتى يَكونُ ذلِكَ ؟
ونزلت عليه بعد هذه الآية سورة النصر ، فكان يسكت بين التكبير والقراءة ويقول : سُبْحانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ ، أَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ .
وقد ساور قلوب المسلمين الخوف والجزع ، فانطلقت قلوبهم قبل ألسنتهم تستفهم عن هذه الحالة الرهيبة ، فأجابهم(صلی الله علیه وآله وسلم) : إِنَّ نَفْسي قَدْ نُعِيَتْ لي(1).
وحينما سمع المسلمون ذلك قدت قلوبهم ، وانهارت قواهم ، وغامت أبصارهم بفيض من الدموع ، وأصابتهم رجفة هزت كيانهم ، وأشاعت في نفوسهم الجزع والخوف .
2 - ونزل عليه القرآن الكريم في تلك السنة مرّتين ، فاستشعر بذلك حضور الأجل المحتوم(2)، وأخذ ينعى نفسه ، ويعلن مفارقته لهذه الحياة ، وقد تصدّعت القلوب لهذا النبأ ، وطافت بالمسلمين أمر ألوان المحن والخطوب .
ولما علم الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) بانتقاله إلى دار الخلود، وهو قد تحمّل في سبيل إرشاد المسلمين وهدايتهم من العنت والعناء ما تنوء بحمله النفوس ، رأى أن يتم النهاية لرسالته المقدّسة ، ويضع الخطة السليمة التي تضمن الخطّة السليمة التي تضمن لأمته من بعده السعادة
والنجاح ، فحج الله(صلی الله علیه وآله وسلم)من أجل ذلك حجّته الأخيرة الشهيرة بحجّة الوداع ، في السنة العاشرة من الهجرة ، وأشاع بين الوافدين لبيت الله الحرام أن هذا الالتقاء هو آخر العهد بهم قائلاً: إِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقاكُمْ بَعْدَ عامي هذا بِهذَا الْمَوْقِفِ أَبَداً.
وجعل يطوف على الجماهير ويعرفهم بما يضمن لهم السعادة والنجاح :
يا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّى تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ : كِتابَ اللهِ وَعِتْرَتي أَهْلَ بَيْتي ...(1)
لقد قرن بين الكتاب والعترة ، وجعل التمسك بهما منجاة من الفتن والزيغ ، ولو أنّ الأمة تابعته في قوله ، وتمسكت بهما لما حلت بها الأهواء والخطوب ، وما عراها الذل والهوان ، وما اختلفت كلمتها ، ولا تشعبت إلى فرق وأحزاب كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ(2).
ولما فرغ النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) من أداء مناسك الحجّ اتجه إلى يثرب ، فلما وصل موكبه إلى غدير خم هبط عليه أمين الوحي ، فأمره أن يحط رحله في رمضاء الهجير ، وينصب الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)خليفة من بعده ومرجعاً لأمته ، وكان أمر السماء يحمل طابعاً مهماً بالغ الخطورة ، فقد نزل عليه الوحى بهذه الآية: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ (3)
واضطرب النبي من هذا الإنذار وهذا التهديد ، إنّه إن لم ينفذ ما أراد الله في تقليد أمير المؤمنين هذا المنصب الخطير فما بلغ رسالة الله ، وضاعت جميع أتعابه وجهوده ، فانبرى(صلی الله علیه وآله وسلم) بعزم ثابت إلى تنفيذ ذلك ، وإن أغضب الطامعين بالخلافة ، والمنحرفين عن الإمام(عليه السلام)، فوضع(صلی الله علیه وآله وسلم)أعباء المسير ، وحط رحله في ذلك المكان
القاحل ، وكان الوقت قائضاً حتّى كان الرجل يضع طرف ردائه تحت قدميه ليتقي من الحرّ، وأمر(صلی الله علیه وآله وسلم) باجتماع الجماهير، فلما اجتمعوا صلّى بهم ، فلما انفتل من صلاته أمر أن توضع حدائج الإبل لتكون له منبراً ، فصنعوا له ما أراد ، فاعتلى عليها ، وكان عدد الحاضرين مائة ألف أو يزيدون ، وقد اتجهوا بقلوبهم قبل أسماعهم إلى الرسول ليسمعوا ما يلقي عليهم .
وانبرى(صلی الله علیه وآله وسلم)فبين لهم - أولاً - جهاده المقدّس وأتعابه الشاقة في سبيل إرشادهم وإنقاذهم من حضيض الشرك والعبودية ، وذكر لهم - ثانياً - جملة من الأحكام الإسلامية والآداب الدينية ، فأمرهم بتطبيقها على واقع حياتهم ، وبعد ذلك ق-ال لهم : فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفونِي فِي الثَّقَلَيْنِ ؟!
فناداه مناد من القوم : وما الثقلان يا رسول الله ؟
فأجابه(صلی الله علیه وآله وسلم) : التَّقَلُ الْأَكْبَرُ : كِتابَ اللهِ ، طَرَفٌ بِيَدِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَطَرَفٌ بِأَيْدِيكُمْ ، فَتَمَسَّكوا بِهِ لَا تَضِلُّوا ، وَالْآخَرُ الْأَصْغَرُ : عِتْرَتي ، وَأَنَّ اللطيفَ الْخَبيرَ نَبَّأَنِي أَنَّهُما لَنْ يَفْتَرِقا حَتَّىٰ يَرِدا عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَسَأَلْتُ ذلِكَ لَهُما رَبِّي ، فَلَا تَقَدَّموهُما فَتَهْلَكوا ، وَلَا تُقَصِّرُوا عَنْهُما فَتَهْلَكُوا .
ثم أخذ بيد علي حتى بان بياض إبطيهما ، وعرفه القوم أجمعون وقال : أَيُّها النَّاسُ ، مَن أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ؟
فأجابوه : الله ورسوله أعلم.
فقال(صلی الله علیه وآله وسلم) : إِنَّ اللَّهَ مَوْلاىَ، وَأَنا مَوْلَى الْمُؤْمِنِينَ ، وَأَنا أَوْلَى بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، فَمَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ ، قال ذلك ثلاث مرّات أو أربع مرات .
ثم قال : اللهم وال مَنْ والاهُ ، وَعادِ مَنْ عاداهُ ، وَأَحِبَّ مَنْ أَحَبَّهُ وَأَبْغِضُ مَنْ أَبْغَضَهُ، وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ ، وَأَدِرِ الْحَقَّ مَعَهُ حَيْثُ دارَ ، أَلَا فَلْيُبَلِّغ الشَّاهِدُ
الْغَائِبَ(1).
ولما أنهى(صلی الله علیه وآله وسلم)خطابه الشريف الحافل بتكريم أمير المؤمنين الله وتقليده للخلافة العظمى انبرى إلى النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)حسّان بن ثابت ، فاستأذنه أن يتلو إحدى روائع نظمه ليصف بها هذه المناسبة الخالدة ، فأذن له في ذلك ، فانطلق يقول :
يُنادِيْهِمْ يَوْمَ الْغَدِيرِ نَبِيُّهُمْ*** بِخُمَّ وَأَسْمِعْ بِالرَّسولِ مُناديا
فَقالَ فَمَنْ مَوْلَاكُمْ وَنَبِئُكُمْ ***فَقَالُوا وَلَمْ يُبْدُوا هُنَاكَ التَّعَامِيا
إلهُكَ مَوْلانا وَأَنْتَ نَبِيُّنا*** وَلَمْ تَلْقَ مِنَا فِي الْوِلاية عاصيا
فَقالَ لَهُ: قُمْ يَا عَلِيُّ فَإِنَّني ***رَضِبْتُكَ مِنْ بَعْدِي إماماً وهاديا
فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهذا وَلِيُّهُ*** فَكُونُوا لَهُ أَتْبَاعَ صِدْقٍ مَوالِيا
هُنَاكَ دعا اللهم وال وَليَّه*** وَكُنْ لِلَّذِي عادى عَلِيّاً مُعادِيا(2)
وأقبل المسلمون على اختلاف طبقاتهم يبايعونه بالخلافة ، ويهنئونه بإمرة المؤمنين ، وأمر الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)أمهات المؤمنين أن يسرن إليه ويهنئنه (3)
وممّن هنّأه عمر بن الخطاب ، فقد صافحه وقال له : هنيئاً يا بن أبي طالب ، أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة (4).
1) حديث الغدير من الأحاديث المتواترة القطعية ، أجمع المسلمون على روايته ، وقد بحث عنه من حيث السند والدلالة نابغة الإسلام سماحة الحجّة الأميني( قدس سره الشریف)في موسوعته الخالدة « الغدير » ، وقد خص الجزء الأول من كتابه في البحث عن ذلك ، وذكر معه في بقية الأجزاء حشداً من الشعراء والأدباء الذين أشادوا بذكرى الغدير ، فترجم لهم ، وذكر ما لهم من التراث الأدبي والعلمي
2) موسوعة الغدير / العلامة الأميني : 2 : 34 .
3) موسوعة الغدير : 1: 271 ، نقلاً عن روضة الصفا للمؤرّخ خداوندشاه : 2 : 273 .
4) مسند أحمد بن حنبل : 4: 281 .
وفي ذلك اليوم الخالد في دنيا الحق والفضيلة نزلت هذه الآية الكريمة : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً (1)
لقد تمّت النعمة الكبرى ، وكمل الدين بولاية أمير المؤمنين وإمام المتقين ، وقد خطا النبى(صلی الله علیه وآله وسلم)بذلك الخطوة الأخيرة للمحافظة على المجتمع الإسلامي وعلى التشريع الإسلامي ، فلم يترك الأمة حيرى تسودها الفوضى والانحلال ، بل نصب لها علماً وهادياً ومرشداً إلى سواء السبيل .
إن بيعة الغدير من أوثق الأدلّة وأكثرها وضوحاً على اختصاص الخلافة والإمامة بالإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، وقد احتج بها الإمام الحسن على أحقية أبيه بالخلافة وذلك في خطابه الذي ألقاه بعد الصلح ، فقد جاء فيه :
إِنَّا أَهْلَ بَيْتِ أَكْرَمَنَا اللهُ بِالْإِسْلام ، وَاخْتارَنَا وَاصْطَفَانَا وَأَذْهَبَ عَنَا الرِّجْسَ ، وَطَهَّرَنا تَطْهِيراً ، فَلَمْ تَفْتَرِقِ النَّاسُ فِرْقَتَيْنِ إِلَّا جَعَلَنَا اللهُ في خَيْرِهِمَا مِنْ آدَمَ إِلى جَدّي مُحَمَّد(صلی الله علیه وآله وسلم)، فَلَمّا بَعَثَهُ اللهُ لِلنُّبُوَّةِ ، وَاخْتارَهُ لِلرِّسالَةِ ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتابَهُ ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالدُّعاءِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَكانَ أَبي أَوَّلَ مَنِ اسْتَجَابَ لِلَّهِ وَلِرَسولِهِ ، وَأَوَّلَ مَنْ آمَنَ وَصَدَّقَ الله وَرَسولَهُ(صلی الله علیه وآله وسلم) ، وَقَدْ قالَ اللهُ فِي كِتَابِهِ الْمُنْزَلِ عَلَى نَبِيِّهِ الْمُرْسَلِ : أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ (2)، فَجَدِّي الَّذِي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ، وَأَبي الَّذِي يَتْلُوهُ ، وَهُوَ شَاهِدٌ مِنهُ ».
إلى أن قال : « وَقَدْ سَمِعَتْ هذِهِ الأمَّةُ جَدّي يَقولُ : ما وَلَّتْ أُمَّةٌ أَمْرَها رَجُلاً وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ إِلّا لَمْ يَزَلْ يَذْهَبُ أَمْرُهُمْ سَفالاً حَتَّىٰ يَرْجِعُوا إِلَى مَا تَرَكُوهُ .
الفاجعة الكبري وسمعوه يقول لأبي : أنت مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نبي بعدي .
وَقَدْ رَأَوْهُ وَسَمِعوهُ حِينَ أَخَذَ بِيَدِ أَبِي بِغَدِيرِ خُمَّ ، وَقالَ لَهُمْ: مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ ، اللهم وال مَنْ والاهُ ، وَعادِ مَنْ عاداهُ ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يُبَلِّغَ الشَّاهِدُ الْغائِبَ »(1).
لقد حفلت كتب التاريخ الإسلامي بذكر احتجاج أهل البيت(عليه السلام) وأعلام شيعتهم ببيعة الغدير على أحقية الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) بمنصب الخلافة الإسلامية ، ولكنّ القوم أعرضوا عن الحديث ، وأولوه حسب ميولهم وأهوائهم .
ولما رجع الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) من حجّه إلى يثرب أقام بها حفنة من الأيام ، وقد أحاطت به الهواجس والهموم ، وقضى ليلة طال فيها أرقه ، فاستدعى أبا مويهبة(2)في الليل البهيم ، فلما مثل عنده أمره بمصاحبته إلى البقيع ، وقال له : لَقَدْ أُمِرْتُ بِالْإِسْتِغْفارِ لأَهْلِ البقيع ، فَلِذا بَعَثْتُ إِلَيْكَ لِلْإِنْطِلاقِ مَعي .
وسار الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) حتى انتهى إلى البقيع ، فسلّم على الأموات ، وهنأهم بما هم فيه ، وأخذ يخبر عن الفتن السود التي ستنصب على أمته من بعده قائلاً: السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْمَقابِرِ، لِيُهْنَكُمْ ما أَصْبَحَ النَّاسُ فِيهِ ، فَقَدْ أَقْبَلَتِ الْفِتَنُ كَقِطَع اللَّيْلِ الْمُظْلِم يَتْبَعُ آخِرُها أَوَّلَهَا ، الْآخِرَةُ شَرٌّ مِنَ الأَوْلى .
وانطلق يحدث أبا مويهبة عن مغادرته لهذه الحياة قائلا له : إِنِّي قَدْ أُوتِيْتُ مَفاتِيحَ خَزائِنِ الدُّنْيا وَالْخُلُودَ فيها ثُمَّ الْجَنَّةَ بَعْدَ ذلِكَ ، فَاخْتَرْتُ لِقاءَ رَبِّي وَالْجَنَّةَ.
فقال له أبو مويهبة : بأبي أنت وأمي ، ألا تأخذ مفاتيح خزائن الدنيا وتكون مخلّداً فيها ، ثم الجنّة بعد ذلك ؟
فأجابه الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) عن رغبته الملحة في ملاقاة الله : لَا وَاللهِ ، لَقَدْ اخْتَرْتُ لِقاءَ رَبِّي ، ثمّ استغفر لأهل البقيع وانصرف إلى منزله(1).
ولما علم الرسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)أن لقاءه بربه لقريب ، أراد أن يعزز خلافة أمير المؤمنين(عليه السلام) التي عقد أواصرها في غدير خم، وأن يقضي على روح الشعب والتمرد ليتم الأمر بعد وفاته بسهولة إلى الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، فرأى أن خير ضمان لتحقيق ذلك إخلاء عاصمته من جميع المناوئين للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، وإرسالهم إلى ساحة الجهاد لغزو الروم ، فأمر أصحابه بالتهيؤ إلى ذلك ولم يبق أحداً من أعلام المهاجرين والأنصار كأبي بكر ، وعمر ، وأبي عبيدة ، ويشير بن سعد ، وأمثالهم(2).
وأمر عليهم أسامة بن زيد(3)
ومما يؤسف أنه انحرف عن الحق ، فإنّه لم يبايع أمير المؤمنين(عليه السلام) حينما آلت إليه الخلافة ، والسبب في ذلك أن هبات الأمويين وأموالهم الوفيرة التي أغدقوها عليه حرفته عن أمير المؤمنين(عليه السلام).
وذلك لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشر1) السيرة النبوية / ابن هشام : 3 : 93. تاريخ الأمم والملوك : 3: 190. وذكر المجلسي في بحاره : 22 : 466 : « أنّ رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)لما أحس بالمرض أخذ بيد علي(عليه السلام)وتبعه فريق من الناس فتوجه إلى البقيع واستغفر لأهله ».
2) كنز العمّال : 5 : 317 الطبقات الكبری : 2 : 189 - 191 . تاريخ الخميس : 2 : 46 .
3) أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبدالعزى الكلبي : أمه أم أيمن، واسمها بركة مولاة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) وحاضنته . اختلف في سنه يوم مات رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) فقيل : ابن عشرين سنة ، وقيل : ابن تسع عشرة ، وقيل : ابن ثمان عشرة سنة ، سكن بعد موت النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)وادي القرى ، ثم رجع إلى المدينة فمات بالجرف في آخر خلافة معاوية ، وكانت وفاته سنة ثمان أو تسع وخمسين من الهجرة ، وقيل : سنة أربع وخمسين . جاء ذلك في الاستيعاب( المطبوع على هامش الإصابة ) : 1 : 34 و 35 .
للهجرة، وقال لأسامة : سِرْ إِلى مَوْضِع قتلِ أَبِيكَ فَأَوْطِنْهُمُ الْخَيْلَ ،فَقَدْ وَليْتُك هذا الْجَيْشَ فَاغْرُ صَباحاً عَلى أَهْلِ أَبنى(1)، وَحَرِّقْ عَلَيْهِم ، وَأَسْرِع السَّيْرَ لِتَسْبِقَ الْأَخْبَارَ ،فَإِنْ أَظْهَرَكَ اللَّهُ عَلَيْهِم فَأَقْلِ اللَّبْثَ فِيْهِمْ ، وَخُذْ مَعَكَ الْأَدِلَّاءَ ، وَقَدِّمِ الْعُيونَ وَالطَّلَائِعَ معك .
وفي اليوم الثامن والعشرين من شهر صفر ألم المرض به ، فأصابته حمى ملازمة وصداع شديد قيل إنّهما كانتا بسبب الطعام المسموم الذي أكله في خيبر ، فكان يقول : ما زِلْتُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعامَ الَّذى أَكَلْتُهُ بخَيْبَر.(2)
ولما أصبح اليوم التاسع والعشرين من صفر رأى أصحابه وقد دبّ فيهم التمرد والتخاذل خرج بنفسه مع ما مني به من المرض، فحتّهم على المسير، وحفزهم على الخروج ، وعقد اللواء بنفسه لأسامة وقال له : اغْزُ بِسْمِ اللهِ ، وَفِي سَبِيلِ اللهِ ، وَقاتِلْ مَنْ كَفَرَ بِاللهِ .
فخرج بلوائه معقوداً ودفعه إلى بريدة، وعسكر بالجرف ، وتثاقل القوم من الالتحاق به ، وأظهروا التمرّد والتخاذل .
يقول عمر لأسامة : « مات رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وأنت عليَّ أمير »(3).
وانطلقت ألسنتهم بالنقد اللاذع والاعتراض المرّ على تأمير أسامة ، وتثاقلوا من الالتحاق بالجيش ، فوصلت كلمتهم إلى مسمع الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)، وقد ازدادت به الحمى المبرحة ، وأخذ منه الصداع القاسي مبلغاً ليس بالقليل ، فغضب(صلی الله علیه وآله وسلم)وخرج وخرج وهو
معصب الرأس ، مدثر بقطيفته ، وقد برّح به الحزن لأنه رأى أن الوسيلة التي مهدها لغايته ستبوء بالفشل وعدم النجاح ، فصعد المنبر وذلك في يوم السبت لعشر خلونمن ربيع الأوّل ، فأظهر سخطه البالغ ، وغضبه الشديد على عدم تنفيذهم لأوامره قائلاً: «أَيُّها النَّاسُ ، ما مَقَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْ بَعْضِكُمْ فِي تَأْمِيرِي أَسَامَةَ ؟ وَلَقَدْ طَعَنْتُمْ فِي تَأْمِيرِي أَبَاهُ ، وَأَيْمُ اللَّهِ إِنَّهُ كَانَ لَخَلِيفَاً بِالْإِمَارَةِ وَإِنَّ ابْنَهُ مِنْ بَعْدِهِ لَخَلِيقٌ بها .
ثمّ نزل عن المنبر ودخل بيته(1)، وجعل يوصي بالالتحاق به ، وهو يقول :
جَهْزُوا جَيْشَ أَسامَةَ.
نَفَذُوا جَيْشَ أَسامَةَ .
لَعَنَ اللهُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ جَيْشِ أَسامَةَ (2).
ولم تثر حفائظ نفوسهم هذه الأوامر المشدّدة ،ولم يرهف عزيمتهم هذا الاهتمام البالغ من النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)وهو في ساعاته الأخيرة ، فقد تثاقلوا عن الخروج ، وتخلّفوا عن الجيش ، واعتذروا للرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)بشتّى المعاذير، وهو بأبي وأمي- لم يمنحهم العذر ، وأظهر لهم الغيظ والسخط ، والمتأمل في هذا الحادث الخطير يستنتج :
1 - إن اهتمام النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) بشأن إخراج القوم من يثرب ، ولعنه لمن تخلف من الالتحاق بجيش أسامة يدلّ بوضوح لا خفاء فيه على غايته المنشودة ،وهي إخلاء عاصمته من الحزب المعارض لأمير المؤمنين(عليه السلام)ليصفو له الأمر بسهولة ، وتتم له الخلافة بهدوء وسلام .
2 - إنّ تخلف القوم عن الجيش ، وطعنهم في تأمير أسامة ما كان المقصود منه
إلّا الظفر بالسلطة والحكم ، وإحكام قواعد سياستهم ، فإنّهم إذا انصرفوا إلى الغزو ونزحوا عن عاصمة الرسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، فإنّ الخلافة لا محالة تفوت من أيديهم ، ولا مجال لهم حينئذ إلى التمرّد والخلاف .
3 - إن السبب في عدم تولية الرسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)قيادة الجيش لذوي السن والموجهين من الصحابة إنّما هو للاحتياط على مستقبل الأمة ، وصيانتها من الاضطراب والفتن من بعده ، فإنّه لو أسند القيادة إليهم لاتخذوها وسيلة إلى أحقيتهم بالخلافة ، ومطالبتهم بالحكم ، فسد(صلی الله علیه وآله وسلم) عليهم هذه النافذة لئلا يتصدّع شمل الأمة ، ويضطرب أمنها.
وأما الحكمة من تأميره(صلی الله علیه وآله وسلم) السامة وهو حدث السن ، فقد كان عمره آنذاك سبعة عشر عاماً أو يزيد عليها بيسير ، فهي ما يلي :
1 - سدّ جميع نوافذ الخلاف والطعن في خلافة أمير المؤمنين(عليه السلام)لأنه حدث السنّ ، فإنّ أسامة أصغر منه سناً ، وقد أسند إليهم أهم الوظائف العسكرية في جيشه ·
2 - إلغاء التقدّم في السن، وعدم الاعتناء به في استحقاق المناصب الرفيعة مع حرمان الشخص من القابليات والمواهب ، فإنّ إدارة شؤون الأمّة وقيادتها إنّما يستحقها ذوو الكفاءات والحزم والإدارة ، وقد صرّح (صلی الله علیه وآله وسلم) بهذه الفكرة الإصلاحية بقوله :« مَنْ تَقَدَّمَ على قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وَهُوَ يَرى أَنَّ فِيهِم مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ فَقَدْ حَانَ الله وَرَسُولَهُ والمُسْلِمِينَ»(1).
وقال (صلی الله علیه وآله وسلم):« مَنِ اسْتَعْمَلَ عَامِلاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ فِيهِمْ أَوْلَى بِذلِكَ مِنْهُ ، فَقَدْ َخانَ اللهَ وَرَسولَهُ وَجَميعَ الْمُسْلِمِينَ»(2).
إنّ الإسلام يحرص كل الحرص على تعيين خيرة الرجال ، وأكثرهم كفاءة للعمل في جهاز الحكم ؛ ليضعوا المصلحة العامة نصب أعينهم ، ويكونوا أمناء فيما يحبّونه من الناس ، وفيما ينفقونه على المرافق العامة ، وأن يسيروا بين الناس بسيرة قوامها العدل الخالص ، ولا يكون ذلك بتقدم السن، وإنما يكون بالدراية والاطلاع على ما تحتاج إليه الأمة في جميع مجالاتها العامة(1).
3- إنّه(صلی الله علیه وآله وسلم) في تأميره لأسامة قد كبح جماح المناوئين لأمير المؤمنين (عليه السلام)، وكسر شوكتهم ، وحطّم معنوياتهم ، وأقصاهم إلى حد بعيد، وقد فطنوا إلى ما دبّر(صلی الله علیه وآله وسلم)، فطعنوا في تأمير أسامة ، وتثاقلوا من الالتحاق بكتيبته ، ولم يبرحوا مقيمين بالجرف حتى لحق الرسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)بالرفيق الأعلى .
هذه بعض البوادر التي تطل على المتأمل في سرية أسامة ، وهي صريحة الدلالة على قصده(صلی الله علیه وآله وسلم)من تمهيد الأمر للإمام أمير المؤمنين بعد وفاته بهدوء وسلام(2).
كما تدلّ بوضوح على وجود المؤامرة الخطيرة التي دبرها القوم ضدّ خليفته ووصيّه ، كما ولعلنا سنذكر ذلك مفصلاً في بعض الفصول .
واشتدّت الحمى عليه حتى كأنّ به لهباً منها ، وكانت عليه قطيفة ، فإذا وضع أزواجه وعوّاده أيديهم عليها شعروا بحرّها(3)، ووضعوا إلى جواره إناء فيه ماء بارد ، فما زال يضع يده فيه ويمسح به وجهه ، وأقبل المسلمون يهرعون إلى عيادته
وقد خيم عليهم الجزع والذهول، فازدحمت حجرته بهم ، فنعى إليهم نفسه ، وأوصاهم بما يضمن لهم السعادة والنجاح قائلاً: أَيُّها النَّاسُ ، يُوشَكُ أَنْ أَقْبَضَ قَبْضاً سَرِيعا فَيُنْطَلَقَ بِي ، وَقَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ الْقَوْلَ مَعْذِرَةٌ إِلَيْكُمْ ، أَلَا إِنِّي مُخَلِّفٌ فِيْكُمْ كِتابَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي.
ثم أخذ بيد علي فرفعها وقال : هذا عَلِيٌّ مَعَ الْقُرآنِ ، وَالْقُرْآنُ مَعَ عَلِيَّ ، لَا يَفْتَرِقانِ حَتَّى يَردا عَلَى الْحَوْضَ (1).
وكان الأجدر بالأمة أن تتابع الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)وتواكب آراءه فتتبع أمير المؤمنين(عليه السلام)وتسلّم له قيادتها ؛ لأنّه يسير بمنهج القرآن ، ويحكم بما أنزل الله ، ولو أنها حققت ذلك بعد وفاة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) لنجت من جميع النكسات وما أصيبت به من الفتن والخطوب ، ولتقدم الإسلام بخطى ثابتة متزنة ، وسادت في العالم مبادئ الحق والعدالة .
وخرج علّة الكائنات ، وسيّد الموجودات ، وهو مثقل قد تعصب بعمامته ليعلن المساواة العادلة التي جاء بها ، ويعطي القصاص من نفسه لو كان منه اعتداء على أي إنسان ، فاعتلى أعواد المنبر وبيّن للمسلمين مدى ما عاناه من الجهود في سبيل إرشادهم وهدايتهم .
ثم قال : إِنَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ حَكَمَ وَأَقْسَمَ أَلَا يَجُوزَهُ ظُلْمُ ظَالِم ، فَانْشِدُكُمْ بِاللَّهِ أَيُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ كَانَت لَهُ قِبَلَ مُحَمَّدٍ مَظْلِمَةٌ إِلَّا قامَ لِيَقْتَصَّ مِنِّي ، فَالْقَصَاصُ فِي دَارِ الدُّنْيا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْقَصَاصِ في دارِ الْآخِرَةِ عَلَى رُؤُوسِ الْمَلائِكَةِ وَالْأَنْبِياءِ .
ووجم الحاضرون عن الجواب، وذهلوا حتى عن نفوسهم ، وساد فيهم صمت
1) الصواعق المحرقة : 75 ينابيع المودة : 1 : 124 و : 2 : 403 .
رهيب . أي واحد له ظلامة أو حق عند الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) وهو مشرع العدالة الكبرى ، ومثال اللطف الإلهي ، وقد خيم عليهم الجزع لأنهم عرفوا أن كلامه كلام مودّع لهذه الحياة .
و انبرى من أقصى القوم شخص يسمى سوادة بن قيس ، فادعى أنّ رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)أصابه بسوط في بطنه ، وهو يريد القصاص منه ، فأمر(صلی الله علیه وآله وسلم) بلالاً أن يحضر له السوط ليقتص منه سوادة ، وانطلق بلال وهو مبهور قد ملكت أحاسيس نفسه هذه العدالة الكبرى ، فراح يجوب أزقّة يثرب وهو رافع عقيرته قائلاً: أيُّها النَّاسُ ، أعطوا القصاص مِنْ أَنْفُسِكُمْ في دارِ الدُّنْيا ، فَهذا رَسولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم) قَدْ أَعْطَى الْقَصَاصَ مِنْ نَفْسِهِ .
ومضى إلى دار النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)فأخذ السوط وجاء به إلى رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، فأمره أن يدفعه إلى سوادة ليقتص منه ، وتوجّه المسلمون بقلوبهم قبل أبصارهم إلى سوادة ينظرون هل يقتص من النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)؟ وهو بتلك الحالة قد فتك به المرض وأضناه السقام وانبرى سوادة وهو مرتعش الخُطا قد غمرته عظمة الرسول وهيبته، فقال له : يا رسول الله، اكشف لي عن بطنك.
فكشف(صلی الله علیه وآله وسلم)عن بطنه ، فقال له سوادة بصوت خافض : يا رسول الله ، أتأذن لي أن أضع فمي على بطنك ؟
فأذن له(صلی الله علیه وآله وسلم)، فوضع سوادة فمه على بطن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)ودموعه تتبلور على خدّيه وهو يقول : أعوذ بموضع القصاص من رسول الله من النار يوم النار .
فقال له النبي(صلی الله علیه وآله وسلم): أَتَعْفُو يَا سَوادَةً أَمْ تَقْتَصُّ ؟
بل أعفو يا رسول الله .
فرفع(صلی الله علیه وآله وسلم) يده بالدعاء له قائلاً: اللَّهُمَّ اعْفُ عَنْ سَوادَةَ كَما عَفَا عَنْ نَبِيِّكَ (1).
1) أمالي الصدوق : 734. بحار الأنوار: 22: 509.
وتصدعت قلوب المسلمين، وبلغ بهم الحزن إلى قرار سحيق ، وأيقنوا بنزول القضاء المرهوب والرزء القاصم .
وأحاط الأسى بابنة الرسول ، وألم بها الخطب ، وأضرّ الحزن بقلبها الرقيق المعذّب ، فقد شاهدت أباها يعاني أشدّ الألم والكرب وهو يقول : واكَرْباهُ .
ويمتلئ قلبها باللوعة والحزن ، فتجيبه : وَاكَرْبِي لِكَرْبِكَ يا أَبَتي .
فنظر إليها وقد غام بصرها بالدموع ، فأشفق عليها وقال لها : لَا كَرْبَ عَلَى أَبِيكَ بَعْدَ اليوم.
ولما اشتدت حالته تغيّر وضع الزهراء(عليها السلام) ، فكانت شاحبة اللون ، خائرة القوى ، ذاهلة اللب ، تصدّع قلبه وأراد أن يزيل عنها كابوس الحزن ، فأجلسها إلى جنبه ، فأسر إليها بحديث فلم تملك عند سماعه إلا أن تجري عيناها بالدموع ، ومال(صلی الله علیه وآله وسلم)إليها ثانية ، فألقى عليها كلاماً قابلته ببسمات فياضة بالبشر والرضا، وعجبت عائشة من هذا الصنيع وراحت تقول : ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن !!
وسألتها عمّا قال لها رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، فامتنعت عن إجابتها ، ولما تصرّمت الأيام أخبرت عن سبب ذلك البكاء والسرور ، فقالت : أَخْبَرَني : أَنَّ جَبْرَئِيلَ كانَ يُعارِضُني بِالْقُرْآنِ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَةٌ ، وَأَنَّهُ عَارَضَني هذَا الْعامَ مَرَّتَيْنِ ، وَلَا أَراهُ إِلَّا قَدْ حَضَرَ أَجَلِي . فهذا سبب لوعتها وبكائها ، وأما سبب سرورها ، فتقول : أَخْبَرَنِي أَنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لُحُوقاً بِي ، وَنِعْمَ السَّلَفُ أَنا لَكِ ، أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِساءِ هَذِهِ الْأُمَّة ؟
لقد دفع(صلی الله علیه وآله وسلم)عن حبيبته الأسى بإخبارها بعدم طول الفراق بينها وبينه ، ولمّا علمت أن لقاء أبيها بربّه لقريب انطلقت إلى بيتها ، فجاءت بولديها وهي تذرف من الدموع مهما ساعدتها الجفون ، فقالت له : أبَه ، هذان وَلَداك ، فَوَرِّتْهُما مِنْكَ شَيْئاً .
فأفاض عليهما الرسول من مكرمات نفسه ،وورّثهما من كمالاته قائلاً : أَمَّا الْحَسَنُ فَإِنَّ لَهُ هَيْبَتِي وَسُودَدي ، وَأَمَّا الْحُسَيْنُ فَإِنَّ لَهُ جُرْأَتي وجُودي (1).
ويقوم الحسن من عنده وقد ورث منه الهيبة والسؤدد ، وورث منه سيّد الشهداء الجرأة والجود ، وهل هناك مما تحويه البسيطة ميراث خير من هذا الميراث الحاوي لكمالات النبوة وسؤددها ، وقد كان الحسن بحكم ميراثه رمزاً للهيبة الأحمدية ، ومثالاً للسؤدد النبوي ، فقد روي :« أَنَّهُ كانَ عَلَيْهِ سِيمَاءُ الْأَنْبِياءِ ، وَبَهاءُ الْمُلوكِ »(2).
وكانت عند الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) قبل مرضه سبعة دنانير ، فخاف أن يقبضه الله إليه وهي عنده ، فأمر أهله أن يتصدّقوا بها، ولكن انشغالهم بتمريضه والقيام بخدمته أنساهم تنفيذ أمره ، فلما أفاق من مرضه سألهم ما فعلوا بها ؟
فأجابوه : أنّها ما تزال باقية عندهم ، فطلب منهم أن يحضروها ، فلما جيء بها إليه وضعها في كفه وقال : ما ظَنُّ مُحَمَّدٍ بِرَبِّهِ لَوْ لَقِيَ الله وَعِنْدَهُ هذه(3).
ثمّ تصدّق بها على فقراء المسلمين ، ولم يبق منها عنده ه شيء .
واستشف الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)من وراء الغيب أنّ أمّته من بعده سوف تنصب عليها الفتن كقطع الليل المظلم ، وتتوالى عليها الخطوب السود ، فترتد على أعقابها بعد الإيمان كما أخبر(صلی الله علیه وآله وسلم)- فكبر ذلك وعظم عليه ، وزاد في حزنه وأساه وهو في ساعاته
الأخيرة اطلاعه على المؤامرة الكبرى التي دبّرت ضدّ وصيه وخليفته وباب مدينة علمه ، وذلك بتخلّف القوم وتثاقلهم عن الالتحاق بسريّة أسامة ، فرأى(صلی الله علیه وآله وسلم)أن يسلك طريقاً آخر يصون أمته من الضلال ويحميها من الفتن والأخطار ، فقال(عليه السلام): انتوني بِالْكَتِفِ وَالدَّواةِ لأكتُبَ لَكُمْ كِتاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَداً (1).
ما أعظمها من نعمة، وأغلاها من فرصة ، لو استغلوها وسارعوا إلى تنفيذها وتحقيقها لوقوا أنفسهم ، ووقوا الأجيال اللاحقة من الزيغ والانحراف ، ولكنّهم حرموا أنفسهم السعادة ، وسدوا نوافذ الرحمة والهداية عليهم وعلى من يليهم من الأجيال ، فقد خدعتهم الدنيا وتهالكوا على الإمرة ، وعلموا قصد الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)وعرفوا غايته أنه سيوصي بأمير المؤمنين ويعزّز بيعة يوم الغدير فتفوت بذلك أهدافهم ، وتضيع مصالحهم .
فانبرى إليه أحدهم بكلّ وقاحة وصلافة رادّاً عليه قائلاً: « حسبنا كتاب الله ».
والمتأمل في هذا الردّ تنفتح أمامه الكوة التي تطل على تأمرهم وعلى مخططاتهم في إقصاء أمير المؤمنين(عليه السلام)عن جهاز الحكم ، فإنهم لو كانوا يحتملون أن رسول(صلی الله علیه وآله وسلم) لا يوصي بالخلافة إليه ، وإنّما يوصي بحماية الثغور أو بالمحافظة على طقوسه الدينية لما قابلوه بهذه الجرأة ، وما ردّوا رغبته ، ولكنهم علموا ما يريده فقاموا بعمليّات التخريب والإفساد .
وعلى أية حال، فقد كثر الخلاف والتشاجر في ذلك ، وانطلقت النسوة من وراء الستر فقلن لهم : ألا تسمعون ما يقول رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) ؟
فثار عمر وصاح فيهن لئلا يفسد عليهم الأمر ، قائلاً: إنّكن صويحبات يوسف إذا مرض عصرتنّ أعينكنّ ، وإذا صحّ ركبتنّ عنقه .
1) المعجم الكبير: 11 :30 صحيح البخاري : 4 : 31. صحيح مسلم : 5 : 76 .
فرمقه الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) بطرفه وقد أزعجه كلامه ، فقال له : دَعُوهُنَّ فَإِنَّهُنَّ خَيْرٌ مِنْكُمْ . وكادت أن تفوز الجبهة التي رغبت في تنفيذ إرادة الرسول ، فانبرى أحد المعارضين فسدّد لهم سهماً أفسد عليهم أمرهم ، فقال - ويا لهول ما قال : « إن النبي ليهجر»(1).
أي خطب حلّ بالإسلام مثل هذا الخطب ، وأيّة رزيّة مني بها المسلمون مثل هذه الرزيّة ، أفيحكم على علّة الموجودات وسيّد الكائنات بالهجر ؟ لقد رجع القوم إلى جاهليتهم الأولى ، وتناسوا مقام النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، فقابلوه بأمر الكلام وأقساه ، فإنّا الله وإنا إليه راجعون .
إنّها الرزيّة الكبرى ، والرزء القاصم الذي يذيب هوله القلوب ، فقد حيل بين المسلمين وبين سعادتهم، وأقصي عنهم الخير ، وكان ابن عباس إذا ذكر الحادث المؤلم يتفجّع ويبكي حتّى تسيل دموعه على خديه كأنها نظام اللؤلؤ ، ويتنهد ويقول : يوم الخميس ، وما يوم الخميس ! قال رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) : ائْتُونِي بِالْكَتِفِ أَوِ التَّوْحِ وَالدَّواةِ أَكْتُبُ لَكُمْ كِتاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبداً .
فقالوا : إنّ رسول الله يهجر(2). .
ولم يسمعوا نصوص القرآن الكريم وهى تتلى عليهم آناء الليل وأطراف النهار، وقد دلّت على عصمة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)قال تعالى :
مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقَوَى (3).
1) ذكر الحادثة البخاري عدّة مرّات في : 4 : 69 و 99 و : 6: 8 ، وكتم اسم القائل لهذه الكلمة وصرّح ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث والأثر وغيره أن القائل هو عمر بن الخطاب ، وقد اعترف عمر في حديثه مع ابن عباس أنه صدّ النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) عن الكتابة في عليّ وعترته ، كما في شرح نهج البلاغة : 3 : 114 .
2) مسند أحمد بن حنبل : 1 : 355 .
3) النجم 53 :2 - 5 .
وقال تعالى : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاع ثُمَّ أَمِينِ * وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونِ(1).
إلى غير ذلك من الآيات التي نصت على عصمته(صلی الله علیه وآله وسلم) من الهجر ، ولكن القوم قد غرتهم الدنيا، وراقهم زبرجها ، فانحرفوا عن طريق الحق ، ومالوا عن سنن العدل، وتركوا الأمة تتردّى في ميادين الجهالة والغواية ، وسدوا عليها نوافذ الرحمة والهداية .
ولما قرب دنو النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)إلى حظيرة القدس بعث الله إليه ملك الموت ليسمو بروحه الطاهرة إلى جنة المأوى ، وإلى سدرة المنتهى ، وجاء ملك الموت فاستأذن من أهل بيت الوحي بالدخول على رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، فأخبرته الزهراء(عليها السلام) بأن النبي الله في شغل عنه لأنه كان قد أغمي عليه من شدة المرض ، وبعد برهة كرّر الطلب ، فأفاق الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)من إغمائه ، فقال لابنته : أَتَعْرِفينَهُ ؟
قالت : لا يا رَسولَ اللهِ.
قال(صلی الله علیه وآله وسلم): إِنَّهُ مُعَمرُ الْقُبور ، وَمُخَرِّبُ الدور ، وَمُفَرِّقُ الجماعات .
فانهدّ كيانها ، وأحاط بها الذهول ، وأرسلت ما في عينها من دموع ، وراحت تقول بصوت خافت حزين النبرات : وَا وَيْلَتَاهُ لِمَوْتِ خاتَمِ الْأَنْبِياءِ ، وَامُصِيبَتاهُ المَمَاتِ خَيْرِ الأَنْقِياءِ ، وَلاِنْقِطَاعِ سَيْدِ الْأَصْفِياءِ ، واحَسْرَتاه الانقطاعِ الْوَحِي مِنَ السَّمَاءِ ، فَقَدْ حُرِمْتُ الْيَوْمَ كَلَامَكَ .
وأشفق الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)على بضعته ، فأرسل لها كلمة فيها سلوى وعزاء ، فقال لها :
1) التكوير 81 19 - 22 .
لا تَبْكِي فَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لُحُوقاً بِي» (1).
وأذن(صلی الله علیه وآله وسلم) لملك الموت بالدخول عليه ، فلمّا مثل عنده قال له : يا رسول الله ، إن الله أرسلني إليك ، وأمرني أن أطيعك في كل ما تأمرني . إن أمرتني أن أقبض نفسك قبضتها ، وإن أمرتني أن أتركها تركتها .
فقال(صلی الله علیه وآله وسلم): أَتَفْعَلُ يا مَلَكَ الْمَوْتِ ذلِكَ ؟
بذلك أمرت أن أطيعك في كلّ ما أمرتني.
ثم دخل جبرئيل فقال : يا أحمد، إنّ الله قد اشتاق إليك (2).
ولما علم أهل البيت أنّ النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)يفارقهم في هذه اللحظات أذهلهم الخطب ، وبلغ بهم الحزن إلى قرار سحيق، وجاء الحسن والحسين(عليهم السلام)فألقيا بنفسيهما على الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)ليودعاه الوداع الأخير ، وهما يذرفان الدموع ، فجعل(صلی الله علیه وآله وسلم) يقبلهما وهما يقبلاته ، وأراد أمير المؤمنين(عليه السلام)أن ينحيهما عنه ، فقال(صلی الله علیه وآله وسلم): دَعْهُما يَتَمَتَّعَانِ مِنِّي وَأَتَمَتَّعُ مِنْهُما ، فَسَتُصِيبُهُما بَعْدِي إِثْرَةٌ .
ثم التفت إلى عوّاده فقال لهم : قَدْ خَلَّفْتُ فيكُمْ كِتابَ اللهِ وَعِشْرَتي أَهْلَ بَيْتي . فَالْمُضَيَّعُ لِكتابِ اللهِ كَالْمُضَيِّعِ لِسُنَّتي ، وَالْمُضَيَّعَ لِسُنَّتِي كَالْمُضَيِّعِ لِعِتْرَتي ، إِنَّهُما لَنْ يَفْتَرِقا حَتّى اللّقاءِ عَلَى الْحَوْضِ (3).
واستدعى وصيه وخليفته أمير المؤمنين(عليه السلام)، فقال له : ضَعْ رَأْسِي فِي حِجْرِكَ ،فَقَدْ جاءَ أَمْرُ اللهِ ، فَإِذا فاضَتْ نَفْسِي فَتَناوَلُهَا ، وَامْسَحُ بِها وَجْهَكَ ، ثُمَّ وَجْهْنِي إِلَى الْقِبْلَةِ ، وَتَوَلَّ أَمْرِي ، وَصَلِّ عَلَيَّ أَوَّلَ النَّاسِ ، وَلَا تُفَارِقْنِي حَتَّى تُوَارِيَنِي فِي رَمْسِي
واستعِن بالله عزوجلّ.
وأخذ أمير المؤمنين(عليه السلام)رأس النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)فوضعه في حجره ، ومد يده اليمنى تحت حنكه ، وأذن(صلی الله علیه وآله وسلم) لملك الموت باستلام روحه المقدسة ، وأخذ(صلی الله علیه وآله وسلم)يعاني آلام الموت وشدّة النزع حتى فاضت نفسه الزكية ، فمسح بها الإمام وجهه(1)
وتظافرت الأخبار بأن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)توفي في حجر علي(عليه السلام)، فقد جاء في كنز العمّال : 4 : 55 : أن أبا غطفان قال : « سألت ابن عباس فقلت له : لما توفي رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)رأسه في حجر من ؟
فقال : توفي وهو إلى صدر عليّ .
فقلت له : إنّ عروة حدثني عن عائشة أنّها قالت : توفي رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) بين سحري ونحري .
فقال لي : أتعقل ؟! والله لتوفّي رسول الله وهو إلى صدر علي ، وهو الذي غسله».
وأخرجه ابن سعد في طبقاته : 2 : 263 .
، ونعاه إلى الحاضرين .لقد انطوت ألوية العدالة في ذلك اليوم الخالد في دنيا الأحزان ، وأخمدت مصابيح الكمال والفضيلة ، وما أصيبت الإنسانية بكارثة كهذه الكارثة ، فقد مات المنقذ العظيم ، واحتجب النور الذي أضاء الطريق للإنسان وهداه إلى سواء السبيل . وطاشت أحلام المسلمين أمام هذا الخطب المريع ، فما بعد رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) للناس عزاء ، ولا للأسى على فقده مدى ولا انتهاء . لقد ذهب محمد(صلی الله علیه وآله وسلم)عن هذه الدنيا وغرب نور محياه ، فانطلقت الألسن نادبة ، والأعين باكية ، وعلا الصراخ والعويل من بيت النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، وكان أكثر أهل بيته لوعة ، وأشدهم مصاباً ، هي بضعته الزهراء(عليها السلام)، فقد وقعت على جثمانه وهي مذهولة اللب من شدّة الوله والحزن ، وهي تبكي أمر البكاء وتقول : وَا أَبَتاهُ إلَى جَبْرَئِيلَ أَنْعَاهُ .. وَا أَبَتاهُ ! جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ
1) مناقب آل أبي طالب : 1: 29 .
مَأْوَاهُ.. وَا أَبَتاهُ ! أَجَابَ رَبِّاً دَعَاهُ (1).
وسری النبأ المفجع إلى مدينة الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) فتركها تمور في الحزن ، واجتمع المسلمون وهم حيارى قد أخرسهم الخطب ، وألم بهم الحادث المريع ، وهم ما بين واجم وصائح ومشدوه ونائح ، وانتهوا إلى وادٍ من الألم ما له قرار .
وقام أمير المؤمنين وقد حقت به الآلام والأحزان ، فأخذ في تجهيز الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)، فغسّله(2)
وجاء في كنز العمال : 4 : 53 : «أنّ الإمام عليّاً غسل رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، وكان الفضل وأسامة يناولانه الماء من وراء الستر».
وهو يقول : بِأَبي أَنْتَ وَأُمِّي طِبْتَ حَيّاً وَ مَيْناً(3).وبعد الفراغ من تجهيزه وضعه على السرير ، فأوّل من صلى عليه هو الله من فوق عرشه ، ثمّ جبرئيل ، ثمّ ميكائيل ، ثمّ إسرافيل ، ثم الملائكة زمراً زمراً(4)، ودخل المسلمون يلقون على الجثمان المقدّس نظرة الوداع ، ويؤدون فريضة الصلاة(5)
السّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ
اللهُمَّ إِنَّا نَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ ، وَنَصَحَ لأمَّتِهِ ، وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى أَعَزَّ اللَّهُ دِينَهُ ، وَتَمَّتْ كَلِمَتُهُ .اللهُمَّ فَاجْعَلْنا مِمَّنْ يَتَّبِعْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ ، وَثَبِّتْنا بَعْدَهُ ، وَاجْمَعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ ، وكان الناس يقولون : آمين آمين ، حتى صلى عليه الرجال والنساء والصبيان، واختلف في تاريخ وفاته(صلی الله علیه وآله وسلم):
فقيل : في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول. وفاء الوفاء : 1: 226 و 227. وقيل : في اليوم الثامن والعشرين من صفر . بحار الأنوار: 22 : 535 . وقيل : في اليوم الثاني من ربيع الأول . تاريخ اليعقوبي : 2 : 93 .
وقيل غير ذلك .
1) سنن ابن ماجة : 1 : 522 ، وجاء فيه: «أنّ حمّاد بن زيد قال : رأيت ثابت راوي الحديث حينما يحدث به يبكي حتى تختلف أضلاعه » .
2) وفاء الوفاء : 1 : 227 .
3) الطبقات الكبرى : 2 : 266 .
4) حلية الأولياء : 77:4
5) كنز العمال: 4 : 54 ، وجاء فيه : « أن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)لما وضع الجثمان المعظم على السرير لأجل الصلاة عليه قال للمسلمين : لَا يَقومُ عَلَيْهِ إمامٌ مِنْكُمْ ، هُوَ إِمَامُكُمْ حَيّاً وَمَيَّتاً ، فكان الناس يدخلون رسلاً رسلاً فيصلون عليه صفاً صفاً ليس لهم إمام ، وأمير المؤمنين الا واقف إلى جانب الجثمان وهو يقول :
وبعد الانتهاء قام الإمام فحفر القبر ، ولما فرغ منه ألقى المغيرة خاتمه في القبر، وقال لأمير المؤمنين(عليه السلام) :« خاتمي» .
فقال(عليه السلام)لولده الحسن : ادْخُلْ فَناوِلْهُ خاتِمَهُ ، ففعل(عليه السلام) ذلك ، وكان مقصد المغيرة من ذلك أن يدخل القبر الشريف بعد ما خرج منه أمير المؤمنين ، ليفتخر على الصحابة بأنّه آخر الناس عهداً برسول الله ، فالتفت أمير المؤمنين إلى مقصده ، فأمر الحسن بدخول القبر ، فكان آخر الناس عهداً برسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)(1).
وقام الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) فوارى الجسد العظيم في مقره الأخير ، ووقف على القبر يرويه بماء عينيه ، وأرسل كلمات تنمّ عن لواعج حزنه وتكله قائلاً : إِنَّ الصَّبْرَ لَجَمِيلٌ إِلَّا عَنْكَ ، وَإِنَّ الْجَزَعَ لَقَبِيحٌ إِلَّا عَلَيْكَ ، وَإِنَّ الْمُصابَ بِكَ لَجَلِيلٌ ، وَإِنَّهُ قَبْلَكَ وَبَعْدَكَ لَجَلَلٌ(2).
وأذاب الهول العظيم والمصاب المؤلم قلب الإمام الحسن(عليه السلام) وهو في سنه المبكّر ، فذبلت منه نضارة الصبا وروعته ، فقد رأى من يحدب عليه ويفيض عليه من رقيق حنانه يوارى في الثرى ، ورأى أبويه وقد أضناهما الذهول ، وأحاط بهما
الأسى على فقد الراحل العظيم ، فترك ذلك في نفسه شديد الألم ولاذع الحزن .
لقد مضى الرسول (صلی الله علیه وآله وسلم) إلى الرفيق الأعلى ، وكان عمر الحسن سبع سنين(1)وهو دور تنمو فيه مدارك الطفولة ، وتكون فيه فكرة الطفل كالعدسة اللاقطة تنقل إلى داخل النفس كثيراً من المشاهدات والصور، وينطبع فيها جميع ما يمر عليها من حزن وسعادة ، كما أنه قد تكون لبعض الأطفال النابهين اللياقة والاستعداد لأن يفهم الغاية من بعض الأعمال والمواقف، وقد رافق الإمام الحسن(عليه السلام)في ذلك الدور الأحداث الخطيرة التي وقعت قبل وفاة جده الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)من امتناع القوم من الالتحاق بسرية أسامة، وعدم استجابتهم للنبي(صلی الله علیه وآله وسلم) حينما أمر بإعطائه الدواة والكتف ليكتب لأمته كتاباً يقيها من الفتن والضلال ، فعرف - من غير شك الغاية من ذلك ، وعلم ما دبّره القوم من المؤامرات ضدّ أبيه ، فترك ذلك في نفسه كامن الحزن والوجد ، وانبرى ينكر على القوم غصبهم لحق أبيه ، كما سنبينه في عهد الشيخين .
1) كشف الغمة : 2 : 138 .
وحينما مضى النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) إلى جنة المأوى ، وسمت روحه إلى الرفيق الأعلى ، انثالت الفتن على المسلمين تترى كقطع الليل المظلم ، وعصفت بهم أمواج عارمة من الانشقاق والاختلاف زعزعت كيانهم ، وصدّعت شملهم ، ومزقت وحدتهم ،
وقد بيّن تعالى ما يمنى به المسلمون بعد وفاة نبيّه من الارتداد والاختلاف، قال تعالى : وَمَا مُحمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ(1).
فأيّة رزيّة أعظم من رزيّة الانقلاب ؟ وأيّة كارثة أقسى من كارثة الارتداد بعد الإيمان ! لقد ترك القوم جثمان نبيهم لم يواروه في مقره الأخير ، وتهالكوا على الإمرة والسلطان ، وصمموا على صرف الخلافة الإسلامية عن أهل بيت النبوة ، وموضع الرسالة ، ومختلف الملائكة، ومهبط الوحي والتنزيل ، وقد تحدث الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) عن غبّ ما فعلوه وسوء ما ارتكبوه .
يقول(عليه السلام) : « حَتَّى إِذَا قَبَضَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ، رَجَعَ قَوْمٌ عَلَى الْأَعْقَابِ ، وغالتهم السُّبُلُ ، وَاتَّكَلُوا عَلَى الْوَلَائِج(2)، وَوَصَلُوا غَيْرَ الرَّحِمِ ، وَهَجَرُوا
السَّبَبَ الَّذي أُمِرُوا بِمَوَدَّتِهِ ، وَنَقَلُوا الْبِناءَ عَنْ رَبِّ أَساسِهِ(1)، فَبَنَوْهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ . مَعادِنُ كُلِّ خَطِيئَةٍ ، وَأَبْوَابُ كُلِّ ضارب في غَمْرَةٍ »(2).
لقد استأثروا بالأمر ، ونقلوه عن أهله ومعدنه ، ووضعوه في غير محله ، وقد فاجأوا أهل البيت(عليها السلام) والجرح لما يندمل ، والرسول لما يقبر بصرف الأمر عنهم ، والاعتداء عليهم ، وتركوهم يتجرعون الغصص ، ويتوسدون الأرق ، وتساورهم الهموم ، فما أعظم رزيّتهم ؟! وما أشدّ محنتهم وبلاءهم ؟ !
لقد تسرّع القوم إلى عقد البيعة ، وانتهزوا الفرصة فى انشغال أمير المؤمنين(عليه السلام) بتجهيز جثمان النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، فلم يمهلوه حتى يفرغ من مواراته(صلی الله علیه وآله وسلم) لئلا يفوت الأمر منهم ، وتضيع أمانيهم وآمالهم في الاستيلاء على زمام الحكم والسلطان .
وعلى أية حال، فلابد لنا من البحث عن فصول تلك المأساة الكبرى بإيجاز ، فإنّها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحياة الإمام الحسن(عليه السلام)، فإنّ صرف الأمر عن أهل البيت(عليهم السلام) كانت له مضاعفاته السيئة ونتائجه الخطيرة ، وأهمها طمع الطلقاء وأبنائهم خصوم الإسلام وأعداء الله في الخلافة الإسلامية ، ومناجزتهم لأهل بيت النبوة ومعدن الرحمة، حتى اضطر سبط النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) الإمام الحسن(عليه السلام)في دوره إلى الصلح مع معاوية وتسليم الأمر له ، وإلى القراء بيان ذلك .
وترك القوم النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) مسجّى في فراش الموت ، لم يهتموا في شيء من أمره ، فقد سارع الأنصار إلى سقيفة بني ساعدة (3)وعقد والهم اجتماعاً سرياً أحاطوه بكثير
من الكتمان والتحفظ ، وأحضروا معهم شيخ الخزرج سعد بن عبادة(1)
سيد الخزرج ، وزعيم الأنصار ، اعترف له قومه بالسيادة ، وقد اشتهر بالجود والسخاء هو وأبوه وجده وابنه قيس ، ويقال : لم يكن في الأوس والخزرج بيت واحد فيه أربعة أشخاص أسخياء متتالون إلا بيت سعد ، وهو أحد النقباء ، شهد مع رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) العقبة وبدر ، وقد تخلّف عن بيعة أبي بكر ، وخرج غاضباً من المدينة ، فتبعه خالد بن الوليد وصاحب له فكمنا له ليلاً فطعناه وألقياه في البئر ، وأوهم خالد على بعض الحمقى أن الجن هي التي قتلته ، وأنشدوا على لسانها بيتين من الشعر :
نَحْنُ قَتَلْنا سَيْدَ الخَزْ*** رَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَه
وَرَمَيْناهُ بِسَهمـ*** ـیِن فَلَمْ نُخْطِنْ فُؤادَه
كانت وفاته بحوران من أرض الشام سنة خمس عشرة من الهجرة، وقيل : سنة أربع عشرة ، ترجم له في كلّ من الإصابة : 3: 55. الاستيعاب : 2 : 594 و 595 . أسد الغابة : 2 284 و 285 ، وغيرها .
.فتداولوا في شؤون الخلافة والسلطان ، وكان شيخ الخزرج قد ألم به المرض ، فخطب في القوم فلم يتمكن أن يُسمع كلامه للناس ، وإنما كان يقول ويبلغ مقالته بعض أقربائه ، وكان منطق خطابه أنّ الغنم بالغرم ، والأنصار هم الذين غرموا في سلسلة الحروب وحركات الجهاد التي قام بها الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)، و فهم أحق بالأمر وأولى به من غيرهم ، وهذا هو نص خطابه :
يا معشر الأنصار ، لكم سابقة في الدين، وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب ، إنّ محمداً (صلی الله علیه وآله وسلم) لبث بضع عشرة سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرحمن ، وخلع الأنداد والأوثان ، فما آمن به من قومه إلا القليل ، وما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسول الله ، ولا أن يعزّوا دينه ، ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيماً عمّوا به ، حتى إذا أراد الله تعالى بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة ، وخصكم بالنعمة ، فرزقكم
1) سعد بن عبادة :
الله تعالى الإيمان به وبرسوله ، والمنع له ولأصحابه، والإعزاز له ولدينه ، والجهاد لأعدائه ، فكنتم أشدّ النّاس على عدوه ، وأثقله على عدوّه من غيركم ، حتى استقامت العرب لأمر الله تعالى طوعاً وكرهاً، وأعطى البعيد المقادة صاغراً داخراً ، حتى أثخن الله عزّ وجلّ لرسوله بكم الأرض ، ودانت بأسيافكم له العرب ، وتوفاه الله تعالى وهو عنكم راض ، وبكم قرير العين . استبدوا بهذا الأمر دون سائر الناس ، فإنّه لكم دون النّاس».
فأجابه الأنصار بالرضا والطاعة قائلين وفقت في الرأي ، وأصبت في القول ، ولن نعدوا ما رأيت نوليك هذا الأمر ، فإنّك فينا مقنع ، ولصالح المؤمنين رضاً(1).
لقد ألقى الأنصار المقادة والسمع لسيد الخزرج ، وأعربوا له عن رغبتهم الملحة في ترشيحه لمنصب الخلافة ، وهنا أمور تدعو إلى العجب وتبعث إلى التساؤل في أمر الأنصار ، وهي :
1 - إنّهم حضنة الإسلام ، وأعضاد الملة ، وحماة الدين ، فلماذا أسرعوا في شأن الخلافة ، وتناسوا مبايعتهم لأمير المؤمنين(عليه السلام) في غدير خم ، وتنكروا لوصايا النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)في أهل بيته وعترته ؟!
2 - لماذا هذا التستر في مكان منزو عن الأنظار والأبصار ؟ ! ولماذا هذا التكتم والحيطة في إخفاء الأمر ؟ !
3- لماذا لم يأخذوا رأي العترة الطاهرة في شأن البيعة ، واستبدوا بالأمر ؟ !
وأكبر الظنّ أنّهم وقفوا على المؤامرة الخطيرة التي دبرها كبار المهاجرين ضد أمير المؤمنين ، فخافوا أن يفوز المهاجرون بالخلافة ، ويحرموا منها ، لذا أسرعوا لانتهاز الفرصة ، وبادروا إلى ترشيح سعد إلى مركز الخلافة .
1) تاريخ الأمم والملوك : 2 : 455 و 456.
ولم يكن أبو بكر في يثرب عند وفاة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، وإنما كان بالسنح(1)، فخاف عمر بن الخطاب أن يفوز أحد بالخلافة قبل مجيء أبي بكر ، فصنع فذلكة دلّت على سیاسته النفسية ، وخبرته الفائقة بأحوال المجتمع ، فقد أوقف حركة البيعة ، وشغل الناس حتى عن تفكيرهم ، فقد راح يهزّ بيده السيف ويهتف بصوت عال :
«إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) قد مات ، وأنه والله تعالى ما مات ، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران ، والله ليرجعنّ رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)فيقطعن أيدي رجال وأرجلهم ممن أرجفوا بموته» .
وجعل لا يمر بأحد يقول : مات رسول الله إلّا خبطه بسيفه ، وتهدّده وتوعده(2)واستغرب المسلمون من هذه البادرة ، واستطابها السذج والبسطاء ، فقد جاءهم بالأمل اللذيذ والحلم الجميل ، فإنّ النفوس تأبى أن تذعن بموت العظيم ، وتتمسك بحياته بالخيال والأوهام ، وقد ساق إليها عمر أطيب الأماني وأروع الآمال ، أخبرها بحياة عزيزها ومنقذها ، وأملها بإظهار دينه على الدين كله ، وأضاف إلى كلامه أعنف عبارات الإرهاب والتهديد ، وعزاه إلى رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) بتقطيعه الأيدي والأرجل ممّن أرجف بموته ، كما توعد هو بالقتل لمن فاه بموت النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) ، واستمر على هذا الحال يبرق ويرعد ، ويتهدّد ويتوعد ، حتى وصل أبو بكر إلى يثرب ، فاحتفّ به عمر ، وانطلقا إلى بيت رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، فكشف أبو بكر الرداء عن وجه النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، وإذا بجثمانه الطاهر قد رحلت منه روحه الزكيّة ، فخرج وهو يفند مقالة عمر والتفت إلى الجماهير الحائرة التي أذهلها الخطب ، فقال لها :
مَن كان يعبد محمّداً فإنّ محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله ، فإن الله حيّ لا يموت ، ، وتلا قوله تعالى : وَمَا مُحمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (1)
وتلقّى الجمهور مقالة أبي بكر بالإذعان، وراحوا يلهجون بالآية ، وأسرع عمر إلى تصديق مقالة أبي بكر ولم يبد أية معارضة له ، واحتف به ، وسار معه يشد عضده ويحمي جانبه .
ولا بد لنا من وقفة قصيرة أمام هذه البادرة الغريبة، فإنّها تدعو إلى التساؤل من عدة أمور ، وهي :
1 - هل صحيح أن عمر قد خفي عليه موت الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)والقرآن الكريم قد أعلن أن كل إنسان لا بد أن يتجرع كأس الحمام . قال تعالى :
كُلَّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ(2). وقال تعالى في نبيه : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَيِّتُونَ(3)وقال تعالى : وَمَا مُحمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ، بالإضافة إلى أن الرسول (صلی الله علیه وآله وسلم)قد نعى نفسه غير مرة إلى المسلمين وأخبرهم بأنّه يوشك أن يدعى فيجيب ، وكان عمر نفسه يقول لأسامة قبل وفاة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)« مات رسول الله وأنت علَيَّ أمير ».
2 - ما هو السر في تهديده وتوعده لمن أرجف بموت رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)؟ ولماذا
ينكل رسول الله المرجفين ؟ فهل أن قولهم ارتداد عن الدين أو خروج عن حضيرة الإسلام كي يستحقون تقطيع الأيدي والأرجل ؟
إنّ من أمعن النظر في هذه الحادثة يتضح له المقصود من فعل عمر وهو إشغال الناس عن مبايعة أي إنسان قبل مجيء أبي بكر ، إن عمر لم يكن من البلهاء والأغبياء كي يخفى عليه موت الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)، وأن حماسه البالغ ، وقيامه بعمليات التهديد والوعيد ، وسكون ثورته حينما جاء أبو بكر ، كل ذلك يدلّ بوضوح لا خفاء فيه على أنّ هذه الحادثة جزء من المخطّط المرسوم قبل وفاة النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)في صرف الخلافةعن أهل بيته واستئثارهم بها
ويذهب المستشرق ( لامنس ) إلى أنّه كانت بين أبي بكر وعمر وأبي عبيدة مؤامرة في صرف الخلافة عن أهل البيت(عليهم السلام) قبل وفاة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم).
يقول : « إنّ الحزب القرشي الذي يرأسه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح لم يكن وضع حاضر ، ولا وليد مفاجأة أو ارتجال ، وإنّما كان وليد مؤامرات سرية ، حيكت أصولها ، وربت أطرافها بكل إحكام ، وأن أبطال هذه المؤامرة أبو بكر وعمر بن الخطاب ، وأبو عبيدة بن الجراح ، ومن أعضاء هذا الحزب عائشة وحفصة».
وهو رأي وثيق للغاية ، فإنّ الإمعان في تتبع خطوات القوم، والتدبّر في أفعالهم يقضي بقدم المؤامرة ، وأنّهم حاكوا أصولها منذ زمان بعيد ، فإن تثاقلهم من الالتحاق بسرية أسامة ، ومراسلة بعض أزواج النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) لآبائهن في التريث عن المسير، وترشيحهن لآبائهنّ الإمامة الجماعة ، والردّ على النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) فيما رامه من الكتابة وغير ذلك من القرائن والشواهد ممّا يدلّ بوضوح على قدم المؤامرة ، وأنهم بنوها على خطط وثيقة مدروسة أحيطت بالإمعان والتدبر، وليست وليدة الوقت الحاضر، ولا وليدة المباغتة والمفاجأة .
ولما عقد الأنصار أمرهم على تولية سيّد الخزرج سعد بن عبادة كان ابن عمه بشير بن سعد بن ثعلبة الخزرجي وأسيد بن حضير زعيم الأوس ينافسانه في السيادة ، وحسداه على ترشيحه لهذا المنصب الرفيع، فأضمرا له الحقد ، وأجمع رأيهما على صرف الأمر عنه ،
الأمر عنه ، وانضم إليهما عويم بن ساعدة الأوسي ، ومعن بن عدي حليف الأنصار ، وكانا من حزب أبي بكر ومن أوليائه على عهد رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، بالإضافة إلى ذلك أنهما كانا يضمران الحقد والشحناء لسعد بن عبادة ، فانطلقا إلى أبي بكر وعمر مسرعين ، فأخبراهما باجتماع الأنصار في السقيفة ، وأنّهم قد أجمعوا على تولية سعد عبادة (1).
فذهل أبو بكر وقام مسرعاً ومعه عمر وتبعهما أبو عبيدة بن الجراح(2)وسالم مولى أبي حذيفة ، ولحقهم آخرون من حزبهم من المهاجرين ، فكبسوا الأنصار في ندوتهم ، فغاض لون سعد ، وأسقط ما في أيدي الأنصار، وساد عليهم الوجوم والذهول ، وأراد عمر أن يتكلّم ، فمال إليه أبو بكر فهمس في أذنه قائلاً: رويدك يا عمر حتّى أتكلّم .
وافتتح أبو بكر الحديث فقال :« نحن المهاجرون أوّل النّاس إسلاماً ، وأكرمهم أحساباً ، وأوسطهم داراً ، وأحسنهم وجوهاً ، وأمسهم برسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)رحماً ، وأنتم إخواننا في الإسلام ، وشركاؤنا في الدين ، نصرتم وواسيتم ، فجزاكم الله خيراً ، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء ، لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش ، فلا تنفسوا على إخوانكم المهاجرين ما فضّلهم الله تعالى به ، فقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ،
يعني عمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح(1).
إن أوثق الأدلّة التي أقامها أبو بكر على أحقية المهاجرين بالخلافة والإمرة هي ما يلي :
1 - إنهم أول الناس إسلاماً.
2 - إنّهم أمس الناس رحماً برسول(صلی الله علیه وآله وسلم).
ولم يفصح في استدلاله عن أوّل من آمن بالله، واستجاب لدعوة نبيّه ، ووقف إلى جانبه يصدّ عنه الاعتداء ، ويحميه من جبابرة قريش ، وهو الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) ابن عم النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)وزوج ابنته ، وأبو سبطيه ، وباب مدينة علمه ، فقد تناساه أبو بكر ورشّح أبا عبيدة وابن الخطاب لمنصب الخلافة
وهل كانت له ولاية على المسلمين حتى يرضى لهم ويختار من يتولى قيادتهم ، ويدير شؤونهم ، وقد علّق الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) على احتجاجه بقوله : « احْتَجُوا بِالشَّجَرَةِ ، وَأضاعُوا الثَّمَرَةَ».
وما أبلغ هذا القول ! ! وما أروع هذا الاحتجاج ! ! فقد تمسك المهاجرون بقربهم للنبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، واستدلوا به على أحقيتهم بالأمر ، وتغافلوا عن عترته وذريته ووديعته وعدلاء كتاب الله ، وقد خاطب أمير المؤمنين(عليه السلام)أبا بكر بذلك ، واستدلّ عليه بعين ما استدلّ به أبو بكر على الأنصار ، فقال له :
فَإِن كُنتَ بِالسُّورَى مَلَكتَ أُمُورَهُمْ*** فَكَيْفَ بِهَذَا وَالْمُشِيرُونَ غُيَّبُ
وإن كنتَ بِالْقُرْبَى حَجَجْتَ خَصِيمَهُمْ *** فَغَيْرُكَ أَوْلَى بِالنَّبِيِّ وأَقْرَبُ
وخاطب(عليه السلام) القوم مرّة أخرى ، فقال لهم :
«وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخُوهُ - أي أخو النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، وَوَلِيُّهُ ، وَابْنُ عَمِّهِ ، وَوارِثُ عِلْمِهِ ، فَمَنْ هُوَ
1) العقد الفريد : 3 : 62 .
أَحَقُّ بِهِ مِنِّي ؟»(1).
لقد عدل القوم عن أبي الحسين(عليه السلام) وتناسوا فضائله ومآثره ووصايا النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) فيه طمعاً في الخلافة وتهالكاً على الإمارة .
ولما أنهى أبو بكر خطابه السالف الذي رشّح فيه عمر وأبا عبيدة لمنصب الخلافة أسرع إليه عمر فقال له : يكون هذا وأنت حي ؟! ما كان أحد ليؤخّرك عن مقامك الذي أقامك فيه رسول الله .
ولا نعلم متى أقامه الرسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) في مقامه الذي هو فيه ، وقد أخرجه(صلی الله علیه وآله وسلم)من يثرب مع بقية أصحابه جنوداً مسلّحين ، وولّى عليهم أسامة بن زيد وهو شاب حدث السنّ ، بمثل هذا اللف والدوران تمت البيعة لأبي بكر ، وقد تسابق إلى بيعته عمر ويشير ، وتبارى إلى البيعة جميع أعضاء حزبهم ، فبايعه أسيد بن حضير ، وعويم بن ساعدة ، ومعن بن عدي ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وخالد بن الوليد ، واشتدّ هؤلاء على حمل الناس على البيعة ، وكان أشدّهم حماساً عمر ، فقد لعبت درته شوطاً في الميدان ، وأرغم الممتنعين على البيعة ، وقابلهم بالقسوة والعنف ، وقد سمع الأنصار يقولون في سعد : « قتلتم سعداً».
فاندفع يقول : « اقتلوه ، قتله الله ، فإنّه صاحب فتنة»(2).
ولما تمّت البيعة لأبي بكر بهذه الصورة التي يحفّ بها الإرهاب والتهديد أقبل به حزبه يزفونه إلى مسجد رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)زفاف العروس(3)والنبي(صلی الله علیه وآله وسلم)ملقى على
فراش الموت ، قد انشغل أمير المؤمنين(عليه السلام) بتجهيزه ، فلما أخبر تمثل بقول القائل : وَأَصْبَحَ أَقوامٌ يَقولونَ ما اشْتَهوا وَيَطغُونَ لَمّا غالَ زَيداً غَوائِلُهْ(1)
لقد بويع أبو بكر بمثل هذه العجالة والمباغتة ، وكان عمر يرى عدم مشروعية هذه البيعة ، ووجّه إليها لاذع النقد فقال فيها كلمته المشهورة :
«إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله المسلمين شرّها ، فمن دعاكم لمثلها فاقتلوه »(2).
وحفلت هذه الكلمة بأقسى ألوان النقد والتشهير، واحتوت على ما يلي :
1 - إنّ عمر وصم البيعة ( بالفلتة )، وسواء أكان معناها الشرّ والخطيئة والزلّة ، أو المباغتة والمفاجأة ، فإنّها أعظم ما تكون في ميدان القدح والذم .
2 - إنّه دعا الله أن ينقذ المسلمين من شرها ويقيهم من مضاعفاتها السيئة .
3 - إنّه حكم بقتل من دعا لمثل هذه البيعة .
وإنّما طعن عمر في انتخاب أبي بكر وقد في بيعته لأنها لم تعتمد على أسس سليمة ، ولم تبتن على منطق رصين، وحفلت بما يلي من المؤاخذات:
1 - إنّ القوم لم يأخذوا رأي العترة الطاهرة فيها ، واستبدوا بالأمر ، وقد تناسوا وصايا النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) فيها ، وأهملوا ما أمرهم الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) من الاقتداء والتمسك بذريته.
يقول الإمام شرف الدين طيّب الله مثواه :
« فلو فرض أن لا نصّ بالخلافة على أحد من آل محمد(صلی الله علیه وآله وسلم)، وفرض كونهم مع هذا غير مبرزين في حسب أو نسب أو أخلاق أو جهاد أو علم أو عمل أو ايمان أو إخلاص ، ولم يكن لهم السبق في مضامير كلّ فضل ، بل كانوا كسائر الصحابة ،
فهل كان مانع شرعي أو عقلي أو عرفي يمنع من تأجيل عقد البيعة إلى فراغهم من تجهيز رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)؟ ولو بأن يوكل حفظ الأمن إلى القيادة العسكرية مؤقتاً حتى يستتب أمر الخلافة .
أليس هذا المقدار من التريث كان أرفق بأولئك المفجوعين وهم وديعة النبي لديهم ، وبقيته فيهم ، وقد قال الله تعالى : لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ(1)؟ أليس من حق هذا الرسول الذي يعزّ عليه عنت الأمة ، ويحرص على سعادتها ، وهو الرؤوف بها ، الرحيم لها ، أن لا تعنت عترته فلا تفاجأ بمثل ما فوجئت به ، والجرح لما يندمل ، والرسول لما يقبر(2).
النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) مسجى على فراش الموت لم يغيبه عن عيون القوم مثواه ، وراحوا بهلع وجشع يتسابقون إلى الحكم والسلطان ، وأهملوا عترته ، وأجمعوا على مجافاتهم، وهضم حقوقهم ، وسلب تراثهم ، ومنذ ذلك اليوم واجهت العترة ألواناً قاسية من النكبات والخطوب ، فأريقت دماؤها ، وسبيت نساؤها ، ولم ترع فيها قرابة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) التي هي أولى بالرعاية والعطف من كلّ شيء .
2 - ومما يؤخذ على هذه البيعة أنّها لم تكن جامعة لأهل الحل والعقد الذي يعتبرونه هم شرطاً أساسياً في حصول الإجماع وفي مشروعية الانتخاب ، فقد ألغى القوم استشارة الطبقة الرفيعة في الإسلام، فلم يعتنوا بآرائها ، ولم يأخذوا موافقتها في الخليفة الجديد ، كما أنّ المكان الذي أجري فيه الانتخاب كان مخفياً إلى أبعد الحدود .
يقول عبدالوهاب النجار :« يرى المطلع على الشكل الذي حصلت به بيعة أبي
بكر أنّ الاستشارة في أمرها كانت ناقصة نقصاً ظاهراً ؛ لأن المعقول في مثل هذه الحال أن يتخذ المسلمون مكاناً يجتمعون فيه ، وأن يؤذن النّاس به من قبل»(1).
إنّ انتخاب أبي بكر كان مشوّهاً إلى أبعد الحدود ، فقد انسحبت عن اختياره وانتخابه الشخصيات الفذة التي ساهمت في بناء كيان الإسلام وفي طليعتها الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، ومن يمت إليه من الهاشميين ووجوه الصحابة كسلمان الفارسي وأبي ذرّ وعمّار بن ياسر ، وأبي بن كعب ، ومن الهاشميين : الزبير وعتبة بن أبي لهب ، والعباس وغيرهم ، كما امتنع جميع الأنصار أو بعضهم عن البيعة ، وقالوا : لا نبايع إلّا عليّا (2).
ومع انسحاب هذا العدد الضخم من الانتخاب ، وفيهم الضروس والرؤوس والأعلام من المهاجرين والأنصار ، كيف تكون البيعة مشروعة ، والانتخاب صحيحاً ؟!
3 - إنّ المسلمين قد أرغموا على بيعة أبي بكر ، وأكرهوا عليها ، ولم تكن ناشئة عن اختيارهم وإرادتهم ، فقد لعبت درّة عمر في تحقيقها وإيجادها حتى ذهل المسلمون ، ولم يشترطوا في ضمن العقد أن يسير الخليفة على كتاب الله وسنّة نبيه ، كما اشترطوا ذلك على الخلفاء من بعده.
ولعلّ لهذه الأسباب حكم عمر بعدم مشروعيتها ، وعدم مشروعية أساليبها ، كما حكم بالقتل لمن يعود لمثلها .
وامتنع أمير المؤمنين(عليه السلام)عن البيعة ، وأعلن سخطه البالغ على أبي بكر لأنه نهب
تراثه ، وسلب حقه ، وهو يعلم أنّ محلّه من الخلافة محلّ القطب من الرحى ، ينحدر عنه السيل ، ولا يرقى إليه الطير - على حدّ تعبيره - لذلك كان (عليه السلام)لايظنّ أنّ أحداً يرقى منبر الخلافة غيره ، وقد أعلن بوضوح لما جاء إليه عمه العبّاس وطلب منه أن يبايعه ، فقال له : « يابن أخي ، امدد يدك أبايعك ، فيقول الناس : عم رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) بایع ابن عمّ رسول الله فلا يختلف عليك اثنان ».
فأجابه الإمام : مَنْ يَطْلُبُ هذا الأمْرَ غَيْرُنا(1).
لقد قلّده النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)هذا المنصب الرفيع يوم غدير خم ، وأعلن له الولاية على ملأ من الناس ، بالإضافة إلى وصاياه المتظافرة التي حثّ فيها أمته على متابعته ، وتسليم قيادتها بيده .
يقول الدكتور طه حسين في هذا الموضوع ما نصه :
« نظر العباس في الأمر فرأى ابن أخيه أحق منه بوراثة السلطان ؛ لأنّه ربیب النبي ، وصاحب السابقة في الإسلام ، وصاحب البلاء الحسن الممتاز في المشاهد كلّها ؛ ولأنّ النبي كان يدعوه أخاه حتى قالت له أم أيمن ذات يوم مداعبة : تدعوه أخاك وتزوجه ابنتك ؟ ولأنّ النبي قال له : أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا انّه لَا نَبِيَّ بَعْدِي .
وقال للمسلمين يوماً آخر : مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ ، من أجل ذلك أقبل العبّاس بعد وفاة النبي على ابن أخيه وقال له : ابسط يدك أبايعك ... »(2)
لقد تخلّف أمير المؤمنين(عليه السلام)عن البيعة ، فلم يسالم القوم ، ولم يمنحهم الرضا ، وأعلن سخطه عليهم ، وحاججهم وناظرهم ، وقد حفل نهجه بتذمّره البالغ وسخطه الشديد على القوم لأنّهم سلبوا تراثه ، وجحدوا ولايته وحقّه .
واحتج الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)على القوم بأنّه أولى بالأمر وأحق به منهم وكذلك احتج عليهم من يمتّ إليه من الهاشميين وذوي السابقة في الإسلام من أعلام المهاجرين والأنصار ، وإلى القرّاء بعض تلك الاحتجاجات :
ولما أخذ أمير المؤمنين لها قسراً ليبايع أبا بكر قال له القوم بعنف : بايع أبا بكر . فأجابهم وهو رابط الجأش ثابت الجنان : «أنا أحَقُّ بِالأمْرِ مِنْكُمْ ، لَا أبايِعُكُمْ وَأَنتُمْ أَوْلى بِالْبَيْعَةِ لِي ، أَخَذْتُمْ هذَا الْأَمْرَ مِنَ الْأَنْصارِ، وَاحْتَجَجْتُمْ عَلَيْهِمْ بِالْقَرَابَةِ مِنَ النَّبِيِّ(صلی الله علیه وآله وسلم) ، وَ تَأْخُذُونَهُ مِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ غَصْباً ، أَلَسْتُمْ زَعَمْتُمْ لِلْأَنْصَارِ أَنَّكُمْ أَوْلى بهذا الأمْرِ مِنْهُمْ لَمّا كانَ مُحَمَّدٌ (صلی الله علیه وآله وسلم) مِنْكُمْ فَأَعْطَوكُمُ الْمَقادَةَ وَسَلَّمُوْا إِلَيْكُمُ الْإِمَارَةَ ؟ وأَنا أَحْتَجُ عَلَيْكُمْ بِمِثْلِ ما احْتَجَجْتُم بِهِ عَلَى الْأَنْصارِ ، نَحْنُ أَوْلَى بِرَسُولِ اللَّهِ حَيّاً وَمَيِّتاً فَأَنْصِفُونَا إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ وَإِلَّا فَبُوءوا بِالظُّلْمِ وَأَنْتُم تَعْلَمُونَ»(1).
وسلك(عليه السلام) بهذا الاحتجاج الصارم الطريقة التي سلكها المهاجرون أمام الأنصار من أنّهم أمس الناس رحماً برسول الله ، وهذا الملاك الذي هتف به المهاجرون واتخذوه وسيلة لتحطيم آمال خصومهم موجود في الإمام(عليه السلام) على النحو الأكمل ، فهو ابن عم النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)وختنه على ابنته ، وما وسع ابن الخطاب أمام هذا المنطق إلا أن يسلك طريق العنف، وهو طريق من يعوزه الدليل والبرهان ، فقال له : إنك لست متروكاً حتى تبايع(2).
فصاح به أمير المؤمنين(عليه السلام) : احْلِبْ حَلْباً لَكَ شَطْرُهُ ، وَاشْدُدْ لَهُ الْيَوْمَ أَمْرَهُ ، يَرْدُدْهُ عَلَيْكَ غَداً .
وثار الإمام وهتف يزأر : والله يا عُمرُ لَا أَقْبَلُ قَوْلَكَ ، وَلَا أبايِعُه(1).
وخاف أبو بكر أن يصل الأمر إلى ما لا تحمد عقباه ، فأقبل على الإمام يتلطف به ويقول له بناعم القول : « إن لم تبايع فلا أكرهك» .
وحاول أبو عبيدة إرضاء الإمام فقال له : يابن عمّ ، إنك حدث السنّ ، وهؤلاء مشيخة قومك ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور ، ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الأمر منك ، وأشدّ احتمالاً واضطلاعاً به ، فسلم لأبي بكر هذا الأمر ، فإنّك إن تعش ويطل بك بقاء ، فأنت لهذا الأمر خليق ، وبه حقيق في فضلك ، ودينك ، وعلمك ، وفهمك ، وسابقتك ، ونسبك ، وصهرك .
وأثارت هذه المخادعة كوامن الألم والاستياء في نفس الإمام ، فاندفع يخاطب المهاجرين ويذكر لهم مآثر أهل البيت(عليه السلام)، قائلاً:
« الله الله يا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ! لَا تُخْرِجُوا سُلْطَانَ مُحَمَّدٍ فِي الْعَرَبِ عَنْ دارِهِ، وَقَعْرِ بَيْتِهِ إِلَى دُورِكُمْ وَقُعُورِ بِيُوتِكُمْ، وَلَا تَدْفَعُوا أَهْلَهُ عَنْ مَقامِهِ فِي النّاسِ وَحَقِّهِ ..
فَوَاللَّهِ يا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ لَنَحْنُ أَحَقُّ النّاسِ بِهِ لأَنا أَهْلُ البَيْتِ، وَنَحْنُ أَحَقُّ بِهذا الْأَمْرِ مِنْكُمْ، ما كانَ فِينَا إِلَّا الْقارِئُ لِكِتابِ اللهِ، الْفَقِيهُ في دِينِ اللهِ ، الْعَالِمُ بِسُنَنِ رَسُولِ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم)، الْمُضْطَلِعُ بِأَمْرِ الرَّعِيَّةِ ، الدَّافِعُ
1) الاحتجاج : 1 : 96 .
عَنْهُمُ الْأُمُورَ السَّيِّئَةَ الْقاسِمُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ ، وَاللهِ ! إِنَّهُ لَفِينا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوى فَتَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَتَزْدادُوا مِنَ الْحَقِّ بُعْداً »(1).
ودفع الإمام باحتجاجه الرائع جميع شبه القوم ، فلم يترك لهم نافذة إلا سدّها يبليغ حجّته ، وقوّة برهانه ، فإنّ أبلغ ما تمسك به أبو عبيدة لإثبات ولاية أبي بكر أنه أكبر سنّاً من أمير المؤمنين(عليه السلام)، وذلك عنده مقياس الصواب وفصل الخطاب ، ولكنّه منطق مفلوج في نظر الإسلام، فإنّ المقياس عنده في قيم الرجال أن تتوفر فيهم المواهب والكفاءات والعبقريات ، فمن تمتّع بها فهو الخليق بزعامة الأمة ، وبإدارة شؤونها ، ولهذه الجهة نظر الإمام في احتجاجه ، فبين لهم الصفات الرفيعة الماثلة في أهل البيت(عليهم السلام)من الفقه بدين الله ، والعلم بسنن رسوله ، والاضطلاع بأمور الرعية ودفع الشرّ والمكروه عنها ، والقسم بينها بالسوية ، وهذه الصفات التي اعتبر الإسلام مثولها في الحاكمين والمسؤولين لم تتوفّر إلا عند أهل البيت(عليهم السلام)، فهم أحق بالأمر وأولى به من غيرهم.
واحتجت سيدة نساء العالمين بحجج بالغة على القوم ، وبيّنت لهم سوء ما فعلوا، وعظيم ما ارتكبوا ، قالت سلام الله عليها :
« وَيْحَهُمْ أَنَّى زَحْزَحُوها - أي الخلافة - عَنْ رَواسِى الرِّسالَةِ ؟! وَقَواعِدِ النُّبُوَّةِ، وَمَهْبِطِ الرُّوحِ الأَمِينِ ! وَالطَّبِينِ(2)بِأمُورِ الدُّنْيا وَالدِّينِ ، أَلَا ذلِك هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ ، وَمَا الَّذِي نَقَمُوا مِنْ أَبِي الْحَسَنِ ؟ نَقَمُوا وَاللَّهِ !
مِنْهُ نَكِيرَ سَيْفِهِ، وَشِدَّةَ وَطَاتِهِ ، وَنَكالَ وَقْعَتِهِ، وَتَنَمُّرَهُ فِي ذَاتِ اللهِ.
وَاللَّهِ لَوْ تَكَافَأُوا(1)عَلَى زِمَامٍ نَبَذَهُ إِلَيْهِ رَسولُ اللَّهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) لَأَعْتَقَلَهُ(2)، وَسَارَ بِهِمْ سَيْراً سُجُحاً(3)، لَا يُعْلَمُ خُشَاشُهُ (4)، وَلَا يَتَتَعْتَعُ راكِبُهُ(5)، وَلَأَوْرَدَهُمْ مَنْهَلاً رَوِيَا فَضْفاضاً(6)تَطْفَحُ ضِفَتاهُ (7)، وَلَا يَتَرَنَّمُ (8)جانباهُ ، وَلَأَصْدَرَهُمْ بِطَاناً(9)، وَنَصَحَ لَهُمْ سِرّاً وَإِعْلَانَاً ، غَيْرَ مُتَجَلٌ مِنْهُمْ بِطائِلٍ إِلَّا بِغَمْرِ النَّاهِلِ(10)، وَرَدْعَةِ سَوْرَةِ السَّاعِبِ(11)، وَلَفُتِحَتْ عَلَيْهِمْ بَرَكاتٌ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ، وَسَيَأْخُذُهُمُ اللهُ بِما كانوا يَكْسِبُونَ.
أَلَا هَلُمَّنَّ فَاسْمَعْنَ وَمَا عِشْتُنَّ أَرَاكُنَّ الدَّهْرُ عَجَباً !
وَإِنْ تَعْجَبْ فَقَدْ أَعْجَبَكَ الْحادِثُ إِلَى أَيَّ لَجَأَ لَجَاوا؟! وَبِأَيِّ عُرْوَةٍ تَمَسَّكوا لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ، بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً. إسْتَبْدَلُوا
1) التكافؤ : التساوي .
2) اعتقله : أي وضعه بين ركابه ، وساقه كما يعتقل الرمح .
3) أي سهلاً.
4) الخشاش : عود يجعل في أنف البعير يشدّ به الزمام .
5) لا يتتعتع راكبه : أي لا يصيبه أذى .
6) فضفاضاً : أي يفيض منه الماء.
7) تطفح ضفتاه : أي يمتلأ ويفيض جانباه .
8) الترنّم : الصوت.
9) أصدرهم بطاناً : أي أشبعهم وأفاض عليهم بالنعم والخيرات .
10) غمر الناهل : أي ري الظمآن .
11) ردعة سورة الساغب : كسر شدة الجوع .
وَاللَّهِ الذُّنابَى بِالْقَوَادِمِ ، وَالْعَجُزَ بِالْكاهِلِ(1)، فَرَغْمَا لِمَعَاطِسِ قَوْمٍ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً. أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ، وَيْحَهُمْأَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمْ مَن لا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(2)؟
أَمَا لَعَمْرُ إِلهِكُنَّ لَقَدْ لَفَحَتْ ، فَنَظِرَةٌ رَيْنَما تُنْتِجُ ، ثُمَّ احْتَلِبُوها طلاعَ الْقَعْبِ دَماً عَبِيطاً ، وَذَعَافاً مُمْقِراً(3)، هُنَالِكَ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ، وَيَعْرِفُ التّالُونَ غِبْ ما أَسَّسَ الْأَوَّلُونَ . ثُمَّ طِيبُوا عَنْ دُنْيَاكُمْ أَنْفُساً ، وَاطْمَئِنُّوا لِلْفِتْنَةِ جَأْشَاً، وَأَبْشِرُوا بِسَيْفِ صارِمٍ ، وَبِقَرْح شامِلٍ، يَدَعُ فَيْنَكُمْ زَهِيداً ، وَجَمْعَكُمْ حَصِيداً .
فَيا حَسْرَةً لَكُمْ، وَأَنَّى بِكُمْ، وَقَدْ عَمِيَتْ عَلَيْكُمْ أَنلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارهُونَ(4).(5)
وشجبت بضعة الرسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)في خطابها الرائع البليغ الاعتداء الصارخ على آل البيت(عليهم السلام)، وندّدت بمن غصب الخلافة الإسلامية منهم ، فإن القوم قد وضعوها في غير موضعها ، وضيّعوا بذلك عترة نبيّهم وهم رواسي الرسالة ، وقواعد النبوّة
1) الكاهل : سيّد القوم ومعتمدهم . يقال : « فلان شديد الكاهل » ، أي منيع الجانب .
2) یونس 10 : 35
3) الذعاف : الطعام الذي يجعل فيه السم . الممقر : المرّ .
4) إشارة إلى قوله تعالى : فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنلْزِ مُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ هود 11: 28 .
5) بلاغات النساء : 23 . أعلام النساء : 3 : 1219 و 1220. الاحتجاج : 1 : 149 . بحار الأنوار : 43: 158 و 159 شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 16 : 234 .
والإمامة ، وفي بيوتهم هبط الروح الأمين ، وتنزل الذكر الحكيم ، وقد حفل خطابها القيم بأمور بالغة الخطورة ، وهي :
أولاً : إنّها ذكرت أهم أسباب الوثيقة التي من أجلها زهد القوم في أبي الحسين(عليه السلام)، ونقموا منه :
1 - نکیر سيف الإمام الذي حصد به رؤوس المشركين والملحدين ، ونافح به عن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)في جميع المواقف والمشاهد ، ووتر به الأقربين والأبعدين في سبيل إقامة دعائم الدين، ومن الطبيعي أن ذلك أولد في نفوس القوم عظيم الحقد والكراهية .
2 - شدّة وطأته(عليه السلام)، فقد كان حتف الكافرين، وغيظ المنافقين ، لم يصانع ولم يحاب ، ولم تأخذه في الله لومة لائم ، وهو القائل : وَأَيْمُ اللهِ لَأَنْصِفَنَّ الْمَظْلُومَ مِنْ ظالِمِهِ ، وَلأَقودَنَّ الظَّالِمَ بِخِزَامَتِهِ ، حَتَّى أُوردَهُ مَنْهَلَ الْحَقِّ وَإِنْ كَانَ كارها(1).
3- تنمره في ذات الله ، فقد وهب (عليه السلام) نفسه الله ، ورصد جميع طاقاته لإحياء دين الله ، وإقامة سننه ، وقد قذف نفسه في لهوات الحروب ، وخاض الغمرات والأهوال ، ووطأ صماخ المشركين بأخمصه حتى استقام أمر هذا الدين، وقام على سوقه عبل الذراع ، كلّ ذلك ببركة جهوده ، وعظيم جهاده .
إنّ هذه الأسباب هي التي أدت إلى بعض القوم وحقدهم عليه ، بالإضافة إلى حسدهم على ما منحه الله من المواهب والكمالات ، والحسد يولد ضغناً وحقداً في النفوس ، ويلقي الناس في شرّ عظيم . ثانياً : إنّ الأمّة لو قلدت أمورها إلى أمير المؤمنين(عليه السلام)، وتابعت قول رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)فيه لظفرت بما يلي :
1) نهج البلاغة - الخطب : 2 : 19 . شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد: 9: 31
1 - إنّه يسير فيهم بسيرة العدل والحق ، ويحكم بما أنزل الله تعالى ، ولا يضام في ظلّ حكمه أحد ، ولا تهدر كرامة أي فرد منهم
2 - إنّه يوردهم منهلاً عذباً ، ويقود ركبهم إلى الشاطئ الآمن ، والسلامة ، ويفيض عليهم بالخير والبركات ، ويغدق عليهم بالنعم فلا يشكو أحد في ظل عدله الحرمان والجوع والفقر .
3 - إنه ينصح لهم في السرّ والعلانية ، ويهديهم إلى سواء السبيل.
4 - إنّ الإمام سلام الله عليه لو تقلد زمام الحكم لما تحلّى من دنياهم بطائل ، وما استأثر من أموالهم بشيء ، ولشاركهم في البأساء والضراء ، وقد حقق ذلك حينما آلت إليه أمور المسلمين ، فقد اكتفى من دنياه بطمريه ، ومن طعامه بقرصيه ، وما وضع لبنة على لبنة ، وواسى الفقراء والمحرومين، وقد قال كلمته الخالدة في المواساة : «أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقالَ : هذا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلَا أُشَارِكَهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ ، أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْشِ ! »(1).
ولم يحفل تاريخ المسلمين بحاكم مثله في زهده وورعه وعدله ، وتجنّبه عن أموال الرعية ، وقد بقيت سيرته من أروع الأمثلة التي يعتزّ بها المسلمون .
5- إن الإمام(عليه السلام) لو تولى الخلافة من بعد الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)لانتشرت الخيرات والبركات، وعمّت النعم جميع أرجاء البلاد، وأكل الناس من فوق رؤوسهم ومن تحت أرجلهم ، ولكنّ المسلمين حرموا أنفسهم السعادة وحرموها للأجيال اللاحقة من بعدهم ، فقد استبدلوا الذنابي بالقوادم ، والعجز بالكاهل ، وتركوا من يهديهم إلى الحق ويسير فيهم بسيرة العدل .
ثالثاً : واستشفّت بضعة الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)من وراء الغيب النتائج الفظيعة التي تترتب
1) نهج البلاغة - الخطب : 3 : 72 شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 16 : 287 .
على ما ارتكبه القوم ، وهي كما يلي :
انتشار الفتن بين المسلمين ، وانشقاق صفوفهم ، وتقلّل وحدتهم .
2 - تنكيلهم وإرهاقهم من قبل السلطات الجائرة .
3 - استبداد الظالمين بشؤونهم .
وقد تحققت هذه النتائج الخطيرة على مسرح الحياة حينما استولى الأمويون على زمام الحكم ، فقد حكم معاوية فتسلّط على رقاب المسلمين وولى عليهم جلاوزته الجلادين ، أمثال : سمرة بن جندب ، وبسر بن أبي أرطاة ، وزياد بن أبيه ، فأمعنوا في إرهاق المسلمين والتنكيل بهم، وأذاعوا الخوف بين المسلمين، وفي عهد زياد كان الناس يقولون : « انج سعد فقد هلك سعيد » ، وتولّى من بعده يزيد فاستعمل على المسلمين ابن مرجانة ، ففعل الأفاعيل المنكرة التي سوّد بها وجه التاريخ ، وهكذا أخذت الخلافة الإسلامية تنتقل من ظالم إلى ظالم ، ومن جائر إلى جائر حتى ضجّت البلاد من الظلم والجور والاستبداد .
ولهذه الأسباب الوثيقة التي بيّنتها في خطابها(عليهم السلام) ناهضت الحكم القائم ، وناجزته بجميع إمكانياتها ، وطالبت المسلمين بالقيام لقلب الحكم ، ودعتهم إلى الثورة لاستنقاذ الحقِّ الغصيب ، فقد طاف بها زوجها المظلوم أربعين يوماً على بيوت المهاجرين والأنصار تسألهم النجدة والنصرة ، فكانوا يقولون لها : « يا بنت رسول الله ، قد مضت بيعتنا لهذا الرجل » .
فتجيبهم مستنكرة : أَفَتَدَعُونَ تُراثَ رَسولِ اللهِ يَخْرُجُ مِنْ دَارِهِ إِلَى غَيْرِ دارِهِ ؟
وأخذوا يعتذرون لها قائلين : « يا بنت رسول الله ، لو أن زوجك سبق إلينا قبل أبي بكر لما عدلنا به » .
ويجيبهم أمير المؤمنين(عليه السلام): أَفَكُنْتُ أَدَعُ رَسولَ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم)فِي بَيْتِهِ لَمْ أَدْفِنَهُ ، ثُمَّ أَخْرُجُ انازِعُ النَّاسَ سُلْطَانَهُ ؟
190...
وتدعم بضعة الرسول قول أمير المؤمنين(عليه السلام) ، فتقول : ما صَنَعَ أبو الْحَسَن إِلّا ما كانَ يَنْبَغِي لَهُ ، وَقَدْ صَنَعوا ما اللهُ حَسِيبُهُمْ عَلَيْهِ(1)
وقد خطبت سلام الله عليها خطبتها الشهيرة ، واستنهضت - في كثير من فصولها - همم المسلمين، وحفّزتهم على الثورة، وطالبتهم بإرجاع الخلافة إلى أمير المؤمنين(عليه السلام)، فقد قالت مخاطبة بني قيلة :
«إِيْهَا بَنِي قَيْلَةَ ، أَأَعْضَمُ تُرَاثَ أَبِي وَأَنتُمْ بِمَرْأَى وَمَسْمَع ، تَبْلُغْكُمُ الدَّعْوَةُ ، وَشَمَلَكُمُ الصَّوْتُ ، وَفِيكُمُ الْعُدَّةُ ، وَلَكُمُ الدَارُ وَالْجَنَنُ ، وَأَنْتُمْ نُخْبَةُ اللهِ الَّتي انتُخِبَتْ ، وَخَيْرَتُهُ التي اختارَ ، بادَيْتُمُ الْعَرَبَ ، وَبادَهْتُمُ الْأمورَ ، وَكافَحْتُمُ الْبُهْمَ ، حَتَّى دارَتْ بِكُمْ رَحى الإِسْلامِ ، وَدَرٌ حَلْبَهُ ، وَخَبَتْ نِيرانُ الْحَرْبِ ، وَسَكَنَتْ فَوْرَةُ الشِّرْكِ ، وَهَدَأَتْ دَعْوَةُ الْهَرَجِ ، وَاسْتَوْثَقَ نِظَامُ الدِّينِ .
أَفَتَأَخَّرْتُمْ بَعْدَ الْإِقْدامِ ، وَنَكَرْتُمْ بَعْدَ الشِّدَّةِ ، وَجَبْنْتُمْ بَعْدَ الشَّجَاعَةِ عَنْ قَوْمٍ نَكَثوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ ، وَطَعَمُوا فِي دِينِكُمْ ، فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا إِيمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (2)»(3).
وقد أثارت حفائظ النفوس، وألهبت نار الثورة في خطابها الكبير ، إلا أنّ أبا بكر استقبلها بالاعتذار واللين، وأظهر لها بالغ الاحترام والتقدير ، فأخمد الثورة ، وشل حركتها ، فلم تجد سلام الله عليها مجالاً لاسترجاع حق أمير المؤمنين(عليه السلام)وأخذت تبثّ الشكوى والشجا إلى أبيها ، وخلدت إلى الصبر على ما انتابها من المحن والخطوب .
وما استقر في نفس أمير المؤمنين(عليه السلام) من اللوعة والأسى على ضياع حقه وغصب تراثه ، قد استقر في نفس وليده الإمام الحسن(عليه السلام)، فقد انطلق إلى مسجد جده(صلی الله علیه وآله وسلم)، فرأى أبا بكر على منبر المسجد يخطب الناس ، فالتاع ووجّه إليه لاذع النقد قائلا له : انْزِلْ .. انْزِلْ عَنْ مِنْبَرِ أَبِي ، وَاذْهَبْ إِلَى مِنْبَرِ أَبيكَ !!
وبهت أبو بكر ، وتطلعت أبصار الناس إلى القائل ، فإذا هو حفيد الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)وريحانته ، فأخذتهم الحيرة والدهشة ، وساد عليهم الوجوم ، واسترد أبوبكر خاطره ، فتدارك الموقف فقال له بناعم القول : « صدقت والله ، إنّه لمنبر أبيك لا منبر أبي»(1)
وجاء في الإصابة : 2 15: أنّ هذا الاحتجاج كان من الإمام الحسين (عليه السلام)».
وفي الصواعق المحرقة : 105 ، وإسعاف الراغبين ( المطبوع على هامش نور الأبصار) 125 : « أنّ الحسن قال لأبي بكر هذه الكلمة ، ووقع للحسين ذلك مع عمر بن الخطاب » .
.إن احتجاج الإمام الحسن(عليه السلام)- وهو في غضون الصبا - انبعث عن نضوج وطموح وذكاء ، وكشف عن آلام مرهقة كان يكنّها في أعماق نفسه على ضياع حق أبيه .
كان يرى المنبر يرقاه جده الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)وهو يدعو الناس إلى الله ، ويهديهم إلى سواء السبيل ، وقد اختفى ذلك النور ، واحتجب ذلك الصوت ، وهو لا يجد أحداً خليقاً بأن يخلفه سوى أبيه سيّد الأوصياء الذي نافح عن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) في جميع المواقف والمشاهد .
واندفع سلمان الفارسي ابن الإسلام البار، ومنبع التقوى والصلاح ، إلى الانكار
1) الرياض النضرة : 1 : 139 شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 6: 43. مقتل الحسين / الخوارزمي : 1 : 93. مناقب آل أبي طالب : 2: 172 .
على القوم والاحتجاج عليهم ، فقد راح يتكلم مع أبي بكر قائلا له : « يا أبا بكر ، إلى من تسند أمرك إذا نزل بك ما لا تعرفه ؟ ! وإلى من تفزع إذا سئلت عمّا لا تعلمه ؟ وما عذرك في تقدّم من هو أعلم منك - يعني الإمام أمير المؤمنين - وأقرب إلى رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، وهو أعلم بتأويل كتاب الله تعالى وسنّة نبيه ، ومَن قدمه النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) في حياته ، وأوصاكم به عند وفاته ، فنبذتم قوله ، وتناسيتم وصيّته ، وأخلفتم الوعد ، ونقضتم العهد ، وحللتم العقد الذي كان عقده عليكم من النفوذ تحت راية أسامة بن زید» (1)
وانطلق الطيب ابن الطيب عمّار بن ياسر إلى محاججة القوم، فقال لهم : یا معاشر قريش ، و یا معاشر المسلمين ، إن كنتم علمتم ، وإلا فاعلموا أن أهل بيت نبيكم أولى به ، وأحق بإرثه ، وأقوم بأمور الدين ، وآمن على المؤمنين ، واحفظ لملته ، وأنصح لأمته ، فمروا صاحبكم فليرة الحق إلى أهله ، قبل أن يضطرب حبلكم ، ويضعف أمركم ، ويظهر شقاقكم ، وتعظم الفتنة بكم ، وتختلفون فيما بينكم، ويطمع فيكم عدوّكم ، فقد علمتم أنّ بني هاشم أولى بهذا الأمر منكم ، وعليّ أقرب منكم إلى نبيّكم ، وهو من بينهم وليكم بعهد الله ورسوله ، وفرق ظاهر قد عرفتموه ، في حال بعد حال ، عند سد النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)أبوابكم التي كانت إلى المسجد كلّها غير بابه ، وإيثاره إياه بكريمته فاطمة دون ساير من خطبها إليه منكم ، وقوله (صلی الله علیه وآله وسلم): أنا مَدينَةُ الْعِلْمِ وَعَلِيُّ بابها ، وَمَنْ أَرادَ الْحِكْمَةَ فَلْيَأْتِها مِنْ بابِها ، وأنكم جميعاً مضطرون فيما أشكل عليكم من أمور دينكم إليه ، وهو مستغن عن كل أحد منكم ، إلى ما له من السوابق التي ليست لأفضلكم عند نفسه ، فما بالكم تحيدون
1) الاحتجاج : 1 : 99 و 100 .
عنه ؟ وتبتزون عليّاً حقه ، وتؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة ، بئس للظالمين بدلاً .
أعطوه ما جعله الله له ، ولا تولّوا عنه مدبرين ، ولا ترتدوا على أعقابكم فتنقلبوا خاسرین(1).
وانبرى الصحابي العظيم خزيمة بن ثابت ، فقال : « أيّها الناس ، ألستم تعلمون أنّ رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) قبل شهادتي وحدي ، ولم يرد معي غيري ؟
فقالوا : بلى .
قال : فأشهد أنّي سمعت رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)يقول : أَهْلُ بَيْتِى يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْباطِلِ ، وَهُمُ الْأَئِمَّةُ الَّذِينَ يُقْتَدى بِهِمْ ، وقد قلت ما علمت ، وما على الرسول إلا البلاغ المبين»(2).
وانطلق الصحابي الكبير أبو الهيثم بن التيهان ، فقال :
وأنا أشهد على نبينا(صلی الله علیه وآله وسلم) أنه أقام عليّاً يوم غدير خمّ .
فقالت الأنصار : ما أقامه إلا للخلافة ، وقال بعضهم : ما أقامه إلا ليعلم الناس أنّه مولى من كان رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) الاولى له ، وكثر الخوض في ذلك ، فبعثنا رجالاً منا إلى رسول الله فسألوه عن ذلك ؟
فقال : قُولُوا لَهُمْ : عَلِيٌّ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدِي ، وَأَنْصَحُ النَّاسِ لِأُمَّتِي ، وقد شهدت بما حضرني فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، إنّ يوم الفصل كان ميقاتاً »(3).
واندفع سهل بن حنيف ، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلّى على النبي وآله ، ثمّ قال : يا معشر قريش ، اشهدوا عليَّ ، إنّي أشهد على رسول الله الله وقد رأيته في هذا المكان - يعني في جامعه - وقد أخذ بيد علي بن أبي طالب الا وهو يقول :
«أَيُّها النَّاسُ ، هذا عَلِيٌّ إِمَامُكُمْ مِنْ بَعْدِي ، وَوَصِيِّي فِي حَياتِي وَبَعْدَ وَفاتِي ، وَقاضِي دَيْنِي ، وَمُنْجِزُ وَعْدِي ، وَأَوَّلُ مَنْ يُصافِحُنِي عَلَى حَوْضِي ، وَطُوبى لِمَنْ تَبِعَهُ وَنَصَرَهُ ، وَالْوَيْلُ لِمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ وَخَذَلَهُ»(1).
وقام عثمان بن حنيف ، فقال : « سمعنا رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)يقول : أَهْلُ بَيْتِي نُجُومُ الْأَرْضِ ، فَلَا تَتَقَدَّمُوهُمْ ، فَهُمُ الْوَلَاةُ مِنْ بَعْدِي .
فقام إليه رجل فقال : يا رسول الله ، وأي أهل بيتك ؟
فقال : عَلِيٌّ وَالطَّاهِرُونَ مِنْ وُلْدِهِ»(2).
وقال أبو أيوب الأنصاري : « اتقوا الله عباد الله في أهل بيت نبيّكم ، وردّوا إليهم حقهم الذي جعله الله تعالى لهم ، فقد سمعتم مثل ما سمع اخواننا في مقام بعد مقام لنبيّنا(صلی الله علیه وآله وسلم) ، ومجلس بعد مجلس يقول : أَهْلُ بَيْتِي أَئِمَّتُكُمْ بَعْدِي .
ويومئ إلى عليّ ، ويقول : هذا أَمِيرُ الْبَرَرَةِ ، وَقاتِلُ الْكَفَرَةِ ، مَخْذُولٌ مَنْ خَذَلَهُ ، مَنْصُورٌ مَنْ نَصَرَهُ ، فَتُوبُوا إِلَى اللهِ مِنْ ظُلْمِكُم إِيَّاهُ ، إِنَّ اللهَ تَوَابٌ رَحِيمٌ ، وَلَا تَتَوَلَّوْا عَنْهُ
مُدْبِرِينَ ، وَلَا تَتَوَلُّوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ»(1)
وقام عتبة بن أبي لهب وهو يذرف الدموع وينشد :
ما كُنتُ أحسَبُ أَنَّ الأَمرَ مُنصَرِفٌ *** عَنْ هَاشِم ثُمَّ مِنْهُمْ عَنْ أَبِي حَسَنِ
عَنْ أَوَّلِ الناسِ إيماناً وَسابِقَةٌ*** وَأَعلَم الناسِ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ
وَآخِرِ النَّاسِ عَهْداً بِالنَّبِيِّ وَمَنْ*** جِبْرِيلُ عَونٌ لَهُ فِي الْغُسْلِ وَالْكَفَنِ
مَنْ فيه ما فيهِمُ لا يَمترونَ بِهِ*** وليسَ في القَومِ ما فيهِ مِن الْحَسَنِ(2)
إلى غير ذلك من الاحتجاجات الصارمة التي أقامها كبار المسلمين وثقاتهم على أحقية الإمام(عليه السلام)بالأمر ، ولكن القوم أعاروا ذلك أذناً صماء ، وأصروا على صرف الخلافة عن أهل البيت(عليهم السلام) .
وتخلف أمير المؤمنين(عليه السلام)عن بيعة أبي بكر ، واحتج عليه بأنه أولى بالخلافة منه ، وأعلن سخطه البالغ على القوم ، وقد انضم إليه أعلام الإسلام ، ووجوه المسلمين ، كعمار بن ياسر ، وأبي ذرّ ، والزبير، وخالد بن سعيد ، وغيرهم ، فكانوا يعقدون الاجتماع في داره ، ويتداولون فيها الأحاديث ، وثقل على أبي بكر ذلك ، وعظم عليه ، فاقتضت سياسته أن يكبس دار الإمام(عليه السلام)، ويقابله بالشدة والصرامة ، ويتخذ معه جميع الاجراءات الحاسمة ، فأصدر أوامره إلى عمر بكبس داره ،
وحمله على البيعة قسراً .
فراح عمر يشتدّ ومعه الشرطة والجنود ، وقد رأى أنّ خير وسيلة لحمل الإمام على الطاعة أن يحرق داره ، ويشعل فيها النّار ، فحمل مشعلاً من النّار ، وحمل القوم حزمة الحطب وانطلقوا مسرعين يعلوهم الغضب ليحرقوا البيت الذي أذن الله أن يُرفع ويُذكر فيه اسمه ! البيت الذي أذهب الله عن أهله الرجس وطهرهم تطهيراً !! وهجم عمر على الدار وهو مغيظ محنق يصيح بأعلى صوته : « والذي نفس عمر بيده، ليخرجن أو لأحرقنها على مَن فيها ؟» (1) .
فعذلته طائفة ، وحذرته من عقوبة الله قائلة : «إنّ فيها فاطمة » .
فصاح فيها غير مكترث ولا مبال :«وإن ! وإن ! » .
وطالعتهم حبيبة الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)ويضعته ، وقد علاها الرعب ، واستولى عليها الذهول، فوجهت إليهم لاذع القول : لَا عَهْدَ لي بِقَوْمٍ حَضَرُوا أَسْوَأَ مَحْضَرِ مِنْكُمْ ، تَرَكْتُمْ رَسولَ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم)جَنازَةٌ بَيْنَ أَيْدِينَا ، وَقَطَعْتُمْ أَمْرَكُمْ بَيْنَكُمْ ، لَمْ تَسْتَأْمِرُونَا ، وَلَمْ تَرُدُّوا لَنا حقاً.
وتبدد جبروت القوم ، وذاب عنفهم ، وأسرع عمر إلى أبي بكر يحفزه على
(1) إنّ تهديد عمر الأمير المؤمنين(عليه السلام)بحرق داره إن لم يبايع ثبت بالنصوص المتواترة ، ودونه أغلب المؤرّخون ، فقد ذكرت في : الإمامة والسياسة : 1 : 12 - 13 . شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 6: 21 تاريخ الأمم والملوك : 3 : 202 البداية والنهاية : 1: 156 . تاريخ اليعقوبي : 2 : 105 أعلام النساء : 3 : 1205 . الأموال / أبو عبيد : 131. مروج الذهب : 1 : 414 . أنساب الأشراف / البلاذري : 1 : 213 و : 4 : 171 .
ونظمها شاعر النيل حافظ إبراهيم فقال :
وَقَولةٍ لِعَلِيٌّ قالَها عُمَرٌ*** أَكْرِمْ بِسَامِعِها أَعْظِمْ بِمُلْقِيها
حَرَّقْتُ دارَكَ لا أَبْقي عَلَيْكَ بِها*** إِنْ لَمْ تُبايِعُ وَبِنتُ الْمُصْطَفَى فيها
ما كانَ غَيرَ أَبي حَفْصٍ بِقائِلها*** أمامَ فارِسِ عَدنانِ وَحاميها
الأم الحسن على الجزء العاشرة
المضي في حمل الإمام على البيعة قائلاً: ألا تأخذ هذا المتخلف عنك بالبيعة ؟ !
فأرسل أبو بكر قنفذاً خلف الإمام ، فأبى(عليه السلام) من الحضور ، فانطلق عمر ومعه معاونوه إلى بيت الإمام فقرع الباب ، واقتحم على الأسد عرينه ، فانطلقت بضعة الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)وهي تهتف بأبيها وتستغيث به قائلة : يا أَبَتِ ، يا رَسولَ اللهِ ، ماذا لَقِيْنا بَعْدَكَ مِن أبِنِ الْخَطَابِ وَابْنِ أَبِي قُحَافَةَ ! ؟
وتصدّعت القلوب ، وذابت النفوس من هول المصاب، وانصرف القوم باكين، ويقي ابن الخطاب ومعه حزبه ، وبدا عليه الحنق والغضب ، ولم يجد معه تعنيف بضعة الرسول ، فأخرج أمير المؤمنين(عليه السلام) بعنف وانطلق به إلى أبي بكر ، فقال له : بايع .
فبادر القوم ، وقد أضلّهم الهوى قائلين له : والله الذي لا إله إلا هو ، نضرب عنقك . فصمت لالالا برهة ، ونظر إلى القوم ، فإذا ليس له معين ولا ناصر ، فقال بصوت حزين النبرات : إذَنْ تَقْتُلُونَ عَبْداً اللهِ وَأَخا رَسُوله .
واندفع ابن الخطاب ، وهو مندلع الثورة، فردّ على الإمام : أما عبد الله فنعم ، وأما أخو رسوله فلا !!
وتناسى عمر أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام)أخو النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، ونفسه ، وباب مدينة علمه ، والتفت إلى أبي بكر يحثه على الايقاع به ، قائلاً: ألا تأمر فيه بأمرك ؟
وحاذر أبو بكر من الفتنة، وخاف أن تندلع نيران الثورة ، فقال : لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جانبه . وأطلقوا سراح الإمام فراح يهرول إلى قبر النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)يستنجد به ويناجيه ، وهو يبكي أمر البكاء رافعاً صوته : يابْنَ أُمَّ ، إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفوني وَكادوا يَقْتُلُونَني (1).
1) إشارة إلى قوله تعالى :ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي الأعراف 7: 150.
لقد استضعفه القوم واستوحدوه ، واستباحوا حرمته ، وقفل (عليه السلام) إلى البيت قد أحاط راجعاً ، وهو كئيب حزين بهم الهم والأسى ، واتضح له ما يكنّه القوم في نفوسهم من الحقد والكراهية له.
ولما فتحت الجيوش الإسلامية حصون خيبر قذف الله الهلع والرعب في قلوب أهالي فدك ، وخيّم عليهم الذعر والخوف ، فهرعوا إلى رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) ونزلوا على حكمه ، وصالحوه على نصف أراضيهم ، فكانت ملكاً خالصاً له ؛ لأنّ المسلمين لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب . ولما أنزل الله تعالى على نبيه قوله : وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ(1)بادر(صلی الله علیه وآله وسلم) فأنحل فاطمة فدكاً، ووضعت يدها عليها، وتصرّفت فيها تصرّف الملاك في أملاكهم ، وبعد وفاته(صلی الله علیه وآله وسلم) اقتضت سياسة أبي بكر أن يصادرها وينتزعها من يد الزهراء(عليها السلام)لئلا تقوى شوكة الإمام ، ويغلب جانبه ، وهو بذلك قد شنّ حرباً اقتصادية باعثه فيها إضعاف الروح المعارضة ، وشل الحركة المعادية له ، وهذا ما عليه الدول قديماً وحديثاً أمام خصومها .
وقد مال إلى هذا الرأي علي بن مهنّا العلوي ، قال : « ما قصد أبو بكر وعمر بمنع فاطمة عنها - أي عن فدك - إلا أن لا يقوى عليّ بحاصلها وغلّتها على المنازعة في الخلافة» (2)
وبعد ما استولى أبو بكر على فدك ، وأخرج منها عامل الزهراء ، انبرت سلام الله عليها إليه فطالبته بردّها ، فما أجابها إلى ذلك ، وطلب منها إقامة البيّنة على صدق
دعواها ، وهو من الغرابة بمكان - أولاً- إن ذلك لا ينطبق بحال على ما قرّر في الفقه الإسلامي من أن صاحب اليد لا يطالب بالبينة ، وإنّما البيّنة على المدعي ، ومع عدم وجودها فلاحق له إلا اليمين على المنكر، والزهراء سلام الله عليها هي صاحبة اليد ، فلا تطالب بالبينة ، وإنما يطالب بها أبو بكر ، ومع عدم وجودها عنده فلاحق له سوى اليمين عليها ، ولكنّه أهمل ذلك وصمم على أن تقيم البينة .
وثانياً : إنّ فاطمة سيّدة نساء هذه الأمة ، وخير نساء العالمين، على حدّ تعبير أبيها رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، وأجمع المسلمون على أنها ممن أنزل الله فيهم آية التطهير ،وهي تدلّ على طهارة ذيلها وعصمتها ، وهي أصدق الناس لهجة حسب قول عائشة (1)، أفلا يكفي ذلك كله في تصديقها وإجابة قولها ؟
وعلى أي حال، فقد مضت ريحانة الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) فأحضرت أمير المؤمنين(عليه السلام)وأمّ أيمن ، فشهدا عنده أنّ رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)أنحلها فدكاً ، فردّ الشهادة واعتذر بأنّ البيّنة لم تتمّ ، وهذا لا يخلو أيضاً من المؤاخذات :
أوّلاً : إنّه لا يتّفق مع القواعد الفقهية ، فإنّها صريحة في أن الدعوى إذا كانت على مال ، أو كان المقصود منها المال ، فإنّها تثبت بشاهد ويمين، فإن أقام المدعي شاهداً واحداً ، فإنّ على الحاكم أن يحلفه بدلاً من الشاهد الثاني ، فإن حلف أعطاه الحق ، وإن نكل ردّ الدعوى، ولم يطبق ذلك أبو بكر ، فألغى الشهادة وردّ الدعوى.
وثانياً : إنّه ردّ شهادة أمير المؤمنين(عليه السلام) ، وهو مع القرآن والقرآن معه لا يفترقان، كما قال رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)(2)
وثالثاً : إنّه ردّ شهادة السيدة الصالحة أم أيمن ، وقد شهد رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) بأنّها
من أهل الجنة (1).
وخرجت سيّدة النساء من عند أبي بكر وهي تتعثّر بأذيالها من الخيبة ، قد انهد كيانها ، وألمّ بها الشجا والحزن .
يقول الإمام شرف الدين نضّر الله مثواه : فليته أي أبا بكر - اتقى فشل الزهراء في مواقفها بكل ما لديه من سبل الحكمة ، ولو فعل ذلك لكان أحمد في العقبى ،وأبعد عن مظان الندم ، وأنأى عن مواقف اللوم ، وأجمع لشمل الأمة ، وأصلح له بالخصوص.
وقد كان في وسعه أن يربا بوديعة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وحيدته عن الخيبة ويحفظها عن أن تنقلب عنه ، وهي تتعثر بأذيالها ، وماذا عليه إذا احتل محل أبيها لو سلّمها فدكاً من غير محاكمة ، فإنّ للإمام أن يفعل ذلك بولايته العامة ، وما قيمة فدك في سبيل هذه المصلحة ، ودفع هذه المفسدة »(2)
إن أبا بكر لم يصنع الجميل ، ولم يفعل المعروف مع بضعة الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)، فقد كان بوسعه أن يقرّ يدها على فدك ، ولا يستعمل معها اللف والدوران ، ولا يواجهها بمثل هذه القسوة والجفوة، ولكن الأمر كما حكاه علي بن عيسى الفارقي أحد أعلام بغداد ومن المدرّسين في مدرستها الغربية، وأحد شيوخ ابن أبي الحديد ، فقد سأله : أكانت فاطمة صادقة في دعواها النحلة ؟
نعم .
فلم لم يدفع لها أبو بكر فدكاً وهي عنده صادقة ؟
قال ابن أبي الحديد : فتبسم ، ثم قال كلاماً لطيفاً مستحسناً مع ناموسه وحرمته
وقلة دعابته ، قال : لو أعطاها اليوم فدكاً بمجرد دعواها لجاءت إليه غداً وادعت لزوجها الخلافة، وزحزحته عن مقامه ، ولم يكن يمكنه الاعتذار والموافقة بشيء ؛ لأنّه يكون قد أسجل على نفسه أنّها صادقة فيما تدعى كائناً ما كان ، من غير حاجة إلى بيّنة ولا شهود(1)
نعم ، لهذه الجهة أجمع القوم على هضمها ، وسلب تراثها، واستباحوا ردّ شهادة أمير المؤمنين(عليه السلام)، وتركوا عترة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) يتقطّعون حسرات ، ويتصعدون زفرات قد خيّم عليهم الهم والغم ، وأخذهم من الحزن ما يذيب لفائف القلوب ومن الوجل ما تميد به الجبال .
وندم أبو بكر أشد الندم على ما فرط مع بضعة الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)، وأخذ يؤنبه ضميره على ما صدر منه من كبس دارها ، وحمل مشاعل النار لإحراقها ، فقال : وددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة ، ولو أنهم أغلقوه على الحرب(2).
وجزع جزعاً شديداً على ما ارتكبه مع وديعة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) ، فانطلق مع صاحبه عمر إلى بيتها ليطيّبا خاطرها، ويفوزا برضاها ، فاستأذنا عليها ، فأبت أن تأذن لهما ، ثم استأذنا ثانياً فأبت ، فسارا إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) ، وطلبا منه أن يمنحهما الإذن لمقابلة وديعة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم).
فانطلق(عليه السلام)إلى الدار فالتمس من سيّدة النساء أن تأذن لهما ، فأجابته إلى ذلك ، فأذن(عليه السلام)لهما ، ودخلا فسلّما عليها ، فلم تجبهما ، وتقدّما فجلسا أمامها ، فأدارت وجهها عنهما ، وراحا يلحان أن تسمع مقالتهما ، فأذنت لهما في ذلك .
فقال أبو بكر : يا حبيبة رسول الله ، والله إن قرابة رسول الله أحب إلي من قرابتي ، وإنك لأحب إلى من عائشة ابنتي ، ولوددت يوم مات أبوك أنى من ولا أبقى بعده ..
أفتراني أعرفك وأعرف فضلك وشرفك وامنعك حقك وميراثك من رسول الله ؟ إلّا أنّي سمعت رسول الله يقول : لا نورث ، ما تركناه فهو صدقة.
وقد فندت روايته بضعة الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) بما أقامته في خطابها الكبير ، من أوثق الأدلة على بطلان قوله ، ومساواة النبي لعموم المسلمين في الميراث ، والتفتت سلام الله عليها إلى أبي بكر وقد أشركت عمر معه في خطابها قائلة : نَشَدْتُكُما الله ، أَلَمْ تَسْمَعا رَسولَ اللهِ يَقولُ : رِضا فاطِمَةَ مِنْ رِضايَ ، وَسَخَطُ فَاطِمَةَ مِنْ سَخَطي ، فَمَنْ أَحَبَّ فَاطِمَةَ ابْنَتِي فَقَدْ أَحَبَّنِي ، وَمَنْ أَرْضى فَاطِمَةَ فَقَدْ أَرْضَانِي ، وَمَنْ أَسْخَطَ فَاطِمَةَ فَقَدْ أَسْخَطَني ؟
فأجابا بالتصديق قائلين : أجل ، سمعناه يقول ذلك .
فرفعت كفّيها إلى السماء وراحت تقول بفؤاد مكلوم : فإِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ أَنكُما أَسْخَطْتُمَانِي وَمَا أَرْضَيْتُمَانِي ، وَلَئِنْ لَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ لَأَشْكُوَنَّكُما إِلَيْهِ !
وانطلق أبو بكر يبكي ، فقالت له : وَاللَّهِ لأَدْعُوَنَّ عَلَيْكَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ أَصَلِّيها (1)
«فما كان أشدّها كلمات أخف من وقعها ضربات السيف ! مادت الأرض تحتهما ، ودارت كالرحى حتى سارا من هول ما لقيا يترنّحان . وغادرا الدار وقد خبا أملهما في رضا زهراء الرسول ، وعلما مدى الغضب الذي أثاراه عليهما في قلبها، ومدى السخط الذي باءا به »(2)
وحقاً لأبي بكر أن يبكي ويحزن من غضب سيدة النساء عليه ، فقد قال رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) : « إِنَّ اللهَ يَغْضَبُ لِغَضَبِكِ ، وَيَرْضَى لِرِضَاكِ»(1).
لقد ضاقت الدنيا على أبي بكر، ولاذ بدموعه ليخفف بها آلامه وأحزانه ، فقد فاته رضاء بضعة الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) الذي هو من رضاء الله .
كل هذه الحوادث كانت بمرأى من الإمام الحسن(عليه السلام)ومسمع ، فكان لها الأثر في موطن شعوره فقد جعلته واجداً على من تقمص حق أبيه ، وناقماً على من احتل مركزه .
وطافت بوديعة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)موجات من الهموم والأحزان ، وغشيتها سحب من الكدر واللوعة على ضياع حقها ، وعلى فقد أبيها ، فقد حدّثوا أنها لم تُر ضاحكة ، ولا داخلها السرور بعده حتى لحقت به ، فكانت لا تفكّر إلا به ، ولا تذكر اسمه إلا مقروناً بالتفجّع والآلام .
وكانت تزور قبره الطاهر فتطوف به وهي حيرى ، فتبل أديمه المقدس بدموع سخيّة ، وتلقي بنفسها على القبر وهي ذاهلة اللبّ ، مصدوعة الجسم ، منهدة الكيان ، فتأخذ من ثرى القبر قبضة فتضعها على عينيها ووجهها ، وتطيل من شمّها وتقبيلها ، وهي تبكي أمر البكاء ، وترفع صوتها الحزين النبرات قائلة :
مَاذَا عَلَى مَنْ شَمَّ تُرْبَةَ أَحْمَدٍ*** أَنْ لَا يَشَمَّ مَدَى الزَّمَانِ غَوَالِيا
1) مستدرك الحاكم : 3: 153 . أسد الغابة : 5 522. تهذيب التهذيب : 12: 441 . میزان الاعتدال : 2 : 72 کنز العمال : 6: 219 ذخائر العقبی : 39. مقتل الحسين(عليه السلام)/ الخوارزمي : 52:1 .
صُبَّتْ عَلَى مَصَائِبٌ لَوْ أَنَّهَا*** صُبَّتْ عَلَى الْأَيَّامِ صِرْنَ لَيَالِيا (1)
وذكر ابن شهرآشوب في مناقب آل أبي طالب : 1 : 208 زيادة على هذين البيتين ، وهي :
قُلْ لِلْمُغَيِّبِ تَحْتَ أَطْباقِ الثَّرِى ***إِنْ كُنْتَ تَسْمَعُ صَرْخَتِي وَيَدَائِيَا
قَدْ كُنْتُ ذَاتَ حِمَى بِظِلٍّ مُحَمَّدٍ*** لَا أَخْشَ مِنْ ضَيْم وَكَانَ جَمَالِيَا
فَالْيَوْمَ أَخْضَعُ لِلْذَلِيلِ وَأَتَّقِي*** ضَيْمِي وَأَدْفَعُ ظَالِمِي بِرِدَائِيَا
فَإِذَا بَكَتْ قُمْرِيَّةٌ فِي لَيْلِهَا*** شَجَنَا عَلَى غُصْنٍ بَكَيْتُ صَبَاحِيَا
فَلَأَجْعَلَنَّ الْحُزْنَ بَعْدَكَ مُونِسِي*** وَلَأَجْعَلَنَّ الدِّمْعَ فِيكَ وِشَاحِيَا
ينظر الحسن(عليه السلام)إلى هذا الحزن البهيم الذي حلّ بأمه الرؤوم فينصدع قلبه ، ويذرف من الدموع مهما ساعدته الجفون ، يرى الحسن(عليه السلام)وهو في غضون الصبا لوعة المصائب التي دهت أمه الحنون حتى وهت قوتها ، ولوّن الأسى وجهها كأنّها صورة جثمان قد فارقته الحياة، فيغرق في الدموع والشؤون .
أي حزن هذا الذي حل بابنة الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)وريحانته ، حتّى ضربوا بها المثل في الحزن ، وعدّوها من البكائين الخمسة (2)الذين مثلوا الحزن والأسى على مسرح الحياة ؟
وبلغ من عظيم حزنها أنّ أنس بن مالك استأذن عليها ليعزّيها بمصابها الجليل ، فأذنت له ، وكان ممن وسد رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) في مقره الأخير ، فقالت : أَنَسُ بْنُ مَالِكِ .
قال : نعم ، يا بنت رسول الله .
فقدمت له سؤالاً مقروناً بالتفجع والآلام : «كَيْفَ َطابَتْ نُفُوسُكُمْ أَنْ تَحْتُوا التُرابَ عَلى رَسُولِ اللهِ »؟
وخرج أنس وقلبه كاد أن يقضي حسرة ، قد علا صوته بالبكاء ، وكانت سلام الله عليها تطالب أمير المؤمنين(عليه السلام) بالقميص الذي غسل فيه رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، فإذا رأته شمّته ووضعته على عينيها ، ويذوب قلبها من ألم الحزن حتّى يغشى عليها .
وهكذا بقيت بضعة الرسول بعد أبيها قد أضناها الحزن ، وزاد في أحزانها جحد القوم حقها وسلبهم لتراثها ، وبقى الحسن(عليه السلام)يشاهد ما منيت به أُمّه من الكوارث والخطوب ، وهو مصدوع الجسم ، قد ذبلت نضارة صباه ، لا يعرف في نهاره إلا شجرة الأراك حيث يمضي مع أمه ليساعدها في النوح ، ويخفف عنها اللوعة والحسرة ، ويستمر معها طيلة النهار في حزن وكمد ، فإذا أوشكت الشمس أن تغرب و
تقدّمها مع أبيه وأخيه قافلين إلى الدار فيجد الوحشة والهم قد خيّما عليها .
وقلع القوم الشجرة التي كانت تستظل بها ، فكانت تبكي مع ولديها في حرّ الشمس ، فقام أمير المؤمنين(عليه السلام) فبنى لها بيتاً أسماه بيت الأحزان ، فكانت تجلس فيه وتبكي على أبيها وتناجيه وتبثّه الشكوى .
وأحاطت بها الآلام، وفتكت بها الأمراض ، فلازمت الفراش ، ولم تتمكن من النهوض والقيام ، وبادرت نساء المسلمين يعدنها، فقلن لها : كيف أصبحتِ من علتك يابنت رسول الله ؟
فرمقتهنّ بطرفها ، وأعربت لهنّ عمّا تكنّه في نفسها من الأسى قائلة : أَجِدُني كارِهَةٌ لِدُنْيا كُنَّ ، مَسْرُورَةً لِفِراقِكُنَّ ، أَلْقَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ بِحَسراتٍ مِنْكُنَّ ، فَما حُفِظَ لِيَ الْحَقُّ ، وَلَا رُعِيَتْ مِنِّي الذَّمَةُ ، وَلَا قُبِلَتِ الْوَصِيَّةُ ، وَلَا عُرِفَتِ الْحُرْمَةُ» (1)
وعادها بعض نساء النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) فقلن لها : يا بنت رسول الله ، صيري لنا في حضور غسلك حظاً ؟
فأبت وقالت : أَتُرِدْنَ أَنْ تَقُلْنَ فِيَّ كَما قُلْتُنَّ في أُمِّي ، لَا حَاجَةَ لي في حُضورِكُنَّ .
1) تاريخ اليعقوبي : 2 : 95 .
وبرح المرض بابنة الرسول ، وأنهك الحزن جسمها النحيل ، وأضرّ الأسى بقلبها الرقيق المعذب ، حتّى مشى إليها الموت وهي في فجر الصبا وروعة الشباب . فوالهفتاه على حبيبة النبي وريحانته ، لقد دنا إليها الموت سريعاً ، وحان موعد اللقاء بينها وبين أبيها الذي اشتاقت إليه وتطلبت لقياه بفارغ الصبر .
ولما علمت بدنو الأجل المحتوم منها استدعت أمير المؤمنين لا فأوصته بوصيّتها ، وأهم ما فيها أن يواري جثمانها في غلس الليل البهيم ، وأن لا يصلّي عليها ، ولا يقوم على قبرها أحد من الذين ظلموها وجحدوا حقها لأنّهم أعداؤها وأعداء أبيها - على حد تعبيرها - وانصرف الإمام وهو غارق في البكاء ، قد استجاب لأحاسيس نفسه الولهى التي لم يترك الزمن فيها فراغاً لغير الأسى والحزن .
وأحبّت أن يصنع لها نعش يواري جثمانها المقدّس ، لأن الناس كانوا يضعون الميت على سرير تبدو فيه جثّته ، فكرهت ذلك ، وما أحبت أن ينظر إليها أحد ، فاستدعت أسماء بنت عميس(1)
فقال(صلی الله علیه وآله وسلم) : بَلْ لَكُمْ هِجْرَتانِ : هَاجَرْتُمْ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ وَنَحْنُ مُرْهِنُونَ بِمَكَّةَ، ثُمَّ هاجَرْتُمْ بَعْدَ ذلِك.
روت عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) ستين حديثاً ، وكان عمر بن الخطاب يسألها عن تفسير المنام ، وفرض لها ألف درهم ، ولما استشهد زوجها تزوجها أبو بكر ، فولدت له الطيب محمد ، ولما مات أبو بكر تزوجها أمير المؤمنين(عليه السلام)، وهي أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، وأخت أمّ الفضل زوج العبّاس .
ترجمت في : أسد الغابة : 5: 395 تهذيب التهذيب : 12 : 349. الاستيعاب : 4 : 1784 . الأعلام : 1 : 306 ، وغيرها .
وأخبرتها بما ترومه ، فعملت لها سريراً يستر من1) أسماء بنت عميس بن سعيد بن الحارث الخثعمي : أمها هند بنت عوف بن زهير من كنانة ، أسلمت قبل دخول رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)دار الأرقم بمكة ، وبايعت وهاجرت إلى أرض الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب ، وقالت : يا رسول الله ، إن رجالاً يفخرون علينا أن لسنا من المهاجرين الأولين.
فيه قد شاهدته يوم كانت في الحبشة ، فلما نظرت إليه تبسمت وهي أول ابتسامة شوهدت لها بعد وفاة أبيها(1).
وفي اليوم الأخير من حياتها كانت فرحة مسرورة لعلمها باللحاق بأبيها الذي بشِّرها أنها تكون أوّل أهل بيته لحوقاً به، وعمدت لولديها فغسلتهما ، وأمرتهما بالخروج لزيارة قبر جدّهما ، فخرجا وهما يفكران في الأمر ، هل أن أمهما قد أنهكتها العلة ، وأضرّ الداء بها حتى لا تستطيع أن تمضي إلى بيت الأحزان الذي ألفته ؟ ! أو أنّها تريد أن تبكي في هذا اليوم في ثويها ؟! كيف البكاء وشيوخ المدينة قد
منعوها من البكاء ؟ !
وغرقا في بحر من الهموم وتيار من الهواجس .
والتفتت إلى سلمى بنت عميس(2)
أخت أسماء ، وهي إحدى الأخوات اللاتي قال فيهنّ رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم):« الْأَخَواتُ مُؤْمِناتٌ»، وهي زوج حمزة بن عبدالمطلب . أسد الغابة : 5: 479 .
، وكانت تتولى خدمتها وتمريضها ، فقالت لها : يا أُمّاهُ .قالت : نعم يا حبيبة رسول الله
قالت : اسْكُبِي لِي غُسْلاً.
فانبرت وأتت لها بما طلبته من الماء ، فاغتسلت فيه ، وهي على أحسن ما تكون ، وقالت لها : ايتيْنِي بِثِيَابِي الْجُدُدِ.
فناولتها ثيابها ، وهتفت بها ثانية : اجْعَلِي فِراشِي وَسَطَ الْبَيْتِ .
فذهلت المرأة ، وقامت تتعثّر بأذيالها ، فصنعت لها ذلك ، فاضطجعت على فراشها ، واستقبلت القبلة والتفتت إلى سلمى قائلة : يا أُمَاهُ ، إِنِّي مَقْبُوضَةٌ الْآنَ وَقَدْ تَطَهَّرْتُ ، فَلَا يَكْشِفْنِي أَحَدٌ(1).
وقبضت في وقتها ، وقد انطوت في ذلك اليوم الخالد في دنيا الأحزان أروع صفحة من صفحات الفضيلة والطهر والعفاف ، وانقطع بموتها آخر من كان في دنيا الوجود من نسل رسول الله.
وقفل الحسنان راجعين إلى الدار ، فنظرا فإذا ليس فيها أمهم ، فبادرا إلى سلمى فقالا : سَلْمَى أَيْنَ أُمُّنا ؟
فبادرت إليهما ، وقد أحاطت بها رعشة الذهول والارتباك ، وغامت عيناها بالدموع ، فقالت : يا سيدي ، إن أمكما قد ماتت ، فأخبرا بذلك أباكما .
وأشرفا على الموت بهذا النبأ المريع ، فبادرا إلى المسجد ، وقد علا منهما البكاء ، فاستقبلهما المسلمون قائلين : ما يبكيكما يا ابني رسول الله ؟ لعلّكما نظرتما إلى موقف جد كما فبكيتما شوقاً إليه ؟
فأجابا بصوت مشفوع بالأسى والعبرات : أَوَلَيْسَ قَدْ مَانَتْ أُمُّنا فاطِمَةُ.
وسلبا شعور المسلمين بهذا النبأ المؤلم ، وتركا الألم يحز في قلوبهم لأنهم فقدوا بضعة نبيهم ، وأعز أبنائه وبناته عنده ، وهم لم يحفظوا مكانتها ، ولم يؤدوا حقّها ، وهرعوا من كل جانب إلى دار الإمام ليفوزوا بتشييع بقيّة النبوة ، القديسة الطاهرة ، واز د حموا على بيت الإمام ، وقد علاهم الندم والأسى على عدم قيامهم بمراعاة
1) الطبقات الكبرى : 8: 17 وفي مسند أحمد بن حنبل : 6: 461 وذخائر العقبي : 53 : « إن التي شهدت وفاة الصدّيقة هي أمّ سلمة لا سلمى بنت عميس ».
بضعة نبيّهم الله(صلی الله علیه وآله وسلم) الذي برّ بدينهم ودنياهم .
وأمر الإمام سلمان الفارسي أن يصرف الناس ، فخرج سلمان وصرفهم ، وأقبلت عائشة فأرادت الدخول إلى بيت الإمام ، فمنعتها أسماء وقالت لها : لقد عهدت إليَّ فاطمة أن لا يدخل عليها أحد(1).
وقام الإمام الثاكل الحزين فغسل الجسد الطاهر ، وطيبه بالحنوط ، وأدرجه في الأكفان ، ودعا بأطفالها الذين لم ينتهلوا من حنان أمهم ، فألقوا عليها نظرة الوداع ، وقد علا منهم الصراخ والعويل ، وبعد الفراغ من ذلك انتظر الهزيع الأخير من الليل . فلمّا حلّ خرج مع حفنة من الرجال وهم يحملون الجثمان المقدّس إلى مقره الأخير ، ولم يخبر أمير المؤمنين لا أحداً من الناس سوى الصفوة من أصحابه تنفيذاً لوصيتها(2)
ويوجد هذا الحديث في : مسند أحمد بن حنبل : 1: 6 و 9. صحيح مسلم : 2: 72.
تاريخ الأمم والملوك : 3 : 202 . السنن الكبرى : 6 300.
وذكره ابن كثير في تاريخه : 5 : 285 ، وقال في : 6: 333 : « لم تزل فاطمة تبغضه مدة حياتها » .
وفي السيرة الحلبية : 3 : 390 ، قال الواقدي : « ثبت عندنا أن علياً كرم الله وجهه دفنها رضي الله عنها وصلّى عليها ، ومعه العبّاس والفضل ولم يُعلموا بها أحداً».
، وحفر لها قبراً في البقيع على ما قيل(3)، ووسّدها فيه ، وأهال عليها التراب .ولما انصرف من كان معه من المشيعين وقف على حافة القبر ونار الحزن قد
1) أسد الغابة : 5 : 524 . كنز العمال: 7: 113 .
2) مستدرك الحاكم : 3 : 162 ، وفيه : « عن عائشة ، قالت : دفنت فاطمة بنت رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) ليلاً، ودفنها علي الله ولم يشعر أبو بكر حتى دفنت وصلى عليها عليّ ».
3) بحار الأنوار: 30 : 349 ، وجاء فيه : « أنّ ابن بابويه يذهب إلى أنّها دفنت في بيتها » ، وذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي إلى أنّها دفنت إما في دارها أو في الروضة .
لسعت قلبه ، فجعل يناجي الرسول ، ويؤبن زهراءه بكلمات تنمّ عن قلب أفعم بالآلام والحسرات .
«السَّلَامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللهِ عَنِّي ، وَعَنِ ابْنَتِكَ النَّازِلَةِ فِي جِوارِكَ ، السَّرِيعَةِ اللحاقِ بِكَ .
قَلَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَنْ صَفِيَّتِكَ صَبْرِي ، وَرَةً عَنْها تَجَلُّدِي ، إِلَّا أَنَّ فِي التّاسّی لِي بِعَظِيمٍ فُرْقَتِكَ، وَفادح مُصِيبَتِكَ، مَوْضِعَ تَعَةٌ، فَلَقَدْ وَسَدْتُكَ فِي مَلْحُودَةِ قَبْرِكَ ، وَفَاضَتْ بَيْنَ نَحْرِي وَصَدْرِي نَفْسُكَ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ».
لَقَدْ اسْتُرْجِعَتِ الْوَدِيعَةُ، وَأُخِذَتِ الرَّهِينَةُ! أَمَا حُزْنِي فَسَرْمَدٌ، وَأَمَا لَيْلِي فَمُسْهَدٌ(1)إِلَى أَنْ يَخْتارَ اللَّهُ لِي دَارَكَ الَّتِي أَنْتَ بِها مُقِيمٌ. وَسَتُنَبِّئُكَ
ابْنَتُكَ بِتَظافُرٍ أُمَّتِكَ عَلَى هَضْمِها ، فَأَحْفِهَا السُّؤَالَ(2)، وَاسْتَخْبِرْهَا الْحَالَ؛ هَذَا وَلَمْ يَطْلِ الْعَهْدُ ، وَلَمْ يَخْلُ مِنْكَ الذِّكْرُ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُما سَلَامَ مُوَدِّعِ ، لا قال(3)وَلَا سَئْمٍ(4)، فَإِنْ أَنْصَرِفْ فَلَا عَنْ مَلَالَةٍ ، وَإِنْ أُقِمْ فَلَا عَنْ سُوءِ ظَنِّ بِمَا وَعَدَ اللهُ الصّابِرِينَ» (5)
وفي مستدرك الحاكم : 3 162 : «أنها توفيت بعد وفاة أبيها بثمانية أشهر ، وقيل : لم تمكث إلا شهرين، وكان عمرها الشريف إحدى وعشرين سنة » .
وفي بحار الأنوار : 43: 7 ، الحديث 10 : « أنها توفيت بعد أبيها بخمسة وسبعين يوماً ، وقيل : بأربعين يوماً ، وكان عمرها ثماني عشرة سنة وشهرين» ، نقله عن السيد المرتضى علم الهدى ، وذكر أقوالاً آخر.
.1) الليل المسهَد : الذي ينقضي بالسهر.
2) الاحفاء بالسؤال : الاستقصاء ، ويطلب سلام الله عليه من النبي أن يُكثر من سؤال بضعته لتخبره بما جرى عليها من الخطوب والكوارث والآلام التي تجرعتها من صحابته .
3) القالي : المبغض.
4) السئم : مأخوذ من السامة ، وهي ملال الشيء .
5) نهج البلاغة : 2 : 207 و 208. واختلف في تاريخ وفاتها ، ففي الطبقات الكبرى : 8 18: «أنها توفيت بعد وفاة أبيها(صلی الله علیه وآله وسلم) بثلاثة أشهر ، وكان عمرها يوم وفاتها عشرين سنة .
وأعلن الإمام(عليه السلام) بهذه المناجاة الحزينة عن تظافر الأمة على هضم وديعة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) في الوقت الذي لم يطل فيه غيابه ، ولم ينقطع ذكره ، ويطلب منه أن يستقصي في السؤال من بضعته لتخبره بما جرى عليها بعده من الشؤون والشجون ، وتعرّفه بما لاقته من الظلم والأذى والاضطهاد.
يصغي الإمام الحسن(عليه السلام) إلى هذه المناجاة الحزينة من أبيه فتلم به آلام مبرحة ، ويحف به حزن مرهق ، وتضاعف حزنه وشجاه حينما رأى أعزّ ما في الحياة عنده، أمّه الرؤوم قد عاشت في هذه الدنيا وعمرها كعمر الزهور ، وفاجأها الموت وهي في شبابها الغضّ الاهاب ، وقد حملت على الآلة الحدباء في غلس الليل البهيم ولم يحضر أحد من المسلمين تشييعها عدا نفر قليل ، وهي بضعة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)وريحانته ، ووديعته في أمته ، وأعزّ من أحب من أبنائه وبناته ، وقد ذاق من هذه الكوارث وهو في دوره الباكر مرارة الحياة ، وصار قلبه موطناً للهموم ، ومركزاً للأحزان والشجون .
وانصرف أمير المؤمنين(عليه السلام) بعد أن ودّع بضعة الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)في الثرى ، وهو يبكي أمر البكاء ، وعاد إلى البيت وهو كئيب حزين ، ينظر إلى أطفاله وهم يندبون أمّهم ، ويبكون على فادح المصاب، فتهيج أحزانه ، وتزداد آلامه ، ويشاهد حقه وتراثه ،
فيرى الرجال قد تناهبوه ، فتلمّ به الكوارث والخطوب، فآثر(عليه السلام) العزلة ، وأحبّ الخلود إلى السكون في داره، وقد اعتزل(عليه السلام) عن الناس ، فصار جليس بيته ، لا يجتمع بالناس ولا يجتمعون به ، قد أعرض عن القوم ، وأعرضوا عنه ، لا يراجعهم ولا يراجعونه ، ولا يشاركونه في جميع الأمور ، اللهم إلا إذا حلّت في ناديهم مشكلة لا يعرفون جوابها ، ولا يهتدون لحلّها ، فزعوا إليه ليكشف لهم الستار عنها .
وكان اللا تارة يتولّى جواب ذلك بنفسه ، وأخرى يحيله إلى ولده الحسن(عليه السلام)للتدليل على فضله ومواهبه ، فمن ذلك ما حدث به الرواة أن أعرابيّاً سأل أبا بكر فقال له : إنّي أصبت بيض نعام فشويته وأكلته وأنا محرم ، فما يجب عليَّ ؟
فتحيّر أبو بكر ولم يطق جواباً، وأحال الجواب إلى عمر، فتحيّر أيضاً، وأحال الجواب إلى عبد الرحمن فعجز عنه ، وفزعوا جميعاً إلى باب مدينة علم النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) ليهديهم إلى الجواب ، ووجّه إليه الأعرابي السؤال السالف ، فقال : سَلْ أَيَّ الْغُلامَيْن شِئْتَ ، وأشار إلى الحسن والحسين (عليهم السلام).
ووجّه الأعرابي سؤاله إلى الإمام الحسن ، فقال (عليه السلام) له : أَلَكَ إِبل ؟
قال : نعم .
قال : فَاعْمَدْ إِلَى مَا أَكَلْتَ مِنَ الْبَيْضِ نُوقاً فَاضْرِبْهُنَّ فِي الْفُحولِ ، فَما يَنْتِجُ مِنْهَا اهْدِهِ إلى بَيْتِ اللَّهِ الْعَتِيقِ الَّذِي حَجَجْتَ إِلَيْهِ .
والتفت إليه أمير المؤمنين(عليه السلام) : يا بُنَيَّ ، إِنَّ مِنَ النُّوقِ السَّلوبَ(1)، وَما يَزْلُقُ (2).
فأجابه الحسن(عليه السلام) عن إشكاله : يا أَبَةٍ ، إنْ يَكُنْ مِنَ النُّوقِ السَّلوبُ وَما يَزْلُقُ ،
فَإِنَّ مِنَ الْبَيْضِ ما يَمْرُقُ (1).
وكان جوابه(عليه السلام) على وفق ما قرّر في الفقه الإسلامي في كفارة الإحرام ، واستحسن أمير المؤمنين لا جوابه ، فالتفت الالها إلى حضار مجلسه ، وهو يشيد بمواهب ولده وغزارة علمه وفضله ، قائلاً : مَعاشِرَ النّاسِ ، إِنَّ الَّذي فَهَمَ هذَا الْغُلامَ هُوَ الَّذِي فَهَّمَها سُلَيْمانَ بْنَ دَاوُدَ (2).
لقد كان أمير المؤمنين الا مرجعاً للفتيا في حياة أبي بكر وعمر ، ومفزعاً للمسلمين إن حلّت بناديهم مشكلة ، وقد اتفقت الكلمة أنه أعلم الصحابة بشؤون الدين وأحكام الشرع.
وظل أبو بكر متقمّصاً للخلافة زمناً يسيراً يدير شؤون الأمة ، ويتصرف في أمورها ، قد اعتمد على عمر ، وأسند إليه مهام الدولة ، ولما مرض مرضه الذي توفّى فيه ، وثقل حاله أدلى بالأمر من بعده إليه ، وقد أنكر عليه طلحة هذا الاختيار ، فقال له : ماذا تقول لربّك وقد ولّيت علينا فظّاً غليظاً ؟ تفرق منه النفوس ، وتنفض منه القلوب(3).
فسكت أبو بكر ، واندفع طلحة قائلاً: يا خليفة رسول الله ، إنا كنا لا نحتمل شراسته وأنت حيّ تأخذ على يديه ، فكيف يكون حالنا معه وأنت ميت وهو الخليفة(4).
ولم ينفرد طلحة بهذا الانكار ، بل شاركه جمهور المهاجرين والأنصار ، فقد بادروا إلى أبي بكر وقالوا له : نراك استخلفت علينا عمر ، وقد عرفته ، وعلمت بوائقه فينا ، وأنت بين أظهرنا ، فكيف إذا وليت عنا، وأنت لاق الله عزّ وجلّ فسائلك ، فما أنت قائل ؟
فأجابهم أبو بكر بصوت خافض : لئن سألني الله لأقولنّ : استخلفت عليهم خيرهم في نفسي(1).
وكون عمر خيرهم في نفسه ليس مبرّراً له في ترشيحه للخلافة ، فإنّ الأجدر أن يأخذ رأي المسلمين في ذلك ، ويستشير أهل الحل والعقد منهم ، عملاً بقاعدة الشورى ، ولكنه أهمل ذلك ، واستجاب لعواطفه ورغبته الملحة في أن يتولّى زمام الحكم من بعده خدنه وزميله ، وعلى أي حال، فقد كان عمر إلى جانبه يعزّز مقالته ورأيه فيه قائلاً: أيها الناس، اسمعوا وأطيعوا قول خليفة رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) (2).
ودعا أبو بكر عثمان بن عفان ، وأمره أن يكتب له العهد في عمر وأملاه عليه ، وهذا نصه :
« هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة ، آخر عهده في الدنيا نازحاً عنها ، وأوّل عهده بالآخرة داخلاً فيها ، إنّي استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ، فإن تروه عدل فيكم فذلك ظنّي به ورجائي فيه ، وإن بدل وغيّر فالخير أردت ، ولا أعلم الغيب .
وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ(3)»(4) وتناول عمر الكتاب وانطلق يهرول إلى الجامع ليقرأه على الناس ، فقال له رجل :
ما في الكتاب يا أبا حفص ؟
قال : لا أدري ، ولكني أول من سمع وأطاع .
فنظر الرجل إليه نظرة ريبة وانبرى قائلاً ولكنّي والله أدري ما فيه : أمرته عام أوّل ، وأمرك العام»(1).
لقد مهد أبو بكر الأمر إلى عمر، وعبد له الطريق، وتناسى أمير المؤمنين فلم يشاوره في الأمر ، ولم يرع حقه ، وقد نطق(عليه السلام) بعد سنين عما يكنه في نفسه من عميق الألم والحزن .
يقول في خطبته الشهيرة بالشقشقية : فَصَبَرتُ وفي العَيْنِ قَذى . وَفِي الحَلْقِ شَجاً ، أَرَى تُرَاثى نَهْباً ، حَتَّى مَضَى الْأَوَّلُ لِسَبِيلِهِ ، فَأَدْلَى بِهَا إِلَى فَلانٍ بَعْدَهُ . ثمّ تمثل بقول الأعشى:
شَتَانَ مَايَوْمِي عَلَى كُورِهَا*** وَيَوْمُ حَيَّانَ أَخي جَابِرٍ
فَيا عَجَباً !! بَيْنا هُوَ يَسْتَقِيلُها في حَياتِهِ(2)إِذْ عَقَدَها لَآخَرَ بَعْدَ وَفاتِهِ - لَشَدَّ مَا تَشَطَرَا ضَرْعَيْها !»(3).
وهذه الكلمات قد عبّرت عن عظيم الوجد ، وبالغ الأسى الذي استقر في نفس الإمام على ضياع حقه ، ويعتقد بعض كتاب العصر أن السبب في عدول أبي بكر عن اختياره ، هو تخلّفه عن بيعته ، واحتجاجه عليه بأنّه أحق بالأمر منه لقرابته من رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) مما أوجب بغض أبي بكر له ، وحقده عليه .
وزاد المرض بأبي بكر ، وثقل حاله حتى وافاه الأجل المحتوم(4)، فقام عمر في
1) الإمامة والسياسة : 1 : 20 .
2) إشارة إلى قول أبي بكر بعد ما بويع : « أقيلوني فلست بخيركم » .
3) نهج البلاغة / محمد عبده : 1 : 26 و 27 .
4) «توفّي أبو بكر ليلة الثلاثاء لثمان ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة ، وعمره ثلاث وستون سنة ، ومدة خلافته سنتان وثلاثة أشهر. ذكر ذلك المسعودي في مروج الذهب : 2 : 191. وكان في الجاهلية معلماً للصبيان ، وفي الإسلام خياطاً ، وكان أبوه فقيراً ، يكتسب من صيد القماري والدباسي ، ولما عمى وعجز ابنه عن القيام به التجأ إلى عبدالله بن جدعان أحد رؤوساء مكة فنصبه ينادي على مائدته ». حقّ اليقين : 1 : 181
شؤونه ، ودفنه في بيت النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)وفي جواره ، وبيت النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)لا يخلو إما أن يكون ميراثاً كما تقول به بضعة الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)، أو يكون صدقة كما زعم أبو بكر ، فإن كان ميراثاً فلا يحل دفنه فيه إلا بعد إرضاء الورثة ، وإن كان صدقة فلابد من إرضاء جماعة المسلمين ، ولم يتحقق كل ذلك .
وتولّى عمر بن الخطّاب أزمّة الحكم بعد وفاة أبي بكر ، وتسلّم قيادة الأمة بهدوء و سلام ، فساس البلاد بشدّة وعنف بالغين، وقد تحامى لقاءه أكابر الصحابة ، فلم يستطع أحد منهم أن يجاهر بآرائه ، أو ينقد الحكم القائم ، فإن درّة عمر -كما يقولون - كانت أهيب في النفوس من سيف الحجّاج ، حتّى أن ابن عباس لم يتمكن أن يصرح برأيه في جواز المتعة ، وحلّيتها إلا بعد وفاة عمر .
وقد وصف الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)بعد أعوام سياسة عمر ، وشدّة عنفه يقول(عليه السلام) : «فَصَيَّرَها في حَوْزَةٍ خَشْناءَ يَخْلُظُ كَلْمُها ، وَيَخْشُنُ مَسها ، وَيَكْثُرُ العِثارُ فيها ، وَالْإِعْتِذَارُ مِنْهَا ، فَصاحِبُها كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ إِنْ أَشْتَقَ لَها خَرَمَ ، وَإِنْ أَسْلَسَ لَها تَقَدَّمَ ، فَمُنِيَ النَّاسُ - لَعَمْرُ اللَّهِ - بِخَيْطٍ وَشِمَاسِ ، وَتَلَونِ وَاعْتِرَاض»(1)
وهو وصف دقيق للسياسة العمرية التي انتهجت منهج الشدة والغلظة في جميع
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 1: 162 .
مجالاتها حتى مني الناس بخبط وشماس ، وتلوّن واعتراض، وبلغ من عظيم عنفها أنّ امرأة جاءت تسأله عن أمر، وكانت حاملاً، ولشدّة خوفها أجهضت حملها (1).
ويقول عثمان في شدّة عمر وقسوته : «لقد وطأكم ابن الخطاب برجله ، وضربكم بيده ، وقمعكم بلسانه ، فخفتموه ورضیتم به»(2).
ويذهب الناقدون إلى هذه السياسة أنّها لا تمثل وجهة السياسة الإسلامية ،فإنّها لا تقرّ بحال سياسة العنف والارهاب، فقد جاء رجل إلى رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) فأخذته هيبة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، فارتعدت أعضاؤه ، فهداه(صلی الله علیه وآله وسلم)وقال له : إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ كَانَتْ تَأْكُلُ الْقَديدَ .
إنّ الإسلام بُني على الرفق واللين والتسامح ، وليس لرئيس الدولة أن يسلك أي طريق يؤدّي إلى إرهاق المواطنين وعنائهم .
وممّا يؤخذ على السياسة العمرية أنها كانت تنهج إلى إيجاد الطبقية في الإسلام ، فقد التزم في سياسته الماليّة بتقديم بعض الطبقات على بعض في العطاء ، فقدم أمهات المؤمنين على غيرهنّ ، وقدّم البدريين على من سواهم ، والمهاجرين على الأنصار(3)ومن الطبيعي أن ذلك يتنافى مع المساواة التي جاء بها الإسلام.
وممّا يرد على سياسة عمر أنه فرض الحصار على الصحابة في يثرب ، ولم يسمح لهم بمغادرتها وذلك يجافي الحريّة التامة التي أقرها الإسلام ، ومنحها لجميع المواطنين .
ولعلّ لهذه الجهات وصف أمير المؤمنين(عليه السلام) عهد عمر بأن المجتمع قد مني فيه بخبط وشماس ، وتلوّن واعتراض .
واعتزل الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) في دور الخليفة الثاني كما اعتزل في عهد الخليفة الأوّل ، فلم يشترك في شأن من شؤون القوم ، ولم يتدخل في أمر من أمورهم ، حتّى خفت صوته في جميع الحروب والمواقف ، اللهم إلا رأيه الوثيق إذا استفتي حتى اشتهرت كلمة عمر في ذلك : «لولا عليّ لهلك عمر»(1).
فقد كان عمر لا يستغني عن الإمام من ناحية الفتيا ؛ لأنّ معلومات الخليفة في الفقه الإسلامي كانت ضئيلة للغاية ، فقد قضى في ميراث الجد مع الاخوة قضايا كثيرة مختلفة ، ثم خاف في الحكم في هذه المسألة، فقال : « من أراد أن يقتحم جراثیم جهنّم فليقل في الجدّ برأيه» (2).
وقال : لا يبلغني أنّ امرأة تجاوز صداقها صداق نساء النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)إلا ارتجعت ذلك منها .
فقامت إليه امرأة فقالت : ما جعل الله لك ذلك . إنّه تعالى قال : وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً(3)
فانطلق عمر وهو يبدي للمسلمين عجزه قائلاً كل الناس أفقه من عمر ، حتى ربّات الحجال ! ألا تعجبون من إمام أخطأ ، وامرأة أصابت ، فاضلت إمامكم ففضلته (4).
وعلى أي حال ، فقد كان عمر قليل البضاعة في الفقه الإسلامي ليست له دراية
في كثير من مسائله ، فكان بطبيعة الحال مضطراً إلى الرجوع إلى باب مدينة علم النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)ووصيه ليكشف له الستار عما أشكل عليه ، وقد تصدى(عليه السلام) بسخاء لهذه الناحية ، ولم يضنّ على القوم بعلومه ومعارفه لئلا تهمل أحكام الله وتتعطل حدوده ، وهو في نفس الوقت كان بعيداً عن القوم كل البعد ، فلم يشترك في شأن من شؤونهم ، قد خلد إلى الانعزال ، والابتعاد عنهم ، وأظهر لهم المسالمة حرصاً منه على كلمة الإسلام ، وخوفاً على كلمة المسلمين من الانشقاق .
وقد قطع الإمام الحسن(عليه السلام)في عهد عمر دور الصبا ، حتى أشرف على ميعة الشباب ، وقد اقتضت سياسة عمر أن يجل السبطين، ويجعل لهما نصيباً فيما يغتنمه المسلمون، ووردت إليه حلل من وشي اليمن فوزعها على المسلمين ونساهما ، فبعث إلى عامله على اليمن أن يرسل له حلّتين ، فأرسلهما إليه ، فكساهما وقد جعل عطاءهما مثل عطاء أبيهما، وألحقهما بفريضة أهل بدر ، وكانت خمسة آلاف(1).
ولم تظهر لنا أي بادرة عن الإمام الحسن(عليه السلام) ما عدا ذلك ، ويعود السبب إلى عدم تدخل أبيه أمير المؤمنين(عليه السلام) في شؤون عمر وعدم اشتراكه في أي جانب من الجوانب العامة .
واغتاله أبو لؤلؤة غلام المغيرة ، فطعنه ثلاث طعنات إحداهن تحت سرته ، وهي التي قضت عليه ، وتعز و بعض المصادر سبب ذلك إلى أن المغيرة جعل عليه خراجاً ثقيلاً، فشكا حاله إلى عمر ، فزجره وقال له : ما خراجك بكثير من أجل الحرف التي تحسنها.
1) تاريخ مدينة دمشق : 14 : 176 .
فتأثر أبو لؤلؤة ، وأضمر له الشرّ في نفسه ، واجتاز عليه في وقت آخر فسخر منه عمر قائلاً : بلغني أنك تقول : لو شئت أن أصنع رحى تطحن بالريح لفعلت .
فاندفع أبو لؤلؤة وقد لسعته سخريته فأخبره بما يبيّت له من الشر قائلاً: لأصنعن لك رحى يتحدث الناس بها .
وفي اليوم الثاني قام بعملية الاغتيال(1)، وقيل : إنّ اغتياله كان وليد مؤامرة دبّرها الناقمون على سياسته التي انتهجت منهج الشدّة والقسوة، وخلقت الطبقية بين المسلمين.
ومهما يكن من أمر فقد حمل عمر إلى داره ، وجراحاته تنزف دماً ، وبادر أهله فأحضروا له طبيباً ، فقال له : أي الشراب أحب إليك ؟
قال : النبيذ .
فسقوه منه ، فخرج من بعض طعناته ، فقال الناس : خرج صديداً ، ثم سقوه لبناً فخرج من بعض طعناته ، فينس منه الطبيب وقال له : لا أرى أن تمسي(2)، ولمّا أيقن ولده عبد الله بموته قال له : يا أبة ، استخلف على أمة محمد(صلی الله علیه وآله وسلم)، فإنه لو جاءك راعي إبلك أو غنمك وترك إبله أو غنمه لا راعي لها لمته ، وقلت له : كيف تركت أمانتك ضائعة ؟ !
فكيف بأمة محمد(صلی الله علیه وآله وسلم)، فاستخلف عليهم .
فنظر إليه نظرة ريبة فقال له : إن استخلف عليهم فقد استخلف أبو بكر ، وإن أتركهم فقد تركهم رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)(3).
وأقام عبد الله في حديثه برهاناً تدعمه الفطرة على ضرورة نصب الوصيّ ، وتعيين ولي العهد ، وإن من أهمله يستحق اللوم والتقريع ، وهو أمر واضح لا مجال للشك فيه ، والعجب من عمر وهو في ساعاته الأخيرة كيف يقول إن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) ترك أمتّه ولم يستخلف عليها أحداً من بعده ! وهو(صلی الله علیه وآله وسلم) الحريص على أمته الذي يعزّ عليه عنتها واختلافها وانشقاقها ، وقد لاقى في سبيل هدايتها أعظم العناء وأشقه ، ولعلّ الوجع قد غلب على عمر فنسي النصوص المتظافرة من رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)في أمير المؤمنين(عليه السلام)، وأنّه ولى عهده وخليفته من بعده ، وتناسى بيعته له يوم غدير خم ، وقوله له : « بخ بخ لك يا علي ، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة » ، ولكن إنا لله وإنا إليه راجعون .
ولما يئس عمر من الحياة ، وأيقن بنزول الأجل المحتوم أخذ يطيل التفكير ، ويمعن النظر فيمن يتولى شؤون الحكم من بعده ، وتذكر أقطاب حزبه الذين شاركوه في تمهيد الأمر إلى أبي بكر ، وصرفه عن أهل بيت النبوة ، فطافت به آلام مبرحة لأنه لم يكن أحد منهم إلا اختطفته يد المنون ، فجزع عليهم وقال بنبرة الآسف : «لو كان أبو عبيدة حيّاً لاستخلفته لأنه أمين هذه الأمة ، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّاً استخلفته لأنه شديد الحبّ الله تعالى » .
لقد أسف على هلاك أبي عبيدة وسالم ، ولو كانا حيين لرشحهما لمنصب صل الله الخلافة ، فهل لهما سابقة الجهاد في الإسلام ؟ أو أنهما كانا أثيرين عند رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) ليستحقا هذا المنصب الخطير .
لقد فتّش عمر في سجّل الأموات عمّن هو أهل للخلافة ، ونسي أمير المؤمنين(عليه السلام) الذي هو نفس النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)و باب مدينة علمه، وباب دار حکمته ، وأقضى أمته ، وأبو سبطيه ، وناصره في جميع المشاهد والمواقف ، لقد نساه عمر
فلم يذكره بقليل ولا بكثير .
وعلى أي حال، فقد رأى عمر أن يجعلها شورى في جماعة زعم أن الإمام أحدهم، وهي مؤامرة خطيرة دبّرت ضد أمير المؤمنين(عليه السلام).
يقول الإمام كاشف الغطاء(رحمۀ الله علیه) : « الشورى بجوهرها وحقيقتها مؤامرة واقعية ، و شورى صورية ، وهي مهارة بارعة لفرض عثمان خليفة على المسلمين رغماً عليهم ، ولكن بتدبير بارع ، عاد على الإسلام والمسلمين بشرّ ما له دافع...» .
ودعا عمر أعضاء الشورى ، فلما مثلوا عنده قال لهم : أكلكم يطمع بالخلافة بعدي ؟ !
ووجموا عن الكلام ، فأعاد القول عليهم ثانياً ، فانبرى إليه الزبير فردّ عليه مقالته قائلاً: وما الذي يبعدنا منها ! وليتها أنت فقمت بها ولسنا دونك في قريش ، ولا في السابقة ولا في القرابة.
والتفت إليهم فقال : أفلا أخبركم عن أنفسكم ؟ !
قالوا : قل ، فإنا لو استعفيناك لم تعفنا .
وأخذ يدلي برأيه فيهم ، ويخبر عن نفسياتهم واتجاهاتهم واحداً بعد واحد .
فقال في الزبير : « أما أنت يا زبير فوعق(1)لقس(2)، مؤمن الرضا ، كافر الغضب ، يوماً إنسان ، ويوماً شيطان ، ولعلّها لو أفضت إليك ظلت يومك ، تلاطم بالبطحاء على مدّ من الشعير ، أفرأيت إن أفضت إليك ، فليت شعري من يكون للنّاس يوم تكون شيطاناً ، ومن يكون يوم تغضب ؟ وما كان الله ليجمع لك أمر هذه الأمة ، وأنت على هذه الصفة»(3).
علمه بنفسيّة الزبير ، أنّه يوم إنسان ويوم شيطان ، وأنه بمتل بالبخل والشح ، ويلاطم بالبطحاء على مدّ من شعير ، كيف يرشّحه للخلافة ، ويجعله من أعضاء الشورى ؟ !
وأقبل على طلحة فقال له : أقول أم أسكت ؟
فزجره طلحة وقال له : إنّك لا تقول من الخير شيئاً.
أما إنِّي أعرفك منذ أصيبت إصبعك يوم أحد وائياً(1)بالذي حدث لك ، ولقد مات رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) ساخطاً عليك بالكلمة التي قلتها يوم أنزلت آية الحجاب وإذا كان رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)قد توفي وهو ساخط على طلحة ، كيف يرشّحه للخلافة الإسلامية التي هي نيابة عن الرسول ؟! كما أنه يناقض ما قاله أخيراً في أعضاء الشورى من أنّ رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) مات وهو راض عنهم .
يقول الجاحظ : « لو قال لعمر قائل : أنت قلت : إنّ رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) مات وهو راض عن السنّة فكيف تقول الآن لطلحة : إنّه مات ساخطاً عليك للكلمة التي قلتها لكان قد رماه بمشاقصه(2)، ولكن من الذي كان يجسر على عمر أن يقول له : ما دون هذا ، فكيف هذا ؟».
وأقبل على سعد بن أبي وقاص ، فقال له : « إنّما أنت صاحب مقنب(3)، من هذه المقانب ، وصاحب قنص وقوس وأسهم ، وما زهرة والخلافة وأمور النّاس ؟ ! ! »(4).
فسعد بن أبي وقاص - حسب فراسة عمر - رجل حرب وقتال ، وصاحب قنص وقوس ، فلا يصلح للخلافة ، وليس خليقاً بها هو وأسرته ، فكيف يرشّحه عمر لها
ويجعله من أعضاء الشورى الذين لهم الأهلية لتسلّم قيادة الحكم ؟ !
والتفت إلى عبد الرحمن بن عوف فقال له : «أما أنت يا عبد الرحمن ، فلو وزن نصف إيمان المسلمين بإيمانك لرجح إيمانك عليهم ، ولكن ليس يصلح هذا الأمر لمن فيه ضعف كضعفك ، وما زهرة وهذا الأمر»(1).
إنّ عبد الرحمن رجل إيمان وتقوى - حسب رأي عمر - ومن إيمانه الذي أضفاه عليه الخليفة أنه عدل عن انتخاب العترة الطاهرة ، وسلّم قيادة الأمة ومقدراتها بأيدي الأمويين خصوم الإسلام وأعداء الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)، ثمّ إن الإيمان بذاته كما يقول عمر - لا يصلح لترشيح صاحبه للخلافة ما لم تكن له دراية تامة بشؤون المجتمع ، وخبرة وافرة بما تحتاج إليه الأمة في جميع مجالاتها ، وعبد الرحمن - حسب اعتراف عمر - رجل ضعيف لا يليق للخلافة ، فكيف يرشّحه لها ويجعله من أعضاء الشورى البارزين ؟ !
وأقبل على أمير المؤمنين(عليه السلام)، فقال له : والله أنت ، لولا دعابة فيك ! أما والله لئن وليتهم لتحملتهم على الحقِّ الواضح ، والمحجة البيضاء(2).
ومتى كانت الأمير المؤمنين(عليه السلام) الدعابة والمزاح ، وهو الذي ما ألف في حياته لغير الجد في القول والعمل ، وعلى تقدير اتصافه بها ، فهي من خلق الأنبياء ومن خلق الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) بالأخص ، فقد ورد أنّه كان الله(صلی الله علیه وآله وسلم) يداعب الرجل ليسره بذلك .
وهل من الحيطة على الإسلام ، والمحافظة على وحدة الأمة، ورعاية صالحها أن يقتل عمر حبل الشورى ويجعل أمير المؤمنين(عليه السلام) أحد أعضائها ، وهو اعترافه - لو تولّى زمام الحكم لحمل المسلمين على الحقِّ الواضح ، والمحجّة البيضاء ، ولسار بهم سيراً سجحاً لا يكلم خشاشه ، ولا يتعتع راكبه ، ولأوردهم منهلاً روياً فضفاضاً تطفح ضفتاه ، ولا يترنّم جانباه ، ولأصدرهم بطاناً ، ونصح لهم
سرّاً وإعلاناً ، كما تقول بضعة الرسول ووديعته ، ويقول النبي(صلی الله علیه وآله وسلم): « إِنْ وَلُّوا عَلِيّاً فَهادِياً مَهْدِيّاً »(1).
إنّ الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) لو استولى على زمام السلطة لوفّر للمسلمين ما يحتاجون إليه من خيرات الحياة ، وأوجد لهم الفرص المتساوية ، وصان المُثل الإسلامية من التدهور والانحطاط ، فهل من الانصاف أن تصرف الخلافة عنه وتجعل شورى بأسلوب يؤدّي إلى فوز الأمويين بالحكم ؟ !
وأقبل عمر على عثمان ، فقال له : « هيها إليك ! ! كأني بك قد قلّدتك قريش هذا الأمر لحبها إيّاك ، فحملت بني أمية ، ويني أبي معيط على رقاب الناس ، وآثرتهم بالفيء ، فسارت إليك عصابة من ذوبان العرب فذبحوك على فراشك ذبحاً، والله لئن فعلوا لتفعلنّ، ولئن فعلت ليفعلنّ ، ثم أخذ بناصيته فقال : فإذا كان ذلك فاذكر قولي ...»(2).
ومع علمه بأنه يحمل بني أمية وبني أبي معيط على رقاب الناس ، ويؤثرهم بفيء المسلمين ، كيف يرشّحه للخلافة ، ويمكنه من رقاب المسلمين ، ويعرض الأمة
للويلات والخطوب !!
وبعد ما أدلى بحديثه التفت إلى الجمهور قائلاً: إنّ رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)مات وهو راض عن هؤلاء السنّة من قريش ، وقد رأيت أن أجعلها شوري بينهم ليختاروا لأنفسهم واحداً منهم .
ثمّ قال للمرشّحين : « احضروا معكم من شيوخ الأنصار ، وليس لهم من أمركم شيء ، وأحضروا معكم الحسن بن عليّ ، وعبد الله بن عباس ، فإنّ لهما قرابة ، وأرجو
لكم البركة في حضورهما ، وليس لهما من أمركم شيء »(1).
وما هي البركة التي تحصل لأعضاء الشورى بحضور الإمام الحسن(عليه السلام) وعبد الله ابن عباس ، وهما لا يملكان من الأمر شيئاً ، قد جردهما من الادلاء بالرأي ، كما جرد شيوخ الأنصار من ذلك ، ولم يسمح لأحد منهم أن يبدي برأيه .
ثم التفت إلى أبي طلحة الأنصاري(2)
هو زيد بن سهل النجاري ، شهد مع النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) بدراً ، ولما أخى(صلی الله علیه وآله وسلم) بين أصحابه آخى بينه وبين أبي عبيدة الجراح، وكان أبو طلحة من الرماة المعدودين ، ومن الشجعان المشهورين ، قتل يوم حنين عشرين رجلاً، وتزوج بأم أنس بن مالك. توفي بالمدينة سنة إحدى وثلاثين ، وكان عمره سبعين عاماً، وقد صلّى عليه عثمان بن عفان . أسد الغابة : 5 : 234 .
، فقال له : « يا أبا طلحة ، إن الله تعالى أعزّ بكم الإسلام ، فاختر خمسين رجلاً من الأنصار ، فالزم هؤلاء النفر بإمضاء الأمر وتعجيله » .والتفت إلى المقداد بن الأسود ، فأوصاه بمثل ذلك ، ثمّ قال : « إذا اتفق خمسة وأبى واحد منهم فاضربوا عنقه ، وإذا اتفق أربعة وأبى اثنان فاضربوا عنقهما ، وإن اتفق ثلاثة منهم على رجل ، ورضي ثلاثة منهم برجل آخر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف ، واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس»(3).
وخرج الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) المظلوم المهتضم ، وهو ملتاع حزين من الشورى العمرية ، قد أيس من الأمر ، فالتقى بعمه العباس فبادره قائلاً: يا عَمَ ، لَقَدْ عُدِلَتْ عَنا .
فقال له : ومن أعلمك بذلك ؟ !
فقال الإمام(عليه السلام) : لَقَدْ قَرَنَ بي عُثْمَانَ ، وَقالَ : كُونُوا مَعَ الْأَكْثَرِ ، ثُمَّ قَالَ : كُونُوا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ صِهْرٌ لِعُثمانَ ، وَهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ ، فَأَمَّا أَنْ يُوَلّيها عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِعُثْمَانَ أَوْ يُوَلِّيها مُثْمَانُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ(1)
لقد كشف(عليه السلام)عن المؤامرة التي دبرها الخليفة الراحل ضده، فقد فتل حبل الشورى بهذا الأسلوب ليصرف الأمر عنه ، وقد كوت هذه الصور المؤلمة قلبه ، فراح يقول بعد سنين :
« حَتَّى إِذا مَضَى لِسَبِيلِهِ جَعَلَهَا فِي جَمَاعَةٍ زَعَمَ أَنِّي أَحَدُهُمْ ، فَبِاللهِ وَالسُّورَى ! مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الْأَوَّلِ مِنْهُمْ ، حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَى هَذِهِ النَّظائِرِ ! »(2).
أجل والله ، متى اعترض الريب فيه مع أبي بكر حتى صار يقرن بطلحة وعثمان وعبد الرحمن بن عوف، فهل في هؤلاء من هو كفؤ للإمام في دينه وعلمه وجهاده وسابقته للإسلام ، وإنّما استجاب(عليه السلام)لأن يكون من أعضاء الشورى مع وجود هذه المفارقات بينه وبين القوم ، فقد بيّنه في حديثه مع عبد الله بن عباس ، وخلاصته : أنّ عمر قد أهله للخلافة وكان من قبل يقول : لا تجتمع النبوّة والخلافة في بيت واحد ، فأراد أن يظهر أن أقواله تناقض أفعاله ، ولهذا السبب الوثيق انضمّ مع أعضاء الشورى .
وتواجه الشورى العمريّة عدّة من المؤاخذات، فقد ذكر الناقدون لها أنّها لم تستند إلى الأساليب الصحيحة ، ولم تبتن على الأسس الوثيقة ، وأنّها لم تنشد بأي حال صالح الأمة ، ولم تهدف إلى حماية المجتمع وصيانته من القلق والاضطراب ، وإنما الغرض منها صرف الخلافة عن أمير المؤمنين(عليه السلام)، وحرمان الأمة من التمتّع
في ظل حكمه العادل، فهي لم تكن شورى واقعية ، وإنما كانت شورى صورية مشفوعة بالعصبية والأحقاد .
وإلى القرّاء بعض تلك النقود التي ترد عليها :
1 - إنّ حقيقة الشورى أن تشترك الأمة بجميع هيئاتها في الانتخاب والاختيار في جو تتوفّر فيه الحريات العامة لجميع الناخبين، والشورى العمرية قد فقدت هذه العناصر ، فقد حيل بين الشعب والاختيار ، فإنّ عمر منح الاختيار إلى ستة أشخاص . ومن الطبيعي أنّهم لا يملكون إلا آراءهم الخاصة ، فلا يمثلون الأمة ، ولا يحكون إرادتها على أنه ضيق الدائرة ، فجعل المناط بآراء الثلاثة الذين ينضم إليهم عبد الرحمن بن عوف، وجعل آراءهم تعادل آراء بقية الشعوب الإسلامية ، وهذا شكل من أشكال التزكية التي تستعملها بعض الحكومات التي تفرض إرادتها على شعوبها . لقد تصادمت هذه الشورى مع إرادة الشعوب الإسلامية ، وتنافت مع حرياتهم ، وقد فرضت عليهم فرضاً .
2 - إنّ هذه الشورى قد ضمت أكثر العناصر المعادية لأمير المؤمنين(عليه السلام)والحاقدة عليه ، ففيها طلحة التيمي ، وهو من أسرة أبي بكر الذي نافس الإمام على الخلافة ، وكانت بين تيم والإمام أشدّ المنافرة والخصومة .
وضمت الشورى عبد الرحمن بن عوف ، وهو صهر عثمان ، بالإضافة إلى أنّه كان حقوداً على أمير المؤمنين(عليه السلام)، فهو من جملة الذين حملوا الحطب في بيعة أبي بكر لحرق بيت الإمام .
وضمّت الشورى سعد بن أبي وقاص، وكان يحقد على الإمام من أجل أخواله الأمويين ، فإنّ أمّه حمنة بنت سفيان بن أُميّة ، وقد أباد الإمام صناديدهم في سبيل الإسلام ، فكانت نفس سعد مترعة بالحقد والعداء على الإمام من أجلهم ، ولما بايع المسلمون الإمام كان سعد في طليعة المتخلفين عن بيعته.
واحتوت الشورى على عثمان ، وهو شيخ الأسرة الأموية التي عرفت بالنصب لآل بيت النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، وقد ألب عمر هذه القوى كلّها ضدّ الإمام ، لئلا تؤول الخلافة إليه ، وقد تحدث(عليه السلام) بعد أن ولي الأمر عن ضغن أعضاء الشورى وحقدهم عليه ، فقال : « لكِنِّي أَسفَفْتُ إِذْ أَسَفُّوا ، وَطِرْتُ إِذْ طَارُوا ، فَصَعًا رَجُلٌ مِنْهُمْ لِضِغْنِهِ ، وَمَالَ الْآخَرُ لِصِهْرهِ ، مَعَ مَن وَهَن »(1).
لقد ألب عمر عن عمد جميع أحقاد قريش وأضغانها ضدّ أخي رسول الله ووصيه وباب مدينة علمه استجابة لأحقاد قريش التي وترها الإمام في سبيل الإسلام .
3 - لقد عمد عمر إلى إقصاء جميع العناصر الموالية للإمام ، فلم يجعل لها نصيباً في الشورى ، ولم يرشّح أحداً من الأنصار وهم الذين أووا النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) ونصروه لأنه كان لهم هوى وميل للإمام(عليه السلام)، كما لم يجعل نصيباً فيها لعمّار بن ياسر الذي هو أحد المؤسسين في بناء الإسلام ، وكذلك أقصى أبا ذر والمقداد وأمثالهم من أعلام الإسلام لأنّهم كانوا شيعة لعلي ، وقصر الشورى على القوى المنحرفة عن الإمام والمعادية له .
4 - ومن عجيب أمر الشورى التي وضع برامجها عمر أنه يشهد بحق أعضائها أنّ رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) مات وهو راض عنهم ، ثمّ يأمر بضرب أعناقهم إن تأخروا عن انتخاب أحدهم، فهل إنّ ذلك موجب للخروج عن الدين، والمروق من الإسلام حتّى تباح دماؤهم !!
5 - ومن غريب أمر هذه الشورى أنّ عمر جعل الترجيح للكفّة التي تضمّ عبدالرحمن فيما إذا اختلف أعضاؤها ، وغض طرفه عن الجماعة التي تضم أمير المؤمنين(عليه السلام)، فلم يعرها أي اهتمام ، بل ألزمها بالخضوع لرأي عبد الرحمن بن عوف، وتقديمه على أمير المؤمنين ، وهو صاحب المواهب والعبقريات الذي لا ندّ
1) شرح نهج البلاغة : 1 : 184 .
له في علمه وورعه وتقواه ، فكيف يساويه بغيره ، والله تعالى يقول: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ(1)
أنّ لك يا زمان ، وتعساً لك يا دهر أيكون أمير المؤمنين(عليه السلام)ندّاً لأعضاء الشورى ، ويرجح عليه عبد الرحمن ، ولكنّها الأحقاد والعصبيات التي أترعت نفوسهم بها قد أنستهم المقاييس ، وصدّتهم عن جادة العدل .
6 - وممّا يؤخذ على هذه الشورى أنّها أوجدت التنافس بين أعضائها ، فقد رأى كلّ واحد منهم أنّه كفؤ للآخر ، ولم يكونوا قبلها على هذا الرأي ، فقد كان سعد تبعاً لعبد الرحمن ، وعبد الرحمن تبعاً لعثمان ، والزبير من شيعة الإمام ، وهو القائل على عهد عمر : « والله ! لو مات عمر بايعت عليّاً ، ولكن الشورى قد نفخت فيه روح الطموح ، ففارق أمير المؤمنين(عليه السلام)، وخرج عليه يوم الجمل ، وقد تولّدت في نفوسهم بسبب الشورى الأطماع والأهواء ، ورجا الخلافة وتطلبها من ليس أهلاً لها ، حتى ضجّت البلاد بالفتن والاختلاف، واضطربت كلمة المسلمين، وتصدّع شملهم ، وقد صرّح بهذا الواقع المرير معاوية بن أبي سفيان في حديثه مع ابن حصين الذي أوفده زياد لمقابلته.
فقد قال له معاوية : بلغني أن عندك ذهناً وعقلاً، فأخبرني عن شيء أسألك عنه ؟
قال : سلني عما بدا لك .
قال معاوية : أخبرني ما الذي شتّت أمر المسلمين ، وملأهم ، وخالف بينهم ؟
قال : قتل الناس عثمان .
فقال معاوية : ما صنعت شيئاً .
1) ) الزمر 9؛39
قال : مسير على إليك وقتاله إيّاك .
فقال معاوية : ما صنعت شيئاً .
قال : مسیر طلحة والزبير وعائشة وقتال عليّ إيّاهم !
فقال معاوية : ما صنعت شيئاً .
قال : ما عندي غير هذا يا أمير المؤمنين .
فقال معاوية : أنا أخبرك أنّه لم يشتت أمر المسلمين ، ولا فرق أهواءهم إلّا الشورى التي جعلها عمر إلى ستة أنفار ؛ وذلك أن الله تعالى بعث محمداً(صلی الله علیه وآله وسلم) بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، فعمل بما أمره الله تعالى به ، ثمّ قبضه الله إليه، وقدّم أبا بكر للصلاة فرضوه لأمر دنياهم، إذ رضيه رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)الأمر دينهم، فعمل بسنة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وسار بسيرته ، حتى قبضه الله .
واستخلف عمراً فعمل بمثل سيرته ، ثم جعلها شورى بين ستة أنفار ، فلم يكن رجل منهم إلا رجاها لنفسه ، ورجاها له قومه ، وتطلّعت إلى ذلك نفسه ، ولو أنّ عمر استخلف عليهم كما استخلف أبو بكر ما كان في ذلك خلاف »(1).
هذه بعض آفات الشورى التي فتحت باب الفوضى والنزاع بين المسلمين ، وتركت الطلقاء وأبناءهم يتسابقون إلى ميدان الخلافة الإسلامية ، وينزون على منابر المسلمين، ويستأثرون بالفيء ، وينكلون بأخيار المسلمين وصلحائهم ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
ولاقى عمر ربِّه ، ومضى إلى مقرّه الأخير وكانت ولايته عشر سنين وستة أشهر وأربع ليال ، وهو ابن ثلاث وستّين سنة . جاء ذلك في مروج الذهب : 2 : 198 ، وكان قبل الإسلام من الفقر والبؤس بمكان .يقول عمرو بن العاص : « والله لقد رأيت عمر وأباه على كلّ واحد منهما عباءة قطوانية ، لا تجاوز مأبض ركبتيه، وعلى رقبته حزمة حطب » . ذكر ذلك ابن أبي الحديد في شرح النهج : 1 : 175 . (2)، فأحاط الشرطة بأعضاء الشورى ،
وألزمهم بالاجتماع لينفذوا وصيّة عمر ، ويختاروا للمسلمين حاكماً منهم ، فاجتمع المرشحون في بيت المال ، وقيل : في بيت مسور بن مخرمة ، وأشرف على الانتخاب الإمام الحسن(عليه السلام)و عبد الله بن عباس ، وازدلف عمرو بن العاص والمغيرة ابن شعبة إلى محلّ الانتخاب ، فجلسا في الباب ، فعرف قصدهما سعد بن أبي وقّاص ، فنهرهما وقال : « تريدان أن تقولا : حضرنا وكنا في أهل الشورى ؟ ! » .
وتداول الأعضاء الحديث فيما بينهم عمّن هو أحق بالأمر وأولى به، وأكثرهم قدرة وقابلية على إدارة شؤون الحكم ، وانبرى إليهم أميرالمؤمنين (عليه السلام) فأقام عليهم الحجّة ، وحذرهم مغبّة ما يحدث في البلاد من الفتن إن استجابوا لنزعاتهم ولم يؤثروا الحق.
فقال(عليه السلام) : « لَمْ يُسْرِعْ أَحَدٌ قَبْلِي إِلَى دَعْوَةِ حَقٌّ ، وَصِلَةِ رَحِمٍ ، وَعَائِدَةِ كَرَمٍ ، فَاسْمَعُوا قَوْلِي ، وَعُوا مَنْطِقِي ؛ عَسَى أَنْ تَرَوْا هَذَا الْأَمْرَ - يعني الخلافة - مِنْ بَعْدِ هَذَا الْيَوْمِ ، تُنتَضَى فِيهِ السُّيُوفُ ، وَتُحَانُ فِيهِ الْعُهُودُ ، حَتَّى يَكُونَ بَعْضُكُمْ أَئِمَّةٌ لِأَهْلِ الضَّلَالِ ، وَشِيعَةٌ لِأَهْل الْجَهالَةِ» (1).
ولم يعوا منطق الإمام، ولم يتأمّلوا فيه، وانطلقوا مدفوعين وراء أطماعهم وأهوائهم ، وكشف الزمن بعد حين صدق تنبؤ الإمام ، فقد انتضوا السيوف ، وخانوا العهود ليصلوا إلى صولجان الحكم والسلطان ، وصار بعضهم أئمة لأهل الضلال ،
1) نهج البلاغة / محمد عبده : 1 : 195 . تاريخ الأمم والملوك : 3 : 300.
وشيعة لأهل الجهالة .
وعلى أي حال ، فقد كثر الجدال في الموضوع ، وانفضت الجلسة ولم تنته على محصل ، وكان الناس ينتظرون بفارغ الصبر النتيجة الحاسمة التي تسفر عن اجتماعهم ، فلم يظفروا بشيء ، وانعقد الاجتماع مرّة أخرى ولكنه لم يسفر عن أي نتيجة ، وأخذت فترة الزمن التي حددها عمر تضيق ، فأشرف أبو طلحة الأنصاري على الأعضاء ، وقال لهم : « لا والذي نفس عمر بيده ، لا أزيدكم على الأيام الثلاثة التي أمرتم »(1).
واقترب اليوم الثالث ، فانعقد الاجتماع ، فانبرى طلحة ، ووهب حقه لعثمان ، وإنّما فعل ذلك لعلمه بانحرافه عن أمير المؤمنين(عليه السلام)، فأراد أن يقوّي جانبه ، ويضعف جانب الإمام ، وانطلق الزبير فوهب حقه للإمام لأنه رأى الإمام قد ضعف جانبه ، واندفع سعد فوهب حقه لعبد الرحمن بن عوف ، لأنه ابن عمّه (2).
أمّا عبد الرحمن الذي أناط به عمر أمر الشورى وجعل رأيه هو الفيصل ، فكان يرى في نفسه الضعف وعدم القدرة على إدارة شؤون الحكم ، فاتجه إلى ترشيح غيره ، وكانت ميوله مع عثمان، واستشار القرشيين فزهد وه في أمير المؤمنين وحبّبوا له عثمان ، ودفعوه إلى اختياره وانتخابه.
وحلّت الساعة الرهيبة التي تغيّر فيها مجرى التاريخ ، فقال عبدالرحمن لابن أخته : يا مسور ، اذهب فادع لي عليّاً وعثمان .
فقال : بأيهما أبداً يا خال ؟
فأجابه : بأيهما شئت .
فانطلق مسور فأحضر الإمام وعثمان ، وحضر المهاجرون والأنصار ، وازدحمت الجماهير في الجامع لتأخذ القرار الحاسم ، فقام عبد الرحمن وقال: أشيروا عليَّ في هذين - وأشار إلى سليل هاشم وشيخ الأمويين-.
فانبرى إليه الطيب ابن الطيب عمّار بن ياسر ، فقال له : إن أردت ألا يختلف الناس فبايع عليّاً.
وأشار عليه بالرأي الصائب الذي يصون الأمة من الاختلاف ، ويحميها من النزاع والانشقاق ، وانطلق المقداد فأيّد مقالة عمّار ، فقال : صدق عمّار، وإن بايعت عليّاً سمعنا وأطعنا .
فقام عبد الله بن أبي سرح أحد أعلام الأمويين الذين ناهضوا النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) وناجزوه ، فخاطب ابن عوف ، فقال له : إن أردت ألا تختلف قريش فبايع عثمان .
واندفع عبدالله بن أبي ربيعة المخزومي ، فقال : صدق ، إن بايعت عثمان سمعنا وأطعنا .
وانبرى عمّار بن یاسر فشتم ابن أبي سرح ، وقال له : متى كنت تنصح للإسلام ؟! وصدق عمار ، فمتى كان ابن أبي سرح يقيم وقاراً للإسلام ، أو ينصح المسلمين ، ويهديهم إلى طريق الحق ، وقد كان من أعدى الناس إلى رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، ولما فتح مكة أمر(صلی الله علیه وآله وسلم)بقتله ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة(1)، أمثل هذا الوغد يتدخل في شؤون المسلمين ؟ ! ولكن إنا لله وإنا إليه راجعون .
وتكلّم بنو هاشم وبنو أمية ، واحتدم الجدال بين الأسرتين ، فانطلق ابن الإسلام البار عمّار بن ياسر ، فقال : أيها الناس ، إن الله أكرمكم بنبيه ، وأعزكم بدينه ، فإلى متى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم ؟! (2)
لقد كان كلام عمار حافلاً بمنطق الإسلام الذي وعاه قلبه ، فإن قريشاً وسائر العرب إنّما أعزها الله بدينه وأسعدها بنبيه ، فهو مصدر عزهم وشرفهم ومجدهم ، فليس من الانصاف ولا من العدل أن يصرفوا الأمر عن أهله وعترته ويضعونه تارة في تيم وأخرى في عدي، ويجهدون الآن ليضعونه في قبيلة أخرى ، وانبرى إليه رجل من مخزوم فقطع عليه كلامه ، قائلاً: «لقد عدوت طورك يا بن سميّة ، وما أنت وتأمير قريش لأنفسها ؟! »(1).
وقد أترعت نفس الرجل بروح الجاهلية ، فراح يندد بابن سمية ، ويرى أنه عدا طوره ، وتجاوز حده لتدخله في شؤون قريش، وأي حق لقريش في هذا الأمر ؟! وهي التي ناهضت النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) وناجزته ، ووقفت في وجه دعوته ، وإنما الأمر للمسلمين يشترك فيه ابن سميّة - الذي أعزه الله بدينه - وسائر الضعفاء الذين ساندوا الرسول ، وحاموا عن دعوته ، فهؤلاء لهم الرأي ولهم الحكم ، وليس لطغاة قريش أي رأي لو كان هناك منطق أو حساب .
وعلى أي حال، فبعد ما كثر النزاع بين القوى الإسلامية الواعية، وبين القوى المنحرفة عنه التفت سعد إلى عبد الرحمن ، فقال له : ياعبدالرحمن ، افرغ من أمرك قبل أن يفتتن الناس » .
فأسرع عبد الرحمن إلى الإمام ، فقال : هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه ، وفعل أبي بكر وعمر ؟
فرمقه الإمام (عليه السلام) بطرفه وأجابه بمنطق الإيمان ومنطق الأحرار ، قائلاً: « بَلْ عَلى كِتابِ اللهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ وَاجْتِهادِ رَأيي»(2)
ولا يتوقع من الإمام(عليه السلام) غير ذلك ، فإنّ مصدر التشريع في الإسلام كتاب الله
وسنّة نبيه ، فعلى ضوئهما تسير الدولة ، وتعالج مشاكل الرعية ، وليس فعل أبي بكر وعمر من مصادر التشريع ، وقد نهج أبو بكر في سياسته منهجاً خاصاً لم يوافقه عمر فيه ، ويرى أنه كان بعيداً عن سنن التشريع .
فقد كان لأبي بكر رأيه الخاص في خالد بن الوليد حينما قتل مالك بن نويرة(1)
ويقول في ذلك :
فَقُلتُ خُذوا أَموالَكُمْ غَيْرُ خَائِفٍ*** وَلَا ناظر فيما يجيءُ مِنَ الغَدِ
فَإِنْ قامَ بِالدِّينِ المُخَوْفِ قَائِمٌ*** أَطَعْنا وَقُلْنَا الدِّينُ دِينُ مُحَمَّدِ
وهذا الشعر يدلّ على إيمانه وتمسكه الوثيق بدينه ، وقد زحف إليه خالد بن الوليد ،ولم يؤمر بقتاله ، فغشيه في الليل ، وبعد أداء فريضة الصلاة خف بجيشه إلى الاستيلاء على أسلحتهم ، وامساكهم وساقوهم أسرى إلى خالد ، وفيهم زوجة مالك ليلى بنت المنهال ، وهي من أشهر نساء العرب في جمالها ، فافتتن بها خالد ، وتجادل بالكلام مع مالك ، فقال له خالد : إنّي قاتلك .
قال له مالك : أو بذلك أمرك صاحبك - يعني أبا بكر- .
قال : والله إنّي قاتلك ، وكان عبد الله بن عمر وأبو قتادة الأنصاري إلى جانبه ، فعذلاه عن قتله ، فأبى وقال : لا أقالني الله إن لم أقتله ، وأمر ضرار بن الأزور بضرب عنقه ، فالتفت مالك إلى زوجته ، وقال لخالد : هذه التي قتلتني .
فقال له خالد : بل الله قتلك برجوعك عن الإسلام .
فردّ عليه مالك قائلاً: إنّي على الإسلام ، وقام ضرار فقتله صبراً وجعل خالد رأسه أثفية لقدر ، وقبض على زوجته وبنى بها في تلك الليلة ، ودراً أبو بكر عنه الحد بدعوى أنه تأوّل فأخطأ ، يراجع في تفصيل الحادث المؤسف النص والاجتهاد للإمام شرف الدين: 122.
،1) مالك بن نويرة بن حمزة التميمي ، اليربوعي ، يكنّى أبا حنظلة ، ويلقب «الجفول » ، كان شاعراً فارساً شريفاً ، معدوداً في قومه من فرسان بني يربوع في الجاهلية ، وكان من أرداف الملوك ، استعمله النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)لوثاقته ونباهته على صدقات قومه ، فلما بلغه وفاة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)أمسك عن الصدقة ، وفرّقها في قومه ، ولعله عمل في ذلك بالسنة التي نصت على توزيع الزكاة على فقراء المنطقة ، فإن فضل منها شيء يحمل إلى بيت المال ، وإلا فلا.
وزني بزوجته ، فقد رأى أبو بكر أن خالداً تأوّل فأخطأ فلا يستحق أن يقام عليه الحد ، ويرى عمر أنه لا بد من إقامة الحد عليه ، ولا مجال لاعتذار أبي بكر . وسلك أبو بكر في سياسته المالية منهجاً أقرب إلى المساواة من سياسة عمر التي انتهجت في كثير من شؤونها منهج الطبقية وتقديم بعض المسلمين على بعض في العطاء ، وحرّم عمر المتعتين ، وهما حسب اعترافه كانتا مشروعتين في عهد رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)،ولعمر فتواه المتعارضة في ميراث الجدّة وغيرها ، فعلى أي منهج منها يسير ابن أبي طالب رائد العدالة الاجتماعية الكبرى في الأرض ، ولو كان(عليه السلام)يروم الإمرة والسلطان لالتزم لابن عوف بشرطه ، وبعد ذلك يسير برأيه الخاص في الحكم، ويعتقل المعارضين له ، ولكنه(عليه السلام)أبى ذلك وحجزه إيمانه الوثيق أن يقرّ شيئاً لا يراه مشروعاً .
ولما يئس ابن عوف من الإمام انبرى إلى عثمان فشرط عليه ذلك ، فأبدى عثمان الموافقة لأي شرط ، وأرسل يده فصفق عبدالرحمن بكفّه عليها ، وقال : اللهم إنّي قد جعلت ما في رقبتي من ذاك في رقبة عثمان .
وعلا الضجيج والصخب بين الناس ، فقد فاز عميد الأمويين بالحكم ، وآلت إليه أمور الخلافة ، وانطلق أمير المؤمنين(عليه السلام) فقال لابن عوف : « وَاللهِ ! ما فَعَلْتَها إِلَّا لِأَنَّكَ رَجَوْتَ مِنْهُ ما رَجا صاحِبُكُما مِنْ صاحِبهِ ، دَقَّ اللَّهُ بَيْنَكُما عِطْرَ مَنْشِم (1)
وقد استجاب الله تعالى دعاء الإمام ، فكانت بين عثمان وابن عوف أشدّ المنافرة والخصومة ، وأوصى ابن عوف أن لا يصلّي عليه عثمان .
».والتفت إلى القرشيين فقال لهم : « لَيْسَ هذا أَوَّلُ يَوْمٍ تَظَافَرْتُمْ فِيهِ عَلَيْنَا ، فَصَبْرٌ
1) منشم - بكسر الشين : اسم امرأة كانت عطّارة بمكة ، وكانت خزاعة وجرهم إذا أرادوا القتال تطيّبوا من طيبها الذي تبيعه، وكانوا إذا فعلوا ذلك كثرت القتلى فيما بينهم ، فكان يقال : أشأم من عطر منشم - صحاح الجوهري : 5 : 2041.
جَميلٌ ، وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ» .
واندفع ابن عوف إلى الإمام يتهدّده قائلاً: يا علي ، لا تجعل على نفسك سبيلاً.
وغادر الإمام المسجد وهو يقول :« سَيَبْلُغُ الْكِتابُ أَجَلَه».
وانطلق الطيّب ابن الطيّب عمّار بن ياسر ، وهو يخاطب ابن عوف يا عبد الرحمن، أما والله لقد تركته ، وأنّه من الذين يقضون بالحق ، ويه كانوا
يعدلون »(1).
وخرج المقداد وهو مثقل الخطا ويقول : « تالله ! ما رأيت مثل ما أتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم .
واعجباً لقريش ! لقد تركت رجلاً ما أقول ولا أعلم أن أحداً أقضى بالعدل ولا أعلم ولا أتقى منه ، أما والله لو أجد أعواناً » .
وقطع عليه عبد الرحمن كلامه ، فقال له : « اتق الله یا مقداد ، فإنّي خائف عليك الفتنة»(2).
وأشرف الإمام الحسن(عليه السلام)على الانتخاب فراعه ما رأى من انقياد القوم نحو الأغراض الشخصية والمطامع ، واستبان له أنّ المهاجرين من قريش يحملون في نفوسهم حقداً وضغناً على أبيه ، وأن الدين لعق على ألسنتهم يحوطونه حيث ما درت معائشهم ، وقد تركت تلكم الصور التي اجتازت عليه في نفسه أشد الاستياء والتذمر ، وعرفته أنّ القوم يسيرون وراء مصالحهم وأطماعهم ، ولا شأن لهم بالمصلحة العامة.
وهنا نودع الإمام الحسن لنلتقي معه في عهد الخليفة الثالث .
نستقبل الحسن (عليه السلام)في عهد عثمان وهو في شرخ الشباب وعنفوانه ، فقد كان عمره ينيف على عشرين عاماً ، وهو دور يسمح لصاحبه أن يخوض معترك الحياة ، وأن يعطي رأياً في الناحية الاجتماعية ، فدخل الإمام(عليه السلام)في دوره هذا - على ما قيل - ميدان الجهاد و « الْجِهَادُ بابٌ مِنْ أَبْوابِ الْجَنَّةِ فَتَحَهُ اللَّهُ لِخاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ » ، فانضم إلى المجاهدين، حيث اتجهت ألويتهم الفاتحة إلى احتلال أفريقية سنة ( 26هـ )(1).
وتذكر المجاهدون في حفيد الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) شخصيّة جدّه ، فأبلوا بلاءاً حسناً حتى فتح الله على أيديهم ، وبعد ما وضعت الحرب أوزارها اتجه الحسن(عليه السلام) إلى عاصمة جده(صلی الله علیه وآله وسلم) والنصر حليفه ، وقلبه مفعم بالسرور والارتياح لتوسع النفوذ الإسلامي ،
1) العبر / ابن خلدون : 2 : 128 و 129 ، وجاء فيه : « أنّ عثمان وجه جيشاً إلى غزو أفريقية في سنة خمس وعشرين، وكانت قيادة الجيش بيد عبدالله بن نافع وعقبة بن نافع بن عبدالقيس ، فتوجّه الجيش إلى أفريقية، وكان عدده عشرة آلاف ، فلما وصلوا إليها لم يتمكنوا من فتحها ، وصالحهم أهلها على مال يؤدونه إليهم ، ثمّ إنّ عبد الله بن أبي سرح أخا عثمان من الرضاعة استأذن عثمان على غزو أفريقية وطلب منه أن يمده بالجيش ، فاستشار عثمان الصحابة ، فحبّذ إليه أكثرهم ذلك ، فجهز عثمان إليه جيشاً من المدينة فيهم ابن عباس وابن العاص وابن جعفر والحسن والحسين ، فساروا إلى أفريقية ففتحوها وذلك في سنة ( 26هـ) ، ولم يذكر صاحب الفتوحات الإسلامية انضمام الحسن والحسين(عليهم السلام)إلى الجيش » .
وانتشار دين جده ، ولما كانت سنة ثلاثين من الهجرة اتجهت الجيوش الإسلامية الفاتحة والتي يرفّ النصر عليها إلى احتلال طبرستان ، فانضم الحسن(عليه السلام)إليها(1)، وببركته فتح الله على أيديهم ، ورفّ لواء الإسلام عليها ، ففى سبيل المصلحة العامة وخدمة الدين اللذين هما فوق سائر الاعتبارات دخل الإمام الحسن(عليه السلام)في ميدان الجهاد والكفاح، وألقى الستار على ما يكنه في نفسه من الاستياء على ضياع حق أبيه ، وهو درس رائع يجب أن تستفيد منه الأحزاب السياسية القائمة في البلاد من أنّ عنعنات الحزبية يجب أن تلغى أمام صالح البلاد والمجتمع .
و ساس عثمان الأمّة حفنة من السنين ، فكانت سياسته بعيدة كل البعد عن سنّة الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) وسيرة الشيخين ، وبعيدة كل البعد عن روح ذلك العصر ، لأنها لم تتفق مع الناحية الدينية والاجتماعية ، لذلك كتب لها الفشل والخذلان، وسبب ذلك يرجع إلى عدم قدرة الخليفة على إدارة شؤون الأمة ، وعجزه من الناحية الإدارية ، وضعف إرادته ضعفاً يلمس في كافة أعماله .
وصدق« امرسن » في قوله :« إنّ قوّة الإرادة سرّ النجاح ، والنجاح غاية الوجود ، فإنّ قوّة إرادة نابليون ، وكرنت، والاسكندر، وغيرهم من رجال التاريخ ، هي التي خلدت أسماءهم ، وإنا لنرى عدداً كبيراً من رجال التاريخ لم ينتج انخذ الهم على ما اشتهروا به من الشجاعة والحنكة والذكاء إلا عن ترددهم ، وضعف إرادتهم ، وأن من المحال أن ندخل معترك الحياة ، ونرجو الفوز فيها دون أن تكون لدينا
1) تاريخ الأمم والملوك : 3: 233 و 234 . العبر : 2 : 134 . الفتوحات الإسلامية : 1 : 175 . جاء في كلّ هذه المصادر أنه غزا سعيد بن العاص طبرستان سنة ثلاثين من الهجرة ، وكان الأصبهبد قد صالح سويد بن مقرن على مال بذله له في أيام عمر بن الخطاب ، فلمّا كان دور عثمان جهز إليهم جيشاً بقيادة سعيد بن العاص، كان فيه الحسن والحسين وعبد الله بن عبّاس وغيرهم ، فلما وصلوا إليها فتحوها .
إرادة قوية »(1).
إن قوة الإراة لها الأثر التام في تكوين الشخص وفي خلوده في هذه الحياة ، وأنّ الشخص الضعيف المغلوب على أمره يستحيل أن يحقق أي هدف للأمة أو يبني لها كياناً ، وقد حرص الإسلام كل الحرص على إبعاد ضعيف الإرادة عن قيادة الأمة ، ومنعه من مزاولة الحكم لأنه يعرّض البلاد للأخطار ، ويجرّ لها الويلات والخطوب ، ويذهب بهيبة الحكم ومعنويّته ، ويغري ذوي القوة بالتمرد والخروج من الطاعة .
إن عثمان كان فاقد الإرادة إلى حد بعيد ، فلم تكن له قدرة لمواجهة الأحداث ، ولا قابليّة له للتغلب عليها ، فقد أوكل شؤون الدولة إلى مروان يتصرف بها حسب ما يشاء .
ونقل ابن أبي الحديد عن بعض مشايخه أنّ الخليفة في الحقيقة والواقع مروان ، وعثمان له اسم الخلافة لا غير.
وعلى أي حال، فلابد لنا أن نتبيّن قصة عثمان ، ونقف على حقيقتها وواقعها، فإنّ لها ارتباطاً وثيقاً بما نحن فيه ، فقد زعم غير واحد من المؤرّخين أنّ الإمام الحسن(عليه السلام)كان عثماني الهوى ، وأنه وقف يوم الدار مدافعاً عن عثمان ، وحزن عليه بعد مقتله حزناً بالغاً ، وأنه كان يندد بأبيه لأنّه لم يقم بنجدته وحمايته
وقد مال لذلك الدكتور طه حسين وأرسلها إلى القرّاء إرسال المسلمات ، من دون أن يتبين فيها ، ولا يعرف مدى واقعيّة ذلك ، إلا بعد التعرف على سياسة عثمان وسيرته ، فإنّها هي التي تكشف عن زيف هذه الأمور وعدم التقائها بواقع الإمام(عليه السلام)الذي كان يحمل هدي جده الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) وسيرة أبيه .
وقبل التحدّث عن سياسة عثمان نود أن نبيّن أنا لا نلتقي في كثير من بحوثنا الآتية
1) قوة الإرادة / اريسون سویت ماردن.
مع الدكتور طه حسين ، فقد حاول تبرئة عثمان ، وتنزيهه عن التهم التي ألصقت به بوجوه بعيدة خالية من التحقيق العلمي ، وقد تنصل في طليعة بحوثه عن عثمان عن كلّ هوى وتعصب طائفي ، فليس هو شيعة لعثمان وليس شيعة لعلي ، وإنّما يريد أن يخلص في بحوثه للحق ما وسعه إخلاصه للحق وحده(1).
ولكنّه لم يلتزم بوعده ، فانطلق يتمسك بالأسباب الواهية لتصحيح أخطاء السياسة العثمانية التي لم تساير في أي مرحلة من مراحلها كتاب الله وسنّة نبيه ، وسيرة الشيخين ، حتى نقم عليها خيار المسلمين وصلحاؤهم ، وثارت عليه الأقاليم الإسلامية ، وأحاطت به جماهير المسلمين يطالبونه أن يعتدل في سياسته ، وأن يسير على الطريق الواضح والمحجّة البيضاء ، فلم يستجب لذلك ، فأردوه صريعاً ، قد شقيت الأمّة بحكمه ، وامتحنت بعد مقتله .
إنّ الواجب يقضي بأن ننظر إلى هذه الأحداث بدقة وأمانة ، ونتعمق فيها ، ونبين معطياتها ، فإنّها ترتبط بواقعنا الديني ، وليس لنا أن نلتمس المعاذير لأي شخص كان فيما إذا جافت سيرته تعاليم الإسلام، وتنافت مع مبادئه وأحكامه ، وإلى القرّاء بعض تلك المؤاخذات التي تواجه سياسة عثمان :
واستقبل عثمان خلافته بالعفو عن عبيد الله بن عمر الذي ثار لمقتل أبيه ، فقتل بغير حق الهرمزان ، وجفينة ، وبنت أبي لؤلؤة ، وأراد قتل كلّ سبي بالمدينة ، فانتهى إليه سعد بن أبي وقاص ، فساوره وقابله بناعم القول ، حتّى أخذ منه السيف ، وأودع في السجن حتى ينظر عثمان في أمره .
ولمّا تمّت البيعة لعثمان اعتلى أعواد المنبر ، وعرض على المسلمين قصة
1) الفتنة الكبرى : 1 : 5 .
عبید الله ، فقال : « وقد كان من قضاء الله أنّ عبيد الله بن عمر أصاب الهرمزان ، وكان الهرمزان من المسلمين ، ولا وارث له إلا المسلمون عامة ، وأنا إمامكم وقد عفوت ، أفتعفون؟ » .
فانبرى جمع من الناس فأعلنوا الرضا والإقرار للعفو ، سوى الإمام أمير المؤمنين ، فقد أنكر على عثمان ولم يرض بقضائه ، وقال له : أَقِدِ الْفَاسِقَ فَإِنَّهُ أَتى عَظِيماً ، قَتَلَ مُسْلِماً بِلَا ذَنْبٍ .
وصاح الإمام بعبيد الله : يا فاسِقُ ... لَئِنْ ظَفَرْتُ بِكَ لَأَقْتُلَنَّكَ بِالْهَرْمُزانِ(1).
واندفع المقداد بن عمر فردّ على عثمان قائلاً: «إنّ الهرمزان مولى الله ولرسوله ، وليس لك أن تهب ما كان الله ولرسوله» (2).
ولم يرض ثقات المسلمين وصلحاؤهم بهذا العفو، واعتبروه تعدياً على الإسلام ، وخرقاً لحدوده، فكان زياد بن لبيد إذا لقى عبيد الله يقول له : أَلا يا عُبَيدَ اللَّهِ مَا لَكَ مَهرَبٌ*** وَلَا مَلجَةٌ مِنْ ابْنِ أَروى وَلَا خَفَرْ
أَصَبتَ دَماً وَاللهِ في غَيرِ حِلْهِ*** حراماً وَقَتَلُ الهُرْمُزانِ لَهُ خَطَرْ
عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ غَيرَ أَنْ قالَ قَائِلٌ*** أَتَتُهمونَ الهُرْمُزان عَلى عُمَرُ
فَقالَ سَفية وَالْحَوادِثُ جَمَّةٌ*** نَعَمْ أَنَّهِمْهُ قَدْ أَشَارَ وَقَدْ أَمَرْ
وَكانَ سَلاحُ الْعَبدِ فِي جَوفِ بَيْتِهِ *** يُقَلِّبُهُ وَالأَمرُ بالأمر يُعْتَبَرُ
وشكا عبيد الله إلى عثمان ، فدعا زياداً فنهاه عن ذلك ، ولكنه لم ينته وقد تناول بالنقد عثمان ، فقال فيه :
أَبا عَمرو عُبَيدُ اللهِ رَهْنٌ*** فَلَا تَشْكُلْ بِقَتلِ الهُرْمُزانِ
فَإِنَّكَ إِنْ غَفَرتَ الجُرْمَ عَنهُ ***وأسبابُ الخَطا فَرَسًا رِهان
لَتَعفُوَ إِذْ عَفَوتَ بِغَيْرِ حَقٍّ*** فَما لَكَ بِالَّذِي تُخْلِي يَدَانِ
وغضب عثمان على زياد فنهاه وزجره حتى انتهى (1).
وأخرج عبيد الله من يثرب إلى الكوفة ، وأنزله داراً ، فنسب الموضع إليه ، فقيل : كويفة ابن عمر .
وروى الطبري : أنّ عثمان استشار الصحابة في شأن عبيد الله ، فأشار عليه قوم بالعفو ، وقالوا : يقتل عمر أمس ويقتل ابنه اليوم ، وأشار عليه جماعة - منهم الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) - بالقود .
فقال له عمرو بن العاص : يا أمير المؤمنين ، إنّ الله قد أعفاك أن يكون هذا الحدث كان ولك على المسلمين سلطان ، إنّما كان هذا الحدث ولا سلطان لك ، فاستجاب عثمان لرأيه ، وقال : أنا وليهم وقد جعلتها دية ، واحتملها في مالي(2).
وقد حفلت هذه البادرة بما يلي من المؤاخذات:
1 - إن الإسلام قد ألزم ولاة الأمور بإقامة الحدود، وعدم التسامح والتساهل فيها للحفاظ على النظام العام، وصيانة النفوس، وحمايتها من الاعتداء ، وليس للحاكم أن يقف موقف اللين والتسامح مع المعتدي مهما كانت له من مكانة مرموقة في المجتمع ، وقد أعلن ذلك الرسول (صلی الله علیه وآله وسلم)و طبّقه على واقع الحياة ، فقد سئل أن يعفو عن سارقة لشرف أسرتها ، فأجاب : إِنَّما هَلَكَ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ لأَنَّهُمْ كانوا إذا أَذْنَبَ الضعيفُ فيهِمْ عاقبوهُ ، وَإِذا أَذْنَبَ الشَّرِيفُ تَرَكوهُ ، وَاللهِ لَوْ سَرَقَتْ فَاطِمَةً بِنْتُ مُحَمَّدٍ لَقَطْعتُ يَدَها(3).
وجلد(صلی الله علیه وآله وسلم)أصحاب الإفك ، وفيهم مسطح بن أثاثة(1)، وكان من أهل بدر .
هذا ما يقتضيه العدل الإسلامي الذي لا يفرّق بين الأبيض والأسود ، والضعيف والقوي ، والرئيس والمرؤوس، فهم سواسية أمام القانون ، وقد جافي عثمان ذلك ، وخالف ما يقتضيه العدل ، فلم يقد عبيد الله لأنه ابن عمر ، وفتى من فتيان قريش ، فآثر رضا آل الخطاب ورضا قريش فعفا عنه ، وأبعده إلى الكوفة ، ومنحه داراً يسكن فيها ، وقد فتح بذلك باب الفوضى والفساد ، ومكن ذوي النفوذ أن ينالوا من الضعفاء ، الذين ليس لهم ركن يأوون إليه .
2- إن عثمان قد ألغى رأي أمير المؤمنين الذي الزم بالقود ، وهو من دون شك أعلم بحدود الله وأحكامه ، واستجاب لرأي ابن العاص الذي عُرف ببغيه وحقده على الإسلام.
3 - إن المصلحة العامة كانت تقضي بالقود وعدم العفو عنه لأنه لو قتله لكان أقطع للفساد ، وأنفى للقتل ، ولم يقدم أحد من ذوي النفوذ على ارتكاب هذه الجريمة ، فإنّ ابن الخليفة قد اقتص منه ، ولكن عثمان لم يرع المصلحة العامة ، واستجاب إلى الأغراض الخاصة التي تتنافى مع مصلحة الأمّة .
4- إن الولاية للإمام إنّما تثبت فيما إذا علم أن المقتول لا وارث له ، والهرمزان من فارس ، فكان اللازم على عثمان أن يفحص عن وارثه ، ويتبين واقعيته ، ومع عدمه تثبت له الولاية ، ولكنه لم يفعل ذلك ، ولم يتحقق في أمره ، فأضفى على نفسه أنه وارثه ووليّه .
5- وليس للحاكم أن يعفو عن الدية ، وإنما له أن يصالح عليها كما يرى ذلك ملك العلماء الحنفي حيث يقول : « إن الإمام له أن يصالح على الدية ، إلا أنه لا يملك
1) أسد الغابة : 4 : 354 سير أعلام النبلاء : 1 : 187 .
العفو ، لأنّ القصاص حق المسلمين بدليل أن ميراثه لهم ، وإنّما الإمام نائب عنهم في الإقامة ، وفي العفو(1)(1) .
وعلى ضوء هذه الفتيا الحنفية فليس لعثمان صلاحية العفو عن الدية، وهذا الإشكال يسجل على عثمان على ما رواه بعضهم من أنّه عفا عن الدية .
هذه بعض المؤاخذات التي تواجه عثمان في عفوه عن عبيد الله وعدم قوده .
وحاول الدكتور طه حسين تبرئة عثمان ، ونفي المسؤوليّة عنه ، وكان اعتذاره لا يحمل طابعاً علمياً ونسوق إلى القراء مواضع دفاعه :
1 - فما كان عثمان ليستفتح خلافته بقتل فتى من فتيان قريش ، وابن من أبناء عمر ، وما كان عثمان ليهدر دم مسلم وذميّين ، وهو من أجل ذلك آثر العافية ، فأدّى دية القتلى من ماله الخالص إلى بيت مال المسلمين، وحقن دم عبيد الله بن عمر ، وفي إمضائه الحكم على هذا النحو سياسة رشيدة لو نظر الناس إلى القضيّة نظرة سياسيّة خالصة(2).
إنّ عثمان لو استفتح خلافته بقتل عبيد الله لوفى للمسلمين ما عاهدهم عليه من السير على ضوء كتاب الله وسنّة نبيه ، وتطبيق أحكام الشرع على واقع الحياة ، ولكنه انطلق في ميدان السياسة ، فآثر العافية ، وأهمل أحكام الدين .
وقد علق سماحة الإمام كاشف الغطاء(عليه السلام)على هذا الاعتذار بقوله :
« هذا من الأغلاط الواضحة ، فإن دم عبيد الله قد هدره الشرع ولم يحقنه - هذا
أولاً .. وثانياً إن القتل كان عن عمد ، وحكمه القصاص لا الدية ، وقد غلط الأوّلون وجاء الآخرون يوجهون غلطهم بغلط آخر»(1).
2 - ونعود فنقول : إنّ عثمان كان ولي أمر المسلمين ، وله بحكم هذه الولاية أن يعفو ، ونزيد على ذلك أنه حين عفا لم يعطل حداً من حدود الله ، ولم يهدر دم الهرمزان وصاحبيه ، وإنّما أدّى ديتهم من ماله لبيت مال المسلمين الذي كان يرثهم وحده »(2).
وقد علّق عليه سماحة المغفور له كاشف الغطاء ، قال ما نصه : « وهذا أيضاً غلط أدهى وأمر ، فإنّ واجب ولي أمر المسلمين إقامة حدود الله لا تعطيلها ، وإعطاء الدية في مورد القصاص من دون رضاء أولياء الدم تحكم في أحكام الشرع وتلاعب بالدين» .
3 - وقد أمر النبي أن تدرأ الحدود بالشبهات ، فلعل عثمان قد درأ هذا الحدّ عن عبيد الله بالشبهة التي تأتي من غضبه لأبيه ، واندفاعه مع شهوته الجامحة . والله قد حبب إلى المسلمين العفو حين يقدرون ، وجزاهم عليه خيراً».
وهذا من الأغلاط الفظيعة ، فإنّ الغضب لا يصلح أن تدرأ به الحدود ، وإلا لوجب أن يدرأ الحدّ عن كلّ قاتل على نحو العموم ، فإنّ القتل على الأكثر إنّما يصدر عن الغضب والثورة الجامحة ، وقاعدة الحدود تدرأ بالشبهات لا تنطبق على ما نحن فيه ، فلها مواردها الخاصة ، والمورد ليس من مصاديقها ، ولو كان الغضب موجباً لسقوط القود لاعتذر به عثمان ، ودافع به عن نفسه حينما أنكر عليه أمير المؤمنين
وغيره ، فهل الدكتور أعرف بمواقع السنة من عثمان ؟ !
إنّ دفاع الدكتور خال من التحقيق ، وليست له أي صبغة تشريعية ، ولا يمكن أن يبرّر عمل عثمان ويقصي عنه المسؤولية .
ومهما يكن من أمر ، فإنّ عفو عثمان عن عبيد الله لم يكن المقصود منه إلا تطييب قلوب آل الخطاب ، وإرضاء القرشيين ، وليس فيه أي مصلحة للأمة .
واحتاط الإسلام احتياطاً شديداً في أموال الدولة ، وألزم الولاة والحكّام أن ينفقوها على المرافق العامة وعلى إصلاح الحياة ، ومكافحة الفقر ، وإعالة الضعيف ، والإنفاق على العاجزين كالأرامل والأيتام ، وليس لهم أن يدخروا منها لأنفسهم ، ولا أن يصطفوا منها لذراريهم ، فليست طعمة لهم ، ولا ملكاً يتصرفون فيها حيثما شاءوا .
يقول الإمام أمير المؤمنين لعبد الله بن زمعة لما قدم عليه في خلافته يطلب منه مالاً : «إِنَّ هَذَا الْمَالَ لَيْسَ لى وَلَا لَكَ ، وَإِنَّما هُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَجَلْبُ أشيافِهِمْ، فَإِنْ شَرِكْتَهُمْ فِي حَرْبِهِمْ، كَانَ لَكَ مِثْلُ حَظَّهِمْ ، وَإِلَّا فَجَنَاةٌ أَيْدِيهِمْ لَا تَكُونُ لِغَيْرِ أَفْوَاهِهِمْ »(1)
وكتب (عليه السلام)إلى قثم بن العباس عامله على مكة : « وَانْظُرْ إِلَى مَا اجْتَمَعَ عِنْدَكَ مِنْ مالِ اللهِ فَاصْرِفْهُ إِلَى مَنْ قِبَلَكَ مِنْ ذَوِي الْعِيالِ وَالْمَجَاعَةِ، مُصِيباً بِهِ مَواضِعَ الْفَاقَةِ وَالْخَلَاتِ وَمَا فَضَلَ عَنْ ذَلِكَ فَاحْمِلُهُ إِلَيْنا لِنَقْسِمَهُ فِيمَنْ
1) نهج البلاغة : 2 : 226. شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 13 : 10.
قِبَلَنا »(1).
ويقول رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم):« إِنَّ رِجالاً يَتَخَوَّضونَ في مالِ اللهِ بِغَيْرِ حَقٌّ ، فَلَهُمُ النّارُ يَوْمَ القيامة »(2).
هذا هو نظر الإسلام بإيجاز في الناحية المالية ، فهو يلزم المسؤولين بصرف أموال الدولة على إنعاش المواطنين، وإنقاذهم من البؤس والحاجة ، وليس لهم بأي حال أن يتاجروا بها في شراء الضمائر ، وصلة غير المحتاج ، ولكن عثمان لم يطبق ذلك لا بكثير ولا بقليل ، فقد تسلّط على الخزينة المركزية ، ووهب الأموال الطائلة بسخاء إلى الأمويين وإلى آل أبي معيط لتقوية نفوذهم وتركيزهم في البلاد ، فقاموا بدورهم باستغلال المسلمين ، والتلاعب بمقدراتهم ، والتحكم في مصيرهم ، كما منح الأموال الطائلة إلى الوجوه والأعيان الذين يخاف جانبهم ، ويحذر سطوتهم نظراً لنفوذهم السياسي في البلاد ، وقد أدى ذلك إلى تضخم الثراء وتكدّس الأموال عند طائفة من الناس حاروا في صرفها وفي إنفاقها .
ومن الطبيعي أن ذلك يؤدّي إلى نشر الفاقة ، وذيوع الفقر والبؤس بين الناس ، الأمر الذي يتنافى مع اتجاه الإسلام الذي يحرص كل الحرص على إسعاد المجتمع ، ونشر الرفاهية ، وبسط السعة بين الناس ، ونسوق بعض البوادر للاستدلال بها على ما ذكرناه :
ومنح عثمان أموال المسلمين إلى أسرته ، وذوي قرباه الذين تنكروا للإسلام ، وقابلوه وناجزوه الحرب ، فأوصلهم وبرّ بهم ، وحملهم على رقاب الناس ، ووهبهم
الثراء العريض يتمتعون فيه ، ويبالغون في البذخ والإسراف ، وإلى القراء بعض أولئك الذين أغدق عليهم هباته :
ووهب عثمان إلى أبي سفيان مائتي ألف من بيت المال(1)أعطاه هذه المنحة وهو رأس المشركين يوم أحد والأحزاب ، وفي طليعة الحاقدين على الإسلام والناقمين منه ، وما دخل الدين في قلبه ، ولا انتزعت روح الجاهلية من نفسه ، وهو الذي انطلق إلى قبر حمزة فركله برجله ، وقال : يا أبا عمارة ، إنّ الأمر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمسى في يد غلماننا يتلعبون به » ، ثمّ مضى مثلوج القلب .
ودخل على عثمان بعد أن فقد بصره ، فقال : « اللهم اجعل الأمر أمر جاهلية ، والملك ملك غاصبية ، واجعل أوتاد الأرض لبني أمية » (2)
فهل من العدل والإنصاف أن تمنح أموال المسلمين إلى هذا المنافق الذي أترعت روحه بالعداء والبغض للإسلام ؟ !
وهل تبيح الشريعة الإسلاميّة إعطاء هذه الأموال إلى شخص ما آمن بالله طرفة عين ؟!
وأجزل عثمان العطاء إلى الحارث بن الحكم لأنه صهره من عائشة ، فقد أعطاه ثلاثمائة ألف درهم(3)، ووردت إبل الصدقة إلى المدينة فوهبها له (4)، وأقطعه سوقاً
في يثرب يعرف بتهروز بعد أن تصدق به رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)على جميع المسلمين(1)،وبماذا استحق الحارث أن يمنح هذه الأموال الطائلة ؟ فهل أسدى خدمة للإسلام أو قام بعمل نفع به المسلمين حتّى يستحق أن يوصل بهذه الأموال ؟
هذا مع أنّ إبل الصدقة يجب أن تنفق على الفقراء والمعوزين، كما أنه كيف خصّه بصدقة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)مع أنّها لجميع المسلمين ، فلا مبرر ولا مسوغ له في هذا العطاء الذي خالف به أحكام الله ، وتنافى مع صالح الأمة .
وأعطى عبد الله بن سعد بن أبي سرح أخاه من الرضاعة جميع ما أفاء الله به من فتح أفريقيا بالمغرب ، وهي من طرابلس الغرب إلى طنجة ، ولم يشرك في عطائه أحداً من المسلمين(2).
وهو أحد أعلام المشركين ، ومن الذين تنكروا للإسلام ، وكفروا بقيمه ، وسنذكر في ترجمته في البحوث الآتية ما يثبت ذلك ، فكيف جاز لعثمان أن يصله بهذه الأموال الهائلة ، ويمنحه هذا الثراء العريض .
ويجدر بنا قبل أن نذكر هبات عثمان وصلاته للحكم أن نتعرّف على واقعيّته ، وبعض شؤونه ليتضح أنّه كان خليقاً بالقطيعة والإقصاء ، وجديراً بالتوهين والاستخفاف ، وإنّ منحه أموال المسلمين أمر لا مبرر له بأي حال، وإلى القرّاء ذلك :
و وقف الحكم في وجه الدعوة الإسلاميّة ، فكان يحرّض الناس على البقاء على
عبادة الأوثان ، ويمنعهم من الدخول في حضيرة الإسلام ، وقد التقى مروان بحويطب فسأله عن عمره ، فأخبره به ، فقال له مروان : « تأخر إسلامك أيها الشيخ حتى سبقك الأحداث ؟ ! » .
فقال حويطب : « والله لقد هممت بالإسلام غير مرّة ، كل ذلك يعوقني أبوك يقول : تضع شرفك ، وتدع دين آبائك لدين محدث ، وتصير تابعاً»(1)
إنّ الحكم وبقيّة الأسرة الأموية ناهضت الإسلام، وبذلت جميع إمكانياتها في صدّ الدعوة الإسلامية ومكافحتها بشتى الأساليب ، ولكن الله ردّ كيدهم ، ونصر الإسلام وأعزّ دينه .
كان الحكم من ألد أعداء رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)ومن أحقدهم عليه ، وقد بالغ في إيذائه والتوهين به ، والاستخفاف بمقامه الرفيع، فكان يمرّ خلفه فيغمز به ويحكيه ، ويخلج بأنفه وفمه (2)، والتفت النبي فرآه يفعل ذلك ، فقال : كذلِكَ فَلْتَكُنْ ، فكان الحكم مختلجاً يرتعش حتى مات ، وقد عيّره بذلك عبدالرحمن بن حسان بن ثابت ، فقال في هجاء عبد الرحمن بن الحكم :
إِنَّ اللعين أبوك فارم عِظامَهُ *** إِن تَرم ترم مُخلجاً مجنوناً
يُمسي خميصَ البَطنِ مِنْ عَمَل التقى*** وَيَظَلُّ مِنْ عَمَلِ الخَبِيثِ بَطيناً (3)
واستأذن هذا الخبيث الماكر على النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)فقال (صلی الله علیه وآله وسلم): انْذَنوا لَهُ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ
وَعَلَى مَنْ يَخْرُجُ مِنْ صُلْبِهِ إِلَّا الْمُؤْمِنِينَ ، وَقَلِيلٌ ما هُمْ ، ذَوو مَكْرٍ وَخَديعَةٍ ، يُعْطُونَ الدُّنْيا ، وما لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ(1).
وأمر(صلی الله علیه وآله وسلم) الإمام عليّاً أن يقوده كما تقاد الشاة ، ويأتي به إليه ، فانطلق الإمام وجاء به وهو رسول آخذ بأذنه حتى أوقفه بين يدي رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)فلعنه ثلاثاً ، ثمّ قال : أَحِلَّهُ ناحِيَةً ، حتى راح إليه قوم من المهاجرين والأنصار ، ثم دعا به ثانياً فلعنه ، وقال : إنَّ هذا سَيُخالِفُ كِتابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ ، وَسَتَخْرُجُ مِنْ صُلْبِهِ فِتَنُ يَبْلُغَ دُخَانُهَا السَّمَاءَ.
فقال له قوم : هو أقل وأذل من أن يكون هذا منه
فقال(صلی الله علیه وآله وسلم) : بَلَى وَبَعْضُكُمْ يَوْمَئِذٍ شِيعَتُهُ (2).
وكان هذا الرجس الخبيث يفشي أحاديث رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، ويبالغ في إيذائه ، فنفاه إلى الطائف ، وقال : « لَا يُساكِنني» (3)ولم يزل منفيّاً هو وأولاده طيلة خلافة الشيخين ، وقد توسط عثمان في شأنه عندهما ، فلم يستجيباله ، وظلّ مبعداً منفيّاً .
ولما آل الأمر إلى عثمان أصدر عنه العفو فقدم إلى يثرب ، وعليه فزر خلق وهو يسوق تيساً والناس ينظرون إلى رنّة ثيابه ، وسوء حاله ، فدخل دار عثمان ثم خرج وعليه جبّة خز وطيلسان(4)ووصله بمائة ألف(5).
وولاه على صدقات قضاعة ، فبلغت ثلاثمائة ألف درهم ، فوهبها له(1)، وقد أدّى ذلك إلى شيوع السخط والانكار عليه لأنه أوى طريد رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)ومنحه أموال الصدقة التي جعلها الله للفقراء والمحرومين وذوي الحاجة ، فكيف ساغ له أن يمنحها لهذا اللعين على لسان رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، والحكم في هذه المسألة للقرّاء .
ومنح عثمان سعيد بن العاص مائة ألف درهم(2)، وهو من فسّاق بني أمية ومن فجارهم ، وكان أبوه من أعلام المشركين ، قتله الإمام أمير المؤمنين يوم بدر(3)، وقد أثار ذلك السخط على عثمان ، فأنكر عليه ثقات المسلمين وصلحاؤهم .
والوليد بن عقبة أخو عثمان من أمه ، وكان فاسقاً ماجناً لا يرجو الله وقاراً كما سنبين ذلك عند التحدّث عن ولاة عثمان وعماله - قدم الكوفة فاستقرض من عبد الله بن مسعود أموالاً طائلة من بيت المال فأقرضه ، وطلبها منه عبدالله ، فكتب الوليد إلى عثمان بذلك ، فرفع عثمان مذكرة إلى ابن مسعود جاء فيها : إنّما أنت خازن لنا ، فلا تعرض للوليد فيما أخذ من المال.
فطرح ابن مسعود المفاتيح ، وقال : كنت أظنّ أنّي خازن للمسلمين ، فأما إذا كنت خازناً لكم فلا حاجة لى فى ذلك ، وأقام بالكوفة بعد أن استقال من منصبه(4)، وكيف ساغ لعثمان أن يبدد أموال المسلمين، ويهبها إلى أعداء الله وخصوم
الإسلام ، ولنترك الحكم في ذلك للقراء .
ومروان بن الحكم هو الذي لعنه رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وهو في صلب أبيه ، كما رواه الإمام الحسن(عليه السلام)(1)، ولما ولد جيء به إلى رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، فقال : هو الوزغ ابن الوزغ ، الملعون ابن الملعون (2).
ونظر إليه الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، فقال له : وَيْلٌ لَكَ ، وَوَيْلٌ لأمَّةٍ مُحَمَّدٍ مِنْكَ ، وَمِنْ بَنيك إذا شابَ صُدْعَاكَ(3).
وكان رأساً من رؤوس المنافقين، ووجهاً من وجوه أهل الضلال والباطل ، وكان يلقب خيط باطل ، وفيه يقول الشاعر :
لَعَمرُكَ ما أَدري وَإِنِّي لَسائِلٌ*** حليلة مضروب القفا كَيفَ يَصنَعُ
لحى اللهُ قَوماً أَمروا خَيطَ باطِلِ*** على النَّاسِ يُعْطي ما يَشاءُ وَيَمْنَعُ(4)
وقد عرف بالغدر ، ونقض الوعد ، وخيانة العهد .
يقول الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)حينما كلّمه السبطان في مبايعة مروان له : لا حاجَةَ لي فِي بَيْعَتِهِ ! إِنَّهَا كَفِّ يَهُودِيَّةٌ لَوْ بِايَعَنِي بِكَفِّهِ لَغَدَرَ بِسُبْتِهِ ، أَمَا إِنَّ لَهُ إِمْرَةٌ كَلَعْفَةِ الْكَلْبِ أَنْفَهُ ، وَهُوَ أَبو الأَكْبَشِ الْأَرْبَعَةِ ، وَسَتَلْقَى الأُمَّهُ مِنْهُ وَمِنْ وَلَدِهِ يَوْمَا أَحْمَرَ !(5).
وهذا الوزغ الرجس قد برّ به عثمان وأحسن إليه ، ومكنه من بيت المال يهب منه
لمن شاء ، ويمنع عنه من شاء ، ونسوق إلى القرّاء الهبات الضخمة التي منحها عثمان لمروان ، وهي :
1 - أعطاه خمس غنائم أفريقيا ، وقد بلغت خمسمائة ألف دينار، وقد عيب عثمان على ذلك وهجاه عبد الرحمن بن حنبل ، بقوله :
سَأَحْلِفُ بِاللهِ جَهِدَ اليَمي***ـن ما تَرَكَ اللهُ أَمْراً سُدى
وَلكِن خلفت لَنا فِتْنَةٌ*** لِكَي نَبتَلى لَكَ أَوْ تُبتلى
فَإِنَّ الأمينين قَدْ بَيَّنا ***مَنارَ الطَّريقِ عَلَيهِ الهُدى
فَما أَخَذا دِرْهَماً غيلَةً ***وَما جَعَلا دِرْهَماً في الهَوى
دَعَوتَ اللعينَ فَأَدنَيتَهُ*** خلافاً لِسُنَّةِ مَنْ قَدْ مَضى
وَأَعطيتَ مَروان خُمْسَ العِبا*** دِ ظُلماً لَهُمْ وَحَميتَ الحِمى (1)
2 - إنه منحه ألفاً وخمسين أوقية ، ولا نعلم أنّها من الذهب أو الفضة ، وهي من جملة الأمور التي سببت النقمة على عثمان(2).
3 - أعطاه مائة ألف من بيت المال ، فجاء زيد بن أرقم صاحب بيت المال بالمفاتيح فوضعها بين يدي عثمان ويكي، فنهره عثمان وقال له : أتبكي إن وصلت رحمي ؟
-ولكن أبكي لأني أظنّك أنك أخذت هذا المال عوضاً عما كنت أنفقته في سبيل الله في حياة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، ولو أعطيت مروان مائة درهم لكان كثيراً .
فزجره عثمان وصاح به : ألق المفاتيح يا بن أرقم ، فإنّا سنجد غيرك(3).
4- وأقطعه فدكاً ، ووهبها له(1)، وهي على كل حال لا تصح هبتها لأنها إن كانت نحلة لفاطمة (عليها السلام)كما تقول فهي لأبنائها ، وإن كان صدقة كما زعم أبو بكر فهي لجميع المسلمين ، وليس لعثمان أن يتصرف فيها على كلا الوجهين .
وعلى أي حال، فأي خدمة أسداها مروان للأمة ، وأي مكرمة أو مأثرة صدرت منه حتى يستحق هذا العطاء الجزيل ، ويمنح هذا الثراء العريض ؟ !
هذه بعض أعطيات الخليفة ومنحه إلى أسرته وذوي قرباه ، وهي من دون شك لا تتفق مع كتاب الله وسنّة نبيه ، فإنّهما ألزما بالمساواة بين القريب والبعيد ، وأهابا بالحاكمين أن لا يميّزوا قوماً على آخرين، وأن يطبقوا العدل في جميع المجالات.
وكان من الطبيعي أن تثير هذه السياسة سخط الأخيار والصلحاء والمتحرّجين في دينهم ، بل وسخط العامة الذين ينظرون إلى بني أمية نظرة ريبة وشك في إسلامهم ، ويرون في هذا العطاء امتداداً لهم ، وتقوية لنفوذهم ، وبسطاً لسلطانهم ، حتى نقم من عثمان عبدالرحمن بن عوف الذي انتخبه وعيّنه حاكماً على المسلمين ، فكان يقول : « عاجلوه قبل أن يتمادى في ملكه » .
وكان يقول للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) :«خذ سيفك وآخذ سيفي ، فإنّه قد خالف ما أعطاني »، ولما حضرته الوفاة أوصى أن لا يصلي عليه (2).
لقد شاع التذمر بين المسلمين من جراء هذه السياسة الملتوية ، وقد أنكرت عليه الخاصة والعامة حينما استأثر بالسفط الذي كان في بيت المال ، فأخذ منه ما حلّى به بعض أهله وصعد على إثر ذلك أعواد المنبر ، فقال : « لنأخذن حاجتنا من هذا الفيء
وإن رغمت به أنوف أقوام».
وقد أثار هذا الكلام سخط الناس ، فتصدى أمير المؤمنين لا إلى ردّه ، فقال له : « إِذَنْ تُمْنَعُ مِنْ ذلِكَ ، وَيُحالُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ » .
واندفع الصحابي العظيم عمّار بن ياسر ، فأيّد مقالة الإمام ، وأعلن نقمته على عثمان ، فقال : « أشهد أنّ أنفي أوّل راغم من ذلك » .
ولما منح سعيد بن العاص مائة ألف درهم، انطلق الإمام أمير المؤمنين مع جماعة من أعلام الصحابة فعابوا عليه عمله ، وأنكروا عليه هذا العطاء ، فقال لهم : إن له قرابة ورحماً .
فردوا عليه حجّته ، وقالوا له : أفما كان لأبي بكر وعمر قرابة ؟
فأجابهم : إنّ أبا بكر وعمر كانا يحتسبان في منع قرابتهما ، وأنا أحتسب في إعطاء قرابتي(1).
لقد نقم المسلمون من عثمان ، وسخط عليه خيارهم ، لأنه استأثر بالفيء ، ومنح أموال المسلمين إلى بني أمية ، ولم يطبق في سياسته العدل الاجتماعي الذي جاء به الإسلام.
واعتذر عثمان للناقدين لسياسته بأنه وصل رحمه ، وير بذي قرباه ، وليس في ذلك مأثم عليه أو مخالفة للشرع كما يراه ، ولا بد لنا من وقفة قصيرة أمام هذا الاعتذار لنعرف مدى واقعيّته وصحته ، والذي يقتضيه النظر أنه منطق مفلوج لا يتفق مع الشرع ، ولا يلتقي بصالح الأمة ، وذلك :
أولاً : إن الأموال التي منحها لأسرته لم تكن من أمواله الخاصة لتكون له مندوحة
1) أنساب الأشراف : 5: 28
في إنفاقها عليهم ، وإنّما هي أموال المسلمين ، فيجب إنفاقها عليهم ، وليس لرئيس الدولة أن يتصرّف فيها بقليل ولا بكثير، فقد ورد عقيل من يثرب وهو بائس مضطرّ إلى أخيه أمير المؤمنين(عليه السلام)، فطلب منه وفاء دينه ، فقال له الإمام : كَمْ دَيْنُكَ ؟
أربعون ألفاً .
ما هِيَ عِنْدِي ، وَلكِنِ اصْبِرْ حَتَّى يَخْرُجَ عَطَائِي فَأَدْفَعَهُ لَكَ .
بيوت المال بيدك وأنت تسوفنى بعطائك ؟
أَتَأْمُرُنِي أَن أَدْفَعَ إِلَيْكَ أَمْوالَ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَدِ انْتَمَنونِي عَلَيْها(1)
هذا هو منطق الإسلام ، وهذا عدله ، وهذه مساواته ، إنّه لا يفرّق بين القريب والبعيد ، فالجميع سواسية في العطاء وغيره .
وثانياً : إن أسرته التي برّ بها خليقة بالقطيعة ، وجديرة بأن لا توصل ، لأنها ناهضت الإسلام وناجزته الحرب ، وهي الشجرة الملعونة في القرآن ، فقد أخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عمرو ، أن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)قال : رَأَيْتُ وَلدَ الْحَكَم بْنِ أبي الْعَاصِ عَلَى الْمَنابِرِ كَأَنَّهُمُ الْقِرَدَةُ ، فَأَنْزَلَ اللهُ: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةٌ لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَۀ(2)يعني الحكم وولده(3).
وقالت عائشة لمروان : سمعت رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)يقول لأبيك - أي العاص بن أمية - :إِنَّكُمُ الشَّجَرَةُ الْمَلْعُونَةُ فِي الْقُرْآنِ (4).
وقد نهى الله عن موادة المعادين له ، وحرّم مواصلتهم . قال تعالى : لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ
أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ(1) لقد كان عثمان شديد الحب للأمويين ، فقد قال : «لو أنّ بيدي مفاتيح الجنّة لأعطيتها بني أمية حتى يدخلوا عن آخرهم»(2).
وهذا الحبّ العارم لأسرته هو الذي أجهز عليه ، وحفّز القوى الإسلامية إلى الثورة عليه والاطاحة بحكمه وقتله
ووهب عثمان أموال المسلمين إلى الوجوه والأعيان ، وذوي النفوذ السياسي ممّن يحذر جانبهم ، فوصل طلحة بمائتي ألف دينار .
وكانت له عليه خمسون ألفاً ، فقال له طلحة : تهيّأ مالك فاقبضه ، فوهبه له ، وقال : هو لك يا أبا محمد على مروءتك(3).
ووصل الزبير بستمائة ألف ، ولما قبضها جعل يسأل عن خير المال ليستغل صلته ، فدلّ على اتخاذ الدور في الأقاليم والأمصار(4)، فبنى إحدى عشرة داراً بالمدينة ، ودارين بالبصرة ، وداراً بالكوفة ، وداراً بمصر(5).
ووهب أموالاً طائلة لزيد بن ثابت حتى بلغ به الثراء أنّه لمّا توفّي خلف من الذهب والفضة ما يكسر بالفؤوس ، غير ما خلّف من الأموال والضياع مائة ألف دينار (6).
ومنح أموالاً أخرى إلى السائرين في ركابه ، والمؤيدين لسياسته ، وقد ذكر بالتفصيل تلك الهبات شيخ المحققين الأميني في موسوعته الخالدة (1).
وبأي وجه تصح هذه الهبات ، وهي أموال المسلمين ، وقد فُرض فيها أن تصرف على إصلاح المجتمع ، وإنقاذ الفقير والمحروم من البؤس والفاقة ، لا أن يتاجر بها في شراء الضمائر ، وتأييد الحكم القائم ، فإن ذلك لا يقره الإسلام بحال من الأحوال.
واستنزف عثمان بيوت الأموال ، فاصطفى منها ما شاء لنفسه وعياله ، وبالغ في البذخ والإسراف ، فبنى داراً في يثرب شيدها بالحجر والكلس ، وجعل أبوابها من الساج والعرعر ، واقتنى أموالاً وجناناً وعيوناً بالمدينة(2).
وكان ينصد أسنانه بالذهب ، ويتلبس بأثواب الملوك ، وأنفق أكثر بيت المال في عمارة ضياعه ودوره (3).
ولمّا قُتل كان عند خازنه ثلاثون ألف ألف درهم ، وخمسمائة ألف درهم و خمسون ومائة ألف دينار ، وترك ألف بعير وصدقات ببراديس وخيبر ووادي القرى قيمة مائتي ألف دينار(4).
إن عثمان قد نهج منهجاً خاصاً في سياسته المالية ، فلم يتقيد بكتاب الله ولا بسنّة نبيه ، فتصرّف في بيت المال تصرفاً كيفيّاً ، فأخذ منه ما شاء ، ومنح من
أحبّ ، ووهب لمن سار في ركابه ، وقد وصف الإمام أمير المؤمنين هذه السياسة الملتوية بقوله :« إِلَى أَنْ قامَ ثالِثُ القَوْمِ - يعني عثمان - نافِجَاً حِضْنَيْهِ(1)، بَيْنَ نَشِيلِهِ وَمُعْتَلَفِهِ(2)، وَقامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضَمُونَ مالَ الله خِضْمَةَ الْإِبِلِ نَبْتَةَ الرَّبِيعِ ، إِلَى إِلَى أَنِ انتَكَثَ عَلَيْهِ فَتْلُهُ ، وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ ، وَكَبَتْ بِهِ بِطْنَتُهُ »(3).
وهذا أبدع ما توصف به السياسة المنحرفة التي تتخذ الحكم وسيلة للثراء والتمتّع بملاذ الحياة ، ولا تقيم وزناً للأمة ، ولا تعتنى بمصالحها وأهدافها.
وقد أصدر الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) قراره الحاسم بعد أن استولى على زمام الحكم بمصادرة جميع الأموال التي استأثر بها عثمان لنفسه ، والتي وهبها لخاصته وأقربائه ، وهذا نص قراره : «أَلَا وَإِنَّ كُلَّ قَطِيعَةٍ أَقْطَعَها عُثْمَانُ ، وَكُلَّ مالٍ أَعْطاهُ مِنْ مالِ اللَّهِ ، فَهُوَ مَرْدُودٌ في بَيْتِ الْمَالِ ، فَإِنَّ الْحَقِّ الْقَديمَ لَا يُبْطِلُهُ شَيْءٌ ، وَلَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزَوِّجَ بِهِ النِّسَاءُ ، وَمُلِكَ بِهِ الْإِمَاءُ ، وَفُرَّقَ فِي الْبُلْدَانِ لَرَدَدْتَهُ إِلَىٰ حَالِهِ؛ فَإِنَّ فِي الْعَدْلِ سَعَةٌ ، وَمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ الْعَدْلُ فَالْجَوْرُ عَلَيْهِ أَضْبَقُ »(4).
وكان هذا الاجراء الذي اتخذه الإمام على وفق العدل الإسلامي الذي حدد صلاحية المسؤولين، ولم يطلق لهم العنان في التصرّف بأموال الأمة والاستئثار بها ، فليس لهم أن يصطفوا منها لأنفسهم ولا لذراريهم، فهذا رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)قد جاءته ابنته الوحيدة التي لاعقب له سواها تطلب منه أن يبغي لها وصيفاً يخدمها لأن يديها
1) نافِجاً حِضْنَيْهِ : أي رافعاً لهما ، والحضن : ما بين الإبط والكشح . يقال للمتكبر : جاء نافجاً حضنيه ، ويقال لمن امتلأ بطنه طعاماً : جاء نافجاً حضنيه ، ومراده(عليه السلام)هو الثاني .
2) النثيل : الروث . المعتلف : موضع العلف يريد به أنّ همه الأكل والرجيع ، وهذا من ممض الذم كما يقول ابن أبي الحديد.
3) شرح نهج البلاغة : 1 : 197.
4) نهج البلاغة : 1 : 46 . شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 1: 269 .
قد مجلت من الرحى ، فلم يجد(صلی الله علیه وآله وسلم)مجالاً لأن يأخذ من بيت المال ما يشتري به وصيفاً يعين ابنته ، فردّها ، وعلمها التسبيح الذي يُنسب لها .
وقد سار على هذه السيرة وصيّه وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) ، فقد جاء أخوه عقيل يستميحه البرّ، ويطلب منه السعة والرفاهية ، فأحمى له حديدة كاد أن يحترق من ميسمها ، هذا هو منطق الإسلام الذي جاء لإسعاد الشعوب وإصلاحها وإنقاذها من البؤس والفقر والحرمان .
وتناقضت أقوال الدكتور طه حسین تناقضاً صريحاً في تصوير السياسة المالية التي انتهجها عثمان ، فتارة يسف في قوله فيزعم أنه كان محافظاً على سيرة عمر في سياسة المال ، فلم يخالفه في ذلك ، ولم يشذ عنه في جميع أعماله الإدارية والحربية ، وفيما كان يأخذ به عامة المسلمين من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتزام السنّة الموروثة ، واجتناب التكلف والابتداع(1).
وأخرى يستقيم في قوله ، فيذهب إلى أنّه انحرف عن سياسة عمر في الإبقاء على بيت المال ، وفي ألا ينفق منه إلا بمقدار الحاجة إلى الإنفاق ، وأنه كان ينكر تشدّد عمر ، ويرى أن في بيت المال ما يسع الناس أكثر مما وسعهم أيام عمر ، فهو نقد غير مباشر لسيرة عمر في سياسة بيت المال (2).
ومعنى هذا أنه لم يتقيد بسيرة عمر ، ولم يطبق سياسته على واقع حكومته ، وهذا ينافي ما ذكره أوّلاً ، من أنه كان يسير على وفق الأهداف التي سار عليها عمر . وعلى أي حال، فقد مال أخيراً إلى تصحيح سياسته المالية ، وأنها لم تخالف
السنّة الموروثة، ولم تخل من الخير ومراعاة الصالح العام، ونسوق نص كلامه في ذلك مع مواقع النظر فيه ، وهو كما يلي .
أفاد الدكتور ما نصه : « الشيء المحقق هو أن عثمان لم يداهن في دينه ، والشيء المحقق أيضاً هو أنّ عثمان لم ير في سياسته تلك مخالفة خطيرة أو غير خطيرة لسيرة الشيخين ، فهو لم يعتمد الجور ولا المحاباة ، وإنّما وسّع على الناس من أموالهم ، رأى في بيت المال غنى ، فآثر الناس به، ولم يغفل في الادّخار ، وأي حرج في أن يصل أصحاب النبي بشيء من هذا المال ، قليل أو كثير ، وهم أئمة الإسلام ، وبناة الدولة ، وأصحاب البلاء الحسن أيام النبي ، وهم قد احتملوا من الشدة والحرمان شيئاً كثيراً ! وقد صدق الله وعده ، وأكثر الخير ، فأي الناس أحق من هؤلاء المهاجرين أن يستمتعوا بشيء من هذا الخير الكثير »(1)
ومواقع النظر في كلامه ما يلي :
1 - إنّه ذهب إلى أنّ عثمان لم يداهن في دينه ، وأنّه لم يرَ في سياسته مخالفة خطيرة أو غير خطيرة لسيرة الشيخين ، ولم يتعمد الجور ولا المحاباة .
أمّا أنّ عثمان لم يداهن في دينه فيزيفه إعلانه للتوبة ، وأنه قد جافي العدل ، وانحرف عن الطريق القويم ، وهذا نص توبته :
أما بعد أيها الناس ، فوالله ما عاب من عاب منكم شيئاً أجهله ، وما جئت إلا وأنا أعرفه ، ولكنّي منّتني نفسي وكذبتني ، وضلّ عنّي رشدي ، ولقد سمعت رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) يقول : مَنْ زَلَّ فَلْيَتُبْ (2)، وَلَا يَتَمادى فى الْهَلَكَةِ، إِنَّ مَنْ تَمَادَى فِي الْجَوْرِ كَانَ افي أَبْعَدَ مِنَ الطَّريقِ ، فأنا أوّل من اتعظ ، استغفر الله عما فعلت وأتوب إليه» (3)
وهي صريحة في أنه سلك غير الجادّة، وشذّ عن السنّة الموروثة ، وأنه على بصيرة من ذلك لم يجهله ، ولم يغب عنه علمه ، وإنّما ارتكب ما ارتكب من المخالفات للسنّة كهباته للأمويين ، وصلاته لآل أبي معيط ، وتنكيله بأعلام الصحابة الناقدين لسياسته ، وغير ذلك من الأحداث الجسام ، إنّما هو استجابة لعواطفه ورغباته ، فإنّ نفسه قد منّته بذلك حتى ضلّ عنه رشده ، وفقد صوابه - على حدّ تعبيره - ومع اعترافه بذلك ، وتسجيله على نفسه أنّه انحرف عن الطريق كيف يمكن أن يقال إنه لم يداهن في دينه ، ولم يتعمد الجور والمحاباة .
2 - أمّا ما ذكره من أنّ عثمان وسع على الناس من أموالهم ، لأنه رأى في بيت المال غنى ، فآثر الناس به ، ولم يغل في الادخار ، فإنّ هذا لا يمكن المساعدة عليه بوجه ، فإنّ عثمان لم يوسّع على الناس ، ولم يبسط لهم في العيش ، وإلا لما ثاروا عليه وقتلوه ، وإنّما وسع على نفسه وخاصته ، ووسّع على بني أمية والمؤيدين لسياسته فآثرهم بالفيء ، وخصهم بأموال الدولة ، الأمر الذي أوجب شيوع التذمر ، ونقمة المسلمين عليه في جميع أقطارهم وأقاليمهم حتى أطاحوا بحكمه ، وأردوه قتيلاً لم يواروه في قبره حتى ندم خيار المسلمين على عدم حرق جثّته (1).
3- وأما ما أفاده من أنّه لا ن أنه لاحرج ولا إثم على عثمان في صلته لأصحاب النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)بالأموال لأنهم أئمة المسلمين وأصحاب البلاء الحسن ، فأي الناس أحق منهم بالاستمتاع بشيء من هذا الخير ، فإنّه ظاهر البطلان لأنّ بيت المال كما ذكرنا غير مرة - هو للمسلمين جميعاً لا يختص به قوم دون آخرين، ويجب صرفه على مصالحهم ، وإصلاح شؤونهم ، وليس لطائفة مهما علا شأنها أن تختص به ، وتحرم منه الأكثرية الساحقة ، على أن الإسلام في ذلك الوقت أحوج ما يكون إلى بسط عدله الاجتماعي بين الشعوب المتعطشة إلى مساواته العادلة التي لا تميّز قوماً على
1) قال ذلك الصحابي العظيم عمّار بن ياسر . انظر الغدير : 9: 216 .
آخرين ، ولكن عثمان آثر بني أمية في كل شيء ، آثرهم بالأموال والوظائف ، وحملهم على رقاب الناس ، الأمر الذي أدى إلى تحطيم المساواة التي جاء بها الإسلام.
وأما سبق المهاجرين من أصحاب رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) إلى الإسلام ، ودفاعهم عن حياضه، وتحمّلهم للعناء والبلاء في سبيله، فأمر لا مجال للشك فيه ، وهم مشكورون عليه ، والله هو الذي يتولّى جزاءهم عن ذلك ، ولكن منحهم الأموال ، والاغداق عليهم بالنعم ، فأمر لا مساغ له ، لأن فيه إحياء للطبقية التي حاربها الإسلام وشجب جميع مظاهرها .
ويمضي الدكتور في تصحيح سياسة عثمان ، ومشروعيه هباته للصحابة ، وأنه لم يخالف بذلك السنّة الموروثة ، وإنّما جرى على طبعة السخي ، ولم يذكر هباته الضخمة ، وعطاياه الوافرة للأمويين وآل أبي معيط ، فقد أعرض سيادته عن ذلك ولم يذكره بقليل ولا بكثير ، وهو فيما نحسب من أهم الأسباب التي أدت إلى الانكار عليه .
لقد أهمل الدكتور هذه الناحية ، أما لأنّه لم يجد مجالاً للاعتذار عنها ، أو أنه لا يرى بأساً في ذلك كما لا يرى بأساً في عطاياه للصحابة ، ومن المؤسف أن يسف في ذلك ويبرّر ما خالف السنّة .
ويحتّم الإسلام على خليفة المسلمين ، وولي أمرهم أن يجهد نفسه في اختيار ذوي القابليات والمواهب ممن تتوفّر فيهم الشروط المطلوبة من العدالة والتقوى والنزاهة والنصح للرعيّة، والسهر على صالحها ، ورعاية شؤونها بأمانة وإخلاص ليجعلهم ولاة على الأمصار والأقاليم .
ولا يجوز أن يولّي أي أحد مهما كان قريباً له محاباة أو إثرة ، فإنّ ذلك خيانة الله
ولرسوله وللمسلمين ، لأنّ الولاة يتحملون مسؤولية الحكم ، والقضاء بين الناس ، وإدارة شؤونهم والإصلاح فيما بينهم ، والائتمان على أموالهم ودمائهم ، فلابد أن يكونوا من خيرة الرجال ، ومن أكثرهم ديناً ووقوفاً على الشبهات ، وأبعدهم عن الطمع والحرص ، وأصبرهم على تكشف الأمور. هذا هو رأي الإسلام ، وهذه خطته التي حفل بها نظامه الخالد ، وقد ابتعد عثمان عن ذلك ، فعمد إلى توظيف أسرته وذوي قرباه الذين حاربوا الله ورسوله ، وسعوا في الأرض فساداً ، فحملهم على رقاب المسلمين ، وأسند إليهم أهم الوظائف ، فجعلهم أمراء على الأمصار والأقاليم ، ونشير إلى بعضهم مع بيان تراجمهم ، وهم :
وكان على الكوفة والياً سعد بن أبي وقاص الزهري ، فعزله عثمان عنها ، وولّى عليها الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، ولم يعهد إلى أهل الكفاية والقدرة من المهاجرين والأنصار الذين أحسنوا البلاء في الإسلام ليتولوا شؤون هذا المصر الذي هو من أعظم أمصار المسلمين أهمية وأكثرها ثغوراً. وعلى أي حال، فهل أنّ الوليد كان خليقاً لأن يعهد إليه بهذا المنصب الخطير الذي يوكل إليه القضاء بين الناس وائتمامهم به في الصلاة ، والائتمان على بيت المال ، وغير ذلك من الشؤون التي تتوقف على العدالة والتقوى والحريجة في الدين، ونقدم عرضاً موجزاً لبعض شؤونه ليتضح حاله ، وهي :
نشأ في مجتمع جاهلي، وتربّى تربية جاهليّة ، ولم يدخل بصيص من نور الإسلام في قلبه ، كان أبوه من ألد أعداء رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم). روت عائشة عن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، قال : «كنت بين شرّ جارين : بين أبي لهب وبين عقبة بن أبي معيط ، إن كانا ليأتيان بالفروث فيطرحانها على بابي حتى أنهم ليأتون ببعض ما يطرحونه من الأذى
فيطرحونه على بابي»(1).
وقد بصق هذا اللعين في وجه رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، وشتمه ، فقال له النبي : إِنْ وَجَدْتُكَ خارجاً مِنْ جِبَالِ مَكَّةَ أَضْرِبُ عُنُقَكَ صَبْراً .
فلمّا كان يوم بدر وخرج أصحابه امتنع من الخروج ، فقال له أصحابه : اخرج معنا .
قال : وعدني هذا الرجل إن وجدني خارجاً من جبال مكة أن يضرب عنقي صبراً . فقالواله : لك جمل أحمر لا يُدرك ، فلو كانت الهزيمة طرت عليه ، فخرج معهم .
فلمّا هزم الله المشركين حمل به جمله في جدود من الأرض ، فأخذه رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)أسيراً في سبعين من قريش ، فقدّم إليه ، فقال عقبة : أتقتلني من بين هؤلاء ؟
قال : نَعَمْ ، بِمَا بَزَقْتَ فِي وَجْهِي .
ثمّ أمر عليّاً فضرب عنقه(2).
وقد أترعت نفس الوليد بالحقد والكراهية من النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)لأنه قد وتره بأبيه ، ولمّا لم يجد بداً من الدخول في الإسلام أسلم ، ولكن قلبه كان مطمئناً بالكفر والنفاق .
ونطق القرآن الكريم بفسقه وعدم إيمانه مرّتين :
الأولى : إنّه جرت بينه وبين أمير المؤمنين مشادة ، فقال الوليد له : اسكت ، فإنّك صبي وأنا شيخ ، والله إنّي أبسط منك لساناً ، وأحدٌ منك سناناً ، وأشجع منك جناناً ، وأملأ منك حشواً في الكتيبة .
فقال له علي(عليه السلام): اسْكُتْ ، فَإِنَّكَ فَاسِقٌ ، فأنزل الله تعالى فيهما قوله : أَفَمَن كَانَ
مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ(1).(2) وقد نظم ذلك حسّان بن ثابت بقوله :
أنزَلَ الله وَالكِتابُ عَزيزٌ ***في عَلِيٌّ وَفي الوَلِيدِ قُرانا
فَتَبَوّا الوَلِيدُ مِنْ ذاكَ فِسْقاً ***وَعَلى مُبَوَّءٌ إيمانا
لَيسَ مَنْ كانَ مُؤْمِناً عَرَفَ اللهَ ***كَمَنْ كانَ فاسِقاً خَوَانا
فَعَلِيُّ يُلقى لدى اللهِ عِزّاً*** وَوَليد يلقى هُناكَ هَوانا
سوفَ يُجزى الوليدُ خِزْياً وناراً*** وَعَلِيُّ لَا شَكٍّ يُجْزِى جنانا (3)
الثانية : إنّه غش النبي وكذب عليه ، وذلك حينما أرسله في بني المصطلق ، فعاد إلى النبي يزعم أنّهم منعوه الصدقة ، فخرج النبي الله غازياً ، فتبين له كذب الوليد ، ونزلت عليه الآية بفسقه ، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (4).
ومع إعلان القرآن بفسقه وإثمه ، كيف يجوز أن يُجعل حاكماً على المسلمين وإماماً لهم ومؤتمناً على أموالهم ودمائهم.
واستعمله عثمان والياً على الكوفة بعد عزله لسعد ، فسار فيها سيرة عبث ومجون وتهتك ، ولم يرع للدين حرمة ووقاراً ، وأخذ يعيث فساداً في الأرض حتى
ضجّت الكوفة من مجونه واستهتاره ، وتذمّر الأخيار والصلحاء من سوء سيرته .
واقترف الوليد أفحش جريمة ، وأفظع ذنب ، فقد ثمل وصلّى بالناس صلاة الصبح أربع ركعات ، وصار يقول في ركوعه وسجوده : اشرب واسقني . ثمّ قاء في المحراب ، وسلّم ، وقال : هل أزيدكم ؟
فقال له ابن مسعود : لا زادك الله خيراً ، ولا من بعثك إلينا ، وأخذ فردة نعله وضرب به وجه الوليد ، وحصبه الناس ، فدخل القصر والحصباء تأخذه ، وهو مترنح(1).
وفي فعله يقول الحطيئة جرول بن أوس العبسي :
شَهِدَ الحُطَيئَةُ يَومَ يَلْقَى رَبَّهُ*** إِنَّ الوليد أَحَقُّ بِالعُذْرِ
نادى وَقَدْ تَمَّتْ صَلاتُهُم*** أَ أَزِيدُكُمْ ؟ ثَمِلاً وَلَا يَدْري
لِيَزيدَهُمْ خَيراً وَلَوْ قَبلوا ***مِنْهُ لَزادَهُمُ عَلى عَشْرِ
فَأَبوا أَبا وَهَبٍ وَلَوْ فَعَلوا ***لَقَرَنْتَ بَينَ الشَّفْعِ وَالوَتْرِ
حبسوا عِنانَكَ إِذْ جَرَيْتَ*** وَلَو خَلّوا عِنانَكَ لَمْ تَزَلْ تَجْري(2)
وقال الحطيئة فيه أيضاً :
تَكَلَّمَ في الصَّلاةِ وَزَادَ فيها*** عَلانِيَةً وَجَاهَرَ بِالنّفاقِ
ومَجُ الخَمْرَ في سنّنِ المُصَلَّى*** ونادى وَالجَميعُ إلى افتراق
أزيدُكُمْ عَلَى أَنْ تَحمَدوني*** فَما لَكُمْ وَما لي مِنْ خَلاقِ (3)
وهذه البادرة قد دلّت على تهتكه ، وتماديه في الإثم والفسوق ، فلم يرع حرمة للصلاة التي هي من أهم الشعائر الدينية ، وأعظمها حرمة عند الله .
ويعتقد طه حسين أنّ صلاة الوليد بالمسلمين وهو ثمل وزيادته فيها قصة مخترعة لا نصيب لها من الصحة ، قد وضعها خصوم الوليد وألصقوها به ، ويستدلّ على ذلك أنه لو زاد فيها لما تبعته جماعة المسلمين من أهل الكوفة ، وفيهم نفر من أصحاب النبي ، وفيهم القرّاء والصالحون ، ولما رضي المسلمون من عثمان بما أقام عليه من حدّ الخمر، فإن الزيادة في الصلاة والعبث بها أعظم خطراً عند الله وعند المسلمين من شرب الخمر ، كما يذهب إلى أنّ الشعر الذي هجي به الوليد لم يقله الحطيئة ، وإنّما قال الحطيئة شعراً يمدح به الوليد مدح حبّ حريص على رضاه ، وذكر أبياتاً قالها في مدحه والثناء عليه(1).
والذي ذكره الدكتور لا يمكن المساعدة عليه بوجه ، وذلك :
أولاً : إنّ النصوص قد تظافرت بذلك ، ودونها الكثير ممن ترجم الوليد أو تعرّض لأحداث عثمان .
فقد قال أبو عمر في الاستيعاب : « إنّ صلاته - أي الوليد - بهم وهو سكران ، وقوله : أزيدكم بعد أن صلى الصبح أربعاً مشهورة من رواية الثقاة من أهل الحديث وأهل الأخبار».
وقال ابن حجر في الإصابة : «قصة صلاته بالناس الصبح وهو سكران مشهورة مخرجة » .
وحكى أبو الفرج في الأغاني ، عن أبي عبيد والكلبي والأصمعي أن الوليد بن
1) الفتنة الكبری : 1: 96 و 97
عقبة كان زانياً شريب خمر، فشرب الخمر بالكوفة وقام ليصلي بهم الصبح في المسجد الجامع ، فصلى بهم أربع ركعات ، ثم التفت إليهم ، وقال لهم : أزيدكم ؟ وتقيّاً في المحراب ، وقرأ بهم في الصلاة :
عَلِقَ القَلبُ الرَّبابا** بَعدَ ما شابَتْ وَشابا (1)
إنّ التشكيك في هذا الحادث والاعتقاد بأنّه من الموضوعات إنكار للضروريات ، وتشكيك في البديهيات ، وفي الهامش ثبت إلى المصادر التي دوّنت ذلك ، وهي توجب القطع بصحته ، وعدم الريب فيه (2).
وثانياً : إن الله تعالى هو العالم بسرائر عباده ونيّاتهم ، وقد أعلن في كتابه الكريم فسق الوليد وفجوره في آيتين ، فلا يستبعد منه بعد ذلك أن تصدر منه أفحش الموبقات وأعظم الجرائم .
وثالثاً : إنّ صلحاء المسلمين وخيارهم قد أنكروا عليه ونقموا منه وثاروا في وجهه ، فقد ضربه عبدالله بن مسعود بنعله ، وحصبه الناس -كما تقدّم - وخرج رهط من الكوفة فاستجاروا بأعلام الصحابة ، لينقذوهم من إمارة الوليد واستهتاره ، كما سنذكر ذلك .
وما زعمه الدكتور طه حسين أن جماعة من المسلمين من أهل الكوفة قد تبعته وفيهم من أصحاب النبي والصالحين ، قد غالط بذلك الحقائق التاريخية التي نصّت على ما ذكرناه .
1) الأغاني الأغاني : 14 : 178 .
2) مسند أحمد بن حنبل : 1 : 144. السنن الكبرى : 8: 318. أسد الغابة : 5 : 91 و 92 مروح الذهب : 2 : 224 . الكامل في التاريخ 3 :42 البداية والنهاية : 2 : 176 . تاريخ الخلفاء : .104 . تاريخ اليعقوبي : 2 : 142 الإصابة : 3 : 638 . هذه بعض المصادر التي نصت على ذلك ، فعلى أي مصدر اعتمد الدكتور في افتعال القصة وعدم صحتها .
ورابعاً : إنّ الحطيئة وإن كان قد مدح الوليد وأخلص له ، فإنّه لا ينافي أنّه نقم منه وهجاه على ارتكابه هذه الجريمة النكراء التي سوّد بها وجه التاريخ الإسلامي والعربي .
إن الحطيئة عرف بالهجاء والمدح ، فهو قد يمدح شخصاً يأمل منه البر والخير ، فإذا لم يعطه هجاه وذمه ، فقد قصد بني ذهل يسترفدهم ويستميحهم العطاء ، ويقول في مدحهم :
إِنَّ الفَريَةً خَيرُ ساكنها*** أَهلُ القَرِيَّةِ مِنْ بَني ذُهْلِ
قومٌ إِذا انْتَسَبوا فَفَرْعُهُمْ ***فَرْعِي وَأَثْبَتَ أَصلُهُمْ أَصْلى (1)
فلم يعطوه شيئاً ، فقال يهجوهم :
إِنَّ اليَمَامَةَ شَرُّ ساكنها*** أَهْلُ القَرِيَّةِ مِنْ بَني ذُهْلِ
وكان إذا غضب على بني عبس يهجوهم ويقول : أنا من بني ذهل ، وإذا غضب على بني ذهل يهجوهم ويقول لهم : أنا من بني عبس ، وقد غضب على أمه فهجاها بقوله :
تَنَحْي فَاجْلِس مِنَني بَعيداً ***أَراحَ اللهُ مِنكِ العالمينا
أغر بالاً إذا استودعتِ سِراً*** وكانوناً عَلى المُتَحدّثينا
حَياتُكِ ما عَلِمتُ حَياةُ سوءٍ ***وَمَوتُكِ قَدْ يَسُرُّ الصَّالِحينا
والتمس إنساناً يهجوه فلم يجده ، فأنشأ يقول :
أَبَتْ شَفَتايَ اليومَ إلّا تكلماً*** بِشَرُ فَما أَدري لِمَنْ أَنا قائِلُهْ
وجعل يردّد البيت ولا يرى إنساناً حتى إذا طلع على حوض ، فرأى وجهه فقال :
1) خزانة الأدب : 2 : 360 .
أرى لِيَ وَجْهاً شَوَّهَ الله خَلْقَهُ*** فَقُبْحَ مِنْ وَجْهِ وَقُبِّحَ حاملة (1)
هذا هو الحطيئة ، فهل خفي حاله على الدكتور حتى يستبعد منه أن يمدح الوليد ويهجوه ؟
وعلى أي حال، فإنّ طه حسين قد حاول تبرئة الوليد ، وتنزيهه عن الموبقات والآثام وإلحاقه بالأمراء الصالحين الذين لم يجوروا عن القصد في حكمهم ، وقد قال فيه ما نصه : « إن الوليد قد سار في أثناء ولايته على الكوفة سيرة فيها كثير جداً من الغناء وحسن البلاء ، فهو لم يقصر في سد الثغور ، والإمعان في الفتح ، وإنّما بلغ من ذلك غاية عرفت له ، وتحدّث بها الناس في حياته وبعد موته ، وهو قد ساس الكوفة سياسة حزم وعزم ومضاء ، فأقر الأمن ، وضرب على أيدي المفسدين من الأحداث والذين لا يرعون للنظام حرمة ، ولا يرجون للدين وقاراً»(2).
وهل يستطيع الدكتور أن يثبت ذلك ويدلّنا على معالم تلك السياسة الرشيدة التي سار عليها الوليد وتحدّث الناس بها في حياته وبعد وفاته ، ولو كان الأمر كما ذكره لما قام سعيد بن العاص - الذي عيّنه عثمان والياً على الكوفة بعد عزله للوليد - بغسل المنبر تحرّجاً من موبقات الوليد وآثامه .
نعم ، لقد تحدّث الناس ، ولا زالوا يتحدثون عن مهازل الحكم الأموي الذي بنُي على الإثرة والاستغلال والتحكم في رقاب المسلمين ، وخيانة الأمة وقهرها وإذلالها باستعمال الوليد وأمثاله من الماجنين والمستهترين حكّاماً وولاة عليها ، وإنا لنأسف من الدكتور أن يدافع عن هؤلاء الخونة الذين هم صفحة عار وخزي على الأمة العربية والإسلامية .
وأسرع قوم من الكوفيين ممّن يهمهم الإصلاح إلى يثرب ليعرضوا على عثمان جريمة الوليد، وانتهاكه لحرمة الإسلام ، وقد صحبوا معهم خاتمه الذي انتزعوه منه وهو في حالة السكر ، ولما انتهوا إلى يثرب قابلوا عثمان ، وشهدوا عنده أنّ الوليد قد شرب الخمر ، فزجرهم عثمان وقال لهم : وما يدريكما أنه شرب الخمر ؟
-هي الخمر التي كنا نشربها في الجاهلية .
وأخرجواله خاتمه الذي انتزعوه منه ، فثار عثمان ، وقام فدفع في صدورهم، وقابلهم بأمر القول ، فانطلقوا إلى أمير المؤمنين (1)وأخبروه بالأمر ، فأقبل الإمام إلى عثمان وقال له : دَفَعْتَ الشُّهُودَ وَأَبْطَلْتَ الْحُدُودَ .
ماتری؟
أَرى أَنْ تَبْعَثَ إِلى صاحِبِكَ ، فَإِنْ أَقاما الشَّهَادَةَ فِي وَجْهِهِ وَلَمْ يُدْلِ بِحُجَّةٍ أَقَمْتَ عَلَيْهِ الْحَدَّ.
ولم يجد عثمان بداً من الإذعان ، والاستجابة لقول الإمام ، فكتب إلى الوليد يأمره بالشخوص إليه ، ولما وصلت رسالته إليه نزح عن الكوفة فانتهى إلى يثرب ، ودعا عثمان الشهود فأقاموا عليه الشهادة ، ولم يدل الوليد بأي حجة يدافع بها عن نفسه ، وامتنع حضار المجلس من القيام بحدّه نظراً لقربه من عثمان ، فانبرى
1) قال أبو الفرج: «إنّ القوم فزعوا إلى عائشة فاستجاروا بها ، وأصبح عثمان فسمع من حجرتها صوتاً وكلاماً فيه بعض الغلظة ، فقال : أما يجد مراق أهل العراق وفسّاقهم ملجاً إلا بيت عائشة ، فسمعت فرفعت نعل رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)وقالت : ترکت سنة رسول الله صاحب هذا النعل ، فتسامع الناس فجاء وا حتى ملأوا المسجد ، فمن قائل : أحسنت ، ومن قائل : ما للنساء ولهذا ؟ حتى تحاصبوا وتضاربوا بالنعال ، ودخل رهط من أصحاب رسول الله على عثمان فقالوا له : اتق الله لا تعطل الحدّ ، واعزل أخاك » . الأغاني : 4 : 179
أمير المؤمنين(عليه السلام)فأخذ السوط ودنا منه ، فسبّه الوليد ، وقال : يا صاحب مکس(1)، فاندفع عقيل بن أبي طالب ، فردّ على الوليد قائلاً: إنّك لتتكلم يابن أبي معيط كأنك لا تدري من أنت ، وأنت علج من أهل صفورية - وهي قرية بين عكة واللجون من أعمال الأردن من بلاد طبرية ، كان ذكوان أباه يهودياً منها ..
وجعل الوليد يروغ من الإمام فاجتذبه ، وضرب به الأرض ، وعلاه بالسوط ، فثار عثمان ، وقد علاه الغضب فقال للإمام : ليس لك أن تفعل به هذا.
وأقام الإمام عليه الحدّ ، وكان اللازم بعد هذا الحادث أن يبعده عثمان ولا يقرب إليه حتى يرتدع هو وغيره من ارتكاب المنكر والفساد ، ولكنّه لم يلبث أن رقّ عليه وولاء صدقات كلب ويلقين(3).
وكيف يؤتمن هذا الخليع الفاسق على صدقات المسلمين وأموالهم ؟ !
إنّ الأمصار الإسلامية التي استجد تأسيس بعضها ، والتي لم يستجد تأسيسها كان يقيم فيها العربي وغيره من النازحين عن أوطانهم لطلب الرزق والعيش ، والأسرى الذين كانوا يقيمون مع الفاتحين وكلّ أولئك كانوا جديدي عهد بالإسلام ، فكانوا ينتظرون من خليفة المسلمين وولي أمرهم أن يستعمل عليهم رجالاً أترعت نفوسهم بالتقوى والصلاح ، وتوفرت فيهم النزعات الخيّرة ليكونوا قدوة لهم وهداة قبل أن يكونوا حكّاماً وأمراءاً ، ولكن عثمان أثر في الحكم بني أمية وآل أبي معيط وهم لا يمثلون إلا الترف والدعارة والبطالة والفراغ والتهالك على اللذة
والمجون .
وبعد أن اقترف الوليد تلك الجريمة النكراء أقصاه عثمان عن إمارة الكوفة على كره منه ، وكان من المتوقع أن يسند الحكم إلى أحد أعلام الصحابة من الذين أبلوا في الإسلام بلاءاً حسناً ، ولكنه عمد إلى سعيد بن العاص فولاه هذا المصر العظيم ، وقد استقبله الكوفيون بالكراهية وعدم الرضا، لأنه كان شاباً مترفاً (1)لا يتحرّج من الإثم ولا يتوزع من الإفك.
روى ابن سعد أنه قال مرّة في فطر رمضان بعد أن ولي المصر - من رأى منكم الهلال؟
فقام إليه هاشم بن عتبة الصحابي العظيم : أنا رأيته .
فوجّه إليه لاذع القول وأقساه قائلاً : بعينك هذه العوراء رأيته ؟ !
فالتاع هاشم وأجابه : تعيّرني بعيني ، وإنّما فقئت في سبيل الله ، وكانت عينه أصيبت يوم اليرموك .
وأصبح هاشم في داره مفطراً عملاً بقول رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم): « صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ »، وفطر الناس لإفطاره ، وبلغ ذلك سعيداً ، فأرسل إليه وضربه ، وحرق داره ، وقد أثار حفائظ النفوس بهذا الاعتداء الصارخ على علم من أعلام الإسلام .
وأثر عنه أنه قال : إنّما السواد - أي سواد الكوفة - بستان لقريش .
فقام إليه الأشتر فقال له : أتجعل مراكز رماحنا ، وما أفاء الله علينا بستاناً لك ولقومك ؟ والله ! لو رامه أحد لقرع قرعاً يتصأصأ منه ..
وانضمّ إلى الأشتر قرّاء المصر وفقهاؤهم فأيدوا مقالته ، وغضب صاحب شرطة سعيد فردّ عليهم ردّاً غليظاً ، فقاموا إليه فضربوه ضرباً منكراً حتى أغمي عليه ،
1) الطبقات الكبرى 5: 21 تاریخ دمشق : 21 : 114 .
وقاموا من مجلسه وهم يطلقون ألسنتهم بنقده ، ويذكرون مثالب عثمان ، وسيئات قريش ، وجرائم بني أمية ، وكتب سعيد إلى عثمان يخبره بأمر هؤلاء .
فأجابه عثمان أن يسيّرهم إلى الشام ، وكتب في نفس الوقت إلى معاوية يأمره باستصلاحهم .
والمهم أن هؤلاء لم يرتكبوا إثماً أو فساداً ، ولم يقترفوا جرماً حتّى يستحقوا هذا التنكيل والنفي ، وإنّما نقدوا أميرهم لأنه شذ عن الطريق ، وقال غير الحق ، والإسلام قد منح الحريّة التامة للمواطنين، ومنها حرية النقد للحاكمين إن سلكوا غير الجادة ، وعدلوا عن الطريق القويم ، فعلى أي وجه يصح نفيهم عن أوطانهم وهم لم يخلعوا يداً عن طاعة ولم يفارقوا جماعة .
وعلى أي حال، فقد أخرجهم سعيد بالعنف، وأرسلهم إلى الشام إلى بلد لا يألفون إلى أهلها ولا يسكنون إلى من فيها ، وتلقاهم معاوية فأنزلهم في كنيسة ، وأجرى عليهم بعض الرزق ، وجعل يناظرهم ويعظهم ، ولكنه لم ينجح في إقناعهم ، فقد كان منطقهم منطق الأحرار، فأي مزيّة تمتاز بها قريش حتى يكون السواد ملكاً لها ، وأي مأثرة صدرت لها حتى تمتاز على بقية العرب والمسلمين .
ولما يئس منهم معاوية كتب إلى عثمان يستعفيه من بقائهم في الشام خوفاً من أن يفسدوا أهلها عليه ، فأعفاه عثمان وأمره أن يردّهم إلى الكوفة ، فعادوا إليها وهم مصرّون على نقد الحكم القائم ، وأطلقوا ألسنتهم في ذكر مثالب سعيد ومعاوية وعثمان ، وأعاد سعيد الكتابة إلى عثمان يطلب منه إبعاد القوم عن مصرهم ، فأجابه عثمان إلى ذلك ، وأمره أن ينفيهم إلى حمص والجزيرة ، فأخرجهم من وطنهم إلى حمص ،فقابلهم عبدالرحمن بن خالد بن الوليد عامل معاوية على حمص أعنف لقاء وأشدّه، وأخذ يسومهم سوء العذاب ، ويقابلهم بأغلظ القول وأفحشه، وكان إذا ركب أمر بهم فساروا حول ركابه ، ليظهر هو انهم وإذلالهم ، ويغري الناس بانتقاصهم .
ولمّا رأوا تلك القسوة أظهروا الطاعة وأعلنوا التوبة ، وطلبوا منه أن يقيلهم من ذنوبهم ، فأقالهم ، وكتب إلى عثمان يسترضيه عنهم ويسأله العفو عنهم، فأجابه إلى ذلك وردّهم إلى الكوفة، ونزح سعيد بن العاص إلى يثرب في مهمة له ، فوجد القوم هناك يشكونه إلى عثمان ويسألونه عزله ، ولكن عثمان أبى وامتنع من إجابتهم ، وأمره أن يرجع إلى عمله ، فقفل القوم راجعين إلى مصرهم قبله ، فاحتلوا الكوفة وأقسموا أن لا يدخلها سعيد ما حملوا سيوفهم ، ثم خرجوا في جمع بقيادة الأشتر حتى بلغوا الجرعة ، فانتظروا سعيداً ، فلما أقبل ردّوه ومنعوه من دخول المصر، وأجبروا عثمان على عزله وتولية غيره ، فاستجاب عثمان على كره منه لذلك»(1).
والمهم أنّ عثمان قد نكّل بالناقدين لسعيد بن العاص ، وهم قراء المصر وفقهاؤه ، ونفاهم عن أوطانهم وبالغ في إرهاقهم من أجل شاب طائش لأنّه من ذويه وأسرته ، الأمر الذي أوجب شيوع التذمر وانتشار السخط عليه ، وكراهية الأمة لحكمه .
وعزل عثمان أبا موسى الأشعري عن ولاية البصرة ، واختار لها ابن خاله عبدالله ابن عامر بن كريز(2)فولاه إياها ، وهو ابن أربع أو خمس وعشرين سنة(3).
وبلغ ذلك أبا موسى ، فقال للناس : « يأتيكم غلام خراج ولاج ، كريم الجدات والخالات والعمات ، يجمع له الجندان(4).
1) أنساب الأشراف : 5: 39 - 43 . تاریخ دمشق : 21: 114 و 115. البداية والنهاية : 1: 168 . شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 1 : 134 و 135 . تاریخ ابن خلدون : 2: 387 - 389 الغدير 9: 37 و 38.
2) تهذيب التهذيب : 5 : 282 . وجاء فيه : «أنّ أمّ عثمان أروى بنت كريز» .
3) الاستيعاب ( المطبوع على هامش الإصابة ) : 2 : 253 .
4) الكامل في التاريخ : 3 : 38
والمهم أنّه ولاه هذا المصر العظيم وهو شاب حدث السنّ ، وكان الأولى أن يختار له من خيار الصحابة وثقاتهم ليستفيد الناس من هديه وصلاحه ، ولكنه عمد إلى اختيار هذا الفتى لأنه ابن خاله ، وقد سار في أثناء ولايته سيرة ترف وبذخ ، فكان كما قال الأشعري ولاجاً خراجاً ، فهو أول من يلبس الخز في البصرة ، وقد لبس جبة دكناء ، فقال الناس : لبس الأمير جلد دبّ ، فغيّر لباسه ولبس جبّة حمراء(1).
وقد أنكر عليه عامر بن عبدالله التميمي الزاهد العابد ، وعاب عليه سياسته ، كما عاب على عثمان ، فقد روى الطبري : « أنه اجتمع ناس من المسلمين فتذاكروا أعمال عثمان وما صنع ، فاجتمع رأيهم أن يبعثوا إليه رجلاً يكلمه ويخبره بإحداثه ، فأرسلوا إليه عامر بن عبد الله ، ولما التقى به قال له :إنّ ناساً من المسلمين اجتمعوا فنظروا في أعمالك ، فوجدوك قد ركبت أموراً عظاماً، فاتق الله عزّ وجلّ وتب إليه ، وانزع عنها.
فاحتقره عثمان وقد لسعه قوله ، فقال لمن حوله : انظروا إلى هذا فإنّ الناس يزعمون أنه قارئ ، ثم هو يجيء فيكلمني في المحقرات ، فوالله ما يدري أين الله ؟
فقال له عامر : أنا لا أدري أين الله ؟
نعم .
إنّي لأدري أن الله بالمرصاد .
وأرسل عثمان إلى مستشاريه وعماله ، فعرض عليهم الأمر ، فأشار عليه عبدالله ابن عامر ، فقال له : رأيي لك يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك ، وأن تجمهرهم في المغازي حتى يذلوا لك ، فلا يكون همة أحدهم إلا نفسه ، وما هو فيه من دبر دابّته وقمل فروته .
1) أسد الغابة : 3 : 192 .
وأشار عليه آخرون بغير ذلك ، إلّا أنّه استجاب إلى رأي عبدالله ، فردّ عمّاله ، وأمرهم بالتضييق على من قبلهم ، وأمرهم بتجمهر الناس في البعوث ، كما عزم على تحريم أعطياتهم ليطيعوه ويحتاجوا إليه»(1).
ولما وصل عبد الله بن عامر إلى البصرة عمد إلى التنكيل بعامر بن عبدالله ، فقد أوعز إلى عملائه وأذنابه أن يشهدوا عنده بأنّ عامراً قد خالف المسلمين في أمور أحلّها الله فهو لا يأكل اللحم ، ولا يرى الزواج ، ولا يشهد الجمعة(2).
ورفع تقريراً إلى عثمان فأمره بنفيه إلى الشام على قتب ، فحمل إليها ، وأنزله معاوية ( الخضراء ) ، وبعث إليه بجارية ، وأمرها أن تتعرّف على حاله وتكون عيناً عليه ، فرأت أنّه يقوم في الليل متعبداً ويخرج من السحر فلا يعود إلا بعد العتمة ، ولا يتناول من طعام معاوية شيئاً ، وكان يجيء بكسر من الخبز ويجعلها في ماء ، ويشرب من ذلك الماء ، فأخبرته الجارية بشأنه، فكتب معاوية إلى عثمان بأمره ، فأوعز إليه بصلته»(3)
وقد نقم المسلمون من عثمان لأنه نفى رجلاً من صلحاء المسلمين(4)وأبعده عن أهله ووطنه ، لأنه نقد عمّاله وعاب ولاته ، وليس لولي الأمر الصلاحية في هذا النفي ، فإنّه إنّما شرّع لمن حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فساداً .
وعلى أي حال، فإنّ عبد الله بن عامر ظلّ والياً على البصرة إلى أن قتل عثمان، فلمًا سمع بمقتله نهب ما في بيت المال وسار إلى مكة ، فوافى بها طلحة والزبير وعائشة فانضم إليهم ، وأمد المتمردين بالأموال ، وكان من عزمهم أن يتوجّهوا إلى
الشام ، إلا أنه صرفهم عنه ، وأشار عليهم بالمسير إلى البصرة (1).
معاوية بن أبي سفيان أكثر ولاة عثمان حظاً، وأعظمهم نفوذاً ، وأسبقهم إمرة ، كما أنّ شعبه من أكثر الشعوب طاعة وإخلاصاً له ، قد أحبه وأحبهم ، وقد منحه عمر الإمارة ، وحباه الولاية ، وأيده بجميع ألوان التأييد ، فرفع شأنه، وأعلا قدره ، فكان في كلّ سنة يحاسب عماله ، ويشاطرهم أموالهم وإن اكتسبوها بالتجارة أو ربحوها بسائر الوجوه المشروعة، سوى معاوية ، فإنّه لم يحاسبه ، ولم يشاطره ، ولم يتفقد أموره ، وإنّما كان يضفي عليه المديح والثناء ، ويبالغ في تسديده والاعتذار عنه .
فكانوا يقولون له : إنّه يلبس الديباج والحرير وهو لباس محرّم في الإسلام، وإنه يسرف ويبذخ وهو مجافٍ للنظم الإدارية التي جاء بها الإسلام ، فإنّها تلزم الولاة بالاقتصاد وعدم البسط في العيش من أموال المسلمين.
كانوا يقولون لعمر ذلك فيعتذر عنه ، ويقول : ذاك كسرى العرب ، ولو فرضنا إنّه كان كذلك ، فهل يباح له أن يلبس المحرّم ، ويسرف في أموال المسلمين ؟ !
ولم يكتف بهذا المد والتأييد ، فقد نفخ فيه روح الطموح ، وفتح له باب الأمل بالخلافة ، فقد قال لأعضاء الشورى : « إن تحاسدتم وتقاعدتم وتدابرتم وتباغضتم غلبكم على هذا معاوية بن أبي سفيان ، وكان إذ ذاك أميراً على الشام(2).
وقد دفعه ذلك إلى الاتجاه للخلافة ، واتخاذ جميع الوسائل للظفر بالحكم ، وإعلانه للتمرّد على حكومة الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، ومناجزته له ، كما سنذكر
ذلك بالتفصيل في فصول هذا الكتاب.
وعلى أي حال، فقد ظل معاوية والياً على الشام والأردن طيلة خلافة عمر يتصرّف حيثما شاء ، قد استأثر بالأموال فشرى بها الضمائر ، وأحاط نفسه بالأتباع لا رقيب عليه ، ولم توجّه له أي مسؤولية ، وإنّما يرى التسديد والمديح والرضا بما يعمل ، وبعد وفاة عمر أقرّه عثمان على عمله ، وزاد في سلطانه ، فضم إليه فلسطين بعد موت عاملها عبدالرحمن بن علقمة الكناني ، كما ضم إليه حمص بعد أن استعفاه عاملها عمير بن سعد الأنصاري، وبذلك خلصت له أرض الشام كلّها، وأصبح من أعظم الولاة قوة ، ومن أكثرهم نفوذاً، وأصبح قطره من أهم الأقطار الإسلامية وأمنعها ، وأكثرها هدوءاً واستقراراً .
ومما لا شبهة فيه أنّ عثمان قد زاد في نفوذه ، ووسّع رقعة سلطانه ، ومهّد له نقل الخلافة الإسلامية إلى آل أبي سفيان ، وقد صرّح بذلك الدكتور طه حسين.
قال ما نصّه : « وليس من شك في أن عثمان هو الذي مهد لمعاوية ما أتيح له من نقل الخلافة ذات يوم إلى آل أبي سفيان ، وتثبيتها في بني أمية ، فعثمان هو الذي وسّع على معاوية في الولاية فضم إليه فلسطين وحمص ، وأنشأ له وحدة شامية بعيدة الأرجاء ، وجمع له قيادة الأجناد الأربعة ، فكانت جيوشه أقوى جيوش المسلمين ، ثمّ مدّله في الولاية أثناء خلافته كلّها كما فعل عمر ، وأطلق يده في أمور الشام أكثر ممّا أطلقها عمر ، فلما كانت الفتنة فإذا هو أبعد الأمراء بالولاية عهداً وأقواهم جنداً وأملكهم لقلب رعيته»(1)
إنّ عثمان قد عبد له الطريق، وأتاح له الفرصة لمنازعة أمير المؤمنين(عليه السلام)ومحاربته ، وارتكابه لفظائع المنكرات والموبقات ، وقتله صلحاء المسلمين وثفاتهم ، كحجر بن عدي وإخوانه المؤمنين ، وغير ذلك من المآثم والجرائم .
1) الفتنة الكبرى : 1 : 120 .
وحبا عثمان أخاه من الرضاعة عبد الله بن سعد بن أبي سرح ولاية مصر ، ومنحه إمارة هذا القطر العظيم ، فجعل بيده أمر صلاته وخراجه(1).
وقبل ذلك منحه الأموال الطائلة ، ووهبه خمس غنائم إفريقيا ، ولم يكن خليقاً بذلك كلّه ، لأنّ له تاريخاً أسوداً حافلاً بالآثام والموبقات، فقد ارتد مشركاً بعد إسلامه ، وصار إلى قريش بمكة يسخر بالنبي(صلی الله علیه وآله وسلم)ويقول لهم : إنّي أصرفه حيث أريد ، وأهدر النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) دمه يوم الفتح وإن وجد متعلقاً بأستار الكعبة ، ففر إلى عثمان ، واستجار به فغيّبه ، وبعد ما اطمأنّ أهل مكة أتى به إلى النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)فصمت طويلاً، ثم آمنه وعفا عنه .
فلما انصرف عثمان قال النبي(صلی الله علیه وآله وسلم): ما صَمَتُ إِلَّا لِيَقُومَ إِلَيْهِ بَعْضُكُمْ لِيَضْرِبَ عُنُقَهُ .
فقال له رجل من الأنصار : هلا أومأت إلى يا رسول الله ؟
فقال(صلی الله علیه وآله وسلم): إِنَّ النَّبِيَّ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ (2).
ونزل القرآن الكريم بكفره وذمّه . قال تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ(3).
وأجمع المفسرون أنه هو المعني بهذه الآية ، وسبب ذلك أنه لما نزلت الآية :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِن طِينٍ (4)دعاه النبي فأملاها عليه ، فلما انتهى إلى قوله : ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ(5)عجب عبدالله في تفصيل خلق
الإنسان ، فقال : تبارك الله أحسن الخالقين.
فقال النبي(صلی الله علیه وآله وسلم): هكذا أنْزِلَتْ عَلَيَّ ، فشك عبد الله وقال : لئن كان محمد صادقاً لقد أوحي إليَّ كما يوحى إليه ، وإن كان كاذباً لقد قلت كما قال ، فارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين(1).
أمثل هذا المرتدّ الذي سخر بالنبي ورجع عن حضيرة الإسلام يكون والياً على المسلمين وتسلّم له قيادتهم ، ويكون مؤتمناً على أموالهم ودمائهم .
إنّ ذلك والله هو الرزء القاصم الذي يذيب لفائف القلوب ، وتذوب النفوس من هوله أسى وحسرات ، أتعطى إمارة المسلمين ، وتمنح أقطارهم وأمصارهم إلى أعداء الإسلام وخصومه الذين لم يألوا جهداً في البغي على الإسلام والكيد له ، فإنّا لله وإنا إليه راجعون .
وعلى أي حال ، فقد مكث الرجل والياً على مصر سنين ، وكلّف المصريين فوق ما يطيقون ، وساسهم سياسة عنف وجور ، وأظهر الكبرياء والغطرسة ، فضجر الناس منه ، وسئموا حكمه ، فخف أخيارهم يشكونه إلى عثمان ، فبعث إليه رسالة يتهدده فيها ويتوعده بالعزل إن لم يتب إلى الرشاد ، ولكنه أبى أن ينزع عمّا نهاه ، ونكل بمن شكاه إلى عثمان حتى قتله ، فخرج سبعمائة رجل من مصر إلى يثرب فنزلوا ا الجامع ، وشكوا إلى أصحاب النبي ما صنع بهم ابن أبي سرح ، فانبرى طلحة إلى عثمان فكلمه بكلام شديد، وأرسلت إليه عائشة أن ينصف القوم من عاملهم ، ودخل عليه أمير المؤمنين(عليه السلام) فقال له : إِنَّما يَسْأَلُكَ الْقَوْمُ رَجُلاً مَكَانَ رَجُلٍ ، وَقَدِ ادَّعَوا قِبَلَهُ دَماً ، فاعْزِلْهُ وَاقْضِ بَيْنَهُم ، فَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ فَأَنْصِفْهُمْ مِنْهُ .
فاستجاب لذلك ، وقال لهم : اختاروا رجلاً أوليه عليكم مكانه ، فأشار الناس عليه بمحمد بن أبي بكر ، فكتب عهده إلى مصر ، ووجه معه عدة من المهاجرين
1) التفسير الكبير : 4 96 . تفسير الخازن 2 37 تفسير الكشاف : 1 : 461 .
والأنصار ينظرون فيما بينهم وبين ابن أبي سرح(1)ونزحوا عن يثرب .
فلما بلغوا إلى المحلّ المعروف ( بحمس ) وإذا بقادم من المدينة تأملوه فإذا هو ورش غلام عثمان ، فتفحصوا عن حاله وإذا يحمل رسالة إلى ابن أبي سرح يأمره بالتنكيل بالقوم ، تأمّلوا الكتاب فإذا هو بخط مروان ، فرجعوا إلى يثرب ، وصمموا على خلع عثمان أو قتله .
إن عثمان قد سعى لحتفه بظلفه ، وجرّ البلاء لنفسه الحتفه بظلفه ، وجرّ البلاء لنفسه ، وعرّض الأمّة للخطوب والويلات في سبيل أسرته ، وتدعيم كيانها ، ولو أنه استجاب لرأي الإمام والناصحين له فأقصى بني أمية عن مراكز الحكم لكان بمنجاة عن تلك الثورة التي أودت بحياته وفتحت باب الفتن بين المسلمين ، وفرقت كلمتهم وجعلتهم أحزاباًكُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (2).
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض عماله وولاته الذين ما استعملهم إلا إثرة ومحاباة .
ونكل عثمان بخيار المسلمين وثقاتهم من الذين أبلوا في الإسلام بلاءاً حسناً ، و ساهموا في بنائه ، لأنّهم عابوا عليه سياسته ، وطلبوا منه أن يسير على المحجة البيضاء ، ويهتدي بسنّة الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)، ويقتفي أثره ، فلم يستجب لإرشادهم ، ولم يثب لنصحهم ، فشدّدوا عليه في المعارضة والنكير ، فصبّ عليهم جام غضبه . وبالغ في اضطهادهم وإرهاقهم ، وهم كما يلي :
عبد الله بن مسعود من الشخصيات الإسلامية الفذة.
يقول فيه رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) : « مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضَاً أَوْ رَطِبا كَما أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأَهُ عَلَى قِراءَةِ ابْن أُمَّ عَبْدِ»(1).
وأثنى عليه قوم عند أمير المؤمنين(عليه السلام)، فقال(عليه السلام): «أقولُ فيهِ مِثْلَ ما قالوا »(2).
وهو أيضاً ممن نزلت فيهم الآية(3): وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِن حِسَابِهِم مِن شَيْءٍ وَمَا مِن حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ(4).
إنّ عبدالله بن مسعود من أقطاب المسلمين في هديه ، سيره عمر في عهده إلى الكوفة مع عمّار بن ياسر ، وكتب لأهل الكوفة كتاباً جاء فيه : « إنِّي قد بعثت عمّار بن ياسر أميراً ، وعبد الله بن مسعود معلماً ووزيراً ، وهما من النجباء من أصحاب رسول الله ، من أهل بدر ، فاقتدوا بهما ، وأطيعوا واسمعوا قولهما، وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي»(5).
وبقي ابن مسعود في الكوفة طيلة خلافة عمر، وهو يفقه المسلمين في دينهم، ويعلّمهم كتاب الله ، ويغذيهم بمعارف الإسلام وهديه ، ويرشدهم إلى سواء السبيل ، وكان في نفس الوقت خازناً لبيت المال .
ولمّا آل الأمر إلى عثمان وبعث الوليد والياً على الكوفة جرت بينه وبين الوليد
مشادة - ذكرناها عند البحث عن إمارة الوليد على الكوفة - أوجبت أن يستقيل من منصبه ، وبقى في الكوفة وقتاً ثم غادرها ، فشيّعه الكوفيون وحزنوا على فراقه ، وقالوا له عند وداعه : جزيت خيراً ، فلقد علمت ،جاهلنا ، وثبت عالمنا ، وأقرأتنا القرآن ، وفقهتنا في الدين، فيعم أخو الإسلام أنت ، ونعم الخليل».
ثمّ ودّعوه وانصرفوا ، وواصل ابن مسعود المسير حتى انتهى إلى يثرب ، وكان عثمان على منبر رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)يخطب ، فلما رآه قال للمسلمين وأشار إلى ابن مسعود : « ألا إنّه قدمت عليكم دويبة سوء ، من يمشي على طعامه يقيء ويسلح».
أيشتم صاحب رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) بهذا الكلام المرّ، ويقابل بمثل هذه الجفوة من أجل الوليد الذي خان الله ورسوله ، ونهب أموال المسلمين ؟!
وردّ عليه ابن مسعود قائلاً: «لست كذلك ، ولكنّي صاحب رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) يوم بدر ويوم بيعة الرضوان» .
وقد أثار كلام عثمان حفائظ النفوس ، فاندلعت عائشة تعلن إنكارها وسخطها عليه قائلة : « أي عثمان ، أتقول هذا لصاحب رسول الله ؟ ! ».
وأمر عثمان جلاوزته فأخرجوا الصحابي العظيم من المسجد إخراجاً عنيفاً ، وقام إليه عبد الله بن زمعة فضرب به الأرض .
وقيل : بل احتمله يحموم غلام عثمان ورجلاه تختلفان على عنقه حتى ضرب به الأرض فدق ضلعه .
وثار أمير المؤمنين ، فانبرى إلى عثمان فقال له : يا عُثْمَانُ ، أَتَفْعَلُ هذا بِصَاحِبِ رَسولِ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) بِقَوْلِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ ؟!
وحمل أمير المؤمنين(عليه السلام)ابن مسعود إلى منزله ، فقام برعايته حتى أبل من مرضه ، فقاطعه عثمان وهجره ، ولم يأذن له في الخروج من يثرب كما قطع عطاءه ، ومرض ابن مسعود مرضه الذي توفّي فيه ، فدخل عليه عثمان عائداً ، فقال له :
ما تشتكي ؟ ذنوبي .
فما تشتهي ؟
رحمة ربي .
ألا أدعو لك طبيباً ؟
الطبيب أمرضني .
آمر لك بعطائك ؟
منعتنيه وأنا محتاج إليه ، وتعطينيه وأنا مستغن عنه .
يكون لولدك .
رزقهم على الله .
استغفر لي يا أبا عبدالرحمن ؟
أسأل الله أن يأخذ لي منك بحقي .
وانصرف عثمان ولم يظفر برضائه ، ولما ثقل حاله أوصى أن لا يصلى عليه عثمان ، وأن يصلّي عليه صاحبه عمار بن ياسر ، ولما انتقل إلى دار الحق قامت الصفوة من أصحابه بأمره فدفنوه بالبقيع ، ولم يخبروا عثمان .
فلما علم غضب وقال : سبقتموني ، فردّ عليه الطيب ابن الطيب عمّار بن ياسر قائلاً : إنّه أوصى أن لا تصلي عليه .
1) أنساب الأشراف : 5 : 36 المسترشد : 164 . الغدير : 9: 3 و 4.
وقال ابن الزبير :
لأَعْرِفَنَّكَ بَعدَ المَوتِ تَنْدُبُني*** وفي حَياتِيَ ما زَوَّدتَني زادي(1).
لقد صبّ عثمان جام غضبه على ابن مسعود ، فأهانه وحقره وجفاه وقطع عطاءه ، وأوعز إلى شرطته بضربه ، وفرض عليه الإقامة الجبرية في يثرب ، ولم يرع شبهه بالنبي في هديه وسمته ، وما له من عظيم الجهاد ، وحسن البلاء في الإسلام لقد نقم منه عثمان لأنه أنكر عليه منحه للوليد أموال المسلمين وهو خازن لها ، ولم يجد أي مبرّر لهذا التلاعب في ميزانية الدولة ، فراح بوحي من دينه وعقيدته ينكر عليه ويشجب تصرفاته .
وأبو ذر أعظم شخصيّة عرفها التاريخ الإسلامي ، فقد تجسدت فيه جميع طاقات الإسلام وعناصره ومقوماته ، ووعى حقيقة الإسلام ، وتغذى بجوهره وواقعه ، وهو أقدم من سبق إلى اعتناقه والإيمان به(2)، وجهر بالشهادتين أمام قريش ، فانبرت إليه عتاتهم فأوجعوه ضرباً ، وألهبوا جسمه بالسياط حتى كاد أن يتلف(3).
ولم يثنه ذلك ، فقد انطلق كالمارد الجبار يدعو قومه إلى الإسلام ، وهجر الأوثان ، وكان من أبرز الصحابة في علمه وورعه وتقواه وزهده وتحرّجه في الدين ، وقد أثر عن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)أنه قال فيه : « ما أَظَلَّتِ الخَضْراءُ ، وَلَا أَقَلَّتِ الْغَبْراءُ عَلى ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقِ مِنْ أَبِي ذَرٍّ . مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى زُهْدِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ فَلْيَنْظُرْ إِلى أَبي ذَرَّ»(4).
لقد كان أزهد الناس في الدنيا ، وأقلّهم احتفاءً بمنافعها ، وأشدّهم خوفاً من الله وانصرافاً عن أباطيل الحياة ، وكان رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)يأتمنه حين لا يأتمن أحداً ، ويسرّ إليه حين لا يسرّ إلى أحد(1)، وهو أحد الثلاثة الذين أحبهم الله ، وأمر نبيه بحبّهم(2)كما أنه أحد الثلاثة الذين تشتاق لهم الجنّة(3).
ولما حدثت الفتن، واستأثر عثمان مع بني أمية بأموال المسلمين ، فكنزوا لأنفسهم ، وأكثروا من شراء الضياع وبناء القصور، وقف أبو ذر عملاق الأمّة الإسلاميّة فأخذ يندّد ويهدّد عثمان ، ويدعو المسلمين إلى الثورة وقلب الحكم ، وإعادة النظام الإسلامي الحافل بكل مقومات النهوض والارتقاء ، وتطبيق سياسته البناءة على واقع الحياة .
إن صيحة أبي ذرّ كانت صيحة رجل يقظ وعى الإسلام ، ووقف على أهدافه ، وأحاط بواقعه ، فإنّه ليس من الإسلام في شيء أن تستغل أموال المسلمين وتمنح للوجوه والأعيان ، فيمعنون في التلذذ والإسراف ، وقد أخذ الفقر بخناق المسلمين وعمّت في بلادهم المجاعة والفاقة والبطالة ، فأنكر أبو ذر ذلك ، واندفع بوحي من عقيدته إلى تلك الصيحة التي دوّخت عثمان وأنكرها المستغلون من أتباعه .
يقول السيد قطب : « إن صيحة أبي ذر كانت دفعة من دفعات الروح الإسلامي أنكرها الذين فسدت قلوبهم ولا يزال ينكرها أمثالهم من مطايا الاستغلال في هذه الأيام ، لقد كانت هذه الصيحة يقظة ضمير لم تخدّره الأطماع أمام تضخم فاحش في الثروات يفرّق الجماعة الإسلامية طبقات ، ويحطّم الأسس التي جاء هذا الدين ليقيمها»(4).
وانطلق أبو ذر يوالي إنكاره ، ومعارضته للحكم القائم لا يعبأ به ، ولا يبالي بشدّة إرهابه وقسوته ، فكان يقف على أولئك الذين منحهم عثمان هباته فيتلو قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَكْذِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أليم(1).
ورفع ذلك مروان بن الحكم إلى عثمان ، فأرسل إليه ينهاه عن ذلك .
فقال أبو ذر : أينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله . فوالله لأن أرضي الله بسخط عثمان أحبّ إليَّ وخير لي من أن أسخط الله برضاه .
فالتاع عثمان من ذلك ، ولكنه كظم غيظه ، وقد أعياه أمر أبي ذر وضاق به ذرعاً .
واستمر صاحب رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) في أداء رسالته الإصلاحية ، لم يصانع ولم يحاب ، وإنّما يبغي الحقِّ ويلتمس وجه الله ورضاه ، وقد وجد عليه عثمان وأمر بنفيه إلى الشام ، ويقول الرواة : إن السبب في ذلك هو أن عثمان سأل حضار مجلسه فقال لهم : أيجوز أن يأخذ من المال ، فإذا أيسر قضى ؟
فانبرى كعب الأحبار فأجاب عن سؤاله ، فقال : لا أرى بذلك بأساً .
ولما رأى أبو ذر كعب الأحبار يتدخل في أمور الدين وهو يهودي النزعة ، ويشكّ في إسلامه غضب من ذلك وردّ عليه قائلاً : يابن اليهوديين ، أتعلمنا ديننا ؟
فثار عثمان وقال له : ما أكثر أذاك ، وأولعلك بأصحابي ؟ إلحق بمكتبك في الشام .
وذهب أبو ذرّ إلى الشام ، فلما انتهى إليها ورأى منكرات معاوية وبدعه جعل ينكر على معاوية ويندّد بالسياسة الأموية ، ويذيع مساوئ عثمان ويُعد سيرته عن سيرة الرسول وسنّته ، وقد نقم من معاوية حينما قال : المال مال الله .
1) التوبة 9: 34
فقال له : المال مال المسلمين ، وأنكر عليه بناء الخضراء التي أنفق عليها الأموال الطائلة من بيت المال ، فكان يقول له يا معاوية ، إن كانت هذه الدار من مال الله فهي الخيانة ، وإن كانت من مالك فهذا الإسراف ؟
وأخذ يوقظ النفوس ، ويبعث روح الثورة على معاوية ، فكان يقول لأهل الشام : «والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها ، والله ما هي في كتاب الله ولا في سنة نبيه ، والله إنّي لأرى حقاً يطفأ ، وباطلاً يحيى ، وصادقاً يكذب ، وإثرة بغير تقى ، وصالحاً مستأثراً عليه »(1).
وكان الناس يسمعون قوله ، ويؤمنون بحديثه ، وخاف معاوية من دعوة أبي ذر فكتب إلى عثمان يخبره بخطره على الشام ، فكتب عثمان إليه أن يرسله على أغلظ مركب وأوعره ، فأرسله معاوية مع جماعة لا يعرفون مكانته ، ولا يحترمون مقامه ، فساروا به ليلاً ونهاراً حتى تسلّخت بواطن أفخاذه وكاد أن يتلف ، ولما بلغ المدينة مضى في دعوته ، فكان ينكر على عثمان أشدّ الإنكار ويقول له : تستعمل الصبيان ، وتحمي الحمى(2)، وتقرّب أولاد الطلقاء ؟
وانطلق يبين للمسلمين ما سمعه من رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) في ذم الأمويين ، ومدى خطرهم على الإسلام يقول : ( قال رسول الله : إذا كَمَلَتْ بَنو أُمَيَّةَ ثَلاثِينَ رَجُلاً اتَّخَذوا بلادَ اللَّهِ دَوَلاً ، وَعِبادَ اللهِ خَوَلاً ، وَدينَ الله دَغَلاً» .
وأصدر عثمان أوامره بمنع مجالسة أبي ذر ، كما حرم الكلام معه والاختلاط به.
1) أنساب الأشراف : 5 : 52 . الغدير : 8: 293 .
2) أشار بذلك إلى ما فعله عثمان في منحه جميع المراعي التي حول المدينة لبني أمية ترعى فيها أغنامهم ، وحمى مواشي المسلمين منها ، وهو منافٍ للسنة ، فإنّما جعلت المراعي التي لا مالك لها لجميع المسلمين لأنها من المباحات الأصلية ، وقد قال رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم): «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلاثٍ : فِي الْكَلَا، وَالْمَاءِ ، وَالنَّارِ».
وثقل أبو ذر على عثمان ، وضاق به ذرعاً ، فقد أيقظ النفوس ، وأوجد فيها وعياً أصيلاً يبعثها على الثورة العارمة ، والإجهاز على النظام القائم الذي آثر الأغنياء بأموال الدولة ، وحجبها عن المصالح العامة ، الأمر الذي أدى إلى فقدان التوازن في الحياة الاقتصادية ، وشيوع الفقر والمجاعة في البلاد.
ورأى عثمان أنّ خير وسيلة له من الخطر الذي يتهدّده إبعاد أبي ذر عن يثرب ونفيه عن سائر الأمصار الإسلاميّة إلى بعض المجاهل والقرى التي لا تزدحم بالسكان ، فأرسل خلفه ، فلمّا حضر بادره أبو ذرّ بالكلام فقال له : ويحك يا عثمان ! أما رأيت رسول الله ، ورأيت أبا بكر وعمر ، هل رأيت هذا هديهم ؟ إنّك لتبطش بي بطش الجبارين .
فقطع عثمان کلامه وصاح به : اخرج عنا من بلادنا .
-نعم وأنفك راغم .
أخرج إلى مكة ؟
لا.
إلى البصرة ؟
لا.
إلى الكوفة ؟
لا .
إلى أين أخرج ؟
إلى الربذة حتى تموت فيها .
وأوعز إلى مروان بإخراجه فوراً من المدينة ، وهو مهان الجانب ، محقر الكيان ، وحرّم على المسلمين أن يشايعوه ويخرجوا لتوديعه ، ولكنّ أهل الحق ، ومَن طبعوا على نصرته أبوا إلا مخالفة عثمان ، فقد خف الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)لتوديعه ، ومعه عقيل وعبد الله بن جعفر، والحسن والحسين(عليه السلام)، وبادر مروان إلى الحسن فقال له : إيه يا حسن ! ألا تعلم أنّ عثمان قد نهى عن كلام هذا الرجل ؟ فإن كنت لا تعلم فاعلم ذلك .
فحمل أمير المؤمنين(عليه السلام)عليه وضرب أذني راحلته بالسوط ، وصاح به : تَنَجَّ نَحَاكَ اللهُ إِلَى النَّارِ.
وولّى مروان منهزماً إلى عثمان يخبره بالحال .
ووقف الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)على أبي ذر فودعه وألقى إليه كلمات كانت له سلوى طيلة حياته في تلك البقعة الجرداء .
قال له : يا أَبا ذَرَّ ، إِنَّكَ غَضِبْتَ لِلَّهِ فَارْجُ مَنْ غَضِبْتَ لَهُ إِنَّ الْقَوْمَ خَافُوكَ عَلَى دُنْيَاهُمْ، وَخِفْتَهُمْ عَلَى دِينِكَ، فَاتْرُكُ فِي أَيْدِيهِمْ مَا خَافُوكَ عَلَيْهِ وَاهْرُبْ مِنْهُمْ بِمَا خِفْتَهُمْ عَلَيْهِ؛ فَما أَحْوَجَهُمْ إِلَى مَا مَنَعْتَهُمْ ، ومَا أَغْناك عَمَّا مَنَعُوكَا وَسَتَعْلَمُ مَنِ الرَّابِحُ غَداً ، وَالْأَكْثَرُ حُسَداً. وَلَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ كَانَتا عَلَى عَبْدِ رَتْقًا، ثُمَّ اتَّقَى اللَّهَ لَجَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْهُما مَخْرَجاً ! لَا يُؤْنِسَنَّكَ إِلَّا الْحَقُّ ، وَلَا يُوحِشَنَّكَ إِلَّا الْباطِلُ ، فَلَوْ قَبِلْتَ دُنْياهُمْ لَأَحَبُّوكَ ، وَلَوْ قَرَضْتَ مِنْها لَأَمَّنُوكَ (1)
وحدّد الإمام بهذه الكلمات الرائعة الموقف الرهيب الذي وقفه أبو ذر من
1) نهج البلاغة : 2 : 12 ، الخطبة 129.
عثمان ، فإنّه لم يكن من أجل المادة ، ولا من أجل سائر الاعتبارات الأخرى التي يؤول أمرها إلى التراب ، وإنّما كان من أجل المبادئ الأصيلة والقيم العليا التي جاء بها الإسلام وهي تهيب بالحاكمين والمسؤولين أن لا يستأثروا بأموال المسلمين، وقد جافي عثمان ذلك ، وانتهج سياسة خاصة بنيت على الاستغلال والإثرة فلهذا ثار أبو ذرّ في وجهه وناجزه ، وقد خافه عثمان على ملكه وسلطانه ، وخافه أبو ذر على دينه وعقيدته ، وقد أمره الإمام أن يترك ما بأيديهم ويهرب بدينه ليكون بمنجاة من شرور القوم وآثامهم .
وييّن(عليه السلام)في كلماته اتجاه أبي ذرّ وميوله ، فإنّه لا يؤنسه إلا الحق ، ولا يوحشه إلا المنكر والباطل ، ولو أنه غير اتجاهه فسالم القوم ووادعهم لأحبوه وأخلصواله ، وأجزلوا له العطاء ، ومنحوه الثراء .
وبادر إليه الإمام الحسن(عليه السلام) فصافحه وودعه ، وألقى عليه كلمات تنمّ عن قلب موجع لهذا الفراق قائلاً:
يا عَمَّاهِ ، لَوْلَا أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُوَدِّع أَنْ يَسْكُتَ، وَلِلْمُشَيِّع أَنْ يَنْصَرِفَ لَقَصُرَ الْكَلَامُ وَإِنْ طَالَ الْأَسَفُ، وَقَدْ أَتَى الْقَوْمُ إِلَيْكَ مَا تَرَى، فَضَعْ عَنْكَ الدُّنْيا بِتَذَكَّرِ فَراغِهَا، وَشِدَّةِ ما اشْتَدَّ مِنْها بِرَجاءِ مَا بَعْدَهَا ، وَاصْبِرْ حَتَّى تلْقَى نَبِيَّكَ وَهُوَ عَنْكَ راضٍ .
لقد أمره الإمام الحسن(عليه السلام) بالصبر على ما انتابه من الكوارث والخطوب التي صبّها عليه القوم ليلقى رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) وهو عنه راض .
وألقى أبو ذر على أهل البيت نظرة مقرونة بالتفجّع والأسى والحسرات ، وتكلم بكلمات يلمس فيها ذوب قلبه على هذا الفراق المرير .
قال : «رحمكم الله يا أهل بيت الرحمة ، إذا رأيتكم ذكرت بكم رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)،
ما لي بالمدينة سكن ولا شجن(1)غيركم ، إنّي ثقلت على عثمان بالحجاز كما ثقلت على معاوية بالشام، وكره أن أجاور أخاه وابن خاله بالمصرين(2)، فأفسد الناس عليهما ، فسيّرني إلى بلد ليس لي به ناصر ولا دافع إلا الله ، والله ما أريد إلا الله صاحباً ، وما أخشى مع الله وحشة ».
وانصرف أبو ذر طريداً في فلوات الأرض ، شريداً عن حرم الله وحرم رسوله ، قد باعدته السياسة العمياء ، وفرّقت بينه وبين أهل البيت الذين يكن لهم أعمق الود وخالص الحبّ من أجل حبيبه وصاحبه رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم).
لقد مضى أبو ذرّ إلى الربذة ليموت فيها جوعاً ، وفي يد عثمان ذهب الأرض يصرفه على بني أمية ، وعلى آل أبي معيط ، ويحرمه على شبيه المسيح عيسى بن مريم في هديه وسمته .
ورجع الإمام أمير المؤمنين الله مع أولاده من توديع أبي ذر ، وقد علاه الأسى والحزن ، فاستقبلته جماعة من الناس فأخبروه بغضب عثمان واستيائه منه لأنه خالف أمره وخرج لتوديع خصمه.
فقال : غَضَبُ الْخَيْلِ عَلَى اللُّجُمِ(3).
وبادر عثمان إلى الإمام فقال له : ما حملك على ردّ رسولي ؟
أَمَا مَرْوانُ فَإِنَّهُ اسْتَقْبَلَنِي يَرُدُّنِي فَرَدَدْتُهُ عَنْ رَدِّي ، وَأَمَا أَمْرُكَ فَلَمْ أَرَدَّهُ .
أولم يبلغك أنّي قد نهيت الناس عن تشييع أبي ذرّ ؟
أَوَكُلُّ ما أَمَرْتَنَا بِهِ مِنْ شَيْءٍ يُرى طَاعَةُ اللَّهِ وَالْحَقُّ فِي خِلَافِهِ اتَّبَعْنَا فِيهِ أَمْرَكَ ؟ !!
أقد مروان .
وَما أَقِيدُهُ ؟
ضربت بين أذني راحلته .
أَمَا رَاحِلَتي فَهِي تِلْكَ ، فَإِنْ أَرادَ أَنْ يَضْرِبَها كَما ضَرَبْتُ راحِلَتَهُ فَلْيَفْعَلْ ، وَأَمَا أَنا فَوَاللَّهِ ! لَئِنْ شَتَمَنِي لَأَشْتُمَنَّكَ أَنْتَ بِمِثْلِهَا ، لَا أَكْذِبُ فِيهِ وَلَا أَقُولُ إِلَّا حَقَّاً .
ولم لا يشتمنك إذ شتمته ، فوالله ما أنت عندي بأفضل منه !
وغضب الإمام(عليه السلام)من عثمان لأنّه ساوى بينه وهو من النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) بمنزلة هارون من موسى ، وبين الوزغ ابن الوزغ مروان بن الحكم الذي لعنه رسول الله وهو في صلب أبيه ، فقال(عليه السلام) له : إِلَيَّ تَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ ، وَبِمَرْوانَ تَعْدِلُنِي ؟ .. فَأَنَا وَاللَّهِ ! أَفْضَلُ مِنْكَ ، وَأَبِي أَفْضَلُ مِنْ أَبِيكَ ، وَأُمِّي أَفْضَلُ مِنْ أُمِّكَ ، وَهَذِهِ نَبْلِي قَدْ نَثَلْتُها .
فسكت عثمان ، وانصرف الإمام(عليه السلام) وهو ملتاع حزين منه ، لأنه لم يرع ،مقامه ، ولم يلحظ جانبه ، وقرن بينه وبين مروان .
وعمّار بن ياسر فذ من أفذاذ الإسلام ، وعلم من أعلامه ، وقطب من أقطابه ، وصاحب رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) وخليله ، لقي في سبيل الإسلام أعظم الجهد ، وأمر البلاء ، وعُذَّب مع أبويه أعنف التعذيب وأقساه ، فقد استضعفتهم جبابرة قريش ، فصبّت عليهم وابلاً من العذاب الأليم ، فألهبت أبدانهم بمكاوي النار ، وضربتهم ضرباً موجعاً، ووضعت على صدورهم الأحجار الثقيلة، وصبت عليهم قرباً من الماء ، وكان النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)يجتاز عليهم فيرى ما هم فيه من المحنة والعذاب فتذوب نفسه أسى وحزناً ، ويقول :« اصبروا آل ياسر ، مَوْعِدُكُمُ الْجَنَّةُ »(1)
1) كنز العمال: 6 :85 مجمع الزوائد : 9: 293
ويقول وقد أضناه الحزن : «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَآلِ يَاسِرِ وَقَدْ فَعَلْتَ »(1).
وبقيت هذه الأسرة التي وهبت حياتها الله تحت التعذيب والارهاق لم تحفل بما تعانيه من ألم التعذيب وشدته ، وأصرت على إيمانها بدعوة محمد(صلی الله علیه وآله وسلم)وهي تسخر بأوثان قريش وأصنامها ، فورم من ذلك أنف أبي جهل ، وانتفخ سحره ، وجعلت عيناه تقدحان شرراً وغيظاً ، فعمد إلى سميّة فطعنها في قلبها فماتت ، وهي أول شهيدة في الإسلام ، وعمد الأثيم بعد ذلك الى ياسر فقتله وظلّ عمّار تحت التعذيب حتى أعياه وأرهقه ، فعرضت عليه قريش سبّ النبي
والعدول عن دينه ، فأجابهم على كره ، فعفوا عنه فانطلق إلى رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)يبكي ، فجعل رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)يمسح عينيه ، وقال :إِنْ عادوا لَكَ فَعُدْ لَهُمْ بِمَا قُلْتَ
وأنزل الله تعالى فيه : مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالْإِيمَانِ(2).
وملئت نفس عمار بالإيمان بالله ، فكان الدين قطعة من طبعه ، وعنصراً مقوّماً المزاجه ، وأنزل الله فيه غير آية من القرآن كلّها ثناء عليه وتمجيد له ، وإشادة به ، وقد عناه تعالى بقوله : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِمَا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ(3).
ونزلت فيه الآية الكريمة : أَوَمَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ(4).
1) مسند أحمد بن حنبل : 1 : 62 .
2) النحل 16: 106 . ذكر نزولها في عمّار : ابن سعد في طبقاته : 3 : 178 . الواحدي في أسباب النزول : 212 الطبري في تفسيره : 14: 122 ، وغيرهم .
3) الزمر :39 9 ذکر نزولها في عمّار القرطبي في تفسيره : 1 : 239 ، وابن سعد في الطبقات الكبرى : 3 : 178
4) الأنعام 6 : 122 نص على نزولها في عمّار : السيوطي في تفسيره : 3: 43 ، وابن كثير في تفسيره: 2: 172
كما نزلت في الثناء عليه ، وفي ذمّ الوليد الآية المباركة ، وهي قوله تعالى : أَفَمَنوَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاتِيهِ كَمَن مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ(1).
واهتم النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) في شأن عمّار اهتماماً بالغاً ، فكان يرفع من شأنه ، ويشيد بذكره ، ويقدّمه على غيره ، فقد رأى خالداً يغلظ له في القول ، فالتاع من ذلك وانبرى يقول : من عادى عَمَاراً عاداهُ اللهُ ، وَمَنْ أَبْغَضَ عَمَاراً أَبْغَضَهُ الله(2).
وجرت بينه وبين شخص مشادة ، فقال لعمّار : سأعرض هذه العصا لأنفك ، فلمّا سمع ذلك رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)غضب واندفع يقول : ما لَهُمْ وَلِعَمَارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ . إِنَّ عَمَارا جِلْدَةُ ما بَيْنَ عَيْنِي وَأَنْفِي ، فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ مِنَ الرَّجُلِ فَاجْتَنِبوه(3).
ويقول فيه : ما خُيْرَ عَمَارٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتارَ أَرْشَدَهُما (4).
وظلّ عمّار موضع عناية النبي وتبجيله وتقديره لما يرى فيه من الإخلاص والزهد في الدنيا ، والحبّ للحق ، وقد شهد مع النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)بدراً واحداً والمشاهد كلها ، وشارك في بناء المسجد النبوي ، فكان المسلمون يحمل كلّ واحد منهم لبنة لبنة وهو يحمل لبنتين لبنتين ، وهو يقول : نحن المسلمون نبتني المساجد.
وكان النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)يرجع عليه بعض قوله فيقول : « المساجد » ، وشارك كذلك في حفر الخندق ، وكان يمسح التراب عنه ، وهكذا عمّار في طليعة أصحاب النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)
في إيمانه وإخلاصه وعظيم بلائه وعنائه في سبيل الإسلام.
ولما انتقل النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) إلى حظيرة القدس لازم أمير المؤمنين وكان متفانياً في حبّه ، ولا يرى أحداً خليقاً بالخلافة غيره ، ومن أجل ذلك تخلّف عن بيعة أبي بكر واحتجّ عليه ، وقد تقدّم بيان ذلك .
ولما آل الأمر إلى عثمان ، وسلك غير الجادة نقم منه عمّار ، واشتد في معارضته والإنكار عليه ، وقد نكّل به عثمان، واعتدى عليه، وقابله بأفحش القول وأمره ، وكان ذلك في مواضع عدّة ، وهي :
1 - إنّه لمّا استأثر بالسفط ، وحلّى به بعض نسائه أنكر عليه أمير المؤمنين(عليه السلام)، وأيّد عمار معارضته ، كما تقدّم بيانه . قال له عثمان : أعليَّ يابن المتكاء (1)تجترئ ؟
وأوعز إلى شرطته بأخذه ، فأخذوه وأدخلوه عليه ، فضربه حتى غشي عليه ، وهو شيخ قد علاه الضعف، وحمل إلى منزل السيدة أم سلمة زوج النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) ولم يفق من شدّة الضرب حتى فاتته صلاة الظهرين والمغرب .
فلما أفاق توضّأ وصلى العشاء ، وقال : الحمد الله ليس هذا أول يوم أوذينا فيه في الله ، وغضبت من أجل ذلك السيدة عائشة ، فأخرجت شعراً من شعر رسول الله ، وثوباً من ثيابه ، ونعلاً من نعاله ، ثمّ قالت : ما أسرع ما تركتم سنة نبيكم ، وهذا شعره وثوبه ونعله لم يبل بعد ، وغضب عثمان حتى لا يدري ما يقول ، ولا يعرف كيف يعتذر عن عمله ؟(2)
2 - إنّ أعلام الصحابة رفعوا مذكرة لعثمان ذكروا فيها إحداثه ، ومخالفة سياسته للسنّة ، وأنّهم يناجزونه إن لم يثب إلى الرشاد ، ولم يغيّر خطته ، وقد دفع إليه المذكرة عمّار ، فأخذها عثمان وقرأ صدراً منها ، فثار واندفع وهو مغيظ محنق ، ، فقال
له : أعليّ تقدم من بينهم ؟
إنّي أنصحهم لك .
كذبت يابن سميّة .
أنا والله ابن سميّة وابن ياسر .
وأمر عثمان غلمانه فمدّوا يديه ورجليه ، ثمّ ضربه عثمان برجليه ، وهي في الخفّين على مذاكيره فأصابه الفتق ، وكان ضعيفاً فأغمى عليه (1).
3 - ولما نفى عثمان أبا ذر صاحب رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) إلى الربذة ، وتوفي فيها غريباً ، وجاء نعيه إلى يثر ، قال عثمان أمام جماعة من الصحابة : رحمه الله .
فاندفع عمّار قائلاً: نعم ، رحمه الله من كلّ أنفسنا .
فانتفخت أوداج عثمان ، وقال لعمار أفحش القول وأقساه : يا عاض أير أبيه ، أتراني ندمت على تسييره ؟
وأمر غلمانه فدفعوا عمّاراً وأرهقوه، كما أمر بنفيه إلى الربذة، فلما تهيأ للخروج أقبلت بنو مخزوم إلى أمير المؤمنين(عليه السلام)، فسألوه أن يذاكر عثمان في شأنه ، فانطلق الإمام إليه وقال له : اتَّقِ اللهَ ، فَإِنَّكَ سَبَّرْتَ رَجُلاً صالِحاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَهَلَكَ فِي تَسْبِيْرِكَ ، ثُمَّ أَنْتَ الْآنَ تُرِيدُ أَنْ تَنْفِيَ نَظِيرَهُ؟
فثار عثمان وقال للإمام : أنت أحقّ بالنفي منه .
واجتمع المهاجرون فعذلوه، ولاموه على ذلك، فاستجاب لقولهم وعفا عن عمّار(2).
لقد بالغ عثمان في اضطهاد عمّار وإرهاقه ، فضربه أعنف الضرب وأقساه ، وأغلظ له في القول ، ولم يرع بلاءه في الإسلام ، ونصرته للنبي
(صلی الله علیه وآله وسلم) في جميع المواقف والمشاهد ، واهتمام النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)بشأنه ، وتقديمه على غيره ، وأنه جلدة ما بين عينيه على حدّ تعبيره - كلّ ذلك لم يلحظه فاعتدى عليه ، ونقم منه لأنه أمره بالعدل ،
ودعاه إلى الحقِّ الواضح، وإلى الاعتدال في سياسته . إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن تنكيله بأعلام الصحابة من الذين سبقوا إلى الإسلام ، وجاهدوا أعظم الجهاد في سبيله ، وهم من دون شك لم يكونوا مدفوعين بدافع الرغبة في الحكم أو الإمرة على بعض الأمصار والأقاليم الإسلامية ، أو الظفر بالمال ، كلّ ذلك لم يدفعهم إلى الصيحة عليه ، وإنّما رأوا أنّه أحدث من الأعمال ما ليست في كتاب الله ، ولا في سنّة نبيه ، رأوا حقاً يطفأ ، وباطلاً يحيى ، و صادقاً يكذب، وإثرة بغير تقى كما يقول أبو ذر من اجل ذلك أعلنوا نقمتهم وإنكارهم عليه ، وطالبوه بأن يسلك الجادّة الواضحة ، ويسير على الطريق القويم ، ويتبع هدي النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)ويقتفي أثره .
وافترى بعض المؤرّخين على الإمام الحسن(عليه السلام) فزعم أنه كان عثماني الهوى ، وأنه يكن له في دخائل نفسه أعمق الحبّ ومزيد الولاء والإخلاص ، وقد حزن عليه بعد مقتله حزناً بالغاً ، وقد ذهب إلى ذلك الدكتور طه حسين ، قال ما نصه : « ولم يفارق الحسن حزنه على عثمان ، فكان عثمانياً بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة ، إلا أنه لم يسلّ سيفاً للثأر بعثمان لأنّه لم ير ذلك حقاً له ، وربّما غلا في عثمانيّته حتّى قال لأبيه ذات يوم ما لا يحبّ .
فقد روى الرواة أن عليّاً مرّ بابنه الحسن وهو يتوضّأ فقال له : اسبغ الوضوء ، فأجابه الحسن بهذه الكلمة المرّة : لقد قتلتم بالأمس رجلاً كان يسبغ الوضوء ،
فلم يزد عليّ على أن قال : لقد أطال الله حزنك على عثمان»(1).
إنّ السياسة التي انتهجها عثمان ، والأحداث الجسام التي صدرت منه ، لم تترك له أي حميم أو صديق في البلاد ، فقد سخط عليه عموم المسلمين، وخافوه على دينهم ، فكانت عائشة تُخرج ثوب رسول الله الله ، وتقول للداخلين إليها : هذا ثوب رسول الله لم يبل ، وعثمان قد أبلى سنته ، ونقم عليه حتى طلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف ، وغيرهم ممن أغدق عليهم النعم والأموال ، ولم يعد له أي صديق أو مدافع عنه سوى بني أمية وآل أبي معيط ، وبعد هذه الكراهية الشاملة في نفوس المسلمين لعثمان كيف يكون الإمام الحسن(عليه السلام) - الذي يحمل هدي جده الرسول الله - عثمانيّاً بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة كما يقول طه حسين .
لقد كان الحسن(عليه السلام)من جملة الناقمين على عثمان ، والناكرين عليه ، لأنه رأى ما لاقاه أصحاب أبيه كأبي ذرّ وعمار وابن مسعود من الاضطهاد والارهاق ، وشاهد ما لاقاه أبوه بالذات من الاستهانة بحقه ، والاعتداء عليه حينما خرج لتوديع أبي ذرّ ، وبعد هذا كيف يكون الحسن (عليه السلام)عثمانياً أو مغالياً في حبّه له ؟ !
وأي مظهر من مظاهر الكآبة والحزن بدت من الإمام الحسن(عليه السلام)على عثمان بعد مقتله ؟ ! أفي قيامه بالدور البطولي في بعث الجماهير وإخراجها إلى ساحة الحرب في موقعة الجمل التي أثيرت للطلب بدم عثمان ، وقد كان معه في كثير من تلك المواقف عمّار بن ياسر ، وكان ينال من عثمان ويتهمه في دينه ، ويقول فيه : قتلنا عثمان يوم قتلناه وهو كافر(2)، وكان الحسن(عليه السلام) يسنده ، ويدعم أقواله ، أو أنه ظهر منه الأسى على عثمان في حرب صفّين الذي ثأر فيها معاوية للطلب بدم عثمان ، ففي أي موقف أظهر الإمام حزنه وأساه على عثمان ؟!
وأما الرواية التي استند إليها الدكتور طه حسين لتدعيم قوله ، فقد رواها البلاذري عن المدائني(1)الذي عرف بالنصب والعداء لأهل البيت ، وافتعال الروايات الحسنة في بني أمية(2)، والغرض من وضع هذه الرواية أن يضفي على عثمان ثوب القداسة ، ويجعل له رصيداً من الحبّ في نفوس صلحاء المسلمين ، ومضافاً لضعف سندها فيرد عليها بعض المؤاخذات ، وهي :
1 - إنّ الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) قد تلطف في خطابه مع ولده الحسن(عليه السلام)وبين له الحكم الشرعي ، ولم يواجهه بلاذع القول ، فما الذي دعا الحسن(عليه السلام) أن يقابله بتلك الكلمات المرّة ، وهو وارث النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)وشبيهه في سمو أخلاقه وكريم طباعه .
2 - إنّ الإمام الحسن(عليه السلام)كان من جملة المدافعين عن عثمان كما يقولون - وكان ذلك بأمر من أبيه ، فكيف يتهمه بقتل عثمان ؟
3 - إنّ الإمام لم يكن له أي دخل في قتل عثمان ، ولا في التآمر عليه ، وإنما قتلته أعماله ، وأجهزت عليه الأحداث التي ارتكبها ، فكيف يتهم الحسن(عليه السلام) أباه بقتله ؟ وبعد الإحاطة بما ذكرنا لا تبقى للرواية أي قيمة في سندها ، ولا في دلالتها .
والغريب من الدكتور أن يعتمد عليها ، ولا يمعن النظر فيها وفي أمثالها من الروايات التي تعمّد وضعها ذوو النزعات الأموية وأجراء السلطة
وأخذ المسلمون يتحدّثون في أنديتهم عن مظالم عثمان ، وعن إحداثه و استبداده بشؤونهم ، وتبديده لثرواتهم ، وتنكيله بأخيار الصحابة وأعلام الدين ، وتلاعب مروان وبني أمية بشؤون الدولة ، وغير ذلك من الأحداث الجسام ،
وقد انتشر التذمر ، وعمّ السخط والاستياء جميع أنحاء البلاد .
فاجتمع أهل الحل والعقد، وذوو السابقة في الإسلام ، فكاتبوا الأمصار يستنجدون بهم ، ويطلبون منهم العون ، وإرسال القوات المسلحة للقيام بقلب الحكم القائم ، وهذا نص مذكرتهم لأهل مصر :
) من المهاجرين الأولين وبقيّة الشورى إلى من بمصر من الصحابة والتابعين .
أما بعد ، أن تعالوا إلينا وتداركوا خلافة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)قبل أن يسلبها أهلها ،فإنّ كتاب الله قد بدّل ، وسنّة رسوله قد غيّرت ، وأحكام الخليفتين قد بدلت ، فننشد الله من قرأ كتابنا من بقية أصحاب رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) والتابعين بإحسان إلا أقبل إلينا ، وأخذ الحق لنا وأعطاناه ، فاقبلوا إلينا إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ، وأقيموا الحقِّ على المنهاج الواضح الذي فارقتم عليه نبيكم ، وفارقكم عليه الخلفاء ، غلبنا على حقنا، واستولى على فيئنا ، وحيل بيننا وبين أمرنا ، وكانت الخلافة بعد نبينا خلافة نبوة ورحمة ، وهي اليوم ملك عضوض، من غلب على شيء أكله »(1).
وحفلت هذه الرسالة بذكر الأحداث الخطيرة التي ابتلي بها العالم الإسلامي من جرّاء الحكم القائم ، وهي :
1 - تبديل كتاب الله ، وإلغاء أحكامه العادلة .
2 - تغيير سنة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) وإهمال ما أثر عنه في عالم الحكم والسياسة .
3- الإعراض عن سيرة الشيخين .
4 - استئثار السلطة بالفيء وصرفه على مصالحها الخاصة .
5 - صرف الخلافة الإسلامية عن مفاهيمها البنائة ، وطاقاتها الثرة إلى ملك عضوض لا يعتني بأهداف الأمة ، ولا يرعى ، مصالحها .
1) الإمامة والسياسة : 1 : 35 .
وقد أوجبت هذه الأحداث زعزعة الكيان الإسلامي ، وتهديد الحياة الإسلامية بالدمار، وقد واصل الناقمون على عثمان جهادهم ، فبعثوا برسالة أخرى إلى المرابطين في الثغور من أصحاب النبي الله(صلی الله علیه وآله وسلم)يطلبون منهم القدوم إلى يثرب لإقامة الخلافة ، وهذا نص رسالتهم :
إنّكم إنّما خرجتم أن تجاهدوا في سبيل الله عزّ وجلّ تطلبون دين محمد(صلی الله علیه وآله وسلم)، فإنّ دين محمد قد أفسده خليفتكم فأقيموه »(1)
واستجابت الأمصار الإسلامية لهذا النداء ، فأرسلت وفودها إلى يثرب للاطلاع على الأوضاع الراهنة ودراسة الموقف ، وما يحتاجه من علاج ، والوفود التي أقبلت هي :
وأرسلت مصر وفداً عدده أربعمائة شخص ، وقيل : أكثر من ذلك بقيادة محمد بن أبي بكر، وعبد الرحمن بن عديس البلوي
وأرسلت الكوفة وفدها بقيادة الزعيم مالك الأشتر ، وزيد بن صوحان العبدي ، وزياد بن النضر الحارثي ، وعبد الله بن الأصم العامري، وعلى الجميع عمرو بن الأهتم .
ونزح من البصرة حكيم بن جبلة في مائة رجل ، ولحقه بعد ذلك خمسون ، وفيهم ذريح بن عبّاد العبدي وبشر بن شريح القيسي وابن المحرش ، وغيرهم من
1) تاريخ الأمم والملوك : 3 : 401 . الكامل في التاريخ : 5: 70 .
الأعيان والوجوه .
ورحّبت الصحابة بالوفود واستقبلتها بمزيد من الابتهاج والشكر ، وأخذت تذكر لها أحداث عثمان التي لا تتفق بظاهرها وواقعها مع الدين ، وحرّضوها على الايقاع به والإجهاز عليه لتستريح الأمة من حکمه.
ورأى الوفد المصري - قبل كل شيء - أن يرفع مذكرة إلى عثمان يدعوه فيها إلى التوبة والاستقامة في سياسته ، فكتبوا ذلك ، وهذا نصه : « أما بعد ، فاعلم أنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
فالله الله ، ثمّ الله الله ، فإنّك على دنيا زائلة فاستتم معها، ولا تنس نصيبك من الآخرة ، فلا تسوّغ لك الدنيا ، وأعلم أنا الله ، والله نغضب ، وفي الله نرضى ، وأنا لا نضع سيوفنا عن عواتقنا حتى تأتينا منك توبة مصرحة أو ضلالة مجلحة مبلجة (1)، فهذه مقالتنا لك ، وقضيتنا إليك ، والله عذيرنا منك والسلام ..»(2).
واضطرب عثمان من الأمر ، وقرأ الرسالة بإمعان ، وأحاط الثوّار به ، فبادر إليه المغيرة وطلب منه الإذن بالكلام معهم ، فأذن له وانطلق إليهم ، فلما رأوه صاحوا به : يا أعور ، وراءك ! يا فاجر ، وراءك ! يا فاسق ، وراءك !
فرجع خائباً ودعا عثمان عمرو بن العاص ، وطلب منه أن يكلّم القوم ، فمضى إليهم وسلّم فما ردّوا عليه السلام ، وقالوا : ارجع يا عدو الله ، ارجع يابن النابغة ، فلست عندنا بأمين ولا مأمون .
وعلم عثمان أن لا ملجأ له إلا الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، فاستغاث به ، وطلب منه أن يدعو القوم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه .
فأجابه الإمام إلى ذلك ، ولكن شرط عليه أن يعطيه عهد الله وميثاقه على الوفاء بما قال ، فأعطاه ذلك ، ومضى الإمام إلى القوم ، فلما رأوه قالوا له : وراءك !
لا بل أمامي ، تُعْطَوْنَ كِتابَ اللهِ ، وَتُعْتَبُونَ مِنْ كُلِّ ما سَخِطْتُم عَلَيْهِ
وعرض عليهم ما بذله عثمان لهم .
أتضمن ذلك عنه ؟
نَعَمْ.
رضينا.
وأقبل وجوههم وأشرافهم مع أمير المؤمنين(عليه السلام)حتى دخلوا على عثمان ، فعاتبوه على أعماله ، فأعتبهم من كلّ شيء ، وطلبوا منه أن يكتب لهم كتاباً يلزم فيه نفسه بالعمل على كتاب الله وسنّة نبيه ، وتوفير الفيء للمسلمين .
فأجابهم إلى ذلك وكتب لهم ما نصّه :
«هذا كتاب من عبد الله عثمان أمير المؤمنين لمن نقم عليه من المؤمنين والمسلمين ، إنّ لكم أن أعمل فيكم بكتاب الله وسنّة نبيه ، يعطى المحروم ، ويؤمن الخائف ، ويردّ المنفي ، ولا تجمر في البعوث ، ويوفر الفيء ، وعلي بن أبي طالب ضمين للمؤمنين ، وعلى عثمان الوفاء بما في هذا الكتاب».
وشهد فيه كلّ من الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله ، وسعد بن مالك أبي وقاص ، وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت ، وسهل بن حنيف ، وأبو أيوب خالد بن زيد ، وكتب ذلك في ذي القعدة سنة خمس وثلاثين من الهجرة .
وأخذ القوم الكتاب وانصرفوا(1).
وطلب منه الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) أن يخرج إلى الناس ، ويعلن لهم أنه قد
1) أنساب الأشراف : 5 : 312 .
استجاب لهم ونفّذ طلباتهم ، ففعل عثمان ذلك ، وأعطى الناس عهداً أن يسير فيهم على كتاب الله وسنّة نبيه ، وأن يوفر لهم الفيء ، ولا يؤثر به أحداً من أرحامه وذوي قرباه ، ورجع المصريون إلى بلادهم .
ودخل مروان على عثمان فقال له : تكلّم واعلم الناس أن أهل مصر قد رجعوا ، وأن ما بلغهم عن إمامهم كان باطلاً، فإن خطبتك تسير في البلاد قبل أن يتحلب الناس عليك من أمصارهم فيأتيك من لا تستطيع دفعه .
لقد دعاه أن يعلن الكذب ، ويقول غير الحق ، فامتنع من إجابته أولاً ، ولكنّه انصاع أخيراً لقوله ، فخرج واعتلى أعواد المنبر ، وقال : أما بعد ، إنّ هؤلاء القوم من أهل مصر كان بلغهم عن إمامهم أمر ، فلما تيقنوا أنّه باطل ما بلغهم رجعوا إلى بلادهم.
واندفع المسلمون إلى الإنكار عليه ، فناداه عمرو بن العاص : اتق الله يا عثمان ، فإنّك قد ركبت نهابير(1)وركبناها معك ، فتب إلى الله نتب معك .
فزجره عثمان وصاح به : وإنّك هناك يابن النابغة ؟ قملت والله جبتك منذ تركتك من العمل ؟
وارتفعت من جميع جنبات المسجد أصوات الإنكار وهي ذات لهجة واحدة: اتّق الله يا عثمان ، اتق الله
فانهارت قواه ، ولم يجد بداً من أن يعلن التوبة على هذا الإفك ، ونزل عن المنبر ومضى إلى منزله(2)
وهذه البادرة تدلّ على ضعفه ، وهزال إرادته ، وتلاعب مروان في شؤونه ، وسيطرته على جميع أموره ، وأنّه لا قدرة له على مخالفته والتغلب عليه .
ولما ازداد نشاط الثوّار وحاصروه في داره استنجد بمعاوية واستغاث به وكتب إليه هذه الرسالة :
«أما بعد ، فإنّ أهل المدينة قد كفروا ، وخلعوا الطاعة ، ونكثوا البيعة ، فابعث إليَّ من قبلك من مقاتلة أهل الشام على كل صعب وذلول »(1)
وتربّص معاوية حينما اطلع على الكتاب ، فلم يندفع إلى نصرته وإجابته ، وتنكر للأيادي التي أسداها عليه وعلى أسرته .
ولمّا أبطأ معاوية على عثمان ، ولم يقم بنجدته بعث عثمان رسالة إلى يزيد بن أسد بن كرز ، وإلى أهل الشام يستفزهم ويحثّهم على الخروج لنصرته ، ولما انتهى إليهم الكتاب نفروا للخروج تحت قيادة يزيد القسري ، ولكنّ معاوية أمره أن يقيم بذي خشب ولا يتجاوزه ، فأقام الجيش هناك حتى قتل عثمان .
والسبب في ذلك هو أن يتخذ من قتله وسيلة للمطالبة بدمه لتؤول الخلافة إلى بني أمية .
إن معاوية ممّن دبّر الحيلة في قتله ، وإلى ذلك يشير أبو أيوب الأنصاري بقوله لمعاوية : إنّ الذي تربّص بعثمان ، وثبّط يزيد بن أسد عن نصرته لأنت .
وعلى أي حال، فإنّ عثمان قد كتب رسائل متعدّدة إلى الأمصار، وإلى من حضر الموسم في مكة يستنجد به بهم ، ويطلب منهم القيام بنجدته .
ورجع الوفد المصري من أثناء الطريق لما تبينت له المكيدة الخطيرة التي دبّرت
1) تاريخ اليعقوبي : 2 : 152 . الكامل في التاريخ : 5 : 67.
ضدّه ، فأحاطوا بقصر عثمان وهم يهتفون بسقوطه ، ويطالبونه بالاستقالة من منصبه ، وخرج إليهم مروان فشتمهم ونال منهم قائلاً: ما شأنكم ؟ كأنكم قد جئتم لنهب ؟ شاهت الوجوه . تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا ، اخرجوا عنا .
فألهبت هذه الكلمات نار الثورة في نفوسهم ، فأحاطوا بعثمان وعزموا على قتله ، فاستنجد بالإمام ، فأقبل إليه وقد نقلت له كلمات مروان .
فقال(عليه السلام) : أَما رَضِيتَ مِنْ مَرْوانَ ، وَلَا رَضِيَ مِنْكَ إِلَّا بِتَحَرُفِكَ عَنْ دِينِكَ وَعَنْ عَقْلِكَ ، مِثْلَ جَمَل الظَّعِينَةِ يُقادُ حَيْثُ يَشاءُ رَبُّهُ، وَاللَّهِ ! ما مَرْوانُ بِذِي رأي فِي دِينِهِ وَلَا فِي نَفْسِهِ ، وَأَيْمُ اللَّهِ لَأَراهُ يُوْرِدُكَ وَلَا يُصْدِرُكَ ، وَما أَنا عائِذْ بَعْدَ مَقامِي هذا لِمعُاتَبَتِكَ ، أَذْهَبْتَ شَرَفَكَ، وَغُلِبْتَ عَلى أَمْرِكَ .
إنّ الذي أجهز على عثمان وقتله هو مروان وبنو أمية ، وقد صرّحت بذلك نائلة زوج عثمان ، فقالت للأمويين : أنتم والله قاتلوه وميتمو أطفاله.
ونصحت زوجها بأن لا يطيع مروان ، تقول له : إنّك متى أطعت مروان قتلك.
إنّ عثمان يحمل قسطاً ليس بالقليل في الجناية على نفسه لأنّه لما علم أنّه ضعيف الإرادة ، ولا قابلية له للتغلب على الأحداث ، وأنّ بني أمية قد استولوا على أموره ، وهو يعلم من دون شك كراهة المسلمين لهم ، فكان اللازم عليه أن يترك الأمر لغيره ويستقيل من منصبه ، ولا ينكب الأمة بقتله.
وأيقن الثوار أنه لا مجال لإصلاحه ، لأنه إن أبرم أمراً نقضه مروان ، فأصروا عليه أن يخلع نفسه عن الخلافة ، فأبى ، وقال : إنّما هي ثوب ألبسنيها الله .
وفي الحقيقة إنّها ثوب كساه بها ،عمر، وألبسها إياه عبدالرحمن بن عوف .
وعلى أي حال، فقد اندلعت نيران الثورة ، واشتد أوارها حتى بلغ السيل الزبى ، فقد صمّم الثوّار على قتله بعد إبائه عن الاستقالة من منصبه ، فمنع عنه طلحة الماء ،
واستولى على بيوت الأموال، وأحاط الثوّار بقصره ، وتسلّق بعضهم عليه الدار ، فجعلوا يرمونه بالحجارة ويبالغون في سبه وشتمه وقذفه .
وزعم غير واحد من المؤرّخين أن الإمام الحسن(عليه السلام)وقف يوم الدار مدافعاً عن عثمان بإيعاز من أبيه ، وقد أبلى فى ذلك بلاءاً حسناً حتّى خضب بدمائه ، وهذا القول - من دون شك من موضوعات الأمويين ومن مفترياتهم ، فإنّ الإمام الحسن(عليه السلام) وسائر البقية الصالحة من المهاجرين والأنصار كانوا في معزل عن عثمان ، بل ومن الناقمين عليه ، ولم يحضر من يدافع عنه في حصاره سوى بني أمية وبعض المنتفعين منهم ، ولو كان له أي رصيد في المجتمع لما تمكن الثائرون من قتله .
لقد اتفقت كلمة الصحابة على خذلانه ، ولم تظهر منهم بادرة من بوادر المساعدة والمؤازرة له ، بل كانوا يمجدون الثورة ، ويبعثون روح الحماس في نفوس الثوّار ، وبعد هذا فكيف يمكن أن يخرق الإمام الحسن(عليه السلام) الإجماع ويمضي للدفاع عنه وعلى أي حال ، فقد تعرض المحقق الأميني إلى تزييف تلك الأخبار، وعدّها في سلسلة الموضوعات(1).
وأجهز الثوار على عثمان ، وقد تولى قتله جماعة في طليعتهم محمد بن أبي بكر ، فكان من أحقدهم عليه ، فقد شهر السيف في وجهه وقال له : على أي دين أنت يا نعثل ؟
1) الغدير : 9 218 - 247
-غيّرت كتاب الله .
-كتاب الله بيني وبينكم .
وأخذ بلحيته فسحبه إلى الأرض وهو يقول : إنا لا يقبل منا يوم القيامة أن نقول : ربّنا إنا أطعنا ساداتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا (1).
وهجم القوم عليه فأردوه قتيلاً يتخبط بدمائه، وتركوه جثّة هامدة(2)لم يواروه ، ولم يسمحوا لأحد بمواراته ، وتكلّم بعض خواصه مع الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) في ذلك فتوسط في شأنه ، فأذنوا لهم في ذلك ، ولكنّهم لم يسمحوا لهم بدفنه في البقيع ، فدفنوه في حش كوكب (3).
لقد امتحن المسلمون امتحاناً عسيراً في أمر عثمان ، وقد أورثهم قتله عناءً أي عناء ، وقد تولّدت في أيام حكومته وبعد مقتله أحزاب نفعيّة لا يهمها إلا الوصول إلى الحكم لتتخذ منه وسيلة إلى الثراء .
وأخذت تلك الأحزاب تعيث فساداً في الأرض ، وتتآمر على مصالح المسلمين ، فأبادت وحدتهم ، وفرّقت كلمتهم ، وخلقت في المجتمع أهم المصاعب والمشاكل حتى أصبح من المتعذر على الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) في دور حكومته أن يصلح الأوضاع الراهنة ، ويعيد سيرة الرسول وسنّته بين الناس ، واتسعت تلك المشاكل حتى بلغت الذروة في دور الإمام الحسن(عليه السلام)، فرأى أن لا خطة له أفضل ولا أحسن من الاستسلام ، كما سنوضحه بالتفصيل في البحوث الآتية .
وبهذا ينتهي بنا المطاف عن عهد عثمان ، وقد أسهبنا القول في أمره ، وأطلنا
1) إشارة إلى قوله تعالى :إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا الأحزاب 33 : 67 .
2) قتل عثمان الجمعة لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجّة سنة ست وثلاثين من يوم الهجرة ، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يوماً ، وعمره اثنان وثمانون سنة .
3) اسم بستان في المدينة كانت اليهود تدفن موتاها فيه .
الحديث في تصوير سياسته التي أشعلت نار الفتنة الكبرى في البلاد ، وفتحت باب الخلاف والنزاع بين المسلمين، ومهدت الطريق للأمويين أن يتدخلوا في شؤون المسلمين، ويختلسوا السلطة من أيديهم، ويمعنوا في قتل الأخيار، ومطاردة المصلحين ، وإبادة جميع الأسس التي جاء هذا الدين ليقيمها.
وبسطنا القول في ذكر بعض المؤاخذات التي تواجه بحوث الدكتور طه حسين في عثمان ، وتبرير سياسته ، ولم نكن يعلم الله - مدفوعين في ذلك كله بدافع العصبية أو الحقد على عثمان ، وإنّما رائدنا الإخلاص للحق وحده ، وخدمة القضية الإسلامية ، فإنّ الكثير من كتاب العصر قد حاول تصحيح تلكم الأحداث بوجوه بعيدة لا يسندها منطق ، ولا يدعمها برهان ، ونحن في أمس الحاجة إلى دراسة التاريخ الإسلامي على واقعه ، والإمعان في الحوادث التي جرت في العصور الإسلامية الأولى ، لنقف على الذوات الخيّرة التي خدمت الإسلام ، ورفعت مناره ، ونتميز الذين خدعتهم السلطة وغرّهم الثراء فتنكروا لدينهم وأمتهم في سبيل مصالحهم الضيقة ، وعسى أن تكون هذه البحوث التي رسمناها بدقة وأمانة قد صوّرت لنا الواقع الذي جرى في تلكم العصور.
واستقبل جمهور المسلمين خلافة الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)بمزيد من السرور والابتهاج ، واتساع الأمل والرجاء ، فقد أيقنوا أنّ الإمام سيرجع لهم الحريات المنهوبة ، ويحطّم عنهم أركان العبودية التي أقامها الحكم الأموي المهدوم ، ويعيد لهم عهد النبوّة الزاهر الذي انبسطت فيه الرحمة ، وعم فيه العدل والرخاء ، وأنّهم سينعمون - من دون شك في ظل حكمه العادل الذي لا يعرف الإثرة والاستغلال ، ولا يميّز قوماً على آخرين .
لقد وثق الجمهور أنّ الإمام سيحقق لهم الأهداف النبيلة التي يصبون إليها من تحقيق العدل الاجتماعي والعدل السياسي في البلاد، وتطبيق المبادئ والنظم التي جاء بها الإسلام والقضاء على جميع الفوارق والامتيازات التي خلفها عثمان ، وقد هبوا بجميع طبقاتهم إلى الإمام وهم يهتفون باسمه، ويعلنون رغبتهم الملحة في أن يلي أمورهم ليحملهم على الحق الواضح والمحجة البيضاء ، ونضع بين يدي القراء صورة مجملة عن البيعة وعن الأحداث التي رافقتها وهي :
واجتمع المهاجرون والأنصار ومعهم الثوار وبقية الجماهير، ومن بينهم طلحة والزبير، فهرعوا إلى الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) وهو معتزل بداره فأحاطوا به من كل جانب وقالوا له : يا أبا الحسن ، إنّ هذا الرجل قد قتل ، ولا بد للناس من إمام ،
ولا نجد اليوم أحداً أحق بهذا الأمر منك ، لا أقدم سابقة ، ولا أقرب قرابة من رسول الله ...
فامتنع الإمام من إجابتهم وقال لهم : لا حاجَةً لِي فِي أَمْرِكُم ، فَمَنِ اخْتَرْتُمْ رَضِيتُ بهِ.
فهتفوا بلسان واحد : ما نختار غيرك .
وكثر إصرار الجماهير على الإمام ، ولكنّه لم يستجب لهم ، فخرجوامنه ولم يظفروا بشيء ، وعقدت القوات المسلّحة اجتماعاً خاصاً عرضت فيه الأحداث الخطيرة التي تواجه الأمة إن بقت بلا إمام يدير شؤونها ، وقد قررت على إحضار المدنيين وإرغامهم على انتخاب إمام للمسلمين ، فقالوا لهم : أنتم أهل الشورى ، وأنتم تعقدون الإمامة ، وحكمكم جائز على الأمة ، فانظروا رجلاً تنصبونه ونحن لكم تبع ، وقد أجلناكم يومكم ، فوالله لئن لم تفرغوا لنقتلنّ عليّاً وطلحة والزبير وتذهب من أضحية ذلك أُمّة من الناس(1).
وفزع المدنيون بعد هذا الانذار والتهديد إلى الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) وهم يهتفون بلسان واحد : البيعة .. البيعة .
أما ترى ما نزل بالإسلام ، وما ابتلينا به من أبناء القرى .
وأجابهم الإمام بهدوء قائلاً: دَعُونِي وَالْتَمِسُوا غَيْرِي .
ثمّ أعرب لهم عن السرّ في توقفه من قبول الخلافة قائلاً: أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وَالْوَانٌ ؛ لَا تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ ، وَلَا تَنْبُتُ عَلَيْهِ الْعُقُول (2).
لقد علم(عليه السلام) بما دبّ في نفوس الأمّة من الشر، وبما ساد في نفوس زعمائها
من الأهواء ، لا سيما ولاة عثمان وأسرته ، ومن يمتّ إليهم ، فإنّهم جميعاً سيقفون أمامه ، ويحولون بينه وبين تحقيق أهدافه العريضة ، ولا بد أن يخلقوا المشاكل والمصاعب في وجه حكومته لذلك أصرّ على الامتناع من قبول الأمر.
وفكر الإمام في الأمر فقال لهم : وَاعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ ما أَعْلَمُ ، وَلَمْ أَصْعْ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ ، وَعَتْبِ الْعَاتِبِ ، وَإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ ؛ وَلَعَلِّي أَسْمَعُكُمْ وَأَطْوَعُكُمْ لِمَنْ وَلَّيْتُمُوهُ أَمْرَكُمْ .
وصاحوا به هاتفين : ما نحن بمفارقيك حتّى نبايعك .
وقد وصف(عليه السلام) مدى انثيالهم عليه ، وشدّة إصرارهم وإقبالهم عليه بقوله : فَمَا رَاعَنِي إِلَّا وَالنَّاسُ كَعُرْفِ الضَّبُعِ(1)إِلَيَّ ، يَنْتَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ، حَتَّى لَقَدْ وُطِئَ الحَسَنانِ ، وَشُقٌ عِطْفَايَ(2)، مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبِيضَةِ الغَنَم(3).
وأجلهم الإمام إلى صباح اليوم الآخر لينظر في الأمر ، فافترقوا على ذلك ، وقد خيّم الليل على سماء المدينة ، وبرك بحمله على بيوتها ، فبات المدنيون ولكن في غير هدوء واطمئنان ، ولما أصبح الصبح اجتمع الناس في الجامع الأعظم ، فأقبل الإمام واعتلى أعواد المنبر فخطب فيهم قائلاً:
أَيُّها النَّاسُ! إِنَّ هذا أَمْرُكُمْ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِ حَقٌّ إِلَّا مَنْ أَمَّرْتُمْ ، وَقَدِ افْتَرَقْنا بِالْأَمْسِ وَكُنتُ كارِها لأَمْرِكُمْ ، فَأَبَيْتُمْ إِلَّا أَنْ أَكُونَ عَلَيْكُمْ ، أَلَا وَإِنَّهُ لَيْسَ لِي أَنْ أَخُذَ دِرْهَما دُونَكُمْ ، فَإِنْ شِئْتُمْ فَعَدْتُ لَكُمْ ، وَإِلَّا فَلا أخُذُ عَلى أَحَدٍ .
وتعالى هتاف الجماهير بلهجة واحدة : نحن على ما فارقناك عليه بالأمس .
وتدافع الناس كالموج المتلاطم إلى البيعة ، وتقدّم طلحة فبايع بتلك اليد التي سرعان ما نكث بها عهد الله(1)
العقد الفريد : 3 : 93
.وجاء بعده الزبير فبايع كما بايع رفيقه ، وبايعه الوفد المصري والوفد العراقي ، وبايعه الجمهور العام ، ولم يظفر أحد من الخلفاء بمثل هذه البيعة في شمولها ، وعمّت المسرّة جميع المسلمين ، وقد وصف الإمام مدى سرور الناس ببيعته بقوله : وَبَلَغَ مِنْ سُرُورِ النَّاسِ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّايَ أَنِ ابْتَهَجَ بها الصَّغِيرُ ، وَهَدَجَ إِلَيْها الكَبِيرُ ، وَتَحامَلَ نَحْوَها الْعَلِيلُ ، وَحَسَرَتْ إِلَيْهَا الْكِعَابُ.
لقد ابتهج المسلمون ببيعتهم إلى وصيّ رسول الله وباب مدينة علمه ، وعمّت الأفراح جميع أنحاء البلاد ، فقد أطلت على عالم الوجود حكومة العدل والمساواة ، وتقلد الخلافة إمام الحقِّ ، وناصر المظلومين ، وأبو الأيتام الذي واسي الفقراء والمحرومين في سغبهم ومحنهم ، القائل في دور حكمه : أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقالَ: هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلَا أَشارِكُهُمْ في مَكارِهِ الدَّهْرِ ، أَوْ أَكُونَ أَسْوَةٌ لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْش !(2).
لقد نشرت في ذلك اليوم الخالد ألوية العدالة الكبرى ، وتحققت الأهداف الأصيلة التي ينشدها الإسلام في عالم السياسة والحكم ، فلا استغلال ولا مواربة ولا استبداد ولا انقياد للنزعات والعواطف ، كلّ ذلك حققه ابن أبي طالب في دور خلافته وحكمه.
وانبرى كبار الصحابة وأعلام الإسلام من الذين آمنوا بحق أمير المؤمنين(عليه السلام) منذ وفاة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)فأبدوا سرورهم البالغ بهذه البيعة ، وأعلنوا تأييدهم الشامل لحكومة الإمام ، وحنّوا المسلمين إلى تدعيمها ، وهم :
ووقف ثابت بن قيس خطيب الأنصار فخاطب الإمام قائلاً: «والله ! يا أمير المؤمنين ، لئن كانوا قد تقدّموك في الولاية فما تقدّموك في الدين ، ولئن كانوا سبقوك أمس لقد لحقتهم اليوم ، ولقد كانوا وكنت ، لا يخفى موضعك ، ولا يجهل مكانك ، يحتاجون إليك فيما لا يعلمون وما احتجت إلى أحد مع علمك » .
وانطلق الصحابي العظيم خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ، فقال : « يا أمير المؤمنين، ما أصبنا لأمرنا هذا غيرك ، ولا كان المنقلب إلا إليك ، ولئن صدقنا أنفسنا فيك لأنت أقدم الناس إيماناً ، وأعلم الناس بالله ، وأولى المؤمنين برسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم). لك ما لهم ، وليس لهم ما لك» .
وجرت على لسانه أبيات من الشعر فخاطب الجماهير بها :
إِذا نَحْنُ بِايَعْنا عَلِيّاً فَحَسْبُنَا*** أَبو حَسَنٍ مِمّا نَحَافُ مِنَ الْفِتَنُ
وَجَدناهُ أَوْلى النَّاسِ بِالنَّاسِ إِنَّهُ*** أَطَبُ قُرَيشِ بِالكِتابِ وَبِالسُّنَنْ
وَإِنَّ قُرَيشاً ما تَشقُ غُبارَهُ ***إذا ما جرى يوماً عَلى الضُّمِّرِ الْبُدُن
وَفِيهِ الَّذي فيهِمْ مِنَ الخَيرِ كُلِّهِ ***وما فيهم كلُّ الَّذِي فِيهِ مِنْ حَسَنُ
وذكر السيد المرتضى في الفصول المختارة : 2 : 67 زيادة على هذه الأبيات وهي :
وَصِيُّ رَسولِ اللهِ مِنْ دُونِ أَهْلِهِ***وَفارِسُهُ قَدْ كانَ في سالِفِ الزَّمَنُ
وَأَوَّلُ مَنْ صَلَّى مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ*** سوى خيرَةِ النِّسوانِ وَاللهُ ذو المِنَنْ
وصاحِبُ كَبش القوم في كُلِّ وَقعَةٍ*** يَكون لها نَفَسُ الشَّجاع لدى الدقن الذَّقِنُ
فَذاكَ الَّذي تُثنى الخَناصِرُ بِاسمِهِ*** إِمَامُهُمْ حَتَّى أَغَيْبَ فِي الْكَفَنُ (1)
1) مستدرك الحاكم : 3: 115 .
وقام صعصعة بن صوحان فقال للإمام : « والله ! يا أمير المؤمنين ، لقد زيّنتَ الخلافة وما زانتك ، ورفعتها وما رفعتك ، ولهي أحوج منك إليها »(1)
مناقب أحمد : 163 . تاریخ بغداد : 1 : 145 تاريخ دمشق : 42: 446 .
.واندفع الزعيم الكبير مالك الأشتر فخاطب المسلمين قائلاً: «أيها الناس . هذا وصيّ الأوصياء ، ووارث علم الأنبياء ، العظيم البلاء ، الحسن العناء ، الذي شهد له كتاب الله بالإيمان ، ورسوله بجنّة الرضوان ، من كملت فيه الفضائل ، ولم يشك في سابقته وعلمه وفضله الأواخر ولا الأوائل » .
وقام عقبة بن عمرو فأشاد بفضل الإمام قائلاً: «من له يوم كيوم العقبة ، وبيعة كبيعة الرضوان ، والإمام الأهدى الذي لا يُخافُ جورُه ، والعالم الذي لا يُخافُ جهله ؟»(2)
وتتابعت الصحابة وهي تشيد بفضائل أبي الحسين وتذكر مناقبه ومآثره ، وتدعو
المسلمين إلى تأييد حكومته .
واستقبلت قريش وسائر القوى المنحرفة عن الحق خلافة الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) في كثير من الوجوم والقلق والاضطراب ، لأنّ الإمام قد وترهم في سبيل الدعوة الإسلامية ، وقضى على الكثير من عيونهم ووجوههم، فقد قتل من أعلام بني أمية عتبة بن ربيعة جد معاوية ، والوليد بن عتبة خاله ، وحنظة أخاه ، وقتل غير هؤلاء من أقطاب الشرك ودعائم الإلحاد ما أوغر به الصدور ، وأثار الحفائظ عليه .
ومضافاً لذلك فإنّ سياسة الإمام(عليه السلام)تتصادم مع مصالحهم ومنافعهم ، فإنّها تحارب الإثرة والاستغلال ، ولا تقرّ بأي حال من الأحوال سياسة النهب والاستئثار التي سار عليها عثمان ، لذلك أظهرت قريش تمرّدها على حكومته ، وقد أعرب عن هذه المناحي بأسرها الوليد حينما حمل على البيعة ومعه الأمويون ، فقال للإمام :
إنك قد وترتنا جميعاً ، أما أنا فقتلت أبي صبراً يوم بدر ، وأما سعيد فقتلت أباه يوم بدر ، وكان أبوه من نور قريش، وأما مروان فشتمت أباه ، وعبت على عثمان حين ضمه إليه ، فنبايع على أن تضع عنا ما أصبنا ، وتعفو لنا عما في أيدينا ، وتقتل قتلة صاحبنا » .
فردّ عليه الإمام(عليه السلام) مقالته بمنطق الإسلام الذي لا تعيه قريش قائلاً:
«أما ما ذَكَرْتَ مِنْ وَتْرِيْ إِيَّاكُمْ فَالْحَقُّ وَتَرَكُمْ، وَأَمَا وَضْعِي عَنْكُمْ عَمّا فِي أَيْدِيكُمْ فَلَيْسَ لِي أَنْ أَضَعَ حَقَّ اللَّهِ عَنْكُمْ وَلَا عَنْ غَيْرِكُمْ، وَأَمَا إِعْفَانِي عَمَّا فِي أَيْدِيكُمْ فَمَا كَانَ لِلَّهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ فَالْعَدْلُ يَسَعُكُمْ، وَأَمَّا قَتْلِي قَتَلَةَ عُثْمَانَ فَلَوْ لَزِمَنِي قِتَالُهُمْ الْيَوْمَ لَزِمَنِي قِتَالُهُمْ غَداً، وَلَكِنْ لَكُمْ أَنْ
أَحْمِلَكُمْ عَلى كِتابِ اللهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ، فَمَنْ ضاقَ عَلَيْهِ الْحَقُّ فَالْباطِلُ عَلَيْهِ أَضْيَقُ، وَإِنْ شَئْتُمْ فَالْحَقُوا بِمَلَاحِقِكُمْ »(1).
إن قريشاً تريد المساومة من الإمام على أموال الأمة ، وتريد منه أن ينحرف عن خطّته القويمة التي تنشد المصلحة العامة ، وحمل الناس على الحق الواضح والمحجة البيضاء ، ولكنّ الإمام قد عاهد الله والمسلمين أن يطبق أحكام القرآن ، ويحيي معالم الإسلام ، ويسير على ضوء سنة النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، وأن لا ينصاع للأحداث والظروف مهما كانت قاسية وشديدة ، وأن يقف بالمرصاد لكل ظالم ومعتد على المسلمين ، لذا أظهرت قريش حقدها البالغ على حكومته ، وهبت بأحلافها وأبنائها على إعلان التمرّد والعصيان .
ويصف ابن أبي الحديد مدى اضطرابهم وقلقهم بقوله : «كأنها حاله لو أفضت الخلافة إليه يوم وفاة ابن عمه من إظهار ما في النفوس ، وهيجان ما في القلوب حتّى انّ الأخلاف من قريش ، والأحداث والفتيان الذين لم يشهدوا وقائعه وفتكاته في أسلافهم وآبائهم فعلوا ما لو كانت الأسلاف أحياء القصرت عن فعله»(2).
لقد امتحن الإمام امتحاناً عسيراً بهؤلاء العتاة الذين لم ينفذ الإسلام إلى قلوبهم ومشاعرهم ، وقد أترعت نفوسهم بالحقد عليه ، لأنه وقف إلى جانب النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) يحمي دعوته ، ويصد عنه اعتداء الغادرين والمعتدين ، وأطاح برؤوس الكافرين والملحدين منهم ، وقد أعرب عن مدى استيائه منهم بقوله :
«مالِي وَلِقُرَيْشٍ ! وَاللَّهِ ! لَقَدْ قاتَلْتُهُمْ کافِرِينَ، وَلأُ قاتِلَنَّهُم مَفْتُونِينَ ....وَاللَّهِ الأَبْقُرَنَّ الْباطِلِ حَتَّى أُخْرِجَ الْحَقُّ مِنْ حَاصِرَتِهِ !
فَقُلْ لِقُريش : فَلْتَضِجَ ضَجِيجَها ».
لقد وجدت قريش على الإمام(عليه السلام)، و حالت بينه وبين حقه منذ وفاة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)فصرفت عنه الخلافة تارة إلى تيم ، وأخرى إلى عدي ، وثالثة إلى أمية ، وهي جادة على أن تخلق الشغب والتمرّد حتى تجهز على حكومته ، وقد ظهر ذلك منها في موقعة الجمل وصفّين.
وتخلّف جماعة عن البيعة لأمير المؤمنين(عليه السلام)، سمّاهم المسعودي بـ ( القعاد )(1)، وسمّاهم أبو الفداء بـ ( المعتزلة )(2).
وسئل الإمام عنهم ، فقال : أَوْلِئِكَ قَوْمٌ قَعَدُوا عَنِ الْحَقِّ ، وَلَمْ يَقُومُوا مَعَ الْباطِلِ(3).
وهم : سعد بن أبي وقاص ، وعبد الله بن عمر، وحسّان بن ثابت ، وكعب بن مالك ، ومسلمة بن مخلد ، وأبو سعيد الخدري ، ومحمد بن مسلمة ، والنعمان بن بشير ، وزيد بن ثابت ، ورافع بن خديج ، وفضالة بن عبيد ، وكعب بن عجرة ، وعبد الله بن سلام ، وصهيب بن سنان ، وسلامة بن سلامة ، وأسامة بن زيد ، وقدامة بن مظعون ، والمغيرة بن شعبة (4).
وهؤلاء قد انحرفوا عن الحق ، وضلوا عن الطريق، فإنّ بيعة الإمام قد قام عليها الإجماع ، وليس لهم أي عذر في التأخر عن مبايعته ، فتخلفهم كان خرقاً للإجماع ، وخروجاً عن إرادة الأمة ، وقد فتحوا بذلك باب البغي والتمرّد على حكومة الإمام ؛
وأشعلوا نار الفتنة في البلاد .
وقد اعتذر سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة في الجنّة- كما يقولون - عن سبب اعتزاله عن الإمام وعن بني أمية أيام الفتنة الكبرى ، فقال : « إنّي لا أقاتل حتى يأتوني بسيف مبصر ، عاقل ، ناطق ينبئني أنّ هذا مسلم وهذا كافر » ، و اعتذار مهلهل لا يدعمه منطق ولا برهان ، فإنّ بيعة الإمام كانت شرعيّة بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة ، فقد أصحر بها الإمام وبايعه جمهور المسلمين ، ولم تكن بيعته فلتة كبيعة أبي بكر ، ولا بإدلاء شخص معين كبيعة عمر ، ولم تستند إلى جماعة معينة كبيعة عثمان ، فالفئة التي خرجت عليه كانت باغية يجب قتالها كما أمر الله بذلك . قال تعالى :فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ (1).
ولكن سعداً كان يحمل حقداً على الإمام ، وهو الذي وهب صوته إلى عبد الرحمن بن عوف لإضعاف كفّة الإمام ، كما بيّنا ذلك في حديث الشورى ، وأخير أندم على ما فرّط في أمره ، وودّ أن يكون مع الإمام ، كما ندم عبد الله بن عمر ، فقال عند موته : « إني لم أخرج من الدنيا وليس في قلبي حسرة إلا تخلّفي عن عليّ ».
وقد انتقم الله منه ، فأراه الذل والهوان في أواخر أيامه ، فقد عاش إلى زمن عبدالملك ، فجاء الحجّاج ليأخذ البيعة له ، فجاء عبد الله في آخر الناس لئلا يراه أحد ، فعرف الحجّاج ذلك ، فاحتقره واستهان به، وقال له : «لم لم تبايع أباتراب ؟ وجئت تبايع آخر الناس عبد الملك ؟ أنت أحقر من أن أمدَّ لك يدي ، دونك رجلي ، فبايع».
ومد إليه رجله وفيها نعله فبايعها . إن هؤلاء القعاد يعلمون - من دون شك-أن الحق مع عليّ ، وأنّه أولى بالأمر من غيره لسابقته في الإسلام ، ولعلمه وفقهه
1) الحجرات 9:49
وتحرّجه في الدين، ولكنّ الأهواء ودواعي الغرور هي باعدت بينهم وبين دينهم، فناصبوا عترة نبيهم ، وأبعدوهم عن مراتبهم التي رتبهم الله فيها ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
وكانت فاتحة الأعمال التي قام بها الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)أن أصدر قراره الحاسم بردّ القطائع التي أقطعها عثمان، وباسترجاع الأموال التي استأثر بها ، والأموال التي منحها لذوي قرباه لأنها أخذت بغير وجه مشروع ، وقد صودرت أموال عثمان حتى سيفه ودرعه.
وفي ذلك يقول الوليد بن عقبة يخاطب بني هاشم :
بني هاشمٍ رُدُّوا سِلاحَ ابْنِ اخُتكِم*** وَلَا تَنهَبوهُ لَا تَحِلُّ مَناهِبُه
بني هاشم ٍكيفَ الهوادَةُ بَينَنا*** وَعِندَ عَلِيٌّ درعُهُ وَنجائِبُه
بني هاشم كَيفَ التَّودُّدُ مِنكُمُ*** وَيَزُّ ابْنِ أَروى فيكُمْ وَحَرائِبه
بني هاشمٍ إِلَّا تَرُدُّوا فَإِنَّنا*** سَواءٌ عَلَينا قاتِلاهُ وَسالبُه
بَني هاشم إنّا وَما كانَ مِنكُمُ*** کَصَدعِ الصَّفا لَا يَشعَبُ الصَّدعَ شَاعِبُه
قَتَلْتُمْ أَخى كيما تكونوا مَكَانَهُ ***كَما غَدَرَتْ يَوماً بِكِسْرَى مَرازِبُه
فردّ عليه عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بأبيات منها :
فَلا تَسأَلُونا سَيفَكُمْ إِنَّ سَيْفَكُمْ*** أضيعَ وَأَلْقاهُ لدى الرُّوعِ صاحِبُهُ
وَشَبَّهَتَهُ كِسرى وَقَدْ كانَ مِثْلُهُ*** شبيهاً بكسرى هَديْهُ وَضَرائبة
وقد أثارت هذه الاجراءات العادلة سخط الذين استباحوا نهب أموال المسلمين ، وتمرّغوا بالدنيا ، فقد كتب عمرو بن العاص إلى معاوية رسالة جاء فيها : « ما كنت
صانعاً فاصنع إذا قشرك ابن أبي طالب من كلّ مال تملكه ، كما تقشّر عن العصا لحاها»(1).
وأوجس خيفة كلّ من طلحة والزبير ومن شابههما ممن أقطعهم عثمان ووهبهم الأموال الطائلة والثراء ، فخافوا على ما في أيديهم من أن يصدر الحكم بمصادرته ، فأظهروا بوادر الشقاق والبغي ، وأعلنوا التمرد على الإمام .
ومضى أمير المؤمنين(عليه السلام) يؤسّس معالم العدل في البلاد ، فأصدر أوامره بعزل ولاة عثمان واحداً بعد واحد ، لأنهم أظهروا الجور والفساد في الأرض ، وقد أبى الإمام أن يبقيهم في جهاز الحكم لحظة واحدة لأن في إبقائهم إقراراً للظلم والطغيان ، وقد عزل بالفور معاوية بن أبي سفيان ، وقد نصحه جماعة من المخلصين له أن يبقيه على عمله حتّى تستقر الحال ، فأبى وامتنع من المداهنة في دينه ، وقد دخل عليه زياد بن حنظلة ليعرف رأيه في معاوية ، فقال له الإمام : تَيَسَّرْ يا زيادُ .
لأي شيء يا أمير المؤمنين ؟
لِغَزْوِ الشَّامِ .
الرفق والأناة أمثل .
فأجابه الإمام :
«مَتى تَجْمَعِ الْقَلْبَ الدُّكِي وَصارِماً*** وَأَنْفاً حَمياً تَجْتَنِبُكَ الْمَظَالِمُ »
وعبّاً جيوشه لغزو الشام والقضاء على الحكم الأموي الجاثم عليها ، إلا أنه فوجئ بتمرد طلحة والزبير وعائشة ، فانشغل بهم ، وانصرف إلى القضاء على تمردهم ،
1) الغدير : 8 :288
كما سنبينه بالتفصيل في البحوث الآتية .
وانطلق رائد العدالة الاجتماعية الكبرى في الأرض فأعلن المساواة العادلة بين جميع المسلمين ، سواء في العطاء أو في غيره .
وقد عوتب على خطته فأجاب : « أَتَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ! وَاللَّهِ لَا أَطُورُ بِهِ مَا سَمَرَ سَمِيرٌ ، وَمَا أَمَّ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ نَجْماً ! لَوْ كَانَ الْمَالُ لى لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ ، فَكَيْفَ وَإِنَّمَا الْمَالُ مالُ اللهِ ! أَلَا وَإِنَّ إِعْطاءَ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ تَبْذِيرٌ وَإِسْرَافٌ، وَهُوَ يَرْفَعُ صاحِبَهُ في الدُّنْيا وَيَضَعُهُ في الآخِرَةِ، وَيُكْرِمُهُ في النَّاسِ وَيُهِينُهُ عِنْدَ اللهِ »(1).
إنّ المساواة التي أعلنها الإمام كانت تهدف إلى إيجاد مجتمع لا تطغى فيه العنصريات والقوميات، ولا يوجد فيه بائس ومحروم وعاطل ، وينعدم فيه الظلم والطغيان والاستبداد والاستغلال.
إنّ المساواة التي طبّقها الإمام في دور حكمه كانت ترتكز على المفاهيم الإسلامية البناءة التي تهدف إلى تطبيق العدل السياسي والاجتماعي في الأرض ، وإلى القضاء على جميع أفانين الظلم وضروب الجور والاستبداد ، وقد هبت القوى النفعية إلى معارضتها ، كما ناجزت الرسول في بدء دعوته ، وناهضت مبادئه وأهدافه .
1) نهج البلاغة / محمد عبده : 2 : 10 .
وللإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)وصايا تربوية لولده الحسن(عليه السلام) حافلة بالقيم العليا ،والمُثل الإنسانية الكريمة ، وأهمها وصيّته الخالدة التي كتبها بحاضرين(1)حال انصرافه من صفين، وقد حفلت بالدروس القيمة ، والآداب الاجتماعية ، وحقاً أن ترسم على صفحات القلوب، وأن يجعلها المسلمون دستوراً لهم في سلوكهم الفردي والاجتماعي ، ونسوق إلى القرّاء بعضاً من فصولها :
«مِنَ الْوَالِدِ الْفَانِ ، الْمُقِرِّ لِلزَّمَانِ(2)، الْمُدْبِرِ الْعُمُرِ الْمُسْتَسْلِم لِلدَّهْرِ ، الذَّامِ لِلدُّنْيا ، السّاكِنِ مَساكِنَ الْمَوْتَى ، وَالظَّاعِنِ عَنْهَا غَداً ؛ إِلَى الْمَوْلُودِ الْمُؤَمِّلِ مَا لَا يُدْرَلُ(3)، السَّالِكِ سَبِيلَ مَنْ قَدْ هَلَكَ ، غَرَضِ الْأَسْقامِ ، وَرَهِينَةِ الْأَيَّامِ ، وَرَمِيَّةِ الْمَصائِبِ(4)، وَعَبْدِ الدُّنْيا ، وَتاجِرِ الْغُرُورِ ، وَغَرِيمِ الْمَنايا ، وَأَسِيرِ الْمَوْتِ ، وَحَلِيفِ الْهُمُوم ، وَقَرِينِ الْأَحْزَانِ ، وَنُصْبٍ الآفاتِ (5)، وَصَرِيعِ الشَّهَوَاتِ ، وَخَلِيفَةِ الْأَمْوَاتِ.
لقد أعرب(عليه السلام) بهذه الكلمات الذهبية عن استسلامه للدهر ، وإدباره عن الدنيا ، فقد كان عمره الشريف حين كتابته لهذه الوصيّة ينيف على ستين عاماً ، وهو سنّ من يفارق الحياة ، ويقبل على الآخرة ، وقد وصف كلّ من يولد في الدنيا بأنه يؤمّل
ما لايدركه ، في الوقت الذي يسلك فيه سبيل الهالكين ، وأنّه غرض للأسقام، وحليف للهموم والأحزان، وقد ذكر(عليه السلام)بعد هذا الأسباب التي دعته لرسم هذه الوصيّة ، فيقول(عليه السلام):
أَمَا بَعْدُ ، فَإِنَّ فِيما تَبَيَّنْتُ مِنْ إِدْبَارِ الدُّنْيَا عَنِّي ، وَجُمُوح(1)الدَّهْرِ عَلَيَّ ، وَإِقْبَالِ الْآخِرَةِ إِلَيَّ ، مَا يَزَعْنِي عَنْ ذِكْرِ مَنْ سِوَايَ ، وَالْإِهْتِمَامِ بِمَا وَرَائِي(2)، غَيْرَ أَنِّي حَيْثُ تَفَرَّدَ بِي دُونَ هُمُومِ النَّاسِ هَمُّ نَفْسِي ، فَصَدَفَنِي رَأْبِي ، وَصَرَفَنِي عَنْ هَوَايَ ، وَصَرَّحَ لِي مَحْضُ أَمْرِي ، فَأَفْضَى بِي إِلَى جِدَّ لَا يَكُونُ فِيهِ لَعِبٌ ، وَصِدْقٍ لَا يَشُوبُهُ كَذِبٌ . وَوَجَدْتُكَ بَعْضِي ، بَلْ وَجَدْتُكَ كُلِّي ، حَتَّى كَأَنَّ شَيْئاً لَوْ أَصَابَكَ أَصَابَنِي ، وَكَأَنَّ الْمَوْتَ لَوْ أَتَاكَ أَتَانِي ، فَعَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِينِي مِنْ أَمْرِ نَفْسِي ، فَكَتَبْتُ إِلَيْكَ كِتابِي مُسْتظْهِراً بِهِ(3)إِنْ أَنَا بَقِيْتُ لَكَ أَوْ فَنِيتُ .
وبعد ما ذكر العوامل التي دعته لأن يرسم لأن يرسم هذه الوصية شرع في بيان المثل الكاملة التي ينبغي لولده أن يتمسك بها ويسير عليها ، فقال(عليه السلام):
فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ ، وَلُزُومِ أَمْرِهِ ، وَعِمَارَةِ قَلْبِكَ بِذِكْرِهِ ، وَالْإِعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ. وَأَيُّ سَبَبٍ أَوْثَقُ مِنْ سَبَبٍ بَيْنكَ وَبَيْنَ اللَّهِ إِنْ أَنْتَ
أَخَذْتَ بِهِ !
أحْيِ قَلْبَكَ بِالْمَوْعِظَةِ ، وَأَمِنْهُ بِالزَّهادَةِ، وَقَوْهِ بِالْيَقِينِ ، وَنَوِّرْهُ بِالْحِكْمَةِ ، وَذَلِّلْهُ بِذِكْرِ الْمَوْتِ ، وَفَرِّرْهُ بِالْفَناءِ(1)، وَبَصَّرْهُ فَجَائِعَ الدُّنْيا ، وَحَذَّرْهُ صَوْلَةَ الدَّهْرِ وَفُحْشَ تَقَلُّبِ الليالِي وَالْأَيَّامِ ، وَاعْرِضْ عَلَيْهِ أَخْبَارَ الْماضِينَ ، وَذَكِّرْهُ بِمَا أَصابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنَ الْأَوَّلِينَ ، وَسِرْ فِي دِيارِهِمْ وَآثَارِهِمْ ، فَانْظُرْ فِيمَا فَعَلُوا وَعَمّا أنتَقَلُوا ، وَأَيْنَ حَلُّوا وَنَزَلُوا فَإِنَّكَ تَجِدُهُمْ قَدِ انْتَقَلوُا عَنِ الْأَحِبَّةِ ، وَحَلُّوا دِيارَ الْغُرْبَةِ ، وَكَأَنَّكَ عَنْ قَلِيل قَدْ صِرْتَ كَأَحَدِهِمْ فَأَصْلِحْ مَثْوَاكَ ، وَلَا تَبِعْ آخِرَتَكَ بِدُنْياكَ ؛ وَدَعِ الْقَوْلَ فِيمَا لَا تَعْرِفُ ، وَالْخِطابَ فِيما لَمْ تُكَلِّفْ .
وَأَمْسِكْ عَنْ طَرِيقٍ إِذَا خِفْتَ ضَلَالَتَهُ ، فَإِنَّ الْكَفَّ عِنْدَ حَيْرَةِ الضَّلَالِ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِ الْأَهْوَالِ.
وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ تَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ ، وَأَنْكِرِ الْمُنْكَرَ بِيَدِكَ وَلِسانِكَ ، وَبَايِنْ مَنْ فَعَلَهُ بِجُهْدِكَ ، وَجَاهِدْ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ، وَلَا تَأْخُذْكَ فِي اللهِ لَوْمَةُ لَائِمِ. وَخُضِ الْغَمَرَاتِ(2)لِلْحَقِّ حَيْثُ كَانَ ، وَتَفَقَّهُ فِي الدِّينِ ، وَعَوَّدْ نَفْسَكَ التَّصَبُّرَ عَلَى الْمَكْرُوهِ، وَنِعْمَ الْخُلُقُ التَّصَبُّرُ فِي الْحَقِّ وَالْجِى نَفْسَكَ فِى الأُمُورِ كُلِّهَا إِلَى إِلَهِكَ ، فَإِنَّكَ تُلجِتُهَا إِلَى كَهْفِ (3)حَریز(4)،
وَمَانِع عَزِيز.
وَأَخْلِصْ فِي الْمَسْأَلَةِ لِرَبِّكَ ، فَإِنَّ بِيَدِهِ الْعَطَاءَ وَالْحِرْمَانَ ، وَأَكْثِرِ الْإِسْتِحَارَةَ (1)، وَتَفَهُمْ وَصِيَّتِي ، وَلَا تَذْهَبَنَّ عَنْكَ صَفْحاً(2)، فَإِنَّ خَيْرَ الْقَوْلِ مَا نَفَعَ . وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ ، وَلَا يُنْتَفَعُ بِعِلْمٍ لَا يَحِقُّ تَعَلَّمُهُ (3).
إنّ هذه الحكم التي تضمنها كلامه الشريف هي برامج السعادة ، وخلاصة الحكمة والآداب والتهذيب ، ويعرب(عليه السلام)في كلماته الآتية عن بلوغه سن الشيخوخة ، وهو يخاف أن يهجم عليه الموت دون أن يدلي بهذه الحكم إلى ولده ، فيقول(عليه السلام) :
أَيْ بُنَيَّ ! إِنِّي لَمّا رَأَيْتُنِي قَدْ بَلَغْتُ سِنًا(4)، وَرَأَيْتُنِي أَزْدَادُ وَهْناً ، بادَرْتُ بِوَصِيَّتِي إِلَيْكَ ، وَأَوْرَدْتُ خِصالاً مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يَعْجَلَ بِي أَجَلِي دُونَ أَنْ أَفْضِيَ(5)إِلَيْكَ بِما فِي نَفْسِي ، أَوْ أَنْ أُنْقَصَ(6)فِي رَأْيِي كَما نُقِصْتُ فِي جِسْمِي ، أَوْ يَسْبِقَنِي إِلَيْكَ بَعْضُ غَلَبَاتِ الْهَوَى وَفِتَنِ الدُّنْيا(7)، فَتَكُونَ
1) الاستخارة : إجالة الرأي في الأمر قبل فعله لاختيار أحسن وجوهه .
2) صفحاً : أي جانباً ، المراد أنك لا تعرض عنها .
3) لا يحق - بكسر الحاء وضمها - : أي لا يكون من الحق تعلّمه ومعرفته ، وذلك كالسحر والشعبذة ونحوهما من العلوم التي لا تنفع .
4) أي وصلت النهاية من جهة السنّ.
5) أفضى : ألقي إليك .
6) « وأن أنقص » معطوف على« أن يعجل» .
7) أي يسبقني بالاستيلاء على قلبك غلبات الأهواء ، فلا تتمكن نصيحتي من النفوذ إلى فؤادك .
كَالصَّعْبِ(1)النَّفُورِ(2)وَإِنَّما قَلْبُ الْحَدَثِ كَالْأَرْضِ الْخَالِيَةِ مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْءٍ قَبِلَتْهُ.
فَبَادَرْتُكَ بِالْأَدَبِ قَبْلَ أَنْ يَقْسُوَ قَلْبُكَ ، وَيَشْتَغِلَ لُبُّكَ ، لَتَسْتَقْبِلَ بِجِد رَأْيِكَ مِنَ الْأَمْرِ مَا قَدْ كَفاكَ أَهْلُ التَّجارِبِ بُغْيَتَهُ(3)وَتَجْرِبَتَهُ ، فَتَكُونَ قَدْ كُفِيتَ مَؤُونَةَ الطَّلَبِ ، وَعُوفِيتَ مِنْ عِلَاجِ التَّجْرِبَةِ ، فَأَتَاكَ مِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ كُنَّا نَأْتِيهِ ، وَاسْتَبَانَ لَكَ مَا رُبَّما أَظْلَمَ عَلَيْنا مِنْهُ.
إنه(عليه السلام)لمّا طعن في السنّ أراد أن يضع في نفس ولده ما استقر في نفسه الشريفة من الآداب والكمال ، ويغذيه بأطرف الحكم، ويلمسه أهم العبر التي حدثت في عالم الوجود ، والتي أخذ خلاصتها الحكماء وأهل التجارب ، يضع كل ذلك أمام ولده ليستبين له كلّ شيء ، ويعرف خلاصة الأمور وأهمها ، ثم يسترسل الإمام الحكيم في وصيته فيقول :
أَيْ بُنَيَّ ! إِنِّي وَإِنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي ، فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمالِهِمْ ، وَفَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ ، وَسِرْتُ فِي آثَارِهِمْ ؛ حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ ؛ بَلْ كَأَنِّي بِمَا انْتَهَى إِلَيَّ مِنْ أُمُورِهِمْ قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ ، فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِهِ ، وَنَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِهِ ، فَاسْتَخْلَصْتُ لَكَ مِنْ كُلِّ أَمْرِ نِخِيلَهُ(4)، وَتَوَخَّيْتُ لَكَ جَمِيلَهُ ، وَصَرَفْتُ عَنْكَ مَجْهُولَهُ ،
وَرَأَيْتُ حَيْثُ عَنانِى مِنْ أَمْرِكَ ما يَعْنِى الْوَالِدَ الشَّفِيقَ ، وَأَجْمَعْتُ (1)عَلَيْهِ مِنْ أَدَبِكَ أَنْ يَكُونَ (2)ذَلِكَ وَأَنْتَ مُقْبِلُ الْعُمُر وَمُقْتَبَلُ الدَّهْر ، ذُو نِيَّةٍ سَلِيمَةٍ ، وَنَفْسٍ صَافِيَةٍ ، وَأَنْ أَبْتَدِنَكَ بِتَعْلِيمِ كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَأْوِيلِهِ ، وَشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَأَحْكامِهِ ، وَحَلَالِهِ وَحَرَامِهِ ، وَلَا أُجَاوِزُ ذَلِكَ بَكَ إِلَى غَيْرِهِ (3)ثُمَّ أَشْفَقْتُ(4)أَنْ يَلْتَبِسَ عَلَيْكَ مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ أَهْوَائِهِمْ وَآرَائِهِمْ مِثْلَ الَّذِي الْتَبَسَ عَلَيْهِمْ ، فَكانَ إِحْكامُ ذَلِكَ عَلَى مَا كَرِهْتَ مِنْ تَنْبِيهِكَ لَهُ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلَامِكَ إِلَى أَمْرِ لَا آمَنُ عَلَيْكَ بِهِ الْهَلَكَة (5)، وَرَجَوْتُ أَنْ يُوَفِّقَكَ اللَّهُ فِيهِ لِرُشْدِكَ ، وَأَنْ يَهْدِيَكَ لِقَصْدِكَ ، فَعَهِدْتُ إِلَيْكَ بِوَصِيَّتِي هَذِهِ.
سيّدي أيّها الخبير بأحوال الناس ، العارف بصفو الأمور وكدرها ، المحيط بجوهر الأشياء ، حدثنا عن أحب الأمور إليك ، وأهمها عندك ، فيقول (عليه السلام):
وَاعْلَمْ يا بُنَيَّ ! أَنَّ أَحَبَّ مَا أَنْتَ آخِذٌ بِهِ إِلَيَّ مِنْ وَصِيَّتِي تَقْوَى اللَّهِ وَالاقْتِصارُ عَلَى مَا فَرَضَهُ اللهُ عَلَيْكَ ، وَالْأَخْذُ بِمَا مَضَى عَلَيْهِ الْأَوَّلُونَ مِنْ آبَائِكَ ، وَالصَّالِحُونَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَدَعُوا أَنْ نَظَرُوا لِأَنْفُسِهِمْ
كَمَا أَنْتَ ،ناظِرٌ ، وَفَكَّرُوا كَما أَنْتَ مُفَكِّرٌ ، ثُمَّ رَدَّهُمْ آخِرُ ذَلِكَ إِلَى الْأَخْذِ بِما عَرَفُوا ، وَالْإِمْسَاكِ عَمَا لَمْ يُكَلِّفُوا ، فَإِنْ أَبَتْ نَفْسُكَ أَنْ تَقْبَلَ ذلِكَ دُونَ أَنْ تَعْلَمَ كَما عَلِمُوا فَلْيَكُنْ طَلَبُكَ ذلِكَ بَتَفَهُم وَتَعَلُّم ، لَا بِتَوَرُّطِ الشَّبُهَاتِ ، وَعُلَقِ الْخُصُوماتِ. وَابْدَأَ قَبْلَ نَظَرِكَ فِي ذلِكَ بِالْإِسْتِعَانَةِ بِالهِكَ ، وَالرَّغْبَةِ إِلَيْهِ فِي تَوْفِيقِكَ ، وَتَرْكِ كُلِّ شَائِبَةٍ (1)أَوْلَجَتْكَ (2)فِي شُبْهَةٍ ، أَوْ أَسْلَمَتْكَ إِلَى ضَلَالَةٍ. فَإِنْ أَيْقَنْتَ أَنْ قَدْ صَفَا قَلْبُكَ فَخَشَعَ ، وَتَمَّ رَأَيْكَ فَاجْتَمَعَ ، وَكَانَ هَمُّكَ فِي ذَلِكَ هَمَا وَاحِداً ، فَانْظُرْ فِيمَا فَسَّرْتُ لَكَ ، وَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعْ لَكَ مَا تُحِبُّ مِنْ نَفْسِكَ ، وَفَرَاعْ نَظَرِكَ وَفِكْرِكَ ، فَاعْلَمْ أَنَّكَ إِنَّما تَخْبِطُ الْعَشْوَاءَ (3)وَتَتَوَرَّطُ الظُّلْمَاءَ وَلَيْسَ طَالِبُ الدِّينِ مَنْ خَبَطَ أَوْ خَلَطَ ، ، وَالْإِمْسالُ عَنْ ذَلِكَ أَمْثَلُ .
فَتَفَهُمْ يا بُنَيَّ ! وَصِيَّتِي ، وَاعْلَمْ أَنَّ مالِكَ الْمَوْتِ هُوَ مالِكُ الْحَياةِ ، وَأَنَّ الْخالِقَ هُوَ الْمُمِيتُ ، وَأَنَّ الْمُفْنِيَ هُوَ الْمُعِيدُ ، وَأَنَّ الْمُبْتَلِيَ هُوَ الْمُعافِي، وَأَنَّ الدُّنْيا لَمْ تَكُنْ لِتَسْتَقِرَّ إِلَّا عَلَى مَا جَعَلَهَا اللهُ عَلَيْهِ مِنْ النَّعْمَاءِ (4)، وَالْإِبْتِلَاءِ ، وَالْجَزَاءِ فِي الْمَعادِ ، أَوْ ما شاءَ مِمَّا لَا تَعْلَمُ ، فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَاحْمِلْهُ عَلَى جَهَالَتِكَ ، فَإِنَّكَ أَوَّلُ مَا خُلِقْتَ بِهِ جَاهِلاً ثُمَّ
عُلَّمْتَ ، وَمَا أَكْثَرَ مَا تَجْهَلُ مِنَ الْأَمْرًا وَيَتَحَيَّرُ فِيهِ رَأْبُكَ ، وَيَضِلُّ فِيهِ بَصَرُكَ ثُمَّ تُبْصِرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ! فَاعْتَصِمْ بِالَّذِي خَلَقَكَ وَرَزَقَكَ وَسَوَّاكَ ، وَلْيَكُنْ لَهُ تَعَبُدُكَ ، وَإِلَيْهِ رَغْبَتُكَ ، وَمِنْهُ شَفَقَتُكَ (1).
وبعد هذا شرع(عليه السلام) في توحيد الله ، وإقامة الأدلة عليه ، فقال(عليه السلام) :
وَاعْلَمْ يا بُنَيَّ أَنَّ أَحَداً لَمْ يُنْبِيُّ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ كَمَا أَنْبَأَ عَنْهُ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - فَارْضَ بِهِ رَائِداً ، وَإِلَى النَّجَاةِ قائِداً ، فَإِنِّي لَمْ أَلُكَ نَصِيحَةٌ ، وَإِنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ فِي النَّظَرِ لِنَفْسِكَ - وَإِنِ اجْتَهَدْتَ - مَبْلَغَ نَظَرِي لك.
وَاعْلَمْ يا بُنَيَّ ! أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِرَبِّكَ شَرِيكَ لَأَتَتْكَ رُسُلُهُ ، وَلَرَأَيْتَ آثَارَ مُلْكِهِ وَسُلْطانِهِ ، وَلَعَرْفْتَ أَفْعَالَهُ وَصِفاتِهِ ، وَلكِنَّهُ إِلهُ وَاحِدٌ كَما وَصَفَ نَفْسَهُ ، لَا يُضادُّهُ فِي مُلْكِهِ أَحَدٌ ، وَلَا يَزُولُ أَبَداً وَلَمْ يَزَلْ .
أَوَّلٌ قَبْلَ الْأَشْياءِ بِلَا أَوَّلِيَّةٍ ، وَآخِرٌ بَعْدَ الْأَشْياءِ بَلَا نِهَايَةٍ .
عَظُمَ عَنْ أَنْ تَثْبُتَ رُبُوبِيَّتُهُ بِإِحَاطَةِ قَلْبٍ أَوْ بَصَرٍ. فَإِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَافْعَلْ كَما يَنْبَغِي لِمِثْلِكَ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي صِغَرِ خَطَرِهِ ، وَقِلَّةِ مَقْدِرَتِهِ ، وَكَثْرَةِ عَجْزِهِ ، وَ عَظِيمٍ حَاجَتِهِ إِلَى رَبِّهِ ، فِي طَلَبِ طَاعَتِهِ ، وَالْخَشْيَةِ مِنْ عُقُوبَتِهِ ، وَالشَّفَقَةِ مِنْ سُخَطِهِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْمُرُكَ إِلَّا بِحَسَنٍ ، وَلَمْ يَنْهَكَ إِلَّا عَنْ قَبِيحِ ...
يا بُنَيَّ ! إِنِّي قَدْ أَنْبَأَتُكَ عَنِ الدُّنْيَا وَحَالِهَا ، وَزَوَالِهَا وَانْتِقَالِهَا ، وَأَنْبَأْتُكَ
1) أي خوفك .
عَنِ الْآخِرَةِ وَمَا أُعِدَّ لِأَهْلِهَا فِيها ، وَضَرَبْتُ لَكَ فِيهِمَا الْأَمْثَالَ ، لِتَعْتَبِرَ بِهَا ، وَتَحْذُو عَلَيْها . إِنَّما مَثَلُ مَنْ خَبَرَ الدُّنْيا كَمَثَلِ قَوْمٍ سَفْرٍ نَبا بِهِمْ مَنْزِل
جَدِيبٌ ، فَأَمُّوا مَنْزِلاً خَصِيباً وَجَناباً مَرِيعاً ، فَاحْتَمَلُوا وَعْثَاءَ الطَّرِيقِ . وَفِرَاقَ الصَّدِيقِ ، وَخُشُونَةَ السَّفَرِ، وَجُشُوبَةَ الْمَطْعَم ، لِيَأْتُوا سَعَةَ دَارِهِمْ ، وَمَنْزِلَ قَرَارِهِمْ فَلَيْسَ يَجِدُونَ لِشَيْءٍ مِنْ ذلِكَ أَلَماً ، وَلَا يَرَوْنَ نَفَقَةٌ فِيهِ مَغْرَماً وَلَا شَيْءَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِمَّا قَرَّبَهُمْ مِنْ مَنْزِلِهِمْ ، وَأَدْنَاهُمْ مِنْ مَحَلَّتِهِمْ .
. وَمَثَلُ مَنِ اغْتَرَّ بِها كَمَثَلِ قَوْمٍ كَانُوا بِمَنْزِلٍ خَصِيبٍ ، فَنَبا بِهِمْ إِلَى مَنْزِلٍ جَدِيبٍ ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِمْ وَلَا أَفْظَعَ عِنْدَهُمْ مِنْ مُفارَقَةِ مَا كَانُوا فِيهِ ، إِلَى مَا يَهْجُمُونَ عَلَيْهِ ، وَيَصِيرُونَ إِلَيْهِ ...
وبعد فراغه(عليه السلام) من إقامة الأدلة أخذ في بيان الآداب الاجتماعية ، فقال(عليه السلام):
يا بُنَيَّ ! اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَانَا فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ غَيْرِكَ ، فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ ، وَاكْرَهُ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَها ، وَلَا تَظْلِمْ كَما لَا تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ ، وَأَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ ، وَاسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُهُ مِنْ غَيْرِكَ ، وَارْضَ مِنَ النَّاسِ بِمَا تَرْضَاهُ لَهُمْ مَنْ نَفْسِكَ (1)، وَلَا تَقُلْ مَا لَا تَعْلَمُ وَإِنْ قَلَّ مَا تَعْلَمُ ، وَلَا تَقُلْ مَا لَا تُحِبُّ أَنْ يُقالَ لَكَ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِعْجَابَ (2)ضِدُّ الصَّوَابِ ، وَآفَةُ الْأَلْبَابِ. فَاسْعَ فِي
كَدْحِكَ(1)، وَلَا تَكُنْ حَازِنَا لِغَيْرِكَ (2)، وَإِذَا أَنْتَ هُدِيتَ لِقَصْدِكَ فَكُنْ أَخْشَعَ مَا تَكُونُ لِرَبِّكَ .
إن هذه الحكم القيمة لو سار عليها الإنسان لكان أسمى مثل للتهذيب والسمو والكمال ، فقد احتوت على أصول العدل، وأسس الفضيلة والكمال ، ومن جملة هذه الحكم الخالدة قوله (عليه السلام):
وَأَعْلَمْ يَقِينَا أَنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ أَمَلَكَ ، وَلَنْ تَعْدُ وَ أَجَلَكَ ، وَأَنَّكَ فِي سَبِيلِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ . فَخَفِّضْ فِي الطَّلَبِ (3)، وَأَجْمِلْ فِي الْمُكْتَسَبِ ، فَإِنَّهُ رُبَّ طَلَبِ قَدْ جَرَّ إِلَى حَرَبٍ(4)، فَلَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ بِمَرْزُوقٍ ، وَلَا كُلُّ مُجْمِلٍ بِمَحْرُومٍ . وَأَكْرِمْ نَفْسَكَ عَنْ كُلِّ دَنِيَّةٍ وَإِنْ ساقَتْكَ إِلَى الرَّغائِبِ ، فَإِنَّكَ لَنْ تَعْتَاضَ بِمَا تَبْذُلُ مِنْ نَفْسِكَ عِوَضاً(5).
وَلَا تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ الله حُرّاً. وَمَا خَيْرُ خَيْرٍ لَا يُنالُ إِلَّا بِشَرٍّ(6)، ويُسْرِ لَا يُنالُ إِلَّا بِعُسْر (7)؟!
1) الكدح : أشدّ السعي .
2) أي لا تحصر على جمع المال ، فإنّ الوارثين يأخذونه بعدك فيكون الإثم عليك ، وغيرك يتنعّم .
3) خفض : أمر من خفض » - بالتشديد - ، أي ارفق .
4) الحرب - بالتحريك - : سلب المال .
5) إن رغائب المال إنّما تطلب لصون النفس عن الابتذال ، فلو بذل الإنسان نفسه لتحصيل المال فقد ضيّع ما هو المقصود من المال ، فكان جمع عبثاً عوضاً لما ضيّع .
6) يريد(عليه السلام) أن الخير الذي لا يناله الإنسان إلا بالشركيف يكون خيراً .
7) المراد أن العسر الذي يخاف منه الإنسان هو الذي يضطره إلى الوقوع في الرذائل ،فإذا جعلها الإنسان وسيلة وطريقاً لجمع المال فقد وقع فيما هرب منه ، وحينئذ فما الفائدة من جمع المال وهو لا يحميه من النقص .
وَإِيَّاكَ أَنْ تُوجِفَ (1)بِكَ مَطايا الطَّمَعِ ، فَتُورِدَكَ مَناهِلَ (2)الْهَلَكَةِ .
(2) وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَلَّا يَكُونَ بَيْنَكَ وَبْيَنَ الله ذُو نِعْمَةٍ فَافْعَلْ ، فإِنَّكَ مُدْرِك قَسْمَكَ ، وَآخِذُ سَهْمَكَ ، وَإِنَّ الْبَسِيرَ مِنَ الله سُبْحَانَهُ أَعْظَمُ وَأَكْرَمُ مِنَ الْكَثِيرِ مِنْ خَلْقِهِ وَإِنْ كَانَ كُلِّ مِنْهُ .
وَتَلَافِيكَ(3)مَا فَرَطَ مِنْ صَمْتِكَ أَيْسَرُ مِنْ إِدْرَاكِكَ مَا فاتَ مِنْ مَنْطِقِكَ. وَحِفْظُ مَا فِي الْوِعاءِ بِشَدَّ الْوِكاءِ. وَحِفْظُ مَا فِي يَدِيْكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ طَلَبِ مَا فِي يَدَيْ غَيْرِكَ(4). وَمَرَارَةُ الْيَأْسِ خَيْرٌ مِنَ الطَّلَبِ إِلَى النَّاسِ وَالْحِرْفَةُ مَعَ الْعِفَّةِ خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى مَعَ الْفُجُورِ. وَالْمَرْءُ أَحْفَظُ لِسِرِّهِ(5). وَرُبَّ ساعٍ فِيما يَضُرُّهُ(6)! مَنْ أَكْثَرَ أَهْجَرَ(7). وَمَنْ تَفَكَّرَ أَبْصَرَ .
قارِنْ أهْلَ الْخَيْرِ تَكُنْ مِنْهُمْ ، وَبايِنْ أَهْلَ الشَّرِّ نَبِنْ عَنْهُمْ بِئْسَ الطَّعامُ الْحَرَامُ ! وَظُلْمُ الضَّعِيفِ أَفْحَشُ الظُّلْمِ. إِذَا كَانَ الرَّفْقُ خُرْقاً كَانَ الْخُرْقُ
رفقاً(1). رُبَّما كَانَ الدَّواءُ دَاءً ، وَالدَّاءُ دَوَاءٌ . وَرُبَّما نَصَحَ غَيْرُ النَّاصِحِ ، وَغَشَّ الْمُسْتَنْصَحُ (2).
وَإِيَّاكَ وَالإِنكالَ عَلَى الْمُنَى فَإِنَّهَا بَضَائِعُ النَّوْكَى ، وَالْعَقْلُ حِفْظُ التَّجَارِبِ ، وَخَيْرُ مَا جَرَّبْتَ مَا وَعَظَكَ.
بادِرِ الْفُرْصَةَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ غَصَّةٌ. لَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ يُصِيبُ ، وَلَا كُلُّ غائِبِ يَؤُوبُ. وَمِنَ الْفَسادِ إِضاعَةُ الزَّادِ ، وَمَفْسَدَةُ الْمَعادِ. وَلِكُلِّ أَمْرٍ عاقِبَةُ ، سَوْفَ يَأْتِيكَ مَا قُدِّرَ لَكَ . التَّاجِرُ مُخَاطِرٌ ، وَرُبَّ يَسِيرٍ أَنْمَى مِنْ كَثِيرًا لَا خَيْرَ فِي مُعِينٍ مَهِينٍ ، وَلَا فِي صَدِيقٍ ظَنِينِ . سَاهِلِ الدَّهْرَ ما ذَلَّ لَكَ قُعُودُهُ (3)، وَلَا تُخاطِرْ بِشَيْءٍ رَجَاءَ أَكْثَرَ مِنْهُ...
وَإِيَّاكَ أَنْ تَجْمَحَ بِكَ مَطِيَّةُ الدَّجاج . احْمِلْ نَفْسَكَ مِنْ أَخِيكَ عِنْدَ صَرْمِهِ (4)عَلَى الصَّلَةِ ، وَعِنْدَ صُدُودِهِ عَلَى اللَّطْفِ وَالْمُقارَبَةِ ، وَعِنْدَ جُمُودِهِ(5)عَلَى الْبَذْلِ ، وَعِنْدَ تَبَاعُدِهِ عَلَى الدُّنْوِّ ، وَعِنْدَ شِدَّتِهِ عَلَى الدِّينِ ، وَعِنْدَ جُرْمِهِ عَلَى الْعُذر ، حَتَّى كَأَنَّكَ لَهُ عَبْدٌ ، وَكَأَنَّهُ ذُو نِعْمَةٍ عَلَيْكَ ،
1) الخرق - بالضم العنف ، والمراد أنّ المقام إذا ألزمه العنف كان إبداله بالرفق عنفاً ، ويكون العنف من الرفق وذلك كمقام التأديب .
2) المستنصح - على زنة اسم المفعول : المطلوب منه النصح ، فيلزمه التفكر والتروي في جميع الأحوال لئلا يروّج غش أو تنبذ نصيحة .
3) المراد ساهل الدهر ما دام منقاداً لك ، وخذ حظك منه .
4) الصرم : القطيعة
5) الجمود : البخل .
وَإِيَّاكَ أَنْ تَضَعَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، أَوْ أَنْ تَفْعَلَهُ بِغَيْرِ أَهْلِهِ.
لَا تَتَّخِذَنَّ عَدُوَّ صَدِيقِكَ صَدِيقاً فَتُعَادِيَ صَدِيقَكَ ، وَامْحَضْ أَخَاكَ النَّصِيحَةَ ، حَسَنَةٌ كَانَتْ أَوْ قَبِيحَةٌ ، وَتَجَرَّعِ الْغَيْظَ فَإِنِّي لَمْ أَرَ جُرْعَةً أَحْلَى مِنْهَا عَاقِبَةً ، وَلَا أَلذَّ مَغَيَّةٌ (1).
وَلِنْ لِمَنْ عَالَظَكَ ، فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَلِينَ لَكَ ، وَخُذْ عَلَىٰ عَدُوِّكَ بِالْفَضْلِ فَإِنَّهُ أَحْلَى الظَّفَرَيْنِ . وَإِنْ أَرَدْتَ قَطِيعَةَ أَخِيكَ فَاسْتَبْقِ لَهُ مِنْ نَفْسِكَ بَقِيَّةً يَرْجِعُ إِلَيْهَا إِنْ بَدَا لَهُ ذَلِكَ يَوْماً مَا . وَمَنْ ظَنَّ بِكَ خَيْراً فَصَدِّقْ ظَنَّهُ ، وَلَا تُضِيعَنَّ حَقَّ أَخِيكَ اتَّكَالاً عَلَى مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكَ بِأَحْ مَنْ أَضَعْتَ حَقَّهُ. وَلَا يَكُنْ أَهْلُكَ أَشْقَى الْخَلْقِ بِكَ ، وَلَا تَرْغَبَنَّ فِيمَنْ زَهِدَ عَنْكَ ، وَلَا يَكُونَنَّ أَخُوكَ أَقْوَىٰ عَلَى قَطِيعَتِكَ مِنْكَ عَلَى صِلَتِهِ ،
وَلَا تَكُونَنَّ عَلَى الْإِساءَةِ أَقْوَى مِنْكَ عَلَى الْإِحْسانِ.
وَلَا يَكْبُرَنَّ عَلَيْكَ ظُلْمُ مَنْ ظَلَمَكَ ، فَإِنَّهُ يَسْعَى فِي مَضَرَّتِهِ وَنَفْعِكَ ، وَلَيْسَ جَزَاءُ مَنْ سَرَّكَ أَنْ تَسُوءَهُ»(2).
وهكذا يسترسل الإمام(عليه السلام)في كلامه فيضع جواهر الحكم القيمة ، وأسمى الدروس النافعة ، وأثمن الآراء الصائبة في وصيته .
ونكتفي بهذا المقدار منها ، وبها ينتهي بنا المطاف لنلتقي مع الإمام في البصرة .
تمّت البيعة للإمام من جميع الحواضر الإسلامية سوى الشام ، وآمن المسلمون بالأهداف الأصيلة التي ينشدها الحكم الجديد ، وأيقنوا أنّ الإمام سيعيد لهم رحمة الإسلام وعدله ، وأن حكمه امتداد لحكم النبي وسيرته.
وقد قام الإمام في اليوم الأوّل من خلافته بتطبيق العدالة الإسلامية الكبرى ، وتحقيق المساواة الشاملة بين المسلمين، سواء في العطاء أو غيره من المجالات العامة ، وحطّم الفوارق والامتيازات التي أوجدها عثمان على مسرح الحياة الإسلامية ، وقام بمصادرة الأموال المنهوبة التي منحها عثمان لأسرته وأقاربه ، وقد قضى بذلك على الغبن الاجتماعي . والظلم الاجتماعي ، كما قام بحماية المسلمين من الاستغلال والاستبداد ، وصيانتهم من التدهور والانحطاط .
وقد أثارت هذه المبادئ والأهداف سخط النفعيين والمنحرفين ، فلم تمض أيّام قليلة حتى أظهروا بوادر البغي والشقاق ، وأعلنوا التمرّد والعصيان ، وقاموا بعد وانهم المسلّح لأجل الإطاحة بالحكم القائم ، وإعادة سياسة النهب والتجويع ، وأبطال هذه المؤامرة عائشة وطلحة والزبير، فقد أثاروها حرباً شعواء من أجل مطامعهم الرخيصة ، فكانت موقعة البصرة التي صدعت شمل المسلمين، وأشاعت الحزن
والحداد في ربوعهم .
وعلينا أن ننظر إلى فصول هذه المأساة الكبرى التي نشرت الفتن والكوارث في أجواء العالم الإسلامي لنتبين بواعثها ودوافعها .
وتعرّض كثير من المسلمين لأسباب الفتن ودواعي الغرور، وطرأت عليهم من الأحداث ما باعدت بينهم وبين دينهم وبين عهدهم الأول ، والسبب في ذلك أنّهم امتحنوا بالسلطة وبالثراء الواسع العريض ، ومن هؤلاء طلحة والزبير ، فقد انطلقا إلى الإمام أمير المؤمنين فقالا له : هل تدري على م بايعناك يا أمير المؤمنين ؟
فرمقهما الإمام بطرفه وقال لهما : نَعَمْ ، عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ ، وَعَلَى مَا بَايَعْتُمْ عَلَيْهِ أبا بَكْر وَعُمَرَ وَعُثْمانَ .
لا ، ولكن بايعناك على أنا شريكاك في الأمر.
لَا ، وَلَكِنَّكُما شَرِيكَانِ فِي الْقَوْلِ وَالْإِسْتِقامَةِ وَالْعَوْنِ عَلَى الْعَجْزِ وَالْأَوْدِ.
إنّ بيعتهما للإمام (عليه السلام) في قرارة أنفسهما كانت مدفوعة بالدوافع المادية البحتة ، فهما يريدان الحكم ، والمساومة على السلطة، وهما في نظر الإمام شريكان له في الاستقامة وفي تحقيق العدالة بين المسلمين ، ولما استبان لهما أنّه لا يولّيهما شيئاً أظهر الشكاة ، وأعلنا التمرّد .
فقال الزبير في ملأ من قريش : « هذا جزاؤنا من عليّ ، قمناله في أمر عثمان حتّى أثبتنا عليه الذنب ، وسيبنا له القتل ، وهو جالس في بيته ، وكفي الأمر ، فلما نال بنا ما أراد جعل دوننا غيرنا » .
وقال طلحة : « ما اللوم إلا أنا كنا من أهل الشورى كرهه أحدنا(1)، وبايعناه ،وأعطيناه ما في أيدينا ، ومنعنا ما في يده ، فأصبحنا قد أخطأنا ما رجونا».
وانتهى حديثهما إلى الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، فاستدعى عبدالله بن عباس فقال
1) یرید به سعد بن أبي وقاص، فإنّه امتنع عن بيعة الإمام ، وهو من أهل الشورى ، والذي حمله على ذلك حقده على الإمام وكراهيته له على حد تعبير طلحة .
له : بلغك قول الرجلين ؟
نعم .
أرى أنهما أحبا لولاية ، فول البصرة الزبير ، وولّ طلحة الكوفة .
وانبرى الإمام يفند رأي ابن عبّاس ، ويبين له أنّ في ولايتهما خطراً على الأمة قائلاً: وَيْحَكَ ! إِنَّ الْعِراقَيْنِ بِهِما الرِّجالُ وَالأَمْوالُ ، وَمَتى تَمَلَّكا رِقابَ النَّاسِ يَسْتَمِيلا السَّفية بِالطَّمَع ، وَيَضْرِبا الضَّعِيفَ بِالْبَلاءِ ، وَيَقْوَيا عَلَى الْقَوِيُّ بِالسُّلْطَانِ ، وَلَوْ كُنْتُ مُسْتَعْمِلاً أَحَداً لِضُرِّهِ وَنَفْعِهِ لاسْتَعْمَلْتُ مُعَاوِيَةَ عَلَى الشَّامِ ، وَلَوْلا مَا ظَهَرَ لي مِنْ حِرْصِهِما عَلَى الْوِلايَةِ لَكَانَ لي فيهِما رَأْيّ»(1).
و دلّت هذه البادرة على مدى حرص طلحة والزبير على الإمارة والسلطان ، وأنّهما إنما أثارا سخط الناس على عثمان طمعاً بالخلافة والولاية ، ولم يكونا مدفوعين بدافع المصلحة العامة ، وحبّ النصح للمسلمين ، وقد خسرا الصفقة، وذهبت مساعيهما أدراج الرياح حينما آل الأمر إلى أمير المؤمنين ، لأن المحور الذي تدور عليه رحى سياسته مسايرة الدين، والعمل على وفق المبادئ الإسلامية ، وهي لا تقرّ بأي حال من الأحوال أن تمنح الوظائف إثرة أو محاباة ، لأن ذلك خيانة للأمة.
وقد أعرب الإمام(عليه السلام)عن الأسباب التي دعته أن لا يوليهما العراقين ، وهي :
1 - إنّهما يستميلان السفهاء بالمنافع والأطماع .
2 - إنّهما يصبّان على الضعفاء وابلاً من العذاب والبلاء .
3 - يستغلّان النفوذ والسلطان ، ويقويان به على القوي .
ومع علمه بهذه الاتجاهات كيف يجعلهما ولاة وحكاماً على المسلمين ، يتصرّفان في أموالهم ودمائهم .
1) الإمامة والسياسة : 1 : 52 .
وقد انتقد شفيق جبري الإمام في ذلك ، واعتبر أن حرمانهما من الولاية كان غلطة منه - على حدّ تعبيره الرخيص -(1)
إنّ شفيق جبري قد آمن بالسياسة الغربية التي تبيح جميع الوسائل في سبيل الوصول إلى الحكم ، وإن كانت غير مشروعة، وهذه السياسة لا يقرها الإسلام بحال ، فقد بنى سياسته الخلّاقة على الإيمان بحقوق الإنسان ، وتجنّب المكر والخداع ، وإن توقف عليهما النصر والظفر ، وعلى ضوء هذه السياسة العادلة سار ابن أبي طالب رائد العدالة الاجتماعية الكبرى في الأرض .
إنّ السياسة التي سار عليها الملوك ، ولا يزال يسيرون عليها عشاق الملك والسلطان ، لا يلتقي معها الإمام بصلة ، ولا تتفق مع أهدافه العليا ، وقد أوضح(عليه السلام) أسباب ذلك بقوله : «لَوْلا التقى وَالْوَرَعُ لَكُنْتُ أَدْهَى الْعَرَب».
إنّ التقى والورع والخوف من الله تقف أمامه ، وتصدّه عن ارتكاب أي وسيلة لا يقرّها الشرع ، ومضافاً لذلك فإنّ المصلحة كانت تقضي أن لا يوليهما الكوفة والبصرة ، لأن لهما حزبين وشيعة بهما ، ولا يؤمن أن يتسرب نفوذهما يوماً ما إلى الدولة الإسلامية كافة .
وعلى أي حال ، فلما استبان لطلحة والزبير ضياع أملهما وعدم فوزهما بمقعد الحكم انطلقا إلى الإمام طالبين منه الإذن بالخروج قائلين : ائذن لنا يا أمير المؤمنين.
إلى أَيْن؟
نريد العمرة .
فرمقهما الإمام هنيهة وقد عرف خفايا نفوسهما ، فقال لهما برنّة المستريب : وَاللهِ ما الْعُمْرَةَ تُرِيدانِ ! ! بَلِ الْغَدْرَةَ وَنَكْتَ الْبَيْعَةِ !
1) العناصر النفسية / شفيق جبري ، وقد تعرّض لخطل آرائه كثير من الكتاب .
وأقسما له بالأيمان المغلظة أنّهما لا يخلعان البيعة ، وأنّهما يخرجان ليعتمرا بالبيت الحرام ، وإنّهما يعلمان أنّها قسم حانث ، ولكن لم يجدا وسيلة يصلان بها إلى الغاية سوى اليمين الكاذب .
والتفت الإمام لهما ونفسه مترعة بالشك والريبة منهما قائلاً: أَعِيدا الْبَيْعَةَ لي ثانِيَةٌ . ففعلا دون تردّد ، ومضيا منهزمين إلى مكة ، وكأنه قد أتيح لهما الخلاص من سجن أو عقاب، ولحقا بعائشة يستفزانها على الثورة، فإنّهما على علم بما تكنّه من الحقد والعداء للإمام(عليه السلام).
كانت عائشة في طليعة من أشعل نار الثورة على عثمان ، وقالت فيه أمر القول وأقساه ، وما كان اسمه عندها إلا نعثلاً، وتعز و بعض المصادر السبب في ذلك إلى صلى الله أنه نقصها مما كان يعطيها عمر وصيّرها كغيرها من أزواج النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)(1)
وقد بالغت في التشهير به والتحريض على قتله ، ولما أحاط الثوار به خرجت إلى مكة ، وبعد أدائها لمناسك الحج قفلت راجعة إلى يثرب وهي تجد في السير لتنظر ما آل إليه أمر عثمان ، فلما انتهت إلى سرف (2)لقيها رجل من أخوالها يقال له عبيد بن أبي سلمة ، وكان قادماً من المدينة فاستعجلت قائلة له :
قتلوا عثمان .
ثم صنعوا ماذا ؟
اجتمعوا على بيعة عليّ ، فجازت بهم الأمور إلى خير مجاز !
فانهارت أعصابها ، وتحطّمت قواها، وبلغ بها الحزن إلى قرار سحيق ، وهتفت حانقة مغيظة وبصرها يشير إلى السماء ثم ينخفض فيشير إلى الأرض قائلة : والله ! ليت هذه انطبقت على هذه ، إن تمّ الأمر لابن أبي طالب ، قتل عثمان مظلوماً ، والله لأطلبن بدمه » .
فأجابها عبيد باستنكار وسخرية :« ولم ؟ فوالله إن أول من أمال حرفه لأنت ! ولقد كنت تقولين اقتلوا نعثلاً فقد كفر » .
لماذا هذا الحزن والجزع من عائشة ؟ وقد عادت للإسلام نضارته بحكومة الإمام(عليه السلام، وظفر المسلمون بما يصبون إليه ؟ !
وأجابت عائشة ابن خالها فقالت له : « إنّهم استتابوه ثمّ قتلوه ، وقد قلت وقالوا ؟ وقولي الأخير خير من قولى الأول» .
وهل كانت حاضرة حينما استتابوه؟ وهل لها دراية بكيفية توبته ، ولكنّها افتعلت ذلك لتبرير موقفها .
وقد ردّ عليها عبيد فقال لها :
فَمِنكِ البَداءُ وَمِنكِ الغِيَرُ*** وَمِنكِ الرِّياحُ وَمِنكِ المَطَرْ
وَأَنْتِ أَمَرْتِ بِقَتلِ الإِمَامِ*** وَقُلتِ لنا: إِنَّهُ قَدْ كَفَرْ
فَهَبنا (1)أَطَعْناكِ في قَتْلِهِ*** وقاتِلُهُ عِندَنا مَنْ أَمَرْ
وَلَم يَسقُطِ السَّقْفُ مِنْ فَوقِنا ***وَلَمْ تَنْكَسِفُ شَمْسُنا والقَمَرُ
1) وفي رواية : « ونحن» .
وَقَدْ بَايَعَ النَّاسُ ذَا تُدْرَا*** يُزيلُ الشَّبا ويُقيمُ الصَّعَرْ (1)
وَتَلبَسُ لِلحَرْب أَثوابها*** وما مَنْ وَفِي مِثلُ مَنْ قَدْ غَدَرْ
فأعرضت عنه وانصرفت راجعة إلى مكة(2)، وقد علاها الحزن والاكتئاب وأحاط بها الأسى والذهول .
وليس شيء أوهى من القول بأنّ السبب في خروج عائشة هو المطالبة بدم عثمان ، فإنّها هي التي حفزت المسلمين إلى الإجهاز عليه ،ودعتهم إلى الاطاحة بحكمه .
يقول شوقي :
أَثَارُ عُثمانَ الَّذِي شَجاها*** أَمْ غُصَّةٌ لَمْ يُنتَزَعْ شَجَاهَا
ذلك فتق لَمْ يَكُنْ بِالبال*** كَيدُ النِّساءِ مُوهِنُ الجِبالِ
نعم ، تذرّعت بدم عثمان واتَّخذته وسيلة إلى إعلان العصيان والتمرد ، وإلى إغراء السذج والبسطاء ، فزجت بهم في الحرب التي أثارتها ضد أمير المؤمنين للللا وأخي رسول الله له ، وباب مدينة علمه .
إنّ دم عثمان لا يصلح بأي حال أن يكون من بواعث ثورتها على النظام القائم ، وإنما بواعث ذلك ما يلي :
1 - إنّ نفسها كانت مترعة بالبغض والكراهية للإمام ولزوجته سيدة النساء
وأولادهما ، وسبب ذلك أنها رأت اتجاه النبي وإقباله عليهم ، وأنه قد خصهم بمزيد الحب والعطف على نحو لم يشاركهم فيه أحد(1)، ولم تحظ عائشة بقليل ولا بكثير من تلك الرعاية وذلك الحنان ، بل كان يعاملها معامله عادية ، بل ويزدري بها في كثير من الأحيان .
فقد وقف خطيباً على منبره ، فأشار إلى مسكنها ، قائلاً: «هاهنا الْفِتْنَةُ ، هاهنا الْفِتْنَةُ ، هاهنا الْفِتْنَةُ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطانِ»(2)
وقد هدّدها غير مرّة بالطلاق نظراً لما كان يعانيه منها ، فقد قالت له مرّة في كلام غضبت عنده : « أنت الذي تزعم أنك نبي»(3).
وكان إذا صلّى تمدّ رجلها في قبلته ، ثمّ لا ترفعها عن سجوده حتى يغمزها ، فإذا غمزها رفعتها ، حتّى يقوم فتمدّها ثانية (4).
لقد رأت عائشة إقبال النبي على فاطمة وعلى زوجها ، وإعراضه عنها ، الأمر الذي أثار كوامن الحقد في نفسها ، وقد جابهت رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)بذلك ، فقد استأذن أبو بكر على رسول الله فسمع صوت عائشة عالياً وهي تقول له : « والله لقد عرفت أنّ علياً أحب إليك من أبى ومنى» مرتين أو ثلاثاً (5).
وليس شيء يثير عواطف المرأة ويترك العقد النفسيّة فيها مثل ما ترى أحداً أثيراً
1) بسطنا القول في ذكر الأخبار التي وردت عن النبي في حبّه لأهل بيته في بداية بحوث هذا الكتاب .
2) صحيح البخاري : 2 : 125 ، باب فرض الخمس صحيح مسلم : 2 : 503 ، وجاء فيه أنّه قال(صلی الله علیه وآله وسلم): « رَأْسُ الْكُفْر مِنْ هاهنا حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطانِ » .
3) إحياء العلوم : 2 : 35 ، كتاب آداب النكاح.
4) صحيح البخاري : 1: 143 .
5) مسند الإمام أحمد بن حنبل : 4 : 275 .
عند زوجها ، ومقدّماً عليها في الحنان والحبّ ، وزاد في تأثرها وانفعالها أنّها حرمت الولد من النبي كما حرم من غيرها ، وقد تبنّى أبناء ابنته الوحيدة ، فأقام لهم في نفسه أعمق الحب والإخلاص ، وقد ترك ذلك كوامن الحسد في نفسها من الإمام وزوجته ، وقد بذلت جميع طاقاتها في مقابلة أمير المؤمنين (عليه السلام)وصرف الخلافة عنه .
فقد رشحت أباها للصلاة في مرض رسول الله لئلا يصلّي بالمسلمين الإمام ، وبعد وفاة النبي كان لها ضلع كبير في ترشيح أبيها للخلافة وحرمان الإمام(عليه السلام) منها ، وبلغ من عظيم حقدها أنّ بضعة النبي لما توفيت جئن نساؤه إلى بني هاشم في العزاء ، إلّا هي ، ونقل عنها كلام يدلّ على سرورها وفرحها(1).
ولما آل الأمر إلى الإمام انهارت جميع قواها ، واندفعت إلى مقاومته ، وإلى إعلان الثورة على حكومته ، وقد وصف (عليه السلام) مدى ضعفها وحقدها عليه بقوله : «وَأَمّا فُلَانَةٌ فَأَدْرَكَهَا رَأْيُ الْنِّسَاءِ ، وَضِغْنٌ غَلَا فِي صَدْرِهَا كَمِرْجَلِ الْقَيْنِ(2)، وَلَوْ دُعِيَتْ لِتَنَالَ مِنْ غَيْرِي مَا أَتَتْ إِلَيَّ ، لَمْ تَفْعَلْ »(3).
إنّ من أقوى العوامل التي دفعتها إلى مقاومة الإمام هي الأحقاد والضغائن التي تكنها في نفسها حتى أنّها لم تستطع أن تجد إلى كبتها وإخفائها سبيلاً، وقد أبدت بالغ المسرات والأفراح حينما بلغها مقتله ، وقد تناست أنه أخو النبي ووليه ، وأنه منه بمنزلة هارون من موسى ، وأعرضت عمّا قال فيه : « اللهم والِ مَنْ والاهُ ، وَعادِ مَنْ عاداهُ ، وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ ) .
لقد سمعت ذلك ووعته ، ولم يخف عليها شيء مما أثر عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) فيه وفي أبنائه (عليهم السلام).
2 - ومن بواعث ثورتها أنها كانت تتوقع أن ترجع الخلافة إلى تيم ويتقلدها ابن عمها طلحة كما يرى ذلك العقاد(1)..
وكانت تدعو له ، وتشيد به ، ولما بلغها مقتل عثمان وهي في مكة بادرت قائلة : إن أحق الناس بهذا الأمر ذو الإصبع - يعني طلحة - » ، ثم أقبلت مسرعة إلى المدينة ، وهي لا تشكّ أنّه هو صاحب الأمر ، وكانت تقول : « إيه ذا الإصبع ! إيه أبا شبل ! إيه ابن عم ! الله أبوك ! أما إنّهم وجدوا طلحة لها كفواً ، لكأني أنظر إلى اصبعه ، وهو يبايع حثو الإبل(2).
وهي بذلك كانت مدفوعة بدافع العصبية القبلية ، فلم تنظر لصالح الأمة ، فقد أرادت أن تعيد المجد ثانياً لأسرتها، وأن تبسط نفوذها ، وتستأثر بالأموال ، وذلك لا يتحقق إلا بأن ترجع الخلافة إلى تيم .
3 - ويرى الأستاذ العلائلي أن السبب في خروجها من أجل الحزبية السائدة في ذلك العصر ، يقول : « والتاريخ لا يحدّثنا لماذا خرجت على عليّ ، ولم تر بعد من سياسته شيئاً ما ، ودعوى أنها خرجت طلباً بدم عثمان توهيم ، لأنها لم تكن جاهلة بالشريعة التي تفضي بترك الأمر إلى الحاكم المركزي ، فإن لم يكن فلولي القتيل ، وليست من أوليائه »(3).
إذن ، فلم تخرج عائشة طلباً بدم عثمان ، بل لشيء آخر وهو ما لم يذكره التاريخ بصراحة ، والذي يستقيم عندي في هذا الأمر أنّ الحزبية بلغ من نفوذها مبلغاً عظيماً حتى عدت إلى زوجات النبي ، فكانت أمّ سلمة من حزب المحافظين ( أي حزب
عليّ ) ، وعائشة من حزب طلحة والزبير ، كما ذكرت في مقدمة الحلقة الأولى وكانت كذلك في عهد النبي ، فقد كانت أم سلمة زعيمة طائفة من نسائه ، وعائشة زعيمة طائفة أخرى ، ولا ريب في أنّ هذه الحزبية ولدت في نفسيهما حزازة تاريخية اتصلت بمسلكيهما العام »(1).
هذه بعض البواعث التي حفّزتها على الخروج على حكومة الإمام ، وقد فتحت بذلك باب التمرّد والعصيان ، ومهدت السبيل للقوى المنحرفة عن الحق أن تتكتل وتجتمع على حرب ابن أبي طالب ، فتغرق البلاد في المآسي والدموع ، وتجرّ للأمة الويلات والخطوب.
وأعلنت عائشة العصيان والخروج على الحكم القائم في خطابها الذي ألقته بمكّة ، فقد جاء فيه : « أيها الناس ، إنّ الغوغاء من أهل الأمصار ، وأهل المياه ، وعبيد أهل المدينة اجتمعوا إن عاب الغوغاء على هذا المقتول بالأمس الأرب(2)، واستعمال من حدث سنه ، وقد استعمل أسنانهم قبله ، ومواضع من الحمى حماها لهم ، وهي أمور قد سبق بها لا يصلح غيرها ، فتابعهم ونزع لهم عنها استصلاحاً لهم ، فلما لم يجدوا حجّة ولا عذراً خلجوا (3)، وبادروا بالعدوان ، ونبا فعلهم عن قولهم ، فسفكوا الدم الحرام ، واستحلوا البلد الحرام ، واستحلوا الشهر الحرام ، والله لإصبع عثمان خير من طباق الأرض أمثالهم !... فنجاة من اجتماعكم عليهم حتى ينكل بهم غيرهم، ويشرّد من بعدهم ، ووالله لو أنّ الذي اعتدوا به عليه كان ذنباً لخلص منه
كما يخلص الذهب من خبثه أو الثوب من درنه إذا ماصوه(1)كما يماص الثوب بالماء »(2).
وحفل خطابها بالمغالطات والتنكر للحقائق ، فقد جاء فيه أنّ الغوغاء عابوا على عثمان وهو مجاف للواقع ، فإنّ الذي عاب عليه ، وشهر به إنّما هم كبار المهاجرين والأنصار ، وكانت هي بالذات أوّل من قدح زناد الثورة عليه ، فقد قالت فيه كلمتها الشهيرة :« اقتلوا نعثلاً فقد كفر» .
إنّها وغيرها من الأعلام والرؤوس هم الذين أجهزوا عليه ، ولا علاقة لغيرهم بدمه.
وجاء في خطابها أنّه رجع عن إحداثه ، وتابع الثوار استصلاحاً لهم ، فلما لم يجدوا حجّة عليه استحلوا دمه وقتلوه ، وهذا أيضاً لا يلتقي بالواقع ، فإن عثمان قد أعلن التوبة ، وأظهر الندم على الأحداث التي ارتكبها ، إلّا أنه أعلن للناس أخيراً أنه إنما قال ذلك من أجل ضغط الثوّار عليه وهو ماض على سياسته التي رسمها لنفسه .
ولما قفل الثوّار راجعين بعد المكيدة التي دبرها ضدهم طالبوه بالاستقالة من منصبه ، فأبى وامتنع من إجابتهم ، فلم يجدوا بداً من قتله ، كما ذكرنا ذلك بالتفصيل ، وهو لا يتفق مع ما ذكرته عائشة في خطابها من أنهم لم يجدوا حجّة لقتله .
وعلى أي حال، فإنّ خطاب عائشة كان أوّل إعلان للعصيان والتمرد والاختلاف . يقول الأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود : « وتفرّق الناس بعد حديثها هذا شيعاً ، وكان أولى بهم أن تتوحد كلمتهم في هذه المحنة الحازبة التي أصابت الإسلام ، ففيم تدعوهم اليوم أمّ المؤمنين ؟ وإلى أية غاية تريد أن تسير بهم ! الحرب الغوغاء ؟
للزحف على المدينة وفيها الأمير الشرعي للبلاد ؟ »(1).
لقد أحدثت عائشة في خروجها الشقاق والاختلاف بين المسلمين ، وغرست ذور العداء والفتن في جميع أنحاء البلاد.
واستنجدت عائشة بأزواج النبي الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، ودعتهن أن يخرجن معها لحرب وصيّ رسول الله ، وباب مدينة علمه ، وأبي سبطيه ، واجتمعت بأم سلمة فجعلت تخادعها وتقول لها : يا بنت أبي أمية ، أنت أوّل مهاجرة من أزواج رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، وأنت كبيرة أمهات المؤمنين ، وكان رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) يقسم لنا من بيتك ، وكان جبرئيل أكثر ما يكون في منزلك ..
فتريّبت أمّ سلمة من كلامها وقالت لها : لأمر ما قلت هذه المقالة ؟
فأجابتها عائشة بما تروم قائلة : إنّ القوم استتابوا عثمان ، فلما تاب قتلوه صائماً في الشهر الحرام ، وقد عزمت على الخروج إلى البصرة، ومعي طلحة والزبير ، فاخرجي معنا لعل الله يصلح هذا الأمر على أيدينا .
وانبرت أمّ سلمة إلى تفنيد مقالتها ، وإلى تسديدها ونصحها قائلة : إنك كنت بالأمس تحرّضين على عثمان، وتقولين فيه أخبث القول ، وما كان اسمه عندك إلّا نعثلاً ، وإنّك لتعرفين منزلة عليّ عند رسول الله ، أما أذكرك ؟
أتذكرين يوم أقبل ونحن معه حتى إذا هبط من قديد ذات الشمال ، فخلا بعليّ يناجيه ، فأطال ، فأردت أن تهجمي عليهما ، فنهيتك ، فعصيتني وهجمت عليهما، فما لبثت أن رجعت باكية ، فقلت : ما شأنك ؟
1) الإمام عليّ : 2 : 267 .
فقلت : أتيتهما وهما يتناجيان ، فقلت لعليّ : ليس لي من رسول الله إلّا يوم من تسعة أيام ، أفما تدعني يابن أبي طالب ويومي ؟
فأقبل رسول الله عَلَيَّ وهو محمر الوجه غضباً ، فقال : ارْجِعِي وَراءَكِ ، وَاللهِ لَا يُبْغِضُهُ أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ خَارِجٌ مِنَ الْإِيْمَانِ ، فرجعت نادمة ساخطة !
نعم ، أذكر ذلك
أو أذكرك ؟
نعم .
كنت أنا وأنت مع رسول الله فقال لنا : أَيَّتُكُنَّ صاحِبَةُ الْجَمَلِ الْأَدَبُ (1)تَنْبَحُها كِلابُ الْحَوْأَبِ ، فَتَكونَ نَاكِبَةٌ عَنِ الصِّراطِ ؟
فقلنا : نعوذ بالله وبرسوله من ذلك .
فضرب على ظهرك فقال : إِيَّاكِ أَنْ تَكونيها يا حُمَيْراءُ .
نعم ، أذكر ذلك
أو أذكرك ؟
نعم .
كنت أنا وأنت مع رسول الله في سفر له ، وكان عليّ يتعاهد نعل رسول الله فيخصفها ، وثيابه فيغسلها ، فنقب نعله ، فأخذها يومئذ يخصفها ، وقعد في ظلّ سمرة ، وجاء أبوك ومعه عمر فأستأذنا عليه ، فقمنا إلى الحجاب ، ودخلا يحدثانه فيما أرادا ، ثمّ قالا : يا رسول الله ، إنا لا ندري قدر ما تصحبنا ، فلو أعلمتنا من يستخلف علينا ليكون لنا بعدك مفزعاً ؟
فقال لهما : أما إنّي قَدْ أَرى مَكَانَهُ ، وَلَوْ فَعَلْتُ لِتَفَرَّقْتُمْ عَنْهُ كَمَا تَفَرَّقَ بَنو إِسْرَائِيلَ عَنْ
1) الأدب : الجمل الكثير الشعر .
هارُونَ بْنِ عِمْرانَ ، فسكتا ، ثم خرجا، فلما خرجا خرجنا إلى رسول الله ، فقلت له أنت - وكنت أجرأ عليه منا - : يا رسول الله ، من كنت مستخلفاً عليهم ؟
فقال : خاصِفُ النَّعْل ، فنزلنا فرأيناه عليّاً ، فقلت : يا رسول الله ، ما أرى إلا علياً ؟
فقال : هُوَ ذاك
نعم أذكر ذلك
فأيّ خروج تخرجين بعد هذا ؟
إنّما أخرج للإصلاح بين الناس ، وأرجو فيه الأجر .
أنت ورأيك .
وانصرفت أمّ سلمة وكتبت بالأمر إلى الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)(1)، وقد أبدت لها تمام النصح ، وذكرتها بما تناسته من فضائل أمير المؤمنين(عليه السلام)ومآثره ، ولكن عائشة استسلمت لأحقادها وعواطفها فلم تستجب لذلك .
واستجاب لدعوة عائشة جميع رجال الحكم المباد من ولاة عثمان وأقربائه وذوي الأطماع الذين اعتقدوا أن حكومة الإمام تبدد أحلامهم في النفوذ السياسي ، والمغرر بهم ، والسدّج من الناس الذين تلوّنهم الدعاية كيف شاءت ، كل هؤلاء جرفتهم دعوة عائشة ودعايتها ، وخضعوا لأوامرها ، وقد تداول زعماء الفتنة الآراء في غزو أي بلد ، وعرضوا المدينة إلا أنهم عدلوا عنها لأنها فيها الخليفة الشرعي وهو يتمتع بالقوى العسكرية ، ولا قبل لهم بها .
وعرضوا ثانياً الشام ، وفيها الرجال والأموال ، وعليها ابن عثمان والياً، فهي أوْلى
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 6: 218. وذكر الزمخشري في الفائق : 1: 290 ما يقرب من ذلك.
بلد وأجدره بالإجابة ، ولكنّ الأمويّين لم يستجيبوا لذلك ، لأنّهم جعلوا الشام في حوزتهم ، وخافوا عليها من التصدّع .
فأجمع الرأي على غزو البصرة لأنّ فيها أعواناً وأنصاراً لهم، ونادى المنادي في مكّة : « أيّها الناس ، إنّ أمّ المؤمنين وطلحة والزبير شاخصون إلى البصرة ، فمن كان يريد إعزاز الإسلام ، وقتال المحلّين، والطلب بثأر عثمان ، ولم يكن عنده مركب ولا جهاز فهذا جهازه ، وهذه نفقته ».
وزوّدوا الجند بالسلاح والعتاد ، فأعان يعلى بن أمية(1)
وقال المدائني : كان يعلى أميراً على الجند باليمن، فبلغه قتل عثمان ، فأقبل لينصره ، فسقط عن بعيره في الطريق فانكسر فخذه ، فقدم مكة بعد انقضاء الحج فاجتمع الناس به ، فأخذ يحرّضهم على الطلب بدم عثمان ، فأعان الزبير بأربعمائة ألف ، وحمل سبعين رجلاً من قريش ، وحمل عائشة على الجمل الذي شهدت القتال عليه واسمه «عسكر » ، ولمّا فشلت حرب الجمل لحق بالإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)وصار من أصحابه ، وقتل معه بصفين. أسد الغابة : 5: 128 .
بأربعمائة ألف ، وحمل سبعين رجلاً، واعتلت عائشة جملها المسمّى بـ ( عسكر) ، قد احتف بها بنو أمية ، وهي تتقدّم أمام الحشد الزاخر ، تقودهم إلى تمزيق الوحدة الإسلامية وإلى محاربة الحكومة الشرعيّة .ولما انتهت إلى ذي قار التقى بها سعيد بن العاص(2)، فقال لها : أين تريدين
1) يعلى بن أمية بن أبي عبيدة التميمي كان والياً على بعض نواحي اليمن من قبل عمر ، واستعمله عثمان على صنعاء .
2) سعيد بن العاص الأموي : ولد عام الهجرة ، قتل عليّ أباه يوم بدر وهو من فصحاء قريش ، استعمله عثمان والياً على الكوفة ، ثم عزله عنها وأرجع سعيداً إليها ، فأرجعه أهل الكوفة ، وكتبوا إلى عثمان : لا حاجة لنا في سعيدك ولا في وليدك ، وكان فيه تجبّر وشدّة وغلظة . ولما قتل عثمان لزم سعيد بيته ، واعتزل أيّام الجمل وصفين ، ولم يشهد شيئاً من تلك الحروب، ولما استتب الأمر إلى معاوية ولاه المدينة ، ثمّ ولاها مروان بن الحكم ، وكان يعاقب بينهما في ولايتها . توفّي في خلافة معاوية سنة تسع وخمسين. الاستيعاب : 8:2.
يا أم المؤمنين ؟
البصرة .
وما تصنعين بها ؟
أطلب بدم عثمان .
فضحك ساخراً ، وقال متبهّراً : هؤلاء قتلة عثمان يا أم المؤمنين .
فأزاحت بوجهها عنه ، إذ لا حجة لها تدافع بها عن نفسها ، وتركها وانصرف إلى مروان فقال له : وأنت أيضاً تريد البصرة .
نعم .
ما تريد ؟
أطلب بدم عثمان
فهؤلاء قتلة عثمان معك - وأشار إلى طلحة والزبير - ؟
فقال : هذين الرجلين قتلة عثمان ، وهما يريدان الأمر لأنفسهما ، فلما غلبا عليه قالا : نغسل الدم بالدم ، والحوبة بالتوبة (1)، ولم تجد معهم هذه المحاورة شيئاً ، وانطلقوا مصممين على الغي والعدوان.
وانطلقت قافلة عائشة تطوي البيداء ، فاجتازت على مكان يقال له (الحوأب )(2)
ما هِيَ إِلَّا شَرْبَةٌ بِالْحَوْابِ*** فَصَعْدِي مِنْ بَعْدِها أَوْ صَوْبي
معجم البلدان : 2 : 314
،فتلقت الركب كلاب الحى الساهرة بهرير وعواء ، فذعرت عائشة من ذلك النباح الذي أطلقته الكلاب على القافلة ، فقالت لمحمد بن طلحة (1)
ولد في حياة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، وهو الذي سماه محمداً ، وكناه بأبي القاسم ، قتل يوم الجمل ، وكان هواه مع عليّ ، ومرّ به الإمام بعد مقتله ، فقال : «هذا الَّذي قَتَلَهُ بِرُّهُ بِأَبِيهِ ، أَمَرَهُ أَبوهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ لِلْقِتالِ فَتَقَدَّمَ » ، ونثل درعه بين رجليه وقام عليها ، وجعل كلما مر عليه رجل قال له : نشدتك بحاميم ، فشدّ عليه رجل فقتله وأنشد يقول :
وَأَشعَثِ قَوَامٍ بِآيَاتِ رَبِّهِ*** قَليل الأذى فيما تَرى العينُ مُسلِمِ
هَتَكْتُ لَهُ بِالرُّمْحِ جَيْبَ قَمِيصِهِ*** فَخَرَّ صَريعاً لِليَدَينِ وَلِلقَمِ
عَلَى غَيرِ شَيْءٍ غَير أَنْ لَيسَ تابعاً*** عَلِيّاً وَمَن لا يتبع الحَقَّ يَنْدَم
يُذكرني حاميمَ وَالرُّمح شاجِرٌ*** فَهَلا ثلا حاميم قبل التَّقَدُّمِ
يقال : قتله كعب بن مدلج ، وقيل : معاوية بن شداد ، وقيل غيرهما الاستيعاب : 349:3.
: أي ماء هذا ؟فذعرت ، وذاب قلبها أسى وحسرات على ما فرطت في أمرها ، وقالت : ما أراني إلا راجعة !
لم يا أم المؤمنين ؟
سمعت رسول الله يقول لنسائه : كَأَني بإخدا كُنَّ قَدْ نَبَحَتْها كِلابُ الْحَوْأَب(2)،
1) محمد بن طلحة القرشي التيمي:
2) روى ابن عباس عن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)أنه قال يوماً لنسائه وهنّ جميعاً عنده : أَيَّتُكُنَّ صاحِبَةُ الْجَمَل الأَدَبُ ، تَنْبَحُها كِلابُ الْحَوْابِ ، يُقْتَلُ عَنْ يَمِينِها وَشِمَالِها قَتْلَى كَثيرَةٌ ، كُلُّهُمْ فِي النّارِ ، وَتَنْجو بَعْدَ ما كادَتْ . شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 9: 311 ، وهذا الحديث من أعلام النبوة ومن إخباره بالمغيبات .
وَإِيَّاكِ أَنْ تَكوني أَنْتِ يا حُمَيْراءُ .
وبهذه الشهادة الكاذبة استطاعوا أن يقلعوا رأيها ، وكان الواجب عليها بعد ما ذكرت قول الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)أن ترجع إلى بيتها فلا تقود الجيوش لمحاربة أخي رسول الله .
وسارت قافلة عائشة تطوي البيداء حتّى أشرفت على البصرة ، فلما علم ذلك عامل البصرة عثمان بن حنيف(2)
من الأوس، كان والياً من قبل عمر ، ثمّ ولاه الإمام على البصرة ، ولما خرج الإمام منها عزله عنها وولّى عبدالله بن عباس ، وقيل : إن عمر بن الخطاب استشار الصحابة في رجل يوجهه إلى العراق، فأجمعوا على عثمان بن حنيف ، وقالوا : إن تبعثه على أهم من ذلك فإنّ له بصراً وعقلاً ومعرفة وتجربة ، فأسرع عمر فولاه مساحة أرض العراق ، فضرب عثمان على كل جريب من الأرض يناله الماء عامراً وعامراً درهماً وقفيزاً من الطعام ، فبلغت جباية سواد الكوفة قبل أن يموت عمر بعام مائة ألف ألف ونيفاً ، وبعد حادثة البصرة أقام في الكوفة ، وبقي فيها إلى زمان معاوية . الاستيعاب : 3: 79 .
أرسل إليها أبا الأسود الدؤلي ليسألها عن قدومها ،ولمّا التقى بها قال لها : ما أقدمك يا أم المؤمنين ؟
-أطلب بدم عثمان .
-ليس في البصرة من قتلة عثمان أحد !
فردّ عليها بمنطقه الفياض قائلاً: ما أنت من السوط والسيف ؟ إنّما أنت حبيسة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، أمرك أن تقرّي في بيتك ، وتتلي كتاب ربّك ، وليس على النساء قتال ، ولا لهنّ الطلب بالدماء ، وإنّ عليّاً لأولى منك وأمس رحماً ، فإنّهما ابنا عبد
مناف !!
لست بمنصرفة حتى أمضي لما قدمت إليه ، أفتظنّ أبا الأسود أن أحداً يقدم على قتالي ؟ !
أما والله لتقاتلن قتالاً أهونه الشديد .
ثمّ تركها وانصرف عنها ، وأقبل إلى الزبير فذكره بماضي ولائه للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) قائلاً: يا أبا عبد الله ، عهد الناس بك وأنت يوم بويع أبو بكر آخذاً بقائم سيفك ، تقول : لا أحد أولى بهذا الأمر من ابن أبي طالب ، وأين هذا المقام من ذاك ؟
نطلب بدم عثمان .
أنت وصاحبك وليتماه فيما بلغنا.
وانصاع الزبير لمقالة أبي الأسود ، ورأى فيها النصح والرشاد ، إلا أنه طلب منه مواجهة طلحة ومذاكرته في الأمر، فمضى أبو الأسود مسرعاً وعرض عليه الأمر ، فلم يستجب له ، وأصرّ على الغي والعدوان(1).
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 6: 226 .
وانطلق أبو الأسود إلى ابن حنيف فأخبره بنيّة القوم ، وإصرارهم على الحرب ، فجمع أصحابه فخطب فيهم فقال في خطابه : أيها الناس ، إنّما بايعتم الله ، يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُتُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَن أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ الله فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً(1).
والله ! لو علم علي أحداً أحق بهذا الأمر منه ما قبله ، ولو بايع الناس غيره لبايع
وأطاع ، وما به إلى أحد من صحابة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) حاجة ، وما بأحد عنه غنى ، ولقد شاركهم في محاسنهم ، وما شاركوه في محاسنه ، ولقد بايع هذان الرجلان يعني طلحة والزبير - وما يريدان الله ، فاستعجلا الفطام قبل الرضاع ، والرضاع قبل الولادة ، والولادة قبل الحمل ، وطلبا ثواب الله من العباد ، وقد زعما أنهما بايعا مستكرهين ، فإن كانا استكرها قبل بيعتهما ، كانا رجلين من عرض قريش لهما أن يقولا ولا يأمرا. ألا وإن الهدى ما كانت عليه العامة ، والعامة على بيعة عليّ ، فما ترون أيها الناس ؟
وانبرى إليه حكيم بن جبلة فخاطبه بمنطق الإيمان قائلاً: نرى إن دخلا علينا قاتلناهما ، وإن وقفا تلقيناهما ، والله ما أبالي أن أقاتلهما وحدي ، وإن كنت أحبّ الحيا ، وما أخشى في طريق الحق وحشة ، ولا غيرة ، ولا غشاً ، ولا سوء منقلب إلى بعث ، وأنّها لدعوة قتيلها شهيد ، وحيّها ،فائز ، والتعجيل إلى الله قبل الأجر خير من التأخر فى الدنيا ، وهذه ربيعة معك (2).
وصمّم القوم بذلك على ردّ العدوان ، ومقابلتهم بالمثل إن اعتدوا عليهم ، وعدم التعرّض لهم إن لم يبدأهم بقتال .
وجرت بين الفريقين مصادمات عنيفة أدت إلى قتل البعض وجرح الآخر منهما ، وكان ابن حنيف يروم السلم ، ولا يحبّ مناجزة القوم قبل أن يأتيه أمر بذلك من أمير المؤمنين(عليه السلام)، فأوقف القتال، وعقد هدنة موقتة حتى يستبين له رأي الإمام ، وهذا نصها : « هذا ما اصطلح عليه عثمان بن حنيف الأنصاري ومن معه من المؤمنين من شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وطلحة والزبير ومن معهما من المؤمنين والمسلمين من شيعتهما إن لعثمان بن حنيف دار الإمارة والرحبة والمسجد وبيت المال والمنبر ، وإنّ لطلحة والزبير ومن معهما أن ينزلوا حيث شاءوا من البصرة ، ولا يضار بعضهم بعضاً في طريق ولا فرضة (1)، ولا سوق ، ولا شريعة ، ولا مرفق حتى يقدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فإن أحبوا دخلوا في ما دخلت فيه الأمة ، وإن أحبوا الحق كل قوم بهواهم ، وما أحبوا من قتال أو سلم أو خروج أو إقامة وعلى الفريقين بما كتبوا عهد الله وميثاقه ، وأشدّ ما أخذه على نبي من أنبيائه من عهد وذمة » .
ووقعها الفريقان ، ومضى ابن حنيف إلى دار الإمارة ، وأمر أصحابه بإلقاء السلاح والالتحاق بمنازلهم.
وقام طلحة والزبير بمراسلة الوجوه والأشراف يدعونهم إلى الطلب بدم عثمان ، وخلع أمير المؤمنين ، وإخراج ابن حنيف ، فاستجابت لهم قبائل الأزد وضبة وقيس عيلان ، وتابعهم كثير من البسطاء وذوي الأطماع .
1) الفرضة : الثلمة من النهر التي يستقى منها .
ولما استوثق لهم الأمر غدروا وخانوا ونقضوا ما اتفقوا عليه من الهدنة ، فقد هجموا على ابن حنيف في غلس الليل وهو في دار الإمارة فاعتقلوه ، ونكلوا به ، فأمروا بنتف شعر رأسه ولحيته وحاجبيه(1)
فقال علي (عليه السلام) : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعونَ ، قال ذلك ثلاثاً .
، ونهبوا ما في بيت المال .ولما حضر وقت الصلاة تنازع طلحة والزبير على الصلاة بالناس ، فجعل كلّ واحد منهما يمنع صاحبه من التقدّم عليه ، حتى فات وقت الصلاة ، فصاح الناس بهما ، فقطعت عائشة النزاع فيما بينهما ، وقالت : يصلي بالناس يوماً محمد بن طلحة ، ويوماً عبد الله بن الزبير(2)
فذهب ابن الزبير ليصلي بالناس فجذبه محمد بن طلحة وتقدّم محمد ليصلّي بالناس ، فمنعه ابن الزبير ، ورأى الجميع أنّ خير وسيلة لفصل الخصومة وقطع النزاع هي القرعة ، فاقترعا ، فخرج محمد بن طلحة ، فتقدّم وصلى بالناس ، وقرأ سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِع(3)(4)
وفي ذلك يقول الشاعر :
تبارى الغُلامانِ إذْ صَلَّيا*** وَشَحَ عَلى المُلكِ شَيْخاهُما
وَما لي وَطَلحَةَ ، وَابْنَ الزُّبَيرِ*** وهذا بذي الجذع مولاهما
فَأمهما اليَومَ غَرْتُهما*** وَيَعْلى بْنُ مُنيَةَ دَلَاهُما(5)
إن القوم مدفوعون بدافع الملك والسلطان ، ولو تم الأمر لهما لأجهز كل واحد منهما على صاحبه ، فإنّهما بعد في بداية الطريق وقد ظهرت منهما بوادر الانشقاق والاختلاف .
إنّهما لم يخرجا على حكم الإمام إلا من أجل المنافع المادية الضيقة ، وقد اعترف بذلك الزبير ، فقد جاء إليهما رجل وهما في جامع البصرة فقال لهما : نشد تكما بالله في مسيركما أعهد إليكما فيه رسول الله شيئاً ؟
فسكت طلحة ولم يجبه بشيء ، فأجابه الزبير : لا ، ولكن بلغنا أن عندكم دراهم فجئنا نشارككم فيها(1).
لقد حدّد الزبير خروجهم على وصيّ رسول الله ، فهو إنما كان من أجل الأطماع والمنافع ، وليس فيه أي عهد من الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم).
وعلى أي حال، فقد سقطت البصرة بأيديهم ، واحتلت قواتهم جميع مواقعها ، وأمرت عائشة بقتل عثمان بن حنيف، إلا أن إحدى السيدات استعظمت هذا الأمر وقالت لعائشة : نشدتك الله يا أمّ المؤمنين في عثمان وصحبته لرسول الله .
فعدلت عن رأيها ، وأمرت بحبسه(2)، وأمرت بقتل الشرطة وحرّاس بيت المال وعددهم سبعون شخصاً ، وهم من خيار المسلمين وصلحائهم ، فقتلوا صبراً(3)، ولم تتحرّج أمّ المؤمنين في إراقة دمائهم ، ولم تتأثم في إشاعة الشكل والحزن والحداد بين أهليهم ، قد أعرضت عمّا أمر الله به من الحريجة في الدماء ، وحرمة سفكها بغير الحق .
ولمّا بلغ حكيم بن جبلة ما ارتكبه القوم بعثمان بن حنيف من التنكيل ، وما قاموا به من قتل الشرطة وخزان بيت المال ، خرج في ثلاثمائة رجل من عبد القيس(1)، فخرج القوم وحملوا عائشة على جمل ، فسمّى ذلك اليوم يوم الجمل الأصغر ، ويومها مع أمير المؤمنين(عليه السلام) يوم الجمل الأكبر ، وتجالد الفريقان بالسيوف ، وأبلى حكيم مع أصحابه المؤمنين بلاءاً حسناً ، وشدّ عليه رجل من الأزد من عسكر عائشة فضرب رجله فقطعها ، وجثا حكيم فأخذ رجله المقطوعة فضرب بها الأزدي الذي قطعها فقتله ، ولم يزل يقاتل ورجله مقطوعة ، وهو يقول :
يا ساقُ لَنْ تُراعي*** إِنَّ مَعي ذراعي
أخمي بها كراعي
وما زال على مثل هذه الحالة التي ضرب بها الرقم القياسي في البطولة والشجاعة ونكران الذات والدفاع عن المبدأ والعقيدة حتى نزف دم-ه ، فانطلق إلى الرجل الذي قطع رجله فاتكأ عليه وهو قتيل ، فاجتاز عليه شخص فقال له : من فعل بك هذا ؟
فقال : وسادتي ، ثمّ قتله سحيم الحداني (2)، وقتل معه اخوة له ثلاثة ، كما قتل جميع أصحابه(3).
ففي ذمة الله تلك الدماء الزكية التي أريقت ، والنفوس الكريمة التي أزهقت في سبيل الذب عن دين الله ، والدفاع عن وصيّ رسول الله .
كان الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)متهيئاً لغزو الشام حيث أعلن معاوية التمرد على حكومته ، ورفض بيعته ، وبينما هو جاد في تدبير الأمر إذ فاجأه الخبر عن هياج أهل مكة للطلب بدم عثمان بتحريض طلحة والزبير وعائشة وأتباعهم من الأمويين ، فأشفق من انشقاق العصا، واختلاف شمل المسلمين، ورأى أن خطرهم أقوى من خطر معاوية ، وشرّهم أقوى من شرّه ، وإذا لم يبادر لإخماد هذه الفتنة فإنّها يوشك أن تتسع ، ويكثر التمرّد والاختلاف ، فتجهز للشخوص إليهم ، وخفت لنصرته البقيّة الصالحة من المهاجرين والأنصار ، وخرجوا مسرعين ليلحقوا بهم قبل أن يدخلوا مصراً من الأمصار فيفسدوه ، فلما بلغوا الربذة علموا بسبقهم إلى البصرة وبالحوادث التي جرت فيها ، فأقام الإمام بالربذة أياماً يحكم أمره ، وأرسل إلى جماهير أهل الكوفة يستنجد بهم ، ويدعوهم إلى نصرته ، والقيام معه لإخماد نار الفتنة ، وأوفد
للقياهم محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر(1)
هو أوّل من سمّي محمّداً في الإسلام من المهاجرين، قيل: إنه ولد بأرض الحبشة، وتزوج بأمّ كلثوم بنت الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) ، قيل : إنه استشهد بتستر ، وقيل : إنه قتل بصفين، اعترك هو وعبيد الله بن عمر ، فقتل كلّ منهما الآخر . الإصابة : 3 : 372. وجاء في أسد الغابة : 4 : 313 : لما جاء نعي جعفر إلى رسول الله جاء إلى بيت جعفر وقال : أَخْرِجوا لي أَوْلادَ أَخي جَعْفَرٍ ، فاخرج إليه عبدالله ومحمد وعون ، فوضعهم على فخذه ودعا لهم ، وقال : أَنا وَلِيُّهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .
. ثم قال : أَمَا مُحَمَّدُ فَيُشْبِهُ عَمَّنا أبا طالب .
، وزوّدهما برسالة جاء فيها :«إِنِّى اخْتَرْتَكُمْ عَلَى الْأَمْصَارِ ، وَفَزَعْتُ إِلَيْكُم لِما حَدَثَ ، فَكونوا لدينِ اللَّهِ أَعْواناً وَأَنْصاراً ، وَأَيَّدونا وَانْهَضوا إِلَيْنَا ، فَالْإِصْلاحُ ما نُرِيدُ لِتعَودَ الأُمَّةُ إِخْواناً ، وَمَنْ أَحَبَّ ذلِكَ
1) محمد بن جعفر بن أبي طالب الهاشمي :
وَآثَرَهُ فَقَدْ أَحَبَّ الْحَقِّ ، وَمَنْ أَبْغَضَ ذلِكَ فَقَدْ أَبْغَضَ الْحَقِّ وَأَغْمَضَهُ»(1).
وطوى الرسولان البيداء حتى وصلا الكوفة ، فعرضا رسالة الإمام على أبي موسى والي المصر، إلا أنهما لم يجدا منه أي إجابة أو انطلاق في الأمر ، وإنّما وجدا منه موقفاً غير طبيعي ، فقد كان يثبّط العزائم ، ويوهن القوى ، ويمنع الناس من الاستجابة لنداء الإمام ، وتكلم معه الرسولان بشدّة.
فأجابهما أبو موسى مبرّراً لعناده قائلاً: « والله إنّ بيعة عثمان لفي عنقي وعنق صاحبكما ، فإن لم يكن بد من القتال ، لا نقاتل أحداً حتى يفرغ من قتلة عثمان »(2).
وبعث المحمدان الأنباء بالتفصيل إلى الإمام ، وعرّفاه بتمرد أبي موسى وتثبيطه عزائم الناس ، فأوفد الإمام للقياه هاشم المرقال وزوّده برسالة جاء فيها :
«إِنِّي وَجَهْتُ هَاشِمَا لِيَنْهَضَ بِمَنْ قِبَلَكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَيَّ ، فَأَشْخِصِ النَّاسَ ، فَإِنِّي لَمْ أَوَلِّكَ إِلَّا لِتَكونَ مِنْ أَعْوانِى عَلَى الْحَقِّ ».
وسار هاشم حتّى انتهى إلى الكوفة ، فرأى أبا موسى مصرّاً على تمرده وممعناً في غلوائه وعدائه ، وكلما حاول إقناعه وإرجاعه إلى طريق الحق لم يتمكن ، واستدعى أبو موسى سائب بن مالك الأشعري ليستشيره في الأمر ، فأشار عليه بالنصيحة وملازمة الإمام(عليه السلام)، وتنفيذ أوامره ،إلا أنه لم يسترشد وبقي مصمماً على عصيانه وعناده ، فأرسل هاشم إلى الإمام رسالة يخبره فيها بفشله في مهمته ، وإخفاقه في سفارته .
وبعث الإمام ولده الحسن(عليه السلام) ومعه عمار بن ياسر ، وأرسل معه رسالة فيها عزل
أبي موسى عن منصبه ، وتعيين قرضة بن كعب (1)
شهد مع النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)أحداً وما بعدها من المشاهد ، وفتح الله على يديه في زمن عمر بن الخطاب ، وهو أحد العشرة الذين أرسلهم عمر إلى الكوفة لتعليم أهلها ، وولاه الإمام على الكوفة ، ولما خرج إلى حرب صفين حمله معه ، وولاها أبا مسعود البدري ، وشهد مع مشاهده ، وتوفي في خلافته في دار ابتناها بالكوفة ، وصلى عليه الإمام.
الإمام جميع الاستيعاب : 3: 266 .
في وظيفته ، وهذا نصّ رسالته :«أَمَا بَعَدُ ، فَقَدْ كُنْتُ أَرى أَنْ تَعْزُبَ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَكَ نَصيباً مِنْهُ ، بِمَنْعِكَ عَنْ رَدُّ أَمْرِي ، وَقَدْ بَعَثْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعَمَارَ بْنَ يَاسِرٍ يَسْتَفِرانِ النَّاسَ ، وَبَعَثْتُ قُرْضَةَ بْنَ كَعْبٍ والِياً عَلَى الْمِصْرِ ، فَاعْتَزِلْ عَمَلَنا مَذْموماً مَدْحوراً ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَإِنِّي قَدْ أَمَرْتُهُ أَنْ يُنا بِذَكَ » .
ووصل الإمام الحسن(عليه السلام) إلى الكوفة فالتأم حوله الناس زمراً وهم يعربون له الانقياد والطاعة ، ويظهرون له الولاء والإخلاص، وأعلن الإمام الحسن(عليه السلام) بالوقت عزل الوالي المتمرّد عن منصبه ، وتعيين قرضة في محلّه ، ولكن أبا موسى بقي مصمّماً على مكره وغيه ، فقد أقبل على عمار بن ياسر يحدثه في أمر عثمان عله أن يجد في حديثه فرجة فيتّهمه بدم عثمان ليتّخذ من ذلك وسيلة إلى خذلان الناس عن الإمام ، فقال له : يا أبا الْيَقْطَانِ ، أَغَدَوْتَ فيمَنْ عَدا عَلَى أَميرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأَحْلَلْتَ نَفْسَكَ مَعَ الْفُجَارِ ؟
فأجابه عمّار : لم أفعل ولم تسؤني .
وعرف الحسن(عليه السلام) غايته ، فقطع حبل الجدال وقال له : يا أبا مُوسى ، لِمَ تُثَبِّطُ عَنا النَّاسَ ؟
وأقبل الإمام الحسن(عليه السلام) يحدثه برفق ولين ليقلع روح الشرّ والعناد من نفسه قائلاً:
1) قرضة بن كعب بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي
يا أَبا مُوسَى، وَاللَّهِ ما أَرَدْنَا إِلَّا الْإِصْلاحَ، وَلَيْسَ مِثْلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يُخَافُ عَلَى شَيْءٍ .
فبهت أبو موسى ، وضاقت به مکابرته وطغيانه ، فقال للإمام : صدقت بأبي أنت وأمي ! ولكن المستشار مؤتمن .
نَعَمْ .
سمعت رسول الله يقول : إنّها ستكون فتنة ، القاعد فيها خير من القائم ، والقائم خير من الماشي والماشي خير من الراكب ! وقد جعلنا الله عزّ وجلّ إخواناً ، وحرم علينا أموالنا ودماءنا ، فقال : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةٌ عَن تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً(1).
وقال عز وجل : وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ (2).
فانبرى إليه عمار فردّ عليه أباطيله وخداعه قائلاً: أنت سمعت هذا من رسول الله ؟
فالتفت عمّار إلى الناس قائلاً: إنّما عنى رسول الله بذلك أبا موسى ، فهو قاعد خير منه قائم ؟
ولم يجد كلام عمّار ولا ترفق الحسن(عليه السلام)، وطول صبره ، وعظيم حلمه مع هذا الجلف المتمرّد الذي لا يخضع لغير الشدّة والقسر ، فقد بقي شديد الإصرار على ما هو عليه من تثبيط عزائم الناس وخذلانهم من الخروج مع الإمام(عليه السلام)
وأخذ سبط النبي يوقظ الهمم ، ويبعث النشاط في النفوس ويحفّزها للجهاد ،
وخطب فيهم قائلاً:
أَيُّها النَّاسُ إِنَّهُ قَدْ كانَ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما تَكْفِيكُمْ جُمْلَتُهُ، وَقَدْ أَتَيْنَاكُمْ مُسْتَنْفِرِينَ لَكُمْ لأَنَّكُمْ جَبْهَةُ الْأَمْصَارِ، وَرُؤوسُ الْعَرَبِ .
وَقَدْ كانَ مِنْ نَقْضِ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ بَيْعَتَهُما وَخُرُوجِهِمَا بِعَائِشَةَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ. وَتَعْلَمُونَ أَنَّ وَهْنَ النِّساءِ وَضَعْفَ رَأْيهِنَّ إِلَى التَّلاشِي، وَمِنْ أَجْلِ ذلِكَ جَعَلَ اللهُ الرّجالَ قَوّامِينَ عَلَى النِّساء.
وَأَيْمُ اللهِ لَوْ لَمْ يَنْصُرْهُ أَحَدٌ لَرَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيمَنْ أَقْبَلَ مَعَهُ مِنْ الْمُهَاجِرينَ وَالْأَنْصارِ، وَمَنْ يَبْعَثُ اللَّهُ لَهُ مِنْ نُجَباءِ النَّاسِ كِفَايَةٌ ، فَانْصُرُوا
اللهَ يَنْصُرْكُمْ.
وقام عمّار فأخذ يحفّز الناس للجهاد ، ويبين لهم حقيقة الحال في شأن عثمان ، قائلاً: « يا أهل الكوفة ، إن غابت عنكم أنباؤنا فقد انتهت إليكم أمورنا . إنّ قتلة عثمان لا يعتذرون من قتله إلى الناس ولا ينكرون ذلك ، وقد جعلوا كتاب الله بينهم وبين محاججتهم فيه ، أحيى الله من أحيى ، وأمات من أمات، وإن طلحة والزبير كانا أوّل من طعن، وآخر من أمر ، وكانا أوّل من بايع ، فلما أخطأهما ما أملا نكثا بيعتهما من غير حدث ! وهذا ابن بنت رسول الله قد عرفتموه ، وقد جاء يستنصركم ، وقد دلّكم علَيَّ في المهاجرين والبدريين والأنصار الذين تبؤوا الدار والإيمان » .
وقام على أثرهما قيس بن سعد ، فجعل يدعوهم إلى القيام بالواجب، ونصرة أمير المؤمنين(عليه السلام) قائلاً: «إنّ هذا الأمر لو استقبلنا به أهلالشورى لكان علي أحق الناس به في سابقته وهجرته وعلمه ، وكان قتال من أبى ذلك حلالاً ، فكيف ؟
والحجّة قامت على طلحة والزبير ، وقد بايعاه طوعاً ، وخالفاه حسداً ، وقد جاءكم عليّ في المهاجرين والأنصار».
ثم أنشأ يقول :
رضينا بِقَسْم اللهِ إِذْ كَانَ قَسْمُنا*** عَلِيّاً وأبناءَ النَّبيِّ مُحَمَّدِ
وَقُلنا لَهُمْ أَهْلاً وَسَهلاً وَمَرحَباً*** نَمُدُّ يَدَينا مِنْ هَوى وَتَوَدُّدِ
فَما لِلزُّبَيرِ النَّاقِضِ العَهْدِ حُرمَةٌ*** وَلا لأَخِيهِ طَلحَةَ اليَومَ مِنْ يَدِ
أَتاكُمْ سَليلُ المُصطَفَى وَوَصِيُّهُ*** وَأَنتُمْ بِحَمدِ اللهِ عارٍ مِنَ الهَدِّ(1)
فَمِنْ قائِمِ يُرجى بِخَيلٍ إِلى الوَغى*** وَصُمَّ العَوالي وَالصَّفيحَ المُهنَّدِ
يُسوِّدُ مَنْ أَدْناهُ غَيْرَ مُدافَعِ*** وَإِنْ كانَ ما نَقضيهِ غَيْرَ مُسوَّدِ
فَإِنْ يَأْتي ما نَهوى فَذاكَ نُرِيدُهُ*** وَإِن نَخْطَ ما نَهَوى فَغَيرُ تَعمد(2)
وقد بقي أبو موسى مصرّاً على طغيانه يثبط عزائم الناس ، ويدعوهم إلى التخاذل وعدم الإجابة لنصرة الإمام(عليه السلام)، وقد جعل كلّما سمعه من الحسن (عليه السلام)ومن الخطباء دبر أذنيه حتى أعيى الإمام الحسن(عليه السلام) حلمه ، فاندفع يصيح به في ثورة وعنف قائلاً له : اعْتَزِلْ عَمَلَنا أَيُّها الرَّجُلُ ، وَتَنَحَّ عَنْ مِنْبَرِنا لَا أُمَّ لَكَ ! (3)
وأخذ الحسن(عليه السلام) يجدّ في تحفيز الناس للجهاد ، ويحثهم على الخروج لنصرة أبيه ، وقد قام فيهم خطيباً فقال لهم :
أَيُّها النَّاسُ ، أَجِيبُوا دَعْوَةَ أَميرِكُمْ، وَسيروا إِلى إِخْوانِكُمْ ، فَإِنَّهُ
سَيُوجَدُ لِهَذَا الْأَمْرِ مَنْ يَنْفُرُ إِلَيْهِ ، وَاللهِ لَئِنْ يَلِيَهُ أولو النُّهى أَمْثَلُ في الْعاجِلَةِ، وَخَيْرٌ فِي الْعَاقِبَةِ ، فَأَجِيبُوا دَعْوَتَنَا، وَأَعِينُونَا عَلَى مَا ابْتَلَيْنَا بِهِ
وَابْتَلَيْتُمْ .
أَيُّها النَّاسُ ، إِنَّ أَميرَ الْمُؤْمِنِينَ يَقولُ : إِنِّي خَرَجْتُ مَخْرَجي هذا ظالِماً أَوْ مَظْلُوماً ، وَإِنِّى أَذَكَّرُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ رَجُلاً رَها حَقًّا إِلَّا نَفَرَ ، فَإِنْ كُنْتُ مَظْلُوماً أَعانَني ، وَإِنْ كُنْتُ ظَالِماً أَخَذَ مِنِّي .
وَاللهِ إِنَّ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ لَأَوَّلُ مَنْ بايَعَنِي، وَأَوَّلُ مَنْ غَدَرَ، فَهَلِ اسْتَأْثَرْتُ بِمَالٍ ، أَوْ بَدَّلْتُ حُكْماً ، فَانْفِرُوا فَمُرُوا بِمَعْرُوفٍ وَانْهَوْا عَنْ مُنْكَرِ»(1).
فأجابه الناس بالسمع والطاعة والامتثال والانقياد لأمره ، والإجابة لدعوته ، ولكنّ الزعيم مالك الأشتر رأى أنّ الأمر لا يتم إلا بإخراج أبي موسى مهان الجانب ، محطم الكيان ، فأقبل مع جماعة من قومه فأحاطوا بالقصر ، فلما نظر إليهم غلمانه أقبلوا يشتدّون إلى أبي موسى ، وقد خيم عليهم الخوف والذعر ، فقالوا له : يا أبا موسى هذا الأشتر قد دخل القصر فضربنا وأخرجنا .
فنزل الوغد من القصر وقد استولى عليه الذهول، فصاح به الأشتر : «اخرج من قصرنا لا أُمّ لك » .
وتردّد الأشعري برهة فصاح به مالك ثانياً : اخرج .. أخرج الله نفسك ! فوالله إنك لمن المنافقين! ».
ونطق الأشعري بصوت واهن ضعيف : أجلني هذه العشيّة.
1) تاريخ الأمم والملوك : 3 499 شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 14: 20.
ودخلت الجماهير تنهب أمتعته وأمواله ، ولكنّ الأشتر لم يتنكر لعدوّه المهزوم ، فقد وقف معه موقف الكريم النبيل ، فحال بين الجماهير وبين ما ابتغوه من نهبه والتنكيل به ، فقال لهم : « إنّي أجلته الليلة ، وقد أخرجته ، فكفوا عنه » ، فكف الناس عنه .
وفي الصباح خرج الباغي الأثيم وهو يجرّ سرابيل الخزي والخيانة ، وقد صفا الجو للإمام الحسن ال ، وأقبل يتحدث إلى الناس بالخروج قائلاً: «أَيُّها النّاسُ ، إِنِّي غادٍ ، فَمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَخْرُجَ مَعي عَلَى الظَّهْرِ(1)، وَمَنْ شَاءَ فَلْيَخْرُجْ فِي الْمَاءِ» .
واستجابت الجماهير لدعوة الإمام ، فلما رأى ذلك قيس بن سعد غمرته الأفراح والمسرّات ، وأنشأ يقول :
جزى اللهُ أَهلَ الكوفة اليومَ نُصرَةً*** أجابوا وَلَمْ يَأْبُوا بِخُذلانِ مَنْ خَذَلْ
وقالوا على خَيرُ حافٍ وناعل ***رضينا بِهِ مِنْ ناقضى العَهْدِ مِنْ بَدَل
هُما أَبرَزا زَوجَ النَّبِيِّ تَعَمُّداً*** يَسوقُ بِها الحادي المُنيخُ عَلى جَمَلْ
فَما هكذا كانَتْ وَصاةُ نَبِيِّكُمْ*** وَ ما هَكَذَا الإِنْصَافُ أَعْظِمْ بِذَا المَثَلْ
فَهَلْ بعد هذا مِنْ مَقال لِقائِل ***أَلا قَبحَ اللهُ الأَمانِي وَالعِلَل(2)
وعجّت الكوفة بالنفار ، فقد نزحت منها آلاف كثيرة فريق منها ركب السفن. وفريق آخر ركب المطي ، وقد بدا عليهم الرضا والقبول ، وقد ساروا وهم تحت قيادة الحسن(عليه السلام)، فانتهوا إلى ذي قار(3)، وقد التقوا بالإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)حيث كان مقيماً هناك ، فسرّ بنجاح ولده ، وشكر له جهوده ومساعيه النبيلة .
وروى الطبري في تاريخه حديثاً موضوعاً فيه افتراء على الإمام الحسن(عليه السلام) نسوقه إلى القرّاء ثمّ نبيِّن ما يثبت وضعه ، فقد ذكر أنّه أقبل على أبيه بعد خروج طلحة والزبير فقال له : أمرتك فعصيتني ، فأنت اليوم تقتل بمضيعة لا ناصر لك !
لا تزال تحنّ حنين الجارية ، ما الذي أمرتني فعصيتك ؟ !
أمرتك يوم أحيط بعثمان أن تخرج من المدينة فيقتل ولست بها ، ثم أمرتك يوم قتل ألا تبايع حتى تأتيك وفود أهل الأمصار والعرب وبيعة كلّ مصر .
ثمّ أمرتك حين فعل هذان الرجلان ما فعلا أن تجلس في بيتك حتى يصطلحوا ، فإن كان الفساد كان على يد غيرك ، فعصيتني في ذلك كله .
فرد أمير المؤمنين(عليه السلام) قائلاً:
أي بني ، أما قولك : لو خرجت من المدينة حين أحيط بعثمان ، لقد أحيط بناكما أحيط بعثمان .
وأما قولك : لا تبايع حتى تأتي بيعة الأمصار ، فإنّ الأمر أمر أهل المدينة ، وكرهنا أن يضيع هذا الأمر.
وأما قولك : حين خرج طلحة والزبير ، فإنّ ذلك كان وهنا على أهل الإسلام، ووالله ما زلت مقهوراً منذ وليت ، منقوصاً لا أصل إلى شيء مما ينبغي .
وأمّا قولك : اجلس في بيتك ، فكيف لي بما قد لزمني ! أو من تريدني ، أتريدني أن أكون مثل الضبع التي يحاط بها ، ويقال : دباب دباب(1)ليست هاهنا حتّى يحلّ عرقوباها(2)ثم تخرج ، وإذا لم أنظر فيما لزمني من هذا الأمر ، ويعنيني فيمن ينظر
فيه ، فكف عنك أي بني »(1)
وهذا الحديث رواه الطبري عن سيف بن عمر الأسدي التميمي ، وهو من موضوعاته ومختلقاته ، وقد أجمع الثقات على ضعفه ، وعدم الاعتماد على أحاديثه، لأنه عرف بالكذب والوضع، واختلاق الحديث ، وقد اتهمه بعضهم في دينه ، وقد بيّن حاله وواقعه، وعرض موضوعاته ومفترياته العلّامة المحقق السيّد مرتضى العسكري في كتابه ( عبد الله بن سبأ ) .
ومما يزيد وضوحاً في وضع الرواية وافتعالها أنه جاء فيها أنّ الإمام الحسن(عليه السلام) قال لأبيه(عليه السلام): « أمرتك فعصيتني » ، وهذا من أسمج الكلام وأمره ، فكيف يستقبل الحسن(عليه السلام) أباه بذلك وهو العارف بحقيقته ، والعالم بعظيم شأنه ، وقد قال فيه : « إِنَّهُ لَمْ يَسْبِقْهُ الْأَوَّلُونَ بِعَمَلِ ، وَلَمْ يُدْرِكْهُ الْآخَرُونَ بِعَمَلٍ» !!
ومما لا ريب فيه أنّ ذلك يتنافى مع هدي الإمام الحسن الهلال الذي تجنّب الإساءة وهجر الكلام ومرّه حتى مع أعدائه ومناوئيه فكيف يخاطب أباه بذلك ؟ !
وعلّق عبدالوهاب النجار على هذا الحديث الموضوع ، فقال :« وكأني به يعني أمير المؤمنين(عليه السلام)-في هذا الأمر الأخير يقول بمقالة عثمان : لا أخلع لباساً ألبسنيه الله عزّ وجلّ، وهو اعتذار لا يقبله من يريد له وللمسلمين السلامة ، أو هو مثل اعتذار دول الاستعمار بأنّه لا مناص لهم من تحمّل التبعة الملقاة على عاتقهم بأزاء الأمم التي يحتلون بلادها ويهيمنون عليها وعلى مرافقها ومقومات حياتها»(2). وعبدالوهاب النجار قد عرف بالتعصب لبني أمية ، والتنكر لأهل البيت(عليهم السلام) ،
ولم يوفق في كثير من بحوثه ، فقد اعتمد على الموضوعات والمختلقات ولم يمعن النظر فيها ، وقد تجرّأ بهذه الكلمات القاسية على الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، فقد شبهه بالدول الاستعمارية الظالمة التي نشرت الجور والظلم في الأرض ، والإمام أمير المؤمنين الله هو الذي بسط العدالة والمساواة ، ونشر جميع القيم الإنسانية في دور حكمه ، ولم يعهد في تاريخ الإنسانيّة حاكم مثله في عدله ، وتحرجه، وعدم انخداعه بمظاهر الملك والسلطان ، فقد دخل عليه ابن عبّاس وهو يخصف نعله بيده فقال له : يابن عباس ، ما فِيمَةُ هذَا النَّعْل ؟
لا قيمة له يا أمير المؤمنين .
وَاللَّهِ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ خِلَافَتِكُمْ ، إِلَّا أَنْ أَقِيْمَ حَقًّا وَأَدْفَعَ باطِلاً .
هذا هو نظر الإمام(عليه السلام) إلى الحكم فهو عنده وسيلة لإقامة الحق ، ودحض الباطل ، ولو كان يروم الحكم لما فاز بالخلافة عثمان ، كما ذكرنا ذلك في بحث الشورى ، فكيف يصح أن يشبه بالدول الاستعمارية الكافرة ، وهو نفس النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)ووصيّه وباب مدينة علمه ؟ !
وتحرّكت كتائب الإمام(عليه السلام) من ذي قار تجد السير حتى انتهت إلى الزاوية (1). فنزل الإمام(عليه السلام) فصلّى فيها أربع ركعات ، ولما فرغ من صلاته جعل يعفُر خدّه الشريف على التربة وهو يبكي ، ثمّ رفع يديه بالدعاء إلى الله قائلاً:
اللّهُمَّ رَبَّ السَّمَاواتِ وَمَا أَظَلَّتْ ، وَالْأَرَضِينَ وَمَا أَقَلَّتْ ، وَرَبَّ الْعَرْشِ
1) الزاوية : موضع قريب من البصرة ، وبه كانت الواقعة المشهورة بين الحجاج وعبدالرحمن ابن محمّد بن الأشعث . معجم معجم البلدان : 4 :37 .
الْعَظِيم، هذِهِ الْبَصْرَةُ أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِها ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّها . اللهم أَنْزِلْنَا فِيهَا خَيْرَ مُنْزَلٍ ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ .
اللّهُمَّ إِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ قَدْ خَلَعُوا طاعَتِي ، وَبَغَوا عَلَيَّ وَنَكَثُوا بَيْعَتِي . اللَّهُمَّ احْمِنْ دِماءَ الْمُسْلِمِينَ(1).
ولمّا استقر الإمام بعث بالوقت عبيد الله بن عبّاس ، وزيد بن صوحان إلى عائشة
عبيدالله يدعوها إلى حقن الدماء وجمع كلمة المسلمين ، وقال لهما :« قَوْلا لَها : إِنَّ اللهَ أَمَرَكِ أَنْ تَقرَي فِي بَيْتِكِ وَأَنْ لَا تَخْرُجي مِنْهُ ، وَإِنَّكِ لَتَعْلَمينَ ذلِكَ ، غَيْرَ أَنَّ جَمَاعَةٌ قَدْ أَغَرَوَكِ ، فَخَرَجْتِ مِنْ بَيْتِكِ ، فَوَقَعَ النَّاسُ لا تُفاقِكِ مَعَهُمْ فِي الْبَلاءِ وَالْعَناءِ ، وَخَيْرٌ لَكَ أَنْ تَعودى إِلى بَيْتِكِ وَلَا تَحومي حَوْلَ الْخِصَامِ وَالْقِتالِ ، وَإِنْ لَمْ تَعودي وَلَمْ تُطْفِني هذِهِ النَّائِرَة فَإِنَّها سَوْفَ تَعقب الْقِتالَ ، وَيُقْتَلُ فِيها خَلْقَ كَثِيرٌ ، فَاتَّقي اللَّهَ يَا عَائِشَةُ وَتوبي إِلَى اللَّهِ ، فَإِنَّ اللهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنْ عِبادِهِ وَيَعْفُو . وَإِيَّاكَ أَنْ يَدْفَعَكِ حُبُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَقَرَابَةُ طَلْحَةَ إِلى أَمْرِ يَعْقِبُهُ النّارُ» .
ولو وعت عائشة هذه النصيحة، وارتدعت عمّا هي عليه ، لعادت بخير عميم على الأمة ، ولكنّها جعلت ذلك دبر أذنيها ، وقالت للرسولين : « إنّي لا أردّ على ابن أبي طالب بالكلام لأني لا أبلغه في الحجاج »(2).
إنّها لا تردّه بالكلام لأنها ليست لها حجّة تدلي بها في الدفاع عن نفسها ، وبعث الإمام برسالة إلى طلحة والزبير يدعوهما فيها إلى الوئام ونبذ الشقاق ، وهذا نصّها :
«أَمَّا بَعْدُ ، فَقَدْ عَلِمْتُما ، وَإِنْ كَتَمْتُمَا ، أَنِّي لَمْ أُرِدِ النَّاسَ حَتَّى أَرَادُونِي ،
وَلَمْ أُبايِعْهُمْ حَتَّى بايَعُوني . وَإِنَّكُما مِمَّنْ أَرَادَنِي وَبِايَعَني، وَإِنَّ العَامَّةَ لَمْ تُبايِعْني لِسُلْطَانٍ غالِبٍ ، وَلَا لِعَرَض حَاضِرٍ، فَإِنْ كُنْتُمَا بَايَعْتُماني طَائِعَيْنِ ، فَارْجِعَا وَتُوبا إِلَى اللَّهِ مِنْ قَرِيبٍ ؛ وَإِنْ كُنْتُما بايَعْتُمَانِي كَارِهَيْنِ فَقَدْ جَعَلْتُما لى عَلَيْكُما السَّبِيلَ بِإظهارِكُما الطَّاعَةَ ، وَإِسْرَارِكُمَا الْمَعْصِيَةَ .
وَلَعَمْرِي ما كُنْتُما بِأَحَقُّ مُهاجِرِينَ بِالتَّقِيَّةِ والکِتمانِ ، وَإِنَّ دَفْعَكُما هَذَا الْأَمْرَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَدْخُلَا فِيهِ ، كَانَ أَوْسَعَ عَلَيْكُما مِنْ خُرُوجِكُما مِنْهُ ، بَعْدَ إِقْرَارِكُما بِهِ.
وَقَدْ زَعَمْتُمَا أَنِّي قَتَلْتُ عُثَمَانَ ، فَبَيْنِي وَبَيْنَكُما مَنْ تَخَلَّفَ عَنِّي وَعَنْكُما مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، ثُمَّ يُلْزَمُ كُلُّ امْرِيءٍ بَقَدْرِ مَا احْتَمَلَ . فَارْجِعا أَيُّهَا الشَّيْحَانِ عَنْ رَأْيِكُما ، فَإِنَّ الْآنَ أَعْظَمَ أَمْرِكُمَا الْعَارُ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَجَمَّعَ الْعَارُ وَالنَّارُ ، وَالسَّلَامُ»(1).
ولم يستجيبا لنداء الحقِّ ، وأصرا على الفساد والتمرد والبغي ، وأعلنا مقاومة الإمام(عليه السلام)ومناجزته .
وكان عبد الله بن الزبير من أشدّ المحرضين إلى إثارة الفتنة، وإراقة الدماء ، وقد أفسد جميع الوسائل التي صنعها أمير المؤمنين لتحقيق السلم ، وقد خطب في جموع البصريين ودعاهم إلى الحرب ومناجزة الإمام ، وهذا نص خطابه :
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 17 : 131.
« أيها الناس ، إنّ عليّ بن أبي طالب قتل الخليفة بالحق عثمان ، ثم جهز الجيوش إليكم ليستولي عليكم ، ويأخذ مدينتكم ، فكونوا رجالاً تطلبون بثأر ،خليفتكم ، واحفظوا حريمكم ، وقاتلوا عن نسائكم وذراريكم ، وأحسابكم وأنسابكم ، أترضون لأهل الكوفة أن يردوا بلادكم . اغضبوا فقد غوضبتم ، وقاتلوا فقد قوتلتم ، ألا وإنّ عليّاً لا يرى معه في هذا الأمر أحداً سواه، والله لئن ظفر بكم ليهلكن دينكم ودنياكم» (1).
وحفل خطابه المغالطات والأكاذيب، وإثارة النعرات والعصبيات ضد أمير المؤمنين(عليه السلام)، وهو يعلم - من دون شك كذب ما قاله ، ولكن نفسه سولت له ذلك طمعاً بالإمرة والسلطان .
وبلغ الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)خطاب ابن الزبير ، فأوعز إلى ولده الحسن(عليه السلام) بالردّ عليه ، فقام الإمام الحسن (عليه السلام)خطيباً ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال :
« أَيُّها النّاسُ قَدْ بَلَغَتْنا مَقالَةُ ابْنُ الزُّبَيْرِ فِى أَبِى وَقَوْلُهُ فِيهِ : إِنَّهُ قَتَلَ عُثْمَانَ ، وَأَنْتُمْ يا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلِمْتُمْ بِقَوْلِ الزَّبَيْرِ فِي عُثْمَانَ ، وَمَا كَانَ اسْمُهُ عِنْدَهُ ، وَمَا كَانَ يَتَجَنِّى عَلَيْهِ ، وَأَنَّ طَلْحَةَ يَوْمَدَاكَ رَاكِزَ رَايَتَهُ عَلَى بَيْتِ مَالِهِ وَهُوَ حَيٌّ ، فَأَتى لَهُمْ أَنْ يَرْموا أبي بِقَتْلِهِ وَيَنْطِقُونَ بِذَمِّهِ ، وَلَوْ شِئْنَا الْقَوْلَ فِيهِمْ لَقُلْنا .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّ عَلِيّا ابْتَنَّ النّاسَ أُمَرَهُمْ ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ حُجَّةً لأبيهِ، زَعَمَ أَنَّهُ
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 1: 358. الجمل : 175 .
بايَعَهُ بِيَدِهِ وَلَمْ يُبايِعْهُ بِقَلْبِهِ ، فَقَدْ أَقَرَّ بِالْبَيْعَةِ ، وَادَّعَى الْوَلِيجَةَ ، فَلْيَأْتِ عَلى ما ادَّعَاهُ بِبُرْهانِ ، وَأَنَّى لَهُ ذلِكَ؟
وَأَمَا تَعَجُبُهُ مِنْ تَوَرُّدِ أَهْلِ الْكُوفَةِ عَلى أَهْلِ الْبَصْرَةِ ، فَما عَجَبُهُ مِنْ أَهْلِ حَقٌّ تَوَرَّدُوا عَلَى أَهْلِ الْبَاطِلِ.
وَلَعَمْرِى وَاللهِ لَيَعْلَمَنَّ أَهْلُ الْبَصْرَةِ، فَميعادُ ما بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ يَوْمَ نُحاكِمُهُمْ إِلَى اللهِ، فَيَقْضي اللهُ بِالْحَقِّ ، وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلينَ.
أَمَّا أَنْصارُ عُثْمَانَ ، فَلَيْسَ لَنا مَعَهُمْ حَرْبٌ وَلَا قِتال ، وَلكِنَّنا نُحارِبُ راكِبَةَ الْجَمَلِ وَأَتْباعَها(1)
واندفع عمرو بن أحيحة فأبدى إعجابه البالغ بخطاب الإمام الحسن(عليه السلام) فقال :
حَسَنُ الخَيرِ يا شَبيهَ أَبِيهِ*** قُمتَ فينا مُقامَ خَيرِ خَطيبِ
قُمتَ بِالْخُطبَةِ الَّتِي صَدَعَ اللَّ***ـهُ بِها عَن أَبيكَ أَهْلَ الْعُيوبِ
وَكَشَفتَ القِناعَ فَاتَّضَحَ الأَمرُ*** وَأَصلَحتَ فاسِداتِ القُلوبِ
لَستَ كَابْنِ الزُّبيرِ لَحِلَجَ فِي القَو*** لِ وَطَاطاً عنان فسل مُريب
وَأَبى اللهُ أَنْ يَقومَ بِما قا*** مَ بِهِ ابْنُ الوَصِي وَابْنُ النَّجيب
إِنَّ شَخصاً بَينَ النَّبِيِّ - لَكَ الخَيرُ - وَبَينَ الوَصِيِّ غَيْرُ مَشوبِ (2)
لقد فنّد الإمام أبو محمد مزاعم ابن الزبير ، وردّ عليه أكاذيبه ، فإنّ الذي أشعل نار الفتنة على عثمان إنّما هو الزبير وطلحة وعائشة ، وليس للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)
ضلع في ذلك ، كما أوضحناه في البحوث المتقدّمة .
وبذل الإمام(عليه السلام) قصارى جهوده في تدعيم السلم ، وعدم إيقاع الحرب والدعوة إلى العمل بما في كتاب الله ، فقد رفع المصحف بيمينه ، وجعل يطوف به بين أصحابه وفي نفسه بقيّة أمل في الصلح قائلاً : أَيُّكُمْ يَعْرِضُ عَلَيْهِمْ هَذَا الْمُصْحَفَ وَما فِيهِ ؟ فَإِنْ قُطَعْت يَدُهُ أَخَذَهُ بِيَدِهِ الأخرى ، وَإِنْ قُطِعَتْ أَخَذَهُ بِأَسْنانِهِ ، وَهُوَ مَقْتُولٌ ؟
فنهض إليه فتى كوفي ونفسه تفيض حماساً ونبلاً ، فقال له : أنا له يا أمير المؤمنين .
فأشاح الإمام بوجهه عنه برهة ، وطاف في أصحابه ينتدبهم لمهمته ، فلم يجبه أحد سوى ذلك الفتى النبيل ، فدفع له المصحف وقال له : اعْرِضْ عَلَيْهِمْ هذا ، وَقُلْ هُوَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ ، وَالله فى دمائنا وَدِمائِكُمْ .
وانطلق الفتى مزهوّاً لم يختلج في قلبه خوف ولا رعب ، وهو يلوّح بالمصحف أمام عسكر عائشة يدعوهم إلى العمل بما فيه ، ويدعوهم إلى الاخوة والوئام ، فتنكروا له ، فقد دفعتهم الأنانية وكراهية الحق إلى الفتك به ، فقطعوا يمناه ، فأخذ المصحف بيساره وهو يدعوهم إلى العمل بكتاب الله ، فعدوا عليه ثانياً فقطعوا يساره ، فأخذ المصحف بأسنانه ، وقد أغرق في الدماء ، وهو يدعوهم في آخر مراحل حياته إلى السلم والصلح ، وحقن الدماء قائلاً: الله في دمائنا ودمائكم .
فانثالوا عليه وهم مصرّون على الغي والعناد فرشقوه بنبالهم ، فوقع على الأرض جثّة هامدة ، وانطلقت أمه ترثيه :
يا رَبِّ إِنَّ مُسْلِماً أتاهُمُ ***يَتْلُو كِتابَ اللهِ لَا يَخْشَاهُمُ
فَخَضبوا مِنْ دَمِهِ لِحَاهُمْ*** وَأُمُّهُ قائِمَةٌ تَراهُمْ (1)
1) مروج الذهب : 2 : 246 .
ولم يجد الإمام بعد هذا الاعذار وسيلة سوى الحرب ، فقال لأصحابه : « الْآنَ حَلَّ قِتالُهُمْ ، وَطابَ لَكُمُ الضّراب» (1)
ودعا الإمام بعد مقتل سفيره قادة جيشه، فأقامهم على أماكنهم ، وعبّأ الجنود للحرب ، وقد رسم لهم خطة تمثلت فيها الفضيلة والرحمة والعدل ، فقد قال لهم : «أَيُّها النَّاسُ ، إِذا هَزَمْتُمُوهُمْ فَلَا تُجْهِرُوا عَلى جَريح ، وَلَا تَقْتُلُوا أَسيراً ، وَلَا تَتَّبِعوا مُوَلِّياً ، وَلَا تَطلبوا مُدْبِراً ، وَلَا تَكْشِفوا عَوْرَةٌ ، وَلَا تُمَثُلوا بِقَتيل ، وَلَا تَهْتِكُوا سِتْراً ، وَلَا تَقْرَبُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ، إِلَّا ما تَجِدونَهُ في مُعَسْكَرِهِمْ مِنْ سَلاحٍ ، أَوْ كِراعٍ ، أَوْ عَبْدِ ، أَوْ أَمَةٍ ، وَما سوى ذلِكَ فَهُوَ مِيراتٌ لِوَرَثَتِهِمْ عَلَى كِتابِ اللهِ» .
واعتلت عائشة جملها المسمّى بعسكر ، وقد ألبسوه المسوح وجلود البقر، وجعلوا دونه اللبود(2)
ولها القيادة العامة ، فهي التي تنظم العساكر ، وتصدر الأوامر ، ووجه جيشها النبل إلى معسكر الإمام ، فقتل بعض أصحابه ، فلم يجد بعد ذلك بداً من الحرب ، فتقلّد الإمام سيفه ، ودفع الراية إلى ولده محمد (3)
أمة خولة بنت جعفر الحنفية ، قال إبراهيم بن الجنيد : لا نعلم أحداً أسند عن عليّ أكثر ولا أصح مما أسند محمد ، قال أبو نعيم : توفي سنة ثمانين . خلاصة تهذيب الكمال : 21.
، وقال للحسن والحسين(عليه السلام) : إنَّما دَفَعْتُ الرّايَةَ إِلى أَخيكُما وَتَرَكْتُكُما لِمَكانِكُما مِنْ رَسولِ الله .وانطلق محمد إلى ساحة الوغى بعزم ثابت ، ونفس جياشة ، وهو يطلب الظفر
والنصر ، ولكن سهام القوم قد مطرت عليه من كل جانب ، فتريث عن المسير برهة ، فلم يشعر إلا ويد أبيه تدفعه من الخلف وهو يقول له بنبرات تقطر حماساً : أَدْرَكَكَ عِرْقٌ مِنْ أُمِّكَ !
ثم خطف الراية من يده وهزّها في وجهه وهو يقول له :
اطْعَنْ بِها طَعَنَ أَبِيكَ تُحمّدٌ*** لا خَبرَ فِي الحَرْبِ إِذا لَمْ تُوقَدْ
بِالْمَشْرَفِي وَالقَنا المُسَدَّدٌ (1)
لم يكن موقف محمّد خوراً وجبناً ، وإنّما هو من دهاء القائد المحنّك الذي أراد أن يبلغ الغاية بعد أن تنكشف عنه سهام القوم ، ولم يرد أمير المؤمنين(عليه السلام)بفعله إلا ليري أهل البصرة في بداية الحرب الحزم والعزم والبسالة لعلهم عن غيهم يرتدعون .
وحمل الإمام على القوم وقد رفع العلم بيسراه ، وشهر في يمينه ذا الفقار الذي حارب به الملحدين والمشركين على عهد رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، واليوم يحارب به الناكثين، والمنحرفين عن الإسلام ، واحتف به أعلام المهاجرين والأنصار ، فكان العدو أمام بواترهم کرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف.
وخرج أمير المؤمين(عليه السلام)حاسراً بين الصفوف ، فنادى بأعلى صوته : أَيْنَ الزُّبَيْرُ ؟ فخرج إليه الزبير وهو شاك في سلاحه ، فلما رآه اعتنقه وقال له : يا أَبا عَبْدِ اللَّهِ ما جاءَ بِكَ هاهنا !!
-جئت أطلب دم عثمان.
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 243:1، مناقب آل أبي طالب : 2 : 341.
نعم .
قَتَلَ اللَّهُ مَنْ قَتَلَ عُثْمَانَ .
وأقبل عليه يحدثه برفق ، ويذكره بما نساه قائلاً : انْشِدُكَ بِاللهِ يا زُبَيْرُ ، هَلْ تَعْلَمُ أَنَّكَ مَرَرْتَ بِي وَأَنْتَ مَعَ رَسولِ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) وَهُوَ مُتَّكِيٌّ عَلَى يَدِكَ ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ رَسُولِ اللَّهِ وَضَحِكَ إِلَيَّ ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْكَ ، فَقالَ لَكَ : يا زُبَيْرُ ، تُقاتِلُ عَلِيّاً وَأَنْتَ لَهُ ظَالِمٌ .
فأطرق الزبير ، وقد غاض لونه ، وذاب قلبه أسى وحسرات ، وندم على ما فر~ط من أمره ، وقال للإمام : اللهم نعم
فَعَلامَ تُقاتِلُني ؟
نسيتها والله ، ولو ذكرتها ما خرجت إليك ، ولا قاتلتك(1).
ارجع .
وكيف أرجع ، وقد التقت حلقتا البطان ، هذا والله العار الذي لا يُغسل ؟ !
ارْجِعْ قَبْلَ أَنْ تَجْمَعَ الْعَارَ وَالنَّارَ .
فانصرف وهو يقول :
اخْتَرتُ عاراً عَلى نارٍ مُؤَجِّجَةٍ*** ما إِن يَقومُ لَها خَلفٌ مِنَ الطين
نادى عَلِيٌّ بِأَمْرِ لَسْتُ أَجْهَلُهُ ***عارٌ لَعَمرُكَ في الدُّنْيا وَفي الدِّينِ
فَقُلتُ حَسْبُكَ مِنْ عَدلٍ أَباحَسَنٍ*** فَبَعضُ هذا الَّذي قَدْ قُلْتَ يَكفيني (2)
وعزم على الانسحاب من هذه الفتنة ، إلا أنه أراد أن يخرج منها بسلام ، فقال لعائشة : يا أم المؤمنين ، إني والله ما وقفت موقفاً قط إلا عرفت أين أضع قدمي فيه ، إلا هذا الموقف ؟ فإنّى لا أدري أمقبل أنا فيه أم مدبر ؟
عرفت عائشة خبيئته ، وما يرومه في حديثه من الانسحاب ، فالتفتت إليه وكانت عارفة بما يثيره وينقض عزيمته فقالت له باستهزاء : يا أبا عبد الله ، خفت سيوف بني عبد المطّلب ؟ !
وعاثت هذه السخرية في نفسه ، وزاد في اضطرابه وقلقه وإرجاعه إلى ساحة التمرّد ابنه المشؤوم عبد الله ، فقد قال له : إنّك خرجت على بصيرة ، ولكنك رأيت رایات ابن أبي طالب ، وعرفت أنّ تحتها الموت ، فجبنت ؟!
لقد اتهمه ابنه بالخور والجبن وهو عار وذلّ ومنقصة عليه ، فالتفت إليه وقد مشت الرعدة بأوصاله ، فقال له : ويحك ! إنّي قد حلفت له أن لا أقاتله؟
فأعتق غلامه (1)
لَمْ أَرَ كَاليوم أخا إِخْوانِ*** أَعْجَبُ مِنْ مُكَفِّرِ الأَيْمَانِ
بِالْعِتقِ مِنْ مَعصِيَةِ الرَّحْمَنِ
وقال رجل آخر من شعرائهم :
يَعيقُ مَكْحولاً لِصَونِ دينِهِ*** كَفَارَةٌ لِلهِ عَنْ يَمِينِهِ
وَالنَّكْتُ قَدْ لَاحَ عَلَى جَبينِهِ
، ثمّ انعطف يجول في الميدان ليرى عائشة وابنه شجاعته وبسالته وعدم مبالاته بحتفه ، فشدّ في الميسرة ، ثم رجع فشدّ في القلب ، ورجع إلى ابنه وقال له : أيفعل هذا جبان ؟ !ومضى منصرفاً حتّى أتى ( وادي السباع ) ، وكان الأحنف بن قيس مع قومه مقيمين فيه ، فقالوا له : هذا الزبير قد اجتاز .
فقال : ما أصنع بالزبير ؟ وقد جمع بين فئتين عظيمتين من الناس يقتل بعضهم
1) تاريخ الأمم والملوك : 3 : 520 ، وجاء فيه أن عبدالرحمن بن سليمان التميمي قال متعجباً من فعل الزبير :
بعضاً ؟ ولحقه نفر من بني تميم فسبقهم إليه عمرو بن جرموز ، وقد نزل الزبير إلى الصلاة ، فقال : أتؤمني أو أؤمك ؟ فأمه الزبير ، فقتله عمرو بن جرموز وهو في حال صلاته (1).
لقد كانت النهاية الأخيرة من حياة الزبير مشفوعة بالغدر والخيانة والتمرّد على الحقّ، وهو ممّا يؤسف له، فله ماضيه الزاهر الحافل بالمكرمات والفضائل، فهو صاحب حلف الفضول الذي كان شعاره مناصرة المظلوم، فما باله في هذه المرحلة قد تنكر لأمير المؤمنين(عليه السلام)ونسي ظلامته ، فقد ابتزت حقه تيم تارة ، وعدي أخرى ، وأميّة ثالثة ، وقد جاء هو لينتزع منه حقه .
إنّه ممّا يؤسف على الزبير أن تكون له هذه النهاية المؤلمة وهو صاحب المواقف الكريمة الذي جلا بسيفه الكرب عن وجه رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، و وقف من بعده مع أمير المؤمنين(عليه السلام) يحمي جانبه ، ويهتف بفضله ، ويقدمه على غيره .
فما الذي حداه على الخروج عليه ، فهل استأثر ابن أبي طالب بأموال المسلمين ؟
وهل ادّخر وفراً لنفسه ولعياله حتّى يناجزه ويخرج عليه ؟!
واستطابت الموت واستلذّته بعض القبائل العربية في سبيل عائشة ، فقدموا لها الضحايا والقرابين، وبالغوا في حمايتها والدفاع عنها ، وهم :
وهامت الأزد بحبّ عائشة ، وتفانت في ولائها ، فكانوا يأخذون بعر جملها
1) مروج الذهب : 2 : 247 .
يشمونه ويقولون : بعر جمل أمنا ريحه ريح المسك(1).
وقد هبّوا للدفاع عنها مستميتين، وقد انطلق شيخ في المعركة يستنجد بهم لمّا رأى من عظيم ولائهم وإخلاصهم لها ، فقد خاطبهم قائلاً:
يَا مَعْشَرَ الأَزْدِ عَليكُمْ أُمَّكُمْ *** فَإِنَّها صلاتُكُمْ وَصَوْمُكُمْ
وَالحُرْمَةُ العُظمى التي تَعُمُكُمْ*** فأَحْضِروها جِدَّكُمْ وَحَزْمَكُمْ
لا يَغْلِبَنُ سُمُ العَدُو سُمَّكُمْ*** إنَّ العَدُو إِنْ عَلَاكُمْ زَمِّكُمْ
وَخصَّكُمْ بِجَوْرِهِ وَعَمَّكُمْ*** لا تفضحوا اليومَ فِداكُمْ قَوْمَكُمْ (2)
واحتفّوا بهودجها ، وأمسكوا بخطام عسكرها » ، فبهرت عائشة وقالت : مَن أنتم ؟
فأخذت تلهب في نفوسهم روح الحماس ، وتدفعهم إلى الموت قائلة : إنما يصبر الأحرار .. ما زلت أرى النصر مع بني ضبة ! وأشعلت هذه الكلمات نار الثورة في نفوسهم ، فاندفعوا إلى الموت ، وقاتلوا أشدّ القتال في سبيلها (3).
وينو ضبّة من أرذال العرب وأوباشهم ، وكانوا غلاظ القلوب والطباع ، قد أترعت نفوسهم بروح الجاهلية ومساوئها وقد وهبوا أرواحهم بسخاء لعائشة ، وأحاطوا بجملها مستميتين وهم يقولون :
يا أمنا يا زوجَةَ النَّبِيِّ*** يا زَوجَةَ المُبارَكِ المَهدِي
نَحنُ بنو ضَبَّةَ لَا نَفِرُ*** حَتَّى نَرَى جَماجِماً تَخُرُّ
يَخُرُّ مِنها العَلَقُ المُحْمَرُ(1)
ووقفوا صامدين حتى قطعت أيديهم ، وبدرت رؤوسهم ، واتخذوا في ذلك اليوم دم عثمان شعاراً لهم ، فكانوا يقاتلون أعنف القتال وأشدّه ، وشاعرهم يرتجز ويقول :
نَحْنُ بَنو ضَبَّةَ أَصْحابُ الجَمَل*** تنازل القرن إذا القرن نَزَلْ
وَالْقَتلُ أَشْهَى عِندَنا مِنَ العَسَلْ*** نَبْغِي ابْنَ عَفَانَ بِأَطرافِ الأَسَلْ
رُدُّوا عَلَيْنا شَيخنا ثُمَّ بَجَلْ (2)
وقتل حول خطامها أربعون رجلاً منهم ، وكانت عائشة تقول : ما زال جملي معتدلاً حتّى فقدت أصوات بني ضبة .
ومن القبائل التي فتنت بحبّ عائشة بنو ناجية ، فقد انطلقوا إلى ساحة الموت في سبيلها ، فأخذوا بخطام جملها فسألت عنهم ؟
فقيل لها : بنو ناجية ، فأخذت تستفز حميّتهم ، وتقذف بهم في لظى الحرب قائلة : صبراً يا بني ناجية ، فإنّي أعرف فيكم شمائل قريش(3).
هذه بعض القبائل التي قدّمت المزيد من الضحايا في سبيل عائشة ، قد غرتهم أمّهم وفتنتهم في سبيل أطماعها وأحقادها .
واستمر أعنف القتال بين الفريقين يريد أصحاب أمير المؤمنين(عليه السلام)أن يحموا إمام المسلمين ووصي نبيهم ، ويريد أصحاب عائشة أن يجموا أمهم ويموتوا دونها حتى شاعت المقتلة بينهما ، ورأى أمير المؤمنين(عليه السلام)أن الحرب لا تنتهي ما دام الجمل موجوداً ، فدعا عمار والأشتر فلما مثلا بين يديه قال لهما : إِذْهَبَا فَاعْقِرا هذَا الْجَمَلَ ، فَإِنَّ الْحَرْبَ لَا يَحْمُدُ ضِرامُها ما دامَ حَيّاً ! فَإِنَّهُمْ قَدِ اتَّخَذُوهُ قِبْلَةً لَهُمْ .
انطلق الأشتر وعمار ومعهما فتية من مراد، فوثب فتى يعرف بمعمّر بن عبدالله (1)إلى الجمل فضربه على عرقوبه ، فهوى إلى الأرض وله عجيج منكر لم يسمع مثله ، وتفرّق أصحاب عائشة ، فقد تحطّم الصنم الذي قدّموا له القرابين .
وأمر الإمام بحرقه وتذرية رماده في الهواء لئلا تبقى منه بقية يفتتن بها السذج والبسطاء ، وبعد ما فرغ من ذلك قال : لَعَنَهُ اللهُ مِنْ دابَةٍ ، مَا أَشْبَهَهُ بِعِجْلٍ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، ومدّ بصره إلى الرماد الذي أخذه الريح فتلا قوله تعالى : وَانظُرْ إِلَى الهَكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً(2)
وقابل الإمام عائشة بالإحسان والصفح الجميل ، فبعث إليها أخاها محمّداً يسألها عن حالها ، فانطلق إليها محمد ، فأدخل يده في هودجها فجفلت مرعوبة منه ، وصاحت به : مَن أنت ؟
أبغض أهلك إليك .
عرفته في الوقت ، فقالت له ونفسها مترعة بالكراهية له والحقد عليه : ابن الخثعمية ؟
نعم ، أخوك البرّ .
عقوق .
وأزاحت بوجهها عنه ، والتفت إليها يسألها برفق ولين : هل أصابك مكروه ؟
-سهم لم يضرني .
فانتزعه منها ، وأخذ بخطام هودجها ، وأدخلها في الهزيع الأخير من الليل إلى دار عبد الله بن خلف الخزاعي(1)
والد طلحة الطلحات ، قال أبو عمر : « لا أعلم له صحبة ، كان كاتباً لعمر بن الخطاب على ديوان البصرة ، قتل في واقعة الجمل ، وكان من حزب عائشة ، وأخوه عثمان من أصحاب الإمام . الإصابة : 2 : 303
على صفيّة بنت الحارث(2)قتل أبوها يوم بدر كافراً ، وهي زوج عبدالله بن خلف، وأمّ طلحة الطلحات . الإصابة : 346:4
،فأقامت هناك أياماً .وأصدر الإمام أوامره بالعفو عن جميع أعدائه والمعارضين له ، وطلبت عائشة أن يؤمن ابن أختها عبد الله بن الزبير ، وهو من ألد أعدائه ، فأجابها إلى ذلك ، وتكلّم مع الحسن والحسين(عليهم السلام) في شأن مروان فآمنه وعفا عنه ، ونادى مناديه : ألا لا يجهز على جريح ، ولا يتبع مول ، ولا يطعن في وجه مدبر ، ومن ألقى سلاحه فهو آمن ،
ومن أغلق بابه فهو آمن».
ثم أمن الأسود والأحمر - على حد تعبير اليعقوبي(1)- ولم ينكل بأحد من خصومه ، وبذلك فقد انتشر السلام ، وعمّ الهدوء في جميع ربوع البصرة .
وبعث أمير المؤمنين(عليه السلام) عبد الله بن عباس إلى عائشة لتخرج من البصرة إلى يثرب فتقر في بيتها ، كما أمرها الله ، فانطلق إليها ابن عبّاس واستأذن منها ، فأبت أن تأذن له ، فدخل بغير إذن وهوى إلى متاعها فأخرج منه وسادة فجلس عليها ،فتأثرت منه وقالت له : تالله يابن عبّاس ، ما رأيت مثلك تدخل بيتنا وتجلس على وسادتنا بغير أمرنا ! !
فانبرى إليها ابن عبّاس وهو فياض المنطق قائلاً: والله ما هو بيتك ، ولا بيتك إلا الذي أمرك الله أن تقرّي فيه فلم تفعلي، إن أميرالمؤمنين يأمرك أن ترجعي إلى بلدك الذي خرجت .
فأظهرت كوامن غيظها وبغضها للإمام فقالت : رحم الله أمير المؤمنين ذاك عمر بن الخطاب.
نعم ، وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب .
أبيت ، أبيت .
ما كان إباؤك إلا فواق ناقة بكيئة(2)، ثم صرت ما تحلّين ولا تمرين ولا تأمرين ولا تنهين.
فالتاعت من كلامه ، وأرسلت ما في عينيها من دموع ، ثمّ قالت له : نعم ، ارجع ، فإنّ أبغض البلدان إلي بلد أنتم فيه .
فثار ابن عبّاس من كلامها وردّ عليها : أما والله ما كان ذلك جزاؤنا منك ، إذ جعلناك للمؤمنين أماً ، وجعلنا أباك لهم صدّيقاً .
فأجابته بأسخف القول : أتمنّ عليَّ برسول الله ؟ !
وما أبعد هذا القول عن منطق الإيمان، فمن تكون هي لولا رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم). فبسببه علالها نجم ، وصار لها ذكر .
وقد انبرى ابن عباس فردّ عليها منطقها الرخيص قائلاً : نعم نمنّ عليك بمن لو كان منك بمنزلته منا لمننت به علينا !
وتركها وانصرف ، فأخبر الإمام بحديثه معها ، وباستجابتها لقوله ، فشكره الإمام على ذلك (1).
ولم~ا عزمت على الخروج جهزها الإمام بأحسن جهاز ، وأعد لها قافلة كاملة لا ينقصها شيء ، وفي اليوم المقرّر لسفرها دخل عليها ومعه الحسن والحسين(عليه السلام) فلما رأينه النسوة بكين وصحن في وجهه ، والتفت إليه صفيّة ربّة الدار فقالت له : يا قاتل الأحبة ، يا مفرّق الجماعات . أيتم الله بنيك منك ، كما أيتمت بني عبدالله .
أجابها الإمام : لَوْ كُنْتُ قاتِلَ الْأَحِبَّةِ لَقَتَلْتُ مَنْ فِي هَذَا الْبَيْتِ.
وأشار إلى بيت في دارها قد اختفى فيه فريق من أعدائه وخصومه ، وأراد من كان معه الهجوم عليهم ، فمنعهم من ذلك ، وجرى بعد ذلك حديث بين الإمام وعائشة ، فقالت له : إنّي أحبّ أن أقيم معك ، فأسير إلى قتال عدوّك .
فأبى الإمام ، وأمرها أن تقرّ فى البيت الذي تركها فيه رسول الله ، ولو أراد السياسة
1) العقد الفريد : 5: 72
الوقتيّة لأجابها إلى ذلك ، ولكنّه منبع التقوى والإيمان، أراد أن يسير معها على وفق الشريعة الإسلامية التي تلزم المرأة بالحجاب وبالعمل لتهذيب نفسها ، وإصلاح منزلها ، وليس لها بأي حال أن تدخل في المعمعات الحزبية ، والمعتركات السياسية، ورحلت عائشة من البصرة ، وقد أسكنت بيوتها الشكل والحزن والحداد ، وروّعت المسلمين ، وأشاعت القتل فيما بينهم ، فقد كان عدد الضحايا بسببها عشرة آلاف نصفهم من أصحابها والنصف الآخر من أصحاب الإمام (1).
وقد دمرت بخروجها على الإمام(عليه السلام)وشائج الصلات بين المسلمين ، ونسفت أواصر الاخوة الإسلامية التي عقدها الرسول الكريم(صلی الله علیه وآله وسلم) ، وفتحت باب الفتن والشر بين أمة محمد(صلی الله علیه وآله وسلم)، كما مهدت العصيان لمعاوية وبني أمية ، وعبدت لهم الطريق ليتّخذوا من دم عثمان وسيلة إلى الظفر بالحكم وإلى استعباد المسلمين وإذلالهم لقد أجمع أئمّة المسلمين على تأثيم القائمين بهذا التمرّد ، وأنه لا مبرر له بحال من الأحوال ، كما نعتوهم بالبغاة ، وأنّ الواجب الديني يقضي بمناجزتهم عملاً بقوله تعالى : فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ (2).
يقول أبو حنيفة : « ما قاتل أحد عليّاً إلا وعليّ أولى بالحقِّ منه ، ولولا ما سار علي فيهم ما علم أحد كيف السيرة في المسلمين ، ولا شك أن علياً إنّما قاتل طلحة والزبير بعد أن بايعاه وخالفاه ، وفي يوم الجمل سار عليّ فيهم بالعدل، وهو علم المسلمين ، فكانت السنّة في قتال أهل البغي»(3)
وقال ابن حجر : « إنّ أهل الجمل وصفين رموا عليّاً بالمواطاة مع قتلة عثمان وهو بريء من ذلك ، وحاشاه » .
وأضاف يقول : « ويجب على الإمام قتال البغاة لإجماع الصحابة عليه ، ولا يقاتلهم حتى يبعث إليهم عدلاً فطناً ناصحاً يسألهم عما ينقمونه على الإمام تأسياً بعليّ في بعثه ابن عباس إلى الخوارج بالنهروان»(1)
وقال إمام الحرمين الجويني : «كان علي بن أبي طالب إمام حق في توليته ، ومقاتلوه بغاة »(2).
إنّ الشريعة الإسلامية تلزم بمناجزة الخارجين على السلطة الشرعية ، لأن في خروجهم تصديعاً لوحدة المسلمين ، وتدميراً لاخوتهم .
لقد مرت هذه الحادثة الرهيبة على الإمام الحسن(عليه السلام)وقد عرفته بأضغان القوم وأحقادهم على أبيه ، وقد كان في تلك الموقعة البطل الوحيد ، والقائد المحنّك الذي استطاع أن يحفّز الجماهير ويجهزهم لقتال القوى الباغية على أبيه .
وبهذا ينتهي بنا المطاف عن مشكلة البصرة لنلتقي به(عليه السلام) في موقعة صفين .
تمرّ بعض الحوادث في دنيا الوجود وتذهب من دون أن تترك أثراً مهماً يذكره التاريخ ، وإن كان لها في وقتها من الخطورة شأن كبير ، وتمر بعض الحوادث الأخرى في ميدان الحياة ، فتبقى خالدة خلود الدهر لأنها تركت أثراً اجتماعياً عاد بالخير العميم على الإنسان ، وتجتاز بعض الحوادث على مسرح الحياة فتملأ الدنيا بالمآسي والخطوب ، وتعود بشقاء الإنسان واستعباده .
ومن هذه الحوادث المفجعة ، والرزايا المؤلمة حادثة صفين التي تجسّم فيها الصراع بين الحق والباطل ، وبين العدل والجور والظلام والنور، وبين الخلافة الدينية التي تنشد صالح الإنسان وإسعاده وبين الحكم الفوضوي الذي لا يهدف إلا إلى الإثرة والاستغلال والمتاجرة بمصالح الشعوب .
إنّ الشعوب الإسلامية لم تقرّر مصيرها الحاسم في وقعة صفين ، فقادها ذلك إلى الاستعباد والاذلال والخضوع للظلم والجور ، وقد ألمح إلى ذلك الأستاذ مالك الجزائري في إيضاحه للأسس القويمة التي تبناها مؤتمر ( باند ونج ) ؛ إذ يقول :
«ولقد عرف التاريخ الإسلامي لحظة كهذه- أي في تقرير حق المصير - في معركة صفّين ، تلك الحادثة المؤسفة المؤثرة التي نتج عنها التذبذب في الاختيار والاختيار الحتم بين عليّ ومعاوية ، بين المدينة ودمشق ، بين الحكم الديمقراطي الخليفي والحكم الأسري ، ولقد اختار المجتمع الإسلامي في هذه النقطة الفاصلة
في تاريخه الطريق الذي قاده أخيراً إلى القابلية للاستعمار وإلى الاستعمار(1).
لقد انخذل المجتمع الإسلامي في حادثة صفين، فلم يقرّر مصيره الحاسم ، فأنتج ذلك خذلان الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) ، وإرغام الإمام الحسن(عليه السلام)من بعده على الصلح ، وتسلّم الأمويين لقيادة الحكم في البلاد ، فأمعنوا في قتل الأخيار، ومطاردة المصلحين ، وإشاعة الظلم والجور في الأرض ، وعلينا أن نتبين فصول هذه المأساة بايجاز ، وننظر إلى متاركها الفظيعة ، وهي :
وأعلن معاوية التمرّد على حكومة الإمام(عليه السلام)، ورفض البيعة والدخول فيما دخل فيه المسلمون ، أمّا بواعث عصيانه ، فهي ما يلي :
1 - لقد علم معاوية أنّ الإمام لا يقرّه في منصبه، ولا بد أن يجرده من جميع أمواله التي اختلسها من بيت مال المسلمين ، ولو كان يحتمل أنه يبقيه على حاله ويقرّه على بذخه وإسرافه لما أعلن العصيان والخروج عليه.
إنّ الإمام لا يداهن في دينه ، ولا يطلب النصر بالجور، ولا يقرّ الظلم ، وهو حتف الظالمين والمعتدين ، فكيف يبقي معاوية في جهاز الحكم ، وهو يعلم أنّه لا واقعيّة له ولا حريجة له في الدين ، وقد أصدر في اليوم الأوّل من خلافته عزله عن مقرّه .
وقد كتب إليه معاوية يسأله أن يبقيه على حاله ، أو يجعله والياً على مصر ، فامتنع من إجابته ، وقد لام عقبة بن أبي معيط معاوية على ذلك ، وكتب له رسالة جاء فيها :
مُعاوِيَ إِنَّ الشّامَ شامُكَ فَاعْتَصِمْ ***بِشامِكَ لَا تَدْخِلْ عَلَيكَ الأَفاعِيا
فَإِنَّ عَلِيّاً ناظر ما تُجيبه*** فَأَهْدِ لَهُ حَرباً تُشيبُ النَّواصِيا
1) فكرة الأفريقيّة الآسيوية في ضوء مؤتمر باندونج : 111 .
وحامِ عَليها بِالصَّوارِمِ وَالقَنا*** وَلَا تَكُ مَخشوش الذُراعَينِ وانيا
وَإِلّا فَسَلَّمْ إِنَّ في الأمن راحَةً ***لِمَنْ لَا يُريدُ الْحَرب فَاخْتَرْ مُعاوِيا
وَإِنَّ كِتاباً يابْنَ حَربٍ كَتَبَتَهُ*** عَلَى طَمَعِ جانٍ عَلَيْكَ الدَّواهِيا
سَأَلتَ عَلِيّاً فيهِ مالاً تَنالُهُ*** وَلَو يُلتَهُ لَمْ تَبقَ إِلَّا لَياليا
إِلى أَنْ تَرى مِنهُ الَّذي لَيسَ بَعدَها*** بقاءً فَلا تُكثِرْ عَلَيكَ الأمانيا
وَمِثلُ عَلِيٌّ تَغْتَرِرَهُ بِخُدعَةٍ*** وَقَدْ كانَ ما خَرَّبتَ مِنْ قَبلُ بانيا
وَلَوْ نَشَبَتْ أَظفارُهُ فيكَ مَرَّةً*** فَراكَ ابْنَ هِند بعد ما كُنتَ فاريا(1)
إنّ معاوية ومن يمت به يعلمون اتّجاه الإمام وأهدافه الرامية إلى تحقيق العدل في البلاد، والقضاء على الغبن الاجتماعي ، وإقصاء الظالمين عن مراكزهم ، وأنّهم سيعودون في ظل حكومته نكرات لا امتياز لهم، كما كانوا في عهد الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)، فلذا أعلنوا عليه البغي حفظاً على مصالحهم الضيّقة .
2 - ورأى معاوية أنّ له قوة على مقاومة الإمام ومناجزته ، وذلك لما له من النفوذ والمكانة في بلاده ، فإنّه لم يعمل فيها عمل وال يظلّ والياً طول حياته ، ويقنع بهذا المنصب ثم لا يتطاول إلى ما وراءه ، ولكنّه عمل فيها عمل صاحب الدولة التي يؤسسها ويدعمها له ولأبنائه من بعده ، فجمع الأقطاب ، واشترى الأنصار بكل ثمن في يديه ، وأحاط نفسه بالقوة والثروة ، واستعدّ للبقاء الطويل(2).
وقد حفزته هذه القوى التي يتمتع بها إلى مناجزة الإمام(عليه السلام)ومقاومته .
3- ومما دفعه إلى التمرّد خروج عائشة وطلحة والزبير، فقد فتحوا له الطريق ، ومهدوا له السبيل ، فإنّ واقعة صفّين إنّما هي امتداد لحرب الجمل ، ونتيجة من
نتائجها ، فلولا خروجهم وإعلانهم للعصيان، وتطبيلهم بدم عثمان لما استطاع معاوية أن يشق الكلمة ويخرج على الإمام ويناجزه الحرب.
4 - وشيء آخر جدير بالاهتمام علل به معاوية عصيانه وخروجه على النظام القائم ، وذلك في رسالته التي بعثها لمحمد بن أبي بكر ، وقد جاء فيها : «كان أبوك وفاروقه أوّل من ابتزه - يعني عليّاً(عليه السلام)-حقّه ، وخالفاه على أمره ، على ذلك اتفقا واتّسقا ، ثم دعواه إلى بيعتهما ، فأبطأ عنهما ، وتلكّأ عليهما ، فهما به الهموم ، وأرادا به العظيم ، ثمّ إنّه بايع لهما وسلّم لهما ، وأقاما لا يشاركانه في أمرهما ، ولا يطلعانه على سرّهما ، حتى قبضهما الله ... » .
وأضاف يقول : «فإن يك ما نحن فيه صواباً فأبوك استبد به ونحن شركاؤه ، ولولا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب ، ولسلّمنا إليه ، ولكن رأينا أباك فعل ذلك به من قبلنا وأخذنا بمثله ...»(1).
وهو تعليل وثيق للغاية ، فإنّه لولا منازعة الشيخين للإمام(عليه السلام)، وابتزازهما لحقه ، لما استطاع معاوية أن يخالفه ويخرج عليه ، ولكنّه حذا حذوهما ، وسار على طريقتهما ، فبغى على الإمام، وأفسد عليه جيشه ، وتركه في أرباض الكوفة يتمنّى الموت ليستريح ممّا ألم به من الشؤون والشجون .
5 - ومن الأمور التي حفزته على العصيان والتمرّد على الإمام هو المطالبة بدم عثمان ، فقد اتخذ قتله وسيلة إلى نيل أهدافه ، وبلوغ أمانيه ، وقد أرصد جميع أبواق دعايته لتهويل أمره ، والإشادة بذكره ، وتنزيهه عن كل ذنب ، حتى انقادت له قلوب أهل الشام ، وأترعت نفوسهم بالحقد والكراهية للإمام(عليه السلام)، فإذا بهم يظهرون الحزن اسى أكثر ممّا يُظهر ، وإذا بهم يحبّونه ويستعجلونه على الحرب والمطالبة بدمه
والأسى أكثر مما يستعجل .
1) مروج الذهب : 3 : 12 .
ولم يكن هناك أدنى مجال للشك في أن معاوية لا يهمه أمر عثمان ، ولا يقيم لمقتله وزناً ، فقد استنجد به لما حوصر وضُيّق عليه ، وطلب منه المعونة فلم يخفّ لنصرته ، ولم يستجب له ، ولم يسعفه بشيء ، ولو كان يروم المطالبة بدمه لكان أولى الناس بالعقوبة والتنكيل مستشاره ووزيره عمرو بن العاص، فهو الذي سعر الدنيا ناراً على عثمان ، وكان يقول :« والله لألفي الراعي فأحرّضه على عثمان فضلاً عن الرؤساء والوجوه»(1).
فمطالبته بدم عثمان ليست إلا وسيلة لتحقيق غايته ، والظفر بالملك الذي يحلم به .
هذه بعض الأسباب والبواعث التي دعت معاوية لمناجزة الإمام وإعلانه للحرب عليه.
ولما أعلن معاوية تمرّده على حكومة الإمام(عليه السلام)طالب أصحاب الإمام أن ينهض بهم لحربه بعد فراغهم من حرب الجمل، وكأنّهم أرادوا أن يحوزوا لنصرهم نصراً ، فأبى الإمام لأنّ خطته كانت المسالمة ، وإيثار العافية، فرأى أن يبعث إليه السفراء يدعونه إلى الطاعة والدخول فيما دخل فيه الناس ، فأوفد للقياه جرير بن عبدالله البجلي(2)
اختلف في وقت إسلامه . قيل : إنه أسلم حينما بعث النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، وقيل : إن إسلامه كان قبل وفاة النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)بأربعين يوماً ، وقيل غير ذلك .
وكان جميل الصورة ، قال فيه عمر : هو يوسف هذه الأمة ، وقدّمه في حروب العراق على جميع بجيلة ، وكان لهم الأثر في فتح القادسية ، وقد سكن الكوفة ، ولما أرسله الإمام سفيراً إلى معاوية أخفق في سفارته ، فاعتزل الفريقين ، وآثر العافية ، فسكن في قرقيسيا حتى توفي بها سنة إحدى وخمسين ، وقيل : أربع وخمسين. الإصابة : 1 : 232 .
، وزوّده بهذه الرسالة :«أَمَّا بَعْدُ .. فَإِنَّ بَيْعَتِي بِالْمَدِينَةِ لَزِمَتْكَ وَأَنْتَ بِالشَّامِ ؛ لِأَنَّهُ بَايَعَنِي الْقَوْمُ الَّذِينَ بايَعُوا أَبا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ عَلى مَا بُويِعُوا عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَخْتارَ ، وَلَا لِلْغَائِبِ أَنْ يَرُدَّ ، وَإِنَّما السورى لِلْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ، إِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ فَسَمَّوْهُ إِمَاماً كَانَ ذَلِكَ لِلَّهِ رِضاً ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ أَمْرِهِمْ خَارِجٌ بِطَعْنٍ أَوْ رَغْبَةً رَدُّوهُ إِلى مَا خَرَجَ مِنْهُ ، فَإِنْ أَبِى قَاتَلُوهُ عَلَى اتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَوَلَّاهُ اللَّهُ مَا تَوَلَّى ، وَيُصْلِيهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ
مَصِيراً.
وَإِنَّ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ بايَعَانِي ثُمَّ نَقَضا بَيْعَتِي ، فَكَانَ نَقْضُهُما كَرِدَّتِهِما ، فَجاهَدْتُهُما عَلى ذلِكَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ ، وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ . فَادْخُلْ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ ، فَإِنَّ أَحَبَّ الْأُمُورِ إِلَيَّ فِيكَ الْعَافِيَةُ ، إِلَّا أَنْ تَتَعَرَّضَ لِلْبَلَاءِ ، فَإِنْ تَعَرَّضْتَ لَهُ قَاتَلْتُكَ وَاسْتَعَنْتُ بِاللهِ عَلَيْكَ ، وَقَدْ أَكْثَرْتَ فِي قَتَلَةِ عُثْمَانَ ، فَادْخُلْ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ ، ثُمَّ حَاكِمِ الْقَوْمَ إِلَيَّ أَحْمِلُكَ وَإِيَّاهُمْ عَلَى كِتابِ اللهِ ، فَأَمَّا تِلْكَ الَّتِي تُرِيدهَا فَخُدْعَةُ الصَّبِيِّ عَنِ اللُّبَنِ.
وَلَعَمْرِي لَئِنْ نَظَرْتَ بِعَقْلِكَ دُونَ هَوَاكَ لَتَجِدَنِّي أَبْرأَ قُرَيْشٍ مِنْ دَمِ عُثمانَ.
وَاعْلَمْ أَنَّكَ مِنَ الطَّلَقاء(1)الّذينَ لَا تَحِلُّ لَهُمُ الْخِلافَةُ ، وَلَا تُعْرَضُ فيهِمُ الشَّورى ، وَقَدْ أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَليَّ ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْإِيْمَانِ وَالْهِجْرَةِ ، فَبَايِعْ ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ (2).
وكانت هذه الرسالة رسالة حق داعية واعية، دعت إلى الحق من أقصر سبله ، وبأوضح أساليبه ، ووعت قصة الاستخلاف التي أثارت كلّ هذا الخلاف ، بما سبقها وما لحقها من المقدّمات والخواتيم .
وكانت فوق هذا وذاك عظة جارية ، وحكمة هادية لمن أراد الهداية ، وشرح الله صدره ، وفجر في فؤاده ينبوع النور ، فلم يغفل الإمام فيها أمراً جرت ألسن الناس بذكره إلا بينه ، ولم يدع ثغرة ينفذ منها خصمه إلا سدّها دونه ، وما من شيء كان معاوية يستطيع أن يحتال به أو يدعيه حجّة تؤيد خلافه وتسند انحرافه ، إلا مد له الإمام معولاً من سطورها - حديداً شديداً يدمر باطله ، ويقوّض معاقله ، كما قال الأستاذ السيد عبد الفتاح عبد المقصود(3).
وطوى جرير البيداء حتى وصل إلى بلاط معاوية ، فانطلق يتكلم معه قائلاً: أما بعد يا معاوية ، فإنّه قد اجتمع لابن عمك أهل الحرمين(4)، وأهل المصرين(5)، وأهل الحجاز، وأهل اليمن وأهل العروض، وعمان، وأهل البحرين ، واليمامة ،
1) الطلقاء : جمع طليق ، وهو الأسير الذي أطلق سراحه ، ويراد بهم في المقام الأسراء الذين خلّى عنهم رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) يوم فتح مكة ولم يسترقّهم .
2) العقد الفريد : 2 : 233 الإمامة والسياسة : 1: 71 شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 3: 75 و 76. وقعة صفين / نصر بن مزاحم : 34 .
3) الإمام علي بن أبي طالب : 4 : 27
4) الحرمان : مكة والمدينة.
5) المصران : البصرة والكوفة .
فلم يبق إلا أهل هذه الحصون التي أنت فيها ، لو سال عليها سيل من أوديته غرقها ، وقد أتيتك أدعوك إلى ما يرشدك ويهديك إلى مبايعة الرجل(1).
ولما سمع معاوية ذلك خارت قواه ، وبقي مبهور النفس لم يفه بشيء ، ولكنّه بقي يطاوله ، ويسرف في مطاولته ، لا يجد لنفسه مهرباً سوى الامهال والتسويف ، وقد جمع في خلال تلك المدّة وجوه أهل الشام وقادة الجيش ، فجعل يستشيرهم في الخضوع لحكومة الإمام ، والاستجابة لسفيره ، أو إعلان التمرد والمطالبة ب-دم عثمان ، فأظهروا له رغبتهم الملحة في الطلب بدم عثمان ، وإعلان العصيان على حكومة الإمام .
وعلم معاوية أنّ الأمر لا يتمّ له إلّا إذا انضم إليه داهية العرب عمرو بن العاص ليقوم بتسديده ويستعين به في مهامه ، فبعث إليه رسالة يطلب فيها قدومه إليه ، وهذا نصها : «أما بعد : فإنّه قد كان من أمر علي وطلحة والزبير ما قد بلغك ، وقد سقط إلينا مروان بن الحكم في رافضة أهل البصرة، وقدم علينا جرير بن عبدالله في بيعة عليّ ، وقد حبست نفسي عليك حتّى تأتيني . اقبل أذاكرك أمراً » .
ولما قرأ الرسالة تحيّر في أمره ، فاستشار ولديه عبدالله ومحمداً ، فقال له عبدالله وكان رجل صدق وصلاح : أرى أن نبي الله قبض وهو عنك راض ، والخليفتان من بعده ، وقتل عثمان وأنت عنه غائب ، فقر في منزلك فلست مجعولاً خليفة ، ولا تريد أن تكون حاشية لمعاوية على دنيا قليلة أوشك أن تهلك فتشقى فيها » .
وأشار عليه عبدالله بالنصيحة والورع وعدم الاستجابة لدواعي الفتن والغرور وأما ابنه محمّد فقد فتنته الدنيا ، وطمع بالملك ، فقد قال له : « أرى أنك شيخ
1) وقعة صفين : 33 .
قريش ، وصاحب أمرها ، ولن تصرّم هذا الأمر وأنت فيه خامل تصاغر أمرك ، فالحق بجماعة أهل الشام فكن يداً من أيديها ، واطلب بدم عثمان ، فإنّك قد استلمت فيه إلى بني أمية»(1).
وقد دفعه محمد إلى هلاك آخرته وإصلاح دنياه، والتفت عمر و إلى ولده عبدالله فقال له : أما أنت فأمرتني بما هو خير في ديني ؟ وقال لولده محمد : أما أنت أمرتني بما هو خير لي في دنياي .
واعتركت الدنيا والآخرة في نفس عمرو وملأت الحيرة صوابه ، وأحاطت به الهواجس ، وقد أنفق ليله ساهراً يفكر في الأمر ، فهل يلتحق بمعسكر معاوية فيناجز أخا رسول الله ووصيه وباب مدينة علمه ، فيكون قد فرّط في أمر دينه ، أو يلتحق بعلي فيكون رجلاً كسائر الناس ، له ما لهم ، وعليه ما عليهم ، ولكنه يضمن بذلك آخرته ودينه ، وأطال التفكير في الأمر وسمعه أهله يقول :
تطاول ليلي للهموم الطوارِقِ*** وَخَوفِ الَّتِي تَجلو وُجوهَ العَوائِقِ
وَإِنَّ ابن هندٍ سائلى أن أزورهُ***وتلك التي فيها بَناتُ البوائِقِ
أَتاهُ جَرِيرٌ مِنْ عَلِيٍّ بِخُطَةٍ*** أَمَرَّتْ عَلَيْهِ العَيشَ ذَاتِ مَصَائِقِ
فَإِن نال مني ما يُؤملُ رَدَّهُ*** وَإِنْ لَمْ يَنَلْهُ ذَلّ ذل المُطابِق(2)
فَوَالله ما أدرى وَما كُنتُ هكذا*** أكونُ وَمَهُما قادَني فهو سائقي
أُخادِعُهُ إِنَّ الخداع دَنِيَّةٌ ***أَمِ اعْطِيهِ مِنْ نَفْسِي نَصِيحَةَ وَامِقِ
أَمِ اقْعُدُ في بَيْتي وفي ذاك راحةٌ*** لِشَيخ يَخافُ المَوتُ في كُلِّ شَارِقِ
وَقَدْ قال عَبدُ اللهِ قَولاً تَعَلَّقَتْ*** بِهِ النَّفْسُ إِنْ لَمْ تَعْتَطِعْني عَوائِقي
وَخالَفَهُ فيه أخوهُ مُحَمَّدٌ*** وَإِنِّي لَصَلْبُ العودِ عِندَ الحَقائِقِ (1)
ودلّ هذا الشعر على تردّده وحيرته ، إلا أنّ ابنه عبد الله فهم منه الاستجابة لدعوة معاوية ، فقال : بال الشيخ على عقبيه ، وباع دينه بدنياه !
ولمّا اندفع لسان الصبح دعا غلامه وردان، وكان ذكياً يقرأ ما في النفوس ، فقال له : حطّ يا وردان ، ثمّ قال له : ارحل ، ثمّ قال له : حط يا وردان . فعرف غلامه حيرته وذهوله ، فقال له : خلطت أبا عبد الله ؟ ! أما إن شئت أنبأتك بما في نفسك ؟
هات ويحك !
اعتركت الدنيا والآخرة على قلبك ، فقلت : علي معه الآخرة في غير دنيا ، وفي الآخرة عوض من الدنيا ، ومعاوية معه الدنيا بغير آخرة ، وليس في الدنيا عوض الآخرة ، فأنت واقف بينهما .
إنك والله ما أخطأت !! ما ترى ؟
أرى أن تقيم في بيتك ، فإن ظهر أهل الدين عشت في عفو دينهم ، وإن ظهر أهل الدنيا لم يستغنوا عنك .
ولم يستجب لنصحه ، وصمّم على الالتحاق بمعاوية وهو يقول :
يا قاتلَ اللهُ وَرْداناً وَفِطنَتَهُ*** أَبْدَى لَعَمْرُكَ ما في النَّفْسِ وَرْدانُ
لَمّا تَعَرَّضَتِ الدُّنْيا عَرَضْتُ لَها*** بحرص نفْسي وَفي الأطباع إذهانُ
نَفسٌ تَعِفُ وَأخرى الحرصُ يَقْلِبُها(2)***والمرءُ يَأكُلُ تبناً وَهوَ غَرثَانُ (3)
أَمَا عَلِيٌّ فَدينٌ لَيسَ يَشرَكُهُ ***دُنْياً وَذاكَ لَهُ دُنْيا وَسُلْطانُ
فَاخْتَرْتُ مِنْ طَمَعي دُنْياً عَلى بَصَرٍ ***وَما مَعي بِالَّذي أَختارُ بُرهان
إنّي لأعرِفُ ما فيها وَأُبْصِرُهُ*** وَفِي أَيْاً لما أَهْواهُ أَلْوانُ
لكِنَّ نَفْسي تُحِبُّ العَيشَ في شَرَفٍ*** وَلَيسَ يَرْضَى بِذُلُّ العَيشِ إِنْسانُ
عمْرُو لَعَمَرُ أَبِيهِ غَيْرُ مُشْتَبِه ***وَالْمَرْءُ يَعْطسُ وَالوَسْنانُ وَسْنانُ(1)
لقد استجاب لعاطفته، فآثر الدنيا على الآخرة ، وعزم على الالتحاق بمعسكر معاوية ليحارب أمير المؤمنين(عليه السلام) الذي هو نفس رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، ومن هو منه بمنزلة هارون من موسى .
وارتحل ابن العاص ومعه ابناه إلى دمشق ، فلما بلغها جعل يبكي كما تبكي المرأة ، وهو يقول : « واعثماناه ، أنعى الحياء والدين !! »(2)
لقد اصطنع البكاء ليغري السذج ، ويظهر الإخلاص والطاعة لمعاوية ، ولما التقى به تذاکر معه معاوية في الوسائل والطرق التي يسلكها في حربه مع الإمام ، فقال له ابن العاص : أمّا علي فوالله لا تساوي العرب بينك وبينه في شيء من الأشياء ، وإن له في الحرب لحظاً ما هو لأحد من قريش إلا أن تظلمه .
وانطلق معاوية يبين له الدوافع في حربه وعصيانه قائلاً: صدقت ، ولكنا نقاتله على ما في أيدينا ، ونلزمه قتلة عثمان !
إنه إنّما يقاتل الإمام من أجل السلطة والإمرة والثراء العريض الذي اختلسه من بيت المال .
واندفع ابن العاص يبين له وهن المطالبة بدم عثمان قائلاً واسوأتاه إن أحق الناس أن لا يذكر عثمان !
ولم ويحك ! ؟
أما أنت فخذلته ومعك أهل الشام حتى استغاث بيزيد بن أسد البجلي فسار إليه ، وأما أنا فتركته عياناً وهربت إلى فلسطين!(1)
فلم يلتفت معاوية إلى قوله لأنه لم يجد وسيلة يتمسّك بها في عصيانه سوى المطالبة بدم عثمان .
وكان ابن العاص يحنّ إلى مصر حنيناً متصلاً، وقد باع دينه وضميره على معاوية من أجلها ، فقد قال له معاوية : أتحبني يا عمرو ؟
لماذا ؟ للآخرة ، فوالله ما معك آخرة ، أم الدنيا ، فوالله لا كان حتى أكون شريك فيها !!
أنت شريكي فيها .
فاكتب لي مصر وكورها .
لك ما تريد .
فكتب له ولاية مصر ، وكتب له في آخر الوثيقة : وعلى عمرو السمع والطاعة . فقال له عمرو : إن السمع والطاعة لا ينقصان من الشرط شيئاً.
ونفّذ له ما أراد (2)، وبذلك فقد باع دينه على معاوية ، وسمع وهو يقول :
مُعاوِيَ لَا أُعطيك ديني وَلَمْ أَنَلْ*** بذلك دُنْياً فَانظُرْن كَيفَ تَصنَعُ
فَإِنْ تُعْطِنِي مِصْراً فَأَرْبِحْ بِصَفقَةٍ*** أَخَذَتْ بِها شَيْخاً يَضُرُّ وَيَنفُعُ(1)
وما الدِّينُ وَالدُّنْيا سَواءٌ وَإِنَّني*** لأخُذُ ما تُعطي وَرَأْسي مُقَنَّعُ
ولكنني أعطيك هذا وَإِنَّني*** لأخدَعُ نَفْسي وَالْمُخادِعُ يُخدَعُ
أأعْطِيك أمراً فيهِ لِلمُلكِ قُوَّةً***وَأَبْقَى لَهُ إِنْ زَلَّتِ النَّعلُ أَخْدَعُ
وتمنعني مِصْراً وَلَيسَتْ بِرَغْبة (2)***وان ترى القنوعِ يَوْماً لَمُولُعُ (3)
وفي البيت الأخير اضطراب ، ورواه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : 2 : 66 بما يلي : «وانّي بذا الممنوع قدماً لمولع ».
لقد ظفر معاوية بأهم سياسي ماكر مخادع ، يجيد اللعب على الحبل ، ويتغلب على الأحداث، وهو القائل عن دهائه : « أنا أبو عبدالله ما حككت قرحة إلا أدميتها » .
ولما اجتمع لمعاوية ،أمره، وأحكم وضعه ، ردّ سفير الإمام ( جرير ) إلى الكوفة ولم يجبه إلى شيء ، وأرسل معه رسالة إلى الإمام جاء فيها :
من معاوية بن صخر إلى عليّ بن أبي طالب :
«أما بعد .. فلعَمْرِي لو بايعك القوم الذين بايعوك ، وأنت بريء من دم عثمان ، لكنتَ كأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين ، ولكنك أغْرَيْتَ بدم عثمان المهاجرين ، وخذلت عنه الأنصار ، فأطاعك الجاهل ، وقوي بك الضعيف ، وقد أبى
أهل الشام إلا قتالك حتى تدفع إليهم قَتَلَةَ عثمان ، فإن فعلت كانت شورى بين المسلمين ، وإنما كان الحجازيون هم الحكّام على الناس والحقُّ فيهم ، فلمّا فارقوه كان الحكّام على الناس أهل الشام .
ولعمري ما حُجَّتُك عليَّ كحجتك على طلحة والزبير لأنهما بايعاك ولم أبايعك ، وما حجتك على أهل الشام كحجتك على أهل البصرة لأنّ أهل البصرة أطاعوك ، ولم يُطِعْك أهل الشام ، فأما شرفُك في الإسلام وقَرَابتك من رسول الله وموضعك من قريش فلستُ أدفعه ...».
وكانت هذه الرسالة حاملة للبهتان والأباطيل ، ففيها اتهام الإمام(عليه السلام)بدم عثمان ، وهو يعلم أنّ الإمام بريء منه ، ولكنّه لم يجد حجّة يتعلّق بها سوى هذه الأكاذيب . وهبط جرير على الإمام وهو خافق في سفارته ، ومعه رسالة معاوية ، فاطلع عليها الإمام ، وعرف ما يرومه معاوية من البغي والخروج عليه ، وقد رأى أن يقيم عليه الحجّة مرّة أخرى ، فبعث إليه السفراء يدعونه إلى الطاعة والدخول فيما دخل فيه المسلمون ، فلم يجد ذلك شيئاً وأصر على عناده .
وأخذ معاوية البيعة من أهل الشام على المطالبة بدم عثمان ، والأخذ بثأره ، وتوفرت لديه الإمكانيات والقوى العسكرية ، وانضم إليه كل من لم تنطبع في نفسه العقيدة الدينية من ذوي الأطماع والمنحرفين عن الحق ، والباغين على الإسلام ، ولما تمّ أمره زحف بجيوشه إلى صفين(1)المحاربة السلطة الشرعية ، والإطاحة
1) صفّين - بكسرتين وتشديد الفاء - : موضع بقرب الرقة على شاطئ الفرات من الجانب الغربي بين الرقة وبالسن ، وبه كانت الواقعة بين الإمام ومعاوية في سنة 37هـ في غرة صفر ، واختلف في عدة أصحاب الفريقين ، فقيل كان معاوية في مائة وعشرين ألفاً ،وكان مع الإمام تسعون ألفاً ، وقيل بالعكس . معجم البلدان : 3 : 414 .
بالحكم الإسلامي ، وإعادة المثل الجاهلية .
ولما انتهى في مسيره إلى صفين نزل بها ، واحتل الفرات ، وعدّ هذا أوّل الفتح لأنه حبس الماء على عدوّه ، وبقيت جيوشه رابضة هناك تصلح أمرها ، وتنظم قواها لتستعد للحرب .
ولمّا أخفقت جميع الوسائل التي اتخذها الإمام من أجل السلم تهيأ للحرب بعد ما علم أنّ خصمه قد زحف إلى صفين لمناجزته ، وقد استدعى المهاجرين والأنصار الذين خفّوا لنجدته فقال لهم : إِنَّكُمْ مَيامِينُ الرَّأْيِ ، مَراجيحُ الْحُلُم ، مَقاوِيلُ الْحَقِّ ، مُبارَكو الْفِعْلِ وَالْأَمْرِ ، وَقَدْ أَرَدْنَا الْمَسيَرِ إِلَىٰ عَدُونَا ، فَأَشْيرُوا عَلَيْنَا بِرَأْيِكُمْ ؟
فانطلق هاشم بن عتبة ، فقال له : « يا أمير المؤمنين ، فأنا بالقوم جدّ خبير ، هم لك ولأشياعك أعداء ، وهم لمن يطلب حرث الدنيا أولياء ، وهم مقاتلوك ومجاهدوك(1)، لا يبقون جهداً ، مشاحة على الدنيا ، وضنّاً بما في أيديهم منها ، وليس لهم إربة غيرها ، إلا ما يخدعون به الجهال من الطلب بدم عثمان بن عفان ، كذبوا ليسوا بدمه يثأرون ، ولكن الدنيا يطلبون ، فسر بنا إليهم ، فإن أجابوا إلى الحق فليس بعد الحقِّ إلّا الضلال. وإن أبوا إلا الشقاق ، فذلك الظن بهم .
والله ما أراهم يبايعون وفيهم أحد ممن يطاع إذا نهى ، ويسمع إذا أمر .. »(2).
إنّ هاشماً كان خبيراً بنفوس القوم ، وعالماً باتجاههم وميولهم ، فإنّهم يطلبون حرث الدنيا ، وهم يقاتلون الإمام من أجل مطامعهم ، وقد تذرّعوا بدم عثمان ،
واتخذوه وسيلة لعصيانهم ، ولا يتركون نفاقهم وغيهم ما دام لهم شاخص يتمتّع بالنفوذ والقوة ، فلابد من مناجزتهم والزحف إليهم للقضاء على غيّهم وتمردهم . وانبرى غير واحد من أعلام المهاجرين والأنصار فأعلنوا تأييدهم لمقالة هاشم ، وأظهروا الطاعة والانقياد للإمام ، وقد اتجه بعد ذلك إلى الاستعداد للحرب ، فراسل الوجوه وأمراء القبائل وقادة الجنود يستحنّهم على نصرته والخروج معه لح-رب البغاة ، واستجاب الجميع لنداء الحق ، وأعربوا عن استعدادهم الشامل لنصرته .
وأخذ الإمام الحسن(عليه السلام) يوقظ الهمم ، ويبعث الحزم والنشاط في النفوس . ويحثها على الخروج لحرب معاوية كما فعل ذلك من قبل في معركة الجمل ، وقد قام خطيباً بين الجماهير يدعوهم إلى الجهاد ، وهذا نص خطابه :
«الْحَمْدُ لِلَّهِ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأُثْني عَلَيْهِ بِما هُوَ أَهْلُهُ».
ثم قال :
« إِنَّ مِمَّا عَظَّمَ اللهُ عَلَيْكُمْ مِنْ حَقِّهِ ، وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ مِنْ نِعَمِهِ ما لَا يُحْصى ذِكْرُهُ ، وَلَا يُؤَدَى شُكْرُهُ ، وَلَا يَبْلُغُهُ صِفَةٌ وَلَا قَوْلٌ.
وَنَحْنُ إِنَّما غَضَبْنَا لِلَّهِ وَلَكُمْ ، فَإِنَّهُ مَنَّ عَلَيْنا بِما هُوَ أَهْلُهُ أَنْ نَشْكُرَ فِيهِ آلاءَهُ وَبَلاءَهُ وَنَعْمَاءَهُ ، قَوْلاً يَصْعَدُ إِلَى اللهِ فِيهِ الرّضا، وَتَنْتَشِرُ فِيهِ عارِفَةُ الصِّدْقِ ، يُصَدِّقُ اللَّهُ فِيهِ قَوْلَنا ، وَنَسْتَوْجِبُ فِيهِ الْمَزِيدَ مِنْ رَبِّنَا ، قَوْلاً يَزيدُ وَلَا يَبيدُ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ قَوْمٌ قَطُّ عَلى أَمْرٍ وَاحِدٍ إِلَّا اشْتَدَّ أَمْرُهُمْ ،
وَاسْتَحْكِمَتْ عُقْدَتُهُمْ .
فَاحْتَشِدوا فى قِتالِ عَدُوِّكُمْ مُعاوِيَةَ وَجُنودِهِ ، فَإِنَّهُ قَدْ حَضَرَ ، وَلَا تَحَاذَلُوا فَإِنَّ الْخِذْلانَ يُقَطَّعُ نِيَاطَ الْقُلوبِ ، وَإِنَّ الْإِقْدامَ عَلَى الْأَسِنَّةِ نَجْدَةٌ وَعِصْمَةٌ لأَنَّهُ لَمْ يَمْتَنِعْ(1)قَوْمٌ قَطُّ إِلَّا دَفَعَ اللهُ عَنْهُمُ الْعِلَّةَ ، وَكَفاهُمْ جَوائِحَ (2)الذَّلَّةِ ، وَهَداهُمْ إِلى مَعالِم الْمِلَّةِ (3).
ثم أنشد :
وَالصُّلْحُ تَأْخُذُ مِنْهُ ما رَضِيتَ بِهِ*** وَالْحَرْبُ يَكْفِيكَ مِنْ أَنْفَاسِها جُرَعُ(4)
وحفل خطابه البليغ بالدعوة إلى الوحدة والتعاون ، وبذل الجهود لمحاربة القوى الباغية ، وقد استجاب الناس لدعوته ، فخفوا سراعاً لنصرة الحق والدفاع عن الإسلام.
وكان بعض زعماء العراق قد اعتزل معركة الجمل، ولم يقم بنجدة الإمام(عليه السلام)، ومن بينهم سليمان بن صرد الخزاعي(5)
كان من ذوي الوجاهة والشرف في قومه ، وقد روى عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، وعن أمير المؤمنين و الحسن(عليه السلام)، وهو أحد الذين كتبوا إلى سيّد الشهداء الإمام الحسين(عليه السلام) بالقدوم إلى الكوفة ، ولما استجاب الإمام لندائهم تخلّف سليمان عنه ، وبعد ما روّع الإسلام بقتل حفيد الرسول ندم سليمان وجماعة من قومه على عدم قيامهم بنصرته ، فهبوا للطلب بثأره ، وساروا حتى التقوا بالأثيم الوغد عبيد الله بن زياد في موضع يقال له : «عين الوردة » ، فوقعت الحرب بينهم ، فقتل سليمان ومن معه ، وذلك في ربيع الآخر سنة خمس وستّين ، وكان عمره ثلاثاً وتسعين عاماً. تهذيب التهذيب : 4: 200.
، وقد وجّه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) إليهبعد انقضاء الحرب - أعنف اللوم والتقريع ، فقد قال له :
« إِرْتَبْتَ وَتَرَبَّصْتَ وَراوَغْتَ ، وَقَدْ كُنْتَ مِنْ أَوْثَقِ النَّاسِ فِي نَفْسِي ، وَأَسْرَعِهِمْ - فيما أَظُنُّ- إِلَى نُصْرَتي ، فَمَا فَعَدَ بِكَ عَنْ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكَ ، وَما زَهْدَكَ في نَصْرِهِمْ ؟!» .
وضاق سليمان ذرعاً بتأنيب الإمام له ، فقال له : « يا أمير المؤمنين ، لا تردّنَ الأمور على أعقابها ، ولا تؤنبني بما مضى منها ، واستبق مودتي تخلص لك نصيحتي ، وقد بقيت أمور تعرف فيها وليك من عدوّك ».
ثمّ قام مسرعاً إلى الإمام الحسن(عليه السلام)ليعرض عليه حديث أبيه ، فقال له :
ألا أعجبك من أمير المؤمنين وما لقيت منه من التبكيت والتوبيخ !!
وانطلق الحسن (عليه السلام)فتكلم معه برفق ولين ليزيل ما في نفسه من وجد ، قائلاً: إنَّما يُعاتَبُ مَنْ تُرْجى مَوَدَّتُهُ وَنَصيحَتُهُ .
ولكنّ سليمان بقي على ثورته ، فقد لذعته مرارة العتب والتقريع ، فقال للإمام الحسن(عليه السلام) : إنّه بقيت أمور سيستوسق(1)فيها القنا ، وينتضى فيها السيوف ، ويحتاج فيها إلى أشباهي ، لا تستغشوا عتبي ، ولا تهموا نصيحتي .
فهدأ الحسن(عليه السلام) روعه ، وأعرب له عن ثقته به ، فقال له : رَحِمَكَ الله ، ما أَنْتَ عِنْدَنَا بِالظَّنينِ(2).
وهدأت ثورة سليمان ، وسكن روعه لما قابله الإمام الحسن(عليه السلام) بالرفق وسجاحة الطبع ، وقد استطاع الحسن(عليه السلام)أن يزيل ما في نفسه من ألم الوجد ويرجعه إلى صفوف المجاهدين.
ولمّا توفّرت القوى العسكرية للإمام تهيّاً للخروج إلى صفين، وأمر الحارث بن عبدالله الأعور أن ينادي في الناس بالخروج إلى معسكرهم في النخيلة ، فنادى فيهم بذلك ، فعجّت الكوفة بالنفار ، وخرج الإمام تحف به صحابة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) وقد زحفت معه الكتائب كأنّها السيل وهي ما بين راكب وراجل ، وهم يعرفون القصد في خروجهم ، فإنّهم خرجوا لنصرة الحق ومحاربة أعداء الإسلام وخصومه . ولزمت جيوش الإمام الفرات في زحفها السريع ، فلما انتهت إلى الأنبار(1)استقبلها أهلها ، ثمّ جاء وا يهرعون إلى الإمام ، فتنكّر منهم وقال لهم : ما هذه الدواب الَّتي مَعَكُمْ ؟ وَمَا أَرَدْتُمْ بِهَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ ؟
فقالوا وهم يبدون عظيم الولاء ومزيد التكريم : يا أمير المؤمنين ، أما هذا الذي صنعنا فهو خلق منّا نعظم به الأمراء ، وأما هذه البراذين فهدية لك ، وقد صنعنا لك وللمسلمين طعاماً ، وهيأنا لدوابكم علفاً كثيراً .
فزجرهم الإمام ونهاهم عن ذلك ، فقال : أما هذَا الَّذي زَعَمْتُمْ أَنَّهُ مِنْكُمْ خُلُقٌ تُعَظْمُونَ بِهِ الأمْراءَ ، فَوَاللَّهِ ما يَنْفَعُ هذا الأمَراءَ ، وَإِنَّكُمْ لَتَشقُونَ بِهِ عَلى أَنْفُسِكُمْ وَأَبْدائِكُمْ ، فَلَا تَعودوا لَهُ ، وَأَمَّا دَوابُكُمْ هَذِهِ فَإِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ نَأْخُذَهَا مِنْكُمْ فَنَحْسِبُها
1) الأنبار - بفتح أوله - : مدينة على الفرات تقع في غربي بغداد ، بينهما عشرة فراسخ ، وكان أول من عمرها سابور بن هرمز ذو الأكتاف ، ثمّ جدّدها أبو العباس السفاح أول خلفاء بني العبّاس ، وبنى بها قصوراً ، وأقام بها إلى أن مات . معجم البلدان : 1 : 340 .
مِنْ خِراجِكُمْ أَخَذْناها مِنْكُمْ ، وَأَمَا طَعامُكُمُ الَّذِي صَنَعْتُمْ لَنَا فَإِنَّا نَكْرَهُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْ أَمْوالِكُمْ شَيْئًا إِلَّا بِثَمَنٍ .
هذا هو منطق العدل الذي سار عليه ابن أبي طالب ، فلم يسمح للمهرجانات ولا لسائر المظاهر التي اعتادها الملوك والأمراء لأنّ فيها جهداً للرعيّة وتعظيماً للأمراء ، وهم في نظر الإسلام لا ميزة لهم على بقية أفراد الشعب ، واندفع الأنبارتون فقالوا له : يا أمير المؤمنين ، نقومه - أي الطعام - ثمّ نقبل ثمنه
ثم تركهم وانصرف عنهم(1)، وسارت جيوشه تطوي البيداء حتى انتهت إلى صفّين ، فأنزلها الإمام بأزاء أصحاب معاوية .
ولم يجد أصحاب الإمام(عليه السلام) على الفرات شريعة يستقون منها الماء إلا وعليها الحرس الكثير ، وهم يمانعونهم أشدّ الممانعة من الوصول إليه ، فأقبلوا إلى الإمام يخبرونه بذلك ، فدعا صعصعة بن صوحان وقال له : انْتِ مُعاوِيَةَ فَقُلْ : إِنَّا سِرْنا مَسيرَنا هذا وأنا أكْرَهُ قِتالكم قَبْلَ الْإعْذارِ إِلَيْكُمْ ، وَإِنَّكَ قَدِمْتَ بِخَيْلِكَ فَقاتَلْتَنا قَبْلَ أَنْ تُقاتِلَكَ ، وَبَدأُتَنا بِالْقِتالِ وَنَحْنُ مِنْ رَأْيِنَا الْكَفُّ حَتَّى نَدْعُوكَ ، وَنَحْتَجُ عَلَيْكَ ، وَهَذِهِ أخْرى قَدْ فَعَلْتُموها حَتَّى حِلْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ الْماءِ ، فَخَلَّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ حَتَّى نَنظُرَ فيما بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ، وَفيما قَدِمْنا لَهُ وَقَدِمْتُمْ ، وَإِنْ كانَ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ نَدَعَ ما جِئْنَا لَهُ ، وَنَدَعَ النّاسَ يَقْتَتِلُونَ عَلَى الْماءِ حَتّى يَكونَ الْغَالِبُ هُوَ الشَّارِبُ فَعَلْنا .
وانطلق صعصعة إلى معاوية فعرض عليه كلام الإمام ، فاستشار أصحابه ، فقال له
1) وقعة صفين : 160 و 161 .
الوليد بن عقبة : امنعهم الماء كما منعوه ابن عفان ، حصروه أربعين يوماً يمنعونه برد الماء ، ولين الطعام ، اقتلهم عطشاً قتلهم الله .
وأشار عليه ابن العاص بالسماح لهم ، ولكن الوليد أعاد مقالته .
وانبرى عبدالله بن سعد بن أبي سرح فقال له : امنعهم الماء إلى الليل ، فإنّهم إن لم يقدروا عليه رجعوا ، وكان رجوعهم هزيمتهم . امنعهم الماء منعهم الله يوم القيامة .
فثار صعصعة ولم يسعه السكوت فقال له : إنّما يمنعه الله يوم القيامة الكفرة الفجرة شربة الخمر، ضربك وضرب هذا الفاسق - وأشار إلى الوليد.
وتواثبوا عليه يشتمونه ويتهدّدونه ، فأمرهم معاوية بالكف عنه ، ورجع صعصعة ولم تنتج سفارته شيئاً ، فخف إلى الإمام الأشعث بن قيس(1)
وفد على رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) مع قومه ، وكان زعيمهم في السنة العاشرة من الهجرة ، فأسلم وأسلم معه قومه ، ولما توفي النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) ارتد عن الإسلام ، ثم رجع إليه في خلافة أبي بكر ، فزوجه أبو بكر أخته أم فروة بنت أبي قحافة ، وهي أم محمد بن الأشعث ، ولما مات أبو بكر خرج الأشعث مع سعد بن أبي وقاص إلى القادسية والمدائن وجلولاء ونهاوند. وبنى له داراً بالكوفة في محلّة كندة ، فنزلها . هلك سنة اثنتين وأربعين من الهجرة ، وقيل : سنة أربعين ، وصلى عليه الإمام الحسن(عليه السلام). الاستيعاب : 1: 110 .
وجاء في شرح النهج / ابن أبي الحديد : 1 : 130 : « أنّ الأشعث طمع بالملك بعد وفاة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، فدعا قومه أن يتوّجوه ، فأجابوه لذلك ، فحارب المسلمين مع المرتدين حتى حوصر في حصنه أياماً ، ولما يئس من الغلبة استسلم على أن يصان دمه ودم عشرة من أصحابه ، فأعطاه المسلمون ذلك ، ونجا من القتل ، وأسف أبو بكر على عدم قتله فقال عند احتضاره : وددت أني يوم جيء بالأشعث كنت ضربت عنقه ، فإنّه يخيل لي أنه لا يرى شرّاً إلا أعان عليه » .
، فقال له : يا أمير المؤمنين ، أيمنعنا القوم ماء الفرات وأنت فينا ، ومعنا السيوف ، خل عنا وعن القوم ، فوالله لا نرجع حتى نرده أو نموت. ومر الأشتر فليعل بخيله فيقف حيث تأمره .1) الأشعث بن قيس الكندي :
فمنحه الإمام الإذن ، ولما ظفر الأشعث بذلك رجع إلى قومه وهو يهتف بهم :
من كان يريد الماء أو الموت فميعاده الصبح ، فإنّي ناهض إلى الماء .
فأجابه اثنا عشر ألفاً ، فلما رأهم قام مزهواً يشدّ عليه لامة حربه وهو يقول :
ميعادنا اليومَ بَياضُ الصُّبحِ*** هَلْ يَصلُحُ الزَّادُ بِغَيرِ مِلحِ ؟
لا لا ، وَلا أَمرٌ بِغَيرِ نُصْح*** دُبُوا إِلى القَومِ بِطَعْنٍ سَمْحِ
مثل العزالي بطعانٍ نَفْح (1)*** لَا صَلحَ لِلقَومِ وَأَينَ صُلْحِي
حَسبي مِنَ الإِقْحَامِ قابُ رُمحِ
ولما اندلع لسان الصبح دبت جماهير العراقيين إلى الأشعث ، فحمل بهم على أهل الشام وهو يقول لقومه :« بأبي أنتم وأمّي ، تقدّموا قاب رمحي »(2).
ولم يزل يهتف بقومه ، ويبعث في نفوسهم روح العزم والنشاط حتى خالطوا أهل الشام ، وصاح بهم الأشعث : خلّوا عن الماء . فأجابه أبو الأعور السلمي(3)
هو عمرو بن سفيان . قال أبو حاتم الرازي : لا يعدّ من الصحابة ، ولا تصح روايته ، شهد حنيناً ، و وهو كافر ثمّ أسلم ، وكان من أشدّ الناس على الإمام في صفّين ، وكان الإمام يدعو عليه في قنوته في صلاة الغداة . الاستيعاب : 4 : 14 .
بعدم السماح لهم ، وهجم الأشعث ومن معه على صفوف أهل الشام فأزالوهم عن الفرات ، وألحقوا بهم خسائر فادحة في الأموال والنفوس ، ولما ملك العراقيون الفرات سمح الإمام لأهل الشام أن يردوا منه ، ولم يكل لهم صاعاً بصاع ، ولم يعمل معهم إلا عمل المحسن الكريم .وقبل أن يدق جرس الحرب أوفد الإمام رسل السلام إلى معاوية ، كما أوفدهم من قبل في معركة الجمل رجاءاً في الصلح وحقن الدماء ، والذين بعثهم للقياهم : عدي بن حاتم ، وشبث بن ربعي ، ويزيد بن قيس ، وزياد بن خصفة ، فتكلّم معه عدي بن حاتم فقال له : « أما بعد : فإنا أتيناك لندعوك إلى أمر يجمع الله به كلمتنا وأمتنا ، ويحقن به دماء المسلمين، وندعوك إلى أفضلها سابقة ، وأحسنها ف-ي الإسلام آثاراً (1)، وقد اجتمع له الناس ، وقد أرشدهم الله بالذي رأوا ، فلم يبق أحد غيرك وغير من معك ، فانته يا معاوية من قبل أن يصيبك الله وأصحابك بمثل يوم الجمل ».
وهي دعوة حق لو وعاها ابن هند واستجاب لها ، لحقن دماء المسلمين ، وجمع كلمتهم ، ولكنّه آثر مصالحه على ذلك ، فقال لعدي : كأنّك إنّما جئت متهدّداً ولم تأت مصلحاً . هيهات يا عدي ، كلا والله لابن حرب ما يقعقع لي بالشنان(2). أما والله إنّك لمن المجلبين على ابن عفّان ، وإنّك لممّن قتلته ، وإنّي لأرجو أن تكون ممّن يقتله الله . هيهات يا عدي قد حلبت بالساعد الأشدّ ».
لقد أظهر له الغيّ والتمرّد والإيثار للحرب ، وذلك لما يتمتع به من القوى العسكريّة والقدرة على مناجزة الإمام .
وتكلّم معه يزيد بن قيس فقال له : « إنّا لم نأتكِ إلا لنبلغك ما بعثنا به إليك ، ولنؤدّي ما سمعنا منك ، لن نَدَع أن ننصح لك، وأن نذكر ما ظننا أن لنا به عليك
حُجَةٌ ، أو أنه راجع بك إلى الألفة والجماعة ، إن صاحبنا لَمَن قد عَرَفت ، وعرف المسلمون فضله ، ولا أظنُّه يخفى عليك إنّ أهل الدين والفضل لن يعدلوك بعلي اللام ، ولن يميلُوا بينك وبينه (1)، فاتق الله يا معاوية ! ولا تخالف عليّاً ، فإنّا والله ما رأينا رجلاً قط أعمل بالتقوى ، ولا أزهد في الدنيا ، ولا أجمع لخصال الخير كلّها منه ... » .
إن معاوية يعلم فضل أمير المؤمنين الله ، ولكن أحقاده وأطماعه يحولان بينه وبين الحق ، فآثر حربه ومنازعته .
فأجاب القوم قائلاً: «أما بعد .. فإنّكم دعوتم إلى الطاعة والجماعة ، فأما الجماعة التي دعوتم إليها فنعِمَّا هي ، وأما الطاعة لصاحبكم فإنا لا نراها ، إنّ صاحبكم قتل خليفتنا ، وفَرَّق جماعتنا ، وآوى ثأرنا، وَقَتلَتنا ، وصاحبكم يزعم أنه لم يقتله، فنحن لا نرد ذلك عليه، أرأيتم قتلة صاحبنا ؟ ألستم تعلمون أنهم أصحاب صاحبكم ؟فليدفعهم إلينا فلنقتلهم به ، ونحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة». وحفل كلام ابن هند بالأكاذيب والأغاليط ، فقد اتهم الإمام بقتل عثمان وهو يعلم
ببراءته منه ، فقد قتله خيار المسلمين لما انحرف عن الحق ، وغير كتاب الله ، كما ذكرنا ذلك عند عرض أحداثه ، وقد انبرى إليه شبث بن ربعي(2)
كان مؤذناً لسجاح التي ادعت النبوة ، ثمّ أسلم ، وصار من أصحاب أمير المؤمنين(عليه السلام)، ثمّ صار مع الخوارج ، ثم تاب عن ذلك ، وكان هذا الأثيم ممن اشترك في قتل سيد الشهداء(عليه السلام). هلك في حدود السبعين من الهجرة . الإصابة : 2 : 163 .
، فقال له : أيسرك بالله يا معاوية ! إن أمكنت من عمار بن ياسر فقتلته ؟وقد عرض شبث لمعاوية أعظم شخصية إسلامية ثارت على عثمان ، وهو عمّار
ابن ياسر ، فهل يقتص منه إن ظفر به .
فقال له معاوية : وما يمنعني من ذلك ، والله ! لو أمكنني صاحبكم من ابن سميّة ما قتلته بعثمان ، ولكن كنت قتلته بنائل مولى عثمان بن عفان .
وما الذي يمنع معاوية من قتل عمّار لو ظفر به في سبيل الملك والبغى على الإسلام ، وثار شبث حينما سمع مقالته ، فقال له : لا والله الذي لا إله إلا هو ! لا تصل إلى قتل ابن ياسر حتى تندر الهام عن كواهل الرجال ، وتضيق الأرض الفضاء عليك برحبها » .
ورجع القوم وهم خافقون في سفارتهم ، لم يستجب لهم معاوية ، فقد رأوا أنه مصمّم على الحرب ، وممعن في البغي والتمرّد ، فجعلوا يدعون الناس للحرب ، ويحرّضونهم على مناجزة معاوية .
ولمّا أخفقت جميع الوسائل التي اتخذها الإمام من أجل السلم تهيّأ للحرب ، وقد أصدر تعاليمه إلى عموم جيشه ، وقد جاء فيها :
« لَا تُقاتِلُوا الْقَوْمَ حَتَّى يَبْدَأُوكُمْ ، فَأَنتُمْ بِحَمْدِ اللَّهِ - عَلَى حُجَّةٍ وَتَرْكُكُمْ إِيَّاهُمْ حَتَّى يَبْدَأُوكُمْ حُجَّةٌ أُخْرى لَكُمْ عَلَيْهِمْ ، فَإِذا قَاتَلْتُمُوهُمْ فَهَزَمْتُمُوهُمْ فَلَا تَقْتُلُوا مُدْبِراً ، وَلَا تَجْهَرُوا عَلى جَرِيحٍ ، وَلَا تَكْشِفُوا عَوْرَةً، وَلَا تُمَثْلُوا بِقَتِيلٍ.
فَإِذا وَصَلْتُمْ إِلى رِحالِ الْقَوْمِ فَلا تَهْتِكُوا سِتْراً، وَلا تَدْخُلُوا داراً إِلَّا بِإِذْنِ، وَلا تَأْخُذُوا شَيْئاً مِنْ أَمْوَالِهِم إِلَّا مَا وَجَدْتُمْ فِي مُعَسْكَرِهِمْ ، وَلا تُهَيِّحُوا امْرَأَةٌ بِأَدَى وَإِنْ شَتَمْنَ أَعْراضَكُمْ وَسَبَيْنَ أُمَرَاءَ كُمْ وَصُلَحَاءَ كُم ؛
فَإِنَّهُنَّ ضِعافُ الْقُوى وَالْأَنْفُسِ وَالْعُقولِ»(1).
هذه خطته التي رسمها لجيشه ، وهي تمثل ما يكنه في نفسه من الرحمة والرأفة وحبّ الخير حتى لأعدائه ومناوئيه .
وعقد الإمام الألوية ، وأمر الأمراء ، فاستعمل على الخيل عمّار بن ياسر ، وعلى الرجالة عبدالله بن بديل ، ودفع اللواء إلى هاشم المرقال ، وجعل على الميمنة الأشعث بن قيس ، وعلى الميسرة عبد الله بن عبّاس ، وعقد ألوية القبائل فأعطاها لأعيانهم .
وكذلك عباً معاوية أصحابه على راياتهم، فاستعمل عبيد الله بن عمر على الخيل ، وعلى الرجالة مسلم بن عقبة المرّي ، وعلى الميمنة عبيد الله بن عمرو بن العاص ، وعلى الميسرة حبيب بن مسلم الفهري ، وأعطى اللواء عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وجعل على أهل دمشق الضحاك بن قيس الفهري .
وجعلت كتائب من جيش الإمام تخرج إلى فرق أهل الشام فيقتتل الفريقان نهاراً كاملاً، أو طرفاً منه ، ولم يرغب الإمام في أن تقع حرب عامة بين الفريقين رجاء أن يجيب خصمه إلى الصلح ، ويثوب إلى الرشاد ، ودام على هذا الحال حفنة من الأيام حتى أطلّ شهر المحرّم ، وهو من الأشهر التي يحرم القتال فيها في الجاهلية والإسلام ، فتركوا القتال فيه ، وتوادعوا شهرهم كله ، وأتيح للقوم أن يلتقوا فيه آمنين من دون أن تقع بينهم أي حرب ، ولكن كان بينهم أعنف الجدال ، وأشدّ الخصام، يدعو العراقيون أهل الشام إلى جمع الكلمة وإلى العمل بكتاب الله ، ومبايعة وصيّ رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم). ويدعوهم أهل الشام إلى الطلب بدم عثمان ، ورفض بيعة الإمام(عليه السلام).
ولما انقضى شهر المحرّم مضى القوم على حربهم كما كانوا قبله ، وجعل مالك
1) وقعة صفّين : 266 . نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة 8: 346 - 347 .
الأشتر ينظر إلى رايات أهل الشام ويتأملها ، فإذا هي رايات المشركين التي خرجت الحرب رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، فاندفع يخاطب قومه قائلاً: «أكثر ما معكم رايات كانت مع رسول الله ، ومع معاوية رايات كانت مع المشركين على عهد رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم). فما يشك في قتال هؤلاء إلا ميت القلب » .
واندفع عمّار بن ياسر ، فجعل يبيّن للمسلمين واقع معاوية ويحرّضهم على قتاله :قائلاً « يا أهل الإسلام(1)، أتريدون أن تنظروا إلى من عادى الله ورسوله وجاهدهما ، وبغى على المسلمين، وظاهر المشركين ، فلمّا أراد الله أن يُظهر دينه ، وينصر رسوله أتى النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، فأسلم ، وهو والله فيما يرى راهب غير راغب ، وقبض الله رسوله وإنّا والله لنعرفه بعداوة المسلم ومودّة المجرم ، ألا وإنّه معاوية فالعنوه لعنه الله ، وقاتلوه فانّه ممّن يطفئ نور الله ، وظاهر أعداء الله » .
إن معاوية قبل أن يسلم قد عادى الله ورسوله ، وبغى على المسلمين ، وما أسلم إلا خوفاً من حدّ السيوف التي أخذت أسرته ، وقد أضمر الشرك والنفاق والبغي على الإسلام والمسلمين ، فلما وجد أعواناً نهض بهم لمحاربة أخي رسول الله ، وباب مدينة علمه.
وحاول معاوية أن يلعب دوراً مع الإمام الحسن(عليه السلام)، فبعث إليه عبيد الله بن عمر(2)
ولد على عهد رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، ولم يرو عنه شيئاً ، وهو الذي قتل الهرمزان وجفينة ، وقد توعده الإمام بإقامة الحدّ عليه إن ظفر به ، التحق بمعاوية في صفين ، وخرج في بعض أيامها وعليه جبة خز وسواك ، وهو يقول : سيعلم عليّ غداً إذا التقينا .
فقال الإمام : دعوهُ فَإِنَّما دَمُهُ دَمُ بَعوضَةٍ ، وقد قتل بصفين . الاستيعاب : 2: 431 .
يمنيه بالخلافة ، ويخدعه حتى يترك أباه ، فانطلق عبيد الله ، فقال له :لى إليك حاجة ؟
نَعَمْ، ما تُريدُ ؟
إن أباك قد وتر قريشاً أولاً وآخراً ، وقد شنأوه ، فهل لك أن تخلعه ونوليك هذا الأمر؟
نعم إنّ الإمام قد وترهم ، ولكن في سبيل الإسلام، فقد حاولوا لف لوائه . فناجزهم الإمام فقتل جبابرتهم ، وأباد طغاتهم ، وهزم جموعهم ، وهم من أجل ذلك يحملون له حقداً وعداءاً .
ولما سمع الإمام مقالته صاح به وقد لذعته عقرب الخيانة ، فقال له : كَلَا وَاللهِ لا يكون ذلك !
وألقى الإمام الحسين (عليه السلام) عليه نظرة غضب واستياء ، وأخبره أنه سيلاقي حتفه عما قليل ، فقال له : لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْكَ مَقْتولاً في يَوْمِكَ أَوْ غَدِكَ ، أَما إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ زَيَّنَ لَكَ وَخَدَعَكَ حَتّى أَخْرَجَكَ مُخَلَّفاً بِالْخُلوقِ(1)تَرى نِساءَ أَهْل الشَّامِ مَوقِفَكَ ، وَسَيَصْرَعُكَ اللهُ وَيَبْطَحُكَ لِوَجْهَكَ قَتِيلاً (2).
ورجع عبيد الله إلى معاوية وهو خائب حسير ، وقد أخفق في مهمته وأخبره بحديث الإمام ، فقال معاوية متبهّراً :« إنّه ابن أبيه ! ! »(3).
وخرج عبيد الله في ذلك اليوم إلى ساحة الحرب يقاتل مع الجبهة المعادية
للإسلام ، فلاقي حتفه سريعاً على يد فذ نبيل من همدان ، واجتاز الإمام الحسن(عليه السلام) في ساحة المعركة فرأى رجلاً قد توسّد رجلاً قتيلاً، وقد ركز رمحه في عينه ،
وربط فرسه في رجله ، فقال الحسن(عليه السلام) لمن حوله : انْظُروا مَنْ هذا ؟
فأخبروه أنّ الرجل من همدان، وأنّ القتيل عبيد الله بن عمر ، فسر بذلك ،وقال مبتهجاً : الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى ذلِكَ (1).
وقد لقي عبيد الله نهايته الأخيرة وهو معادٍ الله ورسوله ، وباغ على الإسلام ، وخارج على إمام المسلمين.
واستمرت المناوشات بين الفريقين أمداً غير يسير من دون أن تقع بينهما حرب عامة ، وقد سئم كلّ منهما هذه المطاولة التى لم تكن تجدي شيئاً ، فإنّه لم يكن هناك أي أمل في الإصلاح والوئام وجمع الكلمة ، وإنّما كانت هذه المطاولة تزيد الفتنة امتداداً ، والشر انتشاراً .
فلما رأى الإمام ذلك عباً أصحابه وتهيّأ للحرب العامة ، ولما رأى معاوية ذلك فعل مثل فعله ، والتقى كلّ منهما بالآخر ، وبادر الحسن(عليه السلام)ليحمل على صفوف أهل الشام ، فلمّا بصر به الإمام ذهل وأربع وقال لمن حوله : امْلِكُوا عنّي هذا الْغُلَامَ لَا يَهُدَّني(2)، فَإِنَّني أَنْفَسُ (3)بِهَذَيْنِ - يعني الحسن والحسين(عليه السلام)- عَلَى الْمَوْتِ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ بِهِما نَسْلُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ»(4).
واستعرت نار الحرب ، واشتد أوارها حتّى جفل الناس ، وخيّم عليهم الذعر والموت ، وقد انكشفت ميمنة الإمام ، وتضعضع قلب الجيش ، وبدت الهزيمة فيه ،
فدعا سهل بن حنيف ، فلما مثل بين يديه أمره أن يلتحق بمن معه في الميمنة ، فامتثل ما أمر به ، فحملت عليهم جيوش أهل الشام ، فكشفتهم ورجعوا منهزمين إلى الميسرة ، وانكشفت عن الميسرة مضر وثبتت ربيعة فيها ، وإن قائلهم ليقول : يا معشر ربيعة ، لا عذر لكم بعد اليوم عند العرب إن أصيب أمير المؤمنين وهو فيكم .
وتحالفت ربيعة على الموت وثبتت في الميدان، وهي رابطة الجأش لا تبالي بالحمام قد أخذت على عاتقها أن تقوم بنصرة الحقِّ ، وتفدي أرواحها للإمام ، وكان الإمام معهم يحمل على أعدائه وقد مطرت عليه سهام القوم ، وكان أبناؤه ي-قونه بأنفسهم ولم يفارقه أحد منهم ، ويصر به حين اشتباك الأسنة مولى لبني أمية يدعى أحمر بن كيسان فجاء كالكلب نحو الإمام وهو يقسم على قتل الإمام قائلاً: ورب الكعبة قتلني الله إن لم أقتلك أو تقتلني .
فانبرى إليه مولى للإمام يدعى كيسان فبدر إليه الكلب المهاجم فأرداه صريعاً على الأرض يتخبّط بدمه، وجعل الخبيث يشتد نحو الإمام فتناوله الإمام بيده وحمله على عاتقه ثمّ ضرب به الأرض ، فكسر منكبه وعضديه وشدّ عليه الحسين ومحمّد فقتلاه .
ودنا الإمام من جموع أهل الشام فخاف الحسن أن يغتال العدو أباه فقال له : لَوْ سَعَيْتَ حَتَّىٰ تَنْتَهِيَ إِلى هؤلاءِ الَّذِينَ قَدْ صَبَرُوا لِعَدُوكَ
( يعني بهم ربيعة ) مِنْ أَصْحَابِكَ .
وعرف الإمام مغزى كلام الحسن(عليه السلام) ، فقال له برفق ولين : يا بُنَيَّ ، إِنَّ لأَبيكَ يَوْماً لَنْ يَعْدُوهُ ، وَلَا يُبْطِئُ بِهِ عَنْهُ السَّعْ ، وَلَا يُعَجِّلُ بِهِ إِلَيْهِ الْمَشْيَ ، إِنَّ أَبَاكَ وَاللَّهِ مَا يُبالي أَوَقَعَ عَلَى الْمَوْتِ ، أَوْ وَقَعَ الْمَوْتُ عَلَيْهِ .
وأقبل الأشتر يركض وهو مذهول اللبّ ، مندهش الفكر ، لما انهزمت الكتائب وولّت على أعقابها خوفاً من الموت ، فلمّا بصر الإمام به قال له : يا مالك .
لبيك .
انتي هؤلاء الْقَوْمَ فَقُلْ لَهُمْ: أَيْنَ فِرارُكُمْ مِنَ الْمَوْتِ الَّذِي لَنْ تُعْجِرُوهُ إِلَى الْحَيَاةِ الَّتِي لَا تَبقى لَكُمْ.
مضى الأشتر إلى المنهزمين فألقى عليهم رسالة الإمام ، فهدأ روعهم ثم قال معرفاً لهم بشخصيته : أنا مالك بن الحارث ، أنا مالك بن الحارث .
وخطر له أن هذا الاسم غير كافٍ لهم في تعريفه ، فقال معرفاً نفسه بما اشتهر به : أنا الأشتر.
فبادرت فصيلة من الناس إليه فهتف فيهم بنبرات تقطر حماساً وعزماً قائلاً: أيها الناس ، عضضتم بهن آبائكم ، ما أقبح ما قاتلتم منذ اليوم .
ثمّ هتف ثانياً قائلاً: أخلصوا لي مذحجاً
فانبرت إليه مذحج ، فقال لها : عضضتم بصم الجندل ، ما أرضيتم ربكم ، ولا نصحتم له في عدوّكم ، وكيف بذلك وأنتم أبناء الحروب ، وأصحاب الغارات ، وفتيان الصباح ، وفرسان الطراد ، وحتوف الأقران ، ومذحج الطعان الذين لم يكونوا يسبقون بثأرهم ، ولا تطل دماؤهم ، ولا يعرفون في موطن بخسف ، وأنتم حدّ أهل مصركم ، وأعد حي في قومكم ، وما تفعلون في هذا اليوم فإنّه مأثور بعد اليوم ، فاتقوا مأثور الأحاديث في غد ، واصدقوا عدوّكم اللقاء ، فإن الله مع الصادقين، والذي نفس مالك بيده ما من هؤلاء - وأشار لأهل الشام - رجل على مثال جناح بعوضة من محمد(صلی الله علیه وآله وسلم)أنتم ما أحسنتم القراع ، اجلوا سواد وجهي دمى ، عليكم بهذا السواد الأعظم ، فإنّ الله عزّ وجلّ لو قد فضه تبعه من بجانبيه كما يتبع مؤخر السيل مقدمه ! ».
لقد هيمن الزعيم مالك على النفوس، واستولى عليها بخطابه الحماسي الرائع ، فقد بعث روح العزم والنشاط في نفوس الجيش ، وتعالت الأصوات من كل جانب
الجزء العاشرة
تعرب له الطاعة والانقياد .
وسارعوا إليه يتسابقون نحو الموت صامدين أمام العدو، وكانت كتائب من همدان قد أبيد فريق من زعمائها وقوادها الباسلين في المعركة ، وكان آخر من أخذ اللواء بيده وهب بن كريب ، فبادر إليه جمع من أحبائه قائلين له : رحمك الله ، قد قتل أشراف قومك حولها - أي حول الراية - فلا تقتل نفسك ، ولا من بقي من قومك .
انصرف وهب ومن معه عن ساحة الحرب وهم يطلبون فئة قوية ينضمون إليها ، وهتفوا أمام الجموع بما يرومونه قائلين: ليت لنا عدتنا من العرب يحالفوننا على الموت ثمّ نستقدم نحن وهم فلا ننصرف حتّى نُقتل أو نظفر .
واجتازوا على الأشتر فسمع نداءهم ، فرحب بفكرتهم وقال لهم : أنا أحالفكم وأعاقدكم على أن لا نرجع أبداً حتى نظفر أو نهلك .
وابتهجوا بكلام الأشتر وانضموا تحت لوائه ، وفي فعلهم هذا يقول كعب بن جعيل : « وهمدان زرق تبتغي من تحالف».
وهجم الأشتر بمن معه من البهاليل على جموع أهل الشام ، فكانوا أمام بواترهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ، وظهر الضعف في جيش معاوية ، وكاد أصحاب معاوية يبلغون فسطاطه وهم معاوية بالفرار لولا أن ذكر قول ابن الاطنابة :
أَبَتْ لِي هِمَّتِي وَأَبَى بَلائي*** وَإِقْدامِي عَلى البَطَلِ المُشيحِ
وإعطائي على المكروه مالي*** وَأَخْذي الحَمْدَ بِالثَّمَنِ الرَّبيح
وقولي كُلَّما جَشَأَت وَجاشَتْ*** مكانَكِ تُحمَدِي أَوْ تَسْتَريحي
فردّه ذلك الشعر إلى الصبر والثبات ، كما كان يتحدّث بذلك أيّام العافية .
ولما رأى الصحابي العظيم عمار بن ياسر الرؤوس تتساقط ، والأرض قد صبغت بالدماء أخذ يناجي نفسه قائلاً: «صدق رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)هؤلاء القاسطون ، إنه اليوم الذي وعدني فيه رسول الله ، إنّي قد أربيت على التسعين فماذا أنتظر ؟ ! رحماك ربي قد اشتقت إلى إخواني الذين سبقوني بالإيمان إليك .. سأمشي إلى لقاء ربّي مجاهداً أعداءه بين يدي وليه ووصي رسوله وخليفته من بعده ، فإنّي أراه اليوم الذي وعدني به رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)» .
وأطال النظر في رايات معاوية فانطلق يقول : «إنّ مراكزنا على مراكز رايات رسول الله يوم بدر ويوم أحد ويوم حنين ، وإنّ هؤلاء على مراكز رايات المشركين من الأحزاب »(1).
وتمثلّت أمامه في ذلك اليوم صفحات من تاريخه البعيد والقريب ، فعرضت له صورة أبويه ياسر وسميّة وهما يعذبان أعنف التعذيب وأمره وهو شاب معهما يلاقي ما لاقياه من الارهاق على يد جبابرة قريش ، ففاضت روح أبويه ، وأفلت هو من التعذيب ، وتذكر ما عاناه في شيخوخته من عثمان من التنكيل والتعذيب ، كل ذلك في سبيل مبدئه وعقيدته .
وقد أودعت هذه الذكريات في نفسه شوقاً عارماً إلى ملاقاة الله ، فانفجر بالبكاء ، وأخذ يناجي الله قائلاً: « اللهم إنّك تعلم أنّي لو أعلم أنّ رضاك أن أضع ظبة سيفي(2)في صدري ، ثمّ أنحني عليها حتى تخرج من ظهري لفعلت ، ولو أعلم أن رضاك في أن أقذف بنفسي في هذا البحر لفعلت ، ولو أعلم أنّ رضاك أن أرمي بنفسي من هذا
الجبل فاتردّى وأسقط فعلت ، وإنّي لا أعلم اليوم عملاً هو أرضى لك من جهاد هؤلاء القاسطين ، ولو أعلم من الأعمال ما هو أرضى لك منه لفعلته » .
ثمّ انعطف إلى أمير المؤمنين ودموعه تتبلور على كريمته الشريفة ، فلما رآه الإمام قام إليه وعانقه واحتفى به ، فالتفت إلى الإمام : يا أخا رسول الله ، أتأذن لي في القتال ؟ فقد قلب الإمام وأربع من كلامه ، لأنه ساعده الذي به يصول ، فقال له بصوت راعش النبرات : مَهْلاً يَرْحَمُكَ الله !
انصرف عمار فلم يلبث إلا قليلاً حتى عرضت له تلك الذكريات فحفّزته إلى لقاء الله ، فرجع إلى الإمام قائلاً: أتأذن لي في القتال ؟
ومضى فلم يمكث إلا برهة حتى عاوده الشوق إلى لقاء أحبائه الذين سبقوه إلى الإيمان ، فكرّ راجعاً إلى الإمام فقال له : أتأذن لي بالقتال ؟ فإنّي أراه اليوم الذي وصفه رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، وقد اشتقت إلى لقاء ربّي وإلى إخواني الذين سبقوني .
فلم يجد الإمام بدّاً من إجابته ، فقام إليه وعانقه ، وقد ذابت نفسه أسى وحسرات ، وقال له : يا أبا الْيَقْطانِ ، جَزَاكَ اللهُ عَنِّي ، وَعَنْ نَبِيِّكَ خَيْراً ، فَنِعْمَ الْأَخُ كُنْتَ وَنِعْمَ الصّاحِبُ .
وأجهش الإمام بالبكاء ، وبكى عمّار لبكائه، وقال له : والله يا أمير المؤمنين ما تبعتك إلا ببصيرة ، فإنّي سمعت رسول الله يقول يوم حنين : يا عَمَارُ ، سَتَكونُ بَعْدِي فِتْنَةٌ ، فَإِذا كانَ كَذلِكَ فَاتَّبِعْ عَلِيّاً وَحِزْبَهُ ، فَإِنَّهُ مَعَ الْحَقِّ وَالْحَقُّ مَعَهُ ، وَسَيُقاتِلُ بَعْدِي النّاكِثينَ وَالْقاسِطين ، فجزاك الله يا أمير المؤمنين أفضل الجزاء ، فلقد أديت وبلغت ونصحت .
ثمّ تقدّم عمّار إلى ساحة الشرف وميدان القتال وهو جذلان مسرور بملاقاة الله ، وقد استرد قوته ونشاطه، وارتفع صوته عالياً وهو يقول :
« الجنة تحت ظلال
العوالي ، اليوم ألقى الأحبة محمّداً وحزبه» .
وتبعه المهاجرون والأنصار والشباب المؤمن فانعطف بهم إلى القائد العام هاشم بن عتبة المرقال(1)
يكنّى أبا عمرو ، ويعرف بالمرقال ، أسلم يوم فتح مكة ، كان من ذوي الفضيلة والدين ، وفي طليعة شجعان العرب ، فقئت عينه في واقعة اليرموك بالشام ، وهو الفاتح لجلولاء من بلاد الفرس ، وكانت وقعة جلولاء تسمّى فتح الفتوح ، بلغت غنائمها ثمانية عشر ألف ألف ، كان على الرجالة في واقعة صفين ، فقطعت رجله فجعل يقاتل كل من دنا إليه وهو بارك وهو يقول : « الفَحلُ يَحمي شَولَهُ معقولاً ، وفيه يقول أبو الطفيل عامر بن واثلة :
يا هاشِمَ الخَيرِ جُزيتَ الجَنَّة*** قائلتَ في اللهِ عَدُوَّ السُّنَّة
أسد الغابة : 5: 49
، فطلب منه أن يتولى القيادة ، فأجابه إلى ذلك ، وحمل هاشم فجعل عمّار يحثه على الهجوم وهو يقول له : « احمل فداك أبي وأمّي».وجعل هاشم يزحف باللواء زحفاً ، فضاق على عمار ذلك ، لأنه في شوق عارم لملاقاة الله والوفود على حبيبه محمد ، فوجه لهاشم أعنف التقريع قائلا له :
« يا هاشم ، أعور وجبن ؟ » .
وثقل على هاشم هذا العتاب المرّ فقال له : رحمك الله يا عمّار ، إنّك رجل تأخذك خفّة في الحرب ، وإنّى إنّما أزحف باللواء زحفاً أرجو أن أنال بذلك حاجتي ، وإنّي إن خففت لم آمن الهلكة .
وما زال عمّار بهاشم يحرّضه ، ويحثه على الهجوم حتى حمل وهو يرتجز :
قَدْ أَكْثَرُوا لَومِي وَمَا أَقَلًا*** إِنِّي شَرَيْتُ النَّفْسَ لَنْ أَعتَلًا
أعورُ يَبغى نَفْسَهُ مَحَلاً*** لا بُدَّ أَنْ يَغُلُ أَوْ يُفَلَا
قد عالج الحَياةَ حَتَّى مَلا*** أَشَدُّهُمْ بِذي الكعوب شلَّا
1) هاشم بن عتبة بن أبي وقاص الزهري القرشي :
فجال هاشم في ميدان القتال، وعمار يقاتل معه ، فنظر إلى راية ابن العاص فجعل يقول : « والله ! إنّ هذه الراية قاتلتها ثلاث عركات ، وما هذه بأرشدهن» .
وجعل يقاتل أشدّ القتال وهو موفور النشاط ، خفيف الحركة ، وهو يرتجز ويقول :
نَحْنُ ضَرَبْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ*** واليومَ نَضْرِبْكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ
ضَرْباً يُزِيلُ الهام عن مَقيلِهِ*** وَيُذْهِلُ الخَليلَ عن خَليلِهِ
أَوْ يَرجِعُ الحَقُّ إِلى سَبيلِهِ
لقد قاتل عمار قريشاً مع النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)على الإقرار بكلمة التوحيد ، واليوم يقاتلهم على الإيمان بما في القرآن ، وعلى التصديق بما جاء به الإسلام .
وبعد كفاح رهيب سقط عمار إلى الأرض صريعاً قد قتلته الفئة الباغية(1)التی طبع على قلوبها الزيغ، ونسيت ذكر الله فسبحت في ظلام قاتم .
الله ولما أذيع خبر مقتله انهد ركن الإمام، وأحاطت به موجات وموجات من الهموم والأحزان ، لأنه فقد بمقتله كوكبة من الأعوان والأنصار ، ومشى لمصرعه عه حزيناً باكياً تحف به قوّاد الجيش وأمراء القبائل والبقية الصالحة من المهاجرين والأنصار ، وهم يهرقون الدموع ، وعلا منهم النحيب والبكاء ، ووقف الإمام عليه ، فلمّا رآه صريعاً متخبّطاً بدمه انهارت قواه وجعل يؤبنه بكلمات تنمّ عن قلب موجع قائلاً:
إِنَّ امْرَأَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَعْظُمْ عَلَيْهِ قَتْلُ عَمَارٍ - وَيَدْخُلْ عَلَيْهِ بِقَتْلِهِ مُصِيبَةٌ مُوجِعَةٌ -لَغَيْرُ رَشِيدٍ .
رَحِمَ اللهُ عَمّاراً يَوْمَ أَسْلَمَ .
1) قتله أبو العادية، وكان يدخل على معاوية فيقول لحاجبه : قاتل عمار بالباب ، فيأذن له . أسد الغابة : 5 : 267 ، وأثر عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)أنه قال : « لَوْ أَنَّ عَمَاراً قَتَلَهُ أَهْلُ الْأَرْضِ لَدَخَلُوا النار».
وَرَحِمَ اللهُ عَمّاراً يَوْمَ قُتِلَ.
وَرَحِمَ اللهُ عَمَاراً يَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً.
لَقَدْ رأَيْتُ عَمَاراً مَا يُذْكَرُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم)أَرْبَعَةٌ إِلَّا كَانَ الرابعُ ، وَلَا خَمْسَةٌ إِلَّا كَانَ الْخامِسُ ، وَمَا كَانَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ (صلی الله علیه وآله وسلم) يَشْكُ فِي أَنَّ عَمَاراً قَدْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ وَلَا اثْنَيْنِ ، فَهَنِيْناً لِعَمّارِ الْجَنَّةُ ».
وأخذ الإمام رأس عمّار ووضعه في حجره وجعل ينظم ذوب الحشا وهو يقول :
أَلا أَيُّهَا الْمَوْتُ الَّذِي لَيْسَ تارِكي*** أَرِحْنِي فَقَدْ أَفْنَيْتَ كُلَّ خَلِيلِ
أَراكَ بَصيراً بِالَّذينَ أُحِبُّهُمْ*** كَأَنَّكَ تَسْعَى نَحْوَهُم بِدَلِيل
ووقف الإمام الحسن(عليه السلام)واجماً مستعبراً عند مصرع الشهيد العظيم الذي ساهم في بناء الإسلام ، فأخذ يتلو على المسلمين ما سمعه من جده النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)في فضله والإشادة بعظيم منزلته ، فقال(عليه السلام) : « إِنَّ رَسولَ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) قَالَ لأَصْحَابِهِ : ابْنوا لي عَرِيشاً كَعَرِيشِ مُوسى ، وَجَعَلَ يَتَناوَلُ اللَّيْنَ مِنْ قَوْمِهِ ، وَهُوَ يَقولُ : اللهمَّ لَا خَيْرَ إِلا خَيْرُ الْآخِرَةِ ، فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَةِ ، وَجَعَلَ يَتَناوَلُ اللَّبْنَ مِنْ عَمَارٍ ، وَهُوَ يَقولُ : وَيْحَكَ يا بْنَ سُمَيَّةَ تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْباغِيَةُ .
وقال : إِنَّ جَدّي قالَ : إِنَّ الْجَنَّةَ لَتَشْتاقُ إِلى ثَلاثَةٍ : عَلِيٌّ وَعَمَارٌ وَسَلْمانُ .
ولما أذيع خبر مقتله حدثت الفتنة والانشقاق في صفوف أهل الشام ، فقد سمعوا ممّن سمع من رسول الله أنّه قال في عمّار : تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْباغِيَةُ ،وقد حدّثهم بذلك عمرو بن العاص ، وقد اتضح لهم بعد مقتله أنّهم هم الفئة الباغية التي عناها الرسول ، ولكن ابن العاص قد استطاع بمكره وأكاذيبه أن يزيل ذلك ، ويرجع الحياة إلى مجراها الطبيعي ، فقد ألقى المسؤولية على الإمام زاعماً أنّه هو الذي أخرجه
وقتله ، وأذعن جهال أهل الشام وصدقوا مقالته وراحوا يهتفون : إنّما قتل عمّاراً
من جاء به .
وثقل على أمير المؤمنين(عليه السلام) مقتل عمار ، وأحاطت به الماسي والشجون ، فهتف بربيعة وهمدان ، فاستجابوا له .
فقال لهم : أَنْتُمْ دِرْعِي وَرُمْحي .
فأجابه اثنا عشر ألفاً منهم ، فحمل بهم وهو هائج غضبان ، فلم يبق صف لأهل الشام إلا انتقض ، وأباد واكل فصيلة انتهوا إليها حتى قربوا من فسطاط معاوية ، وكان الإمام يرتجز ويقول في رجزه :
أَضْرِبُهُمْ وَلَا أَرى مُعاوِيَة*** الجاحِظَ العَينِ العَظيمِ الحاوية
ووجه خطابه إلى معاوية فقال له : «وَيْحَكَ! عَلَامَ يَقْتَتِلُ النَّاسُ بَيْنَنَا ، هَلُمَّ أحاكِمُكَ إِلَى اللهِ ، فَأَيْنا قَتَلَ صَاحِبَهُ اسْتَقَامَتْ لَهُ الأُمورُ» .
فانبری ابن العاص إلى معاوية مستهزئاً به قائلاً: أنصفك الرجل .
ما أنصفت ، وإنك لتعلم أنه لم يبارزه أحد إلا قتله .
وما يجمل بك إلا مبارزته .
طمعت فيها بعدي (1).
واستمرّ القتال عنيفاً بين الفريقين وهم ماضون في الحرب لا يريحون ولا يستريحون ، وقد بان الضعف في جيش معاوية ، وتحطمت جميع كتائبه ، وتقللت جميع قواه حتى هم بالفرار والانهزام .
1) تاريخ الأمم والملوك : 5 : 231 .
ولما رأى معاوية بسالة جيش الإمام وخور جيشه ، وعجزه عن المقاومة ونهاية أمره ، دعا وزيره الماكر عمرو بن العاص وقد مشت الرعدة بأوصاله ، وخيّم عليه الخوف فقال له : «إنّما هى الليلة حتى يغدو علينا بالفيصل ، فما ترى».
وقد أعرب عن قرب نهايته وعدم قدرته على مقاومة جيش الإمام ، فقال له ابن العاص : « أرى رجالك لا يقومون برجاله ، ولست مثله ، فهو يقاتلك على أمر وأنت تقاتله على أمر آخر ، إنّ أهل العراق يخافون منك إن ظفرت بهم ، وأهل الشام لا يخافون من عليّ إن ظفر بهم ».
لقد حدّد ابن العاص النزاع القائم بين الإمام ومعاوية ، فالإمام يقاتله من أجل الإسلام والذب عن مثله ، ومعاوية يقاتله من أجل الملك والسلطان ، فكل واحد منهما يقاتل على أمر لا ينشده الآخر .
وقد أعرب له عن السرّ في بسالة جيش الإمام وخور جيشه ، فجيش الإمام يدافع عن كرامته وحياته ، لأنّه على علم بنفسيّة معاوية واتجاهه أن تغلب عليهم ، فإنّه ينكل بهم ، ويصب عليهم وابلاً من العذاب الأليم ، فلذلك كان جاداً في حربه ، وأما جيشه فإنّه يعرف اتجاه الإمام إن ظفر بهم ، فإنّه يقابلهم بالمعروف والإحسان ، وقد سمعوا عن عفوه وإحسانه حينما ظفر بخصومه في واقعة الجمل ، فجيش الإمام لا بد أن يحوز النصر والظفر ، وقد أدلى له ابن العاص بفكرة كانت هي السبب في تغلبه على الأحداث ، والسبب فى تدمير جيش الإمام فقال له : ألق إليهم أمراً إن قبلوه اختلفوا، وإن ردّوه اختلفوا ، ادعهم إلى كتاب الله حكماً فيما بينك وبينهم ، فإنك بالغ حاجتك في القوم ، فإنّي لم أزل أوخر هذا الأمر لحاجتك إليه » .
ورأى معاوية الصواب في رأي ابن العاص، فبادره بالتصديق والإجابة ، وأمر بالوقت أن ترفع المصاحف ، فرفعت زهاء خمسمائة مصحف على الرماح ،
وارتفعت الصيحة من أهل الشام وهم يهتفون بلهجة واحدة قائلين : « هذا كتاب الله بيننا وبينكم ، من فاتحته إلى خاتمته من لثغور أهل الشام بعد أهل الشام ؟ ومن لثغور أهل العراق بعد أهل العراق ؟ ومن لجهاد الروم ؟ ومن للترك ؟ ومن للكفّار ؟ » .
لقد رفعوا المصاحف حيلة ومكراً ، وتذرّعوا بها لحقن دمائهم ، فإنّهم من دون شك لا يؤمنون بما فيها ، ولا يحزنون على مصير الإسلام والمسلمين ، ولا يرجون لله ،وقاراً ، ولا يهمهم سوى الحكم والسلطان ، ولو كان في نفوسهم بصيص من نور الإسلام لما فتحوا باب الحرب على وصيّ رسول الله ، وأراقوا دماء المسلمين بغير حق .
إنّ من أبشع المهازل وأسوئها في التاريخ الإنساني هي حيلة رفع حيلة رفع المصاحف ، فقد افتتن بها الجيش العراقي ، وانقلب رأساً على عقب ، فإذا بهم يخلعون الطاعة ، ويعلنون العصيان والتمرّد من دون تفكير ولا تدبّر ، وهم قد أشرفوا ع-ل-ى الفتح والظفر بعدوهم الذي أراق سيلاً عارماً من دمائهم .
يا للمصيبة والأسف ، لقد استعلى الباطل على الحقِّ باسم الحق ، فقد عملت مكيدة ابن العاص عملها الفظيع في قلب حكومة العدل والمساواة ، فقد اندفعت كتائب منهم كالسيل ، فأحاطوا بالإمام مرغميه على الاذعان والخضوع لدعوة معاوية وهم يهتفون بلسان واحد : «لقد أعطاك معاوية الحق ، دعاك إلى كتاب الله فاقبل منه ! »
وكان في طليعة الهاتفين بدعوة التحكيم الأشعث بن قيس ، الذي كان سوسة تنخر في المعسكر العراقي ، وأداة للشغب والتمرّد .
أمّا بواعث ذلك فإنّه كانت له رئاسة كندة وربيعة ، وقد عزله الإمام عنها ، وجعلها
في صفين ...
لحسّان بن محدوج ، وتكلّم جماعة مع الإمام في إرجاعه وعدم عزله ، فأبى(1)، وقد أثار ذلك كوامن الحقد في نفسه على الإمام ، وجعله يتطلب الفرصة المواتية للانتقام ، وقد وجدها في تلك الفترة الرهيبة .
ومن الخطأ أن يقال : إنّه انخدع بدعوة معاوية ، فإنّه ليس من السذج والبسطاء حتى يخفى عليه الأمر ، وعلى أي حال، فقد جاء يشتد كأنه الكلب نحو الإمام وهو يقول : ما أرى الناس إلا قد رضوا ، وسرهم أن يُجيبوا القوم إلى ما دعوهم إليه من حكم القرآن ، فإن شئت أتيت معاوية فسألته ما يريد ونظرت ما الذي يسأل ؟
وأخذ يلح على الإمام بأن يوفده إلى معاوية ، فامتنع من إجابته ، ولكنه أصر عليه إصراراً شديداً ، فلم يجد الابداً من إجابته ، فمضى وهو يحمل شارات الشرّ والشقاء ، فقال لمعاوية : لأي شيء رفعتم هذه المصاحف ؟
فأجابه معاوية بالخداع والأباطيل قائلاً: لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله به في كتابه ، فابعثوا منكم رجلاً ترضون به ، ونبعث منا رجلا نرضى به ، ثم نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله ، لا يعدوانه ، ثم نتبع ما اتفقا عليه .
وانبرى مصدّقاً لمقالة معاوية : هذا هو الحقّ .
وأغلب الظن أن معاوية مناه وأرشاه ، لأنّه كان يعلم بانحرافه عن أمير المؤمنين(عليه السلام)، وقد استجاب لدعوته ، وقفل راجعاً إلى الإمام وهو ينادي بالتحكيم .
فقال الإمام(عليه السلام) له ولغيره من المعاندين الذين لا يجدون لذة سوى العناد والتمرّد :
«عبادَ اللَّهِ ، إِنِّي أَحَقُّ مَنْ أَجَابَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ ، وَلَكِنَّ مُعَاوِيَةَ وَعَمْرُو بْنَ
1) وقعة صفين : 153 .
الْعَاصِ وَابْنَ أَبِي مُعَيْطٍ وَحَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ وَابْنَ أَبِي سَرْحِ لَيْسوا بِأَصْحَابِ دينِ وَلَا قُرْآنٍ إِنِّي أَعْرَفُ بِهِمْ مِنْكُمْ صَحِبْتُهُمْ أَطْفالاً وَصَحِبْتُهُمْ رِجالاً ، فَكانوا شَرَّ أَطْفالٍ وَشَرَّ رِجالٍ ، إِنَّهَا كَلِمَةٌ حَقٌّ يُرادُ بِها باطِلٌ ، إِنَّهُمْ يَعْرِفُونَها وَلَا يَعْمَلُونَ بِها ، وَما رَفَعوها لَكُمْ إِلَّا خَديعَةٌ وَمَكيدَةٌ ، أَعيروني سَواعِدَكُمْ وَجَمَاجِمَكُمْ سَاعَةً واحِدَةٌ ، فَقَدْ بَلَغَ الْحَقُّ مَقْطَعَهُ، وَلَمْ يَبْقَ إِلا أَنْ يُقْطَعَ َدابِرُ الَّذينَ ظَلَموا » .
لقد أعرب (عليه السلام) في كلامه كذب ما يدعيه معاوية من الانقياد إلى كتاب الله ، وأبان لهم عن غيهم وتمردهم عن الدين، فهو أدرى بهم من غيره ، ولكن ذلك المجتمع الهزيل لم يذعن لكلام الإمام ، وأعار حديثه أذناً صماء ، فقد انبرى إليه زهاء اثني عشر ألفاً من الذين يظهرون القداسة والدين وهم لا يفهمون منهما شيئاً فخاطبوه باسمه الصريح منذرين ومتوعدين إن لم يخضع لما يرومونه قائلين : « يا علي ، أجب القوم إلى كتاب الله إذا دعيت إليه ، وإلا قتلناك كما قتلنا ابن عفان ، فوالله لنفعلنها إن لم تُجِبْهم.
فأجابهم (عليه السلام):« وَيْحَكُمْ أَنا أَوَّلُ مَنْ دَعَا إِلَى كِتابِ اللهِ ، وَأَوَّلُ مَنْ أَجابَ إِلَيْهِ ، وَلَيْسَ يَحِلُّ لِى وَلَا يَسَعُنِي فِي دِينِي أَنْ أُدْعِى إِلَى كِتابِ اللَّهِ فَلَا أَقْبَلَهُ ، إِنِّي إِنَّمَا أُقاتِلُهُمْ لِبَدِينُوا بِحُكْمِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُمْ قَدْ عَصَوا اللَّهَ فِيما أَمَرَهُمْ وَنَقَضُوا عَهْدَهُ وَنَبَذُوا كِتابَهُ ، وَلَكِنِّي قَدْ أَعْلَمْتُكُمْ أَنَّهُمْ قَدْ كَادُوْكُمْ وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا الْعَمَلَ بِالْقُرْآنِ يُرِيدُونَ ».
وكلّما حاول الإمام إقناعهم وإفهامهم بشتى الأساليب بأنها خديعة بعد فشلهم وعجزهم عن المقاومة فلم يتمكن ، وأخذوا يصرّون عليه بأن يأمر قائده الأشتر
بالانسحاب عن ساحة الحرب .
ورأى الإمام الشرّ في وجوههم ، وقد أجمعوا على مناجزته، وأحاطوا به مهددين ومنذرين، فلم يجد(عليه السلام)بداً من إجابتهم ، فأنفذ بالوقت إلى الأشتر يزيد بن هاني يأمره بالانسحاب عن الحرب، فلما انتهى الرسول إلى الأشتر وبلغه رسالة الإمام ، انبرى الأشتر قائلاً مقالة رجل تهمه مصلحة الأمة والنفع العام : قل لسيدي ، ليست هذه بالساعة التي ينبغي لك أن تزيلني فيها عن موقفي ، إنّي قد رجوت الله أن يفتح لي فلا تعجلني».
رجع الرسول إلى الإمام فأخبره بمقالة الحازم اليقظ ، وكانت إمارة الفتح والظفر قد بدت على يده ، وأوشك أن ينتهى الأمر ، وارتفعت الأصوات من كتائب جيشه معلنة بالفتح المبين، فلما سمع هؤلاء المتمردون ذلك أحاطوا بالإمام قائلين له : والله ما نراك إلا أمرته أن يقاتل.
فانطلقوا يهتفون بلسان واحد : فابعث إليه فليأتك وإلا فوالله اعتزلناك .
فأريع الإمام منهم ، وقد أوشكوا أن يفتكوا به ، فقال الله : وَيْحَكَ يا يَزيدُ : قُلْ لَهُ : أَقْبِلْ إِلَيَّ ، فَإِنَّ الْفِتْنَةَ قَدْ وَقَعَتْ !
فانطلق يزيد مسرعاً إلى الأشتر فقال له : اقبل إلى أمير المؤمنين ، فإنّ الفتنة قد وقعت .
فأقبل الأشتر وقال ليزيد والذهول بادٍ عليه مستفهماً عن مدرك هذه الفتنة والانقلاب الذي وقع في الجيش : الرفع هذه المصاحف ؟
وقال الأشتر مصدّقاً تنبؤ نفسه وحدسها في وقوع هذا الانقلاب : «أما والله لقد
ظننت أنها حين رفعت ستوقع اختلافاً وفرقة ، إنّها مشورة ابن العاهرة » .
ثم التفت إلى الرسول والألم يحز في نفسه : « ألا ترى إلى الفتح ، ألا ترى إلى ما يلقون ، ألا ترى إلى الذي يصنع الله لنا ، أينبغي أن ندع هذا وتنصرف عنه ؟».
فانطلق يزيد يخبره بحراجة الموقف والأخطار التي تحف بالإمام قائلاً: أتحبّ أنك ظفرت هاهنا ، وأن أمير المؤمنين بمكانه الذي هو به يفرج عنه ويسلّم إلى عدوّه ؟
سبحان الله ! لا والله ما أحب ذلك
فإنهم قالوا : لترسلن إلى الأشتر فليأتينك أو لنقتلنك بأسيافنا كما عفّان ، أو لنسلمنك إلى عدوّك .
فقفل الأشتر راجعاً إلى الإمام والحزن قد استولى عليه لضياع أمله المنشود ، فقد ظفر بالفتح ، وأهريقت دماء جيشه حتى أشرف على النهاية ، وإذا بتلك المتاعب والجهود تذهب سدى لمكر ابن العاص ، وخاطب أولئك الأراذل بشدّة وصرامة مندّداً بهم قائلاً: « يا أهل الذل والوهن ، أحين علوتم القوم فظنوا أنكم لهم قاهرون رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها ؟ ! وقد والله تركوا ما أمر الله به فيها وسنّة من أنزلت عليه ، فلا تجيبوهم ، امهلوني فواقاً ، فإنّي قد أحسست بالفتح ».
فانطلق هؤلاء المتمردون مظهرين له الغي والعناد قائلين بلسان واحد : « لا ، لا » .
امهلوني عدوة الفرس ، فإنّي طمعت في النصر » .
إذن ندخل معك في خطيئتك .
وانبرى الأشتر يحاججهم ويقيم لهم الأدلة على خطل رأيهم ، وبعدهم عن الصواب : حدّثوني عنكم - وقد قتل أماثلكم وبقي أراذلكم - متى كنتم محقين ، أحين كنتم تقتلون أهل الشام ، فأنتم الآن حين أمسكتم عن القتال مبطلون ، أم أنتم الآن في إمساككم عن القتال محقون ؟ فقتلاكم إذن الذين لا تنكرون فضلهم وكانوا خيراً
منكم في النار» .
ولم يجد هذا الكلام المشفوع بالأدلّة معهم شيئاً ، فأجابوه : دعنا منك يا أشتر ، قاتلناهم في الله ، وندع قتالهم في الله ، إنا لسنا نطيعك فاجتنبنا .
فقال لهم الأشتر : « خدعتم والله فانخدعتم ، ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم ، يا أصحاب الجباه السود ، كنا نظن أن صلاتكم زهادة في الدنيا ، وشوق إلى لقاء الله ، فلا أرى فراركم إلا إلى الدنيا من الموت ، ألا فقبحاً يا أشباه النيب الجلالة ما أنتم برائين بعدها عزاً أبداً ، فابعد واكما بعد القوم الظالمين».
وما أنهى الأشتر كلامه حتى أقبلوا عليه يكيلون له أصواعاً من السب والشتم ، فقابلهم بالمثل ، والتفت إلى الإمام بحماس :قائلاً: يا أمير المؤمنين ، احمل الصف على الصف يصرع القوم .
ولم يجبه الإمام ، وأطرق برأسه وهو يفكر في العاقبة المرّة التي جرّها هؤلاء المتمردون على الأمة ، وقد اتخذ هؤلاء سكوته رضى منه بالأمر فهتفوا : إنّ عليّاً أمير المؤمنين قد رضي الحكومة ، ورضي بحكم القرآن ، ولم يسع الإمام إلا الرضا كما لم يسع الأشتر إلا الاذعان والقبول ، فقال : إن كان أمير المؤمنين قد قبل ورضي بحكم القرآن فقد رضيت بما رضي به أمير المؤمنين.
فانبروا يهتفون : رضي أمير المؤمنين ، رضي أمير المؤمنين .
والإمام(عليه السلام) ساكت لا يجيبهم بشيء ، قد استولى عليه الهم والحزن ، لأنه ينظر إلى جيشه قد فتكت به ومزقته حيلة ابن العاص ، وليس بوسعه إصلاحهم وإرجاعهم إلى طريق الحق والصواب ، فإنّه لم يكن له نفوذ وسلطان عليهم كما أعرب(عليه السلام)عن ذلك بقوله : ( لَقَدْ كُنْتُ أَمْس أَمِيراً ، فَأَصْبَحْتُ الْيَوْمَ مَأْمُوراً ، وَكُنْتُ نَاهِياً فَأَصْبَحْتُ الْيَوْمَ مَنْهِيّاً»(1).
1) نهج البلاغة / محمد عبده : 2 : 212 .
ولم تقف محنة الإمام وبلاؤه في جيشه على هذا التمرّد ، وإنّما أخذوا يسعون جاهدين للإطاحة بحكومته ، فقد أصروا عليه في ترشيح عدوه الخبيث أبي موسى الأشعري ، وانتخابه للتحكيم ، وعدم الرضا بغيره ممن رشحه الإمام ، كابن عبّاس ومالك الأشتر ، وغيرهما من ذوي البصيرة والرأي ، والسبب في ذلك أنهم يعلمون بانحراف الأشعري عن أمير المؤمنين ، فإذا تولّى مهمة التحكيم فإنّه لا بد أن يختار للخلافة غير الإمام .
ويذهب الدكتور طه حسين إلى أن إصرارهم لم يأت مصادفة ، وإنما كان عن مؤامرة وتدبير بين طلاب الدنيا من أصحاب عليّ وأصحاب معاوية جميعاً (1).
وعلى أي حال ، فقد أحاطوا بالإمام يهتفون : إنا رضينا بأبي موسى الأشعري .
فزجرهم الإمام ونهاهم عن انتخابه قائلاً: «إِنَّكُمْ قَدْ عَصَيْتُموني في أَوَّلِ الْأَمْرِ، فَلَا تَعْصُونِي الْآنَ ، إِنِّي لَا أَرى أَنَّ أُوَلِّيَ أَبا مُوسَى ! ».
ولم يجد معهم نصح الإمام شيئاً ، وإنّما أخذوا يلحون عليه قائلين: لا نرضى إلّا به ، فما كان يحذرنا وقعنا فيه.
وأخذ الإمام يبيّن لهم الوجه في كراهيته له قائلاً لهم: «إِنَّهُ لَيْسَ لى بِثِقَةٍ ، قَدْ فارَقَنِي وَخَذَلَ النَّاسَ عَنِّي ، ثُمَّ هَرَبَ مِنّي حَتَّى آمَنْتُهُ بَعْدَ رٍ ، وَلَكِنْ هَذَا ابْنُ عَبّاس نُوَلّيه ذلك ».
فلم يقنعوا وأصروا على غيّهم وجهلهم قائلين : ما نبالي أنت كنت أم ابن عباس . لا نريد رجلاً هو منك ، ومن معاوية سواء ليس إلى واحد منكما بأدنى منه إلى الآخر.
1) عليّ وبنوه : 90
فدلّهم الإمام على الأشتر فإنّه ليس رحماً له ، فردّوا عليه قائلين : وهل سعر الأرض غير الأشتر ! !
ولم يجد الإمام بعد هذه المحاورة وسيلة يسلكها في إقناعهم فأطلق سراحهم وخلّى بينهم وبين جهلهم ، وأصبحت الأمور بيد هؤلاء العصاة المتمردين .
وتسابق القوم إلى تسجيل ما يرومونه في وثيقة التحكيم ، وهذا نصها كما رواها ابن مزاحم :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان ، وشيعتُهما فيما تراضيا به من الحكم بكتاب الله وسنّة نبيه (صلی الله علیه وآله وسلم)، قضيّة على على أهل العراق ومن كان من شيعته من شاهدٍ أو غائب ، وقضيّة معاوية على أهل الشام ومن كان من شيعته من شاهد أو غائب .
إنّا رضينا أن ننزل عند حكم القرآن فيما حكم ، وأن نقف عند أمره فيما أمر ، وأن لا يجمع بيننا إلا ذلك ، وإنا جعلنا كتاب الله فيما بيننا حكماً فيما اختلفنا فيه من فاتحته إلى خاتمته ، نحيي ما أحيا ، ونميت ما أمات، على ذلك تقاضيا وبه تراضيا ، وإن عليّاً وشيعته رضوا أن يبعثوا عبد الله بن قيس(1)ناظراً ومحاكماً ، ورضي معاوية وشيعته أن يبعثوا عمرو بن العاص ناظراً ومحاكماً على أنّهما أخذوا عليهما عهد الله وميثاقه وأعظم ما أخذ الله على أحد من خلقه ، ليتخذان الكتاب إماماً فيما بعثا له ، لا يعدوانه إلى غيره في الحكم بما وجداه مسطوراً ، وما لم يجداه مسمى في الكتاب
1) عبدالله بن قيس هو أبو موسى الأشعري .
رداه إلى سنة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)الجامعة لا يتعمدان لهما خلافاً ، ولا يتبعان في ذلك لهما هوى ، ولا يدخلان في شبهة .
وأخذ عبدالله بن قيس وعمرو بن العاص على عليّ ومعاوية عهد الله وميثاقه بالرضا بما حكما به من كتاب الله وسنة نبيه(صلی الله علیه وآله وسلم) وليس لهما أن ينقضا ذلك ولا يخالفاه إلى غيره ، وأنهما آمنان في حكومتهما على دمائهما وأموالهما وأهلهما ما لم يعدوا الحق ، رضي بذلك راض أو أنكره منكر ، وأنّ الأمة أنصار لهما على ما قضيا به من العدل ، فإن توفّي أحد الحكمين قبل انقضاء الحكومة فأمير شيعته وأصحابه يختارون رجلاً مكانه لا يألون عن أهل المَعْدلة والأقساط على ما كان عليه صاحبه من العهد والميثاق ، والحكم بكتاب الله وسنة رسوله(صلی الله علیه وآله وسلم)، وله مثل شرط صاحبه وإن مات أحد الأميرين قبل القضاء فلشيعته أن يولوا مكانه رجلاً يرضون عدله ، وقد وقعت القضية ومعها الأمن والتفاوض ووضع السلاح والسلام والموادعة ، وعلى الحكمين عهد الله وميثاقه ألا يألوا اجتهاداً ولا يتعمدا جوراً ، ولا يدخلا في شبهة ، ولا يعدوا حكم الكتاب وسنة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، فإن لم يفعلا برئت الأمة من حكمهما ، ولا عهد لهما ولا ذمة، وقد وجبت القضيّة على ما قد سمّي في هذا الكتاب من مواقع الشروط على الأميرين والحكمين والفريقين ، والله أقرب شهيد وأدنى حفيظاً ، والناس آمنون على أنفسهم وأهليهم وأموالهم إلى انقضاء مدة الأجل ، والسلاح موضوع ، والسبل مخلاة ، والغائب والشاهد من الفريقين سواء في الأمن.
وللحكمين أن ينزلا منزلاً عدلاً بين أهل العراق وأهل الشام ، ولا يحضرهما فيه إلا من أحبًا عن مَلأ منهما وتراض ، وأنّ المسلمين قد أجلوا القاضيين إلى انسلاخ رمضان فإن رأى الحكمان تعجيل الحكومة فيما وُجّها له عجلاها ، وإن أرادا تأخيرها بعد رمضان إلى انقضاء الموسم فإنّ ذلك إليهما ، فإن هما لم يحكما بكتاب الله وسنّة نبيه(صلی الله علیه وآله وسلم) إلى انقضاء الموسم فالمسلمون على أمرهم الأول في الحرب ، ولا شرط
بين واحد من الفريقين ، وعلى الأمة عهد الله وميثاقه على التمام والوفاء بما في هذا الكتاب ، وهم يد على من أراد فيه إلحاداً وظلماً أو حاول له نقضاً ...(1)
وسجّل فريق من زعماء العراق والشام شهاداتهم في هذه الوثيقة ، وتدل بنصها الصريح على عدم اهتمام معاوية وحزبه بدم عثمان ولو كان لهم إرب في ذلك لجاء ذکر قتله فيها صريحاً أو ضمناً .
لقد أقاموا الدنيا وأقعدوها من أجل عثمان ، فنشروا ثيابه على منبر دمشق ، وهم يبكون على مصابه ، وأثاروا هذه الحرب من أجل المطالبة بدمه ، فما بالهم لم يتعرّضوا له في وثيقة التحكيم ، ولم يذكروه بقليل ولا كثير .
وعلى أي حال، فقد حفلت هذه الصحيفة بتحقيق رغبات الأشعث وسائر ذوي الأطماع والمنحرفين من قومه لأنه قد تمّ لهم ما أرادوا من تقلل الجيش العراقي وانقلابه ، وتغلّب القوى الباغية على قوى الحق والإسلام.
وأعقبت مهزلة رفع المصاحف انبثاق الفكرة الثورية الهدّامة وهي فكرة الخوارج التي لم يكن الباعث لها إلا التماس المصالح الدنيوية ، والسعي وراء النفوذ والسلطان ، وتحقيق المطامع الشخصيّة الرخيصة ، وقد اتخذوا « الحكم الله »شعاراً لهم ، ولكنهم سرعان ما جعلوا الحكم للسيف وذلك بما أراقوه من دماء الأبرياء ، ونشر الذعر والخوف بين المسلمين، وكان سمتهم الذي اتصفوا به هو إعلان البغي والتمرّد ، والحكم بالكفر على من لا يدين بفكرتهم ، وإباحة دماء المسلمين.
وقد تظافرت الأخبار الواردة عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) بكفرهم ومروقهم من الإسلام قال(صلی الله علیه وآله وسلم) : « سَيَكونُ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِى قَوْمٌ يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجاوِزُ حَلاقِيمَهُمْ ، يَخْرُجُونَ
1) وقعة صفين : 505 - 506 ، ورواها الطبري 4 : 38 ولكن بصورة أوجز مما عليه هنا .
مِنَ الدِّين كَما يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمْيَةِ ، ثُمَّ لَا يَعودونَ فيهِ ، هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَليقة »(1).
وروى أبو سعيد الخدري : « أن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)أتاه مال ، فجعل يضرب بيده فيه فيعطي يميناً وشمالاً ، وفيهم رجل مقلص الثياب ، ذو سيماء بين عينيه أثر السجود ، فجعل رسول الله يضرب يده يميناً وشمالاً حتّى نفد المال ، فلما نفد المال ولّى مدبراً ، وقال : والله ما عدلت منذ اليوم .
قال : فجعل رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) يقلب كفيه ويقول : إِذا لَمْ أَعْدِلْ فَمَنْ يَعْدِلُ بَعْدِي ؟ أَما إِنَّهُ سَتَمْرُقُ مارِقَةٌ يَمْرقُونَ مِنَ الدِّينِ مُروقَ السَّهُم مِنَ الرَّمْيَةِ ، ثُمَّ لَا يَعودُونَ إِلَيْهِ حَتَّى يَرْجِعَ السَّهْمُ عَلَى فُوقِهِ ، يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجاوِزْ تَراقِيَهُمْ ، يُحْسِنُونَ الْقَوْلَ ، وَيُسيتُونَ الْفِعْلَ ، فَمَنْ لَقِيَهُمْ فَلْيُقاتِلْهُمْ ، فَمَنْ قَتَلَهُمْ فَلَهُ أَفْضَلُ الْأَجْرِ، وَمَنْ قَتَلُوهُ فَلَهُ أَفْضَلُ الشَّهادَةِ ، بَرِئَ اللَّهُ مِنْهُمْ ، تَقْتُلُهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ» (2)
إلى غير ذلك من الأخبار التي رواها الفريقان عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) في خروجهم من الدين، ومروقهم عن الإسلام ، وهي تعد من معاجزه(صلی الله علیه وآله وسلم)، ومن آيات نبوّته ، وذلك لما فيها من أنباء الغيب التي تحققت تحققت بعده .
وعلى أي حال، فقد تكتل هؤلاء المارقون وانحازوا إلى جانب آخر ، وهم ينادون بفكرتهم ، ويعلنون تمردهم ، ولما نزح الإمام(عليه السلام) من صفّين إلى الكوفة لم يدخلوا معه إليها ، وانحازوا إلى ( حروراء )(3)، فنسبوا إليها ، وكان عددهم اثني عشر ألفاً ، وقد أذن مؤذنهم أن أمير القتال شبث بن ربعي التميمي ، وعلى الصلاة عبدالله بن
الكوّاء اليشكري ، والأمر شورى بعد الفتح ، والبيعة الله عزّ وجلّ ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
واضطراب الإمام (عليه السلام) من هؤلاء المارقين عن الدين، فأرسل إليهم عبد الله بن عباس ، وأمره أن لا يخوض معهم في ميدان البحث والخصومة حتى يأتيه ، ولما اجتمع بهم ابن عبّاس لم يجد بداً من الدخول معهم في مسرح البحث ، فقال لهم : ما نقمتم من الحكمين ؟ وقد قال الله عزّ وجلّ : إِن يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا(1)، فكيف بأمة محمد (صلی الله علیه وآله وسلم).
فأجابه الخوارج : أما ما جعل حكمه إلى الناس ، وأمر بالنظر فيه والإصلاح له فهو إليهم كما أمر به ، وما حكم فأمضاه فليس للعباد أن ينظروا فيه ، حكم في الزاني مائة جلدة ، وفي السارق بقطع يده ، فليس للعباد أن ينظروا فيه .
واندفع ابن عباس يجيبهم : إن الله عزّ وجل يقول: يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنكُمْ(2)
بين المسلمين وأهل الحرب منذ نزلت (براءة) إلّا من أقر بالجزية .
ويقي ابن عباس يحاججهم ويحاججونه ، لم تغن معهم شيئاً الأدلة القطعية والبراهين الحاسمة التي أقامها على خطل رأيهم .
ورحل الإمام إليهم تصحبه زمرة من أصحابه ليناظر هؤلاء المارقين ، فانتهى(عليه السلام)إلى فسطاط يزيد بن قيس ، فدخل فيه وتوضأ وصلى ركعتين ، ثم أقبل نحو القوم فرأى ابن عباس يناظرهم ، فزجره قائلاً : إِنْتَهِ عَنْ كَلامِهِمْ ، أَلَمْ أَنْهَكَ رَحِمَكَ الله ؟
ثمّ التفت إلى القوم قائلاً: هذا مَقام مَنْ فَلَجَ فِيهِ كَانَ أَوْلَى بِالْفَلَجِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ نَطَفَ فِيهِ أَوْ عَيْتَ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً.
ثم قال لهم : مَنْ زَعِيمُكُمْ ؟
فوجه(عليه السلام) خطابه إليه وإليهم : ما أَخْرَجَكُمْ عَلَيْنا ؟
حكومتكم يوم صفين.
نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ أَتَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ حِينَ رَفَعُوا الْمَصاحِفَ ، فَقُلْتُمْ : نَجِيبُهُمْ إلى كِتابِ اللهِ ، قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي أَعْلَمُ بِالْقَوْمِ مِنْكُمْ، إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَصْحَابِ دِينِ وَلَا قُرآنِ إِنِّي صَحِبْتُهُمْ ، وَعَرَفْتُهُمْ أَطْفالاً وَرِجَالاً ، فَكَانُوا شَرَّ رِجالٍ وَشَرَّ أَطْفَالٍ ، أَمْضُوا عَلَى حَفِّكُمْ وَصِدْقِكُمْ إِنَّمَا رَفَعَ الْقَوْمُ لَكُمْ هَذِهِ الْمَصاحِفَ خَدِيعَةً وَوَهْنا وَمَكِيدَةً، فَرَدَدْتُمْ عَلَيَّ رَأْيِي.
وَقُلْتُمْ لَا ، بَلْ نَقْبَلُ مِنْهُمْ، فَقُلْتُ لَكُمْ : اذْكُرُوا قَوْلِي لَكُمْ وَمَعْصِيَتَكُمْ
إِيَّايَ ، فَلَمَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْكِتابَ اشْتَرَطْتُ عَلَى الْحَكَمَيْنِ أَنْ يُحْيِيا مَا أَحْيَاهُ الْقُرآنُ وَأَنْ يُمِينَا مَا أَمَاتَهُ الْقُرْآنُ، فَإِنْ حَكَما بِحُكْمِ الْقُرْآنِ، فَلَيْسَ لَنا أَنْ نُخالِفَ حُكْمَ مَنْ حَكَمَ بِمَا فِي الْكِتابِ ، وَإِنْ أَبِيا فَنَحْنُ مِنْ حُكْمِهِما براء (1)
فد حضت هذه الحجّة النيرة جميع ما تمسكوا به لإثبات فكرتهم الواهنة ، واندفعوا بلين لا عسف فيه نحو الإمام قائلين له : أتراه عدلاً تحكيم الرجال في الدماء ؟
لَسْنَا حَكَّمْنا الرّجالَ إِنَّما حَكَمْنَا الْقُرْآنَ ، وَهذا الْقُرْآنُ إِنَّما هُوَ خَطُّ مَسْطُورٌ بَيْنَ دَفَّتَيْنِ لَا يَنْطِقُ إِنَّما يَتَكَلَّمُ بِهِ الرّجالُ .
فخبرنا عن الأجل لم جعلته فيما بينك وبينهم ؟
لِيَعْلَمَ الْجَاهِلُ ، وَيَثْبُتَ الْعَالِمُ ، وَلَعَلَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُصْلِحُ فى هذِهِ الْهِدْنَةِ هذِهِ الأمة.
ورأى الإمام(عليه السلام) منهم إذعاناً لكلامه ومقاربة شديدة له ، فقال لهم : ادْخُلُوا مِصْرَكُمْ رَحِمَكُمُ الله.
فأجابوا لى ذلك ورحلوا عن آخرهم معه إلى الكوفة ، ولكنهم بقوا على فكرتهم يذيعونها بين الكوفيين ، وينشرون الشغب ، ويدعون إلى البغي ، وقد شاع أمرهم ، وقويت شوكتهم ، واندفع بعضهم إلى الإمام وهو يخطب فقطع عليه خطابه تالياً قوله تعالى : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ(2).
فأجابه الإمام بآية أخرى : فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ
لا يُوقِنُونَ(1). وجعل الأمر يمعن في الفساد بين الإمام وبين هؤلاء المارقين ، فقد اتخذوا يتعرضون للآمنين ، وينشرون الرعب والفزع في البلاد ، الأمر الذي أوجب اضطراب الأمن العام ، وشيوع الخوف بين جميع المواطنين .
واسترد معاوية قواه ، وأحكم أمره بعد الانهيار الذي أصابه ، وقد أوفد إلى الإمام رسله يستنجزه الوفاء بالتحكيم، ويطلب منه المبادرة باجتماع الحكمين ، وإنما بادر لذلك لعلمه بالفتن والخطوب التي مني بها الجيش العراقي ، حتى تفرّق إلى طوائف وأحزاب ، يضاف إلى ذلك علمه بانحراف أبي موسى الأشعري عن الإمام ، وقد أراد أن يحوز بذلك إلى نصره نصراً .
وقد أجابه الإمام(عليه السلام) إلى ذلك ، وأنفذ أربعمائة رجل عليهم شريح بن هاني الحارثي(2)
كان جاهليّاً فأسلم ، يكنى أبا المقدام ، وأبوه هاني له صحبة مع النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، وشريح من أجل أصحاب الإمام الاستيعاب : 2 : 149 .
، ومعهم عبد الله بن عبّاس يصلّي بهم ، ويلي أمورهم ، ومن بينهم أبو موسى الأشعري المنتخب للتحكيم ، وكذلك فعل معاوية ، فأشخص عمرو بن العاص ومعه أربعمائة شخص ، وزوّده بدراسة وافية عن نفسيّة الحامل أبي موسی قائلاً: «إنّك قد رميت برجل طويل اللسان ، قصير الرأي ، فلا ترمه بعقلك كلّه »(3).وسارت الكتائب فانتهت إلى أذرح (1)
أبوك تَلافِى الدِّينَ وَالنَّاسَ بَعدَما*** تَساءَوا وَبَيْتُ الدِّينِ مُنقَطِعُ الكِسْرِ
فَشَدُّ إصارَ الدِّينِ أَيَّام أذرُحٍ*** وَرَدَّ حُروباً قَدْ لَقِحْنَ إِلَى عُقْرِ
معجم البلدان : 1: 129
، أو دومة الجندل(2)وهو اسم مكان على سبع مراحل من دمشق ، ومن مدينة الرسول ، وقال أبو عبيد السكوني : دومة الجندل حصن وقرى بين الشام والمدينة قرب جبل طي ، كانت به بنو كنانة من كلب ، ويقال : إنّ بدومة الجندل كان التحكيم ، فقد حدّث عبدالله بن عيسى حفيد أبي ليلى قال : مررت مع أبي موسى بدومة الجندل ، فقال أبو موسى : حدثني رسول الله أنّه حَكَمَ في بَني إِسْرَائِيلَ في هَذَا الْمَوْضِع حَكَمانِ بِالْجَوْرِ ، وَأَنَّهُ يَحْكُمُ في أُمني في هذا الْمَكان حَكَمانِ بِالْجَوْرِ.
قال : فما ذهبت الأيام حتى حكم هو وعمرو بن العاص فيما حكما ، وقد أكثر الشعراء في ذكر الاجتماع بأذرح إلا قول الأعور الشني فإنّه ذكر دومة الجندل في قوله :
رَضِينا بِحُكم الله في كُلِّ مَوطِنٍ*** وَعَمرو وعدالله مُختلِفان
فَلَيسَ بِهادي أُمَّةٍ مِنْ ضَلالَةٍ*** بِدُومَةً شَيْخا فِتنَةٍ عَمِيانِ
بَكَتْ عَينُ مَنْ يَبكي ابْنَ عَفَّانَ بَعدَما*** نَفا وَرَقَ الفُرقانِ كُلَّ مَكانِ
توى تاركاً لِلحَقِّ مُتَّبِعَ الهَوى*** وَأَوْرَثَ حُزناً لاحقاً بِطَعانِ
كلا الفِتْنَتَين كانَ حَيّاً وَمَيْتاً*** يكادانِ لَولا القَتلُ يَسْتَبِهانِ
وإن كان الوزن يستقيم لو جيء بمكان دومة أذرح . معجم البلدان : 2 : 487 .
واحتمل الدكتور طه حسين في كتابه ( علي وبنوه ) : 107 : أن الاجتماع كان في دومة الجندل أولاً ، ثمّ في أذرح بعد ذلك .
، فكان هناك الاجتماع والتحكيم ، واجتمع الماكر المخادع عمرو بن العاص بضعيف العقلالخامل أبي موسى ، فأمهله ثلاثة أيام وأفرد له مكاناً خاصاً به ، وجعل يقدّم له ما لذ من الطعام والشراب ، ولم يفتح معه الحديث حتى استبطنه وأرشاه ، ولما علم بأنه قد هيمن عليه وصار زمامه بيده أخذ يحدثه بانخفاض ولين مبدياً له الإكبار والتقديس والتعظيم قائلاً له : يا أبا موسى ، إنك شيخ أصحاب محمد له ، وذو فضلها ، وذو سابقتها ، وقد ترى ما وقعت فيه هذه الأمة من الفتنة العمياء التي لا بقاء معها ، فهل لك أن تكون ميمون هذه الأمة فيحقن الله بك دماءها ؟ فإنّه يقول في نفس واحدة : وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً(1)، فكيف بمن أحيا
هذا الخلق كله ؟
ومتى كان أبو موسى شيخ صحابة النبي ومن ذوي الفضائل والسوابق في الإسلام ؟ ! وقد لعبت هذه الكلمات في نفسه ، فطفق يسأل عن الكيفية التي يحسم بها النزاع قائلاً : كيف ذلك ؟
تخلع أنت عليّ بن أبي طالب ، وأخلع أنا معاوية بن أبي سفيان ، ونختار لهذه الأمة رجلاً لم يحضر في شيء من الفتنة ، ولم يغمس يده فيها . فبادره أبو موسى عن الشخص الذي يرشّح لكرسي الخلافة قائلاً: ومن يكون ذلك ؟
وكان عمرو قد فهم ميول أبي موسى واتجاهه نحو عبد الله بن عمر ، فقال له : إنّه عبد الله بن عمر .
واستر الأشعري بذلك أي سرور ، واندفع إليه يطلب منه المواثيق على وفائه بما قال ، قائلا له : كيف لي بالوثيقة منك ؟
يا أبا موسى ،أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (2)، خذ من العهود والمواثيق
حتى ترضى .
ثمّ انبرى يكيل له العهود والمواثيق والأيمان المغلظة ، حتّى لم يبق يمين أو شيء مقدّس إلا وأقسم به على الوفاء والالتزام بما قال ، ويقي الشيخ الكبير السن ، الصغير العقل مبهوراً بهذه اللباقة التي أبداها ابن العاص ، فأجابه بالرضا والقبول ، وأذيع بين المجتمع اتفاقهما ، والوقت الذي يكون فيه الاجتماع .
وأقبلت الساعة الرهيبة التي تغيّر فيها مجرى التاريخ ، فاجتمعت الجماهير لتأخذ النتيجة الحاسمة من هذا التحكيم المنتظر بفارغ الصبر ، فأقبل الخاتل ابن العاص مع أبي موسى المخدوع إلى منصة الخطابة ليعلنا للجماهير الصورة التي اتفقا عليها ، فالتفت ابن العاص إلى أبي موسى قائلاً : قم فاخطب الناس ، يا أبا موسى .
سبحان الله ! أنا أتقدّمك وأنت شيخ أصحاب رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) لا فعلت ذلك أبداً .
فزاده أيماناً مغلظة على الالتزام بالعهد الذي أعطاه له(1)، وعرف ابن عباس هذه المخادعة من ابن العاص ، وتجلت له الحيلة التي يرومها هذا الماكر ، فالتفت إلى الأشعري قائلاً : وَيُحك ! والله ! إنّي لأظنُّه قد خدعك ، إن كنتما قد اتفقتما على أمرٍ فقدّمه قبلك فليتكلّم ، ثم تَكَلَّمْ أنتَ بعده ، فإنّ عَمْراً رجل غدار ، ولا آمَنْ أن يكون قد أعطاك الرضا فيما بينك وبينه ، فإذا قمت للناس خالفك(2).
فلم يلتفت الصعلوك إلى كلام ابن عبّاس ، وراح يشتد كأنه الحمار نحو منصة الخطابة ، فلما استوى عليها، حمد الله وأثنى عليه ، وصلى على النبي الكريم ،
ثم قال :
أيها الناس ، إنا قد نظرنا في أمرنا فرأينا أقرب ما يحضرنا من الأمن والصلاح ، ولم الشعثِ ، وحقن الدماء ، وجمع الألفة ... خَلْعنا عليّاً ومعاوية ! فقد خلعت عليّاً كما خلعت عمامتي هذه ، وأهوى إلى عمامته فخلعها ، واستخلفنا رجلاً صَحِبَ رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) بنفسه ، وصحب أبوه النبي فبرز في سابقته وهو عبدالله بن عمر.
وأخذ يثني عليه بالثناء العاطر ، ويخلع عليه النعوت الحسنة والأوصاف الشريفة .
وقد عدل الأشعري عن انتخاب الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)وهو نفس النبي وباب مدينة علمه ، فرشّح عبدالله بن عمر وهو لا يحسن طلاق زوجته - على حدّ تعبير أبيه - أفٍّ للزمان ، وتعساً للدهر أن يتحكم في المسلمين، ويفرض رأيه عليهم مثل هذا الصعلوك النذل .
وعلى أي حال، فقد انبرى ابن العاص فحمد الله وأثني عليه ، وصلى على النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، ثمّ قال : أيها الناس ، إن أبا موسى عبد الله بن قيس خلع عليّاً ، وأخرجه من هذا الأمر الذي يطلب ، وهو أعلم به ، ألا وأنّي خلعتُ عليّاً معه ، وأثبتُ معاويةَ علي وعليكم ، وإن أبا موسى قد كتب في الصحيفة (1)أن عثمان قتل مظلوماً شهيداً ، وأنّ لوليّه أن يطلب بدمه حيث كان ، وقد صحب معاوية رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، وصحب أبوه النبي(صلی الله علیه وآله وسلم).
وأخذ يفيض عليه بالثناء والمديح ، ثمّ قال : هو الخليفة علينا ، وله طاعتنا وبيعتنا على الطلب بدم عثمان .
وانطلق الخامل المخدوع أبو موسى إلى ابن العاص قائلاً:
1) يشير بالصحيفة إلى إقرار أبي موسى حول قتلة عثمان الذي سجله عنده ، وقد ذكر المسعودي تفصيل ذلك في مروج الذهب : 2 : 277 .
ما لك ؟ عليك لعنة الله ، ما أنت إلا كمثل الكلب إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَتْ(1).
فزجره ابن العاص بعد أن جعله جسراً فعبر عليه ، قائلاً له : لكنّك مثل الحمار يحمل أسفاراً(2).(3)
نعم ، هما كلب وحمار ، وقد أحسن كلّ منهما في وصف صاحبه ، وانطلق أبو موسى إلى مكة يصحب معه الخزي والعار بعد ما أحدث هذه الفتنة العمياء والفتق الذي لا يرتق ، وترك إمام الحقِّ يئنّ من جرّاء حكمه المهزول ، وقد سجل للعراقيين بتحكيمه عاراً وخزياً لا ينساه التاريخ ، وقد أكثر الشعراء في الهجاء المقذع لهم ، فمن ذلك ما قاله أيمن بن خريم الأسدي(4)
-بالراء المهملة - هو ابن شداد الأسدي ، أحد الشعراء ، وقد اختلف في صحبته للنبي(صلی الله علیه وآله وسلم) وقد روى عنه في شهادة الزور تهذيب التهذيب : 1 : 392 .
:لو كانَ لِلْقَوْمِ رَأي يُعْصَمُونَ بِهِ*** مِنَ الضَّلَالِ رَمَوكُمْ بِابْنِ عَبّاسِ
لِلهِ دَر أبيهِ أَيُّمَا رَجُلٍ*** ما مثلُهُ لِفِصالِ الخَطَّبِ في الناسِ
لكن رَمَوكُمْ بِشَيخ مِنْ ذَوي يَمَنٍ*** لَمْ يَدْرِ ما ضَرْبُ أَحْمَاسِ لأَسداس
إِنْ يَخْلُ عَمْرُو بِهِ يَقْذِفْهُ فِي لُجَجِ*** يَهْوِي بِهِ النَّجْمُ تَيْساً بَيْنَ أَتْيَاسِ
أَبْلِغْ لَدَيكَ عَلِيّاً غَيرَ عاتبه*** قَولَ امْرِيُّ لا يَرى بِالْحَقِّ مِنْ باسِ
ما الأَشعَرِيُّ بِمَأْمونِ أَبا حَسَنٍ*** فَاعْلَمْ هُدِيتَ وَلَيسَ العَجْزُ كَالرّاسِ
فَاصْدِم بصاحبك الأذنى زَعيمَهُمْ*** إِنَّ ابنَ عَمِّكَ عَبّاسٍ هُوَ الآسي(1)
لقد سجّل العراقيون في تاريخهم صفحات من الخزي بانتخابهم لأبي موسى الخامل الرأي ، الضعيف العقل الذي لم يتمتع بالنظر ، ولا بأصالة في التفكير ، فكيف ينتخبونه ليقرّر مصيرهم ومصير الأجيال اللاحقة ؟
ولما أذيع الخبر المؤلم بين العراقيين في خلع أبي موسى للإمام زادت الفتنة وكثر الاختلاف والانشقاق بينهم ، وجعل بعضهم يتبرأ من بعض ويشتم بعضهم بعضاً ، ورأى الإمام أنّ خطورة الموقف تقضي بأن يقوم نفر من أهل بيته فيخطب بين الناس ليوقفهم على حقيقة الحال، ويبين لهم فساد التحكيم .
فقال للحسن(عليه السلام) : قم يا بُنَيَّ فَقُلْ فِي هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ، وَعَمْرِو بْنِ الْعاصِ .
فقام الحسن(عليه السلام) فاعتلى أعواد المنبر فقال : أَيُّها النَّاسُ ، إِنَّكُمْ قَدْ أَكْثَرْتُمْ ي أَمْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ وَعُمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، فَإِنَّما بُعِمَّا لِيَحْكُما بِكِتابِ اللهِ ، فَحَكَما بِالْهَوى عَلَى الْكِتابِ ، وَمَنْ كانَ هكَذا لَمْ يُسَمَّ حَكَماً وَلكِنَّهُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ . وَقَدْ أَخْطَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ فِي أَنْ أَوْصَى بِهَا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَأَخْطَأَ فِي ذلك فِي ثَلَاثِ خِصَالٍ:
في أَنَّ أَبَاهُ لَمْ يَرْضَهُ لَهَا ، وَفِي أَنَّهُ لَمْ يَسْتَأْمِرْهُ (2)، وَفِي أَنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ
عَلَيْهِ الْمُهاجرونَ وَ الأنصار الَّذِينَ نَفَّذُوها لِمَنْ بَعْدَهُ، وَإِنَّما الْحُكُومَةُ فَرْضٌ مِنَ اللهِ .
وَقَدْ حَكَمَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ سَعْداً (1)
من الأوس . أسلم على يد مصعب بن عمير لما أرسله النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)إلى المدينة ليعلّم المسلمين ، ولما أسلم سعد قال لبني عبد الأشهل : كلام رجالكم ونسائكم عَلَيَّ حرام حتى تسلموا فأسلموا ، وكان من أعظم الناس بركة في الإسلام ، وقد شهد مع النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) بدراً بغير خلاف ، ولمّا توجّه النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)إلى بدر جاءه الخبر بتوجه قريش إلى حربه ، فاستشار (صلی الله علیه وآله وسلم) أصحابه في الأمر ، فانبرى إليه المقداد يعلن الطاعة ، وكان نظره(صلی الله علیه وآله وسلم) إلى الأنصار لأن أكثرية جيشه منهم ، وعرف سعد أنّه يريد باستشارته الأنصار ، فقال له : لكأنك تريدنا يا رسول الله .
فقال(صلی الله علیه وآله وسلم): أَجَلْ .
فقال سعد : يا رسول الله ، قد آمنا بك وصدّقناك ، وشهدنا أن ما جئت به الحق ، وأعطيناك مواثيقنا على السمع والطاعة ، فامض يا رسول الله لما أردت ، فنحن معك ، فوالذي بعثك بالحق ، او استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك، ما تخلّف منارجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غداً. إنا لصُبر عند الحرب ، صُدُقٌ عند اللقاء ، لعلّ الله يريك فينا ما تقرّ به عينك ، فسر بنا على بركة الله .
فسر(صلی الله علیه وآله وسلم) وابتهج من كلامه ، ونشط للقاء المشركين ، ولما صارت وقعة الخندق خرج سعد وعليه درع مقلصة قد خرجت منها ذراعه وفي يديه حربة وهو يقول :
لَبْتُ قَليلاً يَلحَقِ الهَيْجا جَمَلْ ***لا بَأْسَ بِالمَوتِ إِذا حَانَ الْأَجَلْ
فالتفتت إليه أمه قائلة : الحقِّ يا بني ، قد والله أخرت ، وأصابه في ذلك اليوم سهم فقطع أكحله ، ولما أذعن بنو قريظة على النزول على حكم سعد جاء وهو جريح ، فقال النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)لأصحابه : قوموا إِلَى سَيِّدِكُمْ أَوْ خَيْرِكُمْ.فلمّا حلّ بالمجلس قال رسول الله له : يا سَعْدُ ، احْكُمْ فِيهِمْ؟
فقال سعد : حكمت فيهم أن تقتل مقاتلهم ، وتسبى ذراريهم.
صلى الله فقال له : حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ .
ولما فرغ من التحكيم انفجر جرحه فاحتضنه رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، فجعلت الدماء تسيل عليه ، وقبض من جرحه ، وبكى عليه رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) ومشيخة الصحابة ، وقالت أمه راثية له :
وَيلَ أُمِّ سَعدٍ سعداً*** بَراعَةً وَنَجْدا
وَيلَ أُمِّ سَعدٍ سعداً*** صرامة وجدا
فلمّا سمع النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) رثاءها قال : إِنَّ كُلَّ نادِيَةٍ كاذِبَةٌ ، إلا نادِيَةُ سَعْدِ . أسد الغابة : 2: 296 .
في بَني قُرَيْظَةَ ،1) سعد بن معاذ بن النعمان الأنصاري :
فَحَكَمَ فِيهِمْ بِحُكْمُ اللهِ لَا شَكٍّ فِيهِ، فَنَفَّذَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ حُكْمَهُ ، وَلَوْخالَفَ ذلِكَ لَمْ يَجْرِهِ
ثم نزل عن منصة الخطابة .
لقد ذكر الإمام الحسن (عليه السلام) في خطابه الرائع أهم النقاط الحسّاسة التي هي محور النزاع ومصدر الفتنة ، فأشبعها بالتفصيل ، وبيّن جليّة الحال للجموع الحاشدة حتّى لم يترك ثغرة ينفذ منها المتمردون إلا وسدّها في وجوههم ، فأبان(عليه السلام) أن المختار للتحكيم إنّما يتبع قوله ، ويكون رأيه فيصلاً للخصومة ، فيما إذا حكم بالحق ولم يخضع للنزعات والأهواء الفاسدة ، وأبو موسى لم يكن في تحكيمه هذا خاضعاً للحق ، بل اتبع هواه وميوله ، فرشّح عبد الله بن عمر للخلافة مع أنّ أباه كان لا يراه أهلاً لها ، ولو كان يراه أهلاً للخلافة لرشّحه لها أو جعله من أعضاء الشورى مضافاً إلى أن الشرط الأساسي في الإنتخاب هو أن يجتمع على المنتخب المهاجرون والأنصار ، ولم يحصل ذلك له .
وأعرب الا في خطابه عن مشروعية التحكيم ، الأمر الذي أنكرته الخوارج
مستدلاً على ذلك بتحكيم النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)لسعد بن معاذ في بني قريظة ، ولو كان التحكيم غير مشروع لما أقره الرسول الأعظم(صلی الله علیه وآله وسلم) .
وقام بعد الحسن عبد الله بن عباس فحمد الله وأثنى عليه ، وقال :
أيّها النّاس ، إنّ للحقِّ أناساً أصابوه بالتوفيق والرضا ، والناس بين راض به وراغب عنه ، وإنّما سار أبو موسى بهدى إلى ضلال، وسار عمر و بضلال إلى هدى ، فلما التقيا رجع أبو موسى عن هداه ، ومضى عمر و على ضلاله ، فو الله لو كانا حكما عليه بالقرآن لقد حكما عليه ، ولئن كانا حكما بهواهما على القرآن ، ولئن مسكا بما سارا به ، لقد سار أبو موسى وعلي إمامه وسار عمرو ومعاوية إمامه » .
ولما أنهى خطابه أمر الإمام عبدالله بن جعفر أن يخطب ، فتقدّم عبدالله فصعد المنبر فقال :
«أيّها النّاس ، هذا أمر كان النظر فيه لعلي ، والرضا فيه إلى غيره ، جئتم بأبي موسى فقلتم قد رضينا هذا فارض به ، وأيم الله ، ما أصلحا بما فعلا الشام ، ولا أفسدا العراق ، ولا أمانا حقّ عليّ ، ولا أحيبا باطل معاوية ، ولا يذهب الحقِّ قلّة رأي ، ولا نفخة شيطان ، وإنا لعلي اليوم كما كنا أمس عليه » .
ثم نزل عن المنبر(1).
وقد استجاب الناس لندائهم، وارتدع الكثيرون منهم عن الغي والتمرّد .
ولما فشل أمر التحكيم ورجع الوفد الكوفي وهو يجر رداء الخيبة والفشل ،أخذ الإمام يبذل قصارى جهوده على إخراج الناس لمحاربة القوى الباغية عليه ، فأجابه الناس إلى ذلك ، ولكن الخوارج أخذوا يعيثون في الأرض فساداً ، فقد رحلوا
1) الإمامة والسياسة : 1: 144 .
عن الكوفة وعسكروا في النهروان(1)، فاجتاز عليهم الصحابي الجليل عبدالله بن خباب بن الأرت(2)
أقول : لم تنص كتب التاريخ والتراجم على إرسال الإمام عبدالله إلى الخوارج وقد انفرد العجلي في هذا القول ، وجاء في الإصابة : 2 : 302 أن عبد الله كان متوجهاً إلى الكوفة للاجتماع بالإمام فصادف الخوارج فقتلوه وذكر القصة في قتله .
، فأقبلوا عليه قائلين له : من أنت ؟رجل مؤمن .
ما تقول في عليّ بن أبي طالب ؟
إنه أمير المؤمنين ، وأوّل المسلمين إيماناً بالله ورسوله .
ما اسمك ؟
عبدالله بن خباب بن الأرت صاحب رسول الله
أفزعناك ؟
1) النهروان كورة واسعة بين بغداد وواسط من الجانب الشرقي ، حدّها الأعلى متصل ببغداد ، وفيها عدة بلدان منها إسكاف والصافية وغيرهما ، وقد تخرّج منها جماعة من أهل العلم والأدب ، وكانت بها الواقعة بين الإمام عليّ والخوارج ، وكان فيها نهر عظيم ، وقد خرب وسبب خرابه اختلاف الملوك ، وقتال بعضهم بعضاً في أيام السلجوقية ، إذ إن كل من ملك لا يحفل بتعميره ، بل كان قصده أن يحوصل ويطير ، وكان أيضاً في ممر العساكر ، وهذه الأسباب أو جبت أن يجلوا عنه أهله ، حتّى استولى عليه الخراب . معجم البلدان : 8: 347 .
2) عبدالله بن خباب بن الارت المدني حليف بني زهرة . روى عن أبيه وعن أبي بن كعب ، وروى عنه جماعة منهم عبدالله بن الحارث وعبدالرحمن بن أبزي الصحابي ، وقال العجلي فيه : إنه ثقة من كبار التابعين قتلته الحرورية ، وقد أرسله الإمام علي(عليه السلام)إليهم فقتلوه . وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال الغلابي كان عبدالله من سادات المسلمين. تهذيب التهذيب : 5 : 196 .
نعم .
لا روع عليك .
حدثنا عن أبيك بحديث سمعه من رسول الله ، لعل الله أن ينفعنا به .
نعم ، حدثني عن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)أنه قال : « سَتَكونُ فِتْنَةٌ بَعْدِي يَمُوت فيها قَلْبُ الرَّجُلِ كَما يَموتُ بَدَنْهُ ، وَيُمْسِي مُؤْمِناً وَيُصْبِحُ كَافِراً» .
لهذا الحديث سألناك ؟ والله لنقتلنك قتلة ما قتلنا بمثلها أحداً .
ثمّ أوثقوه كتافاً ، وأقبلوا به ويامرأته - وكانت حبلى قد أشرفت على الولادة - فنزلوا بهما تحت نخل ، فسقطت رطبة منها ، فبادر بعضهم إليها فوضعها في فيه ، فأقبل إليه بعضهم منكراً عليه قائلاً: بغير حلّ أكلتها .
فألقاها بالوقت من فيه ، واخترط بعضهم سيفه فضرب به خنزيراً لأهل الذمة فقتله ، فصاح بعضهم فيه : إن هذا من الفساد في الأرض.
فبادر الرجل إلى صاحب الخنزير فأرضاه ، فلما نظر عبدالله بن خبّاب إلى ذلك قال لهم : لئن كنتم صادقين فيما أرى ما عليّ منكم بأس ، والله ما أحدثت حدثاً في الإسلام وإنّي لمؤمن ، وقد آمنتموني ، وقلتم : لا روع عليك .
فلم يلتفتوا إلى قوله ، فجاءوا به ويامرأته ، فأضجعوه على شفير النهر ووضعوه على ذلك الخنزير الذي قتلوه ، ثم ذبحوه ، وأقبلوا إلى امرأته وهي ترتعد من الخوف تری شبح الموت قد خيم عليها ، وتنظر إلى زوجها وهو جثّة هامدة فقالت لهم مسترحمة ومتضرّعة : إنّما أنا امرأة ، أما تتقون الله ؟
فلم يعتنوا باسترحامها وتضرعها ، وأقبلوا عليها كالكلاب فقتلوها ويقروا بطنها ، وانعطفوا على ثلاث نسوة فقتلوهن وفيهنّ أمّ سنان الصيداوية ، وكانت قد صحبت النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، ولم يقف شرّهم عند هذا الحد بل أخذوا يستعرضون الناس ، ويذيعون الذعر بين المسلمين ، وينشرون الفساد في الأرض .
وأرسل الإمام إلى الخوارج الحارث بن مرة العبدي يسألهم عن ترويعهم للآمنين ، ونشرهم للخوف ، وعن الفساد الذي أحدثوه في الأرض ، فحينما انتهى إليهم قتلوه، ولما جاء خبر قتله إلى الإمام قام إليه فريق من أصحابه فقالوا له : يا أمير المؤمنين ، علام تدع هؤلاء وراءنا يخلفوننا في أموالنا وعيالنا ، سر بنا إلى القوم فإذا فرغنا ممّا بيننا وبينهم سرنا إلى عدوّنا من أهل الشام .
فاستصوب الإمام رأيهم ورأى أن الخطر الناجم من هؤلاء أشدّ وأعظم من خطر معاوية ، وذلك لقربهم من عاصمته ، وهم لا شك سيحدثون الاضطراب والقلق فيما لو نزح لحرب معاوية ، فأزمع الإمام على الرحيل إليهم ، ونادى مناديه في الجيش : الرحيل عباد الله ، الرحيل .
وتحركت قوات الإمام(عليه السلام) تحدوها العقيدة إلى محاربة هؤلاء المارقين عن الدين والعابثين بالأمن ، فلما انتهوا إليهم بعث الإمام لهم رسولاً يطلب منهم قتلة عبد الله بن خبّاب ومن كان معه ، وقتلة رسوله الحارث بن مرّة ، فاندفعوا مجیبین بجواب واحد : إنا كلنا قتلناهم ، وكلّنا مستحلّ لدمائكم ودمائهم .
فأقبل(عليه السلام) بنفسه إليهم ، فوجه لهم خطاباً مشفوعاً بالنصح والإرشاد وحبّ الخير قائلاً:
«أَيَّتُها الْعِصابَةُ : إِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ أَنْ تُصْبِحُوا تَلْعَنُكُمُ الأمَّهُ غَداً ، وَأَنْتُمْ صَرْعى بِإِزاءِ هَذَا النَّهْرِ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ وَلَا سُنَّةٍ ، أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّى نَهَيْتُكُمْ عَنِ الْحُكْوَمةِ ، وَأَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ طَلَبَ الْقَوْمِ لَها مَكِيْدَةٌ ، وَأَنْبَأْتُكُمْ أَنَّ الْقَوْمَ لَيْسُوا بِأَصْحَابِ دِينِ وَلَا قُرْآنٍ ، وَأَنِّي أَعْرَفُ بِهِمْ مِنْكُمْ ، وَقَدْ عَرَفْتُهُمْ أَطْفالاً ، وَعَرَفْتُهُمْ رِجالاً ، فَهُمْ شَرٌّ رِجالٍ وَشَرُّ أَطفال ،
وَهُمْ أَهْلُ الْمَكْرِ وَالْغَدْرِ.
وَأَنَّكُمْ إِنْ فَارَقْتُمُونِي وَرَأْيِي جانَّبْتُم الْخَيْرَ وَالْحَزْمَ ، فَعَصَيْتُمُوني وَأَكْرَهْتُمُونِي حَتَّى حَكَمْتُ ، فَلَمّا أَنْ فَعَلْتُ شَرَطْتُ وَاسْتَوْثَقْتُ ، وَأَخَذْتُ عَلَى الْحَكَمَيْنِ أَنْ يُحْيِيا ما أَحْيا الْقُرْآنُ ، وَأَنْ يُمِينا ما أَمَاتَ الْقُرْآنُ ، فَاخْتَلَفا ، وَخالَفَا حُكْمَ الْكِتابِ وَالسُّنَّةِ وَعَمِلا بِالْهَوى ، فَنَبَذْنَا أَمْرَهُمْ ، وَنَحْنُ عَلى أَمْرِنَا الْأَوَّلِ ، فَما نَبَأَكُمْ وَمِنْ أَيْنَ أتِيْتُمْ ».
لقد بيّن(عليه السلام)في خطابه إجبارهم وإكراههم له في بادئ الأمر على التحكيم ، وإنّه ما قبله إلا وهو مكره مخاطر على حياته منهم ، وإنّه قد شرط على الحكمين أن يحكما بما وافق كتاب الله وسنّة نبيّه .
ولما لم يحكما بذلك ولم يتّبعا الحقِّ كان حكمهما مردوداً ، ولكنّ هؤلاء العتاة الذين لم يفهموا من المنطق شيئاً أجابوا الإمام بجواب دلّ على تماديهم في الجهل قائلين : إنا حيث حكمنا الرجلين أخطأنا بذلك ، وكنّا كافرين ، وقد تبنا من ذلك ، فإن شهدت على نفسك بالكفر وتبت كما تبنا فنحن معك وإلا فاعتزلنا ، وإن أبيت فنحن منابذوك على سواء .
فأجابهم الإمام منكراً عليهم ذلك قائلاً:
« أَبَعْدَ إِيماني بِاللهِ ، وَهِجْرَتِي وَجِهادِي مَعَ رَسُولِ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) أَبُوءُ وَأَشْهَدعَلَى نَفْسِي بِالْكُفْرِ ؟ لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذَا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ.
وَيْحَكُم بِمَ اسْتَحْلَلْتُم قِتالَنَا ، وَالْخُرُوجَ مِنْ جَمَاعَتِنَا ؟ أَإِنِ اخْتَارَ النَّاسُ رَجُلَيْنِ ، فَقالُوا لَهُما : انْظُرا بِالْحَقِّ فِيما يُصْلِحُ الْعامَّةَ لِيُعْزَلَ رَجُلٌ وَيُوضَعَ آخَرُ مَكانَهُ ، أَحَلَّ لَكُمْ أَنْ تَضَعُوا سُيُوفَكُمْ عَلَى عَوانِقِكُمْ ،
تَضْرِبُونَ بِها هاماتِ النَّاسِ ، وَتَسْفِكُونَ دِماءَهُمْ ؟! إِنَّ هذا لَهُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ »(1).
ولمّا علموا أنهم لا يستطيعون أن يناقشوا الإمام في كلامه نادى بعضهم بعضاً : لا تخاطبوهم ولا تكلّموهم ، تهيّأوا للقاء الحرب ، الرواح الرواح إلى الجنة .
ولما يئس الإمام من إرشادهم وإرجاعهم إلى طريق الحق عباً جيشه وأمر بأن لا يبدأوهم بقتال حتى يقاتلوهم ، ولما نظر الخوارج إلى هذا التهيؤ استعدّوا وتهيّأوا ، وكانت نفوسهم مترعة بالشوق إلى الحرب وقلوبهم تتحرق إلى القتال تحرق الظمآن إلى الماء ، وهتف بعضهم فيهم : هل من رائح إلى الجنّة ؟
فأجابوه جميعاً : الرواح إلى الجنّة ، ثمّ حملوا حملة منكرة وهم يهتفون بشعارهم « لا حكم إلا لله » ، فانفرجت لهم خيل الإمام فرقين ، فرق تمضي إلى الميمنة وفرق تمضي إلى الميسرة ، والخوارج يندفعون بين الفريقين، فتلقاهم أصحاب الإمام بالنبل ، وما هي إلا ساعة حتى قتلوا عن آخرهم ، ولم يفلت منهم إلا تسعة (2).
ولما وضعت الحرب أوزارها طلب الإمام من أصحابه أن يلتمسوا له ذا الثدية(3)
فأقبل حتى وقف ولم يسلّم ، فقال له رسول الله الله : انْشِدُكَ اللَّهَ ! هَلْ قُلْتَ حِينَ وَقَفْتَ عَلَى الْمَجْلِسِ : ما في الْقَوْمِ أَحَدٌ أَفْضَلُ مِنّي أَوْ خَيْرٌ مِنِّي ؟قال : اللهم نعم ، ثم دخل يصلّي .
فقال رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم): مَنْ يَقْتُلُ الرَّجُلَ ؟
فقال أبو بكر : أنا ، فمضى إليه فوجده يصلّي .
فقال : سبحان الله ! أقتل رجلاً يصلي ، وقد نهى رسول الله عن قتل المصلين ، فخرج فقال له رسول الله : ما فَعَلْتَ ؟
فقال : كرهت أن أقتله وهو يصلي ، وأنت قد نهيت عن قتل المصلين.
فقال(صلی الله علیه وآله وسلم) لأصحابه : مَنْ يَقْتُلُ الرَّجُلَ ؟
فقال عمر : أنا ، فمضى إليه فوجده يصلّي ، وقد وضع جبهته على الأرض ، فقال عمر :
أبوبكر أفضل منّي ثم خرج.
فقال له رسول الله : ما فَعَلْتَ ؟
فقال عمر : وجدته واضعاً وجهه الله فكرهت أن أقتله .
فقال(صلی الله علیه وآله وسلم): مَنْ يَقْتُلُ الرَّجُلُ ؟
فقال الإمام : أنا .
فقال رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم): أَنتَ لَهُ إِنْ أَدْرَكْتَهُ ، فمضى الإمام فوجده قد خرج ، فجاء إلى رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) فأخبره بالأمر.
فقال : لَوْ قُتِلَ مَا اخْتَلَفَ مِنْ أُمَّتِي رَجُلانِ كَانَ أَوَّلُهُمْ وَآخِرُهُمْ سَواءٌ - الإصابة : 1: 484
1) الإمامة والسياسة : 1 : 155 .
2) الملل والنحل : 1 : 159 ، وجاء فيه : «إنّه انهزم منهم اثنان إلى عمان ، واثنان إلى كرمان ، واثنان إلى سجستان ، واثنان إلى الجزيرة ، وواحد إلى تل موزون ، وأخذ هؤلاء يبثّونفكرتهم في في هذه المواضع حتى ظهرت فيها بدعة الخوارج .
3) قال فيه أنس : كان في عهد رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)رجل يعجبنا تعبده ، وقد ذكرنا ذلك لرسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)فلم يعرفه ، فبينما نحن في ذكره إذ طلع علينا الرجل ، فقلنا له : يا رسول الله ، هو هذا ؟ فلما نظر إليه قال(صلی الله علیه وآله وسلم) : إِنَّكُمْ لَتُخْبِرُونِي عَنْ رَجُلٍ إِنَّ وَجْهَهُ لَسَفْعَةٌ - السفعة العلامة - مِنَ الشَّيْطانِ .
في القتلى ، فبحثوا عنه بحثاً دقيقاً فلم يظفروا به ، فعادوا إليه يخبرونه بعدم ظفرهم به ، فأمرهم أن يلتمسوه له مرة أخرى قائلاً: والله ! ما كَذَبْتُ وَلَا كُذَّبْتُ ، وَيْحَكُمْ ! إِلْتَمِسُوا الرَّجُلَ فَإِنَّهُ فِى الْقَتْلى .
فانطلقوا يفتشون عنه ، فظفر به رجل من أصحابه بين القتلى ، فمضى يهرول فأخبر الإمام به ، فقال : اللهُ أَكْبَرُ !! ما كَذَبْتُ عَلَى مُحَمَّدٍ ، وَإِنَّهُ لَناقِصُ الْيَدِ لَيْسَ فِيها عَظْمٌ ، في طَرَفِهَا حِلْمَةٌ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ ، عَلَيْها خَمْسُ شَعَرَاتٍ أَوْ سَبْعُ ، رُؤوسُها مُعْقَفَةٌ وأمر بإحضار جنّته ، فأحضرت له فتبيّن عضده ، فإذا على منكبه ثدي كثدي
المرأة ، وعليه شعرات سود تمتد حتى تحاذي بطن يده الأخرى ، فإذا تركت عادت إلى منكبه ، فلما رأى ذلك خرّ الله ساجداً ، ثمّ قسّم بين أصحابه سلاح الخوارج ودوابهم ، وردّ الأمتعة والعبيد إلى أهليهم (1).
وبذلك انتهت حادثة النهروان .
وأعقبت حادثة صفين والنهروان أعظم المحن والمشاكل، وأغرقت البلاد في الأحداث والخطوب، وقد أوجبت خذلان الإمام وولده الحسن(عليهم السلام) في دوره ، ونشير إلى بعضها :
لقد مني الجيش العراقي عقيب الحادثتين بالانشقاق والتمرّد ، والضعف والسأم من الحرب ، وسبب ذلك يرجع إلى كثرة من قتل منه ، وأن القتلى كانوا ينتمون إلى تلك الكتائب العسكرية ، فشاع فيها الحزن ، وانتشر الجزع والتذمر ، وأصبح الجيش على أثر ذلك ليسأم من الحرب ، ويحب السلم ، ويؤثر العافية ، وقد ظهر ذلك بوضوح حينما أراد الإمام أن يزحف إلى حرب معاوية عقيب حادثة النهروان ، فإنّهم لم يجيبوه إلى ذلك ، وقد تصدّى الأشعث بن قيس إلى جوابه فقال له : يا أمير المؤمنين ، نفذت نبالنا ، وكلت سيوفنا ، ونصلت أسنّة رماحنا ، فارجع بنا إلى مقرنا لنستعد بأحسن عدّتنا ، ولعلّ أمير المؤمنين يزيد في عددنا عدد من هلك منا ، فإنّه أوفى لنا على عدوّنا .
وعلى أثر كلام هذا الماكر الخبيث تسلّل الجنود من معسكراتهم منهزمين ،
1) مروج الذهب : 2 : 385
ولاذ من لاذ منهم بالمدن القريبة ، وأيقن الإمام أنّهم مارقون من يده ، ولا طاعة له عليهم ، فاضطر إلى الرجوع إلى عاصمته وبهذا نقف على مدى رغبة الجيش في الاستسلام وسأمه من الحرب ، وكلما حاول الإمام بعد ذلك بشتى الوسائل والأساليب أن يقضي على هذا الانحلال والتمرد فلم يتمكّن .
وفقد الإمام في صفّين أهم أصحابه الذين يعتمد على إخلاصهم وإيمانهم بقضيّته ، وهم البقيّة الصالحة من المهاجرين والأنصار الذين ناضلوا عن كرامة الإسلام وشيدوا صروحه ، ولو كانوا في قيد الحياة لما حدث التفكك في جيشه ، وقد حزن عليهم حزناً مرهقاً، وبكى عليهم أمر البكاء ، وقد تذكرهم وهو يخطب على منبر الكوفة ، فصعد آهاته ، وبت زفراته ، وانطلق يقول :
ما ضَرَّ إِخْوانَنَا الذِينَ سُفِكَتْ دِماؤُهُمْ - وَهُمْ بِصِفِّينَ - أَلَّا يَكُونُوا الْيَوْمَ أَحْيَاءٌ ؟ يُسِيغُونَ الْغُصَصَ وَيَشْرَبُونَ الرَّنَقَ(1)! قَدْ - وَاللهِ لَقُوا اللهَ فَوَفَّاهُمْ أُجُورَهُمْ ، وَأَحَلَّهُمْ دَارَ الْأَمْنِ بَعْدَ خَوْفِهِمْ.
أَيْنَ إِخْوانِيَ الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّريقَ ، وَمَضَوْا عَلَى الْحَقِّ ؟ أَيْنَ عَمَارُ ؟ وَأَيْنَ ابْنُ النَّيْهانِ(2)
هو مالك بن التيهان بن مالك الأوسي . كان أحد السنّة الذين لقوا رسول الله ، وهو أول من لقيه من الأنصار، وهو أول من بايعه في ليلة العقبة ، وقيل : ليس هو أول من بايع ، وكان مالك نقيب بني عبد الأشهل هو واسيد بن حضير ، وشهد بدراً واحداً والمشاهد كلها .قيل : مات في خلافة عمر سنة عشرين ، وقيل : شهد مع الإمام صفين ومات بعدها بقليل . أسد الغابة : 4 :274 .
وجاء في الاستيعاب : « أنّ مالكاً شهد مع الإمام صفين وقتل فيها»، وصريح خطاب الإمام يدل على ذلك .
؟ وَأَيْنَ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ(3)هو خزيمة بن ثابت بن الفاكه الأنصاري الأوسي ، يكنى أبا عمارة ، وقد جعل رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)شهادته كشهادة رجلين ، وسبب ذلك أن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)اشترى فرساً من سواء بن قيس المحاربي فجحد سواء الشراء ، فشهد خزيمة بن ثابت للنبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، فقال له رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم): ما حَمَلَكَ عَلَى الشَّهَادَةِ وَلَمْ تَكُنْ مَعَنا حَاضِراً؟ فقال : صدقتك بما جئت به ، وعلمت أنك لا تقول إلا حقاً ، فكيف لا أصدقك في هذا الأمر.
فقال رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) : مَنْ شَهِدَ لَهُ خُزَيْمَةُ أَوْ عَلَيْهِ فَحَسْبُه .
وقد شهد مع رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)بدراً واحداً والمشاهد كلها ، وشهد مع الإمام الجمل وصفّين ولم يقاتل فيهما ، ولما قتل عمّار بن ياسر بصفين قال خزيمة : سمعت رسول الله يقول : تَقْتُلُ عَمَاراً الْفِئَةُ الْباغِيَةُ ، ثمّ سلّ سيفه وقاتل حتى قتل . أسد الغابة : 2 : 114 .
؟ وَأَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوانِهِمْالَّذِينَ تَعاقَدُوا عَلَى الْمَنِيَّةِ ، وَأَبْرِدَ بِرُؤُوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَةِ !
ثمّ وضع يده على كريمته الشريفة فأطال البكاء ، ثم قال :
أَوَّهِ(1)عَلَى إِخْوانِي الَّذِينَ تَلَوُا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ وَتَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ ، أَحْيَوُا السُّنَّةَ وَأَمَاتُوا الْبِدْعَةَ. دُعُوا لِلْجِهادِ فَأَجَابُوا ، وَوَثِقُوا بِالْقائِدِ فَاتَّبَعُوهُ(2).
لقد ذابت نفسه أسى على فقده لهذه الصفوة التي عرفت مكانته ، ووعت أهدافه ،
وسارت على ضوء إرشاداته القيّمة وتعاليمه الرفيعة ، حتى صارت أمثلة للكمال والتهذيب والسموّ ، ولما طحنت هؤلاء المثاليين حرب صفين صار الإمام أعزلاً لا يجد أحداً في ذلك المجتمع الهزيل يسانده ويساعده على تحقيق ما يصبو إليه في هذه الحياة من إصلاح المجتمع ، ونشر ألوية العدالة والمساواة بين الناس ، وأما خصمه معاوية فإنّه لم يخسر في حرب صفين أحداً من بطانته والدهاة الذين عنده ، بل انضم إليه جمع كثير من الذين باعوا ضمائرهم عليه حتى قوي أمره .
لقد درس معاوية نفسيّة الجيش العراقي ، ووقف على تخاذله وعدم انقياده للإمام ، فجعل يحتل الأقطار الإسلامية قطراً بعد قطر ، فبعث جيشاً جرّاراً لاحتلال مصر التي هي أمل ابن العاص وبغيته ، فاحتلها وقتل حاكمها الطيب محمد بن أبي بكر قتلة مروّعة ، والعراقيون متقاعسون عن إجابة الإمام والنهوض معه إلى ردّ هذا العدوان .
وبعث جيشاً آخر بقيادة الوغد الأثيم بسر بن أبي أرطاة (1)
واسم أبي ارطاة عمير ، وقيل : عويمر العامري ، وقد ارتكب هذا الجافي من الجرائم والآثام ما لا يرتكبه أحد ، منها قتله ولدي عبيد الله بن العباس ، وهما عبدالرحمن وقثم ، وكانا طفلين، ولم يرع قرابتهما من رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، وصغر سنهما ، ومنها غارته على همدان ، وسبي نسائهم ، فكنّ أوّل مسلمات سبين في الإسلام ، ومنها قتله أحياءاً من بني سعد ، إلى غير ذلك من الجرائم التي ارتكبها ، وقد برز هذا الأثيم يوم صفين لمحاربة الإمام ، فطعنه الإمام فسقط إلى الأرض وكشف عن عورته ، فتركه الإمام وفي فعله يقول الحرث أحد
الشعراء :
أفي كُلِّ يَومٍ فارِسٌ لَيسَ يَنتَهي*** وَعُورَتُهُ وَسْطَ العَجَاجَةِ بادِيَه
يَكُفُ لَها عَنهُ عَلِيٌّ سِنانَهُ ***وَيَضحَكُ مِنها فِي الخَلاءِ مُعاوِيَه
بَدَتْ أَمسُ مِنْ عَمْرٍو فَفَنَّعَ رَأْسَهُ ***وَعَورَةُ بُسرٍ مِثلُها حَدَوَ حاذِيَه
فقولا لعمرو ثُمَّ بُسرٍ أَلا انْظُر*** سَبيلَكُما لَا تَلقَيا الليث ثانِيَه
وَلَا تَحمَداً إِلَّا الحَي وَخُصاكُما*** هُما كانتا وَاللهِ لِلنَّفْسِ واقِيَه
وَلَوْلاهُما لَمْ تَنجوا مِنْ سِنانِهِ*** وَتِلكَ بِما فيها عَنِ العَودِ ناهِيَه
مَتى تَلقَّيا الخَيلَ المُشيحَةَ صَبْحَةً*** وَفِيها عَلِيٌّ فَاتْرُكا الخَيلَ ناحِيَه
وكونا بعيداً حَيثُ لَا تَبْلُغُ القَنا*** نُحورَكُما إِنَّ التَّجَارِبَ كافيه
وقد خرف في آخر عمره ومات بالمدينة ، وقيل : بل مات بالشام في بقية أيام معاوية . الاستيعاب : 1: 154 - 163 .
الاحتلال الحجاز1) بسر بن أبي ارطاة القرشي :
واليمن، فتوجه القائد القاسي إلى المدينة ، وكان حاكمها أبا أيوب الأنصاري(1)
هو خالد بن زيد بن كليب الأنصاري ، من بني النجار ، وهو معروف باسمه وكنيته ، شهد مع النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) العقبة وبدراً وما بعدها من المشاهد ، ولما قدم النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)إلى المدينة نزل في بيته إلى أن بنى بيوته ومسجده ، وأخى النبي بينه وبين مصعب بن عمير ، وقد استخلفه الإمام علي (عليه السلام)على المدينة لما خرج إلى العراق ، ثم لحق به بعده. وشهد معه قتال الخوارج ، ولزم أبو أيوب الجهاد بعد النبي إلى أن توفّي بالقسطنطينية سنة خمسين ، وقيل : اثنتين وخمسين . الإصابة : 1 : 405 .
، فهرب وقد استولى عليه الخوف ، ودخل بسر إلى المدينة ، فأدخل الرعب والخوف في القلوب ، وخطب الناس فكان خطابه حافلاً بالجفاء والغلظة والقسوة ، فمن جملة خطابه : « يا أهل المدينة ، والله لولا ما عهد إليَّ معاوية ما تركت بها محتلماً إلا قتلته » .ولما أنهى هذا الأثيم أمر المدينه توجّه إلى مكة فاحتلها ، وأخذ البيعة من أهلها قسراً ، ثمّ انعطف بعد ذلك إلى اليمن ، وكان واليها عبيد الله بن العباس ، فانهزم بنفسه ناجياً من شرّه قاصداً نحو الكوفة ليعرف الإمام بذلك ، ولما دخل بسر إلى اليمن أخذ
1) أبو أيوب الأنصاري :
البيعة من أهلها ، وفتّش عن طفلين لعبيد الله ، فلما ظفر بهما قتلهما(1).
ولما انتهى خبرهما إلى أمّهما ضاقت بها الدنيا ، وأكلها الحزن ، ويرى البكاء عينيها ، فكان الجزع والحزن لها غذاءاً وشراباً حتى فقدت شعورها وقد رثتهما بذوب روحها قائلة :
يا مَنْ أَحَسٌ بُنَيَّبي اللذين هما*** كَالدُّرَّتَيْن تَشَفّى عَنْهُما الصَّدَفُ !
يا مَنْ أَخَش بُنيي اللذين هما*** قَلبي وَسَمْعي فَقَلْبِي اليَومَ مُخْتَطَفُ !
مَنْ ذَلَّ والِهَةٌ حَرَى وَثاكِلَةٌ ***على صَبيَّيْنِ ضَلَّا إِذْ غَدا السَّلَفُ
خُبِّرْتُ بُسْراً وما صَدَّقْتُ ما زَعَموا*** مِنْ إِفْكِهِمْ وَمِنَ القَولِ الذي اقْتَرَفُوا
انحى على وَدَجَى ابْنَى مُرْهَقَةٌ ***مشحوذَةٌ وَكَذاكَ الأَمْرُ مُقْتَرفُ (2)
ولمّا انتهت الأنباء المريعة إلى الإمام أقبل إلى أصحابه ونفسه المقدّسة ملؤها اللوعة والاستياء على هذا التمرّد الناشب في جيشه ، فخطب فيهم فمن جملة خطابه قوله :
«أنْبِنْتُ بُسْراً قَدِ اطَّلَعَ الْيَمَنَ(3)، وَإِنِّي وَاللَّهِ! لَأَظُنُّ أَنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ سَيْدَالُونَ(4)مِنْكُمْ بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى باطِلِهِمْ ، وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقَّكُمْ ، وَبِمَعْصِيَتِكُمْ إِمَامَكُمْ فِي الْحَقِّ ، وَطاعَتِهِمْ إِمامَهُمْ فِي الْباطِلِ ، وَبِأَدَائِهِمْ الْأَمانَةَ إِلَى صاحِبِهِمْ وَخِيانَتِكُمْ ، وَبِصَلَاحِهِمْ فِي بِلَادِهِمْ وَفَسادِكُمْ .
فَلَوِ انْتَمَنْتُ أَحَدَكُمْ عَلَى قَعْبٍ(1)لَخَشِيتُ أَنْ يَذْهَبَ بِعِلَاقَتِهِ(2).
اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ مَلِلْتُهُمْ وَمَلُّونِي، وَسَمْتُهُمْ وَسَيْمُونِي ، فَأَبْدِلْنِي بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ ، وَأَبْدِلْهُمْ بِي شَرّاً مِنِّي .
اللَّهُمَّ مِنْ فِي قُلُوبَهُمْ كَما يُماتُ الْمِلْحُ(3)فِي الْمَاءِ ، أَمَا وَاللَّهِ! لَوَدِدْتُ أَنَّ لِي بِكُمْ أَلْفَ فَارِسٍ مِنْ بَنِي فِرَاسِ بْنِ غَنْمٍ(4).
هُنالِكَ لَوْ دَعَوْتَ أَتَاكَ مِنْهُمْ*** فَوَارِسُ مِثْلُ أَرْمِيَةِ الحَمِيمِ
ثم نزل(عليه السلام) عن المنبر(5).
وبهذا الخطاب نقف على مدى فساد جيشه وخيانته ، ولا عجب في رفض الإمام الحسن(عليه السلام)والتخلية بينه وبين معاوية ، فإنّ شعباً لا يساند الحق ، ولا يدافع عن كرامته لجدير بأن يكون لقمة سائغة لذوي الأطماع والأهواء .
ولم يكتف معاوية بذلك ، فأرسل جيشاً جرّاراً بقيادة سفيان بن عوف للإغارة على أهل العراق في عقر دراهم(6)، فغزى جيشه هيت(7)، والأنبار ، وقد أوقع
1) القعب - بالضم: القدح الضخم.
2) علاقته - بكسر العين : ما يتعلّق به من ليف وغيره .
3) ماث : أي ذاب .
4) بنو فراس : قبيلة مشهورة بالشجاعة والإقدام ، منهم علقمة بن فراس ، وهو جذل الطعان ، ومنهم ربيعة بن مكدم حامي الظعن حياً وميتاً ، ولم يحم أحد حريمه غيره .
5) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 332 و 333 نهج البلاغة / محمد عبده : 1: 65 .
6) عقر الدار - بالضمّ وسطها وأصلها .
7) هيت - بكسر الهاء . قال ابن السكيت : «إنّما سمّيت هيت بهذا الاسم لأنّها في هوة من الأرض ، وقد انقلبت الواو ياءاً لانكسار ما قبلها ، وهي بلدة من نواحي بغداد فوق الأنبار ، وهي ذات نخل كثير ، وخيرات واسعة » . معجم البلدان : 8 : 486 .
بنفوس أهليهما قتلاً فظيعاً ، وبأموالهم أضراراً جسيمة .
ولما انتهت الأنباء إلى الإمام(عليه السلام) بلغ منه الحزن أقصاه ، لأنه يرى الباطل قد قويت شوكته ، ولا يمكنه تحطيمه والقضاء عليه ، وينظر إلى أصحابه وقد امتلأت قلوبهم خوفاً وذلاً وجبناً ، فصعد(عليه السلام)على المنبر فخطبهم بخطاب رائع مثل ما في نفسه من هم مقيم ، وأسى شديد ، وصوّر ما في نفوس أصحابه من خنوع وخور وتخاذل قائلاً:
أَلَا وَإِنِّي قَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلَى قِتالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَيْلاً وَنَهَاراً ، وَسِرّاً وَإِعْلَاناً، وَقُلْتُ لَكُمُ اغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَغْرُوكُمْ ، فَوَاللَّهِ مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلَّا ذَلُّوا .
فَتَوَا كَلْتُمْ وَتَخاذَلْتُمْ حَتَّى شُنَّتْ عَلَيْكُمُ الغارَاتُ ، وَمُلِكَتْ عَلَيْكُمُ الْأَوْطانُ. وَهَذَا أَخُو عَامِدٍ(1)وَقَدْ وَرَدَتْ خَيْلُهُ الْأَنْبَارَ ، وَقَدْ قَتَلَ حَسَّانَ ابْنَ حَسَّانَ الْبَكْرِيَّ ، وَأَزَالَ خَيْلَكُمْ عَنْ مَسالِحِها (2)، وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ المُسْلِمَةِ ، وَالْأُخْرَى المُعاهَدَة (3)فَيَنْتَزِعُ حِجْلَها (4)وَقُلْبَها (5)وَقَلَائِدَها وَرُعانَها (6)، ما تَمْتَنِعُ مِنْهُ
إِلَّا بِالْإِسْتِرْجاع(1)وَالْإِسْتِرْحامِ . ثُمَّ انْصَرَفُوا وَافِرِينَ(2)مَا نالَ رَجُلاً مِنْهُمْ كَلْمٌ(3)، وَلَا أُرِيقَ لَهُمْ دَمٌ ، فَلَوْ أَنَّ امْرَأَ مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هَذَا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً ، بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً .
فَيا عَجَباً ! عَجَباً - وَاللَّهِ ! - يُمِيتُ الْقَلْبَ وَيَجْلِبُ الْهَمَّ مِنِ اجْتِماعِ هَؤُلَاءِ القَوْمِ عَلَى باطِلِهِمْ ، وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقَّكُمْ فَقُبْحاً لَكُمْ وَتَرَحاً ، حِينَ صِرْتُمْ غَرَضاً يُرمَى، يُغارُ عَلَيْكُمْ وَلَا تُغِيرُونَ ، وَتُغْزَوْنَ وَلَا تَغْزُونَ ، وَيُعْصَى اللَّهُ وَتَرْضَوْنَ! فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي أَيَّامِ الْحَرِّ ، قُلْتُمْ هَذِهِ حَمَارَّةُ الْقَيْطِ (4)أَمْهِلْنا يُسَبَّحُ (5)عَنَا الْحَرُّ ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي الشَّتاءِ قُلْتُمْ هذِهِ صَبارَةُ (6)القُرَّ(7)، أَمْهِلْنا يَنْسَلِخْ عَنَّا الْبَرْدُ ، كُلُّ هَذَا فِرَاراً مِنَ الْحَرِّ وَالْقُرُ؟ فَإِذَا كُنْتُمْ مِنَ الْحَرِّ وَالْقُرَّ تَفِرُّونَ فَأَنْتُمْ وَاللَّهِ! مِنَ السَّيْفِ أَفَرُّ!
يا أَشباءَ الرّجالِ وَلَا رِجَالَ : حُلُومُ الأطفالِ ، وَعُقُولُ رَبَاتِ الْحِجالِ(8)، لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَرَكُمْ وَلَمْ أَعْرِفْكُمْ ، مَعْرِفَةٌ - وَاللهِ ! - جَرَّتْ نَدَماً ،
1) الاسترجاع : ترديد الصوت بالبكاء .
2) وافرين : أي تامين على كثرتهم لم ينقص عددهم .
3) الكلم - بالفتح : الجرح .
4) حمارة القيظ - بتشديد الراء : هي شدّة الحرّ .
5) يسبخ : أي يخف وتذهب شدّته .
6) الصبارة - بتشديد الراء - : شدة البرد .
7) القرّ - بالضم: هو البرد .
8) الحجال : جمع حجلة ، وهي القبة . وربات الحجال : النساء .
وَأَعقَبَتْ سَدَماً (1).
قَاتَلَكُمُ اللهُ ! لَقَدْ مَلَاتُمْ قَلْبِي قَيْحاً ، وَشَحَنْتُمْ صَدْرِي غَيْظاً ، وَجَرَّعْتُمُونِي نُغَبَ(2)التَّهَمامِ(3)أَنْفاساً (4)، وَأَفْسَدْتُمْ عَلَيَّ رَأْيِي بِالْعِصْيانِ وَالْخُذلان ... » (5).
ولم يثر هذا الخطاب الحماسي الرائع حفائظ نفوسهم، ولم يقلع روح الخور والتمرّد منهم ، قد أسلموا أنفسهم للعداء المسلّح يصيب معاوية من أموالهم وأنفسهم ما شاء ومتى أراد .
ولم يقف بلاء الإمام ومحنته في أصحابه وخصمه معاوية إلى هذا الحد ، فقد تجاوز البلاء والشر إلى ما هو أعظم وأشدّ ، تلك هي فكرة الخوارج التي لم يقض عليها يوم النهروان ، وإنما قضى على بعض معتنقيها ، وقد أخذت تتسع ويكثر أنصارها ، وقد خلقوا أفظع المشاكل في الحقل الإسلامي ، فدعوا إلى التمرّد على حكومة الإمام ، وكان من أهمهم الخريت(6)
كان على مضر كلّها يوم الجمل ، واستعمله عبدالله بن عامر على كورة من كور فارس ، وكان مع الإمام حتى صار أمر الحكمين ، ففارقه إلى بلاد فارس مخالفاً . الإصابة : 1: 422.
، فقد خرج هو وفريق من أصحابهوقد أعلنوا الحرب والعصيان ، فأرسل الإمام إليهم جيشاً لردّهم إلى الطاعة وحربهم إن أبوا ذلك ، فلحق بهم الجيش فكانت بينهم - أولاً - مناظرة وجدال ، ولما امتنع الخريت من الرجوع إلى الطاعة وقع بين الفريقين قتال عنيف ، ولكن لم يتغلب أحدهما على الآخر ، وهرب الخريت بأصحابه نحو البصرة .
فرجع جيش الإمام ولم يظفر بشيء ، فأرسل الإمام له جيشاً آخر أكثر منه عدة ، وأعظم قوة ، وأمره بأن يتعقبهم ، وكتب إلى عبد الله بن عباس عامله على البصرة أن يمد الجيش ويزوده بما يحتاج إليه ، فامتثل عبد الله بن عباس لذلك ، والتقى الفريقان ، فكان بينهما أشدّ القتال وأعنفه ، وبدت أمارة الانحلال والخور في جيش الخريت ، إلا أنه استطاع أن ينهزم بأصحابه في غلس الليل البهيم ، فولى هارياً نحو الأهواز ، فأخذ يبذر الفتنة ، ويبشر بفكرته بين أولئك البسطاء الذين لم يعوا المفاهيم الإسلامية ، ولم يتعقلوا أهدافها وواقعها ، فاستجابوا له .
وقد أخذ يزهد الإسلام في نفوسهم ، فمنع العرب من إعطاء الصدقة ، والنصارى من إعطاء الجزية ، حتى ارتد كثير من النصارى ممن كان قد أسلم ، وقد التف حوله جمع كثير من أولئك الأغبياء حتى ظهر أمره ، وقويت شوكته ، ولكن جيش الإمام قد تتبعهم إلى أن ظفر بهم ، فكانت بينهما موقعة أدت أخيراً إلى قتل الخريت وفريق من حزبه ، وأخذ قائد جيش الإمام ما بقي من أصحاب الخريت أسرى ، فمن أسلم منهم من عليه ، ومن ارتد استتابه ، فإن أسلم من عليه ، وإن لم يسلم أخذه أسيراً معه . وهكذا أخذت الفتن تتسع وتتزايد في الحاضرة الإسلامية التي هي تحت سيطرة حكم الإمام حتى أوجبت خذلان الإمام وقتله وخذلان ولده الحسن(عليه السلام) في دوره ، وألحقت أضراراً كثيرة في المجتمع الإسلامي جعلته غارقاً في المآسي والشجون .
إنّ حادثة صفين بما أعقبته من المتارك الفظيعة قد أوجبت تدهور المسلمين وانحطاطهم ، وتغلب قوى البغي على قوى الحق والإسلام ، ومهدت الطريق
للأمويّين أن يتحكموا فى رقاب المسلمين، وأن يستأثروا بأموالهم وسائر إمكانياتهم ، وأن يسعوا جاهدين في محاربة الاصلاح وسائر النزعات الخيرة حتى ضح المسلمون من جورهم واستبدادهم وظلمهم .
بقي الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) بعد حداثة صفين في أرياض الكوفة وهو محزون النفس ، مكلوم القلب ، يتلقى في كل فترة من زمانه ألواناً مريعة من الرزايا والخطوب، ينظر إلى العدل وهو مضام، وإلى الخير مضيّع ، وإلى البغي قد كثر ، وإلى الجور قد طغى ، ويرى باطل معاوية قد استحكم ، وأمره قد تمّ ، وهو لا يتمكن من مناجزته لأن جيشه أصبح متمرّداً عليه يأمره فلا يطيع ، ويدعوه فلا يستجيب ، قد خلد إلى الراحة ، وسئم التعب، وكره الجهاد في سبيل الله .
وتركت هذه الكوارث أسى مريراً في نفسه ، فكان يتمنى الرحيل عن الدنيا في كلّ آونة من الزمن ليستريح من مشاكلها وشرورها ، وقد انطلق يدعو الله ليعجل انتقاله إليه قائلاً: «اللَّهُمَّ عَجِّلْ لِلْمُرَادِي شَفَاءَهُ ».
ويقول مخاطباً لأهل الكوفة : «أما واللهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ اللَّهَ أَخْرَجَنِي مِنْ أَظْهُرِكُمْ ، وَقَبَضَنِي إِلَى رَحْمَتِهِ مِنْكُمْ».
لقد قرّر( ماكس نورداو) بقاء الأحيل دون الأصلح ، لأن الأصلح لا يدوم طويلاً في دنيا الأباطيل ، وقد كان الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) من ألمع المصلحين في الدنيا ، فقد أجهد نفسه على إقامة العدل، وبسط المساواة في الأرض ، فكيف يبقى في عالم المنافع والأضاليل .
فقد حاربه النفعيون ، وقاومه طلاب الجاه والسلطان ، وتنكر له ذلك المجتمع
الذي لعبت به الأهواء ، وأفسدته الأطماع ، فكيف يدوم حكمه في ذلك المجتمع الهزيل ؟ !
وزاد في أسى الإمام(عليه السلام)و أحزانه ، فقده للبقيّة الصالحة من صحابة الرسول(عليه السلام) من الذين عرفوا اتجاهه، ودرسوا في مدرسته ، أمثال : عمار بن ياسر ، وهاشم المرقال ، وذو الشهادتين ، وأمثالهم من عيون المؤمنين الذين يعتمد عليهم في إقامة الحق ، ودحض الباطل ، وإحياء معالم الدين ، وبعد فقده لهم أصبح غريباً في ذلك المجتمع لا ناصر له ولا صديق ، وأخذ يبتهل إلى الله ويتضرع إليه أن ينقله إلى جواره ليستريح من آلام هذه الحياة التي ما وجد فيها غير الارهاق والعناء .
وشهد موسم الحج جمع من الخوارج فتذاكروا من قتل من رفاقهم ، ومَن قُتل من سائر المسلمين ، وقد جعلوا تبعة ذلك على ثلاث من الكفار في زعمهم - وهم : الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) ، ومعاوية ، وعمرو بن العاص .
فقال ابن ملجم : أنا أكفيكم عليّ بن أبي طالب ، وقال عمرو بن بكير التميمي : أنا أكفيكم عمرو بن العاص .
وقال الحجاج بن عبد الله الصريمي : أنا أكفيكم معاوية ، واتفقوا على يوم معيّن عبدالله يقومون فيه بعملية الاغتيال، وهو اليوم الثامن عشر من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة ، كما عيّنوا ساعة الاغتيال وهي ساعة الخروج إلى صلاة الصبح ، ثمّ تفرّقوا ، وقصد كل واحد منهم الجهة التي عينها ، ووصل الأثيم ابن ملجم إلى الكوفة ، وهو يحمل معه الشرّ والشقاء لجميع سكان الأرض .
فقد جاء ليخمد ذلك النور الذي أضاء الدنيا ، وقد قصد الماكرة الخبيثة ابنة عمّه قطام ، وكان ، وكان هائماً بحبها ، وكانت تدين بفكرة الخوارج ، وقد قتل أبوها وأخوها في
واقعة النهروان ، فكانت مثكولة بهم ، وقد خطبها ابن ملجم(1)، فلم ترض به زوجاً ، إلا أن يشفي غليلها ، ويحقق إربها ، فقال لها : ما تريدين شيئاً إلا أنفذته وحققته .
فعرضت عليه المهر الذي تريده ، وهو ثلاثة آلاف درهم، وعبد وقينة ، وقتل عليّ .
فقال لها الأثيم : ما سألت هو لك مهر ، إلا قتل عليّ فلا أراك تدركينه .
وقد قصد إخفاء الأمر عليها ، ولكن الأثيمة اندفعت تحبّذ له قتل الإمام وتشجّعه على ارتكاب الجريمة قائلة : إن أصبته شفيت نفسي ، ونفعك العيش ، وإن هلكت فما عند الله خير لك من الدنيا .
ولمّا عرف الأثيم الجدّ في قولها عرفها بنيته ، وأنه ما جاء لهذا المصر إلا لهذه الغاية ، وفي هذا المهر المشؤوم يقول الفرزدق :
فَلَمْ أَرَ مَهْراً سَاقَهُ ذُو سَمَاحَةٍ ***كَمَهْرِ قَطامٍ مِنْ غَنِيٌّ وَمُعْدِمِ
ثَلَاثَةُ آلافٍ وَعَبْدٌ وَقَيْنَةٌ*** وَضَرْبُ عَلِيَّ بِالْحِسَامِ الْمُسَمَّمِ
فَلَا مَهْرَ أَغْلَى مِنْ عَلِيٍّ وَإِنْ غَلَا*** وَلَا فَتْكَ إِلَّا دُونَ فَتْكِ ابْنِ مُلْجَم
فَأُقْسِمُ بِالْبَيْتِ الحَرامِ وَمَنْ أَتَى*** إِلَيهِ جِهاراً مِنْ مُحِلٌ ومُحْرِمِ
لَقَدْ خَابَ مَنْ يَسْعَى بِقَتْلِ إِمامِهِ*** وَوَيْلٌ لَهُ مِنْ حَرِّ نَارِ جَهَنَّمِ (2)
وفي نور الأبصار : 95 ذكر زيادة على هذه الأبيات بيتين وهما :
وَلَا غَرَوَ لِلْأَشْرافِ إِنْ ظَفَرَتْ بِها*** كِلابُ الأَعادِي مِنْ فَصِيحِ وَأَعْجَمِ
فَحَربَةً وَحُشِي سَقَتْ حَمزة الرَّدى*** وختفُ عَلِيَّ مِنْ حِسامِ ابْنِ مَلْجَمِ
وفي بعض المصادر أن الأبيات لابن أبي مياس المرادي .
وقد أوجس أصحاب الإمام الخوف عليه من اغتيال الخوارج ، فتكلموا معه في أن يجعل له رصداً يحرسونه إن خرج لعبادة الله أو في بعض مهامه ، فامتنع الله من ذلك وقال لهم : إِنَّ عَلَيَّ مِنَ اللهِ جُنَّةٌ حَصِينَةٌ (1)، فَإِذا جاءَ يَوْمِي الْفَرَجَتْ عَنِّي وَأَسْلَمَتْني ، فَحِينَئِذٍ لَا يَطيش(2)السَّهْمُ ، وَلَا يَبْرَأُ الكَلمُ (3).
ولمّا أطلّ على الوجود شهر رمضان ، أفضل الشهور ، وأعظمها حرمة وقدراً عند الله حتى نسب إليه فقيل شهر الله ، كان الإمام علي(عليه السلام)على علم بانتقاله إلى حظيرة القدس في ظرف هذا الشهر العظيم ، فكان يتناول طعام الإفطار ليلة عند الحسن(عليه السلام)، وأخرى عند الحسين(عليه السلام)، ومرة عند عبد الله بن جعفر ، وهو لا يزيد في طعامه على ثلاث لقم ، ويحدّث عن السبب في قلة أكله قائلاً : أَحِبُّ أَنْ يَأْتِيَنِي أَمْرُ اللَّهِ وَأَنا خَمِيصُ الْبَطْنِ(4).
ولما أقبلت الليلة الثامنة عشرة من شهر رمضان اضطرب الإمام أشدّ الاضطراب . فجعل يمشي في صحن الدار وهو محزون النفس ، خائر القوى ، ينظر إلى الكواكب ويتأمل فيها ، فيزداد همه وحزنه ، وهو يقول متنبئاً عن وقوع الحادث الخطير في تلك الليلة : مَا كَذَبْتُ وَلَا كُذَّبْتُ ، إِنَّهَا اللَّيْلَةُ الَّتِي وُعِدْتُ فِيها (5).
وبقي(عليه السلام) طيلة تلك الليلة قلقاً حزيناً يناجي ربه ، ويطلب منه المغفرة والرضوان ، ويتلو آي الذكر الحكيم ، وقبل أن تشرق أنوار الفجر وينسلخ ظلام الليل القاتم ،
أقبل فأسبغ الوضوء ، ولما عزم على الخروج من بيته إلى مناجاة الله وعبادته في بيته الكريم صاحت في وجهه وز(1)كانت قد أهديت إلى الحسن(عليه السلام)، فتنبأ(عليه السلام)من صياحهن وقوع الحادث العظيم والرزء القاسم قائلاً: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ تَعَالَى ، صَوائِحُ تَتْبَعُها نَوائِحُ (2).
وأقبل الحسن(عليه السلام)وهو مضطرب من خروج أبيه في هذا الوقت الباكر ، فقال له: ما أَخْرَجَكَ فِي هَذَا الْوَقْتِ ؟
رُؤْيا رَأَيْتُهَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ أَهَا لَتْنِي.
خَيْراً رَأَيْتَ ، وَخَيْراً يَكُونُ ، قُصَّها عَلَيَّ .
رَأَيْتُ جَبْرَئِيلَ قَدْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ عَلى جَبَل أَبِي قُبِيسٍ ، فَتَناوَلَ مِنْهُ حَجَرَيْنِ، وَمَضى بِهِمَا إِلَى الْكَعْبَةِ، فَضَرَبَ أَحَدَهُما بالآخر، فصارا كَالرَّمِيمِ ثُمَّ ذرهما فِي الرِّيحِ ، فَمَا بَقِيَ بِمَكَّةَ وَلَا بِالْمَدِينَةِ بَيْتُ إِلَّا دَخَلَهُ مِنْ ذلِكَ الرَّمادِ شَيْءٌ .
ما تَأْوِيلُ هذِهِ الرُّؤْيا ؟
إِنْ صَدَقَتْ رُؤْيَايَ ، فَإِنَّ أَبَاكَ مَقْتُولٌ ، وَلَا يَبْقَى بِمَكَّةَ وَلَا بِالْمَدِينَةِ بَيْتٌ إِلَّا دَخَلَهُ الْحُزْنُ مِنْ أَجْلِي.
فالتاع الحسن(عليه السلام) وذهل، وانبرى قائلاً بصوت خافت حزين النبرات :
مَتى يَكُونُ ذلِكَ؟
إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ : وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضِ تَمُوتُ (1)، وَلَكِنْ عَهِدَ إِلَيَّ حَبِيبِي رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم) أَنَّهُ يَكُونُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ، يَقْتُلُنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْحِمٍ.
إِذا عَلِمْتَ ذلِكَ فاقْتُلْهُ .
لَا يَجُوزُ الْقِصَاصُ قَبْلَ الْجِنايَةِ ، وَالْجِنايَةُ لَمْ تَحْصَلْ مِنْهُ .
وأقسم الإمام على ولده الحسن(عليه السلام) أن يرجع إلى فراشه ، فلم يجد الحسن(عليه السلام) بداً من الامتثال(2)، وخرج الإمام إلى بيت الله في السحر ، وقد جاء في الأخبار أن السحر وقت تجلي الله فينفح فيه الرحمات ، ويهب به البرّ والخير ، ويستجيب فيه الدعاء .
ولمّا انتهى الإمام إلى بيت الله جعل على عادته يوقظ الناس لعبادة الله ومناجاته ، وحينما فرغ من ذلك شرع في صلاته ، وبينما هو ماثل بين يدي الخالق الحكيم والصلاة بين شفتيه ، وقلبه مشغول بذكر الله إذ هوى عليه الوغد الأثيم ابن ملجم(3)، وهو يهتف بشعار الخوارج الحكم لله لا لك»، وضرب الإمام على رأسه ، فقد جبهته الشريفة التي طالما عفّرها بالخضوع الله بكل ما للخضوع من معنى ، وانتهت
1) لقمان 31: 34
2) وجاء في الاستيعاب : « أنّ الحسن خرج مع أبيه ولم ينفصل عنه » .
3) لم يكن الأثيم وحده هو الذي أقدم على قتل الإمام ، بل كان معه شبيب بن بجرة ومجاشع بن وردان ، وأقبلوا إلى قطام فعصبتهم بحرير وكانت معتكفة بالمسجد ، فأخذ هؤلاء أسيافهم وقعدوا مقابلين لباب السدة التي يخرج منها الإمام للمسجد ، وقد علم الأشعث نية ابن ملجم فقال له محفّزاً على ارتكاب الجريمة : النجاء النجاء لحاجتك فقد فضحك الصبح ، ولما سمع حجر بن عدي كلامه قال له : قتلته يا أعور قتلك الله ، أما ابن ملجم فضرب الإمام على رأسه ، وأمّا شبيب فوقعت ضربته بعضادة المسجد ، وأما ابن وردان فهرب مروج الذهب : 2 : 411 - 413 .
الضربة القاسية إلى دماغه المقدّس الذي ما فكر إلا في نفع الناس وسعادتهم ، ورفع الشقاء عنهم ، ولما أحسن(عليه السلام)بلذع السيف في رأسه صاح : فُرْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ.
لقد فاز الإمام ، وأي فوز أعظم من فوزه ؟ فقد جاءته النهاية المحتومة وهو بين يدي الله وذكره بين شفتيه ، في أقدس بيت ، وأعظم شهر .
لقد فاز إمام الحق لأنه أرضى ضميره الحيّ فلم يوارب ولم يخادع منذ بداية حياته حتى النهاية ، ولقد قتل على غير مال احتجبه ، ولا على دنيا أصابها ، ولا سنّة في الإسلام غيّرها.
لقد فاز الإمام ، وأي فوز أعظم من فوزه ؟ فقد أفاض عليه الخلود لباس البقاء ليكون مظهراً للعدالة وعنواناً للحقِّ ، ومثالاً للإنسانية الكاملة التي ارتقت سلّم الكمال حتى بلغت نهايته .
لقد فاز الإمام وأي فوز أعظم من أن يذكر قريناً للحق والعدل، وتذكر مبادئه المقدّسة أعجوبة لقادة الفكر الإنساني يسيرون على ضوئها للعمل في حقل الاصلاح ، ولما وقع الإمام صريعاً في محرابه هتف معرّفاً بقاتله : قَتَلَنِي ابْنُ الْيَهُودِيَّةِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجَمٍ ، فَلَا يَفوتَنكُمْ .
فهرع الناس إلى المسجد بجميع طبقاتهم وهم معولون نادبون قد أذهلهم الخطب ، وروّعهم المصاب ، وبلغ بهم الحزن إلى قرار سحيق ، وفي مقدمتهم أولاد أمير المؤمنين(عليه السلام)، فوجدوا الإمام طريحاً في محرابه ، وجعدة بن هبيرة (1)
وجاء في تهذيب الكمال : 4 565 : « أن جعدة كان فقيهاً ، قد ولاه خاله الإمام على خراسان ، وقال أبو عبيدة : ولدت أمّ هاني بنت أبي طالب من هبيرة ثلاث بنين:جعدة وهاني ويوسف ».
وجماعة1) جعدة بن هبيرة المخزومي : ابن أم هاني بنت أبي طالب ، له صحبة مع النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، وقال ابن معين : لم يسمع من النبي شيئاً ، وقال العجلي : إنّه تابعي ثقة . خلاصة تهذيب الكمال : 53 .
حافون به يعالجونه للصلاة وهو لا يستطيع ، ولما وقع نظره على ولده الحسن(عليه السلام)أمره أن يصلي بالناس(1)، وصلّى الإمام وهو جالس والدم ينزف منه ، ولما فرغ الحسن الله من صلاته أخذ رأس أبيه فوضعه في حجره ودموعه تتبلور على وجهه الشريف ، فقال له : مَنْ فَعَلَ بِكَ هذا ؟
ابْنُ الْيَهُودِيَّةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجَمِ.
مِنْ أَيِّ طَريقٍ مَضى ؟
لَا يَمْضِي أَحَدٌ في طَلَبِهِ ، إِنَّهُ سَيَطْلُعُ عَلَيْكُمْ مِنْ هذَا الْبَابِ ، وأشار إلى باب كندة ، فاشتغل الناس بالنظر إليها وما هي إلا فترات وإذا الصيحة قد ارتفعت ، فقد ظفر بالأثيم المجرم ابن ملجم(2)فجيء به مكتوفاً مكشوف الرأس، فأوقف بين يدي الحسن(عليه السلام)، فقال له : يا مَلْعَونُ ، قَتَلْتَ أَميرَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِمَامَ الْمُسْلِمِينَ ، هذا جَزاؤُهُ حينَ آواكَ وَقَرَّبَكَ حَتَّى تُجازِيَهُ بِهذا الْجَزاءِ .
والتفت إلى أبيه قائلاً: يا أَبَةٍ ، هذا عَدُوٌّ اللَّهِ وَعَدُوكَ ابْنُ مُلْجَم قَدْ أَمْكَنَنا اللهُ مِنْهُ.
ففتح الإمام عينيه وقال له بصوت خافت : لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِذا وَأَمْراً عَظيماً ،
أَلَمْ أَشْفِقْ عَلَيْكَ وَأَقَدَّمْكَ عَلَى غَيْرِكَ فِي الْعَطاءِ؟ فَلِمَاذَا تُجازِينِي بِهَذَا الْجَزاءِ ؟ وقال للحسن الله يوصيه ببره والإحسان إليه : يا بُنَيَّ ، ارْقُلْ بِأَسِيرِكَ وَارْحَمْهُ ، وَاشْفِقْ عَلَيْهِ .
فقال(عليه السلام): يا أَبَتاهُ ، فَتَلَكَ هذا اللعينُ ، وَفَجَعَنا بِكَ ، وَأَنْتَ تَأْمُرُنَا بِالرَّفْقِ بِهِ ؟ !
فأجابه أمير المؤمنين(عليه السلام) : يا بُنَيَّ ، نَحْنُ أَهْلُ بَيْتِ الرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ ، أَطْعِمْهُ مِمّا تَأْكُلُ ، وَاسْقِهِ مِمَّا تَشْرَبُ ، فَإِنْ أَنَا مُتَّ فَاقْتَصَّ مِنْهُ بِأَنْ تَقْتُلَهُ ، وَلَا تُمَتِّلْ بِالرَّجُل ، فَإنّى سَمِعْتُ جَدَّكَ رَسولَ اللهِ الله يَقولُ : إِيَّاكُمْ وَالْمُثْلَةَ ، وَلَوْ بِالْكَلْبِ الْعَقورِ ، وَإِنْ أَنَا عِشْتُ فَأنا أَعْلَمُ ما أَفْعَلُ بِهِ ، وَأَنا أَوْلَى بِالْعَفْوِ ، فَنَحْنُ أَهْلُ بَيْتٍ لَا نَزْدادُ عَلَى الْمُذْنِبِ إِلَيْنا إِلَّا عَفْواً وَكَرَماً.
وأمر(عليه السلام) بحمله إلى الدار فحمل والناس تهرول خلفه قد أشرفت على الهلاك من البكاء والعويل ، قد أخذتهم المائقة وهم يهتفون بذوب الروح : قتل إمام الحق ، قتل إمام الحق .
واستقبلته بناته وعياله بالبكاء والعويل ، ولما استقر في ثويه ، التفت إليه الحسن(عليه السلام) وقد حرق الهم والجزع قلبه قائلاً: يا أَبَةِ ، مَنْ لَنا بَعْدَكَ ، إِنَّ مُصابَنا بِكَ مِثْلُ مُصابنا بِرَسولِ اللهِ.
فضمه الإمام وقال مهدئاً روعه : يا بُنَيَّ ، أَسْكَنَ اللَّهُ قَلْبَكَ بِالصَّبْرِ ، وَعَظَمَ أَجْرَكَ ، وَأَجْرَ إِخْوَتِكَ بِقَدْرِ مُصابِكُمْ بِي .
وجمع الحسن(عليه السلام) الجنة من الأطباء لمعالجته ، وكان أبصرهم بالطب أثير بن عمرو السكوني(1)
كان أحد الأطباء الماهرين يعالج الجراحات الصعبة ، وكان صاحب كرسي ، وله تنسب صحراء أثير .
، فاستدعى برئة شاة حارّة فتتبع عرقاً منها فاستخرجه فأدخله في جرح الإمام ، ثمّ نفخ العرق ، فاستخرجه فإذا هو مكلّل ببياض الدماغ، لأنّ الضربة قد وصلت إلى دماغ الإمام ، فارتبك أثير والتفت إلى الإمام واليأس في صوته قائلاً: يا أمير المؤمنين ، اعهد عهدك ، فإنك ميت (2).فالتفت الحسن(عليه السلام) إلى أبيه ودموعه تتبلور على وجهه ، وشظايا قلبه يلفظها بنبرات صوته قائلاً : أَبَةٍ ، كَسَرْتَ ظَهْرِي ، كَيْفَ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَراكَ بِهَذِهِ الْحَالَةِ ؟
وبصر الإمام فرأى الأسى قد استوعب نفسه فقال له برفق : يا بُنَيَّ ، لَا ثَمَّ عَلَيْ أَبيكَ بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ وَلَا جَزَعَ ، الْيَوْمَ أَلقى جَدَّكَ مُحَمَّدَ الْمُصْطَفَى ، وَجَدَّتَكَ خَدِيجَةَ الْكُبْرَى ، وَاُمَّكَ الزَّهْراءَ ، وَإِنَّ الْحور العينَ يَنْتَظِرْنَ أَباكَ وَيَتَرَقَبْنَ قُدومَهُ سَاعَةً بَعْدَ ساعَةٍ ، فَلَا بَأْسَ عَلَيْكَ ، يَا بُنَيَّ لَا تَبْكِ .
وتسمّم دم الإمام(عليه السلام)، ومال وجهه الشريف إلى الصفرة، وكان في تلك الحالة هادئ النفس، قرير العين، لا يفتر عن ذكر الله وتسبيحه ، وهو ينظر إلى آفاق السماء ، ويبتهل إلى الله بالدعاء قائلاً: إلهي أسْأَلُكَ مُرافَقَةَ الْأَنْبِياءِ وَالْأَوْصياءِ ، وَأَعْلى دَرَجاتِ الْجَنَّةِ .
وغشي عليه ، فذاب قلب الحسن(عليه السلام)، وجعل يبكي مهما ساعدته الجفون ،فسقطت قطرات من دموعه على وجه الإمام(عليه السلام) فأفاق ، فلما رآه قال له مهدّئاً روعه : يا بُنَيَّ ، ما هذَا الْبُكَاءُ ؟ لَا خَوْفَ وَلَا جَزَعَ عَلَى أَبِيكَ بَعْدَ الْيَوْمِ ، يَا بُنَيَّ لَا تَبْكِ ، فَأَنْتَ تُقْتَلُ بِالسُّمِّ ، وَيُقْتَلُ أَخَوكَ الْحُسَيْنُ بِالسَّيْفِ .
وأخذ الإمام يوصي أولاده بمكارم الأخلاق ، ويضع بين أيديهم المثل الرفيعة ، ويلقي عليهم الدروس القيمة وقد وجه(عليه السلام) نصائحه الرفيعة أوّلاً لولديه الحسن والحسين(عليهم السلام)، وثانياً لبقية أولاده ولعموم المسلمين ، قائلاً:
أوصِيكُما بِتَقْوَى اللهِ ، وَأَلَّا تَبْغِيا الدُّنْيا وَإِنْ بَغَتْكُما(1)، وَلَا تَأْسَفًا عَلَى
1) المعنى : لا تطلبا الدنيا وإن طلبتكما .
شَيْءٍ مِنْهَا زُوِيَ عَنْكُما ، وَقُولَا بِالْحَقِّ ، وَاعْمَلَا لِلْأَجْرِ ، وَكُونَا لِلظَّالِمِ خَصْماً ، وَلِلْمَظْلُوم عَوْناً
أوصِيكُما ، وَجَمِيعَ وُلْدِي وَأَهْلِي وَمَنْ بَلَغَهُ كِتابِي ، بِتَقْوَى اللَّهِ ، وَنَظْم أَمْرِكُمْ ، وَصَلَاحٍ ذَاتِ بَيْنِكُمْ ، فَإِنِّي سَمْعْتُ جَدَّكُمَا - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيامِ .
الله اللهَ فِي الْأَيْتامِ ! فَلَا تُغِبُّوا أَفْوَاهَهُمْ (1)، وَلَا يَضِيعُوا بِحَضْرَتِكُمْ .
وَاللهَ اللَّهَ فِي جِيرَائِكُمْ! فَإِنَّهُمْ وَصِيَّةُ نَبِيِّكُمْ؛ مَا زَالَ يُوصِي بِهِمْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُوَرِّتُهُمْ.
وَاللَّهَ اللَّهَ فِي الْقُرْآنِ لَا يَسْبِقْكُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ غَيْرُكُمْ.
وَالله اللهَ فِي الصَّلَاةِ ! فَإِنَّهَا عَمُودُ دِينِكُمْ.
وَاللهَ اللَّهَ فِي بَيْتِ رَبِّكُمْ ، لَا تُخَلُوهُ مَا يَقيتُمْ ، فَإِنَّهُ إِنْ تُرِكَ لَمْ تُنَاظَرُوا (2).
وَالهَ اللَّهَ فِي الْجِهَادِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ !
وَعَلَيْكُمْ بِالتَّوَاصُلِ وَالتَّباذُلِ (3)، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّدَابَرَ وَالتَّقاطُعَ لَا تَتْرُكُوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَيُوَلَّى عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ ، ثُمَّ تَدْعُونَ
فَلَا يُسْتَجابُ لَكُمْ.
ثم قال(عليه السلام) مخاطباً لآله وذويه :
يا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، لَا أُلْفِيَنَّكُمْ(1)تَخُوضُونَ دِماءَ الْمُسْلِمِينَ خَوْضاً ، تَقُولُونَ: قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ . أَلَا لَا تَقْتُلُنَّ بِي إِلَّا قَاتِلِي .
انْظُرُوا إِذَا أَنَا مِتُّ مِنْ ضَرْبَتِهِ هَذِهِ ، فَاضْرِبُوهُ ضَرْبَةً بِضَرْبَةٍ ، وَلَا تُمَثَّلُوا بِالرَّجُلِ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ:
«إِيَّاكُمْ وَالْمُثْلَةَ وَلَوْ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ »(2).
وأخذ(عليه السلام) يوصي ولده الحسن(عليه السلام)خاصة بمعالم الدين ، وإقامة شعائره قائلاً:
أُوصِيكَ أَيْ بُنَيَّ ! بِتَقْوَى اللَّهِ ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ عِنْدَ مَحلَّها ، وَحُسْنِ الْوُضُوءِ؛ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ ، وَلَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ مِنْ مَانِع زَكَاةٍ ، وَأُوصِيكَ بِغَفْرِ الذَّنْبِ ، وَكَظْمِ الْغَيْظِ ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ ، وَالْحِلْم عِنْدَ الْجَهْلِ ، وَالتَّفَقُه فِي الدِّينِ ، وَالتَّثَبَّتِ فِي الْأَمْرِ ، وَالتَّعَاهُدِ لِلْقُرآنِ ، وَحُسْنِ الْجِوارِ ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَاجْتِنَابِ الْفَوَاحِشِ كُلِّها فِي كُلِّ ما عُصِيَ اللهُ فِيهِ» (3).
وفي اليوم العشرين من شهر رمضان ازدحمت الجماهير من الناس على بيت الإمام طالبين الإذن لعيادته ، فأذن لهم إذناً عاماً ، فلما استقر بهم المجلس التفت لهم
قائلاً: سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي ، وَخَفِّفُوا سُوْالَكُم لِمُصِيبَةِ إِمامِكُمْ(1).
فأشفق الناس أن يسألوه ، نظراً لما ألم به من شدّة الألم والجرح.
ولما علم أمير المؤمنين(عليه السلام)أنه مفارق لهذه الدنيا ، وأن لقاءه بربّه لقريب عهد بالخلافة والإمامة لولده الحسن ، فأقامه من بعده لترجع إليه الأمة في شؤونها كافة ، ولم تختلف كلمة الشيعة في ذلك ، فقد ذكر ثقة الإسلام الكليني(2)
هو محمد بن يعقوب بن إسحاق ، وهو من أعظم علماء الشيعة ، ومن المجددين لمذهب الإمامية في المائة الثالثة من الهجرة ، ومن أشهر مؤلّفاته : الكافي ، أنفق على تأليفه من الوقت عشرين سنة ، وهو من أجل الكتب الإسلامية ومن أهمّها .
وقال محمّد أمين الاسترآبادي في محكي فوائده: «إنّه سمع من بعض العلماء أنّه لم يصنّف في الإسلام كتاب يوازي الكافي ويدانيه ».
توفي (رحمۀ الله علیه) في بغداد سنة 329 هجرية ، وصلى عليه محمد بن جعفر الحسيني ، ودفن بباب الكوفة . الكنى والألقاب : 3 : 98.
أن أمير المؤمنين أوصى إلى الحسن(عليه السلام)وأشهد على وصيته الحسين ومحمداً وجميع ولده ، ورؤساء شيعته وأهل بيته ، ثم دفع إليه الكتب والسلاح ، وقال له :يا بُنَيَّ ، أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) أَنْ أُوصِيَ إِلَيْكَ ، وَأَنْ أَدْفَعَ إِلَيْكَ كُتُبِي وَسِلَاحِي كَمَا أَوْصى إِلَيَّ رَسولُ اللَّهِ ، وَدَفَعَ إِلَيَّ كُتُبَهُ وَسَلاحَهُ وَأَمَرَني أَن آمُرَكَ إِذا حَضَرَكَ الْمَوْتُ أَنْ تَدْفَعَها إلى أخيكَ الْحُسَيْن .
وروي أيضاً أنه قال له : يا بُنَيَّ ، أَنْتَ وَلِيُّ الدَّمِ ، فَإِنْ عَفَوْتَ فَلَكَ ، وَإِنْ قَتَلْتَ فَضَرْبَةٌ
مَكانَ ضَرْبَةٍ(1).
وذهب جماعة من أهل السنة والجماعة إلى أن أمير المؤمنين(عليه السلام)لم يعهد بالأمر إلى ولده الحسن(عليه السلام)مستدلّين على ذلك بما رواه شعيب بن ميمون الواسطي(2)
صاحب البزور ، قال أبو حاتم : مجهول ، وكذا قال العجلي . وقال البخاري : فيه نظر ، وقال ابن حبان : روى المناكير عن المشاهير على قلته لا يحتج به إذا انفرد . تهذيب التهذيب : 4 :357
أنّ عليّاً قيل له ألا تستخلف ؟فقال : إن يرد الله بالأمة خيراً يجمعهم على خيرهم.
وهذه الرواية من موضوعات شعيب ، ومن مناكيره كما نص على ذلك ابن حجر(3).
إن الإمام الحسن(عليه السلام) ريحانة رسول الله ، وسيد شباب أهل الجنّة ، وهو إمام إن قام أو قعد - على حد تعبير رسول الله - وقد هذبه الله عن كل نقص ورجس -كما دلّت على ذلك آية التطهير - بالإضافة إلى توفر جميع ما تتطلبه الخلافة من الصفات الرفيعة في شخصيته ، كالعلم والتقوى والحزم والجدارة ، فكيف لا يرشد الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)إلى مبايعته ولا يجعله علماً من بعده ؟ !
إن أمير المؤمنين(عليه السلام) من أحرص المسلمين على جمع كلمتهم ، وتوحيد أمرهم ، فكيف يترك الأمر فوضى من بعده ولا يجعل لهم مفزعاً وملجاً يلجأون إليه ، لا سيّما فى تلك الفترة الرهيبة التي أحاطت بهم فيها الأخطار والمشاكل ؟ !
ولما فرغ الإمام أمير المؤمنين الله من وصاياه أخذ يعاني آلام الموت وشدّته ، وهو يتلو آي الذكر الحكيم ، ويكثر من الدعاء والاستغفار ، ولما دنا منه الأجل المحتوم كان آخر ما نطق به قوله تعالى : لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَل العَامِلي(1)
ثم فاضت روحه الزكيّة إلى جنة المأوى ، وسمت إلى الرفيق الأعلى(2)
وقيل : ليلة السابع عشر ، ذكره ابن عبدالبر في الاستيعاب .
وذهب مؤرخو الشيعة أن ذلك كان في الليلة التاسعة عشرة .
وأما عمره الشريف فقيل : أربع وستون ، وقيل : ثلاث وستون ، وقيل غير ذلك .
وأمّا مدّة خلافته أربع سنين وتسعة أشهر وستة أيام ، وعمر الحسن(عليه السلام) في ذلك الوقت سبع وثلاثون سنة . كشف الغمة : 2 : 138 . إعلام الورى وأعلام الهدى : 1: 403 . مناقب آل أبي طالب : 4: 28 .
، وارتفع ذلك اللطف الإلهي إلى مصدره ، فهو النور الذي خلقه الله ليبدّد به غياهب الظلمات .لقد مادت أركان العدل، وانطمست معالم الدين، ومات عون الضعفاء ، وأخو الغرباء ، وأبو الأيتام.
سيّدي أبا الحسن ، لقد مضيت إلى عالم الخلود وأنت مكدود مجهود مجهول حقك وقدرك ، فقد قضيت حياتك في ذلك الجيل القائم الذي لا يقيم وزناً للعلم ولا للعدل ، ولا يعي ما تنشده من الأهداف الرامية إلى بناء مجتمع تسوده العدالة والرفاهية والخير ، ولو كان للإنسانيّة حطّ لثنيت لك الوسادة وتسلمت قيادة الأمّة لتفيض على العالم بمعارفك وعلومك ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
تجهيزه ودفنه(عليه السلام)
وأخذ الحسن(عليه السلام)في تجهيز أبيه فغسل الجسد الطاهر ، وطيبه بالحنوط ، وأدرجه في أكفانه ، ولمّا حلّ الهزيع الأخير من الليل خرج ومعه حفنة من آله وأصحابه يحملون الجثمان المقدّس إلى مقرّه الأخير ، فدفنه في النجف الأشرف حيث مقرّه الآن كعبة للوافدين ، ومقرّاً للمؤمنين والمتقين، ومدرسة للمتعلمين ، ورجع الإمام الحسن(عليه السلام) بعد أن وارى أباه إلى بيته ، وقد استولى عليه الأسى والذهول وأحاط به الحزن .
وفي صبيحة ذلك اليوم الخالد في دنيا الأحزان طلب الإمام الحسن(عليه السلام)إحضار المجرم الأثيم عبد الرحمن بن ملجم ، فلما مثل بين يديه قال له ابن ملجم : ما الذي أمرك به أبوك ؟
أَمَرَنِي أَنْ لَا أَقْتُلَ غَيْرَ قاتِلِهِ ، وَأَنْ أَشْبعَ بَطْنَكَ ، وَأَنْعِمَ وَطاكَ ، فَإِنْ عاشَ اقْتَصَّ أَوْ عَفا ، وَإِنْ ماتَ أَلْحَقْتُكَ به.
فقال الأثيم متبهَراً : إن كان أبوك ليقول الحق ، ويقضي به في حال الغضب والرضا .
ثمّ إنّ الإمام الحسن(عليه السلام) ضربه بالسيف فاتقى اللعين الضربة بيده فبدرت ، ثمّ أجهز عليه فقتله ولم يمثل به (1).
« وحلّت على ابن ملجم لعنة الله ولعنة اللاعنين ، ومن ولدوا ، ومَن ماتوا ، ومَن قال الله لهم : كونوا فكانوا ! ! لعنة تجفف النبع ، وتخضم الزرع ، وتحرق النبت في
1) تاريخ اليعقوبي : 2 : 91 . الكامل في التاريخ : 3 : 170 مقاتل الطالبيين : 16 .
الأرض وهو وسيم ، وجعل الله زفير جهنّم وشهيقها في أصول تكوينه ! وأهلكه ألف شيطان كبوه على وجهه في سواء الجحيم ، وفيها لفح أفواه من اللهب ذات أجيج وذات صفير(1).
وأمّا التمثيل به ، فقد ذهب إليه فريق من المؤرّخين ، ولا شك أنه من الموضوعات ، وذلك لنهي أمير المؤمنين(عليه السلام) عنه مكرّراً لقول النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) : الْمُثْلَةُ حَرامٌ وَلَوْ بِالْكَلْبِ الْعَقورِ ، فكيف يسوع الريحانة الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)وسبطه أن يعرض عن وصيّة أبيه ، ويرتكب ما خالف الشريعة الإسلامية ؟
وقد اختلف القائلون بذلك في الشخص الذي مثل بابن ملجم ، فالمحب الطبري ذكر أن الذي مثل به الإمام الحسين ومحمد بن الحنفية، وقد نهاهما الحسن عن ذلك (2).
وذكر أبو الفداء أنّ الذي قام بذلك عبدالله بن جعفر(3).
وذكر ابن أبي الحديد أنّ الحسن هو الذي قام به (4).
إن هذا الاختلاف يزيدنا وثوقاً بافتعال ذلك وعدم صحّته وجزم الدكتور طه حسين بصدور التمثيل من أولياء الدم ، قال : « والشيء المحقق هو أن ولاة الدم لم ينفذوا وصيّة عليّ في أمر قاتله فهو قد أمرهم أن يلحقوه به ، ولا يعتدوا ولكنّهم مثلوا به أشنع تمثيل، فلما مات أحرقوه بالنار»(5).
إنّ الشيء المحقق على خلاف ما ذكره الدكتور ، وذلك لما ذكرناه من عدم اتّفاق
المؤرّخين على التمثيل به، والذين اتفقوا عليه قد اختلفوا في ذلك كما ذكرنا ، بالإضافة إلى أنّ أولياء الدم بعيدون كل البعد عن ارتكاب ما خالف الشريعة الإسلامية.
وعلى أي حال، فإنّ الإمام الحسن(عليه السلام) بعد ما فرغ من قتل ابن ملجم انثال الناس على مبايعته كما سنذكر ذلك بالتفصيل - وقد استقبل الحسن الخلافة بما لم يستقبلها أحد من الذين سبقوه ، فقد أصبحت الحاضرة الإسلامية الخاضعة لنفوذه مهددة بخطر معاوية ، فقد قوي ،أمره، واستحكم سلطانه ، وعظم شرّه ، وانضم إليه كل من لم يع الإسلام من ذوي الأطماع والأهواء ، فعملوا جاهدين على إفساد أمر الإمام ، وتقويض خلافته .
ومضافاً لهذا الخطر الخارجي الفتن الداخلية التي نشبت أظفارها في المجتمع العراقي ، وأهمها خطراً ، وأعظمها محنة وبلاءاً هي فتنة الخوارج التي كانت سوسة تنخر في المعسكر العراقي ، وخطراً مسلحاً من أهم الأخطار الفتاكة في الدولة الجديدة ، فقد انجرف بفكرتهم السذج والمغرر بهم من البسطاء .
هذان الخطران معظم ما استقبله الإمام الحسن(عليه السلام)في دور خلافته ، ولقد ابتلي بهما أشدّ البلاء ، ولم يبتل وحده بهما ، فقد ابتلى بهما النظام الإسلامي والخلافة الرشيدة ، فقد كان يرجى في دوره أن تنتشر مفاهيم الإسلام ، وتسود العدالة الاجتماعية في الأرض ، ويقضي على الغبن الاجتماعي والظلم الاجتماعي .
وهنا ينتهي بنا المطاف عن الحلقة الأولى من هذا الكتاب ونستقبل الإمام الحسن(عليه السلام)في عهد خلافته لنقف على أنبائها بالتفصيل .
الحمدلله رب العالمين وصلى الله على سيّدنا محمّد وعلى اله الطاهين الطّاهِرِينَ
الإهداء ... 7
تقديم بقلم الإمام المصلح كاشف الغطاء( قدس سره الشریف)...9
تقديم...13
اجتماع النُّورين
21-39
سمّو منزلتها...25
خطبة الإمام لها...28
المهر ....30
الجهاز ....31
خطبة العقد...33
الوليمة ....35
الزفاف ....35
الوليد العظيم
41-51
سنن الولادة ...45
1 - الأذان والإقامة...45
2 - التسمية ...46
3 - العقيقة ....48
4 - حلق رأسه ...48
5 - كنيته (عليه السلام) ...49
القابه(عليه السلام)....49
ملامحه (عليه السلام)...49
عَبقَریَۀٌ ونُبُوغُ
53-60
حفظه للحديث ....58
تكریم وحَفَاوةٌ
61-90
الكتاب العزيز ...63
1 - آية المودة ....63
2 - آية التطهير ...66
دلالتها على العصمة....66
المختصون بها ...67
خروج نساء النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)...69
مزاعم عكرمة ...70
3 - آية المباهلة...71
4- سورة هل أتى ...73
السنة ...76
الطائفة الأولى : ما أثر عنه (صلی الله علیه وآله وسلم)فيما يخص سبطه ...76
الطائفة الثانية : ما أثر عنه(صلی الله علیه وآله وسلم)في حق السبطين (عليهم السلام)...79
الطائفة الثالثة : ما أثر عنه (صلی الله علیه وآله وسلم)في الزوم مودة أهل البيت(عليهم السلام)....85
احتفاء المسلمين به ...89
من مثلة العليا
91-143
إمامته (عليه السلام)....93
معنى الإمامة ....94
الحاجة إلى الإمامة....94
واجبات الإمام ....94
أوصافه ...95
تعيينه ....97
أخلاقه(عليه السلام)الرفيعة ...98
كرمه وسخاؤه(عليه السلام)...102
عبادته وتقواه (عليه السلام)....111
1 - وضوؤه وصلاته (عليه السلام)....112
2 - حجه (عليه السلام)...103
3 - تلاوته(عليه السلام)للقرآن....103
4 - التصدّق بأمواله ....103
زهده (عليه السلام)....114
هيبته ووقاره(عليه السلام)....116
فصاحته وبلاغته(عليه السلام)...118
الآداب الاجتماعية ....118
مكارم الأخلاق ....123
الجرائم الأخلاقية ....124
التحريض على طلب العلم ...124
فضل العقل ....125
فضل القرآن الكريم....125
الدعاء ....125
السياسة ....126
الصديق والصاحب ...127
السخاء والمعروف ...128
البخل ....129
التواضع ...129
التوكل على الله ...129
إبطال الجبر ...129
تقوى الله ...130
الوعظ والإرشاد...131
طلب الرزق ...133
المساجد ...133
آداب المائدة...134
ولاء أهل البيت(عليه السلام)...134
الشاهد والمشهود ...135
التحذير من المحرّفين لكتاب الله...136
بعض خطبه(عليه السلام)...138
كلماته(عليه السلام) الحكمية القصار...140
نظمه (عليه السلام) للشعر ...143
الفاجعة الكبرى
145-170
حجة الوداع...148
غدیر خم ...149
استغفاره(عليه السلام) لأهل البقيع ...153
سريّة أسامة ...154
اشتداد مرضه ....158
إعطاء القصاص من نفسه (عليه السلام)...159
توجع الزهراء (عليها السلام) ...161
التصدق بما عنده ...162
الرزية الكبرى ...162
إلى الرفيق الأعلى ...165
في عهدِ الشیخین
171-243
السقيفة ...174
فذلكة عمر....177
مباغتة الأنصار....180
بيعة أبي بكر ...182
المجنونت
امتناع أمير المؤمنين(عليه السلام)عن البيعة ...185
احتجاج ومناظرات ...187
1 - الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) ...187
1 - الزهراء(عليها السلام) ...187
3 - الإمام الحسن(عليه السلام)...196
4 - سلمان الفارسي ...196
5 - عمّار بن ياسر ...197
6- خزيمة بن ثابت ...198
7 - أبو الهيثم بن التيهان...198
8- سهل بن حنيف ...199
9 - عثمان بن حنيف ...199
10 - أبو أيوب الأنصاري ...199
11 - عتبة بن أبي لهب ...200
كبس دار الإمام(عليه السلام)...200
مصادرة فدك ...203
ندم أبي بكر ...206
شجون الزهراء(عليها السلام)...208
إلى الرفيق الأعلى ....211
اعتزال الإمام ...216
وفاة أبي بكر .....218
خلافة عمر ...221
اعتزال الإمام(عليه السلام)...223
اغتياله ...224
الشورى ...226
نظرة في الشورى .....232
الانتخاب ...236
في عَهْدِ عثمان
323 - 245
عفوه عن عبيد الله...250
دفاع طه حسين ...254
سياسته المالية ...256
1 - هباته للأمويين ...257
أبو سفيان ...258
الحارث بن الحكم ...258
عبدالله بن سعد ...259
الحكم بن أبي العاص ...259
1 - محاربته للإسلام ...259
2 - استهزاؤه بالنبي (صلی الله علیه وآله وسلم)...260
3 - لعن النبي له...260
4 - نفيه إلى الطائف....261
5 - رجوعه إلى يثرب ....261
6 - توليته على الصدقات ...262
سعيد بن العاص ...262
الوليد بن عقبة ...262
مروان بن الحكم...263
الانكار على عثمان...265
اعتذار عثمان ...266
2 - مُنحه للأعيان... 268
3 - استئثاره بالأموال...269
مع الدكتور طه حسين...271
ولاته على الأمصار ....274
1 - الوليد بن عقبة ...275
نشأته...275
فسقه...276
ولايته على الكوفة...277
شربه للخمر ...278
رأي طه حسين...279
إقامة الحد عليه ...286
2- سعيد بن العاص...285
3- عبدالله بن عامر ...287
4 - معاوية بن أبي سفيان...280
5 - عبد الله بن سعد ....292
تنكيله بالصحابة ...294
1 - عبدالله بن مسعود...295
2 - أبو ذرّ ...298
نفيه إلى الشام ....300
نفيه إلى الربذة ...302
3 - عمّار بن ياسر...306
الافتراء على الإمام الحسن(عليه السلام)...311
الثورة ...313
1 - الوفد المصري ...315
2 - الوفد الكوفي ...315
3 - الوفد البصري ...315
استنجاده بالأمصار ...319
يوم الدار ...319
موقف الإمام الحسن (عليه السلام)...321
الإجهاز على عثمان ...321
في عهد الاقام على تعليم
325-352
البيعة ...327
تأييد الصحابة...331
1 - ثابت بن قيس....331
2- خزيمة بن ثابت ...331
3- صعصعة بن صوحان ....332
4 - مالك الأشتر ...332
5- عقبة بن عمرو ....332
وجوم القرشيين ...333
القُعّاد ...335
مصادرة الأموال المنهوبة...337
عزل الولاة ...338
إعلان المساواة...339
وصاياه لولده الحسن (عليه السلام)...340
في البَصَرة
353 - 408
تمرد طلحة والزبير ...356
خروج عائشة ...359
دوافع تمرّدها ...361
إعلان العصيان ...365
مع أم سلمة ...367
الزحف إلى البصرة ...373
ماء الحوأب ...371
في ربوع البصرة...373
عقد الهدنة ...376
غدر وخيانة ...376
مقتل حكيم بن جبلة ...379
استنجاد الإمام(عليه السلام) بالكوفة ...380
إيفاد الإمام الحسن (عليه السلام) ....381
الافتراء على الحسن(عليه السلام)....388
التقاء الطرفين ...390
خطاب ابن الزبير...392
خطاب الإمام الحسن (عليه السلام)...393
الدعوة إلى كتاب الله ...395
إعلان الحرب ...396
مصرع الزبير ...397
الاحتفاف بعائشة ...400
الأزد ...400
بنو ضبة ...401
بنو ناجية ...402
عقر الجمل...403
الصفح عن عائشة ...403
العفو العام ...404
تسريح عائشة...405
في صفين
409 - 491
تمرد معاوية ...412
إيفاد جرير...415
مراسلة معاوية لعمرو ...418
حيرة وذهول ...419
قدومه إلى الشام...421
المساومة الرخيصة...422
ردّ جرير ...423
زحف معاوية لصفّين...424
تهيؤ الإمام للحرب ...425
خطبة الإمام الحسن(عليه السلام)...426
الإمام الحسن(عليه السلام) مع سليمان ...427
المسير إلى صفّين...429
القتال على الماء ...430
إيفاد السفراء إلى معاوية...433
إعلان الحرب ....435
الإمام الحسن(عليه السلام) مع عبيد الله ...437
الحرب العامة ...439
مصرع عمّار ...443
رفع المصاحف ...449
الفتنة الكبرى ...450
انتخاب الأشعري...456
وثيقة التحكيم ...457
انبثاق الفكرة الحروريّة ...459
احتجاج ومناظرات ...461
اجتماع الحكمين ...464
خطاب الإمام الحسن(عليه السلام)...470
تمرد الخوارج ...473
واقعة النهروان ...476
المتارك الفظيعة ...480
1 - تمرّد الجيش ...480
2 - فقده لأعلام أصحابه ...481
3- الاحتلال والغزو ...483
4 - فتنة الخريت ...489
المؤامرة الدنيئة ...496
الفاجعة الكبرى ...498
وصاياه(عليه السلام)...504
إقامة الحسن(عليه السلام)من بعده ...507
إلى الرفيق الأعلى ...509
تجهيزه ودفنه(عليه السلام) ...510
القصاص من ابن ملجم...510
محتويات الكتاب ...513