ghaemiyeh.com
موسوعة سيرة اهل البيت (علیه السّلام)
الجزء الخامس
الأمام على ابن ابي طالب (علیه السّلام)
تأليف
باقرشریف القرشي
تحقيق
مهدي باقر القرشي
موسسة الأمام الحسن (علیه السّلام)
لإحياء تراث أهل البيت (علیهم السّلام)
الطبعة الثانية : .... 1433ه- / 2012م
عدد النسخ : .... 1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978
ردمك الجزء ( 39 ) : 0 - 1 - 8270 - 964 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول صلی الله علیه وآله وسلم
مكتبة الإمام الحسن علیه السلام - هاتف 009647805694970
محرر الرقمي: سيد جلال الدين عمراني
موسوعة
سيرة اهل البیت (علیهم السّلام)
الأمام علي ابن أبي طالب (علیه السّلام)
موسوعة سيرة اهل البيت (علیه السّلام)
الجزء الخامس
الأمام على ابن ابي طالب (علیه السّلام)
من ادعية الامام
تأليف
باقرشریف القرشي
تحقيق
مهدي باقر القرشي
موسسة الأمام الحسن (علیه السّلام)
لإحياء تراث أهل البيت (علیهم السّلام)
موسوعة سيرة اهل البيت (علیه السّلام)
تأليف : باقر شريف القرشي
تحقيق : مهدی باقر القرشي
الناشر : دار المعروف - مؤسسة الإمام الحسن (علیه السّلام)
المطبعة . .... ستار
الطبعة الثانية ... 1433ه- / 2012م
عدد النسخ ... 1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك اللدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978
ردمك الجزء ( 5 ) : 6- 47 - 275 - 964 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم)
مكتبة الإمام الحسن (علیه السّلام) - هاتف 009647805694970
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ »
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)البقرة 2 : 186﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً)یونس 10 : 12(أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ )النمل 27 : 62﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُنِيبِينَ إِلَيْهِ الرُّوم 30 : 33
1 الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) سيد الموحدين وإمام المتقين وداعية الله في الأرض بعد أخيه وابن عمه رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم)، فقد كانت له جولات مشرقة على منبر الإسلام في الكوفة ، وهو يُشيع حقائق التوحيد ، وينشر بدائع التكوين التي هي من آيات الله خالق الكون وواهب الحياة .
وهكذا كان الإمام في جميع فترات حياته عنصراً من عناصر الإيمان ومركزاً من مراكز التوحيد ، قد رفع كلمة الله ، ووهب العقول نوراً أضاء لها الطريق ، وبدّد فيها ظلمات الجهل ، وقادها إلى معرفة المبدع العظيم .
2 وبرزت على مسرح الحياة الروحية في الإسلام أدعية الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، وهي وثائق مهمة عن تقواه وشدّة اتصاله وانقطاعه إلى الله تعالى ، ومعرفته به
كما أنها في نفس الوقت بلسم للنفوس الحائرة والغارقة في متاهات هذا الكون تدفعها إلى الاستقامة والاصلاح الشامل ؛ لا في ميادين السلوك فحسب ، وإنما لتهذيب الغرائز وتطهيرها من مآثم هذه الحياة ، وقد كتب لها ولسائر أدعية أئمة أهل البيت (علیه السّلام)النجاح الهائل ، فكانت من أكثر الكتب الدينية رواجاً ، وإقبالاً عند معظم أبناء الشيعة وغيرهم ، ولا تجد بيتاً من بيوت العارفين أو مركزاً دينياً إلا مزيناً بإحدى النسخ
من أدعية الأئمة الطاهرين (علیهم السّلام)؛ تتلى في آناء الليل وأدبار النهار .
3 وضع الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)المناهج المشرقة لآداب الدعاء وكيفيته ، فقد علمنا كيف ندعو الله تعالى ، وكيف نتضرع ونلجأ إليه ، وكيف نقف أمامه بخشوع وتذلّل ، لا نرى لأنفسنا أي قيمة أو وجود .
لقد علمنا عملاق المتقين أن الإنسان بما يملك من طاقات فكرية ومادية لا شيء أمام الخالق العظيم ، فإنّ الكوكب الذي يعيش عليه الإنسان ، إنما هو ذرة بسيطة تسبح في هذا الفضاء اللامتناهي الذي حير الأفكار وبلبل العقول ، وهي إحدى مخلوقاته تعالى شأنه .
4 إن الإنسان بحسب فطرته التي فطره الله عليها يشعر شعوراً ذاتياً بوجود خالق ، ومكوّن له ، يفزع ويلجأ إليه إذا ألمت به كارثة من كوارث الدهر ، أو طاقت به إحدى الأزمات ، وهذه الظاهرة متأصّلة بالإنسان ، ومرتبطة بوجوده منذ بداية تكوينه ، وهيهات أن تنفصل عنه ، فإنّ الذاتيات لا تتبدل ولا تتغير حسبما يقول علماء المنطق .
وقد فتح الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)بأدعيته المشرقة أبواب الاتصال بالله تعالى ، اتصالاً يقوم على العبودية المطلقة للإنسان تجاه ربه وخالقه ، فإنّه لا قيمة للإنسان ولا حقيقة له ما لم يرتبط بالله الذي هو الغاية التي لا غاية غيرها في هذا الوجود .
5 ولم تقتصر أدعية الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) وسائر أدعية الأئمة الطاهرين من أبنائه على مناجاة الله تعالى وطلب عفوه ومغفرته وغير ذلك من القضايا الروحية ، فقد تعرّض بعضها إلى الشؤون التربوية والاجتماعية ، كما صوّر بعضها الحالة السياسية وما يعانيه المسلمون من الظلم والجور من حكّام عصورهم من أمويين وعباسيّين . إنّ أدعية الأئمة الطاهرين (علیهم السّلام) حافلة بكل ما ينفع الناس ، وبما تسمو به حياتهم الفردية والاجتماعية، وهي تمثل الفكر الإسلامي تجاه القضايا الروحية ،
وبالاضافة إلى أنها من مناجم الثقافة فقد بلغت الذروة في فصاحتها وبلاغتها ، ونظمت في أرقى أسلاك الأدب العربي ؛ مما جعلها من ذخائره ، ومن أميز ألوانه .
6 إنّ أدعية الأئمّة الطاهرين (علیهم السّلام) بصورة عامة من كنوز التوحيد ، ومن أهم الوسائل المشرقة في الوصول إلى الله تعالى ، وهي تكشف بصورة واضحة عن مدى تعلقهم (علیهم السّلام) بالله واتصالهم به .
ومن الجدير بالذكر أن المرحوم الدكتور زكي مبارك المصري حاول أن يكتب عن أدب الدعاء الذى أثر عن بعض أئمة المذاهب الإسلامية وزعماء الصوفيين ، ولكنه لم يطلع على أدعية أئمة أهل البيت (علیهم السّلام)، وقد عرض رغبته الملحة على عميد الرابطة الأدبية في النجف الأشرف وشيخ الخطباء الشيخ محمّد على اليعقوبي (رحمه الله) ، فسأله هل اطلعت على أدعية أئمة الهدی (علیهم السّلام) ؟ فأجاب بالنفى ، فبادر اليعقوبي فقدم له الصحيفة السجادية التي هي زبور آل محمد ، وبعض كتب الأدعية الأخرى ، فلما اطلع عليها بهر بها ، وسارع إلى الشيخ اليعقوبي ، وقد ملأ فكره الإعجاب والإكبار بها ، وراح يقول أمام أعضاء الرابطة : إنّ أدعية الأئمة (علیهم السّلام) من كنوز الإسلام ، ومن أعزّ وأثمن ما يملكه المسلمون من التراث الروحي .
7 والشيء المحقق أنه لم تملك أية طائفة من الطوائف الإسلامية وسائر الأديان السماوية مثل ما يملكه المسلمون الشيعة من الأدعية التي أثرت عن أئمتهم ، فإنّ هذا التراث الروحي المبدع الخلّاق قد ساهم مساهمة إيجابية وفعالة في إصلاح النفوس ، وتهذيب الغرائز ، ورفع المستوى الفكري للإنسان . وقد كانت أدعية الأئمة موضع اهتمام بالغ عند الأوساط العلمية من الشيعة ، وقد نظر إليها علماؤهم باعتزاز وفخر ، فقد اعتز العالم الكبير السيد ابن طاووس بها وذكر في رسالته «كشف المحجّة لثمرة المهجة» التى ألفها إلى ولده أن من نعم الله تعالى عليه أنه يملك في مكتبته من كتب الأدعية التي أثرت عن أجداده الأئمة الطيبين أكثر من سبعين كتاب
ولم تحظ بها المكتبة الإسلامية ، ولعله يوجد بعضها في خزائن الكتب المخطوطة في العالم .
8 وليس هذا الكتاب أوّل ما ألف في أدعية الإمام أمير المؤمنين لا فقد سبق أن ألف فيها بعض السادة العلماء التالية أسماؤهم :
1 - الشيخ عبدالله بن صالح البحراني السماهيجي المتوفى سنة 1135ه(1)، فقد جمع أدعية الإمام بكتاب أسماه الصحيفة العلوية المباركة ، طبعت في ايران سنة 1325ه- ، وطبعت ثانياً في بيروت في مطبعة دار التعارف ، ولم يشر المؤلف إلى المصادر التي اقتبس منها أدعية الإمام ، فقد كانت جميعها مرسلة ، ومضافاً لذلك فإنّ بعض الأدعية ركيكة جداً ، وليست في المستوى البلاغي الذي ينسجم مع كلمات الإمام التي هي في قمة البلاغة والفصاحة ، مضافاً إلى عدم التنسيق والربط بين الأدعية.
2 - العلّامة الشيخ حسين بن محمّدتقي النوري الطبرسي، فقد استدرك من الأدعية التي لم يعثر عليها الشيخ عبد الله البحراني ، وجمعها في كتاب أسماء الصحيفة العلوية الثانية ، وتمتاز على الصحيفة الأولى أنه أشار في كل دعاء إلى سنده وإلى المصدر الذي أخذه منه ، بالإضافة إلى جودة الأدعية التي ذكرها .
3 - المحقق الكبير شيخنا المعظم العلامة الشيخ محمد باقر المحمودي حفظه الله ، فقد أفرد كتاباً خاصاً لأدعية الإمام (علیه السّلام) في موسوعته القيمة «نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة » وذكر مصادر الأدعية وهو جهد رائع ومشكور عليه . وعلى أي حال فقد استندت في معظم ما كتبته من أدعية الإمام إلى هذه المصادر ، كما استندت إلى بعض المصادر الأخرى ، وقد أشرت إليها في هامش الكتاب ، وقد بوّبت الأدعية ، وعلّقت على الكثير منها أملاً أن يجد القارئ المتعة والفائدة وهو ما أتمناه .
1) الذريعة : 12 : 23 .
9 وأعود للحديث - بإيجاز - عن أدعية الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) ، فإنّها - من المؤكد - ضمان لتهذيب النفوس ، وصيانة لها من التلوث بمآثم هذه الحياة ، فقد فتحت باب الاتصال ما بين العبد وخالقه الذي بيده جميع مجريات الأحداث . ومما لا شبهة فيه أنّ عرض أدعية الإمام (علیه السّلام) ، وسائر مثله العليا ، فيها خدمة للأمة الإسلامية لأنها من أروع الأرصدة الروحية والفكرية التي يملكها العالم الإسلامي ، ومن المؤكد أنّ إشاعتها بين الناس من أسمى الخدمات التي تُقدّم للمسلمين.
إنه تعالى ولي ذلك ، وصلى الله على محمدٍ وآل محمد
مکتبة الامام الحسن العامّة
النجف الاشرف
كان الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) مولعاً بالدعاء ، والابتهال إلى الله في جميع أوقاته ، فكان يلهج بذكره في آناء الليل وأطراف النهار ، في حله وترحاله ، وفي ساحات الحروب ، ويذكر بمزيد من التذلّل والخضوع عظيم قدرته ، وعجيب مخلوقاته ،وبديع صنعه ، ورحمته على عباده ، وقد أثر عنه من الأدعية ما لا يُحصى .
وقبل الخوض في ذكر بعض أدعية الإمام (علیه السّلام) نعرض إلى بعض أحاديثه التي أدلى بها عن فوائد الدعاء ، ومدى أهميته ، وغير ذلك مما يرتبط بالموضوع .
فائدة الدعاء
وحفل الدعاء إلى الله تعالى بطاقات مشرقة من الفوائد ، وقد أدلى الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) ببعضها قال :
«جَعَلَ - أي الله - فِي يَدَيْكَ مَفَاتِيحَ خَزائِنِهِ بِمَا أَذِنَ لَكَ فِيهِ مِنْ مَسْأَلَتِهِ ، فَمَنى شِئْتَ اسْتَفْتَحْتَ بِالدُّعاءِ أَبْوَابَ نِعْمَتِهِ ، وَاسْتَمْطَرْتَ شَابِيبَ رَحْمَتِهِ ، فَلَا يُقَنطَنَّكَ إِبْطَاءُ إِجَابَتِهِ ، فَإِنَّ الْعَطِيَّةَ عَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ.
وَرُبَّمَا أُخِّرَتْ عَنْكَ الْإِجَابَةُ لِيَكُونَ ذلِكَ أَعْظَمَ لِأَجْرِ السَّائِلِ ، وَأَجْزَلَ لِعَطَاءِ الْآمِلِ .
وَرُبَّما سَأَلْتَ الشَّيْءَ فَلَا تُؤْتَاهُ ، وَأَوْتِيْتَ خَيْراً مِنْهُ عَاجِلا أَوْ أَجِلاً ، أَوْ صُرِفَ عَنْكَ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ ، فَلَرُبِّ أَمْرٍ قَدْ طَلَبْتَهُ فِيهِ هَلَاكُ دِينِكَ لَوْ أُوتِيْتَهُ . رَحُبَ وَادِيْكَ ،
وَعَزَّ نَادِيْكَ ، وَلَا أَلمَّ بِكَ ألَمْ ، وَلَا طَافَ بِكَ عَدَمٌ »(1).
وحكت هذه الكلمات الأهمية بالغة للدعاء ، وأنه مفتاح خزائن رحمة الله تعالى وأبواب نعمته ، وأيّ مكسب أعظم عائدة على الإنسان منه ؟ ! كما حكت بعض الأسباب التي تؤخّر إجابة الدعاء ، والتي منها أنّ الله يُعطي العبد خيراً مما سأله إن عاجلاً أو آجلاً، وقد يكون هلاك العبد فيما يسأله وهو لا يعلم ذلك ، وقد خفي عليه .
وفي حديث آخر له (علیه السّلام): «لَا تَعْجِزُوا عَن الدُّعَاءِ ، فَإِنَّهُ لَا يَهْلِكُ مَعَ الدُّعَاءِ أَحَدٌ » (2).
قال (علیه السّلام): «الدُّعَاءُ سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ ، وَعِمَادُ الدِّينِ ، وَنُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ » (3).
إن خير وسيلة يلجأ إليها الإنسان هي الدعاء والابتهال إلى الله تعالى في دفع السوء والمكروه ، بيده تعالى جميع مجريات الأحداث، وهو لا غيره القادر على إنقاذ الإنسان مما ألم به من محن الدنيا .
وجاء في حديث آخر للإمام(علیه السّلام) : «الدُّعَاءُ تُرْسُ الْمُؤْمِنِ ، وَمَتى تُكْثِرُ فَرْعَ الْبَابِ يُفْتَحُ لَكَ »(4).
1) ربيع الأبرار: 2 : 218 و 219. نهج البلاغة : 3 : 48. بحار الأنوار : 9: 301 و 320.
2) ربيع الأبرار: 2: 208 . الدعوات: 19 ، الحديث .12 . كنز العمّال: 2: 612 ، الحديث 4883 .
3) عيون أخبار الرضاء (علیه السّلام) : 1: 40. بحار الأنوار: 90: 288 ، الحديث 1. المستدرك :1 : 492 . مجمع الزوائد : 10 : 147. كنز العمال: 2 : 62 ، الحديث .3117 .
4) عدّة الداعي : 12. كنز العمّال : 2 : 612 و 613 ، الحديث 4885 . أصول الكافي : 2 : 468 .
وفي حديث ثالث للإمام : الدُّعَاءُ مَفَاتِيحُ النَّجَاحِ ، وَمَقَالِيدُ الْفَلَاحِ ، وَخَيْرُ الدُّعَاءِ مَا صَدَرَ عَنْ صَدْرِ نَقِيُّ ، وَقَلْبٍ تَقِيُّ ، وَفِي الْمُنَاجَاةِ سَبَبُ النَّجَاةِ ، وَبِالْإِخْلَاصِ يَكُونُ الْخَلَاصُ ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْفَزَعُ فَإِلَى اللهِ الْمَفْزَعُ »(1).
وهذه الأحاديث تؤكد مدى الأهمية البالغة للدعاء ، فهو مفتاح النجاح ، وسبب النجاة ، وأنّ أفضل ألوان الدعاء هو الذي يصدر من قلب تقي مطمئن بالإيمان والإخلاص .
وتظافرت الأخبار عن أئمة الهام (علیه السّلام) في فضل الدعاء والحثّ عليه ، قال الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام): أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْأَرْضِ الدُّعَاءُ ، وَأَفْضَلُ الْعِبَادَةِ الْعَفَافُ » (2) .
أما الإقبال على الدعاء فهو أحد الشروط في استجابته ، قال الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) : « لَا يَقْبَلُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ دُعَاءَ قَلْبِ لَاهِ»(2).
وكان(علیه السّلام) يأمر بتوجه القلب في الدعاء إلى الميت قال : «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ لِلْمَيِّتِ فَلَا يَدْعُ لَهُ وَقَلْبُهُ لَاهٍ عَنْهُ ، وَلَكِنْ لِيَجْتَهِدْ لَهُ فِي الدُّعَاءِ »(3).
وحدّد الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) الأوقات التي يستجاب فيها الدعاء ، قال (علیه السّلام):
«اغْتَنِمُوا الدُّعَاءَ عِنْدَ أَرْبَعِ : عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ، وَعِنْدَ الْأَذَانِ ، وَعِنْدَ نُزُولِ الْغَيْثِ ، وَعِنْدَ الْتِقَاءِ الصَّفَّيْن لِلشَّهَادَةِ» (1).
ولما ندب الله تعالى عباده إلى الدعاء ، فقد فتح لهم باب الإجابة ، قال الإمام (علیه السّلام): « مَا كَانَ اللهُ لِيَفْتَحَ بَابَ الدُّعَاءِ وَيُعْلِقَ عَلَيْهِ بَابَ الْإِجَابَةِ » .
وقال (علیه السّلام) : ( مَنْ أَعْطِيَ الدُّعَاءَ لَمْ يُحْرَمِ الْإِجَابَةَ ) (2).
وقد أعلن القرآن الكريم ذلك قال تعالى : ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ) (3).
وكان من وصايا النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم) للإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام): « يا عَلِيُّ ! أَوْصِيْكَ بِالدُّعَاءِ ؛ فَإِنَّ مَعَهُ الْإِجَابَةَ ، وَبِالشَّكْرِ ؛ فَإِنَّ مَعَهُ الْمَزِيدَ ، وَأَنْهَاكَ عَنْ أَنْ تَخْفِرَ عَهْدَاً وَتُعِيْنَ عَلَيْهِ ، وَأَنْهَاكَ عَنِ الْمَكْرِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ، وَأَنْهَاكَ عَنِ الْبَغْيِ ؛ فَإِنَّهُ مَن بغِيَ عَلَيْهِ لِيَنصُرَنَّهُ الله» (4).
1) وسائل الشيعة : 7 : 64. الكافي : 2 : 477 ، الحديث 3. أمالي الصدوق : 337. بحار الأنوار 9 :343 ، الحديث 1.
2) نهج البلاغة : 553 ، الحديث .435 وسائل الشيعة : 7: 27 .عدّة الداعي : 23 .
3) البقرة 2 : 186 .
4) وسائل الشيعة : 7 29 نهج البلاغة : 4 : 33 ، الحديث 135 . عدّة الداعي : 23 . بحار الأنوار :6: 37 ، الحديث 61 .
وحفلت وصية النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم) للإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) بمكارم الأخلاق ومحاسن الآداب ، وهي أنموذج للخُلق الإسلامي المتكامل .
الدعاء روح العبادة إذا كان عن نية صادقة ، وقلب مترع بالإيمان ، قال (علیه السّلام):(الدُّعَاءُ مُخُ الْعِبَادَةِ » (1).
قال(علیه السّلام) : «ما الْمُبْتَلَى الَّذِي قَدِ اشْتَدَّ بِهِ الْبَلَاءُ بِأَحْوَجَ إِلَى الدُّعَاءِ مِنَ الْمُعَافَى الَّذِي لَا يَأْمَنُ الْبَلَاءَ » (2).
الناس بجميع أصنافهم المعافى والمبتلى منهم في حاجة إلى الدعاء والابتهال إلى الله تعالى ليصرف عنهم المكروه والسوء.
ووضع الإمام (علیه السّلام) منهجاً للدعاء ، وهو أن يُثني الإنسان على الله تعالى ويمجده قبل الدعاء ، فقد روى أبو بصير عن أبي عبد الله (علیه السّلام) أنه قال : «إِنَّ فِي كِتَابٍ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ : إِنَّ الْمِدْحَةَ قَبْلَ الْمَسْأَلَةِ ، فَإِذَا دَعَوْتَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ فَمَجِدْهُ.
فقيل له : كيف يمجّد ؟
فقال (علیه السّلام): تَقُولُ : يَا مَنْ هُوَ أَقْرَبُ إِلَيَّ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، يَا فَعَّالاً لِمَا يُرِيدُ،
يَا مَنْ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ، يَا مَنْ هُوَ بِالْمَنْظَرِ الْأَعْلى، يَا مَنْ هُوَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » (1).
وأكد الإمام (علیه السّلام) ذلك في حديث آخر له قال : « السُّؤالُ بَعْدَ الْمَدْحِ ، فَامْدَحُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ اسْأَلُوا الْحَوَائِجَ ، اثْنُوا عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَامْدَحُوهُ قَبْلَ طَلَبِ الْحَوَائِجِ» (2).
أرشد الإمام (علیه السّلام) الداعين إلى الله في قضاء مهماتهم أن يصلوا على النبي وآله قبل الدعاء ، فإنّه أقرب إلى الإجابة ، قال (علیه السّلام):« إذَا كَانَتْ لَكَ إِلَى اللهِ حَاجَةٌ فَابْدَأ بِمَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ، ثُمَّ سَلْ حَاجَتَكَ ، فَإِنَّ اللَّهَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ حَاجَتَينِ فَيَقْضِيَ إِحْدَاهُما وَيَمْنَعَ الْأُخْرى» (3).
وقال : كُلُّ دُعَاءِ مَحْجُوبٌ عَنِ السَّمَاءِ حَتَّى يُصَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ » (4).
إن النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم) مصدر الخير والرحمة لجميع الكائنات ، والصلاة عليه سبب لاستجابة الدعاء ، والتقرب إلى الله تعالى .
1) عدّة الداعي : 80. الكافي : 2 : 484 ، الحديث 2. عدّة الداعي : 148. بحار الأنوار: 90: 315 ، الحديث 20 .
2) وسائل الشيعة : 7: 83. الخصال : 2 : 169 . تحف العقول : 123 . بحار الأنوار: 90: 308 الحديث 7.
3) وسائل الشيعة : 7 : 97 . الدعوات : 22 و 23 ، الحديث 26 . نهج البلاغة : 4 : 84 ، الحديث 361 . بحار الأنوار: 90 312. نزهة الناظر : 48 .
4) ثواب الأعمال : 85 الرسائل العشر : 437. بحار الأنوار: 27 : 260 ، الحديث 15 . كنز العمّال : 2 : 270 ، الحديث 3988 .
وأكد الإمام (علیه السّلام) على أن دعاء أطفال السادة مستجاب ، قال : « دُعاءُ أَطَفَالِ ذُرِّيَّتِي مُسْتَجَابٌ مَا لَمْ يُقَارِفُوا الذُّنُوبَ»(1).
إنّ للسادة العلويين أعزّهم الله منزلة كريمة عند الله تعالى ، وأهمية بالغة ، وذلك لما لآبائهم العظام من خدمات للإسلام وأيادٍ بيضاء أسدوها إلى المسلمين، الله تعالى يضمن لأبنائهم إجابة الدعاء ويُجزل لهم المزيد من الكرامات .
روى معاوية بن عمار أن الإمام الصادق (علیه السّلام) قال له ابتداءً : يا مُعاوِيَةُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَجُلاً أَتى أَميرَ الْمُؤْمِنِينَ (علیه السّلام) فَشَكا الْإِبْطَاءَ عَلَيْهِ فِي الْجَوابِ فِي دُعَائِهِ ، فَقَالَ لَهُ: فَأَيْنَ أَنْتَ عَنِ الدُّعاءِ سَرِيعِ الْإِجَابَةِ؟
فقال له الرجل : ما هُوَ ؟
قالَ : قُلْ :
اللهم! إِنِّي أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْعَظِيمِ الْأَعْظَم ، الْأَجَلُ الْأَكْرَمِ ، الْمَخْرُونِ الْمَكْنُونِ النُّورِ الْحَقِّ ، الْبُرْهانِ الْمُبِينِ ، الَّذِي هُوَ نُورٌ مَعَ نُورٍ ، وَنُورٌ مِنْ نُورٍ ، وَنُورٌ فِي نُورٍ ، وَنُورٌ عَلَى نُورٍ ، وَنُورٌ فَوْقَ كُلِّ نُورٍ ، وَنُورٌ يُضيءُ بِهِ كُلَّ ظُلْمَةٍ ، وَيَكْسِرُ بِهِ كُلَّ شِدَّةٍ وَكُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ ، وَكُلَّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ، لَا تَقِرُّ بِهِ أَرْضٌ ، وَلَا تَقُومُ بِهِ سَماءٌ ، وَيَأْمَنُ بِهِ كُلُّ خَائِفِ ، وَيَبْطُلُ بِهِ سِحْرُ كُلِّ سَاحِرٍ ، وَبَغْيُ
1) ربيع الأبرار: 2 : 249 بحار الأنوار: 90: 357 ، الحديث 14 .
كُلِّ بَاغِ ، وَحَسَدُ كُلِّ حَاسِدٍ ، وَيَتَصَدَّعُ لِعَظَمَتِهِ الْبَرُّ وَالْبَحْرُ ، وَيَسْتَقِلُّ بِهِ بِهِ الْفُلْك حِينَ يَتَكَلَّمُ بِهِ الْمَلَكَ ، فَلَا يَكُونُ لِلْمَوْج عَلَيْهِ سَبِيلٌ ، وَهُوَ اسْمُكَ الْأَعْظَمُ الْأَعْظَمُ الْأَجَلُ الْأَجَلُ ، النُّورُ الْأَكْبَرُ الَّذِي سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ ، وَاسْتَوَيْتَ بِهِ عَلَى عَرْشِكَ ، وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِمُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ ، أَسْأَلُكَ بِكَ وَبِهِمْ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ .... ويذكر حاجته (1).
وبهذا نطوي الحديث عن بعض ما نقله الرواة عن الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)في فضل الدعاء وأهميته وما يتصل بذلك من بحوث
1) أصول الكافي : 2 : 582 ، الحديث 17 نهج السعادة : 6: 72 و 73 .
ومعظم أدعية الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)قد حفلت بتوحيد الله تعالى والثناء عليه ، وهي تحمل طابع الإخلاص والعبودية المطلقة الله الواحد القهار ، فقد حكت أدعيته مدی تذلّله أمام الله ، وتضرعه إليه ، ومعرفته به ، وهذه نماذج منها :
دُعاؤه عليه السلام في توحيد الله والثناء عليه
الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوَّلِ مَحْمُودٍ ، وَآخِرِ مَعْبُودٍ ، وَأَقْرَبِ مَوْجُودٍ ، الْبَدِيءِ بِلَا مَعْلُومٍ لأَزَلِيَّتِهِ ، وَلَا آخِرَ لِأُولِيَّتِهِ ، والْكَائِن قَبْلَ الْكَوْنِ بِغَيْرِ كِيان ، والْمَوْجُودِ فِي كُلِّ مَكَانٍ بِغَيْرِ عَيَانِ ، والْقَرِيبِ مِنْ كُلِّ نَجْوى بِغَيْر تَدانِ ، عَلَنَتْ عِنْدَهُ الْغُيُوبُ ، وَضَلَّتْ فِي عَظَمَتِهِ الْقُلُوبُ ، فَلَا الْأَبْصَارُ تُدْرِكُ عَظَمَتَهُ ، وَلَا الْقُلُوبُ عَلَى احْتِجَابِهِ تُنْكِرُ مَعْرِفَتَهُ ، تَمَثَّلَ فِي الْقُلُوبِ بِغَيْرِ مِثَالٍ تَحُدُّهُ الْأَوْهَامُ ، أَوْ تُدْرِكُهُ الْأَحْلَامُ ، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ نَفْسِهِ دَلِيلاً عَلى تَكَبُرِهِ عَنِ الضَّدِّ وَالنَّدِّ وَالشَّكْلِ والْمِثْل.
فَالْوَحْدانِيَّةُ آيَةُ الرُّبُوبِيَّةِ ، والْمَوْتُ الآتي عَلى خَلْقِهِ مُخْبِرٌ عَنْ خَلْقِهِ
وَقُدْرَتِهِ ، ثُمَّ خَلْقُهُمْ مِنْ نُطْفَةٍ وَلَمْ يَكُونُوا شَيْئاً ، دَلِيلٌ عَلَى إِعَادَتِهِمْ خَلْقاً جَدِيداً بَعْدَ فَنَائِهِمْ كَمَا خَلَقَهُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ .
وحكى هذا المقطع مدى تعظيم الامام (علیه السّلام) لله تعالى ، فقد نعته بهذه النعوت التي تنم عن معرفته بتلك الحقيقة المذهلة للعقول ، فهو تعالى الكائن قبل كل شيء، والموجود في كلّ مكان ، والقريب من كل نجوى ، فتعالى أن تدركه الأحلام ، أو تعرف واقعه العقول التي هي محدودة في إدراكها وتصوّرها ، فكيف تصل إلى إدراكه تعالى ؟
ويستمر الإمام في دعائه فيقول :
والْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، الَّذِي لَمْ يَضُرَّهُ بِالْمَعْصِيَةِ الْمُتَكَبِّرُونَ ، وَلَمْ يَنْفَعْهُ بِالطَّاعَةِ الْمُتَعَبِّدُونَ الْحَلِيم عَنِ الْجَبَابِرَةِ الْمُدَّعِينَ ، وَالْمُمَهِّلِ لِلزَّاعِمِينَ لَهُ شَرِيكاً فِي مَلَكُوتِهِ ، الدَّائِم فِي سُلْطَانِهِ بِغَيْرِ أَمَدٍ ، وَالْبَاقِي فِي مُلْكِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْأَبَدِ ، والْفَرْدِ الْواحِدِ الصَّمَدِ ، والْمُتَكَبَرِ عَنِ الصَّاحِبَةِ الْوَلَدِ ، رافِعِ السَّماءِ بِغَيْرِ عَمَدٍ ، وَمُجْرِي السَّحابِ بِغَيْرِ صَفَدٍ(1)، قَاهِرِ الْخَلْقِ بِغَيْرِ عَدَدٍ ، لكن الله الْأَحَدُ ، الْفَرْدُ الصَّمَدُ ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ .
والْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَخْلُ مِنْ فَضْلِهِ الْمُقِيمُونَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ ، وَلَمْ يُجَازِهِ لأَصْغَرِ نِعَمِهِ الْمُجْتَهِدُونَ فِي طَاعَتِهِ ، الْغَنِيُّ الَّذِي لَا يَضِنُّ بِرِزْقِهِ عَلَى جَاحِدِهِ ، وَلَا يَنْقُصُ عَطَايَاهُ أَرْزاقُ خَلْقِهِ ، خَالِقِ الْخَلْقِ وَمُفْنِيهِ ، وَمُعِيدِهِ ، وَمُبْدِيهِ ، ومُعَافِيهِ ، عَالِم مَا أَكَنَّتْهُ السَّرائِرُ ، وَأَخْبَتْهُ الضَّمَائِرُ ، وَاخْتَلَفَتْ بِهِ الْأَلْسُنُ ،
1) الصفد : القيد .
وَآنَسَتْهُ الْأَزْمُنُ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ، وَالْقَيُّومِ الَّذِي لَا يَنَامُ ، وَالدَّائِمِ الَّذِي لَا يَزُولُ ، والْعَدْلِ الَّذِي لَا يَجُورُ ، والصَّافِ عَنِ الْكَبَائِرِ بِفَضْلِهِ ، وَالْمُعَذِّبِ مَنْ عَذَّبَ بِعَدْلِهِ ، لَمْ يَخَفِ الْقَوْتَ فَحَلُمَ ، وَعَلِمَ الْفَقْرَ إِلَيْهِ فَرَحِمَ ، وَقَالَ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ : (وَلَوْ يُؤاخِذُ الله النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ )(1).
وحفل هذا المقطع من دعاء الإمام (علیه السّلام) بالثناء على الله تعالى وذكر بعض صفاته العظيمة ، التي طبق سناها ما في السموات والأرض . ويستمر إمام المتقين في دعائه قائلاً:
أَحْمَدُهُ حَمْداً أَسْتَزِيدُهُ فِي نِعْمَتِهِ ، وَأَسْتَجِيرُ بِهِ مِنْ نِقْمَتِهِ ، وَأَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِالتَّصْدِيقِ لِنَبِيِّهِ الْمُصْطَفَى لِوَحْيِهِ ، الْمُتَخَيَّرِ لِرِسَالَتِهِ ، الْمُخْتَصّ بِشَفَاعَتِهِ ، الْقائِم بِحَقِّهِ ، مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ ، وَعَلَى النَّبِيِّينَ والْمُرْسَلِينَ ، وَالْمَلائِكَةِ أَجْمَعِينَ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيماً .
إِلَهِي دَرَسَتِ الْآمَالُ ، وَتَغَيَّرَتِ الْأَحْوَالُ ، وَكَذَبَتِ الْأَلْسُنُ ، وَاخْلِفَتِ الْعِدَةُ إِلَّا عِدَتُكَ ، فَإِنَّكَ وَعَدْتَ مَغْفِرَةٌ وَفَضْلاً.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَأَعْطِنِي مِنْ فَضْلِكَ ، وَأَعِذْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيم . سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ مَا أَعْظَمَكَ وَأَحْلَمَكَ وَأَكْرَمَكَ وَسِعَ بِفَضْلِكَ حِلْمُكَ تَمَرُّدَ الْمُسْتَكْبِرِينَ ، واسْتَغْرَقَتْ نِعْمَتُك شُكْرَ الشَّاكِرِينَ ، وَعَظُمَ حِلْمُكَ عَنْ إِحْصَاءِ الْمُحْصِينَ ، وَجَلَّ طَوْلُكَ عَنْ وَصْفِ الْوَاصِفِينَ ، كَيْفَ لَوْلَا فَضْلُك حَلَمْتَ عَمَّنْ خَلَقْتَهُ مِنْ نُطْفَةٍ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا، فَرَبَّيْتَهُ بِطَيِّبِ
1) فاطر 35: 45 .
رِزْقِكَ ، وَأَنْشَأْتَهُ فِي تَوَاتُرِ نِعَمِكَ ، وَمَكَّنْتَ لَهُ فِي مِهادِ أَرْضِكَ ، وَدَعَوْتَهُ إِلَى طَاعَتِكَ ، فَاسْتَنْجَدَ عَلَى عِصْيَانِكَ بِإِحْسَانِكَ ، وَجَحَدَكَ وَعَبَدَ غَيْرَكَ فِي سُلْطَانكَ ؟ ..
كَيْفَ - لَوْلا حِلْمُكَ أَمْهَلْتَنِي ، وَقَدْ شَمَلْتَنِي بِسِتْرِكَ ، وَأَكْرَمْتَنِي بِمَعْرِفَتِكَ. وَأطْلَقْتَ لِسَانِي بِشُكْرِكَ ، وَهَدَيْتَنِي السَّبِيلَ إِلى طَاعَتِكَ ، وَسَهَّلْتَنِي الْمَسْلَكَ إِلى كَرامَتِكَ ، وَأَحْضَرْتَنِي سَبِيلَ قُرْبَتِكَ، فَكَانَ جَزَاؤُكَ مِنِّي أَنْ كَافَأْتُكَ عَن الْإِحْسَانِ بِالْإِسَاءَةِ ، حَرِيصاً عَلى مَا أَسْخَطَكَ ، مُتَنَقِّلاً فِيمَا أَسْتَحِقُّ بِهِ المَزيد مِنْ نِقْمَتِكَ ، سَرِيعاً إِلَى مَا هُوَ أَبْعَدُ عَنْ رِضَاكَ ، مُعْتَبِطاً بِغِرَّةِ الْأَمَلِ ، مُعْرِضاً عَنْ زَواجِرِ الْأَجَلِ ، لَمْ يَنْفَعْنِي حِلْمُكَ عَنِّي ، وَقَدْ أَتَانِي تَوَعُدُكَ بِأَخْذِ الْقُوَّةِ مِنِّي ، حَتَّىٰ دَعَوْتُكَ عَلَى عَظِيمِ الْخَطِيئَةِ ، أَسْتَزِيدُكَ فِي نِعَمِكَ غَيْرَ مُتَأَهِّبٍ لِمَا قَدْ أَشْرَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ نِقْمَتِكَ ، مُسْتَبْطِئَاً لِمَزِيْدِكَ ، وَمُتَسَخَّطاً لِمَيْسُورِ رِزْقِكَ ، مُقْتَضِياً جَوائِزَكَ بِعَمَلِ الْفُجَّارِ ، كَالْمُراصِدِ رَحْمَتَكَ بِعَمَلِ الْأَبْرارِ ، مُجْتَهِداً أَتَمَنَّىٰ عَلَيْكَ الْعَظَائِمَ كَالْمُدِلُّ الْآمِنِ مِنْ قِصَاصِ الْجَرَائِمِ ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ...
وحكى هذا المقطع مدى ألطاف الله ، وعظيم فضله وإحسانه على عباده ؛ مع ما يصدر منهم من سوء الأعمال، والتنكّر لألطافه ونعمه عليهم ، وهو مع ذلك يقابلهم بالمزيد من بره وفضله ، ويأخذ الإمام بالتضرع إليه تعالى قائلاً:
مُصِيبَةٌ عَظُمَ رُزؤُهَا ، وَجَلَّ عِقَابُهَا ، بَلْ كَيْفَ - لَوْلا أَمَلِي ، وَوَعْدُكَ الصَّفْحَ عَنْ زَلَلِي أَرْجُو إِقَالَتَكَ ، وَقَدْ جَاهَرْتُكَ بِالْكَبَائِرِ ، مُسْتَخْفِياً عَنْ أَصَاغِرِ خَلْقِكَ ؟ فَلَا أَنَا رَاقَبْتُكَ وَأَنْتَ مَعِي ، وَلَا رَاعَيْتُ حُرْمَةَ سِتْرِكَ عَلَيَّ
بِأَيِّ وَجْهِ الْقَاكَ ؟
وَبِأَيِّ لِسَانِ أَنَا جِيكَ ؟ وَقَدْ نَقَضْتُ الْعُهُودَ وَالايْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ، وَجَعَلْتُكَ عَلَيَّ كَفِيلاً، ثُمَّ دَعَوْتُكَ مُقْتَحِماً فِي الْخَطِيئَةِ فَأَجَبْتَنِي ، وَدَعَوْتَنِي وَإِلَيْكَ فَقْري ؟
فَوا سَوْأَتَاهُ وَقُبْحَ صَنِيعَاهُ !
سُبْحَانَكَ أَيَّةَ جُرْأَةٍ تَجَرَّاتُ ، وَأَيَّ تَغْرِيرٍ غَرَّرْتُ نَفْسِي ؟ سُبْحَانَكَ فَبِكَ أَتَقَرَّبُ إِلَيْكَ ، وَبِحَقِّكَ أَقْسِمُ عَلَيْكَ ، وَمِنْكَ أَهْرُبُ إِلَيْكَ ، بِنَفْسِي اسْتَخْفَفْتُ عِنْدَ مَعْصِيَتِي لَا بِنَفْسِكَ ، وَبِجَهْلِي اغْتَرَرْتُ لَا بِحِلْمِكَ ، وَحَقِّي أَضَعْتُ لَا عَظِيمَ حَقِّكَ ، وَنَفْسِي ظَلَمْتُ ، وَلِرَحْمَتِكَ الْآنَ رَجَوْتُ ، وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ ، وَإِلَيْكَ أَتَبْتُ وَتَضَرَّعْتُ ، فَارْحَمْ إِلَيْكَ فَقْرِي وَفَاقَتِي ، وَكَبْوَتِي لِحُرِّ وَجْهِي (1)وَحَيْرَتِي فِي سَوْأَةِ ذُنُوبِي ، إِنَّكَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ .
وحكت هذه الفقرات من دعاء الإمام مدى خوفه من الله تعالى وتضرعه إليه ، وإنابته ، وانقطاعه إليه ، وأنّه لا يرجو غيره ، ولا يأمل سواه ، وهذا غاية الطاعة ومنتهى الإخلاص .
ويستمر الإمام (علیه السّلام) في دعائه فيقول :
يَا أَسْمَعَ مَدْعُو ، وَخَيْرَ مَرْجُوِّ ، وَأَحْلَمَ مُغْضٍ ، وَأَقْرَبَ مُسْتَغَاثٍ فَاثٍ ، أَدْعُوكَ مُسْتَغِيثَاً بِكَ، اسْتِغَاثَةَ الْمُتَحَيِّرِ الْمُسْتَيْنِسِ مِنْ إِغَاثَةِ خَلْقِكَ ، فَعُدْ بِلُطْفِكَ عَلَى ضَعْفِي ، واغْفِرْ لِي بِسَعَةِ رَحْمَتِكَ كِبَائِرَ ذُنُوبِي ، وَهَبْ لِي عَاجِلَ صُنْعِكَ ،
1) حُرّ الوجه : أكرم شيء فيه وأعزّه ، وهو الجبهة .
إِنَّكَ أَوْسَعُ الْواهِبِينَ ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ، سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ، يَا الله يَا أَحَدٌ ، يَا اللهُ يَا صَمَدُ ، يَا مَنْ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ .
اللهُمَّ ! أَعْيَتْنِي الْمَطَالِبُ ، وَضَاقَتْ عَلَيَّ الْمَذاهِبُ ، وَأَقْصَانِي الْأَبَاعِدُ ، وَمَلَّنِى الْأَقَارِبُ ، وَأَنْتَ الرَّجَاءُ إِذَا انْقَطَعَ الرَّجَاءُ ، وَالْمُسْتَعَانُ إِذَا عَظُمَ الْبَلاءُ ، وَالرّجأُ فِي الشَّدَّةِ وَالرَّخَاءِ ، فَنَفْسٌ كُرْبَةَ نَفْسٍ إِذَا ذَكَّرَهَا الْقُنُوطُ مَسَاوِنَهَا أَیِسَتْ مِنْ رَحْمَتِكَ ، وَلَا تُؤْيِسْنِي مِنْ رَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ (1).
لقد تجرد الإمام من كل نزعة مادية ، ولم يعد له أي التقاء مع متع الدنيا ورغائبها ، وانقطع إلى الله انقطاعاً كاملاً، فلا يرى غيره ملجاً ومفزعاً ، وهكذا كانت حياته كلها مع الله تعالى .
1) مهج الدعوات : 140 - 147 . بحار الأنوار: 91: 231 - 239 . نهج السعادة : 6: 117 - 124 .
ومن أدعيته (علیه السّلام) في توحيد الله وتعظيمه هذا الدعاء الشريف:
إِنَّكَ حَيٌّ لَا تَمُوتُ ، وَصَادِقٌ لَا تَكْذِبُ ، وَقَاهِرٌ لَا تُفْهَرُ ، وَخَالِقٌ لَا تُعَانُ ، وَقَرِيبٌ لَا تَبْعُدُ ، وَقَادِرٌ لَا تُضَادُّ ، وَغَافِرٌ لَا تَظْلِمُ ، وَصَمَدٌ لَا تُطْعَمُ ، وَقَيُّومٌ لَا تَنامُ ، وَمُجِيبٌ لَا تَسْأَمُ ، وَبَصِيرٌ لَا تَرْتَابُ ، وَجَبَّارٌ لَا تُعَانُ ، وَعَظِيمٌ لَا تُرامُ ، وَعَلِيمٌ لَا تُعَلَّمُ ، وَقَوِيٌّ لَا تَضْعُفُ ، وَحَلِيمٌ لَا تَعْجَلُ ، وَعَظِيمٌ لَا تُوصَفُ ، وَوَفِيٌّ لَا تُخْلِفُ ، وَعَادِلٌ لَا تَحِيفُ ، وَغَالِبٌ لَا تُغْلَبُ ، وَغَنِيٌّ لَا تَفْتَقِرُ ، وَكَبِيرٌ لَا تَصْغَرُ ، وَحَكِيمٌ لَا تَجُورُ ، وَمَنِيعٌ لَا تُقْهَرُ، وَمَعْرُوفٌ لَا تُنْكَرُ، وَوِتْرٌ لَا تَسْتَأْنِسُ ، وَفَرْدٌ لَا تَسْتَشِيرُ ، وَوَهَّابٌ لَا تَمَلُّ ، وَسَمِيعٌ لَا تَذْهَلُ ، وَجَوادٌ لَا تَبْخَلُ ، وَعَزيزٌ لَا تَذِلُّ ، وَحَافِظٌ لَا تَغْفَلُ ، وَقائِمٌ لَا تَسْهُو ، وَقَيُّومٌ لَا تَنَامُ ، وَرَفِيقٌ لَا تَعْنِفُ ، وَحَلِيمٌ لَا تَعْجَلُ ، وَشَاهِدٌ لَا تَغِيبُ ، وَمُحْتَجِبٌ لَا تُرى ، وَدائِمٌ لَا تَفْنى ، وَبَاقٍ لَا تَبْلَى ، وَواحِدٌ لَا تُشَبَّهُ ، ومُقْتَدِرٌ لَا تُنَازَعُ ...
وألمت هذه الكلمات ببعض صفات الخالق العظيم ، ونعوته التي يعرفها ويُحيط بها إمام المتقين ، وسيّد العارفين . ثمّ يستمر الإمام في دعائه قائلاً:
يَا كَرِيمُ ، يَا جَوادُ ، يَا مُتَكَرِّمُ يَا قَريبُ يَا مُجِيبُ ، يَا مُتَعَالِي ، يَا جَلِيلُ ، يَا سَلَامُ ، يَا مُؤْمِنُ ، يَا مُهَيْمِنُ یا عَزيزُ يَا مُتَعَزِّزُ يَا جَبَّارُ ، يَا مُتَجَبُرُ ، يَا كَبِيرُ ،
يَا مُتَكَبِّرُ ، يَا قَادِرُ ، يا مُقْتَدِرُ ، يَا مَنْ يُنَادِى مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ بِأَلْسِنَةٍ شَتَّى ، وَلُغاتٍ مُخْتَلِفَةٍ ، وَحَوائِجَ مُتَابِعَةِ ، لَا يَشْغَلُكَ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ.
أَنْتَ الَّذِي لَا تَبِيدُ ، وَلَا تُفْنِيكَ الدُّهُورُ ، وَلَا تُغَيِّرُكَ الْأَزِمِنَةُ ، وَلَا تُحِيطُ بِكَ الْأَمْكِنَةُ ، وَلَا يَأْخُذُكَ نَوْمٌ وَلَا سِنَةٌ ، وَلَا يُشْبِهُكَ شَيْءٌ . وَكَيْفَ لَا تَكُونُ كَذِلَكَ وَأَنْتَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ؟ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ، كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَكَ أَكْرَمَ الْوُجُوهِ .
سُبُّوحٌ ذِكْرُكَ ، قُدُّوسٌ أَمْرُكَ ، وَاجِبٌ حَقًّكَ ، نَافِذٌ قَضَاؤُكَ ، لَازِمَةٌ طَاعَتُكَ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَيَسِّرْ لِي مِنْ أَمْرِي مَا أَخَافُ عُسْرَهُ ، وَفَرِّجْ عَنِّي وَعَن كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ مَا أَخَافُ كَرْبَهُ، وَسَهِّلْ لِي مَا أَخَافُ صُعُوبَتَهُ ، وَخَلِّصْنِي مِمَّا أَخَافُ هَلَكَتَهُ ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .
يَا ذَا الْجَلَالِ وَالاكْرامِ ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَالِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ ...(1).
1) الصحيفة العلوية : 74 - 76 . بحار الأنوار: 92: 390 و 391 مهج الدعوات : 171 - 173 .
من أدعية الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) هذا الدعاء الشريف وهو من أجل أدعيته ، وكان يدعو به في يوم الجمعة، وقد حفل بتوحيد الله ، وتنزيهه عن مشابهة مخلوقاته ، وهذا نصّه :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ ، وَلَا مِنْ شَيْءٍ كَوَّنَ مَا قَدْ كَانَ ، مُسْتَشْهَدٌ بِحُدُوثِ الْأَشْيَاءِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ ، وَبِمَا وَسَمَهَا بِهِ مِنَ الْعَجْزِ عَلى قُدْرَتِهِ ، وَبِمَا اضْطَرَّهَا إِلَيْهِ مِنَ الْفَنَاءِ عَلَى دَوامِهِ ، لَمْ يَخْلُ مِنْهُ مَكَانٌ فَيُدْرَكَ بِأَيْنِيَّتِهِ ، وَلَا لَهُ شَبَهُ وَلَا مِثَالٌ فَيُوْصَفَ بِكَيْفِيَّتِهِ ، وَلَمْ يَغِبْ عَنْ شَيْءٍ فَيُعْلَمَ بِحَيْنِيَّتِهِ ، مُبَائِنٌ لِجَمِيعِ مَا أَحْدَثَ فِي الصَّفَاتِ ، وَمُمْتَنِعٌ عَنِ الْإِدْراكِ بِمَا ابْتَدَعَ مِنْ تَصَرُّفِ الذُّواتِ ، وَخَارِجٌ بِالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ مِنْ جَمِيعِ تَصَرُّفِ الْحَالَاتِ ، وَمُحَرَّمٌ على بوارع ثَاقِبَاتِ الْفِطَنِ تَحْدِيدُهُ ، وَعَلَى عَوامِقِ ثَاقِبَاتِ الْفِكَرِ تَكْبِيفُهُ ، وَعَلَى غَوايصِ سَابِحَاتِ النَّظَرِ تَصْوِيرُهُ ، وَلَا تَحْوِيهِ الْأَمَاكِنُ لِعَظَمَتِهِ ، وَلَا تَذْرَعُهُ الْمَقَادِيرُ لِجَلَالِهِ ، وَلَا تَقْطَعُهُ الْمَقَايِيسُ لِكِبْرِيَائِهِ ، مُمْتَنِعٌ عَنِ الْأَوْهَامِ أَنْ تَكْتَنِهَهُ ، وَعَنِ الْأَنْهَامِ أَنْ تَسْتَغْرِقَهُ ، وَعَنِ الْأَذْهَانِ أَنْ تُمَثْلَهُ ، قَدْ يَئِسَتْ عَنِ اسْتِنْبَاطِ الْإِحَاطَةِ بِهِ طَوامِحُ الْعُقُولِ ، وَنَضَبَتْ عَنِ الْإِشَارَةِ إِلَيْهِ بِالْإِكْتِنَاءِ بِحَارُ الْعُلُومِ ، وَرَجَعَتْ بِالصِّغَرِ عَنِ السُّمُو إِلى وَصْفِ قُدْرَتِهِ لِطَائِفُ الْخُصُومِ ،
واحِدٌ لَا مِنْ عَدَدٍ ، وَدائِمٌ لَا بِأَمَدٍ ، وَقَائِمٌ لَا بِعَمَدٍ ، لَيْسَ بِجِنْسِ فَتُعَادِلَهُ الْأَجْنَاسُ ، وَلَا بِشَبَحٍ فَتُضَارِعَهُ الْأَشْبَاحُ ، وَلَا كَالْأَشْيَاءِ فَتَقَعَ عَلَيْهِ الصِّفَاتُ ، قَدْ ضَلَّتِ الْعُقُولُ فِي أَمْواجِ تَيَّارِ إِدْراكِهِ ، وَتَحَيَّرَتِ الْأَوْهَامُ عَنْ إِحَاطَةِ ذِكْرِ أَزَلِيَّتِهِ ، وَحَصَرَتِ الْأَنْهَامُ عَنِ اسْتِشْعَارِ وَصْفِ قُدْرَتِهِ ، وَغَرِقَتِ الْأَذْهَانُ فِي لُجَجِ بِحَارِ أَفْلَاكِ مَلَكُوتِهِ ، مُقْتَدِرٌ بِالْآلَاءِ ، وَمُمْتَنِعٌ بِالْكِبْرِياءِ ، وَمُتَمَلِّكَ عَلَى الْأَشْيَاءِ ، فَلَا دَهْرٌ يُخْلِقُهُ ، وَلَا وَصْفٌ يُحِيطُ بِهِ ، قَدْ خَضَعَتْ لَهُ رِقَابُ الصِّعَابِ فِي مَحَل مَحَلَّ تُخُومٍ قَرارِها ، وَأَذْعَنَتْ لَهُ رَوَاصِنُ الْأَسْبَابِ فِي مُنْتَهى شَوَاهِقِ أَقْطَارِهَا ، مُسْتَشْهِداً بِكُلِّيَّةِ الْأَجْنَاسِ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ ، وَبِعَجْزِهَا عَلى قُدْرَتِهِ ، وَبِقُطُورِها عَلَى قُدْمَتِهِ ، وَبِزَوالِهَا عَلى بَقائِهِ ، فَلَا لَهَا مَحِيْضٌ عَنْ إِدْراكِهِ إِيَّاهَا ، وَلَا خُرُوجٌ عَنْ إِحَاطَتِهِ بِهَا ، وَلَا احْتِجَابٌ عَنْ إِحْصَائِهِ لَهَا ، وَلَا امْتِنَاعٌ مِنْ قُدْرَتِهِ عَلَيْهَا ، كَفى باثْقَانِ الصُنعِ لَهُ آيَةٌ ، وَبِتَرْكِيبِ الطَّبْع عَلَيْهِ دَلَالَةٌ ، وَبِحُدُوثِ الْفِطَرِ عَلَيْهِ قُدْمَةٌ ، وَبِإِحْكامِ الصَّنْعَةِ عَلَيْهِ عِبْرَةً ، فَلَيْسَ إِلَيْهِ حَدٌ مَنْسُوبٌ ، وَلَا لَهُ مَثَلٌ مَضْرُوبٌ ، وَلَا شَيْءَ عَنْهُ بِمَحْجُوبِ ، تَعَالَى عَنْ ضَرْبِ الْأَمْثَالِ لَهُ وَالصِّفَاتِ الْمَخْلُوقَةِ عُلُوّاً كَبِيراً ..
وحفل هذا المقطع من كلام إمام الموحدين بتوحيد الله وتنزيهه عن كل صفة من صفات الممكن الذي هو عرضة للزوال والفناء ، وأنّه تعالى غير خاضع لأي حد ؛ سواء أكان من حدود الموجودات الخارجية أم غيرها، وأنه تعالى بقدرته التي لا نهاية لها قد أحاط بكلّ شيء من مخلوقاته التي منها هذه المجرّات المُذهلة التي تسبح بالفضاء ، فَجَلَّتْ قدرته ، وتعالى أمره ، وجلّت عظمته .
إنّ هذه اللوحة من دعاء الإمام (علیه السّلام) من أجل وأسمى ما كتب ودُوِّن في علم
التوحيد، وتحليل هذه الكلمات ودراستها يستوعب صفحات كثيرة .
ويستمر الإمام العظيم في دعائه فيقول :
وَسُبْحَانَ اللَّهِ الَّذِي خَلَقَ الدُّنْيَا لِلْفَنَاءِ والْبُيُودِ - أَي الْإِبَادَةِ- ، وَالاخِرَةَ لِلْبَقاءِ والْخُلُودِ.
وَسُبْحَانَ اللَّهِ الَّذِي لَا يَنْقُصُهُ مَا أَعْطى فَأَسْنى ، وَإِنْ جَازَ الْمَدَى فِي الْمُنى ، وَبَلَغَ الْغَايَةَ الْقُصْوى ، وَلَا يَجُورُ فِي حُكْمِهِ إِذا قَضى .
وَسُبْحَانَ اللَّهِ الَّذِي لَا يُرَدُّ مَا قَضى ، وَلَا يُصْرَفُ مَا أَمْضى ، وَلَا يُمْنَعُ مَا أَعْطى ، وَلَا يَهْفُو وَلَا يَنْسى ، وَلَا يَعْجَلُ ، بَلْ يُمْهِلُ وَيَعْفُو ، وَيَغْفِرُ ، وَيَرْحَمُ وَيَصْبِرُ ، وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ.
وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، الشَّاكِرُ لِلْمُطِيعِ لَهُ، الْمُمْلِي لِلْمُشْرِكِ بِهِ ، الْقَرِيبُ مِمَّنْ دَعَاهُ عَلَى حَالِ بُعْدِهِ ، وَالبَرُّ الرَّحَيمُ بِمَنْ لَجَأَ إِلَى ظِلِّهِ ، واعْتَصَمَ بِحَبْلِهِ .
وَلَا إِلهَ إِلَّا اللهُ الْمُجِيْبُ لِمَن نَادَاهُ بِأَخْفَضِ صَوْتِهِ ، السَّمِيعُ لِمَنْ نَاجَاهُ لِأَغْمَضِ سِرِّهِ ، الرَّؤُوفُ بِمَنْ رَجَاهُ لِتَفْرِيحِ هَمِّهِ ، الْقَرِيبُ مِمَّنْ دَعَاهُ لِتَنْفِيسِ كَرْبِهِ وَغَمِّهِ .
وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْحَلِيمُ عَمَّنْ أَلْحَدَ فِي آيَاتِهِ ، وَانْحَرَفَ عَنْ بَيِّنَاتِهِ ، وَدانَ بِالْجُحُودِ فِي كُلِّ حَالَاتِهِ.
واللهُ أَكْبَرُ الْقَاهِرُ لِلْأَضْدَادِ الْمُتَعَالِي عَنِ الْأَنْدادِ الْمُتَفَرِّدُ بِالْمِنَّةِ عَلى جَمِيعِ الْعِبَادِ.
واللهُ أَكْبَرُ الْمُحْتَجِبُ بِالْمَلَكُوتِ والْعِزَّةِ ، المُتَوَحْدُ بِالْجَبَرُوتِ والْقُدْرَةِ ،
الْمُتَرَدِّي بِالْكِبْرِياءِ والْعَظَمَةِ .
واللهُ أَكْبَرُ الْمُتَقَدِّسُ بِدَوامِ السُّلْطَانِ ، وَالْغَالِبُ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ ، وَنَفَاذِ الْمَشِيئَةِ فِي كُلِّ حِينٍ وَأَوَانٍ.
اللهمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ ، وَأَعْطِهِ الْيَوْمَ أَفْضَلَ الْوَسَائِل ، وَأَشْرَفَ الْعَطاءِ ، َوأَعْظَمَ الْحَبَاءِ ، وَأَقْرَبَ الْمَنَازِلِ ، وَأَسْعَدَ الْجُدُودِ ، وَأَقَرَّ الاعيُنِ .
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ الَّذِينَ أَمَرْتَ بِطَاعَتِهِمْ ، وَأَذْهَبْتَ عَنْهُمُ الرِّجْسَ ، وَطَهَّرْتَهُمْ تَطْهِيراً .
اللهمَّ صَلَّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ الَّذِينَ أَلْهَمْتَهُمْ عِلْمَكَ ، وَاسْتَحْفَظْتَهُمْ كتُبَكَ ، وَاسْتَرْعَيْتَهُمْ عِبَادَكَ .
اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ وَنِبِيِّكَ وَحَبِيبِكَ وَخَلِيلِكَ ، وَسَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ مِنَ الْأَنْبِياءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَالْخَلْقِ أَجْمَعِينَ ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ الَّذِينَ أَمَرْتَ بِطَاعَتِهِمْ ، وَأَوْجَبْتَ عَلَيْنَا حَقَّهُمْ وَمَودَّتَهُمْ .
عرض الإمام (علیه السّلام) في هذا المقطع من دعائه عظيم قدرة الله تعالى ، ومزيد ألطافه وفضله على عباده ، فهو القريب ممّن دعاه منهم ، والبَرُّ الرحيم لمن لجأ إليه منهم الذي يفيض برحمته وإحسانه حتى على الجاحدين لربوبيته ، وبعد ذلك صلى على ابن عمه وأخيه الرسول محمد (صلّی الله علیه و آله و سلّم) حبيب الله وخليله ، ثمّ صلّى على آله أبواب حكمة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم)، وخزنة علومه .
ويستمر الإمام في دعائه الشريف فيقول :
اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ سَؤالَ وَجِلٍ مِنْ عِقَابِكَ ، حَاذِرٍ مِنْ نِقْمَتِكَ ، فَزِعِ إِلَيْكَ مِنْكَ ، لَمْ يَجِدْ لِفَاقَتِهِ مُجِيراً غَيْرَكَ ، وَلَا لِخَوْفِهِ أَمْناً غَيْرَ فِنَائِكَ وَتَطَوُّلِكَ .
سَيْدِي وَمَوْلَايَ ، عَلى طُولِ مَعْصِيَتِي لَكَ أَقْصِدْنِي إِلَيْكَ ، وَإِنْ كَانَتْ سَبَقَتْنِي الذُّنُوبُ ، وَحَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ؛ لِأَنَّكَ عِمَادُ الْمُعْتَمِدِ ، وَرَصَدُ الْمُرْتَصِدِ ، لَا تَنْقُصُكَ الْمَواهِبُ ، وَلَا تَغِيظُكَ الْمَطَالِبُ ، فَلَكَ الْمِنَنُ الْعِظَامُ ، وَالنّعَمُ الْجِسَامُ .
يَا مَنْ لَا تَنْقُصُ خَزائِتُهُ وَلَا يَبِيدُ مُلْكُهُ ، وَلَا تَراهُ الْعُيُونُ ، وَلَا تَعْزُبُ مِنْهُ حَرَكَةٌ وَلَا سُكُونٌ ، لَمْ تَزَلْ سَيِّدِي وَلَا تَزالُ ، لَا يَتَوَارَىٰ عَنْكَ مُتَوَارٍ فِي كَنِينِ أَرْضِ وَلَا سَمَاءٍ وَلَا تُخُومٍ ، تَكَفَّلْتَ بِالْأَرْزاقِ يَا رَزَّاقُ ، وَتَقَدَّمْتَ عَنْ أَنْ تَتَنَاوَلَكَ الصَّفَاتُ ، وَتَعَزَّزْتَ عَنْ أَنْ تُحِيطَ بِكَ تَصَارِيفُ اللُّغَاتِ ، وَلَمْ تَكُنْ مُسْتَحْدَثاً فَتُوجَدَ مُتَنَقِّلاً عَنْ حَالَةٍ إِلى حَالَةٍ ، بَلْ أَنْتَ الْفَرْدُ الْأَوَّلُ وَالاخِرُ ، وَذُو الْعِزَّ الْقَاهِرِ ، جَزِيلُ الْعَطاءِ ، سَابِغُ النَّعْمَاءِ ، أَحَقُّ مَنْ تَجَاوَزَ وَعَفَا عَمَّنْ ظَلَمَ وَأَساءَ بِكُلِّ لِسَانٍ .
إلهِي تُمَجدُ ، وَفِي الشَّدائِدِ عَلَيْكَ يُعْتَمَدُ ، فَلَكَ الْحَمْدُ والمَجْدُ لأَنَّكَ الْمَالِكُ الْأَبَدُ ، وَالرَّبُّ السَّرْمَدُ ، أَتْقَنْتَ إِنْشاءَ الْبَرايَا فَأَحْكَمْتَهَا بِلُطْفِ التَّدْبِيرِ وَالتَّقْدِيرِ ، وَتَعَالَيْتَ فِي ارْتِفَاعِ شَأْنِكَ عَنْ أَنْ يَنْفُذَ فِيْكَ حُكْمُ التَّغْييرِ ، أَوْ يُحْتَالَ مِنْكَ بِحَالٍ يَصِفُكَ بِهِ الْمُلْحِدُ إِلَى تَبْدِيلٍ ، أَوْ يُوجَدَ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ مَسَاعٌ فِي اخْتِلَافِ التَّحْوِيلِ ، أَوْ تَلْتَشِقَ سَحائِبُ الْإِحَاطَةِ بِكَ فِي بُحُورِ هِمَمِ الْأَحْلَامِ ، أَوْ تَمْتَثِلَ لَكَ مِنْهَا جِبِلَّةٌ تَضِلُّ فِيهَا رَوِيَّاتُ الْأَوْهَامِ ، فَلَكَ الْحَمْدُ
مَوْلَايَ إِنْقَادَ الْخَلْقُ مُسْتَخْذِئِينَ بِإِقْرارِ الرُّبُوبِيَّةِ ، وَمُعْتَرِفِينَ خَاضِعِينَ لَكَ بِالْعُبُودِيَّةِ...
وحفل بداية هذا المقطع بالتذلل وإظهار العبودية المطلقة الله تعالى ، وبيان عظمة قدرته ، وجليل مواهبه وعطاياه وتكفله بأرزاق عباده صالحهم وطالحهم ، كما عرض إلى عظيم شأن الله تعالى ، وأنه لا يُحيط بكنهه وصف الواصفين ونعتُ الناعتين ، ثمّ عرض إلى أنه تعالى هو المفزع والملجأ إذا ألمت بالإنسان كوارث الأيام. هذا بعض ما حواه كلام الإمام (علیه السّلام).
ويستمر الإمام في دعائه قائلاً في تمجيد الله والثناء عليه :
سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَ شَأْنَكَ ، وَأَعْلَى مَكَانَكَ ، وَأَنْطَقَ بِالصِّدْقِ بُرْهَانَكَ ، وَأَنْفَذَ أَمْرَكَ ، وَأَحْسَنَ تَقْدِيرَكَ ، سَمَكْتَ السَّمَاءَ فَرَفَعْتَهَا ، وَمَهَّدْتَ الْأَرْضَ فَفَرَشْتَهَا ، فَأَخْرَجْتَ مِنْهَا مَاءً فَجَاجاً ، وَنَباتاً رَجْراجاً ، فَسَبَّحَكَ نَبَاتُها ، وَجَرَتْ بِأَمْرِكَ مياهُهَا ، وَقَامَا عَلى مُسْتَقَرُ الْمَشِيَّةِ كَمَا أَمَرْتَهُما .
فَيَا مَنْ تَعَزَّزَ بِالْبَقَاءِ ، وَقَهَرَ عِبَادَهُ بِالْفَنَاءِ ، أَكْرِمْ مَثْوَايَ ، فَإِنَّكَ خَيْرُ مُنتَجَع لِكَشْفِ الضُّرُ. يَا مَنْ هُوَ مَأْمُولٌ فِي كُلِّ عُسْرٍ ، وَمُرْتَجِى لِكُلِّ يُسْرِ، بِكَ أَنْزَلْتُ الْيَوْمَ حَاجَتِي ، وَإِلَيْكَ أَبْتَهِلُ فَلَا تَرُدَّنِي خَائِباً نا رَجَوتُ ، وَلَا تَحْجُبْ دُعَائِي عَنْكَ إِذْ فَتَحْتَهُ لِي فَدَعَوْتُ.
وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَارْزُقْنِي مِنْ فَضْلِكَ الْواسِعِ رِزْقاً واسعاً سَائِغاً حَلالاً طَيِّباً هَنِيئًا مَرِيئًا لَذِيذاً فِي عَافِيَةٍ ...
وحفل هذا المقطع بتوحيد الله ، وذكر بعض آياته ؛ من رفع السماء ، وخلق
الأرض بالكيفية المذهلة ، وذلك بإخراج الماء منها ، وإنبات النبات فيها إلى غير ذلك من آياته العظام ، ثمّ ينزل الإمام جميع شؤونه بساحة الله تعالى طالباً منه إنجازها . ويستمر الإمام في دعائه قائلاً:
اللّهُمَّ اجْعَلْ خَيْرَ أَيَّامِي يَوْمَ أَلْقَاكَ ، واغْفِرْ لِي خَطَايَايَ فَقَدْ أَوْحَشَتْنِي وَتَجاوَزْ عَنْ ذُنُوبِي فَقَدْ أَوْبَقَتْنِي ، فَإِنَّكَ مُجِيبٌ مُنِيبٌ رَقِيبٌ قَرِيبٌ قَادِرٌ غَافِرٌ قَاهِرٌ رَحِيمٌ كَرِيمٌ قَيُّومٌ ، وَذَلِكَ عَلَيْكَ يَسِيرٌ ، وَأَنْتَ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ.
اللهُمَّ افْتَرَضْتَ عَلَى لِلْآبَاءِ وَالْاَمَّهَاتِ حُقُوقاً فَعَظَّمْتَهُنَّ ، وَأَنْتَ أَوْلى مَنْ حَطَّ الْأَوْزارَ وَخَفَّفَهَا ، وَأَدَّى الْحُقُوقَ عَنْ عَبِيدِهِ ، فَاحْتَمِلُهُنَّ عَنِّي إِلَيْهِمَا ، واغْفِرْ لَهُمَا كَمَا رَجَاكَ كُلُّ مُوحَدٍ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ والْإخْوانِ والْأَخَواتِ ، وَأَلْحِقْنَا وَإِيَّاهُمْ بِالْأَبْرارِ ، وَأَبِحْ لَنَا وَلَهُمْ جَنَّاتِكَ مَعَ النُّجَباءِ الْأَخْيَارِ، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ وَعِتْرَتِهِ الطَّيِّبِينَ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيماً (1).
وانتهى هذا الدعاء الشريف الذي هو من غُرر أدعية الإمام (علیه السّلام)، وقد حفل بتوحيد الله تعالى ، وتنزيهه عن صفات مخلوقاته ، والتذلل أمام عظمته ، ورجاء مغفرته وعفوه وطلب مرضاته .
لقد عكف إمام المتقين في جميع حياته على طاعة الله ، وعبادته ومناجاته ، وتُعد أدعيته منهجاً متكاملاً لمعرفة الله ، والتذلل أمامه .
1) البلد الأمين: 140 - 144 . عيون أخبار الرضاء (علیه السّلام): 2 : 111 - 113 ، الحديث 15.
ومن أدعية الإمام الباهرة هذا الدعاء الجليل الذي حكى فيه عظيم قدرة الله تعالى ، وإبداعه لخلق الأشياء ، وهذا نصه :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الدّائِمُ ، الْمَلِكُ الْحَقُّ الْمُبِينُ ، الْمُدَبِّرُ بِلَا وَزِيرٍ، وَلَا خَلْقٍ مِنْ عِبَادِهِ يَسْتَشِيرُ الْأَوَّلُ غَيْرُ مَوْصُوفٍ ، الْبَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ الْخَلْقِ ، الْعَظِيمُ الرُّبُوبِيَّةِ ، نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ وَفَاطِرُهُمَا وَمُبْتَدِعُهُمَا ، خَلَقَهُمَا بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَفَتقَهُمَا فَتْقاً ، فَقَامَتِ السَّمَوَاتُ طائِعَاتٍ بِأَمْرِهِ ، وَاسْتَقَرَّتِ الْأَرَضُونَ بِأَوْتَادِهَا فَوْقَ الْمَاءِ ، ثُمَّ عَلَا رَبُّنَا فِي السَّمَوَاتِ الْعُلى ، الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ، لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرى .
فَأَنَا أَشْهَدُ بِأَنَّكَ أَنتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ، لَا رَافِعَ لِمَا وَضَعْتَ ، وَلَا واضِعَ لِمَا رَفَعْتَ ، وَلَا مُعِزَّ لِمَنْ أَذْلَلْتَ ، وَلَا مُذِلَّ لِمَنْ أَعْزَزْتَ ، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ .
وَأَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ كُنْتَ إِذْ لَمْ تَكُنْ سَماءٌ مَبْنِيَّةٌ ، وَلَا أَرْضٌ مَدْحِيَّةٌ ، وَلَا شَمْسٌ مُضِينَةٌ ، وَلَا لَيْلٌ مُظْلِمٌ ، وَلَا نَهَارٌ مُضِيءٌ ، وَلَا بَحْرٌ لُجِّيٍّ ، وَلَا جَبَلٌ
راس ، وَلَا نَجْمٌ سَارٍ ، وَلَا قَمَرٌ مُنِيرٌ ، وَلَا رِيحٌ تَهبُّ ، وَلَا سَحَابٌ يَسْكُبُ ، وَلَا بَرْقٌ يَلْمَعُ ، وَلَا رَعْدٌ يُسَبِّحُ ، وَلَا رُوحٌ تَنَفَّسُ ، وَلَا طَائِرٌ يَطِيرُ ، وَلَا نَارٌ تَتَوَفَّدُ ، وَلَا ماءٌ يَطَّرِدُ .
كُنْتَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ ، وَكَوَّنْتَ كُلَّ شَيْءٍ ، وَقَدَرْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، وَابْتَدَعْتَ كُلَّ شَيْءٍ ، وَأَغْنَيْتَ وَأَفْقَرْتَ ، وَأَمَتْ وَأَحْيَيْتَ ، وَأَضْحَكْتَ وَأَبْكَيْتَ ، وَعَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَيْتَ ، فَتَبَارَكْتَ يَا اللهُ ، وَتَعَالَيْتَ يَا الله.
تحدّث إمام الموحدين في هذا المقطع عن صفات الله تعالى ، وعظيم قدرته ، وبديع صنعه ، وعجائب خلقه ؛ من دَحْو الأرض ، واستقرارها بأوتادها ، وغير ذلك من مذهلات مخلوقاته التي لا حصر لها .
ويستمر الإمام في دعائه قائلاً:
أَنْتَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ، أَمْرُكَ غَالِبٌ ، وَعِلْمُكَ نَافِةٌ ، وَكَيْدُكَ غَرِيبٌ ، وَوَعْدُكَ صَادِقٌ ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ ، وَحُكْمُكَ عَدْلٌ ، وَكَلَامُكَ هُدى ، وَوَحْيُكَ نُورٌ ، وَرَحْمَتُكَ واسِعَةٌ ، وَعَفْوَكَ عَظِيمٌ ، وَفَضْلُكَ كَثِيرٌ ، وَعَطَاؤُكَ جَزِيلٌ ، وَحَبْلُكَ مَتِينٌ ، وَإِمْكَانُكَ عَتِيدٌ ، وَجَارُكَ عَزِيزٌ ، وَيَأْسُكَ شَدِيدٌ ، وَمَكْرُكَ مَكِيدٌ .
أَنْتَ يَا رَبِّ مَوْضِعُ كُلِّ شَكْوَى ، وَشَاهِدُ كُلِّ نَجْوى ، وَحَاضِرُ كُلِّ مَلَإٍ، وَمُنْتَهى كُلِّ حَاجَةٍ ، وَفَرَجُ كُلِّ حَزِينٍ ، وَغِنى كُلِّ فَقِيرٍ مِسْكِينٍ ، وَحِصْنُ كُلِّ هَارِبٍ ، وَأَمَانُ كُلِّ خَائِفٍ .
حِرْزُ الضُّعَفَاءِ ، كَنْزُ الفُقَراءِ ، مُفَرِّجُ الْغَمَاءِ ، مُعِينُ الصَّالِحِينَ ، ذَلِكَ اللهُ رَبُّنَا
لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ تَكْفِي مِنْ عِبَادِكَ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْكَ ، وَأَنْتَ جَارُ مَنْ لَاذَ بِكَ وَتَضَرَّعَ إِلَيْكَ .
عِصْمَةُ مَنِ اعْتَصَمَ بِكَ مِنْ عِبَادِكَ ، نَاصِرُ مَنِ انْتَصَرَ بِكَ . تَغْفِرُ الذُّنُوبَ لِمَنِ اسْتَغْفَرَكَ.
جَبَّارُ الْجَبَابِرَةِ ، عَظِيمُ الْعُظَمَاءِ ، كَبِيرُ الْكُبَراءِ ، سَيِّدُ السَّاداتِ ، مَوْلَى الْمَوالِي ، صَرِيخُ الْمُسْتَصْرِخِينَ ، مُنَفْسٌ عَنِ الْمَكْرُوبِينَ ، مُجِيبُ دَعْوَةِ الْمُضْطَرِّينَ ، أَسْمَعُ السَّامِعِينَ ، أَبْصَرُ النَّاظِرِينَ ، أَحْكَمُ الحَاكِمِينَ ، أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ، أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ، خَيْرُ الْغَافِرِينَ ، قَاضِي حَوَائِجَ الْمُؤْمِنِينَ ، مُغِيثُ الصَّالِحِينَ ...
وفي هذا المقطع تحدّث الإمام (علیه السّلام) عن صفات الله تعالى وعظيم قدرته ، وجليل صنعه ، ووافر عطاياه ، وغير ذلك من صفاته العظيمة ، ويختم دعاءه بقوله :
أَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ، أَنْتَ الْخَالِقُ وَأَنَا الْمَخْلُوقُ ، وَأَنْتَ الْمَالِكُ وَأَنَا الْمَمْلُولُ ، وَأَنْتَ الرَّبُّ وَأَنَا الْعَبْدُ ، وَأَنْتَ الرَّازِقُ وَأَنَا الْمَرْزُوقُ ، وَأَنْتَ الْمُعْطِي وَأَنَا السَّائِلُ ، وَأَنْتَ الْجَوَادُ وَأَنَا الْبَخِيلُ ، وَأَنْتَ الْقَوِيُّ وَأَنَا الضَّعِيفُ ، وَأَنْتَ الْعَزِيزُ وَأَنَا الدَّلِيلُ ، وَأَنْتَ الْغَنِيُّ وَأَنَا الْفَقِيرُ ، وَأَنْتَ السَّيِّدُ وَأَنَا الْعَبْدُ ، وَأَنْتَ الْغَافِرُ وَأَنَا الْمُسِيءُ ، وَأَنْتَ الْعَالِمُ وَأَنَا الْجَاهِلُ ، وَأَنْتَ الْحَلِيمُ وَأَنَا الْمَجُولُ ، وَأَنْتَ الرَّاحِمُ وَأَنَا الْمَرْحُومُ ، وَأَنْتَ الْمُعَافِي وَأَنَا الْمُبْتَلَى ، وَأَنْتَ الْمُجِيبُ وَأَنَا الْمُضْطَر .
وَأَنَا أَشْهَدُ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْوَاحِدُ الْفَرْدُ وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ،
وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ (1).
وأنت ترى في هذه الفقرات مدى تذلّل الإمام وخضوعه أمام الخالق العظيم ، فقد اعترف بعبوديته المطلقة الله تعالى .
هذه بعض أدعية الإمام (علیه السّلام) التي حكت آيات الله تعالى ، وعظيم قدرته ، وبدائع صنعته ، وهي من أدلّة التوحيد ، ومن كنوز معارف الإمام بالخالق العظيم .
1) البلد الأمين : 517 - 519 . بحار الأنوار: 54: 36 و 37 ، الحديث 9.
وانقطع إمام المتقين ، وزعيم الموحدين (علیه السّلام) إلى الله تعالى انقطاعاً كاملاً ، وأناب إليه أعظم ما تكون الإنابة ، وسرى حُبُّ الله تعالى والخشية والخوف منه في أعماق نفسه ، ودخائل ذاته ، وقد توسّل وتضرع إليه طالباً منه العفو ، والتقرب إليه ، وقد أثرت عنه كوكبة من الأدعية الشريفة ، يلمس فيها مدى إخلاصه وتذلله أمام عظمته تعالى ، كان منها ما يلي :
دُعَاؤُهُ عَلَيْهِ السَّلام في التضرع والتذلّل أمام الله تعالى
من أدعية الإمام (علیه السّلام) الجليلة هذا الدعاء الشريف ، وهو من أجل أدعيته ، وكان يدعو به حفيده الإمام محمد الباقر (علیه السّلام) ، باقر علوم الأولين والآخرين ، وهذا نصه :
اللهُمَّ أَنْتَ رَبِّي وَأَنا عَبْدُكَ ، آمَنْتُ بِكَ مُخلِصاً لَكَ عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ مِنْ سُوءِ عَمَلِي ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِلذُّنُوبِ الَّتِي لَا يَغْفِرُها غَيْرُكَ ، أَصْبَحَ ذَلّي مُسْتَجِيراً بِعِزَّتِكَ ، وَأَصْبَحَ فَقْرِي مُسْتَجِيراً بِغِنَاكَ ، وَأَصْبَحَ جَهْلِي مُسْتَجِيراً بِحِلْمِكَ ، وَأَصْبَحَتْ قِلَّةُ حِيلَتِي مُسْتَجِيرَةٌ بِقُدْرَتِكَ ،
وَأَصْبَحَ خَوْفِي مُسْتَجِيراً بِأَمَانِكَ ، وَأَصْبَحَ دَائِي مُسْتَجِيراً بِدَوَائِكَ ، وَأَصْبَحَ سَقَمِي مُسْتَجِيراً بِشِفَائِكَ ، وَأَصْبَحَ حَيْنِي مُسْتَجِيراً بِقَضَائِكَ ، وَأَصْبَحَ ضَعْفِي مُسْتَجِيراً بِقُوَّتِكَ ، وَأَصْبَحَ ذَنْبِي مُسْتَجِيراً بِمَغْفِرَتِكَ ، وَأَصْبَحَ وَجْهِيَ الْفَانِي الْبَالِي مُسْتَجِيراً بِوَجْهِكَ الْبَاقِي الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَبْلَى وَلَا يَفْنى ...
أرأيتم كيف تضرّع الإمام (علیه السّلام) أمام الخالق العظيم ؟ لقد تعلّقت شغاف قلبه بالله فلا يرى غير الله تعالى ملجاً ومَلاذاً ، فهو يستجير به في جميع شؤونه وأحواله .
ويستمر الإمام في دعائه قائلاً:
يَا مَنْ لَا يُوارِي مِنْهُ لَيْل داجٍ ، وَلَا سَمَاءٌ ذاتُ أَبْراجِ ، وَلَا حُجُبٌ ذاتُ أَرْتَاجِ ، وَلَا مَا ، وَلَا مَا فِي قَعْرِ بَحْرٍ عَجَّاج (1)، يَا دافِعَ السَّطَواتِ ، يَا كَاشِفَ الْكُرُبَاتِ ، يَا مُنْزِلَ الْبَرَكَاتِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ ، أَسْأَلُكَ يَا فَتَّاحُ ، يَا مَنْ بِيَدِهِ خَزائِنُ كُلِّ مِفْتَاحٍ.
أَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ ، وَأَنْ تَفْتَحَ لِي خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَأَنْ تَحْجُبَ عَنِّي فِتْنَةَ الْمُوَكَّلِ بي(2)، وَلَا تُسَلِّطْهُ عَلَيَّ فَيُهْلِكَنِي ، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى أَحَدٍ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَيَعْجِزَ عَنِّي ، وَلَا تَحْرِمْنِي الْجَنَّةَ ، وارْحَمْنِي ، وَتَوَفَّنِي مُسْلِماً ، وَالْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ، وَاكْفُفْنِي بِالْحَلَالِ عَنِ الْحَرامِ ، وَبِالطَّيِّبِ عَنِ الْخَبِيثِ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللهُمَّ خَلَقْتَ الْقُلُوبَ عَلى إِرادَتِكَ ، وَفَطَرْتَ الْعُقُولَ عَلى مَعْرِفَتِكَ، فَتَمَلْمَلَتِ الْأَفْئِدَةُ مِنْ مَخَافَتِكَ ، وَصَرَخَتِ الْقُلُوبُ بِالْوَلَهِ إِلَيْكَ ، وَتَقَاصَرَ وُسْعُ قَدْرِ الْعُقُولِ عَنِ الثَّنَاءِ عَلَيْكَ ، وانْقَطَعَتِ الْأَلْفَاظُ عَنْ مِقْدارِ مَحَاسِنِكَ ، وَكَلَّتِ الْأَلْسُنُ عَنْ إِحْصَاءِ نِعَمِكَ.
فَإِذا وَلِجَتْ بِطُرُقِ الْبَحْثِ عَنْ نَعْتِكَ بَهَرَتْهَا حَيْرَةُ الْعَجْزِ عَنْ إِدْراكِ وَصْفِكَ ، فَهِيَ تَتَرَدَّدُ فِي التَّقْصِيرِ عَنْ مُجَاوَزَةِ مَا حَدَّدْتَ لَهَا ؛ إِذْ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَجَاوَزَ مَا أَمَرْتَهَا ، فَهِيَ بِالْإِقْتِدارِ عَلى مَا مَكَتَتَهَا تَحْمَدُكَ بِمَا أَنْهَيْتَ إِلَيْهَا ، والألسُنُ مُنْبَسِطَةٌ بِمَا تُمْلِي عَلَيْهَا ، وَلَكَ عَلى كُلِّ مَنِ اسْتَعْبَدْتَ مِنْ خَلْقِكَ أَلَّا يَمَلُّوا مِنْ حَمْدِكَ ، وَإِنْ قَصُرَتِ الْمَحَامِدُ عَنْ شُكْرِكَ بِمَا أَسْدَيْتَ إِلَيْهَا مِنْ نِعَمِكَ .
فَحَمِدَكَ بِمَبْلَغ طَاقَةِ جَهْدِهِمُ الْحَامِدُونَ ، وَاعْتَصَمَ بِرَجَاءِ عَفْوِكَ الْمُقَصِّرُونَ ، وَأَوْجَسَ بِالرُّبُوبِيَّةِ لَكَ الْخَائِفُونَ ، وَقَصَدَ بِالرَّغْبَةِ إِلَيْكَ الطَّالِبُونَ ، وانْتَسَبَ إِلى فَضْلِكَ الْمُحْسِنُونَ ، وَكُلٌّ يَتَفَيَّأُ فِي ظِلَالِ تَأْمِيلٍ عَفْوِكَ ، وَيَتَضَاءَلُ بِالذُّلِّ لِخَوْفِكَ ، وَيَعْتَرِفُ بِالتَّقْصِيرِ فِي شُكْرِكَ ، فَلَمْ يَمْنَعْكَ صُدُوْفٌ مَنْ صَدَفَ عَنْ طَاعَتِكَ ، وَلَا عُكُوفُ مَنْ عَكَفَ عَلى مَعْصِيَتِكَ ، أَنْ أَسْبَغْتَ عَلَيْهِمُ النّعَمَ ، وَأَجْزَلْتَ لَهُمُ الْقِسَمَ ، وَصَرَفْتَ عَنْهُمُ النَّقَمَ ، وَخَوَّفْتَهُمْ عَوَاقِبَ النَّدَمِ ، وَضَاعَفْتَ لِمَنْ أَحْسَنَ ، وَأَوْجَبْتَ عَلَى الْمُحْسِنِ شُكْرَ تَوْفِيقِكَ لِلإِحْسَانِ، وَعَلَى الْمُسِيءِ شُكْرَ تَعَطْفِكَ بِالْإِمْتِنَانِ ، وَوَعَدْتَ مُحْسِنَهُمُ الزِّيَادَةَ فِي الْإِحْسَانِ مِنْكَ.
فَسُبْحَانَكَ تُثِيبُ عَلَى مَا بَدْؤُهُ مِنْكَ ، وانْتِسَابُهُ إِلَيْكَ ، وَالْقُوَّةُ عَلَيْهِ بِكَ ، والْإِحْسَانُ فِيْهِ مِنْكَ ، وَالتَّوَكُلُ فِي التَّوْفِيقِ لَهُ عَلَيْكَ.
فَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدَ مَنْ عَلِمَ أَنَّ الْحَمْدَ لِكَ ، وَأَنَّ بَدْءَهُ مِنْكَ ، وَمَعَادَهُ إِلَيْكَ حَمْداً لَا يَقْصُرُ عَنْ بُلُوغ الرّضى مِنْكَ ، حَمْدَ مَنْ قَصَدَكَ بِحَمْدِهِ ، وَاسْتَحَقَّ الْمَزِيدَ لَهُ مِنْكَ فِي نِعَمِهِ .
اللهُمَّ وَلَكَ مُؤَيَّداتٌ مِنْ عَوْنِكَ ، وَرَحْمَةٌ تُحَصِّنُ بِهَا مَنْ أَحْبَبْتَ مِنْ خَلْقِكَ ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، واخْصُصْنَا مِنْ رَحْمَتِكَ ، وَمُؤَيَّدَاتِ لُطْفِكَ أَوْجَبَهَا لِلْإِقَالَاتِ ، وَأَعْصَمَهَا مِنَ الْإِضَاعَاتِ ، وَأَنْجَاهَا مِنَ الْهَلَكَاتِ ، وَأَرْشَدَهَا إِلَى الْهِدايَاتِ ، وَأَوْقَاهَا مِنَ الْآفَاتِ ، وَأَوْفَرَهَا مِنْ الْحَسَنَاتِ ، وَآثَرَهَا فِي الْبَرَكَاتِ ، وَأَزْيَدَهَا فِي الْقِسَمِ، وَأَسْبَغَهَا لِلنَّعَمِ، وَأَسْتَرَهَا لِلْعُيُوبِ ، وَأَسَرَّهَا لِلْغُيُوب ، وَأَغْفَرَهَا لِلذُّنُوبِ ، إِنَّكَ قَرِيبٌ مُجِيبٌ .
وَصَلِّ عَلى خِيرَتِكَ مِنْ خَلْقِكَ ، وَصَفْوَتِكَ مِنْ بَرِيَّتِكَ ، وَأَمِينِكَ عَلى وَحْيِكَ ، بِأَفْضَلِ الصَّلَواتِ ، وَبَارِكْ عَلَيْهِمْ بِأَفْضَلِ الْبَرَكَاتِ ، بِمَا بَلَغَ عَنْكَ مِنَ الرَّسَالَاتِ ، وَصَدَعَ بِأَمْرِكَ ، وَدَعَا إِلَيْكَ ، وَأَفْصَحَ بِالدَّلَائِلِ عَلَيْكَ بِالْحَقِّ الْمُبِينِ ، حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِينُ ، وَصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ فِي الْأَوَّلِينَ ، وَصَلَّى عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ، وَعَلَى آلِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاخْلُفْهُ فِيهِمْ بِأَحْسَنِ مَا خَلَفْتَ بِهِ أَحَداً مِنَ الْمُرْسَلِينَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .
اللهُمَّ وَلَكَ إِراداتٌ لَا تُعَارَضُ دُونَ بُلُوغِهَا الْغَايَاتُ ، قَدِ انْقَطَعَ مُعَارَضَتْهَا بِعَجْزِ الْإِسْتِطَاعَاتِ عَنِ الرَّدِّ لَهَا دُونَ النِّهَايَاتِ ، فأیّةُ إِرادَةٍ جَعَلْتَهَا إِرادَةً
لِعَفْوِكَ ، وَسَبَبَاً لِنَيْلِ فَضْلِكَ ، واستنزالاً لِخَيْرِكَ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ ، وَصِلْهَا اللَّهُمَّ بِدَوامِ ، وَأَيَّدْهَا بِتَمَامٍ ، إِنَّكَ وَاسِعُ الْحِبَاءِ ، كَرِيمُ الْعَطَاءِ ، مجِيبُ النّداءِ ، سَمِيعُ الدُّعَاءِ (1).
انتهى هذا الدعاء الشريف الذي أبدى فيه الإمام تمام التذلل والخضوع الله تعالى . والذي أخلص له في عبادته وطاعته أعظم ما يكون الإخلاص .
1) البلد الأمين: 515 - 517 . بحار الأنوار: 92: 402 - 404 ، الحديث 34. نهج السعادة : 6: 227 - 223 .
وهذا الدعاء من غرر أدعيته وأكثرها إبداعاً وخضوعاً الله تعالى ويعرف بدعاء اليماني لأنه قد علّمه إلى بعض أخيار اليمن فنسب إليه وهذا نصه :
اللهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ الْحَقُّ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ، وَأَنَا عَبْدُكَ ، ظَلَمْتُ نَفْسِي واعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي ، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ ، فَاغْفِرْ لِي يَا غَفُورُ يَا شَكُورُ.
اللهُمَّ إِنِّي أَحْمَدُكَ وَأَنْتَ لِلْحَمْدِ أَهْلَ عَلَى مَا خَصَصْتَنِي بِهِ مِنْ مَوَاهِبِ الرَّغَائِبِ ، وَمَا وَصَلَ إِلَيَّ مِنْ فَضْلِكَ السَّابِعَ ، وَمَا أَوْلَيْتَنِي بِهِ مِنْ إِحْسَانِكَ إِلَيَّ ، وَبَوَّأْتَنِي بِهِ مِنْ مَظَنَّةِ الْعَدْلِ ، وَأَنَلْتَنِي مِنْ مَنْكَ الْوَاصِلِ إِلَيَّ ، وَمِنَ الدَّفَاعِ عَنِّي ، وَالتَّوْفِيقِ لِي ، والْإِجَابَةِ لِدُعَائِي حِينَ أَناجِيكَ داعياً ، وَأَدْعُوكَ مُضَاماً ، وَأَسْأَلُكَ فَأَجِدُكَ فِي الْمَوَاطِنِ كُلِّهَا لِي جَابِراً ، وَفِي الْأُمُورِ نَاظِراً ، وَلِذُنُوبِي غَافِراً ، وَلِعَوْراتِي سَاتِراً ، لَمْ أَعْدَمْ خَيْرَكَ طَرْفَةَ عَيْنٍ مُنْذُ أَنْزَلْتَنِي دارَ الْاخْتِبَارِ لِتَنْظُرَ مَا أَقَدِّمُ لِدارِ الْقَرارِ .
فَأَنَا عَتِيقُكَ مِنْ جَمِيعِ الْآفَاتِ وَالْمَصَائِبِ فِي الدَّوازِبِ والْغُمُومِ الَّتِي سَاوَرَتْنِي فِيهَا الْهُمُومُ بِمَعَارِيضِ أَصْنَافِ الْبَلَاءِ ، وَمَعْرُوفِ جُهْدِ الْقَضَاءِ، لَا أَذْكُرُ مِنْكَ إِلَّا الْجَمِيلَ ، وَلَا أَرَى مِنْكَ غَيْرَ التَفْضِيلِ ، خَيْرُكَ لِي شَامِلٌ ،
وَفَضْلُكَ عَلَيَّ مُتَواتِرٌ ، وَنِعْمَتُكَ عِنْدِي مُتَّصِلَةٌ ، وَسَوابِقُ لَمْ تُحَقِّقْ حِذارِي بَلْ
صَدَّقْتَ رَجَائِي، وَصَاحَبْتَ أَسْفَارِي وَأَكْرَمْتَ أَحْضَارِي ، وَشَفَيْتَ أَمْرَاضِي وَأَوْصَابي ، وَعَافَيْتَ مُنقَلبي وَمَثْوَايَ ، وَلَمْ تُشْمِتْ بِي أَعْدَانِي ، وَرَمَيْتَ مَنْ رَمَانِي ، وَكَفَيْتَنِي مَؤُونَةَ مَنْ عَادَانِي ، فَحَمْدِي لَكَ واصِلٌ ، وَثَنَائِي عَلَيْكَ دائِمٌ ، مِنَ الدَّهْرِ إِلَى الدَّهْرِ ، بِأَلْوانِ التَّسْبِيحِ ، خَالِصاً لِذِكْرِكَ ، وَمَرْضِيّاً لَكَ بِيَانِعِ التَّوْحِيدِ ، وَإِمْحَاضِ التَّمْجِيدِ ، بِطُولِ التَّعْدِيدِ ، وَمَزِيَّةِ أَهْلِ الْمَزِيدِ ، لَمْ تُعَنْ فِي قُدْرَتِكَ ، وَلَمْ تُشَارَكْ فِي إِلَهِيَّتِكَ ، وَلَمْ تُعْلَمْ لَكَ مَاهِيَّةٌ فَتَكُونَ لِلْأَشْيَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ مُجَانِساً ، وَلَمْ تُعَايَنْ إِذا حَبَسْتَ الْأَشْيَاءَ عَلَى الْغَرَائِزِ، وَلَا خَرَقَتِ الأوْهَامُ حُجُبَ الْغُيُوبِ فَتَعْتَقِدَ فِيكَ مَحْدُوداً فِي عَظَمَتِكَ ، فَلَا يَبْلُغْكَ بُعْدُ الْهِمَمِ ، وَلَا يَنَالَكَ غَوْصُ الْفِكَرِ ، وَلَا يَنْتَهِي إِلَيْكَ نَظَرُ نَاظِرٍ فِي مَجْدِ جَبَرُوتِكَ . ارْتَفَعَتْ عَنْ صِفَةِ الْمَخْلُوقِينَ صِفَاتُ قُدْرَتِكَ ، وَعَلَا عَنْ ذَلِكَ كِبْرِيَاءُ عَظَمَتِكَ ، لَا يَنْقُصُ مَا أَرَدْتَ أَنْ يَزْدادَ ، وَلَا يَزْدادُ مَا أَرَدْتَ أَنْ يَنْقُصَ ، وَلَا أَحَدَ حَضَرَكَ حِينَ بَرَأتَ النُّفُوسَ .
كَلَّتِ الْأَوْهَامُ عَنْ تَفْسِيرِ صِفَتِكَ ، وانْحَسَرَتِ الْعِقُولُ عَنْ كُنْهِ عَظَمَتِكَ وَكَيْفَ تُوصَفُ وَأَنْتَ الْجَبَّارُ الْقَدُّوسُ ، الَّذِي لَمْ تَزَلْ أَزَلِيّاً دَائِماً فِي الْغُيُوبِ، وَحْدَكَ لَيْسَ فِيهَا غَيْرُكَ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا سِواك.
حَارَ فِي مَلَكُوتِكَ عَمِيقَاتُ مَذاهِب التَّفْكِير ، فَتَواضَعَتِ الْمُلُولُ لِهَيْبَتِكَ ، وَعَنَتِ الْوُجُوهُ بِذَلُّ الْاِسْتِكَانَةِ لَكَ ، وانْقَادَ كُلُّ شَيْءٍ لِعَظَمَتِكَ ، وَاسْتَسْلَمَ كُلُّ شَيْءٍ لِقُدْرَتِكَ ، وَخَضَعَتْ لَكَ الرِّقَابُ ، وَضَلَّ هُنَالِكَ التَّدْبِيرُ فِي تَصَارِيفِ
الصِّفَاتِ ، فَمَنْ تَفَكَّرَ فِي ذَلِكَ رَجَعَ طَرْفُهُ إِلَيْهِ حَسِيراً ، وَعَقْلُهُ مَبْهُوراً ، وَفِكْرُهُ مُتَحَيَّراً .
حكت هذه الفصول من دعائه الشريف مدى التجاء الإمام (علیه السّلام) إلى الله تعالى في جميع شؤونه وأموره ، واعتماده عليه في كل ما نزل به من كوارث الأيام وخطوبها ، وأنه (علیه السّلام) يحمده على ما أولاه من النعم ، وما تفضّل عليه من دفع النقم .
كما تحدث الإمام (علیه السّلام) عن عظمة الله تعالى ، وأنّه لا يحيط بوصفه الواصفون ونعت الناعتين ، فهو فوق كلّ شيء ، وإن الفكر ليقف حاسراً مبهوراً أمام عظمته التي لا حد لها .
ويستمر الإمام في دعائه قائلاً:
اللهُمَّ فَلَكَ الْحَمْدُ مُتَواتِراً مُتَوالِياً مُتَّسِقاً مُسْتَوْثِقاً يَدُومُ وَلَا يَبِيدُ ، غَيْرَ مَفْقُودٍ فِي الْمَلَكُوتِ، وَلَا مَطْمُوسٍ فِي الْمَعَالِمِ ، وَلَا مُنْتَقَصٍ فِي الْعِرْفَانِ .
وَلَكَ الْحَمْدُ مَا لَا تُحْصى مَكَارِمُهُ فِي اللَّيْلِ إِذا أَدْبَرَ ، وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ ، وَفِي الْبَرارِي والْبِحَارِ ، والْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ، والْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ، وَفِي الظَّهَائِرِ والْأَسْحَارِ.
وفي هذه الفقرات قدّم الإمام (علیه السّلام) إلى بارئه أجمل آيات التعظيم والتكريم ، فلم يُبق في قاموس الثناء كلمة إلا قدّمها الله تعالى .
ويأخذ الإمام في دعائه قائلاً:
اللهُمَّ بِتَوْفِيقِكَ قَدْ أَحْضَرْتَنِي الرَّغْبَةَ ، وَجَعَلْتَنِي مِنْكَ فِي وِلَايَةِ الْعِصْمَةِ، فَلَمْ أَبْرَحْ فِي سُبُوعْ نَعْمَائِكَ ، وَتَتَائِعِ آلائِكَ ، مَحْفُوظاً لَكَ فِي الْمَنْعَةِ وَالدِّفَاعِ ، محوطاً بِكَ فِي مَثْوَايَ وَمُنْقَلَبِي ، وَلَمْ تُكَلِّفْنِي فَوْقَ طَاقَتِي إِذْ لَمْ تَرْضَ مِنِّي
إِلَّا طَاعَتِي ، وَلَيْسَ شُكْرِي - وَإِنْ أَبْلَغْتُ فِي الْمَقَالِ ، وَبَالَغْتُ فِي الْفِعَالِ - بِبَالِغ أَدَاءِ حَقًّكَ ، وَلَا مُكَافِياً لِفَضْلِكَ ؛ لِأَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ، لَمْ تَغِبْ وَلَا تَغِيبُ عَنْكَ غَائِبَةٌ ، وَلَا تَخْفَىٰ عَلَيْكَ خَافِيَةٌ ، وَلَمْ تَضِلَّ لَكَ فِي ظُلَمِ الْخَفِيَّاتُ ضَالَّةٌ ، إِنْمَا أَمْرُكَ إِذا أَرَدْتَ شَيْئاً أَنْ تَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . اللهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ مِثْلَ مَا حَمِدْتَ بِهِ نَفْسَكَ وَحَمِدَكَ بِهِ الْحَامِدُونَ ، وَمَجَّدَكَ بِهِ الْمُمَجدُونَ ، وَكَبَّرَكَ بِهِ الْمُكَبِّرُونَ ، وَعَظَمَكَ بِهِ الْمُعَظْمُونَ ، حَتَّى يَكُونَ لَكَ مِنِّي وَحْدِي بِكُلِّ طَرْفَةِ عَيْنٍ وَأَقَلَّ مِنْ ذلِكَ مِثْلُ حَمْدِ الْحَامِدِينَ ، وَتَوْحِيدِ أَصْنَافِ الْمُخْلِصِينَ ، وَتَقْدِيسِ أَجْنَاسِ الْعَارِفِينَ ، وَثَنَاءِ جَمِيعِ الْمُهَدِّلِينَ ، وَمِثْلُ مَا أَنْتَ بِهِ عَارِفٌ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِكَ مِنَ الْحَيْوانِ ، وَأَرْغَبُ إِلَيْكَ فِي رَغْبَةِ مَا أَنْطَقْتَنِي بِهِ مِنْ حَمْدِكَ ، فَمَا أَيْسَرَ مَا كَلَّفْتَنِي بِهِ مِنْ حَقِّكَ، وَأَعْظَمَ مَا أَوْعَدْتَنِي عَلَىٰ شُكْرِكَ .
ابْتَدَأْتَنِي بِالنِّعَمِ فَضْلاً وَطَوْلاً ، وَأَمَرْتَنِي بِالشُّكْرِ حَقًّا وَعَدْلاً ، وَوَعَدْتَنِي عَلَيْهِ أَضْعَافاً وَمَزِيداً ، وَأَعْطَيْتَنِي مِنْ رِزْقِكَ اعْتِباراً وَفَضْلاً، وَسَأَلْتَنِي مِنْهُ يَسِيراً صَغِيراً ، وَأَعْطَيْتَنِي عَلَيْهِ عَطَاءٌ كَثِيراً ، وَأَعْفَيْتَنِي مِنْ جُهْدِ الْبَلَاءِ، وَلَمْ تُسْلِمْنِي لِلسُّوءِ مِنْ بَلَائِكَ مَعَ مَا أَوْلَيْتَنِي مِنَ الْعَافِيَةِ ، وَسَوَّغْتَ مِنْ كَرائِمِ النَّحَلِ ، وَضَاعَفْتَ لِيَ الْفَضْلَ مَعَ مَا أَوْدَعْتَنِي مِنَ الْمَحَجَّةِ الشَّرِيفَةِ ، وَيَسَّرْتَ لِي مِنَ الدَّرَجَةِ الْعَالِيَةِ الرَّفِيعَةِ ، وَاصْطَفَيْتَنِي بِأَعْظَمِ النَّبِيِّينَ دَعْوَةٌ ، وَأَفْضَلِهِمْ شَفَاعَةٌ ، مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ .
اللهُمَّ فَاغْفِرْ لِي مَا لَا يَسَعُهُ إِلَّا مَغْفِرَتُكَ ، وَلَا يَمْحَقُهُ إِلَّا عَفْوُكَ ، وَلَا يُكَفِّرُهُ
إِلَّا فَضْلُكَ ، وَهَبْ لِي فِي يَوْمِي يَقِيناً تُهَوِّنُ عَلَيَّ بِهِ مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا وَأَحْزَانَهَا بِشَوْقٍ إِلَيْكَ ، وَرَغْبَةٍ فِيمَا عِنْدَكَ ، وَاكْتُبْ لِي عِنْدَكَ الْمَغْفِرَةَ ، وَبَلِّغْنِي الْكَرَامَةَ ، وارْزُقْنِي شُكْرَ مَا أَنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ ، فَإِنَّكَ أَنْتَ اللهُ الْوَاحِدُ الرَّفِيعُ الْمُبْدِئُ الْبَدِيعُ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ، الَّذِي لَيْسَ لِأَمْرِكَ مَدْفَعٌ ، وَلَا عَنْ قَضَائِكَ مُمْتَنِعٌ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَبِّي ، وَرَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ، فَاطِرُ السَّمَواتِ والْأَرْضِ ، عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ، الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ.
اللّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ النَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ ، والْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَالشَّكْرَ عَلَى نِعْمَتِكَ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ جَوْرِ كُلِّ جَائِرٍ ، وَبَغْيِ كُلِّ بَاغِ ، وَحَسَدِ كُلِّ حَاسِدٍ ، بِكَ أَصُولُ عَلَى الْأَعْداءِ ، وَبِكَ أَرْجُو وِلَايَةَ الْأَحِبَّاءِ مَعَ مَا لَا أَسْتَطِيعُ إِحْصَاءَهُ وَلَا تَعْدِيدَهُ مِنْ عَوائِدِ فَضْلِكَ ، وَطُرَفِ رِزْقِكَ ، وَأَلْوَانِ مَا أَوْلَيْتَ مِنْ إِرْفَادِكَ ؛ فَإِنَّكَ أَنْتَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْفَاشِي فِي الْخَلْقِ رِفْدُكَ، الْبَاسِطُ بِالْجُودِ يَدَكَ وَلَا تُضَادُّ فِي حُكْمِكَ ، وَلَا تُنَازَعُ فِي أَمْرِكَ ، تَمْلِكُ مِنَ الْأَنَامِ مَا تَشَاءُ وَلَا يَمْلِكُونَ إِلَّا مَا تُرِيدُ .
قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ ، وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ، وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ، بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ ، وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ، وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ، وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيَّ ، وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ. أَنْتَ الْمُنْعِمُ الْمُفْضِلُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْقَادِرُ الْقَاهِرُ الْمُقَدَّسُ فِي نُورِ الْقُدْسِ ، تَرَدَّيْتَ بِالْمَجْدِ وَالْعِزَّ، وَتَعَظَّمْتَ بِالْكِبْرِيَاءِ ، وَتَغَشَّيْتَ بِالنُّورِ والبَهَاءِ ، وَتَجَلَّلْتَ بِالْمَهَابَةِ والسَّنَاءِ .
اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ الْعَظِيمُ ، وَلَكَ الْمَنَّ الْقَدِيمُ ، وَالسُّلْطَانُ الشَّامِةُ ، وَالْجُودُ الواسع ، والْقَدْرَةُ الْمُقْتَدِرَةُ : إِذْ جَعَلْتَنِي مِنْ أَفْضَلِ بَنِي آدَمَ ، وَجَعَلْتَنِي سَمِيعاً بَصِيراً ، صَحِيحاً سَوِيَا مُعَافَى ، لَمْ تَشْغَلْنِي بِنُقْصَانٍ فِي بَدَنِي ، وَلَمْ تَمْنَعْكَ كَرامَتُكَ إِيَّايَ وَحُسْنُ صَنِيعِكَ عِنْدِي وَفَضْلُ إِنْعَامِكَ عَلَيَّ أَنْ وَسُعْتَ عَلَيَّ فِي الدُّنْيَا ، وَفَضَلَّتَنِي عَلى كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِهَا ، فَجَعَلْتَ لِي سَمْعاً يَسْمَعُ آيَاتِكَ ، وَفُؤاداً يَعْرِفُ عَظَمَتَكَ . وَأَنَا بِفَضْلِكَ حَامِدٌ ، وَبِجُهْدِ يَقِينِي لَكَ شَاكِرٌ ، وَبِحَقِّكَ شَاهِدٌ ؛ فَإِنَّكَ حَيٌّ قَبْلَ كُلِّ حَيٍّ ، وَحَيٌّ بَعْدَ كُلِّ حَيٍّ ، وَحَيٌّ لَمْ تَرِثِ الْحَيَاةَ مِنْ حَيَّ ، وَلَمْ تَقْطَعْ خَيْرَكَ عَنِّي طَرْفَةَ عَيْنٍ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَلَمْ تُنْزِلْ بِي عُقُوبَاتِ النَّقَمِ ، وَلَمْ تُغَيِّرْ عَلَيَّ دَقَائِقَ الْعِصَمِ ، فَلَوْ لَمْ أَذْكُرْ مِنْ إِحْسَانِكَ إِلَّا عَفْوَكَ ، وَإِجَابَةَ دُعَائِي حِينَ رَفَعْتُ رَأْسِي بِتَحْمِيدِكَ وَتَمْجِيدِكَ ، وَفِي قِسْمَةِ الْأَرْزَاقِ حِينَ قَدَّرْتَ ، فَلَكَ الْحَمْدُ عَدَدَ مَا حَفِظَهُ عِلْمُكَ، وَعَدَدَ مَا أَحَاطَتْ بِهِ قُدْرَتُكَ ، وَعَدَدَ مَا وَسِعَتْهُ رَحْمَتُك .
اللهُمَّ فَتَمَّمْ إِحْسَانَكَ إِلَيَّ فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمْرِي ، كَمَا أَحْسَنْتَ فِيمَا مَضى ، فَإِنِّي أَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِتَوْحِيدِكَ ، وَتَمْجِيدِكَ وَتَحْمِيدِكَ وَتَهْلِيلِكَ وَتَكْبِيرِكَ وَتَعْظِيمِكَ وَبِنُورِكَ وَرَأْفَتِكَ وَرَحْمَتِكَ وَعُلُوكَ وَجَمَالِكَ وَجَلَالِكَ وَبَهَائِكَ وَسُلْطَائِكَ وَقُدْرَتِكَ وَبِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ أَلَّا تَحْرِمْنِي رِفْدَكَ وَفَوَائِدَكَ ، فَإِنَّهُ ا يَعْتَرِيكَ لِكَثْرَةِ مَا يَتَدَفَّقُ بِهِ عَوائِقُ الْبُخْلِ ، وَلَا يَنْقُصُ جُودَكَ تَقْصِيرٌ فِي شُكْرِ نِعْمَتِكَ ، وَلَا تُفْنِي خَزائِنَ مَواهِبِكَ النِّعَمُ ، وَلَا تَخَافُ ضَيْمَ إِمْلَاقٍ فتكْدِيَ ، وَلَا يَلْحَقُكَ خَوْفُ عُدْمٍ فَيَنْقُصَ فَيْضُ فَضْلِكَ .
اللهُمَّ ارْزُقْنِي قَلْباً خَاشِعاً ، وَيَقِيناً صَادِقاً ، وَلِسَاناً ذَاكِراً ، وَلَا تُؤَمِّنِّي مَكْرَكَ ، وَلَا تَكْشِفْ عَنِّي سِتْرَكَ ، وَلَا تُنْسِنِي ذِكْرَكَ ، وَلَا تُبَاعِدْنِي مِنْ جَوارِكَ ، وَلَا تَقْطَعْنِي مِنْ كُلِّ رَحْمَتِكَ ، وَلَا تُؤيسْنِي مِنْ رَوْحِكَ ، وَكُنْ لِيَ أَنِيساً مِنْ كُلِّ وَحْشَةٍ ، واعْصِمْنِي وَنَجِّنِي مِنْ كُلِّ بَلَاءٍ ، فَإِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ .
اللهُمَّ ارْفَعْنِي وَلَا تَضَعْنِي ، وَزِدْنِي وَلَا تَنْقُصْنِي ، وَارْحَمْنِي وَلَا تُعَذِّيْنِي ، وانْصُرْنِي وَلَا تَخْذُلْنِي ، وَآثِرْنِي وَلَا تُؤْثِرْ عَلَيَّ ، وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ وَسَلَّمْ تَسْلِيماً كَثِيراً (1).
وانتهى هذا الدعاء الشريف الحافل بتمجيد الله تعالى والتضرع إليه والإنقطاع إلى فضله ورحمته وطلب فيضه وإحسانه ، وهذه من سمات إمام المتقين وسيد العارفين الذي أترعت نفسه بتقوى الله وطاعته .
قال (علیه السّلام) : اللَّهُمَّ إِنْ فَهِهْتُ عَنْ مَسْأَلَتِي ، أَوْ عَمِهْتُ عَنْ طَلِبَتِي فَدُلَّنِي علی مَصَالِحِي ، وَخُذْ بِقَلْبِي إِلَى مَرَاشِدِي .
اللهُمَّ احْمِلْنِي عَلَى عَفْوِكَ ، وَلَا تَحْمِلْنِي عَلَى عَدْلِكَ (2).
ومن أدعية أمير المؤمنين (علیه السّلام) في التضرع إلى الله تعالى هذا الدعاء الجليل :
اللهُمَّ يَا مَنْ بِرَحْمَتِهِ يَسْتَغِيثُ الْمُذْنِبُونَ، وَيَا مَنْ إِلَى إِحْسَانِهِ يَفْزَعُ الْمُضْطَرُونَ ، وَيَا مَنْ لِخِيفَتِهِ يَنْتَحِبُ الْخَاطِئُونَ.
يَا أَنْسَ كُلِّ مُسْتَوْحِشِ غَرِيبٍ ، يَا فَرَجَ كُلِّ مَكْرُوبٍ حَرِيبٍ (1)، يَا عَوْنَ كُلِّ مَخْذُولٍ فَرِيدٍ ، يَا عَاضِدَ كُلِّ مُحْتَاجِ طَرِيدٍ .
أَنْتَ الَّذِي وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةٌ وَعِلْماً ، وَأَنْتَ الَّذِي جَعَلْتَ لِكُلِّ مَخْلُوقِ فِي نِعْمَتِكَ سَهْماً ، وَأَنْتَ الَّذِي عَفْوُهُ أَعْلَى مِنْ عِقَابِهِ ، وَأَنْتَ الَّذِي رَحْمَتُهُ أَمَامَ غَضَبِهِ ، وَأَنْتَ الَّذِي إِعْطَاؤُهُ أَكْبَرُ مِنْ مَنْعِهِ ، وَأَنْتَ الَّذِي وَسِعَ الْخَلَائِقَ كُلَّهُمْ بِعَفْوِهِ ، وَأَنْتَ الَّذِي لَا يَرْغَبُ فِي غِنى مَنْ أَعْطَاهُ ، وَأَنْتَ الَّذِي لَا يَفْرُطُ (2)فِي عِقَابِ مَنْ عَصَاهُ...
وحكت هذه الكلمات عظمة الخالق العظيم الذي إليه يلجأ كل مكروب ، ويستغيث به كلّ محروم ، والذي وسعت رحمته كلّ شيء ، وعمّت الطافُهُ جميع
الكائنات والمخلوقات .
ويستمر الإمام في دعائه قائلاً:
وَانَا يَا سَيِّدِي عبدُكَ الَّذِي أَمَرْتَهُ بِالدُّعَاءِ فَقَالَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ، وَأَنَا يَا سَيِّدِي عَبْدُكَ الَّذِي أَوْقَرَتِ الْخَطَايَا ظَهْرَهُ ، وَأَنَا الَّذِى أَفْنَتِ الذُّنُوبُ عُمْرَهُ ، وَأَنَا الَّذِي بِجَهْلِهِ عَصَاكَ وَلَمْ يَكُنْ أَهْلاً مِنْهُ لِذلِكَ ، فَهَلْ أَنْتَ يَا مَوْلَايَ راحِمُ مَنْ دَعَاكَ ؟ فَاجْتَهِدَ فِي الدُّعَاءِ ، أَمْ أَنْتَ غَافِرٌ لِمَنْ بَكَى لَكَ فَأَسْرَعَ فِي الْبُكَاءِ ، أَمْ أَنْتَ مُتَجَاوِزٌ عَمَّنْ عَفَرَ لَكَ وَجْهَهُ مُتَذَلِّلاً ، أَمْ أَنْتَ مُغْنِ مَنْ شَكَا إِلَيْكَ فَقْرَهُ مُتَوَكَّلاً .
اللهُمَّ فَلَا تُخَيِّبْ مَنْ لَا يَجِدُ مُعْطِياً غَيْرَكَ ، وَلَا تَخْذُلْ مَنْ لَا يَسْتَغْنِي عَنْكَ بِاحَدٍ دُونَكَ .
اللَّهُمَّ لَا تُعْرِضْ عَنِّي وَقَدْ أَقْبَلْتُ عَلَيْكَ ، وَلَا تَحْرِمْنِي وَقَدْ رَغِبْتُ إِلَيْكَ ، وَلَا تَجْبَهْنِي بِالرَّدُّ وَقَدِ انْتَصَبْتُ بَيْنَ يَدَيْكَ ، أَنْتَ الَّذِي وَصَفْتَ نَفْسَكَ بِالرَّحْمَةِ ، وَأَنْتَ الَّذِي سَمَّيْتَ نَفْسَكَ بِالْعَفُو فَارْحَمْنِي وَاعْفُ عَنِّي ، فَقَدْ تَرَىٰ يَا سَيِّدِي فَيْضَ دُمُوعِي مِنْ خِيفَتِكَ ، وَوَجِيبَ قَلْبِي مِنْ خَشْيَتِكَ ، وانْتِفَاضَ جَوارِحِي مِنْ هَيْبَتِكَ ؛ كُلُّ ذلِكَ حَيَاءً مِنْكَ بِسُوءِ عَمَلِي ، وَخَجَلاً مِنْكَ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِي ، قَدْ كَلَّ لِسَانِي عَنْ مُنَاجَاتِكَ ، وَخَمِدَ صَوْتِي عَنِ الدُّعَاءِ إِلَيْكَ .
وحكت هذه الفقرات مدى تضرع الإمام (علیه السّلام) وتذلله أمام الله تعالى ، وخوفه منه ، وشدّة فزعه من عقابه ، والتجاءه إليه في جميع أموره .
ويستمر الإمام قائلاً:
يَا إِلهِي فَكَمْ مِنْ عَيْبٍ سَتَرْتَهُ عَلَيَّ فَلَمْ تَفْضَحْنِي ، وَكَمْ مِنْ ذَنْبٍ غَطَّيْتَ عَلَيْهِ فَلَمْ تُشَهِّرْ بِي ، وَكَمْ مِنْ عَائِبَة الْمَمْتُ بِهَا فَلَمْ تَهْتِكَ عَنِّي سِتْرَهَا ، وَلَمْ تُقَلِّدْنِي مَكْرُوهَ شَنَارِهَا ، وَلَمْ تُبْدِ عَلَيَّ مُحَرَّمَاتِ سَوْآتِهَا ، فَمَنْ يَلْتَمِسُ مَعَايبِي مِنْ جِيرَتِي ، وَحَسَدَةِ نِعْمَتِكَ عِنْدِي ، ثُمَّ لَمْ يَنْهَنِي ذلِكَ حَتَّى صِرْتُ إِلى أَسْوَإِ مَا عَهِدْتَ مِني .
فَمَنْ أَجْهَلُ مِنِّي يَا سَيِّدِي بِرُشْدِكَ ، وَمَنْ أَغْفَلُ مِنِّي عَنْ حَظِّهِ مِنْكَ ، وَمَنْ أَبْعَدُ مِنِّي مِنِ اسْتِصْلَاح نَفْسِهِ حِينَ أَنْفَقْتُ مَا أَجْرَيْتَ عَلَيَّ مِنْ رِزْقِكَ فِيمَا نَهَيْتَنِي عَنْهُ مِنْ مَعْصِيَتِكَ، وَمَنْ أَبْعَدُ غَوْراً فِي الْبَاطِلِ ، وَأَشَدُّ إِقْدَاماً عَلَى السُّوءِ ، مِنِّى : حِينَ أَقِفُ بَيْنَ دَعْوَتِكَ وَدَعْوَةِ الشَّيْطَانِ فَأَتَّبِعَ دَعْوَتَهُ عَلَى غَيْر عَمَى عَنِ الْمَعْرِفَةِ بِهِ ، وَلَا نِسْيَانِ مِنْ حِفْظِي لَهُ ، وَأَنَا - حِينَئِذٍ- مُوقِنٌ أَنَّ مُنْتَهى دَعْوَتِكَ الْجَنَّةُ ، وَمُنْتَهى دَعْوَتِهِ النَّارُ ...
ذكرت هذه الفقرات ألطاف الله تعالى وعظيم نعمه على الإمام ، بل على جميع العباد ، فقد عمّتهم رحمته ورأفته وستره ، فيما يقترفون من مساوئ الأعمال التي يدفعهم إليها عدوّهم الألد الشيطان الرجيم .
ومن بنود هذا الدعاء الشريف قوله (علیه السّلام) :
سُبْحَانَكَ فَمَا أَعْجَبَ مَا أَشْهَدُ بِهِ عَلَى نَفْسِي ، وَأَعَدَّدُهُ مِنْ مَكْنُونِ أَمْرِي ، وَأَعْجَبُ مِنْ ذلِكَ أَنَاتُكَ عَنِّى ، وَإِبْطَاؤُكَ عَنْ مُعَاجَلَتِي ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ كَرَمِي عَلَيْكَ ، بَلْ تَأْتِياً مِنْكَ بِي ، وَتَفَضْلاً مِنْكَ عَلَيَّ لِأَنْ أَرْتَدِعَ عَنْ خَطِيئَتِي، وَلِأَنَّ عَفْوَكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ مِنْ عُقُوبَتِي ، بَلْ أَنَا يَا إِلهِي أَكْثَرُ ذُنُوباً ، وَأَقْبَحُ آثاراً ، وَأَشْنَعُ
أَفْعَالاً ، وَأَشَدُّ فِي الْبَاطِلِ تَهَوُّراً ، وَأَضْعَفُ عِنْدَ طَاعَتِكَ تَيَقُظاً ، وَأَغْفَلُ لِوَعِيدِكَ انتباهاً مِنْ أَنْ أَحْصِيَ لَكَ عُيُوبِي ، وَأَقْدِرَ عَلَى تَعْدِيدِ ذُنُوبِي ، وَإِنَّمَا أَوَبِّخُ بِهذا نَفْسِي طَمَعاً فِي رَأْفَتِكَ الَّتِي بِهَا إِصْلَاحُ أَمْرِ الْمُذْنِبِينَ ، وَرَجَاءَ لِعِصْمَتِكَ الَّتِي بِهَا فَكَاكُ رِقَابِ الْخَاطِئِينَ .
اللّهُمَّ وَهذِهِ رَقَبَنِي قَدْ أَرَّقَتْهَا الذُّنُوبُ فَأَعْتِقْهَا بِعَفْوِكَ ، وَقَدْ أَثْقَلَتْهَا الْخَطَايَا فَخَفِّفْ عَنْهَا بِمَنكَ .
اللّهُمَّ إِنِّي لَوْ بَكَيْتُ حَتَّى تَسْقُطَ أَشْفَارُ عَيْنَيَّ ، وانْتَحَبْتُ حَتَّى يَنْقَطِعَ صَوْتِي ، وَقُمْتُ لَكَ حَتَّى تَتَنَشَّرَ قَدَمَايَ ، وَرَكَعْتُ لَكَ حَتّى يَنْجَذِعَ صُلْبِي، وَسَجَدْتُ لَكَ حَتَّى تَتَفَقَّأَ حَدَقَتَايَ ، وَأَكَلْتُ التَّرَابَ طُولَ عُمْرِي ، وَشَرِبْتُ مَاءَ الرَّمَادِ آخِرَ دَهْرِي ، وَذَكَرْتُكَ فِي خِلَالِ ذَلِكَ حَتَّى يَكِلَّ لِسَانِي ، ثُمَّ لَمْ أَرْفَعْ طَرْفِي إِلَى آفَاقِ السَّمَاءِ اسْتِحَيَاء مِنْكَ ، لَمَا اسْتَوْجَبْتُ بِذَلِكَ مَحْوَ سَيِّئَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ سَيِّئَاتِي ، فَإِنْ كُنْتَ تَغْفِرُ لِي حِينَ أَسْتَوْجِبُ مَغْفِرَتَكَ ، وَتَعْفُو عَنِّي حِينَ أَسْتَحِقُّ عَفْوَكَ ، فَإِنَّ ذلِكَ غَيْرُ واجِب لِي بِالْإِسْتِحْقَاقِ ، وَلَا أَنَا أَهْلٌ لَهُ عَلَى الْإِسْتِيجَابِ ؛ إِذْ كَانَ جَزَائِي مِنْكَ مِنْ أَوَّلِ مَا عَصَيْتُكَ النَّارَ ، فَإِنْ تُعَذِّيْنِي فَإِنَّكَ غَيْرُ ظَالِمٍ ...
وحوى هذا المقطع من دعاء الإمام (علیه السّلام) تذلله وخوفه وخشيته من الله تعالى ، وأنه أهل لأن يُتقى من عذابه .
والفصل الأخير من هذا الدعاء قوله (علیه السّلام):
إلهِي فَإِنْ تَغَمَّدْتَنِي بِسِتْرِكَ فَلَمْ تَفْضَحْنِي ، وَأَمْهَلْتَنِي بِكَرَمِكَ
فَلَمْ تُعَاجِلْنِي ، وَحَلُمْتَ عَنِّي بِتَفَضّلِكَ فَلَمْ تُغَيِّرْ نِعَمَكَ عَلَيَّ ، وَلَمْ تُكَدِّرْ مَعْرُوفَكَ عِنْدِي. فَأَرْحَمْ طُولَ تَضَرُّعِي وَشِدَّةَ مَسْكَنَتِي وَسُوءَ مَوْقِفِي.
اللهمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَأَنْقِذْنِي مِنَ الْمَعَاصِي ، وَاسْتَعْمِلْنِي بِالطَّاعَةِ ، وارْزُقْنِي حُسْنَ الْإِنَابَةِ ، وَطَهِّرْنِي بِالتَّوْبَةِ ، وَأَيَّدْنِي بِالْمِسْمَةِ ، وَاسْتَصْلِحْنِي بِالْعَافِيَةِ ، وارْزُقْنِي حَلَاوَةَ الْمَغْفِرَةِ ، واجْعَلْنِي طَلِيقَ عَفْوِكَ ، واكْتُبْ لِي أَمَانَا مِنْ سَخَطِكَ ، وَبَشِّرْنِي بِذَلِكَ فِي الْعَاجِلِ دُونَ الْآجِلِ ، بُشْرَىٰ أَعْرِفُهَا ، وَعَرِّفْنِي لَهُ عَلَامَةٌ أَتَبَيَّتُهَا إِنَّ ذلِكَ لَا يَضِيقُ عَلَيْكَ فِي وُجْدِكَ ، وَلَا يَتَكَاءَدُكَ فِي قُدْرَتِكَ ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1).
أرأيتم هذا الإيمان الوثيق بالله ؟
أرأيتم هذا التضرع أمام الله تعالى ؟
(1)
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 6: 180 - 182. المزار : 156 - 160 .
من أدعية الإمام (علیه السّلام) هذا الدعاء الشريف الذي أبدى فيه خشوعه وتذلله وخشيته من الله تعالى وهذا نصّه :
إِلهِي إِنْ حَمِدْتُكَ فَبِمَواهِبِكَ ، وَإِنْ مَجَّدْتُكَ فَبِمُرَادِكَ ، وَإِنْ سَأَلْتُكَ فَبِقُوَّتِكَ ، وَإِنْ هَلَّلْتُكَ فَبِقُدْرَتِكَ ، وَإِنْ نَظَرْتُ فَإِلَى رَحْمَتِكَ ، وَإِنْ عَضَضْتُ فَعَلى نِعْمَتِكَ .
إلهِي إِنَّهُ مَنْ لَمْ يَشْغَلْهُ الْوُلُوعُ بِذِكْرِكَ ، وَلَمْ يُزْوِهِ السَّفَهُ بِقُرْبِكَ ، كَانَتْ حَيَاتُهُ عَلَيْهِ مِيتَةً ، وَمِيتَتُهُ عَلَيْهِ حَسْرَةً .
إلهِي تَنَاهَتْ أَبْصَارُ النَّاظِرِينَ إِلَيْكَ بِسَرائِرِ الْقُلُوبِ ، وَطَالَتْ أَسْمَاعُ السَّامِعِينَ لَكَ بِخَفِيَّاتِ الصُّدُورِ ، فَلَمْ يَلْقَ أَبْصَارَهُمْ دونَ مَا يُرِيدُونَ ، وَهُتِكَتْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُم حُجُبُ الْغَفْلَةِ فَسَكَنُوا فِي نُورِكَ ، وَتَنَفَّسُوا بِرَوْحِكَ ، فَصَارَتْ قُلُوبُهُمْ مَغَارِسَ لِمَحَبَّتِكَ ، وَأَبْصَارُهُمْ مَعَاكِفَ لِقُدْرَتِكَ ، وَقَرَّبْتَ أَرْوَاحَهُمْ مِنْ قُدْسِكَ ، فَجَالَسُوا اسْمَكَ بِوَقَارِ الْمُجَالَسَةِ ، وَخُضُوعِ الْمُخَاطَبَةِ ، فَأَقْبَلْتَ إِلَيْهِمْ إِقْبَالَ الشَّفِيقِ ، وَأَنْصَتْ إِلَيْهِمْ إِنْصَاتَ الرَّفِيقِ ، وَأَجَبْتَ لَهُمْ إِجَابَاتِ الْأَحِبَّاءِ ، وَنَاجَيْتَهُمْ مُنَاجَاةَ الْأَخِلَّاء.
فَابْلُغْ بِيَ الْمَحَلَّ الَّذِي إِلَيْهِ وَصَلُوا وَلَا تَتْرُكْ بَيْنِي وَبَيْنَ مَلَكُوتِ عِزّكَ بَاباً إِلَّا فَتَحْتَهُ ، وَلَا حِجَاباً مِنْ حُجُبِ الْغَفْلَةِ إِلَّا هَتَكْتَهُ ، حَتَّىٰ تُقِيمَ رُوحِي بَيْنَ ضِيَاءِ عَرْشِكَ ، وَتَجْعَلَ لَهَا مَقَاماً نُصْبَ نُورِكَ ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
إلهِي مَا أَوْحَشَ طَرِيقاً لَا يَكُونُ رَفِيقي فِيهِ أَمَلِي فِيكَ ، وَأَبْعَدَ سَفَراً لَا يَكُونُ رَجَائِي مِنْهُ دَلِيلِي مِنْكَ ، خَابَ مَنِ اعْتَصَمَ بِحَبْلِ غَيْرِكَ ، وَضَعُفَ رُكْنُ مَنِ اسْتَنَدَ إِلى غَيْرِ رُكْنِكَ ، فَيَا مُعَلَّمَ مُؤَمِّلِيهِ الْأَمَلَ فَيُذْهِبَ عَنْهُمْ كَابَةَ الْوَجَلِ، لَا تَحْرِمْنِي صَالِحَ الْعَمَلِ ، واكْلَانِي كَلَاءَةَ مَنْ فَارَقَتْهُ الْحِيَلُ ، فَكَيْفَ يَلْحَقُ مُؤَمِّلِيكَ ذُلُّ الْفَقْرِ وَأَنْتَ الْغَنِّيُّ عَنْ مَضَارَ الْمُذْنِبِينَ؟
إِلهِي وإد حَلَاوَةٍ مُنْقَطِعَةٌ ، وَحَلَاوَةُ الإِيمَانِ تَزْدادُ حَلَاوَتُهَا اتَّصَالاً بِكَ . إلهِي وإِنَّ قَلْبِي قَدْ بَسَطَ أَمَلَهُ فِيكَ فَأَذِقْهُ مِنْ حَلَاوَةِ بَسْطِكَ إِيَّاهُ الْبُلُوغَ لِمَا أَمَّلَ ، إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
إلهِي أَسْأَلُكَ مَسْأَلَةَ مَنْ يَعْرِفُكَ كُنْهَ مَعْرِفَتِكَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَسْلُكَهُ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ كُلِّ شَرٍّ وَفِتْنَةٍ أَعَذْتَ مِنْهَا أَحِبَّاءَكَ مِنْ خَلْقِكَ ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .
إِلهِي أَسْأَلُكَ مَسْأَلَةَ الْمِسْكِينَ الَّذِي قَدْ تَحَيَّرَ فِي رَجَائِهِ فَلَا يَجِدُ مَلْجَأَ ، وَلَا مَسْنَداً يَصِلُ بِهِ إِلَيْكَ ، وَلَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَيْكَ إِلَّا بِكَ ، وَبِأَرْكَانِكَ وَمَقَامَاتِكَ الَّتِي لَا تَعْطِيلَ لَهَا مِنْكَ ، فَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي ظَهَرْتَ بِهِ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِكَ فَوَحْدُوكَ وَعَرَفُوكَ بِحَقِيقَتِكَ أَنْ تُعَرَّفَنِي نَفْسَكَ لِأُقِرْ لَكَ بِرُبُوبِيَّتِكَ عَلَى حَقِيقَةِ
الْإِيمَانِ بِكَ ، وَلَا تَجْعَلْنِي يَا إِلهِي مِمَّنْ يَعْبُدُ الْإِسْمَ دُونَ الْمَعْنَى ، وَالْحَظْنِي بِلَحْظَةٍ مِنْ لَحَظَاتِكَ تُنَوِّرُ بِهَا قَلْبِي بِمَعْرِفَتِكَ خَاصَّةً ، وَمَعْرِفَةِ أَوْلِيَائِكَ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1).
1) بحار الأنوار: 91: 95 - 96 ، الحديث 12.
من أدعية الإمام (علیه السّلام) هذا الدعاء الجليل ، وفيه جميع صنوف التضرّع والتذلّل أمام الله تعالى ، وهذا نصه :
اللهُمَّ إِنِّي أَحْمَدُكَ وَأَنْتَ لِلْحَمْدِ أَهْلٌ عَلَى حُسْنِ صُنْعِكَ إِلَيَّ وَتَعَطْفِكَ عَلَيَّ ، وَعَلَى مَا وَصَلْتَنِي بِهِ مِنْ نُورِكَ ، وَتَدارَكْتَنِي بِهِ مِنْ رَحْمَتِكَ ، وَأَسْبَغْتَ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَتِكَ ، فَقَدِ اصْطَنَعْتَ عِنْدِي يَا مَوْلَايَ مَا يَحِقُ لَكَ بِهِ جُهْدِي وَشُكْرِي لِحُسْنِ عَفْوِكَ ، وَبَلَائِكَ الْقَدِيمِ عِنْدِي ، وَتَظَاهُرِ نَعْمَائِكَ عَلَيَّ ، وَتَتَابِعِ أَيَادِيكَ لَدَيَّ ، لَمْ أَبْلُغْ إِحْرازَ حَظِّي ، وَلَا صَلَاحَ نَفْسِي ، وَلَكِنَّكَ يَا مَوْلَايَ بَدَأْتَنِي أَوَّلاً بِإِحْسَانِكَ فَهَدَيْتَنِي لِدِينِكَ ، وَعَرَّفْتَنِي نَفْسَكَ ، وَثَبَّتْنِي فِي أُمُورِي كُلَّهَا بِالْكِفَايَةِ وَالصُّنْعِ لِي ، فَصَرَفْتَ عَنِّي جُهْدَ الْبَلَاءِ ، وَمَنَعْتَ مِنِّي مَحْذُورَ الْقَضَاءِ ، فَلَسْتُ أَذْكُرُ مِنْكَ إِلَّا جَمِيلاً ، وَلَمْ أَرَ مِنْكَ إِلَّا تَفَضَّلاً.
يَا إِلهِي كَمْ مِنْ بَلَاءٍ وَجُهْدِ صَرَفْتَهُ عَنِّي ، وَأَرَيْتَنِيهِ فِي غَيْرِي ، وَكَمْ مِنْ نِعْمَةٍ أَقْرَرْتَ بِهَا عَيْنِي ، وَكَمْ مِنْ صَنِيعَةٍ شَرِيفَةٍ لَكَ عِنْدِي.
إِلهِي أَنْتَ الَّذِي تُجِيبُ عِنْدَ الاضْطِرارِ دَعْوَتِي ، وَأَنْتَ الَّذِي تُنَفْسُ عِنْدَ الْغُمُومِ كُرْيَتِي، وَأَنْتَ الَّذِي تَأْخُذُ لِي مِنَ الْأَعْدَاءِ ظُلَامَتِي ، فَمَا وَجَدْتُكَ ،
وَلَا أَجِدُكَ بَعِيداً عَنِّي حِينَ أُرِيدُكَ ، وَلَا مُنْقَبِضاً عَنِّي حِينَ أَسْأَلُكَ ، وَلَا مُعْرِضاً عَنِّي حِينَ أَدْعُوكَ .
فَأَنْتَ إِلهِي ، أَجِدُ صَنِيعَكَ عِنْدِي مَحْمُوداً ، وَحُسْنَ بَلائِكَ عِنْدِي مَوْجُوداً ، وَجَمِيعَ أَفْعَالِكَ عِنْدِي جَمِيلاً ، يَحْمَدُكَ لِسَانِي وَعَقْلِي وَجَوارِحِي وَجَمِيعُ مَا أَقَلَّتِ الْأَرْضُ مِنِّي .
يَا مَوْلَايَ أَسْأَلُكَ بِنُورِكَ الَّذِي اشْتَقَفْتَهُ مِنْ عَظَمَتِكَ ، وَعَظَمَتِكَ الَّتِي اشْتَقَقْتَهَا مِنْ مَشِيَّتِكَ.
وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي عَلَا أَنْ تَمُنَّ عَلَيَّ بِوَاجِبِ شُكْرِي لِنِعْمَتِكَ ، رَبِّ مَا أَحْرَصَنِي عَلَى مَا زَهَّدْتَنِي فِيهِ ، وَحَقْتَنِي عَلَيْهِ ، إِنْ لَمْ تُعِنِّي عَلى دُنْيَايَ بِزُهْدٍ ، وَعَلَى آخِرَتِي بِتَقْواي ، هَلَكْتُ ، رَبِّي دَعَتْنِي دَواعِي الدُّنْيَا مِنْ حَرْثِ النِّسَاءِ والْبَنِينَ فَأَجَبْتُهَا سَرِيعاً ، وَرَكَنْتُ إِلَيْهَا طَائِعاً ، وَدَعَتْنِي دَواعِي الْآخِرَةِ مِنَ الزُّهْدِ وَالْإِجْتِهَادِ فَكَبَوْتُ لَهَا وَلَمْ أَسَارِعْ إِلَيْهَا مُسَارَعَتِي إِلَى الْحُطَامِ الْهَامِدِ ، والْهَشِيمِ الْبَائِدِ ، وَالسَّرابِ الذَّاهِبِ عَنْ قَلِيلٍ.
رَبِّ خَوَّفْتَنِي وَشَوَّقْتَنِي ، وَاحْتَجَبْتَ عَلَيَّ فَمَا خِفْتُكَ حَقٌّ خَوْفِكَ ، وَأَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ تَتَبَّطْتُ عَنِ السَّعِي لَكَ ، وَتَهَاوَنْتُ بِشَيْءٍ مِنِ احْتِجَابِكَ اللهُم فَاجْعَلْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا سَعْيِي لَكَ وَفِي طَاعَتِكَ ، وَامْلَأُ قَلْبِي خَوْفَكَ ، وَحَوِّلْ تَثْبِيطِي وَتَهَاوُنِي وَتَفْرِيطِي وَكُلَّ ما أَخَافُهُ مِنْ نَفْسِي فَرَقاً مِنْكَ ، وَصَبْراً عَلَى طَاعَتِكَ ، وَعَمَلاً بِهِ يَا ذَا الْجَلَالِ والإِكْرامِ ، وَاجْعَلْ جُنَّتِي مِنَ الْخَطَايَا حَصِينَةٌ ، وَحَسَنَاتِي مُضَاعَفَةٌ ، فَإِنَّكَ تُضَاعِفُ لِمَنْ تَشَاءُ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ دَرَجَاتِي فِي الْجِنَانِ رَفِيعَةٌ ، وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّي مِنْ رَفِيعِ الْمَطْعَم والْمَشْرَبِ ، وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّي مِنْ شَرِّ مَا أَعْلَمُ وَمِنْ شَرِّ مَا لَا أَعْلَمُ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَوَاحِشِ كُلِّهَا ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّي أَنْ أَشْتَرِيَ الْجَهْلَ بِالْعِلْمِ كَمَا اشْتَرى غَيْرِي ، أَوِ السَّفَهَ بِالْحِلْم ، أَوِ الْجَزَعَ بِالصَّبْرِ ، أَوِ الضَّلَالَةَ بِالْهُدى ، أَوِ الْكُفْرَ بِالْإِيْمَانِ . يَا رَبِّ مُنَّ عَلَيَّ بِذلِكَ فَإِنَّكَ تَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ، وَلَا تُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (1).
وحفل هذا الدعاء بجميع مقوّمات الطاعة والانقياد إلى الله تعالى كما حفل بالمطالب الجليلة ، التي لم يدركها إلا عملاق المتقين ، وإمام المنيبين ، وسيد العارفين الإمام علي بن أبي طالب (علیه السّلام).
1) مهج الدعوات : 94 - 96 . مستدرك الوسائل : 110 - 111 ، الحديث 12556 .
من الدعية الأمام
من أدعية الإمام الشهيرة الذائعة الصيت، الدعاء المعروف بدعاء كميل بن زياد النخعي ، وهو من مشاهير أصحاب الإمام ومن خُلّص أتباعه ، وقد نُسِب إليه هذا الدعاء الشريف ؛ لأنّه قد رواه عن الإمام (علیه السّلام) ، وكان يدعو به في ليلة النصف من شهر شعبان ، وقد أمره بكتابته فكتبه .
ويمتاز هذا الدعاء برقة أسلوبه ، وعُذوبة ألفاظه ، وجمال ديباجته ، واحتوائه على أروع صور التضرع والتذلّل أمام الله تعالى .
وقد عكف المؤمنون على تلاوته في ليالي الجمعة ، ونظراً لما فيه من دقائق الأمور البالغة الأهمية ، فقد تُرجم إلى بعض اللغات ، وشرحت مضامينه ، ولعلّ من أهم شروحه ، وأوفاها لبيان مطالبه ما كتبه سماحة الحجّة العلّامة السيد عز الدين بحر العلوم ، وقد أسماه « أضواء على دعاء كميل » .
وفيما يلي نص الدعاء :
اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِرَحْمَتِكَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ، وَبِقُوَّتِكَ الَّتِي قَهَرْتَ بِهَا كُلَّ شَيْءٍ ، وَخَضَعَ لَهَا كُلُّ شَيْءٍ ، وَذَلَّ لَهَا كُلُّ شَيْءٍ ، وَبِجَبَرُوتِكَ الَّتِي غَلَبْتَ بِهَا كُلَّ شَيْءٍ ، وَبِعِزَّتِكَ الَّتِي لَا يَقُومُ لَهَا شَيْءٌ ، وَبِعَظَمَتِكَ الَّتِي مَلَأَتْ كُلَّ شَيْءٍ ، وَبِسُلْطَانِكَ الَّذِي عَلَا كُلَّ شَيْءٍ ، وَبِوَجْهِكَ الْبَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ كُلِّ شَيْءٍ ، وَبِأَسْمَائِكَ الَّتِي مَلَأَنْ أَرْكَانَ كُلِّ شَيْءٍ ، وَبِعِلْمِكَ الَّذِي أَحَاطَ بِكُلِّ
شَيْءٍ ، وَبِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَضَاءَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ ، يَا نُورُ يَا قُدُّوسُ ، يَا أَوَّلَ الْأَوَّلِينَ ، وَيَا آخِرَ الْآخِرينَ .
وحفل هذا المقطع بالتوسل إلى الله تعالى ، وتقديم أسمائه وصفاته العظيمة وجعلها واسطة له باستجابة دعائه ، والتقرب إليه ، ويطلب الإمام من الله تعالى أن يُعيده والمسلمين من الذنوب التالية :
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تَهْتِكَ الْعِصَمَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تُنْزِلُ النّقَمَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تُغَيِّرُ النَّعَمَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تَحْبِسُ الدُّعَاءَ ، اللهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تُنْزِلُ البَلَاءَ ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تَقْطَعُ الرَّجاءَ ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ كُلَّ ذَنْبٍ أَذْنَبْتُهُ ، وَكُلَّ خَطِيئَةٍ أَخْطَأْتُهَا.
وحكت هذه الفقرات أمهات الذنوب ، وكبائر الموبقات التي لها الآثار الوضعية المدمّرة التي تجلب للإنسان الشقاء والهلاك ، وهي على أنواع ، عد الإمام (علیه السّلام) منها ما يلي :
1 - الذنوب التي تهتك العصم
وهي الذنوب التي تزيل عصمة العبد عن ربه ، وقد ذكرها الإمام الصادق (علیه السّلام) وعدّ منها : شرب الخمر ، واللعب والقمار ، وفعل ما يضحك الناس من المزاح ، واللهو ، وذكر عيوب الناس ، ومجالسة أهل الريب (1).
إنّ هذه الآثام تزيل عصمة الإنسان ، وتلقيه في شرّ عظيم .
1) أضواء على دعاء كميل : 125 .
وهي الذنوب التي توجب نقمة الله تعالى من مقترفها ، وقد أدلى الإمام الصادق (علیه السّلام) ببعضها ، وهي : نقض العهد ، وظهور الفاحشة، وشيوع الكذب، والحكم بغير ما أنزل الله تعالى ، ومنع الزكاة ، وتطفيف الكيل ، فإنّ رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) قال : خَمْسٌ بِخَمْسٍ .
قالوا يا رسول الله ، ما خمس بخمس ؟
فقال : ما نَقَضَ قَوْمُ الْعَهْدَ إِلَّا وَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ، وَما ظَهَرَتْ عَنْهُمُ الْفَاحِشَةُ إِلَّا وَقَدْ فَشا فِيهِمُ الْمَوْتُ ، وَمَا شَاعَ فِيْهِمُ الْكَذِبُ وَالْحُكْمُ بِغَيْرِ ما أَنْزَلَ اللهُ إِلَّا وَقَدْ فَشا فِيْهِمُ الْفَقْرُ ، وَما مَنَعُوا الزَّكاةَ إِلَّا وَحُبِسَ عَنْهُمُ الْقَطْرُ، وَمَا طَفَّفُوا الْكَيْلَ إِلَّا مُنِعُوا النَّبَاتَ وَاخِذُوا بِالسِّنِينَ (1).
فهذه الذنوب هي التي توجب نقمة الله على عباده وأخذهم بالعذاب الأليم .
أما الذنوب التي تغيّر نعم الله وتحجبها عن الإنسان ، فقد تحدّث عنها الإمام الصادق (علیه السّلام) بقوله : تَرْكُ شُكْرِ الْمُنْعِمِ الْإِفْتِرَاءُ عَلَى اللهِ وَالرَّسُولِ ، قَطْعُ صِلَةِ الرَّحِمِ ، تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ عَنْ أَوْقاتِها، الدِّياثَةُ ، وَتَرْلُ إغاثَةِ الْمَلْهُوفِينَ الْمُسْتَغِيثِينَ، وَتَرْلُ إِعَانَةِ الْمَظْلُومِينَ(2).
إنّ هذه الذنوب هي التي تُزيل نعم الله عن عباده وتحجبها عنهم .
أما الذنوب التي تحبس الدعاء ، ولا تجعله يصل إلى الله تعالى ، فهي ما يقترفه
الإنسان من الأعمال المنكرة، والتي منها أكل مال الناس بالباطل ، وعدم الاتكال على الله ، والغرور ، وغير ذلك من الرذائل والموبقات .
أمّا الذنوب التي تُنزل البلاء والعقاب ، فقد جاء في بعض الأخبار أنّها سبعة :وهي الشرك بالله ، وقتل النفس التي حرّم الله تعالى ، وقذف المحصنة ، وأكل مال اليتيم ظُلماً ، والزنا ، والفرار من الزحف ، والسرقة (1)
وهذه بعض الذنوب التي تكون سبباً لنزول البلاء على الإنسان .
أما الذنوب التي تقطع الرجاء بالله - أعاذنا الله منها - فهي اليأس من روح الله ، والقنوط من رحمة الله ، والثقة بغير الله ، والتكذيب بوعيد الله ، كما في الحديث ، إنّ هذه الآثام تقطع الصلة بين العبد وخالقه، وتُلقي الإنسان في متاهات سحيقة من الضلال.
ونعود إلى الاستمرار في دعاء الإمام (علیه السّلام) ، قال :
اللهمَّ إِنِّي أَتَقَرَّبُ إِلَيْكَ بِذِكْرِكَ ، وَأَسْتَشْفِعُ بِكَ إِلى نَفْسِكَ ، وَأَسْأَلُكَ بِجُودِكَ أَنْ تُدْنِيَنِي مِنْ قُرْبِكَ ، وَأَنْ تُوزِعَنِي شُكْرَكَ ، وَأَنْ تُلْهِمَنِي ذِكْرَكَ .
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ سُؤالَ خَاضِعِ مُتَذَلَّلٍ خَاشِعِ ، أَنْ تُسَامِحَنِي وَتَرْحَمَنِي وَتَجْعَلَنِي بِقِسَمِكَ راضياً قَانِعاً ، وَفِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ مُتَوَاضِعاً .
وحكت هذه الفقرات أجمل ما توسل به العارفون إلى الله تعالى ، فقد طلب
الإمام من الله تعالى أن يقرّبه إليه زلفى ، وأن يوزعه شكره ويلهمه ذكره ، ويجعله راضياً بما قسمه له .
ويستمر الإمام في دعائه قائلاً:
اللهُمَّ وَأَسْأَلُكَ سُؤالَ مَنِ اشْتَدَّتْ فَاقَتُهُ ، وَأَنْزَلَ بِكَ عِنْدَ الشَّدَائِدِ حَاجَتَهُ ، وَعَظُمَ فِيمَا عِنْدَكَ رَغْبَتُهُ .
اللَّهُمَّ عَظُمَ سُلْطَانُكَ ، وَعَلَا مَكَانُكَ ، وَخَفِيَ مَكْرُكَ ، وَظَهَرَ أَمْرُكَ ، وَغَلَبَ قَهْرُكَ ، وَجَرَتْ قُدْرَتُكَ ، وَلَا يُمْكِنُ الْفِرَارُ مِنْ حُكُومَتِكَ ..
وأعربت هذه الكلمات عن مدى تضرّع الإمام وإنابته إلى الله تعالى وخوفه منه ، ومعرفته به .
ويأخذ الإمام في دعائه قائلاً:
اللهُمَّ لَا أَجِدُ لِذُنُوبِي غَافِراً ، وَلَا لِقَبَائِحِي سَاتِراً ، وَلَا لِشَيْءٍ مِنْ عَمَلِيَ الْقَبِيحِ بِالْحَسَنِ مُبَدِّلاً غَيْرَكَ ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَتَجَرَّأْتُ بِجَهْلِي ، وَسَكَنْتُ إِلَى قَدِيمِ ذِكْرِكَ لِي وَمَنَّكَ عَلَيَّ.
اللَّهُمَّ مَوْلَايَ ، كَمْ مِنْ قَبِيحِ سَتَرْتَهُ ، وَكَمْ مِنْ فَادِحِ مِنَ الْبَلَاءِ أَقَلْتَهُ ، وَكَمْ مِنْ عِثَارٍ وَقَيْتَهُ ، وَكَمْ مِنْ مَكْرُوهِ دَفَعْتَهُ ، وَكَمْ مِنْ ثَنَاءِ جَمِيلٍ لَسْتُ أَهْلاً لَهُ نَشَرْتَهُ ..
أما هذه البنود المشرقة من دعاء الإمام (علیه السّلام) ، فقد حكت ألطاف الله تعالى وفضله على عباده ، وذلك بغفرانه للذنوب ، وستره لقبائح الأعمال ، ونشره وإشاعته لفعل المعروف والإحسان ، وإقالته لفادح البلاء ، وغير ذلك من ألطافه .
ويستمر الإمام في دعائه قائلاً:
اللهُمَّ عَظُمَ بَلائِي، وَأَفْرَطَ بِي سُوءُ حَالِي ، وَقَصُرَتْ بِي أَعْمَالِي ، وَقَعَدَتْ بي أَغْلَالِي ، وَحَبَسَنِي عَنْ نَفْعِي بُعْدُ آمَالِي ، وَخَدَعَتْنِي الدُّنْيَا بِغُرُورِهَا ، وَنَفْسِي بِجِنَايَتِهَا ، وَمِطَالِي يَا سَيِّدِي فَأَسْأَلُكَ بِعِزَّتِكَ أَنْ لَا يَحْجُبَ عَنْكَ دُعَائِي سُوءُ عَمَلِي وَفِعَالِي ، وَلَا تَفْضَحْنِي بِخَفِي مَا اطَّلَعْتَ عَلَيْهِ مِنْ سِرِّي ، وَلَا تُعَاجِلْنِي بِالْعُقُوبَةِ عَلَى مَا عَمِلْتُهُ فِي خَلَواتِي، مِنْ سُوءِ فِعْلِي وَإِسَاءَتِي ، وَدَوامِ تَفْرِيطِي وَجَهَالَتِي ، وَكَثْرَةِ شَهَواتِي وَغَفْلَتِي.
أعرب الإمام (علیه السّلام) في هذه الفقرات عن تذلّله وتضرّعه إلى الله وما يعمله الغرور والطيش في نفس الإنسان من البعد من الله تعالى ، فهو يطلب منه أن تشمله رحمته ، ولا يبعده عنه سوء الأعمال .
ويأخذ الإمام (علیه السّلام) قائلاً:
وَكُنِ اللَّهُمَّ بِعِزَّتِكَ لِي فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ رَؤُوفاً ، وَعَلَيَّ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ عَطُوفاً . إِلهِي وَرَبِّي مَنْ لِي غَيْرُكَ أَسْأَلُهُ كَشْفَ ضُرِّي ، وَالنَّظَرَ فِي أَمْرِي .
إِلهِي وَمَوْلَايَ ، أَجْرَيْتَ عَلَيَّ حُكْما اتَّبَعْتُ فِيهِ هَوَىٰ نَفْسِي وَلَمْ أَحْتَرِسْ فِيهِ مِنْ تَزْيِينِ عَدُوِّي ، فَغَرَّنِي بِمَا أَهْوَى، وَأَسْعَدَهُ عَلى ذلِكَ الْقَضَاءُ، فَتَجَاوَزْتُ بِمَا جَرى عَلَيَّ مِنْ ذَلِكَ بَعْضَ حُدُودِكَ ، وَخَالَفْتُ بَعْضَ أَوامِرِكَ ، فَلَكَ الْحُجَّةُ عَلَيَّ فِي جَمِيعِ ذلِكَ ، وَلَا حُجَّةَ لِي فِيمَا جَرَىٰ عَلَيَّ فِيهِ قَضَاؤُكَ ، وَأَلْزَمَنِي حُكْمُكَ وَبَلاؤُكَ ...
وحفلت هذه الكلمات من دعاء إمام المتقين (علیه السّلام) بانقطاعه التام إلى الله تعالى والتجائه إليه في جميع شؤونه وأموره ، واعترافه بالتقصير في طاعته ، وأنه لا حجة له
على الله ، وإنما الحجّة له عليه .
ويقول الإمام (علیه السّلام) في دعائه :
وَقَدْ أَتَيْتُكَ يَا إِلهِي بَعْدَ تَقْصِيرِي وَإِسْرَافِي عَلَى نَفْسِي - مُعْتَذِراً نَادِماً مُنْكَسِراً مُسْتَقِيلاً مُسْتَغْفِراً مُنِيباً مُقراً مُذْعِنَا مُعْتَرِفاً ، لَا أَجِدُ مَفَرًا مِمَّا كَانَ مِنِّي ، وَلَا مَفْزَعاً أَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ فِي أَمْرِي ، غَيْرَ قَبُولِكَ عُذْرِي ، وَإِدْخَالِكَ إِيَّايَ فِي سَعَةٍ مِنْ رَحْمَتِكَ .
اللهُمَّ فَاقْبَلْ عُذْرِي ، وارْحَمْ شِدَّةَ ضُرِّي ، وَفُكَّنِي مِنْ شَدَّ وَثَاقِي .
يَا رَبِّ ارْحَمْ ضَعْفَ بَدَنِي ، وَرِكَّةَ جِلْدِي ، وَدِفَّةَ عَظْمِي. يَا مَنْ بَدَأَ خَلْقِي وَذِكْرِي وَتَرْبِيَتِي وَبِرِّي وَتَغْذِيَتِي ، هَبْنِي لاِبْتِداءِ كَرَمِكَ وَسَالِفِ بِرُكَ بِي .
يَا إِلهِي وَسَيّدِي وَرَبِّي ، أَتُراكَ مُعَذِّبِي بِنَارِكَ بَعْدَ تَوْحِيدِكَ ، وَبَعْدَمَا انْطَوَىٰ عَلَيْهِ قَلْبِي مِنْ مَعْرِفَتِكَ ، وَلَهِجَ بِهِ لِسَانِي مِنْ ذِكْرِكَ ، وَاعْتَقَدَهُ ضَمِيرِي مِنْ حُبِّكَ ، وَبَعْدَ صِدْقِ اعْتِرَافِي وَدُعَائِي خَاضِعاً لِرُبُوبِيَّتِكَ ، هَيْهَاتَ أَنْتَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ تُضَيَّعَ مَنْ رَبَّيْتَهُ ، أَوْ تُبَعدَ مَنْ أَدْنَيْتَهُ ، أَوْ تُشَرِّدَ مَنْ آوَيْتَهُ ، أَوْ تُسَلَّمَ إِلَى الْبَلاءِ مَنْ كَفَيْتَهُ وَرَحِمْتَهُ .
وَلَيْتَ شِعْرِي يَا سَيِّدِي وَإِلهِي وَمَوْلَايَ ، أَتُسَلِّطُ النَّارَ عَلَى وُجُوهِ خَرَّتْ لِعَظَمَتِكَ سَاجِدَةً ، وَعَلَى الْسُنِ نَطَقَتْ بِتَوْحِيدِكَ صَادِقَةٌ وَبِشُكْرِكَ مَادِحَةٌ ، وَعَلَى قُلُوبِ اعْتَرَفَتْ بِالهِيَّتِكَ مُحَقِّقَةٌ ، وَعَلَى ضَمَائِرَ حَوَتْ مِنَ الْعِلْمِ بِكَ حَتَّى صَارَتْ خَاشِعَةً ، وَعَلى جَوارِحَ سَعَتْ إِلَى أَوْطَانِ تَعَبدِكَ طَائِعَةٌ ، وَأَشَارَتْ بِاسْتِغْفَارِكَ مُذْعِنَةٌ ، مَا هَكَذَا الظُّنُّ بِكَ ، وَلَا أُخْبِرْنَا بِفَضْلِكَ عَنْكَ ...
أرأيتم هذا الاستعطاف والتذلل والخشوع أمام رب العالمين بهذا الأدب الفياض ، الذي انبعث عن قلب ليس فيه منفذ ولا موطن لغير الله تعالى ؟
سلام الله عليك يا إمام المتقين وسيّد الموحدين ، فقد أخلصت في طاعتك وحبّك الله تعالى أعظم وأسمى ما يكون الإخلاص .
ويستمر الإمام (علیه السّلام) في تذلّله وخوفه من الله تعالى ، فيقول :
يَا كَرِيمُ يَا رَبِّ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ ضَعْفِي عَنْ قَلِيل مِنْ بَلاءِ الدُّنْيَا وَعُقُوبَاتِهَا . وَمَا يَجْرِي فِيهَا مِنَ الْمَكَارِهِ عَلى أَهْلِهَا ، عَلَى أَنَّ ذَلِكَ بَلَاءٌ وَمَكْرُوهٌ قَلِيلٌ مَكْتُهُ ، يَسِيرٌ بَقَاؤُهُ ، قَصِيرٌ مُدَّتُهُ ، فَكَيْفَ احْتِمَالِي لِبَلَاءِ الْآخِرَةِ وَجَلِيلِ وُقُوعِ الْمَكَارِهِ فِيهَا ، وَهُوَ بَلَاءٌ تَطُولُ مُدَّتُهُ ، وَيَدُومُ مَقَامُهُ ، وَلَا يُخَفَّفُ عَنْ أَهْلِهِ ، لأَنَّهُ لَا يَكُونُ إِلا عَنْ غَضَبِكَ وانْتِقَامِكَ وَسَخَطِكَ ، وَهَذا مَا لَا تَقُومُ لَهُ السَّمواتُ وَالْأَرْضُ .
يَا سَيِّدِي فَكَيْفَ بِي وَأَنَا عَبْدُكَ الضَّعِيفُ الدَّلِيلُ الْحَقِيرُ الْمِسْكِينُ الْمُسْتَكِينُ...
وحكت هذه الفقرات بالغ خوفه ، وشدّة فزعه من الله تعالى ، ومطالبته بالعفو والمغفرة من الله ، والنجاة من أهوال يوم القيامة .
ويأخذ الإمام (علیه السّلام) في تضرعه إلى الله وفزعه منه قائلاً:
يَا إِلهِي وَرَبِّي وَسَيِّدِي وَمَوْلَايَ ، لِأَيِّ الْأُمُورِ إِلَيْكَ أَشْكُو ، وَلِمَا مِنْهَا أَضِجُ وَأَبْكِي ، لِأَلِيمِ الْعَذَابِ وَشِدَّتِهِ أَمْ لِطُولِ الْبَلَاءِ وَمُدَّتِهِ ، فَلَئِنْ صَيَّرْتَنِي لِلْعُقُوبَاتِ مَعَ أَعْدائِكَ ، وَجَمَعْتَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَهْلِ بَلَائِكَ ، وَفَرَّقْتَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَحِبَّائِكَ
وَأَوْلِيَائِكَ ، فَهَيْنِي يَا إِلهِي وَسَيِّدِي وَمَوْلَايَ وَرَبِّي ، صَبَرْتُ عَلَى عَذَابِكَ فَكَيْفَ أَصْبِرُ عَلَى فِراقِكَ ، وَهَيْنِي صَبَرْتُ عَلَى حَرِّ نَارِكَ فَكَيْفَ أصْبِرُ ع النَّظَرِ إِلَى كَرَامَتِكَ ، أَمْ كَيْفَ أَسْكُنُ فِي النَّارِ وَرَجَانِي عَفْوَكَ ، فَبِعِزَّتِكَ يَا سَيِّدِي وَمَوْلَايَ أَقْسِمُ صَادِقاً ، لَئِنْ تَرَكْتَنِي نَاطِقاً لَأَضِجُنَّ إِلَيْكَ بَيْنَ أَهْلِهَا صَحِيحَ الْآمِلِينَ ، وَلَأَصْرُخَنَّ إِلَيْكَ صُراحَ الْمُسْتَصْرِحِينَ ، وَلَأَبْكِيَنَّ عَلَيْكَ بُكَاءَ الْفَاقِدِينَ ، وَلَأَنَادِيَنَّكَ أَيْنَ كُنْتَ يَا وَلِيَّ الْمُؤْمِنِينَ ، يَا غَايَةَ آمَالِ الْعَارِفِينَ ، يَا غِيَاثَ الْمُسْتَغِيثِينَ ، يَا حَبِيبَ قُلُوبِ الصَّادِقِينَ ، وَيَا إِلهَ الْعَالَمِينَ .
أَفَتُراكَ سُبْحَانَكَ يَا إِلهِي وَبِحَمْدِكَ تَسْمَعُ فِيهَا صَوْتَ عَبْدٍ مُسْلِمٍ سُجِنَ فِيهَا بِمُخَالَفَتِهِ ، وذاقَ طَعْمَ عَذابِهَا بِمَعْصِيَتِهِ ، وَحُبِسَ بَيْنَ أَطْبَاقِهَا بِجُرْمِهِ وَجَرِيْرَتِهِ ، وَهُوَ يَضِجُ إِلَيْكَ ضَجِيجَ مُؤَمِّلِ لِرَحْمَتِكَ ، وَيُنَادِيكَ بِلِسَانِ أَهْلِ تَوْحِيدِكَ، وَيَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ .
يَا مَوْلَايَ فَكَيْفَ يَبْقَى فِي الْعَذَابِ وَهُوَ يَرْجُو مَا سَلَفَ مِنْ حِلْمِكَ، أَمْ كَيْفَ تُؤْلِمُهُ النَّارُ وَهُوَ يَأْمُلُ فَضْلَكَ وَرَحْمَتَكَ ، أَمْ كَيْفَ يُحْرِقُهُ لَهِيْبُهَا وَأَنْتَ تَسْمَعُ صَوْتَهُ وَتَرى مَكَانَهُ ، أَمْ كَيْفَ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ زَفِيرُهَا وَأَنْتَ تَعْلَمُ ضَعْفَهُ ، أَمْ كَيْفَ يَتَفَلْقَلُ بَيْنَ أَطْبَاقِهَا وَأَنْتَ تَعْلَمُ صِدْقَهُ ، أَمْ كَيْفَ تَزْجُرُهُ زَبَانِيَتُهَا وَهُوَ يُنَادِيكَ يَا رَبَّاهُ ، أَمْ كَيْفَ يَرْجُو فَضْلَكَ فِي عِنْقِهِ مِنْهَا فَتَتْرُكَهُ فِيهَا ، هَيْهَاتَ مَا ذَلِكَ الظَّنُّ بِكَ ، وَلَا الْمَعْرُوفُ مِنْ فَضْلِكَ ، وَلَا مُشْبِءٌ لِمَا عَامَلْتَ بِهِ الْمُوَحَدِينَ مِنْ بِرِّكَ وَإِحْسَانِكَ ...
لقد ناجي الإمام ربّه بإيمان ويقين وتذلّل وخشوع ، واستجار به أن ينجيه
من أهوال يوم القيامة ، وعذاب الآخرة .
إنّ هذه البنود المشرقة من كلمات الإمام (علیه السّلام) دللت على عظمة الإمام وأنّه سيّد المتقين ، وإمام الموحدين ، وأنّه الفرد الأوّل من المنقطعين إلى الله تعالى .
ويستمر الإمام في دعائه قائلاً:
فَبِالْيَقِينِ أَقْطَعُ ، لَوْلَا مَا حَكَمْتَ بِهِ مِنْ تَعْذِيبِ جَاحِدِيكَ ، وَقَضَيْتَ بِهِ مِنْ إِخْلَادِ مُعَانِدِيكَ ، لَجَعَلْتَ النَّارَ كُلَّها بَرْداً وَسَلَاماً ، وَمَا كَانَ لِأَحَدٍ فِيها مَقَرّاً وَلَا مُقَاماً ، لكِنَّكَ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُكَ أَقْسَمْتَ أَنْ تَمْلَأَهَا مِنَ الْكَافِرِينَ ، مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، وَأَنْ تُخَلَّدَ فِيهَا الْمُعَانِدِينَ . وَأَنْتَ جَلَّ ثَنَاؤُكَ قُلْتَ مُبْتَدِنَا ، وَتَطَوَّلْتَ بِالْإِنْعَامِ مُتَكَرِّماً ، أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ..
عرض الإمام (علیه السّلام) في هذا المقطع إلى سعة رحمة الله تعالى ولطفه وعفوه ، وأنه لولا حكمه بتعذيب الجاحدين لربوبيته والمنكرين لتوحيده لما خلّد أحداً في نار جهنم ، ولجعلها برداً وسلاماً لجميع عباده .
ويستمر الإمام (علیه السّلام) في تضرعه إلى الله تعالى :
إِلهِي وَسَيِّدِي ، فَأَسْأَلُكَ بِالْقُدْرَةِ الَّتِي قَدَّرْتَهَا ، وَبِالْقَضِيَّةِ الَّتِي حَتَمْتَهَا وَحَكَمْتَهَا ، وَغَلَبْتَ مَنْ عَلَيْهِ أَجْرَيْتَهَا ، أَنْ تَهَبَ لِى فِى هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَفِي هَذِهِ السَّاعَةِ ، كُلَّ جُرْمٍ أَجْرَمْتُهُ ، وَكُلَّ ذَنْبٍ أَذْنَبْتُهُ ، وَكُلَّ قَبِيح أَسْرَرْتُهُ ، وَكُلَّ جَهْلِ عَمِلْتُهُ ، كَتَمْتُهُ أَوْ أَعْلَتُهُ ، أَخْفَيْتُهُ أَوْ أَظْهَرْتُهُ ، وَكُلَّ سَيِّئَةٍ أَمَرْتَ بِإِثْبَاتِهَا الْكِرَامَ الْكَاتِبِينَ ، الَّذِينَ وَكَّلْتَهُمْ بِحِفْظِ مَا يَكُونُ مِنِّي ، وَجَعَلْتَهُمْ شُهُوداً عَلَيَّ
مَعَ جَوارِحِي، وَكُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيَّ مِنْ وَرَائِهِمْ ، وَالشَّاهِدَ لِمَا خَفِيَ عَنْهُمْ وَبِرَحْمَتِكَ أَخْفَيْتَهُ ، وَبِفَضْلِكَ سَتَرْتَهُ ، وَأَنْ تُوَفِّرَ حَظِّي مِنْ كُلِّ خَيْرٍ تُنْزِلُهُ أَوْ إِحْسَانِ فَضَّلْتَهُ ، أَوْ بِرَّ نَشَرْتَهُ ، أَوْ رِزْقٍ بَسَطْتَهُ ، أَوْ ذَنْبٍ تَغْفِرُهُ ، أَوْ خَطَأ تَسْتُرُهُ ...
ويطلب الإمام في هذا المقطع من الله تعالى أن يعفو عنه ، ويشمله برحمته ومغفرته ورضوانه، وأن تكون صحيفة أعماله خالية من كلّ ما يبعده عنه ، وأن يتفضّل عليه بالخير الذي ينشره على عباده ، والرزق الذي يبسطه عليهم .
ثم يأخذ الإمام بالتوسل إلى الله تعالى قائلاً:
يَا رَبِّ يَا رَبِّ يَا رَبِّ ، يَا إِلهِي وَسَيِّدِي وَمَوْلَايَ وَمَالِكَ رِقّي ، يَا مَنْ بِيَدِهِ نَاصِيَتِي ، يَا عَلِيماً بِضُرِّي وَمَسْكَنَتِي ، يَا خَبِيرًا بِفَقْرِي وَفَاقَتِي .
يَا رَبِّ يَا رَبِّ يَا رَبِّ ، أَسْأَلُكَ بِحَقِّكَ وَقُدْسِكَ وَأَعْظَم صِفَاتِكَ وَأَسْمَائِكَ ، أَنْ تَجْعَلَ أَوْقَاتِي فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ بِذِكْرِكَ مَعْمُورَةٌ ، وَبِخِدْمَتِكَ مَوْصُولَةٌ ، وَأَعْمَالِي عِنْدَكَ مَقْبُولَةٌ ، حَتَّى تَكُونَ أَعْمَالِي وَأَوْرَادِي كُلُّهَا وِرْداً وَاحِداً ، وَحَالِي فِي خِدْمَتِكَ سَرْمَداً ...
وطلب الإمام من الله تعالى أن يجعل جميع أوقاته مشغولة بذكر الله وطاعته ، وما يقربه إليه زلفى .
ويأخذ الإمام في دعائه قائلاً:
يَا سَيِّدِي يَا مَنْ عَلَيْهِ مُعَوِّلِي ، يَا مَنْ إِلَيْهِ شَكَوْتُ أَحْوالِي .
يَا رَبِّ يَا رَبِّ يَا رَبِّ ، قَوْ عَلَىٰ خِدْمِتِكَ جَوارِحِي ، وَاشْدُدْ عَلَى الْعَزِيمَةِ
جوانحي ، وَهَبْ لِي الْجِدَّ فِي خَشْيَتِكَ ، وَالدَّوامَ فِي الْأَنْصَالِ بِخِدْمَتِكَ ، حَتَّى أَسْرَحَ إِلَيْكَ فِي مَيَادِينِ السَّابِقِينَ ، وَأسْرِعَ إِلَيْكَ فِي الْبَارِزِينَ ، وَأَشْتَاقَ إِلَى قُرْبِكَ فِي الْمُشْتَاقِينَ ، وَأَدْنُوَ مِنْكَ دُنُوَّ الْمُخْلِصِينَ ، وَأَخَافَكَ مَخَافَةَ الْمُوْقِنِينَ ، وَأَجْتَمَعَ فِي جِوَارِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ .
توسل الإمام (علیه السّلام) في هذه الفقرات إلى الله تعالى أن يقوّيه على خدمته ، ويهب له الدوام والجدّ في خشيته والخوف منه ؛ حتى يكون من السابقين في خدمته ، والفائزين برضاه وطاعته .
ثم يقول (علیه السّلام):
اللَّهُمَّ وَمَنْ أَرادَنِي بِسُوءٍ فَأَرِدْهُ ، وَمَنْ كَادَنِي فَكِدْهُ ، وَاجْعَلْنِي مِنْ أَحْسَنِ عَبِيدِكَ نَصِيباً عِنْدَكَ ، وَأَقْرَبِهِمْ مَنْزِلَةٌ مِنْكَ ، وَأَخَصْهِمْ زُلْفَةٌ لَدَيْكَ ، فَإِنَّهُ لَا يُنَالُ ذَلِكَ إِلَّا بِفَضْلِكَ ، وَجُدْ لِي بِجُودِكَ ، واعْطِفْ عَلَيَّ بِمَجْدِكَ ، واحْفَظْنِي بِرَحْمَتِكَ ، واجْعَلْ لِسَانِي بِذِكْرِكَ لَهِجاً ، وَقَلْبِي بِحُبِّكَ مُتَيَّماً ، وَمُنَّ عَلَيَّ بِحُسْنِ إِجَابَتِكَ ، وَأَقِلْنِي عَشْرَتِي ، وَاغْفِرْ زَلَّتِي ، فَإِنَّكَ قَضَيْتَ عَلَى عِبَادِكَ بِعِبَادَتِكَ ، وَأَمَرْتَهُمْ بِدُعَائِكَ ، وَضَمِنْتَ لَهُمُ الْإِجَابَةَ ...
وحفل هذا المقطع من دعاء الإمام (علیه السّلام) بأن يحفظه الله من كل باغ ومعتد عليه ، وأن يجعله من أوفر عباده نصيباً عنده في كل خير وفضل يمن به تعالى على عباده .. إلى غير ذلك من مطالبه التي تعود عليه بأفضل أنواع التقرّب إلى الله تعالى .
ولنستمع إلى الفقرة الأخيرة من هذا الدعاء الشريف ، يقول (علیه السّلام):
فَإِلَيْكَ يَا رَبِّ نَصَبْتُ وَجْهِي ، وَإِلَيْكَ يَا رَبِّ مَدَدْتُ يَدِي ، فَبِعِزَّتِكَ
اسْتَجِبْ لِي دُعانِي وَبَلِّغْنِي مُنَايَ ، وَلَا تَقْطَعْ مِنْ فَضْلِكَ رَجَائِي، وَاكْفِنِي شَرَّ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ مِنْ أَعْدائِي .
يَا سَرِيعَ الرّضَا ، إِغْفِرْ لِمَنْ لَا يَمْلِكُ إِلَّا الدُّعاءَ ، فَإِنَّكَ فَعَّالٌ لِمَا تَشَاءُ ، يَا مَنِ اسْمُهُ دَواءٌ ، وَذِكْرُهُ شِفَاءٌ ، وَطَاعَتُهُ غِنى ، ارْحَمْ مَنْ رَأْسُ مَالِهِ الرَّجَاءُ ، وَسِلَاحُهُ الْبُكَاءُ.
يَا سَابِغَ النَّعَمِ، يَا دافِعَ النَّقَمِ ، يَا نُورَ الْمُسْتَوحِشِينَ فِي الظُّلَمِ ، يَا عَالِماً لا يُعَلَّمُ ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَافْعَلْ بِي مَا أَنْتَ أَهْلُهُ ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى رَسُولِهِ والأَئِمَّةِ الْمَيَامِينِ مِنْ أَهْلِهِ ،وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً (1).
وانتهى هذا الدعاء الشريف الذي هو صفحة مشرقة من عبادة الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) ، وانقطاعه التام إلى الله تعالى ، فقد هام بحبّ الله وطاعته ، وأخلص في عبادته أعظم ما يكون الإخلاص .
1) إقبال الأعمال : 220 - 224 . مصباح المتهجد : 844 - 850، الحديث 910.
وكان من أهم ما عنى به إمام المتقين (علیه السّلام)هو به إمام المتقين الله هو الدعاء عند أداء الطقوس الدينية ، فقد استوعب حبُّهُ الله تعالى قلبه ومشاعره ومن أجمل أوقاته وأحبّها عنده أداؤه للطقوس الدينية من واجبات ومندوبات ، فكان يؤديها بشوق ورغبة تعادل عنده جميع متع الدنيا ورغباتها .
وهذه صفحات مشرقة بروح التقوى والإيمان من أدعيته الشريفة التي كان يدعو بها عند أدائه لبعض العبادات :
الوضوء
أما الوضوء فهو من مقدمات الصلاة ولا تصح إلا به أو بديله وهو التيمم عند فقد الماء أو عدم التمكن من استعماله ، ففي الحديث «لا صلاة إلا بطهور» ويكون واجباً إذا كان مقدّمة للصلاة الواجبة ، ويكون مستحبّاً إذا جيء به للكون على الطهارة حسبما ذكره الفقهاء .
وكان الإمام (علیه السّلام) يُشفع جميع أعمال الوضوء من واجبات ومندوبات بالأدعية الجليلة ، وهذه بعضها :
1- المضمضة
من مقدّمات الوضوء ومستحبّاته «المضمضة» التي يُقصد منها تنظيف الأسنان ،
وطهارة الفم من الأوساخ ، وكان الإمام (علیه السّلام) يدعو بهذا الدعاء عند الشروع فيها :
(اللهُمَّ لَقِّنِي حُجَّتَكَ يَوْمَ أَلْقَاكَ ، وَأَطْلِقْ لِسَانِي بِذِكْرِكَ ) (1).
من مستحبّات الوضوء الإستنشاق بالماء فإنّه مطهر للأنف وفيه فوائد صحية مهمة أدلى بها الأطباء .. وكان الإمام (علیه السّلام) يدعو بهذا الدعاء عند الإستنشاق :
«اللَّهُمَّ لَا تُحَرِّمْ عَلَيَّ رِيحَ الْجَنَّةِ ، واجْعَلْنِي مِمَّنْ يَشُمُّ رِيحَهَا وَرَوْحَهَا وَطِيبَهَا » (2).
وكان الإمام (علیه السّلام)إذا شرع في غسل الوجه دعا بهذا الدعاء :
«اللَّهُمَّ بَيِّضْ وَجْهِي يَوْمَ تَسْوَدُّ فِيهِ الْوُجُوهُ ، وَلَا تُسَوِّدْ وَجْهِي يَوْمَ تَبْيَضُ فِيهِ الْوُجُوهُ » (3).
وإذا شرع الإمام (علیه السّلام) في غَسْلِ يده اليمنى دعا بهذا الدعاء :
اللَّهُمَّ أَعْطِنِي كِتَابِي بِيَمِينِي ، والْخُلْدَ فِي الْجِنَانِ بِيَسَارِي ، وَحَاسِبْنِي حِسَاباً يَسِيراً » (4).
وإذا غسل الإمام(علیه السّلام) يده اليسرى دعا بهذا الدعاء الجليل :
اللهُمَّ لَا تُعْطِنِي كِتَابِي بِشِمَالِي وَلَا مِنْ وَراءِ ظَهْرِي ، وَلَا تَجْعَلْهَا مَغْلُولَةٌ إِلى عُنُقِي ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ مُقَطَّعَاتِ النِّيرانِ» (1)
وإذا مسح الإمام (علیه السّلام) رأسه عند الوضوء دعا بهذا الدعاء :
«اللّهُمَّ غَشَّنِي بِرَحْمَتِكَ وَبَرَكَاتِكَ وَعَفْوِكَ (2)
وإذا شرع الإمام (علیه السّلام) في مسح الرجلين اللذين هما آخر أجزاء الوضوء دعا بهذا الدعاء :
«اللهُمَّ ثَبِّتْنِي عَلَى الصِّراطِ يَوْمَ تَزِلُّ فِيهِ الْأَقْدَامُ ، وَاجْعَلْ سَعْيِي فِيمَا يُرْضِيكَ عَنِّي يَا ذَا الْجَلَالِ والإِكْرامِ » (3)
وهكذا كان وضوءه مشفوعاً بهذه الأدعية الجليلة التي تحكي عميق اتصاله بالله ، وانقطاعه إليه .
1) وسائل الشيعة : 1 : 283 . مصباح المتهجد : 9. من لا يحضره الفقيه : 1: 43. تهذيب الأحكام : 1 : 54 ، الحديث 153 .
2) وسائل الشيعة : 1 : 283 . مصباح المتهجد : 9. من لا يحضره الفقيه : 1: 43. تهذيب الأحكام : 1 : 54 ، الحديث 153 .
3) وسائل الشيعة : 1 : 283 . مصباح المتهجد : 9. من لا يحضره الفقيه : 1: 43. تهذيب الأحكام : 1 : 54 ، الحديث 153 .
أما الصلاة فهي عمود الدين ، وقربان كل تقي كما في الحديث - وقد شغف بها الإمام (علیه السّلام) ، فلم يترك نافلة من النوافل إلا أتى بها ، وبلغ من شدّة اهتمامه بها أنّه أقامها في ليلة الهرير ، وهي من أكثر الأوقات محنة ، ومن أشدها بلاء وقد أقامها بين الصفين ، والسهام تأخذه يميناً وشمالاً وقد عذله بعض أصحابه ، فردّ عليه إنّما قاتلناهم - يعني أهل الشام - من أجل الصلاة ، ويقول الرواة إنّه كان يقيم الصلاة في معظم الأوقات ، وقد قال حفيده الإمام زين العابدين الذي لا يضارعه أحد في عبادته وتقواه : « أَيْنَ عِبادَتِي مِنْ عِبادَةِ جَدِّي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ » .
ونعرض بعض أدعيته التي كان يقرأها قبل الصلاة وفي أثناء الصلاة وبعدها وفيما يلي ذلك :
دُعاؤهُ عَلَيْهِ السَلام قبل الصلاة
وكان الإمام إذا قام للصلاة يدعو بهذا الدعاء قبل أن يشرع بتكبيرة الإحرام : يَا مُحْسِنُ قَدْ أَتَاكَ الْمُسِيءُ ، وَقَدْ أَمَرْتَ الْمُحْسِنَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنِ الْمُسِيءُ ، وَأَنْتَ الْمُحْسِنُ وَأَنَا الْمُسِيءُ ، فَبِحَقِّ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَتَجَاوَزْ عَنْ قَبِيح مَا تَعْلَمُ مِنِّي (1).
1) الصحيفة العلوية الثانية : 143 . مصباح المتهجد : 30 ، الحديث 31.
وأفضل أجزاء الصلاة السجود ، وفي الحديث : أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ، وقد أثرت عن إمام المتقين مجموعة من الأدعية كان يقرأها في سجوده وهذه بعضها :
1 - روى الأصبغ بن نباتة وهو من أجلاء أصحاب الإمام (علیه السّلام) ومن أوثقهم وأخلصهم له أنّ الإمام الا كان يقول في سجوده :
أنا جِيكَ يَا سَيِّدِي كَمَا يُنَاجِى الْعَبْدُ الدَّلِيلُ مَوْلَاهُ ، وَأَطْلُبُ إِلَيْكَ طَلَبَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّكَ تُعْطِي ، وَلَا يَنْقُصُ مِمَّا عِنْدَكَ شَيْءٌ ، وَأَسْتَغْفِرُكَ اسْتِغْفَارَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ ، وَأَتَوَكَّلُ عَلَيْكَ تَوَكُلَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ (1).
2 - روى الإمام الصادق (علیه السّلام) أن جده أمير المؤمنين (علیه السّلام) كان يقول في سجوده :
اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ تَبْتَلِيَنِي بِبَلِيَّةٍ تَدْعُونِي ضَرُورَتُهَا عَلَى أَنْ أَتَلَوَّثَ بِشَيْءٍ مِنْ مَعَاصِيكَ.
اللهُمَّ وَلَا تَجْعَلْ لِي حَاجَةً إِلى أَحَدٍ مِنْ شِرارِ خَلْقِكَ وَلِنَامِهِمْ ، فَإِنْ جَعَلْتَ لِي حَاجَةً إِلى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ فَاجْعَلْهَا إِلى أَحْسَنِهِمْ وَجْهَا ، وَخَلْقاً ، وَخُلْقاً ،
1) أمالي الصدوق : 255 المزار : 260 و 261 . بحار الأنوار: 83: 227 ، الحديث 47 .
وَأَسْخَاهُمْ بِها نَفْساً ، وَأَطْلَقِهِمْ بِهَا لِسَاناً ، وَأَسْمَحِهِمْ بِهَا كَفَاً ، وَأَقَلِّهِمْ بِهَا عَلَيَّ امتناناً (1).
3 - من أدعيته الشريفة التي كان يدعو بها في سجوده :
اللَّهُمَّ ارْحَمْ ذُلِّي بَيْنَ يَدَيْكَ ، وَتَضَرُّعِي إِلَيْكَ ، وَوَحْشَتِي مِنَ النَّاسِ وَانْسِي بِكَ يَا كَرِيمُ ، فَإِنِّي عَبْدُكَ أَتَقَلَّبُ فِي قَبْضَتِكَ ، يَا ذَا الْمَنِّ وَالْفَضْلِ والْجُودِ والغَنَاءِ والْكَرَمِ، إِرْحَمْ ضَعْفِي وَشَيْبَنِي مِنَ النَّارِ يَا كَرِيمٌ (2).
روى عدي بن حاتم الطائي - وهو من أفذاذ أصحاب الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) ومن خيارهم - قال : « دخلت على عليّ (علیه السّلام) فوجدته قائماً يصلي متغيراً لونه ، فلم أر مصلياً بعد رسول الله أكثر ركوعاً ولا سجوداً منه ، فسعيت نحوه .
فلما سمع بحسي أشار إلي بيده ، فوقفت حتى صلى ركعتين أوجزهما ، وأكملهما ، ثم سلم وسجد سجدة أطالها .
فقلت في نفسي : نام والله .
فرفع رأسه ، ثم قال :
1) قرب الإسناد : 1. بحار الأنوار: 83: 228 ، الحديث 48.
لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ حَقًّا حَقًّا ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ إِيْمَاناً وَتَصْدِيقاً ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ تَعَبداً وَرِقاً.
يَا مُعِزَّ الْمُؤْمِنِينَ بِسُلْطَانِهِ ، يَا مُذِلَّ الْجَبَّارِينَ بِعَظَمَتِهِ ، أَنْتَ كَهْفِي حِينَ تُعْيِينِي الْمَذاهِبُ عِنْدَ حُلُولِ النَّوائِبِ ، فَتَضِيقُ عَلَيَّ الْأَرْضُ بِرَحْيِهَا ، أَنْتَ خَلَقْتَنِي يَا سَيِّدِي رَحْمَةٌ مِنْكَ لِي ، وَلَوْلَا رَحْمَتُكَ لَكُنْتُ مِنَ الْهَالِكِينَ ، وَأَنْتَ مُؤَيَّدِي بِالنَّصْرِ عَلَى أَعْدائِي، وَلَوْلَا نَصْرُكَ لَكُنْتُ مِنَ الْمَغلُوبِينَ .
يَا مُنْشِئَ الْبَرَكَاتِ مِنْ مَواضِعِهَا ، وَمُرْسِلَ الرَّحْمَةِ مِنْ مَعَادِنِهَا ، وَيَا مَنْ خَصَّ نَفْسَهُ بِالْعِزَّ وَالرَّفْعَةِ ، فَأَوْلِيَاؤُهُ بِعِزَّهِ يَعْتَزُونَ، وَيَا مَنْ وَضَعَ لَهُ الْمُلُولُ نِيرَ الْمَذَلَّةِ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ ، فَهُمْ مِنْ سَطَواتِهِ خَائِفُونَ.
أَسْأَلُكَ بِكِبْرِيَائِكَ الَّتِي شَقَقْتَهَا مِنْ عَظَمَتِكَ ، وَبِعَظَمَتِكَ الَّتِي اسْتَوَيْتَ بِهَا عَلَىٰ عَرْشِكَ ، وَعَلَوْتَ بِهَا فِي خَلْقِكَ ، فَكُلُّهُمْ خَاضِعٌ ذَلِيلٌ لِعِزَّتِكَ ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَافْعَلْ بِي أَوْلَى الْأَمْرَيْنِ بِكَ تَبَارَكْتَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ (1)
276 و 277.
.وحكت هذه الكلمات مدى طاعة الإمام وإخلاصه في عبادته الله تعالى ، فقد أعرض عن جميع ما في الدنيا ، وتعلّق بالله الواحد الأحد الذي لا شريك له .
1) الصحيفة العلوية الثانية : 170 . بحار الأنوار 83: 225 ، الحديث 45. نهج السعادة : 6:
كان الإمام (علیه السّلام) يؤدّي صلاة الفجر في مسجده المعروف بمسجد بني كاهل(1)وكان يدعو في قنوته بهذا الدعاء :
اللّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ ، وَنَسْتَغْفِرُكَ ، وَنَسْتَهْدِيكَ ، وَنُؤْمِنُ بِكَ ، وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْكَ ، وَنُثْنِي عَلَيْكَ بِالْخَيْرِ كُلِّهِ ، وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يُنْكِرُكَ .
اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ، وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ ، وَإِلَيْكَ نَسْعَىٰ وَنَحْفَدُ(2)، وَنَرْجُو رَحْمَتَكَ ، وَنَخْشَى عَذابَكَ ، إِنَّ عَذابَكَ كَانَ بِالْكَافِرِينَ مُحِيطاً .
اللهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْتَ ، وَعَافِنَا فِيمَنْ عَافَيْتَ ، وَتَولَّنَا فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ ، وَبَارِكْ لَنَا فِيمَا أَعْطَيْتَ ، وَقِنَا شَرَّ مَا قَضَيْتَ ، إِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَىٰ عَلَيْكَ ، إِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ والَيْتَ ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ .
رَبَّنَا لَا تُوأَخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ، رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً (3)كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ، رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ، وَأَعْفُ عَنَّا ،
واغْفِرْ لَنَا ، وارْحَمْنَا ، أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (1).
كان إمام المتقين (علیه السّلام) يسارع إلى الجامع النبوي قبل الفجر حينما كان في يثرب ، وإلى الجامع الأعظم حينما كان في الكوفة فيؤدي صلاة الليل والنوافل ويعقب بذكر الله تعالى ، وكان يدعو بهذا الدعاء الجليل عقيب صلاة الصبح كما كان يدعو به في المهمات ، وكان يدعو به الأئمة الطاهرون من أبنائه ، وهذا نصه :
اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ يَا مُدْرِكَ الْهَارِبِينَ ، وَيَا مَلْجَأَ الْخَائِفِينَ ، وَيَا غِيَاثَ الْمُسْتَغِيثِينَ .
اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِمَعَاقِدِ الْعِزَّ مِنْ عَرْشِكَ ، وَمُنْتَهَى الرَّحْمَةِ مِنْ كِتَابِكَ ، وَبِاسْمِكَ الْعَظِيمِ الْأَعْظَم ، الْكَبِيرِ الْأَكْبَرِ ، الطَّاهِرِ الْمُطَهَّرِ ، الْقُدُّوسِ الْمُبَارَكِ، وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامَ والْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرِ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (2)، يا الله - وكان يقول ذلك عشر مرّات - ، يا رَبَّاهُ - وكان يقول ذلك عشر مرّات .
يَا مَوْلَاهُ ، يَا غَايَةَ رَغْبَتَاهُ ، يَا هُوَ، يَا مَنْ هُوَ ، يَا مَنْ لَا يَعْلَمُ مَا هُوَ إِلَّا هُوَ ،
وَلَا كَيْفَ هُوَ إِلَّا هُوَ ، يَا ذَا الْجَلَالِ والإِكْرامِ وَالْإِفْضَالِ وَالْإِنْعَامِ ، يَا ذَا الْمُلْكِ والْمَلَكُوتِ ، يَا ذَا الْعِزَّ والْكِبْرِيَاءِ ،والْعَظَمَةِ والْجَبَرُوتِ ، يَا حَيٌّ لَا يَمُوتُ ، يَا مَنْ عَلَا فَقَهَرَ ، يَا مَنْ مَلَكَ فَقَدَرَ ، يَا مَنْ عُبِدَ فَشَكَرَ ، يَا مَنْ عُصِيَ فَسَتَرَ ، يَا مَنْ لَا يُحِيطُ بِهِ الْفِكَرُ ، يَا رازِقَ الْبَشَرِ ، يَا مُقَدِّرَ الْقَدَرِ، يَا مُحْصِيَ قَطَرِ الْمَطَرِ، يَا دائِمَ الثَّبَاتِ ، يَا مُخرِجَ النَّبَاتِ ، يَا قَاضِيَ الحاجاتِ، يَا مُنْجِحَ الطَّلِبَاتِ ، يَا جَاعِلَ الْبَرَكَاتِ ، يَا مُحْيِيَ الْأَمْواتِ ، يَا رافِعَ الدَّرَجَاتِ ، يَا راحِمَ الْعَبَراتِ ، يَا مُقِيلَ الْعَثَراتِ ، يَا كَاشِفَ الْكُرُبَاتِ ، يَا نُورَ الْأَرْضِ وَالسَّمواتِ ، يَا صَاحِبَ كُلِّ غَرِيبٍ ، يَا شَاهِداً لَا يَغِيبُ ، يَا مُؤْنِسَ كُلِّ وَحِيدٍ ، يَا مَلْجَأَ كُلِّ طَرِيدٍ ، يَا َراحِمَ الشَّيْخ الْكَبِيرِ ، يَا عِصْمَةَ الْخَائِفِ الْمُسْتَجِيرِ ، يَا مُغْنِي الْبَائِسِ الْفَقِيرِ ، يَا فَاكَ الْعَانِي الْأَسِيرِ ، يَا مَنْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّفْسِيرِ ، يَا مَنْ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ خَبِيرٌ، يَا مَنْ هُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، يَا عَالِيَ الْمَكَانِ ، يَا شَدِيدَ الْأَرْكَانِ ، يَا مَنْ لَيْسَ لَهُ تُرْجُمَانٌ ، يَا نِعْمَ الْمُسْتَعَانُ ، يَا قَدِيمَ الإِحْسَانِ ، يَا مَنْ هُوَ كُلَّ يَوْمٍ فِي شَأْنٍ ، يَا مَنْ لَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ ، يَا أَجْوَدَ الْأَجْوَدِينَ ، يَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ ، يَا أَسْمَعَ السَّامِعِينَ ، يَا أَبْصَرَ النَّاظِرِينَ ، يَا أَسْرَعَ الْحَاسِبِينَ ، يَا وَلِيَّ الْمُؤْمِنِينَ ، يَا يَدَ الْواثِقِينَ ، يَا ظَهْرَ اللَّاجِئِينَ ، يَا غِيَاثَ الْمُسْتَغِيثِينَ ، وَجَارَ الْمُسْتَجِيرِينَ ، يَا رَبَّ الْأَرْبَابِ ، يَا مُسَبِّبَ الْأَسْبَابِ ، يَا مُفَتِّحَ الْأَبْوابِ ، يَا مُعْتِقَ الرِّقَابِ ، يَا مُنْشِئَ السَّحَابِ ، يَا وَهَّابُ ، يَا تَوَّابُ ، يَا مَنْ حَيْثُ مَا دُعِيَ أَجَابَ ، يَا فَالِقَ الْإِصْبَاحِ ، يَا بَاعِثَ الْأَرْواحِ ، يَا مَنْ بِيَدِهِ كُلُّ مِفْتَاحٍ ، يَا سَابِغَ النِّعَمِ ، يَا دافِعَ النَّقَمِ ، يَا بَارِقَ النَّسَمِ ، يَا جَامِعَ الْأَمَمِ ، يَا ذَا الْجُودِ والْكَرَمِ ، يَا عِمَادَ
مَنْ لا عِمَادَ لَهُ ، يَا سَنَدَ مَنْ لَا سَنَدَ لَهُ ، يَا عِزَّ مَنْ لَا عِزَّ لَهُ ، يَا حِرْزَ مَنْ لَا حِرْزَ لَهُ ، يَا غِيَاثَ مَنْ لَا غِيَاثَ لَهُ ، يَا جَزِيلَ الْعَطَاءِ ، يَا جَمِيلَ الثَّنَاءِ ، يَا حَلِيماً لَا يَعْجَلُ ، يَا عَلِيماً لَا يَجْهَلُ ، يَا جَواداً لا يَبْخَلُ ، يَا قَرِيباً لَا يَغْفُلُ ، يَا صَاحِبي فِي وَحْدَتِي ، يَا عُدَّتِي فِي شِدَّتِي ، يَا كَهْفِي حِينَ تُعْيِينِي الْمَذاهِبُ ، وَتَخْذُلني الْأَقَارِبُ ، وَيُسْلِمُنِي كُلُّ صَاحِبٍ ، يَا رَجَائِي فِي الْمَضِيقِ ، يَا رُكْنِيَ الشَّدِيدَ ، يا إلهي بالتَّحْقِيقِ ، يَا رَبَّ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ، يَا شَفِيقُ يَا رَفِيقُ ، اكْفِنِي مَا أُطِيقُ وَمَا لَا أَطِيقُ ، وَفُكَنِي مِنْ حِلَقِ الضّيقِ إِلى فَرَجِكَ الْقَرِيبِ ، واكْفِنِي مَا أَهَمَّنِي وَمَا لَا يُهِمُّنِي مِنْ أمرِ دُنْيَايَ وَآخِرَتِي بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ (1).
وحكى هذا الدعاء مدى تذلُّل الإمام (علیه السّلام) أمام الله تعالى وانقطاعه إليه ، وعبوديته المطلقة له .
وكان الإمام (علیه السّلام) يدعو الله بهذا الدعاء الجليل عقيب صلاة الفجر ، ويستغفر الله سبعين مرّة حافلة بآيات التعظيم والتبجيل له تعالى شأنه، وهذا نص الدعاء مع الاستغفار:
1) البلد الأمين: 494 و 495 . بحار الأنوار : 83: 334 - 326 ، الحديث 72 .
اللهُمَّ إِنِّي أُثْنِي عَلَيْكَ بِمَعُوْنَتِكَ عَلَى مَا نِلْتُ بِهِ مِنَ الثَّنَاءِ عَلَيْكَ ، وَأَقِرُّ لَكَ عَلَى نَفْسِي بِمَا أَنْتَ أَهْلُهُ ، وَالْمُسْتَوْجِبُ لَهُ فِي قَدْرِ فَسَادِ نِيَّتِي ، وَضَعْفِ يَقِينِي .
اللَّهُمَّ نِعمَ الإلهُ أَنْتَ ، وَنِعْمَ الرَّبُّ أَنْتَ وَبِئْسَ الْمَرْبُوبُ أَنَا ، وَنِعْمَ الْمَولى أَنْتَ وَبِئْسَ الْعَبْدُ أَنَا ، وَنِعْمَ الْمَالِكُ أَنْتَ وَبِئْسَ الْمَمْلُولُ أَنَا ، فَكَمْ قَدْ أَذْنَبْتُ فَعَفَوْتَ عَنْ ذَنْبِي ، وَكَمْ قَدْ أَجْرَمْتُ فَصَفَحْتَ عَنْ جُرْمِي ، وَكَمْ قَدْ أَخْطَأْتُ فَلَمْ تُؤْاخِذْنِي ، وَكَمْ قَدْ تَعَمَّدْتُ فَتَجَاوَزْتَ عَنِّي ، وَكَمْ قَدْ عَثَرْتُ فَأَقَلْتَنِي عَثْرَتِي ، وَلَمْ تُؤاخِذْنِي عَلى غِرَّتِي ، فَأَنَا الظَّالِمُ لِنَفْسِي ، الْمُقِرُّ بِذَنْبِي، الْمُعْتَرِفُ بِخَطِيئَتِي ، فَيَا غَافِرَ الذُّنُوبِ أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي ، وَأَسْتَقِيلُكَ لِعَثْرَتِي، فَأَحْسِنْ إِجَابَتِي ، فَإِنَّكَ أَهْلُ الْإِجَابَةِ وَأَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ .
وحفل هذا المقطع بالثناء على الله تعالى ، وطلب العفو منه وذكر ما أسداه عليه من النعم والألطاف.
ويستمر الإمام (علیه السّلام) بالاستغفار فيدعو بخضوع وخشوع :
2
اللهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ قَوِيَ بَدَنِي عَلَیهِ بِعَافِيَتِكَ ، أَوْ نَالَتْهُ قُدْرَتِي بِفَضْلِ نِعْمَتِكَ ، أَوْ بَسَطْتُ إِلَيْهِ يَدِي بِتَوْسِعَةِ رِزْقِكَ ، أَوِ احْتَجَبْتُ فِيهِ مِنَ النَّاسِ بِسِتْرِكَ ، أَوِ اتَّكَلْتُ فِيهِ عِنْدَ خَوْفِى مِنْهُ عَلَى أَنَاتِكَ ، وَوَثِقْتُ مِنْ
سَطْوَتِكَ عَلَيَّ فِيهِ بِحِلْمِكَ ، وَعَوَّلْتُ فِيهِ عَلى كَرَمٍ عَفْوِكَ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
طلب الإمام (علیه السّلام) بهذه الكلمات من الله تعالى أن يغفر له ويعفو عنه ، كما ذكر الأسباب التي تؤدي العبد إلى الذنب ، واقتراف الخطيئة .
ويستمر الإمام (علیه السّلام) في استغفاره :
3
اللّهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ يَدْعُو إِلى غَضَبِكَ ، أَوْ يُدْنِي مِنْ سَخَطِكَ ، أَوْ يَمِيلُ بِي إِلَى مَا نَهَيْتَنِي عَنْهُ ، أَوْ يَنْأَى بِي عَمَّا دَعَوْتَنِي إِلَيْهِ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ.
بهذه الكلمات يتعوّذ الإمام (علیه السّلام) من الذنوب التي تدعو إلى غضب الله وتحيل به إلى سخطه ، وإلى ما ينهى عنه .
4
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ اسْتَمَلْتُ إِلَيْهِ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ بِغَوايَتِي ، أَوْ خَدَعْتُهُ بِحِيلَتِي فَعَلَّمْتُهُ مِنْهُ مَا جَهِلَ ، وَعَمَّيْتُ عَلَيْهِ مِنْهُ مَا عَلِمَ ، وَلَقِيْتُكَ غَداً بِأَوْزارِي ، وَأَوْزَارٍ مَعَ أَوْزَارِي ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
طلب الإمام (علیه السّلام) من الله أن يعفو عن الذنوب التي تقترف من أجل استمالة الناس و جلب عواطفهم ، ثمّ يستمر الإمام بالاستغفار .
5
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ يَدْعُو إِلَى الْغَيِّ ، وَيُضِلُّ عَنِ الرُّشْدِ ، وَيُقِلُّ الرِّزْقَ ، وَيَمْحَقُ الْبَرَكَةَ ، وَيُحْمِلُ الذِّكْرَ ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ.
لقد استغفر الإمام (علیه السّلام) من الذنوب التي تدعو إلى الغي وتصد عن الطريق القويم ، والتي تقلل الرزق وتمحق البركة وتحمل الذكر ، ويقول (علیه السّلام):
6
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ أَنْعَبْتُ فِيهِ جَوَارِحِي فِي لَيْلِي وَنَهَارِي ، وَقَدِ اسْتَتَرْتُ فِيهِ مِنْ عِبَادِكَ بِسِتْرِي ، وَلَا سِتْرَ إِلَّا مَا سَتَرْتَنِي ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، واغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
ويستغفر الإمام سلام الله عليه من الذنوب والآثام التي يستتر فيها الناس لئلا يطلع عليها أحد فتوجب سقوط المقترف بها من أعينهم .
7
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ رَصَدَنِي فِيهِ أَعْدَائِي لِهَتْكِي فَصَرَفْتَ كَيْدَهُمْ عَنِّي ، وَلَمْ تُعِنْهُمْ عَلى فَضِيحَتِي ، كَأَنِّي لَكَ وَلِيٌّ فَنَصَرْتَنِي ، وَإِلَى مَتى يَا رَبِّ أَعْصِي فَتُمْهِلُنِي ، وَطَالَمَا عَصَيْتُكَ فَلَمْ تَوَاخِذْنِي ، وَسَأَلْتُكَ عَلَى سُوءِ فِعْلِي فَأَعْطَيْتَنِي ، فَأَيُّ شُكْرِ يَقُومُ عِنْدَكَ بِنِعْمَةٍ مِنْ نِعَمِكَ عَلَيَّ ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ
وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
طلب إمام المتقين من الله تعالى العفو عن الذنوب التي يترصدها الأعداء لهتك الشخص وفضيحته ، ويقدّم الإمام (علیه السّلام) شكره إلى الله تعالى على ألطافه وفضله المستمرين عليه .
8
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ قَدَّمْتُ إِلَيْكَ فِيهِ تَوْبَتِي ، ثُمَّ وَاجَهْتُ بِتَكَرُّمِ قَسَمِي بِكَ ، وَأَشْهَدْتُ عَلَى نَفْسِي بِذَلِكَ أَوْلِيَاءَكَ مِنْ عِبَادِكَ أَنِّي غَيْرُ عَائِدٍ إِلَى مَعْصِيَتِكَ ، فَلَمَّا قَصَدَنِي بِكَيْدِهِ الشَّيْطَانُ ، وَمَالَ بِي إِلَى الْخِذْلانِ ، وَدَعَتْنِي نَفْسِي إِلَى الْعِصْيَانِ اسْتَتَرْتُ حَيَاءَ مِنْ عِبَادِكَ جُرْأَةٌ مِنِّي عَلَيْكَ ، وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُكِنَّنِي مِنْكَ سِتْرٌ وَلَا بَابٌ ، وَلَا يَحْجُبُ نَظَرَكَ إِلَيَّ حِجَابٌ ، فَخَالَفْتُكَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى مَا نَهَيْتَنِي عَنْهُ ، ثُمَّ كَشَفْتُ السِّتْرَ عَنِّي ، وَسَاوَيْتُ أَوْلِيَاءَكَ كَأَنِّي لَمْ أَزَلْ لَكَ طَائِعاً ، وَإِلى أَمْرِكَ مُسَارِعاً ، وَمِنْ وَعِيدِكَ فَازِعاً ، فَلَبَّسْتُ عَلَى عِبَادِكَ ، وَلَا يَعْرِفُ بِسَرِيرَتِي غَيْرُكَ ، فَلَمْ تَسِمْنِي بِغَيْرِ سِمَتِهِمْ ، بَلْ أَسْبَغْتَ عَلَيَّ مِثْلَ نِعَمِهِمْ ، ثُمَّ فَضَّلْتَنِي فِي ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، حَتَّى كَأَنِّي عِنْدَكَ فِي دَرَجَتِهِمْ ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا بِحِلْمِكَ وَفَضْلِ نِعْمَتِكَ ، فَلَكَ الْحَمْدُ مَوْلاي ، فَأَسْأَلُكَ يَا اللَّهُ كَمَا سَتَرْتَهُ عَلَيَّ فِي الدُّنْيَا أَنْ لَا تَفْضَحْنِي بِهِ فِي الْقِيَامَةِ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .
ويستغفر الإمام العظيم (علیه السّلام) من الذنوب التي يعلن فيها الإنسان توبته منها ، ثمّ يقسم على أن لا يعود إليها ، فيغريه الشيطان ويغويه على العودة إليها ، ولكنّ الله تعالى بفضله يسترها عليه ، ولم يفضحه بين عباده .
9
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ سَهِرْتُ لَهُ لَيْلِى فِي التَّأَنِّي لِإِتيَانِهِ ، وَالتَّخَلُّصِ إِلى وُجُودِهِ حَتَّى إِذا أَصْبَحْتُ تَخَطَّيْتُ إِلَيْكَ بِحِلْيَةِ الصَّالِحِينَ، وَأَنَا مُضْمِرٌ خِلَافَ رِضَاكَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
ويستغفر الإمام (علیه السّلام) من الذنوب التي يسهر الإنسان فيها لياليه على الدنيا ولكنّه إذا أصبح برز بزي الصالحين كأنّه لم يقترف شيئاً .
10
اللّهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ ظَلَمْتُ بِسَبَبِهِ وَلِيّاً مِنْ أَوْلِيَائِكَ ، أَوْ نَصَرْتُ بِهِ عَدُوّاً مِنْ أَعْدائِكَ ، أَوْ تَكَلَّمْتُ فِيهِ بِغَيْرِ مَحَبَّتِكَ ، أَوْ نَهَضْتُ فِيهِ إِلى غَيْرِ طَاعَتِكَ ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
واستغفر الإمام من الذنوب التي يقترفها بعض الناس والتي تؤدّي إلى ظلم ولي من أولياء الله تعالى ، كما استغفر من الذنوب التي ينصر بها عدوّاً من أعداء الله تعالى ، وغير ذلك من الخطايا التي ذكرها (علیه السّلام)
11
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ نَهَيْتَنِي عَنْهُ فَخَالَفْتُكَ إِلَيْهِ ، أَوْ حَذَرْتَنِي إِيَّاهُ فَأَقَمْتُ عَلَيْهِ ، أَوْ فَبَّحْتَهُ لِي فَزَيَّنَتُهُ لِنَفْسِي ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ،
وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
استغفر الإمام (علیه السّلام) من كل ذنب يعمله بعض الناس وقد نهاهم الله تعالى عنه وحذَّرهم منه فاقترفوه لأنّ النفس الأمارة بالسوء قد دفعتهم إليه .
12
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ نَسِيتُهُ فَأَحْصَيْتَهُ ، وَتَهَاوَنْتُ بِهِ فَأَثْبَتَهُ ، وَجَاهَرْتُكَ فِيهِ فَسَتَرْتَهُ عَلَيَّ ، وَلَوْ تُبْتُ إِلَيْكَ مِنْهُ لَغَفَرْتَهُ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، واغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ.
استغفر الإمام (علیه السّلام) من الذنوب التي ينساها الإنسان ، ولكن الله تعالى أحصاها وأثبتها ، ولو علم بها لاستغفر منها .
13
اللّهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ تَوَفَّعْتُ فِيهِ - قَبْلَ انْقِضَائِهِ - تَعْجِيلَ الْعُقُوبَةِ ، فَأَمْهَلْتَنِي ، وَأَدْلَيْتَ عَلَيَّ سِتْراً فَلَمْ آلُ فِي هَتْكِهِ عَنِّي جُهْداً ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
استغفر الإمام (علیه السّلام) من الذنوب التي يتوقع فيها تعجيل العقوبة ، ولكن الله تعالى بلطفه ورحمته يؤخر نقمته ويمهل عبده .
14
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ يَصْرِفُ عَنِّي رَحْمَتَكَ ، أَوْ يُحِلُّ بِي نِقمَتَكَ ،
أَوْ يَحْرِمُنِي كَرامَتَكَ ، أَوْ يُزِيلُ عَنِّي نِعْمَتَكَ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَأَغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
استغفر الإمام من الذنوب التي تصرف رحمة الله تعالى عن العبد وتُحلُّ به نقمته وتحرمه كرامته .
15
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ يُورِثُ الْفَنَاءَ ، أَوْ يُحِلُّ الْبَلَاءَ ، أَوْ يُشْمِتُ الْأَعْدَاءَ ، أَوْ يَكْشِفُ الْغِطَاءَ ، أَوْ يَحْبِسُ قَطْرَ السَّمَاءِ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، واغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
استعاذ الإمام (علیه السّلام) تعالى من بعض الذنوب التي تورث الفناء ، وتُحِلُّ البلاء ، وتؤدي إلى شماتة الأعداء .
16
اللّهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ عَيَّرْتُ بِهِ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ ، أَوْ قَبَّحْتُهُ مِنْ فِعْلِ أَحَدٍ مِنْ بَرِيَّتِكَ ، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ عَلَيْهِ ، وانْتَهَكْتُهُ جُرْأَةً مِنِّي عَلَى مَعْصِيَتِكَ ، فَصَلَّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ.
استعاذ الإمام (علیه السّلام) من بعض الذنوب التي ينتقم الله بها مِمَّنْ يقترفُها ويتعمدها .
17
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ تُبْتُ إِلَيْكَ مِنْهُ وَأَقْدَمْتُ عَلَى فِعْلِهِ فَاسْتَحْيَيْتُ
مِنْكَ وَأَنَا عَلَيْهِ ، وَرَهِبْتُكَ وَأَنَا فِيهِ ، ثُمَّ اسْتَقَلْتُكَ مِنْهُ وَعُدْتُ إِلَيْهِ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ.
استعاذ (علیه السّلام) من الذنوب التي يقترفها الإنسان ثم يعلن توبته عنها ثم يعود إليها .
18
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ تَوَرَّكَ عَلَيَّ ، وَوَجَبَ فِي فِعْلِي بِسَبَبٍ عَهْدِ عَاهَدْتُكَ عَلَيْهِ ، أَوْ عَقْدِ عَقَدْتُهُ لَكَ ، أَوْ ذِمَّةٍ أَلَيْتُ بِهَا مِنْ أَجْلِكَ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ، ثُمَّ نَقَضْتُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ لِرَغْبَتِي فِيهِ ، بَلِ اسْتَزَلَّنِي عَنِ الْوَفَاءِ بِهِ الْبَطَرُ ، واسْتَحَطَّنِي عَنْ رِعايَتِهِ الْأَشَرُ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، واغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ.
استعاذ الإمام (علیه السّلام) من العهد الذي قطعه الإنسان على نفسه أو العقد الذي يعقده لأحد من الخلق ثمّ ينقضُ ذلك ولا يفي به ، فإنّه من أفحش الذنوب .
19
اللَّهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ لَحِقَنِي بِسَبَبٍ نِعْمَةٍ أَنْعَمْتَ بِهَا عَلَيَّ فَقَوَيْتُ بِهَا عَلَى مَعْصِيَتِكَ ، وَخَالَفْتُ بِهَا أَمْرَكَ ، وَقَدِمْتُ بِها عَلَى وَعِيدِكَ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
ذكر (علیه السّلام) بعض الذنوب التي يقترفها الإنسان بسبب نعمة من نعم الله تعالى أسداها عليه فخالف أمر الله وصرفها في معاصيه .
20
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ قَدَّمْتُ فِيهِ شَهْوَتِي عَلَىٰ طَاعَتِكَ ، وَآثَرْتُ فِيهِ مَحَبَّنِي عَلَى أَمْرِكَ ، وَأَرْضَيْتُ نَفْسِي فِيهِ بِسَخَطِكَ ، إِذْ أَرْهَبْتَنِي مِنْهُ بِهَيْبَتِكَ ، وَقَدَّمْتَ إِلَيَّ فِيهِ بِإِعْذارِكَ ، واحْتَجَجْتَ عَلَيَّ فِيهِ بِوَعِيدِكَ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ.
استغفر الإمام من الذنوب التي يقترفها الإنسان فيقدم فيها شهواته على طاعة الله ، أو أرضى فيه الإنسان نفسه بسخط الله تعالى .
21
اللّهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ عَلِمْتُهُ مِنْ نَفْسِي ، أَوْ نَسِيْتُهُ ، أَوْ ذَكَرْتُهُ، أَوْ تَعَمَّدْتُهُ ، أَوْ أَخْطَأْتُهُ ، مِمَّا لَا أَشُكُ أَنَّكَ سَائِلٌ عَنْهُ ، وَأَنَّ نَفْسِي مُرْتَهَنَةٌ لَدَيْكَ ، وَإِنْ كُنْتُ قَدْ نَسِيْتُهُ وَغَفَلْتُ عَنْهُ ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ.
استغفر الإمام (علیه السّلام) من الذنوب التي يعملها الإنسان وهو إما عالم بها أو ذاكر لها متعمداً في ارتكابها أو أخطأ في فعلها ، فقد استعاذ الإمام (علیه السّلام) منها جميعاً.
22
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ وَاجَهْتُكَ بِهِ وَقَدْ أَيْقَنْتُ أَنَّكَ تَرَانِي عَلَيْهِ ، واغْفِلْتُ أَنْ أَتُوبَ إِلَيْكَ مِنْهُ ، وَأَنْسِيْتُ أَنْ أَسْتَغْفِرَكَ لَهُ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ
وَآلِ مُحَمَّدٍ ، واغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
طلب الإمام (علیه السّلام) من الله تعالى العفو عن بعض الذنوب التي يرتكبها الإنسان ظنّاً منه أن لا يعذبه الله عليها ، وغفل أن يتوب منها إلى الله تعالى .
23
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ دَخَلْتُ فِيهِ بِحُسْنِ ظَنِّي بِكَ أَنْ لَا تُعَذِّبَنِي عَلَيْهِ وَرَجَوْتُكَ لِمَغْفِرَتِهِ ، فَأَقْدَمْتُ عَلَيْهِ ، وَقَدْ عَوَّلْتُ عَلَى مَعْرِفَتِي بِكَرَمِكَ أَنْ لَا تَفْضَحَنِي بَعْدَ أَنْ سَتَرْتَهُ عَلَيَّ ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ.
وهذا الاستغفار قريب من الاستغفار الذي سبقه .
24
اللهمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ اسْتَوْجَبْتُ مِنْكَ بِهِ رَدَّ الدُّعَاءِ ، وَحِرْمَانَ الْإِجَابَةِ ، وَخَيْبَةَ الطَّمَع ، وانْفِسَاخَ الرَّجَاءِ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
طلب إمام المتقين (علیه السّلام) من الله تعالى أن يعفو عن كلّ ذنب يقترفه الناس وهو يوجب ردّ الدعاء وحرمان الإجابة .
25
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ يُعْقِبُ الْحَسْرَةَ وَيُورِثُ النَّدَامَةَ وَيَحْبِسُ الرِّزْقَ
وَيَرُدُّ الدُّعَاءَ ، فَصَلَّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ.
ذكر (علیه السّلام) بعض الذنوب التي توجب حسرة الإنسان، وتورث الندامة، وتحبس الرزق ، وتردّ الدعاء .
26
اللّهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ يُورِثُ الْأَسْقَامَ وَالْفَنَاءَ ، وَيُوجِبُ النِّقَمَ وَالْبَلَاءَ ، وَيَكُونُ فِي الْقِيَامَةِ حَسْرَةً وَنَدامَةٌ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ.
ذكر (علیه السّلام) بعض الذنوب التي تورث الأمراض وتسبب الفناء وتُوجب النقمة ، وتكون حسرة وندامة يوم القيامة على من يقترفها .
27
اللَّهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ مَدَحْتُهُ بِلِسَانِي ، أَوْ أَضْمَرَهُ جَنَانِي ، أَوْ هَشَّتْ إِلَيْهِ نَفْسِي ، أَوْ أَتَيْتُهُ بِفِعَالِي ، أَوْ كَتَبْتُهُ بِيَدِي ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
استعاذ الإمام (علیه السّلام) من بعض الذنوب التي يتلفظ بها الإنسان أو يضمرها جنانه ، أو يرغب إليها أو يرتكبها أو يكتبها فإنّها جميعاً توجب البعد من الله تعالى .
28
اللَّهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ خَلَوْتُ بِهِ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، وَأَرْخَيْتُ عَلَيَّ فِيهِ
الْأَسْتَارَ حَيْثُ لا يَرانِى إِلا أَنْتَ يَا جَبَّارُ ، فَارْتَابَتْ فِيهِ نَفْسِي ، وَتَحَيَّرْتُ بَيْنَ تَرْكِهِ لِخَوْفِكَ وانْتِهَا كِهِ لِحُسْنِ الظَّنِّ بِكَ ، فَسَوَّلَتْ لِي نَفْسِي الْأَقْدَامَ عَلَيْهِ فَوَاقَعْتُهُ ، وَأَنا عَارِفٌ بِمَعْصِيَتِي فِيهِ لَكَ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ.
ذكر (علیه السّلام) بعض الذنوب التي يرتكبها الإنسان ويستتر بها لئلا يراه الناس ، وهو مع ذلك يتردد في ارتكابها لعلمه بمعصية الله تعالى وبين أن يقدم عليها ، ولكن سوّلت له نفسه فقدم على ارتكابها مع علمه بمعصيته الله تعالى .
29
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ اسْتَقْلَلْتُهُ ، أَوِ اسْتَكْثَرْتُهُ ، أَوِ اسْتَعْظَمْتُهُ، أوِ اسْتَصْغَرْتُهُ ، أَوْ وَرَّطَنِي جَهْلِي فِيهِ ، فَصَلَّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ.
استعاذ الإمام (علیه السّلام) بالله تعالى من كل ذنب يستقله الإنسان أو يستكثره أو يستعظمه أو يستصغره فإنّها جميعاً توجب البعد عن الله تعالى.
30
اللّهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ مَالَيْتُ فِيهِ على أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ ، أَوْ أَسَأْتُ بِسَبَبِهِ إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَرِيَّتِكَ ، أَوْ زَيَّنَتْهُ لِى نَفْسِي ، أَوْ أَشَرْتُ بِهِ إِلَى غَيْرِي ، أَوْ دَلَلْتُ عَلَيْهِ سِوايَ ، أَوْ أَصْرَرْتُ عَلَيْهِ بِعَهْدِي ، أَوْ أَقَمْتُ عَلَيْهِ بِجَهْلِي ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
أدلى الإمام (علیه السّلام) ببعض الذنوب وهي أن يساعد الإنسان شخصاً على ارتكاب الذنب ، أو يسيء إلى أحد من الخلق ، أو ما زينته النفس من عمل بعض السيئات وغير ذلك .
31
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ خُنْتُ فِيهِ أَمَانَتِي ، أَوْ بَخَسْتُ بِفِعْلِهِ نَفْسِي ، أَوِ احْتَطَبْتُ بِهِ عَلَىٰ بَدَنِي ، أَوْ أَثَرْتُ فِيهِ شَهَوَاتِي ، أَوْ قَدَّمْتُ فِيهِ لَذَّاتِي ، أَوْ سَعَيْتُ فِيهِ لِغَيْرِي ، أَوِ اسْتَقْوَيْتُ عَلَيْهِ مَنْ تَابَعَنِي ، أَوْ كَاثَرْتُ فِيهِ مَنْ مَنَعَنِي وْ قَهَرْتُ عَلَيْهِ مَنْ غَالَبَنِي ، أَوْ غَلَبْتُ عَلَيْهِ بِحِيلَتِي ، أَوِ اسْتَزَلْنِي عَلَيْهِ مَيْلِي ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ.
عد (علیه السّلام) من الذنوب خيانة الأمانة ، وما احتطبه الإنسان على نفسه من السيئات ، وما ارتكبه من الشهوات ، أو ما قهر به غيره من الضعفاء ، وغير ذلك من الذنوب التي ذكرها .
32
اللَّهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ اسْتَعَنْتُ عَلَيْهِ بِحِيْلَةٍ تُدْنِي مِنْ غَضَبِكَ أَوِ اسْتَظْهَرْتُ بِنَيْلِهِ عَلى أَهْل طَاعَتِكَ ، أَوِ اسْتَمَلْتُ بِهِ أَحَداً إِلَى مَعْصِيَتِكَ ، أَوْ راءَيْتُ فِيهِ عِبَادَكَ ، أَوْ لَبَّسْتُ عَلَيْهِم بِفِعَالِي ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ.
ذكر(علیه السّلام) بعض الذنوب التي تبعد الإنسان عن ربّه ، وتلقيه في شرّ عظيم ، والتي
منها ما يستعين به الإنسان على معصية توجب غضب الله ، وما يستظهره من الوسائل المحرّمة لقهر عباد الله الصالحين وما يستميل به الناس إلى معاصي الله تعالى .
33
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ كَتَبْتَهُ عَلَيَّ بِسَبَبٍ عُجْبٍ كَانَ مِنِّي بِنَفْسِي ، أَوْ رِيَاءِ ، أَوْ سُمْعَةٍ ، أَوْ خُيَلَاءَ ، أَوْ فَرَح ، أَوْ حِفْدٍ ، أَوْ مَرَحٍ ، أَوْ أَشَرٍ ، أَوْ بَطَرٍ ، أَوْ حَمِيَّةٍ ، أَوْ عَصَبِيَّةٍ ، أَوْ رِضى ، أَوْ سُخْطٍ ، أَوْ شَرٍّ ، أَوْ سَخَاءٍ ، أَوْ ظُلْمٍ، أَوْ خِيَانَةٍ ، أَوْ سَرِقَةٍ ، أَوْ كِذْبٍ ، أَوْ نَمِيمَةٍ ، أَوْ لَهْرٍ ، أَوْ لَعِبٍ ، أَوْ نَوْعِ مِمَّا يُكتسَبُ بِمِثْلِهِ الذُّنُوبُ ، وَيَكُونُ فِي اجْتِراحِهِ الْعَطَبُ ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
استعاذ الإمام (علیه السّلام) من الذنوب التي تنشأ من ضعف النفس وعدم استطاعتها ردع الشيطان ، وذكر منها العجب، والرياء والسمعة، والخيلاء ، والفرح ، والحقد ، والبطر ، والحمية ، والعصبية ، والشحَ ، والسخاء الذي لا يقصد به وجه الله تعالى ومرضاته ، وغير ذلك من الأمراض النفسية التي أدلى بها الا والتي توجب بُعد الإنسان عن ربّه .
34
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ سَبَقَ فِي عِلْمِكَ أَنِّي فَاعِلُهُ بِقُدْرَتِكَ الَّتِي قَدَرْتَ بِهَا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ
ذكر (علیه السّلام) بعض الذنوب التي يعلم الله تعالى أنه يرتكبها الشخص في حياته فاستعاذ به منها .
35
اللّهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ رَهِبْتُ فِيهِ سِوَاكَ ، أَوْ عَادَيْتُ فِيهِ أَوْلِيَاءَكَ ، أَوْ والَيْتُ فِيهِ أَعْداءَكَ ، أَوْ خَذَلْتُ فِيهِ أَحِبَّاءَكَ ، أَوْ تَعَرَّضْتُ فِيهِ لِشَيْءٍ مِنْ غَضَبِكَ ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
ذكر (علیه السّلام) بعض الذنوب التي يرتكبها بعض الناس ، ويرهب ويخاف غير الله منها ، ومن الذنوب التي فيها معاداة أولياء الله وموالاة أعدائه ، وخذلان المتقين والأخيار .
36
اللهمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ تُبْتُ إِلَيْكَ مِنْهُ ، ثُمَّ عُدْتُ وَنَقَضْتُ الْعَهْدَ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ جُرْأَةً مِنِّي عَلَيْكَ لِمَعْرِفَتِي بِكَرَمِكَ وَعَفْوِكَ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
ذكر (علیه السّلام) بعض الذنوب التي يرتكبها بعض الناس ، وقد تاب منها إلى الله تعالى ثمّ عاد عليها بشقوته وجهله .
37
اللَّهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ أَدْنَانِي مِنْ عَذَابِكَ ، أَوْ نَأَى بِي عَنْ نَوَابِكَ ، أَوْ حَجَبَ عَنِّي رَحْمَتَكَ ، أَوْ كَدَّرَ عَلَيَّ نِعْمَتَكَ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ،
واغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ.
استعاذ الإمام (علیه السّلام) من بعض الذنوب التي تُدني الإنسان وتقربه من أعداء الله ، وتبعده عن ثوابه ومغفرته .
38
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ حَلَلْتُ بِهِ عَقْداً شَدَدْتَهُ ، أَوْ حَرَمْتُ بِهِ نَفْسِي خَيْراً وَعَدْتَنِي بِهِ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
ذكر (علیه السّلام) بعض الذنوب التي يُحلُّ بها عقداً عقده على نفسه من فعل الخير واجتناب السيّئات ، ثم يخالفه .
39
اللّهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ ارْتَكَبْتُهُ بِشُمُولِ عَافِيَتِكَ ، أَوْ تَمَكَّنْتُ مِنْهُ بِفَضْلِ نِعْمَتِكَ ، أَوْ قَوِيْتُ عَلَيْهِ بِسَابِعَ رِزْقِكَ ، أَوْ خَيْرٍ أَرَدْتُ بِهِ وَجْهَكَ فَخَالَطَنِي فِيهِ ، وَشَارَكَ فِعْلِي مَا لَا يَخْلُصُ لَكَ ، أَوْ وَجَبَ عَلَيَّ مَا أَرَدْتُ بِهِ سِواكَ ، فَكَثِيراً ما يَكُونُ كَذَلِكَ ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
ذكر (علیه السّلام) بعض الذنوب التي يقترفها الإنسان وهي ناشئة من عافيته التي أسبغها الله عليه أو من نعمته التي أسداها عليه ، أو من رزقه الذي تفضّل به عليه وغير ذلك .
40
اللَّهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ دَعَتْنِي الرُّحْصَةُ فَحَلَّلْتُهُ لِنَفْسِي وَهُوَ فِيمَا عِنْدَكَ
مُحَرَّمٌ ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
ذكر (علیه السّلام)بعض الذنوب التي يرتكبها الإنسان ظانًاً حليتها والرخصة فيها وهي محرمة ، ولا يعلم بها .
41
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ خَفِي عَنْ خَلْقِكَ ، وَلَمْ يَعْزُبْ عَنْكَ ، فَاسْتَقَلْتُكَ مِنْهُ فَأَقَلْتَنِي ، ثُمَّ عُدْتُ فِيهِ فَسَتَرْتَهُ عَلَيَّ ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، واغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ.
عد (علیه السّلام) من الذنوب ما يرتكبه الإنسان بالخفاء ويستره على الناس ولكنه لا يخفى علی الله تعالى الذي أحاط بكل شيء علماً .
42
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ خَطَوْتُ إِلَيْهِ بِرِجْلِي ، أَوْ مَدَدْتُ إِلَيْهِ يَدِي ، أَوْ تَأَمَّلَهُ بَصَرِي ، أَوْ أَصْغَيْتُ إِلَيْهِ بِسَمْعِي ، أَوْ نَطَقَ بِهِ لِسَانِي ، أَوْ أَنْفَقْتُ فِيهِ مَا رَزَقْتَنِي ، ثُمَّ اسْتَرْزَقْتُكَ عَلَى عِصْيَانِي فَرَزَقْتَنِي ، ثُمَّ اسْتَعَنْتُ بِرِزْقِكَ عَلَى مَعْصِيَتِكَ فَسَتَرْتَ عَلَيَّ ، ثُمَّ سَأَلْتُكَ الزِّيَادَةَ فَلَمْ تُخَيَّيْنِي ، وَجَاهَرْتُكَ فِيهِ فَلَمْ تَفْضَحْنِي ، فَلَا أَزالُ مُصِراً عَلى مَعْصِيَتِكَ ، وَلَا تَزالُ سَاتِراً عَليَّ بِحِلْمِكَ وَمَغْفِرَتِكَ يَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
أدلى الإمام (علیه السّلام) ببعض الذنوب التي يسعى إليها الإنسان برجله ويده ، ويسمعها
أو ينطق بها وهي مما تبعده عن مما تبعده عن الله ، وتبعده عن الطريق القويم .
43
اللهمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذنبٍ يُوجِبُ عَلَيَّ صَغِيرُهُ أَلِيمَ عَذَابِكَ ، وَيُحِلُّ بِيَ كَبِيْرُهُ شَدِيدَ عِقَابِكَ ، وَفِي إِثْيَانِهِ تَعْجِيلُ نَقْمَتِكَ ، وَفِي الْإِصْرارِ عَلَيْهِ زَوالُ نِعْمَتِكَ ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ.
عرض الإمام (علیه السّلام) الصغائر الذنوب وكبائرها التي توعد الله عليها النار ، والتي يقترفها بعض العباد غير حافلين بما أعد الله لهم من أليم العذاب .
44
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ سِوَاكَ ، وَلَا عَلِمَهُ أَحَدٌ غَيْرُكَ ، وَلَا يُنَجِّينِي مِنْهُ إِلَّا حِلْمُكَ ، وَلَا يَسَعُهُ إِلَّا عَفْوُكَ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
ذكر (علیه السّلام) بعض الذنوب التي يرتكبها بعض الناس ، ولم يعلم بها أحد سوى الله الله تعالى ، والتي لا ينجي منها مرتكبها إلا حلم الله وسعة عفوه عنه
45
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ يُزِيلُ النَّعَمَ ، أَوْ يُحِلُّ النَّقَمَ، أَوْ يُعَجِّلُ الْعَدَمَ، أَوْ يُكْثِرُ النَّدَمَ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
ذكر (علیه السّلام) بعض الذنوب التي تزيل النعم وتحلُّ النقم ، وتكثر الندم أعاذنا الله منها .
46
اللّهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ يَمْحَقُ الْحَسَنَاتِ ، وَيُضَاعِفُ السَّيِّئَاتِ ، وَيُعَجِّلُ النَّقِمَاتِ ، وَيُغْضِبُكَ يَا رَبَّ السَّمواتِ ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، واغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
ذكر (علیه السّلام) بعض الذنوب التي تمحق الحسنات وتضاعف السيئات وتعجّل النقمة أعاذنا الله منها .
47
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ أَنْتَ أَحَقُّ بِمَعْرِفَتِهِ ؛ إِذْ كُنْتَ أَوْلَى بِسَتْرِهِ فَإِنَّكَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ.
48
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ تَجَهَّمْتُ فِيهِ وَلِيّاً مِنْ أَوْلِيَائِكَ مُسَاعَدَةٌ فِيهِ لأَعْدائِكَ ، أَوْ مَيْلاً مَعَ أَهْلِ مَعْصِيَتِكَ عَلَى أَهْلِ طَاعَتِكَ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، واغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ.
من الذنوب أن يتنكر الإنسان لولي من أولياء الله تعالى ، فيساعد عليه عدوّاً من أعدائه تعالى ، ومن الذنوب أن يميل الإنسان بلسانه وعمله مع أهل المعاصي على أهل طاعة الله .
49
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ أَلْبَسَنِي كِبْرَةً ، وَانْهِمَاكِي فِيهِ ذِلَّةٌ ، أَوْ آيَسَنِي مِنْ وُجُودِ رَحْمَتِكَ ، أَوْ قَصَّرَ بِي الْيَأْسُ عَنِ الرُّجُوعِ إِلَى طَاعَتِكَ لِمَعْرِفَتِي بِعَظِيم جُرْمِي ، وَسُوءِ ظَنِّي بِنَفْسِي ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
إنّ بعض الذنوب الكبيرة - أعاذنا الله منها - كقتل النفس المحترمة توجب اليأس من رحمة الله ، وتدفع المجرم إلى معاصي الله تعالى .
50
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ أَوْرَدَنِي الْهَلَكَةَ لَوْلا رَحْمَتُكَ ، وَأَحَلَّنِي دَارَ الْبَوَارِ لَوْلا تَعَمُّدُكَ ، وَسَلَكَ بِي سَبِيلَ الْغَيِّ لَوْلَا رُشْدُكَ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، واغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
استغفر الإمام (علیه السّلام) من الذنوب التي توقع الإنسان في الهلكة ، وتحله دار البوار وتسلك به سبيل الغي ، إلا أنّ لطف الله تعالى بعباده ينقذهم وينجيهم منها .
51
اللَّهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ نَهَانِي عَمَّا هَدَيْتَنِي إِلَيْهِ ، أَوْ أَمَرْتَنِي بِهِ ، أَوْ صَرَفَنِي عَمَّا أَمَرْتَنِي بِهِ ، أَوْ نَهَيْتَنِي عَنْهُ ، أَوْ دَلَلْتَنِي عَلَيْهِ فِيمَا فِيهِ الْحَظِّ لي لِبُلُوغ رِضَاكَ ، وَإِبْثَارِ مَحَبَّتِكَ ، وَالْقُرْبِ مِنْكَ ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ،
وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ.
عرض الإمام (علیه السّلام) لبعض الذنوب التي تصرف الإنسان عن هداية الله ، وتصدّه عن امتثال أوامره ، وتوقعه في معاصيه .
52
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ يَرُدُّ عَنْكَ دُعَائِي ، أَوْ يَقْطَعُ مِنْكَ رَجَائِي أَوْ يُطِيلُ فِي سَخَطِكَ عَنَائِي، أَوْ يَقَصِّرُ فِيمَا عِنْدَكَ أَمَلِي ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
ذكر الإمام (علیه السّلام) بعض الذنوب التي تحجب الدعاء ، وتقطع الرجاء ، وتطيل سخط الله ، وهي من كبائر الذنوب.
53
اللَّهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ يُمِيتُ القَلْبَ ، وَيُشْعِلُ الْكَرْبَ، وَيُرْضِي الشَّيْطَانَ ، وَيُسْخِطُ الرَّحْمَنَ ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
إنّ بعض الذنوب تميت القلب كالإصرار على ارتكاب صغائر الذنوب ، وهي توجب سخط الله تعالى ، وإرضاء عدوّ الإنسان وهو الشيطان الرجيم .
54
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ يُعْقِبُ الْيَأْسَ مِنْ رَحْمَتِكَ، وَالْقُنُوطَ مِنْ
مَغْفِرَتِكَ ، والْحِرْمَانَ مِنْ سَعَةِ مَا عِنْدَكَ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ.
من أفحش الذنوب وأكثرها إثماً الشَّرك بالله تعالى والكفر به ، وهي مما يوجب اليأس من مغفرة الله ، والقنوط من رحمته ، ولعل الإمام اللا أشار إليها .
55
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ مَقَتُ نَفْسِي عَلَيْهِ إِخْلَالًا لِكَ ، فَأَظْهَرْتُ لَكَ التَّوْبَةَ فَقَبِلْتَ ، وَسَأَلْتُكَ الْعَفْوَ فَعَفَوْتَ ، ثُمَّ مَالَ بِيَ الْهَوَى إِلَى مُعَاوَدَتِهِ طَمَعاً فِي سَعَةِ رَحْمَتِكَ ، وَكَرِيمٍ عَفْوِكَ ، نَاسِباً لِوَعِيدِكَ ، وَاجِياً لِجَمِيلِ وَعْدِكَ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
وهذه الذنوب التي أدلى بها الإمام (علیه السّلام) من أقل الذنوب جرماً وعقاباً .
56
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ يُورِثُ سَوَادَ الْوُجُوهِ يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ أَوْلِيَائِكَ ، وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ أَعْدائِكَ ، إِذْ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ ، فَقِيلَ لَهُمْ: ( لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ) (1)، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
إن الناس حينما يحشرون ويبعثون تبيض وجوه بعضهم ؛ لأنهم كانوا من المتقين
1) ق 50 : 28 .
في دار الدنيا ، كما تسود وجوه بعضهم ؛ لأنهم أساء وا وظلموا وابتعدوا عن الطريق القويم فذنوبهم هي التي أوجبت سواد وجوههم .
57
اللَّهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ يَدْعُو إِلَى الْكُفْرِ، وَيُطِيلُ الْفِكْرَ، وَيُورِثُ الْفَقْرَ ، وَيَجْلِبُ الْعُسْرَ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
إن من الذنوب ما يوجب الكفر والإلحاد ، ومنها الفقر ففي الحديث : كاد الفقر أن يكون كفراً ، أعاذنا الله من الذنوب التي تورث ذلك
58
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ يُدْنِي الْآجَالَ ، وَيَقْطَعُ الْآمَالَ ، وَيَبْتُرُ الْأَعْمَارَ ، فُهْتُ بِهِ أَوْ صَمَتُ عَنْهُ ، حَيَاءً مِنْكَ عِنْدَ ذِكْرِهِ ، أَوْ أَكْتَبْتُهُ فِي صَدْرِي وَعَلِمْتَهُ مِنِّي ، فَإِنَّكَ تَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ.
لعل الإمام (علیه السّلام) عنى بالذنوب التي تُدني الآجال وتقطع الآمال قطيعة الرحم ، وعدم صلتها فإنّه يوجب ذلك كما دلّت عليه الأخبار المتظافرة من أئمة الهدى (علیهم السّلام).
59
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ يَكُونُ فِي اجْتِرَاحِهِ قَطْعُ الرِّزْقِ ، وَرَدُّ الدُّعَاءِ ،
وَتَواتُرُ الْبَلَاءِ ، وَوُرودُ الْهُمُومِ ، وَتَضَاعُفُ الْغُمُومِ ، فَصَلَّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، واغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
تحدّث الإمام (علیه السّلام) في هذه الكلمات عن بعض الذنوب التي توجب قطع الرزق ، ورد الدعاء ، وورود الهموم والغموم ، أعاذنا الله منها .
60
للهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ يُبَغْضُنِي إِلى عِبَادِكَ ، وَيُنَفِّرُ عَنِّي أَوْلِيَاءَكَ ، أَوْ يُوْحِشُ مِنِّى أَهْلَ طَاعَتِكَ لِوَحْشَةِ المَعَاصِي ، وَرُكُوبِ الحُوْبِ ، وَكَابَةِ الذُّنُوبِ ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
إن بعض الذنوب التي يقترفها بعض الناس تترتب عليها آثار وضيعة ، وهي كراهية أولياء الله له ونفورهم منه ، ومن الطبيعي أن يكون المرتكب لها متجاهراً بها .
61
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ دَلَّسْتُ بِهِ مِنِّي مَا أَظْهَرْتَهُ ، أَوْ كَشَفْتُ عَنِّي بِهِ مَا سَتَرْتَهُ ، أَوْ قَبَّحْتُ بِهِ مِنِّي مَا زَيَّتْتَهُ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
إن من الذنوب ما يستره الإنسان عن غيره أو يرائي ببعض الأعمال الصالحة أمام الناس بأنّه من الصالحين الأخيار ، لا بد وأن يظهر زيغه ، وينكشف واقعه
62
اللّهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ لَا يُنَالُ بِهِ عَهْدُكَ ، وَلَا يُؤْمَنُ مَعَهُ غَضَبُكَ ، وَلَا تَنْزِلُ مَعَهُ رَحْمَتُكَ ، وَلَا تَدُومُ مَعَهُ نِعْمَتُكَ ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
إنّ من الذنوب ما لا ينال بها عهد الله ورحمته الشاملة ، وتكون سبباً لزوال النعمة .
63
اللّهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ اسْتَخْفَيْتُ لَهُ ضَوْءَ النَّهَارِ مِنْ عِبَادِكَ ، وَبَارَزْتُ بِهِ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ جُرْأَةٌ مِنِّي عَلَيْكَ ، عَلى أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ السِّرِّ عِنْدَكَ عَلَانِيَةٌ ، وَأَنَّ الْخَفِيَّةَ عِنْدَكَ بِارِزَةٌ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي مِنْكَ مَانِعٌ ، وَلَمْ يَنْفَعْنِي عِنْدَكَ نَافِعٌ مِن مَالٍ وَبَنِينَ إِلَّا أَنْ آتِيكَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ.
إنَّ بعض الذنوب التي يقترفها المجرمون في غَلَس الليل دون النهار لئلا يعلم بها أحد ، ولم يعلموا أن الله مطلع على جميع أسرار الناس وخفاياهم وما أضمروه .
64
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ يُورِثُ النِّسْيَانَ لِذِكْرِكَ ، وَيُعْقِبُ الْغَفْلَةَ عَنْ تَحْذِيرِكَ ، أَوْ يُمَادِي فِي الْأَمْنِ مِنْ مَكْرِكَ ، أَوْ يَطْمَعُ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ مِنْ عِنْدِ غَيْرِكَ ، أَوْ يُؤْيِسُ مِنْ خَيْرِ مَا عِنْدَكَ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي
يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
من أفحش الذنوب ما يورث النسيان عن ذكر الله ، والأمن من عقابه ، ويصد الإنسان عن الله تعالى ، ويجعل طلب رزقه عند غيره .
65
اللَّهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ لَحِقَنِي بِسَبَبٍ عَتْبِي عَلَيْكَ فِي احْتِبَاسِ الرِّزْقِ عَنِّي ، وَإِعْرَاضِي عَنْكَ ، وَمَيْلِي إِلى عِبَادِكَ بِالْإِسْتِكَانَةِ لَهُمْ ، وَالتَّضَرُّعِ إِلَيْهِمْ ، وَقَدْ أَسْمَعْتَنِي قَوْلَكَ فِي مُحْكَم كِتَابِكَ : (فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ)(1)، فَصَلَّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ.
من الذنوب العتب على الله تعالى في تأخير رزقه عن العبد ؛ فإنّه يأخذ باللوم والعتب على الله ، وفي نفس الوقت يحيل ويتجه نحو عباد الله ، ولا يطلب منه .
66
اللَّهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ لَزِمَنِي بِسَبَبِ كُرْبَةٍ اسْتَعَنْتُ عِنْدَهَا بِغَيْرِكَ ، أَوْ اسْتَبْدَدْتُ بِأَحَدٍ فِيهَا دُونَكَ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
إنّ من الذنوب الاستعانة بغير الله تعالى ، والالتجاء إلى غيره فإنّ ذلك من أوهى الآراء وأبعدها عن الله
1) المؤمنون 23 : 76 .
67
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ حَمَلَنِي عَلَى الْخَوْفِ مِنْ غَيْرِكَ ، أَوْ دَعَانِي إِلَى التَّواضُعِ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ ، أَوِ اسْتَمَالَنِي إِلَيْهِ لِلطَّمَعِ فِيمَا عِنْدَهُ ، أَوْ زَيَّنَ لِي طَاعَتَهُ فِي مَعْصِيَتِكَ اسْتِجْرَاراً لِمَا فِي يَدِهِ ، وَأَنَا أَعْلَمُ بِحَاجَتِي إِلَيْكَ ، لَا غِنى لِي عِنْكَ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ.
من الذنوب الخوف من المخلوقين، والتواضع والاستمالة لهم مع العلم أن جميع مجريات الأحداث بيده تعالى ، وليس للخلق فيها شأن .
68
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ مَدَحْتُهُ بِلِسَانِي ، أَوْ هَنَّتْ إِلَيْهِ نَفْسِي ، أَوْ حَسَنْتُهُ بِفِعَالِي ، أَوْ حَتَقْتُ عَلَيْهِ بِمَقَالِي ، وَهُوَ عِنْدَكَ قَبِيحٌ تُعَذِّبُنِي عَلَيْهِ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
من الذنوب ما يمدحها الإنسان ويميل إليها من المحرمات أو يحسنها بفعله أو يحثّ عليها بكلامه ، فإنّه يكون مسؤولاً عنها يوم يلقى الله .
69
اللهُمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ مَتَّلْتُهُ فِي نَفْسِي اسْتِقْلَالاً لَهُ ، وَصَوَّرَتْ لِي اسْتِصْغَارَهُ ، وَهَوَّنَتْ عَلَيَّ الْإِسْتِخْفَافَ بِهِ حَتَّى أَفْرَطَتْنِي فِيهِ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْهُ لِي يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ .
إنّ من الذنوب استصغار بعضها والاستهانة بها فإنّها من موجبات الهلكة .
70
اللهمَّ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ جَرى بِهِ عِلْمُكَ فِيَّ وَعَلَيَّ إِلَى آخِرِ عُمْرِي بِجَمِيع ذُنُوبِي لِأَوَّلِهَا وَآخِرِهَا ، وَعَمْدِهَا وَخَطَئِهَا ، وَقَلِيْلِهَا وَكَثِيرِهَا ، وَدَقِيقِهَا وَجَلِيْلِهَا ، وَقَدِيمِهَا وَحَدِيثِهَا ، وَسِرِّهَا وَعَلَانِيَتِهَا ، وَجَمِيعِ مَا أَنَا مُذْنِبُهُ ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ وَأَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي جَمِيعَ مَا أَحْصَيْتَ مِنْ مَظَالِمِ الْعِبَادِ قِبَلِي ؛ فَإِنَّ لِعِبَادِكَ عَلَيَّ حُقُوقاً أَنَا مُرْتَهَنْ بِهَا ، تَغْفِرُهَا لِي كَيْفَ شِئْتَ ، وَأَنَّى شِئْتَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ (1).
وانتهت بذلك هذه الاستغفارات التي لم يترك الإمام (علیه السّلام) ذنباً يبعد الإنسان عن ربه إلا أشار إليه .
إن الاجتناب عن اقتراف الذنوب له أثره التام في صفاء النفس ، والاقتراب من الخالق العظيم ، والفوز برضاه .
وهذا الدعاء من ذخائر أدعية إمام المتقين سلام الله عليه ، ففيه عرض شامل لجميع الذنوب التي توجب البعد عن الله تعالى الذي هو عزّ اسمه مصدر الفيض والخير على الناس لو كانوا يشعرون .
1) البلد الأمين : 38 - 46 . بحار الأنوار: 84: 326 - 336 ، الحديث 16 .
كان الإمام (علیه السّلام) إذا أدى صلاة الظهر أقبل على الله تعالى ، ودعا بهذا الدعاء الجليل :
اللهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ ، وَإِلَيْكَ يَرْجِعُ الأَمْرُ كُلُّهُ ، عَلَانِيَتُهُ وَسِرُّهُ ، أَنْتَ مُنْتَهَى الشَّأن كُلِّه .
اللهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ ، وَلَكَ الْحَمْدُ عَلى غُفْرانِكَ بَعْدَ عَظَمَتِكَ ، اللهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ رَفِيعَ الدَّرَجَاتِ مُجِيبَ الدَّعَواتِ ، مُنْزِلَ الْبَرَكَاتِ مِنْ فَوْقِ سَبْع سَمَواتٍ ، مُعْطِيَ السُّؤُلَاتِ ، وَمُبَدِّلَ السَّيِّئَاتِ حَسَنَاتٍ ، وَجَاعِلَ الْحَسَنَاتِ دَرَجَاتٍ ، والْمُخْرِجُ إِلَى النُّورِ مِنَ الظُّلُمَاتِ .
اللهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ غَافِرَ الذَّنْبِ ، وَقَابِلَ التَّوْبِ ، شَدِيدَ الْعِقَابِ ، ذَا الطَّوْلِ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ اللهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ فِي اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ ، وَلَكَ الْحَمْدُ فِي النَّهَارِ إِذا تَجَلَّى ، وَلَكَ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ والأولى . اللهم لك الْحَمْدُ فِي اللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ ، وَلَكَ الْحَمْدُ فِي الصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ ، وَلَكَ الْحَمْدُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا .
وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى نِعَمِكَ الَّتِي لَا تُحْصى عَدَداً ، وَلَا تَنْقَضِي مَدَداً سَرْمَداً . اللهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ فِيمَا مَضى ، وَلَكَ الْحَمْدُ فِيمَا بَقِيَ .
اللهُمَّ أَنْتَ ثِقَتِي فِي كُلِّ أَمْرٍ ، وَعُدَّتِي فِي كُلِّ حَاجَةٍ ، وَصَاحِبِي فِي كُلِّ طَلِبَةٍ ، وَانْسِي فِي كُلِّ وَحْشَةٍ ، وَعِصْمَتِي عِنْدَ كُلِّ هَلَكَةٍ .
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَوَسُعْ لِي فِي رِزْقِي ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا آتَيْتَنِي ، وَاقْضِ عَنِّي دَيْنِي ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي ، إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ .
لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ، لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمُ .
اللّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزائِمَ مَغْفِرَتِكَ ، وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ ، وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمِ ، وَالْفَوْنَ بِالْجَنَّةِ ، وَالنَّجَاةَ مِنَ النَّارِ.
اللَّهُمَّ لَا تَدَعْ لِي ذَنْباً إِلَّا غَفَرْتَهُ ، وَلَا هَمّاً إِلَّا فَرَّجْتَهُ ، وَلَا غَمَّاً إِلَّا كَشَفْتَهُ وَلَا دَيْناً إِلَّا قَضَيْتَهُ، وَلَا سُقْماً إِلَّا شَفَيْتَهُ ، وَلَا خَوْفاً إِلَّا آمَنْتُهُ ، وَلَا حَاجَةً إِلَّا قَضَيْتَهَا بِمَنّكَ وَلُطْفِكَ وَرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ (1).
وتجلّت في هذا الدعاء الجليل روحانية الإمام (علیه السّلام) ، وانقطاعه إلى الله تعالى ، وتذلله أمامه ، وتقربه إليه ، وأنّه كان في جميع أوقاته يدعوه ويناجيه بقلب سليم .
1) فلاح السائل : 172 و 173. بحار الأنوار : 83: 64 و 65 .
كان الإمام (علیه السّلام) إذا انتهى من صلاة العصر دعا الله تعالى بهذا الدعاء الجليل الذي يُلْمَس فيه مدى تعلقه بالله وانقطاعه إليه وهذا نصه :
سُبْحَانَ اللهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، واللَّهُ أَكْبَرُ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيُّ الْعَظِيمِ ، سُبْحَانَ اللهِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ، سُبْحَانَ اللهِ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ، فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَواتِ والْأَرْضِ ، وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ .
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . سُبْحَانَ ذِي الْمُلْكِ والْمَلَكُوتِ ، سُبْحَانَ ذِي الْعِزَّ وَالْجَبَرُوتِ ، سُبْحَانِ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْقَائِمِ الدَّائِمِ ، سُبْحَانَ الْحَيَّ الْقَيُّومِ ، سُبْحَانَ الْعَلِيِّ الْأَعْلَى ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلائِكَةِ وَالرُّوح .
اللَّهُمَّ إِنَّ ذَنْبِي أَمْسَى مُسْتَجِيراً بِعَفْوِكَ ، وَخَوْفِي أَمْسَى مُسْتَجِيراً بِأَمْتِكَ ، وَفَقْرِي أَمْسَى مُسْتَجِيراً بِغِنَاكَ ، وَذَكِّي أَمْسَى مُسْتَجِيراً بِعِزّكَ ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ . اللَّهُمَّ تَمَّ نُورُكَ فَهَدَيْتَ فَلَكَ الْحَمْدُ. وَعَظُمَ حِلْمُكَ فَعَفَوْتَ فَلَكَ الْحَمْدُ. وَبَسَطْتَ يَدَكَ
فَأَعْطَيْتَ فَلَكَ الْحَمْدُ . وَجْهَكَ رَبَّنَا أَكْرَمُ الْوُجُوهِ ، وَجَاهَكَ أَعْظَمُ الْجَاءِ ، وَعَطِيَّتُكَ أَفْضَلُ الْعَطَاءِ ، تُطَاعُ رَبَّنَا فَتَشْكُرُ ، وَتُعْصى فَتَغْفِرُ ، وَتُجِيبُ الْمُضْطَرَّ ، وَتَكْشِفُ السُّوءَ ، وَتُنْجِي مِنَ الْكَرْبِ ، وَتُغْنِي الْفَقِيرَ ، وَتَشْفِي السَّقِيمَ ، وَلَا يُجَازِي آلاءَكَ أَحَدٌ ، وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ (1).
حكى هذا الدعاء مدى عبودية الإمام (علیه السّلام) ، وطاعته الله وأنّه لا يضارعه أي قدّيس فيهذه الظاهرة .
ويُروى للإمام (علیه السّلام) دعاء مختصر عقيب صلاة العصر وهذا نصه :
سُبْحَانَ ذِي الطَّوْلِ وَالنِّعَمِ ، سُبْحَانَ ذِي الْقُدْرَةِ وَالْإِفْضَالِ ، أَسْأَلُ اللهَ الرّضا بِقَضَائِهِ ، والْعَمَلَ بِطَاعَتِهِ ، والْإِنَابَةَ لِأَمْرِهِ فَإِنَّهُ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (2).
كان الإمام (علیه السّلام) إذا فرغ من صلاة المغرب ناجى الله تعالى بهذا الدعاء الجليل :
اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي مَا كَانَ صَالِحاً ، وَأَصْلِحْ مِنِّي مَا كَانَ فَاسِداً . اللهُمَّ لا تُسَلِّطْنِي عَلَى فَسَادِ مَا أَصْلَحْتَ مِنِّي ، وَأَصْلِحْ لِي مَا أَفْسَدْتُهُ مِنْ نَفْسِي .
اللهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ قَوِيَ عَلَيْهِ بَدَنِي بِعَافِيَتِكَ ، وَنَالَتْهُ يَدِي بِفَضْلِ نِعْمَتِكَ ، وَبَسَطْتُ إِلَيْهِ يَدِي بِسَعَةِ رِزْقِكَ ، وَأَحْتَجَبْتُ فِيهِ عَنْ النَّاسِ بِسِتْرِكَ ، واتَّكَلْتُ فِيهِ عَلَى كَرِيمٍ عَفْوِكَ.
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ تُبْتُ إِلَيْكَ مِنْهُ ، وَنَدِمْتُ عَلى فِعْلِهِ واسْتَحْيَيْتُ مِنْكَ وَأَنَا عَلَيْهِ ، وَرَهَبْتُكَ وَأَنَا فِيهِ ، ثُمَّ راجَعْتُهُ وَعُدْتُ إِلَيْهِ .
اللّهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ عَلِمْتُهُ أَوْ جَهِلْتُهُ ، ذَكَرْتُهُ أَوْ نَسِيْتُهُ ، أَخْطَأْتُهُ أَوْ تَعَمَّدْتُهُ ، هُوَ مِمَّا لَا أَشُكُ أَنَّ نَفْسِي مُرْتَهَنَّةٌ بِهِ ، وَإِنْ كُنتُ نَسِيتُهُ وَغَفَلْتُ عنه .
اللّهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ جَنَيْتُهُ عَلَى نَفْسِي بِيَدِي ، وَآثَرْتُ فِيهِ شَهوَتي أَوْ سَعَيْتُ فِيهِ لِغَيْرى ، أوِ اسْتَغْوَيْتُ فِيهِ مَنْ تَابَعَنِي ، أَوْ كَابَرْتُ فِيهِ مَنْ مَنَعَنِي ، أَوْ قَهَرْتُهُ بِجَهْلِي ، أَوْ لَطُفْتُ فِيهِ بِحِيْلَةِ غَيْرِي ، أَوِ اسْتَزَلَّنِي إِلَيْهِ مَيْلِي وَهَوايَ .
اللهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَرَدْتُ بِهِ وَجَهْكَ فَخَالَطَنِي فِيهِ مَا لَيْسَ لَكَ ، وَشَارَكَنِي فِيهِ مَا لَمْ يَخْلُصْ لَكَ ، وَأَسْتَغْفِرُكَ مِمَّا عَقَدْتُهُ عَلى نَفْسِي ، ثُمَّ خَالَفَهُ هَوايَ.
اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَأَعْتِقْنِي مِنَ النَّارِ، وَجُدْ عَلَيَّ بِفَضْلِكَ .
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ الْبَاقِي الدَّائِمِ الَّذِي أَشْرَقَتْ بِنُورِهِ السَّمواتُ والأَرْضُ، وَكَشَفْتَ بِهِ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، وَدَبَّرْتَ بِهِ أُمُورَ الْجِنِّ
والْإِنْسِ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَأَنْ تُصْلِحَ شَأْنِي بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ(1).
وحكى هذا الدعاءُ مَدَى تمسك الإمام بالله ، ومعرفته به ، وأنه زعيم الموحدين وسيّد المتقين .. وكان من دعائه (علیه السّلام) تعقيب صلاة المغرب هذا الدعاء الموجز :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ ، وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ، الْحَمْدُ لِلَّهِ كُلَّمَا وَقَبَ لَيْلٌ وَغَسَقَ ، والْحَمْدُ للهِ كُلَّمَا لَاحَ نَجْمٌ وَخَفَقَ (2).
كان الإمام (علیه السّلام) إذا فرغ من صلاة العشاء ناجى الله تعالى ، وتضرع إليه ودعاه بهذا الدعاء الجليل :
اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاحْرُسْنِي بِعَيْنِكَ الَّتِي لَا تَنَامُ ، وَاكْتُفْنِي بِرُكْنِكَ الَّذِي لَا يُرامُ ، واغْفِرْ لِي بِقُدْرَتِكَ عَلَيَّ ، يَا ذَا الْجَلَالِ والإِكْرامِ . اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ طَوارِقِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَمِنْ جَوْرِ كُلِّ جَائِرٍ ، وَحَسَدِ كُلَّ حَاسِدٍ ، وَبَغْيِ كُلِّ بَاغِ. اللَّهُمَّ احْفَظْنِي فِي نَفْسِي وَأَهْلِي وَمَالِي وَجَمِيعِ مَا خَوَّلْتَنِي مِنْ نِعَمِكَ .
اللهُمَّ تَوَلَّنِي فِيمَا عِنْدَكَ مِمَّا رَغِبْتُ عَنْهُ ، وَلَا تَكِلْنِي إِلى نَفْسِي فِيمَا حَضَرْتُهُ . يَا مَنْ لَا تَضُرُّهُ الذُّنُوبُ ، وَلَا تَنْقُصُهُ الْمَغْفِرَةُ ، اغْفِرْ لِي مَا لَا يَضُرُّكَ وَأَعْطِنِي مَا لَا يَنْقُصُكَ ، إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ .
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فَرَجاً قَرِيباً ، وَصَبْراً جَمِيلاً، وَرِزْقاً واسعاً ، والْعَفْوَ والْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَاغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْأَمْوَاتِ . اللهُمَّ اجْعَلْنِي مِمَّنْ يُكْثِرُ ذِكْرَكَ ، وَيُتَابِعُ شُكْرَكَ ، وَيَلْزَمُ عِبَادَتَكَ ، وَيُؤَدِّي أَمَانَتَكَ ، اللهُمَّ طَهِّرْ لِسَانِي مِنَ الْكَذِبِ ، وَقَلْبِي مِنَ النِّفَاقِ ، وَعَمَلِي مِنَ الرِّيَاءِ ، وَبَصَرِي مِنَ الْخِيَانَةِ ، إِنَّكَ تَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ.
اللهُمَّ رَبَّ السَّمَواتِ السَّبْعِ وَمَا أَظَلَّتْ ، وَرَبَّ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ وَمَا أَقَلَّتْ ، وَرَبَّ الرِّيَاحِ وَمَا ذَرَتْ ، وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَهَ كُلِّ شَيْءٍ ، وأَوَّلَ كُلِّ شَيْءٍ وَآخِرَ كُلِّ شَيْءٍ ، وَرَبَّ جِبْرَئِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرافِيلَ ، وَإِلَهَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ، أَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَأَنْ تَتَولّانِي بِرَحْمَتِكَ ، وَتَشْمَلَنِي بِعَافِيَتِكَ ، وَتُسْعِدَنِي بِمَغْفِرَتِكَ ، وَلَا تُسَلِّطَ عَلَيَّ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ.
اللَّهُمَّ إِلَيْكَ فَقَرِّيْنِي ، وَعَلَى حُسْنِ الْخُلُقِ فَقَوْمُنِي ، وَمِنْ شَرِّ شَيَاطِينِ الْجِنِّ والْإِنْسِ فَسَلِّمْنِي ، وَفِي آنَاءِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَاحْرُسْنِي ، وَفِي أَهْلِي وَمَالِي وَوَلَدِي وَإِخْوانِي وَجَمِيعِ مَا أَنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ فَاحْفَظْنِي ، وَاغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِسَايرِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَا وَلِيَّ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
قَديرٌ ، وَيَا نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ، وَصَلَواتُ اللهِ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَآلِهِ وَعِتْرَتِهِ الطَّاهِرِينَ (1).
حوى هذا الدعاء إنابة الإمام(علیه السّلام) لله تعالى ، وانقطاعه إليه وإظهاره للعبودية المطلقة له ، فكان بذلك حقاً إمام الموحدين والمتقين والعابدين .
كان الإمام (علیه السّلام) إذا أدى الصلاة المفروضة شكر الله تعالى وأثنى عليه ، ودعا بهذا الدعاء :
اللهُمَّ إِلَيْكَ رُفِعَتِ الْأَصْواتُ ، وَدُعِيَتِ الدَّعَواتُ ، وَلَكَ عَنَتِ الْوُجُوهُ ، وَلَكَ خَضَعَتِ الرِّقَابُ ، وَإِلَيْكَ التَّحَاكُمُ فِي الْأَعْمَالِ . يَا خَيْرَ مَنْ سُئِلَ ، وَيَا خَيْرَ مَنْ أَعْطَى يَا صَادِقُ ، يَا بَارُ ، يَا مَنْ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ، يَا مَنْ أَمَرَ بِالدُّعَاءِ وَتَكَفَّلَ الْإِجَابَةَ ، يَا مَنْ قَالَ: ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) (2).
يَا مَنْ قَالَ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا
دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ )(1).
وَيَا مَنْ قَالَ:( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (2)، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ، مَا أَنَا ذا بَيْنَ يَدَيْكَ، الْمُسْرِفُ عَلَى نَفْسِي ، وَأَنْتَ الْقَائِلُ : ( لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ )(3).
هذه بعض أدعية الإمام (علیه السّلام) تعقيب الصلاة المفروضة وهي تحكي إيمانه المطلق بالله تعالى ، واعتصامه به ، وأنه لا يضارعه أحد في هذه الظاهرة ، ولنقرأ بعض أدعيته
فى الصلوات المندوبة .
وذكر الرواة كوكبة من أدعية الإمام عقيب الصلوات المندوبة كان منها ما يلي :
دعاؤه عليه السلام قبل صلاة الليل
من الصلوات المندوبة صلاة الليل فقد حثَّ الإسلام عليها ، وتواترت الأخبار بفضلها ، وكان (علیه السّلام) يدعو بهذا الدعاء قبل الشروع بها :
إلهِي إِلَيْكَ أَخْبَتَتْ قُلُوبُ الْمُخْبِتِينَ ، وَبِكَ أَنِسَتْ عُقُولُ الْعَاقِلِينَ ، وَعَلَيْكَ عَكَفَتْ رَهْبَةُ الْعَامِلِينَ ، وَبِكَ اسْتَجَارَتْ أَفْئِدَةُ الْمُقَصِّرِينَ.
فَيَا أَمَلَ الْعَارِفِينَ ، وَرَجَاءَ العَامِلِينَ ، صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ الطَّاهِرِينَ ، وَأَجِرْنِي مِنْ فَضَايح يَوْمِ الدِّينِ ، عِنْدَ هَتْكِ السُّتُورِ ، وَتَحْصِيلِ مَا فِي الصُّدُورِ ، وَآنِسْنِي عِنْدَ خَوْفِ الْمُذْنِبِينَ ، وَدَهْشَةِ الْمُفْرِطِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .
فَوَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ ، مَا أَرَدْتُ بِمَعْصِيَتِي إِيَّاكَ مُخَالَفَتَكَ ، وَلَا عَصَيْتُكَ إِذْ عَصَيْتُكَ وَأَنَا بِمَكَانِكَ جَاهِلٌ ، وَلَا لِعُقُوبَتِكَ مُتَعَرِّضٌ ، وَلَا بِنَظَرِكَ مُسْتَخِفٌ ،
وَلكِنْ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ، وَأَعَانَتْنِي عَلى ذلِكَ شِقْوَتِي ، وَغَرَّنِي سِتْرُكَ الْمُرْخى عَلَى فَعْصَيْتُكَ بِجَهْلِي ، وَخَالَفْتُك بجَهدِي، فَمِنَ الْآنِ مِنْ عَذَابِكَ مَنْ يَسْتَنْقِذُنِي ، وَبِحَبْلِ مَنْ أَعْتَصِمُ إِذا قَطَعْتَ حَبْلَكَ عَنِّي ، فَوا سَوْأَتَاهُ مِنَ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْكَ غَدَاً ، إِذَا قِيلَ لِلْمُخِفِّينَ جُوزُوا ، وَلِلْمُثْقِلِينَ حُطُّوا ، أَمَعَ الْمُخِفِّينَ أَجُوزُ أَمْ مَعَ الْمُثْقِلِينَ أَحُطُّ ، يَا وَيْلَتِي كُلَّمَا كَبُرَتْ سِنِّي كَثُرَتْ مَعَاصِيَّ ؟ فَكَمْ ذا أَتُوبُ ؟ فَكَمْ ذا أَعُودُ؟ أَمَا آنَ لِي أَنْ أَسْتَحْيِيَ مِنْ رَبِّي ؟..
وبعد هذا الدعاء الجليل يسجد ، ويقول ثلثمائة مرة أَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ (1). وحكى هذا الدعاء مدى خوف الإمام (علیه السّلام) من الله تعالى وشدة إنابته إليه ، وعظيم اتصاله به .
وإذا فرغ الإمام (علیه السّلام) من صلاة ركعتين من صلاة الليل دعاء بهذا الدعاء الجليل:
إِلهِي نُمْتُ الْقَلِيلَ فَنَبَّهَنِي قَوْلُكَ الْمُبِينُ : تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (2)فَجَانَبْتُ لَذِيذَ الرُّقَادِ بِحَمْلِ ثِقْلِ
السُّهَادِ ، وَتَجَافَيْتُ طِيبَ الْمَضْجَعِ بِانْسِكَابِ غَزِيرِ الْمَدْمَعِ ، وَوَطَيْتُ الْأَرْضَ بِقَدَمِي ، وَبُؤْتُ إِلَيْكَ بِذَنْبِي وَوَقَفْتُ بَيْنَ يَدَيْكَ قَائِمَاً وَقاعِداً ، وَتَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ راكِعاً وَسَاجِداً وَدَعَوْتُكَ خَوْفاً وَطَمَعاً ، وَرَغِبْتُ إِلَيْكَ والهَا مُتَحَيِّراً ، أَنَادِيكَ بِقَلْبٍ قَرِيحٍ ، وَأنا جِيْكَ بِدَمْع سَفُوحٍ ، وَالُوذُ بِكَ مِنْ قَسْوَتِي ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ جُرْأَتِي ، وَأَسْتَجِيرُ بِكَ مِنْ جَهْلِي ، وَأَتَعَلَّقُ بِعُرَىٰ أَسْبَابِكَ مِنْ ذَنْبِي ، وَاعْمُرْ بِذِكْرِكَ قَلْبِي .
إِلهِي لَوْ عَلِمَتِ الْأَرْضُ بِذُنُوبِي لَسَاخَتْ بِي ، وَالسَّمَوَاتُ لَاخْتَطَفَتْنِي والْبِحَارُ لَأَغْرَقَتْنِي ، وَالْجِبَالُ لَدَهْدَهَتْنِي ، والْمَفَاوِزُ لَابْتَلَعَتْنِي . إِلهِي أَيَّ تَغْرِير اغْتَرَرْتُ بِنَفْسِي ، وَأَيَّ جُرْأَةِ اجْتَرَأَتُ عَلَيْكَ يَا رَبِّ ، إِلهِي كُلُّ مَنْ أَتَيْتُهُ إِلَيْكَ يُرْشِدُنِي ، وَمَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا عَلَيْكَ يَدُلُّنِي ، وَلَا مَخْلُوقٍ أَرْغَبُ إِلَيْهِ إِلَّا وَفِيكَ يُرَغَبُنِي ، فَنِعْمَ الرَّبُّ وَجَدْتُكَ ، وَبِئْسَ الْعَبْدُ وَجَدْتَنِي .
إِلهِي إِنْ عَاقَبْتَنِي فَمَنْ ذَا الَّذِي يَمْلِكُ الْعُقُوبَةَ عَنِّي ، وَإِنْ هَتَكْتَنِي فَمَنْ ذَا الَّذِي يَسْتُرُ عَوْرَتِي ، وَإِنْ أَهْلَكْتَنِي فَمَنْ ذَا الَّذِي يَعْرِضُ لَكَ فِي عَبْدِكَ أَوْ يَسْأَلُكَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ ، وَقَدْ عَلِمْتُ يَا إِلهِي أَنْ لَيْسَ فِي حُكْمِكَ ظُلْمٌ، وَلَا فِي نِقْمَتِكَ عَجَلَةٌ ، وَإِنَّمَا يَعْجَلُ مَنْ يَخَافُ الْفَوْتَ ، وَيَحْتَاجُ إِلَى الظُّلْم الضَّعِيفُ ، وَقَدْ تَعَالَيْتَ عَنْ ذلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ .
ثم يدعو بما أهمّه ، ويقول :
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ تُحْسِنَ فِي لَامِعَةِ الْعُيُونِ عَلَانِيَتِي، وَتُقَبِّحَ فِيمَا أُبْطِنُ لَكَ سَرِيرَتِي، مُحَافِظاً عَلَى رِياءِ النَّاسِ مِنْ نَفْسِي ، فَأُرِي النَّاسَ حُسْنَ
ظَاهِرِي ، وَأفْضِي إِلَيْكَ بِسُوءٍ عَمَلِي ، تَقَرُّباً إِلَى عِبَادِكَ ، وَتَبَاعُداً مِنْ مَرْضَاتِكَ (1).
وأنت ترى في هذا الدعاء مدى خوف الإمام (علیه السّلام) من الله وإنابته إليه ، ومن الطبيعى أنّ هذا الدعاء وأمثاله من أدعيته الشريفة أفاضها الإمام على المسلمين لتكون دروساً لهم ، وأغذية روحية ومنهجاً يسلكون به إلى الله تعالى .
كان الإمام (علیه السّلام) إذا فرغ من صلاة الليل دعا بهذا الدعاء الجليل :
أَشْهَدُ أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا آيَاتٌ تَدُلُّ عَلَيْكَ ، وَشَواهِدُ تَشْهَدُ بِمَا إِلَيْهِ دَعَوْتَ كُلُّ مَا يُؤَدِّي عَنْكَ الْحُجَّةَ ، وَيَشْهَدُ لَكَ بِالرُّبُوبِيَّةِ مَوْسُومٌ بِآثَارِ نِعْمَتِكَ ، وَمَعَالِم تَدْبِيرِكَ ، عَلَوْتَ بِهَا عَنْ خَلْقِكَ فَأَوْصَلْتَ إِلَى الْقُلُوبِ مِنْ مَعْرِفَتِكَ مَا آنَسَهَا مِنْ وَحْشَةِ الْفِكْرِ ، وَكَفَاهَا رَجْمَ الْإِحْتِجَاجِ فَهِيَ مَعَ مَعْرِفَتِهَا بِكَ ، وَوَلَهِهَا إِلَيْكَ شَاهِدَةٌ بِأَنَّكَ لَا تَأْخُذُكَ الْأَوْهَامُ ، وَلَا تُدْرِكُكَ الْعُقُولُ والْأَبْصَارُ. وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَشِيرَ بِقَلْبٍ أَوْ لِسَانٍ أَوْ يَدٍ إِلَى غَيْرِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ واحِداً أَحَداً فَرْداً صَمَداً ، وَنَحْنُ لَكَ مُسْلِمُونَ (2).
كان الإمام يدعو بهذا الدعاء عقيب كلّ صلاة واجبة ومندوبة ، وهذا نصه :
اللهُمَّ لَكَ صَلَّيْتُ ، وَإِيَّاكَ دَعَوْتُ ، وَفِي صَلَوَاتِي وَدُعَائِي مَا قَدْ عَلِمْتَ مِنَ النُّقْصَانِ والْعَجَلَةِ ، والسَّهْو والْغَفْلَةِ ، والْكَسَل والْفَتْرَةِ ، والنِّسْيَانِ والْمُدافَعَةِ ، وَالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ ، وَالرَّيْبِ وَالْفِكْرَةِ ، والشَّكَ والْمَشْغَلَةِ ، واللَّحْظَةِ الْمُلْهِيَةِ عَنْ إِقَامَةِ فَرائِضِكَ .
فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَاجْعَلْ مَكَانَ نُقْصَانِهَا تَمَاماً ، وَعَجَلَتِي تَباً وَتَمَكَّكُناً ، وَسَهْوِي تَيَقُظاً، وَغَفْلَتِي تَذَكُراً ، وَكَسَلِي نَشَاطَاً ، وَفُتُورِي قُوَّةً، وَنِسْيَانِي مُحَافَظَةٌ ، وَمُدافَعَتِي مُواظَبَةٌ ، وَرِيائِي إِخْلاصاً ، وَسُمْعَتِي تَسَتُراً، وَرَيْبِي ثَبَاتاً ، وَفِكْرِي خُشُوعاً ، وَشَكّي يَقِيناً ، وَتَشَاغُلِي فَراغاً ، وَلِحَاظِي خُشُوعاً ، فَإِنِّي لَكَ صَلَّيْتُ ، وَإِيَّاكَ دَعَوْتُ ، وَوَجْهَكَ أَرَدْتُ ، وَإِلَيْكَ تَوَجَّهْتُ ، وَبكَ آمَنْتُ ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ ، وَمَا عِنْدَكَ طَلَبْتُ .
فَصَلَّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاجْعَلْ لِي فِي صَلَوَاتِي وَدُعَائِي رَحْمَةً وَبَرَكَةٌ تُكَفِّرُ بِهَا سَيِّئَاتِي ، وَتُضَاعِفُ بِهَا حَسَنَاتِي ، وَتَرْفَعُ بِهَا دَرَجَتِي ، وَتُكْرِمُ بِهَا مَقَامِي، وَتُبَيِّضُ بِهَا وَجْهِي ، وَتَحُطُّ بِهَا وِزْرِي ، وَتَقْبَلُ بِهَا فَرْضِي وَنَفْلِي .
اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَاحْطُطْ بِهَا وِزْرِي ، وَاجْعَلْ مَا عِنْدَكَ خَيْراً لِي مِمَّا يَنْقَطِعُ عَنِّى.
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَضى عَنِّى صَلَواتِي ، إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً . الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللهُ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَكْرَمَ وَجْهِيَ عَنِ السُّجُودِ إِلَّا لَهُ .
اللهُمَّ كَمَا أَكْرَمْتَ وَجْهِيَ عَنِ السُّجُودِ إِلَّا لَكَ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصُنْهُ عَنِ الْمَسْأَلَةِ إِلَّا مِنْكَ. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَتَقَبَّلُهَا مِنِّي فِي أَحْسَنِ قبولكَ ، وَلَا تُؤَاخِذْنِي بِنُقْصَانِهَا ، وَمَا سَهَا عَنْهُ قَلْبِي مِنْهَا فَتَمِّمْهُ لِي بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ أُولِي الْأَمْرِ الَّذِينَ أَمَرْتَ بِطَاعَتِهِمْ ، وَأُولِي الْأَرْحَامِ الَّذِينَ أَمَرْتَ بِصِلَتِهِمْ، وَذَوِي الْقُرْبِي الَّذِينَ أَمَرْتَ بِمَوَدَّتِهِمْ ، وَأَهْلِ الذِّكْرِ الَّذِينَ أَمَرْتَ بِمَسْأَلَتِهِمْ ، وَالْمَوَالِي الَّذِينَ أَمَرْتَ بِمَوَالاتِهِمْ وَمَعْرِفَةِ حَقِّهِمَ ، وَأَهْلِ الْبَيْتِ الَّذِينَ أَذْهَبْتَ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهَّرْتَهُمْ تَطْهِيراً .
اللهُمَّ صَلَّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَاجْعَلْ ثَوَابَ صَلَوَاتِي ، وَثَوابَ مَنْطِقِي ، وَثَوابَ مَجْلِسِي رِضَاكَ والْجَنَّةَ ، واجْعَلْ ذَلِكَ كُلَّهُ خَالِصاً مُخْلِصاً يُوافِقُ مِنْكَ رَحْمَةً وَإِجَابَةٌ وَافْعَلْ بِي جَمِيعَ مَا سَأَلْتُكَ مِنْ خَيْرٍ ، وَزِدْنِي مِنْ خَيْرٍ ، وَزِدْنِي مِنْ فَضْلِكَ وَسَعَةِ مَا عِنْدَكَ إِنَّكَ وَاسِعٌ كَرِيمٌ ، وَصِلْ ذَلِكَ بِخَيْرِ الْآخِرَةِ وَنَعِيمِهَا ، إِنِّي إِلَيْكَ مِنَ الرَّاغِبِينَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .
يَا ذا الْمَنَّ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ أَبَداً، وَيَا ذَا الْمَعْرُوفِ الَّذِي لَا يَنْفَدُ ،
وَيَا ذا النِّعْمَاءِ الَّتِي لَا تُحْصى عَدَداً ، يَا كَرِيمُ ، يَا كَرِيمٌ ، يَا كَرِيمٌ ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَاجْعَلْنِي مِمَّنْ آمَنَ بِكَ فَهَدَيْتَهُ ، وَتَوَكَّلَ عَلَيْكَ فَكَفَيْتَهُ ، وَسَأَلَكَ فَأَعْطَيْتَهُ ، وَرَغِبَ إِلَيْكَ فَأَرْضَيْتَهُ ، وَأَخْلَصَ لَكَ فَأَنْجَيْتَهُ .
اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَأَحْلِلْنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِكَ ، لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ .
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مَسْأَلَةَ الدَّلِيلِ الْفَقِيرِ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي جَمِيعَ ذُنُوبِي ، وَتَقضِيَ جَمِيعَ حَوائِجِي إِلَیكَ ، إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .
اللَّهُمَّ مَا قَصُرَتْ عَنْهُ مَسْأَلَتِي ، وَعَجَزَتْ عَنْهُ قُوَّتِي ، وَلَمْ تَبْلُغْهُ فِطْنَتِي ، وتَعْلَمُ فِيهِ صَلَاحَ أَمْرِ دُنْيَايَ وَآخِرَتِي فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَافْعَلْ ذلِكَ بِي يَا لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ بِحَقِّ رَحْمَتِكَ فِي عَافِيَةٍ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ (1).
حفل هذا الدعاء بالخشية من الله تعالى، والإنابة إليه ، والتذلّل أمامه وإظهار أتمّ العبودية ، وبذلك كان الإمام (علیه السّلام) سيد الموحدين والمتقين ، وإمام العارفين .
1) الصحيفة العلوية الثانية : 148 - 152 . مصباح المتهجد : 80 - 82 ، الحديث 132 فلاح السائل : 183 - 185 .
من أدعية الإمام (علیه السّلام) عقيب كل صلاة يصليها هذا الدعاء الجليل :
اللهُمَّ تَمَّ نُورُكَ فَهَدَيْتَ فَلَكَ الْحَمْدُ ، وَعَظُمَ حِلْمُكَ فَعَفَوْتَ فَلَكَ الْحَمْدُ ، وَبَسَطْتَ يَدَكَ فَأَعْطَيْتَ فَلَكَ الْحَمْدُ ، رَبَّنَا وَجْهَكَ الْكَرِيمُ أَكْرَمُ الْوُجُوهِ ، وَجَاهُكَ خَيْرُ الْجَاهِ ، وَعَطِيَّتُكَ أَنْفَعُ الْعَطِيَّةِ وَأَهْنَأُها ، تُطَاعُ رَبَّنَا فَتَشْكُرُ ، وَتُعْصَى رَبَّنَا فَتَغْفِرُ ، وَتُجِيبُ الْمُضْطَرَّ ، وَتَكْشِفُ السُّوءَ ، وَتَشْفِي السُّقْمَ ، وَتُنْجِي مِنَ الْكَرْبِ ، وَتَقْبَلُ التَّوْبَةَ ، وَتَغْفِرُ الذُّنُوبَ ، لَا يَجْزِي بِآلَائِكَ أَحَدٌ ، وَلَا يُحْصِي نِعْمَتَكَ عَادٌ ، وَلَا يَبْلُغُ مِدْحَتَكَ قَوْلُ قَائِل(1).
حكى هذا الدعاء الشريف ألطاف الله تعالى ، ونعمه على عباده التي لا تُعَدُّ ولا تحصى.
كان الإمام (علیه السّلام) يصلي صلاة الفرج وهي ركعتان ، يقرأ في الركعة الأولى سورة
(1)
1) دعائم الإسلام : 1: 169 . مصباح المتهجد : 74 ، الحديث 120 . بحار الأنوار: 83: 35، الحديث 41 مستدرك الوسائل : 5 : 82 و 83 ، الحديث 5398 .
الفاتحة ، وسورة التوحيد ألف مرّة ، وفي الركعة الثانية سورة الفاتحة وسورة التوحيد مرّة واحدة وبعد الفراغ من الصلاة يدعو بهذا الدعاء :
يَا مَنْ لَا تَراهُ الْعُيُونُ ، وَلَا تُخَالِطُهُ الظُّنُّونُ ، يَا مَنْ لَا يَصِفُهُ الْواصِفُونَ ، يَا مَنْ لَا تُغَيَّرُهُ الدُّهُورُ ، يَا مَنْ لَا يَخْشَى الدَّوائِرَ ، يَا مَنْ لَا يَذُوقُ الْمَوْتَ ، يَا مَنْ لَا يَخْشَى الْقَوْتَ ، يَا مَنْ لَا تَضُرُّهُ الذُّنُوبُ ، وَلَا تَنْقُصُهُ الْمَغْفِرَةُ ، يَا مَنْ يَعْلَمُ مَتَاقِيلَ الْجِبَالِ ، وَكَيْلَ الْبُحُورِ ، وَعَدَدَ الْأَمْطَارِ، وَوَرَقَ الْأَشْجَارِ ، وَدَبِيبَ الذَّرِّ ، وَلَا يُوارى مِنْهُ سَمَاءٌ سَمَاءً ، وَلَا أَرْضُ أَرْضاً ، وَلَا بَحْرٌ مَا فِي قَعْرِهِ ، وَلَا جَبَلْ مَا فِي وَعْرِهِ ، تَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ، وَمَا أَظْلَمَ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ، وَأَشْرَقَ عَلَيْهِ النَّهَارُ .
أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْمَخْرُونِ الْمَكْنُونِ ، الَّذِي فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ ، اخْتَصَصْتَ بِهِ لِنَفْسِكَ ، وَشَفَقْتَ مِنْهُ اسْمَكَ ، فَإِنَّكَ أَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ ، وَحْدَكَ ، وَحْدَكَ ، لَا شَرِيكَ لَكَ ، وَبِاسْمِكَ الَّذِي إِذَا دُعِيتَ بِهِ أَجَبْتَ ، وَإِذَا سُئِلْتَ بِهِ أَعْطَيْتَ.
وَأَسْأَلُكَ بِحَقِّ أَنْبِيَائِكَ الْمُرْسَلِينَ ، وَبِحَقِّ حَمَلَةِ عَرْشِكَ ، وَبِحَقِّ مَلَائِكَتِكَ الْمُقَرَّبِينَ ، وَبِحَقِّ جَبْرَئِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَائِيلَ ، وَبِحَقِّ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَعِتْرَتِهِ صَلَواتُكَ عَلَيْهِمْ أَنْ تُصَلِّي عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَأَنْ تَجْعَلَ خَيْرَ عُمْرِي آخِرَهُ ، وَخَيْرَ أَعْمَالِي خَوَاتِيمَهَا ، وَأَسْأَلُكَ مَغْفِرَتَكَ وَرِضْوانَكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ (1).
1) مكارم الأخلاق : 329 . مستدرك الوسائل : 6: 383 ، الحديث 7046. بحار الأنوار: 88 : 355 و 356 .
حوى هذا الدعاء كوكبة من صفات الله تعالى، التي منها علمه الذي لا يُحَدُّ وقدرته التي لا حد لها ، فسبحان الله ، وتعالى شأنه ، وعظمت قدرته .
كان الإمام (علیه السّلام) يذهب إلى جامع الجعفي في الكوفة ومعه صاحبه وخليله ميثم التمار فيصلي فيه أربع ركعات وبعد الفراغ منها يدعو بهذا الدعاء :
الهي كَيْفَ أَدْعُوكَ وَقَدْ عَصَيْتُكَ ، وَكَيْفَ لَا أَدْعُوكَ وَقَدْ عَرَفْتُكَ ، وَحُبُّكَ فِي قَلْبِي مَكِينٌ ، مَدَدْتُ إِلَيْكَ يَدَا بِالذُّنُوبِ مَمْلُوَّةً ، وَعَيْناً بِالرَّجَاءِ مَمْدُودَةً .
إِلهِي أَنْتَ مَالِكُ الْعَطَايَا ، وَأَنَا أَسِيرُ الْخَطَايَا ، وَمِنْ كَرَمِ الْعُظَمَاءِ الرِّفْقُ بِالْأَسَراءِ ، وَأَنَا أَسِيرٌ بِجُرْمِي ، مُرْتَهَنٌ بِعَمَلِي .
إلهِي مَا أَضْيَقَ الطَّرِيقَ عَلى مَنْ لَمْ تَكُنْ دَلِيلَهُ ، وَأَوْحَشَ الْمَسْلَكَ عَلَىٰ مَنْ لَمْ تَكُنْ أَنيسَهُ.
إلهِي لَئِنْ طَالَبْتَنِي بِذُنُوبِي لَأُطَالِبَنَّكَ بِعَفْوِكَ ، وَإِنْ طَالَبْتَنِي بِسَرِيرَتِي لا طَالبَنَّكَ بِكَرَمِكَ ، وَإِنْ طَالَبْتَنِي بِشَرِّي لا طَالِبَنَّكَ بِخَيْرِكَ ، وَإِنْ جَمَعْتَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَعْدائِكَ فِي النَّارِ لَأُخْبِرَنَّهُمْ أَنِّي كُنْتُ مُحِبّاً لَكَ ، وَأَنَّني كُنْتُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ .
إلهِي هَذا سُرُوري بِكَ خَائِفاً ، فَكَيْفَ سُرُورِي بِكَ آمِناً إِلهِي الطَّاعَةُ
تَسُرُّكَ ، والْمَعْصِيَةُ لَا تَضُرُّكَ ، فَهَبْ لِي مَا يَسُرُّكَ ، واغْفِرْ لِي مَا لَا يَضُرُّكَ ، وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ .
اللَّهُمَّ صَلَّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَارْحَمْنِي إِذَا انْقَطَعَ مِنَ الدُّنْيَا أَثَرِي ، وانْمَحى مِنَ الْمَخْلُوقِينَ ذِكْرى ، وَصِرْتُ مِنَ الْمَنْسِيِّينَ كَمَنْ نُسِيَ .
إِلهِي كَبُرَ سِنِّي ، وَدَةٌ عَظْمِي، وَنَالَ الدَّهْرُ مِنِّي ، وَاقْتَرَبَ أَجَلِي ، وَنَفِدَتْ أَيَّامِي ، وَذَهَبَتْ مَحَاسِنِي ، وَمَضَتْ شَهْوَتِي ، وَبَقِيَتْ تَبِعَتِي ، وَبَلِيَ جِسْمِي ، وَتَقَطَّعَتْ أَوْصَالِي ، وَتَفَرَّقَتْ أَعْضَائِي ، وَبَقِيْتُ مُرْتَهَنا بِعَمَلِي .
إِلهِي أَفْحَمَتْنِي الذُّنُوبُ ، وانْقَطَعَتْ مَقَالَتِي ، وَلَا حُجَّةَ لِي .
إِلهِي أَنَا الْمُقِرُّ بِذَنْبِي ، الْمُعْتَرِفُ بِجُرْمِي ، أَلْأَسِيرُ بِإِسَاءَتِي ، الْمُرْتَهَنُ بِعَمَلِي ، الْمُتَهَوِّرُ فِي خَطِيئَتِي ، الْمُتَحَيَّرُ عَنْ قَصْدِي ، الْمُنْقَطَعُ بِي ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَتَفَضَّلْ عَلَيَّ وَتَجَاوَزْ عَنِّي .
إِلهِي إِنْ كَانَ صَغُرَ فِي جَنْبِ طَاعَتِكَ عَمَلِي فَقَدْ كَبُرَ فِي جَنْبِ رَجَائِكَ أَمَلِي إِلهِي كَيْفَ أَنْقَلِبُ بِالْخَيْبَةِ مِنْ عِنْدِكَ مَحْرُوماً ، وَكُلُّ ظَنِّي بِجُودِكَ أَنْ تَقْلِبَنِي بِالنَّجَاةِ مَرْحُوماً.
إِلهِي لَمْ أَسَلِّطْ عَلَى حُسْنِ ظَنِّي بِكَ قُنُوطَ الْآبِسِيْنَ ، فَلَا تُبْطِلْ صِدْقَ رَجَائِي مِنْ بَيْنِ الْآمِلِينَ إِلهِي عَظُمَ جُرْمِي إِذْ كُنْتَ الْمُطَالِبَ بِهِ ، وَكَبُرَ ذَنْبِي إِذْ كُنْتَ الْمُبَارَزَ بِهِ ، إِلَّا إِنِّي إِذا ذَكَرْتُ كِبَرَ ذَنْبِي وَعِظَمَ عَفْوِكَ وَغُفْرانِكَ وَجَدْتُ الْحَاصِلَ بَيْنَهُمَا لِي أَقْرَبَهُمَا إِلَى رَحْمَتِكَ وَرِضْوانِكَ .
إلهِي إِنْ دَعَانِي إِلَى النَّارِ مَخْشِيُّ عِقَابِكَ ، فَقَدْ نَادَانِي إِلَى الْجَنَّةِ بِالرَّجَاءِ
حُسْنُ ثَوابك.
إِلهِي إِنْ أَوْحَشَتْنِي الْخَطَايَا عَنْ مَحَاسِنِ لُطْفِكَ فَقَدْ آنَسَتْنِي بِالْيَقِينِ مَكَارِمُ عَفْوِكَ .
إلهِي إِنْ أَنَامَتْنِي الْغَفْلَةُ عَنِ الْإِسْتِعْدادِ لِلِقَائِكَ فَقَدْ أَنْبَهَتْنِي الْمَعْرِفَةُ يَا سَيِّدِي بِكَرَمِ الآئِكَ .
إلهِي إِنْ عَزَبَ لُبِّي عَنْ تَقْوِيمٍ مَا يُصْلِحُنِي فَمَا عَزَبَ إِيْقَانِي بِنَظَرِكَ إِلَيَّ فِيمَا يَنْفَعُنِي .
إلهِي إِنِ انْقَرَضَتْ بِغَيْرِ مَا أَحْبَبْتَ مِنَ السَّعْيِ أَيَّامِي فَبِالْإِيْمَانِ أَمْضَيْتُ السَّالِفَاتِ مِنْ أَعْوامِي.
إلهِي جِئْتُكَ مَلْهُوفاً ، وَقَدْ الْبِسْتُ عُدْمَ فَاقَتِي ، وَأَقَامَنِي مَعَ الْأَذِلَّاءِ بَيْنَ يَدَيْكَ ضُرُّ حَاجَتِي .
إِلهِي كَرُمْتَ فَأَكْرِمْنِي ، إِذْ كُنْتُ مِنْ سُؤَالِكَ ، وَجُدْتَ بِالْمَعْرُوفِ فَاخْلِطْنِي بِأَهْلِ نَوالِكَ .
إِلهِي أَصْبَحْتُ عَلى بَابٍ مِنْ أَبْوابِ مِنَحِكَ سَائِلاً، وَعَنِ التَّعَرُّضِ لِسِواكَ بِالْمَسْأَلَةِ عَادِلاً، وَلَيْسَ مِنْ شَأَئِكَ رَدُّ سَائِلِ مَلْهُوفٍ ، وَمُضْطَرٌ لانْتِظَارِ خَيْرٍ مِنْكَ مَالُوفٍ .
إلهِي أَقَمْتُ عَلَى قَنْطَرَةِ الْأَخْطَارِ ، مَبْلُوا بِالْأَعْمَالِ وَالْإِخْتِيَارِ إِنْ لَمْ تُعِنْ عَلَيْهِمَا بِتَخْفِيفِ الْأَثْقَالِ وَالْآصَارِ .
إلهِي أَمِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ خَلَقْتَنِي فَأَطِيلَ بُكَائِي ، أَمْ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ خَلَقْتَنِي
فَأَبَشِّرَ رَجَائِي .
إِلهِي إِنْ حَرَمْتَنِي رُؤْيَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ، وَصَرَفْتَ وَجْهَ تَأمِ تَأمِيلِي بِالْخَيْبَةِ عَنْ ذَلِكَ الْمَقَامِ ، فَغَيْرَ ذَلِكَ مَنتْنِي نَفْسِي يَا ذَا الْجَلَالِ والإِكْرامِ وَالطَّوْلِ وَالْإِنْعَامِ .
إلهِي لَوْ لَمْ تَهْدِنِي إِلَى الْإِسْلَامِ مَا اهْتَدَيْتُ ، وَلَوْ لَمْ تَرْزُقْنِي الْإِيْمَانَ بِكَ مَا آمَنْتُ ، وَلَوْ لَمْ تُطْلِقُ لِسَانِي بِدُعَائِكَ مَا دَعَوْتُ ، وَلَوْ لَمْ تُعَرِّفْنِي حَلَاوَةَ مَعْرِفَتِكَ مَا عَرَفْتُ .
إِلهِي إِنْ أَقْعَدَنِي التَّخَلُّفُ عَنِ السَّبْقِ مَعَ الْأَبْرَارِ فَقَدْ أَقَامَتْنِي الثَّقَةُ بِكَ عَلَى مَدارِجِ الْأَخْيَارِ . إِلهِي قَلْبٌ حَشْوَتَهُ مِنْ مَحَبَّتِكَ فِى دارِ الدُّنْيَا كَيْفَ تُسَلِّطُ عَلَيْهِ نَاراً تُحْرِقُهُ فِي لَظَى .
إِلهِي كُلُّ مَكْرُوبٍ إِلَيْكَ يَلْتَجِيُّ ، وَكُلُّ مَحْرُومٍ لَكَ يَرْتَجِي .
إلهِي سَمِعَ الْعَابِدُونَ بِجَزِيلِ ثَوابِكَ فَخَشَعُوا ، وَسَمِعَ الْمُزِلُّونَ عَنِ الْقَصْدِ بِجُودِكَ فَرَجَعُوا ، وَسَمِعَ الْمُذْنِبُونَ بِسَعَةِ رَحْمَتِكَ فَتَمَتَّعُوا ، وَسَمِعَ الْمُجْرِمُونَ بِكَرَمِ عَفْوِكَ فَطَمِعُوا ، حَتَّى ازْدَحَمَتْ عَصَائِبُ الْعُصَاةِ مِنْ عِبَادِكَ ، وَعَجَّ إِلَيْكَ كُلِّ مِنْهُمْ عَجِيجَ الضَّجِيج بِالدُّعَاءِ فِى بِلادِكَ ، وَلِكُلِّ أَمَلٌ سَاقَ صَاحِبَهُ إِلَيْكَ وَحَاجَةٌ ، وَأَنْتَ الْمَسْؤُولُ الَّذِي لَا تَسْوَدُّ عِنْدَهُ وُجُوهُ الْمَطَالِبِ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ نَبِيِّكَ وَآلِهِ ، وَافْعَلْ بِي مَا أَنْتَ أَهْلُهُ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (1).
1) الصحيفة العلوية الثانية : 46 - 51 ، نقلاً عن المزار الكبير / محمد بن المشهدي : 149 - 153 . بحار الأنوار : 97 : 449 - 451 .
أرأيتم هذا التضرّع والاستعطاف والخشوع والإنابة إلى الله تعالى ؟
أرأيتم كيف ذابت نفس الإمام (علیه السّلام) أمام الله إجلالاً وعبودية له ؟
كان الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) يستقبل شهر رمضان المبارك بسرور بالغ لأنه شهر الله ، وشهر الطاعة والمغفرة ، وهذه بعض أدعيته :
دُعاؤه عليه السلام عند رؤية الهلال
وكان الإمام يسارع إلى رؤية هلال رمضان المبارك فإذا رآه دعا بهذا الدعاء :
اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ وَالْإِيْمَانِ ، وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ ، وَالْعَافِيَةِ الْمُجَلَّلَةِ ، وَالرِّزْقِ الْواسِع ، وَدَفْعِ الْأَسْقَامِ اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا صِيَامَهُ وَقِيَامَهُ ، وَتِلَاوَةَ الْقُرْآنِ فِيهِ ، اللَّهُمَّ سَلَّمْهُ لَنَا ، وَتَسَلَّمْهُ مِنَّا وَسَلّمْنَا فِيهِ (1).
1) مصباح المتهجد : 541 ، الحديث 626 . الكافي : 4 : 73 و 74 ، الحديث 4. تهذيب الأحكام : 4 : 197 ، الحديث 563 .
وقبل أن يتناول الإمام (علیه السّلام) الإفطار يدعو بهذا الدعاء :
اللهُمَّ لَكَ صُمْنَا ، وَعَلى رِزْقِكَ أَفْطَرْنَا ، فَتَقَبَّلْهُ مِنَّا ، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ .
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض أدعيته (علیه السّلام) في عباداته الواجبة والمندوبة (1).
1) بحار الأنوار: 95: 15 . الصحيفة العلوية : 184 .
كان إمام المتقين وزعيم الموحدين (علیه السّلام) مشغولاً في جميع أوقاته بذكر الله تعالى ، وتمجيده وتحميده ، فلم ينقطع لحظة واحدة عن عبادة الله تعالى وطاعته، وقد عنه كوكبة من الأدعية الشريفة كان يتلوها في صباح كلّ يوم، وبعضها في المساء ، والبعض الآخر كان يقرأها في الصباح والمساء ، نذكر طائفة منها :
أدعیته عليه السلام في الصباح والمساء
ونقل الرواة مجموعة من الأدعية كان الإمام (علیه السّلام) يقرأها في الصباح ، ومنها :
دعاؤه عليه السلام عند طلوع الشمس
إذا أشرقت الشمس ، وهي من آيات الله العظيمة دعا الإمام (علیه السّلام) بهذا الدعاء :
أَيَّتُهَا الشَّمْسُ الْبَدِيعَةُ التَّصْوِيرِ الْمُعْجِزَةُ التَّقْدِيرِ ، الَّتِي جُعِلَتْ سِراجاً
لِلْإِبْصَارِ ، وَنَفْعَاً لِسُكَانِ الْأَمْصَارِ ، شُرُوقُكِ حَيَاةٌ ، وَغُرُوبُكِ وَفَاةٌ ، إِنْ طَلَعْتِ بِأَمْرِ عَزِيزِ، وَإِنْ رَجَعْتِ إِلى مُسْتَقَرٌّ حَرِيز ، أَسْأَلُ الَّذِي زَيَّنَ بِكِ السَّمَاءَ ، وَأَلْبَسَكِ الضَّيَاءَ ، وَصَدَّعَ لَكِ أَرْكَانَ الْمَطَالِع ، وَحَجَبَكِ بِالشُّعَاعِ اللَّامِع ، فَلَا يُشْرِفُ بِكِ شَيْءٌ إِلَّا امْتَحَقَ ، وَلَا يُواجِهُكِ بَشَرٌ إِلَّا احْتَرَقَ ، أَنْ يَهَبَ لَنَا بِكِ مِنَ الصَّحَّةِ ، وَدَفْعِ الْعِلَّةِ ، وَرَدَّ الْغُرْبَةِ ، وَكَشْفِ الْكُرْبَةِ ، وَأَنْ يَقِينَا مِنَ الزَّلَلِ، وَمُتَابَعَةِ الْهَوى ، وَمُصَاحَبَةِ الرَّدى ، وَأَنْ يَمُنَّ عَلَيْنَا مِنَ الْعُمْرِ بِأَطْوَلِهِ ، وَمِنَ الْعَمَلِ بِأَفْضَلِهِ ، وَأَنْ يَجْعَلَكِ لِقَضَاءِ جَدِيدٍ سَعِيدٍ ، يُؤْذِنُ بِلِبَاسِ الصَّحَةِ ، وَيَضْمَنُ دِفَاعَ النِّقْمَةِ .
اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَأَتْمِمْ عَلَيْنَا آلَاءَكَ الَّتِي أَوْلَيْتَنِيهَا واحْرُسْ عَلَيْنَا عَوارِفَكَ الَّتِي أَسْدَيْتَنِيهَا إِنَّكَ وَلِيُّ الْإِحْسَانِ ، وَواهِبُ الْإِمْتِنَانِ ، ذُو الطَّوْلِ الشَّدِيدِ ، فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ، والْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (1).
الشمس طاقة ملتهبة من الحرارة تمدُّ كوكب الأرض الذي نعيش عليه بالحياة ، وهي ترسل أشعتها الحرارية إلى الأرض بمقدار معيّن ، فلو زادت لاحترقت الأرض ، ولو نقصت لأصبحت جليداً ، ولولاها لانعدمت الحياة بالنسبة إلى الكائنات الحيّة في الأرض ، ومعدّل بعدها عنا ( 93 ) مليون ميل ، وهي كتلة مشتعلة من الغاز ، تتولّد طاقتها من الانفجارات المتوالية التي تحدث حين يتبدل الهيدروجين الذي هو أحد عناصرها إلى مادة جديدة هي الهيليوم، ويصاحب هذا التغيير صدور طاقة هائلة تنتج عنها حرارة وضوء ، ويتحوّل في كل ثانية ستمئة مليون طن من الهيدروجين
1) جمال الاسبوع / السيد ابن طاووس: 229 و 230 نهج السعادة : 6 : 288 - 290 .
إلى ( 596 ) ألف مليون من الهيليوم وتتولّد منها طاقة مقدارها أربعة ملايين طن من الضوء ، وفقاً لمذهب آينشتين في تحوّل المادة إلى طاقة (1)، وهذا الكوكب العملاق يسبح في الفضاء ويسير بقدرة الله بسير منتظم في منتهى الدقة ، فسبحان الخالق العظيم الذي ما عرفه حق معرفته إلا إمام المتقين، وباب مدينة علم سيد النبيين ، وقد ألمح إلى بعض محتويات الشمس في هذا الدعاء الجليل .
دُعَاؤُهُ عَلَيْهِ السَّلام
ومن بين أدعية الإمام (علیه السّلام) هذا الدعاء العظيم الذي كان يدعو به في الصباح ، وقد احتوى على أسرار عجيبة ، وأمور بالغة الأهمية ، قد ألقت الأضواء على عظيم قدرة الله وبدائع صنعه ، وهذا نصه :
اللهُمَّ يَا مَنْ دَلَعَ لِسَانَ الصَّبَاحِ بِنُطْقِ تَبَلُّجِهِ ، وَسَرَّحَ قِطَعَ اللَّيْلِ المُظْلِم بِغَيَاهِبِ تَلَجْلُجِهِ ، وَأَتْقَنَ صُنْعَ الْفَلَكِ الدَّوَّارِ فِي مَقَادِيرِ تَبَرُّجِهِ وَشَعْشَعَ ضِيَاءَ الشَّمْسِ بِنُورِ تَأججه .
حكت هذه الكلمات بعض آيات الله تعالى العظام، وعجائب مخلوقاته ، والتي منها :
1 - اندلاع نور الصبح ، بعد ما كان الكون يسرح في قطع من الليل المظلم ، فقد طواها الله ، بإشراق الشمس وجعل الفضاء مشرقاً بنور هذا الكوكب العملاق
1) رحلة في الفضاء : 27 - 28 .
الذي بدّد الظلام .
2 - من عظيم قدرة الله تعالى اتقانه صنع الفلك الدوّار وايجاد بروج له كانت في منتهى الدقة والروعة .
3 - من عجیب مخلوقات الله تعالى الضياء الذي يستوعب الكون من كوكب الشمس ، فقد كان بمنتهى الابداع ، وهو أحد آيات الله تعالى ، التي يعجز الفكر عن تصوّرها ، فسبحان الله المبدع في خلقه وإيجاده لهذا الكون !.. ويأخذ إمام الموحدين في دعائه قائلاً:
يَا مَنْ دَلَّ عَلى ذاتِهِ بِذاتِهِ ، وَتَنَزَّهَ عَنْ مُجَانَسَةِ مَخْلُوقَاتِهِ ، وَجَلَّ عَنْ مُلَاءَمَةِ كَيْفِيَّاتِهِ ، يَا مَنْ قَرُبَ مِنْ خَطَراتِ الظُّنُّونِ ، وَبَعْدَ عَنْ لَحَظَاتِ الْعُيُونِ ، وَعَلِمَ بِمَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ ...
حوت هذه الفقرات المشرقة من دعاء الإمام (علیه السّلام) ما يلي :
1 - إنّ الله تعالى دلّ على ذاته العظيمة بذاته ، وذلك بتكوينه وإيجاده لهذا الكون المليء بالعجائب والغرائب التي حار فيها العقل ؛ فكل ذرة من مخلوقاته تنادي بوجوده تعالى ، وتدلل عليه ، فإنّه من المستحيل تعقل وجودها بمنتهى الروعة والدقة من دون أن يكون لها مكوّن ، وقد باءت بالفشل والخزي آراء الملحدين في هذا العصر الذي انطلقت فيه السفن الفضائية إلى الفضاء الخارجي ، وصوّرت بعض الكواكب التي تدور في فلكها الخاص بانتظام عجيب وأرسلت صورها إلى الأرض ، وقد طويت بذلك وانحسرت جميع أفكار الملحدين، واتجه الناس صوب الله ، والاقرار له بالوحدانية .
ومن الجدير بالذكر أنّ روّاد الفضاء الذين هبطوا على القمر اتجهوا بعد نزولهم إلى الأرض نحو الكنائس لعبادة الله تعالى ، فقد هالتهم وأذهلتهم صور الكواكب ودورانها
في أفلاكها فسبحان الله العظيم
2 - ومن فقرات هذا الدعاء أنّ الله تعالى تنزّه عن مشابهة مخلوقاته ومجانستهم فإنّها جميعاً عرضة للفناء والزوال ، وليس أي صفة من صفاته التي تضارع صفات المخلوقين التي هي عين ذاته تحتاج إلى علّة مؤثرة في إيجادها .
3 - ومن بنود هذا الدعاء أنّ الله تعالى قريب إلى الفكر فيؤمن به الإنسان بأدنى تأمّل إلا أنّ العيون لا تبصره، وكيف يبصر الممكن بوجود الخالق العظيم العالم بما كان قبل أن يوجد ويكون ؟ ويستمر الإمام (علیه السّلام) في دعائه قائلاً:
يَا مَنْ أَرْقَدَنِي فِي مِهَادِ أَمْنِهِ وَأَمَانِهِ ، وَأَيْقَظَنِي إِلَى مَا مَنَحَنِي بِهِ مِنْ مِنَتِهِ وَإِحْسانِهِ ، وَكَفَّ أَكُفَّ السُّوءِ عَنِّي بِيَدِهِ وَسُلْطَانِهِ ، صَلِّ اللَّهُمَّ عَلَى الدَّلِيلِ إِلَيْكَ فِي اللَّيْلِ الْأَلْيَلِ ، وَالْمَاسِكِ مِنْ أَسْبَابِكَ بِحَبْلِ الشَّرَفِ الْأَطْوَلِ ، والنَّاصِع الْحَسَبِ فِي ذِرْوَةِ الْكَاهِلِ الْأَعْبَلِ ، وَالثَّابِتِ الْقَدَمِ عَلَىٰ زَحَالِيفِهَا فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ ، وَعَلَى آلِهِ الْأَخْيَارِ الْمُصْطَفِيْنَ الْأَبْرَارِ ...
حفل هذا المقطع بألطاف الله ونعمه على الإمام التي منها أنّه أرقده في مهاد أمنه ، وأيقظه من سباته ، وهي ألطاف عامة ، وكفّ عنه أكفّ السوء ، وبعد هذا ذكر النبي العظيم الله الله باعث الروح والعلم في الأجيال ، والدليل إلى مرضاة الله وطاعته الذي حطّم الأصنام ، وقضى على خرافات الجاهلية وأوثانها ، وبعد هذا أدلى الإمام بهذه الدرر الناصعة :
وافْتَحِ اللَّهُمَّ لَنَا مَصَارِيعَ الصَّبَاحِ بِمَفَاتِيحِ الرَّحْمَةِ وَالْفَلَاحِ ، وَالْبِسْنِي اللَّهُمَّ مِنْ أَفْضَلِ خِلَع الْهِدايَةِ وَالصَّلَاح ، واغْرِسِ اللَّهُمَّ بِعَظَمَتِكَ فِي شِرْبِ جَنَانِي يَنَابِيعَ الْخُشُوعِ ، وَأَجْرِ اللَّهُمَّ لِهَيْبَتِكَ مِنْ آمَاقِي زَفَرَاتِ الدُّمُوع ، وَأَدبِ اللَّهُمَّ
نَزَقَ الْخُرْقِ مِنِّي بِأَزِمَّةِ الْقُنُوعِ .
تضمنت هذه الفقرات أثمن القيم التي توجب سعادة الإنسان وفوزه بالقرب من الله تعالى ، ويأخذ الإمام بدعائه قائلاً:
إِلهِي إِنْ لَمْ تَبْتَدِثْنِي الرَّحْمَةُ مِنْكَ بِحُسْنِ التَّوْفِيقِ فَمَنِ السَّالِك بِي إِلَيْكَ في واضح الطَّرِيقِ ، وَإِنْ أَسْلَمَتْنِي أَنَاتُكَ لِقَائِدِ الْأَمَلِ وَالْمُنى فَمَن الْمُقِيْلُ عَثَراتِي مِنْ كَبَواتِ الْهَوى ؟ وَإِنْ خَذَلَنِي نَصْرُكَ عِنْدَ مَحَارَبَةِ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ فَقَدْ وَكَلَنِي خِذْلَانُكَ إِلى حَيْثُ النَّصَبُ وَالْحِرْمَانُ ...
وفي هذه الفقرات طلب الإمام التوفيق من الله تعالى في السلوك إلى الطريق الواضح لا في المنعطفات ، وإذا لم يُسعف الله عبده بتوفيقه فإن نصيبه يكون الخيبة والخسران .. و من بنود هذا الدعاء قوله (علیه السّلام) :
إلهِي أَتَرانِي مَا أَتَيْتُكَ إِلَّا مِنْ حَيْثُ الْآمَالُ؟ أَمْ عَلِقْتُ بِأَطْرافِ حِبَالِكَ حِينَ إِلا بَاعَدَتْنِي ذُنُوبِي عَنْ دَارِ الْوِصَالِ ؟ فَبِئْسَ الْمَطِيَّةُ الَّتِي امْتَطَتْ نَفْسِى مِنْ هَواهَا فَواهاً لَهَا لِمَا سَوَّلَتْ لَهَا ظُنُّونُهَا وَمُنَاهَا وَتَبَا لَهَا لِجُرْأَتِهَا عَلَى سَيِّدِهَا وَمَوْلَاهَا ...
عرض الإمام (علیه السّلام) ذم الإنسان الذي يتبع هواه ويبتعد عن الله تعالى ، فإنه يكون بذلك قد ابتعد عن مصدر الفيض والرحمة ، ويقول الإمام (علیه السّلام) في دعائه :
إِلهِي قَرَعْتُ بَابَ رَحْمَتِكَ بِيَدِ رَجَائِي، وَهَرَبْتُ إِلَيْكَ لَاجِئاً مِنْ فَرْطِ أَهْوَائِي ، وَعَلَّقْتُ بِأَطْرَافِ حِبَالِكَ أَنَامِلَ وَلَائِي ، فَاصْفَح اللَّهُمَّ عَمَّا كَانَ أَجْرَمْتُهُ مِنْ زَلَلِي وَخَطَائِي، وَأَقِلْنِي مِنْ صَرْعَةِ رِدَانِي ، وَعُسْرَةِ بَلائِي ، فَإِنَّكَ سَيِّدِي
وَمَوْلَايَ وَمُعْتَمَدِي وَرَجَانِي ، وَأَنْتَ غَايَةً مَطْلُوبِي وَمُنَايَ فِي مُنْقَلَي وَمَثْوايَ ...
وفي هذه البنود من دعاء الإمام (علیه السّلام) الالتجاء إلى الله تعالى وطلب الرحمة منه فهو المعتمد والرجاء ، ويقول الإمام (علیه السّلام) في دعائه :
إلهِي كَيْفَ تَطْرُدُ مِسْكِينَا الْتَجَأَ إِلَيْكَ مِنَ الذُّنُوبِ هَارِباً ، أَمْ كَيْفَ تُخَيِّبُ مُسْتَرْشِداً قَصَدَ إِلى جَنَابِكَ سَاعِياً ، أَمْ كَيْفَ تَرُدُّ ظَمْآناً وَرَدَ إِلَى حِيَاضِكَ شَارِياً ؟ كَلَّا وَحِيَاضُكَ مُتْرَعَةٌ فِي ضَنْكِ الْمُحُولِ ، وَبَابُكَ مَفْتُوحٌ لِلطَّلَبِ والْوُغُولِ ، وَأَنْتَ غَايَةُ الْمَسْؤُولِ وَنِهَايَةُ الْمَأْمُولِ ...
عرض الإمام في هذا المقطع إلى سعة رحمة الله تعالى ، وأنه لا يطرد من التجأ إليه ولا يخيب أمل من انقطع إليه ، ويقول (علیه السّلام):
إلهِي هَذِهِ أَزِمَّةٌ نَفْسِي عَقَلْتُهَا بِعِقَالِ مَشِيَّتِكَ ، وَهَذِهِ أَعْبَاءُ ذُنُوبِي دَرَأْتُهَا بِعَفُوكَ وَرَحْمَتِكَ، وَهَذِهِ أَهْوانِيَ الْمُضِلَّةَ وَكَلْتُهَا إِلَى جَنَابِ لُطْفِكَ وَرَأْفَتِكَ ...
أرأيتم هذا التذلّل والخضوع أمام الله تعالى ؟ فقد أوكل جميع شؤونه إلى الله تعالى وطلب منه العفو والغفران ، ثم يقول (علیه السّلام) :
فَاجْعَلِ اللَّهُمَّ صَبَاحِي هذا نَازِلاً عَلَيَّ بِصَيَاءِ الْهُدَى ، وَبِالسَّلَامَةِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا ، وَمَسَانِى جُنَّةٌ مِنْ كَيْدِ الْعِدى ، وَوِقَايَةً مِنْ مُرْدِيَاتِ الْهَوى إِنَّكَ قَادِرٌ عَلَى مَا تَشَاءُ ، تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ ، وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ، وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ ، وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ، بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، تُولِجُ اللَّيْلَ فِي
النَّهَارِ ، وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ، وَتَخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ، وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيَّ ، وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ...
وفي هذا المقطع طلب الإمام الهداية والسلامة في الدين والدنيا من الله تعالى الذي بيده جميع مجريات الأحداث ، ثم يقول الإمام (علیه السّلام) :
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ مَنْ ذا يَعْلَمُ قَدْرَكَ فَلَا يَخَافَكَ ، وَمَنْ ذا يَعْلَمُ مَا أَنْتَ فَلَا يَهَابَكَ ، أَلَّفْتَ بِقُدْرَتِكَ الْفِرَقَ ، وَفَلَقْتَ بِلُطْفِكَ الْفَلَقَ ، وَأَنَرْتَ بِكَرَمِكَ دَيَاجِيَ الْغَسَقِ ، وَأَنْهَرْتَ الْمِيَاهَ مِنَ الصُّمَّ الصَّيَاخِيْدِ عَذْباً وَأَجَاجاً ، وَأَنْزَلْتَ مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً فَجَاجاً ، وَجَعَلْتَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لِلْبَرِيَّةِ سِرَاجاً وَهَجاً مِنْ غَيْرِ أَنْ تُمَارِسَ فِيمَا ابْتَدَأْتَ بِهِ لُغُوباً وَلَا عِلاجاً ...
عرض الإمام (علیه السّلام) في هذه الكلمات إلى عظيم قدرة الله تعالى وبدائع صنعه وأنّ العبد لو علم عظمة ربّه لما أقدم على معصيته والشذوذ في سلوكه ، ويقول (علیه السّلام) :
فَيَا مَنْ تَوَحَّدَ بِالْعِزَّ وَالْبَقَاءِ ، وَقَهَرَ عِبَادَهُ بِالْمَوْتِ وَالْفَنَاءِ ، صَلِّ عَلَى مُحْمَّدٍ وآلِهِ الْأَنْقِيَاءِ ، واسْمَعْ نِدَائِي ، واسْتَجِبْ دُعَائِي، وَحَقِّقْ بِفَضْلِكَ أَمَلِي وَ رَجَائِي يَا خَيْرَ مَنْ دُعِيَ لِكَشْفِ الضُّر ، والْمَأْمُولُ لِكُلِّ عُسْرٍ وَيُسْرٍ ، بِكَ أَنْزَلْتُ حَاجَتِي فَلَا تَرُدَّنِي مِنْ سَنِيٌّ مَواهِبِكَ خَائِباً يَا كَرِيمُ يَا كَريمُ يَا كَريمُ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ، وَصَلَّى اللهُ عَلى خَيْرِ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ.
ثم يسجد ويقول :
إلهِي قَلْبِي مَحْجُوبٌ ، وَنَفْسي مَعْيُوبٌ ، وَعَقْلِي مَغْلُوبٌ ، وَهَوائِي غَالِبٌ ،
وَطاعَتِي قَلِيلٌ ، وَمَعْصِيَنِي كَثِيرٌ ، وَلِسانِي مُقِرٌ بِالذُنُوبِ ، فَكَيْفَ حِيلَتِي يَا سَتَّارَ العُيُوبِ ، وَيا عَلَّامَ الغُيُوبِ ، وَيا كاشِفَ الكُرُوبِ ، إِغْفِرْ ذُنُوبِي كُلَّها بِحُرْمَةِ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ یا غَفَّارُ یا غَفَّارُ یا غَفَّارُ ، بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ (1).
وانتهى هذا الدعاء الجليل الذي هو من ذخائر أدعية الإمام (علیه السّلام) .
1 - ومن جملة أدعيته في الصباح هذا الدعاء :
اللهُمَّ إِنِّي وَهذا النَّهَارَ خَلْقَانِ مِنْ خَلْقِكَ. اللَّهُمَّ لَا تَبْتَلِنِي بِهِ ، وَلَا تَبْتَلِهِ بي . اللَّهُمَّ وَلَا تُرِهِ مِنِّي جُرْأَةٌ عَلى مَعَاصِيكَ ، وَلَا رُكُوباً لِمَحَارِمِكَ .
اللهُمَّ اصْرِفْ عَنِّي الْأَزْلَ ، وَاللّاواءَ(2)، والْبَلْوى ، وَسُوءَ الْقَضَاءِ ، وَشَمَاتَةَ الْأَعْداءِ ، وَمَنْظَرَ السُّوءِ ، فِي نَفْسِي وَمَالِي (3).
2 - ومن أدعيته (علیه السّلام) :
أَصْبَحْنَا لِلَّهِ شَاكِرِينَ ، وَأَمْسَيْنَا لِلهِ حَامِدِينَ ، فَلَكَ الْحَمْدُ كَمَا أَمْسَيْنَا لَكَ
مُسْلِمِينَ سَالِمِينَ (1).
3- ومن أدعيته في الصباح أنه كان يقول :
مَرْحَباً بِكُمَا مِنْ مَلَكَيْنِ حَفِيظَيْنِ كَرِيمَيْنِ أَمْلِي عَلَيْكُمَا مَا تُحِبَانِ إِنْ شَاءَ الله (2).
4 - ومن أدعيته الموجزة هذا الدعاء كان يقرأه في الصباح :
اللَّهُمَّ أَحْيِنِي وَأَمِثْنِي عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَسَلَّمْنِي مِنَ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدْعَةِ وَالزَّيْعَ وَالشُّبْهَةِ ، وَاعْصِمْنِي مِنَ الْحَيْرَةِ وَالضَّلَالَةِ ، وَالْحُمْقِ وَالْجَهَالَةِ ، وَمِنْ سُوءِ الْبَلَاءِ والْفِتْنَةِ ، وَقِلَّةِ الْفَهْم والْمَعْرِفَةِ ، وَاتَّصَالِ الْغَفْلَةِ بِطُولِ الْمُهْلَةِ ، وَغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ إِنَّكَ لَطِيفٌ لِمَا تَشَاءُ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ (3).
كان الإمام (علیه السّلام) إذا حل وقت المساء دعا بهذا الدعاء الموجز:
أَمْسَيْنَا لِلَّهِ شَاكِرِينَ ، وَأَصْبَحْنَا لِلهِ حَامِدِينَ ، وَالْحَمْدُ لِلهِ كَمَا أَصْبَحْنَا لَكَ مُسْلِمِينَ سَالِمِينَ (1).
أثرت عن الإمام (علیه السّلام) كوكبة من الأدعية كان يقرأها في الصباح والمساء وهذه بعضها :
كان من دعائه (علیه السّلام) في صباحه ومسائه هذا الدعاء :
سُبْحَانَ اللَّهِ مَعَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى لَا يَكُونَ شَيْءٌ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ وَحْدَهُ ، وَعَدَدَ جَمِيع الْأَشْيَاءِ وَأَضْعَافَهَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَذلِكَ ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مِثْلَ ذلِكَ ، وَاللهُ أَكْبَرُ مِثْلَ ذلِكَ (2).
كان الإمام (علیه السّلام) يدعو بهذا الدعاء ما بين الظهرين، كما كان يدعو به في صباحه ومسائه :
رَبِّ اغْمِسْنِي فِي بَحْرِ نُورِ هَيْبَتِكَ حَتَّىٰ أَخْرُجَ مِنْهُ وَفِي وَجْهِي شُعَاعَاتُ أَنوارٍ هَيْبَةٍ تَخْطَفُ أَبْصَارَ الْحَاسِدِينَ مِنَ الْجِنَّ وَالْإِنْسِ أَجْمَعِينَ ، فَتَعْمِيهِمْ عَنْ رَمْيِ سِهَامِ الْحَسَدِ فِي قِرْطَاسِ نِعْمَتِي ، وَاحْجُيْنِي اللَّهُمَّ بِحِجَابِ النُّورِ الَّذِي
بَاطِنُهُ النُّورُ ، وَظَاهِرُهُ النُّورُ ، وَأَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ النُّورِ ، وَوَجْهَكَ النُّور، يَا نُورَ النُّورِ أَنْ تَحْجُبَنِي فِي نُورِ اسْمِكَ بِنُورِ اسْمِكَ يَا نُورُ ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (1).
وبهذه الصفحات المشرقة نطوي أدعيته في الصباح والمساء ، وهي تدل على أن الإمام (علیه السّلام) في جميع أوقاته كان يلهج بذكر الله تعالى .
1) الصحيفة العلوية الثانية : 226 .
وتعلق الإمام (علیه السّلام) بالله تعالى ، وانقطع إليه ، وناجاه في غلس الليل بذوبان روحه تعظيماً وخشوعاً وولاء وإنابة ، وقد أثرت عنه كوكبة من المناجاة يلمس فيها إيمانه العميق بالله تعالى الذي لا يضارعه أحد في هذه الظاهرة ، ومن بين مناجاته ما يلي :
المناجاة الأولى
لقد روی هذه المناجاة الإمام الحسن العسكري (علیه السّلام) عن آبائه ، عن أمير المؤمنين (علیه السّلام) ، وهذا نصها :
إِلهِي صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَارْحَمْنِي إِذَا انْقَطَعَ مِنَ الدُّنْيا أَثَرِي ، وانْمَحَى مِنَ الْمَخْلُوقِينَ ذِكْرِي ، وَصِرْتُ فِي الْمَنْسِيِّينَ كَمَنْ قَدْ نُسِيَ قَبْلِي .
إِلهِي كَبُرَ سِنِّي ، وَرَقَ جِلْدِي ، وَدَقَّ عَظْمِي ، وَنَالَ الدَّهْرُ مِنِّي ، واقْتَرَبَ أَجَلِي ، وَنَفِدَتْ أَيَّامِي ، وَذَهَبَتْ شَهَواتِي ، وَبَقِيَتْ تَبِعَاتِي .
إِلهِي ارْحَمْنِي إِذا تَغَيَّرَتْ صُورَتِي ، وانْمَحَتْ مَحَاسِنِي ، وَبَلِيَ جِسْمِي وَتَقَطَّعَت أَوْصَالِي ، وَتَفَرَّقَتْ أعْضَائِي ، وَبَقِيتُ مُرْتَهَنَا بِعَمَلِي .
إِلهِي أَفْحَمَتْنِي ذُنُوبِي ، وَقَطَعَتْ مَقَالَتِي ، فَلَا حُجَّةَ لِي وَلَا عُذْرَ ، فَأَنَا الْمُقِرُّ
بِجُرْمِي ، الْمُعْتَرِفُ بِإِسَاءَتِي .
إِلهِي إِنْ كَانَ قَدَ صَغُرَ فِي جَنْبِ طَاعَتِكَ عَمَلِي فَقَدْ كَبُرَ فِي جَنْبِ رَجَائِكَ أملي .
إلهِي كَيْفَ أَنْقَلِبُ بِالْخَيْبَةِ مِنْ عِنْدِكَ مَحْرُوماً وَكَانَ ظَنِّي بِكَ وَبِجُودِكَ أَنْ تَقْلِبَنِي بِالنَّجَاةِ مَرْحُوماً...
أرأيتم هذا التذلّل والاستعطاف ؟
أرأيتم هذا الخوف والرجاء ؟
ويستمر الإمام (علیه السّلام) في مناجاته فيقول :
إلهِي إِذْ لَمْ أَسَلِّطْ عَلى حُسْنِ ظَنِّي بِكَ قُنُوطَ الْآبِسِينَ ، فَلَا تُبْطِلْ صِدْقَ رَجَائِي لَكَ بَيْنَ الْآمِلِينَ .
إِلهِي عَظُمَ جُرْمِي إِذْ كُنْتَ الْمُبَارِزَ بِهِ ، وَكَبُرَ ذَنْبِي إِذْ كُنْتَ الْمُطَالِبَ بِهِ إِلَّا أنِّي إِذا ذَكَرْتُ كَبِيرَ جُرْمِي ، وَعَظِيمَ غُفْرائِكَ ، وَجَدْتُ الْحَاصِلَ لِي مِنْ بَيْنِهِمَا عَفْوَ رِضْوانِكَ .
إِلهِي إِنْ دَعَانِي إِلَى النَّارِ بِذَنْبِي مَخْشِيُّ عِقَابِكَ ، فَقَدْ نَادَانِي إِلَى الْجَنَّةِ بِالرَّجَاءِ حُسْنُ ثَوابِكَ .
إلهِي إِنْ أَوْحَشَتْنِي الْخَطَايَا عَنْ مَحَاسِنِ لُطْفِكَ ، فَقَدْ آنَسَتْنِي بِالْيَقِينِ مَكَارِمُ عَطْفِكَ .
إِلهِي إِنِ انْقَرَضَتْ بِغَيْرِ مَا أَحْبَبْتَ مِنْ السَّعْيِ أَيَّامِي فَبِالْإِيمَانِ أَمْضَتْهَا
الْمَاضِيَاتُ مِنْ أَعْوامِي .
إِلهِي إِنْ أَنَا مَتْنِي الْغَفْلَةُ عَنِ الْإِسْتِعْدادِ لِلقَائِكَ ، فَقَدْ أَنْبَهَتْنِيَ الْمَعْرِفَةُ يَا سَيِّدِي بِكَرِيمٍ الْآئِكَ .
إِلهِي إِنْ عَرَبَ لُبِّي عَنْ تَقْويمِ مَا يُصْلِحُنِي فَمَا عَزَبَ إِيْقَانِي بِنَظَرِكَ لِي فِيمَا يَنْفَعُنِي .
إلهِي جِئْتُكَ مَلْهُوفاً قَدْ الْبِسْتُ عُدْمَ فَاقَتِي ، وَأَقَامَنِي مَقَامَ الْأَذِلَّاءِ بَيْنَ يَدَيْكَ ضُرُّ حَاجَتِي.
إِلهِي كَرُمْتَ فَأَكْرِمْنِي إِذْ كُنْتُ مِنْ سُؤَالِكَ ، وَجُدْتَ بِالْمَعْرُوفِ فَأَلْحِقْنِي بِأَهْلِ نَوالِك.
إِلهِي مَسْكَنَتِي لَا يَجْبُرُهَا إِلَّا عَطَاؤُكَ ، وَأُمْنِيَّتِي لَا يُغْنِيهَا إِلَّا جَزَاؤُكَ.
إلهي أَصْبَحْتُ عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوابِ مِنَحِكَ سَائِلاً ، وَعَنِ التَّعَرُّضِ لِسِواكَ بِالْمَسْأَلَةِ عَادِلاً ، وَلَيْسَ مِنْ جَمِيلِ امْتِنَائِكَ رَدُّ سَائِلِ مَلْهُوفٍ ، وَمُضْطَرٌّ لِانْتِظَارِ خَيْرِكَ الْمَأْلُوفِ.
إِلهِي أَقَمْتُ عَلَى قَنْطَرَةِ مِنْ قَنَاطِرِ الْأَخْطَارِ مَبْلُوا بِالْأَعْمَالِ وَالْإِعْتِبَارِ فَأَنَا الْهَالِك إِنْ لَمْ تُعِنْ عَلَيْهَا بِتَخْفِيفِ الْأَثقَالِ .
إِلهِي أَمِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ خَلَقْتَنِي فَأُطِيلَ بُكَائِي ؟ أَمْ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ خَلَقْتَنِي فَاُبَشِّرَ رَجَائِي ؟
إِلهِي إِنْ حَرَمْتَنِي رُؤْيَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ فِي دَارِ السَّلَامِ ، وَصَرَفْتَ
وَجْهَ تَأْمِيْلِي بِالْخَيْبَةِ فِي دَارِ الْمَقَامِ فَغَيْرُ ذَلِكَ مَنتْنِي نَفْسِي مِنْكَ يَا ذَا الْفَضْلِ والْإِنْعَامِ.
إِلهِي وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ لَوْ قَرَأْتَنِي فِي الْأَصْفَادِ طُولَ الْأَيَّامِ ، وَمَنَعْتَنِي سَيْبَكَ مِنْ بَيْنِ الْأَنَامِ ، وَدَلَلْتَ عَلَى فَضَائِحِي عُيُونَ الْأَشْهَادِ ، وَحُلْتَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْكِرَامِ ، مَا قَطَعْتُ رَجَائِي مِنْكَ ، وَلَا صَرَفْتُ وَجْهَ انْتِظَارِي لِلْعَفْوِ عَنْكَ.
إلهِي لَوْ لَمْ تَهْدِنِي لِلْإِسْلَامِ مَا اهْتَدَيْتُ ، وَلَوْ لَمْ تَرْزُقْنِي الْإِيْمَانَ بِكَ مَا آمَنْتُ ، وَلَوْ لَمْ تُطْلِقُ لِسَانِي بِدُعَائِكَ مَا دَعَوْتُ ، وَلَوْ لَمْ تُعَرِّفْنِي حَلَاوَةَ مَعْرِفَتِكَ مَا عَرَفْتُ ، وَلَوْ لَمْ تُبَيِّنْ لِى شَدِيدَ عِقَابِكَ مَا اسْتَجَرْتُ .
إِلهِي أَطَعْتُكَ فِي أَحَبِّ الْأَشْيَاءِ إِلَيْكَ وَهُوَ التَّوْحِيدُ ، وَلَمْ أَعْصِكَ فِي أَبْغَضِ الْأَشْيَاءِ إِلَيْكَ وَهُوَ الْكُفْرُ فَاغْفِرْ لِي مَا بَيْنَهُمَا .
إِلهِي أُحِبُّ طَاعَتَكَ وَإِنْ قَصُرْتُ عَنْهَا ، وَاكْرَهُ مَعْصِيَتَكَ وَإِنْ رَكِبْتُهَا فَتَفَضَّلْ عَلَيَّ بِالْجَنَّةِ ، وَخَلَّصْنِي مِنَ النَّارِ وَإِنْ كُنْتُ اسْتَوْجَبْتُهَا .
إلهِي إِنْ أَقْعَدَنِي التَّخَلَّفُ عَنِ السَّبْقِ مَعَ الْأَبْرَارِ ، فَقَدْ أَقَامَتْنِي الثَّقَةُ بِكَ عَلى مَدارِج الْأَخْيَار.
إِلهِي قَلْبٌ حَشَوْتَهُ مِنْ مَحَبَّتِكَ فِي دَارِ الدُّنْيا كَيْفَ تَطَّلِعُ عَلَيْهِ نَارٌ مُحْرِقَةٌ فِي لظى ؟
إِلهِي نَفْسٌ أَعْزَزْتَهَا بِتَأْيِيدِ إِيْمَانِكَ كَيْفَ تُذِلُّهَا بَيْنَ أَطْبَاقِ نِيرَائِكَ ؟
إِلهِي لِسَانٌ كَسَوْتَهُ مِنْ تَمَاجِيدِكَ أَنِيقَ أَثْوابِهَا ، كَيْفَ تَهْوِي إِلَيْهِ مِنَ النَّارِ
مُشْتَعِلَاتُ الْتِهَابِهَا ؟
إِلهِي كُلُّ مَكْرُوبٍ إِلَيْكَ يَلْتَجِيُّ ، وَكُلُّ مَحْزُونٍ إِيَّاكَ يَرْتَجِي .
إِلهِي سَمِعَ الْعَابِدُونَ بِجَزِيلِ ثَوابِكَ فَخَشَعُوا ، وَسَمِعَ الزَّاهِدُونَ بِسَعَةِ رَحْمَتِكَ فَقَنَعُوا ، وَسَمِعَ الْمُوَلُّونَ عَنِ الْقَصْدِ بِجُودِكَ فَرَجَعُوا ، وَسَمِعَ الْمُجْرِمُونَ بِسَعَةِ غُفْرائِكَ فَطَمِعُوا ، وَسَمِعَ الْمُؤْمِنُونَ بِكَرَمِ عَفْوِكَ وَفَضْلِ عَوارِيكَ فَرَغِبُوا ، حَتَّى از دَحَمَتْ مَوْلاي بِبَابِكَ عَصَائِبُ الْعُصَاةِ مِنْ عِبَادِكَ ، وَعَجِّتْ إِلَيْكَ مِنْهُمْ عَجِيجُ الضَّجِيج بِالدُّعَاءِ فِي بِلَادِكَ ، وَلِكُلٍّ أَمَلٌ قَدْ سَاقَ صَاحِبَهُ إِلَيْكَ مُحْتَاجاً ، وَقَلْبٌ تَرَكَهُ وَجِيبُ خَوْفِ الْمَنْعِ مِنْكَ مُهْاجاً ، وَأَنْتَ الْمَسْؤُولُ الَّذِي لَا تَسْوَدُّ لَدَيْهِ وُجُوهُ الْمَطالِبِ ، وَلَمْ تَزْرَهُ بِنَزِيلِهِ فَظِيعَاتُ الْمَعَاطِبِ.
إِلهِي إِنْ أَخْطَأَتُ طَرِيقَ النَّظَرِ لِنَفْسِي بِمَا فِيهِ كَرَامَتُهَا فَقَدْ أَصَبْتُ طَرِيقَ الفَزَعِ إِلَيْكَ بِمَا فِيهِ سَلَامَتُهَا .
إلهِي إِنْ كَانَتْ نَفْسِي اسْتَسْعَدَتْنِي مُتَمَرِّدَةً عَلَى مَا يُرْدِيْهَا فَقَدِ اسْتَسْعَدتُهَا الآنَ بِدُعَائِكَ عَلَى مَا يُنْجِيهَا .
إِلهِي إِنْ عَدَانِي الْإِجْتِهَادُ فِي ابْتَغَاءِ مَنْفَعَتِي فَلَمْ يَعْدُنِي بِرُّكَ بِي بِمَا فِيهِ مَصْلَحَتِي .
إِلهِي إِنْ أَجْحَفَ بِي قِلَّةُ الزَّادِ فِي الْمَسِيرِ إِلَيْكَ فَقَدْ وَصَلْتُهُ الآنَ بِذَخَائِرِ مَا أَعْدَدْتُهُ مِنْ فَضْلِ تَعْوِيلِي عَلَيْكَ .
إلهِي إِنْ قَسَطْتُ فِي الْحُكْمِ عَلَى نَفْسِي بِمَا فِيهِ حَسْرَتُهَا فَقَدْ أَقْسَطْتُ الآن بِتَعْرِيفِي إِيَّاهَا مِنْ رَحْمَتِكَ إِشْفَاقَ رَأْفَتِهَا .
إلهِي أَدْعُوكَ دُعَاءَ مَنْ لَمْ يَرْجُ غَيْرَكَ بِدُعَائِهِ ، وَأَرْجُوكَ رَجَاءَ مَنْ لَمْ يَقْصِدْ غَيْرَكَ بِرَجَائِهِ .
إلهِي لَوْلَا مَا جَهِلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا شَكَوْتُ عَثَراتِي ، وَلَوْلَا مَا ذَكَرْتُ مِنَ الْإِفْراطِ مَا سَفَحْتُ عَبَراتِي .
إلهِي إِنْ كُنْتَ لَا تَرْحَمُ إِلَّا الْمُجِدِّينَ فِي طَاعَتِكَ فَإِلى مَنْ يَفْزَعُ الْمُقَصِّرُونَ ، وَإِنْ كُنْتَ لَا تَقْبَلُ إِلَّا مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ فَإِلَى مَنْ يَلْتَجِئُ الْمُفَرِّطُونَ ، وَإِنْ كُنْتَ لَا تُكْرِمُ إِلَّا أَهْلَ الْإِحْسَانِ فَكَيْفَ يَصْنَعُ الْمُسِيئُونَ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَفُوزُ يَوْمَ الْحَشْرِ إِلَّا الْمُتَّقُونَ فَبِمَنْ يَسْتَغِيثُ الْمُذْنِبُونَ.
إِلهِي إِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ عَلَى الصِّراطِ إِلَّا مَنْ أَجَازَتْهُ بَراءَةُ عَمَلِهِ ، فَأَنَّى بِالْجَوازِ لِمَنْ لَمْ يَتُبْ إِلَيْكَ قَبْلَ انْقِضَاءِ أَجَلِهِ.
إِلهِي إِنْ لَمْ تَنَلْنَا يَدُ إِحْسَانِكَ يَوْمَ الْوُرُودِ اخْتَلَطْنَا فِي الْجَزاءِ بِذَوِي الْجُحُودِ.
إلهِي فَأَوْجِبْ لَنَا بِالْإِسْلَامِ مَذْخُورَ هِبَاتِكَ ، وَاسْتَصْفِ مَا كَدَّرَتْهُ الْجَرَائِرُ مِنْهَا بِصَفْوِ صِلَاتِكَ .
إلهي ارْحَمْنَا غُرَبَاءَ إِذَا تَضَمَّتَتْنَا بُطُونُ لُحُودِنَا ، وَغُمِّيَتْ بِاللَّبِن سُقُوْفُ بيُوتِنا ، وَأَضْجِعْنَا مَسَاكِينَ عَلَى الْإِيْمَانِ فِي قُبُورِنَا ، وَخُلِّفْنَا فُرَادَى فِي أَضْيَقِ
الْمَضَاجِعِ ، وَصَرَعَتْنَا الْمَنَايَا فِي أَعْجَبِ الْمَصَارِعِ ، وَصِرْنَا فِي دِيَارِ قَوْمٍ كَأَنَّهَا مَأْهُولَةٌ وَهِيَ مِنْهُمْ بَلَاقِعُ (1).
إلهِي إِذا جِئْنَاكَ عُراةٌ حُفَاةٌ مُغْبَرَّةٌ مِنْ ثَرَى الْأَحْداثِ رُؤُوسُنَا ، وَشَاحِبَةٌ مِنْ تُرابِ الْمَلَاحِيدِ وُجُوْهُنَا ، وَخَاشِعَةٌ مِنْ أَفْزاع الْقِيَامَةِ أَبْصَارُنا ، وَدَابِلَةٌ مِنْ شِدَّةِ الْعَطَشِ شِفَاهُنَا ، وَجَائِعَةٌ مِنْ طُولِ المُقَام بُطُونُنَا ، وَبَارِزَةٌ هُنَالِكَ لِلْعُيُونِ سَوْآتُنَا ، وَمُوَقَرَةٌ مِنْ نِقْلِ الْأَوْزارِ ظُهُورُنا ، وَمَشْغُولِينَ بِمَا قَدْ دَهَانَا عَنْ أَهَالِينَا وَأَوْلَادِنَا ، فَلَا تُضَعْفِ الْمَصَائِبَ عَلَيْنَا بِإِعْرَاضِ وَجْهِكَ الْكَرِيم عَنَّا.
ومن بنود هذه المناجاة قوله (علیه السّلام) :
إِلهِي لَا سَبِيلَ إِلَى الْإِحْتِراسِ مِنَ الذَّنْبِ إِلَّا بِعِصْمَتِكَ ، وَلَا وُصُولَ إِلَى عَمَلِ الْخَيْرَاتِ إِلَّا بِمَشِيَّتِكَ ، فَكَيْفَ لِي بِإِفَادَةِ مَا أَسْلَمَتْنِي فِيهِ مَشِيَّتُكَ ، وَكَيْفَ لِي بِالاحْتِراسِ مِنْ الذَّنْبِ مَا لَمْ تُدْرِكْنِي فِيهِ عِصْمَتُكَ .
إلهِي أَنْتَ دَلَلْتَنِي عَلى سُؤالِ الْجَنَّةِ قَبْلَ مَعْرِفَتِهَا فَأَقْبَلَتِ النَّفْسُ بَعْدَ الْعِرْفَانِ عَلَى مَسْأَلَتِهَا ، أَفَتَدُلُّ عَلَى خَيْرِكَ السُّؤالَ ثُمَّ تَمْنَعُهُمُ النَّوالَ ، وَأَنْتَ الْكَرِيمُ الْمَحْمُودُ فِي كُلِّ مَا تَصْنَعُهُ يَا ذَا الْجَلَالِ والإكرام.
ومن هذه المناجاة قوله (علیه السّلام) :
إِلهِي إِنْ عَفَوْتَ فَبِفَضْلِكَ ، وَإِنْ عَذَّبْتَ فَبِعَدْلِكَ فَيَا مَنْ لَا يُرْجِى إِلَّا فَضْلُهُ ، وَلَا يُخَافُ إِلَّا عَدْلُهُ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَامْنُنْ
1) بلاقع : خالية .
·
عَلَيْنَا بِفَضْلِكَ .
الهي خَلَقْتَ لِي جِسْمَاً ، وَجَعَلْتَ لِي فِيهِ آلَاتٍ أُطِيعُكَ بِهَا ، وَأَعْصِيكَ وَأَغْضِبُكَ بِهَا وَأَرْضِيكَ ، وَجَعَلْتَ لِي مِنْ نَفْسِي دَاعِيَةٌ إِلَى الشَّهَوَاتِ وَأَسْكَنتَنِي دَاراً قَدْ مُلِئَتْ مِنَ الْآفَاتِ، ثُمَّ قُلْتَ لِي إِنْزَجِرْ ، فَبِكَ أَنْزَجِرُ ، وَبِكَ أَعْتَصِمُ، وَبِكَ أَسْتَجِيرُ مِنَ النَّارِ فَأَجِرْنِي ، وَبِكَ أَحْتَرِزُ مِنَ الذُّنُوبِ فَاحْفَظْنِي ، وَأَسْتَوْقِفُكَ لِمَا يُرْضِيكَ ، وَأَسْأَلُكَ يَا مَوْلَاي فَإِنَّ سُؤالِي لَا يُحْفِيكَ .
إلهِي أَدْعُوكَ دُعَاءَ مُلِعٌ لَا يَمَلُّ دُعَاءَهُ مَوْلَاهُ ، وَأَتَضَرَّعُ إِلَيْكَ تَضَرُّعَ مَنْ قَدْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْحُجَّةِ فِي دَعْوَاهُ.
إِلهِي لَوْ عَرَفْتُ اعْتِدَاراً مِنَ الذَّنْبِ فِي التَّنَصُّلِ أَبْلَغَ مِنْ الْإِعْتِرَافِ بِهِ لأَتَيْتُهُ ، فَهَبْ لِي ذَنْبِي بِالْإِعْتِرافِ ، وَلَا تَرُدَّنِي بِالْخَيْبَةِ عِنْدَ الْإِنْصِرافِ .
إِلهِي قَدْ أَصَبْتُ مِنَ الذُّنُوبِ مَا قَدْ عَرَفْتَ ، وَأَسْرَفْتُ عَلَىٰ نَفْسِي بِمَا قَدْ عَلِمْتَ ، فَاجْعَلْنِي عَبْداً إِمَّا طَائِعاً فَأَكْرَمْتَهُ ، وَإِمَّا عَاصِياً فَرَحِمْتَهُ .
ومن فقرات هذا الدعاء قوله (علیه السّلام) :
إلهِي وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ لَقَدْ أَحْبَبْتُكَ مَحَبَّةٌ اسْتَقَرَّتْ حَلَاوَتُهَا فِي قَلْبِي وَصَدْرِي ، وَمَا تَنْعَقِدُ ضَمَائِرُ مُوَحَدِيكَ عَلى أَنَّكَ تُبْغِضُ مُحِبِّيكَ.
إلهِي أَنْتَظِرُ عَفْوَكَ كَمَا يَنْتَظِرُهُ الْمُذْنِبُونَ ، وَلَسْتُ أَيْأَسُ مِنْ رَحْمَتِكَ الَّتِي يَتَوَفَّعُهَا الْمُحْسِنُونَ.
إِلهِي لَا تَغْضَبْ عَلَيَّ فَلَسْتُ أَقْوى لِغَضَبِكَ ، وَلَا تَسْخَطْ عَلَيَّ فَلَسْتُ
أقوى لِسَخَطِكَ .
إِلهِي انْهَمَلَتْ عَبَراتِي حِينَ ذَكَرْتُ عَثَراتِي ، وَمَا لَهَا لَا تَنْهَمِلُ ، وَلَا أَدْرِي إلى مَا يَكُونُ مَصِيرِي ، وَعَلَى مَاذَا يَهْجُمُ عِنْدَ الْبَلاغِ مَسِيري ، وَأَرى نَفْسِي تُخَاتِلُنِي ، وَأَيَّامِي تُخَادِعُنِي ، وَقَدْ خَفَقَتْ عِنْدَ رَأْسِي أَجْنِحَةُ الْمَوْتِ ، وَرَسَتَتْنِي مِنْ قَرِيبٍ أَعْيُنُ الْقَوْتِ ، فَمَا عُذْرِي وَقَدْ حَشَا مَسَامِعِي رَافِعُ الصَّوْتِ ؟
هذه بعض بنود المناجاة وهي طويلة جداً ، وقد ذكرها كاملة الشيخ الكفعمي في البلد الأمين (1)واختصرها غيره من العلماء في هذه البحوث ، وقد كشفت هذه المناجاة عن عميق صلة الإمام بالله تعالى ، وإيمانه الوثيق به ، وانقطاعه التام إليه .
1) البلد الأمين : 311 - 321. بحار الأنوار : 91: 99 - 109 ، الحديث 14 .
ومن مناجاة الإمام (علیه السّلام) هذه المناجاة التي دلت على تعلقه بالله تعالى وشدة حبه له ، وإيمانه به ، وهذا نصها :
اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْأَمَانَ (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سلیم)(1).
وَأَسْأَلُكَ الْأَمَانَ (يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً) (2).
وَأَسْأَلُكَ الْأَمَانَ يَوْمَ (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي والأقدام ) (3).
وَأَسْأَلُكَ الْأَمَانَ يَوْمَ و(لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ ) (4).
وَأَسْأَلُكَ الْأَمَانَ (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدار)(5).
وَأَسْأَلُكَ الْأَمَانَ (يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ )(1).
وَأَسْأَلُكَ الْأَمَانَ (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِيُّ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنُ يُغْنِيهِ )(2).
وَأَسْأَلُكَ الْأَمَانَ يَوْمَ (يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابٍ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ * كَلَّا إِنَّهَا لَظى » نَزَّاعَةً لِّلشَّوى ) (3).
وحكى هذا المقطع شدّة خوف الإمام يوم القيامة من الله تعالى وعظيم إنابته إليه .
ويستمر الإمام (علیه السّلام) في مناجاته قائلاً :
مَوْلَايَ يَا مَوْلَايَ ، أَنْتَ الْمَوْلى وَأَنَا الْعَبْدُ ، وَهَلْ يَرْحَمُ الْعَبْدَ إِلَّا الْمَوْلَى مَوْلَايَ يَا مَوْلَايَ ، أَنْتَ الْمَالِكُ وَأَنَا الْمَمْلُولُ ، وَهَلْ يَرْحَمُ الْمَمْلُوكَ إِلَّا الْمَالِكُ . مَوْلَايَ يَا مَوْلَايَ ، أَنْتَ الْعَزِيزُ وَأَنَا الدَّلِيلُ ، وَهَلْ يَرْحَمُ النَّلِيلَ إِلَّا الْعَزِيزُ مَوْلَايَ يَا مَوْلَايَ ، أَنْتَ الْخَالِقُ وَأَنَا الْمَخْلُوقُ ، وَهَلْ يَرْحَمُ الْمَخْلُوقَ إِلَّا الْخَالِقُ مَوْلَايَ يَا مَوْلَايَ ، أَنْتَ الْعَظِيمُ وَأَنَا الْحَقِيرُ ، وَهَلْ يَرْحَمُ الْحَقِيرَ إِلَّا الْعَظِيمُ . مَوْلَايَ يَا مَوْلَايَ ، أَنْتَ الْقَوِيُّ وَأَنَا الضَّعِيفُ ، وَهَلْ يَرْحَمُ الضَّعِيفَ إِلَّا الْقَوِيُّ. مَوْلَايَ يَا مَوْلَايَ أَنْتَ الْغَنِيُّ وَأَنَا الْفَقِيرُ ، وَهَلْ يَرْحَمُ
الْفَقِيرَ إِلَّا الْغَنِيُّ. مَوْلَايَ يَا مَوْلَايَ ، أَنْتَ الْمُعْطِي وَأَنَا السَّائِلُ ، وَهَلْ يَرْحَمُ السَّائِلَ إِلَّا الْمُعْطِي مَوْلَايَ يَا مَوْلَايَ ، أَنْتَ الْحَيُّ وَأَنَا الْمَيِّتُ ، وَهَلْ يَرْحَمُ الْمَيْتَ إِلَّا الْحَيُّ. مَوْلَايَ يَا مَوْلَايَ ، أَنْتَ الْبَاقِي وَأَنَا الْفَانِي ، وَهَلْ يَرْحَمُ الْفَانِيَ إِلَّا الْبَاقِي مَوْلَايَ يَا مَوْلَايَ ، أَنْتَ الدَّائِمُ وَأَنَا الزَّائِلُ ، وَهَلْ يَرْحَمُ الزَّائِلَ إِلَّا الدَّائِمُ . مَوْلَايَ يَا مَوْلَايَ ، أَنْتَ الرَّازِقُ وَأَنَا الْمَرْزُوقُ ، وَهَلْ يَرْحَمُ الْمَرْزُوقَ إِلَّا الرَّازِقُ مَوْلَايَ يَا مَوْلَايَ ، أَنْتَ الْجَوادُ وَأَنَا الْبَخِيلُ ، وَهَلْ يَرْحَمُ الْبَخِيلَ إِلَّا الْجَوادُ .مَوْلَايَ يَا مَوْلَايَ ، أَنْتَ الْمُعَافِي وَأَنَا الْمُبْتَلَى ، وَهَلْ يَرْحَمُ الْمُبْتَلَى لَّا الْمُعَافِي .مَوْلَايَ يَا مَوْلَايَ ، أَنْتَ الْكَبِيرُ وَأَنَا الصَّغِيرُ ، وَهَلْ يَرْحَمُ الصَّغِيرَ إِلَّا الْكَبِيرُ . مَوْلَايَ يَا مَوْلَايَ أَنْتَ الْهَادِي وَأَنَا الضَّالُّ ، وَهَلْ يَرْحَمُ الضَّالَ إِلَّا الْهَادِي مَوْلَايَ يَا مَوْلَايَ ، أَنْتَ الرَّحْمَنُ وَأَنَا الْمَرْحُومُ، وَهَلْ يَرْحَمُ الْمَرْحُومَ إِلَّا الرَّحْمَنُ مَوْلَايَ يَا مَوْلَايَ، أَنْتَ السُّلْطَانُ وَأَنَا الْمُمْتَحَنُ ، وَهَلْ يَرْحَمُ الْمُمْتَحَنَ إِلَّا السُّلْطَانُ . مَوْلَايَ يَا مَوْلَايَ ، أَنْتَ الدَّلِيلُ وَأَنَا الْمُتَحَيَّرُ ، وَهَلْ يَرْحَمُ الْمُتَحَيَّرَ إِلَّا الدَّلِيلُ . مَوْلَايَ يَا مَوْلَايَ ، أَنْتَ الْغَفُورُ وَأَنَا الْمُذْنِبُ ، وَهَلْ يَرْحَمُ الْمُذْنِبَ إِلَّا الْغَفُورُ مَوْلَايَ يَا مَوْلَايَ ، أَنْتَ الْغَالِبُ وَأَنَا الْمَغْلُوبُ ، وَهَلْ يَرْحَمُ المَغْلُوبَ إِلَّا الْغَالِبُ مَوْلَايَ يَا مَوْلَايَ ، أَنْتَ الرَّبُّ وَأَنَا الْمَرْبُوبُ ، وَهَلْ يَرْحَمُ الْمَرْبُوبَ إِلَّا الرَّبُّ مَوْلَايَ يَا مَوْلَايَ ، أَنْتَ الْمُتَكَبِّرُ وَأَنَا الْخَاشِعُ ، وَهَلْ يَرْحَمُ الْخَاشِعَ إِلَّا الْمُتَكَبِّرُ.
مَوْلَايَ يَا مَوْلَايَ ارحمنِي بِرَحْمَتِكَ ، وارْضَ عَنّي بجُودِكَ و کَرَمِكَ وَفَضْلِكَ ، يَا ذَا الْجُودِ وَالْإِحْسَانِ وَالطَّوْلِ وَالْاِمْتِنَانِ ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ
الرَّاحِمِينَ ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ أَجْمَعِينَ (1).
أبدى إمام العارفين في هذه المناجاة جميع ألوان التذلل والخضوع إلى الله تعالى ، فقد ذاب من خشيته ، وآمن إيماناً لا يخامره شك بأنّ الكون كله خاضع لأوامر الله وإرادته فلذا التجأ إليه في جميع أموره وشؤونه .
1) مصباح الزائر : 88 - 90 .مزار المشهدي (مخطوط). بحار الأنوار: 91: 109 - 111 ، الحديث 15 .
ومن مناجاته (علیه السّلام) هذه المناجاة التي حكت مدى تعلق الإمام (علیه السّلام) بالله تعالى وانقطاعه إليه ، وهذا نصها :
إلهِي تَوَعَرَتِ الطُّرُقُ ، وَقَلَّ السَّالِكُونَ ، فَكُنْ أَنْبِسِي فِي وَحْدَتِي ، وَجَلِيسِي فِي خَلْوَتِي ، فَإِلَيْكَ أَشْكُو فَقْرِي وَفَاقَتِي ، وَبِكَ أَنْزَلْتُ ضُرِّي، وَمَسْكَنَتِي لِأَنَّكَ غَايَةُ أَمْنِيَتِي ، وَمُنْتَهى بُلُوعَ طَلِبَتِي .
حكت هذه الكلمات منتهى الإخلاص والطاعة والانقياد إلى الله تعالى .
ويستمر الإمام في مناجاته قائلاً:
فَيَا فَرْحَةٌ لِقُلُوبِ الْواصِلِينَ ، وَيَا حَيَاةٌ لِنُفُوسِ الْعَارِفِينَ، وَيَا نِهَايَةَ شَوْقِ الْمُحِبِّينَ ، أَنْتَ الَّذِي بِفِنَائِكَ حُطَّتْ الرَّحَالُ ، وَإِلَيْكَ قَصَدَتِ الْأَمَالُ ، وَعَلَيْكَ كَانَ صِدْقُ الْإِتِّكَالِ ...
وأنت ترى في هذا المقطع مدى تعلّق الإمام بالله تعالى ، وانقطاعه إليه وإخلاصه في مناجاته . ويقول (علیه السّلام) :
فَيَا مَنْ تَفَرَّدَ بِالْكَمَالِ ، وَتَسَرْبَلَ بِالْجَمَالِ ، وَتَعَزَّزَ بِالْجَلَالِ ، وَجَادَ بِالْإِفْضَالِ ، لَا تَحْرِمْنَا مِنْكَ النَّوال.
إلهِي بِكَ لَاذَتِ الْقُلُوبُ لِأَنَّكَ غَايَةٌ كُلِّ مَحْبُوبِ ، وَبِكَ اسْتَجَارَتْ فَرَقاً مِنَ الْعُيُوبِ ، وَأَنْتَ الَّذِي عَلِمْتَ فَحَلُمْتَ ، وَنَظَرْتَ فَرَحِمْتَ ، وَخَبَرْتَ فَسَتَرْتَ ، وَغَضِبْتَ فَغَفَرْتَ ، فَهَلْ مُؤمَّلٌ غَيْرُكَ فَيُرْجى ، أَم هَلْ رَبِّ سِواكَ فَيُخْشَى ،
أَمْ هَلْ مَعْبُودٌ سِواكَ فَيُدعى ، أَمْ هَلْ قَدَمٌ عِنْدَ الشَّدائِدِ إِلَّا وَهِيَ إِلَيْكَ تَسْعَىٰ ؟ فَوَعِزَّتِكَ يَا سُرُورَ الْأَرْواحِ ، وَيَا مُنْتَهى غَايَةِ الْأَفْلَاحِ إِنِّي لَا أَمْلِكُ غَيْرَ ذُلِّي . وَمَسْكَتَنِي لَدَيْكَ ، وَفَقْرِي ، وَصِدْقَ تَوَكَّلِي عَلَيْكَ ، فَأَنَا الْهَارِبُ إِلَيْكَ ، وَأَنَا الطَّالِبُ مِنْكَ مَا لَا يَخْفى عَلَيْكَ ، فَإِنْ عَفَوْتَ فَبِفَضْلِكَ ، وَإِنْ عَاقَبْتَ فَبِعَدْلِكَ ، وَإِنْ مَنَنْتَ فَبِجُودِكَ ، وَإِنْ تَجَاوَزْتَ فَبِدَوامِ خُلُودِكَ.
حكت هذه الكلمات تعظيم الإمام (علیه السّلام) لله تعالى وخضوعه له وأنه لا يأمل ولا يرجو أحداً سوى الله فهو المفزع والملجأ في كل ما ألم به ، ويستمر الإمام (علیه السّلام) في مناجاته قائلاً:
إلهِي بِجَلَالِ كِبْرِيَائِكَ أَقْسَمْتُ ، وَبِدَوامِ خُلُودِ بَقَائِكَ أَلَيْتُ أَنِّي لَا بَرِحْتُ مقِيماً بِبَابِكَ حَتَّىٰ تُؤْمِنَنِي مِنْ سَطَواتِ عَذَابِكَ ، وَلَا أَقْنَعُ بِالصَّفْحِ عَنْ سَطَواتِ عَذَابِكَ حَتَّىٰ أَرُوحَ بِجَزِيلِ ثَوابِكَ .
إلهِي عَجَباً لِقُلُوبِ سَكَنَتْ إِلَى الدُّنْيا ، وَتَرَوَّحَتْ بِرَوْحِ الْمُنى ، وَقَدْ عَلِمَتْ أَنَّ مُلْكَهَا زائِلٌ ، وَنَعِيمَهَا راحِلٌ ، وَظِلَّهَا اَفِلٌ ، وَسَنَدَهَا مَائِلٌ ، وَحُسْنَ نَضَارَةِ بَهْجَتِهَا حَائِلٌ ، وَحَقِيقَتَهَا بِاطِلٌ ، كَيْفَ يَشْتَاقُ إِلى رَوْحٍ مَلَكُوتِ السَّمَاءِ ، وَأَنَّى لَهُمْ ذلِكَ ، وَقَدْ شَغَلَهُمْ حُبُّ الْمَهَالِكِ ، وَأَضَلَّهُمْ الْهَوَى عَنْ سَبِيلِ الْمَسَالِكِ.
إِلهِي اجْعَلْنَا مِمَّنْ هَامَ بِذِكْرِكَ لُبُهُ ، وَطَارَ مِنْ شَوْقِهِ إِلَيْكَ قَلْبُهُ فَاحْتَوَتْهُ عَلَيْهِ دَواعِي مَحَبَّتِكَ ، فَجُعِلَ أَسِيراً فِي قَبْضَتِكَ
إلهِي كَيْفَ أَثْنِي - وَبَدْءُ الثَّنَاءِ مِنْكَ عَلَيْكَ وَأَنْتَ الَّذِي لَا يُعَبِّرُ عَنْ ذَاتِهِ
نُطْقُ ، وَلَا يَعْيِهِ سَمْعٌ ، وَلَا يَحْوِيهِ قَلْبٌ ، وَلَا يُدْرِكُهُ وَهُمْ ، وَلَا يَصْحَبُهُ عَزْمٌ ، وَلَا يَخْطُرُ عَلَى بَالٍ ، فَأَوْزِعْنِي شُكْرَكَ ، وَلَا تُؤْمِنِّي مَكْرَكَ ، وَلَا تُنْسِنِي ذِكْرَكَ ، وَجُدْ بِمَا أَنْتَ أَوْلَى أَنْ تَجُودَ بِهِ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ (1).
حكت هذه المناجاة حقيقة الإيمان الماثلة في إمام المتقين الذي أثرعت نفسه بحب الله تعالى والخوف منه ، فقد ناجاه بذوبان روحه التي هامت به ، وانقطعت إليه .
من غرر مناجاة الإمام (علیه السّلام) مع الله تعالى هذه المناجاة الموجزة التي هي من أروع الكلمات الذهبية للإمام (علیه السّلام):
إلهِي كَفَى بِيَ عِزّاً أَنْ أَكُونَ لَكَ عَبْداً ، وَكَفَىٰ بِيَ فَخْراً أَنْ تَكُونَ لِي رَبَّاً، أَنْتَ كَمَا أُحِبُّ ، فَاجْعَلْنِي كَمَا تُحِبُّ (2).
هذه بعض مناجاة الإمام (علیه السّلام) ، وأثرت عنه مناجاة آخر بعضها نظم وبعضها نثر ،ولم نذكرها لأنها لا تتفق مع كلام الإمام (علیه السّلام) الذي هو في قمة الفصاحة والبلاغة .
كان الإمام (علیه السّلام) إذا أجدبت السماء وأمحلت يخرج للاستسقاء ومعه خيار المسلمين وعبادهم ، ويدعو الله تعالى بإنابة وخشوع أن ينزل الغيث على عباده وسائر مخلوقاته ، لتستقیم به حياتهم ، وينعموا برحمته وألطافه التي لا زالت دائمة ومستمرة عليهم .
وهذه بعض أدعيته الشريفة التي ألقاها في الصحراء أمام المسلمين ، وهي :
الدعاء الأوّل
دعا (علیه السّلام) بخضوع و خشوع بهذا الدعاء الجليل :
اللهُمَّ انْشُرْ عَلَيْنَا رَحْمَتَكَ بِالْغَيْثِ الْعَمِيقِ ، وَالسَّحَابِ الْفَتِيْقِ ، وَمُنَّ عَلَى عِبَادِكَ بِيُنُوعِ الثَّمَرَةِ ، وَأَحْيِ عِبَادَكَ وَبِلَادَكَ بِبُلُوغِ الزَّهْرَةِ ، وَأَشْهِدْ مَلَائِكَتَكَ الْكِرَامَ السَّفَرَةَ بِسَفْيِ مِنْكَ نَافِعِ دائِم غَزْرُهُ ، واسع دَرُّهُ ، وابِل سَرِيحٍ عَاجِلٍ ، تُحْيِي بِهِ مَا قَدْ مَاتَ ، وَتَرُدُّ بِهِ مَا قَدْ فَاتَ ، وَتُخْرِجُ بِهِ مَا هُوَ آتٍ ، وَتُوَسِّعُ لَنَا بِهِ فِي الْأَقْواتِ ، سَحَاباً مُتَراكِماً ، هَنِيئاً ، مَريئاً ، طَبَقاً ، مُجَلَّلاً غَيْرَ مُضُرٍّ وَدْقُهُ ، وَلَا خُلَّبٍ بَرْقُهُ .
اللهُمَّ اسْقِنَا غَيْئاً مريعاً ، مُمْرِعاً ، عَرِيضاً ، واسعاً ، غَزِيراً ، تُرْوِي بِهِ الْبَهَمَ ،
وَتَجْبُرُ بِهِ النَّهَمَ اللَّهُمَّ اسْقِنَا سُفْياً تَسِيلُ مِنْهُ الرّضَابُ ، وَتُمْلأُ مِنْهُ الْجِبَابُ ، وَتُفَجِّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارَ ، وَتُنْبِتُ بِهِ الْأَشْجَارَ ، وَتَرْخُصُ بِهِ الْأَسْعَارُ فِي جَمِيع الْأَمْصَارِ، وَتَنْعَشُ بِهِ الْبَهَائِمَ والْخَلْقَ ، وَتُنْبِتُ بِهِ الزَّرْعَ ، وَتُدِرُ بِهِ الضَّرْعَ ، وَتَزِيدُنَا بِهِ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكَ .
اللهُمَّ لَا تَجْعَلْ ظِلَّهُ عَلَيْنَا سَمُوماً ، وَلَا تَجْعَلْ بَرْدَهُ عَلَيْنَا حُسُوماً ، وَلَا تَجْعَلْ سَرَّهُ عَلَيْنَا رُجُوماً ، وَلَا مَاءَهُ عَلَيْنَا أَجَاجاً ، اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَواتِ والْأَرْضِ (1).
وحفل هذا الدعاء بأروع صيغ الكلام العربي في فصاحته وبلاغته ، وجمال دیباجته ، وروعة بيانه .
1) الجعفريات : 49 مستدرك الوسائل : 1: 438 . النوادر : 162 و 163 . بحار الأنوار: 88 : 315 ، الحديث 4.
ومن أدعيته الجليلة هذا الدعاء ، الذي كان يدعو به الله للاستسقاء :
اللهُمَّ قَدِ انْصَاحَتْ جِبَالُنَا (1)، واغْبَرَّتْ أَرْضُنَا ، وَهَامَتْ دَوابُنَا ، وَتَحَيَّرَتْ في مَرابِضِهَا ، وَعَجِّتْ عَجِيجَ التَّكَالَى عَلى أَوْلَادِهَا ، وَمَلَّتِ التَّرَدُّدَ فِي مَرَاتِعِهَا ، وَالْحَنِينَ إِلَىٰ مَوارِدِهَا .
اللهُمَّ فَارْحَمْ أَنِينَ الْآنَّةِ ، وَحَنِينَ الْحَانَّةِ . اللَّهُمَّ فَارْحَمْ حَيْرَتَهَا فِي مَذاهِبِهَا ، وَأنينَهَا فِي مَوَالِجِهَا(2).
اللهمَّ خَرَجْنَا إِلَيْكَ حِينَ اعْتَكَرَتْ عَلَيْنَا حَدابِيرُ السِّنِينَ (3)، وَأَخْلَفَتْنا مَخَايِلُ الْجُوْدِ(4)
الجود : المطر .
، فَكُنْتَ الرَّجَاءَ لِلْمُبْتَنِسِ (5)، والْبَلَاغَ لِلْمُلْتَمِسِ ، نَدْعُوكَ حِينَ قَنطَ الْأَنَامُ ، وَمُنِعَ الْغَمَامُ ، وَهَلَكَ السَّوامُ (6)أَنْ لَا تُؤَاخِذْنَا بِأَعْمَالِنَا ، وَلَا تَأْخُذَنَا بِذُنُوبِنَا . وانْشُرْ عَلَيْنَا رَحْمَتَكَ بِالسَّحَابِ الْمُنْبَعِقِ (7)، وَالرَّبِيعِ الْمُعْدِقِ ، وَالنَّبَاتِ .1) انصاحت : أي جفت ، وقيل : تشققت من المحول .
2) موالجها : أي مداخلها .
3) حدابير : جمع حدبار ، وهي الناقة التي أضناها السير شبه بها السنة التي فشا فيها الجدب .
4) مخايل : جمع مخيلة وهي السحابة التي لا مطر فيها .
5) المبتئس : الذي مسته الضراء.
6) السوام : جمع سائمة وهي البهيمة الراعية في البيداء .
7) المنبعق : المنفرج عن المطر .
الْمُونِقِ (1)، سَحَاً وابلاً (2)، تُحْيِي بِهِ مَا قَدْ مَاتَ ، وَتَرُدُّ بِهِ مَا قَدْ فَاتَ .
اللهمَّ سُقياً مِنْكَ مُحْيِيَةٌ مُرْوِيَةٌ ، تَامَّةٌ عَامَّةٌ ، طَيِّبَةً مُبَارَكَةً ، هَنِيئَةٌ مَرِيعَةٌ (3)، زاكِياً نَبْتُهَا (4)، ثَامِراً فَرْعُهَا ، نَاضِراً وَرَقُهَا ، تُنْعِشُ بِهَا الضَّعِيفَ مِنْ عِبَادِكَ ، وَتُحْيِي بِهَا الْمَيِّتَ مِنْ بِلَادِكَ !
اللهُمَّ سُقْياً مِنْكَ تُعْشِبُ بِهَا نِجَادُنَا (5)، وَتَجْرِي بِهَا وِهَادُنَا ، وَيُخْصِبُ بِهَا جَنَابُنَا (6)وَتُقْبِلُ بِهَا ثِمَارُنَا ، وَتَعِيشُ بِهَا مَواشِينَا ، وَتَنْدَى بِهَا أَقَاصِينَا (7)وَتَسْتَعِينُ بِهَا ضَواحِينَا (8)، مِنْ بَرَكَاتِكَ الْواسِعَةِ ، وَعَطَايَاكَ الْجَزيلَةِ ، عَلَى بَرِيَّتِكَ الْمُرْمِلَةِ (9)، وَوَحْشِكَ الْمُهْمَلَةِ . وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا سَمَاءً مُخْضَلَةٌ (10)، مِدْرَاراً هَاطِلَةٌ ، يُدافِعُ الْوَدْقُ مِنْهَا الْوَدْقَ (11)، وَيَحْفِرُ الْقَطْرُ مِنْهَا الْقَطْرَ (12)، غَيْرَ خُلَّبٍ
1) المونق : المزدهر.
2) سحاً : أي صباً . الوابل : الشديد .
3) المريعة : الخصبة .
4) زاكياً : أي نامياً .
5) نجادنا جمع نجد المرتفع من الأرض .
6) الجناب : الناحية من الأرض ، وغيرها .
7) القاصية : النائية.
8) ضواحينا : جمع ضاحية وهي ضاحية الماء التي تشرب ضُحى .
9) المرملة : الفقيرة .
10) مخضلة : أي مبتلة .
11) الودق : المطر .
12) يحفز : أي يدفع .
بَرْقُهَا(1)، وَلَا جَهَامٍ عَارِضُهَا(2)، وَلَا قَزَع رَبَابُهَا (3)، وَلَا شَفَّانٍ ذِهَابُهَا(4)،حَتَّىٰ يُخْصِبَ لِإِمْرَاعِهَا الْمُجْدِبُونَ ، وَيَحْيا بِبَرَكَتِهَا المُسْتِتُونَ(5)، فَإِنَّكَ تُنْزِلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا ، وَتَنْشُرُ رَحْمَتَكَ وَأَنْتَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (6).
وحكى هذا الدعاء الشريف مدى بلاغة الإمام وفصاحته وقدرته اللامتناهية على صياغة الكلام بمختلف الأساليب الرائعة التي يعجز عن الإتيان بمثلها البلغاء والفصحاء .
من أدعية الإمام الجليلة التي كان يدعو بها حينما يخرج إلى الصحراء للاستسقاء وطلب الرحمة من الله تعالى لعباده :
أَلَا وَإِنَّ الْأَرْضَ الَّتِي تُقِلُّكُمْ، وَالسَّمَاءَ الَّتِي تُظِلُّكُمْ ، مُطِيعَتَانِ لِرَبِّكُمْ ، وَمَا أَصْبَحَنَا تَجُودانِ لَكُمْ بِبَرَكَتِهِمَا تَوَجعاً لَكُمْ ، وَلَا زُلْفَةٌ إِلَيْكُمْ ، وَلَا لِخَيْرِ تَرْجُوانِهِ مِنْكُمْ ، وَلكِنْ أمِرَنَا بِمَنَافِعِكُمْ فَأَطَاعَتَا، وَأَقِيمَتَا عَلَى حُدُودِ مَصَالِحِكُمْ فَقَامَتَا إِنَّ اللَّهَ يَبْتَلِي عِبَادَهُ عِنْدَ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ بِنَقْصِ الثَّمَرَاتِ ، وَحَبْسِ البَرَكَاتِ ، وَإِخْلَاقِ خَزَائِنِ الْخَيْرَاتِ، لِيَتُوبَ تَائِبٌ ، وَيُطْلِعَ مُفْلِعٌ ، وَيَتَذَكَّرَ مُتَذَكَّرٌ ، وَيَزْدَجِرَ مُزْدَجِرٌ. وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْإِسْتِغْفَارَ سَبَبَاً لِدُرُورِ الرِّزْقِ ، وَرَحْمَةِ الْخَلْقِ ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ:( اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ) (1). فَرَحِمَ اللهُ امْرَأَ اسْتَقْبَلَ تَوْبَتَهُ ، وَاسْتَقَالَ خَطِيئَتَهُ ، وَبَادَرَ مَنِيَّتَهُ !
اللّهُمَّ إِنَّا خَرَجْنَا إِلَيْكَ مِنْ تَحْتِ الْأَسْنَارِ وَالْأَكْنَانِ ، وَبَعْدَ عَجِيجِ الْبَهَائِمِ والْوِلْدَانِ ، راغِبِينَ فِي رَحْمَتِكَ ، وَراجِينَ فَضْلَ نِعْمَتِكَ ، وَخَائِفِينَ مِنْ عَذَابِكَ وَنِقْمَتِكَ .
اللّهُمَّ فَاسْقِنَا غَيْتَكَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَائِطِينَ ، وَلَا تُهْلِكْنَا بِالسِّنِينَ (2)،
أَتَهْلِكُنا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .
اللَّهُمَّ إِنَّا خَرَجْنَا إِلَيْكَ نَشْكُو إِلَيْكَ مَا لَا يَخْفَى عَلَيْكَ ، حِينَ أَلْجَأَتْنَا الْمَضَائِقُ الْوَعْرَةُ ، وَأَجَاءَتْنَا الْمَقَاحِطُ الْمُجْدِبَةُ (1)، وَأَعْيَتْنَا المَطَالِبُ الْمُتَعَسِّرَةُ ، وَتَلَا حَمَتْ عَلَيْنَا الْفِتَنُ الْمُسْتَصْعَبَةُ .
اللهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ أَنْ لَا تَرُدَّنَا خَائِبِينَ ، وَلَا تَقْلِبْنَا وَاجِمِينَ (2)، وَلَا تُخَاطِبْنَا بِذُنُوبِنَا ، وَلَا تُقَايِسْنَا بِأَعْمَالِنَا اللَّهُمَّ انْشُرْ عَلَيْنَا غَيْتَكَ وَبَرَكَتَكَ وَرِزْقَكَ وَرَحْمَتَكَ ؛ واسْقِنَا سُفْيَا نَافِعَةٌ مُرْوِيَةٌ مُعْشِبَةٌ ، تُنْبِتُ بِهَا مَا قَدْ فَاتَ ، وَتُحْيِي بِهَا مَا قَدْ مَاتَ ، نَافِعَةَ الْحَيَا (3)، كَثِيرَةَ الْمُجْتَنى ، تُرْوِي بِهَا الْقِيعَانَ (4)، وَتُسِيلُ الْبُطْنَانَ (5)، وَتَسْتَوْرِقُ الْأَشْجَارَ ، وَتُرْخِصُ الْأَسْعَارَ ؛ إِنَّكَ عَلَى مَا تَشَاءُ قَدِيرٌ (6).
وحفل هذا الدعاء بتوحيد الله وبيان قدرته وخضوع جميع المخلوقات لإرادته ، فليس هناك شيء يتّسم بالشيئية إلا وهو بيد الله تعالى ، كما حفل هذا الدعاء بالخضوع والتذلل إلى الله تعالى طالباً منه أن يسعف عباده بالغيث ويوفر لهم هذه المادة الحيوية التي تتوقف عليها حياتهم الاقتصادية .
وإذا ألمت بالإمام (علیه السّلام) حادثة أو شرّ يخاف منه لجأ إلى الله تعالى وفزع إليه لينقذه منها ، وهذه بعض أدعيته في ذلك .
دُعاؤهُ عَلَيْهِ السَّلام عند الشدائد
وهذا الدعاء كان يدعو به الإمام في الشدائد ونزول الحوادث وهو سريع الإجابة من الله تعالى ، وهذا نصه :
اللهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ ، لا إلهَ إِلَّا أَنْتَ، وَأَنَا عَبْدُكَ ، ظَلَمْتُ نَفْسِي ، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي ، فَاغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ ، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ ، يَا غَفُورُ.
اللهمَّ إِنِّي أَحْمَدُكَ وَأَنْتَ لِلْحَمْدِ أَهْلَ عَلَى مَا اخْتَصَصْتَنِي بِهِ مِنْ مَوَاهِبِ الرَّغَائِبِ ، وَأَوْصَلْتَ إِلَيَّ مِنْ فَضَائِلِ الصَّنَائِعِ ، وَعَلَىٰ مَا أَوْلَيْتَنِي بِهِ وَتَوَلَّيْتَنِي بِهِ مِنْ رِضْوانِكَ ، وَأَنَلْتَنِي بِهِ مِنْ مَنْكَ الْوَاصِلِ إِلَيَّ ، وَمِنَ الدِّفَاعِ عَنِّي ، وَالتَّوْفِيقِ لي ، والْإِجَابَةِ لِدُعَانِي ، حَتَّى أَناجِيَكَ راغباً ، وَأَدْعُوكَ مُصَافِياً ، وَحَتَّىٰ أَرْجُوَكَ
فَأَجِدُكَ فِي الْمَواطِنِ كُلَّهَا لِي جَابِراً ، وَفِي أُمُورِي نَاظِراً ، وَعَلَى الْأَعْداءِ نَاصِراً ، وَلِذُنُوبِي غَافِراً ، وَلِعَوْرَتِي سَاتِراً ، لَمْ أَعْدَمْ خَيْرَكَ طَرْفَةَ عَيْنٍ مُذ أَنْزَلْتَنِي دَارَ الْإِخْتِيَارِ لِتَنْظُرَ مَاذَا أَقَدِّمُ لِدارِ الْقَرارِ، فَأَنَا عَتِيقُكَ اللهُمَّ مِنْ جَمِيع الْمَصَائِبِ وَاللُّوازِبِ (1)والْغُمُومِ الَّتِي سَاوَرَتْنِي فِيهَا الْهُمُومُ بِمَعَارِيضِ الْقَضَاءِ ، وَمَضْرُوفِ جُهْدِ الْبَلَاءِ ، لَا أَذْكُرُ مِنْكَ إِلَّا الْجَمِيلَ ، وَلَا أَرى مِنْكَ غَيْرَ التَفْضِيلِ ، خَيْرُكَ لِي شَامِلٌ ، وَفَضْلُكَ عَلَيَّ مُتَواتِرٌ ، وَنِعَمُكَ عِنْدِي مُتَّصِلَةٌ سَوابِغُ لَمْ تُحَفَّقَ حِذارِي ، بَلْ صَدَّقْتَ رَجَائِي ، وَصَاحَبْتَ أَسْفَارِي ، وَأَكْرَمْتَ أَحْضَارِي ، وَشَفَيْتَ أَمْراضِي ، وَعَافَيْتَ أَوْصَابِي ، وَأَحْسَنْتَ مُنْقَلَبِي وَمَثْوَاي ، وَلَمْ تُشْمِتْ بِي أَعْدائِي ، وَرَمَيْتَ مِنْ رَمَانِي ، وَكَفَيْتَنِي شَرَّ مَنْ عَادَانِي .
وفي هذا المقطع التذلل والخشوع أمام الله تعالى ، والثناء على الطافه ونعمه المتواصلة عليه ، فهو يجده عند كلّ ما ألم به من شؤون الحياة .
ثمّ يعرض الإمام إلى فصل آخر من دعائه قائلاً:
اللهُمَّ كَمْ مِنْ عَدُوٌّ انْتَضَى عَلَيَّ سَيْفَ عَدَاوَتِهِ ، وَشَحَذَ لِقَتْلِي ظُبَةَ مُدْيَتِهِ وَأَرْهَفَ لِى شَبَا حَدِّهِ ، وَدَافَ لِي قَوَاتِلَ سُمُومِهِ ، وَسَدَّدَ لِي صَوَائِبَ سِهَامِهِ ، وَأَضْمَرَ أَنْ يَسُومَنِي الْمَكْرُوهَ ، وَيُجَرُعَنِي زُعَافَ مَرَارَتِهِ ، فَنَظَرْتَ يَا إِلهِي إِلَى ضَعْفِي عَنِ احْتِمَالِ الْفَوادِح ، وَعَجْزِي عَنِ الْإِنْتِصَارِ مِمَّنْ قَصَدَنِي بِمُحَارَبَتِهِ ، وَوَحْدَتِي فِي كثيرٍ مِمَّنْ نَاوَانِي ، وَأَرْصَدَ لِي فِيمَا لَمْ أَعْمِلْ فِيهِ فِكْرِي فِي
1) اللوازب : الشدائد .
الْإِنْتِصَارِ مِنْ مِثْلِهِ ، فَأَيَّدْتَنِي يَا رَبِّ بِعَوْنَكَ ، وَشَدَدْتَ أَيْدِي بِنَصْرِكَ ، ثُمَّ فَلَلْتَ لِي حَدَّهُ ، وَصَيَّرْتَهُ بَعْدَ جَمْعِ عَدِيدِهِ وَحْدَهُ ، وَأَعْلَيْتَ كَعْبِي عَلَيْهِ ، وَرَدَدْتَهُ حَسِيراً لَمْ تَشْفِ غَلِيلَهُ ، وَلَمْ تُبَرِّدْ حَرارَاتِ غَيْظِهِ ، قَدْ عَضَّ عَلَيَّ شَواهُ وَآبَ مُوَلِّياً قَدْ أَخْلَفَتْ سَرايَاهُ وَأَخْلَفْتَ آمَالَهُ .
ذكر الإمام (علیه السّلام) في هذا المقطع ما تفضّل عليه الله تعالى من حمايته له من كيد الأعداء وشرورهم الذين حاولوا جاهدين الانتقام منه إلا أنّ الله تعالى صرفهم عنه ، فباءوا بالفشل والخزي ، ويستمر الإمام (علیه السّلام) في ذكر خصومه الذين كفاه الله شرّهم قائلاً:
اللَّهُمَّ وَكَمْ مِنْ بَاغِ بَغَانِي بِمَكَائِدِهِ ، وَنَصَبَ لِي شَرَكَ مَصَائِدِهِ ، وَضَبَا إِلَيَّ ضُبُوءَ السَّبْعِ لِطَرِيدَتِهِ وَاللَّحَاقِ بِفَرِيسَتِهِ ، وَهُوَ مُظْهِرْ بَشَاشَةَ الْمَلَقِ ، وَيَبْسُطُ إِلَيَّ وَجْهَا طَلِقا ، فَلَمَّا رَأَيْتَ يَا إِلهِي دَغَلَ سَرِيرَتِهِ ، وَقُبْحَ طَوِيَّتِهِ ، أَنْكَسْتَهُ لِأُمِّ رَأْسِهِ فِي زُبْيَتِهِ ، وَأَرْكَسْتَهُ فِي مَهْوى حَفِيرَتِهِ ، وَأَنْكَصْتَهُ عَلَى عَقِبَيْهِ ، وَرَمَيْتَهُ بِحَجَرِهِ ، وَنَكَأْتَهُ بِمَشْفَصِهِ ، وَخَنَقْتَهُ بِوَتَرِهِ ، وَرَدَدْتَ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ ، وَوَبَقْتَهُ بِنَدامَتِهِ ، فَاسْتَخْذَلَ وَتَضَاءَلَ بَعْدَ نَخْوَتِهِ ، وَبَخَعَ وانْقَمَعَ بَعْدَ اسْتِطَالَتِهِ ذَلِيلاً مَأْسُوراً فِي حَبَائِلِهِ الَّتِي كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَرَانِي فِيهَا ، وَقَدْ كِدْتُ لَوْلَا رَحْمَتُكَ أَنْ يَحِلُّ بِي مَا حَلَّ بِسَاحَتِهِ ، فَالْحَمْدُ لِرَبِّ مُقْتَدِرٍ لَا يُنَازَعُ ، وَلِوَلِيٌّ ذِي أَنَاةٍ لَا يَعْجَلُ ، وَقَيُّومٍ لَا يَغْفُلُ ، وَحَلِيمٍ لَا يَجْهَلُ .
في هذه الكلمات عرض الإمام (علیه السّلام) إلى ما تفضّل الله عليه من صرف كيد أعدائه عنه ، الذين حاولوا جاهدين على إنزال الكوارث بساحته ، وصبّ المصائب عليه إلا
أنّ الله تعالى أنجاه منهم ، ويأخذ الإمام في دعائه قائلاً:
نَادَيْتُكَ يَا إِلهِي مُسْتَجِيراً بِكَ ، واثقاً بِسُرْعَةِ إِجَابَتِكَ ، مُتَوَكَّلاً عَلى مَا لَمْ أَزَلْ أَعْرِفُهُ مِنْ حُسْنِ دِفَاعِكَ عَنِّي ، عَالِماً أَنَّهُ لَنْ يُضْطَهَدَ مَنْ أوى إِلى ظِلَّ كِفَايَتِكَ ، وَلَا يَفْرَعُ الْقَوارِعُ مِنْ لَجَأَ إِلَىٰ مَعْقِلِ الْإِنْتِصَارِ بِكَ ، فَخَلَّصْتَنِي يَارَبِّ بِقُدْرَتِكَ ، وَنَجَّيْتَنِي مِنْ بَأْسِهِ بِتَطَوُّلِكَ وَمَنِّكَ .
عرض الإمام (علیه السّلام) في هذا المقطع إلى نجاته من بعض أعدائه الذين كانوا يبغون له الغوائل ويكيدونه في وضح النهار وغلس الليل وقد أنقذه الله منهم وكفاه شرّهم ، ويستمر الإمام في دعائه:
اللّهُمَّ وَكَمْ مِنْ سَحَائِبِ مَكْرُوهِ جَلَّيْتَهَا ، وَسَمَاءِ نِعْمَةٍ أَمْطَرْتَهَا ، وَجَدَاوِلِ كَرَامَةٍ أَجْرَيْتَهَا ، وَأَعْيُنِ أَحْدَاتٍ طَمَسْتَهَا ، وَنَاشِيُّ رَحْمَةٍ نَشَرْتَهَا ، وَغَواشِي كُرَبٍ فَرَّجْتَهَا ، وَغُمَم بَلَاءٍ كَشَفْتَهَا ، وجُنَّةِ عَافِيَةٍ أَلْبَسْتَهَا ، وَأُمُورِ حَادِثَةٍ قَدَّرْتَهَا ، لَمْ تُعْجِزْكَ إِذْ طَلَبْتَهَا ، فَلَمْ تَمْتَنِعْ مِنْكَ إِذْ أَرَدْتَهَا .
اللَّهُمَّ وَكَمْ مِنْ حَاسِدٍ سُوءٍ تَوَلَّانِي بِحَسَدِهِ ، وَسَلَقَنِي بِحَدِّ لِسَانِهِ ، وَوَخَزَ بِي قَرْفِ عَيْبِهِ ، وَجَعَلَ عِرْضِي غَرَضاً لِمَرَامِيهِ ، وَقَلَّدَنِي خِلَالًا لَمْ تَزَلْ فِيهِ كَفَيْتَنِي أمْرَهُ .
حكى هذا المقطع الألطاف والنعم والنعم التي أسداها الله عليه كما حكى إنقاذ الله له من الحاسدين لفضله والباغين عليه ، ثمّ يقول الإمام (علیه السّلام) في دعائه :
اللهُمَّ وَكَمْ مِنْ ظَنَّ حَسَنٍ حَقَّقْتَ ، وَعُدْمٍ وَإِمْلَاقٍ جَبَرْتَ وَأَوْسَعْتَ ، وَمِنْ صَرْعَةٍ أَقَمْتَ ، وَمِنْ كُرْبَةٍ نَفَسْتَ، وَمِنْ مَسْكَنَةٍ حَوَّلْتَ ، وَمِنْ نِعْمَةٍ خَوَّلْتَ ،
لَا تُسْأَلُ عَمَّا تَفْعَلُ ، وَلَا بِمَا أَعْطَيْتَ تَبْخَلُ ، وَلَقَدْ سُئِلْتَ فَبَذَلْتَ ، وَلَمْ تُسْأَلْ فَابْتَدَأْتَ ، وَاسْتُمِيحَ فَضْلُك فَمَا أَكْدَيْتَ ، أَبَيْتَ إِلَّا إِنْعَاماً وَامْتِنَاناً وَتَطَوُّلاً ، وَأَبَيْتُ إِلَّا تَفَحُماً عَلَى مَعَاصِيكَ ، وَانْتِهَاكاً لِحُرُمَاتِكَ ، وَتَعَدِّياً لِحُدُودِكَ ، وَغَفْلَةٌ عَنْ وَعِيدِكَ ، وَطَاعَةٌ لِعَدُوِّي وَعَدُوكَ ، لَمْ تَمْتَنِعْ عَنْ إِثْمَامِ إِحْسَانِكَ، وَتَتَابُع امْتِنَانِكَ وَلَمْ يَحْجُزْنِي ذَلِكَ عَنِ ارْتِكَابِ مَسَاخِطِكَ .
وفي هذا المقطع عرض لنعم الله تعالى على عباده التي أسداها عليهم فهو المبتدئ بالنعم والمتكرّم بالإحسان مع جهل العباد وتعديهم لحدوده ومخالفتهم لأوامره ، ومن بنود هذا الدعاء قوله (علیه السّلام) :
اللّهُمَّ فَهذا مَقَامُ الْمُعْتَرِفِ لَكَ بِالتَّقْصِيرِ عَنْ أَداءِ حَقِّكَ ، الشَّاهِدِ عَلَى نَفْسِهِ بِسُبُوعٍ نِعْمَتِكَ وَحُسْنِ كِفَايَتِكَ ، فَهَبْ لِي اللَّهُمَّ يَا إِلهِي مَا أَصِلُ بِهِ إِلى رَحْمَتِكَ ، وَأَتَّخِذُهُ سُلَّما أَعْرُجُ فِيهِ إِلَى مَرْضَاتِكَ ، وَآمَنُ بِهِ مِنْ عَقَابِكَ فَإِنَّكَ تَفْعَلُ مَا تَشَاءُ وَتَحْكُمُ مَا تُرِيدُ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ.
اللهُمَّ حَمْدِي لَكَ مُتَواصِلٌ ، وَثَنَائِي عَلَيْكَ دائِمٌ مِنَ الدَّهْرِ إِلَى الدَّهْرِ ، بِأَلْوانِ التَّسْبِيحِ ، وَفُنُونِ التَّقْدِيسِ ، خَالِصاً لِذِكْرِكَ وَمَرْضِيّاً لَكَ بِنَاصِعِ التَّوْحِيدِ ، وَمَحْضِ التَّحْمِيدِ ، وَطُولِ التَّعْدِيدِ فِي إِكْذَابِ أَهْلِ التَّنْدِيدِ ، لَمْ تُعَنْ فِي شَيْءٍ مِنْ قُدْرَتِكَ ، وَلَمْ تُشَارَكْ فِي الهِيَّتِكَ ، وَلَمْ تُعَايَنْ إِذْ حَبَسْتَ الْأَشْيَاءَ عَلَى الْغَرَائِزِ الْمُخْتَلِفَاتِ ، وَفَطَرْتَ الْخَلَائِقَ عَلى صُنُوفِ الْهَيْئَاتِ ، وَلَا خَرَقَتِ الْأَوْهَامُ حُجُبَ الْغُيُوبِ إِلَيْكَ ، فَاعْتَقَدَتْ مِنْكَ مَحْدُوداً فِي عَظَمَتِكَ ، وَلَا كَيْفِيَّةٌ فِي أَزَلِيَّتِكَ ، وَلَا مُمْكِنَا فِي قِدَمِكَ ، فَلَا يَبْلُغُكَ بُعْدُ الْهِمَمِ، وَلَا يَنَالُكَ غَوْصُ
الْفِطَنِ ، وَلَا يَنْتَهِي إِلَيْكَ نَظَرُ النَّاظِرِينَ فِي مَجْدِ جَبَرُوتِكَ ، وَعَظِيمٍ قُدْرَتِكَ ، إِرْتَفَعَتْ عَنْ صِفَةِ الْمَخْلُوقِينَ صِفَةُ قُدْرَتِكَ ، وَعَلَا عَنْ ذَلِكَ كِبْرِيَاءُ عَظَمَتِكَ ، وَلَا يَنْتَقِصُ مَا أَرَدْتَ أَنْ يَزْدادَ ، وَلَا يَزْدادُ مَا أَرَدْتَ أَنْ يَنْتَقِصَ وَلَا أَحَدٌ شَهِدَكَ حِينَ فَطَرْتَ الْخَلْقَ ، وَلَا ضِدُّ حَضَرَكَ حِينَ بَرَأتَ النُّفُوسَ ، كَلَّتْ الْأَلْسُنُ عَنْ تبيين صِفَتِكَ ، وانْحَسَرَتِ الْعُقُولُ عَنْ كُنْهِ مَعْرِفَتِكَ ، وَكَيْفَ تُدْرِكُكَ الصِّفَاتُ ، أَوْ تَحْوِيكَ الْجِهَاتُ ، وَأَنْتَ الْجَبَّارُ الْقُدُّوسُ الَّذِي لَمْ تَزَلْ أَزَلِيّاً دائماً فِي الْغُيُوبِ ، وَحْدَكَ لَيْسَ فِيهَا غَيْرُكَ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا سِواكَ حَارَت فِي مَلَكُوتِكَ عَمِيقَاتُ مَذاهِبِ التَّفْكِيرِ ، وَحَسُرَ عَنْ إِدْراكك بَصَرُ الْبَصِير ، وَتَواضَعَتِ الْمُلُولُ لِهَيْبَتِكَ ، وَعَنَتِ الْوُجُوهُ بِذَلِّ الْإِسْتِكَانَةِ لِعِزَّتِكَ ، وانْقَادَ كُلُّ شَيْءٍ لِعَظَمَتِكَ ، وَاسْتَسْلَمَ كُلُّ شَيْءٍ لِقُدْرَتِكَ ، وَخَضَعَتِ الرَّقَابُ لِسُلْطَائِكَ ، وَضَلَّ هُنَالِكَ التَّدْبِيرُ فِي تَصَارِيفِ الصَّفَاتِ لَكَ ، فَمَنْ تَفَكَّرَ فِي ذلِكَ رَجَعَ طَرْفُهُ إِلَيْكَ حَسِيراً ، وَعَقْلُهُ مَبْهُوتاً مَبْهُوراً ، وَفِكْرُهُ مُتَحَيَّراً ....
عرض إمام المتقين في بداية هذا المقطع إلى تقديس الله وتعظيمه وتمجيده بجميع ما تحتوي عليه هذه الكلمات من أبعاد ثمّ عرض إلى عظيم قدرة الله تعالى التي لا تحد ولا توصف ، وإلى بعض صفاته التي يقف الفكر أمامها حائراً وهو حسير لا يصل إلى معرفة كنهها والإحاطة بها ، ثم يأخذ الإمام (علیه السّلام) في دعائه قائلاً:
اللهُمَّ فَلَكَ الْحَمْدُ مُتَواتِراً مُتَوَالِياً مُتَّسِقاً مُسْتَوْثِقاً ، يَدُومُ وَلَا يَبِيدُ غَيْرَ مَفْقُودٍ فِي الْمَلَكُوتِ ، وَلَا مَطْمُوسٍ فِي الْعَالَم ، وَلَا مُنْتَقَصٍ فِي الْعِرْفَانِ ، وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْداً لَا تُحْصى مَكَارِمُهُ فِي اللَّيْلِ إِذا أَدْبَرَ ، وَفِي الصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ ، وَفِي الْبَرِّ
والْبَحْرِ ، وَبِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ، والْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ، والظَّهِيرَةِ وَالْأَسْحَارِ .
وأعرب الإمام (علیه السّلام) في هذه الكلمات عن حمده المتصل الله تعالى وثنائه عليه ، ثناء لا ينقطع في جميع الأوقات ، ويقول (علیه السّلام) :
اللهُمَّ بِتَوْفِيقِكَ قَدْ أَحْضَرْتَنِي النَّجَاةَ ، وَجَعَلْتَنِي مِنْكَ فِي وِلَايَةِ الْعِصْمَةِ ، وَلَمْ تُكَلِّفْنِي فَوْقَ طَاقَتِي إِذْ لَمْ تَرْضَ عَنِّي إِلَّا بِطَاعَتِي ، فَلَيْسَ شُكْرِي ، وَإِنْ دَأَبْتُ مِنْهُ فِي الْمَقَالِ ، وَبَالَغْتُ مِنْهُ فِي الْفِعَالِ بِبَالِغِ أَدَاءَ حَقِّكَ ، وَلَا مُكَافٍ فَضْلَكَ لأَنَّكَ أَنْتَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ لَمْ تَغِبْ عَنْكَ غَائِبَةٌ ، وَلَا تَخْفى عَلَيْكَ خَافِيَةٌ ، وَلَا تَضِلُّ لَكَ فِي ظُلَمِ الْخَفِيَّاتِ ضَالَّةٌ ، مَا أَمْرُكَ إِذا أَرَدْتَ شَيْئاً
أَنْ تَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
حكى هذا المقطع ما حظي به الإمام (علیه السّلام) من توفيق الله تعالى له ، ومنه عليه بأن جعله في ولاية العصمة من الرجس والآثام وأنه ا(علیه السّلام) عاجز عن أداء هذه الألطاف التي أسداها الله عليه ، ثمّ يقول :
اللهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ مِثْلَ مَا حَمِدْتَ بِهِ نَفْسَكَ وَحَمِدَكَ بِهِ الْحَامِدُونَ ، وَمَجَّدَكَ بِهِ الْمُمَجِّدُونَ ، وَكَبَّرَكَ بِهِ الْمُكَبِّرُونَ ، وَعَظَّمَكَ بِهِ الْمُعَظِّمُونَ حَتَّىٰ يَكُونَ لَكَ مِنّي وَحْدِى فِى كُلِّ طَرْفَةِ عَيْنٍ وَأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ مِثْلُ حَمْدِ جَمِيعِ الْحَامِدِينَ وَتَوْحِيدِ أَصْنَافِ الْمُوَحَدِينَ ، وَتَقْدِيسِ أَحِبَّائِكَ الْعَارِفِينَ ، وَثَنَاءِ جَمِيع الْمُهَدِّلِينَ ، وَمِثْلُ مَا أَنْتَ عَارِفٌ بِهِ ، وَمَحْمُودٌ بِهِ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِكَ مِنَ الْحَيْوانِ والْجَمَادِ ، وَأَرْغَبُ إِلَيْكَ اللَّهُمَّ فِي شُكْرِ مَا أَنْطَقْتَنِي بِهِ مِنْ حَمْدِكَ ، فَمَا أَيْسَرَ مَا كَلَّفْتَنِي بِهِ مِنْ ذَلِكَ ، وَأَعْظَمَ مَا وَعَدْتَنِي عَلَى شُكْرِكَ ، إِبْتَدَأْتَنِي بِالنِّعَمِ فَضْلاً
وَطَوْلاً ، وَأَمَرْتَنِي بِالشُّكْرِ حَقّاً وَعَدْلاً ، وَوَعَدْتَنِي عَلَيْهِ أَضْعَافاً وَمَزيداً ، وَأَعْطَيْتَنِي مِنْ رِزْقِكَ اعْتِبَاراً وَامْتِحَاناً ، وَسَأَلْتَنِي مِنْهُ فَرْضاً يَسِيراً صَغِيراً ، وَوَعَدْتَنِي عَلَيْهِ أَضْعَافاً وَمَزيداً ، وإِعْطَاء كَثِيراً ، وَعَافَيْتَنِي مِنْ جُهْدِ الْبَلَاءِ، وَلَمْ تُسْلِمْنِي لِلْسُّوءِ مِنْ بَلَائِكَ ، وَمَنَحْتَنِي الْعَافِيَةَ ، وَأَوْلَيْتَنِي بِالْبَسْطَةِ وَالرَّخَاءِ ، وَضَاعَفْتَ لِيَ الْفَضْلَ مَعَ مَا وَعَدْتَنِي بِهِ مِنْ الْمَحَلَّةِ الشَّرِيفَةِ ، وَبَشَّرْتَنِي بِهِ مِنَ الدَّرَجَةِ الْعَالِيَةِ الرَّفِيعَةِ الْمَنِيعَةِ ، وَاصْطَفَيْتَنِي بِأَعْظَمِ النَّبِيِّينَ دَعْوَةٌ وَأَفْضَلِهِمْ شَفَاعَةٌ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ .
وفي هذه البنود المشرقة من د المشرقة من دعائه (علیه السّلام) الثناء على الله تعالى مثل ما أثنى تعالى على نفسه العظيمة ، وتمجيد له بمثل ما مجده المخلصون والأخيار من عباده ، والشكر له على ما أولاه من النعم والألطاف التي لا تعد ولا تحصى ..
ويأخذ الإمام (علیه السّلام) في الدعاء قائلاً:
اللهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا لَا يَسَعُهُ إِلَّا مَغْفِرَتُكَ ، وَلَا يَمْحَقُهُ إِلَّا عَفْوُكَ ، وَهَبْ لِي فِي يَوْمِي هذا وَسَاعَتِي هَذِهِ يَقِيناً يُهَوِّنُ عَلَيَّ مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا وَأَحْزَانَهَا ، وَيُشَوِّقُنِي إِلَيْكَ ، وَيُرَغْيُنِي فِيمَا عِنْدَكَ ، وَاكْتُبْ لِي الْمَغْفِرَةَ ، وَبَلِّغْنِي الْكَرامَةَ، وارْزُقْنِي شُكْرَ مَا أَنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ ، فَإِنَّكَ أَنْتَ اللهُ الْواحِدُ الْمُبْدِئُ ، الْبَدِيعُ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ الَّذِي لَيْسَ لِأَمْرِكَ مَدْفَعٌ ، وَلَا عَنْ قَضَائِكَ مُمْتَنِعٌ ، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَبِّي وَرَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ، فَاطِرُ السَّمَواتِ والْأَرْضِ ، عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ .
عرض الإمام في هذا المقطع إلى طلب المغفرة من الله تعالى وأن الله تعالى وأن يهبه اليقين
الكامل حتى تهون عليه أزمات الدنيا وخطوبها التي ألمت به وأحاطت به ، كما طلب من الله تعالى أن يهبه الشكر على ما أولاه من النعم ، ويستمر الإمام في دعائه قائلاً :
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ النَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ ، والْعَزِيمَةَ فِي الرُّشْدِ ، وَإِلْهَامَ الشُّكْرِ عَلَى نِعْمَتِكَ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ جَوْرِ كُلِّ جَائِرٍ ، وَبَغْيِ كُلِّ بَاعٍ ، وَحَسَدِ كُلِّ حَاسِدٍ .
اللهُمَّ بِكَ أَصُولُ عَلَى الْأَعْداءِ ، وإِيَّاكَ أَرْجُو وِلَايَةَ الْأَحِبَّاءِ مَعَ مَا لَا أَسْتَطِيعُ إِحْصَاءَهُ مِنْ فَوائِدِ فَضْلِكَ ، وَأَصْنَافِ رِفْدِكَ ، وَأَنْوَاعِ رِزْقِكَ ، فَإِنَّكَ أَنْتَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْفَاشِي فِي الْخَلْقِ حَمْدُكَ، الْبَاسِطُ بِالْجُودِ يَدَكَ ، لَا تُضَادُّ فِي حُكْمِكَ ، وَلَا تُنَازَعُ فِي سُلْطَائِكَ ، وَلَا تُراجَعُ فِي أَمْرِكَ ، تَمْلِكُ مِنَ الْأَنام مَا شِئْتَ ، وَلَا يَمْلِكُونَ إِلَّا مَا تُرِيدُ اللهُمَّ أَنْتَ الْمُنْعِمُ الْمُفْضِلُ الْخَالِقُ الْقَادِرُ الْقَاهِرُ الْمُقَدَّسُ فِي نُورِ الْقُدْسِ ، تَرَدَّيْتَ بِالْعِزَّةِ وَالْمَجْدِ ، وَتَعَظَّمْتَ بِالْقُدْرَةِ والْكِبْرِياءِ ، وَغَشَّيْتَ النُّورَ بِالْبَهَاءِ ، وَجَلَّلْتَ الْبَهَاءَ بِالْمَهَابَةِ .
وحوى هذا الدعاء الطلب من الله بتقوية النفس وذلك بثباتها في الأمور والعزيمة في الرشد وغير ذلك مما يعود إلى صلاح النفس ، ثمّ حوى هذا المقطع الثناء على الله وتمجيده وتعظيمه ويستمر الإمام في دعائه قائلاً:
اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ الْعَظِيمُ ، والْمَنُّ الْقَدِيمُ، والسُّلْطَانُ الشَّامِ ، َوالْحَوْلُ الْواسِعُ ، والْقُدْرَةُ الْمُقْتَدِرَةُ ، والْحَمْدُ الْمُتَتَابِعُ ، الَّذِي لَا يَنْفَدُ بِالشُّكْرِ سَرْمَداً ، وَلَا يَنْقَضِي أَبَداً إِذْ جَعَلْتَنِي مِنْ أَفَاضِلِ بَنِي آدَمَ ، وَجَعَلْتَنِي سَمِيعاً بَصِيراً
صَحِيحاً سَوِيَا مُعافى لَمْ تَشْغَلْنِي بِنُقْصَانٍ فِي بَدَنِي ، وَلَا بِأَفَةٍ فِي جَوارِحِي ، وَلَا عَاهَةٍ فِي نَفْسِي ، وَلَا فِي عَقْلِي ، وَلَمْ يَمْنَعْكَ كَرَامَتُكَ إِيَّايَ وَحُسْنُ صُنْعِكَ عِنْدِي ، وَفَضْلُ نَعْمَائِكَ عَلَيَّ ، إِذْ وَسُعْتَ عَلَيَّ فِي الدُّنْيَا ، وَفَضَّلْتَنِي عَلى كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِهَا تَفْضِيلاً، وَجَعَلْتَنِي سَمِيعاً أَعِي مَا كَلَّفْتَنِي ، بَصِيرًا أَرى قُدْرَتَكَ فِيمَا ظَهَرَ لِي ، واسْتَرْعَيْتَنِي وَاسْتَوْدَعْتَنِي قَلْباً يَشْهَدُ بِعَظَمَتِكَ ، وَلِسَاناً نَاطِقاً بِتَوْحِيدِكَ فَإِنِّي لِفَضْلِكَ عَلَيَّ حَامِدٌ ، وَلِتَوْفِيقِكَ إِيَّايَ بِحَمْدِكَ شَاكِرٌ ، وَبِحَقِّكَ شَاهِدٌ ، وَإِلَيْكَ فِي مُلِمِّي وَمُهِمِّي ضَارِعٌ ، لِأَنَّكَ حَيٌّ قَبْلَ كُلِّ حَيٍّ ، وَحَيٌّ بَعْدَ كُلِّ مَيْتٍ ، وَحَيٌّ تَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ .
وحفل هذ المقطع بما أسداه الله على الإمام (علیه السّلام) من النعم والألطاف وتفضيله له على سائر الخلق ، وقد قدم الإمام (علیه السّلام) شكره الله على ما أسداه عليه من جزيل النعم .
ويقول الإمام في دعائه:
اللهُمَّ لَمْ تَقْطَعْ عَنِّي خَيْرَكَ فِي كُلِّ وَقْتٍ ، وَلَمْ تُنْزِلْ بِي عُقُوباتِ النِّقَمِ ، وَلَمْ تُغَيِّرُ مَا بِي مِنَ النَّعَمِ ، وَلَا أَخْلَيْتَنِي مِنْ وَثِيقِ الْعِصَمِ ، فَلَوْ لَمْ أَذْكُرْ مِنْ إِحْسَانِكَ إِلَيَّ ، وَإِنْعَامِكَ عَلَيَّ إِلَّا عَفْوَكَ عَنِّي وَالْإِسْتِجَابَةَ لِدُعَائِي حِينَ رَفَعْتُ رَأْسِي بِتَحْمِيدِكَ ، لَا فِي تَقْدِيرِكَ جَزِيلَ حَظَّي حِينَ وَفَّرْتَهُ انْتَقَصَ مُلْكُكَ ، وَلَا فِي قِسْمَةِ الْأَرْزاقِ حِينَ فَتَرْتَ عَلَيَّ تَوَفَّرَ مُلْكُكَ ...
وفي هذا المقطع يطلب الإمام (علیه السّلام) أن تستمر عليه ألطافه ونعمه ، ولا تنزل عليه عقوبات النقم ، كما حفل هذا المقطع بما أسداه الله تعالى على الإمام من عظيم النعم التي لا تعد ولا تحصى ، ومن بنود هذا الدعاء قوله (علیه السّلام) :
اللهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَدَدَ مَا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُكَ ، وَعَدَدَ مَا أَدْرَكَتْهُ قُدْرَتُكَ ، وَعَدَدَ مَا وَسِعَتْهُ رَحْمَتُكَ ، وَأَضْعَافَ ذلِكَ كُلِّهِ ، حَمْداً وَاصِلاً مُتَوَاتِراً مُتَوَازِياً لِآلَائِكَ وَأَسْمَائِكَ .
اللَّهُمَّ فَتَمِّمْ إِحْسَانَكَ إِلَيَّ فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمْرِي كَمَا أَحْسَنْتَ فِيمَا مِنْهُ مَضَى ، فَإِنِّي أَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِتَوْحِيدِكَ وَتَهْلِيلِكَ وَتَمْجِيدِكَ وَتَكْبِيرِ وَتَعْظِيمِكَ ، وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الرُّوح الْمَكْنُونِ ، الْحَيِّ الْحَيِّ الْحَيِّ ، وَبِهِ وَبِهِ وَبِهِ ، وَبِكَ ، أَلَّا تَحْرِمَنِي رِفْدَكَ ، وَفَوائِدَ كَرامَتِكَ ، وَلَا تُوَلَّنِي غَيْرَكَ بِكَ ، وَلَا تُسْلِمْنِي إِلَى عَدُوِّي ، وَلَا تَكِلْنِي إِلى نَفْسِي ، وَأَحْسِنْ إِلَيَّ أَتَمَّ الْإِحْسَانِ عَاجِلاً وَاجِلاً ، وَحَسِّنْ فِي الْعَاجِلَةِ عَمَلِي ، وَبَلِّغْنِي فِيهَا أَمَلِي وَفِي الْآجِلَةِ ، وَالْخَيْرَ فِي مُنْقَلَبِي ، فَإِنَّهُ لَا تُفْقِرُكَ كَثْرَةُ مَا يَتَدَفَّقُ بِهِ فَضْلُكَ ، وَسَيْبُ الْعَطَايَا مِنْ مَنْكَ، وَلَا يَنْقُصُ جُودَكَ تَقْصِيرِي فِي شُكْرِ نِعْمَتِكَ ، وَلَا تُجِمُّ خَزائِنَ نِعْمَتِكَ النِّعَمُ ، وَلَا يَنْقُصُ عَظِيمَ مَواهِبِكَ مِنْ سِعَتِكَ الأعْطَاءُ ، وَلَا يُؤَثُرُ فِي جُودِكَ الْعَظِيمِ الْفَاضِلِ الْجَلِيلِ مِنَحُكَ ، وَلَا تَخَافُ ضَيْمَ إِمْلَاقٍ فَتُكْدِي ، وَلَا يَلْحَقُكَ خَوْفُ عُدْمٍ فَيَنْقُصَ فَيْضُ مُلْكِكَ وَفَضْلِكَ ..
طلب الإمام (علیه السّلام) في هذه الفقرات أن يتم الله عليه نعمه وأن تكون متصلة بآخر حياته ، وأنّ ذلك لا ينقص من كرمه وجوده وفيضه على عباده ، والفصل الأخير من هذا الدعاء الجليل قوله (علیه السّلام) :
اللهمَّ ارْزُقْنَا قَلْباً خَاشِعاً ، وَيَقِيناً صَادِقاً ، وَلِسَاناً ذاكِراً ، بِالْحَقِّ صَادِعاً ، وَلَا تُؤْمِنِّي مَكْرَكَ ، وَلَا تُنْسِنِي ذِكْرَكَ ، وَلَا تَهْتِكَ عَنِّي سِتْرَكَ ، وَلَا تُوَلِّنِي
غَيْرَكَ ، وَلَا تُقَنِّطْنِي مِنْ رَحْمَتِكَ ، بَلْ تَغَمَّدْنِي بِفَوائِدِكَ ، وَلَا تَمْنَعْنِي جَمِيلَ عَوائِدِكَ ، وَكُنْ لِي فِي كُلِّ وَحْشَةٍ أَنيساً ، وَفِي كُلِّ جَزَع حِصْناً ، وَمِنْ كُلِّ هَلَكَةٍ غياناً ، وَنَجِّنِي مِنْ كُلِّ بَلَاءِ ، واعْصِمْنِي مِنْ كُلِّ زَلَلِ وَخَطَأُ ، وَتَمِّمْ لِي فَوائِدَكَ ، وَقِنِي وَعِيدَكَ ، وَأَصْرِفْ عَنِّي أَلِيمَ عَذَابِكَ ، وَتَدْمِيرَ تَنْكِيلِكَ ، وَشَرِّفْنِي بِحِفْظِ كِتَابِكَ ، وَأَصْلِحْ لِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَآخِرَتِي وَأَهْلِي وَوَلَدِي وَوَسُعْ رِزْقِي، وَأَدِرَّهُ عَلَيَّ ، وَأَقْبِلْ عَلَيَّ ، وَلَا تُعْرِضْ عَنِّي ، فَإِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ .
اللهُمَّ ارْفَعْنِي وَلَا تَضَعْنِي ، وارْحَمْنِي وَلَا تُعَذِّيْنِي ، وانْصُرْنِي وَلَا تَخْذُلْنِي ، واثِرْنِي وَلَا تُؤْثِرْ عَلَيَّ ، واجْعَلْ لِى مِنْ أ يُسْراً وَفَرَجاً ، وَعَجِّلْ إِجَابَتِي واسْتَنْقِذْنِي مِمَّا قَدْ نَزَلَ بِي إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، وَذَلِكَ عَلَيْكَ يَسِيرٌ ، وَأَنْتَ الْجَوادُ الْكَرِيمُ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَسَلَّم تَسْلِيماً كَثِيراً (1).
وانتهى هذا الدعاء الجليل الذي هو من غرر أدعية إمام المتقين ، وقد أبدى فيه جميع صنوف التذلل والخشوع الله تعالى ، كما أبدى فيه أسمى صور التعظيم والتمجيد الله تعالى .
1) مهج الدعوات : 126 - 133 . بحار الأنوار : 92 : 253 - 259 .
وأثرت عن الإمام كوكبة من الأدعية في الصبر الذي هو أفضل النزعات النفسية ، وهذه بعضها :
قال (علیه السّلام): «اللَّهُمَّ هَبْ لِي مَعَ كُلِّ بِلِيَّةٍ صَبْراً ، وَمَعَ كُلِّ نِعْمَةٍ شُكْراً » (1).
قال (علیه السّلام): « اللَّهُمَّ إِنِ ابْتَلَيْتَنِي فَصَبِّرْنِي ، والْعَافِيَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ (2).
كان الإمام (علیه السّلام)إذا ألمت به نازلة دعا بهذا الدعاء الجليل :
تَحَصَّنْتُ بِالْمَلِكِ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ، واعْتَصَمْتُ بِذِي الْعِزَّةِ والعَدْلِ والْجَبَرُوتِ ، واسْتَعَنْتُ بِذِي الْعَظَمَةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْمَلَكُوتِ عَنْ كُلِّ مَا أَخَافُهُ وَأَحْذَرُهُ (3).
وكان الإمام (علیه السّلام) إذا ألم به هم أو كرب التجأ إلى الله تعالى في دفعه عنه ودعا بهذا الدعاء ، ويقول الرواة : إنّه دعا به في يوم الهرير في صفين حين اشتد الأمر على أوليائه ، وهذا نصّه :
اللهُمَّ لَا تُحَبِّبْ إِلَيَّ مَا أَبْغَضْتَ ، وَلَا تُبَغْضُ إِلَيَّ مَا أَحْبَيْتَ.
اللّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَرْضى سَخَطَكَ ، أَوْ أَسْخَطَ رِضَاكَ ، أَوْ أَرُدَّ قَضَاءَكَ ، أَوْ أَعْدُوَ قَوْلَكَ ، أَوْ أَنَاصِحَ أَعْداءَكَ ، أَوْ أَعْدُوَ أَمْرَكَ فِيهِمْ.
اللهُمَّ مَا كَانَ مِنْ عَمَلِ أَوْ قَوْلٍ يُقَرِّبُنِي مِنْ رَضْوانِكَ ، وَيُبَاعِدُنِي مِنْ سَخَطِكَ فَصَبِّرْنِي لَهُ واحْمِلْنِي عَلَيْهِ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ لِسَاناً ذاكِراً ، وَقَلْباً شَاكِراً ، وَيَقِيناً صَادِقاً ، وَإِيمَاناً خَالِصاً ، وَجَسَداً مَتَواضِعاً ، وارْزُقْنِي مِنْكَ حُبّاً ، وَأَدْخِلْ قَلْبِي مِنْكَ رُعْباً.
اللّهُمَّ فَإِنْ تَرْحَمْنِي فَقَدْ حَسُنَ ظَنِّي بِكَ ، وَإِنْ تُعَدِّيْنِي فَبِظُلْمِي وَجَوْرِي وَجُرْمِي وَإِسْرَافِي عَلى نَفْسِي ، فَلَا عُذْرَ لِي إِنِ اعْتَذَرْتُ ، وَلَا مُكَافَاةَ أَحْتَسِبُ بِها .
اللهُمَّ إِذا حَضَرَتِ الْآجَالُ ، وَنَفِدَتِ الْأَيَّامُ ، وَكَانَ لَا بُدَّ مِنْ لِقَائِكَ فَأَوْجِبْ لِي مِنَ الْجَنَّةِ مَنْزِلاً يَغْبِطُنِي بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ ، لَا حَسْرَةً بَعْدَهَا ، وَلَا رَفِيقَ
بِعْدَ رَفِيقِهَا ، فِي أَكْرَمِهَا مَنْزِلاً.
سْنِي خُشُوعَ الْإِيمَانِ بِالْعِزْ قَبْلَ خُشُوع الذُّلِّ فِي النَّارِ ، أَثْنِي عَلَيْكَ يَا رَبِّ أَحْسَنَ الثَّنَاءِ لِأَنَّ بَلَاءَكَ عِنْدِي أَحْسَنُ الْبَلَاءِ.
اللَّهُمَّ فَأَذِقْنِي مِنْ عَوْنِكَ وَتَأْيِيدِكَ وَتَوْفِيقِكَ وَرِفْدِكَ ، وَارْزُقْنِي شَوْقاً إِلَى لِقَائِكَ ، وَنَصْراً فِي نَصْرِكَ حَتَّى أَجِدَ حَلَاوَةَ ذَلِكَ فِي قَلْبِي ، وَاعْزِمْ لِي عَلَى أَرْشَدِ أُمُورِي ، فَقَدْ تَرَىٰ مَوْقِفِي وَمَوْقِفَ أَصْحَابِي ، وَلَا يَخْفَىٰ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِي .
اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ النَّصْرَ الَّذِي نَصَرْتَ بِهِ رَسُولَكَ ، وَفَرَّقْتَ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ والْبَاطِل حِينَ أَقَمْتَ بِهِ دِينَكَ ، وَأَفْلَجْتَ بِهِ حُجَّتَكَ يَا مَنْ هُوَ لِي فِي كُلِّ مَقامٍ (1).
وهذا الدعاء الجليل من غرر أدعية الإمام (علیه السّلام) ففيه التقرب إلى الله تعالى والتذلل أمامه والسؤال إليه بأروع ما يطلبه المنيبون من الله تعالى مضافاً إلى فصاحته وبلاغته . هذه بعض أدعية الإمام عندما تنزل به كارثة أو خطب فيلتجئ إلى الله في دفعها عنه .
1) مهج الدعوات : 98. بحار الأنوار: 91 : 237 و 238 نهج السعادة : 321 - 323 .
وأثرت عن الإمام أمير المؤمنين كوكبة من الأدعية في الاستغفار والإنابة إلى الله تعالى ، كان منها ما يلي :
دعاؤه عليه السلام
في الاستغفار والإنابة
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ قَوِيَ عَلَيْهِ بَدَنِي بِعَافِيَتِكَ ، أَوْ نَالَتْهُ قُدْرَتِي بِفَضْلِ نِعْمَتِكَ ، أَوْ بَسَطْتُ إِلَيْهِ يَدِي بِسَابِعْ رِزْقِكَ ، أَوِ اتَّكَلْتُ فِيهِ عِنْدَ خَوْفِي مِنْهُ عَلَى أَنَاتِكَ ، أَوِ احْتَجَبْتُ فِيهِ مِنَ النَّاسِ بِسِتْرِكَ ، أَوْ وَثِقْتُ مِنْ سَطْوَتِكَ عَلَيَّ فِيهِ بِحِلْمِكَ ، أَوْ عَوَّلْتُ فِيهِ عَلَى كَرَم عَفْوِكَ .
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ خُنْتُ فِيهِ أَمَانَتِي ، أَوْ بَخْسْتُ بِفِعْلِهِ نَفْسِي ، أَوِ احْتَطَبْتُ بِهِ عَلى بَدَنِي ، أَوْ قَدَّمْتُ فِيهِ لَذَّتِي ، أَوْ أَثَرْتُ فِيهِ شَهْوَتِي ، أَوْ سَعَيْتُ فِيهِ لِغَيْرِي ، أَوِ اسْتَغْوَيْتُ إِلَيْهِ مَنْ تَبِعَنِي ، أَوْ كَايَدْتُ فِيهِ مَنْ مَنَعَنِي ، أَوْ فَهَرْتُ عَلَيْهِ مَنْ عَادَانِي ، أَوْ غَلَبْتُ عَلَيْهِ بِفَضْلِ حِيلَتِي ، أَوْ أَحَلْتُ عَلَيْكَ
مَوْلَايَ فَلَمْ تَغْلِبْنِي عَلَى فِعْلِي إِذْ كُنْتَ كَارِهَا لِمَعْصِيَتِي فَحَلُمْتَ عَنِّي ، لَكِنْ سَبَقَ عِلْمُكَ فِيَّ بِفِعْلِي ذَلِكَ لَمْ تُدْخِلْنِي يَا رَبِّ فِيهِ جَبْراً ، وَلَمْ تَحْمِلْنِي عَلَيْهِ قَهْراً ، وَلَمْ تَظْلِمْنِي فِيهِ شَيْئًا فَأَسْتَغْفِرُكَ لَهُ وَلِجَمِيعِ ذُنُوبِي .
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ تُبْتُ إِلَيْكَ مِنْهُ ، وَأَقْدَمْتُ عَلى فِعْلِهِ فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْكَ وَأَنَا عَلَيْهِ ، وَرَهِبْتُكَ وَأَنَا فِيهِ تَعَاطَيْتُهُ وَعُدْتُ إِلَيْهِ .
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ كَتَبْتَهُ عَلَيَّ بِسَبَبٍ خَيْرٍ أَرَدْتُ بِهِ وَجْهَكَ فَخَالَطَنِي فِيهِ سِواكَ ، وَشَارَكَ فِعْلِي مَا لَا يَخْلُصُ لَكَ ، أَوْ وَجَبَ عَلَيَّ مَا أَرَدْتُ بِهِ سِواكَ ، وَكَثِيرٌ مِنْ فِعْلِي مَا يَكُونُ كَذَلِكَ .
اللهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ تَوَرَّكَ عَلَيَّ بِسَبَبٍ عَهْدِ عَاهَدْتُكَ عَلَيْهِ ، أَوْ عَقْدٍ عَقَدْتُهُ لَكَ ، أَوْ ذِمَّةٍ واثَقْتُ بِهَا مِنْ أَجْلِكَ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ ثُمَّ نَقَضْتُ ذلِكَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ لَزِمَتْنِي فِيهِ ، بَلِ اسْتَزَلَّنِي إِلَيْهِ عَنِ الْوَفَاءِ بِهِ الْأَشَرُ، وَمَنَعَنِي عَنْ رَعَايَتِهِ الْبَطَرُ.
اللهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ رَهِبْتُ فِيهِ مِنْ عِبَادِكَ وَخِفْتُ فِيهِ غَيْرَكَ ، واسْتَحْيَيْتُ فِيهِ مِنْ خَلْقِكَ ثُمَّ أَفْضَيْتُ بِهِ فِعْلِي إِلَيْكَ .
اللّهُمَّ إِنِّى أَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ أَقْدَمْتُ عَلَيْهِ وَأَنَا مُسْتَيْقِنِّ أَنَّكَ تُعَاقِبُ عَلَى ارْتَكَابِهِ فَارْتَكَبْتُهُ .
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ قَدَّمْتُ فِيهِ شَهْوَتِي عَلَى طَاعَتِكَ ، وَآثَرْتُ مَحَبَّتِي عَلَى أَمْرِكَ ، وَأَرْضَيْتُ فِيهِ نَفْسِي بِسَخَطِكَ ، وَقَدْ نَهَيْتَنِي عَنْهُ بِنَهْيِكَ ،
وَتَقَدَّمْتَ إِلَيَّ فِيهِ بِإِعْذارِكَ ، وَاحْتَجَجْتَ عَلَيَّ فِيهِ بِوَعِيدِكَ .
اللّهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ عَلِمْتُهُ مِنْ نَفْسِي ، أَوْ ذَهَلْتُهُ ، أَوْ نَسِيتُهُ أَوْ تَعَمَّدْتُهُ ، أَوْ أَخْطَأْتُهُ ، مِمَّا لَا أَشُكُ أَنَّكَ سَائِلِي عَنْهُ ، وَأَنَّ نَفْسِي مُرْتَهَنَةٌ بِهِ لَدَيْكَ ، وَإِنْ كُنْتُ قَدْ نَسِيْتُهُ أَوْ غَفَلَتْ نَفْسِي عَنْهُ .
اللهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ وجَهْتُكَ بِهِ ، وَقَدْ أَيْقَنْتُ أَنَّكَ تَرانِي ، وَأَغْفَلْتُ أَنْ أَتُوبَ إِلَيْكَ مِنْهُ ، أَوْ نَسِيتُ أَنْ أَتُوبَ إِلَيْكَ مِنْهُ ، أَوْ نَسِيتُ أَنْ أَسْتَغْفِرَكَ لَهُ.
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ دَخَلْتُ فِيهِ ، وَأَحْسَنْتُ ظَنِّي بِكَ أَنْ لَا تُعَذِّبَنِي عَلَيْهِ وَأَنَّكَ تَكْفِينِي مِنْهُ .
اللهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ اسْتَوْجَبْتُ بِهِ مِنْكَ رَدَّ الدَّعَاءِ ، وَحِرْمَانَ الْإِجَابَةِ ، وَخَيْبَةَ الطَّمَع ، وانْفِساخَ الرَّجَاءِ .
اللهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ يُعَقِّبُ الْحَسْرَةَ ، وَيُورِثُ النَّدامَةَ ، وَيَحْبِسُ الرِّزْقَ ، وَيَرُدُّ الدُّعَاءَ.
اللهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ يُورِثُ الْأَسْقَامَ ، وَيُعَقِّبُ الضَّنَاءَ ، وَيُوجِبُ النّقَمَ ، وَيَكُونُ آخِرُهُ حَسْرَةً وَنَدامَةٌ .
اللهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ مَدَحْتُهُ بِلِسَانِي ، أَوْ هَشَّتْ إِلَيْهِ نَفْسِي ، أَوْ اكْتَسَبْتُهُ بِيَدِي وَهُوَ عِنْدكَ قَبِيحٌ تُعَاقِبُ عَلَى مِثْلِهِ وَتَمْقُتُ مَنْ عَمِلَهُ.
اللهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ خَلَوْتُ بِهِ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ حَيْثُ لَا يَرَانِي
أَحَدٌ مِنْ خَلْقِكَ ، فَمِلْتُ فِيهِ مِنْ تَرْكِهِ بِخَوْفِكَ إِلَى ارْتَكَابِهِ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِكَ ، فَسَوَّلَتْ لِي نَفْسِي الْإِقْدامَ عَلَيْهِ فَواقَعْتُهُ ، وَأَنا عَارِفٌ بِمَعْصِيَتِي لَكَ فِيهِ.
اللّهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ اسْتَقْلَلْتَهُ ، أَوْ اسْتَصْغَرْتُهُ ، أَوْ اسْتَعْظَمْتُهُ وَتَوَرَّطْتُ فِيهِ .
اللهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ مَالَاتُ فِيهِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ بَرِيَّتِكَ ، أَوْ زَيَّنْتُهُ لِنَفْسِي ، أَوْ أَوْمَأْتُ بِهِ إِلَى غَيْرِي ، وَدَلَلْتُ عَلَيْهِ سِوايَ ، أَوْ أَصْرَرْتُ عَلَيْهِ بِعَمْدِي ، أَوْ أَقَمْتُ عَلَيْهِ بِحِيلَتِي .
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ اسْتَعَنْتُ عَلَيْهِ بِحِيلَتِي بِشَيْءٍ مِمَّا يُرادُ بِهِ وَجْهَكَ ، أَوْ يُسْتَظْهَرُ بِمِثْلِهِ عَلى طَاعَتِكَ، أَوْ يُتَقَرَّبُ بِمِثْلِهِ إِلَيْكَ ، وَوَارَيْتُ عَنِ النَّاسِ وَلَبَّسْتُ فِيهِ كَأَنِّي أُرِيدُكَ بِحِيلَتِي ، والْمُرَادُ بِهِ مَعْصِيَتُكَ ، وَالْهَوى فِيهِ مُتَصَرِّفٌ عَلَى غَيْرِ طَاعَتِكَ .
اللّهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ كَتَبْتَهُ عَلَيَّ بِسَبَبٍ عُجْبٍ كَانَ بِنَفْسِي ، أَوْ رِيَاءٍ ، أَوْ سُمْعَةٍ ، أَوْ خُيَلَاءَ ، أَوْ فَرَحٍ ، أَوْ مَرَحٍ ، أَوْ أَشَرٍ أَوْ بَطَرٍ ، أَوْ حِفْدٍ ، أَوْ حَمِيَّةٍ ، أَوْ غَضَبٍ ، أَوْ رِضى ، أَوْ شُحَّ ، أَوْ يُخْلٍ ، أَوْ ظُلْمٍ ، أَوْ خِيَانَةٍ ، أَوْ سَرِقَةٍ ، أَوْ كَذِبٍ ، أَوْ لَهْرٍ ، أَوْ لَعْبٍ ، أَوْ نَوْعِ مِنْ أَنْوَاعِ مَا يُكْتَسَبُ بِمِثْلِهِ الذُّنُوبُ وَيَكُونُ بِاجْتِراحِهِ الْعَطَبُ .
اللهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ سَبَقَ فِي عِلْمِكَ أَنِّي فَاعِلُهُ فَدَخَلْتُ فِيهِ بِشَهْوَتِي ، وَاجْتَرَحْتُهُ بِإِرادَتِي ، وَقَارَفْتُهُ بِمَحَبَّتِي وَلَذَّتِي وَمَشِيَّتي ، وَشِتْتُهُ
إِذْ شِئْتَ أَنْ أَشَاءَهُ ، وَأَرَدْتُهُ إِذْ أَرَدْتَ أَنْ أُرِيدَهُ فَعَمِلْتُهُ إِذْ كَانَ فِي قَدِيمتَقْدِيرِكَ ، وَنَافِذِ عِلْمِكَ أَنِّي فَاعِلُهُ ، لَمْ تُدْخِلْنِي فِيهِ جَبْراً ، وَلَمْ تَحْمِلْنِي عَلَيْهِ قَهْراً ، وَلَمْ تَظْلِمْنِي فِيهِ شَيْئاً ، فَأَسْتَغْفِرُكَ لَهُ ، وَلِكُلِّ ذَنْبٍ جَرىٰ بِهِ عِلْمُكَ عَلَيَّ وَفِيَّ إِلَى آخِرِ عُمْرِي .
اللهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ مَالَ بِسَخَطِي فِيهِ عَنْ رِضَاكَ ، وَمَالَتْ نَفْسِي إِلَى رِضَاكَ فَسَخِطْتُهُ ، أَوْ رَهِبْتُ فِيهِ سِواكَ ، أَوْ عَادَيْتُ فِيهِ أَوْلِيَاءَكَ ، أَوْ والَيْتُ فِيهِ أَعْداءَكَ ، أَوْ اخْتَرْتُهُمْ عَلى أَصْفِيَائِكَ ، أَوْ خَذَلْتُ فِيهِ أَحِبَّاءَكَ ، أَوْ قَصَّرْتُ فِيهِ عَنْ رِضَاكَ يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ . اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ ذَنْبٍ تُبْتُ إِلَيْكَ مِنْهُ ثُمَّ عُدْتُ فِيهِ ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا أَعْطَيْتُكَ مِنْ نَفْسِي ثُمَّ لَمْ أَفِ بِهِ ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِلنَّعْمَةِ الَّتِي أَنْعَمْتَ بِهَا عَلَيَّ فَقَوِيْتُ بِهَا عَلَى مَعْصِيَتِكَ ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ خَيْرٍ أَرَدْتُ بِهِ وَجْهَكَ فَخَالَطَنِي مَا لَيْسَ لَكَ ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا دَعَانِي إِلَيْهِ الرُّخَصُ ، فِيمَا اشْتَبَهَ عَلَيَّ مِمَّا هُوَ عِنْدَكَ حَرامٌ ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِلذُّنُوبِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا غَيْرُكَ ، وَلَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا سِواكَ ، وَلَا يَحْتَمِلُهَا إِلَّا حِلْمُكَ ، وَلَا يَسَعُهَا إِلَّا عَفْوُكَ ، وَأَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ مِنْ مَظَالِمَ كَثِيرَةٍ لِعِبَادِكَ قِبَلِي يَا رَبِّ ، فَلَمْ أَسْتَطِعْ رَدَّهَا عَلَيْهِمْ ، وَتَحْلِيلَهَا مِنْهُمْ ، أَوْ شَهِدُوا فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْ اسْتَحْلَالِهِمْ ، وَالطَّلَبِ إِلَيْهِمْ ، وَإِعْلَامِهِمْ ذَلِكَ ، وَأَنْتَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ تَسْتَوْهِبَنِي مِنْهُمْ وَتُرْضِيَهُمْ عَنِّي كَيْفَ شِئْتَ وَبِمَا شِئْتَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ، وَأَحْكَمَ الْحَاكِمِينَ ، وَخَيْرَ الْغَافِرِينَ .
اللَّهُمَّ إِنَّ اسْتِغْفَارِي إِيَّاكَ مَعَ الْإِصْرارِ لُومٌ ، وَتَرْيِي الْإِسْتِغْفَارَ مَعَ مَعْرِفَتِي بِسَعَةِ جُودِكَ وَرَحْمَتِكَ عَجْزٌ ، فَكَمْ تَتَحَبَّبُ إِلَيَّ يَا رَبِّ وَأَنْتَ الْغَنِيُّ عَنِّي ،
وَكَمْ أَتَبَغْضُ إِلَيْكَ ، وَأَنَا الْفَقِيرُ إِلَيْكَ ، وَإِلى رَحْمَتِكَ ، فَيَا مَنْ وَعَدَ فَوَفى ، وَأَوْعدَ فَعَا إِغْفِرْ لِي خَطَايَايَ ، واعْفُ وارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (1).
وهذا الدعاء صفحة مشرقة من أدعية إمام المتقين ، وسيّد العارفين الذي وهب حياته الله تعالى .
1) الصحيفة العلوية الثانية : 64 - 70 ، نقلاً عن مفاتيح النجاة للمحقق محمّدباقر السبزواري ، وقد رواه بسنده عن الإمام أبي الحسن الرضا (علیه السّلام) .
كان الإمام (علیه السّلام) يلجأ إلى الله تعالى في جميع أموره وشؤونه ، ويحتجب به من كيد الأعداء ، وشرّ الأشرار.
وهذه بعض أدعيته في الاحتجاب والاعتصام.
دعاؤه عليه السلام فى الاحتجاب
وكان الإمام (علیه السّلام) يحتجب بهذا الدعاء عن جميع ما ألم به من حوادث الزمن ، وخطوب الأيام ، وهذا نصّه :
(قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ، وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ، وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ، بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ ، وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ، وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ، وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (1).
1) آل عمران 3: 26 و 27 .
اللهُ أَكْبَرُ ، أَللهُ أَكْبَرُ ، اللهُ أَكْبَرُ ، خَضَعَتِ الْبَرِيَّةُ لِعَظَمَةِ جَلَالِهِ أَجْمَعُونَ ، وَذَلَّ لِعَظَمَةِ عِزَّهِ كُلُّ مُتَعَاظِمِ مِنْهُمْ ، وَلَا يَجِدُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَيْهِ مَخْلَصاً ، بَلْ يَجْعَلُهُمُ اللهُ شَارِدِينَ مُتَمَزِّقِينَ فِي عِزّ طُغْيَانِهِمْ هَالِكِينَ ، بِ- (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذا حَسَدَ ) (1).
وَبِ- ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ) (2).
إِنْغَلَقَ عَنِّي بَابُ الْمُسْتَأْخِرِينَ مِنْكُمْ وَالْمُسْتَقْدِمِينَ ، فَهُمْ ضَالُّونَ مَطْرُودُونَ بِالصَّافَّاتِ ، بِالذَّارِيَاتِ ، بِالْمُرْسَلَاتِ ، بِالنَّازِعَاتِ ، أَزْجُرُكُمْ عَنِ الْحَرَكَاتِ كُونُوا رَماداً لَا تَبْسُطُوا إِلَيَّ ، وَلَا إِلَى مُؤْمِنٍ يَداً.
(الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (3).
(هذا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ * وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ) (4).
عَمِيَتِ الْأَعْيُنُ ، وَخَرِسَتِ الْأَلْسُنُ ، وَخَضَعَتِ الْأَعْنَاقُ لِلْمَلِكِ الْخَلَّاقِ
اللّهُمَّ بِالْمِيم والْعَيْنِ والْفَاءِ والحاءَيْنِ ، وَبِنُورِ الْأَشْبَاحَ، وَبِتَلَالُو ضِيَاءِ الإصْبَاحِ ، وَبِتَقْدِيرِكَ لِي يَا قَدِيرُ فِي الغُدُوِّ وَالرَّواحِ ، إِكْفِنِي شَرَّ مَنْ دَبَّ وَمَشَى ، وَتَجَبَّرَ وَعَنَا ، اللهُ الْغَالِبُ وَلَا مَلْجَأَ مِنْهُ لِهَارِبٍ .
(نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ) (1).
(إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ) (2).
( كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) (3).
أَمِنَ مَنِ اسْتَجَارَ بِاللَّهِ ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ(4).
ومن أدعية الإمام (علیه السّلام) في الاحتجاب عن كيد خصومه وأعدائه هذا الدعاء :
في إحْتَجَبْتُ بِنُورِ وَجْهِ اللهِ الْقَدِيمِ الْكَامِلِ ، وَتَحَصَّنْتُ بِحِصْنِ اللهِ الْقَوِيِّ الشّامِلِ ، وَرَمَيْتُ مَنْ بَعْىٰ عَلَيَّ بِسَهُم اللَّهِ وَسَيْفِهِ الْقَاتِلِ.
اللهُمَّ يَا غَالِباً عَلى أَمْرِهِ ، وَيَا قَائِماً فَوْقَ خَلْقِهِ ، وَيَا حَائِلاً بَيْنِ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ،
حُلْ بَيْنِي وَبَيْنَ الشَّيْطَانِ وَنَزْغِهِ ، وَبَيْنَ مَا لَا طَاقَةَ لِي بِهِ مِنْ أَحَدٍ مِنْ عِبَادِكَ ، كُفَّ عَنِّي أَلْسِنَتَهُمْ ، واغْلُلْ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ ، وَاجْعَلْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ سَدّاً مِنْ نُورِ عَظَمَتِكَ ، وَحِجاباً مِنْ قَوَّتِكَ ، وَجُنْداً مِنْ سُلْطَانِكَ إِنَّكَ حَيٌّ قَادِرٌ.
اللهُمَّ أَغْشِ عَنِّي أَبْصَارَ النَّاظِرِينَ حَتَّى أَرِدَ الْمَوارِدَ ، وَأَغْشِ عَنِّي أَبْصَارَ النور (1)، وأَبْصَارَ الظُّلْمَةِ ، وَأَبْصَارَ الْمُرِيدِينَ بِيَ السُّوءَ ، حَتَّى لَا أُبَالِي عَنْ أَبْصَارِهِمْ ، ﴿ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ * يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الْأَبْصَارِ )(2)
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿كَهَيعَصَ ) (3).
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (حمَ عَسَقَ )(4).
(كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ) (5).
(هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ) (6).
(يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ
وَلَا شَفِيعُ يُطَاعُ ) (1).
(عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ * فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوارِ الْكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ )(2).
( ص والْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ) (3).
وكان يقول ثلاثاً :
شَاهَتِ الْوُجُوهُ ، وعَمِيَتِ الْأَبْصَارُ ، وَكَلَّتِ الْأَلْسُنُ ، جَعَلْتَ خَيْرَهُمْ بَيْنَ عَيْنَيْهِمْ ، وَشَرَّهُمْ تَحْتَ قَدَمَيْهِمْ ، وَخَاتَمَ سُلَيْمَانَ بَيْنَ أَكْتَافِهِمْ ، سُبْحَانَ اللهِ الْقَادِرِ الْقَاهِرِ الْكَافِي فَسَيَكْفِيكُهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةٌ ) (4).
كَهيعص ، إِكْفِنا ، حمعسق ، إِحْمِنَا وارْحَمْنَا ، هُوَ اللهُ الْقَادِرُ الْقَاهِرُ الْقَوِيُّ الْكَافِي، (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ) (5).
(أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ
الْغَافِلُونَ )(1)، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ أَجْمَعِينَ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ.
(إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) (2).
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تَقْضِيَ حَاجَتِي ، وَتَغْفِرَ ذُنُوبِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ،( وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً ) (3)، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ ، يَا ذَا الْجَلَالِ والإِكْرامِ ) (4).
واعتصم الإمام (علیه السّلام) بالله تعالى أعظم ما يكون الاعتصام ، وكان من دعائه في ذلك قوله :
إِعْتَصَمْتُ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْبَاعِثُ الْوارِثُ .
إِعْتَصَمْتُ بِاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ .
إِعْتَصَمْتُ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الَّذِي قَالَ لِلسَّمَواتِ وَالْأَرْضِ إِنْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهَا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ.
إِعْتَصَمْتُ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ .
إِعْتَصَمْتُ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ، يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ .
إِعْتَصَمْتُ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ مَا فِي السَّمَواتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثّرى .
إِعْتَصَمْتُ بِاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يَرى وَلَا يُرى وَهُوَ بِالْمَنْظَرِ الْأَعْلى ، رَبُّ الْآخِرَةِ والأُولى.
إِعْتَصَمْتُ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الَّذِي ذَلَّ كُلُّ شَيْءٍ لِمُلْكِهِ .
إِعْتَصَمْتُ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الَّذِي خَضَعَ كُلُّ شَيْءٍ لِعَظَمَتِهِ ، إِعْتَصَمْتُ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فِي عُلُوهِ دانٍ ، وَفِي دُنُوِّهِ عَالٍ ، وَفِي سُلْطَانِهِ قَوِيٌّ .
إِعْتَصَمْتُ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْبَدِيعُ الرَّفِيعُ ، الْحَيُّ الدَّائِمُ الْبَاقِي ، الَّذِي لَا يَزُولُ.
إِعْتَصَمْتُ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الَّذِي لَا تَصِفُ الْأَلْسُنُ قُدْرَتَهُ.
إِعْتَصَمْتُ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ .
إِعْتَصَمْتُ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَنَّانُ الْمَنَّانُ ذُو الْجَلَالِ والإكرام.
إِعْتَصَمْتُ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْواحِدُ الْأَحَدُ الْفَرْدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ
وَلَمْ يُولَدْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ .
إِعْتَصَمْتُ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أَكْرَمُ الْأَكْرَمِينَ، الْكَبِيرُ الْأَكْبَرُ الْعَلِيُّ الأعلى.
إِعْتَصَمْتُ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ بِيَدِهِ الْخَيْرُ كُلُّهُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
إِعْتَصَمْتُ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ، كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ.
إِعْتَصَمْتُ بِاللهِ الَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ ، الْحَكِيمُ ، السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ، الرَّحْمَنُ ، الرَّحِيمُ .
إِعْتَصَمْتُ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .
اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِمَسْأَلَتِي ، وَأَطْلُبُ إِلَيْكَ وَأَنْتَ الْعَالِمُ بِحَاجَتِي ، وَأَرْغَبُ إِلَيْكَ وَأَنْتَ مُنْتَهى رَغْبَتِي ، فَيَا عَالِمَ الْخَفِيَّاتِ ، وَسَامِكَ السَّمَواتِ ، وَدافِعَ الْبَلِيَّاتِ ، وَمَطْلَبَ الْحَاجَاتِ ، وَمُعْطِي السُّؤُلَاتِ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي كُلِّهِ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي .
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطَايَايَ وَعَمْدِي وَجَهْلِي وَهَزْلِي وَجِدِّي فَكُلُّ ذلِكَ عِنْدِي .
اللهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ ، وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1).
أرأيتم هذا الاعتصام والالتجاء إلى الله تعالى ؟ لقد انقطع هذا الإمام العظيم إلى الله وتمسك بطاعته ، فقد استوعب حبّه الله وخشيته منه جميع آفاق نفسه .
1) الصحيفة العلوية : 102 - 106 . مهج الدعوات: 133 و 134 . بحار الأنوار:92 : 393 و 394 ، الحديث 32.
استوعب حبّ الله تعالى قلب الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)فقد هام في ذكره ودعائه ، وانقطع إليه ، ففي كل فترة من حياته كان يلهج بذكر الله تعالى ويناجيه ويدعوه ضارعاً مستكيناً ، وقد أثرت عنه كوكبة من الأدعية الشريفة في الليالي والأيام المباركة كان منها ما يلي :
دُعاؤه عليه السلام في ليلة الجمعة
من الليالي الشريفة في الإسلام ليلة الجمعة ، وكان الإمام (علیه السّلام) يدعو الله تعالى فيها بهذا الدعاء الجليل :
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ رَحْمَةٌ مِنْ عِنْدِكَ تَهْدِي بِهَا قَلْبِي ، وَتَجْمَعُ بِهَا شَمْلِي ، وَتَلُمُ بِهَا شَعْنِي ، وَتَحْفُظُ بِهَا غَائِبِي ، وَتُصْلِحُ بِهَا شَاهِدِي ، وَتُزَكِّي بِهَا عَمَلِي . وَتُلْهِمُنِي بِهَا رُشْدِي ، وَتَعْصِمُنِي بِهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ .
اللهُمَّ اعْطِنِي إِيمَاناً صَادِقاً ، وَيَقِيناً خَالِصاً ، وَرَحْمَةٌ أَنَالُ بِهَا شَرَفَ كَرَامَتِكَ
فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْفَوْزَ فِي الْقَضَاءِ ، وَمَنَازِلَ الْعُلَمَاءِ ، وَعَيْشَ السُّعَداءِ ، وَالنَّصْرَ عَلَى الْأَعْداءِ .
اللهُمَّ إِنِّي أَنزَلْتُ بِكَ حَاجَتِي ، وَإِنْ ضَعُفَ عَمَلِي فَقَدِ افْتَقَرْتُ إِلَىٰ رَحْمَتِكَ فَأَسْأَلُكَ يَا فَاضِيَ الْأُمُورِ ، وَيَا شَافِيَ الصُّدُورِ ، كَمَا تَحْجُزُ بَيْنَ الْبُحُورِ أَنْ تُجِيرَنِي مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ، وَمِنْ دَعْوَةِ النُّبُورِ ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْقُبُورِ .
اللهُمَّ وَمَا قَصُرَتْ عَنْهُ مَسْأَلَتِي ، وَلَمْ تَبْلُغْهُ مُنْيَتِي ، وَلَمْ تُحِطْ بِهِ مَسْأَلَتِي مِنْ خَيْرٍ وَعَدْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ فَإِنِّي أَرْغَبُ إِلَيْكَ فِيهِ . اللَّهُمَّ يَاذَا الْحَبْلِ الشَّدِيدِ ، والْأَمْرِ الرَّشِيدِ ، أَسْأَلُكَ الْأَمْنَ يَوْمَ الْوَعِيدِ ، وَالْجَنَّةَ يَوْمَ الْخُلُودِ مَعَ الْمُقَرَّبِينَ الشُّهُودِ ، وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ الْمُوفِينَ بِالْعُهُودِ إِنَّكَ رَحِيمٌ وَدُودُ ، وَإِنَّكَ تَفْعَلُ مَا تُرِيدُ . اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا هَادِينَ مَهْدِيِّينَ ، غَيْرَ ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ ، سِلْماً لِأَوْلِيَائِكَ ، وَحَرْباً لِأَعْدائِكَ ، نُحِبُّ بِحُبِّكَ التَّائِبِينَ ، وَنُعَادِي بِعَداوَتِكَ مَنْ خَالَفَك .
اللهُمَّ هذا الدُّعَاءُ وَعَلَيْكَ الْإِسْتِجَابَةُ ، وَهَذَا الْجُهْدُ وَعَلَيْكَ التَّكْلَانُ. اللهُمَّ اجْعَلْ لِي نُوراً فِي قَلْبِي ، وَنُوراً فِي قَبْرِي ، وَنُوراً بَيْنَ يَدَيَّ ، وَنُوراً تَحْتِي ، وَنُوراً فَوْقِي ، وَنُوراً فِي سَمْعِي ، وَنُوراً فِي بَصَرِي ، وَنُوراً في شَعْرِي ، وَنُوراً فِي بَشَرِي ، وَنُوراً فِي لَحْمِي ، وَنُوراً فِي دَمِي ، وَنُوراً فِي عِظَامِي .
اللّهُمَّ أَعْظِمْ لِي النُّورَ سُبْحَانَ الَّذِي تَأَخَّرَ بِالْمَجِّدِ ، وَتَكَرَّمَ بِهِ ، سُبْحَانَ مَنْ لَا يَنْبَغِي التَّسْبِيحُ إِلَّا لَهُ ، سُبْحَانَ ذِي الْفَضْلِ وَالنَّعَمِ ، سُبْحَانَ ذِي الْمَجْدِ
والْكَرَمِ ، سُبْحَانِ ذِي الْجَلَالِ والإِكْرَامِ )(1).
من الليالي الجليلة التي يستحبّ إحياؤها بالصلاة وذكر الله تعالى ليلة عيد الفطر ، فقد ورد فيها استحباب صلاة ركعتين يقرأ في الركعة الأولى سورة الفاتحة ، وألف مرّة سورة التوحيد ، وفي الركعة الثانية سورة الفاتحة وسورة التوحيد مرة واحدة ، ثم يدعو بهذا الدعاء نص على ذلك الإمام الأعظم جعفر الصادق (علیه السّلام) ونسبه إلى جده الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) وذكر أن المصلي بعد الفراغ من صلاته لا يسأل شيئاً من الله إلا أعطاه ، وهذا نص الدعاء :
يَا اللهُ ، يَا اللهُ ، يَا اللهُ ، يَا رَحْمَنُ يَا اللهُ ، يَا مَلِك يَا الله ، يَا قُدُّوسُ يَا الله ، يَا سَلَامُ يَا اللهُ ، يَا مُؤْمِنُ يَا اللهُ ، يَا مُهَيْمِنُ يَا اللهُ ، يَا عَزِيزُ يَا اللَّهُ ، يَا جَبَّارُ يَا اللهُ ، يَا مُتَكَبُرُ يَا اللهُ ، يَا خَالِقُ يَا اللهُ ، يَا بَاری یا اللهُ ، يَا مُصَوِّرُ يَا اللهُ ، يَا عَالِمُ يَا الله ، يَا عَظِيمُ يَا الله ، يَا عَلِيمٌ يَا اللهُ ، يَا كَرِيمُ يَا اللهُ ، يَا حَلِيمُ يَا اللهُ ، يَا حَكِيمُ يَا الله ، يَا سَمِيعُ يَا اللَّهُ ، يَابَصِيرُ يَا اللَّهُ ، يَا قَرِيبُ يَا اللهُ ، يَا مُجِيبُ يَا اللَّهُ ، يَا جَوادُ يَا اللَّهُ ،
1) الصحيفة العلوية الثانية : 172 - 174 ، نقلاً عن كتاب عدّة السفر وعمدة الحضر للشيخ الطبرسي . مصباح المتهجد : 268 - 269 ، الحديث .378. بحار الأنوار: 86: 292 - 293 ، الحديث .5
يا واحِدُ يَا اللهُ ، يَا وَلِيُّ يَا اللهُ ، يَا وَفِيُّ يَا اللهُ ، يَا مَوْلى يَا اللَّهُ ، يَا قَاضِي يَا اللهُ يَا سَرِيعُ يَا اللهُ ، يَا شَدِيدُ يَا اللَّهُ ، يَا رَءُوفُ يَا اللَّهُ ، يَارَقِيبُ يَا اللَّهُ ، يَا مَجِيبُ يَا اللَّهُ ، يَا جَوادُ يَا اللهُ ، يَا مَاجِدُ يَا اللهُ ، يَا عَلِيُّ يَا اللهُ ، يَا حَفِيظٌ يَا اللَّهُ ، يَا مُحِيطُ يَا اللَّهُ ، يَا سَيِّدَ السَّاداتِ يَا اللهُ ، يَا أَوَّلُ يَا اللهُ ، يَا آخِرُ يَا اللهُ ، يَا ظَاهِرُ يَا اللَّهُ ، يَا بَاطِنُ يَا الله ، يَا فَاخِرُ يَا اللهُ ، يَا قَاهِرُ يَا اللهُ ، يَا رَبَّاهُ يَا اللهُ ، يَا رَبَّاهُ يَا اللهُ ، يَا رَبَّاهُ يَا اللهُ ، يَا وَدُودُ يَا اللهُ ، يَا نُورُ يَا اللهُ ، يَا دافِعُ يَا اللهُ ، يَا مَانِعُ يَا اللهُ ، يَا فَاتِحُ يَا اللهُ ، يَا نَفَّاعُ يَا اللَّهُ ، يَا جَلِيلُ يَا اللهُ ، يَا جَمِيلُ يَا اللهُ ، يَا شَهِيدُ يَا اللهُ ، يَا شَاهِدُ يَا اللَّهُ ، يَا حَبِيبُ يَا اللهُ يَا فَاطِرُ يَا اللَّهُ ، يَا مُطَهَّرُ يَا اللَّهُ ، يَا مَالِكُ يَا اللهُ ، يَا مُقْتَدِرُ يَا اللَّهُ ، يَا قَابِضُ يَا اللَّهُ ، يَا بَاسِطُ يَا اللهُ ، يَا مُحْيِي يَا اللهُ ، يَا مُمِيتُ يَا اللهُ ، يَا مُجِيبُ يَا اللَّهُ ، يَا بَاعِثُ يَا اللَّهُ ، يَا مُعْطِي يَا اللهُ ، يَا مُفْضِلُ يَا اللهُ ، يَا مُنْعِمُ يَا اللَّهُ ، يَا حَقُّ يَا اللَّهُ ، يَا مُبِينُ يَا اللَّهُ ، يَا طَيِّبُ يَا اللهُ ، يَا مُعِيْدُ يَا اللهُ ، يَا مُحْسِنُ يَا اللهُ ، يَا مُبْدِى يَا الله ، يَا مُعِيدُ يَا الله . يَا بَارِيُّ يَا اللهُ ، يَا بَدِيعُ يَا اللهُ ، يَا هَادِي يَا اللهُ ، يَا كَافِي يَا اللهُ ، يَا شَافِي يَا الله ، يَا عَلِيُّ يَا اللهُ ، يَا حَنَّانُ يَا اللهُ ، يَا مَنَّانُ يَا اللهُ ، يَا ذا الطَّوْلِ يَا اللهُ ، يَا مُتعَالِي يَا اللهُ يَا عَدْلُ يَا اللهُ ، يَا ذَا الْمَعَارِجِ يَا اللهُ ، يَا صَادِقُ يَا اللَّهُ ، يَا دَيَّانُ يَا اللَّهُ ، يَا بَاقِي يَا اللَّهُ ، يَا ذَا الْجَلَالِ يَا اللَّهُ ، يَا ذَا الْإِكْرامِ يَا اللهُ ، يَا مَعْبُودُ يَا اللَّهُ ، يَا مَحْمُودُ يَا اللَّهُ ، يَا صَانِعُ يَا اللَّهُ ، يَا مُعِينُ يَا اللهُ ، يَا مُكَوِّنُ يَا اللهُ ، يَا فَعَالُ يَا اللهُ ، يَا لَطِيفُ يَا الله ، يَا غَفُورُ يَا اللهُ ، يَا شَكُورُ يَا اللهُ ، يَا نُورُ يَا اللهُ ، يَا حَنَّانُ يَا اللهُ ، يَا قَدِيرُ يَا الله يَا رَبَّاهُ يَا اللهُ ، يَا رَبَّاهُ يَا اللهُ ، يَا رَبَّاهُ يَا اللهُ ، يَا رَبَّاهُ يَا اللهُ ، يَا رَبَّاهُ يَا الله .
أَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَتَمُنَّ عَلَيَّ بِرِضَاكَ وَتَعْفُو عَنِّي
بِحِلْمِكَ ، وَتُوَسِّعَ عَلَيَّ مِنْ رِزْقِكَ الْحَلَالِ الطَّيِّبِ مِنْ حَيْثُ أَحْتَسِبُ وَمِنْ حَيْثُ لَا أَحْتَسِبُ فَإِنِّي عَبْدُكَ لَيْسَ لِي أَحَدٌ سِواكَ وَلَا أَجِدُ أَحَداً أَسْأَلُهُ غَيْرَكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ، مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ .
وبعد تلاوة هذا الدعاء يسجد المصلّي ويقول في سجوده :
يَا الله ، يَا اللهُ ، يَا اللهُ ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ يَا مُنْزِلَ الْبَرَكَاتِ ، بِكَ تُنْزَلُ كُلُّ حَاجَةٍ أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ فِي مَخْرُونِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ وَالْأَسْمَاءِ الْمَشْهُوراتِ عِنْدَكَ الْمَكْتُوبَةِ عَلَى سُرَادِقِ عَرْشِكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَأَنْ تَقْبَلَ مِنِّي شَهْرَ رَمَضَانَ ، وَتَكْتُبَنِي فِي الْوافِدِينَ إِلَى بَيْتِكَ الْحَرامِ ، وَتَصْفَحَ لِي عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ وَتَسْتَخْرِجَ لِي يَا رَبِّ كُنُوزَكَ يَا رَحْمَنُ (1).
1) الصحيفة العلوية الثانية : 233 - 236 ، نقلاً عن المضمار . مصباح المتهجد : 649 - 651 ، الحديث 722 .المزار / محمد بن المشهدي : 630 - 633 . بحار الأنوار: 88: 120 - 122 .
أما النصف من رجب فهو من الأيام المباركة عند المسلمين الشيعة ، ففى هذا اليوم تستحبّ زيارة سيد شباب أهل الجنّة الإمام الحسين (علیه السّلام) ، ونظراً لعظم هذا اليوم فقد كان الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) يدعو بهذا الدعاء :
اللَّهُمَّ يَا مُذِلَّ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ، وَيَا مُعِزَّ الْمُؤْمِنِينَ ، أَنْتَ كَهْفِي حِينَ تُعْيِينِي الْمَذاهِبُ ، وَأَنْتَ يَا رَبِّ خَلَقْتَنِي رَحْمَةٌ بِي ، وَقَدْ كُنْتَ عَنْ خَلْقِي غَنِيّاً ، وَلَوْلَا رَحْمَتُكَ لَكُنْتُ مِنَ الْهَالِكِينَ ، وَأَنْتَ مُؤَيَّدِي بِالنَّصْرِ عَلى أَعْدَائِي، وَلَوْلَا نَصْرُكَ إِيَّايَ لَكُنْتُ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ ، يَا مُرْسِلَ الرَّحْمَةِ مِنْ مَعَادِنِهَا ، وَيَا مُنْشِئَ الْبَرَكَةِ مِنْ مَواضِعِهَا ، يَا مَنْ خَصَّ نَفْسَهُ بِالسُّمُو وَالرَّفْعَةِ فَأَوْلِيَاؤُهُ بِعِزَّتِهِ يَتَعَزَّزُونَ ، وَيَا مَنْ وَضَعَتْ لَهُ الْمُلُولُ نِيرَ (1)الْمَذَلَّةِ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ فَهُمْ مِنْ سَطَواتِهِ خَائِفُونَ ، أَسْأَلُكَ بِرُبُوبِيَّتِكَ الَّتِي اشْتَقَقْتَهَا مِنْ كِبْرِيَائِكَ ، وَأَسْأَلُكَ بِكِبْرِيَائِكَ الَّتِي اشْتَفَقْتَهَا مِنْ عِزَّتِكَ ، وَأَسْأَلُكَ بِعِزَّتِكَ الَّتِي اسْتَوَيْتَ بِهَا عَلَى عَرْشِكَ فَخَلَقْتَ بِهَا جَمِيعَ خَلْقِكَ فَهُمْ لَكَ مُذْعِنُونَ ، أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ . وكان يذكر بعد هذا الدعاء حاجته(2).
من الأشهر الكريمة في الإسلام شهر شعبان ، ففي الثالث منه ولادة أبي الأحرار الإمام الحسين (علیه السّلام)، وفي نصفه ولادة المصلح الأعظم قائم آل محمد (علیه السّلام) ، وفي نصفه يستحبّ أيضاً زيارة الإمام الحسين (علیه السّلام) ، وكان الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) يداع فيه بهذا الدعاء :
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَاسْمَعْ دُعَائِي إِذَا دَعَوْتُكَ ، وَاسْمَعْ ندائِي إِذا نَادَيْتُكَ ، وَأَقْبِلْ عَلَيَّ إِذَا نَاجَيْتُكَ ، فَقَدْ هَرَبْتُ إِلَيْكَ ، وَوَقَفْتُ بَيْنَ يَدَيْكَ مُسْتَكِيناً لَكَ ، مُتَضَرِّعاً إِلَيْكَ ، راجياً لِمَا لَدَيْكَ ثَوابِي ، وَتَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي ، وَتَخْبُرُ حَاجَتِي ، وَتَعْرِفُ ضَمِيرِي ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ أَمْرُ مُنْقَلَبِي وَمِثْوايَ ، وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَبْدِئَ بِهِ مِنْ مَنْطِقِي ، وَأَتَفَوَّهَ بِهِ مِنْ طَلِبَتِي ، وَأَرْجُوَهُ لِعَاقِبَنِي ، وَقَدْ جَرَتْ مِقَادِيرُكَ عَلَيَّ يَا سَيِّدِي فِيمَا يَكُونُ مِنِّي إِلَى آخِرِ عُمْرِي مِنْ سَرِيرَتِي وَعَلَانِيَنِي ، وَبِيَدِكَ لَا بِيَدِ غَيْرِكَ زِيَادَتِي وَنَقْصِي وَنَفْعِي وَضُرِّي .
إلهِي إِنْ حَرَمْتَنِي فَمَنْ ذَا الَّذِي يَرْزُقُنِي ، وَإِنْ خَذَلْتَنِي فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُنِي .
إلهِي أعُوذُ بِكَ مِنْ غَضَبِكَ وَحُلُولِ سَخَطِكَ .
إِلهِي إِنْ كُنْتُ غَيْرَ مُسْتَأْهِلِ لِرَحْمَتِكَ فَأَنْتَ أَهْلُ أَنْ تَجُودَ عَلَيَّ بِفَضْلِ سعَتك .
إلهِي كَأَنِّي بِنَفْسِي واقِفَةٌ بَيْنَ يَدَيْكَ ، وَقَدْ أَظَلَّهَا حُسْنُ تَوَكَّلِي عَلَيْكَ ، فَفَعَلْتَ مَا أَنْتَ أَهْلُهُ وَتَغَمَّدْتَنِي بِعَفْوِكَ .
إِلهِي إِنْ عَفَوْتَ فَمَنْ أَوْلى مِنْكَ بِذلِكَ ؟ وَإِنْ كَانَ قَدْ دَنَا أَجَلِي وَلَمْ يُدْنِي مِنْكَ عَمَلِي فَقَدْ جَعَلْتُ الْإقْرارَ بِالذَّنْبِ إِلَيْكَ وَسِيلَتِي .
إِلهِي قَدْ جُرْتُ عَلَى نَفْسِي بِالنَّظَرِ لَهَا فَلَهَا الْوَيْلُ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَهَا .
إِلهِي لَمْ يَزَلْ بِرُّكَ عَلَيَّ أَيَّامَ حَيَاتِي فَلَا تَقْطَعْ بِرَّكَ فِي مَمَاتِي .
إلهِي كَيْفَ آيَسُ مِنْ حُسْنِ نَظَرِكَ لِي بَعْدَ مَمَاتِي وَأَنْتَ لَمْ تُوَلِّنِي إِلَّا الْجَمِيلَ فِي حَيَاتِي.
إِلهِي تَوَلَّ مِنْ أَمْرِي مَا أَنْتَ أَهْلُهُ ، وَعُدْ بِفَضْلِكَ عَلَى مُذْنِبٍ قَدْ غَمَرَهُ جَهْلُهُ.
إِلهِي قَدْ سَتَرْتَ عَلَيَّ ذُنُوباً فِي الدُّنْيَا ، وَأَنَا أَحْوَجُ إِلَىٰ سَتْرِهَا عَلَيَّ مِنْكَ فِي الْأُخْرَى إِلهِي قَدْ أَحْسَنْتَ إِلَيَّ إِذْ لَمْ تُظْهِرْهَا لِأَحَدٍ مِنْ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ فَلَا تَفْضَحْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُوسِ الْأَشْهَادِ.
إلهِي جُودُكَ بَسَطَ أَمَلِي ، وَعَفْوُكَ أَعْظَمُ مِنْ عَمَلِي إِلهِي فَسُرَّنِي بِلِقَائِكَ يَوْمَ تَقْضِي فِيهِ بَيْنَ عِبَادِكَ.
إِلهِي اعْتِدَارِي إِلَيْكَ اعْتِدَارُ مَنْ لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْ قَبُولِ عُذْرِهِ فَاقْبَلْ عُذْرِي يَا كَرِيمُ ، يَا أَكْرَمَ مَنِ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ الْمُسِيِّئُونَ.
إِلهِي لَا تَرُدَّ حَاجَتِي ، وَلَا تُخَيِّبْ طَمَعِي، وَلَا تَقْطَعْ مِنْكَ رَجَائِي وَأَمَلِي .
إِلهِي لَوْ أَرَدْتَ هَوانِي لَمْ تَهْدِنِي ، وَلَوْ أَرَدْتَ فَضِيحَتِي لَمْ تُعَافِنِي .إِلهِي مَا أَظُنُّكَ تَرُدُّنِي فِي حَاجَةٍ قَدْ أَفْنَيْتُ عُمْرِي فِي طَلَبِهَا مِنْكَ إِلهِي فَلَكَ الْحَمْدُ أَبَداً أَبَداً دَائِماً سَرْمَداً يَزِيدُ وَلَا يَبِيدُ كَمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى إِلهِي إِنْ أَخَذْتَنِي بِجُرْمِي أَخَذْتُكَ بِعَفْوِكَ ، وَإِنْ أَخَذْتَنِي بِذُنُوبِي أَخَذْتُكَ بِمَغْفِرَتِكَ وَإِنْ أَدْخَلْتَنِي النَّارَ أَعْلَمْتُ أَهْلَهَا أَنِّي أُحِبُّكَ .
إِلهِي إِنْ كَانَ قَدْ صَغُرَ فِي جَنْبِ طَاعَتِكَ عَمَلِي فَقَدْ كَبُرَ فِي جَنْبِ رَجَائِكَ أَمَلِي . إِلهِي كَيْفَ أَنْقَلِبُ مِنْ عِنْدِكَ بِالْخَيْبَةِ مَحْرُوماً وَقَدْ كَانَ حُسْنُ ظَنِّي بِجُودِكَ أَنْ تَقْلِبَنِي بِالنَّجَاةِ مَرْحُوماً ، إِلهِي وَقَدْ أَفْنَيْتُ عُمْرِي فِي شِرَّةِ السَّهْوِ عَنْكَ ، وَأَبْلَيْتُ شَبَابِي فِي سَكْرَةِ التَّبَاعُدِ مِنْكَ إِلهِي فَلَمْ أَسْتَيْقِظُ أَيَّامَ اغْتِرَارِي بِكَ ، وَرُكُونِي إِلَىٰ سَبِيلِ سَخَطِكَ .
إِلهِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدَيْكَ قَائِمٌ بَيْنَ يَدَيْكَ ، مُتَوَسِّلٌ بِكَرَمِكَ إِلَيْكَ إلهِي أَنَا عَبْدٌ أَتَنَصَّلُ إِلَيْكَ مِمَّا كُنْتُ أَواجِهَكَ بِهِ مِنْ قِلَّةِ اسْتِحْيَانِي مِنْ نَظَرِكَ . وَأَطْلُبُ الْعَفْوَ مِنْكَ إِذِ الْعَفْوُ نَعْتُ لِكَرَمِكَ.
إِلهِي لَمْ يَكُنْ لِي حَوْلٌ فَأَنْتَقِلَ بِهِ عَنْ مَعْصِيَتِكَ إِلا فِي وَقْتٍ أَيْقَظْتَنِي لِمَحَبَّتِكَ وَكَمَا أَرَدْتَ أَن أَكُونَ كُنْتُ فَشَكَرْتُكَ بِادْخَالِي فِي كَرَمِكَ ، وَلِتَطْهِيرِ قَلْبِي مِنْ أَوْسَاحَ الْغَفْلَةِ عَنْكَ.
إلهِي انظُرْ إِلَيَّ نَظَرَ مَنْ نَادَيْتَهُ فَأَجَابَكَ ، وَاسْتَعْمَلْتَهُ بِمَعُونَتِكَ فَأَطَاعَكَ ، يَا قَرِيباً لَا يَبْعُدُ عَنِ الْمُغْتَرُ بِهِ ، وَيَا جَواداً لَا يَبْخَلُ عَمَّنْ رَجا ثَوابَهُ إِلهِي هَبْ لِي قَلْباً يُدْنِيهِ مِنْكَ شَوْتُهُ ، وَلِسَاناً يُرْفَعُ إِلَيْكَ صِدْقُهُ ، وَنَظَراً يُقَرِّبُهُ مِنْكَ حَقُّهُ .
إِلهِي إِنَّ مَنْ تَعَرَّفَ بِكَ غَيْرُ مَجْهُولٍ ، وَمَنْ لَاذَ بِكَ غَيْرُ مَخْذُولٍ ، وَمَنْ أَقْبَلْتَ عَلَيْهِ غَيْرُ مَمْلُولٍ إِلهِي إِنَّ مَنِ انْتَهَجَ بِكَ لَمُسْتَنِيرٌ ، وَإِنَّ مَنِ اعْتَصَمَ بِكَ لَمُسْتَجِيرٌ وَقَدْ لُذْتُ بِكَ يَا إِلهِي فَلَا تُخَيِّبْ ظَنِّي مِنْ رَحْمَتِكَ وَلَا تَحْجُيْنِي عَنْ رَأْفَتِكَ إِلهِي أَقِمْنِي فِي أَهْلِ وِلَايَتِكَ مُقَامَ مَنْ رَجَا الزِّيَادَةَ مِنْ مَحَبَّتِكَ . إِلهِي وَأَلِهِمْنِي وَلَهَا بِذِكْرِكَ إِلى ذِكْرِكَ ، وَاجْعَلْ هَمِّي فِي رَوحٍ نَجَاحٍ أَسْمَائِكَ وَمَحَلٌ قُدْسِكَ . إنهى بِكَ عَلَيْكَ - أي أقسم - إِلَّا الْحَقْتَنِي بِمَحَلِّ أَهْلِ طَاعَتِكَ ، والْمَثْوَى الصَّالِحَ مِنْ مَرْضَاتِكَ فَإِنِّي لَا أَقْدِرُ لِنَفْسِي دَفْعاً ، وَلَا أَمْلِكُ لَهَا نَفْعاً.
إِلهِي أَنا عَبْدُكَ الضَّعِيفُ الْمُذْنِبُ ، وَمَمْلُوكُكَ الْمُنِيبُ فَلَا تَجْعَلْنِي مِمَّنْ صَرَفْتَ عَنْهُ وَجْهَكَ ، وَحَجَبَهُ سَهْوُهُ عَنْ عَفْوِكَ إِلهِي هَبْ لِي كَمَالَ الْانْقِطَاع إِلَيْكَ ، وَأَيْرٌ أَبْصَارَ قُلُوبِنَا بِضِيَاءِ نَظَرِهَا إِلَيْكَ حَتَّى تَخْرِقَ أَبْصَارُ الْقُلُوبِ حُجُبَالنُّورِ فَتَصِلَ إِلى مَعْدِنِ الْعَظَمَةِ وَتَصِيرَ أَرْواحُنَا مُعَلَّقَةٌ بِعِزَّ قُدْسِكَ .
إِلهِي وَاجْعَلْنِي مِمَّنْ نَادَيْتَهُ فَأَجَابَكَ ، وَلَاحَظْتَهُ فَصَعِقَ لِجَلَالِكَ فَنَاجَيْتَهُ سِرَّاً ، وَعَمِلَ لَكَ جَهْراً .
إِلهِي لَمْ أُسَلِّطْ عَلى حُسْنِ ظَنِّي قُنُوطَ الْأَيَاسِ ، وَلَا انْقَطَعَ رَجَائِي مِنْ جَمِيلِ كَرَمِكَ .
إلهِي إِنْ كَانْتِ الْخَطَايَا قَدْ أَسْقَطَتْنِي لَدَيْكَ فَاصْفَحْ عَنِّي بِحُسْنِ تَوَكُلِي عَلَيْكَ إِلهِي إِنْ حَطَّتْنِي الذُّنُوبُ مِنْ مَكَارِمِ لُطْفِكَ فَقَدْ نَبَّهَنِي الْيَقِينُ إِلَىٰ كَرَمِ عَفْوِكَ إِلهِي إِنْ أَنَامَتْنِي الْغَفْلَةُ عَنِ الْإِسْتِعْدادِ لِلقَائِكَ فَقَدْ نَبَّهَتْنِي الْمَعْرِفَةُ بِكَرَمِ آلاتِكَ إِلهِي إِنْ دَعَانِي إِلى النَّارِ عَظِيمُ عِقابِكَ فَقَدْ دَعَانِي إِلَى الْجَنَّةِ
جَزِيلُ ثَوابِكَ .
إلهِي فَلَكَ أَسْأَلُ وَإِلَيْكَ أَبْتَهِلُ وَأَرْغَبُ وَأَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَأَنْ تَجْعَلَنِي مِمَّنْ يُدِيمُ ذِكْرَكَ ، وَلَا يَنْقُضُ عَهْدَكَ ، وَلَا يَغْفُلُ عَنْ شُكْرِكَ ، وَلَا يَسْتَخِفُ بِأَمْرِكَ .
إِلهِي وَالْحِقْنِي بِنُورِ عِزّكَ الْأَبْهَجِ فَأَكُونَ لَكَ عَارِفاً ، وَعَنْ سِوَاكَ مُنْحَرِفاً ، وَمِنْكَ خَائِفاً مُراقباً ، يَا ذَا الْجَلَالِ والإِكْرامِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِهِ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً (1).
1) الصحيفة العلوية : 162 - 169 . إقبال الأعمال: 3 295 - 299. بحار الأنوار: 91 : 96 - 99 ، الحديث 13.
وهام الإمام (علیه السّلام) بذكر الله تعالى وعبادته فكان في جميع أوقات حياته يلهج بحمده ودعائه ، وقد ذكرنا عرضاً لأدعيته الجليلة كان يدعو بها في الليل والنهار ، وفي كل مناسبة مرّت عليه ، وبالإضافة لذلك فقد أثرت عنه أدعية خاصة كان يدعو بها في بحر الاسبوع كان منها ما يلي :
دُعاؤهُ عَلَيْهِ السَّلام
في يوم الجمعة
وقد ذكرناه في طليعة هذا الكتاب ، وقد حفل ببحوث كلامية عرضنا لشرحها وبيان بعضها .
الْحَمْدُ لِلَّهِ الذي قَرَنَ رَجَائِي بِعَفْوِهِ ، وَفَسَحَ أَمَلِي بِحُسْنِ تَجَاوُزِهِ وَصَفْحِهِ ، وَقَوَّى مَثْنِي وَظَهْرِي وَسَاعِدِي وَيَدِي بِمَا عَرَّفَنِي مِنْ جُودِهِ وَكَرَمِهِ ،
وَلَمْ يُخْلِنِي مَعَ مَقَامِي عَلَى مَعْصِيَتِهِ وَتَقْصِيرِي فِي طَاعَتِهِ ، وَمَا يَحِقُ عَلَيَّ مِن اعْتِقَادِ خَشْيَتِهِ ، وَاسْتِشْعَارِ خِيفَتِهِ مِنْ تَواتُرِ مِنَنِهِ ، وَتَظَاهُرِ نِعَمِهِ .
وَسُبْحَانَ اللَّهِ الَّذِي يَتَوَكَّلُ كُلُّ مُؤْمِنٍ عَلَيْهِ ، وَيَضْطَرُّ كُلُّ جَاحِدٍ إِلَيْهِ ، وَلَا يَسْتَغْنِي أَحَدٌ إِلَّا بِفَضْلِ مَا لَدَيْهِ .
وَلَا إِلهَ إِلَّا اللهُ الْمُقْبِلُ عَلَى مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ ، وَالتَّوَّابُ عَلَى مَنْ تَابَ إِلَيْهِ مِنْ عَظِيمٍ ذَنْبِهِ ، السَّاخِطُ عَلَى مَنْ قَنِطَ مِنْ واسِع رَحْمَتِهِ وَيَئِسَ مِنْ عَاجِلِ رَوْحِهِ ، وَاللهُ أَكْبَرُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَمَالِكُهُ ، وَمُبِيدُ كُلِّ شَيْءٍ وَمُهْلِكُهُ .
واللهُ أَكْبَرُ كَبِيراً كَمَا هُوَ أَهْلُهُ وَمُسْتَحِقُهُ.
اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَنَبِيِّكَ وَرَسُولِكَ وَأَمِيْنكَ وَشَاهِدِكَ التَّقِيّ النَّقِيِّ ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ .
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ سُؤالَ مُعْتَرِفٍ بِذَنْبِهِ ، نَادِمِ عَلَى اقْتِرَافِ تَبِعَتِهِ ، وَأَنْتَ أَوْلَىٰ مَنِ اعْتُمِدَ وَعَفَا ، وَجَادَ بِالْمَغْفِرَةِ عَلَى مَنْ ظَلَمَ ، فَقَدْ أَوْبَقَتْنِي الذُّنُوبُ فِي مَهَاوِي الْهَلَكَةِ ، وَأَحَاطَتْ بِيَ الْآثَامُ وَبَقِيْتُ غَيْرَ مُسْتَقِل بِهَا ، وَأَنْتَ الْمُرْتَجِى وَعَلَيْكَ الْمُعَوَّلُ فِي الشَّدَّةِ وَالرِّخَاءِ ، وَأَنْتَ مَلْجَأُ الْخَائِفِ الْغَرِيقِ ، وَأَرْأَفُ مِنْ كُلِّ شَفِيقٍ ، وَإِلَيْكَ قَصَدْتُ سَيِّدِي ، وَأَنْتَ مُنْتَهى الْقَصْدِ لِلْقَاصِدِينَ ، وَأَرْحَمُ مَنِ اسْتَرْحِمَ فِي تَجَاوُزِكَ عَنِ الْمُذْنِبِينَ .
اللَّهُمَّ أَنْتَ الَّذِي لَا يَتَعَاظَمُكَ غُفْرانُ الذُّنُوبِ ، وَكَشْفُ الْكُرُوبِ ، وَأَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ ، وَسَتَّارُ الْعُيُوبِ ، وَكَفَّافُ الْكُرُوبِ ، لِأَنَّكَ الْبَاقِي الرَّحِيمُ الَّذِي
تَسَرْبَلْتَ بِالرُّبُوبِيَّةِ ، وَتَوَحَدْتَ بِالإلهية.
ومن بنود هذا الدعاء قوله :
إِلهِي أَتَقَرُّبُ إِلَيْكَ بِسَعَةِ رَحْمَتِكَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ، فَقَدْ تَرَىٰ يَا رَبِّ مَكَانِي ، وَتَطَّلِعُ عَلَى ضَمِيرِي ، وَتَعْلَمُ سِرِّي ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ أَمْرِي ، وَأَنْتَ أَقْرَبُ إِلَيَّ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ، فَتُبْ عَلَيَّ تَوْبَةٌ لَا أَعُودُ بَعْدَهَا فِيمَا يُسْخِطُكَ ، واغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً لَا أَرْجِعُ مَعَهَا إِلَى مَعْصِيَتِكَ يَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ .
إِلهِي أَنْتَ الَّذِي أَصْلَحْتَ قُلُوبَ الْمُفْسِدِينَ ، فَصَلَحَتْ بِإِصْلَاحِكَ إِيَّاهَا فَأَصْلِحْنِي بِإِصْلَاحِكَ ، وَأَنْتَ الَّذِي مَنَنْتَ عَلَى الضَّالِّينَ فَهَدَيْتَهُمْ بِرُشْدِكَ عَنِ الضَّلَالَةِ ، وَعَلَى الْجَاحِدِينَ عَنْ قَصْدِكَ فَسَدَّدْتَهُمْ ، وَقَوَّمْتَ مِنْهُمْ عَثَرَ الزَّلَلِ فَمَنَحْتَهُمْ مَحَبَّتَكَ وَجَنَّبْتَهُمْ مَعْصِيَتَكَ ، وَأَدْرَجْتَهُمْ دَرَجَ الْمَغْفُورِ لَهُمْ ، وَأَحْلَلْتَهُمْ مَحَلَّ الْفَائِزِينَ ، فَأَسْأَلُكَ يَا مَوْلاي أَنْ تُلْحِقَنِي بِهِمْ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .
اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَأَنْ تَرْزُقَنِي رِزْقاً وَاسِعاً حَلَالاً طَيِّباً فِي عَافِيَةٍ ، وَعَمَلاً يُقَرِّبُ إِلَيْكَ يَا خَيْرَ مَسْقُولٍ .
اللَّهُمَّ وَأَتَضَرَّعُ إِلَيْكَ ضَرَاعَةَ مُقِرٌّ عَلى نَفْسِهِ بِالْهَفَواتِ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ يَا تَوَّابُ ، فَلَا تَرُدَّنِي خَائِباً مِنْ جَزِيلِ عَطَائِكَ يَا وَهَّابُ ، فَقَدِيماً جُدْتَ عَلَى الْمُذْنِبِينَ بِالْمَغْفِرَةِ ، وَسَتَرْتَ عَلى عَبِيدِكَ قَبِيحَاتِ الْفِعَالِ ، يَا جَلِيلُ ، يَا مُتَعَالِ ، أَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِمَنْ أَوْجَبْتَ حَقَّهُ عَلَيْكَ إِذْ لَمْ يَكُنْ لِي مِنَ الْخَيْرِ مَا أَتَوَجَّهُ بِهِ
إِلَيْكَ ، وَحَالَتِ الذُّنُوبُ بَيْنِي وَبَيْنَ الْمُحْسِنِينَ ، وَإِذْ لَمْ يُوجِبْ لِي عَمَلِي مُرافَقَةَ النَّبِيِّينَ فَلَا تَرُدَّ سَيِّدِي تَوَجُهِي بِمَنْ تَوَجَّهْتُ ، أَتَخْذُلُنِي يَا رَبِّ وَأَنْتَ أَمَلِي ، أَمْ تَرُدُّ يَدِي صِفْراً مِنَ الْعَفْوِ وَأَنْتَ مُنْتَهى رَغْبَتِي ، يَا مَنْ هُوَ مَوْجُودٌ مَعْرُوفٌ بِالْجُودِ ، وَالْخَلْقُ لَهُ عَبِيدٌ وَإِلَيْهِ مَرَدُّ الْأُمُورِ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَجُدْ عَلَيَّ بِإِحْسَانِكَ الَّذِي فِيهِ الْغِنى عَنِ الْقَرِيبِ والْبَعِيدِ والأَعْداءِ والْإخْوانِ والْأَخَواتِ وَالْحِقْنِي بِالَّذِينَ غَمَرْتَهُمْ بِسَعَةِ تَطَوُّلِكَ وَكَرَامَتِكَ لَهُمْ ، وَتَطَوُّلِكَ عَلَيْهِمْ ، وَجَعَلْتَهُمْ أَطَابَ أَبْراراً أَنْقِياءَ أَخْبَاراً ، وَلِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي دَارِكَ جِيراناً ، وَاغْفِرْ لِي وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ مَعَ الْآبَاءِ والأمَّهَاتِ والْإِخْوَةِ والْأخَواتِ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ (1).
كان الإمام (علیه السّلام) يدعو بهذا الدعاء في يوم الأحد وهذا نصه :
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى حِلْمِهِ وَأَنَاتِهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى عِلْمِي بِأَنَّ ذَنْبِي وَإِنْ كَبُرَ صَغِيرٌ فِي جَنْبِ عَفْوِهِ ، وَجُرْمِي وَإِنْ عَظُمَ حَقِيرٌ عِنْدَ رَحْمَتِهِ
1) الصحيفة العلوية : 450 - 455. بحار الأنوار : 87: 146 - 148 ، الحديث .9 . البلد الأمين : 96 و 97 . مصباح المتهجد : 300 - 305 .
وَسُبْحَانِ اللَّهِ الَّذِي رَفَعَ السَّمَواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ ، وَأَنْشَأَ جَنَّاتِ الْمَأْوَى بِلَا أَمَدٍ ، وَخَلَقَ الْخَلَائِقَ بِلَا ظَهِيرٍ وَلَا سَنَدٍ .
وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمُنْذِرُ مَنْ عَنَدَ عَنْ طَاعْتِهِ ، وَعَلَى عَنْ أَمْرِهِ ، والْمُحَذِّرُ مَنْ لَجَّ فِي مَعْصِيَتِهِ ، واسْتَكْبَرَ عَنْ عِبَادَتِهِ ، والْمُعْذِرُ إِلَى مَنْ تَمَادَى فِي غَيِّهِ وَضَلَالَتِهِ ، لِتَنْبِيْتِ حُجَّتِهِ عَلَيْهِ ، وَعِلْمِهِ بِسُوءٍ عَاقِبَتِهِ .
واللهُ أَكْبَرُ الْجَوادُ الْكَرِيمُ الَّذِي لَيْسَ لِقَدِيمِ إِحْسَانِهِ ، وَعَظِيمِ امْتِنَانِهِ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ نِهَايَةٌ ، وَلَا لِقُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ عَلَى بَرِيَّتِهِ غَايَةٌ .
اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ كَأَفْضَل مَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ .
اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ سُؤالَ مُذْنِبٍ أَوْبَفَتْهُ مَعَاصِيهِ فِي ضِيْقِ الْمَسَالِكِ ، وَلَيْسَ لَهُ مُجِيرٌ سِواكَ ، وَلَا لَهُ أَمَلٌ غَيْرُكَ ، وَلَا مُغِيتٌ أَرْأَفُ بِهِ مِنْكَ ، وَلَا مُعْتَمَدٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ غَيْرُكَ ، أَنْتَ مَوْلَايَ الَّذِي جُدْتَ بِالنِّعَمِ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهَا وَأَمَّلْتَهَا بِتَطَوُّلِكَ غَيْرَ مُؤَهِّلِيهَا ، وَلَمْ يَعِزَّكَ مَنْعٌ ، وَلَا أَعْداكَ إِعْطَاءٌ وَلَا أَنْفَدَ سَعَتَكَ سُؤالُ مُلِعٌ ، بَلْ أَرَدْتَ أَرْزاقَ عِبَادِكَ تَطَوُّلاً مِنْكَ عَلَيْهِمْ.
اللهُمَّ كَلَّتِ الْعِبَارَةُ عَنْ بُلُوغ مِدْحَتِكَ ، وَهَفَتِ الْأَلْسُنُ عَنْ نَشْرِ مَحَامِدِكَ وَتَفَضُلِكَ ، وَقَدْ تَعَمَّدْتُكَ بِقَصْدِي إِلَيْكَ ، وَإِنْ أَحَاطَتْ بِيَ الذُّنُوبُ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ، وَأَكْرَمُ الْأَكْرَمِينَ ، وَأَجْوَدُ الْأَجْوَدِينَ ، وَأَنْعَمُ الرَّازِقِينَ ، وَأَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ ، وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ، أَجَلُ وَأَعَزُّ وَأَرْأَفُ مِنْ أَنْ
تَرُدَّ مَنْ أَمَّلَكَ وَرَجَاكَ ، وَطَمِعَ فِيمَا عِنْدَكَ ، فَلَكَ الْحَمْدُ يَا أَهْلَ الْحَمْدِ .
إلهِي إِنِّي جُرْتُ عَلَى نَفْسِي فِي النَّظَرِ لَهَا ، وَسَالَمْتُ الْأَيَّامَ بِاقْتِرافِ الْآثَامِ ، وَأَنْتَ وَلِيُّ الْإِنْعَامِ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ، فَمَا بَقِيَ إِلَّا نَظَرُكَ لَهَا ، فَاجْعَلْ مَرَدَّهَا مِنْكَ بِالنَّجَاحِ ، وَأَجْمِلِ النَّظَرَ مِنْكَ لَهَا بِالْفَلَاحِ ، فَأَنْتَ الْمُعْطِي النَّفَاحُ ذُو الآلاءِ وَالنَّعَمِ وَالسَّمَاحِ ، يَا فَالِقَ الْإِصْبَاح ، إِمْنَحْهَا سُؤْلَهَا وَإِنْ لَمْ تَسْتَحِقَّ يَا غَفَّارُ .
اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي تُمْضِي بِهِ الْمَقَادِيرَ ، وَبِعِزَّتِكَ الَّتِي تُتِمُ بِهِ النَّدابِيرَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَتَرْزُقَنِي رِزْقاً وَاسِعاً حَلَالاً طَيِّباً مِنْ فَضْلِكَ وَأَنْ لَا تَحُولَ بَيْنِي وَبَيْنَ مَا يُقَرِّبُنِي مِنْكَ يَا حَنَّانُ يَا مَنَّانُ.
اللَّهُمَّ وَأَدْرِجْنِي فِيمَنْ أَبَحْتَ لَهُ مِنْ غُفْرَائِكَ وَعَفْوِكَ وَرِضَاكَ ، وَأَسْكَنْتَهُ جِنَانَكَ بِرَأْفَتِكَ وَطَوْلِكَ وَامْتِنَائِكَ .
يَا إِلهِي أَنْتَ أَكْرَمْتَ أَوْلِيَاءَكَ بِكَرامَتِكَ فَأَوْجَبْتَ لَهُمْ حِيَاطَتَكَ ، وَأَظْلَلْتَهُمْ بِرِعَايَتِكَ مِنَ التَّتَابُعِ فِي الْمَهَالِكِ ، وَأَنَا عَبْدُكَ فَأَنْقِذْنِي ، وَأَلْبِسْنِي الْعَافِيَةَ ، وَإِلَى طَاعَتِكَ فَمِلْ بِي ، وَعَنْ طُغْيَانِكَ وَمَعَاصِيكَ فَرُدُّنِي ، فَقَدْ عَجَّتْ إِلَيْكَ الأَصْواتُ بِضُرُوبِ اللُّغَاتِ يَسْأَلُونَكَ الْحَاجَاتِ الَّتِي تُرْتَجِى لِمَحْقِ الْعُيُوبِ وَغُفْرانِ الذُّنُوبِ يَا عَلَّامَ الْغُيُوبِ .
اللهُمَّ إِنِّي أَسْتَهْدِيكَ فَاهْدِنِي ، وَأَعْتَصِمُ بِكَ فَاعْصِمْنِي ، وَأَدْ عَنِّي حُقُوقَكَ عَلَيَّ إِنَّكَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ، وَاصْرِفْ عَنِّي شَرَّ كُلِّ ذِي شَرٌّ إِلَى خَيْرِ مَا لَا يَمْلِكُهُ أَحَدٌ سِواكَ ، واحْتَمِلْ عَنِّى مُفْتَرَضَاتِ حُقُوقِ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ ،
واغْفِرْ لِي وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ والْإِخْوَةِ وَالْأَخَواتِ والْقَرَابَاتِ يَا وَلِيَّ الْبَرَكَاتِ وَعَالِمَ الْخَفِيَّاتِ (1).
وكان الإمام (علیه السّلام) يدعو بهذا الدعاء في يوم الاثنين ، وهو :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ ، وَأَكْرَمَنِي بِالْإِيمَانِ ، وَبَصَّرَنِي فِي الدِّيْنِ ، وَشَرَّفَنِي بِالْيَقِينِ ، وَعَرَّفَنِي الْحَقِّ الَّذِي عَنْهُ يُؤْفَكُونَ ، وَالنَّبَأَ الْعَظِيمَ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ .
وَسُبْحَانَ اللهِ الَّذِي يَرْزُقُ الْقَاسِط والْعَادِلَ ، والْعَاقِلَ والْجَاهِلَ ، وَيَرْحَمُ السَّاهِيَ وَالْغَافِلَ ، فَكَيْفَ الدَّاعِيَ السَّائِلَ .
وَلَا إِلهَ إِلَّا اللهُ اللَّطِيفُ بِمَنْ شَرَدَ عَنْهُ مِنْ مُسْرِفِي عِبَادِهِ لِيَرْجِعَ عَنْ عُتُوِّ وَعِنَادِهِ ، الرَّاضِي مِنَ الْمُنِيبِ الْمُخْلِصِ بِدُونِ الْوُسْع وَالطَّاقَةِ .
واللهُ أَكْبَرُ الْحَلِيمُ الْعَلِيمُ ، الَّذِي لَهُ فِي كُلِّ صِنْفِ مِنْ غَرَائِبِ فِطْرَتِهِ ، وَعَجَائِبِ صَنْعَتِهِ آيَةٌ بَيْنَةٌ تُوْجِبُ لَهُ الرُّبُوبِيَّةَ ، وَعَلَىٰ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ غَوامِضِ
1) الصحيفة العلوية : 455 - 459 مصباح المتهجد : 310 - 312 . البلد الأمين : 106 - 107 . بحار الأنوار: 87: 160 و 161 ، الحديث 13.
تَقْدِيرِهِ وَحُسْنِ تَدْبِيرِهِ دَلِيلٌ واضِحٌ، وَشَاهِدٌ عَدْلٌ يَقْضِيَانِ لَهُ بِالْوَحْدانِيَّةِ .
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ يَا مَنْ يَصْرِفُ الْبَلَايَا ، وَيَعْلَمُ الْخَفَايَا ، وَيُجْزِلُ الْعَطَايَا ، سُؤالَ نَادِمِ عَلَى اقْتِرافِ الْآثَامِ ، وَسَالِمٍ عَلَى الْمَعَاصِي مِنَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ؛ إِذْ لَمْ يَجِدْ مُجِيراً سِواكَ لِغُفْرانِهَا ، وَلَا مُوْئِلاً يَفْزَعُ إِلَيْهِ لِارْتِجَاءِ كَشْفِ فَاقَتِهِ إِلَّا إِيَّاكَ يَا جَلِيلُ ، الَّذِي عَمَّ الْخَلَائِقَ مَنكَ ، وَغَمَرَتْهُمْ سَعَةُ رَحْمَتِكَ ، وَسَوَّعَتْهُمْ سَوابِغُ نِعْمَتِكَ ، يَا كَرِيمَ الْمَآبِ ، والْجَوادَ الْوَهَّابَ ، والْمُنْتَقِمَ مِمَّنْ عَصَاهُ بِأَلِيمِ الْعَذَابِ ، دَعَوْتُكَ مُقِرّاً بِالْإِسَاءَةِ عَلَى نَفْسِي ؛ إِذْ لَمْ أَجِدْ مَلْجَأَ أَلْجَا إِلَيْهِ فِي اغْتِفَارِ مَا اكْتَسَبْتُ مِنَ الْآثَامِ ، يَا خَيْرَ مَنِ اسْتُدْعِيَ لِبَذْلِ الرَّغَائِبِ ، وَأَنْجَحَ مَأْمُولٍ لِكَشْفِ اللُّوازِبِ ، لَكَ عَنَتِ الْوُجُوهُ فَلَا تَرُدَّنِي مِنْكَ بِالْحِرْمَانِ ، إِنَّكَ تَفْعَلُ مَا تَشَاءُ ، وَتَحْكُمُ مَا تُرِيدُ .
إلهِي وَسَيِّدِي وَمَوْلَايَ ، أَيَّ رَبِّ أَرْتَجِيهِ ، أَمْ أَيَّ إِلهِ أَقْصِدُهُ ، إِذا أَلَمَّ بِيَ النَّدَمُ ، وَأَحَاطَتْ بِيَ الْمَعَاصِي ، وَنَكَائِبُ خَوْفِ النَّقَمِ ، وَأَنْتَ وَلِيُّ الصَّفْحِ ، وَمَأْوَى الْكَرَمِ؟
إلهِي أَتُقِيمُنِي مَقَامَ التَّهَتُكِ وَأَنْتَ جَمِيلُ السِّتْرِ، وَتَسْأَلُنِي عَنِ اقْتَرافِي لِلسَّيِّئَاتِ عَلى رُؤُوسِ الْأَشْهَادِ ، وَقَدْ عَلِمْتَ مَخْبِيَّاتِ السِّرِّ ، فَإِنْ كُنْتُ يَا إِلهِي مُسْرِفاً عَلى نَفْسِي ، مُخْطِناً عَلَيْهَا ، بِانْتِهَاكِ الْحُرُمَاتِ ، ناسِياً لِمَا اجْتَرَمْتُ مِنَ الْهَفَواتِ ، فَأَنْتَ لَطِيفٌ تَجُودُ عَلَى الْمُسْرِفِينَ بِرَحْمَتِكَ، وَتَتَفَضَّلُ عَلَى الْخَاطِئِينَ بِكَرَمِكَ ، فَأَرْحَمْنِي يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ، فَإِنَّكَ تُسَكِّنُ يَا إِلهِي بِتَحَنُتِكَ رَوْعَاتِ قُلُوبِ الْوَجِلِينَ ، وَتُحَقِّقُ بِتَطَوُّلِكَ أَمَلَ الْآمِلِينَ ، وَتُفِيضُ
سِجَالَ عَطَايَاكَ عَلَى غَيْرِ الْمُسْتَأْهِلِينَ ، فَآمِنِّي بِرَجَاءٍ لَا يَشُوبُهُ قُنُوطٌ ، وَأَمَلٍ لَا يُكَدِّرُهُ يَأْسٌ ، يَا مُحِيطاً بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً .
وَقَدْ أَصْبَحْتُ سَيِّدِي وَأَمْسَيْتُ عَلَى بَابِ مِنْ أَبْوَابِ مِنَحِكَ سَائِلاً ، وَعَنِ التَّعَرُّضِ لِسِواكَ بِالْمَسْأَلَةِ عَادِلاً ، وَلَيْسَ مِنْ جَمِيلِ امْتِنَانِكَ رَدُّ سَائِلِ مَأْسُورٍ مَلْهُوفٍ ، وَمُضْطَرَّ لِانْتِظَارِ خَيْرِكَ الْمَأْلُوفِ .
إلهِي أَنْتَ الَّذِي عَجَزَتِ الْأَوْهَامُ عَنِ الْإِحَاطَةِ بِكَ ، وَكَلَّتِ الْأَلْسُنُ عَنْ نَعْتِ ذاتِكَ ، فَبِلَائِكَ وَطَوْلِكَ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي ، وَأَوْسِعْ عَلَيَّ مِنْ فَضْلِكَ الْوَاسِع رِزْقاً وَاسِعاً حَلَالاً طَيِّباً فِي عَافِيَةٍ ، وَأَقِلْنِي لْعَشْرَةَ يَا غَايَةَ الْآمِلِينَ ، وَجَبَّارَ السَّمَواتِ َوالْأَرَضِينَ ، والْبَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ ، وَدَيَّانَ يَوْمِ الدِّينِ ، وَأَنْتَ يَا مَوْلَايَ ثِقَةٌ مَنْ لَمْ يَثِقٌ بِنَفْسِهِ لِافْرَاطِ خَلَلِهِ ، وَأَمَلُ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَأَميلٌ لِكَثْرَةِ زَلَلِهِ ، وَرَجَاءُ مَنْ لَمْ يَرْتَجِ لِنَفْسِهِ بِوَسِيلَةِ عَمَلِهِ.
إلهِي فَأَنْقِذْنِي بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْمَهَالِكِ ، وَنَجِّنِي يَا مَوْلَايِ مِنْ ضِيقِ الْمَسَالِكِ ، وَأَحْلِلْنِي دَارَ الْأَخْيَارِ ، وَاجْعَلْنِي مُرَافِقَ الْأَبْرَارِ، وَاغْفِرْ لِي ذُنُوبَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، يَا مُطَّلِعاً عَلَى الْأَسْرارِ .
واحْتَمِلْ عَنِّي مَوْلَاي أَداءَ مَا افْتَرَضْتَ عَلَيَّ لِلْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ ، وَالْإِخْوانِ والْأَخَواتِ بِلُطْفِكَ وَكَرَمِكَ يَا ذَا الْجَلَالِ والإِكْرَامِ ، وَأَشْرِكْنَا فِي دُعَاءِ مَنِ اسْتَجَبْتَ لَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ إِنَّكَ عَالِمٌ جَوادٌ كَرِيمٌ وَهَّابٌ ، وَصَلَّى اللهُ
عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً (1).
وكان إمام المتقين (علیه السّلام) يدعو الله تعالى بهذا الدعاء في يوم الثلاثاء :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيَّ بِاسْتِحْكَامِ الْمَعْرِفَةِ وَالْإِخْلَاصِ بِالتَّوْحِيدِ لَهُ ، وَلَمْ يَجْعَلْنِي مِن أَهْلِ الْغِوَايَةِ وَالْغَبَاوَةِ والشَّكِ والشِّرْكِ ، وَلَا مِمَّن اسْتَحْوَذَ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ فَأَغْواهُ وَأَضَلَّهُ ، وَاتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ .
وَسُبْحَانَ اللَّهِ الَّذِي يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ ، وَيَكْشِفُ الضُّرَّ ، وَيَعْلَمُ السِّرَّ ، وَيَمْلِك الْخَيْرَ وَالشَّرَّ.
وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الَّذِي يَحْلُمُ عَنْ عَبْدِهِ إِذا عَصَاهُ ، وَيَتَلَقَّاهُ بِالْإِسْعَافِ وَالتَّلْبِيَةِ إذا دَعَاهُ.
واللهُ أَكْبَرُ الْبَسِيطُ مُلْكُهُ، الْمَعْدُومُ شِرْكَهُ، الْمَجِيدُ عَرْشُهُ، الشَّدِيدُ بَطْشُه.
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ سُؤالَ مَنْ لَمْ يَجِدْ لِسُوَالِهِ مَسْؤُولاً سِواكَ ، وَأَعْتَمِدُ عَلَيْكَ اعْتِمَادَ مَنْ لَمْ يَجِدْ لاِعْتِمَادِهِ مُعْتَمَداً غَيْرَكَ لِأَنَّكَ الْأَوَّلُ الَّذِي ابْتَدَأْتَ الْإِبْتِدَاءَ
1) الصحيفة العلوية : 460 - 464. البلد الأمين : 114 و 115 . بحار الأنوار: 87 :171 و 172 ، الحدیث 20 .
فَكَوَّنْتَهُ بِأَيْدِي تَلَطْفِكَ فَاسْتَكَانَ عَلَى مَشِيَّتِكَ مُنْشَأْ كَمَا أَرَدْتَ بِإِحْكَام التَّقْدِيرِ. وَأَنْتَ أَعَزُّ وَأَجَلُ مِنْ أَنْ تُحِيطَ العُقُولُ بِمَبْلَغ وَصْفِكَ ، أَنْتَ الْعَالِمُ الَّذِي لا يَعْزُبُ عَنْكَ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ ، والْجَوادُ الَّذِي لَا يُبَخّلُك إِلْحَاحُ الْمُلِحِينَ ، فَإِنَّمَا أَمْرُكَ لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْتَهُ أَنْ تَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، أَمْرُكَ مَاضٍ ، وَوَعْدُكَ حَتْمٌ ، وَحُكْمُكَ عَدْلٌ ، لَا يَعْزُبُ عَنْكَ شَيْءٌ ، وَإِلَيْكَ مَرَدُّ كُلِّ شَيْءٍ ، إِحْتَجَبْتَ بِآلَائِكَ فَ تُرَ ، وَشَهِدْتَ كُلَّ نَجْوى ، وَتَعَالَيْتَ عَلَى الْعُلى ، وَتَفَرَّدْتَ بِالْكِبْرِيَاءِ ، وَتَعَزَّزْتَ بِالْقُدْرَةِ وَالْبَقَاءِ ، فَلَكَ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ والأولى ، وَلَكَ الشُّكْرُ فِي الْبَدْءِ والْعُقبى ، أَنْتَ إِلهِي حَلِيمٌ قَادِرٌ ، رَؤُوفٌ غَافِرٌ ، وَمَلِكَ قَاهِرٌ ، وَرازِقٌ بَدِيعٌ ، مُجِيبٌ سَمِيعٌ ، بِيَدِكَ نَواصِي الْعِبَادِ وَنَواحِي الْبِلَادِ ، حَيٌّ قَيُّومٌ ، جَوادٌ مَاجِدٌ ، كَرِيمٌ رَحِيمٌ .
أَنْتَ إِلهِي الْمَالِكُ الَّذِي مَلَكْتَ الْمُلُوكَ فَتَواضَعَ لِهَيْبَتِكَ الْأَعِزَاءُ ، وَدانَتْ لَكَ بِالطَّاعَةِ الْأَوْلِيَاءُ ، فَاحْتَوِيْتَ بِإِلَهِيَّتِكَ عَلَى الْمَجْدِ وَالثَّنَاءِ ، وَلَا يَؤُودُكَ حِفْظُ خَلْقِكَ ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ، سَتَرْتَ عَلَيَّ عُيُوبِي وَأَحْصَيْتَ عَلَيَّ ذُنُوبِي ، وَأَكْرَمْتَنِي بِمَعْرِفَةِ دِينِكَ ، وَلَمْ تَهْتِكَ عَنِّي جَمِيلَ سِتْرِكَ يَا حَنَّانُ ، وَلَمْ تَفْضَحْنِي يَا مَنَّانُ ، أَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَأَنْ تُوَسِّعَ عَلَيَّ مِنْ فَضْلِكَ الواسع رِزْقاً حَلَالاً طَيِّباً ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوباً حَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بِاقْتِرافِي لَهَا فَأَنْتَ أَهْل أَنْ تَجُودَ عَلَيَّ بِسَعَةِ رَحْمَتِكَ ، وَتُنْقِذَنِي مِنْ ألِيمِ عُقُوبَتِكَ ، وَتُدْرِجَنِي دَرَجَ الْمُكْرَمِينَ ، وَتُلْحِقَنِي مَوْلَايَ بِالصَّالِحِينَ مَعَ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ : سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ
تَعْمَلُونَ ، بِصَفْحِكَ وَتَغَمُّدِكَ يَا رَؤُوفُ يَا رَحِيمُ .
يَا رَبِّ وَأَسْأَلُكَ الصَّلَاةَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَأَنْ تَحْتَمِلَ عَنِّي وَاجِبَ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَأَدَّ حُقُوقَهُمْ عَنِّي ، وَالْحِقْنِي مَعَهُمْ بِالْأَبْرَارِ وَالْمُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ ، وَاغْفِرْ لِي وَلَهُمْ جَمِيعاً إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ أَجْمَعِينَ (1).
من أدعية الإمام (علیه السّلام) في يوم الأربعاء هذا الدعاء :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَرْضَاتُهُ فِي الطَّلَبِ إِلَيْهِ ، والْتِمَاسِ مَا لَدَيْهِ ، وَسَخَطُهُ فِي تَرْكِ الْإِلْحَاحِ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَيْهِ .
وَسُبْحَانَ اللَّهِ شَاهِدِ كُلِّ نَجْوِى بِعِلْمِهِ ، والْمُبايِنِ لِكُلِّ ذِي جِسْم وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الَّذِي لَا يُدْرَكُ بِالْعُيُونِ وَالْأَبْصَارِ ، وَلَا يُجْهَلُ بِالْعُقُولِ وَالْأَلْبَابِ ، وَلَا يَخْلُو مِنَ الضَّمِيرِ وَيَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ .
واللهُ أَكْبَرُ الْمُتَجَلَّلُ عَنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، الْمُطَّلِعُ عَلَى مَا فِي قُلُوبِ
1) الصحيفة العلوية : 464 - 468 . البلد الأمين : 121 . بحار الأنوار: 87: 183 - 185 ، الحديث 23 .
الْخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ.
اَللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ سُؤالَ مَنْ لَا يَمَلُّ دُعَاءَ رَبِّهِ ، وَأَتَضَرُّعُ إِلَيْكَ تَضَرُّعَ غَرِيقٍ يَرْجُو كَشْفَ كَرْبِهِ ، وَأَبْتَهِلُ إِلَيْكَ ابْتِهَالَ تَائِبٍ مِنْ ذُنُوبِهِ وَخَطَايَاهُ ، وَأَنْتَ الرَّؤُوفُ الَّذِي مَلَكْتَ الْخَلَائِقَ كُلَّهُمْ ، وَفَطَرْتَهُمْ أَجْنَاساً مُخْتَلِفَاتِ الْأَلْوانِ والْأَقْدارِ عَلى مَشِيَّتِكَ ، وَقَدَّرْتَ أَجَالَهُمْ وَأَرْزَاقَهُمْ ، فَلَمْ يَتَعاظَمْكَ خَلْقُ خَلْقٍ حَتَّى كَوْنتَهُ كَمَا شِئْتَ فَتَعَالَيْتَ وَتَجَبَّرْتَ عَنِ اتَّخِاذِ وَزِيرٍ ، وَتَعَزَّزْتَ مِنْ مُوْامَرَةِ شَرِيكٍ ، وَتَنَزَّهْتَ عَن اتِّخَاذِ الْأَبْنَاءِ ، وَتَقَدَّمْتَ عَنْ مُلَامَسَةِ النِّسَاءِ ، فَلَيْسَتِ الْأَبْصَارُ بِمُدْرِكَةٍ لَكَ ، وَلَا الْأَوْهَامُ بِواقِعَةٍ عَلَيْكَ ، وَلَيْسَ لَكَ شَرِيكَ وَلَا نِدٌ ، وَلَا عَدِيلٌ وَلَا نَظِيرٌ ، أَنْتَ الْفَرْدُ الْواحِدُ الدَّائِمُ ، الْأَوَّلُ والْآخِرُ ، والْعَالِمُ الْأَحَدُ ، الصَّمَدُ الْقَائِمُ ، الَّذِي لَمْ تَلِدْ وَلَمْ تُولَدٌ ، وَلَمْ يَكُنْ لَكَ كُفُواً أَحَدٌ ، لَا تُوصَفُ بِوَصْفٍ ، وَلَا تُدْرَكُ بِوَهُم ، وَلَا يُغَيِّرُكَ فِي مَرَّ الدَّهُورِ صَرْفٌ ، كُنْتَ أَزَلِيّاً لَمْ تَزَلْ ، وَلَا تَزالُ ، وَعِلْمُكَ بِالْأَشْيَاءِ فِي الْخَفَاءِ كَعِلْمِكَ بِهَا فِي الْإِجْهَارِ والإعْلَانِ ، فَيَا مَنْ ذَلَّتْ لِعَظَمَتِهِ الْعُظَمَاءُ ، وَخَضَعَتْ لِعِزَّتِهِ الرُّؤَسَاءُ ، وَمَنْ كَلَّتْ عَنْ بُلُوغ ذاتِهِ الْسُنُ الْبُلَغَاءِ ، وَمَنْ أَحْكَمَ تَدْبِيرَ الْأَشْيَاءِ ، وَاسْتَعْجَمَتْ عَنْ إِدْراكِهِ عِبَارَةُ عُلُومِ الْعُلَمَاءِ.
يَا سَيِّدِي أَتُعَذِّيُنِي بِالنَّارِ وَأَنْتَ أَمَلِي ، أَوْ تُسَلِّطْهَا عَلَيَّ بَعْدَ إِقْرَارِي لَكَ بِالتَّوْحِيدِ ، وَخُضُوعِي وَخُشُوعِي لَكَ بِالسُّجُودِ ، أَوْ تُلَجْلِجُ لِسَانِي فِي الْمَوْقِفِ ، وَقَدْ مَهَّدْتَ لِي بِمَنَّكَ سُبُلَ الْوُصُولِ إِلَى التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّمْجِيدِ ، فَيَا غَايَةَ الطَّالِبِينَ ، وَأَمَانَ الْخَائِفِينَ ، وَعِمَادَ الْمَلْهُوفِينَ ، وَغِيَاثَ
الْمُسْتَغِيثِينَ ، وَجَارَ الْمُسْتَجِيرِينَ ، وَكَاشِفَ ضُرِّ الْمُكْرُوبِينَ ، وَرَبَّ الْعَالَمِينَ ، وَأَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَتُبْ عَلَيَّ وَالْبِسْنِي الْعَافِيَةَ ، وارْزُقْنِي مِنْ فَضْلِكَ رِزْقاً وَاسِعاً ، وَاجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ.
اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي شَقِيّاً عِنْدَكَ فَإِنِّي أَسْأَلُكَ بِمَعَاقِدِ الْعِزَّ مِنْ رَحْمَتِكَ ، وَبِالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ الَّتِي لَا يُقَاوِمُهَا مُتَكَبِّرٌ وَلَا عَظِيمٌ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَأَنْ تُحَوِّلَنِي سَعِيداً ، فَإِنَّكَ تُجْرِي الْأُمُورَ عَلَى إِرَادَتِكَ ، وَتُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْكَ ، وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، وَأَنْتَ الرَّؤُوفُ الرَّحِيمُ الْخَبِيرُ .
تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي ، وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ، إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ فَالْطُفْ ، فَقَدِيماً لَطُفْتَ بِمُسْرِفٍ عَلَى نَفْسِهِ فَامْنُنْ عَلَيَّ فَقَدْ مَنَنْتَ عَلَى غَرِيقٍ فِي بُحُورٍ خَطِيئَتِهِ هَائِماً أَسْلَمَتْهُ لِلْحُتُوفِ كَثْرَةُ زَلَلِه.
وَتَطَوَّلْ عَلَيَّ يَا مُتَطَوّلاً عَلَى الْمُذْنِبِينَ بِالصَّفْحَ والْعَفْوِ ، فَإِنَّكَ لَمْ تَزَلْ اَخِذا بِالْفَضْلِ عَلَى الْخَاطِئِينَ ، وَالصَّفْحَ عَلَى الْعَاثِرِينَ ، وَمَنْ وَجَبَ لَهُ بِاجْتِرائِهِ عَلَى الْآثَامِ حُلُولُ دارِ الْبَوارِ ، يَا عَالِمَ الْخَفِيَّاتِ والْأَسْرارِ ، يَا جَبَّارُ يَا قَهَّارُ ، وَمَا أَلْزَمْتَنِيهِ مَوْلَايَ مِنْ فَرْضِ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَواجِبِ حُقُوقِهِمْ مَعَ الْإِخْوانِ والْأَخَواتِ فَاحْتَمِلُ ذلِكَ عَنِّي إِلَيْهِمْ وَأَدْهِ يَا ذَا الْجَلَالِ والإِكْرَامِ ، وَاغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1).
1) الصحيفة العلوية : 468 - 472 . البلد الأمين : 127 و 128 . بحار الأنوار: 87: 193 - 195 ، الحديث 29 .
وكان من أدعيته الجليلة في يوم الخميس هذا الدعاء :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ فِي كُلِّ نَفَسٍ مِنَ الْأَنْفَاسِ ، وَخَطْرَةٍ مِنَ الْخَطَراتِ مِنَّا مِنَنٌ لَا تُحْصى ، وَفِي كُلِّ لَحْظَةٍ مِنَ اللَّحَظَاتِ نِعَمَ لَا تُنسى ، وَفِي كُلِّ حَالٍ مِنَ الْحَالات عَائِدَةٌ لَا تَخْفى .
وَسُبْحَانَ اللَّهِ الَّذِي يَفْهَرُ الْقَوِيَّ ، وَيَنْصُرُ الضَّعِيفَ ، وَيَجْبُرُ الْكَسِيرَ ، وَيُغْنِي الْفَقِيرَ ، وَيَقْبَلُ الْيَسِيرَ ، وَيُعْطِي الْكَثِيرَ ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .
وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ السَّابِعُ النِّعْمَةِ ، الْبَالِغُ الْحِكْمَةِ ، الدَّامِعُ الْحُجَّةِ ، الواسِعُ الرَّحْمَةِ ، الْمَانِحُ الْعِصْمَةِ .
واللهُ أَكْبَرُ ذُو السُّلْطَانِ الْمَنِيعِ ، والْبُنْيَانِ الرَّفِيعِ ، وَالْإِنْشَاءِ الْبَدِيعِ ، وَالْحِسَابِ السَّرِيع .
وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ خَيْرِ النَّبِيِّينَ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيماً. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ سُؤالَ الْخَائِفِ مِنْ وَقْفَةِ الْمَوْقِفِ ، الْوَجِلِ مِنَ الْعَرْضِ الْمُشْفِقِ مِنَ الْخَشْيَةِ لِبَوائِقِ الْقِيَامَةِ ، الْمَأْخُوذِ عَلَى الْغِرَّةِ ، النَّادِمِ عَلَى خَطِيئَتِهِ ، الْمَسْؤُولِ الْمُحَاسَبِ الْمُتَابِ الْمُعَاقَبِ ، الَّذِي لَمْ يُكِنَّهُ مَكانٌ عَنْكَ ، وَلَا وَجَدَ مَفَرًاً إِلَّا إِلَيْكَ ، مُتَنَصَّلاً مُلْتَجِنَا مِنْ سَبِّيُّ عَمَلِهِ ، مُقِرًا بِعَظِمٍ ذُنُوبِهِ ، قَدْ أَحَاطَتْ بِهِ
الْهُمُومُ ، وَضَاقَتْ عَلَيْهِ رَحَائِبُ التَّخُوم ، مُوقِنٌ بِالْمَوْتِ ، مُبَادِرٌ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ الْقَوْتِ ، إِنْ مَتَنْتَ بِهَا عَلَيْهِ وَعَفَوْتَ ، فَأَنْتَ إِلهِي وَرَجَائِي إِذا ضَاقَ عَنِّي الرَّجَاءُ ، وَمَلْجَأَي إِذا لَمْ أَجِدْ فِنَاءَ لِلْالْتِجَاءِ ، تَوَجَّدْتَ يَا سَيِّدِي بِالْعِزِّ وَالْعَلَاءِ، وتَفَرَّدْتَ بِالْوَحْدانِيَّةِ والْبَقَاءِ.
وَأَنْتَ الْمُتَعَزِّزُ الْمُتَفَرِّدُ بِالْمَجْدِ ، فَلَكَ رَبِّي الْحَمْدُ لَا يُوارِي مِنْكَ مَكَانٌ ، وَلَا يُغَيِّرُكَ دَهْرٌ وَلَا زَمَانٌ ، أَلَّفْتَ بِلُطْفِكَ الْفِرَقَ ، وَفَلَقْتَ بِقُدْرَتِكَ الفَلَقَ ، وَأَنَرْتَ بِكَرَمِكَ دَيَاجِيَ الْغَسَقِ ، وَأَجْرَيْتَ الْمِيَاهَ مِنَ الصُّمَّ الصَّيَاخِيدِ عَذْباً وَأَجَاجاً ، وَأَنْهَرْتَ مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً شَجَاجاً ، وَجَعَلْتَ الشَّمْسَ لِلْبَريَّةِ سِراجاً وَهَاجاً ، والْقَمَرَ والنُّجُومَ أَبْرَاجاً ، مِنْ غَيْرِ أَنْ تُمَارِسَ فِيمَا ابْتَدَأْتَ لُغُوباً وَلَا عِلاجاً.
وَأَنْتَ إِلهُ كُلِّ شَيْءٍ وَخَالِقُهُ ، وَجَبَّارُ كُلِّ مَخْلُوقٍ وَرازِقُهُ ، فَالْعَزِيزُ مَنْ أَعْزَزْتَ ، وَالدَّلِيلُ مَنْ أَذلَلْتَ ، وَالسَّعِيدُ مَنْ أَسْعَدْتَ ، وَالشَّقِيُّ مَنْ أَشْفَيْتَ ، والْغَنِيُّ مَنْ أَغْنَيْتَ ، وَالْفَقِيرُ مَنْ أَفْقَرْتَ ، أَنْتَ وَلِبِّي وَمَوْلَايَ وَعَلَيْكَ رِزْقِي ، وَبِيَدِكَ نَاصِيَتِي .
فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَافْعَلْ بِي مَا أَنْتَ أَهْلُهُ ، وَعُدْ بِفَضْلِكَ عَلَى عَبْدٍ قَدْ غَمَرَهُ جَهْلُهُ ، وَاسْتَوْلى عَلَيْهِ التَّسْوِيفُ حَتَّى سَالَمَ الْأَيَّامَ ، فَارْتَكَبَ الْمَحَارِمَ وَالْآثَامَ ، فَاجْعَلْنِي سَيِّدِي عَبْداً يَفْزَعُ إِلَى التَّوْبَةِ ، فَإِنَّهَا مَفْزَعُ الْمُذْنِبِينَ ، وَأَغْنِنِي بِجُودِكَ الْوَاسِع عَنِ الْمَخْلُوقِينَ ، وَلَا تُحْوِجْنِي إِلَى شِرَارِ الْعَالَمِينَ ، وَهَبْ لِي عَفْوَكَ فِي مَوْقِفِ يَوْمِ الدِّينِ ، فَإِنَّكَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ،
وَأَجْوَدُ الْأَجْوَدِينَ ، وَأَكْرَمُ الْأَكْرَمِينَ.
يَا مَنْ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنى ، والْأَمْثَالُ الْعُليا ، وَجَبَّارُ السَّمَواتِ وَالْأَرَضِينَ ، إِلَيْكَ قَصَدْتُ رَاجِياً فَلَا تَرُدَّ يَدِي عَنْ سَنِيٌّ مَواهِبِكَ صِفْراً ، إِنَّكَ جَوادٌ مِفْضَالٌ ، يَا رَؤُوفاً بِالْعِبَادِ ، وَمَنْ هُوَ لَهُمْ بِالْمِرْصَادِ ، أَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَأَنْ تُجْزِلَ ثَوَابِي ، وَتُحْسِنَ مَآبِي ، وَتَسْتُرَ عُيُوبِي ، وَتَغْفِرَ ذُنُوبِي ، وَتُنْقِذَنِي مَوْلَايَ بِفَضْلِكَ مِنْ أَلِيمِ الْعِقَابِ ، إِنَّكَ جَوادٌ كَرِيمٌ وَهَابٌ ، فَقَدْ الْقَتْنِي السَّيِّئَاتُ وَالْحَسَنَاتُ بَيْنَ ثَوابِ وَعِقَابِ ، وَقَدْ رَجَوْتُكَ أَنْ تَكُونَ بِلُطْفِكَ تَتَغَمَّدُ عَبْدَكَ الْمُقِرَّ بِفَوَادِحِ الْعُيُوبِ بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ يَا غَافِرَ الذُّنُوبِ ، وَتَصْفَحَ عَنْ زَلَلِهِ فَلَيْسَ لِي سَيِّدِي رَبِّ أَرْتَجِيهِ غَيْرُكَ ، وَلَا إِلهَ أَسْأَلُهُ جَبْرَ فَاقَتِي وَمَسْكَتَنِي سِواكَ ، فَلَا تَرُدَّنِي مِنْكَ بِالْخَيْبَةِ ، يَا مُقِيلَ الْعَثَراتِ ، وَكَاشِفَ الْكُرُبَاتِ .
إِلهِي فَسُرَّنِي فَإِنِّي لَسْتُ بِأَوَّلِ مَنْ سَرَرْتَهُ يَا وَلِيَّ النّعَم ، وَشَدِيدَ النَّقَم ، وَدائِمَ الْمَجْدِ وَالْكَرَمِ ، واخْصُصْنِي مِنْكَ بِمَغْفِرَةٍ لَا يُقَارِنُهَا شَفَاءٌ ، وَسَعَادَةٍ لَا يُدانِيهَا أَذىً ، وَأَلْهِمْنِي تُقَاكَ وَمَحَبَّتَكَ ، وَجَنِّيْنِي مُوبِقَاتِ مَعْصِيَتِكَ ، وَلَا تَجْعَلْ لِلنَّارِ عَلَيَّ سُلْطَاناً ، إِنَّكَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ، وَقَدْ دَعَوْتُكَ ، وَتَكَفَّلْتَ بِالْإِجَابَةِ فَلَا تُخَيَّبْ سَائِلَكَ ، وَلَا تَخْذُلْ طَالِبَكَ ، وَلَا تَرُدَّ أمِلَك ، يَا خَيْرَ مَأْمُولٍ ، وَأَسْأَلُكَ بِرَأْفَتِكِ وَرَحْمَتِكَ وَفَرْدَانِيَّتِكَ وَرُبُوبِيَّتِكَ ، يَا مَنْ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ ، وَبِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ، فَاكْفِنِي مَا أَهَمَّنِي مِنْ أَمْرِ دُنْيَايَ وَآخِرَتِي ، فَإِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ، لَطِيفٌ لِمَا تَشَاءُ ، وَأَدْرِجْنِي دَرَجَ مَنْ أَوْجَبْتَ
لَهُ حُلُولَ دارِ كَرامَتِكَ مَعَ أَصْفِيَائِكَ ، وَأَهْلِ اخْتِصَاصِكَ ، بِجَزِيلِ مَوَاهِبِكَ فِي دَرَجَاتِ جَنَّاتِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ ، وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً ، وَمَا افْتَرَضْتَ عَلَيَّ فَاحْتَمِلُهُ عَنِّي إِلَى مَنْ أَوْجَبْتَ حُقُوقَهُ مِنَ الْآبَاءِ والْأُمَّهَاتِ ، والْإخْوَةِ والأَخَواتِ ، واغْفِرْ لِي وَلَهُمْ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ إِنَّكَ قَرِيبٌ مُجِيبٌ واسِعُ الْبَرَكَاتِ ، وَذَلِكَ عَلَيْكَ يَسِيرٌ
يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً (1).
هذه بعض أدعيته الخاصة في أيام الاسبوع ، ونقل الرواة عنه أبياتاً من الشعر نظمها في خصوصيات تلك الأيام وهي :
أَرى الْأَحَدَ الْمُبارَكَ يَوْمَ سَعْدٍ *** لِغَرْسِ الْعُودِ يَصْلُحُ وَالبِناءِ
وَفِي الإِثْنَيْنِ لِلتَّعْلِيم أَمْنٌ *** وَبِالْبَرَكاتِ يُعْرَفُ وَالرَّخَاءِ
وَإِنْ رُمْتَ الْحِجَامَةَ في الثلاثا *** فذاكَ الْيَوْمُ إِهْرَاقُ الدّماءِ
وَإِن أَحْبَبْتَ أَن تُسْقَى دَواءٌ *** فَنِعْمَ الْيَومُ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ
وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ طِلابُ رِزْقٍ *** لإدْراكِ الْفَوائدِ والغَناءِ
وَيَوْمُ الْجُمْعَةِ التَّزْوِيجُ فِيهِ *** وَلَذَّاتِ الرِّجالِ مَعَ النِّساءِ
وَيَوْمُ السَّبْتِ إِنْ سافَرْتَ فِيهِ *** وقِيْتَ مِنَ الْمَكارِهِ وَالعَنَّاءِ (2)
ونقف موقف المتأمل في هذا الشعر لأنّ الأيام تتساوى في كثير من الآثار
الوضعية ، اللهم إلا أن تكون قد وردت روايات صحيحة السند بها فنتعبد بها ، كما أنا نقف موقفاً لا يتّسم بالتصديق والإذعان لبعض الأدعية لأن الركة وعدم الفصاحة بادية عليها ، وهي لا تتفق بحال مع بلاغة أمير البيان الذي كان كلامه من مناجم الأدب العربي .
وامتحن إمام المتقين أشد ما يكون الامتحان وأقساه من أعدائه وخصومه الذين تمردوا على الحق ، وحالوا بين الإمام وبين ما يرومه من الإصلاح الاجتماعي ، وتطبيق العدالة الكبرى على حياة الناس ، وهذه كوكبة من أدعيته عليهم :
دُعاؤهُ عَلَيْهِ السَّلام على قريش
أمّا قريش فهي من ألد أعداء الإمام (علیه السّلام) ، فقد أترعت نفوسهم بالحقد والكراهية له ، وقد ناجزوه كما ناجزوا أخاه ، و ابن عمه الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) من قبل ، وقد دعا عليهم الإمام بهذا الدعاء :
اللهمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ (1)عَلَى قُرَيْشٍ ، فَإِنَّهُمْ قَطَعُوا رَحِمِي ، وَغَصَبُونِي حَفِّيِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي أَمْراً كُنْتُ أَوْلَى بِهِ، ثُمَّ قَالُوا: أَلَّا إِنَّ فِي الْحَقِّ أَنْ تَأْخُذَهُ ، وَمِنَ الْحَقِّ أَنْ تَتْرُكَهُ (2).
لقد جهدت قريش وعملت بكل ما تملك من الوسائل على إقصاء الإمام (علیه السّلام) عنه الحكم ، وقد أعلن أحد أعمدتهم - بعد وفاة النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم)- عن تصميم القريشيين على إبعاد الإمام عن قيادة الأمة ، فقد قال : أبت قريش أن تجتمع النبوة والخلافة في بيت واحد ، لقد اقترفت قريش بما صنعته أعظم الموبقات ، وأخلدت للمسلمين الخطوب والكوارث ، وألقتهم في شرّ عظيم .
وللإمام (علیه السّلام) دعاء آخر على قريش التي أجمعت على هضمه وظلمه ، وهو :
اللهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلى قُرَيْشٍ فَإِنَّهُمْ قَطَعُوا رَحِمِي ، وَأَصْغَوْا إِنَائِي (1)، وَصَغَّرُوا عَظِيمَ مَنْزِلَتِي ، وَأَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي (2).
وسارعت القوات المسلحة بعد إجهازها على عثمان إلى مبايعة الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، كما بادر إلى مبايعته طلحة والزبير ، وكانا يرومان أن يُشركهما الإمام في الحكم ، ويوليهما المناصب الحسّاسة في الدولة ، ليتخذا من ذلك وسيلة إلى الثراء العريض ، والاستعلاء على المسلمين ، إلا أنّ الإمام لم يحقق أي شيء من أطماعهما لأنه قد تبنّى العدل الخالص والحق المحض ، ويرى أن الحكم ليس مغنماً ، وإنّما هو من أهم الوسائل للإصلاح الاجتماعي والنهوض بالأمة إلى أرقى المستويات، ولما خابت آمال طلحة والزبير أعلنا التمرّد ، والعصيان المسلّح ، واغريا عائشة زوجة الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) ، فجعلاها واجهة لهم في تبرير خروجهم على حكومة الإمام ، وقد رفعا شعار المطالبة بدم عثمان عميد الأسرة الأموية الذي أجهز عليه خيار المسلمين ، فكانت واقعة الجمل التي أريق فيها أنهار من دماء المسلمين وشاع في ربوع البصرة وغيرها الشكل والحزن والحداد .
وعلى أي حال فقد دعا الإمام (علیه السّلام) على طلحة والزبير بهذا الدعاء :
اللهُمَّ إِنَّ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ أَعْطَانِي صَفْقَةَ يَمِينِهِ طَائِعَاً ، ثُمَّ نَكَثَ بَيْعَتِي ، اللَّهُمَّ فَعَاجِلْهُ وَلَا تُمْهِلُهُ اللَّهُمَّ وَإِنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوامِ قَطَعَ قَرَابَتِي ، وَنَكَثَ عَهْدِي ، وَظَاهَرَ عَدُوّى ، وَهُوَ يَعلَمُ أَنَّهُ ظَالِمٌ لِي ، فَاكْفِنِيهِ كَيْفَ شِئْتَ ، وَأَنَّىٰ شِئْتَ (1).
1) مناقب آل أبي طالب : 2: 112 . بحار الأنوار: 32 : 189 و : 41 : 206 ، الحديث 23 .
واستجاب الله دعاء الإمام (علیه السّلام) فقد سقطا قتيلين في أسوأ معركة ليس فيها بصيص من الشرف والكرامة ، فقد استخدمت لإسقاط حكومة الإمام التي هي أمل الشعوب الإسلامية ، ورائدة نهضتها الفكرية والاجتماعية .
أمّا بسر بن أرطأة فهو مجرم إرهابي أسند إليه معاوية بن هند فرقة من جيشه ، وعهد إليه بغزو البلاد الخاضعة لحكومة الإمام وإشاعة القتل والرعب والفزع بين أهلها .
وسار بسر بجيشه نحو اليمن فاحتلها ، وقد اقترف فيها أفظع الجرائم وأشدّها فحشاً ونكراً ، فقتل الأبرياء ، وسبى النساء ، وأجهز على طفلين لعبيد الله بن العباس والي اليمن ، وقد أنكرت عليه إحدى سيدات اليمن ، فقالت له : إنّ سلطاناً لا يقوم إلا بقتل الأطفال والعجز لسلطان سوء.
ولما علم الإمام (علیه السّلام) بالمآسي والنكبات التي حلت بأهل اليمن بلغ به الحزن أقصاه ، ودعا على بسر بهذا الدعاء :
اللّهُمَّ إِنَّ بُسْراً بَاعَ دِينَهُ بِالدُّنْيَا ، وانْتَهَكَ مَحَارِمَكَ ، وَكَانَتْ طَاعَةُ مَخْلُوقٍ فاجِرٍ أَثَرَ عِنْدَهُ مِمَّا عِنْدَكَ .
اللهُمَّ فَلَا تُمِنْهُ حَتَّى تَسْلُبَهُ عَقْلَهُ ، وَلَا تُوجِبْ لَهُ رَحْمَتَكَ ، وَلَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ .
اللَّهُمَّ الْعَنْ بُسْراً وَعَمْراً وَمُعَاوِيَةَ ، وَلْيَحِلَّ عَلَيْهِمْ غَضَبُكَ ، وَلْتَنْزِلْ بِهِمْ نِقْمَتُكَ ، وَلْيُصِبْهُمْ بَأْسُكَ وَرِجْزُكَ الَّذِي لَا تَرُدُّهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (1).
واستجاب الله تعالى دعاء الإمام (علیه السّلام) في بسر فقد سلب الله عقله ، وتركه هائماً على وجهه في الأزقة والشوارع تلاحقه الصبيان بالحجارة قد خرقت ثيابه ، وعلته الأوساخ ، وعذاب الله أشدّ في حشره ونشره .
وكان من أقسى وأفجع ما امتحن به الإمام (علیه السّلام) تمرد الخوارج وعصيانهم المسلّح في وقت كتب للعالم الإسلامي تقرير مصيره ، وفتح آفاق مشرقة له ، فقد أشرف جيش الإمام (علیه السّلام) على الفتح وبدت طلائع النصر واضحة ، ولم يبق إلا مقدار فواق ناقة للاستيلاء على خصم الإسلام، وعدوّه الألد معاوية بن أبي سفيان ، ففي تلك الفترات الحاسمة رفع جيش معاوية المصاحف على الرماح داعين إلى تحكيم القرآن مكيدة منهم، ومما لا ريب فيه أن معاوية لم يؤمن بالقرآن الكريم ، ولا بالرسول العظيم ، وإنما هو على جاهليته الأولى التي اعتقد وآمن بها .
وعلى أي حال فقد خدع بدعوة التحكيم فرقة من أقوى الفرق في جيش الإمام وأحاطوا به من كل جانب ، وهم يهتفون بالتحكيم ، ويدعون إلى إيقاف القتال ،
1) مناقب آل أبي طالب : 1 : 434 . الغدير: 11 : 28 الغارات : 2: 642. شرح نهج البلاغة : 18:2 .
وإلا ناجزوه الحرب، فاضطرّ الإمام (علیه السّلام) إلى إجابتهم ، ولم يجد بداً من مسايرتهم ، فقد مُنِي بانقلاب عسكري لا طاقة له بمقاومته ، وحدثت بعد ذلك شؤون مروّعة تركت الإمام الممتحن في أرباض الكوفة يدعو جيشه فلا يستجيب له ولا يلتفت إليه ، وقد دعا الله على هذه الفرقة الضالة بهذا الدعاء :
اللهُمَّ رَبَّ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ، وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوع ، والْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ، والْكِتَابِ الْمَسْطُورِ ، أَسْأَلُكَ الظُّفَرَ عَلى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَبَذُوا كِتَابَكَ وَراءَ ظُهُورِهِمْ ، وَفَارَقُوا أُمَّةَ أَحْمَدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ عُتُوا عَلَيْكَ (1).
وللإمام (علیه السّلام) دعاء آخر على الخوارج رواه الإمام الصادق (علیه السّلام) ، وهذا نصه :
اللّهُمَّ إِنَّكَ أَعْلَنْتَ سَبِيلاً مِنْ سُبُلِكَ فَجَعَلْتَ فِيهِ رَضَاكَ ، وَنَدَبْتَ إِلَيْهِ أَوْلِيَاءَكَ ، وَجَعَلْتَهُ أَشْرَفَ سُبُلِكَ عِنْدَكَ ثَواباً ، وَأَكْرَمَهَا لَدَيْكَ مَابَاً ، وَأَحَبَّهَا إِلَيْكَ مَسْلكاً، ثُمَّ اشْتَرَيْتَ فِيهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ، يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِكَ ، فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْكَ حَقّاً، فَاجْعَلْنِي مِمَّنِ اشْتَرَىٰ فِيهِ مِنْكَ نَفْسَهُ ، ثُمَّ وَفِي بِبَيْعِكَ الَّذِي بَايَعَكَ عَلَيْهِ ، غَيْرَ نَاكِثٍ،
1) قرب الإسناد : 8. بحار الأنوار: 33 : 382 نهج السعادة : 6: 330.
وَلَا نَاقِضِ عَهْداً ، وَلَا مُبَدِّلٍ تَبْدِيلاً ، إِلَّا اسْتِنْجَاراً لِمَوْعُودِكَ ، َواسْتِيجَاباً لِمَحَبَّتِكَ وَتَقَرُّباً بِهِ إِلَيْكَ .. فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَاجْعَلْهُ خَاتِمَةَ عَمَلِي ، وارْزُقْنِي فِيهِ لَكَ وَبِكَ ، مَشْهَداً تُوجِبُ لِي بِهِ الرِّضَا ، وَتَحُطُّ عَنِّي بِهِ الْخَطَايَا ، واجْعَلْنِي فِي الْأَحْيَاءِ الْمَرْزُوقِينَ بِأَيْدِي الْعُداةِ الْعُصاةِ، تَحْتَ لِواءِ الجَيّ، وَرايَةِ الْهُدى مَاضٍ عَلَى نُصْرَتِهِمْ قُدُماً غَيْرَ مُوَلِّ دُبُراً وَلَا مُحْدِثٍ شَكّاً ، وَأَعُوذُ بِكَ عِنْدَ ذَلِكَ مِنَ الذَّنْبِ الْمُحْبِطِ لِلْأَعْمَالِ (1).
وتجلّى في هذا الدعاء مدى إخلاص الإمام (علیه السّلام) للحق ، وتفانيه في طلب مرضاة الله تعالى ، كما تجلّت فيه روعة البيان وجمال التعبير وجودة السبك .
كان الإمام (علیه السّلام) يدعو على بعض أعدائه وخصومه بهذا الدعاء :
اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ اُعَادِيَ لِكَ وَلِيَا ، أَوْ أَوالِيَ لَكَ عَدُوّاً ، أَوْ أَرْضَىٰ لَكَ سَخَطاً أَبَداً . اللَّهُمَّ مَنْ صَلَّيْتَ عَلَيْهِ فَصَلَواتُنَا عَلَيْهِ ، وَمَنْ لَعَنْتَهُ فَلَعْنَتُنَا عَلَيْهِ .
اللَّهُمَّ مَنْ كَانَ فِي مَوْتِهِ فَرَجٌ لَنَا وَلِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ فَأَرِحْنَا مِنْهُ ، وَأَبْدِلْنَا بِهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ لَنَا مِنْهُ ، حَتَّى تُرِينَا مِنْ عِلْمٍ الْإِجَابَةِ مَا نَعْرِفُهُ فِي أَدْيَانِنَا وَمَعَایِشِنَا
1) التهذيب : 3: 81 ، الحدیث 237 . نهج السعادة : 6 : 331 .
يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ (1).
وقد حكي هذا الدعاء مدى انقياد الإمام للّه تعالى، فهو يحب من يحبه الله ، ويعادي من يعاديه الله ، فقد سار على هذا الخط منذ أن عرف الحياة حتى توفاه الله .
وسئم الإمام (علیه السّلام) أشد ما يكون السَّام من المجتمع الذي عاش فيه فقد نكص معظمهم عن نصرته ، والجهاد معه لإحقاق الحق وتدمير الباطل . استمعوا إلى هذا الدعاء الذي يحكي آلامه وآهاته :
اللهُمَّ أَيُّمَا عَبْدٍ مِنْ عِبَادِكَ سَمِعَ مَقَالَتَنَا الْعَادِلَةَ غَيْرَ الْجَائِرَةِ ، وَالْمُصْلِحَةَ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيا غَيْرَ الْمُفْسِدَةِ ، فَأَبِى بَعْدَ سَمْعِهِ لَهَا إِلَّا النُّكُوصَ عَنْ نُصْرَتِكَ والإِبْطَاءَ عَلى إِعْزازِ دِينِكَ ، فَإِنَّا نَسْتَشْهِدُكَ عَلَيْهِ بِأَكْبَرِ الشَّاهِدِينَ شَهَادَةً ، وَنَسْتَشْهِدُ عَلَيْهِ جَمِيعَ مَا أَسْكَتَتَهُ أَرْضَكَ وَسَمَاواتِكَ ، ثُمَّ أَنْتَ بَعْدُ الْغَنِيُّ عَنْ نَصْرِهِ ، وَالْآخِذُ لَهُ بِذَنْبِهِ (2).
هذه بعض أدعيته التي كان يدعو بها على خصومه وأعدائه الذين جرعوه نغب التهمام، وناجزوه كما ناجزوا أخاه وابن عمه الرسول (3).
ليس في دنيا الإسلام بعد الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) من يضارع الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) في تقواه وورعه ، وشدّة اتصاله بالله تعالى فقد كان على إيمان وثيق به ، فلم يعمل أي عمل إلا خالصاً الله تعالى، وكان في السلم وفي ساحات الوغى يلهج بذكر الله ودعائه ، فقد تعلّق به ، وانقطع إليه ، وانطوت سريرته على حبّه .
ومن المقطوع به بأنّ الإمام لم ينازل الأبطال والشجعان في ميادين الوغى إلا طلباً المرضاة الله تعالى ، وإحياء لدينه ، وإقامة لفرائضه ، ودحضاً لأعدائه . هذه بعض أدعيته في ساحات الجهاد :
أدعيته عَلَيْهِ السَّلام في حرب الجمل
أما حرب الجمل فقد أثارتها القوى المعادية للإصلاح الاجتماعي ، وعلى رأسها القرشيون الحاقدون على الإمام (علیه السّلام) والمناهضون لسياسته الهادفة إلى تحقيق مجتمع أفضل تسوده العدالة الإسلامية ، فهبوا في وجه الإمام مناجزين ومناهضين له ، وفي طليعتهم الزبير وطلحة وعائشة بنت أبي بكر ، وكان شعارهم المطالبة بدم عثمان ، وهو شعار كاذب فقد كان لهم ولعائشة ضلع في قتله .
وعلى أي حال فقد احتلت قواتهم العسكرية البصرة ، وحينما علم الإمام بذلك توجه بجيشه للقضاء على هذا التمرد الذي يهدّد الدولة الإسلامية ، ولنقرأ بعض من
أدعيته حين دخوله البصرة وفي ساحة المعركة .
دعاؤه عليه السلام عند وصوله إلى البصرة
وحينما انتهى الإمام (علیه السّلام) إلى البصرة دعا بهذا الدعاء بعد أن صلّى أربع ركعات ، وعفّر خديه بالتراب ، ورفع يديه قائلاً:
اللّهُمَّ رَبَّ السَّمَواتِ وَمَا أَظَلَّتْ ، والْأَرَضِينَ وَمَا أَقَلَّتْ ، وَرَبَّ الْعَرْش الْعَظِيمِ ، هَذِهِ الْبَصْرَةُ أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِهَا ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا . اللَّهُمَّ أَنْزِلْنَا فِيهَا خَيْرَ مُنْزَلٍ ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ .
اللهُمَّ إِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ قَدْ خَلَمُوا طَاعَتِي ، وَبَغَوا عَلَيَّ وَنَكَثُوا بَيْعَتِي . اللهم احْقِنُ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ(1).
وأوعز الإمام (علیه السّلام) إلى جيشه أن لا يبدأوهم بقتال حتّى لا يكون سبباً لإراقة الدماء إلا أن القوم لم يحفلوا بذلك ، فقتلوا بعض أصحاب الإمام، فلم يجد بداً من مناجزتهم.
1) مروج الذهب : 2: 370 . الجمل : 125 و 126 . الأنوار العلوية : 211 .
وقبل أن تندلع نار الحرب خرج الإمام الممتحن حتى وقف بين الصفين ورفع يديه نحو السماء ، ودعا بهذا الدعاء :
يَا خَيْرَ مَنْ أَفْضَتْ إِلَيْهِ الْقُلُوبُ ، وَدُعِيَ بِالْأَلْسُنِ ، يَا حَسَنَ الْبَلَاءِ ، يَا جَزِيلَ الْعَطَاءِ ، احْكُمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (1).
ولما أصر حزب عائشة على القتال رأى الإمام (علیه السّلام) أن يدعوهم إلى السلم وعدم إراقة الدماء فبعث إليهم فتى من خيرة جيشه فخرج وقد نشر القرآن الكريم بيده ، وعرض عليهم الرجوع إليه .
فردت عليه عائشة قائلة لجندها : اشجروه بالرماح ، فبادروا إليه ، وطعنوه من كلّ جانب ، وسقط إلى الأرض جثّة هامدة .
فرفع الإمام يديه إلى السماء ، وقال :
1) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة - باب الدعاء : 294. مستدرك الوسائل : 11 : 108 ، الحديث 12550 .
اللهمَّ إِلَيْكَ شُخِصَتِ الْأَبْصَارُ ، وَبُسِطَتِ الْأَيْدِي ، وَأَفْضَتِ الْقُلُوبُ ، وَتُقُرِّبَ إِلَيْكَ بِالْأَعْمَالِ ، رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (1).
ولما فشلت جميع دعوات الإمام إلى السلم ، خرج إلى ساحة الحرب ودعا بهذا الدعاء :
اللهُمَّ إِنَّكَ أَعْلَمْتَ سَبِيلاً مِنْ سُبُلِكَ جَعَلْتَ فِيهِ رِضَاكَ ، وَنَدَبْتَ إِلَيْهِ أَوْلِيَاءَكَ ، وَجَعَلْتَهُ أَشْرَفَ سُبُلِكَ عِنْدَكَ ثَواباً ، وَأَكْرَمَهَا لَدِيْكَ مَابَاً ، وَأَحَبَّهَا إِلَيْكَ مَسْلَكاً ، ثُمَّ اشْتَرَيْتَ فِيهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْكَ حَقّاً.
فَاجْعَلْنِي مِمَّنِ اشْتَرَى فِيهِ مِنْكَ نَفْسَهُ ، ثُمَّ وَفِى لَكَ بِبَيْعِهِ الَّذِي بَايَعَكَ عَلَيْهِ ، غَيْرَ نَاكِثٍ وَلَا نَاقِضِ عَهْدَهُ ، وَلَا مُبَدِّلٍ تَبْدِيلاً ، بَل اسْتِيْجَاباً لِمَحَبَّتِكَ وَتَقَرُّباً بِهِ إِلَيْكَ ، فَاجْعَلْهُ خَاتِمَةَ عَمَلِي ، وَصَيِّرْ فِيهِ فَنَاءَ عُمْرِي ، وارْزُقْنِي فِيهِ مَشْهَداً تُوجِبُ لِي بِهِ مِنْكَ الرّضا، وَتَحُطُّ بِهِ عَنِّي الْخَطَايَا ، وَتَجْعَلُنِي فِي
1) کتاب الجمل : 182 . مستدرك الوسائل : 11: 106 ، الحديث 12543 . بحار الأنوار : 32 :461 ، الحديث 399 .
الْأَحْيَاءِ الْمَرْزُوقِينَ بِأَيْدِي الْعُدَاةِ وَالْعُصاةِ ، تَحْتَ لِواءِ الْحَقِّ وَرايَةِ الْهُدَى ، مَاضِياً عَلَى نُصْرَتِهِمْ قُدُماً ، غَيْرَ مُوَلَّ دُبُراً ، وَلَا مُحْدِثٍ شَكَّاً .
اللهُمَّ وَأَعُوذُ بِكَ عِنْدَ ذَلِكَ مِنَ الْجُبْنِ عِنْدَ مَوَارِدِ الاهْوَالِ ، وَمِنَ الضَّعْفِ عِنْدَ مُسْاوَرَةِ الْأَبْطَالِ ، وَمِنَ الذَّنْبِ الْمُحِيطِ لِلْأَعْمَالِ ، فَأُحْجِمُ مِنْ شَكٍّ أَوْ أَمْضِي بِغَيْرِ يَقِينِ ، فَيَكُونُ سَعْيِي فِي تَبَابٍ ، وَعَمَلِي غَيْرَ مَقْبُول (1).
وحكى هذا الدعاء مدى إخلاص الإمام (علیه السّلام) وطاعته إلى الله تبارك وتعالى ، ورغبته الملحة في الشهادة ، طالباً لمرضاة الله تعالى ، غير ناکث عهده ، ولا مبدل لكلماته .
1) بحار الأنوار : 33: 452 مصباح المتهجد : 555 و 556 ، الحديث 649 . بحار الأنوار : 33 :452 و 45 ، الحديث 664 .
وأعقبت حرب الجمل تمرّد معاوية على حكومة الإمام فقد فتحت له الأبواب لإعلان عصيانه المسلّح ناشراً لقميص عثمان مكيدة وإغراء للبسطاء الذين تلوّنهم الدعاية كيفما شاءت.
لقد ابتلي الإمام أشدّ ما يكون البلاء وأقساه بمعاوية الذي ما آمن بالله طرفة عين أبداً ، التفت حوله الرأسمالية القرشية التي أبت أن تجتمع النبوة والخلافة في بيت واحد ، وقد قوي أمر معاوية ، واستحكم سلطانه ، فقد أمده الخليفة الثاني والثالث بجميع مقوّمات القوّة، وزادا في رقعة سلطانه ونفوذه، ويقول المؤرخون : إنّ الخليفة الثاني كان يحاسب جميع عماله وولاته إلا معاوية ، وكان يقول فيه : هذا كسرى العرب !
وعلى أي حال فالملتقى عند الله ، وهو الذي يحاسب عباده على ما اقترفوه في هذه الدنيا من شرّ ، وما ألحقوه بالأمة من الفتن والويلات .
لقد زحف معاوية بجيشه لمحاربة و وصي رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم) و باب مدينة علمه كما خرج أبوه في واقعة أحد وغيرها لمحاربة رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم)، ولما علم الإمام (علیه السّلام) بخروجه لإسقاط حكومته زحف إليه بجيشه ، وأثرت عنه من الأدعية ما يلي :
دُعاؤهُ عَلَيْهِ السَّلام في شخوصه لحرب معاوية
ولما أراد (علیه السّلام) الشخوص إلى حرب معاوية دعا بدابته فلما جلس عليها قال :
سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هذا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ، وَإِنَّا إِلَى رَبَّنَا لَمُنْقَلِبُونَ .
ثم قال : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْنَاءِ السَّفَرِ، وَكَابَةِ الْمُنْقَلَبِ ، وَالْحَيْرَةِ بَعْدَ الْيَقِينِ ، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ.
اللهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ ، والْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ ، وَلَا يَجْمَعُهُمَا غَيْرُكَ لأَنَّ الْمُسْتَخْلَفَ لَا يَكُونُ مُسْتَصْحَباً ، والْمُسْتَصْحَبُ لَا يَكُونُ مُسْتَخْلَفَاً (1).
ولما سارت جيوشه من النخيلة إلى الشام دعا (علیه السّلام) بهذا الدعاء :
الْحَمْدُ لِلَّهِ كُلَّمَا وَقَبَ لَيْلٌ وَغَسَقَ (2)، والْحَمْدُ لِلَّهِ غَيْرَ مَفْقُودِ الْإِنْعَامِ ، وَلَا مُكَافَ الْإِفْضَالِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، وَنَحْنُ عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ
الشَّاهِدِينَ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ (1).
ولما بدأ القتال في صفّين ، وزحف الإمام باللواء دعا بهذا الدعاء بعد البسملة :
لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيُّ الْعَظِيمِ ، اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ، يَا اللَّهُ يَا رَحْمَانُ ، يَا رَحِيمُ ، يَا أَحَدُ يَا صَمَدُ ، يَا إِلَهَ مُحَمَّدٍ ، إِلَيْكَ نُقِلَتِ الْأَقْدَامُ ، وَأَفْضَتِ الْقُلُوبُ ، وَشَخَصَتِ الْأَبْصَارُ ، وَمُدَّتِ الأَعْنَاقِ ، وَطُلِبَتِ الْحَوائِجُ ، وَرُفِعَتِ الْأَيْدِي اللَّهُمَّ افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ، لا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ واللهُ أَكْبَرُ ، لَا إِلهَ إِلَّا الله واللهُ أَكْبَرُ(2).
من أدعية الإمام هذا الدعاء الجليل ، وقد دعا به في صفين ، وهذا نصّه :
اللهُمَّ رَبَّ هذا السَّقْفِ الْمَرْفُوعَ الْمَكْفُوفِ الْمَحْفُوظ ، الَّذِي جَعَلْتَهُ مَغِيضَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَجَعَلْتَ فِيهَا مَجَارِيَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ، وَمَنَازِلَ الْكَواكِبِ وَالنُّجُومِ ، وَجَعَلْتَ سَاكِنَهُ سِبْطاً مِنْ الْمَلَائِكَةِ لَا يَسْأَمُونَ الْعِبَادَةَ .
وَرَبَّ هَذِهِ الْأَرْضِ الَّتِي جَعَلْتَهَا قَراراً لِلنَّاسِ ، والْأَنْعَامِ وَالْهَوام ، وَمَا نَعْلَمُ وَمَا لَا نَعْلَمُ ، مِمَّا يُرى ، وَمِمَّا لَا يُرى مِنْ خَلْقِكَ الْعَظِيمِ.
وَرَبَّ الْجِبَالِ الَّتِي جَعَلْتَهَا لِلْأَرْضِ أَوْتَاداً ، وَلِلْخَلْقِ مَتَاعاً ، وَرَبَّ الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ الْمُحِيطِ بِالْعَالَم ، وَرَبَّ السَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، وَرَبَّ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ ، إِنْ أَظْفَرْتَنَا عَلَى عَدُوِّنَا ، فَجَنِّبْنَا الْكِبْرَ ، وَسَدَّدْنَا لِلرُّشْدِ ، وَإِنْ أَظْفَرْتَهُمْ عَلَيْنَا فَارْزُقْنَا الشَّهَادَةَ ، واعْصِمْ بَقِيَّةَ أَصْحَابِي مِنَ الْفِتْنَةِ (1).
وتناول هذا الدعاء الفضاء الخارجي، وما أودع الله فيه من روائع التكوين ففيه مجاري الشمس والقمر، ومنازل المجرّات التي لا يحصي ما فيها من النجوم والكواكب إلّا الله .
وقد حار الفكر وذهل علماء الفضاء بما اكتشفوه من العجائب التي يقف العقل أمامها حائراً وهو حسير ، فقد اكتشفت السفن الفضائية الدقة الهائلة في مسيرة الكواكب ودورانها في فلكها ، وسعة بعضها بما لا يعلمه إلا الله ، كما حفل هذا الدعاء بذكر الأرض ، وما احتوت من الجبال التي جعلها الله أوتاداً لها ، والبحار المحيطة بها ، وغير ذلك ممّا حوته الأرض ، فسبحان الله الخالق العظيم .
1) مهج الدعوات : 102 . بحار الأنوار: 91 :241 .
ومن أشدّ أيام صفين هولاً ، وأكثرها محنة وبلاءً هي ليلة الهرير ويومه ، فقد اشتدّ القتال بين الفريقين كأعظم ما يكون ، وكان كالصاعقة دوي وقع السيوف وأعمدة الحديد ، وصيحات المحاربين ، وسمع الإمام (علیه السّلام) في تلك الليلة يدعو بهذا الدعاء :
اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَضَامَ فِي سُلْطَائِكَ .
اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ فِي هُداك .
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَفْتَقِرَ فِي غِنَاكَ .
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِيعَ فِي سَلَامَتِكَ .
اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَغْلَبَ وَالْأَمْرُ لَكَ وَإِلَيْكَ (1).
دعا الإمام (علیه السّلام) بهذا الدعاء في يوم الهرير ، وهو من أثقل الأيام وأشدّها محنة
1) بحار الأنوار: 91 : 242. الصحيفة العلوية الأولى : 154 .
وبلاء ، وهذا نصه :
يَا الله، يَا رَحْمَانُ، يَا واحِدُ ، يَا صَمَدُ ، يَا إِلَهَ مُحَمَّدٍ . اللَّهُمَّ إِلَيْكَ نُقِلَتِ الأقدامُ ، وَأَفْضَتِ الْقُلُوبُ ، وَرُفِعَتِ الْأَيْدِي ، وَامْتَدَّتِ الْأَعْنَاقُ ، وَشَخَصَتِ الْأَبْصَارُ ، وَطُلِبَتِ الْحَوائِجُ .
اللهُمَّ إِنَّا نَشْكُو إِلَيْكَ غَيْبَةَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ، وَكَثْرَةَ عَدُوِّنَا ، وَتَشَتَّتَ أَهْوَائِنَا ، رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (1).
هذه بعض أدعية الإمام التي كان يدعو بها في ساحات الجهاد وهي تحكي مدى ألمه ومحنته .
1) وقعة صفين : 477 . بحار الأنوار: 41: 101 .
أثرت عن الإمام (علیه السّلام) مجموعة من الأدعية دعا بها في مناسبات مختلفة لا يجمعها جامع خاص سوى عنوان الدعاء فإنّه بشموله تندرج في ظلاله ، وهذه بعضها :
دُعَاؤُهُ عَلَيْهِ السَّلام عند تناول الطعام
حدث ابن أعبد (1)قال : قال لي علي : يا بن أعبد ، هل تدري ما حق الطعام ؟
فقلت : وما حقه ؟
قال : تقول : بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيمَا رَزَقْتَنَا.
ثمّ قال : أتدري ما شكره إذا فرغت ؟
قلت : وما شكره ؟
قال : تقول : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا (2).
كان الإمام الا إذا أراد النوم دعا بهذا الدعاء :
بِسْمِ اللهِ ، وَضَعْتُ جَنْبِي لِلَّهِ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ، وَدِينِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ، وَوِلَايَةِ مَنِ افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ طَاعَتَهُ ، مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ (1).
وإذا استيقظ الإمام (علیه السّلام) من نومه دعا بهذا الدعاء :
حَسْبِي الرَّبُّ مِنَ الْعِبَادِ ، حَسْبِيَ الَّذِي هُوَ حَسْبِيَ ، حَسْبِيَ الَّذي مُنْذُ كُنْتُ حَسْبِي ، حَسْبِي اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (2).
ولم يعمل الإمام (علیه السّلام) عملاً إلا بقصد التقرب إلى الله تعالى ، وكان يناهض الرياء ، لأنّ الرياء من أفحش النزعات النفسية وينم عن نفس لا إيمان لها ، لأنك تعمل بعض الأعمال الصالحة لا الله ، وإنّما لأجل غيره ، ولذا لا تثاب على عملك ، وقد استعاذ إمام المتقين منه بهذا الدعاء :
اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ تُحَسِّنَ فِي لَامِعَةِ الْعُيُونِ عَلَانِيَنِي ، أَوْ تُقَبِّحَ فِيمَا أبْطِنُ لَكَ سَرِيرَتِي، مُحَافِظاً عَلَى رِيَاءِ النَّاسِ مِنْ نَفْسِي بِجَمِيعِ مَا أَنْتَ مُطَّلِعُ عَلَيْهِ مِنِّي ، فَأَبْدِيَ لِلنَّاسِ حُسْنَ ظَاهِرِي ، وَأَفْضِي إِلَيْكَ بِسُوءٍ عَمَلِي تَقَرُّباً إِلَى عِبَادِكَ ، وَتَبَاعُداً مِنْ مَرْضَاتِكَ (1).
كان (علیه السّلام) ينفر ويسأم من مدح الناس له، وكان يدعو بهذا الدعاء عند مدحهم :
1) نهج البلاغة : 4 67 ، الحديث 276 . بحار الأنوار: 84 247 ، الحديث 56 و : 91: 231 ، الحديث 7.
اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَعْلَمُ بِي مِنْ نَفْسِي وَأَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْهُمْ اللهُمَّ اجْعَلْنِي خَيْراً مِمَّا يَظُنُّونَ ، واغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ (1).
كان الإمام (علیه السّلام) إذا دخل السوق دعا بهذا الدعاء ، وكان يأمر أصحابه به :
أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ . اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ صَفْقَةٍ خَاسِرَةٍ ، وَيَمِينِ فَاجِرَةٍ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ بَوَارِ الْأَيِّمِ (2).
وكان الإمام (علیه السّلام) إذا نظر إلى صورته الشريفة في المرآة دعا بهذا الدعاء :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَنِي فَأَحْسَنَ خَلْقِي ، وَصَوَّرَنِي فَأَحْسَنَ صُورَتِي ، وَزانَ مِنِّي مَا شَانَ مِنْ غَيْرِي ، وَأَكْرَمَنِي بِالْإِسْلَامِ (1).
وكان الإمام (علیه السّلام) يدعو بهذا الدعاء الشريف لحفظ القرآن الكريم :
اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي بِتَرْكِ مَعَاصِيكَ أَبَداً مَا أَبْقَيْتَنِي ، وارْحَمْنِي مِنْ تَكَلُّفِ مَا لَا يَعْنِيني ، وارْزُقْنِي حُسْنَ المَنْظَرِ فِيمَا يُرْضِيكَ عَنِّي ، وَأَن تُلْزِمَ قَلْبِي حِفْظُ كِتَابِكَ كَمَا عَلَّمْتَنِي ، وَارْزُقْنِي أَنْ أَتْلُوهُ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي يُرْضِيكَ عَنِّي .
اللَّهُمَّ نَوْرَ بِكِتَابِكَ بَصَرِي ، واشْرَحْ بِهِ صَدْرِي ، وَفَرِّجْ بِهِ قَلْبِي ، وَأَطْلِقْ لِسَانِي واسْتَعْمِلْ بِهِ بَدَنِي ، وَقَوْنِي عَلى ذلِكَ ، وَأَعِنِّي عَلَيْهِ ، إِنَّهُ لَا مُعِينَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْتَ ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ (2).
وإذا أراد الإمام (علیه السّلام) السفر دعا بهذا الدعاء :
اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْتَاءِ السَّفَرِ، وَكَابَةِ الْمُنْقَلَبِ ، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي النَّفْسِ والأَهْلِ َوالْمَالِ وَالْوَلَدِ . اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَأَنْتَ الْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ ، وَلَا يَجْمَعُهَا غَيْرُكَ لِأَنَّ الْمُسْتَخْلَفَ لَا يَكُونُ مُسْتَصْحَباً ، والْمُسْتَصْحَبَ لَا يَكُونُ مُسْتَخْلَفَاً (1).
وعنى الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)بتربية ولده الإمام الحسن (علیه السّلام) سيد شباب أهل الجنّة وريحانة رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم)وقد غذاه بجميع ألوان التقوى ، وقد علّمه هذا الدعاء :
يَا عُدَّتِي عِنْدَ كُرْيَتِي ، يَا غِيَانِي عِنْدَ شِدَّتِي ، يَا وَلِيِّي فِي نِعْمَتِي ، يَا مُنْجِحِي
1) کتاب صفّين : 232 . نهج البلاغة : 1 : 96 ، الحديث 46. بحار الأنوار: 32 : 391 ، الحديث 362 و : 73: 242 ، الحديث 23 .
فِي حَاجَتِي ، يَا مَفْزَعِي فِي وَرْطَتِي ، يَا مُنْقِذِي مِنْ هَلَكَتِي ، يَا كَالِنِي فِي وَحْدَتِي اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي ، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ، وَاجْمَعْ لِي شَمْلِي ، وَأَنْجِحْ لِي طَلِبَتِي ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي ، وَاكْفِنِي مَا أَهَمَّنِي، وَاجْعَلْ لِي مِنْ أَمْرِي فَرَجاً وَمَخْرَجاً ، وَلَا تُفَرِّقُ بَيْنِي وَبَيْنَ الْعَافِيَةِ أَبَداً مَا أَبْقَيْتَنِي ، وَفِي الْآخِرَةِ إِذَا تَوَفَّيْتَنِي بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ (1).
أما الإمام الحسين (علیه السّلام) فهو من أعز أبناء الإمام (علیه السّلام) عنده وأكثرهم حبّاً وإخلاصاً له لأنّه أمل الإسلام ، وسيّد شباب أهل الجنّة ، وريحانة رسول الله (صلّی الله علیه و آله و سلّم)، وقد غذاه بجميع ألوان التقوى ليكون صورة مشرقة منه ، وكان ممّا علّمه هذا الدعاء :
اللَّهُمَّ إِنِّي أَحْمَدُكَ عَلَى كُلِّ نِعْمَةٍ ، وَأَشْكُرُكَ عَلَى كُلِّ حَسَنَةٍ ، وَأَسْتَغْفِرُكَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ، وَأَسْتَعِيذُ بِكَ مِنْ كُلِّ بَلَاءٍ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ (2).
كان الإمام (علیه السّلام) يدعو لطلب الرزق بهذا الدعاء :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَرَّفَنِي نَفْسَهُ ، وَلَمْ يَتْرُكْنِي عَمِيَّ الْقَلْبِ ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنِي مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمْ ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ رِزْقِي فِي يَدِهِ ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ فِي أَيْدِي النَّاسِ ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَتَرَ عُيُوبِي ، وَلَمْ يَفْضَحْنِي بَيْنَ النَّاسِ (1).
وإذا وضع الميت في القبر كان يدعو له بهذا الدعاء :
بِسْمِ اللَّهِ ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ . اللَّهُمَّ افْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ ، وَنَوِّرْهُ لَهُ ، وَالْحِقْهُ بِنَبِيَّهِ ، وَأَنْتَ عَنْهُ راضِ غَيْرُ غَضْبَانَ (2).
وإذا حثا التراب في القبر دعا (علیه السّلام) للميت بهذا الدعاء :
اللهُمَّ إِيمَاناً بِكَ ، وَتَصْدِيقاً لِرُسُلِكَ ، وَإِيمَاناً بِبَعْتِكَ ، هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ ، وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ (1).
وإذا اجتاز الإمام (علیه السّلام) على القبور وقف عليهم ، وقال لهم :
السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الدِّيَارِ الْمُوحِشَةِ ، والْمَحَالُّ الْمُقْفِرَةِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ ، وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ، أَنتُمْ لَنَا سَلَفٌ وَفَرَطٌ وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ ، وَعَمَّا قَلِيلٍ بِكُمْ لَاحِقُونَ . اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ وَتَجَاوَزْ عَنَّا وَعَنْهُمْ (2).
روى الإمام الصادق (علیه السّلام)عن أبيه باقر علوم الأولين والآخرين (علیه السّلام) قال : كان جدّي
أمير المؤمنين (علیه السّلام) يدعو بهذا الدعاء في السجود :
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ تَبْتَلِيَنِي بِبَلِيَّةٍ تَدْعُونِي ضَرُورَتُهَا عَلَى أَنْ أَتَغَوَّثَ بِشَيْءٍ مِنْ مَعَاصِيكَ .
اللهُمَّ وَلَا تَجْعَلْ لِي حَاجَةً إِلى أَحَدٍ مِنْ شِرارِ خَلْقِكَ وَلِنَامِهِمْ ، فَإِنْ جَعَلْتَ لِي حَاجَةً إِلى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ فَاجْعَلْهَا إِلى أَحْسَنِهِمْ وَجْهاً وَخَلْقاً وَخُلقاً ، وَأَسْحَاهُمْ بِهَا نَفْساً ، وَأَطْلَقِهِمْ بِهَا لِسَاناً ، وَأَسْمَحِهِمْ بِهَا كَفَّاً ، وَأَقَلِّهِمْ بِهَا عَلَيَّ امتناناً (1).
كان الإمام يدعو بهذا الدعاء في رفض الدنيا والتخلّي عن مباهجها وزينتها:
اللّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ سَلُوا عَنِ الدُّنْيَا ، وَمَقْتاً لَهَا ، فَإِنَّ خَيْرَهَا زَهِيدٌ ، وَشَرَّهَا عَتِيدٌ ، وَصَفْوَهَا يَتَكَدَّرُ ، وَجَدِيدَهَا يَخْلُقُ ، وَمَا فَاتَ فِيهَا لَمْ يَرْجِعْ ، وَمَا نِيلَ فِيهَا فِتْنَةٌ ، إِلَّا مَنْ أَصَابَتْهُ مِنْكَ عِصْمَةٌ ، وَشَمِلَتْهُ مِنْكَ رَحْمَةٌ .
فَلَا تَجْعَلْنِي مِمَّن رَضِيَ بِهَا ، واطْمَأَنَّ إِلَيْهَا ، وَوَيْقَ بِهَا ، فَإِنَّ مَنِ اطْمَأَنَّ إِلَيْهَا
1) قرب الاسناد : 2. مستدرك الوسائل : 4 : 449 - 450 ، الحديث 5131 . بحار الأنوار: 83: 228 ، الحديث 48 .
خانتْهُ ، وَمَنْ وَثِقَ بهَا غَرَّتْهُ (1).
وكان من مظاهر رفضه (علیه السّلام) للدنيا أنه يدعو أن يتوفاه الله فقيراً لا مال عنده ، يقول :
اللَّهُمَّ تَوَفَّنِي فَقِيراً ، وَلَا تَتَوَفَّنِي غَنِيَّاً ، واحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ (2).
كان الإمام (علیه السّلام) يدعو بهذا الدعاء ليوسع الله عليه رزقه في دار الدنيا حتى ينفق ما عنده في سبيل الله ، وهذا نص دعائه:
اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا مَا أَسَدُدُ بِهِ لِسَانِي ، وَأَحْصِنُ بِهِ فَرْجِي، وَأُؤَدِّي بِهِ أَمَانَتِي ، وَأَصِلُ بِهِ رَحِمِي ، وَأَتَّجِرُ بِهِ لِآخِرَتِي (3).
وندب (علیه السّلام) من أراد التزويج أن يصلي ركعتين ، ثم يدعو الله تعالى بهذا الدعاء :
اللهُمَّ ارْزُقْنِي زَوْجَةً صَالِحَةٌ ، وَدُوداً، وَلُوداً، شَكُوراً ، قَنُوعاً ، غَيُوراً ، إِنْ أَحْسَنْتُ شَكَرَتْ ، وَإِنْ أَسَأْتُ غَفَرَتْ ، وَإِنْ ذَكَرْتُ اللَّهَ تَعَالَى أَعَانَتْ ،
وَإِنْ نَسِيتُ ذَكَرَتْ ، وَإِنْ خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهَا حَفِظَتْ ، وَإِنْ دَخَلْتُ عَلَيْهَا سَرَّتْنِي ، وَإِنْ أَمْرْتُهَا أَطَاعَتْنِي ، وَإِنْ أَقْسَمْتُ عَلَيْهَا أَبَرَّتْ قَسَمِي، وَإِنْ غَضِبْتُ عَلَيْهَا أَرْضَتْنِي يَا ذَا الْجَلَالِ والإِكْرَامِ (1).
كان الإمام (علیه السّلام) يدعو بهذا الدعاء يذكر فيه نعم الله عليه ويسأله دفع المكاره عنه وهذا نصه :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُصْبِحْ بِي مَيِّناً ، وَلَا سَقِيماً ، وَلَا مَضْرُوباً عَلَى عُرُوقي
1) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة : 249 . مستدرك الوسائل : 6 : 325 و 326 ، الحديث 6915 . الجعفريات : 109 .
بِسُوءٍ ، وَلَا مَأْخُوذاً بِسُوءٍ عَمَلِي ، وَلَا مَقْطُوعاً دابِرِي ، وَلَا مُرْتَدَّاً عَنْ دِينِي ، وَلَا مُنْكِراً لِرَبِّي ، وَلَا مُسْتَوْحِشَاً مِنْ إِيْمَانِي ، وَلَا مُلْتَبِساً عَلى عَقْلِي ، وَلَا مُعَذَّباً بِعَذَابِ الْأُمَمِ مِنْ قَبْلِي ، أَصْبَحْتُ عَبْداً مَمْلُوكاً ظَالِماً لِنَفْسِي ، لَكَ الْحُجَّةُ عَلَيَّ ، وَلَا حُجَّةَ لِي ، لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أخُذَ إِلَّا مَا أَعْطَيْتَنِي ، وَلَا أَتَّقِي إِلَّا مَا وَقَيْتَنِي .
اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَفْتَقِرَ فِي غِنَاكَ ، أَوْ أَضِلَّ فِي هَداكَ ، أَوْ أَضَامَ فِي سُلْطَائِكَ ، أَوْ أَضْطَهَدَ َوالْأَمْرُ لَكَ .
اللهُمَّ اجْعَلْ نَفْسِي أَوَّلَ كَرِيمَةٍ تَرْتَجِعُهَا مِنْ وَدائِعِكَ .
اللهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَذْهَبَ عَنْ قَوْلِكَ أَوْ تُفْتَتَنَ عَنْ دِينِكَ ، أَوْ تَتَابَعَ بِنَا أَهْوَاؤُنا دُونَ الْهُدَى الَّذِي جَاءَ مِنْ عِنْدِكَ ، وَصَلَّى اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ (1).
ولما حضرته الوفاة كان يلهج بذكر الله تعالى ، ويدعو بهذا الدعاء :
اللهُمَّ اكْفِنَا عَدُوّكَ الرَّجِيم.
1) بحار الأنوار: 91: 230 ، الحديث .4 نهج البلاغة : 2: 197 ، الحديث 215 .
اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْهِدُكَ أَنَّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، وَأَنْتَ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَكَ كُفُواً أَحَدٌ ، فَلَكَ الْحَمْدُ عَدَدَ نَعْمَائِكَ لَدَيَّ ، وَإِحْسَانِكَ عِنْدِي ، فَاغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ.
ولم يزل يقول :
لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَنَّ مَحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ عُدَّةٌ لِهَذَا الْمَوْقِفِ ، وَمَا بَعْدَهُ مِنَ الْمَواقِفِ .
اللَّهُمَّ أَلْحِقْنِي بِهِ ، وَلَا تَحُلْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ ، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ، رَؤُوفٌ غَفُورٌ رحيم (1).
ولم يزل يردّد هذا الدعاء حتى التحق بالرفيق الأعلى تحفّه ملائكة الله تعالى .
من أدعية الإمام (علیه السّلام) هذا الدعاء الجليل ، وكان يسأل به الرحمة والنور من الله تعالى :
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ يَا رَبَّ الْأَرْواحِ الْفَانِيَةِ ، وَرَبَّ الْأَجْسَادِ الْبَالِيَةِ ، أَسْأَلُكَ بِطَاعَةِ الْأَرْواحِ الرَّاجِعَةِ إِلى أَجْسَادِهَا ، وَبِطَاعَةِ الْأَجْسَادِ الْمُلْتَئِمَةِ إِلَى
1) دعائم الإسلام : 2 354 . نهج السعادة : 6: 333 .
أَعْضَائِهَا ، وَبِانْشِقَاقِ الْقُبُورِ عَنْ أَهْلِهَا ، وَبِدَعْوَتِكَ الصَّادِقَةِ فِيهِمْ ، وَأَخْذِكَ بِالْحَقِّ بَيْنَهُمْ إِذَا بَرَزَ الْخَلَائِقُ يَنْتَظِرُونَ قَضَاءَكَ ، وَيَرَوْنَ سُلْطَانَكَ ، وَيَخَافُونَ بَطْشَكَ ، وَيَرْجُونَ رَحْمَتَكَ ، يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلى عَنْ مَوْلى شَيْئًا، وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ ، إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ .
أَسْأَلُكَ يَا رَحْمَنُ أَنْ تَجْعَلَ النُّورَ فِي بَصَرِي ، وَالْيَقِينَ فِي قَلْبِي ، وَذِكْرَكَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ عَلَى لِسَانِي أَبَداً مَا أَبْقَيْتَنِي ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1).
وبهذا العرض الموجز لبعض أدعيته التي كان يدعو بها في المناسبات المختلفة ننهي هذا الفصل.
1) مناقب آل أبي طالب 2 :119 . بحار الأنوار: 4 : 209 و 92 : 88 الحديث .7 مدينة المعاجز : 2 : 76 ، الحديث 410 .
عايش الإمام (علیه السّلام) منذ فجر صباه الرسول الأعظم (صلّی الله علیه و آله و سلّم) وآمن به إيماناً مطلقاً ،وتبنى جميع أهدافه ، ووقف إلى جانبه مدافعاً عنه في جميع مراحل حياته ، وفداه بنفسه . ومن المؤكد أنه لم يقف على معرفة النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم) إلا الإمام (علیه السّلام) فهو باب مدينة علمه ، وخازن حكمته ، وقد نقل الرواة كوكبة من أدعيته (علیه السّلام) في تعظيم النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم) والصلاة عليه كان منها ما يلي :
الدعاء الاوّل: في تعظيم النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم) والصلاة عليه
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَصَلَّى اللهُ عَلى أَطْيَبِ الْمُرْسَلِينَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُنْتَجَبِ الْفَاتِقِ الرَّاتِقِ.
اللهُمَّ فَخُص مُحَمَّداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ بِالذِّكْرِ الْمَحْمُودِ ، وَالْحَوْضِ الْمَوْرُودِ.
اللّهُمَّ آتِ مُحَمَّداً صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَآلِهِ الْوَسِيلَةَ وَالرَّفْعَةَ وَالْفَضِيلَةَ ، وَاجْعَلْ فِي الْمُصْطَفَينَ مَحَبَّتَهُ ، وَفِي الْعِلِّيِّينَ دَرَجَتَهُ ، وَفِي الْمُقَرَّبِينَ كَرَامَتَهُ.
اللهُمَّ أَعْطِ مُحَمَّداً صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَآلِهِ مِنْ كُلِّ كَرَامَةٍ أَفْضَلَ تِلْكَ الْكَرَامَةِ ، وَمِنْ كُلِّ نَعِيمٍ أَوْسَعَ ذَلِكَ النَّعِيمِ ، وَمِنْ كُلِّ عَطَاءٍ أَجْزَلَ ذَلِكَ الْعَطَاءِ ، وَمِنْ كُلِّ
يُسْرِ أَنْضَرَ ذَلِكَ الْيُسْرِ ، وَمِنْ كُلِّ قِسْم أَوْفَرَ ذَلِكَ الْقِسْمِ حَتَّى لَا يَكُونَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِكَ أَقْرَبَ مِنْهُ مَجْلِساً ، وَلَا أَرْفَعَ مِنْهُ عِنْدَكَ ذِكْرًا وَمَنْزِلَةٌ ، وَلَا أَعْظَمَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَلَا أَقْرَبَ وَسِيلَةٌ مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَآلِهِ ، إِمَامِ الْخَيْرِ وَقَائِدِهِ وَالدَّاعِي إِلَيْهِ ، والْبَرَكَةِ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادِ وَالْبِلَادِ والرَّحْمَةِ لِلْعَالَمِينَ.
اللهُمَّ اجْمَعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَآلِهِ فِي بَرْدِ الْعَيْشِ ، وَتَرَوُّح الرَّوْحِ ، وَقَرارِ النَّعْمَةِ ، وَشَهْوَةِ الْأَنْفُسِ ، وَمُنَى الشَّهَوَاتِ ، وَنِعَم اللذَّاتِ وَرَجَاءِ الْفَضِيلَةِ ، وَشُهُودِ الطُّمَانِينَةِ ، وَسُودَدِ الْكَرَامَةِ ، وَقُرَّةِ الْعَيْنِ ، وَنَضْرَةِ النَّعِيمِ ، وَبَهْجَةٍ لَا تُشْبِهُ بَهَجَاتِ الدُّنْيَا .
نَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَ الرِّسَالَةَ ، وَأَدَّى النَّصِيحَةَ ، وَاجْتَهَدَ لِلْامَةِ ، وَأُوْذِيَ فِي جَنْبكَ ، وَجَاهَدَ فِي سَبيلِكَ ، وَعَبَدَكَ حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِينُ ، فَصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ .
اللهُمَّ رَبَّ الْبَلَدِ الْحَرامِ ، وَرَبَّ الرُّكْنِ والْمَقَامِ ، وَرَبَّ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ ، وَرَبَّ الْحِلِّ والْحَرامِ بَلِّغْ رُوحَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ عَنَّا السَّلَامَ.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مَلَائِكَتِكَ الْمُقَرَّبِينَ ، وَعَلى أَنْبِيَائِكَ ، وَرُسُلِكَ أَجْمَعِينَ ، وَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَى الْحَفَظَةِ الْكِرامِ الْكَاتِبِينَ ، وَعَلَى أَهْلِ طَاعَتِكَ مِنْ أَهْلِ السَّمَواتِ السَّبْع وَأَهْلِ الْأَرْضِينَ السَّبْعِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَجْمَعِينَ (1).
في هذا الدعاء قدم (علیه السّلام) جميع صنوف التعظيم والتكريم للنبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم)
1) تهذيب الأحكام 3: 83 ، الحديث :239. بحار الأنوار: 95: 127. مصباح المتهجد : 557 و 558 ، الحديث .651 . إقبال الأعمال : 1 : 320 و 321 .
ومن أدعيته الجليلة في الصلاة على الرسول الأعظم (صلّی الله علیه و آله و سلّم) هذا الدعاء ، وكان يعلمه لأصحابه :
اللهُمَّ داحِيَ الْمَدْحُوَّاتِ ، وَداعِمَ الْمَسْمُوَكَاتِ ، وَجَابِلَ الْقُلُوبِ عَلَى فِطْرَتِهَا ، شَقِيْهَا وَسَعِيدِهَا ، اجْعَلْ شَرائِفَ صَلَواتِكَ ، وَنَوامِيَ بَرَكَاتِكَ ، وَرَأْفَةَ تَحِيَّاتِكَ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ الْفَاتِحَ لِمَا أُغْلِقَ وَالْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ ، والْمُعْلِنِ الْحَقَّ بِالْحَقِّ ، والدَّامِعْ جَيْشَاتِ الْأَبَاطِيلِ ، كَمَا حَمَّلْتَهُ فَاضْطَلَعَ بِأَمْرِكَ لِطَاعَتِكَ ، مُسْتَوْفِزاً فِي مَرْضَاتِكَ ، غَيْرَ نَاكِلٍ عَنْ قُدُمٍ ، وَلَا وَهِن فِي عَزْمٍ ، داعِياً لِوَحْيِكَ ، حَافِظاً لِعَهْدِكَ ، مَاضِياً عَلَى نَفَاذِ أَمْرِكَ ، حَتَّىٰ أَوْرَىٰ قَبَساً لِقَابِسٍ (1)، وَأَضَاءَ الطَّرِيقَ لِلْخابِطِ ، وَهُدِيَتْ بِهِ الْقُلُوبُ بَعْدَ خَوْضاتِ الْفِتَنِ وَالْأَنامِ ، وَأَقَامَ بِمُوضِحَاتِ الْأَعْلَامِ ، وَنَائِرَاتِ الْأَحْكَامِ ، وَمُنِيرَاتِ الْإِسْلَامِ ، فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ ، وَخَازِنُ عِلْمِكَ الْمَخْرُونِ ، وَشَهِيدُكَ يَوْمَ الدِّينِ ، وَبَعِيتُكَ نِعْمَةً ، وَرَسُولُكَ بِالْحَقِّ رَحْمَةٌ .
اللَّهُمَّ افْسَحْ لَهُ مَفْسَحاً فِي عَدْلِكَ ، واجْزِهِ مُضَاعَفَاتِ الْخَيْرِ مِنْ فَضْلِكَ ، مُهَنَّاتٍ غَيْرَ مَكَدَّراتٍ ، مِنْ فَوْزِ ثَوابِكَ الْمَحْلُولِ ، وَجَزِيلِ عَطَائِكَ الْمَعْلُولِ (2). اللهُمَّ أَعْلِ عَلَى بِنَاءِ الْبَانِينَ بِنَاءَهُ ، وَأَكْرِمْ لَدَيْكَ مَنْزِلَتَهُ ، وَأَتْمِمْ لَهُ نُورَهُ ، وَاجْزِهِ
مِنِ ابْتِمَائِكَ لَهُ مَقبُولَ الشَّهَادَةِ ، وَمَرْضِيَّ الْمَقَالَةِ ، ذَا مَنْطِقٍ عَدْلٍ ، وَخُطْبَةٍ فَصْلٍ وَبُرْهَانٍ عَظِيمٍ (1).
وحوى هذا الدعاء على أجمل صور التعظيم والتكريم للرسول الأعظم (صلّی الله علیه و آله و سلّم)مفجر العلم والنور في دنيا العرب والمسلمين.
1) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة : 280 - 286 . شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 19: 134 . بحار الأنوار : 91 : 83 ، الحديث .3 نهج البلاغة : 1: 12 و 13 ، الحدیث 72.
أما الرسول الأعظم (صلّی الله علیه و آله و سلّم) فهو داعية الله الأكبر في الأرض ، وهو الذي طهر أرض العرب من الأوثان والأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله ، وقد وجه البشرية بصورة عامة نحو الله تعالى خالق الكون ، وواهب الحياة ، وقد أنار الطريق وأوضح القصد ، وحرّر الفكر من خرافات الجاهلية وتقاليدها .
لقد كان الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) في جميع فترات حياته يناجي ربه ويلهج بذكره ويدعوه بثقة وإخلاص ، وقد أثرت عنه بعض الأدعية الشريفة علّمها إلى وصيّه وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) كان منها ما يلي :
أرسل النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم) الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) ومعه قوة عسكرية إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام، ففتح الله الفتح المبين فأسلموا على يده بلا قتال ، وقد زوّده الرسول (صلّی الله علیه و آله و سلّم) بهذا الدعاء الشريف :
الدعاء الأوّل
اللهُمَّ إِنِّي أَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِلَا ثِقَةٍ مِنِّي بِغَيْرِكَ ، وَلَا رَجَاءٍ يَأْوِي بِيَ إِلَّا إِلَيْكَ ، وَلَا قُوَّةٍ أَتَّكِلُ عَلَيْهَا ، وَلَا حِيْلَةٍ أَلْجَأُ إِلَيْهَا إِلَّا طَلَبَ فَضْلِكَ ، وَالتَّعَرُّضَ لِرَحْمَتِكَ ، وَالسُّكُونَ إِلى أَحْسَنِ عَادَتِكَ ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِمَا سَبَقَ لِي فِي وَجْهِي هذا مِمَّا اُحِبُّ وَأَكْرَهُ ، فَأَيَّمَا أَوْقَعَتْ عَلَى فِيهِ قُدْرَتَكَ ، فَمَحْمُودٌ فِيهِ بَلَاؤُكَ مُتَّضِحٌ فِيهِ قَضَاؤُكَ ، وَأَنْتَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ وَعِنْدَكَ أُمُّ الْكِتَابِ .
اللَّهُمَّ فَاصْرِفْ عَنِّي مَقَادِيرَ كُلِّ بَلَاءٍ ، وَمَقَاصِرَ كُلِّ لأواءِ ، وَأَبْسُطْ عَلَيَّ كَنَفاً مِنْ رَحْمَتِكَ ، وَسَعَةً مِنْ فَضْلِكَ ، وَلُطْفاً مِنْ عَفُوكَ ، حَتَّى لَا أُحِبُّ تَعْجِيلَ مَا أَخَّرْتَ وَلَا تَأْخِيرَ مَا عَجَّلْتَ ، وَذَلِكَ مَعَ مَا أَسْأَلُكَ أَنْ تَخْلُفَنِي فِي أَهْلِي وَوَلَدِي ، وَصُرُوفِ حُزَانَتِي بِأَحْسَنِ مَا خَلَفْتَ بِهِ غَائِباً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَحْصِينِ كُلِّ عَوْرَةٍ ، وَسَتْرِ كُلِّ سَيِّئَةٍ ، وَحَطِّ كُلُّ مَعْصِيَةٍ ، وَكِفَايَةِ كُلِّ مَكْرُوه، وارْزُقْنِي عَلى ذَلِكَ شُكْرَكَ وَذِكْرَكَ ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ ، وَالرِّضَا بِقَضَائِكَ .
يَا وَلِيَّ الْمُؤْمِنِينَ ، واجْعَلْنِي وَمَا خَوَّلْتَنِي وَوَلَدِي ، وَرَزَقْتَنِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ فِي حِمَاكَ الَّذِي لَا يُسْتَبَاحُ ، وَذِمَّتِكَ الَّتِي لَا تُخْفَرُ ، وَجِوارِكَ الَّذِي لَا يُرامُ ، وَأَمَائِكَ الَّذِي لَا يُنْقَضُ، وَسِتْرِكَ الَّذِي لَا يُهْتَكَ ، فَإِنَّهُ مَنْ كَانَ فِي حِمَاكَ وَذِمَّتِكَ وَجِوارِكَ وَأَمَانِكَ وَسِركَ كَانَ آمِناً مَحْفُوظاً ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيُّ الْعَظِيمِ (1).
وحكى هذا الدعاء مدى إخلاص النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم)، وإيمانه الوثيق بالله تعالى ،فقد فزع وتضرّع إليه بأروع ألوان التضرّع والإنابة إليه تعالى .
1) مهج الدعوات: 94 . المزار الكبير / محمد المشهدي : 243 و 244 ، الحديث 7. بحار الأنوار: 92 : 303 و 304 ، الحديث 1.
من الأدعية الجليلة التي علمها النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم) للإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) هذا الدعاء الشريف ، وقد رواه عنه أنس بن أويس ، وهذا نصه بعد البسملة :
اللهُمَّ أَنْتَ اللهُ ، وَأَنْتَ الرَّحْمَنُ ، وَأَنْتَ الرَّحِيمُ، الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ ، السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ ، الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ، الأَوَّلُ ، الْآخِرُ، الظَّاهِرُ ، الْبَاطِنُ ، الْحَمِيدُ ، الْمَجِيدُ ، الْمُبْدِئُ ، الْمُعِيدُ ، الْوَدُودُ ، الشَّهِيدُ ، الْقَدِيمُ، الْعَلِيُّ . الْعَظِيمُ ، الْعَلِيمُ ، الصَّادِقُ ، الرَّؤُوفُ، الرَّحِيمُ ، الشَّكُورُ، الغَفُورُ الْعَزِيزُ ، الْحَكِيمُ ، ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ، الرَّقِيبُ ، الْعَظِيمُ ، الْعَلِيمُ، الْغَنِيُّ ، الْوَلِيُّ ، الْحَفِيظُ ذُو الْجَلَالِ والإِكْرامِ ، الْعَظِيمُ، الْعَلِيمُ الْغَنِيُّ ، الْوَلِيُّ ، الْفَتَّاحُ ، الْقَابِضُ ، الْبَاسِطُ ، الْعَدْلُ ، الْوَفِيُّ ، الْوَلِيُّ ، الْحَقُّ ، الْمُبِينُ الْخَلَّاقُ ، الرَّزَّاقُ ، الْوَهَّابُ التَّوَّابُ ، الرَّبُّ ، الوَكِيلُ ، اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، الدَّيَّانُ ، الْمُتَعَالِي ، الْقَرِيبُ الْمُجِيبُ الْبَاعِثُ الْوَارِثُ ، الْواسِعُ الْبَاقِي ، الْحَيُّ ، الدائِمُ الَّذِي لَا يَمُوتُ ، الْقَيُّومُ النُّورُ الْغَفَّارُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ، الأَحَدُ ، الصَّمَدُ ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ، ذُو الطَّوْلِ ، الْمُقْتَدِرُ ، عَلامُ الْغُيُوبِ ، الْمُبْدِيُّ ، الْبَدِيعُ ، الْقَابِضُ الْبَاسِطُ ، الدَّاعِي ، الْمُغِيثُ ، الدَّافِعُ ، الضُّارُّ ، النَّافِعُ الْمُعِزُ الْمُذِلُّ، الْمُطْعِمُ، الْمُنْعِمُ، الْمُهَيْمِنُ الْمُحْسِنُ ، الْحَنَّانُ الْمُتَفَضَّلُ ، الْمُحْيِي الْمُمِيتُ ، الْفَعَالُ لِمَا يُرِيدُ ، مَالِكُ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ ، وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ، وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ ، وَتُذِلُّ مِنْ تَشَاءُ ،
بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ ، وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ، وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ، وَتُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ ، وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ، فَالِقُ الْإِصْبَاحِ ، وَفَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى ، يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَواتِ والْأَرْضِ ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .
اللهُمَّ وَمَا قُلْتُ مِنْ قَوْلٍ ، أَوْ حَلَفْتُ مِنْ حَلْفٍ ، أَوْ نَذَرْتُ مِنْ نَذْرٍ ، فِي يَوْمِي هذا وَلَيْلَتِي هَذِهِ ، فَمَشِيَّتُكَ بَيْنَ يَدَى ذَلِكَ كُلِّهِ ، مَا شِئْتَ مِنْهُ كَانَ ، وَمَا لَمْ تَشَأُ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ ، فَادْفَعْ عَنِّي بِحَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ ، فَإِنَّهُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيُّ الْعَظِيم.
اللّهُمَّ بِحَقِّ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ عِنْدَكَ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْ لِي وارْحَمْنِي ، وَتُبْ عَلَيَّ ، وَتَقَبَّلْ مِنِّي ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي ، وَيَسِّرْ أُمُورِي ، وَوَسِّعْ عَلَيَّ فِي رِزْقِي ، وَأَغْنِنِي بِكَرَمِ وَجْهِكَ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِكَ ، وَصُنْ وَجْهِي وَيَدِي وَلِسَانِي عَنْ مَسْأَلَةِ غَيْرِكَ ، واجْعَلْ لِي مِنْ أَمْرِي فَرَجاً وَمَخْرَجاً فَإِنَّكَ تَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ ، وَتَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ، وَصَلَّى اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ (1).
1) مهج الدعوات : 92 - 93 . بحار الأنوار: 92 : 376 و 377 ، الحديث 26 .
ومن الأدعية الجليلة التي علمها النبي إلى وصيه الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)هذا الدعاء ، وقد رواه عنه أويس القرني ، وقد جاء فيه بعد البسملة :
اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَلَا أَسْأَلُ غَيْرَكَ ، وَأَرْغَبُ إِلَيْكَ وَلَا أَرْغَبُ إِلَى غَيْرِكَ ، أَسْأَلُكَ يَا أَمَانَ الْخَائِفِينَ ، وَجَارَ الْمُسْتَجِيرِينَ ،أَنْتَ الْفَتَّاحُ ، ذُو الْخَيْرَاتِ مُقِيلُ الْعَثَراتِ ، وَمَاحِي السَّيِّئَاتِ ، وَكَاتِبُ الْحَسَنَاتِ ، وَرافِعُ الدَّرَجَاتِ .
أَسْأَلُكَ بِأَفْضَلِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا ، وَأَنْجَحِهَا الَّتِي لَا يَنْبَغِي لِلْعِبَادِ أَنْ يَسْأَلُوكَ إِلَّا بِهَا.
وَأَسْأَلُكَ بِك يا اللهُ ، يَا رَحْمَنُ ، وَبِأَسْمَائِكَ الْحُسْنَى ، وَأَمْثَالِكَ الْعُلْيا ، وَنِعَمِكَ الَّتِي لَا تُحْصى ، وَبِأَكْرَمِ أَسْمَائِكَ عَلَيْكَ ، وَأَحَبِّهَا إِلَيْكَ وَأَشْرَفِهَا عِنْدَكَ مَنْزِلَةٌ ، وَأَقْرَبِهَا مِنْكَ وَسِيلَةٌ ، وَأَجْزَلِهَا مَبْلَغاً ، وَأَسْرَعِهَا مِنْكَ إِجَابَةٌ .
وَبِاسْمِكَ الْمَخْزُونِ الْجَلِيلِ الْأَجَلِ الْعَظِيمِ الْأَعْظَم ، الَّذِي تُحِبُّهُ وَتَرْضَاهُ ، وَتَرْضَىٰ عَمَّنْ دَعَاكَ بِهِ ، فَاسْتَجَبْتَ دُعاءَهُ ، وَحَقٌّ عَلَيْكَ أَلَّا تَحْرِمَ بِهِ سَائِلَكَ ، وَبِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ والْفُرْقَانِ ، وَبِكُلِّ اسْم هُوَ لَكَ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ أَوْ لَمْ تُعَلِّمْهُ أَحَداً ، وَبِكُلِّ اسْم دَعَاكَ بِهِ حَمَلَةٌ عَرْشِكَ وَمَلَائِكَتُكَ وَأَصْفياؤُكَ مِنْ خَلْقِكَ ، وَبِحَقِّ السَّائِلِينَ لَكَ وَالرَّاغِبِينَ إِلَيْكَ وَالْمُتَعَوِّذِينَ بِكَ ، وَالْمُتَضَرْعِينَ لَدَيْكَ ، وَبِحَقِّ كُلِّ عَبْدٍ مُتَعَبْدِ لَكَ فِي بَر أَوْ بَحْرٍ أَوْ سَهْلِ أَوْ جَبَلٍ ، أَدْعُوكَ دُعَاءَ مَنْ قَدِ اشْتَدَّتْ فَاقَتُهُ ، وَعَظُمَ جُرْمُهُ ،
وَأَشْرَفَ عَلَى الْهَلَكَةِ ، وَضَعُفَتْ قُوَّتُهُ ، وَمَنْ لَا يثقُ بِشَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ ، وَلَا يَجِدُ لِذَنْبِهِ غَافِراً غَيْرَكَ ، وَلَا لِسَعْيِهِ مَلْجَأَ سِواكَ ، هَرَبْتُ مِنْكَ إِلَيْكَ مُعْتَرِفاً غَيْرَ مُسْتَنْكِفٍ ، وَلَا مُسْتَكْبِرٍ عَنْ عِبَادَتِكَ ، يَا أَنْسَ كُلَّ فَقِيرٍ مُسْتَجِيرٍ.
أَسْأَلُكَ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللهُ لا إلهَ إِلَّا أَنْتَ الْحَنَّانُ الْمَنَّانُ ، بَدِيعُ السَّمواتِ والْأَرْضِ ، ذُو الْجَلَالِ والإِكْرامِ ، عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ، الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ، أَنْتَ الرَّبُّ وَأَنَا الْعَبْدُ ، وَأَنْتَ الْمَالِكُ وَأَنَا الْمَمْلُولُ ، وَأَنْتَ الْعَزِيزُ وَأَنَا الدَّلِيلُ ، وَأَنْتَ الْغَنِيُّ وَأَنَا الْفَقِيرُ ، وَأَنْتَ الْحَيُّ ، وَأَنَا الْمَيِّتُ ، وَأَنْتَ الْبَاقِي وَأَنَا الْفَانِي وَأَنْتَ الْمُحْسِنُ وَأَنَا الْمُسِيءُ ، وَأَنْتَ الْغَفُورُ وَأَنَا الْمُذْنِبُ ، وَأَنْتَ الرَّحِيمُ وَأَنَا الْخَاطِيُّ ، وَأَنْتَ الْخَالِقُ وَأَنَا الْمَخْلُوقُ ، وَأَنْتَ الْقَوِيُّ وَأَنَا الضَّعِيفُ ، وَأَنْتَ الْمُعْطِى وَأَنَا السَّائِلُ ، وَأَنْتَ الْآمِنُ وَأَنَا الْخَائِفُ ، وَأَنْتَ الرَّازِقُ وَأَنَا الْمَرْزُوقُ ، وَأَنْتَ أَحَقُّ مَنْ شَكَوْتُ إِلَيْهِ وَاسْتَغَثْتُ بِهِ وَرَجَوْتُهُ ، لِأَنَّكَ كَمْ مِنْ مُذْنِبٍ قَدْ غَفَرْتَ لَهُ ، وَكَمْ مِنْ مُسِيءٍ قَدْ تَجَاوَزْتَ عَنْهُ ، فَاغْفِرْ لِي ، وَتَجَاوَزْ عَنِّي ، وارْحَمْنِي ، وَعَافِنِي مِمَّا نَزَلَ بِي ، وَلَا تَفْضَحْنِي بِمَا جَنَيْتُهُ عَلَى نَفْسِي ، وَخُذْ بِيَدِي ، وَبِيَدِ وَالِدَيَّ وَوَلَدِي ، وَارْحَمْنَا بِرَحْمَتِكَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (1).
1) مهج الدعوات: 104 . بحار الأنوار: 92 : 392 و 393، الحدیث 31.
الأدعية الشريفة التي علمها النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم) للإمام (علیه السّلام) وأمره أن يحتفظ به، من ويدعو به عند كلّ شدة تلمّ به ، هذا الدعاء ، وهو بعد البسملة :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْحَقُّ الْمُبِينُ الْمُدَبِّرُ بِلَا وَزِيرٍ، وَلَا خَلْقٍ مِنْ عِبَادِهِ يَسْتَشِيرُ الْأَوَّلُ غَيْرُ مَوْصُوفٍ ، وَالْبَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ الْخَلْقِ ، الْعَظِيمُ الرُّبُوبِيَّةِ ، نُورُ السَّمَواتِ َوالْأَرَضِينَ وَفَاطِرُهُمَا وَمُبْتَدِعُهُمَا ، بِغَيْرِ عَمَدٍ خَلَقَهُمَا ، وَفَتَقَهُمَا فَتْقاً ، فَقَامَتِ السَّمَواتُ طَائِعَاتٍ بِأَمْرِهِ ، واسْتَقَرَّتِ الْأَرَضُونَ بِأَوْتَادِهَا فَوْقَ الْمَاءِ ، ثُمَّ عَلَا رَبُّنَا فِي السَّمَوَاتِ الْعُلَى الرَّحْمَنُ
، عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ، لَهُ مَا فِي السَّمَواتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرى.
فَأَنَا أَشْهَدُ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللهُ لَا رَافِعَ لِمَا وَضَعْتَ ، وَلَا واضِعَ لِمَا رَفَعْتَ ، وَلَا مُعِزَّ لِمَنْ أَذلَلْتَ ، وَلَا مُذِلُّ لِمَنْ أَعْزَزْتَ ، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ .
وَأَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ كُنْتَ إِذْ لَمْ تَكُنْ سَمَاءٌ مَبْنِيَّةٌ ، وَلَا أَرْضٌ مَدْحِيَّةٌ ، وَلَا شَمْسٌ مُضِيئَةٌ ، وَلَا لَيْلٌ مُظْلِمَ ، وَلَا نَهَارٌ مُضِيءٌ ، وَلَا بَحْرٌ لُجِّيٍّ ، وَلَا جَبَلٌ راس ، وَلَا نَجْمٌ سَارٍ ، وَلَا قَمَرٌ مُنِيرٌ ، وَلَا رِيحٌ تَهُبُّ ، وَلَا سَحَابٌ يَسْكُبُ ، وَلَا بَرْقٌ يَلْمَعُ ، وَلَا رَعْدٌ يُسَبِّحُ ، وَلَا رُوحٌ تَنَفَّسُ ، وَلَا طَائِرٌ يَطِيرُ ، وَلَا نَارٌ تَتَوَقَّدُ ، وَلَا مَاءً يَطَّرِدُ ، كُنْتَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ ، وَكَوَّنْتَ كُلَّ شَيْءٍ ، وَقَدَرْتَ عَلَىٰ
كُلِّ شَيْءٍ ، وَابْتَدَعْتَ كُلَّ شَيْءٍ ، وَأَغْنَيْتَ وَأَفْقَرْتَ ، وَأَمَةً وَأَحْيَيْتَ ، وَأَضْحَكْتَ وَأَبْكَيْتَ ، وَعَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَيْتَ ، فَتَبَارَكْتَ يَا اللَّهُ وَتَعَالَيْتَ .
أَنْتَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْخَلَّاقُ الْمُعِينُ ، أَمْرُكَ غَالِبٌ ، وَعِلْمُكَ نَافِةٌ ، وَكَيْدُكَ غَرِيبٌ ، وَوَعْدُكَ صَادِقٌ ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ ، وَحُكْمُكَ عَدْلٌ ، وَكَلَامُكَ هُدى ، وَوَحْيُكَ نُورٌ ، وَرَحْمَتُكَ واسِعَةٌ ، وَعَفْوَكَ عَظِيمٌ ، وَفَضْلُكَ كَثِيرٌ ، وَعَطَاؤُكَ جَزِيلٌ ، وَحَبْلُكَ مَتِينٌ ، وَإِمْكَانُكَ عَتِيدٌ ، وَجَارُكَ عَزِيزٌ ، وَبَأْسُكَ شَدِيدٌ ، وَمَكْرُكَ مَكِيدٌ .
أَنْتَ يَا رَبِّ مَوْضِعُ كُلِّ شَكْوَى ، وَحَاضِرُ كُلِّ مَلَا، وَشَاهِدُ كُلِّ نَجْوى ، مُنْتَهى كُلِّ حَاجَةٍ ، مُفَرِّجُ كُلِّ حُزْنٍ ، غِنَى كُلِّ مِسْكِينٍ ، حِصْنُ كُلَّ هَارِبٍ ، أَمَانُ كُلِّ خَائِفٍ ، حِرْزُ الضُّعَفَاءِ ، كَنْزُ الفُقَراءِ ، مُفَرِّجُ الْغَمَّاءِ ، مُعِينُ الصَّالِحِينَ ، ذَلِكَ
اللَّهُ رَبُّنَا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، تَكْفِي مِنْ عِبَادِكَ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْكَ.
وَأَنْتَ جَارُ مَنْ لَاذَ بِكَ وَتَضَرَّعَ إِلَيْكَ ، عِصْمَةُ مَنِ اعْتَصَمَ بِكَ ، نَاصِرُ مَنِ انتَصَرَ بِكَ ، تَغْفِرُ الذُّنُوبَ لِمَنِ اسْتَغْفَرَكَ ، جَبَّارُ الْجَبَابِرَةِ ، عَظِيمُ الْعُظَمَاءِ ، كَبِيرُ الْكُبَراءِ ، سَيِّدُ السَّاداتِ ، مَوْلَى المَوالِ ، صَرِيخُ الْمُسْتَصْرِخِينَ، الْمُنَفِّسُ عَنِ الْمَكْرُوبِينَ ، مُجِيبُ دَعْوَةِ الْمُضْطَرِّينَ ، أَسْمَعُ السَّامِعِينَ ، أَبْصَرُ النَّاظِرِينَ ، أَحْكَمُ الحَاكِمِينَ ، أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ، أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ، خَيْرُ الْغَافِرِينَ ، قَاضِي حوائِجِ الْمُؤْمِنِينَ ، مُغِيثُ الصَّالِحِينَ .
أَنْتَ اللهُ لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ، أَنْتَ الْخَالِقُ وَأَنَا الْمَخْلُوقُ ، وَأَنْتَ الْمَالِكُ وَأَنَا الْمَمْلُولُ ، وَأَنْتَ الرَّبُّ وَأَنَا الْعَبْدُ ، وَأَنْتَ الرَّازِقُ وَأَنَا الْمَرْزُوقُ ،
وَأَنْتَ الْمُعْطِي وَأَنَا السَّائِلُ ، وَأَنْتَ الْجَوادُ وَأَنَا الْبَخِيلُ ، وَأَنْتَ الْقَوِيُّ وَأَنَا الضَّعِيفُ ، وَأَنْتَ الْعَزِيزُ وَأَنَا الدَّلِيلُ ، وَأَنْتَ الْغَنِيُّ وَأَنَا الْفَقِيرُ ، وَأَنْتَ السَّيِّدُ وَأَنَا الْعَبْدُ ، وَأَنْتَ الْغَافِرُ وَأَنَا الْمُسِيءُ ، وَأَنْتَ الْعَالِمُ وَأَنَا الْجَاهِلُ ، وَأَنْتَ الْحَلِيمُ وَأَنَا الْعَجُولُ ، وَأَنْتَ الرَّحْمَنُ وَأَنَا الْمَرْحُومُ ، وَأَنْتَ الْمُعَافِي وَأَنَا الْمُبْتَلِي ، وَأَنْتَ الْمُجِيبُ وَأَنَا الْمُضْطَرُّ.
وَأَنَا أَشْهَدُ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمُعْطِي عِبَادَكَ بِلَا سُؤالٍ ، وَأَشْهَدُ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللهُ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الْمُتَفَرِّدُ الصَّمَدُ الْفَرْدُ وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ ، وَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي ، وَاسْتُرْ عَلَيَّ عُيُوبِي ، وافْتَحْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةٌ وَرِزْقاً واسعاً يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَحَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ، وَلَاحَوْلَ وَلَاقُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيّ الْعَظِيمِ(1).
1) مهج الدعوات : 124 - 126 . بحار الأنوار : 83: 332 - 334 ، الحديث 71.
من الأدعية التي علمها النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم) للإمام هذا الدعاء ليدعو به عند الإفطار ،وهذا نصه :
اللهم رَبَّ النُّورِ الْعَظِيمِ، وَرَبَّ الْكُرْسِيِّ الرَّفِيعِ ، وَرَبَّ الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ، وَرَبَّ الشَّفْعِ الْكَبِيرِ ، وَالنُّورِ الْعَزِيزِ، وَرَبَّ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ والْفُرْقَانِ الْعَظِيمِ.
أَنْتَ إِلَهُ مَنْ فِي السَّمَواتِ ، وَإِلَهُ مَنْ فِي الْأَرْضِ ، لَا إِلَهَ فِيهِمَا غَيْرُكَ .
وَأَنْتَ جَبَّارُ مَنْ فِى السَّمَوَاتِ ، وَجَبَّارُ مَنْ فِي الْأَرْضِ ، لَا جَبَّارَ فِيهِمَا غَيْرُكَ .
وَأَنْتَ مَلِكُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ ، وَمَلِكُ مَنْ فِي الْأَرْضِ ، لَا مَلِكَ فِيهِمَا غَيْرُكَ .
أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْكَبِيرِ ، وَنُورِ وَجْهِكَ الْكَرِيمِ، وَمُلْكِكَ الْقَدِيمِ ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ .
وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي أَشْرَقَ بِهِ كُلُّ شَيْءٍ ، وَبِاسْمِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ بِهِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ ، وَبِاسْمِكَ الَّذِي صَلَحَ بِهِ الْأَوَّلُونَ ، وَبِهِ يَصْلُحُ الْآخِرُونَ ، يَا حَيَا قَبْلَ كُلِّ حَيٍّ ، وَيَا حَيَا بَعْدَ كُلِّ حَيٍّ ، يَا حَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ، صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي ، واجْعَلْ لِي مِنْ أَمْرِي يُسْراً وَفَرَجا قَرِيباً ،
وَثَبِّتْنِي عَلَى دِينِ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَعَلَى هُدى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَعَلَى سُنَّةِ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمُ السَّلَامُ ، واجْعَلْ عَمَلِي فِي الْمَرْفُوع الْمُتَقَبَّلِ ، وَهَبْ لِي كَمَا وَهَبْتَ لِأَوْلِيَائِكَ وَأَهْلِ طَاعَتِكَ ، فَإِنِّي مُؤْمِنٌ بِكَ ، مُتَوَكَّلْ عَلَيْكَ ، مُنِيبٌ إِلَيْكَ ، مَعَ مَصِيرِي إِلَيْكَ ، وَتَجْمَعُ لِي وَلِأَهْلِي الْخَيْرَ كُلَّهُ ، وَتَصْرِفُ عَنِّي ، وَعَنْ والِدَيَّ ، وَعَنْ أَهْلِي ، وَعَنْ وَلَدِي ، الشَّرَّ كُلَّهُ ، أَنْتَ الْحَنَّانُ الْمَنَّانُ ، بَدِيعُ السَّمَواتِ والْأَرْضِ ، تُعْطِي الْخَيْرَ مَنْ تَشَاءُ ، وَتَصْرِفُهُ عَمَّنْ تَشَاءُ ، فَامْنُنْ عَلَيَّ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ (1).
وانطوت بذلك الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب الذي يحتوي على مناجم الأرصدة الروحية والفكرية لرائد العدالة الاجتماعية في الإسلام الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، وهو إحدى حلقات حياته المشرقة بالتقوى والإيمان .
آملاً من الله تعالى أن يجعله ذخراً لي يوم الوفادة إليه ، وهو تعالى ولي القصد والتوفيق .
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله الطاهِرِينَ
1) الصحيفة العلوية الأولى : 185 و 186 . مستدرك الوسائل : 7 : 360 و 361 ، الحديث 8416 . إقبال الأعمال : 1 : 239 و 240 . بحار الأنوار: 95: 10 و 11 .
تقديم ... 7
في رحاب الدُّعَاءِ
22 - 13
فائدة الدعاء ... 15
الدعاء سلاح المؤمن ... 16
فضل الدعاء ... 17
الإقبال على الدعاء ... 17
الأوقات التي يستجاب بها الدعاء ... 18
فتح باب الإجابة ... 18
الدعاء مخ العبادة .... 19
حاجة الناس إلى الدعاء ... 19
الثناء على الله قبل الدعاء ... 19
الصلاة على النبي قبل الدعاء ... 20
استجابة دعاء أطفال العلويين ... 21
دعاؤه (علیه السّلام) في استجابة الدعاء ...21
مَعَ اللهِ فِي آيَاته وتوحيدِهِ
23 - 43
دعاؤه في توحيد الله والثناء عليه ... 25
دعاؤه (علیه السّلام) في توحيد الله وتعظيمه ... 31
دعاؤه (علیه السّلام) في التوحيد والتعظيم ... 33
دعاؤه (علیه السّلام) في التوحيد وعظيم القدرة ... 40
تضرع وخشوع امام الله
45 - 82
دعاؤه (علیه السّلام) في التضرع والتذلّل أمام الله تعالى ... 47
دعاؤه (علیه السّلام) في التضرع والخشوع .... 52
دعاؤه (علیه السّلام)في التذلل أمام الله ... 58
دعاؤه (علیه السّلام) في التضرع إلى الله تعالى ... 59
دعاؤه (علیه السّلام)في الاستكانة والتذلل أمام الله تعالى ... 64
دعاؤه(علیه السّلام) في الخشوع والتضرع ... 67
دعاء كميل ... 70
1 - الذنوب التي تهتك العصم ... 71
2 - الذنوب التي تنزل النقم ... 72
3 - الذنوب التي تغيّر النعم ...72
4 - الذنوب التي تحبس الدعاء ... 72
5- الذنوب التي تنزل البلاء ...73
6- الذنوب التي تقطع الرجاء ..... 73
مَعَ الله في الطقوس الدينية
83 - 148
أدعيته (علیه السّلام) عند الوضوء ... 85
1 - دعاؤه (علیه السّلام) عند المضمضة ... 85
2 - دعاؤه (علیه السّلام) عند الاستنشاق ... 86
3 - دعاؤه (علیه السّلام) عند عند غَسْلِ الوجه ...86
4 - دعاؤه (علیه السّلام) عند غسل اليد اليمنى ... 86
5 - دعاؤه (علیه السّلام) عند غسل اليد اليسرى .... 87
6 - دعاؤه (علیه السّلام) عند مسح الرأس ... 87
7 - دعاؤه (علیه السّلام) عند عند مسح الرجلين ... 88
أدعيته (علیه السّلام) عند الصلاة ... 88
دعاؤه (علیه السّلام) قبل الصلاة ... 88
دعاؤه (علیه السّلام) في السجود ... 89
دعاؤه (علیه السّلام) بعد السجود ... 90
دعاؤه (علیه السّلام) في قنوت صلاة الفجر ... 92
دعاؤه (علیه السّلام)عقيب صلاة الفجر ... 93
دعاؤه (علیه السّلام) في الاستغفار عقيب صلاة الفجر ... 95
دعاؤه (علیه السّلام) عقيب صلاة الظهر ... 124
دعاؤه(علیه السّلام) عقيب صلاة العصر ... 126
دعاؤه (علیه السّلام) عقيب صلاة المغرب ... 129
دعاؤه (علیه السّلام) عقيب صلاة العشاء ... 129
دعاؤه (علیه السّلام) بعد كل صلاة مفروضة ... 131
أدعيته (علیه السّلام) عقيب الصلوات المندوبة ... 133
دعاؤه (علیه السّلام) قبل صلاة الليل ... 133
دعاؤه (علیه السّلام) بعد الركعتين الأوليين من صلاة الليل ... 134
دعاؤه (علیه السّلام) بعد صلاة الليل ... 136
دعاؤه (علیه السّلام) عقيب كل صلاة ... 137
دعاؤه (علیه السّلام) بعد كل صلاة ... 140
دعاؤه (علیه السّلام) بعد صلاة الفَرَج ... 140
دعاؤه (علیه السّلام) بعد الصلاة في مسجد الجُعْفِي ... 142
أدعيته (علیه السّلام) في شهر رمضان المبارك ... 147
دعاؤه (علیه السّلام) عند رؤية الهلال ... 147
دعاؤه (علیه السّلام) عند الإفطار ... 148
مَعَ الله في الصباح والمساء
149- 162
أدعيته (علیه السّلام) في الصباح والمساء ... 151
دعاؤه (علیه السّلام) عند طلوع الشمس ... 151
دعاء الصباح ... 153
دعاؤه (علیه السّلام) في الصباح ... 159
دعاؤه (علیه السّلام) في المساء ... 160
دعاؤه (علیه السّلام) في الصباح والمساء ... 161
مناجاته (علیه السّلام)
163- 180
المناجاة الأولى ... 165
المناجاة الثانية ... 174
المناجاة الثالثة ... 178
المناجاة الرابعة ... 180
ادعِيةُ الرَّحْمَةِ لِأحْيَاءِ الأَرْضِ بِالنَّبَاتِ
181 - 189
الدعاء الأوّل ... 183
الدعاء الثاني ... 185
الدعاء الثالث ... 188
مِنْ أَدْعِيَتِهِ (علیه السّلام) لِدفع الْأَزَمَاتِ وَالْكَوَارِثِ
207 - 191
دعاؤه (علیه السّلام) عند الشدائد ..... 193
دعاؤه (علیه السّلام) في الصبر ... 205
دعاؤه (علیه السّلام) عند كل نازلة ... 205
دعاؤه (علیه السّلام) في دفع الكرب ... 206
الاستغفارُ والأَنابَةُ إلى الله
209- 216
دعاؤه (علیه السّلام) في الاستغفار والإنابة ... 211
الاحتجَابُ والاعتصام بالله
217 - 227
دعاؤه(علیه السّلام) في الاحتجاب ... 219
دعاؤه (علیه السّلام) في الاحتجاب عن خصومه . .. 221
دعاؤه (علیه السّلام) في الاعتصام بالله تعالى ... 224
ادعيته (علیه السّلام) في الليالي والأيام المباركة وغيرها
229 - 260
دعاؤه (علیه السّلام) في ليلة الجمعة ... 231
دعاؤه (علیه السّلام) في ليلة الفطر ... 233
دعاؤه (علیه السّلام) في النصف من رجب ... 236
دعاؤه (علیه السّلام) في شهر شعبان ... 237
أدعيته (علیه السّلام) في بحر الاسبوع ... 242
دعاؤه (علیه السّلام) يوم الجمعة ...... 242
دعاؤه (علیه السّلام) يوم السبت ... 242
دعاؤه (علیه السّلام) يوم الأحد ... 245
دعاؤه (علیه السّلام) في يوم الاثنين ... 248
دعاؤه (علیه السّلام) في يوم الثلاثاء ... 251
دعاؤه (علیه السّلام) في يوم الأربعاء ... 253
دعاؤه (علیه السّلام) في يوم الخميس ... 256
اَدعِيتُهُ (علیه السّلام) عَلَى خُصُومَهِ وَأَعْدَائِهِ
261- 270
دعاؤه (علیه السّلام) على قريش ... 263
دعاؤه (علیه السّلام) على قريش أيضاً ... 264
دعاؤه (علیه السّلام) على طلحة والزبير ... 265
دعاؤه (علیه السّلام) على بسر بن أرطاة ... 266
دعاؤه (علیه السّلام) على الخوارج ... 267
دعاؤه (علیه السّلام) على الخوارج أيضاً ... 268
دعاؤه (علیه السّلام) على بعض أعدائه ... 269
دعاؤه (علیه السّلام) على المتخاذلين عن نصرته ... 270
ادعيته (علیه السّلام) في ساحات الحروب وَالْمَعَارِكِ
271 - 283
أدعيته (علیه السّلام) في حرب الجمل .. 273
دعاؤه (علیه السّلام) في البصرة ... 274
دعاؤه (علیه السّلام) قبل الحرب ... 275
دعاؤه (علیه السّلام) لما أصر القوم على الحرب ... 275
دعاؤه (علیه السّلام) في ساحة الحرب ... 276
أدعيته (علیه السّلام) في صفّين ... 278
دعاؤه (علیه السّلام) في شخوصه لحرب معاوية ... 279
دعاؤه (علیه السّلام) في مسيره إلى الشام ... 279
دعاؤه (علیه السّلام) في صفين حين بدأ القتال ... 280
دعاؤه (علیه السّلام) في صفين أيضاً ... 280
دعاؤه (علیه السّلام) في ليلة الهرير ... 282
دعاؤه (علیه السّلام) في يوم الهرير ... 282
ادعيته (علیه السّلام) في مواضيع مختلفة
285 -301
دعاؤه (علیه السّلام) عند تناول الطعام ... 287
دعاؤه (علیه السّلام) عند النوم ... 288
دعاؤه (علیه السّلام) بعد النوم ... 288
دعاؤه (علیه السّلام) في الاستعاذة من الرياء .... 289
دعاؤه (علیه السّلام) عند مدح الناس له ... 289
دعاؤه (علیه السّلام) إذا دخل السوق .... 290
دعاؤه (علیه السّلام) إذا نظر في المرآة ... 290
دعاؤه (علیه السّلام) في حفظ القرآن ... 291
دعاؤه (علیه السّلام) في الخروج إلى السفر ... 292
دعاؤه (علیه السّلام) لولده الحسن (علیه السّلام) ... 292
دعاؤه (علیه السّلام) علمه لولده الحسين (علیه السّلام) ... 293
دعاؤه (علیه السّلام) لطلب الرزق ... 294
دعاؤه (علیه السّلام)إذا وضع الميت في القبر ... 294
دعاؤه (علیه السّلام) إذا مرَّ على القبور ... 295
دعاؤه (علیه السّلام) في الاستعانة بالله تعالى ... 295
دعاؤه (علیه السّلام) في الزهد عن الدنيا ... 296
دعاؤه (علیه السّلام) في طلب الفقر ... 297
دعاؤه (علیه السّلام) في الغاية لطلب المال ... 297
دعاؤه (علیه السّلام) عند إرادة التزويج ... 298
دعاؤه (علیه السّلام) في الشكر ودفع المكاره ... 298
دعاؤه (علیه السّلام) عند دنو أجله (علیه السّلام) ... 300
دعاؤه (علیه السّلام) في طلب الخير ... 300
مَعَ الرَّسُول الأَعْظَم (صلّی الله علیه و آله و سلّم)
303 -308
الدعاء الأوّل ... 305
الدعاء الثاني ... 307
ادعیةٌ علّمها النبي (صلّی الله علیه و آله و سلّم) للامام (علیه السّلام)
309- 321
الدعاء الأول ... 311
الدعاء الثاني ... 313
الدعاء الثالث ... 315
الدعاء الرابع ... 317
الدعاء الخامس ... 320
محتويات الكتاب ... 323