ghaemiyeh.com
موسُوعَة سيرَة أهلِ البَيت عليهم السّلام
الجُزءُ التّاسِعُ
فاطمَةَ الزَّهراء عليهاالسّلام
تَأليف: باقِر شَريفِ القَرَشي
تَحقيقُ: مَهدِيَ باقِر القَرَشي
مُؤسّسة الإِمامَ الحَسَن عليه السّلام
لإِحياءِ تُراثِ أَهلِ البَيْتِ عليهم السّلام
الطبعة الثانية : .... 1433ه- / 2012م
عدد النسخ : .... 1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978
ردمك الجزء ( 39 ) : 0 - 1 - 8270 - 964 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول صلی الله علیه وآله وسلم
مكتبة الإمام الحسن علیه السلام - هاتف 009647805694970
موسُوعَة
سيرَة أهلِ البَيت عليهم السّلام
سَيَّدَةَ النِّسَاءِ فاطمَةَ الزَّهراء عليهاالسّلام
موسُوعَة سيرَة أهلِ البَيت عليهم السّلام
الجُزءُ التّاسِعُ
سَيّدَة النِّسَاءِ فاطمَةَ الزَّهراء عليهاالسّلام
فاطمَةَ الزَّهراء عليهاالسّلام
تَأليف:
باقِر شَريفِ القَرَشي
تَحقيقُ:
مَهدِيَ باقِر القَرَشي
محرّر الرقمي: محمدرضا دهقانزاد
مُؤسّسة الإِمامَ الحَسَن عليه السّلام
لإِحياءِ تُراثِ أَهلِ البَيْتِ عليهم السّلام
موسُوعَة سيرَة أهلِ البَيت عليهم السّلام
تَأليف: باقِر شَريفِ القَرَشي
تَحقيقُ: مَهدِيَ باقِر القَرَشي
الناشر: ... دار المعروف - مؤسّسة الإمام الحسن عليه السّلام
المطبعة: ... ستار
الطبعة الثانية: 1433هـ / 2012م
عدد النسخ:... 1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة: 1 - 42 - 8275 - 964 - 978
ردمك الجزء (9): 3-51 - 275 - 964 - 978
عنوان الناشر: النجف الأشرف - شارع الرسول صلّي الله عليه و آله
مكتبة الإمام الحسن عليه السّلام - هاتف 009647805694970
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
«إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ»
سورة الكوثر 108
«فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ»
آل عمران 3: 61
«إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً»
الأحزاب 33: 33
«قُل لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى»
الشورى 42: 23
إلى صانع الحضارة الإنسانيّة، وباعث الروح والعلم في الأجيال. إلى داعية الله الأكبر في الأرض، ومبدّد الإلحاد ومدمّر الشرك.
إلى خاتم النبيّين وسيّد المرسلين
مُحَمَّدٍ صلّي الله عليه و آله
أرفع لمقامه العظيم هذه الدراسة عن أسمى سيّدة خلقها الله فى الأرض.
إنّها بضعته وسيّدة نساء العالمين الزهراء سلام الله عليها أملاً أن تحظى بالقبول، وهو حسبي يوم ألقى الله تعالى
المؤلّف
يا بضعة رسول الله صلّي الله عليه و آله. يا نفحة شذيّة من روح محمّد صلّي الله عليه و آله. یا مصدر الكرامة في دنيا الإسلام. يا شعلة من نور الله، وفيضاً من رحمته .. يا أُمّ الحسنين سيّديْ شباب أهل الجنّة. يا أُنشودة كلّ سيّدة كريمة من بنات حوّاء. يا قبساً يهتدي بكِ الحائر في ظلمات الجهل. يا من رفضتِ متع الحياة، وعشتِ للعفاف والزهد والفضيلة .
سيّدتي لقد شعّت بروحكِ أهداف أبيك منقذ الإنسانية، وأشرقت بكِ قِيمه، فانطلقت من معدن الوحى والرسالة بثورة كبرى على الانحراف الذي مُنِي به المسلمون بعد رحيل أبيك إلى حظيرة القدس، فجهدتِ بصلابة وشموخ على إرجاعهم إلى الخطّ الرسالي الذي رسمه أبوك لصيانة أُمّته من الانحراف، والتردّي في مجاهل هذه الحياة فأزلت الشبهة، وأثرت الطريق، وأقمت الحجّة إلّا أنّ القوم قد حَلِيت لهم الدنيا وراقهم زبرجها، فأصرّوا على البغي والعناد.
سيّدتي .. هذه لمحات من مُثلك العليا التي هي وسام شرف للعالم الإسلامي، أرفعها لمقامكِ العظيم بتواضع وخشوع، آملاً من الله تعالى أن أحظى بشفاعتك التي تعمّ الكثيرين من أمثالي المقصّرين.
المؤلّف
تقدیمٌ
1 هذه بحوث عن أسمى سيّدة في تاريخ الإسلام كلّه، إنها زهراء الرسول صلّي الله عليه و آله، وبضعته، ووديعته في أُمّته، الذي أخلص لها في الحبّ أعظم ما يكون الإخلاص، فغذاها بمواهبه وعبقرياته، وأفاض عليها مكوناته النفسية التي بدّدت مجاهل الحياة، ورفعت مشاعل النور والفكر في الأرض.
لقد أقام الرسول صلّي الله عليه و آله زهراءه بأسمى مكان وأعزّ منزلة في الإسلام؛ لتكون المثل الأعلى للسيّدات من نساء أُمّته، لا في العفّة والطهارة فحسب، وإنّما لتأخذ دورها في الإصلاح الشامل إن منيت أُمّته بالانحراف في مسيرتها، وشذّت في سلوكها في المنعطفات، وفعلاً فقد قامت سيّدة النساء بهذا الدور الايجابي حينما انحرفت أُمّته عن قيادتها الروحية والزمنية التي وضعها صلّي الله عليه و آله في أهل بيته مراكز العلم والفكر في دنيا الإسلام، فهبّت سلام الله عليها بصلابة وشموخ و شجاعة في وجه المسؤولين فدعتهم إلى الاستقامة والالتزام بحرفيّة الإسلام، وإرجاع الخلافة إلى سيّد العترة الطاهرة الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، الذي أقامه الرسول الله صلّي الله عليه و آله عَلماً لأُمّته، وقائداً لمسيرتها، ولم يتركها تتخبّط في مجاهل الحياة.
2 ولم يبق النبي صلّي الله عليه و آله ولوناً من ألوان التكريم والتعظيم والتبجيل إلّا أضفاه على بضعته، أعلن ذلك في بهو جامعه، وعلى منبره، وفي مجالسه، وهو تكريم غريب على ذلك المجتمع، ولم يألفوه. فقد نشأ وتربّى على الغضّ من شأن المرأة،
ومقابلتها بالاستهانة والاحتقار، فكان الشخص منهم يسودّ وجهه إذا ولدت زوجته بنتاً، كما حكى القرآن ذلك. قال تعالى: «وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًا وَهُوَ كَظِيمٌ» (1).
وكانوا يؤدون بناتهم وهنّ أحياء، وقد شاع قولهم: «دفن البنات من المكرمات». وقد نعى عليهم القرآن الكريم ذلك. قال تعالى: «وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتلَتْ» (2).
لقد أراد النبيّ صلّي الله عليه و آله من الاشادة والتكريم لبضعته أن يعرف المسلمون سموّ مكانتها عنده، وما تتمتّع به من الطاقات التربوية والدينية والعلمية، وأنها في قمّة الكمال والقدوة الحسنة لأُمّته نساءً ورجالاً، بالاضافة إلى تعزيز ما تقوم به من المواقف الجهادية بعده، كما أنّه صلّي الله عليه و آله أقام على أنقاض ذلك المجتمع البالي مجتمعاً جديداً يعترف بحقّ المرأة وسموّ مكانتها وما لها من الأهميّة البالغة في شريعة الله تعالى.
3 والشيء المحقّق الذي لا ريب فيه أنّ النبيّ صلّي الله عليه و آله لم يخضع بأيّ حال من الأحوال لأيّة نزعة من النزعات العاطفية والمادية، فإنّ شأن النبوّة أسمى ذلك، وإنّما آثر رضا الله تعالى في كلّ شيء، وأخلص له في جميع تصرّفاته، فهو داعية الله الأكبر الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلّا وحي يوحى.
ومن المؤكّد - الذي لا ريب فيه - أنّ ما أُثر عن الرسول صلّى الله عليه و آله في الصحاح والسنن وغيرها من صنوف التكريم والتعظيم الذي أضفاه على بضعته، وميّزها وفضّلها على نساء العالمين لم يكن ذلك خاضعاً لعاطفة الابّوة، وإنّما قد تجلّت له بضعته الطاهرة على واقعها المشرق من العصمة والعفّة والإيمان العميق بالله تعالى، والوعي الكامل لرسالته الخالدة، فهي كنز من كنوز الإسلام، ومثل أعلى لروحانيّة النبوّة، ونبراس
تستضيء بهديها الأُمّة في مجاهل هذه الحياة.
4 وواكبت سيّدة نساء العالمين سلام الله عليها الدعوة الإسلامية منذ فجر نورها، وساهمت مساهمة إيجابية في خدمة أبيها سيّد الكائنات، الذي عانى من التنكيل والاضطهاد ما لا يوصف لقسوته ومرارته من جبابرة قريش وطغاتها، ومن أشدّهم أذى له العصابة الأموية بقيادة زعيمها الجاهلي أبي سفيان الذي لم يألو جهداً في إطفاء نور الإسلام ولف لوائه، وإحياء معالم الجاهلية بآثامها وفجورها.
وكانت زهراء الرسول صلّى الله عليه و آله في فجر الصبا تقوم بإسعاف أبيها، وتضميد جراحاته، وغسل ثيابه من درن الأوساخ التي يلقيها عليه الوحوش الكاسرة، وقد ذابت نفسها عليه شعاعاً، فكانت تبكي أمرّ البكاء على ما يعانيه من جهد شاق وعسير في سبيل الدعوة إلى الله والتبشير بدينه العظيم، وقد احتلّت سلام الله عليها عواطف أبيها، فأقام لها في دخائل نفسه وأعماق ذاته خالص المودّة والحبّ، وميّزها على بقيّة أبنائه.
يقول شوقي:
ما تَمَنَّى غَيْرَها نَسلاً وَمَنْ *** يَلِدِ الزهراء يَزْهَدُ في سِواها
5 وكان البارز في سيرة الزهراء عليهاالسّلام الزهد في الدنيا، وعدم الاحتفاء برغباتها وزينتها، فقد رضيت بالقناعة والعيش البسيط، وما يسدّ الرمق، فكان قوْتها فيما يقول الرواة لا يتعدّ الماء والخبز، دون أن يكون مشفوعاً بألوان الطعام، كما كان أثاث بيتها بسيطاً فلم يحوِ إلّا سريراً من جريد النخل، وجلد كبش، ووسادات حشوها من ليف، وأواني من الخزف. ولم يؤثر عنها مطلقاً أنّها طلبت أو ألحّت على زوجها أن يوفّر لها متع الحياة، فقد رضيت بالعيش البسيط الذي يعيشه أفقر الناس، وهذا درس للمرأة المسلمة أن لا تلحّ على زوجها ليوفّر لها الحياة الناعمة فإنّها تحمّله من ذلك رهقاً.
6 ومن الغباء والتخبّط، بل ومن العداء للإسلام ، ما ذهب إليه المستشرق «لامنس» في كتابه «فاطمة وبنات محمّد»، من أنّ النبي صلّي الله عليه و آله كان يبغض فاطمة الزهراء سلام الله عليها لأنّه زوّجها من الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام وهو رجل فقير، وأنّ أثاث بيتها لمّا زُفّت إليه كان بسيطاً للغاية، ولم يعلم «لامنس» أنّ الإسلام أقام الرابطة الزوجية على أساس المودّة وشيوع المحبّة بين الزوجين، ولم يعر أيّ اهتمام للترف، وأُثر عن النبي صلّي الله عليه و آله أنّه قال: «أَفْضَلُ نِساءِ أُمَّتِي أَقَلُهُنَّ مَهْراً»، ما قيمة الأثاث وإن غلا إذا كانت الحياة الزوجية تسودها الكراهية والبغضاء. ومثل «لامنس» ابن المعتّز العباسي الذي عيّر فاطمة الزهراء عليهاالسّلام بأنّها تطحن بالرحى، فردّ عليه صفي الدين الحلّي بقوله:
عَيَّرْتَها بِالرَّحَى وَالزَادُ تَطْحَنُهُ *** لا زالَ زادُكَ حَبّاً غَيرَ مَطْحُونِ
إنّ سيّدة نساء العالمين عليهاالسّلام بلغت منتهى الفضيلة والكمال لا في حياتها البيتية بل وفي سائر شؤونها.
7 وكتب الله تعالى النصر المبين والحاسم لعبده ورسوله محمّد صلّي الله عليه و آله، فقد انتصر الإسلام، وقام على سوقه عَبْلَ الذراع، وانهزمت القوى المعادية له، وفُتحت مكّة التي كانت حصناً لخصوم الإسلام، ودخل الناس في دين الله أفواجاً أفواجاً، وكانت هذه الفترة القصيرة الأمد من أغلى أماني زهراء الرسول سلام الله عليها وأسعد فترات حياتها، فقد انتصرت رسالة أبيها، وباءت بالفشل القوى المعادية له.
وتولّت سيّدة نساء العالمين في هذه الفترة قيادة السيّدات من نساء المسلمين، فكانت تعلّمهنّ القرآن الكريم، وتلقي عليهنّ المحاضرات عن قيم الإسلام ومبادئه، وتشيع في نفوسهنّ الأخلاق الفاضلة والمُثُل الكريمة، وتعلّمهنّ آداب الإسلام وأحكامه، وما يجب على المرأة من رعاية زوجها، وتربية أبنائها تربية إسلاميّة ... وغير ذلك من واجبات الأُسرة ووظائفها.
لقد عاشت سيّدة النساء سلام الله عليها في تلك الفترة تحت هالة من الاكبار
والتعظيم في رعاية أبيها وفي ذرى عطفه ، وهو يضفي عليها جميع ألوان الحفاوة والتكريم، كما قابلتها الفاضلات من نساء المسلمين وعموم الصحابة بالمزيد من التكريم والتبجيل، ونسب إليها من الشعر في ذلك قولها:
قَدْ كُنْتُ ذاتَ حِمّى بِظِلٍّ مُحَمَّدٍ *** لا أَشْتَكِي ضَيْماً وَكَانَ جَمالِيا
8 ولمّا انتقل النبيّ صلّي الله عليه و آله إلى حظيرة القدس عانت سيّدة النساء ألواناً قاسية من الرزايا والخطوب، فقد قوبلت من بعض الصحابة بكلّ قسوة وجفاء، وتنكّروا لعظيم منزلتها عند أبيها ومالها من الأهميّة البالغة عنده، ونسب إليها من الشعر أو ما قيل على لسانها ما يحكي ما حلّ بها من عظيم الرزايا وهو:
صُبَّتْ عَلَيَّ مَصَائِبٌ لَوْ أَنَّهَا *** صُبَّتْ عَلَى الْأَيَّامِ صِرْنَ لَيالِيا
ما هي تلك المصائب التي روّعت وديعة النبي في أُمّته حتّى أحالت نهارها إلى سواد قائم ليس فيه بصيص من النور؟
ما هي تلك الآلام التي أحاطت بها حتّى سئمت من الحياة، وتمنّت بشوق اللحاق بأبيها؟
لقد عاشت حبيبة رسول الله صلّي الله عليه و آله تلك الفترة القصيرة التي هي أيام معدودات، وقد طافت بها أمواج من المحن والخطوب حتى لحقت بأبيها وعمرها كعمر الزهور.
9 ولم تقتصر الرزايا والنكبات على بضعة رسول الله سلام الله عليها، وإنّما سرت وتتابعت على أبنائها من بعدها، فنجلها الأكبر الإمام الحسن عليه السّلام قد جرّعه معاوية بن أبي سفيان جميع ألوان المحن والخطوب حتّى اغتاله بالسمّ.
وأمّا نجلها الثاني الإمام الحسين عليه السّلام فقد حلّت به أقسى ألوان الكوارث التي تذوب من هولها الجبال، فقد أحاطت به العصابة المجرمة من جيوش يزيد بن معاوية في صعيد كربلاء، وحرّموا عليه وعلى أطفاله ونسائه الماء حتّى كادوا يهلكون من شدّة
الظمأ، ثمّ تناهبت سيوفهم الصفوة من أبنائه واخوته وأبناء عمومته وأصحابه الممجدين، ثم ّانثالوا عليه - يالله ! - ضرباً بالسيوف وطعناً بالرماح حتّى مزّقوا جسده الشريف، ثمّ مثّلوا به أقسى ما يكون التمثيل، وعمدوا بعد ذلك إلى مواراة جيف قتلاهم وتركوا جثمان ريحانة رسول الله صلّي الله عليه و آله وبقيّة الجثث الطاهرة ملقاة على صعيد كربلاء، فانبرى إليها جماعة من بني أسد فواروا تلك الجثث الزكية وأصبحت مناراً للمسلمين يطوفون بها كما يطوفون ببيت الله الحرام، وصارت مركزاً للعدل والكرامة ولكلّ القيم التي يعتزّ بها المسلمون.
وأمّا ابنتها الوحيدة زينب سيّدة النساء فقد صبّت عليها المصائب وتتابعت عليها الخطوب التي تذهل كلّ كائن حيّ، فقد شاهدت مصارع اخوتها وسائر أفراد أُسرتها، وهجوم السفكة المجرمين عليها وعلى بنات الرساله وحرائر الوحي وهم يحملون أقبسة من النار رافعين عقيرتهم «احرقوا بيوت الظالمين».
يالله!
يا للمسلمين!
بيوت النبوّة ومعدن الرحمة ومراكز الحكمة والعلم في عرف هؤلاء الجلادين بيوت الظلم وبيوت ابن مرجانة وسيده يزيد التي هي بيوت الظلم والطغيان تصبح بيوت العدالة.
وأشعل المجرمون النار في خيام العلويّات ففررن في البيداء تلاحقهنّ النار، ثمّ عمد أعداء الله إلى سلب ما على العلويّات من الحلىّ والحلل، ثمّ حملت سبايا إلى الارهابي المجرم ابن مرجانة، ثمّ إلى سيّده حفيد أبي سفيان يزيد، يطاف بحرائر النبوّة في الأقطار والأمصار، ويتصفّح وجوهنّ القريب والبعيد.
هذا بعض ما عانته سيّدة نساء العالمين من المصائب والكوارث التي لم تجر على أي إنسان منذ خلق الله الأرض، وأنّ هذه الرزايا التي حلّت بعترة النبيّ صلّى الله عليه و آله كانت ناجمة من دون شكّ من الشعار الذي رفعوه بعد موت النبيّ صلّى الله عليه و آله وهو «لا تَجْتَمِعُ النُّبُوَّة
والْخِلَافَةُ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ».
ومن النتائج المباشرة له أنّ تسلّم الأمويّون مقاليد الحكم فجعلوا يمعنون في إبادة أهل البيت وتصفيتهم جسدياً ، وكذلك تصفية من آمن بهم وشايعهم من المؤمنين والصالحين.
10 إنّ الأحداث الرهيبة التي جرت في العصر الإسلامي الأوّل هي التي امتحن بها المسلمون امتحاناً عسيراً ، وأخلدت لهم الفتن وألقتهم في شرّ عظيم.
إنّ الأحداث المؤسفة التي جرت بعد وفاة رسول الله صلّي الله عليه و آله مباشرة هي مصدر الفتنة الكبرى التي ابتلي بها المسلمون، وفرّقت كلمتهم على امتداد تاريخهم، ويجب أن تُدرس على واقعها من دون تحيّزٍ أو ميول، ومن أهمّ الأحداث المروّعة وأقساها ما جرى على بضعة رسول الله صلّي الله عليه و آله من حرق دارها، وإسقاط جنينها، وغير ذلك المآسي والفجائع. فقد عمد بعض المؤرّخين والكتّاب من قدامى ومحدثين على إخفائها أو تأويلها تقديساً لبعض الصحابة، وتنزيهاً لما ينسب لهم من هذه الأحداث الجسام، وفيما أحسب أنّ دراسة هذه الأُمور دراسة موضوعيّة ودقيقة تعود بالنفع العميم على المسلمين؛ فإنّها توحّد ولا تفرّق، وتوحّد ولا تشتّت، وترفع الالتباس، وتظهر الحقّ، فالواجب على ذوي الأقلام الصقيلة والأفهام البارعة دراسة هذه الأحداث، وإبرازها على واقعها من دون تحيّز لتتّضح الحقائق، ويسفر الحقّ، فإنّ التأريخ الإسلامي قد خُلِط بكثير من الموضوعات والمفتريات فيجب دراسة ما فيه من الأحداث بدقّة وشمول حتّى يخلُص الكاتب إلى الحقّ، وينتفع القرّاء.
11 إنّ من يدرس تاريخ الإسلام في العصر الأوّل على واقعه دراسة موضوعيّة مجرّدة عن العواطف التقليدية فإنّه يكون على ثقة وإيمان بعمق المؤامرة التي دبّرت ضدّ أهل بيت النبوّة، فقد استهدفت بصورة متعمّدة إبعادهم عن الحياة السياسية، وإقصائهم عن الدولة وما يرتبط بها من شؤون، فقد تهالك القوم على
السلطة، وزعامة الأُمة، والظفر بخيرات البلاد، وقد أعاروا ما أُثر عن النبيّ صلّي الله عليه و آله في حقّ عترته أُذناً صمّاء، وجعلوا أحاديثه فيهم في سلّة المهملات، وقد عانت الأُمّة من جرّاء ذلك أعنف المشاكل، وامتحنت أقسى ما يكون الامتحان.
وكان من النتائج المباشرة لعمليّة فصل الخلافة عن أهل البيت عليهم السّلام هي المجازر والثورات الشعبية التي سفكت فيها أنهار من دماء المسلمين، وأشاعت الشكل والحزن والحداد في بيوت المسلمين. وهي من دون شكّ كانت ناجمة من الانحراف عن الخط الرسالي الذي أقامه النبيّ صلّي الله عليه و آله لأُمّته وضمن لها النجاح في مسيرتها إن تمسّكت به، وهو القرآن الكريم والعترة الطاهرة.
12 والشيء المحقّق أنّ الإمرة والخلافة لم تكن لها أيّة قيمة عند أهل البيت عليهم السّلام، فقد خُلِقوا للفضيلة والكمال، وليس عندهم أيّة رغبة في السلطة، وإنّما كانت أهمّيتها عندهم تكمن في إقامة الحقّ، ونشر العدل وإشاعته بين الناس، فقد رأى الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام وزيره ومستشاره مزهوّاً وفرحاً بخلافة الإمام، وكانت بيده نَعل من ليف لا قيمة لها، فقال له: يابْنَ عبّاسٍ، ما قِيمَةُ هذَا النَّعْلَ؟
فانبرى ابن عبّاس قائلاً: لا قيمة له يا أمير المؤمنين.
واندفع الإمام بحماس قائلاً: هِي خَيْرٌ مِنْ خِلَافَتِكُمْ هذِهِ ، إِلَّا أَنْ أقِيمَ حَقّاً وَأَدْفَعَ باطِلاً.
من أجل هذه الأهداف النبيلة التي تنعم بها شعوب المسلمين كانت رغبة أهل البيت عليهم السّلام في ولاية قيادة الأُمّة.
وقد أدلى الإمام عليه السّلام بحديث له عن الدوافع في نزاعه مع أبي بكر قائلاً:
«اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذِي كَانَ مِنَا - مع أبي بكر - مُنَافَسَةٌ فِي سُلْطَانٍ. أَوِ الْتِمَاسَ شَيْءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ، وَإِنَّما لِتَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ، وَتُقَامَ الْمُعَطَّلَهُ مِنْ حُدُودِكَ، وَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ».
وفعلاً لمّا تحولّت الخلافة الإسلاميّة التي هي ظلّ الله في الأرض عن أهل بيت النبوّة قفز إليها الأمويون، ومن بعدهم العبّاسيون، فصارت اُلعوبة بأيديهم، فأنفقوا اقتصاد الأُمّة على مسارح اللهو والمجون، وشاع الجور والظلم في حكمهم، وبنظرة خاطفة في تاريخ أُولئك الملوك يتّضح الأمر، وينكشف ما صبّوه على الأُمّة من المآسي والخطوب. إنّ موقف زهراء الرسول سلام الله عليها من حكومة أبي بكر، ومناهضتها له إنّما لأجل مصلحة الأُمّة ووقايتها من الظلم والجور.
13 من النتائج والثمرات المباشرة في مناهضة بضعة الرسول سلام الله عليها لحكومة أبي بكر هو تأسيس مذهب أهل البيت الذي يمثل أصالة الإسلام، وعمق تشريعاته، وبدائع أحكامه، التي نشرها أئمّة أهل البيت عليهم السّلام.
إنّ الخطاب التاريخي البالغ الأهمّية الذي ألقته سيّدة النساء في بهو جامع أبيها، والذي وضعت فيه النقاط على الحروف، وأعربت فيه عن الأخطار الهائلة التي ستعانيها الأُمّة في مسيرتها، وما ستواجهه في مستقبلها من الأزمات الناجمة عن صرف الخلافة عن أهل بيت النبوّة، ومراكز الوحي، وأعمدة الشرف في دنيا الإسلام، وعزّزت سلام الله عليها موقفها الرافض لحكومة أبي بكر بوصيّتها الذائعة لزوجها الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام.
فمن جملة بنودها أن يواري جسدها الطاهر في غلس الليل البهيم، ولا يحضر تشييع جنازتها أحد من الذين هضموها، وغصبوا حقوقها، ومن ثمّ فقد ذهب شريحة من المسلمين إلى التمسّك بأهل البيت، وصار الإيمان بهم جزءً لا يتجزّء من حياتهم العقائدية، وتبنّوا بصورة إيجابية ما أُثر عنهم في المجالات التشريعية لا يتعدّونه إلى غيرهم من بقيّة المذاهب الإسلامية.
14 ولا تقتصر هذه البحوث على ما عانته سيدة النساء عليهاالسّلام من الأحداث المؤسفة التي حلّت بها بعد وفاة أبيها، وإنّما فيها عرض شامل لبعض مظاهر شخصيّتها
العظيمة من العفّة والطهارة والعصمة والإيمان العميق بالله تعالى، وغير ذلك من السِّمات التي شابهت بها أباها رسول الله صلّي الله عليه و آله، فقد شابهته في معظم صفاته وخصاله التي امتاز بها على سائر النبيين.
وجدير بالسيّدات المسلمات أن يقتدين بسيّدة النساء ويجعلن يوم ولادتها عيداً لهنّ، يقمن فيه المهرجانات التكريمية لهذه السيّدة العظيمة التي هي ملء فم الدنيا في مواهبها وكمالها وسموّ ذاتها.
15 لا أعتقد أنّ شخصيّة من شخصيّات الإسلام نالت من التبجيل والتعظيم مثل ما نالته سيّدة نساء العالمين، فقد انبرى العلماء من مسلمين وغيرهم إلى التشرّف في البحث عن سيرتها، وسائر شؤون حياتها المشرقة، وقد بلغ ما أُلّف فيها ما يزيد على ثلاثمائة كتاب، كان بعضها من الموسوعات «الكوثر في أحوال فاطمة بنت النبيّ الأطهر» لمؤلّفه سماحة العلّامة السيّد محمد باقر الموسوي حفظه الله.
فقد جمع فيها جميع الأخبار التي تعرّضت لحياتها من أخبار حسان وضعاف، وهو جهد يشكر عليه.
ومن الموسوعات «اعلموا أنّي فاطمة» لحضرة العلّامة الخطيب المفدّى الشيخ عبد الحميد المهاجر حفظه الله، وقد أنفق على تأليفه مدّة من الزمن تربو على عشرين عاماً، عرض في معظمه إلى معارف الإسلام، وما يتّصل بشخصيّة الزهراء من شؤون.
وممّن ألّف فيها المستشرق لامنس، وكانت بحوثه قائمة، فقد تهجّم على الزهراء لأنّ أباها زوّجها من علىّ وهو شخص فقير، وأنّها لمّا زفّت إلى زوجها كان أثاث العرس بسيطاً وزهيداً جدّاً، وقد عرضنا في كثير من بحوث هذا الكتاب إلى ضحالة قوله، وفساد ما ذهب إليه.
وممّن ألّف في حياتها العلميّة المحقّق الكبير السيوطي، فقد دوّن في كتابه «مسند فاطمة»، ما روته من الأحاديث عن أبيها صلّي الله عليه و آله.
وعلى أيّ حال فهذه الدراسة التي أُقدّمها إلى القارئ هي من بين ما أُلّف في بضعة الرسول صلّي الله عليه و آله ، والحكم عليها ليس لي وإنّما بيد القرّاء، وإنّي أمل أن يجدوا فيها المتعة والفائدة.
والله تعالى وليّ التوفيق
مَكتَبَةُ الإمَامِ الحَسَنَ العَامَّة
النَّجَفُ الأَشْرَفُ
باقر شَريف القَرَشي
وليس في دنيا الأنساب نسب أسمى ولا أرفع من نسب سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء سلام الله عليها، وهذه لمحات عن نسبها الوضّاء.
أمّا أبو الزهراء فهو سيّد الكائنات، وزعيم الإنسانيّة الرسول محمّد صلّي الله عليه و آله الذي فتح آفاق الفكر والنور، وصنع الحضارة التي أنقذت الإنسان من المتاهات السحيقة التي غرق في آثامها وخرافاتها.إنّه كنز من كنوز الله تعالى، وهبة منه لعباده، يزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبله لمن الجاهلين.
لقد غيّر النبيّ صلّي الله عليه و آله مجرى تاريخ الإنسان المجهود المكدود المعذّب بظلمات الجاهلية التى لا ظلّ فيها للحياة الآمنة المطمئنّة، ومن مآثمها غزو الأقوياء للضعفاء، ونهب أمتعتهم، ووأدهم للبنات، وأُثر عنهم الافتخار بذلك فقالوا: «دفن البنات من المكرمات»، ومن ظلمات الحياة الفكرية عبادة الأوثان والأصنام، واتّخاذها أرباباً يعبدونها من دون الله تعالى واهب الحياة، وخالق الكون.
ورفع النبيّ صلّي الله عليه و آله دعوته الخلّاقة الهادفة لتحرير الإنسان، وإنقاذه من ويلات الفقر وظلمات الجهل، وقد أوجدت دعوته زلزالاً مدمّراً لعادات قومه وتقاليدهم، وقد آمن برسالته العبيد والضعفاء، ووجدوا في دعوته الشموخ لهم والتحرير، والمساواة بينهم وبين غيرهم من تجّار قريش وطغاتها، وفي طليعة هؤلاء الغرباء
والضعفاء عمّار وأبوه ياسر وأُمّة سميّة، وقد استضعفهم جبابرة قريش إذ لم تكن لهم قوّة تحميهم، ولا ركن شديد يأوون إليه، فصبّوا عليهم وابلاً من العذاب الأليم، فاستشهد ياسر وسميّة تحت وطأة التعذيب الرهيب.
وعلى أيّ حال فقد رفع النبيّ صلّي الله عليه و آله رسالة ربّه غير حافل بما عاناه من الاضطهاد والتنكيل من القرشيّين، وقد احتمى بعمّه شيخ البطحاء ومؤمن قريش أبي طالب، فكان القوّة الضاربة التي التجأ إليها في نشر دعوته، ولولاه لما أبقت قريش للرسول صلّي الله عليه و آله، وأطفأت دعوته في مهدها، وقد آمن أبو طالب بالإسلام واعتنقه عن وعي، وجاهد في سبيله أعظم ما يكون الجهاد، وهو القائل:
وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ *** مِنْ خَيْرِ أَدْيانِ الْبَرِيَّةِ دِينا
وأعرب عن حمايته للنبىّ صلّي الله عليه و آله بقوله:
وَاللهِ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ *** حتّى أوَسُدَ فِي التُراب دَفِيناً (1)
ولا يقل عن أبي طالب في جهاده عن الإسلام ولده الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، فقد انبرى وهو في فجر الصبا وروعة الشباب إلى الكفاح والنضال في حماية الرسول صلّي الله عليه و آله، والذبّ عن قيمه وأهدافه، ومناجزة أعدائه، وسنذكر صوراً مشرقة عن جهاده في بحوث هذا الكتاب.
وعلى أيّ حال فحسب الزهراء سلام الله عليها شرفاً وفخراً وسموّاً أنّها بضعة رسول الله صلّي الله عليه و آله وحبيبته، وآثر منزلة عنده، وأنّها احتلّت مشاعره وعواطفه، فكانت أعزّ أبنائه وبناته، وسنعرض في البحوث الآتية لموقفها مع أبيها في دعوته إلى الله تعالى، والتبشير بدينه.
1) أسنى المطالب في نجاة أبي طالب: 25
أمّا أمّ زهراء الرسول سلام الله عليها فهي خديجة بنت خويلد الطاهرة، وكانت تسمّى سيّدة نساء قريش في الجاهلية، وأُمّ المؤمنين في الإسلام، ذات الشرف الأصيل، والمجد الأثيل، تجتمع في نسبها المشرق مع النبيّ صلّي الله عليه و آله في «قصي»، وهو الجدّ الرابع للنبيّ صلّي الله عليه و آله (1)، والجدّ الثالث لها، وينتهي هذا النسب إلى إبراهيم شيخ الأنبياء عليه السّلام، ولم تضارعها امرأة من قريش في مكانتها وسموّ منزلتها، وهي الشرارة الأُولى في الثورة الإسلامية الكبرى التي رفعت مشاعل النور، ودمّرت معاقل الشرك، وحصون الالحاد.
وهذه لمحات موجزة عن شؤون هذه السيّدة الكريمة التي حظيت بأسمى منزلة في الإسلام، فهي أُمّ لأفضل سيّدة خلقها الله في الأرض وهي زهراء الرسول صلّي الله عليه و آله، وجدة للسبطين الكريمين الحسن والحسين عليهماالسّلام، اللذان انحصر بهما نسل رسول الله صلّي الله عليه و آله، وفيما يلي ذلك:
والشيء المؤكّد أن السيدة خديجة كانت تملك ثراءاً عريضاً لا يملك مثله أحد من تجّار قريش، ويقول الرواة: إنّ التجّار كانوا يضاربون بأموالها، فيخرجون إلى بعض البلدان، ومنها الشام، فيبيعون ما عندهم من متاع، ويجلبون من البضائع كالثياب وبعض الأطعمة التي يحتاجها أهالي مكّة، وبذلك فقد نمت ثروة السيّدة خديجة واتّسع ثراؤها.
وعرض النبيّ صلّي الله عليه و آله رغبته في التجارة بأموال خديجة على عمّه أبي طالب الذي كان يخلص له في الحبّ، فأشار عليه بالقبول، وروى الواقدي أنّ عمّه
أبا طالب هو الذي حفّزه إلى التجارة بأموال خديجة قائلا له:
يابن أخي، أنا رجل لا مال لي، وقد اشتدّ الزمان علينا، وألحّت علينا سنون منكرة، وليس لنا مال ولا تجارة، وهذه عِير قومك قد حضر خروجها إلى الشام، وخديجة تبعث رجالاً يتّجرون في مالها ويصيبون منافع، فلو جئتها لفضّلتك على غيرك، لما يبلغها عنك من أمانتك وطهارتك وإن كنت أكره أن تأتي إلى الشام، وأخاف عليك من اليهود. وقد بلغني أنّها استأجرت فلاناً ببكرين، ولسنا نرضى لك بمثل ما أعطته فهل لك في أن أكلّمها (1)
وفي تاريخ الأمم والملوك: 2: 126 أنّ السيّدة خديجة هي التي عرضت على النبيّ الخروج إلى الشام في التجارة بأموالها
.وانبرى النبي صلّي الله عليه و آله قائلاً: «ما أَحْبَبْتَ يا عَمِّ».
وعرض النبي صلّي الله عليه و آله أو عمّه أبو طالب على خديجة في التجارة بأموالها فاستجابت، وأجابتهم بقبول حسن لأنّها كانت تعرف محمّداً بالنزاهة وسموّ النفس، وأنّه ليس كشباب قريش الذين هاموا بالعبث والمجون، وقد فاق الشباب في خُلقه وكماله ورجحان عقله وأمانته، فزوّدته بالأموال، وبعثت معه غلامها ميسرة، وخرج الرسول صلّي الله عليه و آله بالبضاعة فَنَصَفَها، واشترى بثمنها بضاعة أُخرى من الشام، وريح ريحاً كثيراً لم يعهد مثله فيمن تاجر بأموال خديجة... وقد بهر ميسرة ممّا رآه في سفره مع النبيّ صلّي الله عليه و آله، فقد رأى عمامة تسير معه، وتضلّه من حرارة الشمس، ورأى البركة والنمو في المال ما لم ير مثله من قبل.
وقفل النبي صلّي الله عليه و آله ومعه ميسرة راجعين إلى مكّة، وهما يجدّان في السير، فلمّا انتهيا إلى مكّة سارع ميسرة إلى خديجة فبشّرها بالأرباح الهائلة التي ظفر بها النبيّ صلّي الله عليه و آله في تجارته، كما أخذ يحدّثها عن العجائب التي شاهدها من النبيّ صلّي الله عليه و آله
1) عيون الأثر: 1: 57.
من تظليل الغمام له، ومن سلوكه الخاصّ في نظراته الخاصّة إلى السماء وهى مشفوعة بالإيمان العميق بالله تعالى.
وأنِست خديجة بحديث غلامها، وأخذ حبّ النبيّ صلّي الله عليه و آله ينساب إلى فؤادها ويختلط في دمها، وأيقنت أنّ له شأناً عظيماً، ومستقبلاً مشرقاً يستوعب آفاق الأرض.
وآمنت خديجة إيماناً لا يخامره شك أنّ محمّداً صلّي الله عليه و آله هو النبيّ المرسل الذي تزدهر الدنيا برسالته، وهو الذي بشّر به أنبياء الله تعالى من قبل، فسارعت إلى خطبته، وتقديم المال له ليكون مهراً لها.
وسارع النبيّ صلّي الله عليه و آله إلى عمّه ومربّيه أبي طالب، وعرض عليه الأمر فابتهج أبو طالب، وسرت في نفسه موجات من الفرح، وذلك لعلمه بمكانة خديجة وشرفها وامتناعها من الزواج حينما خطبها سادات قريش، ومشى أبو طالب ومعه حمزة وسائر أعمام النبيّ صلّي الله عليه و آله إلى خويلد أبي خديجة فقابلهم بالحفاوة والتكريم والرضا بهذا الاقتران.
وخطب شيخ البطحاء أبو طالب خطبة النكاح من الفاضلة خديجة إلى ابن أخيه محمّد، وجاء فيها:
«الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وجعل لنا بلداً حراماً، وبيتاً محجوجاً، وجعلنا الحكّام على الناس، ثمّ إنّ محمّد بن عبد الله أخي من لا يوزن به فتى من قريش إلّا رجح عليه برّاً وفضلاً وحزماً وعقلاً ورأياً ونبلاً، وإن كان في المال قل، فإنّما المال ظلّ زائل، وعارية مسترجعة، وله في خديجة بنت خویلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك، وما أحببتم من الصداق فعليَّ، وله والله بعد
نبأ شائع، وخطب جليل (1).
وقد أشاد أبو طالب بابن أخيه، وما يتمتّع به من الصفات الفاضلة والمزايا الكريمة، فليس له مثيل من فتيان قريش، ولا يضارعه أحد في أصالة رأيه، ورجحان عقله، كما استشفّ أنّ له شأناً عظيماً، ومستقبلاً كريماً، واستجاب خويلد، وزفّت اُمّ المؤمنين إلى زوجها، وهي فرحة مستبشرة بهذا القرآن، وكان سنّها أربعين عاماً، وسن النبيّ صلّي الله عليه و آله خمساً وعشرين سنة.
لقد تزوّجّت السيّدة خديجة بملء حريتها، وألغت الأعراف السائدة في عصرها من أنّ الرجل هو الذي يخطب المرأة لا العكس، وحملت خديجة ثراءها العريض إلى النبيّ صلّي الله عليه و آله الذي لم ينفقه على نفسه ولا عليها وإنّما كان رصيداً للدعوة الإسلامية، فقد كان من الركائز المهمّة في نشر الإسلام وإشاعته بين الناس.
وكانت الرابطة الزوجية بين النبيّ وخديجة قائمة على المحبّة والمودّة والصفاء، وكانت أفضل حياة زوجية في مكّة، وقد أخلصت خديجة للرسول صلّي الله عليه و آله أعظم ما يكون الإخلاص، وقد وجد في كنفها من المودّة والرعاية ما عوّضه عن رزيّته بفقد أبيه وأُمّه، ومعاناته لفقد حنان الأُمّ والأب.
استطاب النبيّ صلّي الله عليه و آله الخلوة في غار حراء، فكان يطيل المكث فيه، وهو يتأمّل آيات الله تعالى، وما في الكون من الأرصدة التي تدلّل على وجود الخالق العظيم، وكانت زوجته الوفية ترعاه وتراقبه خوفاً عليه، وكانت ترسل وراءه من يحرسه (2)وكانت على ثقة وإيمان أنّه الرسول العظيم صلّي الله عليه و آله الذي اختاره الله تعالى لإنقاذ الإنسان
من ظلمات الجهل.
واستقبل النبيّ صلّي الله عليه و آله في غار حراء رسالة الله تعالى، فقد هبط عليه جبرئيل فقلّده وسام النبوّة، وأمره بقراءة سورة من كتاب الله تعالى، وهي سورة «اقرأ» الحافلة بعظيم آيات الله في خلقه للإنسان، وتعليمه له ما لم يعلم، ونهض الرسول والملك معه أينما يلتفت يراه، وقفل النبي صلّي الله عليه و آله إلى منزله فزعاً، فحدّث زوجته التي لا نظير لها - في إيمانها وطهارتها بما رأى وسمع، فهتفت خديجة بثقة وإيمان قائلة:
«يرعانا يا أبا القاسم أبشر يابن العمّ، واثبت، فوالذي نفس خديجة بيده إنّي لأرجو أن تكون نبيّ هذه الأُمّة، فوالله لا يخزيك الله أبداً، ووالله إنّك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدّي الأمانة، وتحمل الكلأ، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحقّ» (1)
وكان لكلام خديجة في نفس النبيّ صلّي الله عليه و آله صدى راحة وطمأنينة في نفسه، وأحسّ بالراحة والاستقرار، وسارع النبيّ إلى فراشه، وإذا بالوحى يعاوده مرة أخرى حاملاً معه سورة «يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ...» ليس هناك مجال للنوم، وإنّما عليه الكفاح والنضال لإنقاذ الإنسان من ويلات الجهل والعبودية لغير الله تعالى، وفزع النبيّ صلّي الله عليه و آله فحدّث خديجة بما رآه ثانياً، فكانت تبعث في نفسه العزم والاستقرار.
وسارعت خديجة نحو ابن عمّها ورقة بن نوفل، وكان فاضلاً قد أخذ العلم من التوراة والإنجيل وأخبار النبّوات من القساوسة والعلماء، فاستبشر بحديث خديجة وراح يقول بحماسة وإيمان: قدّوس، قدّوس، والذي نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتني يا خديجة، لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى وعيسى،
1) تاريخ الأمم والملوك: 2: 205
وأنّه لنبيّ هذه الأُمّة، فقولي له: فليثبت (1).
وسارعت خديجة نحو النبيّ صلّي الله عليه و آله فأخبرته بمقالة ورقة، فسرّ بذلك وزادته خديجة وثوقاً.
واتِفق المؤرِخون والرواة على أنّ خديجة أوّل من آمنت بالإسلام واعتنقت رسالة الله تعالى لعبده ورسوله، هي والإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، فقد آمنا معاً بالإسلام. يقول الإمام أمير المؤمنين: «وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ يَوْمَئِذٍ وَاحِدٌ فِي الإِسْلَامِ غَيْرَ رَسُولِ الله صلّى الله عليه و آله وَخَدِيجَةَ وَأَنا ثالِتُهُما» (2).
وقال ابن عبّاس: «كان عليّ أوّل من آمن من الناس بعد خديجة» (3).
وكان عمر الإمام في وقت إسلامه سبع سنين، وقيل تسع سنين (4).
لقد استُنبئ النبيّ صلّي الله عليه و آله يوم الاثنين، وصلّى بالكعبة يوم الثلاثاء ومعه خديجة والإمام عليّ عليه السّلام وهو في فجر الصبا (5).
فقد روى عفيف الكندي قال: جئت في الجاهلية إلى مكّة، وأنا أُريد أن ابتاع لأهلي من ثيابها وعطرها، فأتيت العبّاس بن عبدالمطّلب وكان تاجراً، فأنا عنده جالس أنظر إلى الكعبة وقد حلّقت الشمس في السماء فارتفعت وذهبت إذ جاء شابّ فرمى ببصره نحو السماء، ثمّ قام مستقبل الكعبة، ثمّ لم يلبث إلّا يسيراً حتّى
جاء غلام فقام على يمينه، ثمّ جاءت امرأة فقامت خلفهما، فركع الشابّ، فركع معه الغلام والمرأة، ثمّ رفع الشابّ رأسه فتابعه الغلام والمرأة، وسجد الشابّ فسجد معه الغلام والمرأة، فقلت متعجّباً: يا عبّاس، أمر عظيم!!
فطفق العبّاس قائلاً: نعم أمر عظيم!! أتدري من هذا الشابّ؟
هذا محمّد بن عبدالله ابن أخي.
أتدري منه الغلام؟
هذا عليّ بن أبي طالب
أتدري من هذه المرأة؟
هذه خديجة بنت خويلد زوجته، إنّ ابن أخي هذا - وأشار إلى محمّد صلّي الله عليه و آله - أخبرني أنّ ربّه ربّ السماء والأرض أمره بهذا الدين الذي هو عليه، لا والله ما على الأرض كلّها أحد على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة (1).
وقد لازمت خديجة النبيّ صلّي الله عليه و آله لا تفارقه حتّى في طوافه حول الكعبة المقدّسة، فقد روى عبد الله بن مسعود قال: إنّ أوّل شيء علمته من أمر رسول الله صلّي الله عليه و آله، قدمت مكّة مع عمومة لي، فأرشدنا إلى العبّاس بن عبد المطّلب، فانتهينا إليه وهو جالس إلى زمزم، فجلسنا إليه، فبينما نحن عنده إذ أقبل رجل من باب الصفا أبيض تعلوه حمرة، له وفرة جعدة إلى أنصاف أُذنيه، أقتر الأنف، برّاق الثنايا، أدعج العينين، كثّ اللحية، دقيق المسربة، شئن الكفّين والقدمين، عليه ثوبان أبيضان، كأنّه القمر ليلة البدر، يمشي عن يمينه غلام أمرد حسن الوجه مراهق، أو محتلم، تقفوه امرأة قد سترت محاسنها حتى قصد نحو الحجر فاستلمه، ثمّ استلمه الغلام، ثمّ استلمته
1) خصائص النسائي: 3. مسند أحمد بن حنبل: 1: 309 الطبقات الكبرى: 8: 14
المرأة، ثمّ طاف بالبيت سبعاً والغلام والمرأة يطوفان معه.
قلنا: يا أبا الفضل، إنّ هذا الدين لم نكن نعرفه فيكم أو شيء حدث؟
قال العباس : هذا ابن أخي محمد، والغلام علي بن أبي طالب، والمرأة خديجة.وتابع ابن مسعود حديثه قائلاً: أما والله ما على وجه الأرض من أحد نعلمه يعبد الله بهذا الدين إلا هؤلاء الثلاثة (1).
وهذه فضيلة لخديجة وللإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، فقد كانا أوّل من سبق إلى اعتناق هذا الدين.
وقفت أُمّ المؤمنين خديجة إلى جانب الرسول صلّي الله عليه و آله تشدّ أزره، وتعينه على احتمال أقسى ألوان الأذى والاضطهاد الذي كان يعانيه من قريش.
فقد روى ابن إسحاق قال: «كان رسول الله صلّي الله عليه و آله لا يسمع شيئاً يكرهه من ردّ عليه، وتكذيب له فيحزنه ذلك إلّا فرّج الله له بخديجة رضي الله عنها إذا رجع إليها تثبّته، وتخفّف عنه، وتصدّقه، وتهوّن عليه أمر الناس وما زالت على ذلك حتّى لحقت بربّها» (2).
وسخّرت اُمّ المؤمنين خديجة رضي الله عنها ثراءها العريض لخدمة الإسلام، فقد بذلت بسخاء جميع ما تملكه لنشر الدعوة الإسلاميّة، وكان من أهمّ نفقاتها حينما اعتقلت قريش النبيّ صلّي الله عليه و آله مع من آمن به من الهاشميّين في شِعب أبي طالب، فقد فرضوا
عليهم الحرمان الاقتصادي، وحرموا إسعافهم بالطعام وغيره، وقد أمدّتهم أُمّ المؤمنين خديجة بجميع ما يحتاجون إليه من الطعام وغيره، طيلة المدّة التي كانت تزيد على السنتين، فما أعظم عائدتها على الإسلام والمسلمين.
لقد قدّمت خديجة للإسلام جميع ما تملكه من الثراء، ولم يبق شيء عندها من المال، حتى بلغ بها الفقر أنّها لا تملك حصيراً تجلس عليه، فجزاها الله عن الإسلام، وأجزل لها المزيد من الأجر.
ولأُمّ المؤمنين خديجة المكانة المتميّزة عند الله تعالى، فقد شكر مساعيها وأثنى على خدماتها العظيمة في مساندتها للنبيّ صلّي الله عليه و آله ونشرها للإسلام، وقد تواترت الأخبار أنّ الله تعالى أرسل لها تحيّة وسلاماً على يد عبده ورسوله محمّد صلّي الله عليه و آله (1).
وكان من عظيم منزلة أُمّ المؤمنين خديجة عند الله تعالى أن منحها تعالى قصراً في الفردوس الأعلى هو من أعلى القصور التي أعدّها تعالى للصالحين والصالحات من عباده، فقد جاء في الحديث أنّ رسول الله صلّي الله عليه و آله قال:
«أُمِرْتُ أَنْ أَبَشِّرَ خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيْهِ وَلَا نَصَبَ» (2)
وقال الحرّ العاملي في منظومته:
لَها مِنَ الجَنَّةِ بَيتٌ مِنْ قَصَب *** لا صَخَب فيهِ وَلَا نَصَب
وَهَذِهِ صورة لفظِ الخَبَرِ *** عَنِ النَّبِيِّ المُصْطَفى المُطَهَّر (1)
وكان هذا جزاءً لها على ما قدّمته من عظيم الخدمات لدين الله تعالى.. لقد ساهمت مساهمة إيجابية في بناء الإسلام وإقامته، فما أعظم فضلها على المسلمين وعلى كلمة التوحيد.
واحتلّت أُمّ المؤمنين خديجة عواطف النبيّ صلّي الله عليه و آله، وحظيت بأسمى مكانة عنده، فكان يقيم لها في نفسه خالص المودّة والحبّ، وقد حدّثت عائشة عن عميق حبّ النبيّ لخديجة قالت: كان رسول الله صلّي الله عليه و آله لا يكاد يخرج من البيت حتّى يذكر خديجة فيحسن الثناء عليها، فذكرها يوماً فأدركتني الغيرة فقلت: هل كانت إلّا عجوزاً قد أبدلك الله خيراً منها.
فغضب صلّي الله عليه و آله حتّى اهتزّ مقدّم شعره من الغضب، ثمّ قال: لَا وَاللَّه! ما أَبْدَلَنِي اللهُ خَيْراً مِنْهَا، آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي فِي مَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ، وَرَزَقَنِي مِنْها أَوْلَاداً إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّساءِ (2).
ووفدت هالة أُخت خديجة إلى المدينة فدخلت بيت رسول الله صلّي الله عليه و آله، فسمع النبيّ صوتها في بهو بيته، وكان يشبه صوت عزيزته خديجة فهتف قائلاً: اللّهمّ هالة بنت خویلد.
فما ملكت عائشة نفسها أن قالت: وما تذكر من عجوز من عجائز قريش، حمراء الشدقين، هلكت في الدهر، فأبدلك الله خيراً منها (3).
فتغيّر وجه رسول الله صلّي الله عليه و آله وصاح بعائشة: لا والله! مَا أَبْدَلِنِي اللَّهُ خَيْراً مِنْهَا، آمَنَتْ بِي حِيْنَ كَفَرَ النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي بِمالِها حِيْنَ حَرَمِنِي النّاسُ، وَرَزَقَنِي مِنْهَا اللهُ الْوَلَدَ دُونَ غَيْرِها مِنَ النِّساءِ (1).
ورأته عائشة إذا ذبح شاة يقول: أرسلوا إلى أصدقاء خديجة.
فقالت له: لِمَ تفعل ذلك.
فقال: إِنِّي لَأُحِبُّ حَبِيْبها (2).
وفي رواية: «إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا» (3).
واستولى الحسد على عائشة لكثرة إطراء النبيّ صلّي الله عليه و آله على خديجة فقالت: ما حسدت امرأة مثل ما حسدت خديجة، وما تزوّجني رسول الله صلّى الله عليه و آله إلّا بعدما ماتت (4).
لقد كانت روح خديجة تصاحب النبيّ صلّي الله عليه و آله في حلّه وترحاله، فقد رشف من حنانها ما دخل في أعماق نفسه، ودخائل ذاته، وصار يذكرها دوماً ويترحّم عليها.
خصّ الله تعالى أُمّ المؤمنين خديجة بألطاف لم تظفر بمثلها أيّة امرأة من نساء النبيّ صلّى الله عليه و آله وغيرهنّ، وكان من عظيم ألطافه عليها أنّها أُمّ لأفضل سيّدة خلقها الله تعالى في الأرض من بداية تكوين الإنسان إلى أن تقوم الساعة، وهي زهراء الرسول فاطمة عليهاالسّلام، كما جعلها جدّة لسبطي النبوّة وإمامي الهدى وسيّديْ شباب أهل الجنّة الحسن والحسين عليهماالسّلام، وجدّة لأزكى امرأة وهي السيّدة زينب، أوّل مظلومة
ومهضومة في دنيا الإسلام؛ فقد تجرّعت أقسى ألوان الكوارث والخطوب، فقابلتها بالشكر والرضا بما قسم الله تعالى، كما جعلها تعالى جدّة لحججه على عباده وأُمنائه في بلاده، الأئمّة الطاهرين سلام الله عليهم، ولم تظفر أية امرأة بمثل هذه الألطاف.
وتناهبت الأمراض جسم اُمّ المؤمنين خديجة، ودنا إليها الموت سريعاً، وكان من أهمّ ما عانته وهي في المرحلة الأخيرة من حياتها تركها ابنتها الوحيدة الزهراء سلام الله عليها، وهي في سنّ الطفولة، فكانت تنظر إليها بألم بالغ ونفسها تذوب عليها أسى وحسرات، وقد أوصت بها النبيّ صلّى الله عليه و آله، وهي على علم أنّها فلذّة من كبده، وأنّه قد أخلص لها في الحبّ أعظم ما يكون الإخلاص.
ولم تلبث أُمّ المؤمنين إلّا قليلاً حتى لفظت أنفاسها الأخيرة وسمت روحها الطاهرة كأسمى روح صعدت إليه تعالى، تحفّها ملائكة الرحمن، وتستقبلها أنبياء الله تعالى بالتكبير والتهليل، فسلام الله عليها، فما أعظم عائدتها على الإسلام والمسلمين.
لقد فجع النبيّ صلّى الله عليه و آله بوفاة خديجة التي ملأت حياته رضا وطمأنينة، وهونت عليه ما كان يعانيه من اضطهاد من جبابرة قريش، وقد خيّم عليه الحزن، وقام بتجهيزها، فغسّل جسدها الطاهر وأدرجه في أكفانه، وصلّى عليه، وحفر لها قبراً ونزل فيه (1). ثمّ واراها فيه، وقد وارى الشرف والفضيلة والعفاف والإيمان، وترك فقده لها أسى وحزناً استوعب نفسه، حتّى سمّى العام الذي توفّيت فيه، مع عمّه شيخ البطحاء، عام الحزن.
1) الدرّ المنثور فى ربّات الخدور: 180
لقد اختطف الموت خديجة التي كانت أبرّ الناس برسول الله صلّى الله عليه و آله، وأحنّ أهل بيته عليه، وأسرعهم لنصرته وتوطيداً ودعماً لرسالته.
وقد تركت خديجة ابنتها فاطمة وهي في دور الطفولة قد غمرها الحزن، واستولت عليها الهموم، فليس هناك من كارثة يمنى بها الطفل كفقده لأُمّه التي تغمره بحنانها، وتغذّيه بعواطفها، وكانت الصدّيقة وهي في دور الصبا موضع الحنان لأبيها الذي عانى من أذى قريش واعتدائهم عليه، فكانت فاطمة عليهاالسّلام تؤنس وحدته، وتقوم بالدور الذي قامت به أمّها الزكية في نصرة النبيّ صلّى الله عليه و آله وتخفيف ما يعانيه من العسف والاضطهاد من قريش، حتّى لقّبت من كثرة برها به بـ «أُمّ أبيها».
استقبل النبيّ صلّى الله عليه و آله بلهفة وشوق ولادة خديجة لبضعته فاطمة الطاهرة الزكيّة سلام الله عليها، التي لا مثيل لها في بنات حوّاء طهارة وعفّة وإيماناً وسلوكاً، وقد استشفّ صلّى الله عليه و آله من وراء الغيب سموّ منزلة وليدته، وعظيم مكانتها عند الله تعالى، وأنّ نسله الطاهر يكون منها، وقد غمرته موجات من السرور والابتهاج بزهرائه التي استوعبت مودّتها مشاعره وعواطفه، وأخلص لها في الحبّ أعظم ما يكون الإخلاص. ونعرض - بإيجاز - لبعض شؤون ولادتها ونشأتها، وفيما يلي ذلك:
وحينما بشِّر النبي صلّى الله عليه و آله بولادة خديجة للزهراء عليهاالسّلام سارع إلى البيت، فأخذ وليدته المباركة وأوسعها تقبيلاً، وأجرى عليها مراسيم الولادة الشرعية وهي:
وأذّن النبيّ صلّى الله عليه و آله في أُذُن وليدته اليمنى، وكان نشيد ذلك الأذان:
اللهُ أَكْبَرُ.
لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ.
وكان أوّل صوت قرع سمع الصدِّيقة صوت أبيها داعية الله الأكبر في الأرض، وقد غذّاها بهذه الكلمات التي بعثه الله بها من أجل إشاعتها بين الناس، فكانت جزءً
من حياتها الفكرية التي لازمتها في جميع فترات حياتها.
ثمّ تلى النبيّ صلّى الله عليه و آله نشيد الإقامة في أُذُنها اليسرى، وانطبع صوت أبيها في فصول الإقامة بأعماق نفسها ودخائل ذاتها، حتّى صارت من مقوماتها، وهبط على النبيّ صلّى الله عليه و آله جبرئيل فأبلغه السلام من الله تعالى له ولمولودته المباركة (1)
وفي لسان الميزان: 3: 367: «عن ابن عبّاس قال: لمّا ولدت فاطمة بنت النبيّ سمّاها المنصورة، فنزل جبرئيل على النبيّ فقال: إنّ الله تبارك وتعالى يقرأك السلام ويقرئ مولودتك السلام»
.والشيء المهمّ في حياة الزهراء أنّها تكوّنت من ثمر الجنّة أطعم الله تعالى به نبيّه العظيم ليلة المعراج حسبما نص عليه المؤرّخون (2)، فمن ثمار الجنّة وطيب فاكهتها تكوّنت سيّدة النساء.
يقول الشيخ الفرطوسي:
وَأَتى جَبْرئيلُ يَوماً لِطه *** في حَديثٍ عَنْ صادقِ الأُمَناءِ
قالَ هَذي تُفّاحةٌ لكَ تُهْدى *** بَعدَ أَسنى تَحيَّةٍ وَثَناءِ
شَقَّها المُصْطَفى فَأَشْرَقَ نُورٌ *** وَهيَ في كَفِّهِ عَظيمُ الضّياءِ
قال ماذا؟ فَقالَ كُلّها فَهذا *** هُوَ نُورُ الزَّكِيَّةِ الزهراءِ
قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاءِ وَالأَرضِ قَدْ كا *** نَ وَمِنْ قَبْلِ آدَمِ في وِعاءِ
وَتُسَمّى في الأَرضِ فاطِمُ لُطفاً *** وتُسمّى منصورةٌ في السَّماءِ (3)
اختلف الرواة في زمن ولادة الصدِّيقة سيدة نساء العالمين عليهاالسّلام ، وهذه بعض الأقوال:
1 - ولدت الصدِّيقة الطاهرة بعد البعثة النبويّة بخمس سنين، وبعد الإسراء بثلاث سنين في العشرين من جمادى الآخرة (1)، وكانت ولادتها في يوم الجمعة (2)، وهو اليوم المبارك.
2 - ولدت بعد البعثة النبويّة بسنة (3).
3- ولدت قبل البعثة النبويّة بخمس سنين، وهذا القول شاذّ ومتروك (4).
4 - ونصّت بعض المصادر أنّها ولدت قبل البعثة النبويّة إلّا أنّها أهملت السنة والشهر الذي ولدت فيه (5).
وهناك أقوال أُخرى، ويترتّب عليها الاختلاف في عمرها الشريف، والصحيح الذي ذهب إليه الأعلام هو القول الأوّل، وأنّها قد بلغت من العمر ثماني عشرة سنة.
أمّا المكان الذي حظي بولادة الصدِّيقة فهو مكّة، وفي بيت أُمّ المؤمنين خديجة
1) إعلام الورى: 148. جامع الأصول: 12: 9 و 10. نساء النبيّ وأولاده: 89. مأساة الزهراء / المحقّق السيّد جعفر مرتضى العاملي: 1: 37. بحار الأنوار: 43: 6.أصول الكافي: 1: 458. صفة الصفوة: 1: 148
2) الكوثر في أحوال فاطمة بنت النبيّ الأطهر: 1: 309
3) نساء النبيّ وأولاده: 90
4) مأساة الزهراء عليهاالسّلام: 1: 36
5) الإصابة: 8: 54
الذي يقع بالقرب من زقاق العطّارين، وفي هذا الوقت صار مسجداً.
سمّى النبيّ صلّي الله عليه و آله وليدته المباركة بفاطمة، ولم يكن هذا الاسم غريباً، فقد كان اسماً لأُمّ الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام.
وروي عن أهل البيت عليه السّلام أنّ الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام سأل رسول الله صلّى الله عليه و آله، فقال له: لِمَ سَمِّيَتْ فاطِمَةُ يا رَسُولَ اللهِ؟
فقال: لأنها فُطِمَتْ هِيَ وَشِيْعَتُها مِنَ النَّارِ (1)
وفي ذخائر العقبي: 26 أنّ عليّاً قال: «يا رَسُولَ اللهِ، لِمَ سُمِّيَتْ فاطِمَةُ؟ قال: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ فَطَمَها وَذُرِّيَّتَها عَنِ النّارِ يَوْمَ الْقِيامَةِ».
وقريب من ذلك في كنز العمال: 6: 219، فيض القدير: 1: 168
.يقول الشيخ الفرطوسي:
فَطَمَ اللهُ فاطماً مِنْ لَظَاها *** وَبَنيها سُلالةُ الأَزكِياءِ
فَتَسَمَّتْ بِفاطِمٍ وَهوَ حَقاً *** لِعُلاها مِنْ أَفْضَلِ الأَسماءِ
لقبت سيّدة النساء بألقاب تنمّ عن سموّ شخصيتها، وعظيم مكانتها في الإسلام، وهذه بعضها:
1 - الصدِّيقة
وهي أصدق امرأة في دنيا الإسلام وغيره، وقد صدقت وآمنت بنبوّة أبيها
1) نساء النبيّ وأولاده: 91.
وما أخبر به من شؤون الآخرة وغيرها.
2 - المباركة
بوركت هي وذرّيّتها حماة الإسلام ودعاة الله تعالى في الأرض.
يقول الشيخ الإصفهاني:
يا دُرَّةَ العِصمَةِ وَالولايه *** مِنْ صَدَفِ الحِكمَةِ وَالعِنايَه
ما الكَوكَبُ الدُّرّيُّ في السَّماءِ *** مِنْ ضَوء تِلكَ الدُّرَّةِ البَيضاءِ
وَالنَّيْرِ الأَعظَم مِنها كَالسُّها (1)*** كَيفَ وَلا حَدَّ لَها وَمُنْتَهى
أَشْرَقَتِ العَوالِمُ العُلْويَّه *** بِنُورِ تِلكَ الدُّرَّةِ البَهِيَّه
يا دَوَحةٌ جَازَتْ سَنامَ الفَلَكِ *** بَلْ جاوَزَ السِّدَرَةَ فَرْعُها الزَّكي
يا دَوحَةً أَغصانُها تَدَلَّتْ *** بِمَوضِع فيهِ العُقولُ ضَلَّتْ
دَنَتْ إِلى مَقامِ أو أَدْنى فلا *** تُتبَعُ مِنْ ذلِكَ أَعْلى مَثَلا (2)
3- الطاهرة
وهي أطهر بنات حوّاء، وأعفّهنَّ، وقد قلّدها الله تعالى هذا الوسام بآية التطهير. قال تعالى: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (3).
وبإجماع المفسّرين أنّها من أهل البيت الذين منحهم الله هذا الوسام.
4- الزكية
وهي أزكى امرأة في الإسلام، فقد زكت من كلّ رجس وإثم.
5- الراضية
فقد رضت بما قسم الله لها من البساطة في العيش والزهد في متع الدنيا، وقد أُثر عن الإمام الصادق عليه السّلام أنّه قال: «دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صلّي الله عليه و آله عَلَى فَاطِمَةَ عليهاالسّلام وَعَلَيْهَا كِسَاءٌ مِنْ ثَلْةِ الْإِبِلِ وَهِي تَطْحَنُ بِيَدِها وَتُرْضِعُ وَلَدَها، فَدَمِعَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه و آله لَمَا أَبْصَرَها، فَقالَ: يَا بِنْتَاهُ، تَعَجَّلِي مَرَارَةَ الدُّنْيا بِحَلَاوَةِ الْآخِرَةِ، فَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيَّ: «وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى» (1).
فَقَالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نَعْمَانِهِ، وَالشُّكْرُ عَلَى آلَآئِهِ» (2).
6- المُحدَّثة
لأنّ الملائكة كانت تحدّثها، كما كانت الملائكة تحدّث مريم، قال تعالى: «إِذْ قالَتِ الْمَلَائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ» (3).
7- البتول
سمّيت بذلك لأنّها بتلت وانقطعت عن النظير، فليس لها ندّ من النساء يشبهها في فضائلها، وقد سئل أحمد بن يحيى عن سبب تسميتها بالبتول، فقال: لانقطاعها عن نساء أهل زمانها ونساء الأُمّة، عفافاً وفضلاً وديناً وحسباً. وقيل: لانقطاعها
عن الدنيا إلى الله عزّ وجلّ (1).
8- الزهراء
سمّيت بذلك لأنّها كانت تزهر بعظيم إيمانها وسموّ أخلاقها، وقد سئل الإمام الصادق عليه السّلام عن السبب في تسميتها بهذا الاسم فقال: «إِنَّهَا إِذا قَامَتْ فِي مِحْرابِها زَهَرَ نُورُها لِأَهْلِ السَّماءِ، كَما تَزْهُو الْكَواكِبُ لِأَهْلِ الْأَرْضِ» (2).
وقد سمّي الجامع الأزهر (3)بهذا الاسم تبرّكاً وتشرّفاً باسم سيّدة نساء العالمين.
وقد نظم شاعر أهل البيت الشيخ الفرطوسي أسماؤها المباركة بهذه الأبيات:
إنَّ أَسْماءَها الكَريمَةَ مِنهُ *** تِسعَةً وَهيَ أَكرَمُ الأَسْمَاءِ
فَهيَ «مَرْضِيَّةٌ» لِرَبِّ البَرايا *** رَضِيَتْ مِنْهُ فِي حَكيمِ القَضاءِ
وَهيَ «صديقةٌ» بِما جاءَ مِنهُ *** عُصِمَتْ مِنْ مآثِمِ الأَخْطاءِ
طَهُرَتْ مِنْ جَميعَ رِجْسٍ خَبِيثٍ *** وَتَزَكَّتْ في جُملَةِ الأَزْكِياءِ
وَهيَ قَدْ بُورِكَتْ بِما قَدْ حَباها *** رَبُّها مِنْ مَوَاهِبٍ وَعَلاءِ
وَهِيَ قَدْ حُدِّثَتْ بِعِلمٍ غَزِيرٍ *** مِنْ حَدِيثِ المَلائِكِ الْأَصْفِياءِ
فُطِمَتْ بالعُلُومِ مِنْ كُلِّ شَرٍّ *** وَمِنَ الطُّمْثِ في جميع الدِّماءِ
وَهِيَ كَانَتْ تَشِعُ أَنْوَارَ قُدْسٍ *** وَجَلالٍ لِسَيْدِ الأَوْصِياءِ (4)
هذه بعض أسمائها وألقابها.
کنّیت بضعة رسول الله صلّي الله عليه وآله ببعض الكنى، منها:
1 - أُمّ أبيها
كنّيت بذلك لعظيم حنوّها وشفقتها على أبيها رسول الله صلّي الله عليه وآله (1).
ومن حنوّها على أبيها، وعظيم محبّتها له، أنّه قَدِم من بعض الغزوات إلى المدينة، وكان أوّل ما يدخل على بيت فاطمة قبل أن يدخل إلى بيت زوجاته، واستقبلته فاطمة، وجعلت تقبّل وجهه وعينيه وتبكي، فقال لها الرسول الله صلّي الله عليه وآله: ما يُبْكِيك؟
فانبرت قائلة: أَراكَ قَدْ شَحُبَ لَوْنُكَ.
فهدّأ النبيّ صلّي الله عليه وآله روعتها وقال لها: يا فاطِمَةُ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بَعَثَ أَبَاكِ بِأَمْرٍ لَمْ يَبْقَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا شَعَرِ إِلَّا أَدْخَلَهُ بِهِ عِزّاً أَوْ ذُلَا يَبْلُغُ حَيْثُ بَلَغَ اللَّيْلُ (2)
وقريب منه في كنز العمال: 1: 77، ومجمع الزوائد: 8: 262
.أمّا العزّ فهو لمن آمن به وصدّقه، وأمّا الذلّ فهو لمن جحده وحاربه وكفر برسالته.
وكانت تعظّم أباها وتحنو له إجلالاً، فكانت تخاطبه يا رسول الله خصوصاً لمّا نزلت الآية الكريمة: «لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضاً» (3)، وشقّ ذلك على النبيّ صلّي الله عليه وآله فقال لها: يا فاطِمَةُ، إنّها - أي الآية - لَمْ تَنْزِلْ فِيكِ، وَلَا فِي
أَهْلِكِ، وَلَا فِي نَسْلِكِ، أَنْتِ مِنِّي وَأَنَا مِنْكِ، إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْجَفاءِ وَالْغِلْظَةِ مِنْ قُرَيْشٍ ؛ أَصْحَابِ الْبَذْخِ وَ الْكِبَرِ، قُولِي: يا أَبَةٍ، فَإِنَّهَا أَحْيِي لِلْقَلْبِ، وَأَرْضى لِلرَّبِّ» (1).
وكانت أحبّ أهل بيته له، وأكثرهم مودّة له، ولمّا انتقل أبوها صلّي الله عليه وآله إلى حظيرة القدس تصدّع قلبها وذابت آسى وحزناً حتّى التحقت به.
2 - أُمّ الحسنين
كنّيت بأمّ الحسنين، وهما سبطا رسول الله صلّي الله عليه وآله وسيّدي شباب أهل الجنّة.
3- أُمّ الحسن
وهو نجلها الأكبر الإمام الزكي الحسن عليه السّلام.
4 - أُمّ الحسين
وهو نجلها الثاني محيي الإسلام، ومنقذ المسلمين، وأبي الأحرار الإمام الحسين عليه السّلام.
هذه بعض ما كنّيت به الصدّيقة من الأسماء.
كان نقش خاتم سيّدة النساء «أَمِنَ الْمُتَوَكَّلُونَ».
وقيل: كان نقشه «اللهُ وَليُّ عِصْمَتى» (2).
وذلك ينمّ عن مدى تعلقها بالله تعالى واعتصامها به.
نشأت سيّدة نساء العالمين فاطمة سلام الله عليها في كنف أبيها سيّد الكائنات وفي ذرى عطفه، فغذّاها بمواهبه، وأفاض عليها مكوّناته النفسية التي أشرقت بها سماء الدنيا، وعلّمها القرآن الكريم، وأحاطها علماً بجميع ما يتعلّق بآيات الأحكام وأسباب النزول، وغير ذلك ممّا يرتبط به.
كما درّسها أحكام الشريعة من العبادات والمعاملات، كما رسم لها محاسن الأخلاق وأصول الآداب، وربّاها على الإيمان الخالص بالله تعالى خالق الكون وواهب الحياة.
من برامج التربية الإسلامية التي قدّمها النبيّ صلّي الله عليه و آله إلى زهرائه سيّدة نساء العالمين عليهاالسّلام أنّه أوصاها بما يلي:
لَيْسَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ لَمْ يَأْمَنْ جَارُهُ بَوائِقَهُ.
ومَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ.
وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ يَسْكَتْ.
إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْخَيْرَ الْحَلِيمَ الْمُتَعَفِّفَ، وَيُبْغِضُ الْفاحِشَ الضَّنِينَ السَّائِلَ الْمُلْحِفَ. إِنَّ الْحَياءَ مِنَ الْإِيْمَانِ، وَالْإِيْمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْفَحْشَ مِنَ الْبَدَاءِ، وَالْبَدَاء فِي النار (1).
إنّ هذه الوصيّة الذهبية تحمل قيم الإسلام ومبادئه وآدابه، وقد حفلت بما يلي:
1 - الوصية بالجارّ، وذلك بالإحسان إليه والبرّبه، ومواساته في السرّاء والضرّاء،
1) دلائل الإمامة: 66
وعدم الإساءة إليه، وقد أكد الإسلام على ذلك في كثير ممّا أثر عن النبيّ صلّي الله عليه و آله وما أثر عن أئمة الهدى لها من أجل أن تسود المحبّة والمودّة بين المسلمين، وتصان الروابط الاجتماعية بينهم.
2 - أن يتكلّم المسلم بالكلام الطيّب النافع، ويجتنب في حديثه عن كلمة السوء والفحش التي تؤدّي إلى شيوع الرذيلة بين الناس.
3- أن يتسلّح المسلم بأفضل الصفات وهو الحياء الذي هو من شعب الإيمان، والإيمان في الجنّة.
هكذا كان يغذّي النبيّ صلّي الله عليه و آله بضعته بهذه المثل العليا والقيم الكريمة.
ومن معالم التربية النبوية للزهراء عليهاالسّلام ما روته أسماء بنت عميس قالت: كنت عند فاطمة إذ دخل عليها رسول الله صلّي الله عليه و آله فرأى في عنقها قلادة ذهب كان الإمام علي عليه السّلام اشتراها من فيء له، فقال لها النبيّ صلّي الله عليه و آله: لَا يَغُرَّنَّكِ النَّاسُ أَنْ يَقُولُوا بِنْتُ مُحَمَّدٍ وَعَلَيْكِ لِباسُ الْجَبَابِرَةِ.
فبادرت الزهراء فنزعتها، وباعتها واشترت بها رقبة فاعتقتها، وسُرَ النبيّ صلّي الله عليه و آله بذلك (1)، وشكر لبضعته هذا الصنيع.
لقد ربّى النبيّ صلّي الله عليه و آله بضاعته على الزهد في الدنيا وعدم الاحتفاء بزينتها.
ومن مناهج تربية النبيّ صلّي الله عليه و آله لبضعته أنّه دخل عليها فرأى في عنقها قلادة فشاح بوجهه عنها، فنزعتها وقدّمتها إلى أبيها، فقال لها: «وَأَنْتِ مِنِّي يا فَاطِمَةُ».
وطرق الباب سائل، فقام النبيّ صلّي الله عليه و آله فناوله القلادة ثمّ قال: «اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى مَنْ أهْرَقَ دَمِي، وَآذَانِي فِي عِتْرَتِي» (2).
ومن معالي تربية النبي لعل صلّي الله عليه و آله أنّه علّمها بعض الأدعية التي فيها سلامة للإنسان ونجاة له، ومنها هذا الدعاء:
يا الله، يا أَعَزَّ مَذْ كُورٍ وَأَقْدَمَهُ قِدَماً فِي الْعِزَّةِ وَالْجَبَرُوتِ.
يا الله، يا رَحِيمَ كُلِّ مُسْتَرْحِمٍ، وَمَفْزَعَ كُلِّ مَلْهُوفٍ إِلَيْهِ.
يا الله، يا راحِمَ كُلِّ حَزِينٍ يَشْكُو بَنَّهُ وَحُزْنَهُ إِلَيْهِ.
يا الله، يا خَيْرَ مَنْ طُلِبَ الْمَعْرُوفُ مِنْهُ، وَأَسَرَّ فِي الْعَطاءِ.
با الله، يا مَنْ تَخافُ الْمَلَائِكَةُ الْمُتَوَقِّدَةُ بِالنُّورِ مِنْهُ.
أَسْأَلُكَ بِالْأَسْمَاءِ الَّتِي يَدْعُوكَ بِها حَمَلَةَ عَرْشِكَ، وَمَنْ حَوْلَ عَرْشِكَ، بِنُورِكَ يُسَبِّحُونَ بِها شَفَقَةٌ مِنْ خَوْفِ عَذابِكَ، وَبِالْأَسْمَاءِ الَّتِي يَدْعُوكَ بِها جَبْرَئِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ إِلَّا أَجَبْتَنِي، وَ كَشَفْتَ يا إِلهِي كُرْبَتِي، وَسَتَرْتَ ذُنُوبِي.
يا مَنْ يَأْمُرُ بِالصَّيْحَةِ فِي خَلْقِهِ فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ يُحْشَرُونَ، أَسْأَلُكَ بِذَلِكَ الْإِسْمِ الَّذِي تُحْيِي بِهِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ أَنْ تُحْيِيَ قَلْبِي، وَتَشْرَحَ صَدْرِي، وَتُصْلِحَ شَأْنِي.
يا مَنْ خَصَّ نَفْسَهُ بِالْبَقاءِ، وَخَلَقَ لِبَرِيَّتِهِ الْمَوْتَ وَالْحياةَ، يا مَنْ فِعْلُهُ قَوْلٌ، وَقَوْلُهُ أَمْرٌ، وَأَمْرُهُ ماضٍ على ما يَشاءُ، أَسْأَلُكَ بِالْإِسْمِ الَّذِي دَعَاكَ بِهِ خَلِيلُكَ حِينَ الْقِيَ فِي النَّارِ فَاسْتَجَبْتَ لَهُ، وَقُلْتَ: «يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى
إِبْرَاهِيمَ» (1).
وَبِالْاِسْمِ الَّذِي دَعَاكَ بِهِ مُوسَى مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ فَاسْتَجَبْتَ لَهُ دُعاءَة.
وَبِالْاِسْمِ الَّذِي كَشَفْتَ بِهِ عَنْ أَيُّوبَ الضُّرَّ، وَتُبْتَ بِهِ عَلَى دَاوُدَ، وَسَخَّرْتَ بِهِ لِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ وَالشَّيَاطِينَ، وَعَلَّمْتَهُ مَنْطِقَ الطَّيْر.
وبِالْاِسْمِ الَّذِي وَهَبْتَ بِهِ لِزَكَرِيَّا يَحْيِيَ، وَخَلَقْتَ عِيْسَى مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ مِنْ غَيْرِ أَبٍ.
وَبِالْاِسْمِ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ الْعَرْشَ وَالْكُرْسِيَّ.
وَبِالْإِسْمِ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ الرَّوْحَانِيِّينَ.
وَبِالْاِسْمِ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ.
وَبِالْإِسْمِ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ جَمِيعَ الْخَلْقِ وَجَمِيعَ مَا أَرَدْتَ مِنْ شَيْءٍ.وَبِالْإِسْمِ الَّذِي قَدَرْتَ بِهِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.
أَسْأَلُكَ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ لَما أَعْطَيْتَنِي سُوَالِي، وَقَضَيْتَ بِها حَوائِجِي» (2).
ومن الأدعية التي علمها النبيّ صلّي الله عليه و آله هذا الدعاء عند نزول المصيبة:
يا عالِمَ الْغَيْبِ وَالسَّرائِرِ، يا مُطَاعُ یا عَلِيمُ، يا الله يا الله يا الله، يا هازمَ
الْأَحْزَابِ لِمُحَمَّدٍ صلّى الله عليه و آله، يا كَائِدَ فِرْعَوْنَ لِمُوسى، يَا مُنْجِيَ عِيسَى مِنَ أَيْدِي الظُّلَمَةِ، يا مُخَلِّصَ قَوْمٍ نُوحٍ مِنَ الْغَرَقِ، يا راحِمَ عَبْدِهِ يَعْقُوبَ، يَا كَاشِفَ ضُرٍّ أَيُّوبَ، يا مُنْجِيَ ذِي النُّونِ مِنَ الظُّلُماتِ، يا فاعِلَ كُلِّ خَيْرٍ، يَا هَادِياً إِلى كُلِّ خَيْرِ، يا دالاً عَلى كُلِّ خَيْرٍ، يا آمِراً بِكُلِّ خَيْرٍ، يَا خَالِقَ الْخَيْرِ، وَيا أَهْلَ الْخَيْرِ، أَنْتَ اللهُ رَغِبْتُ إِلَيْكَ فِيمَا قَدْ عَلِمْتُ، وَأَنْتَ عَلَامُ الْغُيُوبِ، أَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدِ (1).
ومن الأدعية التي علّمها النبيّ صلّي الله عليه و آله هذا الدعاء لدفع الأرق:
عن الإمام علي عليه السّلام أن فاطمة عليهاالسّلام شكت إلى رسول الله صلّي الله عليه و آله الأرق فقال لها قولي:
يا مُشْبِعَ الْبُطُونِ الْجائِعَةِ، وَيا كاسِي الْجُسُومِ الْعارِيَةِ، وَيا سَاكِنَ الْعُرُوقِ الضَّارِبَةِ، وَيَا مُنَوَّمَ الْعُيُونِ السَّاهِرَةِ، سَكِّنْ عُرُوقِي الضّارِبَةِ، وَأَذَنْ لِعَيْنِي نَوْماً عاجلاً (2).
ومن الأدعية التي علّمها النبيّ صلّي الله عليه و آله هذا الدعاء الخاصّ بدخول المسجد والخروج منه، وهو:
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوابَ رَحْمَتِكَ.
وأمّا دعاء الخروج من المسجد:
اللهمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبوابَ فَضْلِكَ (3).
وكانت سيّدة النساء أشبه الناس بأبيها صلّي الله عليه و آله، فقد شابهته في خلقه، وسموّ ذاته، وشابهته بجميع خصاله، وحدّث جابر بن عبدالله الأنصاري عن مشابهة الزهراء الأبيها قال: ما رأيت فاطمة تمشي إلّا ذكرت رسول الله صلّى الله عليه و آله، تميل على جانبها الأيمن مرّة، وعلى جانبها الأيسر مرّة (1).
وقالت عائشة: ما رأيت أحداً أشبه سمتاً ودلّاً وهدياً وحديثاً برسول الله صلّي الله عليه و آله في قیامه وقعوده من فاطمة بنت رسول الله صلّي الله عليه و آله، وكانت إذا دخلت على رسول الله صلّي الله عليه و آله قام إليها فقبّلها وأجلسها في مجلسه، وكان النبيّ صلّي الله عليه و آله إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبّلته، وأجلسته في مجلسها (2).
لقد شابهت سيّدة النساء أباها لا في ملامحه وصورته، وإنّما بجميع ذاتياته ومكوّناته التي امتاز بها على سائر النبيّين، وقد قيل:
هِيَ أَحْمَدُ الثَانِي وَأَحْمَدُ عَصرِها *** هِيَ عُنصُرُ التَّوحِيدِ فِي عَرَصَاتِها
مشكاة نُورِ اللهِ جَلَّ جَلالُهُ *** زَيْتُونَةٌ عَمَّ الوَرَى بَرَكاتُها
عيادة النبىّ صلّي الله عليه و آله الفاطمة عليهاالسّلام
ألمّت بعض الأمراض بسيّدة نساء العالمين سلام الله عليها، فبادر النبيّ صلّي الله عليه و آله مسرعاً لعيادتها والاطمئنان على سلامتها، وقد انبرى معه عمران بن حصين، فلمّا انتهيا إلى بابها سلّم عليها النبيّ صلّي الله عليه و آله وقال لها: أَدْخُلُ أَنَا وَمَنْ مَعِي؟
نَعَمْ، وَمَنْ مَعَكَ...يَا أَبَتاهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلَيَّ إِلَّا عَبَاءَةٌ.
فأمرها النبيّ صلّي الله عليه و آله بالتستّر بها، وأعطاها ملاءة كانت عليه لتستر رأسها، فصنعت ذلك، ثمّ دخل عليها فقال لها: كَيْفَ تَجِدِينَكِ يا بُنَيَّةُ؟
فقالت عليهاالسّلام: إِنِّي لَوَجِعَةٌ، وَإِنَّهُ لَيُزِيدُنِي أَنَّهُ ما لِي طَعَامٌ أَكُلُهُ.
والتفت إليها النبيّ صلّي الله عليه و آله فقلّدها وساماً قائلاً: أما تَرْضَيْنَ أَنَّكِ سَيِّدَةُ نِساءِ الْعَالَمِينَ.
فقالت عليهاالسّلام: يا أَبَتِ، فَأَيْنَ مَرْيَمُ؟
تِلْكَ سَيِّدَةُ نِساءِ عالَمِها، وَأَنْتِ سَيْدَةُ نِساءِ عالَمِكِ (1).
إنّها سيّدة نساء العالمين، والقدوة الفذّة لكلِّ سيّدة كريمة عاشت للفضيلة والكرامة.
ومرضت الزهراء عليهاالسّلام مرّة أُخرى فسارع النبيّ صلّي الله عليه و آله مع جمهرة من أصحابه لعيادتها، ولما انتهوا إلى دارها أمرها النبيّ صلّي الله عليه و آله بالستر فقالت له: ما عَلَيَّ إِلَّا عَباءَةٌ، فأخذ رداءه فرمى به إليها فتستّرت به، ودخل الرسول صلّي الله عليه و آله مع أصحابه عليها فسألوها فأجابتهم أنّها ماثلة للشفاء، ثمّ انصرفوا وهم مبهورون ممّا رأوه من بساطة عيش فاطمة، وخلوّ بيتها من جميع متع الحياة قائلين: تاللهِ، بنت نبيّنا صلّي الله عليه و آله على هذا الحال؟
وأجابهم النبيّ صلّي الله عليه و آله قائلاً: أَمَا إِنَّهَا سَيِّدَةُ النِّساءِ يَوْمَ الْقِيامَةِ (2).
لقد زهدت سيّدة نساء العالمين بالدنيا وما فيها، واتّجهت صوب الله تعالى، قد عملت كلّ ما يقرّبها إليه زلفى.
وبلغ من حبّ النبيّ صلّي الله عليه و آله لبضعته عليهاالسّلام أنّه فداها بأبيه وأُمّه (3).
وتميّزت زهراء الرسول عليهاالسّلام على نساء العالمين بصفاتها الكريمة ونزعاتها الشريفة التي سمت بها إلى أرقى مراتب الفضيلة والكمال، فكانت مظهراً فذّاً الروحانيّة أبيها الذي فجّر ينابيع العلم والحكمة في الأرض، وقد انسجمت معه في سناء روحه، وعمق إيمانه بالله تعالى، وزهده في الدنيا، وإعراضه عن مباهج الحياة...وهذه لمحات عن صفاتها ومُثُلها:
أمّا العصمة من اقتراف الذنوب عمداً وسهواً فهي من عناصر سيّدة النساء فاطمة سلام الله عليها، ومن مقوّماتها الذاتية التي لا يمكن الجدل والشكّ فيها، فقد زكّاها الله تعالى من كلّ إثم، وعصمها من كلّ ذنب، وحباها بكلّ فضل، وجعلها قدوة حسنة لجميع نساء العالم، فهي القدوة في عبادتها وعفّتها وطهارتها وإحسانها وبرّها بالبؤساء والمحرومين...
أمّا ما يدعم عصمتها فهو:
1 - آية التطهير، قال تعالى: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهيراً» (1).
1) الأحزاب 33: 33
وأهل البيت هم: علىّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السّلام (1)
أحمد بن حنبل في مسنده: 4: 107.
البيهقي في سننه: 2: 15.
النسائي في خصائصه: 33.
كما ورد في الخصائص الكبرى: 2: 264، والرياض النضرة: 2: 188، ومشكل الآثار: 1: 324
.وهي تدلّ بوضوح على عصمتهم وطهارتهم من كلّ رجس وإثم جس وإثم، فقد اختارهم الله تعالى قدوة لعباده، وأدلّاء على مرضاته وطاعته، ويستحيل أن يمنح هذا العطاء لمرتكب الإثم والغارق في الشهوات.
لقد زكّاهم الله من مآثم هذه الحياة، وطهّرهم من كلّ رجس تطهيراً.
وليست العصمة بما لها من مفهوم ومعنى بعيدة عن أهل بيت النبوّة ومراكز العلم والحكمة في الإسلام، فقد تجلّت سيرتهم ومُثُلهم لكلّ مسلم، وهي مرصّعة بجوهر الإيمان الذي لا حدود له، وقد صحبت - بتوفيق الله وفضله - الأئمّة الطاهرين برهة من الزمن تزيد على أربعين عاماً افتّش في أخبارهم وأُؤلّف فى مآثرهم فما وجدت لأيّ واحدٍ منهم زلّة في العمل أو في القول، حتّى إنّ أعداءهم الذين أُترعت نفوسهم ببغضهم لم يذكروا لهم خطيئة أو انحرافاً عن الطريق القويم، ألم يقل سيّد العترة الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام: «لَوْ أعْطِيتُ الأقالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِهَا عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللهَ تَعَالَى فِي جُلْبٍ شَعِيرَةٍ أَسْلُبُها مِنْ فَمِ جَرادَةٍ مَا فَعَلْتُ».
وهذه الطاقات الهائلة من التقوى هي العصمة التي تذهب إليها الشيعة في أئمتهم.
وعلى أي حال، فالزهراء سلام الله عليها قد عصمها الله تعالى من كلّ ذنب،
1) تفسير الرازي 6: 783. تفسير ابن جرير وقد أورد خمس عشرة رواية بأسانيد مختلفة أنّ الآية نزلت في أهل البيت عليهم السّلام، وممّن نصّ على نزولها فيهم:
وطهّرها من كلّ رجس.
2 - إنّ الرسول صلّي الله عليه و آله قد أشاع بين أُمّته أنّ ابنته الزهراء سلام الله عليها بضعة منه أو شجنة منه، يرضيها ما يرضيه، ويسخطها ما يسخطه، ومعنى ذلك أنّها قطعة منه، وجزء من نفسه، وكما أنّه صلّي الله عليه و آله معصوم كذلك جزوه.
3 - قد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلّي الله عليه و آله أنّ الله تعالى يرضى لرضا فاطمة ويسخط لسخطها، ومفاد الحديث أنّها بلغت مرحلة من الإيمان والتقوى جعلتها في مصاف الأنبياء المعصومين الذين أطاعوا الله تعالى وأخلصوا في عبادته، وعرفوه حقّ معرفته.
4 - إنّ الرسول صلّي الله عليه و آله قرن عترته بكتاب الله تعالى كما في حديث الثقلين المتواتر، وكما أنّ كتاب الله تعالى معصوم عن الباطل كذلك العترة الطاهرة، وإلّا لما صحّت المقارنة -كما هو واضح - وبضعة رسول الله صلّي الله عليه و آله من شموع العترة الطاهرة التي أذهب الله عنها الرجس وطهرها تطهيراً.
من عناصر سيّدة النساء سلام الله عليها البرّ بالفقراء، والعطف على المحرومين وكانت مع زوجها وولديها من المعنيين بقوله تعالى: «وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً» (1).
ونعرض الصور من برّها وإحسانها.
1 - إنّها كانت تطحن الحبّ من الحنطة والشعير لفقراء جيرانها الذين يعجزون عن الطحن.
1) الدهر 76: 8 و 9
2 - إنّها كانت تستقي الماء بقربة فتحمله لضعفاء جيرانها من الذين لا يتمكّنون من الحصول على الماء.
3 - إنّها في ليلة زفافها كان عليها ثوب جديد، فعلمت أنّ فتاة من الأنصار لم تجد ثوباً تلبسه، فخلعت سلام الله عليها ثوب عرسها وأعطته للفتاة.
لقد تجرّدت بضعة الرسول صلّي الله عليه و آله من كلّ نزعة مادية وآثرت رضا الله تعالى والتقرّب إليه من كلّ شيء.
ومن برّ سيّدة النساء ما رواه جابر بن عبدالله الأنصاري، قال: «صلّى بنا رسول الله صلّي الله عليه و آله صلاة العصر، فلمّا انفتل جلس في القبلة والناس حوله، وأقبل شيخ طاعن السنّ، وهو يشكو الجوع قائلاً: يا نبيّ الله، أنا جائع فأطعمني، وعاري فاكسني، فأمره رسول الله صلّي الله عليه و آله بأن يأتي بيت بضعته
فانطلق الأعرابي ووقف على باب سيّدة النساء فسلّم عليها، وقال لها: يا بنت محمّد، أنا عاري الجسد جائع فواسيني يرحمك الله، وكانت الزهراء في ضائقة اقتصادية، فلم تجد شيئاً تسعفه سوى جلد كبش كان ينام عليه ولداها الحسن والحسين، فقالت له: خُذْ هذا أَيُّها الشَّيْخُ، فزهد فيه وردّه إليها، فعمدت فاطمة إلى عِقد كان في عنقها فنزعته، وناولته له، كان قد أهدته لها فاطمة بنت عمّها حمزة بن عبدالمطَلب، فأخذه الأعرابي وأقبل نحو رسول الله صلّي الله عليه و آله وقال له: أعطتني فاطمة هذا العقد، وقالت: بعه عسى الله أن يعوِّضك به خيراً، فبكى النبيّ صلّي الله عليه و آله وقال: وَكَيْفَ لا يَصْنَعُ اللَّهُ بِكَ خَيْراً وَقَدْ أَعْطَتْهُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ سَيِّدَةُ بَناتِ آدَمَ.
فقام عمّار بن ياسر فقال: يا رسول الله، أتأذن لي بشراء هذا العقد؟
قال: اشْتَرِهِ يا عَمَارُ فَلَوِ اشْتَرَكَ فِيهِ الثَّقَلَانِ مَا عَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِالنَّارِ.
فقال عمّار: بكم العقد يا شيخ؟
قال: بشبعة من الخبز واللحم، وبردة يمانية أستر بها عورتي وأُصلّي فيها لربّي،
عَنَا ضُرُها النفسية.....
ودينار يبلغني إلى أهلي.
فقال عمّار له: لك عشرون ديناراً ومائتا درهم هجريّة، وبردة يمانية، وراحلتي تبلغك أهلك، وشبعك من خبز البرّ واللحم.
فقال الشيخ: ما أسخاك بالمال أيُّها الرجل.
وانطلق الشيخ فرحاً مسروراً، وهو يقول: الّلهمّ لا إله لنا سواك، الّلهمّ أعطِ فاطمة ما لا عين رأت ولا أُذن سمعت.
وعمد عمّار إلى العقد فطيّبه بالمسك ولفّه في بردة يمانية وأعطاه بيد عبد له وقال له: خذ هذا العقد فادفعه إلى رسول الله صلّي الله عليه و آله وأنت له، ومضى العبد فرفع العقد إلى رسول الله صلّي الله عليه و آله، فأمره النبيّ صلّي الله عليه و آله أن يمضي به إلى فاطمة، فأخذته وأعتقت العبد، فضحك العبد.
فقالت: ما يُضْحِكُكَ يا غُلَام؟
فقال: أضحكني عظيم بركة هذا العِقد، أشبع جائعاً، وكسا عرياناً، وأغنى فقيراً، وأعتق عبداً، ورجع إلى صاحبه (1).
ومن عناصر الصدّيقة وذاتياتها الزهد فى الدنيا، والإعراض عن مباهجها، شأنها شأن أبيها الذي زهد في الدنيا، وشأن زوجها الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام الذي طلّق الدنيا ثلاثاً، وهذه شذرات مشرقة من زهدها:
1 - لمّا نزلت هذه الآية الكريمة على النبيّ صلّي الله عليه و آله وهي: «وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَاب لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُوم» (2)بكى النبيّ صلّي الله عليه و آله بكاء
شديداً ويكى أصحابه لبكائه، ولم يعلموا سرّ بكائه.
وسارع بعض الصحابة إلى سيّدة النساء فاطمة عليهاالسّلام فأخبرها، وكانت تطحن شعيراً وهي تقول: «وَمَا عِندَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى» (1)، فسلّم عليها وأخبرها ببكاء أبيها، فنهضت والتفّت بشملة خَلِقة قد خيطت بسعف النخل، فنظر إليها سلمان الفارسي فبكى وقال: واحزناه! بنات قيصر وكسرى في سندس وحرير وابنة رسول الله صلّى الله عليه و آله عليها شملة صوف خَلِقة، ودخلت على رسول الله صلّى الله عليه و آله وأخبرته بمقالة سلمان، ثمّ قالت له: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ! ما لِي وَلِعَلِيٌّ مُنْذُ خَمْسِ سِنِينَ إِلَّا مِسْك كَبْشٍ نَعْلِفُ عَلَيْهِ بِالنَّهارِ بَعِيرَنَا، فَإِذا كانَ اللَّيْلُ افْتَرَشْناهُ، وَإِنَّ مِرْفَقَتَنَا لَمِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا مِنْ لِيْفٍ، فشكرها النبيّ صلّى الله عليه و آله، والتفتت الزهراء عليهاالسّلام إلى أبيها وسألته عن سبب بكائه فأخبرها بنزول الآية، فخرّت لوجهها وقالت: الْوَيْلُ ثُمَّ الْوَيْلُ لِمَنْ دَخَلَ النّارَ (2).
2 - ومن زهدها في الدنيا ما رواه أنس، قال: جاءت فاطمة عليهاالسّلام إلى النبيّ صلّى الله عليه و آله فقالت له: يا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي وَابْنَ أَبِي طَالِبٍ ما لَنا فِراضٌ إِلَّا جِلْدُ كَبْشِ نَنامُ عَلَيْهِ وَنَعْلِفُ عَلَيْهِ ناضِحَنا بِالنَّهارِ.
فقال النبيّ صلّى الله عليه و آله: يا بُنَيَّةُ، اصْبِرِي فَإِنَّ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ أَقَامَ مَعَ امْرَأَتِهِ عَشْرَ سَنِينَ ما لَهَا فِراشُ إِلَّا عَبَاءَةٌ قَطْوانِيَّةٌ (3).
3 - روى الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: رأى النبيّ صلّى الله عليه و آله ابنته فاطمة وعليها كساء رثّ، وهي تطحن بيدها، وترضع ولدها، فدمعت عينا رسول الله صلّى الله عليه و آله وقال لها: يا بِنْتَاهُ، تَجَرَّعِي مَرَارَةَ الدُّنْيا لِحَلَاوَةِ الْآخِرَةِ.
و انبرت حبيبة رسول الله صلّى الله عليه و آله معلنة الرضا بذلك قائلة: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نَعْمَانِهِ،
وَالشُّكْرُ لِلَّهِ عَلَى آلَائِهِ (1).
لقد عاشت سيدة النساء حياة بسيطة لاظل فيها لمتع الدنيا ولذائذها، وقد صوّرت في سلوكها حقيقة الإسلام، وأعطت للمرأة المسلمة دروساً للقناعة والرضا بما قسم الله تعالى.
قد طوت بضعة الرسول صلّى الله عليه و آله جميع رغبات الحياة في الملبس والمأكل ونبذتها، واتجهت بروحها وعواطفها نحو الله تعالى، وآثرت رضاه على كلّ شيء.
من ذاتيات سيّدة النساء العفّة والحجاب، فقد أعطت للمرأة المسلمة الدروس في ذلك لتكون فى قمّة الكمال، وتكون مربّية الجيل والمنشئة للأبناء الصالحين الذين يكونون قرّة عين لآبائهم وأُمّهاتهم، وهذه شذرات من عفاف بضعة الرسول صلّى الله عليه و آله وحجابها:
1 - روى الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، قال: استأذن أعمى على فاطمة عليهاالسّلام فحجبته، فقال لها رسول الله صلّى الله عليه و آله: لِمَ حَجَبْتِهِ، وَهُوَ لَا يَرَاكِ؟
فأجابته: إِنْ لَمْ يَكُنْ يَرَانِي، فَإِنِّي أَراهُ.
وانبرى الرسول صلّى الله عليه و آله يمجّد فيها هذه الروح قائلاً: أَشْهَدُ أَنَّكِ بَضْعَةٌ مِنِّي (2).
وهذه البادرة تدلّ بوضوح على أنّ زهراء الرسول سلام الله عليها قد سمت إلى أرقى مراتب الحشمة والعفّة والطهارة، وعلى المرأة المسلمة أن تقتدي بسيّدة النساء، وتبني مجتمعاً إسلامياً متطوّراً قائماً على الشرف والفضيلة.
2 - قدم الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام سؤالاً إلى بضعة الرسول عليهاالسّلام فقال لها: مَتى
تَكُونُ الْمَرْأَةُ أَدْنى مِنْ رَبِّها؟
فقالت عليهاالسّلام: أَنْ تَلْزَمَ قَعْرَ بَيْتِها.
وعرض الإمام جوابها على رسول الله صلّي الله عليه و آله فقال: صَدَقَتْ، إِنَّ فاطِمَةَ بَضْعَةٌ مِنِّى (1).
الحجاب زينة للمرأة وشرف لها، ومتى تزيّنت بالعفّة كانت في أرقى منزلة، وأعزّ مكانة، وتنال بالحجاب إعجاب الجميع، أمّا إذا كانت مبتذلة في حجابها، وخالعة لعفافها، فإنّها تكون ممّن يزهد فيها المجتمع، ولا يقيم لها وزناً.
وعلى أي حال، فإنّ حجاب سيّدة النساء كان نوراً لكل فتاة تريد أن تعيش عزيزة في المجتمع. يقول الشيخ الإصفهاني:
وخِدرُها السامي رُواق العَظَمَه *** وَهوَ مَطَافُ الكَعْبَةِ المُعَظَّمَه
حِجابُها مِثلُ حِجابِ الباري *** بارِقَةٌ تَذهَبُ بِالأَبْصارِ
تَمثَّلَ الواجِبُ في حِجابِها *** فَكَيفَ بالإِشْراقِ مِنْ قِبابِها
ومن ذاتيات سيّدة النساء سلام الله عليها الإيمان العميق بالله تعالى، وقد تجلّى ذلك في عبادتها. وقد تحدّث الإمام الحسن عليه السّلام عنها قائلاً: رَأَيْتُ أُمِّي فاطِمَةَ عليهاالسّلام في مِحْرابِها لَيْلَةٌ، فَلَمْ تَزَلْ راكِعَةٌ سَاجِدَةً حَتَّى اتَّضَحَ عَمُودُ الصُّبْحِ، وَسَمِعْتُها تَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَتُسَمِّيهِمْ، وَتُكْثِرُ مِنَ الدُّعاءِ لَهُمْ، وَلَا تَدْعُو لِنَفْسِها بِشَيْءٍ، فَقُلْتُ لَها: يا أُمَاهُ، لِمَ لَا تَدْعِينَ لِنَفْسِكِ؟
فَقالَتْ: يا بُنَيَّ، الْجَارَ ثُمَّ الدَّارَ (2).
وتحدّث الحسن البصري عن عبادتها، فقال: ما كان في هذه الأُمّة أعبد من فاطمة عليهاالسّلام، إنّها كانت تقوم حتّى تتورّم قدماها (1).
وهكذا كانت بضعة رسول الله عليهاالسّلام تنفق لياليها ساهرة في عبادة الله تعالى والتبتّل إليه، وهي أغلى فرص حياتها. وأُثرت عنها هذه الكلمة الذهبية وهي: مَنْ أَصْعَدَ إِلَى اللهِ خالِصَ عِبادَتِهِ أَهْبَطَ اللَّهُ إِلَيْهِ أَفْضَلَ مَصْلَحَتِهِ (2).
وكانت تخصّص الساعات الأخيرة من نهار الجمعة الله عادة، كما كانت في العشر الأخيرة من شهر رمضان المبارك لا تنام الليل وتقضيه في العبادة والدعاء، وتحثّ جميع مَن في بيتها بإحياء الليل بالعبادة والدعاء، وكانت تشكو من تورّم في قدميها لكثرة وقوفها بين يدي الله تعالى (3).
وانقطعت بضعة رسول الله صلّي الله عليه و آله إلى الله تعالى واعتصمت به والتجأت إليه في جميع أُمورها وشؤونها، وكان ذلك ماثلاً في أدعيتها.
يقول شاعر أهل البيت الفرطوسي:
وَهيَ كَانَتْ مِنْ أَعْبَدِ الناسِ نُسكاً *** وَصَلاةٌ في خَشْيَةٍ وَبُكاءِ
وَرِمَتْ في عِبادَةِ اللهِ جَهْدَاً *** قَدَماها مِنها لِفَرْطِ العَناءِ
وَهيَ كانَتْ تُعانُ في جَبْرَئِيلَ *** حِينَ تَأْتِي بِورْدِها (4)فِي اخْتِشاءِ
فَيَهُزُ المَهْدَ الَّذي كانَ فيهِ *** طِفْلُها راقِداً بِوَقْتِ الأَداءِ (1)
أمّا أدعية بضعة الرسول عليهاالسّلام فإنّها من كنوز التقوى، ومن مناجم الإيمان، وهذه صور منها:
من أدعيتها الشريفة هذا الدعاء الذي يمثّل مدى إخلاصها الله تعالى و اعتصامها به، وهذا نصّه:
اللهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَياةَ خَيْراً لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفاةُ خَيْراً لِي.
اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْإِخْلَاصِ، وَخَشْيَتَكَ فِى الرّضا وَالغَضَ وَالْقَصْدَ فِي الْغِنى وَالْفَقْرِ.وَأَسْأَلُكَ نَعِيماً لَا يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنِ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرّضا بِالْقَضاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ النَّظَرَ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلى لِقائِكَ مِنْ غَيْرِ ضَرَاءٍ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُظْلِمَةٍ.
اللهُمَّ زَيَّنَا بِزِينَةِ الْإِيْمَانِ، وَاجْعَلْنا هُداةً مَهْدِيِّينَ، يا رَبَّ الْعَالَمِينَ (2).
وفي هذا الدعاء الشريف تتجلّى مظاهر الإخلاص إلى الله والاعتصام به، والالتجاء إليه في جميع الأمور.
ومن أدعيتها الشريفة هذا الدعاء في الاعتصام بالله تعالى:
اللَّهُمَّ فَنَّعْنِي بِمَا رَزَقْتَنِي، وَاسْتُرْنِي وَعَافِنِي أَبَداً ما أَبْقَيْتَنِي، وَاغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي إِذا تَوَفَّيْتَنِي.
اللهمَّ لَا تُعْيِنِي فِي طَلَبِ ما لَمْ تُقَدَّرْهُ لِي، وَما قَدَّرْتَهُ عَلَيَّ فاجْعَلْهُ مُيَسَّراً سَهْلاً. اللّهُمَّ كافِ عَنِّي والِدَيَّ، وَكُلَّ مَنْ لَهُ نِعْمَةٌ عَلَيَّ خَيْرَ مكافاة.
اللهُّمَّ فَرِّغْنِي لِما خَلَقْتَنِي لَهُ، وَلَا تَشْغَلْنِي بِما تَكَفَّلْتَ لِي بِهِ، وَلَا تُعَذِّيْنِي وَأَنَا أَسْتَغْفِرُكَ، وَلَا تَحْرِمْنِي وَأَنَا أَسْأَلُكَ.
اللّهُمَّ ذَلَّلْ نَفْسِي فِي نَفْسِي، وَعَظِّمْ شَأْنَكَ فِي نَفْسِي، وَأَلْهِمْنِي طَاعَتَكَ وَالْعَمَلَ بِما يُرْضِيكَ، وَالتَّجَنُّبَ لِما يُسْخِطُكَ يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ (1).
وتجلّى الإخلاص إلى الله تعالى في هذا الدعاء الشريف الذي يكشف عن مدى روحانية بضعة الرسول صلّي الله عليه و آله وانقطاعها إلى الله تعالى.
سُبْحانَ مَن َاسْتَنارَ بالحَوْلِ وَالْقُوَّة.
سُبْحانَ مَنِ احْتَجَبَ فِي سَبْع سَماواتٍ، فَلَا عَيْنٌ تَراهُ.
سُبْحانَ مَنْ أَذَلَّ الْخَلَائِقَ بِالْمَوْتِ، وَأَعَزَّ نَفْسَهُ بِالْحَيَاةِ.
سُبْحانَ مَنْ يَبْقَى وَيَفْنى كُلَّ شَيْءٍ سِواهُ، سُبْحانَ مَنِ اسْتَخْلَصَ الْحَمْدَ لِنَفْسِهِ وَارْتَضاهُ.
سُبْحانَ الْحَيِّ الْعَلِيمِ، سُبْحانَ الْحَلِيمِ الْكَرِيمِ، سُبْحانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ،
1) اعلموا أنّي فاطمة: 9: 571
سُبْحانَ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ (1).
كانت عليهاالسّلام يلهج لسانها في تسبيح الله عزّ وجلّ والثناء عليه.
بِحَقِّ يَس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، وَبِحَقِّ طَهَ وَالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، يَا مَنْ يَقْدِرُ عَلَى حوائج السَّائِلِينَ، يا مَنْ يَعْلَمُ ما فِي الضَّمِيرِ، يا مُنَفْساً عَنِ الْمَكْرُوبِينَ، يا مُفَرِّجاً عَنِ الْمَعْمُومِينَ، يا َراحِمَ الشَّيْخ الكَبِيرِ، يا رازِقَ الطِّفْلِ الصَّغِيرِ، يا مَنْ لَا يَحْتاجُ إِلَى التَّفْسِيرِ، صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ (2).
كانت عليهاالسّلام تدعو الله عزّ وجلّ بهذا الدعاء لكشف الهمّ وقضاء الحاجة.
اللهمَّ رَبَّ السَّمَواتِ السَّبْعِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ.رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، مُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقانِ، فالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوى، أَعُوذُ بِكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ.
أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْباطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ، وَأَغْنِنِي مِنَ الْفَقْرِ (3).
كانت عليهاالسّلام تدعو الله عزّ وجلّ للغنى من الفقر وقضاء الدين.
بِسْمِ اللهِ النُّورِ، بِسْمِ اللَّهِ نُورِ النُّورِ، بِسْمِ اللَّهِ نُورٌ عَلَى نُورٍ.
بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ مُدَبِّرُ الْأُمُورِ، بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي خَلَقَ النُّورَ مِنَ النُّورِ الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي خَلَقَ النُّورَ مِنَ النُّورِ، وَأَنْزَلَ النُّورَ عَلى الطُّورِ فِي كِتابٍ مَسْطُورٍ، فِي رَقُ مَنْشُورٍ، بِقَدَرٍ مَقْدُورٍ، عَلَى نَبِيٍّ مَحْبُورٍ.
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هُوَ بِالْعِزَّ مَذْكُورٌ، وَبِالْفَخْرِ مَشْهُورٌ، وَعَلَى السَّرَاءِ وَالضَّرَاءِ مَشْكُورٌ، وَصَلَّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ (1).
كانت عليهاالسّلام تدعو الله عزّ وجلّ لطلب الشفاء والعافية ودفع الحمى.
يا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ فَأَغِثْنِي، وَلَا تَكِلْنِي إِلى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ أَبَداً، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ (2).
كانت عليهاالسّلام تلهج بذكر الله عزّ وجلّ بالخشوع والتضرع في الصباح والمساء.
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْكَافِي، سُبْحانَ اللَّهِ الْأَعْلَى، حَسْبِيَ اللَّهُ وَكَفَى، مَا شَاءَ اللَّهُ قَضى.
سَمِعَ اللهُ لِمَنْ دَعا، لَيْسَ مِنَ اللهِ مَلْجَأَ، وَلَا وَراءَ اللهِ مُلْتَجاً «تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» (1).
«الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكَ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذَّلَ وَكَبَرْهُ تَكْبِيراً» (2).
كانت عليهاالسّلام تدعو الله عزّ وجلّ في كلّ الأوقات.
وكانت زهراء الرسول سلام الله عليها تدعو الله تعالى في كلّ يوم من أيام الاسبوع بدعاء خاصّ، وهذه أدعيتها:
وكانت تدعو في يوم السبت بهذا الدعاء الشريف:
اللهُمَّ افْتَحْ لَنَا خَزائِنَ رَحْمَتِكَ، وَهَبْ لَنَا اللَّهُمَّ رَحْمَةً لَا تُعَذِّبُنَا بَعْدَها فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، وَارْزُقْنا مِنْ فَضْلِكَ الْواسِع رِزْقاً حَلَالاً طَيِّباً، وَلَا تُحْوِجْنا، وَلَا تُفْقِرْنا إِلَى أَحَدٍ سِواكَ، وَزِدْنَا لَكَ شُكْراً، وَإِلَيْكَ فَقْراً وَفاقَةٌ، وَبِكَ عَمَّنْ سواكَ غِنى وَتَعَقُفاً.
اللهمَّ وَسُعْ عَلَيْنا فِي الدُّنْيا، اللهُمَّ نَعُوذُ بِكَ أَنْ تَزْوِيَ وَجْهَكَ عَنا فِي حَالٍ وَنَحْنُ نَرْغَبُ إِلَيْكَ فِيهِ.
اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَأَعْطِنا ما تُحِبُّ، وَاجْعَلْهُ لَنا قُوَّةً فِيمَا تُحِبُّ يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ».
أرأيتم هذا الانقطاع والتبتّل إلى الله تعالى والاعتصام به! وهذه أرقى منزلة يتوصّل إليها العارفون والموحّدون.
وكانت سلام الله عليها تدعو بهذا الدعاء الجليل في يوم الأحد، وهذا نصّه:
اللهُّمَّ اجْعَلْ أَوَّلَ يَوْمِي هذا فَلاحاً، وَأَوْسَطَهُ صَلَاحاً، وَآخِرَهُ نَجاحاً.
اللّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَاجْعَلْنا مِمَّنْ أَتابَ إِلَيْكَ فَقَبلْتَهُ، وَتَوَكَّلَ عَلَيْكَ فَكَفَيْتَهُ، وَتَضَرَّعَ إِلَيْكَ فَرَحِمْتَهُ.
حكى هذا الدعاء الشريف مدى تعلّق بضعة رسول الله صلّي الله عليه و آله بالخالق العظيم، والتجائها إليه في جميع شؤونها وأمورها.
وكانت زهراء الرسول عليهاالسّلام تدعو الله تعالى بهذا الدعاء في يوم الاثنين:
اللّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ قُوَّةً فِي عِبادَتِكَ، وَتَبَضُراً فِي كِتابِكَ، وَفَهْماً فِي حُكْمِكَ.
اللّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَلَا تَجْعَلِ الْقُرْآنَ بِنا ما حِلاً، وَالصِّراطَ زائِلاً، وَمُحَمَّداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ عَنَا مُوَلِّياً».
ومعنى هذا الدعاء الطلب من الله تعالى القوّة في عبادته، والتبصّر بكتابه،
والفهم لأحكامه، وأن لا يجعل القرآن الكريم بنا ماحلاً، والصراط زائلاً، والرسول مائلاً.وهذا من أسمى ما يدعو العارفون للظفر به.
اللهُمَّ اجْعَلْ غَفْلَةَ النَّاسِ لَنَا ذِكْراً، وَاجْعَلْ ذِكْرَهُمْ لَنَا شُكْراً، وَاجْعَلْ صَالِحَ ما نَقُولُ بِأَلْسِنَتِنا نِيَّةٌ فِي قُلُوبِنا.
اللهُمَّ إِنَّ مَغْفِرَتَكَ أَوْسَعُ مِنْ ذُنُوبِنَا، وَرَحْمَتَكَ أَرْجِيَ عِنْدَنَا مِنْ أَعْمَالِنَا.
اللّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَوَفِّقْنا لِصالِحٍ الْأَعْمَالِ، وَالصَّوابِ مِنَ الْفِعالِ.
وأنت ترى في هذا الدعاء من التوجه إلى الله تعالى والاعتصام به والرجاء إلى عفوه ورضوانه ما يؤكّد عصمة الزهراء عليهاالسّلام ومدى إيمانها الوثيق بالله تعالى.
من أدعية بضعة الرسول صلّي الله عليه و آله هذا الدعاء الشريف:
اللهُمَّ احْرُرْنا بِعَيْنِكَ الَّتِي لَا تَنامُ، وَرُكْنِكَ الَّذِي لَا يُرامُ، وَبِأَسْمَائِكَ العِظامِ، وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَاحْفَظْ عَلَيْنا ما لَوْ حَفِظَهُ غَيْرُكَ ضَاعَ، وَاسْتُرْ عَلَيْنا مَا لَوْ سَتَرَهُ غَيْرُكَ شَاعَ، وَاجْعَلْ كُلَّ ذلِكَ لَنا مِطواعاً، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ، قَرِيبٌ مُجِيبٌ.
وفي هذا الدعاء الطلب من الله تعالى خير الدنيا من الحراسة عن الأسواء، والستر من العيوب وغيرها من مساوئ الأعمال.
وكانت بضعة الرسول الله صلّي الله عليه و آله تدعو الله تعالى في يوم الخميس بهذا الدعاء:
اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ الْهُدى، وَالتَّقى، وَالْعَفافَ، وَالْعَمَلَ بِما تُحِبُّ وَتَرْضى.
اللّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ قُوَّتِكَ لِضَعْفِنا، وَمِنْ غِناكَ لِفَقْرِنَا، وَمِنْ حِلْمِكَ وَعِلْمِكَ لِجَهْلِنا.
اللهمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَأَعِنَّا عَلَى شُكْرِكَ وَذِكْرِكَ وَطاعَتِكَ وَعِبادَتِكَ بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ.
وفي هذا الدعاء الطلب من الله تعالى أن يسعد الإنسان بفضائل الأعمال ومحاسن الصفات ومكارم الأخلاق التي يتميّز بها الإنسان عن غيره.
كانت الزهراء عليهاالسّلام تدعو الله تعالى في يوم الجمعة بهذا الدعاء الشريف:
اللّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَقْرَبِ مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيْكَ، وَأَوْجَهِ مَنْ تَوَجَّهَ إِلَيْكَ، وَأَنْجَح مَنْ سَأَلَكَ وَتَضَرَّعَ إِلَيْكَ.
اللهُمَّ اجْعَلْنا مِمَّنْ كَأَنَّهُ يَرَاكَ إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الَّذِي فِيْهِ يَلْقَاكَ، وَلَا تُمِتْنَا إِلَّا عَلى رضاك.
اللّهُمَّ وَاجْعَلْنا مِمَّنْ أَخْلَصَ لَكَ بِعَمَلِهِ، وَأَحَبَّكَ فِي جَمِيعِ خَلْقِكَ.
اللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَاغْفِرْ لَنَا مَغْفِرَةٌ جَزْماً حَتْماً لَا تَقْتَرِفُ بَعْدَها ذَنْباً، وَلَا نَكْتَسِبُ خَطِيئَةٌ وَلَا إِثْماً.
اللّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ صَلَاةٌ نامِيَةٌ دائِمَةً رَاكِيَةً مُتَتَابِعَةٌ مُتَواصِلَةٌ مُتَرادِفَةٌ بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ» (1).
وأنت ترى في هذه الأدعية روح الإسلام وجوهره، ومدى الإيمان الوثيق بالله تعالى الذي كانت تتحلى به بضعة الرسول صلّي الله عليه و آله.
وتسلّحت بضعة الرسول سلام الله عليها بهذا الحرز، وجاء فيه بعد البسملة:
يا حِيُّ، يَا قَيُّومُ، بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ فَأَغِثْنِي، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ أَبَداً، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ...» (2).
هذه كوكبة من أدعيتها التي تنمّ عن عظيم إيمانها بالله تعالى وانقطاعها إليه.
من الأعمال المشرقة التي كانت تزاولها بضعة الرسول سلام الله عليها عقيب كلّ صلاة تصلّيها هو التسبيح الذي علّمها رسول الله صلّي الله عليه و آله وخصّها به، وقد روى قصّته الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام فقال:
«كانَتْ فاطِمَةُ أَحَبَّ النَّاسِ لِأَبِيها، وَقَدْ أَثْرَتِ الرَّحَى بِيَدَيْهَا، وَاسْتَقَتْ بِالْقِرْبَةِ حَتَّى أَثْرَتْ فِي نَحْرِها، وَكَنَسَتِ الْبَيْتَ حَتَّى اغْبَرَتْ ثِيابها، وَأَوْقَدَتِ الْقِدْرَ حَتَّى دَكَنَتْ ثِيابها، وَأَصابَها مِنْ ذلِكَ ضُرٍّ، فَسَمِعْنا أَنَّ رَقِيقاً أتِيَ بِهِمْ إِلَى النَّبي الله، فَقُلْتُ لَها: لَوْ أَتَيْتِ أَباكِ فَسَأَلْتِيهِ خادِماً يَكْفِيكِ، فَأَتَتْهُ، فَوَجَدَتْهُ مَشْغُولاً، فَاسْتَحْيَتْ أَنْ تُراجِعَه،
فَرَجَعَتْ.
وَفِي الْيَوْمِ الثّانِي بادَرَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه و آله إِلَى بَيْتِ فاطِمَةَ فَسَأَلُها عَنْ سَبَبٍ مَجِيْنِهَا إِلَيْهِ، فَاسْتَحْيَتْ أَنْ تُخْبِرَهُ، وَسَارَعَ الإمامُ فَقَالَ لَهُ:
«أَنَا وَاللَّهِ! أَحَدِّثُكَ يا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا جَرَتْ بِالرَّحَى حَتَّى أَثْرَتْ فِي يَدَيْهَا، وَاسْتَقَتْ بِالْقِرْبَةِ حَتَّى أَثْرَتْ في نَحْرِها، وَكَسَحَتِ الْبَيْتَ حَتَّى اغْبَرَّتْ ثِيابُها، وَأَوْقَدَتِ الْقِدْرَ حتى دَكَنَتْ ثِيابها، وَبَلَغَنا أَنَّهُ أتاكَ رَقِيقٌ أَوْ خَدَمٌ، فَقُلْتُ لَها: سَلِيهِ خادِماً».
وانبرى النبي صلّى الله عليه و آله فاتحفهما بما هو خير من جميع متع الحياة قائلاً: «أَلَا أُعَلِّمُكُما خَيْراً مِمَا سَأَلْتُمَانِي إِذا أَخَذْتُما مَضاجِعَكُما تُكَبِّرا أَرْبَعاً وَثَلَاثِينَ، وَتُسَبِّحا ثَلاثاً وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمِدا ثَلَاثَاً وَثَلَاثِينَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُما مِنْ خادِم» (1).
يا لها من كلمات مشرقة تنعم بها قلوب العارفين والموحّدين، إنّها وسام شرف أتحفه الرسول صلّى الله عليه و آله لبضعته التي هي سيدة نساء العالمين.
وهذا التسبيح قد عنى به أهل البيت عليهم السّلام فكانوا يعلمونه لأبنائهم وبناتهم، وهو منهج تربوي رائع وغذاء للروح.
يقول الإمام الصادق ل: نُعَلِّمُ أَوْلَادَنا - أَوْ صِبْيَانَنا - حِفْظَ هَذا التَّسْبِيحِ وَقِراءَتَهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَعِنْدَ النَّوْمِ».
إنّ هذا التسبيح تنزيه الله عن العبث، ومؤكّد للحكمة التي أقام الله عزّ وجلّ عليها الكون والحياة للإنسان، وقد اعتنت سيّدة النساء سلام الله عليها بهذا التسبيح فذهبت إلى قبر عمّها الشهيد الخالد حمزة بن عبد المطّلب، فأخذت من ثرى قبره طيناً وصنعت به حبّات لمسبحتها، واقتدى المسلمون بها، فاتّخذوا السبح التي يسبّحون الله تعالى بها، ولمّا استشهد ريحانة رسول الله صلّى الله عليه و آله الإمام الحسين عليه السّلام
1) سنن أبي داود: 2: 489 و 490، باب التسبيح عند النوم. صحيح البخاري: 4: 208
بادرت الشيعة إلى الأخذ من طين كربلاء، وجعلها تراباً يسجدون عليها، كما اتّخذوا منها سبحاً يسبّحون الله تعالى بها تسبيح الزهراء عليهاالسّلام، وقد أثرت كثير من الأحاديث عن أئمة الهدى عليهاالسّلام في فضلها واستحبابها.
يقول شاعر أهل البيت الشيخ الفرطوسي:
قَدْ حَباها التسبيحَ طه بَدِيلاً *** وَهوَ يُنْمَى (1)لِلبَضْعَةِ الزَّهراءِ
حينَ قالَتْ مِنَ العَنا لأَبِيها *** أَبْغِنِي مِنْ حِباكَ بَعْضَ الإِمَاءِ
إِن كَفَى مِنَ الرَّحَى عِندَ طَحْنى *** مَجَلَتْ مِنْ مَشَقَّةٍ وَعَناءِ
قالَ في فَضلِهِ وَناهِيكَ فِيهِ *** عَقِبَ الفَرْضِ صادِقُ الأَزْكِياءِ
إِن تَسْبيحَها أَحَبُّ لِنَفسي *** هُوَ مِنْ أَلْفِ رَكْعَةٍ فِي الأَداءِ (2)
من أسعد أوقات سيّدة النساء عليهاالسّلام اتّصالها بالله تعالى وانقطاعها إليه في صلاتها، فإذا شرعت في الصلاة تعلّق قلبها بالله، وارتعدت فرائصها خوفاً ورهبة منه تعالى، وكان لها عقيب كلّ صلاة بعض الأدعية، وهذه بعضها:
وكانت بضعة الرسول صلّي الله عليه و آله إذا فرغت من صلاة الظهر دعت بهذا الدعاء:
سُبْحانَ ذِي الْعِزَّ السَّامِحِ الْمُنِيفِ، سُبْحانَ ذِي الْجَلَالِ الْعَظِيمِ، سُبْحانَ ذِي الْمُلْكِ الْفَاخِرِ الْقَدِيمِ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ بَلَغْتُ ما بَلَغْتُ مِنَ الْعِلْمِ بِهِ، وَالْعَمَلِ لَهُ، وَالرَّغْبَةِ إِلَيْهِ، وَالطَّاعَةِ لِأَمْرِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْنِي جَاحِداً لِشَيْءٍ مِنْ كِتَابِهِ، وَلَا مُتَحَيْراً فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانِي لِدِينِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْنِي أَعْبُدُ شَيْئاً غَيْرَهُ.
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ قَوْلَ التَّوَّابِينَ وَعَمَلَهُمْ، وَنَجَاةَ الْمُجَاهِدِينَ وَثَوابَهُمْ، وَتَصْدِيقَ الْمُؤْمِنِينَ وَتَوَكَّلَهُمْ، وَالرَّاحَةَ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَالْأَمْنَ عِنْدَ الْحِسَابِ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ خَيْرَ عَائِبٍ أَنْتَظِرُهُ، وَخَيْرَ مُطَّلِع يَطَّلِعُ عَلَيَّ، وَارْزُقْنِي عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْتِ، وَعِنْدَ نُزُولِهِ، وَفِي غَمَراتِهِ، وَحِيْنَ تُنْزِلُ النَّفْسَ مِنْ بَيْنِ التّراقِي، وَحِيْنَ تَبْلُغُ الْحُلْقُومَ، وَفِي حالِ خُرُوجِي مِنَ الدُّنْيا، وَتِلْكَ السَّاعَةُ الَّتِي لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي فِيْها ضَرَاً وَلَا نَفْعاً، وَلَا شِدَّةً وَلَا رَحَاءٌ، رَوْحاً مِنْ رَحْمَتِكَ، وَحَظَةٌ مِنْ رِضْوانِكَ، وَبُشْرَى مِنْ كَرَامَتِكَ، قَبْلَ أَنْ تَتَوَفَّى نَفْسِي، وَتَقْبِضَ رُوْحِي، وَتُسَلِّطَ مَلَكَ الْمَوْتِ عَلَى إِخْرَاجِ نَفْسِي، بِبُشْرَى مِنْكَ.
يا رَبِّ لَيْسَتْ مِنْ أَحَدٍ غَيْرِكَ تَتْلُجُ بِها صَدْرِي، وَتَسُرُّ بِها نَفْسِي، وَتَقَرُّبِها عَيْنِي، وَيَتَهَلَّلُ بِها وَجْهِي، وَيُسْفِرُ بِها لَوْنِي، وَيَطْمَئِنُّ بِها قَلْبِي، وَيَتَبَاشَرُ بِها سائِرُ جَسَدِي، يَغْبِطُنِي بِها مَنْ حَضَرَنِي مِنْ خَلْقِكَ، وَمَنْ سَمِعَ بِي مِنْ عِبادِكَ، تُهَوِّنُ بِها عَلَيَّ سَكَراتِ الْمَوْتِ، وَتُفَرِّجُ عَنِّى بِها كُرْبَتَهُ، وَتُخَفِّفُ بِها عَنِّي شِدَّتَهُ، وَتَكْشِفُ بها عَنِّى سُقْمَهُ، وَتُذْهِبُ عَنِّي بِها هَمَّهُ وَحَسْرَتَهُ، وَتَعْصِمُنِي بِها مِنْ أَسَفِهِ وَفِتْنَتِهِ، وَتُجِيرُنِي بِهَا مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ ما يَحْضُرُ أَهْلَهُ، وَتَرْزُقُنِي بِها خَيْرَهُ وَخَيْرَ ما يَحْضُرُ عِنْدَهُ، وَخَيْرَ ما هُوَ كائِنٌ بَعْدَهُ.
82
أرأيتم هذا الانقطاع إلى الله تعالى!
أرأيتم هذا الاعتصام بالله! حقاً لقد كانت بضعة الرسول صلّي الله عليه و آله سيّدة المتّقين والعارفين بالله تعالى، وليس غريباً عليها ذلك، فقد غذّاها أبوها بالإيمان الخالص، وأفاض عليها مكوّناته وروحانيّته.
ولنستمع إلى بند آخر من هذا الدعاء الشريف:
ثُمَّ إِذا تُوُفِّيَتْ نَفْسِي، وَقُبِضَتْ رُوْحِي، فَاجْعَلْ رُوْحِي فِي الْأَرْواحِ الرّابِحَةِ، وَاجْعَلْ نَفْسِي فِي الْأَنْفُسِ الصَّالِحَةِ، وَاجْعَلْ جَسَدِى فِى الْأَجْسادِ الْمُطَهَّرَةِ، وَاجْعَلْ عَمَلِي فِي الْأَعْمالِ الْمُتَقَبَّلَةِ، ثُمَّ ارْزُقْنِي فِي خِطَّتِي مِنَ الْأَرْضِ، وَمَوْضِع جُنَّتِي، حَيْثُ يَرْفُتُ لَحْمِي، وَيُدْفَنُ عَظْمِي، وَأَتْرَكُ وَحِيداً لَا حِيْلَةَ لِي، قَدْ لَفَظَتْنِي الْبِلادُ، وَتَخَلَى مِنِّي الْعِبادُ، وَافْتَقَرْتُ إِلى رَحْمَتِكَ، وَاحْتَجْتُ إِلى صالح عَمَلِي، وَالْقى ما مَهَدْتُ لِنَفْسِي، وَقَدَّمْتُ لِآخِرَتِي، وَعَمِلْتُ فِي أَيَّامٍ حَياتِي، فَوْزاً مِنْ رَحْمَتِكَ، وَضِياءً مِنْ نُوْرِكَ، وَتَثْبِيتاً مِنْ كَرامَتِكَ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ، إِنَّكَ تُضِلُّ الظَّالِمِينَ، وَتَفْعَلُ ما تَشاءُ.
ثُمَّ بارِكْ لِي فِي الْبَعْثِ وَالْحِسابِ إِذا انْشَفَّتِ الْأَرْضُ عَنِّي، وَتَخَلَّى الْعِبادُ مِنِّي، وَغَشِيَتْنِي الصَّيْحَةُ، وَأَفْزَعَتْنِي النَّفْخَةُ، وَنَشَرْتَنِي بَعْدَ الْمَوْتِ، وَبَعَثْتَنِي لِلْحِسابِ.
فَابْعَثْ مَعِي يارَبِّ نُوراً مِنْ رَحْمَتِكَ، يَسْعَى بَيْنَ يَدَيَّ، وَعَنْ يَمِيْنِي، تُؤْمِتُنِي بِهِ، وَتَرْبِطُ بِهِ عَلَى قَلْبِي، وَتُظْهِرُ بِهِ عُذْرِي، وَتُبَيِّضُ بِهِ وَجْهِي، وَتُصَدِّقُ بِهِ حَدِيْنِي، وَتُفْلِجُ بِهِ حُجَّتِي، وَتُبَلِّغُنِي بِهِ الْعُرْوَةَ الوثْقَى مِنْ
رَحْمَتِكَ، وَتُحِلُّنِي الدَّرَجَةَ الْعُلْيا مِنْ جَنَّتِكَ، وَتَرْزُقُنِي بِهِ مُرافَقَةً مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ دَرَجَةً، وَأَبْلَغِها فَضِيْلَةٌ، وَأَبَرِّها عَطِيَّةٌ، وَأَوْفَقِها نَفْسَةٌ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصَّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً.
اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ خاتَمِ النَّبِيِّينَ، وَعَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِياءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَعَلَى الْمَلَائِكَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَعَلَى أَئِمَّةِ الْهُدَى أَجْمَعِينَ، آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ.
اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ كَما هَدَيْتَنا بِهِ، وَصَلَّ عَلَى مُحَمَّدٍ كَما رَحِمْتَنا بِهِ، وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ كَما عَزَّزْتَنَا بِهِ، وَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ كَما فَضَّلْتَنا بِهِ، وَصَلَّ عَلَى مُحَمَّدٍ كَمَا شَرَّفْتَنا بِهِ، وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ كَما بَصَّرْتَنا بِهِ، وَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ كَما أَنْقَذْتَنَا بِهِ مِنْ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ.
اللهُم بَيْضٌ وَجْهَهُ، وَأَعْلِ كَعْبَهُ، وَأَفْلِجْ حُجَّتَهُ، وَأَتْمِمْ نُورَهُ، وَثَقُلْ مِيْزَانَهُ، وَعَظُمْ بُرْهَانَهُ، وَافْسَحْ لَهُ حَتَّى يَرْضى، وَبَلِّغْهُ الدَّرَجَةَ وَالْوَسِيْلَةَ مِنَ الْجَنَّةِ، وَابْعَثْهُ الْمَقامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي وَعَدْتَهُ، وَاجْعَلْهُ أَفْضَلَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ عِنْدَكَ مَنْزِلَةٌ وَوَسِيْلَةٌ، وَاقْصُصْ بِنا أَثَرَهُ، وَاسْقِنَا بِكَأْسِهِ، وَأَوْرِدْنَا حَوْضَهُ، وَاحْشُرْنا فِي زُمْرَتِهِ، وَتَوَفَّنَا عَلَى مِلَّتِهِ، وَاسْلُكْ بِنا سُبُلَهُ، وَاسْتَعْمِلْنَا بِسُنَّتِهِ غَيْرَ خَزاي-ا وَلَا نادِمِينَ، وَلَا شَاكَينَ، وَلَا مُبَدِّلِينَ.
يا مَنْ بابُهُ مَفْتُوحٌ لِداعِيهِ، وَحِجابُهُ مَرْفُوعَ لِراجِيهِ، يا ساتِرَ الْأَمْرِ الْقَبيح، وَمُداوِيَ الْقَلْبِ الْجَرِيح، لَا تَفْضَحْنِي فِي مَشْهَدِ الْقِيامَةِ بِمُوبِقاتِ الآثام،
وَلَا تُعْرِضْ بِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ عَنِّي مِنْ بَيْنِ الْأَنامِ.
يا غايَةَ الْمُضْطَرِّ الْفَقِيرِ، وَيا جَابِرَ الْعَظْمِ الْكَسِيرِ، هَبْ لِي مُوْبِقاتِ الْجَرائِرِ، وَاعْفُ عَنِّي فَاضِحَاتِ السَّرائِرِ، وَاغْسِلْ قَلْبِي مِنْ وِزْرِ الْخَطايا، وَارْزُقْنِي حُسْنَ الْاِسْتِعْدادِ لِنُزُولِ الْمَنايا.
يا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ، وَمُنْتَهى أَمْنِيَّةِ السَّائِلِينَ، أَنْتَ مَوْلَايَ فَتَحْتَ لِي بِابَ الدُّعاءِ وَالْإِنابَةِ، فَلَا تُغْلِقُ عَنِّي بابَ الْقَبُولِ وَالْإِجَابَةِ، وَنَجِّنِي بِرَحْمَتِكَ مِنَ النَّارِ، وَبَوِّثْنِي غُرُفاتِ الْجِنانِ، وَاجْعَلْنِي مُسْتَمْسِكاً بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَاخْتِمْ لِي بِالسَّعادَةِ، وَأَحْيِنِي بِالسَّلَامَةِ.
يا ذَا الْفَضْلِ وَالْكَمالِ، وَالْعِزَّةِ وَالْجَلَالِ، لَا تُشْمِتْ بِي عَدُوّاً وَلَا حَاسِداً، وَلَا تُسَلِّطْ عَلَى سُلْطَاناً عَنيداً، وَلَا شَيْطاناً مَرِيداً، بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الراحِمِينَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيُّ الْعَظِيمِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً» (1).
وحكى هذا الدعاء الشريف جميع ألوان التبتَل والانقطاع إلى الله تعالى، فقد احتلّت الخشية منه تعالى عواطف بضعة الرسول، فدعته بإيمان ويقين، وسألته سؤال العارفين والمنيبين أن ينظر إليها برحماته التي وسعت كلّ شيء، وأن يقرّبها إليه... ولننتقل إلى دعاء آخر لها:
وكانت زهراء الرسول عليهاالسّلام تدعو الله تعالى بعد صلاة العصر بهذا الدعاء:
1) فلاح السائل: 173
سُبْحانَ مَنْ يَعْلَمُ جَوارِحَ الْقُلُوبِ، سُبْحانَ مَنْ يُحْصِي عَدَدَ الذُّنُوبِ، سُبْحانَ مَنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ حَافِيَةٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَالْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْنِي كافِراً لِأَنْعُمِهِ، وَلَا جاحِداً لِفَضْلِهِ، فَالْخَيْرُ مِنْهُ وَهُوَ اَهْلُهُ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى حُجَّتِهِ الْبَالِغَةِ عَلَى جَمِيع مَنْ خَلَقَ، مِمَّنْ أَطَاعَهُ، وَمِمَّنْ عَصَاهُ، فَإِنْ رَحِمَ فَمِنْ مَنَّهِ، وَإِنْ َعاقَبَ فَبِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ، وَما اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيُّ الْمَكانِ الرَّفِيعِ الْبُنْيَانِ، الشَّدِيدِ الْأَرْكَانِ، الْعَزِيزِ السُّلْطَانِ، الْعَظيمِ الشَّأْنِ، الْواضِحِ الْبَرْهَانِ، الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ، الْمُنْعِمِ الْمَنَانِ.الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي احْتَجَبَ عَنْ كُلِّ مَخْلُوقٍ يَراهُ بِحَقِيقَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَقُدْرَةِ الْوَحْدانِيَّةِ، فَلَمْ تُدْرِكْهُ الْأَبْصَارُ، وَلَمْ تَحُطْ بِهِ الْأَخْبارُ، وَلَمْ يَقِسْهُ مِقْدارٌ، وَلَمْ يَتَوَهَّمْهُ اعْتِبارُ ؛ لِأَنَّهُ الْمَلِكُ الْجَبَارُ.
اللهُمَّ قَدْ تَرى مَكانِي، وَتَسْمَعُ كَلَامِي، وَتَطَّلِعُ عَلَى أَمْرِي، وَتَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي، وَلَيْسَ يَخْفَى عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِي، وَقَدْ سَعَيْتُ إِلَيْكَ فِي طَلِبَتِي وَطَلَبْتُ إِلَيْكَ فِي حَاجَتِي، وَتَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ فِي مَسْأَلَتِي، وَسَأَلْتُكَ لِفَقْرِ وَحَاجَةٍ، وَذِلَّةٍ وَضِيْقَةٍ، وَبُؤْسٍ وَمَسْكَنَةٍ.
وَأَنْتَ الرَّبُّ الْجَوادُ بِالْمَغْفِرَةِ، تَجِدُ مَنْ تُعَذِّبُ غَيْرِي، وَلَا أَجِدُ مَنْ يَغْفِرُ لِي غَيْرَكَ، وَأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِي، وَأَنَا فَقِيرٌ إِلَى رَحْمَتِكَ، فَأَسْأَلُكَ بِفَقْرِي إِلَيْكَ، وَغِناكَ عَنِّي، وَبِقُدْرَتِكَ عَلَيَّ، وَقِلَّةِ امْتِناعِي مِنْكَ، أَنْ تَجْعَلَ دُعانِي هذا دُعاءً وافَقَ مِنْكَ إِجابَةً، وَمَجْلِسِى هذا مَجْلِساً وافَقَ مِنْكَ رَحْمَةً، وَطَلِبَتِي
هذهِ طَلِبَةٌ وافَقَتْ نجاحاً، وَما خِفْتُ عُسْرَتَهُ مِنَ الْأُمُورِ فَيَسِّرْهُ، وَما خِفْتُ عَجْزَهُ مِنَ الْأَشْياءِ فَوَسُعْهُ، وَمَنْ أَرَادَنِي بِسُوءٍ مِنَ الْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ فَاغْلِبُهُ، آمِينَ يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ، وَهَوَّنْ عَلَيَّ مَا خَشِيْتُ شِدَّتَهُ، وَاكْشِفْ عَنِّي مَا خَشِيْتُ كُرْبَتَهُ، وَيَسِّرْ لِى ما خَشِيْتُ عُسْرَتَهُ، آمِينَ رَبَّ الْعالِمِينَ.
اللَّهُمَّ انْزَعَ الْعُجْبَ وَالرِّيَاءَ وَالْكِبْرَ وَالْبَغْيَ وَالْحَسَدَ وَالضَّعْفَ وَالشَّكَ وَالْوَهْنَ وَالضُّرَّ وَالْأَسْمَامَ وَالْخُذْلَانَ وَالْمَكْرَ وَالْخَدِيعَةَ وَالْبَلِيَّةَ وَالْفَسَادَ مِنْ سَمْعِي وَبَصَرِي، وَخُذْ بِنَاصِيَتِي إِلى ما تُحِبُّ وَتَرْضى، يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَاغْفِرْ ذَنْبِي، وَاسْتُرْ عَوْرَتِي، وَآمِ-نْ رَوْعَتِي، وَاجْبُرْ مُصِيْبَتِنِي، وَأَغْنِ فَقْرِي، وَيَسِّرْحاجَتِي، وَأَقِلْنِي عَثْرَتِي، وَاجْمَعْ شَمْلِي، وَاكْفِنِي مَا أَهَمَّنِي، وَما غَابَ عَنِّي، وَما حَضَرَنِي وَمَا أَتَخَوَّفُهُ مِنْكَ يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ.
اللهُمَّ فَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، وَأَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ بِما جَنَيْتُ عَلَيْهَا، فَرَقاً مِنْكَ، وَخَوْفاً وَطَمَعاً، وَأَنْتَ الْكَرِيمُ الَّذِي لَا يَقْطَعُ الرَّجاءَ، وَلَا يُخَيِّبُ الدُّعاءَ، فَأَسْأَلُكَ بِحَقِّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيْلِكَ، وَمُوسَىٰ كَلِيْمِكَ، وَعِيسَى رُوْحِكَ، وَمُحَمَّدٍ صَفِيَّكَ وَنَبِيِّكَ له أَلَّا تَصْرِفَ وَجْهَكَ الْكَرِيمَ عَنِّي، حَتَّىٰ تَقْبَلَ تَوْيَتِي، وَتَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ.
اللهُمَّ اجْعَلْ تَارِي عَلى مَنْ ظَلَمَنِي، وَانْصُرْنِي عَلى مَنْ عادانِي، اللهُمَّ لَا تَجْعَلْ مُصِيْبَتِي فِي دِيْنِي، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيا أَكْبَرَ هَمِّي، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِي.
اللّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِيْنِيَ الَّذِي هُوَ عِصْمَةً أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فيها
معاشي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِيَ الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيادَةٌ لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ راحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٌّ.
اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّى.
اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَياةَ خَيْراً لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفاةُ خَيْراً لِي، وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَالْعَدْلَ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضا، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيماً لَا يَبِيدُ، وَقُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرّضا بَعْدَ الْقَضاءِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ.
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَهْدِيكَ لِإِرْشَادِ أَمْرِي، وَأَعوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، اللهُمَّ عَمِلْتُ سُوْءٌ، وَظَلَمْتُ نَفْسِي، فَاغْفِرْ لِي إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ تَعْجِيلَ عَافِيَتِكَ، وَصَبْراً عَلَى بَلِيَّتِكَ، وَخُرُوجاً مِنَ الدُّنْيا إِلى رَحْمَتِكَ.
اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْهِدُكَ، وَأَشْهِدُ مَلَائِكَتَكَ، وَحَمَلَةَ عَرْشِكَ، وَأُشْهِدُ مَنْ فِي السَّمَواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّكَ أَنْتَ اللهُ لا إلهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لا شَريكَ لَكَ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ الله، يا كائِنُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ، وَالْمُكَوِّنُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَالْكَائِنُ بَعْدَ مَا لَا يَكُونُ شَيْءٌ.
وَأَسْأَلُكَ بِأَنْ لَكَ الْحَمْدُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، بَدِيعُ السَّمَواتِ وَالْأَرْضِ.
اللَّهُمَّ إِلَى رَحْمَتِكَ رَفَعْتُ بَصَرِي، وَإِلى جُوْدِكَ بَسَطْتُ كَفِّي، فَلَا تَحْرِمْنِي وَأَنَا أَسْأَلُكَ، وَلَا تُعَذِّيْنِي وَأَنا أَسْتَغْفِرُكَ، اللهُمَّ فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّكَ بِي عَالِمٌ، وَلَا تُعَذِّيْنِي فَإِنَّكَ عَلَيَّ قادِرٌ بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ.
اللّهُمَّ ذا الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ، وَالصَّلَاةِ النَّافِعَةِ الرّافِعَةِ الزَّكِيَّةِ، صَلِّ عَلَى أَكْرَم خَلْقِكَ عَلَيْكَ، وَأَحَبِّهِمْ إِلَيْكَ، وَأَوْجَهِهِمْ لَدَيْكَ مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ الْمَخْصُوصِ بِفَضائِلِ الْوَسَائِلِ، أَشْرَفَ، وَأَكْمَلَ، وَأَرْفَعَ، وَأَعْظَمَ، وَأَكْمَلَ ما صَلَّيْتَ عَلَى مُبَلِّغ عَنْكَ، وَمُؤْتَمَنِ عَلَى وَحْيِكَ.
اللّهُمَّ كَمَا سَدَدْتَ بِهِ الْعَمَى، وَفَتَحْتَ بِهِ الْهُدَى، فَاجْعَلْ مَناهِجَ سُبُلِهِ لَنا سَنَاءٌ، وَحُجَجَ بُرْهانِهِ لَنَا سَبَاً؛ نَأْتَمُّ بِهِ إِلَى الْقُدُومِ عَلَيْكَ.
اللهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمواتِ السَّبْع، وَمِلْءَ طِباقِهِنَّ، وَمِلْءَ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ، وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُما، وَمِلْءَ عَرْشِ رَبَّنَا الْكَرِيمِ وَمِيْزَانَ رَبَّنَا الْغَفَّارِ، وَمِدادَ كَلِماتِ رَبِّنا الْقَهَّار، وَمِلْءَ الْجَنَّةِ، وَمِلْءَ النار، وَعَدَدَ الثَّرَى وَالْمَاءِ، وَعَدَدَ ما يُرى وَما لَا يُرى.
اللهُمَّ وَاجْعَلْ صَلَواتِكَ وَبَرَكاتِكَ وَمَنَّكَ وَمَغْفِرَتَكَ وَرَحْمَتَكَ وَرِضْوانَكَ وَفَضْلَك وَسَلَامَتَكَ وَذِكْرَكَ وَنُورَكَ وَشَرَفَكَ وَنِعْمَتَكَ وَخِيَرَتَكَ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ كَما صَلَّيْتَ وَبارَكْتَ وَتَرَحَمْتَ عَلى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
اللهُمَّ أَعْطِ مُحَمَّداً الوَسِيلَةَ الْعُظمى، وَ كَرِيمَ جَزَائِكَ فِي الْعُقْبَى، حَتَّى تُشَرِّفَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا إِلَهَ الْهُدَى.
اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مَحَمَّدٍ وَعلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى جَمِيعِ مَلَائِكَتِكَ وَأَنْبِيائِكَ وَرُسُلِكَ، سَلَامٌ عَلى جَبْرَئِيلَ وَمِيْكَائِيلَ وَإِسْرافِيلَ وَحَمَلَةِ الْعَرْشِ، وَمَلَائِكَتِكَ الْمُقَرَّبِينَ، وَالْكِرَامِ الْكاتِبِينَ وَالْكَرُّوبِيِّينَ، وَسَلَامٌ عَلَى مَلَائِكَتِكَ أَجْمَعِينَ.
وَسَلَامٌ عَلى أَبِيْنَا آدَمَ، وَعَلَى أَمْنا حَوَاءَ، وَسَلَامٌ عَلَى النَّبِيِّينَ أَجْمَعِينَ، وَالصِّدِّيقِينَ، وَعَلَى الشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ أَجْمَعِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيُّ الْعَظِيمِ» (1).
لقد تجلّى في هذا الدعاء الشريف الالتجاء إلى الله والإنابة إليه في جميع شؤون الزهراء في دنياها وآخرتها، فقد رفعت جميع مهامها إلى الخالق العظيم الذي اصطفاها وميّزها على جميع نساء العالمين.
ومن أدعيتها الشريفة هذا الدعاء الذي كانت تدعو به عقيب صلاة المغرب، وقد حفل بتمجيد الله تعالى، والثناء عليه، وطلب مرضاته التي هي أثمن شيء في هذه الحياة، وهذا نصّه:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ الْقائِلُونَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يُحْصِي نَعْمَاءَهُ الْعادُّونَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يُؤَدِّي حَقَّهُ الْمُجْتَهِدُونَ.
وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ، وَلَا إِلهَ إِلَّا اللهُ الْمُحْيِي وَالْمُمِيتُ وَاللهُ أَكْبَرُ ذُو الطَّوْلِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ ذُو الْبَقَاءِ الدّائِم.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يُدْرِكُ الْعَالِمُونَ عِلْمَهُ، وَلَا يَسْتَخِفُّ الْجاهِلُونَ حِلْمَهُ، وَلَا يَبْلُغُ الْمادِحُونَ مِدْحَتَهُ، وَلَا يَصِفُ الْواصِفُونَ صِفَتَهُ، وَلَا يُحْسِنُ الْخَلْقُ نَعْتَهُ.
1) فلاح السائل: 203
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ذِي الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ، وَالْعَظَمَةِ وَالْجَبَرُوتِ، وَالْعِزَّ وَالْكِبْرِياءِ، وَالْبَهَاءِ وَالْجَلَالِ، وَالْمَهابَةِ وَالْجَمَالِ، وَالْعِزَّةِ وَالْقُدْرَةِ، وَالْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ، وَالْمِنَّةَ وَالْغَلَبَةِ، وَالْفَضْلِ وَالطَّوْلِ، وَالْعَدْلِ وَالْحَقِّ، وَالْخَلْقِ وَالْعُلى، وَالرّفْعَةِ وَالْمَجْدِ، وَالْفَضِيلَةِ وَالْحِكْمَةِ، وَالْغَنَاءِ وَالسَّعَةِ، وَالْبَسْطِ وَالْقَبْضِ، وَالْحِلْمِ وَالْعِلْمِ، وَالْحُجَّةِ الْبَالِغَةِ، وَالنِّعْمَةِ السَّابِغَةِ، وَالثَّنَاءِ الْحَسَنِ الْجَمِيلِ، وَالْاَلَاءِ الْكَرِيمَةِ، مَلِكِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَمَا فِيْهِنَّ، تَبَارَكَ اللَّهُ وَتَعَالَى.
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَلِمَ أَسْرَارَ الْغُيُوبِ، وَاطَّلَعَ عَلَى مَا تَجِنِي الْقُلُوبُ، فَلَيْسَ عَنْهُ مَذْهَبٌ وَلَا مَهْرَبٌ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُتَكَبِّرِ فِي سُلْطَانِهِ، الْعَزِيزِ فِي مَكانِهِ، الْمُتَجَبِّرِ فِي مُلْكِهِ، الْقَوِيّ فِي بَطْشِهِ، الرَّفِيعِ فَوْقَ عَرْشِهِ، الْمُطَّلِعِ عَلَى خَلْقِهِ، وَالْبالِغ لِما أَرادَ مِنْ عِلْمِهِ.الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِكَلِمَاتِهِ قامَتِ السَّماواتُ الشَّدادُ، وَثَبَتَتِ الْأَرَضُونَ الْمِهَادُ، وَانْتَصَبَتِ الْجِبالُ الرَّواسِي الْأَوْتَادُ، وَجَرَتِ الرِّياحُ المَواقِحُ، وَسارَتْ فِي جَوِّ السَّمَاءِ السَّحابُ، وَوَقَفَتْ عَلى حُدُودِها البحارُ، وَوَجِلَتِ الْقُلُوبُ مِنْ مَخافَتِهِ، وَانْقَمَعَتِ الْأَرْبابُ لِرُبُوبِيَّتِهِ، تَبارَكْتَ يا مُحْصِيَ قَطْرِ الْمَطَرِ، وَوَرَقِ الشَّجَرِ، وَمُحْيِيَ أَجْسَادِ الْمَوْتِى لِلْحَشْرِ.
سُبْحانَكَ يَاذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، مَا فَعَلْتَ بِالْغَرِيبِ الْفَقِيرِ إِذَا أَتَاكَ مُسْتَجِيراً مُسْتَغِيثاً، ما فَعَلْتَ بِمَنْ أَنَاخَ بِفِنائِكَ، وَتَعَرَّضَ لِرِضاكَ، وَغَدًا إِلَيْكَ، فَجَثَا بَيْنَ يَدَيْكَ يَشْكُو إِلَيْكَ مَا لَا يَخْفَى عَلَيْكَ، فَلَا يَكُونَنَّ يَا رَبِّ حَظِّي مِنْ دُعَائِي الْحِرْمَانُ، وَلَا نَصِيْبِي مِمَّا أَرْجُو مِنْكَ الْخِذْلانُ.
يا مَنْ لَمْ يَزَلْ، وَلَا يَزالُ، وَلَا يَزُولُ كَما لَمْ يَزَلْ قائِماً عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، يَا مَنْ جَعَلَ أَيَّامَ الدُّنْيا تَزُولُ، وَشُهُورَها تَحُولُ، وَسِيَّها تَدُورُ، وَأَنْتَ الدَائِمُ لَا تُبْلِيك الأزمانُ، وَلَا تُغَيَّرُكَ الدُّهُورُ.
يا مَنْ كُلُّ يَوْمٍ عِنْدَهُ جَدِيدٌ، وَكُلُّ رِزْقٍ عِنْدَهُ عَتِيدٌ، لِلضَّعِيفِ وَالْقَوِيِّ وَالشَّدِيدِ، قَسَمْتَ الْأَرْزاقَ بَيْنَ الْخَلَائِقِ، فَسَوَّيْتَ بَيْنَ الذَّرَّةِ وَالْعُصْفُورِ.
اللّهُمَّ إِذا ضاقَ الْمُقامُ بِالنَّاسِ فَنَعُوذُ بِكَ مِنْ ضِيْقِ الْمُقام.اللهم إذا طال يَوْمُ الْقِيَامَةِ عَلَى الْمُجْرِمِينَ فَقَصَّرْ ذلِكَ الْيَوْمَ عَلَيْنَا كَمَا بَيْنَ الصَّلَاةِ إِلَى الصَّلاة.
اللهُمَّ إِذا دَنَتِ الشَّمْسُ مِنَ الْجَمَاجِمِ فَكَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْجَمَاجِمِ مِقْدَارُ مِيلٍ، وَزِيدَ فِي حَرِّها حَرَّ عَشْرِ سِنِينَ، فَإِنَّا نَسْأَلُكَ أَنْ تُظِلَّنَا بِالْغَمَامِ، وَتَنْصِبَ لَنا الْمَنابِرَ وَالْكَرَاسِيَّ نَجْلِسُ عَلَيْهَا، وَالنَّاسُ يَنْطَلِقُونَ فِي الْمَقَامِ آمِينَ رَبَّ الْعالَمينَ.
أَسْأَلُكَ اللهُمَّ بِحَقِّ هَذِهِ الْمَحَامِدِ إِلَّا غَفَرْتَ لِي، وَتَجاوَزْتَ عَنِّي، وَالْبَسْتَنِي الْعَافِيَةَ فِي بَدَنِي، وَرَزَقْتَنِي السَّلَامَةَ فِي دِيْنِي.
فَإِنِّي أَسْأَلُكَ، وَأَنا واثقٌ بِإِجابَتِكَ إِيَّايَ فِي مَسْأَلَتِي، وَأَدْعُوكَ وَأَنا عالِمٌ بِاسْتِماعِكَ دَعْوَتِي، فَاسْتَمِعْ دُعانِي، وَلَا تَقْطَعْ رَجَائِي، وَلَا تَرُدَّ ثَنائِي.وَلَا تُخَيَّبْ دُعانِي، أَنَا مُحْتاج إلى رِضْوانِكَ، وَفَقِيرٌ إِلَى غُفْرائِكَ، وَأَسْأَلُكَ وَلَا أَبِسٌ مِنْ رَحْمَتِكَ، وَأَدْعُوكَ وَأَنا غَيْرُ مُحْتَرِزِ مِنْ سَخَطِكَ.
رَبِّ فَاسْتَجِبْ لِي، وَامْنُنْ عَلَيَّ بِعَفْوِكَ، وَتَوفَّنِي مُسْلِماً، وَالْحِقْنِي
بِالصَّالِحِينَ، رَبِّ لَا تَمْنَعْنِي فَضْلَكَ يا مَنّانُ، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي مَخْذُولاً يا حَنَّانُ.
رَبِّ ارْحَمْ عِنْدَ فِراقِ الْأَحِبَّةِ صَرْعَتِي، وَعِنْدَ سُكُونِ الْقَبْرِ وَحْدَتِي، وَفِي مَفَازَةِ الْقِيامَةِ غُرْبَتِي، وَبَيْنَ يَدَيْكَ مَوْقُوفاً لِلْحِسابِ فَاقَتِي.
رَبِّ أَسْتَجِيرُكَ مِنَ النَّارِ فَأَجِرْنِي، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ فَأَعِذْنِي، رَبِّ أَفْزَعُ إِلَيْكَ مِنَ النَّارِ فَابْعِدْنِي، رَبِّ أَسْتَرْحِمُكَ مَكْرُوباً فَارْحَمْنِي، رَبِّ أَسْتَغْفِرُكَ لِمَا جَهِلْتُ فَاغْفِرْ لِي، رَبِّ قَدْ أَبْرَزَنِي الدُّعَاءُ لِلْحَاجَةِ إِلَيْكَ فَلَا تُؤْيِسْنِي، يَا كَرِيمُ یا ذَا الْآلَاءِ وَالْإِحْسَانِ وَالتَّجاوُزِ.
يا سَيِّدِي، يا بَرُّ، يا رَحِيمُ، اِسْتَجِبْ بَيْنَ الْمُتَضَرِّعِينَ إِلَيْكَ دَعْوَتِي، وَارْحَمْ بَيْنَ الْمُنتَحِبِينَ بِالْعَوِيلِ عَبْرَنِي، وَاجْعَلْ فِي لِقائِكَ يَوْمَ الْخُرُوج مِنَ الدُّنْيا راحَتِي، وَاسْتُرْ بَيْنَ الأمْواتِ يا عَظِيمَ الرَّجاءِ عَوْرَنِي، وَاعْطِفْ عَلَيَّ عِنْدَ التَّحَوُّلِ وَحِيداً إِلى حُفْرَتِي، إِنَّكَ أَمَلِي، وَمَوْضِعُ طَلِبَتِي، وَالْعَارِفُ بِمَا أُرِيدُ فِي تَوْجِيهِ مَسْأَلَتِي.
فَاقْضِ يا قاضِيَ الْحَاجَاتِ حَاجَتِي، فَإِلَيْكَ الْمُشْتَكَى، وَأَنْتَ الْمُسْتَعانُ وَالْمُرْتَجى، أَفِرُّ إِلَيْكَ هارباً مِنَ الذُّنُوبِ فَاقْبَلْنِي، وَالْتَجِيُّ مِنْ عَدْلِكَ إِلَى مَغْفِرَتِكَ فَأَدْرِكْنِي، وَأَلْتاذُ بِعَفْوِكَ مِنْ بَطْشِكَ فَامْنَعْنِي، وَأَسْتَرْوِحُ رَحْمَتَكَ مِنْ عِقابِكَ فَنَجِّنِي، وَأَطْلُبُ الْقُرْبَةَ مِنْكَ بِالْإِسْلَامِ فَقَرِّيْنِي، وَمِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ فَآمِنِّي، وَفِي ظِلَّ عَرْشِكَ فَظَلَّلْنِي، وَكِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِكَ، فَهَبْ لِي، وَمِنَ الدُّنْيا سالِماً فَنَجِّنِي، وَمِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ فَأَخْرِجْنِي، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ فَبَيَّضْ
وَجْهِي، وَحِساباً يَسِيراً فَحَاسِبْنِي، وَبِسَرائِرِي فَلَا تَفْضَحْنِي، وَعَلَى بَلَائِكَ فَصَبَّرْنِي، وَكَما صَرَفْتَ عَنْ يُوسُفَ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ فَاصْرِفْهُ عَنِّي، وَمَا لَا طَاقَةَ لِي بِهِ فَلَا تُحَمِّلْنِي، وَإِلى دارِ السَّلَامِ فَاهْدِنِي، وَبِالْقُرْآنِ فَانْفَعْنِي، وَبِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فَثَبِّتْنِي، وَمِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ فَاحْفَظْنِي، وَبِحَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ وَجَبَرُوتِكَ فَاعْصِمْنِي، وَبِحِلْمِكَ وَعِلْمِكَ، وَسَعَةِ رَحْمَتِكَ، مِنْ جَهَنَّمَ، وَجَنَّتَكَ الْفِرْدَوْسَ فَأَسْكِنِّي، وَالنَّظَرَ إِلَى وَجْهِكَ فَارْزُقْنِي، وَبِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فَالْحِقْنِي، وَمِنَ الشَّيَاطِينِ وَأَوْلِيَائِهِمْ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرَّ فَاكْفِنِي.اللَّهُمَّ وَأَعْدائِي، وَمَنْ كادَنِي بِسُوءٍ إِنْ أَتَوْا بَراً فَجَبِّنْ شَجِيعَهُمْ، وَفُضَّ جَمْعَهُمْ، وَكَلِّلْ سِلاحهم، وَعَرْقِبْ دَوابَّهُمْ، وَسَلَّطْ عَلَيْهِمُ الْعَواصِفَ وَالْقَواصِفَ أَبَداً حَتّى تُصْلِيهِمُ النَّارَ، أَنْزِلْهُمْ مِنْ صَيَاصِيهِمْ، وَأَمْكِنَا مِنْ نَوَاصِيهِمْ، آمِينَ رَبَّ الْعالَمِينَ.
اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ صَلَاةً يَشْهَدُ بِهَا الْأَوَّلُونَ مِنَ الْأَبْرارِ وَسَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَخاتَمِ النَّبِيِّينَ، وَقائِدِ الْخَيْرِ، وَمِفْتَاحِ الرَّحْمَةِ.
اللّهُمَّ رَبَّ الْبَيْتِ الْحَرامِ، وَالشَّهْرِ الْحَرامِ، وَرَبَّ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ، وَرَبَّ الرُّكْنِ وَالْمَقامِ، وَرَبَّ الْحِلِّ وَالْاِحْرامِ، أَبْلِغْ رُوحَ مُحَمَّدٍ مِنَا التَّحِيَّةَ وَالسَّلَامَ.السَّلَامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللهِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ يا أَمِينَ اللهِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ يا مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ، فَهُوَ كَما وَصَفْتَهُ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ.
اللَّهُمَّ أَعْطِهِ أَفْضَلَ ما سَأَلَكَ، وَأَفْضَلَ ما سُئِلْتَ لَهُ، وَأَفْضَلَ ما أَنْتَ مَسْئُولٌ
لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيامَةِ، آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (1).
وفي هذا الدعاء بنود مشرقة من الخشوع والطاعة الله تعالى، وهي تدلّ على مدى معرفة بضعة الرسول سلام الله عليها بالخالق العظيم واهب الحياة، ومدبّر الكون بجميع مجرّاته وشؤونه، فقد هامت بعبادته ومناجاته، وراحت تقدّم له جميع صنوف الطاعة.
وكانت سيّدة العابدات تدعو الله تعالى عقيب صلاة العشاء بهذا الدعاء الجليل، وهو:
سُبْحانَ مَنْ تَواضَعَ كُلُّ شَيْءٍ لِعَظَمَتِهِ، سُبْحَانَ مَنْ ذَلَّ كُلُّ شَيْءٍ لِعِزَّتِهِ، سُبْحانَ مَنْ خَضَعَ كُلَّ شَيْءٍ لِأَمْرِهِ وَمُلْكِهِ، سُبْحانَ مَنِ انْقَادَتْ لَهُ الْأُمُورُ بِأَزِمَّتِها.
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَنْسى مَنْ ذَكَرَهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَخِيبُ مَنْ دَعَاهُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ سامِكِ السَّماءِ، وَساطح الْأَرْضِ، وَحاصِرِ الْبِحارِ، وَناضِدِ الْجِبالِ، وَبارِيُّ الْحَيَوانِ، وَخالِقِ الشَّجَرِ، وَفاتِح يَنابيع الْأَرْضِ، وَمُدَبِّرِ الأمورِ، وَمُسَيِّرِ السَّحابِ، وَمُجْرِي الرِّيحِ وَالْمَاءِ وَالنَّارِ مِنْ أَغْوارِ الْأَرْضِ، مُتَصاعِداتٍ فِي الْهَواءِ، وَمُهْبِطِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُ الصَّالِحَاتُ، وَبِشُكْرِهِ تَسْتَوْجِبُ الزّياداتُ، وَبِأَمْرِهِ قامَتِ السَّمواتُ، وَبِعِزَّتِهِ اسْتَقَرَّتِ
1) فلاح السائل: 238
الرّاسِياتُ، وَسَبَّحَتِ الْوُحُوشُ فِي الْفَلَواتِ، وَالطَّيْرُ فِي الْوَكَنَاتِ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَفِيعِ الدَّرَجاتِ، مُنْزِلِ الْآيَاتِ، واسع الْبَرَكاتِ، ساتِرِ الْعَوْراتِ.قابِلِ الْحَسَناتِ، مُقِيلِ الْعَثَراتِ، مُنَفِّسِ الْكُرُباتِ، مُنْزِلِ الْبَرَكاتِ، مُجِيبِ الدَّعَواتِ، مُحْيِي الْأَمْواتِ، إِلهِ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَالسَّمَواتِ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَمْدٍ وَذِكْرِ، وَشَكْرٍ وَصَبْرٍ، وَصَلَاةٍ وَزَكَاةٍ، وَقِيامٍ وَعِبادَةٍ، وَسَعادَةٍ وَبَرَكَةٍ، وَزِيادَةٍ وَرَحْمَةٍ، وَنِعْمَةٍ وَكَرامَةٍ، وَفَرِيضَةٍ، وَسَرّاءٍ وَضَرَاءٍ، وَشِدَّةٍ وَرَحَاءٍ، وَمُصِيبَةٍ وَبَلَاءٍ، وَعُسْرٍ وَيُسْرٍ، وَغَنَاءٍ وَفَقْرٍ، وَعَلَى كُلِّ حالٍ، وَفِي كُلِّ أَوانٍ وَزَمَانٍ، وَكُلِّ مَثْوَى وَمُنْقَلَبٍ وَمُقَامٍ.
اللهمَّ إِنِّي عائِدٌ بِكَ فَأَعِذْني، وَمُسْتَجِيرٌ بِكَ فَأَجِرْنِي، وَمُسْتَعِينٌ بِكَ فَأَعِنِّي، وَمُسْتَغِيْتُ بِكَ فَأَعِتْنِي، وَداعِيكَ فَأَجِبْنِي، وَمُسْتَغْفِرُكَ فَاغْفِرْ لِي، وَمُسْتَنْصِرُكَ فَانْصُرْنِي، وَمُسْتَهْدِيكَ فَاهْدِنِي، وَمُسْتَكْفِيكَ فَاكْفِنِي، وَمُلْتَجِاْ إِلَيْكَ فَآوِنِي، وَمُسْتَمْسِكَ بِحَبْلِكَ فَاعْصِمْنِي، وَمُتَوَكَّلٌ عَلَيْكَ فَاكْفِنِي، وَاجْعَلْنِي فِي عِبادِكَ وَجِوارِكَ وَحِرْزِكَ وَكَنَفِكَ وَحِياطَتِكَ وَحَرَاسَتِكَ وَكِلاءَتِكَ وَحُرْمَتِكَ وَأَمْنِكَ وَتَحْتَ ظِلِّكَ، وَتَحْتَ جَناحِكَ.
وَاجْعَلْ عَلَيَّ جُنَّةً واقِيَةً مِنْكَ، وَاجْعَلْ حِفْظُكَ وَحِياطَتَكَ وَحَراسَتَكَ وَكِلاتَتَكَ، مِنْ وَرائِي وَآمَامِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَمِنْ تَحْتِي، وَحَوالَيَّ، حَتَّى لَا يَصِلَ أَحَدٌ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ إِلَى مَكْرُوهِي وَأَذايَ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ الْمَنَانُ بَدِيعُ السَّمواتِ وَالْأَرْضِ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرامِ.
اللّهُمَّ اكْفِنِي حَسَدَ الْحاسِدِينَ، وَبَغْيَ الْبَاغِينَ، وَكَيْدَ الْكائِدِينَ، وَمَكْرَ
الْمَاكِرِينَ، وَحِيلَةَ الْمُحْتَالِينَ، وَغِيلَةَ الْمُغْتَالِينَ، وَغِيْبَةَ الْمُغْتَابِينَ، وَظُلْمَ الظَّالِمِينَ، وَجَوْرَ الْجائِرِينَ، وَاعْتِداءَ الْمُعْتَدِينَ، وَسَخَطَ الْمُتَسَخْطِينَ، وَتَشَحُبَ الْمُتَشَحْبِينَ، وَصَوْلَةَ الصَّائِلِينَ، وَإِقْتارَ الْمُقْتِرِينَ، وَغَشْمَ الْعَاشِمِينَ، وَخَبْطَ الْخابِطِينَ، وَسِعَايَةَ السَّاعِينَ، وَنَمَامَةَ النَّامِّينَ، وَسِحْرَ السَّحَرَةِ وَالْمَرَدَةِ وَالشَّيَاطِينِ، وَجَوْرَ السَّلَاطِينِ، وَمَكْرُوهَ الْعَالَمِينَ.
اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْمَخْرُونِ الطَّيِّبِ الطَّاهِرِ، الذي قامَتْ الَّذِي بِهِ السَّمواتُ وَالْأَرْضُ، وَأَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلَمُ، وَسَبَّحَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةُ، وَوَجِلَتْ مِنْهُ الْقُلُوبُ، وَخَضَعَتْ لَهُ الرِّقابُ، وَأَحْيَيْتَ بِهِ الْمَوْتِى، أَنْ تَغْفِرَ لِي كُلَّ ذَنْبٍ أَذْنَبْتُهُ فِي ظُلَم اللَّيْلِ وَضَوْءِ النَّهارِ، عَمْداً أَوْ خَطَأً، سِرّاً أَوْ عَلَانِيَةً. وَأَنْ تَهَبَ لِى يَقِيْناً وَهَدْياً وَنُوراً وَعِلْماً وَفَهُما حَتَّى أُقِيمَ كِتابَكَ، وَأُحِلَّ حَلَالَكَ، وَأُحَرِّمَ حَرامَكَ، وَأُؤَدِّيَ فَرائِضَكَ، وَأَقِيمَ سُنَّةَ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ.
اللهُمَّ الْحِقْنِي بِصالِح مَنْ مَضى، وَاجْعَلْنِي مِنْ صَالِحٍ مَنْ بَقِيَ، وَاخْتِمْ لِي عَمَلِي بِأَحْسَنِهِ إِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
اللَّهُمَّ إِذا فَنِيَ عُمْرِي، وَتَصَرَّمَتْ أَيَّامُ حَيَاتِي، وَكَانَ لَا بُدَّ لِي مِنْ لِقائِكَ، فَأَسْأَلُكَ يا لَطِيفُ أَنْ تُوْجِبَ لِي مِنَ الْجَنَّةِ مَنْزِلَا يَغْبِطُنِي بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ.اللهُمَّ اقْبَلْ مِدْحَتِي، وَارْحَمْ ضَراعَتِي، وَإِقْرَارِي عَلَى نَفْسِي وَاعْتِرَافِي، فَقَدْ أَسْمَعْتُكَ صَوْتِي فِي الدّاعِينَ، وَخُشُوعِي فِي الصّارِعِينَ، وَمِدْحَتِي فِي الْقَائِلِينَ، وَتَسْبِيْحِي فِي الْمَادِحِينَ.
وَأَنْتَ مُجِيبُ الْمُضْطَرِّينَ، وَمُغِيثُ الْمُسْتَغِيثِينَ، وَغِياتُ الْمَلْهُوفِينَ، وَحِرْزُ
الْهارِبِينَ، وَصَرِيخُ الْمُؤْمِنِينَ، وَمُقِيلُ الْمُذْنِبِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى الْبَشِيرِ النَّذِيرِ، وَالسَّراج الْمُنِيرِ، وَعَلَى جَمِيعِ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ.
اللّهُمَّ داحِيَ الْمَدْحُوَاتِ، وَبارِئَ الْمَسْمُوكاتِ، وَجَبَالَ الْقُلُوبِ عَلَى فِطْرَتِها، شَقِيّها وَسَعِيدِها، اجْعَلْ شَرائِفَ صَلَواتِكَ، وَنَوامِيَ بَرَكاتِكَ، وَكَرائِمَ تَحِيَّاتِكَ، عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ وَأَمِينكَ عَلى وَحْيِكَ، الْقائِم بِحُجَّتِك، وَالذَّابٌ عَنْ حَرَمِكَ، وَالصَادِعِ بِأَمْرِكَ، وَالْمُشَيَّدِ بِآيَاتِكَ، وَالْمُوفِي لِنَذْرِكَ.
اللَّهُمَّ فَأَعْطِهِ بِكُلِّ فَضِيْلَةٍ مِنْ فَضائِلِهِ، وَمَنْقَبَةٍ مِنْ مَنَاقِبِهِ، وَحالٍ مِنْ أَحْوالِهِ، وَمَنْزِلَةٍ مِنْ مَنَازِلِهِ، رَأَيْتَ مُحَمَّداً لَكَ فيها ناصِراً، وَعَلَى مَكْرُوهِ بَلَائِكَ صَابِراً، وَلِمَنْ عاداك مُعادِياً، وَلِمَنْ والاك مُوالِياً، وَعَمّا كَرِهْتَ نائِياً، وَإِلى ما أَحْبَبْتَ داعِياً، فَضائِلَ مِنْ جَزائِكَ، وَخَصائِصَ مِنْ عَطائِكَ وَحِبائِكَ، تُسْنِي بِها وَتُعْلِي بِها دَرَجَتَهُ، مَعَ الْقَوَامِ بِقِسْطِكَ، وَالذَّايِّينَ عَنْ حَرَمِكَ، حَتَّى لَا يَبْقَى سَناءٌ وَلَابَهَاءٌ، وَلا رَحْمَةٌ وَلَا كَرامَةٌ، إِلَّا خَصَصْتَ بها مُحَمَّداً بذلِكَ، وَآتَيْتَهُ مِنْكَ الذُّرى، وَبَلَّغْتَهُ الْمَقاماتِ الْعُلى، آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ.
اللهُمَّ إِنِّى أَسْتَوْدِعُكَ دِيْنِي وَنَفْسِي وَجَمِيعَ نِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَاجْعَلْنِي فِي كَنَفِكَ وَحِفْظِكَ وَعِزِّكَ وَمَنْعِكَ، عَزَّ جَارُكَ، وَجَلَّ ثَنَاؤُكَ، وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُكَ، وَلَا إِلهَ غَيْرُكَ، حَسْبِيَ أَنْتَ فِي السَّرَاءِ وَالضَّرَاءِ، وَالشِّدَّةِ وَالرَّحَاءِ، وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنا فِتْنَةٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
رَبَّنَا اصْرِفْ عَنا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً، إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمَقاماً. رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ.
رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا، وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرارِ، رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ، وَلَا تُخْرْنا يَوْمَ الْقِيامَةِ، إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الميعاد.
رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا، رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا.
رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنَا بِهِ، وَاعْفُ عَنَّا، وَاغْفِرْ لَنَا، وَارْحَمْنَا، أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيا حَسَنَةٌ، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةٌ، وَقِنا بِرَحْمَتِكَ عَذابَ النّارِ، صَلَّى اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ، وَسَلَّمَ تَسْلِيماً (1).
وانتهى هذا الدعاء الشريف الذي كانت تدعو به سليلة النبوّة عقيب صلاة العشاء، وهي تعلمنا كيف نتكلّم مع الله تعالى، وكيف ندعوه، ونتوسّل إليه.
1) فلاح السائل: 251 - 254
وحظيت بضعة الرسول سلام الله عليها بهالة من التبجيل والتعظيم والتكريم في كتاب الله تعالى، وسنّة نبيّه صلّي الله عليه و آله، فهي من الشموس المشرقة في دنيا الإسلام التي حملت رسالة الله، وتبنّت قيم الإسلام ومبادئه وأهدافه، وجاهدت في سبيله أعظم ما يكون الجهاد، وهذه لمحات موجزة عمّا أُثر في عظيم شأنها وسموّ مكانتها في الكتاب والسنّة، وهذه بعض صورها:
آيات في كتاب الله تعالى حملت وسام شرف لأهل بيت النبوة ومعدن الرحمة عليهم السّلام، لهم فيها غنى عن مدح المادحين، ووصف الواصفين لهم، وبضعة الرسول سلام الله عليها في طليعة المعنيّين بها، ومن بين تلك الآيات:
«قُل لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةٌ نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ» (1)
فرض الله تعالى في كتابه الكريم مودة أهل البيت عليهم السّلام على جميع المسلمين.
1) الشورى 42: 23
ذهب جمهور الرواة إلى أنّ المراد بالقربى - في الآية - هم عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السّلام، وإنّ اقتراف الحسنة في مودّتهم ومحبّتهم، أمّا ما يدعم ذلك فهي الروايات التالية:
1 - روى ابن عبّاس، قال: «لمّا نزلت هذه الآية قيل للرسول: من قرابتك الذين أوجبت علينا مودّتهم؟
قال صلّي الله عليه و آله: عَلِيٌّ وَفاطِمَةُ وَابْناهُما» (1)
2 - روی جابر بن عبدالله الأنصاريّ، قال: «جاء أعرابي إلى النبيّ صلّى الله عليه و آله فقال: يا محمّد، اعرض علىَّ الإسلام؟
فقال له: تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
فقال الأعرابي: تسألني عليه أجراً؟
لَا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى.
قرباي أم قرباك ؟
قُرْبايَ.
هات أُبايعك، فعلى من لا يحبّك ولا يحبّ قرباك لعنة الله
آمین» (2).
3 - روى ابن عبّاس، قال: « لمّا نزلت هذه الآية قال قوم في نفوسهم مرض: ما يريد إلّا أن يحثّنا على قرابته من بعده، فأخبر جبرئيل النبىّ صلّى الله عليه و آله بأنّهم قد اتّهموه، فأنزل تعالى فيهم: «أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً» (3).
فقال القوم: يا رسول الله إنك صادق» (1).
4 - احتجاج أهل البيت عليهم السّلام أن الآية نزلت فيهم، وقد احتجّ بها:
الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام
أعلن الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام أنّ الآية نزلت فيهم، قال عليه السّلام: «فينا الـ حم، آيَةٌ لَا يَحْفَظُ مَوَدَّتَنا إِلَّا كُلُّ مُؤْمِنٍ، ثمّ تلا الآية: «قُل لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى» »(2).
الإمام الحسن عليه السّلام
خطب سبط رسول الله وريحانته الإمام الحسن عليه السّلام فقال في جملة خطابه: «وَأنا مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ الَّذِينَ افْتَرَضَ اللهُ مَوَدَّتَهُمْ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ، قَالَ تَبارَكَ وَتَعَالَى: «قُل لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةٌ نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً» فَاقْتِرافُ الْحَسَنَةِ مَوَدَّتُنا أَهْلَ الْبَيْتِ» (3).
الإمام زين العابدين عليه السّلام
احتجّ الإمام سيّد الساجدين وزين العابدين عليه السّلام بالآية الكريمة لمّا جيء به أسيراً إلى الطاغية يزيد بن معاوية، وأُقيم أسيراً على درج دمشق، فانبرى إليه رجل مغفّل فقال له: «الحمد لله الذي قتلكم، واستأصلكم، وقطع قرني الفتنة».
فنظر إليه الإمام فرآه قد خدعته الدعايات المضلِّلة من أنّ أهْل البيت من
الخوارج، فقال له بلطف: أَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ؟
نعم.
أَقَرَأْتَ الـ حم ؟
قرأت القرآن ولم أقرأ الـ حم!
ما قَرَأْتَ: «قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى»؟
وذهل الرجل وودّ أن الأرض قد وارته، فقال للإمام: أنتم هم؟
نَعَمْ (1).
وانصرف الرجل يؤنّبه ضميره على ما صدر منه من كلمات سوء تجاه الإمام عليه السّلام.
كلمة الفخر الرازي
أشاد الفخر الرازي بأهل البيت عليهم السّلام، ونظر بعمق حيث قال ما نصّه: «وإذا ثبت هذا - يعني اختصاص الآية بآل البيت عليهم السّلام - وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم... ويدلّ عليه وجوه:
الأوّل: قوله تعالى: «إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى»، ووجه الاستدلال هو أنّ آل محمّد هم الذين يؤول أمر النبيّ صلّي الله عليه و آله إليهم، وكلّ من كان أمرهم إليه أشدّ وأكمل كانوا هم الآل، ولا شكّ أنّ فاطمة وعليّاً والحسن والحسين كان التعلّق بهم وبين رسول صلّي الله عليه و آله أشدّ.
وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر، فوجب أن يكونوا هم الآل.
الثاني: لا شكّ أنّ النبيّ صلّي الله عليه و آله كان يحبّ فاطمة عليهاالسّلام، قال: «فَاطِمَةٌ بَضْعَةٌ مِنِّي، يُؤْذِينِي ما يُؤْذِيها»، وثبت بالنقل المتواتر عن رسول الله صلّي الله عليه و آله أنّه كان يحبّ عليّاً
1) تفسير الطبري: 25: 16
والحسن والحسين عليهم السّلام، وإذا ثبت ذلك وجب على كلّ الأمّة مِثْلُهُ لقوله تعالى: «وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» (1)
ولقوله تعالى: «فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِه» (2)، ولقوله تعالى: «قُلْ إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ» (3).
ولقوله سبحانه: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» (4).
الثالث: إنّ الدعاء للآل منصب عظيم، ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهّد وهو «اللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ» واجب (5).
إنّ في مودّة آل البيت عليهم السّلام أداءً لأجر الرسالة الكبرى التي حملها الرسول الأعظم صلّي الله عليه و آله، وصلة للرسول صلّي الله عليه و آله الذي برّ بديننا ودنيانا، وأخرجنا من حياة التيه، فهو المنعم والمنقذ، فمودّة عترته فرض على كلّ مسلم.
يقول ابن العربي:
رَأَيْتُ وَلَائِي آلَ طَه فَرِيضَةٌ *** عَلَى رَغْمَ أَهْلِ البُعدِ يُورِثُنِي الْقُرْبِي
فَما طَلَبَ الْمَبْعُوثُ أَجْراً عَلَى الهُدَى *** بِتَبْلِيغِهِ إِلَّا المَوَدَّةَ فِي القُرْبى (6)
ويقول الكميت شاعر الإسلام الأكبر:
وَجَدْنَا لَكُمْ فِي آل حاميمَ آيَةً *** تَأَوَّلَها مِنًا تَقِيُّ وَمُعرب (7)
من الآيات التي أشادت بفضل العترة الطاهرة التي من عقودها فاطمة الزهراء عليهاالسّلام آية الأبرار. قال تعالى:
«إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً». (1)
ذهب جمهور المفسّرين إلى أنّ سورة هل أتى نزلت في أهل البيت عليهم السّلام (2)، وأنّ السبب في نزولها هو أنّ الإمام الحسن والإمام الحسين عليهماالسّلام مرضا، فعادهما جدّهما صلّي الله عليه و آله ومعه كوكبة من أصحابه، وعرضوا على الإمام عليه السّلام أن ينذر لله صوماً، فنذر لله تعالى صوم ثلاثة أيام إن عافاهما، وتابعته في نذره سيّدة النساء وجاريتها فضّة، وأبَلَ الحسنان من المرض، فصاموا جميعاً، ولم يملك الإمام عليه السّلام شيئاً من المال ليشتري به طعاماً لإفطارهم، فاستقرض ثلاثة أصواع من الشعير، فعمدت الصدِّيقة سلام الله عليها إلى صاع منه فطحنته وخبزته، ولمّا آن وقت الإفطار طرق الباب مسكين يستميحهم شيئاً من الطعام، فعمدوا جميعاً إلى هبة قوتهم له، وطووا ليلتهم لم يتناولوا من الطعام شيئاً.
وفي اليوم الثاني عمدت بضعة الرسول سلام الله عليها إلى صاع فطحنته وخبزته، ولمّا حان وقت الإفطار وإذا بيتيم قد أضناه الجوع، فخفّ إلى بيت الوحي طالباً منهم أن يسعفوه بما يسدّ رمقه، فتبرّعوا جميعاً بطعامهم، ولم يتناولوا شيئاً سوى الماء.
وفي اليوم الثالث طحنت بضعة الرسول سلام الله عليها ما بقي من الطعام وخبزته، فلمّا حان وقت الإفطار وإذا بأسير قد طرق الباب طالباً منهم أن يسعفوه بطعامهم، فسحبوا أيديهم منه، وقدّموه له.
أيّ إيثار أعظم من هذا الايثار؟
وأيّ مبرّة تساوي هذه المبرّة؟
وفي اليوم الرابع وفد عليهم الرسول صلّي الله عليه و آله فرآهم قد ارتعشت أجسامهم من الضعف وذابت من الجوع، وراح الرسول صلّي الله عليه و آله يقول بألم: واغَوْثاهُ، أَهْلُ بَيْتِ مُحَمَّدٍ يَمُوتُونَ جِياعاً.
وفي تلك اللحظات هبط عليه جبرئيل وهو يحمل وسام شرف لأهل بيته ومكافأة عظمى من الله تعالى لهم، لا توصف ولا تقدّر بثمن، إنّها مغفرة ورحمة ورضوان من الله تعالى، فقد جزاهم بما صبروا جنّة وحريراً، متكئين فيها على الآرائك، لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً.
إنّه عطاء سمح من سمح من خالق الكون وواهب الحياة، فقد حباهم تعالى برضوانه ومغفرته، وأجزل لهم المزيد من الأجر.
من الآيات البيّنات التي نزلت في حقّ أهل البيت عليهم السّلام آية التطهير، قال تعالى: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (1).
الآية الكريمة نزلت في أهل البيت عليهم السّلام ، وهم الخمسة أصحاب الكساء، وقد أجمع المفسّرون على ذلك (2)، فقالوا إنّها نزلت في سيّد الكائنات الرسول صلّي الله عليه و آله،
1) الأحزاب 33: 33
2) تفسير الرازي: 6: 783. روضة الواعظين: 157، في تفسير سورة الأحزاب. الخصائص الكبرى: 3: 264. الرياض النضرة: 2: 188. تفسير ابن جرير: 22: 334. مسند أحمد بن حنبل: 4: 107. سنن البيهقي: 2: 150. مشكل الآثار: 15. مشكل الآثار 1 334 جامع البيان: 12: 9 - 12. ما نزل من القرآن في أهل البيت عليهم السّلام: 46 (مصوّر). الدر المنثور: 5: 198. وقد أورد عشرين رواية من طرق مختلفة في اختصاص الآية بأهل البيت. كما أورد ابن جرير خمس عشرة رواية بأسانيد مختلفة في قصر الآية بأهل البيت عليهم السّلام
وصنوه الجاري مجرى نفسه الإمام أمير المؤمنين وسيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء التي يرضى الله لرضاها، ويغضب لغضبها، وريحانتي رسول الله صلّي الله عليه و آله الحسن والحسين سيّدي شباب أهل الجنّة عليهم السّلام، ولم يشاركهم أحد من الصحابة، ونساء النبّي وغيرهم فيها، ويدلّ على ذلك:
1 - إنّ أمّ سلمة قالت: «نزلت هذه الآية في بيتي، وفي البيت فاطمة وعليّ والحسن والحسين عليهم السّلام، فجلّلهم رسول الله صلّي الله عليه و آله بكساء كان عليه، ثمّ قال: اللّهُمَّ هؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْنِي فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهُرْهُمْ تَطْهِيراً، يكرّر ذلك.
فقالت أُمّ سلمة: وأنا معكم يا رسول الله؟ ورفعت الكساء لتدخل، فجذبه رسول الله صلّي الله عليه و آله وقال لها: إِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ» (1).
إنّ النبيّ صلّي الله عليه و آله قد سلك كلّ مسلك في اختصاص الآية بأهل بيته عليهم السّلام، وهذه بعض الروايات الداعمة لذلك:
2 - روى ابن عباس، قال: «شهدت رسول الله صلّي الله عليه و آله سبعة أشهر، يأتي كلّ يوم باب عليّ بن أبي طالب عند وقت كلّ صلاة فيقول: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ أَهْلَ الْبَيْتِ: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً»، الصَّلَاةَ يَرْحَمُكُمُ اللهُ، كلّ يوم خمس مرّات» (2).
2 - روى أنس بن مالك، قال: «كان النبيّ صلّي الله عليه و آله يمرّ بباب فاطمة عليهاالسّلام ستّة أشهر، إذا خرج لصلاة الفجر، ويقول: الصَّلَاةَ يا أَهْلَ الْبَيْتِ «إِنَّمَا يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهُرَكُمْ تَطْهِيراً» » (1).
3 - روى أبو برزة، قال: «صلّيت مع رسول الله صلّي الله عليه و آله سبعة أشهر، فإذا خرج من بيته أتى باب فاطمة عليهاالسّلام، فقال: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ «إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهيراً» » (2).
لقد أكدّ النبيّ صلّي الله عليه و آله على اختصاص الآية بأهل بيته عليهم السّلام، ونفاها عن غيرهم، إرشاداً لأُمّته باتّباعهم، وتسليم القيادة العامّة لهم.
احتجاج العترة على اختصاص الآية بهم، فقد قال الإمام الحسن عليه السّلام في بعض خطبه: «وَأَنَا مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ الَّذِي كَانَ جَبْرَئِيلُ يَنْزِلُ إِلَيْنَا وَيَصْعَدُ مِنْ عِنْدِنَا، وَأَنَا مِنْ أَهْل الْبَيْتِ الَّذِينَ أَذْهَبَ اللهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهَّرَهُمْ تَطهيراً» (3).
لقد تواترت الأخبار من طرق العترة الطاهرة على اختصاص الآية بهم دون غيرهم، وفي الآية بحوث مهمة ذكرناها في الجزء الأول من كتاب (حياة الإمام الحسين بن علىّ عليهماالسّلام).
من آيات الله تعالى التي أعلنت سموّ أهل البيت عليهم السّلام وعظيم منزلتهم عند الله تعالى آية المباهلة. قال تعالى:
«فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ
تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ» (1).
أجمع المفسّرون ورواة الحديث أنّ الآية الكريمة نزلت في أهل بيت النبوّة ومعدن الرحمة (2)، والمراد بالأبناء الحسن والحسين عليهماالسّلام سبطي الرحمة، وإمامي الهدى، والمراد بالنساء سيّدة نساء العالمين الزهراء سلام الله عليها، وبالأنفس الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام.
نزلت الآية الكريمة في حادثة تأريخية بالغة الخطورة، جرت بين النبيّ صلّي الله عليه و آله وزعماء النصارى الروحانيّين، وموجز الحادثة أنّ وفداً من النصارى ضمّ زعماءهم قدموا على رسول الله صلّي الله عليه و آله ليناظروه في الإسلام، وبعد حديث دار بينهما اتّفقا على الابتهال إلى الله تعالى أن يحلّ عذابه ولعنته على الكاذبين، وعيّنا وقتاً خاصّاً للمباهلة، ولمّا حان الوقت اختار النبيّ صلّي الله عليه و آله للمباهلة أفضل الخلق عند الله وأكرمهم، وهم أهل بيته، وأقبل بهم إلى ساحة الابتهال، وخرج وفد النصارى يتقدّمهم السيّد والعاقب، ومعهم فرسان بني الحرث على خيولهم بأحسن هيئة وأروع منظر، واحتشدت الجماهير واشرأبّت الأعناق تراقب الحادث الخطير، وساد الوجوم، وصار الكلام همساً، ولمّا رأت النصارى هيئة الرسول صلّي الله عليه و آله مع أهل بيته عليهم السّلام و هي تملأ العيون إجلالاً وإكباراً، وتعنوا لها الجباه تعظيماً، امتلأت قلوبهم رعباً وهلعاً من هيبة الرسول صلّي الله عليه و آله وروعة أهل بيته عليهم السّلام، وجثا النبيّ صلّي الله عليه و آله للمباهلة بخضوع
وخشوع إلى الله تعالى، وتقدّم السيّد والعاقب وقد سرت الرعدة في نفوسهم قائلين: يا أبا القاسم، بمن تباهلنا؟
فأجابهم النبيّ صلّي الله عليه و آله: أباهِلَكُمْ بِخَيْرِ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَأَكْرَمِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ - وأشار إلى عليّ وبضعته وسبطيه -.
وانبريا يسألان بلهفة قائِلَيْن: لِمَ لا تباهلنا بأهل الكرامة والكبر وأهل الشارة ممّن آمن بك واتّبعك؟
وراح الرسول صلّي الله عليه و آله يؤكّد لهم أنّ أهل بيته أفضل الخلق وأكرمهم عند الله تعالى قائلاً: أَجَلْ، أباهِلُكُمْ بِهِؤُلَاءِ خَيْرِ أَهْلِ الْأَرْضِ وَأَفْضَلِ الْخَلْقِ.
وغمرتهم موجة من الفزع والرعب وأسرعوا نحو الأسقف زعيمهم، فأخبروه بما رأوه، فأجابهم بدهشة وذهول: أرى وجوهاً لو سأل الله بها أحد أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله.
وخاف الأسقف على النصارى من الهلاك إن باهلهم النبيّ صلّي الله عليه و آله ، فقال لأصحابه وهو فزع: أفلا تنظرون محمّداً رافعاً يديه ينظر ما تجيئان به، وحقّ المسيح إن نطق فوه بكلمة لا ترجع إلى أهل، ولا إلى مال.
ثمّ هتف بقومه ثانياً: ألا ترون الشمس قد تغيّر لونها، والأفق تنجع فيه السحب الداكنة، والريح تهب هائجة سوداء حمراء، وهذه الجبال يتصاعد منها الدخان، لقد أطل علينا العذاب، انظروا إلى الطير وهي تقيء حواصلها، وإلى الشجر ك-ي-ف تتساقط أوراقها، وإلى هذه الأرض كيف ترجف تحت أقدامنا.
لقد أيقن الأُسقف بهلاك النصارى، فمنع قومه من المباهلة، وصدّهم عنها، وبادر الوفد نحو النبيّ صلّي الله عليه و آله طالبين منه أن يعفوهم من المباهلة قائلين: يا أبا القاسم، أقِلنا أقالك الله.
والتفت النبيّ صلّي الله عليه و آله إلى جمع النصارى والمسلمين قائلاً: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إِنَّ
الْعَذابَ تَدَلَّى عَلى أَهْلِ نَجْرانَ، وَلَوْ لَاعَنُوا لَمُسِحُوا قِرَدَةً وَخَنازِيرَ، وَلَاضْطَرَمَ عَلَيْهِمْ الْوادِي ناراً، وَلَاسْتَأْصَلَ اللهُ نَجْرانَ وَأَهْلَهُ، حَتَّى الطَّيْرَ عَلَى الشَّجَرِ، وَمَا حَالَ الْحَوْلُ عَلَى النَّصارى كُلِّهِمْ (1).
وخضعوا لما اشترطه النبيّ صلّي الله عليه و آله، وقفلوا راجعين إلى وطنهم وقلوبهم مترعة بكرامة أهل البيت عليهم السّلام وعظيم منزلتهم عند الله تعالى.
وعلى أيّ حال، فقد كشفت هذه الحادثة مدى أهمية أهل البيت عليهم السّلام، وأنّهم لا مثيل لهم في ذلك المجتمع الحافل بالمجاهدين في سبيل الإسلام، ولو أنّ النبيّ صلّي الله عليه و آله وجد من يساويهم في الفضل أو من هو خير منهم، لامتنع أن يقدّم أهل بيته عليهم ؛ لقبح الترجيح بلا مرجّح كما يقول علماء الأصول -، كما أنّه لم ينتدب للمباهلة أحداً من عشيرته الأقربين، فلم يدع صنو أبيه وعمه العبّاس، ولم يدع أحداً من أبناء الأُسرة الهاشميّة، ولم يدع واحدة من أُمّهات المؤمنين، وهنّ كنّ في حجرته، كما لم يدع شقيقة أبيه صفيّة ليضمّها إلى بضعته سيّدة نساء العالمين، ولا غيرها من عقائل الشرف، وخفرات عمرو العُلَى، وشيبة الحمد، ولا نساء الخلفاء الثلاثة.
ومن الطبيعي أنّه لا يساوي أحد من المسلمين والمسلمات أهل بيته، فقد شرّفهم الله تعالى، وميّزهم على جميع خلقه، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
يقول الإمام شرف الدين نضّر الله مثواه: « وأنت تعلم أنّ مباهله صلّي الله عليه و آله بهم، والتماسه منهم التأمين على دعائه بمجرّده لفضل عظيم، وانتخابه إيّاهم لهذه المهمّة العظيمة، واختصاصهم بهذا الشأن الكبير، وإيثارهم فيه على من سواهم من أهل السوابق فضل على فضل، لم يسبقهم إليه سابق، ولن يلحقهم به لاحق، ونزول
1) نور الأبصار: 100
القرآن بالمباهلة بهم بالخصوص فضل ثالث، يزيد فضل المباهلة ظهوراً، ويضيف إلى شرف اختصاصهم بها شرفاً» (1).
هذه بعض الآيات التي أعلنت سمو منزلة أهل البيت عليهم السّلام عند الله تعالى، ومنهم سيّدة نساء العالمين عليهاالسّلام، فقد عناها الله تعالى بهذا الفضل، وخصّها بهذه الكرامة، فهي من مصادر النور، ومن منابع الفضيلة والتقوى في دنيا الإسلام.
1) الكلمة الغراء: 181
في السنّة النبويّة كوكبة من الأحاديث أدلى بها الرسول صلّي الله عليه و آله في فضل بضعته سيّدة نساء العالمين، إمّا نّصاً عليها وتصريحاً باسمها، أو ضمناً؛ لأنّها من أهل البيت عليهم السلام، فتشملها الأحاديث الواردة منه فيهم، ونعرض - بإيجاز - لها:
أما الأحاديث الواردة من النبىّ صلّي الله عليه و آله في فضل الزهراء عليهاالسّلام خاصّة فهي:
1 - روى الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام أنّ رسول الله صلّي الله عليه و آله قال الفاطمة عليهاالسّلام: «إِنَّ اللهَ يَغْضَبُ لِغَضَبِكِ، وَيَرْضى لرضاكِ» (1).
2 - روى الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام أنّ رسول الله صلّي الله عليه و آله قال لفاطمة سلام الله عليها: «إِنَّ الرَّبَّ يَغْضَبُ لِغَضَبِكِ، وَيَرْضَى لِرِضاكِ» (2)
وفي تهذيب التهذيب: 12: 442: «إِنَّ اللهَ يَرْضَى لِرِضَاكِ، وَيَغْضَبُ لِغَضَبِكِ»
.ولم يحظ أحد من المنيبين والمتّقين بمثل هذه المنزلة التي حظيت بها بضعة الرسول صلّي الله عليه و آله عند الله تعالى، إنّها وسام شرف لفتاة الرسول صلّي الله عليه و آله.. وهذه كوكبة أُخرى من الأحاديث النبوية الخاصّة بزهراء الرسول سلام الله عليها:
3 - روى مسور بن مخرمة أنّ رسول الله صلّي الله عليه و آله قال لفاطمة سلام الله عليها: «فاطِمَةً
بَضْعَةٌ مِنِّي، فَمَنْ أَغْضَبَها أَغْضَبَنِي» (1).
4 - روی مسور بن مخرمة أنّ النبيّ صلّي الله عليه و آله قال: «فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، يُرِيبُنِي ما أَرابَهَا، وَيُؤْذِينِي ما آذاها» (2).
يقول الشاعر أحمد المغربي:
فَما كَسِبْطَي رَسولِ اللهِ مِنْ أَحَدٍ *** وَلَا يُضاهِيهِما في الفَخْر مُفْتَخِرُ
وَهَلَ كَفاطِمَةَ الزَّهراءِ أُمِّهِما *** بِنتِ النَّبِيِّ المُصطَفى بَشَرُ؟
فَإِنَّها بَضْعَةٌ مِنهُ وَمَا أَحَدٌ *** كَبَضْعَةِ المُصطَفى إِنَّ حُقِّقَ النَّظَرُ (3)
5 - روی مسور بن مخرمة أنّ النبيّ صلّى الله عليه و آله قال: « إِنَّما فاطِمَةً شَجَنَةٌ (4)مِنِّي، يَبْسُطُنِي ما يَبْسُطُها، وَيَقْبِضُنِي ما يَقْبِضُها» (5).
6 - روی عبد الله بن الزبير أنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله قال: «إِنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، يُؤْذِينِي ما آذاها، ويُنْصِبُنِي ما أَنْصَبَها» (6).
حكت هذه الأحاديث معنى واحداً، وهو أنّ بضعة الرسول صلّى الله عليه و آله قد احتلّت عواطف أبيها، حتّى قرن رضاها برضاه، وسخطها بسخطه، وهي أسمى منزلة
1) صحيح البخاري - كتاب بدء الخلق: 4: 210، 219. کنز العمّال: 12: 112.فيض القدير: 4: 554
2) مسند أحمد بن حنبل: 4: 328. حلية الأولياء: 2: 40. صحيح البخاري -كتاب النكاح: 6: 158
3) الغدير: 7: 235
4) الشجنة: الرحم
5) كنز العمّال: 12: 111. المستدرك على الصحيحين: 3: 154
6) صحيح الترمذي: 2: 19. مسند أحمد بن حنبل: 4: 5
ظفرت بها سيّدة النساء، فليس هناك مكانة من تضاهي هذه المكانة التي التي تقلّدتها زهراء الرسول عليهاالسّلام.
7 - روى أبو هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه و آله قال: «أَوَّلُ شَخْصٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فَاطِمَةُ سَلَامٌ اللهِ عَلَيْها» (1).
8 - روى الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام أنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله قال: «تُحْشَرُ ابْنَتِي فاطِمَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَعَلَيْها حُلَّةُ الكَرامَةِ، قَدْ عُجِنَتْ بِماءِ الْحَيَوانِ (2)، فَتَنْظُرُ إِلَيْهَا الْخَلَائِقُ، فَيَتَعَجَّبُونَ مِنْها، ثُمَّ تُكْسى حُلَّةٌ مِنْ حُلَلِ الْجَنَّةِ، عَلى أَلْفِ حُلَّةٍ مَكْتُوبٌ بِخَطٍ أَخْضَرَ: أَدْخُلُوا ابْنَةَ مَحَمَّدٍ صلّى الله عليه و آله الْجَنَّةَ عَلَى أَحْسَنِ صُورَةٍ، وَأَكْمَلِ هَيْبَةٍ، وَأَتَم كَرامَةٍ، وَأَوْفَرِ حَظِّ» (3).
أرأيتم هذه الكرامة التي منحها الله تعالى لسيّدة نساء العالمين عليهاالسّلام التي أخلصت لله تعالى، وأنابت إليه، وعبدته عبادة العارفين والمتّقين.
9 - أخذ النبيّ صلّى الله عليه و آله بيد سيّدة النساء عليهاالسّلام ، وقال أمام المسلمين معلناً سموّ منزلتها، وعظيم شأنها، قال: «مَنْ عَرَفَ هَذِهِ فَقَدْ عَرَفَهَا، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهَا فَهِيَ فَاطِمَةً بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَهِيَ بَضْعَةٌ مِنِّي، وَهِيَ قَلْبِي، وَهِيَ رُوْحِيَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيَّ، مَنْ آذَاهَا فَقَدْ آذانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ» (4).
10 - وأخرج أحمد بن حنبل في مسنده أنّ النبيّ صلّى الله عليه و آله قال البضعته: «فَداكِ أَبُوكِ»، قال ذلك ثلاث مرّات (5).
11 - روى الإمام الحسين عليه السّلام أن رسول الله صلّى الله عليه و آله قال: «فاطِمَةُ بَهْجَةُ قَلْبِي، وَابْناها ثَمَرَةً فُؤادِي، وَبَعْلُها نُورُ بَصَرِي، وَالْأَئِمَّةُ مِنْ وِلْدِها أَمَنَاءُ رَبِّي وَحَبْلُهُ الْمَمْدُودُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، مَنِ اعْتَصَمَ بِهِ نَجا، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ هَوى» (1).
12 – قال صلّى الله عليه و آله: إِنَّ فاطِمَةَ شَجَنَةٌ مِنِّي، يُؤْذِينِي ما آذاها، وَيَسُرُّني ما سَرَّها» (2).
13 - قال رسول الله صلّى الله عليه و آله لعليّ: «أَنْتَ مَعِي فِي قَصْرِي فِي الْجَنَّةِ مَعَ فَاطِمَةَ ابْنَتِي، وَأَنتَ أَخِي وَرَفِيقِي»، ثمّ تلا قوله تعالى: « «إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ» (3)» (4).
هذه بعض الأحاديث الخاصة في سيّدة النساء عليهاالسّلام، وقد أعلنت سموّ منزلتها، وعظيم شأنها عند الله تعالى، ونعرض إلى طائفة أُخرى أُثرت عن النبيُ صلّى الله عليه و آله في فضل عموم عترته.
وتواترت الأخبار النبوية المجمع على صحتها في فضل العترة الطاهرة ولزوم
التمسّك بهم، وهذه بعضها:
إنّ حديث الثقلين من أروع الأحاديث النبويّة، ومن أصحّها سنداً، ومن أكثرها انتشاراً بين المسلمين، دوّنته الصحاح والسنن، وتلقّاه العلماء بالقبول.
ومن الجدير بالذِّكر أنّ النبيّ صلّي الله عليه و آله أدلى بهذا الحديث في مواضع متعدّدة كان منها:
1 - روى زيد بن أرقم أنّ النبيّ صلّي الله عليه و آله قال: «إِنِّي تَارِكٌ فِيْكُمُ الثَّقَلَيْنِ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِما لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، أَحَدُهُما أَعْظَمُ مِنَ الْآخَرِ: كِتابَ اللَّهِ، حَبْلُ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ؛ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، وَلَنْ يَفْتَرِنَا حَتَّى يَرِدا عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيْهِمَا» (1).
2 - روى جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: رأيت رسول الله صلّي الله عليه و آله وهو في حجّه يوم عرفة على ناقته القصواء يخطب وهو يقول: «أَيُّها النَّاسُ، إِنِّي تَرَكْتُ فِيْكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا، كِتابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي» (2).
3 - روى زيد بن أرقم قال: نزل رسول الله صلّي الله عليه و آله الجحفة، ثمّ أقبل على الناس فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: «إِنِّي لَا أَجِدُ لِنَبِيَّ إِلَّا نِصْفَ عُمْرِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ أَدْعِيَ، فَمَا أَنتُمْ قَائِلُونَ؟
فسارعوا قائلين: نَصَحْتَ.
ثمّ خاطبهم ثانياً قائلاً: أَلَيْسَ تَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ؟
وعلت أصواتهم بلهجة واحدة قائلين: نَشْهَدُ.
ورفع النبيّ صلّي الله عليه و آله يده فوضعها على صدره الشريف وقال: أَلَا تَسْمَعُونَ؟
نَعَمْ.
فَإِنِّي فَرَطٌ (3)عَلَى الْحَوْضِ، وَأَنْتُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ، وَأَنَّ عَرْضَهُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَيُصْرى، فِيهِ أَقْداحٌ عَدَدُ النُّجُوْمِ مِنْ فِضَّةٍ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِي الثَّقَلَيْنِ؟
فناداه من بهو المجلس منادٍ: وما الثقلان يا رسول الله؟
كِتابُ اللهِ طَرَفٌ بِيَدِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَطَرَفٌ بأَيْدِيكُمْ فَتَمَسَّكُوا بِهِ، وَالْآخَرُ عَشِيْرَنِي (1)، وَإِنَّ اللَّطِيفَ الْخَبِيرَ نَبَّأَنِي أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرقا حَتَّى يردا عَلَى الْحَوْضَ، فَسَأَلْتُ ذلِكَ رَبِّي، فَلَا تَقَدَّمُوهُما فَتَهْلِكُوا، وَلَا تُقَصِّرُوا عَنْهُمَا، وَلَا تُعَلِّمُوْهُمْ فَهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ.
ثمّ أخذ بيد عليّ وقال: مَنْ كُنْتُ أَوْلَى بِهِ مِنْ نَفْسِهِ فَعَلِيٌّ وَلِيُّهُ، اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ، وَعَادِ مَنْ عاداه» (2).
4 - خاطب النبيّ صلّي الله عليه و آله أصحابه وهو على فراش الموت قائلاً: «أَيُّها النّاسُ، يُوشِكُ أَنْ أَقْبَضَ قَبْضاً سَرِيعاً، فَيُنْطَلَقُ بِي، وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمُ الْقَوْلَ مَعْذِرَةٌ إِلَيْكُمْ أَلَا إِنِّي مُخَلِّفٌ فِيْكُمْ كِتابَ رَبِّي عَزَّ وَجَلٌ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي.
ثمّ أخذ بيد سيّد العترة الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام وقال: هذا عَلِيٌّ مَعَ الْقُرْآنِ، وَالْقُرْآنُ مَعَ عَلِيٌّ، لَا يَفْتَرِقانِ حَتَّى يَرِدا عَلَيَّ الْحَوْضَ» (3).
ولا بدّ لنا من وقفة أمام هذا الحديث بجميع صوره التي نقلناها ما وهي:
أمّا سند هذا الحديث فهو من أوثق الأدلّة سنداً، وقد نقل المناوي عن السمهودي أنّه قال: «وفي الباب ما يزيد على عشرين من الصحابة كلّهم قد رووا هذا الحديث» (4).
وقال ابن حجر: «ولهذا الحديث طرق كثيرة عن بضع وعشرين صحابياً» (1).
ولا يخامر الشكّ أي باحث بتواتر هذا الحديث، وأنّه سالم من الوضع والضعف.
أمّا هذا الحديث فهو يدلّ - بوضوح - على عصمة أهل البيت عليهم السّلام من كلّ إثم وزیغ، فقد قرنهم الرسول الله بكتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فكذلك العترة، وإلا لما صحت المقارنة بينهما.
ومن الطبيعي أنّ أي انحراف في سلوك أهل البيت يعدّ افتراقاً عن كتاب الله العزيز، وقد أعلن النبيّ صلّي الله عليه و آله أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليه الحوض، وقد عرض جماعة من أعلام الفكر الإسلامي إلى معطيات هذا الحديث الشريف.
من الأحاديث النبويّة الشريفة في فضل العترة الطاهرة هذا الحديث المعروف بحديث السفينة.
روى أبو سعيد الخدري، قال: سمعت النبيّ صلّى الله عليه و آله يقول: «إِنَّما مَثَلُ أَهْل بَيْتِي فِيكُمْ كَسَفِينَةِ نُوحٍ، مَنْ رَكِبَهَا نَجَا، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا فَرِقَ وَهَوى، وَإِنَّما مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي فِيكُمْ مَثَلُ بابٍ حِطْةَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، مَنْ دَخَلَهُ غُفِرَ لَهُ» (2).
حكى هذا الحديث الشريف الأهميّة البالغة لأهل بيت الوحي سلام الله عليهم، فإنّ التمسّك بهم نجاة للأُمّة وسلام لها من الغرق في متاهات هذه الحياة.
وعلّق الإمام الأعظم شرف الدين قدّس الله مثواه على هذا الحديث بقوله: «وأنت تعلم أنّ المراد من تشبيههم عليهم السّلام بسفينة نوح أنّ من لجأ إليهم في الدارين فأخذ فروعه وأصوله عن أئمّتهم نجا من عذاب النار، ومن تخلّف عنهم كان كمن اوى يوم الطوفان إلى جبل ليعصمه من أمر الله غير أنّ ذاك غرق في الماء، وهذا في الحميم، والعياذ بالله.
والوجه في تشبيههم عليهم السّلام بباب حطّة هو أنّ الله تعالى جعل ذلك الباب مظهراً من مظاهر التواضع لجلاله، والبخوع لحكمه، وبهذا كان سبباً للمغفرة.هذا وجه الشبه، وقد حاول ابن حجر إذ قال - بعد أن أورد هذه الأحاديث وغيرها من أمثالها-:
ووجه تشبيههم بالسفينة أنّ من أحبّهم، وعظّمهم شكراً لنعمة شرفهم، وأخذ بهدي علمائهم نجا من ظلمة المخالفات، ومن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم، وهلك في مفاوز الطغيان - إلى أن قال-: «وباب حطّة» يعني وجه تشبيههم بباب حطّة، أنّ الله تعالى جعل دخول ذلك الباب الذي هو باب أريحا أو بيت المقدس مع التواضع والاستغفار سبباً للمغفرة، وجعل لهذه الأُمّة مودّة أهل البيت عليهم السّلام سبباً لها» (1).
فرض النبيّ صلّى الله عليه و آله على المسلمين مودّة أهل بيته، وجعل التمسّك بهم أمان لهم من المهالك. قال: «النُّجُومُ أمان لأهْلِ الْأَرْضِ مِنَ الْفَرَقِ، وَأَهْلُ بَيْتِي أَمَانٌ لِأُمِّتِي مِنَ الْإِخْتِلافِ، فَإِذا خَالَفَتْهُمْ قَبِيلَةٌ مِنَ الْعَرَبِ اخْتَلَفُوا فَصَارُوا حِزْبَ إِبْلِيسَ» (2).
أعلن النبيّ له في كثير من أحاديثه أنّه سلم لمن سالم أهل بيته، وحرب لمن حاربهم. قال صلّى الله عليه و آله لعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السّلام: «أَنا حَرْبٌ لِمَنْ حارَبْتُمْ، له وَسِلْمٌ لِمَنْ سَالَمْتُمْ» (1).
روى أبو بكر، قال: «رأيت رسول الله صلّى الله عليه و آله وهو متّكئ على قوس عربية، وفي الخيمة عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السّلام، فقال: «مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ، أَنَا سِلْمٌ لِمَنْ سَالَمَ أَهْلَ هذِهِ الْخَيْمَةِ، وَحَرْبٌ لِمَنْ حارَبَهُمْ، وَوَلِيٍّ لِمَنْ وَالَاهُمْ، لَا يُحِبُّهُمْ إِلَّا سَعِيدُ الْجَدْ، وَلَا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا شَقِيُّ الْجَدْ رَدِي الْوِلَادَةِ» (2).
ومعنى الحديث أنّ النبيّ صلّى الله عليه و آله جعل أهل بيته بمنزلة نفسه، فهو سلم لمن سالمهم، وحرب لمن حاربهم.
قال صلّى الله عليه و آله وقد أخذ بيد الحسن والحسين عليهماالسّلام: «مَنْ أَحَبَّنِي وَأَحَبَّ هَذَيْنِ وَأَبَاهُمَا وَأُمَّهُما كَانَ مَعِي فِي دَرَجَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (3).
قال صلّى الله عليه و آله: «مَعْرفَهُ آلِ مُحَمَّدٍ بَراءَةٌ مِنَ النّارِ، وَحُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ جَوازٌ عَلَى
الصِّراطِ، وَالْوِلَايَةُ لِآلِ مُحَمَّدٍ أَمانٌ مِنَ الْعَذَابِ» (1).
قال رسول الله صلّى الله عليه و آله: «لَا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ - يوم القيامة - حَتَّى يُسْئَلَ عَنْ أَرْبَعِ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَ أَقْناهُ، وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ فِيمَ أَنْفَقَهُ وَمِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَعَنْ مَحَيَّتِنا أَهْلَ الْبَيْتِ» (2).
قال صلّى الله عليه و آله: «واجْعَلُوْا أَهْلَ بَيْتِى مِنْكُمْ مَكانَ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ، وَمَكَانَ الْعَيْنَيْنِ مِنَ الرَّأْسِ، وَلَا يَهْتَدِي الرَّأْسُ إِلَّا بِالْعَيْنَيْنِ» (3).
قال صلّى الله عليه و آله: «أَلَا مَنْ ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ شَهِيداً، أَلَا مَنْ ماتَ عَلَى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ مَغْفُوراً لَهُ، أَلَا مَنْ ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ تَائِباً، أَلَا مَنْ مَاتَ عَلَى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ مُؤْمِناً مُسْتَكْمِلاً لِلْإِيْمَانِ، أَلَا مَنْ ماتَ عَلَى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ بَشَرَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ ِبالْجَنَّةِ ثُمَّ مُنْكِرٌ وَنَكِيرٌ، أَلَا مَنْ ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ يُزَتُ إِلَى الْجَنَّةِ كَما تُزَفُ الْعَرُوسُ إلى بَيْتِ زَوْجِهَا، أَلَا مَنْ ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ فُتِحَ لَهُ فِي قَبْرِهِ بابانِ إِلَى الْجَنَّةِ، أَلَا مَنْ ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ جَعَلَ اللهُ قَبْرَهُ مَزارَ مَلَائِكَةِ الرَّحْمَنِ، أَلَا مَنْ ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ مَاتَ عَلَى السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ.
أَلَا مَنْ ماتَ عَلى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَكْتُوباً بَيْنَ عَيْنَيْهِ «آيِسٌ مِنْ
رَحْمَةِ اللهِ» (1).
هذه بعض الأحاديث التي دونتها الصحاح والسنن التي وردت عن النبيّ صلّى الله عليه و آله في فضل عترته الطيّبين الطاهرين؛ دعاة العدل، وأُمناء الله في بلاده، وحججه على عباده، وهي شاملة لبضعته سيّدة نساء العالمين صلوات الله عليها ورزقنا شفاعتها.
1) المراجعات: 59، نقلاً عن الإمام الثعلبي في تفسير آية المودّة من تفسيره الكبير
ولمّا أشرفت بضعة الرسول سلام الله عليها على ميعة الشباب هرع مشيخة الصحابة وعيونهم إلى النبيّ ليشرّفهم بمصاهرته، فلم يجبهم إلى ذلك، وممّن طلب منه ذلك أبو بكر، فردّه النبيّ صلّى الله عليه و آله وقال له: «أَنْتَظِرُ بِهَا الْقَضَاءَ».
وأعقبه عمر فردّه النبيّ بمثل ما ردّ به صاحبه (1).
وأشاع النبيّ صلّى الله عليه و آله أن أمر الزهراء عليهاالسّلام بيد الله تعالى، وليس له أي شأن فيه.
ولمّا علم المسلمون ذلك وجموا عن مذاكرته في ذلك، ومضت فترة من الزمن اجتمع في خلالها نفر من الصحابة بالإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، فذكروا له قربه من النبيّ صلّى الله عليه و آله، وشدّة بلائه في الإسلام، ومناصرته للنبيّ في جميع المواقف والمشاهد، وعرضوا عليه أن يخطب من النبيّ بضعته ليفوز بمصاهرته، ويحوز إلى شرف جهاده شرف المصاهرة، فسار عليه السّلام بين الإحجام والإقدام يسير في خطو متمهّل وئيد حتّى دخل على النبيّ صلّى الله عليه و آله وهو مطرق برأسه، فسارع إليه النبي صلّى الله عليه و آله قائلاً: ما حاجَتُكَ يا أَخِي؟
فغالبه الحياء برهة ثمّ أجاب: ذَكَرْتُ فَاطِمَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فأجابه الرسول والسرور بادٍ على وجهه وابتسامة على شفتيه قائلاً: مَرْحَباً، إِنَّ اللهَ
1) الطبقات الكبرى: 8: 11. تاريخ الخميس: 1: 407. ذخائر العقبي: 29
أَمَرَنِي أَنْ أَزَوِّجَكَ مِنِ ابْنَتِي (1).
وغمرت المسرّات قلب الإمام عليه السّلام بما منحه الله تعالى من الكرامة، فهو ابن عمّ الرسول صلّى الله عليه و آله ، وسيصبح له صهراً.
وورد في بعض التفاسير أنّه المعني بقوله تعالى: «وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً» (2)، والتفت النبيّ صلّي الله عليه و آله إلى أصحابه فأخبرهم بأنّ الله تعالى قد أمره أن يزوّج بضعته من الإمام عليه السّلام قائلاً: لَقَدْ أَتَانِي مَلَكَ فَقَالَ لِي: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يُفْرِؤُكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ لَكَ: إِنِّي زَوَّجْتُ فاطِمَةَ مِنْ عَلِيَّ فِي الْمَلَأُ الْأَعْلَى، فَزَوِّجْهَا مِنْهُ فِي الْأَرْضِ (3).
وانبرى الرسول صلّي الله عليه و آله نحو بضعته، وقد أُترعت نفسه الشريفة بالأفراح، فقال لها: زَوِّجْتُكِ خَيْرَ أُمَّتِي؛ أَعْلَمُهُمْ عِلْماً، وَأَفْضَلُهُمْ حِلْماً، وَأَوَّلُهُمْ سِلْماً» (4).
وقال لها ثانياً: يا فاطِمَةُ، أَمَا عَلِمْتِ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَاخْتارَ مِنْهُمْ أَباكِ، فَبَعَثَهُ نَبِيَّاً، ثُمَّ اطَّلَعَ ثانِيَةً فَاخْتَارَ بَعْلَكِ فَأَوْحَى إِليَّ فَأَنْكَحْتُهُ وَاتَّخَذْتُهُ وَصِياً (5).
وقال لها ثالثاً: إِنَّهُ لأَوَّلُ أَصْحَابِي إِسْلَاماً - أَوْ أَقْدَمُ أُمَّتِي سِلما-، وَأَكْثَرُهُمْ عِلْماً، وَأَعْظَمُهُمْ حِلْماً (6).
لقد توفّرت في شخصية الإمام المُثل الرفيعة، والقيم العليا، فاختاره الله تعالى
زوجاً لبضعة الرسول صلّي الله عليه و آله، وفي الحديث أنّه: «لَوْ لَمْ يُخْلَقُ عَلِيٌّ لَما كانَ لِفَاطِمَةَ كُفْءٌ» (1).
يا لروعة الإسلام في معالجته الحاسمة لجميع قضايا الإنسان، انظروا إلى بسام مهر الزهراء عليهاالسّلام الذي سنّه الرسول صلّي الله عليه و آله قاعدة لنساء أُمّته، حتّى لا تكون فيهنّ العوانس، ولا في الرجال العزّاب، لقد قال الرسول صلّي الله عليه و آله للإمام أمير المؤمنين عليه السّلام: يا عَلِيُّ، أَعِنْدَكَ شَيْءٌ ؟
عِنْدِي سَيْفِي وَدِرْعِي وَفَرَسِي.
وهذا كان كلّ ما يملكه، فقال له النبيّ صلّي الله عليه و آله: «أَمّا فَرَسُكَ فَلَا بُدَّ لَكَ مِنْها، وَأَمَا سَيْفُكَ فَلَا غِنى لَكَ عَنْهُ، وَأَمَا دِرْعُكَ فَبِعْهُ» (2)، وكان الدرع ممّا أفاء الله به عليه من غنائم بدر.
وانطلق الإمام إلى السوق فباع درعه بأربعمائة وثمانين درهماً، وجاء بالثمن معقوداً في طرف ثوبه (3)، فوضعه بين يدي الرسول صلّي الله عليه و آله، ويلاحظ في هذا المهر البساطة، وهو أقلّ ما يدفعه الفقراء مهراً لأزواجهم، فإنّ الإسلام لم ينظر إلى المهر إلّا بصورة زهيدة حتّى يسري ذلك بين المسلمين.
وتناول الرسول صلّي الله عليه و آله قبضة من الدراهم فأعطاها إلى بلال ليشتري بها شيئاً
من الطَّيب والروائح، وناول البعض الآخر إلى سلمان وأُمّ سلمة ليشتريا به بقيّة الأثاث، وما هي إلّا ساعة حتى تمّ جهاز العرس، وكانت محتوياته كما يلي:
1 - جلد كبش إذا أرادا أن يناما قلباه على صوفه.
2 - وسادة من أدم حشوها ليف.
3 - سرير من جريد النخل.
4 - رحيين.
5 - سقاء.
6 - جرّتين.
7 - أوانٍ من الخزف (1).
وغير ذلك ممّا هو زهيد في نظر الناس، ولكنّه في نظر الإسلام أثمن من الجوهر وأغلى من الأمتعة الثمينة التي يقدّمها الملوك وذوو الثراء العريض مهراً لأزواجهم.
وطرح الجهاز أمام النبيّ صلّي الله عليه و آله، فنظر إلى أواني الخزف فقال: بُورِكَ لِأَهْلِ بَيْتٍ جُلُّ آنِيَتِهِمْ مِنَ الْخَزَفِ.
وقام الإمام عليه السّلام فجهّز بيته، ففرش غرفة العرس بالرمل، وركز خشبتين ووصلهما بحبل ليكون منشراً للملابس، هذا هو بيت علىّ عليه السّلام وجهاز عرس سيّدة نساء العالمين عليهاالسّلام، ووصف شاعر أهل البيت العلّامة الفرطوسي رحمة الله عليه هذا البيت الرفيع الذي شيّد على الفضيلة والتقوى والزهد في الدنيا بقوله مخاطباً للإمام:
وَبَيتُكَ وَهوَ بَسِيطٌ بِما *** حَوَتْهُ جَوانِبُهُ الأَرْبَعُ
1) حياة الإمام الحسن بن عليّ عليهماالسّلام: 1: 31
فَزاوِيَةٌ مِنْهُ فِيها الحَصِيرُ *** إلى جَنْبِهِ جَرَّةٌ تُوْضَعُ
وَأُخْرَى بِها مِنْ جَرِيدِ النَّخِيلِ *** شريرٌ قَوائِمُهُ تُرْفَعُ
وَآنِيَةُ الطِّينِ وَهْيَ الكُؤوسُ *** وفى كَفَّ مالكها تُصْنَعُ
وَتِلْكَ رَحْى مَجَلَتْ راحَةً *** لِطَحْنِ الشَّعِيرِ بِها تُسْرِعُ
كَأَنَّ التَّواضُعَ فِيما حَواهُ *** شَعَارٌ بِهِ كُلِّهِ يَخْشَعُ (1)
واستنتج «لامنس» من بساطة جهاز عرس سيّدة النساء عليهاالسّلام أنّ الرسول صلّى الله عليه و آله كان يبغض فاطمة؛ لأنّه زوّجها من رجل فقير، وأنّ جهاز عرسها كان بسيطاً للغاية. وجهل «لامنس» بالشريعة الإسلامية قاده إلى هذا الاستنتاج، فقد كان فكره مشبّعاً بالحياة الغربية التي لم تع الإسلام فيما تبنّاه من أحكام رائعة، فقد كره زيادة المهر لتسهيل الزواج، وعدم تعقيده، فقال صلّى الله عليه و آله: «أَفْضَلُ نِساءِ أُمَّتِي أَقَلُهُنَّ مَهْراً» (2).
وتحدّث الإمام موسى الكاظم عليهماالسّلام عن بساطة الزواج في عهد جدّه الرسول صلّى الله عليه و آله، قال: «كانَ الرَّجُلُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ عَلَى السُّورَةِ مِنَ الْقُرْآنِ، وَعَلَى الدِّرْهَمِ، وَعَلَى الْحِنْطَةِ الْقَبْضَةِ» (3).
وقد زوَّج الرسول صلّى الله عليه و آله شخصاً من أصحابه لا يملك شيئاً على تعليم زوجته سورة من القرآن الكريم (4)، وسمِّي ذلك المهر مهر السورة.
إنّ الشريعة الإسلامية حثّت على الزواج، وتساهلت في الصداق، وألغت
التفاضل بين الزوجين بالنسب وغيره، وجعلت المسلم كفء المسلمة، وقد خفيت هذه القيم على «لامنس» الذي لا ينظر إلى الأشياء إلّا من زاوية المادة.
وأجرى الرسول صلّى الله عليه و آله خطبة عقد القران بين بضعته وبين الإمام عليه السّلام أمام جمع حاشد من الصحابة، وهذا نصّها:
«الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَحْمُودِ بِنِعْمَتِهِ، الْمَعْبُودِ بِقُدْرَتِهِ، الْمُطَاعِ بِسُلْطَانِهِ، الْمَرْهُوبِ مِنْ عَذَابِهِ وَسَطَواتِهِ، النَّافِذِ أَمْرُهُ فِي سَمائِهِ وَأَرْضِهِ، الَّذِي خَلَقَ الْخَلْقَ بِقُدْرَتِهِ، وَمَيَّزَهُمْ بِأَحْكامِهِ، وَأَعَزَّهُمْ بِدِينِهِ، وَأَكْرَمَهُمْ بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ.
إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَتْ عَظَمَتُهُ جَعَلَ الْمُصاهَرَةَ نَسَباً لاحقاً، وَأَمْراً مُفْتَرَضاً، أَوْشَجَ (1)بِهِ الْأَرْحَامَ، وَأَلْزَمَ الْأَنامَ، فَقَالَ عَزَّ مِنْ قائِل: «وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً» (2)، وَأَمْرُ اللهِ يَجْرِي إِلى قَضائِهِ، وَقضاؤُهُ يَجْرِي إِلى قَدَرِهِ، وَلِكُلِّ قَضاءِ قَدَرٌ، وَلِكُلٍّ قَدَرٍ أَجَلٌ، وَلِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ» (3).
ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَنِي أَنْ أَزَوِّجَ فَاطِمَةَ مِنْ عَلِيٌّ، ثُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ زَوَّجْتُ فاطِمَةَ مِنْ عَلِيٍّ عَلَى أَرْبَعِمَانَةِ مِثْقَالِ فِضَّةٍ إِنْ رَضِيَ بِذلِكَ عَلَى السُّنَّةِ
الْقائِمَةِ، وَالْفَرِيضَةِ الْوَاجِبَةِ، فَجَمَعَ اللهُ شَمْلَهُما، وَبارَكَ لَهُما، وَأَطابَ نَسْلَهُما، وَجَعَلَ نَسْلَهُما مَقاتِيحَ الرَّحْمَةِ، وَمَعادِنَ الْحِكْمَةِ، وَأَمْنَ الْاُمَّةِ. أَقُولُ قَوْلِي هذا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
ولم يكن الإمام حاضر خطبة العقد، وإنّما كان في حاجة لرسول الله صلّى الله عليه و آله، وبعد انتهاء خطبة العقد دخل على النبيّ صلّى الله عليه و آله، فلمّا رآه تبسّم وقال له: «يا عَلِيُّ، إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَزَوِّجَكَ فَاطِمَةَ، وَإِنِّي قَدْ زَوْجْتُكَهَا عَلَى أَرْبَعِمَانَةِ مِثْقَالِ فِضَّةٍ» (1).
وأمر النبيّ صلّى الله عليه و آله الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام أن يتكلم فانبرى قائلاً:
«الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَرُبَ مِنْ حَامِدِيهِ، وَدَنَا مِنْ سَائِلِيهِ، وَوَعَدَ الْجَنَّةَ مَنْ يَتَّقِيهِ، وَأَنْذَرَ بِالنَّارِ مَنْ يَعْصِيهِ، نَحْمَدُهُ عَلى قَدِيمِ إِحْسانِهِ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَهْدِيهِ، وَنُؤْمِنُ بِهِ، وَنَسْتَكْفِيهِ، وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهادَةً تَبْلُغُهُ وَتُرْضِيهِ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صلّى الله عليه و آله، صَلَاةٌ تُزْلِفُهُ وَتُحْظِيهِ، وَتَرْفَعُهُ وَتَصْطَفِيهِ، وَالنِّكاحُ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَيُرْضِيهِ، وَهَذا رَسُولُ اللَّهِ زَوَّجَنِي ابْنَتَهُ فَاطِمَةَ عَلَى خَمْسِمَائَةِ دِرْهَمٍ، وَقَدْ رَضِيتُ، فَاسْأَلُوهُ وَاشْهَدُوا ».
وانبرى النبيّ قائلاً: «قَدْ زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي فاطِمَةَ عَلى ما زَوْجَكَ الرَّحْمَنُ، وَقَدْ رَضِيْتُ بِما رَضِيَ اللهُ لَهَا، فَنِعْمَ الْخَتَنُ أَنْتَ، وَنِعْمَ الصَاحِبُ أَنْتَ، وَكَفاكَ بِرِضَى اللهِ رضاً» (2).
وبادر الإمام بالرضا والقبول، ثمّ خرّ ساجداً الله تعالى شاكراً له على هذه النعمة
التي تفضّل بها عليه، ودعا النبيّ صلّى الله عليه و آله للإمام ولبضعته قائلاً: «بارَكَ اللهُ لَكُما، وَعَلَيْكُما، وَأَسْعَدَ جَدَّكُما، وَجَمَعَ بَيْنَكُما، وَأَخْرَجَ مِنْكُمَا الْكَثِيرَ الطَّيِّبَ» (1).
وكان مجلس العقد في الجامع النبوي (2).
وأمر النبيّ صلّى الله عليه و آله بتقديم وعاء فيه بُسَر، فأخذ المدعوّون منه (3).
ثمّ تفرّق المدعوّون وهم يدعون للزوجين بالسعادة والهناء والذرّية الطاهرة.
ولمّا حانت ليلة اقتران النورين التفت النبيّ صلّى الله عليه و آله إلى علي فقال له: «يا عَلِيُّ، لَا بُدَّ لِلْعَرُوسِ مِنْ وَلِيمَةٍ» (4)
ولم يكن عند الإمام شيء، فتبرّع سعد بن عبادة بكبش، كما تبرّع بعض الأنصار بأصوع من ذُرة (5)، وصُنِع الطعام، ودُعِي عليه المسلمون وقت العشاء، وأعطى النبيّ صلّى الله عليه و آله دراهماً إلى الإمام عليه السّلام وقال له: «اشْتَرِ سَمْناً وَتَمْراً وَأَقِطاً»، فاشترى الإمام ذلك وجاء به إلى النبي صلّى الله عليه و آله، وحسر النبيّ عن ذراعيه، ودعا بسفرة من أدم، وجعل يشدّخ (6)التمر والسمن ويخلطهما بالأقط، حتّى اتّخذه حيساً (7)، وقدّمه إلى المدعوّين.
وكان الطعام من أفضل ما قُدّم في مثل هذه المناسبة.
تقول أسماء: ما كانت وليمة في ذلك الزمان أفضل من وليمة عليّ (1)
وفي الرياض النضرة: 2: 182: عن جابر، قال: حضرنا عرس عليّ، فما رأيت عرساً أحسن منه، حشونا البيت طيباً، وأتينا بتمر وزيت فأكلنا منه»
. وتناول المدعوون طعام العشاء، وبعد فراغهم منه أقبلوا يهنئون الإمام عليه السّلام ويباركون زواجه.وحدّث الرسول صلّى الله عليه و آله بضاعته عن منزلة عليّ ومقامه عنده قائلاً لها: «أما تَدْرِينَ ما مَنْزِلَةٌ عَلِيَّ عِنْدِي؟ كَفَانِي أَمْرِي وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةٌ، وَضَرَبَ بَيْنَ يَدَيَّ بِالسَّيْفِ وَهُوَ ابْنُ سِنَّ عَشْرَةَ سَنَةٌ، وَقَتَلَ الْأَبْطَالَ وَهُوَ ابْنُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةٌ، وَفَرَّجَ هُمُومِي وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةٌ، وَرَفَعَ بِابَ خَيْبَرَ وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةٌ» (2).
أمّا البيت الذي تزوّج به الإمام عليه السّلام فهو من بيوت حارثة بن النعمان، وقد استحيى النبيّ صلّى الله عليه و آله أن يأخذه منه، فلمّا علم ذلك خفّ مسرعاً إلى النبيّ صلّى الله عليه و آله وقال له: يا رسول الله، أنا ومالي الله ولرسوله. والله! ما من شيء أحبُّ إليَّ ممّا تأخذه، والذي تأخذه أحبُّ إليَّ ممّا تتركه، فجزّاه النبيّ صلّى الله عليه و آله خيراً وتحوّلت فاطمة إليه (3).
طلب النبي صلّى الله عليه و آله من أُمّ سلمة أن تذهب بكريمته إلى دار أمير المؤمنين عليه السّلام
الملاصق للجامع النبويّ، فمضت بها أُمّ سلمة مع حفنة من نساء المهاجرين والأنصار، فَزَفَفْنَ بضعة رسول الله صلّى الله عليه و آله، وهنّ يرتّلن الأهازيج والأشعار، وبعدما أدىّ النبيّ صلّى الله عليه و آله صلاة العشاء انطلق إلى دار الإمام فاستقبلته أُمّ أيمن، فقال لها بصوت فيّاض بالبشر: هاهُنا أَخِي؟
وراحت أُمّ أيمن تقول: بأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَخُوكَ؟
«عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
كيف يكون أخاك وقد زوجته ابنتك؟
هُوَ ذلِكَ يا أُمَّ أَيْمَنَ.
ودخل النبيّ صلّى الله عليه و آله فنهض الزوجان تكريماً وإجلالاً له، والتفت النبيّ صلّى الله عليه و آله إلى فاطمة عليهاالسّلام وأمرها أن تناوله ماءً فأحضرت له قعباً (1)فيه ماء، فأخذ منه شربة ومجّها فيه، وقال لها: قُوْمِي فنضح بعض ذلك الماء على ثدييها ورأسها، ثمّ رفع رأسه بالدعاء قائلاً: اللهمَّ إِنِّي أعِيدُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.
ثمّ أمر عليّاً أن يُحضر له قعباً فيه ماء ففعل، فأخذه النبيّ صلّى الله عليه و آله وتناول منه شربة ومجّها فيه، ثمّ صبّه على رأسه وأخذ يدعو له قائلاً: اللّهُمَّ إِنِّى أَعِيْذُهُ بِكَ وَذُرِّيَّتَهُ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيم. ثمّ قال له: أَدْبِرُ، فأدبر، وصبّ بقيّة الماء، ثمّ دعا له، وأمره بالدخول على أهله (2).
وكسب الإمام أهمّيّة بالغة في الأوساط الإسلاميّة باقترانه ببضعة الرسول صلّى الله عليه و آله، ففي الحديث: «كَانَ لِعَلِيٌّ وَجْهُ مِنَ النَّاسِ حَياةَ فاطِمَةَ - أي جاه» (3).
وقال النبيّ صلّى الله عليه و آله لفاطمة: لَقَدْ زَوَّجْتُكِ سَيِّداً فِي الدُّنْيا وَسَيْداً فِي الْآخِرَةِ، لَا يُبْغِضُهُ إِلَّا مُنافِقٌ (1).
وخلعت بضعة الرسول صلّى الله عليه و آله ثواب او عرسها في ليلة زفافها، ودفعته لفتاة فقيرة، وفي اليوم الثاني دخل الرسول صلّى الله عليه و آله عليها فلم ير ثوب عرسها عليها، فسألها عنه، فقالت له: أَبَتاهُ، لَقَدْ طَرَقَتْ عَلَيَّ الْبابَ فَتاةٌ فَقِيرةٌ تَطْلُبُ ثَوْباً، فَأَخَذْتُ ثَوْبِيَ الْقَدِيمَ لأَدْفَعَهُ لَها إِلَّا أَنَّى تَذَكَّرْتُ قَوْلَ اللَّهِ تَبَارَكَ وتعالى: «لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ» (2)، وَأَنا أُحِبُّ الثَّوْبَ الْجَدِيدَ فَآتَرْتُها عَلَى نَفْسِي، وَأَعْطَيْتُهُ لَها (3).
أيّة نفس ملائكيّة هذه النفس التي تمثل الإسلام بجميع قيمه؟
إنّها نفس محمّد صلّى الله عليه و آله نبيّ الرحمة الذي بعثه الله بلطفه رحمةً للعالمين، وكذلك بضعته رحمة في سلوكها، وفي عطائها ومُثُلها.
وعلى أي حال، فإنّ تأسيس هذا البيت الرفيع كان في السنة الثانية من الهجرة (4). وقيل غير ذلك.
كما قيل إنّ عمر الزهراء عشر سنين (5)، وعمر الإمام إحدى وعشرون سنة وخمسة أشهر (6).
فاطِمَةٌ خُيرُ نِساءِ البَشَر *** ومَن لَها وَجْهُ كَوَجهِ القَمَر
فَضَّلَكِ اللهُ عَلى كُلِّ الوَرَى *** بِفَضْلِ مَنْ خُصّ بِآيِ الزُّمَرِ
زَوْجَكِ اللهُ فَتَى فَاضِلاً *** أَعني عَليّاً خَيرَ مَنْ فِي الحَضَرِ
فَسِرن جاراتي بها إنَّها *** كريمَةٌ بِنتُ عَظيمِ الخَطَرِ (1)
سِرنَ بِعَوْنِ اللهِ جاراتي *** وَاشْكُرْنَهُ في كُلِّ حالاتِ
وَاذْكُرنَ ما أَنعَمَ رَبُّ العُلى *** منْ كَشفِ مكروه وآفات
فَقَدْ هَدَانَا بَعْدَ كُفرٍ وَقَدْ *** أَنْعَشَنا رَبُّ السَّماواتِ
وَسِرْنَ مَع خَيرٍ نِساءِ الوَرَى *** تُفْدى بعمات وخالاتِ
يا بنتَ مَن فَضَّله ذُو العُلى *** بالوَحْيِ مِنهُ والرّسالات (2)
يا نِسوَة اسْتُرنَ بِالمعاجِرْ (3)*** وَاذْكُرنَ ما يَحْسُنُ فِي المَحاضِرْ
وَاذْكُرنَ رَبِّ النَّاسِ إِذْ خَصَّنا *** بدِينِهِ مَعْ كُلِّ عَبْدٍ شَاكِرْ
وَالحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِفْضالِهِ *** وَالشُّكرُ لِلهِ العزيز القادِرُ
سرْنَ بِها فَاللَّهُ أَعلى ذِكرَها *** وَخَصَّها مِنْهُ بِطُهْرٍ طَاهِرُ (1)
أقُولُ قَولاً فِيهِ ما فِيهِ *** وَأَذكُرُ الخَيرَ وَأبديهِ
مُحَمَّدٌ خَيرُ بَنِي آدَمٍ *** ما فيهِ مِنْ كِبْرٍ وَلَا تِيهِ (2)
بِفَضْلِهِ عَرَّفَنا رُشْدَنا *** فَالله بالخيرِ مُجازِيهِ
وَنَحْنُ مَعْ بِنْتِ نَبِيُّ الهُدى *** ذي شَرَفٍ قَدْ مَكُنَتْ (3)فيهِ (4)
وَاللهُ زَوَّجَهُ الزَّكِيَّةَ فاطِماً *** في ظِلِّ طُوبى مَشْهَداً مَحْضورا
كانَ المَلائِكُ ثَمَّ فِي عَدَدِ الحَصَى *** جَبْرِيل يَخْطُبُهُمْ بِها مَسْرُورا
يَدْعُولَهُ وَلَها وَكانَ دُعاؤُهُ *** لَهُما بِخَيرٍ دائِماً مَذْكورا
حتّى إذا فَرَغَ الخَطِيبُ تَتابَعَتْ *** طُوبى تُساقِطُ لُؤلُواً مَنْثُورا
وَتُهيلُ ياقوتاً عَلَيهِمْ مَرَّةً *** وَتُهيلُ دُرّاً تارَةً وَشُذُورا
فَتَرى نِساءَ الحُورِ يَنْتَهِبُونَهُ *** حُوراً بذلك يَهْتَدينَ الحُورا
فَإِلى القِيامَةِ بَيْنَهُنَّ هَدِيَّةٌ *** ذاكَ النِّثَارُ عَشِيَةً وَيُكورا (5)
وَأَرادَ رَبُّ العَرشِ أَنْ تلْقي بِها *** شَجَرٌ كَريمُ العِرقِ وَالأَغصانِ
فقَضى فَزَوَّجَهَا عَليّاً إِنَّهُ *** كانَ الكَفِى لَها بِلا نُقصانِ
وَقَضى الإِلهُ بِأَن تولّد مِنهُما *** وَلَدَانِ كَالقَمَرَيْنِ يَلْتَقِيانِ
سِبْطا مُحَمَّدٍ الرَّسولِ وَفِلذتا *** كَبِدِ البَتول كذاكَ يَعتَلِقانِ
فَبَنى الإِمَامَةَ وَالخِلافَةَ وَالهُدى *** بَعدَ الرِّسالَةِ ذانَكَ الوَلَدانِ (1)
وَزُوِّجَ بِالطُّهرِ البَولَةِ فاطِمٍ *** وَرُدَّ سِواهُ كاسِفَ البال (2)مَن حُقِرْ
وخاطِبُها جَبْرِيلُ لَمّا أَتى بهِ *** وَمَنْ شَهِدَ الأملاك يَلْقُطنَ ما نُثِرْ
تَناثَرَ ياقُوتُ وَدُرٌ وجَوْهَرٌ *** وَمِسْك وَكَافُورٌ مِنَ الخُلدِ قَدْ نُثِرْ
وَقُولا لَهُ يا خاطبيها بِحَسْرَة *** تَزَوْجَتِ الشَّمْسُ المُنيرةُ بالقَمَرُ
وَيَطلُعُ مِنْ شَمْسِ الضُّحى قَمَرُ الدُّجى *** كَواكِبُ قَدْ لاحَتْ لَنا إِحْدَى عَشَرْ (3)
صِدِّيقةٌ خُلِقَتْ لِصِدّ *** يقٍ شَرِيفٍ في المناسِبْ
اخْتارَهُ وَاخْتارَها *** طُهْرَينِ مِنْ دَنَسِ المَعايِبُ
اسْماهُما قُرِنا عَلى *** سَطْرٍ بِظِلُ العَرْشِ راتِبْ
كانَ الإلهُ وَليَّها *** وَأَمِينُهُ جَبْرِيلُ خَاطِبٌ
وَالمَهْرُ خُمسُ الأَرضِ مَو *** هِبةٌ تَعالَتْ فِي المَواهِبْ
ونهابُها (1)مِن حَمْلِ طُو *** بي طُيِّبَتْ تِلكَ المَناهِب (2)
زُوجَتْ في السَّمَاءِ طُهْراً وَيُمْناً *** وَعَلاهُ بِسَيْدِ الأَوْصِياءِ
كانَ جَبْرِيلُ خاطباً لِعَلىٍّ *** بَضْعَةَ الطَّهرِ مِنْ كَرِيمِ العَطاءِ
وَجَميعُ المَلائِكِ الغُرَّ كانوا *** في زواج الزهرا مِنَ الشُّهَداءِ
نَثَرَتْ في الزَّفافِ لِلحُورِ طُوبى *** ما عَلَيها بِغِبْطَةٍ وَهَنَاءِ
دُرَراً مِنْ كَرامَةٍ وَجُماناً (3)تتهادى بِهِ لِيَوْمِ الجَزَاءِ
وَأَتاها أَنِ احْمِلي بِرِقاقٍ (4)*** خُطُ فيها بَراءَةُ الأَوْلِياءِ (5)
أقام النبيّ صلّي الله عليه و آله لبضعته بيتاً مجاوراً للجامع الأعظم، وفتح له باباً عليه، ولمّا أمر النبيّ صلّي الله عليه و آله بغلق الأبواب المفتوحة على الجامع استثنى منها باب سيّدة نساء العالمين عليهاالسّلام، تكريماً وتعظيماً لها (6).
يقول الصاحب بن عبّاد في مدحه للإمام:
وَما سُدَّ عَنْ خَيْرِ المَساجِدِ بابُهُ *** وأَبْوَابُهُمْ إِذْ ذاكَ عَنْهُ تُسَدُّ
يقول الشيخ الإصفهاني:
وبابها الرَّفِيعُ بابُ الرَّحمَه *** وَمُستَجارُ كُلِّ ذي مُلِمَّه
وَما الخطيمُ عِند باب فاطِمَه *** بِنورِها تُطفأ نارُ الحاظِمَه
وَبَيتُها المَعمورُ كَعْبَةُ السَّما *** أَضْحَى شَراهُ لِلتُّريَا مَلْتَما
وعد ابن عمر من المناقب التي حظي بها الإمام عليه السّلام سدّ النبيّ صلّي الله عليه و آله للأبواب التي كانت على المسجد إلّا باب عليّ عليه السّلام (1).
وكانت أُمّ الإمام السيّدة الزكية فاطمة معه في داره، ووزّع الإمام شؤون البيت عليها وعلى سيّدة نساء العالمين عليهاالسّلام، فجعل شؤون البيت الداخلية من تهيئة الطعام وغيره عليها، وشؤونه الخارجية على والدته (2).
كانت بضعة الرسول صلّي الله عليه و آله تقوم بمنزلها بالأعمال التالية:
وكانت زهراء الرسول عليهاالسّلام تقوم بتهيئة الطعام لزوجها وأبنائها، فكانت تطحن
الشعير - على الأكثر -، أو الحنطة، ثمّ تقوم بعجنه وخبزه، وقد عيّرها بذلك المعتزّ العبّاسي فردّ عليه صفي الدين الحلّي بقوله:
عَيْرْتَها بِالرَّحَى وَالرّادُ تَطْحَنُهُ *** لا زالَ زادُكَ حَبّاً غَيْرَ مَطْحُونِ
إنّ سيرة الزهراء سلام الله عليها تحكي سيرة الأنبياء والأوصياء الذين أعرضوا عن الدنيا، ولا صلة لها بسيرة ملوك بني العبّاس ونسائهم الذين نهبوا أموال المسلمين وأنفقوها على شهواتهم ولياليهم الحمراء، ورحم الله أبا فراس الذي قارن بين العلويّين والعباسيّين بقوله:
تُمْسِي التلاوَةُ فِي أَبْيَاتِهِمْ سَحْراً *** وَفي بِيُوتِكُمُ الأَوْتَارُ وَالنَّغَمُ
من الأعمال التي تولّت زهراء الرسول عليهاالسّلام القيام بها في داخل البيت تنظيفه من القمامة وغيرها، وقد أثّر ذلك على ثيابها؛ لأنّ البيت لم يكن مفروشاً بغير التراب.
وكانت سلام الله عليها تغزل ملابس أبنائها وزوجها بيديها الطاهرتين، وكان للإمام أمير المؤمنين عليه السّلام قميص من غزلها يتّقي به في الحروب (1).
كان الإمام عليه السّلام يساعد سيّدة النساء في شؤون المنزل ويعينها على مهام البيت، وقد روى عليه السّلام قال: «دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه و آله وَفَاطِمَةُ عِنْدَ الْقِدْرِ، وَأَنا أَنفُي الْعَدَسَ فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ.
1) بحار الأنوار: 39: 54
لَبَّيْكَ.
اسْمَعْ مِنِّي ما أَقُولُ، وَما أَقُولُ إِلَّا مِنْ أَمْرِ رَبِّي، ما مِنْ رَجُلٍ يُعِينُ امْرَأَتَهُ فِي بَيْتِها إلا كانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ عَلَى بَدَنِهِ عِبادَةً سَنَةٍ ؛ صِيامُ نَهارِها وَقِيامُ لَيْلِها، وَأَعْطَاهُ اللَّهُ ثَوابَ الصَّابِرِينَ وَالصَّدِّيقِينَ (1).
وصرّحت بعض المصادر أنّ النبيّ صلّى الله عليه و آله قضى على ابنته فاطمة عليهاالسّلام بخدمة البيت، وقضى لعليّ عليه السّلام بما كان خارجاً من البيت من الخدمة (2).
وقد كانت الحياة بين الإمام عليه السّلام وسيدة النساء عليهاالسّلام حياة مودّة وأُلفة، وقد تحدّث الإمام عليه السّلام عن ذلك بقوله: «فَوالله! ما أَغْضَبْتُها وَلَا أَكْرَمْتُها عَلَى أَمْرٍ حَتَّى قَبَضَها اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا أَغْضَبَتْنِي وَلَا عَصَتْ لِي أَمْراً، وَلَقَدْ كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهَا فَتَنْكَشِفُ عَنِّي الْهُمُومُ وَالأحْزانُ» (3).
وبالاضافة إلى ما كانت تعانيه زهراء الرسول عليهاالسّلام من جهد ومشقّة في طحنها لطعام بيتها، فإنّها كانت تقوم بطحن طعام جيرانها من الضعفاء والعُجّز مبتغية بذلك الأجر عند الله تعالى.
روی سلمان الفارسي، قال: «مررت ذات يوم على بيت فاطمة عليهاالسّلام فسمعت الحسن والحسين عليهماالسّلام يبكيان، وهما طفلان صغيران، فرقَ قلبي لهما، فقلت لفاطمة، وأنا واقف على باب دارها: أريد أن أقوم بحمل الحسن والحسين عليهماالسّلام فقالت: يا سَلْمَانُ، لَيْسَ عَلَى رَأْسِي حِجَابٌ.
قال: فرميت لها بعباءتي، فتحجبت بها، وقامت إلى الحسن والحسين عليهماالسّلام، فجئت إلى الرحى التي كانت تطحن بها، فأخذت أُديرها، فوجدت أثر الدم على قطب الرحى فدهشت، فسألت فاطمة عليهاالسّلام عن ذلك فقالت: إنّها كانت تطحن القمح والشعير والحبوب لفقراء المدينة؛ لأنّهم لا يملكون رحىّ، فكانوا يأتون إليها بالطعام، ويسألونها أن تعينهم على طحنه، فكانت تطحنه لهم برفق وحنان» (1).
ودخل عليها رسول الله صلّي الله عليه و آله فرآها تطحن وعليها كساء من أوبار الإبل فبكى وقال لها: اصْبِرِي عَلَى مَرَارَةِ الدُّنْيا لِنَعِيمِ الآخِرَةِ غَداً (2).
وكانت في حال طحنها تتلو قوله تعالى: «وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى» (3).
ومن الأعمال التي كانت تسديها لضعفاء جيرانها من العجزة والنساء والأطفال أنّها كانت تملأ القربة من ماء الآبار وتحملها لهم، حتّى أثّر ذلك في متنها (4). سبحانك اللّهمّ أيّة مبرّة تضارع هذه المبرّة التي أسدتها بضعة الرسول سلام الله عليها على الفقراء والضعفاء؟
وأوصى النبيّ صلّي الله عليه و آله سيدة النساء عليهاالسّلام بضعته أنّ لا تلحٌ على زوجها بأن يأتي لها بأيّ شيء من أُمور الدنيا، فقد قالت له: كانَ رَسُولُ اللَّهِ صلّي الله عليه و آله نَهَانِي أَنْ أَسْأَلَكَ شَيْئاً.
فقال: لَا تَسْأَلِي ابْنَ عَمَّكِ شَيْئاً، إِن جَاءَكِ بِشَيْءٍ عَفْواً، وَإِلَّا فَلَا تَسْأَلِيهِ.
من الروايات الموضوعة التي لا نصيب لها من الصحّة ما رواه ثوبان مولى رسول الله صلّي الله عليه و آله أنّ ابنة هبيرة دخلت على رسول الله صلّي الله عليه و آله وفي يدها خواتيم من ذهب، فجعل رسول الله صلّي الله عليه و آله يقرع يدها بعصيّة معه وهو يقول: أيسرُّك أن يجعل الله في يدك خواتيماً من نار، وسارعت المرأة إلى سيّدة النساء عليهاالسّلام فأخبرتها بما صنع رسول الله صلّي الله عليه و آله معها، فقالت لها فاطمة عليهاالسّلام: انظري إلى هذه السلسلة من الذهب قد أهداها إليَّ أبو الحسن عليه السّلام، ولم تلبث إلا وقتاً قصيراً حتى دخل عليها النبيّ صلّي الله عليه و آله فقال لها: يا فاطمة، أمن العدل أن يقول النّاس: فاطمة بنت محمّد في يدها سلسلة من نار، ثمّ خرج عنها فعمدت إلى السلسلة فباعتها واشترت بثمنها عبداً وأعتقته، ولمّا سمع النبيّ صلّي الله عليه و آله ذلك قال: الحمد لله الذي نجّى فاطمة من النار.
وواضح جدّاً افتعال هذه الرواية:
أوّلاً: إنّ الإسلام لم يمنع بصورة جازمة من لبس المرأة للذهب، فكيف ندّد بابنة هبيرة للبسها الخواتيم من الذهب.
وثانياً: إنّ السلسلة الذهبية أهداها الإمام عليه السّلام لسيّدة النساء عليهاالسّلام فكيف تكون سلسلة من نار في يدها مع أنها مباحة لها.
وثالثاً: إنّ سيّدة النساء عليهاالسّلام قد حكى القرآن الكريم عصمتها فكيف تلبس محرّماً؟
وتظافرت الأخبار عن النبيّ أنّ أبناء سيّدة النساء فاطمة عليهاالسّلام أبناؤه وأولاده صلّي الله عليه و آله. ومن الجدير بالذِّكر أنّ إبراهيم ابن النبيّ توفّي في السنة الثانية من الهجرة، وبذلك
لم يكن للنبيّ عقب حسب العرف الجاهليّ، فشمت به المنافقون وفرحوا وقالوا إنّه لا عقب له، فنزل عليه الوحي بهذه السورة: «إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر» (1).
ونصّ المفسّرون على أنّ الكوثر هي سيّدة نساء العالمين عليهاالسّلام، وأنّ ذرّيّة الرسول الله صلّي الله عليه و آله منها، وأنّ الذي شمت برسول الله صلّي الله عليه و آله هو الأبتر، وكان النبيّ صلّي الله عليه و آله يكنّ في أعماق نفسه خالص المودّة السبطيه، وكان يرى أنّهما امتداد لحياته، وبلغ من حنانه على سبطيه أنّهما كانا في مراحل طفولتهما يمشيان ويعثران، فنزل عن المنبر فحملهما وهو يقول: «صَدَقَ اللهُ الْعَظِيمُ «أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ» (2)».
وكان إذا سمع أحدهما يبكي نادى بضعته: «ما بكاءُ هذا الطِّفْلِ؟ أَلَا تَعْلَمِينَ أَنَّ بكاءَهُ يُؤْذِينِي».
وكان يتولّى بنفسه القيام بشؤونهما، ففي إحدى الليالي سمع الحسن يريد الماء فقام صلوات الله عليه إلى قربة فأخذ منها ماءً فأراد الحسين أن يشرب فقدّم أخاه الحسن فسقاه، فقالت له فاطمة عليهاالسّلام: «كأَنَّهُ - أي الحسن - أَحَبُّ إِلَيْكَ». قال: «إِنَّما اسْتَسْقى أَوَّلاً»، ولفّهما في برد واحد، وقال لهما: «أَنَا وَأَنْتُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِي مَكانٍ واحِدٍ» (3).
وعلى أيّ حال، فهذه كوكبة من الأخبار التي أعلنت أنّ أبناء فاطمة عليهاالسّلام ينتمون إلى رسول الله صلّي الله عليه و آله وهو عصبتهم:
1 - روت فاطمة بنت الإمام الحسين عليه السّلام، بسندها عن جدّتها فاطمة الزهراء سلام الله عليها أن النبيّ صلّي الله عليه و آله قال: «كُلُّ بَنِي آدَمَ يَنْتَمُونَ إِلى عُصْبَتِهِمْ إِلَّا وُلْدُ فاطِمَةَ،
فَإِنِّي أنا أَبُوهُمْ وَأَنا عُصْبَتُهُم» (1).
2 - قال رسول الله صلّي الله عليه و آله: «إِنَّ لِكُلِّ بَنِي أَبِ عُصْبَةٌ يَنْتَمُونَ إِلَيْهَا إِلَّا وُلْدَ فَاطِمَةَ فَأَنا وَلِيُّهُمْ وَأَنا عُصْبَتُهُمْ، وَهُمْ خَلِقُوا مِنْ طِينَتِي، وَيْلٌ لِلْمُكَذِّبِينَ بِفَضْلِهِمْ، مَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللهُ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللهُ» (2).
3 - قال رسول الله صلّي الله عليه و آله: «وَكُلُّ وَلْدِ أَبِ فَإِنَّ عُصْبَتَهُمْ لِأَبِيهِمْ ما خَلَا وُلْدَ فاطِمَةَ فَإِنِّي أَنا أَبُوهُمْ وَعُصْبَتُهُمْ» (3).
4 - قال صلّي الله عليه و آله: «كُلُّ بَنِي أُمَّ يَنْتَمُونَ إِلَى عُصْبَةٍ إِلَّا وُلد فاطِمَةَ فَأَنا وَلِيُّهُمْ وَأَنا عُصْبَتُهُمْ» (4).
عليه واله
وأنكر الأمويّون أبوّة النبيّ صلّي الله عليه و آله لأبناء فاطمة عليهاالسّلام ذاهبين إلى أنّ ابن البنت ليس ابناً، وفي ذلك يقول الشاعر الجاهلي:
بنُونا بَنُو أَبْنائِنا وَيَناتُنا *** بَنُوهُنَّ أَبْناءُ الرَّجالِ الْأَباعِدِ
وهذا الاتّجاه الجاهلي قد حاربه الإسلام ولم يفرّق بين أبناء البنت وأبناء الولد، فهما في صعيد واحد.
ومن الجدير بالذِّكر أن نذكر القصّة التالية:
روى عامر الشعبي، قال: كنت جالساً عند الحجّاج في يوم عيد الأضحى فالتفت
إليَّ الحجّاج فقال لي: يا عامر، بِمَ يتقرّب الناس إلى الله في هذا اليوم ؟
يتقرّبون إلى الله بالأضحية.
ما رأيك في أن أُضحي برجل يوالي الحسن والحسين ؟
وأشار الحجّاج إلى جلاوزته بإحضاره، وما لبثوا أن أحضروا شيخاً مكبّلاً بالقيود، فصاح به الحجّاج: لا تزال على ضلالك ويُعدك عن الصواب ؟
ولِمَ.
تزعم أنّ الحسن والحسين ابنا رسول الله صلّي الله عليه و آله.
وانبرى الشيخ كالأسد يقيم الحجة على ذلك قائلاً: يا حجّاج، إنّ الحسن والحسين ابنا رسول الله صلّي الله عليه و آله.
هات ما عندك من البيّنة تؤكّد هذا المعنى.
وقرأ يحيى آية المباهلة.قال تعالى: «فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ» (1)، والحسن والحسين هما المعنيّان بالأبناء.
وصاح به الحجّاج بعنف: هل عندك غير هذه الآية، وإلّا ضربت عنقك.
وانبرى يحيى قائلاً: دع عنك آية المباهلة، وخذها آية أُخرى.
ما هي؟
قوله تعالى: «وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ» (2)إلى أن يصل إلى عيسى، فالقرآن يصرّح أنّ عيسى من ذرّيّة إبراهيم الخليل، وعيسى وُلِدَ من غير أب، فكيف صار ابناً لإبراهيم؟
فقال الحجّاج: إنّما صار عيسى من أبناء إبراهيم بسبب أُمّه مريم.
كم بين مريم وإبراهيم.
عدّة أجيال.
و انبرى يحيى بعزم وقوة بيان واستدلال قائلاً: ليس بين الحسن والحسين ورسول الله إلّا فاطمة، فهلا أذعنتم أنّهما ابنا رسول الله.
وأطرق الحجّاج برأسه إلى الأرض فقد أفحمه يحيى، ولم يجد وسيلة يتمسّك بها على ما ذهب إليه، فالتفت إلى غلمانه قائلاً: فكّوا عنه القيود والأغلال، واعطوه عشرة آلاف دينار على رغم أنفي.
قال عامر: فاتّبعت يحيى لأنظر ما يصنع بالدنانير فرأيته واقفاً في ساحة يقال لها رحبة الكوفة وهو يوزّع المال على الفقراء وهو يقول: هذا من بركات الحسن والحسين عليهماالسّلام (1).
ومن كراهة الأمويّين لسيّدة النساء سلام الله عليها أنّها كانت تميل إلى بقلة وهي الفرفخ فسمّاها الأمويون البقلة الحمقاء.
وروي عن الإمام الصادق عليه السّلام أنّه قال: «لَعَنَ اللهُ بَنِي أُمَيَّةَ هُمْ سَمُّوها بَقْلَةَ الْحَمْقاءِ بغضاً لَنَا، وَعَداوَةٌ لِفَاطِمَةَ» (2).
من الروايات الموضوعة التي لا نصيب لها من الصحّة، والتي وضعت أيام الحكم الأموي الذي جهد على إخفاء فضائل أهل البيت عليهم السّلام، وستر مآثرهم، هذه الرواية التي رويت عن مسور بن مخرمة، وهذا نصّها:
روى مسور بن مخرمة، قال: «إنّ عليّ بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل على فاطمة عليهاالسّلام ، فسمعت رسول الله صلّي الله عليه و آله، وهو يخطب الناس في ذلك على منبره، وأنا يومئذٍ محتلم، فقال: إنّ فاطمة منّي، وإنّي أتخوّف أن تفتن في دينها.
قال: ثمّ ذكر صهراً له من بني عبد شمس فأثنى عليه في مصاهرته إيَّاه فأحسن. قال: حدّثني فصدّقني ووعدني، فأوفى لي، وإنّي لست أحرّم حلالاً، ولا أُحلّ حراماً، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله صلّي الله عليه و آله وبنت عدوّ الله مكاناً واحداً» (1).
وتواجه هذه الرواية بعض المؤاخذات التي تبعدها عن الصحّة، وتلقيها في سلّة الموضوعات، وهي:
1 - إنّ مسور بن مخرمة ولد في مكّة بعد الهجرة بسنتين (2)، وقَدِم به أبوه إلى المدينة في عقب ذي الحجّة سنة ثمان من الهجرة، فكيف يعوّل على روايته وهو ابن ستّ سنين.
2 - إنّه كيف يسمّي نفسه وهو ابن ستّ سنين محتلماً كما يقول ابن حجر، فإنّ الاحتلام للذِّكر إنّما يتحقّق ببلوغه سنّ الخامسة عشر، وأكبر الظنّ أنّه إنّما وسم نفسه بالاحتلام لقبول روايته.
3 - لو أنّ الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام على فرض أنّه تزوّج بابنة أبي جهل فإنّ سيّدة نساء العالمين صلوات الله عليها التي تغذّت بجوهر الإسلام لا تفتن في دينها كما جاء في هذه الرواية على لسان النبيّ صلّي الله عليه و آله - فإنّ ذلك أمر مشروع للرجل، ولا شبهة أنّها سلام الله عليها لا تمنع ذلك ولا تقف حائلاً عنه.
4 - إنّه ما المانع من اجتماع بنت أبي جهل وهي مسلمة مع سيّدة النساء عليهاالسّلام في بيت واحد لو تزوّجها الإمام، فإن ذلك ليس من الموانع الشرعية حتّى يمنع
عنه النبيّ صلّي الله عليه و آله.
5 - إنّ العلاقة بين سيّدة نساء العالمين عليهاالسّلام وزوجها الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام كانت وثيقة للغاية، وكان الإمام يقوم بخدمتها ويتولّى رعايتها ويقابلها بالتعظيم والتبجيل والتكريم، ولم يعهد أنّه استاء منها أو قابلها بمرّ القول، فكيف يأخذ زوجة غيرها؟
6 - إنّ الزهراء سلام الله عليها قد أخلصت للإمام عليه السّلام أعظم ما يكون الإخلاص، و وقفت محامية عنه وناصرة له في أحلك الظروف وأقساها محنة وبلاء، حينما أُخذت الخلافة منه ناهضت أبا بكر، وخطبت خطابها الخالد في نصرته والذبّ عنه، و مع هذا الولاء العارم منها للإمام عليه السّلام كيف يروم أن يتزوّج من بنت أبي جهل الذي هو خصم أبيها.
وعلى أيّ حال، فهذه الرواية من الموضوعات التي لا نصيب لها من الصحّة مطلقاً.
ومن الجدير بالذِّكر أنّ الحاقدين على الإمام عليه السّلام تمسّكوا بهذه الرواية للحطّ من قيمة الإمام عليه السّلام.
يقول مروان بن أبي حفصة شاعر الرشيد:
وَساءَ رَسُولَ اللهِ إِذْ سَاءَ بِنتَهُ *** بِخُطْبَةِ بِنْتِ اللَّعِينِ أَبِي جَهْلِ (1)
وقد ردّ عليه الإمام السيّد مهدي آل بحر العلوم بقصيدة فيها هذا البيت:
بِذلِكَ فَاعْلَمْ جَهْلَ قَوْمٍ تَحَدَّثُوا *** بِخُطْبَتِهِ بِنْتِ اللَّعِينِ أَبِي جَهْلِ (2)
و تنكّر العبّاسيّون كالأمويّين لذرّيّة رسول الله صلّي الله عليه و آله الصفوة الطاهرة، وجعلوا دبر آذانهم أحاديث النبيّ صلّي الله عليه و آله التي أعلنت أنّهم أبناؤه، وزعموا أنّهم أولى به وأحقّ بميراثه منهم، وقد انبرى عملاؤهم وأذنابهم إلى إعلان ذلك.
يقول مروان بن أبي الجنوب شاعر المتوكّل العّباسي:
مَلَكَ الخَلِيفَةُ جَعْفَرُ *** لِلدِّينِ والدُّنْيا سَلامَة
لَكُمْ تُراثُ مُحَمَّدٍ *** وَبعَدْلِكُمْ تُنْفى الظُّلامَة
يَرجو التُّراثَ بَنو البَناتِ *** وَما لَهُمْ فيها قُلامَة
وَالصُّهْرُ لَيسَ بوارثٍ *** وَالبِنْتُ لا تَرِثُ الإمامَة
ما لِلَّذِينَ تَنَحْلُوا *** مِيراثَكُم إلّا النَّدامَة
أَخَذَ الوِراثَةَ أَهلُها *** فَعَلى مَ لومُكُمْ عَلامَهُ
لَوْ كانَ حَفُكُمْ لَها *** قامَتْ عَلى النَّاسِ القِيامَهُ
لَيسَ التُّراثُ لِغَيرِكُمْ *** لَا وَالإِله وَلا كَرامَة (1)
وقد أغدق عليه المتوكّل الذهب والأموال، وعقد له الولاية على اليمامة والبحرين لهذا الشعر الذي هو علامة النصب والعداء لآل البيت عليهم السّلام.
ومن الجدير بالذِّكر أنّ الخطيب الملهم الشيخ محمّد علي اليعقوبي رحمه الله قد ردّ عليه أباطيله بهذه الأبيات الرقيقة:
لا تَسحُ في وادِيكّ يا *** بنَ أبِي الجَنوبِ حَيا الغَمَامَهُ
قَدْ بِعْتَ دِينَكَ بِالَّذي *** حاوَلتَ مِنْ دُنيا اليَمَامَة
1) تاريخ الأُمم والملوك: 7 397. الكامل في التاريخ: 7: 101
فَمَدَحْتَ مُلكاً ما بِهِ *** (للدِّينِ والدُّنيا سَلامَة)
لَوْ كُنتَ تُنصِفُ مَا لِغَيرِ *** الآل فيها مِنْ فُلامَة
قَدْ غَرَّكَ الطَّمَعُ الخَسِيسُ *** وَغايةُ الطَّمَعِ النَّدامَة
وَهَجَوْتَ أَكْرَمَ عِتْرَةٍ *** لَمْ تَعْدُهُمْ أَبَداً كَرامَهُ
نَزَلَ الكِتابُ بِمَدحِهِمْ *** فَعَلى مَ تَجْحَدُهُمْ عَلامَهُ
لَيسَ التُراتُ لِفاجرٍ *** وَالجَورُ لا يَنْفِي الظُّلامَة
لَيسَ الخِلافَةُ لِلالى *** شُغِفُوا بِكاساتِ المُدامَة
قَدْ سَلَّ جَدُّهُمْ عَلى الإِسلامِ *** في بَدرٍ حُسامَه
الصِّهْرُ أَوْلى في مَواريثِ *** النُّبوَّةِ وَالإِمامَة
قد رامَ مِنها عَمُّهُ *** شَيئاً فَلَمْ يُدرِك مَرامَهُ
وَأَتى يُخاصِمُهُ بِها *** فَثَنَى أَبو بَكرٍ خِصامَة
أُولَى بِها مَنْ لَيسَ في الأَحْكامِ *** تَأخُذُهُ مَلامَة
أَوْلى بها مَنْ أَطْعَمَ المِسكِينَ *** في سَغَبٍ طَعامَة
أنسِيتَ يَومَ غَدِيرٍ خُم *** أَمْ جَهِلْتَ بهِ مَقامَهُ (1)
وقد سلك ابن المعتزّ العبّاسي مسلك مروان بن أبي الجنوب فادّعى أنّ العباسيّين ألصق بالنبيّ صلّي الله عليه و آله وأقرب إليه من العلويّين. يقول في إحدى قصائده:
وَنَحنُ وَرِثْنا ثِياب النَّبِيِّ *** فَلِمْ تَجْذِبُونَ بِأَهدابها
لَكُمْ رَحِمٌ يَا بَنِي بِنْتِهِ *** وَلكِنْ أَرَى العَمَّ أَوْلَى بِها
وردّ عليه الشاعر الملهم صفي الدين الحلّي (المتوفّى سنة 750هـ) بقصيدة رائعة
1) ذخائر العقبی: 81
فنّد فيها أباطيله منها هذه الأبيات:
ألا قُلْ لِشَرْ عِبادِ الإلهِ *** وَطاغِي قُريشٍ وكَذّابِها
وَباغِي العِبادِ وباغي العِنادِ *** وهاجي الكرام ومُغتابها
أَأَنتَ تُفاخِرُ آلَ النَّبِيُّ *** وتَجْحَدُها فَضْلَ أَحْسَابِها
بِكُمْ باهَلَ المُصْطَفَى أَمْ بِهِمْ *** فَرَدَّ العُداةَ بِأَوْصابِها
أَعَنكُمْ نَفَى الرِّجْسَ أَمْ عَنهُمْ *** كَطهرِ النُّفوسِ وَأَربابِها
أم الرَّجُسُ وَالخَمرُ مِنْ دَابِكُمْ *** وَفَرْطُ العِبادةِ مِنْ دابِها
وَقُلتُمْ وَرِثْنا ثِيابَ النَّبيِّ *** فَلِمْ تجذبونَ بِأَهْدابِها
وَعِندَكَ لا تُورَثُ الأنبياءُ *** فَكَيفَ حَظِيتُم بِأَثْوابِها
ومنها:
وَقَوْلُكَ أَنْتُمْ بنو بِنْتِهِ *** وَلكِنْ بَنو العَمِّ أَوْلى بِها
بَنو البنْتِ أيضاً بَنو عَمَّهِ *** وَذلِكَ أدنى لأَنْسابِها
فَدَعْ في الخِلافَةِ فَصْلَ الخِلافِ *** فَلَستَ ذلولاً لِرُكابها
وَما أَنتَ وَالفَحْصَ عَنْ شَأْنِها *** وَما قَمْصُوكَ بِأَثْوابِها
ومنها:
فَدَعْ ذِكرَ قَومٍ رَضوا بِالكَفَافِ *** وجاءوا الخِلافَةَ مِنْ بابِها
هُمُ الزَّاهِدونَ هُمُ العابِدونَ *** هُمُ العامِلُون بِآدابِها
هُمُ الصّائِمونَ هُمُ القائِمونَ *** هُمُ الساجِدونَ بِمِحرابِها
هُمْ قُطبُ مَكَّةَ دينِ الإِلهِ *** وَدورِ الرَّجاءِ بِأَقْطابِها
عَلَيكَ بِلَهْوِكَ بِالعَانِياتِ *** وَخَل المعانِيّ لِأَصحابِها (1)
إنّ قرب السادة العلويّين من النبيّ صلّي الله عليه و آله ليس هو السبب في استحقاقهم لمركز الخلافة الإسلامية حتّى يناقشهم في ذلك مروان بن أبي الجنوب، أو ابن المعتزّ العبّاسي، وإنّما السبب ما يتمتّعون به من العلم والحكمة والتحرّج في الدين، وسائر واهبهم وعبقرياتهم التي لم تتوفّر عند بني العبّاس وغيرهم (2).
لقد باءت بالفشل محاولة الأمويّين والعباسيّين في الحطّ من كرامة العلويّين والتقليل من أهمّيتهم، فهم قائمون في قلوب المسلمين وعواطفهم، وخصومهم في مزبلة التأريخ لا يُنظر إليهم إلّا بعين الاحتقار والتوهين.
وساد في العصر الأمويّ والعبّاسي جوّ رهيب على أتباع سيّدة النساء عليهاالسّلام وشيعة أبنائها الطاهرين، وإنّ من يُنّهم بالولاء لهم تُنزل به السلطة أقسى العقوبات؛ لأنّه يشكّل خطراً على الدولة - فيما يقولون-، وإذا أراد شخص الكيد لخصم له رماه بالتشيّع، فتسرع الدولة إلى مصادرة أملاكه، وتُنزل به أقسى العقوبات حتّى يُظهر البراءة من التشيّع (3).
وعلى أيّ حال، فقد وشي بجماعة لأنّهم يدينون بالموالاة لسيّدة النساء وأبنائها سلام الله عليها وعليهم، كان منهم:
أمّا منصور النمري فكان في طليعة شعراء العصر العبّاسي، وكان من المقرّبين للرشيد، وقد مدحه بالكثير من شعره، وفي نفس الوقت كان يظهر البغض للسادة العلويّين تقرّباً إلى هارون، إلّا أنّه كان يبطن الولاء لهم في أعماق نفسه ودخائل ذاته، فوشى به بعض خصومه إلى الرشيد، وأنشده قصيدته التي يتفجّع فيها لمقتل سيّد الشهداء الإمام الحسين عليه السّلام، وأُمّه سيّدة النساء عليهاالسّلام، وطالب من ينهض لظلامتها، أمِا الأبيات التي رثى بها أبا الأحرار فهي:
شاءٌ مِنَ الناسِ راتِعٌ هامِلُ *** يعَلِّلُونَ الناسَ بالباطلِ
تُقَتُلُ ذُرِّيَّةَ النَّبِيِّ وَيَر *** جُونَ جِنانَ الخُلدِ لِلْقاتِلِ
وَيْلَكَ يا قاتِلَ الحُسَيْنِ لقدْ *** نُؤْتَ بِحِمْلٍ يَنُوءُ بِالحَامِلِ
أَيَّ حَباءٍ حَبَوْتَ أَحْمَدَ في *** حُفْرَتِهِ مِنْ حَرارَةِ الثَّاكِلِ
بِأَيِّ وَجهِ تَلْقَى النَّبِيِّ وَقَدْ *** دَخَلتَ فى قَتْلِهِ مَعَ الداخِلِ
هَلُمَّ فَاطْلُبْ غَداً شَفاعَتَهُ *** أَوْلَا فَردُ حَوْضَهُ مَعَ النَّاهِلِ
ما الشَّكُ عِندي في حالِ قاتِلِهِ *** لكِنَّني قَدْ أَشْكُ في الخاذِلِ(1)
ما الشَّكُ عِنْدِي فِي كُفْرِ قَاتِلِهِ *** لَكِنَّنِي قَدْ أَشُكُ فِي الْحَاذِلِ
وَعاذِلِي أَنِّي أُحِبُّ بَنِي *** أَحْمَدَ فالتُّرْبُ في فَمِ العاذِلِ
قَدْ ذُقْتُ ما دِينَكُمْ عليْه فَما *** وَصَلْتُ مِنْ دِينِكُمْ إلى طائِلِ
دینُكُمْ جَفْوَةُ النَّبِيِّ وَما الـ *** جافي لآلِ النَّبِيِّ كَالواصِلِ
ثمّ يعرض في قصيدته إلى ما عانته سيّدة نساء العالمين عليهاالسّلام من الظلم والاضطهاد قائلاً:
مَظْلومةٌ وَالنَّبِيُّ والِدُها *** نَذِيرٌ أَرْجاءِ مُقْلَةٍ حافِلِ
1) هكذا ذكره ابن قتيبة في كتابه الشعر والشعراء: 285، ورواه المرتضى في أماليه هكذا:
ألا مصاليتُ يَغْضَبُونَ لها *** بِسِلِّةِ البِيضِ وَالقَنا الذّابلِ (1)
البيض: السيوف.الذابل: الرقيق الحادّ
ثمّ تلا على هارون قول منصور:
سيدة النساء الورد الجزء التاسع
آلُ الرسولِ وَمَنْ يُحِبُّهُمُ *** يَتَطامَنونَ (2)مَخافَةَ القَتْل
أَمِنَ النَّصارى واليَهُودُ وَهُمْ *** مِنْ أُمَّةِ التَّوحِيدِ فِي أَزْلِ (3)
فتحرّق الرشيد غيظاً وفقد صوابه، وأمر بإحضاره فوراً، فسارع الجند إليه، فوجدوه ميّتاً، وقد أُقبر (4). وقال الرشيد: «لقد هممتُ أن أنبشه وأحرقه» (5).
وقد وشي بشريك القاضي لأنّه كان يتولّى سيّدة النساء سلام الله عليها، فقد روى العتبي قال: كان بين شريك القاضي والربيع حاجب المهدي معارضة، فكان الربيع يحمل عليه المهدي فلا يلتفت إليه، ورأى المهدي في منامه، أنّ شريكاً قد صرف وجهه عنه، فقصّ رؤياه على الربيع، فقال له: يا أمير المؤمنين، إنّ شريكاً مخالف لك، وإنّه فاطميّ محض.
وفزع المهدي فأمر بإحضاره، فلمّا مَثُل أمامه قال له بعنف: يا شريك، بلغني أنّك فاطميّ؟
فانبرى شريك بلباقة قائلاً: أُعيذك بالله يا أمير المؤمنين أن تكون غير فاطميّ، إلّا أن تعني فاطمة بنت كسرى.
وطفق المهدي قائلاً: أعني فاطمة بنت محمّد.
وراح شريك يقول له: أفتلعنها يا أمير المؤمنين.
معاذ الله.
فما تقول فيمن يلعنها ؟
عليه لعنة الله.
فالعن هذا - وأشار إلى الربيع - فإنّه يلعنها.
وسارع الربيع قائلاً: لا والله يا أمير المؤمنين، لا ألعنها.
فردّ عليه شريك ببليغ منطقه: يا ماجن، فما ذكرك لسيدة نساء العالمين، وابنة سيّدة المرسلين في مجالس الرجال؟
وانبرى المهدي فأسكت شريكاً وقال له: رأيتك في منامي قد صرفت وجهك عنّي، وما ذلك إلّا بخلافك عليَّ، ورأيت في منامي كأنّي أقتل زنديقاً.
فقابله شريك ببسمات فيّاضة، وقال له مداعباً: يا أمير المؤمنين، ليست برؤيا يوسف الصدِّيق صلوات الله على محمّد وعليه، وأن الدماء لا تستحلّ بالأحلام، وأنّ علامة الزندقة بيّنة.
وطفق المهدي قائلاً: ما هي؟
شرب الخمر، والرشى في الحكم، ومهر البغي.
وسكن غضب المهدي وقال له: صدقت والله يا أبا عبد الله، أنت والله خير من الذي حملني عليك (1)
1) فاطمة الزهراء والفاطميون: 76 و 77
وحقدت عصابة من الأشرار على بضعة الرسول وسيّدة نساء العالمين، ونكّلت بمن دان بمحبّتها والولاء لها، فقد روى المؤرّخون هذه البادرة التي تنمّ عن العداء السافر الذي يكنّه بعض الأوغاد لسيّدة النساء، ونحن نذكر هذه الحادثة بفصولها:
روی بشّار قال: دخلت على الإمام أبي عبد الله عليه السّلام بالكوفة، وقد قُدِّم له رطب، وهو يأكل فدعاني إلى الأكل منه، فقلت له: هنّاْك الله، وجعلني فداك، قد أخذتني الغيرة من شيء رأيته في طريقي أوجع قلبي.
وأمره الإمام عليه السّلام بالاشتراك معه في الأكل فاستجاب له، وبعد الفراغ من تناول الطعام قال له الإمام عليه السّلام: ما الَّذِي رَأَيْتَ وَأَزْعَجَكَ؟
وأقبل يحدّثه قائلاً: رأيت جلوازاً - أي شرطياً - يضرب رأس امرأة ويسوقها إلى السجن، وهي تنادي بأعلى صوتها: المستغاث بالله ورسوله.
ولا يعينها أحد، فسألت بعض الحاضرين عن سبب ضربها فقالوا: إنّها عثرت وقالت: لعن الله ظالم فاطمة.
فنالت الضرب والاعتداء عليها، ولمّا سمع الإمام ذلك بلغ به الحزن أقصاه، وأمر بشّار بأن يصحبه المسجد السهلة ليدعو الله بالفرج، وأمر بعض أصحابه للتعرّف على خبرها، ولمّا انتهى إلى مسجد السهلة أدّى تحيّة المسجد فصلّى ركعتين ثمّ دعا الله تعالى بهذا الدعاء:
أَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، مُبْدِئُ الْخَلْقِ وَمُعِيدُهُمْ، وَأَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خالِقُ الْخَلْقِ وَرازِقُهُمْ، وَأَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْقابِضُ الْباسِطُ، وَأَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ مُدَبِّرُ الْأُمُورِ وَباعِثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَأَنْتَ وارِثُ الْأَرْضِ وَمَنْ عَلَيْها، أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْمَخْزُونِ الْمَكْنُونِ الْحَيُّ الْقَيُّومِ، وَأَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ
إِلَّا أَنْتَ عَالِمُ السِّرِّ وَأَخْفى.
أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي إِذا دُعِيْتَ بِهِ أَجَبْتَ، وَإِذَا سُئِلْتَ بِهِ أَعْطَيْتَ، وَأَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، وَبِحَقِّهِمُ الَّذِي أَوْجَبْتَهُ عَلَى نَفْسِكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَأَنْ تَقْضِيَ حَاجَتِي السَّاعَةَ السّاعَةَ.
يا سامِعَ الدُّعاءِ، يا سَيِّداهُ يا مَوْلَاهُ يا غياثاهُ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْم سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عَالَمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَأَنْ تُعَجِّلَ خَلَاصَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ، يا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ وَالْأَبْصَارِ، يا سَمِيعَ الدُّعاءِ».
ثمّ هوى الإمام عليه السّلام إلى الأرض ساجداً، ودعا ببعض الدعوات، والتفت إلى بشّار فأخبره أنّ الله تعالى قد فرّج عنها وأنقذها، وأقبل الشخص الذي بعثه الإمام عليه السّلام للاطّلاع على حال المرأة، فقال له: كنت واقفاً على باب السلطان فخرج حاجب السلطان فقال للمرأة: ماذا تكلّمت، فأخبرته بكلامها، فأعطاها مائتي درهم، فأبت أن تأخذها، فمضى إلى صاحبه فأخبره، فأمره بإطلاق سراحها، ولمّا سمع الإمام عليه السّلام ذلك شكرها ودعا لها، وبعث لها سبعة دنانير، فأخذها الشخص وسارع إلى بيتها ونقل لها حديث الإمام ودعاءه لها، فاسترّت وحمدت الله على ذلك (1).
وكان المنحرفون عن أهل البيت عليهم السّلام ينتقصون من والى سيدة النساء عليهاالسّلام، وقد ردّ عليهم الشافعي بقوله:
إذا في مَجْلِسٍ ذَكَرُوا عَلِيّاً *** وَسِبْطَيْهِ وَفَاطِمَةَ الزَّكِيَّة
1) بحار الأنوار: 47: 381
يُقالُ تَجاوزُوا يا قَومُ هذا *** فَهذا مِنْ حَديثِ الرّافِضِيَّة
بَرِئْتُ إِلَى المُهَيْمِنِ مِنْ أُناسٍ *** يَرَوْنَ الرَّفْضَ حُبِّ الفاظِمِيَّة (1)
1) فضائل الخمسة: 2: 81
بوركت تلك الذرّيّة الطاهرة التي حملت رسالة الله، وأضاءت الطريق، وأوضحت القصد، وأنارت السبيل، إنّها ذرّيّة رسول الله صلّي الله عليه و آله الذي برّ بدنيا العرب، وأقام لها دولة ونظاماً سادوا به أُمم العالم وشعوب الأرض... ونعرض - بإيجاز - إلى تلك الصفوة الطاهرة من أبناء سيّدة نساء العالمين عليهاالسّلام وهم:
هو أوّل مولود لسيّدة النساء، وقد وُلِدَ في شهر هو من أفضل الشهور عند الله تعالى، وهو شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن، وذلك في السنة الثانية أو الثالثة من الهجرة (1). وقد شوهدت في طلعته طلعة جدّه الرسول صلّي الله عليه و آله ، وبدت فيه شمائل النبوة والإمامة.
يقول الشاعر حسّان بن ثابت:
وَإِنْ مَريَمٌ أَحْصَنَتْ فَرْجَها *** وَجاءَتْ بِعِيسَى كَبَدْرِ الدُّجى
فَقَدْ أَحْصَنَتْ فَاطِمٌ بَعْدَها *** وجاءَتْ بِسِبْطَي نَبِي الهُدى (2)
ولمّا علم النبيّ صلّي الله عليه و آله بالمولود المبارك غمرته موجات من السرور، وبادر إلى بيت بضعته ليهنّئها بمولودها المبارك، وحينما انتهى إلى بيت الصدِّيقة قال لأسماء: هاتِينِي ابْنِي.
وانبرت أسماء فدفعته إليه ملفوفاً في خرقة صفراء، وقال: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ أَنْ لَا تَلِفُوا الْمَوْلُودَ فِي خِرْقَةٍ صَفْراءَ.
وضمّ النبيّ صلّي الله عليه و آله وليده إلى صدره وألباه بريقه (1)، ورفع يديه بالدعاء قائلاً: اللّهُمَّ إِنِّي أعِيْدُهُ بِكَ وَذُرِّيَّتَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (2).
وأجرى النبيّ صلّي الله عليه و آله على وليده سنن الولادة الشرعية وهي:
أذّن النبيّ في أُذن وليده اليمنى، وأقام في اليسرى (3).
وفي الخبر أنّ ذلك عصمة للمولود من الشيطان الرجيم (4).
لقد استقبل وليد النبوّة عالم الوجود بأسمى ما فيه وهو «اللهُ أَكْبَرُ»..«لَا إِلهَ إلَّا اللهُ».
إنّها أُنشودة الأنبياء، وقد غرسها النبيّ صلّي الله عليه و آله في أعماق وليده، ودخائل نفسه لتكون مساراً وغاية له في جميع مراحل حياته.
والتفت النبيّ صلّي الله عليه و آله إلى وصيه وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام قائلاً: هَلْ سَمَّيْتَ الْوَلِيدَ الْمُبارَكَ؟
فأجابه الإمام بأدب وحشمة: ما كُنْتُ لِأَسْبِقَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ.
وانبرى النبيّ صلّي الله عليه و آله قائلاً: مَا كُنْتُ لِأَسْبِقَ رَبِّي.
وما هي إلّا لحظات وإذا بالوحي يناجي الرسول صلّي الله عليه و آله ويحمل له التسمية من الله تعالى. يقول له جبرئيل: سمّه «حسناً» (1).
حقاً إنّه من أروع الأسماء، وكفى به جمالاً أنّ الخالق العظيم هو الذي اختاره ليدلّ جمال اللفظ على سموّ المعنى.
وانطوت سبعة أيام على ولادة حفيد الرسول صلّي الله عليه و آله، فاتّجه النبيّ صلّي الله عليه و آله إلى بيت بضعته ليقوم ببعض التكريم إلى حفيده، فعقّ عنه بكبش، وأعطى القابلة فخذاً من الذبيحة (2)، وصارت العقيقة من ذلك الوقت سنّة شرعيّة.
وحلق النبيّ صلّي الله عليه و آله بيده المباركة رأس حفيده وتصدّق بزنته فضّة على المساكين (3)، وأطلى رأسه بالخلوق (4)، حقّاً هذا هو الحنان والعطف الذي أسداه سيّد الكائنات
على حفيده.
وأخلص النبيّ صلّي الله عليه و آله السبطه الإمام الزكي الحسن عليه السّلام وأشاد بفضله وسموّ مكانته في كثير من الأحاديث كان منها ما يلي:
1 - روت عائشة: «أنّ النبيّ صلّي الله عليه و آله كان يأخذ الحسن عليه السّلام ويضمه إليه ويقول: «اللَّهُمَّ إِنَّ هذا ابْنِي، وَأَنا أُحِبُّهُ، وَأحِبُّ مَنْ يُحِبُّهُ» (3).
2 - روى البراء بن عازب، قال: «رأيت النبيّ صلّي الله عليه و آله والحسن على عاتقه وهو يقول: «اللهُمَّ إِنِّي أحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ» (4).
3 - روی عبدالله بن عباس، قال: «أقبل النبيّ صلّي الله عليه و آله وقد حمل الحسن على رقبته فلقيه رجل فقال: نِعْم المركب ركبت يا غلام.
فقال رسول الله صلّي الله عليه و آله: وَنِعْمَ الرّاكِبُ هُوَ» (5).
1) أُسد الغابة: 2: 9
2) الكنية: هي التي تصدر بأب أو أُمّ، وهي من سنن الولادة، فعن الإمام محمّد الباقر عليه السّلام: «إِنَّا لَنُكَنِّي أَوْلَادَنا فِي صِغَرِهِمْ مَخَافَةَ النَّبْزِ أَنْ يَلْحَقَ بِهِمْ»
3) كنز العمّال: 7: 104. مجمع الزوائد: 9: 176
4) صحيح البخاري - كتاب بدء الخلق: 4: 217. صحيح الترمذي: 2: 307. البداية والنهاية: 8: 34
5) الصواعق المحرقة: 282. حلية الأولياء: 2: 35
4 - قال صلّي الله عليه و آله: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى سَيِّدِ شَبابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى الْحَسَنِ» (1).
5 - قال صلّي الله عليه و آله: «الْحَسَنُ رَيْحَانَتِي مِنَ الدُّنْيا» (2)
6 - روى أنس بن مالك، قال: «دخل الحسن على النبيّ صلّي الله عليه و آله فأردت أن أُميطه عنه فقال صلّي الله عليه و آله: «وَيْحَكَ يا أَنَسُ، دَع ابْنِي، وَثَمَرَةَ فُؤادِي ؛ فَإِنَّ مَنْ آدَى هذا فَقَدْ آذانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذى اللهَ» (3).
7 - صلّى النبيّ صلّي الله عليه و آله إحدى صلاتي العشاء فسجد سجدة أطال فيها السجود، فلمّا سلّم قال له الناس في ذلك.
فقال: «إِنَّ ابْني هذا - يعني الحسن - ارْتَحَلَنِي فَكَرِهْتُ أَنْ أَعْجِلَهُ» (4)
8 - روی عبد الله بن عبد الرحمن بن الزبير، قال: «أشبه أهل النبيّ، وأحبهم إليه، الحسن، رأيته وهو ساجد فيركب رقبته أو قال ظهره، فما ينزله حتّى يكون هو الذي ينزل، ولقد رأيته وهو راكع فيفرّج له بين رجليه حتّى يخرج من الجانب الآخر» (5).
وكثير من أمثال هذه الأحاديث أثرت عن النبيّ صلّي الله عليه و آله في فضل سبطه وريحانته وثمرة فؤاده الإمام الحسن عليه السّلام.
كما وردت كوكبة أُخرى من الأحاديث في فضله وفضل أخيه سيّد شباب أهل الجنّة الإمام الحسين صلوات الله عليه، عرضنا لها في الجزء الأوّل من كتابنا حياة الإمام الحسن بن علي عليهماالسّلام.
تولّى النبيّ صلّي الله عليه و آله رعاية سبطه، فغذّاه بمُثُله، وأفرغ عليه مكوّناته النفسية، كما قام برعايته أبوه الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام الذي هو أفضل مربّي في دنيا الإسلام، فغرس في نفسه ودخائل ذاته مُثُله الكريمة حتّى صار صورة صادقة عنه، كما قامت بتربيته سيّدة نساء العالمين زهراء الرسول سلام الله عليها، فربّته على الإيمان الخالص والحبّ العميق الله تعالى.
وكانت سلام الله عليها ترسله مع أخيه، وهما في دور الطفولة، إلى مجلس جدّهما رسول الله صلّي الله عليه و آله ليتعلما أحاديثه ومعالي أخلاقه، فإذا قفلا إلى الدار سألتهما عمّا شاهداه ممّا جرى في مجلس جدّهما من العلوم والآداب، فيحدّثانها عنه، وكان الحسن وهو ابن سبع سنين يسمع الوحي في مجلس جدّه فيحفظه، ثمّ يأتي إلى سيّدة النساء فيُلقي عليها، وإذا دخل عليها الإمام عليه السّلام وجد عندها علماً بالتنزيل، فيسألها عن ذلك فتخبره أنّه من ولدها الحسن عليه السّلام.
واختفى الإمام في الدار فدخل الحسن ليلقي على أُمّه ما سمعه من الوحي فارتجّ عليه، فقالت له بلطف: ما الَّذِي عَراكَ؟
فقال لها: لَا تَعْجَبِي مِمَّا عَرَانِي، فَإِنَّ كَبِيراً يَرْعَانِي.
وخرج الإمام عليه السّلام فأوسعه تقبيلاً (1).
وكانت سيّدة النساء تأخذ ولدها الزكي وتوسعه تقبيلاً وتقول له:
بِأَبِي شَبِيةَ النَّبِيِّ *** لَيْسَ شَبِيها بِعَلِيّ (2)
لقد نشأ الإمام الحسن عليه السّلام في غرائس الوحي ومركز الإمامة، فكان المثل الأعلى
للتربية الإسلامية في سلوكه وسموّ ذاته.
وتوفّرت في الإمام أبي محمّد عليه السّلام جميع الصفات الرفيعة، وتجسّدت فيه صفات جدّه صلّي الله عليه و آله وأبيه اللذين أقاما صروح الفضيلة في الأرض.
لقد كان الإمام الزكي صلوات الله عليه بحكم تربيته المثل الأعلى لكلّ فضيلة من فضائل الدنيا، والتي منها:
ورث الإمام الحسن عليه السّلام أخلاق جده رسول الله صلّي الله عليه و آله الذي امتاز على سائر الأنبياء بسموّ أخلاقه، وقد روى المؤرّخون بوادر كثيرة من معالي أخلاقه كان منها:
1 - أنّه اجتاز عليه شخص من أهل الشام فجعل يكيل له السبّ والشتم والإمام ساكت لم يردّ عليه شيئاً، ولمّا انتهى من شتمه قابله الإمام بمزيد من اللطف، وقال له ببسمات فياضة بالبشر: أَيُّها الشَّيْخ، أظُنُّكَ غَرِيباً، لَوْ سَأَلْتَنا أَعْطَيْنَاكَ، وَلَو اسْتَرْشَدْتَنا أَرْشَدْناكَ، وَلَوِ اسْتَحْمَلْتَنا حَمَلْنَاكَ، وَإِنْ كُنْتَ جَائِعاً أَطْعَمْنَاكَ، وَإِنْ كُنْتَ مُحتاجاً أَغْنَيْناكَ، وَإِنْ كُنْتَ طَرِيداً أَوَيْناكَ.
وذهل الرجل، ولم يطق جواباً، وبقي حائراً أمام هذه الأخلاق العالية وراح يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالته فيمن يشاء (1).
2 - ومن عظيم أخلاقه أنّه كان جالساً في مكان فأراد الانصراف منه، فقصده فقير فرحّب به، ولاطفه وقال له: إِنَّكَ جَلَسْتَ عَلى حِينِ قِيامِ مِنَا، أَفَتَأْذَنُ لِي بِالْإِنْصِرافِ؟
1) مناقب آل أبي طالب: 2: 149. الكامل / المبرّد: 1: 190
وبهر الفقير من سموّ أخلاق الإمام وأذن له بالانصراف (1).
3 - ومن معالي أخلاقه أنّه اجتاز على جماعة من الفقراء قد وضعوا على وجه الأرض كسيرات من الخبز وهم يأكلون منها، فدعوه إلى مشاركتهم في الطعام، فأجابهم إلى ذلك، وجلس معهم يأكل وهو يقول: إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُتَكَبِّرِينَ، ثمّ دعاهم إلى ضيافته، فأسرعوا معه فأطعمهم وكساهم وأغدق عليهم لطفه (2).
من صفات الإمام الزكي أبي محمّد عليه السّلام سعة الحلم، فكان يقابل من أساء إليه بالعفو والإحسان، وقد روى المؤرّخون بوادر كثيرة كان منها أنّه وجد شاة عنده قد كسرت رجلها فقال لغلامه: مَنْ فَعَلَ هذا بِها.
أنا.
لِمَ ذلِكَ ؟
لأجلب لك الهمّ.
فتبسّم الإمام عليه السّلام، وقال له: لَأسِرُّكَ.
فأعتقه وأجزل له في العطاء (3)، وقد اعترف مروان وهو من ألدّ أعدائه بعظيم حلمه، وذلك حينما انتقل الإمام إلى حظيرة القدس، فبادر إلى حمل جنازته، وعجب الإمام الحسين عليه السّلام من ذلك وقال له: تَحْمِلُ الْيَوْمَ جَنازَتَهُ، وَقَدْ كُنْتَ بِالْأَمْسِ تُجَرِّعُهُ الْغَيْظَ؟
فقال مروان: إنّي كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال (1).
لقد ضارع الإمام الحسن عليه السّلام جدّه العظيم في سعة حلمه وسموّ أخلاقه، فكان صورة صادقة عنه.
كان الإمام الحسن عليه السّلام من أندى الناس كفّاً، ومن أكثرهم برّاً وإحساناً للفقراء والبؤساء، وكان لا يردّ سائلاً قطّ، وقد قيل له في ذلك فأجاب: إِنِّي لِلَّهِ سائِلٌ، وَفِيهِ راغِبٌ، وَأَنا أَسْتَحِي أَنْ أَكُونَ سَائِلاً وَأَرَدُّ سائِلاً، وَإِنَّ اللَّهَ عَوَّدَنِي عَادَةً أَنْ يَفِيضَ نِعَمَهُ عَلَيَّ، وَعَوَّدْتُهُ أَنْ أَفِيضَ نِعَمَهُ عَلَى النَّاسِ، فَأَخْشَى إِنْ قَطَعْتُ الْعادَةَ أَنْ يَمْنَعَنِي الْعادَةَ.
وأنشأ يقول:
إذا ما أَتَانِي سَائِلٌ قُلْتُ مَرْحَباً *** بِمَنْ فَضْلُهُ فَرْضٌ عَلَيَّ مُعَجَّلُ
وَمِنْ فَضْلِهِ فَضْلُ عَلَى كُلِّ فاضِلٍ *** وَأَفَضْلُ أَيَّامِ الْفَتى حِينَ يُسْأَلُ (2)
وازدحمت الوفود من المحتاجين على باب داره فكان يفيض عليهم ببرّه وإحسانه، ويجزل لهم المزيد من العطاء، وقد وفد عليه اعرابي سائلاً فأمر بإعطائه باقي الخزانة، وكان فيها عشرة آلاف درهم، فانبرى الأعرابي قائلاً: هلّا تركتني أبوح بحاجتي وأنشر مدحتي؟
فأجابه الإمام عليه السّلام:
نَحْنُ أُناسٌ نَوالُنَا خَضِلٌ *** يَرْتَعُ فِيهِ الرَّجاءُ وَالأَمَلُ
تَجُودُ قَبْلَ السُّؤالِ أَنْفُسُنا *** خَوْفاً عَلَى مَاءِ وَجْهِ مَنْ يَسَلُ
لَوْ يَعْلَمُ الْبَحْرُ فَضْلَ نائِلِنا *** لَفاضَ مِنْ بَعْدِ فَيْضِهِ خَجِلُ (1)
وكثير من بوادر جوده وسخائه ذكرناها في كتابنا (حياة الإمام الحسن بن علىّ عليهماالسّلام).
وزهد ريحانة رسول الله صلّي الله عليه و آله في الدنيا، ورفض جميع مباهجها، واتّجه صوب الله تعالى، وقد أُثر عنه القول:
لَكِسْرَةٌ مِنْ رَغِيفِ الْخُبْزِ تُشْبِعُنِي *** وَشَرْبَةٌ مِنْ قِراحَ الْمَاءِ تَكْفِينِي
وَطُرَّةٌ مِنْ دَقِيقِ النُّوْبِ تَسْتُرُنِي *** حَيّاً وَإِنْ مِتُّ تَكْفِينِي لِتَكْفِينِي
وقد ألّف محمّد بن بابويه كتاباً أسماه زهد الإمام الحسن عليه السّلام (2)ذكر فيه بوادراً من زهده.
لقد كان الإمام الحسن عليه السّلام من أزهد الناس، ومن أكثرهم إعراضاً عن جميع مباهج الحياة.
قدّم الإمام الحسن عليه السّلام في سبيل مرضاة الله تعالى كل غال ونفيس، فقد خرج عن جميع ما يملك مرّتين، وشاطر الله أمواله ثلاث مرات، حتّى أعطى نعلاً وأمسك أُخرى (3)
هذه من أمثلة طاعته الله وزهده في الدنيا.
كان الإمام الحسن عليه السّلام أعبد أهل زمانه. يقول الرواة عنه: إنّه لم ير في وقت من الأوقات إلّا وهو يلهج بذكر الله تعالى (1)، وإنّه إذا ذكر الجنّة والنار اضطرب اضطراب السليم (2)، فسأل الله الجنّة وتعوّذ به من النار، وإذا ذكر الموت وما يعقبه من البعث والنشور بكى بكاء الخائف المنيب (3)، وإذا ذكر العرض على الله تعالى شهق شهقة يغشى عليه منها (4).
ومن مظاهر عبادته أنّه إذا أراد الوضوء تغيّر حاله، واصفرّ لونه، وارتعدت فرائصه، وسئل عن ذلك فأجاب: وَحَقٌّ عَلى مَنْ وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ الْعَرْشِ أَنْ تَرْتَعِدَ فَرائِصُهُ وَيَصْفَرَّ لَوْنُهُ.
وإذا فرغ من الوضوء واتّجه صوب الجامع النبوي رفع صوته قائلاً: إلهي ضَيْفُكَ ببابك، يا مُحْسِنُ أتاكَ الْمُسِيءُ فَتَجاوَزْ عَنْ قَبِيحِ مَا عِنْدَنَا بِجَمِيلِ مَا عِنْدَكَ (5).
وإذا أقبل على الصلاة ظهر عليه الخوف والوجل حتّى ترتعد جميع فرائصه وأعضائه (6)، وكان إذا فرغ من صلاة الفجر لا يتكلّم إلّا بذكر الله تعالى حتّى تطلع الشمس (7).
ومن مظاهر عبادته أنّه حجّ بيت الله الحرام خمساً وعشرين حجّة ماشياً على قدميه وأنّ النجائب لتقاد بين يديه (1)، وسئل عن كثرة حجّه ماشياً فأجاب: إِنِّي أَسْتَحِي مِنْ رَبِّي أَنْ لَا أَمْضِيَ إِلَى بَيْتِهِ ماشِيَاً عَلَى قَدَمِي (2).
هذه لمحات من عبادته وطاعته لله تعالى.
وقد أخلص في عبادته أعظم ما يكون الإخلاص كجدّه وأبيه دعاة الله وأوليائه.
اتّهم الإمام الزكي الحسن عليه السّلام بكثرة الزواج، فقد قيل إنّه تزوّج ثلاثمائة امرأة، وهو افتراء لا نصيب له من الواقع، فقد افتعل ذلك الطاغية المنصور الدوانيقي لمّا ثار عليه السادة الأماجد الحسنيّون، وكادت ثورتهم تطيح بسلطانه الأسود وتقوّض دعائم دولته، فافترى على السادة وعلى آبائهم بأكاذيبه وألصق بهم التّهم الرخيصة.
وممّا يزيد في افتعال تلك الروايات أنّها لو صحّت لكان للإمام من الأولاد ما يتناسب مع هذه الكثرة من النساء، والحال أنّ الرقم القياسي لأولاده اثنان وعشرون ولداً ما بين ذكر وأُنثى، وهذا لا يتلائم مطلقاً مع كثرة النساء اللّاتي زعموا أنّه تزوّج بهنّ، ومضافاً إلى أنّه لو كان كثير الطلاق لطلّق زوجته جعدة بنت الأشعث التي كان أبوها من أعدى الناس للحسن وأبيه عليهماالسّلام.
وعلى أيّ حال، فقد أثبتنا بالأدلّة الحاسمة زيف هذه النسبة في الجزء الثاني من كتابنا (حياة الإمام الحسن بن عليّ عليه السّلام).
تقلّد الإمام الحسن عليه السّلام الخلافة الإسلاميّة بعد شهادة أبيه رائد العدالة الاجتماعية في الإسلام، وقد مني جيشه بالتمرّد والعصيان، كما خلد بعضهم إلى الراحة والسأم من الحرب، وقد سرت فيهم أوبئة الخوارج الذين حكموا على الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام بالمروق من الدِّين، فكانوا سوسة تنخر في المعسكر العراقي، وقد كانوا يدعون العسكر إلى التمرّد والعصيان على الإمام الحسن عليه السّلام، ومضافاً لذلك فإنّ قادة الفِرق قد كاتبوا معاوية وضمنواله اغتيال الإمام الحسن أو أسره. ومن المؤسف أنّ عبيد الله بن العباس القائد العامّ للقوّات المسلّحة قد أرشاه معاوية، فانساب إليه في غلس الليل البهيم، وهكذا اقترف مثله هذه الخيانة، وتركوا الجيش يموج بالفتن والاضطراب.
و وقف الإمام عليه السّلام أمام هذه المحنة القاسية أمام أمرين وهما:
الأوّل: أن يقاتل معاويةَ بجيشه المنهزم فيضحّي بنفسه وأسرته وشيعته من دون أن تستفيد القضيّة الإسلامية شيئاً؛ لأنّ معاوية بما يملك من الخدع والتضليل سوف يلقي عليهم ستاراً من خديعته، ويوصمهم بالخروج عن الخطّ الإسلامي، وإذا حمل الإمام عليه السّلام إليه أسيراً فإنّه سيمنّ عليه ويجعله طليقاً وبذلك يمحو عن نفسه وأسرته وصمة الطلقاء التي أضفاها عليهم النبيّ صلّي الله عليه وآله حين فتح مكّة، وبذلك تنتصر الأموية انتصاراً ساحقاً.
الثاني: أن يصالح معاويةَ على ما في الصلح من قذىّ في العين، وشجاً في الحلق، ويترك معاوية وطغيانه، ويكشف سريرته، وخبث طويّته للرأي العام، ويخلع عنه ذلك اللباس الصفيق من أنّه من حماة الإسلام، وتحقّق ذلك بعد الصلح مباشرة، فقد قام خطيباً وقال مخاطباً للعراقيّين: «إنّي لم أُقاتلكم لتصلُّوا، ولا لتصوموا، ولا لتزكُّوا، ولا لتحجُّوا، وإنّما أقاتلكم لأتأمرّ عليكم، وقد أعطاني الله
ذلك وأنتم له كارهون.ألّا وإنّ كلّ شيء أعطيته للحسن جعلته تحت قدميَّ لا أفي بشيءٍ منه».
أرأيتم هذا الخبث الأموي الذي كشف عن جاهليّته وتجرّده من جميع القيم والأعراف، ولو لم يكن للصلح من فائدة ومكسب إلا هذه البادرة لكانت كافية في رجحان الموازين السياسية وتعيين الصلح.
لقد اختار الإمام الحسن الا الصلح وكان هو المتعيّن عليه شرعاً، ولولاه لعانت الأمّة من الأزمات والخطوب ما لا يعلم به إلّا الله.
وقد شرط الإمام عليه السّلام على معاوية شروطاً جرّدته عن السلطة الشرعية وعرّفته للمجتمع أنّه رئيس عصابة كان منها أن لا يسمّيه أمير المؤمنين، كما شرط عليه أن لا يعدو في تصرّفاته عن كتاب الله وسنّة نبيّه صلّي الله عليه وآله، ولو كان موثوقاً في إسلامه، وسلامة نيّته لما شرط عليه ذلك.
وعلى كلّ حال، فإنّ جميع الشروط التي شرطها عليه الإمام الحسن عليه السّلام لم يفِ بشيءٍ منها، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في الجزء الثاني من كتابنا (حياة الإمام الحسن بن عليّ عليهماالسّلام).
وعلى أيّ حال، فقد تفجّرت سياسة معاوية بعد الصلح بكلّ ما خالف كتاب الله تعالى وسنّة نبيّه، فقد ساس الأُمّة بسياسة قائمة لا بصيص فيها للرحمة والرأفة، فقتل الأبرياء، ونشر الرعب والخوف بين الناس، وسلب الأموال، وسلّط على المسلمين الارهابيّين والجلّادين أمثال زياد بن أبيه وابن أرطأة وابن العاص ومروان بن الحكم وأمثالهم من الفجّار.
وكان من موبقات معاوية اغتياله لسبط رسول الله صلّي الله عليه وآله الإمام الحسن، فقد دسّ إليه السمّ على يد زوجته جعدة بنت الأشعث بعد أن أغراها بالزواج بابنه يزيد، فناولته السمّ بعد إفطاره وكان صائماً، فتقطّعت أمعاؤه، ولم يلبث إلّا قليلاً حتّى وافاه
....
الذُريَّة الظاهرة
الأجل المحتوم، ليعرض على الله تعالى ما قاساه من المحن والخطوب والكوارث من معاوية الذي سمّاه بعض الصحابة بكسرى العرب، وسلّطه على رقاب المسلمين، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
وبهذا الحديث الموجز ينتهي بنا المطاف عن أوّل مولود لسيّدة نساء العالمين عليهاالسّلام.
هو باني الإسلام، والمنقذ الأعظم للأُمّة الإسلاميّة بعد ما وقعت فريسة بأيدي الأمويّين يسومونها سوء العذاب، يذبّحون أبناءها، ويستحيون نساءها، قد اتّخذوا مال الله دُولاً، وعباده خولاً، فانبرى إليهم بعزم وصلابة، ففجّر ثورته الكبرى التي أوضح الله بها الكتاب، وجعلها عبرة لأُولي الألباب، فنسفت قلاعهم، وقضت على معالم زهوهم، وألحقت بهم الهزيمة والعار، فقد قام المسلمون بثورات متلاحقة حتى أطاحوا بالحكم الأموي.
وعلى أيّ حال، فإنّا نعرض بصورة سريعة إلى بعض شؤون هذا الإمام العظيم الذي هو ملء فم الدنيا في فضائله ومآثره ومناقبه.
ولد هذا الإمام عليه السّلام الذي لم يولد مثله أعظم بركة على الإسلام، فلم يكن أطيب ولا أزكى ولا أنور منه في جميع مراحل التأريخ، لقد أشرقت الدنيا به، وسعدت به الإنسانية في جميع مراحلها، وهو المولود الثاني لسيّدة نساء العالمين، ولمّا أُشيع نبأ ولادته هر عن أُمّهات المؤمنين، وسائر السيّدات من نساء المسلمين، إلى دار الصديقة وهنّ يهنّئنها بمولودها الجديد ويشاركنها في أفراحها ومسرّاتها.
ولمّا بُشِّر النبيّ صلّي الله عليه وآله بسبطه الثاني سارع إلى بيت بضعته، وهو مثقل الخطى،
قد ساد عليه الوجوم والحزن فقال بصوت خافت حزين النبرات: يا أَسْماءُ، هاتِينِي ابْنِي.
فناولته أسماء له، فاحتضنه يوسع- يوسعه تقبيلاً، وقد انفجر بالبكاء، فذهلت أسماء وانبرت تقول: فداك أبي وأُمّي، مِمَّ بكاؤك ؟
فأجابها النبيّ صلّي الله عليه وآله وهو غارق بالبكاء قائلاً: مِنِ ابْنِي هذا.
وملكت الحيرة إهاب أسماء وراحت تقول: إنّه وُلِدَ السّاعة!!
وراح الرسول يقول بأسىّ وحزن: تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْباغِيَةُ، لَا أَنا لَهُمُ اللهُ شَفاعَتِي.
ثمّ نهض النبيّ صلّي الله عليه وآله وهو مثقل بالهمّ والحزن، وأسرّ إلى أسماء قائلاً: لَا تُخْبِرِي فاطِمَةَ فَإِنَّهَا حَدِيثَةُ عَهْدٍ بِوِلادَةٍ (1).
لقد استشفّ النبيّ صلّي الله عليه وآله من وراء الغيب ما سيجري على ولده من النكبات والخطوب التي تذهل كلّ كائن حيّ.
وأجرى النبيّ صلّي الله عليه وآله بنفسه أكثر المراسيم الشرعية على وليده المبارك كان منها:
واحتضن النبيّ صلّي الله عليه وآله وليده العظيم فأذّن في أُذُنه اليمنى، وأقام في اليسرى، وجاء في الحديث: «إِنَّ الْأَذانَ وَالْإِمَامَةَ عِصْمَةٌ لِلْمَوْلُودِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ» (2).
إنّ أوّل صوت اخترق سمع الإمام الحسين عليه السّلام صوت جده داعية الله الأكبر في الأرض وأنشودته: اللهُ أَكْبَرُ»، « لَا إِلهَ إلَّا اللُه.
لقد غرس النبيّ صلّي الله عليه وآله في أعماق ولده هذه الكلمات التي هي سرّ الوجود في الأرض، وقد تغذّى بها، فكانت من عناصره ومقوّماته، فانطلق إلى ميادين الجهاد في سبيل أن تعلو كلمة الله تعالى في الأرض، وتسود قوى الخير.
وسمّاه النبيّ صلّي الله عليه وآله حسيناً، كما سمّى أخاه حسناً (1).
وإنّما سمّاه بهذا الاسم بوحي من السماء (2)، وقد صار هذا الاسم الشريف عَلماً لتلك الذات العظيمة التي فجّرت الوعي والإيمان في دنيا العرب والإسلام، واستوعب ذكرها جميع لغات الأرض.
وبعد ما انطوت سبعة أيام من ولادة السبط أمر النبيّ صلّي الله عليه وآله أن يعقّ عنه بكبش ويوزّع لحمه على الفقراء، كما أمر أن تعطى القابلة فخذاً منها (3)، وصار ذلك من بنود ما شرّعه الإسلام في ميادين البرّ والإحسان إلى الفقراء.
وأمر النبيّ صلّي الله عليه وآله بحلق رأس وليده والتصدّق بزنته فضّة على المساكين، فكان وزنه درهماً ونصفاً (4)، ثمّ طلى رأسه بالخلوق (5).
عنى النبيّ صلّي الله عليه وآله عناية بالغة بسبطيه عليهماالسّلام ، وخاف عليهما من كوارث الدهر وخطوب الأيام، فكان يعوّذهما بالدعاء التالي: «أَعُوذُ بِكَلِماتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ».
وكان يقول: «هكذا كانَ إِبْرَاهِيمُ يُعَوِّذُ ابْنَيْهِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ» (1).
ويقول عبدالرحمن بن عوف: «قال لي رسول الله صلّي الله عليه وآله: يا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، أَلَا أعَلِّمُكَ عُوْذَةٌ كَانَ يُعَوِّذُ بِها إِبْرَاهِيمُ ابْنَيْهِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ، وَأَنا أُعَوَّذُ بِهَا الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، كَفَى بِاللَّهِ دَاعِياً لِمَنْ دَعا، وَلَا مَرْمَى وَراءَ أَمْرِ اللَّهِ لِمَنْ رَمَى» (2).
ودلّ هذا التعويذ على مدى ما يكنّه النبيّ صلّي الله عليه وآله من عطف وحنان للسبطين عليهماالسّلام.
كان النبيّ صلّي الله عليه وآله يكنّ في أعماق نفسه خالص المودّة والحبّ لسبطه الإمام الحسين عليه السّلام، وهذه جمهرة من الأحاديث التي أثرت عنه في حبّه.
1 - روى جابر بن عبد الله، قال: «قال رسول الله صلّي الله عليه وآله: مَنْ أَرادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى سَيِّدِ شَبابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيَّ» (3).
2 - روى يعلى بن مرّة، قال: «خرجنا مع النبيّ صلّي الله عليه وآله إلى طعام دعينا له، فإذا حسين يلعب بالسكّة، فقام النبيّ صلّي الله عليه وآله وبسط يديه، فجعل الغلام يفرّ هاهنا وهاهنا ويضاحكه النبيّ صلّي الله عليه وآله حتّى أخذه، فجعل إحدى يديه تحت ذقنه، والأُخرى في فأس رأسه، فقبّله، وقال: حُسَيْنُ مِنِّي، وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ، أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبُّ حُسَيْناً،
حُسَيْنُ سِبْطُ مِنَ الْأَسْبَاطِ» (1).
حكى هذا الحديث الشريف مدى الصلة العميقة بين النبيّ صلّي الله عليه وآله وبين الإمام الحسين عليه السّلام، أما قول النبيّ صلّي الله عليه وآله: «حُسَيْنٌ مِنِّي»، فَمؤدّاه أنّ الحسين عليه السّلام يحمل روح النبيّ صلّي الله عليه وآله واتّجاهاته وقيمه الهادفة إلى إسعاد المجتمع ورفع مستواه.
وأمّا قوله: «وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ»، فمعناه أنّ ما يقوم به الحسين عليه السّلام في مستقبل حياته من التضحيات الهائلة في سبيل الإسلام أيام من الإسلام أيام محنته وغربته، وجعله نابضاً بالحياة على امتداد التأريخ، فكأنّ النبيّ صلّي الله عليه وآله حقّاً من الحسين عليه السّلام ، فإنّه المجدّد لدينه.
إنّ أبا الأحرار وسيّد الشهداء سلام الله عليه قام بدور إيجابي في إنقاذ المسلمين من الطغمة الحاكمة التي جهدت على محق الإسلام وإبادة معالمه، فقد قدّم روحه الزكية وأرواح أهل بيته وأصحابه لحماية الإسلام وصيانة المسلمين من جبروت الأمويّين وطغيانهم، فكان صلوات الله عليه هو المنقذ والمحرّر للمسلمين.
3 - روى الصحابي الجليل سلمان الفارسي، قال: « دخلت على النبيّ صلّي الله عليه وآله، فإذا الحسين بن عليّ على فخذه وهو يلثم فاه ويقول: أَنْتَ سَيِّدٌ ابْنُ سَيِّدِ، أَنْتَ إِمَامٌ ابْنُ إِمَامٍ، وَأَخُو إِمَامٍ، وأَبُو الْأَئِمَّةِ، وَأَنْتَ حَجَّةُ اللَّهِ وَابْنُ حُجَّتِهِ، وَأَبُو حُجَجٍ تِسْعَةٍ مِنْ صُلْبكَ، وَتَاسِعُهُمْ قائِمُهُمْ» (2).
4 - روى ابن عبّاس، قال: «كان النبيّ صلّي الله عليه وآله حاملاً للحسين على عاتقه، فقال له رجل: نِعْم المركب ركبت يا غلام.
فأجابه النبيّ: وَنِعْمَ الرّاكِبُ هُوَ» (3).
5 - روى بزيد بن أبي زياد، قال: «خرج النبيّ صلّي الله عليه وآله من بيت عائشة فمرّ على بيت فاطمة عليهاالسّلام، فسمع حسيناً يبكي فالتاع وقال لفاطمة عليهاالسّلام: أَلَمْ تَعْلَمِي أَنَّ بُكَاءَهُ يُؤذيني» (1).
هذه بعض الأحاديث التي أُثرت عن النبيّ صلّي الله عليه وآله في الإشادة بسبطه أبي الأحرار الذي رفع راية التوحيد، وقمع حصون الشرك بتضحيته الخالدة التي تزخر بالعطاء.
أشاع النبيّ صلّي الله عليه وآله بين المسلمين شهادة سبطه وريحانته الإمام الحسين عليه السّلام، وأيقن المسلمون بذلك. يقول ابن عبّاس: «ما كنّا نشكّ وأهل البيت أنّ الحسين بن عليّ يقتل بالطف» (2).
لقد استشفّ النبيّ صلّي الله عليه وآله لهم من السماء أنّ سبطه وأعزّ أهل بيته الإمام الحسين عليه السّلام سينال الشهادة على يد شرار الخلق، فكان يبكي عليه أشدّ البكاء، وهذه طائفة من الأخبار عرضت لذلك:
1 - روت أُمّ الفضل بنت الحارث، قالت: «كان الحسين في حجري، فدخلتُ على رسول الله صلّي الله عليه وآله فحانت منّي التفاتة فإذا عينا رسول الله صلّي الله عليه وآله تُهْرِقانِ دموعاً فقلت له: يا نَبِيَّ اللهِ، بأبي وأُمّي أنت، ما لك؟
أَتَانِي جَبْرَئِيلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَأَخْبَرَنِي أَنْ أُمَّتِي سَتَقْتُلُ ابْنِي هذا - وأشار إلى الحسين-.
وفزعت أُمّ الفضل وراحت تقول: يقتل هذا - وأشارت إلى الحسين-!!
وانبرى النبيّ صلّي الله عليه وآله بألم وحزن قائلاً: نَعَمْ، وَأَتَانِي جَبْرَئِيلُ مِنْ تُرْبَتِهِ حَمْراء.
وغرقت أُمّ الفضل بالبكاء، وشاركت النبيّ صلّي الله عليه وآله في آلامِهِ وأحزانه (1).
2 - روت أُمّ المؤمنين السيّدة أُمّ سلمة، قالت: «اضطجع رسول الله صلّي الله عليه وآله ذات ليلة للنوم فاستيقظ وهو خائر (2)، ثمّ اضطجع فاستيقظ وهو خائر دون ما رأيت به المرّة الأُولى، ثمّ اضطجع فاستيقظ وفي يده تربة حمراء وهو يقبّلها (3)فقلت له: ما هذه التربة يا رسول الله؟
أَخْبَرَنِي جَبْرَئِيلُ أَنَّ هذا - يعني الحسين - يُقْتَلُ بِأَرْضِ الْعِراقِ، فَقُلْتُ لِجَبْرَئِيلَ: أَرِنِي تُرْبَةَ الْأَرْضِ الَّتِي يُقْتَلُ بِهَا فَهَذِهِ تُرْبَتُهُ (4).
3 - روت أُمّ سلمة، قالت: «كان النبيّ صلّي الله عليه وآله جالساً ذات يوم في بيتي، فقال: لَا يَدْخُلَنَّ عَلَيَّ أَحَدٌ، فانتظرت، فدخل الحسين، فسمعت نشيج النبيّ صلّي الله عليه وآله، فإذا الحسين في حجره - أو إلى جنبه - يمسح رأسه وهو يبكي، فقلت له: والله! ما علمت به حتّى دخل، فقال لي: إِنَّ جَبْرَئِيلُ كَانَ مَعَنا فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ: أَتُحِبُّهُ؟
فَقُلْتُ: نَعَمْ.
فَقالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ سَتَقْتُلَهُ بِأَرْضِ يُقالُ لَها كَرْبَلاءُ، فتناول جبرئيل من ترابها فأراه النبيّ» (5).
4 - روت عائشة، قالت: « دخل الحسين بن عليّ على رسول الله صلّي الله عليه وآله وهو يوحى إليه، فنزا على رسول الله وهو منكبّ.
فقال جبرئيل: أَتُحِبُّهُ يا مُحَمَّدُ؟
قالَ: وَما لِي لَا أُحِبُّ ابْنِي؟
قالَ: فَإِنَّ أُمَّتَكَ سَتَقْتُلُهُ مِنْ بَعْدِكَ، ومدّ جبرئيل يده فأتاه بتربة بيضاء، فقال: في هذه الأرض يقتل ابنك واسمها الطّف، فلما ذهب جبرئيل من عند رسول الله صلّي الله عليه وآله والتربة في يده وهو يبكي فقال: يا عائِشَةُ، إِنَّ جَبْرَئِيلَ أَخْبَرَنِي أَنَّ ابْنِي حُسَيْناً مَقْتُولٌ فِي أَرْضِ الطَّفِّ، وَأَنَّ أُمَّتِي سَتُفْتَتَنُ بَعْدِي.
ثمّ خرج النبيّ صلّي الله عليه وآله إلى أصحابه وفيهم عليّ وأبو بكر وعمر وحذيفة وعمّار وأبو ذرّ وهو يبكي، فقالوا له: ما يبكيك يا رسول الله؟
أَخْبَرَنِي جَبْرَئِيلُ أَنَّ ابْنِي الْحُسَيْنَ يُقْتَلُ بَعْدِي بِأَرْضِ الطَّفُ، وَجَاءَ بِهَذِهِ التَّرْبَةِ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيها مَضْجَعَهُ» (1).
5 - روت زينب بنت جحش - وهي إحدى زوجات النبيّ صلّي الله عليه وآله، قالت: «كان النبيّ صلّي الله عليه وآله عندي نائماً، وحسين يحبو في البيت، فغفلت عنه حتّى أتى النبيّ صلّي الله عليه وآله، فصعد على بطنه، ثمّ قام النبيّ صلّي الله عليه وآله يصلي، واحتضنه، فكان إذا ركع وسجد وضعه، وإذا قام حمله، فلمّا جلس جعل يدعو ويرفع يديه، فلمّا قضى الصلاة قلت له: يا رسول الله، رأيتك تصنع اليوم شيئاً ما رأيتك تصنعه؟
فقال: إِنَّ جَبْرَئِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ ابْنِي يُقْتَلُ.
قلتُ: فَأَرِني إذاً، فأتاني بتربة حمراء» (2).
6 - روى ابن عبّاس، قال: «كان النبيّ صلّي الله عليه وآله في حجره الحسين، فقال له جبرئيل: أَتُحِبُّهُ؟
فقال: كَيْفَ لَا أُحِبُّهُ؟ وَهُوَ ثَمَرَةُ فُؤادِي.
فقال: إِنَّ أُمَّتَكَ سَتَقْتُلُهُ، أَلَا أُرِيكَ مَوْضِعَ قَبْرِهِ؟ فقبض قبضة، فإذا تربة حمراء» (1).
7- روى أبو أمامة، قال: « قال رسول الله صلّي الله عليه وآله لنسائه: لَا تُبْكُوا هَذَا الصَّبِيَّ - يعني الحسين-.
قال: وكان يوم أُمّ سلمة، فنزل جبرئيل فدخل رسول الله صلّي الله عليه وآله الداخل، وقال لأُمّ سلمة: لَا تَدَعِي أَحَداً يَدْخُلُ عَلَيَّ، فجاء الحسين، فلمّا نظر إلى النبيّ صلّي الله عليه وآله في البيت أراد أن يدخل فأخذته أُمّ سلمة، فاحتضنته، وجعلت تناغيه وتسكّنه، فلمّا اشتدّ في البكاء خلّت عنه، فدخل حتّى جلس في حجر النبيّ صلّي الله عليه وآله، فقال جبرئيل للنبيّ صلّي الله عليه وآله: إن أمتك ستقتل ابنك هذا.
يَقْتُلُونَهُ وَهُمْ مُؤْمِنُونَ بِي؟
نعم، يقتلونه.
وتناول جبرئيل تربة فقال له: بمكان كذا يقتل، فخرج النبيّ صلّي الله عليه وآله قد احتضن حسيناً، وهو كاسف البال مغموم، فظنّت أُمّ سلمة أنّه غضب من دخول الصبيّ عليه فقالت: يا نبيّ الله، جُعلت فداك، أنّك قد قلت: لا تبكوا هذا الصبيّ، وأمرتني أن لا أدع أحداً يدخل عليك، فجاء فخلّيت عنه.
فلم يجبها النبيّ، وخرج إلى أصحابه وهو غارق بالأسى والحزن فقال لهم: إِنَّ أُمَّتِي يَقْتُلُونَ هذا - وأشار إلى الحسين-.
فقال له أبو بكر وعمر: يا نبيّ الله، وهم مؤمنون؟
نَعَمْ، وَهَذِهِ تُرْبَتُهُ» (2).
8 - روى أنس بن الحارث عن النبيّ صلّي الله عليه وآله أنّه قال: «إِنَّ ابْنِي هذا - وأشار إلى الحسين - يُقْتَلُ بأَرْضِ يُقالُ لَها كَرْبَلَاهُ، فَمَنْ شَهِدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَلْيَنْصُرْه»ُ، ولمّا خرج الإمام الحسين عليه السّلام إلى كربلاء خرج معه أنس واستشهد بين يديه (1).
9 - روت أُمّ سلمة، قالت: «كان الحسن والحسين يلعبان بين يدي النبيّ صلّي الله عليه وآله في بيتي، فنزل جبرئيل، فقال: يا مُحَمَّدُ، إِنَّ اُمَّتَكَ تَقْتُلُ ابْنَكَ هذا مِنْ بَعْدِكَ، وأشار إلى الحسين. فبكى رسول الله، وضمّه إلى صدره، وكان بيده تربة فجعل يشمّها، وهو يقول: وَيْحَ كَرْبِ وَبَلَاءِ وناولها أمُّ سلمة، وقال لها: إِذا تَحَوَّلَتْ هَذِهِ التَّرْبَةُ دَماً، فَاعْلَمِي أَنَّ ابْنِي قَدْ قُتِلَ.
فجعلتها أُمّ سلمة في قارورة، وجعلت تتعاهدها كلّ يوم، وهي تقول: «إنّ يوماً تتحوّلين دماً ليوم عظيم» (2).
10 - رأى النبيّ صلّي الله عليه وآله في منامه كأنّ كلباً أبقع يلغ في دمه، فأوّله أنّ رجلاً يقتل ولده الحسين، فكان الخبيث الدنس شمر بن ذي الجوشن الأبرص هو الذي قتل سيّد شباب أهل الجنّة (3).
11 - روى ابن عبّاس، قال: «لمّا أتت على الحسين سنتان من مولده، خرج النبيّ صلّي الله عليه وآله في سفر له، فلمّا كان في بعض الطريق وقف فاسترجع ودمعت عيناه، فسئل عن ذلك، فقال: هذا جَبْرَئِيلُ يُخْبِرْنِي عَنْ أَرْضِ بِشَاطِيُّ الْفُراتِ يُقالُ لَها كَرْبَلَاهُ، يُقْتَلُ بها وَلَدِى الْحُسَيْنُ بْنُ فَاطِمَةَ عليه السّلام».
فانبرى إليه نفر من أصحابه فقالوا له: من يقتله يا رسول الله؟
فأجابهم بنبرات حزينة قائلاً: رَجُلٌ يُقالُ لَهُ يَزِيدٌ، لَا بَارَكَ اللَّهُ فِي نَفْسِهِ، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ
إِلَى مَصْرَعِهِ وَمَدْفَيْهِ وَقَدْ أَهْدِيَ بِرَأْسِهِ، وَاللَّهِ مَا يَنْظُرُ أَحَدٌ إِلَى رَأْسِ وَلَدِي الْحُسَيْنِ فَيَفْرَحَ إِلَّا خَالَفَ اللَّهَ بَيْنَ قَلْبِهِ وَلِسانِهِ.
ولمّا قفل النبيّ صلّي الله عليه وآله من سفره كان مغموماً، فصعد المنبر ووعظ المسلمين، وقد حمل معه سبطيه الحسن والحسين، فرفع رأسه صوب السماء وقال: اللَّهُمَّ إِنِّي مُحَمَّدٌ عَبْدُكَ وَنَبِيِّكَ، وَهَدَانِ أَطَائِبُ عِتْرَتِي، وَخِيارُ ذُرِّيَّتِي، وَأَرُوْ مَنِي، وَمَنْ أخْلَفَهُمْ فِي أُمَّتِي، اللهُمَّ وَقَدْ أَخْبَرَنِي جَبْرَئِيلُ بِأَنَّ وَلَدِي هذا - وأشار إلى الحسين - مَقْتُولٌ مَخْذُولٌ.
اللّهُمَّ فَبَارِكْ لَهُ فِي قَتْلِهِ، وَاجْعَلْهُ مِنْ ساداتِ الشُّهَداءِ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ، وَلَا تُبارك فِي قاتِلِهِ وخاذِلِهِ.
وضجّ الحاضرون بالبكاء، فقال لهم النبيّ صلّي الله عليه وآله: أَتَبْكُونَ وَلَا تَنْصُرُوهُ، اللَّهُمَّ فَكُنْ أَنْتَ وَلِيّاً لَهُ وَناصِراً.
قال ابن عبّاس: ويقي النبيّ صلّي الله عليه وآله متغيّر اللون، فصعد المنبر مرة أُخرى وخطب خطبة بليغة وعيناه تهملان دموعاً ثمّ قال: أَيُّها النَّاسُ، قد خَلَّفْتُ فِيْكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتابَ اللهِ وَعِشْرَنِي وَأَرُوْمَتِي، وَمِزاج مائِي، وَثَمَرَتِي، وَلَنْ يَفْتَرقا حَتَّى بَردا عَلَى الْحَوْضَ، أَلَا وَإِنِّي لَا أَسْأَلُكُمْ فِي ذلِكَ إِلَّا ما أَمَرَنِي رَبِّي، أَنْ أَسْأَلَكُمُ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبِي، فَانْظُرُوا أَنْ لَا تَلْقُونِي غَداً عَلَى الْحَوْضِ، وَقَدْ أَبْغَضْتُمْ عِتْرَتِي».
وجاء في آخر الحديث: «أَلَا وَإِنَّ جَبْرَئِيلَ قَدْ أَخْبَرَنِي أَنَّ أُمَّتِي تَقْتُلُ وَلَدِي الْحُسَيْنَ بِأَرْضِ كَرْبٍ وَبَلَاءٍ، أَلَا فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى قَاتِلِهِ وَحَاذِلِهِ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ».
ثمّ نزل النبيّ صلّي الله عليه وآله عن المنبر، ولم يبق أحد من المهاجرين والأنصار إلّا تيقّن أنّ الحسین مقتول» (1).
1) الفتوح: 4: 325 و 326. اللهوف: 8 - 10. بحار الأنوار: 44 247 - 249
هذه بعض الأخبار التي تحدّث فيها النبيّ صلّي الله عليه وآله عن شهادة سبطه الذي رفع راية التوحيد، وأعلى كلمة الله في الأرض.
وأشاع الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام شهادة ولده أبي الأحرار وسيّد الشهداء، وقد أُثرت عنه كوكبة من الأحاديث هذه بعضها:
1 - روی عبدالله بن يحيى، عن أبيه، أنّه صاحبَ الإمام إلى صفّين، وكان صاحبَ مطهرته، فلمّا انتهى إلى نينوى رفع الإمام صوته بأسى وحزن قائلاً: «صَبْراً أَبا عَبْدِ اللَّهِ، صَبْراً أَبَا عَبْدِ اللَّهِ.. بِشَطُ الْفُراتِ.
وانبرى يحيى قائلاً: مَن أَبُو عَبْدِ اللهِ؟
فأجابه الإمام وقلبه يتقطع ألماً وحزناً قائلاً: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَعَيْنَاهُ تَفِيضَانِ، فَقُلْتُ: يا نَبِيَّ اللهِ، أَغْضَبَكَ أَحَدٌ؟ مَا شَأْنُ عَيْنَيْكَ تَفِيضَانِ؟
قالَ: قامَ مِنْ عِنْدِي جَبْرَئِيلُ فَحَدَّثَنِي أَنَّ الْحُسَينَ يُقْتَلُ بِشَطُ الْفُراتِ، وَقَالَ: هَلْ لَكَ أَنْ أَسْمُكَ مِنْ تُرْبَتِهِ؟
قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَبَضَ قَبْضَةٌ فَأَعْطَانِيها، فَلَمْ أَمْلِكُ عَيْنِي أَنْ فَاضَتا» (1).
2 - روى هرثمة بن سليم، قال: «غزونا مع عليّ بن أبي طالب غزوة صفّين، فلمّا نزلنا كربلاء صلّى بنا صلاة، فلمّا سلّم رفع إليه من تربتها فشمّها ثمّ قال: واهاً لَكِ أَيُّتُها التَّرْبَةُ، لَيُحْشَرَنَّ مِنْكِ قَوْمٌ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ.
وبهر هرثمة من حديث الإمام، ولمّا رجع إلى أهله حدّث زوجته جرداء بنت سمير بحديث الإمام، وكانت علويّة الرأي فقالت له: إن أمير المؤمنين لم يقل
1) تاريخ مدينة دمشق: 13: 57 - 58. المعجم الكبير: 3: 105 - 106، رواه في ترجمته للإمام الحسين عليه السّلام
إلّا حقّاً، ولم تمض الأيام حتّى بعث ابن زياد بجيوشه لحرب الإمام وكان فيهم هر ثمة، فلمّا انتهى إلى كربلاء تذكّر قول الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام في شهادة ولده أبي الأحرار، وأقبل على الإمام فحدّثه بحديث أبيه، فقال له الإمام عليه السّلام: أَنْتَ مَعَنا أوْ عَلَيْنا؟
لا معك ولا عليك، تركت أهلي وولدي، وأخاف عليهم من ابن زياد.
وأسدى إليه الإمام نصيحته قائلاً: وَلِّ هارِباً حَتَّى لَا تَرَى لَنا مَقْتَلاً، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَرَى مَقْتَلَنَا الْيَوْمَ رَجُلٌ، وَلَا يُعِينُنا إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ.
وقبل هرثمة نُصْحَهُ وانهزم من كربلاء، ولم يظفر بالشهادة بين يدي سيّد شباب أهل الجنّة» (1).
3 - روی ثابت عن سويد بن غفلة أنّ الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام خطب ذات يوم، فقام إليه رجل فقال له: يا أمير المؤمنين، إنّي مررت بوادي القُرى، فوجدت خالد بن عرفطة قدمات فاستغفر له.
فأنكر الإمام ذلك وقال: وَاللهِ! ما ماتَ، وَلَا يَمُوتُ حَتَّى يَقُودَ جَيْشَ ضَلَالَةٍ، صاحِبُ لِوانِهِ حَبِيبُ بْنُ حَمَارٍ.
فانبرى إليه رجل ورفع عقيرته قائلاً: يا أمير المؤمنين، أنا حبيب بن حَمّار، وإِنِّي لك شيعة ومحبّ.
فقال له الإمام عليه السّلام: أَنتَ حَبِيبُ بْنُ حَمَارٍ.
نعم.
وكرّر الإمام قوله، وحبيب يجيبه «نعم»، فقال عليه السّلام: إي والله! إِنَّكَ لَحَامِلُها،
1) أمالي الصدوق: 200. بحار الأنوار: 44: 256. الإرشاد: 1: 329، وفيه: «حماز».الثاقب في المناقب: 267. الخرائج و الجرائح: 2: 745. مناقب آل أبي طالب: 2: 105
وَلَتَدْخُلَنَّ مِنْ هذَا الْبَابِ - وأشار إلى باب الفيل بمسجد الكوفة-.
قال ثابت: والله! ما متّ حتّى رأيت ابن زياد، وقد بعث عمر بن سعد الحرب الحسين، وجعل خالد بن عرفطة على مقدّمته، وحبيب بن حمّار صاحب رايته، فدخل بها من باب الفيل (1).
4 - قال الإمام عليه السّلام للبّراء بن عازب: أَيُقْتَلُ الْحُسَيْنُ وَأَنْتَ حَىٍّ فَلَا تَنْصُرُهُ؟
فقال البَراء: لا كان ذلك يا أمير المؤمنين.
فلمّا استشهد الإمام الحسين عليه السّلام كان البَراء يذكر ذلك ويقول: أعظِمْ بها حَسْرة إذ لم أشهده وأقتل دونه (2).
5 - روى أبو جُحيفة، قال: «جاء عروة البارقي إلى سعيد بن وهب فسأله - وأنا أسمع -، فقال: حديث حدَّثتَنيه عن عليّ بن أبي طالب عليه السّلام قال: نعم. بعثني مخنف بن سليم إلى علي الا فأتيته بكربلاء فوجدته يشير بيده ويقول: هاهُنا، هاهُنا.
فبدر إليه رجل فقال له: ما ذلك يا أمير المؤمنين؟
ثِقُل لاَلِ مُحَمَّدٍ يَنْزِلُ هَاهُنا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِنْكُمْ، وَوَيْلٌ لَكُمْ مِنْهُمْ.
ولم يعرف الرجل كلامه فقال له: ما معنى هذا الكلام يا أمير المؤمنين؟
وَيْلٌ لَهُمْ مِنْكُمْ، تَقْتُلُونَهُمْ، وَوَيْلٌ لَكُمْ مِنْهُمْ، يُدْخِلُكُمُ اللهُ النَّارَ بِقَتْلِهِمْ» (3).
6 - روى الحسن بن كثير، عن أبيه: «أن عليّاً عليه السّلام أتى كربلاء فوقف بها فقيل له: يا أمير المؤمنين، هذه كربلاء.
فأجاب بألم وحزن قائلاً: ذاتَ كَرْبٍ وَبَلَاءِ.
ثمّ أومأ بيده إلى مكان وقال: هاهُنا مَوْضِعُ رِحالِهِمْ، وَمُناخُ رِكابِهِمْ، وَأومأ مرّة أُخرى إلى موضع فقال: هاهُنا مُهْرَاقُ دِمائِهِمْ (1).
7 - روى أبو حبرة، قال: «صحبت عليّاً حتّى أتى الكوفة، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: كَيْفَ أَنْتُمْ إِذا نَزَلَتْ ذُرِّيَّةً نَبِيِّكُمْ بَيْنَ ظَهْرَانِيكُمْ؟
فأجابوا جميعاً: إذاً نبلى لله فيهم بلاء حسناً.
فأنكر الإمام عليه السّلام ذلك وراح يقول: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيَنْزِلُنَّ بَيْنَ ظَهْرَانِيكُمْ، وَلَتَخْرُجُنَّ إِلَيْهِمْ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ.
ثمّ أنشأ يقول:
هُمْ أَوْرَدُوهُ بِالْغَرُورِ وَعَرَّدوا *** أَحَبّوا نَجاةٌ لَا نَجَاةَ وَلَا عُذرا» (2)
وكثير من أمثال هذه الأحاديث أثرت عن وصيّ رسول الله صلّي الله عليه و آله، وباب مدينة علمه، وقد أعلنت شهادة ريحانة رسول الله صلّي الله عليه و آله الإمام الحسين عليه السّلام في أرض كربلاء.
ولمّا آلت الخلافة الإسلامية إلى عمر بن الخطّاب كان الإمام الحسين عليه السّلام في سنّه المبكر، وقد انطوت نفسه منه على أسى مرير وحزن عميق؛ لأنّه احتلّ مركز أبيه رائد العدالة الاجتماعية في دنيا الإسلام، وكان من مظاهر نقمة الإمام الحسين عليه السّلام عليه أنّه كان على المنبر يخطب، فلم يشعر إلّا والحسين يصيح به: «اِنْزِلْ .. اِنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِ أَبِي وَاذْهَبْ إِلَى مِنْبَرِ أَبِيكَ».
وبهت عمر واستولت عليه الحيرة، وراح يصدّقه قائلاً: صدقت، لم يكن لأبي منبر.
وأخذه فأجلسه إلى جنبه وراح يسأله عمّن أوعز إليه بهذا الكلام قائلاً: مَن علّمك؟
وَاللهِ! ما عَلَّمَنِي أَحَدٌ (1).
شعور طافح بالأسى انبعث عن عبقرية وطموح، وهو في فجر الصبا، فقد رأى منبر جدّه لا يليق لأي أحد أن يرقاه سوى أبيه رائد الحكمة وباب مدينة علم النبيّ صلّي الله عليه و آله.
وانطوت نفس أبي الأحرار الإمام الحسين عليه السّلام على بغض عارم وكراهة شديدة لمعاوية صاحب الأحداث والموبقات في الإسلام، الذي استهدف إزالة ما حقّقه الإسلام من القيم على الصعيد السياسي والتربوي والأخلاقي، فقد اتّخذ من القرارات في حكمه ما يلي:
1 - إبادة العناصر الواعية في الإسلام كحجر بن عدي الصحابي الجليل، وميثم التمّار تلميذ الإمام عليّ عليه السّلام، ورشيد الهجري، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وأمثالهم من أعلام الإسلام، فقد ساقهم إلى ساحة الاعدام.
2 - محاولة الحطّ من قيمة أهل البيت عليهم السّلام الذين هم مركز الوعي الديني والاجتماعي في الإسلام، والعصب الحسّاس في جسم الأُمّة، يمدّها بالنهوض والارتقاء، فقد استخدم أجهزة التربية والتعليم، وأجهزة الوعظ والإرشاد للحطّ من شأن أهل البيت عليهم السّلام، وفرض سبّهم على المنابر في صلاة الجمعة والجماعة والأعياد وغيرها من المناسبات.
3 - وضع لجان لافتعال الأحاديث في فضل الصحابة، وتغيير مناهج الحكم في
1) الإصابة: 1: 332
الإسلام، ومن المؤسف أنّها دونت في الصحاح والسنن وغيرها، ممّا اضطرّ بعض الغيارى إلى تأليف جمهرة من الكتب في بيان الأخبار الموضوعة.
وفيما أحسب أنّ هذا المخطّط الرهيب من أقسى ما رزیْ به المسلمون، فقد دوّنت تلك المفتعلات والموضوعات في الصحاح، فاعتقد بها شريحة من المسلمين أنّها جزء من دينهم، والدين منها براء.
ورفع الإمام مذكّرة لمعاوية شديدة اللهجة شجب فيها سياسته السوداء التي تفجّرت بكلّ ما خالف كتاب الله تعالى وسنّة نبيّه، ونعى فيها قتله لأعلام الإسلام، وهي أهمّ وثيقة سياسية أحاطت بجرائم معاوية وموبقاته، وقد ذكرناها في كتابنا (حياة الإمام الحسين بن عليّ عليهماالسّلام).
عقد أبو الأحرار وسيّد الشهداء مؤتمراً سياسياً في مكّة، حضره جمهور غفير ممّن شهد موسم الحجّ من المهاجرين والأنصار وغيرهم، تحدّث فيه عمّا ألمّ بالإسلام من خطر من حكم معاوية، وذكر ما ألمّ بالعترة النبوية من الخطوب والأزمات في عهد هذا الجاهلي، وهذه بنود مما ألقاه الإمام عليه السّلام:
«إِنَّ هَذَا الطَّاغِيَةَ - يعني معاوية - قَدْ فَعَلَ بِنا وَبِشِعَتِنا مَا قَدْ رَأَيْتُمْ وَعَلِمْتُمْ وَشَهِدْتُمْ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ، فَإِنْ صَدَقْتُ فَصَدِّقُونِي، وَإِنْ كَذَبْتُ فَكَذَّبُونِي، اسْمَعُوا مَقالَتِي، وَاكْتُبُوا قَوْلِي، ثُمَّ ارْجِعُوا إِلَى أَمْصارِكُمْ وَقَبائِلِكُمْ. فَمَنْ أَمَنْتُمْ مِنَ النَّاسِ، وَوَثِقْتُمْ بِهِ فَادْعُوهُمْ إِلى ما تَعْلَمُونَ مِنْ حَقًّنا، فَإِنِّي أَتَخَوَّفُ أَنْ يَدْرُسَ هَذَا الأَمْرُ وَيُغْلَبَ، وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ».
ثمّ ذكر المخطّطات السياسية لمعاوية الهادفة إلى القضاء على الإسلام،
وختم كلامه بذكر فضائل أهل البيت عليهم السّلام ومحاولة معاوية لسترها، وكان هذا أوّل مؤتمر سياسي عقد في الإسلام.
استقبل معاوية الموت غير آمن ولا مطمئن من عذاب الله تعالى، وذلك لما اقترفه من سفك الدماء، وإبادة القوى الواعية في الإسلام، كحجر بن عدي وعمرو بن الحمق الخزاعي ومالك الأشتر وغيرهم، فهو صاحب الأحداث الجسام التي خلّدت للمسلمين الفتن وألقتهم في شرّ عظيم.
وقد عهد بالمُلك من بعده إلى ولده يزيد، وهو فاسق فاجر، متمرّد على القيم الإسلامية، لا عهد له بالله، ولا يؤمن باليوم الآخر، وقد وصفه الإمام الحسين بأنّه صاحب شراب وقنض، وأنّه قد لزم طاعة الشيطان، وترك طاعة الرحمن، وأظهر الفساد، وعطّل الحدود، واستأثر بالفيء، وأحلّ حرام الله، وحرّم حلاله (1).
ولمّا هلك معاوية قام ولده يزيد،مقامه، فاقترف كلّ ما حرّم الله من إثم، وأظهر الفساد والجور، ونشر الظلم بين الناس.
وقام أبو الأحرار بوجه الطاغية المجرم يزيد بن معاوية، فرفض بيعته رسمياً في بهو مجلس حاكم المدينة، وأعلن للملأ عن أهداف ثورته الخالدة قائلاً:
«إِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِراً، وَلَا بَطِراً، وَلَا ظَالِماً، وَلَا مُفْسِداً، وَإِنَّما خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإِصْلَاحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي، أَرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَنَّهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَسَيْرُ بِسِيرَةِ جَدِّي وَأَبِي».
1) الكامل في التاريخ: 3: 280. الإمامة والسياسة: 1: 181، 186. الفتوح: 4: 339
لقد انطلق الإمام في ثورته ليؤسّس معالم الإصلاح في البلاد، ويحقّق العدل الاجتماعي بين الناس، ويدمّر السلبيات التي أقامها الحكم الأموي على مسرح الحياة الإسلاميّة.
وقد ألقى الإمام عليه السّلام خطابه السياسي في مكّة، جاء فيه:
«الْحَمْدُ لِلهِ، وَما شَاءَ اللهُ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى رَسُولِهِ وَسَلَّمَ.
خُطَّ الْمَوْتُ عَلَى وُلْدِ آدَمَ مَخَطَّ الْقِلَادَةِ عَلَى جِيْدِ الْفَتاةِ، وَمَا أَوْلَهَنِي إِلَى أَسْلَافِي اشْتِياقَ يَعْقُوبَ إِلى يُوسُفَ، وَخِيْرَ لِي مَصْرَعٌ أَنا لَا فِيهِ، كَأَنِّي بِأَوْصَالِي تُقَطِّعُها عُسْلَانُ (1)الْفَلَواتِ بَيْنَ النَّواوِيسِ وَكَرْبَلَاءِ، فَيَمْلَأَنَ مِنِّي أَكْراشاً جَوْفاً وَأَجْرِبَةً سَغْباً، لَا مَحِيصَ عَنْ يَوْمٍ خُطَّ بِالْقَلَمِ.
رِضَى اللَّهِ رِضانَا أَهْلَ الْبَيْتِ، نَصْبِرُ عَلَى بَلَائِهِ، وَيُوَفِّينا أَجْرَ الصّابِرِينَ.
لَنْ تَشُدُّ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه و آله لَحْمَتُهُ، وَهِيَ مَجْمُوعَةٌ لَهُ فِي حَظِيرَةِ الْقُدْسِ، تَقَرُّ بِهِمْ عَيْتُهُ، وَيُنْجَرُ بهمْ وَعْدَهُ، أَلَا وَمَنْ كانَ باذلاً فينا مُهْجَتَهُ، وَمُوَطِّناً عَلى لِقَاءِ اللهِ نَفْسَهُ، فَلْيَرْحَلْ مَعَنا، فَإِنَّنِي راحِلٌ مُصْبِحاً إِنْ شاءَ اللهُ تَعَالَى» (2).
لا أكاد أعرف خطاباً سياسياً أبلغ ولا أروع من هذا الخطاب، فقد أعلن فيه الإمام تصميمه على الشهادة والاستهانة بالحياة في سبيل الله تعالى، فقد رحّب بالموت، واعتبره وسام شرف وزينة له كالقلادة التي تتزيّن بها الفتاة، كما أعلن عن البقعة الطاهرة التي يسفك على صعيدها دمه الزكي الزكي، وهي ما بين النواويس وكربلاء، فبها تتناهب السيوف والرماح جسده الطاهر، وقد حلّلنا هذا الخطاب، وذكرنا ما فيه من النقاط في كتابنا (حياة الإمام الحسين بن عليّ عليهماالسّلام).
ولمّا توافدت رسائل أهل الكوفة على ريحانة رسول الله صلّى الله عليه و آله لينقذهم من الواقع المرير الذي يعيشون فيه تحت ظلم الحكم الأُموي، وحمّلوه المسؤولية أمام الله والأُمّة إن تأخّر عن إجابتهم، فخرج سلام الله عليه بثقله إليهم، وأحاطت به في الطريق كتيبة عسكرية بقيادة الحرّ، فارغموه على التوجّه إلى كربلاء، فأقام فيها، وقد شعر بدنوّ الأجل المحتوم منه ومن أهل بيته وأصحابه، إلّا أنّه لم يحفل بالخطر الذي داهمه، وهرعت الجيوش من الكوفة يتبع بعضها بعضاً، حتّى طوّقته، واستولت على حوض الفرات فمنعت وصولهم إليه.
وفي اليوم العاشر من المحرّم، اليوم الخالد في دنيا الأحزان، حملت جيوش البغي والضلال على أصحاب الإمام العظيم فأبادتهم كما أبادت الكواكب المشرقة من شباب الأُسرة النبويّة.
وقد أعلن أبو الأحرار عن إرادته الصلبة، وعزمه الجبّار، أنّه يقاوم المدّ الجاهلي، ولا يخضع لأُولئك الأقزام، فقد رفع صوته قائلاً: «لَا أَرْى الْمَوْتَ إِلَّا سَعادَةً، وَالْحَياةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إِلَّا بَرَماً».
وقال عليه السّلام: «وَاللَّهِ! لَا أَعْطِيْكُمْ بِيَدِي إِعْطاءَ الذُّلِيلِ، وَلَا أَقِرُّ لَكُمْ إِقْرارَ الْعَبِيدِ».
وحملت عليه تلك الوحوش الكاسرة بسيوفها ورماحها حتّى استشهد سلام الله عليه، وقد قدّم روحه ثمناً للقرآن، وثمناً لكلّ ما تسمو به الإنسانيّة من المُثُل الكريمة.
لقد طويت أعلام الأمويّين، ودمّرت حصونهم وقصورهم وجيوشهم، وانتشرت راية أبي الأحرار في جميع الآفاق، وهي تحمل الكرامة والشرف والجهاد، وليس في دنيا الإسلام وغيره فاتح أعظم من سيّد الشهداء الذي ملك قلوب الناس وعواطفهم بثورته التي أعزّ الله بها الإسلام، وجعلها عبرة لأولي الألباب.
هي حفيدة الرسول صلّى الله عليه و آله، وسيّدة نساء العالمين بعد أُمّها الصدِّيقة الطاهرة سلام الله عليها، فقد تجسّدت فيها جميع الصفات الكريمة والنزعات الشريفة، فكانت بحكم مواريثها من جدّها وأبيها وأُمّها أروع مثل للشرف والعفاف والكرامة والجهاد، فقد أقامت صروح النهضة الفكرية، ونشرت الوعي السياسي والديني في خطبها الحماسية التي ألقتها على جماهير أهل الكوفة وفي أروقة الحكم الأموي، فقد أبرزت بصورة إيجابية الواقع الأموي الملوّث بالجرائم والموبقات وانتهاك حقوق الإنسان، كما دلّلت على خيانتهم للمسلمين وسرقتهم للحكم من أهله.
إنّ سيّدة النساء زينب سلام الله عليها قد شيّدت صروح الإسلام، ورفعت كلمة الله في الأرض، فما أعظم عائدتها على الإسلام.
وهذا عرض سريع وموجز لبعض شؤونها:
هي أوّل سيّدة من نسل رسول الله صلّى الله عليه و آله تزيّنت بها الدنيا، ولم يولد مثلها في طهارتها وعفّتها، وقد استقبل أهل البيت هذه المولودة المباركة بمزيد من الابتهاج والسرور، وأجرى عليها أبوها الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام مراسيم الولادة الشرعية، فأذّن في أذنها اليمنى، وأقام في اليسرى، فكان أوّل صوت قرع سمعها هو:
«اللهُ أَكْبَرُ»، «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ».
وهذه الكلمات العظيمة أُنشودة الأنبياء والمتّقين، وقد انطبعت في أعماق نفسها
ودخائل ذاتها، فكانت من عناصرها ومقوّماتها.
حينما بشِّر النبيّ صلّى الله عليه و آله بهذه المولودة المباركة سارع إلى بيت بضعته الزهراء عليهاالسّلام، وهو خائر القوى حزين النفس، فأخذ المولودة وضمها إلى صدره ودموعه تتبلور على سحنات وجهه الكريم، وسارعت الصدّيقة سيّدة النساء الزهراء عليهاالسّلام قائلة: ما يُبْكِيْكَ يا أَبَتِ، لَا أَبْكَى اللهُ لَكَ عَيْناً؟
فأجابها بصوت خافت حزين النبرات: يا فاطِمَةُ، اعْلَمِي أَنَّ هَذِهِ الْبِنْتَ بَعْدِي وَبَعْدَكِ سَوْفَ تَنْصَبُّ عَلَيْها الرّزايا وَالْمَصائِبُ (1).
لقد استشفّ النبيّ صلّى الله عليه و آله من وراء الغيب ما يجري على حفيدته من الرزايا القاصمة التي تذوب من هولها الجبال، وأنّها سوف تمتحن بما لم تمتحن به أيّة سيّدة من بنات حوّاء، وقد شاركه الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام في آلامه وأحزانه وأساه، كما شاركت سيّدة نساء العالمين الصدّيقة الطاهرة أباها في حزنه وأساه، وأقبل سلمان الفارسي، الصديق الحميم للأسرة النبويّة يهنّئ الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، بوليدته المباركة، فألفاه حزيناً واجماً، وهو يتحدّث عمّا ستعانيه ابنته من المآسي والخطوب، فشاركهم في أحزانهم وآلامهم.
والتفتت سيّدة النساء سلام الله عليها إلى الإمام فقالت له: سَمَّ هذِهِ الْمَوْلُودَةَ. فأجابها الإمام بأدب وتواضع: ما كُنتُ لِأَسْبِقَ رَسُولَ اللهِ.
وطلب الإمام من النبيّ صلّى الله عليه و آله أن يسميها، فأجابه: ما كُنْتُ لِأَسْبِقَ رَبِّي.
1) السيّدة زينب رائدة الجهاد في الإسلام: 45
وَهبط جبرئيل على النبيّ صلّى الله عليه و آله وهو يحمل من الله تعالى تسميتها: سَمُها زَيْنَبَ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ اخْتارَ لَها هذَا الْإِسْمَ.
وأحاطه على ما سيجري على حفيدته من الرزايا والخطوب، فأُغرق الجميع بالبكاء (1).
كُنِّيت الصدِّيقة الطاهرة بأُمّ كلثوم (2)، وهذه كنيتها، وقد ذهب بعض المؤرّخين إلى أنّ أُمّ كلثوم بنت أُخرى للإمام، أُمها الزهراء عليهاالسّلام، ونحن نشكّ في ذلك.
أمّا ألقاب السيّدة زينب سلام الله عليها، فإنّها تنمّ عن صفاتها الكريمة، وهذه بعضها:
العقيلة هي المرأة الكريمة عند قومها، والعزيزة في بيتها، والسيّدة زينب أعزّ امرأة، وأفضل علويّة في الإسلام، وقد اعتزّ بها أحفادها فكانوا يلقّبون بأبناء العقيلة، وبالزينبيّين افتخاراً بهذه النسبة.
كانت حفيدة الرسول صلّي الله عليه و آله من أجلّ العالِمات في الأُسرة النبوية، وكانت مرجِعاً للسيّدات الفاضلات من نساء المسلمين فيما يخصّ شؤونهنّ الدينيّة، وكذلك
كان يرجع إليها بعض الصحابة في المسائل الفقهية
كانت سيّدة النساء أعبد نساء المسلمين، فلم تترك نافلة من النوافل اليوميّة، وكذلك صلاة الليل وغيرها من المستحبّات، فكانت ملازمة لها، وقد أدّت نوافلها في أقسى ألوان المحنة التي مرّت بها وهي في ليلة الحادي عشر من المحرّم.
وكانت أكمل امرأة في الإسلام في فضلها وشرفها وعفّتها وطهارتها من الرجس.
من ألقاب سيّدة النساء زينب سلام الله عليها الفاضلة، وهي من دون شكّ قد تميّزت على سائر نساء المسلمين في جهادها وخدمتها للإسلام، وبلائها في سبيل الله تعالى.
أمّا السنة التي ولدت فيها سيّدة النساء زينب سلام الله عليها فقد اختلف فيها المؤرّخون، وهذه بعض أقوالهم:
1 - السنة الخامسة، في شهر جمادى الأُولى.
2 - السنة السادسة من الهجرة.
3- السنة التاسعة من الهجرة، وفنّد هذا القول المغفور له الشيخ جعفر النقدي، فقال: «وهذا القول غير صحيح لأنّ فاطمة عليهاالسّلام توفّيت بعد والدها في السنة العاشرة أو الحادية عشر على اختلاف الروايات، فإذا كانت ولادة السيّدة زينب في السنة التاسعة وهي كبرى بناتها، فمتى كانت ولادة أُمّ كلثوم، ومتى حملت بالمحسن
وأسقطته لستّة أشهر»، قال: «والذي يترجّح عندنا هو أنّ ولادتها كانت في السنة الخامسة من الهجرة» (1)، وذكر مؤيّدات أُخرى لما ذهب إليه.
نشأت الصدِّيقة الطاهرة زينب سلام الله عليها في بيت النبوّة ومهبط الوحي والتنزيل، إنّه أطهر بيت في الأرض وأعزّه وأمنعه، وقد غذّتها أُمّها سيّدة نساء العالمين بالعفّة والكرامة ومحاسن الأخلاق والآداب، وحفّظتها القرآن الكريم، وعلّمتها أحكام الإسلام، وأفرغت عليها أشعة من مُثُلها حتّى صارت صورة صادقة عنها.
لقد قطعت شوطاً من طفولتها في بيت الشرف والكرامة والرحمة، وشاهدت أباها الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام يشارك أُمّها في شؤون البيت، ويُعينها في مهامّها، ولم تتردّد في أجواء البيت أيّة كلمة من مرّ القول وهجره، وشاهدت جدّها الرسول صلّى الله عليه و آله يغدق عليها بفيض من التكريم والعطف والحنان.
لقد ظفرت حفيدة الرسول صلّى الله عليه و آله بأروع وأسمى ألوان التربية الإسلاميّة، فقد شاهدت أخاها الإمام الحسين عليه السّلام يعظّم أخاه الحسن عليه السّلام ويبجّله، ولم يتكلّم معه بأيّة كلمة قاسية، وكانت هي بالذات موضع احترام أبويها وأخويها، فكانت إذا أقبلت قام إليها أخوها الإمام الحسين إجلالاً وإكباراً، وإذا أرادت زيارة قبر جدّها الرسول صلّى الله عليه و آله خرج معها أبوها وأخواها الحسنان عليهماالسّلام ويبادر الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام إلى إخماد ضوء القناديل التي على المرقد الشريف مخافة أن ينظر أحد إلى شخص الحوراء (2)، هكذا كانت تعامل حفيدة الرسول صلّى الله عليه و آله بالمزيد من التبجيل والتعظيم في
إطار الأُسرة النبوية وغيرها.
وما من صفة كريمة، أو نزعة شريفة، يعتزّ بها الإنسان ويسمو على غيره من الكائنات الحيّة إلّا وهي من عناصر عقيلة بني هاشم، وسيّدة نساء العالمين بعد أُمّها، فقد تحلّت بجميع الفضائل التي وهبها الله تعالى لجدّها وأبيها وأُمّها وأخويها، فقد ورثت خصائصهم ومميزاتهم ومكارم أخلاقهم، ومن بين عناصرها الشريفة ما يلي:
لقد تغذّت حفيدة الرسول عليهاالسّلام بجوهر الإيمان، وانطبع حبّ الله تعالى في عواطفها ومشاعرها، فكان ذلك من عناصرها ومقوّماتها، وقد طافت بها أقسى ألوان المحن، وأمرّ أنواع الخطوب من أجل رفع راية الإسلام.
إنّ الإيمان الوثيق بالله تعالى، والانقطاع الكامل إليه، كانت من ذاتيات العقيلة، وكان من إيمانها العظيم أنّها وقفت على جثمان أخيها أبي الأحرار الذي مزّقته السيوف وهو جثّة هامدة بلا رأس، فرمقت السماء بطرفها، وقالت كلمتها الخالدة: «اللّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنّا هذَا الْقُرْبانَ».
إنّ الإنسانيّة لتنحني إجلالاً وتعظيماً أمام هذا الإيمان الذي لا حدود له.
لقد تضرّعت بطلة الإسلام بخشوع أمام الله تعالى أن يتقبّل ذلك القربان العظيم الذي هو ريحانة رسول الله صلّى الله عليه و آله.
أيّ إيمان يماثل هذا الإيمان؟ أي تبتّل إلى الله تعالى يضارع هذا التبتّل؟
ومن عظيم إيمانها الذي يبهر العقول أنّها أدّت صلاة الشكر إلى الله تعالى ليلة الحادي عشر من المحرّم على ما وفّق أخاها ووفّقها لخدمة الإسلام ورفع كلمة الله.
من النزعات الفذّة التي تسلّحت بها مفخرة الإسلام وسيدة نساء العالمين زينب سلام الله عليها هي الصبر على الفجائع المذهلة التي ألمّت بها يوم الطفّ، فقد شاهدت أخاها الذي هو أعزّ عليها من حياتها، قد أحاطت به قوى الشرك التي هي امتداد لجيوش أبي سفيان التي أحاطت بالنبيّ صلّى الله عليه و آله في أُحد وغيرها، ولم يجد أخاها ناصراً ومعيناً حتّى استشهد أصحابه وأهل بيته، ثمّ اعتدت عليه تلك الوحوش الكاسرة ضرباً بالسيوف وطعناً بالرماح، وهي تنظر إليه، وقد تسلّحت بالصبر، وسلّمت أمرها إلى الله تعالى.
إنّ أيّ رزية من رزايا سيّدة النساء زينب سلام الله عليها لو ابْتُلِي بها أّي إنسان مهما تذرّع بالصبر وقوّة النفس لوهنت قواه وانهارت شخصيّته، وما تمكّن من مقاومة تلك الأحداث المذهلة، ولكنّها سلام الله عليها قد صمدت أمام ذلك البلاء الذي لم يبتلى به أي مصلح في الأرض، وقد قاومته بنفس آمنة مطمئنّة راضية بقضاء الله تعالى، فكانت مَن أبرز من عناهم الله تعالى بقوله:
«وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ» (1).
وقال تعالى: «إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ» (2).
وقال تعالى: «وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُو يَعْمَلُونَ» (3).
لقد صبرت حفيدة الرسول صلّي الله عليه و آله، وأظهرت التجلّد وقوّة النفس أمام أعداء الله
تعالى، ولم يُشاهد في جميع فترات التاريخ سيّدة مثلها في قوّة عزيمتها، وصمودها أمام الكوارث والخطوب.
يقول الحجّة الشيخ هادي آل كاشف الغطاء:
لِلَّهِ صَبرُ زَينبَ العَقِيلة *** كَمْ شَاهَدَتْ مَصائباً مَهُولَة
رَأَتْ مِنَ الخُطوبِ وَالرَّزايا *** أَمْراً تَهُونُ دونَهُ المَنايا
رَأَتْ كرامَ قَومِها الأَماجِدْ *** مُجَزَّرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٌ
تَسْفِي عَلى جُسومِها الرِّياحُ *** وَهيَ لِذُوْبانِ الفَلا تُباحُ
رَأَتْ رُؤوساً بِالقَنا تُشالُ *** وَجُثَثاً أَكفانُها الرِّمالُ
رَأَتْ رَضِيعاً بِالسِّهامِ يُفطَمُ *** وَصِبْيَةٌ بَعدَ أَبِيهِمْ أُوتِمُوا
رَأَتْ شَمائَةَ العَدُوِّ فيها *** وَصُنْعَهُ ما شاءَ في أَخِيها
وَإِنَّ مِنْ أَدْهَى الخُطوبِ السُّودِ *** وُقوفُها بَينَ يَدَي يَزيدِ
لقد قابلت العقيلة ما عانته من الكوارث المذهلة والخطوب السود بالصبر والتسليم لأمر الله تعالى.
من الصفات البارزة في شخصيّة سيدة النساء زينب سلام الله عليها هي العزّة والكرامة، فقد حملت بعد مقتل أخيها سيّد شباب أهل الجنّة من كربلاء إلى الكوفة سبيّة، قد نهب جميع ما عندهم من الأمتعة والحلي، وقد أضر الجوع بالصبية من أبناء أهل البيت، فترفّعت أن تطلب من أُولئك الممسوخين من شرطة ابن مرجانة شيئاً من الطعام لهم، ولمّا انتهى موكب السبايا إلى الكوفة، وعلمن النساء أنّ السبايا من أهل بيت النبوّة سارعن إلى تقديم الطعام إلى الأطفال الذين ذوت أجسامهم من الجوع، فانبرت السيّدة زينب فخاطبت النساء قائلةً: «الصَّدَقَةُ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْنا
أَهْلَ الْبَيْتِ».
ولمّا سمع الأطفال ذلك من عمّتهم أنقوا ما في أيديهم وأفواههم من الطعام، وجعل بعضهم يقول البعض: عمّتي تقول الصدقة علينا حرام أهل البيت .. أيّ تربية تربّى عليها أبناء أهل البيت، إنّها تربية الأنبياء والصدّيقين التي تسمو بالإنسان إلى أسمى مراحل الكمال.
ولمّا سيّرت سبايا أهل البيت عليهم السّلام من الكوفة إلى الشام لم تطلب السيّدة زينب طيلة الطريق أي شيء من الاسعافات إلى الأطفال والنساء من أُولئك الجناة الأنذال الذين رافقوا الموكب.
لقد ورثت العقيلة من جدّها وأبيها العزّة والكرامة والشرف والإباء (1).
ولم يشاهد في جميع مراحل التأريخ امرأة أشجع، ولا أربط جأشاً، ولا أقوى جناناً من سيّدة النساء زينب عليهاالسّلام، فقد وقفت بصلابة وشجاعة نادرة أمام الارهابي المجرم عبيد الله بن زياد فاحتقرته واستهانت به، وهي في قيد الأسر، فقد قال لها بلسانه الألكن مظهراً الشماتة بإبادته لعترة رسول الله صلّي الله عليه و آله: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وكذّب أحد وثتكم».
فانبرت إليه حفيدة الرسول الله صلّي الله عليه و آله فسدّدت له سهاماً بمنطقها الفيّاض قائلة:
«الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَكْرَمَنَا بِنَبِيِّهِ، وَطَهَّرَنا مِنَ الرَّجْسِ تَطْهِيراً، إِنَّمَا يُفْتَضَحُ الْفَاسِقُ وَيُكَذِّبُ الْفاجِرُ، وَهُوَ غَيْرُنا يابْنَ مَرْجانَة».
إنّ هذا القول الصارم أمضى من السلاح، فقد أنزلت الطاغية من عرشه إلى قبره،
1) السيّدة زينب رائدة الجهاد في الإسلام: 61
وعرّفته أمام عبيده وأذنابه الحقراء، أنّه هو المنهزم، وأنّ أخاها هو المنتصر، ولم يجد ابن مرجانة كلاماً يدلي به سوى التشفّي بقتل عترة رسول الله صلّي الله عليه و آله قائلاً: كيف رأيت صنع الله بأخيكِ؟
وانطلقت سيّدة النساء ببسالة وصمود فأجابته بكلمات الظفر قائلةً: «ما رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلاً، هؤُلَاءِ قَوْمٌ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ، فَبَرَزُوا إِلى مَضاجِعِهِمْ، وَسَيَجْمَعُ الله بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ، فَتُحاجُ وَتُخاصَمَ، فَانْظُرْ لِمَنِ الْفَلَجُ يَوْمَئِذٍ، تَكَلتك أمك يابْنَ مَرْجانَةَ».
أرأيتم هذا التبكيت الموجع؟ أرأيتم هذه الشجاعة العلويّة؟ فقد سجّلت بموقفها وكلماتها فخراً للإسلام، وعزّاً للمسلمين، ومجداً خالداً للأُسرة النبوية.
أمّا موقفها في بلاط يزيد وخطابها الثوري الخالد الذي هزّ العرش الأموي، وكشف الواقع الجاهلي لبني أُميّة، ومن مكّنهم من رقاب المسلمين، فقد تحدّثنا عنه بالتفصيل في كتابنا (السيّدة زينب رائدة الجهاد في الإسلام).
وبهذا نطوي الحديث عن بعض العناصر النفسية لحفيدة الرسول صلّى الله عليه و آله، التي كانت نبراساً مشرقاً في هذا المشرق العربي.
رافقت سيّدة النساء زينب عليهاالسّلام أخاها أبا الأحرار في ثورته الخالدة التي أمدّت العالم الإسلامي بعوامل النهوض والارتقاء، وكان لها دور إيجابي ومتميّز في الثورة المباركة التي غيّرت مجرى التأريخ، وأيقظت العالم الإسلامي من سباته، ورفعتْ عنه ذلك التخدير الذي مُنِي به، فقد اندفعت الشعوب الإسلاميّة كالمارد الجبار وهي تنادي بفجر جديد وحكم صالح لها، فقد عمّت الثورات، وشاعت الهتافات بسقوط الحكم الأموي حتّى طويت معالمه، واندثرت آثاره، وهدّمت قلاعه.
وعلى أي حال، فقد شاهدت حفيدة الرسول صلّى الله عليه و آله فصول الثورة التي فجّرها أخوها، وقد أبرزت قيمها، وخلّدت مبادئها بخطبها الرائعة في الكوفة، وفي بهو
المجلس الأموي وفي المدينة، وقد هزّت العواطف، ولم تعد شهادة الإمام الحسين عليه السّلام حديثاً عابراً، وإنّما كان من صميم الحياة الإسلامية.
وعلى أي حال، فقد واكبت سيّدة النساء الأحداث المروّعة، التي تذوب من هولها الجبال، التي أحاطت بأخيها الإمام الحسين عليه السّلام في صعيد كربلاء، وقد تناهبت جيوش الأمويّين بسيوفهم ورماحهم جسم أخيها ريحانة النبيّ صلّى الله عليه و آله والأجسام الطاهرة من أبناء الأُسرة النبوية، ثمّ مثّلت بأجسامهم أقسى وأفجع ما يكون التمثيل، ثمّ عدوا على حرق الخيام التي تضمّ النساء والأطفال، وقد فرّوا في البيداء، كلّ هذه المآسي والكوارث قد حلّت بحفيدة الرسول صلّى الله عليه و آله، ولم يقتصر الحكم الأُموي على هذه المذبحة الرهيبة في أبناء النبي صلّى الله عليه و آله، وإنّما عدوا إلى سبي عقائل الوحي ومخدّرات الرسالة، يطاف بهنّ من بلد إلى بلد، ويستشرفهنّ أهل المناهل والمناقل، فهل هذا جزاء للنبيّ صلّى الله عليه و آله الذي برّ بدين العرب ودنياهم.
إنّ المتأمّل فى هذه الأحداث المذهلة يدرك أنّها كانت من دون شكّ ناجمة من الذين هتفوا بعد وفاة النبيّ: «لا تجتمع الخلافة والنبوّة في بيت واحد»، فجميع النكبات التي حلّت بأهل البيت الذين قرنهم الرسول صلّى الله عليه و آله بمحكم التنزيل إنّما هي وليدة تلك المواقف الشريرة التي وقفها القوم لفصل الخلافة عن أهل بيت النبوّة ومعدن الحكمة والكرامة في دنيا الإسلام.
وبعدما انتهت عقيلة بني هاشم من السبي إلى يثرب خلدت إلى البكاء والنحيب، وأخذت تراودها صباحاً ومساءً تلك الذكريات المروّعة التي جرت على أخيها في صعيد كربلاء، وما عانته من الخطوب القاصمة التي تذوب من هولها الجبال، فكانت دموعها تجري في كلّ لحظة على أخيها وأُسرتها الذين حصدت رؤوسهم سيوف الأمويّين، ومثّلت بأجسامهم أقسى تمثيل.
لقد أخذت تراود العقيلة تلك المناظر المذهلة التي تعصف بالصبر، حتّى ضاقت بها الأرض بما رحبت، وصارت شبحاً لا تقوى على الكلام، وكانت ترفع صوتها مشفوعاً بالحسرات قائلةً: «وَأَخاهُ».
«واحُسَيْناه».
«واعبّاساه».
«واأَهْلَ بَيْتاه».
ثمّ تهوي إلى الأرض مغمىّ عليها، وقد ذوت كما ذوت أُمّها زهراء الرسول من قبل، وكان أحبّ شيء لها مفارقة الدنيا، والالتحاق بجدّها الرسول صلّى الله عليه و آله لتشكو إليه ما عانته من الرزايا والأسر والسبي، وما جرى على أخيها من القتل والتمثيل.
ولم تمكث سيّدة النساء بعد كارثة كربلاء إلّا زمناً قليلاً حتى تناهبت الأمراض جسمها، فلم تقو حتّى على الكلام، وقد استقبلت الموت بشوق عارم لملاقاة الله، والالتقاء بجدّها وباقي أُسرتها، وقد رفعت روحها الطاهرة إلى السماء كأسمى روح صعدت إلى الله، تحفّها ملائكة الرحمن، وتستقبلها أنبياء الله، وهي ترفع إلى الله شكواها وما لاقته من المحن والخطوب التي لم يمتحن بمثلها أي إنسان منذ خلق الله تعالى الأرض.
وقد انتقلت سيّدة النساء سلام الله عليها إلى جنّة المأوى سنة (62هـ) في يوم الأحد لخمس عشرة ليلة مضين من شهر رجب (1)على أرجح الأقوال، أمّا البقعة التي حظيت بجثمانها المعظّم، فقيل إنّها دفنت في البقيع، وقيل في الشام؛ لأنّ الحكم الأموي قد فرض عليها الاقامة الجبرية، وقيل دفنت في مصر، وقد ذكرنا هذه الأقوال بالتفصيل في كتابنا (السيّدة زينب رائدة الجهاد في الإسلام).
1) السيّدة زينب وأخبار الزينبيّات - العبيدلي: 9
ذهب بعض النسّابين إلى أنّ السيّدة أُمّ كلثوم أُمّها الصدِّيقة سيدّة نساء العالمين زهراء الرسول عليهاالسّلام، وأنّ عمر بن الخطّاب تزوّجها، وقد أولدت منه ولدين أحدهما عون والآخر معين، وقد كانا مع أُمّهما في الكوفة، فسقط عليهم جدار فتوفّوا جميعاً، وقد ذكر ذلك بعض فقهاء الشيعة في المواريث.
وقد دلّلنا على عدم صحّة هذه الرواية، وذكرنا أنّه ليس للصدِّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء سلام الله عليها بنت غير السيّدة المعظّمة زينب عليهاالسّلام، كما ذهب إلى ذلك بعض المحقّقين، وأنّها كانت تكنّى بأُمّ كلثوم.
وعثرت على بعض المصادر جاء فيه أنّ السيّدة أسماء بنت عميس أعقبت من أبي بكر زوجها ولداً وهو الشهيد الخالد محمّد، وبنتاً اسمها أُمّ كلثوم، وقد تربّت مع أُمّها أسماء في بيت الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام؛ لأنّ الإمام قد تزوّج بأُمّها أسماء، فأُمّ كلثوم ربيبة الامام، وقد تزوّج بها عمر بن الخطّاب.
وعلى أيّ حال، فإنّي أذهب بغير تردّد إلى أنّ الصدِّيقة الطاهرة الزهراء عليهاالسّلام ليس عندها بنت تسمّى بأُمّ كلثوم.
هو قطعة من كبد رسول الله صلّي الله عليه وآله سمّاه بالمحسن، وهو في بطن أُمّه، ولمّا هجم القوم على دار الصدِّيقة وديعة النبيّ ويضعته ليحرقوه فزعت وقاومتهم فاعتدوا عليها خلف الباب، وكان من عنف الاعتداء عليها وقسوته أنّها أسقطت المحسن ما وهي بين الحائط والباب، ولا مجال للشكّ في ذلك؛ فإنّ من ينظر إلى الأحداث بعمق وتروِّ يتضح له الحال، فإنّ القوم قد تهالكوا على السلطة، وسلبها عن أهل بيت النبوّة ومراكز الوحي والتنزيل، ولم يقف أمامهم أي حاجب أو مانع مهما كان عظيماً، فقد رجعت إليهم جاهليّتهم الأُولى، كما يقول الأُستاذ عبد الفتاح عبدالمقصود في كتابه (الإمام عليّ).
وعلى أي حال، فإنّ هجوم القوم على دار الصدِّيقة عليهاالسّلام وإسقاطها للمحسن كان من مضاعفاته ونتائجه المباشرة أنّها فتحت الباب للأمويّين فاستولوا على الحكم، فجهدوا على إبادة العترة الطاهرة والتنكيل بها أفظع وأقسى ما يكون التمثيل ورحم الله الإمام الشيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء إذ قال:
تاللهِ ما كَربَلا لولا سَقِيفَتُهُمْ *** وَمِثْلُ هذا الفرع ذاكَ الأَصلُ مُنْتِجُهُ
وَفي الطُّفوفِ سُقوطُ السِّبطِ مُنجَدِلاً *** مِنْ سُقط مُحْسنٍ خَلفَ البَابِ مَنْهَجُهُ
وَبِالخِيامِ ضِرامُ النارِ مِنْ حَطَبٍ *** بِبابٍ دارِ ابنةِ الهادِي تَأَجُجْهُ
لكِنْ أُمَيَّةُ جَاءَتِكُمْ بِأَخبثِ ما *** كانَتْ عَلى ذلِكَ المِنوالِ تَنْسِجُهُ
وسنوضّح بمزيد من التحقيق ما عانته بضعة الرسول صلّي الله عليه وآله، وما جرى عليها من المآسي والنكبات في البحوث الآتية.
كانت سيّدة نساء العالمين سلام الله عليها من أجلّ العالِمات، ومن أثراهنّ فكراً وإيماناً وعلماً، وقد روى عنها كوكبة من الرجال والنساء كان منهم:
1 - الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام.
2 - الإمام الحسن عليه السّلام.
3 - الإمام الحسين عليه السّلام.
4 - أنس بن مالك.
5 - فاطمة بنت الإمام الحسين عليه السّلام.
6 - أُمّ رافع.
7 - عائشة.
8 - أُمّ سلمة.
9 – سلمی (1).
هؤلاء بعض الذين رووا عنها الحديث الذي سمعته من أبيها صلّي الله عليه وآله وهو ممّا يتعلّق بمحاسن الآداب ومكارم الأخلاق والصفات.
1) تهذيب التهذيب: 12: 447. تهذيب الكمال في أسماء الرجال: 13: 247
روت بضعة رسول الله صلّي الله عليه وآله عن أبيها جمهرة من الأحاديث جمعها السيوطي في كتاب أسماه (مسند فاطمة عليهاالسّلام)، كما ألّف غيره فيها كتاباً أسماه بهذا الاسم.
ومن الجدير بالذِّكر أنّ معظم ما روته سيّدة النساء عن أبيها سيّد الكائنات يتعلّق بآداب السلوك ومكارم الصفات، التي هي جزء من رسالة الإسلام الخالدة. وفيما يلي نماذج، منها:
روى الحسين بن الحسن، عن أُمّة فاطمة بنت الإمام الحسين عليه السّلام، عن أبيها، عن فاطمة عليهاالسّلام، قالت: «قَالَ رَسُولُ اللهِ صلّي الله عليه وآله: لَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ مَنْ باتَ وَفِي يَدِهِ غَمْرُ (1)» (2).
وفي هذا الحديث حثّت على النظافة التي هي من الإيمان -كما في الحديث -، فقد تبنّى الإسلام بصورة إيجابية الدعوة إلى النظافة بمفهومها الواسع من نظافة البدن واللباس والمسكن والشارع وغير ذلك؛ لأنّ الأوساخ تسبّب الأمراض الفتّاكة للإنسان.
روى الإمام زين العابدين، عن أبيه الحسين، عن أُمّه فاطمة عليهاالسّلام، قالت: «قالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلّي الله عليه وآله: إِيَاكِ وَالْبُخْلَ؛ فَإِنَّهُ عَاهَةٌ لَا تَكُونُ فِي كَرِيم... إِيَاكِ وَالْبُخْلَ؛ فَإِنَّهُ شَجَرَةٌ فِي النَّارِ، وَأَغْصانُها فِي الدُّنْيا، فَمَنْ تَعَلَّقَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِها أَدْخَلَهُ النَّارَ. وَالسَّخَاءُ
شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَأَغْصانُها فِي الدُّنْيا، فَمَنْ تَعَلَّقَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ» (1).
حذّر الرسول الأعظم صلّي الله عليه وآله من البخل الذي هو من أرذل الصفات ومن مساوئها، فمن تعلّق بغصن منه فلا يفلح ولا ينجح، يعيش مذموماً، ويموت مبغوضاً، بجمع المال لغيره، وحسابه عليه، إن المال من غير حلّه.
كما حثّ النبيّ صلّي الله عليه وآله على السخاء، وهو من محاسن الصفات وأسماها، فمن كان ندي الكفّ فإنّه على خير عميم، ينقذ إخوانه من محن الدنيا وبؤسها، ويوفّر لهم البرّ والإحسان، فمن اتّصف بهذه الصفة النبيلة فإنّ مصيره إلى الجنّة.
روى الحكم بن أبي نعم، قال: سمعت فاطمة عليهاالسّلام بنت محمّد صلّي الله عليه وآله تحدّث أبيها، قالت: «قالَ رَسُولُ اللهِ صلّي الله عليه وآله: مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ كَانَ لَهُ بِكُلِّ عُضْوِ مِنْهَا فَكَاك عُضْوِ مِنَ النَّارِ» (2).
دعا الإسلام إلى تحرير الإنسان من رقّ العبودية، وإنقاذه من هذا الكابوس، وكان أئمّة أهل البيت عليهم السّلام من أكثر الناس عتقاً للعبيد، ومن أبرهم بهم، وكان الإمام زين العابدين عليه السّلام من أروع أمثلة الإحسان للأرقاء، فقد أرصد معظم ما يملكه لتحريرهم والبرّ بهم.
روت السيّدة فاطمة بنت الإمام الحسين عليه السّلام، عن جدتها فاطمة الزهرا عليهاالسّلام (3)،
عن النبيّ صلّي الله عليه وآله أنّه قال: «إِذا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى مَلَائِكَتِهِ أَنِ ارْفَعُوا عَنْ عَبْدِيَ الْقَلَمَ ما دامَ فِي وَثَاقِي، فَإِنِّي أَنَا حَبَسْتُهُ حَتَّى أَقْبِضَهُ أَوْ أَخَلِّيَ سَبِيلَهُ» (1).
المرض محنة وبلاء يمتحن به الإنسان، ومن لطف الله تعالى على المريض أنّه يثيبه ويكفّر عنه سيّئاته ما لم تكن تلك السيئات والموبقات من الكبائر، ولا بدّ أن يقيّد بها الحديث ويخصّص.
سألت الصدِّيقة سيّدة النساء عليهاالسّلام أباها رسول الله صلّي الله عليه وآله قائلة: يا أَبَتاهُ، مَا لِمَنْ تَهَاوَنَ بِصَلَاتِهِ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ؟
فأجابها قائلاً: يا فاطِمَهُ، مَنْ تَهَاوَنَ بِصَلَاتِهِ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّسَاءِ ابْتَلَاهُ اللهُ بِخَمْسَ عَشَرَةَ خَصْلَةٌ؛ ستّ مِنْها فِي دَارِ الدُّنْيا، وَثَلَاثٍ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَثَلَاثٍ فِي قَبْرِهِ، وَثَلَاثٍ فِي الْقِيَامَةِ إِذا خَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ.
أمّا تفصيلها فهي:
الستّ في دار الدنيا، وهي:
1 - يرفع الله البركة من عمره.
2 - يرفع الله البركة من رزقه.
3 - يمحو الله عزّ وجلّ سيماء الصالحين من وجهه.
4 - كلّ عمل عمله لا يؤجر عليه
5 - لا يرتفع دعاؤه إلى السماء.
6 - ليس له حظّ في دعاء الصالحين.
1) مسند فاطمة الزهراء عليهاالسّلام: 220
الثلاث خصال عند الموت وهي:
1 - يموت ذليلاً.
2 - يموت جائعاً.
3- يموت عطشاناً.
الثلاث خصال في القبر، وهي:
1 - يوكّل الله به مَلكاً يزعجه في قبره.
2 - يضيّق عليه قبره.
3 - تكون الظلمة في قبره.
الخصال الثلاث في يوم القيامة:
1 - يوكّل الله به مَلكاً يسحبه على وجهه، والخلائق ينظرون إليه.
2 - يحاسب حساباً شديداً.
3 - لا ينظر الله إليه ولا يزكّيه وله عذاب أليم (1).
الصلاة من أهمّ الطقوس الدينية في الإسلام، فهي قربان كلّ تقيّ، إن قُبِلَتْ قُبِل ما سواها من أعمال الخير، وإن ردّت ردّ ما سواها من المبرّات والحسنات، كما في الحديث، وقد شدّد الإسلام على هذه الفريضة وتوعّد القرآن الساهين عنها، قال تعالى: «فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ» (2)
وقد ذكر النبيّ صلّى الله عليه و آله ما يعانيه المتهاون في صلاته من الكوارث في دنياه وآخرته.
روى زيد بن عليّ عليه السّلام، عن آبائه، عن جدّته فاطمة عليهاالسّلام، قالت: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلّى الله عليه و آله يَقُولُ: إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةٌ لَا يُوافِقُها رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيها خَيْراً إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ.
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ سَاعَةٍ هِيَ؟
قَالَ: إِذا تَدَلَّى نِصْفُ عَيْنِ الشَّمْسِ لِلْغُرُوبِ».
قال زيد: وكانت فاطمة سلام الله عليها تقول لغلامها:
«اصْعَدْ إِلَى الظَّرابِ (1)فإِذا رَأَيْتَ نِصْفَ عَيْنِ الشَّمْسِ قَدْ تَدَلَّى لِلْغُرُوبِ فَأَعْلِمْنِي حَتَّى أَدْعُو» (2).
إنّ الله تعالى فتح أبواب إجابة الدعاء لعباده. قال تعالى: «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» (3)، وقد خصّ بعض الأوقات لاستجابة الدعاء، كان منها آخر ساعة الجمعة.
روت سيّدة النساء سلام الله عليها، عن أبيها صلّى الله عليه و آله، قالت:
«مَرَّ بِي رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه و آله وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ مُتَصَبَّحَةٌ فَحَرَّكَنِي بِرِجْلِهِ وَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ، قَوْمِي فاشْهَدِي رِزْقَ رَبِّكِ، وَلَا تَكُونِي مِنَ الْغَافِلِينَ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يُقَدِّمُ أَرْزاقَ النَّاسِ مَا بَيْنَ طُلُوعِ
الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ» (1).
إنّ الله تعالى خصّ هذا الوقت لتقسيم أرزاقه لعباده، فينبغي للمسلم أن يستغلّ هذا الوقت وينشط فيه بذكر الله تعالى وتلاوة كتابه.
روى عبدالله بن الحسن، عن أُمّه فاطمة، عن جدّته سيّدة نساء العالمين عليهاالسّلام، قالت: «كانَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه و آله إِذا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوابَ فَضْلِكَ (2).
إنّ للمساجد أهميّة بالغة في الإسلام، فهي بالاضافة إلى أنّها مراكز العبادة والطاعة فإنّها من مصادر التعليم والتربية، وقد أحاطها الإسلام بهالة من التقديس، فجعل في دخولها أدعية خاصة، وكذلك في الخروج منها.
روى عبد الله بن الحسن، عن أُمّه، عن سيّدة النساء سلام الله عليها أنّها روت أنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله قال: «ما الْتَقى جُنْدانِ ظالِمانِ إِلَّا تَخَلَّى اللهُ عَنْهُما، فَلَمْ يُبالِ أَيُّهُما غَلَبَ، وَما الْتَقى جُنْدانِ ظالِمانَ إِلَّا كانَتِ الدّائِرَةُ عَلى أَعْتاهُما» (3).
إنّ الجنود المتحاربة فيما بينها إذا لم يكن أحدهما على حقّ، وإنّما كانا على
باطل، فإنّ الله لا يشملهما برحمته ولطفه، ويتركهما مع غيّهما يتصارعان حتّى يقضي أحدهما على الآخر.
روت سيّدة النساء الصدِّيقة زينب عليهاالسّلام، عن أُمّها سيّدة نساء العالمين عليهاالسّلام أنّها قالت: «قالَ رَسُولُ اللهِ صلّي الله عليه و آله لِعَلِيٍّ: أَما إِنَّكَ يا عَلِيُّ وَشِيْعَتَكَ فِي الْجَنَّةِ» (1).
إنّ الشيعة الذين يلتزمون بمنهج أهل البيت عليهم السّلام ويسيرون على خطّهم فإنّهم يفوزون في الآخرة فوزاً عظيماً، ويحشرون مع قائدهم في الفردوس الأعلى.
روت سيّدة النساء، عن أبيها رسول الله صلّي الله عليه و آله أنّه قال: «هذا جَبْرَئِيلُ يُخْبِرُنِي أَنَّ السَّعِيدَ مَنْ أَحَبَّ عَلِيّاً فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ، وَأَنَّ الشَّقِيِّ كُلَّ الشَّقِيِّ مَنْ أَبْغَضَ عَلِيّاً فِي حَياتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ» (2).
إنّ موالاة الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام رائد العدالة الاجتماعية في دنيا الإسلام منجاة من عذاب الله وسخطه، ومعاداته شقاء وكفر ونفاق.
روت السيّدة فاطمة، عن أبيها، عن سيّدة نساء العالمين عليهاالسّلام أنّ النبيّ صلّي الله عليه و آله قال: «لِكُلِّ نَبِيَّ عُصْبَةٌ يَنْتَمُونَ إِلَيْهِ، وَإِنَّ بَنِي فَاطِمَةَ عُصْبَتِي الَّتِي إِلَيْهَا نَنْتَمِي» (3).
ومثل هذا الحديث روته سيدة نساء العالمين عليهاالسّلام، عن أبيها صلّي الله عليه و آله، قال: «كُلُّ بَنِي
أَبِ يَنتَمُونَ إِلى عُصْبَةِ أَبِيهِمْ، إِلَّا وُلد فاطِمَةَ، فَإِنِّي أَنَا أَبُوهُمْ وَأَنا عُصْبَتُهُمْ» (1).
إنّ السادة المبجّلين من أبناء الصدّيقة سيّدة نساء العالمين ينتسبون إلى رسول الله صلّي الله عليه و آله، وينتمون إليه صلّي الله عليه و آله، فهو أبوهم وعصبتهم، وحسبهم بذلك شرفاً ومجداً لا يضارعه أى شرف ومجد.
روت السيّدة فاطمة بنت الإمام الحسين عليه السّلام، عن جدّتها الصدِّيقة سلام الله عليها أنّ رسول الله صلّي الله عليه و آله كان يعوّذ الحسن والحسين بهذه الكلمات، كما كان يعلّمهما السورة من القرآن، يقول: « َعُوذُ بِكَلِماتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنِ لَامَّةٍ» (2)
إنّ النبيّ صلّي الله عليه و آله أخلص لسبطيه أعظم ما يكون الإخلاص، وكان يكنّ لهما أعمق المودّة والحبّ، فكان يخاف عليهما من الحاسدين والمبغضين، وراح يعوّذهما بهذه الكلمات التي يستدفع بها الشرّ.
روت سيّدة النساء سلام الله عليها أنها قالت لأبيها صلّي الله عليه و آله: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، انْحَلِ ابْنَي الْحَسَنَ وَالْحُسَيْن عليهماالسّلام.
فقال: «أَنْحَلُ الْحَسَنَ الْمَهابَةَ وَالْحِلْمَ، وَأَنْحَلُ الْحُسَيْنَ السَّمَاحَةَ وَالرَّحْمَةَ» (3).
ما أثمن هذه النحلة التي نحلها النبيّ صلّي الله عليه و آله ، فقد قلّدهما أسمى أوسمة الشرف،
فقد قلّد سبطه الأكبر الإمام الحسن عليه السّلام المهابة والحلم، كما قلّد الإمام الحسين عليه السّلام السماحة والرحمة، وهذه أوسمة شرف ومجد السبطيه سلام الله عليهما.
روت زينب بنت أبي رافع، عن سيّدة النساء فاطمة سلام الله عليها أنّها أتت رسول الله صلّي الله عليه و آله في مرضه الذي توفّي فيه فقالت له: «يا رَسُولَ اللهِ، هذانِ اِبْناكَ فَوَرْتْهُما.
فقال: أمّا الْحَسَنُ فَلَهُ هَيْبَنِي وَسُؤْدَدِي، وَأَمَّا الْحُسَينُ فَلَهُ جُرْأَتِي وَجُودِي» (1).
وميراث النبىّ صلّي الله عليه و آله لسبطيه من أسمى مواريث الأنبياء، وكما ورِثا مكوّناته النفسيّة التي امتاز بها على سائر الأنبياء، ورثا منه هذه الصفات النبيلة.
روت سيّدة النساء سلام الله عليها، عن الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام أن رسول الله صلّي الله عليه و آله قال: «أَيُّما رَجُلٍ صَنَعَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ وِلْدِي صَنِيعَةً فَلَمْ يُكَافِتْهُ عَلَيْهَا، فَأَنَا الْمُكَافِيُّ لَهُ عَلَيْها» (2).
إنّ من أسدى معروفاً إلى الذرّيَّة الطاهرة من أبناء الرسول صلّي الله عليه و آله فلم يقابلوه بالمثل، فإنّ النبيّ صلّي الله عليه و آله وهو الذي يتولّى جزاءهم.
قالت الصدِّيقة سيّدة النساء سلام الله عليها: «سَمِعْتُ أَبِي رَسُولَ اللَّهِ صلّي الله عليه و آله فِي مَرَضِهِ
الَّذِي تُوفِّيَ فِيهِ، وَقَدِ امْتَلَاتْ الْحُجْرَةُ مِنْ أَصْحَابِهِ يَقُولُ: «يا أَيُّها النّاسُ، يُوْشِكُ أَنْ أقْبَضَ قَبْضاً يَسِيراً، وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمُ الْقَوْلَ مَعْذِرَةٌ إِلَيْكُمْ، أَلَا إِنِّي مُخَلِّفٌ فِيْكُمْ كِتابَ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ وَعِتْرَنِي أَهْلَ بَيْتِي.ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيَّ فَقالَ: هذا عَلِيٌّ مَعَ الْقُرْآنِ، وَالْقُرْآنُ مَعَ عَلِيُّ، لَا يَفْتَرِقانِ حَتَّى يَردا عَلَى الْحَوْضَ، فَأَسْأَلُكُمْ ما تَخْلُفُونِي فِيهما» (1).
وحديث الثقلين من الأحاديث المتواترة.
قال ابن حجر: روى هذا الحديث ثلاثون صحابياً، وإنّ كثيراً من طرقه صحيح وحسن (2).
ولهذا الحديث أهمّيته البالغة في صيانة الأُمّة من الزيغ والانحراف، ولو أنّها تابعت الرسول صلّي الله عليه و آله في ذلك لكانت سيّدة الأُمم والشعوب.
روى الإمام الحسين عليه السّلام، عن أمه سيدة نساء العالمين عليهاالسّلام أنّ النبيّ صلّي الله عليه و آله قال:
«مَنْ كُنْتُ وَلِيَّهُ فَعَلِيٌّ وَلِيُّهُ، وَمَنْ كُنْتُ إِمَامَهُ فَعَلِيٌّ إمامُهُ» (3).
إنّ الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه هو نفس رسول الله صلّي الله عليه و آله، كما أعلنت ذلك آية المباهلة، فمن كان رسول الله صلّي الله عليه و آله وليه وإمامه فعليّ عليه السّلام وليه وإمامه.
روى الإمام الحسين عليه السّلام، عن أمه سيدة نساء العالمين عليهاالسّلام أنّها قالت له: لَمّا وَلَدْتُكَ دَخَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ صلّي الله عليه و آله، فَنَاوَلْتُكَ إِيَّاهُ فِي خِرْقَةٍ صَفْراءَ، فَرَمَى بِها وَأَخَذَ خِرْقَةٌ
بَيْضاءَ، وَلَفَّكَ بِها، وَأَذَّنَ فِي اذْنِكَ الْيُمْني، وَأَقامَ فِي الْيُسْرى، ثُمَّ قال: يا فاطِمَةُ خُذِيهِ، فَإِنَّهُ أَبُو الْأَئِمَّةِ، تِسْعَةٌ مِنْ وِلدِهِ أَئِمَّةً أَبْرارٌ، وَالنَّاسِعُ مَهْدِيُّهُمْ» (1).
إنّ الإمام الحسين عليه السّلام نفحة من نفحات النبوّة، وهو باني الإسلام بنهضته الخالدة التي حطّم بها عروش الطغيان، وقد منحه الله ألطافه، وخصّه بفضله، وجعل الأئمّة الطاهرين دعاة الاصلاح الاجتماعي من أبنائه، فسلام الله عليه وعليهم.
روت عائشة قالت: حدّثتني فاطمة عليهاالسّلام قالت: «قالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه و آله: زَوْجُكِ أَعْلَمُ النّاسِ عِلْماً، وَأَوَّلُهُمْ سِلْماً، وَأَفْضَلُهُمْ حِلْماً» (2).
إنّ الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام من أميز المسلمين في مواهبه وجهاده، فقد توفّرت فيه جميع الصفات الفاضلة التي لم يتوفّر بعضها في سواه.
21- رجال الأعراف هم الأئمّة عليهم السّلام
روى الصحابي الجليل أبو ذر، قال: سمعت فاطمة عليهاالسّلام تقول: «سَأَلْتُ أَبِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعالى: «وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلَا بِسِيمَاهُمْ» (3)قالَ: هُمُ الْأَئِمَّةُ بَعْدِي: عَلِيٌّ وَسِبْطَايَ، وَتِسْعَةٌ مِنْ صُلْبِ الْحُسَيْنِ، هُمْ رِجَالُ الْأَعْرَافِ، لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ يَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونَهُ، وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ إِلَّا مَنْ أَنْكَرَهُمْ وَيُنْكِرُونَهُ، لَا يُعْرَفُ اللهُ تَعَالَى إِلَّا بِسَبِيلِ مَعْرِفَتِهِمْ» (4).
إنّ الأئمّة عليهم السّلام الحجج الله تعالى على عباده، والأدلّاء على طاعته ومرضاته، فبهم يُسلك إلى الجنان، ومن جحدهم فمصيره إلى النار، وهم - من دون شكّ - رجال الأعراف الذين يعرفون من والاهم ومن جحدهم بسيماهم، فقد منحهم تعالى هذه الكرامة تقديراً لجهودهم وخدماتهم للإسلام، وما عانوه من الخطوب والكوارث من طواغيت عصورهم.
قالت سيّدة النساء لأبيها صلّي الله عليه و آله: «يا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ سَلْمَانَ تَعَجَبَ مِنْ لِبَاسِي، فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، ما لِي وَلِعَلِيٌّ مُنْذُ خَمْسِ سِنِينَ إِلَّا مِسْكُ كَبْشِ نَعْلِفُ عَلَيْهَا بِالنَّهَارِ بَعِيرَنا، فَإِذا كانَ اللَّيْلُ افْتَرَشْناهُ، وَإِنَّ مِرْفَقَتَنَا لَمِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا مِنْ لِيْفٍ.
فقالَ النَّبِيُّ صلّي الله عليه و آله: يا سَلْمانُ، إِنَّ ابْنَتِي لَفِي الْخَيْلِ السَّوابِقِ» (1).
إنّ بضعة الرسول صلّي الله عليه و آله قد جهدت نفسها على الزهد في الدنيا، وحمّلتها رهقاً، فكانت من السابقات لمرضاة الله تعالى.
وبهذا ينتهي الحديث عن بعض الروايات التي روتها سيّدة النساء سلام الله عليها عن أبيها صلوات الله عليه، وقد عرض السيوطي في كتابه مسند فاطمة للكثير من رواياتها عن أبيها.
منح الله تعالى سيّدة نساء العالمين الحكمة وفصل الخطاب، فقد ورثت من أبيها حكمه التي هي من مناجم الأدب ومن ذخائر البيان، فكانت بحكم مواريثها أبلغ
1) الكوثر في أحوال فاطمة بنت النبيّ الأطهر: 4 445، نقلاً عن فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى: 273
امرأة في دنيا الإسلام.
وقد أُثرت عنها كوكبة من جوامع الكلم كان منها ما يل-
قالت الصدِّيقة سلام الله عليها: «الْبِشْرُ فِي وَجْهِ الْمُؤْمِنِ يُوجِبُ لِصاحِبِهِ الْجَنَّةَ، وَالْبِشْرُ فِي وَجْهِ الْمُعانِدِ الْمُعادِي يَقِي صاحِبَهُ النَّارَ» (1).
من آداب السلوك التي أقامها الإسلام منهجاً لحياة المسلمين البِشر في وجوه الناس - مؤمنين ومخالفين-، فإنّها توجب شيوع المودّة والأُلفة في المجتمع، وهذا من أهمّ ما يعنى به الإسلام في تعاليمه.
قالت سيّدة النساء عليهاالسّلام: «مَنْ أَصْعَدَ إِلَى اللهِ خالِصَ عِبادَتِهِ أَهْبَطَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ أَفْضَلَ مَصْلَحَتِهِ» (2).
الإخلاص في العبادة هو جوهر الطاعة، وهو سمت المنيبين والمتّقين الذين تفاعل الإيمان في عواطفهم وقلوبهم.
من حِكم الصدِّيقة سلام الله عليها قولها: «فَرَضَ اللهُ الْعَدْلَ مِسْكَاً لِلْقُلُوبِ» (3)
ما بعث الله تعالى الأنبياء لعباده إلّا لإقامة العدل، وإشاعته بين الناس، فبه تضمن
الحقوق، وتصان الكرامات، وهو كالماء الذي يصيبه الضمآن كما في الحديث-.
من روائع حِكم سيّدة النساء سلام الله عليها ما روته فاطمة بنت الإمام الحسين عليه السّلام، عن أبيها، عن أُمّه سيّدة نساء العالمين أنّها قالت: «خِيارُكُمْ أَلْيَنكُمْ، وَأَكْرَمُهُمْ لِنِسائِهِمْ» (1).
من أفضل الصفات عدم الجفوة على العيال وغيرهم، كما إنّ من أميز الخصال البرّ بالنساء.
قالت حبيبة رسول الله صلّي الله عليه و آله: «ما يَصْنَعُ الصّائِمُ بِصِيامِهِ إِذَا لَمْ يَصُنْ لِسَانَهُ وَسَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَجَوارِحَهُ» (2).
إنّ الله تعالى أوجب الصوم على العباد ليزكّيهم ويطهّرهم من دنس الذنوب ومآثم الحياة، ومن آدابه أن يصون لسانه من الكذب، وسمعه من استماع الغِيبة، وبصره من النظر إلى ما حرّم الله تعالى، وأن يصون بطنه من أكل الحرام، وغير ذلك من المندوبات والواجبات.
لمّا انتقل النبيّ صلّي الله عليه و آله إلى حظيرة القدس أخذت نساء المسلمين يعدّدن فضائل النبيّ صلّي الله عليه و آله، ويذكرن مآثره ومناقبه، فقالت الصدّيقة سلام الله عليها لهنّ: «دَعْنَ
التَّعْدادَ وَعَلَيْكُنَّ بالدُّعاءِ» (1).
إنّ الميّت لا يستفيد بتعداد فضائله ومآثره، وإنّما يستفيد بالدعاء له، وطلب المغفرة له من الله تعالى، وروى أنّها قالت لبنات بني هاشم اللّاتي عزّينها بمصاب أبيها سلام الله عليه وعليها: «اتْرُكْنَ الْحِدادَ، وَعَلَيْكُنَّ بِالدُّعاءِ» (2).
وبهذا العرض الموجز من كلماتها الذهبية ينتهي بنا الحديث عن بعض تراثها الفكري والعلمي.
من المناهج العلميّة التي زاولتها سيّدة نساء العالمين عليهاالسّلام أنّها ألّفت كتاباً من إملاء رسول الله صلّي الله عليه و آله، أشارت فيه إلى الأحداث التي تقع على مسرح الحياة من دون أن تتعرض إلى مسائل الحلال والحرام، وسُمِّي هذا الكتاب فيما بعد بمصحف فاطمة، وكان هذا الكتاب عند الأئمّة الطاهرين عليهم السّلام، يرجعون إليه للنظر في الأحداث التي تواجهها الإنسانيّة في مستقبل حياتها، ومن أسخف الأقوال وأكثرها انحرافاً عن الحقّ القول بأنّ مصحف فاطمة غير المصحف المتداول الذي يقرأه المسلمون، وقد شنّ أعداء أهل البيت عليهم السّلام وخصوم الشيعة حملة شعواء عليهم، فاتّهموهم بأنّهم يقولون بتحريف القرآن، وإنّ مصحف فاطمة مغاير للمصحف الكريم.
وقد دللنا في كتابنا (نزاهة القرآن الكريم من التحريف) على زيف ما يقولون، وفساد ما يزعمون.
واكبت سيّدة النساء زهراء الرسول سلام الله عليها، وهي في فجر الصبا، الثورة الإسلاميّة الكبرى، التي فجّرها أبوها سيّد الكائنات صلّي الله عليه و آله، فأحدثت زلزالاً مدمّراً في المجتمع المكّي، فقد استهدفت تدمير حياتهم العقائدية التي نشأوا عليها، وآمنوا بها من عبادة الأصنام والأوثان، فقد اتّخذوها آلهة يعبدونها من دون الله تعالى، ويقدِّمون لها القرابين، ويتوسّلون بها في قضاء ما أهمّهم من أمر، وقد سادت هذه العقيدة في مكّة، وعلّقت القبائل القرشيّة أصنامها على جدران البيت الحرام معتزّة بها وفخورة بعبادتها.
وسخر الرسول الأعظم صلّي الله عليه و آله من أصنامهم وآلهتهم ودعا إلى تدميرها، وتطهير البيت الحرام منها، وكان عددها - فيما يقول الرواة - ما يزيد على ثلثمائة صنم، وكان أعزّها شأناً، وأعظمها مكانة عندهم الأصنام التالية:
1- هبل. 2- اللّات. 3- عزّى. 4 - مناة.
وقد كفِّر القرشيّون فطرتهم وعبدوها وآمنوا بها إيماناً مطلقاً، واعتقدوا اعتقاداً جازماً أنّ جميع مجريات الأحداث بإرادتها، فكانوا يتوسّلون لها خاضعين صاغرين، متفانين في الولاء لها، وكان من أشدّ القرشيّين إيماناً بها الجاهلي أبو سفيان عميد الأُسرة الأموية وشيخ القرشيّين، فقد اتّخذ هبل إلهاً له يعبده، ويذوب أمامه، وقد فزع أشدّ ما يكون الفزع حينما رأى النبيّ صلّي الله عليه و آله يطوف حول الكعبة، ويتلو نشيد الإسلام وهو: «لَبَّيْكَ اللّهم لَبَّيْكَ، لَبِّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، إِنَّ الْحَمْدَ
وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ».
ففقد صوابه وصاح بأعلى صوته: اعْلُ هُبَل.
فسخر منه النبيّ صلّي الله عليه و آله ورده قائلاً: يا أبا سُفْيانَ، اللهُ أَعْلَى وَأَجَلٌ.
وكان من شدّة إيمان القرشيين بالأصنام أن خفّت منهم عصابة إلى الرسول صلّي الله عليه و آله وعرضوا عليه أن يعبد أصنامهم سنة ويعبدون الله تعالى سنة أُخرى، فنزلت على الرسول الكريم سورة الكافرون: «قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَلِيَ دِينِ».
لقد فزعت قريش وضاقت بها الأرض حينما أعلن الرسول صلّي الله عليه و آله دعوته الخلّاقة لسحق الأصنام وتدميرها، وتطهير البيت الحرام منها، واعتبروا ذلك تحطيماً وسحقاً لكيانهم العقائدي الذي فطروا عليه، فهبّوا جميعاً لمناجزته ومقاومته بجميع ما يملكون من وسائل القوّة.
ومن الجدير بالذِّكر أنّه لم تكن مقاومة قريش للنبيّ صلّي الله عليه و آله وعداؤهم العارم له ناشئاً من سخريّته لأصنامهم، وشجبه لعبادتها، وإنّما انضمّت إلى ذلك بعض العوامل كان من بينها - فيما أحسب - هو:
وتبنّى الرسول صلّي الله عليه و آله القيم الكريمة والمُثُل العليا التي يسمو بها الإنسان، وهي تتنافى مع أخلاقهم وطباعهم، وتتجافى مع مصالحهم الاقتصادية، وكان من بينها ما يلي:
من المبادئ الكريمة التي أعلنها الإسلام المساواة العادلة بين الناس على
اختلاف قوميّاتهم ولغاتهم، فلا فرق بين غني وفقير، ولا بين حاكم ومحكوم، فالجميع متساوون أمام القانون، وفي الحقوق والواجبات والمسؤوليات لا امتياز لقوم على آخرين. قال تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ» (1).
وقال الرسول صلّي الله عليه و آله: «لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٌّ على عَجْمِيٌّ، وَلَا أَبْيَضَ عَلى أَسْوَدَ إِلَّا بالتَّقْوى»، وكانت هذه المساواة الكريمة لذيذة ومقدّسة عند المستضعفين والبؤساء، أمثال الشهيد الخالد عمّار بن ياسر وبلال الحبشي وعبدالله بن مسعود وأمثالهم، فآمنوا بالإسلام إيماناً مطلقاً، ونفر من هذه الدعوى سادات أهالي مكّة وأشرافهم، فهبّوا إلى مناجزة الرسول صلّي الله عليه و آله وتعذيب من آمن به من عبيدهم ضعفائهم.
وعانت المرأة في العصر الجاهلي جميع صنوف القسوة والظلم، وحرمت من جميع حقوقها الطبيعيّة، وكان من بين مظاهر ظلمها ما يلي:
1- وأد البنات
وكان من أقسى ألوان الظلم الذي عانته المرأة في العصر الجاهلي أنّه إذا ولد لشخص منهم بنت ظلّ وجهه مسودّاً وهو كظيم، كما حكى القرآن الكريم ذلك.قال تعالى: «وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ» (2).
وكانت بعض القبائل إذا ولدت نساؤهم البنت سارعوا إلى دفنها، وقد شاع عنهم
القول: «دفن البنات من المكرمات»، وقد نعى القرآن الكريم عليهم ذلك.قال تعالى: «وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ» (1).
2- حرمانها من الميراث
ومن الإجراءات القاسية التي اتّخذها العرف الجاهلي ضدّ المرأة حرمانها من الميراث من زوجها وأبيها، وقد ألغى الإسلام ذلك إلغاءاً تامّاً، فسنّ لها الميراث، وساوى بينها وبين الرجل في هذه الظاهرة، فهي ترث وتورّث.
كما أضفى الإسلام عليها هالة من التكريم، فجعلها مسؤولة عن تربية الجيل وجعل لها الحرية في اختيار الزوج، ولكن بمشاركة أبيها واستشارته، خوفاً عليها من أن تقع فريسة بيد ذئب ووحش لا ضمير له، والأب أعرف منها وأدرى بسيرة الرجال.
وعلى أي حال، فإنّ معاملة الإسلام للمرأة كانت في منتهى التكريم والتبجيل، وكانت هذه الاتّجاهات الإسلاميّة غريبة في العرف الجاهلي وبعيدة كلّ البعد عن مسارهم.
3- الزواج بأرملة الأب
من العادات السائدة في المجتمع الجاهلي أنّ الرجل إذا توفِّي قام أكبر أولاده فألقى ثوبه على زوجة أبيه، وورث بذلك نكاحها، فإن لم يكن له إرب فيها زوّجها إلى الغير وأخذ مهرها.
وحرّم الإسلام زواج ولد الميّت بزوجة أبيه.قال تعالى: «وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ» (2)، كما حرّم أخذ مهر المرأة مطلقاً، وقد كانوا يتوارثون النساء
كما كانوا يتوارثون الأموال، فإن شاء وا زوّجوهنّ وأخذوا صداقهنّ، وإن شاؤوا تركوهنّ عوانس، وقد حرّرهنّ الإسلام من هذه القيود والأغلال وبنى لهنّ اطاراً من العزة والكرامة.
وكان الزنا شائعاً ومتعارفاً في الأوساط الجاهلية، وقد ألحق معاوية بن أبي سفيان زياد بن أبيه بأبيه لأنّه زنا بأُمّه سميّة.
وحرّم الإسلام الزنا لأضراره الهائلة، وجعله من أفحش المحرّمات، وكان التحريم منافياً لطباع القرشيّين الذين تربّوا على المنكر والإثم.
واصطدمت دعوة الرسول صلّي الله عليه و آله بمصالح الرأسماليّين من قريش الذين كانوا يعتمدون في نماء ثرواتهم على الربا، وكان منتشراً في مكّة بصورة هائلة، وكان العباس بن عبد المطّلب ممّن يتعاطاه، وقد حرّمه الإسلام، وشدّد في إثم مقترفه لأنّه يوجب تكدّس الثراء العريض عند فئة من الناس، وشيوع الفقر والحاجة عند الأكثريّة الساحقة من الناس.
أمّا الخمر فكان مباحاً في العصر الجاهلي، وتتعاطى شربه جميع الأوساط، وقد حرّمه الإسلام وعبّر عنه بالرجس، وكان تحريمه منافياً لرغائب ذلك المجتمع وملاذّه، فلذا هبّوا المناجزة الإسلام.
من المبادئ الرفيعة التي رفع شعارها الرسول صلّي الله عليه و آله إقصاء الفقر ومكافحته بجميع
الوسائل لأنّه كارثة مدمّرة، وقد رصد الإسلام لمكافحته كثيراً من الضرائب التي تدفع للفقراء، والتي منها الزكاة في الغلات الأربعة، وفي النقدين الذهب والفضّة، والأنعام الثلاثة الغنم والإبل والبقر، كما فرض التكافل الاجتماعي، والتضامن الاجتماعي وغيرها من الوسائل التي تحسم الفقر، وتنفي الحاجة.
من القيم الكريمة التي تبنّاها الإسلام إشاعة العلم ونشره بين الناس، وإقصاء الجهل ومحوه عن البلاد، وقد جعل الرسول صلّي الله عليه و آله طلب العلم فريضة على كلّ مسلم لأنّه لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن تحتلّ أيّة أُمّة مركزاً كريماً تحت الشمس وهى لم تتسلّح بالعلم.
هذه بعض القيم الكريمة والمُثُل العليا التي رفع شعارها الرسول صلّي الله عليه و آله، وهي غريبة على المجتمع الجاهلي في مكّة، فلذا هبّ بجميع شرائحه إلى مناهضة الرسول صلّي الله عليه و آله وإطفاء نور رسالته، وهذا ما سنتحدّث عنه.
وفزع القرشيّون أشدّ ما يكون الفزع من دعوة الرسول صلّي الله عليه و آله، وورمت آنافهم، وانتفخ سحرهم، وكانت رسالته كالصاعقة عليهم، فقد استجاب لدعوة الرسول صلّي الله عليه و آله الأرقّاء من عبيدهم والمستضعفون؛ لأنّ الإسلام قد فتح لهم آفاقاً كريمة من العزّة والكرامة وبشّرهم بمستقبل كريم، وأنّهم سيكونون سادة المجتمع، وولاة الأُمور، وأنّ السادة سيكونون العبيد والأرقّاء، فآمن الضعفاء بالإسلام إيماناً مطلقاً، وقد قوبلوا بمنتهى القسوة والشدّة، وعذَّبوا عذاباً أليماً، كان من بينهم ياسر وسميّة وعمّار.
وعلى أي حال، فإنّ الطغاة والمتجبّرين من قريش قاوموا الدعوة الإسلامية بجميع الوسائل التي يملكونها، والتي من بينها:
وشجعت قريش صبيانها على محاربة النبيّ صلّي الله عليه و آله، والقاء الحجارة عليه، وإنّما عمدت لذلك لتعتذر من أبي طالب حامي النبيّ والمدافع عنه، وتلقي جريمة ذلك على أطفالها وصبيانها، وقد سارع الأطفال إلى إلقاء الحجارة والتاب على النبيّ صلّي الله عليه و آله، وقد تصدّى لهم الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام لملاحقتهم وضربهم، وكان في سنّه المبكّر قوي الساعدين، فكان يحمل عليهم بعنف وقسوة فيوجعهم لكماً وضرباً، فإذا خرج النبيّ صلّي الله عليه و آله سار الإمام عليه السّلام خلفه، فإذا رأوه ولوا منهزمين إلى آبائهم وأُمّهاتهم يطاردهم الرعب والخوف من الإمام عليه السّلام.
من الوسائل التي اتّخذتها قريش في محاربة النبيّ صلّي الله عليه و آله اتّهامه بالجنون؛ لأنّه جاءهم بشريعة مجافية لعقولهم التي ران عليها الجهل وخيّم عليها الغباء.
لقد اتّهموه بالجنون وهو العقل المبدع والدماغ المفكّر للإنسانية. وقد باءت هذه الوسيلة التي تذرّعوا بها بالفشل والخزي، فقد سارت الدعوة الإسلاميّة كالضوء تضيء الطريق، وتوضّح القصد، وتساير الطبيعة.
وأشاعت قريش أنّ النبيّ صلّي الله عليه و آله ساحر غير مرسل من السماء، كما اتّهم فرعون نبي الله موسى بالسحر، وإنّما اتّهموا النبيّ صلّي الله عليه و آله بذلك لأنّه كان يتلو عليهم آيات من كتاب الله تعالى البالغة حدّ الاعجاز في بلاغتها وفصاحتها، والحافلة بروائع الحكم والآداب التي تأخذ بمجامع القلوب، ولم تنجح هذه التهمة وباءت بالفشل.
وصبّ القرشيّون جام غضبهم على من آمن بالإسلام من المستضعفين وغيرهم من الشباب والنساء الذين أعلنوا إسلامهم، فقد نكّلوا بهم أقسى ما يكون التنكيل، فقد عذّبوا ياسر وسميّة وعمّاراً عذاباً منكراً وأليماً، وكان النبيّ صلّي الله عليه و آله يجتاز عليهم فيراهم يئنّون تحت وطأة التعذيب فتذوب نفسه شعاعاً من الألم عليهم، فأرسل كلمته إليهم فكانت وسام شرف وفخر لهم، قال صلّي الله عليه و آله: «صَبراً آلَ ياسِرَ إِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ».
واستشهد ياسر وسميّة بأيدي جبابرة قريش، ونجا عمّار بعد ما عذّب عذاباً منكراً.
لقد عانى المؤمنون من الرجال والنساء جميع صنوف التعذيب ممّا اضطرّهم إلى الهجرة من مكّة إلى الحبشة، وكان فيهم الشهيد الخالد جعفر الطيّار، ولاحقتهم قريش لإرجاعهم إلى مكّة لتصفيتهم جسدياً إلّا أنّ ملك الحبشة لم يستجب لهم وأبقاهم في بلده، ولم يتعرّض لهم بمكروه.
رافقت الزهراء سلام الله عليها، وهي في فجر الصبا، أباها في أيام محنته، ورأت ما كان يعانيه من الاضطهاد والتنكيل، فكان قلبها الطاهر يذوب أسى وحسرات، فقد روى الرواة عن ابن مسعود أنه قال: إنّ النبيّ صلّي الله عليه و آله بينما كان يصلّي في البيت المعظّم، وكان أبو جهل مع عصابة من فسقة قريش في البيت فالتفت إليهم أبو جهل فقال لهم: «أيكم يقوم إلى سَلَا جزور بني فلان فيأخذه ويضعه على كتفي محمّد إذا سجد؟
وانبرى شقيّ منهم فأخذ سَلَا الجزور وهو ملوّث بالدم والروث ووضعه بين كتفي الرسول صلّي الله عليه و آله في حال سجوده، وغرقت العصابة المجرمة بالضحك، وخاف ابن مسعود أن يطرحه عن ظهر رسول الله صلّي الله عليه و آله وهو ساجد لم يرفع رأسه، وسارع
شخص إلى فاطمة عليهاالسّلام فأخبرها بما جرى على أبيها، فأقبلت ومعها جويرية فأزاحته عنه، ودعت على من صنع ذلك، ولما قضى النبيّ صلّي الله عليه و آله صلاته رفع صوته بالدعاء عليهم، وكان من عادته إذا دعا يدعو ثلاثاً، وإذا سأل من الله تعالى يسأل ثلاثاً، ثمّ قال: «اللّهُمُّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ».
قال ذلك ثلاث مرّات، فلمّا سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك، وخافوا من دعائه، ثمّ قال صلّي الله عليه و آله: «اللّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هَشَامِ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ...».
يقول ابن سعد: « فوالذي بعث محمّداً صلّي الله عليه و آله بالحقّ لقد رأيت الذين سمّى - يعني الذين دعا عليهم النبيّ - صرعى يوم بدر، ثمّ سحبوا إلى القليب قليب بدر» (1).
لقد واكبت الزهراء سلام الله عليها أباها، وشاهدت ما عاناه من ضروب المحن والبلاء التي صبّتها عليه تلك الشرذمة الذين تربّوا على الرذائل والجرائم، وقد طافت بها الآلام شفقة على أبيها وخوفاً عليه.
وبعد ما نكب الرسول صلّي الله عليه و آله بوفاة عمّه أبي طالب حامي الإسلام وشيخ البطحاء، لم يكن له بمكّة ركن شديد يأوي إليه، فقد فَقَدَ القوّة الضاربة التي كانت تحميه من اعتداء الطغاة عليه، وعزم صلّي الله عليه و آله على مغادرة مكّة والالتجاء إلى المدينة التي فيها أنصاره وحماة دعوته، وحينما علم القرشيّون بذلك ورمت آنافهم، وخافوا أن يؤسّس النبيّ صلّي الله عليه و آله دولة وجيشاً فينتقم منهم لما أنزلوه به من ضروب المحن والبلاء، فعقدوا مؤتمراً لهم في دار الندوة، وعرضوا الأخطار التي تلاحقهم إن غادر
1) صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير: 3: 1418، الحديث 1794. صحيح البخاري: 1: 133
النبيّ صلّي الله عليه و آله مكّة، فأجمع رأيهم على قتله مهما كلّفهم الأمر، وحضر إبليس ندوتهم -فيما يروي المؤرّخون - فأشار عليهم بإسناد الجريمة إلى أربعين شخصاً، كلّ واحد منهم ينتمي إلى قبيلة معيّنة حتّى من الأسرة الهاشمية، فتشترك جميع القبائل في قتله، حتّى لا يستطيع أنصاره والمؤمنون به من الثأر له، وعيّنوا لذلك يوماً وسمّوه يوم المزحمة، وأخبر الله تعالى نبيّه بما عزم القوم على قتله (1).
ولمّا حان اليوم الذي عيّنته قريش لقتل النبيّ صلّي الله عليه و آله خفّوا إلى داره وأحاطوا بها من جميع الجهات شاهرين سيوفهم ليمزّقوا جسد الرسول صلّي الله عليه و آله ويطفئوا ذلك النور الذي هو قبس من نور الله تعالى.. لقد أرادت قريش أن تنتصر لأصنامها وأوثانها، وتعيد مكانتها الاجتماعية التي فقدتها في ظلّ الدعوة الإسلاميّة.
وعلى أيّ حال، فقد ألمّت بالزهراء عليهاالسّلام موجات من الألم والأسى على مصير أبيها، ولم تعلم ماذا سيجري عليه من الأحداث إن غادر مكّة، وقد فزعت إلى الله تعالى، ودعته بكلّ إخلاص أن ينقذ أباها من مكائد قريش ويحميه من شرّها.
وثمة مكرمة للإمام عليه السّلام تسجل بمداد من النور والشرف والكرامة أنّه كان الفدائي الأوّل للرسول صلّى الله عليه و آله، فقد أوعز إليه أن يبيت في فراشه، ويتّشح ببردته الخضراء (2)ليوهم على أولئك الأرجاس أنّه هو النبيّ صلّي الله عليه و آله حتّى يسلم صلّي الله عليه و آله من القتل، وتلقّى الإمام أمر النبيّ صلّي الله عليه و آله له بمزيد من السرور والابتهاج، وشعر بالسعادة التي لم يحلم
بمثلها ليكون فداءً لأخيه وابن عمّه.
وخرج النبي صلّي الله عليه و آله من الدار، ورماهم بحفنة من التراب أتت على وجوههم الكريهة قائلاً: «شاهَتِ الْوُجُوهُ ذُلّاً».
وسار النبيّ صلّي الله عليه و آله وهو يتلو قوله تعالى: «وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيْهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَداً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ» (1).
إن مبيت الإمام على فراش النبيّ صلّي الله عليه و آله، ووقايته له بروحه صفحة مشرقة من جهاده المقدّس، وقد أنزل الله تعالى في حقّه الآية: «وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ» (2)، ولهذه الكرامة، التي هي وسام شرف للإمام عليه السّلام دور مهم في الدعوة الإسلاميّة لم ينلها أحد غيره. يقول الشاعر الملهم الكبير الشيخ هاشم الكعبي مخاطباً للإمام عليه السّلام:
وَمَواقِفٌ لَكَ دونَ أَحمَدَ جاوَزَتْ *** بِمَقامِكَ التَّعريفَ والتَّحْدِيدا
فَعَلى الفِراشِ مَبِيتُ لَيلِكَ وَالْعِدَى *** تُهْدِي إِلَيْكَ بَوارِقاً وَرُعُودا
فَرَقَدْتَ مَثْلُوجَ الفُؤادِ كَأَنَّما *** يُهدي القراعُ لِسَمْعِكَ التَّغْرِيدا
فَكَفِيتَ ليلتَهُ وقُمْتَ مُعارِضاً *** جَبَلاً أَشَمَّ وَفارِساً صِنْدِيدا
رَصَدُوا الصَّباحَ لِيُنفِقُوا كَنْزَ الهُدَى *** أَوَ ما دَرَوْا كَنْزَ الْهُدَى مَرْصُودا
وظلّ الإمام عليه السّلام راقداً في فراش النبيّ صلّي الله عليه و آله لم تراوده سِنة من النوم، فلمّا اندلع نور الصبح هجم الطغاة شاهرين سيوفهم على سرير النبيّ صلّي الله عليه و آله، فطلع منه الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام كالأسد الضاري شاهراً سيفه، فلمّا رأوه ذُهلوا وجبنوا وصاحوا به: أين محمّد؟
فقابلهم الإمام بعنف قائلاً: جَعَلْتُمُونِي حارِساً عَلَيْهِ؟
ونكصوا على أعقابهم يجرّون رداء الخيبة، فقد فلت الرسول صلّي الله عليه و آله من قبضتهم، الذي جاء ليحرّرهم من مآثم الجاهلية ويبني لهم مجداً شامخاً.
وكلّما حاولت قريش من الإمام أن يخبرهم باتّجاه النبيّ صلّي الله عليه و آله لم يجبهم إلى شيء، وحقدت عليه قريش، وأخذت تلقي عليه نظرات حادّة، واستخفّ منهم الإمام عليه السّلام، وقابلهم بسخرية واستهزاء.
وأخذ الرسول صلّي الله عليه و آله يجدّ في السير حتّى أشرف على المدينة، فلمّا علم أهلها بتشريفه لديارهم هبّوا جميعاً لاستقباله، وقد علت زغاريد النساء بالفرحة والابتهاج وهنّ ينشدن:
طَلَعَ البَدْرُ عَلَيْنا *** مِنْ ثَنِيَاتِ الوَداغ
وَجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْنا *** ما دَعا لِلهِ داغ (1)
وكان ذلك اليوم مشهوداً في يثرب، لم يمرّ عليها مثله في جميع الأحقاب، وحينما استقرّ النبيّ صلّي الله عليه و آله في يثرب قام بتأسيس دولته الكبرى، دولة القرآن، التي تبنّت القضايا المصيرية لجميع شعوب العالم وأُمم الأرض، وأعلنت حقوق الإنسان.وقد وجد النبيّ صلّي الله عليه و آله من تباشير المدنيين بقدومه ما ملأ قلبه فرحاً وسروراً، وأيقن أنّه سيجد فيهم أنصاراً وبناة لدولته.
ولمّا نزح الرسول صلّي الله عليه و آله من مكّة إلى يثرب قام الإمام عليه السّلام بتنفيذ ما عهد إليه
1) السيرة النبويّة - ابن كثير: 2: 269 و 270. السيرة النبويّة - ابن هشام: 2: 79
النبيّ صلّي الله عليه و آله له له من أداء الأمانات لأهلها، وقضاء ديونه، وبعدما أدّى ذلك حمل السيّدات الزاكيات من الفواطم، وهاجر بهنّ إلى المدينة، فلحقته عصابة من قريش لتصدّه عن السفر، فانبرى إليهم الإمام عليه السّلام ببسالة، فقتل واحداً منهم، وهرب الباقون (1)، وسار الإمام عليه السّلام يطوي البيداء لا يلوي على شيء حتّى انتهى إلى المدينة، وقد ورمت قدماه من المشي، ولم يستطع أن يلتقي بالنبيّ لما به من التعب والعناء، وبادر النبيّ صلّي الله عليه و آله إليه، فلمّا رآه اعتنقه ويكى رحمة لما بقدميه من الورم، فأخذ النبيّ عليه السّلام من ريقه، ومسح من ريقه، ومسح بها قدميه فبرئتا من المرض، ولم يَشْكُ بعد ذلك منهما شيئاً (2).
أمّا الزهراء عليهاالسّلام فإنّها كانت تتحرّق بشوق عارم لملاقاة أبيها، فاعتنقته، وقابلها النبيّ صلّي الله عليه و آله بحفاوة وتكريم، وأخذ يوسعها تقبيلاً، ورحّب بها غاية الترحيب، وكانت تبلغ الثامنة من العمر، وقد وصلت المدينة في يوم الخميس 15 ربيع الأوّل (3).
حضرت سيّدة النساء واقعة أُحُد، ورأت ما مُنِي به المسلمون من الهزيمة الساحقة التي كادت أن تطوي معالم الإسلام، لولا جهاد ابن عمّها الإمام أمير المؤمنين، ولولا ما بذله من جهد شاق وعناء عسير لقضت قريش على النبيّ صلّي الله عليه و آله. واستأصلت شأفة الإسلام، وهدّمت حصونه وقواعده.
وعلى أيّ حال، فإنّ المسلمين لم يصابوا بكارثة في جميع الحروب والغزوات التي خاضوها في أيام النبيّ صلّي الله عليه و آله مثل تلك الكارثة، وكانت هزيمة المسلمين ناجمة
من مخالفة القوة العسكرية التي وضعها النبيّ صلّي الله عليه و آله على الجبل لحماية المسلمين من الخلف، وقد أكّد عليها بملازمة مواضعها لئلا يهجم المشركون عليهم من الخلف، وانهزم المشركون الذين هم أمام الجيش الإسلامي، وخلّفوا أمتعتهم في ساحة المعركة، فسارعت الكتيبة التي على الجبل لنهب الأمتعة، فبصر بهم خالد بن الوليد، وهو من قادة جيش المشركين، فشدّ على المسلمين من خلفهم، واستعادت القوّة الأماميّة من جيوش المشركين نشاطها، فحملوا على المسلمين، وأحاطوا بهم من أمامهم وخلفهم، فاوسعوهم قتلاً، وقد استشهد منهم سبعون بطلاً، كان منهم الشهيد الخالد حمزة عمّ النبيّ صلّي الله عليه و آله، وأصابت النبيّ صلّي الله عليه و آله عدّة جراحات، فقد جرح وجهه الشريف، وكسرت رباعيته، وهشّمت البيضة التي على رأسه الشريف.
وانبرت سيّدة النساء بألم بالغ ومعها زوجها الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، فجعل يسكب الماء على جراحات الرسول صلّي الله عليه و آله، وكان الماء لا يزيد الدم إلّا كثرة، فسارعت الصدِّيقة إلى قطعة حصير فأحرقته حتّى صار رماداً، فأخذت منه ووضعته على الجراحات فاستمسكت (1).
وداهمت جيوش المشركين المدينة عاصمة الإسلام بقيادة الجاهلي أبي سفيان لتطوي رسالة الإسلام، وتعيد الجاهلية الأُولى إلى الناس، وصنع المسلمون خندقاً لحماية المدينة، برأي المفكّر الصحابي الجليل سلمان الفارسي، وظلّ النبيّ صلّي الله عليه و آله يعمل مع المسلمين، وسارعت إليه بضعته الصدّيقة سيّدة النساء بكسرة من خبز فرفعتها إليه، فقال لها: ما هذِهِ يا فاطِمَةُ؟
فقالت له بأدب ولطف: مِنْ قُرْصِ اخْتَبَزْتُهُ لابني، جِئْتُكَ مِنْهُ بِهَذِهِ الْكِسْرَةَ.
1) صحيح مسلم - كتاب الجهاد: 5: 178. صحيح البخاري - كتاب بدء الخلق: 7: 19 و 20
وسارع النبيّ صلّي الله عليه و آله قائلاً: أَمَا إِنَّهَا لأَوَّلُ طَعَامٍ دَخَلَ فَمَ أَبِيكِ مُنْذُ ثَلَاثِ (1).
اللهُ أكبر، أيّ إيثار، وأيّ مبرّة، وأيّ زهد في الدنيا كهذا الزهد، لقد حكى النبيّ صلّي الله عليه و آله ويضعته روحانيّة الأنبياء وزهدهم في الدنيا.
وأخلص النبيّ صلّي الله عليه و آله لبضعته، وقدّمها على بقية أهله، وكان من عظيم إخلاصه لها أنّه إذا سافر كان آخر عهدٍ بها، وإذا قدم من سفره كان أوّل ما يقدم عليها، ثمّ يأتي إلى بيته (2).
كما حضرت سلام الله عليها مع أبيها في فتح مكّة (3)، وشاهدت الفتح المبين لأبيها، وخضوع القرشييّن وذلّتهم له.
رافقت الصدِّيقة الطاهرة الأحداث التي جرت بعد فتح مكّة من دخول الناس في دين الله أفواجاً أفواجاً، وسيادة الإسلام على معظم أنحاء الجزيرة العربية، وأنّه على وشك أن يسود الشرق العربي وغيره من أنحاء العالم، وأنّ البشرية ستنعم في ظِلال حكمه، وكان من أروع ما شاهدته دخول القرشيّين في دين الإسلام مرغمين مكرهين، أذلّاء صاغرين، وهم الذين جهدوا على إطفاء نور الله، ومحاربة رسول الله صلّي الله عليه و آله، ولم يتركوا صورة من صور العنف والتنكيل إلّا قابلوا بها أباها صلوات الله عليه، فقادوا الجيوش والأحزاب لمناجزته حتّى نصره الله تعالى النصر المبين، وأذلّهم وأخزاهم، فقد طهّر البيت الحرام من الأوثان والأصنام، وارتفع صوت «اللهُ أكبر» في جنبات المسجد الحرام، وساد حكم القرآن في ذلك البلد الذي كان مسرحاً لخرافات الجاهلية وتقاليدها العفنة.
لقد كان هذا الدور من أهم أدوار حياة الصدِّيقة سلام الله عليها، وقد رأت أباها بعد هذا النصر العظيم الذي أحرزه أنّه قد اهتمّ اهتماماً بالغاً في أمر خطير فيه ضمان لأُمّته من الزيغ والانحراف، وهو ما يلي:
أمّا الخلافة من بعد الرسول صلّي الله عليه و آله له فإنّها من أهمّ المراكز الحسّاسة في شريعة الإسلام؛ لأنّها امتداد لحكم النبيّ، واستدامة لشريعته، ومن شدّة اهتمام النبيّ صلّي الله عليه و آله
بالخلافة أنّه قال: «مَنْ ماتَ وَلَمْ يَعْرِفُ إمامَ زَمانِهِ ماتَ مِيْنَةٌ جاهِلِيَّةً».
إن النبيّ صلّي الله عليه و آله احتاط أشدّ ما يكون الاحتياط في شؤون أُمّته، فقد كان رؤوفاً بها وحريصاً عليها، يعزّ عليه عنتها، فقد تحمّل من العناء والجهد ما لا يوصف لمرارته وقسوته في سبيل تطوّرها ورفع مستواها، وجعلها رائدة العالم في حضارته وتقدّمه، أيعقل أن يتركها فريسة لأعدائه، تتقاذفها الأمواج، وتهوي بها في مكان سحيق ؟
إنّ من أوهى الآراء، وأكثرها هزالاً ويُعداً عن الواقع الذهاب إلى أنّ النبيّ صلّى الله عليه و آله أهمل شؤون الخلافة، وترك الأمر فوضى من بعده، فإنّ ذلك يتصادم مع الخطّ الرسالي الهادف إلى امتداد أشعة الرسالة الإسلاميّة، وإشاعة قيمها العليا، ومبادئها العظيمة بين الناس.
إنّ إهمال النبيّ صلّي الله عليه و آله لمن يتولّى الحكم من بعده كما يقولون - إنّما هو تدمير للركائز الاجتماعيّة التي أقامها الإسلام، وتدمير للحياة العامّة التي يعيشها المسلمون... إنّ الأزمات الحادّة والخطوب السود التي واجهتها الأُمّة في معظم عصورها كانت ناجمة - من دون شكّ - عن فصل أهل بيت النبوّة ومركز الوحي والتنزيل - الذين أقامهم الرسول صلّي الله عليه و آله، وأسند إليهم ولاية الأُمّة، وقرنهم بمحكم التنزيل - عن الخلافة، ولكنّ الأطماع السياسية، والتهالك على السلطة، هي التي وقفت حاجباً لتنفيذ وصايا النبيّ صلّي الله عليه و آله في أهل بيته عليهم السّلام دعاة الله تعالى في الأرض.
وعلى أيّ حال، فقد عانت الأُمّة من جرّاء فصل الخلافة عن الأُسرة النبوية أقسى وأمّر الخطوب والمآسي.
يقول السيّد محمّد الكيلاني: «لقد تنازع القوم على منصب الخلافة تنازعاً قلَّ أن نجد له مثيلاً في الأُمم الأُخرى، وارتكبوا في سبيل ذلك ما نتعفّف نحن عن ارتكابه الآن، فترتّب على ذلك أنّ أُزهقت الأرواح، ودمِّرت المدن، وهدِّمت القرى، وأُحرقت الدور، وترمّلت النساء، وتيتّمت الأطفال، وهلك من المسلمين
خلق كثير» (1).
إنّ النبيّ الله بعثه الله تعالى رحمة للعالمين، كيف يترك أمر أُمّته فوضى من بعده، ولا يعيّن لها القائد في مسيرتها بعد وفاته، ولننظر إلى القائد العظيم مَن هو؟
ليست الخلافة خاضعة للأهواء والعواطف؛ لأنّها من القضايا المصيرية للأُمّة، وعليها ترتكز جميع أهدافها وشؤونها.
والشيء المؤكّد حسب الدراسات العلميّة، والتأمّل الجاد في السيرة النبويّة، ومصادر التأريخ الإسلامي يتّضح بصورة جليّة لا غبار عليها أنّ النبيّ صلّي الله عليه و آله قد رشّح الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام لمنصب الخلافة، وأقامه إماماً للمسلمين من بعده، ويدعم ذلك النصوص المتواترة القطعية عن النبيّ صلّي الله عليه و آله في الاشادة بالإمام وتعظيم مركزه من أنّه باب مدينة علمه، وأنّه مع الحقّ، والحقّ معه، وأنّه مع القرآن، والقرآن معه، وأنّه من النبيّ صلّي الله عليه و آله بمنزلة هارون من موسى، ويتجلّى ذلك في مؤتمر الغدير الذي أخذ النبيّ صلّي الله عليه و آله فيه البيعة بالخلافة للإمام عليه السّلام، فقد بايعه المسلمون بالإمرة والولاية، وبايعته أُمّهات المؤمنين، وهنّأه عمر بن الخطّاب على هذا المنصب، وقال له: «هنيئاً يابن أبي طالب، أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة ».. إنّ البيعة للإمام عليه السّلام في غدير خم جزء من رسالة الإسلام، فمن جحده فلیس برشید.
ويتساءل الكثيرون لماذا رشح النبيّ صلّي الله عليه و آله الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام لمنصب الخلافة، وقدّمه على غيره من أبناء عمومته وأصحابه.
1) أثر التشيّع في الأدب العربي: 15
والجواب عن ذلك يتلخّص - بإيجاز - في الأُمور التالية، وهي:
1 - إنّ الله تعالى أمر عبده ورسوله بنصب الإمام خليفة من بعده، وأخذ البيعة له من المسلمين في غدير خم، فقد نزلت عليه الآية الكريمة: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ» (1)، وقام النبيّ صلّي الله عليه و آله بعد هذا الانذار الحاسم فجمع الحجّاج الذين قفلوا من حجّ بيت الله الحرام في صعيد خم، وعرّفهم بما أمر الله تعالى به من تعيين الإمام وانتخابه قائداً عاماً للأُمّة الإسلاميّة، وبايعه الجميع كما ألمحنا إلى ذلك في البحوث السابقة.
2 - إنّ النبيّ صلّي الله عليه و آله قرن بين النبوّة والخلافة، وجعلهما في صعيد واحد حينما دعا أُسرته إلى الإيمان والتصديق برسالته قائلاً لهم: «أَيُّكُمْ يُوَازِرُنِي لِيَكُونَ خَلِيفَةً مِنْ بَعْدِي»، فلم يستجب له أحد منهم سوى الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، وهو في سنّه المبكّر، فأخذ برقبته، وخاطبهم قائلاً: «هذا أَخِي وَخَلِيفَتِي، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا».
إنّ اهتمام النبيّ صلّي الله عليه و آله بالخلافة لم يكن ناجماً في الأيام الأخيرة من حياته، وإنّما كان في بداية الدعوة الخالدة للإسلام.
3 - إنّ النبيّ صلّي الله عليه و آله نظر بعمق وشمول في أُسرته وأصحابه، فلم ير أحداً خليقاً بأن يتولّى هذا المنصب الخطير من بعده سوى الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، الذي آمن برسالته، وصدّق دعوته، ووعى قيمه وأهدافه، وقد تولّى النبيّ صلّي الله عليه و آله تربيته، فغرس في أعماق نفسه ودخائل ذاته الإيمان العميق بالله، والمُثُل الإسلامية، والقيم الكريمة.
وليس من المنطق في شيء القول إنّه إنّما انتخبه لمنصب الإمامة لأنّه ألصق الناس به، وأنه أبو سبطيه؛ فإنّ شأن النبوّة أسمى وأرفع من ذلك.
1) المائدة 5: 67
إنّ الرسول صلّي الله عليه و آله إنّما انتخب الإمام أمير المؤمنين قائداً عاماً لأمته لأنّه يتمتّع بقابليات فذّة، لم تتوفّر في أي أحد سواه، ولعلّ من بينها ما يلي:
1 - إنّ الإمام كان أعلم الصحابة وأدراهم بأحكام الدين وشؤون الشريعة، خصوصاً في شؤون القضاء، وقد قال فيه النبيّ: « عَلِيٌّ أَقْضاكُمْ»، واشتهرت كلمة عمر فيه: «لولا عليّ لهلك عمر»، ولم يشابهه أحد من الصحابة وغيره في هذه الموهبة، وقد ألمحنا إلى صور من قضائه في الجزء التاسع من موسوعة الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام بعنوان قضاء الإمام من ذخائر الفكر الإسلامي.
وكما كان الإمام عليه السّلام أعلم المسلمين بأحكام القضاء فكذلك كان أعلمهم في الشؤون السياسية والإدارية، وأنظمة الحكم، وعهده لمالك الأشتر من أوثق الأدلّة على ذلك، فقد حفل بالشؤون السياسية بما لم يحفل به أي دستور في الإسلام وغيره، فقد عنى بواجبات الدولة تجاه المواطنين ومسؤوليتها عن حمايتهم من الفقر والظلم والاستبداد، كما حدّد صلاحيات الموظّفين والحكّام، وما يجب أن تتوفّر فيهم من الصفات كالكفاءة والأمانة والدراية بشؤون ما يتولّونه من أعمال، وأن يتحلّوا بالأخلاق الكاملة والآداب الرفيعة، وأن يكونوا متحرّجين في دينهم خصوصاً في أموال الدولة، فيجب الاحتياط التامّ فيها..إلى غير ذلك من البنود المشرقة التي حفل بها هذا العهد الشريف، وقد صوّرت عمق سياسة هذا الإمام العظيم رائد العدالة الاجتماعية في الأرض.
وكانت رسائله إلى ولاته وعمّاله مصدراً من مصادر السياسة الواعية التي تتطوّر بها حياة الناس، وهي تكشف عن مدى تضلّعه في الشؤون السياسية.
وكما كان الإمام عليه السّلام أعلم المسلمين وأكثرهم دراية في الأُمور السياسية التي ينعم الناس بها، فقد كان من أعلم المسلمين بسائر العلوم الأُخرى، كعلم الكلام، والفلسفة، وعلم الحساب، والهيئة، والفقه، والنحو.
يقول العقّاد: إنّه فتق أبواباً كثيرة من العلوم تربو على ثلاثين علماً، ومع هذه الثروات العلميّة الهائلة التي يملكها الإمام كيف لا ينتخبه الرسول له لمنصب الخلافة التي هي أهم مركز حسّاس في المجتمع الإسلامي، والذي تدور عليه كرامة أمته واستقلالها وسلامتها.
إنّ الطاقات العلميّة اللّامحدودة التي يملكها الإمام عليه السّلام تقضي بحكم العقل أن يكون هو المرشّح لقيادة الأُمّة دون غيره. قال الله تعالى: «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ» (1)، وليس أدعى إلى السخرية من القول بجواز تقديم المفضول على الفاضل - كما يذهب إلى ذلك البعض -، فإنّ هذا المنطق يتجافى مع القيم الإسلاميّة التي ألزمت بتقديم العلماء على غيرهم، وأشادت بسموّ منزلتهم ومكانتهم.
ومن الطبيعي أنّ إقصاءهم عن مكانتهم ممّا يوجب التجنّي على العلم، والتدمير الكامل لقيم الأُمّة.
2 - من الصفات التي يملكها الإمام عليه السّلام أنّه كان من أشجع الناس، وأقواهم جناناً، وقد استوعبت شجاعته النادرة جميع لغات الأرض، وهو القائل: «لَوْ تَظَافَرَتِ الْعَرَبُ عَلَى قِتالِي لَما وَلَّيْتُ عَنْهَا»، وقد قام الإسلام بسيفه، وتأسّس على جهاده، وهو صاحب المواقف المشهودة، والأيام المشهورة، يوم بدر وحنين والأحزاب، فقد حصد رؤوس المشركين، وأباد أعلامهم، وأشاع في بيوت قبائل قريش التي أعلنت الحرب على الله ورسوله، الثكل والحزن والحِداد.
ولم تنفتح ثغرة على الإسلام إلّا تصدّى الإمام إلى سدّها، وقد قدّمه النبيّ صلّي الله عليه و آله على جميع أصحابه وأفراد أسرته، وأسند له القيادة العامّة في جيشه، وما ولج حرباً
1) الزُّمر 9:39
إلّا كان الفتح على يده، وهو الذي أذلّ اليهود وقهرهم، وفتح حصون خيبرهم، وكسر شوكتهم.
إنّ الشجاعة من العناصر الأساسيّة التي يجب أن تتوفّر عند من يتولّى زعامة الأُمّة. ومن الطبيعي أنّه إذا كان خائر القوى جبان النفس تعرّضت الأُمّة لكثير من الأزمات لأنّه لا يصمد أمامها.
وقد توفّرت صفة الشجاعة نفسياً وبدنياً في الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، فكيف يعدل الرسول صلّي الله عليه و آله إلى انتخاب غيره، إنّ الإمام عليه السّلام بحكم شجاعته النادرة وسائر ما يتمتّع به من الصفات الفاضلة كان متعيّناً لقيادة الأُمّة، ولو لم يكن هناك نص من النبيّ صلّي الله عليه و آله على انتخابه.
3 - إنّ من أهمّ الصفات وأميزها التي يجب توفّرها عند من يتصدّى لقيادة الأُمة وزعامتها هي نكران الذات، وإيثار مصلحة الأُمّة على كلّ شيء، والاحتياط التامّ في أموال المسلمين، وهذه الظاهرة هي من أبرز الصفات عند الإمام عليه السّلام، فإنّه حينما تولّى زعامة الأُمّة زهد في جميع مظاهر الحياة، ورفض جميع مباهجها، وبإجماع الرواة إنّه لم يدّخر لنفسه ولا لأهله أي شيء من متع الدنيا، وتحرّج تحرّجاً شديداً في أموال الدولة، فلم ينفق أي شيء منها على نفسه وآله، وساس المسلمين سياسة قوامها العدل الخالص والحقّ المحض، وساوى بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات.
ومن المؤكّد أنّه لم يعرف هذا الشرق العربي وغيره حاكماً عادلاً كالإمام أمير المؤمنين عليه السّلام في نكرانه للذات وعدم استخدامه للسلطة في سبيل المنافع والأغراض السياسية.
4- من الصفات الماثلة في شخصيّة أبي الحسن عليه السّلام تقوى الله والإنابة إليه، فهو زعيم الموحّدين، وأمام المتّقين، وهو القائل: «وَاللَّهِ! لَوْ أُعْطِيتُ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ
بِما تَحْتَ أَفْلَاكِها عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُها جُلْبَ شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُهُ»، وبالإجماع إنّه كان داعية الله تعالى الأكبر بعد أخيه وابن عمّه رسول الله صلّي الله عليه و آله، ومن مظاهر تقواه إنّه امتنع من إجابة عبد الرحمن بن عوف حينما ألحّ عليه بعد مقتل عمر أن يقلّده الخلافة بشرط أن يسير في سياسته بسيرة الشيخين، فأبي وأصرّ على أن يسير على وفق كتاب الله تعالى وسنّة نبيّه واجتهاده الخاصّ، ولو كان من عشّاق الملك لأجابه إلى ذلك ثمّ يسير في سياسة الدولة على وفق ما يراه، فإن اعترض عليه ابن عوف فيعتقله أو ينفيه.
إنّ الإنسانيّة في جميع فترات التأريخ لم تر حاكماً مثل الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام في ورعه وتقواه وتجرّده من جميع المحسوبيات، فقد جهد نفسه في أيام حكمه أن يطبّق العدل الخالص على جميع المواطنين، ولا يسمع أنين مظلوم أو محروم أو فقير.
هذه لمحات موجزة وسريعة عن شخصيّة الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام فكيف لا يرشّحه النبيّ صلّي الله عليه و آله لمنصب الخلافة والنيابة عنه، على أنّا إذا التزمنا بمبدأ القرابة من النبيّ صلّي الله عليه و آله الذي تمسّك به المهاجرون في مؤتمر السقيفة، فإنّ الإمام أولى بالنبيّ من غيره، فهو ابن عمّه، وختنه على ابنته، وأبو سبطيه.
يقول سيديو: «لو كان قد تمّ الاعتراف بمبدأ الوراثة فهو في صالح عليّ منذ البداية، وكان الالتزام به مانعاً من النكبات والمنازعات التي أغرقت الإسلام في الدم، كان زوج فاطمة يضمّ في شخصه حقّ الوراثة كوارث شرعي للنبيّ صلّي الله عليه و آله، كما يضمّ الحقّ بالانتخاب» (1).
إنّ التأمّل الدقيق الذي لا يخضع للميول والأهواء يقضي بصورة لا تقبل الجدل والشكّ والوهم أنّ النبيّ صلّي الله عليه و آله نصّ على إمامة الإمام أمير المؤمنين وعيّنه قائداً لمسيرة أُمّته لا لقاعدة الوراثة والقرابة، ولا لغيرها من سائر الاعتبارات التي يؤول أمرها إلى
1) روح الإسلام: 292
التراب، وإنّما لسموّ شخصيّته وكمال ذاته، وتوفّر الفضيلة بأسمى معانيها في سموّ شخصيّته. ولا نصيب من الصحّة للقول بأنّ النبيّ صلّي الله عليه و آله قد أهمل أمر الخلافة، وترك الأمر فوضى، فإنّ هذا بعيد كلّ البعد عن سيرة الرسول صلّي الله عليه و آله الذي كان حريصاً على سعادة أُمّته وتطوير حياتها ووقايتها من الانحراف والانحطاط.
وبدت طلائع الرحيل إلى الله تعالى ماثلة أمام القائد والمعلّم، الذي فجّر ينابيع العلم والحكمة في الأرض، فقد كانت أمارات يتبع بعضها بعضاً على مفارقته للحياة، ودنوّ أجله المحتوم، كان منها:
1 - إنّ القرآن الكريم نزل على رسول الله صلّي الله عليه و آله في الأيام الأخيرة من حياته مرّتين، فاستشعر من ذلك حضور الأجل المحتوم (1)، وأخذ ينعى نفسه، ه، ويشيع ذلك بين المسلمين، وكان يقول لبضعته سيّدة نساء العالمين الصدِّيقة الطاهرة:
«إِنَّ جَبْرَئِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي بِالْقُرْآنِ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةٌ، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي بِهِ الْعَامَ مَرَّتَيْنِ، وَما أَرى ذلِكَ إِلَّا اقْتِرابَ أَجَلِي» (2).
وهامت زهراء الرسول صلوات الله عليها بتيارات مذهلة من الأسى والحزن، فقد نخبت هذه الكلمات قلبها الرقيق، فقد علمت أنّ أيّام أبيها معدودة، وأنّه سيفارقها عمّا قريب.
2 - نزل الوحي على الرسول الكريم بهذه الآية: «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ» (3). وكانت هذه الآية إنذاراً له بمفارقة
الحياة، فأثارت كوامن الفزع في نفسه، وسمعه المسلمون يقول: لَيْتَنِي أَعْلَمُ مَتى يَكُونُ ذلِكَ.
ونزلت عليه صلّي الله عليه و آله سورة النصر، فكان يسكت بين التكبير والقراءة ويقول: سُبْحانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، أَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ.
وفزع المسلمون وذهلوا وسارعوا يسألونه عن هذه الحالة الرهيبة التي اعترته فأجابهم: «إِنَّ نَفْسِي قَدْ نُعِيَتْ إِلَيَّ» (1).
وكانت هذه الكلمات كالصاعقة على رؤوس المسلمين، فلا يدرون ماذا سيجري إن خلت الدنيا من الرسول محمّد صلّي الله عليه و آله.
واستبان للنبيّ صلّي الله عليه و آله العظيم دنوّ الأجل المحتوم منه، فرأى أن يودّع البيت الحرام، ويضع الخطط السليمة لوقاية أُمّته من الانحراف عن طريق الحقّ، فحجّ صلوات الله عليه حجّته الأخيرة التي عرفت بحجّة الوداع في السنة العاشرة من الهجرة، وأعلن بين الوافدين للحجّ أن التقاءه بهم في عامهم هذا هو آخر عهده بهم قائلاً: «إِنِّي إ لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقاكُمْ بَعْدَ عَامِي هذا، بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَداً».
وأخذ يعرّفهم بما يضمن لهم السعادة والتقدّم قائلاً: «أَيُّها النَّاسُ، إِنِّي تَرَكْتُ فِيْكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كَتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي».
إنّ الركيزة الأُولى في بناء المجتمع الإسلامي وسلامته هي كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والركيزة الثانية: أهل بيت النبوّة وهم مراكز الوعي والإيمان في الإسلام، وهما أساس نجاح أُمّته.
1) مناقب آل أبي طالب: 1: 234
ولمّا انتهى الرسول صلّي الله عليه و آله هل من المراسم الحجّ عقد مؤتمراً عامّاً عند بئر زمزم، ووقف خطيباً، وأمر ربيعة بن أُميّة بن خلف، وكان في شرخ الشباب أن يحكي كلامه إلى الجماهير فقال: يا رَبِيعَةُ قُلْ: يا أَيُّها النَّاسُ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ لا يَقُولُ لَكُمْ: لَعَلَّكُمْ لَا تَلْقُونَنِي عَلَى مِثْلِ حَالِي هَذِهِ.
هَلْ تَدْرُونَ أَيَّ بَلَدٍ هذا؟ وَهَلْ تَدْرُونَ أَيَّ شَهْرٍ هذا؟ وَهَلْ تَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ هذا؟
فقال الناس: «نعم هذا البلد الحرام، والشهر الحرام، واليوم الحرام».
وبعدما أجابوا بذلك قال لهم النبىّ صلّي الله عليه و آله: إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِماءَكُمْ، وَأَمْوالَكُمْ، كَحُرْمَةِ بَلَدِكُمْ هذا، وَكَحَرْمَةِ شَهْرِكُمْ هذا، وَكَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟
قالوا: نعم.
وانبری رسول الله صلّي الله عليه و آله قائلاً: اللّهُمَّ اشْهَدْ.
ثمَّ قَالَ: كُلُّ دَمَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ تَحْتَ قَدَمِي، وَأَوَّلُ دَمٍ أَضَعُهُ دَمَ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحارِثِ بْن عَبْدِ الْمُطَّلِب (1)، أَلَا هَلْ بَلِّغْتُ؟
قالوا: نعم.
وانبری رسول الله صلّي الله عليه و آله قائلاً: اللَّهُمَّ اشْهَدْ.
ثمّ قال: وَكُلُّ رباً كانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوع تَحْتَ قَدَمِي، وَأَوَّلُ رِباً أَضَعُهُ رِبَا الْعَبَّاسِ ابْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَلَا هَلْ بَلقْتُ؟
قالوا: نعم.
قال: اللّهُمَّ اشْهَدْ.
1) ابن ربيعة كان مسترضعاً في هذيل فقتله بنو سعد بن بكر
ثمّ قال: أَيُّها النَّاسُ، إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ.
ثمّ قال: أَوْصِيْكُمْ بِالنِّسَاءِ خَيْراً، فَإِنَّما هُنَّ عَوارِ عِنْدَكُمْ، لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئاً، وَإِنَّما أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكِتابِ اللَّهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ حَقٌّ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقٌّ كِسْوَتُهُنَّ وَرِزْقُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوْطِئْنَ فِراشَكُمْ أَحَداً، وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ إِلَّا بِعِلْمِكُمْ،وَإِذْنِكُمْ، فَإِنْ فَعَلْنَ شَيْئاً مِنْ ذلِكَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ، وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ. أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟
قالوا: نعم.
قال: اللّهُمَّ اشْهَدُ.
ثمّ قال: فَأَوْصِيْكُم بِما مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَأَطْعِمُوهُم مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَأَلْبِسُوهُمْ مِمّا تَلْبَسُونَ، وَإِنْ أَذْنَبُوا فَكِلُوا عُقُوباتِهِمْ إِلَى شِرارِكُمْ أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟
قالوا: نعم.
قال: اللهمَّ اشْهَدْ.
ثمّ قال: إِنَّ الْمُسْلِمَ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَغُشُّهُ، وَلَا يَخُونُهُ، وَلَا يَغْتَابُهُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ دَمُهُ، وَلَا شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ إِلَّا بِطِيبَةِ نَفْسِهِ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ ؟
قالوا: نعم.
ثمّ استمر النبيّ صلّي الله عليه و آله في خطابه الحافل بما تضمّنته الرسالة الإسلامية من بنود مشرقة في عالم الأحكام والآداب، وختم خطابه بقوله: لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفّاراً مُضَلِّلينَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ رقابَ بَعْضٍ، إنِّى قَدْ خَلَّفْتُ فِيْكُمْ ما إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا كِتابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟
قالوا: نعم.
قال: اللّهُمَّ اشْهَدْ.
ثمّ قال: إِنَّكُمْ مَسْؤُولُونَ فَلْيُبَلِّغ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغائِبَ (1).
وانتهى خطاب رسول الله صلّي الله عليه و آله الذي ختمه بالنص على ما يضمن للأُمّة النجاح في الدنيا والآخرة، وهو اتّباع كتاب الله تعالى وأهل بيت النبوّة الذين يعنون بالصالح العامّ.
ولمّا انتهى الرسول صلّي الله عليه و آله من حجّه قفل راجعاً إلى المدينة، وحينما انتهى إلى غدير خمٍّ هبط عليه الوحي برسالة من السماء بالغة الخطورة، وهي أن يُنَصِّب الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام خليفة على المسلمين، ويقلّده هذا المنصب الخطير، وكانت رسالة السماء هذه الآية: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلَّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ» (2).
وانبرى الرسول صلّي الله عليه و آله بعزم ثابت، وإرادة صلبة إلى تنفيذ إرادة الله فوضع أعباء المسير، وحطّ رحله في رمضاء الهجير، وأمر قوافل الحجّاج أن تفعل مثل ذلك، وكان الوقت قاسياً في حرارته، حتّى كان الرجل يضع طرف ردائه تحت قدميه ليتّقي به من الحرّ، وبعد ما اجتمع الناس، وكان عددهم فيما يقول المؤرّخون، مائة ألف أو يزيدون، قام النبيّ صلّي الله عليه و آله خطيباً فعرض عليهم ما لاقاه من العناء والجهد في سبيل هدايتهم وإنقاذهم من خرافات الجاهلية إلى حياة آمنة كريمة، ثمّ قال لهم: انْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِي الثَّقَلَيْنِ؟
فناداه مناد من القوم: ما الثقلان يا رسول الله؟
الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ: كِتابُ اللهِ طَرَفٌ بِيَدِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَطَرَفٌ بِأَيْدِيكُمْ فَتَمَسَّكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا، وَالآخَرُ الأَصْغَرُ: عِتْرَتِي، وَإِنَّ اللطيفَ الْخَبِيرَ نَبَّأَنِي أَنَّهُما لَنْ يَفْتَرِفًا حَتَّى يَرِدا عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَسَأَلْتُ ذَلِكَ رَبِّي لَهُما، فَلَا تَقَدَّمُوْهُما فَتَهْلِكُوا، وَلَا تَقْصُرُوا عَنْهُما فَتَهْلِكُوا.
ثمّ أخذ بيد وصيّه وباب مدينة علمه، ففرض ولايته على المسلمين وعينه قائداً عامّاً لأُمّته، ورفع يدي وصيّه حتّى بان بياض إبطيهما، ورفع صوته قائلاً: يا أَيُّها النَّاسُ، مَنْ أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِم؟
فانبروا جميعاً قائلين بلسان واحد: اللُه ورسوله أعلم.
فقال صلّي الله عليه و آله: إِنَّ اللهَ مَوْلَايَ، وَأَنا مَوْلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنا أَوْلى بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ.
قال ذلك ثلاث مرّات أو أربع، ثمّ قال: اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ، وَعادِ مَنْ عاداهُ، وَأَحِبَّ مَنْ أَحَبَّهُ، وَأَبْغِضُ مَنْ أَبْغَضَهُ، وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ، وَأَدِرِ الْحَقَّ مَعَهُ حَيْثُ دارَ، أَلَا فَلْيُبلغ الشَّاهِدُ الْغائِبَ.
وانتهى بذلك الخطاب الجليل، الذي أدّى فيه رسالة الله تعالى، فنصب الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام خليفة على المسلمين من بعده، وأقامه عَلماً وقائداً لهم.
وأقبل المسلمون على مبايعة الإمام بالخلافة وتهنئته.
وأمر النبيّ صلّي الله عليه و آله أُمّهات المؤمنين بمبايعة أخيه ووصيّه ففعلن، وأقبل عمر بن الخطّاب فصافحه وهنّأه وقال له: هنيئاً يابن أبي طالب، أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة» (1).
1) مسند أحمد بن حنبل: 4: 281
وانبری حسّان بن ثابت فاستأذن النبيّ صلّي الله عليه و آله بتلاوة مقطوعة له، فأذن له، فقال:
يُنادِيهِمْ يَومَ الغَديرِ نَبِيُّهُمْ *** بِخُمَّ وَأَسْمِعْ بِالرَّسولِ مُنادِيا
فَقالَ فَمَنْ مَوْلاكُمُ ونَبِيُّكُمْ *** فَقالوا وَلَمْ يُبدوا هُناكَ التِّعامِيا
إِلهُكَ مَولانا وأنتَ نَبِيُّنا *** وَلَمْ تَلْقَ مِنا في الوِلايَةِ عاصِيا
فَقالَ لَهُ قُمْ يا عَلِيُّ فَإِنَّنِي *** رَضِيتُكَ مِنْ بَعدي إماماً وَهادِيا
فَمَنْ كُنتُ مَولاهُ فَهذا وَلِيُّهُ *** فَكُونُوا لَهُ أَتباعَ صِدقٍ مَوالِيا
هُناكَ دَعَا اللهُم والِ وَلِيَّهُ *** وَكُنْ لِلَّذِي عادى عَلِيّاً مُعادِيا (1)
ونزلت في ذلك اليوم الخالد في دنيا الحق الآية الكريمة: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً» (2).
لقد كَمُل الدين وتمّت النعمة الكبرى على المسلمين بولاية رائد الحقّ والعدالة في الإسلام.
لقد وضع النبيّ صلّي الله عليه و آله حجر الأساس لصيانة أُمّته، ووقايتها من الزيغ والتردّي في مآثم الحياة، فعيّن لها القائد والمربي والموجّه الذي يعني بجميع قضاياها المصيرية.
إنّ البيعة للإمام في يوم عيد الغدير جزء من رسالة الإسلام، وركن من أركان الدين، فمن أنكرها فقد أنكر الإسلام كما يقول العلّامة العلائلي.
وطافت ببضعة الرسول تيارات مروعة ومذهلة من الأسى والحزن حينما علمت أنّ أباها الذي هو عندها أعزّ من هذه الحياة، سوف يفارقها وينتقل إلى حظيرة القدس وتخلو الدنيا من شخصه العظيم، فكانت ولهى تراودها الآلام يتبع بعضها بعضاً، قد ضاقت عليها الأرض.
ونعرض - بإيجاز - إلى بعض فصول هذه المأساة الخالدة في دنيا الأحزان:
ولمّا قفل النبىّ صلّي الله عليه و آله راجعاً من مكّة إلى يثرب بدأت صحّته تنهار يوماً بعد يوم، فقد ألمّ به المرض، وأصابته حمى مبرحة، حتّى كأنّ به لهباً منها، وكانت عليه قطيفة، فإذا وضع أزواجه وعوّاده أيديهم عليها شعروا بحرّها، وقد وضعوا إلى جواره إناءً فيه ماء بارد، فما زال يضع يده فيه، ويمسح به وجهه الشريف، وهو من أروع الوسائل لتخفيف درجة الحرارة، وكان يقول: «ما أَزالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْتُهُ بِخَيْبَرَ، فَهَذا أوانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنْ ذلِكَ السُّم» (1).
وهرع المسلمون إلى عيادته، وقد خيّم عليهم الأسى والذهول فازدحمت بهم حجرته فنعى إليهم نفسه، وأوصاهم بما يضمن لهم السعادة والنجاح قائلاً:
1) البداية والنهاية: 5: 246
«أَيُّها النَّاسُ، يُوشِكُ أَنْ أَقْبَضَ قَبْضاً سريعاً، فَيُنْطَلَقُ بِي، وَقَدَّمْتُ إِلَيْكُمُ الْقَوْلَ مَعْذَرَةٌ إِلَيْكُمْ، أَلَا إِنِّي مُخَلِّفٌ فِيكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي ...».
ثمّ أخذ بيد وصيّه وياب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام قائلاً: «هذا عَلِيٌّ مَعَ الْقُرْآنِ، وَالْقُرْآنُ مَعَ عَلِيٌّ، لَا يَفْتَرِقانِ حَتَّى يَرِدا عَلَيَّ الْحَوْضَ» (1).
وقد قرّر بهذه الكلمات أهم القضايا المصيرية لأُمتّه، فقد عيّن لها القائد الذي يهديها للتي هي أقوم.
وأيقن النبىّ صلّي الله عليه و آله بمفارقته للحياة، فرأى أن يذهب ليودّع مقابر المسلمين، ويستغفر للأموات، فاستدعى أبا مويهبة في غلس الليل، وأمره أن يصاحبه إلى البقيع قائلاً: لَقَدْ أُمِرْتُ بِالاسْتِغْفارِ لِأهْلِ الْبَقيع فَلِذا بَعَثْتُ إِلَيْكَ لِلْإِنْطِلاقِ مَعِي.
وسار النبيّ صلّي الله عليه و آله حتّى انتهى إلى بقيع الغرقد، فسلّم على الأموات قائلاً: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يا أَهْلَ الْمَقابِرِ، لِيُهْتِكُمْ ما أَصْبَحْتُمْ فِيْهِ مِمَا أَصْبَحَ النَّاسُ فِيهِ، أَقْبَلَتِ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِم يَتْبَعُ آخِرُها أَوَّلَها، الْآخِرَةُ شَرٌّ مِنَ الأولى.
لقد رأى النبيّ صلّي الله عليه و آله الأحوال الراهنة في أصحابه، وما يمنون به من الانقلاب المدمّر على الأعقاب، فهنَأ الأموات إذ لم يشاهدوها، ثمّ التفت إلى أبي مويهبة قائلاً له: يا أبا مُوَيْهِبَةَ، إِنِّي قَدْ أَوْتِيْتُ مَفَاتِيْحَ خَزائِنِ الدُّنْيا وَالْخُلْدَ فِيها، ثُمَّ الْجَنَّةَ، فَخُيِّرْتُ بَيْنَ ذلِكَ وَبَيْنَ لِقاءِ رَبِّي وَالْجَنَّةِ.
وبهر أبو مويهبة وراح يقول: بأبي أنت وأُمّي، خذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثمّ الجنّة.
فأجابه النبيّ صلّي الله عليه و آله: لَا واللهِ يا أبا مُوَيْهِبَةَ، لَقَدِ اخْتَرْتُ لِقاءَ رَبِّي وَالْجَنَّةَ.
1) الصواعق المحرقة: 2: 361
ثمّ استغفر لأهل البقيع، وانصرف صلّي الله عليه و آله إلى منزله (1)، فاستقبلته عائشة وكانت تشكو صداعاً في رأسها وهي تقول وا رأساه.
بَلْ أَنَا وَاللَّهِ يا عَائِشَةُ أَقُولُ: وارَأَساهُ، ما ضَرَّكِ لَوْ مِن قَبْلِي فَقُمْتُ عَلَيْكِ، وَ كَفَّتْتُكِ، وَصَلَّيْتُ عَلَيْكِ وَدَفَنْتُكِ.
فأثار ذلك حفيظتها واندفعت تقول: والله! لكأنّي بك لو فعلتَ ذلك ورجعتَ إلى بيتي فأعرستَ فيه ببعض نسائك (2).
واستبانت للنبيّ صلّي الله عليه و آله التيارات الحزبيّة في أصحابه، وأيقن أنّها جادّة في تنفيذ مخطّطاتها الهادفة لصرف الخلافة عن وصيّه وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، فرأى أن يتدارك الموقف ببعث جميع أصحابه لغزو الروم حتّى تخلو عاصمته منهم فحينئذٍ يتولّى الأمر بعد وفاته بسهولة ويسر.
وأمر صلّي الله عليه و آله جميع أعلام المهاجرين والأنصار بالخروج في جيش أُسامة، وكان فيهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجرّاح وبشير بن سعد (3)، وكان أُسامة حدث السنّ، والتأمّل في ذلك يقضي بأنّ القيادة للأُمّة أو للجيش لا يعتبر فيها التقدّم بالسنّ، كما إنّ الغضّ عن ترشيح أحد من هؤلاء الجماعة لقيادة الجيش يقضي بعدم ارتياح النبيّ صلّي الله عليه و آله، أو عدم وثوقه بهم، والله العالم.
وعلى أيّ حال، فقد قال النبيّ صلّي الله عليه و آله لأُسامة قائد جيشه: سِرْ إِلَى مَوْضِعِ قَتْلِ أَبِيكَ،
فَأَوْطِتْهُمُ الْخَيْلَ، فَقَدْ وَلَّيْتُكَ هذَا الْجَيْشَ، فَاغْرُ صَباحاً عَلَى أَهْلِ أَبْنَى (1)، وَحَرِّقُ عَلَيْهِمْ، وَأَسْرِعْ السَّيْرَ لِتَسْبِقَ الْأَخْبارَ، فَإِنْ أَظْفَرَكَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَأَقْلِلِ اللَّبْثَ فِيْهِمْ، وَخُذْ مَعَكَ الْأَدِلَّاءَ، وَقَدِّمِ الْعُيُونَ وَالطَّلَائِعَ مَعَكَ.
وفي اليوم التاسع والعشرين من شهر صفر مُنِي الجيش بالتمرّد فلم يلتحق أعلام الصحابة بوحداتهم العسكرية، وساء النبيّ صلّي الله عليه و آله ذلك، وخرج وهو يجود بنفسه من شدّة المرض، فحثّ أصحابه على المسير، وعقد بنفسه اللواء لأسامة وقال له: اغْرُ بِسْمِ اللهِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقاتِلْ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ.
وخرج أُسامة بلوائه معقوداً ودفعه إلى بريدة، وعسكر بالجرف (2)، وتثاقل أعلام الصحابة عن الالتحاق بالمعسكر، وأظهروا الطعن والاستخفاف بالقائد العامّ، يقول له عمر: مات رسول الله وأنت عليّ أمير؟
وانتهت هذه الكلمات إلى النبيّ صلّي الله عليه و آله، وقد ازدادت به الحمى، وأخذ منه الصداع القاسي مبلغاً عظيماً، فغضب صلّي الله عليه و آله أشدّ الغضب، وخرج وهو معصب الرأس قد دُثِّر بقطيفة، وقد برح به الأسى، فصعد المنبر وأظهر سخطه على عدم تنفيذ أوامره قائلاً: أَيُّها النَّاسُ، ما مَقالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْ بَعْضِكُمْ فِي تَأْمِيرِي أَسامَةَ؟ وَلَئِنْ طَعَنْتُمْ فِي تَأْمِيرِي أَسامَةَ فَقَدْ طَعَتْتُمْ فِي تَأْمِيرِي أَبَاهُ مِنْ قَبْلِهِ، وَايْمُ اللَّهِ إِنَّهُ كَانَ لَخَلِيفَاً بِالْإِمَارَةِ وَإِنَّ ابْنَهُ مِنْ بَعْدِهِ لَخَلِيقٌ بِها.
ثمّ نزل عن المنبر ودخل صلّي الله عليه و آله بيته (3)، وجعل يوصي بالالتحاق بأسامة، وهو يقول لهم: جَهْزُوا جَيْشَ أَسامَةَ.
نَفَذُوا جَيْشَ أَسامَةَ.
لَعَنَ اللهُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ جَيْشِ أَسَامَةَ.
ولم تثر حفائظ نفوسهم هذه الأوامر المشدّدة، ولم يرهف عزيمتهم هذا الاهتمام البالغ من النبيّ صلّي الله عليه و آله وهو في ساعاته الأخيرة، فقد تثاقلوا عن الخروج والالتحاق بالجيش، واعتذروا له بشتّى المعاذير، وهو - بأبي وأُمّي - لم يمنحهم العذر، وأظهر لهم الغيظ والسخط.
إنّ التأمّل في هذا الحادث الخطير يستنتج منه ما يلي من الأُمور:
1 - إنّ تخلّف القوم من الالتحاق بالجيش، وطعنهم في تأمير أُسامة المقصود منه الظفر بالسلطة والاستيلاء على الحكم.ومن الطبيعي أنّهم إذا انصرفوا إلى الغزو، ونزحوا عن عاصمة الرسول، فإنّ الخلافة لا محالة سوف تفلت من أيديهم، ولا مجال لهم إلى التمرّد والخلاف.
2 - إنّ السبب في عدم إسناد قيادة الجيش للموجهين من الصحابة هو أنه لو أُسندت لهم لاتّخذوها وسيلة إلى أحقيّتهم بالخلافة ومطالبتهم بالحكم، وقد سدّ النبيّ صلّي الله عليه و آله هذه النافذة التي لو كانت مفتوحة لهم لتشبّثوا بها، وصالوا وجالوا على غيرهم.
3 - إنّ الإسلام بصورة جادّة ألغى التقدّم في السنّ، وأناط قيادة الأُمّة والمناصب الحسّاسة في الجيش إلى ذوي الكفاءات والمواهب الذين يضعون المصالح العامّة للأمة فوق جميع الاعتبارات (1).
واشتد المرض بالنبىّ صلّي الله عليه و آله، وأخذ يعاني منه آلاماً قاسية ومريرة، وأيقن أنّه
1) بسطنا الكلام في هذه البحوث في كتابنا (نظام الحكم والإدارة في الإسلام)
في الساعات الأخيرة من حياته، فاستدعى الفضل بن عبّاس، فلمّا مَثْلَ عنده قال له: خُذْ بِيَدِي يا فَضْلُ، ففعل ذلك، وأجلسه على المنبر، وأمره أن ينادي بالناس الصلاة جامعة.
فنادى الفضل بذلك، فاجتمع الناس، فقال صلّي الله عليه و آله: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ قَدْ دَنَا مِنِّى خُلُوفٌ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ، وَلَنْ تَرَوْنِي فِي هَذَا الْمَقامِ فِيْكُم، وَقَدْ كُنْتُ أَرى أَنَّ غَيْرَهُ غَيْرُ مُغْنِ عَنِّي حَتَّى أَقَوِّمَهُ فِيْكُمْ، أَلَا فَمَنْ كُنْتُ جَلَدْتُ لَهُ ظَهْراً فَهذا ظَهْرِي فَلْيَسْتَقِدْ، وَمَنْ كُنتُ أَخَذْتُ مِنْهُ مالاً فهذا مالِى فَلْيَأْخُذْ مِنْهُ، وَمَنْ كُنْتُ شَتَمْتُ لَهُ عِرْضاً فَهَذَا عِرْضِي فَلْيَسْتَقِدْ...وَلَا يَقُولَنَّ قائِلٌ: أَخافُ الشَّحْناءَ مِنْ قِبَل رَسُولِ اللهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّحْناءَ لَيْسَتْ مِنْ شَأْنِي، وَلَا مِنْ خُلُقِي، وَإِنَّ أَحَبَّكُم إِلَيَّ مَنْ أَخَذَ حَقًّا إِنْ كَانَ لَهُ عَلَيَّ، أَوْ حَلَّلَنِي فَلَقِيْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ عِنْدِي مَظْلِمَةٍ.
يا لها من كلماتٍ أسّست معالم العدل، بما لم يؤسّسه أيّ مصلح اجتماعي. لقد أعطى القصاص من نفسه ليخرج من هذه الدنيا، وليس لأيّ أحد عليه حقّ أو تبعة، وانبرى إليه رجل فقال له: يا رسول الله، لي عندك ثلاثة دراهم.
فقال له النبيّ صلّي الله عليه و آله: أَمَا أَنَا فَلَا أُكَذَّبُ قَائِلاً، وَلَا مُسْتَحْلِفُهُ عَلَى يَمِينٍ، فَبِمَ كَانَتْ لَكَ عِنْدِي؟
قال له الرجل: أما تذكر أنّه مرّ بك سائل فأمرتني بإعطائه ثلاثة دراهم فأعطيته، فأمر النبيّ صلّي الله عليه و آله بإعطائه الدراهم.
ثمّ استمر النبيّ صلّي الله عليه و آله في كلامه قائلاً: أَيُّها النَّاسُ، مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْغُلُولِ شَيْءٌ فَلْيَرُدَّهُ.
فقام إليه رجل فقال له: يا رسول الله، عندي ثلاثة دراهم غللتها في سبيل الله.
لِمَ غَلَلْتَها؟
كُنتُ إِلَيْها مُحتاجاً.
فأمر النبيّ صلّي الله عليه و آله الفضل بأخذها منه، فأخذها، ثمّ عاد النبيّ صلّي الله عليه و آله في مقالته قائلاً:
أَيُّها النَّاسُ، مَنْ أَحَسَّ فِي نَفْسِهِ شَيْئاً فَلْيَقُمْ أَدْعُ اللَّهَ لَهُ.
فقام إليه رجل فقال له: يا رسول الله، إنّي لمنافق، وإِنِّي لكذوب، وإِنِّي لشئوم.
فزجره عمر قائلاً: ويحك، لقد سترك الله، لو سترت على نفسك.
فصاح به النبي صلّي الله عليه و آله: صَهْ يابْنَ الْخَطَابِ! فُضُوحُ الدُّنْيا أَهْوَنُ مِنْ فُضُوحٍ الْآخِرَةِ.
ثم دعا النبيّ صلّي الله عليه و آله له قائلاً: اللهمَّ ارْزُقْهُ صِدْقاً وَإيماناً، وَأَذْهِبْ عَنْهُ السُّومَ (1).
وانبرى إليه رجل من أقصى القوم يقال له سوادة بن قيس، فقال له: يا رسول الله، إنّك ضربتني بالسوط على بطني، وأنا أُريد القصاص منك.
فأمر النبيّ صلّي الله عليه و آله بلالاً بإحضار السوط ليقتصّ منه سوادة، وانطلق بلال وهو مذهول رافعاً عقيرته قائلاً: أيّها الناس، أعطوا القصاص من أنفسكم في دار الدنيا، فهذا رسول الله قد أعطى القصاص من نفسه.
وأخذ بلال السوط من بيت النبيّ صلّي الله عليه و آله وأعطاه إلى سوادة، فأخذه وأقبل صوب النبي صلّي الله عليه و آله، وقد فتك به المرض، وألمّ به الداء، فقال له: يا رسول الله، اكشف لي عن بطنك.
فكشف النبيّ صلّي الله عليه و آله عن بطنه، وقد ساد الوجوم والبكاء في جميع جنبات المسجد، وقال سوادة بصوت خافت حزين النبرات: يا رسول الله، أتأذن لي أن أضع فمي على بطنك؟
فأذن له الرسول صلّي الله عليه و آله بذلك، فوضع سوادة فمه على بطن رسول الله صلّي الله عليه و آله يوسعها تقبيلاً، ودموعه تتبلور على وجهه قائلاً: أعوذ بموضع القصاص من رسول الله من النار يوم النار.
وقال له الرسول: أَتَعْفُو يا سَوادَةُ أَمْ تَفْتَصُّ؟
1) البداية والنهاية: 5: 231
بل أعفو يا رسول الله.
ورفع النبيّ صلّي الله عليه و آله يديه بالدعاء قائلاً: اللهمَّ اعْفُ عَنْ سَوادَةَ كَما عَفَا عَنْ نَبيَّكَ (1).
وهام المسلمون بتيارات مذهلة من الأسى والحزن، وأيقنوا بنزول الرزء القاصم من السماء، فقد انتهت أيام نبيّهم الذي برّ بدينهم ودنياهم وأخرجهم من حياة التيه في الصحراء، وأقام لهم دولتهم التي ينعمون في ظلالها.
وكانت عند النبيّ صلّي الله عليه و آله قبل مرضه سبعة دنانير أو ستّة، فخاف أن يقبضه الله تعالى، وهي عنده، فأمر أهله بالتصدّق بها، ولكنّ انشغالهم بتمريضه أنساهم ذلك، وكان صلّي الله عليه و آله يفكّر بها، فسألهم عنها، فأجابوه أنّها لا تزال باقية عندهم، فطلب منهم إحضارها، فجيء بها، فوضعها في يده وقال: ما ظَنُّ مُحَمَّدٍ بِرَبِّهِ لَوْ لَقِيَ اللَّهَ، وَعِنْدَهُ هذِهِ.
ثمّ تصدّق بها، ولم يبق عنده أي شيء من حطام الدنيا (2).
وكان من زهده أنّه خرج من الدنيا، ولم يشبع من خبز الشعير (3)، وتوفِّي ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعاً من شعير (4). وكانت وسادته من أدم حشوها من ليف (5).
لقد زهد في الدنيا، وأعرض عن زينتها ومباهجها، حتّى توفّاه اللهُ واختاره إليه.
وظهرت جليّاً أمام النبيّ صلّي الله عليه و آله الحركات السياسيّة والاتّجاهات النفعيّة التي تبنّاها أعلام الصحابة، وهي صرف الخلافة عن أهل بيته، فرأى صلّي الله عليه و آله وهو في الساعات الأخيرة من حياته أن يصون أُمّته من الزيغ، ويقيها من الانحراف، ويضمن لها السعادة فقال: «ائْتُونِي بِالْكَتِفِ وَالدَّواةِ، لِأَكْتُبَ لَكُمْ كِتاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَداً» (1).
وهل هناك نعمة على المسلمين في جميع أجيالهم الصاعدة أعظم من هذه النعمة.. إنّه ضمان والتزام من سيّد الأنبياء أن لا تضلّ أُمّته في جميع الأحقاب والآباد إن كتب لهم هذا الكتاب.حقّاً إنّها من أغلى الفرص وأثمنها وأندرها، ولكن من المؤسف أنّهم لم يستغلّوا هذه الفرصة، ولم يبادروا إلى الحفاظ عليها.
وإنّ رسول الله صلّي الله عليه و آله يضمن لأُمّته في حاضرها ومستقبلها أن تواكب الحقّ، وتسير في طريقها المستقيم، الذي لا ضلال ولا زيغ ولا انحراف فيه.
ومن المؤسف والمحزن أنّ بعض الصحابة علم قصد النبيّ صلّي الله عليه و آله أنّه سيوصي بخلافة أخيه، وياب مدينة علمه، فتضيع بذلك أطماعهم، فردّ عليه ردّاً عنيفاً قائلاً: «حسبنا کتاب الله».
ومن المؤكّد أنّ هذا القائل لو كان يحتمل أنّ النبيّ صلّي الله عليه و آله يوصي بالمحافظة على بعض الطقوس الدينية أو بحماية الثغور لما ردّ عليه بهذه الجرأة، ولكنّه علم قصده وغايته من النصّ على خلافة الإمام.
وعلى أيّ حال، فقد كثر الخلاف واحتدم النزاع بين الحاضرين، فطائفة منهم حاولت أن تنفّذ رغبات النبي، وطائفة أُخرى أصرّت على معارضتها، وانطلقت
1) الرواية أخرجها الطبراني في المعجم الأُوسط: 5: 288 وصحيح البخاري: 4: 31، وصحیح مسلم: 5: 76، وغيرها
النسوة من وراء الستر فأنكرنّ عليهم هذا الموقف المتّسم بالجرأة على النبيّ صلّي الله عليه و آله وهو في ساعاته الأخيرة، فصحن بهم: ألَا تسمعون ما يقول رسول الله.
فثار عمر وزجرهنّ قائلاً: إنّكنّ صويحبات يوسف، إذا مرض عصرتن أعينكنّ، وإذا صحّ ركبتن عنقه.
فرمقه الرسول صلّي الله عليه و آله بغضب وصاح به: دَعُوهُنَّ فَإِنَّهُنَّ خَيْرٌ مِنْكُمْ.
وبدا صراع رهيب بين القوم، وكادت تفوز الجبهة التي أرادت تنفيذ ما أراده النبيّ صلّي الله عليه و آله، فانبرى أحدهم فسدّد سهماً لما أمر به النبيّ صلّي الله عليه و آله قائلاً بقسوة وعنف: إنّ النبيّ لَيَهْجُر (1)
وفي النهاية في غريب الحديث: 4: 130، وشرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد: 3: 114 صرّح باسم القائل وهو معروف
.إنّ هذه الأحداث يجب أن تدرس بدقّة ووعي لأنّها من صميم حياتنا صميم الإسلاميّة.. إنّ فيها طعناً صريحاً وواضحاً لا يقبل الشكّ على شخصيّة الرسول صلّي الله عليه و آله، فقد اتّهمه بالهجر، والله تعالى يقول فيه: «مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى» (2)؟
وقال تعالى: «إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ» (3)؟
إنّ اتّهام الرسول بالهجر طعن في شخصيّته، واحتقار لمركزه، ونسياناً لفضله وأياديه البيضاء التي أسداها على الإنسانيّة جمعاء، وعلى العرب بصورة خاصّة،
فقد أنقذهم من حياة التيه في الصحراء، وأقام لهم دولة وحضارة، وجعلهم سادة الشعوب، فجزاؤه إنّه يهجر، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
إنّ الأطماع السياسية والتهالك على السلطة هي التي دفعتهم إلى مقابلة رسول الله صلّي الله عليه و آله بهذه الكلمات القاسية التي تحزّ في نفس كلّ مسلم.
وكان ابن عبّاس إذا ذكر هذا الحادث الخطير يبكي حتّى تسيل دموعه على خدّيه، كأنّها نظام اللؤلؤ وهو يصعّد آهاته قائلاً: «يوم الخميس، وما يوم الخميس، فإنّ رسول الله صلّي الله عليه و آله قال: ائْتُونِي بِالْكَتِفِ وَالدَّواةِ لِأكْتُبَ لَكُمْ كِتاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَبَداً، فقالوا: إنّ رسول الله يهجر» (1).
حقّاً أنّها الرزية الكبرى التي لم يصب المسلمون بمثلها، فقد حيل بينهم وبين سعادتهم وتقدّمهم في جميع مجالات الحياة.
ونخب الحزن قلب بضعة الرسول صلّي الله عليه و آله وبرح بها الألم وأضناها، حينما أيقنت بمفارقة أبيها لهذه الحياة، فقد فزعت مرعوبة تتعثّر بخطاها كأنما تعاني آلام الاحتضار، وقد جلست إلى جنبه، وأحدقت بوجهه، فسمعته يقول: وَاكَرْباه !
وامتلأ قلبها الطاهر أسى وحسرات وراحت تقول: وَاكَرْبِي! لِكَرْبِكَ يا أَبَتِ.
وأشفق الرسول الله صلّي الله عليه و آله حينما رأى حبيبته ولهى كأنّها صورة جثمان ليس فيه حياة، فقال لها مسلّياً: لَا كَرْبَ عَلى أَبِيكِ بَعْدَ الْيَوْمِ (2).
ووقعت هذه الكلمات كالصاعقة عليها، فقد علمت أنّ أباها سيفارقها ورآها النبيّ صلّي الله عليه و آله مضطربة قد خطف الحزن لونها، وسرت في جسمها رعدة الأسى،
فأراد أن يسلّيها، فأمرها بالدنوّ إليه، وأسرّ إليها بحديث فلم تملك نفسها أن غامت عيناها بالدموع، ثمّ أسرّ إليها ثانيةً فقابلته ببسمات فيّاضة بالبشر، وعجبت عائشة من ذلك وراحت تقول: ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن !
وسألتها عائشة عمّا أسرّ إليها أبوها، فأشاحت بوجهها عنها، وأبت أن تخبرها، ولمّا تصرّمت الأيام أخبرت عن ذلك، فقالت: أَخْبَرَنِي أَنَّ جَبْرَئِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي بِالْقُرْآنِ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي بِهِ فِي هَذَا الْعامِ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أَراهُ إِلَّا قَدْ حَضَرَ أَجَلِي.
وكان هذا هو السبب في لوعتها وبكائها، وأمّا سبب سرورها وابتهاجها فتقول: أَخْبَرَنِي أَنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لُحُوقاً بِي، وَنِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ، أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نساء هذه الأمة (1)؟
إنّ السبب في إخماد حزنها هو أنّها أوّل أهل بيته لحوقاً به، لقد سئمت الحياة التي يختفي منها أبوها.
وأخذ النبيّ صلّي الله عليه و آله يخفّف لوعة بضعته قائلاً لها: يا بُنَيَّة، لَا تَبْكِي، وَإِذا مِتُّ فَقُولي: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، فَإِنَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ مَيِّت مَعُوضَةٌ.
فقالت له بصوت خافت حزين النبرات: وَمِنْكَ يا رَسُولَ اللهِ؟
نَعَمْ، وَمِنِّي (2).
واشتدّ الوجع برسول الله صلّي الله عليه و آله، فجعلت تبكي أحرّ البكاء، وخاطبت أباها قائلة: أَنْتَ وَاللهِ! كَما قالَ الْقائِلُ:
وَأَبْبَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمامُ بِوَجْهِهِ *** ثِمالُ الْيَتامى عِصْمَةٌ لِلأرامِلِ
فقال لها النبيّ صلّي الله عليه و آله: هذا قَوْلُ عَمِّكِ أَبِي طَالِبٍ، وقرأ قوله تعالى: «وَمَا مُحمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ» (1)» (2).
روى أنس بن مالك قال: جاءت فاطمة ومعها الحسن والحسين عليهم السّلام إلى النبيّ صلّي الله عليه و آله في مرضه الذي توفّي فيه فانكبت عليه، وألصقت صدرها بصدره وهي غارقة بالبكاء، فنهاها النبيّ صلّي الله عليه و آله عن البكاء خوفاً عليها والنبيّ صلّي الله عليه و آله قد جرت دموعه على خدّيه وهو يقول: اللَّهُمَّ أَهْلَ بَيْتِي، وَأَنَا مُسْتَوْدِعُهُمْ كُلَّ مُؤْمِنٍ.
وجعل يردّد ذلك ثلاث مرّات (3)، وهو مثقل بالهمّ لعلمه بما سيجري عليهم من صنوف المحن والخطوب.
وأقبلت سيّدة النساء ومعها ولداها الحسن والحسين عليهم السّلام وهي تذرف الدموع، طالبة من أبيها أن يورث ولديها شيئاً من مكارم نفسه التي عطّر شذاها العالم قائلة له: أَبَه، هذان وَلَداك فَوَرْتْهُما مِنْكَ شَيْئاً.
وأفاض عليهما النبيّ صلّي الله عليه و آله بعض خصائصه ومميزاته التي امتاز بها على سائر النبيّين قائلاً: أَمّا الْحَسَنُ فَلَهُ هَيْبَتِي وَسُودَدِي، وَأَمَّا الْحُسَينُ فَلَهُ جُرْأَتِي وَجُودِي (4).
وقام الحسنان من جدّهما وقد ورثا منه الهيبة والسؤدد والجرأة والجود، وليس هذه الأرض أسمى وأعزّ من هذا الميراث الذي لا صلة له بعالم المادة، وإنّما يحوي كمالات النبوّة وخصائصها.
وأوصى النبيّ صلّي الله عليه و آله أمير المؤمنين برعاية سبطيه، وكان ذلك قبل وفاته بثلاثة أيام، فقد قال له: يا أبا الرَّيْحَانَتَيْنِ، أَوْصِيْكَ بِرَيْحَانَتَيَّ مِنَ الدُّنْيا، فَعَنْ قَلِيلٍ يَنْهَدُ رُكْناكَ، وَاللهُ خَلِيفَتِي عَلَيْكَ.
ولما قبض النبيّ صلّي الله عليه و آله قال أمير المؤمنين عليه السّلام: هذا أَحَدُ رُكْنَيَّ الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ الله صلّي الله عليه و آله، ولمّا ماتت فاطمة عليهاالسّلام قال عليه السّلام: هذا الرُّكْنُ الثَّانِي الَّذِي قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ (1).
وأن الوقت للنبيّ العظيم صلّي الله عليه و آله الذي لم يخلق الله له نظيراً فيما مضى من سالف الزمن، وما هو آتٍ أن يرحل عن هذه الحياة ويجاور إخوانه أنبياء الله العظام، فقد هبط عليه ملك الموت مستأذناً منه، فانبرت إليه الزهراء قائلة له: إِنَّهُ مَشْغُولٌ بِنَفْسِهِ، فانصرف ثم عاد طالباً الإذن فأفاق النبيّ صلّي الله عليه و آله وقال لبضعته: أَتَعْرِفِيه؟
لَا، يا رَسُولَ اللهِ.
إِنَّهُ مُعَمِّرُ الْقُبورِ، وَمُخَرِّبُ الدُّورِ، وَمُفَرِّقُ الْجَمَاعَاتِ.
وقُدِّ قلب الزهراء، وتبدّدت نفسها شعاعاً، قد أخرسها الخطب، وراحت تقول بصوت خافت حزين النبرات: وَا أَبْناه! لِمَوْتِ خَاتَمِ الْأَنْبِياءِ، وَامُصِيبَتاه! لِمَمَاتِ خَيْرِ الْأَنْقِياءِ، وَلاِنْقِطَاعِ سَيِّدِ الْأَصْفِياءِ، واحَسْرَتاه لانقِطَاعِ الْوَحْيِ مِنَ السَّمَاءِ،
1) أمالي الصدوق: 119
فَقَدْ حُرِمْتُ الْيَوْمَ كَلَامَكَ.
وتصدّع قلب الرسول صلّي الله عليه و آله حينما رأى بضعته ولهى، فقال لها: لا تَبْكِي فَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لُحُوقاً بِي (1).
وأذن النبيّ صلّي الله عليه و آله الملك الموت بالدخول عليه، ولمّا مثل أمامه قال له: يا رَسُولَ إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ وأَمَرَنِي أَنْ أُطِيعَكَ فِي كُلِّ مَا تَأْمُرُنِي بِهِ، إِنْ أَمَرْتَنِي أَنْ أَقْبِضَ نَفْسَكَ قَبَضْتُهَا، وَإِنْ أَمَرْتَنِي أَنْ أَتْرُكَهَا تَرَكْتُهَا.
وبهر النبيّ صلّي الله عليه و آله من هذا اللطف الذي خصّه به وراح يقول: أَتَفْعَلُ يا مَلَكَ الْمَوْتِ ذلِكَ؟
بِذلِكَ أُمِرْتُ أَنْ أُطِيعَكَ فِي كُلِّ مَا أَمَرْتَنِي.
ولم يحظ أحد من أنبياء الله ورسله بمثل ما حظي به خاتم الأنبياء صلّي الله عليه و آله، فقد أمر الله تعالى ملك الموت بإطاعته والاستئذان بالدخول عليه.
وهبط جبرئيل على النبيّ صلّي الله عليه و آله فقال له: يا أَحْمَدُ، إِنَّ اللَّهَ قدِ اشْتاقَ إِلَيْكَ (2).
واختار النبيّ صلّي الله عليه و آله جوار ربّه، فأذن لملك الموت بقبض روحه، وفزع السبطان إلى جدّهما فألقيا بنفسيهما عليه، وهما يذرفان الدموع، وأخذ النبيّ صلّي الله عليه و آله يوسعهما تقبيلاً، ويودّعهما الوداع الأخير، وأراد الإمام عليه السّلام أن ينحيهما عنه، فأبى النبيّ صلّي الله عليه و آله وقال له: دَعْهُما يَتَمَتَّعان مِنِّي، وَأَتَمَتَّعْ مِنْهُما، فَسَتُصِيبُهُما بَعْدِي أَثَرَةٌ.
ثمّ التفت إلى عوّاده فقال لهم: قَدْ خَلَّفْتُ فِيْكُمْ كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي فَالْمُضَيَّعُ لِكِتابِ اللهِ كَالْمُضَيِّعِ لِسُنَّتِي، وَالْمُضَيَّعُ لِسُنَّتِي كَالْمُضَبِّعِ لِعِتْرَتِي، إِنَّهُما لَنْ يَفْتَرِقا حَتَّي يَرِدا عَلَيَّ الْحَوْضَ (3).
ثمّ التفت إلى وصيّه وباب مدينة علمه، فقال له: ضَعْ رَأْسِي فِي حِجْرِكَ، فَقَدْ جاءَ أَمْرُ اللَّهِ، فَإِذا فاضَتْ نَفْسِي فَتَناوَلُها، وَامْسَحْ بِها وَجْهَكَ، ثُمَّ وَجِّهْنِي إِلَى الْقِبْلَةِ، وَتَوَلَّ أَمْرِي، وَصَلِّ عَلَيَّ أَوَّلَ النَّاسِ، وَلَا تُفَارِقْنِي حَتَّى تُوَارِيَنِي فِي رَمْسِي وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلٌ.
وأخذ الإمام عليه السّلام رأس النبيّ صلّي الله عليه و آله فوضعه في حجره، ومدّ يده اليمنى تحت جنكه، وشرع ملك الموت بقبض روحه العظيمة، والرسول يعاني آلام الموت، وهو يتلو آيات الله تعالى، حتّى فاضت روحه الطاهرة، فمسح بها الإمام وجهه (1)
وتواترت الأخبار أنّ النبيّ صلّي الله عليه و آله توفّي ورأسه في حجر الإمام عليّ عليه السّلام كما في: الطبقات الكبرى 2: 51. مجمع الزوائد: 1: 293. كنز العمّال: 4: 55. ذخائر العقبى: 94. الرياض النضرة: 2: 219
. لقد مادت الأرض، وارتحل إلى الله تعالى من كانت حياته نوراً ورحمة لعباد الله.لقد أُصيبت الإنسانيّة بكارثة مدمّرة، فقد مات القائد والمعلّم والمربّي، واحتجب ذلك النور الذي أضاء سماء الدنيا بتعاليمه وآدابه وسموّ أخلاقه.
ووجم المسلمون، وطاشت أحلامهم من حصول الكارثة، ووضعن أزواج النبيّ الجلاليب عن رؤوسهنّ وهنّ يلد من صدورهنّ، أمّا نساء الأنصار فقد أخذن يضربن وجوههنّ، حتّى ذبحت حلوقهنّ من الصياح (2).
أمّا فاطمة الزهراء عليهاالسّلام فقد وقعت على الجثمان العظيم، وهي تقول بذوب روحها: وا أبتاه! وا رَسُولَ اللهِ ! وا نَبِيَّ رَحْمَتاه!
الآنَ لَا يَأْتِي الْوَحْيِ الْآنَ يَنْقَطِعُ عَنَا جَبْرَئِيلُ، اللَّهُمَّ الْحِقْ رُوحِي بِرُوحِهِ، وَاشْفَعْنِي بِالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ، وَلَا تَحْرِمْنِي أَجْرَهُ وَشَفاعَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (1).
ثمّ أخذت تجول حوله وهي تندبه بأشجى ما تكون الندبة قائلةً: وَا أَبَتاهُ! إِلَى جَبْرَئِيلَ أَنْعَاهُ.
وا أَبَتاهُ! جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ.
وا أَبَتاهُ! أَجَابَ رَبِّاً دَعَاهُ (2).
لقد ذعرت زهراء الرسول صلّي الله عليه و آله بفقد أبيها، وراحت تذرف أحرّ الدموع، فقد ذابت نفسها أسى وحزناً.
وقام الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام بتجهيز جثمان أخيه ولم يشاركه أحد فيه، فتولّى تغسيله وهو يقول بألم وحزن: «ِبأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَقَدِ انْقَطَعَ بِمَوْتِكَ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ بِمَوْتِ غَيْرِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْإِنْبَاءِ وَأَخْبَارِ السَّمَاءِ.
خَصَّصْتَ حَتَّى صِرْتَ مُسَلِّياً عَمَّنْ سِوَاكَ، وَعَمَّمْتَ حَتَّى صَارَ النَّاسُ فِيكَ سَواءٌ. وَلَوْلَا أَنَّكَ أَمَرْتَ بِالصَّبْرِ، وَنَهَيْتَ عَنِ الْجَزَعِ، لَأَنْفَدْنَا عَلَيْكَ مَاءَ النُّؤُونِ وَلَكَانَ الدَّاءُ مُمَاطِلاً، وَالْكَمَدُ مُخالِفاً» (3).
وكان العبّاس عم النبيّ صلّي الله عليه و آله وأُسامة يناولانه الماء من وراء الستر (4)، وكان الطيب
يخرج من بدن رسول الله صلّي الله عليه و آله والإمام عليه السّلام يقول: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، طِبْتَ حَيّاً وَمِيّتاً (1).
وكان الماء الذي غُسِّل فيه جثمان النبيّ من بئر يقال لها الغرس، كان النبيّ صلّي الله عليه و آله يشرب منها (2)، وبعد ما انتهى الغسل أدرجه الإمام في أكفانه، ووضعه على السرير.
وأوّل من صلى على الجثمان العظيم هو الله تعالى من فوق عرشه، ثمّ جبرئيل، ثمّ إسرافيل، ثم الملائكة زمراً زمراً (3)، ثمّ صلّى عليه إمام الموحّدين وسيّد المتّقين أمير المؤمنين عليه السّلام، وأقبل المسلمون للصلاة على جثمان نبيّهم، فقال لهم الإمام: لَا يَقُومُ عَلَيْهِ إِمَامٌ مِنْكُمْ، هُوَ إمامُكُم حَيّاً وميتاً.
فكانوا يدخلون عليه رَسَلاً رَسَلاً فيصلّون عليه صفاً صفاً، ليس لهم إمام، وأمير المؤمنين واقف إلى جانب الجثمان وهو يقول: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ.. اللهُمَّ إِنَّا نَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ مَا أُنزِلَ إِلَيْهِ، وَنَصَحَ لِأُمَّتِهِ، وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى أَعَزَّ اللَّهَ دِينَهُ وَتَمَّتْ كَلِمَتُهُ، اللهُمَّ فَاجْعَلْنا مِمَّنْ يَتَّبِعُ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ، وَثَبِّتْنا بَعْدَهُ، وَاجْمَعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ.
وكان الناس يقولون: «آمين» (4)، وكانت الجموع تمرّ عليه وهي كسيرة الطرف، قد نخب الحزن قلبها، فقد مات المحرّر والمنقذ الذي أقام لهم حضارة ودولة، وأضاء لهم الحياة، وأخرجهم من حياة التيه في الصحراء.
وبعد انتهاء مراسيم الصلاة على الجثمان العظيم قام الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام في غلس الليل فوارى الجثمان المقدّس فى مثواه الأخير، ووقف إلى جانب القبر وهو يروّي ثراه بماء عينيه ويقول: «إِنَّ الصَّبْرَ لَجَمِيلٌ إِلَّا عَنْكَ، وَإِنَّ الْجَزَعَ لَقَبِيحٌ إِلَّا عَلَيْكَ، وَإِنَّ الْمُصَابَ بِكَ لَجَلِيلٌ، وَإِنَّهُ قَبْلَكَ وَبَعْدَكَ لَجَلَلٌ» (1).
لقد انطوت ألوية العدل، ومادت أركان الحقّ، وارتفع ذلك اللطف الإلهي الذي غيّر مجرى الحياة إلى واقع مشرق تتلاشى فيه آهات المظلومين والمحرومين، وينعم فيه الإنسان على اختلاف قوميّاته ولغاته.
وفزعت العترة الطاهرة أشدّ ما يكون الفزع بعد وفاة رسول الله صلّي الله عليه و آله، فقد خافت من انتقاض العرب، خصوصاً من القرشيّين لأنّ رسول الله صلّي الله عليه و آله قد وترهم في سبيل الإسلام، ونزعة الأخذ بالثأر متأصّلة عند العرب، وأنّ عليّاً هو الذي أطاح برؤوس أبنائهم، فهي تتطّلع إليه للأخذ بثأرها، وقد حكى الإمام الصادق عليه السّلام بقوله:
«لَمّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ صلّي الله عليه و آله باتَ آلُ مُحَمَّدٍ لا لله بِأَطْوَلِ لَيْلَةٍ حَتَّى ظَنُّوا أَنْ لَا سَماءَ تُظِلُّهُمْ، وَلَا أَرْضَ تُقِلُّهُمْ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللهِ صلّي الله عليه و آله وَتَرَ الْأَقْرَبِينَ وَالْأَبْعَدِين فِي اللَّهِ» (2).
وعلى أيّ حال، إنّ وفاة النبيّ صلّي الله عليه و آله كانت من أفجع الكوارث التي دهمت العترة الطاهرة، فقد كانت فاتحة الأحداث الرهيبة التي ألمّت بهم، وهذا ما سنتحدّث عنه في البحوث الآتية.
وانطوت نفس الصدِّيقة على حزن عميق، فكانت ترثيه بذوب روحها ونسب إليها من الشعر في رثائها له صلّي الله عليه و آله ما يلي:
اغِْبَرت آفَاقُ السَّمَاءِ وَكُوِّرَتْ *** شَمْسُ النَّهارِ وَأَظْلَمَ الْعَصْرانِ
فَالْأَرْضُ مِنْ بَعْدِ النَّبِيِّ كَئِيْبَةٌ *** أسفاً عَلَيْهِ كَثِيرَةُ الرَّجَفانِ
فَلْيَبْكِهِ شَرْقُ البِلادِ وَغَرْبُها *** وَلْيَبْكِهِ مُضَرٌ وَكُلُّ يَمانِ
وَلْيَبْكِهِ الطُّورُ المُعَظَّمُ جُودُهُ *** وَالْبَيْتُ ذُو الْأَسْتارِ وَالْأَرْكانِ
یا خاتَمَ الرُّسُلِ الْمُبارَكِ ضَوْؤُهُ *** صَلَّى عَلَيْكَ مُنَزِّلُ الْقُرْآنُ (1)
إِنَّا فَقَدْناكَ فَقْدَ الْأَرْضِ وابِلَها *** فَاخْتَلَّ قَوْمُكَ فَاشْهَدْهُمْ فَقَدْ نُكِبُوا
وَكُلُّ أَهْلِ لَهُ قُربَى وَمَنْزِلَةٌ *** عِنْدَ الإلهِ عَلَى الْأَدْنَيْنَ مُقْتَرَبُ
أَبْدَتْ رِجالٌ لَنا نَجْوَى صُدُورِهُمُ *** لَمّا مَضَيْتَ وَحَالَتْ دُونَكَ التُّرْبُ
تَجَهَّمَتْنا رِجالٌ وَاسْتَخَفْ بِنا *** لَمّا فُقِدْتَ وَكُلُّ الْأَرْضِ مُعْتَصَبُ (2)
مَاذَا عَلَى مَنْ شَمْ تُرْبَةَ أَحْمَدٍ *** أَنْ لَا يَشَمَّ مَدَى الزَّمانِ غَوَالِيا
صُبَّتْ عَلَى مَصَائِبٌ لَوْ أَنَّهَا *** صُبَّتْ عَلَى الْأَيَّامِ صِرْنَ لَيَالِيَا (3)
قُلْ لِلْمُغَيِّبِ تَحْتَ أَطْباقِ الثُّرىَ *** إِنْ كُنْتَ تَسْمَعُ صَرْخَتِي وَنِدَائِيا
قَدْ كُنْتُ ذَاتَ حِمَى بِظِلٍّ مُحَمَّدٍ *** لَا أَخْشَ مِنْ ضَيْمٍ وَكَانَ جَمَالِيا
فَالْيَوْمَ أَخْشَعُ لِلْذَلِيلِ وَأتنَّقِي *** ضَيْمِي وَأَدْفَعُ ظَالِمِي بِرِدَائِيا
فَإِذَا بَكَتْ قُمْرِيَّةٌ فِي لَيْلِهَا *** شَجَناً عَلَى غُصْنٍ بَكَيْتُ صَبَاحِيَا
فَلَأَجْعَلَنَّ الْحُزْنَ بَعْدَكَ مُونِسي *** وَلَأَجْعَلَنَّ الدَّمْعَ فِيكَ وِشاحيا (1)
نَفْسِي على زَفَراتِها مَحْبُوسَةٌ *** يا لَيْتَها خَرَجَتْ مَعَ الزَّفَراتِ
لا خَيْرَ بَعْدَكَ في الحَياةِ وإِنَّما *** أَبْكِي مَخَافَةَ أَنْ تَطُولَ حَياتِي (2)
ونسب لها شعرٌ آخر في رثائها لأبيها، أو قيل على لسانها، وهو يحكي ما ألمّ بها من عظيم الرزء وفادح الخطب على فقدها لأبيها الذي استوعب حبّه جميع عواطفها.
وممّا زاد في حزنها العميق هو أنّ القوم لم يراعوا حقّها وعاملوها معاملة عاديّة، ولم يلاحظوا علاقة النبيّ صلّي الله عليه و آله ورعايته لها، التي هي أولى بالعطف من كلّ شيء.
لا يستطيع أي كاتب مهما كان بارعاً في تصوير دقائق التاريخ، وتحليل الأحداث أن يصوّر بدقّة وعمق البراكين والأوبئة التي دهمت الأُمّة الإسلاميّة بعد وفاة نبيّها العظيم، كما صوّرها القرآن الكريم بهذه الآية: «وَمَا مُحمدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ» (1).
لقد كان تصويراً هائلاً للأزمات المفجعة والنكبات السود التي تمنى بها الأُمّة بعد وفاة منقذها العظيم. إنّه انقلاب على الأعقاب، وتحطيم وانسلاخ وتدمير لشريعة الله تعالى، وأي زلزال أفجع وأقسى من هذا الزلزال.
لقد انتقل الرسول صلّي الله عليه و آله إلى حظيرة القدس، وهو مسجّى في بيته، لم يغيّبه عن عيون القوم مثواه، وقد حدثت في صفوفهم انقسامات خطيرة، كانت ناجمة عن الأحزاب المختلفة في اتجاهاتها التي نشأت قبل وفاة النبيّ صلّي الله عليه و آله، وهي:
وهو الأُسرة النبويّة بقيادة زعيمها العظيم الإمام أمير المؤمنين سيّد العترة الطاهرة، وباب مدينة علم النبيّ صلّي الله عليه و آله، وأبو سبطيه، الذي أخذ له النبيّ البيعة يوم
1) آل عمران 3: 144
غدير خم، وقد انضمّ إليه خيار الصحابة كعمّار بن ياسر، وأبي ذرّ، وسلمان الفارسي وغيرهم من الثقات والمتحرّجين في دينهم.
ويضمّ أعلام الصحابة كأبي بكر وعمر وأبي عبيدة بن الجرّاح، وخالد بن الوليد، ويمثّل آراء القرشيّين في مكّة كما انضمّ إليه بشير بن سعد بن ثعلبة الخزرجي من الأنصار وغيره، وهؤلاء يرون أنّ الخلافة لهم ؛ لأنّ النبيّ صلّي الله عليه و آله منهم. ومن الجدير بالذِّكر أنّ هؤلاء لم يحضروا جنازة النبيّ صلّي الله عليه و آله، ولم يشاركوا في الصلاة عليه ولا في دفنه، لانشغالهم بمؤتمر السقيفة.
وهؤلاء هم العمود الفقري في القوّات الإسلاميّة المسلّحة التي بُنِي الإسلام على جهادهم وتضحياتهم، ويتشكّلون من جناحين وهما: الأوس والخزرج.
وكانت بين هذين الجناحين ضغائن وأحقاد أدّت إلى إراقة الدماء، وإشاعة الفرقة بينهم، وكان آخر أيّام حروبهم هو يوم (بغاث) وذلك قبل أن يهاجر إليهم النبيّ صلّي الله عليه و آله بستّ سنين، ولمّا هاجر إليهم النبيّ صلّي الله عليه و آله عمل جاهداً على نشر المحبّة والوئام بينهم إلّا أنّ الضغائن كانت كامنة في نفوسهم، وقد ظهرت بشكل سافر يوم السقيفة، فقد حقد أُسيد بن حُضير زعيم الأوس على سعد بن عبادة حينما رشّحه الأنصار للخلافة، فقد قال لقومه: «لئن ولّيتموها سعداً عليكم مرّة واحدة لا زالت لهم الفضيلة بذلك، ولا جعلوا لكم فيها نصيباً أبداً، قوموا فبايعوا أبا بكر» (1).
وعلى أيّ حال، فهذه الأحزاب كانت سائدة بعد وفاة النبيّ صلّي الله عليه و آله، ونعرض إلى
1) الكامل في التاريخ: 2: 224
مجريات الأحداث التي أدت إلى الفتنة الكبرى التي أخلدت للمسلمين الشرّ على امتداد التاريخ.
وليس في دنيا الإسلام حادثة أخطر على الإسلام وتصديعاً لشمل المسلمين كمؤتمر السقيفة، فقد كان الحجر الأساس لتدهور الأُمّة وما عانته من الأزمات والخطوب، فقد شاعت فيها الأطماع السياسية، وسادت فيها الحزبيّة الضيقة التي وضعت مصالحها على مصلحة الأُمّة.
يقول بولس سلامة:
وَتَوالَتْ تَحتَ السَّقيقَةِ أَحْدا *** ثُ أَثَارَتْ كَوامِناً وَمُيُولا
نَزَعَاتٍ تَفَرَّقَتْ كَغُصون العَو *** سَجَ الغَضُّ شائكاً مَدْخولا
إنّ مؤتمر السقيفة كان فاتحة للكوارث التي منيت بها الأُمّة، فقد صرفت الخلافة إلى الأُمويّين أعداء الإسلام وخصومه، ومن بين الأحداث المؤلمة التي كانت ناجمة من السقيفة رزية كربلاء التي استؤصلت فيها العترة الطاهرة.
يقول الإمام كاشف الغطاء رحمه الله:
تَاللهِ ما كَرْبَلا لَوْلا سَقِيفَتُهُمْ *** وَمِثلُ هذا الفَرعِ ذاكَ الأَصْلُ أَنْتَجَهُ
ونعرض - بإيجاز - إلى هذا المؤتمر الخطير، وكيف تولّى فيه أبو بكر الحكم.
عقد الأنصار مؤتمرهم في سقيفة بني ساعدة بعد وفاة رسول الله صلّي الله عليه و آله مباشرة، ولم ينتظروا حتّى يوارى النبيّ صلّي الله عليه و آله في مثواه الأخير، أمّا الأسباب التي دعتهم إلى ذلك بهذه السرعة الخاطفة - فهي فيما نحسب كما يلي:
أوّلاً: إنّهم رأوا التحرّك السياسي من قِبل المهاجرين الذين أجمعوا على صرف الخلافة عن الأُسرة النبوية، وكان من بوادر تمرّدهم ما يلي:
لقد ظهر بصورة واضحة تمرّد المهاجرين على تعيين الإمام خليفة من بعد النبيّ صلّي الله عليه و آله، وأنّهم لا يرضون بحكمه، فقد امتنعوا عن الالتحاق بجيش أُسامة، و عرفوا أنّ غرض النبيّ صلّي الله عليه و آله من سريّة أُسامة هو إخلاء المدينة منهم بعد وفاته، فيتمّ الأمر بسهولة الله ويسر للإمام عليه السّلام، فلذا امتنعوا عن الالتحاق بها، وقد قال عمر لأسامة، «يموت رسول الله وأنت عليّ أمير»، منكراً ذلك.
وأظهر المهاجرون إنكارهم على النبيّ صلّي الله عليه و آله في أخذه البيعة للإمام في غدير خم، فقد قالوا: «لقد حسب محمّد أنّ هذا الأمر قد تمّ لابن عمه، وهيهات أن يتمّ».
وكانوا يعلنون ذلك في أنديتهم واجتماعتهم، وقد تسرّبت أخبارهم إلى الأنصار.
ولمّا توفّي النبيّ صلّي الله عليه و آله رفع عمر عقيرته أمام المجتمع قائلاً: «لا تجتمع النبوّة والخلافة في بيت واحد».
لقد أنكر عمر اجتماع النبوّة والخلافة في بيت واحد، وهو بيت النبوّة، ومركز الوحي والحكمة والإيمان، وقد تمّ لعمر ذلك، فقد انفصلت الخلافة عن أهل البيت، وصارت بأيدي خصوم الإسلام وأعدائه من الأمويّين والعبّاسيّين، الذين حفلت أيام حكمهم بالتمرّد على القيم الدينية، وكانت قصورهم مسرحاً للعبث والمجون وتعاطي المنكرات، وأمّا أهل البيت عدلاء الذِّكر فقد رفعت رؤوسهم على أطراف الرماح، ونساؤهم سبايا يطاف بهنّ من بلد إلى بلد، هذا ما أرادته قريش التي
أرادت أن تنتقم من النبيّ صلّي الله عليه و آله في آله وذرّيّته، فإّنا لله وإنّا إليه راجعون.
ثانياً: إنّ الأنصار كانوا على ثقة أنّ المهاجرين إذا استولوا على الحكم فإنّهم سيمعنون في إذلال الأنصار وقهرهم طلباً بثأرهم، وقد أعلن ذلك الحباب بن المنذر وهو من أعمدة الأنصار. بقوله: «لكنّنا نخاف أن يليها بعدكم من قتلنا أبناءهم وآباءهم واخوتهم» (1).
وفعلاً فقد تحقّق تنبّأ الحباب، فإنّه لم يكد ينتهي حكم الخلفاء القصير الأمد حتّى آل الحكم إلى الأمويّين، فأمعنوا في إذلالهم وقهرهم، وإشاعة الفقر والحرمان فيهم، وكان معاوية قد بالغ في الانتقام منهم، ولمّا ولي يزيد الأمر جهد على الوقيعة بهم، فأباح أموالهم ودماءهم وأعراضهم في واقعة الحرّة التي لم يشاهد التأريخ مثلها في فظاعتها وقسوتها.
هذه بعض الأسباب التي أدت إلى عقد الأنصار مؤتمرهم في السقيفة.
ولمّا اجتمع الأنصار في السقيفة انبرى سعد بن عبادة زعيم الخزرج إلى افتتاح المؤتمر، وكان مريضاً لم يتمكّن أن يجهر بكلامه، وإنّما كان يقول وبعض أقربائه يبلغ مقالته إلى الحاضرين، ومن جملة خطابه هذه الكلمات:
«يا معشر الأنصار، لكم سابقة في الدين، وفضيلة في الإسلام، ليست لأحد من العرب، إنّ محمّداً صلى الله عليه وسلّم لبث في قومه بضع عشرة سنة يدعوهم إلى عبادة الرحمان، وخلع الأنداد والأوثان، فما آمن به إلّا القليل، ما كانوا يقدرون
1) الهداية الكبرى / الخصيبي: 408. شرح الأخبار: 1: 363 و: 2: 234 و 235. شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد: 2: 53. الطبقات الكبرى: 3: 182
على منعه، ولا على إعزاز دينه، ولا على دفع ضيم، حتّى إذا أراد الله بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة وخصّكم بالنعمة، ورزقكم الإيمان به وبرسوله، والمنع له ولأصحابه، والاعزاز له ولدينه، والجهاد لأعدائه، فكنتم أشدّ الناس على عدوّه، حتّى استقامت العرب لأمر الله طوعاً وكرها، وأعطى البعيد المقادة صاغراً فدانت العرب لرسوله بأسيافكم، وتوفّاه الله وهو راضٍ عنكم، وبكم قرير العين. استبدّوا بهذا الأمر دون الناس، فإنّه لكم دونهم» (1).
وأشاد هذا الخطاب بنضال الأنصار وجهادهم في نصرة الإسلام وحمايته من الأعداء، فهم العمود الفقري في الجيش الإسلامي الذي فتح الله على يده الفتح المبين، فهم أولى بمقام النبيّ صلّي الله عليه و آله من غيرهم.
كما حفل هذا الخطاب بالتنديد بالأُسر القرشيّة التي جهدت على محاربة الإسلام، وإطفاء شعلة التوحيد، حتّى اضطرّ النبيّ الله للهجرة إلى المدينة. إنّ الدولة الإسلاميّة التي أقامها النبيّ صلّي الله عليه و آله قد بنيت على سواعد الأنصار وعلى جهودهم وجهادهم، فإذن هم أوْلى بالنبيّ صلّي الله عليه و آله، وأحقّ بمقامه.
ويؤخذ على سعد في خطابه أنّه تجاهل بالمرّة حصول الكارثة المدمرة وهي فَقْد النبيّ صلّي الله عليه و آله وارتحاله إلى حظيرة القدس، فلم يعرض لذلك، وكان الأوْلى به أن يعزّي الأنصار وسائر المسلمين بهذا الرزء القاصم، وأن يرفع تعازيه إلى الأُسرة النبويّة الذي أثكلها الخطب الفادح.
كما يؤخذ على سعد أنّه تناسى العترة الطاهرة التي هي عديلة القرآن الكريم - على حدّ تعبير النبيّ صلّي الله عليه و آله -، ولم يعرض إلى وصيّ رسول الله وباب مدينة علمه
1) تاريخ الأُمم والملوك: 3: 307. الكامل في التاريخ: 2: 328
وأبي سبطيه الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، ومن مؤتمر السقيفة عانت العترة الطاهرة جميع صنوف البلاء والخطوب.
إنّ سعداً قد أخطأ إلى حدّ بعيد في تجاهله لحق الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، ولا نرى أي مبرّر له في ذلك، وقد لاقى جزاء عمله، فإنّه لم يكد يستقرّ الحكم لأبي بكر حتّى جهد في ملاحقته وفرض الرقابة عليه، حتّى اضطرّ إلى الهجرة من المدينة إلى أرض الشام، فتبعه خالد بن الوليد مع صاحب له فكمنا له ليلاً، وطعناه حتّى توفّي، وألقيا جسده في البئر، وتحدّثوا أنّ الجنّ هي التي قتلته، وأوردا على لسانها شعراً تفتخر فيه بقتله وهو:
نَحْنُ قَتَلْنا سَيِّدَ الخَزْرَجِ سَعدَ بنَ عُبَادَهُ *** وَرَمَيْناهُ بِسَهْمَيْنِ فَلَمْ نُخْطِئُ فُؤادَهُ
ومن الغريب أنّ السياسة في تلك العصور استخدمت الجنّ لأغراضها السياسية، وقد آمن السذّج والبسطاء بما رووه عن الجنّ. وهنا بحوث مهمّة عرضنا لها بصورة موضوعيّة وشاملة في الجزء الأوّل من كتابنا (حياة الإمام الحسين بن عليّ عليهماالسّلام).
وبينما كان الأنصار في سقيفتهم يتداولون الرأي في شؤون الخلافة وترشيح سعد لها خرج من مؤتمرهم وهم لا يشعرون عويم بن ساعدة الأوسي، ومعن بن عديّ حليف الأنصار، وكانا من أولياء أبي بكر ومن أعضاء حزبه، وكانا حاقدين على سعد، فبادرا مسرعين إلى أبي بكر وعمر فأخبراهما بالأمر، فخفّا إلى المؤتمر يصحبهما أبو عبيدة بن الجرّاح، وسالم مولى أبي حذيفة، وجماعة من المهاجرين، فكبسوا الأنصار في ندوتهم، فذهلوا، وغاض لون سعد، وخاف من خروج الأمر منهم وذلك لعلمه بضعف الأنصار، وتقلّل قواهم وعدم وحدة كلمتهم، وقد انهارت جميع مخطّطات سعد وتبدّدت آماله.
وبعد أن دهم المهاجرون مؤتمر الأنصار أراد عمر أن يفتح الحديث معهم فنهره أبو بكر، وذلك لعلمه بشدّته وهي لا تنجح في مثل الموقف الملبّد بالأهواء المتباينة، ويجب أن تستعمل فيه الكلمات اللّيّنة والأساليب الناعمة لكسب الموقف، فانبرى أبو بكر فخاطب الأنصار وقابلهم ببسمات فيّاضة بالبشر قائلاً:
«نحن المهاجرون أوّل الناس إسلاماً، وأكرمهم أحساباً، وأوسطهم داراً، وأحسنهم وجوهاً، وأمسّهم برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأنتم إخواننا في الإسلام، وشركاؤنا في الدين، نصرتم وواسيتم فجزاكم الله خيراً، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا تدين العرب إلّا لهذا الحيّ من قريش، فلا تنفسوا على اخوانكم المهاجرين ما فضّلهم الله به، فقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين - يعني عمر بن الخطّاب وأبا عبيدة بن الجرّاح-» (1).
ولم يعن هذا الخطاب بالرزء القاصم والفاجعة الكبرى التي تذوب من هولها القلوب، وهي وفاة المنقذ العظيم والمحرّر الأعظم للإنسانية، وكان الأُجدر والأُولى أن يعزّي المسلمين والأُسرة النبوية بهذا المصاب الفادح، فقد تجاهله تماماً، كما تجاهله خطاب سعد، كما أنّ المتعيّن أن يؤخّر انعقاد المؤتمر إلى بعد مواراة الجثمان العظيم في مقرّه الأخير وبعد ذلك ينعقد المؤتمر عامّاً، يضمّ جميع الطبقات الشعبيّة ليكون انتخاب الرئيس عن إرادة الجميع واختيارهم، وحفل منطق هذا الخطاب بطلب الإمرة والسلطان، فقد طلب من الأنصار أن يتنازلوا عن الخلافة، ويسلّموها للمهاجرين؛ لأنّهم ألصق بالنبيّ صلّى الله عليه وآله.
ومن المؤسف أنّه لمّا تمّ الأمر إلى أبي بكر لم يف بوعده للأنصار بأن يجعلهم
1) تاريخ الأُمم والملوك: 3: 62
الوزراء في ظِلال حكومته، فقد حرموا من جميع مناصب الدولة، وأقصوا عن جميع مراتب الحكم.
وقد تجاهل هذا الخطاب بالمرّة حقّ العترة الطاهرة التي هي عديلة القرآن الكريم أو كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غَرِق وهوى على حدّ تعبير النبيّ صلّى الله عليه وآله، وكان الأولى بالمهاجرين والأنصار التريّث بالأمر ليؤخذ رأي أهل البيت عليهم السّلام حتّى تحمل الخلافة طابعاً شرعياً، ولا توصم بالفلتة كما وصمها عمر، فقد قال: «إنّ بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرّها».
يقول الإمام شرف الدين نضّر الله مثواه: «فلو فرض أنّ لا نصّ بالخلافة على أحد من آل محمّد صلّى الله عليه وآله، وفرض كونهم غير مبرزين في حسب ولا نسب، أو أخلاق، أو جهاد، أو علم، أو عمل، أو إيمان، أو إخلاص، ولم يكن لهم السبق في مضامير كلّ فضل، بل كانوا كسائر الصحابة، فهل كان مانع شرعي أو عقلي أو عرفي يمنع من تأجيل عقد البيعة إلى فراغهم من تجهيز رسول الله صلّى الله عليه وآله، ولو بأن يوكل حفظ الأمن إلى القيادة العسكرية موقّتاً حتى يستتبّ أمر الخلافة.
6
أليس هذا المقدار من التريث كان أرفق بأولئك المفجوعين؟ وهم وديعة النبيّ صلّى الله عليه وآله لديهم، وبقيّته فيهم، وقد قال الله تعالى: «لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِن أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَتِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ» (1).
أليس من حقّ هذا الرسول الذي يعزّ عليه عنت الأُمّة، ويحرص على سعادتها، وهو الرؤوف بها الرحيم لها أن لا تُعَنَّتْ عترته فلا تفاجأ بمثل ما فوجئت به، والجرح لمّا يندمل، والرسول لمّا يقبر» (2).
وشيء بالغ الأهمّية في خطاب أبى بكر أنّه استند إلى أحقّية المهاجرين بالخلافة
هو أنّهم أمسّ الناس رحماً بالرسول صلّى الله عليه وآله، وأعرض عن أهل بيت النبوّة ومعدن الرحمة وسفن النجاة، الذين هم ألصق الناس برسول الله صلّى الله عليه وآله، وما أروع قول الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام: «احْتَجُوا بِالشَّجَرَةِ، وَأَضَاعُوا الثَّمَرَةَ».
وخاطب أبا بكر بقوله:
فَإِن كُنتَ بِالسُّورَى مَلَكتَ أُمُورَهُمْ *** فَكَيْفَ بِهَذَا وَالْمُشِيرُونَ غُيَّبُ
وَإِنْ كنْتَ بِالْقُرْبَى حَجَجْتَ خَصِيمَهُمْ *** فَغَيْرُكَ أَوْلَى بِالنَّبِيِّ وَأَقْرَبُ
ويقول الكميت شاعر العقيدة:
بِحَقِّكُمْ أَمَسَتْ قُرَيشُ تَقودُنا *** وَبِالقَدْ مِنْها وَالرَّديفَيْنِ نَرَكَبُ
وَقالوا وَرِثْناها أَبانا وَأُمِّنا *** وَما وَرُنَتهُمْ ذاكَ أُمٌّ وَلا أَبُ
يَرُونَ لَهُمْ فَضلاً عَلى النَّاسِ واجِباً *** سَفاهاً وَحَقٌّ الهاشميّينَ أَوْجَبُ (1)
وقد عرض الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام في حديث له عن شدّة قربه واتّصاله بالنبيّ صلّى الله عليه وآله بقوله: وَاللهِ! إِنِّي لَأَخُوهُ - أي أخو النبيِّ، وَوَلِيُّهُ، وَابْن عَمِّهِ، وَوارِثُ عِلْمِهِ، فَمَنْ هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنِّي؟
إنّ من أوضح الأُمور أنّ القوم يعرفون الإمام عليه السّلام ويؤمنون بأحقّيته للخلافة، ولكنّ الأطماع السياسية، والتهالك على السلطة قد أنساهم ذلك، وأقبلوا بلهفة على الاستيلاء على الحكم.
وريح أبو بكر الموقف، وذلك بثنائه على الأنصار، واستعمال الكلمات الناعمة معهم، كما منّاهم بالمشاركة في الحكم، فقد منحهم الوزارة، ومحا ما يختلج في
1) الهاشميات: 31
نفوسهم من استبداد المهاجرين بالأمر، وأفهمهم أنّه إنّما قدّم المهاجرين عليهم لأنّ العرب لا تدين إلّا لهم، وبذلك فقد ملك قلوبهم وعواطفهم، وسحب بعضهم إليه.
ولمّا أنهى أبو بكر خطابه انبرى صاحبه وباني دولته عمر فأيّد مقالته قائلاً: «هيهات لا يجتمع اثنان في قرن، واللهِ! لا ترضى العرب أن يؤمّروكم ونبيّها من غيركم، ولكن العرب لا تمتنع أن تولّي أمرها من كانت النبوّة فيهم، وولي أُمورهم منهم، ولنا بذلك على من أبى الحجّة الظاهرة، والسلطان المبين.
من ذا ينازعنا سلطان محمّد وامارته ونحن أولياؤه وعشيرته؟ إلّا مدل بباطل، أو متجانف لأثم، أو متورّط في هلكة...».
وليس في هذا الخطاب شيء جديد سوى التأكيد لمقالة أبي بكر من أنّ المهاجرين أولى بالنبيّ؛ لأنّهم من أُسرته، وإذا كان هذا هو الدليل الحاسم الذي استند إليه المهاجرون في أحقيّتهم للخلافة؛ فإنّ الإمام هو المتعيّن لها؛ لأنّه ألصق الناس برسول الله صلّي الله عليه و آله.
على أنّ منطق الشيخين في خطابهما هو النظر إلى الخلافة لا غير، أمّا ما ينشده الإسلام من الأنظمة الخلّاقة، وتطبيقها على مسرح الحياة وضرورتها وأهمّيتها عند الرسول صلّي الله عليه و آله فلم يعرضا لها بقليل ولا بكثير، وإنّما نظرا إلى السلطة لا غير.
وعلى أي حال، فإنّ منطق القرابة الذي استند إليه الشيخان قد توفّرت على النحو الأكمل في الإمام عليّ عليه السّلام.
يقول الأُستاذ محمّد الكيلاني: «إنّه - أي عمر - احتجّ عليهم بقرابة المهاجرين للرسول صلّي الله عليه و آله، ومع ذلك فقد كان واجب العدل يقضي بأن تكون الخلافة لعليّ بن أبي طالب ما دامت القرابة اتّخذت سنداً بحيازة ميراث الرسول، لقد كان العبّاس أقرب الناس إلى النبيّ صلّي الله عليه و آله، وكان أحقّ الناس بالخلافة، ولكنّه تنازل بحقّه هذا لعليّ صلّي الله عليه و آله،
فمن هنا صار لعليّ الحقّ وحده في هذا المنصب» (1).
وانبرى الحباب بن المنذر، وهو من زعماء الأنصار وأعمدتها، فردّ على عمر قائلاً للأنصار: «يا معشر الأنصار، املكوا عليكم أمركم، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبؤا عليكم ما سألتموهم فاجلُوهم عن هذه البلاد، وتولّوا عليهم هذه الأُمور، فأنتم - واللهِ! - أحقّ بهذا الأمر منهم؛ فإنّه بأسيافكم، دان الناس لهذا الدين من دان ممّن لم يكن يدين.
أنا جُذَيْلُها المحكِّك، وعُذَيْقُها المرجَّب، أنا شبل في عرينة الأسد واللهِ! لو شئتم لنعيدنَّها جَذعة، والله! لا يرد أحد عليّ ما أقول إلّا حطّمتُ أنفه بالسّيْف..».
وحفل هذا الخطاب الثوري بالعنف والتهديد، ولو أنّ الأنصار استجابوا له لما عانوا الأزمات والكوارث التي منيت بها مدينتهم في واقعة الحرّة وغيرها، طيلة الحكم الأُموي والعبّاسى، فقد سمّى الأمويون المدينة بالخبيثة بعد أن سمّاها رسول الله صلّي الله عليه و آله بالطيبة.
وعلى أي حال، فقد انبرى عمر، وهو بطل الموقف، إلى الحباب فصاح به: إذاً يقتلك الله.
فردّ عليه الحباب: بل إيّاك يقتل.
وخاف أبو بكر من تطوّر الأحداث فبادر بدبلوماسيّته قائلاً للأنصار: انتخبوا عمر أو أبا عبيدة.
فأجابه عمر بلباقة وتواطؤ: يكون هذا وأنت حي؟ ما كان أحد ليؤخّرك عن مقامك الذي أقامك فيه رسول الله صلّي الله عليه و آله.
1) أثر التشيّع في الأدب العربي: 5
وعلّق بعض المحقّقين على كلام عمر بقوله: « لا نعلم متى أقام رسول الله صلّي الله عليه و آله أبا بكر في مركز الخلافة، أبعد ما عزله عن تلاوة سورة البراءة في مكّة في أثناء الطريق وأمر عليّاً بتلاوتها، فلم ترشّحه السماء لتلاوة هذه السورة حسبما تواترت النصوص بذلك. أمّا بعد ما جعله صلّي الله عليه و آله ضمن سرية أُسامة مع بقيّة شرطته وجنوده وأمّر عليهم أُسامة، وهو في شرخ الشباب وعنفوانه؛ فمتى أقامه النبيّ صلّي الله عليه و آله عَلماً ومرجعاً للأُمّة».
وعلى أي حال، فقد بادر الحزب القرشي بسرعة خاطفة إلى بيعة أبي بكر خوفاً من تطوّر الأحداث، فبايعه عمر، وبشير، وأُسيد بن حضير، وعُوَيم بن ساعدة، ومعن بن عدي، وأبو عبيدة بن الجرّاح، وسالم مولى أبي حذيفة، وخالد بن الوليد، وغيرهم. واشتدّ هؤلاء في حمل الناس وإرغامهم على مبايعته، وقد لعبت درّة عمر شوطاً في الميدان، وسمع الأنصار يقولون: قتلتم سعداً.
فاندفع يقول بثورة وعنف: اقتلوه قتله الله، فإنّه صاحب فتنة (1).
وكاد أصحابه يقتلون سعداً، وكان مُزْمِناً وجعاً، فحمل إلى داره، ونفسه مترعة بالآلام، فقد انهارت آماله، وتبدّدت أحلامه، ولمّا تمّت البيعة بهذه السرعة الخاطفة إلى أبي بكر أقبل به حزبه يزفّونه إلى مسجد رسول الله صلّي الله عليه و آله زفاف العروس(2).
وكان النبيّ صلّي الله عليه و آله مسجّى في فراش الموت، لم يغيّبه عن عيون القوم مثواه، قد انشغل الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام بتجهيزه، ولما علم ببيعة أبي بكر تمثّل بقول الشاعر:
وَأَصْبَحَ أَقوامٌ يَقولون ما اشْتَهَوْا *** وَيَطغُون لما غالَ زَيداً غَوائِلُهُ (3).
لقد أُهمل إهمالاً تامّاً رأي العترة الطاهرة في بيعة أبي بكر، ومنذ ذلك اليوم دهمتهم الكوارث التي تذوب من هولها الجبال، فكلّ ما حلّ بهم من المآسي متفرّعة من يوم السقيفة.
يقول الإمام كاشف الغطاء:
تَاللهِ ما كَربَلا لَوْلا سَقِيفَتُهُمْ *** وَمِثلُ هذا الفَرعِ ذاكَ الأَصْلُ أَنْتَجَهُ
وابتهجت القبائل القرشيّة بخلافة أبي بكر، واعتبرته فوزاً ساحقاً لها، فقد تحقّقت آمالها وأحلامها، وقد عبّر عن سرورها البالغ ابن أبي عبرة القرشي بقوله:
شُكراً لِمَنْ هُوَ لِلثَّنَاءِ حَقِيقُ *** ذَهَبَ الرّجاجُ وَيُويعَ الصِّدِّيقُ
مِنْ بَعدِ ما زَلَّتْ بِسَعدٍ نَعلُهُ *** وَرَجا رَجاءً دونَهُ العَيُّوقُ
إِنَّ الخلافة في قُرَيش ما لَكُمْ *** فيها وَرَبُ مُحَمَّدٍ مَعْرُوقُ (1)
إنّ قريش لا تستحقّ أن يكون لها أي منصب في الدولة لأنّها التي حاربت النبيّ صلّي الله عليه و آله، وأخرجته من مكّة من بعدما عزمت وصمّمت على قتله، فأيّ حقّ لقريش بمركز النبيّ صلّي الله عليه و آله ومقامه، ولو لم يكن هناك نصّ من النبّي صلّي الله عليه و آله على خلافة الإمام عليّ عليه السّلام لكان الأنصار هم الأولى بالنبيّ صلّي الله عليه و آله.
وأبدى عمرو بن العاص سروره البالغ ببيعة أبي بكر، قال:
أَلا قُلْ لأَوْسِ إِذا جِئْتَها *** وَقُلْ ما إِذا جِئْتَ لِلخَزْرَج
تَمَنْيْتُمُ المُلكَ في يَثْرِبٍ *** فَأُنزِلَتِ القِدرُ لَمْ تَنْضَجِ (2)
لقد سادت الأفراح والمسرات القبائل القرشيّة ببيعة أبي بكر.
يقول المؤرّخون: إنّ أهل مكّة لمّا بلغهم موت النبيّ صلّي الله عليه و آله أرادوا إعلان الردّة والخروج عن الإسلام، إلّا أنّهم لمّا علموا بخلافة أبي بكر أذعنوا وأعلنوا الرضا والمسرّات.
وعمد أبو سفيان - فيما يقول المؤرّخون - إلى معارضة حكومة أبي بكر، فقد سارع إلى الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام يحفّزه إلى إعلان الثورة على أبي بكر، ويعده بالدعم قائلاً له: إنّي لأرى عجاجة لا يطفئها إلّا دم يا آل عبد مناف، فيم أبو بكر من أُموركم.
أين المستضعفان؟ أين الأذلان؟
أين علىّ والعبّاس؟
ما بال هذا الأمر في أقلّ حيّ من قريش؟
ثمّ قال للإمام عليّ عليه السّلام: ابسط يديك أُبايعك، فوالله، لو شئت لأملأنّها عليه خيلاً ورجالاً.
ثمّ تمثّل بشعر المتلمّس:
وَلَنْ يُقِيمَ عَلى خَسْفٍ يُرادُ بِهِ *** إِلَّا الأَذَلَانِ عَيْرُ الحَيِّ وَالوَتَدُ
هذا عَلى الخَسْفِ (1)مربوطٌ بِرُمِّتِهِ *** وَذا يُشَعُ فَلا يَبْكي لَهُ أَحَدُ
لقد استغلّ أبو سفيان الموقف، فأراد أن يُحدث انقلاباً وتدميراً على الحكم القائم لينفذ بعد ذلك إلى تحقيق مآربه، ولم تخف على الإمام عليه السّلام دوافعه،
1) الخَسْف: الذلّ والمهانة
فلم يستجب له ونهره قائلاً: «وَاللهِ ما أَرَدْتَ بِهذا إِلَّا الْفِتْنَةَ، وَإِنَّكَ وَاللَّهِ! طالَما بَغَيْتَ لِلْإِسْلَامِ شَرّاً، لَا حَاجَةَ لَنَا فِي نَصِيحَتِكَ» (1).
وراح أبو سفيان يشتد في إثارة الفتنة، ويدعو الإمام عليه السّلام إلى مناجزة أبي بكر، وكان ينشد هذه الأبيات:
بَني هاشم لا تُطمِعُوا النَّاسَ فيكُمُ *** وَلا سِيَّما تَيمَ بْنَ مُرَّةَ أَوْ عَدِيّ
فَما الأمرُ إِلَّا فيكُمْ وَإِلَيكُمُ *** وَلَيسَ لَها إِلَّا أَبو حَسَنٍ عَلِيّ
أبا حَسَنٍ فَاشْدُدْ بِها كَفَّ حَازِمٍ *** فَإِنَّكَ بِالأَمرِ الذي يُرْتَجِي مَلِيّ (2)
ومن المؤكّد أنّه لم تكن معارضة أبي سفيان لأبي بكر معارضة واقعيّة، وإنّما كانت ظاهرية، أراد بها الكيد للإسلام، والبغي على الإمام، وقد أعرض الإمام عليه السّلام عنه، ولم يحفل بنصرته الكاذبة.
إنّ علاقة أبي بكر بأبي سفيان كانت وثيقة للغاية، فقد روى البخاري أنّ أبا سفيان اجتاز على جماعة من المسلمين، كان منهم أبو بكر وسلمان وصهيب وبلال، فقال بعضهم: أما أخذت سيوف الله من عنق عدوّ الله مأخذها؟
فزجرهم أبو بكر، وقال لهم: أتقولون هذا الشيخ قريش وسيّدهم؟
ومضى أبو بكر مسرعاً إلى النبيّ صلّي الله عليه و آله فأخبره بمقالة القوم، فنهره الرسول صلّي الله عليه و آله وقال له: يا أبا بَكْرٍ، لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ، لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ... (3).
ودلّت هذه البادرة على مدى الصلة الوثيقة بين أبي سفيان وأبي بكر، وقد جهد
أبو بكر في خلافته على استمالة أبي سفيان وكسب عواطفه، فقد استعمله عاملاً على ما بين آخر حدّ للحجاز، وآخر حدّ من نجران (1)، كما عيّن ولده يزيد على بعض الكتائب العسكرية، وشيّعه وكان أبو بكر ماشياً ويزيد راكباً، كلّ ذلك لنزع رداء الذلّ الذيّ ألبسه الرسول صلّي الله عليه و آله له، ومنذ ذلك اليوم علا نجم الأمويّين وقويت شوكتهم.
وأفل نجم الأنصار وضاعت أمانيهم بحكومة أبي بكر، وقد عبّر عن خيبة آمالهم حسّان بن ثابت بقوله:
نَصَرنا وآوَيْنَا النَّبِيِّ وَلَمْ نَخَفْ *** صُروفَ اللَّيالي وَالبَلاءِ عَلى رَجُلٍ (2)
بَذَلْنا لَهُمْ أَنصافَ مالٍ أكُفّنا *** كَقِسْمَةِ أَيسارِ الجُزُورِ مِنَ الفَضْلِ
فَكانَ جَزاءُ الفَضلِ مِنَّا عَلَيهِم *** جَهالَتَهُمْ حُمْقاً وَما ذاكَ بِالعَدْلِ (3)
لقد قوبلت الأنصار بمزيد من الهوان في كثير من عهود الخلفاء، وقد استبان لهم الخطأ الفظيع في تقصيرهم بحقّ الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، وأنّهم قذفوا نفوسهم في متاهات سحيقة من مجاهل الحياة.
وأعلن الإمام عليه السّلام رفضه الكامل لبيعة أبي بكر، واعتبرها اعتداءً صارخاً عليه، فهو المجاهد الأول في دنيا الإسلام، وأخو النبيّ صلّي الله عليه و آله، وباب مدينة علمه، ومن كان
منه بمنزلة هارون من موسى، وإنّ أبا بكر يعلم أنّ محلّه من الخلافة محلّ القطب من الرحى، ينحدر إليه السيل، ولا يرقى إليه الطير - على حدّ تعبير الإمام-، وما كان يظنّ أنّ القوم يزعجون هذا الأمر ويخرجونه عنه، وقد بادر العبّاس عمّ النبيّ صلّي الله عليه و آله إليه يحثّه على مبايعته قائلاً: يابن أخي، امدد يدك أُبايعك، فيقول الناس: عمّ رسول الله صلّي الله عليه و آله بايع ابن عمّ رسول الله فلا يختلف عليك اثنان.
فقال له الإمام عليه السّلام: مَنْ يَطْلُبُ هذَا الأَمْرَ غَيْرُنا؟ (1).
علّق الدكتور طه حسين على هذه البادرة بقوله: «نظر العبّاس في الأمر فرأى ابن أخيه أحقّ منه بوراثة السلطان؛ لأنه ربيب النبيّ صلّي الله عليه و آله، وصاحب السابقة في الإسلام، وصاحب البلاء الحسن، الممتاز في المشاهد كلّها، ولأنّ النبيّ صلّي الله عليه و آله كان يدعوه أخاه، حتّى قالت له أُمّ أيمن ذات يوم مداعبة: تدعوه أخاك، وتزوجه ابنتك؟ ولأنّ النبيّ صلّي الله عليه و آله قال له: «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي»، وقال للمسلمين يوماً آخر: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ»، من أجل ذلك أقبل العبّاس بعد وفاة النبيّ صلّي الله عليه و آله على ابن أخيه، وقال له: ابسط يدك أُبايعْك» (2).
لقد نقم الإمام عليه السّلام أشدّ ما تكون النقمة على القوم لسلبهم تراثه، ويجد المتتبّع في نهج البلاغة شذرات من كلامه مشفوعة بالأسى على استبداد القوم بالخلافة من دون أن يعنوا به.
وأجمع رأي الحزب القرشي على إرغام الإمام عليه السّلام على البيعة لأبي بكر، فأرسلوا خلفه حفنة من الشرطة أحاطت به، وأخرجوه مهان الجانب وجيء به إلى أبي بكر
فصاحوا به: بايع أبا بكر.
فأجابهم الإمام عليه السّلام بمنطقه الفيّاض، غير حافل ولا وجل من جبروتهم قائلاً: أَنا أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكُمْ، لَا أبايِعُكُمْ وَأَنْتُمْ أَوْلَى بِالْبَيْعَةِ لِي، أَخَذْتُمْ هَذَا الْأَمْرَ مِنَ الْأَنْصارِ، وَاحْتَجَجْتُمْ عَلَيْهِمْ بِالْقَرَابَةِ مِنَ النَّبِيِّ صلّي الله عليه و آله، وَتَأْخُذُونَهُ مِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ غَصْباً، أَلَسْتُم زَعَمْتُمْ لِلأَنصارِ أَنَّكُمْ أَوْلى بهذا الأمْرِ مِنْهُم لِما كانَ مُحَمَّدٌ صلّي الله عليه و آله مِنْكُمْ فَأَعْطَوْكُمُ الْمَقَادَةَ وَسَلَّمُوْا إِلَيْكُمُ الْإِمَارَةَ ؟ وأَنا أَحْتَجُ عَلَيْكُم بِمِثْلِ ما احْتَجَجْتُمْ بِهِ عَلَى الْأَنْصارِ، نَحْنُ أَوْلى بِرَسُولِ اللَّهِ حَيّاً وَمَيْتاً فَأَنْصِفُونَا إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ وَإِلَّا فَبُوءُوا بِالظُّلْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (1).
أقام الإمام عليه السّلام الحجّة الدامغة والدليل الحاسم على أحقّيته للخلافة، وأنّه أوْلى بهذا الأمر من غيره ؛ لأنّه ألصق بالنبيّ صلّي الله عليه و آله، وأقرب إليه منهم، فإنّهم قد تغلّبوا على الأنصار بهذه الحجّة التي لم تتوفّر فيهم.
وثار ابن الخطّاب في الردّ على الإمام عليه السّلام فسلك طريق العنف لأنّه لا يملك حجّة سواه قائلا له: إنّك لست متروكاً حتّى تبايع.
فزجره الإمام عليه السّلام وصاح به: اِحْلِبْ حَلْباً لَكَ شَطْرُهُ، وَاشْدُدْ لَهُ الْيَوْمَ أَمْرَهُ لِيُرَدُّ عَلَيْكَ غَداً.
وبيّن الإمام السرّ في اندفاع ابن الخطّاب وحماسه في بيعة أبي بكر، فإنّه إنّما وقف هذا الموقف الصارم تجاه الإمام عليه السّلام لترجع إليه الخلافة بعد وفاة صاحبه، وثار الإمام عليه السّلام واندفع بعنف قائلاً لعمر: لا أَقْبَلُ قَوْلَكَ، وَلَا أبايعه.
وخاف أبو بكر من تطوّر الأحداث فخاطب الإمام عليه السّلام قائلاً: إن لم تبايع فلا أُكرهك.
1) الإمامة والسياسة: 1: 11
وانبرى أبو عبيدة بن الجرّاح فقال مخادعاً للإمام عليه السّلام: يابن عمّ، إنّك حدث السنّ، وهؤلاء مَشْيَخة قومك ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأُمور، ولا أرى أبا بكر إلّا أقوى على هذا الأمر منك، وأشدّ احتمالاً له واضطلاعاً به، فسلّم هذا الأمر لأبي بكر، فإنّك إن تعش ويَطُلْ بك بقاء، فأنت لهذا الأمر خليق وبه حقيق، في فضلِك ودينِك وعلمِك وفهمِك وسابقتِك ونسبِك وصهرِك.
وأثارت هذه المخادعة كوامن الألم في نفس الإمام عليه السّلام فاندفع يخاطب المهاجرين قائلاً: اللهَ اللهَ يا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، لَا تُخْرِجُوا سُلْطَانَ مُحَمَّدٍ صلّي الله عليه و آله في العَرَبِ عَنْ دَارِهِ وَقَعْرِ بَيْتِهِ إِلَى دُورِكُمْ، وَقُعُورِ بُيُوتِكُمْ، وَلَا تَدْفَعُوا أَهْلَهُ عَنْ مَقَامِهِ فِي النَّاسِ وَحَقِّهِ.
فَوَاللَّهِ يا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ لَنَحْنُ أَحَقُّ النّاسِ بِهِ ؛ لأَنا أَهْلُ الْبَيْتِ، وَنَحْنُ أَحَقُّ بِهَذَا الأمر مِنْكُمْ، ما كانَ فِينَا الْقارِئُ لِكِتابِ اللهِ، الْفَقِيهُ فِي دِينِ اللَّهِ، الْعَالِمُ بِسُنَنِ رَسولِ اللَّهِ، الْأَمْرِ الْمُضْطَلِعُ بِأَمْرِ الرَّعِيَّةِ، الدَّافِعُ عَنْهُمُ الْأُمُورَ السَّيِّئَةَ، الْقاسِمُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَفِينا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوى فَتَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَتَزْدادُوا عَن الْحَقِّ بُعْداً...» (1).
وحفل هذا الخطاب بالدعوة إلى جمع الكلمة، ووحدة المسلمين، وجمعهم على صعيد المحبّة والأُلفة، فقد أهاب بالمهاجرين أن لا يخرجوا هذا الأمر من أهل بيت النبوّة ومركز الحكمة، فهم أوْلى وأحقّ به، وذلك لما يتمتّعون به من معرفة كتاب الله والفقه في دين الله، والاحاطة بسنّة رسول الله صلّي الله عليه و آله، والدراية التامّة بمصلحة الرعية، وتطبيق سياسة الإسلام عليها في حين أنّ غيرهم ليست له هذه الدراية.
وعلى أي حال، فإنّ القوم قد جعلوا خطاب الإمام دبر آذانهم، وانسابوا وراء شهوة الحكم والسلطان.
1) الإمامة والسياسة: 1: 11 و 12
وتساءل السائلون عن الإجراءات الصارمة التي اتّخذتها حكومة أبي بكر ضدّ العترة الطاهرة التي هي عديلة القرآن الكريم، فقد وقع الكلام في بعضها فأنكرها قوم وآمن بها آخرون.
ونحن نؤمن إيماناً لا يخامره شكّ أنّ ما جرى على زهراء الرسول سيّدة نساء العالمين صحيح وواقع، فإنّ القوم قد هاموا وراء الملك، وعلى حدّ تعبير الأُستاذ عبد الفتاح مقصود أنّ القوم قد رجعت لهم جاهليّتهم الأولى، فاقترفوا ضدّهم كلّ ما حرّم الله من انتهاك حرمتهم، والتي منها:
وأجمع المؤرّخون والرواة على هجوم القوم على دار الإمام عليه السّلام التي هي موضع تقديس النبيّ صلّي الله عليه و آله، وأنّه كان يقف ستّة أشهر على بابها ويتلو الآية المباركة: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (1).
وكان الهجوم مصحوباً بما يلي:
أمّا التهديد بإحراق دار الإمام عليه السّلام فقد تسالم عليه الرواة والمؤرّخون، وهذه بعض رواياتهم:
ذكر البلاذري أنّ أبا بكر أرسل إلى عليّ عليه السّلام يريد بيعته، فلم يبايع، فجاء عمر ومعه فتيلة فتلقته فاطمة عليهاالسّلام على الباب، فقالت له: أَتَراكَ مُحْرِقاً عَلَيَّ بابِي؟
1) الأحزاب 33: 33. مجمع الزوائد: 9: 169. أنساب الأشراف: 1: 157
قال: نعم، وذلك أقوى ممّا جاء به أبوك (1).
ذكر الطبري بسنده قال: أتى عمر بن الخطّاب منزل علىّ عليه السّلام، وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين فقال: «والله لأحرقنّ عليكم أو لتخرجنّ إلى البيعة»، فخرج عليه الزبير مصلتاً بالسيف، فعثر فسقط السيف من يده، فوثبوا عليه فأخذوه (2).
قال ابن عبدربّه: الذين تخلّفوا عن بيعة أبي بكر عليّ والعبّاس والزبير وسعد بن عبادة، فأمّا عليّ والعبّاس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة عليهاالسّلام حتّى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطّاب ليخرجوا من بيت فاطمة عليهاالسّلام وقال له: إن أبوا فقاتلهم.
فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة فقالت: يابْنَ الْخَطَّابِ، أَجِنْتَ لِتُحْرِقَ دارَنا؟
قال: نعم، أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأُمّة (3).
ذكر المسعودي أنّ العبّاس صار إلى أمير المؤمنين عليه السّلام، وقد قبض رسول الله صلّي الله عليه و آله، فأقام أمير المؤمنين ومن معه من شيعته في منزله بما عهد إليه رسول الله صلّي الله عليه و آله، فتوجّهوا إلى منزله فهجموا عليه، وأحرقوا بابه، واستخرجوه منه كُرهاً، وضغطوا سيّدة النساء بالباب (4).
إنّ إقدام القوم على حرق بيت الزهراء عليهاالسّلام مجال للشكّ فيه.
نقل الشهرستاني عن النظام أنّ عمر كان يصيح: احرقوا دارها - أي الزهراء عليهاالسّلام - بمن فيها، وما كان في الدار غير عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السّلام (1).
قال ابن أبي الحديد: جاء عمر إلى بيت فاطمة عليهاالسّلام في رجال من الأنصار ونفر قليل من المهاجرين فقال: «والذي نفس عمر بيده لتخرجنّ إلى البيعة أو لأحرقنّ الدار عليكم» (2).
قال عمر رضا كحّالة: تفقد أبو بكر قوماً تخلّفوا عن بيعته عند عليّ بن أبي طالب، كالعباس والزبير وسعد بن عبادة، فقعدوا في بيت فاطمة عليهاالسّلام، فبعث أبو بكر عمر بن الخطّاب، فجاءهم عمر فناداهم وهم في دار فاطمة عليهاالسّلام، فأبوا أن يخرجوا، فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجنَّ أو لأحرقنّها على من فيها.
فقيل له: يا أبا حفص، إنّ فيها فاطمة.
قال: وإنْ (3).
يقول شاعر النيل حافظ إبراهيم:
وَقَوْلَةٍ لِعَليَّ قالَها عُمَرُ *** أَكْرِمْ بسامِعِها أَعْظِمْ بِمُلْقِيها
حَرَّقْتُ دَارَكَ لا أُبْقِي عَلَيْكَ بِها *** إِنْ لَمْ تُبايِعُ وَبِنْتُ الْمُصْطَفَى فِيها
ما كانَ غَيْرُ أَبِي حَفْصٍ بِقائِلِها *** أَمامَ فارِسِ عَدْنَانٍ وَحاِميها (1)
لقد ثار القوم بعنف وقسوة لا حدود لها في سبيل توطيد الملك لهم، وقد تناسوا عظم هذا البيت الذي اقتحموه، وأنّه بيت الوحي والنبوّة، والبيت الذي ارتفعت منه كلمة التوحيد، كلّ ذلك لم يحفلوا به، وقد انطلقت شعاراتهم ضدّ الأُسرة النبوية بعد وفاة المحرّر الأعظم الرسول صلّى الله عليه و آله، فقد رفع عمر عقيرته قائلاً: لا تجتمع النبوّة والخلافة في بيت واحد.
فقد أقدم القوم على حرق دار وديعة رسول الله صلّى الله عليه و آله من أجل المُلك والسلطان، وهذا أمر غير مستبعد يلمس له المؤيدات والشواهد من عشّاق المُلك الذين يسحقون كلّ شيء في سبيله، ويدلّ على ذلك بوضوح ما يلي:
وندم أبو بكر أشدّ ما يكون الندم على ما اقترفه من الهجوم على دار سيّدة نساء العالمين، فقد قال في مرضه الذي توفّي فيه: «إنّي لا أسى على شيء من الدنيا إلّا على ثلاث فعلتهنّ، وددت أنّي تركتهنّ»، وكان من هذه الثلاثة قوله:
«فوددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة عن شيء» (2).
وقال مرّة أُخرى: «إنّى لا أسى على شيء إلّا على ثلاث: وددت أنّى لم أفعلهنّ: وددت أنّى لم أكشف بيت فاطمة وتركته، وإن أُغلق على الحرب» (3).
لقد كانت نفسه غير آمنة ولا مطمئنّة بما أقدم عليه من الهجوم على دار بضعة
الرسول صلّى الله عليه و آله، فقد ظلّ ذلك يراوده بأسى وحزن في اللحظات الأخيرة من حياته.
والشيء المحقّق أنّ القوم قد اعتدوا على الزهراء سلام الله عليها لأنّها وقفت موقفاً حاسماً ضدّهم، فقد جهدت على إفساد مخطّطاتهم، وإرجاع الحقّ إلى معدنه؛ لأنّها كانت تتمتّع بحصانة ذاتيّة، فهي بقيّة النبوّة، وسيّدة نساء العالمين، إلّا أنّ القوم لم يحفلوا بذلك، وأصرّوا على تنفيذ سياستهم مهما كلّفهم الأمر، وابتعدوا عن الحقّ.
وعلى أيّ حال فهذه صور مؤلمة تحزّ في نفس كلّ مسلم قد جرت على سيّدة نساء العالمين عليهاالسّلام وهي:
ومن جرّاء الاعتداء الصارخ على بضعة الرسول عليهاالسّلام أنّها أسقطت جنينها الذي سمّاه رسول الله صلّي الله عليه و آله بالمحسن، ونحن نذكر عرضاً موجزاً لبعض النصوص التاريخية من دون أن نعلّق عليها:
قال ابن قتيبة: إنّ محسناً فسد من زخم - أي دفع - قنفذ العدوي (1).
قال الطبري: وكان سبب وفاتها - أي سيّدة النساء - أنّ قنفذ مولى الرجل لكزها بنعل السيف بأمره فأسقطت محسناً، ومرضت من ذلك مرضاً شديداً (2).
قال المسعودي: وضغطوا سيّدة النساء بالباب حتّى أسقطت محسناً (1).
روى الشهرستاني عن إبراهيم بن سيّار، أنّ عمر ضرب فاطمة حتّى ألقت الجنين من بطنها، وكان يصيح: «احرقوا دارها بمن فيها» (2).
روى الطبرسي احتجاج الإمام الحسن عليه السّلام على عصابة من أعداء آل البيت عليهم السّلام كان من بينهم المغيرة بن شعبة، فخاطبه الإمام قائلاً: «وَأَمَا أَنْتَ يا مُغِيرَةً، فَإِنَّكَ اللَّهِ عَدُوٌّ، وَلِكِتابِهِ نابذ، وَلِنَبِيِّهِ مُكَذِّبٌ، وَأَنْتَ الزَّانِي، وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْكَ الرَّجْمُ، وَأَنْتَ الَّذِي ضَرَبْتَ فاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ الله حَتَّى أَدْمَيْتَهَا، وَأَلْقَتْ مَا فِي بَطْنِها، اسْتِذْلالاً مِنْكَ لِرَسُولِ اللهِ، وَ مُخالَفَةٌ مِنْكَ لِأَمْرِهِ، وَانْتِهَاكاً لِحُرْمَتِهِ، وَقَدْ قَالَ لَها رَسُولُ الله صلّى الله عليه و آله: يا فاطِمَةُ، أَنْتِ سَيِّدَةُ نِساءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
واللهُ مُصَيَّرُكَ إِلَى النّارِ، وَجاعِلُ وَبالَ ما نَطَقتَ بِهِ عَلَيْكَ (3).
روى الذهبي بسنده عن محمّد بن أحمد بن حمّاد الكوفي... قال: حضرته ورجل يقرأ عليه إنّ عمر رفس فاطمة حتّى أسقطت بمحسن(4).
ذكر الصفدي ما نصّه: إنّ عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتّى ألقت المحسن (1).
قال ابن حجر العسقلاني في ترجمة أحمد بن محمّد بن السري بن يحيى بن دارم المحدّث أبو بكر الكوفي، قال محمّد أحمد الكوفي الحافظ بعد أن أرّخ موته: كان مستقيم الأمر عامّة دهره، ثمّ في آخر أيّامه كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب، حضرته ورجل يقرأ عليه: إنّ عمر رفس فاطمة حتّى أسقطت بمحسن (2).
روى الشيخ المجلسي عن إرشاد القلوب عن سيّدة النساء سلام الله عليها أنّها قالت: «فَأَخَذَ عُمَرُ السَّوْطَ مِنْ يَدِ قُنْفَذ - مَوْلى أَبِي بَكْرٍ - فَضَرَبَ بِهِ عَضُدِي، فَالْتَوَى السَّوْطُ عَلَى عَضُدِي حَتَّى صَارَ كَالدِّمْلَج، وَرَكَلَ الْبَابَ بِرِجْلِهِ فَرَدَّهُ عَلَيَّ وَأَنا حَامِلٌ فَسَقَطْتُ لِوَجْهِي، وَالنَّارُ تَسْعَرُ وَتَسْفَعُ وَجْهِي، فَضَرَبَنِي بِيَدِهِ حَتَّى انْتَثَرَ قُرْطِي مِنْ أُذُنِي، وَجَاءَنِي الْمَخَاضُ فَأَسْقَطْتُ مُحْسِنَا قَتِيلاً بِغَيْرِ جُرْمٍ» (3).
هذه بعض المصادر التي دوّنت الاعتداء على سيّدة النساء وإسقاطها للمحسن، وقد آمنت الشيعة بذلك، وأُثرت عن أئمّة الهدا عليهم السّلام وكوكبة من الأحاديث في ذلك.
وعلى أي حال، فإنّ هذه الأحداث المؤسفة التي جرت من القوم تنم عن تهالكهم على السلطة واندفاعهم نحو المُلك.
من الإجراءات القاسية التى اتخذها أبو بكر ضدّ العترة الطاهرة أنّه أسقط الخمس عنهم، وهو حقّ مفروض نصّ عليه القرآن الكريم. قال تعالى: «وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَتُم بِاللهِ» (1).
وقد أجمع المسلمون على أنّ النبيّ صلّي الله عليه و آله كان يختصّ بسهم من الخمس، ويخصّ أقاربه بسهم آخر منه، وكانت هذه سيرته إلى أن اختاره الله تعالى لجواره، ولمّا ولى أبو بكر أسقط سهم النبي سهم النبيّ صلّي الله عليه و آله وسهم ذوي القربي، ومنع بني هاشم من الخمس، وجعلهم كغيرهم (2).
وقد أرسلت إليه سيّدة نساء العالمين تسأله أن يدفع إليها ما بقي من خُمس خيبر، فأبى أن يدفع إليها شيئاً (3).
وقد خيّم شبح الفقر على بيوت السادة العلويّين، وحجب عنهم أهمّ مواردهم الاقتصادية التي فرضها الله تعالى لهم، وكان السبب في هذا الإجراء هو أن لا تقوى شوكة الإمام على منازعة أبي بكر، وهذا نوع من الحصار الاقتصادي التي تفرضه بعض الدول على خصومها.
من الإجراءات القاسية التي اتّخذها أبو بكر ضدّ زهراء الرسول ويضعته تأميمه لفدك، ومصادرتها لبيت المال، ونعرض - بإيجاز - إلى حديث فدك وما يرتبط بها
من بعض الشؤون.
فدك قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان، وقيل ثلاثة (1).
وهي قرية من قرى اليهود بينها وبين خيبر دون مرحلة (2).
أمّا حدود فدك عند الأئمّة الطاهرين عليهم السّلام فإنّها تستوعب جميع مناطق العالم الإسلامي، فقد ذكر الرواة أنّ هارون الرشيد قال للإمام موسى بن جعفر عليهماالسّلام: أحبّ أن أردّ عليك فدكاً.
لَا أَخُذُها إِلَّا بِحُدُودِها.
ما حدودها ؟
إِنْ حَدَدْتُها فَلَا تَرْدُدْها.
بحقّ جدّك إلّا فعلت.
أَمَا حَدُّها الأَوَّلُ فَعَدَةٌ، فتغيّر وجه الرشيد.
أَمَا الْحَدُّ الثَّانِي: فَسَمَرْقَنْدُ، فاريدّ وجه الرشيد.
وأَمَّا الْحَدُّ الثَّالِثُ فَأَفْرِيقيا.
وأمّا الْحَدُّ الرّابعُ فَمِمَّا يَلِي الْجُزْرَ وَأَرْمِينية.
وفقد الرشيد صوابه، وراح يقول: لم يبقَ لنا شيء (3).
إنّ الدولة الإسلامية التي ضربت بجرانها على جميع مناطق العالم هي لأئمّة أهل
البيت عليهم السّلام، وقد غصبت منهم، واستولى عليها ملوك الأمويّين والعبّاسيّين بغير حقّ.
أمّا فدك فلم تفتحها القوّة العسكرية الإسلاميّة، وهي ممّا أفاء الله تعالى بها على عبده ورسوله في السنة السابعة صلحاً، فلم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ليثبت فيها الخمس فقط، وإنّما هي كاملة له.
إنّ المسلمين لمّا فتحوا حصون خيبر قذف الله الرعب والخوف في قلوب اليهود من أهالي فدك، فخفّوا مسرعين إلى رسول الله صلّي الله عليه و آله فصالحوله على نصف أراضيهم، فكانت فدك، فهي خالصة له.
ولمّا صارت فدك تحت قبضة الرسول صلّي الله عليه و آله نزلت عليه الآية الكريمة: «وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ» (1)، وقد تواترت النصوص على أنّ النبيّ صلّي الله عليه و آله دعا سيّدة النساء فأعطاها فدكاً والعوالي، وقال لها: «هذا قِسَمٌ قَسَمَهُ اللهُ لَكِ وَلِعَقِبِكِ» (2).
وتصرّفت فيها سيّدة النساء عليهاالسّلام تصرّف المالك في أملاكه، ولم يكن لأهل البيت عليهم السّلام مورد اقتصادي غيرها، حسبما يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام: «بَلى، كانَتْ فِي أَيْدِينَا فَدَلَّ مِنْ كُلَّ ما أَظَلْتُهُ السَّماءُ». وبعد وفاة النبيّ صلّي الله عليه و آله بادر أبو بكر إلى مصادرتها، وضمّها إلى بيت المال، والسبب في ذلك إضعاف الإمام اقتصادياً، وشلّ الحركة المعارضة لأبي بكر.
قال ابن أبي الحديد: «سألت عليّ بن الفارقي مدرّس المدرسة الغربية ببغداد
فقلت له: أكانت فاطمة صادقة ؟
نعم.
فَلِمَ لم يدفع إليها أبو بكر فدكاً، وهي عنده صادقة ؟
فتبسّم وقال كلاماً لطيفاً مستحسناً مع ناموسه وحرمته، وقلّة دعابته ثمّ قال: لو أعطاها اليوم فدكاً بمجرّد دعواها لجاءت إليه غداً وادّعت لزوجها الخلافة، وزحزحته عن مقامه، ولم يكن يمكنه الاعتذار والموافقة بشيء؛ لأنّه يكون قد سجّل على نفسه أنّها صادقة فيما تدّعي كائناً ما كان، من غير حاجة إلى بيّنة ولا شهود (1).
وعلى أيّ حال، فقد عمدت السلطات الحاكمة بعد حكومة الشيخين إلى التصرّف فيها حسب أهوائهم، فقد وهبها عثمان بن عفّان إلى مروان بن الحكم، وكان ذلك من أسباب النقمة على عثمان حسب ما يقول المؤرّخون (2)، وبعد هلاك مروان توارثها أبناؤه إلى أن تولّى عمر بن عبد العزيز فانتزعها منهم وردّها صدقة (3).
وبعد ما أُمّم أبو بكر فدكاً بادرت إليه سيّدة نساء العالمين مطالبة منه إرجاعها إليها، ويقول الرواة:
إنّه طلب منها شهوداً على أنّ النبيّ صلّي الله عليه و آله قد منح فدكاً لها، فأقامت الشهود على ذلك، كان منهم الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، والسيّدة الفاضلة أُمّ أيمن التي قال فيها النبيّ صلّي الله عليه و آله: إنّها من أهل الجنّة، فكتب لها أبو بكر بردّ فدك إليها إلّا أنّ عمر أخذ
الكتاب فبصق فيه وخرّقه (1).
وقيل إنّه لم يحفل بشهادة الإمام ولا بشهادة أُمّ أيمن، وقال: إنّ عليّاً يجرّ النار إلى قرصه، وأنّ أُمّ أيمن امرأة أعجمية لا تفصح.
وعلى أي حال فقد علّق المتكلّمون من الشيعة على هذه الحادثة بعدّة أُمور منها:
1 - إنّ أبا بكر طلب من بضعة النبيّ صلّي الله عليه و آله إقامة البيّنة على أنّ النبيّ منحها فدكاً، وهي صاحبة اليد، والمكلّف بإقامة البيّنة هو المدّعي، ومع عدم توفّرها عنده فلاحقّ له سوى اليمين عليها عملاً بالقاعدة المشهورة: «البيّنة على المدّعي، واليمين على «المُنْكِر».
2 - إنّ أبا بكر قد تجاهل مكانة بضعة رسول الله صلّي الله عليه و آله، فهي سيّدة نساء هذه الأُمّة، وأنّ الله تعالى يرضى لرضاها، ويغضب لغضبها.
وهي ممّن فرض الله تعالى مودّته على الأُمّة. قال تعالى: «قُل لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى» (2).
وهي ممّن أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
وهي ممّن باهل بها رسول الله صلّي الله عليه و آله نصاری نجران.
وهي من الأبرار الذين أنزل الله تعالى فيهم: «إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً» (3)، وهذا ممّا يوجب القطع بصدق دعواها.
وقد استولى أبو بكر على فدك، وضمّها إلى ممتلكات الدولة، وقد ذابت نفس الصدّيقة أسى وحسرات، فقد سلبت منها ومن أبنائها بلغة العيش، فإنّا لله
وإنّا إليه راجعون.
واستنجد الإمام بالصحابة يطلب منهم نصرته وإرجاع الحقّ إليه، فقد روى المؤرّخون أنّه حمل الصدّيقة سيّدة النساء على دابّة ومعها الحسنان يسألهم نصرته، وتسألهم سيّدة النساء عليهاالسّلام لذلك، فكانوا يعتذرون ويقولون لها: «إنّ بيعتنا سبقت لأبي بكر، ولو كان ابن عمّك سبق إلينا لما عدلنا به» (1).
وهو اعتذار مهلهل؛ فإنّ المسؤوليّة تقع عليهم لأنّ الإمام عليه السّلام كان مشغولاً بجنازة الرسول صلّي الله عليه و آله فلم يسعه تركها والمجيء إلى القوم إلّا أنّهم اغتنموا هذه الفرصة فسارعوا إلى الاستيلاء على الحكم.
1) الإمامة والسياسة: 1: 16
وضاقت الدنيا على بضعة الرسول، وسيّدة نساء العالمين من الإجراءات القاسية التي اتّخذها أبو بكر ضدّها، فقد أُرهقت منها إرهاقاً شديداً، فانبرت سلام الله عليها لتقيم عليه الحجّة، وتسدّ أمامه كلّ منفذ ينفذ منه لتبرير سياسته، فخطبت في الجامع النبوي خطاباً خالداً، وضعت فيه النقاط على الحروف، وبرزت فيه أعظم سيّدة خلقها الله تعالى في الأرض، وذلك في مواهبها وعبقرياتها، وبما أُوتيت من روائع الحكمة وفصل الخطاب.
ونظراً لأهميّته البالغة فقد كان أهل البيت يلزمون أبناءهم بحفظه كما يلزمونهم بحفظ القرآن الكريم.
لا أكاد أعرف أنّ سيّدة بهذا السنّ وهو سنّ التاسعة عشرة تستطيع أن تخطب مثل هذا الخطاب الذي يعجز عن الإتيان بمثله أي خطيب بارع في العالم، ولكن ذلك ليس غريباً وبعيداً على بقيّة النبوّة ومعدن العلم والحكمة، التي غذّاها أبوها بمعارفه، وأفاض عليها بمكوّناته النفسية، حتّى صارت صورة صادقة عنه، كما دلّت على ذلك كوكبة من الأخبار. فإنّ خطاب سيّدة النساء سلام الله عليها كان ثورة عارمة على حكومة أبي بكر، حاولت منه أن تطوي عروش دولته، وتنسف قواعد حكمه، إلّا أنّه استطاع بما يملك من قابليات دبلوماسيّة أن يخمد الثورة - كما سنوضّحه في فصول هذا البحث-.
ووصف الرواة كيفيّة خروج سيّدة النساء عليهاالسّلام إلى جامع أبيها أنّها لاثَتْ خِمارَها على رأسِها، وأقبلت فى لُمَّةٍ مِنْ حَفَدتِها، تَطَأ ذُيُولَها ما تَخْرِمُ مِشْيتُها مِشْيَةَ رسولِ الله صلّي الله عليه و آله، حَتَّى دخَلَتْ على أبي بَكْرٍ وهو في حَشْدٍ مِنَ المهاجرين والأنصار وغَيْرِهِم، فَنيطَتْ دونَها مُلاءَةٌ (1).
ثُمَّ أنَّتْ أنَّهً أجْهَشَ لها القومُ بالبُكاءِ، وارتجّ المجلس، فأمهلتهم حتّى إذا سكن نشيجهم، وهَدَأتْ فَوْرَتُهُمْ، افْتَتَحت خطابها بِحَمدِ اللهِ تعالى والثناء عليه، والصلاة على رسول الله صلّى الله عليه و آله، فعاد القومُ في بُكائِهِمْ، فلمّا أمسكُوا عادتْ في خطابِها، فَقالَتْ عليهاالسّلام:
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ما أَنْعَمَ، وَلَهُ الشُّكْرُ عَلى ما أَلْهَمَ، وَالثَّناءُ بِما قَدَّمَ، مِنْ عُمُومِ نِعَمِ ابْتَدَأَها، وَسُبُوعَ آلَآءِ أَسْداها، وَتَمَامِ مِنَن والاها (2)، جَمَّ عَنِ الأخصاءِ عَدَدُها، وَنَأَى عَنِ الْجَزاءِ أَمَدُها، وَتَفاوَتَ عَنِ الْإِدْراكِ أَبَدُها، وَنَدَبَهُمْ لاِسْتِزادَتِها بِالشُّكْرِ لاصالِها، وَاسْتَحْمَدَ إِلَى الْخَلَائِقِ بِإِجْرَالِهَا، وَثَنى بِالنَّدْبِ إِلى أَمْثَالِها.
حكى هذا المقطع الثناء على الله تعالى، والشكر لألطافه ونعمه التي لا تحصى، فقد أسداها على عباده، وطلب منهم الشكر ليزيدهم من إفضاله ونعمه.
واستمرِت بضعة الرسول في خطابها قائلة:
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، كَلِمَةٌ جَعَلَ الْإِخْلَاصَ تَأْوِيلَهَا، وَضَمَّنَ الْقُلُوبَ مَوْصُولَها، وَأَنارَ فِي التَفَكَّرِ مَعْقُولَها، الْمُمْتَنِعُ عَنِ الْأَبْصارِ
رُؤْيَتُهُ، وَمِنَ الْأَلْسُنِ صِفَتُهُ، وَمِنَ الْأَوْهَامِ كَيْفِيَّتُهُ.
اِبْتَدَعَ الْأَشْيَاءَ لَا مِنْ شَيْءٍ كانَ قَبْلَهَا، وَأَنْشَأَهَا بِلَا احْتِدَاءِ أَمْثَلَةٍ اِمْتَتَلَهَا، كَوَّنَها بِقُدْرَتِهِ، وَذَرَأَهَا بِمَشِيَّتِهِ، مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَى تَكْوِينِهَا، وَلَا فَائِدَةٍ لَهُ فِي تَصْوِيرِها، إِلَّا تَثْبِيتاً لِحِكْمَتِهِ، وَتَنبيهاً عَلَى طَاعَتِهِ، وَإِظهاراً لِقُدْرَتِهِ، وَتَعَبداً لِبَرِيَّتِهِ، وَإِعْزازاً لِدَعْوَتِهِ، ثُمَّ جَعَلَ الثَّوابَ عَلى طَاعَتِهِ، وَوَضَعَ الْعِقابَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ، خِيادَةٌ لِعِبادِهِ عَنْ نِقْمَتِهِ، وَحِياشَةٌ (1)مِنْهُ إِلى جَنَّتِهِ.
في هذا المقطع بحوث كلامية عن الخالق العظيم، وهي كما يلي:
أوّلاً: إنّ الأبصار يمتنع عليها رؤية المبدع والمكوّن لهذا الكون بما فيه من المجرّات التي لا تحصى، وهل يستطيع الممكن في وجوده وفكره أن يبصر تلك الحقيقة المذهلة، كما إنّ الألسن مهما بلغت في الإبداع وتصوير الأشياء، فإنّها عاجزة عن تصويره، وكذلك الأوهام لا تدرك كيفيّته، إمّا إيضاح هذه الأُمور والاستدلال عليها فقد عرضت لها بصورة موضوعية المصادر الكلامية.
ثانياً: عرضت سيّدة النساء إلى خلق الله تعالى وتكوينه للأشياء، فقد أنشأها وكوّنها لا من شيء كان قبلها، ولا حاكى أمثلة كانت قبلها، وإنّما ابتدعها بقدرته، وذرأها بمشيئته، فتعالى المبدع العظيم.
ثالثاً: لم يكن لله تعالى في خلقه ما يُرى وما لا يُرى حاجةً ولا فائدة له فيها، فهو مصدر الفيض والعطاء، خلق الأشياء بقدرته ومشيئته إظهاراً لعظمته، وتنبيهاً لطاعته، وإعزازاً لدعوته، وقد جعل الثواب الذي لا يوصف لعظمته لمن أطاعه، كما جعل العقاب الصارم لمن عصاه.
1) حاش الإبل: جمعها وساقها
وتأخذ سيّدة النساء في ذكر أبيها سيّد الأنبياء صلّي الله عليه و آله قائلةً:
وَأَشْهَدُ أَنَّ أَبِي مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اِخْتارَهُ وَانْتَجَبَهُ قَبْلَ أَنْ أَرْسَلَهُ، وَسَمَاهُ قَبْلَ أَنِ اجْتَبَلَهُ (1)، وَاصْطَفَاهُ قَبْلَ أَنِ ابْتَعَثَهُ ؛ إِذِ الْخَلَائِقُ بِالْغَيْبِ مَكْنُونَةٌ، وَبِسِتْرِ الْأهاوِيلِ مَصُونَةٌ، وَبِنِهَايَةِ الْعَدَمِ مَقْرُونَةٌ، عِلْماً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَآيلِ الْأُمُورَ، وَإِحاطَةٌ بِحَوادِثِ الدُّهُورِ، وَمَعْرِفَةٌ بِمَواقِعِ الْمَقْدُورِ.
ابْتَعَثَهُ اللهُ إِنْمَاماً لِاَمْرِهِ، وَعَزِيمَةٌ عَلَى إِمْضَاءِ حُكْمِهِ، وَإِنْفَاذَا لِمَقَادِيرِ حَتْمِهِ، فَرَأَى الْأُمَمَ فِرَقاً فِي أَدْيَانِها، عُكَفَاً عَلَى نِيرانِها، عابِدَةً لِأَوْثَانِها، مُنْكِرَةٌ لِلَّهِ مَعَ عِرْفانِها.
فَأَنَارَ اللهُ بِأَبِي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ظُلَمَها، وَكَشَفَ عَنِ الْقُلُوبِ بُهَمَها (2)، وَجَلَا عَنِ الْأَبْصارِ غُمَمَها (3)، وَقامَ فِي النَّاسِ بِالْهِدايَةِ، فَأَنْقَذَهُمْ مِنَ الْغِوَايَةِ، وَبَصَّرَهُمْ مِنَ الْعَمَايَةِ، وَهَدَاهُمْ إِلَى الدِّينِ الْقَوِيمِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ، ثُمَّ قَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ قَبْضَ رَأْفَةٍ وَاخْتِيَارٍ، وَرَغْبَةٍ وَإِبْثَارٍ، فَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ عَنْ تَعَبٍ هَذِهِ الدّارِ فِي َراحَةٍ، قَدْ حُفَّ بِالْمَلَائِكَةِ الْأَبْرارِ، وَرِضْوانِ الرَّبِّ الْغَفَّارِ، وَمُجاوَرَةِ الْمَلِكِ الْجَبَارِ، صَلَّى اللهُ عَلَى أَبِي نَبِيِّهِ وَأَمِينِهِ عَلَى الْوَحْيِ، وَصَفِيِّهِ وَخِيَرَتِهِ مِنَ وَبَرَكاتُهُ.
تحدّثت بضعة الرسول صلّي الله عليه و آله عن أبيها سيّد الكائنات الذي أنار العقول، وحرّر الإنسان من عبوديّة الأوثان والأصنام التي هي من صنع الإنسان، وفتح آفاقاً كريمة ومشرقة للحياة يعيش الإنسان في ظلالها، موفور الكرامة ناعم البال... وكان من معطيات حديثها ما يلي:
أوّلاً: إنّ الله تعالى اختار عبده ورسوله للنبوة، وخصّة بهذه المنزلة الرفيعة قبل أن يخلقه، علماً منه تعالى بسموّ ذات نبيّه وعظيم شأنه.
ثانياً: إنّ النبيّ صلّي الله عليه و آله بُعِثَ في زمان كانت الأُمم فرقاً وشِيعاً مختلفة في أديانها، فبعضها تعبد الأوثان، وبعضها تعبد النيران، فأنار الله تعالى بالنبيّ العظيم صلّي الله عليه و آله العقول، وأزال الظلمات، وكشف الجهل عن القلوب، وحرّر الإنسان من هذه الخرافات التي أودت به إلى مستوى سحيق من مجاهل هذه الحياة.
ثالثاً: إنّ الله تعالى قد اختار جوار عبده ورسوله إليه محفوفاً برضوان الله تعالى، قد حفّت به ملائكة الله المقرّبين، وأنبيائه المعظّمين.
وتستمر سيّدة النساء في خطابها التأريخي الخالد قائلة:
أَنتُمْ عِبادَ اللهِ نُصُبُ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَحَمَلَهُ دِينِهِ وَوَحْيِهِ، وَأَمَنَاءُ اللَّهِ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَيُلَعَاؤُهُ إِلَى الْأُمَمِ، وَزَعَمْتُمْ حَقٌّ لَكُمْ لِلَّهِ فِيكُمْ، عَهْدٌ قَدَّمَهُ إِلَيْكُمْ، وَبَقِيَّةٌ اِسْتَخْلَفَها عَلَيْكُمْ كِتابُ اللهِ النَّاطِقُ، وَالْقُرْآنُ الصَّادِقُ، وَالنُّورُ السَاطِعُ وَالضّياءُ اللَّامِعُ، بَيَّنَةٌ بَصائِرُهُ، مُنْكَشِفَةٌ سَرائِرُهُ، مُنْجَلِيَةٌ ظَوَاهِرُهُ، مُغْتَبِطَةٌ بِهِ أَشْياعُهُ، قائِدٌ إِلَى الرَّضْوانِ اتِّباعُهُ، مُؤَدَّ إِلَى النَّجاةِ اسْتِمَاعُهُ بِهِ تُنَالُ حُجَجُ اللَّهِ الْمُنَوَّرَةُ، وَعَزائِمُهُ الْمُفَسَّرَةُ، وَمَحارَمُهُ الْمُحَذَّرَةُ، وَبَيَّنَاتُهُ الْجالِيَةُ، وَبَراهِينُهُ الْكافِيَةُ، وَفَضائِلُهُ الْمَنْدُوبَةُ، وَرُخَصُهُ الْمَوْهُوبَةُ، وَشَرائِعُهُ الْمَكْتُوبَةُ.
تحدّثت سيّدة نساء العالمين:
أوّلاً عن سموّ مكانة أصحاب أبيها صلّي الله عليه و آله، وأنّهم أُمناء الله تعالى على منهجه وعلى تبليغ رسالة الله تعالى إلى أُمم العالم وشعوب الأرض، فقد خّصهم تعالى بهذه المزية.
وتحدّثت سلام الله عليها - ثانياً - عن عظم القرآن الكريم، فهو النور الساطع، والضياء اللامع، الذي يقود إلى الرضوان، ويؤدّي إلى النجاة، فهو حجّة الله تعالى على عباده، يهديهم للتي هي أقوم، ويقيم أودهم.
ثمّ أخذت سلام الله عليها بالحديث عن فرائض الإسلام وعلل تشريعاته قائلة:
فَجَعَلَ اللهُ الْإِيْمَانَ تَطْهِيرًا لَكُمْ مِنَ الشِّرْكِ، وَالصَّلَاةَ تَنْزِيهاً لَكُمْ عَنِ الْكِبْرِ.وَالزَّكَاةَ تَزْكِيَةٌ لِلنَّفْسِ، وَنَمَاء فِي الرِّزْقِ، وَالصِّيامَ تَنْبِيتاً لِلإخْلَاصِ، وَالْحَجَّ تَشْييداً لِلدِّينِ، وَالْعَدْلَ تَنْسِيقاً لِلْقُلُوبِ، وَطاعَتَنَا نِظاماً لِلْمِلَّةِ، وَإِمَامَتَنا أَماناً مِنَ الْفُرْقَةِ، وَالْجِهَادَ عِزّاً لِلإِسْلَامِ، وَالصَّبْرَ مَعُونَةٌ عَلَى اسْتِيجابِ الْأَجْرِ.
وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مَصْلَحَةٌ لِلْعَامَّةِ، وَبِرَّ الْوَالِدَيْنِ وِقايَةٌ مِنَ السَّخَطِ، وَصِلَةَ الْأَرْحَامِ مَنْساةَ فِي الْعُمْرِ(1)، وَمَنْمَاةَ لِلْعَدَدِ، وَالْقِصَاصَ حِصْنَا لِلدِّمَاءِ، وَالْوَفاءَ بِالنَّذْرِ تَعْرِيضاً لِلْمَغْفِرَةِ، وَتَوْفِيَةَ الْمَكاييلِ وَالْمَوَازِينِ تَغْيِيراً لِلْبَخْسِ، وَالنَّهْيَ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ تَنْزِيهاً عَنِ الرِّجْسِ، وَاجْتِنابَ الْقَذْفِ حِجاباً عَن اللَّعْنَةِ، وَتَرْكَ السِّرْقَةِ إِيجاباً لِلْعِفَّةِ، وَحَرَّمَ اللَّهُ الشِّرْكَ إِخْلَاصاً لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ.
«فاتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ»، وَأَطِيعُوا اللَّهَ فِيما أَمَرَكُمْ بِهِ، وَنَهَاكُمْ عَنْهُ، فَإِنَّهُ «إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ».
1) منسأة في العمر: مؤخّرة
لقد ألقت سيّدة النساء الأضواء على علل الأحكام الشرعية والآداب الإسلاميّة، وكشفت عن أسرار تشريعاته التي خفيت على الكثيرين... أمّا إيضاح هذه البنود فإنّه يستدعي الإطالة، وقد آثرنا الايجاز فيها.
وتستمرّ سيّدة نساء العالمين في خطابها التاريخي قائلةً:
أَيُّهَا النَّاسُ، اِعْلَمُوا أَنِّى فَاطِمَةُ، وَأَبِي مُحَمَّدٌ، أَقُولُ عَوْداً وَبَدْءاً، وَلَا أَقُولُ ما أَقُولُ غَلَطاً، وَلَا أَفْعَلُ ما أَفْعَلُ شَطَطاً (1)، «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُمْ (2)حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ».
فَإِنْ تَعْزُوهُ (3)وَتَعْرِفُوهُ تَجِدُوهُ أَبِي دُونَ نِسَائِكُمْ، وَأَخَا ابْنِ عَمِّي دُونَ رِجالِكُمْ، وَلَنِعْمَ الْمَعْزِيُّ إِلَيْهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ.
فَبَلَّغَ الرَّسالَةَ، صادِعاً (4)بِالنَّدَارَةِ (5)، مائِلاً عَنْ مَدْرَجَةِ (6)الْمُشْرِكِينَ، ضارباً ثَبَجَهُمْ (7)، آخذاً بِأَكْظامِهِمْ (8)، داعياً إِلَى سَبِيلِ رَبِّهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، يَكْسِرُ الْأَصْنامَ، وَيَنْكُتُ الْهام (9)، حَتَّى أَنهَزَمَ الْجَمْعُ وَوَلَّوا الدُّبُرَ.
حَتّى تَفَرَّى اللَّيْلُ عَنْ صُبْحِهِ (1)، وَأَسْفَرَ الْحَقُّ عَنْ مَحْضِهِ، وَنَطَقَ زَعِيمُ الدِّينِ، وَخَرِسَتْ شَقاشِقُ (2)الشَّيَاطِينِ، وَطاحَ وَشِيظُ (3)النّفاقِ، وَانْحَلَّتْ عُقَدُ الْكُفْرِ وَالشَّقاقِ، وَفُهْتُمْ بِكَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ فِي نَفَرٍ مِنَ الْبِيضِ الْخِمَاصِ (4).
وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ، مُدْقَةَ الشَّارِبِ (5)، وَنُهْزَةَ الطَّامِع (6)، وَقَبْسَةَ الْعَجْلَانِ (7)، وَمَوْطِئَ الْأَقْدَامِ (8)، تَشْرَبُونَ الطَّرْقَ (9)، وَتَقْتاتُونَ الْقِدَّ (10)، أَذِلَّةٌ خاسِئِينَ، تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ مِنْ حَوْلِكُمْ، فَأَنْقَذَكُمُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ بَعْدَ اللَّنَيَا وَالَّتِي، وَبَعْدَ أَنْ مُنِيَ بِبُهمِ الرّجالِ (11)، وَذُوِّبانِ الْعَرَبِ، وَمَرَدَةِ أَهْلِ الْكِتابِ.
كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ، أَوْ نَجَمَ (12)قَرْنٌ لِلشَّيْطانِ (13)،
1) أي انشق حتّى ظهر وجه الصباح
2) الشقاشق: شيء كالرئة يخرجها البعير من فيه إذا هاج
3) الوشيظ: السفلة والرذّل من الناس
4) البيض الخماص: المراد بهم أهل البيت عليهم السّلام
5) مذقة الشارب: شربته
6) نهزة الطامع: الفرصة أي محلّ نهزته
7) قبسة العجلان: مثل في الاستعجال
8) وموطئ الأقدام: مثل مشهور في المغلوبية والمذلّة
9) الطرق: ماء السماء الذي تبول به الإبل وتبعر
10) القد: سير يقدُّ من جلد غير مدبوغ
11) بهم الرجال: شجعانهم
12) نجم: ظهر
13) قرن الشيطان: أُمّته وتابعوه
أَوْ فَغَرَتْ فَاغِرَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1)، قَذَفَ أَخَاهُ فِي لَهَواتِها (2)، فَلَا يَنْكَفِيُّ (3)حَتَّى يَطَأَصِماخَها بِأَخْمَصِهِ (4)، وَيُخْمِدَ لَهَبَهَا بِسَيْفِهِ، مَكْدُوداً في ذاتِ اللهِ، مُجْتَهِداً فِي أَمْرِ اللهِ، قَرِيباً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، سَيِّداً فِي أَوْلِياءِ اللَّهِ، مُشْمَّراً ناصحاً، مُجِداً كَادِحاً، لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِم.وَأَنتُمْ فِي رَفَاهِيَّةٍ مِنَ الْعَيْشِ، وادِعُونَ (5)فاكِهُونَ (6)آمِنُونَ، تَتَرَبَّصُونَ بِنَا الدَّوائِرَ (7)، وَتَتَوَكَّفُونَ (8)الْأَخْبارَ، وَتَنْحُصُونَ عِنْدَ النّزالِ، وَتَفِرُّونَ مِنَ الْقِتالِ.
افتتحت سيّدة النساء هذا المقطع من خطابها التاريخي بقولها سلام الله عليها: «اِعْلَمُوا أَنَّى فَاطِمَةُ، وَأَبِي مُحَمَّدٌ...».
أجل، أنتِ قبس من نور الله تعالى، وأنتِ نفس محمد، وقلبه النابض.
أنتِ يا سيّدة النساء الذي يرضى الله تعالى لرضاك، ويغضب لغضبك.
أنتِ التي أقمت صروح الحقّ، وأسّست معالم العدل، وشيّدت مذهب أهل البيت، فأنتِ دعامته، ورافعة لوائه.
وقد عرضت زهراء الرسول سلام الله عليها في هذا المقطع إلى أنّها لا تقول قولاً، ولا تعمل عملاً إلّا ما وافق الحقّ؛ فهي مع الحقّ والحقّ معها.
ثمّ عرضت إلى فضل رسول الله صلّي الله عليه و آله على المسلمين ورأفته وشفقته عليهم، فقد كان كالأب البارّ بهم، عزيز عليه عنتهم، حريص على سعادتهم، بالمؤمنين رؤوف رحيم.
ثمّ ذكرت جهاده في سبيل هذا الدين، وما عاناه من الأتعاب الهائلة من جبابرة قريش، ومردة أهل الكتاب، حتّى قام الإسلام على سوقه عبل الذراع، واندحرت معاقل الشرك وحصون الإلحاد.
وذكرت سلام الله عليها حال الأُمّة العربية من الذلّ والهوان حتّى أنقذها الله تعالى بعبده ورسوله، فبرّ بدينها ودنياها، وأقام لها مجداً ومكانة بين الأُمم، وصنع لها حضارة من أروع وأفضل حضارة أُقيمت في العالم على امتداد التاريخ.
وعرضت سيّدة النساء إلى فضل ابن عمّها الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، وجهاده المشرق في نصرة الإسلام، ونزوله في ساحات الحروب في حين أنّ المهاجرين من قريش الذين استولوا على السلطة كانوا في أيام النبيّ صلّي الله عليه و آله وادعين آمنين، لم يكن لهم أي ضلع في نصرة الإسلام، وإنّما كانوا ينكصون عند النزال، ويفرّون من القتال، يتربّصون بأهل البيت عليهم السّلام الدوائر، ويتوقعون بهم نزول الأحداث.
ثمّ أخذت سلام الله عليها في خطابها قائلة:
فَلَمَّا اخْتارَ اللهُ لِنَبِيِّهِ دارَ أَنْبِيائِهِ وَمَأْوَى أَصْفِيائِهِ، ظَهَرَ فِيكُمْ حَسَيَكَةٌ (1)النّفاقِ، وَسَمَلَ (2)جِلْبَابُ (3)الدِّينِ، وَنَطَقَ كَاظِمُ (4)الْعَاوِينَ، وَنَبَغَ حَامِلُ (5)
الْأَقَلِّينَ، وَهَدَرَ (1)فَنِيقُ (2)الْمُبْطِلِينَ، فَخَطَرَ (3)فِي عَرَصَاتِكُمْ، وَأَطْلَعَ الشَّيْطَانُ رَأْسَهُ مِنْ مَغْرَزِهِ (4)، هاتفاً بِكُمْ، فَأَلْفاكُمْ لِدَعْوَتِهِ مُسْتَجِيبِينَ، وَلِلْفِرَّةِ فِيهِ مُلَاحِظِينَ، ثُمَّ اسْتَنْهَضَكُمْ فَوَجَدَكُمْ خِفافاً، وَأَحْمَشَكُمْ فَأَلْفاكُمْ غِضاباً (5)، فَوَسَمْتُمْ (6)غَيْرَ إِبِلِكُمْ، وَأَوْرَدْتُمْ (7)غَيْرَ شِرْبِكُمْ.
هذا، وَالْعَهْدُ قَرِيبٌ، وَالْكَلْمُ (8)رَحِيبٌ (9)، وَالْجُرْحُ لَمّا يَنْدَمِلْ، وَالرَّسُولُ لَمّا يُقْبَرْ، ابْتِداراً زَعَمْتُمْ خَوْفَ الْفِتْنَةِ، «أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ».
فَهَيْهاتَ مِنْكُمْ، وَكَيْفَ بِكُمْ، وَأَنَّى تُؤْفَكُونَ، وَكِتابُ اللهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، أُمُورُهُ ظَاهِرَةٌ، وَأَحْكامُهُ زاهِرَةٌ، وَأَعْلَامُهُ باهِرَةٌ، وَزَواجِرُهُ لَائِحَةٌ، وَأَوامِرُهُ واضِحَةٌ، وَقَدْ خَلَّفْتُمُوهُ وَراءَ ظُهُورِكُمْ، أَرَغْبَةً عَنْهُ تُرِيدُونَ؟ أَمْ بِغَيْرِهِ تَحْكُمُونَ؟ «بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً»، «وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ».
1) الهدير: ترديد البعير صوته في حنجرته
2) الفنيق: الفحل المكرم من الإبل، الذي لا يركب ولا يهان
3) خطر البعير بذنبه: إذا رفعه مرّة بعد مرة وضرب به فخذيه
4) مغرزه: أي ما يختفي فيه تشبيهاً له بالقنفذ ؛ فإنّه يطلع رأسه بعد زوال الخوف
5) أي حملكم على الغضب فوجدكم مغضبين لغضبه
6) الوسم: أثر الكيّ
7) الورود: حضور الماء للشرب
8) الكلم: الجرح
9) الرحب: الوسيع
عرضت الصدِّيقة سيّدة نساء العالمين إلى انتقال أبيها صلّي الله علي و آله إلى حظيرة القدس، وإلى الأحداث الهائلة المروّعة التي حلّت بالصحابة بعد وفاته والتي منها:
1 - ظهور النفاق، وضعف الوازع الديني في النفوس.
2 - بروز الغواة على مسرح الحياة السياسية.
3 - نبوغ الخاملين الذين لم يكن لهم أي رصيد اجتماعي، ولا خدمة أسدوها للقضيّة الإسلاميّة.
4 - اتّباع الشيطان، والاستجابة الكاملة لخدعه وغروره.
5 - التنديد بالصحابة على ما أقدموا عليه من صَرْفِهم الخلافة عن أهل بيت النبوّة ومراكز العلم والحكمة في دنيا الإسلام، مع قرب وفاة المنقذ العظيم صلّي الله علي و آله ولا عذر لهم فيما اقترفوه فقد سقطوا في الفتنة، وانحرفوا عن الطريق القويم.
6 - قد أبطلت جميع أعذارهم لما ارتكبوه وأقدموا عليه من مجافاة عترة رسول الله صلّي الله علي و آله، فالقرآن الكريم بين أيديهم أُموره ظاهرة، وآياته واضحة، وهو يدعو إلى الاصلاح الشامل، واتّباع الحقِّ، وتقديم الفاضل والعالم على غيره...
ثمّ استمرّت سيّدة النساء في خطابها قائلة:
ثُمَّ لَمْ تَلْبَثُوا إِلَّا رَيْتَ أَنْ تَسْكُنَ نَفْرَتُها (1)، وَيَسْلَسَ (2)قِيادُها، ثُمَّ أَخَذْتُمْ تُورُونَ وَقْدَتَها (3)، وَتُهَيِّجُونَ جَمْرَتَهَا، وَتَسْتَجِيبُونَ لِهُتافِ الشَّيْطَانِ الْغَوِيِّ، وَإِطْفَاءِ أَنْوارِ الدِّينِ الْجَلِيِّ، وَإِعْمادِ سُنَنِ النَّبِيِّ الصَّفِيِّ، تُسِرُّونَ حَسْواً (4)فِي
ارْتِغاء (1)، وَتَمْشُونَ لِأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ فِي الْخَمَرِ (2)وَالضَّرَاءِ (3)، وَنَصْبِرُ مِنْكُمْ عَلَىَ مِثْلِ حَزَّ الْمُدى (4)، وَوَخْزِ السِّنانِ فِي الْحَشا.
وَأَنتُمْ الْآنَ تَزْعُمُونَ أَلَا إِرْتَ لَنَا، أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ تَبْغُونَ، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ.
أَفَلَا تَعْلَمُونَ؟ بَلَى قَدْ تَجَلَّى لَكُمْ كَالشَّمْسِ الصّاحِيَةِ أَنِّي ابْنَتُهُ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، أَأُغْلَبُ عَلَى إِرْثِي؟
وجهت بضعة الرسول عليهاالسّلام عتابها إلى الأنصار، وأنّهم استجابوا لنداء الشيطان في إقصائهم لعترة رسول الله صلّي الله عليه و آله عن الخلافة، فقد أطفأوا بذلك نور الله تعالى، واستجابوا لرغباتهم الخاصّة التي هي بعيدة كلّ البعد عن الحقّ، وذكرت السيّدة الزكية بقيّة النبوّة أنّ أهل البيت عليهم السّلام قد صبروا على ما ألمّ بهم من الخطوب والكوارث... ثمّ عرضت إلى حرمانها من إرث أبيها، فقد استبدّ القوم بتركة النبيّ وضموّها إلى بيت المال بلا وجه.
ثمّ وجّهت سلام الله عليها خطابها إلى أبي بكر قائلة:
يَابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، أَفِي كِتَابِ اللَّهِ أَنْ تَرِثَ أَبَاكَ وَلَا أَرِثَ أَبِي؟
لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً فَرِيَّاً، أَفَعَلى عَمْدٍ تَرَكْتُمْ كِتابَ اللَّهِ وَتَبَذْ تُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ
إِذْ يَقُولُ: «وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ» (1)، وَقَالَ فِيمَا اقْتَصَّ مِنْ خَبَرِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا إِذْ قَالَ: «فَهَبْ لِي مِن لَدُنكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» (2).
وَقَالَ: «وأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ» (3).
وَقَالَ: «يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» (4).
وَقَالَ: «إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ» (5).
وَزَعَمْتُمْ أَنْ لَا حِظْوَةً (6)لِي، وَلَا إِرْثَ مِنْ أَبِي، وَلَا رَحِمَ بَيْنَنَا، أَفَخَصَّكُمُ اللَّهُ بِآيَةٍ أَخْرَجَ مِنْهَا أَبِي؟
أَمْ هَلْ تَقُولُونَ: إِنَّ أَهْلَ مِلَّتَيْنِ لَا يَتَوَارَثَانِ؟ أَوَلَسْتُ أَنا وَأَبِي مِنْ أَهْلِ مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ؟
أَمْ أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِخُصُوصِ الْقُرْآنِ وَعُمُومِهِ مِنْ أَبِي وَابْنِ عَمِّي؟
فَدُونَكَها مَخْطُومَةٌ (7)مَرْحُولَةٌ (8)تَلْقَاكَ يَوْمَ حَشْرِكَ. فَنِعْمَ الْحَكَمُ اللهُ،
وَالزَّعِيمُ مُحَمَّدٌ، وَالْمَوْعِدُ الْقِيَامَةُ، وَعِنْدَ السَّاعَةِ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ، وَلَا يَنْفَعُكُمْ إِذْ تَنْدَمُونَ، «وَ لِكُلِّ نَيَا مُسْتَقَرٌّ»، «فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ».
أقامت سيّدة النساء الحجج البالغة على ميراثها من أبيها، والتي منها:
1 - الآيات البيّنات الدالّة بعمومها على أنّ كلّ ميت يرثه أبناؤه وأرحامه، وهي صريحة وواضحة في دلالتها على إرثها من أبيها.
2 - إنّ من موانع الأرث أن يكون الميّت من ملّة ووارثه من ملّة أُخرى، كأن يكون الميّت مسلماً وابنه غير مسلم، فإنّه لا يرث أباه. والحال أنّ سيّدة النساء وأباها من ملّة الإسلام، فلماذا تحجب من الميراث.
وبعد هذا التفتت إلى أبي بكر فقالت له: خذ فدكاً وتصرّف فيها، فهناك موعد عند الله وهو الحاكم بين عباده.
ثمّ إنّها رمت بطرفها نحو الأنصار فقالت لهم:
يَا مَعاشِرَ النَّقِيبَةِ (1)، وَأَعْضَادَ الْمِلَّةِ، وَحَضَنَةَ الْإِسْلَامِ، مَا هَذِهِ الْغَمِيزَةُ (2)فِي حَقٍّي، وَالسَّنَةُ (3)عَنْ ظُلَامَتِي؟ أَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ أَبِي يَقُولُ: «الْمَرْءُ يُحْفَظُ فِي وُلْدِهِ»، سُرْعَانَ مَا أَحْدَثْتُمْ، وَعَجْلَانَ ذَا إِمَالَةٌ (4)، وَلَكُمْ طَاقَةٌ بِمَا أَحَاوِلُ، وَقُوَّةٌ عَلَى مَا أَطْلُبُ وَأَزَاوِلُ؟
أَتَقُولُونَ مَاتَ مُحَمَّدٌ ؟ فَخَطْبٌ جَلِيلٌ اسْتَوْسَعَ وَهْتُهُ (1)، وَاسْتَنْهَرَ (2)فَتْقُهُ: وَانْفَتَقَ رَتْقُهُ، وَأظْلِمَتِ الْأَرْضُ لِغَيْبَتِهِ، وَكُسِفَتِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَانْتَثَرَتِ النُّجُومُ لِمُصِيبَتِهِ، وَأَكْدَتِ (3)الآمالُ، وَخَشَعَتِ الْجِبالُ، وَأضِيعَ الحَرِيمُ، وَازِيلَتِ الْحُرْمَةُ عِنْدَ مَمَاتِهِ.
فَتِلْكَ وَاللهِ النَّازِلَةُ الْكُبْرَى، وَالْمُصِيبَةُ الْعُظمى، لَا مِثْلُهَا نَازِلَةٌ، وَلَا بَائِقَةٌ (4)عَاجِلَةٌ، أَعْلَنَ بِهَا كِتَابُ اللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي أَفْنِيَتِكُمْ، وَفِي مُمْسَاكُمْ وَمُصْبَحِكُم، يَهْتِفُ فِي أَفْنَيَتِكُمْ هِتافاً وَصُراحاً، وَتِلَاوَةً وَإِلْحَانَا، وَلَقَبْلَهُ مَا حَلَّ بِأَنْبِيَاءِ اللهِ وَرُسُلِهِ، حُكْمٌ فَصْلٌ، وَقَضَاءٌ حَتْمٌ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ» (5).
استنهضت سيّدة النساء شباب المسلمين لارجاع حقّها الغصيب، وظلامتها التي عانتها من القوم، وذكّرتهم أنّ رعايتها رعاية لأبيها رسول الله صلّي الله عليه و آله الذي قال: «الْمَرْءُ يُحْفَظُ فِي وُلْدِهِ»، ولكنهم -مع الأسف- لم يحفظوا مكانتها، وجهلوا حقّها، وعمدوا إلى ظلمها.
وذكرت سلام الله عليها أنّ ما نزل بهم مثل ما حلّ بالأُمم بعد فَقْدِ أنبيائها من
الانحراف عن سنن الأنبياء، فقد منيت هذه الأُمّة بزلزال مدمر بعد وفاة النبيّ صلّي الله عليه و آله إنّه الانقلاب على الأعقاب الذي هو من أعظم صنوف البلاء.
ثمّ إنّ الصديقة وجّهت خطابها إلى بني قيلة تستنهض هممهم للأخذ بحقّها قائلةً:
أَيْهَا بَنِي قَيْلَةَ (1)، أَأَعْضَمُ تُرَاثَ أَبِي وَأَنْتُمْ بِمَرْأَى مِنِّي وَمَسْمَع وَمُنْتَدى (2)وَمَجْمَعِ، تَلْبَسُكُمُ الدَّعْوَةُ، وَتَشْمَلُكُمُ الْخُبْرَةُ، وَأَنْتُمْ ذَوُو الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ، وَالْأَدَاةِ وَالْقُوَّةِ، وَعِنْدَكُمُ السَّلَاحُ وَالْجُنَّةُ (3)، تُوَافِيكُمُ الدَّعْوَةُ فَلَا تُجِيبُونَ، وَتَأْتِيكُمُ الصَّرْخَةُ فَلَا تُغِيثُونَ، وَأَنتُمْ مَوْصُوفُونَ بِالْكِفَاحِ، مَعْرُوفُونَ بِالْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ، وَالنُّخْبَةُ الَّتِي انْتُخِبَتْ، وَالْخِيَرَةُ الَّتِي اخْتِيرَتْ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ.
قَاتَلْتُمُ الْعَرَبَ، وَتَحَمَّلْتُمُ الْكَدَّ وَالتَّعَبَ، وَنَاطَحْتُمُ الْأُمَمَ، وَكَافَحْتُمُ الْبُهَمَ فَلَا تَبْرَحُ (4)أَوْ تَبْرَحُونَ، تَأْمُرُكُمْ فَتَأْتَمِرُونَ، حَتَّى إِذَا دَارَتْ بِنَا رَحَى الْإِسْلَامِ، وَدَرَّ حَلَبُ الْأَيَّامِ، وَخَضَعَتْ نُعْرَةُ الشِّرْكِ، وَسَكَنَتْ فَوْرَةُ الْإِفْكِ، وَخَمَدَتْ نِيرَانُ الْكُفْرِ، وَهَدَأَتْ دَعْوَةُ الْهَرَجِ، وَاسْتَوْسَقَ (5)نِظَامُ الدِّينِ، فَأَنَّى حِرْتُمْ بَعْدَ الْبَيَانِ، وَأَسْرَرْتُمْ بَعْدَ الأَعْلَانِ، وَنَكَرْتُمْ بَعْدَ الْأَقْدَامِ، وَأَشْرَكْتُمْ بِعْدَ الْإِيْمَانِ؟ أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَنُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراج الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُ وكُمْ أَوَّلَ
مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ» (1)
جاء في أعلام النساء: 4: 123 بعد هذه الجملة: «فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ» التوبة 9: 12
.ودعت حبيبة رسول الله صلّي الله عليه و آله الأنصار إلى الثورة والإطاحة بحكومة أبي بكر، فقد ذكّرتهم بسابق جهادهم في نشر الإسلام، وإعلاء كلمة الحقّ، وما عانوه من مشاقّ وتعب في ميادين الجهاد حتّى استوسق نظام الدين، وقام الإسلام على سوقه عبل الذراع. وقد نعت عليهم جمودهم، وعدم قيامهم بنصرة الإمام عليه السّلام، الذي أقامه رسول الله صلّي الله عليه و آله علماً لأُمّته.
واستمرّت الصدِّيقة في خطابها للأنصار قائلة لهم:
أَلَا وَقَدْ أَرى أَنْ قَدْ أَخْلَدْتُمْ (2)إِلَى الْخَفْضِ (3)، وَأَبْعَدْتُمْ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِالْبَسْطِ وَالْقَبْضِ، وَخَلَوْتُمْ بِالدَّعَةِ (4)، وَنَجَوْتُمْ مِنَ الضَّيْقِ بِالسِّعَةِ، فَمَجَجْتُم ما وَعِيتُمْ، وَدَسَعْتُمُ (5)الَّذِي تَسَوَّغْتُمْ (6)، فَإِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ.
أَلَا وَقَدْ قُلْتُ مَا قُلْتُ هذا عَلى مَعْرِفَةٍ مِنِّي بِالْخَذْلَةِ الَّتِي خَامَرَتْكُمْ، وَالْغَدْرَةِ الَّتِي اسْتَشْعَرَتْهَا قُلُوبُكُمْ، وَلَكِنَّهَا فَيْضَةُ النَّفْسِ، وَنَفْتَةُ الْغَيْظِ،
وَخَوَرُ (1)الْقَنَا (2)، وَبَنَّةُ الصُّدُورِ، وَتَقْدِمَةُ الْحُجَّةِ، فَدُونَكُمُوهَا فَاحْتَقِبُوهَا (3)دَبِرَةً (4)الظَّهْرِ، نَقِبَةَ الْخُفُ (5)، بَاقِيَةَ الْعَارِ، مَوْسُومَةٌ بِغَضَبِ اللهِ الْجَبَّارِ، وَشَنَارِ الْأَبَدِ، مَوْصُولَةٌ بِنَارِ اللَّهِ الْمُوقَدَةِ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ، فَبِعَيْنِ اللهِ مَا تَفْعَلُونَ، «وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ»، وَأَنَا ابْنَةُ نَذِيرٍ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ، «فَاعْمَلُوا إِنَّا عَامِلُونَ، وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ» (6)
المسعودي في مروج الذهب: 2: 311.
ابن منظور في لسان العرب: 12: 331.
كحالة في أعلام النساء: 4: 116 - 119.
ابن طيفور في بلاغات النساء: 14 - 18.
ابن طاووس في كتاب الطرائف: 263.
ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث: 4: 273
.وانتهى هذا الخطاب الخالد الذي دعت فيه إلى الثورة والإطاحة بحكومة أب-ي بكر، وإرجاع الحقّ إلى أهله ومعدنه، وقد وجلت منه القلوب، وخشعت الأبصار، وبخعت النفوس، وأوشكت أن تردّ شوارد الأهواء، ويرجع الحقّ إلى نصابه إلّا أنّ أبا بكر قد استطاع بلباقته الهائلة، وقابلياته الدبلوماسية، أن يسيطر على الموقف، وينقذ حكومته من الانقلاب، فقد قابل بضعة الرسول سلام الله عليها بكلّ احتفاء
وتكريم، وأظهر لها المزيد من الاحترام والتقدير، وأنّه يكنّ لها من الإخلاص والولاء أكثر ما يكنّه لابنته عائشة، كما أظهر لها الحزن العميق على وفاة أبيها رسول الله صلّي الله عليه و آله وودّ أنّه قد مات قبل موته، إلى غير ذلك من الكلمات المعسولة...
كما عرض لها أنّه لم يتقلّد منصب الحكم عن رأيه الخاصّ وإنّما انتخبه المسلمون، وأنّ الاجراءات الصارمة لم تكن عن رأيه الخاص، وإنّما كانت عن رأي المسلمين، وقد جلب له بذلك القلوب، وأخمد نار الثورة، وقضى على جميع معالمها.
يقول الإمام شرف الدين نضّر الله مثواه: «فليته - أي أبا بكر - اتّقى فشل الزهراء في مواقفها بكلّ ما لديه من سبل الحكمة، ولو فعل ذلك لكان أحمد في العقبي، وأبعد عن مظانّ الندم، وأنأى عن مواقف اللوم، وأجمع لشمل الأُمّة، وأصلح له بالخصوص.
وقد كان بوسعه أن يربأ بوديعة رسول الله ووحيدته عن الخيبة، ويحفظها عن أن تنقلب عنه، وهي تتعثّر بأذيالها، وماذا عليه إذ احتلّ محلّ أبيها، لو سلّمها فدكاً من غیر محاكمة، فإنّ للإمام أن يفعل ذلك بولايته العامّة، وما فدك في سبيل هذه المصلحة ودفع هذه المفسدة» (1).
وقفلت بضعة الرسول سلام الله عليها إلى مرقد أبيها تشكو إليه ما ألمّ بها من الخطوب التي عانتها من القوم قائلة:
قَدْ كانَ بَعْدَكَ أَنْباء وَهَنبَثَةٌ *** لَوْ كُنْتَ شَاهِدَها لَمْ تَكثُرِ الْخُطَبُ
إِنَّا فَقَدْنَاكَ فَقْدَ الْأَرْضِ وَابِلَها *** وَاخْتَل قَوْمُكَ فَاشْهَدْهُمْ وَلَا تَغِبُ
1) النصّ والاجتهاد: 37
أَبْدَتْ رجالٌ لَنا نَجْوى صُدُورِهِمُ *** لَمّا مَضَيْتَ وَحَالَتْ دُونَكَ التُّرُبُ
تَجَهَّمَتْنا رِجالٌ وَاسْتُخِفٌ بِنا *** لَمّا فُقِدْتَ وَكُل الإرْثِ مُعْتَصَبُ
ويلمس من هذه الأبيات لوعتها وحزنها العميق من الأحداث المروّعة التي حلّت بها بعد رحيل أبيها إلى حظيرة القدس، فإنّ القوم لم يراعوا مكانتها وسموّ شأنها، وعاملوها معاملة عاديّة أخذت تحزّ في نفسها.
ولمّا مرضت بضعة الرسول سلام الله عليها هرعت نساء المسلمين إلى عيادتها، فقلن لها: كيف أصبحت من علّتك يا بنت رسول الله ؟
فأجابتهنّ بلوعة وأسى قائلة:
أَصْبَحْتُ وَاللهِ عَائِفَةٌ لِدُنْيا كُنَّ، قالِيَةٌ لِرِجالِكُنَّ، لَفَظْتُهُمْ (1)بَعْدَ أَنْ عَجَمْتُهُمْ (2)، وَسَئِمْتُهُمْ بَعْدَ أَنْ سَبَرْتُهُمْ (3)، فَقُبْحاً لِقُلُولِ الْحَد وَاللّعِب بَعْدَ الْجِدُ، وَقَرْعِ الصَّفاةِ، وَصَدْعِ الْقَناةِ، وَخَتَلِ الْآراء (4)، وَزَلَلِ الْأَهْواءِ، وَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (5)، لَا جَرَمَ لَقَدْ قَلَّدْتُهُمْ رِيْقَتَها، وَحَمَّلْتُهُمْ أَوْقَتَها (6)، وَشَنَنْتُ عَلَيْهِمْ غَارَتَها،
فَجَدْعاً وَعَقْراً وَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.
وَيْحَهُمْ أَنَّى زَحْزَحُوهَا عَنْ رَواسِي الرِّسالَةِ، وَقَواعِدِ النُّبُوَّةِ وَالدِّلَالَةِ، وَمَهْبِطِ الرُّوح الأمينِ، وَالطَّبِينِ (1)بِأمُورِ الدُّنْيا وَالدِّينِ، أَلَا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ، وَمَا الَّذِي نَقِمُوا مِنْ أَبِي الْحَسَنِ، نَقِمُوا وَاللَّهِ مِنْهُ نَكِيرَ سَيْفِهِ، وَقِلَّةَ مُبالَاتِهِ لِحَتْفِهِ، وَشِدَّةَ وَطَاتِهِ، وَنَكَالَ وَقْعَتِهِ، وَتَنَمُّرَهُ (2)فِي ذاتِ اللهِ.
وَتاللَّهِ لَوْ مَالُوا عَن الْمَحَجَّةِ اللَّائِحَةِ، وَزالُوا عَنْ قَبُولِ الْحُجَّةِ الْواضِحَةِ لَرَدَّهُمْ إِلَيْهَا، وَحَمَلَهُمْ عَلَيْهَا، وَلَسارَ بِهِمْ سَيْراً سُجُحاً (3)، لَا يُعْلَمُ (4)خِشَاشُهُ، وَلَا يَكِلَّ سائِرُهُ، وَلَا يَمَلَّ راكِبُهُ، وَلَأَوْرَدَهُمْ مَنْهَلاً نَمِيراً صافياً رَويّاً تَطْفَحُ ضِفْتَاهُ، وَلَا يَتَرَنَّقُ جانِبَاهُ، وَلَأَصْدَرَهُمْ بِطَاناً، وَنَصَحَ لَهُمْ سِرّاً وَإِعْلَاناً.
وَلَمْ يَكُنْ يَتَحَلَى مِنَ الدُّنْيا بِطائِلِ، وَلَا يَحْطَى مِنْهَا بِنائِلِ، غَيْرَ رَيَّ النَّاهِلِ، وَشَبْعَةِ الْكافِلِ، وَلَبَانَ لَهُمُ الزّاهِدُ مِنَ الرّاغِبِ، وَالصَّادِقُ مِنَ الْكَاذِبِ. «وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» (5)، «وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ» (6).
أَلَا هَلُمَّ فَاسْتَمِعْ، وَما عِشْتَ أَراكَ الدَّهْرُ عَجَباً، وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ، لَيْتَ شِعْرِي إِلى أَي سِنادٍ اسْتَنَدُوا، وَإِلى أَي عِمَادٍ اعْتَمَدُوا، وَبِأَيِّ عُرْوَةٍ تَمَسَّكُوا، وَعَلَى أَيَّةِ ذُرِّيَّةٍ أَقْدَمُوا وَاحْتَنَكُوا (1)؟ «لَبِئْسَ الْمَولى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ»، «وَبِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً».
اسْتَبْدَلُوا واللهِ الذُّنابى (2)بِالْقَوادِمِ (3)، وَالْعَجُزَ (4)بِالْكاهِلِ (5)، فَرَغْماً لِمَعاطِسِ (6)قَوْمٍ «يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ»، وَيْحَهُمْ «أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدِى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ».
أَما لَعَمْرِي لَقَدْ لَقِحَتْ، فَنَظِرَةٌ رَبَّثَمَا تُنْتِجُ، ثُمَّ احْتَلِبُوا مِلْءَ الْقَعْبِ (7)دَماً عبيطاً (8)، وَذَعَافاً (9)مُبِيداً، هُنَالِكَ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ، وَيَعْرِفُ التَّالُونَ غِبَّ (10)ما أَسَّسَ الْأَوَّلُونَ، ثُمَّ طِيبُوا عَنْ دُنْيَاكُمْ أَنْفُساً، وَاطْمَئِنُّوا لِلْفِتْنَةِ جَأْشاً، وَأَبْشِرُوا
بِسَيْفِ صارِمٍ، وَسَطْوَةٍ مُعْتَدٍ عَاشِمٍ، وَبِهَرَجِ شَامِلٍ، وَاسْتِبْدَادٍ مِنَ الظَّالِمِينَ، يَدَعُ فَيْنَكُمْ زَهِيداً، وَجَمْعَكُمْ حَصِيداً، فَيا حَسْرَةً لَكُمْ، وَأَنَّى بِكُمْ وَقَدْ عُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،
وَالصَّلَاةُ عَلَى مُحَمَّدٍ خاتَمِ النَّبِيِّينَ، وَسَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ (1)
وخيم على النسوة صمت رهيب وحزن شديد، وغامت عيونهنّ بالدموع، وانطلقن إلى بيوتهنّ بخطى ثقيلة، فنقلن لأزواجهنّ مدى لوعة الزهراء وتأثّرها منهم، فكانت وقعها عليهم أشدّ من ضربات السيوف، فقد عرفوا مدى تقصيرهم تجاه وديعة النبيّ صلّي الله عليه و آله وعدم قيامهم بنصرتها.
ولا بدّ لنا من وقفة قصيرة أمام هذا الخطاب والنظر في محتوياته، فقد حفل بأُمور بالغة الأهميّة وهي:
أوّلاً: إنّها شجبت الاعتداء الصارخ على أهل بيت النبوّة، ومركز الوحي والعلم في الإسلام في سلب الخلافة منهم، ووضعها في غير موضعها.
ثانياً: إنّها ذكرت أهم الأسباب الوثيقة التي أدّت إلى إعراض القوم عن الإمام ونقمتهم عليه، وهي:
1 - نكير سيف الإمام الذي حصد به رؤوس المشركين والملحدين، ووتر به الأقربين والأبعدين في سبيل الدين، وقد أولد ذلك في نفوس القرشيّين عظيم الحقد والعداء للإمام.
2 - ومن بين الأسباب التي دعت لمناهضة القوم للإمام شدّة وطأته، فقد كان
1) أعلام النساء: 4: 128 و 129
حتف الكافرين، وغيظ المنافقين، لم يصانع، ولم يحاب أحداً، ولم تأخذه في الله تعالى لومة لائم، وهو القائل: «وَايْمُ اللهِ لأَنْصِفَنَّ الْمَظْلُومَ مِنْ ظَالِمِهِ، وَلَأَقُودَنَّ الظَّالِم بِخِزَامَتِهِ، حَتَّى أوردَهُ مَنْهَلَ الْحَقِّ وَإِنْ كَانَ كَارهاً» (1).
2- وألمحت سيّدة النساء إلى بعض الأسباب التي أدّت إلى نقمة القوم على الإمام عليه السّلام وهو تنمّره في ذات الله تعالى، فقد وهب نفسه لإحياء دين الله، فخاض الغمرات والأهوال ووطأ صماخ المشركين في أعنف المعارك، وأشدّها وطأً في سبيل إقامة الدين، ونشر كلمة التوحيد.
إنّ هذه الأسباب هي التي أدّت إلى زهد القوم في الإمام وحقدهم عليه، بالاضافة إلى حسدهم له على ما منحه الله من المواهب، وولاء النبيّ له، وإشادته دوماً بشخصيّته.
ثالثاً: إنّ بضعة الرسول سلام الله عليها عرضت إلى أنّ الأُمّة لو قلّدت أُمورها للإمام لظفرت بما يلي:
1 - إنّه يسير فيهم بسيرة العدل الخالص، والحق المحض، فلا يضام أحد في حكمه، ولا يغين أي شخص في دولته.
2 - إنّه يورد المسلمين منهلاً عذباً بالأمن والرخاء، ويقود الركب إلى شاطئ الأمن والسلامة.
3 - إنّه ينصح للأُمّة في السرّ والعلانية، ويهديها إلى سواء السبيل.
4 - إنّ الإمام لو تقلّد الحكم فإنّه لا يتمتّع بخيرات البلاد، ولا يستأثر بشيء من أموال الدولة، ويشارك البؤساء والمحرومين في آلامهم، وقد تحقّق ذلك حينما تقلّد الخلافة بعد مصرع عثمان بن عفّان، فقد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعامه
1) بحار الأنوار: 32: 49
بقرصيه، وما وضع لبنة على لبنة، وواسى البؤساء والمحرومين في طعامهم ولباسهم، وهو القائل: «أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ لِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا أُشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ، أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْشِ!» (1).
ولم يحفل تأريخ هذا المشرق بحاكم مثله في زهده وورعه وعدله وتجنّبه عن أموال الرعية.
5 - عرضت سيّدة النساء إلى أنّ الإمام لو ولي أُمور المسلمين لانتشرت الخيرات، وعمّت البركات، وأكل الناس من فوق رؤوسهم، ومن تحت أرجلهم، ولكنّ المسلمين حرموا أنفسهم هذه النعمة فاستبدلوا الذنابي بالقوادم، والعجز بالكاهل، وأعرضوا عمّن يهديهم إلى سواء السبيل.
رابعاً: إنّ بضعة الرسول صلّي الله عليه و آله نظرت بعمق إلى ما ستعانيه الأُمّة من النكبات والأزمات من جرّاء صرف الخلافة عن أهل البيت، ومن بين تلك الأزمات التي ستحلّ بهم هي:
1 - انتشار الفتن بين المسلمين، وفلّ وحدتهم، وانشقاق صفوفهم.
2 - تسلّط الظالمين عليهم، وإمعانهم في إرهاقهم، والتنكيل بهم، واستبدادهم بشؤونهم. وتحقّق ذلك على مسرح الحياة، فقد استولى الأمويّون ومن بعدهم على شؤون المسلمين، وأمعنوا في إذلالهم وإرهاقهم، ونشروا الخوف والارهاب في جميع مناطق العالم الإسلامي.
ولهذه الأسباب قاومت بضعة رسول الله عليهاالسّلام حكومة أبي بكر وطالبت المسلمين بالإطاحة بها.
1) نهج البلاغة: 418. بحار الأنوار: 33: 474
حاول أبو بكر وصاحبه عمر أن يسترضيا سيّدة نساء العالمين، ويضفيا على خلافتهم الصبغة الشرعية، فاستأذنا بالدخول عليها، فأبت سلام الله عليها أن تأذن لهما، ثمّ استأذنا ثانياً، فامتنعت من إجابتهما، فاتّجها صوب الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، وطلبا منه مقابلة وديعة النبيّ صلّي الله عليه و آله، فخفّ نحوها وطلب منها الإذن لهما، فأجابته إلى ذلك، فدخلا عليها، فأزاحت بوجهها الشريف عنهما، وتقدّما يطلبان منها الرضا والعفو، فقالت لهما: «نَشَدْتُكُما اللهَ أَلَمْ تَسْمَعًا رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: رِضا فاطِمَةَ مِنْ رِضايَ، وَسَخَطُ فَاطِمَةَ مِنْ سَخَطِي، فَمَنْ أَحَبَّ فَاطِمَةَ ابْنَتِي فَقَدْ أَحَبَّنِي.وَمَنْ أَرْضى فَاطِمَةَ فَقَدْ أَرْضانِي، وَمَنْ أَسْخَطَ فَاطِمَةَ فَقَدْ أَسْخَطَنِي؟».
فأجابا بالتصديق قائلَين: أجل سمعناه يقول ذلك.
فرفعت كفّها إلى السماء وراحت تقول بألم وأسى: «فَإِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ أَنَّكُما أَسْخَطْتُمَانِي وَمَا أَرْضَيْتُمَانِي، وَلَئِنْ لَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ لَأَشْكُوَنَّكُما إِلَيْهِ».
والتفتت إلى أبي بكر قائلة: «وَاللهِ! لَأَدْعُوَنَّ عَلَيْكَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ أَصَلِّيها» (1).
فما كان أشدّها من كلمات أخفّ من وقعها ضربات السيوف، فقد مادت الأرض تحتهما، ودارت كالرحى، وغادرا البيت، وقد خبا أملهما في إرضاء زهراء الرسول، واستبان لهما مدى النقمة والغضب الذي باءا به.
ونخب الحزن قلب بضعة الرسول سلام الله عليها وألمّ بها الأسى على فَقْد أبيها،
1) الإمامة والسياسة: 1: 14. أعلام النساء: 3: 1214. الإمام عليّ بن أبي طالب / عبدالفتّاح عبد المقصود: 1: 218
فكانت تذكره بمزيد من اللوعة، وقد اشتاقت إلى صوت بلال مؤذّن أبيها أن يؤذّن لها، وقد امتنع من الأذان بعد وفاة النبيّ صلّي الله عليه و آله، فاستجاب لها وأخذ في الأذان، فلمّا قال: «اللهُ أَكْبَرُ» ذكرت سيّدة النساء أباها، فلم تملك نفسها من البكاء.
فلمّا بلغ «أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ» شهقت وسقطت مغمى عليها.
فقال الناس: يا بلال، أمسك فقد فارقت ابنة رسول الله صلّي الله عليه و آله الدنيا، وأفاقت سيّدة النساء فطلبت من بلال أن يتمّم الأذان فلم يفعل (1).
وألمّت المحن والخطوب بزهراء الرسول وبضعته، فقد تراكمت عليها المصائب يتبع بعضها بعضاً، وكان من أقساها وأشدّها ألماً عندها جحد القوم لحقّها ومبالغتهم في التنكيل بها، ولم يراعوا حقّها ووصايا النبيّ فيها، فترك ذلك أعمق الأسى والحزن في نفسها، وقد خلدت إلى البكاء، فكانت تجد فيه راحة نفسيّة لها حتّى عدّت من البكّائين الخمسة (2)الذين انقطعوا إلى الحزن والبكاء.
وبلغ من عظيم حزنها على أبيها أنّ أنس بن مالك استأذن عليها ليعزّيها بمصابها الأليم على فقد أبيها، وكان أنس ممنّ وسّد رسول الله صلّي الله عليه و آله في مثواه الأخير، فقالت له: أَنَسُ بْنُ مَالِكِ هذا؟
نَعَمْ يا بنت رسول الله.
فقالت له وهي تلفظ قطعاً من قلبها المذاب: كَيْفَ طَابَتْ نُفُوسُكُم أَن تَحْتُوا التُّرابَ عَلى رَسُولِ اللهِ.
وقطع أنس كلامه وهام في تيارات من الحزن، وخرج وهو يذرف أحرّ الدموع (1).
وألحّت سيّدة النساء على ابن عمّها الإمام أمير المؤمنين أن يريها القميص الذي غسّل فيه أباها، فجاء به إليها، فأخذته بلهفة وهي توسعه تقبيلاً وشمّاً؛ لأنّه مسّ جسد أبيها الذي غاب في مثواه.. وقد تقطّع قلبها الزاكي ألماً وحزناً حتّى عشي عليها.
وكان شبح أبيها يتابعها في كلّ فترة من حياتها القصيرة الأمد وهي غارقة بالبكاء، ويقول المؤرّخون: إنّ القوم قد ثقل عليهم بكاؤها لأنّ منزلها مجاور إلى جامع الرسول الذي كان مركزاً لاجتماعهم، فشكوا أمر الزهراء إلى الإمام وطلبوا منه أن تجعل وقتاً خاصّاً لبكائها ولوعتها على أبيها؛ لأنّهم لا يهجعون ولا يستريحون، فأعلمها الإمام أمير المؤمنين فأجابته إلى ذلك، فكانت في النهار تخرج ومعها ولديها الحسنان وبنتها سيّدة النساء زينب إلى شجرة من الأراك تقع في خارج المدينة فتستظلّ تحتها، وتأخذ بالبكاء على أبيها طيلة النهار، فإذا أوشكت الشمس بالغروب قفلت مع أبنائها إلى دارها التي خيّم عليها الأسى والحزن، وعمد القوم إلى تلك الشجرة فقطعوها، فكانت تبكي في حرّ الشمس، فقام الإمام أمير المؤمنين فبنى لها بيتاً سمّاه بيت الأحزان، ظلّ رمزاً لأساها وما عانته من الأذى من صحابة أبيها، ونسب إلى مهدي آل محمّد أنّه قال هذا البيت:
«أَمْ تَراني اتَّخَذْتُ لا وَعُلاها *** بَعْدَ بَيْتِ الْأَحْزَانِ بَيْتَ سُرورِ»
وكانت سيّدة نساء العالمين تمكث نهارها في ذلك البيت الحزين وهي تناجي أباها وتبكيه أمرّ البكاء وأقساه، فإذا جاء الليل أقبل الإمام عليه السّلام فارجعها مع أبنائها إلى الدار. لقد نخب الحزن قلبها الرقيق المعذّب، وفتكت الأمراض بجسمها حتّى
1) سنن ابن ماجة: 18. المواهب اللدنية: 2: 381
صارت شبحاً خالياً من الحياة... وكان هذا هو جزاء النبيّ صلّي الله عليه و آله جزاء من القوم الذي برّ بدينهم ودنياهم.
وأثّر الحزن المرهق ببضعة النبيّ صلّي الله عليه و آله وديعته في أُمّته حتّى فتكت بها الأمراض، وتناهبت جسمها الآلام، فلازمت الفراش، ولم تتمكّن من النهوض والقيام، وأخذت تذوي كما تذوي الأزهار عند الظماء، فقد مشى إليها الموت سريعاً وهي في شبابها الغضّ الاهاب.
لقد حان موعد اللقاء بأبيها الذي غاب عنها وغابت معه عواطفه الفيّاضة، فكانت تترقّب بفارغ الصبر الالتحاق به لتشكو إليه ما عانته من القوم، من ظلم وتنكيل.
ولمّا بدت لها طلائع الرحيل أوصت بوصيّتها الخالدة إلى ابن عمّها وكان من بنودها:
1 - أن يواري جثمانها المقدّس في غلس الليل البهيم، ولا يحضر تشييع جنازتها أحد من الذين هضموها؛ لأنّهم أعداؤها، وأعداء أبيها - على حدّ تعبيرها-.
2 - أن يعفّي ويستر موضع قبرها ليكون رمزاً لغضبها على القوم غير قابل للشكّ والتأويل على مرّ الأجيال الصاعدة، وإلى هذا المعنى أشار شريف مكّة بقوله:
قُلْ لَنا أَيُّها المُجادِلُ في القَولِ *** عَنِ الغَاصِبَيْن إِذْ غَصَباها
أَهُما ما تَعَمَّدَاهَا كَما قُلتَ *** بِظُلْمٍ كَلَّا وَلَا اهْتَضَماها
فَلِماذا إِذْ جُهَّزَتْ لِلقاءِ اللهِ *** عِندَ المَماتِ لَمْ يَحْضُرَاها
شَيَّعَتْ نَعْشَهَا مَلائِكَةُ الرَّحمنِ *** رِفقاً بِها وَما شَيَّعاها
كانَ زُهْداً في أَجْرِها أَمْ عَناداً *** لأبيها النَّبِيُّ لَمْ يَتْبَعاها
أَمْ لِأَنَّ البَتُول أَوْصَتْ بِأَنْ لا *** يَشْهَدا دَفْنَها فَما شَهِداها
أَمْ أبوها أَسَرَّ ذاكَ إِلَيها *** فَأَطاعَتْ بِنْتُ النَّبِيِّ أَبَاها
كَيفَ ما شِئْتَ قُلْ كَفاكَ فَهذِي *** فِرْيَةٌ قَدْ بَلَغَتْ أَقْصَى مَدَاهَا (1)
3 - أن يتزوّج بابنة أُختها أُمامة؛ لأنّها تقوم برعاية أبنائها الحسن والحسين وزينب الذين هم عندها أعزّ من الحياة.
وضمن لها الإمام عليه السّلام تنفيذ وصاياها، وانصرف عنها وهو غارق بتيارات مذهلة من الأسى والشجون. وعرضت سيّدة النساء على أسماء بنت عميس، وكانت أثيرة عندها وممرّضة لها، أن يُصْنَع لها سرير يواري جسدها الشريف، فقد كانت العادة بحمل الميّت على لوحة من خشب يبدو فيها جسده، فكرهت سلام الله عليها ذلك فعملت لها أسماء سريراً يستر جسد الميت شاهدته حينما كانت في الحبشة، فلما نظرت له سرّت به، وابتسمت، وهي أوّل ابتسامة شوهدت لها منذ لحق أبوها بالرفيق الأعلى (2)
وفي رواية أنّها أوصت الإمام أنّ يتّخذ لها نعشاً صوّرت لها الملائكة صورته. جاء ذلك في سنن البيهقي: 4: 34.
وفي بحار الأنوار: 43: 181 أنّ سيّدة النساء قالت للإمام عليه السّلام: «أَوْصِيكَ يَابْنَ عَمَّ أَنْ تَتَّخِذَ لِي نَعْشاً، فَقَدْ رَأَيْتُ الْمَلَائِكَةَ صَوَّرُوا لِي صُوْرَتَهُ». فقال لها: «صِفِيهِ لِي». فوصفته، فاتَّخذه لها، وهو أوّل نعش عُمِل على وجه الأرض
.وفي آخر يوم من حياتها أصبحت وقد ظهر عليها بعض التحسّن على صحّتها،
وقد بدا عليها الفرح والسرور، فقد علمت أنّها في اليوم الأخير من حياتها، وأنّها ستلتحق بأبيها، فعمدت سلام الله عليها إلى ولديها فغسلتهما، وصنعت لهما من الطعام ما يكفيهم يومهم، وأمرتهما بالخروج لزيارة قبر جدّهما، وألقت عليهما نظرة الوداع الأخير، وقلبها قد ذاب من اللوعة والأسى.
وخرج الحسنان وقد هاما في تيارات من الهواجس، وأحسّا ببوادر مخيفة من وضع ُأّمهما أغرقتهما بالهموم والآلام.
والتفتت وديعة النبيّ سلام الله عليها إلى أسماء بنت عميس فقالت لها: يا أُمّاهُ.
اسْكُبِي لِي غُسْلاً.
وانبرت أسماء فأتتها بالماء، فاغتسلت فيه، وقالت لها ثانياً: ايتِيْنِي بِثِيابِي الْجُدُدِ.
وناولتها أسماء ثيابها، وهتفت بها مرّة أخرى: اجْعَلِي فِراشِي وَسَطَ الْبَيْتِ.
وذعرت أسماء وارتعش قلبها، فقد شعرت أنّ بضعة الرسول صلّي الله عليه و آله قد حلّ بها الموت، وصنعت لها ما أرادت، فاضطجعت على فراشها واستقبلت القبلة، وقالت لأسماء: يا أَمَاهُ، إِنِّي مَقْبُوضَةٌ الْآنَ وَقَدْ تَطَهُرْتُ، فَلَا يَكْشِفْنِي أَحَدٌ.
وأخذت تتلو آيات من الذِّكر الحكيم حتّى فاضت نفسها الزكية ولسانها يلهج بذكر الله تعالى. لقد سمت تلك الروح العظيمة إلى بارئها تحفّها ملائكة الرحمن وتستقبلها أنبياء الله، وعلى رأسهم سيّد الكائنات أبوها. وكانت وفاتها ما بين المغرب والعشاء (1).
لقد ارتفعت تلك الروح العظيمة إلى جنان الله ورضوانه، فما أظلّت سماء الدنيا
1) وفاة الصدِّيقة / السيّد المقرّم: 107
فيما مضى وما هو آتٍ من بنات حوّاء مثلها قداسة وشرفاً وعفّة. وقد انقطع بموتها آخر من كان في الدنيا من نسل رسول الله صلّي الله عليه و آله.
وقفل الحسنان مسرعين إلى الدار ليتعرّفا خبر أُمّهما فلم يجداها، فبادرا إلى أسماء يسألانها عنها، فأخبرتهما وهي غارقة بالبكاء قائلة: يا سيّديْ، إنّ أُمّكما قد ماتت فأخبرا أباكما.
فكان ذلك كالصاعقة عليهما، فهرعا مسرعين إلى جثمانها، فألقى الإمام الحسن بنفسه عليها وهو يقول: يا أمّاهُ، كَلِّمِينِي قَبْلَ أَنْ تُفَارِقَ رُوْحِي بَدَنِي.
ووقع عليها الإمام الحسين وهو يعجّ بالبكاء قائلاً: يا أمَاهُ، أَنَا ابْتُكِ الْحُسَينُ، كَلِّمِينِي قَبْلَ أَنْ يَنْصَدِعَ قَلْبِي فَأَمُوتُ.
وأخذت أسماء توسعهما تقبيلاً، وتخفّف عنهما لوعة المصاب، وطلبت منهما الخروج من الدار خوفاً عليهما ليخبرا أباهما بموت أُمّهما، فانطلقا إلى مسجد رسول الله صلّي الله عليه و آله وهما غارقان بالبكاء، فاستقبلهما المسلمون بفزع قائلين لهما: ما يبكيكما يا ابنيْ رسول الله، لعلّكما نظرتما موقف جدّكما فبكيتما شوقاً إليه؟
فأجابا بنبرات من الحزن قائِلَيْن: أوَلَيْسَ قَدْ َماتَتْ أُمُّنا فاطِمَةً.
واضطرب الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام وهزّ النبأ كيانه، وطفق يقول: بِمَنِ الْعَزاءُ يا بِنْتَ مُحَمَّدٍ؟ كُنْتُ بِكِ أَتَعَزَى، فَقِيمَ الْعَزاء مِنْ بَعْدِكِ؟
وخفّ مسرعاً صوب الدار وهو يذرف أحرّ الدموع، ولمّا انتهى إليها ألقى على الجثمان المقدّس نظرة وهو ينشد:
«لِكُلِّ اجْتِمَاعِ مِنْ خَلِيْلَيْنِ فُرْقَةٌ *** وَكُلُّ الَّذِي دُوْنَ الْفِراقِ قَلِيْلُ
وَإِنَّ افْتِقادِي فَاطِماً بَعْدَ أَحْمَدٍ *** دَلِيلٌ عَلى أَن لا يَدُومَ خَلِيلُ»
وهرع المسلمون من كلّ صوب نحو بيت الإمام وهم يعجّون بالبكاء على وديعة نبيّهم التي قصّروا في حقّها. لقد انطوت بموتها آخر صفحة من صفحات النبوّة..
وتذكّروا بموتها ما أقام لهم النبي من مجد وعزّة، وما أسداه عليهم من عطف وأبوّة وحنان، وقد ارتجّت المدينة بالبكاء من النساء والرجال، وانتظروا خروج الجنازة ليفوزوا بتشييعها، فعهد الإمام إلى سلمان الفارسي أن يعرّفهم بتأخير التشييع إلى اليوم الثاني، وتفرّقت الجماهير، وأقبلت عائشة وهي تريد الدخول إلى بيت الإمام لتلقي على الجثمان المقدّس نظرة الوداع، فحجبتها أسماء وقالت لها: لقد عهدتْ إليّ أن لا يدخل عليها أحد (1).
ولمّا مضى من الليل شطره قام الإمام فغسّل الجسد الطاهر ومعه الحسنان وأسماء، وبعد الانتهاء من الغسل أدرجها في أكفانها ودعا بأطفالها الذين لم ينتهلوا كثيراً من حنان أُمّهم ليلقوا عليها نظرة الوداع، فألقوا بأنفسهم عليها، وقد مادت الأرض من كثرة بكائهم، وبعد انتهاء الوداع عقد الإمام الرداء عليها.
ولما حلّ الهزيع الأخير من الليل قام الإمام فصلّى على الجسد الطاهر، ثمّ أوعز إلى بني هاشم، وخلّص الصحابة أن يحملوا الجثمان العظيم إلى مثواه الأخير، ولم يخبر أي أحد بتشييعها سوى تلك الصفوة من أهل بيته وأصحابه، ثمّ أودعها في قبرها، وأهال عليها التراب، ووقف على حافّة القبر وهو يروّي ثراه بدموع عينيه، وأخذ يؤبّنها بهذه الكلمات التي تمثّل لوعته وحزنه قائلاً:
«السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَنِّي، وَعَنِ ابْنَتِكَ النَّازِلَةِ فِي جِوارِكَ، السَّرِيعَةِ اللحاقِ بِكَ».
قَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَنْ صَفِيَّتِكَ صَبْرِي، وَرَةً عَنْهَا تَجَلُّدِي، إِلَّا أَنَّ فِي النَّاسي لِي بِعَظِيمٍ فُرْقَتِكَ، وَفَادح مُصِيبَتِكَ، مَوْضِعَ تَعَزُّ، فَلَقَدْ وَسَدْتُكَ فِي مَلْحُودَةِ قَبْرِكَ، وَفَاضَتْ بَيْنَ نَحْرِي وَصَدْرِي نَفْسُكَ، «فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ».
1) مناقب آل أبي طالب: 3: 365
لَقَدِ اسْتُرْجِعَتِ الْوَدِيعَةُ، وَأُخِذَتِ الرَّهِينَةُ ! أَمَّا حُزْنِي فَسَرْمَدٌ، وَأَمَّا لَيْلِي فَمُسْهُدٌ إِلَى أَنْ يَخْتَارَ اللهُ لِي دَارَكَ الَّتِي أَنْتَ بِهَا مُقِيمٌ.وَسَتُنَبِّئُكَ ابْنَتَكَ بِتَظَافُرِ أُمَّتِكَ عَلَى هَضْمِها، فَأَحْفِهَا السُّؤَالَ، وَاسْتَخْبِرْهَا الْحَالَ؛ هَذَا وَلَمْ يَطُلِ الْعَهْدُ، وَلَمْ يَخْلُ مِنْكَ الذِّكْرُ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمَا سَلَامَ مُوَدِّعِ، لَا قَالٍ وَلَا سَيْمٍ، فَإِنْ أَنْصَرِفْ فَلَا عَنْ مَلَالَةٍ، وَإِنْ أُقِمْ فَلَا عَنْ سُوءِ ظَنَّ بِمَا وَعَدَ اللهُ الصَّابِرِينَ» (1).
و طفحت هذه الكلمات بالألم الممضّ والحزن العميق، فقد أعلن شكواه إلى رسول الله صلّي الله عليه و آله على فادح مصيبته وعظيم رزيّته بفقده لسيّدة النساء سلام الله عليها، فقد قلّ عنها صبره، وخيّم عليه الأسى والحزن، ويطلب الإمام سلام الله عليه من رسول الله صلّي الله عليه و آله أن يلحّ في السؤال من ابنته عمّا جرى عليها من الظلم والنكبات لتخبره بذلك، وتحدّثه عن المآسي التي تجرّعتها في تلك الفترة القصيرة من حياتها... وأعلن الإمام أنّه في حزن عميق لا ينطفئ حتّى يلتحق بجوار الله تعالى.
وعاد الإمام المظلوم المهتضم إلى بيته كئيباً حزيناً، قد طافت به المحن والآلام على ما حلّ ببضعة الرسول ووديعته من النكبات والخطوب، وقد عجّت داره ببكاء أطفاله على أُمّهم الرؤوم التي عاشت وعمرها كعمر الزهور وخلّفتهم ولم ينتهلوا من حنانها، وفقد الأُمّ من أعظم النكبات القاصمة التي يرزأ بها الطفل.
واختلف الرواة في عمر سيّدة نساء العالمين، وهذه بعض الأقوال:
1 - عمرها ثمان عشرة سنة (2).
2 - عمرها إحدى وعشرون سنة (1).
3 - عمرها خمس وعشرون سنة (2).
4 - عمرها سبع وعشرون سنة (3).
وقيل غير ذلك، لقد توفّيت وهي في شرخ الشباب، وقد حلّت بها أقسى ألوان المصائب والنكبات، فقد تظافرت الأُمّة على هضمها، ولم تراع فيها حرمة النبي صلّي الله عليه و آله التي هي أوْلى بالرعاية والتكريم من كلّ شيء.
واختلف المؤرّخون في المدّة التي قضتها بعد وفاة أبيها وهي في كمد وحزن حتّى التحقت بالرفيق الأعلى، وهذه بعضها:
1 - إنّها عاشت بعد أبيها ثلاثين يوماً أو خمسة وثلاثين يوماً (4).
2 - عاشت بعد أبيها أربعين يوماً (5)
3 - عاشت بعد فَقْد أبيها خمسة وسبعين يوماً (6).
4 - عاشت بعد رحيل أبيها إلى حظيرة القدس خمسة وتسعين يوماً (7).
وليس من المهمّ في شيء الوقوف على تحديد مدّة وفاة الصدِّيقة وتعيينها
1) المستدرك على الصحيحين: 3: 178. تقريب التهذيب: 1: 751
2) تاريخ الخلفاء: 1: 75
3) مجمع الزوائد: 9: 210. المعجم الكبير: 22: 329. سير أعلام النبلاء: 2: 128
4) تاريخ اليعقوبي: 2: 115
5) مناقب آل أبي طالب: 2: 116
6) مناقب آل أبي طالب: 2: 116. أُصول الكافي: 1: 458. الإمامة والسياسة: 1: 20
7) بحار الأنوار: 43: 156
من بين هذه الروايات، فإنّ العمل بها جميعاً والإشادة بفضائل الزهراء عليهاالسّلام، وذكر مآثرها ومصائبها إحياء لمذهب أهل البيت عليهم السّلام، فإنّها سلام الله عليها هي التي وضعت أُسسه، وأقامت مناهجه، وشيّدت بناءه.
أمّا موضع قبر الصدِّيقة سلام الله عليها فهو مجهول؛ لأنّها أوصت الإمام بإخفائه ليكون شاهداً عبر الأجيال الصاعدة على أساها وغضبها على القوم الذين جهدوا على ظلمها وهضمها، ولم يرعوا مكانتها من رسول الله صلّي الله عليه و آله وقربها منه.
وعلى أيّة حال فقد قيل في موضع قبرها ما يلي:
1 - إنّها دفنت في البقيع (1).
2 - دفنت في بيتها (2).
3 - دفنت ما بين المرقد النبوي وبين المنبر الشريف، ففي الحديث: « ما بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِياضِ الْجَنَّةِ» (3).
ومهما يكن الأمر فقد شاع التذمّر في جميع الأوساط، ولام الناس بعضهم بعضاً، فقد قالوا إنّ نبيّنا لم يخلّف إلّا بنتاً واحدة تموت وتدفن ولم نحضر شيئاً منهما، وغضب المسؤولون من ذلك، وحاولوا نبش القبور التي يحتملون أنّ الجثمان المقدّس في أحدها فيخرجوه ليصلّوا عليه ويشيّعوه، ولمّا علم الإمام ذلك خرج إليهم، ومنعهم من ذلك، فامتنعوا (4).
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن حياة سيّدة النساء الحافلة بالمآثر والفضائل، والتي هي امتداد لحياة أبيها منقذ البشرية من ظلمات الجهل إلى أرحب آفاق الفكر والعلم والنور.
آملاً أن تكون هذه الدراسة موضع قبول عند الصدّيقة الطاهرة، وأن أحظى بشفاعتها يوم ألقى الله.
اَلْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمين
وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدَّنا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الطَّاهِرينَ
القُرْآنِ الْكَرِيمُ
1 - إثبات الوصيّة للإمام عليّ بن أبي طالب عليه السّلام: المسعودي الهذلي، أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي (- 345هـ)، دار إحياء التراث العربي - بيروت /1996م.
2 - أثر التشيّع في الأدب العربي: محمّد سيّد الكيلاني.
3 - الاحتجاج على أهل اللجاج: الطبرسي، أبو منصور أحمد بن عليّ بن أبي طالب (- 560هـ)، تحقيق: إبراهيم البهادري و محمّد هادي به، دار أُسوة - ايران، الطبعة السادسة / 1425هـ.
4 - الأدب المفرد: البخاري، أبو عبدالله محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفيّ (194 - 256هـ)، نشر عالم الكتب - بيروت / 1405 هـ.
5 - الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد: الشيخ المفيد، محمّد بن محمّد (336 - 413هـ): طبع وتحقيق: مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام - قم المقدّسة / 1416هـ.
6 - أسباب النزول: الواحدي، عليّ بن أحمد (- 468هـ)، دار الشريف الرضي - قم: المقدّسة / 1362هـ.ش.
7 - الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ابن عبدالبرّ، أبو عمر يوسف بن عبدالله بن محمّد النمري القرطبيّ الأندلسي (363 - 463ق)، تحقيق وتعليق: علي محمّد معوض وعادل أحمد، دار الكتب العلميّة - بيروت، الطبعة الأُولى 1415هـ / 1995م (4 مجلّدات).
8 - أُسد الغابة في معرفة الصحابة: ابن الأثير، عليّ بن محمّد بن محمّد (555 - 630هـ)، دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1973م.
9 - إسعاف الراغبين في سيرة المصطفى وآل بيته الطاهرين: صبّان، محمّد بن عليّ (- 1206هـ)، نشر دار الفكر - بيروت.
10 - أسنى المطالب في مناقب سيّدنا عليّ بن أبي طالب: الجزريّ الشافعيّ، أبو الخير شمس الدین محمّد بن محمّد الدمشقي (- 833هـ)، تعليق وتهذيب: الشيخ محمّد باقر المحمودي، الطبعة الأُولى 1403هـ / 1983م.
11 - الإصابة في تمييز الصحابة: ابن حجر العسقلانيّ، أحمد بن عليّ الشافعي (733 – 852هـ)، دار الكتاب العلميّة - بيروت / 1986م.
12 - أُصول الكافي: ثقة الإسلام الكلينيّ، أبو جعفر محمّد بن يعقوب بن إسحاق الرازي (328 - 329هـ): مؤسّسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأُولى 1426هـ / 2005م.
13 - الأعلام: الزركليّ، خير الدين بن محمود بن محمّد (- 1410هـ)، دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة التاسعة / 1990م.
14 - أعلام النساء في عالمي العرب والإسلام: كحالة، عمر رضا، مؤسّسة الرسالة - بيروت / 1984م.
15 - إعلام الورى بأعلام الهدى: الطبرسيّ، الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن (من أعلام القرن السادس)، مؤسسة آل البيت عليهم السّلام لإحياء التراث - قم المقدّسة / 1417هـ.
16 - اعلموا أنّي فاطمة: المهاجر، عبدالحميد.
17 - أعيان الشيعة: الأمين، السيّد محسن العاملي (1865 - 1952م)، دار التعارف للمطبوعات، الطبعة الخامسة 1403هـ / 1983م.
18 - الأغاني: أبو الفرج الاصفهانيّ، علي بن حسين (284 - 356هـ)، دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1994م.
19 - ألف باء: البلويّ، أبو الحجاج يوسف بن محمّد:
20 - الأمالي: الشيخ الصدوق = ابن بابويه القمّي، أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسی (311 - 381هـ): تحقيق ونشر قسم الدراسات الإسلاميّة، مؤسّسة البعثة - قم المقدّسة، الطبعة الأُولى / 1417هـ.
21 - الأمالي: شيخ الطائفة الطوسي، أبو جعفر محمّد بن الحسن (385 – 460هـ)، تحقيق: قسم الدراسات الإسلاميّة في مؤسّسة البعثة، نشر دار الثقافة - قم المقدّسة، الطبعة الأُولى / 1414هـ.
22 - أمالي المرتضى = غرر الفوائد ودرر القلائد: السيّد المرتضى، عليّ بن الحسين الموسويّ (- 436هـ)، دار الكتاب العربي - بيروت / 1387هـ.
22 - الإمام عليّ بن أبي طالب: عبدالمقصود، عبدالفتّاح (1912 - 1993هـ) مكتبة العرفان - بيروت / 1971م.
24 - الإمامة والسياسة: ابن قتيبة الدينوري، أبو محمّد عبد الله بن مسلم (213 - 276هـ)، دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1985م.
25 - امتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأموال والحفدة والمتاع: المقريزيّ، تقي الدين أحمد بن عليّ بن عبدالقادر (766 - 845هـ)، دار الكتب العلميّة - بيروت /1997م.
26 - أنساب الأشراف: البلاذريّ، أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (- 279 هـ): تحقيق: د. سهیل زکار و د. ریاض زكلي، دار الفكر - بيروت / 1417هـ.
27 - أنوار البهيّة في تواريخ الحجج الإلهيّة: القمّيّ، عبّاس (1254 - 1319هـ)، تحقيق: فارس حسون کریم، انتشارات فدك - قم المقدّسة، الطبعة الأُولى 1433هـ / 2012م.
...
28 - الباقيات الصالحات:
29 - بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار: العلّامة المجلسي، محمّدباقر بن محمّد تقي (1037 - 1111هـ): دار الرضا - بيروت / 1988م.
30 - البداية والنهاية في التاريخ = تاريخ ابن كثير: ابن كثير الدمشقي، أبو الفداء إسماعيل (700 - (774هـ)، تحقيق: مكتب تحقيق التراث، نشر دار إحياء التراث العربي - بيروت/ 1993م.
31 - بلاغات النساء: ابن طيفور، أحمد بن أبي طاهر (204 - 280هـ)، تحقيق: د. يوسف البقاعي، دار الأضواء - بيروت، الطبعة الأُولى 1420هـ / 1999م.
...
32 - تاج الجامع للأُصول: الشيخ منصور علي ناصيف.
33 - تاج العروس من جواهر القاموس: الزبيدي الحنفي = محبّ الدين أبي فيض السيّد محمّد مرتضى الحسيني الواسطي (1145 - 1205هـ)، دراسة وتحقيق: علي شيري، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1414هـ / 1994م (20 مجلّداً).
34 - تاريخ ابن الورديّ: ابن الورديّ، زين الدين عمر بن مظفر (- 749هـ): طبع دار الكتب العلميّة - بيروت، الطبعة الأُولى 1417هـ/1996م.
35 - تاريخ أبي الفداء = المختصر في أخبار البشر: أبو الفداء، عماد الدين إسماعيل بن عليّ بن محمود بن عمر بن شاهنشاه بن أيّوب (672 - 732هـ)، تعلیق: محمود دیوب، منشورات دار الكتب العلميّة - بيروت، الطبعة الأُولى 1417هـ / 1997م.
36 - تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير الأعلام: الذهبيّ، محمّد بن أحمد (673 - 748هـ)، دار الكتاب - بيروت / 1995م.
37 - تاريخ بغداد: الخطيب البغداديّ، أبو بكر أحمد بن عليّ (392 - 463ھ)، تحقيق: مصطفى عبدالقادر عطا، دار الكتب العلميّة - بيروت، الطبعة الأُولى 1417هـ / 1997م.
38 - تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس: الدياربكريّ، حسين بن محمّد بن حسن (- 966هـ)، دار الكتاب الإسلاميّ - القاهرة / 1980م.
39 - تاريخ مدينة دمشق: ابن عساكر، أبو القاسم عليّ بن الحسين بن هبة الله الشافعي الدمشقي (499 - 571هـ)، دار الفكر - دمشق / 1419هـ.
40 - تاريخ اليعقوبيّ: اليعقوبيّ، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح (- 278هـ)، دار صادر - بيروت / 1984م.
41 - تفسير البيضاويّ = أنوار التنزيل وأسرار التأويل: القاضي البيضاويّ الشيرازيّ، ناصر الدين أبي سعيد عبد الله بن عمر بن محمّد الشيرازي.
42 - تفسير الجلالين: السيوطيّ، جلال الدین عبدالرحمن بن الكمال (849 - 911هـ).
43 - تفسیر روح البيان: حقِّي، إسماعيل بن مصطفى (1063 - 1127هـ)، استانبول - دار الأرقام / 1417هـ.
44 - تفسير روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني: الآلوسيّ البغداديّ، أبو الفضل شهاب الدين السيّد محمود (1217 - 1270هـ)، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأُولى 1417هـ / 1997م (30 جزءاً في 16 مجدّداً).
45 - تفسير الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور: السيوطيّ، جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي (849 - 911هـ): تصحيح وتخريج الأحاديث: الشيخ نجدت نجيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى 1421هـ / 2001م (8 مجلّدات).
46 - تفسير الطبريّ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن: الطبريّ، أبو جعفر محمّد بن جرير (- 310هـ)، تحقيق: الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن التركي، بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر - القاهرة، الطبعة الأولى 1422هـ / 2001م (24 مجلّداً + مجلّدا الفهارس).
47 - التفسير الكبير = مفاتيح الغيب: الفخر الرازي = خطيب الريّ، فخر الدين أبي عبدالله محمّد بن ضياء الدين عمر بن الحسن بن الحسين (544 - 606هـ)، تقديم: الشيخ خليل محيي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت، الطبعة الأُولى 1415هـ / 1995م (32 جزءاً في 16 مجلّداً + مجلّد الفهرس ).
48 - تهذيب الأحكام: شيخ الطائفة = أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (- 460هـ): تحقيق: محمّد جعفر شمس الدين، دار التعارف - بيروت 1412هـ / 1992م.
49 - تهذيب الأسماء واللغات: النووي، أبو زكريّا محيي الدين بن شرف (- 676هـ)، طبعة دار الكتب العلميّة – بيروت.
50 - تهذيب التهذيب: ابن حجر العسقلاني، أحمد بن عليّ بن محمّد (773 - 852هـ)، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأُولى 1404هـ / 1984م.
51 - تهذيب الكمال في أسماء الرجال: الحافظ المزّي، جمال الدين أبي الحجّاج يوسُف (- 742هـ)، مراجعة: سُهيل زكار، تحقيق: أحمد علي عبيد، وحسن أحمد آقا، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأُولى 1414 هـ / 1994م (22 مجلّداً + مجلّدا الفهارس).
52 - تيسير الوصول إلى جامع الأُصول: الزبيدي، ابن الديبع عبدالرحمن الشيباني.
...
53 - الثاقب في المناقب: ابن حمزة، عماد الدين أبو جعفر محمّد بن عليّ الطوسي (- 560هـ)، مؤسّسة أنصاريان - قم المقدّسة، الطبعة الثانية / 1412هـ.
...
54 - جامع الأصول في أحاديث الرسول: ابن الأثير الجزّري، أبي السعادات المبارك بن محمّد: (- 606هـ): تحقيق وتعليق عبد القادر الأرناؤوط، دار الفكر - بيروت، الطبعة الثانية 1403هـ / 1983م، (11 مجلّداً + مجلّدا الفهارس + مجلّدا التتمّة).
55 - الجعفريّات (المنسوب إلى الإمام جعفر الصادق عليه السّلام): الحميريّ، عبدالله بن جعفر (- 310هـ)، مؤسّسة الثقافة - قم المقدّسة / 1417هـ.
56 - جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: الشيخ النجفي، محمّد حسن ابن الشيخ باقر ابن الشيخ عبدالرحيم (- 1266هـ)، حقّقه وعلّق عليه وأشرف على طبعه: الشيخ عبّاس القوچانيّ، دار إحياء التراث العربيّ - بيروت / 1400هـ.
...
57 - الحدائق الورديّة: الشهيّد المحلى، حسام الدين حميد بن أحمد (- 652هـ)، جامع النهرين - صنعاء / 1402هـ.
58 - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: أبو نعيم الاصفهانيّ، الحافظ أحمد بن عبدالله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران (336 - 430هـ)، دار الكتاب العربي - بيروت / الطبعة الخامسة / 1987م.
59 - حياة الإمام الحسن بن عليّ عليهماالسّلام: القرشيّ، باقر شريف (1926م -)، تحقيق: مهدي باقر القرشيّ (ضمن موسوعة سيرة أهل البيت عليهم السّلام)، دار المعروف، الطبعة الأُولى 1430هـ/ 2009م.
60 - حياة الإمام الحسين بن عليّ عليهماالسّلام: القرشيّ، باقر شريف (1926 م -)، تحقيق: مهدي باقر القرشيّ (ضمن موسوعة سيرة أهل البيت عليهم السّلام)، دار المعروف، الطبعة الأُولى 1430هـ / 2009م.
61 - حياة الإمام عليّ الهادي عليه السّلام: القرشيّ، باقر شريف (1926م -)، تحقيق: مهدي باقر القرشيّ (ضمن موسوعة سيرة أهل البيت عليهم السّلام)، دار المعروف، الطبعة الأُولى 1430هـ / 2009م.
...
62 - الخرائج و الجرائح: الراوندي، الشيخ قطب الدين أبي الحسين سعيد بن هبة الله (- 573هـ): مؤسسة النور للمطبوعات - بيروت، الثانية / 1411هـ.
63 - الخصائص الكبرى: السيوطيّ، جلال الدین عبدالرحمن بن الكمال (849 - 911هـ)، دار الكتب العلميّة - بيروت / 1405هـ.
64 - الخصال: الشيخ الصدوق، أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي (311 - 381هـ)، نشر وتحقيق مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين، الطبعة الثانية/ 1403هـ.
...
65 - دائرة المعارف: اللورد نر.
66 - الدرّ المنثور في ربّات الخدور: زينب بنت علي فوّاز.
67 - الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة: ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي الشافعي (733 – 852هـ)، دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1994م.
68 - درّة الناصحين في الوعظ والإرشاد: الخوبوي، عثمان بن حسن شاكر (القرن 13)، بولا ق - القاهرة /1404هـ.
69 - دعائم الإسلام وذكر الحلال والحرام والقضايا والأحكام: القاضي التميميّ المغربيّ، أبو حنيفة النعمان بن محمّد بن منصور (- 363هـ)، تحقيق: آصف بن علي أصغر فيضي، منشورات دار المعارف، القاهرة 1383هـ/ 1963م.
70 - الدعوات: الراونديّ، أبو الحسين سعيد بن هبة الله (573هـ)، تحقيق ونشر: مدرسة ومؤسّسة الإمام المهدي عجّل الله تعالي فرجه الشّريف - قم المقدّسة، الطبعة الأُولى / 1407هـ.
71 - دلائل الإمامة: ابن رستم الطبريّ، أبو جعفر محمّد بن جریر (- 310ھ)، منشورات مؤسّسة الأعلميّ - بيروت، الطبعة الثانية 1408هـ / 1988م.
72 - ديوان حافظ إبراهيم:
...
73- ذخائر العقبي في مناقب ذوي القربي: الطبريّ، محبّ الدين أبو العباس أحمد بن عبدالله بن محمّد المكّي الشافعي (615 - 694هـ)، تحقيق وتعليق: أكرم البوشي، مكتبة الصّحابة - جدّة، الطبعة الأُولى 1415هـ / 1995م.
74 - الذرّيّة الطاهرة: الرازي الدولابي، أبو بشر محمّد بن أحمد (224 - 310هـ)، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المقدّسة /1407هـ.
75 - روح الإسلام: أمير عليّ (1849 - 1928م): دار إحياء التراث - بيروت / 1961م.
76 - الروضة المختارة: شرح القصائد الهاشميّات والعلويّات للكميت بن زياد (60 - 126هـ): ابن أبي الحديد (- 656هـ)، طبع مؤسّسة النعمان - بيروت، الطبعة الأُولى /1979م.
77 - روضة الواعظين وبصيرة المتعلّمين: الفتّال النيشابوري، محمّد بن أحمد (- 508هـ)، دار الشريف الرضي - قم المقدّسة، الطبعة الأُولى / 1386هـ.ش.
78 - الرياض النَّضرة في مناقب العَشرة المبشّرة: الطبريّ، محبّ الدّين أبي جعفر أحمد بن عبدالله الشافعي (615 - 694هـ)، تحقيق: عبدالمجيد الحلبي، دار المعرفة - بيروت، الطبعة الأُولى 1418هـ / 1997م (4 أجزاء في مجلّد).
79 - زينب الكبرى عليهاالسّلام: النقدي، جعفر، منشورات الرضي - قم المقدّسة / 1362هـ.
...
80 - سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار: الشيخ القمّيّ، عباس بن محمد رضا (1254- 1359هـ)، دار أُسوة للطباعة والنشر - قم المقدّسة، الطبعة الرابعة / 1427هـ.
81 - سنن ابن ماجة: ابن ماجة القزوينيّ، أبو عبد الله محمّد بن يزيد (- 273هـ)، تحقيق: خليل مأمون شيحا، دار المعرفة - بيروت، الطبعة الثانية 1418هـ / 1997م (4 مجلّدات + مجلّد الفهرس).
82 - سنن أبي داود: الحافظ أبو داود السجستاني، سليمان بن الأشعث الأزدي (202 - 275هـ)، تحقيق: سعيد محمّد اللّحّام، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأُولى 1410هـ / 1990م.
83 - سنن الترمذي: أبو عيسى محمّد بن عيسى بن سورة (209 - 279هـ): تحقیق: عبدالوهاب عبداللطيف، دار الفكر - بيروت 1400هـ / 1980م.
84 - السنن الكبرى = سنن البيهقي: البيهقيّ، أبو بكر أحمد بن الحسين بن عليّ (384 – 458هـ): مكتبة دار الفكر - بيروت 1416هـ / 1996م.
85 - السيّدة زينب عليهاالسّلام رائدة الجهاد في الإسلام: القرشّي، باقر شريف (1926م -)، تحقيق: مهدي باقر القرشيّ (ضمن موسوعة سيرة أهل البيت عليهم السّلام)، دار المعروف، الطبعة الأُولى 1430هـ/ 2009م.
86 - السيّدة زينب وأخبار الزينبيّات: العبيدلي، جمال الدين أبو الفضل أحمد بن مهنّا.
87 - سير أعلام النبلاء: الذهبيّ، شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان (673 - 748هـ): تحقيق: مُحبّ الدين أبي سعيد عمر بن غرامة، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأُولى 1417هـ / 1997م (17 جزءاً في 16 مجلداً + مجلّدا الفهارس).
88 - السيرة الحلبيّة: الحلبيّ، أبو الصلاح تقي بن نجم (374 – 447هـ): دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1983م.
89 - السيرة النبويّة: ابن كثير، إسماعيل بن عمر (- 774هـ).
90 - السيرة النبويّة: ابن هشام، أبو محمّد عبد الملك بن هشام بن أيّوب الحميري (- 218هـ)، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الثانية 1409هـ / 1989م.
...
91 - شرح الأخبار في فضائل الأئمّة الأطهار: القاضي المغربيّ، أبو حنيفة النعمان بن محمّد التميميّ (363هـ): تحقيق: السيّد محمّد الحسيني الجلالي، مؤسّسة النشر الإسلاميّ - قم المقدّسة / 1409هـ.
92 - شرح نهج البلاغة: صبحي الصالح.
93 - شرح نهج البلاغة: عبدة، محمّد (1849 - 1905م)، مؤسّسة الأعلمي – بيروت / 1985م.
94 - الشعر والشعراء: ابن قتيبة الدينوري، أبو محمّد عبدالله بن مسلم (213 - 276هـ)،: القاهرة / 1364هـ.
95 - شواهد التنزيل لقواعد التفضيل: الحاكم النيسابوري، عبيد الله بن عبد الله بن أحمد الحسكاني (- 490هـ): تحقیق: محمّد باقر المحمودي، مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة - طهران، الطبعة الأُولى 1411هـ / 1990م.
96 - صحيح البخاريّ: البخاريّ، أبو عبدالله محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفيّ (194 - 256هـ): ضبطه ورقّمه: الدكتور مصطفى ديب البُغا، دار ابن كثير ودار اليمامة – دمشق. الطبعة الخامسة 1414هـ / 1993م (6 مجلّدات + مجلّد الفهارس).
97 - صحيح الترمذيّ: الترمذيّ، محمّد بن عيسى ( 209 - 279هـ): دار إحياء التراث العربي -بيروت / 1985م.
98 - صحيح مسلم - الجامع الصحيح: القشيريّ النيسابوريّ، أبو الحسين مسلم بن حجّاج (206 - 261هـ): دار ابن حزم - بيروت، الطبعة الأُولى 1416هـ / 1995م.
99 - صفة الصفوة: الجوزيّ، أبو الفرج عبدالرحمن بن عليّ بن محمّد ( - 597ھ): دار المعرفة - بيروت / 1979م.
100 - الصواعق المحرقة على أهل الرّفض والضلَال والزّندقة: ابن حجر الهيتميّ، أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن عليّ (909 - 974هـ): تحقیق: عبدالرحمان التركي وكامل محمّد الخرّاط، مؤسّسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأُولى 1417هـ / 1997م (مجلّدان).
101 - الطبقات الكبرى: ابن سعد، أبو عبدالله محمّد بن سعد بن منيع البصريّ الواقديّ الزهري (168 - 230هـ): تحقیق: محمّد عبد القادر عَطا، دار الكتب العلميّة - بيروت، الطبعة الأُولى 1410هـ / 1990م (8 مجلّدات + مجلّد الفهارس).
102 - الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف: السيّد ابن طاووس = رضي الدين أبي القاسم عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد الحسنيّ الحسينيّ (- 664هـ): تحقيق: السيّد عليّ عاشور، مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات - بيروت، الطبعة الأُولى 1420هـ / 1999م.
...
103 - العقد الفريد: ابن عبدربّه الأندلسيّ، أبو عمر أحمد بن محمّد (246 - 328هـ): دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1989م.
104 - عليّ وبنوه: د. طه حسين (1889 - 1973م): دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1980م.
105 - عيون الأثر: ابن سيّد الناس.
106 - الغدير في الكتاب والسنّة والأدب: العلّامة الأمينيّ، عبدالحسین (1281 - 1349هـ): تحقيق ونشر: مركز الغدير للدراسات الإسلاميّة، قم المقدّسة / 1416هـ.
107 - غريب الحديث: ابن قتيبة الدينوري، أبو محمّد عبدالله بن مسلم (213 - 276هـ): تحقيق: د. عبد الله الجبوري، دار الكتب العلميّة - بيروت، الطبعة الأُولى / 1408هـ.
...
108- فاطمة أُمّ أبيها: المهاجر، عبد الحميد.
109 - فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى: الرحماني الهمداني، أحمد: مؤسّسة البدر للتحقيق والنشر، الطبعة الأُولى /1410هـ.
110 - الفتوح: ابن أعثم الكوفي، أحمد بن محمدّ بن عليّ (- 314هـ): دار الكتاب العلميّة - بيروت، الطبعة الأُولى 1406هـ/1986م.
111 - فرائد السمطين في فضائل المرتضى والبتول والسبطين والأئمة من ذُرِّيَتهم عليهم السّلام: الجوينيّ الخراساني،ّ إبراهيم بن محمّد بن المؤيد بن عبدالله بن علي بن محمّد (- 730هـ): تحقيق: محمّد باقر المحموديّ، مؤسّسة المحمودي للطباعة والنشر- بيروت، الطبعة الأُولى 1400هـ / 1980م.
112 - فضائل الخمسة من الصحاح الستّة: الحسينيّ الفيروزآباديّ، مرتضى (1289 - 1368هـ): مؤسّسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الرابعة 1402هـ/ 1982م.
113 - فلاح السائل ونجاح المسائل في عمل اليوم والليلة: السيّد ابن طاووس، رضيّ الدين أبي القاسم عليّ بن موسى بن جعفر (644هـ): تحقيق: غلام حسين المجيدي، نشر مكتب الإعلام الإسلامي - قم المقدّسة، الطبعة الأُولى / 1419هـ.
114 - فوات الوفيات: ابن شاكر الكتبي، محمدّ (681 - 764هـ): بولاق - القاهرة / 1299هـ.
115 - في رحاب أهل البيت عليهم السّلام: توفيق أبو علم.
116 - فيض القدير في شرح الجامع الصغير: المناويّ، عبدالرؤوف الشافعي (952 - 1031هـ): دار الفكر - بيروت / 1423هـ.
...
117 - الكامل في اللغة والأدب: المبرد، أبو العبّاس محمّد بن يزيد (210 - 286هـ): دار الفكر العربي - القاهرة / 1997م.
118 - كشف الغمّة في معرفة الأئمّة: الإريلي، أبو الحسن عليّ بن عيسى بن أبي الفتح (467 - 538هـ): دار الأضواء - بيروت / 1985م.
119 - كفاية الطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب: الحافظ الكنجيّ الشافعيّ، أبو عبدالله محمّد بن يوسف القرشي، (- 658هـ): تحقيق: محمّد هادي الأمينيّ، دار إحياء تراث أهل البيت عليهم السّلام - طهران، الطبعة الثانية / 1404هـ.
120 - الكلمة الغرّاء في تفضيل الزهراء: الإمام شرف الدين العاملي، عبدالحسين الموسوي (1873 - 1958م): الدراسات الإسلاميّة / 1996م.
121 - كنز العرفان في فقه القرآن: السيوري، جمال الدين المقداد بن عبدالله (- 826هـ): علّق عليه: الشيخ محمد باقر شريف زاده، أشرف على تصحيحه وإخراج أحاديثه: محمّد باقر البهبودي، المكتبة المرتضويّة لإحياء الآثار الجعفريّة - طهران / 1384هـ.
122 - كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال: المتّقيّ الهنديّ، للشيخ المحدّث علاء الدين عليّ بن حسام الدین (888 - 975هـ): مؤسّسة الرسالة - بيروت / 1993م.
123 - الكوثر في أحوال فاطمة بنت النبيّ الأطهر: السيّد محمّد باقر الموسوي.
...
124 - لسان العرب: ابن منظور، جمال الدين أبو الفضل محمّد بن مكرم بن عليّ بن أحمد الأنصاري الأفريقي المصري (630 - 711هـ): تنسيق وتعليق: علي شيري، دار صادر - بيروت / 1995م.
125 - لسان الميزان: ابن حجر العسقلاني، شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن عليّ (773 - 853هـ): تحقيق: عادل أحمد وعلي معوّض، دار الكتب العلميّة - بيروت، الطبعة الأُولى 1416هـ / 1996م (7 مجلّدات).
126 - اللهوف في قتلى الطفوف: السيّد ابن طاووس، عليّ بن موسى بن جعفر الحسينيّ (- 644هـ): أنوار الهدى - قم المقدّسة، الطبعة الأُولى / 1417هـ.
...
127 - مأساة الزهراء: مرتضى العاملي، السيّد جعفر.
128 - ما نزل في القرآن في أهل البيت (م): الحسين بن الحكم.
129 - المجالس السنيّة: السيّد الأمين، محسن: منشورات الشريف الرضيّ، قم المقدّسة.
130 - مجمع البحرين ومطلع النيّرين: الطريحي، فخر الدين محمّد بن عليّ (- 1085هـ): تحقيق: قسم الدراسات الإسلاميّة، مؤسّسة البعثة - طهران، الطبعة الأُولى /1414هـ (3 مجلّدات ).
131 - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: الهيثميّ، الحافظ نور الدين عليّ بن أبي بكر المصري الشافعي (735 - 807هـ): دار الكتب العلميّة - بيروت 1408هـ / 1988م.
132 - مجموعة ورّام = تنبيه الخواطر ونزهة النواظر: المالكيّ الأشتريّ، الأمير أبو الحسين ورّام بن أبي فراس (- 605هـ): دار الكتب الإسلاميّة - طهران، الطبعة الثانية / 1368هـ.
133 - المراجعات: الإمام شرف الدين العاملي، عبدالحسين الموسوي (1873 - 1958م): أُسوة - طهران / 1380هـ.
134 - مروج الذهب ومعادن الجوهر: المسعوديّ، أبو الحسن عليّ بن الحسين بن عليّ (- 654هـ): تحقيق: عبد الأمير المهنّا، نشر مؤسّسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأُولى 1411هـ / 1991م.
135 - المستدرك على الصحيحين: الحاكم النيسابوريّ، محمّد (- 405م) تحقيق مصطفى عبدالقادر عطا، دار الكتب العلميّة - بيروت، الطبعة الأُولى 1411هـ / 1990م.
136 - مسند أحمد بن حنبل: ابن حنبل، أحمد (- 241هـ): مؤسّسة الرسالة - بيروت، الطبعة الثانية 1420هـ / 1999م.
137 - مسند زيد بن عليّ: زيد بن عليّ (- 122هـ): جمعها: عبدالعزيز بن إسحاق البقّال، دار الحياة – بيروت.
138 - مسند فاطمة عليهاالسّلام: السيوطيّ، جلال الدین عبدالرحمن بن الكمال (849 - 911هـ): مطبوع ضمن مجموعة باسم «فضائل فاطمة» مؤسّسة الزهراء عليهاالسّلام - طهران، الطبعة الأُولى /1416هـ.
139 - مشكل الآثار: الطحاوي، أحمد بن محمّد بن سلامة بن سلمة (- 321هـ): مؤسّسة الرسالة - بيروت 1408هـ / 1987م.
140 - مصابيح السنّة: البغويّ، الحسين بن مسعود بن محمّد الفرّاء (- 516هـ): تحقيق: د. يوسف عبدالرحمن المرعشلي ومحمّد إبراهيم سمارة وجمال حمدي الذهبي، دار المعرفة - بيروت، الطبعة الأُولى 1407هـ /1987م.
141 - معاني الأخبار: الشيخ الصدوق، أبو جعفر محمد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي (311 - 381هـ): قدّم له: الشيخ حسين الأعلمي، تعليق: علي أكبر الغفّاري، نشر مؤسّسة الأعلميّ - بيروت، الأُولى 1410هـ / 1990م.
142 - المعجم الأوسط: الطبرانيّ، أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيّوب اللخمي (260 - 360هـ): تحقيق: أيمن صالح شعبان وسيّد أحمد إسماعيل، نشر دار الحديث - القاهرة، الطبعة الأُولى 1417هـ/1996م.
143 - معجم البلدان: ياقوت الحمويّ، شهاب الدين أبو عبدالله الروميّ البغداديّ (- 626هـ): دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1399هـ.
144 - المعجم الكبير: الطبرانيّ، أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيّوب اللخمي (260 - 360هـ): دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1996م.
145 - المغازي: الواقدي، محمّد بن عمر بن واقد (- 207): تحقيق: د. مارسدن جونس، مؤسّسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الثالثة 1409هـ/ 1989م.
146 - مفتاح الأفكار: أبو محمّد عبد العزيز بن عبدالرحمن السلمان.
147 - مقاتل الطالبيّين: أبو الفرج الأصفهاني، علي بن الحسين بن محمّد بن أحمد (- 356هـ): نشر مكتبة الشريف الرضيّ - قم المقدّسة / 1416هـ.
148 - مقتل الحسين عليه السّلام: الخوارزميّ = أخطب خوارزم، موفّق بن أحمد بن محمّد البكري الحنفي المكّي (484 - 568هـ): تحقيق: محمّد السماوي، أنوار الهدى - قم المقدّسة / 1418هـ.
149 - ملحمة أهل البيت: الفرطوسي، الشيخ عبدالمنعم النجفي.
150 - الملل والنحل: الشهرستاني، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم (479 – 548هـ): منشورات الشريف الرضيّ - قم المقدّسة / 1406هـ) بالأُفسيت عن طبع مكتبة الانجلو مصريّة 1375هـ / 1956م، بتخريج محمّد بن فتح الله بدران).
151 - المناقب: الخوارزمي = أخطب خوارزم، موفّق بن أحمد بن محمّد البكري الحنفي المكّي (484 - 568هـ): تحقيق: مالك المحمودي، مؤسّسة النشر الإسلامي - قم المقدّسة، الطبعة الثالثة / 1417هـ.
152 - مناقب آل أبي طالب: ابن شهر آشوب، أبو جعفر رشيد الدين محمّد بن علّي السرويّ المازندرانيّ (488 - 588هـ): دار الأضواء - بيروت، الطبعة الثانية 1412هـ / 1991م.
153 - منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر: الصافي، الشيخ لطف الله الگلپايگاني: مؤسّسة السيّدة المعصومة عليهاالسّلام - قم المقدسة، الطبعة الأولى /1419هـ.
154 - من لا يحضره الفقيه: الشيخ الصدوق، أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي (311 - 381هـ): مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات، الطبعة الأُولى 1426هـ / 2005م.
155 - المواهب اللدنية بالمنح المحمّديّة: القسطلاني المصري، أبو العبّاس شهاب الدين أحمد بن محمّد (- 923هـ): مطبعة بولاق - القاهرة /1278هـ.
156 - الموفّقيات = الأخبار الموفقيّات: الزبير بن بكّار بن عبدالله القرشي الأسدي (172 - 256هـ): تحقيق: د. سامي مكّي العاني، انتشارات الشريف الرضي - قم المقدّسة، الطبعة الأُولى / 1416هـ.
157 - مهج الدعوات في منهج العبادات: السيّد ابن طاووس، رضيّ الدين أبي القاسم عليّ بن موسى بن جعفر (- 644هـ): دار الكتب الإسلاميّة - طهران، الطبعة الأولى / 1416هـ.
158 - ميزان الاعتدال في نقد الرجال: الذهبيّ، شمس الدين أبو عبدالله محمّد بن أحمد بن عثمان (- 748هـ): تحقيق: علي محمّد معوّض، وعادل أحمد، دار الكتب العلميّة بيروت، الطبعة الأُولى 1416هـ / 1995م (7 مجلدات).
159 - نزهة المجالس ومنتخب النفائس: الصفوري، عبدالرحمان بن عبد السلام (- 894هـ)، المكتبة الإسلاميّة - القاهرة / 1980م.
160 - نساء النبيّ وأولاده: المختضر، محمّد جواد.
161 - النصّ والاجتهاد: الإمام شرف الدين العاملي، عبد الحسين الموسوي (1873 - 1958م): مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، الطبعة الحادية عشر 1426هـ / 2005م.
162 - نَظم دُرر السِمطين في فضائل المصطفى والمرتضى والبتول والسبطين: للزرندي الحنفي، جمال الدين محمّد بن يوسف بن الحسن بن محمّد المدني (- 750هـ): تقديم و تحقيق: د. محمّد هادي الأميني، مكتبة نينوى الحديثة - طهران.
163 - النفحات القدسيّة في حالات فاطمة المرضيّة: العلّامة البادكوبي النجفي، عبدالأمير ابن محمّد (- 1370هـ): النجف الأشرف.
164 - النهاية في غريب الحديث والأثر: ابن الأثير الجزريّ، مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمّد (544 - 606هـ): دار الفكر - بيروت / 1990م.
165 - نهج البلاغة (مجموع ما اختاره الشريف الرضي من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب 7): دار التعارف للمطبوعات - بيروت، الطبعة الأُولى 1410هـ / 1990 م.
166 - الوافي بالوفيات: الصفدي، صلاح الدين خليل بن ايبك بن عبدالله (- 764ھ): طبعة هلموت ريتر، طبعة جمعية المستشرقين الألمانيّة دار فرانز شتاينر - فيسبادن /1381هـ.
167 - وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى: السمهودي، نور الدين عليّ بن بن القاضي عفيف الدين عبدالله الحسيني الشافعي (843 - 911هـ): دار الفكر - بيروت / 1980م.
168 - وفاة الصدّيقة: المقرّم، السيّد عبد الرزّاق.
169 - وقعة صفّين: المنقريّ، نصر بن مزاحم (- 212هـ): طبع مكتبة المرعشي النجفي قدّس سرّه قم المقدّسة / 1404هـ (بالأفسيت عن الطبعة الثانية للمؤسّسة العربيّة الحديثة – القاهرة / 1382هـ).
...
170 - ينابيع المودّة لذوي القربي: القندوزيّ، سليمان بن إبراهيم الحنفي (- 1294هـ): تحقيق: السيّد عليّ جمال أشرف الحسينيّ، دار الأُسوة للطباعة والنشر - قم المقدّسة، الطبعة الأُولى / 1416هـ.
الإهداء ... 7
بين يديكِ ... 9
تقديم ... 11
النَّسَبُ الوَضَّاءُ
23 - 39
الأب ... 25
الأُمّ ... 27
ثراؤها العريض ... 27
تجارة النبيّ صلّي الله عليه و آله بأموالها ... 27
الله اقتران النبيّ صلّي الله عليه و آله بخديجة ... 29
خطبة أبي طالب رضي الله عنه ... 29
في غار حراء ... 30
السيّدة خديجة مع ورقة ... 31
إسلام خديجة وعلىّ عليهماالسّلام ... 32
الدعم المعنوي للنبيّ صلّي الله عليه و آله ... 34
الدعم الاقتصادي ... 34
تحيات من الله لخديجة ... 35
بيتها في الجنّة ... 35
مكانتها عند النبيّ صلّي الله عليه و آله ... 36
ألطاف الله تعالى عليها ... 37
إلى الفردوس الأعلى ... 38
وِلَادَةُ الصِّدّيقَةِ وَنَشْأَتُهَا
41-58
مراسيم الولادة ... 43
الأذان والإقامة ... 43
تكوينها عليهاالسّلام ... 44
زمن ولادتها عليهاالسّلام ... 45
المكان ... 45
تسميتها عليهاالسّلام ... 46
ألقابها عليهاالسّلام ... 50
كنيتها عليهاالسّلام ... 50
نقش خاتمها عليهاالسّلام ... 51
نشأتها عليهاالسّلام ... 52
من معالم التربية النبويّة لها عليهاالسّلام ... 52
أدعية علّمها النبيّ له للزهراء عليهاالسّلام ... 54
شبهها عليهاالسّلام بالنبيّ صلّي الله عليه و آله ... 57
عيادة النبيّ صلّي الله عليه و آله لفاطمة عليهاالسّلام ... 57
عَنُاصِرُهَا النَّفْسِيَّةُ
59-98
العصمة ... 61
البرّ بالفقراء ... 63
الزهد في الدنيا ... 65
العفاف والحجاب ... 67
الإيمان العميق بالله تعالى ... 68
انقطاعها عليهاالسّلام إلى الله تعالى ... 69
دعاؤها عليهاالسّلام في الالتجاء إلى الله تعالى ... 70
دعاؤها عليهاالسّلام فى الاعتصام بالله تعالى ... 70
دعاؤها عليهاالسّلام في تسبيح الله تعالى ... 71
دعاؤها عليهاالسّلام للأمر العظيم ... 72
دعاؤها عليهاالسّلام في تيسير الأُمور ... 72
دعاؤها عليهاالسّلام في الاستشفاء ... 73
دعاؤها عليهاالسّلام في الصباح والمساء ... 73
دعاؤها عليهاالسّلام عند المنام ... 73
أدعية الأيّام ... 74
دعاؤها عليهاالسّلام في يوم السبت ... 74
دعاؤها عليهاالسّلام في يوم الأحد ... 75
دعاؤها عليهاالسّلام في يوم الاثنين ... 75
دعاؤها عليهاالسّلام في يوم الثلاثاء ... 76
دعاؤها عليهاالسّلام في يوم الأربعاء ... 76
دعاؤها عليهاالسّلام في يوم الخميس ... 77
دعاؤها عليهاالسّلام في يوم الجمعة ... 77
حرزها عليهاالسّلام.. 78
تسبيح الزهراء عليهاالسّلام... 78
عبادتها عليهاالسّلام... 80
تعقيبها عليهاالسّلام بعد صلاة الظهر ... 80
دعاؤها عليهاالسّلام بعد صلاة العصر ... 84
دعاؤها عليهاالسّلام تعقيب صلاة المغرب ... 89
دعاؤها عليهاالسّلام عقيب صلاة العشاء ... 94
الزَّهْرَاءُ عليهاالسّلام في رَحابِ القُرآن وَالسُّنَّةِ
99- 124
في رحاب القرآن ... 101
آية المودّة ... 101
آية الأبرار ... 106
آية التطهير ... 107
آية المباهلة ... 109
في ظِلال السنّة ... 114
الأحاديث في فضل الزهراء عليهاالسّلام ... 114
الأحاديث في فضل العترة ... 117
1 - حديث الثقلين ... 117
أوّلاً: سند الحديث ... 119
ثانياً: دلالة الحديث ... 120
2 - حديث السفينة ... 120
3 - أهل البيت عليهم السّلام أمان للأُمّة ... 121
4 - النبيّ صلّي الله عليه و آله سلم لِمن سالم أهل بيته ... 122
5 - من أحبّ أهل البيت عليهم السّلام كان مع النبيّ صلّي الله عليه و آله ... 122
6 - معرفة أهل البيت عليهم السّلام أمان من العذاب ... 122
7 - السؤال عن محبّة آل البيت عليهم السّلام... 123
-8 - الاقتداء بأهل البيت عليهم السّلام... 123
9 - الممات على حبّ أهل البيت عليهم السّلام... 123
قِرَانُ الصِّدّيقَةِ بِالأِمَامِ
125- 162
المهر ... 129
جهاز فاطمة عليهاالسّلام ... 129
مخاريف «لامنس» ... 131
خطبة العقد ... 132
وليمة الزواج ... 134
النبيّ صلّي الله عليه و آله يحدّث فاطمة عن على عليه السّلام ... 135
المنزل ... 135
الزفاف ... 135
الزهراء عليهاالسّلام تتصدق بثوب عرسها ... 137
الشعر في زواج الزهراء عليهاالسّلام ... 138
1 – حفصة ... 138
2 - أُمّ سلمة ... 138
3 - عائشة ... 138
4 - كبشة (أُمّ سعد بن معاذ) ... 139
5 - الحميري ... 139
6 - السرخسي ... 140
7 - السُّوسي ... 140
8 - العبدي ... 140
9 - الشيخ الفرطوسي ... 141
دار سكناها عليهاالسّلام ... 141
شؤون المنزل ... 142
عملها عليهاالسّلام في البيت ... 142
1 - تهيئة الطعام ... 142
2 - تنظيف البيت ... 143
3 - الغزل لملابس أبنائها وزوجها ... 143
4 - مساعدة الإمام عليه السّلام الفاطمة عليهاالسّلام ... 143
5 - طحنها عليهاالسّلام الطعام لجيرانها ... 144
6 - سقايتها عليهاالسّلام للضعفاء ... 145
وصيّة النبيّ صلّي الله عليه و آله لفاطمة عليهاالسّلام ... 145
رواية مرفوضة ... 146
أبناء فاطمة عليهاالسّلام أبناء للنبيّ صلّي الله عليه و آله ... 146
الحجّاج مع يحيى بن يعمر ... 148
رواية مرفوضة ... 150
مع العبّاسيّين ... 153
الوشاية بمولاة الزهراء عليهاالسّلام ... 156
الوشاية بمنصور النمري ... 156
الوشاية بشريك ... 158
الاعتداء على سيّدة موالية للزهراء عليهاالسّلام ... 160
الذُّرِّيَّةُ الطَّاهِرَةُ
163-213
الأِمَامُ الحَسَنُ عليه السّلام
سنن الولادة ... 166
الأذان والإقامة ... 166
التسمية ... 167
العقيقة ... 167
حلق رأسه عليه السّلام ... 167
كنيته عليه السّلام ... 168
حبّ وإشادة ... 168
نشأته عليه السّلام ... 171
مُثلُه عليه السّلام العليا ... 171
سموّ الأخلاق ... 171
سموّ حلمه عليه السّلام ... 172
سخاؤه عليه السّلام ... 173
الزهد في الدنيا ... 174
التصدّق بأمواله عليه السّلام ... 174
عبادته عليه السّلام ... 175
اتّهام رخيص ... 176
خلافته عليه السّلام ... 177
الأِمَامُ الحُسَيْنُ عليه السّلام
ولادته عليه السّلام ... 180
وجوم النبيّ صلّي الله عليه و آله وبكاؤه ... 180
مراسيم الولادة ... 181
الأذان والإقامة ... 181
التسمية ... 182
العقيقة ... 182
حلق رأسه عليه السّلام ... 182
تعويذ النبيّ صلّي الله عليه و آله للحسنين عليهماالسّلام ... 183
حبّ النبي صلّي الله عليه و آله للحسين عليه السّلام ... 183
إخبار النبيّ صلّي الله عليه و آله بشهادة الحسين عليه السّلام ... 185
إخبار الإمام بشهادة الحسين عليه السّلام ... 191
الإمام الحسين عليه السّلام مع عمر ... 194
الإمام الحسين عليه السّلام ومعاوية ... 195
مذكّرة الإمام عليه السّلام لمعاوية ... 196
المؤتمر السياسي في مكّة ... 196
هلاك معاوية ... 197
ثورة الإمام الحسين عليه السّلام ... 197
الشهادة ... 199
السَّيِّدَةُ زَيْنَبُ
ولادتها عليهاالسّلام ... 200
وجوم النبيّ صلّي الله عليه و آله ... 201
تسميتها عليهاالسّلام ... 201
كنيتها عليهاالسّلام ... 202
ألقابها عليهاالسّلام ... 202
عقيلة بني هاشم ... 202
العالِمَة ... 202
عابدة آل عليّ ... 203
الكاملة ... 203
الفاضلة ... 203
سنة ولادتها عليهاالسّلام ... 203
نشأتها عليهاالسّلام ... 204
عناصرها عليهاالسّلام النفسية ... 205
الإيمان الوثيق بالله تعالى ... 205
الصبر ... 206
العزّة والكرامة ... 207
الشجاعة ... 208
مع المأساة الخالدة ... 209
إلى الرفيق الأعلى
أُمُّ كُلْثوُمْ ... 212
المُحسِنُ ... 213
ثُرَاثُهَا العِلْمِيُّ وَالفِكْرِيُّ
215- 232
مَن روى عنها عليهاالسّلام ... 217
مسندها عليهاالسّلام ... 218
1 - الحثّ على النظافة ... 218
2 - السخاء والبخل ... 218
3- فضل العتق ... 219
4 - فضل المريض ... 219
5 - التهاون في الصلاة ... 220
6 - الساعة التي يستجاب فيها الدعاء ... 222
7 - الساعة التي يقسّم الله فيها أرزاقه للعباد ... 222
8 - الدعاء عند دخول المسجد ... 223
9 - الجندان الظالمان ... 223
10 - فضل الشيعة ... 224
11 - السعيد من أحبّ عليّاً عليه السّلام ... 224
12 - أبناء فاطمة عليهاالسّلام ينتسبون للنبيّ صلّى الله عليه و آله ... 224
13 - تعويذ النبيّ صلّى الله عليه و آله للحسنين عليهماالسّلام ... 225
14 - نحلة النبيّ صلّى الله عليه و آله الحسنين عليهماالسّلام ... 225
15 - ميراث النبيّ صلّى الله عليه و آله لسبطيه عليهماالسّلام ... 226
16 - الصنيعة لأبناء فاطمة عليهاالسّلام ... 226
17 - حديث الثقلين ... 226
18 - النصّ على إمامة أمير المؤمنين عليه السّلام ... 227
19 - الأئمّة من وُلد الحسين عليه السّلام ... 227
20 - فضل الإمام عليّ عليه السّلام ... 228
21 - رجال الأعراف هم الأئمّة عليهم السّلام ... 228
22 - الصدّيقة عليهاالسّلام من السوابق لمرضاة الله تعالى ... 229
جوامع الكلم ... 229
1 - البشرة في وجوه الناس ... 230
2 - الإخلاص في العبادة ... 230
3- العدل ... 230
4 - الإشادة بالمرأة ... 231
5 - آداب الصائم ... 231
6 - الدعاء للميت ... 231
مصحف فاطمة عليهاالسّلام ... 232
الزَّهْرَاءُ مَعَ الثَّوْرَةِ الإِسْلَامِيَّةِ العُظْمى
23 - 249
القيم الكريمة ... 236
المساواة بين الناس ... 236
تحرير المرأة ... 237
حرمة الزنا ... 239
تحريم الربا ... 239
تحريم الخمر ... 239
إقصاء الفقر ... 239
إشاعة العلم ... 240
فزع القرشيّين ... 240
1 - إغراء صبيانهم بمحاربة النبيّ صلّى الله عليه و آله ... 241
2 - اتّهام النبيّ صلّى الله عليه و آله بالجنون ... 241
3 - اتّهامه صلّى الله عليه و آله بالسحر ... 241
4 - تعذيب المؤمنين ... 242
الزهراء عليهاالسّلام مع أبيها ... 242
اجتماع قريش على قتل النبيّ صلّى الله عليه و آله ... 243
هجرة النبيّ صلّى الله عليه و آله إلى يثرب ... 244
مبيت الإمام عليه السّلام في فراش النبيّ صلّى الله عليه و آله ... 244
استقبال المدينة للرسول صلّى الله عليه و آله ... 246
هجرة الإمام عليه السّلام ليثرب ... 246
في واقعة أُحُد ... 247
واقعة الأحزاب ... 248
النبيّ صلّى الله عليه و آله مع بضعته في حلّه وترحاله ... 249
اِنْتِخَابُ الأِمَامِ لِلْخِلَافَةِ الإِسْلَامِيَّةِ
201 - 261
تعيين القائد من بعده ... 253
النبيّ صلّى الله عليه و آله يرشّح عليّاَ عليه السّلام ... 255
لماذا رشح النبي صلّى الله عليه و آله عليّاً عليه السلام ... 255
طَلَائِعُ الرَّحيلِ
263 - 271
حجّة الوداع ... 266
المؤتمر العامّ ... 267
مؤتمر غدیر خم ... 269
المَاسَاةُ الخَالِدَةُ
273 - 295
مرض النبيّ صلّى الله عليه و آله ... 275
استغفاره صلّى الله عليه و آله لأهل البقيع ... 276
سرية أُسامة ... 277
إعطاء القصاص من نفسه صلّى الله عليه و آله ... 279
تصدّق الرسول صلّى الله عليه و آله بما عنده ... 282
رزيّة يوم الخميس ... 283
لوعة الزهراء عليهاالسّلام ... 285
النبيّ صلّى الله عليه و آله يوصى بأهل بأهل بيته ... 287
ميراث النبىّ صلّى الله عليه و آله لسبطيه عليهماالسّلام ... 287
وصيّة النبىّ صلّى الله عليه و آله بالسبطين عليهماالسّلام ... 288
إلى الفردوس الأعلى ... 288
السيدة فاطمة عليهاالسّلام ... 290
تجهيز الجثمان العظيم ... 291
الصلاة عليه صلّى الله عليه و آله ... 292
مواراة الجثمان المقدّس ... 293
فزع العترة الطاهرة ... 293
رثاء الزهراء عليهماالسّلام لأبيها صلّى الله عليه و آله ... 294
الفِتْنَةُ الْكُبْرى
297- 331
الأحزاب المختلفة في اتّجاهاتها التي نشأت قبل وفاة النبيّ صلّى الله عليه و آله:
1 - الحزب العلوى ... 299
2 - الحزب القرشي ... 300
3 - حزب الأنصار ... 300
مؤتمر السقيفة ... 301
انعقاد المؤتمر ... 301
1 - الامتناع عن الالتحاق بسرية أُسامة ... 302
2 - تمرّدهم على بيعة الإمام في غدير خم ... 302
3 - إنكارهم لاجتماع النبوّة والخلافة في بيت واحد ... 302
خطاب سعد ... 303
المؤاخذة على سعد ... 304
مباغتة الأنصار ... 305
خطاب أبي بكر ... 306
بيعة أبي بكر ... 308
خطاب عمر ... 309
خطاب الحباب ... 310
سرور القرشيّين ... 312
موقف أبي سفيان سفيان ... 313
اندحار الأنصار ... 315
امتناع الإمام عليه السّلام عن البيعة البيعة ... 315
إرغام الإمام عليه السّلام على البيعة ... 316
الإجراءات الصارمة ... 319
1 - الهجوم على دار الإمام عليه السّلام ... 319
التهديد بإحراق دار فاطمة عليهاالسّلام ... 319
البلاذري (279هـ) ... 319
الطبري (310هـ) ... 320
ابن عبدربّه (328هـ) ... 320
المسعودي (346هـ) ... 320
الشهرستاني (548هـ) ... 321
ابن أبي الحديد (655هـ) ... 321
كحّالة ... 321
ندم أبي بكر ... 322
2 - الاعتداء على الزهراء عليهاالسّلام ... 322
إسقاط الجنين ... 323
ابن قتيبة (276هـ) ... 323
الطبري (310هـ) ... 323
المسعودي (346هـ) ... 324
الشهرستاني (548هـ) ... 324
الطبرسي (560هـ) ... 324
الذهبي (748هـ) ... 324
الصفدي (764هـ) ... 325
ابن حجر (852هـ) ... 325
المجلسي (1111هـ) ... 325
3 - إسقاط الخمس ... 326
4 - تأميم فدك ... 326
موقعها الجغرافي ... 327
حدودها عند أهل البيت عليهم السّلام ... 327
فدك ملك للنبي صلّى الله عليه و آله ... 328
هبتها لفاطمة عليهاالسّلام ... 328
مطالبة الزهراء عليهاالسّلام بفدك ... 329
الإمام عليه السّلام يستنجد بالصحابة ... 331
333 - 364
خيبة الزهراء عليهاالسّلام ... 354
خطابها التأريخي على النساء ... 355
اعتذار مرفوض ... 361
الحزن العميق ... 361
لوعة وشجون ... 362
إِلى جَنَّةِ المَأوى
365- 375
عمرها عليهاالسّلام الشريف ... 372
تاریخ شهادتها عليهاالسّلام ... 373
مرقدها عليهاالسّلام الشريف ... 374
مصادر الكتاب ... 377
محتويات الكتاب ... 393