موسوعة سیرة أهل البیت علیهم السلام جلد 6

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

موسوعة

سيرة اهل البیت(عليهم السلام)

الجزء السادس

الأمام علی بن ابی طالب(عليه السلام)

تأليف: باقرشریف القرشی

تحقیق: مهدی باقر القرشی

موسسه الإمام الحسن(عليه السلام)

الاحياء تراث أهل البيت(عليهم السلام)

الطبعة الثانية : .... 1433ه- / 2012م

عدد النسخ : .... 1000 نسخة

حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف

ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978

ردمك الجزء ( 39 ) : 0 - 1 - 8270 - 964 - 978

عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول صلی الله علیه وآله وسلم

مكتبة الإمام الحسن علیه السلام - هاتف 009647805694970

اشارة

موسوعة

سيرة اهل البیت (عليهم السلام)

الأمام على بن ابی طالب(عليه السلام)

موسوعة

سيرة اهل البيت(عليهم السلام)

الجزع السَّادس

الأمام على بن ابی طالب(عليه السلام)

المُسنَدُ وَ العلمُ و الوصايا

تأليف

باقر شریف القرشي

تحقيق

مهدي بَاقِر القرشي

موسسه الإمام الحسن(عليه السلام)

لاحياء تراث اهل البيت(عليهم السلام)

موسوعة سيرة اهل البيت(عليهم السلام)

تحقيق : مهدی باقر القرشي

الناشر : دار المعروف - مؤسسة الإمام الحسن (عليه السلام)

المطبعة :... ستار

الطبعة الثانية : .... 1433هـ / 2012م

عدد النسخ :.......1000 نسخة

حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف

ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978

ردمك الجزء (6) : 3 - 48 - 275 - 64 - 978

عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)

مكتبة الإمام الحسن(عليه السلام) - هاتف 009647805694970

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ البقرة 2 : 180

وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ لقمان 13:31
لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِن أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمَهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍآل عمران 3: 164 وَزَادَهُ بَسْطَةٌ فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ البقرة 2: 247

وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً الإسراء 17 85

ذَلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ آل عمران 44:3

تقدیم

1- تأتي السنّة النبوية في الأهميّة بعد القرآن الكريم ، فلها دورها المشرق في بناء صرح الإسلام ، وإنشاء قواعده ، وتأسيس حضارته ... وهي منهج كامل لجميع ما يسعد به الإنسان نفسياً واجتماعياً، فقد أقامت له قواعد الأخلاق ، وأصول الآداب ، وما يتميز به الإنسان من الصفات الحميدة ، والأوصاف الشريفة ، فقد عبَّدت له الطريق و أوضحت له القصد ، وحرّرته من جميع الخلفيات التي تلقي به في قرار سحيق من مآثم هذه الحياة .

2- ونعني بالسنّة النبوية قول النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)وفعله وتقريره ، أما قوله : فهو ما يؤثر عنه من الأحكام الشرعية التكليفية والوضعية ، وفنون الآداب ومكارم الأخلاق . وأما فعله فهو أن يعمل شيئاً ، وهو دليل على إباحته بالمعنى الأعم ولو كان غير مشروع لما جاز أن يعمله . وأما تقريره فهو أن يرى أحداً من المسلمين يعمل شيئاً فيقره عليه ،وهو دليل على مشروعيته ؛ إذ لو كان محرماً لوجب عليه أن ينهاه ويصدّه عنه .

3- ولم يكتب للأحاديث النبوية أن تدوّن في عهد الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)، وإنّما ظلّت محفوظة في قلوب أهل بيته وأصحابه وطبعت في ضمائرهم ودخائل نفوسهم ، وبعد انتقال النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) إلى حظيرة القدس ، رأى مفكرو الصحابة ضرورة تدوين الأحاديث النبوية خوفاً عليها من التلف والضياع والزيادة والنقصان ، وعرضوا ذلك على أبي بكر ومستشاره ووزيره عمر بن الخطاب ، فلم يستجيبا لهم بحجّة أنّها

لو سجّلت في كتاب واحد لانشغل بها المسلمون عن قراءة كتاب الله تعالى ! وهو اعتذار مهلهل ، والذي نراه بمزيد من التأمل الذي لا يخضع لهوى ولا لعاطفة أن السبب في ذلك هو أنّ كوكبة من الأخبار قد أشادت بفضل أهل البيت(عليه السلام)، وألزمت المسلمين بمودتهم وطاعتهم وترشيحهم لقيادة الأمة . الأمر الذي يتنافى مع احتلالهم لمركز الخلافة ، وإبعاد أهل البيت(عليه السلام) عن قيادة الأمة ، وجعلهم بمعزل عن الحياة السياسية العامة في البلاد .

4 -وتشكّلت لجان الوضع بصورة رسمية ومكشوفة في عهد معاوية عميد -يد الأسرة الأموية ، الذي لم يألُ جهداً في محق الإسلام ، وإطفاء نوره وإخفاء معالمه ، وليس في هذا القول تجنّياً عليه أو انقياداً لعاطفة ، وإنما الدراسة الواعية لأح--داث التأريخ هي التي تدلّل على ذلك ، فقد تفجرت سياسته بكل ما خالف كتاب الله تعالى وسنّة نبيه والتي منها إعدامه لأعلام الإسلام أمثال حجر بن عدي وعمرو بن الحمق الخزاعي ، واغتياله لسبط الرسول الإمام الحسن(عليه السلام) وغير ذلك من الأحداث الجسام .

وعلى أي حال فقد عمد معاوية بتكليف عصابة من حزبه وعملائه إلى افتعال الحديث وتنسيقه ليعارض به الأحاديث النبوية البالغة حد الاعجاز في فصاحتها وبلاغتها ، وفعلاً فقد وضعت الأحاديث ، وهي ذات ألوان متعدّدة بعضها في فضائل الصحابة ، وبعضها في ذمّ أهل البيت دعاة العدل الاجتماعي ، وبعضها في الحطّ من قيمة الأنبياء(عليهم السلام).

وقد عرض لزيفها الإمام شرف الدين، والعلامة الكبير الشيخ محمود أبوريه في كتابه «أضواء على السنة المحمدية»وكانت بحوثهما عن الأحاديث الموضوعة مشرقة بالروح العلمية النزيهة التي لم تجنح لعاطفة ولا لتقليد .

5- واستخدمت الحكومات القائمة في تلك العصور من الأمويّين والعباسيّين الأحاديث الموضوعة سلّماً لسياساتهم القائمة على الظلم والجور، وعلى

إرغام الناس على ما يكرهون ، فقد تمسّكوا بما وضعه الوضّاعون من إعفاء زعيم الدولة عمّا يقترفه من السيئات والآثام، وأنّ الله تعالى لايحاسبه عليها في الدار الآخرة ، وأنه ليس كبقية الناس الذين يحاسبهم الله تعالى على ما صدر عنهم من شر وإثم في دار الدنيا . وعلى أي حال فإن الأحاديث الموضوعة قد ألقت المسلمين في شرّ عظيم ، وصدت الكثير عن الطريق القويم الذي رسمه الإسلام ليكونوا قادة الأمم والشعوب . واستشف الرسول الأعظم(صلی الله علیه وآله وسلم) من وراء الغيب ما تقوم به بعض النفوس المريضة والضمائر الرخيصة من افتعال الحديث ونسبته إليه ، فحذرهم وخوفهم عقاب الله تعالى ، قال(صلی الله علیه وآله وسلم) : « مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً(1)فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ »(2). ولكنّهم لم يحفلوا بتحذير النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، و أصرّوا على غيهم فعمدوا إلى افتعال الأحاديث ، ونسبتها إلى الرسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، ومعظمها تتنافى مع روح الإسلام وهديه ، وقد انتهكت بموضوعاتهم حرمة الإسلام الذي بُني على الصدق وقول الحقّ .

وعلى أي حال فقد أحصى المحقق الأميني عدد الوضاعين (620 )(3)وضاعاً ، فالويل لهم على ما اقترفوه من الإثمفَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا يَكْسِبُونَ(4).

6- ونعود للحديث عما أثر عن إمام المتقين الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) من الأحاديث التي رواها عن التي رواها عن أخيه وابن عمه سيّد المرسلين النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، فإنّ


1) قال المحقق الكبير الشيخ محمود أبورية(رحمۀ الله علیه): « وقد عنيت بالبحث عن حقيقة هذا الحديث حتى وصلت بعد طول السعي إلى أن كلمة ( متعمّداً ) لم تأت في روايات كبار الصحابة ...» - أضواء على السنة المحمّدية : 7.

2) الحديث متواتر صحيح .

3) الغدير 10: 185 - 236 .

4) البقرة :2 : 79

معظمها تتعلق بالآداب وحسن السلوك ، وبناء شخصية الإنسان المسلم على أسس رفيعة متوازنة من الكمال وحسن الأخلاق ، وما يتعلّق بروابطه الاجتماعية ، من الاهتمام بالصالح العام ، وتبني قضايا مجتمعه وغير ذلك مما يتعلق بتطور الحياة الإسلامية في جميع مناطق العالم الإسلامي . إن أحاديث النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) التي يرويها وصيه وباب مدينة علمه ، الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)تتميز بما تحمله من طاقات ندية خلاقة ، تسمو بالمجتمع الإسلامي إلى أرقى مستويات الكمال والتهذيب ، وتحقق له القيادة العامة لشعوب العالم .

ألّف المؤرخ الكبير أبو جعفر الطبري كتاباً أسماه «تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله الله من الأخبار » عرض فيه للأخبار النبوية التي رواها أعلام الصحابة ، وهو يقع في عدة أجزاء ، نسب كل جزء منها إلى عَلَم من أعلام الصحابة ، سجّل فيه ما رواه عن الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) بعنوان مسند الصحابي فلان ، ومن هذه المسانيد (مسند عليّ ) ذكر فيه روايات عن الرسول (صلی الله علیه وآله وسلم).

ومن مزايا هذا المسند أنه دون الرواية التي يرويها الإمام(عليه السلام) ثمّ ذكر لها مماثلاً من طرق أخرى ، ثم ذكر بعد ذلك ما يعارضها من الروايات ، ويختار بعد ذلك ما يذهب إليه ، والكتاب طريف ومفيد للمعنيين بهذه البحوث ، وعدد ما جاء في مسنده عن الإمام(عليه السلام)(43 ) حديثاً .

وأودّ أن أعرض إلى أنّ ما سجلته في هذا الكتاب من روايات الإمام(عليه السلام) عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)ليست هي جميع رواياته عنه ، وإنما هي جزء بسيط منها ، فإنّ الإمام(عليه السلام)من ألصق الناس برسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، وهو باب مدينة علمه ، وقد وعى بصورة جازمة جميع أحاديثه ، وسجّلها في دخائل نفسه ، و أشاعها بين الناس ، فليس هذا الكتاب إلا بعض أحاديثه عنه ، والمتتبع يجد أضعافها في مصادر الحديث والسنة .

ومن الخطأ الواضح أن أدّعي الاحاطة التامة والمستوعبة لجميع أحاديث

الإمام(عليه السلام) عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) فإن ذلك أمر بعيد المنال ، وأستغفر الله تعالى إن صدرت عني دعوى ذلك .

7- عنى الإسلام فيما قننه من أرصدة تربوية بتهذيب الإنسان في سلوكه وسائر صفاته وغرائزه النفسية ؛ ليكون مواطناً صالحاً ينشد العدل ويقيم الحقّ ويسعى للاصلاح الشامل لنفسه وأمّته ووطنه .

إنّ نظرة الإسلام للإنسان كانت شمولية وقائمة على الاستيعاب الكامل لشؤونه النفسية ومكوّناته الذاتية ، فعالجها بصورة موضوعية ودقيقة، فوضع لها المناهج الكاملة التي تحسم عنه جميع ألوان الانحراف والسلوك في المنعطفات التي تهوي به إلى مستوى سحيق ما له من قرار .

وتمتدّ مناهج التربية الإسلامية الخلاقة إلى أعماق النفس ودخائل الذات فتطهرها من الأنانية والكبرياء والدجل والنفاق وغيرها من الصفات الآثمة ، كما تعقد الصلة الوثيقة بينها وبين الله تعالى خالق الكون وواهب الحياة ، فتسمو بها إلى عالم النور ونكران الذات ، ويتميّز الإنسان بذلك على سائر الكائنات الحيّة ويكون خليفة الله تعالى في أرضه .

من المؤكّد أنّ التربية الدينية الواعية القائمة على الأسس السليمة إذا سادت في الأرض وعمّت الأمم والشعوب فستنعدم عن الكون جميع أفانين الظلم والجور وتسود العدالة الاجتماعية بجميع صورها ومناهجها وتتوفّر لابن آدم المجهود المكدود جميع الحقوق التي أعلنتها وأقرتها هيئة الأمم المتحدة وغيرها من المحافل الدولية ، كحقه في الحياة وحقه في الحرية والعمل والمساواة وغيرها من البنود في حقوق الإنسان .

8- أمّا الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) فهو الدماغ المفكر في الإنسانية وعملاقها العظيم الذي أحاط بدقائق الحياة وألم بطباع سائر الناس في جميع مراحل

تكوينهم ، فوقف على ميولهم واتجاهاتهم حتى صار كأحدهم ، وقد حكى ذلك بقوله :

« إِنِّي وَإِنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي ، فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ ، وَفَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ ، وَسِرْتُ فِي آثَارِهِمْ ؛ حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ؛ بَلْ كَأَنِّي بِمَا انْتَهَى إِلَيَّ مِنْ أُمُورِهِمْ قَدْ عُمَّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ ، فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِهِ ، وَنَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِهِ».

وقد وضع الإمام علي(عليه السلام) البرامج التربوية على وفق إحاطته الكاملة بما يسعدون وينعمون به.

9- وتتميّز المناهج التربوية التي وضع برامجها الإمام الملهم العظيم في وصاياه الخالدة لأبنائه وأعلام أصحابه بأنها لم تستهدف - فقط - قضايا النفس وصفاتها وتجريدها من النزعات الشريرة وإقامتها على أسس سليمة من الوعي والإدراك الكامل الذي يحجبها من الالتواء في سلوكها والانحراف في مسيرتها ، وإنما كانت شاملة لجميع مناحي حياة الإنسان والتي منها سلوكه مع أخيه الإنسان ، وأن تكون الروابط بينهما وثيقة للغاية، فيحبّ له كما يحبّ لنفسه ، ويكره له ما يكره لنفسه ، ومن المؤكّد أنه إذا تحققت هذه الظاهرة على مسرح الحياة فإنّه يتكوّن منها المجتمع السليم الذي يريده الله تعالى ، وسعى النبي العظيم الله لإقامته وتكوينه لتكون أمته رائدة الشعوب نحو الحياة الفضلى التي يجد فيها الإنسان جميع ما يصبو إليه من العزّة والكرامة والأمن والرخاء والسلامة من الفقر والجهل وغيرها من صور التخلّف والانحطاط .

ولم يقتصر عطاء الإمام(عليه السلام) الفكري على قضايا التربية وإنما كان شاملاً لجميع قضايا الكون والحياة ، فقد كانت له آراؤه الخالدة والتي هي من مناجم الأدب العربي ومن ذخائر الفكر الإسلامي ، وقد حفلت بها - باعتزاز - موسوعات التاريخ ومصادر الأدب العربي ، ونحن نقدم إلى القراء نماذج منها في إطار هذا الكتاب مع التعليق

والشرح الموجز لها .

10- إنّ الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) رائد النهضة الفكرية والعلمية في دنيا الإسلام ، والعقل المفكر في عالم الإنسانية ، الذي استوعب أسرار الكون ودقائق الموجودات بذاتياتها وجنسها وغوامض محتوياتها ، كما أحاط بما يتحقق من بعده على مسرح الحياة من أحداث وشؤون أسماها العلماء بالملاحم والمغيبات ،وقد استمد ذلك كله من أخيه وابن عمه الرسول الأعظم(صلی الله علیه وآله وسلم)، فقد غذّاه بمواهبه وعبقرياته ، وأفاض عليه معارفه وعلومه ليكون امتداداً لوجوده ومبلغاً لرسالته ، تلك الرسالة العظمى التي غيرت مجرى التاريخ ، وأضاءت سماء الكون بما تحمله من القيم والمبادئ التي لم تعرفها الإنسانية من قبل ، فكان الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) هو الذي وعاها ، وانطبعت في دخائل نفسه فكان هو الأمين عليها ، والمبلغ لها من بعد الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم).

ويعرض هذا الفصل من الموسوعة إلى فضل العلم والحثّ على تعلمه ، وإلى بعض العلوم التي فتقها وأسسها ، كما يتعرّض إلى كوكبة من الملاحم والمغيبات التي أخبر عنها ، راجياً من الله تعالى أن أكون قد واكبت الحق وسايرت بدقة وأمانة سيرة هذا الإمام الملهم العظيم الذي هو نسخة من التقوى والمواهب لا ثاني لها في تاريخ عظماء الإنسانية سوى الرسول محمد(صلی الله علیه وآله وسلم).

إنّه تعالى وليّ التوفيق

مکتبۀ الامام الحسن العامۀ

باقر شریف القرشی

النجفُ الاشرفُ

اَضْوَاء عَلَى السنّة المحمّديّة

وألقى الإمام(عليه السلام) الأضواء بصورة موضوعية وشاملة على رواة الأحاديث النبوية ، وعرض بتحليل رائع لدوافع رواياتهم عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، التي هي متباينة كأشدّ ما يكون التباين ، فقد عمد بعضهم إلى وضع الأحاديث وافتعالها ، وسها آخرون عن نصوص الأحاديث فرووا ما يغايرها ... إلى غير ذلك من الدوافع والأغراض .

ومن المؤكد أن المسلمين لو علموا أو ميزوا الأحاديث المفتعلة لتبرأوا منها ، وما سجّلها الثقات في السنن والصحاح .

وعلى أي حال فيعتبر حديث الإمام(عليه السلام) في هذا الموضوع من أروع الدراسات العلمية عن الأحاديث النبوية ، وقد روى ذلك الثقة الزكي سليم بن قيس الهلالي(1)

من أصحاب أمير المؤمنين(عليه السلام)، وأصحاب الأئمة : الحسن والحسين وعلي بن الحسين(عليهم السلام)، كما ذكر ذلك الشيخ الطوسي في رجاله ، وقد طلبه الحجاج الطاغية الأثيم ليقتله فهرب منه ، وأوى إلى أبان بن أبي عيّاش ، فأقام عنده ، ولما حضرته الوفاة دفع إليه كتابه الذي سجل فيه الأحاديث المروعة التي وقعت بعد وفاة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، وعاني ويلاتها وكوارثها عترة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم). ويعتبر كتابه عند النعماني من أكبر كتب الأصول التي رواها أهل العلم ، وأن جميع ما فيه صحيح قد صدر من المعصوم(عليهم السلام)ولا بدّ من تصديقه وقبول رواياته إلّا أنّ الشيخ المفيد الله لم يوثق هذا الكتاب لأنه قد حصل فيه خلط وتدليس .وقد أطال السيد الأستاذ الخوئي(رحمۀ الله علیه) البحث في تحقيق هذا الكتاب ، ومدى صحة الناقدين له ، وقد ناقش جملة من أقوال الناقدين، وأنها بعيدة عن الصحة ، يراجع في ذلك معجم رجال الحديث : 8 :218 - 230 .


1) سليم بن قيس الهلالي العامري الكوفي :

قال : « قلت لأمير المؤمنين : إنّي سمعتُ من سلمان الفارسي والمقداد وأبي ذَرٍّ شيئاً من تفسير القرآن ، وأحاديث عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)غير ما في أيدي الناس ، ثُمّ سمعت منك تصديق ما سمعتُ منهم ، ورأيتُ في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن ومن الأحاديث عن نبي الله(صلی الله علیه وآله وسلم)أنتم تخالفونهم فيها ، وتزعمون أنَّ ذلك كله باطل ،أفترى الناس يكذبون على رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)متعمدين ، ويفسّرون القرآن بآرائهم ؟

لقد طلب سليم من الإمام(عليه السلام)أن يوضح له الحال في شأن بعض الأخبار ، وتفسير بعض آيات الذكر الحكيم التي ينقلها حماة الإسلام أمثال سلمان الفارسي وأبي ذرّ والمقداد ، والإمام يقرها ، وهناك طائفة من الأخبار وتفسير بعض الآيات ، والإمام ينكرها ، فما هو الصحيح منهما ؟

فأجابه الإمام بهذا الجواب الرائع قائلاً :

قَدْ سَأَلْتَ فَافْهَم الْجَوابَ ، إِنَّ فِي أَيْدِي النّاسِ حَقّاً وَباطِلاً، وَصِدْقاً وَكِذْباً ، وَناسِخاً وَمَنْسُوخاً، وَعَامّاً وخاصّاً ، وَمُحْكَماً وَمُتَشَابِها ، وَحِفْظاً وَوَهْماً ، وَقَدْ كُذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلی الله علیه وآله وسلم)عَلَى عَهْدِهِ حَتَّى قامَ خَطِيباً ، فَقَالَ : أَيُّها النّاسُ ، قَدْ كَثُرَتْ عَلَى الْكَذَابَةُ فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ.

ثُمَّ كُذِبَ عَلَيْهِ مِنْ بَعْدِهِ. وَإِنَّما أَتَاكُمُ الْحَدِيثُ مِنْ أَرْبَعَةٍ لَيْسَ لَهُمْ حَامِسٌ : رَجُلٌ مُنافِقٌ يُظهِرُ الْإِيْمَانَ ، مُتَصَنِّع بِالْإِسْلَامِ (1)،


1) متصنع بالإسلام : أي متدلّس به.

لَا يَتَأَنَّمُ وَلَا يَتَحَرَّجُ أَنْ يَكْذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) مُتَعَمِّداً ، فَلَوْ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ مُنافِقٌ كَذَّابٌ ، لَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ وَلَمْ يُصَدِّقُوهُ ، وَلَكِنَّهُمْ قالُوا : هذا قَدْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ (صلی الله علیه وآله وسلم) وَرَآهُ وَسَمِعَ مِنْهُ ، وَأَخَذُوا - أي الناس - عَنْهُ ، وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ حالَهُ ، وَقَدْ أَخْبَرَهُ اللهُ عَنِ الْمُنافِقِينَ بِمَا أَخْبَرَهُ ، وَوَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ فَقالَ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ(1)، ثُمَّ بَقُوا بَعْدَهُ فَتَقَرَّبُوا إِلى أَئِمَّةِ الضَّلَالَةِ وَالدُّعاةِ إِلَى النَّارِ بِالنُّورِ وَالْكَذِب وَالْبُهْتانِ ، فَوَلَّوْهُمُ الْأَعْمَالَ ، وَحَمَلُوهُمْ عَلى رِقابِ النّاسِ ، وَأَكَلُوا بِهِمُ الدُّنْيا ، وَإِنّما النّاسُ مَعَ الْمُلُوكِ وَالدُّنْيا إِلَّا مَنْ عَصَمَ اللهُ فَهَذا أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ ...

وحكى هذا المقطع من حديث الإمام علي(عليه السلام)أموراً بالغة الأهمية وهي :

أوّلاً: إنّ ما بأيدي الناس من الأحاديث التي يروونها عن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) متباينة لا يعرفون واقعها ، فبعضها صدق ، وبعضها كذب، وهي بين عام وخاص ، ومحكم ومتشابه ، وناسخ ومنسوخ ، وقد جهلوا ذلك ، ولم يميّزوا بعضها عن بعض .

ثانياً : إن الكذب على رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) لم يحدث بعد وفاته ، وإنما كان في حياته ، ممّا دعا النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) أن يحذر الكاذبين ، وشدّد عليهم النكير، وبشرهم بنار جهنّم .

ثالثاً : ذكر أن نقلة الحديث أربعة أشخاص ، وذكر القسم الأوّل وهم المنافقون الذين يُظهرون الإسلام بألسنتهم وقلوبهم مطوية على الكفر والإلحاد، وهؤلاء لا يتحرّجون من الكذب على رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) وافتعال الأحاديث الباطلة ونسبتها له ،


1) المنافقون 63: 4.

ولو علم الناس بافتعال أحاديثهم لما أخذوا بها واجتنبوها ، لقد اغتر الناس بهم لأنهم رأوا رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وصحبوه وسمعوا منه ، وظنّ الناس بهم خيراً ، ولم يعرفوا واقعهم أنّهم على ضلال ... وهؤلاء المنافقون أمثال سمرة بن جندب وعمرو بن العاص و مروان بن الحكم وأشباههم .

رابعاً : إنّ المنافقين من الرواة قد تقرّبوا إلى السلطة الأموية الظالمة ، وأخذوا ينشرون بين الناس الأحاديث المنكرة تقرّباً للأمويين، فمنحتهم السلطة الوظائف المهمة في الدولة ، وحملوهم على رقاب الناس ... وهؤلاء الصنف الأوّل من الرواة .

ثم يأخذ الإمام الله في بيان بقية أصناف الرواة قائلاً:

وَرَجُلٌ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم)شَيْئاً لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى وَجْهِهِ وَوَهِمَ فِيْهِ ، وَلَمْ يَتَعَمَّدْ كِذْباً ، فَهُوَ فِي يَدِهِ يَقُولُ بِهِ ، وَيَعْمَلُ بِهِ، وَيَرْوِيهِ ، وَلَوْ عَلِمَ هُوَ أَنَّهُ وَهُمْ لَرَفَضَهُ...

وهذا الصنف الثاني من الرواة الذين سمعوا من رسول الله حديثه إلّا أنّهم على غفلة ووهم ، فإنّهم لم يحملوا الحديث على وجهه وظاهره وأخذوا بالوهم منه ، وهؤلاء لم يتعمدوا الكذب ولا افتعال الحديث فحديثهم مرفوض لأنّهم لم يأخذوا بظاهره وتأوّلوه ، ثمّ يأخذ الإمام في بيان الصنف الثالث من رواة الحديث قائلاً:

وَرَجُلٌ ثالِثٌ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) شَيْئاً أَمَرَ بِهِ ثُمَّ نَهى عَنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ، أَوْ سَمِعَهُ يَنْهى عَنْ شَيْءٍ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ، فَحَفِظَ مَنْسُوخَهُ وَلَمْ يَحْفَظِ النَّاسِخَ ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضَهُ ، وَلَوْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ إِذْ سَمِعُوهُ مِنْهُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضُوهُ ..

الصنف الثالث من الرواة أنّهم سمعوا حديثاً من رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) قد أمر به ثم نهى

عنه ، فحفظوا ما أمر به وأشاعوه بين الناس ، ولم يحفظوا ناسخه ، وهم كانوا على حسن نية لم يتعمدوا الكذب وافتعال الحديث إلا أنّهم غافلون ، وهؤلاء ينبغي التوقف في حديثهم وعدم الأخذ به .

ويستمر الإمام(عليه السلام) في بيان الصنف الرابع من رواة الحديث قائلاً:

وَآخَرٌ رابعٌ لَمْ يَكْذِبْ عَلَى رَسُولِ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم)، مُبْغِضُ لِلْكَذِبِ خَوْفاً مِنَ اللهِ وَتَعْظِيماً لِرَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم)، لَمْ يَنْسَهُ - أي الحديث - بَلْ حَفِظَ مَا سَمِعَ عَلَى وَجْهِهِ فَجَاءَ بِهِ كَما سَمِعَ لَمْ يَزِدْ فِيْهِ ، وَلَمْ يُنْقِصْ مِنْهُ ، وَعَلِمَ النَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخ ، فَعَمِلَ بِالنَّاسِخ وَرَفَضَ الْمَنْسُوخَ ، فَإِنَّ أَمْرَ النَّبِيِّ(صلی الله علیه وآله وسلم) مِثْلُ الْقُرْآنِ نَاسِعٌ وَمَنْسُوخٌ ،وَخاص وعامٌ ، وَمُحْكَمْ وَمُتَشابه ، قَدْ يَكُونُ مِنْ رَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم) الْكَلَامُ لَهُ وَجْهَانِ كَلَامٌ عامٌ ، وَكَلَامٌ خاص مِثْلُ الْقُرْآنِ ، وَقالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتابِهِ:وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا(1)فَيَشْتَبِهُ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْرِفْ وَلَمْ يَدْرِ ما عَنى اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ .

الصنف الرابع من الرواة وهم المتحرّجون في دينهم الذين يخافون الله ولا يكذبون ، وهم الذين يحفظون الحديث على وجهه ، ويشيعونه بين الناس ، قد عرفوا الناسخ من المنسوخ ، والخاص من العام، والمحكم من المتشابه ، وهؤلاء حديثهم من أرقى أصناف الحديث ، ومن أكثره صدقاً، ويجب الأخذ به .

ويستمر الإمام(عليه السلام)في حديثه قائلاً:


1) الحشر 7:59

وَلَيْسَ كُلُّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم)كَانَ يَسْأَلُهُ عَنْ الشَّيْءِ فَيَفْهَمُ ، وَكانَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْأَلُهُ ، وَلَا يَسْتَفْهِمُهُ ، حَتَّىٰ أَنْ كَانُوا لَيُحِبُّونَ أَنْ يَجِيءَ الْأَعْرَابِيُّ ، وَالطَّارِي(1)فَيَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) حَتَّى يَسْمَعُوا ...

تحدّث الإمام(عليه السلام)في هذه الكلمات عن أصحاب رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، وأنهم ليسوا على مستوى واحد من الإدراك والفهم ، فبعضهم يسأل عن الشيء فيجيبه الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)فيفهم الجواب ، والبعض الآخر يسأل ولا يعرف الجواب ، وأنّهم كانوا بشوق لمجيء أعرابي أو غريب ليسألا رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)فيجيبهما ، فيقفوا على ما دار بينهما ويفهموا ما أراد الرسول الله . ويستمر الإمام في حديثه فيعرب عن سموّ منزلته وعظيم مكانته عند الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)قائلاً:

وَقَدْ كُنْتُ أَدْخُلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) كُلَّ يَوْمٍ دَخْلَةٌ وَكُلَّ لَيْلَةِ دَخْلَةٌ فَيُخَلِّينِي فِيْها أَدُوْرُ مَعَهُ حَيْثُ دارَ ، وَقَدْ عَلِمَ أَصْحابُ رَسُولِ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم)أَنَّهُ لَمْ يَصْنَعْ ذلِكَ بِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ غَيْرِي ، فَرُبَّما كانَ فِي بَيْتِي يَأْتِينِي رَسُولُ اللَّهِ (صلی الله علیه وآله وسلم) أَكْثَرَ ذَلِكَ.

وَكُنْتُ إِذا دَخَلْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ مَنازِلِهِ ، أَخْلانِي ، وَأَقَامَ عَنِّي نِسَاءَهُ فَلَا يَبْقَى عِنْدَهُ غَيْرِي ، وَإِذَا أَتَانِي لِلْخَلْوَةِ مَعِي فِي مَنْزِلِي لَمْ تَقُمْ عَنِّي فَاطِمَةُ ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ بَنِيَّ.

وَكُنْتُ إِذا سَأَلْتُهُ أَجَابَنِي وَإِذَا سَكَتْ عَنْهُ ، وَفَنِيَتْ مَسَائِلِي ابْتَدَأَنِي .


1) الطاري : الغريب

فَمَا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم)آيَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا أَقْرَأَنِيها وَأَمْلاها عَلَيَّ فَاكْتَتَبتُها بِخَطَّي ، وَعَلَّمَنِي تَأْوِيلَها وَتَفْسِيرَها ، وَنَاسِحَها وَمَنْسُوخها ، وَمُحْكَمَها وَمُتَشَابِهَهَا ، وَخاصَّها وَعامَّها ، وَدَعا اللهَ أَنْ يُعْطِيَنِي فَهْمَها وَحِفْظها فَمَا نَسِيْتُ آيَةً مِنْ كِتابِ اللهِ ، وَلَا عِلْماً أَمْلَاهُ عَلَى وَكَتَبْتُهُ مِنْذُ دَعا اللهَ لِي بِما دَعا .

وَما تَرَكَ شَيْئاً عَلَّمَهُ اللهُ مِنْ حَلَالٍ وَلَا حَرامٍ، وَلَا أَمْرٍ وَلَا نَهْي كانَ أَوْ يَكُونُ، وَلَا كِتابٍ مُنْزَلٍ عَلَى أَحَدٍ قَبْلَهُ مِنْ طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ، إِلَّا عَلَّمَنِيْهِ وَحَفِظْتُهُ ، فَلَمْ أَنْسَ حَرْفاً وَاحِداً .

ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي وَدَعا اللهَ أَنْ يَمْلَأَ قَلْبِي عِلْماً وَفَهْماً وَحُكْماً وَنُوراً فَقُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مُنْذُ دَعَوْتَ اللهَ لِي بِمَا دَعَوْتَ لَمْ أَنْسَ شَيْئاً ، وَلَمْ يَفْتَنِي شَيْءٌ لَمْ أَكْتُبُهُ أَفَتَتَخَوَّفُ عَلَى النِّسْيانَ فِيمَا بَعْدُ ؟ فَقَالَ: لَا لَسْتُ أَتَخَوَّفُ عَلَيْكَ النِّسْيانَ وَالْجَهْلَ»(1)

وأعرب الإمام(عليه السلام) بهذه الكلمات عن شدة اتصاله بالنبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، وأنه من الصق الناس به وأقربهم إليه ، وأنّ الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)أفاض عليه علومه ومعارفه ، وأنه قد دعا له بأن لا ينسى ما علمه ، وقد استجاب الله دعاءه فكان الإمام(عليه السلام)لا ينسى أي شيء عهد به النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) إليه .


1) أصول الكافي : 1 : 62 - 64. بحار الأنوار: 2: 229 و 230 .روي قريب من صدر الحديث في الامتاع والمؤانسة : 3 : 197 . وسائل الشيعة : 27 : 207.

صحة هذا الحديث

ونال هذا الحديث الدرجة القطعية من الصحة ، فقد عرضه بنصه أبان على الإمام أبي جعفر الباقر(عليه السلام)بعد موت أبيه الإمام علي بن الحسين(عليهم السلام)، فاغرورقت عينا الإمام ، وقال :

«صَدَقَ سُلَيْمٌ قَدْ أَتى - يعني سليم - أَبِي بَعْدَ قَتْلِ جَدِّيَ الْحُسَينِ وَأَنا قاعِدٌ عِنْدَهُ فَحَدَّثَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ ، فَقَالَ لَهُ أَبِي صَدَقْتَ ، قَدْ حَدَّثَنِي أَبِي وَعَمِّيِ الْحَسَنُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَمِيْرِ الْمُؤْمِنِينَ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ ، فَقَالَا لَهُ : صَدَقْتَ قَدْ حَدَّثَكَ بِذلِكَ وَنَحْنُ شُهُودٌ »(1).

وبهذا ينتهي بنا المطاف عن الأضواء التي ألقاها الإمام(عليه السلام) على الأحاديث النبوية ، فقد عرض لها بصورة موضوعية وشاملة


1) اختيار معرفة الرجال : 1 : 322. بحار الأنوار: 36: 277

مُسَنَدُ الأمام

اشارة

أمّا مسند الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)فله أهميته البالغة في الأوساط الإسلامية وغيرها لأنّه يكشف عن مدى الصلة الفكرية والروحية بين الإمام(عليه السلام)وبين الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)، كما يكشف عن التراث الضخم للرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)الذي نقله الإمام(عليه السلام) الشامل لجميع جوانب الحياة ... ونحن ننقل نصوص رواياته عنه من دون أن نعرض لسندها ، فإنّ البحث عن ذلك يستدعي جهداً شاقاً ، ووقتاً متسعاً ، ولا يتهيأ لي ذلك .

وفيما يلي كوكبة من تلك الأخبار :

1- إصابة السُّنّة

قال (عليه السلام)قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم):

« لَا قَوْلَ إِلَّا بِعَمَلٍ ، وَلَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ ، وَلَا قَوْلَ وَعَمَلَ وَنِيَّةَ إِلَّا بِإِصابَةِ السُّنَّةِ »(1)

إنّ القول إذا لم يكن مشفوعاً بالعمل فلا أثر له ، كما إنّ العمل إذا لم يصدر عن نيّة


1) بحار الأنوار: 2 : 261 . أمالي الطوسي : 337.

فلا أثر له ، والقول والعمل والنيّة مشروطة بإصابتها للسنة ، فإذا لم تصادفها فلا يترتّب عليه أي أثر وضعي.

2- العمل بالسُّنّة

قال(عليه السلام)«سمعت رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) يقول :

عَلَيْكُمْ بِسُنّتي ، فَعَمَلٌ قَلِيلٌ فِي سُنَّةٍ خَيْرٌ مِنْ عَمَلٍ كَثِيرٍ فِي بدْعَةٍ»(1).

إنّ العمل بالسنّة والجري عليها أكثر عائدة على الإنسان من العمل في البدعة التي تجرّ إلى النار .

3- العلم

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) :

«الْعِلْمُ خَزائِنٌ وَمِفْتَاحُها السُّؤَالُ ، فَاسْأَلُوا يَرْحَمْكُمُ اللهُ ؛ فَإِنَّهُ يُؤْجَرُ فِيهِ أَرْبَعَةٌ : السَّائِلُ ، وَالْمُعَلِّمُ ، وَالْمُسْتَمِعُ ، وَالْمُجِيبُ (2)لَهُمْ (3).

تبنّى الإسلام بصورة إيجابية وشاملة قضايا العلم ، فقد حثّ الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) على


1) بحار الأنوار: 2 : 261 أمالي الطوسي : 522 .

2) في رواية : « والمحبّ».

3) حلية الأولياء : 3 : 193 . كنز العمّال: 10 : 133 ، الحدیث 28662 . تحف العقول: 41 .

إشاعته بين الناس ؛ لأنّه من العناصر الأساسية في نهضة الأمة وتطوّرها ، ولا يمكن بأي حال أن تنال مركزاً كريماً وهى قابعة في الجهل ، وقد حث الرسول الله في هذا الحديث على السؤال من العالم ، ووعده بالأجر الجزيل كما وعد بذلك العالم والمستمع والمجيب أو المحبّ .

4- تعلّم وتعليم القرآن

قالَ(عليه السلام) رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم):

«خيارُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ » (1).

إنّ تعلّم القرآن وتعليمه للغير من أفضل الأعمال ، وأقربها إلى الله تعالى .

5-طلب العلم

قالَ(عليه السلام)« سمعت رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) يقول :

«طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيْضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِم ؛ فَاطْلُبُوا الْعِلْمَ مِنْ مَظَانِّهِ ، وَاقْتَبِسُوهُ مِنْ أَهْلِهِ ؛ فَإِنَّ تَعْلِيمَهُ لِلَّهِ حَسَنَةٌ ، وَطَلَبَهُ عِبادَةٌ ، وَالْمُذاكَرَةَ بِهِ تَسْبِيْحُ ، وَالْعَمَلَ بِهِ جِهَادٌ ، وَتَعْلِيمَهُ مَنْ لَا يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ ، وَبَذْلَهُ لِأَهْلِهِ قُرْبَةٌ إِلَى اللهِ تَعَالَى : لِأَنَّهُ مَعَالِمُ الْحَلَالِ وَالْحَرامِ ، وَمَنارُ سُبُلِ الْجَنَّةِ ، وَالْمُؤْنِسُ فِي الْوَحْشَةِ ، وَالصَّاحِبُ


1) سنن الترمذي : 4 : 53 . مسند أحمد بن حنبل : 1: 153 . سنن الدارمي : 2 : 437 ، وفيه : «خيركم» بدل « خياركم» . سنن ابن ماجة : 1: 77 ، الحدیث 213.

فِي الْغُرْبَةِ وَالْوَحْدَةِ ، وَالْمُحَدِّثُ فِي الْخَلْوَةِ، وَالدَّلِيْلُ عَلَى السَّرَاءِ وَالضَّرَاءِ ، وَالسَّلَاحُ عَلَى الْأَعْداءِ ، وَالزَّيْنُ عِنْدَ الْأَخِلاءِ يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ أَقواماً فَيَجْعَلُهُمْ فِي الْخَيْرِ قادَةٌ تُقْتَبَسُ آثارُهُمْ ، وَيُهْتَدى بِفِعَالِهِمْ ، وَيُنتَهى إلى رَأيهِمْ، وَتَرْغَبُ الْمَلَائِكَةُ فِي خِلَّتِهِمْ ، وَبِأَجْنِحَتِها تَمْسَحُهُمْ ، وَفِي صَلَاتِها تُبارِك عَلَيْهِمْ ، يَسْتَغْفِرُ لَهُمْ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ ، حَتَّى حِيتَانُ الْبَحْرِ وَهَوامُهُ ، وَسِباعُ الْبَرِّ وَأَنْعَامُهُ .

إِنَّ الْعِلْمَ حَياةُ الْقُلُوبِ مِنَ الْجَهْلِ ، وَضِياءُ الْأَبْصَارِ مِنَ الظُّلْمَةِ ، وَقُوَّةُ الْأَبْدانِ مِنَ الضَّعْفِ ، يَبْلُغُ بِالْعَبْدِ مَنازِلَ الْأَخْيَارِ، وَمَجالِسَ الْأَبْرارِ ، وَالدَّرَجاتِ الْعُلى فِى الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ.

الذِّكْرُ فِيهِ يُعْدَلُ بِالصَّيامِ ، وَمُدارَسَتْهُ بِالْقِيامِ، بِهِ يُطاعُ الرَّبُّ وَيُعْبَدُ ، وَبِهِ تُوْصَلُ الْأَرْحامَ ، وَبِهِ يُعْرَفُ الْحَلَال وَالْحَرام.

الْعِلْمُ إِمامُ الْعَمَلِ ، وَالْعَمَلُ تابِعُهُ ، يُلْهِمُهُ السُّعَداءَ ، وَيَحْرِمُهُ الْأَشْقِياءَ ، فَطُوبَى لِمَنْ لَمْ يَحْرِمْهُ اللهُ مِنْهُ حَظَّهُ»(1).

وحفل هذا الحديث الشريف بالدعوة الملحّة لطلب العلم الذي هو من العناصر الأساسية في بناء المجتمع الإسلامي ؛ فإنّه من المستحيل أن ينهض المسلمون في ظروف الجهل والتأخّر . وفي هذا الحديث تمجيد وثناء وتكريم لطالب العلم حتى يُقبل على الدراسة ، ويواصل البحث والجد في طلب العلم .


1) بحار الأنوار: 1 171 عدّة الداعي : 63 و 64. أمالي الطوسي : 487 و 488 ، الحديث : 1069 .

6- طلب العلم عبادة

قالَ(عليه السلام) قالَ رَسُولُ(صلی الله علیه وآله وسلم):

« مَنْ خَرَجَ يَطْلُبُ باباً مِنْ عِلْمٍ لِيَرُدَّ بِهِ باطِلاً إِلى حَقٌّ ، أَوْ ضَلَالَةً إِلى هُدى ، كانَ عَمَلُهُ ذَلِكَ كَعِبَادَةِ مُتَعَبِّدٍ أَرْبَعِينَ عاماً »(1)

إن من طلب العلم ليشيع الحق ويناهض الباطل فهو من المجاهدين في سبيل الله

7- طلب العلم الله

قالَ(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم):

«مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِلَّهِ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ بابا إِلَّا ازْدَادَ فِي نَفْسِهِ ذَلَا ، وَفِي النَّاسِ تَواضُعاً ، وَلِلَّهِ خَوْفاً ، وَفِي الدِّيْنِ اجْتِهَاداً ، فَذلِكَ الَّذِي يَنتَفِعُ بِالْعِلْمِ فَلْيَتَعَلَّمْهُ .

وَمَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِلدُّنْيا ، وَالْمَنْزِلَةِ عِنْدَ النَّاسِ ، وَالْحَظْوَةِ عِنْدَ السُّلْطانِ ، لَمْ يُصِبْ مِنْهُ باباً إِلَّا ازْدادَ فِي نَفْسِهِ عَظَمَةٌ ، وَعَلَى النَّاسِ اسْتِطَالَةٌ ، وَبِاللهِ اغْتِرَاراً ، وَمِنَ الدِّين جَفاءٌ ، فَذلِكَ لَا يَنْتَفِعُ بِالْعِلْمِ ، فَلْيَكُفَّ وَلْيُمْسِكَ عَنِ الْحُجَّةِ عَلى نَفْسِهِ ، وَالنَّدامَةُ


1) بحار الأنوار : 1 : 182. أمالي الطوسي : 619 ، الحديث 1275.

وَالْخِزْيٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ » (1)

عرض هذا الحديث الشريف إلى طلب العلم ؛ فإن كان الله تعالى ولنفع الناس من غير أن يبتغي وسيلة مادية فإنّ الله تعالى يرفعه ، وإن كان طلبه للدنيا فلا خير فيه وإن أتعابه ستذهب أدراج الرياح ، أعاذنا الله تعالى من ذلك .

8-مداد العلماء

قال قالَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم):

« إِذا كانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وُزِنَ مِدادُ الْعُلَماءِ بِلِماءِ الشُّهداءِ ، فَيَرْجَعُ مِدادُ الْعُلَمَاءِ عَلَى دِمَاءِ الشُّهَداءِ »(2)

إنّ مداد العلماء يضيء الطريق .

9- طلب العلم لمجادلة العلماء

من الوصايا الرفيعة التي أوصى بها النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) الإمام باب مدينة علمه قوله :

«يا عَلِيُّ ، مَنْ تَعَلَّمَ عِلْماً لِيُمارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ ، أَوْ يُجادِلَ بِهِ الْعُلَمَاءَ ، أَوْ لِيَدْعُوَ النَّاسَ إِلَى نَفْسِهِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»(3)

إنّ طلب العلم ينبغي أن يكون الله تعالى ، ولتهذيب النفس وتنميتها ، فإذا كان


1) بحار الأنوار 2 : 34 كنز العمّال: 10: 260 ، الحديث 29384. روضة الواعظين : 110

2) بحار الأنوار: 2: 16 . أمالي الطوسي : 521 .

3) من لا يحضره الفقيه : 444. مكارم الأخلاق : 439. بحار الأنوار: 74: 54 .

مشفوعاً بأغراض أخرى ، والتي منها ما أدلى به النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)في وصيته للإمام(عليه السلام)، فإنّه بالإضافة إلى حرمانه من الثواب فإنّ مصيره يكون إلى النار .

10- منهومان لا يشبعان

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم):

«مَنْهُومانِ لَا يَشْبَعانِ : طَالِبُ دُنْيا ، وَطَالِبُ عِلْمٍ ، فَمَنِ اقْتَصَرَ مِنَ الدُّنْيا عَلى ما أَحِلَّ اللهُ لَهُ سَلِمَ ، وَمَنْ تَناوَلَهَا مِنْ غَيْرِ حِلَّها هَلَكَ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ أَوْ يَرْجِعَ ، وَمَنْ أَخَذَ الْعِلْمَ مِنْ أَهْلِهِ وَعَمِلَ بِعِلْمِهِ نَجا ، وَمَنْ أَرادَ بِهِ الدُّنْيا فَهُوَ حَظْهُ»(1).

إنّ طالب العلم منهوم لا يشبع ، فهو كلّما درس وطالع يبغي المزيد لتنمية فكره ، وكذلك صاحب المال منهوم يطلب المزيد من المال .

11- الفقيه

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم):

نِعْمَ الرَّجُلُ الْفَقِيْهُ فِي الدِّيْنِ إِنِ احْتِيجَ إِلَيْهِ نَفَعَ ، وَإِنْ لَمْ يُحْتَجْ إِلَيْهِ نَفَعَ نَفْسَهُ »(2).


1) بحار الأنوار 2 : 34 . الكافي : 1: 46 ، الحديث 1. تهذيب الأحكام : 6: 328 ، الحديث 906.

2) بحار الأنوار: 1 : 216 . الدعوات : 221 .

إنّ الفقهاء مصابيح الإسلام ، وهم في جميع أدوارهم مصدر إفاضة وعطاء للمجتمع ، كما إنهم مصدر خير لأنفسهم إن لم يحتج إليهم الناس .

12- العالم المطاع

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم):

لَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ إِلَّا لِرَجُلَيْنِ : عَالِمٍ مُطَاعٍ ، وَمُسْتَمِع واعٍ»(1).

العالم المطاع والمستمع الواعي هما من خيار المجتمع ومن سادات الناس ،ولا خير في العيش إلّا لهما .

13- فضل العقل

قال(عليه السلام) رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم):

«يا عَلِيُّ ، إِذا تَقَرَّبَ النَّاسُ إِلى خالِقِهِمْ فِي أَبْوابِ الْبِرِّ فَتَقَرَّبْ إِلَى اللهِ بِأَنْواع الْعَقْلِ تَسْبِقُهُمْ بِالدَّرَجَاتِ وَالزُّلْفَىٰ عِنْدَ النَّاسِ فِي الدُّنْيا ، وَعِنْدَ اللهِ فِي الْآخِرَةِ ...»(2).

إنّ العقل من أفضل مخلوقات الله تعالى ، وهو حجّته ورسوله الباطني إلى عباده كما في الحديث - فطاعته هدى، ومخالفته شقاء ، وأفضل ما يتقرب إلى الله تعالى بعبادة منشأها التفكّر والتأمّل.


1) بحار الأنوار: 1: 168 . كنز الفوائد : 13. أعلام الدين: 169.

2) حلية الأولياء : 1 : 18 . كنز العمّال : 3 : 384 ، الحديث 7061.

14-الجهل والعقل

قال(عليه السلام)رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام أمير المؤمنين الا الله :

«يا عَلِيُّ ، لَا فَقْرَ أَشَدُّ مِنَ الْجَهْلِ ، وَلَا مَالَ أَعْوَدُ مِنَ الْعَقْلِ »(1).

أمّا الجهل فهو أعظم آفة مدمّرة للإنسان، فإنّه يلقيه في شرّ عظيم ، ويبعد عنه كلّ خير ، وأمّا العقل فهو أساس النجاح في الدنيا والآخرة .

15- العالم بين الجهال

قالَ(عليه السلام)رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم):

«الْعَالِمُ بَيْنَ الْجُهَالِ كَالْحَيَّ بَيْنَ الْأَمْواتِ ، وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى حِيْنانُ الْبَحْرِ وَهَوَامُهُ ، وَسِبَاعُ الْبَرِّ وَأَنْعَامُهُ ، فَاطْلُبُوا الْعِلْمَ فَإِنَّهُ السَّبَبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَإِنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ فَرِيْضَةٌ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ »(2).

ونعت هذا الحديث طالب العلم الذي يكون بين الجهال الذين لا يعرفون حقيقته أنّه في محنة وشقاء ، كما حث الحديث على طلب العلم ، وأنّه فريضة على كلّ مسلم .


1) وسائل الشيعة : 6 : 162 . المحاسن : 1 : 17 - الكافي : 1 : 25 و 26 : 25 . كنز العمال : 16 : 216 . تهذيب الكمال : 6 : 239 .

2) بحار الأنوار: 1 : 172 . أمالي المفيد : 29 . أمالي الطوسي : 521 ، الحديث 1148.

16-كتمان العلم

قال(عليه السلام): سمعت رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)يقول :

« مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ حَيْثُ يَجِبُ إظهارُهُ ، وَتَزُولُ عَنْهُ التَّقِيَّةُ جاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلْجَمَاً بِلِجَامِ مِنْ نارٍ»(1)

إنّ العالم يجب عليه أن يشيع العلم وينشره بين الناس ، فاذا كتم علمه في وقت يحتاجه الناس فإنّ الله تعالى يحاسبه ، ويخزيه .

17-الفتوى بغير علم

قال(عليه السلام)قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم):

«مَنْ أَفْتَى النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَعَتْهُ مَلَائِكَةُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ »(2)

إن الفتوى بغير علم فيها تحريم للحلال وتحليل للحرام ، وقد منع الإسلام أشدّ ما يكون المنع من ذلك

18- حقيقة الإيمان

قال (عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) :


1) بحار الأنوار 2 : 72. تفسير المنسوب للإمام العسكري(عليه السلام): 402 .

2) بحار الأنوار: 2 : 116 . المحاسن : 1 : 205 ، الحديث 59 عيون أخبار الرضا(عليه السلام) : 1: 51 . تحف العقول : 41 . كنز العمّال : 10 : 193 ، الحدیث 29018 .

«لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِأَرْبَعَةٍ : حَتَّى يَشْهَدَ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَنِي بِالْحَقِّ.

وَحَتَّى يُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ .

وَحَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ » (1)

إنّ حقيقة الإيمان واستكماله هو الإيمان بالله وبرسوله ، وبالبعث بعد الموت ، والإيمان بالقدر.

19- توحيد

قال(عليه السلام): قالَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم):

« التَّوْحِيْدُ ظَاهِرُهُ فِى باطِنِهُ ، وَباطِنُهُ فِى ظَاهِرِهِ ، ظَاهِرُهُ مَوْصُوْفٌ لا يُرَى ، وَبَاطِنُهُ مَوْجُوْدٌ لَا يَخْفى، يُطْلَبُ بِكُلِّ مَكانٍ ، وَلَمْ يَخْلُ عَنْهُ مَكانٌ طَرْفَةَ عَيْنٍ ، حاضِرٌ غَيْرُ مَحْدُودٍ ، وَعَائِبٌ غَيْرُ مَفْقُودٍ » (2)

أدلى الشيخ المجلسي ببيان هذا الحديث قال : لعلّ المراد به أنّ كلّ ما يتعلق بالتوحيد من وجود الباري تعالى وصفاته ، ظاهره مقرون بباطنه أي كلّ ماكان ظاهراً منه بوجه فهو باطن ومخفيّ بوجه آخر ، وكذا العكس .

ثم بيّن (صلی الله علیه وآله وسلم) ذلك بأنّ ظاهره موصوف بالوجود وسائر الكمالات بما أظهر من


1) بحار الأنوار: 5 : 87. الخصال: 198 و 199. مسند أحمد بن حنبل : 1 : 97 . المستدرك : 33:1.

2) بحار الأنوار: 4 : 264 . معاني الأخبار : 10 .

الآثار في الممكنات ، ولكنّه لا يُرى فهو باطن عن الحواس ، وباطنه أنّه موجود خاص لا كالموجودات ولكنّه لا يخفى من حيث الآثار ، ثم ذكر وجهاً آخر لتفسير الحدیث (1).

20- كلمة لا إله إلّا الله

قال(عليه السلام): قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) :

« يَقُولُ اللهُ جَلَّ جَلالُهُ : لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ حِصْنِي ، فَمَنْ دَخَلَهُ أَمِنَ عَذابِي »(2).

هذا الحديث الذهبي رواه الإمام الرضا ، وقد سجّله العلماء بمحابر ذهبية . وأضاف الإمام قائلاً:

«وَلَكِنْ بِشَرْطِها وَشُرُوطِها ، وَالَّتِي مِنْها مَحَبَّتْنا أَهْلَ الْبَيْتِ(عليه السلام)»(3).

21-نعمة التوحيد

قال(عليه السلام): قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) :

«مَا جَزَاءُ مَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ إِلَّا الْجَنَّةُ »(4).


1) بحار الأنوار: 4 :264 .

2) التوحيد : 24 عيون أخبار الرضا(عليه السلام) : 1 : 144 ، الحدیث 2. كنز العمّال : 1: 416 ، الحديث 1769.

3) عوالى اللئالى : 4 : 94 .

4) بحار الأنوار 3 5 أمالي الصدوق : 471 ، الحديث 628. التوحيد : 22 : 17 . فتح القدير : 5 : 145

إنّ نعمة التوحيد من أفضل نعم الله على عباده ؛ فإنّها تنقذه من خرافات الجاهلية ، وعبادة الأوثان والأصنام التي تبلغ بالإنسان إلى مستوى سحيق ما له من قرار من الجهل والانحطاط .

22- طاعة الله تعالى

قال(عليه السلام): قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم):

« لَا طَاعَةَ لِبَشَر فِي مَعْصِيَةِ اللهِ »(1)

إنّ أي طاعة لمخلوق مهما كان فإنّها مرفوضة لا يجوز عملها إذا كانت فيها معصية لله تعالى خالق الكون وواهب الحياة .

23-حسن الظنّ بالله تعالى

قال(عليه السلام)«إن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) قال على منبره :

« وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، مَا اُعْطِيَ مُؤْمِنٌ قَطُّ خَيْرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ إِلَّا بِحُسْنِ ظَنَّهِ بِاللَّهِ وَرَجائِهِ لَهُ ، وَحُسْنِ خُلُقِهِ ، وَالْكَفِّ عَنِ اغْتِيابِ الْمُؤْمِنِينَ.

وَالَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَا يُعَذِّبُ اللَّهُ مُؤْمِناً بَعْدَ التَّوْبَةِ وَالْاسْتِغْفَارِ


1) مسند أحمد بن حنبل : 1 : 212 ، الحدیث 1098. صحيح ابن حبان : 10: 430. كنز العمّال : 6: 77

إِلَّا بِسُوْءِ ظَنّهِ بِاللَّهِ وَتَقْصِيرِهِ مِنْ رَجَائِهِ لَهُ ، وَسُوْءِ خُلُقِهِ ، وَاغْتِياب الْمُؤْمِنِينَ.

وَالَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَا يَحْسُنُ ظَنُّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ بِاللَّهِ إِلَّا كَانَ اللَّهُ عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ ، لِأَنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ بِيَدِهِ الْخَيْرُ يَسْتَحِي أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ الْمُؤْمِنُ قَدْ أَحْسَنَ بهِ الظَّنَّ ثُمَّ يُخْلِفُ ظَنَّهُ وَرَجاءَهُ ، فَأَحْسِنُوا بِاللَّهِ الظَّنَّ وَارْغَبُوا إِلَيْهِ»(1).

إنّ حسن الظنّ بالله تعالى من صميم الإيمان ، فمن لم يحسن الظنّ بخالقه فليس برشيد ، وليس له من الإسلام شيء .

24-التمنّي لرضا الله تعالى

قال(عليه السلام): قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم):

مَنْ تَمَنّى شَيْئاً وَهُوَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ رِضاً لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الدُّنْيا حَتّى يُعْطاهُ»(2)

إنّ من يتمنّى ما فيه رضا الله وطاعته ، فإنّه تعالى بفضله وفيضه يعطيه ذلك

25- ما يقرّب الإنسان إلى الله تعالى

قال(عليه السلام)

« قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ(صلی الله علیه وآله وسلم): عَلَّمْنِي عَمَلاً لَا يُحالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ ،


1) وسائل الشيعة : 6 : 181 ، نقلاً عن أصول الكافي : 2: 71 و 72 ، الحدیث 1.

2) الخصال : 6:1. أمالي الصدوق : 674. ثواب الأعمال : 185 .

قَالَ : لَا تَغْضَبْ ، وَلَا تَسْأَلِ النّاسَ شَيْئاً ، وَارْضَ لِلنَّاسِ مَا تَرْضَى لنَفْسِكَ »(1).

إنّ من تحلّى بهذه الصفات الكريمة يستوجب رضا الله تعالى والفوز بالفردوس الأعلى .

26- الله غفّار

روى الإمام(عليه السلام) عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) أنه قال :

«مَكْتُوبٌ حَوْلَ الْعَرْشِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ( اللهُ ) الدُّنْيا بِأَرْبَعَةِ آلَافِ عامٍ:

وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى (2)» (3). إنّ الله تعالى هو صاحب الفيض والعطاء الذي لا حدّ له ، قد جعل التوبة سبباً لمغفرته ومرضاته .

27- الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) يعمّم الإمام(عليه السلام)

قال(عليه السلام):

« عَمَّمَنِي رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم) بِعِمامَةٍ سَدَلَها خَلْفِي ثُمَّ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَدَّنِي فِي يَوْمِ بَدْرٍ وَحُنَيْنِ بِمَلَائِكَةِ يَعْتَمُونَ هَذِهِ


1) بحار الأنوار: 74: 123 . أمالي الطوسي : 507 ، الحديث 1110.

2) طه 82:20

3) كنز العمال : 4 : 228 .

« الْعِمَامَةَ ... فَقالَ : إِنَّ الْعِمَامَةَ حَاجِزَةٌ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ )(1).

إنّ العمامة من شعار المؤمنين والصالحين، وقد قلّدها الرسول الله الوصيه وجعلها وساماً له .

28- زيارة النبى (صلی الله علیه وآله وسلم)لعليّ (عليه السلام)

قال (عليه السلام):

« زَارَنا رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) فَبَاتَ عِنْدَنا وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ نَائِمَانِ فَاسْتَسْقَى الْحَسَنُ ، فَقامَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) إِلَى قِرْبَةٍ لَنَا فَجَعَلَ يَعْصِرُها فِي الْقَدَح ثُمَّ يَسْقِيْهِ، فَتَنَاوَلَ الْحُسَيْنُ يَشْرَبُ فَمَنَعَهُ ، وَبَدَأَ بِالْحَسَنِ ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَأَنَّهُ - أي الحسن - أَحَبُّهُما إِلَيْكَ ، فَقالَ : لَا ، وَلكِنَّهُ اسْتَسْقَى أَوَّلَ مَرَّةٍ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم) : إِنِّي وَإِيَّاكِ وَهذَيْنِ ، وَهَذا الرّاقِدُ يَعْنِي عَلِيّاً يَوْمَ الْقِيامَةِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ»(2).

إنّ أهل البيت سلام الله عليهم يحشرون في الفردوس الأعلى في مكان واحد وفي منزلة واحدة ، وإنّ الله تعالى أعدّ لهم المنزلة الكريمة التي لا ينالها أحد من أوليائه المقربين.


1) سنن أبي داود : 1 : 23 ، الحدیث 154 . كنز العمال : 15 : 306 ، الحديث 41141 . السنن الكبرى : 14:10 .

2) سنن أبي داود : 1 : 26 ، الحدیث 190 . كنز العمال: 13 : 638. تاريخ مدينة دمشق : 14: 162 و 163 . أسد الغابة : 5: 269 تهذيب الكمال : 6: 403 .

29- وصيّة النبى(صلی الله علیه وآله وسلم) لعلي(عليه السلام)

قال النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام(عليه السلام) :

«يا عَلِيُّ ، أَوْصِيكَ بِوَصِيَةٍ فَاحْفَظها عَنِّي ، وكان من بنود وصيته :

إِنَّ الْيَقِينَ أَنْ لَا تُرْضِيَ أَحَداً بِسُخْطِ اللَّهِ ، وَلَا تَحْمَدْ أَحَداً عَلى ما آتاكَ اللهُ ، وَلَا تَذْمَّ أَحَداً عَلى ما لَمْ يُؤْتِكَ اللهُ ، فَإِنَّ الرِّزْقَ لَا يَجُرُّهُ حِرْصُ حَرِيْصٍ ، وَلَا يَصْرِفُهُ كَرَاهِيَةُ كارِهِ ، إِنَّ اللَّهَ بِحُكْمِهِ وَفَضْلِهِ جَعَلَ الرَّوْحَ وَالْفَرَجَ فِي الْيَقِينِ وَالرّضى ، وَجَعَلَ الْهَمَّ وَالْحُزْنَ فِي الشَّكُ وَالسُّخْطِ .

يا عَلِيُّ ، لَا فَقْرَ أَشَدُّ مِنَ الْجَهْل ، وَلَا مالَ أَعْوَدُ مِنَ الْعَقْل، وَلَا وَحْدَةَ أَوْحَشُ مِنَ الْعُجْبِ ، وَلَا مُظَاهَرَةَ أَوْثَقُ مِنَ الْمُشاوَرَةِ ، وَلَا عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ ، وَلَا وَرَعَ كَالْكَفِّ - يعني عن محارم الله ، وَلَا حَسَبَ كَحُسْن الْخُلُقِ ، وَلَا عِبادَةَ كَالتَّفَكُر.

يا عَلِيُّ ، آفَةُ الْحَدِيثِ الْكِذْبُ ، وَآفَةُ الْعِلْمِ النِّسْيانُ ، وَآفَةً الْعِبادَةِ الْفَتْرَةُ ، وَآفَةُ السَّمَاحَةِ الْمَنُ ، وَآفَةُ الشَّجَاعَةِ الْبَغْى ، وَآفَةٌ الْجَمَالِ الْخُيَلاءُ ، وَآفَةُ الْحَسَبِ الْفَخْرُ...

يا عَلِيُّ ، إِنَّكَ لَا تَزالُ بِخَيْرِ مَا حَفِظْتَ وَصِيَّتِي ، أَنْتَ مَعَ الْحَقِّ وَالْحَقُّ مَعَكَ »(1)


1) المحاسن: 1: 16 و 17 ، الحديث 47. التوحيد : 375 و 376 . الفتوحات المكية :

وألمّ هذا الحديث الشريف بذخائر الأعمال التي تقرّب الإنسان زلفى إلى الله ،فقد أحاط بجميع مكارم الأخلاق ، ومحاسن الصفات التي هي من أغلى المبادئ والقيم التي تبناها الإسلام.

30-وصيّة أخرى للنبي(صلی الله علیه وآله وسلم)

قال رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم):

«أَوْصِيْكَ يا عَلِيُّ فِي نَفْسِكَ بِخِصالٍ فَاحْفَظها - اللَّهُمَّ أَعِنْهُ- :

الأولى : الصِّدْقُ فَلَا يَخْرُجْ مِنْ فِيْكَ كِذَّبٌ أَبَداً .

والثانية : الْوَرَعُ فَلَا تَجْتَرِى عَلى خِيانَةٍ أَبَداً .

والثالثة : الْخَوْفُ مِنْ اللَّهِ كَأَنَّكَ تَراهُ .

والرابعة : البكاءُ اللهِ ، يَيْنِي لَكَ بِكُلِّ دَمْعَةٍ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ .

والخامسة : بَذْلُكَ مَالَكَ وَدَمَكَ دُونَ دِينِكَ.

السادسة : الْأَخْذُ بِسُنَّتِي فِي صَلَاتِي وَصَوْمِي وَصَدَقَتِي .

فَأَمَّا الصَّيامُ فَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فِي الشَّهْرِ الْخَمِيْسُ أَوَّلُ الشَّهْرِ. وَالْأَرْبُعاءُ فِي وَسَطِ الشَّهْرِ ، وَالْخَمِيْسُ فِي آخِرِ الشَّهْرِ .

وَالصَّدَقَةُ بجُهْدِكَ ، حَتّى تَقُولَ قَدْ أَسْرَفْتُ ، وَلَمْ تُسْرِفْ .

وَعَلَيْكَ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ ، كرّر ذلك أربع مرات ، وَعَلَيْكَ بِصَلَاةِ

الزَّوالِ ، وَعَلَيْكَ بِرَفْع يَدَيْكَ إِلى رَبِّكَ وَكَثْرَةِ تَقَلُّبِهَا، وَعَلَيْكَ بِتَلَاوَةِ الْقُرْآنِ عَلى كُلِّ حالٍ ، وَعَلَيْكَ بِالسِّوَاكِ لِكُلِّ وُضُوْءِ، وَعَلَيْكَ بِمَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ فَارْتَكِيْها وَبِمَساوِيُّ فَاجْتَنِيْها ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَلَا تَلُوْمَنَّ إِلَّا نَفْسَكَ »(1)

إنّ في وصايا النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام(عليه السلام) من القيم التي تسمو بالإنسان إلى أرقى مستويات الأدب والكمال ، وتجعله المثل الأعلى لكل فضيلة .

31-من وصايا النبى(صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام(عليه السلام)

قال(عليه السلام):

« لَمَا بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) إِلَى الْيَمَنِ، فَقالَ وَهُوَ يُوْصِيْنِي : يا عَلِيُّ ، ما حَارَ مَنِ اسْتَخَارَ ، وَلَا نَدِمَ مَنِ اسْتَشَارَ .

يا عَلِيُّ ، عَلَيْكَ بِالدَّلْجَةِ(2)؛ فَإِنَّ الْأَرْضَ تُطوى بِاللَّيْلِ مَا لَا تُطْوِى بِالنَّهارِ.

يا عَلِيُّ ، اغْدُ عَلَى اسْمِ اللَّهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَارَكَ لِأُمَّتِي فِي بكورها »(3).


1) المحاسن: 1 : 17 ، الحديث 48 الروضة : 8 79 ، الحديث 33 تهذيب الأحكام 9 : 176 ، الحدیث 713 .

2) الدلجة :آخر ساعة من الليل .

3) أمالي الطوسي : 1 : 135 . كنز العمال : 7: 815 ، الحدیث 21537. تاریخ بغداد : 3: 266 .

وهذه الوصايا من أغلى النصائح وأثمنها وهي مما يعين الإنسان في السلوك ، على أكثر الوسائل راحة وسعادة.

32-من وصايا الرسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) لعلي(عليه السلام)

من وصايا الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام(عليه السلام) :

«يا عَلِيُّ ، النَّوْمُ أَرْبَعَةٌ : نَوْمُ الْأَنْبِياءِ عَلَى أَقْفِيَتِهِمْ، وَنَوْمُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَيْمَانِهِمْ، وَنَوْمُ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ عَلى أَيْسارِهِمْ، وَنَوْمُ الشَّيَاطِينِ عَلى وُجُوهِهِمْ»(1).

وعالج الإسلام جميع شؤون الإنسان والتي منها نومه ، فقد دعاه إلى النوم الصحيح والسليم ، وهو ما عرض له الحديث الشريف .

33- وصية النبى(صلی الله علیه وآله وسلم) لخالد

قال(عليه السلام):

« جَاءَ خَالِدُ بْنُ زَيْدِ إِلى رَسُولِ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم)، فَقَالَ : يا رَسُولَ اللهِ ، أَوْصِنِي ، وَأَقْلِلْ لَعَلِّي أَحْفَظُ.

فَقالَ : أَوْصِيْكَ بِخَمْسٍ : بِالْبَأْسِ عَمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ ؛ فَإِنَّهُ الْغِنى.


1) بحار الأنوار: 74 55 من لا يحضره الفقيه : 4 : 365. وسائل الشيعة : 6: 503 ، الحديث 8552 .

وَإِيَّاكَ وَالطَّمَعَ ؛ فَإِنَّهُ الْفَقْرُ الْحَاضِرُ .

وَصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ .

وَإِيَّاكَ وَما تَعْتَذِرُ مِنْهُ .

وَأَحِبَّ لأَخِيكَ ما تُحِبُّ لِنَفْسِكَ »(1).

وحفلت هذه الوصية الذهبية بما يضمن للإنسان سلامته وراحته الفكرية ، وما ينفعه في آخرته .

34- الدّين قبل الوصيّة

قال(عليه السلام):

« قَضى مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم إِنَّ الدَّيْنَ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ ، وَأَنتُمْ تَقْرَأُونَ الْوَصِيَّةَ قَبْلَ الدَّيْنِ ، وَإِنْ أَعْيَانَ بَنِي الْأُمِّ يَتَوارَثُونَ دُونَ بَنِي الْعَلَّاتِ » (2)

وحكى هذا الحديث حكمين :

الأوّل : إنّ الدين قبل الوصية ، فليس للورثة أن يعطوا ما أوصى به الميّت قبل وفاء دينه ، بل لا بد من وفاء الدين أولاً ثم العمل بما أوصى به .

الثاني : إنه إذا توفي الشخص وعنده إخوة من أبيه وأمه وإخوة من أبيه وهم المعبّر عنهم في الحديث ببني العلات ، فإنّ الذي يرثه هم إخوته من أبيه وأمه دون


1) وسائل الشيعة : 6: 322. أمالي الطوسي : 508 ، الحديث 1111. بحار الأنوار : 72: 107 ، الحديث 8.

2) مسند أحمد بن حنبل : 1 : 33 ، الحديث 595 سنن ابن ماجة : 2: 906 ، الحديث 2715 . المستدرك : 4 : 336 . كنز العمّال : 16: 623 ، الحديث 6100 .

إخوته من أبيه .

35- ترک الوصیّۀ

قال النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام (عليه السلام) :

« يا عَلِيُّ ، مَنْ لَمْ يُحْسِنْ وَصِيَّتَهَ عِنْدَ مَوْتِهِ كَانَ نَقْصاً فِي مُرُوَّتِهِ ، وَلَمْ يَمْلِكِ الشَّفاعَةَ »(1).

حثّ الإسلام وأكّد على ضرورة الوصية للإنسان ، وأنه يستحبّ له أن يوصي بما له وما عليه ، ومن الغريب جداً القول بأنّ النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) توفّي ولم يوص إلى أحد ، فإنّ ذلك طعن في شخصيته المقدّسة .

36-دعاء النبى(صلی الله علیه وآله وسلم) لعلى(عليه السلام)

قال(عليه السلام):

«كُنْتُ شَاكِياً فَمَرَّ بِي رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) وَأَنَا أَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَجَلِي قَدْ حَضَرَ فَأَرِحْنِي ، وَإِن كَانَ آجِلاً فَارْفَعْنِي ، وَإِنْ كَانَ بَلَاءٌ فَصَبَّرْنِي .

قَالَ : مَا قُلْتَ ؟ فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ ، فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ فَقَالَ : ما قُلتَ ؟


1) بحار الأنوار: 74 46 من لا يحضره الفقيه : 4 352 . وسائل الشيعة : 19: 266 ، الحديث 24558 .

قَالَ : فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ .

فَقالَ : اللَّهُمَّ عافِهِ ، اللَّهُمَّ شَافِهِ ، فَمَا اشْتَكَيْتُ ذَلِكَ الْوَجَعَ بَعْدُ »(1)

لقد استجاب الله دعاء النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) في الإمام ، فلم يشتك ألماً ولا وجعاً .

37-دعاء النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) في سفره

قال(عليه السلام):

«كَانَ النَّبِيُّ(صلی الله علیه وآله وسلم) إِذا أَرادَ سَفَراً قالَ : بِكَ اللهُمَّ أَصُولُ ، وَبِكَ أَجُولُ ، وَبِكَ أَسِيرُ»(2)

قال(عليه السلام):

كانَ النَّبِيُّ(صلی الله علیه وآله وسلم) إِذا أَرادَ أَنْ يَسِيرَ قَالَ : اللهمَّ بِكَ أَصُوْلُ ، وَبِكَ أَحِلُّ ، وَبِكَ أَسِيرُ »(3)

إنّ الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) كان في معظم أوقاته يلهج بذكر الله تعالى ويمجده في مسيره وجلوسه ، فهو داعيته في الأرض ، وحامل رسالته لعباده .


1) مسند أحمد بن حنبل : 1: 172 ، الحديث 843 سنن الترمذي : 5: 220 و 221 ، الحديث .3635 مسند أبي يعلى : 1 : 328 ، الحديث 409

2) مسند أحمد بن حنبل : 1: 243 ، الحديث 1298 مجمع الزوائد : 10: 130. کنز العمال : 6: 739 و 740 ، الحديث 17645 .

3) مسند الإمام علي(عليه السلام) :90

38- دعاء للنبي(صلی الله علیه وآله وسلم)

قال(عليه السلام):

« عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم) إِذَا نَزَلَ بِي كَرْبٌ أَنْ أَقُولَ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ ، سُبْحانَ اللهِ وَتَبَارَكَ وَتَعَالَى اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ»(1)

إن في أدعية النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) هو وأدعية أئمة الهدی ى ا ال ال التعظيم الكامل ، والانقطاع إليه ، وهي بلسم للقلوب ، وغذاء روحي للنفوس .

قال (عليه السلام):

« قَالَ لِى رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم) : أَلَا أَعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ إِذا قُلْتَهُنَّ غُفِرَ لَكَ ، عَلى أَنَّهُ مَغْفُورٌ لَكَ : لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ، سُبْحانَ اللهِ رَبِّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ ، وَرَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ»(2).


1) مسند أحمد بن حنبل : 1 : 152 ، الحديث .728 المستدرك: 1: 508. السنن الكبرى : 6 :162 . كنز العمال : 2 : 654 ، الحديث 4992 .

2) مسند أحمد بن حنبل : 1 : 146،الحديث 703. السنن الكبرى : 5 : 114 ، الحديث 8410 . كنز العمال : 2 : 237 .

39- دعاء النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) في آخر الوتر

«إِنَّ النَّبِيَّ(صلی الله علیه وآله وسلم)كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ وِتْرِهِ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضاكَ مِنْ سَخَطِكَ ، وَأَعُوذُ بِمُعافَاتِكَ مِنْ عُقُوْبَتِكَ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ . لَا أَحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلى نَفْسِكَ »(1).

وحكى هذا الدعاء تضرّع الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) إلى الله تعالى وخشوعه له والتجاءه إليه في جميع شؤونه وأحواله

40 -صلاة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)

حكى الإمام(عليه السلام) صلاة النبي قال :

«كَانَ إِذا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ يُكَبِّرُ، ثُمَّ يَقُولُ:

وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ حَنِيفاً مُسْلِماً ، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَريكَ لَهُ ، وَبِذلِكَ أُمِرْتُ ، وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ - وقال أبو النصر: وَأَنا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ.


1) مسند أحمد بن حنبل : 1 : 155 ، الحديث 753 كنز العمال : 8 63 ، الحديث 21885. سنن ابن ماجة : 1 : 373 ، الحديث 1179 سنن أبي داود : 1: 321 ، الحديث 1427. المستدرك : 1: 306.

اللَّهُمَّ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنا عَبْدُكَ ، ظَلَمْتُ نَفْسِي ، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي ، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعاً ، لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ ، وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَها لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيْتَها إِلَّا أَنْتَ ، تَبَارَكْتَ وَتَعالَيْتَ ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ ...

وَكَانَ إِذا رَكَعَ قالَ : اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ ، وَبِكَ آمَنْتُ ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخْي وَعِظَامِي وَعَصَبِي .

وَإِذا رَفَعَ رَأْسَهُ عَنِ الرَّكْعَةِ قَالَ : سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، رَبَّنا وَلَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدَهُ .

وَإِذا سَجَدَ قَالَ: اللهمَّ لَكَ سَجَدْتُ ، وَبِكَ آمَنْتُ ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ فَصَوَّرَهُ فَأَحْسَنَ صُوَرَهُ ، فَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ .

وَإِذا فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ وَسَلَّمَ قَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ ، وَمَا أَخَّرْتُ ، وَمَا أَسْرَرْتُ ، وَمَا أَعْلَنْتُ ، وَمَا أَسْرَفْتُ ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ ، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ»(1)

وهذه الأذكار والأدعية ليست واجبة في الصلاة ، وإنما هي مندوبة ، وكان


1) المحلّى : 4 : 95-96 . صحيح مسلم : 1 : 215 . مسند أبي عوانة : 2: 101. مسند أحمد بن حنبل : 1: 94 و 95 سنن أبي داود : 1 : 176 ، الحديث 760 . السنن الكبرى : 2: 32 و 33 كنز العمّال: 8 223 و 224 ، الحديث 22660 .

الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) يصلّي أكمل صلاة .

وقد اقتدى به الأئمة الطاهرون من ذريته ، فكانت صلاتهم كصلاة جدهم مقرونة بالخشوع الله وتعظيمه

41- الصلاة الوسطى

قال(عليه السلام) قال رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم):

« الصَّلَاةُ الْوُسْطى صَلَاةُ الْعَصْرِ » (1)

إن الصلاة الوسطى التي أمر القرآن بالمحافظة عليها ، قد اختلف في تحديدها فقيل: هي صلاة الظهر، وعيّنت هذه الرواية أنّها صلاة العصر .

42 -ذكر النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) في ركوعه

قال(عليه السلام):

«كَانَ النَّبِيُّ(صلی الله علیه وآله وسلم) إِذا رَكَعَ قَالَ :

اللهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ ، وَبِكَ آمَنْتُ ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ أَنْتَ رَبِّي ، خَشَعَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخْي وَعَظْمِي وَعَصَبِي، وَمَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ قَدَمِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ »(2)


1) مسند أحمد بن حنبل : 5 : 12 سنن أبي داود : 1 : 24 ، الحديث 164.

2) مسند أحمد بن حنبل : 1 : 199 ، الحديث 960 السنن الكبرى : 2 : 87 کنز العمال: 8 :99 - 100 ، الحدیث 22080 .

وليس هذا الذكر واجباً في الصلاة ، وإنّما هو مستحب وذلك لإظهار العبودية المطلقة لله ربّ العالمين .

43 -من أخلاق النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)

قال النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام(عليه السلام):

«يا عَلِيُّ ، لَوْ أَهْدِيَ إِلَيَّ كِرَاعٌ لَقَبِلْتُ ، وَلَوْ دُعِيْتُ إِلى ذِرَاعٍ لَأَجَبْتُ »(1).

كان النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) آية من آيات الله تعالى في سموّ أخلاقه وآدابه ، فلم يترفع على أي أحد ، ويجيب من دعاه ، ولو على تناول ذراع من لحم شاة ، وقد مدحه الله تعالى ، فقال : وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ(2)، وفي مدح الله تعالى له غنى عن مدح المادحين ، ووصف الواصفين .

44 -ترحّم النبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم) على خلفائه

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم):

« اللَّهُمَّ ارْحَمْ خُلَفَائِي ، قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَاً.

قِيْل : يا : يا رَسُولَ اللهِ ، وَمَنْ خُلَفَاؤُكَ ؟


1) بحار الأنوار: 5474 دعائم الإسلام : 2: 325 ، الحدیث 1227. من لا يحضره الفقيه : 3: 299 ، الحديث 4070.

2) القلم 68 :4 .

قَالَ : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ حَدِيْنِي وَسُنَّتِي ، ثُمَّ يُعَلِّمُونَها أُمَّتِي »(1).

إنّ خلفاء الرسول هم الذين يتفقُهون في أحكام الدين ، ثم يعلِّمونها الناس .

45- حوض النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)وشفاعته

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) :

«مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِحَوْضِي فَلَا أَوْرَدَهُ اللَّهُ حَوْضَي ، وَمَنْ لم يُؤْمِنْ بِشَفَاعَتِي فَلَا أَنالَهُ اللَّهُ شَفَاعَتِي.

ثم قال :

إِنَّما شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي فَأَمَّا الْمُحْسِنُونَ فَما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلِ »(2)

ورفع الله تعالى مكانة الرسول العظيم محمد(صلی الله علیه وآله وسلم)وميزه على بقية أنبيائه ومخلوقاته ، ومنحه الحوض والشفاعة في يوم القيامة .

46 -تعويذ النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) للمرضى

قال(عليه السلام):

كَانَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم) إِذا عَوَّذَ مَرِيْضاً قَالَ : أَذْهِبِ الْبَأْسَ رَبَّ


1) بحار الأنوار 2 : 144 أمالي الصدوق : 247 ، الحديث 266 .

2) أمالي الصدوق : 56 . عيون أخبار الرضا(عليه السلام): 2 : 124 و 125 ، الحديث 35 . كشف الغمة : 3 :79 و 80

النَّاسِ ، أَشْفِ أَنْتَ الشَّافِي ، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ ، شِفَاءٌ لَا يُغَادِرُ سُقماً »(1)

إن جميع أعمال الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) مرتبطة بالله الواحد القهار، وعيادته للمرضى كانت مقرونة بدعائه لله تعالى بشفائهم بهذا الذكر .

47- ضمان دين النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)

قال النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)لأصحابه :

مَنْ يَضْمَنُ عَنِّي دَيْنِي ، وَيَقْضِي عِدَانِي ، وَيَكُوْنُ مَعِي فِي الْجَنَّةِ ؟ فقال له الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) : أنا »(2).

وتولّى الإمام(عليه السلام) قضاء حوائج النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)والقيام بخدمته ، وقد ضمن له قضاء دَينه ، وإنجاز عِداته من بعده ، وقد وفى له بذلك .

لقد كان الإمام عضد النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، فقد وهب حياته لخدماته وقضاء حوائجه .

48 -آخر كلام للنبي(صلی الله علیه وآله وسلم)

قال(عليه السلام):

«كَانَ آخِرُ كَلَامِ النَّبِيِّ (صلی الله علیه وآله وسلم) : الصَّلاةَ الصَّلَاةَ ، اتَّقُوا اللهَ فِيْمَا مَلَكَتْ


1) مسند أحمد بن حنبل : 1 : 2 ، الحديث 565 .

2) مسند أحمد بن حنبل : 1: 111 . كنز العمال: 13 : 129 ، الحديث 36408. مجمع الزوائد : 9 : 113 . تاريخ مدينة دمشق : 4 : 32 .

أَيْمَانُكُمْ» (1).

أما الصلاة فهي من أهم الطقوس الدينية. وقد اهتم بها الإسلام اهتماماً بالغاً، فهي عمود الدين، إن قبلت قبل ما سواها، وإن رُدَّتْ رُدَّ ما سواها - كما في الحديث - ،وأما الرفق بالرقيق ، فهو من أوليات التعاليم الإسلامية ، فقد أضفى عليهم الإسلام جميع ألوان البر والإحسان.

49- أقرب الناس إلى النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)

قال(عليه السلام)

قال رَسُولُ الله (صلی الله علیه وآله وسلم):

«إِنَّ أَقْرَبَكُمْ مِنِّي غَداً ، وَأَوْجَبَكُمْ عَلَيَّ شَفَاعَةٌ ، أَصْدَقُكُمْ لِسَاناً ، وَآدَاكُمْ لِلْأَمَانَةِ ، وَأَحْسَنُكُمْ خُلُقاً ، وَأَقْرَبُكُمْ مِنَ النَّاسِ»(2)

إنّ من اتصف بهذه الصفات الكريمة والخصال الرفيعة ، فهو من أقرب الناس إلى رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، وأنه يفوز بشفاعته .

50- أبعد الخلق عن النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)

قال (عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم):

«ثَلَاثٌ مَنْ لَمْ تَكُنْ فِيْهِ فَلَيْسَ مِنِّي ، وَلَا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.


1) مسند أحمد بن حنبل : 1 : 126 ، الحديث 586 كنز العمّال: 7 60 ، الحديث 17956. سنن أبي داود : 2 : 509 و 510 ، الحدیث 5156 . السنن الكبرى : 8: 11 .

2) أمالي الصدوق : 304 مسند زيد : 390. بحار الأنوار : 66: 381 ، الحديث 41 .

قِيْلَ : يا رَسُولَ اللهِ ، وَمَا هُنَّ ؟

قَالَ : حِلْمٌ يَرُدُّ بِهِ جَهْلَ الْجَاهِلِ ، وَحُسْنُ خُلُقٍ يَعِيْشُ بِهِ فِي النّاسِ ، وَوَرَعٌ يَحْجِرُهُ عَنْ مَعَاصِى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ »(1)

إنّ من لم يتحلَّ بهذه الصفات الكريمة فليس هو قريباً منه(صلی الله علیه وآله وسلم)، وأنه لبعيد عنه .

51 -الكذب على النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)

روى الإمام عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) أنه قال :

«لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ ، فَإِنَّهُ مَنْ كَذِبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجِ النَّارَ »(2)

لقد استشف الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) خطورة العصابة التي تكذب عليه إرضاء للسلطات الحاكمة فوعدهم بالنار يوم القيامة .

52 -الأئمّة الاثنا عشر(عليه السلام)

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم):

« الْأَئِمَّةُ مِنْ بَعْدِي اِثْنا عَشَرَ أَوَّلُهُمْ أَنْتَ يا عَلِيُّ ، وَآخِرُهُمُ الْقائِمُ الَّذِي يَفْتَحُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَلَى يَدَيْهِ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَها »(3).


1) الخصال : 1 : 71 مجمع الزوائد : 8 24 . المعجم الصغير : 1 : 251 .

2) كنز العمال : 3: 625 . صحيح البخاري : 1 : 35 عمدة القاري : 2 : 147 .

3) أمالي الصدوق : 173 . عيون أخبار الرضا(عليه السلام) : 2 : 67066 ، الحديث 34. ينابيع المودة : 3: 395 ، الحديث 46 .

وهذا الحديث متواتر مشهور روته العامة والخاصة ، فإنّ الأئمة الطاهرين مصابيح الإسلام وهداة هذه الأمة ، ومصدر فخرها وشرفها ، وآخرهم مهدي آل محمد(عليه السلام) الذي يقيم ما اعوج من نظام الدين والدنيا .

53- الإمام المهدى(عليه السلام)

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم)

«لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيا إِلَّا يَوْمٌ لَبَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَجُلاً مِنًا يَمْلَأُها عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً» (1).

وأعلن الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)وأوصياؤه العظام عن حتمية ظهور الإمام المهدي(عليه السلام) ليملأ الدنيا عدلاً، ويعيد للإنسانية الدور المشرق لحكومة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) في عدله ومساواته .

54- مهدى آل محمّد(عليه السلام)

قال(عليه السلام) قال رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) :

«الْمَهْدِيُّ مِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ يُصْلِحُهُ اللهُ فِي لَيْلَةٍ »(2).

إن الإمام المهدي(عليه السلام) المصلح الأعظم الذي يقيم اعوجاج الدين والدنيا ،


1) سنن أبي داود : 2 : 310 مسند أحمد بن حنبل : 1 : 99. كنز العمال : 14 : 267 ، الحديث 38675

2) مسند أحمد بن حنبل : 1 : 84 ، الحديث 645. كنز العمّال : 14 : 264 ، الحديث 38664 . سنن ابن ماجة : 2 : 1367 ، الحديث 4085 .

ويؤسس معالم الحضارة الإسلامية في الأرض ، هو الإمام الثاني عشر من أوصياء الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم).

55 - تسبيح الزهراء(عليه السلام)

«اشْتَكَتْ إِلَيَّ فَاطِمَةُ مَجْلَ يَدَيْهَا مِنْ الطَّحْنِ ، فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ(صلی الله علیه وآله وسلم)، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، فَاطِمَةُ تَشْتَكِي إِلَيْكَ مَجْلَ يَدَيْهَا مِنَ الطَّحْن ، وَتَسْأَلُكَ خادماً.

فَقَالَ : أَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكُما مِنْ حَادِمٍ ؟ فَأَمَرَنا عِنْدَ مَنَامِنَا بِثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ ، وَأَرْبَعِ وَثَلَاثِينَ مِنْ تَسْبِيْح وَهُوَ سُبْحَانَ اللهِ ، وَتَحْمِيدٍ وَهُوَ الْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَتَكْبِيرٍ وَهُوَ اللَّهُ أَكْبَرُ»(1).

وتواترت الأخبار عن أئمة الهدى(عليه السلام) بالحثّ على هذا الذكر خصوصاً بعد أداء الصلاة ، وسمّي هذا الذكر بتسبيح سيدة نساء العالمين

(عليها السلام).

56- أفضل آية

قال الامام(عليه السلام)لأصحابه


1) مسند أحمد بن حنبل : 1 : 214 ، الحديث 998. سنن الترمذي : 5 : 142. كنز العمال: 15: 499 و 500 ، الحديث 41972 .

«أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلِ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى حَدَّثَنَا بِهَا رَسُولُ الله(صلی الله علیه وآله وسلم):وَمَا أَصَابَكُم مِن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَن کثیر(1).

وَسَأَفَسِّرُها لَكَ يا عَلِيُّ : مَا أَصَابَكُمْ مِنْ مَرَضِ ، أَوْ عُقُوبَةٍ ، أَوْ بَلَاءٍ فِي الدُّنْيا ، فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُنَنّيَ عَلَيْهِمُ الْعُقُوبَةَ فِي الْآخِرَةِ ، وَمَا عَفَا اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي الدُّنْيا . فَاللَّهُ تَعَالَى أَحْلَمُ مِنْ أَنْ يَعُودَ بَعْدَ عَفْوِهِ »(2)

إنّ الله تعالى إذا ابتلي عبده في الدنيا ببلاء فإنه لا يثني عليه العقوبة في الدار الآخرة فهو أرحم وأولى بالعفو لعباده .

57- فضل ابی ذرّ(رضی الله عنه)

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) :

«ما أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ ، وَلَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ مِنْ ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ»(3).

أما أبو ذر فهو من عمالقة الإسلام الذين عذبوا في الله ، فقد ثار على الحكم


1) الشورى 42: 30

2) مسند أحمد بن حنبل : 1 : 85 ، الحديث 649 مجمع الزوائد : 7: 103 و 104 . مسند أبي يعلى : 1 : 352 . كنز العمال : 2 : 497 و 498 ، الحديث 4591.

3) فيض القدير : 5 : 540 ، الحديث 7825 تهذيب التهذيب : 12 : 81 تهذيب الكمال : 33، الحديث 296 .

الأموي الأسود الذي اتخذ مال الله دولاً وعباد الله خولاً ، وقد وقف من الأمويين موقفاً صلباً لم يخش من سلطانهم ، وراح يوقظ الجماهير ويحفزهم إلى الثورة ، وقد اعتقله عثمان عميد الاسرة الأموية في الربذة فمات فيها جائعاً وفي بيوت الأمويين الملايين من أموال المسلمين يهبونها لعملائهم ، وينفقونها على شهواتهم .

58 -عمّار بن ياسر الله

قال(عليه السلام):

«اسْتَأْذَنَ عَمَارُ بْنُ يَاسِرِ عَلَى النَّبِيِّ (صلی الله علیه وآله وسلم)، فَقَالَ : إِنْذَنُوا لَهُ .

فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ : مَرْحَباً بِالطَّيْبِ الْمُطَيَّبِ»(1)

ودخل عمار على الإمام(عليه السلام) : فقال له :

« مَرْحَباً بِالطَّيِّبِ الْمُطَيَّبِ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم) يَقُولُ : إِنَّ عَمَاراً مُلِئَ إِيماناً إِلَى مَشَاشَتِهِ » (2).

هذا بعض ما رواه الإمام(عليه السلام) عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) في فضل عمار بن ياسر(رضی الله عنه)

إنّ عمار بن ياسر في طليعة أصحاب رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) ومن أبرز المساهمين في اقامة صرح الإسلام ، استشهد أبوه ياسر وأمه سمية في سبيل الدعوة الإسلامية ، وكان أثيراً عند النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، كما كان من أخلص المسلمين للامام أميرالمؤمنين (عليه السلام) استشهد في صفين دفاعاً عن الإمام وايماناً بقضيته .


1) مسند أحمد بن حنبل : 1: 100. سنن ابن ماجة : 1: 52 ، الحديث 146. سنن الترمذي : 5: 332 المستدرك : 3 : 388.

2) مسند أبي يعلى : 1 : 325 تاريخ مدينة دمشق : 43: 391. تهذيب الكمال : 21: 222.

59- عبدالله بن مسعود (رضی الله عنه)

قال(عليه السلام) :

أَمَرَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم)عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ أَنْ يَصْعَدَ شَجَرَةً فَيَأْتِيَهُ بِشَيْءٍ مِنْهَا فَنَظَرَ أَصْحَابُهُ إِلَى حُمُوشَةِ سَاقِيهِ فَضَحِكُوا مِنْهَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ(صلی الله علیه وآله وسلم) : مَا يُضْحِككمْ لَرِجْلُ عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمِيْرَانِ أَثْقَلُ مِنْ جَبَلِ اُحد »(1).

إن عبدالله بن مسعود من ألمع أصحاب النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)ومن أكثرهم ايماناً ، وقد أشاد النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) بفضله في كثير من المناسبات.

60- مريم وخديجة(عليهما السلام)

قال(عليه السلام):

سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم) يَقُولُ :

«خَيْرُ نِسَائِها - أي نساء أهل الجنة - مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَديجَةُ »(2).

وتواترت الأخبار عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) أنّ سيدات أهل الجنّة السيّدة الفاضلة مريم بنت


1) مسند أحمد بن حنبل : 1 : 184 ، الحديث 922 مسند أبي يعلى : 1: 410 ، الحديث 539 . المعجم الكبير : :9 95 . الاستيعاب : 389 کنز العمال: 13 : 462 و 463 ، الحديث 37202 .

2) المستدرك : 2 : 497. صحيح البخاري : 4 : 138 مسند أحمد بن حنبل : 1: 135 ، الحديث 641 .

عمران ، وأم المؤمنين خديجة بنت خويلد .

61 - مناجاة لموسى(عليه السلام)

قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم):

«إِنَّ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ لَمَا نَاجِيَ رَبَّهُ ، قَالَ :

يا رَبِّ ، أَبَعِيْدٌ أَنْتَ مِنّي فَأَنادِيكَ ، أَمْ قَرِيْبٌ فَأَنَا جِيكَ ؟

فَأَوْحَى اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ إِلَيْهِ : أَنَا جَلِيْسُ مَنْ ذَكَرَنِي.

فَقَالَ مُوسى : يا رَبِّ ، إِنِّي أَكُوْنُ فِي حَالٍ أَجِلُّكَ أَنْ أَذْكُرَكَ فِيْهَا .

فَقَالَ : يا مُؤسى ، اذْكُرْنِي عَلى كُلِّ حالٍ »(1).

إنّ الله تعالى أقرب لعباده من حبل الوريد ، وهو حاضر وعالم بحالهم ، والرواية لا تخلو من وهن ؛ فإن قول موسى إلى الله تعالى :« أَبَعِيدٌ أَنْتَ مِنِّي فَأَنَادِيكَ ، أَمْ قَرِيْبٌ فَأَناجِيكَ »لا تتفق مع مركز النبوة ؛ فإنّ موسى وغيره من أنبياء الله تعالى على علم ويقين من أنّ الله تعالى قريب

من كلّ شيء.

62 - الله مع بعض أنبيائه (عليهم السلام)

قال : قالَ رَسُولُ اللَّهِ(صلی الله علیه وآله وسلم)

«أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى بَعْضِ أَنْبِيَائِهِ فِي بَعْضِ وَحْيِهِ إِلَيْهِ :


1) بحار الأنوار: 3 : 329. التوحيد : 182 . علل الشرائع : 1 : 284 ، الحديث 1.

وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأَقْطَعَنَّ أَمَلَ كُلِّ مُؤَمِّلِ غَيْرِي بِالْأَيَاسِ ، وَلَأَكْسُوَنَّهُ ثَوْبَ الْمَذَلَّةِ فِي النَّارِ ، وَلَابْعِدَنَّهُ مِنْ فَرَجِي وَفَضْلِي، أَيُؤَمِّلُ عَبْدِي فِي الشَّدَائِدِ غَيْرِي ، وَالشَّدَائِدُ بِيَدِي.

أَوَ يَرْجُو سِوايَ ، وَأَنَا الْغَنِيُّ الْجَوادُ ، بِيَدِي مَفَاتِيحُ الْأَبْوابِ ، وَهِي مُغْلَقَةٌ ، وَبابِي مَفْتُوحٌ لِمَنْ دَعَانِي ، أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مَا أَوْهَنَتْهُ نَائِبَةٌ لَمْ يَمْلِكُ كَشْفَهَا عَنْهُ غَيْرِي ، فَمَا لِي أَرَاهُ بِأَمَلِهِ مُعْرِضاً عَنِّي ، قَدْ أَعْطَيْتُهُ بِجُوْدِي وَكَرَمِي مَا لَمْ يَسْأَلْنِي ، فَأَعْرَضَ عَنِّي وَلَمْ يَسْأَلْنِي وَسَأَلَ فِي نَائِبَتِهِ غَيْرِي ، وَأَنَا اللَّهُ أَبْتَدِئُ بِالْعَطِيَّةِ قَبْلَ الْمَسْأَلَةِ ، أَفَاسْتَلُ فَلَا أَجِيْبُ . كَلَّا ، أَوَلَيْسَ الْجُودُ وَالْكَرَمُ لِي ؟

أَوَلَيْسَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ بِيَدِي ؟

فَلَوْ أَنَّ أَهْلَ سَبْع سَماوَاتٍ وَأَرَضِيْنَ سَأَلُونِي جَمِيعاً فَأَعْطَيْتُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي مِثْلَ جَنَاحِ بَعُوْضَةٍ ، وَكَيْفَ يَنْقُصُ مُلْكَ أَنا قَيِّمُهُ ، فَيَابُؤْساً لِمَنْ عَصَانِي وَلَمْ يُرَاقِبْنِي» (1)

إنّ جميع ما في هذا الوجود من الممكنات كلّها بيد الله تعالى ، فهو مصدر العطاء والفيض لجميع عباده ، وقد خاب وخسر من رجا غيره وتأمّل سواه .


1) أمالي الطوسي : 2: 194 . عدّة الداعي : 123 و 124 . بحار الأنوار: 68: 154 ، الحديث67.

63- من وحى الله لداود(عليه السلام)

روى الإمام(عليه السلام) عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) أنه قال :

«أَوْحَى اللَّهُ إِلى داوُدَ : يا دَاوُدُ ، مَثَلُ الدُّنْيا كَمَثَلِ جِيْفَةٍ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهَا الْكِلَابُ يَجُرُّونَهَا أَفَتُحِبُّ أَنْ تَكُونَ كَلْباً مِثْلَهُمْ فَتَجُرَّ مَعَهُمْ .

يا داوُدُ ، طِيْبُ الطَّعامِ ، وَلِيْنُ اللباسِ ، وَالصَّيْتُ فِي النّاسِ . وَفِي الْآخِرَةِ الْجَنَّةُ لَا تَجْتَمِعُ أَبَداً »(1)

لقد اجتمع الناس منذ فجر تأريخهم حتى يرث الله الأرض ومن عليها على التفاني في حبّ الدنيا والإقبال عليها ، ولا ينجو منها إلا المتقون والصالحون من عباد الله .

64 -وصف كامل للإسلام

روی خلاس بن عمرو ، قال : «كنّا جلوساً عند عليّ بن أبي طالب إذ أتاه رجل من خزاعة ، فقال : يا أمير المؤمنين ، هل سمعت رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) ينعت الإسلام ؟

قال : نَعَمْ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) يَقُولُ :

«بُنِي الْإِسْلَامُ عَلى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ: عَلَى الصَّبْرِ ، وَالْيَقِينِ ، وَالْجِهَادِ ، وَالْعَدْلِ .

وَلِلْصَبْرِ أَرْبَعُ شُعَبِ : الشَّوْقِ ، وَالشَّفَقَةُ ، وَالزَّهَادَةُ ، وَالتَّرَقُبُ


1) كنز العمال : 3 : 214 .

فَمَنِ اشْتاقَ إِلَى الْجَنَّةِ سَلَا عَنِ الشَّهَواتِ ، وَمَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ رَجَعَ عَنْ الْمُحَرِّمَاتِ ، وَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا تَهَاوَنَ بِالْمُصِيبَاتِ وَمَنِ ارْتَقَبَ الْمَوْتَ سَارَعَ فِي الْخَيْرَاتِ .

وَلِلْيَقِينِ أَرْبَعُ شُعَبِ : تَبْصِرَةُ الْفِطْنَةِ ، وَتَأْوِيلُ الْحِكْمَةِ ، وَمَعْرِفَةُ الْعِبْرَةِ ، وَاتِّباعُ السُّنَّةِ ، فَمَنْ أَبْصَرَ الْفِطْنَةَ تَأَوَّلَ الْحِكْمَةَ ، وَمَنْ تَأَوَّلَ الْحِكْمَةَ عَرَفَ الْعِبْرَةَ ، وَمَنْ عَرَفَ الْعِبْرَةَ اتَّبَعَ السُّنَّةَ ، وَمَن اتَّبَعَ السُّنَّةَ فَكَأَنَّمَا كَانَ فِي الْأَوَّلِينَ.

وَلِلْجِهادِ أَرْبَعُ شُعَب : الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَالصَّدْقُ فِي الْمَواطِنِ ، وَشَنآنُ الْفَاسِقِينَ ، فَمَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ شَدَّ ظَهْرَ الْمُؤْمِنِ ، وَمَنْ نَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ أَرْغَمَ أَنْفَ الْمُنافِقِ ، وَمَنْ صَدَقَ فِي الْمَواطِن قَضَى الَّذِي عَلَيْهِ وَأَحْرَزَ دِيْنَهُ ، وَمَنْ شَنَأَ الْفَاسِقِينَ فَقَدْ غَضِبَ لِلَّهِ ، وَمَنْ غَضِبَ لِلَّهِ يَغْضَبُ اللَّهُ لَهُ وَلِلْعَدْلِ أَرْبَعُ شُعَبٍ : غَوْصُ الْفَهْم ، وَزَهْرَةُ الْعِلْمِ ، وَشَرائِعُ الْحُكْمِ ، وَرَوْضَةُ الْحِلْمِ ؛ فَمَنْ عَاصَ الْفَهْمَ فَسَّرَ جُمَلَ الْعِلْمِ ، عَرَفَ شَرائِعَ الْحُكْم وَوَرَدَ رَوْضَةَ الحِلم ، وَمَنْ رَعَى زَهْرَةَ الْعِلْمَ ،وَمَنْ وَرَدَ رَوْضَةَ الْحِلْمَ لَمْ يُفَرِّطُ فِي أَمْرِهِ وَعاشَ فِي النَّاسِ وَهُمْ في راحَةٍ »(1).

وألم هذا الحديث بفلسفة الإسلام ، وأحاط بروائع أحكامه التي تهدف إلى


1) حلية الأولياء : 1 : 74 و 75 فيض القدير : 6: 83 .

سعادة الإنسان ، وإبعاده عن مآثم هذه الحياة .

65- عناصر الإسلام

قال قالَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم) :

«إِنَّ اللهَ خَلَقَ الْإِسْلَامَ فَجَعَلَ لَهُ عَرْصَةً ، وَجَعَلَ لَهُ نُوراً ، وَجَعَلَ لَهُ حِصْنَا وَجَعَلَ لَهُ ناصِراً .

فَأَمَّا عَرْصَتُهُ فَالْقُرْآنُ .

وَأَمَّا نُوْرُهُ فَالْحِكْمَةُ .

وَأَمَّا حِصْنَهُ فَالْمَعْرُوفُ .

وَأَمَّا أَنْصارُهُ فَأَنا وَأَهْلُ بَيْتِي وَشِيْعَتُنا »(1).

إنّ هذه البنود التي أدلى بها الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) هي التي يتألف منها الإسلام ، ويقوم على سوقه عَبْلَ الذراع مَفْتُولَ الساعد.

66 - الضرائب الماليّة

روى محمّد بن الحنفية نجل الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) أنه سمع أباه يقول :

« سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَرَضَ لِلْفُقَرَاءِ فِي أَمْوالِ الْأَغْنِياءِ قَدَرَ ما يَسَعُهُمْ ، فَإِنْ مَنَعُوْهُمْ حَتَّىٰ يَجُوْعُوا أَوْ يَعْرَوْا أَوْ يَجْهَدُوا


1) وسائل الشيعة : 6 : 141 . الكافي : 2 : 46 ، الحديث . بحار الأنوار: 65: 341 .

حاسَبَهُمُ اللهُ حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبَهُمْ عَذَاباً نُكْراً ... »(1).

عالج الإسلام بصورة موضوعية وشاملة جميع قضايا الإنسان وشؤونه ، ومن أهمّ ما عنی به مكافحة الفقر ومطاردته ، ومن الوسائل التي اعتمد عليها في ذلك فرضه للحقوق المالية في أموال الأغنياء ، وإعطاؤها للفقراء ، وهي بصورة دقيقة تفي بحاجاتهم، وتنفي عنهم البؤس والحاجة، وشدّد الإسلام على الأغنياء بدفع ما عليهم من الضرائب إلى الفقراء فإذا لم يؤدّوها تعرّضت الأمة إلى النكبات والأزمات، وإن الله تعالى يحاسبهم حساباً عسيراً على ذلك .

67 -أنواع الجهاد

روى الإمام (عليه السلام) عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) أنه قال :

«الْجِهَادُ أَرْبَعَ : الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَالصِّدْقُ فِي مَوَاطِنِ الصَّبْرِ ، وَشَنَآنُ الْفَاسِقِ» (2).

إنّ هذه الأنواع من أفضل صور الجهاد ، فإنّها تدعو إلى نكران الذات .

68 -جهاد النفس

قال(عليه السلام):

«إِنَّ رَسُولَ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) بَعَثَ سَرِيَّةٌ فَلَمّا رَجَعُوا قَالَ : مَرْحَباً بِقَوْمٍ


1) حلية الأولياء : 3 : 178 کنز العمال : 6: 310 ، الحديث 15833. تفسير الثعالبي : 3: 177 تاریخ بغداد : 2 : 378 .

2) كنز العمّال : 3 : 64 . الجامع الصغير : 1 : 565 .

قَضَوْا الْجِهَادَ الْأَصْغَرَ وَبَقِيَ عَلَيْهِمُ الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ.

فَقِيْلَ : يا رَسُولَ اللهِ ، وَما الْجِهادُ الْأَكْبَرُ ؟

فَقَالَ : جِهَادُ النَّفْسِ »(1).

إنّ جهاد النفس ومنع غرائزها الشريرة من الاستيلاء على الإنسان وصدّها عن تقوى الله من أفضل ألوان الجهاد، إن النفس لأمارة بالسوء ، وهي تعمل على هبوط الإنسان إلى مستوى سحيق من الرذائل والآثام، وقانا الله شرها .

69 -الجهاد في الفتنة

قال رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام):

« يا عَلِيُّ ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ كَتَبَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الْجِهَادَ فِي الْفِتْنَةِ مِنْ بَعْدِي ، كَمَا كَتَبَ عَلَيْهِمُ الْجِهَادَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ مَعِي .

فَقُلْتُ : يا رَسُولَ اللهِ ، وَمَا الْفِتْنَةُ الَّتِي كُتِبَ عَلَيْنَا فِيْهَا الْجِهَادُ .

قالَ: فِتْنَةٌ قَوْمٍ يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ ، وَهُمْ مُخَالِفُونَ لِسُنَّتِي ، وَطَاعِنُونَ فِي دِينِي .

فَقُلْتُ : فَعَلَامَ نُقَاتِلُهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ وَهُمْ يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ؟

فَقَالَ : على إِحْدَائِهِمْ فِي دِينِهِمْ وَفِرَاقِهِمْ لِأَمْرِي وَاسْتِحْلَالِهِمْ


1) الكافي : 5 : 12 ، الحديث . أمالي الصدوق : 553 ، الحديث 740.

دِمَاءَ عِتْرَتِي »(1)

إن هؤلاء الذين أمر النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)

بجهادهم ، ومناجزتهم قد مرقوا عن الدين ، وخالفوا جماعة المسلمين ، واستحلوا ما حرم الله ، وحرموا ما حلل الله ، فكان اللازم

على المسلمين مناجزتهم حتى يفيئوا إلى حكم الله .

70 -المسالمة

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم)

« سَيَكُونُ بَعْدِي اخْتِلَافٌ أَوْ أَمْرٌ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ السِّلْمَ فَافْعَلْ»(2).

أمر النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) الإمام بالسلم وهو المسالمة وعدم فتح باب الحرب مع المعتدين عليه حفظاً لكلمة التوحيد ، وصيانة لدماء المسلمين.

71 -الحرب خدعة

« لَأَنْ يَخْطَفَنِي الطَّيْرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(صلی الله علیه وآله وسلم)


1) وسائل الشيعة : 6 : 61 . أمالي المفيد : 288 و 289. أمالي الطوسي : 65 و 66 ، الحديث 96.

2) مسند أحمد بن حنبل : 1 : 90 ، الحدیث 695 مجمع الزوائد : 7: 234 . كنز العمال : 11: 148 ، الحدیث 30979 .

مَا لَمْ يَقُلْ ..

سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم) يَقُولُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ : الْحَرْبُ خُدْعَةٌ »(1).

من أهمّ وسائل الظفر بالحرب هي الخدعة ، وقد اندحر الجيش العراقي في صفين بعد أن أشرف على الفتح بخديعة ابن العاص في رفع المصاحف ، وقد عرضنا لذلك في بحوث هذا الكتاب .

72- الصبر

روى الإمام(عليه السلام) عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) :

« الصَّبْرُ مِنَ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ »(2).

الصبر من أفضل الصفات الكريمة ، وقد حثّ الإسلام عليه ، وقد ذكر العرفاء أنواعه وما أثر عن النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) فيه .

73 -علامة الصابر

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم) :

« إِنَّ عَلَامَةَ الصّابِرِ فِي ثَلَاثٍ :

أَوَّلُها أَنْ لَا يَكْسَلَ.

وَالثَّانِيَةُ أَنْ لَا يَضْجَرَ.


1) وسائل الشيعة : 6 : 102 . تهذيب الأحكام : 6: 162 و 163 ، الحديث 298.

2) كنز العمال: 3 : 271 فيض القدير : 4: 308 شرح نهج البلاغة : 11 : 202 .

وَالثَّالِثَةُ أَنْ لَا يَشْكُو مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِأَنَّهُ إِذا كَسِلَ فَقَدْ ضَيَّعَ الْحُقُوْقَ ، وَإِذا ضَجِرَ لَمْ يُؤَدِّ الشُّكْرَ، وَإِذا شَكَا مِنْ رَبِّهِ فَقَدْ عَصَاهُ »(1)

إن الصبر من أفضل النزعات النفسية ، وقد ذكر النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) له ثلاث علامات ، يعرف بها الصابر .

74- الدنيا سجن المؤمن

جاء في وصية النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام):

« يا عَلِيُّ ، إِنَّ الدُّنْيا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ .

يا عَلِيُّ ، أَوْحَى اللَّهُ إِلَى الدُّنْيا : اخْدِمِي مَنْ خَدَمَنِي ، وَأَتْعِبي مَنْ خَدَمَكِ .

يا عَلِيُّ ، إِنَّ الدُّنْيا لَوْ عَدَلَتْ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوْضَةٍ لَمَا سَقَى الْكافِرَ مِنْها شَرْبَةً مِنْ مَاءٍ .

يا عَلِيُّ ، مَا أَحَدٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ إِلَّا وَهُوَ يَتَمَنَّى يَوْمَ القِيامَةِ أَنَّهُ لَمْ يُعْطَ مِنْ الدُّنْيا إِلَّا قُوْتاً »(2).

إن الدنيا لا قيمة لها عند الله ، فهي دار امتحان وبلاء ، ولو كان لها من الأهمية شيء


1) علل الشرائع : 196 . وسائل الشيعة : 16: 23 ، الحديث 20862 . بحار الأنوار : 68 : 86 ، الحديث 35 .

2) وسائل الشيعة : 6 : 316 . من لا يحضره الفقيه : 4 : 363 .

لما تمتّع الكافر منها بالنِّعم الجزيلة ، وما عانى منها أولياء الله وأحباؤه الخطوب والكوارث من ملوك عصورهم .

75- مرض المؤمن

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم):

يا عَلِيُّ ، أَنِيْنُ الْمُؤْمِنِ تَسْبِيْحٌ، وَصِياحُهُ تَهْلِيلٌ ، وَنَوْمُهُ عَلَى الْفِراشِ عِبادَةٌ، وَتَقَلَّبُهُ مِنْ جَنْبِ إِلى جَنْبِ جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَإِنْ عُوفِي مَشى فِي النَّاسِ وَما عَلَيْهِ مِنْ ذَنْبٍ »(1).

إنّ رعاية الله تعالى للمؤمن تصاحبه في جميع فترات حياته ، في صحته ، وفي سقمه .

76 -انين المريض

روى الإمام(عليه السلام) عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) :

« يُكْتَبُ أَنِيْنُ الْمَرِيضِ ، فَإِنْ كَانَ صَابِرًا كَانَ أَنِيْنُهُ حَسَناتٍ ، وَإِنْ كانَ أَنِيْتُهُ جَزَعاً كَانَ هَلَوْعاً لَا أَجْرَ لَهُ »(2).

إنّ من يصبر على ما ينزل به من آلام المرض، ويوكل ذلك إلى الله تعالى فإنّه


1) وسائل الشيعة :2 338 من لا يحضره الفقيه : 4 : 364 . الدعوات: 224 ، الحديث 617.

2) کنز العمال: 3 : 311 ، الحديث 6706 .

يجزل له المزيد من الأجر ، أما من يجزع فلا أجر له .

77 -حقوق المسلم على المسلم

روى (عليه السلام) عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)

«إِنَّ لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيْهِ الْمُسْلِمِ مِنَ الْمَعْرُوفِ سِتّاً : يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِذا لَقِيَهُ ، وَيَعُوْدُهُ إِذا مَرِضَ ، وَيُسَمِّتُهُ إِذا عَطَسَ ، وَيَشْهَدُهُ إِذا ماتَ ، وَيُجيبُهُ إذا دَعَاهُ ، وَيُحِبُّ لَهُ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ، وَيَكْرَهُ لَهُ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ »(1)

إنّ هذه الحقوق التي أعلنها الرسول توجب تماسك المسلمين ووحدتهم ، وتؤلّف بين عواطفهم وقلوبهم .

78- من حقوق المسلم على المسلم

قالَ(عليه السلام) رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم) :

«لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيْهِ ثَلَاثُونَ حَقًّا ، لَا بَرَاءَةَ لَهُ مِنْهَا إِلَّا بِالْأَدَاءِ أَوِ الْعَفْوِ : يَغْفِرُ زَلَّتَهُ ، وَيَرْحَمُ عَبْرَتَهُ ، وَيَسْتُرُ عَوْرَتَهُ ، وَيُقِيْلُ عَشْرَتَهُ ، وَيَقْبَلُ مَعْذِرَتَهُ ، وَيَرُدُّ غَيْبَتَهُ وَيُدِيْمُ نَصِيْحَتَهُ ، وَيَحْفَظُ خِلَّتَهُ ، وَيَرْعى ذِمَّتَهُ ، وَيَعُوْدُ مَرْضَتَهُ ، وَيَشْهَدُ مَيْتَهُ ، وَيُجِيبُ دَعْوَتَهُ ،


1) أمالي الطوسي : 2 : 92 وسائل الشيعة : 12 : 211 ، الحديث 16111. بحار الأنوار: 225:71 ، الحديث 16 .

وَيَقْبَلُ هَدِيَّتَهُ ، وَيُكافِيُّ صِلَتَهُ ، وَيَشْكُرُ نِعْمَتَهُ ، وَيُحْسِنُ نُصْرَتَهُ ، وَيَحْفَظُ حَلِيْلَتَهُ ، وَيَقْضِي حاجَتَهُ ، وَيَشْفَعُ مَسْأَلَتَهُ ، وَيُسَمِّتُ عَطْسَتَهُ ، وَيُرْشِدُ ضَالَّتَهُ ، وَيَرُدُّ سَلَامَهُ ، وَيُطَيِّبُ كَلَامَهُ ، وَيَبَرُّ أَنْعَامَهُ ، وَيُصَدِّقُ أَقْسَامَهُ ، وَيُوَالِي وَلِيَّهُ ، وَلَا يُعَادِيْهِ ، وَيَنْصُرُهُ ظَالِماً وَمَظْلُوماً .

فَأَمَا نُصْرَتُهُ ظَالِماً فَيَرُدُّهُ عَنْ ظُلْمِهِ ، وَأَمَّا نُصْرَتُهُ مَظْلُوماً فَيُعِيْنُهُ عَلى أَخْذِ حَقًّه.

وَلَا يُسْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، وَيُحِبُّ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ، وَيَكْرَهُ لَهُ مِنَ الشَّرِّ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ »(1).

وعنى الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) بترابط المسلمين ووحدتهم ، وإقامة المودة فيما بينهم . ن الطبيعي أن المبادئ التي أعلنها مما توجب شيوع الحب بينهم ، وإقصاء العداوة عنهم .

79 -حقوق في المال

قال(عليه السلام)

قِيْلَ لِرَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم) : يا نَبِيَّ اللَّهِ ، أَفِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ ؟

قَالَ : نَعَمْ، بِرُ الرَّحِمِ إِذَا أَدْبَرَتْ ، وَصِلَةُ الْجَارِ الْمُسْلِمِ، فَمَا آمَنَ بِي مَنْ باتَ شَبْعاناً وَجَارُهُ الْمُسْلِمُ جَائِعٌ


1) بحار الأنوار: 74 : 236 . كنز الفوائد : 141. نصب الراية : 2 : 305. فيض القدير : 3: 517 .

ثُمَّ قَالَ : مَا زالَ جَبْرَائِيْلُ يُوْصِيْنِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرثُهُ(1).

إنّ الإسلام قد تبنّى بصورة إيجابية وبجميع الوسائل إذابة الفقر وإقصاءه عن الحياة الاجتماعية فهو رديف الكفر ، ومصدر الشقاء في الأرض ، وقد وضع البرامج لذلك ، كان منها ما ذكره الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) .

80 - الكسب الحلال

روى الإمام(عليه السلام) عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم):

« إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ يَرى عَبْدَهُ تَعِباً فِي طَلَبِ الْحَلَالِ» (2).

إنّ السعي في طلب الحلال والاجتناب من الكسب الحرام من أفضل الأعمال المقرّبة الله تعالى ، والمنمية لرزق الإنسان .

81 -دعوات لا تردّ

قال رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام(عليه السلام)

« يا عَلِيُّ ، أَرْبَعَةٌ لَا تُرَدُّ لَهُمْ دَعْوَةٌ : إِمَامٌ عَادِلٌ ، وَوَالِدٌ لِوَلَدِهِ ، وَالرَّجُلُ يَدْعُو لِأَخِيْهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ ، وَالْمَظْلُومُ. يَقُولُ اللهُ جَلَّ


1) أمالي الطوسي : 2 : 134 . بحار الأنوار: 71: 94 ، الحدیث 22. وسائل الشيعة : 91: 52 ، الحديث 11501 .

2) كنز العمّال : 4 4 ، الحديث 9200 . الجامع الصغير : 1 : 287

جَلَالُهُ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأَنْتَصِرَنَّ لَكَ وَلَوْ بَعْدَ حِيْنِ »(1).

إنّ الله تعالى يستجيب دعاء هؤلاء الأصناف ، ولو بعد حين ولا يردّ لهم دعاءُ .

82 - الدعاء عند لبس الثياب

أتى الإمام (عليه السلام) إلى غلام فاشترى منه قميصاً بثلاثة دراهم ولبسه وهو يقول :

«الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي مِنَ الرِّياشِ مَا أَتَجَمَّلُ بِهِ فِي النَّاسِ وَأَوَارِي بِهِ عَوْرَتِي».

فقيل له : هذا شيء ترويه عن نفسك أو عن نبي الله(صلی الله علیه وآله وسلم)؟

قال: «هذا شَيْءٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) يَقُولُهُ عِنْدَ الْكِسْوَةِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي مِنَ الرِّياشِ مَا أَتَجَمَّلُ بِهِ فِي النَّاسِ وَأُوَارِي بِهِ عَوْرَتِي »(2).

إنّ ذكر الله تعالى مصاحب للرسول ولوصيه في جميع تصرفاتهم وشؤونهم ومراحل حياتهم حتى في لبس الثياب .

83- بناء المساجد

قال (عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم):


1) بحار الأنوار: 74 47. الخصال: 197 ، الحديث .4. من لا يحضره الفقيه : 4 : 355 .

2) مجمع الزوائد : 5 : 118 . مسند أحمد بن حنبل : 1 : 254 ، الحديث 1356 . كنز العمّال : 15 : 462 ، الحديث 41838.

«مَنْ بَنِى مَسْجِداً بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ »(1).

أمّا المساجد فانها من المراكز الحساسة في الإسلام ، ففيها العبادة ، واقامة شعائرالإسلام ، ومنها تنطلق الدعوة إلى الله تعالى، فهي محل تبشير وعبادة .

84- الجلوس فى المصلى

قال(عليه السلام) سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم) يَقُولُ :

« مَنْ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ ، وَصَلَاتُهُمْ عَلَيْهِ : اللّهُمَّ اغْفِرْ لِه ، اللهُمَّ ارْحَمْهُ.

وَمَنْ يَنتَظِرِ الصَّلَاةَ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ وَصَلَاتُهُمْ عَلَيْهِ :

اللهُمَّ اغْفِرْ لَهُ ، اللهُمَّ ارْحَمْهُ »(2).

إنّ الجلوس في المصلّى وذكر الله تعالى موجب لمغفرة الله تعالى ، كما إنه موجب لزيادة الرزق خصوصاً بعد صلاة الصبح ، كما دلّت على ذلك كوكبة من الأخبار .

85 -الفقراء أصدقاء الله تعالى

روى الإمام(عليه السلام) عن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) أنه قال :

« الْفُقَراءُ أَصْدِقَاءُ اللهِ ، وَالْمَرْضى أَحِبَاءُ اللهِ ، فَمَنْ ماتَ عَلَى التَّوْبَةِ


1) مسند أحمد بن حنبل : 1 : 70 ، يرويه عن عثمان حلية الأولياء : 2: 180 . الكافي : 3: 368 ، الحديث 1 ، رواه عن الإمام الصادق (عليه السلام).

2) مسند أحمد بن حنبل : 1 : 232 ، الحدیث 1223.

فَلَهُ الْجَنَّةُ ، فَتُوبُوا وَلَا تَيْأَسُوا فَإِنَّ بِابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ مِنْ قَبْلِ الْمَغْرِبِ لَا يَنْسَدُّ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْهُ »(1).

وفي هذا الحديث تكريم للفقراء فهم أصدقاء الله تعالى ، كما فيه تكريم للمرضى فهم أحبّاء الله ، وفيه الدعوة إلى التوبة والاقلاع عن الذنب فإنّ من تاب تاب الله عليه ، وغفر ذنبه .

86- فقراء أهل الصُّفّة

روى الإمام (عليه السلام) عن النبى(صلی الله علیه وآله وسلم) أنه قال :

« لَا أَعْطِيْكُمْ وَأَدَعَ أَهْلَ الصَّفّةِ تَلَوّى بُطُونُهُمْ مِنَ الْجُوعِ » (2).

أهل الصُّفَّة : هم الفقراء الذين كانوا ينتشرون على جوانب الجامع النبوي فيتصدّق عليهم المسلمون ، وكان منهم أبو هريرة الدوسي شيخ المضيرة .

وكان جعفر الطيّار يأخذه من الشارع ويطعمه في بيته ، وكان أبو هريرة كثيراً ما يذكر ألطاف جعفر عليه .

87 -المنازل الرفيعة في الجنّة

قال (عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم):

«إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفاً يُرى ظَاهِرُهَا مِنْ باطِنِهَا ، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا ،


1) كنز العمّال : 4 : 222

2) مسند أحمد بن حنبل : 1: 33 ، الحديث 596 .

يَسْكُنُهَا مِنْ أُمَّتِي مَنْ أَطابَ الْكَلَامَ ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ ، وَأَفْشَى السَّلَامَ ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيام.

فَقَالَ عَلِيُّ : يا رَسُولَ اللهِ ، وَمَنْ يُطِيْقُ هَذَا مِنْ أُمَّتِكَ ؟

فَقَالَ : يَا عَلِيُّ ، أَوَتَدْرِي مَا إِطَابَةُ الْكَلَامِ ؟

مَنْ قَالَ إِذَا أَصْبَحَ وَأَمْسى : سُبْحانَ اللهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ عَشْرَ مَرّاتٍ .

وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى عِيالِهِ .

وَأَمّا الصَّلَاةُ وَالنّاسُ نِيامٌ فَمَنْ صَلَّى بِالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ الْآخِرَةِ ، وَصَلَّى الْغَدَاةَ فِي الْمَسْجِدِ فَكَأَنَّمَا أَحْيَى اللَّيْلَ كُلَّهُ .

وَإِفْشاءُ السَّلَامِ أَنْ لَا يَبْخَلَ بِالسَّلَامِ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ »(1)

إنّ الله أعد في الجنة المنازل الكريمة لعباده الصالحين ، وهذه الخصال التي ذكرها الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) من سمات المتقين الذين يتبوّأون في الجنة حيث ما شاءوا .

88 -الزهد في الدنيا

قال(عليه السلام)قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم):

«مَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيا عَلَّمَهُ اللهُ بِلَا تَعَلَّم ، وَهَدَاهُ بِلَا هِدَايَةٍ ، وَجَعَلَهُ


1) أمالي الصدوق : 198. معاني الأخبار : 250 و 251 ، الحدیث 1.

بَصِيْراً وَكَشَفَ عَنْهُ الْعَمى » (1).

إنّ الزهد في الدنيا وعدم الافتتان بمباهجها وزينتها له آثاره المهمة والتي منها أنّ الله تعالى يضفي على الزاهد العلم، ويجعله بصيراً في أحوال الدنيا .

89- مکارم الأخلاق

روى الإمام الحسين(عليه السلام) عن أبيه(عليه السلام)، قال :

«سَمِعْتُ النَّبِيَّ(صلی الله علیه وآله وسلم)يَقُولُ : بُعِثْتُ بِمَكَارِمِ لأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِها»(2).

إنّ الرسول الأعظم(صلی الله علیه وآله وسلم) الذي هو هبة من الله تعالى لعباده قد غيّر مجرى التاريخ ، وطوى حياة الجاهلية ، وذلك بسعة أخلاقه الرفيعة التي امتاز بها على سائر النبيين .

جاء في وصية النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) :

« يا عَلِيُّ ، ثَلَاثَةٌ مِنْ مَكارِمِ الْأَخْلَاقِ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ : أَنْ تَعْفُو ،عَمَّنْ ظَلَمَكَ ، وَتَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ ، وَتَحْلُمَ عَمَّنْ جَهلَ حَقَّكَ »(3).

وهذه الأمور من محاسن مكارم الأخلاق ، ومن أمهات الفضائل ، فهي من العناصر التي أقامها الإسلام في مجتمعه.


1) کنز العمال: 3 : 197 . الجامع الصغير : 2 : 606 ، الحديث 8725.

2) أمالي الطوسي : 2 : 209 مشكاة الأنوار: 425. بحار الأنوار : 16: 287 ، الحدیث 142 .

3) من لا يحضره الفقيه : 2 335 . الكافي : 2 : 107 ، الحديث .3. تحف العقول : 293 .

90- حسن الخُلق

قال(عليه السلام) : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) يقول :

«إِنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النَّاسَ بِأَمْوالِكُمْ فَسَعُوْهُمْ بِأَخْلَاقِكُمْ »(1).

إنّ السمت البارز في شخصية الرسول الأعظم(صلی الله علیه وآله وسلم) هي الأخلاق العظيمة التي امتاز بها على سائر النبيين ، وقد رفع الدعوة إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الصفات .

قال رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) :

« يا عَلِيُّ ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَشْبَهِكُمْ بِي خُلُقاً ؟

قَالَ : بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ .

قَالَ : أَحْسَنُكُمْ خُلُقاً ، وَأَعْظَمُكُمْ حِلْماً ، وَأَبَرُّكُمْ بِقَرَابَتِهِ ، وَأَشَدُّكُمْ مِنْ نَفْسِهِ إِنصافاً » (2)

إنّ حسن الخلق من أطيب الصفات وأجلّها ، ومن اتصف به وبالحلم والإنصاف كان من أشبه الناس خُلْقاً برسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم).

من وصايا النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام(عليه السلام) :

«يا عَلِيُّ ، أَحْسِنْ خُلُقَكَ مَعَ أَهْلِكَ وَجِيْرانِكَ وَمَنْ تُعاشِرُ وَتُصاحِبُ مِنَ النَّاسِ تُكْتَبُ عِنْدَ اللهِ فِي الدَّرَجاتِ الْعُلى »(3).


1) أمالي الصدوق : 268 عيون أخبار الرضا(عليه السلام) : 2 : 53 ، الحديث 204. بحار الأنوار: 7: 383 ، الحدیث 19 و : 384 ، الحديث 22 .

2) من لا يحضره الفقيه : 2 : 340 . وسائل الشيعة : 15 : 267 ، الحديث 20471.

3) بحار الأنوار: 74 67. تحف العقول : 14 .

إنّ الأخلاق الحسنة من أبرز الصفات الكريمة التي يتحلى بها الإنسان ، والتي تجلب له الخير ، وتدفع عنه السوء ، وكان الرسول الأعظم المثل الأعلى للأخلاق الرفيعة .

91- قضاء حوائج الناس

قال رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) :

«يا عَلِيُّ الْحَاجَةُ أَمَانَةُ اللهِ عِنْدَ خَلْقِهِ ، فَمَنْ كَتَمَها عَلى نَفْسِهِ أَعْطاهُ اللهُ ثَوابَ مَنْ صَلَّى ، وَمَنْ كَشَفَهَا إِلَى مَنْ يَقْدُرُ أَنْ يُفَرِّجَ عَنْهُ وَلَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ قَتَلَهُ ، أَما إِنَّهُ لَمْ يَقْتُلُهُ بِسَيْفٍ وَلَا سِنانٍ وَلَا سَهُم ، وَلكِنْ قَتَلَهُ بِما نَكَأَ مِنْ قَلْبِهِ»(1)

وفي هذا الحديث دعوة من النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) إلى المسلمين بالسعي لقضاء حوائج بعضهم بعضاً ، وحذر من يتمكن على ذلك ولا يقوم به فإنّه قد قتل نفسه ، وحرمها من الأجر الجزيل والثواب العظيم .

92- أفضل الناس

جاء في وصية النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) للامام أمير المؤمنين(عليه السلام) :

«يا عَلِيُّ ، ثَلَاثَةٌ مَنْ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِهِنَّ فَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ النَّاسِ :


1) أصول الكافي : 2 : 261 ، الحديث .8 مشكاة الأنوار: 369 . بحار الأنوار: 69: 10 ، الحديث 9.

مَنْ أَتَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِمَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ أَعْبَدِ النَّاسِ .

وَمَنْ وَرَعَ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَهُوَ مِنْ أَوْرَعِ النَّاسِ .

وَمَنْ قَنَعَ بِمَا رَزَقَهُ اللَّهُ فَهُوَ مِنْ أَغْنَى النَّاسِ .

ثم قال : يا عَلِيُّ ، ثَلَاثَةٌ مَنْ لَمْ يَكُنَّ فِيْهِ لَمْ يَتِمَّ عَمَلُهُ: وَرَحْ يَحْجِزُهُ عَنْ مَعَاصِي اللهِ ، وَخُلُقٌ يُدَارِي بِهِ النَّاسَ ، وَحِلْمٌ يَرُدُّ بِهِ جَهْلَ الْجَاهِلِ.

إلى أن قال : يا عَلِيُّ الْإِسْلَامُ عُرْيانٌ ، وَلِبَاسُهُ الْحَياءُ ، وَزِيْنَتُهُ الْعَفَافُ ، وَمُرُوتُهُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ ، وَعِمَادُهُ الْوَرَعُ »(1).

إنّ من اتصف بهذه الصفات الكريمة ، والخصال الحميدة فهو من أفضل الناس وأشرفهم ، وأكملهم . وجميع وصايا الرسول ، ووصايا الأئمة الطاهرين(صلی الله علیه وآله وسلم) من أبنائه تدعو إلى سموّ الإنسان وكماله وتهذيبه وسلامته من المآثم والرذائل .

93- إعانة المسلم

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم):

«مَنْ رَدَّ عَنْ قَوْمِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَادِيَةَ مَاءٍ أَوْ نَارٍ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ »(2)


1) من لا يحضره الفقيه : 2 : 336 . الخصال : 125 ، الحدیث 121 و 122.

2) فروع الكافي : 1 : 342 وسائل الشيعة : 15 : 142 ، الحديث 20172 . بحار الأنوار: 339:71 و 340 ، الحديث 123 .

إنّ من أوليات المبادئ التي رفع شعارها الإسلام التوادد والتعاطف بين المسلمين ، وقيام بعضهم بقضاء حوائج البعض الآخر الأمر الذي يؤدي إلى تماسك المسلمين ووحدة صفوفهم .

94- أوصاف المؤمن

سأل الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) عن صفة المؤمن ، فقال :

«عِشْرُونَ خَصْلَةٌ فِي الْمُؤْمِنِ ، فَإِنْ لَمْ تَكْمُلْ فِيهِ لَمْ يَكْمُلْ إِيمَانُهُ : إِنَّ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ يا عَلِيُّ الْحَاضِرُونَ الصَّلَاةَ ، وَالْمُسارِعُونَ إِلَى الزَّكَاةِ ، وَالْمُطْعِمُونَ لِلْمَسَاكِينِ ، الْمَاسِحُونَ لِرَأْسِ الْيَتِيم ، الْمُطَهَّرُونَ أَطْمَارَهُمْ ، الْمُتَّزِرُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ ، الَّذِينَ إِنْ حَدَّثُوا لَمْ يَكْذِبُوا ، وَإِنْ وَعَدُوا لَمْ يُخْلِفُوا ، وَإِنِ اثْتُمِنُوا لَمْ يَخُوْنُوا ، وَإِنْ تَكَلَّمُوا صَدَقُوا .

رُهْبَانٌ فِي اللَّيْلِ ، أَسْدٌ بِالنَّهارِ، صَائِمُونَ النَّهارَ ، قَائِمُونَ اللَّيْلَ ، لَا يُؤْذُونَ جَاراً وَلَا يَتَأَذَى مِنْهُمْ جَارٌ ، الَّذِينَ مِشْيَتُهُمْ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنٌ وَخُطَاهُمْ عَلى بُيُوتِ الأَرامِلِ ، وَعَلَى أَثَرِ الْجَنائِزِ »(1).

وهذه الأوصاف الكريمة من تحلى بها فقد بلغ غاية الايمان ، ونال أسمى مراتب الكمال .


1) بحار الأنوار: 60 : 276. الكافي : 2 : 232 ، الحديث 5 .

95- علامات للمؤمن ولغيره

من وصايا النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام(عليه السلام) :

«يا عَلِيُّ ، إِنَّ لِلْمُؤْمِنِ ثَلَاثَ عَلَامَاتِ : الصِّيَامُ وَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ . وَإِنَّ لِلْمُتَكَلِّفِ مِنْ الرّجالِ ثَلَاثَ عَلَاماتٍ : يَتَمَلَّقُ إِذا شَهِدَ ، وَيَغْتَابُ إِذا غابَ ، وَيَشْمَتُ بِالْمُصِيبَةِ .

وَلِلظَّالِمِ ثَلَاثُ عَلَاماتٍ : يَظْهَرُ مَنْ دُوْنَهُ بِالْغَلَبَةِ ، وَمَنْ فَوْقَهُ بِالْمَعْصِيَةِ ، وَيُظَاهِرُ الظُّلَمَةَ .

وَلِلْمُرَائِي ثَلَاثُ عَلَاماتٍ : يَنْشَطُ إِذا كانَ عِنْدَ النَّاسِ ، وَيَكْسَلُ إِذا كانَ وَحْدَهُ ، وَيُحِبُّ أَنْ يُحْمَدَ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ .

وَلِلْمُنَافِقِ ثَلَاثُ عَلَامات : إِنْ حَدَّثَ كَذِبَ ، وَإِنْ ائْتُمِنَ خَانَ ، وَإِنْ وَعَدَ أَخْلَفَ.

وَلِلْكَسْلَانِ ثَلَاثُ عَلَامَاتٍ : يَتَوانِى حَتَّى يُفْرِّطَ ، وَيُفْرِّطُ حَتَّى يُضِيَّعَ ، وَيُضَيَّعُ حَتَّى یِأثَمَ .

وَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ شَاخِصاً إِلَّا فِي ثَلَاثٍ : مَرَمَّةٍ لِمَعَاشِ ، أَوْ خُطْوَةٍ لِمَعَادٍ ، أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ»(1).

وألمَّت هذه الخصال بطباع أهلها وألقت الأضواء على خفايا نفوسهم وضمائرهم .


1) بحار الأنوار: 74: 64 من لا يحضره الفقيه : 4 : 361 . تحف العقول : 10 .

96- حسان الوجوه

قال(عليه السلام)قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم):

اطلبوا الْخَيْرَ عِنْدَ حِسَانِ الْوُجُوهِ فَإِنَّ فِعَالَهُمْ أَحْرَى أَنْ تَكُونَ حُسْناً(1).

إن حسان الوجوه على الأكثر يصنعون البر والإحسان ، وأجدر من غيرهم بقضاء حوائج الناس .

97- صلة الرحم

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) :

« إِنَّ الرَّجُلَ لَيَصِلُ رَحِمَهُ ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ عُمْرِهِ ثَلَاثُ سِنِيْنَ فَيُصَيِّرُهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ثَلَاثِينَ سَنَةٌ ، وَيَقْطَعُهَا وَقَدْ بَقِيَ مِنْ عُمْرِهِ ثَلَاثُونَ سَنَةً فَيُصَيَّرُهَا اللهُ ثَلَاثَ سِنِيْنَ ، ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى :يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُنْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ(2)»(3)

إنّ لصلة الرحم آثاراً وضعية منها أنّها توجب إشاعة المودة بين الأرحام وهذا


1) عيون الأخبار : 2 : 74 وسائل الشيعة : 20 : 60 ، الحديث 25033.

2) الرعد 13: 39 .

3) بحار الأنوار: 74: 93. مستدرك الوسائل : 15 : 241 ، الحديث 18123 . أمالي الطوسي : 480 ، الحديث 1049.

ممّا ندب إليه الإسلام ، بالاضافة إلى أنّ الله تعالى يطيل حياة من يصل رحمه .

قال(عليه السلام) قالَ النَّبِيُّ(صلی الله علیه وآله وسلم) :

« مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُمَدَّ فِي عُمْرِهِ ، وَيُوَسَّعَ فِي رِزْقِهِ ، وَيَدفع عَنْهُ مِيتَةً السوء، فليتَّقِ اللهَ ، وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ »(1)

إنّ الإسلام قد عُني بالتماسك الاجتماعي ، وربط المسلمين بعضهم ببعض ، وقد حثهم على صلة الأرحام ، وبين لهم الآثار العظيمة التي تترتب على ذلك ، والتي منها طول العمر والسعة في الرزق .

98- مواساة الإخوان

جاء في وصية النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام):

«يا عَلِيُّ ، ثَلَاثَةٌ لَا تُطِيْقُهَا هَذِهِ الْأُمَّةُ :

الْمُواسَاةُ لِلأخ فِي مَالِهِ ، وَإِنْصافُ النَّاسِ مِنْ نَفْسِهِ ، وَذِكْرُ اللَّهِ عَلى كُلِّ حَالٍ ، وَلَيْسَ هُوَ سُبْحانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، وَاللهُ أَكْبَرُ ، وَلكِنْ إذا وَرَدَ عَلى مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ خَافَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَهُ وَتَرَكَهُ »(2).

إنّ هذه الخصال من أجل الصفات الكريمة التي أوصى بها الإسلام فهي تعزّ الإنسان المسلم وتسمو به ، ولكن المسلمين تركوها .


1) مجمع الزوائد : 8 : 152 - 153 . المعجم الأوسط : 3 : 233

2) من لا يحضره الفقيه : 2 : 326. جامع أحاديث الشيعة : 8: 367 ، الحديث 1053 .

99- التودد إلى الناس

قال(عليه السلام): قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم):

«رَأْسُ الْعَقْل بَعْدَ الْإِيْمَانِ بِاللهِ التَّحَبُّبُ إِلَى النَّاسِ »(1)

وحثّ الإسلام على إشاعة الفضيلة والآداب بين المسلمين وأمرهم بالتودّد بعضهم إلى بعض ؛ لأنه يوجب التماسك الاجتماعي وشيوع المحبة والألفة بينهم ، وكان من اهتمامه بذلك أنه جعله في الأهمية بعد الإيمان بالله .

100- المرء مع من أحبّ

قال(عليه السلام):

«إِنَّ رَجُلاً قالَ لِلنَّبِيِّ(صلی الله علیه وآله وسلم) : الرَّجُلُ يُحِبُّ الْقَوْمَ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْمَلَ بِعَمَلِهِمْ ، قَالَ : الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ »(2).

وتظافرت الأخبار عن أئمة الهدى(عليهم السلام)إن الإنسان يحشر مع من أحب فإن أحب مؤمناً حشر معه ، وإن أحب كافراً حشر معه

101- خصال كريمة

من وصايا النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام(عليه السلام) :


1) حلية الأولياء : 3 : 203 مجمع الزوائد : 8 24 كنز العمّال : 3: 9 ، الحديث 5172 .

2) مسند أبي داود : 23 . كنز العمال: 9: 166 ، الحديث 25552 .

« يا عَلِيُّ ، ثَلَاثَةٌ تَحْتَ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ :

رَجُلٌ أَحَبَّ لِأَخِيهِ مَا أَحَبَّ لِنَفْسِهِ .

وَرَجُلٌ بَلَغَهُ أَمْرٌ فَلَمْ يَتَقَدَّمْ فِيْهِ وَلَمْ يَتَأَخَّرْ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ ذلِكَ الْأَمْرَ لِلَّهِ رِضَى أَوْ سُخْطٌ .

وَرَجُلٌ لَمْ يَعِبْ أَخاهُ بِعَيْبٍ حَتَّى يُصْلِحَ ذَلِكَ الْعَيْبَ مِنْ نَفْسِهِ ، فَإِنَّهُ كُلَّما أَصْلَحَ مِنْ نَفْسِهِ عَيْبَاً بَدا لَهُ مِنْهَا آخَرُ ، وَكَفَى بِالْمَرْءِ فِي نَفْسِهِ شُغْلاً»(1).

وحفلت هذه الوصية بأسمى القيم التربوية التي يسمو بها الإنسان وينال رضا الله تعالى .

من وصايا النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام(عليه السلام):

« يا عَلِيُّ ، سَبْعَةٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ حَقِيْقَةَ الْإِيْمَانِ ، وَأَبْوَابُ الْجَنَّةِ مُفَتَّحَةٌ لَهُ : مَنْ أَسْبَغَ وُضُوءَهُ ، وَأَحْسَنَ صَلَاتَهُ ، وَأَدّى زَكاةَ مَالِهِ ، وَكَفَّ غَضَبَهُ ، وَسَجَنَ لِسَانَهُ ، وَاسْتَغْفَرَ اللهَ لِذَنْبِهِ ، وَأَدَّى النَّصِيْحَةَ لِأَهْلِ بَيْتِهِ »(2).

إنّ هذه الخصال من تحلّى بها ، وطبّقها على واقع حياته فقد كمل ايمانه ، وحسن عمله .

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم):


1) بحار الأنوار: 74: 62 . تحف العقول : 7 و 8.

2) الدرر اللامعة في الأحاديث الجامعة : 10 ، نقلاً عن من لا يحضره الفقيه : 4 : 359 و مكارم الأخلاق : 436 و 437 .

« مَنْ أُعْطِيَ أَرْبَعَ خِصالٍ فِي الدُّنْيا ، فَقَدْ أعْطِيَ خَيْرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ، وَفازَ بِحَظِّهِ مِنْهُمَا : وَرَعٌ يَعْصِمُهُ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ ، وَحُسْنُ خُلُقٍ يَعِيشُ بِهِ فِي النَّاسِ ، وَحِلْمٌ يَدْفَعُ بِهِ جَهْلَ الْجَاهِلِ ، وَزَوْجَةٌ صالِحَةٌ تُعِينُهُ عَلَى أَمْرِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ » (1).

إنّ من اتصف بهذه الصفات فقد فاز بخير الدنيا وخير الآخرة ، وسعد في دنياه وآخرته .

102- محاسن الصفات

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم):

أَعْبَدُ النَّاسِ مَنْ أَقامَ الْفَرائِضَ .

وَأَسْخى النّاسِ مَنْ أَدّى زَكَاةَ مَالِهِ .

وَأَزْهَدُ النّاس مَنِ اجْتَنَبَ الْحَرامَ .

وَأَتْقَى النَّاسِ مَنْ قَالَ الْحَقَّ فِيمَا لَهُ وَعَلَيْهِ .

وَأَعْدَلُ النَّاسِ مَنْ رَضِيَ لِلنَّاسِ مَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ وَكَرِهَ لَهُمْ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ

وَأَكْيَسُ النّاسِ مَنْ كانَ أَشَدَّ ذِكْراً لِلْمَوْتِ .


1) أمالي الطوسي : 2 : 189. بحار الأنوار: 66 404 ، الحديث 106 . أعلام الدين: 209 ، 2: الهامش.

وَأَغْبَطُ النَّاسِ مَنْ كانَ تَحْتَ التُرابِ قَدْ أَمِنَ الْعِقابَ وَيَرْجُو الثَّوابَ .

وَأَغْفَلُ النَّاسِ مَنْ لَمْ يَتَّعِظُ بِتَغَيَّرِ الدُّنْيا مِنْ حَالٍ إِلى حالٍ . وَأَعْظَمُ النّاسِ فِي الدُّنْيا خَطَراً مَنْ لَمْ يَجْعَلْ لِلدُّنْيا عِنْدَهُ خَطَراً .

وَأَعْلَمُ النّاسِ مَنْ جَمَعَ عِلْمَ النَّاسِ إِلى عِلْمِهِ .

وَأَشْجَعُ النَّاسِ مَنْ غَلَبَ عَلَى هَواهُ .

وَأَكْثَرُ النَّاسِ قِيْمَةً أَكْثَرُهُمْ عِلْماً

وَأَقَلُّ النّاسِ قِيْمَةٌ أَقَلُّهُمْ عِلْماً.

وَأَقَلَّ النَّاسِ لَذَّةَ الْحَسُودُ .

وَأَقَلُّ النّاسِ راحَةُ الْبَخِيْلُ .

وَأَبْخَلُ النَّاسِ مَنْ بَخِلَ بِمَا افْتَرَضَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ .

وَأَوْلَى النَّاسِ بِالْحَقِّ أَعْلَمُهُمْ بِهِ

وَأَقَلُّ النَّاسِ حُرْمَةَ الْفَاسِقُ .

وَأَقَلُّ النّاسِ وَفاءَ الْمُلُولُ .

وَأَقَلُّ النّاسِ صَدِيقاً المَلِك.

وَأَفْقَرُ النّاسِ الطَّمِعُ .

وَأَغْنَى النَّاسِ مَنْ لَمْ يَكُنْ لِلْحِرْصِ أَسِيراً .

وَأَفْضَلُ النَّاسِ إِيْمَاناً أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً .

وَأَكْرَمُ النَّاسِ أَتْقاهُمْ.

وَأَعْظَمُ النّاسِ قَدْراً مَنْ تَرَكَ مَا لَا يَعْنِيْهِ .

وَأَوْرَعُ النّاسِ مَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كانَ مُحِقِّاً .

وَأَقَلُّ النَّاسِ مُرُوْءَةٌ مَنْ كَانَ كاذِباً .

وَأَشْقَى النَّاسِ الْمُلُولُ .

وَأَمْقَتُ النَّاسِ الْمُتَكَبِّرُ .

وَأَشَدُّ النَّاسِ اجْتِهَاداً مَنْ تَرَكَ الذُّنُوبَ .

وَأَحْكَمُ النَّاسِ مَنْ فَرَّ مِنْ جُهَالِ النَّاسِ.

وَأَسْعَدُ النَّاسِ مَنْ خَالَطَ كِرَامَ النَّاسِ .

وَأَعْقَلُ النَّاسِ أَشَدُّهُمْ مُدَاراةٌ لِلنَّاسِ .

وَأَوْلَى النَّاسِ بِالنُّهْمَةِ مَنْ جَالَسَ أَهْلَ التَّهْمَةِ .

وَأَعْتَى النَّاسِ مَنْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ أَوْ ضَرَبَ غَيْرَ ضَارِبِهِ .

وَأَوْلَى النَّاسِ بِالْعَفْوِ أَقْدَرُهُمْ عَلَى الْعُقُوْبَةِ .

وَأَحَقُّ النَّاسِ بِالذَّنْبِ السَّفِيْهُ الْمُغْتَابُ.

وَأَذَلُّ النّاسِ مَنْ أَهانَ النّاسَ .

وَأَحْزَمُ النَّاس أَكْظَمُهُمْ لِلْغَيْظِ .

وَأَصْلَحُ النَّاسِ أَصْلَحُهُمْ لِلنَّاسِ .

وَخَيْرُ النّاس مَنْ انْتَفَعَ بِهِ النَّاسُ »(1).

وأشاد هذا الحديث الشريف بالصفات الكريمة ، والمثل الرفيعة التي يمتاز بها الإنسان على غيره من مخلوقات الله ، وهذا الحديث من ذخائر الأحاديث النبوية ، وقد رصع بجواهر البيان وبدائع الحكمة .

103- الأمر بالمعروف

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم):

«مَنْ أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ ، أَوْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ ، أَوْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ أَوْ أَشَارَ بِهِ ، فَهُوَ شَرِيكَ .

وَمَنْ أَمَرَ بِسُوْءٍ ، أَوْ دَلَّ عَلَيْهِ أَوْ أَشَارَ بِهِ فَهُوَ شَرِيْكَ »(2)

إنّ الأمر بالمعروف والناهى عن المنكر فهو شريك لمن امتثل ذلك في الثواب ، وله الأجر الجزيل عند الله وكذلك من أمر بسوء فهو شريك لمن اقترفه وعمل به .

104- إتمام المعروف

قال (عليه السلام) سَمِعْتُ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم) يَقُولُ :


1) أمالي الصدوق : 18 و 19 . معاني الأخبار: 195 و 196 ، الحديث 1. من لا يحضره الفقيه : 4 : 394 - 396 ، الحديث 5840 .

2) الخصال : 1: 68 وسائل الشيعة : 16 : 124 ، الحديث 21147. بحار الأنوار: 97: 76 ، الحديث 24 .

« اسْتِتْمَامُ الْمَعْرُوفِ أَفْضَلُ مِنِ ابْتِدَائِهِ »(1).

إنّ إتمام المعروف وإكماله أفضل من ابتدائه ، فإنّه أعظم نعمة ، وأوفر عطاء من ابتدائه .

105 -كمال المروءة

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ الله(صلی الله علیه وآله وسلم):

«مَنْ عامَلَ النَّاسَ فَلَمْ يَظْلِمْهُمْ ، وَحَدَّثَهُمْ فَلَمْ يَكْذِبُهُمْ ، وَوَعَدَهُمْ فَلَمْ يُخْلِفَهُمْ ، فَهُوَ مِمَّنْ كَمُلَتْ مُرُوءَتُهُ وَظَهَرَتْ عَدَالَتْهُ ، وَوَجَبَتْ أخُوَّتُهُ ، وَحَرُمَتْ غِيْبَتُهُ»(2).

إن من تحلّى بهذه الصفات الكريمة ، فقد بلغ قمة الكمال والأدب ، ووجب على الناس تكريمه وتعظيمه ومواخاته .

106- الحبّ والبغض

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم):

«أَحْبِبْ حَبِيْبَكَ هَوْناً ما عَسَى أَنْ يَكُوْنَ بَغِيْضَكَ يَوْماً ما، وَأَبْغِضْ بَغِيْضَكَ هَوْناً ما عَسَى أَنْ يَكُوْنَ حَبِيْبَكَ يَوْماً »(3).


1) أمالي الطوسي : 2 : 209. بحار الأنوار : 66: 405 ، الحديث 109.

2) البصائر والذخائر / أبو حيان التوحيدي : 146 . الخصال: 208 ، الحدیث 28. مسند الشهاب ( ابن سلامة ) : 1 : 322 ، الحديث 543

3) كنز العمّال : 9 : 24 ، الحدیث 24742 . تاريخ مدينة دمشق : 42 : 5 . سنن الترمذي :3: 243 ، الحديث 2065 .

وهذه الحكمة التي أدلى بها الرسول الأعظم(صلی الله علیه وآله وسلم) تلتقي مع واقع الحياة ، فإنه ليس من الحكمة في شيء أن يسرف الإنسان في محبّة شخص لأنه قد يأتي وقت فيكون من ألد أعدائه ، وكذلك ليس من الحكمة أن يسرف الإنسان في عداوة شخص لأنه قد يأتي وقت تتغير فيه الأوضاع فيكون من أعز اخوانه .

107- الحلم

روى الإمام عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم):

«إِنَّ الرَّجُلَ لَيُدْرِكُ بالحلم دَرَجَةَ الصَّائِمِ القائم »(1).

إنّ الحلم من أفضل النزعات النفسية ، وقد حثّ الإسلام على التحلي به لأنه يقي الإنسان من كثير من المصاعب والمشاكل .

108-إصلاح ذات البين

روى الإمام عن رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) أنه قال :

«إِنَّ إِصْلَاحَ ذَاتِ الْبَيْنِ أَعْظَمُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلَاةِ وَالصَّيام »(2).

واهتم الإسلام اهتماماً بالغاً بوحدة المسلمين، وشيوع المحبة والألفة بينهم ، وندب إلى الإصلاح فيما بينهم ، وجعل الإصلاح وإخماد نار الفتنة والبغضاء أفضل


1) كنز العمّال: 3: 129 ، الحدیث 5809 مجمع الزوائد :: 24. المعجم الأوسط : 6:232

2) كنز العمّال : 3 : 58 ، الحديث 5484 . مجمع الزوائد : 9 : 143 . المعجم الكبير : 1 : 101 .

من الصلاة والصيام .

109- الإحسان إلى المسيء

روى الإمام(عليه السلام) عن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)أنه قال :

«صِلْ مَنْ قَطَعَكَ ، وَأَحْسِنْ إِلى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ ، وَقُلِ الْحَقَّ وَلَوْ عَلَى نَفْسِكَ » (1).

وهذه الحكمة من الحكم الخالدة التي تدلل على مدى عظمة الرسول الأعظم(صلی الله علیه وآله وسلم)في معالجته لجميع الشؤون الإنسانية بأروع ألوان الحكمة .

110- العفو عن المسيء

قال(عليه السلام): قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم):

«يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ يُطْنَانِ الْعَرْشِ أَلَا فَلْيَقُمْ مَنْ كَانَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ ، فَلَا يَقُومُ إِلَّا مَنْ عَفَا عَنْ أَخِيْهِ »(2).

من الخصال الكريمة التي تبنّاها الإسلام الحثّ على العفو عن المسيء فإنّه يوجب نشر المحبة وسيادة الخصال الشريفة في المجتمع .


1) كنز العمّال : 3 : 359 ، 377 ، الحديث 6929 . الجامع الصغير : 2 : 95 ، الحديث 5004 .

2) كنز العمال: 3 : 377 ، الحديث 7024. تاريخ مدينة دمشق : 18 : 87.

111- الإعانة على البرّ

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) :

«رَحِمَ اللهُ وَلَداً أَعانَ وَالِدَيْهِ عَلى بِرِّهِ ، وَرَحِمَ اللهُ وَالِداً أَعانَ وَلَدَهُ عَلى بِرِّهِ ، وَرَحِمَ اللهُ جَاراً أَعانَ جارَهُ عَلَى بِرِّهِ ، وَرَحِمَ اللَّهُ رَفِيقاً

، أَعانَ رَفِيْقَهُ عَلَى بِرِّهِ ، وَرَحِمَ اللهُ خَلِيْطاً أَعانَ خَلِيْطَهُ عَلَى بِرِّهِ ، وَرَحِمَ اللهُ رَجُلاً أَعانَ سُلْطَانَهُ عَلى بِرِّهِ»(1).

إنّ الإعانة على البر من أفضل الأعمال في الإسلام، فقد أقام شريعته على البرّ والإحسان والمحبة والمودة .

112 -ابواب البرّ

من وصايا الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام (عليه السلام) :

«يا عَلِيُّ ، ثَلَاثٌ مِنْ أَبْوَابِ الْبِرِّ : سَخَاءُ النَّفْسِ ، وَطِيْبُ الْكَلَام ، وَالصَّبْرُ عَلَى الأذى »(2).

إنّ هذه الخصال الثلاث من أبواب البر والإحسان ، ومن أخذ بها فقد كمل دينه ، وسمت نفسه .


1) ثواب الأعمال : 101 وسائل الشيعة : 6 592 . روضة الواعظين : 367. مشكاة الأنوار: 281 .

2) بحار الأنوار: 74: 62 . المحاسن : 1 : 6 ، الحديث 14 . تحف العقول : 8.

113-المبادرة لفعل الخير

جاء في وصية الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام(عليه السلام)

«يا عَلِيُّ ، بادِرْ بِأَرْبَع قَبْلَ أَرْبَع : شَبَابِكَ قَبْلَ هَرَمِكَ ، وَصِحَتِكَ قَبْلَ سُقْمِكَ ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ ، وَحَيَاتِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ »(1)

إنّ المبادرة في هذه الأمور إنّما هي مبادرة نحو الخير واستباق لرضوان الله ورحمته .

114- الرفق باليتيم والضعيف

جاء في وصية النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام(عليه السلام):

« يا عَلِيُّ ، أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيْهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ : مَنْ آوَى الْيَتِيمَ ، وَرَحِمَ الضَّعِيْفَ ، وَأَشْفَقَ عَلَى وَالِدَيْهِ ، وَرَفَقَ بِمَمْلُوكِهِ.

ثم قال :

يا عَلِيُّ ، مَنْ كَفَى يَتِيْماً فِي نَفَقَتِهِ بِمَالِهِ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ الْبَتَّةَ .

يا عَلِيُّ ، مَنْ مَسَحَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ يَيْمٍ تَرَحَما لَهُ أَعْطَاهُ اللَّهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ نُوْراً يَوْمَ الْقِيَامَةِ »(2).


1) الخصال : 1 : 113 . من لا يحضره الفقيه : 4 357 مكارم الأخلاق : 435 .

2) من لا يحضره الفقيه : 2 : 336 مكارم الأخلاق : 436 و 444 .

إن الإسلام تبنّى بصورة إيجابية الرفق باليتيم والإحسان إلى الضعيف، والبرّ بالوالدين ، والإحسان إلى المملوك ، فإنّ هذه الأمور من موجبات رحمة الله .

115- النصيحة

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) :

«لَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ فِى فُسْحَةٍ مِنْ دِيْنِهِ ، مَا مَحَضَ أَخَاهُ النَّصِيْحَةَ ، فَإِذا حادَ عَنْ ذلِكَ سُلِبَ التَّوْفِيْقَ »(1).

إنّ إسداء النصيحة لمن طلبت منه ، ندب إليه الإسلام وحثّ عليه ، ووع-د من جفا ذلك بسلب التوفيق عنه .

116- المنجيات

قال رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) الامام أمير المؤمنين(عليه السلام):

«يا عَلِيُّ ، ثَلَاثَ مُنَجِّياتٌ : خَوْفُ اللَّهِ فِى السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ ، وَالْقَصْدُ في الْغِنى وَالْفَقْرِ ، وَكَلِمَةُ الْعَدْلِ فِى الرّضا وَالسَّخَطِ» (2).

إنّ هذه الخصال الكريمة تنجي الإنسان من عذاب الله تعالى كما تسبب له الحياة الكريمة في الدنيا .


1) كنز العمّال: 3 : 413 ، الحدیث 7203

2) من لا يحضره الفقيه : 2: 335 وسائل الشيعة : 15 : 220 ، الحدیث 20323.

117-ظلم مَن لا ناصر له

روى الإمام (عليه السلام)عن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)أنه قال :

« يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : اشْتَدَّ غَضَبِى عَلَى مَنْ ظَلَمَ مَنْ لَا يَجِدُ نَاصِراً غَيْرِي»(1).

إنّ أفحش الظلم ظلم الضعيف الذي لا يجد له ناصراً إلا الله تعالى

118 -الأمانة

روى الإمام عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم):

« الْأَمانَةُ تَجْلِبُ الرّزْقَ ، وَالْخِيَانَةُ تَجْلِبُ الْفَقْرَ »(2)

إن الأثر الوضعى الذي يترتب على الأمانة هو السعة في الرزق ، كما يترتب الفقر على الخيانة .

119- الغيرة

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) :

«إِنِّي لَغَيُورٌ ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَغْيَرُ مِنِّي ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ مِنْ


1) وسائل الشيعة : 16 : 51 . مجمع الزوائد : 4 : 206 . المعجم الصغير: 1: 31. مسند الشهاب( ابن سلامة ) : 2: 325 .

2) كنز العمّال : 3 : 60. الجامع الصغير : 1 : 476 .

عِبَادِهِ الْغَيُورَ »(1)

من الخصال الشريفة الغيرة على العِرْض وعلى الدين ، وهي من أمهات الفضائل التي يدعو إليها الإسلام .

120-الكفاف

روى الإمام(عليه السلام)عن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) .

«إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذا أَحَبَّ عَبْداً جَعَلَ رِزْقَهُ كَفَافاً»(2).

أي جعله في حالة وسطى لا غنياً ولا فقيراً ، فقد يصبح أشراً بطراً إذا أغناه ،أو شقياً بائساً إذا أفقره ، بينما الكفاف حالة وسطى .

121 -فضل الصدقة

روى الإمام(عليه السلام) عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)أنه قال :

«كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ إِلَى غَنِيٌّ أَوْ فَقِيْرٍ، فَتَصَدَّقُوا وَلَوْ بِشِقٌ تَمْرَةٍ ، وَاتَّقُوْا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ التَّمْرَةِ ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُرْبِيْهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرْبِي أَحَدُكُمْ فِلْوَهُ أَوْ فَصِيْلَهُ حَتَّى يُوَفِّيَهُ إِيَّاها يَوْمَ الْقِيامَةِ ، وَحَتَّى يَكُوْنَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ الْعَظِيمِ»(3).


1) کنز العمال: 3 : 387 ، الحديث 7076. المعجم الأوسط : 8 : 215 .

2) كنز العمال: 3 : 390 ، الحديث .7089. فيض القدير : 2 : 253 . الجامع الصغير : 1: 253 ، الحديث 1664 .

3) أمالي الطوسي : 2 : 311. وسائل الشيعة : 9: 381 ، الحدیث 12289.

إن الصدقة لون من ألوان البرُّ والإحسان ، وقد ندب الإسلام إليها وحثّ عليها . ورتّب الأجر الجزيل عليها .

122- القليل من الدنيا خير من الكثير

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم):

«ما قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمّا كَثرَ وَأَلهى»(1).

إنّ القليل من الدنيا خير من الكثير منها لأنه يصد الإنسان عن الطريق القويم ويلهيه عن ذكر الله تعالى .

123-عِدة المؤمن

قال(عليه السلام) سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) يَقُولُ :

«عِدَةُ الْمُؤْمِن نَذْرٌ لَا كَفَّارَةَ لَهُ »(2).

ومعنى هذا الحديث أن المؤمن إذا واعد أخاه بشيء فيكون وعده بمنزلة النذر، وعليه أن يفي به ، لكنّه لو خالف ولم يف به ، فلا كفّارة عليه .

وهذه الوصايا من أغلى النصائح وأثمنها وهي مما تعين الإنسان في السلوك على أكثر الوسائل راحة وسعادة .


1) من لا يحضره الفقيه : 2: 342 وسائل الشيعة : 16 : 18 ، الحديث 20848.

2) كشف الغمّة : 3 : 92 . بحار الأنوار: 72: 96 ، الحدیث 17 .

124- ترك الكلام فيما لا يعني الإنسان

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم):

«مِنْ فِقْهِ الرَّجُل قِلَّةُ كَلَامِهِ فِيْمَا لَا يَعْنِيهِ »(1)

إنّ ترك الكلام فيما لا يعني الإنسان، وعدم الدخول دليل على سموّ عقل الرجل ، وكثرة وعيه .

125- الكلمة الحكيمة

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ الله(صلی الله علیه وآله وسلم):

«كَلِمَةُ الْحِكْمَةِ ضَالَّةُ الْمُؤْمِن فَحَيْثُ وَجَدَها فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا»(2).

إنّ الكلمة الحكيمة من أثمن وأغلى ما يظفر به المؤمن ، فإنّها تزيده علماً وفضلاً.

126 -الأعمال المبعدة للشيطان

قال(عليه السلام):

«قِيْلَ لِرَسُولِ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) : مَا الَّذِي يُبْعِدُ الشَّيْطَانَ مِنَا ؟

فَقَالَ : الصَّوْمُ لِلَّهِ يُسَوِّدُ وَجْهَهُ ، وَالصَّدَقَةُ تَكْسِرُ ظَهْرَهُ ، وَالْحُبُّ


1) أمالي الطوسي : 622 ، الحديث 1283 . بحار الأنوار: 2 : 55 ، الحديث 28 .

2) بحار الأنوار: 2 : 99 ، الحدیث 58 لسان المیزان : 4 : 135 .

فِي اللهِ تَعَالَى وَالْمُواظَبَةُ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِح يَقْطَعُ دابِرَهُ ، وَالْاِسْتِغْفَارُ يَقْطَعُ وَتِيْنَهُ »(1).

إنّ هذه الأعمال الحسنة توجب القرب من الله تعالى ، وتبعد الإنسان عن الشيطان الرجيم الذي هو أمكر عدو للإنسان .

127- الاستغفار للأبوين المشركين

قال (عليه السلام)

«سَمِعْتُ رَجُلاً يَسْتَغْفِرُ لِأَبَوَيْهِ وَهُمَا مُشْرِكانِ ، فَقُلْتُ : أَيَسْتَغْفِرُ الرَّجُلُ لِأَبَوَيْهِ وَهُما مُشْرِكانِ ، فَقالَ : أَوَلَمْ يَسْتَغْفِرْ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ - وهو مشرك - فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ (صلی الله علیه وآله وسلم)فَنَزَلَتْ : وَمَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ(2)(3).

إنّ الاستغفار للأبوين المشركين لا يُجْدِيهما نفعاً ؛ فإنّ الله تعالى يغفر الذنوب جميعاً إلا أن يشرك به .


1) بحار الأنوار : 69: 403 ، الحديث 146 . نوادر الراوندي : 19.

2) التوبة 9 :113

3) سنن النسائي : 1 : 286 . تفسير ابن كثير : 4 : 250 مسند أحمد بن حنبل : 1 : 99. سنن الترمذي : 4: 344 ، الحديث 5099 .

128- الإتقاء من الغضب

من وصايا النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام(عليه السلام):

«يا عَلِيُّ ، لَا تَغْضَبْ فَإِذا غَضِبْتَ فَاقْعُدْ ، وَتَفَكَّرْ فِي قُدْرَةِ الرَّبِّ عَلَى الْعِبادِ ، وَحِلْمِهِ عَنْهُمْ، وَإِذا قِيْلَ لَكَ اتَّقِ اللهَ فَانْبُذْ غَضَبَكَ وَرَاجِعْ حِلْمَكَ »(1).

الله الغضب من الآفات المدمرة للإنسان ، وقد أدلى النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)بعلاجه للتخلص من شروره .

129- النهى عن الكذب

قال الرسول للإمام (عليه السلام):

«إِيَّاكَ وَالْكِذْبَ فَإِنَّ الْكِذْبَ يُسَوِّدُ الْوَجْهَ ، ثُمَّ يُكْتَبُ عِنْدَ اللهِ كَذَاباً ، وَإِنَّ الصَّدْقَ يُبَيِّضُ الْوَجْهَ ، وَيُكْتَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى صادِقاً وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّدْقَ مُبَارَكَ ، وَالْكِذْبَ مَشْؤُوم»(2)

من الصفات الذميمة التي يمقتها الإسلام الكذب ، فإنّه من أرذل الصفات وأكثرها إضراراً بالمجتمع ، كما إن الصدق من أنبل الصفات ، وأفضلها عند الله تعالى .


1) تحف العقول : 14 . بحار الأنوار: 74: 67 .

2) بحار الأنوار: 74: 67 . تحف العقول : 14 .

130- النهي عن الحلف بالله تعالى

من وصايا النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام(عليه السلام):

« يا عَلِيُّ ، لَا تَحْلِفْ بِاللهِ كاذِباً وَلَا صَادِقاً مِنْ غَيْرِ ضَرُوْرَةٍ ، وَلَا تَجْعَل اللَّهَ عُرْضَةٌ لِيَمِيْنِكَ ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَرْحَمُ ، وَلَا يَرْعَى مَنْ

حَلَفَ بِاسْمِهِ كاذباً»(1).

إنّ الله تعالى خالق السماوات والأرض وواهب الحياة ، والقادر على كلّ شيء ، فالواجب الاجتناب عن القسم به ، سواء أكان اليمين صدقاً أو كذباً ، فإن من المؤكد أنّ الذي يحلف بالله تعالى لا يعرف عظمته

131-كف اللسان

روى الإمام(عليه السلام) عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم):

«مَنْ كَفَّ لِسَانَهُ عَنْ أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِيْنَ أَقَالَ الله عَشْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَة »(2)

إنّ كفّ اللسان وعدم التعرض لأعراض الناس له الثواب الجزيل عند الله تعالى فإنّه يقيل عثرته يوم القيامة .


1) بحار الأنوار: 74 :67 . تحف العقول : 14 .

2) كنز العمّال : 3: 354 ، الحديث 6902 .

132- تفريج الأزمات

قال النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام(عليه السلام) :

«يا عَلِيُّ ، إِذا هَالَكَ أَمْرٌ فَقُلْ : اللهمَّ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ إِلَّا فَرَّجْتَ عَنِّي »(1)

إنّ للرسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) ، ولأهل بيته منزلة كريمة عند الله تعالى ، فإذا سئل بحقهم عليه فرّج الله الكروب وأزال الأزمات.

133- ما يقول العاطس

روى الإمام(عليه السلام)أن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) قال :

« إذا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ : الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَلْيُقَلْ لَهُ : يَرْحَمُكُمُ اللهُ ، وَلْيَقُلْ هُوَ يَهْدِيكُمُ اللهُ ، وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ»(2)

لقد علمنا النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)كل شأن من شؤون حياتنا ووضع لنا البرامج لاصلاحنا ، حتّى في أبسط الأمور.


1) تحف العقول : 11 . بحار الأنوار: 74 65 .

2) مسند أحمد بن حنبل : 2 :214 ، الحديث 995 سنن ابن ماجة : 2 : 1224 ، الحديث 3715. المستدرك : 4 : 266 .

134- ترك الشهوة

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم):

«طُوبَى لِمَنْ تَرَكَ شَهْوَةٌ حاضِرَةٌ لِمَوْعُودٍ لَمْ يَرَهُ» (1)

إنّ ترك الشهوات والإعراض عنها خوفاً من الله تعالى ينم عن نفس مطمئنة بالإيمان ، مترعة بحب الله

135-خصال مذمومة

جاء في وصية النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) للامام(عليه السلام):

«يا عَلِيُّ ، أَرْبَعُ خِصَالٍ مِنَ الشَّقاء : جُمُوْدُ الْعَيْنِ ، وَقَسَاوَةُ الْقَلْبِ ، وَبُعْدُ الْأَمَلِ ، وَحُبُّ الْبَقَاءِ»(2).

إنّ هذه الصفات المذمومة لا يتصف بها إلا الاشقياء الذين لا عهد لهم بالخير .

قال(عليه السلام) قال(عليه السلام) : قالَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم)

«إِذا عَمِلَتْ أُمَّتِي خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةٌ حَلَّ بِهَا الْبَلَاءُ .

قِيْلَ يا رَسُولَ اللهِ : وَما هِيَ؟


1) الخصال : 1: 5 ثواب الأعمال: 177 . تحف العقول : 49 .

2) من لا يحضره الفقيه : 2 : 335 . الخصال : 1 : 113 . تحف العقول : 12 نظم درر السمطين 155

قَالَ : إِذا كانَتِ الْمَغَائِمُ دُوَلاً ، وَالأَمانَةُ مَغْنَماً ، وَالزَّكاةُ مَغْرَماً ، وَأَطَاعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ وَعَنَّ أُمَّهُ ، وَبَرَّ صَدِيْقَهُ وَجَفَا أَبَاهُ ، وَكَانَ زَعِيْمُ الْقَوْم أَرْذَلَهُمْ ، وَأَكْرَمَهُ الْقَوْمُ مَخَافَةَ شَرِّهِ ، وَارْتَفَعَتِ الْأَصْواتُ فِى الْمَسَاجِدِ ، وَلَبِسُوا الْحَرِيْرَ، وَاتَّخَذُوا الْقَيْنَاتِ، وَضَرَبُوا بِالْمَعَازِفِ ، وَلَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوَّلَهَا ، فَلْيُرْتَقَبْ عِنْدَ ذلِكَ ثَلَاثَةٌ : الرِّيْحُ الْحَمْرَاءُ ، أَوِ الْخَسْفُ ، أَوِ الْمَسْخُ»(1).

وهذه الخصال توجب غضب الله ونزول عقابه ، وتنذر بالشرّ العميم إن سادت .

136- حرمة البذاء والفحش

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم):

«إِنَّ اللهَ حَرَّمَ الْجَنَّةَ عَلَى كُلِّ فَحَاشِ بَذِي ، قَلِيلِ الْحَياءِ ، لَا يُبَالِي ما قالَ ، وَلَا ما قِيلَ لَهُ ، فَإِنَّكَ إِنْ فَتَشْتَهُ لَمْ تَجِدْهُ إِلَّا لِغَيَّةٍ ، أَوْ شِرْكَ

شَيْطانِ .

فَقِيلَ : يا رَسُولَ اللهِ ، وَفِي النَّاسِ شِرْكُ الشَّيْطانِ ؟

فَقالَ رَسُولُ اللهِ الله : أَمَا تَقْرَأُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلَاد(2)» (3).


1) بحار الأنوار: 6 304. الخصال : 500 ، الحديث .1. تحف العقول: 53 سنن الترمذي : 3: 334 ، الحدیث 2307.

2) الإسراء 64:17 .

3) أصول الكافي : 2 : 323 و 324 . بحار الأنوار: 60: 207 ، الحديث 39 .

وأهاب الإسلام بالمسلمين من اقتراف الرذائل والمآثم التي منها الفحش وبذاءة الكلام فإنّها تجعلهم بأقصى مكان من التأخر والإنحطاط .

137- المزاح والكذب

جاء في وصية النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) للامام (عليه السلام) :

«يا عَلِيُّ ، لَا تَمْزَحْ فَيَذْهَبَ بهاؤُكَ ، وَلَا تَكْذِبْ فَيَذْهَبَ نُوْرُكَ ، وَإِيَّاكَ وَخَصْلَتَيْنِ : الضَّجَرَ وَالْكَسَلَ ، فَإِنَّكَ إِنْ ضَجِرْتَ لَمْ تَصْبِرْ

عَلَى حَقٌّ ، وَإِنْ كَسِلْتَ لَمْ تُؤَدَّ حَقّاً.

يا عَلِيُّ ، مَنِ اسْتَوْلى عَلَيْهِ الضَّجَرُ رَحَلَتْ عَنْهُ الرّاحَةُ ... »(1)

وحفلت هذه الوصيّة بجميع مقومات الحياة ، وما يسعد به الإنسان لو طبق هذه البنود على حياته ، وسار على ضوئها .

138- سوء الخُلق

جاء في وصيّة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام):

«يا عَلِيُّ ، لِكُلِّ ذَنْبٍ تَوْبَةٌ إِلَّا سُوْءُ الْخُلُقِ ؛ فَإِنَّ صاحِبَهُ كُلَّما خَرَجَ مِنْ ذَنْبٍ دَخَلَ فِي ذَنْبٍ »(2)

إنّ سوء الخلق من الخلق من أفحش الصفات المرذولة التي تلحق الإنسان بقافلة الحيوان


1) من لا يحضره الفقيه : 2 : 334 . بحار الأنوار: 74 48 . مكارم الأخلاق : 434 .

2) بحار الأنوار: 74: 48 . من لا يحضره الفقيه : 4 : 355 .

الأعجم ، والتي هي بعيدة كل البعد عن روح الإسلام وهديه .

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم):

«إِنَّ الْخُلُقَ السَّيِّئَ يُفْسِدُ الْعَمَلَ كَمَا يُفْسِدُ الْخَلُّ الْعَسَلَ »(1).

إنّ الخلق السيّئ منقصة وانحطاط ، وقد حذر منه الإسلام وجعله مفسداً للعمل .

139 -شرّ الناس

من وصايا النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) :

«يا عَلِيُّ ، أَفْضَلُ الْجِهَادِ مَنْ أَصْبَحَ لَا يَهِمُ بِظُلْمٍ أَحَدٍ.

يا عَلِيُّ ، مَنْ خَافَ النَّاسُ لِسَانَهُ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ.

يا عَلِيُّ ، شَرُّ النَّاسِ مَنْ أَكْرَمَهُ النَّاسُ اِتِّفَاءَ فُحْشِهِ وَأَذَى شَرِّهِ .

يا عَلِيُّ ، شَرُّ النَّاسِ مَنْ باعَ آخِرَتَهُ بِدُنْياهُ ، وَشَرٌّ مِنْ ذلِكَ مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيا غَيْرِهِ »(2).

عرض هذا الحديث لشر الناس ، وأكثرهم بعداً عن الله تعالى ، وهو من يخاف الناس سطوة لسانه وأذاه ، ومن باع آخرته بدنياه ، ومن باع آخرته بدنيا غيره ، فهؤلاء الأصناف ممن لا آخرة لهم ، ومآلهم إلى النار .

قال رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام(عليه السلام) :

« يا عَلِيُّ ، أَلَا أَنْبِتُكَ بِشَرِّ النَّاسِ ؟


1) کنز العمّال : 3: 443 ، الحديث 7361

2) من لا يحضره الفقيه : 2 :333 وسائل الشيعة : 16 : 34 ، الحديث 20902.

قُلْتُ : بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ.

قَالَ : مَنْ لَا يَغْفِرُ الذَّنْبَ ، وَلَا يُقِيلُ الْعَشْرَةَ .

أَلَا أُنْبِتُكَ بِشَرٌّ مِنْ ذَلِكَ ؟

قُلْتُ : بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ.

قَالَ : مَنْ لَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ ، وَلَا يُرْجِي خَيْرُهُ »(1).

إنّ هؤلاء الذين تحدّث عنهم الرسول الله الله من شرار خلق الله ، ومن لثام البشر الذين لا يرجى خيرهم ، ولا يؤمن شرّهم .

140 -العبس فى وجوه الإخوان

قال(عليه السلام) قال رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم):

«إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ الْمُعَبِّسَ فِي وُجُوهِ إِخْوانِهِ »(2).

إن الإسلام يدعو إلى ترابط المسلمين وشيوع المودّة والصفاء فيما بينهم ، وإنّ العَبْسَ في وجوه الإخوان مما يشيع البغضاء والكراهية بينهم.

141- ذو الوجهين

قال(عليه السلام) خَطَبَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم)، وَكانَ مِنْ جُمْلَةِ خِطابِهِ :

«بِئْسَ الْعَبْدُ لَهُ وَجْهَانِ ، يُقْبِلُ بِوَجْهِ ، وَيُدْبِرُ بِوَجْهِ ، إِنْ أُوتِيَ أَخُوهُ


1) بحار الأنوار: 74 : 66. تحف العقول : 13.

2) كنز العمال : 3 : 441 . الجامع الصغير : 1: 283 ، الحديث 1854 . فيض القدير : 2 : 361 .

الْمُسْلِمُ خَيْراً حَسَدَهُ ، وَإِنِ ابْتُلِيَ خَذَلَهُ ، بِئْسَ الْعَبْدُ أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ ، ثُمَّ يَعُوْدُ جِيْفَةٌ ، ثُمَّ لَا يَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِهِ فِيْمَا بَيْنَ ذَلِكَ.

بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ خُلِقَ لِلْعِبَادَةِ فَأَلْهَتْهُ الْعَاجِلَةُ عَنِ الْآجِلَةِ ، وَشَقِيَ بِالْعَاقِبَةِ .

بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ تَجَبَّرَ وَاخْتَالَ ، وَنَسِيَ الْكَبِيْرَ الْمُتَعَالِ.

بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ عَنَا وَبَعْى ، وَنَسِيَ الْجَبَّارِ الْأَعْلَى .

بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ لَهُ هَوَى يُضِلُّهُ وَنَفْسٌ تُذِلُّهُ .

بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ لَهُ طَمَعٌ يَقُوْدُهُ إِلَى الطَّبْعِ.»(1)»(2).

وفي هذا الحديث الدعوة إلى الاستقامة والتقوى ، والتجنّب عن معاصي الله تعالى .

142 -ذنوب تعجّل العقوبة

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم):

« ثَلَاثَةٌ مِنَ الذُّنُوبِ تُعَجَّلُ عُقُوْبَتُهَا وَلَا تُؤَخَّرُ إِلَى الْآخِرَةِ : عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، وَالْبَغْى عَلَى النَّاسِ ، وَكُفْرُ الْإِحْسانِ »(3).

إنّ هذه الذنوب من أفحش الجرائم ، وهي توجب غضب الله وتعجيل العقوبة .


1) الطبع : الدنس .

2) بحار الأنوار: 72: 201 ، الحديث 31 النوادر : 145 .

3) أمالي الطوسي : 14. بحار الأنوار : 70: 373 ، الحدیث 7. أمالي المفيد : 237 ، الحديث 1.

143 -من موجبات العقوبة

قال رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) الإمام(عليه السلام):

« يا عَلِيُّ ، أَرْبَعَةٌ أَسْرَعُ شَيْءٍ عُقُوبَةٌ :

رَجُلٌ أَحْسَنْتَ إِلَيْهِ فَكَافَأَكَ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ إِسَاءَةٌ .

وَرَجُلٌ لَا تَبْغِي عَلَيْهِ وَهُوَ يَبْغِي عَلَيْكَ .

وَرَجُلٌ عاهَدْتَهُ عَلَى أَمْرٍ فَوَفَيْتَ لَهُ وَغَدَرَ بِكَ .

وَرَجُلٌ وَصَلَ قَرَابَتَهُ فَقَطَعُوْهُ »(1).

إنّ هذه الخصال الذميمة مما توجب غضب الله تعالى والاسراع في عقوبته لمن اتّصف بها ، كما أنها تنم عن نفس لا عهد لها بالأدب والأخلاق .

144- تارك الصلاة

جاء في وصية النبي للإمام (عليه السلام):

«تارِكُ الصَّلَاةِ يَسْأَلُ الرَّجْعَةَ إِلَى الدُّنْيا وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾(2)»(3).


1) الخصال : 1 : 109. من لا يحضره الفقيه : 4: 355 . تحف العقول : 9.

2) المؤمنون 23 :99

3) بحار الأنوار: 58:74

لشدّة الندم الذي ينتاب المرء العاصي ؛ إذ يود استدراك ما فاته ، وتصحيح ما وقع فيه دون جدوى ، ذلك أن الإنسان يملك في الدنيا فرصة كبيرة لإثبات طاعته بالصلاة وغيرها من الطاعات والقربات .

145- من قواصم الظهر

وكان مم~ا أوصى به النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)الإمام :

«يا عَلِيُّ ، أَرْبَعَةٌ مِنْ قَواصِمِ الظَّهْرِ : إِمَامٌ يَعْصِي اللَّهَ وَيُطَاعُ أَمْرُهُ ، وَزَوْجَةٌ يَحْفَظُها زَوْجُهَا وَهِيَ تَخُونُهُ ، وَفَقْرٌ لَا يَجِدُ صَاحِبُهُ لَهُ مُدَاوِياً ، وَجارُ سُوْءٍ فِي دَارِ مُقَامِ»(1).

إنّ هذه الخصال من قواصم الظهر ومن مآثم هذه الحياة ، أعاذنا الله منها .

146 -سبعة لعنهم الله تعالى

قال(عليه السلام) قال النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) :

«سَبْعَةٌ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَكُلٌّ نَبِيٌّ مُجَابٌ قَبْلِي.

فَقِيْلَ : وَمَنْ هُمْ ؟

فَقَالَ : الْمُغَيِّرُ لِكِتَابِ اللهِ ، وَالْمُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللهِ ، وَالْمُبَدِّلُ سُنَّةَ رَسُولِ اللهِ ، وَالْمُسْتَحِلُّ مِنْ عِتْرَتِي مَا حَرَّمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ،


1) الخصال : 1: 96 . من لا يحضره الفقيه : 4 :365 روضة الواعظين : 387 .

وَالْمُتَسَلَّطُ فِى سُلْطَانِهِ لِيُعِزُّ مَنْ أَذَلُّ اللهُ ، وَيُذِلُّ مَنْ أَعَزَّ الله ، وَالْمُسْتَحِلُّ لِحْرَمِ اللهِ ، وَالْمُتَكَبَرُ عَنْ عِبَادِةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ» (1)

إنّ هذه الأصناف قد استحقت لعنة الله وعذابه لأنهم قد اقترفوا ما حرّم الله ،وابتعدوا عن سنّة الإسلام.

147- أهالي المعاصي

قال(عليه السلام):

«أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم)أَنْ نَلْقِى أَهْلَ الْمَعَاصِي بِوُجُوْهِ الْمَعاصِي بِوُجُوْهِ مُكْفَهِرَّةٍ»(2)

إنّ مقابلة أهل المعاصي بالإعراض عنهم والإنكار عليهم من مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو من الواجبات في الإسلام.

148 -الوضيع

جاء في وصية النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) :

« يا عَلِيُّ ، وَاللهِ لَوْ أَنَّ الْوَضِيعَ فِي قَعْرِ بِثْرِ لَبَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رِيْحاً تَرْفَعُهُ فَوْقَ الْأَخْيَارِ فِي دَوْلَةِ الْأَشْرَارِ» (3)

وهذا الحديث من أجمل الاحاديث النبوية ، فقد تولى الاشرار في العصر الأموي


1) بحار الأنوار: 5 : 88 ، الحديث .6 الخصال : 35 ، الحديث 25 .

2) فروع الكافي : 1 : 344 ، الحديث .10 تهذيب الأحكام : 6: 177 ، الحديث 356 .

3) من لا يحضره الفقيه :2: 337 وسائل الشيعة : :15 274 ، الحديث 20499.

الحكم والتسلط على الاخيار وأرغموهم على إلى ما يكرهون وقد حفل التاريخ بصور مروّعة منهم ، فقد تسلّط زياد بن أبيه على رقاب المسلمين وأذاقهم سوء العذاب وكذلك ولده عبيد الله وغيرهم .

149 -كفران النعمة

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ الله(صلی الله علیه وآله وسلم):

«أَسْرَعُ الذُّنُوبِ عُقُوبَةً كُفْرَانُ النِّعْمَةِ »(1).

إن كفران النعمة وعدم شكرها من مزيلات النعم ، ومن موجبات العقوبة .

150- السؤال عن غنى

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم) :

«مَنْ سَأَلَ مَسْأَلَةٌ عَنْ ظَهْر غِنى اسْتَكْثَرَ بِهَا مِنْ رَضْفِ جَهَنَّمَ(2).

قَالُوا: مَا ظَهْرُ غِنى ؟

قَالَ : عِشَاءُ لَيْلَةِ »(3).

إنّ السؤال عن غنى ، من فقر النفس وضعتها ، وإنّ الله تعالى يريد للمسلم العزّة والكرامة ، وإن السؤال إنّما هو للفقراء الذين لا يملكون قوت يومهم .


1) بحار الأنوار : 99: 70 أمالي الطوسي : 450. تاريخ بغداد . : 10: 341.

2) الرضف : الحجارة المحماة على النار.

3) مجمع الزوائد : 3: 94 . مسند أحمد بن حنبل : 1: 147 .

151 -إهلاك الناس بالدرهم والدينار

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم):

«إِنَّ الدِّيْنارَ وَالدَّرْهَمَ أَهْلَكا مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ، وَهُما مُهْلِكاكُمْ »(1)

إنّ حبّ المال هو السبب الرئيسي في هلاك البشر في جميع فترات التاريخ. فالحروب وسفك الدماء وغير ذلك من ألوان الفساد في الأرض مبعثها المادة .

152- الاحتكار

قال (عليه السلام)

«نَهى رَسُولُ اللَّهِ (صلی الله علیه وآله وسلم) عَنِ الْحُكْرَةِ »(2)

إن الاحتكار مما حرمه الإسلام لأنه يوجب شيوع الفقر وانتشار المجاعة ، الأمر الذي يتنافى مع ما ينشده الإسلام من سلامة الاقتصاد العام من الانهيار وتكدّس الثروة عند المحتكرين .

153- قساوة القلب

من وصايا النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام(عليه السلام):


1) وسائل الشيعة : 6: 319 ، نقلاً عن الكافي : 2 : 316 ، الحديث 6. كنز العمال: 3: 191 ، الحديث 6107

2) کنز العمّال : 4 : 182 .

« يا عَلِيُّ ، ثَلَاثٌ يُقْسِيْنَ الْقَلْبَ : اسْتِمَاعُ اللّهو ، وَطَلَبُ الصَّيْدِ ، وَإِتِّيانُ بابِ السُّلْطانِ»(1)

إنّ هذه الخصال التي أدلى بها الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)وحذر منها تدعو إلى قساوة الإنسان ، وصدّه عن الطريق القويم .

154- إذلال النفس

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم):

«لَيْسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ.

قَالُوا : يا رَسُولَ اللهِ ، وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ ؟

قالَ : يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ» (2).

إن تعرض الإنسان لما لا يطيقه إهانة للنفس ، ومذلّة لها .

155 -الغضب

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم):

« أَشَدُّكُمْ مَنْ غَلَبَ نَفْسُهُ الْغَضَبَ ، وَأَحْلَمُكُمْ مَنْ عَفَا بَعْدَ الْقُدْرَةِ »(3)


1) بحار الأنوار: 74 : 46. الخصال : 126 . من لا يحضره الفقيه : 4 : 366 .

2) كنز العمّال: 3 : 802 ، الحديث 8808. المعجم الأوسط : 8: 41.

3) کنز العمال : 3 : 519 .

إنّ الغضب من الآفات المدمرة للإنسان ، فمن تغلب عليه فهو الكامل في إنسانيّته ، كما إنّ من أحلم الناس من عفا بعد القدرة .

156- العجلة

قال(عليه السلام) : قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم):

« ثَلَاثٌ لَا تُؤَخِّرْهُنَّ : الصَّلَاةُ إِذا أَتَتْ ، وَالْجَنَازَةُ إِذَا حَضَرَتْ ، وَالايْمُ إِذا وَجَدَتْ كُفْؤَا »(1)

دعا النبي الله للمبادرة في هذه الأمور فإنّ التعجيل فيها من أفضل الأعمال .

157 -الغيبة

من وصايا النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام (عليه السلام):

«يا عَلِيُّ ، مَنِ اغْتِيْبَ عِنْدَهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ فَاسْتَطَاعَ نَصْرَهُ فَلَمْ يَنْصُرْهُ خَذَلَهُ اللهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ »(2).

وحرّم الإسلام الغيبة لأنها تدعو إلى إشاعة الفحشاء بين المسلمين ، وقد حرص الإسلام أشدّ ما يكون الحرص على أن يكون المجتمع الإسلامي نظيفاً، ويكون قدوة في سلوكه وآدابه بين الأمم .


1) كنز العمال : 3: 513 . تاریخ بغداد : 8: 166 .

2) مكارم الأخلاق : 444 . بحار الأنوار: 74: 58 .

158- البغى والحسد

قال(عليه السلام)رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم):

«إِنَّ إِبْلِيْسَ يَقُولُ : أَلْقُوا بَيْنَ بَنِي آدَمَ الْبَغْيَ وَالْحَسَدَ ، فَإِنَّهُما يَعْدِلَانِ عِنْدَ اللهِ الشِّرْكَ » (1)

إنّ البغي والحسد من شرار الخصال الكريهة ، وإنّهما يدفعان الإنسان إلى اقتراف الجريمة .

159- الاستخفاف بالدين

قال(عليه السلام) سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلی الله علیه وآله وسلم)يَقُولُ :

« إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُ الْاِسْتِخْفَافَ بِالدِّينِ ، وَبَيْعَ الْحُكْمِ ، وَقَطِيْعَةَ الرَّحِمِ ، وَأَنْ تَتَّخِذُوا الْقُرْآنَ مَزَامِيرَ ، وَتُقَدِّمُوا أَحَدَكُمْ وَلَيْسَ بِأَفْضَلِكُمْ فِي الدِّينِ»(2).

إنّ هذه الأمور مما تهدم الدين، وتعجّل عقوبة الله تعالى ، فحذر منها النبي(صلی الله علیه وآله وسلم).

160- المروق من الدين

روى الإمام(عليه السلام)عن النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)أنه قال :


1) کنز العمّال : 3 : 450 ، الحديث 7395

2) عيون الأخبار : 2 : 42 . مسند زید : 488 و 489 .

«يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَنِ قَوْمَ يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمْيَةِ ، قِتَالُهُمْ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِم »(1).

من الملاحم التي أخبر عنها النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)مروق قوم في آخر الزمن عن الإسلام ، وإنّهم يقرأون القرآن ، ولكن لا عن فهم وتدبّر ، فهؤلاء قتالهم حق ؛ لارتدادهم عن الإسلام .

161- الاعتصام بغير الله تعالى

قال(عليه السلام)إِنَّ النَّبِيِّ (صلی الله علیه وآله وسلم) قال :

« يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَا مِنْ مَخْلُوقٍ يَعْتَصِمُ بِمَخْلُوقٍ دُوْنِي إِلَّا قَطَعْتُ بهِ أَسْبَابَ السَّماواتِ وَأَسْبَابَ الْأَرْضِ مِنْ دُوْنِهِ ، فَإِنْ سَأَلَنِي لَمْ أَعْطِهِ ، وَإِنْ دَعَانِي لَمْ أَجِبْهُ ، وَمَا مِنْ مَخْلُوقٍ يَعْتَصِمُ بِي دُونَ خَلْقِى إِلَّا ضَمِنَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ رِزْقَهُ ، فَإِنْ دَعَانِي أَجَبْتُهُ ، وَإِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ ، وَإِنِ اسْتَغْفَرَنِي غَفَرْتُ لَهُ »(2).

إنّ الاعتصام والالتجاء لغير الله من مرديات الإنسان ومن جهله ، فإن الذي يرجوه فقير إلى الله ، وإن جميع الكائنات تحت قبضته تعالى ، فيه الاعتصام وإليه الملجأ في جميع الأمور والأحوال.


1) مسند أحمد بن حنبل : 1: 343 ، الحديث 1345.

2) أمالي الطوسی : 2 : 198 مسند زید: 443. بحار الأنوار: 68: 143 ، الحديث 40 . كنز العمال: 3 : 703 ، الحديث 8512.

162- الإهانة باستحقاق الجماعة

من وصايا النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام (عليه السلام)

«يا عَلِيُّ ، ثَمَانِيَةٌ إِنْ أَهْيِنُوا فَلَا يَلُومُوْنَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ : الذَاهِبُ إِلى مائِدَةٍ لَمْ يُدْعَ إِلَيْها ، وَالْمُتَأَمِّرُ عَلى رَبِّ الْبَيْتِ ، وَطَالِبُ الْخَيْرِ مِنْ أَعْدَائِهِ ، وَطَالِبُ الْفَضْلِ مِنَ اللَّنَّامِ ، وَالدّاخِلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي سِرّ لَمْ يُدْخِلَاهُ فِيْهِ ، وَالْمُسْتَخِفُ بِالسُّلْطَانِ ، وَالْجَالِسُ فِي مَجْلِسٍ لَيْسَ لَهُ بِأَهْلِ ، وَالْمُقْبِلُ بِالْحَدِيثِ عَلى مَنْ لَا يَسْمَعُ مِنْهُ ... »(1).

إنّ هؤلاء الأصناف إن أهينوا فباستحقاق لأنهم لم يكرموا أنفسهم ودخلوا مداخل ليست لهم .

163- نخوة الجاهلية

من تعاليم النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام(عليه السلام) قوله :

«يا عَلِيُّ ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ أَذْهَبَ بِالْإِسْلَامِ نَخْوَةَ الْجَاهِلِيَّةِ تَفَاخُرَهُمْ بِآبَائِهِمْ أَلَا وَإِنَّ النّاسَ مِنْ آدَمَ ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ ،

وَأَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاهُمْ»(2).

إن الإسلام دمّر معالم الجاهليّة وسحق تفاخرهم بالآباء ، وجعل مناط التمايز


1) بحار الأنوار: 74: 48 الخصال : 410 ، الحديث 12. من لا يحضره الفقيه : 4 : 355.

2) بحار الأنوار: 74 : 54 . مكارم الأخلاق : 438 .

بالتقوى والعمل الصالح .

164- التزيّن للناس

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم):

« مَنْ تَزَيَّنَ لِلنَّاسِ بِمَا يُحِبُّ اللَّهُ ، وَبارَزَ اللهَ فِي السِّرِّ بِمَا يَكْرَهُ ، لَقِىَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبانٌ ، لَهُ ماقِتٌ»(1).

إنّ العمل إذا كان رياءً لا يقصد به وجه الله ، فإنّه يعود على صاحبه بمقت الله تعالى وغضبه .

165- عقاب مدمن الخمر

قال(عليه السلام)حَدَّثَنِي رَسُولُ اللَّهِ (صلی الله علیه وآله وسلم) قَالَ :

« أَشْهَدُ بِاللَّهِ ، وَأَشْهَدُ لِلَّهِ لَقَدْ قَالَ لِي جَبْرَئِيلُ : يا مُحَمَّدُ ، إِنَّ مُدْمِنَ الْخَمْرِ كَعَابِدِ الْأَوْثَانِ»(2).

واهتم الإسلام أشدّ ما يكون الاهتمام بالصحة العامة لجميع الناس ، ومن اهتمامه البالغ تحريمه لشرب الخمر ، وعدّ الشارب كعابد الوثن ، فإنّ الخمر له مضاعفاته السيئة على الصحة، فإنّ الكحول تتسرّب إلى الدم، وتوجب انهيار الصحة ، كما تقضي على مادة الببسين الذي هو في بصاق الإنسان والمساعد على هضم الطعام ،


1) قرب الاسناد : 45. بحار الأنوار: 68: 364 ، الحديث 4.

2) حلية الأولياء : 3 : 204 .

ولذلك يشكو الكثيرون من المدمنين من الآلام القاسية في جهازهم الهضمي ، وقد بحثنا بصورة مفصلة عن أضراره الفظيعة في كتابنا

( العمل وحقوق العامل في الإسلام ) .

166- موبقات ومنجيات

قال رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام(عليه السلام)

« يا عَلِيُّ ، ثَلَاتٌ مُوْبِقاتٌ ، وَثَلَاتٌ مُنْجِياتٌ :

فَأَمَّا الْمُوبِقَاتُ : فَهَوى مُتَبَعٌ ، وَشُحٌ مُطَاعٌ ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ

وَأَمَّا الْمُنْجِياتُ : فَالْعَدْلُ فِى الرّضى وَالْغَضَبِ ، وَالْقَصْدُ فِي الْغِنى وَالْفَقْرِ، وَخَوْفُ اللَّهِ فِى السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ كَأَنَّكَ تَراهُ ، فَإِنْ كُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ » (1).

وهذه الموبقات والمنجيات مشتقة من صميم الواقع ، فقد عرضها النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام(عليه السلام)لتكون منهاجاً للأمة.

167- خصال مذمومة وخصال كريمة

كان من وصايا النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)إلى باب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)هذه الوصيّة القيّمة :


1) بحار الأنوار: 74: 63. تحف العقول : 8.

«يا عَلِيُّ ، أَنْهَاكَ عَنْ ثَلَاثِ خِصَالٍ عِظَامِ الْحَسَدِ وَالْحِرْصِ وَالْكِذْبِ . يا عَلِيُّ ، سَيَّدُ الْأَعْمَالِ ثَلَاثُ خِصَالٍ : إِنْصَافُكَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ ، وَمُواساتُكَ الأَخَ فِى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَذِكْرُكَ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلى كُلِّ حَالٍ .

يا عَلِيُّ ، ثَلَاثُ فَرْحَاتٍ لِلْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيا : لُقَى الْإِخْوانِ ، وَالإنْطارُ مِنَ الصِّيَامِ ، وَالتَّهَجُدُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ .

يا عَلِيُّ ، ثَلَاثٌ مَنْ لَمْ تَكُنْ فِيْهِ لَمْ يَقُمْ لَهُ عَمَلٌ : وَرَعٌ يَحْجِزُهُ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَخُلُقٌ يُدارِي بِهِ النّاسَ ، وَحِلْمٌ يَرُدُّ بِهِ جَهْل الجاهل.

يا عَلِيُّ ، ثَلَاثٌ مِنْ حَقَائِقِ الْإِيمَانِ : الْإِنْفَاقُ فِي الْإِقْبَارِ ، وَإِنْصَافُ النّاسِ مِنْ نَفْسِكَ ، وَبَذْلُ الْعِلْمِ لِلْمُتَعَلّمِ .

يا عَلِيُّ ، ثَلَاثُ خِصَالٍ مِنْ مَكارِمِ الأخلاق : تُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ »(1).

وهذه الوصية من مناجم التربية الاسلامية الهادفة إلى ايجاد مجتمع متكامل في سلوكه وآدابه .

168- المحاسن والقبائح

قال(عليه السلام) قالَ النَّبِيُّ(صلی الله علیه وآله وسلم) :


1) الخصال : 1: 62 . بحار الأنوار: 66: 371 ، الحديث 13.

«ثَلَاثٌ يَحْسُنُ فِيْهِنَّ الْكَذِبُ : الْمَكِيْدَةُ فِي الْحَرْبِ ، وَعِدَتُكَ زَوْجَتَكَ ، وَالْإصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ .

وَقَالَ : ثَلَاثٌ يَقْبُحُ فِيْهِنَّ الصَّدْقُ : النَّمِيْمَةُ ، وَإِخْبَارُكَ الرَّجُلَ عَنْ أَهْلِهِ بمَا يَكْرَهُهُ ، وَتَكْذِيْبُكَ الرَّجُلَ عَن الْخَبَر .

وَقالَ : ثَلَاثَةٌ مُجَالَسَتْهُمْ تُمِيْتُ الْقَلْبَ : مُجَالَسَةُ الأَنْذال ، وَالْحَدِيثُ مَعَ النِّسَاءِ ، وَمُجَالَسَةُ الْأَغْنِياءِ »(1)

وحكى هذا الحديث محاسن الأخلاق ومكارم الآداب ، كما حكى الخصال الذميمة التي يشقى بها الإنسان .

169- أعطيت ما لم يُعط أحد

قال(عليه السلام) قال رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) :

«أعْطِيْتُ مَا لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِياءِ.

فَقُلْنَا : يا رَسُولَ اللهِ ، ما هُوَ ؟

قَالَ : نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ - أي في نفوس المشركين- ، وَأُعْطِيْتُ مَفَاتِيْحَ الْأَرْضِ ، وَسُمِّيْتُ أَحْمَدَ ، وَجُعِلَ التُرابُ لِي طَهُوراً ، وَجُعِلَتْ اُمَّتِي خَيْرَ الْأُمَمِ )(2).


1) الخصال : 2 : 43 . من لا يحضره الفقيه : 4 : 359 و 360 . تحف العقول : 9.

2) مجمع الزوائد : 1 : 260 و 261 . مسند أحمد بن حنبل : 1 : 98 . السنن الكبرى : 1 : 213 و 214 . كنز العمّال : 11 : 411 ، الحديث 31928

لقد امتاز النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)على جميع الأنبياء بمكوّناته النفسية وبما وهبه الله له من الفضائل التي لا تحصى .

170- التقيّة

روى الإمام(عليه السلام) عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)أنه قال :

«لَا دِيْنَ لِمَنْ لَا تَقِيَّةَ لَهُ »(1).

وشرّع الإسلام التقيّة حفظاً لدماء المسلمين وأرواحهم ، وقد مرّت على شيعة أهل البيت ظروف عصيبة ولولا التزامهم بالتقية لم تبق لهم باقية .

171- حلّيّة المتعة

اجتمع الإمام(عليه السلام)مع عثمان بن عفان بِعُسْفانَ ، فكان عثمان ينهي عن المتعة أو العمرة ، فقال علي(عليه السلام):

« مَا تُرِيدُ إِلى أَمْرٍ فَعَلَهُ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم)، تَنْهَى عَنْهَا ».

فقال عثمان : دعنا منك(2)

وشرّع الإسلام المتعة ، ونطق القرآن بحلّيّتها إلا أن عمر ومن سار على خطه حرمّها .

وأمّا أئمة الهدى فقد أباحوها مستندين إلى كتاب الله تعالى ، وإن آية الحلّ غير


1) كنز العمّال : 3 : 96 ، الحديث 5665 .

2) مسند أحمد بن حنبل : 1 : 156 ، الحديث 758 .

منسوخة . وقد تعرّض بصورة موضوعية علماء الإمامية إلى جوازها(1)

172 -مِنى

قال(عليه السلام)

«إِنَّ رَسُولَ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم)أَتَى الْمَنْحَرَ بِمِنى فَقَالَ : هَذَا الْمَنْحَرُ ، وَمِنى كُلَهَا مَنْحَرُ»(2).

إنّ منى هي من المواقف التي يجب على الحاج أن يقف بها ، وفي اليوم العاشر من ذي الحجة - وهو يوم العيد -يجب عليه أن يضحي ، وفي مكان منى مكان مخصوص للذبح ، وقد توسع النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) فجعل جميع منى مكاناً لذبح الهدي .

173- الزكاة

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ الله(صلی الله علیه وآله وسلم)

«فِيْمَا سَقَتِ السَّمَاءُ فَفِيْهِ الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالْغَرْبِ(3)وَالدّالِيَةِ فَفِيْهِ نِصْفُ الْعُشْرِ»(4).

على ضوء هذ الحديث وغيره مما أثر عن أئمة الهدى(عليهl السلام)أفتى فقهاء الإمامية


1) يراجع في حلّيتها إلى ما كتبه الحجّة السيّد محمّد تقي الحكيم والعلّامة توفيق الفكيكي ، وغيرهما .

2) مسند أحمد بن حنبل : 1 : 123 ، الحديث 563 . صحيح ابن خزيمة : 4 : 283 .

3) الغرب : الدلو العظيمة التي تتخذ من جلد الثور.

4) المنتقى : 1995 . مسند أحمد بن حنبل : 1 : 235 ، الحديث 1244 .

في مقدار الزكاة ، فإن كانت الغلّة تسقى من ماء المطر ففيها العشر ، وإن كانت تسقى بالواسطة ففيها نصف العشر .

174 -إبل الصدقة

قال(عليه السلام)

«مَرَّتْ إِبِلُ الصَّدَقَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلی الله علیه وآله وسلم) فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى وَبْرَةٍ مِنْ جَنْبِ بَعِيرٍ، فَقَالَ : مَا أَنَا أَحَقُّ بِهَذِهِ الْوَبْرَةِ مِنْ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ »(1).

وهذا غاية العدل الذي لا مثيل له في تأريخ الأمم والأديان ، لقد أسس النبي معالم المساواة ، وحطّم الامتيازات ودعا إلى العدل بكل أفقه ومفاهيمه .

175- الغنم والحرث

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم):

«عَلَيْكُمْ بِالْغَنَمِ وَالْحَرْثِ ، فَإِنَّهُمَا يَعْدُوانِ بِخَيْرٍ ، وَيَرُوْحَانِ بِخَيْرِ »(2).

وحرّض رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) على الزراعة وتربية الأغنام فإنّهما من المصادر الأولية


1) مسند أحمد بن حنبل : 2 : 88 ، الحديث 667 . مجمع الزوائد : 5: 231 .

2) المحاسن : 2 : 643 ، الحديث 165 وسائل الشيعة : 11 : 539 ، الحديث 15480 . بحار الأنوار: 61: 133 ، الحديث 23 .

للثراء والنعمة .

176- الذبيحة لغير الله تعالى

قالَ(عليه السلام) إِنَّ رَسُولَ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم) قَالَ :

« لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ ، لَعَنَ اللهُ مَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ ، لَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ مَنارَ الْأَرْضِ ، لَعَنَ اللهُ مَنْ عَقٌّ وَالِدَيْهِ »(1).

لقد لعن رسول الله الله هؤلاء الاصناف لأنهم لا علاقة لهم بالله ، وبعضهم من المفسدين ، وهم من غيّروا منار الأرض ، وذلك بتغييرهم للسنة القائمة والمناهج الكريمة .

177 -حيوانات لا يُضحى بها

قال(عليه السلام)

« نَهى رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم) أَنْ يُضَحَى بِالْمُقَابِلَةِ ، أَوْ بِمُدَابِرَةٍ ، أَوْ شَرْقاءَ ، أَوْ خَرْقاءَ ، أَوْ جَدْعاءَ »(2).

أما الحيوانات التي لا يضحى بها حسب هذا الحديث ، هي :

1 - المقابلة : وهي التي يقطع من طرف أذنها شيء ثمّ يترك معلّقاً .

2 - المدابرة : وهي التي قطع من مؤخر أذنها ثمّ يترك معلّقاً .


1) مستدرك الحاكم : 4 : 153 .

2) مسند أحمد بن حنبل : 2 : 41 ، الحديث 609. مستدرك الحاكم : 4 : 224 .

3 - الشرقاء : المشقوقة الأذن باثنتين .

4 - الخرقاء : التي في أذنها ثقب مستدير .

5 - الجدعاء : المقطوعة الأذن أو الأنف أو الشفة .

روى الإمام عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) أنه نهى أن يضحى بعضباء القرن والأذن(1).

المراد من عضباء القرن مكسورة القرن ، وعضباء الأذن مشقوقة الأذن.

178 -رُفع القلم عن ثلاثة

قال(عليه السلام) إِنَّ النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) قال :

«رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ : عَنِ النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظَ ، وَعَنِ الْمَعْتُوهِ -أَوْ قَالَ : الْمَجْنُونِ- حَتَّى يَعْقِلَ ، وَعَن الصَّغِيرِ حَتَّى يَشِبَّ » (2).

والمرفوع في هذا الحديث الحكم التكليفي عن هؤلاء الأشخاص دون الحكم الوضعي كالضمان وغيره .

179 -الأمان من الغرق

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم):


1) مسند أحمد بن حنبل : 2 : 52 ، الحديث 633 . تنقيح التحقيق / الذهبي : 2 : 64 ، الحديث 450

2) مسند أحمد بن حنبل : 1 : 197 ، الحديث 956. سنن الترمذي : 2 438 مستدرك الحاكم : 4 : 389 . كنز العمّال : 4 : 233 ، الحدیث 10310 .

«يا عَلِيُّ ، أَمانٌ لِأُمَّتِي مِن الْغَرَقِ إِذا رَكِبُوا الْفُلْكَ أَنْ يَقُولُوا:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1)، بِسْمِ اللهِ مَجْريها وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ(2)»(3).

إن الأدعية التي أثرت عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، وعن أهل بيته لها أثرها الحاسم في دفع المكروه والوقاية من الشر ، وقد دلت التجارب على ذلك.

180- رؤية الهلال

من وصايا النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام(عليه السلام) :

«يا عَلِيُّ ، إِذا رَأَيْتَ الْهِلَالَ فَكَبِّرْ ثَلاثاً وَقُلْ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَنِي وَخَلَقَكَ ، وَقَدَّرَكَ مَنازِلَ ، وَجَعَلَكَ آيَةٌ لِلْعَالَمِينَ»(4).

إنّ الهلال آية من آيات الله تعالى ، فهو يسبح في الفضاء كما تسبّح بقيّة الكواكب والمجرّات ، ومن نظر إلى الهلال فليذكر الله ويكبره على ما فيه من العجائب في بداية غزوه وفي تدرجه حتى يستدير ثم يأخذ بالنقصان بالاضافة إلى ما له من الآثار


1) الزمر 39: 67

2) هود 41:11

3) عيون الأخبار : 1 : 137 . كنز العمال: 6: 709 ، الحديث 17513 . الجامع الصغير : 1: 247 ، الحديث 1613 .

4) تحف العقول : 10 . الفتوحات المكية : 508:4 .

الوضعية في جزر البحور ومدها فتبارك الله أحسن الخالقين.

181 -النظر في المرآة

من وصايا النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام(عليه السلام):

« يا عَلِيُّ ، إِذا نَظَرْتَ فِي مِرْآةٍ فَكَبِّرْ ثَلاثاً ، وَقُلْ : اللهمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي »(1)

ودعا الإسلام إلى حسن الأخلاق الذي هو من أهم الركائز الاجتماعية في الحياة الإسلامية .

182- النظر إلى المجذومين

قال(عليه السلام)قالَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم):

« لَا تُدِيْمُوا النَّظَرَ إِلَى الْمُجَدِّمِينَ ، وَإِذا كَلَّمْتُمُوهُمْ فَلْيَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ قَيْدُ رُمْح»(2)

من تعاليم النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) الصحية النهي المشدّد عن مجالسة المجذومين والاختلاط بهم ، فإنّ الجراثيم والميكروبات سريعة الانتقال منهم إلى من جالسهم واختلط بهم ، فلذا أمر النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) بالابتعاد عنهم .


1) تحف العقول : 11 . مكارم الأخلاق : 69 . بحار الأنوار: 74 :65

2) مسند أحمد بن حنبل : 1 : 28 ، الحديث 581 مجمع الزوائد : 5 : 101.

183-حثو التراب على الميت

قال(عليه السلام) : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلی الله علیه وآله وسلم)يَقُولُ :

«مَنْ حَمَّا عَلَى مَيَّتٍ ، وَقالَ : إِيماناً بِكَ ، وَتَصْدِيقاً بِبَعْتِكَ ، هذا ما وَعَدَ اللهُ وَرَسُولُهُ ، وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْطاهُ اللهُ بِكُلِّ ذَرَّةٍ حَسَنَة »(1).

وهذه الكلمات تنمّ عن واقع الإيمان ، والرضا بما كتب الله تعالى . كما أن حثو التراب على الميت من الآداب الإسلامية التي حثّ عليها الإسلام .

184 -مفارقة الأحباب

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم):

«قالَ لِي جَبْرَئِيلُ : أَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مُلَاقِيهِ ، وَعِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ »(2)

وحفلت هذه الكلمات الرائعة بما يلي .

1 - إن كل إنسان لابد أن يفارق سواء أكان أخاه أم صديقه ، وسواء أحب شيئاً من منع الدنيا ، فإنّه لابد من مفارقته لها .

2 - إنّ جميع ما يعمله الإنسان من خير أو شر لابد أن يلاقي جزاءه في قبره


1) وسائل الشيعة : 2 855. الكافي : 3 : 198 ، الحدیث 2.

2) حلية الأولياء : 3 : 202 مشكاة الأنوار: 525 مجمع الزوائد : 10 : 219 .

وحشره ، قال الله تعالى : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى* وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى(1).

3- إنّ الإنسان مهما عاش وقطع من السنين لابد أن يفارق الحياة يقول الشاعر :

كُلِّ ابْن أُنثى وَإن طالت سلامَتُهُ*** يَوْماً عَلَى آلَةٍ حَدْباءَ مَحْمولٌ

185 -أربعة تذهب ضياعاً

من وصايا النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) للامام(عليه السلام) :

« يا عَلِيُّ ، أَرْبَعَةٌ تَذْهَبُ ضَياعاً : الْأَكْلُ عَلَى الشَّبْع ، وَالسِّرَاجُ فِي الْقَمَرِ ، وَالزَّرْعُ فِي السَّبْخَةِ ، وَالصَّنِيْعَةُ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِها »(2).

إنّ صنع هذه الأمور تذهب ضياعاً ولا أثر لها ، وقد أعطانا الرسول الأعظم(صلی الله علیه وآله وسلم) بذلك منهجاً كاملاً للحياة ، وصاغ لنا الأساليب التي نعملها وننجح بها .

186- التأمّل في المواعظ

روى الإمام(عليه السلام) عن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) أنه قال :

« لَقَدْ سَبَقَ إِلى جَنَّاتِ عَدْنٍ أَقْوَامٌ ، مَا كَانُوا أَكْثَرَ النَّاسِ صَلَاةٌ وَلَا صِياماً وَلَا اعْتِمَاراً - أي الاتيان بالعمرة - ، وَلكِنَّهُمْ عَقَلُوا عَنِ


1) النجم 53: 39 و 40 .

2) الخصال: 1 : 12 . وسائل الشيعة 6: 533 ، الحديث 12602. من لا يحضره الفقيه : 4 :270 ، الحديث 824 .

اللهِ مَوَاعِظَهُ فَوَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ، وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النُّفُوسُ ، وَخَشَعَتْ مِنْهُ الْجَوارِحُ ، فَفَاقُوا الْخَلِيْقَةَ بِطِيْبِ الْمَنْزِلَةِ ، وَبِحُسْنِ الدَّرَجَةِ عِنْدَ النَّاسِ ، وَعِنْدَ اللهِ فِي الْآخِرَةِ »(1)

إنّ التأمل والتدبّر في المواعظ مما يوجب صلاح النفس واستقامتها وإقبالها على طاعة الله تعالى ، واجتناب معاصيه ، وقد أعد الله المنزلة الكريمة في الفردوس الأعلى للمتعظين.

187-سريرة الإنسان وعلانيته

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) :

«يا عَلِيُّ ، مَا مِنْ عَبْدِ إِلَّا وَلَهُ جَوَّانِيٌّ وَبَرَّانِيُّ(2)، فَمَنْ أَصْ جَوَّانِيَّهُ أَصْلَحَ اللهُ بَرَّانِيَّهُ ، وَمَنْ أَفْسَدَ جَوَّانِيَّهُ أَفْسَدَ اللَّهُ بَرَانِيَّهُ ، وَمَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا لَهُ صِيْتُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ وُضِعَ لَهُ ذلِكَ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ ، فَإِذا ساءَ صِيْتُهُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ وُضِعَ لَهُ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ»(3).

إن للإنسان صورتين : سريرته، وما يطويه في أعماق نفسه ودخائل ذاته ، وظاهره ، وهو ما يظهره للناس وإن كان مخالفاً لما انطوت عليه سريرته ، فإذا حسنت سريرته أصلح الله شأنه، ورفع مكانه ، وإذا ساءت سريرته فلا نصيب له عند الله .


1) کنز العمال : 3 : 149 .

2) الجواني : السريرة . البراني : العلانية والظاهر .

3) أمالي الطوسي : 2 : 73. بحار الأنوار : 68: 365

188-الفاكهة الجديدة

قال(عليه السلام)

«كانَ النَّبِيُّ (صلی الله علیه وآله وسلم) إِذا رَأَى الْفاكِهَةَ الْجَدِيدَةَ قَبَّلَها وَوَضَعَها عَل- عَيْنَيْهِ وَفَمِهِ ثُمَّ قالَ : اللَّهُمَّ كَما أَرَيْتَنَا أَوَّلَهَا فِي عَافِيَةٍ فَأَرِنا أَخِرَها فِي عافِيَةٍ »(1).

الفاكهة نعمة من نعم الله تعالى وهبة لعباده ، تستوجب الشكر والثناء على الله .

189 -بيع غلامين أخوين

قال (عليه السلام)

«أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) أَنْ أَبِيْعَ غُلَامَيْنِ أَخَوَيْنِ فَبِعْتُهُمَا ، فَفَرَّقْتُ بَيْنَهُمَا ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : أَدْرِكْهُمَا فَأَرْجِعْهُمَا ، وَلَا تَبِعْهُمَا إِلَّا جَمِيعاً»(2)

وقد أشفق النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)على الأخوين فكره مفارقتهما لأنها تؤدي إلى شيوع الحزن في أنفسهما ، وهذه الجنبة الإنسانية هي التي دفعت الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) إلى فسخ البيع .


1) أمالي الصدوق : 338 ، الحديث 396. وسائل الشيعة : 2 : 171 ، الحديث 1848 . بحار الأنوار :92: 347 ، الحديث 1.

2) مجمع الزوائد 4: 107. : 4 : 107 .مسند أحمد بن حنبل : 1 : 97 و 98. السنن الكبرى : 9: 127 .

190-تارك الوضوء

قال(عليه السلام)

« أَنَّ ثَمانِيَةٌ لَا تُقْبَلُ صَلَاتُهُمْ ، وَعَدَّ مِنْهُمْ تاركَ الْوُضُوءِ »(1).

إنّ الوضوء من الشروط الواقعية لا العلمية في صحة الصلاة ، ففي الحديث : «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِوُضُوءٍ»، والنفي في الحديث للماهية .

191 -رأس العقل خصلة

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم) :

«رَأْسُ الْعَقْلِ بَعْدَ الْإِيْمَانِ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ التَّحَبُّبُ إِلَى النَّاسِ »(2)

حكى الحديث أهمية المداراة بين الأفراد ، مع تأكيده على ضرورة تكوين العلاقات الاجتماعية الحميمة. ومن الواضح أنّ غياب التحبب يورث بين الناس الشك والإرتياب .

192- الاهتمام بالرزق

روى الإمام(عليه السلام) عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) أنه قال :


1) وسائل الشيعة : 1 : 259 ، الحديث .972 من لا يحضره الفقيه : 1 : 36 ، الحديث 131 .

2) الخصال : 1 : 15 مجمع الزوائد : :: 24 . المعجم الأوسط : 5 : 120 . كنز العمال : 3: 9 ، الحديث 5172.

«يا عَلِيُّ ، لَا تَهْتَمَّ لِرِزْقِ غَدٍ فَإِنَّ كُلَّ غَدٍ يَأْتِي رِزْقُهُ »(1).

إنّ الله تعالى قد تكفّل أرزاق عباده ، فلا تذهب نفس الإنسان حسرات على رزق مستقبل حياته .

193 -الوَرد

قال(عليه السلام)

«حَبانِي رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم) بِالْوَرْدِ بِكِلْنَا يَدَيْهِ ، فَلَمّا أَدْنَيْتُهُ إِلَى أَنْفِي قالَ : أَما إِنَّهُ سَيِّدُ رَيْحَانِ الْجَنَّةِ بَعْدَ الْآسِ»(2)

الورد من أجمل النباتات التي خلقها الله ، في روعة منظره ، وجمال صورته ، وبديع رائحته ، كل ذلك مما يدل على عظمة الخالق العظيم .

194- الذهب والحرير

قال (عليه السلام)

« أَخَذَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم) ذَهَبَاً بِيَمِيْنِهِ وَحَرِيْراً بِشِمَالِهِ ، فَقَالَ : هَذَا حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي»(3)


1) تحف العقول : 14 . بحار الأنوار: 74: 67

2) عيون أخبار الرضاء الله : 1 : 44 ، الحديث 128. بحار الأنوار: 73: 146 ، الحديث 1.

3) سنن النسائي : 2: 285 سنن ابن ماجة : 2 : 196 . مسند أحمد بن حنبل : 1 : 96 . السنن الكبرى : 5 : 437، الحديث 9448

وقد أخذ فقهاء الإمامية بهذه الرواية وبأمثالها ممّا روي عن أئمة الهدى(عليه السلام) فأفتوا بحرمة لبس الذهب والحرير للرجال دون النساء .

195 -الاكل على الجنابة

قال (عليه السلام):

«نَهى رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم)عَنِ الْأَكْلِ عَلَى الْجَنابَةِ ، وَقالَ : إِنَّهُ يُوْرِثُ الْفَقْرَ» (1).

والنهي في الحديث محمول على الكراهة لا على الحرمة ، وقد علّل الأكل على الجنابة أنّه يورث الفقر .

196- غسل جميع البدن من الجنابة

قال(عليه السلام) إِنَّ رَسُولَ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم) قَالَ :

«مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَسَدِهِ مِنْ جَنابَةٍ لَمْ يَغْسِلْهُ ، فُعِلَ بِهِ كَذَا وَكَذا مِنَ النَّارِ ، قالَ عَلِيٌّ : فَمِنْ ثَمَّ عادَيْتُ شَعْرِي ، وكان يجز شعره(2).


1) من لا يحضره الفقيه : 1 : 47. أمالي الطوسي : 509 ، الحديث 707. بحار الأنوار: 63: 385 ، الحديث 1 .

2) مسند أحمد بن حنبل : 1: 163 ، الحديث .792 سنن ابن ماجة : 1: 196 ، الحديث 106. السنن الكبرى : 1 : 237

يجب استيعاب غسل جميع البدن في غسل الجنابة ، فمن ترك شعرة من بدنه لم يغسلها فإنّ غسله باطل ، وبهذا أفتى فقهاء الامامية .

197- البول تحت الشجرة

قال(عليه السلام):

« نَهى رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم)أَنْ يَبُولَ أَحَدٌ تَحْتَ شَجَرَةٍ مُنْمِرَةٍ أَوْ عَلى قارِعَةِ الطَّرِيقِ»(1).

لقد كره النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) البول تحت الشجرة المثمرة لأنه يؤدي إلى تلوّث الثمرة ، وهذا الحكم من الوصايا الصحية التي شرعها الإسلام ، ولو كانت الشجرة في غير فصل ثمرها . فقد ذهب بعض علماء الأصول إلى كراهة التبوّل ؛ لأنّ المشتق حقيقة فيمن تلبس بالمبدأ فعلاً ومن انقضى عنه المبدأ .

وذهب جماعة آخرون إلى عدم الكراهة ؛ لأنّ المشتق حقيقة فيمن تلبس بالمبدأ فعلاً دون غيره .

198- البول في النهر الجارى

جاء في وصية النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام):

«وَ كَرِهَ الْبَوْلَ عَلَى شَطِ نَهْرٍ جارٍ »(2).


1) من لا يحضره الفقيه : 2 : 194 . وسائل الشيعة : 1 : 230 ، الحديث 861. أمالي الطوسي : 509 ، الحديث .707

2) من لا يحضره الفقيه : 2 335. أمالي الطوسي : 378 ، الحديث 478. الخصال : 521 ، الحديث 9 .

وهذا الحكم من الأحكام الصحية التي شرعها الإسلام ، فإنّ البول في النهر الجاري ممّا يوجب تلوّث الماء ، وهو ممّا يؤدّي إلى انتشار الأمراض كالبلهارزيا، وأمثالها .

199- البول قائماً

روى الإمام (عليه السلام) عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم):

« الْبَوْلُ قائِماً مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ مِنَ الْجَفاءِ »(1).

إنّ بول الإنسان وهو قائم مما يوجب أن يمس جسده وثيابه ثرثار البول . الأمر الذي يوجب نجاسة بدنه وثيابه، وهو ممّا يتنافى مع ما يريده الإسلام من إشاعة النظافة التي هي من الإيمان كما في الحديث .

200- دخول الحمام بمئزر

جاء في وصيّة الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) إلى الإمام على(عليه السلام) :

«إِنَّ اللهَ كَرِهَ لأُمَّتِي - وعد خصالاً ، منها : - دُخُولَ الْحَمَامِ إِلَّا بِمِئْزَرِ»(2).

من الآداب التي شرعها الإسلام عدم دخول الحمام إلا بمئزر ؛ لأنه لو دخل


1) من لا يحضره الفقيه : 1 : 27 ، الحديث 51 الخصال : 54 ، الحديث 72.

2) وسائل الشيعة : 2 : 40 ، الحديث 1419 . من لا يحضره الفقيه : 4 : 357.

بلا مئزر لكان بادي العورة ، فإن رآه أحد فهو محرّم عليه، بالإضافة إلى منافاته للآداب العامة التي يحرص الإسلام على إشاعتها بين الناس.

201- الخضاب

جاء في وصيّة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام):

«يا عَلِيُّ ، دِرْهَم فِي الْخِصَابِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ دِرْهَم يُنْفَقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَفِيهِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ خَصْلَةٌ ، وَالَّتِي مِنْهَا : جَلَاهُ الْبَصَرِ، وَذَهابُ الْغَشَيانِ» (1)

أمّا الخضاب فهو زينة الرجل ، وبه تظهر الفتوة ، وتذهب غائلة الشيخوخة .

202 -السواك

قال (عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم):

«إِنَّ أَفْواهَكُمْ طُرُقُ الْقُرْآنِ فَطَهَّرُوها بِالسِّواكِ»(2)

السواك مطهر للفم ومعقم له ، وهو من المناهج الصحيّة التي تبناها الإسلام ، وفي الحديث : «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسواك » ، والأمر - في الحديث -


1) إرشاد المفيد : 269 . الخصال : 497 ، الحديث 2. من لا يحضره الفقيه : 1 : 123 ، الحديث 285.

2) حلية الأولياء : 4 : 296 . من لا يحضره الفقيه : 1: 53 ، الحديث 112. بحار الأنوار: 77: 344 ، الحديث 24 . كنز العمّال : 1: 603 ، الحديث 2751 .

هو الحكم الإلزامي .

203- الطهور مفتاح الصلاة

قال قالَ رَسُولُ (صلی الله علیه وآله وسلم):

«مفتاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ ، وَتَحْرِيمُها التَّكْبِيرُ ، وَتَحْلِيلُها التَّسْلِيمُ »(1).

أمّا الطهور فهو مفتاح الصلاة ومن مقدّماتها الواقعية ، فلا تصح إلا به . وفي الحديث : «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ» ، والنفي للماهية .

وأما بداية الصلاة ففي تكبيرة الإحرام ، فبها يحرم الكلام وغيره من منافيات الصلاة ، وبالتسليم الأخير يحلّ للمصلّي ما حرم عليه بتكبيرة الإحرام .

204 -إخراج أهل نجران من الجزيرة

قال(عليه السلام) : قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم)

«يا عَلِيُّ ، إِنْ أَنْتَ وَلِيْتَ هذَا الْأَمْرَ فَأَخْرِجْ أَهْلَ نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ »(2).


1) حلية الأولياء : 7: 124. من لا يحضره الفقيه : 1 : 33 ، الحديث 68. مسند أحمد بن حنبل : 1 : 123 . سنن الدارمي : 1 : 175 . سنن ابن ماجة : 1 : 101 ، الحديث 275 .

2) مسند أحمد بن حنبل : 1 : 87 ، الحديث 661 مجمع الزوائد : 5 : 185 . كنز العمال : 12 : 307 ، الحديث 35149

لقد عهد النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)إلى الإمام إذا ولي الخلافة أن يخرج نصارى نجران من جزيرة العرب لأنهم كانوا مبعث فتنة وشقاء بين المسلمين.

205- دعوة المظلوم

قال(عليه السلام) قالَ رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم):

« يا عَلِيُّ ، اِتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُوْم ، فَإِنَّما يَسْأَلُ اللهَ حَقَّهُ ، وَإِنَّ اللهَ لَمْ يَمْنَعْ ذَا حَقٌّ حَقَّهُ »(1).

إنّ دعوة المظلوم لا تردّ ، وإنّ الله تعالى الذي يحكم بين عباده بالحق لا يرد دعوة المظلوم ، وإنّه للظالم بالمرصاد لابد أن ينتقم منه إن عاجلاً أو آجلاً.

206 -أنواع الكلام

روى الإمام (عليه السلام)عن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)أنه قال :

« الْكَلَامُ ثَلَاثَةٌ : فَرَابِحٌ ، وَسَالِمٌ ، وَشَاحِبٌ .

فَأَمَا الرّابِحُ فَالَّذِي يَذْكُرُ الله .

وَأَمّا السّالِمُ فَالَّذِي يَقُولُ مَا أَحَبَّ الله.

وَأَمَّا الشَّاحِبُ فَالَّذِي يَخُوضُ فِي النَّاسِ(2).

قسّم الرسول الأعظم(صلی الله علیه وآله وسلم) الكلام إلى ثلاثة أنواع : وذكر خصائصها ، وما يترتب


1) حلية الأولياء : 3 : 202. كنز العمال: 3: 507 ، الحديث 7650.

2) بحار الأنوار: 71 289 ، الحديث 55. الزهد : 7: 11.

عليها من آثار .

207- المقتول دون ماله

روى الإمام عن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) أنه قال :

«مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ »(1)

أضفى النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) الشهادة على من يقتل دون ماله فإنّه يكون شهيداً في حكمه وأجره لا في الآثار الأخرى التي تترتب على الشهيد من عدم تغسيله ومن دفنه بثيابه فإنّ هذه الآثار لا تترتب عليه .

وبهذا نطوي الحديث عن مسند الامام(عليه السلام)، وهو بعض ما يرويه عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، كما إن فيه كوكبة من الأحاديث هي من وصايا النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، وقد بذلت في جمعها جهداً شاقاً سائلاً من الله تعالى أن يتقبل ذلك ، وأن يثيبنا عليه ، وأن يوفقنا لإكمال هذه الموسوعة عن حياة بطل الإسلام ، وباب مدينة علم النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)

إنه تعالى ولىُّ التوفيق


1) مسند أحمد بن حنبل : 1: 31 ، الحديث 590 .

العلم والتعليم

اشارة

ومن أهم البرامج السياسية في حكومة الإمام(عليه السلام) نشر التعليم ، ومحو الأميّة ، وإشاعة العلم بين الناس فقد اتّخذ جامع الكوفة مدرسة ومعهداً لإلقاء محاضراته العلمية وتعليم قيمه الفكرية، والتي كان منها الدعوة إلى الله تعالى ، وإظهار فلسفة التوحيد وإقامة دعائم الإيمان بالله تعالى على ضوء الأدلة العلمية الحاسمة التي لا تقبل الجدل والتشكيك ، بالاضافة إلى مواعظه العملاقة التي كانت تهز أعماق النفوس خوفاً ورهبة من الله تعالى .

وقد تخرّج من مدرسته جماعة من عظماء الإسلام أمثال الصحابي العظيم عمار بن ياسر ، وحجر بن عدي ، وكميل بن زياد، وأبي الأسود الدؤلي ، وميثم التمار ، وغيرهم من الذين أقاموا صروح النهضة العلمية في الإسلام .

وعلى أي حال فإنا نعرض بإيجاز لبعض ما أثر عن هذا الإمام الملهم من الكلمات القيمة في تبجيل العلم وذم الجهل ، وتكريم العلماء ، وبعض العلوم التي أقامها .

الإشادة بالعلم

أمّا العلم فهو من أفضل المحاسن التي يتحلى بها الإنسان ويسمو إلى أرقى مستويات الكمال ، وبالعلم تكون نهضة الأمم وبلوغها إلى أهدافها ، ومستحيل أن تحتل أُمّة من الأمم مركزاً مهماً تحت الشمس وهي قابعة في مستنقع الجهل .

وقد أشاد إمام المتقين كثيراً بالعلم ، ولنقرأ بعض أحاديثه :

قال(عليه السلام) في حديثه مع تلميذه العالم كميل بن زياد :

يَا كُمَيْلُ ، الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ ، الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ ، وَالْمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ ، وَالْعِلْمُ يَزْكُو عَلَى الْإِنْفَاقِ ، وَصَنِيعُ الْمَالِ يَزُولُ

بِزَوَالِهِ.

یاكُمَيْلُ بْنَ زِيَادٍ ، مَعْرِفَةُ الْعِلْمِ دِينْ يُدَانُ بِهِ ، بِهِ يَكْسِبُ الْإِنْسَانُ الطَّاعَةَ فِي حَيَاتِهِ ، وَجَمِيلَ الْأَحْدُوثَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ .

وَالْعِلْمُ حَاكِمٌ ، وَالْمَالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ.

يَا كُمَيْلُ ، هَلَكَ خُزَّانُ الْأَمْوَالِ وَهُمْ أَحْيَاءٌ ، وَالْعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ. أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ ، وَأَمْثَالُهُمْ فِي الْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ (1)

حكى هذا الكلام أهمية العلم ، وأنّه أثمن شيء في الحياة ، ولا يقاس به المال الذي هو شريان الحياة .

وقد تميّز العلم على المال ؛ فإنّ العلم ينمو بإنفاقه على الطلاب والسائلين وأما المال فإنّه يفنى بالإنفاق ، كما إن العلماء باقون على امتداد التاريخ وأمّا أصحاب الثروات العظيمة فإنّهم يفنون بموتهم وتتلاشى ثرواتهم من بعدهم.

قال(عليه السلام): « الْعِلْمُ إِحْدى الْحَيَاتَيْنِ»(2).

ما أروع هذه الكلمة التي أحاطت بقيمة العلم ، فهو إحدى الحياتين اللتين يخلد بهما الإنسان.


1) نهج البلاغة : 3 : 164 . كنز العمّال : 10: 263 . تفسير الرازي: :2 192 تاریخ بغداد 376:6.

2) مستدرك نهج البلاغة : 180 .

قال(عليه السلام): «الْعِلْمُ تُحْفَةً فِي الْمَجَالِسِ ، وَصَاحِبٌ فِي السَّفَرِ، وَأَنْسٌ فِي الْغُرْبَةِ ...»(1)

حقاً إنّ العلم زينة المجالس ، فيه تزهو وتسمو وتتميز عن بقية المجالس العارية من العلم ، كما إنه صاحب وصديق مؤنس في السفر وأنس في الغربة .

أهميّة العالم

وتحدّث الإمام عن أهمية العالم ، وسموّ مكانته الاجتماعية وإنّ موته خسارة على الناس .

قال(عليه السلام)« إِذا مَاتَ الْمُؤْمِنُ الْعَالِمُ ثُلِمَ فِي الْإِسْلَامِ ثُلْمَةٌ لَا يَسُدُّهَا شَيْءٌ إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»(2)

تكريم العالم

وحثّ الإمام(عليه السلام)على تكريم العالم وتبجيله والاعتراف له بالفضل .

قَالَ(عليه السلام) : « مِنْ حَقِّ الْعالِم عَلَيْكَ إِذا أَتَيْتَهُ أَنْ تُسَلَّمَ عَلَيْهِ خَاصَّةً وَعَلَى الْقَوْم عامَّةٌ ، وَلَا تَجْلِسْ قُدّامَهُ ، وَلَا تُشِرْ بِيَدِكَ ، وَلَا تَعْمِزْ بِعَيْنِكَ ، وَلَا تَقُلْ قالَ فُلَانٌ خِلَافَ قَوْلِكَ ، وَلَا تَأْخُذْ بِتَوْبِهِ، وَلَا تَلِعٌ عَلَيْهِ فِي السُّؤالِ فَإِنَّما هُوَ بِمَنْزِلَةِ النَّخْلَةِ الْمُرْطِبَةِ الَّتِي لَا يَزالُ يَسْقُطُ عَلَيْكَ مِنْها شَيْءٌ »(3).


1) مستدرك نهج البلاغة : 186 .

2) مستدرك نهج البلاغة : 177 .

3) العقد الفريد : 224 . جامع بيان العلم وفضله / ابن عبدالبر : 1 : 146 .

وتحدّث الإمام(عليه السلام) بهذه الكلمات عن حقوق العالم، ولزوم رعايته واحترامه تكريماً لعلمه وإشادة بفضله لأنه مصدر عطاء وفيض للمجتمع توجيهاً وسلوكاً وآداباً.

أخذ المحاسن من كلّ علم

قالَ (عليه السلام)« الْعِلْمُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصى ، فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحْسَنَهُ »(1)

وهذه الكلمة من روائع الحكم ، ومن محاسنها فإنّ العلم كنز لا يحصى ما فيه ، وعلى المرء أن يختار أبدع وأروع ما فيه ، وقد نظم بعض الشعراء هذه الكلمة الحكمية للإمام الله بقوله :

ما حَوى العِلْمَ جَميعاً رَجُلٌ*** لا وَلَوْ مارَسَهُ أَلْفَ سَنَه

إنَّمَا الْعِلْمُ بَعيدٌ غَورُهُ*** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحْسَنَه (2)

تشجيعه(عليه السلام) للحركة العلمية

كان الإمام (عليه السلام) يدعو المجتمع إلى العلم ويحثّهم عليه ، وقد خطب في الكوفة فقال : مَنْ يَشْتَرِي عِلْماً بِدِرْهُم ؟

فقام الحارث الأعور فاشترى صحفاً بدرهم ثم جاء بها إلى الإمام ا ، فكتب له بها علماً كثيراً (3)، وقد دلّت هذه البادرة على مدى تشجيعه للعلم ، وحنّه على تدوينه وكتابته .


1) معجم الأدباء : 1 : 73. تاريخ اليعقوبي : 2 : 5 .

2) التمثيل والمحاضرة / الثعالبي : 165 . التحقيق في الإمامة : 131 .

3) تقييد العلم : 90 . الطبقات الكبرى : 6 : 116 . تاريخ مدينة دمشق : 36 : 301.

العمل بالعلم

وأكد الإمام على ضرورة العمل بالعلم في كثير من أحاديثه كان منها ما يلي :

قَالَ(عليه السلام) : « الْعِلْمُ مَقْرُونَ بِالْعَمَلِ ، فَمَنْ عَلِمَ عَمِلَ ؛ وَالْعِلْمُ يَهْتِفُ بِالْعَمَلِ ، فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلَّا ارْتَحَلَ عَنْهُ »(1).

والمراد من قوله الا : فإن أجابه وإلا ارتحل عنه ، أي أن العالم إذا لم يعمل بعلمه ، ولم يسر على ضوئه فإنّ الله تعالى يسلبه عنه .

قَالَ(عليه السلام) : « وَإِنَّ الْعَالِمَ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ كَالْجَاهِلِ الْحَائِرِ الَّذِي لَا يَسْتَفِيقُ مِنْ جَهْلِهِ : بَلِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ أَعْظَمُ ، وَالْحَسْرَةُ لَهُ أَلْزَمُ ، وَهُوَ عِنْدَ اللهِ أَلْوَمُ كَالسَّائِرِ عَلَى غَيْرِ طَرِيقٍ ... وَالْعَامِلُ بِالْعِلْم كَالسَّائِرِ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِح . فَلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ أَسَائِرٌ هُوَ أَمَّ رَاجِع ؟! »(2).

أنّ الذي لا يهتدي بعلمه كالسالك في الطرق الملتوية القائمة التي تهوي به إلى مستوى سحيق من الانحطاط ما له من قرار .

قال(عليه السلام) : « أَوْضَعُ الْعِلْمِ مَا وُقِفَ عَلَى النِّسَانِ ، وَأَرْفَعُهُ مَا ظَهَرَ فِي الْجَوَارِحِ وَالْأَرْكَانِ ...»(3)


1) تصنيف نهج البلاغة : 2302 . تفسير ابن عربي : 2 : 159 شرح نهج البلاغة : 19 : 284 .

2) نهج البلاغة : الخطبة .110 شرح نهج البلاغة : 7 : 221

3) المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 109 . ينابيع المودة : 2 : 240 .

قال(عليه السلام):« رُبَّ عَالِمٍ قَدْ قَتَلَهُ جَهْلُهُ ، وَعِلْمُهُ مَعَهُ لَا يَنْفَعُهُ »(1)

وكثير من هذه الكلمات الذهبية أدلى بها أمير البلاغة والبيان وهي تهيب بالعلماء أن يعملوا بما علموا وأن تتوافق أعمالهم مع أقوالهم الداعية إلى الهدى والصلاح .

أنواع طلاب العلم

تحدّث الإمام(عليه السلام)عن أصناف طلبة العلوم فقال :

« طَلَبَةُ هذا الْعِلْمِ عَلى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ ، أَلَا فَاعْرِفُوهُمْ بِصِفَاتِهِمْ :

صِنْفٌ مِنْهُمْ يَتَعَلَّمُونَ الْعِلْمَ لِلْمِراءِ وَالْجَدَلِ .

وَصِنْفٌ لِلْاسْتِطَالَةِ وَالْحِيَل .

وَصِنْفٌ لِلْفِقْهِ وَالْعَمَلِ .

فَأَمَّا صاحِبُ الْمِراءِ وَالْجَدَلِ فَإِنَّكَ تَراهُ مُمَارِياً لِلرِّجالِ فِي أَنْدِيَةِ الْمَقالِ ، قَدْ تَسَرْبَلَ بِالتَّخَضُّع ، وَتَخَلَّى عَنِ الْوَرَعِ ، فَدَقَّ الله مِنْ هذا حَيْزُومَهُ ، وَقَطَعَ مِنْهُ خَيْشُومَهُ .

وَأَمَّا صاحِبُ الْإِسْتِطَالَةِ وَالْحِيَلِ ، فَإِنَّهُ يَسْتَطِيلُ عَلَى أَشْبَاهِهِ مِنْ أَشْكَالِهِ ، وَيَتَواضَعُ لِلْأَغْنِياءِ مِنْ دُونِهِمْ ، فَهُوَ لِحَلْوائِهِمْ هاضِمٌ ، وَلِدِينِهِ حاظِمٌ ، فَأَعْمَى اللَّهُ بَصَرَهُ ، وَمَحا مِنَ الْعُلَماءِ أَثَرَهُ .

وَأَمَا صَاحِبُ الْفِقْهِ وَالْعَمَلِ ، فَتَراهُ ذَا كَابَةٍ وَحُزْنٍ ، قامَ اللَّيْلَ فِي


1) ينابيع المودة : 2 : 110 .

حِنْدِسِهِ ، وَانْحَنَى فِي بُرْنُسِهِ يَعْمَلُ وَيَخْشَى فَشَدَّ اللهُ مِنْ هذا أَرْكَانَهُ ، وَأَعْطَاهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمانَهُ » (1).

وألم هذا الحديث الشريف بأنواع طلبة العلم وحكى أهدافهم ، فبعضهم يطلبه لأغراضه الشخصية من دون أن يبتغي به رضا الله تعالى والدار الآخرة ، وهؤلاء هم الأخسرون عملاً ، وأكد الإمام هذا المعنى في حديث آخر له :

قال(عليه السلام) : « لَوْ أَنَّ حَمَلَةَ الْعِلْم حَمَلُوهُ بِحَقِّهِ لَأَحَبَّهُمُ اللَّهُ وَمَلَائِكَتِهِ وَأَهْلُ طَاعَتِهِ مِنْ خَلْقِهِ ، وَلَكِنَّهُمْ حَمَلُوهُ لِطَلَبِ الدُّنْيا فَمَقَتَهُم الله وَهانُوا عَلَى النَّاسِ(2).

إنّ من يطلب العلم ويتحمّل الجهد الشاق في سبيله إن كان هدفه رضا الله والدار الآخرة فاز في دنياه وآخرته ، وإن كان هدفه رغبات الدنيا والتفوق على غيره فقد خسر خسراناً مبيناً.

ذمّ أهل الرأى

ذّم الإمام(عليه السلام) أهل الرأي الذين يفتون بآرائهم من دون علم .

قال(عليه السلام): « تَرِدُ عَلَى أَحَدِهِمُ القَضِيَّةُ فِي حُكْم مِنَ الْأَحْكَامِ فَيَحْكُمُ فِيهَا بِرَأيِهِ ، ثُمَّ تَرِدُ تِلْكَ القَضِيَّةُ بِعَيْنِهَا عَلى غَيْرِهِ فَيَحْكُمُ فيها بِخِلافِ قَوْلِهِ ، ثُمَّ يَجْتَمِعُ القُضَاةُ بِذلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ الَّذِي اسْتَقْضَاهُم ، فَيُصَوِّبُ آرَاءَهُمْ جَمِيعاً - وَإِلَهُهُمْ وَاحِدٌ : وَنَبِيُّهُمْ


1) مستدرك نهج البلاغة : 177 .

2) بحار الأنوار 2 : 37. تحف العقول : 201 . نزهة الناظر : 64 .

وَاحِدٌ : وَكِتَابُهُمْ وَاحِدٌ : أَفَأَمَرَهُمُ اللهُ - سُبْحَانَهُ - بِالْاِخْتِلَافِ فَأَطَاعُوهُ !

أَمْ نَهَاهُمْ عَنْهُ فَعَصَوْهُ !

أَمْ أَنْزَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ دِيناً نَاقِصاً فَاسْتَعَانَ بِهِمْ عَلَى إِثْمَامِهِ !

أَمْ كَانُوا شُرَكَاءَ لَهُ ، فَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَرْضَى ؟

أَمْ أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ دِيناً تاماً فَقَصَّرَ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَبْلِيغِهِ وَأَدَائِهِ ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ : مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ(1)، وَفِيهِ تِبْيَانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ ، وَذَكَرَ أَنَّ الْكِتَابَ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضاً ، وَأَنَّهُ لَا اخْتِلافَ فِيهِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَير اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً(2).(3)

عرض الإمام(عليه السلام) إلى ما يفتي به العاملون بآرائهم وأقيستهم ، وأنها على ضلال يا له من ضلال، فهي متناقضة متباينة ليس فيها بصيص من نور الإسلام وهديه .

بذل العلم

وحثّ الإمام(عليه السلام) العلماء على بذل العلم وإشاعته بين الناس ، فقد جاء في كتابه :

« إِنَّ اللهَ لَمْ يَأْخُذْ عَلَى الْجُهَالِ عَهْداً بِطَلَبِ الْعِلْمِ حَتَّى أَخَذَ عَلَى الْعُلَمَاءِ عَهْداً بِبَذْلِ الْعِلْمِ لِلْجُهَّال ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ كَانَ قَبْلَ الْجَهْلِ»(4).


1) الأنعام 6 : 38 .

2) النساء 4 :82

3) نهج البلاغة : 1 : 60 و 61. المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 19.

4) أصول الكافي : 1: 41. بحار الأنوار: 2 : 67 ، الحديث 14 .

لقد عنى الإمام بصورة إيجابية بإشاعة العلم ونشره بين الناس، وقد حثّ العلماء وألزمهم بتعليم المجتمع وتثقيفه والسهر على رفع مستواه الفكري.

حثّه (عليه السلام)على جودة الخط

حثّ الإمام(عليه السلام)أصحابه وجهاز حكومته على جودة الخط ، وقال لهم :

«الْخَطُ الْحَسَنُ يُزيدُ الْحَقَّ وُضُوحاً »(1).

ومن الجدير بالذكر أن المصحف الكريم لم يكن منقطاً، وأول من نقطه أبو الأسود سود الدؤلي ، وذلك بتلقين وإرشاد من الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)(2).

أنواع العلوم

اشارة

كان الإمام(عليه السلام) خزانة من العلوم والمعارف لم يعهد له نظير في عظماء الدنيا وعباقرة العالم ، وقد فتق أبواباً من العلوم تربو على ثلاثين علماً لم يكن يعرفها العرب وغيرهم من قبل حسبما يقول العقاد ، وقد أثر عنه القول :

« الْعُلُومُ أَرْبَعَةٌ : الْفِقْهُ لِلْأَدْيانِ ، وَالطَّبُ لِلْأَبْدانِ ، وَالنَّحْوُ لِلَّسانِ ، وَالنُّجُومُ لِمَعْرِفَةِ الزَّمانِ »(3).

وقد أعرب الإمام(عليه السلام)عن أساه وحزنه لأنه لم يجد من يبثّ إليه علومه حتى تستفيد منها العامة وتتطوّر بها الحياة، وقد قال (عليه السلام): «إِنَّ هاهنا - وأومأ إلى صدره


1) صبح الأعشى : 3: 25. الجامع الصغير : 1 : 636 . كنز العمال : 10: 244 .

2) صبح الأعشى : 3 : 149 . مفتاح السعادة : 1: 89 ، وفيه : « أنّ أوّل من نقط المصحف الإمام عليّ(عليه السلام).

3) مفتاح السعادة : 1 : 303 . ينابيع المودة : 3 : 210 .

الشريف - لَعِلْماً جَمَاً ، لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةٌ »(1).

لقد كان صدره الشريف خزانة لعلم رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، فهو باب مدينة علمه ووارث علومه وحكمه وآدابه ، وعلى أي حال فإنّا نعرض إلى بعض العلوم التي أثرت عنه وهي :

1 - علم النحو

اشارة

والشيء المحقق الذي لا ريب فيه هو أن أول من وضع علم النحو وأرسى قواعده هو و الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، ونعرض إلى بعض البحوث المرتبطة به ، وهي :

فى اللغة

النحو إعراب الكلام العربي ، والنحو الطريق والجهة والقصد ، ومنه انتحاه إذا قصده ، سمّي به هذا العلم ، وذلك لينحو سَمتِ كلام العرب في تصرفه من اعراب وغيره من ليس منهم فيضارعهم في اللحن ، وقد كت أبو الأسود ما أخذه من الإمام في هذا العلم فعرضه عليه فقال له : «مَا أَحْسَنَ هذا النَّحْوَ الَّذِي نَحَوْتَ» ، ولذلك سمّي هذا النحو نحواً (2)في الاصطلاح.

اسباب وضعه

وذكر المؤرخون عدة أسباب مختلفة لوضع هذا العلم الذي أصبح من أبرز العلوم العربية ، ومن أكثرها فائدة وهي :

1 - روى الأصمعي ، قال : سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول : جاء أعرابي إلى


1) المصدر المتقدّم : 43 . تاريخ بغداد : 6: 376 .

2) تاج العروس : 10 : 360 . النزهة : 3: 1 . المثل السائر : 7 لسان العرب : 15 : 310.

علی الله فقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين ، كيف تقرأ هذه الحروف : لا يأكله إلا الخاطون ، كلنا والله يخطو ؟ فتبسم أمير المؤمنين(عليه السلام) وقال : يا أَعْرابِيُّ ،لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ(1).

قال : صدقت والله يا أمير المؤمنين ما كان الله ليظلم عباده .

ثمّ التفت الإمام إلى أبي الأسود الدؤلي فقال : إِنَّ الْأَعاجِمَ قَدْ دَخَلَتْ فِي الدِّينِ كافةٌ فَضَعْ لِلنَّاسِ شَيْئًا يَسْتَدِلُونَ بِهِ عَلَى صَلَاحِ أَلْسِنَتِهِمْ ، ورسم له الرفع والنصب والخفض »(2)

سمع الإمام أعرابياً يقرأ الآية : أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ(3)قرأ بخفض الرسول ، وقال الأعرابي برنت من رسول الله ، فأنكر عليه الإمام وأرشده إلى الصواب وهو النصب ، ثمّ رسم لأبي الأسود صناعة النحو(4).

هذه بعض الأسباب التي حفّزت الإمام إلى وضعه لعلم النحو وتأسيسه له .

القواعد التي وضعها الإمام(عليه السلام)

وذكر المؤرخون أن الإمام(عليه السلام)دفع إلى أبي الأسود رقعة مكتوباً فيها :

« الْكَلَامُ كُلُّهُ إِسْمٌ ، وَفِعْلٌ ، وَحَرْفٌ ، فَالْإِسْمُ ما أَنْبَأَ عَنِ الْمُسَمّى ، وَالْفِعْلُ مَا أَنْبِى بِهِ ، وَالْحَرْفُ مَا أَفَادَ مَعْنى . وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَسْماءَ ثَلَاثَةٌ ظَاهِرٌ وَمُضْمَرٌ ، وَاسْمٌ لَا ظَاهِرٌ وَلَا مُضْمَرٌ ....».


1) الحاقة 69: 37 .

2) الزينة في الكلمات الإسلامية العربية : 72. النزهة / ابن الأنباري : 8.

3) التوبة 3:9

4) الخصائص : 2 : 9 .

ثمّ وضع أبو الأسود بابي العطف والنعت ، ثم بابي التعجب والاستفهام إلى أن وصل إلى باب إن وأخواتها ما خلا لكن ، فلما عرضها على الإمام أمره بضم لكن إليها ، وكلّما وضع باباً من أبواب النحو عرضه عليه.(1)

وفي رواية أنّ أبا الأسود دخل على عليّ فوجده مطرقاً مفكراً ، فسأله عن سبب ما به ، فذكر له أمر اللحن وما فشا من الخطأ في ألسنة الناس ، وأنّه يريد أن يضع كتاباً في أصول العربية ، فانصرف عنه وهو مغموم فألقى الإمام عليه رقعة كتب فيها :

«الْكَلَامُ كُلَّهُ : إِسْمٌ ، وَفِعْلٌ ، وَحَرْفٌ ، فَالْإِسْمُ ما أَنْبَأَ عَنِ الْمُسَمَّى ،وَالْفِعْلُ مَا أَنْبِنَ بِهِ ، وَالْحَرْفُ مَا أَفَادَ مَعْنى - أي في غيره .... » .

ثمّ أمره أن ينحو نحوه وأن يزيد عليه ، فجمع أبو الأسود أشياء وعرضها عليه فكان من ذلك حروف النصب كان منها : إن وأن وليت ولعل وكأنّ ، ولم يذكر «لكن » فأشار عليه الإمام بإدخالها عليها(2)

وعلى أي حال فإنّ علم النحو واضعه ومؤسسه الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) باب مدينة علم النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)(3)

2 - علم الفقه

من العلوم التي وضع أسسها وأقام مناهجها علم الفقه الشريف .

يقول ابن أبي الحديد : « ومن العلوم علم الفقه ، وهو(عليه السلام) أصله وأساسه ، وكلّ فقيه في الإسلام فهو عيال عليه، ومستفيد من فقهه ، أما أصحاب أبي حنيفة


1) النزهة : 4 . ضحى الإسلام : 2 : 285 .

2) أنباء الرواة : 1 : 4 .

3) معجم الأدباء : 14 : 42 - 50 شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 1 : 20.

كأبي يوسف ومحمد وغيرهما ، فأخذوا عن أبي حنيفة ، وأما الشافعي فقرأ على محمد بن الحسن فيرجع فقهه أيضاً إلى أبي حنيفة ، وأبو حنيفة قرأ على جعفر بن محمد » (1)

وقرأ جعفر على أبيه(عليه السلام)، وينتهي الأمر إلى على(عليه السلام)، وأما مالك بن أنس فقرأ على ربيعة الرأي، وقرأ ربيعة على عكرمة ، وقرأ عكرمة على عبدالله بن عباس ، وقرأ عبدالله بن عباس على علي بن أبي طالب ، وإن شئت رددت إليه الشافعي بقراءته على مالك كان لك ذلك ، فهؤلاء الفقهاء الأربعة .

وأمّا فقه الشيعة فرجوعه إليه ظاهر، وأيضاً فإنّ فقهاء الصحابة كان من بينهم عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس ، وكلاهما أخذ عن علي(عليه السلام).

أما ابن عباس فظاهر ، وأما عمر فقد عرف كلّ أحد رجوعه إليه في كثير من المسائل التي أشكلت عليه وعلى غيره من الصحابة ، وقوله غير مرة : لولا عليّ لهلك عمر .

وقوله : لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن .

وقوله : لا يفتين أحد في المسجد وعلي حاضر .

فقد عرف بهذا الوجه أيضاً انتهاء الفقه إليه ..

وقد روت العامة والخاصة قوله(صلی الله علیه وآله وسلم) : «أَقْضاكُمْ عَلِيٌّ » ، والقضاء هو الفقه ، فهو إذن أفقههم ، وروى الكلّ أيضاً أنه(صلی الله علیه وآله وسلم) قال له - وقد بعثه إلى اليمن قاضياً -:


1) مسند زید : 103 . الخلاف : 1 : 33. جامع المقاصد : 1 : 21 . أعلن أبو حنيفة أنّه تتلمذ عند الإمام الصادق(عليه السلام)واستفاد منه بقوله : « لولا السنتان لهلك النعمان يعني بالسنتين اللتين تتلمذ فيهما عند الإمام(عليه السلام) يراجع في ذلك موسوعة حياة الإمام الصادق للمؤلّف .

« اللَّهُمَّ اهْدِ قَلْبَهُ ، وَثَبِّتْ لِسَانَهُ».

قال(عليه السلام) : فما شككت بعدها في قضاء بين اثنين .

وهو(عليه السلام) الذي أفتى في المرأة التي وضعت لستة أشهر ، وهو الذي أفتى في الحامل الزانية (1)

( قضاء الإمام ) ، وهو أحد أجزاء هذه الموسوعة.

، والذي قال في المنبرية صار ثمنها تسعاً ، وهذه المسألة لو فكّر فيها الفرضى فكراً طويلاً لاستحسن منه بعد طول النظر لهذا الجواب فما ظنّك بمن قاله بديهة وأقضيته ارتجالاً(2)

3-علم تفسير القرآن

من العلوم التي ف أخذت عنه علم تفسير القرآن الكريم ، فقد أخذ أكثر تفسيره منه ومن تلميذه حبر الأمّة عبد الله بن عباس ، وقد قيل له : أين علمك من علم ابن عمّك ؟

فقال : كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط(3)، وقد أفردنا جزء ، وقد أفردنا جزء خاصاً من موسوعة الإمام إلى ما أثر عنه في تفسير القرآن الكريم ، ومن المؤكد أنّ المصحف الذي قيل عنه إنّه مصحف الإمام(عليه السلام) قد أدرج فيه أسباب النزول ومعاني الكلمات وبيان ما فيه من الأحكام .

4 - علم الفلك والحساب

اشارة

من العلوم التي أخذت عنه علم الفلك والحساب ، فقد قال(عليه السلام) عن خلق السماء :

« ثُمَّ زَيَّنَهَا بِزِينَةِ الكَوَاكِبِ ، وَضِيَاءِ النَّوَاقِبِ ، وَأَجْرَى فِيها


1) ذكرنا عرضاً مفصلاً لأقضيته في كتابنا :

2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 1 : 18 و 19 .

3) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 1: 19.

سِرَاجاً مُسْتَطِيراً ، وَقَمَراً مُنِيراً ، في فَلَكٍ دَائِرٍ ، وَسَقْفٍ سَائِرٍ ، وَرَقِيمِ(1)مَائِر(2)»(3).

وقال(عليه السلام) عن كيفية خلق السماء :

«وَنَادَاهَا بَعْدَ إِذْ هِيَ دُخَانٌ ، فَالْتَحَمَتْ عُرَى أَشْرَاجِهَا ، وَفَتَقَ بَعْدَ الْإِرْتِتَاقِ صَوَامِتَ أَبْوَابِهَا»(4)

ذهب بعض علماء الفلك في هذا العصر إلى أنّ أوّل نشوء الكون كان نتيجة انفجار كبير فشاع في الكون سكون وظلام دامس ، ثم بدأت الذرات تتجمع في مناطق معيّنة ، مشكلة أجراماً ، ثم ما لبثت أن بدت فيها التفاعلات النووية التي جعلت هذه الأجرام نجوماً مضيئة ، وفي قول الإمام (عليه السلام) : «فَالْتَحَمَتْ عُرَى أَشْرَاجِهَا » تشبيه لنجوم المجرة بالحلقات المرتبطة ببعضها بوشاج الجاذبية ، والتأثير المتبادل وبعد نشوء النجوم الملتهبة الدائرة بدأت تقذف بالحمم التي شكلت الكواكب السيارة كالأرض وغيرها وهو ما عبّر عنه الإمام(عليه السلام) بالفتق بعد الارتتاق .

ثم قال(عليه السلام):

«وَأَقَامَ رَصَداً مِنَ الشُّهُبِ النَّوَاقِبِ عَلَى نِقَابِهَا ، وَأَمْسَكَهَا مِنْ أَنْ تَمُورَ فِي خَرْقِ الْهَوَاءِ بِأَيْدِهِ - أي بقوته -، وَأَمَرَهَا أَنْ تَقِفَ مُسْتَسْلِمَةٌ لِأَمْرِه» .

علق عليها لبيب وجيه بيضون بقوله : « قوله(عليه السلام): وَأَقَامَ رَصَداً مِنَ الشُّهُبِ التَّوَاقِبِ


1) الرقيم : من أسماء الفلك .

2) المائر : المتحرّك .

3) نهج البلاغة : 15 . بحار الأنوار: 54 : 177 .

4) نهج البلاغة : 37 . بحار الأنوار: 54 : 108 و 109 .

يشير(عليه السلام) بذلك إلى ما أثبته العلم الحديث من أنّ الشهب تغذي بعض أجرام الكواكب بما نظمه لها من التفاتق فما نقب وخرق من جرم عوض بالشهاب » .

ثم قال(عليه السلام):

«وَأَمْسَكَهَا مِنْ أَنْ تَمُورَ فِي خَرْقِ الْهَوَاءِ بِأَيْدِهِ»

أي أمسك الكواكب من أن تضطرب في الهواء بقوّته.

«وَأَمَرَهَا أَنْ تَقِفَ مُسْتَسْلِمَةٌ لِأَمْرِه » .

أي تلتزم مراكزها لا تفارق مداراتها .

قال(عليه السلام):

وَجَعَلَ شَمْسَهَا آيَةٌ مُبْصِرَةً لِنَهَارِهَا ، وَقَمَرَهَا آيَةٌ مَمْحُوَّةً مِنْ لَيْلِهَا ، وَأَجْرَاهُمَا فِي مَنَاقِلِ مَجْرَاهُمَا ، وَقَدَّرَ سَيْرَهُمَا فِي مَدَارِج دَرَجِهِمَا ، لِيُمَيِّزَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ بِهِمَا ، وَلِيُعْلَمَ عَدَدُ السِّنِينَ والْحِسَابِ بِمَقَادِيرِهِمَا » (1).

لقد عرض الإمام(عليه السلام) بصورة موضوعية ودقيقة إلى علم الفلك ، وبين مقدار ما فيه من الأنظمة الهائلة .

أما علم الحساب ، فقد أقام مناهجه وبين غوامضه، وقد عرض لها بعض المختصّين بهذا العلم كان منها ما يلي :

مقدار قطر الشمس

سأل شخص الإمام(عليه السلام)عن مقدار قطر الشمس ، فأجاب الإمام(عليه السلام) مرتجلاً :


1) نهج البلاغة : 37 ، الخطبة 91

« تِسْعُمالَةٍ فِي تِسْعِمانَةٍ مِيلٍ أي 810000 ميل».

ومن المعلوم أن الميل في صدر الإسلام يساوي أربعة آلاف ذراع بذراع اليد ، وهو من المرفق إلى رؤوس الأصابع ، فلو قسنا ذراع رجل متوسط القامة بالانجات ثمّ حوّلنا ( 4000 ) إلى انجات فياردات فأميال لوجدنا أنّ ما أخبر به الإمام علي(عليه السلام) 810000 ميل على ما كان معروفاً في صدر الإسلام تعادل 865380 ميلاً على ما هو معروف اليوم من أنّ الميل 1760 يارداً وأنّ كتب الفلك تنص أن قطر الشمس يساوي (865380) ميلاً فما أخبر به علي(عليه السلام) يطابق تمام الانطباق مع ما تجده في كتب الفلك اليوم وذلك بعد تحويل الميل في صدرالإسلام إلى الميل الانكليزي الذي يعادل ( 1760) یارداً(1).

مسألة الجمال

كان 17 جملاً مشتركة بين ثلاثة أشخاص ، فجاءوا عليّا(عليه السلام)وقالوا : إن نصف هذه الجمال لأحدنا وثلثها لآخر وتسعها لثالثنا ، ونريد أن نقسمها بيننا على أن لا يبقى باق .

فدعا على(عليه السلام) بجمل له وأضافه إلى الجمال ، فكانت 18 جملاً ، فأعطى نصف الجمال - أي نصف 18 جملاً- إلى مَن له النصف ، أي أعطاه 9 جمال .

وأعطى ثلث ال- 18 إلى مَن كان له الثلث ، أي أعطاه 6 جمال .

وأعطى تسع ال- 18 إلى من كان له التسع، أي أعطاه جملين، ثمّ أرجع الجمل الذي أضافه إلى بيته(2).

وبهذا ينتهي الحديث عما خاضه وأبدعه الإمام(عليه السلام) في علم الفلك والحساب .


1) نظرة الإسلام إلى العلم الحديث : 17 .

2) نظرة الإسلام إلى العلم الحديث : 37.

5- علم الحيوان

اشارة

من العلوم المهمة التي خاضها الإمام(عليه السلام)علم الحيوان تحدّث فيها عن خصائصها وبديع صنعها وتركيبها، انظروا إلى بعض أحاديثه عنها :

وصف الطيور

ووصف الإمام(عليه السلام) الطيور وصفاً دقيقاً وملماً بجميع أصنافها ، قال(عليه السلام) :

«ابْتَدَعَهُمْ خَلْقاً عَجِيباً مِنْ حَيَوَانٍ وَمَوَاتٍ ، وَسَاكِن وَذِي حَرَكَاتٍ ؛ وَأَقَامَ مِنْ شَوَاهِدِ الْبَيِّنَاتِ عَلَى لَطِيفِ صَنْعَتِهِ ، وَعَظِيمٍ قُدْرَتِهِ ، مَا انْقَادَتْ لَهُ الْعُقُولُ مُعْتَرِفَةٌ بِهِ ، وَمُسْلَمَةٌ لَهُ ، وَنَعَقَتْ فِى أَسْمَاعِنَا دَلَائِلُهُ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ ، وَمَا ذَرَأَ مِنْ مُخْتَلِفِ صُوَر الأَطْيَار الَّتِي أَسْكَنَهَا أَخَادِيدَ الْأَرْضِ ، وَخُرُوقَ فِجَاجِهَا ، وَرَوَاسِيَ أَعْلَامِهَا ، مِنْ ذَاتِ أَجْنِحَةٍ مُخْتَلِفَةٍ ، وَهَيْئَاتٍ مُتَبَايِنَةٍ ، مُصَرَّفَةٍ فِي زِمَامِ التَّسْخِيرِ ، وَمُرَفْرِفَةٍ بِأَجْنِحَتِهَا فِي مَخَارِقِ الْجَوَ الْمُنْفَسِحِ ، وَالْفَضَاءِ الْمُنْفَرِج.

كَوَّنَهَا بَعْدَ إِذْ لَمْ تَكُنْ فِي عَجائِبِ صُوَرٍ ظَاهِرَةٍ ، وَرَكَّبَهَا فِي حِقَاقِ مَفَاصِلَ مُحْتَجِبَةٍ ، وَمَنَعَ بَعْضَهَا بِعَبَالَةِ خَلْقِهِ(1)أَنْ يَسْمُوَ فِي الْهَوَاءِ خُفُوفاً ، وَجَعَلَهُ يَدِفٌ دَفِيفاً وَنَسَقَهَا عَلَى اخْتِلَافِهَا فِي الْأَصَابِيعْ بِلَطِيفِ قُدْرَتِهِ ، وَدَقِيقِ صَنْعَتِهِ.

فَمِنْهَا مَغْمُوسٌ فِي قَالَبِ لَوْنٍ لَا يَشُوبُهُ غَيْرُ لَوْنِ مَا غُمِسَ فِيه ؛


1) العبالة : الضخامة.

وَمِنْهَا مَغْمُوسٌ فِي لَوْنِ صِبْغِ قَدْ طُوَّقَ بِخِلَافِ مَا صُبِغَ بِهِ»(1)

أرأيتم هذا الوصف الدقيق الرائع للطيور المختلفة ألوانها البديعة مظاهرها التي تأخذ بأعماق النفوس ألوانها فتعالى الله في صنعه وخلقه وهي من آيات الله تعالى ومن شواهد وحدانيّته .

وصف الطاووس

وبعدما أدلى الإمام في وصف مطلق الطيور ذكر عجیب صنع الطاووس قال(عليه السلام) :

«وَمِنْ أَعْجَبِهَا خَلْقاً الطَّاوُوسُ الَّذِي أَقَامَهُ فِي أَحْكَم تَعْدِيلٍ ، وَنَضَّدَ أَلْوَانَهُ فِي أَحْسَنِ تَنْضِيدِ ، بِجَنَاحٍ أَشْرَجَ قَصَبَهُ ، وَذَنبٍ أَطَالَ مَسْحَبَهُ .

إِذَا دَرَجَ إِلَى الْأُنْثَى نَشَرَهُ مِنْ طَيِّهِ ، وَسَمَا بِهِ مُطِلاً عَلَى رَأْسِهِ كَأَنَّهُ قِلْعُ دَارِيٌّ ، عَنَجَهُ نُونِيُّه (2). يَخْتَالُ بِأَلْوَانِهِ ، وَيَمِيسُ بِزَيَفَانِهِ (3)يُفْضِي(4)كَإِفْضَاءِ الدِّيَكَةِ ، وَيَؤُرُ(5)بِمَلَافِحِهِ أَرَّ الْفُحُولِ الْمُغْتَلِمَةِ(6)لِلضَّرَابِ أُحِيلُكَ مِنْ ذلِكَ عَلَى مُعَايَنَةٍ(7)،


1) نهج البلاغة / محمد عبده : 2 : 70 ، الخطبة 160 .

2) القلع : شراع السفينة عنجه : جذبه .

3) يختال : أي يعجب . يميس : يتبختر .

4) يفضي : أي يسافد أنثاه كما تسافد الديكة .

5) يؤر : أي يأتي أنثاه بملاقحة فيفرز فيها مادة تناسله .

6) المغتلمة : من اغتلم ، أي غلبة الشهوة.

7) أي أحيلك إلى معاينة الطاووس فتجد ذلك صدقاً على ما أقول .

لا كَمَنْ يُحِيلُ عَلَى ضَعِيفٍ إِسْنَادُهُ .

وَلَوْ كَانَ كَزَعْم مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُلْقِحُ بِدَمْعَةٍ تَسْفَحُهَا مَدَامِعُهُ (1)، فَتَقِفُ فِي ضَفَتَى جُفُونِهِ ، وأَنَّ أُنْثَاهُ تَطْعَمُ ذَلِكَ ، ثُمَّ تَبِيضُ لَا مِنْ لِقَاحِ فَحْلٍ سِوَى الدَّمْعِ الْمُنْبَجِسِ ، لَمَا كَانَ ذَلِكَ بَأَعْجَبَ مِنْ مُطَاعَمَةِ الْغُرَابِ (2)!

تَخَالُ قَصَبَهُ مَدَارِيَ مِنْ فِضَّةٍ ، وَمَا أُنْبِتَ عَلَيْهَا مِنْ عَجِيبٍ دَارَاتِهِ ، وَشُمُوسِهِ خَالِصَ الْعِقْيَانِ ، وَفِلَذَ الزَّبَرْجَدِ(3).

فَإِنْ شَبَّهْتَهُ بِمَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ قُلْتَ جَنى جُنِي مِنْ زَهْرَةِ كُلِّ ربيع(4).

وَإِنْ ضَاهَيْتَهُ بِالْمَلَابِسِ فَهُوَ كَمَوْشِيُّ الْحُلَلِ(5)، أَوْ كَمُونِقِ


1) تسفحها أي ترسلها مدامعة ، وقد أبطل الإمام دعوى من يقول إن أنثاه تلد لا من لقاح فحل .

2) المراد من كلامه الا أنه لو صح ما ذكروه في الطاووس من أن تلقيحه يكون بانتقال الماء في جوف الذكر إلى الأنثى عندما تترشفه لجرى ذلك في الغراب أيضاً ، وذلك لشبهه للطاووس بذلك ، ومنشأ الزعم في الغراب إخفاؤه لسفاده حتى ضرب به المثل فقيل أخفى من سفاد الغراب .

3) القصب : جمع قصبة ، هي عمود الريش . المداري : جمع مدرى ، وهو آلة مصنوعة من حديد أو خشب على شكل أسنان المشط يسرّح بها الشعر الدارات : هالة القمر العقيان : الذهب الخالص.

4) جنى: أي جمع من كل زهر لوناً.

5) الموسى : المنقوش .

عَصْبِ الْيَمَنِ .

وَإِنْ شَاكَلْتَهُ بِالْحُلِيِّ فَهُوَ كَفُصُوصٍ ذَاتِ أَلْوَانٍ ، قَدْ نُطْقَتْ بِاللُّجَيْنِ الْمُكَلَّلِ(1).

يَمْشِي مَشْيَ الْمَرِح الْمُخْتَالِ(2)، وَيَتَصَفَّحُ ذَنَبَهُ وَجَنَاحَيْهِ ، فَيُقَهْقِهُ ضَاحِكاً لِجَمَالِ سِرْبَالِهِ(3)، وَأَصَابِيغِ وِشَاحِهِ(4)فَإِذَا رَمَى بِبَصَرِهِ إِلَى قَوَائِمِهِ زَقَا مُعْوِلاً (5)بِصَوْتٍ يَكَادُ يُبِينُ عَنِ اسْتِغَاثَتِهِ ، وَيَشْهَدُ بِصَادِقِ تَوَجُعِهِ ، لِأَنَّ قَوَائِمَهُ حُمْشُ كَقَوَائِمِ الدِّيَكَةِ الْخِلَاسِيَّةِ .

وَقَدْ نَجَمَتْ مِنْ ظُنُّبُوبِ سَاقِهِ صِيصِيَّةٌ(6)خَفِيَّةٌ ، وَلَهُ فِي مَوْضِع الْعُرْفِ قُنْزُعَةٌ خَضْرَاءُ مُوَشَاةٌ .

وَمَخْرَجُ عُنُقِهِ كَالْإِبْرِيقِ ، وَمَغْرَزُهَا إِلَى حَيْثُ بَطْنُهُ كَصِبْغ الْوَسِمَةِ الْيَمَانِيَّةِ ، أَوْ كَحَرِيرَةٍ مُلْبَسَةٍ مِرْآةٌ ذَاتَ صِقَال(7)، وَكَأَنَّةَ مُتَلَفِّعٌ بِمِعْجَرٍ أَسْحَمَ (8)، إِلَّا أَنَّهُ يُخَيَّلُ لِكَثْرَةِ مَائِهِ ، وَشِدَّةِ بَرِيقِهِ ،


1) المكلّل : المزين بالجواهر .

2) المختال : الزاهي بحسنه .

3) سرباله : لباسه.

4) الوشاح : نظامان من لؤلؤ وجوهر.

5) زقا: صاح . معول : رافع صوته .

6) ظنوب : عظم حرف الساق . الصيصية : هي الشوكة.

7) الصقال : الجلاء .

8) المعجر : الثوب . الأسحم : الأسود .

أَنَّ الْخُضْرَةَ النَّاضِرَةَ مُمْتَزِجَةٌ بِهِ.

وَمَعَ فَتْقِ سَمْعِهِ خَطِّ كَمُسْتَدَقَّ الْقَلَمِ فِي لَوْنِ الْأَقْحُوَانِ ، أَبْيَضُ يَفَقٌ(1)، فَهُوَ بِبَيَاضِهِ فِي سَوَادِ مَا هُنَالِكَ يَأْتَلِقُ

وَقَلَّ صِبْعٌ إِلَّا وَقَدْ أَخَذَ مِنْهُ بِقِسْطِ ، وَعَلَاهُ بِكَثْرَةِ صِقَالِهِ ، وَبَرِيقِهِ ، وَبَصِيصِ(2)دِيبَاجِهِ وَرَوْنَقِهِ ، فَهُوَ كَالْأَزَاهِيرِ الْمَبْثُوثَةِ ، لَمْ تُرَبِّهَا أَمْطَارُ رَبِيعٍ ، وَلَا شُمُوسُ قَيْظٍ.

وَقَدْ يَنْحَسِرُ(3)مِنْ رِيشِهِ ، وَيَعْرَى مِنْ لِبَاسِهِ ، فَيَسْقُطُ تَتْرَى ، وَيَنْبُتُ تِبَاعاً ، فَيَنْحَتُ مِنْ قَصَبِهِ انْحِتَاتَ (4)أَوْرَاقِ الْأَنْصَانِ ، ثُمَّ يَتَلَاحَقُ نَامِياَ حَتَّى يَعُودَ كَهَيْئَتِهِ قَبْلَ سُقُوطِهِ ، لَا يُخَالِفُ سَالِفَ أَلْوَانِهِ ، وَلَا يَقَعُ لَوْنٌ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ! وَإِذَا تَصَفَّحْتَ شَعْرَةٌ مِنْ شَعَرَاتِ قَصَبِهِ أَرَتْكَ حُمْرَةً وَرْدِيَّةٌ ، وَتَارَةٌ خُضْرَةٌ زَبَرْجَدِيَّةٌ ، وَأَحْيَاناً صُفْرَةٌ عَسْجَدِيَّةٌ (5)، فَكَيْفَ تَصِلُ إِلَى صِفَةِ هَذَا عَمَائِقُ الْفِطَنِ(6)، أَوْ تَبْلُغُهُ قَرَائِحُ الْعُقُولِ ، أَوْ تَسْتَنْظِمُ وَصْفَهُ أَقْوَالُ الْوَاصِفِينَ !


1) اليقق : الشديد البياض .

2) البصيص : اللمعان .

3) ينحسر : وهو من حسره أي كشفه .

4) ينحت : يسقط

5) العسجدية : الذهب

6) العمائق : هي العميقة أو القعر .

وَأَقَلُّ أَجْزَائِهِ قَدْ أَعْجَزَ الْأَوْهَامَ أَنْ تُدْرِكَهُ ، وَالْأَلْسِنَةَ أَنْ تَصِفَهُ ! فَسُبْحَانَ الَّذِي بَهَرَ الْعُقُولَ عَنْ وَصْفِ خَلْقٍ جَلَّاهُ لِلْعُيُونِ »(1).

وألمّ هذ هذا الوصف الرائع بخلقة الطاووس وما فيه من العجائب التي يذهل الفكر البشري من إدراكها ، فسبحان المصوّر الذي خلق الطاووس بهذه الكيفية التي يقصر الوصف عن بيانها إلا أن باب مدينة علم النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) أحاط بذكر عجائب هذا الطائر الغريب في شكله والعجيب في خلقته .

الخفاش

وصف الإمام الخفاش وصفاً دقيقاً وملماً بجميع خواصه وصفاته قال(عليه السلام):

«وَمِنْ لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ ، وَعَجَائِبِ خِلْقَتِهِ ، مَا أَرَانَا مِنْ غَوَامِضِ الْحِكْمَةِ فِي هَذِهِ الْخَفَافِيشِ الَّتِي يَقْبِضُهَا الضّياءُ البَاسِطُ لِكُلِّ شَيْءٍ ، وَيَبْسُطُهَا الظَّلَامُ الْقَابِضُ لِكُلِّ حَيَّ؛ وَكَيْفَ عَشِيَتْ أَعْيُنَهَا(2)عَنْ أَنْ تَسْتَمِدَّ مِنَ الشَّمْسِ الْمُضِيئَةِ نُوراً تَهْتَدِي بِهِ فِي مَذَاهِبِهَا ، وَتَتَّصِلُ بِعَلانِيَةِ بُرْهَانِ الشَّمْسِ إِلَى مَعَارِفِهَا . وَرَدَعَهَا بِتَلَالُوِ ضِيَائِهَا عَنِ الْمُضِيَّ فِي سُبُحَاتِ إِشْرَاقِهَا(3)، وَأَكَنَّهَا فِي مَكَامِنِهَا عَنِ الذَّهَابِ في بُلَج انْتِلَاقِهَا (4)، فَهِيَ مُسْدَلَةُ الْجُفُونِ بِالنَّهَارِ عَلَى أَحِدَاقِهَا ، وَجَاعِلَةُ اللَّيْلِ سِرَاجاً تَسْتَدِلُّ بِهِ فِي


1) نهج البلاغة / محمد عبده : 2 : 73 - 75 .

2) العشا : ضعف البصر .

3) سبحات النور : أطواره ودرجاته .

4) الإئتلاق : اللمعان البلج : وضوح الضوء وظهوره .

الْتِمَاسِ أَرْزَاقِهَا ؛ فَلَا يَرُدُّ أَبْصَارَهَا إِسْدَافُ ظُلْمَتِهِ ، وَلَا تَمْتَنِعُ مِنَ الْمُضِيَّ فِيهِ لِغَسَقِ دُجُنَّتِهِ .

فَإِذَا أَلْقَتِ الشَّمْسُ قِنَاعَهَا ، وَبَدَتْ أَوْضَاحُ نَهَارِهَا(1)، وَدَخَلَ مِنْ إشراقِ، نُورِهَا عَلَى الضَّبَابِ فِي وِجَارِهَا (2)، أَطْبَقَتِ الْأَجْفَانَ عَلَى مَآقِيهَا ، وَتَبَلَّغَتْ (3)بِمَا اكْتَسَبَتْهُ مِنَ الْمَعَاشِ فِي ظُلَم لَيَالِيهَا . فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ اللَّيْلَ لَهَا نَهَاراً وَمَعَاشاً ، وَالنَّهَارَ سَكَناً وَقَراراً ! وَجَعَلَ لَهَا أَجْنِحَةٌ مِنْ لَحْمِهَا تَعْرُجُ بِهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى الطَّبَرَانِ ، كَأَنَّهَا شَطَايَا(4)الْآذَانِ غَيْرَ ذَوَاتِ رِيش وَلَا قَصَبٍ(5)، إِلَّا أَنَّكَ تَرَى مَوَاضِعَ الْعُرُوقِ بَيْنَةٌ أَعْلَاماً (6).

لَهَا جَنَاحَانِ لَمَّا يَرقًا فَيَنْشَقًا ، وَلَمْ يَغْلُظَا فَيَثْقُلَا تَطِيرُ وَوَلَدُهَا لَاصِقٌ بِهَا لَاجِيٌّ إِلَيْهَا ، يَقَعُ إِذَا وَقَعَتْ ، وَيَرْتَفِعُ إِذَا ارْتَفَعَتْ ، لَا يُفَارِقُهَا حَتَّىٰ تَشْتَدَّ أَرْكَانُهُ ، وَيَحْمِلَهُ لِلنُّهُوضِ جَنَاحُهُ ، وَيَعْرِفَ مَذَاهِبَ عَيْشِهِ ، وَمَصَالِحَ نَفْسِهِ . فَسُبْحَانَ الْبَارِيُّ لِكُلِّ شَيْءٍ ، عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ خَلَا مِنْ غَيْرِهِ ! »(7).


1) أوضاح النهار : بياض الصبح .

2) الوجار : مكمنها الذي تأوي إليه .

3) تبلغت : اكتفت .

4) شظايا : جمع شظية ، وهي شقق الأذن .

5) القصب : جمع قصبة ، وهي عمود الريشة.

6) أعلاماً : ذي رسوم ظاهرة .

7) نهج البلاغة : 46 .

أرأيتم هذا الوصف الدقيق للخفّاش الذي تفرّد عن بقية الطيور بخصائصه و مميزاته ، ولم يحط علماً بهذه الأوصاف إلا باب مدينة علم النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)الذي غذاه النبي بعلومه ومعارفه .

الجراد

ووصف(عليه السلام)خلقة الجراد بقوله :

« وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ فِي الْجَرَادَةِ ، إِذْ خَلَقَ لَهَا عَيْنَيْنِ حَمْرَاوَيْنِ ، وَأَسْرَجَ لَهَا حَدَقَتَيْنِ قَمْرَاوَيْنِ - أي مضيئة كالقمر -، وَجَعَلَ لَهَا السَّمْعَ الْخَفِيَّ ، وَفَتَحَ لَهَا الْفَمَ السَّوِيَّ ، وَجَعَلَ لَهَا الْحِسَّ الْقَوِيُّ ، وَنَابَيْنِ بِهِمَا تَقْرِضُ ، وَمِنْجَلَيْنِ بِهِمَا تَقْبِضُ(1). يَرْهَبُهَا الزُّرَاعُ فِي زَرْعِهِمْ ، وَلَا يَسْتَطِيعُونَ ذَبَّهَا ، وَلَوْ أَجْلَبُوا بِجَمْعِهِمْ ، حَتَّى تَرِدَ الْحَرْثَ فِي نَزَوَاتِهَا ، وَتَقْضِي مِنْهُ شَهَوَاتِهَا »(2).

أرأيتم هذا الوصف الرائع الدقيق الذي أحاط بكنه هذا المخلوق وبصفاته وخواصه .

النملة

انظروا إلى وصف الإمام للنملة ، وما فيها من عجائب الإبداع وجمال الأسلوب قال (عليه السلام):

« وَلَوْ فَكَّرُوا فِي عِظِيمِ الْقُدْرَةِ ، وَجَسِيمِ النِّعْمَةِ ، لَرَجَعُوا إِلَى


1) يقصد بالمنجلين: رجليها .

2) نهج البلاغة : 85 ، الخطبة 185 .

الطَّرِيقِ ، وَخَافُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ، وَلكِن الْقُلُوبُ عَلِيلَةٌ ، وَالْبَصَائِرُ مَدْخُولَةٌ : أَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى صَغِيرِ مَا خَلَقَ ، كَيْفَ أَحْكَمَ خَلْقَهُ ،

وَأَتْقَنَ تَرْكِيبَهُ ، وَفَلَقَ لَهُ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ ، وَسَوَّى لَهُ الْعَظْمَ وَالْبَشَرَ ! انْظُرُوا إِلَى النَّمْلَةِ فِى صِغَرِ جُنَّتِهَا ، وَلَطَافَةِ هَيْئَتِهَا ، لَا تَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ الْبَصَرِ ، وَلَا بِمُسْتَدْرَكِ الْفِكَرِ، كَيْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا ، وَصُبَّتْ عَلَى رِزْقِهَا ، تَنْقُلُ الْحَبَّةَ إِلَى جُحْرِهَا ؛ وَتُعِدُّهَا فِي مُسْتَقَرَّهَا .

تَجْمَعُ فِي حَرِّهَا لِبَرْدِهَا ، وَفِي وِرْدِهَا لِصَدَرِهَا ؛ مَكْفُولٌ بِرِزْقِهَا ، مَرْزُوقَةٌ بِوفْقِهَا ؛ لَا يُغْفِلُهَا الْمَنَّانُ ، وَلَا يَحْرِمُهَا الدَّيَّانُ ، وَلَوْ فِي الصَّفَا الْيَابِسِ ، وَالْحَجَرِ الْجَامِسِ - أي الجامد ! وَلَوْ فَكَرْتَ فِي مَجَارِي أَكْلِهَا ، فِي عُلْوِهَا وَسُفْلِهَا ، وَمَا فِي الْجَوْفِ مِنْ شَرَاسِيفِ بَطْنِهَا ، وَمَا فِي الرَّأْسِ مِنْ عَيْنِهَا وَأُذُنِهَا ، لَقَضَيْتَ مِنْ خَلْقِهَا عَجَباً ، وَلَقِيتَ مِنْ وَصْفِهَا تَعَباً ! فَتَعَالَى الَّذِي أَقَامَهَا عَلَىٰ قَوَائِمِهَا ، وَبَنَاهَا عَلَى دَعَائِمِهَا ! لَمْ يَشْرَكْهُ فِي فِطْرَتِهَا فَاطِرٌ ، وَلَمْ يُعِنْهُ عَلَىٰ خَلْقِهَا قَادِرٌ.

وَلَوْ ضَرَبْتَ فِي مَذَاهِبٍ فِكْرِكَ لِتَبْلُغَ غَايَاتِهِ ، مَا دَلَّتْكَ الدَّلَالَةُ إِلَّا عَلَى أَنَّ فَاطِرَ النَّمْلَةِ هُوَ فَاطِرُ النَّخْلَةِ ، لِدَقِيقِ تَفْصِيل كُل شَيْءٍ ، وَغَامِضِ اخْتِلَافِ كُلِّ حَيٌّ. وَمَا الْجَلِيلُ وَاللَّطِيفُ ، وَالثَّقِيلُ وَالْخَفِيفُ ، وَالْقَوِيُّ وَالضَّعِيفَ ، فِي خَلْقِهِ إِلَّا سَوَاءٌ »(1).


1) نهج البلاغة : 84 ، الخطبة 185 .

6 - علم الكلام

من العلوم التي وضع أصولها وقواعدها علم الكلام ، ومنه أخذ المتكلمون مناهج بحوثهم .

يقول ابن أبي الحديد : « ومن كلامه اقتبس ، وعنه نقل ، وإليه انتهى ، ومنه ابتدأ ، فإنّ المعتزلة الذين هم أهل التوحيد والعدل وأرباب النظر ، ومنهم تعلّم الناس هذا الفنّ ، تلامذته وأصحابه لأنّ كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم عبدالله بن محمّد بن الحنفية وأبو هاشم تلميذ أبيه ، وأبوه تلميذه(عليه السلام). وأما الأشعرية فإنّهم ينتمون إلى أبي الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري ، وهو تلميذ أبي علي الجبائي ، وأبو علي أحد مشائخ المعتزلة ، فالأشعرية ينتهون بآخره إلى أستاذ المعتزلة ومعلمهم هو عليّ بن أبي طالب(عليه السلام). وأما الإمامية والزيدية فانتماؤهم إليه ظاهر»(1)

ونهج البلاغة طافح بالبحوث الكلامية خصوصاً فيما يتعلق بالتوحيد الذي الأساس لهذا العلم قال(عليه السلام) :

«الْحَمْدُ لِلَّهِ الدَّالُ عَلَى وَجُودِهِ بِخَلْقِهِ ، وَبِمُحْدَثِ خَلْقِهِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ ، وَبِاشْتِبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لَا شَبَهَ لَهُ.

لَا تَسْتَلِمُهُ الْمَشَاعِرُ(2)، وَلَا تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ ، لاِفْتِرَاقِ الصَّاعِ وَالْمَصْنُوع ، وَالْحَادٌ وَالْمَحْدُودِ ، وَالرَّبِّ وَالْمَرْبُوبِ ؛ الْأَحَدِ بِلَا تَأْوِيلِ عَدَدٍ ، وَالْخَالِقِ لَا بِمَعْنى حَرَكَةٍ وَنَصَبٍ(3)، وَالسَّمِيعِ


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 1 : 17 .

2) لا تستلمه المشاعر : لا تصل إليه الحواس .

3) النصب - بالتحريك - : التعب

لَا بِأَدَاةٍ(1)، وَالْبَصِيرِ لَا بِتَفْرِيقِ آلَةٍ (2)، وَالشَّاهِدِ لَا بِمُمَاسَّة ، وَالْبَائِنِ لَا بِتَرَاخِي مَسَافَةٍ (3)، وَالظَّاهِرِ لَا بِرُؤْيَةٍ ، وَالْبَاطِنِ لَا بَلَطَافَةِ .

بَانَ مِنَ الْأَشْيَاءِ بِالْقَهْرِ لَهَا ، وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهَا ، وَبَانَتِ الْأَشْيَاء مِنْهُ بِالْخُضُوعِ لَهُ ، وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ.

مَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ حَدَّهُ (4)، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ ، وَمَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ ، وَمَنْ قَالَ: «كَيْفَ فَقَدِ اسْتَوْصَفَهُ ، وَمَنْ قَالَ: «أَيْنَ» فَقَدْ حَيَّزَهُ .

عَالِمٌ إِذْ لَا مَعْلُومٌ ، وَرَبِّ إِذْ لَا مَرْبُوبٌ ، وَقَادِرٌ إِذْ لَا مَقْدُورٌ »(5)

وهذه اللوحة من كلامه (عليه السلام) صميم البحوث الكلامية التي عرضت إلى صفات الله تعالى الثبوتية والسلبية.

7- علم الطبيعة - الفيزياء

من العلوم التي تستند معرفتها وبرامجها إلى الإمام(عليه السلام) هو علم الطبيعة الفيزياء ، وهذه بعض نظرياته :


1) الأداة : الآلة.

2) تفريق الآلة : فتح الأجفان بعضها عن بعض .

3) البائن : المنفصل عن خلقه .

4) أي من كيفه بكيفيات المحدثين.

5) نهج البلاغة / محمد عبده : 2 : 53 .

قال(عليه السلام) : « وَكُلُّ بَصِيرٍ غَيْرَهُ يَعْمَى عَنْ خَفِيَّ الْأَلْوَانِ وَلَطِيفِ الْأَجْسَامِ»(1).

إن كثيراً من الحيوانات لا ترى الألوان ، بل ترى الصور سوداء أو بيضاء فقط ، أما الإنسان فإنّه يرى الألوان السبعة التي هى ألوان الطيف المرئي ، والتي تنحصر أطول موجاتها بين ( (0/4) مكرون ( البنفسجي ) و( 0/8 ) مكرون ( الأحمر ) .

أمّا الأضواء التي تقع أطوال موجاتها خارج هذا المجال ، فإنّ الإنسان لا يراها ، ومنها الأشعة فوق البنفسجية ، والأشعة تحت الحمراء ، إذن فقدرة الإنسان البصرية محدودة .

أمّا الله تعالى فهو يرى كلّ جسم وكل لون مهما كان نوعه أو لطافته ، وقد وجد بقدرة الله تعالى أنّ النحلة تستطيع أن تميّز بين أنواع الزهور وهي تطير في أعلى السماء(2)

وقال(عليه السلام) :« فِي التَّجارِبِ عِلْمٌ مُسْتأْنَفٌ» ، فهو حقاً واضع الطريقة التجريبية في العلوم الطبيعية ، وهو بذلك يسبق «بيكون » قروناً ، الذي نسب إليه الغربيون وضع الطريقة التجريبية (3).

8-الكهرباء

أشار الإمام(عليه السلام) إلى الكهرباء الذي هو مفتاح التقدّم والتطوّر في حياة الإنسان فقد كان(عليه السلام)جالساً على نهر الفرات وبيده قضيب، فضرب به على صفحة الماء وقال: «لَوْ شِئْتُ لَجَعَلْتُ لَكُمْ مِنَ الماءِ نُوراً وناراً».


1) نهج البلاغة / محمد عبده : 1 : 108.

2) تصنيف نهج البلاغة : 312

3) نظرة الإسلام إلى العلم الحديث : 74 .

وفي قوله(عليه السلام) دلالة إلى ما في الماء من طاقة يمكن أن تولّد النور وهو الكهرباء والنار وهو الطاقة الحرارية ... وأنا نجد في الماء عنصرين : الماء عنصرين هما الهيدروجين والأوكسجين .

الأوّل قابل للاحتراق وإعطاء النور، والثاني يساعد على الاحتراق ويعطي الحرارة .

وأبعد من ذلك فإنّ وجود الماء الثقيل في الماء الطبيعي بنسبة 2 إلى 10000يجعله أفضل مصدر طبيعي للهيدروجين الثقيل الذي نسميه

( الدوتيريوم ) وهذا النظير المشعّ هو حجر الأساس في تركيب القنبلة الهيدروجينية القائمة على اندماج ذرتين من الدوتيريوم لتشكيل الهليوم، علماً بأن الطاقة الناتجة عن هذا الاندماج والتي هي منشأ طاقة الشمس تفوق آلاف المرّات الطاقة الناتجة عن القنبلة الذرية التي تقوم على انشطار اليورانيوم ...

إنّ هذه المعاني الدقيقة والأسرار العميقة تضمّنها قول الإمام(عليه السلام) الذي هو باب مدينة علم النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، وهو القائل :

« بَلِ انْدَمَجْتُ عَلَى مَكْنُونِ عِلْمٍ لَوْ بُحْتُ بهِ لاَضْطَرَبْتُمُ اضْطِرَابَ الْأَرْشِيَةِ فِي الطُّوِيِّ البَعِيدَةِ!»(1).

9 - علم الطبّ

اشارة

وأثرت عن الإمام(عليه السلام) الكثير من الآراء الذهبية في علم الطب تدلّ على استيعابه لهذا العلم، ومعرفته الكاملة بأسراره وهو القائل فيما يحتويه جسم الإنسان من الأجهزة والأنظمة العجيبة :


1) نهج البلاغة / محمد عبده : 1 : 36

أَتَحْسَبُ أَنَّكَ جُرْمٌ صَغِيرٌ*** وَفِيكَ انْطَوَى الْعَالَمُ الْأَكْبَرُ

دَواؤُكَ فِيكَ وَمَا تُبْصِرُ ***وَداؤُكَ مِنْكَ وَمَا تَشْعُرُ

عرض المرحوم الحاج محسن شلاش هذين البيتين على الدكتور جاك عبود طالباً منه تحليلهما على ضوء علم الطب فأجاب بعد المقدمة ما يلي :

«لقد ثبت في الاكتشافات الأخيرة بأنّ المناعة الموجودة في الإنسان طبيعية أو مكتسبة هي الخط الأمامي والاستحكام الدفاعي الذي يصد هجمات العوارض الخارجية عن الإنسان ، مكروبية كانت أو فيزيائية ، حيث آخر ما وصلت إليه النظريات في الطب الوقائي الحديث استثمار هذه المناعة وتقويتها بالطرق الطبيعية أو الفيزيائية ، فإذا دخلت أو نفذت العوارض الخارجية إلى جسم الإنسان وأصبحت داء يتطلب العلاج . فالدواء موجود في جسم الإنسان الذي فيه إمكان تعبئة عامة من جيوش جرّارة مكنونة في الإنسان لمحاربة هذه الآفة العرضية .

ومثال ذلك إذا أصيب الجسم بمرض ( أنتاني )يحدث ارتفاعاً فورياً في حرارة الجسم ( الحمى ) التي ليست هي بمرض ، وإنّما هي ظاهرة من ظواهر القوى المحاربة للدفاع .

وإذا أصيب شخص بذات الرئة مثلاً ولم ترتفع حرارة جسمه من الحمى بالنسبة المطلوبة يتشائم الأطباء من عواقب المرض لقلّة الدفاع أو عدمه ، وفي علم المناعة الطبيعية الموجودة في الإنسان تؤيّد هذا القول تأييداً فنّياً لا مناقشة فيه ، وتقتصر مهمة الطبيب في اتباع طرق المعالجة التي ترشده عليه الطبيعة ، وعليه أن يتبع ذلك الإرشاد .

ويعزو النقص الحاصل بما توصل إليه العلم الحديث عن بصيرة كاستعمال مواد ( السلفا والبنسلين ) التي تشل حركة المكروبات وتضعفها عن النمو والتكاثر فيصبح حينئذ في استطاعة الجسم اكتساحها : « وَداؤُكَ مِنْكَ وَمَا تَشْعُرُ» .

لقد فرضت المشيئة وقوانينها الطبيعية لصيانة الجسم من الخلل من قواه إلى حده المحدود، وهيّأت له أسباباً للبقاء من طرق المعيشة والانتعاش من مواهب الطبيعة في جميع أنحاء المعمورة ، وحسبما يلائم كل محيط منها بحكم الطبيعة التي يجب على الإنسان أن يشعر فيها ويتبعها كما أرشد فيها هذا الكلام ، وأرشد إلى وجود المدارك والحواس التي ترشد الإنسان إلى ما يتطلبه هذا الجسم من تلك المواهب فعليه أن يتطلّع الشعور بها ويتبعها لصيانة الجسم من العلل ؛ لأنّ الطبيعة تجعله يدرك في احتياجه إلى الهواء الطلق وأشعة الشمس والمواد الغذائية الرئيسية بكمياتها وأنواعها التي تؤمن نموّ ذلك الجسم ، والمحافظة على كيانه المطلوب ، ويشعر بحدود ما يتحمله الجسم من الأتعاب وما يتطلبه من الراحة والنوم ، وما هو المفروض من ضرورة التجنّب عن الأغذية المصطنعة من تصرفات الإنسان على خلاف مقتضيات الطبيعة أو الغريبة عن طبيعة ذلك المحيط الذي يعيش فيه ، فإذا قصر عن تطبيق هذه الواجبات أو أسرف فيها جهلاً أو قهراً أو اختياراً فيكون داؤه منه بطبيعة الحال كما جاء في هذا الكلام :

أَتَحْسَبُ أَنَّكَ جُرْمٌ صَغِيرٌ *** وَفِيكَ انْطَوَى الْعالَمُ الْأَكْبَرُ

لست مغالياً إذا قلت : إنّ هذا الكلام ينجر إلى بحوث فلسفية عالية قد يكون معظمها ليس من اختصاص الأطباء ، ولكنني أشرح منها ما أستطيع .

حقّاً إذا تأمل الإنسان في عظمة الكون ، وتبصر في انطواء هذا العالم يحسب نفسه جرماً صغيراً إلا أنه لو تبحر في تركيب جسمه ، ودرس علم التشريح بدقائقه وعلم الفسلجة الحديثة من جميع نواحيه لأخذه الهول من عظمة تكوين هذا الجسم الذي كل عضو من أعضائه كون في بابه يحتوي على ملايين من الحجيرات تقوم بأعمال ذات اختصاص مرتبطة ببعضها بغاية الدقة والإحكام ، وحفظ التوازن والانتظام ومع هذه العظمة في تكوينه فإنّه حقاً جرم صغير غير أنه المكون الصانع

أضاف في طبيعة هذه المنظومة لهذا الجسم كوناً آخر أعظم شأناً هو ( الدماغ ) الذي رفع ذلك الجرم الصغير إلى الجرم الكبير ، وجعل فيه انطواء هذا العالم الأكبر ، ذلك الدماغ الذي لم يكتشف العلم جميع مكنوناته الدقيقة ولم يتوصل إلى الوقوف على كيفية قيامه بمهماته التي من نتيجتها العقل والتعقل ذلك العقل الذي جعل الإنسان متمكناً من التغلب على عظمة هذا الكون ، وممارسة انطواء مقتضيات السيطرة على هذا العالم»(1).

وانتهى حديث الدكتور جاك عبود في تحليل كلام الإمام ، وكان ذلك قبل ثلاثين عاماً ، والآن قد تطوّر الطبّ إلى مرحلة هائلة في العمليات ، وغرس الأعضاء وغيرها.

وقد اكتشف حديثاً أن بعض الأعضاء إذا كان مصاباً بدمل ونحوه فإنّه يعالج بأخذ زرقة من العضو الصحيح ، وتزرق فيه ، وما يدرينا لعلّ الطبّ قد يكتشف أن في بصاق الإنسان وغيره من فضلاته دواء البعض الأمراض ، وبذلك تكون صيدلية كامنة في جسم الإنسان لعلاج بعض أمراضه .

أما الدماغ فهو المخلوق العجيب الذي تجسّدت فيه عظمة الخالق المبدع العظيم، فقد انطوت فيه العوالم وذلك بما فيه من خزائن أسرار وعجائب اكتشف العلم بعضها ، وجهل القسم الأكبر منها .

الوقاية من الامراض

ووضع الإمام منهجاً خاصاً للوقاية من الأمراض والسلامة من العلل قال(عليه السلام):

«لَا تَجْلِسْ عَلَى الطَّعامِ إِلَّا وَأَنْتَ جَائِعٌ ، وَلَا تَقُمْ مِنْهُ إِلَّا وَأَنْتَ


1) اسبوع الإمام اللا : 195 و 196 .

اليه

تَشْتَهِيهِ ، وَجَوِّدِ الْمَضْغَ ، وَاعْرِضْ نَفْسَكَ عَلَى الْخَلَاءِ إِذَا نِمْتَ فَإِذا اسْتَعْمَلْتَ هَذِهِ اسْتَغْنَيْتَ عَن الطِّبِّ»(1)

إنّ الإسراف في الطعام والشراب ، هما من أهم الأسباب التي تؤدّي إلى مرض الإنسان وانهيار صحته ، فإنّه - على الأكثر - يسبب السمنة التي هي من موجبات مرض السكر وارتفاع ضغط الدم ومرض القلب .

وقد وضع الإسلام دستوراً كاملاً للصحة العامة قال تعالى : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا(2).

ومن المؤكد أنّه لو امتنع الإنسان من الإفراط في تناول الطعام وغيره لما احتاج إلى الطب ، وقد أكد الإمام ذلك بقوله :

«يَضُرُّ النَّاسُ أَنْفُسَهُمْ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ : الْإِفْراطُ فِي الْأَكْلِ اتكالاً عَلَى الصَّحَّةِ ، وَتَكَلُّفُ حَمْل مَا لَا يُطاقُ اتَّكالاً عَلَى الْقُوَّةِ وَالتَّفْرِيطُ فِي الْعَمَلِ انّكالاً عَلَى الْقُدْرَةِ».

رضاع الطفل من ثدى أُمّه

وأكد الإمام(عليه السلام)على ضرورة رضاع الطفل من لبن أمه ، قال(عليه السلام) :

« مَا مِنْ لَبَنِ يَرْضَعُ بِهِ الصَّبِيُّ أَعْظَمُ بَرَكَةً عَلَيْهِ مِنْ لَبَنِ أُمِّهِ»(3)

وقد أثبت الطب أنّ رضاع الطفل من لبن أمه يعود عليه بالنفع العميم ، فإنّ اللبن


1) مستدرك نهج البلاغة : 126 .

2) الأعراف 31:7

3) مستدرك نهج البلاغة : 171 . الكافي : 6: 40 ، الحديث 1.

من ثدي معقم ، وفيه من التراكيب ما يتناسب مع سنّ الطفل ، وأما إطعام الطفل بغيره فإنّه يسبب له الكثير من الأمراض .

وقد بحثنا عن ذلك بصورة مفصلة ونافعة في كتابنا( نظام الأسرة في الإسلام )، وبهذا العرض الموجز ننهي الحديث عما أثر عن الإمام(عليه السلام)في علم الطب .

10 - علم الجيولوجيا

من العلوم التي عرض(عليه السلام)لها علم الجيولوجيا وذلك في بعض خطبه وأحاديثه والتي منها :

قَالَ(عليه السلام) : « وَأَنْشَأَ الْأَرْضَ فَأَمْسَكَهَا مِنْ غَيْرِ اشْتِغَالٍ ، وَأَرْسَاهَا عَلَى غَيْرِ قَرَارٍ ، وَأَقَامَهَا بِغَيْرِ قَوَائِمَ ، وَرَفَعَهَا بِغَيْرِ دَعائِمَ»(1).

الأرض كبقية الكواكب قائمة بقدرة الله تعالى وعظيم أمره في الفضاء ، لا تستند إلى قائمة تعتمد عليها ، ومن المضحك الرواية المفتعلة أنّها قائمة على قرن ثور، فإنها قد وضعتها اللجان التي أقامها معاوية لافتعال الحديث .

قال(عليه السلام): « فَطَرَ الخَلائِقَ بِقُدْرَتِهِ ، وَنَشَرَ الرِّيَاحَ بِرَحْمَتِهِ ، وَوَتَدَ بِالصُّحُورِ مَيَدَانَ أَرْضِهِ »(2)

إنّ الجبال التي خلقها الله تعالى والتى هى من عجائب مخلوقاته قد جعلها أوتاداً في الأرض لحفظها من أن تميد بأهلها .

قالَ(عليه السلام): «وَعَدَّلَ حَرَكَاتِها بالرّاسِياتِ مِنْ جَلَامِيدِهَا ، وَذَوَاتِ


1) نهج البلاغة : 2 : 123 .

2) نهج البلاغة : 2 : 7. الاحتجاج : 1 : 295 .

الشَّنَاخِيبِ(1)الشُّمَّ مِنْ صَيَاخِيدِها(2)، فَسَكَنَتْ مِنَ الْمَيَدَانِ(3)» (4).

تحدث(عليه السلام) عن الجبال وأنها هي التي تمسك الأرض أن تميد بأهلها ، وبالاضافة لذلك فإنّ لها أهمية بالغة فإنّها تحافظ على التربة ، وعلى سطح الأرض من الزوال والانتقال ، فإنّ سطح الأرض لو كان خالياً من الجبال لكان عرضة للتغيير المستمر .

11 -علم الفسلفة

اشارة

ومن العلوم التي وضع أصولها وقواعدها ، الفلسفة الإلهيّة ، وهو أوّل من تبحّر فيها وتكلّم وفقاً لطريقة الاستدلال الحرّ والبرهان المنطقي ، وتعرّض لمسائل فلسفية لم يتعرّض لها فلاسفة العالم في وقته ، فاهتم بهذا الشأن اهتماماً بالغاً ، وحتّى في أحلك ساعات الحرب ؛ إذ أنّ اعرابياً قام إليه يوم الجمل فسأله :

يا أمير المؤمنين ، أتقول إن الله واحد .

فحمل الناس عليه وقالوا : يا اعرابي ، أما ترى ما في أمير المؤمنين من تقسم القلب .

فقال أمير المؤمنين(عليه السلام):

«دَعُوهُ فَإِنَّ الَّذِي يُرِيدُهُ الْأَعْرَابِيُّ هُوَ الَّذِي نُرِيدُهُ مِنَ الْقَوْمِ» .

ثمّ قال :

إِنَّ الْقَوْلَ فِي أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسامٍ:


1) الشناخيب : القمم .

2) الصياخيد: وهى الصخور الشديدة .

3) الميدان : الاضطراب .

4) المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة : 35 .

فَوَجْهانِ لَا يَجُوزانِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَوَجْهَانِ يَثْبُتانِ فِيهِ . فَأَمَّا اللَّذَانِ لَا يَجُوزان عَلَيْهِ :

فَقَوْلُ الْقائِل وَاحِدٌ يَقْصُدُ به بابَ الْأَعْدادِ ، فَهذا لَا يَجُوزُ لِأَنَّ مَا لَا ثانِيَ لَهُ لَا يَدْخُلُ فِى بابِ الْأَعْدادِ ، أَما تَرى أَنَّهُ كَفَرَ مَنْ قالَ إِنَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ .

وَقَوْلُ الْقائِل هُوَ واحِدٌ مِنَ النَّاسِ ، يُرِيدُ بِهِ النَّوْعَ مِنَ الْجِنْسِ ، فَهذا مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ تَشْبِيةٌ وَجَلَّ رَبُّنَا عَنْ ذَلِكَ وَتَعَالَى . وَأَمَا الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ يَثْبُتانِ فِيهِ :

فَقَوْلُ الْقائِلِ هُوَ وَاحِدٌ لِيْسَ لَهُ فِي الْأَشْيَاءِ شِبْةٌ ، كَذَلِكَ رَبُّنَا . وَقَوْلُ الْقائِلِ إِنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَحَدِيُّ الْمَعْنى، يَعْنِي بِهِ أَنَّهُ لَا يَنْقَسِمُ فِي وُجُودٍ وَلَا عَقْلٍ وَلَا وَهْمٍ ، كَذلِكَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ»(1)

حرمة تعلم السحر

حرّم الإمام علم السحر لأنه يؤدّي إلى شيوع الضلال بين الناس ، ويدعو إلى التأخر والانحطاط ، فقد أثر عنه أنه قال : « السَّاحِرُ كَالْكَافِرِ وَالْكَافِرُ فِي النَّارِ».

إن الإسلام يدعو إلى التطوّر والتقدّم في ميادين العلوم ، والسحر يقف حائلاً دون تطوّر الحياة فلذا حرمه الإمام .


1) بحار الأنوار: 2 : 65 الخصال : 2 .

حرمة تعلّم التنجيم

أمّا علم النجوم فإن كان المراد من تعلّمه معرفة الأنواء الجوية فلا إشكال في جوازه ، وإن كان المراد منه ربط الأحداث بالنجوم ، وأنّها علة مؤثرة في تكوين الأمور فهذا من الكفر ، وقد نهى الإمام(عليه السلام)عنه . فقد انبرى إليه منجم لما أراد السير إلى حرب الخوارج فقال له : إن سرت يا أمير المؤمنين في هذا الوقت خشيت أن لا تظفر بمرادك ، فقال(عليه السلام) له :

« أَتَزْعُمُ أَنَّكَ تَهْدِي إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا صُرِفَ عَنْهُ السُّوءُ؟ وَتُخَوِّفُ مِنَ السَّاعَةِ الَّتى مَنْ سَارَ فِيهَا حَاقَ بِهِ الضُّرُّ؟ فَمَنْ صَدَّقَكَ بِهَذَا فَقَدْ كَذَّبَ الْقُرْآنَ ، وَاسْتَغْنَى عَنِ الْإِسْتِعَانَةِ بِاللهِ فِي نَيْلِ الْمَحْبُوبِ وَدَفْعِ الْمَكْرُوهِ».

ثم أقبل على الناس وقال :

«أَيُّهَا النَّاسُ ، إِيَّاكُمْ وَتَعَلَّمَ النُّجُومِ ، إِلَّا مَا يُهْتَدَى بِهِ في بَرَّ أَوْ بَحْرِ، فَإِنَّهَا تَدْعُو إِلَى الْكَهَانَةِ ، وَالمُنَجِّمُ كَالْكَاهِنِ ، وَالْكَاهِنُ كَالسَّاحِرِ ، وَالسَّاحِرُ كَالْكَافِرِ، وَالْكَافِرُ فِي النَّارِ»(1).


1) المكاسب المحرمة : 2 : 279 - باب التنجيم . الاحتجاج : 1 : 357. بحار الأنوار: 33: 362

الملاحم والمغيّبات التّی اخبر عنها الأَمَامُ

اشارة

أما الإخبار بالمغيبات والملاحم التي تحققت بعد ذلك على مسرح ذلك على مسرح الحياة فإنّها من مختصات الأنبياء وأوصيائهم ؛ لأنها تكون شاهد صدق على نبوّتهم ، وآية واضحة على رسالتهم ، وقد أخبر الرسول الأعظم(صلی الله علیه وآله وسلم)عن كثير من الأمور التي ستتحقّق من بعده ، وفعلاً قد تحقّقت ، وكان من بين ما أخبر به ما يلي :

1-إنّه أخبر يوم الخندق بفتح الشام وفارس واليمن، وتحقق جميع ذلك في حياته وبعد وفاته ، فقد رف لواء الإسلام على هذه المناطق ، وارتفعت فيها كلمة التوحيد ، وأقبرت الأفكار الجاهلية وعاداتها .

2 - أحاط وصيه وباب مدينة علمه الإمام(عليه السلام)علماً بشهادته ، أنه يقتله شبيه عاقر ناقة صالح ، ولم تمض السنون حتى عمّمه المجرم الأثيم ابن ملجم بالسيف ، وهو ماثل بين يدي الله تعالى، وذكره سبحانه بین شفتيه.

3 - أخبر سيدة نساء العالمين بضعته فاطمة الزهراء(عليها السلام)أنها أوّل أهل بيته لحوقاً به ، ولم تمض إلا أيام حتى التحقت به .

4 - أخبر المسلمين بشهادة ولده وريحانته الإمام الحسين على صعيد كربلاء ، وفعلاً فقد استشهد أبو الأحرار في كربلاء بأيدي الطغمة الحاكمة من بني أمية .

5-أخبر نساءه بأن إحداهنّ تكون صاحبة الجمل الأدبب ، وتنبحها كلاب الحوأب ، يقتل عن يمينها ويسارها قتلى كثيرة ، وفعلاً فقد خرجت عائشة على

وصي رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وأخيه ونفسه ، مطالبة بدم عثمان الذي أفتت بكفره ومروقه من الدين، وقد نبحتها كلاب الحوأب في طريقها لاحتلال البصرة ، كما قتل من معسكرها ومعسكر الإمام خلق كثير .

6- أعلم النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)الصحابي العظيم الطيب ابن الطيب عمار بن ياسر عن شهادته على أيدي الفئة الباغية، وأنّ آخر شرابه من الدنيا ضياح من لبن ، وفعلاً فقد استشهد هذا العملاق بأيدي الفئة الباغية من جند معاوية ، وكان آخر شرابه من الدنيا ضياح من لبن سقته إحدى السيدات في جيش الإمام(عليه السلام).

7- إنّه أسرّ إلى أهل بيته أنّهم المستضعفون من بعده ، وقد جرى عليهم الظلم والاعتداء من بني أمية وبني العباس ، وتجرّعوا من الغصص والنكبات ما لا نظير لها في فضاعتها ومرارتها ، فكانوا حقاً من المستضعفين ومن المعذبين في الأرض .

وكثير من أمثال هذه الأحداث أخبر عنها الصادق الأمين ، وقد جرت كلّها كما أخبر(صلی الله علیه وآله وسلم)، وقد أدلى بكثير من الأحداث الجسام التي قالها إلى وصيّه وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام).

وقبل التحدّث عن الملاحم والأحداث التي أخبر عنها قبل وقوعها نتعرّض إلى ما أثر عنه من سعة علومه ، وإحاطته الكاملة بما سيجري في الدنيا ، ولنستمع إلى ذلك :

1 - إنّه لمّا بايعه الناس بالخلافة خرج إلى الجامع النبوي معتماً بعمامة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، و لابساً ، بردته ، منتعلاً بنعله ، متقلّداً سيفه ، فارتقى المنبر وشبك بين أصابعه فوضعها في أسفل بطنه ثمّ قال :

«يا مَعْشَرَ النَّاسِ ، سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي ، هذا سَفَط الْعِلْمِ ، هذا لعابُ رَسُولِ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم)، هذا مَا زَقَنِي رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم)

زَقّاً زَقّاً .

سَلُونِي فَإِنَّ عِنْدِي عِلْمَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ .

أَمَا وَاللَّهِ لَوْ تُنِيَتْ لِيَ الْوَسَادَةُ فَجَلَسْتُ عَلَيْهَا لَأَنْتَيْتُ أَهْلَ التَّوْرَاةِ بِتَوْراتِهِمْ حَتَّى تَنْطِقَ التَّوْراةُ فَتَقُولَ : صَدَقَ عَلِي مَا كَذَبَ ، لَقَدْ أَفْتاكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فِيَّ .

وَأَفْتَيْتُ أَهْلَ الْإِنْجِيلِ بِإِنْجِيلِهِمْ حَتَّى يَنْطِقَ الْإِنْجِيلُ فَيَقُولَ: صَدَقَ عَلِيٌّ مَا كَذَبَ ، لَقَدْ أَفْتَاكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيَّ .

وَأَفْتَيْتُ أَهْلَ الْقُرْآنِ بِقُرْآنِهِمْ حَتَّىٰ يَنْطِقَ الْقُرْآنَ فَيَقُولَ : صَدَقَ عَلِيٌّ مَا كَذَبَ ، لَقَدْ أَفْتَاكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فِي ، وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْقُرْآنَ لَيْلاً وَنَهاراً ، فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ يَعْلَمُ بِمَا أُنْزِلَ فِيهِ ؟

وَلَوْلَا آيَةٌ فِي كِتابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لَأَخْبَرْتُكُمْ بِمَا كَانَ ، وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُنْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ (1).

ثُمَّ قَالَ : سَلُونِى قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي ، فَوَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ لَوْ سَأَلْتُمُونِي عَنْ آيَةٍ آيَةٍ فِي لَيْلِ انْزِلَتْ أَوْ فِي نَهَارٍ ، مَكَيها وَمَدَنيها ، سَفَريها وَحَضَربها ، ناسِخها وَمَنْسُوخها ، وَمُحْكَمِها وَمُتَشَابِهِها ، وَتَأْوِيلِها وَتَنْزِيلِها لَأَخْبَرْتُكُمْ ... (2).


1) الرعد 13: 39

2) بحار الأنوار: 10 : 117 و 118 ، وقريب منه في فرائد السمطين. مناقب الخوارزمي : 91ينابيع المودة : 2 : 338

أرأيتم سعة معارفه وعلومه وما يحمله من كنوز قد حوت أسرار الكون ، ومن المؤسف أنّ هذا العملاق العظيم يقرن بأعضاء الشورى الذين لا يفقهون بعض ما يفقهه الإمام .

2 -روى الأصبغ بن نباتة قال : « خطبنا أمير المؤمنين(عليه السلام) على منبر الكوفة ، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال :

أَيُّها النَّاسُ ، سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي ، فَإِنَّ بَيْنَ جَوانِحِي عِلْماً جماً»(1).

3-قال(عليه السلام)

«فَاسْأَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ السَّاعَةِ ، وَلَا عَنْ فِئَةٍ تَهْدِي مِئَةٌ وَتُضِلُّ مِئَةٌ إِلَّا أَنْبَأْتُكُمْ بِنَاعِقِهَا وَقَائِدِهَا وَسَائِقِهَا »(2).

4 - قال(عليه السلام)وهو على منبر الكوفة :

«سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي ، فَأَنا لَا أَسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ دُونَ الْعَرْشِ إِلَّا أَجَبْتُ عَنْهُ ، لَا يَقُولُها بَعْدِي إِلَّا مُدَّعِ أَوْ كَذَّابٌ »(3).

5 - قال(عليه السلام):

«أَيُّهَا النَّاسُ ، سَلُوني قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي ، فَلَانَا بِطُرُقِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ


1) بحار الأنوار: 10 : 121 . ينابيع المودة : 1 : 224 .

2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 2 : 286 . بحار الأنوار: 10 : 126 . ينابيع المودة : 193:2

3) بحار الأنوار: 10 : 128 . تاريخ مدينة دمشق : 3: 143 .

مِنِّي بِطُرُقِ الْأَرْضِ»(1)

ومن المؤكد أنّه لم يتفوّه أحد من الصحابة وغيرهم بمثل هذا الكلام كما يقول ابن عبد البر(2).

وعلى أي حال فقد وهب الله هذا الإمام العظيم من العلوم والمعارف والحكمة ما لا يحصى ،كما أحاطه علماً بما سيجري في الكون من أحداث ، وقد أخبر عن بعضها ، وتحققت على مسرح الحياة ، وقد اصطلح العلماء على تسمية ما أخبر به من الأحداث بالملاحم ، كان منها ما يلي:


1) الاستيعاب : 3 39 ينابيع المودة : 1 : 208 .

2) الرياض النضرة : 198 . الصواعق المحرقة : 76 المناقب الخوارزمي : 91. فضائل الصحابة /ابن حنبل : 2 : 646 .

إخباره(عليه السلام) بقتل الحسن(عليه السلام)

عندما اغتال ابن ملجم الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) فغشي عليه في حجر ولده الحسن(عليه السلام) فأخذ يبكي على أبيه مهما ساعدته الجفون ، فسقطت قطرات من دموعه على وجه الإمام فأفاق ، فلما رآه قال له مهدّئاً روعه :

« يا بُنَيَّ ، مَا هَذَا الْبُكاءُ ؟ لَا خَوْفٌ وَلَا جَزَعٌ عَلى أَبِيكَ بَعْدَ الْيَوْمِ . يا بُنَيَّ ، لَا تَبْكِ ، فَأَنْتَ تُقْتَلُ بِالسُّم ...»(1).


1) بحار الأنوار: 42: 281 .

إخباره(عليه السلام)بقتل الحسين(عليه السلام)

استشفّ الإمام(عليه السلام)من وراء الغيب ما يجري على ولده ريحانة رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) الإمام الحسين(عليه السلام)من القتل والتنكيل ، فأشاع ذلك بين الناس ، كما أخبر بذلك رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)من قبل ، وقد أدلى الإمام(عليه السلام) بذلك في كثير من المناسبات وهذه بعضها :

1 - روى عبدالله بن نجي عن أبيه : « أنّه سافر مع الإمام(عليه السلام) إلى صفين ، وكان صاحب مطهرته ، فلما حاذى نينوى ، تألم الإمام وفزع أشدّ ما يكون الفزع ، ورفع صوته بأسى وحزن قائلاً:

صَبْراً أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، صَبْراً بِشَطُ الْفُراتِ ، وبهر نجي وانبرى قائلاً: من ذا أبو عبد الله ؟ فأجابه الإمام بنبرات تقطر حزناً قائلاً:

دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم)ذَاتَ يَوْمٍ وَعَيْنَاهُ تَفِيضَانِ ، فَقُلْتُ : يا نَبِيَّ اللَّهِ ، هَلْ أَغْضَبَكَ أَحَدٌ ؟ مَا شَأْنُ عَيْنَيْكَ تَفِيضَانِ ؟

قالَ: قَامَ مِنْ عِنْدِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ أُمَّتِي تَقْتُلُ الْحُسَيْنَ ابني .

ثُمَّ قَالَ : هَلْ لَكَ أَنْ أُرِيكَ مِنْ تُرْبَتِهِ ؟

قُلْتُ : نَعَمْ

فَمَدَّ يَدَهُ ، فَقَبَضَ فَلَمَّا رَأَيْتُهَا لَمْ أَمْلِكُ عَيْنَيَّ أَنْ فَاضَنَا »(1).

روى هرثمة بن سليم ، قال : « غزونا مع عليّ بن أبي طالب غزوة صفّين ، فلمّا نزلنا بكربلاء صلى بنا صلاة ، فلمّا سلّم رفع إليه من تربتها شيئاً فشمّها .

ثم قال : واها لَكِ أَيَّتُهَا التَّرْبَةَ ، لَيُحْشَرَنَّ مِنْكِ قَوْمٌ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ .

وعجب هرثمة من حديث الإمام ، ولم يكن من الذاهبين إلى إمامته ، فلما رجع من صفين حدّث زوجته جرداء بنت سمير بما سمعه من الإمام ، وكانت شيعة له فقالت له : دعنا منك أيها الرجل فإنّ أمير المؤمنين لم يقل إلا حقّاً .

ولم تمض الأيام حتى بعث المجرم ابن زياد بجيوشه إلى كربلاء لحرب ريحانة رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، وكان هرثمة من جملة الخارجين لحربه ، فلما انتهى إلى كربلاء ورأى الحسين وأصحابه تذكر قول الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) فكره حربه ، وأقبل إلى الإمام الحسين(عليه السلام) فأخبره بما سمعه من أبيه فقال له الإمام : مَعَنا أَنْتَ أَمْ عَلَيْنا ؟

-لا معك ولا عليك ، تركت أهلي وولدي ، وأخاف عليهم من ابن زياد ..

فنصحه الإمام قائلاً: وَل هارباً حَتَّى لَا تَرى لَنَا مَقْتَلاً ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَرى مَقْتَلَنَا الْيَوْمَ أَحَدٌ وَلَا يُغِيتُنا إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ النَّارَ .

وانهزم هرثمة وولّى هارباً ، ولم يشترك في حرب الإمام الحسين» (2).

3 - روى أبو جحيفة ، قال : «جاء عروة البارقي إلى سعيد بن وهب ، وأنا أسمع ، فقال : حديث حدثتنيه عن عليّ بن أبي طالب ، قال : نعم ، بعثني مخنف بن سليم إلى عليّ فأتيته بكربلاء فوجدته يشير بيده ، ويقول : هاهنا ، هاهنا.


1) تاريخ مدينة دمشق : 13 : 57 و 58 . المعجم الكبير / الطبراني ، رواه في ترجمته الإمام الحسين(عليه السلام): 3: 105 و 106.

2) وقعة صفين : 157 . نهج البلاغة : 3 : 170. شرح نهج البلاغة : 3 : 169 و 170 .

فبادر إليه رجل فقال له : ما ذاك يا أمير المؤمنين ؟

فقال (عليه السلام): ثَقَلُ آلِ مُحَمَّدٍ يَنزِلُ هاهنا ، فَوَيْلٌ لَهُمْ مِنْكُمْ، وَوَيْلٌ لَكُمْ مِنْهُمْ .

وانبرى الرجل قائلاً: ما معنى هذا الكلام يا أمير المؤمنين ؟

فأجابه الإمام : وَيْلٌ لَهُمْ مِنْكُمْ تَقْتُلُونَهُمْ، وَوَيْلٌ لَكُمْ مِنْهُمْ يُدْخِلُكُمُ اللهُ بِقَتْلِهِمُ النَّارَة(1).

4 - روى الحسن بن كثير عن أبيه : « أنّ عليّاً أتى كربلاء فوقف بها ، فقيل له : يا أمير المؤمنين ، هذه كربلاء .

فأجابه الإمام بأذى وأسى قائلاً : ذاتُ كَرْبٍ وَبَلَاءٍ .

ثمّ أومأ بيده إلى موضع منها ، فقال : هاهنا مَوْضِعُ رِحالِهِمْ - أي خيمهم-.

وأشار بيده إلى مكان آخر منها فقال : هاهنا مُهْراقُ دِمانِهِمْ»(2).

5 - روى أبو خيرة ، قال : « صحبت عليّاً حتى أتى الكوفة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : كَيْفَ أَنتُمْ إِذا نَزَلَ بِذُرِّيَّةِ نَبِيِّكُمُ الْبَلَاءَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ؟

فأجابوه : إذا نبلى الله فيهم بلاء حسناً .

وردّ عليهم الإمام مفنّداً لمزاعمهم قائلاً: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَنْزِلَنَّ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ وَلَتَخْرُجُنَّ إِلَيْهِمْ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ.

ثمّ قال :

هُمْ أَوْرَدُوهُ بِالْغَرُورٍ وَعَرُدُوا ***أجيبوا دُعاهُ لَا نَجَاةَ وَلَا عُذرا » (3)


1) وقعة صفّين : 141. شرح نهج البلاغة : 3 : 171

2) نهج البلاغة : 3 : 169 . وقعة صفين: 158 .

3) مجمع الزوائد : 9: 191 . المعجم الكبير : 3 : 110 ، الرقم 2823 .

لقد رفع الكوفيون آلاف الرسائل إلى سيّد الأباة وزعيم الأحرار الإمام الحسين(عليه السلام) لينقذهم من جور الأمويين وظلمهم فاستجاب لهم ، فلمّا حلّ في ديارهم اجتمعوا عليه فقتلوه مع السادة العلويين من أبنائه واخوانه وأبناء عمومته ، ومعهم النخبة الصالحة من أشراف الدنيا من أصحابه ، ومثلوا شرّ تمثيل بأجسامهم الطاهرة ، ورفعوا رؤوسهم على الرماح هدية لابن مرجانة وسيده يزيد . فكانت مأساة مروّعة لم يشهد لها مثيل في تأريخ البشرية .

6 -روى أبو هريمة ، قال : كنت مع عليّ بنهر كربلاء ، فمرّ بشجرة تحتها بعر غزلان فأخذ من التراب قبضة فشمّها ، ثمّ قال : يُحْشَرُ مِنْ هذَا الظَّهْر سَبْعُونَ أَلفاً يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ »(1).

7- روى الطبراني بسنده : « أنّ الإمام علي(عليه السلام) قال : لَيُفْتَلَنَّ الْحُسَيْنُ ، وَإِنِّي لأعْرِفُ التُّرْبَةَ الَّتِي يُقْتَلُ فِيها بَيْنَ النَّهْرَيْنِ (2).

8- روی ثابت عن سويد بن غفلة : « أنّ الإمام(عليه السلام)خطب ذات يوم فقام رجل من تحت منبره فقال له : يا أمير المؤمنين ، إنّي مررت بوادي القرى فوجدت خالد بن عرفطة قد مات ، فأستغفر له ؟

فردّ عليه الإمام :« مَه إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ ، وَلَا يَمُوتُ حَتَّى يَقُودَ جَيْشَ ضَلَالَةٍ ، صَاحِبُ لِوائِهِ حَبِيبُ بْنُ حَمَازِ .

فقام إليه رجل وقال : يا أمير المؤمنين، أنا حبيب بن حمّاز ، وإِنِّي لك شيعة !

وكرّر الإمام قوله : أَنْتَ حَبِيبٌ فيجيب : نعم .


1) مجمع الزوائد : 9 : 191 . المعجم الكبير : 3 : 111 ، الرقم 2825

2) مجمع الزوائد :9: 190 . المعجم الكبير : 3 : 117 ، الرقم 2824 .

فقال(عليه السلام): إِيْ وَاللهِ إِنَّكَ لَحامِلُها ، وَلَتَحْمِلَنَّهَا، وَلَتَدْخُلَنَّ مِنْ هَذَا الْبَابَ ، وأشار إلى باب الفيل ، وهو أحد أبواب مسجد الكوفة .

قال ثابت: والله ما مات حتى رأيت ابن زياد قد بعث عمر بن سعد إلى قتال الحسين ، وجعل خالد بن عرفطة على مقدّمة الجيش ، وحبيب بن حمّاز صاحب رايته ، فدخل بها من باب الفيل»(1).

9 - روى عبد السمين :« أنّ أمير المؤمنين الا كان يخطب فقال : «سَلُونِي قَبْلَ تَفْقِدُونِي أَنْ ، فَوَاللَّهِ مَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ مَضى ، وَلَا شَيْءٍ يَكُونُ إِلَّا أَنبَأْتُكُمْ به».

قال : فقام إليه سعد بن أبي وقاص وقال : يا أمير المؤمنين ، أخبرني كم في رأسي ولحيتي من شعرة ؟

فقال : وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ مَسْأَلَةٍ حَدَّثَنِي خَلِيلِى رَسُولُ اللهِ(صلی الله علیه وآله وسلم)أَنَّكَ سَتَسْأَلُنِي عَنْها وَمَا فِي رَأْسِكَ وَلِحْيَتِكَ مِنْ شَعْرَةٍ إِلَّا وَفِي أَصْلِها شَيْطَانٌ جَالِسٌ ، وَإِنَّ فِي بَيْتِكَ لَسَخْلاً يَقْتُلُ الْحُسَيْنَ ابْني .... وعمر يومئذ يدرج بين يدي أبيه »(2).

10 - خطب الإمام الا فكان من بنود خطابه : « سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي ، فَوَاللَّهِ لَا تَسْأَلُونِي عَنْ فِئَةٍ تُضِلُّ مِائَةٌ ، أَوْ تَهْدِي مَانَةٌ إِلَّا أَنْبَأْتُكُمْ بِناعِقِهَا وَسَائِقِهَا، وَلَوْ شِئْتُ لأَخْبَرْتُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ بِمَخْرَجِهِ وَمَدْخَلِهِ وَجَمِيعِ شَأْنِهِ.

فانبرى له الوغد الخبيث تميم بن أسامة ، فقال له ساخراً : كم في رأسي طاقة شعر ؟

فرمقه الإمام بطرفه وقال له : أما واللهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ أَيْنَ بُرْهَانُهُ


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 2 : 286

2) کامل الزيارات : 74 .

لَوْ أَخْبَرْتُكَ بِهِ ، وَلَقَدْ أَخْبَرْتُكَ بِقِيامِكَ، وَمَقالِكَ ، وَقِيلَ لِي : إِنَّ عَلَى كُلِّ شَعْرَةٍ مِنْ شَعْرِ رَأْسِكَ مَلَكاً يَلْعَنُكَ ، وَشَيْطَانَاً يَسْتَفِزُكَ، وَآيَةً ذلِكَ أَنَّ فِي بَيْتِكَ لَسَخْلاً يَقْتُلُ ابْنَ رَسُولِ اللهِ ، وَيَحُضُّ عَلى قَتْلِهِ.

قال ابن أبي الحديد : «كان الأمر بموجب ما أخبر به ، كان ابنه حصين وهو ابن تميم - يومئذ طفلاً صغيراً يرضع اللبن ، ثمّ عاش إلى أن صار على شُرطة عبیدالله بن زياد، وأخرجه عبيد الله إلى عمر بن سعد يأمره بمناجزة الحسين(عليه السلام) ويتوعده على لسانه إن أرجأ ذلك ، فبلغ ابن سعد بذلك ، فقيل(عليه السلام) صبيحة اليوم الذي ورد فيه الحصين بالرسالة في ليلته »(1).

11 - قال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) للبراء بن عازب : يا بَراءُ، يُقْتَلُ ابْنِي الْحُسَيْنُ وَأَنْتَ حَيٌّ لَا تَنْصُرُهُ؟

فقال البراء : لا كان ذلك يا أمير المؤمنين .

ولم تمض الأيام حتى استشهد سيد شباب أهل الجنة بتلك القتلة المروعة التي أذابت القلوب ، وكان البراء حيّاً ، فتذكر مقالة الإمام ، وندم كأشدّ ما يكونن الندم ، وقال : أعظم بها حسرة إذ لم أشهده وأقتل دونه(2).

12 - قال الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام):« كَأَنِّي بِالقُصُورِ قَدْ شُيَّدَتْ حَوْلَ قَبْرِ الْحُسَيْنِ، وَكَأَنَّي بِالْأَسْواقِ قَدْ حَفَّتْ حَوْلَ قَبْرِهِ، وَلَا تَذْهَبُ الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي حَتَّى يُسَارَ إِلَيْهِ مِنَ الْآفاقِ ، وَذَلِكَ بَعْدَ انْقِطَاعِ بَنِي مَرْوانَ »(3).


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 10 : 14 . بحار الأنوار: 40: 192.

2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 10 : 11 - الإرشاد : 1 : 331. بحار الأنوار: 40 : 192.

3) مسند الإمام زيد : 47. عيون أخبار الرضا(عليه السلام): 1: 53 . بحار الأنوار: 41 : 287 ، وفيهما : «كاني بالمحامل تخرج من الكوفة إلى قبر الحسين(عليه السلام)» .

وتحقق ما أخبر به الإمام(عليه السلام)، فقد استشهد الإمام أبو الأحرار بأيدي العصابة الأموية المجرمة ، وقد جهدوا على طمس قبر الإمام

(عليه السلام) وإخماد ذكره ، ولما انقرضت دولتهم وتمزّقت أشلاؤهم ظهر مرقد سيّد الشهداء(عليه السلام)كأعزّ مرقد في دنيا الإسلام ، تهفو إليه القلوب ، وتشدّ إليه الرحال من كل فج عميق ، فالسعيد الذي يحظى بزيارته ، ويلثم أعتاب مرقده وضريحه .

لقد أصبح مرقد أبي الأحرار رمزاً للكرامة الإنسانية ومناراً مشرقاً لكلّ تضحية تقوم على الشرف والكرامة ، سلام الله عليك يا أبا عبدالله وعلى أبنائك وأصحابك .

إخباره(عليه السلام) بعدد الجيش الذي جاء لنجدته

ولما أرسل الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) إلى الكوفة ليستنفر أهلها ، ويستعين بهم في حرب الجمل ، قال(عليه السلام) لابن عباس :

« هذَا الْيَوْمَ وَمَعَهُ عَشْرَةُ آلَافِ فَارِسِ سَوْفَ يَأْتِي وَلَدِي الْحَسَنُ وَراجِلٍ ، وَلَا يَنْقُصُ واحِدٌ وَلَا يَزِيدُ واحِدٌ » .

قال ابن عباس : فلما وصل الحسن بالجند لم تكن لي همة إلا مسألة الكاتب عن عدد الجند فسألته عن ذلك فقال : عشرة آلاف فارس وراجل لا ينقص واحد ولا يزيد واحد ، فعلمت أنّ ذلك العلم من الأبواب التي علمه بها رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)(1).


1) بحار الأنوار: 41 : 328.

إخباره(عليه السلام) بشهادة كوكبة من أصحابه

اشارة

واستشف وصي رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)ومستودع أسراره من وراء الغيب ما يجري على خُلّص أصحابه الذين غذاهم بمواهبه وحكمته من القتل والتنكيل والاعدام من بعده على يد الطغمة الحاكمة الأموية.

وهؤلاء بعض الشهداء من أصحابه الذين استبيحت دماؤهم لا لذنب اقترفوه

وإنّما لولائهم للإمام رمز العدالة الإنسانية ، وهم :

1 - عمرو بن الحمق(رضی الله عنه)

وهو من أعلام الإسلام ، ومن ألمع شهداء الفضيلة ، استباح الطاغية الفاجر ابن هند دمه ؛ لأنه من خلص أصحاب الإمام ، وأمر أن يطاف برأسه من العراق إلى الشام ... وقد أحاط الإمام(عليه السلام) عمراً بذلك في حديثه التالي فقد قال له : أَيْنَ نَزَلْتَ یا عَمْرُو ؟

في قومي .

لَا تَنزَلَنَّ فِيهِمْ .

وقد نهاه عن النزول والاستيطان في قومه لأنّهم لا يحموه إن نزلت به كارثة ، وقد أمره الإمام بالنزول في بني عمرو بن عامر من الأزد لأنّهم لا يسلموه عند الشدّة .

ثمّ التفت إليه بألم وحزن قائلاً:

إِنَّكَ لَمَقْتُولٌ بَعْدِي ، وَإِنَّ رَأْسَكَ لَمَنْقُولٌ ، وَهُوَ أَوَّلُ رَأْسِ يُنْقَلُ فِي الْإِسْلَامِ ، وَالْوَيْلُ لِقَاتِلِكَ

أَمَا إِنَّكَ لَا تَنْزِلُ بِقَوْمٍ إِلَّا أَسْلَمُوكَ بِرُمَّتِكَ إِلَّا هَذَا الْحَيَّ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ فَإِنَّهُمْ لَنْ يُسْلِمُوكَ وَلَنْ يَخْذُلُوكَ .

ولمّا أفلت دولة العدل والحق وآل الحكم إلى ابن هند أوعز إلى شرطته وعملائه بإلقاء القبض عليه ، ولما علم عمر و بذلك استولى عليه الذعر والخوف ، فنزل في قومه من بني خزاعة ، فسلّموه إلى الشرطة، ونفّذ فيه الإعدام، وحملوا رأسه هدية إلى معاوية بالشام ، وطيف به في البلدان(1).

فكان أوّل رأس طيف به في الإسلام ، وهو يحمل مشعل النور والكرامة ويهدي الناس للتي هي أقوم .

وأمر الطاغية بحمل الرأس الشريف إلى زوجته آمنة بنت الشريد ، وكانت في سجونه ، وألقت الشرطة رأس زوجها في حجرها فذعرت وانهارت قواها وأخذت دموعها تتبلور على سحنات وجهها قائلة : واحزناه لصغر في دار هوان ، وضيق من ضيمة سلطان ، نفيتموه عنّي طويلاً، وأهديتموه إلى قتيلاً، فأهلاً وسهلاً بمن كنت له غير قالية ، وأنا له اليوم غير ناسية ... والتفتت إلى الحرسي بشجاعة قائلة :

ارجع به أيها الرسول إلى معاوية فقل له ولا تطوه دونه ، أيتم الله ولدك ، وأوحش منك أهلك ولا غفر لك ذنبك .... وبادر الشرطي إلى معاوية فأخبره بمقالتها فغضب وورم أنفه ، وأمر بإحضارها في بلاطه ، فأحضرتها جلاوزته فبادرها قائلاً:

أنتِ يا عدوّة الله صاحبة الكلام الذي بلغني ؟


1) الاستيعاب : 2 : 521 . بحار الأنوار: 34 300 .

فأجابته بشجاعة وصلابة غير حافلة بسلطانه قائلة : نعم غير نازعة عنه ، ولا معتذرة منه ، ولا منكرة له ، فلعمري لقد اجتهدت في الدعاء ، إن نفع الاجتهاد وإن الحق لمن وراء العباد ، وما بلغت شيئاً من جزائك ، وإنّ الله بالنقمة لمن ورائك . والتفت أحد خدمة السلطة إلى معاوية قائلاً: أقتل هذه يا أمير المؤمنين ، فوالله ما كان زوجها أحق بالقتل منها .

فسخرت منه وقالت ببطولة نادرة : تباً لك ، ويلك بين لحييك كجثمان الضفدع ، ثمّ أنت تدعوه إلى قتلي كما قتل زوجى بالأمس ... إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض ، وما تريد أن تكون من المصلحين .

وبهر معاوية وقال لها : الله درّك اخرجي ، ثمّ لا أسمع بك في شيء من الشام .

لقد خاف من بقائها في الشام لئلا تبت الوعي السياسي بين الشاميين فقد جهد معاوية على إبقائهم على غفلتهم وجهلهم .

وخرجت المرأة من الشام بعد أن أفحمت معاوية بمنطقها الفياض(1).

2 - ميثم التمار(رضی الله عنه)

أما ميثم التمار فهو من خيار أصحاب الإمام ، وقد ملئ إيماناً وصدقاً وإخلاصاً للإمام(عليه السلام)، وقد عهد إليه الإمام بالكثير من علومه ، وأطلعه على بعض الأمور الغيبية ، وكان ميثم يتحدّث عنها ، فأنكرها قوم من الكوفيين ، ونسبوه إلى المخرقة(2).

كان ميثم عبداً لامرأة من بني أسد اشتراه الإمام منها وأعتقه ، وقال له : مَا اسْمُكَ؟

سالم .


1) حياة الإمام الحسن بن على(عليه السلام): 2 : 378 - 382 .

2) المخرقة : وهم الذين يفتعلون الكذب .

وراح الإمام يخبره بما سمعه من رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) في شأنه قائلاً: «إِنَّ رَسُولَ الله(صلی الله علیه وآله وسلم)أَخْبَرَنِي أَنَّ اسْمَكَ الَّذِي سَمَاكَ بِهِ أَبُوكَ فِي الْعَجَمِ مِيْثَمٌ» .

وبهر ميثم وقال : صدق الله ورسوله ، وصدقت يا أمير المؤمنين فهو والله اسمي !! فَارْجِعْ إِلَى اسْمِكَ ، وَدَعْ سالِماً فَنَحْنُ نُكَنِّيكَ بِهِ .

واتصل ميثم بالإمام اتصالاً وثيقاً ، فكان من أقرب الناس إليه ، وألصقهم به .

وأخبره الإمام بما يجري عليه من النكبات والخطوب من بعده قائلاً:

«يا مِيْثَمُ ، إِنَّكَ تُؤْخَذُ بَعْدِي وَتُصْلَبُ ، فَإِذَا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي ابْتَدَرَ مِنْخَرُكَ وَفَمُكَ دَماً ، حَتَّى تُخْضَبُ لِحْيَتُكَ ، فَإِذا كانَ الْيَومُ الثَّالِثُ طُعِنْتَ بِحَرْبَةٍ يُقْضَى عَلَيْكَ ، فَانْتَظِرْ ذَلِكَ .

وَالْمَوْضِعُ الَّذِي تُصْلَبُ فِيهِ عَلَى بَابِ دارِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، إِنَّكَ لَعَاشِرُ عَشْرَةٍ، أَنْتَ أَقْصَرُهُمْ خَشَبَةٌ ، وَأَقْرَبُهُمْ مِنَ الْمَطْهَرَةِ - وهي الأرض - وَلَا رِيَنَّكَ النَّخْلَةَ الَّتِي تُصْلَبُ عَلى جِذْعِها .

وسار ميثم مع الإمام فأراه النخلة التي يصلب عليها ، فكان ميثم يأتيها ويصلّي عندها ، ويقول : بوركت من نخلة ، لك خلقت ولي نبت .. ولم يزل يتعاهدها بعدما أخبره الإمام ، وقطعت النخلة وبقي جذعها ، فلم يزل ميثم يتعاهدها ، وكان يلقى عمرو بن حريث فيقول له : إنّي مجاورك فأحسن جواري ، ولم يعلم ابن حريث ماذا يريد ميثم ، فكان يقول : أتريد أن تشتري دار ابن مسعود أم دار ابن حكيم .

وحجّ ميثم في السنة التي استشهد فيها ، فدخل على أم المؤمنين أم سلمة فقالت له : من أنت ؟

• عراقي ، وأنا مولى للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام).

وانبرت أمّ المؤمنين قائلة : أنت هيثم ؟

• بل أنا ميثم .

وعجبت أمّ المؤمنين وراحت تقول له : سبحان الله !! والله لربّما سمعت رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) يوصي بك عليّاً في جوف الليل .. !!

وسألها ميثم عن الإمام الحسين(عليه السلام) فأخبرته أنه في بستان له فقال لها : اخبريه أنّني أحببت السلام عليه ، ونحن ملتقون عند ربّ العالمين.

وكان كلامه هذا كلام مودع آيس من الحياة ، ودعت أم سلمة بطيب فطيّبت به لحيته ، وقال لها ميثم أما إنّها - أي لحيته - ستخضب بالدم .

•

من أنبأك بهذا ؟ !

•

أنبأني سيدي ..

وغرقت أمّ سلمة بالبكاء وراحت تقول : ليس - أي الإمام - سيّدك وحدك هو سيّدي وسيّد المسلمين.

ثمّ ودّعته ، وانصرف ميثم يجدّ في السير لا يلوي على شيء حتى انتهى إلى الكوفة ، فألقت الشرطة القبض عليه وأدخلته على الطاغية ابن مرجانة ، فانبرى شخص فقال لابن زياد معرّفاً ميثم: هذا كان من آثر الناس عند أبي تراب .

وطفق ابن زياد قائلاً: ويحكم هذا الأعجمي ؟!

• نعم .

والتفت الطاغية بغضب وسخرية إلى ميثم قائلاً : أين ربك ؟

•

بالمرصاد .

•

بلغني اختصاص أبي تراب بك ؟

•

قد كان ذلك فما تريد ؟

•

يقال إنّه أخبرك بما ستلقاه ؟

•

نعم .

•

ما أخبرك أني صانع بك ؟

•

أخبرني أنك تصلبني عاشر عشرة أقربهم من المطهرة .

•

لأخالفته .

ويحك كيف تخالفه ؟ إنّما أخبرني عن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) عن جبرئيل ، وجبرئيل أخبر عن الله ، كيف تخالف هؤلاء ؟ أما والله لقد عرفت الموضع الذي أصلب عليه أين هو من الكوفة ، وإنّي لأوّل خلق الله الجم في الإسلام بلجام كما يلجم الفرس ... فأمر ابن مرجانة باعتقاله في السجن فأدخل فيه ، وكان معه في السجن المجاهد الكبير المختار بن أبي عبيد الثقفي ، فأخبره ميثم بما سمعه من الإمام أمير المؤمنين قائلا له :

إنك تفلت من السجن ، وتخرج ثائراً بدم الحسين ، فتقتل هذا الجبار ، وتطأ بقدمك هذا على جبهته وخدّيه ..

ويقي ميثم مع المختار في السجن ، ولم يمض مزيد من الوقت حتى تشفّع في المختار عبدالله بن عمر إلى يزيد في إطلاق سراحه لأنه كان زوجاً لأخت المختار، فشفّعه فيه يزيد وكتب إلى ابن زياد بإطلاق سراحه، وكان قد عزم على قتله فأخرجه من السجن، وأمره بالخروج من الكوفة ، ثمّ أخرج ميثم وقال له بعنف : لأمضين حكم أبي تراب فيك ..

فأخذته الجلاوزة وجاءوا به إلى الخشبة التي عيّنها الإمام ليصلب عليها ، فلما رآها ميثم تبسّم وخاطبها قائلاً : لي خُلقت ولي غذيت .

ورفعته الجلاوزة على الخشبة ، فاجتمع الناس حوله ، فجعل يحدّثهم بفضائل الإمام وأهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس، ويذكر مخازي ومساوئ بني أمية ، فقيل لابن زياد قد فضحكم هذا العبد ، فأمر بلجمه .

فكان أوّل شخص ألجم في الإسلام ، فلمّا كان اليوم الثاني فاضت منخراه دماً ، وفي اليوم الثالث طعن بحربة فاستشهد صابراً محتسباً .

لقد تحقق جميع ما أخبر به الإمام(عليه السلام) في شأنه ، رحم الله ميثم يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً .

3- رشيد الهجرى (رضی الله عنه)

أما رشيد الهجري فهو من أفاضل أصحاب الإمام(عليه السلام)ومن أكثرهم إيماناً ومعرفة به ، وكان الإمام يسمّيه رشيد البلايا » ، وقد أحاطه علماً بما يجري عليه من بعده

من صنوف التنكيل ، وقد روت ابنته قنوة قالت : سمعت أبي يقول :

قال لي أمير المؤمنين : يا رُشَيْدُ ، كَيْفَ صَبْرُكَ إِذا أَرْسَلَ إِلَيْكَ دَعِيُّ بَنِي أُمَيَّةَ ، فَقَطَعَ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ وَلِسَانَكَ .

فقال له أبى : يا أمير المؤمنين ، آخر ذلك إلى الجنة ؟

«يا رُشَيْدُ ، أَنْتَ مَعِي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ .

وأخبره الإمام مرّة أخرى بشهادته حينما خرج معه إلى بستان فاستظلا تحت نخلة ، فقام صاحب البستان إلى النخلة فالتقط منها رطباً وقدمه لهما ، فقال رشيد : «ما أطيب هذا الرطب ؟

أَمَا إِنَّكَ سَتُصْلَبُ عَلَى جِذْعِها .

فكان رشيد يتعاهدها ويتعبد تحتها ، واجتاز عليها مرّة فرأى سعفها قد قطع فشعر بدنو أجله ، ومرّ عليها مرّة أخرى فرأى نصفها قد جعل زنوقاً يستسقى عليه فأيقن بدنو أجله (1). ولم يمض قليل من الوقت حتى أرسل خلفه زياد بن أبيه ،


1) بحار الأنوار: 42 : 137 . الهداية الكبرى : 166 . مدينة المعاجز : 3 : 140 .

فلمّا مثل عنده قال له : ما قال لك خليلك - يعني الإمام - إنّا فاعلون بك ؟

•

تقطعون يدي ورجلي وتصلبوني .

•

أما والله لأكذبن حديثه

وأمر الطاغية بإطلاق سراحه ، فلما خرج ندم على ذلك وأمر بإرجاعه إليه ، فلما حضر عنده قال له : لا نجد لك شيئاً أصلح مما قال صاحبك ، إنك لا تزال تبغي لنا سوء إن بقيت ... اقطعوا يديه ورجليه .

وبادرت الجلاوزة إلى قطع يديه ورجليه وهو يتكلّم ، فغاظ ذلك زياداً فأمر الجلاوزة بصلبه خنقاً ، فقال لهم رشيد : بقي لي عندكم شيء ما أراكم فعلتموه - أراد بذلك قطع لسانه - ، فأمر زياد بقطع لسانه .

فقال لهم رشيد : نفسوا عنّي حتى أتكلّم كلمة واحدة فأمهلوه

فقال : وهذا تصديق خبر أمير المؤمنين(عليه السلام)أخبرني بقطع لساني(1).

ففي ذمّة الله ما عاناه هذا العبد الصالح الذي هو من خيار المؤمنين من الظلم والاعتداء من قبل هؤلاء الفسقة المجرمين.

4 - جويرية بن مسهر العبدى (رضی الله عنه)

أمّا جويرية بن مسهر فهو من أفذاذ المؤمنين ، وعلم من أعلام الإسلام ، أخلص للإمام وتولاه ، وتغذى ببعض علومه ومعارفه ، دخل على الإمام فكان مضطجعاً فقال له جويرية : أيها النائم ، استيقظ فلتضربن على رأسك تخضب منها لحيتك ، فتبسّم الإمام وأخبره بما يقاسيه من بعده من ولاة الجور قائلاً: «يُحَدِّثُكَ يا جُوَيْرِيَةُ بِحَدِيثِكَ ، أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَعْتَلَنَّ (2)إِلَى الْمُتُلُ الزَّنِيمِ، وَلَيَفْطَعَنَّ يَدَكَ


1) سفينة البحار 2: 327 بحار الأنوار: 41: 122 .

2) تعتلن : أي تجذبن.

وَرِجْلَكَ ، وَلَيَصْلِبَنَّكَ تَحْتَ جِذْعِ كافِرٍ(1)»(2)

ولم تمض الأيام حتى استدعاه زياد الأخ اللاشرعي لمعاوية فأمر بقطع يده ورجله ، وصلبه على جذع قصير .

وقد ألف هشام بن محمّد بن السائب كتاباً في فاجعته وفاجعة اخوانه الشهداء رشيد الهجري وميثم التمار (4)

5- مزرع (رضی الله عنه)

أمّا مزرع فهو من خيار أصحاب الإمام(عليه السلام)، وقد أخبره الإمام عن شهادته وأنّه يقتل ويصلب بين شرفتين من شرف المسجد .

وفي أيام الحكم الأسود من حكومة معاوية ألقى القبض عليه زياد بن أبيه فقتله وصلبه بين شرفتين من شرف المسجد (3)

6 - حجر بن عدى(رضی الله عنه)

أما حجر بن عدي فهو علم من أعلام الإسلام ، ومن كبار صحابة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم). وكان صديقاً حميماً للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، وقد أخبره الإمام عن شهادته من بعده وذلك حينما عمّمه ابن ملجم بالسيف، فقد قال له بعطف ورفق : كَيْفَ بِكَ إِذا دُعِيتَ إِلَى الْبَراءَةِ مِنِّى فَمَا عَسَاكَ أَنْ تَقُولَ ؟».

فأجابه حجر بإيمان وصدق : والله يا أمير المؤمنين لو قطعت بالسيف إربا إرباً ،


1) الجذع الكافر: القصير.

2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 2 219. بحار الأنوار: 41: 343. تاريخ الكوفة : 321

3) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 2 :294

وأضرمت النار لى وألقيت فيها لأثرت ذلك على البراءة منك.

فأجابه الإمام : « وُفِّقْتَ لِكُلِّ خَيْرٍ يا حُجْرُ، جَزَاكَ اللَّهُ خَيْراً عَنْ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكَ »(1).

ولما أفلت دولة الحق ، وقامت دولة الباطل والجور دولة معاوية الذي أقام حكمه على سبّ الإمام وانتقاصه وجعل ذلك فرضاً واجباً على ولاته وعماله يشيعونه في بلاد المسلمين ، ولما ولي المغيرة بن شعبة على الكوفة خطب الناس وتعرّض في خطابه إلى سبّ الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، فانبرى إليه حجر كالأسد منكراً عليه قائلاً: كونوا قوامين بالقسط شهداء الله ، وأنا أشهد أن من تذمون وتعيّرون لأحق بالفضل ، ومن تزكون أولى بالدم .

ووثب قوم من أصحاب حجر فقالوا بمثل مقالته ، فالتفت المغيرة إلى حجر قائلاً: يا حجر ، قد رمي بسهمك إذ كنت أنا الوالي عليك . يا حجر ، اتق غضب السلطان اتق غضبه وسطوته ، فإنّ غضبة السلطان ممّا تهلك أمثالك كثيراً ...(2)

ولم يزل حجر متحمّساً في ولائه للإمام أمير المؤمنين غير حافل بالأزمات والخطوب التي يعانيها من ولاة معاوية ، وقد قيل للمغيرة : اعدمه ، فامتنع من ذلك ، ولم تزل بطانته تلح عليه في قتله فقال لهم : إنّي قد قتلته.

• كيف ذاك ؟

سيأتي أمير بعدي فيحسبه مثلي فيصنع به شبيهاً بما ترونه يصنع بي ، فيأخذه عند أوّل وهلة فيقتله شر قتلة .

وولي من بعد المغيرة زياد بن أبيه الكوفة فجعل حجر يواصل نشاطه ضدّ السلطة ، وقد خطب زياد يوم الجمعة فأطال في خطابه حتى ضاق وقت الصلاة ،


1) بحار الأنوار: 24 :290

2) تاريخ الأمم والملوك : 6 : 142 .

فانبرى إليه حجر منكراً عليه تأخير الفريضة قائلاً: الصلاة .

• فلم يعن الطاغية به ، ومضى في خطابه ، فقام حجر رافعاً صوته : الصلاة . ولم يحفل الطاغية بكلام حجر فاسترسل في خطابه فخشي حجر فوت الصلاة فضرب یده کف من الحصى ورمی به صوب الطاغية ، وثار الناس معه ، فلما رأى ذلك زياد ورم أنفه وانتفخت أوداجه ، وقال : ما أنا بشيء إن لم أمنع ساحة الكوفة من حجر وأدعه نكالاً من بعده ، ويل أمك يا حجر ، سقط العشاء على سرحان ثمّ تمثل :

أَبْلِغْ نَصِيحَةَ إِنَّ رَاعِيَ إِبْلِها*** سَقَطَ العِشَاءُ بِهِ عَلَى سِرْحانِ

وأرسل زياد جماعة من وجوه الكوفة فأمرهم أن يردوا حجراً عن خطته ، فامتنع حجر وأبى إلا الإنكار على السياسة الأموية ، وأخيراً أمر زياد شرطته أن يأتوه به ، فانطلقت الشرطة لإلقاء القبض عليه ، إلا أنّها لم تستطع ذلك ، فقد التف حوله جمهور من المؤمنين فمنعوا الشرطة من القبض عليه ، وكان قيس بن فهدان الكندي يلهب نار الثورة في النفوس ، ويدعو إلى حماية حجر وأصحابه فكان يقول :

يا قَوْمَ حُجرٍ دافعوا وَصاوِلوا*** وَعَنْ أَخِيكُمْ سَاعَةً فَقَاتِلُوا

لا يُلْقَينُ مِنكُمْ لِحُجرٍ خاذِلُ*** أليس فيكُمْ رامِحٌ وَنابِلُ

وَفارِسٌ مُسْتَلْيم وراجلُ*** وَضارِبٌ بِالسَّيفِ لَا يُزايل

وتحصّن حجر وأصحابه فلم يتمكن منهم زياد ، فجمع الزعماء وأبناء البيوت ، فقال لهم : يا أهل الكوفة ، أتشجون بيد وتأسون بأخرى ، أبدانكم معي وأهواؤكم مع حجراً لهجهاجة ، الأحمق المذبوب ، أنتم معي ، واخوانكم وأبناؤكم وعشائركم مع حجر ، هذا والله من دحسكم (1)وغشكم ، والله لتظهرون لي براءتكم أو لآتينكم


1) الدحس : الإفساد .

بقوم أقيم بهم أودكم وصعركم (1).

فانبروا بخنوع وعبودية يظهرون الطاعة لهذا الطاغية قائلين : معاذ الله سبحانه أن يكون لنا فيما هاهنا رأي إلا طاعتك ، وطاعة أمير المؤمنين - يعني معاوية - وكلّ ما ظننا أنّ فيه رضاك ، وما يستبين به طاعتنا وخلافنا لحجر فمرنا به .

وأنس بكلام هؤلاء العبيد فأمرهم بما يلي : ليقيم كل امرئ منكم إلى هذه الجماعة حول حجر فليدع كل رجل منكم أخاه وابنه وذا قرابته ومن يطيعه من عشيرته حتى تقيموا عنه كل من استطعتم أن تقيموه .

وقام هؤلاء العبيد بإفساد أمر حجر ، وخذلان أتباعه ، ثمّ أمر زياد مدير شرطته شداد بن الهيثم بإلقاء القبض على حجر وأصحابه ، وضمّ إليه الأثيم محمد بن الأشعث الكندي ، وقال له : يا أبا الشعثاء ، أما والله لتأتيني بحجر أو لا أدع لك نخلة إلا قطعتها ، ولا داراً إلا هدمتها ، ثمّ لا تسلم حتى أقطعك إربا إرباً ..

فقال له : امهلنى ثلاثاً حتى أطلبه ، فقال له : أمهلتك ، فإن جئت به وإلّا عد نفسك من الهلكي .

وقام ابن الأشعث مع مدير الشرطة فتتبعوا حجراً وأصحابه ، وبعد مصادمات عنيفة جرت بين الفريقين استطاع جلاوزة زياد القبض عليه وعلى أصحابه ، فجيء بهم إلى زياد فأمر بإيداعهم في السجن .

وطلب زياد من عملاء السلطة أن يشهدوا على حجر وأصحابه ، فشهد جمع منهم أنهم تولّوا عليّاً ، وعابوا عثمان ، ونالوا من معاوية ، فلم يرض زياد بهذه الشهادة ، وقال : إنّها غير قاطعة .

وانبرى أبو بردة بن أبي موسى الأشعري فكتب شهادة ترضى السلطة هذه نصّها :


1) الصعر : الميل إلى أحد الشقّين.

هذا ما شهد عليه أبو بردة بن أبي موسى الأشعري الله ربّ العالمين شهد أن حجر بن عدي خلع الطاعة وفارق الجماعة ، ولعن الخليفة ، ودعا إلى الحرب ، وجمع إليه الجموع يدعوهم إلى نكث البيعة ، وكفر بالله كفرة صلعاء .

ورضي زياد بن أبيه بهذه الشهادة التي كتبها ابن أبي موسى الأشعري الذي لم يفقه هو وأبوه شيئاً من الإسلام.

وشهد بهذه الشهادة سبعون رجلاً كلّهم من المنحرفين عن الإسلام ، وعملاء السلطة ، ورفع زياد هذه الوثيقة إلى معاوية ، فأمر بحملهم إلى الشام موثقين بالحديد ، فحملوا ليلاً ووقعت النياحة في دار حجر ، وصعدت ابنته - ولا عقب له غيرها - فوق سطح الدار وألقت نظرة على القافلة التي تسير إلى الموت ، وهي تبكي أمر البكاء وتناجي القمر وتبثّه لوعتها وأحزانها وقد صاغت من محنتها وبلواها أبياتاً من الشعر قائلة :

تَرَفَعْ أَيُّها القَمَرُ المُنيرُ ***لَعَلَّكَ أَنْ تَرى حُجْراً يَسيرُ

يسيرُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ حَرْبٍ*** لِيَقتُلَهُ كَذا زَعَمَ الأميرُ

وَيَصْلبَهُ عَلى بابَي دِمَشْقِ ***وَتَأْكُلُ مِنْ مَحاسِنِهِ الطُّيور

تَجَبَّرَتِ الجَبابِرُ بَعدَ حُجْرٍ*** وطابَ لَها الحُوَرْنَقُ وَالسَّديرُ

أَلا يا حُجْرُ حُجْرَ بَني عَدِيّ*** تَلَفُتْكَ السَّلامَةُ وَالسُّرورُ

أَخَافُ عَلَيكَ ما أَرْدَى عَديّاً*** وَشَيْخاً في دِمَشْقَ لَهُ زَئيرُ

ألا يا ليتَ حُجْراً ماتَ مَوْتاً*** وَلَمْ يُنحَرْ كَما نُحر البعيرُ

فَإِنْ تَهْلِكُ فَكُلُّ عَميدِ قَوْمٍ*** إِلى مُلْكِ مِنَ الدُّنْيا يَصيرُ(1)


1) مروج الذهب : 2 : 307 تاريخ الأمم والملوك : 4 : 187 . الكامل في التاريخ : 3: 473 . الطبقات الكبرى : 6: 220 . الأخبار الطوال : 223 . تاريخ مدينة دمشق : 12 : 219.

وانتهت القافلة التي تقل خيرة الصحابة إلى مرج عذراء ، فلما عرف حجر أنّه بهذه القرية رفع صوته قائلاً: « والله إنّي لأوّل مسلم نبحته كلابها ، وأوّل مسلم كبر بواديها »(1)

وتقدّم البريد بأخبارهم إلى الطاغية ابن هند ففرح لأنّه أخذ ثأره من أنصار رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)فأرسل إليهم رجلاً أعور فأمره بإعدامهم إن لم يتبرأوا من وصي رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)و باب مدينة علمه ، فلما رآه بعضهم قال متشائماً : إن صدق الزجر(2)فإنّه سيقتل نصفنا ، وينجو الباقون ، فقيل له : وكيف ذاك ؟ فقال : أما ترون الرجل مصاب بإحدى عينيه.

وقدم الجلاد الحقير فقال الحجر : إن أمير المؤمنين أمرني بقتلك يا رأس الضلال ، ومعدن الكفر والطغيان ، والمتولي لأبي تراب ، وقتل أصحابك إلا أن ترجعون عن كفركم ، وتلعنوا صاحبكم وتتبرأون منه .

فانبرى إليه حجر كالأسد فقال مستهيناً بالموت وساخراً من الحياة : إنّ الصبر على حد السيف لأيسر علينا مما تدعوننا إليه ، ثمّ القدوم على الله وعلى نبيّه وعلى وصيّه أحبّ إلينا من دخول النار(3)

وحفرت لهم القبور، وطلب حجر أن يسمحوا له بالوضوء والصلاة فسمحوا له بذلك ، فتوضأ وصلّى صلاة وأطال في سجودها فلما أتم صلاته قال للقوم : والله ما صليت صلاة أخف منها ، ولولا أن تظنّوا في جزعاً من الموت لاستكثرت منها .

ثمّ أخذ يناجي ربه ويدعو على عدوّه الماكر الخبيث ابن هند قائلاً: اللهمّ إنا نستعيذك على أمّتنا فإنّ أهل الكوفة شهدوا علينا ، وأن أهل الشام يقتلوننا ،


1) الكامل في التاريخ : 3 : 692 .

2) الزجر : الحدس

3) مروج الذهب : 3: 3

أما والله لئن قتلتموني بها فإنّي لأوّل فارس من المسلمين هلل في واديها ، وأول رجل من المسلمين نبحته كلابها.

وانطلق الخبيث الأعور هدبة بن فياض القضاعي شاهراً سيفه ، فلما رآه حجر ارتعدت أوصاله ، وقيل له : زعمت أنك لا تجزع من الموت فابرأ من صاحبك وندعك .

فأجاب :حجر : ما لي لا أجزع وأرى قبراً محفوراً وكفناً منشوراً وسيفاً مشهوراً، وإنّي والله إن جزعت من القتل لا أقول ما يسخط الربّ (1)

تاريخ الأمم والملوك : 4: 206. البداية والنهاية : 8: 57 .

.

وكان آخر ما نطق به : لا تطلقوا عنّي حديداً ، ولا تغسلوا عني دماً ، فإنّي ملاق معاوية على الجادة(2).

ثمّ نفّذ فيه حكم الإعدام ، وسقط على الأرض جثة هامدة ففي ذمة الله ما لاقاه هذا العملاق العظيم من التنكيل والقتل لا لذنب اقترفه ، وإنما لولائه لأخي رسول الله ووصيه وباب مدينة علمه ، وقد صدق حجر في ولائه ومحبته وإخلاصه لإمامه فقد آثر الموت ، واستهان بالحياة في سبيله فجزاه الله تعالى عن الإسلام خيراً، وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيّاً .

7- قنبر(رضی الله عنه)

كان قنبر غلاماً للإمام(عليه السلام)، وكان يحبّ الإمام حباً كثيراً ، فإذا خرج الإمام خرج على أثره بالسيف خوفاً عليه ، وخرج الإمام ذات ليلة فخرج في أثره ، فلما رآه قال له : يا قَنْبَرُ ، ما لَكَ ؟


1) الكامل في التاريخ : 3 : 692. مستدرك الحاكم : 3 469 . تاريخ مدينة دمشق : 8: 26 .

2) الاستيعاب 1 : 331

جئت أمشي خلفك فإنّ الناس كما تراهم ، فخفت عليك ، فقال له الإمام بلطف : أَمِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ تَحْرُسُنِي أَمْ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ ؟

• بل من أهل الأرض .

إِنَّ أَهْلَ الْأَرْضِ لَا يَسْتَطِيعُونَ بِي شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ السَّمَاءِ ، فَارْجِعْ(1)وبعد ما آل المآل إلى الحجّاج ألقى عليه القبض ، فلما مثل أمامه قال له :

•

ما الذي كنت تلي من علي بن أبي طالب ؟

•

كنت أوضًيه .

•

ما كان يقول إذا فرغ من وضوئه ؟

كان يتلو هذه الآية: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذَكَّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2).

فصاح به الحجّاج : أظنّه كان يتأوّلها علينا ؟

•

نعم ؟

•

ما أنت صانع إذا ضربت علاوتك ؟(3)

•

إذن اسعد وتشقى(4)، وفي رواية أخرى أمر بإلقاء القبض عليه ، فلما مثل


1) التوحيد / الصدوق : 350. بحار الأنوار: 42: 122. الكافي : 2 : 59 ، الحديث 10 . ينابيع المودة : 1 : 203

2) الأنعام 6 : 44 - 45 .

3) العلاوة : أعلى الرأس.

4) بحار الأنوار : 42 :133 . تفسير العياشي : 1 : 359 ، الحدیث 22. تفسير البرهان : 1 : 526 ، الحديث 6 .

عنده قال له : أنت قنبر ؟

•

نعم .

•

مولى علي بن أبي طالب ؟

•

الله مولاي وأمير المؤمنين ولي نعمتي .

•

ابرأ من دينه .

-إذا فعلت تدلّيني على دين أفضل من دينه .

• إني قاتلك فاختر أي قتلة أحبُّ إليك .

-صيرت ذاك إليك .

•

لم ؟

•

لأنك لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها ، ولقد أخبرني أمير المؤمنين أنّ منيّتي تكون ذبحاً ظلماً بدون حقّ .

وأمر الطاغية الرجس بذبحه فذبح كما تذبح الشاة ، وقد لاقى ربِّه شهيداً محتسباً قد تلفّع بالشرف والكرامة من أجل ولائه للإمام الله

8 -کمیل بن زیاد (رضی الله عنه)

ومن ألمع أصحاب الإمام الكميل بن زياد النخعي الذي احتل مكانة مرموقة عند الإمام ، فكان خليله وحامل أسراره كما يقول علماء الرجال - وكان لا يبارحه ،ومن ألزمهم له ، وكثيراً ما أخبره بمغيباته(عليه السلام).

قال كميل : خرجنا مرّة من جامع الكوفة بعدما ذهب من الليل ثلثه فسمعنا في طريقنا رجل يتلو القرآن :أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ(1)بصورة شجيّة ويبكي


1) الزمر 9:39

فاستحسنت ذلك في داخلي وإذا بالإمام قد أشاح بوجهه نحوي وقال : « لَا يَغُرَّنَّكَ الرّجُلُ إِنَّهُ مِنْ أَهْل النَّارِ ، وَسَاتَبْتُكَ ، فعجبت من معرفة الإمام ما في ، ومن حال الرجل مع تلك الصورة ...!! وبعد مدة عند انتهاء معركة النهروان كنت بجانب الإمام وسيفه يقطر دماً ورؤوس القتلى متناثرة إذا بالإمام يضع سيفه على أحد الرؤوس وقال لي :أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْل!!

كما أحاطه الإمام(عليه السلام) علماً بشهادته ، ولما ولي المجرم السفاك الحجّاج حرم على قوم كميل العطاء حتى يأتوه به ، فقال لهم كميل : أنا شيخ كبير ولا ينبغي أن أحرمكم العطاء ، وبادر فسلّم نفسه للطاغية ، فقال له بعنف : قد كنت أحب أن أجد عليكم سبيلاً ، فقال له كميل : لا تصرف عني أنيابك فما بقي من عمري إلا اليسير فاقض ما أنت قاض ، ولقد أخبرني أمير المؤمنين(عليه السلام)أنك قاتلي ، فأمر به الخبيث الدنس بضرب عنقه ، ونفّذ فيه الإعدام(1).

هؤلاء بعض عيون أصحابه الذين أخبرهم الإمام بشهادتهم على أيدي شرار الخلق وأرجاسهم .


1) كميل بن زياد النخعي / الهاشمي الخطيب : 90. بحار الأنوار: 42: 148 . كشف الغمة : 281: 1.

إخباره(عليه السلام)عن شهادته

من المغيّبات التي أخبر الإمام عنها أنّه أخبر في كثير من المناسبات أنه لا يموت حتف أنفه وإنّما ينال الشهادة على يد أشرّ خلق الله تعالى ، وكان من بين ما أخبر به :

1 -روى روح بن أمية الدولي ، قال : « مرض عليّ بن أبي طالب مرضاً شديداً حتى خفنا عليه ، ولما أبل من مرضه أسرعنا إليه فقلنا له : هنيئاً لك يا أبا الحسن ، الحمد لله الذي عافاك ، لقد خفنا عليك ؟

فأجابهم الإمام غير حافل بما ألم به من المرض، وأنه لا يخشاه قائلاً: لَمْ أَخَفْ عَلى نَفْسِي ، أَخْبَرَنِي الصَّادِقُ الْمُصَدَّقُ - يعني رسول الله - أَنِّي لَا أَمُوتُ حَتَّى أَضْرَبَ على هذا - وأشار إلى مقدّم رأسه الأيسر - فَتَخْضَبُ هذِهِ مِنْهُ - وأوما إلى لحينه وهامته وقال : - يَقْتُلُكَ أَشْقَى هَذِهِ الْأُمَّةِ ، كَما عَفَرَ ناقَةَ اللهِ أَشْقَى بَنِي فَلَانٍ مِنْ ثَمُودَ»(1).

2 - روی عبدالله بن سبع ، قال : « خطبنا علي بن أبي طالب فقال : وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ لَتُخْضَبَنَّ هَذِهِ مِنْ هذه - يعني لحيته من دم رأسه ..

فقال رجل : والله لا يقول ذلك أحد إلا أبَرْنا عترته .


1) المحن : 96 أسد الغابة : 4 : 34 مجمع الزوائد : 9: 137 کنز العمال: 13 : 192 . تاریخ مدينة دمشق : 42 : 543 .

فقال(عليه السلام) : أَذَكَّرُ اللهَ ، وَأَنْشُدُ أَنْ يُقْتَلَ مِنِّي إِلَّا قاتِلي»(1).

3 - روى أبي الطفيل ، قال : « لما دعا علي الناس إلى البيعة أتاه عبد الرحمن بن ملجم المرادي مرتين أو ثلاثاً ، ثم قال : أَيْنَ أَشْقاها ؟ أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُخْضَبَنَّ هذِهِ مِنْ هذِهِ ، أي لحيته من دم رأسه »(2).

4 - عن ابن الطفيل ، قال : « شهدت جنازة أبي بكر يوم مات ، وشهدت عمر حين بويع ، وعلي(عليه السلام) جالس ناحية إذ أقبل غلام يهودي عليه ثياب حسان وهو من ولد هارون حتى قام على رأس عمر .

فقال : يا أمير المؤمنين ، أنت أعلم هذه الأمة بكتابهم وأمر نبيّهم .

قال : فطأطأ عمر رأسه .

فقال له الغلام : إيّاك أعني ، وأعاد عليه القول .

فقال له عمر ما ذاك ؟

قال : إني جئتك مرتاداً لنفسي ، شاكّاً في ديني .

فقال : دونك هذا الشاب .

قال : ومن هذا الشاب ؟

قال : عليّ بن أبي طالب ابن عم رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)وهو أبو الحسن والحسين وزوج فاطمة بنت رسول الله .

فأقبل اليهودي على عليّ بن أبي طالب فقال : أكذلك أنت ؟


1) أسد الغابة : 4 : 34 . ذخائر العقبى : 112. مسند أحمد بن حنبل : 1 : 156 . كنز العمال: 13 : 188 . تاريخ مدينة دمشق : 42 : 539 .

2) المحن : 96 . مجمع الزوائد : 9: 138 شرح نهج البلاغة : 6: 114 .

قال : نَعَمْ

قال : فإنّي أريد أن أسألك عن ثلاثة وثلاثة وواحدة - إلى أن قال : فأخبرني - عن الواحدة ، فأخبرني عن وصي محمد كم يعيش من بعده ؟ وهل يموت أو يقتل ؟

قال : يا هارُونِيُّ ، يَعِيشُ بَعْدَهُ ثَلَاثِينَ سَنَةٌ لَا يَزِيدُ يَوْماً وَلَا يَنْقُصُ يَوْماً ، ثُمَّ يُضْرَبُ

ضَرْبَةً هاهنا - يعني قرنه - فَتَخْضَبُ هَذِهِ مِنْ هذِهِ . قال : فصاح الهاروني ... وهو يقول : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك

له »(1).

5- أعلن الإمام عن شهادته وشهادة سبطي رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) الحسن والحسين ، قال : « أَمَا وَاللهِ لَأَقْتَلَنَّ أَنَا وَابْنايَ هذان - وأشار إلى الحسن والحسين - وَلَيَبْعَثَنَّ اللَّهُ رَجُلاً مِنْ وُلدِي آخِرَ الزَّمانِ يُطَالِبُ بِلِمَانِنَا ، وَلَيَغِيبَنَّ عَنْهُمْ ، تَمَيَّزاً لِأَهْلِ الضَّلَالَةِ حَتَّى يَقُولَ الْجاهِلُ : ما لِلَّهِ فِي آلِ مُحَمَّدٍ حاجَةٌ »(2)

6 - يقول محمد بن سيرين : « إن كان أحد يعلم متى أجله ، فإن علي بن أبي طالب كان يعلم متى أجله .

قال العباس بن ميمون : فحدثت به ابن عائشة ، فقال : أنت تعلم يابن أخي أنه قاتل يوم الجمل فلم يتكلم ، ويوم صفين فلم يتكلّم ، ولقد لقي ليلة الهرير ما لقي فلم يتخوّف ، ولم ينطق بشيء ، فلما رجع إلى الكوفة بعد قتله الخوارج قال : ألا يَنبَعِثُ أَشقاها ، لِيَخْضِبنَّ هذِهِ مِن هذِهِ »(3).

وتحقّق ما أخبر به الإمام ، فقد استشهد في بيت الله الحرام في شهر رمضان ،


1) فرائد السمطين : 1 : 354 . الكافي : 1: 529 و 530 .

2) بحار الأنوار: 51 : 112 . كتاب الغيبة : 143 . دلائل الإمامة : 292 .

3) ذيل الأمالي والنوادر 3: 170 .

وذكر الله بين شفتيه ، فقد اغتاله عبدالرحمن بن ملجم المرادي أشقى الأولين والآخرين ، واستشهد ولده الزكي ريحانة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، فقد اغتاله بالسم ابن هند ، واستشهد ولده الإمام الحسين(عليه السلام) بصورة مروعة وجرت عليه من المآسي والأهوال ما لا يوصف .

هذه بعض الأحاديث التي أعلن الإمام فيها شهادته .

وأثرت عنه(عليه السلام) بهذا المضمون كوكبة أخرى من الأحاديث ، منها :

ما يجري على الحجر الأسود

في خطبة له(عليه السلام) قال - وهو يشير إلى السارية التي يستند إليها في مسجد الكوفة - :

« كَأَنِّي بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ مَنْصُوباً هَاهُنَا ، وَيْحَهُمْ إِنَّ فَضِيلَتَهُ لَيْسَتْ فِي نَفْسِهِ ، بَلْ فِي مَوْضِعِهِ وَأَسْسِهِ ، يَمْكُتُ هَاهُنَا بُرْهَةً ثُمَّ هَاهُنَا بُرْهَةً - وأشار إلى البحرين - ثُمَّ يَعُودُ إِلى مَأْواهُ وَأُمِّ مَثواه» .

قال ابن أبي الحديد ووقع الأمر بموجب ما أخبر به(عليه السلام)(1).


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 10 : 14 . بحار الأنوار: 4 : 191 .

إخباره(عليه السلام) عن شهداء فخ

أخبر الإمام (عليه السلام)عن السادة العلويين الذين استشهدوا في واقعة فخ دفاعاً عن حق المظلومين والمضطهدين، وكانت شهادتهم مروّعة كشهادة سيدهم أبي الأحرار الإمام الحسين(عليه السلام)، فقد اقترف الطاغية الدنس الهادي العباسي معهم من الجرائم ما يصدّع من هولها الجبال ، وقد قال الإمام(عليه السلام) في عظيم شأنهم :

«هُمْ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ »(1)

إخباره(عليه السلام) عن شهادة ذي النفس الزكية

من المغيبات التي أخبر عنها الإمام(عليه السلام)أنه أخبر عن شهادة العلوي الثائر العظيم ذي النفس الزكيّة ، وأنّه يستشهد بالمدينة عند أحجار الزيت(2)، فقد استشهد هذا العلوي على يد السفاك المنصور الدوانيقيّ(3).


1) منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة : 7: 83. بحار الأنوار: 41: 352 .

2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 7: 217 .

3) عرضنا بصورة موضوعية عن كيفية شهادته في كتابنا ( حياة الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام)) .

اخباره (عليه السلام)عن شهادة إبراهيم

أخبر الإمام الا عن شهادة العلوي المجاهد العظيم إبراهيم بن عبد الله بن الحسن الذي أراد هو وأخوه أن يقيما حكم القرآن ، وينقذا المسلمين من الطغمة العباسية .. فقد ثارا على أبي جعفر المنصور الذي أغرق البلاد بالظلم والجور ونهب ثروات المسلمين.

قال له في شأنه :

«يُقْتَلُ بَعْدَ أَنْ يَظْهَرَ ، وَيُقْهَرُ بَعْدَ أَنْ يَفْهَرَ ، يَأْتِيهِ سَهُمْ غَرْبٌ - أي لا يعرف راميه - تَكُونُ فِيهِ مَنِيَّتُهُ ، فَيَا بُوساً لِلْرَامِي ، شُلَّتْ يَداهُ

وَوَهَنَ عَضُدُهُ »(1).

ونعرض - بإيجاز - إلى قصة هذا العلوي المجاهد الذي ثار على أقذر حاكم عرفه التاريخ وهو الدوانيقي ، لقد أعلن إبراهيم ثورته الخالدة على الدوانيقي بعد مقتل أخيه محمّد ، وقد رثاه وهو على المنبر بقوله :

سَأَبْكَيكَ بِالبِيضِ الرِّقاقِ وَبِالقَنا*** فَإِنَّ بِها ما يُدْرِكُ الطَّالِبُ الوِثرا

وَإِنَّا أَناسٌ لَا تَفيضُ دموعُنا*** على هالِك مِنًا وَلَوْ قَصَمَ الظُّهْرا


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 7: 48 . بحار الأنوار : 41 : 352 .

وَلَسْتُ كَمَنْ يَبْكِي أَخَاهُ بِعَبْرَةٍ*** يُعَصِّرُها مِنْ مَاءٍ مُقْلَتِهِ عَصْرا

وَلكِنَّني أَشفي فُؤادي بِغَارَةٍ ***تَلَهُبُ في قُطْرَي كَتائبها جَمْرًا (1)

وزحف إبراهيم بجيوشه صوب الكوفة لاحتلالها ، وكانت مقراً للسفاك المنصور ، فانهزم جيش الطاغية شر هزيمة وجعل يقول لوزيره الربيع متعرّضاً بما أخبر به الإمام الصادق الا من استيلاء العباسيين على الحكم قائلاً:

أين قول صادقهم ؟ وكيف لم ينلها أبناؤنا ؟ فأين إمارة الصبيان ؟

وتحقق ما تنبأ به الإمام الصادق الله، وما أخبر به جده الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) من قبل ، فقد كرّت جيوش المنصور بعد هزيمتها بسبب نهر لقيها فلم تقدر على اجتيازه ، فعادوا بأجمعهم ، وكان أصحاب إبراهيم قد مخروا الماء ليكون قتالهم من وجه واحد ، فلما انهزموا منعهم الماء من الفرار، وثبت إبراهيم في نفر من أصحابه فقاتلهم حميد بن قحطبة ، وجاء سهم غادر فأصاب حلق إبراهيم فقضى عليه ، وقال لأصحابه : أنزلوني .

فأنزلوه عن مركبه وهو يقول : « وكان أمر الله قدراً مقدوراً» ، أردنا أمراً وأراد الله غیره(2)، ثمّ لفظ أنفاسه الأخيرة .

وانطوت بذلك أروع صفحة من صفحات الجهاد الإسلامي المقدّس ، فقد آلت الخلافة إلى غادر ماكر بخيل ، فإنّا لله ولا حول ولا قوة إلا به .


1) مقاتل الطالبيين : 205 . تاريخ مدينة دمشق : 26: 63. الكامل في التاريخ : 6: 127 و 128.

2) عمدة الطالب : 110 .

تبشيره(عليه السلام) بالإمام المهدی(عليه السلام)

وتواترت الأخبار عن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) بظهور المصلح الأعظم قائم آل محمّد صلوات الله عليه الذي يقيم اعوجاج الدين، ويصلح ما فسد من أمور الدنيا ، ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلما وجوراً. وهذه الطائفة منالأخبار التي أثرت عنه في حفيده المنتظر :

1 - قال الإمام(عليه السلام) لولده سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين(عليه السلام):

التَّاسِعُ مِنْ وُلْدِكَ يا حُسَيْنُ هُوَ الْقائِمُ بِالْحَقِّ ، الْمُظْهِرُ لِلدِّينِ ، الْباسِطُ لِلْعَدْلِ ...».

وانبرى الإمام الحسين قائلاً:

« إِنَّ ذلِكَ لَكائِنٌ يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟».

« إِي وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً بالنُّبُوَّةِ ، وَاصْطَفَاهُ عَلى جَمِيعِ الْبَرِيَّةِ ، وَلكِنْ بَعْدَ غَيْبَةٍ وَحَيْرَةِ ، لَا يَثْبُتُ فِيهَا عَلى دِينِهِ إِلَّا الْمُخْلِصُونَ، الْمُبَاشِرُونَ لِرُوحِ الْيَقِينِ الَّذِينَ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَهُمْ بِوِلايَتِنا ، وَكَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيْمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحِ مِنْهُ .. »(1).


1) بحار الأنوار: 51 : 110 . كمال الدين : 304. إعلام الورى : 2 : 229.

حكى هذا الحديث حتميّة خروج المصلح الأعظم وأن خروجه يكون بعد غيبة وحيرة في نفوس الناس ، ولا يثبت على الإيمان به إلّا المخلصون في دينهم .

2 - روى أبو وائل قال : نظر علي(عليه السلام) إلى الحسين(عليه السلام) فقال :

« إِنَّ ابْنِي هذا سَيِّدٌ كَما سَمَاهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وَسَيَخْرُجُ مِنْ صُلْبِهِ رَجُلٌ باسْمِ نَبِيِّكُمْ يَخْرُجُ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنَ النَّاسِ ، وَإِمانَةِ الْحَقِّ ، وَإِظْهَارِ الْجَوْرِ ، وَيَفْرَحُ لِخُرُوجِهِ أَهْلُ السَّماءِ وَسُكَانُها ، وَهُوَ رَجُلٌ أَجْلَى الْجَبِينِ ، أَثْنَى الْأَنْفِ ، ضَخْمُ الْبَطْنِ ، أَذْيَلُ الْفَخِذَيْنِ ، بِخَدِّهِ الْأَيْمَنِ شامَةٌ ، أَبْلَجُ الثَّنايا ، يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلاً كَما مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً »(1).

حكى هذا الحديث ملامح الإمام المنتظر(عليه السلام)، وأمارات ظهوره وأنّه إذا ظهر يقيم الحق بجميع رحابه ومفاهيمه .

3- خطب الإمام(عليه السلام) خطبة جليلة كان من بنودها التعرّض إلى قائم آل محمد(عليه السلام)كان منها :

« وَلَيَكُونَنَّ مَنْ يَخْلُفْنِي فِي أَهْلِ بَيْتِي رَجُلٌ يَأْمُرُ بِأَمْرِ اللهِ ، قَوِيٌّ يَحْكُمُ بِحُكْمِ اللهِ ، وَذَلِكَ بَعْدَ زَمَانٍ مُكْلِح مُفْصِح ، يَشْتَدُّ فِيهِ الْبَلَاءُ ، وَيَنْقَطِعُ فِيهِ الرَّجاءُ ، وَيُقْبَلُ فِيهِ الرّشاءُ »(2).

أشار الإمام (عليه السلام) إلى وقت خروج المصلح الأعظم وأنه في وقت يغرق الناس


1) بحار الأنوار: 51 : 110 .

2) عقد الدرر : 182 ، الباب الثالث - الإمام المهدي(عليه السلام). كنز العمال : 14 : 594 .

بالبلاء والفتن ، وإذا خرج سلام الله عليه فإنّه يبنى حكمه على الحق المحض والعدل الخالص.

4 - روى الأصبغ بن نباتة أن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) قال :

« الْمَهْدِيُّ مِنَا فِي آخِرِ الزَّمانِ ، لَمْ يَكُنْ فِي أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ مَهْدِيٌّ يُنتَظَرُ غَيْرَهُ »(1).

إن قائم آل محمّد من دوحة النبوة والإمامة ، وليس له شبيه يماثله في جميع شعوب العالم وأمم الأرض ، وهو المنتظر لإقامة الحق ، والقضاء على المناهج الفاسدة التي لا بصيص فيها من نور العدل.

5 - قال(عليه السلام):

«سَيَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ اللَّهُ وَيُحِبُّونَهُ ، وَيَمْلِكُ مِنْ بَيْنِهِمْ غَرِيبٌ وَهُوَ الْمَهْدِيُّ، فَيَمْلِكُ بِلَادَ الْمُسْلِمِينَ بِأَمَانٍ ، وَيَصْفُو لَهُ الزَّمَانُ ، وَيُسْمَعُ كَلَامُهُ وَيُطِيعُهُ الشُّبُوحُ وَالْفِتْيانُ، وَيَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلاً كَما مُلِئَتْ جَوْراً »(2).

حكى هذا الحديث عن سعة ملك الإمام(عليه السلام)، وإذعان الناس لحكمه ، وأنه يشيع

فيهم الأمن والرخاء والعدل.

6 - روى الأصبغ بن نباتة ، قال : « أتيت الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)فوجدته مفكراً ينكت الأرض ، فقلت له :

يا أمير المؤمنين، ما لي أراك مفكّراً تنكت في الأرض أرغبة فيها ؟


1) حياة الإمام المنتظر المصلح الأعظم(عليه السلام): 183 . دلائل الإمامة : 256 .

2) ينابيع المودة : 416 .

فأجابه الإمام :

لَا وَاللهِ ما رَغِبْتُ فيها - أي في الخلافة - وَلَا فِي الدُّنْيا يَوْماً قَطُّ، وَلكِنِّي فَكَّرْتُ فِي مَوْلُودٍ يَكُونُ مِنْ ظَهْرِي الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ وُلْدِي هُوَ الْمَهْدِيُّ يَمْلَأُها عَدْلاً ، كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً تَكُونُ لَهُ حَيْرَةٌ وَغَيْبَةٌ يَضِلُّ فِيهَا أَقْوامٌ ، وَيَهْتَدِي فِيهَا آخَرُونَ.

وانبرى الأصبغ يطلب المزيد من الايضاح قائلاً: يا أمير المؤمنين ، إنّ هذا لكائن ؟

نَعَمْ، إِنَّهُ مَخْلُوقٌ ، وَأَنَّى لَكَ بِالْعِلْمِ بِهَذَا الْأَمْرِ ... يا أَصْبَغُ ، أولئِكَ خِيارُ هذِهِ الْأُمَّةِ مَعَ أَبْرارِ هَذِهِ الْعِتْرَةِ .

وسارع الأصبغ قائلاً: ما يكون بعد ذلك ؟

يَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ ، فَإِنَّ لَهُ إِرادات وغايات ونهايات»(1).

إن ظهور المصلح الأعظم من الأمور الحتمية التي لا يخالجها شك ولا ريب فإنّ ظهوره من الألطاف التي يخص الله تعالى بها عباده لإنقاذهم من الحياة البائسة الآثمة ، ويعيد لهم حكم الإسلام، ودوره المشرق في إصلاح المجتمع وتطويره .

وعلى أي حال فقد أثرت عن إمام المتقين ووصي رسول ربّ العالمين أحاديث كثيرة تبشِّر بظهور الإمام المهدي الا ، وأنّه يملأ الدنيا قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.


1) بحار الأنوار: 51 : 118 . الكافي : 1: 338 ، الحدیث 7.

مع أعشى باهلة

كان الإمام الالها على المنبر يخطب ، ويذكر الملاحم التي ستجري على مسرح الحياة ، فقام إليه أعشى باهلة ، وكان غلاماً فأنكر عليه مقالته ، وقال له : ما أشبه هذا الحديث بحديث خرافة ، فرمقه الإمام بطرفه وقال له :

«إِنْ كُنْتَ آثِماً فِيمَا قُلْتَ رَماكَ اللهُ بِغُلَامٍ ثَقِيف».

وانبرى إليه رجال فسألوه عن غلام ثقيف من هو ؟ فقال (عليه السلام) :

( غُلَامٌ يَمْلِكُ بَلْدَتَكُمْ هَذِهِ لَا يَتْرُكُ لِلَّهِ حُرْمَةً إِلَّا انْتَهَكَهَا ، وَيَضْرِبُ عُنُقَ هَذَا الْغُلَامِ بِالسَّيْفِ السَّيْفِ ...» .

كم يملك يا أمير المؤمنين ؟

«عِشْرِينَ عاماً ...».

وسألوه أنه يقتل أو يموت حتف أنفه، فأجابهم أنّه يموت حتف أنفه ، قال إسماعيل بن رجاء : فوالله لقد رأيت بعيني أعشى باهلة قد أحضر من جملة الأسرى من جيش عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث بين يدي الحجاج فقرعه ووتخه ، واستنشده شعره الذي كان يحرّض فيه على حرب الحجاج وأمر بضرب عنقه (1).


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 2 : 289 .

مع جندب الأزدي

شهد جندب بن عبد الله الأزدي مع الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) الحرب الجمل وصفين ، وكان على يقين لا يخامره شك بضلالة من حاربهم الإمام ، فلمّا كانت واقعة النهروان داخله شك وقال في دخائل نفسه : قراؤنا وخيارنا نقتلهم إنّ هذا لأمر عظيم ! وخرج غدوة يمشي ، ومعه أداوة ، وقد نصب له ترساً ليستظل به من حرارة الشمس ، فاجتاز عليه وقال له : يا أخا الْأَزْدِ، أَمَعَكَ طَهُورٌ ؟

نعم .

فناوله الأداوة ، ومضى الإمام بعيداً بحيث لا يراه أحد ثم أقبل وقد تطهر فجلس في ظل الترس ، وجاء فارس يريد الإمام(عليه السلام)، فأمره بإحضاره ، فلما مثل عنده قال له : يا أمير المؤمنين ، قد أقبل القوم وقطعوا النهر .

فردّ الإمام عليه بلا تردّد قائلاً : كَلَّا ما عَبَرُوا ...

بلى والله عبروا .

كلّا.

وأقبل شخص آخر صوب الإمام ، فقال له : يا أمير المؤمنين ، قد عبر القوم .

كَلَّا ما عَبَرُوا .

وراح الرجل يقسم بالله على ذلك قائلاً: والله ما جئتك حتى رأيت الرايات في ذلك الجانب والأثقال .

فردّ عليه الإمام بعنف : وَاللهِ ما فَعَلُوا، وَإِنَّهُ - أي قبل النهر - لَمَصْرَعُهُمْ ، وَمُهْراقُ دِمائِهِمْ .

وقد كان الرجلان عينين للخوارج ، أرسلا للإمام لبعض الأغراض العسكرية حتى يزحف لهم جند الإمام .

ونهض الإمام لا ومعه الأزدي ، فقال في قرارة نفسه الحمد الله الذي بصرني هذا الرجل ، وعرّفني أمره ، فهو أحد رجلين : أمّا رجل كذاب جريء ، أو على بيّنة من ربِّه ، وعهد نبيّه ، اللهم إني أعطيك عهداً تسألني عنه يوم القيامة ، إن أنا وجدت القوم قد عبروا أن أكون أوّل من يقاتله ، وأوّل من يطعن في عينه بالرمح ، وإن كان القوم لم يعبروا ، أن أقيم معه على المناجزة والقتال ، فدفعنا إلى الصفوف ، فوجدنا رايات القوم وأثقالهم كما هى :

وأقبل الإمام فأخذ بقفاي وقال يحكى ما أضمرته في نفسي : يا أَخا الْأَزْدِ، أَتَبَيَّنَ لَكَ الْأَمْرُ؟

أجل يا أمير المؤمنين !!

شَأْنُكَ بِعَدُوِّكَ .

وانضم في سلك الجيش ، وأخذ يقاتل الخوارج على بصيرة من أمره.(1)


1) بحار الأنوار: 41 : 184 و 185 . الإرشاد : 1 : 317 و 318 . إعلام الوری : 1 : 338 و 339.

مع المبايعين للضب

روى الثقة الأمين الأصبغ بن نباتة ، قال : « أمرنا الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) بالمسير إلى المدائن ، فسرنا يوم الأحد ، وتخلف عمرو بن حريث - وهو من رؤوس المنافقين - ومعه سبعة من أصحابه ، فخرجوا للتنزه في ( الخورنق ) ، وبينما ه-م يتغدون إذ خرج عليهم ضبّ ، فصادوه ، فأخذه عمرو بن حریث فنصب كفه ، وقال : بايعوا هذا أمير المؤمنين ، فبايعه السبعة وعمرو ثامنهم ، ثم ارتحلوا فقدموا المدائن ، وكان الإمام يخطب ، فلما نظر إليهم قال :

يا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَسَرَّ إِلَيَّ أَلْفَ حَدِيثٍ ... وَإِنِّي سَمِعْتُ اللهَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ يَقُولُ:يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمَامِهِمْ(1)، وَإِنِّي أُقْسِمُ لَكُمْ بِاللهِ تَعَالَى ، لَيُبْعَثُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَمَانِيَةَ نَفَرٍ يُدْعَوْنَ بِإِمامِهِمْ ، وَهُوَ ضَبٌ ، وَلَوْ شِنْتُ أَنْ أُسَمِّيهِمْ لَفَعَلْتُ .

وذاب ابن حريث وارتعدت أوصاله من هذا النبأ(2).


1) الإسراء 17 :71

2) بحار الأنوار : 41 : 286 و 287 . الخصال : 644 و 645 .

مع ذى الثدية

ذو الثدية هو الخويصرة التميمي ، حرقوص بن زهير المعروف بذي الثدية ، من رؤوس المنافقين والمارقين من الإسلام، وهو الذي قال للنبي(صلی الله علیه وآله وسلم)حينما كان يقسم المال إعدل ، فغضب النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)وقال : وَيْلَكَ مَنْ يَعْدِلُ إِذا لَمْ أَعْدِلْ !

وروى أنس قال : كان في عهد رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)رجل يعجبنا تعبده واجتهاده ، فذکرناه لرسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) باسمه فلم يعرفه ، فبينما نحن نذكره إذ طلع الرجل علينا فقلنا هو هذا ، فقال : إِنَّكُمْ لَتُخْبِرُونِي عَنْ رَجُلٍ أَنَّ فِي وَجْهِهِ لَسَفْعَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ .

فأقبل حتى وقف عليهم ولم يسلّم ، فقال له رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) : أَنْشُدُكَ الله، هَلْ قُلْتَ حَتَّى وَقَفْتَ عَلَى الْمَجْلِسِ ، ما فِي الْقَوْمِ أَحَدٌ أَفْضَلُ مِنِّي أَوْ خَيْرٌ مِنّي ؟

اللهمّ نعم .

ثمّ مضى يصلّي ، فقال رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم): مَنْ يَقْتُلُ الرَّجُلَ ؟

قال أبو بكر : أنا فدخل عليه فوجده يصلّي فقال : سبحان الله !! أقتل رجلاً يصلي ، وقد نهى رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)عن قتل المصلين، وقفل راجعاً إلى النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) فقال له : ما فَعَلْتَ ؟

قال : كرهت أن أقتله وهو يصلّي ، وقد نهيت عن قتل المصلين ، فندب رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)أصحابه ثانياً ، فانبرى عمر وقال : أنا فمضى إليه فوجده واضعاً جبهته لله فكره أن يقتله ، فرجع إلى رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم).

فقال له : مَهْيَمْ ؟(1)

قال عمر: وجدته واضعاً جبهته الله فكرهت أن أقتله، فندب رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)إلى قتله، فانبرى إليه الإمام(عليه السلام) فوجده قد خرج ، فأقبل إلى النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، فأخبره بخروجه ، فقال : لَوْ قُتِلَ ما اخْتَلَفَ مِنْ أُمَّتِي رَجُلَانِ(2).

لقد انطوت نفس ذي الثدية على الكفر، وكان إسلامه ظاهرياً، وقد تمرّد على الإمام(عليه السلام) الذي هو نفس رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) حسبما دلت عليه آية المباهلة ، فقد أعلن العصيان المسلّح على حكومة الإمام(عليه السلام)في حرب النهروان ، وهو من أعلام الخوارج ، ولما انتهت الحرب ، وسقطوا قتلى في أرض المعركة طلب الإمام من أصحابه أن يلتمسوا له ذا الثدية ، فبحثوا عنه فلم يجدوه فأخبروا الإمام بذلك، فأمرهم ثانياً بالبحث عنه قائلاً : ما كُذِبْتُ وَلَا كَذَّبْتُ عَلى مُحَمَّدٍ(صلی الله علیه وآله وسلم)، وَإِنَّهُ لَناقِصُ الْيَدِ لَيْسَ فِيها عَظْمٌ ، فِي طَرَفِها حَلَمَةٌ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرأَةِ ، عَلَيْها خَمْسُ شَعَرَاتٍ أَوْ سَبْعُ ، رُؤُوسُها مُقْصَعَةٌ.

وأمر الإمام بالبحث عن جثته ، فلما أحضرت أمامه كشفوا عن يده ، فإذا ليس له يد ، وإنّما على منكبه ثدي كثدي المرأة ، وعليه شعرات سود تمتد حتى تحاذي بطن يده الأخرى ، فإذا تركت عادت ، ولما رأى الإمام ذلك خر الله تعالى ساجداً (3).

لقد تحقق ما أخبر به الإمام في شأن ذي الثدية وكان ذلك مما عهد به رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) إليه.


1) كلمة استفهام معناها ما حالك أو ما حدث لك أو ما الخبر؟

2) النص والاجتهاد : 118 ، الطبعة السابعة ، نقلاً عن أمهات المصادر الإسلامية. مجمع الزوائد : 6: 227 . الإصابة : 2 : 341 .

3) مروج الذهب : 3 : 47 و 48 .

إخباره (عليه السلام) بحكومة مروان وأولاده

واستشف الإمام من وراء الغيب أن مروان بن الحكم الوزغ ابن الوزغ سوف يلي الحكم مع أبنائه الأربعة وهم بنو عبدالملك: الوليد ،سليمان ، يزيد ، وهشام، ولم يل الحكم من بني أمية ولا من غيرهم اخوة إلا هؤلاء(1)، وكان إعلان الإمام(عليه السلام)عن ذلك حينما ألقى القبض على مروان بعد انتهاء حرب الجمل ، وجيء به أسيراً ، وقد تشفّع به الإمامان الحسن والحسين(عليهم السلام)فقالا لأبيهما : يُبايِعُكَ يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ .

وزهد الإمام في بيعته قائلاً : أَوَ لَمْ يُبَايِعْنِي بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ؟ لَا حَاجَةً لِي فِي بَيْعَتِهِا إِنَّهَا كَفِّ يَهُودِيَّةٌ لَوْ بَايَعَنِي بِكَفِّهِ لَغَدَرَ بِسُبْتِهِ . أَمَا إِنَّ لَهُ إِمْرَةً كَلَمْقَةِ الْكَلْبِ أَنْفَهُ، وَهُوَ أَبو الأكبش الأَرْبَعَةِ، وَسَتَلْقَى الأمةُ مِنْهُ وَمِنْ وَلَدِهِ يَوْمَاً أَحْمَرَ !(2)

وحكت هذه الكلمات ما يلي :

1 - إنّها ألمت بنفسية مروان ، وحكت طباعه وميوله ، وكان من أبرزها الغدر والمكر ، وخبث السريرة ، فقد بايع الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) بعد قتل عثمان بن عفان ، ولكنه سرعان ما نكث بيعته ، فقد انضم إلى حزب عائشة التي أعلنت التمرّد


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 6: 147 .

2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 6: 146 . نهج البلاغة : 1: 123 و 124 .

على حكومة الإمام.

إنّ مروان لم يتمتّع بأيّة نزعة كريمة ، فقد انغمس في الباطل والموبقات ، وقد لعنه النبي له وهو في صلب أبيه ، فقد روت عائشة أن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) لعن أبا مروان ومروان في صلبه(1)وجيء به بعد ولادته إلى النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) فقال : هُوَ الْوَزَعُ ابْنُ الْوَزَعَ الْمَلْعُونُ ابْنُ الْمَلْعُونِ(2).

واجتاز الحكم على النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) فقال : وَيْلٌ لِأُمَّتِي مِمَّا فِي صُلْبِ هذا (3)

لقد استشف النبي من وراء الغيب ما تعانيه الأمة الإسلامية من الأحداث الجسام من مروان وأبنائه فلعنهم وتبرأ منهم .

2 - إنّ الإمام (عليه السلام)أخبر عن قصر المدة التي يحكم فيها مروان ، وشبهها بلعقة الكلب أنفه ، وهو كناية عن قذارة حكمه ، وسوء سلطانه ... وكان . وكان سبب هلاكه أنّه عير خالد بن يزيد بن معاوية بأمه التي هي زوجته ، ففزع إلى أمه يبكي ، فتألمت ، وسارعت مع جواريها إلى اغتياله، وبذلك انتهت صفحة من صفحات الخزي والعار ، وانطوى ملف من ملفات الخيانة والإثم.

3 - إنّ الإمام(عليه السلام)أخبر عمّا تعانيه الأمة في عهده وعهد أبنائه من الكوارث والخطوب، وقد جرى ذلك ، فقد تجرّع العالم الإسلامي ألواناً قاسية ومريرة من المحن الشاقة ، والتي كان منها أن عبد الملك بن مروان ولّى على الأمّة أشرّ خلق الله ، وهو الحجّاج الثقفي الذي جهد على ظلم الناس ، وارغامهم على ما يكرهون .


1) تفسير القرطبي : 16 : 197 . تفسير الرازي : 7 : 497 . أسد الغابة : 2 : 134 .

2) مستدرك الحاكم : 4 : 497. ينابيع المودة : 2 : 469. السيرة الحلبية : 1 : 509

3) أسد الغابة : 2 : 34 مجمع الزوائد : 5 : 241. المعجم الأوسط : 2 : 144 . كنز العمال : 11: 167 . تاريخ مدينة دمشق : 57 : 267 . الإصابة : 2 : 92 .

إخباره(عليه السلام) عن ملك معاوية

أخبر الإمام(عليه السلام) من حضر في مجلسه عن استيلاء معاوية على الحكم ، وما تعانيه الأمّة في عهده من الظلم والجور قائلاً:

«أَمَّا إِنَّهُ سَيَظْهَرُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي رَجُلٌ رَحْبُ الْبُلْعُوم ، مُنْدَحِقُ الْبَطْنِ(1)، يَأْكُلُ مَا يَجِدُ ، وَيَطْلُبُ مَا لَا يَجِدُ ، فَاقْتُلُوهُ ، وَلَنْ : تَقْتُلُوهُ : أَلَا وَإِنَّهُ سَيَأْمُرُكُمْ بِسَبِّي وَالْبَرَاءَةِ مِنِّي ؛ فَأَمَّا السَّبُّ فَسُتُونِي ، فَإِنَّهُ لِي زَكَاةً ، وَلَكُمْ نَجَاةٌ ؛ وَأَمَّا الْبَرَاءَةُ فَلَا تَتَبَرَّأُوا مِنِّي ؛ فَإِنِّى وُلِدْتُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، وَسَبَقْتُ إِلَى الْإِيْمَانِ وَالْهِجْرَةِ »(2).

وحكت هذه الكلمات الصفات القذرة الماثلة في معاوية من نهمه وجشعه على الطعام، وصفاته الجسدية التي منها اندحاق البطن وغيرها ... وأنّه سيفرض على المسلمين سبّ الإمام والبراءة منه ؛ لأنه رائد العدالة الاجتماعية ، وقد فضحه وفضح غيره من ملوك الظلم والجور وذلك بما سار عليه أيام حكومته من العدل الخالص والحق المحض .


1) مندحق البطن : أي عظيم البطن.

2) نهج البلاغة : 1 : 105 .

إخباره(عليه السلام) عن استيلاء الأمويين على الحکم

أخبر الإمام(عليه السلام)عن استيلاء الأمويين على الحكم ، وما تعانيه الأمة في ظلّ حكمهم من الظلم والجور ، قال(عليه السلام):

«أَلَا وَإِنَّ أَخْوَفَ الْفِتَنِ عِنْدِي عَلَيْكُمْ فِتْنَةُ بَنِي أُمَيَّةَ ، فإِنَّهَا فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ مُظْلِمَةٌ ، عَمَّتْ خُطَّتُهَا ، وَخَصَّتْ بَلِيَّتُهَا ، وَأَصَابَ الْبَلَاءُ مَنْ

أَبْصَرَ فِيهَا ، وَأَخْطَأَ الْبَلَاءُ مَنْ عَمِيَ عَنْهَا .

وَأَيْمُ اللهِ لَتَجِدُنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لَكُمْ أبَابَ سُوْءٍ بَعْدِي ، كَالنَّاب الضَّرُوسِ(1)، تَعْدِمُ بِفِيهَا(2)، وَتَخْبِطُ بِيَدِهَا ، وَتَزْيِنُ بِرِجْلِهَا(3)، وَتَمْنَعُ دَرَّهَا ، لَا يَزَالُونَ بِكُمْ حَتَّى لَا يَتْرُكُوا مِنْكُمْ إِلَّا نَافِعاً لَهُمْ ، أَوْ غَيْرَ ضَائِرِ بِهِمْ .

وَلَا يَزَالُ بَلَاؤُهُمْ عَنْكُمْ حَتَّى لَا يَكُونَ انْتِصَارُ أَحَدِكُمْ مِنْهُمْ إِلَّا كَانْتِصَارِ الْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ ، وَالصَّاحِبِ مِنْ مُسْتَصْحِبِهِ ، تَرِدُ عَلَيْكُمْ


1) الناب الضروس : هى الناقة السيّئة .

2) تعذم بفيها : أي تعض بفيها ، أو تأكل بجفاء .

3) تزین برجلها : أي تدفع برجلها.

فِتْنَتُهُمْ شَوْهَاءَ مَحْشِيَّةٌ ، وَقِطَعاً جَاهِلِيَّةٌ ، لَيْسَ فِيهَا مَنَارُ هُدى ، وَلَا عَلَمٌ يُرَى(1).

أعرب الإمام في حديثه عن استيلاء الأمويين على الحكم ، وعمّا تعانيه الأمّة في عهدهم من الظلم والجور ، ولا يسلم من شرّهم إلا من كان عميلاً لهم ، وخادماً لرغباتهم ، أما من حاد عنهم فمصيره السجن والإعدام .


1) منهاج البراعة : 7 : 86 نهج البلاغة : 1: 183 .

ظلم الأمويين وجورهم

وأحاط الإمام(عليه السلام)أصحابه علماً بما تعانيه الأمة من ظلم الأمويين وجورهم بعد تسلّمهم لقيادة الحكم قائلاً:

« وَاللهِ لَا يَزَالُونَ حَتَّى لَا يَدَعُوا لِلَّهِ مُحَرَّماً إِلَّا اسْتَحَلُوهُ ، وَلَا عَقْداً إِلَّا حَلُّوهُ ، وَحَتَّىٰ لَا يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا دَخَلَهُ ظُلْمُهُمْ وَنَبَا بِهِ سُوءُ رَعْيِهِمْ ، وَحَتَّى يَقُومَ الْبَاكِيَانِ يَبْكِيَانِ ؛ بَاكِ يَبْكِي لِدِينِهِ ، وَبَاكِ يَبْكِي لِدُنْيَاهُ ، وَحَتَّىٰ تَكُونَ نُصْرَةً أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِهِمْ كَنُصْرَةِ الْعَبْدِ مِنْ سَيّدِهِ ، إِذَا شَهِدَ أَطَاعَهُ ، وَإِذَا غَابَ اغْتَابَهُ»(1).

وعاث الأمويون فى الأرض فساداً ، وملأوا الدنيا ظلماً وجوراً حتى قال القائل في عهد زياد : إنج سعد فقد هلك سعيد ، ولم يبق ظلم إلا صبّوه على المسلمين خصوصاً على شيعة أهل البيت(عليهم السلام) .


1) نهج البلاغة : 1 : 190 .

مع جيشه المتخاذلين

وأخبر الإمام جيشه المتخاذل بما يجري عليهم من الذل والهوان من بعده قائلاً:

«أَمَا إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي ذُلَّا شَامِلاً ، وَسَيْفاً قاطعاً، وَأَثَرَةٌ يَتَّخِذُهَا الظَّالِمِونَ فِيكُمْ سُنَّةٌ ، فَيُفَرِّقُ جَمَاعَتَكُمْ ، وَيُبْكِي عُيُونَكُمْ، وَيُدْخِلُ الْفَقْرَ بُيُوتَكُمْ ، وَتَتَمَنَّوْنَ عَنْ قَلِيلٍ أَنَّكُمْ رَأَيْتُمُونِي فَنَصَرْتُمُونِي فَسَتَعْلَمُونَ حَقَّ ما أَقُولُ لَكُمْ ، وَلَا يُبْعِدُ الله إِلَّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ» (1).

وتحقق ما أنبأ به الإمام(عليه السلام)جيشه الذي أعلن عليه العصيان ، فقد ألبسهم الله ذلاً شاملاً وسلط عليهم أرجاس البشرية من الأمويين فجهدوا في ظلمهم وإذلالهم ، وأخذوا البريء منهم بالسقيم، والمقبل بالمدبر، وقتلوا منهم على الظنّة والتهمة ، وقد ندم أهل الكوفة بعد أن آل الحكم إلى معاوية كأشدّ ما يكون الندم على خذلانهم للإمام، وتمنوا وجوده لينصروه ويحموه .


1) نهج البلاغة : 92 ، الخطبة 58 .

ظلم الحجّاج وجوره

وأدلى الإمام(عليه السلام)في بعض خطبه ما سيحلّ بأهل الكوفة الذين جرعوه نغب التهام ، وملأوا قلبه الشريف آلاماً بعصيانهم وخذلانهم ، وإنّ الله تعالى سيسلّط عليهم الحجاج بن يوسف الثقفي فيسقيهم كأساً مصبرة ، قال(عليه السلام):

«أَمَا وَاللهِ ، لَيُسَلَّطَنَّ عَلَيْكُمْ غُلَامُ ثَقِيفِ الذَّيَّالُ(1)الْمَيَّالُ ؛ يَأْكُلُ خَضِرَتَكُمْ ، وَيُذِيبُ شَحْمَتَكُمْ ، إِيهِ أَبَا وَذَحَةَ !»(2).

ولم تمض الأيام حتى سلّط الله على أهل الكوفة الحجاج بن يوسف الثقفي ، وهو أقذر ارهابي لا يعرف الرحمة ، ولا عهد له بالرأفة ، وقد اقترف من الفظائع والآثام في حق أهل الكوفة ما لا يوصف لمرارته وقسوته .

وقد أجمع المؤرّخون على ظلمه وجوره ، وأنّه كان لا يلتذّ إلا بسفك الدماء ، وإشاعة الرعب والفزع بين الناس ، وقد مرّ على الكوفة في عهده دور قاس ورهيب لم تشاهد في مثله إلا في عهد الطاغية زياد بن أبيه ، وابنه عبيد الله ، لقد سجن آلاف الأبرياء من النساء والرجال من غير ذنب اقترفوه ، وإنّما كان يقتل ويسجن على الظنّة والتهمة من غير تحقيق.


1) الذيال : الطويل القد المتبختر في مشيته.

2) نهج البلاغة : 1 : 230 .

أما سبب هلاكه فتعزوه المصادر إلى أنه رأى خنفساء تدبّ إلى مصلاه فطردها فعادت ، فطردها فعادت ، فأخذها بيده فلسعته ، فورمت يده ، وأخذته الحمى من اللسعة ، حتى هلك بأضعف مخلوقات الله ، وهذا هو المراد من قوله(عليه السلام) : إيهٍ أَبَا وَذَحَةَ !

لقد عانى أهل الكوفة هذا البلاء العاصف من جراء تخاذلهم عن الإمام وعصيانهم له .

المقتولون من أصحابه والناجون من الخوارج

ولمّا صمّم الإمام(عليه السلام)على حرب الخوارج أخبر عن عدد المقتولين منأصحابه ، والناجين من الخوارج قال(عليه السلام):

«مَصَارِعُهُمْ دُونَ النُّطْفَةِ(1)، وَاللهِ لَا يُفْلِتُ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ ، وَلَا يَهْلِكُ مِنْكُمْ عَشَرَةٌ »(2).

وتحقق ما أخبر به الإمام ، فقد استشهد من أصحابه تسعة أشخاص ، ويقي من الخوارج تسعة أشخاص ، وهم الذين أشاعوا فكرة الخوارج بين المسلمين.


1) قال الرضي : يعني بالنطفة ماء النهر ، وهي أفصح كناية .

2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 5 : 1 . نهج البلاغة : 1 : 107 . ينابيع المودة : 1: 206.

مقتل زُرْعة

ذكر ابن أبي الحديد أن عليّاً(عليه السلام)لمّا دخل الكوفة دخلها معه كثير من الخوارج ، وتخلّف منهم بالنخيلة وغيرها خلق كثير لم يدخلوها، فدخل حُرقوص ابن زهير السعدي، وزُرعة بن البرج الطائي -وهما من رؤوس الخوارج - على عليّ(عليه السلام)فقال له حُرقوص: تب من خطيئتك ، واخرج بنا إلى معاوية نجاهده ، فقال له عليّ (عليه السلام):

« إِنْ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الْحُكُومَةِ فَأَبَيْتُمْ ، ثُمَّ الْآنَ تَجْعَلُونَها ذَنْباً ! أَمَا إِنَّهَا لَيْسَتْ بِمَعْصِيَةٍ ، وَلَكِنَّها عَجْرٌ مِنَ الرَّأْيِ ، وَضَعْفٌ فِي التَّدْبِيرِ ، وَقَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ » .

فقال زُرْعة : أما والله لئن لم تتب من تحكيمك الرجال لأقتلنّك .

فقال له عليّ(عليه السلام) :

«بُؤْساً لَكَ ما أَشْقاكَ ! كَأَنِّي بِكَ قَتِيلاً تَسْفِي عَلَيْكَ الرِّياحُ ! »(1)


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 2: 268. الكامل في التاريخ : 3 : 334. تاريخ الأمم والملوك : 4 : 53 .

عدم نهاية الخوارج

ولما أباد الإمام(عليه السلام) معظم الخوارج ، قيل له : يا أمير المؤمنين ، هلك القوم بأجمعهم ، فقال(عليه السلام):

«كَلاً وَاللهِ ؛ إِنَّهُمْ نُطَفٌ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ ، وَقَرَارَاتِ النِّسَاءِ ، كُلَّمَا نَجَمَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطِعَ ، حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُمْ نُصُوصاً سَلَّابِينَ »(1).

وتحقق ما أخبر به الإمام(عليه السلام) فلم يهلكوا جميعاً ، وإنّما بقيت منهم عصابة اتسعت وقاومت الولاة والحكّام .


1) نهج البلاغة : 1 : 107 و 108 .

خلافة عبد الملك

وأدلى الإمام(عليه السلام) وهو على المنبر بإمرة عبدالملك بن مروان ، وما يرافقها من سفك الدماء قائلاً:

«كأَنِّي بِهِ قَدْ نَعَقَ بِالشَّامِ ، وَنَحَصَ بِرَايَاتِهِ فِي ضَوَاحِ-ي كُوفَانَ ، فَعَطَفَ عَلَيْهَا عَطْفَ الضَّرُوسِ ، وَفَرَشَ الْأَرْضَ بِالرُّؤوس . قَدْ فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ ، وَثَقُلَتْ فِي الْأَرْضِ وَطَأَتُهُ، بَعِيدَ الْجَوْلَةِ ، عَظِيمَ الصَّوْلَةِ »(1).

وحكى كلام الإمام الله ظهور عبدالملك بن مروان بالشام، وملكه للعراق ، وما يقتل من المسلمين من جراء ذلك ، فقد ملئت الأرض بجثث القتلى في حربه لابن الزبير ، وقد انتشر الحزن ، وعمّ الحداد جميع أرجاء الوطن الإسلامي من كثرة القتلى .


1) بحار الأنوار: 41 356 . نهج البلاغة : 2 : 22 .

ثورة ابن الزبير

من المغيبات التي أخبر عنها إمام المتقين ، وسيّد الموحدين(عليه السلام) ثورة ابن الزبير ، وسعيه لطلب الملك بجميع طاقاته إلّا أنّه لم يظفر به ، وقد وصفه لا وحكى نفسيته بما يلي :

«خَبٌ ، ضَبٌ يَرُومُ أَمْراً لَا يُدْرِكُهُ ، يَنْصِبُ حِبالَةَ الدِّينِ لاِصْطِيادِ الدُّنْيا ، وَهُوَ بَعْدُ مَصْلُوبُ قُرَيْشِ».

وألم حديث الإمام(عليه السلام) بأوصاف ابن الزبير ، وبنهايته وهي كما يلي :

إن الإمام(عليه السلام)وصف ابن الزبير بالخب ، وهو المخادع الخبيث(1). كما وصفه بالضب ، وهو البخيل ، والعرب تشبه كفّ البخيل إذا قصر عن العطاء بكف الضب (2).

لقد كان ابن الزبير خداعاً ، بخيلاً، سيء الخلق ، حسوداً ، لا يتمتع بأية صفة كريمة ، وقد عانت الموالي في عهده الضيق والحرمان يقول الشاعر :

إِنَّ المَوالِي أَمَسَتْ وَهيَ عاتبةٌ*** عَلى الخَليفَةِ تَشْكوا الجوعَ وَالسَّغَبا

ماذا عَلَيْنا وَماذا كانَ يَرْزَؤُنا ***أَيُّ المُلوكِ عَلى مِنْ حَولنا غَلَبا


1) لسان العرب : 1 : 539 .

2) لسان العرب : 1 : 539 .

الملاحم والمعيبات التي اخبر عنها الأمام .

2 - إنّ ابن الزبير رام الخلافة وسعى إليها جاهداً باذلاً جميع طاقاته إلا أنه لم يظفر بها كما قال الإمام - وذلك لبخله ، وفيه يقول الشاعر :

رَأَيتُ أَبا بَكْرٍ وَرَبُّكَ غالِبٌ ***عَلَى أَمْرِهِ يَبْغِي الخِلافَةَ بِالتَّمْرِ(1)

وقد عانى المسلمون في حكمه القصير الأمد الجوع والحرمان ؛ لأنّه لم تكن عنده أيّة نفحة من نفحات الكرم والجود .

3- من أوصاف ابن الزبير أنه كان مرائياً لا يعرف الواقع ، فقد أظهر النسك والعبادة والتجرد عن الدنيا ، مع أنه كان ذئباً ، فقد اعتمد على الرياء لإغراء السذج والبسطاء ، ولم يخف أمره على العارفين به ، فقد قال عبدالله بن عمر لزوجته حينما ألحت عليه بمبايعته لأنّه تقي متعبد ، فردّ عليها قائلاً:

أما رأيت بغلات معاوية التي كان يحجّ عليها الشهباء فإنّ ابن الزبير ما يريد غيرها (2)

ومن المؤكّد أنّه عار من جميع أرصدة التقوى والخوف من الله تعالى ، ولو كان يرجو الله واليوم الآخر لما حارب وصي رسول الله وباب مدينة علمه ، وكان من أعظم الحاقدين على الأسرة النبوية ، فقد كان يخطب ، ولا يصلي على النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)في خطابه ، وقيل له في ذلك فقال : إن له أهل بيت إن ذكرته اشرأبت أعناقهم .

وبلغ من عدائه للأُسرة النبوية أنّه حبسهم وهدّدهم بالحرق إن لم يبايعوه ، فأنقذهم بطل الإسلام المختار بن أبي عبيد من شرّه وبلائه ، وقد طلب الجيش من العلويين أن ينزل العقاب الصارم بابن الزبير عدوهم الماكر فأبوا وتمسكوا بأخلاقهم العلوية ، وهي مكافأة المسيء بالإحسان .


1) المعارف / ابن قتيبة : 3: 25 . المحرّر الوجيز / ابن عطية الأندلسي : 231

2) المختار: 95

المختار (رحمۀ الله علیه)

لما ظهر المختار بن أبي عبيد بالكوفة بايعه الناس وطالب بدم الحسين(عليه السلام)فجاء عبيد الله بن زياد من الشام بجيش جرّار ، فبعث إليهم ابن الأشتر فجال جيش ابن الأشتر منادين يا لثارات الحسين فناداهم الصبر الصبر ، فتراجعوا ، فقال لهم عبد الله بن يسار بن أبي عقيب الدولي : حدثني خليلي - يعني أمير المؤمنين(عليه السلام)- إنا نلقى أهل الشام على نهر يقال له الخازر ، فيكشفونا حتى نقول هي هي ثم نكرّ عليهم فنقتل أميرهم .

وفعلاً فقد تحقق ما أخبر به أمير المؤمنين(عليه السلام) ، فقد قتل في ليل ذلك اليوم الوغد الخبيث ابن مرجانة وتبدّد جيشه كما يتبدد الظلام في النور .

وسئل الإمام زين العابدين : يابن رسول الله ، إنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) ذكر من أمر المختار ولم يقل متى يكون ؟ ولمن يقتل ؟ فقال(عليه السلام): صَدَقَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام).

أَوَلَا أُخْبِرُكُمْ مَتى يَكُونُ ؟ قالوا : بلى .

قال(عليه السلام) : يَوْمَ كَذَا إِلَى ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ قَوْلِي هذا لَكُمْ، وَسَيُؤتى بِرَأْسَيْ عُبَيْدِ اللهِ ابْنِ زِيادٍ وَشَمِرِ بْنِ ذِي الْجَوْشَنِ عَلَيْهِما اللَّعْنَةُ فِي يَوْمٍ كَذَا وَكَذَا، وَسَنَأْكُلُ وَهُما بَيْنَ أَيْدِينا - أي رأسيهما - نَنْظُرُ إِلَيْهِما »(1).


1) التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري(عليه السلام): 552 . بحار الأنوار : 45 : 342 .

انقراض دولة بني أمية

أدلى الإمام(عليه السلام) بحديث له عن حتمية انقراض دولة الأمويين ، قال(عليه السلام):

« فَأُقْسِمُ بِاللهِ ، يَا بَنِي أُمَيَّةَ ، عَمَّا قَلِيلٍ لَتَعْرِفُنَّهَا - أي الخلافة - فِي أَيْدِي غَيْرِكُمْ وَفِي دَارِ عَدُوِّكُمْ !»(1).

لقد انقرضت الدولة الأموية على يد ألد أعدائهم وخصومهم العباسيين ، فأشاعوا فيهم القتل والتنكيل ، وأبادوهم تحت كل حجر ومدر ، ولم يشفع فيهم أحد سوى سليل النبوة الإمام الصادق(عليه السلام)، فقد كتب إلى السفاح يطلب منه أن لا يتعرّض بسوء لمن بقي منهم ، فبهر السفّاح ، وقال : قتلوا آباءهم وسبوا نساءهم ، ويتشفّع فيهم ، ولم يعلم السفاح أن الإمام الصادق(عليه السلام)من أهل بيت النبوة ، ومعدن الرحمة ، وأنهم يفيضون بالإحسان لمن أساء إليهم.


1) منهاج البراعة : 7 : 216 . نهج البلاغة : 1 : 201 .

حكومة بني العباس

أخبر الإمام(عليه السلام) المستشاره عبد الله بن العباس بانتقال الحكم إلى أبنائه :

1 - وذلك حينما ولد له ولد أسماه عليّاً ، فحمله إلى الإمام للتبرك به فأخذه الإمام وتفل في فيه ، وحنّكه بتمرة ودفعه إليه ، وقال له : خُذْهُ إِلَيْكَ أَبَا الْأَمْلَاكِ (1).

2 - وكذلك أخبره في حديث آخر بقوله(عليه السلام) : يَابْنَ عَبّاسٍ ، إِنَّ مُلْكَ بَنِي أُمَيَّةَ إِذا الا زالَ فَأَوَّلُ ما يَمْلِكُ مِنْ بَنِي هَاشِمِ وُلْدُكَ فَيَفْعَلُونَ الْأَفاعِيلَ (2).

وتحقق ما تنبأ به الإمام ، فقد آل الحكم إلى بني العباس الذين هم من ذرية عبدالله ، بعد أن انقرضت الدولة الأموية التي عاثت فساداً في الأرض.


1) الكامل المبرد :2 : 217 السيرة الحلبية : 1 : 108 . وفيات الأعيان : 3 : 274

2) الفضائل / شاذان بن جبرئيل : 141

شخص يريد الاحتيال على الإمام(عليه السلام)

قال(عليه السلام): لَوْ وَجَدْتُ ثَقَة لَبَعَثْتُ مَعَهُ بِمَالٍ إِلَى شِيعَتِي فِي الْمَدائِنِ .

فقال رجل في نفسه : لآتينه ولأقولنّ أنا ذاهب بالمال فيثق بي ، فإذا أخذته أخذت طريقى إلى الشام إلى معاوية .

فقصدت الإمام ، وقلت له : أعطني المال حتى أبعثه إلى شيعتك .

فنهره الإمام وقال له : إِلَيْكَ عَنِّي ، تَأْخُذُ طَرِيقاً إلى مُعاوِيَةَ (1).


1) بحار الأنوار: 41 : 297

إخباره(عليه السلام) بمجيء ألف لمبايعته

كان الإمام(عليه السلام) بذي قار يأخذ البيعة ، فقال(عليه السلام)لأصحابه : يَأْتِيكُمْ مِنْ قِبَلِ الْكُوفَةِ أَلْفُ رَجُلٍ لَا يَزِيدُونَ رَجُلاً وَلَا يَنْقُصُونَ رَجُلاً، يُبَايِعُونِي عَلَى الْمَوْتِ .

قال ابن عب~اس : فجزعت لذلك ، وخفت أن ينقص القوم من العدد أو يزيدون عليه ، فأخذت أحصي القوم فاستوفيت عددهم تسعمائة رجل ، وتسعة وتسعين رجلاً ثم انقطع مجيء القوم ، فداخلني الشك والريب فبينما أنا أفكر إذ رأيت شخصاً قد أقبل ، وهو راجل عليه قباء صوف ومعه سيف وترس وأداوة .

فقال للإمام : امدد يدك أبايعك.

عَلَامَ تُبايِعُنِي ؟

على السمع والطاعة والقتال بين يديك أو يفتح الله على يدك .

ما اسْمُكَ ؟

أويس القرني .

اللهُ أَكْبَرُ، أَخْبَرَنِي حَبِيبِي رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم)أَنِّي أدْرِكُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي يُقالُ لَهُ أَوَيْسُ الْقَرَنيُّ يَكُونُ مِنْ حِزْبِ اللهِ يَمُوتُ عَلَى الشَّهادَةِ، يَدْخُلُ فِي شَفاعَتِهِ مِثْلُ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ (1).


1) بحار الأنوار: 41 : 300 الخرائج والجرائح : 1: 195.

الصليب في عنق معاوية

قال : «لَا يَمُوتُ ابْنُ هِنْدَ حَتَّى يُعَلَّقَ الصَّلِيبُ فِي عُنُقِهِ »(1)

وقد تحقق ذلك ، فقد ذكر الرواة أن معاوية لمّا ألمت به الأمراض كان له طبيب نصراني ، فقال له :

إن آلاماً قد أخذتني فهل لي من سبيل للتخلص منها ؟

فقال له : نعم ، عندنا صليب ما علّقه مريض في عنقه إلا برئ ، فجاء بالصليب إليه فعلقه في عنقه، وتوفّي معاوية والصليب في عنقه(2).


1) بحار الأنوار: 41 305 مناقب آل أبي طالب : 2 : 95.

2) المناقب والمثالب - أبي حنيفة (مخطوط).

البشارة بمولد الإمام زين العابدين(عليه السلام)

عند اقتران الإمام الحسين(عليه السلام) بالسيدة الجليلة شاه زنان بارك الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) لولده قائلاً: «يا أَبا عَبْدِ اللهِ ، لَيَلِدَنَّ لَكَ مِنْها غُلَامٌ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ»(1).

وفعلاً فقد تحقق ما أخبر عنه الإمام(عليه السلام)، فقد ولدت لولده الحسين(عليه السلام) سيد الساجدين وتاج البكائين زين العابدين صاحب رسالة الحقوق ، والتي هي من أذخر الرسائل الحقوقية ، والصحيفة السجادية وهي إنجيل آل محمّد.


1) الأحاديث الغيبية : 2 : 176. بصائر الدرجات : 355. بحار الأنوار: 46: 9 .

مقتل الإمام الرضا(عليه السلام)

عن النعمان بن سعد قال : قال أمير المؤمنين(عليه السلام):

سَيُقْتَلُ رَجَلٌ مِنْ وُلْدِي بِأَرْضِ خُراسانَ بِالسُّمَّ ظُلْماً ، اسْمُهُ اسْمِي ، وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمُ ابْنِ عِمْرَانَ مُوسَى ، أَلَا فَمَنْ زَارَهُ فِي غُرْبَتِهِ غَفَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ ذُنُوبَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْها وَما تَأَخَّرَ ... »(1)

لقد تحقق ما أخبر به(عليه السلام) فقد رزق الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام)أفضل خلق الله من بعده وهو الإمام الرضا ، والذي هو أثرى شخصية عرفها التأريخ بعلومه ومعارفه في زمانه ؛ إذ فتك به المأمون العباسي بالسمّ بعدما غرّبه عن الأوطان فمضى(عليه السلام) شهيداً محتسباً .


1) عيون أخبار الرضاء (عليه السلام): 2 : 258 . أمالي الصدوق : 181 و 182 .

مدينة بغداد

اجتاز الإمام(عليه السلام)على أرض بغداد ، فقال(عليه السلام): ما تُدْعَى هَذِهِ الْأَرْضُ ؟

فقالوا له : بغداد .

قال : نَعَمْ، تُبنى هاهنا مَدِينَةٌ ، وذكر أوصافها(1).

وتحقّق ذلك ، فقد بنيت بغداد وازدهرت في العصر العباسي ، فكانت عاصمة الدنيا ، وذكر الرواة أنّ الحسن بن ذكوان الفارسي التقى بالإمام ، وطلب منه أن يدعو الله له .

فقال له الإمام : إِنَّكَ سَتَعَمَّرُ، وَتُحْمَلُ إِلى مَدِينَةٍ يَبْنِيها رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَمِّيَ الْعَبْاسِ تُسَمَى بَعْدادَ، وَلَا تَصِلُ إِلَيْهَا ، وَتَمُوتُ بِمَوْضِع يُقالُ لَهُ الْمَدائِنُ .

فكان كما قال(عليه السلام)(2)


1) مناقب آل أبي طالب : 1: 422 .

2) بحار الأنوار: 41 : 307. مناقب آل أبي طالب : 2: 99.

عدد ملوك بنى العبّاس

وكان مما أخبر به الإمام(عليه السلام) أنه عدد ملوك بني العباس الذين يحكمون ، قال(عليه السلام) :

«وَيْلُ هذِهِ الْأُمَّةُ مِنْ رِجالِهِمْ الشَّجَرَةِ الْمَلْعُونَةِ الَّتِي ذَكَرَها رَبُّكُمْ تَعَالَى، أَوَّلُهُمْ خَضْراءُ وَآخِرُهُمْ هَزْماءُ ، ثُمَّ يَلِى بَعْدَهُمْ أَمْرَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ(صلی الله علیه وآله وسلم)رجالٌ.

أَوَّلُهُمْ أَرْأَفُهُمْ ، وَثَانِيهِمْ أَفْتَكهُمْ ، وَحَامِسُهُمْ كَبْشُهُمْ ، وَسَابِعُهُمْ أَعْلَمُهُمْ ، وَعاشِرُهُمْ أَكْفَرُهُمْ ، يَقْتُلُهُ أَخَصُّهُمْ بِهِ.

وَخامِسُ عَشَرِهِمْ كَثِيرُ الْعَناءِ ، قَلِيلُ الْغَنَاءِ ، وَسادِسُ عَشَرِهِمْ أَقْضاهُمْ لِلذّمَم ، وَأَوْصَلُهُمْ لِلرَّحِمِ .

كَأَنِّي أَرى ثَامِنَ عَشَرِهِمْ تَفْحَصُ رِجْلَاهُ فِي دَمِهِ بَعْدَ أَنْ يَأْخُذَ جُنْدُهُ بِكَظْمِهِ ، مِنْ وُلْدِهِ ثَلَاثُ رِجالٍ سِيرَتُهُمْ سِيرَةُ الضَّلَالِ .

الثَانِي وَالْعِشْرُونَ مِنْهُمْ الشَّيْخُ الْهَرِمُ ، تَطُولُ أَعْوامُهُ ، وَتُوافِقُ الرَّعِيَّةَ أَيَّامُهُ.

السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ مِنْهُمْ يَشْرُدُ الْمُلْكُ مِنْهُ شُرُودَ النَّفْنِق(1)،


1) النُّقْنِق : جمعه نقانق ، ذكر النعامة .

وَيَعْضُدُهُ الْهَزَرَةُ الْمُتَفَيْهِقُ ، لَكَانِّي أَراهُ عَلى جِسْرِ الزَّوْراءِ قَتِيلاً ، ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ »(1).

وأوضح المجلسي بنود هذه الخطبة قال :

إن أولهم - أي أوّل بنى العباس - هو السفاح كان أرأفهم(2).

وأنّ ثانيهم هو المنصور كان أفتكهم ، أي أجراهم ، وأشجعهم ، وأكثرهم قتلاً للناس خدعة وغدراً .

وأن خامسهم وهو الرشيد كان كبشهم ؛ إذ لم يستقر ملك أحد منهم كاستقرار ملكه ، وأنّ سابعهم وهو المأمون كان أعلمهم ، واشتهار وفور علمه من بينهم يغني عن البيان .

وأن عاشرهم وهو المتوكّل أكفرهم بل أكفر الناس كلهم أجمعين لشدّة نصبه وإيذائه لأهل البيت(عليه السلام) وشيعتهم وسائر الخلق ، وأن من قتله كان من غلمانه الخاصة .

وأنّ خامس عشرهم المعتمد على الله أحمد بن المتوكل ، وهو وإن كان زمان خلافته ثلاث وعشرين سنة لكن كان في أكثر زمانه مشتغلاً بحرب صاحب الزنج وغيره ، فلذا وصفه(عليه السلام) بكثرة العناء .

وسادس عشرهم المعتضد بالله رأى في النوم رجلاً أتى دجلة فمد يده إليها ، فاجتمع ماؤها فيها ، ثمّ فتح كفّه ففاض الماء ، فسأل المعتضد أتعرفني ؟ قال : لا ، قال : أنا عليّ بن أبي طالب إذا جلست على سرير الخلافة فأحسن إلى أولادي ، فلما وصلت إليه الخلافة أحبّ العلويين وأحسن إليهم ، فلذا وصفه (عليه السلام) بقضاء العهد


1) بحار الأنوار: 41: 322. مناقب آل أبي طالب : 2 : 110.

2) أي أرأفهم من بين ملوك بني العباس على العلويين.

وصلة الرحم .

وثامن عشرهم هو جعفر الملقب بـ المقتدر بالله ، وخرج مونس الخادم من جملة عسكره ، وأتى الموصل واستولى عليه ، وجمع عسكراً ورجع وحارب المقتدر في بغداد، وانهزم عسكر المقتدر ، وقتل هو في المعركة، واستولى على الخلافة من بعده ثلاثة من أولاده الراضي بالله محمد بن المقتدر ، والمتقي بالله إبراهيم بن المقتدر ، والمطيع الله فضل بن المقتدر.

وأما الثاني والعشرون منهم فهو المكتفي بالله عبد الله ، وادعى الخلافة بعد مضي إحدى وأربعين سنة من عمره - سنة ثلاثة وثلاثين وثلاثمائة ، واستولى أحمد ابن بويه في سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة على بغداد ، وأخذ المكتفي وسمل عينه وتوفّي في سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة .

ويقال : إنّه كانت أيام خلافته سنة وأربعة أشهر.

ويحتمل أن يكون من خطأ المؤرّخين أو رواة الحديث بأن يكون في الأصل الخامس والعشرون أو السادس والعشرون ، فالأول هو القادر بالله أحمد بن إسحاق ، وقد عمّر ستاً وثمانين سنة ، وكانت مدة خلافته إحدى وأربعين سنة ، والثاني القائم بأمر الله كان عمره سنّاً وسبعين سنة وخلافته أربعاً وأربعين سنة وثمانية أشهر .

ويحتمل أن يكون(عليه السلام) إنما عبّر عن القائم بأمر الله بالثاني والعشرين لعدم اعتداده بخلافة القاهر بالله ، والراضي بالله والمقتدر بالله والمكتفي بالله لعدم استقلالهم وقلة أيام خلافتهم .

فعلى هذا يكون السادس والعشرون الراشد بالله ، فإنّه هرب في حماية عمادالدين الزنجي ، ثم قتله بعض الفدائيين ، فقد قتل في أصفهان .

ويحتمل أن يكون المراد بالسادس والعشرين المستعصم ، فإنّه قتل كذلك وهو آخرهم ، وإنّما عبّر عنه كذلك مع كونه السابع والثلاثين منهم لكونه السادس

والعشرين من عظمائهم ، لعدم استقلال كثير منهم وكونهم مغلوبين للمماليك والأتراك .

ويحتمل أيضاً أن يكون المراد السادس والعشرين من العباس وأولاده، فإنّهم اختلفوا في أنّه هل هو الرابع والعشرون من أولاد العباس أو الخامس والعشرون منهم ، وعلى الأخير يكون بانضمام العباس السادس والعشرون وعلى الأخيرين يكون مكان يعضده يقصده»(1).


1) بحار الأنوار: 41 : 323 و 324 .

فتنة الزنج

من الأحداث الجسام التي أخبر عن وقوعها الإمام(عليه السلام)هي فتنة صاحب الزنج ، فقد زعم أنّه علي بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين (عليه السلام)، وقد احتف به الزنج ، ووعدهم بالتحرير والظفر بأموال الدولة وتسخيرها لمصالحهم ، فانصاعوا له ، والتفوا حوله ، وقد تحدث المؤرخون عن تفصيل الحادثة والفتوحات التي تمت له ، وإلى ما جرى عليه .

وعلى أي حال فلنستمع إلى ما قاله الإمام(عليه السلام) في وصف جيشه وإلى الدمار الذي حلّ في البلاد من جرائمهم ، قال(عليه السلام):

( يَا أَحْنَفُ ، كَأَنِّي بِهِ - أي بصاحب الزنج - وَقَدْ سَارَ بِالْجَيْشِ الَّذِي لَا يَكُونُ لَهُ غُبَارٌ وَلَا لَجَبٌ ، وَلَا قَعْقَعَةُ لُجُمِ ، وَلَا حَمْحَمَةُ خَيْلٍ يُثيرُونَ الْأَرْضَ بِأَقْدَامِهِمْ كَأَنَّهَا أَقْدَامُ النَّعَام » .

أشار الإمام(عليه السلام) إلى أوصاف جيش صاحب الزنج ، وأنّهم في منتهى التدريب العسكري ، لا غبار لهم ، ولا قعقعة لجم ، ولا حمحمة خيل ، وهذه الأوصاف أروع ما توصف به الجيوش المنظمة التي بلغت الذروة في تدريبها .

ثم عرض الإمام الها إلى ما تعانيه البلاد من الدمار والخراب من ذلك الجيش قال (عليه السلام):

«وَيْلٌ لِسِكَكِكُمُ الْعَامِرَةِ وَالدُّورِ الْمُزَخْرَفَةِ الَّتِي لَهَا أَجْنِحَةٌ

كَأَجْنِحَةِ النُّسُورِ، وَخَرَاطِيمٌ كَخَرَاطِيمِ الْفِيَلَةِ ، مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَا يُنْدَبُ قَتِيلُهُمْ ، وَلَا يُفْقَدُ غَائِبُهُمْ ...»(1).

وقد عانت البلاد الإسلامية أقسى ألوان المحن والخطوب من جيش صاحب الزنج ، فقد تهدّمت الدور وتخرّبت المزارع وتدهور الاقتصاد العام ، وكان ذلك في سنة 255هـ ، وقد ذكرت مصادر التاريخ تفصيل تلك الأحداث المروعة المؤسفة .


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 8 125 نهج البلاغة : 2: 9 و 10. مناقب آل أبي طالب : 2 : 107 و 108 .

حكومة بني بويه

أخبر الإمام(عليه السلام)عن حكومة بني بويه فقال :« وَيَخْرُجُ مِنْ دَيْلَمانَ بَنُو الصَّيَادِ(1)،ثُمَّ يَسْتَشْرِي أَمْرُهُمْ حَتَّى يَمْلِكُوا الزَّوْراءَ، وَيَخْلَمُوا الْخُلَفَاءَ .

فقام شخص وقال : كم مدتهم يا أمير المؤمنين ؟

فقال(عليه السلام): مائَةٌ - أي مائة عام - أَوْ تَزيدُ قَلِيلاً .

واستطرد الإمام(عليه السلام) في ذكرهم قائلاً: وَالْمُتْرَفُ ابْنُ الْأَجْدَمِ يَقْتُلُهُ ابْنُ عَمِّهِ عَلَى دِجْلَةَ .

أشار(عليه السلام) إلى عز الدولة بختيار بن معز الدولة أبي الحسين ، وكان معز الدولة أقطع اليد ، قطعت يده لنكوصه في الحرب ، وكان ابنه مترفاً صاحب لهو وشرب ، قتله عضد الدولة فناخسر و ابن عمه بقصر الجصّ على دجلة ، وسلب ملكه ، فأما خلعهم للخلفاء فإنّ معزّ الدولة خلع المستكفي ، وأقام عوضه المطيع ، وبهاء الدولة أبانصر ابن عضد الدولة، وخلع الطائع ورتب مكانه القادر ، وكانت مدة ملكهم كما أخبر به الإمام (عليه السلام)(2)


1) قال ابن أبي الحديد : كان أبوهم يصيد السمك ، ويتقوت به هو وعياله ، فأخرج من ولد ملوكاً ثلاثة ، ونشر رايتهم حتى ضربت الأمثال بملكهم.

2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 7 49. بحار الأنوار: 41: 352 و 353.

دولة المغاربة

من المغيبات التي أخبر عنها الإمام (عليه السلام) ظهور دولة للعلويين بالمغرب العربي بقيادة أبي عبدالله المهدي ، وهو أول ملوكهم .

قال : «ثُمَّ يَظْهَرُ صاحِبُ الْقَيْرَوانِ الْغَضُ الْبَضُّ ، ذُو النَّسَبِ الْمَحْضِ ، الْمُنتَجَبُ مِنْ سُلَالَةِ ذِي الْبِداءِ الْمُسَجِّى بِالرِّداءِ »(1).

قال ابن أبي الحديد : «كان عبيد الله المهدي أبيض ، مترفاً ، مشرباً بحمرة ، رخص البدن تار(2)الأطراف ، وذو البداء هو إسماعيل ابن الإمام جعفر الصادق ، وهو المسجى بالرداء ؛ لأنّ أباه سجّاه بردائه لما مات ، وأدخل عليه الله وجوه الشيعة يشاهدونه ليعلموا موته ، وتزول عنهم الشبهة في أمره»(3).

ومن المؤسف أنّه لم تؤمن بموت إسماعيل كوكبة من الشيعة وهم الإسماعيلية ، فقد اعتقدوا بحياته ، وأنه ارتفع إلى السماء كما ارتفع السيد المسيح .


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 7: 49 .

2) التار : الممتلئ جسمه رياً .

3) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 7: 49

الثورة في طبرستان

من المغيبات التي أخبر عنها الإمام(عليه السلام) ظهور ثورة طبرستان يقوم بها بعض السادة كالناصر والداعي وغيرهما ، فقال(عليه السلام):

« وَإِنَّ لاَلِ مُحَمَّدٍ بِالطَّالِقانِ لَكَنزٌ سَيُظْهِرُهُ اللَّهُ إِذا شَاءَ دُعاؤُهُ حَتَّى يَقُومَ بِإِذْنِ اللهِ فَيَدْعُو إِلى دِينِ اللهِ »(1).

وتحقق ذلك ، فقد ثار هؤلاء السادة الأعلام في طالقان رافعين شعار الإسلام ، ومتبنّين الدعوة إلى حكم القرآن .


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 7 48 . بحار الأنوار : 352:41 .

حكومة القرامطة

وأخبر الإمام عن القرامطة الفئة الضالة التي لا عهد لها بالإسلام . قال(عليه السلام) فيهم :

« يَسْتَحِلُونَ لَنَا الْحُبَّ وَالْهَوى ، وَيُضْمِرُونَ لَنَا الْبُغْضَ وَالْقَلَى ، وَآيَةً ذلِكَ قَتْلُهُمْ وَرَّاثَنَا ، وَهَجْرُهُمْ أَحْدَاثَنا »(1)

ظهرت القرامطة على مسرح الحياة الإسلامية ، فأشاعت الفساد والقتل والنهب والدمار ، وقد أحلّت ما حرّم الله تعالى، وحرمت ما أحل الله ، وهي كالشيوعية في تعاليمها ومروقها من الدين، وقد استباحوا قتل السادة العلويين، فقد قتلوا كوكبة من أعلامهم ذكر أسماءهم أبو الفرج الأصفهاني (2).

وقد عرفوا بالنصب والعداء لأهل البيت(عليهم السلام) ، فقد اجتاز أبوالطاهر سليمان بن الحسن الجنابي ، وهو من أعلامهم على مدينة النجف الأشرف وعلى مدينة كربلاء المقدّسة ، ولم يعرج على زيارة المرقدين المكرّمين(3)


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 10 : 14 . بحار الأنوار: 40: 191.

2) مقاتل الطالبيين: 450 .

3) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 10: 14 .

التتر

من المغيبات التي أخبر عنها الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، والتي تحققت بعد مئات من السنين هي المحنة الكبرى التي امتحن بها المسلمون امتحاناً عسيراً ، وهي أفول الخلافة الإسلامية ، وانطواء حكم بني العباس الذين أسرفوا في اقتراف ما حرّم الله ، فقد كانت لياليهم الحمراء حافلة بالخمور والمجون ، ولم يكن للإسلام حكم واقعي وإنّما صورة حكم .

وعلى كل حال ، فقد زحف التتر إلى احتلال عاصمة الإسلام بغداد ، وسقطت بذلك الدولة الإسلامية العظمى ، وقد أمعنوا في قتل الأبرياء وإشاعة الخوف والارهاب بين المسلمين ، وعمدوا إلى تدمير المعالم الإسلامية في المدينة ، وكان من أفجعها تدمير المكتبة المستنصرية التي كانت تضم مئات آلاف الكتب ، فألقيت في حوض دجلة ، وبذلك فقد خسر العالم الإسلامي أهم ثرواته الفكرية والعلمية .

ولنستمع إلى ما قاله الإمام الله في وصف التتر ، وما يلحقونه في بلاد المسلمين من الدمار الشامل قال(عليه السلام):

« كَأَنِّي أَرَاهُمْ قَوْماً كَأَنَّ وَجُوهَهُمُ الْمِجَانُ الْمُطْرَقَةُ(1)، يَلْبَسُونَ


1) المجان : جمع مجن - بكسر الميم - الترس ، سمّي مجناً لأنه مستتر به .

السَّرَقَ(1)وَالدِّيبَاجَ ، وَيَعْتَقِبُونَ(2)الْخَيْلَ الْعِتَاقَ ، وَيَكُونُ هُنَاكَ اسْتِحْرَارُ قَتْلِ حَتَّى يَمْشِيَ الْمَجْرُوحُ عَلَى الْمَقْتُولِ، وَيَكُونَ الْمُفْلِتُ أَقَلَّ مِنَ المَأْسُور ! »(3).

وانبرى بعض أصحاب الإمام قائلاًله : لقد أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب فتبسم الإمام(عليه السلام)وقال له :

« يَا أَخَا كَلْبٍ ، لَيْسَ هُوَ بِعِلْمٍ غَيْبٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ تَعَلَّمَ مِنْ ذِي عِلم - يعني أنه مستقى ومستمد من أخيه رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)- . وَإِنَّمَا عِلْمُ الْغَيْبِ عِلْمُ السَّاعَةِ ، وَمَا عَدَّدَهُ اللهُ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْض تَمُوتُ (4)، فَيَعْلَمُ اللهُ سُبْحَانَهُ مَا فِي الْأَرْحَامِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ، وَقَبِيحِ أَوْ جَمِيل ، وَسَخِيٌّ أَوْ بَخِيلٍ ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٍ ، وَمَنْ يَكُونُ فِي النَّارِ حَطَبَاً ، أَوْ فِي الْجِنَانِ لِلنَّبِيِّينَ مُرَافِقاً . فَهَذَا عِلْمُ الْغَيْبِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إِلَّا الله ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَعِلْمٌ عَلَّمَهُ اللهُ نَبِيَّهُ فَعَلَّمَنِيهِ ، وَدَعَا لِي بَأَنْ يَعِيَهُ صَدْرِي ، وَتَضْطَمَّ(5)عَلَيْهِ جَوَانِحِي »(6).


1) السرق : شقق الحرير.

2) يعتقبون الخيل : أي يجتنبونها لينتقلوا من غيرها إليها .

3) نهج البلاغة / محمد عبده : 2 : 14 .

4) لقمان : 34:31

5) تضطم : أي تجتمع عليه جوانح صدري .

6) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 8: 215 نهج البلاغة : 2: 10 و 11 .

وقد أوضح الإمام(عليه السلام) أن العلم الذي عنده إنّما هو مستمد من أخيه وابن عمه رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، وأنه ليس بعلم الغيب الذي لم يطلع عليه أحد سوى الله تعالى خالق ، الكون وواهب الحياة .

وعلى أي حال فقد تحقق ما أخبر به الإمام(عليه السلام)، فقد احتل الجناة التتر مدينة بغداد ، وسقطت بذلك الدولة الإسلامية ، وقد أمعن الغزاة في قتل الأبرياء وعاثوا فساداً في الأرض .

ومن المؤكد أن السبب في هذه المأساة الخالدة سوء سوء السياسة العباسية ، الذين اقترفوا كل ما حرم الله ، ولم يؤثر عن الكثيرين منهم إلّا الفسق والفجور ومناجزة المصلحين ، ومعاداة أهل البيت(عليهم السلام) والامعان في قتلهم ومطاردة شيعتهم وأنصارهم ، وبذلك فقد فتحوا الطريق لهولاكو في غزو بغداد والقضاء على الدولة الإسلامية .

الفتن بعد وفاته(عليه السلام)

وأحاط الإمام(عليه السلام)أصحابه بما يحدث بعد وفاته من الفتن والخطوب ، قال(عليه السلام):

«وَإِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي زَمَانٌ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ أَخْفَىٰ مِنَ الْحَقِّ ، وَلَا أَظْهَرَ مِنَ الْبَاطِل ، وَلَا أَكْثَرَ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ وَلَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ سِلْعَةٌ أَبْوَرَ مِنَ الْكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ، وَلَا أَنْفَقَ(1)مِنْهُ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ؛ وَلَا فِي الْبِلَادِ شَيْءٌ أَنْكَرَ مِنَ الْمَعْرُوفِ ، وَلَا أَعْرَفَ مِنَ الْمُنْكَرِ !

فَقَدْ نَبَذَ الْكِتَابَ حَمَلَتْهُ ، وَتَنَاسَاهُ حَفَظَتُهُ ؛ فَالْكِتَابُ يَوْمَئِذٍ وَأَهْلُهُ طَرِيدَانِ مَنْفِيَّانِ ، وَصَاحِبَانِ مُصْطَحِبَانِ فِي طَرِيقِ وَاحِدٍ لَا يُؤْوِيهِمَا مُؤوٍ .

فَالْكِتَابُ وَأَهْلُهُ - وهم أهل البيت - فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي النَّاسِ وَلَيْسَا فِيهِمْ ، وَمَعَهُمْ وَلَيْسَا مَعَهُمْ لِأَنَّ الضَّلَالَةَ لَا تُوَافِقُ الْهُدَى ، وَإِنِ اجْتَمَعَا فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ عَلَى الْفُرْقَةِ ، وَافْتَرَقُوا عَنِ الْجَمَاعَةِ ، كَأَنَّهُمْ أَئِمَّةُ الْكِتَابِ وَلَيْسَ الْكِتَابُ إمَامَهُمْ ، فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنْهُ


1) أنفق : أي أروج.

إِلَّا اسْمُهُ ، وَلَا يَعْرِفُونَ إِلَّا خَطَّهُ وَزَبْرَهُ(1). وَمِنْ قَبْلُ مَا مَثّلُوا بِالصَّالِحِينَ كُلَّ مُثْلَةٍ ، وَسَمَّوْا صِدْقَهُمْ عَلَى اللَّهِ فِرْيَةٌ ، وَجَعَلُوا فِي الْحَسَنَةِ عُقُوبَةَ السَّيِّئَةِ» (2).

وتحققت هذه الخطوب بعد وفاة الإمام(عليه السلام)، فقد آل الحكم إلى معاوية ، ومن بعده إلى بني مروان، ولم يألوا جهداً في محاربة الإسلام ، والبغي والقتل لحماته ، وقد جمد الكتاب ، وساد المنكر ، وراج الباطل ، وأقبل الناس على مآثم الحياة ، واقتراف الرذائل ، وأعرب (عليه السلام)عن ذلك في حديث آخر قال (عليه السلام):

« وَأَخَذُوا -أي الناس - يَمِيناً وَشِمَالاً طَعْنَا فِي مَسَالِكِ الْغَيِّ ، وَتَرْكاً لِمَذَاهِبِ الرُّشْدِ. فَلَا تَسْتَعْجِلُوا مَا هُوَ كَائِنٌ مُرْصَدٌ ، وَلَا تَسْتَبْطِئُوا مَا يَجِيءُ بِهِ الْغَدُ. فَكَمْ مِنْ مُسْتَعْجِلٍ بِمَا إِنْ أَدْرَكَهُ وَدَّ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ. وَمَا أَقْرَبَ الْيَوْمَ مِنْ تَبَاشِيرِ غَدٍ !»(3).


1) الزبر : الكتابة .

2) نهج البلاغة : 2 : 30 و 31

3) نهج البلاغة : 2 : 35 .

أحداث آخر الزمان

وتحدّث باب مدينة علم النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) عما يحدث في آخر الزمان من الفتن والبلاء ، وقد أدلى بذلك في كثير من المناسبات والتي منها :

1 - قالنهج البلاغة - قصار الحكم : 4 : 23 .:

« يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُقَرَّبُ فِيهِ إِلَّا الْمَاحِلُ ، وَلَا يُظْرَّفُ فِيهِ إِلَّا الْفَاجِرُ، وَلَا يُضَعَّفُ فِيهِ إِلَّا الْمُنْصِفُ ، يَعُدُّونَ الصَّدَقَةَ فِيهِ غُرْماً ، وَصِلَةَ الرَّحِم مَناً ، وَالْعِبَادَةَ اسْتِطَالَةٌ عَلَى النَّاسِ ! فَعِنْدَ ذلِك يَكُونُ السُّلْطَانُ بمَشُورَةِ النِّسَاءِ ، وَإِمَارَةِ الصَّبْيَانِ ! »(1) .

إنّ البشرية تكون في قوس النزول ، وفي منتهى الانحطاط إذا سارت فيها هذه الأمور التي تفضّل ببيانها الإمام .

2 - قالنهج البلاغة - قصار الحكم : 4 : 23 .:

«يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَبْقَى فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا رَسْمُهُ، وَمِنَ الإِسْلَامِ إِلَّا اسْمُهُ، وَمَسَاجِدُهُمْ يَوْمَئِذٍ عَامِرَةٌ مِنَ الْبِنَاءِ، خَرَابٌ مِنَ الْهُدَى ، سُكَانُهَا وَعُمَّارُهَا شَرُّ أَهْلِ الْأَرْضِ ، مِنْهُمْ

تَخْرُجُ الْفِتْنَةُ ، وَإِلَيْهِمْ تَأْوِي الْخَطِيئَةُ ؛ يَرُدُّونَ مَنْ شَدَّ عَنْهَا فِيهَا ، وَيَسُوقُونَ مَنْ تأَخَّرَ عَنْهَا إِلَيْهَا . يَقُولُ اللهُ تَعَالَى : فَبِي حَلَفْتُ لَأَبْعَثَنَّ عَلَى أُولَئِكَ فِتْنَةٌ تَتْرُلُ الْحَلِيمَ فِيهَا حَيْرَانَ ، وَقَدْ فَعَلَ ، وَنَحْنُ نَسْتَقِيلُ اللهَ عَشْرَةَ الْغَفْلَةِ »(1)

إنّ الإسلام العظيم الذي ارتضاه الله ديناً لجميع البشرية أينما كانوا لا صلاح ولا سعادة ولا استقرار من دونه ، وقد يأتي زمان على المسلمين فينحرفون عنه ، ولا يبقى منه إلا اسمه ، وذلك أسوء الأزمان وأكثرها قتاماً .

3- قال(عليه السلام) :

«يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ عَضُوضٌ(2)، يَعَضُّ الْمُوسِرُ فِيهِ عَلَى مَا فِي يَدَيْهِ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِذلِكَ ، قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُوَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ(3)تَنْهَدُ فِيهِ الْأَشْرَارُ ، وَتُسْتَذَلُّ الْأَخْيَارُ ، ويُبَايِعُ الْمُضْطَرُّونَ ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّم عَنْ بِيَعِ الْمُضْطَرِّينَ »(4)

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض الملاحم والمغيبات التي أدلى بها الإمام(عليه السلام) وقد تحققت على مسرح الحياة ، وبها نطوي الحديث عن هذا الكتاب الذي هو جزء من موسوعة حياته .


1) نهج البلاغة - قصار الحكم : 4 : 87 و 88 .

2) العضوض : الشديد.

3) البقرة :2: 237

4) نهج البلاغة - قصار الحكم : 4: 108 .

وصاياه (عليه السلام) الخالدة

اشارة

أمّا وصايا الإمام(عليه السلام)لأبنائه وبعض أعلام أصحابه فإنّها من أصول التربية الإسلامية الرائدة التي وضعت الأسس الرفيعة لسموّ النفس وتهذيبها وكمالها وصرفها عن مآثم هذه الحياة التي تهبط بالإنسان إلى مستوى سحيق .

إن وصايا الإمام(عليه السلام)دنيا من الفضائل والكمال والآداب ، ومن حقها أن تكون منهجاً للتربية العامة في الجامعات والمعاهد في البلاد الإسلامية ليغذى بها النشء الذي يجهل كلّ شيء عن مقومات التربية الإسلامية ، وما تنشده من القيم والمبادئ التي تصنع الحضارة الإنسانية بأروع صورها وأبدع معانيها ، وهي من أهم ما عنى بها الإمام(عليه السلام)فيما قننه في ميادين الإصلاح الاجتماعي من الأسس التربوية القائمة على كل ما يصلح الإنسان ، ويهديه للتي هي أقوم .. ونعرض لبعض وصايا هذا الإمام الملهم العظيم ، وفيما أحسب أنّ أهمّ وصاياه هي الوصية التالية :

وصیّتۀ (عليه السلام) للإمام الحسن(عليه السلام)

اشارة

هذه الوصية الذهبية الخالدة قد أتحف بها الإمام(عليه السلام) ولده الزكي الإمام الحسن(عليه السلام)سبط رسول الله الله وريحانته ، وهي تحمل أشعة من نور النبوة والإمامة ترشد الضال ، وتهدي الحائر ، وتضيء العقول ، وتهذب النفوس ، ونظراً لأهميتها البالغة فقد ترجمت إلى غير واحدة من اللغات ، وشرحت بعدة شروح كان منها :

1 - منثور الأدب الإلهي ، وهو لمحمد صالح بن محمد الروغني القزويني ، وهو أحد شراح نهج البلاغة.

2 - الأخلاق المرضية في شرح الوصية .

3 - هداية الأمم(1).

4 -نظمها بالفارسية السيد حسن بن ابراهيم القزويني ، وهو من مشايخ السيد بحر العلوم ، وقد طبعت في استانبول

5 - الأسس التربوية في شرح الوصية للعلامة الخطيب السيد حسن القبانجي (2).

ونعرض فيما يلي - النص الكامل لهذه الوصية التي كتبها الإمام بـ« حاضرين » التي هي بلدة في نواحي صفّين ، وذلك في حال انصرافه منها ، قال(عليه السلام):

« مِنَ الْوَالِدِ الْفَانِ ، الْمُقِرِّ لِلزَّمَانِ(3)، الْمُدْبِرِ الْعُمُرِ، الْمُسْتَسْلِمِ


1) الذريعة : 13: 225 .

2) مصادر نهج البلاغة وأسانيده - قسم الرسائل والعهود : 144 - 145 .

3) أي المعترف بشدائده .

لِلدَّهْرِ ، الدّام لِلدُّنْيَا ، السّاكِنِ مَسَاكِنَ الْمَوْتَى ، وَالظَّاعِن عَنْهَا غَداً ؛ إِلَى الْمَوْلُودِ الْمُؤَمِّل مَا لَايُدْرَكُ (1)، السَّالِكِ سَبِيلَ مَنْ قَدْ (1) هَلَكَ ، غَرَضِ الْأَسْقَامِ ، وَرَهِينَةِ الْأَيَّامِ ، وَرَمِيَّةِ الْمَصَائِبِ ، وَعَبْدِ الدُّنْيَا ، وَتَاجِرِ الْغُرُورِ ، وَغَرِيم الْمَنَايَا ، وَأَسِيرِ الْمَوْتِ ، وَحَلِيفِ الْهُمُوم ، وَقَرِينِ الْأَحْزَانِ ، وَنُصْبِ الْآفَاتِ ، وَصَرِيعِ الشَّهَوَاتِ ، وَخَلِيفَةِ الأمْوَاتِ .

أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ فيما تَبَيَّنْتُ مِنْ إِدْبَارِ الدُّنْيَا عَنِّي ، وَجُمُوح(2)الدَّهْرِ عَلَيَّ ، وَإِقْبَالِ الْآخِرَةِ إِلَيَّ ، مَا يَزَعْنِي عَنْ ذِكْرِ مَنْ سِوَايَ ، وَالْإِهْتِمَامِ بِمَا وَرَائِي، غَيْرَ أَنِّي حَيْثُ تَفَرَّدَ بِي دُونَ هُمُومِ النَّاسِ هَمُ نَفْسِي ، فَصَدَفَنِي رَأْيِي ، وَصَرَفَنِي عَنْ هَوَايَ ، وَصَرَّحَ لِي مَحْضُ أَمْرِي ، فَأَفْضَىٰ بِي إِلَى جِدَّ لَا يَكُونُ فِيهِ لَعِبٌ ، وَصِدْقٍ لَا يَشُوبُهُ كَذِبٌ . وَوَجَدْتُكَ بَعْضِي ، بَلْ وَجَدْتُكَ كُلِّي ، حَتَّى كَأَنَّ شَيْئاً لَوْ أَصَابَكَ أَصَابَنِي ، وَكَأَنَّ الْمَوْتَ لَوْ أَتَاكَ أَتَانِي ، فَعَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِينِي مِنْ أَمْرِ نَفْسِي ، فَكَتَبْتُ إِلَيْكَ كِتَابِي مُسْتَظْهِراً بِهِ إِنْ أَنَا بَقِيْتُ لَكَ أَوْ فَنِيتُ ..

حكى هذا المقطع من كلام الإمام(عليه السلام) الأمور التالية :

أولاً : عرض الإمام(عليه السلام) إلى فنائه، وإدبار عمره ؛ لأنه في سن الشيخوخة ، ولا بدّ من مغادرته لدار الفناء إلى دار الخلود والبقاء .


1) أي يؤمل البقاء والخلود في الدنيا ، وهذا لا يدركه أحد .

2) الجموح : الاستعصاء.

ثانياً : أنه حكى رغبات المولود في الدنيا ، وما يواجهه من الخطوب ، والتي منها :

1 - إنّه مستهدف للمصائب والمحن والخطوب.

2 - إنّه عبد الدنيا ، وتاجر الغرور .

3 - إنّه أسير الموت لا يدري متى سيرحل عن هذه الدنيا .

4 - إن الإنسان في هذه الحياة تحالفه الهموم والأحزان .

5 - إنّه خليفة الأموات ، فقد خلف من كان قبله ولا بد أن يخلفه من يأتي بعده.

ثالثاً : إنّ الإمام قد أيقن بإدبار الدنيا عنه ، وإقبال الآخرة عليه ، الأمر الذي صرفه عن كلّ شيء من أمور الدنيا ، وجعله يتصرّف في جميع أموره بجد لا لعب فيه.

رابعاً : أعرب الإمام عن مدى حبه وودّه لولده الإمام الحسن(عليه السلام)، فإنه بعضه ، بل كلّه ، فهو بمنزلة نفسه، فاهتم بأمره كما اهتم بأموره ، فلذا وجّه إليه النصائح التالية :

قال الإمام(عليه السلام) :

فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ - أَيْ بُنَيَّ - وَلُزُومِ أَمْرِهِ ، وَعِمَارَةِ قَلْبِكَ بِذِكْرِهِ ، وَالْإِعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ ، وَأَيُّ سَبَبٍ أَوْثَقُ مِنْ سَبَبٍ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ إِنْ أَنْتَ أَخَذْتَ بِهِ !...

حكت هذه الكلمات الذهبية ما يقرب الإنسان إلى الله تعالى زلفى ، ومن أوثقها تقوى الله تعالى ولزوم أمره ، وعمارة القلب بذكره ، والاعتصام بحبله ، فإنّها من موجبات القرب إلى الله تعالى ، والفوز برضاه .

ويستمر الإمام المربي العظيم في وصيّته لولده الإمام الحسن(عليه السلام)، قال(عليه السلام):

أَحْيِ قَلْبَكَ بِالْمَوْعِظَةِ ، وَأَمِتْهُ بِالزَّهَادَةِ ، وَقَوِّهِ بِالْيَقِينِ ، وَنَوِّرْهُ

بِالْحِكْمَةِ ، وَذَلِّلْهُ بِذِكْرِ الْمَوْتِ ، وَقَرِّرْهُ بِالْفَنَاءِ ، وَبَصَرْهُ فَجَائِعَ الدُّنْيَا ، وَحَذَّرْهُ صَوْلَةَ الدَّهْرِ وَفُحْشَ تَقَلُّبِ اللَيَالِي وَالْأَيام ،وأعرِض عَلَيْهِ أَخْبَارَ الْمَاضِينَ ، وَذَكَّرْهُ بما أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنَ الْأَوَّلِينَ ، وَسِرْ فِي دِيَارِهِمْ وَآثَارِهِمْ ، فَانْظُرْ فِيما فَعَلُوا وَعَمّا انْتَقَلُوا ، وَأَيْنَ حَلُّوا وَنَزَلُوا ! فَإِنَّكَ تَجِدُهُمْ قَدِ انْتَقَلَوُا عَنِ الْأَحِبَّةِ ، وَحَلُوا دِيَارَ الْغُرْبَةِ ، وَكَأَنَّكَ عَنْ قَلِيل قَدْ صِرْتَ كَأَحَدِهِمْ . فَأَصْلِحْ مَنْوَاكَ ، وَلَا تَبِعْ آخِرَتَكَ بِدُنْيَاكَ ؛ وَدَعَ الْقَوْلَ فِيما لَا تَعْرِفُ ، وَالْخِطَابَ فِيمَا لَمْ تُكَلَّفْ .

وَأَمْسِكْ عَنْ طَرِيقٍ إِذَا خِفْتَ ضَلَالَتَهُ ، فَإِنَّ الْكَفَّ عِنْدَ حَيْرَةِ الضَّلَالِ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِ الْأَهْوَالِ .

وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ تَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ ، وَأَنْكِرِ الْمُنْكَرَ بِيَدِكَ وَلِسَانِكَ ، وَبَايِنْ مَنْ فَعَلَهُ بِجُهْدِكَ ، وَجَاهِدْ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ، وَلَا تَأْخُذْكَ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ.

وَخُضِ الْغَمَرَاتِ لِلْحَقِّ حَيْثُ كَانَ ، وَتَفَقَّهُ فِي الدِّين ، وَعَوِّدْ نَفْسَكَ التَّصَبُّرَ عَلَى الْمَكْرُوهِ ، وَنِعْمَ الْخُلُقِ التَّصَبُّرُ فِي الْحَقِّ ! وَأَلْجِئْ نَفْسَكَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا إِلَى إِلْهِكَ ، فَإِنَّكَ تُلْجِنَّهَا إِلَى كَهْفِ حَرِيزٍ، وَمَانِعٍ عَزِيزِ .

وَأَخْلِصْ فِي الْمَسْأَلَةِ لِرَبِّكَ ، فَإِنَّ بِيَدِهِ الْعَطَاءَ وَالْحِرْمَانَ ، وَأَكْثِرِ الإِسْتِخَارَةَ ، وَتَفَهُمْ وَصِيَّتِي ، وَلَا تَذْهَبَنَّ عَنْكَ صَفْحاً ، فَإِنَّ

خَيْرَ الْقَوْلِ مَا نَفَعَ . وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ ، وَلَا يُنْتَفَعُ بِعِلْمٍ لَا يَحِنُّ تَعَلَّمُهُ...

وحوى هذا المقطع أموراً بالغة الأهمية في تربية النفس وغيرها من وسائل الاصلاح وهي :

أولاً - وسائل إصلاح النفس :

وأدلى الإمام(عليه السلام) بالوسائل التي يسيطر بها الإنسان على نفسه ، ويكبح جماحها . وهي :

1 - الموعظة : لا شك أنّ المواعظ توجب صفاء النفس ، وهي من أهم الأدوية لعلاجها.

2 - الزهد : إنّ الزهد في رغائب الحياة والإعراض عن ملاذها وشهواتها يطهر النفس من مآثم هذه الحياة .

3 - الحكمة: لا شبهة أنّ الحكمة والتبصر بها ينوّر العقول ويصفّي النفوس .

4 - ذكر الموت : أمّا ذكر الموت فإنّه يذلّل النفس ، ويصدّها عن اقتراف المحارم والآثام ، ويهديها إلى الصراط المستقيم .

5 - التبصر في فجائع الدنيا : إن النظر والتبصر في فجائع الدنيا وخطوبها وآلامها من أهم وسائل التربية الروحية التي تدعو إلى تهذيب النفس .

6 - أخبار الماضين : دعا الإمام إلى النظر في تاريخ الأمم الماضية وغيرها ، فإنّ الإنسان يجدهم قد انتقلوا عن هذه الدنيا، وحلّوا ديار الغربة ، وإنّ كلّ إنسان على هذا الكوكب لا بد أن يلاقي نفس هذا المصير .. هذه بعض الوسائل التي تسمو بالنفس قد ذكرها الإمام العظيم(عليه السلام).

ثانياً - فضائل وآداب :

وحوى هذا المقطع أصول الفضائل والآداب التي يسمو بها الإنسان ، والتي منها :

1 - الاجتناب عن القول فيما لا يعرفه الإنسان ، فإنّ الخوض فيه منقصة وجهل ؛ لأنه قد يجيب بما خالف الواقع .

2 - عدم التسرع في الخطاب الذي لا يكلف فيه ، فإنّ التسرع في ذلك من ألوان الفضول .

3 - ترك السلوك في طريق يخاف ضلالته ؛ لأنه قد يقع في الضلالة التي تجر إلى . الندم .

4 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإنّ فيهما صلاح المجتمع .

5 - الجهاد في سبيل الله

6 - خوض الغمرات والمصاعب لإحقاق الحق .. التفقه في الدين ، ومعرفة أحكام الله تعالى .

7- الصبر على المكروه .

8 - الالتجاء إلى الله تعالى في جميع الأمور والأحوال ، فإنّ بيده العطاء والحرمان .

9 - الاستخارة وهي إحالة الرأي في جميع الأمور إلى الله تعالى ليكون الإنسان على بصيرة من أمره .. ويستمر الإمام الحكيم في وصيته قائلاً:

أَيْ بُنَيَّ إِنِّي لَمّا رَأَيْتُنِي قَدْ بَلَغْتُ سِنَا ، وَرَأَيْتُنِي أَزْدَادُ وَهْناً ، بَادَرْتُ بِوَصِيَّتِي إِلَيْكَ ، وَأَوْرَدْتُ خِصَالاً مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يَعْجَلَ بِي أَجَلِي دُونَ أَنْ أُفْضِيَ إِلَيْكَ بِمَا فِي نَفْسِي ، أَوْ أَنْ أُنْقَصَ فِي رَأْيِي

كَمَا نُقِصْتُ فِي جِسْمِي ، أَوْ يَسْبِقَنِي إِلَيْكَ بَعْضُ غَلَبَاتِ الْهَوَىٰ وَفِتَنِ الدُّنْيَا ، فَتَكُونَ كَالصَّعْبِ النَّفُورِ ، وَإِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ كَالْأَرْضِ الْخَالِيَةِ مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْءٍ قَبِلَتْهُ.

فَبَادَرْتُكَ بِالْأَدَبِ قَبْلَ أَنْ يَفْسُوَ قَلْبُكَ ، وَيَشْتَغِلَ لُبُّكَ ، لِتَسْتَقْبِلَ بِجِدِّ رَأْيِكَ مِنَ الْأَمْرِ مَا قَدْ كَفَاكَ أَهْلُ التَّجَارِبِ بُغْيَتَهُ وَتَجْرِبَتَهُ ، فَتَكُونَ قَدْ كُفِيتَ مَؤُونَةَ الطَّلَبِ ، وَعُوفِيتَ مِنْ عِلاج التَّجْرِبَةِ ، فَأَتَاكَ مِنْ ذلِكَ مَا قَدْ كُنَّا نَأْتِيهِ ، وَاسْتَبَانَ لَكَ مَا رُبَّمَا أَظْلَمَ عَلَيْنَا منه...

أعرب الإمام العظيم(عليه السلام) في حديثه أنه قد بلغ من السنّ الذي أشرف ب-ه ع-ل-ى عتبة الشيخوخة ، وأنه قد ازداد وهناً وضعفاً في جسمه ، فلذا بادر بتسجيل وصيته إلى ولده الإمام الحسن(عليه السلام)، هذه الوصية الممتلئة بالحكم والتجارب والنصائح التي أحاطت بجميع شؤون الحياة ووضعت لها أسمى المناهج .

لقد بادر الإمام بوصيّته إلى ولده وهو في شرخ الشباب قبل أن يجتاز هذا السنّ ،فربّاه بحكمه وآدابه ، وأفاض عليه مكرمات نفسه ليكون نسخة تحكيه وتمثله .

ويأخذ الإمام المربّي في وصيّته قائلاً:

أَيْ بُنَيَّ إِنِّي وَإِنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي ، فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ ، وَفَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ ، وَسِرْتُ فِي آثَارِهِمْ ؛ حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ ؛ بَلْ كَأَنِّي بِمَا انْتَهَى إِلَيَّ مِنْ أُمُورِهِمْ قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَىٰ آخِرِهِمْ، فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِهِ ، وَنَفْعَهُ مِنْ

ضَرَرِهِ ، فَاسْتَخْلَصْتُ لَكَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ نِخِيلَهُ (1)، وَتَوَخَّيْتُ لَكَ جَمِيلَهُ ، وَصَرَفْتُ عَنْكَ مَجْهُولَهُ ، وَرَأَيْتُ حَيْثُ عَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِي الْوَالِدَ الشَّفِيقَ ، وَأَجْمَعْتُ عَلَيْهِ مِنْ أَدَبِكَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَأَنْتَ مُقْبِلُ الْعُمُرِ وَمُقْتَبَلُ الدَّهْرِ ، ذُو نِيَّةٍ سَلِيمَةٍ ، وَنَفْسٍ صَافِيَةٍ ، وَأَنْ أَبْتَدِنَكَ بِتَعْلِيمِ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَأْوِيلِهِ ، وَشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَأَحْكامِهِ ، وَحَلَالِهِ وَحَرَامِهِ ، لَا تُجَاوِزُ ذَلِكَ بَكَ إِلَى غَيْرِهِ . ثُمَّ أَشْفَقْتُ أَنْ يَلْتَبِسَ عَلَيْكَ مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ أَهْوَائِهِمْ وَآرَائِهِمْ مِثْلَ الَّذِي الْتَبَسَ عَلَيْهِمْ ، فَكَانَ إِحَكَامُ ذَلِكَ عَلَى مَا كَرِهْتُ مِنْ تَنْبِيهِكَ لَهُ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلَامِكَ إِلَى أَمْرٍ لَا آمَنُ عَلَيْكَ الْهَلَكَةَ ، وَرَجَوْتُ أَنْ يُوَفِّقَكَ اللهُ فِيهِ لِرُشْدِكَ ، وَأَنْ يَهْدِيَكَ لِقَصْدِكَ ، فَعَهِدْتُ إِلَيْكَ وَصِيَّتِي هَذِهِ

يقدم الإمام(عليه السلام) لولده الزكي في وصاياه زيدة التجارب وخلاصة النصائح التي أخذت بها الأمم السابقة ، وأنه (عليه السلام)وإن لم يكن شاهدهم إلا أنه نظر بعمق وشمول إلى تاريخهم وأحوالهم ، فوقف على أسباب سعادتهم وأسباب شقائهم ، وقدّم ذلك لولده .

وكان من أهمّ ما عنى به الإمام في هذا المقطع تعليم ولده لكتاب الله تعالى وتفسيره والأخذ بأحكامه ومعرفة حلاله وحرامه .

ويستمرّ الإمام في وصيته فيقول :

وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ أَحَبَّ مَا أَنْتَ آخِذٌ بِهِ إِلَيَّ مِنْ وَصِيَّنِي تَقْوَى اللَّهِ


1) النخيل : المختار المصفى .

وَالْاقْتِصَارُ عَلَى مَا فَرَضَهُ اللهُ عَلَيْكَ ، وَالْأَخْذُ بمَا مَضَى عَلَيْهِ الْأَوَّلُونَ مِنْ آبَائِكَ ، وَالصَّالِحُونَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَدَعُوا أَنْ نَظَرُوا لِأَنْفُسِهِمْ كَمَا أَنْتَ نَاظِرٌ ، وَفَكَّرُوا كَمَا أَنْتَ مُفَكِّرٌ ، ثُمَّ رَدَّهُمْ آخِرُ ذَلِكَ إِلَى الْأَخْذِ بِمَا عَرَفُوا ، وَالْإِمْسَاكِ عَمَا لَمْ يُكَلِّفُوا ، فَإِنْ أَبَتْ نَفْسُكَ أَنْ تَقْبَلَ ذلِكَ دُونَ أَنْ تَعْلَمَ كَمَا عَلِمُوا فَلْيَكُنْ طَلَبَكَ ذَلِكَ بَتَفَهُم وَتَعَلَّم ، لَا بِتَوَرُّط الشُّبُهَاتِ ، وَعُلَقِ الْخُصُومَاتِ. وَابْدَأُ قَبْلَ نَظَرِكَ فِي ذلِكَ بِالْإِسْتِعَانَةِ بِالهِكَ ، وَالرَّغْبَةِ إِلَيْهِ فِي تَوْفِيقِكَ ، وَتَرْكِ كُلِّ شَائِبَةٍ أَوْلَجَتْكَ فِي شُبْهَةٍ ،أَوْ أَسْلَمَتْكَ إِلَى ضَلَالَةٍ .

فَإِنْ أَيْقَنْتَ أَنْ قَدْ صَفَا قَلْبُكَ فَخَشَعَ ، وَتَمَّ رَأْبُكَ فَاجْتَمَعَ ، وَكَانَ هَمُّكَ فِي ذلِكَ هَمّاً وَاحِداً ، فَانْظُرْ فِيمَا فَسَّرْتُ لَكَ ، وَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعْ لَكَ مَا تُحِبُّ مِنْ نَفْسِكَ ، وَفَرَاعْ نَظَرِكَ وَفِكْرِكَ ، فَاعْلَمْ أنَّكَ إِنَّمَا تَخْبِطُ الْعَشْوَاءَ(1)، وَتَتَوَرَّطُ الظُّلْمَاءَ وَلَيْسَ طَالِبُ . الدِّينِ مَنْ خَبَطَ أَوْ خَلَطَ ، وَالْإِمْسَالُ عَنْ ذَلِكَ أَمْثَلُ ...

من بنود هذا المقطع من كلام الإمام(عليه السلام) ما يلي :

1 - الوصية بتقوى الله تعالى فإنّها سبب النجاة في الدنيا والآخرة .

2 - الإتيان بما فرضه الله تعالى من الواجبات وترك المحرمات .

3 - الأخذ بسيرة الصالحين والمتقين من السلف الصالح من أهل بيت النبوّة


1) العشواء : الضعيف البصر .

ومعدن الرسالة .

4 - الاستعانة بالله تعالى في جميع الأمور وطلب التوفيق .

5 - ترك كل شبهة تولج الإنسان في الشبهات وتسلمه إلى الضلال .. ويأخذ الإمام(عليه السلام) في وصيّته قائلاً:

فَتَفَهُمْ يَا بُنَيَّ وَصِيَّتِي ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَالِكَ الْمَوْتِ هُوَ مَالِكُ الْحَيَاةِ ، وَأَنَّ الْخَالِقَ هُوَ الْمُمِيتُ ، وَأَنَّ الْمُفْنِيَ هُوَ الْمُعِيدُ ، وَأَنَّ الْمُبْتَلِيَ هُوَ الْمُعَافِي، وَأَنَّ الدُّنْيَا لَمْ تَكُنْ لِتَسْتَقِرَّ إِلَّا عَلَىٰ مَا جَعَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ النَّعْمَاءِ ، وَالْإِبْتِلَاءِ ، وَالْجَزَاءِ فِى الْمَعَادِ ، أَوْ مَا شَاءَ مِمّا لَا تَعْلَمُ ، فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَاحْمِلْهُ عَلَى جَهَالَتِكَ ، فَإِنَّكَ أَوَّلُ مَا خُلِقْتَ بِهِ جَاهِلاً ثُمَّ عُلِّمْتَ ، وَمَا أَكْثَرَ مَا تَجْهَلُ مِنَ الأمْرِ ! وَيَتَخَيَّرُ فِيهِ رَأَيْكَ ، وَيَضِلُّ فِيهِ بَصَرُكَ ثُمَّ تُبْصِرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ! فَاعْتَصِمْ بِالَّذِي خَلَقَكَ وَرَزَقَكَ وَسَوَاكَ ، وَلْيَكُنْ لَهُ تَعَبُدُكَ ، وَإِلَيْهِ رَغْبَتُكَ ، وَمِنْهُ شَفَقَتُك - أي خوفك ...

أعرب الإمام(عليه السلام) في هذا المقطع عن أن جميع مجريات الأحداث وشؤون الكون كلها بيد الخالق العظيم ، فهو مالك الحياة ومالك الموت ، فعلى الإنسان أن يُوكل أموره إليه ، ولا يلتجأ إلى غيره، كما أعرب (عليه السلام)عن تقلب الدنيا ، وأنها لم تستقر على حال ، فكما تري الإنسان السعادة تريه التعب والعناء والشقاء ، كما وأن جزاء من يعمل خيراً فيها أو شرّاً يلاقيه في معاده وفي يوم حشره ..

هذا بعض ما حواه المقطع ، ويأخذ الإمام في وصيته الحافلة بالنصائح قائلاً:

وَاعْلَمْ يَابْنَيَّ أَنَّ أَحَداً لَمْ يُنْبِيُّ عَنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ كَمَا أَنْبَأَ عَنْهُ الرَّسُولُ

• صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - فَارْضَ بِهِ رَائِداً ، وَإِلَى النَّجَاةِ قَائِداً ، فَإِنِّي لَمْ أَلُكَ نَصِيحَةً . وَإِنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ فِي النَّظَرِ لِنَفْسِكَ - وَإِنِ اجْتَهَدْتَ - مَبْلَغَ نَظَرِى لَكَ ...

وفي هذه الكلمات أعرب الإمام(عليه السلام) أن الرسول الأعظم الله قد أنبأ عن الله تعالى بما لم يُنَبِّى عنه أحد قبله ، فقد أخبر عن قدرة الله تعالى اللامتناهية ، وعن علمه كذلك ، وعن صفاته الثبوتية والسلبية ، فهو رائد التوحيد ، وداعية الله الأكبر في الأرض ، واللازم أن يتخذه إلى النجاة قائداً وهادياً ومرشداً .

ويستمر الإمام في عرض وصيّته قائلاً:

وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِرَبِّكَ شَرِيكَ لَأَتَتْكَ رُسُلُهُ ، وَلَرَأَيْتَ آثَارَ مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ ، وَلَعَرْفْتَ أَفْعَالَهُ وَصِفَاتِهِ ، وَلكِنَّهُ إِلهُ وَاحِدٌ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ ، لَا يُضَادُّهُ فِي مُلْكِهِ أَحَدٌ ، وَلَا يَزُولُ أَبَداً وَلَمْ يَزَلْ. أَوَّل قَبْلَ الْأَشْيَاءِ بِلَا أَوَّلِيَّةٍ ، وَآخِرٌ بَعْدَ الْأَشْيَاءِ بَلَا نِهَايَةٍ .

عَظُمَ عَنْ أَنْ تَثْبَتَ رُبُوبِيَّتُهُ بِإِحَاطَةِ قَلْبٍ أَوْ بَصَرٍ. فَإِذَا عَرَفْتَ ذلِكَ فَافْعَلْ كَمَا يَنْبَغِي لِمِثْلِكَ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي صِغَرِ خَطَرِهِ ، وَقِلَّةِ مَقْدِرَتِهِ ، وَكَثْرَةِ عَجْزِهِ ، وَعَظِيمِ حَاجَتِهِ إِلَى رَبِّهِ ، فِي طَلَبِ طَاعَتِهِ ، وَالْخَشْيَةِ مِنْ عُقُوبَتِهِ ، وَالشَّفَقَةِ مِنْ سُخْطِهِ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْمُرْكَ إِلَّا بِحَسَنٍ ، وَلَمْ يَنْهَكَ إِلَّا عَنْ قَبِيحٍ ...

تحدث الإمام(عليه السلام) في هذا المقطع الذهبي من كلامه عن بعض قضايا التوحيد وهي :

1 - نفي الشريك عن الله تعالى في خلقه للأكوان ، وإحاطته التامة بجميع شؤون

الموجودات ، ولو كان له تعالى شريك لأتت لنا رسله ورأينا آثار ملكه التي تدلّ على وجوده ، إنّه ليس هناك إلّا إله واحد لا شريك له .

2 - إنّ الله تعالى الخالق المبدع الذي لا أوّلية له ، ولا ابتداء لوجوده ، كما إنه الآخر بلا نهاية له ، أما تفصيل هذه البحوث والاستدلال عليها فقد عرضت لها كتب الكلام .

3 - إن الخالق العظيم أعظم من أن تحيط بمعرفته القلوب والأبصار التي هي محدودة المدارك .

كما تحدّت الإمام في آخر المقطع عن الأوامر والنواهي التي صدرت من الشارع ، فقد ذهبت العدلية من الإمامية والمعتزلة إلى أنّ الأمر من الشارع لم يتعلّق إلا بشيء حسن ، فيه مصلحة تعود على العباد ، ولم ينه عن شيء إلا وهو قبيح وفيه مفسدة كامنة تعود بالضرر على الناس

ثم يستمر الإمام(عليه السلام)في وصيته الخالدة قائلاً:

يَا بُنَيَّ إِنِّي قَدْ أَنْبَأْتُكَ عَنِ الدُّنْيَا وَحَالِهَا ، وَزَوَالِهَا وَانْتِقَالِهَا ، وَأَنْبَأْتُكَ عَن الْآخِرَةِ وَمَا أُعِدَّ لِأَهْلِهَا فِيهَا ، وَضَرَبْتُ لَكَ فِيهِمَا الْأَمْثَالَ ، لِتَعْتَبِرَ بِهَا ، وَتَحْذُو عَلَيْهَا . إِنَّمَا مَثَلُ مَنْ خَبَرَ الدُّنْيَا كَمَثَل قَوْمٍ سَفْرٍ نَبَا بِهِمْ مَنْزِلٌ جَدِيبٌ ، فأَمُّوا مَنْزِلاً خَصِيباً وَجَنَاباً مَرِيعاً ، فَاحْتَمَلُوا وَعْتَاءَ الطَّرِيقِ ، وَفِرَاقَ الصَّدِيقِ ، وَخُشُونَةَ السَّفَرِ، وَجُشُوبَةَ الْمَطْعَم ، لِيَأْتُوا سَعَةَ دَارِهِمْ ، وَمَنْزِلَ قَرَارِهِمْ ، فَلَيْسَ يَجِدُونَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَلَماً ، وَلَا يَرَوْنَ نَفَقَةٌ فِيهِ مَغْرَماً . وَلَا شَيْءَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِمَّا قَرَّبَهُمْ مِنْ مَنْزِلِهِمْ ، وَأَدْنَاهُمْ مِنْ مَحَلَّتِهِمْ .

وَمَثَلُ مَنِ اغْتَرَّ بِهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ كَانُوا بِمَنْزِلِ خَصِيبٍ ، فَنَبَا بِهِمْ

إِلَى مَنْزِلٍ جَدِيبٍ ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِمْ وَلَا أَفْطَعَ عِنْدَهُمْ مِنْ مُفَارَقَةِ مَا كَانُوا فِيهِ ، إِلَى مَا يَهْجُمُونَ عَلَيْهِ ، وَيَصِيرُونَ إِلَيْهِ .

تحدّث الإمام(عليه السلام)في هذا المقطع عن فناء الدنيا وزوالها، وأنّ الدار الآخرة دار الخلود والبقاء ، وحذر(عليه السلام)من حب الدنيا والغرور بها ، وضرب لذلك بعض الأمثال الهادفة إلى الاستقامة ، ونبذ التهالك في حبّ الدنيا التي ليس وراءها إلا السراب . ويستمر الإمام(عليه السلام)في وصيته قائلاً :

يَا بُنَيَّ اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً فيما بَيْنَكَ وَبَيْنَ غَيْرِكَ ، فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ

مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ ، وَاكْرَهُ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا ، وَلَا تَظْلِمْ كَمَا لَا تُحِبُّ أنْ تُظْلَمَ ، وَأَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ ، وَاسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُهُ مِنْ غَيْرِكَ ، وَارْضَ مِنَ النَّاسِ بِمَا تَرْضَاهُ لَهُمْ مَنْ نَفْسِكَ ، وَلَا تَقُلْ مَا لَا تَعْلَمُ وَإِنْ قَلَّ مَاتَعْلَمُ ، وَلَا تَقُلْ مَا لَا تُحِبُّ أَنْ يُقَالَ لَك .

وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِعْجَابَ ضِدُّ الصَّوَابِ، وَآفَةُ الْأَلْبَابِ . فَاسْعَ فِي كَدْحِكَ ، وَلَا تَكُنْ خَازِنَا لِغَيْرِكَ ، وَإِذَا أَنْتَ هُدِيتَ لِقَصْدِكَ فَكُنْ أَخْشَعَ مَا تَكُونُ لِرَبِّكَ ...

وضع الإمام المربي(عليه السلام) في هذه الفقرات الذهبية آداب السلوك ، ومحاسن الأخلاق التي يسمو بها الإنسان ، فقد حفلت بما يلي :

1 - أن يجعل الإنسان نفسه ميزاناً فيما بينه وبين غيره، فيحبّ له ما يحبّ لنفسه ، ويكره له ما يكره لها ، ومن الطبيعي أنّ هذه الظاهرة الفذة إذا سادت في المجتمع فإنّه يبلغ القمة في كماله وآدابه .

2 - التحذير من ظلم الغير ، فكما أنّ الإنسان يشجب من يعتدي عليه كذلك عليه أن يحمل هذا الشعور مع الغير .

• على الإنسان أن يحسن للغير كما يحبُّ أن يحسن إليه .

4 - أن يستقبح الأعمال السيئة التي تصدر منه كما يستقبح صدورها من الغير كما عليه أن يرضى من الناس ما يرضاه لنفسه

5 - إنّه(عليه السلام)نهى عن القول بغير علم ؛ فإنّه يؤدّي إلى المضاعفات السيئة للشخص ولغيره .

6 - حذر الإمام من إعجاب الإنسان بنفسه ، فإنّه من مساوئ الرذائل التي تهبط بالإنسان إلى مستوى سحيق .

7 - إنّه(عليه السلام) نهى عن الافراط في جمع الأموال التي تجرّ الويل والعطب ، فإنّ من يبتلى بذلك يكون خازناً لغيره وذلك إذا فارقته الحياة ، خصوصاً إذا لم يؤد الإنسان حقوق الله منها ، فإن الوزر يكون عليه والمهنأ بها لغيره .. ويأخذ الإمام(عليه السلام) في وصيته قائلاً:

وَاعْلَمْ أَنَّ أَمَامَكَ طَرِيقاً ذَا مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ ، وَمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ ، وَأَنَّهُ لَا غِنَى بِكَ فِيهِ عَنْ حُسْنِ الْإِرْتِيَادِ ، وَقَدْرِ بَلَاغِكَ مِنَ الزَّادِ ، مَعَ خِفَّةِ الظهر ، فَلَا تَحْمِلَنَّ عَلَى ظَهْركَ فَوْقَ طَاقَتِكَ ، فَيَكُونَ ثِقْلُ ذلِكَ وَبَالاً عَلَيْكَ ، وَإِذَا وَجَدْتَ مِنْ أَهْلِ الْفَاقَةِ مَنْ يَحْمِلُ لَكَ زَادَكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فَيُوَافِيكَ بِهِ غَداً حَيْثُ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَاغْتَنِمْهُ وَحَمِّلْهُ إِيَّاهُ ، وَأَكْثِرُ مِنْ تَزْوِيدِهِ وَأَنْتَ قَادِرٌ عَلَيْهِ ، فَلَعَلَّكَ تَطْلُبُهُ فَلَا تَجِدُهُ . وَاغْتَنِمْ مَنِ اسْتَقْرَضَكَ فِي حَالِ غِنَاكَ ، لِيَجْعَلَ قَضَاءَهُ لَكَ فِي يَوْمِ عُسْرَتِكَ...

إنّ الإنسان إذا فكر عن وعي لوجد أن الحياة الدنيا التي يعيشها إنّما هي لحظات ولا بد أن يغادرها ويرحل عنها ، وأنّ أمامه طريقاً شائكاً ذا مسافة بعيدة يحتاج إلى وفرة من الزاد ليوصله إلى مأمنه ، وهو العمل الصالح الذي ينجيه من عذاب الله تعالى ، هذا بعض ما حفلت به هذه الكلمات، ولنقرأ بنداً آخر من هذه الوصية .

قال(عليه السلام):

وَاعْلَمْ أَنَّ أمَامَكَ عَقَبَةً كَوُوداً ، الْمُخِفُّ فِيهَا أَحْسَنُ حَالاً مِن الْمُثْقِلِ ، وَالْمُبْطِئُ عَلَيْهَا أَقْبَحُ حَالاً مِنَ الْمُسْرِع ، وَأَنَّ مَهْبِطَكَ بِهَا لَا مَحَالَةَ إِمّا عَلَىٰ جَنَّةٍ أَوْ عَلَىٰ نَارٍ ، فَارْتَدْ لِنَفْسِكَ(1)قَبْلَ نُزُولِكَ ، وَوَطَّئ الْمَنْزِلَ قَبْلَ حُلُولِكَ ،« فَلَيْسَ بَعْدَ الْمَوْتِ مُسْتَعْتَبٌ»، وَلَا إِلَى الدُّنْيَا مُنْصَرَفٌ...

إنّ الإنسان أمامه عقبة كؤود تحفّ بها المخاطر والأهوال والشدائد فعليه أن ينقذ نفسه فلا يقترف ما يبعده عن الله تعالى ، وعليه أن يمهد الطريق لرضاه . ويأخذ الإمام في وصيته قائلاً:

وَاعْلَمْ أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ أَذِنَ لَكَ فِي الدُّعَاءِ ، وَتَكفَّلَ لَكَ بِالْإِجَابَةِ ، وَأَمَرَكَ أَنْ تَسْأَلَهُ لِيُعْطِيَكَ ، وَتَسْتَرْحِمَهُ لِيَرْحَمَكَ ، وَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ مَنْ يَحْجُبُكَ عَنْهُ، وَلَمْ يُلْجِئْكَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكَ إِلَيْهِ ، وَلَمْ يَمْنَعْكَ إِنْ أَسَأْتَ مِنَ التَّوْبَةِ ، وَلَمْ يُعَاجِلْكَ بَالنِّقْمَةِ ، وَلَمْ يُعَيَّرْكَ بِالْإِنَابَةِ ، وَلَمْ يَفْضَحْكَ


1) فارتد لنفسك : أي ابعث لك رائداً من طيّباب الأعمال .

حَيْثُ الْفَضِيحَةُ بِكَ أَوْلَى ، وَلَمْ يُشدِّدْ عَلَيْكَ فِي قَبُولِ الْإِنَابَةِ ، وَلَمْ يُنَاقِشْكَ بِالْجَرِيمَةِ وَلَمْ يُؤْيِسْكَ مِنَ الرَّحْمَةِ ، بَلْ جَعَلَ نُزُوعَكَ عَنِ الذَّنْبِ حَسَنةٌ ، وَحَسَبَ سَيِّئَتَكَ وَاحِدَةٌ ، وَحَسَبَ حَسَنَتَكَ عَشْراً ، وَفَتحَ لَكَ بَابَ الْمَتَابِ ، وَبَابَ الْاِسْتِعْتَابِ ؛ فَإِذَا نَادَيْتَهُ سَمِعَ نِدَاكَ ، وَإِذَا نَاجَيْتَهُ عَلِمَ نَجْوَاكَ ، فَأَفْضَيْتَ إِلَيْهِ بحَاجَتِكَ ، وَأَبْتَلْتَهُ ذاتَ نَفْسِكَ ، وَشَكَوْتَ إِلَيْهِ هُمُومَك ، وَاسْتَكْشَفْتَهُ كُرُوبَكَ ، وَاسْتَعَتْتَهُ عَلَى أُمُورك ، وَسَأَلْتَهُ مِنْ خَزَائِن رَحْمَتِهِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى إِعْطَائِهِ غَيْرُهُ ، مِنْ زِيَادَةِ الْأَعْمَارِ ، وَصِحَّةِ الْأَبْدَانِ ، وَسَعَةِ الْأَرْزَاقِ . ثُمَّ جَعَلَ فِي يَدَيْكَ مَقاتِيحَ خَزائِنِهِ بِمَا أَذِنَ لَكَ فِيهِ مِنْ مَسْأَلَتِهِ ، فَمَتَى شِئْتَ اسْتَفْتَحْتَ بِالدُّعَاءِ أَبْوَابَ نِعْمَتِهِ ، وَاسْتَمْطَرْتَ شابِيبَ رَحْمَتِهِ ، فَلَا يُقَنَّطَنَّكَ إِبْطَاءُ إِجَابَتِهِ ، فَإِنَّ الْعَطِيَّةَ عَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ .

وَرُبَّمَا أُخْرَتْ عَنْكَ الْإِجَابَةُ ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أَعْظَمَ لِأَجْرِ السَّائِلِ ، وَأَجْزَلَ لِعَطَاءِ الْآمِلِ. وَرُبَّمَا سَأَلْتَ الشَّيْءَ فَلَا تُؤْتَاهُ ، وَأُوتِيتَ خَيْراً مِنْهُ عَاجِلا أَوْ أَجِلاً ، أَوْ صُرِفَ عَنْكَ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ ، فَلَرُبَّ أَمْرِ قَدْ طَلَبْتَهُ فِيهِ هَلَالُ دِينِكَ لَوْ أُوتِيتَهُ ، فَلْتَكُنْ مَسَأَلْتُكَ فِيمَا يَبْقَىٰ لَكَ جَمَالُهُ ، وَيُنْفَى عَنْكَ وَبَالُهُ ؛ فَالْمَالُ لَا يَبْقَى لَكَ وَلَا تَبْقَى له...

حوى هذا المقطع بعض الأمور البالغة الأهمّية وهي :

1 - إن الله تعالى قد أذن لعباده بالدعاء وضمن لهم الإجابة .

2 - إنّ الله تعالى لم يجعل بينه وبين عباده حجاباً ، فقد فتح أبوابه للسائلين تفضّلاً منه ورحمة .

3- إن الله تعالى قد تفضّل وتكرّم على عباده ففتح لهم أبواب التوبة إذا شذوا في سلوكهم واقترفوا ما لا يرضيه ولم يعجّل لهم بالعقوبة ، ولم يفضحهم بين العباد .

4 - وكان وكان من لطف الله تعالى على عباده بأن جعل من يرتكب سيئة تسجّل له سيّئة واحدة ، ومن يفعل حسنة تسجّل له عشر حسنات تشجيعاً على عمل الخيرات والمبّرات .

5 - إن من ألطاف الله تعالى على عباده أن جعل بأيديهم مفاتيح خزائنه ، وهو الدعاء ، فإنّه من فيوضاته تعالى على العباد ، والدعاء ربّما يجاب بالوقت ، وربّما يؤخّر لمصلحة تعود على العبد يجهلها ، وقد عرضنا إلى تفصيل ذلك في بعض أجزاء هذه الموسوعة .ويستمر الإمام (عليه السلام) في وصيّته قائلاً:

وَاعْلَمْ يَا بُنيَّ أَنَّكَ إِنَّمَا خُلِقْتَ لِلْآخِرَةِ لَا لِلدُّنْيَا ، وَلِلْفَنَاءِ لَا لِلْبَقَاءِ ، وَلِلْمَوْتِ لَا لِلْحَيَاةِ ؛ وَأَنَّكَ فِي مَنْزِلِ قُلْعَةٍ وَدَارِ بُلْغَةٍ ، وَطرِيقٍ إِلَى الْآخِرَةِ ، وَأَنَّكَ طَرِيدُ الْمَوْتِ الَّذِي لَا يَنْجُو مِنْهُ هَارِبُهُ ، وَلَا يَفُوتُهُ طَالِبُهُ ، وَلَا بُدَّ أَنَّهُ مُدْرِكُهُ ، فَكُنْ مِنْهُ عَلَى حَذَرِ أَنْ يُدْرِكَكَ وَأَنْتَ عَلَى حَالٍ سَيِّئَةٍ ، قَدْ كُنتَ تُحَدِّثُ نَفْسَكَ مِنْهَا بِالتَّوْبَةِ ، فَيَحُولَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ ذلِكَ ، فَإِذَا أَنْتَ قَدْ أَهْلَكتَ نَفْسَكَ...

إنّ الإنسان خلق للآخرة لا للدنيا ، وللموت لا للبقاء ، وأنّ الموت يلاحقه حتى ينتزعه من الدنيا ، وعلى الإنسان الواعي أن يبادر للتوبة عمّا صدر منه من المعاصي قبل فوات الأوان منه .

ثم قال الإمام(عليه السلام) :

يَا بُنَيَّ ، أَكْثِرُ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ ، وَذِكْرِ مَا تَهْجُمُ عَلَيْهِ ، وَتُفْضِي بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَيْهِ ، حَتَّى يَأْتِيَكَ وَقَدْ أَخَذْتَ مِنْهُ حِذْرَكَ ، وَشَدَدْتَ لَهُ أَزْرَكَ ، وَلَا يَأْتِيَكَ بَغْتَةً فَيَبْهَرَكَ .

وَإِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرُ بِمَا تَرَى مِنْ إِخْلَادِ أَهْلِ الدُّنْيَا إِلَيْهَا ، وَتَكَالُبِهِمْ عَلَيْهَا، فَقَدْ نَبَّأَكَ اللهُ عَنْهَا ، وَنَعَتْ هِيَ لَكَ عَنْ نَفْسِهَا ، وَتَكَشَفَتْ لَكَ عَنْ مَسَاوِيهَا ، فَإِنَّمَا أَهْلُهَا كِلَابٌ عَاوِيَةٌ ، وَسِبَاعٌ ضَارِيَةٌ يَهِرُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَيَأْكُلُ عَزِيزُهَا ذَلِيلَهَا ، وَيَظْهَرُ كَبِيرُهَا صَغِيرَهَا .

نَعَمٌ مُعَفَّلَةٌ ، وَأُخْرَى مُهْمَلَةٌ ، قَدْ أَضَلَّتْ عُقُولَهَا ، وَرَكِبَتْ مَجْهُولَهَا سُرُوحُ عَاهَةٍ(1)بِوَادٍ وَعْثٍ، لَيْسَ لَهَا رَاعٍ يُقِيمُهَا ، وَلَا مُسِيمٌ يُسِيمُها(2).سَلَكَتْ بِهِمُ الدُّنْيَا طَرِيقَ الْعَمَى، وَأَخَذَتْ بِأَبْصَارِهِمْ عَنْ مَنَارِ الْهُدَى ، فَتاهُوا فِي حَيْرَتِهَا ، وَغَرِقُوا فِي نِعْمَتِهَا ، وَاتَّخَذُوهَا رَبَّاً ، فَلَعِبَتْ بِهِمْ وَلَعِبُوا بِهَا ، وَنَسُوا مَا وَرَاءَهَا .

رُوَيْداً يُسْفِرُ الظُّلَامُ ، كَأَنْ قَدْ وَرَدَتِ الْأَطْعَانُ ؛ يُوشِكُ مَنْ أَسْرَعَ أَنْ يَلْحَقَ !

وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ مَنْ كَانَتْ مَطِيَّتُهُ الليْلَ والنَّهَارَ ، فَإِنَّهُ يُسَارُ بِهِ وَإِنْ كَانَ وَاقِفاً ، ويَقْطَعُ الْمَسَافَةَ وَإِنْ كَانَ مُقِيماً وَادِعاً ...


1) السروح العاهة : هي الإبل السائبة التي ترعى الآفات .

2) يسيمها : أي يسرحها إلى المرعى .

تحدّث الإمام(عليه السلام)في هذا المقطع عن الاكثار لذكر الموت والتبصر بما بعده فإنّه يصرف الإنسان من فتن الدنيا وبوائقها ويهدي إلى الطريق المستقيم ، كما حذر(عليه السلام)من الافتتان بما يراه الإنسان من تكالب أهل الدنيا وتصارعهم على الحصول على غنائمها فإنهم الكلاب العاوية والسباع الضارية ، يأكل القوي منهم الضعيف ، ويقهر الكبير الصغير ، فهم كالأنعام بل أضل سبيلاً. هذا بعض ما احتوت عليه هذه الكلمات ، ويأخذ الإمام في عرض وصاياه قائلاً:

وَأَعْلَمْ يقيناً أَنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ أَمَلَكَ ، وَلَنْ تَعْدُوَ أَجَلَكَ ، وَأَنَّكَ فِي سَبِيلِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ . فَخَفِّضْ فِي الطَّلَبِ ، وَأَجْمِلْ فِي الْمُكْتَسَبِ، فَإِنَّهُ رُبَّ طَلَب قَدْ جَرَّ إِلَى حَرَبٍ (1)فَلَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ بِمَرْزُوقٍ ، وَلَا كُلُّ مُجْمِلٍ بِمَحْرُومٍ . وَأَكْرِمْ نَفْسَكَ عَنْ كُلِّ دَنِيَّةٍ وَإِنْ سَاقَتْكَ إِلَى الرَّغَائِبِ ، فَإِنَّكَ لَنْ تَعْتَاضَ بِمَا تَبْذُلُ مِنْ نَفْسِكَ عِوَضاً .

وَلَا تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ الله حُرّاً . وَمَا خَيْرُ خَيْرٍ لَا يُنَالُ إِلَّا بِشَر ، ويُسْرِ لَا يُنَالُ إِلَّا بِعُسْرِ ....!!

وهذه اللوحة من كلام الإمام الله من ذخائر الآداب الإسلامية ، وقد حفلت بما يلي :

1 -الإجمال في طلب الرزق ، وأن ليس من الفكر التهالك على طلب الرزق، فإنّه مكتوب للإنسان ، فليس الطالب بمرزوق ولا المجمل بمحروم .

2 - صيانة النفس عن كل دنية ومنقصة ، فإنّ كرامتها أغلى وأثمن من كلّ شيء .


1) الحرب : سلب المال .

3 - أن لا يكون الإنسان عبداً لغيره ، فقد جعله الله تعالى حرّاً ، والحرية من أثمن ما يملكه الإنسان في حياته .. ومن بنود هذه الوصية قوله(عليه السلام):

وَإِيَّاكَ أَنْ تُوجِفَ (1)بِكَ مَطَايَا الطَّمَع ، فَتُورِدَكَ مَنَاهِلَ الْهَلَكَةِ .

وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَلَّا يَكُونَ بَيْنَكَ وَبْيَنَ اللهُ ذُو نِعْمَةٍ فَافْعَلْ ، فَإِنَّكَ مُدْرِكَ قَسْمَكَ ، وَآخِذْ سَهْمَكَ ، وَإِنَّ الْيَسِيرَ مِنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْظَمُ وَأَكْرَمُ مِنَ الْكَثِير مِنْ خَلْقِهِ وَإِنْ كَانَ كُلِّ مِنْهُ...

عرض الإمام(عليه السلام) إلى الكف عن الطمع الذي يورد الناس موارد الهلكة ، وعلى الإنسان أن يعتصم بالله تعالى الذي بيده جميع مجريات الأحداث ، فالتمسك به من أثمن ما يظفر به الإنسان في حياته ..

ومن مواد هذه الوصية قوله(عليه السلام):

وَتَلَافِيكَ مَا فَرَطَ مِنْ صَمْتِكَ أَيْسَرُ مِنْ إِدْرَاكِكَ مَا فَاتَ مِنْ مَنْطِقِكَ . وَحِفْظُ مَا فِي الْوِعَاءِ بِشَدَّ الْوِكَاءِ . وَحِفْظُ مَا فِي يَدَيْكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ طَلَبِ مَا فِي يَدَيْ غَيْرِكَ . وَمَرَارَةُ الْيَأْسِ خَيْرٌ مِنَ الطَّلَبِ إِلَى النّاسِ وَالْحِرْفَةُ مَعَ الْعِفَّةِ خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى مَعَ الْفُجُورِ . وَالْمَرْءُ أَحْفَظُ لِسِرِّهِ ، وَرُبَّ سَاعٍ فِيمَا يَضُرُّهُ ! مَنْ أَكْثَرَ أَهْجَرَ . وَمَنْ تَفَكَّرَ أَبْصَرَ.

قارِن أهْلَ الْخَيْر تَكُنْ مِنْهُمْ ، وَبَايِنْ أَهْلَ الشَّرِّ تَبِنْ عَنْهُمْ بِئْسَ الطَّعَامُ الْحَرَامُ : وَظُلْمُ الضَّعِيفِ أَفْحَشُ الظُّلْمِ. إِذَا كَانَ الرِّفْقُ


1) توجف : أي تسرع .

خُرْقاً كَانَ الْخُرْقُ رِفْقاً(1). رُبَّمَا كَانَ الدَّوَاءُ دَاءً ، وَالدّاءُ دَوَاءٌ .

وَرُبَّمَا نَصَحَ غَيْرُ النّاصِحِ ، وَغَشَّ الْمُسْتَنْصَحُ(2)...

عرض الإمام (عليه السلام)في هذه الكلمات إلى جواهر الحكمة وخلاصة العرفان والآداب ، فقد استهدفت بناء شخصيّة الإنسان على أصول الاستقامة والفضائل .

ويستمر الإمام المربّي في عرض وصاياه ونصائحه الذهبية قائلاً:

وَإِيَّاكَ وَالْإِنْكَالَ عَلَى الْمُنَى فَإِنَّهَا بَضَائِعُ النَّوْكَى ، وَالْعَقْلُ حِفْظُ التَّجَارِبِ ، وَخَيْرُ مَا جَرَّبْتَ مَا وَعَظَكَ .

بَادِرِ الْفُرْصَةَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ غُصَّةً . لَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ يُصِيبُ ، وَلَا كُلُّ غَائِبٍ يَؤُوبُ . وَمِنَ الْفَسَادِ إِضَاعَةُ الزَّادِ ، وَمَفْسَدَةُ الْمَعَادِ . وَلِكُلِّ أَمْرٍ عَاقِبَةٌ ، سَوْفَ يَأْتِيكَ مَا قُدِّرَ لَكَ . النّاجِرُ مُخَاطِرٌ ، وَرُبَّ يَسِيرٍ أَنْمَى مِنْ كَثِيرٍ ! لَا خَيْرَ فِي مُعِينٍ مَهِينٍ ، وَلَا فِي صَدِيقٍ ظَنِينِ . سَاهِلِ الدَّهْرَ مَا ذَلَّ لَكَ فَعُودُهُ(3)، وَلَا تُخَاطِرْ بِشَيءٍ رَجَاءَ أَكْثَرَ مِنْهُ....

أرأيتم هذه الحكم التي صاغها أمير البيان والتي هي منحوتة من صميم الواقع وخلاصة التجارب ؟ ويقول(عليه السلام):

وَإِيَّاكَ أَنْ تَجْمَحَ بِكَ مَطِيَّةُ اللَّجَاج . احْمِلْ نَفْسَكَ مِنْ أَخِيكَ عِنْدَ


1) المراد أنّ المقام إذا كان يلزم العنف فيكون إبداله بالرفق عنفاً ويكون العنف من الرفق .

2) المستنصح : من يطلب منه النصح .

3) القعود : ما يقتعده الراعي من الإبل .

صَرْمِهِ(1)عَلَى الصَّلَةِ ، وَعِنْدَ صُدُودِهِ عَلَى اللَّطَفِ وَالْمُقَارَبَةِ ، وَعِنْدَ جُمُودِهِ عَلَى الْبَدْلِ ، وَعِنْدَ تَبَاعُدِهِ عَلَى الدُّنُو ، وَعِنْدَ شِدَّتِهِ عَلَى اللَّينِ ، وَعِنْدَ جُرْمِهِ عَلَى الْعُذْرِ ، حَتَّى كَأَنَّكَ لَهُ عَبْدٌ ، وَكَأَنَّهُ ذُو نِعْمَةٍ عَلَيْكَ ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَضَعَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، أَوْ أَنْ تَفْعَلَهُ بِغَيْرِ أَهْلِهِ .

لَا تَتَّخِذَنَّ عَدُوَّ صَدِيقِكَ صَدِيقاً فَتُعَادِيَ صَدِيقَكَ ، وَامْحَضْ أَخَاكَ النَّصِيحَةَ ، حَسَنَةٌ كَانَتْ أَوْ قَبِيحَةٌ ، وَتَجَرَّعِ الْغَيْظَ فَإِنِّي لَمْ أَرَ جُرْعَةً أَحْلَى مِنْهَا عَاقِبَةً ، وَلَا أَلذَّ مَغَبَّةٌ(2).

وَلِنْ لِمَنْ غَالَظَكَ ، فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَلِينَ لَكَ ، وَخُذْ عَلَى عَدُوِّكَ بِالْفَضْلِ فَإِنَّهُ أَحْلَى الظَّفَرَيْنِ(3). وَإِنْ أَرَدْتَ قَطِيعَةَ أَخِيكَ فَاسْتَبْقِ لَهُ مِنْ نَفْسِكَ بَقِيَّةٌ يَرْجِعُ إِلَيْهَا إِنْ بَدَا لَهُ ذَلِكَ يَوْماً مَا . وَمَنْ ظَنَّ بِكَ خَيْراً فَصَدِّقْ ظَنَّهُ ، وَلَا تُضِيعَنَّ حَقَّ أَخِيكَ اتِّكَالاً عَلَى مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكَ بِأَحْ مَنْ أَضَعْتَ حَقَّهُ . وَلَا يَكُنْ أَهْلُكَ أَشْقَى الْخَلْقِ بِكَ ، وَلَا تَرْغَبَنَّ فِيمَنْ زَهِدَ عَنْكَ ، وَلَا يَكُونَنَّ أَخُوكَ أَقْوَى عَلَى قَطِيعَتِكَ مِنْكَ عَلَى صِلَتِهِ ، وَلَا تَكُونَنَّ عَلَى الْإِسَاءَةِ أَقْوَىٰ مِنْكَ عَلَى الْإِحْسَانِ.

وَلَا يَكْبُرَنَّ عَلَيْكَ ظُلْمُ مَنْ ظَلَمَكَ ، فَإِنَّهُ يَسْعَى فِي مَضَرَّتِهِ


1) الصرم : القطيعة .

2) المغبة : العاقبة

3) الظفران : هنا ظفر الانتقام، وظفر الإحسان، والثاني أحلى.

وَنَفْعِكَ ، وَلَيْسَ جَزَاءُ مَنْ سَرَّكَ أَنْ تَسُوءَهُ...

وضع الإمام الحكيم مناهج الاجتماع وقواعد الصداقة وما تستلزمه من الأخلاق والآداب ، وهذه النصائح من أثمن ما أثر عن علماء الأخلاق والاجتماع. ولنستمع إلى بعض فصول هذه الوصية الخالدة ، يقول(عليه السلام):

وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ الرِّزْقَ رِزْقَانِ : رِزْقٌ تَطْلُبُهُ ، وَرِزْقٌ يَطْلُبُكَ ، فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَأْتِهِ أَتَاكَ . مَا أَقْبَحَ الْخُضُوعَ عِنْدَ الْحَاجَةِ ، وَالْجَفَاءَ عِنْدَ الْغِنَى : إِنَّمَا لَكَ مِنْ دُنْيَاكَ ، مَا أَصْلَحْتَ بِهِ مَثْوَاكَ ، وَإِنْ كُنْتَ جَازِعاً عَلَىٰ مَا تَفَلَّتَ مِنْ يَدَيْكَ ، فَاجْزَعْ عَلَى كُلِّ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَيْكَ . إِسْتَدِلَّ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ بِمَا قَدْ كَانَ ، فَإِنَّ الْأُمُورَ أَشْبَاءٌ ؛ وَلَا تَكُونَنَّ مِمَّنْ لَا تَنْفَعُهُ الْعِظَةُ إِلَّا إِذَا بَالَغَتْ فِي إِيلَامِهِ ، فَإِنَّ الْعَاقِلَ يَتَّعِظُ بِالْآدَابِ ، وَالْبَهَائِمَ لَا تَتَّعِظُ إِلَّا بِالضَّرْبِ . اطْرَحْ عَنْكَ وَارِدَاتِ الْهُمُومِ بِعَزَائِمِ الصَّبْرِ وَحُسْنِ الْيَقِينِ . مَنْ تَرَكَ الْقَصْدَ(1)جَارَ وَالصَّاحِبُ مُنَاسِبٌ(2)، وَالصَّدِيقُ مَنْ صَدَقَ غَيْبُهُ (3).

وَالْهَوَى شَرِيكَ الْعَمَى ، وَرُبَّ بَعِيدٍ أَقْرَبُ مِنْ قَرِيبٍ ، وَقَرِيبٍ أَبْعَدُ مِنْ بَعِيدٍ ، وَالْغَرِيبُ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَبِيبٌ .

مَنْ تَعَدَّى الْحَقَّ ضَاقَ مَذْهَبُهُ ، وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَىٰ قَدْرِهِ كَانَ أَبْقَىٰ لَهُ . وَأَوْثَقُ سَبَبٍ أَخَذْتَ بِهِ سَبَبٌ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ .


1) القصد : الاعتدال

2) الصاحب مناسب : أي يراعى فيه ما يراعى في النسب .

3) المراد مراعاة حق الصديق في حال غيبته .

وَمَنْ لَمْ يُبَالِك (1)فَهُوَ عَدُوُّكَ . قَدْ يَكُونُ الْيَأْسُ إِدْرَاكَاً ، إِذَا كَانَ الطَّمَعُ هَلَاكاً . لَيْسَ كُلُّ عَوْرَةٍ تَظْهَرُ، وَلَا كُلُّ فُرْصَةٍ تُصَابُ ،

وَرُبَّمَا أَخْطَأَ الْبَصِيرُ قَصْدَهُ ، وَأَصَابَ الْأَعْمَى رُشْدَهُ .

أَخْرِ الشَّرَّ فَإِنَّكَ إِذَا شِئْتَ تَعَجَّلْتَهُ ، وَقَطِيعَةُ الْجَاهِلِ تَعْدِلُ صِلَةَ الْعَاقِلِ . مَنْ أَمِنَ الزَّمَانَ خَانَهُ ، وَمَنْ أَعْظَمَهُ أَهَانَهُ . لَيْسَ كُلُّ مَنْ رَمَى أَصَابَ . إِذَا تَغَيَّرَ السُّلْطَانُ تَغَيَّرَ الزَّمَانُ . سَلْ عَنِ الرَّفِيقِ قَبْلَ الطَّرِيقِ ، وَعَنِ الْجَارِ قَبْلَ الدّارِ ...

وحوت هذه البنود المشرقة آيات محكمات من الوصايا القيمة ، والنصائح الرفيعة التي هي من ذخائر الحكمة ومن مناجم الآداب ، والتي لم يؤثر مثلها من أحد منعظماء الدنيا سوى الرسول الأعظم(صلی الله علیه وآله وسلم)، فقد وضعت المناهج الكاملة لحسن السلوك ، ولما يسمو به ويسعد به هذا الكائن الحي من بني الإنسان .. ولنقرأ البند الأخير من هذه الوصية ، قال (عليه السلام):

إِيَّاكَ أَنْ تَذْكُرَ مِنَ الْكَلَامِ مَا يَكُونُ مُضْحِكاً ، وَإِنْ حَكَيْتَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِكَ .

وَإِيَّاكَ وَمُشَاوَرَةَ النِّسَاءِ فَإِنَّ رَأَيْهُنَّ إِلَى أَفْنِ(2)، وَعَزْمَهُنَّ إِلَى وَهْنٍ . وَاكْفُفْ عَلَيْهِنَّ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ بِحِجَابِكَ إِيَّاهُنَّ ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحِجَاب أَبْقَى عَلَيْهِنَّ ، وَلَيْسَ خُرُوجُهُنَّ بِأَشَدَّ مِنْ إِدْخَالِكَ مَنْ لَا يُوثَقُ بِهِ عَلَيْهِنَّ ، وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَلَّا يَعْرِفْنَ غَيْرَكَ فَافْعَلْ .


1) من لم يبالك : أي لم يهتم بأمرك .

2) الأفن : ضعف الرأي .

وَلَا تُمَلكِ الْمَرْأَةَ مِنْ أَمْرِهَا مَا جَاوَزَ نَفْسَهَا ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ رَيْحَانَةٌ وَلَيْسَتْ بِقَهْرَمَانَةٍ(1). وَلَا تَعْدُ بِكَرَامَتِهَا نَفْسَهَا ، وَلَا تُطْمِعْهَا فِي أَنْ تَشْفَعَ لِغَيْرِهَا . وَإِيَّاكَ وَالتَّعَايُرَ فِي غَيْرِ مَوْضِع غَيْرَةٍ(2)، فَإِنَّ ذَلِكَ يَدْعُو الصَّحِيحَةَ إِلَى السَّقَم ، وَالْبَرِيئَةَ إِلَى الرِّيَبِ . وَاجْعَلْ لِكُلِّ إِنْسَانِ مِنْ خَدَمِكَ عَمَلاً تَأْخُذُهُ بِهِ ، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَلَّا يَتَوَاكَلُوا فِي خِدْمَتِكَ (3). وَأَكْرِمْ عَشِيرَتَكَ ، فَإِنَّهُمْ جَنَاحُكَ الَّذِي بِهِ تَطِيرُ ، وَأَصْلُكَ الَّذِي إِلَيْهِ تَصِيرُ ، وَيَدُكَ الَّتِي بِهَا تَصُولُ .

إِسْتَوْدِعِ الله دِينَكَ وَدُنْيَاكَ ، وَاسْأَلْهُ خَيْرَ الْقَضَاءِ لَكَ فِي الْعَاجِلَةِ وَالْآجِلَةِ ، وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَالسَّلَامُ »(4).

وانتهت هذه الوصية وهي حافلة بالقيم الكريمة ، والمثل العليا، والنصائح الرفيعة التي لم يؤثر نظيرها عن أي خليفة من خلفاء المسلمين ، وقد جاءت معبرة عن مثل الإمام(عليه السلام)وطاقاته العلمية التي أضاءت سماء الإسلام .


1) القهرمان : الذي يحكم في الأمور ويتصرف فيها بأمره .

2) التغاير : إظهار الغيرة على المرأة بسوء الظن فيها من غير موجب .

3) يتواكلوا : أي يتكل بعضهم على بعض في خدمتك.

4) نهج البلاغة / محمّد عبده :3 391 - 406 . كنز العمّال : 16 : 167 - 183 ، الحديث 44215 . نظم درر السمطين: 161 - 169 . تحف العقول : 68 - 88 .

وصيّة أخرى لولده الإمام الحسن(عليه السلام)

وأوصى الإمام(عليه السلام)ولده الزكي الإمام الحسن(عليه السلام)بهذه الوصية :

أُوصِيكَ أَيْ بُنَيَّ بِتَقْوَى اللَّهِ ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ عِنْدَ مَحِلَّها ، وَحُسْنِ الْوُضُوءِ ؛ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ ، وَلَا تُقْبَلُ

صَلَاةٌ مِنْ مَانِع زَكَاةٍ . وَأَوْصِيكَ بِغَفْرِ الذَّنْبِ ، وَكَظْم الْغَيْظِ ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ ، وَالْحِلْمِ عِنْدَ الْجَهْلِ ، وَالتَّفَقَّهِ فِي الدِّينِ ، وَالتَّثْبِتِ فِي الْأَمْرِ ، وَالتَّعَاهُدِ لِلْقُرآنِ ، وَحُسْنِ الْجِوارِ ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْي عَنِ الْمُنْكَرِ وَاجْتِنَابِ الْفَوَاحِشِ كُلَّها فِي كُلِّ مَا عُصِيَ اللهُ فِيهِ»(1).


1) نهج السعادة : 1 : 151 . مجمع الزوائد : 9 : 142 . المعجم الكبير : 1 : 101 .

وَصِيَّته(عليه السلام) للإمام الحسين(عليه السلام)

«يا بُنَيَّ، أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي الْغِنى وَالْفَقْرِ، وَكَلِمَةِ الْحَقِّ فِي الرَّضى وَالْغَضَبِ ، وَالْقَصْدِ فِي الْغِنى وَالْفَقْرِ، وَبِالْعَدْلِ عَلَى الصَّدِيقِ وَالْعَدُوِّ ، وَبِالْعَمَلِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، وَالرِّضَى مِنَ اللَّهِ فِي الشِّدَّة وَالرَّخَاءِ.

وحفلت هذه الفقرات بجميع القيم الكريمة ، والمثل الإنسانية ، وقد غرسها في أعماق سيّد الشهداء وأبي الأحرار لتكون منهجاً له في حياته ، ويأخذ الإمام في وصيّته قائلاً:

وَاعْلَمْ أَيْ بُنَيَّ إِنَّهُ مَنْ أَبْصَرَ عَيْبَ نَفْسِهِ شُغِلَ عَنْ عَيْبٍ غَيْرِهِ. وَمَنْ رَضِيَ بِقَسْمِ اللَّهِ لَمْ يَحْزَنْ عَلى ما فاتَهُ. وَمَنْ سَلَّ سَيْفَ الْبَغْيِ قُتِلَ بِهِ. وَمَنْ حَفَرَ بِئراً لِأَخِيهِ وَقَعَ فِيهَا . وَمَنْ هَتَكَ حِجَابَ انْكَشَفَتْ عَوْرَاتُ بَيْتِهِ . وَمَنْ نَسِي خَطِيئَتَهُ اسْتَعْظَمَ خَطِيئَةَ غَيْرِهِ . وَمَنْ كَابَدَ الْأُمُورَ عَطَبَ . وَمَنِ افْتَحَمَ الْغَمَرَاتِ غَرِقَ .

وَمَنْ أَعْجِبَ بِرَأْيِهِ ضَلَّ . ومَنِ اسْتَغْنى بِعَقْلِهِ زَلَّ ، وَمَنْ تَكَبَّرَ عَلَى النّاسِ ذَلَّ . وَمَنْ سَفِهَ عَلَيْهِمْ شُتِمَ. وَمَنْ دَخَلَ مَداخِلَ السَّوْءِ وَمَنْ خَالَطَ الْأَنْدَالَ حُقِّرَ . وَمَنْ جَالَسَ الْعُلَمَاءَ وُقِّرَ . وَمَنْ مَزَحَ اسْتُخِفَّ بِهِ . وَمَنِ اعْتَزَلَ سَلِمَ. وَمَنْ تَرَكَ الشَّهَواتِ كَانَ

حُرّاً . وَمَنْ تَرَكَ الْحَسَدَ كَانَتْ لَهُ الْمَحَبَّةُ عِنْدَ النَّاسِ .

أرأيتم هذه الوصايا القيمة التي تسمو بالإنسان ، وتجعله في مصاف الملائكة ! وحسبها عظمة أنّها وصايا إمام المتقين وسيّد العارفين.. ويأخذ الإمام في وصيّته قائلاً:

يَا بُنَيَّ ، عِزَّ الْمُؤْمِنِ غِناهُ عَنِ النَّاسِ وَالْقَنَاعَةُ مالٌ لا يَنْفَدُ. وَمَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ الْمَوْتِ رَضِيَ مِنَ الدُّنْيا بِالْيَسِيرِ. وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَنْفَعُهُ الْعَجَبُ مِمَّنْ خَافَ الْعِقَابَ وَرَجَا الثَّوابَ فَلَمْ يَعْمَلْ . الذِّكْرُ نُورٌ. وَالْغَفْلَةُ ظُلْمَةٌ. وَالْجَهالَةُ ضَلَالَةٌ وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ. وَالْأَدَبُ خَيْرُ مِيراث. وَحُسْنُ الْخُلُقِ خَيْرُ قَرِينٍ.

يَا بُنَيَّ، رَأْسُ الْعِلْمِ الرِّفْقُ ، وَآفَتُهُ الْخُرْقُ وَمِنْ كُنُوزِ الْإِيْمَانِ الصَّبْرُ عَلَى الْمَصَائِبِ ، وَالْعَفَافُ زِينَةُ الْفَقْرِ، وَالشُّكْرُ زِينَةُ الْغِنى . وَمَنْ أَكْثَرَ مِنْ شَيْءٍ عُرِفَ بِهِ ، وَمَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثَرَ خَطَأَهُ ، وَمَنْ كَثُرَ خَطَأَهُ قَلَّ حَياؤُهُ ، وَمَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ ، وَمَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُهُ ، وَمَنْ مَاتَ قَلْبُهُ دَخَلَ النَّارَ .

يَا بُنَيَّ لَا تُؤيسْ مُذنباً ، فَكَمْ مِنْ عَاكِفِ عَلَى ذَنْبِهِ خُتِمَ لَهُ بِخَيْرٍ ، وَكَمْ مِنْ مُقْبِل عَلى عَمَلِهِ مُفْسِدِ لَهُ فِي آخِرِ عُمْرِهِ صَائِرٍ إِلَى النَّارِ. مَنْ تَحَرَّى الصِّدْقَ خَفَّتْ عَلَيْهِ الْأُمُورُ .

يَا بُنَيَّ ، كَثْرَةُ الزِّيارَةِ تُورِثُ الْمَلَالَةَ .

يَا بُنَيَّ، الطُّمَأْنِينَةُ قَبْلَ الْخُبْرَةِ ضِدُّ الْحَزْمِ. وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ عَقْلِهِ.

أرأيتم هذه الحكم التي تفجرت من أمير البيان، وهي تبني صرحاً للأخلاق والآداب ؟ وتؤسس مناهج التربية التي ترفع مستوى الإنسان ، وتجعله خليفة الله في أرضه ؟

ويستمر الإمام في وصيّته قائلاً:

يَا بُنَيَّ ، كَمْ مِنْ نَظْرَةٍ جَلَبَتْ حَسْرَةٌ وَكَمْ مِنْ كَلِمَةٍ جَلَبَتْ نِعْمَةٌ .

لَا شَرَفَ أَعْلى مِنَ الْإِسْلامِ ، وَلَا كَرَمَ أَعْلى مِنَ التَّقْوى . وَلَا مَعْقِلَ أَحْرَزُ مِنَ الْوَرَعَ . وَلَا شَفِيعَ أَنْجَحُ مِنَ التَّوْبَةِ . وَلَا لِبَاسَ أَجْمَلُ مِنَ الْعَافِيَةِ . وَلَا مَالَ أَذْهَبُ لِلْفَاقَةِ مِنَ الرّضى بِالْقُوتِ . وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى بُلْغَةِ الْكَفَافِ تَعَجَّلَ الرّاحَةَ وَتَبَوَّاً خَفْضَ الدَّعَةِ . الْحِرْصُ مِفْتَاحُ التَّعَبِ وَمَطِيَّةُ النَّصَبِ وَدَاعِ إِلَى التَّقَكُم فِي الذُّنُوبِ وَالشَّرُّ جَامِعٌ لِمَساوِي الْعُيُوبِ وَكَفَاكَ أَدَبَاً لِنَفْسِكَ مَا كَرِهْتَهُ مِنْ غَيْرِكَ . لِأَخِيكَ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْكَ . وَمَنْ تَوَرَّطَ فِي الْأُمُورِ مِنْ غَيْرِ نَظَرِ فِي الصَّوَابِ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِمُفَاجَأَةِ النَّوائِبِ . التَّدْبِيرُ قَبْلَ الْعَمَلِ يُؤْمِنُكَ النَّدَمَ . مَنِ اسْتَقْبَلَ وُجُوهَ الْعَمَلِ وَالْآراءِ عَرَفَ مَوَاقِعَ الْخَطَأَ . الصَّبْرُ جُنَّةٌ مِنَ الْفَاقَةِ . فِي خِلَافِ النَّفْسِ رُشْدُها . السّاعَاتُ تَنْتَقِصُ الْأَعْمَارَ . وَيْلٌ لِلْبَاغِينَ مِنْ أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ وَعَالِمِ بِضَمِيرِ الْمُضْمِرِينَ . بِئْسَ الرّادُ لِلْمَعَادِ الْعُدوَانُ عَلَى الْعِبَادِ فِي كُلِّ جُرْعَةٍ شَرْقَةٌ ،

وَفِي كُلِّ أَكْلَةٍ غَصَصٌ . لَا تُنَالُ نِعْمَةً إِلَّا بِفِراقِ أُخْرى . مَا أَقْرَبَ الرّاحَةَ مِنَ التَّعَبِ وَالْبُؤْسَ مِنَ النَّعِيمِ وَالْمَوْتَ مِنَ الْحَيَاةِ !

فَطُوبى لِمَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ عَمَلَهُ وَعِلْمَهُ وَحُبَّهُ وَبُغْضَهُ وَأَخْذَهُ وَتَرْكَهُ وَكَلَامَهُ وَصَمْتَهُ وَبَحْ بَحْ لِعَالِم عَلِمَ فَكَفَّ ، وَعَمِلَ فَجَدَّ ، وَخَافَ الْتَبَابَ (1)فَأَعَدَّ وَاسْتَعَدَّ ، إِنْ سُئِلَ أَفْصَحَ ، وَإِنْ تُرِكَ سَكَتَ ، كَلَامُهُ صَوَابٌ وَصَمْتُهُ مِنْ غَيْرِ عَى جَوابٌ ، وَالْوَيْلُ كُلُّ الْوَيْلِ لِمَنْ بُلِيَ بِحِرْمَانِ وَخِذْلانِ وَعِصْيانِ وَاسْتَحْسَنَ لِنَفْسِهِ مَا يَكْرَهُهُ لِغَيْرِهِ ، مَنْ لَانَتْ كَلِمَتُهُ وَجَبَتْ مَحَبَّتُهُ ، مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَيَاءٌ وَلَا سَخَاءٌ فَالْمَوْتُ أَوْلَى بِهِ مِنَ الْحَيَاةِ ، لَا تَتُمَّ مُرُوءَةُ الرَّجُلِ حَتَّى لَا يُبَالِي أَيَّ تَوْبَيْهِ لَبِسَ ، وَلَا أَيَّ طَعَامَيْهِ أَكَلَ ...»(2).

وأنت ترى هذه الوصية قد تمثلت بها جميع القيم التربوية والأخلاقية التي تكون منهجاً لحياة فضلى تتوفر فيها آداب السلوك ومحاسن الفضائل.


1) التباب : الهلاك والخسران، ومنه قوله تعالى : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ .... .

2) الإعجاز والإيجاز : 33 - 36 . تحف العقول: 88 - 91 . بحار الأنوار: 74 : 236 - 239 . نزهة الناظر : 61 و 62 .

وَصَايَاهُ(عليه السلام)لابنائه

أوصى الإمام(عليه السلام)أبناءه بهذه الوصية التي رسم فيها سلوكهم مع المجتمع ، قال(عليه السلام):

«يَا بَنِيَّ ، عَاشِرُوا النّاسَ بِالْمَعْرُوفِ مُعَاشَرَةٌ إِنْ عِشْتُمْ حَنُّوا إِلَيْكُمْ وَإِنْ مِتُّمْ بَكَوْا عَلَيْكُمْ»(1).

وهذه الوصية تدعو إلى تعامل الإنسان مع المجتمع معاملة كريمة وذلك بمواساة الناس في أحزانهم ومسرّاتهم ، والبرّ بضعيفهم وفقيرهم . ومن الطبيعي أن هذه السيرة توجب أن يحتل المتصف بها قلوب الناس وعواطفهم .

وأوصى الإمام أبناءه بهذه الوصية حينما ضربه ابن ملجم عليه لعنة الله ، قال(عليه السلام):

«عَلَيْكُمْ بِتَقْوى الله وَطَاعَتِهِ ، وَلَا تَأْسَوا عَلَى مَا صُرِفَ عَنْكُمْ مِنْهَا أي من الدنيا - وَانْهَضُوا إِلَى عِبَادَةِ رَبِّكُمْ ، وَشَمِّرُوا عَنْ سَاقِ الْجِدٌ ، وَلَا تَتَاقَلُوا إِلَى الْأَرْضِ ، وَتَقِرُوا بِالْخِسَ ، وَتَبُوءُوا بِالذُّلِّ .

اللهُمَّ اجْمَعْنَا وَإِيَّاهُمْ عَلَى الْهُدى ، وَزَهَّدْنا وَإِيَّاهُمْ فِي الدُّنْيا وَاجْعَلِ الْآخِرَةَ خَيْراً لَنَا وَلَهُمْ مِنَ الْأُولَى ...»(2)


1) بحار الأنوار: 75: 77 ، الحديث 47 . تذكرة الخواص : 152. نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة : 30:8

2) الإمامة والسياسة : 1 : 140 ، 183 .

دعا الإمام في هذه الوصية أبناءه إلى عبادة الله تعالى وطاعته ، وأن يعيشوا في هذه الحياة عيشة كريمة عارية من الذل والعبودية .

وصیّتُهُ(عليه السلام)لمحمّد بن الحنفية

أوصى الإمام(عليه السلام)ولده محمد بن الحنفية بهذه الوصية الحافلة بالقيم التربوية والأخلاق الفاضلة ، وهذا نصها :

«يا بُنَيَّ، الْبَغْضُ سائِقٌ إِلَى الْحَينِ . لَنْ يَهْلِكَ امْرُؤٌ عَرَفَ قَدْرَهُ .

مَنْ حَصَّنَ شَهْوَتَهُ صَانَ قَدْرَهُ قِيمَةُ كُلِّ امْرِي مَا يُحْسِنُ الْإِعْتِبَارُ يُفيدُكَ الرَّشَادَ أَشْرَفُ الْغِنى تَرْكُ الْمُنى . الْحِرْصُ فَقْرٌ حَاضِرٌ . الْمَوَدَّةُ قَرابَةٌ مُسْتَفَادَةٌ. صَدِيقُكَ أَخُوكَ لِأَبِيكَ وَأُمِّكَ ، وَلَيْسَ كُلُّ لَكَ مِنْ أَبِيكَ وأُمِّكَ صَدِيقَكَ . لَا تَتَّخِذَنَّ عَدُوَّ صَدِيقِكَ صَدِيقاً فَتُعَادِيَ صَدِيقَكَ . كَمْ مِنْ بَعِيدٍ أَقْرَبُ مِنْكَ مِنْ قَرِيبٍ . وَصُولٌ مُعْدِمٌ خَيْرٌ مِنْ مُثرِ جَافٍ . الْمَوْعِظَةُ كَهْفٌ لِمَنْ وَعَاهَا . مَنْ مَنَّ بِمَعْروفِهِ أَفْسَدَهُ.

مَنْ أَسَاءَ خُلْقَهُ عَذَبَ نَفْسَهُ ، وَكَانَتِ الْبُغْضَةُ أَوْلَى بِهِ . لَيْسَ مِنَ الْعَدْلِ الْقَضاءُ بِالظَّنِّ عَلَى الثَّقَةِ . مَا أَقْبَحَ الْأَشَرَ عِنْدَ الظَّفَرِ ! وَالْكَابَةَ عِنْدَ النَّائِبَةِ وَالْغِلْظَةَ وَالْقَسْوَةَ عَلَى الْجَارِ ! وَالْخِلَافَ عَلَى الصّاحِبِ : وَالْخِبَّ مِنْ ذَوِي الْمُرُوءَةِ : وَالْغَدْرَ مِنَ السُّلْطَانِ : وَزُلْ مَعَهُ حَيْثُ زَالَ ، لَا تَصْرِمْ أَخَاكَ عَلَى ارْتِيابِ ، وَلَا تَقْطَعْهُ دُونَ اسْتِعْتَابٍ ، لَعَلَّ لَهُ عُذْراً وَأَنْتَ تَلُومُ اقْبَلْ مِنْ مُتَنَصِّل عُذْرَهُ فَتَنَالَكَ الشَّفاعَةُ ، وَأَكْرِمِ الَّذِينَ بِهِمْ نَصْرُكَ ، وَازْدَدْ لَهُمْ طُولَ

الصُّحْبَةِ ، َبرَا وَإِكْرَاماً وَتَبْجِيلاً وَتَعْظِيماً ، فَلَيْسَ جَزَاءُ مَنْ سَرَّكَ أَن تَسُوءَهُ . أَكْثِرِ الْبِرَّ مَا اسْتَطَعْتَ لِجَلِيسِكَ ، فَإِنَّكَ إِذَا شِئْتَ رَأَيْتَ رُشْدَهُ . مَنْ كَسَاهُ الْحَياءُ ثَوْبَهُ اخْتَفى عَن الْعُيُونِ عَيْبُهُ . مَنْ تَحَرّى الْقَصْدَ خَفَّتْ عَلَيْهِ الْمُؤَنُ. مَنْ لَمْ يُعْطِ نَفْسَهُ شَهْوَتَهَا أَصَابَ رُشْدَهُ .

مَعَ كُلِّ شِدَّةٍ رَخَاءٌ ، وَمَعَ كُلِّ أَكْلَةٍ غُصَصٌ . لَا تُنالُ نِعْمَةٌ إِلَّا بَعْدَ أذى . كُفْرُ النّعَم مُوْقٌ(1)، وَمُجالَسَةُ الْأَحْمَقِ شُوْمَ . إِعْرِفِ الْحَقِّ لَمَنْ عَرَفَهُ لَكَ شَرِيفا كانَ أَوْ وَضِيعاً . مَنْ تَرَكَ الْقَصْدَ جَارَ ، وَمَنْ تَعَدّى الْحَقَّ ضَاقَ مَذْهَبُهُ . كَمْ مِنْ دَيْفٍ نَجَا(2)! وَصَحِيحَ قَدْ هَوى ! قَدْ يَكُونُ الْيَأْسُ إدراكاً ، وَالطَّمَعُ هَلَاكَاً . إِسْتَعْتِبْ مَنْ رَجَوْتَ عِتَابَهُ . لَا تَبِيتَنَّ مِنِ امْرِيُّ عَلَى غَدْرٍ . الْغَدْرُ شَرُّ لِبَاسِ الْمَرْءِ الْمُسْلِم . مَنْ غَدَرَ مَا أَخْلَقَ أَنْ لَا يُوفى لَهُ : الْفَسَادُ يُبِيرُ الْكَثِيرَ ، وَالْإِفْتِصادُ يُنَمِّي الْيَسِيرَ . مِنَ الْكَرَمِ الْوَفاءُ بِالذَّمَم . مَنْ كَرُمَ سادَ ، وَمَنْ تَفَهَّمَ ازْدَادَ إِمْحَضْ أَخَاكَ النَّصِيحَةَ ، وَسَاعِدْهُ عَلى كُلِّ حالٍ مَا لَمْ يَحْمِلْكَ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِنْ لِمَنْ غَاظَكَ تَظْفَرُ بِطَلِبَتِكَ .

سَاعَاتُ الْهُمومِ سَاعَاتُ الْكَفَّارَاتِ ، وَالسّاعاتُ تُنْفِدُ عُمْرَكَ . لَا خَيْرَ فِي لَذَّةٍ بَعْدَها النَّارُ ، وَمَا خَيْرٌ بِخَيْرٍ بَعْدَهُ النَّارُ وَمَا شَرٌّ بِشَرٍّ


1) الموق : الحمق

2) الدنف : المرض الثقيل

بَعْدَهُ الْجَنَّةُ ؟

كُلُّ نَعِيمٍ دُونَ الْجَنَّةِ مَحْفُورٌ ، وَكُلُّ بَلَاءٍ دُونَ النَّارِ عَافِيةٌ . لَا تُضَيِّعَنَّ حَقَّ أَخِيكَ اتكالاً عَلى مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكَ بِأَحْ مَنْ أَضَعْتَ حَقَّهُ ، وَلَا يَكُونَنَّ أَخُوكَ عَلَىٰ قَطِيعَتِكَ أَقْوىٰ مِنْكَ عَلَى صِلَتِهِ ، وَلَا عَلَى الْإِسَاءَةِ أَقْوىٰ مِنْكَ عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ.

يَا بُنَيَّ، إِذَا قَوِيتَ فَاقْوَ عَلى طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَإِذَا ضَعُفْتَ فَاضْعَفْ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا تُمَلكَ الْمَرْأَةَ مِنْ أَمْرِها مَا جَاوِزَ نَفْسَهَا فَافْعَلْ ، فَإِنَّهُ أَدْوَمُ لِجَمَالِها وَأَرْحَى لِبَالِها ، وَأَحْسَنُ لِحَالِها ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ رَبْحانَةٌ وَلَيْسَتْ بِقَهْرمَانَةٍ ، فَدارِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَأَحْسِنِ الصُّحْبَةَ لَهَا فَيَصْفُوَ عَيْشُكَ.

إِحْتَمِلِ الْقَضاءَ بِالرِّضا ، وَإِنْ أَحْبَيْتَ أَنْ تَجْمَعَ خَيْرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَاقْطَعْ طَمَعَكَ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ يَا بُنَيَّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ» (1).


1) نهج السعادة : 394 - 400 . من لا يحضره الفقيه : 4 : 389 - 392

وَصِيَّته(عليه السلام)لكميل بن زياد

اشارة

من الوصايا الرفيعة للإمام(عليه السلام)وصيته إلى صاحبه وخليله العالم كميل بن زیاد ، وقد رواها عنه سعيد بن زيد بن أرطأة ، قال :

لقيت كميل بن زياد وسألته عن فضل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)، فقال : ألا أخبرك بوصية أوصاني بها يوماً هي خير لك من الدنيا بما فيها ؟

فقلت : بلی

قال : قال لي علي(عليه السلام):

يا كُمَيْلُ ، سَمَّ كُلَّ يَوْمٍ بِاسْمِ اللهِ وَقُلْ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ . وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَاذْكُرْنَا وَسَمِّ بِأَسْمَائِنَا وَصَلِّ عَلَيْنَا . وَاسْتَعِذْ بِاللهِ رَبِّنا .

وَأَدْرأَ بِذَلِكَ عَلَى نَفْسِكَ وَمَا تَحُوطُهُ عِنَايَتُكَ ، تُكْفَ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

يا كُمَيْلُ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم)أَدَّبَهُ اللهُ ، وَهُوَ أَدَّبَنِي ، وَأَنَا أَوَّدَّبُ الْمُؤْمِنِينَ وَأُوَرِّثُ الْأَدَبَ الْمُكْرَمِينَ .

يا كُمَيْلُ ، مَا مِنْ عِلْمٍ إِلَّا وَأَنَا أَفْتَحُهُ، وَمَا مِنْ سِرَّ إِلَّا وَالْقَائِمُ(عليه السلام) يَخْتِمُهُ .

يا كُمَيْلُ ، ذُرِّيَّةٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ .

يا كُمَيْلُ ، لَا تَأْخُذْ إِلَّا عَنا تَكُنْ مِنا .

يا كُمَيْلُ ، مَا مِنْ حَرَكَةٍ إِلَّا وَأَنْتَ مُحْتَاجٌ فِيهَا إِلَى مَعْرِفَةٍ .

يا كُمَيْلُ ، إِذَا أَكَلْتَ الطَّعَامَ فَسَمٌ بِاسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ دَاءٌ ،

وَهُوَ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ الْأَدْوَاءِ .

يا كُمَيْلُ ، إِذَا أَكَلْتَ الطَّعَامَ فَوَاكِلْ بِهِ ، وَلَا تَبْخَلْ فَإِنَّكَ لَنْ تَرْزُقَ النَّاسَ شَيْئاً وَاللهُ يُجْزِلُ لَكَ الثَّوابَ بِذَلِكَ .

تحدّث الإمام(عليه السلام) في هذا المقطع عن صلته الوثيقة بالرسول الأعظم(صلی الله علیه وآله وسلم)، وإنّه من ألصق الناس به ، فقد أفاض عليه آدابه الرفيعة ، وعلّمه ينابيع الحكمة ، وهو(عليه السلام) بدوره يعلمها ويعهد بها إلى المؤمنين، كما بيّن(عليه السلام)حاجة تلميذه إلى المعرفة والتزود من العلم ، وبعد ذلك عرض الإمام إلى آداب الطعام ، وأنه ينبغي لمن يتناوله أن يذكر اسم الله تعالى الذي هو شفاء من كل داء ، وأن لا يأكل الإنسان وحده بل عليه أن يشاركه في الطعام غيره من البؤساء والمحتاجين .

ويأخذ الإمام(عليه السلام)في وصيته قائلاً:

يا كُمَيْلُ ، أَحْسِنْ خُلُقَكَ . وَابْسُطْ جَلِيسَكَ ، وَلَا تَنْهَرْ خَادِمَكَ .

أوصى الإمام(عليه السلام)كميلاً بحسن الأخلاق التي هي وصايا الأنبياء ، كما أوصى بمراعاة الجليس واحترامه ورعايته ، ثمّ أوصى بالبر والإحسان إلى الخادم ، وأن لا ينهره ويعتدي عليه .

وأخذ الإمام في بيان كيفية تناول الطعام قائلاً:

يا كُمَيْلُ ، إِذَا أَنْتَ أَكَلْتَ فَطَوَّلْ أَكْلَكَ لِيَسْتَوفِي مَنْ مَعَكَ وَيُرْزَقَ مِنْهُ غَيْرُكَ .

يا كُمَيْلُ إِذَا اسْتَوْفَيْتَ طَعَامَكَ فَاحْمَدِ اللَّهَ عَلَىٰ مَا رَزَقَكَ ، وَارْفَعْ بِذَلِكَ صَوْتَكَ يَحْمَدُهُ سِوَاكَ فَيَعْظُمُ بِذَلِكَ أَجْرُكَ .

يا كُمَيْلُ ، لَا تُوقِرَنَّ مِعْدَتَكَ طَعَاماً ، وَدَعْ فِيهَا لِلْمَاءِ مَوْضِعاً وَلِلرِّيح

مجالاً .

يا كُمَيْلُ ، لَا تَنْقُدْ طَعَامَكَ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ لَا يَنْقُدُهُ. يا كُمَيْلُ ، لَا تَرْفَعْ يَدَكَ مِنَ الطَّعَامِ إِلَّا وَأَنْتَ تَشْتَهِيهِ ، فَإِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ

فَأَنْتَ تَسْتَمْرِتُهُ - أي تستطيبه .

يا كُمَيْلُ ، إِنَّ صِحَّةَ الْجِسْمِ مِنْ قِلَّةِ الطَّعَامِ وَقِلَّةِ الْمَاءِ .

وضع الإمام(عليه السلام) بهذا المقطع برامج لآداب الطعام ، كما وضع منهجاً صحياً لتناوله ، وفيما يلي ذلك :

آداب الطعام

أمّا آداب الطعام فهي :

أولاً : إنّ الإنسان إذا أكل ومعه غيره فعليه أن لا يسرع في القيام من المائدة لأنه يوجب سرعة القيام لمن كان معه ، وفي ذلك حرمان لهم .

ثانياً : إنّ الإنسان إذا فرغ من تناول الطعام فعليه أن يحمد الله تعالى على ما رزقه من أطائب الأطعمة ، كما ينبغي له أن يرفع صوته بالحمد له تعالى ؛ لأن في ذلك تعليماً لغيره على شكر المنعم العظيم .

ثالثاً : إنّ الإنسان ينبغي له أن لا ينقد الطعام ، لا سيّما إذا كان مدعوّاً عند الغير ، تأسياً بالنبيّ(صلی الله علیه وآله وسلم)فإنّه لم يُؤثر عنه مطلقاً أنّه نقد الطعام ، وذلك من معالي أخلاقه .

المنهج الصحّي

اشارة

أمّا المنهج الصحي في تناول الطعام الذي يضمن سلامة الجهاز الهضمي فهي :

أولاً : إن الإنسان إذا تناول الطعام فعليه أن لا يملأ معدته منه ، ويدع فيها فراغاً

لشرب الماء، وفراغاً للريح، وهذا من أهم الوصفات الصحية التي تضمن سلامة الجهاز الهضمي الذي هو بيت الداء، ومصدر الأمراض والأسقام.

ثانياً : إن لا يسرف الإنسان في تناول الطعام ، وأن يقوم من المائدة وهو يشتهي الطعام ، فإنّ ذلك أضمن لصحته ، وأضمن لقواه ، كما أكدت ذلك مصادر الطب الحديث.

ثالثاً : إن صحة الجسم منوطة بقلة الطعام وقلة الشراب ، وهذا ما أكده الأطباء.

ويستمرّ الإمام في وصيّته قائلاً:

يا كُمَيْلُ الْبَرَكَةُ فِي الْمَالِ مَنْ إِيْتَاءِ الزَّكَاةِ وَمُوَاسَاةِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَصِلَةِ الْأَقْرَبِينَ ، وَهُمُ الْأَقْرَبُونَ لَنَا .

يا كُمَيْلُ ، زِدْ قَرَابَتَكَ الْمُؤْمِنَ عَلَى مَا تُعْطِى سِوَاهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَكُنْ بِهِمْ أَرْأَفَ وَعَلَيْهِمْ أَعْطَفَ ، وَتَصَدَّقْ عَلَى الْمَسَاكِينِ .

يا كُمَيْلُ ، لَا تَرُدَّ سَائِلاً بِشِقٌ تَمْرَةٍ ، أَوْ مِنْ شَطْرِ عِنَبٍ ... فَإِنَّ الصَّدَقَةَ تَنْمُو عِنْدَ اللهِ.

عرضت هذه البنود

الوسائل التي تنمي المال وتزيده :
1 - الزكاة

وتظافرت الأخبار عن أئمة الهدى(عليه السلام)، في أن إعطاء الزكاة موجباً لسعة الرزق وتنمية المال ، وقد حفلت مصادر الحديث والفقه بالمزيد من الأخبار في أنّ مانع الزكاة ليس من الإسلام في شيء وأنّ الدولة تقاتل مانع هذه الضريبة التي هي من مصادر واردات الدولة الإسلامية .

2 - مواساة المؤمنين

وممّا توجب زيادة الثروة وتنميتها مواساة المؤمنين والإحسان إليهم والبرّ بهم ، وأفضل أنواع الإحسان وأجمل صوره الإحسان إلى السادة العلويين زادهم الله تعالى شرفاً ، فإنّ البرّ بهم صلة للنبي(صلی الله علیه وآله وسلم).

3 - صلة الأرحام

وتظافرت الأخبار عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) وأوصيائه العظام أنّ صلة الرحم لها آثارها الوضعية التي منها تنمية المال، وطول العمر وغير ذلك .

4 - عدم ردّ السائل

حت الإمام(عليه السلام)على الإحسان إلى السائل ، وعدم حرمانه ولو بشق تمرة .

5 - الصدقة تنمى المال

أمّا الصدقة سرّاً كانت أم جهراً ، فإنّها تنمّي المال وتزيد في الرزق ، وتدفع البلاء المبرم ، ويأخذ الإمام (عليه السلام)في وصيته قائلاً:

يا كُمَيْلُ ، حُسْنُ خُلُقِ الْمُؤْمِنِ التَّواضُعُ ، وَجَمَالُهُ التَّعَفُّفُ ، وَشَرَفُهُ الشَّفَقَةُ ، وَعِزُّهُ تَرْكُ الْقَالِ وَالْقِيلِ.

يا كُمَيْلُ ، إِيَّاكَ وَالْمِراءَ فَإِنَّكَ تُغْرِي بِنَفْسِكَ السُّفَهَاءَ إِذَا فَعَلْتَ وَتُفْسِدُ الْاخَاءَ.

يا كُمَيْلُ ، إِذَا جَادَلْتَ فِي اللَّهِ تَعَالَى فَلَا تُخَاطِبْ إِلَّا مَنْ يُشْبِهُ الْعُقَلَاءَ .

يا كُمَيْلُ ، هُمْ - أي الذين يجادلون في الله - عَلَى كُلِّ حَالٍ سُفَهَاءُ كَمَا قَالَ

اللهُ تَعَالَى :أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلكِنْ لَا يَعْلَمُونَ(1)

عرض الإمام(عليه السلام) في هذا المقطع إلى بعض الأمور المهمة وهي :

من بنود وصیته(عليه السلام)
1 - حسن الأخلاق

أما حسن الأخلاق فإنّه من أبرز الصفات الرفيعة والنزعات الشريفة ، وفي بعض الأخبار إنّه نصف الإيمان ، وفي الحديث النبوي : « إِنَّما بُعِثْتُ لاَتَمِّمَ مَكارِمَ الْأَخْلَاقِ» ، ويرتبط بالأخلاق الفاضلة التواضع وعدم الأنانية ، وممّا يرتبط به التعفف والشفقة .

2 - ترك المراء

ومن بنود هذا المقطع ترك المراء فإنّه يوجب شيوع الكراهية ونشر الفساد بين

الناس .

3- المجادلة في الله تعالى

أما المجادلة في الله تعالى خالق الكون ، وواهب الحياة فإنّها إنما تكون مع العقلاء الذين يملكون طاقات من العلم والفكر ويخضعون لمنطق الدليل ، فإنّ وجود الله تعالى أمر ضروري وواضح كل الوضوح أما الذين لا نصيب لهم من الفكر والعلم فإنّ الحديث معهم في جميع الأمور العقائدية يكون لغواً . هذا بعض ما احتوى عليه هذا المقطع من بحوث .

ويستمر الإمام(عليه السلام) في وصيته لكميل قائلاً:

يا كُمَيْلُ ، فِي كُلِّ صِنْفٍ قَوْمٌ أَرْفَعُ مِنْ قَوْمٍ ، فَإِيَّاكَ وَمُنَاظَرَةَ الْخَسِيسِ


1) البقرة :2 : 13 .

مِنْهُمْ وَإِنْ أَسْمَعُوكَ فَاحْتَمِلْ وَكُنْ مِنَ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (1).

عرض الإمام ال إلى أنّ في جميع الأصناف في المجتمع الإنساني قوماً أرفع من قوم تفكيراً وفضلاً، ونهى الإمام الله كميلاً من مناظرة الطبقة الواطئة تفكيراً وعدم الخوض معهم في أي شأن من الشؤون ، ثمّ عرض الإمام إلى فقرة أخرى من وصيّته قائلاً:

يا كُمَيْلُ ، قُلِ الْحَقَّ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَوَازِرِ الْمُتَّقِينَ ، وَاهْجُرِ الْفَاسِقِينَ .

يا كُمَيْلُ ، جَانِبِ الْمُنَافِقِينَ ، وَلَا تُصَاحِبِ الْخَائِنِينَ .

أمر الإمام(عليه السلام) بهذه الكلمات أن يقول الإنسان الحق في جميع الأحوال ، وأن يؤازر المتقين ويهجر الفاسقين الذين هم من أراذل المجتمع . ويقول(عليه السلام)في وصيته :

يا كُمَيْلُ ، إِيَّاكَ إِيَّاكَ وَالتَّطَرُّقَ إِلَى أَبْوَابَ الظَّالِمِينَ وَالْإِخْتِلاطَ بِهِمْ ، وَالْإِكْتِسَابَ مِنْهُمْ ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُطِيعَهُمْ ، وَأَنْ تَشْهَدَ فِي مَجَالِسِهِمْ بِمَا يُسْخِطُ اللَّهَ عَلَيْكَ .

يا كُمَيْلُ ، إِذَا اضْطُرِرْتَ إِلَى حُضُورِهِمْ فَدَاوِمْ ذِكْرَ اللهِ وَالتَّوَكُلَ عَلَيْهِ ، وَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهِمْ ، وَأَطْرِقْ عَنْهُمْ(2)وَأَنْكِرْ بِقَلْبِكَ فِعْلَهُمْ ، وَاجْهَرْ بِتَعْظِيمِ اللهِ تَعَالَى لِتُسْمِعَهُمْ ، فَإِنَّهُمْ يَهَابُونَكَ وَتُكْفى شَرَّهُمْ .


1) الفرقان 25 : 63

2) أطرق عنهم : أي اسكت ولا تتكلم .

وفي هذه الكلمات نهى الإمام الله من الاختلاط بالظالمين ؛ امتثالاً لقوله تعالى : وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ(1)، وإذا اضطر الإنسان إلى حضور دوائرهم فعليه أن يذكر الله تعالى ، ويستعيذ به من شرهم وآثامهم فإنّ ذلك أدنى للتخلّص من حرمة مجالستهم.

ويأخذ الإمام(عليه السلام) في وصيته قائلاً:

يا كُمَيْلُ ، إِنَّ أَحَبَّ مَا امْتَثَلَهُ الْعِبَادُ إِلَى اللَّهِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِهِ وَبِأَوْلِيَائِهِ التَّجَمُّلُ وَالتَّعَفُّفُ وَالْإِصْطِبارُ .

إنّ التجمّل والتعفف والاصطبار من أبرز القيم الكريمة التي ترفع مستوى الإنسان إلى آفاق رفيعة من الفضل والكمال .. ويقول(عليه السلام):

يا كُمَيْلُ ، لَا بَأْسَ بِأَنْ لَا تُعْلِمَ سِرَّكَ ...

إنّ إخفاء السرّ وما انطوت عليه نفس الإنسان من عقائد وغيرها الأولى أن تكون طي الكتمان ، لأنّ إظهارها للغير قد تجرّ له الويل والعطب .. يقول(عليه السلام) :

يا كُمَيْلُ ، لَا تُرِيَنَّ النَّاسَ افْتِقَارَكَ ، وَاصْطَبِرْ عَلَيْهِ احْتِساباً بِعِزُّ وَتَسَتُرٍ .

أوصى الإمام الله بعزة النفس وكرامتها ، ومن المؤكد أن إظهار الفقر والحاجة من مرديات الإنسان ومسقطاته من أعين الناس ، يقول(عليه السلام):

يا كُمَيْلُ ، لَا بَأْسَ أَنْ تُعْلِمَ أَخَاكَ سِرَّكَ .

يا كُمَيْلُ ، ومَنْ أَخُوكَ ؟ أَخُوكَ الَّذِى لَا يَخْذُلُك عِنْدَ الشَّدَةِ ، وَلَا يَغْفُلُ عَنْكَ عِنْدَ الْجَرِيرَةِ ، وَلَا يَخْدَعُكَ حِينَ تَسْأَلُهُ ، وَلَا يَتْرُكُك


1) هود 11 : 113

وَأَمْرَكَ حَتَّى تُعْلِمَهُ ، فَإِنْ كَانَ مُمِيلاً (1) أَصْلِحْهُ .

يا كُمَيْلُ ، الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ ؛ يَتَأَمَّلُهُ ، وَيَسُدُّ فَافَتَهُ ، وَيُجْمِلُ حَالَتَهُ .

يا كُمَيْلُ ، الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ، وَلَا شَيْءَ أَثَرُ عَنْدَ كُلِّ أَحْ مِنْ أَخِيهِ .

يا كُمَيْلُ ، إِنْ لَمْ تُحِبَّ أَخَاكَ فَلَسْتَ أَخَاهُ .

تحدّث الإمام(عليه السلام)في هذا المقطع عن الاخوة الإسلامية وما يلازمها من الآثار الوضعية والتي منها أن يحدث المسلم أخاه في الإسلام عن أسراره وشؤونه ، وقد حدّد الإمام الأخ وعرف واقعه في المنطلق الإسلامي ، فالأخ هو الذي لا يخذل أخاه عند الشدّة ، ولا يغفل عنه عند الجريرة ، إلى غير ذلك من الآثار التي ذكرها الإمام ، وهي نادرة الوجود أو معدومة في هذا العصر الذي طغت فيه المادة على كلّ شيء.

يقول الإمام(عليه السلام):

يا كُمَيْلُ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ مَنْ قَالَ بِقَوْلِنَا ، فَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ قَصَّرَ عَنا وَمَنْ قَصَّرَ عَنَا ، لَمْ يَلْحَقِّ بِنا ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَنا فَفِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ.

يا كُمَيْلُ، كُلُّ مَصْدُورٍ يَنْفِتُ ، فَمَنْ نَفَثَ إِلَيْكَ مِنَا بِأَمْرٍ أَمَرَكَ بِسَتْرِهِ ، فَإِيَّاكَ أَنْ تُبْدِيَهُ وَلَيْسَ لَكَ مِنْ إِبْدَائِهِ تَوْبَةٌ وَإِذَا لَمْ تَكُنْ تَوْبَةٌ فَالْمَصِيرُ إلَى لَظَى.

يا كُمَيْلُ ، إِذَاعَةُ سِرِّ آلِ مُحَمَّدٍ( صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وسلم) لَا يُقْبَلُ مِنْهَا - أي

من الإذاعة - وَلَا يُحْتَمَلُ أَحَدٌ عَلَيْهَا .

يا كُمَيْلُ ، مَا قَالُوهُ لَكَ مُطْلَقاً فَلَا تُعْلِمْهُ إِلَّا مُؤْمِناً مُوَفَّقاً .

يا كُمَيْلُ ، لَا تُعْلِمُوا الْكَافِرِينَ مِنْ أَخْبَارِنَا فَيُزِيدُوا عَلَيْهَا فَيُبِيدُوكُمْ بِهَا إِلَى يَوْمِ يُعَاقَبُونَ عَلَيْهَا .

حكى الإمام(عليه السلام) بهذا المقطع واقع الإيمان وحقيقته ، وهو الولاء لأهل بيت النبوة(عليهم السلام) ، فإن محبتهم جزء من رسالة الإسلام ، قال تعالى :قُل لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى(1)، وقد نظر الإمام(عليه السلام) إلى المستقبل بعمق فرأى ما يجري على آل البيت(عليهم السلام)وشيعتهم من الخطوب والمحن فأوصى بإخفاء تعاليمهم وأن لا يطلع عليها أحد من المعاندين للحق ، فإنّ إذاعتها ونشرها في تلك العصور تجرّ الويل والمحن للشيعة .

يقول(عليه السلام):

يا كُمَيْلُ ، لَا بُدَّ لِمَاضِيكُمْ مِنْ أَوْبَةٍ ، وَلَا بُدَّ لَنَا فِيكُمْ مِنْ غَلَبَةٍ .

أكد الإمام(عليه السلام) في هذه الكلمات أنّه لا بد أن تقوم لأهل البيت(عليهم السلام)دولة يقام فيها الحقّ ، ويحسم فيها الباطل وهي دولة إمام الهدى المهدي(عليه السلام)، يقول(عليه السلام):

يا كُمَيْلُ ، سَيَجْمَعُ اللَّهُ لَكُمْ خَيْرَ الْبِدْءِ وَالْعَاقِبَةِ .

يا كُمَيْلُ ، أَنْتُمْ مُمَتَّعُونَ بِأَعْدَائِكُمْ ، تَطْرَبُونَ بِطَرَبِهِمْ ، وَتَشْرَبُونَ بِشُرْبِهِمْ ، وَتَأْكُلُونَ بِأَكْلِهِمْ ، وَتَدْخُلُونَ مَدَاخِلَهُمْ ، وَرُبَّمَا غَلَبْتُمْ عَلَى نَعْتِهِمْ ، إِيْ وَاللَّهِ عَلَى إِكْرَاهِ مِنْهُم لِذَلِكَ وَلَكِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ


1) الشورى 42 :23 .

نَاصِرُكُمْ وَخَاذِلُهُمْ ، فَإِذَا كَانَ وَاللَّهِ يَوْمُكُمْ وَظَهَرَ صَاحِبُكُمْ لَمْ يَأْكُلُوا وَاللهِ مَعَكُمْ ، وَلَمْ يَرِدُوا مَوَارِدَكُمْ ، وَلَمْ يَقْرَعُوا أَبْوَابَكُمْ ، وَلَمْ يَنَالُوا نِعْمَتَكُمْ أَذِلَّةٌ خَاسِئِينَ ، أَيْنَمَا ثُقِفُوا أخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً .

يا كُمَيْلُ ،احْمَدِ اللَّهَ تَعَالَى ، وَالْمُؤْمِنِينَ عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى كُلِّ نِعْمَةٍ .

أعرب الإمام الله في هذا المقطع عن ظهور حفيده المصلح الأعظم الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلما وجوراً ، وظهوره(عليه السلام) من الأمور الحتمية التي لا بد أن تتحقق على مسرح الحياة .

يقول الإمام(عليه السلام) :

يا كُمَيْلُ ، قُلْ عِنْدَ كُلِّ شِدَّةٍ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ » تُكْفَهَا ، وَقُلْ عِنْدَ كُلِّ نِعْمَةٍ : «اَلْحَمْدُ لِلَّهِ» تَزْدَدَ مِنْهَا ، وَإِذَا أَبْطَاتِ الْأَرْزَاقُ عَلَيْكَ

فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ يُوَسَّعْ عَلَيْكَ فِيهَا .

وضع الإمام(عليه السلام) منهجاً للتخلّص عند كلّ شدّة وهو قول : « لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ) ، كما أرشده لزيادة النعمة ، وهو قول : الحمد الله ، كما دلّ على الرزق إذا أبطأ عن إنسان أن يستغفر الله تعالى فإنّه سيوفر له رزقه .

يقول(عليه السلام):

يا كُمَيْلُ ، إِذَا وَسْوَسَ الشَّيْطَانُ فِي صَدْرِكَ فَقُلْ : «أَعُوذُ بِاللهِ الْقَوِيِّ مِنَ الشَّيْطَانِ الْغَوِيِّ ، وَأَعُوذُ بِمُحَمَّدٍ الرَّضِي مِنْ شَرِّ مَا قُدْرَ وَقُضِيَ ، وَأَعُوذُ بِإِلهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ،

وسَلَّمْ تُكْفَى مَؤُونَةَ إِبْلِيسَ وَالشَّيَاطِينَ مَعَهُ ، وَلَوْ أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ أَبَالِسَةٌ مِثْلُهُ .

يا كُمَيْلُ ، إِنَّ لَهُمْ خُدَعاً وَوَساوِسَ وَشَعَاشِقَ(1)وَزَخَارِفَ وَخُيَلَاءَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ قَدْرَ مَنْزِلَتِهِ فِي الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ فَبِحَسَبِ ذَلِكَ يَسْتَوْلُونَ عَلَيْهِ بِالْغَلَبَةِ .

يا كُمَيْلُ ، لا عدوَّ َأعْدى منهم ،وَلَا ضَارَ أَضَرُّ بِكَ مِنْهُمْ ، أَمْنِيَتُهُمْ أَنْ تَكُونَ مَعَهُمْ غَدَاً إِذَا اجْتُتُوا(2)فِي الْعَذَابِ الْأَلِيمِ ، لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ بِشَرَرِهِ ، وَلَا يَقْصُرُ عَنْهُمْ خَالِدِينَ فِيهِ أَبَداً .

يا كُمَيْلُ ، سَخَطُ اللَّهِ تَعَالَى مُحِيطٌ بِمَنْ لَمْ يَحْتَرِزْ مِنْهُمْ بِاسْمِهِ وَنَبِيِّهِ ، وَجَمِيعِ عَزَائِمِهِ وَعُوَذِهِ جَلَّ عِزَّهُ ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.

يا كُمَيْلُ ، إِنَّهُمْ يَخْدَعُونَكَ بِأَنْفُسِهِمْ ، فَإِذَا لَمْ تُجِبْهُمْ مَكَرُوا بِكَ وَبِنَفْسِكَ بِتَحْسِينِهِمْ إِلَيْكَ شَهَوَاتِكَ ، وَإِعْطَائِكَ أَمَانِيَّكَ وَإِرادَتَكَ ، وَيُسَوِّلُونَ لَكَ ، وَيُنْسُونَكَ وَيَنْهَونَكَ وَيَأْمُرُونَكَ وَيُحْسِنُونَ ظَنَّكَ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى تَرْجُوَهُ فَتَفْتَرَّ بِذَلِكَ فَتَعْصِيَهُ ، وَجَزَاءُ الْعَاصِي لَظَى.

يا كُمَيْلُ، احْفَظْ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى


1) الشقاشق : جمع شقشقة وهي شيء يخرج من فم البعير إذا هاج .

2) اجتثوا : أي أخذوا إلى العذاب الأليم .

لَهُمْ(1)، وَالْمُسَوَّلُ الشَّيْطَانُ . يا كُمَيْلُ ، اذْكُرْ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى لإبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً(2).

يا كُمَيْلُ ، إِنَّ إِبْلِيسَ لَا يَعِدُ عَنْ نَفْسِهِ ، وَإِنَّمَا يَعِدُ عَنْ رَبِّهِ لِيَحْمِلَهُمْ عَلَى مَعْصِيَتِهِ فَيُوَرِّطَهُمْ .

يا كُمَيْلُ ، إِنَّهُ يَأْتِي لَكَ بِلُطْفِ كَيْدِهِ فَيَأْمُرُكَ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّكَ قَدْ أَلِفْتَهُ مِنْ طَاعَةٍ لَا تَدَعْهَا فَتَحْسَبُ أَنَّ ذَلِكَ مَلَك كَرِيمٌ ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ رَحِيمٌ ، فَإِذَا سَكَنْتَ إِلَيْهِ وَاطْمَأْنَنْتَ حَمَلَكَ عَلَى الْعَظَائِمِ الْمُهْلِكَةِ الَّتِى لَا نَجَاةَ مَعَهَا .

يا كُمَيْلُ ، إِنَّ لَهُ فِخَااً يَنْصِبُهَا فَاحْذَرْ أَنْ يُوقِعَكَ فِيهَا .

يا كُمَيْلُ ، إِنَّ الْأَرْضَ مَمْلُوءَةٌ مِنْ فِخَاخِهِمْ فَلَنْ يَنْجُوَ مِنْهَا إِلَّا مَنْ تَشَبَّثَ بِنَا ، وَقَدْ أَعْلَمَكَ اللهُ أَنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ مِنْهَا إِلَّا عِبَادُهُ ، وَعِبَادُهُ أَوْلِيَاؤُنَا .

يا كُمَيْلُ ، وَهُوَ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ(3)، وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ


1) محمد(صلی الله علیه وآله وسلم)47: 25

2) الإسراء 17: 64

3) الإسراء 17: 65

يَتَوَلُّونَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ...(1). يا كُمَيْلُ ، انْجُ بِوَلَايَتِنَا مِنْ أَنْ يَشْرِكَكَ الشَّيْطَانُ فِي مَالِكَ وَوُلْدِكَ كَمَا أمر.

يا كُمَيْلُ ، لَا تَغْتَر بِأَقْوَامٍ يُصَلُّونَ فَيُطِيلُونَ ، وَيَصُومُونَ فَيُدَاوِمُونَ ، وَيَتَصَدَّقُونَ فَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُوفَّقُونَ .

يا كُمَيْلُ ، أُقْسِمُ بِاللَّهِ تَعَالَى لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ يَقُولُ: إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا حَمَلَ قَوْماً عَلَى الْفَوَاحِشِ مِثْلِ الزَّنِى وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالرِّبَا وَما أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْخَنا(2)وَالْمَائِم حَبَّبَ إِلَيْهِمُ الْعِبَادَةَ الشَّدِيدَةَ وَالْخُشُوعَ وَالرُّكُوعَ وَالْخُضُوعَ وَالسُّجُودَ ، ثُمَّ حَمَلَهُمْ عَلَى وَلَايَةِ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ يَدْعَوْنَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ .

يا كُمَيْلُ ، إِنَّهُ مُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ وَاحْذَرْ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُسْتَوْدَعِينَ .

يا كُمَيْلُ ، إِنَّمَا تَسْتَحِقُّ أَنْ تَكُونَ مُسْتَقَرّاً إِذَا لَزِمْتَ الْجَادَّةَ الْوَاضِحَةَ الَّتِي لَاتخرجُكَ إِلَى عِوَج وَلَا تُزیلُکَ عَنْ مَنْهَجٍ مَا حَمَلْنَاكَ عَلَيْهِ ، وَمَا هَدَيْنَاكَ إِلَيْهِ .

عرض الإمام(عليه السلام)في هذا المقطع إلى الشيطان الرجيم ، وما يقوم به من دور في نصب شباكه لصيد الناس وصرفهم عن الله تعالى ، وهو يتصدى لإغراء الناس ،


1) النحل 16: 100 .

2) الخني : الفحش .

وصدّهم عن الطريق المستقيم بكافة وسائل الإغراء ، ويحبّب لهم كل شهوة وكلّ ميول واتجاه لا يتفق مع ما أمر به الله تعالى . وللشيطان حزبه وأتباعه ، وهم يعيثون فساداً في عقول الناس وضمائرهم ، ويكيدون لهم ، ويمكرون بهم ، وفي الدعاء :

وَأَعِذْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ وَهَمْزِهِ وَلَمْزِهِ وَنَفْتِهِ ، وَوَسْوَسَتِهِ ، وَتَثْبِيطِهِ ، وَكَيْدِهِ وَمَكْرِهِ وَحَبَائِلِهِ ، وَخُدَعِهِ ، وَأَمَانِيِّهِ ، وَغُرُورِهِ ، وَفِتْنَتِهِ ، وَشِرْكِهِ ، وَأَحْزَابِهِ ، وَأَتْبَاعِهِ ، وَأَشْيَاعِهِ ، وَأَوْلِيَائِهِ ، وَجَمِيعِ مَكَائِدِهِ » .

أعاذنا الله من الشيطان، وصرف عنا كيده ومكره .

يقول(عليه السلام):

يا كُمَيْلُ ، لَا رُخْصَةَ فِي فَرْضِ وَلَا شِدَّةَ فِي نَافِلَةٍ .

يا كُمَيْلُ ، إِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ لَا يَسْأَلُكَ إِلَّا عَمَّا فَرَضَ ، وَإِنَّمَا قَدَّمْنَا عَمَلَ النَّوافِلِ بَيْنَ أَيْدِينَا لِلْأَمْوَالِ الْعِظَامِ وَالطَّامَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .

عرض الإمام الها إلى الفارق بين الواجب والمندوب ، فالواجب لا مجال لتركه ، فإنّ المكلّف يعاقب إذا لم يأت به ، وأما المندوب فإنّه غير ملزم بفعله ، والله تعالى يسأل المكلفين عن الواجبات ، وأما المندوبات فإنّها تكون ستاراً وغطاء للإنسان من أهوال يوم القيامة .

يقول(عليه السلام):

يا كُمَيْلُ ، إِنَّ ذُنُوبَكَ أَكْثَرُ مِنْ حَسَنَاتِكَ وَغَفْلَتَكَ أَكْثَرُ مِنْ ذِكْرِكَ وَنِعَمَ اللهِ عَلَيْكَ أَكْثَرُ مِنْ كُلِّ عَمَلِكَ.

يا كُمَيْلُ ، إِنَّكَ لَا تَخْلُو مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَكَ وَعَافِيَتِهِ ، فَلَا تَخْلُ

مِنْ تَحْمِيدِهِ وَتَسْبِيحِهِ وَتَمْجِيدِهِ وَتَقْدِيسِهِ وَشُكْرِهِ وَذِكْرِهِ عَلَى كُلِّ حالٍ .

يا كُمَيْلُ ، لَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ وَنَسَبَهُمْ إِلَى الْفِسْقِ بِقَوْلِهِ :أُولئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(1).

وفي هذا المقطع الدعوة إلى التقوى والعمل الصالح ، والنظر إلى نعم الله المتظافرة على الإنسان التي يجب أن تقابل بالشكر والثناء والتحميد والتمجيد ، ولا يجوز أن يتغاضى عنها لأنها من شكر المنعم الذي هو واجب عقلاً وشرعاً .

يقول(عليه السلام):

يا كُمَيْلُ ، لَيْسَ الشَّأْنُ أَنْ تُصَلِّيَ وَتَصُومَ وَتَتَصَدَّقَ ، إِنَّمَا الشَّأْنُ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ بِقَلْبٍ نَقِيٌّ وَعَمَلٍ عِنْدَ اللَّهِ مَرْضِيٌّ وَخُشُوعٍ سَوِيٌّ ، وَإِبْقَاءِ لِلْجِدِّ فِيهَا .

يا كُمَيْلُ ، عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَمَا بَيْنَهُمَا تَبَتَّلَتِ الْعُرُوقُ وَالْمَفَاصِلُ حَتَّى تَسْتَوْفِي إِلَى مَا تَأْتِي بِهِ مِنْ جَمِيعِ صَلَوَاتِكَ .

يا كُمَيْلُ ، انْظُرْ فِيمَ تُصَلِّي، وَعَلَى مَا تُصَلِّي إِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ وَجْهِهِ وَحِلّهِ ، فَلَا قَبُولَ .

يا كُمَيْلُ ، إِنَّ اللَّسَانَ يَبُوحُ مِنَ الْقَلْبِ ، وَالْقَلْبُ يَقُومُ بِالْغَذَاءِ ، فَانْظُرْ فِيمَا


1) الحشر 59: 19 .

تُغَذِّي قَلْبَكَ وَجِسْمَكَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حَلَالاً لَمْ يَقْبَلِ الله تَسْبِيحَكَ وَلَا شُكْرَكَ.

حكى هذا المقطع واقع الصلاة وحقيقتها ، وهي أن تُؤدى بخشوع وحضور فكر وإخلاص ، وإنّ المصلّي عليه أن يعرف أنّه ماثل أمام الخالق العظيم ، فلا يشغل فكره في أثناء الصلاة بشؤون الدنيا ، كما إن على المصلّي أن يكون على بصيرة من غذائه وشرابه وملبسه وأن تكون من حلال فإن كانت من الحرام فلا صلاة له .

يقول(عليه السلام):

يا كُمَيْلُ، إِفْهَمْ وَاعْلَمْ أَنَّا لَا تُرَخِّصُ فِي تَرْكِ أَدَاءِ الْأَمَانَاتِ لِأَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ ، فَمَنْ رَوى عَنِّى فِى ذَلِكَ رُحْصَةٌ فَقَدْ أَبْطَلَ وَأَثِمَ وَجَزَاؤُهُ النَّارُ بِمَا كَذَبَ ، أَقْسِمُ بِاللهِ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ يَقُولُ لِى قَبْلَ وَفَاتِهِ بِسَاعَةٍ مِرَاراً ثَلَاثَاً : يَا أَبَا الْحَسَنِ ، أَدَّ الْأَمَانَةَ إِلَى الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ فِيمَا قَلَّ وَجَلَّ حَتَّى الْخَيْطِ وَالْمِخَيْطِ .

إن الإسلام قد تبنّى مصلحة الإنسان وبناء حياته على واقع مشرق ، وكان من بنود تعاليمه أداء الأمانة إلى البر والفاجر ، وليس من الإسلام في شيء الخيانة وعدم أداء الأمانة .

يقول (عليه السلام):

يا كُمَيْلُ ، لَا غَزْوَ إِلَّا مَعَ إِمَامٍ عَادِلٍ ، وَلَا نَقَلَ(1)إِلَّا مِنْ إِمَامٍ فَاضِلٍ .


1) النفل : الغنيمة .

عرض الإمام(عليه السلام) إلى أنّ الغزو يشترط فيه أن يكون مع إمام عادل ، أما مع غيره فإنّه غير مشروع .

يقول(عليه السلام):

يا كُمَيْلُ ، الدِّينُ لِلَّهِ فَلَا تَغْتَرَنَّ بِأَقْوَالِ الْأُمَّةِ الْمَخْدُوعَةِ الَّتِي قَدْ ضَلَّتْ بَعْدَما اهْتَدَتْ ، وَأَنْكَرَتْ وَجَحَدَتْ بَعْدَما قَبِلَتْ .

إنّ الله تعالى هو الذي شرع الدين وفرض أحكامه وتعاليمه ، وليس للأمة أي مجال في التصرّف في أي بند من بنوده خصوصاً القيادة الروحية والزمنية ، فقد قلّدها الله تعالى إلى إمام الحق الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، ولكن الأمة لم تذعن لذلك ، واتّبعت غيره ، فعانت من الخطوب والأزمات ما لا يوصف لمرارتها .

يقول(عليه السلام):

يا كُمَيْلُ الدِّينُ لِلَّهِ فَلَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْ أَحَدٍ الْقِيَامَ بِهِ إِلَّا رَسُولاً أَوْ نَبِيّاً أَوْ وَصِيّاً.

إن الدين هو مجموعة من المبادئ والأنظمة إنما يبلغه إلى الناس النبيّ أو وصيّه ، وليس لأي أحد أن يتولى إذاعته وتبليغه غيرهما .

يقول(عليه السلام):

يا كُمَيْلُ ، هِيَ نُبُوَّةٌ وَرِسَالَةٌ وَإِمَامَةٌ وَلَا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا مُتَوَلِّينَ ومُتَغَلِّبِينَ وَضَالَينَ وَمُعْتَدِينَ .

وهذه الكلمات متممات لما تقدّم من أن الدين نبوّة وإمامة لا غير ذلك .

يا كُمَيْلُ ، إِنَّ النَّصَارَى لَمْ تُعَطِّلِ اللهَ تَعَالَى ، وَلَا الْيَهُودُ ، وَلَا جَحَدَتْ مُوسَى وَلَا عِيسَى ، وَلَكِنَّهُمْ زَادُوا وَنَقَصُوا وَحَرَّفُوا وَأَلْحَدُوا ،

فَلُعِنُوا وَمُقِتُوا وَلَمْ يَتُوبُوا وَلَمْ يُقْبَلُوا .

يا كُمَيْلُ ، إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ .

يا كُمَيْلُ ، إِنَّ أَبَانَا آدَمَ لَمْ يَلِدْ يَهُودِياً وَلَا نَصْرَانِياً ، وَلَا كَانَ ابْنُهُ إِلَّا حَنِيفاً مُسْلِماً ، فَلَمْ يَقُمْ بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِ ، فَأَداهُ ذَلِكَ إِلَى أَنْ لَمْ يَقْبَلِ الله قُرْبَانَهُ ، بَلْ قُبِلَ مِنْ أَخِيهِ فَحَسَدَهُ وَقَتَلَهُ ، وَهُوَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ فِي الْفَلَقِ الَّذِينَ عَدَدُهُمْ إِثْنَا عَشَرَ : سِتَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَسِنَّةٌ مِنَ الْآخِرينَ ، وَالْفَلَقُ الْأَسْفَلُ مِنَ النَّارِ، وَمِنْ بُخَارِهِ حَرُّ جَهَ وَحَسْبُكَ فِيمَا حَرُّ جَهَنَّمَ مِنْ بُخَارِهِ .

حكى هذا المقطع تحريف اليهود والنصارى لما أنزل على أنبيائهم فزادوا ونقصوا حتى تشوهت شريعة موسى وعيسى(عليهم السلام)،واستحقوا بذلك اللعنة والمقت من الله تعالى ، كما حكى هذا المقطع حسد ابن آدم لأخيه ، وقد ألقاه الحسد في شرّ عظيم فقتل أخاه فكان جزاؤه الخلود في نار جهنم .

يقول(عليه السلام):

يا كُمَيْلُ ، نَحْنُ وَاللَّهِ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ..

يا كُمَيْلُ ، إِنَّ اللهَ كَرِيمٌ حَلِيمٌ عَظِيمٌ رَحِيمٌ دَلَّنَا عَلَى أَخْلَاقِهِ وَأَمَرَنَا بِالْأَخْذِ بِهَا وَحَمَلَ النَّاسَ عَلَيْهَا ، فَقَدْ أَدَّيْناها غَيْرَ مُتَخَلِّفِينَ وَأَرْسَلْنَاهَا غَيْرَ مُنَافِقِينَ ، وَصَدَّقْنَاهَا غَيْرَ مُكَذِّبِينَ وَقَبِلْنَاهَا غَيْرَ مُرْتَابِينَ ، لَمْ يَكُنْ لَنَا وَاللهِ شَيَاطِينٌ نُوحِي إِلَيْهَا ، وَتُوحِي إِلَيْنَا كَمَا وَصَفَ اللهُ تَعَالَى قَوْماً ذَكَرَهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَسْمَائِهِمْ فِي كِتَابِهِشَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضَهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ

الْقَوْلِ غُرُوراً(1). عرض الإمام الله إلى أهل بيت النبوّة ومعدن الحكمة ، المتقين المحسنين، وأنّهم أدوا رسالة الله تعالى على الوجه الأكمل، لعباده فلم يقصروا ولم يتوانوا في أدائها .

يقول(عليه السلام):

يا كُمَيْلُ ، نَحْنُ التَّقَلُ الْأَصْغَرُ ، وَالْقُرْآنُ النَّقَلُ الأكْبَرِ، وَقَدْ أَسْمَعَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَجَمَعَهُمْ فَنَادَى الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا ، وَأَيَّامٌ سَبْعَةٌ كَذَا وَكَذَا فَلَمْ يَتَخَلَّفْ أَحَدٌ فَصَعَدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: مَعَاشِرَ النَّاسِ ! إِنِّي مُؤَدَّ عَنْ رَبِّي عَزَ وَجَلَّ ، وَلَا مُخْبِرٌ عَنْ نَفْسِي ، فَمَنْ صَدَّقَنِي فَقَدْ صَدَّقَ اللهَ ، وَمَنْ صَدَّقَ اللهَ أَثَابَهُ الْجِنَانَ ، وَمَنْ كَذَّبَنِي كَذَّبَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ ، وَمَنْ كَذَّبَ اللهَ أَعْقَبَهُ النِّيرَانَ ، ثُمَّ نَادَانِى فَصَعِدْتُ فَأَقَامَنِي دُونَهُ ، وَرَأْسِي إِلَى صَدْرِهِ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ.

ثُمَّ قَالَ : مَعاشِرَ النَّاسِ : أَمَرَنِي جَبْرَئِيلُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ رَبِّي وَرَبُّكُمْ أَن أَعْلِمَكُمْ أَنَّ الْقُرْآنَ هُوَ الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ، وَأَنَّ وَصِيّي هَذَا وَابْنَاي مِنْ خَلْفِهِمْ مِنْ أَصْلَابِهِمْ أَوْصِيائِي، وَهُمُ الثَّقَلُ الْأَصْغَرُ ، يَشْهَدُ التَّقَلُ الْأَكْبَرُ لِلتَّقَلِ الْأَصْغَرِ، وَيَشْهَدُ


1) الأنعام 6 : 112 .

التَّقَلُ الْأَصْغَرُ لِلنَّقَلِ الْأَكْبَرِ ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُلَازِمٌ لِصَاحِبِهِ غَيْرُ مُفَارِقٍ لَهُ حَتَّى يَرِدا إِلَى الله فَيَحْكُمَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْعِبَادِ .

يا كُمَيْلُ ، فَإِذَا كُنَّا كَذَلِكَ فَعَلَامَ يَتَقَدَّمُنَا مَنْ تَقَدَّمَ ، وَتَأَخَّرَ عَنا مَنْ تَأَخَّرَ ؟

يا كُمَيْلُ ، قَدْ أَبْلَغَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ رِسَالَةَ رَبِّهِ وَنَصَحَ لَهُمْ وَلَكِنْ لَا يُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ .

يا كُمَيْلُ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ لِي قَوْلاً وَالْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ مُتَوَافِرُونَ يَوْماً بَعْدَ الْعَصْرِ يَوْمَ النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى قَدَمَيْهِ فَوْقَ مِنْبَرِهِ ، عَلِيٌّ مِنِّي ، وَابْنَايَ مِنْهُ ، وَالطَّيِّبُونَ مِنِّي ، وَأَنَا مِنْهُمْ ، وَهُمُ الطَّيِّبُونَ بَعْدَ أُمِّهِمْ ، وَهُمْ سَفِينَةٌ مَنْ رَكِبَهَا نَجا وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا هَوى ، النّاجِي فِي الْجَنَّةِ ، وَالْهَاوِي فِي لَظَى .

يا كُمَيْلُ ، الْفَضْلُ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ .

يا كُمَيْلُ ، عَلَامَ يَحْسُدُونَنَا وَاللَّهُ أَنْشَأَنَا قَبْلَ أَنْ يَعْرِفُونا ، فَتَراهُمْ بِحَسَدِهِمْ إِيَّانَا عَنْ رَبِّنَا يُزيلُونَنا ؟

وأضاف الإمام قائلاً :

يا كُمَيْلُ ، نَحْنُ وَاللهِ الْحَقُّ الَّذِي قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ(1).


1) المؤمنون 23 : 71

عرض الإمام في هذا المقطع إلى فضل أهل البيت صلوات الله عليهم وسموّ مكانتهم عند الله تعالى ، وعند رسوله(صلی الله علیه وآله وسلم) وأنهم سفن النجاة وأمن العباد .

وبهذا نطوي البحث عن معظم وصيّة الإمام(عليه السلام) لتلميذه العالم كميل بن زياد النخعي ، وهي من ذخائر الوصايا الإسلامية(1)، وينتهي بنا الحديث عن بعض وصاياه التربوية التي عالجت الكثير من مشاكل المجتمع والفرد ووضعت الأسس التربوية السليمة لإصلاح الإنسان .


1) بحار الأنوار: 77: 266 و 276. نهج السعادة : 8: 209 - 231 .

مَوَاعِظُهُ(عليه السلام)

اشارة

أما مواعظ الإمام(عليه السلام)فإنها تجلو القلوب ، وتهذب البصائر ، وتسمو بالإنسان إلى أسمى مراتب الكمال ، وكان لها التأثير البالغ في نفوس العارفين والمتقين ، كان منهم همام ، وهو من خيار أصحاب الإمام في عبادته وتقواه ، فقد طلب من الإمام أن يصف له المتقين والصالحين، فتثاقل من إجابته لعلمه بما تتركه في دخائل نفسه من أثر قد يقضي عليه ، وكرّر همام الطلب .

فاستجاب له الإمام فوصفهم بأبلغ وصف وأروع بيان ، وحكى له واقع عبادتهم وطاعتهم الله تعالى ، فأثر خطاب الإمام في نفس هَمّام ، وشهق شهقة وتوفّي ، وهكذا كانت مواعظ الإمام بلسماً لقلوب المتقين والمنيبين ، ونحن نسجل بعض مواعظه :

حال الإنسان في الدنيا

وصف الإمام(عليه السلام)وصفاً دقيقاً وملماً لحياة الإنسان في الدنيا ، قال(عليه السلام):

إِنَّمَا الْمَرْءُ فِي الدُّنْيَا غَرَضٌ تَنْتَصِلُ فِيهِ الْمَنَايَا ، وَنَهْبٌ لِلْمَصَائِبِ وَمَعَ كُلِّ جُرْعَةٍ شَرَقٌ. وَفِي كُلِّ أَكْلَةٍ غَصَصٌ . وَلَا يَنَالُ الْعَبْدُ فِيهَا نِعْمَةً إِلَّا بِفِرَاقِ أُخْرَى ، وَلَا يَسْتَقْبِلُ يَوْماً مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا بِهَدْمِ آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ . فَنَحْنُ أَعْوَانُ الْحُتُوفِ ، وَأَنْفُسُنَا تَسُوقُنَا إِلَى الْفَنَاءِ ؛ فَمِنْ أَيْنَ نَرْجُو الْبَقَاءَ وَهَذَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ لَمْ يَرْفَعَا مِنْ شَيْءٍ شَرَفاً

إِلَّا أَسْرَعَا الْكَرَّةَ فِي هَدْم مَا بَنْيَا ، وَتَفْرِيقِ مَا جَمَعَا ؟ ! فَاطْلُبُوا الْخَيْرَ وَأَهْلَهُ ، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْراً مِنَ الْخَيْرِ مُعْطِيهِ ، وَشَرّاً من الشَّرِّ فاعله ... »(1).

وفي هذه الكلمات المشرقة إيقاظ للنفوس التي فتنت بحبّ الدنيا وتحذير لها من غرورها وآثامها ، فإنّ الإنسان مهما بلغ من متع الدنيا من المال والجاه فإنّه غرض لنصول المنايا ، وهدف للمصائب والكوارث ، وأيامه معدودة فلا ينقضي عنه يوم إلا نقص من عمره .

اتّباع الهوى

حذر الإمام(عليه السلام) من اتباع الهوى وطول الأمل ، ولقد جهد الإمام(عليه السلام) على إرشاد الناس ووعظهم وتحذيرهم من الوقوع في متاهات سحيقة من مآثم هذه الحياة . قال : « إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخافُ عَلَيْكُمُ اتَّبَاعُ الهَوَى ، وَطُولُ الْأَمَلِ »(2).

طوبى للزاهدين في الدنيا

روى نوف البكالي وهو من خيار أصحاب الإمام(عليه السلام)قال : رأيت علي بن أبي طالب(عليه السلام)خرج في غلس الليل ناظراً إلى النجوم ، فقال له :

يا نَوْفُ ، أَرَاقِدٌ أَنْتَ أَمْ رَامِقٌ ؟

بل رامق يا أمير المؤمنين :

يَا نَوْفُ طُوبَى لِلزَّاهِدِينَ فِى الدُّنْيَا ، الرّاغِبِينَ فِي الْآخِرَةِ ، أُولَئِكَ


1) ذيل الأمالي 2 54 نهج البلاغة : 4 : 44 ، الحديث 191 . بحار الأنوار: 70: 130.

2) نهج البلاغة :

قَوْمَ اتَّخَذُوا الْأَرْضَ بِسَاطًاً ، وَتُرَابَهَا فِرَاشاً ، وَمَاءَهَا طِيباً ، وَالْقُرْآنَ شِعَاراً (1)، وَالدُّعَاءَ دِثَاراً ، ثُمَّ قَرَضُوا (2)الدُّنْيَا قَرْضاً عَلَى مِنْهَاج الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

يَا نَوْفُ ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى عِيسَى أَن مُرْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ لَا يَدْخُلُوا بَيْناً مِنْ بِيُوتِي إِلَّا بِقُلُوبٍ طَاهِرَةٌ ، وَأَبْصَارِ خَاشِعَةٍ ، وَأَيْدٍ نَقِيَّةٌ ، فَإِنِّي لَا أَسْتَجِيبُ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ ، وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِي عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ ...»(3).

وحفلت هذه الوصية بالدعوة إلى الزهد في الدنيا ، وعدم الاندفاع إلى مباهجها ، فإنّها وما فيها من متع ورغبات إنّما هي ظلّ زائل لا قرار لها ، والخلود والبقاء إنما هو في الدار الآخرة التي أعدها الله للمتقين والصالحين من عباده .

الزهد في الدنيا

وزهد الإمام في الدنيا ، وأقبل على الله تعالى بعواطفه ومشاعره ، وكان يد بهذا الدعاء لوعظ العامة ، قال(عليه السلام):

( اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ سَلْوا عَنِ الدُّنْيا ، وَمَقْناً لَهَا ، فَإِنَّ خَيْرَهَا زَهِيدٌ ، وَشَرَّهَا عَتِيدٌ ، وَصَفْوَهَا يَتَكَدَّرُ ، وَجَدِيدَهَا يَخْلُقُ ، وَمَا فَاتَ فِيهَا لَمْ يَرْجِعْ ، وَمَا نِيلَ فِيهَا فِتْنَةٌ إِلَّا مَنْ أَصَابَتْهُ مِنْكَ عِصْمَةٌ ، وَشَمِلَتْهُ


1) الشعار : ما يلى البدن من الثياب .

2) أي مزقوا الدنيا على طريقة المسيح (عليه السلام)في العبادة .

3) حلية الأولياء : 1 : 79 نهج البلاغة : 4 : 23 و 24. الخصال : 337 .

مِنْكَ رَحْمَةٌ ، فَلَا تَجْعَلْنِي مِمَّنْ رَضِيَ بِهَا ، وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهَا ، وَوَثِقَ بِها ، فَإِنَّ مَنِ اطْمَأَنَّ إِلَيْهَا خَانَتْهُ ، وَمَنْ وَيْقَ بِهَا غَرَّتْهُ» (1).

وحكت هذه الكلمات مدى عزوف الإمام(عليه السلام) عن الدنيا ومقته لمباهجها ، فليس فيها متعة يصبو إليها إمام المتقين سوى إقامة الحق ، وتأسيس معالم العدل.

موعظته(عليه السلام)لرجل شيّع جنازة وهو يضحك

وشيّع الإمام(عليه السلام) الجنازة فرأى رجلاً يضحك ، فساءه ذلك ، ووعظه بهذه الكلمات المشرقة ، قال الي :

كَأَنَّ الْمَوْتَ فِيهَا عَلَى غَيْرِنَا كُتِبَ ، وَكَأَنَّ الْحَقَّ فِيهَا عَلَى غَيْرِنَا وَجَبَ ، وَكَأَنَّ الَّذِي نَرَى مِنَ الْأَمْوَاتِ سَفْرٌ عَمّا قَلِيلِ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ نُبَوِّتُهُمْ أَجْدَاثَهُمْ ، وَنَأْكُلُ تُرَاثَهُمْ ، كَأَنَا مُخَلَّدُونَ بَعْدَهُمْ ثُمَّ قَدْ نَسِينَا كُلَّ وَاعِطٍ وَوَاعِظَةٍ ، وَرُمِينَا بِكُلِّ جَائِحَةٍ(2)!!»(3).

إنّ الموت أكبر واعظ للإنسان لو كان يملك فكره ، لكنّه لم يحفل به ، وكثيرون من الناس في أثناء مسيرهم في تشييع الموتى يتعاطون أحاديث الدنيا ، ولا يتعظون بالموت ، فكأنه قد كُتِبَ على غيرهم

مع رجل يذمّ الدنيا

سمع الإمام(عليه السلام)رجلاً يذم الدنيا ، ولم يكن ذمّه عن واقع وإيمان ، فقال(عليه السلام)له :


1) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة - باب الدعاء : 274 . إرشاد القلوب : 26 .

2) الجائحة : الآفة .

3) نهج البلاغة - محمّد عبده : 4 : 28 بحار الأنوار: 6: 136 ، الحديث 38 .

«أَيُّهَا الذَّامُ ِللدُّنْيَا ، الْمُغْتَرُّ بِغُرُورِهَا ، الْمَخْدُوعُ بِأَبَاطِيلِهَا : أَتَغْتَرُ بِالدُّنْيَا ثُمَّ تَذْمُّهَا ؟ أَنْتَ الْمُتَجَرِّمُ عَلَيْهَا ، أَمْ هِيَ الْمُتَجَرِّمَةُ عَلَيْكَ(1)؟ مَتَى اسْتَهْوَتْكَ ، أَمْ مَتَى غَرَّتْكَ ؟ أَبِمَصَارِع آبَائِكَ مِنَ الْبِلَى أَمْ بِمَضَاجِع أُمَّهَاتِكَ تَحْتَ الثَّرَى ؟ كَمْ عَلَّلْتَ بِكَفَّيْكَ ، وَكَمْ مَرَّضْتَ بِيَدَيْكَ ! تَبْتَغِي لَهُمُ الشَّفَاءَ ، وَتَسْتَوْصِفُ لَهُمُ الْأَطِبّاءَ ، غَدَاةَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ دَوَاؤُكَ ، وَلَا يُجْدِي عَلَيْهِمْ بُكَاؤُكَ .

لَمْ يَنْفَعْ أَحَدَهُمْ إِشْفَاقُكَ ، وَلَمْ تُسْعَفْ فِيهِ بِطِلْبَتِكَ ، وَلَمْ تَدْفَعْ عَنَّهُ بِقُوَّتِكَ ! وَقَدْ مَثَّلَتْ لَكَ بِهِ الدُّنْيَا نَفْسَكَ (2)، وَبِمَصْرَعِهِ مَصْرَعَكَ .

إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَقَهَا ، وَدَارُ عَافِيَةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا ، وَدَارُ غِنى لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا ، وَدَارُ مَوْعِظَةٍ لِمَنِ اتَّعَظَ بِهَا مَسْجِدُ أَحِبَاءِ اللَّهِ ، وَمُصَلَّى مَلَائِكَةِ اللهِ ، وَمَهْبِطُ وَحْيِ اللهِ ، وَمَتِّجَرُ أَوْلِيَاءِ الله .

اكْتَسَبُوا فِيهَا الرَّحْمَةَ ، وَرَبحُوا فِيهَا الْجَنَّةَ . فَمَنْ ذَا يَدُمُهَا وَقَدْ آذنَتْ بِبَيْنِهَا(3)، وَنَادَتْ بِفِراقِهَا ، وَنَعَتْ نَفْسَهَا وَأَهْلَهَا ؛ فَمَثَّلَتْ لَهُمْ بِبَلَائِهَا الْبَلَاءَ ، وَشَوَّقَتْهُمْ بِسُرُورِهَا إِلَى السُّرُورِ ؟ ! رَاحَتْ بِعَافِيَةٍ ، وَابْتَكَرَتْ بِفَجِيعَةٍ ، ترغيباً وَتَرْهِيباً ، وَتَخْفِيفاً وَتَحْذِيراً ،


1) التجرّم : الذنب .

2) المعنى : أنّ الدنيا قد جعلت الهالك قبلك مثالاً لنفسك

3) المراد : أنّ الدنيا قد أعلمت أهلها ببينها، أي بزوالها وفنائها .

فَذَمَّهَا رِجَالٌ غَدَاةَ النَّدَامَةِ(1)، وَحَمِدَهَا آخَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .

ذَكَّرَتْهُمُ الدُّنْيَا فَتَذَكَّرُوا ، وَحَدَّثَتْهُمْ فَصَدَّقُوا ، وَوَعَظَتْهُمْ فَاتَّعَظُوا ... »(2).

تحدّث الإمام(عليه السلام) عن الدنيا وأنّها دار زوال وفناء ، فالمغرور من غرته ، والشقي من فتن بها ، والسعيد من خشي ربّه ، وعمل صالحاً واهتدى فإنّها تكون دار تجارة وربح له .

ما بعد الموت

ووصف الإمام(عليه السلام) الحالة الراهنة للإنسان بعد موته ، قال(عليه السلام) :

« فَإِنَّكُمْ لَوْ قَدْ عَايَنْتُمْ مَا قَدْ عَايَنَ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ لَجَزِعْتُمْ وَوَهِلْتُمْ(3)، وَسَمِعْتُمْ وَأَطَعْتُمْ ، وَلكِنْ مَحْجُوبٌ عَنْكُمْ مَا قَدْ عَايَنُوا ، وَقَرِيبٌ مَا يُطْرَحُ الْحِجَابُ : وَلَقَدْ بُصِّرْتُمْ إِنْ أَبْصَرْتُمْ ، وَأَسْمِعْتُمْ إِنْ سَمِعْتُمْ ، وَهُدِيتُمْ إِنِ اهْتَدَيْتُمْ ، وَبِحَقِّ أَقُولُ لَكُمْ : لَقَدْ جَاهَرَتْكُمُ الْعِبَرُ ، وَزُجِرْتُمْ بِمَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ . وَمَا يُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ بَعْدَ رُسُلِ السَّمَاءِ إِلَّا البَشَرُ »(4).

حكت هذه الكلمات القوّة البالغة لحالة الإنسان بعد وفاته ، وما يعانيه من


1) يعني : أهل الدنيا ذمّوها عندما أصبحوا نادمين على ما فرطوا فيها .

2) نهج البلاغة - محمد عبده : 4 : 31 و 32 . بحار الأنوار 70: 129 ، الحديث 135 .

3) وهلتم : أي خفتم .

4) نهج البلاغة : 1 : 57 . شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 1: 298.

الكوارث والمصائب من جراء ما اقترفه في دار الدنيا من الآثام والذنوب .

إدبار الدنيا

ومن مواعظه الخالدة هذه الموعظة التي تحدّث فيها عن إدبار الدنيا ، والدعوة إلى العمل الصالح ، قال(عليه السلام) :

« أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَدْبَرَتْ ، وَآذَنَتْ بِوَدَاعٍ ، وَإِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَشْرَفَتْ بِاطَّلاع ، أَلَا وَإِنَّ اليَوْمَ المِضْمَارَ ، وَغَداً السَّبَاقَ ، وَالسَّبَقَةُ الجَنَّةُ(1)، وَالغَايَةُ النَّارُ ، أَفَلَا تَائِبٌ مِنْ خَطِيئَتِهِ قَبْلَ مَنِيَّتِهِ : أَلَا عَامِلٌ لِنَفْسِهِ قَبْلَ يَوْمٍ بُوسِهِ : أَلَا وَإِنَّكُمْ فِي أَيَّامٍ أَمَلِ مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ ، فَمَنْ عَمِلَ فِي أَيَّامٍ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ فَقَدْ نَفَعَهُ عَمَلُهُ ، وَلَمْ يَضْرُرْهُ أَجَلُهُ . وَمَنْ قَصَّرَ فِي أَيَّامٍ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ ، فَقَدْ خَسِرَ عَمَلَهُ ، وَضَرَّهُ أَجَلُهُ . أَلَا فَاعْمَلُوا فِي الرَّغْبَةِ كَمَا تَعْمَلُونَ فِي الرَّهْبَةِ ، أَلَا وَإِنِّي لَمْ أَرَكَالْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا وَلَا كَالنّارِ نَامَ هَارِبُهَا ، أَلَا وَإِنَّهُ مَنْ لاَ يَنْفَعُهُ الحقُّ يَضُرُّهُ البَاطِلُ ، وَمَنْ لَا يَسْتَقِمْ بِهِ الهُدَى ، يَجُرُّ بِهِ الضَّلَالُ إِلَى الرَّدَى . أَلَا وَإِنَّكُمْ قَد أُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ ، وَدُلِلْتُمْ عَلى الرّادِ . وَإِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخافُ عَلَيْكُمُ اثْنَتَانِ : اتَّبَاعُ الْهَوى ، وَطُولُ الْأَمَلِ ، فَتَزَوَّدُوا فِي الدُّنْيَا مِنَ الدُّنْيَا مَا تَحْرُزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً »(2).


1) السبقة : هي الغاية التي يجب السباق إليها .

2) نهج البلاغة : 1: 71 - 73. بحار الأنوار: 74: 333 ، الحديث 21.

وعلّق الشريف الرضي على هذا المقطع من كلامه(عليه السلام) بقوله :

«أقول : إنه لو كان كلامٌ يأخذ بالأعناق إلى الزهد في الدنيا، ويضطر إلى عمل الآخرة لكان هذا الكلام ، وكفى به قاطعاً لعلائق الآمال ، وقادحاً زناد الاتعاظ والازدجار ، ومِنْ قوله(عليه السلام) : أَلَا وَإِنَّ الْيَوْمَ الْمِضْمَارَ وَغَداً السَّبَاقَ ، وَالسَّبَقَةُ الجَنَّةُ وَالغَايَةُ النّارُ ، فإن فيه - مع فخامة اللفظ ، وعظم قدر المعنى ، وصادق التمثيل ، وواقع التشبيه - سرّاً عجيباً ، ومعنى لطيفاً ، وهو قوله(عليه السلام): والسَّبَقَةُ الجَنَّةُ ، وَالغَايَةُ النّارُ ، فخالف بين اللفظين لاختلاف المعنيين ، ولم يقل : السَّبَقَةُ النَّارُ .

كما قال : السَبَقَة الجَنّة ، لأن الاستباق إنما يكون إلى أمر محبوب ، وغرض مطلوب ، وهذه صفة الجنة وليس هذا المعنى موجوداً في النار ، نعوذ بالله منها ! فلم يجز أن يقول : والسَبَقَةُ النَّارُ ، بل قال : والغَايَةُ النَّارُ ؛ لأن الغاية قد ينتهي إليها من لا يسره الانتهاء إليها ، ومن يسره ذلك ، فصلح أن يعبر بها عن الأمرين معاً ، فهي في هذا الموضع كالمصير والمآل ، قال الله تعالى : قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُم إِلَى النّارِ(1)ولا يجوز في هذا الموضع أن يقال : سبقتكم - بسكون الباء - إلى النار ، فتأمل ذلك . فباطنه عجيب ، وغوره بعيد لطيف . وكذلك أكثر كلامه(عليه السلام)»(2)

تصرّم الدنيا

خطب الإمام (عليه السلام)أصحابه بهذه الخطبة البليغة وقد وعظهم بها ، وحذّرهم من غرور الدنيا وفتنها وشرورها ، قال الله :

«أَلَا وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَصَرَّمَتْ ، وَآذَنَتْ بِانْقِضاءٍ وَتَنَكَّرَ مَعْرُوفُها ،


1) إبراهيم 14 : 30

2) الغارات : 634 ، الهامش . شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 2: 92.

وَأَدْبَرَتْ حَذَاءَ(1)، فَهِيَ تَحْفِرُ بِالْفَنَاءِ سُكَانَهَا ، وَتَحْدُر بِالْمَوْتِ جِيرَانَهَا ، وَقَدْ أَمَرَّ فِيهَا مَا كَانَ حُلْوا ، وَكَدِرَ مِنْهَا مَا كَانَ صَفْواً ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا سَمَلَةٌ كَسَمَلَةِ الْإِدَاوَةِ(2)، أَوْ جُرْعَةٌ كَجُرْعَةِ الْمَقْلَةِ ، لَوْ تَمَزَّزَهَا الصَّدْيَانُ لَمْ يَنْقَعْ(3). فَأَزْمِعُوا عِبَادَ اللَّهِ الرَّحِيلَ عَنْ هَذِهِ الدّارِ الْمَقْدُورِ عَلَى أَهْلِهَا الزَّوالُ ، وَلَا يَغْلِبَنَّكُمْ فِيهَا الْأَمَلُ ، وَلَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمْ فِيهَا الْأَمَدُ .

فَوَاللَّهِ لَوْ حَنَتْتُمْ حَنِينَ الْوُلَّهِ الْعِجَالِ ، وَدَعَوْتُمْ بِهَدِيلِ الْحَمَامِ ، وَجَأَرْتُمْ جُؤَارَ مُتَبَتِّلِي الرُّهْبَانِ ، وَخَرَجْتُمْ إِلَى اللهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ، الْتِمَاسَ الْقُرْبَةِ إِلَيْهِ فِي ارْتِفَاعِ دَرَجَةٍ عِنْدَهُ ، أَو غُفْرَانِ سَيِّئَةٍ أَحْصَتْهَا كُتُبُهُ ، وَحَفِظَتْهَا رُسُلُهُ ، لَكَانَ قَلِيلاً فيما أَرْجُو لَكُم مِنْ ثَوَابِهِ ، وَأَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ عِقَابِهِ .

وَاللهِ لَوِ انْمَاثَتْ قُلوبُكُمُ انْمِيَاناً(4)، وَسَالَتْ عُيُونُكُمْ مِنْ رَغْبَةٍ إِلَيْهِ أَوْ رَهْبَةٍ مِنْهُ دَماً ، ثُمَّ عُمّرْتُمْ فِي الدُّنْيَا، مَا الدُّنْيَا بَاقِيَةً ، مَا جَزَتْ أَعْمَالُكُمْ عَنْكُمْ - وَلَوْ لَمْ تُبْقُوا شَيْئاً مِنْ جُهْدِكُمْ - أَنْعُمَهُ عَلَيْكُمُ الْعِظَامَ ، وَهُدَاهُ إِيَّاكُمْ لِلْإِيمَانِ»(5).


1) الحذاء : الماضية ، السريعة.

2) السملة : بقيّة الماء في الحوض .

3) التمزز : الامتصاص قليلاً قليلاً. الصديان : العطشان.

4) انمائت : أي ذابت.

5) نهج البلاغة 1: 89 و 90 شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد: 3 : 332

إن مواعظ الإمام(عليه السلام) تنفذ إلى أعماق النفوس ودخائل القلوب لأنها من إمام المتقين وسيد الواعظين فلم يفه بنصيحة أو موعظة إلا طبقها على نفسه الشريفة قبل أن يذيعها إلى الناس .

المبادرة إلى الأعمال الصالحة

ومن مواعظه الجليلة هذه الخطبة الحافلة بالدعوة إلى تقوى الله تعالى، والتزوّد من أعمال الخير ، قال(عليه السلام):

«وَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللَّهِ ، وَبَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ ، وَابْتَاعُوا مَا يَبْقَى لَكُمْ بِمَا يَزُولُ عَنْكُمْ ، وَتَرَحَلُوا فَقَدْ جُدَّ بِكُمْ(1)، وَاسْتَعِدُوا لِلْمَوْتِ فَقَدْ أَظَلَّكُمْ (2)، وَكُونُوا قَوْماً صِبحَ بِهِمْ فَانْتَبَهُوا ، وَعَلِمُوا أَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ لَهُمْ بِدَارٍ فَاسْتَبْدَلُوا ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثًا ، وَلَمْ يَتْرُكْكُمْ سُدى وَمَا بَيْنَ أَحَدِكُمْ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ إِلَّا الْمَوْتُ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ . وَإِنَّ غَايَةٌ تَنْقُصُهَا اللَّحْظَةُ ، وَتَهْدِمُهَا السَّاعَةُ ، لَجَدِيرَةٌ بِقِصَرِ الْمُدَّةِ (3).

وَإِنَّ غَائِباً يَحْدُوهُ الْجَدِيدَانِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ ، لَحَرِيٌّ بِسُرْعَةِ الْأَوْبَةِ .

وَإِنَّ قَادِماً يَقْدُمُ بِالفَوْزِ أَو الشَّقْوَةِ لَمُسْتَحِنُّ لِأَفْضَل الْعُدَّةِ.


1) فقد جد بكم : أي أسرع بكم إلى الرحيل عن هذه الدنيا .

2) فقد أظلكم : أي قرب منكم حتى كأن له ظلّ قد ألقاه عليكم .

3) المراد : أنّ كلّ لحظة تمرّ بالإنسان فإنّها تنقص حياته وتقربه إلى الدار الآخرة .

فَتَزَوَّدُوا فِي الدُّنْيَا مِنَ الدُّنْيَا ، مَا تَحْرُزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً ، فَاتَّقَىٰ عَبْدُ رَبَّهُ ، نَصَحَ نَفْسَهُ، وَقَدَّمَ تَوْبَتَهُ ، وَغَلَبَ شَهْوَتَهُ ، فَإِنَّ أَجَلَهُ مَسْتُورٌ عَنْهُ ، وَأَمَلَهُ خَادِعٌ لَهُ ، وَالشَّيْطَانُ مُوَكَّلٌ بِهِ، يُزَيِّنُ لَهُ الْمَعْصِيَةَ لِيَرْكَبَهَا ، وَيُمَنِّيهِ التَّوْبَةَ لِيُسَوِّفَهَا(1)، إِذَا هَجَمَتْ مَنِيَّتُهُ عَلَيْهِ ، أَغْفَلَ مَا يَكُونُ عَنْهَا .

فَيَا لَهَا حَسْرَةً عَلَى كُلِّ ذِي غَفْلَةٍ أَنْ يَكُونَ عُمُرُهُ عَلَيْهِ حُجَّةٌ ، وَأَنْ تُؤَدِّيَهُ أَيَّامُهُ إِلَى الشَّقْوَةِ !

نَسْأَلُ اللهَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَجْعَلَنا وَإِيَّاكُمْ مِمَّنْ لَا تُبْطِرُهُ(2)نِعْمَةٌ ، وَلَا تُقَصِّرُ بِهِ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ غَايَةٌ ، وَلَا تَحُلُّ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ نَدَامَةٌ وَلَا كَآبَةٌ»(3).

وأنت ترى في هذه الكلمات من صنوف الوعظ والإرشاد ما لا نجده في كلام أي واعظ ، فقد حفلت بالدعوة إلى الإسراع إلى طاعة الله ، والاجتناب عن معاصيه والتبصر بما يواجهه الإنسان في قبره من السؤال عن أعماله في دار الدنيا ، فإن كانت حسنة لاقى مصيره المشرق ، وإن كانت سيّئة عادت عليه بالعذاب والشقاء .

صفة الدنيا

وصف الإمام(عليه السلام) الدنيا وصفاً رائعاً ودقيقاً ، قال(عليه السلام):


1) يسوفّها : أي يؤجلها .

2) تبطره : أي تطغيه

3) نهج البلاغة : 1 : 109 - 111 .

مَا أَصِفُ مِنْ دَارٍ أَوَّلُهَا عَنَاءٌ : وَآخِرُهَا فَنَاءٌ ! فِي حَلَالِهَا حِسَابٌ ، وَفِي حَرَامِهَا عِقَابٌ . مَنِ اسْتَغْنَىٰ فِيهَا فُتِنَ ، وَمَنِ افْتَقَرَ فِيهَا حَرْنَ ، وَمَنْ سَاعَاهَا فَاتَتْهُ(1)، وَمَنْ فَعَدَ عَنْهَا وَاتَتْهُ ، وَمَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ ، وَمَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ(2).

علّق الشريف الرضي على هذه الكلمات البليغة بقوله : « أقول : وإذا تأمل المتأمل قوله لا : وَمَنْ أَبْصَرَ بهَا بَصَّرَتْهُ وجد تحته من المعنى العجيب ، والغرض البعيد ، ما لا تُبلغ غايته ولا يدرك غوره ، ولا سيما إذا قرن إليه قوله : ومَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ فإنه يجد الفرق بين أَبْصَرَ بِهَا وأَبْصَرَ إِلَيْهَا واضحاً نيراً، وعجيباً باهراً !(3).

وصفه(عليه السلام) للموت وما بعده

من خطبه البالغة الأهمية في الوعظ والإرشاد هذه الخطبة العجيبة التي سمّيت بالغرّاء ، وفيها وصف رائع لحالة الإنسان وشؤون حياته ، وما يعقب من صحّته وسقمه وموته ، وغير ذلك ممّا يجري عليه ، انظروا إلى هذه الخطبة ، قال(عليه السلام):

« أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي ضَرَبَ لَكُمُ الْأَمْثَالَ ، وَوَفَّتَ لَكُمُ الْآجَالَ ، وَأَلْبَسَكُمُ الرِّبَاشَ ، وَأَرْفَغْ لَكُمُ الْمَعَاشَ (4)،


1) ومن ساعاها فاتته : المراد أنّه من جد في طلب الدنيا فاتته، أي سبقته، فإنّه كلّما نال منها شيئاً فتحت له أبواب الأمل فيها .

2) نهج البلاغة : 1 : 130 و 131. خصائص الأئمة / الشريف الرضي : 118 .

3) نهج السعادة : 3 : 258 . شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 6: 238 .

4) أرفع لكم : أي أوسع لكم .

وَأَحَاطَكُمْ بِالْإِحْصَاءِ(1)، وَأَرْصَدَ لَكُمُ الْجَزَاءَ ، وَآثَرَكُمْ بِالنّعَمِ السَّوَابِغِ ، وَالرَّفَدِ الرَّوافِعِ(2)، وَأَنْذَرَكُمْ بِالْحُجَجِ الْبَوَالِ، فَأَحْصَاكُمْ عَدَداً ، وَوَظَفَ لَكُمْ مُدَداً ، فِي قَرَارِ خِبْرَةٍ ، وَدَارِ عِبْرَةٍ ، أَنْتُمْ مُخْتَبَرُونَ فِيهَا ، وَمُحَاسَبُونَ عَلَيْهَا.

فَإِنَّ الدُّنْيَا رَيْقٌ(3)مَشْرَبُهَا ، رَدِخٌ(4)مَشْرَعُهَا ، يُونِقُ(5)مَنْظَرُهَا وَيُوبِقُ مَخْبَرُهَا.

غُرُورٌ حَائِلٌ ، وَضَوْءٌ آفِلٌ ، وَظِلٍّ زَائِلٌ ، وَسِنَادٌ مَائِلٌ ، حَتَّى إِذَا أَيْسَ نَافِرُهَا ، وَاطْمَأَنَّ نَاكِرُهَا ، فَمَصَتْ بِأَرْجُلِهَا ، وَقَنَصَتْ بِأَحْبُلِهَا ، وَأَقْصَدَتْ بِأَسْهُمِهَا ، وَأَعْلَقَتِ الْمَرْءَ أَوْهَاقَ الْمَنِيَّةِ(6)قَائِدَةً لَهُ إِلَى ضَنْكِ الْمَضْجَعِ ، وَوَحْشَةِ الْمَرْجِعِ ، وَمُعَايَنَةِ الْمَحَلِّ ، وَثَوَابِ الْعَمَلِ .

وأضاف الإمام(عليه السلام) قائلاً :

فَهَلْ يَنتَظِرُ أَهْلُ بَضَاضَةِ الشَّبَابِ إِلَّا حَوَانِيَ الْهَرَمِ ؟ وأَهْلُ غَضَارَةِ الصَّحَّةِ إِلَّا نَوَازِلَ السَّقَم ؟ وَأَهْلُ مُدَّةِ الْبَقَاءِ إِلَّا آوِنَةَ الْفَنَاءِ؟


1) أحاطكم بالإحصاء : أي أحصى بدقة أعمالكم .

2) الروافع : هي الأمور الواسعة .

3) الرتق : الكدر .

4) الردغ : كثرة الطين .

5) يونق : يعجب .

6) أوهاق المنية : أي حبالها

مَعَ قُرْبِ الزِّيَالِ(1)، وَأُزُوفِ الْإِنْتِقَالِ ، وَعَلَزِ الْفَلَقِ(2)، وَأَلم الْمَضَضِ ، وَغَصَصِ الْجَرَضِ(3)وَتَلَفَّتِ الْإِسْتِغَاثَةِ بِنُصْرَةِ الْحَفَدَةِ

وَالْأَقْرِبَاءِ ، وَالْأَعِزَّةِ وَالْقُرَنَاءِ ! فَهَلْ دَفَعَتِ الْأَقَارِبُ ، أَوْ نَفَعَتِ النَّوَاحِبُ(4)، وَقَدْ غُودِرَ فِي مَحَلَّةِ الْأَمْوَاتِ رَهِيناً ، وَفِي ضِيقِ الْمَضْجَع وَحِيداً ، قَدْ هَتَكَتِ الْهَوَامُ جِلْدَتَهُ ، وَأَبْلَتِ النَّوَاهِكُ جدَّتَهُ ، وَعَفَتِ الْعَوَاصِفُ آثَارَهُ ، وَمَعَا الْحَدَثَانِ مَعَالِمَهُ ، وَصَارَتِ الْأَجْسَادُ شَحِبَةٌ بَعْدَ بَضَّتِهَا ، وَالْعِظَامُ نَخِرَةً بَعْدَ قُوَّتِهَا ، وَالْأَرْوَاحُ مُرْتَهَنَةٌ بِثِقَلِ أَعْبَائِهَا مُوقِنَةٌ بِغَيْبِ أَنْبَائِهَا ، لَا تُسْتَزَادُ مِنْ صَالِحٍ عَمَلِهَا ، وَلَا تُسْتَعْتَبُ مِنْ سَيِّيءِ زَلَلِهَا : أَوَ لَسْتُمْ أَبْنَاءَ الْقَوْم وَالْآبَاءَ ، وَإِخْوَانَهُمْ وَالْأَقْرِبَاءَ ؟ تَحْتَدُونَ أَمْثِلَتَهُمْ ، وَتَرْكَبُونَ قِدَّتَهُمْ ، وَتَطَأُونَ جَادَّتَهُمْ ؟! فَالْقُلُوبُ قَاسِيَةٌ عَنْ حَظِّهَا ، لَاهِيَةٌ عَنْ رُشْدِهَا ، سَالِكَةٌ في غَيْرِ مِضْمَارِهَا كَأَنَّ الْمَعْنِيَّ سِوَاهَا ، وَكَأَنَّ الرُّشْدَ فِي إِحْرَازِ دُنْيَاهَا .

وَاعْلَمُوا أَنَّ مَجَازَكُمْ عَلَى الصِّراطِ وَمَزَالِقِ دَحْضِهِ ، وَأَهَاوِيل زَلَلِهِ ، وَثَارَاتِ أَهْوَالِهِ ؛ فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللَّهِ تَقِيَّةَ ذِي لُبِّ شَغَلَ التَّفَكُرُ قَلْبَهُ ، وَأَنْصَبَ الْخَوْفُ بَدَنَهُ ، وَأَسْهَرَ النَّهَجُدُ غِرَارَ نَوْمِهِ ،


1) الزيال : المفارقة .

2) على الفلق : شدّته وصرامته

3) الجرض : الريق .

4) النواحب : النائحات .

وَأَظْمَأُ الرَّجَاءُ هَوَاجِرَ يَوْمِهِ ، وَظَلَفَ الزُّهْدُ شَهَوَاتِهِ، وَأَوْجَفَ الذِّكْرُ بِلِسَانِهِ ، وَقَدَّمَ الْخَوْفَ لِأَمَانِهِ »(1).

وحفلت هذه المواعظ بجميع ألوان النصح والإرشاد ليستقيم الإنسان في سلوكه ، ولا يندفع وراء التيارات العاطفية والشهوات النفسية ليكون بمأمن من عذاب الله وغضبه، وفي آخر هذه الخطبة فصول مروعة من حياة الإنسان ، وما يعقبها من الفناء والرحيل عن هذه الدنيا .

الاتعاظ بالعبر

ومن خطبة له يعظ فيها أصحابه جاء فيها :

« فَاتَّعِظُوا عِبَادَ اللهِ بِالعِبَرِ التَّوَافِع ، وَانْتَفِعُوا بِالذِّكْرِ وَالْمَوَاعِظِ ، فَكَأَنْ قَدْ عَلِقَتْكُمْ مَخَالِبُ الْمَنِيَّةِ ، وَانْقَطَعَتْ مِنْكُمْ عَلَائِقُ الْأَمْنِيَّةِ ، وَدَهِمَتْكُمْ مُفْظِعَاتُ الْأُمُورِ ، وَالسَّيَاقَةُ إِلَى الْوِرْدِ المَوْرُودِ ، فَـ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ(2): سَائِقٌ يَسُوقُهَا إِلَى مَحْشَرِهَا وَشاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِعَمَلِهَا» (3).

وفي هذه الكلمات دعوة إلى الاتعاظ بالعبر وما أكثرها ، وهي لو تبصرها الإنسان ووعاها لما اقترف الجرائم والموبقات وهام في ميادين الرذائل والآثام .


1) نهج البلاغة : 1: 133 - 141 .

2) ق 21:50

3) نهج البلاغة : 1 : 148 . بحار الأنوار: 74: 430 ، الحديث 44.

رفض الدنيا

ومن مواعظه هذه الخطبة التي حذر فيها من التهالك على حب الدنيا التي هي ليست إلا سراباً يحسبه الظمآن ماء ، فما هي إلا لحظات من عمر الزمن حتى يتركها الإنسان ويذهب إلى قبره ، قال لا :

« عِبَادَ اللهِ ، أُوصِيكُمْ بِالرَّفْضِ لِهَذِهِ الدُّنْيَا النّارِكَةِ لَكُمْ وَإِنْ لَمْ تُحِبُّوا تَرْكَهَا ، وَالْمُبْلِيَةِ لِأَجْسَامِكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ تَجْدِيدَهَا ، فَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُهَا كَسَفْرٍ سَلَكُوا سَبِيلاً فَكَأَنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوهُ(1)،وأمّوا عَلَماً (2)فَكَانَهُمْ قَدْ بَلَغُوهُ .

وَكَمْ عَسَى الْمُجْرِي إِلَى الْغَايَةِ أَنْ يَجْرِيَ إِلَيْهَا حَتَّى يَبْلُغَهَا وَمَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَقَاءُ مَنْ لَهُ يَوْمٌ لَا يَعْدُوهُ ، وَطَالِبٌ حَثِيثٌ مِنَ الْمَوْتِ يَحْدُوهُ ، وَمُزْعِجٌ فِي الدُّنْيَا حَتَّى يُفَارِقَهَا رَغْماً ! فَلَا تَنَافَسُوا فِي عِزّ الدُّنْيَا وَفَخْرِهَا ، وَلَا تَعْجَبُوا بِزِينَتِهَا وَنَعِيمِهَا وَلَا تَجْزَعُوا مِنْ ضَرَائِهَا وبُؤْسِهَا ، فَإِنَّ عِزَّهَا وَفَخْرَهَا إِلَى انْقِطَاع ، وَإِنَّ زِينَتَهَا وَنَعِيمَهَا إِلَى زَوَالٍ ، وَضَرَاءَهَا وَبُؤْسَهَا إِلَى نَفَادٍ ، وَكُلُّ مُدَّةٍ فِيهَا إِلَى انْتِهَاءٍ ، وَكُلٌّ حَيَّ فِيهَا إِلَى فَنَاءٍ .

أَوَلَيْسَ لَكُمْ فِي آثَارِ الْأَوَّلِينَ مُزْدَجَرٌ ، وَفِي آبَائِكُمُ الْمَاضِينَ تَبْصِرَةٌ وَمُعْتَبَرُ، إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ : أَوَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْمَاضِينَ مِنْكُمْ


1) السفر - بالفتح : جماعة المسافرين .

2) أمّوا : أي قصدوا .

لَا يَرْجِعُونَ ، وَإِلَى الْخَلَفِ الْبَاقِينَ لَا يَبْقَوْنَ ! أَوَلَسْتُمْ تَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْيَا يُصْبِحُونَ وَيُمْسُونَ عَلَى أَحْوَالٍ شَتَّى : فَمَيِّتٌ يُبْكَى ، وَآخَرُ يُعَزَّى ، وَصَرِيعٌ مُبْتَلَى ، وَعَائِدٌ يَعُودُ ، وَآخَرُ بِنَفْسِهِ يَجُودُ ، وَطَالِبٌ لِلدُّنْيَا وَالْمَوْتُ يَطْلُبُهُ ، وَغَافِلٌ وَلَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ ؛ وَعَلَى أَثَرِ الْمَاضِي مَا يَمْضِي الْبَاقِي ! »(1)

ونكتفي بهذه النماذج من مواعظه ونصائحه التي هي جزء من أنظمته التربوية الهادفة لإشاعة الإصلاح، وتهذيب النفوس وتوازنها في سلوكها لتبتعد عن شرور الحياة ومآثمها .


1) نهج البلاغة 1: 191 - 192 .

حكمة(عليه السلام) القيمة

اشارة

بلغت حِكَمُ الإمام(عليه السلام)قمّة الجمال في روعتها وأصالتها وبما احتوت عليه من محاسن الفكر والآداب، بالإضافة إلى سموّ فصاحتها وبلاغتها .

وإنّا لا نجد من روائع الفكر السليم والمنطق المحكم مثل ما نجده في حكم الإمام التي تمثّل العبقرية بأسمى صورها والإلهام بأروع معانيه . وهذه أمثلة منها :

1- قِيمَةُ الْمَرْءِ ما يُحْسِنُهُ

قال(عليه السلام) قِيمَةُ كُلِّ امْرِى مَا يُحْسِنُهُ .

هذه الكلمة من روائع الأدب العلوي ، قال محمد بن حفصة :

لا نعرف كلمة بعد القرآن وبعد كلام رسول الله لعل الله أخصر لفظاً ولا أعم نفعاً من قول أمير المؤمنين قِيمَةُ كُلِّ امْرِى مَا يُحْسِنُهُ وكان ينشد:

قِيمَةُ المَرءِ مِثلُ ما يُحْسِنُ الـ*** ـمَرءُ قَضَاءٌ مِنَ الوَصِيُّ عَلِيٍّ(1)

ونظم العبدلىّ هذه الكلمة الذهبية بقوله :

قالَ عَلِيٌّ بن أبي طالب*** وهو الإمامُ العالِمُ الْمُنْقِنُ


1) نور القبس المختصر من المقتبس : 168 . تاريخ الإسلام : 19: 34 .

كُلُّ امْرِى قيمَتُه عِندَنَا *** وَعِندَ أَهْلِ الْعَقْلِ ما يُحْسِنُ(1)

ونظم شاعر آخر هذه الكلمة بقوله :

فيا لائمي دَعْني أغالي بِقيمَتي*** فَقِيمَةُ كلُّ النَّاسِ مَا يُحْسِنُونَه(2)

إنّ هذه الكلمة الذهبية من مناجم الأدب العلوي الذي أضاء سماء الفكر الإسلامي ، وعلّق عليها الجاحظ بقوله :

وأجمعوا على أنهم لم يجدوا كلمة أقل حرفاً ، ولا أكثر ربعاً ، ولا أعلم نفعاً ، ولا أحثّ على بيان ، ولا أهجى لمن ترك التفهم ، وقصر في الافهام من قول عليّ : قِيمَةُ كُلِّ امْرِى مَا يُحْسِنُهُ (3).

2-العلم أكثر من أن يحصى

قَالَ(عليه السلام): الْعِلْمُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحْسَنَهُ(4).

إنّ هذه الكلمة من محاسن الأدب العلوي ، وقد نظمها بعض الشعراء بقوله :

ما حوى العِلمَ جَميعاً رَجُلٌ*** لا وَلَوْ مارَسَهُ أَلفَ سَنَة

إِنَّمَا العِلمُ بَعِيدٌ غَورُهُ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحْسَنَة(5)

وليس من شك أن الإمام(عليه السلام)وقف على واقع الفكر المتطوّر فاختار


1) نور القبس المختصر من المقتبس : 168. تاريخ الإسلام : 19 : 34

2) صبح الأعشى : 1 : 89 تاريخ مدينة دمشق : 53 : 35 .

3) رسائل الجاحظ : 3 : 29 تفسير الآلوسي : 12: 240 .

4) التمثيل والمحاضرة / الثعالبي : 165 . تاريخ اليعقوبي : 2 : 5.

5) أمثال الميداني 1 : 267 . البيان والتبيين 2: 65 .

أثمن ما فيه .

3-رأي الشيخ

قال(عليه السلام): رَأْيُّ الشَّيْحَ خَيْرٌ مِنْ مَشْهَدِ الْغُلَامِ (1)

ومن المؤكّد أن هذه الكلمة من روائع الحكم ، فإنّ الغلام لم تهذّبه الأيام ، ولم تصقله التجارب ، بخلاف الشيخ الطاعن في السن الذي مرّت عليه الأيام بثقلها ، وعرف واقع الحياة فهو أدرى بالأمور من الغلام .

4-المرء الذي لا يعرف قدره

هَلَكَ امْرُؤٌ لَمْ يَعْرِفْ قَدْرَهُ(2).

من روائع الحكم هذه الكلمة ، فإنّ جهل الإنسان بنفسه يقوده إلى الهلاك والدمار ، ويلقيه في شرّ عظيم .

5-الناس أعداء ما جهلوا

قال(عليه السلام): النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهلُوا(3).


1) السنن الكبرى : 10: 113. في رسائل الجاحظ : رأي الشيخ الضعيف أَحَبُّ إلينا من جَلَدِ الشباب القوي . وقريب من ذلك في نهاية الإرب : 6: 75 .

2) نهج البلاغة : 4 : 38 ، الخطبة 149 .

3) نهج البلاغة : 4 : 42 ، الخطبة 172 .

وألمّت هذه الكلمة بواقع حياة الناس ، فهم في كل زمان ومكان أعداء ما جهلوه من الحقائق ، ولا أقل من أنّهم لا يقيمون لها وزناً

ولا يحفلون بها .

6-من عرف نفسه عرف ربه

قال(عليه السلام)مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ(1).

إنّ معرفة الخالق العظيم تكمن بمعرفة الإنسان لنفسه ، وما فيه من الأجهزة العجيبة التي تدلّل بصورة واضحة ع-ل-ى وج-ود العظيم

المبدع لخلق الإنسان ، يقول(عليه السلام):

أَتَحْسَبُ أَنَّكَ جِرْمٌ صَغِيرٌ*** وَفِيكَ انْطَوَى الْعالَمُ الأَكْبَرُ؟

إنّ الإنسان إذا تأمل في خلق نفسه فإنّه يصل - من دون شك إلى معرفة الخالق الحكيم .

7-إغاثة الملهوف

قال(عليه السلام): مِنْ كَفَّارَاتِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ إِغَاثَةُ الْمَلْهُوفِ ، وَالتَّنْفِيسُ عَنِ الْمَكْرُوبِ (2).

إنّ إغاثة الملهوف والتنفيس عن المكروب من أفضل الأعمال عند الله تعالى ومن أحبّها إليه ، ولها الآثار الوضعية المهمة التي منها دفع

البلاء في الدنيا وكفارة الذنوب العظام فى دار الآخرة .


1) بحار الأنوار : 66: 293 .

2) البصائر والذخائر / أبو حيان التوحيدي: 111 . الدعوات : 223. ينابيع المودة : 2: 235.

8-وصف الدنيا

قَالَ(عليه السلام): مَا أَصِفُ مِنْ دَارٍ أَوَّلُهَا عَنَاءٌ، وَآخِرُهَا فَنَاءٌ؟ فِي حَلَالِهَا حِسَابٌ ، وَفِي حَرَامِهَا عِقَابٌ ، مَنِ اسْتَغْنَى فِيهَا فُتِنَ، وَمَن افْتَقَرَ فِيهَا حَرْنَ (1).

وهذا الوصف دقيق للغاية ، وملم بواقع الحياة الدنيا التي لم يعرف حقيقتها وكنهها سوى إمام المتقين وسيّد العارفين صلوات الله عليه .

9-الزاهدون في الدنيا

قال(عليه السلام): الزَّاهِدُونَ فِي الدُّنْيا قَوْمٌ وَعِظُوا فَاتَّعَظُوا ، وَأَيْقَنُوا فَعَمِلُوا ، إِنْ نَالَهُمْ يُسْرٌ شَكَرُوا ، وَإِنْ نَالَهُمْ عُسْرٌ صَبَرُوا(2).

وأحاط كلام الإمام(عليه السلام) بحقيقة الزاهدين في الدنيا .. فقد طلقوها وابتعدوا عن زخارفها وملاذها.

10-عطاء الله فى الدنيا والاخرة

قال(عليه السلام) إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُعْطِي الدُنْيا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الْآخِرَةَ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ، وَقَدْ يَجْمَعُهُما اللهُ لِأَقْوَامٍ(3).


1) نصرة الثائر على المثل السائر : 116 . المناقب للخوارزمي : 364 ، الهامش.

2) بهجة المجالس : 3 : 301 مستدرك الوسائل : 12 : 44 ، الحديث 13474 .

3) المصدر المتقدم : 3: 381

إنّ الله تعالى يعطي زينة الحياة الدنيا من مال وبنين لمن أحبه ومن جحده ، أما الآخرة فلا ينال ما فيها من نعيم وبقاء إلا من أحبّه الله تعالى ورضي عنه.

11-الراحة والبؤس

قال(عليه السلام): مَا أَقْرَبَ الرَّاحَةَ مِنَ التَّعَبِ وَالْبُؤْسَ مِنَ النِّعَمِ وَالْمَوْتَ مِنَ الحياة(1)!

على الإنسان أن لا يطمئن إلى سعادة الحياة الدنيا ! فما أسرع أن يعقب الراحة التعب ! والنعم بؤساً ! والحياة موتاً !

12-حق الصديق

قال(عليه السلام) : قَلِيلٌ لِلَّصَدِيقِ الْوُقُوفُ عَلَى قَبْرِ...(2)

إن للصديق حقاً على صديقه ، ومن حقه بعد وفاته ، الوقوف على قبره مع إهداء سورة الفاتحة له .

13-أعجز الناس

قال(عليه السلام):أَعْجَرُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ احْتِسَابِ الْإِخْوَانِ، وَأَعْجَرُ مِنْهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ(3).

إنّ من يعجز عن اكتساب الاخوان والأصدقاء فهو من أعجز الناس ،


1) النجوم الزاهرة : 8 257 . تحف العقول : 91

2) البصائر والذخائر : 25 .

3) الأمالي / أبو علي القالي : 3 : 111 . بحار الأنوار 71 278 ، الحدیث 12

وأعجز منه المضيّع لإخوانه وأصحابه .

14-الملك والدين

قال(عليه السلام): الْمُلْكُ وَالدِّينُ أَخَوانِ لَا غِنَى لِأَحَدِهِمَا عَن الْآخَرِ، فَالدِّينُ آس - أي رأس - والْمُلْكُ حَارِسٌ ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ آسٌ فَمَهْدُومٌ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَارِسٌ فَضَائِعٌ(1).

وهذا الكلام تصوير رائع للحكم القائم على الدين والحكم المجرّد منه .

15-الكلام

قال(عليه السلام)يَا لَوْلَا أَنَّ لَوْلَا أَنَّ الْكَلَامَ يُعَادُ لَنَفِدَ الْكَلَامُ .

إن إعادة كلمات الكلام وجمله وحروفه هي التي حفظت بقاءه .

16- الدهر يومان

قال(عليه السلام): الدَّهْرُ يَوْمَانِ يَوْمٌ لَكَ ، وَيَوْمٌ عَلَيْكَ ؛ فَإِذَا كَانَ لَكَ فَلَا تَبْطَرْ، وَإِذَا كَانَ عَلَيْكَ فَاصْبِرْ ! فَبِكِلَاهُمَا أَنْتَ مُخْتَبَرٌ (2).

وحفل كلام الإمام(عليه السلام)بوصف دقيق لحياة الإنسان فإنّها يومان : يوم سعادة ويوم شقاء ، وينبغي له أن لا يتبطر في أيام سعادته ولا يجزع


1) بهجة المجالس : 1 : 332

2) البصائر والذخائر : 155 . الكافي : 8: 21 .

في أيام شقائه.

17-الجاهل والعالم

قال(عليه السلام): قَصَمَ ظَهْرِي رَجُلَان جَاهِلٌ مُتَنَسِّكَ وَعَالِمٌ مُتَهَنَّكَ ، فَالْجَاهِلُ يَغُرُّ النَّاسَ بِنُسْكِهِ، وَالْعَالِمُ يُنَفِّرُهُمْ بِتَهَتِّكِهِ(1).

إنّ الجاهل المتنسك الذي لا معرفة له بأحكام الدين فإنّ أعماله على الأكثر - مخالفة للواقع ، ويكون مورداً لإغراء الناس ، وأما العالم المتهتك الذي يقترف الآثام فإنّه يضلّل الرأي العام بسلوكه .

18- العبادة مع العلم

قَالَ(عليه السلام) لَا خَيْرَ فِي عِبَادَةٍ لَا عِلْمَ فِيهَا ، وَلَا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لَا فَهُمَ فِيهِ، وَلَا خَيْرَ فِى قِرَاءَةٍ لَا تَدَبُرَ فِيهَا(2).

إنّ العبادة إذا لم تكن مشفوعة بالعلم والمعرفة فلا خير فيها ، كذلك العلم إذا لم يكن عن وعي وفهم لا خير فيه ، كما لا خير في قراءة لا تدبّر فيها .

19- طرائف الحكمة

قالَ(عليه السلام) أَجِمُّوا(3)هذِهِ الْقُلُوبَ وَالْتَمِسُوا لَهَا طَرَائِفَ الْحِكْمَةِ ، فَإِنَّها


1) مفتاح السعادة ومصباح السيادة : 1 : 49 . منية المريد : 181 . إحياء علوم الدين: 1 : 52 .

2) حلية الأولياء : 1 : 77. سنن الدارمي : 1 : 89. ينابيع المودة : 2: 417.

3) أجموا : أي اطلبوا لها الراحة .

تَمَلُ كَمَا تَمَلُّ الْأَبْدَانُ(1)

إنّ القلوب يعتريها النصب والعناء ، وأبدع وصفة لها أن تعرض عليها طرائف الحكم ونوادر العلماء ، فإنّها تحسم ما بها من عناء .

20-التفكّر

قال(عليه السلام) نَبِّهُ بِالتَّفَكُرِ قَلْبَكَ ، وَجَافِ عَنِ النَّوْمِ جَنْبَكَ ، وَاتَّقِ اللَّهَ تَعَالَى رَبِّكَ(2).

إنّ التفكر في عجائب مخلوقات الله تعالى يدعو إلى الإيمان المطلق بالخالق العظيم، كما إنّ مجافاة النوم ممّا يزيد على الإقبال على الله تعالى .

21 -الاستغفار

قَالَ(عليه السلام): أَتَعَجَّبُ مِمَّنْ يَهْلِكُ وَمَعَهُ النَّجَاةُ .

فَقِيلَ لَهُ : وَمَا هي ؟

قال : الاسْتَغْفَارُ(3).

إنّ الاستغفار يمحو الذنوب ، ولكن بشرط أن لا يعود الإنسان إلى ما اقترفه من ذنب .


1) معجم الأدباء : 1 : 94 .

2) بهجة المجالس : 1 : 115 . الإرشاد : 208 ، الحديث 42. بحار الأنوار: 68: 327 ، الحديث 23.

3) النجوم الزاهرة : 2 : 123 . فيض القدير : 6 :75 إحياء علوم الدين : 263 .

22- اقتران الهيبة بالخيبة

قال(عليه السلام): قُرِنَتِ الْهَيْبَةُ بِالْخَيْبَةِ ، وَالْحَياءُ بِالْحِرْمَانِ، وَالْفُرْصَةُ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ ، وَالْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ ، فَخُذْ ضَالَّتَكَ حَيْتُما وَجَدْتَهَا(1).

وهذه الكلمات من روائع الأدب العلوي ، وقد حفلت بما يلي :

1 - اقتران الهيبة بالخيبة والخسران ، فإنّ الإنسان إذا هاب الإقدام على شيء فقد فاته ما يرومه .

2 - إن الحياء دوماً مقرون بالحرمان .

3 - إن الفرصة تمر مر السحاب ، وينبغي أن لا تفوت على الإنسان وأن يغتنمها .

4 - المسارعة في أخذ الحكمة من أي شخص كان

23 -جنود الله تعالى

قال(عليه السلام) أَشَدُّ جُنُودِ رَبِّكَ عَشَرَةٌ : الْجِبَالُ الرَّواسِي، وَالْحَدِيدُ يَقْطَعُ الْجِبَالَ ، وَالنَّارُ تُذِيبُ الْحَدِيدَ ، وَالْمَاءُ يُطْفِئُ النَّارَ ، وَالسَّحَابُ الْمُسَخَّرُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ يَحْمِلُ الْمَاءَ، وَالرِّيحُ تَقْطَعُ السَّحَابَ ، وَابْنُ آدَمَ يَغْلِبُ الرِّيحَ بِسِتْرِ الثَّوْبِ أَوْ الشَّيْءِ وَيَمْضِي لِحَاجَتِهِ ، وَالسُّكْرُ يَغْلِبُ ابْنَ آدَمَ، وَالنُّوْمُ يَغْلِبُ السُّكْرُ ، وَالهَمُّ يَغْلِبُ النَّوْمَ ، فَأَشَدُّ خَلْقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الْهَمُ(2).


1) الأمالي / أبو علي القالي : 3 : 94 . عيون الأخبار: 2 : 123 . وفيه : «فيطلبها».

2) ذيل الأمالي : 174

وهذه المواد العشرة علل الإمام(عليه السلام) موادها وبنودها وكان أشدّها صلابة الهمّ الذي يذيب القلوب .

24-أفضل العبادة

قَالَ(عليه السلام) : أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ الصَّمْتُ وَانْتِظَارُ الْفَرَج(1).

إنّ الصمت يقي الإنسان من كثير من المشاكل ويجنّبه المزيد من الكوارث ، فلذا كان من أفضل العبادة ، وكذلك انتظار الفرج والالتجاء إلى الله تعالى .

25 -مواصلة الأخ

قال(عليه السلام) لَا تَقْطَعْ أَخَاكَ عَلَى ارْتِيَابٍ ، وَلَا تَهْجُرْهُ دُونَ اسْتِعْتَابٍ(2).

وضع الإمام المنهجاً للاخوة والصداقة ، فليس للإنسان أن يهجر أخاه لمجرّد شبهة قد يكون لا نصيب لها من الصحة كما أنّه لا ينبغي له أن يهجره دون استعتاب .

26- الكلمة الطيبة

قَالَ(عليه السلام): مَنْ لَانَتْ كَلِمَتُهُ وَجَبَتْ مَحَبَّتُهُ . وأنشد :

كَيْفَ أَصْبَحْتَ كَيْفَ أَمْسَيْتَ مِمَّا يُنْبِتُ الْوُدَّ فِي فُؤادِ الْكَرِيمِ(3)؟


1) البيان والتبيين : 1 : 297

2) العقد الفريد : 2 : 309

3) المصدر المتقدم : 310 .

إنّ مَن يقابل الناس بالكلام الطيب ولا يزعجهم فقد وجبت محبته وتكريمه .

27-لا راحة للحسود

قال (عليه السلام)لَا رَاحَةَ لِحَسُودٍ ، وَلَا إِخَاءَ لِمَلُولٍ ، وَلَا مَحَبَّةَ لِسَيِّئُ الْخُلُقِ(1).

لا راحة للحسود لأنه في هم وحزن حينما يرى النعمة على المحسود ، فإنّه يتمنّى زوالها، كما أنّه لا إخاء للملول ، الذي لا استقرار له نفسياً ، وكذلك لا محبّة لسيّئ الخُلق فإنّ الناس تنفر منه

28 -الحليم

قَالَ(عليه السلام): أَوَّلُ عِوَض الْحَلِيمِ عَنْ حِلْمِهِ أَنَّ النَّاسَ أَنْصَارُهُ عَلَى الْجَاهِلِ(2).

إنّ أوّل ما يكسبه الإنسان الحليم عن هذه الظاهرة الفذة أنّ الناس أنصاره وأعوانه على الجاهل .

29-البصير والأحمق

قال(عليه السلام): رُبَّمَا أَخْطَأَ الْبَصِيرُ قَصْدَهُ ، وَأَصَابَ الْأَحْمَقُ رُشْدَهُ (3).


1) العقد الفريد : 2 : 319

2) المصدر المتقدم : 281 .

3) ربيع الأبرار : 4 : 157 .

إنّ البصير قد يضل عن قصده ويتجه خلاف الواقع ، وإنّ الأحمق قد يصيب الواقع، ويبلغ رشده ولكن ذلك نادر جداً، فقد عبّرالإمام(عليه السلام) عن ذلك بكلمة «ربّما » التي تفيد التقليل .

30-مكانة الأنصار في الإسلام

قال(عليه السلام) هُمْ وَالله رَبَّوُا الْإِسْلَامَ كَمَا يُرَبَّى الْفِلْهُ مَعَ غَنَائِهِمْ بِأَيْدِيهِمُ السَّبَاطِ وَأَلْسِنَتِهِمُ السَّلَاطِ(1).

الأنصار هم الذين نصروا الإسلام في أيام محنته وغربته ووقفوا إلى جانب الرسول الله، وحموه من كيد القرشيين الذين جهدوا على محو الإسلام وقلع جذوره .

31-أقل ما يُلْزِم به الله تعالى

قال(عليه السلام)أَقَلُّ مَا يُلْزِمُكُمُ اللهُ أَنْ لَا تَسْتَعِينُوا بِنِعَمِهِ عَلَى مَعَاصِيهِ(2)

إن في هذه الكلمة موعظة للعارفين ، فإنّ أقل ما يلزم به الله تعالى عباده أن لا يستعينوا بما أغدق عليهم من النعم على معاصيه .

32 -أضرار الفرقة

قال (عليه السلام)إِيَّاكُمْ وَالْفَرْقَةَ فَإِنَّ الشَّاذَّ مِنَ النَّاسِ لِلشَّيْطَانِ، كَمَا أَنَّ الشَّاذَّ مِنَ الْغَنَمِ لِلذَّنْبِ (3).


1) ربيع الأبرار : 4 : 157

2) المصدر المتقدّم : 319

3) ربيع الأبرار: 2 : 140 .

إنّ الفرقة واختلاف الكلمة من العوامل المدمرة للمجتمع ومن يدعُ إليها فإنّه مخرّب ونصيبه الشيطان .

33- كظم الغيظ

تَجَرَّعِ الْغَيْظَ فَإِنِّي لَمْ أَرَ جُرْعَةً أَحْلَى مِنْهَا عَاقِبَةٌ(1)

إن كظم الغيظ من أفضل الصفات النفسية التي تعود بالخير العميم على الإنسان .

34-حُسن الخُلُق

قال(عليه السلام):عِنْوانُ صَحِيفَةِ الْمُؤْمِنِ حُسْنُ الْخُلُقِ(2).

إن حسن الخُلق من أهم ما يمتاز به الإنسان من الصفات الكريمة .

35-الله أسمى من أن تتصوّره الأوهام

قال(عليه السلام): الكُل مَا يُتَصَوَّرُ فِي الْأَوْهَامِ فَاللَّهُ بِخِلَافِهِ (3)

إنّ جميع ما يتصوّره الإنسان من صفات الله تعالى الثبوتية والسلبية وغيرها فإنّ الله تعالى أسمى وأعظم من ذلك.


1) ربيع الأبرار: 2 : 28 .

2) المصدر المتقدّم : 50 .

3) المصدر المتقدم : 57 .

36 -الغوغاء

قال(عليه السلام): نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ قَوْمِ إِذَا اجْتَمَعُوا لَمْ يَمْلِكُوا أَمْراً، وَإِذَا تَفَرَّقُوا لَمْ يُعْرَفُوا (1).

وأشار(عليه السلام) إلى الغوغاء : أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ ، فإنّهم إذا اجتمعوا لا يملكون شيئاً ، وإنّما يضرون ويخربون ، وإذا انصرفوا لم يعرفوا .

37-أصناف الناس

قال(عليه السلام):النَّاسُ ثَلَاثَةٌ : عَالِمٌ رَبَّانِيٌّ ، وَمُتَعَلَّمْ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ ، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ(2).

دلّت هذه الكلمات على أصناف الناس ، وذكر خصائصهم .

38-أصناف القُرّاء

قال(عليه السلام):لأياس بن عامر : إِنَّكَ إِنْ بَقِيْتَ فَسَيُقْرَأُ الْقُرْآنُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ : صِنْفٌ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَصِنْفٌ لِلدُّنْيا ، وَصِنْفٌ لِلْجَدَلِ، فَمَنْ طَلَبَ بِهِ أَدْرَكَ (3).

أحاطت هذه الكلمات بأصناف القرّاء لكتاب الله تعالى وذكر خصائصهم .


1) رسائل الجاحظ : 1: 253

2) العقد الفريد : 2 : 294 .

3) أخلاق حملة القرآن / أبو بكر البغدادي : 60.

39-النهي عن المزاح

قال(عليه السلام): مَا مَزَحَ امْرُؤٌ مَرْحَةً إِلَّا مَجْ مِنْ عَقْلِهِ مَجَّةٌ (1)

إنّ المزاح يذهب بهيبة الشخص ، ويمج عقله .

40-الضحك

قال(عليه السلام): إِيَّاكَ أَنْ تَذْكُرَ مِنَ الْكَلَامِ مَا يَكُونُ مُضْحِكاً، وَإِنْ حَكَيْنَ ذلِكَ عَنْ غَيْرِكَ(2).

حذر الإمام(عليه السلام) من الكلام المضحك ، وإن حكاه الإنسان عن غيره لأنه يتنافى مع سلوك الإنسان المتميز بالاستقامة .

41-حُسن الأدب

قال(عليه السلام): حُسْنُ الْأدَبِ يَنُوبُ عَنِ الْحَسَبِ (3).

إنّ حُسن الأدب سمة شرف للإنسان يغنيه عن حسبه ونسبه

42- اجتناب المحارم

قال(عليه السلام): مِنْ أَحَبَّ الْمَكَارِمِ اجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ .

إنّ الذي تتوخّى نفسه إلى السمو والشرف لا بد أن يجتنب محارم الله تعالى لأنّها تهوي به إلى مستوى سحيق .


1) ربيع الأبرار: 4 : 167 .

2) ربيع الأبرار: 4 : 167 .

3) الإرشاد : 1 : 298

43 -الزاهد في الدنيا

قال(عليه السلام): الزَّاهِدُ فِي الدُّنْيا كُلَّمَا ازْدَادَتْ لَهُ تَحَلِّياً ازْدَادَ عَنْها تَوَلِيّاً(1).

وألمت هذه الكلمات بواقع الزاهدين في الدنيا فإنها كلما تحلو لهم ازدادوا عنها بعداً ونفوراً .

44-جهل المرء بعيوبه

قال(عليه السلام): الجَهْلُ الْمَرْءِ بِعُيُوبِهِ مِنْ أَكْثَرِ ذُنُوبِهِ (2)

إنّ جهل الإنسان بنقائصه وعيوبه من أعظم ذنوبه لأنه لا يلتفت إلى ما فيه من النقص.

45-تمام العفاف

قال(عليه السلام): تَمَامُ الْعَفَافِ الرِّضا بِالْكَفَافِ(3)

إنّ هذه الكلمة - على إيجازها - من روائع الأدب العلوي ، فإنّ من أسمى صور العفاف الرضا بالكفاف .

46- مَن حسنت به الظنون

قال(عليه السلام): مَنْ حَسُنَتْ بِهِ الظُّنُونُ رَمَقَتْهُ الرِّجَالُ بِالْعُيُونِ.


1) الإرشاد : 1 : 298

2) المصدر المتقدّم : 299 .

3) الحكمة 45 إلى الحكمة 72 عن الإرشاد : 1 : 299

إنّ الإنسان إذا حسنت به الظنون لحسن سيرته فإنّه يحتلّ المكانة الكريمة عند الناس وترمقه عيونهم إجلالاً وتعظيماً .

47-أظهر الكرم

قال(عليه السلام):أَظْهَرُ الْكَرَمِ صِدْقُ الْإِخَاءِ فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ .

من أبرز وأسمى صور السخاء صدق الإخاء والمواساة مع الصديق في الشدة والرخاء .

48-صفات الفاجر

قال(عليه السلام): الْفَاجِرُ إِنْ سَخِطَ ثَلَبَ ، وَإِنْ رَضِيَ كَذَبَ ، وَإِنْ طَمِعَ خَلَبَ .

وهذه الصفات اللئيمة من أبرز صفات الفاجر الذي طبعت نفسه على الخبث واللؤم .

49-حسن الاعتراف

قال(عليه السلام):حُسْنُ الْإِعْتِرَافِ يَهْدِمُ الْإِفْتِرَافَ .

إنّ حسن الاعتراف بالخطأ يهدم اقتراف السيئات .

50-تحمّل زلّة الصديق

قال(عليه السلام): إحْتَمِلْ زَلَّةَ وَلِيِّكَ لِوَقْتِ وَثْبَةِ عَدُوِّكَ .

إنّ الإنسان الكامل يحتمل زلّة صديقه ولا يقابله بالمثل فيدّخر

ذلك لوثبة عدوّه .

51-إنفاق المال لإصلاح الحال

قال(عليه السلام): لَمْ يَضِعْ مِنْ مَالِكَ مَا بَصَّرَكَ صَلَاحَ حَالِكَ .

إنّ المال الذي ينفقه الإنسان على إصلاح حاله فإنّه ليس بضائع ، وهو من أفضل ما يملكه الإنسان من الأموال وأكثرها عائدة عليه .

52 -القصد في الأمور

قال(عليه السلام): الْقَصْدُ أَسْهَلُ مِنَ التَّعَسُّفِ ، وَالْكَفُّ أَوْدَعُ مِنَ التَّكَلُّفِ.

إنّ القصد في الأمور أسهل بكثير من التعسّف ، كما إنّ الكفّ وعدم التدخل في الأمور التي لا فائدة فيها أولى من التكلّف فيما لا يعني

الإنسان .

53-ظلم العباد

قال(عليه السلام): شَرُّ الزَّادِ إِلَى الْمَعَادِ احْتِقَابُ ظُلْمِ الْعِبَادِ.

إن أسوأ وزر يذخره الإنسان ليوم معاده ظلم العباد والاعتداء عليهم.

54-شكر النعمة

قال(عليه السلام): لَا نَفَادَ لِفَائِدَةٍ إِذَا شُكِرَتْ ، وَلَا بَقَاءَ لِنِعْمَةٍ إِذَا كُفِرَتْ .

إنّ النعم التي يهبها الله لعباده إذا قوبلت بالشكر لا نفاد لها ، وإذا كفر

بها فلا بقاء لها .

55-حُسن الخلق

قال(عليه السلام): رُبَّ عَزِيزِ أَذَلَّهُ خُلُقُهُ، وَذَلِيلٍ أَعَزَّهُ خُلْقَهُ .

إنّ العزيز في قومه إذا كان سيئ الخلق فإنّه يعيش بينهم ذليلاً كما إنّ الذليل يعيش عزيزاً في قومه إذا كان حسن الخلق.

56- التجارب في الأمور

قال(عليه السلام): مَنْ لَمْ يُجَرِّبِ الْأُمُورَ خُدِعَ ، وَمَنْ صَارَعَ الْحَقَّ صُرِعَ .

إنّ التجارب في الأمور هي المقياس في نجاح الشخص في حياته ، كما إن من صارع الحقِّ ووقف مناجزاً له فإن الحق يصرعه .

57-الأجل

قال(عليه السلام):لَوْ عُرِفَ الْأَجَلُ قَصُرَ الْأَمَلُ .

إن الإنسان إذا عرف أجله ومتى سيرحل عن هذه الحياة فإنّ آماله سوف تقصر .

58-المشاورة في الأمور

قال(عليه السلام): مَنْ شَاوَرَ ذَوِي الْأَلْبَابِ دُلَّ عَلَى الصَّوَابِ.

إن من يشاور في أموره ذوي الأفكار السديدة فإنّه يُرشد إلى الصواب.

59 -القناعة

قال(عليه السلام): مَنْ فَنَعَ بِالْيَسِيرِ اسْتَغْنَى عَنِ الْكَثِيرِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَغْنِ بِالْكَثِيرِ افْتَقَرَ إِلَى الْحَقِيرِ.

القناعة كنز لا يفنى ، فمن قنع باليسير استغنى عن الكثير ، وكان في راحة نفسية ، كما أن من لم يستغن بالكثير فإنه يفتقر بخساسة نفسه إلى الحقير من الأشياء .

60-من أمّل إنساناً ها به

قال(عليه السلام): مَنْ أَمَّلَ إِنْسَاناً هَابَهُ، وَمَنْ قَصُرَ عَنْ مَعْرِفَةِ شَيْءٍ عَابَهُ.

إنّ من يؤمل شخصاً ليسدي إليه معروفاً فإنّه يهابه ويعظمه كما إنّ من قصر عن معرفة شيء فإنه يحتقره ويعيبه

61 -الاستصحاب

قال(عليه السلام): مَنْ كَانَ عَلَى يَقِين فَأَصَابَهُ شَكٌّ فَلْيَمْضِ عَلَى يَقِينِهِ؛ فَإِنَّ الْيَقِينَ لَا يُدْفَعُ بِالشَّكُ.

أسس(عليه السلام) بهذه الكلمات قاعدة أصولية وهي الاستصحاب ، وهي عدم نقض اليقين بالشك ، وإنّما ينقض بيقين مثله .

62 -المؤمن في تعب

قال(عليه السلام): الْمُؤْمِنُ مِنْ نَفْسِهِ فِي تَعَبٍ ، وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ .

إنّ المؤمن في تعب دائم لأنه يناهض رغباته وميوله وهواه ، كما إنّ

الناس منه في راحة لأنه لا يصدر منه سوى الخير.

63- الكسل

قال(عليه السلام): مَنْ كَسِلَ لَمْ يُؤَدِّ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى .

إن الشخص إذا أصيب بالكسل فإنّه لا يقوم بأي عمل يرضى الله تعالى .

64 -من كنوز الجنة

قال(عليه السلام): ثَلَاثَةٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ، كِتْمَانُ الصَّدَقَةِ، وَكِتْمَانُ الْمُصِيبَةِ ، وَكِتْمَانُ الْمَرَضِ .

إنّ هذه الخصال الكريمة من أسمى ما يتصف به الإنسان من المثل الكريمة .

65- الاستغناء والاحتياج

قال(عليه السلام): احْتَجْ إِلَى مَنْ شِئْتَ تَكُنْ أَسِيرَهُ ، وَاسْتَغْن عَمَّنْ شِئْتَ تَكُنْ نَظِيرَهُ ، وَأَفْضِلْ عَلَى مَنْ شِئْتَ تَكُنْ أَمِيرَةَ .

وهذه الحكم من روائع الأدب العلوي ، فقد حكت واقع الحياة الاجتماعية ، وصنوف الناس .

66 -الجود

قال(عليه السلام): الْجُودُ مِنْ كَرَمِ الطَّبِيعَةِ ، وَالْمَنُّ مَفْسَدَةٌ لِلطَّبِيعَةِ.

حكمة اليم القيمة

إن السخاء من أفضل الصفات الشريفة ، ولكن المن يفسده .

67-ترك التعاهد للصديق

قال(عليه السلام): تَرْلُ التَّعَاهُدِ لِلصَّدِيقِ دَاعِيَةٌ لِلْقَطِيعَةِ

إن إهمال زيارة الصديق وعدم تعاهده مما يدعو إلى القطيعة .

68- طلب الرزق

قال(عليه السلام): اطلُبُوا الرِّزْقَ فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ لِطَالِبِهِ .

حت الإمام (عليه السلام)على السعى لطلب الرزق ، وأنه مضمون لمن سعى إليه .

69 -خير الغنى

قال(عليه السلام): خَيْرُ الْغِنَى تَرْكُ السَّوْالِ ، وَشَرُّ الْفَقْرِ لُزُومُ الْخُضُوعِ .

إنّ أسمى صورة لغنى النفس ترك السؤال ، وعدم إظهار الحاجة إلى الناس ، وشرّ الفقر الخضوع والتذلل إلى الناس .

70 -التجارب

قال(عليه السلام): لَوْلَا التَّجَارِبُ عَمِيَتْ الْمَذَاهِبُ .

إنّ التجارب هي التي أوصلت الإنسان إلى أرقى مستويات الرقي ، وأبصرته حقيقة الأشياء .

71 -سعة الأمل

قال(عليه السلام): مَنِ اتَّسَعَ أَمَلُهُ قَصْرَ عَمَلُهُ.

إنّ من يتّسع أمله في الدنيا ويبعد الموت عن نفسه فإنّه يقصر عمله للدار الآخرة .

72-أشكر الناس وأكفرهم

قال(عليه السلام): أَشْكَرُ النَّاسِ أَقْنَعُهُمْ، وَأَكْفَرُهُمْ لِلنَّعَمِ أَجْشَعُهُمْ.

إنّ من يقنع بما قسم الله له ، حتى لو كان قليلاً، يعد أشكر الناس الله ، ومن لا يقنع بما أنعم الله عليه ، يعد كفاراً للنّعم.

73- إمهال الله لفرعون

قال(عليه السلام):إِنَّمَا أَمْهِلَ فِرْعَونُ مَعَ دَعْوَاهُ لِسُهُوْلَةِ إِذْنِهِ وَبَذْلِ طَعَامِهِ(1).

إن الله تعالى أمهل فرعون مع عظيم ذنبه وادعائه للربوبية ولم يؤاخذه ويعجّل عليه العقوبة وسبب ذلك سهولة الدخول عليه ، وبذله الطعام.

74- قیمومة الرجل على أهله

قال(عليه السلام): لَا يَكُونُ الرَّجلُ قَيْمَ أَهْلِهِ حَتَّى لَا يُبَالِي مَا سَدَّ بِهِ فَوْرَةَ الْجُوعِ،


1) ربيع الأبرار : 4 : 245 .

وَلَا يُبَالِي أَيَّ تَوْبَيْهِ ابْتَذَلَ (1)

إنّ الرجل إنّما يكون قيماً على أهله إذا قام بشؤونهم ، ورعى مصالحهم ، وقدمها على نفسه

75-صفحات الوجه مرآة للإنسان

قال(عليه السلام): مَا أَضْمَرَ إِنسَانٌ شَيْئًا إِلَّا ظَهَرَ فِي صَفَحَاتِ وَجْهِهِ وَفَلَتَاتِ لِسَانِهِ(2).

إنّ ما يضمره الإنسان في دخائل نفسه يظهر على سحنات وجهه وفلتات لسانه .

76 -الكرم

قال(عليه السلام):كُلُّ عَيْبِ الْكَرَمُ يُغَطِّيهِ(3).

وقد صحفت هذه الكلمة الذهبية إلى : «كلّ عيب الكرم يعطيه».

77- جمال الرجل والمرأة

قال(عليه السلام): جَمَالٌ الرَّجُلِ فِي عِمَّتِهِ ، وَجَمَالُ الْمَرْأَةِ فِي خُفِّهَا(4)


1) حلية الأولياء : 7: 306 .

2) صبح الأعشى : 7 : 267 .

3) مفتاح السعادة : 1 : 54 .

4) البيان والتبيين : 2 : 88

إن جمال الرجل الظاهري في صورته وعمته ، والمرأة زينتها في حليّها ومنها الخف .

78 -سعادة الإنسان

قال(عليه السلام) : مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ أَنْ تَكُونَ زَوْجَتُهُ مُوَافِقَةٌ ، وَأَوْلَادُهُ أَبْرَاراً ، وَإِخْوَانُهُ صَالِحِينَ، وَرِزْقُهُ فِي بَلَدِهِ الَّذِي فِيهِ أَهْلُهُ(1).

إنّ من ظفر بهذه الأمور فهو من أسعد الناس ، ومن أكثرهم حظاًف الدنيا .

79 -بعض الخصال السيّئة

قال(عليه السلام): لَا تَكُونَنَّ كَمَنْ يَعْجِزُ عَنْ شُكْرِ مَا أُوتِيَ ، وَيَبْتَغِي الزِّيَادَةَ فِيما بَقِيَ ، يَنْهَى وَلَا يَنْتَهِي ، وَيَأْمُرُ النَّاسَ بِمَا لَا يَأْتِي ؛ وَيُبْغِضُ الْمُسِينِينَ وَهُوَ مِنْهُمْ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِ ، وَلَا يَدَعُهَا فِي طُولِ حَيَاتِهِ (2).

نهى الإمام عن هذه الخصال السيّئة التي تكشف عن ضعف من اتصف بها .

80 -موعظة

ذمّ رجل الدنيا عند الإمام(عليه السلام) فردّ عليه بقوله :


1) بهجة المجالس: 1: 221 و 222 .

2) البيان والتبيين : 2 : 111 .

الدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَقَهَا ، وَدَارُ نَجَاةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا ، وَدَارُ غِنى لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا ، وَمَهْبِطُ وَحْيِ اللهِ تَعَالَى ، وَمُصَلَّى مَلَائِكَتِهِ ، وَمَسْجِدُ أَنْبِيَائِهِ ، وَمَنْجَرُ أَوْلِيَائِهِ . رَبِحُوا فِيهَا الرَّحْمَةَ، وَاكْتَسَبُوا فِيهَا الْجَنَّةَ .

فَمَنْ ذَا الَّذِي يَذْمُّهَا وَقَدْ آذَنَتْ بِبَيْنِهَا ، وَنَادَتْ بِفِراقِهَا ، وَشَبَّهَتْ بِسُرُورِهَا السُّرُورَ، وَبِبَلَائِهَا الْبَلَاءَ ترغيباً وَتَرْهِيباً .

فَيَا أَيُّهَا النّامُ لِلدُّنْيا ، الْمُعَلِّلُ نَفْسَهُ، مَتَى خَدَعَتْكَ الدُّنْيا أَمْ مَتَى اسْتَذَمَّتْ إِلَيْكَ ؟ أَبِمَصَارع آبَائِكَ فِي الْبِلى ؟ أَمْ بِمَضَاجِع أُمَّهَاتِكَ فِى الثَّرى ؟ كَمْ مَرَّضْتَ بِيَدِيْكَ ؟ وَكَمْ عَلَّلْتَ بِكَفَّيْكَ؟ تَطْلُبُ لَهُ الشَّفَاءَ ، وَتَسْتَوْصِفَ لَهُ الْأَطِبَاءَ غَدَاةَ لَا يُغْنِي عَنْهُ دَوَاؤُكَ ، وَلَا يَنْفَعُهُ بُكَاؤُكَ ، وَلَا تُنْجِيهِ شَفَقَتُكَ ، وَلَا تَشْفَعُ فِيهِ طلبتك(1).

وحفلت هذه الكلمات بالمواعظ القيّمة والنصائح الرفيعة التي تضمن النجاة والسلامة لمن أخذ بها .

81-التواضع للأغنياء

قال(عليه السلام): وَمَنْ أَتَى غَنِيّاً فَتَوَاضَعَ لَهُ لِغِنَاهُ ذَهَبَ ثُلُنَا دِينِهِ (2).

إنّ الإسلام ينشد العزة والكرامة للمسلمين ، فالتواضع ينبغي أن


1) البيان والتبيين: 2 : 190 و 191 .

2) ربيع الأبرار : 4: 149 .

يكون الله تعالى وحده ، دون غيره فإنّه ليس من الإسلام في شيء التواضع للأغنياء .

82-الصدقة

قال(عليه السلام): إِذَا أَمْلَقْتُمْ فَتَاجِرُوا اللَّهَ بِالصَّدَقَةِ (1).

إن الصدقة مفتاح الرزق ، وقد تظافرت الأخبار بالحث عليها ، وأنها من أسباب السعة في العيش .

83-الكريم

قال(عليه السلام): الْكَرِيمُ لَا يَلِينُ عَلَى قَسْرٍ - أَي عسر - وَلَا يَقْسُو عَلَى يُسْر(2).

إنّ الكريم إذا ضاقت أموره لا يلين لغيره ، وإذا اتسعت أموره فلا يقسو على غيره .

84-التوبة آخر العمر

قال(عليه السلام): بَقِيَّةُ عُمْرِ الْمُؤْمِنِ لَا ثَمَنَ لَهَا يُدْرِكَ بِهَا مَا فَاتَ وَيُحْيِي بِهَا مَا أَمَاتَ.

إنّ آخر عمر الإنسان من أثمن أيام حياته إن بادر إلى التوبة إلى الله تعالى عما اقترفه من الذنوب أيام حياته .


1) البصائر والذخائر : 37 .

2) الحكمة 83 إلى الحكمة 88 عن كتاب التمثيل والمحاضرة / الثعالبي : 30 .

85-الدنيا والآخرة

قال(عليه السلام): الدُّنْيا بِالْأَمْوَالِ، وَالْآخِرَةُ بِالْأَعْمَالِ.

إنّ جاه الدنيا وسيادتها بالأموال، أما الآخرة فسيادتها بالأعمال الصالحة .

86-الخوف من الذلّ

قال(عليه السلام): النَّاسُ مِنْ خَوْفِ الذُّلِّ فِى الذُّلِّ.

إن الخوف من الذلّ يُوقع الإنسان حتماً فى الذل .

87 -السكوت

قال(عليه السلام): إِنَّ مِنَ السُّكُوتِ مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنَ الْجَوَابِ.

إنّ السكوت في بعض المواضع أبلغ بكثير من الكلام .

88 -الصبر

قال(عليه السلام): الصَّبْرُ مَطِيَّةٌ لَا تَكْبُو .

الصبر من أفضل الصفات النفسية ، ويعود بالخير الكثير لمن اتصف به .

89 -التثبت من صحة الخبر

قال(عليه السلام): اعْقِلُوا الْخَبَرَ إِذَا سَمِعْتُمُوهُ عَقْلَ رِعَايَةٍ لَا عَقْلَ رِوَايَةٍ ، فَإِنَّ

رُوَاةَ الْعِلْمِ كَثِيرٌ ، وَرُعَاتَهُ قَلِيلٌ(1).

إنّ هذه الحكمة من روائع حكم الإمام(عليه السلام)، فقد أهاب بمن يقرأ الأخبار أو يسمعها أن لا يأخذ بها أخذ المسلمات ، ويبني على صحتها ، بل عليه أن يفحص عن سندها لئلا يكون رواتها من الوضاعين والكذابين ، كما إن عليه أن يتأمل في دلالتها لئلا تكون مجافية للكتاب والسنة فيكون بذلك قد وعى الأخبار عن فكر ووعي .

90-الحرمان من العلم

قال(عليه السلام):إِذَا أَرْذَلَ اللهُ عَبْداً حَظَرَ عَلَيْهِ الْعِلْمَ.

إن الإنسان إذا لم ينوّر فكره بطلب العلم فهو من أراذل المخلوقين .

91-أهمية العلم

قال(عليه السلام): قَطَعَ الْعِلْمُ عُذْرَ الْمُتَعَدِّلِينَ

إنّ العلم أبوابه مفتوحة وهو يدعو إلى الانتهال من نميره ، وبذلك لم يبق عذراً للجاهل.

92- كلام الحكماء

قال(عليه السلام): إِنَّ كَلَامَ الْحُكَمَاءِ إِذَا كَانَ صَوَاباً كَانَ دَوَاءٌ ، وَإِذَا كَانَ خَطَاً


1) اقتبسنا هذه الحكمة وما بعدها من نهج البلاغة - الجزء الرابع .

كَانَ دَاءً .

إن كلمات الحكماء إن كانت صواباً فهي ضياء ونور لمن أخذ بها ، وإن كانت خطاً فإنّها تكون داء لمن عمل بها .

93-الاستعداد للآخرة

قال(عليه السلام): مَنْ تَذَكَّرَ بُعْدَ السَّفَرِ اسْتَعَدَّ .

إنّ من يتأمّل فيما يصير إليه أمره من بعد الموت من السؤال عمّا من خير أو شرّ فلابد أن يستعدّ لسفره بالعمل الصالح الذي عمله هو خير زاد له .

94- الحدّة

قال(عليه السلام): الْحِدَّةُ ضَرْبٌ مِنَ الْجُنُونِ، لِأَنَّ صَاحِبَهَا يَنْدَمُ ، فَإِنْ لَمْ يَنْدَمْ فَجُنُونُهُ مُسْتَحْكم .

إنّ الحدة تخرج الإنسان من توازنه ، وتجعله حيواناً مفترساً وعاقبة الحدّة الندم فإن لم يندم صاحبها فجنونه مستحكم .

95 -معرفة الله تعالى

قال(عليه السلام): عَرَفْتُ اللهَ سُبْحَانَهُ بفسخ الْعَزَائِم ، وَحَلَّ الْعُقُودِ وَنَقْض، الْهِمَمِ.

إنّ من وسائل معرفة الله تعالى نقض العزائم ؛ فإن الإنسان قد يعقد نيته على أمر ويصمّم على تنفيذه، ولكن سرعان ما ينقضه

ويعرض عنه لأنّ الله تعالى صرفه عنه

96- شكر النعمة

قال(عليه السلام): إِنَّ اللَّهِ فِي كُلِّ نِعْمَةٍ حَقًّا ، فَمَنْ أَداهُ زَادَهُ مِنْهَا ، وَمَنْ قَصَّرَ فِيهِ خَاطَرَ بزَوَالِ نِعْمَتِهِ .

إن النعمة التي ينعم بها الله تعالى سواء كانت في الأموال أم في الجاه منوطة بشكر الله تعالى وإسعاف الفقراء وقضاء حوائج الناس ، ومن لم يؤد ذلك عرض نعمته للزوال .

97- حسد الصديق

قال(عليه السلام): حَسَدُ الصَّدِيقِ مِنْ سُقْمِ الْمَوَدَّةِ .

إنّ المودة للصديق إذا كانت واقعية لا يشوبها حسد ، وإذا عراها الحسد فإنّها سقيمة .

98- فعل المعروف

قال(عليه السلام): لَا يُزَهْدَنَّكَ فِي الْمَعْرُوفِ مَنْ لَا يَشْكُرُهُ لَكَ فَقَدْ يَشْكُرُكَ عَلَيْهِ مَنْ لَا يَسْتَمْتِعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ ، وَقَدْ تُدْرِكُ مِنْ شُكْرِ الشَّاكِرِ أَكْثَرَ مِمَّا أَضَاعَ الْكَافِرُ ،وَالله يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(1).

دعا الإمام(عليه السلام)إلى صنع المعروف حتى لمن لا يستحقه ويزهد


1) آل عمران 3: 134 ، 148 . المائدة 5 : 93

فيه ، فإنّ غيره ممن بلغه ذلك فإنّه يشكره ويبجّله ، وبذلك لا يضيع معروف ويبقى ندياً عاطراً .

99-آلة الرياسة

قال(عليه السلام): آلَةُ الرِّيَاسَةِ سَعَةُ الصَّدْرِ.

إنّ الزعامة تستدعي سعة الصدر والخُلق الرفيع ، ومن لا يتصف بذلك فليس له نصيب في الرئاسة .

100-أوضع صور العلم

قال(عليه السلام): أَوْضَعُ الْعِلْمِ مَا وُقِفَ عَلَى اللِّسَانِ، وَأَرْفَعُهُ مَا ظَهَرَ فِي الْجَوَارِحِ وَالْأَرْكَانِ.

إن أحقر صور العلم وأقلها شأناً هي التي تكون في اللسان فقط من دون أن يتأثر بها الإنسان في سلوكه ، وإنّ أرفع صور العلم هي التي

يتأثر بها الإنسان في عمله لا بلسانه .

101-الاتصال بالله تعالى

قال(عليه السلام): مَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ أَصْلَحَ اللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ أَصْلَحَ أَمْرَ آخِرَتِهِ أَصْلَحَ اللهُ لَهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ ، وَمَنْ كَانَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَاعِظُ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ .

إن أعظم سعادة للإنسان في حياته وأفضل مكسب له أن يظفر

برضاء الله تعالى ، ويقيم بينه وبين خالقه المودّة فيفعل ما يرضيه ، ويجتنب عمّا يسخطه ، فإذا فعل ذلك أصلح الله له أمور دنياه وآخرته .

102- البخل عار

قال(عليه السلام): الْبُخْلُ عَارٌ ، وَالْجُبْنُ مَنْقَصَةٌ ، وَالفَقْرُ يُخْرِسُ الْفَطِنَ عَنْ حُجَّتِهِ، وَالْمُقِلُ(1)غَرِيبٌ فِي بَلْدَتِهِ، وَالْعَجْرُ آفَةٌ ، وَالصَّبْرُ شَجَاعَةٌ ، وَالزُّهْدُ ثَرْوَةٌ ، وَالْوَرَعُ جُنَّةٌ .

تحدّث الإمام(عليه السلام) بهذه الكلمات عن الصفات السيئة كالجبن والبخل ، كما تحدّث عن الصفات الحسنة كالصبر والزهد ، وذكر آثارها الوضعية .

103- الطمع

قال(عليه السلام): أَزْرَى بِنَفْسِهِ (2)مَنِ اسْتَشْعَرَ الطْمَعَ، وَرَضِيَ بِالذُّلِّ مَنْ كَشَفَ عَنْ ضُرِّهِ ، وَهَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ مَنْ أَمَرَ عَلَيْهَا لِسَانَهُ .

إنّ من ينطلق وراء أطماعه فقد احتقر نفسه لأن الطمع من أرذل الصفات وأخسّها ، كما إن من يشكو إلى الناس ما ألم به من ضرر وفاقة فقد رضي بالذل والهوان ، وكذلك من جعل للسانه سلطاناً


1) المقل : الفقير

2) أزرى بنفسه : أي احتقرها .

عليه فقد ازدری نفسه .

104- الفتنة

قال(عليه السلام): كُنْ فِي الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللُّبُونِ(1)، لَا ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ ، وَلَا ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ.

أوصى الإمام(عليه السلام) بالخلود إلى العزلة إذا اندلعت نيران الفتن، فإنّ السلامة تكمن بالاعتزال وعدم الظهور .

105- الرضا والعلم

قال(عليه السلام): نِعْمَ الْقَرِينُ الرِّضَى . وَالْعِلْمُ وِرَاثَةٌ كَرِيمَةٌ ، وَالْآدابُ حُلَلٌ مُجَدَّدَةٌ، وَالْفِكْرُ مِرْأَةٌ صَافِيَةٌ .

إنّ من يتحلّى بهذه الصفات الكريمة فقد حاز الفضائل النفيسة والآداب الرفيعة .

106-الصدقة

قال(عليه السلام): الصَّدَقَةُ دَوَاءٌ مُنْجِحٌ، وَأَعْمَالُ الْعِبَادِ فِي عَاجِلِهِمْ، نُصْبُ أَعْيُنِهِمْ فِي آجَالِهِمْ .

حثّ الإمام(عليه السلام) على الصدقة ، وأنها دواء من كل داء ، وأنها تدفع البلاء المبرم ، كما تظافرت الأخبار بذلك ، كما عرض الإمام (عليه السلام)


1) ابن اللبون : هو ابن الناقة المستكمل سنتين وهو لا ظهر له فيركب ولا ضرع فيحلب .

إلى أن جميع ما يعمله الإنسان من خير أو شرّ يكون نصب عينيه في حشره، قال تعالى :وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى *وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (1).

107-الانفاق في سبيل الخير

قال(عليه السلام):مَنْ أَيْقَنَ بِالْخَلَفِ جَادَ بِالْعَطِيَّةِ .

إنّ من ينفق أمواله في سبيل الله تعالى ، وكان على يقين أنّ الله تعالى سوف يعوّضه عمّا أنفق فإنّه يجود بالعطية .

108-الاقتصاد

قال(عليه السلام): مَا عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ .

إنّ هذه الكلمة من دعائم الاقتصاد فإنّ من يقتصد لا يصيبه ضيق ولا بؤس .

109-الصديق

قال(عليه السلام): لَا يَكُونُ الصَّدِيقُ صَدِيقاً حَتَّىٰ يَحْفَظَ أَخَاهُ فِي ثَلَاثٍ : فِي نَكْبَتِه، وَغَيْبَته ، وَوَفَاتِهِ .

حدد(عليه السلام) واقع الصداقة وأنها تقوم على ثلاث : في مواساة الصديق في نكبته ، والمحافظة على كرامته في غيبته ، والوفاء له بعد وفاته


1) النجم :53: 39 و 40 .

وذلك بالترحم والثناء عليه .

110-العمل الباقي

قال(عليه السلام): شَتَّانَ مَا بَيْنَ عَمَلَيْنِ : عَمَلٍ تَذْهَبُ لَذَّتُهُ وَتَبْقَى تَبِعَتُهُ وَعَمَلٍ تَذْهَبُ مَؤُونَتُهُ وَيَبْقَى أَجْرُهُ .

إنّ العمل الذي تذهب لذته وتبقى تبعته هو الانقياد للشهوات النفسية واللذائذ المحرّمة فإنّها سرعان ما تذهب وتبقى تبعاتها وعقابها ، وأمّا العمل الخالص لوجه الله تعالى فإن مؤونته قد انقضت ولكن يبقى أجره مدخراً له عند الله تعالى .

111 -إضاعة الفرصة

قال(عليه السلام): إضَاعَةُ الْفُرْصَةِ غُصَّةٌ .

إنّ الفرصة إذا أتت على الإنسان يجب عليه أن يستغلها ، فإنّ فواتها يكون غصة وحسرة عليه .

112-الذي يقيم أمر الله تعالى

قال(عليه السلام): لَا يُقِيمُ أَمْرَ اللهِ سُبْحَانَهُ إِلَّا مَنْ لَا يُصَانِعُ، وَلَا يُضَارِعُ، وَلَا يَتَّبِعُ الْمَطَامِعَ .

عرض(عليه السلام) إلى من يقيم الحق في البلاد، وينشر دين الله تعالى بين العباد ، فلابد أن تتوفّر فيه هذه الصفات :

1 - لا يصانع ولا يخشى أحداً .

2 - أن لا يضارع أي مخلوق في أعماله الشريرة .

3 - أن لا يتبع المطامع

فإذا توفرت فيه هذه الصفات فهو حري بإقامة الحق .

113-الهمّ

قَالَ (عليه السلام): الْهَمَّ نِصْفُ الْهَرَمِ .

إنّ الهمّ يذوي بجسم الإنسان ويعرّضه للهرم والفناء .

114- عاقبة الإنسان

قال(عليه السلام): لِكُلِّ امْرِى عَاقِبَةٌ حُلْوَةٌ أَوْ مُرَّةٌ .

إنّ كل إنسان إذا عمل خيراً وصلحت سريرته ، واتصل بخالقه العظيم ، فإنّ عاقبته تكون على خير ، وإذا اقترف شراً وابتعد في سلوكه عن الله تعالى فإنّ عاقبته الخيبة والخسران .

115- مصاحبة المائق

(1) قال(عليه السلام): لَا تَصْحِبِ الْمَائِقَ لَا تَصْحَب الْمَائِقَ فَإِنَّهُ يُزَيِّنُ لَكَ فِعْلَهُ ، وَيَوَدُّ أَنْ تَكُونَ مِثْلَهُ.

حذر الإمام(عليه السلام) من مصاحبة الأحمق فإنّه يحبّذ لصاحبه أن يكون مثله في حماقته ، وذهب علماء الاجتماع إلى أن الحياة الاجتماعية حياة تأثير وتأثر ، ومصاحبة الأحمق توجب أن يتأثر صاحبه بهذه


1) المائق : الأحمق .

الصفة الشريرة .

116-طاعة من لا يعذر بجهالته

قال(عليه السلام): عَلَيْكُمْ بِطَاعَةِ مَنْ لاَ تُعْذَرُونَ بِجَهَالَتِهِ .

لعلّه يشير بذلك إلى طاعة أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، فإنّ طاعتهم لا يعذر المسلم في تركها .

117-الصبر

قال(عليه السلام) : لَا يَعْدَمُ الصَّبُورُ الظَّفَرَ وَإِنْ طَالَ بِهِ الزَّمَانُ.

إنّ من يصبر على عمل ويجهد نفسه عليه لا بد أن يظفر بنتائجه خصوصاً طلب العلم .

118- الاستبداد

قال(عليه السلام): مَنِ اسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ هَلَكَ ، وَمَنْ شَاوَرَ الرِّجَالَ شَارَكَهَا فِي عُقُولِهَا .

إن الاستبداد بالرأى من دون تبصر في عواقب الأمور مظنة للهلاك ، كما إن مشاورة الرجال مكرمة لأنها مشاركة لهم في عقولهم .

119-كتمان السرّ

قال(عليه السلام) :مَنْ كَتَمَ سِرَّهُ كَانَتِ الْخِيَرَةُ بِيَدِهِ .

من كتم سرّه نجا من كثير من المهالك ، ومن أذاعه كان عرضة للخطر والدمار .

120- الفقر

قالَ(عليه السلام): الْفَقْرُ الْمَوْتُ الأَكبَرُ .

أمّا الفقر فهو الكارثة المدمّرة للإنسان ، وأثر عن الإمام(عليه السلام):

«إِنَّ الْفَقْرَ رَدِيفُ الْكُفْرِ»

121- العبر

قال(عليه السلام): مَا أَكْثَرَ الْعِبَرَ وَأَقَلَّ الْإِعْتِبَارَ!

إنّ العبر تصاحب الإنسان في كل وقت ، وأهمها الموت وهو أكبر واعظ للإنسان إلا أن الناس لا يحفلون به.

122 -جوع الفقير

قال(عليه السلام): إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فَرَضَ فِى أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ أَقْوَاتَ الْفُقَرَاءِ؛ فَمَا جَاعَ فَقِيرٌ إِلَّا بِمَا مُتِّعَ بِهِ غَنِيٌّ ، وَاللَّهُ تَعَالَى سَائِلُهُمْ عَنْ

ذلِكَ .

وهذه الكلمة من روائع الاقتصاد الإسلامي الذي لا يترك أثراً للجوع والحرمان في الأرض ، فقد فرض الضرائب على أموال الأغنياء وعلى الدولة . ومن المؤكد أنه لو دفعت إلى الفقراء لارتحل البؤس عن الناس .

123-شركاء المرء في أمواله

قال(عليه السلام) : لِكُلِّ امْرِى فِي مَالِهِ شَرِيكَانِ : الْوَارِثُ وَالْحَوَادِثُ .

إنّ المرء له شريكان : الوارث بعد وفاته والحوادث التي ينفق عليها في حياته

124-المرء يعرف بكلامه

قال(عليه السلام): تَكَلَّمُوا تُعْرَفُوا ، فَإِنَّ الْمَرْءَ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ.

إنّ هذه الكلمة الذهبية من مناجم الأدب العلوي ، فإنّ الكلام الذي يتكلّم به الإنسان يكشف حقيقته ، ويظهر واقعه خيراً أو شرّاً .

125-المصارعة

قال(عليه السلام): مَنْ صَارَعَ الْحَقَّ صَرَعَهُ .

ومظهر معنى هذه الكلمة بوضوح أن الباطل إذا صارع الحق فإنّ الحقِّ يصرعه إن عاجلاً أو آجلاً.

126-الحلم

قال(عليه السلام) :الْحِلْمُ عَشِيرَةٌ .

إنّ الحلم قوة كبرى للإنسان ، وسلامة له من الكوارث والأخطار .

127-طالب العلم وطالب الدنيا

قال(عليه السلام): مَنْهُو مَانِ لَا يَشْبَعَانِ : طَالِبُ عِلْمٍ وَطَالِبُ دُنْيَا.

إنّ طالب العلم منهوم يسعى مجدّاً ليملأ جهازه الفكري بالعلم لا يريح ولا يستريح ، وطالب المال كلما ازداد ماله ازداد جشعه.

128- الحلم والأناة

قال (عليه السلام): الْحِلْمُ وَالْأَناةُ تَوْأَمَانِ يُنْتِجُهُمَا عُلُو الْهِمَّة

إن الحلم والتأنّي في الأمور ناشئان من نضوج الفكر وعلو الهمة

129-شر الاخوان

قال(عليه السلام): شَرُّ الْإِخْوَانِ مَنْ تُكَلِّفَ لَهُ

إنّ التكلف يستلزم المشقة ، فمن تكلف له من الاخوان فهو من شرهم .

130-الحثّ على فعل الخير

قال(عليه السلام): افْعَلُوا الْخَيْرَ وَلَا تَحْقِرُوا مِنْهُ شَيْئاً، فَإِنَّ صَغِيرَهُ كَبِيرٌ وَقَلِيلَهُ كَثِيرٌ ، وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: إِنَّ أَحَداً أَوْلَى بِفِعْلِ الْخَيْرِ مِنِّي ، فَيَكُونَ وَاللهِ كَذَلِكَ . إِنَّ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ أَهْلاً، فَمَهمَا تَرَكْتُمُوهُ مِنْهُمَا كَفَا كُمُوهُ أَهْلُهُ .

حت الإمام(عليه السلام) على المبادرة لفعل الخير ، وعدم استصغاره ، فإنّ صغيره كبير عند الله تعالى ، كما نهى عن القول بأنّ غيري أولى

بفعل الخير منّي ، فإنّه يكون كذلك ، ويحرم منه .

131-نعم الله على بعض عباده

قالَ(عليه السلام): إِنَّ لِلَّهِ عِبَاداً يَخْتَصُّهُمُ اللهُ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، فَيُقِرُّهَا فِي أَيْدِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا ؛ فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا مِنْهُمْ، ثُمَّ حَوَّلَهَا

إِلَى غَيْرِهِمْ.

خص الله تعالى بلطفه بعض عباده بالنعم والخير ، وجعلها وديعة عندهم ، فإذا بخلوا بها واحتكروها لأنفسهم سلبها منهم وأعطاها لغيرهم .

132 -الزهد

قال (عليه السلام): الزُّهْدُ كُلُّهُ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ : قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ :لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ، وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ(1). وَمَنْ لَمْ يَأْسَ عَلَى الْمَاضِي ، وَلَمْ يَفْرَحْ بِالْآتِي ، فَقَدْ أَخَذَ الزُّهْدَ بِطَرَفَيْهِ .

احتوت الآية الكريمة على الزهد كلّه ، فقد نهت عن الأسى والحزن على ما فات الإنسان وخسره من منافع الدنيا ، كما نهت عن الفرح والسرور بما يصيبه الإنسان من متع الحياة ، وهذا هو الزهد .

133-التقوى من الله تعالى

قال(عليه السلام) :احْذَرْ أَنْ يَرَاكَ اللهُ عِنْدَ مَعْصِيَتِهِ ، وَيَفْقِدَكَ عِنْدَ طَاعَتِهِ ، فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ، وَإِذَا قَوِيتَ فَاقْوَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ ، وَإِذَا ضَعُفْتَ فَاضْعُفْ عَنْ مَعْصِيَةِ اللهِ .

وهذه الكلمة من روائع حكم الإمام(عليه السلام)، فقد حذر الإنسان أن يراه


1) الحديد 57: 23

الله تعالى الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء مقترفاً لمعصية أو خطيئة ، فيكون من الخاسرين كما حث الإمام على فعل ما يقرّب الإنسان إلى الله تعالى.

134- تواضع الأغنياء للفقراء

قال (عليه السلام)مَا أَحْسَنَ تَوَاضُعَ الْأَغْنِيَاءِ لِلْفُقَرَاءِ طَلَبَا لِمَا عِنْدَ اللَّهِ! وَأَحْسَنُ مِنْهُ تِيهُ الْفُقَرَاءِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ اتَّكَالاً عَلَى اللهِ .

إنّ تواضع الأغنياء للفقراء ينمّ عن شرفهم وابتغائهم الأجر عند الله تعالى ، كما إن تيه الفقراء وترفعهم على الأغنياء يدل على سموّ نفوسهم .

135-الحذر من معاصى الله تعالى

قال(عليه السلام): اتَّقُوا مَعَاصِيَ اللهِ فِي الْخَلَوَاتِ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ هُوَ الْحَاكِمُ.

حذر الإمام (عليه السلام) من معصية الله في الخلوات فإنّ الله تعالى لا تخفى عليه صغيرة ولا كبيرة وهو المطّلع على خفايا النفوس ، ودخائل

القلوب .

136- عدم الاهتمام بالأهل

قال(عليه السلام): لَا تَجْعَلَنَّ أَكْثَرَ شُغُلِكَ بِأَهْلِكَ وَوَلَدِكَ : فَإِنْ يَكُنْ أَهْلُكَ وَوَلَدُكَ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَوْلِيَاءَهُ، وَإِنْ يَكُونُوا أَعْدَاءَ اللَّهِ ،

فَمَا هَمُّكَ وَشُغُلُك بِأَعْدَاءِ اللهِ ؟

وهذه الوصية القيمة من غرر وصايا الإمام الله ، فقد أهاب بالإنسان أن لا يشغل فكره بأهله بعد وفاته ، فإنّهم إن كانوا من أولياء الله تعالى فالله أولى برعايتهم ، وإن كانوا من أعداء الله تعالى فلا ينبغي الاهتمام بهم .

137-حمل كلمة السوء على العكس

قال(عليه السلام): لَا تَظُنُّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَحَدٍ سُوءاً، وَأَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الْخَيْر مُحْتَمَلاً.

من الآداب الاجتماعية التي سنّها الإمام الله للربط الاجتماعي أن لا يظنّ الإنسان بكلمة سوء خرجت من أحد في حقه وهو يجد لها مخرجاً ومحملاً على الخير فليحملها عليه حفظاً على الاخوة الإسلامية.

138 -عبادة الله تعالى

قال (عليه السلام): إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ رَغْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ التَّجَارِ ، وَإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ رَهْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْعَبِيدِ ، وَإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ شُكْراً

فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْأَحْرَارِ .

قسم الإمام(عليه السلام) الأنواع العبادة إلى ثلاثة أنواع :

وهي عبادة التجار ، وهم الذين يعبدون الله تعالى تحصيلاً لثوابه والفوز بالجنان ..

وعبادة العبيد ، وهم الذين يعبدون الله تعالى خوفاً من عقابه وعذابه ..

والنوع الثالث : عبادة الأحرار وهم الذين يعبدون الله لأنه أهل للعبادة لا طمعاً في جنته ولا خوفاً من ناره .

139-وعاء العلم

قال (عليه السلام): كُلُّ وِعَاءٍ يَضِيقُ بِمَا جُعِلَ فِيهِ إِلَّا وِعَاءَ الْعِلْمِ ، فَإِنَّهُ يَتَّسِعُ بِهِ.

إنّ هذه الكلمة من روائع الأدب العلوي فإن كل وعاء يضيق بما جعل فيه إلا وعاء العلم فإنّه يتسع وينمو بما أودع فيه من صنوف العلوم .

140-الكرم

قال (عليه السلام): الْكَرَمُ أَعْطَفُ مِنَ الرَّحِمِ.

إن الإحسان إلى الناس والبرّ بهم أوثق من الرحم وأقرب من النسب.

141-العمل مع التقوى

قال : لَا يَقِلُّ عَمَل مَعَ التَّقْوَى، وَكَيْفَ يَقِلُّ مَا يُتَقَبَّلُ ؟

إنّ العمل وإن كان قليلاً إذا كان مشفوعاً بالإخلاص والتقوى فإنّه لا يكون قليلاً.

حكمة الله القيمة

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض كلمات الإمام(عليه السلام) القيمة ، وقد اقتبسناها من الجزء الرابع من نهج البلاغة ، وللإمام(عليه السلام) تراث رائع من الكلمات الحكمية القصار عالج فيها مختلف قضايا الإنسان وشؤونه ...

إنّه تعالى ولي التوفيق

الحمدلله رب العالمين وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى اله الطّاهرين

المحتویات

تقديم...7

اضَوَاءُ عَلَى السُّنة المحمّدية

15 - 24

مسند الأمام

149-25

1 - إصابة السُّنّة...27

2 - العمل بالسنّة ...28

3- العلم ...28

4 - تعلم وتعليم القرآن ....29

5 - طلب العلم ...29

6 - طلب العلم عبادة...31

7- طلب العلم الله ...31

7- مداد العلماء ........32

9 - طلب العلم لمجادلة العلماء ...32

10 - منهومان لا يشبعان ...33

11 - الفقيه ...33

12 - العالم المطاع ...34

13 - فضل العقل ...34

14 - الجهل والعقل....35

15 - العالم بين الجهّال...35

16 - كتمان العلم ...36

17 - الفتوى بغير علم....36

18 - حقيقة الإيمان ...36

19 - توحيد ...37

20 - كلمة لا إله إلا الله ....38

21 - نعمة التوحيد ...38

22 - طاعة الله تعالى...39

23 - حسن الظن بالله تعالى ...39

24 - التمنّي لرضا الله تعالى ...40

25 - ما يقرّب الإنسان إلى الله تعالى ...40

26 - الله غفّار ...41

27- الرسول يعمم الإمام (عليه السلام)...41

28 - زيارة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) لعلي(عليه السلام) ...42

29 - وصية النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام) ...43

30 - وصية أخرى للنبي(صلی الله علیه وآله وسلم)...44

31 - من وصايا النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)للامام(عليه السلام) ...45

32 - من وصايا الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)لعلي(عليه السلام)...46

33 - وصية النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)لخالد ..46

34 - الدين قبل الوصية ...47

35 - ترك الوصية ...48

36 - دعاء النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)لعلي(عليه السلام)....48

37 - دعاء النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)في سفره...49

38 - دعاء للنبي(صلی الله علیه وآله وسلم)...50

39 - دعاء النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)في آخر الوتر ...51

40 - صلاة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)....51

41 - الصلاة الوسطى ...53

42 - ذكر النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)في ركوعه ...53

43 - من أخلاق النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) ....54

44 - ترحم النبي الله على خلفائه ...54

45 - حوض النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)وشفاعته ....55

46 - تعويذ النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)للمرضى ....55

47 - ضمان دين النبى(صلی الله علیه وآله وسلم)....56

48 - آخر كلام للنبي (صلی الله علیه وآله وسلم)...56

49 - أقرب الناس إلى النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) ...57

50 - أبعد الخلق عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)...57

51 - الكذب على النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)...58

52 - الأئمة الاثنا عشر(عليهم السلام)....58

53 - الإمام المهدي(عليه السلام)...59

54 - مهدى آل محمد (عليهم السلام)...59

55 - تسبيح الزهراء(عليها السلام)....60

56 - أفضل آية ....60

57 - فضل أبي ذرّ(رضی الله عنه) ...61

58 - عمّار بن ياسر (رضی الله عنه)....62

59 - عبد الله بن مسعود (رضی الله عنه)....63

60 - مريم وخديجة (عليهما السلام)....63

61 - مناجاة لموسى(عليه السلام) ...64

62 - الله مع بعض أنبيائه(عليهم السلام) .....64

63 - من وحي الله الداود(عليه السلام)...66

64 - وصف كامل للإسلام ...66

65 - عناصر الإسلام ...68

66 - الضرائب المالية ...68

67 - أنواع الجهاد ...69

68 - جهاد النفس ...69

69 - الجهاد في الفتنة ...70

70 - المسالمة ...71

71 - الحرب خدعة....71

72 - الصبر ...72

73 - علامة الصابر...72

74 - الدنيا سجن المؤمن...73

75 - مرض المؤمن ...74

76 - أنين المريض ...74

77- حقوق المسلم على المسلم ...75

78 - من حقوق المسلم على المسلم....75

79 - حقوق في المال ...76

80 - الكسب الحلال ...77

81 - دعوات لا تردّ ...77

82 - الدعاء عند لبس الثياب ....78

83- بناء المساجد ...78

84 - الجلوس في المصلّى ...79

85- الفقراء أصدقاء الله تعالى ...79

86 - فقراء أهل الصُّفَة ...80

87 - المنازل الرفيعة في الجنة...80

88 - الزهد في الدنيا ...81

89- مكارم الأخلاق ...82

90 - حسن الخُلق...83

91 - قضاء حوائج الناس ...84

92 - أفضل الناس ...84

93 - إعانة المسلم ...85

94 - أوصاف المؤمن...86

95 - علامات للمؤمن ولغيره ...87

96 - حسان الوجوه ....88

97 - صلة الرحم ...88

98 - مواساة الإخوان ...89

99 - التودد إلى الناس ....90

100 - المرء مع من أحب....90

101 - خصال كريمة ...90

102 - محاسن الصفات ...92

103 - الأمر بالمعروف ...95

104 - إتمام المعروف ...95

105 - كمال المروءة ...96

106 - الحب والبغض ....96

107 - الحلم ...97

108 - إصلاح ذات البين ...97

109 - الإحسان إلى المسيء...98

110 - العفو عن المسيء ....98

111 - الإعانة على البرّ ...99

112 - أبواب البر ...99

113 - المبادرة لفعل الخير...100

114 - الرفق باليتيم والضعيف ...100

115 - النصيحة ...101

116 - المنجيات ...101

117 - ظلم من لا ناصر له...102

118 - الأمانة .... 102

119 - الغيرة...102

120 - الكفاف...103

121 - فضل الصدقة ...103

122 - القليل من الدنيا خير من الكثير...104

123 - عِدة المؤمن ...104

124 - ترك الكلام فيما لا يعني الإنسان ...105

125 - الكلمة الحكيمة ....105

126 - الأعمال المبعدة للشيطان ...105

127 - الاستغفار للأبوين المشركين...106

128 - الإتقاء من الغضب ...107

129 - النهي عن الكذب ...107

130 - النهي عن الحلف بالله تعالى ...108

131 - كف اللسان...108

13 - تفريج الأزمات .....109

133 - ما يقول العاطس ...109

134 - ترك الشهوة ...110

135 - خصال مذمومة ...110

136 - حرمة البذاء والفحش....111

137 - المزاح والكذب ...112

138 - سوء الخُلق ...112

139 - شرّ الناس ...113

140 - العبس في وجوه الإخوان ...114

141 - ذو الوجهين ...114

142 - ذنوب تعجل العقوبة .....115

143 - من موجبات العقوبة ...116

144 - تارك الصلاة .......116

145 - من قواصم الظهر...117

146 - سبعة لعنهم الله تعالى...117

147 - أهالي المعاصي ...118

148 - الوضيع ...118

149 - كفران النعمة....119

150 - السؤال عن غنى ...119

151 - إهلاك الناس بالدرهم والدينار ...120

152 - الاحتكار ...120

153 - قساوة القلب...120

154 - إذلال النفس ...121

155 - الغضب ....121

156 - العجلة ....122

157 - الغيبة ... .122

158 - البغي والحسد ...123

159 - الاستخفاف بالدين...123

160 - المروق من الدين ...123

161 - الاعتصام بغير الله تعالى...124

162 - الإهانة باستحقاق الجماعة ...125

163 - نخوة الجاهلية ...125

164 - التزين للناس ...126

165 - عقاب مدمن الخمر...126

166 - موبقات ومنجيات...127

167 - خصال مذمومة وخصال كريمة ...127

168 - المحاسن والقبائح ...128

169 - أعطيت ما لم يُعط أحد...129

170 - التقيّة ...130

171 - حلّيّة المتعة...130

172 - منى ...131

173 - الزكاة ...131

174 - إبل الصدقة ...132

175 - الغنم والحرث ...132

176 - الذبيحة لغير الله تعالى...133

177 - حيوانات لا يُضحى بها ...133

178 - رفع القلم عن ثلاثة ....134

179 - الأمان من الغرق ...134

180 - رؤية الهلال ...135

181 - النظر في المرآة...136

182 - النظر إلى المجذومين....136

183 - حثو التراب على الميت...137

184 - مفارقة الأحباب ....137

185 - أربعة تذهب ضياعاً ...138

186 - التأمل في المواعظ ....138

187 - سريرة الإنسان وعلانيته...139

188 - الفاكهة الجديدة ...140

189 - بيع غلامين أخوين ...140

190 - تارك الوضوء ...141

191 - رأس العقل خصلة ...141

192 - الاهتمام بالرزق ...141

193 - الورد ...142

194 - الذهب والحرير...142

195 - الاكل على الجنابة...143

196 - غسل جميع البدن من الجنابة...143

197 - البول تحت الشجرة ...144

198 - البول في النهر الجاري...144

199 - البول قائماً ...145

200 - دخول الحمام بمئزر...145

201 - الخضاب ...146

202 - السواك ....146

203 - الطهور مفتاح الصلاة ....147

204 - إخراج أهل نجران من الجزيرة...147

205 - دعوة المظلوم ...148

206 - أنواع الكلام ...148

207 - المقتول دون ماله...149

العلم والتعليم

190-151

الإشادة بالعلم ...153

أهمية العالم ...155

تكريم العالم ...155

أخذ المحاسن من كل علم ...156

تشجيعه(عليه السلام) للحركة العلمية ...156

العمل بالعلم ...157

أنواع طلاب العلم...158

ذمّ أهل الرأي ...159

بذل العلم ...160

حثّه(عليه السلام) على جودة الخط ...161

أنواع العلوم ... 161

1 - علم النحو ....162

في اللغة .......162

أسباب وضعه...162

القواعد التي وضعها الإمام(عليه السلام) ...163

2 - علم الفقه ...164

3 - علم تفسير القرآن...166

4 - علم الفلك والحساب ...166

مقدار قطر الشمس ...168

مسألة الجمال ...169

5 - علم الحيوان ...170

وصف الطيور ...170

وصف الطاووس...171

الخفاش ...175

الجراد ...177

النملة .....177

6 - علم الكلام

7- علم الطبيعة - الفيزياء ...180

8- الكهرباء ....181

9 - علم الطبّ...182

الوقاية من الأمراض...185

رضاع الطفل من ثدي أمه...186

1 - علم الجيولوجيا ...187

11-علم الفسلفة .... 188

حرمة تعلّم السحر ...189

حرمة تعلم التنجيم ...190

الملاحم والمغتبَات التي اخبر عنها الأمام

191 - 283

إخباره(عليه السلام) بقتل الحسن(عليه السلام) ...198

إخباره(عليه السلام) بقتل الحسين(عليه السلام) ...199

إخباره(عليه السلام) بعدد الجيش الذي جاء لنجدته ...206

إخباره(عليه السلام) بشهادة كوكبة من أصحابه ....207

1 - عمرو بن الحمق(رضی الله عنه) ...207

2 - ميثم التمار(رضی الله عنه) ....209

3 - رشيد الهجري...213

4 - جويرية بن مسهر العبدي(رضی الله عنه) ....214

5- مزرعه(رضی الله عنه) ...215

1 - حجر بن عدي(رضی الله عنه) ...215

7- قنبر(رضی الله عنه) ...221

8 - كميل بن زياد(رضی الله عنه)...223

إخباره(عليه السلام) عن شهادته...225

ما يجري على الحجر الأسود ...229

إخباره(عليه السلام) عن شهداء فخ ...230

إخباره (عليه السلام) عن شهادة ذي النفس الزكية ...230

إخباره(عليه السلام) عن شهادة إبراهيم ...231

تبشيره(عليه السلام) بالإمام المهدی(عليه السلام) ...233

مع أعشى باهلة ...237

مع جندب الأزدى ...238

مع المبايعين للضب ...240

مع ذي الثدية ...241

إخباره(عليه السلام)بحكومة مروان وأولاده ...243

إخباره (عليه السلام) عن ملك معاوية ...245

إخباره(عليه السلام) عن استيلاء الأمويين على الحكم...246

ظلم الأمويين وجورهم ...248

مع جيشه المتخاذلين ...249

ظلم الحجاج وجوره ...250

المقتولون من أصحابه والناجون من الخوارج ...252

مقتل زُرعة .....253

عدم نهاية الخوارج ...254

خلافة عبدالملك ...255

ثورة ابن الزبير ...256

المختار (رحمۀ الله علیه) ...258

انقراض دولة بني أمية ...259

حكومة بني العباس ...260

شخص يريد الاحتيال على الإمام(عليه السلام)...261

إخباره (عليه السلام)بمجيء ألف لمبايعته...262

الصليب في عنق معاوية ...263

البشارة بمولد الإمام زين العابدين(عليه السلام)...264

مقتل الإمام الرضا (عليه السلام)...265

مدينة بغداد ...266

عدد ملوك بني العباس ...267

فتنة الزنج ...271

حكومة بني بويه ...273

دولة المغاربة ...274

الثورة في طبرستان ...275

حكومة القرامطة ...276

التتر ...277

الفتن بعد وفاته(عليه السلام) .... 280

أحداث آخر الزمان ...282

وصاياه (عليه السلام) الخالدة

285 - 344

وصيته(عليه السلام) للإمام الحسن(عليه السلام)...288

أوّلاً - وسائل إصلاح النفس ...292

ثانياً - فضائل وآداب ....293

وصيّة أخرى لولده الإمام الحسن(عليه السلام)...313

وصيّته(عليه السلام) للإمام الحسين (عليه السلام)...314

وصاياه (عليه السلام) لأبنائه ...318

وصيّته(عليه السلام) لمحمد بن الحنفية ...320

وصيته(عليه السلام) لكميل بن زياد ...323

آداب الطعام ...325

المنهج الصحي...325

الوسائل التي تنمي المال وتزيده:

1 - الزكاة ...326

2 - مواساة المؤمنين...327

3 - صلة الأرحام ...327

4 - عدم ردّ السائل ....327

5 - الصدقة تنمّي المال...327

من بنود وصيته (عليه السلام):

1 - حسن الأخلاق ...328

2 - ترك المراء ...328

3- المجادلة في الله تعالى ...328

مَوَاعِظُهُ (عليه السلام)

363-345

حال الإنسان في الدنيا ...347

اتباع الهوى ...348

طوبي للزاهدين في الدنيا ...348

الزهد في الدنيا ...349

موعظته(عليه السلام) الرجل شيّع جنازة وهو يضحك ...350

مع رجل يذم الدنيا ....350

ما بعد الموت ...352

إدبار الدنيا ....353

تصرّم الدنيا ...353

المبادرة إلى الأعمال الصالحة ...356

صفة الدنيا ....357

وصفه(عليه السلام) للموت وما بعده ...358

الاتعاظ بالعبر ...360

رفض الدنيا ...362

حكمة(عليه السلام) القيّمة

365 - 413

1 - قِيمَةُ الْمَرْءِ مَا يُحْسِنُهُ ..367

2 - العلم أكثر من أن يحصى...368

3 - رأي الشيخ ...369

4 - المرء الذي لا يعرف قدره ...369

5 - الناس أعداء ما جهلوا...369

6 - من عرف نفسه عرف ربه...370

7- إغاثة الملهوف ...370

8 - وصف الدنيا ...371

9 - الزاهدون في الدنيا...371

10 - عطاء الله في الدنيا والآخرة ...371

11 - الراحة والبؤس ...372

12- حق الصديق ...372

13 - أعجز الناس ...372

14 - الملك والدين ...373

15 - الكلام ...373

16 - الدهر يومان...373

17 - الجاهل والعالم...374

18 - العبادة مع العلم ...374

19 - طرائف الحكمة ....374

20 - التفكّر ...375

21 - الاستغفار...375

22 - اقتران الهيبة بالخيبة ...376

23 - جنود الله ...376

24 - أفضل العبادة ......377

25 - مواصلة الأخ ......377

26 - الكلمة الطيبة ....377

27 - لا راحة للحسود...378

28 - الحليم ....378

29 - البصير والأحمق ....378

30- مكانة الأنصار في الإسلام...379

31 - أقل ما يُلْزِم به الله تعالى ...379

32 - أضرار الفرقة ...379

33 - كظم الغيظ ...380

34 - حُسن الخُلُق ...380

35 - الله أسمى من أن تتصوّره الأوهام ...380

36 - الغوغاء ...381

37 - أصناف الناس....381

38 - أصناف القُرّاء ...381

39 - النهي عن المزاح ...382

40 - الضحك ...382

41 - حُسن الأدب...382

42 - اجتناب المحارم...382

43 - الزاهد في الدنيا ...383

44 - جهل المرء بعيوبه ...383

45 - تمام العفاف ...383

46 - من حسنت به الظنون .... 383

47 - أظهر الكرم ....384

48 - صفات الفاجر ...384

49 - حسن الاعتراف ... 384

50 - تحمّل زلّة الصديق...384

51 - إنفاق المال لإصلاح الحال....385

52 - القصد في الأمور...385

53 - ظلم العباد ...385

54 - شكر النعمة ...385

55 - حُسن الخلق ...386

56 - التجارب في الأمور...386

57 - الأجل ...386

58 - المشاورة في الأمور...386

59 - القناعة ... 387

60 - من أمّل إنساناً هابه ...387

61 - الاستصحاب ....387

62 - المؤمن في تعب...387

63 - الكسل ...388

64 - من كنوز الجنة ...388

65 - الاستغناء والاحتياج...388

66 - الجود ...388

67 - ترك التعاهد للصديق ...389

68 - طلب الرزق ...389

69 - خير الغنى ...389

70 - التجارب ...389

71 - سعة الأمل...390

72 - أشكر الناس وأكفرهم ...390

73 - إمهال الله لفرعون ...390

74 - قيمومة الرجل على أهله...390

75 - صفحات الوجه مرآة للإنسان ...391

76 - الكرم ...391

77 - جمال الرجل والمرأة ...391

78 - سعادة الإنسان ...392

79 - بعض الخصال السيّئة...392

80 - موعظة عظة ...392

81 - التواضع للأغنياء...393

82 - الصدقة ...394

83 - الكريم ...394

84 - التوبة آخر العمر ...394

85 - الدنيا والآخرة ...395

86 - الخوف من الذلّ...395

87 - السكوت ...395

88 - الصبر ...395

89 - التثبت من صحة الخبر ...395

90 - الحرمان من العلم ...396

91 - أهمية العلم ...396

92 - كلام الحكماء...396

93 - الاستعداد للآخرة...397

94 - الحدّة ... 397

95 - معرفة الله تعالى...397

96 - شكر النعمة ....398

97 - حسد الصديق ...398

98 - فعل المعروف ...398

99 - آلة الرياسة ...399

100 - أوضع صور العلم ...399

101 - الاتصال بالله تعالى ...399

102 - البخل عار ...400

103 - الطمع ...400

104 - الفتنة ...401

105 - الرضا والعلم ...401

106 - الصدقة .. .401

107 - الانفاق في سبيل الخير...402

108 - الاقتصاد ...402

109 - الصديق ...402

110 - العمل الباقي...403

111 - إضاعة الفرصة...403

112 - الذي يقيم أمر الله تعالى ...403

113 - الهمّ ...404

114 - عاقبة الإنسان ....404

115 - مصاحبة المائق ...404

116 - طاعة من لا يعذر بجهالته ...405

117 - الصبر ...405

118 - الاستبداد ...405

119 - كتمان السرّ...405

120 - الفقر ...406

121 - العبر ...406

122 - جوع الفقير...406

123 - شركاء المرء في أمواله...406

124 - المرء يعرف بكلامه ...407

125 - المصارعة ...407

126 - الحلم ...407

127 - طالب العلم وطالب الدنيا ...407

128 - الحلم والأناة ...408

129 - شر الاخوان ...408

130 - الحثّ على فعل الخير ...408

131- نعم الله على بعض عباده .....408

132 - الزهد ...409

133 - التقوى من الله ... 409

134 - تواضع الأغنياء للفقراء...410

135 - الحذر من معاصي الله ...410

136 - عدم الاهتمام بالأهل ...410

137 - حمل كلمة السوء على العكس ...411

138 - عبادة الله ...411

139 - وعاء العلم ...412

140 - الكرم ...412

141 - العمل مع التقوى ...412

محتويات الكتاب ...415