تجارب الأمم وتعاقب الهمم جلد 6

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

ذيل

تجارب الأُمَمِ

للوزير أبي شجاع محمد بن الحسين بن محمد بن عبد اللّه الملقب بظهير الدين الروزرا وري

المتوفى سنة 488ه

ویلیه

الجُزْءُ الثامن

من تاريخ الصابي

أبي الحسين هلال بن الحسن بن إبراهيم

المتوفى سنة 5448

الحقناه بديل الوزير أبي شجاع لكونه والتكملة

الجزء السادس

يحتوي على بعض حوادث سنة 369هـ ومن خلافه الطائع للّه العباسی حق سنة 389هـ من العباسي

منشورات

محمد علی بيضون

دار الكتب العلمية

بيروت - لبنان

محرر الرقمی:ولی رادمرد

اشارة

منشورات محمد علي بضون

دار الكتب العلمية

جميع الحقوق محفوظة

Copyright

All rights reserved

Tous droits réservés

جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظ

دار الكتب العلمية بيروت - لبنان.

ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو

مجزاً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر

أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً

Exclusive rights by

Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut – Lebanon

No part of this publication may be translated, reproduced, distributed in any form or by any means, or stored in a data base or retrieval system, without the prior written permission of the publisher.

Droits exclusifs à

Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth - Liban

Il est interdit à toute personne individuelle ou morale d'éditer, de traduire, de photocopier, d'enregistrer sur cassette, disquette, C.D, ordinateur toute production écrite, entière ou partielle, sans l'autorisation signée de l'éditeur.

الطبعة الأولى

2003 م - 1424هـ

دار الكتب العلمية

بيروت - لبنان

رمل الظريف - شارع البحتري - بناية ملكارت الإدارة العامة عرمون - القبة - مبنى دار الكتب العلمية

هاتف وفاكس: 9615804810/11/12/13+)

صندوق بريد: 9424 - 11 بيروت - لبنان

Dar Al-Kotob Al-ilmiyah

Beirut - Lebanon

Raml Al-Zarif, Bohtory Str., Melkart Bldg. 1st Floor Head office

Aramoun - Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Bldg. Tel & Fax: (+9615) 804810 / 11 / 12 / 13 P.O.Box: 11-9424 Beirut - Lebanon

Dar Al-Kutub Al-ilmiyah

Beyrouth - Liban

Raml Al-Zarit, Rue Bohtory, Imm. Melkart, 1er Étage Administration général

Aramoun - Imm. Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Tel & Fax: (+9615) 804810 / 11 / 12 / 13

P.P: 11-9424 Beyrouth - Liban

بسم اللّه الرحمن الرحيم

ترجمة المؤلف عن تاريخ الإسلام للحافظ الذهبي

قال صاحب تاريخ الإسلام في ترجمة سة 488: محمد بن الحسين بن عبد اللّه بن إبراهيم الوزير ظهير الدين أبو شجاع الروذراوري وزر للمقتدي باللّه بعد عزل عميد الدولة منصور بن جهير سنة 76 وصرف سنة 84 وأعيد ابن جهير ولما عزل قال:

تولاها وليس له عدو*** وفارقها وليس له صديق

ثم إنه حج وجاور بالمدينة إلى أن مات بها كهلاً وكان ديناً عالماً من محاسن الوزراء قال العماد الكاتب: لم يكن في الوزراء من يحفظ أمر الدين والشرع مثله وكان عصره أحسن العصور رحمه اللّه. وقال صاحب المرآة: ولما ولي وزارة المقتدي كان سليماً من الطمع في المال لأنه كان يملك حينئذ ستمائة ألف دينار فأنفقها في الخيرات والصدقات قال أبو جعفر الخرقي: كنت أنا واحداً من عشرة نتولى إخراج صدقاته فحسبت ما خرج على يدي فكان مائة ألف دينار وكان يبيع الخطوط الحسنة ويتصدق بها ويقول: أنا أحبّ الأشياء إلي الدينار والخط الحسن فأنا أتصدق بمحبوبي للّه. وجاءته قصة بأن امرأة وأربعة أيتام عرايا فبعث من يكسوهم وقال: واللّه لا ألبس ثيابي حتى ترجع. وتعرى فعاد الغلام وهو يرعد من البرد. وكان قد تركك الاحتجاب ويكلم المرأة والصبي ويحضر مجالسة الفقهاء والعوام لا يمنع أحداً. وأسقطت المكوس في أيامه وألبس الذمة الغيار ومحاسنه كثيرة وصدقاته غزيرة وتواضعه أمر عجیب فرحمه اللّه تعالى.

ووردت ترجمة أبي شجاع الروذراوري في وفيات الأعيان لابن خلكان 91:2 وفيها أنه عمل ذيلاً على كتاب تجارب الأمم.

بِسْمِ بسم اللّه الرحمن الرحيم

وبه ثقتي

مقدمة المؤلف

أما بعد حمد اللّه سبحانه والثناء. عليه أهل الحمد والثناء المفرد بالوحدانية والبقاء الذي لا يحيط به مكان. ولا يغيره زمان. لا إله إلا هو مبدع المكان وموجده. ومحدث الزمان ومنفذه. خالق الخلق أطواراً. وجاعل الظلمة والضياء ليلاً ونهاراً. كتب على الخلائق تقلب الأحوال لأنه لا يحول. وقضى على الأزمنة لحكم الزوال لأنه لا يزول. والصلاة على رسوله محمد الذي بعثه بالرسالة. وهدى به من الضلالة. وأنقذ بمعرفته من الجهالة. ودل على نبوته بأفضل الدلالة. واختاره من أشرف البلاد وطناً وداراً. واصطفاه من أكرم العباد حسباً ونجاراً. حيث المشعر الحرام. والمعشر الكرام. وجعله آخر الأنبياء بعثاً في الدنيا إلى العباد. وأولهم بعثاً إلى المعاد. وجعلنا أمته الذين جعلهم أمة وسطاً. وأبان لهم من الإسلام نهجاً جدداً. ووفقهم في الدين فتحروا رشداً. فقولهم سديد. وفعلهم رشيد. وهم شهداء على الناس والرسول عليهم شهيد. وعلى آله الذين سبقوا إلى مصاحبته وسعدوا بمرافقته. وشرفوا بمتابعته في هجرته. وكرموا بإيوائه ونصرته. فهم معالم الهدى. ومصابيح الدجا. كدراري النجوم تهدي الساري بنورها. وتفي الغاوي من فتنة الدنيا وغرورها.

والدعاء لخليفته الإمام المقتدي بأمر اللّه أمير المؤمنين صاحب العصر المؤيد بالنصر المختار من شجرة طيبة الشرف والعلاء. أصلها ثابت وفرعها في السماء. شربت من ماء النبوة الطاهرة عيدانها. وتفرعت بالخلافة الظاهرة أفنانها. كما قال جده العباس لبعض أصحابه رضوان اللّه عليهم أجمعين: كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) دوحة نحن أغصانها. وأنتم جيرانها. وهو المنصب العظيم. من المحتد. الصميم. والبيت الكريم. الذي أول درجاته النبوة والكرامة. وثانيهما الخلافة والإمامة. ولا ثالث لها بعد ذلك إلى القيامة توارثها إمام عن إمام. وقام بها أمير المؤمنين المقتدى بأمر اللّه خير قيام.

إن الذي رفع السماء بنى لهم*** بيتاً دعائمه أعز وأطول

شدّ اللّه عضده بذخر الدين. وولى عهده في المسلمين. وبإخوته الغر الميامين.

وجعلها كلمة باقية في عقبه إلى يوم الدين. وأيد دولته بجلالها الذاب عن حماها. المناضل عن علاها. جمال الملة مغيث الأمة معز الدنيا والدين يمين أمير المؤمنين الملك العادل المحبب إلى القلوب. والركن الشديد المعد لدفع الخطوب. ودبر ملکه بنظامه المبارك في أيامه. قوام الدين رضى أمير المؤمنين الوزير الظهير. الموفق بحسن التدبير.

وبعد أداء الفروض المقدمة الواجبة والسنن المؤكدة الراتبة وقضاء حقوقها المستثبتة الأزلية وسلوك طرقها المستقيمة اللاحبة. فإن أولى ما صنفه المفيد. وعنى بقراءته المستفيد. جمع أخبار الأمم الخالية. وحفظ تواريخ الأزمان الماضية. لأنها أوفى المصنفات فائدة وأكثرها عائدة. وأحسنها أثراً. وأطيبها ثمراً. إذ كان أنفع العلوم ما أدت مقاصده إلى التوحيد. ووقفت موارده على تثبيت قدرة الخالق في نفوس العبيد. وفي تدبر اختلاف الليل والنهار. وتأمل مجاري الأقدار وتقلب الأدوار. في توالي الأمم وتعاقبها. وتداول الدول وتناوبها. قال اللّه تعالى: وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران: 140]. أكبر دليل على وحدانية من ينبتهم ثم يحصدهم ويشقيهم ويسعدهم. وينشئهم ويبيدهم. ويعيدهم. ويحييهم ويميتهم وهو على جمعهم إذا يشاء قدير. تبارك اسمه وجل ثناؤه. وعظمت قدرته وكثرت آلاؤه. مرجع الخلق والأمر إليه وبيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه له الحمد كله وبتوفيقه يتضح في الرشاد سبله فلا عبادة إذاً أرقى من التوحيد فموقعه من العبادات موقع الرأس من الجسد به اعتداله وبقاؤه. ومحله من الاعتقادات محل الروح من الجسم بها حياته ونماؤه. ولو لم يكن علم القصص عظيماً لما اللّه تعالى به على نبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ، لَمِنَ الْغَفِلِينَ ﴾ [يوسف: 3] وقال سبحانه: (طة تِلْكَ ايَتُ الكِتَبِ الْمُبِينِ نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [الشعراء: 1 - 3]. وقال تعالى: (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ عَالَيْنَكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا﴾ [طه: 99]، ولو لم يكن في ذلك إلا ما ينتفع به المعتبر من قلة الثقة بالدنيا الفانية. وكثرة الرغبة في الآخرة الباقية. لكفى ما تنتجه هذه البصيرة من جميل الأفعال. وتحث عليه هذه النتيجة من صالح الأعمال. فكيف وأولى ما يعتمده أولو الأمر وأصحاب الزمان ومن بأيديهم مقاليد الملك والسلطان. وأوجب ما يتشاغل به من إليهم أزمة الأمور. وعليهم سياسة الجمهور. إدمان النظر في كتب التواريخ وإحسان التتبع للأخبار. والآثار والتفكر في حال من مضى من الأخيار والأشرار. ليعلموا ما بقي للمحسن من الصيت الحميد الذي صار له حياة مخلدة وبالأجر الذي اكتسبه. وللمسيء من الذكر القبيح الذي جعل صحيفته مسودة بالوزر الذي احتقبه. ويتصفحوا حال الحازم في حزمه وعقله. والمضيع في

تفريطه وجهله. فيسلكوا من الطرائق أوضحها وأمثلها. ويتقبلوا من الخلائق أشرفها وأفضلها. ويردوا من المشارب أصفاها وأعذبها. ويرعوا من المراتع امرأها وأخصبها. ويأخذوا من الأمور بأحزمها. ومن التجارب بأحكمها. فمهما يكن من حسنة اقتبسوا منها. ومهما يكن من سيئة ارتدعوا عنها. فالسعيد من انتفع بالأدب فيما دأب غيره فيه من التجارب. والرابح من حظي بالراحة فيما تعب به سواه من المطالب. لأن العقل غزيرة في الإنسان. والتجارب مكتسبة في الزمان. والرأي لقاح العقل والتجربة نتاجه. والخير مقصد الحجي والاجتهاد منهاجه. ومن أين للإنسان من العمر الطويل. ما يحصل فيه على تجربة الدقيق والجليل. وقيل: العمر قصير والعلم كثير فخذوا من كل شيء أحسنه.

فإذا تأمل المرء سيرة الماضين من الأقوام. جنى مع تقارب الشهور والأيام. ثمرة ما غرسوه على تطاول الدهور والأعوام. وعلم علل الأحوال وفوائدها. وحيل الرجال ومكايدها. وعرف مبادئ الأمور ومصائرها. وقاس عليها أشباهها ونظائرها. وعمل بأنفع ما حبي به من الفهم والعلم وانتفع بأصوب ما عمل به في الحرب والسلم. وأقدم على المواطن التي يرتجي في أمثالها الظفر. وأحجم عن الأماكن التي يتوقى في أشكالها الحذر. وتسلى بمن تدرع الجلد عند حدوث النوائب. وتأسى بمن توقع الفرج حين ظهور العجائب. وذكر مصير العاقبة إذ أرخت يد الغفلة عنان أشره. ونظر بالبصيرة الثاقبة إذ غطى غرور الدنيا على بصره.

فهذان القسمان يجمعان الدين والدنيا. ويبلغان بصاحبهما الدرجة العليا. فأما ما في ذلك من حسن المفاوضة والمذاكرة. وأنس المحادثة والمسامرة. فقد خففت القول فيه لأنه يصغر في جنب ما قدمت ذكره من القسمين العظيمين. والأمرين الجسيمين. كما قال النبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «كل الصيد في جوف الفراء».

وإنني تأملت كتاب تجارب الأمم. وعواقب الهمم. الذي صنفه (أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه) فوجدت فوائده غزيرة. ومنافعه كثيرة. وعلمه جماً. وبحره خضماً. فراقني تأليفه. وأعجبني تصنيفه. فرحم اللّه مصنفه وأجزل في الآخرة أجره. كما طيب في الدنيا ذكره فلقد اختار فأحسن الاختيار. ومخض فأنى يزيد الأخبار. وسلك سبيلاً وسطاً بين التطويل والاختصار. ثم لم يقنع بذلك حتى قرب مسالك الطرق البعيدة. وبرز من أثناء الاختيار ذكر الآراء السديدة. ونبه فيها على مقامات حميدة. وبين ما جرى في كل وقت من خدعة ومكيدة. لئلا يبعد من يد المتناول قطف الثمرة اليانعة. ولا يطول على فكر المتأمل وجود الزبدة النافعة. وأحر به ذلك فإن فضله وإن لم يدرك زمانه باقي النفع بادي الأثر. والروض ينبئ عن فضيلة

الغيث وإن ولى أوان المطر. فدعاني وقوف همتي عليه إلى اقتفاء أثره. وسلوك ما سنه في ورده وصدره. ووصل مسلك الذي بنا بنظامه. ونيابة عنه في تشييد ما بناه بعد انقضاء أيامه. وسنة لمن بعدنا يستمر الآتي منها على سيرة الغابر. ويتصل بحبل الأول فيها حبل الآخر. لا تعاطياً منا للمساجلة ولا تمادياً في المماثلة. لا مجاراة في المضمار. ولا مساواة في الاختيار. ولا ما قاله زهير:

هو الجواد فإن يلحق بشأوهما***على تكاليفه فمثله لحقا

فهيهات كيف الطمع في اللحاق. وقد شأى المتقدم في السباق. لا سيما وطرف الفصاحة تحت كاب. وحد البلاغة في يدي ناب. فأين المصلى. من المجلى. وأين الكهام. من الحسام. وأين السنبح من المعلى. وأين العاطل من المحلى. أريها السها وتريني القمر ولكني أقول ما قاله في البيت الثاني.

أو يسبقاه على ما كان من مهل***فمثل ما قدما من صالح سبقا

هذا لعمري أقرب إلى الصواب. وأليق بهذا الباب. فأحسنت القياس وسلمت قصبة السباق وأعطيت القوس باريها. وأنشدت الضالة باغيها.

فلو قبل مبكاها بكيت صبابة***إذاً لشفيت النفس قبل التندم

ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا***بكاها فكان الفضل للمتقدم

ثم إن للتصنيف رجالاً عنوا بأمره وعاموا في بحره. وأنسوا بجمع شارده. وتفردوا بنظم فرائده. وصاروا بصدده واستولوا على أمده. فهم لقسيه براة. وإلى غرضه رماة. وفي طرقه هداة. وقد ربيت في غير هذا الوكر. وسقيت من غير هذا الدر. وتحليت بغير هذه الصناعة فإن قصرت عن بلوغ معانيه. فاحذوا العذر في العجز وإن وقع سهمي دون مراميه. فاعذر فالنزع في القوس لين فلمن سبقنا فضيلة الجمع والاستكثار. ولنا من بعدهم وسيلة الاختيار والاختصار. وكل مجتهد مصيب. وله من حسن الذكر نصيب.

فسلمت إلى من تقدمنا الفضل في زمانهم لمحاسن تلك العلوم المشهورة ولو أنهم أدركوا زماننا لسلموا الفضل إلينا بمحاسن هذه الدولة المنصورة. دولة الإمام المقتدي بأمر اللّه أمير المؤمنين ذي الكرم والفخار. والحلم والوقار. والأخلاق الطاهرة. والأفعال الباهرة. والكرامات العجيبة في المنشأ والمولد. والدلالات الصحيحة في المغيب والمشهد. به أنقذ اللّه الرجاء من أسر اليأس وألقى عليه محبة قلوب من الناس. بعد أن فجعوا بذخيرة الدين (وليس للقائم رضوان اللّه عليهما عقيب سواه. ولا للبيت أحد يصلح للعهد فيولاه) فتقطعت النفوس حسرات. وترجعت الأنفاس زفرات. وبكت الملة واستولت الوحشة والغمة فأتى الحمل الميمون به لتمام. وبدا وجهه المنير فجلا كل ظلام. وسارت «البشرى» بذكره في سائر الآفاق. وزهت أعواد المنابر باسمه

حتى كادت تعود للإيراق. ثم كلاه في الفتنة الحادثة أحسن كلاءة بين أعاديه. وألحفه جناحاً من الحياطة ستره بين قوادمه وخوافيه. فكانت قصته كقصة موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) ألقي صغيراً في اليم. ونجا كبيراً من الغم. وأعاد القائم بأمر اللّه رضوان اللّه عليه إلى مقر سلطانه. وفسح في مدته وبارك في زمانه. لإتمامه عهده. وإنجاز وعده حتى يسلم الأمر منه على حين السن المستحقة لتسلم أسبابه. وتقمص جلبابه. فكان ذخيرة الدين خلفاً لنجله. وكان القائم بأمر اللّه عاد في تلك النوبة لأجله. فاستحق بنفسه وارثه شرف الخلافة العظيمة. وحوى في شرخ الشبيبة جميع محاسن الأخلاق الكريمة وارتقى من المجد ما لا تبلغ الأوهام ذروته. واجتنى من الحلم ما لا تحل الأيام حبوته. وساس الأمور مور بهمة علية. وسيرة رضية. وخلافة جاءت كالنصر من السماء. ولم يكن مثل ذلك لأمثاله من الخلفاء وكأنما عناه أبو العتاهية بقوله:

أتته الخلافة منقادة*** إليه تجرر أذيالها

فلم تك تصلح إلا له*** ولم يك يصلح إلا لها

ولو رامها أحد غيره*** لزلزلت الأرض زلزالها

فما خلا متقلد للخلافة في عصر ممن ينازع في ردائها ويجاذب على عنانها. ويترشح لمحلها ويتطاول لمكانها. إلى أن يستقر الرأي في قراره. ويجتمع الأمر من أقطاره. إلا إمام عصرنا المقتدي بأمر اللّه أمير المؤمنين فإنه تفرد في عصره بهذا الاستحقاق. واجتمعت الكلمة عليه لوقتها بالاصطلاح والاتفاق. فلم يخطر منازعته بخلد ولا بال. ولو كان الزمان ذا لسان لقال: «هذا صاحبي بلا مراء ولا جدال» لا جرم أن سعادته مخصوصة بأوفى كمال. محروسة بإذن اللّه تعالى عن نقصان وزوال. ودولته محوطة بأكرم ظهير وموال.

وأنى يكون للدول الأولى مثل جلال الدولة بن عضد الدولة الهمام ابن الهمام الملك عضد الدولة المعظم من الأخوال والأعمام. الحامي حوزة الإسلام. الملبي لدعوة الإمام. الذي كرم طرفاه. وعظم شرفاه. ودانت لصولته الأمم. وانكشفت بدولته الظلم. وجرت بنصرته الأقدار. وانفتحت على يديه الفتوح الكبار. أطول الملوك باعاً. وأحسنهم في الدنيا ذباً ودفاعاً. فهو تاج على جبين الأيام الزاهرة المفتدية يزيد في أنوارها وركن الدولة القاهرة العباسية يدفع عن أقطارها. زاد على أنوشروان بفضله وبمعدلته. وأوفى على بهرام ببأسه ونجدته. وفضل أردشير بتدبيره وسیاسته. وساوی الإسكندر بملكه وبسطته. فالشرق والمغرب مذعنان لطاعته.. والبدو والحاضر منقادان لتباعته. كل ذلك ببركات مخالصته لإمامه. وحسن نيته في محبة أيامه.

وأين كان لتدبير الأقاليم وزم أمورها. وحفظ الممالك وصد ثغورها. مثل نظام

الملك قوام الدين الذي أعد للخطوب أقرانها. حين عجم بالتجربة عيدانها. وجمع رياسة السيف والقلم. لما كفل بسياسة العرب والعجم. بنقيبة في الدولة ميمونة. وسريرة في النصيحة مأمونة. وحزم لا يشان بهفوة. وعزم لا يخان بنبوة. وخلق لا تجد فيه عنفاً ورأي لا ترى فيه ضعفاً. وهيبة مع طلعة بشر. وتواضع مع رفعة قدر. فإذا قيل له اتق اللّه سمع وأطاع. وإذا خوف باللّه خاف وارتاع. فأفعاله أفعال العباد. وأخلاقه أخلاق الزهاد. مع انقياد الدنيا. له في الإصدار والإيراد. ونفاذ أمره على الرعايا والأجناد. وجمعه في منهل العدل بين الظباء والآساد.

فأي دولة تباهي هذه الدولة القاهرة في مناقبها ومآثرها. وأي أيام تضاهي هذه الأيام الزاهرة في محاسنها ومفاخرها. وأي قول ينتهي إلى حد وصفها وإن امتد وطال. وأي بليغ يبلغ أمد فضلها وإن أسهب وقال.

فأعود الآن إلى ذكر ما أنا قاصده من الاختيار. متبرئاً من عهدة ما أورده من الأخبار. لأني أتبع في كتاب التاريخ مسطورها. كتاب التاريخ مسطورها. فأختار بحسب المعرفة عقودها وميسورها. وما عساه يندر من خبر شاذ تلقف من أفواه الرجال. وخلا التاريخ من ذكره إما بخفاه أو نسيان أو إغفال. فإنه يثبت في بواطنه. وينظم مع قرائنه. وإذا انتهيت إن شاء اللّه سبحانه إلى أخبار زماننا اتسع المجال. وأمكن المقال. وعمدت حينئذ إلى ما شاهدناه و خبرناه فأخبرت به على وجهه وذكرته مجتهداً في التحري وبحسب الإمكان الذي لا أقدر على سواه. وبقدر الوسع الذي لا يكلف اللّه نفساً إلا إيَّاه.

وأول ما أبدأ به الآن في كتابي هو آخر ما ختم أبو علي مسكويه رحمه اللّه به كتابه في سنة 369 واللّه تعالى ولي حسن التوفيق. والهادي في جميع المقاصد إلى سواء الطريق. وبه أعوذ من الخطل. وأعتصم من الزلل وإياه أسأل خاتمة جميلة. بالمغفرة كفيلة. إنه غفور رحيم.

انتهت المقدمة

ذكر ما جرى عليه جرى عليه أمر عضد الدولة توجهه لهه إلى الجبل

رحل بالعسكر من المصلى في يوم السبت لثلاث خلون من ذي الحجة وقد استصحب أبا عبد اللّه الحسين بن سعدان ينفذ الأمور بين يدي عضد الدولة وإليه عرض العسكر. فلما حصل بين حلوان وقرميسين عاده المرض الذي كان عرض له من قبل وحجب الناس عنه حجاباً وقع به الإرجاف والاضطراب ثم أفاق وظهر وركب إلى قرميسين. ووافاه بنو حسنويه وقد كانوا راسلوا وبذلوا الطاعة بوساطة أبي نصر خواشاذه إلا أنه لم يقدر أنهم يأنسون إلى الحضور بأجمعهم.

ذكر القبض على بعض أولاد حسنويه واصطناع بعضهم

حضروا المعسكر فأقعدوا في خركاه من وراء السرادق ووكل بهم خواص الديلم وغلمان الخيول ورتب الأعراب والأكراد والرجالة (و) الفرس من حوالي المعسكر وبظاهر البلد لئلا يفلت منهم أحد أو من أصحابهم وقبض منهم على عبد الرزاق وأبي العلاء وأبي عدنان وبختيار وعلى كتابهم وأسبابهم ووجوه الأكراد الذين معهم. واستدعى بدر عاصم وعبد الملك ووصلوا إلى حضرة عضد الدولة وخاطبهم بما رآه من واصطناعهم وحملوا إلى الخزانة فخلع على بدر القباء والسيف والمنطقة الذهب وحمل على فرس بمركب ذهب وقلد زعامة الأكراد البرزيكاني ومن يجري مجراهم وخلع على كل واحد من عاصم وعبد الملك الدراعة الديباج والسيف بالحمائل وحملا على دابتين بمركبين مذهبين ووضع على كل من كان مع المقبوض عليهم من الأكراد السيف ونهبت حللّهم بما فيها. ونفذ أبو الوفاء طاهر بن محمد إلى قلعة سرماج فافتتحها وأخذ ما كان فيها من ذخائر حسنويه.

ودخلت سنة سبعين وثلاثمائة

وسار عضد الدولة إلى نهاوند وأقام بها ورتب العمال في النواحي وجد في تناول الموجود لأنه كان من رأيه أن يجعل همذان ونهاوند لمؤيد الدولة ويستضيف الدينور وقرميسين وما يجري مجراهما إلى أعمال العراق. ثم انتقل في صفر من نهاوند إلى همذان ونزل دار فخر الدولة بها.

ذكر ورود الصاحب أبي القاسم إسماعيل بن عباد

في هذا الشهر ورد الصاحب ابن عباد الخدمة عن مؤيد الدولة وعن نفسه فتلقاه عضد الدولة على بعد من البلد وبالغ في إكرامه ورسم لأكابر كتابه وأصحابه تعظيمه ففعلوا ذلك حتى أنهم كانوا يغشونه مدة مقامه مواصلة ولم يركب هو إلى أحد منهم وكان غرض عضد الدولة بذلك استمالة مؤيد الدولة وتأنيس الصاحب.

ووردت كتب مؤيد الدولة يستطيل مقام الصاحب ويذكر اضطراب أموره ببعده فوقع الشروع في تقرير ارتفاع همذان ونهاوند معهما عليه وتولى أبو عبد اللّه محمد بن الهيثم عمل العمل بالارتفاع.

ذكر عمل رتب في تكثير اعتداد بارتفاع

صدر العمل بأن قال: مبلغ ارتفاع النواحي الفلانية. وتمم الفلانية وتمم الحكاية عن كذا وكذا ورقا صحاحاً. من الورق ينفذ الخرج كذا وكذا. وأضاف إليه الربع اعتماداً للتكثير. وأنفذ العمل مع أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف وأبي الوفاء طاهر بن محمد وأبي اللّه بن سعدان إلى صاحب أبي القاسم ورسم لأبي عبد اللّه الحضور معهم عنده عبد وموافقته على أبوابه ففعل واستوفى مناظرته وكمل الارتفاع بزيادة على موجوده.

ذكر عود عضد الدولة إلى مدينة السلام

برز عضد الدولة إلى ظاهر همذان في شهر ربيع الآخر للعود إلى مدينة السلام خلع على الصاحب الخلع الجليلة وحمله على فرس بمركب ذهب ونصب له دستاً كاملاً في خركاه يتصل بمضاربه وأجلسه فيه وأقطعه ضياعاً جليلة من نواحي فارس وحمل إلى مؤيد الدولة في صحبته ألطافاً كثيرة وضم إليه من العسكر المستأمن عن فخر الدولة عدداً ليكونوا برسم خدمة مؤيد الدولة

ذكر ما جرى عليه أحوال أولاد حسنويه بعد وما جرّه الحسد من إلقاء من نجا منهم بيده إلى التهلكة

لما قدم بدر وفضل بالسيف والمنطقة احفظ ذلك عاصماً وأوحشه وأقام قليلاً ثم انحاز إلى الأكراد المخالفين خالعاً للطاعة منابذاً لبدر. فاخرج إليه أبو الفضل المظفر بن محمود في عدة من الأولياء حتى أوقع بمحمود وأخذه أسيراً وأدخله همذان راكب جمل بدراعة ديباج ولم يعرف له خبر بعد ذلك وتفرد بدر بالخدمة والانتساب إلى الحجبة. وقتل جميع أولاد حسنويه.

وفي هذه السنة ورد الكتاب بأن أبا علي الحسن بن محمان أخذ المعروف بالصيداوي وقتله.

ذكر حيلة تمت على الصيداوي حتى أخذ وقتل

كان هذا الرجل أحد قطاع الطريق في أعمال سقي الفرات فاحتال أبو علي بن محمان في أخذه بأن دسّ عليه جماعة من الصعاليك أظهروا الانحياز إليه فلما خالطوه قبضوا عليه وحملوه أسيراً إلى الكوفة فقتله وأنفذ رأسه إلى مدينة السلام فشهره بها.

وفي هذه السنة ورد كتاب أبي علي الحسن بن علي التميمي بالقبض على ورد الرومي.

ذكر السبب في ذلك

لما توفي أرمانوس ملك الروم اتفق أن نقفور الدمستق وهو رجل ذو سياسة وصرامة كان قد خرج إلى بعض بلاد الإسلام ونكأ فيها ثم عاد فعرف خبر وفاة أرمانوس حين قرب من القسطنطينية فاجتمع إليه وجوه الجند وقالوا له: إن الملك قد مضى وخلف ولدين لا غناء عندهما مع صغر سنهما وما يصلح للنيابة عنهما في تدبير الملك غيرك ونحن نرى ذلك من المصلحة للناس والمملكة. فامتنع فراجعوه حتى أجابهم ودخل إلى الملكين وخدمهما وأظهر الحجبة لهما والنيابة عنهما ثم لبس التاج وتزوج بوالدتهما ثم وقع منه جفاء لها استوحشت به منه.

ذكر تدبیر دبرته المرأة حتى تم لها قتل نقفور لقلة حزمه

راسلت ابن الشمشقيق وأطمعته في قتل نقفور وإقامته مقامه في التدبير واستقر الأمر بينهما على أن صار هو وعشرة نفر من خواصه سراً إلى البلاط التي تنزلها هي ونقفور فأدخلته ليلاً وكان نقفور يجلس أكثر الليل للنظر في الأمور وقراءة السير ويبيت على باب البيت الذي يأوي إلى فراشه فيه خادمان فلما حصل ابن الشمشقيق داخل البلاط هجموا على الموضع وقتلوا الخادمين وأفضوا إلى نقفور وقتلوه ووقعت الصيحة وظهرت القصة واستولى ابن الشمشقيق على الأمر وقبض على لاون أخي نقفور وعلى ورد بن لاون فأما لاون فإنه كحله وأما ورد فإنه حمله إلى قلعة في البحر واعتقله. وسار إلى أعمال الشام وفعل فيها الأفاعيل وانتهى إلى طرابلس فامتنع عليه أهلها فنزل عليهم ونازلهم.

فكان لأم الملكين أخ خصي وإليه وزارة الملك منذ أيام الملك أرمانوس واسمه بركموس فقيل إنه دس على ابن الشمشقيق سما في طعام أو شراب فأحس به ابن الشمشقيق في بدنه فسار عائداً إلى قسطنطينية وتوفي في طريقه واستولى بركموس على الأمر.

وكان ورد بن منير كبيراً من كبراء أصحاب الجيوس ومقيماً في بعض الأعمال فطمع في الأمر وجمع الجموع واستجاش بالمسلمين من الثغور وكاتب أبا تغلب بن حمدان وواصله وصاهره. وأخرج الملكان إليه عسكراً بعد عسكر فكسرهم واستظهر وسار إلى القسطنطينية ودهم الملكين ما ضاقا به ذرعاً فأطلقا ورديس بن لاون واصطنعاه واستحلفاه على المناصحة وأنفذاه للقاء ورد في الجيوش الكثيرة وجرت بينهما وقائع أبلى كل واحد منهما بلاء ظاهراً حتى تبارزا وتضاربا باللتوت إلى أن وقعت خُوذُهُما عن رؤوسهما.

ثم انهزم ورد ودخل إلى بلاد الإسلام مفلولاً وحصل بظاهر ميافارقين على نحو فرسخ منها (وأبو علي الحسن بن علي التميمي الحاجب إذ ذاك بها) وراسل عضد الدولة وأنفذ أخاه إليه فأحسن تقبَّله ووثق إليه بخطه وأعاده عليه بوعد جميل في إنجاده.

وتلاه رسول ملك الروم يلاطف عضد الدولة في أمره فقوي في نفسه ترجيح جانب ملك الروم على ورد وبدا له رأي في تدبير القبض عليه فكاتب أبا علي التميمي بالتوصل إلى تحصيله. فخرج أبو علي إليه بعد مراسلة ترددت بينهما في الاجتماع وقبض عليه وعلى ولده وأخيه وجماعة من أصحابه وحملهم إلى ميافارقين ثم أنفذهم إلى مدينة السلام.

رأي صواب رآه أصحاب ورد وأشاروا عليه فأهمله واستبد برأيه

كان وجوه أصحاب ورد اجتمعوا إليه قبل القبض عليه وقالوا: لسنا نرى أمرنا مع عضد الدولة مستقراً عن نصرة ومعونة وقد تردد بينه وبين ملكي الروم في معنانا وأنا لا نأمن أن يرغباه فينا فيسلمنا والوجه الاستظهار وترك الاغترار وأن نفارق موضعنا عائدين إلى بلاد الروم على صلح إن أمكننا أو حرب نبذل فيه جهدنا فإما ظفرنا أو مضينا أعزاءكراماً. فقال: ما هذا رأي ولا رأينا من عضد الدولة إلا الجميل ولا يجوز أن نقصده ثم ننصرف عنه من قبل أن نبلو ما عنده. فلما خالفهم وتركهم تركه كثير منهم وفارقوه.

فأقام ورد وأخوه وولده وتحصلوا في الاعتقال إلى أن أفرج عنهم صمصام الدولة آخر أيامه على ما يأتي ذكره فيما بعد إن شاء اللّه.

ذكر ما جرى عليه أمر فخر الدولة

لما صار إلى قزوین بعد هزيمته من همذان قفل عنها إلى بلاد الديلم وحصل بهوسم وأقام بها مدّة. وتردَّدت بينه وبين قابوس بن وشمكير مراسلات وأيمان وعهود سببها الاجتماع على عداوة عضد الدولة ومؤيدها ثم سار إلى خراسان لاستنجاد صاحبها.

و دخلت سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة

كان عضد الدولة أنفذ أبا نصر خرشيد يزديار إلى قابوس برسالة يستصلحه فيها فعاد

بجواب ظاهره المغالظة وباطنه المباينة فسأل عضد الدولة الطائع للّه أن يعقد لمؤيد الدولة أبي منصور على أعمال جرجان وطبرستان وينفذ إليه العهد واللواء والخلع السلطانية فأجابه إلى ذلك. وجلس في محرم هذه السنة وجرّد أبا حرب زيار بن شهراكوية إلى مؤيد الدولة مع عدد كثير وضُمّ إليه أبو نصر خواشاذه وأصحاب خزائن المال والثياب والسلاح فوصلا إلى مؤيد الدولة وهو معسكر بظاهر الري وأوصلا إليه الخلع السلطانية فلبسها وركب في العسكر وسار. فلما انتهوا إلى استراباذ وبينها وبين طبرستان عشرة فراسخ وقابوس مقيم بها حفر بظاهرها خندقاً أجري فيه المياه وبنى عليه أبراجاً رتب فيه الرماة وعمل على المطاولة ولم يهمل مع ذلك الاستعداد للمواقعة إن دعته ضرورة إليها ونزل مؤيد الدولة على فراسخ من البلد في موضع ماء وجده وأنفذ إلى طبرستان من دخلها وملكها لأن قابوس أخلاها وجمع العساكر عنده واحتشد بغاية جهده.

وطلعت طلائع العسكرين وتمسك قابوس بموضعه وتوقف مؤيد الدولة عن مقاربته إشفاقاً من تعذر الماء وأقام الفريقان على هذه الحال أياماً.

ذكر حرب جرت على غير ترتيب آل عقباها إلى الخبر والاتفاق

لم يزل مؤيد الدولة يجيل الرأي ويعمل التدبير إلى أن عرف خبر واد بظاهر البلد يجتمع إليه مياه الأمطار في أيام الشتاء وأنه متى سدّت أرجاء تقاربه وأسيح ماؤها إليه أمكن النزول عليه فركب هو وجماعة من خواصه في عدد قليل من الغلمان لمشاهدة الموضع وتقدم إلى من كان خرج للمناوشة بالتوقف في ذلك اليوم وأقام على الجبل من يمنع ويرد. فما هو إن بعد عن العسكر حتى زحف الديلم منازعين إلى لقاء القوم وقابلهم عسكر قابوس بمثل حالهم واشتد القتال وبلغ مؤيد الدولة ذلك فقامت عليه القيامة وأنفذ جماعة من الحجاب والنقباء فوجدوا الأمر قد فات عن حد القبول فانكفأ حينئذ إلى موضع المعسكر. ولم تزل الحرب قائمة على ساق إلى أن صوبت الشمس للغروب.

ذکر غلط جرى من قابوس في رد أصحابه بعد أن لاح له الضعف من مؤيد الدولة

ورد قابوس أصحابه وعاد مؤيد الدولة إلى معسكره وقد قتل من أصحابه خلق وجرح أكثر ممن قتل من أصحاب قابوس وخرج فأنفذ مؤيد الدولة بدر بن حسنويه في عدد كثير من الأتراك والأكراد إلى الجبل الحاجز بين الفريقين ليضبطه إشفاقاً من أن يسير قابوس على أثرهم فإنه لو تبعهم لنكا فيهم وبلغ مراده منهم. واحتاج مؤيد الدولة إلى المقام أسبوعاً حتى ثاب أصحابه واستراحوا وأجرى الماء إلى الوادي ثم سار ونزل

عليه ثم استعد أربعة أيام وزحف بعدها في جميع العسكر. واشتبكت الحرب وحملت ميمنة مؤيد الدولة على ميسرة قابوس فكسرتها وفيها جمرة عسكره فانهزم ودخل البلد مخترقاً إلى جانبه الآخر وثبت القتال من ميمنة قابوس وفيها أخوه جركاس ساعتين بعد الهزيمة لأنهم كانوا من وراء غيضة ولم يعلموا الصورة فلما عرف جركاس هزيمة قابوس انهزم لاحقاً به. وأنفذ مؤيد الدولة جماعة فرسان من عسكره لاقتصاص أثره فنكب قابوس عن الذريق وسار ماراً على القلاع معتقداً لصعود أحدها متى أرهقه طلب إلى أن حصل بنيسابور واجتمع مع فخر الدولة هناك.

ولما ملك فخر الدولة استراباذ رتب أمورها واستخلف أحد أصحابه فيها وسار إلى جرجان فنزلها وأقام بها وأنفذ أبا نصر خواشاذه إلى الحضرة ببغداد في رسائل ووردها في شهر رمضان مع الأسارى من أقارب قابوس ووجوه أصحابه فأعرض عضد الدولة عنه وأظهر الشكر له وأخرج أبا علي الحسن بن محمد إلى جرجان.

ذكر خيانة في مشورة جرت نكبة

كان عادة أبي نصر إذا أنفذ إلى الري وقرب منها أن يتلقاه الصاحب أبو القاسم بن عباد وإذا رآه أبو نصر أن يترجل له فلما خرج في هذا الوقت مع زيارا أحب أن يفعل زيارا مثل فعله لئلا يكون له في الامتناع منه زيادة رتبة عليه فقال له: زيارا قول المستشير: ما الذي ترى أن تفعل في خدمة الصاحب إذا لقيته ؟ فقال: أنت أعلم إلا أن عضد الدولة ينزله المنزلة الكبيرة ويؤثر أن يقضي حقه والذي أفعله أنا الترجل له ومتى فعلت ذلك لم تأمن أن يفعل مثل ذلك. فحمل زيارا على أن يترجل له عند خروجه لتلقيه ولم يترجل الصاحب ولا كان ممن ينقاد لهذا أو يسمح به وإنما خدعه أبو نصر حتى تم غرضه. وبلغ عضد الدولة ذلك فغاظه غيظاً عظيماً أسره اشفاقاً من أن يتأدى إلى الصاحب أبي القاسم فيه ما يوحشه فلما ورد أبو نصر وفي قلب عضد الدولة من هذا الأمر ما فيه اطَّرحه وأعرض عنه ثم قبض عليه بعد مدة وحمله إلى بعض القلاع بفارس.

ولقابوس أبيات قالها بعد الهزيمة مستحسنة:

قل للذي بصروف الدهر عَيَّرَن***هل عاند الدهر إلا من له خطرُ

أما ترى البحر تطفو فوقه جيف***ويستقر بأقصى قعره الدرر

فإن تكن نشبت أيدي الخطوب بنا***ومسنا من توالي صرفها ضررُ

ففي السماء نجوم لا عداد لها***وليس يكسف إلا الشمس والقمرُ

وفيها سخط على القاضي أبي علي المحسن بن علي التنوخي وألزم منزله وصرف عما كان يتقلده.

ذكر السبب في ذلك

كان التنوخي مع عضد الدولة بهمذان فاتفق يوماً أنه مضى إلى أبي بكر بن شاهويه وكان صديقه ومعه أبو علي الهائم فجلسا يتحدثان في خركاه وأبو علي على بابها وقال ابن شاهويه للتنوخي: أيها القاضي اجعل في نفسك المقام في هذا البلد مدة هذه الشتوة. فقال: لِمَ؟ قال: لأن عضد الدولة يدبر في القبض على ابن عباد وكان قد ورد إلى حضرته فانصرف التنوخي من عنده فقال له: أبو علي الهائم: قد سمعت ما كنتما فيه وهذا أمر ينبغي أن تطويه ولا تخرج إلى أحد به ولا سيما إلى أبي الفضل بن أبي أحمد الشيرازي. فقال التنوخي: افعل. ونزل إلى خيمته وجاءه من كانت عادته جارية بملازمته ومؤاكلته ومشاربته وفيهم أبو الفضل بن أبي أحمد الشيرازي فقال له: ما لي أراك أيها القاضي مشغول القلب؟

تفريط في إذاعة سر عاد بوبال

فاسترسل إليه وقال له: أما علمت أن الملك مقيم وقد عمل على كذا في أمر الصاحب وهذا دليل على تطاول السفر. ولم يتمالك أن انصرف واستدعى ركابياً من ركابية القاضي التنوخي وقال له: أين كنتم اليوم؟ فقال: عند أبي بكر بن شاهويه. فكتب إلى عضد الدولة رقعة يقول فيها: كنت عند التنوخي فقال لي كذا وكذا وذكر أنه عرفه من حيث لا يشك فيه وعرفت أنه كان عند أبي بكر بن شاهويه وربما كان لهذا الحديث أصل فإذا ذاع السر فيه فسد ما دبرته في معناه. فلما وقف عضد الدولة على الرقعة وجم وجماً شديداً وقام من سماط كان عمله للديلم على منابت الزعفران مغيظاً واستدعى التنوخي وقال له: بلغني عنك كذا وكذا. فخجل التنوخي ثم جمع بينه وبين أبي الفضل الساعي به فواقفه فأنكره وأحضر ابن شاهويه وسئل عن الحكاية فأنكرها وسئل أبو علي الهائم عما سمعه فقال: كنت خارج الخركاه وما وقفت على شي. فَمُدَّ و ضُرِب مائتي مقرعة وأقيم فنفض ثيابه وقال: أكثر اللّه خيركم. واتصل ذلك بعضد الدولة فأمر بضربه مائة مقرعة أخرى واندفعت القصة فرجع التنوخي إلى خيمته بعد أن ظن أنه مقبوض عليه وبقي يتردد إلى خدمة عضد الدولة مدة وهو معرض عنه حتى عاد له إلى بعض الإقبال عليه.

ثم رحلوا إلى بغداد فرآه عضد الدولة وعليه ثياب جميلة وتحته بغلة بمركب ثقيل فقال له: من أين هذه البغلة؟ فقال: حملني عليها الصاحب بمركبها وأعطاني عشرين قطعة ثياباً وسبعة آلاف درهم. فقال: هذا قليل لك ما تستحقه عليه. فعلم التنوخي أنه اتهمه بذلك الحديث.

وورد عضد الدولة إلى بغداد فحكى له أن الطائع للّه متجاف عن ابنته وأنه لم يقربها فثقل ذلك عليه فقال للتنوخي: تمضي إلى الخليفة وتقول له عن والدة الصبية أنها مستزيدة لإقبال مولانا عليها. فعاد التنوخي إلى داره ليلبس أهبة دار الخلافة.

ذکر اتفاق رديء جاء بالعرض

فاتفق أن التنوخي زلق عند عوده إلى داره ووثئت رجله فأنفذ إلى عضد الدولة فعرَّفه عذره فلم يقبله وأنفذ إليه من يستعلم ما جرى فرأى غلمانه روقة وفرساً جميلة وعاد إليه فقال: إنه يتعلل وليس بعليل وشاهدته على صورة كذا والناس يغشونه ويعودونه. فاغتاظ غيظاً مجدداً حرّك ما في نفسه أولا فراسله بأن: الزم منزلك ولا تخرج عنه ولا تأذن لأحد في الدخول إليك إلا نفر من أصدقائه استأذنه فيهم واستمر السخط عليه إلى حين وفاة عضد الدولة.

وفي هذه السنة أطلق أبو اسحاق ابراهيم بن هلال الكاتب من الاعتقال وكان القبض عليه في سنة 367.

ذكر السبب في القبض عليه والإفراج عنه

كان قد خدم عضد الدولة عند كونه بفارس بالمكاتبة والشعر والقيام بما يعرض من أموره بالحضرة فقبله وأرفده في أكثر نكباته بمال حمله إليه ولما ورد بغداد في سنة أربع وستين ازداد اختصاصه به حتى أشفق من المقام بها بعد عوده. فاستظهر له عضد الدولة يذكره في الاتفاق الذي كتب بينه وبين عز الدولة وعمدتها أخيه واليمين التي حلفا بها وشرطاً عليهما حراسته في نفسه وماله. فلما انحدر عضد الدولة لم يأمن على نفسه فاستتر حتى توسط أبو محمد بن معروف أمره وأخذ له الأمان من عز الدولة وابن بقية وظهر فتركه مديدة ثم قبض عليه بإغراء من ابن السراج لهما به وما زال مقبو مقبوضاً عليه حتى فسد أمر ابن السراج.

ذكر اتفاق عجيب في خلاص أبي اسحاق وهلاك ابن السراج

قد تقدم في كتاب تجارب الأمم ذكر السبب في القبض عليه عند إفاقة ابن بقية من علته التي أشفى فيها فلما قبض عليه نقل القيد من رجل أبي اسحاق إلى رجله وعاد أبو اسحاق إلى خدمة عز الدولة وكتب عنه في أيام المباينة بينه وبين عضد الدولة الكتب التي تضمنت الوقيعة فيه فنقم عليه ذلك. فلما ورد عضد الدولة في الدفعة الأخيرة وحصل بواسط خرج أبو اسحاق بما في نفسه من الحذر إلى أبي سعد بهرام بن أردشير وهو يتردد فى الرسائل والوساطة وسأله إجراء ذكره وإقامة عذره والاحتياط له بأمان يسكن إليه نفسه وكتب على يده كتاباً. ففعل أبو سعد ذلك وتنجز له جواب كتابه وفيه توقيع عضد الدولة

بالتوثقة والأمان ودخل عضد الدولة بغداد فأجراه على رسمه. فلما حصل بالموصل كتب إلى أبي القاسم المطهر بن عبد اللّه فقبض عليه على مضض منه وكراهية.

ذكر السبب في ذلك

لما أخرج إلى الديوان ما وجد في قلاع أبي تغلب من الحسبانات والكتب لتتأمل كان فيها الشيء الكثير من كتب عز الدولة إلى أبي تغلب بخط أبي اسحاق الصابي فحملت إلى عضد الدولة فلما وقف عليها حرّكت ما في نفسه فكتب من هناك بالقبض عليه. فبقي في الإعتقال يكتب إلى عضد الدولة ويستعطفه بأشعاره إلى أن تقدم عضد الدولة إلى أبي القاسم المطهر بالانحدار إلى البطيحة فسأل حينئذ في إطلاقه والاذن له في استخلافه بحضرته لعناية أبي القاسم به فقال: أما العفو عنه فقد شفعناك فيه وعفونا له عن ذنب لم ذنب لم نعفُ عما دونه لأهلنا يعني الديلم ولا لأولاد نبينا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يعني أبا الحسن محمد بن عمر وأبا أحمد الموسوي ولكنا وهبنا إساءته لخدمته وعلينا المحافظة فيه على الحفيظة منه وأما استخلافك له بحضرتنا فكيف يجوز أن ننقله من السخط عليه والنكبة له إلى النظر في الوزارة؟ ولنا في أمره تدبير وبالعاجل فاحمل إليه من عندك ثياباً ونفقة وأطلق ولديه وتقدم إليه بعمل كتاب في مفاخرنا. ففعل المطهر ذلك وعمل أبو اسحاق الكتاب الذي سماه التاجي في الدولة الديلمية فكان إذا عمل منه جزءاً حمله إلى عضد الدولة حتى يقرأه ويصلحه ويزيد فيه وينقص منه فلما كان تكامل ما أراده حرَّر وحمل كاملاً إلى خزانته.

وهو كتاب بديع الترصيف حسن التصنيف فإن أبا اسحق كان من فرسان البلاغة الذين لا تكبو مراكبهم ولا تنبو مضاربهم. ووجدنا آخره موافقاً لآخر كتاب تجارب الأمم حتى أن بعض الألفاظ تتشابه في خاتمتها وانتهى القولان في التاريخ بهما إلى أمد تأمله واحد والكتاب موجود يغني عن الإخبار عنه.

أن الجواد عينه فرارُهُ

ومن العجب كيف نكبه عضد الدولة وهو الموصوف بحسن السيرة والإنصاف السياسة مع ما سبق إليه من خدمته وعرفه أولاً من خلوص نيته وأعطاه أخيراً من أمانته وموثقته. أن كان الذي نقم عليه منه هو ما ذكر في تاريخ من حال الكتب التي كتبها عن الدولة فغير مستحسن من الملوك أن ينقموا بغير حق وأن ينقضوا الأمان من غير موجب. فلو أن عضد الدولة أمره بمثل ما كان عز الدولة أمره به هل كان يقدر على خلافه مع كونه في قبضة سلطانه؟ واللّه تعالى يقول: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئنُّ بِالْإِيمَنِ [النحل: 106]. وربما خفي السبب أو أخطأ القياس والأشخاص تفنى والذكر يبقى والشاعر يقول:

وكذاك الزمان يذهب بالنا ***س وتبقى الديار والآثار

ولو قال «ويبقى الحديث والأخبار» لكان أقرب إلى الصواب فإن الديار تدرس والآثار تذهب والحديث يبقى والأخبار تُروى على أن عضد الدولة أبقى عليه في اعتقاله وعاود الحسنى في إطلاقه وبدأ باستئناف الجميل معه:

ولو أن المنايا أنسأته لياليا

ووجدت رواية أخرى في سبب إطلاقه وهو أن عضد الدولة رق له لما طال حبسه وأن أبا الريان وأبا عبد اللّه بن سعدان توليا الإفراج عنه ثم شغلت عضد الدولة علته عن النظر في أمره وإظهار آثار الرضاء عليه بالإحسان إليه وقد حكينا ما رأينا.

وفي هذه السنة ورد من أبي القاسم نوح بن منصور صاحب خراسان رسول یکنی بأبي الغنائم فخرج أولاد عضد الدولة مع سائر الجيش لتلقيه وأكرم غاية الإكرام.

وفيها أخرج معه أبو الغنائم نصر بن الحسين والقضاة وأبو محمد الجهرمي وأبو عقبة وأبو محمد بن عقبة وسالم إلى أبي الغنائم يذكره بما يعتمده ويورده من جملتها العتاب على فخر الدولة وقابوس وايوائهما وأنه: إن كان الوفاء بالمعاهدة التي جرت مع السلف واقعاً فيجب أن يسلموها يداً بيد إلى مؤيد الدولة ليحمل إليكم مال الموافقة سالفاً وآنفاً على العادة فإن أردتم استئناف الصلح بيننا وهدر ما تقدم وأن تجعلوا إيواء العاق وقابوس يعني بالعاق فخر الدولة عوضاً عن المال بعناكم إياهما بالثمن الذي استرخصتموهما به فيبين على ممر الأيام الرابح منا ومنكم وإن قال أبو العباس إنه يكلمنا في أمر قابوس وما كان يجب في جواب شفاعتنا التسرع إليه قيل له: قد اعترفت وقلت: أنت وأبو الحسين العتبي بأن الرجل أحد أصحابنا وأنه جان علينا مستحق للعقوبة وأنكم شافعون في بابه ومعلوم أن الصلح معقود عن جرجان وطبرستان وعن غيرهما من قومس بدامغان وكرمان وما يلزم واحداً منا ولا من صاحبك أن شفاعتهما... ثم إنا نقول في الجواب: إنه ما كان يجب التسرع في باب أبي الحسن بن سمجور وقد شفعنا فيه فإن كان ذلك واجباً علينا فهذا واجب عليكم وإن كان بكم التجني فهو ما لا يستعمله أصحاب التحصيل ولسنا ممن يتجنى عليه. وإن اخترتم استئناف الصلح على أن تطردوا العاق وقابوس طرداً على أن لا يكونا في بلادكم ويذهبا حيث شاءا أرض اللّه قبلنا من وإن سألتم أن نرضى بمقامهما عندكم رضينا على أن ينفذا إلى بخارا وينفض عنهما أصحابهما وإن لم يفضوا عنهم فإنهم سينفضون من ذات أنفسهم. وإن سألتم أن نؤمنهما ليعودا إلى جملنا هدرنا ما تقدم من الموافقة واستقبال الوقت الذي يقع فيه الصلح فنحن نفعل ذلك كرامة لذلك الكبير ولكن على أن يردوا حضرتنا ويكون ما نفعله معهم تبرعا منَّا ومؤكَّلا إلى رأينا من غير اشتراط فذلك خير لهما: وإن اخترتم بيعنا بمقامهما عندكم

فإننا نسمح لكم بهذين المقبلين المباركين ومال الصلح الذي تأخذونه منا مستأنفاً فإنه سيذهب لكم عليهما وأكثر فليس يحسن بكم أن تعطوهما أكثر من ذلك فإن أحسنتم إليهما خسرتموهما والمال جميعاً ولم تحصلوا منهما على طائل وإن لم تحسنوا إليهما فارقاكم عن قلى وعادا إلينا بلا منة لكم علينا في بابهما وتكون مفارقتهما لكم على ما يليق بهما إلى حيث يرمي بهما جدّهما الغار إليه.

وقد كنا نقول لقابوس «لا تقبل العاق ولا تؤوه فقد سمعت ما كان من أبي تغلب بن حمدان حين قبل بختيار الشقي ورأيت عاقبتهما فإن كان محموداً فسترى مغبة فعلك وسيرى العاق مغبة فعله» ورأيتم فيهما ما يليق بهما وللّه الحمد وقد اجتمعا عندكم وأنتم على بصيرة من أمرهما. فإن استقر الصلح بنيسابور فليخرج إلى بخارا لعقد الوثيقة وإحكام الأمر على حسب ما رسمناه وبمحضر من القضاة والشهود ووجوه الحاشية والقواد والغزاة وأماثل البلدان وإن أحب أن يتم ما خرج له القضاة الثلاثة من حضرتنا استخار اللّه فيه وتممه وإذا عاد إلى نيسابور أحكم عقد الصلح فيها بشهادات الأمائل وأن رأي الصواب في أن يشهد على أبي العباس في نسخة العهد الذي يتولى تجديده ببخارا أو يأخذ خطه فيها فعل.

وقد كان عضد الدولة متوقفاً عن انفاذ أبي غنائم وقال له: إن القوم قد غدروا ونكثوا العهد ورفضوا الودّ ولم يبق بعد إيواء فخر الدولة وقابوس هوادة وقد سبق منهم في قصة ابن سمجور ما قد سبق مما يدل على فساد الدخائل. فما زال أبو غنائم يراجعه ويعرض عليه ما يصله من كتبهم الدالة على بذل الموافقة حتى أذن له في الخروج على ما تقدم ذكره إبلاء للعذر.

فأما قصة ابن سمجور وتنكر آل سامان عليه فالسبب في ذلك

إنه كان رجلاً قد حنكته التجارب وهذبته الأيام ورأى الدولة الديلمية وهي في ابتدائها تسري في البلاد سري النار في الهشيم فكان يرقع الخرق ويعتمد الرفق ويسلك طريق المفارقة فعرف عند آل سامان بالمداهنة والصغو إلى غيرهم وسعى بفساد ذات البين واغمار حتى آل الأمر إلى إزالة قدمه عن مستقرها. وأخبرنا من نثق به عن صدر عظيم في زماننا هذا أنه قال وضربه مثلاً في غرض له: إن ابن سمجور كان كالسد لبلاد سامان يواري عوراتهم ويغطي هناتهم وكان يصرف ما يحصل من مال البلاد التي في يديه في مصالحها ومحارسها وأنفذوا يلتمسون منه مالاً ويتجنون عليه أقوالاً وأفعالاً فقال في الجواب: اعلموا أن مثلي معكم مثل ستر من خرق على باب دار خراب فدعوه بحاله مسبلاً على الباب فإنكم إن رفعتموه بانت آثار الخراب. فلم يقبلوا منه وكان الأمر كما زعم ونعود إلى سياقه التاريخ.

و دخلت سنة اثنتين وسبعين وثلثمائة

وفيها أخرج أبو القاسم سعد الحاجب وقراتكين مدداً لمؤيد الدولة عند ورود فخر الدولة وقابوس وعساكر خراسان.

شرح الحال في ذلك

قد تقدم ذكر اجتماع فخر الدولة وقابوس بنيسابور ولما حصلا بها أقام قابوس ومضى فخر الدولة إلى صاحب خراسان فاستجار به وسأله المعونة وأقام عنده إلى أن جرد معه ناس وجماعة من أكابر القوَّاد وسارت الجماعة حتى نزلت على باب جرجان ومؤيد الدولة بها. ووقعت الحرب بين الفريقين أياماً كانت بينهم سجالاً ثم وقع الخلف بین عساکر خراسان وانصرفوا ورجع فخر الدولة وقابوس إلى نيسابور مفلولين

وفيها خرج أبو الفوارس بن عضد الدولة من بغداد إلى كرمان للمقام بها والولاية عليها والإبعاد عن الحضرة وقد كانت علة عضد الدولة قويت و استحكمت.

وفيها ورد أبو اسحق محمد بن عبد اللّه بن محمد بن شهرام ومعه رسول ملك الروم.

ذكر ما جرى بين عضد الدولة وملك الروم فيما ترددت به الرسالة

كان سبب هذه الرسالة ما تقدم ذكره من دخول ورد إلى بلد الإسلام فخاف ملك الروم وأنفذ رسولاً إلى عضد الدولة في أمره. فأخرج أبو بكر محمد بن الطيب الأشعري المعروف بابن الباقلاني بجواب الرسالة فعاد ومعه رسول يعرف بابن قونس فأعيد وأنفذ معه أبو اسحق بن شهرام فاستثنى على ملك الروم بعدة حصون ووصل معه رسول يعرف بنقفور الكانكلي بهدية جميلة.

نکت من جملة مشروح وجد بخط ابن شهرام دلت منه على دهاء وحزم وقوة رأي

قال: لما حصلت بخرشنة عرفت أن الدمستق خرج من القسطنطينية آخذا في الاحتشاد والاستعداد ومعه رسول حلب المعروف بابن مامك وكليب حَمو أبي صالح السديد فأما كليب فإنه كان مع ورد وحصل في جملة العصاة الذين أومنوا وأقروا في بلد الروم بعد أن صودروا وهم الروم بمصادرته أسوة بغيره وارتجاع الضياع التي سلمت إليه حين سعى في تسليم قلعة برزوية إليهم فتوصل كليب إلى البركموس والدمستق بما

أرضاهما به وضمن لملك الروم وفي أمر حلب وغيرها ضمانات دفع بها الشر العاجل وبذل تعجيل ما يتعلق بخراج حلب وحمص لما كان صهره وأنه لا يخالفه فتخلص بهذه الحجة وأما رسول حلب فإنه لم يفعل معه أمر إلا أنه طولب بخراج ما مضى من السنين.

وحصل الدمستق بموضع عادل عن جادة البريد فعدل ابن قونس إليه ووجدته حدث السن معجباً بنفسه لا يؤثر تمام الهدنة لأحوال منها أنه يستغني عنه في العاجل فتبطل سوقه ومنها أن يقع الطمع فيه من ملك الروم «ولا تأمن بوائقه» والثالثة ما يرجوه ويشتهيه لنفسه إلا أنه أظهر جميلاً وقبل الهدنة وشكر عليها.

ثم سألني عما وردتُ فيه فذكرت جملته وواقفه ابن قونس على نسخة الشرط فلما وقف عليه قال: لو تمَّ للرؤساء أن نخلي لهم عما يريدونه من البلدان والحصون باللطف والرفق لكان كل رئيس يتلطف ويستغني بذلك عن جميع الرجال وبذل الأموال. قلت: إذا كان اللطف والرفق من وراء قوَّة وقدرة فهو دليل الفضل ويجب تلقيه بالقبول. قال: أما حلب فليست ببلدكم ولا يريدكم صاحبها وهذا رسوله وكليب يبذلان لنا خراجها ويسألان الذب عنها وأما الحصون فإنها أخذت في زمان عمّي نقفور وغيره من الملوك ولا فسحة في النزول عنها فإن كان معك غير هذا وإلا فلا تتعب نفسك بطول الطريق. فقلت: إن كان أمرك ملك الروم بانصرافي فعلت وإن كنت قلت:ه من تلقاء نفسك فيجوز أن يسمع الملك كلامي وأسمع جوابه وأعود بحجة. فأذن لي في السير.

فسرت إلى القسطنطينية ودخلتها بعد أن تلقاني من أصحاب ملكها من أحسن صحبتي إليها فأكرمت وأنزلت في دار نقفور الكانكلي الذي وصل الآن معي رسولاً وهو خصيص بملك الروم ثم استدعيت فدخلت إلى البركموس فقال: قد وقفنا على الكتب وقد أحيل فيها على ما تقوله فاذكر ما عندك. فأخرجت الشرط الظاهر فلما وقف عليه قال: أليس قد تقرر الأمر مع محمد بن الطيب يعني أبا بكر الباقلاني على ما طلبتموه من ترك خراج بلد أبي تغلب الماضي والمستأنف ورضي بما شرطناه عليه من رد الحصون التي أخذت منا والقبض على ورد وقد رضي مولاك بما شرطنا وفعل ما أردنا وطلبنا أن خطه معك بتمام الهدنة. فقلت: ما عقد محمد بن الطيب معكم شيئاً. فقال: ما خرج من عندنا إلا على تقرير ما شرطناه عليه وأن ينفذ خط مولاكم بإتمامه فقد كان أحضر كتابه بالرضا بجميع ما يمضيه هو. فاحتجت إلى أن أتطلب مجالاً أقاوم به مجالهم.

ذكر بديهة جيدة انقدحت لابن شهرام في دفع حجة الخصم

فقلت: ما عقد محمد بن الطيب معكم شيئاً ولكن ابن قونس قرر هذا الشرط وأخذ نسخته بالرومية. فاشتط البركموس وقال لابن قونس: من أمرك بهذا ؟ فقال: ما قررت شيئاً ولا محمد بن الطيب: قرر شيئاً. وانصرفت.

فاستعادني بعد أيام وعاود قراءة الشرط ووقف عند فصل كان قيل فيه: «ما تقرر مع شهرام على ما في النسخ الثلاث» فقال: هذه واحدة وأين الأخريان؟ فرجعت إلى الموضع فوجدت السهو قد وقع في ترك ذلك فقلت: معنى هذا اللفظ أن يكون الشرط على ثلاث نسخ إحداها تكون عند ملك وأخرى بحلب والثالثة تكون بالحضرة. قال ابن قونس: ليس كذا قيل لي «أمل على تفسير الشرط» قال البركموس: لا ولكن هذه النسخة هي الظاهرة والأخرى: بترك الحصون والثالثة بترك ذكر حلب وإمضاء الشرط على ما قرره محمد بن الطيب وإنما أنفذ هذا ليأخذ خط الملك وخاتمه بذلك. فقلت: هذا محال وما عندي إلا ما ذكرته من حال حلب والحصون على ما تضمنه الشرط الذي وقفت عليه. فقال: لو كان ورد في عسكره وقد أخذتمونا كلنا أسرى ما زاد على هذا فكيف ذاك أسير.

جواب سديد لابن شهرام

فقلت: أما قولك: «لو كان ورد في عسكره»، فهو غلط لأنك تعلم أن أبا تغلب (وأقل تابع لعضد الدولة أكبر منه) عاون ورداً فأهلك مُلك الروم سبع سنين فكيف لو أمده عضد الدولة بعساكره وهو اليوم وإن كان أسيراً في أيدينا فإننا لم نفعل به ما تفعلون أنتم بأسراكم من المثلة وكونه بالحضرة أحوط لنا لأننا لم نستأسره لربما كان يضيق صدره بمدافعتنا إياه أو ييأس منا فيستوحش ويمضي الآن فهو متصرف على أمرنا وساكن إلى ما شاهده بالحضرة من العز والأمن والحبل في أيدينا بأطرافه فاشتد عليه خطابي ووجم منه وعرف صحته وقال: الذي تطلبه لا طريق إليه فإن أردت إمضاء ما تقرر مع محمد بن الطيب وإلا فانصرف. فقلت: إن اردت أن أنصرف من غير أن أسمع كلام ملك الروم فعلت: فقال: ما أقوله أنا عنه ولكن ولكن استأذنه في ذلك.

ثم استدعيتُ بعد أيام فحضرت فاستعاد ملك الروم ما جرى فأعيد عليه بمحضري فقال: يا هذا قد جئت بأمر منكر لأنه جاءنا رسول لكم فشرط علينا ما أجبناه عليه وشرطنا عليه رد الحصون التي أخذت أيام العصيان وتريد حصوناً أخر وبلاد أخذها الملوك من قبلي فإن رضيتم بما تقرر أولاً فامض بسلام. فقلت: أما محمد بن الطيب فما قرر شيئاً وأما الشرط الذي قد ورد معه فقد قطعتم فيه نصف بلدنا فكيف يجوز أن نقرر علينا أمراً فإن الحصون التي في ديار بكر منها شيء في قبضك وإنما هو في أيدينا وليس لك فيها غير المنازعة ولا تدري ما يحصل منها. فقال: البركموس: هذا رجل ذو جدل وتمويه للأقوال والموت خير من الدخول تحت هذا الحكم فدعه ينصرف إلى صاحبه. وقام فانصرفت.

فاستدعاني البركموس بعد أن تكاملت مدة مقامي شهرين في القسطنطينية وأحضر القربلاط والد الدمستق وهو مكحول وعدداً من البطارقة وتناظرنا في أمر الحصون. وبذلوا خراج حصن كيفا الذي في يد والدة أبي تغلب وهو يؤدي الخراج إليها فقلت:

أنا أدع لكم خراج سمند فقالوا: ما معنى هذا؟ فقلت: إنما نذكر الأطراف في الشرط لتعلموا أن ما وراءها داخل في الهدنة معها وحصن كيفا داخل من دون آمد بخمسة أيام فكيف تذكرونه؟ وجرى جدل في أمر حلب حتى قال القربلاط: إن حمل صاحب حلب الخراج إلينا علمنا حينئذ أنك مبطل في قولك وأنه يريدنا دونكم. قلت: وما يؤمنني أن تحتالوا على كاتبه كليب حميه حتى يعطيكم شيئاً تجعلونه حجة؟ فأما بغير حيلة فأنا أعلم أنه لا يكون. وانصرفت.

ثم أحضرني ملك الروم بعد ذلك وقد وصل خراج حلب فوجدت كلامهم غير الأول قوة وتحكماً فقالوا: هذا خراج حلب قد حضر وصاحبها قد سألنا أن نشارطه على حران وسَرُوج ومعاونته عليكم وعلى غيركم. فقلت: أما الخراج وأخذكم إياه فأنا أعلم أنه بحيلة لأن عضد الدولة ظنّ أنكم لا تستجيزون ما قد فعلتموه فلم ينفذ عسكراً يمنع عسكركم وأما ما تحكونه عن صاحب حلب فأنا أعرف بما عنده وكل ما يقال لكم عنه غير صحيح والدعوة فيها فهي قائمة لعضد الدولة. قالوا: هل معك شيء غير هذا؟ قلت: لا. قالوا: فيودع ملك وتنصرف مصاحباً. قلت: الساعة وأقبلت بوجهي نحوه لتوديعه.

رأي سديد رآه ابن شهرام في تلك الحال

قال: ثم تأملت الحال فوجدت البركموس والقربلاط وجماعة معهما ليس يؤثرون الهدنة وأصحاب السيوف يخافون لئلا تبطل سيوفهم وتنقص أرزاقهم على رسم الروم إذا هادنوا ولم يبق لي طريق سوى مداراة ملك الروم والرفق به فقلت: أيها الملك يجب أن تتأمل ما فعله عضد الدولة معك ولم يعاون عليك عدوك ولم يتعرض لبلاد أيام اشتغالك بمن عصى عليك وتعلم أنك إن أرضيته وحده وهو ملك الإسلام وإلا احتجت أن ترضي ألوفاً من أصحابك ثم لا تدري هر يرضون أم لا ثم إن لم يرضوا ربما احتجت إلى رضائه من بعد. وتعلم أن كل من حول عضد الدولة لم يرغبوا في هدنتك وإنما هو وحده أراد ففعل ما أراد ولم يقدم أحد على مراجعته وأراك تريد هدنته ولعل من حولك لا يساعدونك على مرادك. فاهتز لخطابي وبان في وجهه الامتعاض من علمي بالاعتراض عليه من أصحابه وقام وانصرفت.

وكان المشرف علي الخصيص بملك الروم (وهوالذي يوقع عنه بالحمرة ولا يمضي أمر دونه) نقفور الكانكلي الذي وصل معي رسولاً فسألته أن ينصرف معي ففعل.

ذكر ما رتبه ابن شهرام مع خصيص ملك الروم حتى بلغ به غرضه

فلما خلوت به قلت: أريد أن تتحمل عني رسالة إلى ملك الروم فقد طال مقامي

وتعرفني آخر ما عنده فإن فعل ما أريده وإلا فلا وجه لمقامي. ولاطفتُ هذا الكانكلي بشيء حملته إليه ووعدته عن عضد الدولة بجميل وكان مضمون رسالتي: إنه يجب عليك أولاً أن تحفظ أيها الملك نفسك ثم ملكك ثم أصحابك ولا تثق بمن صلاحه في فسادك فإن بمعاونة أبي تغلب عليك تمّ في بلد الروم ما جرى وكيف تكون الحال مع عضد الدولة أن عاون عليك أيها الملك ؟ وإني أرى أصحابك لا يريدون تمام الهدنة بينك وبين أوحد الدنيا وملك الإسلام والإنسان لا يخفى عليه إلا ما لم يجربه وأنت فقد جربت سبع سنين عند عصيان من عصى عليك لملكك وملكك لا يبقي نفسك الروم فما يبالون هذا إن لم يتحرك هو بنفسه. وقد نصحت لما رأيت من ميل صاحبي إليك وإيثاره لك فتأمل خطابي واعمل بعد ذلك برأيك. فعاد نقفور وقال: يقول لك: الأمر كما ذكرت ولكن ليس يمكن مخالفة الجماعة ويروني بصورة من قد خانهم وأهلكهم ولكن سأتمم الأمر وأفعل ما يمكن فعله.

ومن الاتفاق الحميد أن البركموس مرض مرضاً شديداً فتأخر عن الركوب وترددت الرسالة بيني وبين ملك الروم. ثم استدعاني أياماً متوالية وتولى خطابي بنفسه

وساعدني الكانكلي بغضاً للبركموس ومنافسة له إلى أن أجاب إلى الهدنة على جميع ما تضمنه الشرط بعد مراجعات جرت لإخراج حلب فإنه ما أجاب إليه. فلما ضايقته فيه وقلت: هذا كله بغير حلب لا يتم. فقال: دع هذا فلا نسلم غير ما سلمنا ولا نخلي عن بلد نأخذ خراجه إلا بالسيف ولكني أحملك رسالة إلى صديقي ومولاك فإني أعلم أنه فاضل وإذا عرف الحق لم يعدل عنه. ثم قال لمن حوله: تباعدوا. وقال لي سراً من كل أحد: قل له: واللّه إني أشتهي رضاك ولكني أريد حجة فيه فإن أردتم أن نحمل إليكم الخراج عن حلب أو أتركه لكم تأخذونه على أن تصرفوا ابن حمدان عنها فافعلوا ما بذلتموه على لسان ابن قونس (إشارة إلى تسليم ورد). فقلت: ما سمعت هذا ولا حضرته وإنني أستبعد فعله. فتنكر عليّ وقال: دع التطويل فما بقي شيء تراجعني فيه وأمر أن تكتب جوابات فكتبت وأحضرت لتوديعه.

واقع جيد وقع لابن شهرام

وأشفقت أن يعرض من المقادير في موت من قد طلبوا تسليمه ما يعرض مثله فنخرج من الجميع بغير منية وتحصل الهدنة عن بلدنا إلى دون الفرات وبلد باد بغير حلب فقلت: أنتم تعلمون أني عبد مملوك ولست مالكاً وما أقدر أن أزيد على ما أمرت به وقد صدقتك عنه والذي شرطته الآن في أمر حلب فقد حلفت لك أنني ما سمعته بالحضرة. فهل لك أيها الملك في أمر قد وقع لي أنه صواب؟ قال: ما هو ؟ قلت: تكتب كتاباً بالهدنة بيننا وبينك عن جميع ما في أيدينا من حمص إلى بلد باد ولا نذكر

فيه حديث من قد التمست تسليمه ولا غيره وتحلف بدينك وتوقع فيه خطك وتختمه بخاتمك بحضرتي ويخرج به صاحبك معي إلى الحضرة فإن رضي به وإلا عاد صاحبك. قال: فاكتب أنت شرطاً مثله. قلت: إن سلمت أنت شرطك بما طلبت. قال: إن ذكرت في خطك تسليم الرجل. قلت: لا أقدم على ذكر ما لم يُرسم لي. قال: فإنني أكتب شرطين أحدهما عما قطع الفرات وبلد باد والآخر بذكر حمص وحلب على الشرط فإن اختار مولاك ما قطع الفرات على إبعاد ورد كان إليه وإن اختار الآخر فعل ما يختاره. قلت: فيكتب الشرط ولا يذكر فيه شيء من هذا. قال: فتكتب أنت أيضاً ما أعطى خطاً بغير خط آخذه قلت: ولكن يكتب ترجمانك نسخة ما أقوله فإذا رضي عضد الدولة بما تقوله كتبته بحضرته ووقع فيه بخطه. فرضي بهذا وكتبتُ الشروط والكتب عليه وتقررت الهدنة على عشر سنين. ولما فرغت من ذلك قلت له: لا تجعل رسولك مثل فيج ووافقه على ما تحب أن يفعله بعد ما تقرر معي بحسب ما يشاهده وامض كلما يمضيه. فقال: قد فعلت. وكتب ذكر ذلك في الكتب.

وركب البركموس من داره لما برىء وقامت قيامته لأحوال منها انفراد الكانكلي بصاحبه ومنها إتمام الأمر بغير حضوره ومنها أمر حلب وحمص وما ضمنه له كليب.

كلام لملك الروم استمال به قلب البركموس

قال له: على ما حدثني به بعض خواصهم: يا بركموس ما معي أحد يشفق علي مثلك ولا من يحل مني محلك لأنك مني بأدنى نسب وسبب وهؤلاء فكما قال الرسول لا يبالون من كان ملكاً كنت أنا أو غيري ويجب أن تحفظ نفسي ونفسك ولا تسمع كلام القربلاط ولا تثق به ولا برأيه لنا فقد علمت ما حدثنا به إبراهيم عنه وعن ابنه من إضمار الغش لملكنا وخبث نياتهما في أمرنا قلت لمن حدثني: ومن إبراهيم؟ قال: رسول كان للدمستق إليكم جاء إلى الملك ناصحاً وعرفه أنه أنفذه إليكم يطلب منكم إعانته على العصيان. فقبل البركموس هذا القول من ملك الروم واستدعاني ورأيت من خطابه و انبساطه معي غير الأول إلا أنه لم تكن تخفى على وجهه كراهية لهذا الأمر ورتب معي هذا الكانكلي رسولاً بعد امتناعه لكن ملك الروم لم يجد أحداً يجري مجراه في ثقته فألزمه وساعده البركموس عليه فقال له: ليس بحضرة الملك أكبر مني ومنك فإنا أن تسير أو أسير. وجد في الأمر حتى ظننت أنه فعل ذلك إيثاراً لإبعاده وحسداً لما رأى من اختصاصه.

فهذه نكت معان من ألفاظ ابن شهرام. وعضد الدولة عليل والناس عنه محجوبون فأمر بشرح ما جرى عليه أمره ليعرض (فإن علة عضد الدولة التي توفي فيها كانت في هذا الوقت) وحضر رسول ملك الروم المذكور مجلس صمصام الدولة بعد وفاة عضد الدولة

وتسلمت الهدايا منه وتمم معه ما ورد فيه وكتب شرطان أحدهما الهدنة التي قررها ابن شهرام على إتمام مبانيها وإلقاء مراسيها والشرط الآخر بما تقرر آنفاً مع نقفور.

ذكر ما تقرر في أمر ورد وأخيه وولده

جرت مخاطبات تقرر آخرها على أن يقيم نقفور وينفذ صاحباً له مع رسول من الحضرة ليأخذ خط ملك الروم وخاتمه لأخي ورد وابنه والأمان والتوثقة لهما بضمان الإحسان وإعادتهما إلى مراتبهما القديمة وأحوالهما المستقيمة فإذا وصل ذلك أقدما حينئذ على ملك الروم مع نقفور ويكون ورد مقيماً في هذه البلاد ممنوعاً من طروق بلد الروم بإفساد فإذا عرف ما يعاملان به من الجميل في الوفاء بالعهد المبذول لهما اتبعا حينئذ وردا في السنة الثالثة بعد أخذ التوثقة لهما بما يرضيهم حسب ما فعل مع ابنه وأخيه وأن يكون ما يحمله الآن ابن حمدان من حمص وحلب إلى ملك الروم من مال المفارقة عنهما محمولاً على استقبال إطلاق ورد إلى بلد الروم إلى خزانة صمصام الدولة فإن دافع ابن حمدان حينئذ عن حمل ألزمه ملك الروم ذلك لئلا يتكلف صمصام الدولة تجهيز عسكر إليه وأن يجري أمر بلد باد على ما كان عليه من الملاطفة التي كان يحملها إلى ملك الروم على أن لا يعاون باداً ولا يجيره إن التجأ إلى الروم. وأنفذ الشرطان جميعاً وعاد الجواب عنهما بإمضاء ما تقرر ثم تجدد في أمر ورد وإطلاقه من الاعتقال ما سيأتي ذكره من بعده.

وفي الثامن من شوال من هذه السنة توفي عضد الدولة وأخفى خبره.

وفي التاسع منه قبض على أبي الريان فلما قبض عليه أخذت من كمه رقاع مشددة ومنها رقعة فيها.

أيا واثقاً بالدهر غرا بصرفه***رويدك أني بالزمان أخو خبر

ويا شامتاً مهلاً فكم ذي شماتة***تكون له العقبي بقاصمة الظهر

فلما وقف أبو عبد اللّه بن سعدان عليها قال الحاجبه: امض وسله عنها. ففعل فقال: هذه رقعة أنفذها أبو الوفاء طاهر بن محمد إليّ عند القبض عليه ولست أحسن قول الشعر ولكن أقول لها كانت من أبي الوفاء من قبل.

ونختار الآن طرفاً من سيرة عضد الدولة ونورده ههنا عن ذكر خاتمة أيامه فإنه أحفظ لترتيب القول ونظامه.

أخبار من سيرة عضد الدولة

كان ملكاً كامل العقل شامل الفضل حسن السياسة كثير الإصابة قليل السقطة شديد الهيبة بعيد الهمة ثاقب الرأي صائب التدبير محباً للفضائل مجتنباً للرذائل باذلاً في

مواطن العطاء كأن لا سخاء بعده مانعاً في أماكن الحزم حتى كأن لا جود عنده يستصغر الكبير من الأمر ويستهون العظيم من الخطب. وكان يقول على ما يحدث عنه: الأرض أضيق عرصة من أن تسع ملكين.

فأما أفعاله في تدبير نفسه وترتيبه في قسمة زمانه

فإنه كان يباكر دخول الحمام فإذا خرج منه ولبس ثيابه أدى فرض الصلاة ودخل إليه خواصه وحواشيه فجلس منهم أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف بحضرته ويضع دواته بين يديه ثم يؤذن لأبي القاسم المطهر بن عبد اللّه وزيره ومن قام مقامه بعده فيسأله عما عمله فيما سبق التقدم به إليه فيخبره بذلك ثم يذكر له ما عرض من الأمور ويستأذنه في كل أمر فيوعز إليه بما يعتمده فيه ويفعل مثل ذلك مع أبي الحسن علي بن عمارة وأبي عبد اللّه بن سعدان عارضي الجيش ذاك للديلم وهذا للأتراك والأعراب والأكراد. فإذا ترحل النهار سأل عن ورود النوب المترددة بالكتب ولها وقت معلوم تصل فيه وتُراعي من ساعات النهار فإن اتفق أن تتأخر قامت القيامة ووقع البحث عن العارض العائق فإن كان بعائق ظاهر فيه عذر قبل أو عن أمر يحتاج إلى إزالته أزيل أو من تقصير النوبيين أنزل العذاب بهم. ولقد ذكر بعض الطراد أن أحد المرتبين قالت له امرأته: قد طبخنا أرزاً فتوقف لتأكل منه وتمضي. فتوقف بقدر ما أكل وتأخرت النوبة ذلك المدى فضرب الطراد والمرتبون ما بين شيراز إلى بغداد أكثر من ثلاثة آلاف عصا. لا جرم أن النوب كانت تصل من شيراز في سبعة أيام وكان يحمل مع المرتبين بواكير الفواكه والمشموم من نواحي فارس و خوزستان فتصل طرية سليمة.

وقيل إن بعض أصاغر الحواشي حمل في النوبة من همذان في كتابة دنانير يسيرة إلى منزله وقد كان عادتهم جارية بذاك فقصرت عن أهلها وعرف عضد الدولة الخبر فلم يزل يكشف عن ذلك إلى أن ظهر للخرائطي آخذ الدنانير فأمر بقطع يده.

فإذا وصلت النوبة كان فض ختومها وفتح خرائطها وإخراج الكتب منها بحضرته ويأخذ منها ما كان إلى مجلسه ويخرج الباقي إلى ديوان البريد فيفرق على أربابه. ثم يقرأ الكتب إليه كتاباً كتاباً ويطرحه إلى أبي القاسم عبد العزيز فإذا تكامل وقوفه عليها جدّد أبو القاسم قراءتها عليه فيأمره في جواب كل فصل بما يوقع به تحته وأخرج منها ما يأمر بإخراجه ليواقف عليه المطهر بن عبد اللّه أو من يجري مجراه في تذكرة وهي أبداً بين يديه يعلق فيها ما يعرض له. ثم يسأله عن الطعام عند فراغه من ذلك فإذا حضر الوقت الذي رسمه بالأكل فيه استدعاه فأصاب منه وطبيب النوبة قائم على رأسه وهو يسأله عن شيء شيء من منافع الأغذية ومضارها ثم يغسل يده وينام فإذا انتبه جدد الوضوء وصلى الصلاة الوسطى وخرج إلى مجلس الشرب فجلس وحضر الندماء والملهون.

ووافي أبو القاسم عبد العزيز فقعد بحضرته على رسمه وعرض عليه ما كتبه الكُتاب أو كتبه هو بنفسه من أجوبة الكتب الواردة فربما زاد فيها أو نقص منها ثم تصلح وتختم وتجعل في اسكدارها وتحمل إلى ديوان البريد فتصدر في وقتها. ومتى غاب أبو القاسم بن عبد العزيز لأمر يقطعه أو تأخر في داره واحتيج إلى كتاب يكتب يستدعي كاتب النوبة فأجلس بين يديه وتقدم بما يرده إليه أو أملأه عليه وهو مع ذلك يشرب ويسمعالغناء ويسأل عما يمضي من أشعاره وما يجب معرفته من أخباره ولا يزال على ذلك إلى أن يمضي صدر الليل ثم يأوي إلى فراشه.

وإذا كان يوم موكب برز للأولياء ولقيهم ببشر وتأنيس تعلوهما هيبة ووقار وأجاب كل ذي حاجة بما يجب في السياسة من بذل ومنع وتفرق الناس عند انتصاف النهار وأقام أصحاب الدواوين وكتابهم إلى حين غروب الشمس. فأما عموم الأيام فإن الأمر يجري على ما تقدم ذكره.

فيقال إنه مال في بعض الأيام إلى جارية ميلاً دعاه إلى أن خلا معها خلوة أطالها وانقطع بها عن مراعاة ما كان يراعيه من الأعمال فلما حاول النظر في ذلك من غد وجده قد تضاعف فشق عليه تلافي ما مضى. ثم دعاه الشغف بالجارية إلى أن خلا معها نوبة ثانية كالأولى في الإطالة فوقف من الأمور أكثر مما كان وتأمل الصورة فرأى الخلل قد استمر فأحضر شكر الخادم وتقدم إليه بأخذ الجارية وتغريقها فأخذها شكر وراعى ما عرفه من شدة وجده بها فاستبقاها ولم يحدث حدثاً في بابها فلما مضت على ذلك أيام قال له: يا شكر لقد عجلنا على تلك الجارية وكان التثبت أولى. فقال: يا مولاي قد واللّه تثبت في أمرها خوفاً من ندمك على ذهابها فاستبقيتها. قال: فردها إلى موضعها. فردها وعاود عضد الدولة الخلوة بها والانقطاع إليها وعاد الخلل إلى حاله السالفة فاستدعى شكراً وأمره بتغريقها وقال: ما يساوي طاعة النفس في شهوتها ترك الدنيا وإفساد سياستها. فغرقت ومضت إلى حال سبيلها. هذه الحكاية وجدناها في كتاب التاريخ كما سطرناها وهي حكاية مستفاضة قد سمعناها مختلفة النسبة إلى عدة ملوك واللّه أعلم بالصحيح.

وكان ضبطه لداره أشد ضبط و نظره في أمر الصغير من أمر الخزائن والمطابخ والإقامات والوظائف مثل نظره إلى الكبير من أمور الممالك فلا يطلق درهماً في غير وجهه ولا يمنع أحداً مما يستحقه.

فأما ما ذكر في أمر تدبيره لجنده فقد كانت أموالهم مطلقة في أوقاتها متتبعة في تصرفاتها وأكثر كتابهم وأصحابهم عوناً له عليهم وطبل العطاء يضرب في كل يوم ويحضر من ينتهي إليه الدعوة من القواد ومعه أصحابه بأحسن رتبة فقبض ماله والزيادات في الأصول محظورة على العموم إلا عند الفتوح وما تدعو السياسة إليه من استمالة

القلوب. فقيل إن طغان الحاجب (وكان أكبر الأتراك في دولته) راسل عضد الدولة وقد جرده إلى بعض الثغور وسأله زيادة عشرة أرطال خبزاً في خزانته فدفعه عن ذلك وحمل إليه خمسة آلاف درهم صلة وقال له: هذا ثمن ما استزدتناه للسنين الكثيرة ولو أجبناك إلى مرادك على ما طلبتنا به لا تفتح علينا باب لا يمكننا سده. وحدث أبو الحسن بن عمارة العارض قال: ورد إلى عضد الدولة فلان الديلمي (وأسماه) من أرباب البيوتات المذكورة بديلمان فأكرمه وعظمه وخلع عليه وحمله على فرس بمركب ذهب. واتفق أن دعا قائداً من أقاربه بالحضرة كانت له مروءة حسنة فشاهد من آلته ومروءته وزيه وتجمله ما كثر في عينه فاستقصر حاله عندما شاهده فأحضر كاتباً كان عضد الدولة قد استخدمه له وقال له: قد دعاني ابن عمي ورأيت من مروءته ما استحسنته وشاهدت عليه فرجية ورداء من حالهما كيت كيت وأريد أن تبتاع لي مثلها. فقال: نحتاج لثمن ذلك إلى ما تقصر عنه أيدينا في هذا الوقت فقال: خذ المركب الذهب فارهنه. فصار الكاتب إلى عضد الدولة فعرفه ما جرى فاستدعاني (يعني أبو الحسن بن عمارة العارض نفسه) وقال لي: أحضر فلاناً القائد الذي دعا الديلمي الوارد من ديلمان. فأحضرته وعرفته حضوره فقال: اخرج إليه وقل له: ليس يكفيك بطرك بالنعمة الخالصة لك وتشاغلك بالتترف عن الجندية وشروطها حتى تريد أن تفسد عسكرنا علينا وتعمل الدعوات وتظهر الزينة الآن قد ندبناك للخروج إلى البلد الفلاني فتأهب واخرج قال: فلما أوردت عليه هذا القول قبل الأرض وتنصل وكاد يموت وانصرف على عزم الخروج. ثم رسم بعد ذلك إحضار الديلمي الوارد من ديلمان فلما حضر أمر أن يفرش له بساط منجرد ويطرح عليه صدر مثله وثلاث مخاد مخلقة ولبس جبة رئة وعمامة شهجاني وجلس وأوصل الديلمي وتشاغل عنه ساعة إلى أن علم أنه قد شاهد فرشه وثيابه وسأله عن حاله وخاطبه خطاب موانس له: أراك يا فلان تتأمل فرشنا وثيابنا ولعلك تقول: «كيف يقنع ملك الدنيا بهذا» نعم إن الشرف والجمال بالأصول والأفعال والمواقف في التدبير والحروب. والثياب الحسان والترفه والنعمة للنساء والمخانيث وتاللّه إن الرجل ليدخل علي وهو متصنع متعمل فأتصور أنه فارغ عاطل ويدخل وهو مقتصد مسترسل فأراه بصورة من له نفس وهمة. ثم حادثه بعد ذلك ساعة وانصرف (قال) وعاد الكاتب فقال له: عضد الدولة: أي شيء جرى بعد انصراف صاحبك؟ قال: لما عاد من حضرة مولانا سألني عما كان واقفني على ابتياعه من الرداء والثوب للفرجية فأحضرتهما له فقال: ردهما على صاحبهما وارتجع المركب ورده إلى موضعه. فتبسم عضد الدولة.

وحدث أبو نصر خواشاذه قال: كان بالقصر جماعة من الغلمان تحمل إليهم مشاهراتهم من الخزانة بالحضرة فلما كان في آخر شهر قد بقي منه ثلاثة أيام استدعاني وقال لي: تقدم إلى الخازن في بيت المال بأن يزن كذا وكذا ألف يزن كذا وكذا ألف درهم ويسلمها إلى

أبي عبد اللّه بن سعدان ليحملها إلى نقيب الغلمان بالقصر. فقلت: السمع والطاعة. فأنسيت ذلك وسألني عنه بعد أربعة أيام فاعتذرت بالنسيان فخاطبني بأغلظ خطاب فقلت: أمس كان استهلال الشهر والساعة تحمل المادة وما ههنا ما يوجب شغل القلب بهذا الأمر. فقال: المصيبة بما لا تعلم ما في فعلك من الغلط أكثر منها فيما استعملته من التفريط ألا تعلم أنا إذا أطلقنا لهؤلاء الغلمان مالهم وقد بقي في الشهر يوم كان الفضل لنا عليهم وإذا انقضى الشهر ولمستهل الآخر حضروا عند عارضهم فاذكروه فيعدهم ثم يحضرونه في اليوم الثاني فيعتذر إليهم ثم في الثالث فتبسط في اقتضائه ومطالبته ألسنتهم فتضيع المنة وتحصل الجرأة ونكون إلى الخسارة أقرب منا إلى الربح. ولعل عضد الدولة نظر في هذا الوقت إلى ما وجد في سيرة المعتصم رضوان اللّه عليه وهل ينكر لبني هاشم أن يقتدي بأقوالهم أو يهتدي بأفعالهم وهم الأصدقون أقوالاً والأكرمون أفعالاً والأشرفون أنساباً جبال الحلوم وبحار العلوم وأعلام الهدى وساسة الدين والدنيا وفرسان الحروب والمحاضر وأملاك الأسرة والمنابر إلى مكارمهم ينتهي الكرم وبمآثرهم تنجلي الظلم المعتصم بينهم المعتصم.

خبر مأثور في سياسة جند

يقال إن جنداً كانوا بدمشق فطالبوا عاملها برزق استحقوه وشكوا إليه ضيقة وحاجة فاحتج بأن المال الحاصل للحمل وأنه لا يقدم على أخذ شيء منه وسيقيم لهم وجوهاً من بعد ودعتهم حاجتهم إلى أن مدوا أيديهم وأخذوا بعض ما يستحقون وكتب العامل على البريد إلى الحضرة بذلك.

وكان المعتصم بنيَّة الغزو وقام يكتب جوابه وقال: انتفيت من الرشيد لئن لم يعيدوا المال الذي أخذوه ساعة وصول هذا الأمر لأجعلن وجه الغزاة إليهم ولأجعلنهم حصائد السيوف. فعاد الجواب أسرع ما يكون إلى العامل فأحضر الجند وقرأ عليهم الكتاب ونظر بعضهم إلى بعض وقالوا: هو المعتصم وأنه يقول ويفعل. وتبادروا إلى رد ما أخذوه فما كان طرفة عين حتى اجتمع المال كأنه لم يبرح وسألوا العامل التنصل عنهم إلى المعتصم وذكر صورتهم التي أحلت في أمثالها المحرمات فكتب بذلك إلى الحضرة فأمر المعتصم بالجواب وذم فعل العامل وتبين خطيئته كيف جنى على السياسة وجرأ الجند بتأخير أعطيتهم عن أوان وجوبها ويحذره أمثالها وأمره بإطلاق ما اجتمع لهم من مال استحقاقهم وإسلافهم عطاء آخر لحسن طاعتهم.

ونعود إلى ذكر ما نختاره من كتاب التاريخ

وحدث أبو الحسن ولد عمارة قال: دخل بعض الأتراك الخواص إلى ديوان

الجيش ومعه صك يريد أن يثبته فقال للكاتب: اثبته. فقال: أنا مشغول بعمل استدعاه الملك وما أنا متفرغ لعمل صكك اليوم. فأخذ الحساب من يده ووضعه في الأرض وقال له: قدم أمرى أولاً. فكتب صاحب الخبر بذلك في وقته فلم يستتم الكاتب إثبات الصك حتى استدعاني عضد الدولة وقال. قد جرى من فلان الديملي كذا وكذا فاخرج إلى ديوانك واستدع الصك من كاتبك وحرّقه بين يديك وتقدم بأن تجر رجل الديلمي من موضعه إلى باب العامة ووكل به من النقباء من يطالبه بالخروج الليلة من البلد إلى دیلمان. ففعلت ذلك وتقدم فيما بعد إلا تعمل أعمال الجند ألا في أيدي المديرين.

وقيل إنه كان رفع أسفار بن كردويه عن قبول الظلامات فيه ومطالبة كتابه بحضور مجالس الحكم فيما يتعلق به إجلالاً له. وأن أحد التناء تظلم منه في معاملة ورفع قصة إلى عضد الدولة فوقع على ظهرها: أخونا أبو زهير يرتفع عن مثل هذا الفعل والدعوى عليه بذلك باطلة. وأن التوقيع حمل إلى أسفار فأنصف الرجل.

وحكي عن بعض التناء أنه قال: حصلت ضيعتي في أيام عضد الدولة في إقطاع أسفار بن كردويه وكان من الظلم على حال معروفة وكان عضد الدولة قد رفع عنه وعن زيار بن شهراكويه العدوي في كل فعل وتتابعت علي جوائح ولم تحصل لي ما يفي بالخراج فاجتمع لأسفار على ثلاثة آلاف وستمائة درهم اعتقلني بها وأساء إليّ وقيدني وأدخل يده في نيابتي فأقمت في حبسه سبعة أشهر. فأنس بي الموكل وعلم أن لا أتمكن من الهرب مع القيد الذي في ساقي فكان يستخلفني موضعه عند خلو الباب وانتصاف النهار ويمضي إلى منزله فيتشاغل بشغله ويعود. وضاق صدري فانتهى بي سوء الحال وشدَّة القنوط إلى أن اخترت الموت على الحياة فحملت نفسي في بعض الأيام عند مضي البواب وخلق الباب على أن خرجت أمشي بالقيد. وكان أسفار ينزل في دار صاعد بن مخلد بدرب الريحان والزمان صائف والماء ناقص فلزمت شاطئ دجلة حتى وصلت إلى الميدان الذي تحت دار عضد الدولة والناس يروني في طريقي فمن منكر لي يقول: «مجنون وقد أفلت» ومن عارف بي قد علم أني هارب. فلما وقفت في الميدان رأيت الستائر ممدودة وعضد الدولة قائم على الروشن وأنا لا أعلم وعلي بن بشارة الفراش على قرب منه فصحت ودعوت فبادر إليَّ علي بن بشارة وأومى إليَّ: «أن اسكت وصر إلى باب البستان». فصرت إليه وخرج إليَّ وقال: من أنت وما قصتك؟ فشرحت له حالي وظلامتي من أسفار فأجلسني عند البوابين وعاد وإذا به قد خرج فأدخلني وقال: إن الملك كان واقفاً وقت مجيئك وهو الذي رآك فإذا رأيته فقبل الأرض بين يديه وأكثر الدعاء له. فمشيت وأنا أحجل في القيد حتى قربت منه في الموضع الذي شاهدته أولاً فيه فتداخلني من الهيبة والجزع ما لم أملك نفسي معه فقبلت الأرض مراراً

ودعوت له دعاء كثيراً وبكيت وسكت فقال لعلي بن بشارة: قل له حتى يشرح صورته. فقلت: ما لي لسان يطاوعني على القول لعظم ما قد تداخلني من الرهبة والخوف. فقال: تكلم ولا تخف. فقلت: إن أسفار قبض ضيعتي وطالبني بما لا قدرة لي عليه وحبسني في القيد منذ سبعة أشهر. فأطرق ساعة ثم قال لي: عد إلى دار أبي زهير وأعلمه أنك جئتنا وشرحت حالك لنا وإنا أمرناك بالعود إليه. فقلت: يا مولانا أخافه وجهلت في قولي هذا فقال: لا تخف فأنا من ورائك وعد لتعرف ما ينتهي إليه أمرك. فقبلت الأرض وخرجت أجر نفسي وأحجل في قيودي حتى وافيت باب أبي زهير فإذا البواب قد عاد فلم يجدني وبث الركابية والغلمان في طلبي وعرف أبو زهير خبري فضرب البواب مائة مقرعة والدنيا قائمة على ساق. فلما رآني الغلمان صاحوا «هاهوذا» وقالوا: أين مضيت؟ فقلت: مضيت إلى الملك عضد الدولة فأوصلني وشكوت إليه أمري فأمرني بالعود إلى القائد وعدت. فلما فلما سمع الغلمان ذلك ذكروه لأسفار فأحضرني وقال: أين كنت ؟ قلت: يا صاحب الجيش لما ضاق صدري وغلب يأسي صبري قصدت باب الملك فوجدته قائماً على الروشن وبين يديه الأستاذ علي بن بشارة فدعوت له وشكوت إليه حالي فأوصلني وحدثته حديثي فأمرني بالعود إليك فقلت: «أخاف أن أعود» فقال «عُد فإننا من ورائك» وقد جئت. فقال أسفار: تؤاخذ إذا. وأحضر من فك القيد وأعطاني عمامة وثوباً ومائة درهم وقال: انصرف مصاحباً. فقلت: ضيعتي، فقال: اخرج إليها وتصرف فيها ولا تطمع مستأنفاً في كسر خراجها. فدعوت له وخرجت من عنده فمضيت من فوري ذلك إلى روشن عضد الدولة وصحت ودعوت له فدنا خادم من الروشن وأومى إلى أن «تقدم إلى الباب» فتقدمت إليه وجاءني الخادم فقال: من أنت؟ فقلت: المحبوس الذي كان منذ ساعة بحضرة مولانا. وتقدم إلي بالعود فدخل وخرج إلى علي بن بشارة فأدخلني ورأيت الملك جالساً على عتبة البيت الذي بناه على دجلة وغلمان وقوف بالقرب منه فقبلت الأرض ودعوت له فقال: كيف جرى الأمر؟ فشرحت له الحال وأريته الثياب والدراهم التي أعطانيها أسفار فاستدنى علي بن بشارة وأسر إليه شيئاً لم أسمعه ثم قال لي: كم عليك لأبي زهير؟ فقلت: ثلاثة آلاف وستمائة درهم قال: نحن نؤديها إليه عنك لتبرأ منها في ديوانه وتكون مقابلة له على الجميل الذي عاملك به. فقبلت الأرض ودعوت له وأخذ علي بن بشارة بيدي ودخلت إلى الخزانة فأخذ ثلاثة آلاف وستمائة درهم في كيس واستدعى أحد نقباء النوبة وقال له: امض مع هذا الرجل فاحمل هذا الكيس إلى أبي زهير أسفار وقل له «هذه الدراهم التي أنفذناها إليك لعوض عملك على هذا الرجل فأثبتها في ديوانك باسمه» فخرجت والنقيب معي والكيس معه وصرنا إلى دار أبي زهير ودخلنا إليه فلما وضع النقيب الكيس بين يديه وأدى الرسالة قام قائماً وقبل الأرض ثلاث دفعات وقال: أنا عبد وخادم وهذا مال

مولانا. وهب لي خمسمائة درهم وللنقيب خمسمائة وانصرفنا.

الذي مضى في هذين الخبرين هو تدبير لطيف وتوصل جميل إلا أن رفع العدوى أحد الأتباع وإن كان عظيم القدر مضر بالسياسة أي إضرار والقاعدة إذا وضعت على ذلك كانت «على شفا جرف» هار. ولقد رأينا في زماننا من سياسة ملك الإسلام عضد الدولة البارسلان رحمه اللّه وكان أقوى جنداً ما وكان أقوى جنداً ما هو أوفى جداً. وأين كان من الملوك من يصول كصولته ويهاب كهيبته! ونقتصر ههنا على إيراد خبر واحد من أخباره التي ينتهي القول بنا إلى ذكر أيامه بمشيئة اللّه سبحانه.

ذكر خبر في إقامة سياسة

حكي أن غلاماً خصيصاً بسنكلو أخذ من بعض المزارعين بطيخاً على قارعة الطريق بغير رضاه وانتهى الخبر إلى عضد الدولة رحمه اللّه فطلبه فأخفى شخصه رجاء أن يسكن غضبه ويعفو عنه أو يقتصر من عقوبته على السوط دون السيف. فاستدعى بسنكلو إلى بين يديه وأقسم لئن لم يحضر الغلام ليقيمن السياسة فيه بدلاً عنه (وسنكلو يومئذ صاحب الجيش ومعه جمرة العسكر وأمره قوي وجانبه منيع وهو أشد الترك بطشاً وأخشن الجند جنباً) فملكه الرعب وكان قصاراه البدار بإحضار الغلام فلما أحضر وسطه بالسيف وأجرى الفرس بين شلويه على سنة لهم في قتالهم. ويوشك أن يكون لهذه السياسة باطن بأن تكون قد سبق للغلام جريمة يستحق بها القتل وأتبعها بهذه الصغيرة التي يجري في مثلها التعزير فقتله عضد الدولة رحمه اللّه بالجريرة الكبيرة التي أوجبت قتله وأظهر للعامة أنه قتله بصغيرته الظاهرة لهم اقتداء بخبر وجدته في بعض الكتب مروياً عن المعتضد باللّه رضي اللّه عنه وهو أنه كان سائراً في موكبه فتظلم أحد الرعية من بعض الجند فيما يقارب قصة البطيخ فأمر بإحضاره وسحبه إلى السجن وحبسه إلى أن يعود إلى مستقر عزه فيأمر فيه. فلما كان في اليوم الثاني وأصبح الناس رأوا رجلاً مصلوباً فتحدثوا بقتل الجاني بالأمس وصلبه. فدخل أحد خواص المعتضد إليه وقال له عند خلو مجلسه: يا أمير المؤمنين قد كان التعزير فيما جرى يقنع من غير صلب. فقال له: أتعرف الرجل. قال: نعم. قال: فامض إلى السجن فانظر فلما دخل رأى الرجل حياً وهو مقيد فعاد وقال: قد وجدته حياً. قال المعتضد: إنما أمرت بإخراج غيره من المفسدين الذين قطعوا الطريق وأخذوا المال وقتلوا ووجب صلبهم فهو الذي رأيتموه مصلوباً وظهر للعامة أن المصلوب هو الجاني بالأمس إيداعاً للرهبة في قلوبهم فما تعديت حدود اللّه. ولقد وُفق المعتضد باللّه رضي اللّه عنه وهل يدافع عن حسن سياسة يضرب بها المثل؟

وبلغني أن بعض أمراء مصر كثر المفسدون في أيامه فقتل وتعدَّى التي حدود اللّه أتت بها الشريعة فتضاعف الفساد حتى وقف أمره فأشير عليه باتباع الشرع فأحضر أحد

الفقهاء المجتهدين وشاوره و استفتاه وعرض عليه من في السجون وذكر له أحوالهم فافتاه بما أمر اللّه تعالى به فأقام الحدود فيهم بالعدل من غير زيادة ولا نقصان وسلك هذه الطريقة الحميدة فيمن ظفر به من المفسدين فما مضى من الزمان إلا قليل حتى استقامت له الأحوال فانقطع الفساد فأمنت البلاد وليس للمخلوقين أن يحتاطوا بصلاح الأمة بزيادة على أمر الخالق رب العالمين سبحانه وتعالى.

وما أحسن سيرة هذه الدولة التركية فإن مندوباً للمظالم قد وسموه «بأمير داذ» معناه أمير العدل يجلس للمظالم وإلى جانبه حاكم من أهل العلم يرجع ذلك الأمير إلى رأيه وكلمه وينفذ ما تأمر الشريعة في الجند والرعية. وكل عبد من عباد اللّه تعالى في إمداده بحسن التوفيق لم يهذب بسياسة الأقرب فالأقرب ولم يذلل بهيبته الأصعب فالأصعب. نسب إلى احدى خطتين إما ظلم في طبعه وإما عجز في نفسه وكلتاهما غير حميدة. لم يكن مثل ذلك يخاف على عضد الدولة بن بويه مع كمال فضله ولعله سمح لأسفار وزيار بهذا الفعل أن الخبر صحيح لمداراة عاجلة ليتلافاها من بعد بسياسة شاملة فإن غوره كان بعيداً وصبره لمداواة كل خطب عتيداً. وهو من الملوك الذين لا يقدح الثلم في سياستهم بحال ولا يجد العيب في سيرهم أدنى مجال.

ونعود إلى سياقة الأخبار

حدث أبو اسحاق إبراهيم بن هلال الصابي قال: لما ورد عضد الدولة في الدفعة الثانية خرجت لاستقباله إلى المدائن وخدمته وخفت أن يتطرق على داري الشاطئة الترك في سورة الدخول لأنني من حواشي البختيارية وسألته انفاذ من يحرسها فأنفذ معي أحد النقباء الأصاغر وتقدمت عائداً والنقيب معي. فكان يمضي أكثر النهار في أشغاله فاتفق أن هجم على الدار أحد القواد الأكابر وطرح أصحابه أحمالهم وفرشوا فرشهم وربطوا دوابهم وتقدموا إلينا بالانتقال فأيسنا من دورنا ومضى غلماني يطلبون النقيب فلما حضر سلم على القائد وقبل يده ووقف بين يديه وأخذ يحادثه ثم قال له: الديلمي: فيم جئت؟ قال: أنفذني الملك لأحفظ هذه الدور ممن يتعرض لها. فقال له: هذا كاتب من أصحاب بختيار فأي شيء بينه وبين الملك؟ قال: كان يخدمه وله موضع عنده. قال أبو اسحق: فواللّه ما استتم النقيب كلامه حتى نهض القائد الديلمي ورمى بكرسي كان جالساً عليه وقال لغلمانه: ارفعوا. وركب في الحال وخرجوا بعده فما رأيت هيبة أعظم من هيبته.

وأما ذكر ما فعله في أمر الحماية

فإنه حمى البلاد من كل مفسد وحفظ الطرق من كل عائث وهابه الحواضر والبوادي.

وكان منه في قتل داود بن مصعب العقيلي آمر بني عقيل وسيدها بأبي القاسم بن الباهلي ما شاع ذكره

ذكر مكيدة في قتل داود بن مصعب

وكان من خبره أن عضد الدولة أنفذ أبا القاسم بن الباهلي إلى داود برسالة يدعوه فيها إلى الطاعة والدخول إلى بغداد وضم إليه عشرين رجلاً من الحمدانية وواقفه على الفتك أن وجد غرة منه. فلما حصل عنده وكان نازلاً بالقرب من سنجار أورد عليه ما تحمله ورغبه في الخدمة فقال له داود: أما الطاعة فأنا ألزمها وأما الدخول إلى الباب فما جرت لي عادة به. فلم يزل يراوضه وهو مقيم على أمره فيما بذله وامتنع عنه. وعول ابن الباهلي على اغتياله وواقف فراشاً كان معه على ذلك وطلب الغرة فوجدها عند رواح الجمال والبقر والغنم فإن الصياح يكثر والرجال والنساء مشغولون بإبلهم ومواشيهم وضمها إلى بيوتهم وحلب ألبانها فعمل على فعل ما يريد فعله في هذا الوقت واستأذن على داود في بعض العشايا وحضر عنده وأخذ فراشه معه وقد خرج إليه بسره ورسم له أن يمسك داود إذا خلا مجلسه وغمزه بعينه واستصحب سكيناً ماضية في كمه. وراحت الإبل والمواشي فارتجت الحلة بأصواتها وضوضاء الناس وحادثه ساعة ثم غمز الفراش فوتب وأخذ يدي دواد ومسكهما وضربه ابن الباهلي بالسكين في صدره وكرر ذلك حتى أصاب مقتله وخرج غير عجل ولا مضطرب والفراش خلفه طالباً للصحراء والبعد عن البيوت كأنه قاضي حاجة وقد أعد له وللفراش فرسين فركباهما وسارا سيراً رفيقاً حتى أوغلا في الصحراء ثم حثا وعدلا عن طريق الموصل وتعسفا الطريق إلى برقعيد ونزلا منها إلى دجلة وانحدرا في سفينة. ودخل أصحاب داود عليه بعد ساعة فوجده طريحاً قتيلاً ولم يجدوا ابن الباهلي فعلموا أن الفعل له ومضى قوم من الفرسان يتبعون أثره في الطريق المؤدية إلى الموصل فلم يجدوه فأخذ من كان معه من الحمدانية فقتلوا صبراً ومضت على ذلك السنون وقتل ابن الباهلي بالكوفة قتله بنو عقيل.

وقد قيل «كل قاتل مقتول» وهو أسهل الأمرين لأن ما جاء من الوعيد في القرآن وفي الآثار عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لمن قتل نفساً بغير حق مع ما يلقاه في الدار الآخرة أشد نكالاً وأعظم عقاباً وأدوم عذاباً نسأل اللّه تعالى العفو والعافية في الدنيا والآخرة.

وذكر أبو الحسن محمد بن عيسى الهيتي قال: أخرجت إلى هيت لتقرير ارتفاعها وارتفاع الأنبار على أبي العلاء الحسن بن محمد الأسكافي فورد علينا في بعض الأيام كتاب من عضد الدولة عضد الدولة يرسم فيه المسألة عن أعرابي من بني عقيل تناول شيئاً من بعض زواريق المعادن والمطالعة باسمه وحاله. فأحضرت الملاحين وسألتهم عن هذه الحال فلم يعرفوها فكتبت بذلك وورد الجواب بأن نزيد في البحث فلم أزل أتعرف وأسأل كل

واحد حتى ذكر لي بعض الملاحين أن فلاناً العقيلي اعترض سفينة من سفن المعادن وهي مصعدة والتمس من بعض المدادين قطعة من شاروفة فأخذها قهراً من صدره وأنه لم يجر سوى ذلك فأحضرنا المسيب بن رافع وطالبناه بالأعرابي فقال: ما تريدان منه. فأعلمناه أن الملك طلبه. قال أبو الحسن الهيتي. وكان بيني وبين المسيب أنسة ومودة فأقسم على أن أطلعه على الصورة فذكرتها له فانصرف واجماً وغاب عنا يومين ورجع ومعه جماعة من أهل المطلوب وبني عمه وسألونا الإمساك عنه وانتهى الأمر فيما بيننا وبينهم إلى أن تصححوا ذنبه. قال أبو الحسن: فلم أتجاسر على مكاتبة عضد الدولة بذلك وكتب به أبو العلاء وعنده أنه قد أثر أثراً منه فعاد الجواب إليه بإنكار ما كان منه في قبول ما قبله من المال وإطماع القوم في الرضاء عنهم وأن الغرض حسم مواد الفساد في الطرق وقيل له فيما خوطب به: لولا أنها أول جناية لك لأنفذنا من يحسن تقويمك وتأديبك. وكوتبت أنا بالتماس الأعرابي وأخذ المسيب بتسليمه وإطماعه وإطماع بني عمه في الصفح عنه إذا سلموه فأعدتُ خطاب المسيب والقوم في إحضار الرجل فأحضروه وسلموه فاعتقلته وكتبت بحصوله فورد الكتاب بأن أطالبه بالشاروفة التي أخذها فإذا أحضرها خنق بها في الموضع الذي أخذها منه وصلب ففعلت ذلك. ثم راسل عضد الدولة المسيب ووجوه بني عقيل بأنه! متى لم يضمن أكابركم أصاغركم ويلزموا عهدتهم ويضبطوا الطرق ويحموا مواد الفساد صرفناكم من ممالكنا. فحملهم الخوف على العبور إلى الجانب الشامي وأوغلوا في البرية.

ومن العجب من حسن سياسة عضد الدولة إطماع المطلوب في الصفح عنه إذا حضر وإطماع بني عمه في مثل ذلك إذا أحضروه ثم الغدر به بعد تسليمه. قال اللّه تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللّه غَفُورٌ رَّحِيمُ [المائدة: 34] واستجابة الرجل إلى الحضور طمعاً في الأمان قبل القدرة عليه هو توبة فالغدر به بعد بذل الإطماع في العفو قبيح إن كان ما ذكر في هذه القصة صحيحاً.)ومن بعض توصله ما وجدنا في عين التاريخ وهو أن عضد الدولة أنفذ أحمالاً من الأمتعة إلى مكة مع تجار أو حاج فلما انتهوا إلى بعض الطريق عند بعض أحياء العرب خرج عليهم قوم منهم فقطعوا عليهم فقال المأخوذ: هذه الأحمال لعضد الدولة الملك. فسبوه عند ذكره وعاد المأخوذ إلى حضرة عضد الدولة وحكى ذلك. فتقدم بعمل شيء كثير من الحلاوات المسمومة وأعاد المأخوذين وأصحبهم أمتعة وجعل تلك الحلاوة المسمومة في جملتها وقال::: تعمدوا لقاء القوم فإذا وقعوا عليكم فقولوا «إن هذه الأمتعة والحلاوات أنفذها عضد الدولة لفقراء مكة» فإذا أخذوا الأحمال فعودوا لوقتكم. ففعلوا ذلك وصادفوا القوم فأخذوا ما صحبهم وأكلوا من تلك الحلاوات فهلكوا.

فإن كان هذا الخبر صحيحاً فإنه كيد يأباه كل ذي دين ويأنف منه كل سلطان مكين فذو الدين يراه من أعظم الآثام وذو السلطان يراه عجزاً وضعفاً في الانتقام. وفيه تغرير نفوس من لا ذنب له فهل كان يأمن أن يأكل من ذلك النساء والولدان ومن عسى أن ينزل بالحي من ضيف بريء الساحة قال اللّه تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الإسراء: 15].واستفتى رجل ابن عباس رضوان اللّه عليه في قتل أولاد المشركين فقال: إن علمت منهم ما علمه الخضر (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الغلام الذي قتله فاقتلهم إيجاباً للحجة عليه بأنه لا يجوز له قتل من لم يبلغ الحلم منهم.)ومن غريب مكايده التي تتداولها الألسن ما كاد به طائفة من القفص والبلوص حين أوغل في بلاد كرمان لتنظيفها منهم فإنه انتهى إليه أن قوماً منهم بيوتهم من وراء جبل بحيث لا يمكن الوصول إليهم إلا بعد سلوك مضيق إذا وقف فيه عدد قليل منع عسكراً كثيراً فلما أيس من الوصول إليها بالقوة أعمل الفكر في الحيلة وراسلهم بأني لا أنصرف عنكم إلا بأتاوة. فقالوا: ما لنا مال نؤديه إليك. فقال: أنتم أصحاب صيد وأريد من كل بيت كلباً. فهان عليهم ذلك فأنفذ من عدّ فأخذ بيوتهم منهم كلابا بعددها. ومن شأن الكلب أن يلوذ بصاحبه ويبصبص له وحوله. ويحتك به ويألف بيته حتى أنه إذا أفلت من فراسخ كثيرة عاد إلى مريضه. فأمر بأن يشد في أعناقها حلق النفط الأبيض وتجتمع عند مضيق الجبل ثم تضرب النار في النفط ويخلى سبيلها ويتبعها العسكر ففعلوا ذلك وأسرعت الكلاب عدواً وأحس القوم بركوب العسكر فلقوهم في المضيق وطلب كل كلب صاحبه لائذاً به من حرق النار فكلما احتك بالرجل أسرت النار إليه وأفرجوا عن الطريق والكلاب تتبعهم وتعدّت النار إليهم فاحترق عدد كثير منهم. وهجمت الكلاب على البيوت فخلا أهلها وأسرع العسكر وراءهم ووضعوا السيف فيهم واستأصلوا شأفتهم.فأما ما أقامه من الهيبة وأودعه صدور الرعية من الرهبة فإنه كان قد منع كل واحد من حمل السلاح بالحضرة إلا من كان مستخدماً في المعونة أو مرتبطاً في جملة الرجال المرتزقة فإن وجد مع غيرهم سلاح أخذ وحبس وألزم جناية وحظر أيضاً أن يضرب واحداً واحداً أو يمد إليه يده فمن فعل ذلك أخذ وعوقب وحبس وأغرم فكانت أيدي الناس مقبوضة. قال صاحب التاريخ: وإنني لأذكر في درب أبان من الجانب الشرقي وأبو إسحاق جدي إذ ذاك في الاعتقال وكان في هذا الدرب رجل شيرازي رث البزة يذهب في أمره مذهب التطايب ويضحكنا إذا جلس معنا فبينما هو في بعض الأيام قاعد مع والدي على باب دارنا ومعنا رجل يعرف بابن مواتة من أولاد الشهود والجيران إذ اجتاز بائع رمان فدعاه ابن مواتة وسامه وجرى بينهما ما رفع له ابن مواتة يده فلطمه.

فقبض الرجل الشيرازي يده على كم ابن مواتة وقال: قم إلى دار الملك. قال له: أصنع ماذا ؟ قال: أطالع بما فعلته من لطم الطواف ويؤخذ بحقه منك ثم يجري حكم السياسة فيك. لقد مات ابن مواتة خوفاً وجزعاً وعطف والدي على الشيرازي يسأله الإمساك والطواف يقول عندما شاهده من الحال: قد وهبت وسامحت. وهو يقول له: إذا وهبت حقك وهب السلطان حقه. ويقول لوالدي: لا أتمكن من الإمساك لأن خبرنا قد رفع الساعة إلى الحضرة وإذا أمسكت صار لي ذنب أهلك به وتنقطع معيشتي وأنا أرتزق رزقاً سلطانياً على نقل هذه الأشياء. وانتهت الحال إلى أن قبل والدي وابن مواتة يده فخلى عنه وقال: قد دخلت معكم في خطر أسأل اللّه تعالى السلامة منه. وصرنا بعد ذلك نخافه ونرهبه. وكان معلمو الصبيان موافقين على أن يسألوا أولاد الجند الذين في مكاتبهم عن أمور آبائهم ومتصرفات أحوالهم في منازلهم ويكتبون بذلك إلى ديوان البريد ولهم على ذلك رزق دار.## ذكر حيلة لطيفة عادت بإقامة هيبة عظيمة بين رعية بعيدة خبر الحلاويكان أحد جواسيس عضد الدولة العائدين من مصر ذكر لعضد الدولة في جملة ما أخبر به أنه تقدم إلى شيخ حلاوي في زقاق القناديل بمصر فدفع إليه درهماً تاجياً ليبتاع به شيئاً مما بين يديه فردّه عليه وتنازعا فيه فشتمه وشتم الآمر بضرب الدرهم وأنه سأل عن اسم الحلاوي حتى عرفه وسماه. قال أبو عبد اللّه بن الحسين بن محمد الحلاوي الموصلي: بينما أنا في منزلي في بعض الليالي إذ طرق بابي نقيب ومعه نفاط فجزعت منه وخرجت إليه فقال لي: ابن محمان يستدعيك. فمضيت معه إليه فلما حضرت بين يديه وجدت عنده فراشاً من دار عضد الدولة فقال لي: إن مولانا سأل عن صانع حاذق فوصفت له ورسم إنفاذك إلى الدار فصر مع هذا الفراش إليها. فقلت السمع والطاعة. فنزلنا سمارية من سماريات النوبة كانت مقدمة في المشرعة وانحدرنا وصعدنا إلى الدار فوقفني في الصحن ودخل ثم خرج فأدخلني إلى الحجرة التي في ظهر القبة الخضراء وإذا عضد الدولة جالس وشكر قائم فلما رأيته قبلت الأرض مراراً فقال الملك: قد أزعجت فلا بأس عليك وما دعوناك إلا لخير. فقبلت الأرض ثم قال: قد احتجنا إلى استخدامك في أمر تنفذ فيه إلى الموصل وتقدمنا بإطلاق نفقة لك تخلفها لعيالك فخذها من أبي الثناء (يعني شكراً فقلت: السمع والطاعة. فقال: انصرف وانظر في أمرك وادفع النفقة إلى أهلك ولا تعرض أنت لأخذ شيء منها فما بك في طريقك حاجة إليها. فخرج شكر وأعطاني عشرين ديناراً وانصرفت بها إلى أهلي وذكرت لهم الصورة ووصيتهم بما أريد. فلما كان بما أريد فلما كان من غد آخر النهار وحضر من يستدعيني فصرت معه إلى)

الدار ووصلت إلى حضرة عضد الدولة بين العشاء والعتمة فقال لي: اخرج في هذه الساعة مع من نسلمك إليه إلى مصر فإذا حصلت بها فاقصد باب الجامع وسل عن منير الخادم الأبيض فإنه يكون هناك يبيع الفراخ المسمنة وهو معروف فإذا رأيته فقل له: «صديقك يقرئك السلام» فسيقوم من موضعه ويمشي فاتبعه إلى منزله فإذا دخلت فانزع ثياب سفرك التي عليك والبس الثياب التي يسلمها إليك وخذ منه ما تريده لنفسك واقصد بعد ذلك زقاق القناديل فإنك سترى شيخاً حلاوياً اسمه كذا ويعرف بكذا فاسأل عنه لتتحقق أنه هو ثم اجلس عنده فاذكر له صنعتك ومعرفتك بأمر الحلواء وتوصل إلى أن تعمل عنده من يومك والزمه وخفف مؤنتك عليه وإن دعاك إلى منزله فامض معه فإذا عملت معه خمسة عشر يوماً أو أكثر وعرفك الناس واشتهر عنك جودة الصنعة فاستأجر بإزاء دكانه دكاناً وابتع ما تريده من آلة ومتاع واستدع ثمن ذلك من منير الخادم فإن زبون الحلاوي سيعدل إليك ويقف أمره ويسألك الشركة فإذا سألكها فأجبه إليها وشاركه وأقم فيها معه شهراً. ثم أظهر له شوقك إلى بغداد وإلى عيالك الذين بها وصفها عنده وعظم الكسب بها في عينه وابعثه على الخروج إليها وعده المواعيد الكثيرة فإن احتج عليك بأهله وولده فقل له: «معي دنانير وأنا أدفعها إليك لتجعلها نفقة لهم مدة غيبتك عنهم» واعلمه أنك تفعل ذلك إيثاراً لصحبته وأنه إذا حصل ببغداد أنزلته دارك وجعلته في دكانك وأعطيته قسماً وافراً من الربح مما تتجر فيه من مالك فإن أحب بعد ما يشاهده المقام أقام وإن آثر العود إلى مصر زوّدته من طريق العراق ما يعود به إلى أهله واجهد في حمله معك إلى حضرتنا واخدم في ذلك خدمة تحظ بحسن العاقبة فيها وتناول من منير ما تحتاج إليه لنفسك وله واحفظ السر واحترس من حيلة تتم عليك واجتز على طريق الموصل في عودك. فلما سمعت ذلك كله قلت: السمع والطاعة وأرجو أن يوفقني اللّه لما أهّلت له. فأخذ شكر بيدي وعدل بي إلى موضع ونزعت ثيابي وألبست مبطنة ودفعت إليَّ عشرون ديناراً وقال: هذه نفقة طريقك. ثم استدعى أعرابياً اسمه حسان جالساً في الصحن وسلمني إليه وقال له: هذا الرجل فاحفظه وأوصله إلى حيث وقفت عليه. فأخذ الأعرابي بيدي ونزلنا فجلسنا في سمارية من سماريات النوبة وصعدنا باب خراسان ومشينا إلى وجه الجامع فإذا هناك أربعة أجمال ورجلان من العرب وركبا وركب الأعرابي وركبت وسرنا وما زلنا من موضع إلى موضع آخر حتى وصلنا إلى مصر في سبع وعشرين ليلة فحطني القوم وقال لي صاحبي منهم: امض في حفظ اللّه وهات علامة بوصلك. فقلت: العلامة إن مولانا قال لي: «إذا عدت فخذ على طريق الموصل» ولا واللّه ما سألوني من أنا ولا في أي شيء توجهت.وقصدت باب الجامع فإذا الخادم الأبيض فسلمت عليه وقلت له ما وصیت به

فرحب بي ونهض معي في الحال إلى منزله ونزع ثيابي وأعطاني ثياباً نظافاً من عنده. وجرى الأمر مع عضد الدولة مدة مقامي بمصر على ما كان مثله عضد الدولة حتى كأنه حاضر معنا وما زلت أرفق بالحلاوي وأعده وأمنّيه حتى أجاب إلى الخروج. فعدت إلى الخادم وودَّعته ونزعت الثياب التي أعطانيها ولبست المبطنة التي وصلت بها وأخذت نفقة وتوجهت أنا والشيخ الحلاوي معي وما زلنا ننتقل من مكان إلى مكان حتى وصلنا الموصل وأقاربي بها فنزلنا عند بعضهم. واستأجرنا في كورة البريد وما زلنا ننتقل إلى أن وصلنا إلى بغداد وانحدرنا إلى منزلي والشيخ معي لنجدد الوضوء ونصلي ونعبر. فما استقررت حتى حضر نقيب من الدار يستدعيني ومن معي فعجبت من ذلك وكان صاحب الخبر قد كتب يخبرنا فبادرت ومعي الشيخ وعبرنا إلى الدار وجلسنا في موضع منها إلى أن خلا وجه عضد الدولة. ثم أدخلت والشيخ معي وقد طار لبه وعظم رعبه اللّه وهو يحتسب عليّ وأنا أسكن منه وقد تداخلني له الرحمة الشديدة وعدل بي إلى موضع فيه شكر فنزعت ما كان عليّ من الثياب وأنا أراها قد أخذت وحملت إلى حضرة الملك فأعطيت ثيابي التي نزعتها عند خروجي ومثلت بين يديه أنا والشيخ فقال: كيف جرى الأمر؟ قلت: كما مثله مولانا. قال للشيخ: أأنت فلان بن فلان الحلاوي؟ قال: نعم. قال: لا تخف وإن كنت قد أسأت إلى نفسك وجسمتها السفر عن منزلك بالفضول من قولك وفعلك. فبكى الشيخ بكاء شديداً فتركه قليلاً ثم قال: يا هذا هبك رددت الدرهم الذي من ضربنا ولم تحب أخذه من الرجل الغريب الذي وقف بك فما بالك شتمته وشتمت الذي أمر بضربه؟ ولولا أن في تأديبك والفتك به وأنت شيخ غريب ولعل وراءك من يتوقعك ومادته منك بعض الإثم واللوم لأمرنا بتقويمك لكنا تهب جنايتك لمن خلفك من عيالك وقد تقدمنا بإطلاق نفقة لك تردك إلى بلدك فلا تعاود مثل ما كان منك وتحدث في بلدك تصفحنا عنك وعن جرمك ومنتنا عليك. فبكى الشيخ حتى كاد يموت ولم يكن له لسان يجيب به وخرجنا وأعطاني شكر عشرين ديناراً وقال: اصرفها في نفقتك وأعطى الشيخ دنانير وحملته إلى منزلي وأكرمته واستأجرت له ما ركبه في بعض القوافل إلى الموصل. فذكر أن الشيخ لما عاد إلى مصر تحدث بحديثه وشاع ذلك هناك فكان الغريب إذا جلس إلى بعض أهل البلد صاحوا الحذر الحذر. فتمسك الناس عن ذكر عضد الدولة وقال الحسين الحلاوي: كانت في المبطنة التي لبستها ملطفات وما علمت بها إلا بعد عودي.وأما ذكر مراعاته للقوانين وحفظها في الأحوال جميعاً فإنه كان لا يعول في الأمور إلا على ذوي الكفايات ولا يقضي فيمن لا غناء عنده حقوق ذوي الشفاعات ولا يجعل لمن حوله من ذوي المناصب ولا لأحد من الأقارب والأباعد مساغاً في الجنس

المفوض إلى كل فرقة منهم ويجري الأمر في ذلك على أحسن نظام ويزمه بأحسن زمام. قال أبو محمد الحسن بن أبي الفرج بن مسلمة الشاهد قال: أحب أبو العباس محمد بن نصر بن أحمد بن مكرم الشاهد أن تقبل شهادة أبي يعلى محمد ابنه وكان أبو عمر محمد بن عبد اللّه بن أيوب القطان صهره على ابنته ومعاملاً لأبي زهير أسفار بن کردویه و مختصاً به. وقال أبو العباس به وقال أبو العباس لأبي عمر: أنا أعلم نبوك عن أنا أعلم نبوك عن أبي يعلى ابني لما تنكره من أخلافه وقد أحببت أن تقبل شهادته وشرعت في أخذ الخطوط بتزكيته وهذا أمر هو في يدك فإن ساعدتني عليه مشى وإن وقف فما يقف إلا بك. فقال له: واللّه لا تركت ممكناً. فقال أبو العباس: القائد أبو زهير كثير القبول منك قليل الخلاف عليك وإن خاطب عضد الدولة على ذلك مع حصول التزكية لم يقع امتناع عليه فيه وأريد أن تجعل هذه الحاجة أكبر حوائجك إليه. فقال: افعل. قال أبو عمر: فدخلت إلى أسفار وقلت له يا صاحب الجيش قد خدمتك الخدمة التي وجب بها الحق لي عليك ولي حاجة فيها قيام جاهي في البلد قد جعلتها ثمرة أملي فيك. فقال لي: ما هي؟ فقلت: أبو العباس يريد أن تقبل شهادة أبي يعلى ابنه واستشفع بي إليك في خطاب عضد الدولة. فقال: افعل وقد جرت العادة فيما بيني وبين الملك بأن أراسله فيما أريده على لسان ثقة. وأحضر الرجل الذي أشار إليه فحمله في ذلك رسالة استوفاها فمضى وعاد وقال: يقول لك الملك: ما لك وللخطاب في مثل هذا الأمر؟ قال أبو عمر: فاستدعاني أسفار حتى سمعت الجواب فقلت: يا صاحب الجيش واللّه ما يقبل مني أبو العباس ذلك ولا يقدر إلا أني قد قصرت في علمه بموضعي منك مسألتك مع منك وموضعك الملك وأنك لا ترد في الكبير فضلاً عن الصغير. فقال: ما جرت لي عادة بمعاودته ولكني أعاوده بعد أيام. ومضت على ذلك مديدة فأعاد الرجل الرسالة وجدد السؤال فعاد مثل الجواب الأول. فأظهرتُ الوجوم والانكسار ومضت أيام وهو يراني كاسف البال فقال لي: يا أبا عمر قد عملت على الركوب إلى الدار في غد. ووصل إلى حضرة عضد الدولة ووقف ساعة ثم قال: قد راسلت مولانا في أمر أبي يعلى بن مكرم دفعتين وعاد الجواب يرسم فيه الإمساك ولي في تمام هذا الأمر جاه والقوم الذين سألوني في ذلك في اختلاط وأمل قوي ومتى وقف انكسر جاهي عندهم وعند الناس. فضحك وقال: يا أبا زهير ما لك وللخطاب في مثل هذا وفي الشهادة والشهود؟ إنما يتعلق بك الخطاب على زيادة قائد أو تقويد خاصة نقل رتبة إلى رتبة فأما قبول الشهادة فليس لنا ولك قول فيه وهو متعلق بالقضاة ومتى عرفوا من إنسان ما يرون معه قبول شهادته فعلوا ذلك بغير أمر ولا شفاعة شافع إليهم وإلينا وإذا أقمت عذر نفسك عند من سألك بمثل ما قلنا لك عرف صحة ذلك. وانصرف أسفار بهذا الجواب وحدث أبا عمر به ووقف الأمر في قبول شهادة أبي يعلى إلى أن توفي عضد الدولة.

وأما ما ذكر من صدقاته ومبرّاته وما تأدى ذلك من فضل احتياطه ومراعاته فإنه كان يخرج عند افتتاح مال كل سنة شيئاً كثيراً في البر والصدقة ويكتب إلى العمال في النواحي بتسليمه إلى قضاتها ووجوه أهلها ليصرفوه إلى ذوي الحاجة والمسكنة قال أبو نصر خواشاذه: أعطاني عضد الدولة في بعض الأيام توقيعاً على أنه بثلاثين ألف درهم للصدقة ورسم وزن ذلك وتفرقته بحسب ما جرت به العادة وكان قد غلط وكتب «يخرج من الخزانة ثلاثون بدرة للصدقة» فرددته وقلت: يا مولانا المال ثلاثون ألف درهم والتوقيع ثلاثون بدرة فقال أرنيه، فقال: لن أعود فيها فأخرجها فأخرجتها فأطلقت فيالصدقات.وقد شوهد في كثير من تذاكيره وما كان يوقعه في تقاويمه «نذرنا للأمر الفلاني كيت وكيت وكذا وكذا ألف درهم للصدقة» في مواضع كثيرة فكان لا في مواضع كثيرة فكان لا يهم بعزم ولا يكون في سرور أو هم وهو يقدم نذراً أما في السرور فلكماله وأما في الهم فلزواله وذلك مبني على جميل اعتقاد وحسن يقين وصحة إيمان وإقرار بالمعاد.وكان يطلق للكتاب والعمال المتعطلين إذا شكوا أحوالهم وقصورهم أو اطلع على ذلك منها ما ينسب إلى الأسلاف التي لا يحاسبون بها عند استعمالهم واستخدامهم. وكان المستخدمون يستسلفون من أبي يعلى سليمان بن الحسن الناظر في التمور والأمتعة البصرية على ما يسبّب به أرزاقهم ما يأخذون به منه التمر وما يجري مجراه يفضل في ثمنه فيرغب الطالب في الأخذ للحاجة والاتساع بالسلف ويرغب المعطي في الأسلاف للزيادة في الأثمان والفائدة مردودة للسلطان. وتوفي عضد الدولة وعلى المتصرفين والمتعطلين من هذه الأسلاف مال جزيل كثير. وبإزاء ذلك من احتياطه ما ذكره أبو نصر خواشاذه قال: حضر نیروز وأراد أن يقطع عضد الدولة فيه قباء سقلاطون يجلس فيه للتهنئة فقال لي: احضر من الخزانة ثوباً يصلح للقباء. فمضيت فاخترت منها ثوباً حسناً مستعملاً فجئته به فلما وضعته بين يديه تأمله وأخذه ورماني به وقال: ليس من هذا طلبت. فظننت أنه قد استرذله وأراد ما هو أرفع منه فعدت وأخرجت من بابة أخرى ما هو أجود منه فأحضرته فلما ملا عينه منه قال لي: يا أعمى القلب ليس من هذا. فبقيت متحيراً لا أدري ما أصنع ورجعت إلى الخزانة فقال لي أبو نصر بندار: ما لي أراك ضيق الصدر وقد أخذت ثوبين ورددتهما. فعرفته الصورة فضحك وقال لو أعلمتني لكفيتك ما اشتغل قلبك به. وقام وفتح سفطاً فيه ثياب سقلاطونيات متقاربات يسوي الثوب منها خمسة دنانير وأخذ ثوباً واحداً منها فتركه بين يدي وقال: احمله إليه فإنه يرضيه. فأخذته وحملته فلما وضعته بحضرته وشاهده وأدخل يده فيه وقلبه قال: هذا جيد. فتقدم بقطعه وإعداده ولبسه في يوم ذلك الفصل ووهبه لبعض الديلم. فأما محبته للعلوم وتقريب أهلها فإنه كان يكرم العلماء أوفى إكرام وينعم عليهم

أهنأ إنعام ويقربهم من حضرته ويدنيهم من خدمته ويعارضهم في أجناس المسائل ويفاوضهم في أنواع الفضائل فاجتمع عنده من كل طبقة أعلاها وجنى له من كل ثمرة أحلاها وصنفت في أيامه المصنفات الرائقة في أجناس العلوم المتفرقة فمنها كتاب الحجة في القراآت السبع وهو كتاب ليس له نظير في جلالة قدر واشتهار ذكر ومنها كتاب الإيضاح في النحو وهو مع قلة حجمه يوفي على الكتب الكبار التي من جنسه في قوة عبارة وجودة صنعة وحكى أبو طالب أحمد بن بكر العبدي صاحب كتاب شرح الإيضاح إن عضد الدولة كان ضنيناً بهذا الكتاب محباً للاختصاص بقراءته دون كل أحد وإن رجلاً توصل إلى كتبه بخطه بحيلة فأمر عضد الدولة بقطع يده لنفاسة الكتاب في نفسه وحلاوته في قلبه حتى سئل في أمره فعفى عنه. ومنها الكناس العضدي في الطب المؤلف في أيامه. الموفي على غيره بياناً وحسن ترتيب وكمالاً وغير ذلك من المقالات الرياضية والرسائل الهندسية.وأما ما عمله من الآثار الجميلة فإنه جدد بفارس وخوزستان منها ما هو باقي الأثر عند الناظر شائع الخبر عند السامع. وعمد إلى مصالح بغداد فأوجدها بعد العدم وأعادها إلى ريعانها بعد الهرم واستدر أفاويق الأعمال بعد أن كانت متصرمة واستمد ينابيع الأموال بعد أن كان مستهدمة وفعل في تجديد العمران وبناء البيمارستان ووقف الوقوف الكثير عليه ونقل أنواع الآلات والأدوية من كل ناحية إليه ما يدرك العيان بعضه إلى الآن. وعمل السكور وأنفق فيها الأموال وأعد عليها الآلات ووكَّل بها الرجال وألزمهم حفظها بالليل والنهار وراعى ذلك منهم أتم مراعاة في آونة المدود الجوارف وأزمنة الغيوث الهواطل وأوقات الرياح العواصف. فقيل إنه لما سدَّ المطهر بن عبد اللّه بثق السهلية رتب عليه إبراهيم المعروف بالأغز وأمره بالمقام عليه ومواصلة تعليته إلى حين انقضاء المدود. قال إبراهيم: فأقمت على هذا السكر زماناً طويلاً والرجال معي وشقيت شقاء طويلاً وكان لي منزل بجسر النهروان وبيني وبينه مدى قريب فكنت لا أتجانبه على الإلمام به ولا على دخول الحمام إشفاقاً من أن يكتب صاحب الخبر بجسر النهروان بخبري. فلما مضت المدة الطويلة على هذه الجملة من حال عصفت ريح في بعض الليالي وورد معها مطر شديد فدخلت القبة المبنية على السكر أستتر بها من الريح والمطر واجتهدنا في أن نشعل سراجاً فلم يدعنا عصوف الريح وضجرت وضاق صدري ونازعتني نفسي أن أقوم فأمضي في الظلمة إلى جسر النهروان وأبيت منزلي وأعاود بكرة موضعي. فبينما أنا في ذلك وقد حققت عزمي عليه إذ سمعت كلاماً على باب القبة فقلت: لغلامي: انظر ما هو. فخرج وعاد وقال: إنسان على جمل قد أناخ عندنا ودخل الرجل وسلم فرددت عليه وقلت للغلام: اشعل سراجاً. فقدح

وأشعل وجاء بالنار في نفاطة فإذا الرجل من خواص عضد الدولة عربي قد ورد من بغداد فقلت له: ما تشاء. فقال: استدعاني الساعة الأستاذ شكر وقد خرج من حضرة الملك فقال: أمر مولانا وإن تمضي على جمازة وتقصد سكر السهلية وتدخل إلى القمة التي على ظهر المروحة فإن وجدت إبراهيم الأغرَّ هناك فاعلمه أننا نجازيه على خدمته وطول ملازمته وادفع إليه هذا الكيس ففيه ألف درهم ليصرفه في نفقته وإن لم تجده وكان قد دخل إلى داره بجسر النهروان فاقصد واهجم عليه في منزله وخذ رأسه واحمله. واترك الكيس بين يدي وقال: احمد اللّه على ما كفاك إياه. وعاد من وقته فبقيت حيران وعزمت على نفسي إلا أدخل جسر النهروان.## وأما ذكر ما رتبه في تربية أولاده ودبر به دار مملكته بفارس عند غيبته عنهافإن له من محاسن التدبير في أمثلته التي مثلها لأصحابه في تذاكير وجدت له ما يدل على علو همته وحسن سياسته في تربية أولاده وقسمة أيامهم بين آداب البراعة والشجاعة وأوقات الجد واللعب والاقتصاد فيما يجري بينهم من الترافه والتهاجر وتهذيب من يلوذ بهم ويكون في جملتهم فإن الأخلاق بالممازحة تعدي وبالمجاورة تسري. وترتبت الأمور بدار مملكته بفارس في حال غيبته بالعراق وغيرها لتجري على السداد وتستمر على الاستقامة والاطراد فكان إذا بعد عنها بجثمانه لم يبعد عنها بسلطانه كالشمس التي يبعد جرمها عن العالم وضياؤها فيه.موجود والقليل من ذكر سيرته ينبئ عن الكثير فنجنب الإطالة والإكثار إذ قد شرطنا الاقتصار والاختصار.ونذكر الآن طرفاً مما رواه صاحب التاريخ من أخبار أضافها إلى جملة محاسنه وهي بضدها أشبه فأفردناها عنها إذ لا تستوي الحسنة ولا السيئة ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور.## ذكر الرسوم التي أحدثها عضد الدولةزاد في المساحة واحداً في عشرة بالقلم وأضافه إلى الأصول وجعله رسماً جارياً واستمر إلى هذه الغاية في جميع السواد. وأحدث جنايات لم تكن ورسوم معاملات لم تعهد وأدخل يده في جميع الأرجاء وجبى ارتفاعها وجعل لأهلها شيئاً منه وكثرت الظلامة من ذلك. في آخر أيامه... (وإن اللّه لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد: 11]... فأزاله صمصام الدولة بعده وأطلق الارتفاع للملاّك. وجعل للمراعي وفرائض الصدقات ديواناً وأفرد له عمالاً وكتاباً وجهابذة فارتفع من أعمال السواد ما زاد على ألف ألف درهم في السنة. وأدخل يده في وقوف السواد ورتب لها ناظرين)

متصرفين وقرر لأربابها إجارة تطلق لهم عنها فتحصل منها جملة كثيرة وصارت في المقبوض وخرجت في الإقطاعات من بعد ذلك. وقرّر على أسواق الدواب والحمير والجمال عما يباع فيها من جميع ذاك وفعل في ضرائب الأمتعة الصادرة والواردة ما زاد فيه على الرسوم القديمة وحظر عمل الثلج والقزّ وجعلهما متجراً للخاص وكانا من قبل مطلقين لمن يريد عملهما والمتجر فيهما.ولعل صاحب التاريخ قصد بإيراد هذه الأخبار في محاسنه الفضيلة في إقامة وجوه المال واستنباط ينابيعه. ولا خير في مال يسيء ذكراً ويحبط أجراً وكلما يجمع من أشباه تلك الوجوه فإنه جمع تُبديد وما يشرب من أمثال هذه المناهل فإنه شرب تصديد والخبر المشهور المروي عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ قوله: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة».)## ذكر أخبار ضبط مسرف لا يليق بملكحدث أبو علي بن مكيخا صاحب ديوان الخزائن قال: سأل عضد الدولة في بعض الأيام وقد صادفت منه طيب نفس وإقبالاً على زيادة في عادته وذكرت له تضاعف مؤنتي وقصور مالي عن كفايتي فقال لي: أليس الموجب لك في كل شهر كذا وكذا ولك من رسم الكسوة كذا وكذا في الفصلين؟ قلت: نعم. قال: فأنت تحتاج لراتبك ومؤنك وغلمانك ودوابك إلى كذا وكذا فما وجه الاستزادة هذا فأنت تأكل في كل أيامك مع أبي منصور نصر بن هارون. فقبلت الأرض وتأخرت فإذا هو يحاسبني ويعتد عليَّ بما آكله على مائدة أبي منصور.وحكى أبو علي أيضاً أن عضد الدولة رأى له يوماً بغلة بمركب حديد ثقيل فتركه مدة وقبض عليه وألزمه مالاً فعرض في جملة ما يبيعه من رحله دست ديباج كان له وبلغ عضد الدولة خبره فاستدعاه ليشاهده ويحتسب له بما يقوم به قال أبو علي: وقد كنت أعطيت فيه ألفاً وخمسمائة درهم فقال: احتسبوا له بألف ومائتي درهم. فقلت: قد دفع به ألف وخمسمائة درهم وثمنه عليَّ أكثر من ذلك. فغاظته هذه المراجعة وتقدم إلى الخادم بأن يسلَّم إليَّ دستا دونه بكثير إلا أنه شبيه به فأخذته ولم يمكني أن أقول شيئاً في أمره فاجتهدت أن يحتسب لي بألف ومائتي درهم المبذولة فقال: لا حاجة بنا إلى دسته. وكان قصاراي أن بعتُ هذا المسلم بتسعمائة درهم.وحدث أبو الحسن رستم بن أحمد قال: استكتبني عضد الدولة لأبي جعفر الحجاج بن هرمز عند وروده من دیلمان ورسم لي أن أعمل تذكرة بما يحتاج إليه راتبه في كل يوم ونفقاته في كل شهر فعملت وأحضرت التذكرة وكان فيها رطلية شمع في كل ليلة فوقف عليها ونقص كثيراً منها وزاد في أبواب وقال: رطل شمع في كل ليلة سرف وينبغي

أن يكون في كل أسبوع رطلية وأن يواقف الفراش على أن يتركها في تورها وتقدم بين يديه المنارة عليها سراج بفتيلتين فإن حضر من يحتشم رُفعت وأحضر التور والشمعة فأوقدت فإذا انصرف شيلت وأعيدت المنارة فقلت: السمع والطاعة وجرى الأمر على ذلك.وحدث أبو الحسن علي بن أبي علي الحاجب قال: كان لعضد الدولة فرجية سقلاطون مبطنة بقماقم فكان يلبسها كثيراً في الطريق بين بغداد وهمذان. وكان أحد الديلم قد أغرى بطلبتها وواصل المسألة في بابها وعضد الدولة بعده ويدفعه حتى زاد لجاجه فعارضه يوماً في موكبه وقال: يا مولانا قد طال الوعد بهذه الفرجية وأسأل إنجازه اليوم. فاغتاظ وقال: نعم وكان يمشي في ركابه أصحاب الركاب ومن جانبه الأيمن أحمد بن أبي حفص وفي جانبه الأيسر ابن فارس فقال لهما سراً وأرسل كمي الفرجية: اقربا مني وافتقا البطانة من الظهارة واجذباها وسلماها إلى الوكبدار. ففعلا ذلك ونزل عضد الدولة وحضر الديلمي مذكراً فأخرجت إليه في الحال طاقاً بغير بطانة فبقى متعجباً وأخذها وأمسك.فلما خلا الملك استدعاهما وقال لهما: أنا أعلم أنكما فضوليان وكأني بكما وقد قلتما: «ما أشح هذا السلطان! طلب منه بعض خواصه فروة منذ أمد ودافعه بها فلما أراد عطاءها له أمره بكذا بخلاً بالبطانة» فقبلا الأرض وقالا: لا إله إلا اللّه يا مولانا إن تتصورنا بهذه الصورة. فقال: بلى أنتما كذلك فاعلما أن في جوانبنا من الثياب السقلاطون ما يمكننا أن نعم به عسكرنا لو أردنا أن نعطي جميعها وهذه البطائن الوبر قليلة وإنما تحمل إلينا منها في السنة من البلاد البعيدة الخارجة عن ممالكنا العدة اليسيرة ولو وهبنا لهذا الديلمي بطانة الفرجية لرفعناه إلى منزلة لا يستحقها لأنه أقل من أن يدفع إليه مبطناً ثم طلب منا غدا من هو أجل منه جبة مبطنة بوبر فخرج ما في خزائننا من هذا الجنس إلى نفر قليل.وقد ذكر أرسطاطاليس في رسالته المشهورة: إن الملوك ملك سخي على نفسه سخي على رعيته وملك شحيح على نفسه شحيح على رعيته وملك سخي على نفسه شحيح على رعيته وملك شحيح على نفسه سخي على رعيته فسابقهم إلى الفضل من كان سخياً على نفسه سخياً على رعيته وتاليه من كان شحيحاً على نفسه سخياً على رعيته وعضد الدولة كان كذلك إلا أن طلب الدرجة العليا أعبق بذوي الكرم وسبب الغاية القصوى أولى بأولى الهمم. ولعل بعض من يقرأ كتابنا يقول: «إما كان يسع طيّ هذا البساط وقطعه هذا الرباط فكم قد طوى من خبر ومحا من أثر» بلى ولكنا أردنا الخير وقصدنا النفع حتى إذا تأمل المتأمل ذلك وتلك الأحاديث الجميلة والأفاعيل الشريفة استلذ من طيبها واستروح من نسيمها إلى كل ما يهز أريحيته لفعل الخير وبناء

المجد وإطالة الذكر واقتناء الحمد. فإذا انتهى إلى ما قد ذكر أخيراً وجد من الكدر في المنهل والشرق بالزلال الذي شربه ما يحدّره إهمال اليسير من رياضة أخلاقه فيصفيها تصفية الذهب الخالص. والسعيد من تأدب بغيره والكمال عزيز في كل حال وقد قيل:لأسلم من قول الوشاة وتسلميسلمت وهل حي من الناس يسلم## ذكر وفاة عضد الدولة سامحه اللّهتوفي عن سبع وأربعين سنة وأشهر وعلته التي توفي بها مشهورة. ولم تكن أمثال هذا العمر عمله ولا في أضعافه أمله ولكن في خفاء مواقيت الآجال مشغلة بأكاذيب الآمال وما أحسن قول عدي بن زيد.ليس شيء على المنون بباقغير وجه المهيمن الخلاقذاك عضد الدولة سامحه اللّه أعجب بصحة عقله وفيه دهاء وهذا عضد الدولة البارسلان رحمه اللّه أعجب بقوة بأسه ومنه ليعلم أن البشر لا يملك شيئاً وأن الملك للّه الواحد القهار.و نورد ههنا كلمات قيلت عند وفاة عضد الدولة فيها حكمة بالغة وموعظة نافعة. ذكر أبو حيان التوحيدي في كتاب الزلفة أنه لما صحت وفاة عضد الدولة كنا عند أبي سليمان السجستاني وكان القومسي حاضراً والنوشجاني وأبو القاسم غلام زحل وابن المقداد والعروضي والأندلسي والصيمري فتذاكروا الكلمات العشرة المشهورة التي قالها الحكماء العشرة عند وفاة الإسكندر فقال الأندلسي: لو قد تقوّض مجلسكم هذا بمثل هذه الكلمات لكان يؤثر عنكم ذلك. فقال أبو سليمان: ما أحسن ما بعثت عليك أما أنا فأقول: لقد وزن هذا الشخص الدنيا بغير مثقالها وأعطاها فوق قيمتها وحسبك أنه طلب الربح فيها فخسر روحه في الدنيا. وقال الصيمري: من استيقظ للدنيا فهذا نومه ومن حلم بها فهذا انتباهه. وقال النوشجاني: ما رأيت غافلاً في غفلته ولا عاقلاً في عقله أنه مثله لقد كان ينقض جانباً وهو يظن أنه مبرم ويغرم وهو يرى غانم. وقال العروضي: أما إنه لو كان معتبراً في حياته لما صار عبرة في مماته. قال الأندلسي: الصاعد في درجاتها إلى سفال والنازل من درجاتها إلى معال. وقال القومسي: من جد للدنيا هزلت به ومن هزل راغباً عنها جدت له انظر إلى هذا كيف انتهى أمره وإلى أي حظ وقع شأنه وإني لأظن أن الرجل الزاهد الذي مات في هذه الأيام ودفن بالشونيزية أحفظهما. وأعز ظهيراً من هذا الذي ترك الدنيا شاغرة ورحل عنها بلا زاد ولا راحلة. وقال غلام زحل: ما ترك هذا الشخص استظهاراً بحسن نظره وقوته ولكن غلبه ما منه كان وبمعونته بان. وقال ابن المقداد: إن ماء أطفأ هذه النار. لعظيم وإن ريحاً زعزعت هذا الركن لعصوف. فقال أبو سليمان: ما عندي في هذا الحديث أحسن مما سمعت أبا إسماعيل

الخطيب الهاشمي لما نعاه على المنبر يوم الجمعة يقول في خطبته: كيف غفلت عن كيد هذا الأمر حتى نفذ فيك وهلا اتخذت دونه جنة تقيك. ماذا صنعت بأموالك والعبيد ورجالك والجنود وبخولك العتيد وبدهرك الشديد هلا صانعت من عجل على السرير وبذلت له من القنطار إلى القطمير من أين أتيت وكنت شهماً حازماً وكيف مكنت من نفسك وكنت قوياً صارماً من الذي وطأ علي مكروهك وأناخ بكلكله على ملكك لقد استضعفك من طمع فيك ولقد جهلك من سلم العز لك ! كلا ولكن ملكك من أخسرك بالتمليك وسلبك من قدر عليك بالتهليك إن فيك لعبرة للمعتبرين وإنك لآية للمستبصرين جافى اللّه جنبك عن الثرى وتجاوز عنك بالحسنى ونقل روحك إلى الدرجات العلى وعرفنا من خلفك خيراً وعدلاً يكثر من أجلهما الدعاء وثناؤنا عليك إنه على ذلك قدير وهو عليه بصير.## ذكر ما جرى عليه الأمر في قيام صمصام الدولة بالملككانت سعادة عضد الدولة قوية في أحواله حتى في موته فإنه انكتم أمره مع عظم قدره للسياسة التي قدمها في الأمور والهيبة التي أودعها بنات الصدور واختياره من الأصحاب كل من كان بحسن التدبير خبيراً وبخدمة الملوك جديراً فلما توفي أخفي خبره فأحضر الأمير أبو كاليجار المرزبان إلى دار المملكة كأنه مستدعى من قبل عضد الدولة فلما حضر أخرج الأمر إليه بولاية العهد والنيابة في الملك واستخلاف أخيه أبي الحسين أحمد بن عضد الدولة بفارس على أعمالها. وكتبت عن عضد الدولة كتب بذلك إلى كل صقع حسب العادة وضمنت ذكر القبض على أبي الريان حمد بن محمد وذم أفعاله واستدعاء أبي منصور نصر بن هارون إلى الحضرة ليقوم مقامه في أعماله وأنفذ مع كل كتاب نسخة يمين بالبيعة لتؤخذ على الأمراء والقواد وأتباعهم من الأصحاب والأجناد. وروسل الطائع للّه في ذلك وسئل كتب عهد له مقرون بالخلع والألقاب واللواء وإمضاء ما قلده عضد الدولة من النيابة عنه فأنعم بالإجابة ولقبه صمصام الدولة وشرفه بالعهد واللواء والخلع السلطانية وجلس صمصام الدولة جلوساً عاماً حتى قرىء العهد بين يديه وهناه بما تجدد لديه. ونظر أبو عبد اللّه بن سعدان فيما كان أبو الريان ينظر فيه من أمور الأعمال واستمرت الحال في إخفاء وفاة عضد الدولة إلى أن تمهد الأمر لصمصام الدولة.وفي هذا الوقت أزيل ما كان قرر على الأرحاء والطحون وأجرى الناس على رسومهم القديمة.وفيه خلع على أبي الحسين أحمد وأبي طاهر فيروز شاه ابني عضد الدولة للتوجه إلى شيراز وأعمالها وخرج معهما أبو الفتح نصر أخو أبي العلاء عبيد اللّه بن الفضل برسم النيابة عن أخيه في مراعاة أمرهما.

## ذكر ما جرى عليه أمرهمالما أفضى الأمر إلى صمصام الدولة قبض على الأمير أبي الحسين في الدار ببغداد ووكل به. وكانت والدته ابنة ملك الديلم وشوكة الديلم قوية فعزمت على قصد الدار متنكرة عند اجتماع الديلم فيها فإذا حصلت فيها استغاثت بهم وهجمت على صمصام الدولة وانتزعت ابنها منه. فعرف صمصام الدولة ذلك فخاف وراسلها رسالة جميلة ووعدها بالإفراج عنه وتقليده أعمال فارس وفعل ذلك ووافقه على المبادرة ليصل إلى شیراز قبل وروده شرف الدولة أبي الفوارس إليها وأزاح علته في جميع ما يحتاج إليه. فسار إلى الأهواز وعليها إذ ذاك أبو الفرج منصور بن خسره فلما وصل إليها طالبه بمال والتمس منه ثياباً وأشياء أخر فمنعه إياها ظاهراً وحملها إليه باطناً مراقبة لصمصام الدولة وانتسجت بينهما حالة جميلة واستقر أن يستوزره عند تمهد أموره فأشار عليه أبو الفرج بالتعجيل إلى أرجان فإن وصلها وقد سبق شرف الدولة إلى شيراز أسرع الكرة إلى الأهواز. فلما وصل إلى أرجان ورد الخبر بحصول شرف الدولة بشيراز وكر راجعاً ودخل الأهواز وعول على أبي الفرج في مراعاة الأمور وتدبير الأعمال وأظهر المباينة وارتسم بالملك وتقلب بتاج الدولة وأقام الخطبة لنفسه وعرف صمصام الدولة ذلك فجرد إليه أبا الحسن علي بن دبعش الحاجب في عسكر كثير. وندب الأمير أبو الحسين أبا الأعز دبيس بن عفيف الأسدي للقائه فالتقيا بظاهر قرقوب ووقعت بينهما وقعة أجلت عن هزيمة ابن دبعش فأسر وحمل إلى الأهواز وشهره بها. فاستولى الأمير أبو الحسين على ما كان معداً بالأهواز وبقلعة رامهرمز من الأموال وفرقها في الرجال وصرف همته إلى جمع العساكر وأرغبهم فمالوا إليه وانثالوا عليه فاشتد أمره وسار إلى البصرة فملكها ورتب أخاه أبا طاهر فيروز شاه بها ولقبه ضياء الدولة. وجرى أمره على السداد ثلاث سنين إلى أن انصرف إلى أصبهان وقبض عليه شرف الدولة وحمله إلى قلعة في بعض نواحي شيراز.وفي هذه السنة سار شرف الدولة أبو الفوارس شيرزيل من كرمان إلى شيراز واستولى على الأمر.## شرح الحال في ذلكتوفي عضد الدولة كتب بعض الخواص بالخبر إلى كرمان فسار شرف الدولة عند وقوفه على ذلك إلى فارس كاتماً أمره.## ذكر رأي سديد في كتمان أمر حتى تمفلما وصل إلى اصطخر قدم إبراهيم ديلمسفار أمامه وأمره بالإسراع إلى شيراز وإخفاء خبره والقبض على أبي منصور نصر بن هارون ففعل إبراهيم ذلك ودخل دار أبي منصور

على غفلة من أهلها ووجده في مجلس نظره فقبض عليه ووکل به وقال الديلم: هذا أبو الفوارس فأخرجوا لخدمته. فتلقاه العسكر ودخل البلد واستقر. ثم أظهر وفاة عضد الدولة وجلس للعزاء وأخذ البيعة على أوليائه وأطلق لهم ما جرت به العادة من العطاء.بذا قضت الأيام ما بين أهلها***مصائب قوم عند قوم فوائدوأزال التوكيل عن كورتكين بن جستان وقلده اصفهسلارية عسكره وأفرج عن الأشراف أبي الحسن محمد بن عمر وأبي أحمد الموسوي وأخيه أبي عبد اللّه وعن القاضي أبي محمد بن معروف وعن أبي نصر خواشاذه بعد أن طال بهم الاعتقال وضعفت في خلاصهم الآمال وكما تطرق النوائب من حيث لا يحتسب فقد يأتي الفرج من حيث لا يرتقب فأما أبو منصور بن هارون فإنه وكل أمر مطالبته إلى المعروف بالشابشتي الحاجب فعسفه حتى أنه انتهى به إلى أن ملأ طستاً بالجمر ووضعه على صدره فمات.## ذكر اتفاق عجیبكان أبو منصور بن هارون يبغض هذا الشابشتي في أيام نظره ويبعده من بين يديه ويقول: إنى أكره هذا الرجل كرهاً لا أعرف سببه. حتى كان هلاكه على يده وبان أن تلك الكراهية لعلة خافية.## ذکر اغترار بسلامة عاجلة آلت بصاحبها إلى هلاككان سبب سوء رأي شرف الدولة في نصر بن هارون اغترار نصر بيومه وترك النظر لغده وأنه كان يضايقه في أيام عضد الدولة في آرابه ويستقصي عليه في أسبابه ثم لعداوة كانت بينه وبين أصحابه فهم لا يزالون يوغرون صدره عليه ويقبحون أثره لديه. ومن سوء التدبير التقصير بأهل بيت الملك فكم قد جرّ ذلك ! ولم يكن سبب هلاك محمد بن عبد الملك الزيات الوزير على يد المتوكل على اللّه إلا ما سبق من تقصيره في أيام أخيه الواثق باللّه ولشهر مشهور.وفي هذه السنة اغتال أبو الفرج بن عمران أبا محمد أخاه وانتصب في موضعه وكتب إلى الحضرة يظهر الطاعة ويسأل التقليد والولاية.## ذكر حسد حمل صاحبه على قطيعة رحمكان أبو الفرج جاهلاً متهوراً فحسد أبا محمد على موضعه فأعمل الحيلة في الفتك به. واتفق أن أختهما اعتلت فقال أبو الفرج لأبي محمد: إن أختنا مشفية فلو عدتها. ففعل وركب إليها ورتب أبو الفرج في دارها قوماً ووافقهم على مساعدته فلما دخل أبو محمد وقف أصحابه لأنها دار حرم. وحمل أبو الفرج سيفه على عادته ومشى

من ورائه فلما تمكن منه جرد السيف وضربه وخرج القوم الذين رتبهم فساعدوه على الإجهاز عليه ووقعت الصيحة فصعد أبو الفرج إليهم مطلعاً عليهم من سطح الدار وقال: قد فات الأمر ولكم عندي الإحسان. فسكتوا ثم وضع فيهم العطايا فأطاعوه وأمروه.وفي هذه السنة قتل أبو علي الحسن بن بشر الراعي بنصيبين وكان واليها وعاملها.## ذكر سيرة عادت بخسران دنيا وآخرةكان هذا ابن الراعي ظالماً شريراً وخبره في سمل عينه قد تقدم في كتاب تجارب الأمم ثم ولي نصيبين فأساء إلى أهل البلد واستحل محارمهم فلما شاعت الأراجيف بعلة عضد الدولة وبعد ذلك بموته ثار العامة وقصدوا داره للفتك به فخرج في لباس امرأة وغمز عليه فأخذ وقتل ومثل به ثم أحرق. واستولى أحد الأكراد على البلد وورد الخبر بذلك فأخرج أبو سعد بهرام بن أردشير لتلافي الأمر فلما وصل إلى الموصل تقاعد به أبو المطرّف عاملها وانزاح المستولي عليها منها ولحق بباد. وكان أمر باد قد قوي بميافارقين فعجل بهرام إلى قصده واستهان بأمره وواقعه فأجلت الوقعة عن هزيمة بهرام وأسر جماعة من الديلم الذين معه. وشمت أبو المطرف به وكتب إلى أبي القاسم سعد الحاجب يطعن علی بهرام ويقول: إنه قد جنى على الدولة وأطمع باداً وإنني قد عملت على مكاتبة باد وإعلامه موقع الخطأ في المكاشفة. فأجابه سعد بجواب يقول فيه: أنا وارد «والسيف أصدق أنباء من الكتب». فلما وصل إلى أبي المطرف الجواب قال:سيوف لعمري يا لوي بن غالب***حداد ولكن أين بالسيف ضاربفبلغ ذلك سعداً فاحفظه وأسر في نفسه عليه.## ذكر خبر باد ومبدأ أمرهباد لقب وهو أبو عبد اللّه الحسين بن دوشنك من الأكراد الحميدية وكان يتصعلك كثيراً ويمضي إلى الثغور ويغزو بها دائماً وكان فظيع المنظر عظيم الهيكل. فلما حصل عضد الدولة بالموصل حضر على الباب بوساطة زيار بن شهر اكويه ثم هرب.## ذكر فراسة دلت على دهاءيقال أنه لما خرج من يدي عضد الدولة مضى على وجهه هارباً فسأله أصحابه عن سبب هر به فقال: شاهدت رجلاً ظننت أن لا يبقى عليّ بعد حصولي في يده: وطلبه عضد الدولة في أثر خروجه آمراً بالقبض عليه وقال: هذا رجل ذو باس وبطش وشرّ وغدر ولا يجوز الإبقاء عليه. فأخبر بهربه وحصل بثغور ديار بكر وأقام بها إلى أن استفحل أمره. ثم خرج إليه أبو القاسم سعد الحاجب فكان من أمره معه ما سيأتي ذكره في موضعه.

## ودخلت سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائةوفيها ركب صمصام الدولة إلى دار الخلافة وخلع عليه الخلع السبع والعمة السوداء وسُوّر وطوّق وتُوّج وعُقد له لواءان وحمل على فرس بمركب ذهب وقيد بين يديه مثله وقرئ عهده بتقليده الأمور فيما بلغت الدعوة من جميع الممالك وعاد إلى داره وجددت له البيعة وأطلق رسومها وأقيمت الدعوة وغيرت السكة.وفيها خلع على أبي عبد اللّه الحسين بن أحمد بن سعدان خلع الوزارة وكان رجلاً باذلاً لعطائه مانعاً للقائه فلا يراه أكثر من يقصده إلا ما بين نزوله من درجة داره إلى زبزبه ومع ذلك فلا يخيب طالب إحسان منه في أكثر مطلبه لكن يسير البشر أملك للقلوب من كثير البر. فبسط يده في الإطلاقات والصلات وتقرير المعايش والتسويفات وأحدث من الرسوم استيفاء العشر من جميع ما تسبب به الأولياء والكتاب والحواشي من أموالهم وأرزاقهم والتوقيع في آخر الصكاك إلى العمال بمقاضة أربابها به وجمعه عليهم وأخذه منهم وصرفه في مشاهرات غلمان الخيول ونفقاتهم. وانضاف إلى ضيق خلقه ما اتفق في وقت نظره من غلاء سعر فتطيرت العامة ورجموا زبزبه وشغبوا الديلم عليه لأجله وهجموا على نهب داره وانتهت الحال إلى ركوب صمصام الدولة إلى مجتمعهم حتى تلافاهم وردهم.وفيها ورد زيار بن شهراكويه وأبو القاسم سعد بن محمد الحاجب عائدين من جرجان فندب أبو القاسم إلى الموصل لقصد باد وتلافي خطئه وجدد معه عسكراً اجتهد في عِدَّته وعُدَّتِه.## ذكر ما جرى عليه أمر سعد بن محمد مع بادسار سعد فلما حصل بالموصل قبض على أبي المطرّف عاملها وفي نفسه عليه تمثله بالبيت الذي تقدم ذكره واعتقله بالموصل. ويمم سعد إلى لقاء باد وهو واثق باقتناصه وربَّ واثق خجل فتواقعا على خابور الحسينية فانهزم سعد واستولى باد على جميع الديلم فأسر بعضاً وقتل بعضاً ثم ضرب رقاب الأسرى صبراً وسار إلى الموصل. وقد كان سعد سبقه إليها عند الهزيمة فثار العامة به وخرج ناجياً بنفسه حتى بلغ تكريت وكتب إلى الحضرة بخبره فأجيب بأن يقيم في موضعه.## ذکر حصول باد بالموصل وإفراجه عن أبي المطرّفلما حصل باد بالموصل أفرج عن أبي المطرف واستوزره وقويت شوكته بما تم له من كسر عساكر السلطان دفعة بعد أخرى واستولى على الأعمال وجبى وجوه الأموال

وخرج عن حكم البوادي والمتطرفين وصار في أعداد الخوارج المتجوفين وأرجف بأنه محدّث نفسه بأخذ سرير الملك وقامت له هيبة في النفوس وعظم ذلك على صمصام الدولة وابن سعدان وزيره وقطعهما لهم به عن سائر الأمور. ولم يبق في الحضرة من يندب لهذا الأمر مع استفحاله إلا زيار بن شهراكويه فوقف على المسير إليه وخلع عليه واستظهر له في العدد والعدد وأخرج معه شكراً في الغلمان الأتراك وسار إلى الموصل وانضم إليهما أبو القاسم الحاجب من تكريت وواقعوا باداً في صفر سنة أربع وأجلت الوقعة عن انهزام باد وأسر كثير من أقاربه وأصحابه وورد الخبر بذلك فسكن ما عليه الناس من الأراجيف به. ثم وصل الأسارى إلى بغداد فشهروا.## ذكر ما جرى عليه أمره بعد الهزيمةلما انهزم باد وخيَّم زيار بظاهر الموصل خرج سعد الحاجب إلى الجزيرة من الجانب الشرقي في عدد وافر وحصل باد في أطراف بلاده يجمع الرجال إلى نفسه ليقصد ديار بكر فرأى ابن سعدان إن كتب إلى سعد الدولة بن حمدان وبذل له تسليم ديار بكر. إليه على ما كانت مع أبيه واستدعى منه تجريد أصحابه إليها قبل استيلاء باد عليها فأنفذ ابن حمدان أصحابه إلى ميافارقين فأقاموا مديدة ثم انصرفوا ولم يكن لهم طاقة بمقاومة باد وملك باد ميافارقين وسار إلى تل فافان مرهباً وراسل في الصلح وتثاقل العسكر الذي مع سعد عن المسير معه إلى لقائه فعمل على العدول إلى الحيلة ودس رجلاً لقتل بادغيلة.## ذكر حيلة جيدة لو وافقت قضاءيقال إن الرجل الذي دسه دخل على باد في خيمته ليلاً ووصل إلى موضع منامه وضربه بالسيف ضربة على رجله ظن أنها على رأسه وصاح باد وهرب الرجل فلم يُلحق ومرض باد لتلك الضربة حتى أشفي واجتهد سعد في انتهاز الفرصة منه عند مرضه فلم يطاوعه من معه. وكان شُكر قد توجه وكان شُكر قد توجه مع الأتراك إلى نصيبين على أن يكون مسيرهم ومسير سعد من الجانبين فاضطرب من كان معه من الأتراك عليه. وراسل باد زيارا وألقى عليه نفسه وردّ أمره إليه فمال زيار للصلح غير مظهر للميل مراقبة لأبي القاسم سعد وأشار علی باد بسلوك سبيل الاستصلاح معه أيضاً. فلما أعيت سعداً الحيل وكثرت عليه الأسباب والعلل وعلم أن كثير الاجتهاد مع معاندة الأيام ضائع وقليله مع مساعدتها نافع صالح باداً على أن تكون له ديار بكر والنصف من طور عبدين من غربيها وعاد سعد إلى الموصل وزيار بها وانحدر زيار إلى الحضرة وأقام سعد بمكانه. وكان أمر هذه الوقعة والصلح في سنة أربع ولكن سياقة الحديث اقتضت إيراده ههنا في أخبار سنة ثلاث.

وفي هذه السنة قتل المظفر بن علي الحاجبُ أبا الفرج محمد بن عمران وأجلس أبا المعالي بن أبي محمد الحسن بن عمران في الإمارة ثم استولى المظفر على الأمر بعد.## ذكر ما جرى عليه الأمر في ذلكقد تقدم ذكر ما كان من أبي الفرج في قتل أخيه أبي محمد فلما جلس في الإمارة قدم القوم الذين ساعدوه وجفا مشايخ القواد فأحفظ الأكابر تقدم الأصاغر. وكان المظفر أحد قواد عمران الذين أبلوا معه في حروبه فاتفق هو والمعروف بابن الشعراني اصفهسلار الجند وقالا لشيوخ القواد: قد فعل هذا الرجل ما فعل من استحلال محرم أخيه وصبرنا عليه مع وجوب حقه وحق أبيه ولم يقنعه سوء فعله حتى استأنف حط منازلنا وتقديم أراذلنا ولا نأمن أن يتعدى الأمر من بعد إلى إزالة نعمتنا واطراح حرمتنا. فاتفقت كلمة الجماعة على كراهيته ثم تكفل المظفر لابن الشعراني بأمر قتله وتكفل ابن الشعراني بأمر جنده وتواعدا على ذلك.## ذكر تهور سلم صاحبه بالاتفاقثم إن أبا الفرج ركب من دار الإمارة إلى بناء استحدثه وعرف المظفر خبره فقصده إلى الموضع ودخل عليه فلما رآه أبو الفرج قال له: فيم حضرت؟ قال: علمتُ ركوب الأمير فأحببت خدمته. وحضر من أعطاه كتاباً فلما أخذه وتشاغل بقراءته جرد المظفر سيفه وثار إليه فضربه. وبادر من كان بين يديه من خواصه إلى المظفر بسيوفهم وهو كالجمل الهائج يدافعهم عن نفسه وأكبّ على أبي الفرج ضرباً حتى فرغ منه وقد أصابته جراحة في يده وضربات في ذباب سيفه. ونزل في ورجيته إلى المنصورة التي بها دار الإمارة وأخرج أبا المعالي بن أبي محمد بن عمران وهو صغير السن فأقامه أميراً وأطلق المال وأرضى الجند. ومضى أبو الفرج بعد أخيه سريعاً صرع أخاه فأصبح بعده صريعاً وباع دينه بدنياه فخسرهما جميعاً وكذلك كل قاتل مقتول وكل خاذل مخذول وكن كيف شئت فكما تدين تدان.## ونعود إلى ذكر ما جرت عليه الحال بعد ذلكلما فعل المظفر ما فعله أظهر الصرامة وقيل له في التوثقة من العسكر بالإيمان فقال: التوثقة سيفي من استقام عمدته عنه ومن اعوج سللته عليه. وكتب إلى الحضرة بما فعله من أخذ ثأر أبي محمد وإعادة الأمر إلى ولده وسأل في تقليده وأنفذ من استحلف صمصام الدولة له ولنفسه فأجيب إلى ذلك جميعه وأخذ المظفر أمره بالرهبة وقتل الشعراني مع بضعة عشر نفساً من القواد الذين ساعدوه في يوم واحد. ومضت أيام والمظفر يتولى الأمور وأبو المعالي صبي لا فضل فيه ولا تدبير ثم نازعت المظفر نفسه

إلى التردي برداء الإمارة والتفرد بها لفظاً ومعنى.## ذکر منصوبة عملها المظفر في إظهار إمارتهأمر كاتبه أن يكتب كتاباً عن السلطان إليه بالتعويل في تدبير الأمور عليه ثم أمره بإحضار ركابي غريب وتسليم الكتاب إليه ومواقفته على الدخول بالكتاب عند احتفال المجلس بالناس مغبر الثياب والوجه كأنه بشعت الطريق ففعل ذلك. فلما كان في غد ذلك اليوم واجتمع الناس دخل الركابي على تلك الصورة وأوصل الكتاب إليه فلما أخذه المظفر قبله ودفعه إلى الكاتب فقرأه وأظهر الاستبشار وقال لأبي المعالي في الوقت: قم إلى أمك. وتظاهر بالإمارة ثم أحضر الجند وتوثق منهم وقد كان أبادَ من خاف جانبه ولم يبق إلا من أمن بوائقه وتلقب بالموفق واستمال القلوب وعدل عن الطريق الأول.## ذكر ما اعتمده من حسن السيرةلما استتب له الأمر على ما أراد حمل الناس على محجة العدل وخفض لهم جناح اللين وكف يده عن القتل واستعمل الرأفة بعد تلك الفظاظة والرحمة بعد تلك القساوة. ورد على أرباب الضياع ما كان قبضه عمران وولده منهم وأجرى على أبي المعالي وأمه جراية واسعة وأقرهما في دارهما مدة طويلة ثم أمرهما بالانصراف فانصرفا إلى واسط وكانت جرايته دارة عليهما مع بعدهما عنه. ومضت مدة فعهد في الأمر إلى أبي الحسن علي بن نصر الملقب أخيراً بمهذب الدولة ولقبه إذ ذاك بالأمير المختار وإلى أبي الحسن علي بن جعفر من بعده وهما ابنا أختيه.وفي هذه السنة ورد الخبر بوفاة مؤيد الدولة بجرجان وجلس صمصام الدولة للعزاء به وجاءه الطائع للّه معزياً.## ذكر ما جرى عليه الأمر في وفاة مؤيد الدولة وإلى ان استقرت الإمارة لفخر الدولة من بعدهلما انصرفت عساكر خراسان الواردة مع فخر الدولة وقابوس الانصراف الذي تقدم ذكره استقر مؤيد الدولة بجرجان وجعلها داره وأقام أبو الحسن علي بن كامة عنده. واتصلت الأخبار باشتداد علة عضد الدولة والعهد على صمصام الدولة في الملك من بعده وأخذ البيعة له على جنده وتفرقة الأموال بالحضرة على الرجال فشغب الجيش بجرجان وأفردوا خيمهم إلى ظاهر البلد والتمسوا الزيادة والإحسان وتوسط زيار بن شهراكويه والحسن بن إبراهيم الأمر معهم حتى سكنوا واعادوا. فاستأذن بعد ذلك زيار كان معه في المسير إلى بغداد فرفق مؤيد الدولة بهم إيثاراً لمقامهم فلم يفعلوا نزاعاً ومن إلى أوطانهم مع ما تجدد لهم من أمر صمصام الدولة على ما قد ذكر فقضى عند ذلك

حقوقهم وأذن لهم في الانصراف فانصرفوا شاكرين.## ذكر ما دبره مؤيد الدولة في الاستيلاء على الملك وحالت المقادير دونهلما علم مؤيد الدولة بوفاة عضد الدولة سَمت نفسه للاستيلاء على الممالك والقيام مقامه فيها وكان قد أنفذ أبا علي القاسم إلى فارس متحملاً لرسالة إلى الأمير أبي الفوارس بن عضد الدولة فورد كتاب أبي علي هذا عليه بوقوع الخطبة له في بلاد فارس وثبوت اسمه على الدينار والدرهم. وقدم أبو نصر خواشاذه ورسول من الأمير أبي الفوارس إليه فلبث عنده أياماً وعاد بالجواب ثم راسل أخاه فخر الدولة بالوعود الجميلة وبذل له ولاية جرجان وتقويته بما يحتاج إليه من الأموال فلم يسكن فخر الدولة إلى قوله وأقام بموضعه. وبينما الحال على ذلك إذ جاءه الأمر الذي لا يغلب والنداء الذي لا يحجب فخضع لأمر الأمر مطيعاً ولبي دعوة الداعي سريعاً قضية اللّه سبحانه في الأولين والآخرين ومشيئته في الذاهبين والغابرين قال اللّه تعالى: ﴿لَقَدْ أَحْصَنهُمْ وَعَدَّهُمْ عَذَا وَكُلُهُمْ عَانِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [مريم: 94، 95])## ذكر كلام سديد للصاحب ابن عبادولما عرضت لمؤيد الدولة علة الخوانيق واشتدت به قال له الصاحب: لو عهد أمير الأمراء عهداً إلى من يراه يسكن إليه الجند إلى أن يتفضل اللّه تعالى بعافيته وقيامه إلى تدبير مملكته لكان ذلك من الاستظهار الذي لا ضرر فيه. فقال له: أنا في شغل عن هذا وما للملك قدر مع انتهاء الإنسان إلى مثل ما أنا فيه فافعلوا ما بدا لكم. ثم أشفي فقال له الصاحب: تُب يا مولانا من كل ما دخلت فيه وتبرأ من هذه الأموال التي لست على ثقة من طيبها وحصولها من حلها واعتقد متى أقامك اللّه وعافاك صرفها في وجوهها ورد كل ظلامة تعرفها وتقدر على ردها. ففعل ذلك وتلطف به وقضى نحبه ولعل الصاحب اقتدى في هذا القول بقصة ابن أبي دؤاد مع الواثق باللّه رضي اللّه عنه إلا أن تلك قول وفعل.## خبر حسن فيه تنبيه على فعل خيريقال إنه لما اشتدت علة الواثق التي توفي فيها وكان في حبسه جماعة من الكتاب والعمال وهم في ضنك شديد من المطالبة دخل ابن أبي دؤاد عليه وسأله عما يجد فشكا الواثق باللّه شدة ما به إليه فقال: يا أمير المؤمنين إن في حبسك جماعة وراءهم عدد كثير من العيال وهم في ضر وبؤس ولو أمرت بالإفراج عنهم لرجوت لك الفرج من هذه الشدة. فقال له: أصبت. وأمر بذلك فأفرج عنهم فلما أصبح حضر ابن أبي دؤاد عنده

على رسمه فقال له الواثق: إني وجدت البارحة بعض الخف. فقال ابن أبي دؤاد: وفق اللّه لأمير المؤمنين فلقد رفعت البارحة ألوف من الأيدي بالدعاء له كانت ترفع من قبل بالدعاء عليه هذا وقد عاد من أفرج عنهم إلى دور شعثة وعيال جياع وأحوال مختلة ولو قد أطلقت ضياعهم المقبوضة وأعيدت إليهم أموالهم المأخوذة لكان الدعاء أكثر والأجر أعظم. فأمر الواثق عند ذلك بتسليم ضياعهم إليهم وإعادة ما أخذ من أموالهم وخرج الأمر بذلك على يد ابن أبي دؤاد فقام بتمامه في يومه وأحيا اللّه أقواماً على يده. ولم يكن قد بقي للواثق أجل فمضى لسبيله واستصحب أجر ذلك الفعل معه وفاز ابن أبي دؤاد بهذه المنقبة بقية الدهر ونعود إلى سياقة الحديث.## ذكر ما دبره ابن عباد بعد وفاة مؤيد الدولةكتب في الوقت إلى فخر الدولة بالإسراع وأرسل أخاه وبعض ثقاته ليستوثق منه باليمين على الحفظ والوفاء بالعهد. وتجرد الصاحب لضبط الأمر ووضع العطاء في الجند ونصب أبا العباس خسر فيروز بن ركن الدولة في الإمارة تسكيناً للفتنة وإزالة للخلف في عاجل الحال وكتب الناس مثنى وفرادى إلى فخر الدولة بالطاعة وهو يومئذ بنواحي نيسابور على حالة مختلفة وإضاقة شديدة.وقد أنفذ نصر بن الحسن بن فيروزان إلى الصاحب ببخارا مع من نفذ من جهة قابوس من وجوه قواده حين استدعاهما صاحب بخارا للخلف الواقع بينه وبين ابن عمه عبد الملك بعقب انهزام عساکره بباب جرجان فاعتذر إليه في تأخرهما عنه بنفوسهما وأنفذ إليه أصحابهما المذكورين فلما ورد إلى فخر الدولة كتاب ابن عباد وتلاه كتب وجوه العساكر أولاً فأولاً سار على الفور وعرف قابوس الخبر فأرسل إليه: أن بيننا ما أريد مفاوضتك فيه. فأجابه: بأنني قد توجهت ولا قدرة لي على العود بعد التوجه ومهما أردت فاكتب به. وبادر يطوي المنازل نحو جرجان.## ذكر وصول فخر الدولة إلى جرجان واستقراره في دار الإمارةلما ورد الخبر بقرب وصول فخر الدولة إلى جرجان قال الصاحب ابن عباد للجند: إنما أخذت البيعة عليكم لأبي العباس خسر فيروز على أنه خليفة أخيه فخر الدولة فبادروا إلى تلقيه وخدمته. فندبوا عند ذلك أبا الحسين محمد بن علي بن القاسم العارض للاستيثاق بجماعتهم فسار إليه ولقيه بالتعزية بأخيه والتهنئة بالملك والتوثق للأولياء فأكرمه فخر الدولة وتقبل منه ما أورده. وبادر الناس بعد أبي الحسين إلى خدمته فوجاً فوجاً وهو يقربهم ويدنيهم ثم تلقاه الصاحب أبو القاسم ابن عباد مع الأمير أبي العباس خسر فيروز وأكابر القواد فرحب به فخر الدولة وبالغ في إكرامه وتناهى في اعظامه ونزل بظاهر المدينة

في الموضع الذي كان مؤيد الدولة معسكراً فيه عند قتال عسكر خراسان ثم دخل البلد من غده وأخذت البيعة له بالطاعة والمخالصة واستقرت الإمارة عليه.وكذلك الدهر يتقلب من حال إلى حال وينتقل بأهله بين أسفل وعال والبؤس والنعيم فيه إلى زوال.## ذكر كلام اختبر به ما في نفس فخر الدولةلما انتظم الأمر لفخر الدولة قال له الصاحب: قد بلغك اللّه يا مولاي وبلغني فيك ما أملته لنفسك وأملته لك ومن حقوق خدمتي عليك إجابتي إلى ما أوثره من ملازمة داري واعتزال الجندية والتوفر على أمر المعاد. وقال له: لا تقل أيها الصاحب هذا فإنني ما أريد الملك إلا لك ولا يجوز أن يستقيم أمري إلا بك وإذا كرهت ملابسة الأمور كرهت ذاك بكراهيتك وانصرفت. فقبل الأرض شكراً وقال: الأمر أمرك. وتلا ذلك أنه خلع عليه خلع الوزارة وأكرمه منها بما لم يكرم وزير بمثله ثم عمل فخر الدولة والصاحب جميعاً على أخذ علي بن كامة والإستيلاء على ماله وأعماله وعلما أنهما لا يقدران عليه لجلالة قدره فعدلا إلى أعمال الحيلة في أمره.## ذكر حيلة تمت في قتل علي بن كامةاجتمع رأيهما على مواقفة شرابي كان له على سمه فتوصلا إليه وقررا أمور ذلك واتفق أن علي بن كامة عمل دعوة واحتفل فيها واحتشد وسأل فخر الدولة والصاحب الحضور عنده فواعداه بذلك وراسلا الشرابي بفعل ما تقرر معه في هذا اليوم وأعطيا سماً موجباً. ودخل علي بن كامة خزانة الشراب يتخير الأشربة ويذوقها فطرح الشرابي السم في بعض ما ذاقه فأحس في الحال باضطراب جسمه فدخل بيتاً وطرح نفسه فيه وألقى عليه كساء وعلم فخر الدولة خبره فتأخر عن الحضور. وأطعم الناس وسقوا وتركه أصحابه في موضعه وعندهم أنه نائم ولم يقدموا على إنباهه فلما كان من غد رأوه على حملته فدخلوا إليه فوجدوه ميتاً. فأنفذ فخر الدولة إلى داره من توكل بها وإلى خزانته من استظهر عليها وإلى قلاعه من أخذها والى أعماله من تولاها وكان لعلي بن كامة أولاد فلم يتم لهم الأمر مع فخر الدولة.وليس العجب من فخر الدولة في سم الرجل كالعجب من الصاحب الذي سال بالأمس في الخبر الذي تقدم هذا الخبر في الإذن له في ملازمة داره والتوفر على أمر المعاد.و وصل أبو نصر شهريسلار بن مؤيد الدولة إلى حضرة فخر الدولة في هذا الوقت فأكرمه.

## ذكر السبب في ذلككان أبو نصر بأصبهان مقيماً نائباً عن أبيه مؤيد الدولة في ولده وحرمه فلما عرف خبر وفاته بادر بمن خف معه يريد جرجان فبلغه في بعض الطريق خبر استقرار فخر الدولة في الإمارة فأقام بموضعه وكاتبه يستأذنه في الإتمام إلى حضرته فأجابه بالجميل وصلة الرحم وأمره بالإتمام والمسير فسار ووصل إلى جرجان فأكرم غاية الإكرام.وقدم أبو علي القاسم بن علي بن القاسم عائداً مع فارس مع المال المحمول وقد كان مؤيد الدولة أنفذه إليها حسب ما تقدم ذكره. وأنفذ فخر الدولة أبا القاسم القاضي العلوي رسولاً إلى الأمير أبي الفوارس بن عضد الدولة وأقام بجرجان يجمع الأموال ويملأ بها القلاع إلى أن ورد إليه تاشى هارباً من خراسان فأنزله بجرجان وقرر عليه ارتفاعها وانصرف هو إلى الري وأقام تاشى بها إلى أن توفي وقيل مات مسموماً.وفي هذه السنة شغب الأتراك ببغداد وبرزوا متوجهين إلى شيراز بعد أن كانت طائفة منهم قد سارت قبلهم ولحقت بفارس. فركب زيار بن شهراكويه في أثر هؤلاء ورد أكثرهم وأخذ أبا منصور بن أبي الحسن الناظر وكان قد خرج هارباً وولده مع شرف الدولة لم يقبض عليه فرد بعد أن جرح لأنه مانع عن نفسه واعتقل. وكان خالد ولد أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف فلما عرف عبد العزيز هربه من الليل خاف أن يسعى أبو عبد اللّه بن سعدان به إلى صمصام الدولة ويوغر صدره عليه وينسب هربه إليه فرأى أن يسبق بإظهار إبراء الساحة قبل أن ينتهز عدوه الفرصة.## ذكر رأي سديد وقع لعبد العزيز بن يوسف أمن به ما خاف وقوعهوذلك أنه غلس في صبيحة تلك الليلة إلى الدار وجلس في الدهليز وراعي قيام صمصام الدولة من منامه وانتظر حضور علي بن أبي علي الحاجب وكان له صديقاً فلما حضر الحاجب خرج إليه عبد العزيز بما في نفسه وسأله الاستئذان له على خلوة قبل كل أحد فدخل الحاجب وأعلم صمصام الدولة بحضوره فأذن له فلما حضر قبل الأرض وبكا بكاء شديداً وقال: قد خدمت عضد الدولة وخدمتك ولم تعهد مني إلا الصدق والمناصحة. وحلف بطلاق صاحبته أخت أبي منصور وبالأيمان المغلظة إن كان عرف خبر أبي منصور فيما عمل عليه من الهرب أو شاوره فيه. فسكن منه صمصام الدولة وخاطبه بما طابت نفسه به وانصرف من بين يديه وقد زال اشفاقه وخوفه. وحضر من الغد ابن سعدان وأشار إلى أبي القاسم عبد العزيز في هرب أبي منصور في أثناء كلامه إشارة لم يتقبلها منه صمصام الدولة وقال: أبو القاسم بريء من هذا الأمر ولا علقة له فيه. فأمسك حينئذ ابن سعدان وزادت العداوة بينهما وجد أبو القاسم في إفساد حال ابن سعدان حتى

تم له القبض عليه والانتصاب في مكانه حتى يأتي شرح ذلك من بعد بإذن اللّه تعالى.## ودخلت سنة أربع وسبعين وثلثمائةوفيها شرف فخر الدولة من حضرة الطائع للّه بالخلع السلطانية والعهد واللواء وزيادة اللقب وسلم جميع ذلك إلى أبي العلاء الحسن بن محمد بن سهلويه رسول فخر الدولة.## شرح ما جرى عليه الأمر في ذلكلما توفي مؤيد الدولة وانتصب فخر الدولة في موضعه شرع أبو اللّه عبد بن سعدان في إصلاح ما بين صمصام الدولة وبينه وكاتب الصاحب أبا القاسم بن عباد في ذلك وتردَّد بينهما ما انتهى إلى ورود أبي العلاء بن سهلويه للسفارة في التقرر وتنجز الخلع السلطانية لفخر الدولة فأكرمه أبو عبد اللّه بن سعدان إكراماً بالغ فيه وأقام له من الإنزال وحمل إليه من الأموال ما جاوز به حد مثله. واتصلت مدة مقامه من المكاتبات ما دل على إظهار المشاركة بين الجندين في كل تدبير وتقرير وتجديد السَّنة التي كانت بين الإخوة عماد الدولة وركنها ومعزها من الاتفاق والألفة. وسدَّى الصاحب في ذلك قوله وألحم وأسرج فيه عزمه وألجم حتى أنه كان لا يجري أمر ولا بال بحضرة فخر الدولة إلا كتب به مساهماً ولا يعرف حالا يتعلق بمصلحة صمصام الدولة إلا أشار بها مناصحاً.## فمن جملة ما كتب الصاحب بشرحه إلى الحضرةذكر وصول أبي سعيد أحمد بن شبيب صاحب جيش خوارزم رسولاً من أمير خراسان متحملاً من الرسالة ألطف الأقوال وورود كتب أبي العباس تاش مشتملة من القرب والإخلاص على أجمل الأقوال وأن الخطاب دار مع الرسول الوارد في الصلح على قواعد أولها طاعة الخلافة فهي التي لا دين إلا بها ولا دنيا إلا معها ثم أن لا يفرج لهم عن شيء من هذه البلاد ولا يكون منهم في باب قابوس قول أو فعل في معونة وإسعاد وأن يُردَّ إلى بخارا ويستخدم في أبعد الأطراف وأن يقتصر على المال المبذول الذي يجري مجرى المعونة من أمير المؤمنين لهم على ما سدَّ إليهم من الثغور. وأنه قد أخرج مع الرسول العائد أبو سعد صالح بن عبد اللّه فإذا استتب التقرير واستحصف العقد أنفذت نسخته على شروطه إلى بغداد حسب ما يقتضيه التمازج بين الحضرتين.## ومما نطقت به الكتب من المشورة والرأيالحث على استمالة الأمير أبي الحسين واستخلاص طاعته وأن فخر الدولة قد راسله وخاطبه في ذلك بما يجري مجرى التقدمة والتوطية ومتى أريد التكفل بالتمام فهو

على غاية الطاعة. وقد أثبت على الدينار والدرهم اسم فخر الدولة وكتب من البصرة بإقامة الدعوة كما أقامها بالأهواز وليس يتجاوز ما ينهج له ولا يتعدى ما يحكم به والصواب طلب التوازر والتعاطف وترك التباين والتخالف ولا يقال هذا إلا من طريق ابتغاء المصالح لصمصام الدولة وجمع الأهواء المتفرقة إليه ورد القلوب النافرة عليه.ثم لما طال مقام ابني سهلويه وتمادت به الأيام ساء ظن فخر الدولة والصاحب ووردت كتب على ابن سعدان بالمعاتبة. وكان السبب في تأخر ذلك خطبُ باد واتساع الخرق فيه وشغل ابن سعدان به عن كل أمر ينجزه وأرب يقتضيه فلما ورد الخبر بهزيمة باد واستقر الأمر في ذلك وأسفر الخطب عن المراد كما قد تقدم ذكره خلا درع ابن سعدان وخوطب الطائع للّه على ما يجدده لفخر الدولة من الخلع السلطانية فأجاب. وجلس على العادة في أمثالها وحضر أبو العلاء الرسول وأحضرت الخلع السبع والعمة السوداء والسيف والطوق والسواد واللواء والدابتان بمركبي الذهب وقرئ العهد بتولية الأعمال التي في يده وأضيف إلى لقبه الأول فلك الأمة وسُلّم جميعه إلى أبي العلاء. وضم إليه أبو عبد اللّه محمد بن موسى الخازن وخرجا إلى جرجان وسلما ذلك وعادا وأقام أبو العلاء برسم النيابة عن فخر الدولة بالحضرة إلى آخر أيام صمصام الدولة.وفي هذه السنة ورد كتاب أبي بكر محمد بن شاهويه مبشراً بإقامة الدعوة لصمصام الدولة بعمان.## ذكر ما جرى عليه الأمر بعُمان إلى أن عادت إلى شرف الدولةكان المتولي بها في الوقت أبو جعفر أستاذ هرمز بن الحسن من قبل شرف الدولة فما زال ابن شاهويه يقتل له في الذروة والغارب حتى أماله إلى الحملة وأزاله عما كان عليه من الانحياز إلى شرف الدولة وكان صغوه مع من ببغداد لكون أبي علي الحسن ولده بها فجمع الأولياء والرعية بعمان على طاعة صمصام الدولة وخطب له على منابر تلك الأعمال. ووصل الخبر إلى بغداد فأظهرت المسرة وجلس صمصام الدولة للتهنئة وكتب كُتب البشائر إلى أصحاب الأطراف على العادة وأنفذ إلى أستاذ هرمز العهد بالتقليد مع الخلع والحملان. وأحضر ابنه أبو علي الحسن وخلع عليه ونقله من رتبة النقابة إلى رتبة الحجبة. ولما عرف شرف الدولة عصيان أستاذ هرمز أخرج إليه أبا نصر خواشاذه في عسكر استظهر فيه ووقعت بينهما وقعة أجلت عن ظفر أبي نصر وحصول أستاذ هرمز أسيراً تحت اعتقاله واستيلائه على رجاله وأمواله. وعند بلوغ أبي نصر ما أراده من ذلك رتَّب بعمان من يراعيها ويشحنها بمن يحميها وعاد إلى فارس ومعه أستاذ هرمز فشهر بها ثم قرّر عليه مالاً ثقيلاً وحمل إلى بعض القلاع مطالباً بتصحيحه.وفي هذه السنة أفرج شرف الدولة أبو الفوارس عن أبي منصور محمد بن

الحسن بن صالحان وعن أبي القاسم العلاء بن الحسن وعن أبي الحسن الناظر أخيه واستوزر أبا منصور من بينهم وردّ الأمور إلى نظره.## ذكر ما جرى عليه الأمر في اعتقالهم والإفراج عنهم والتعويل على أبي منصور في الوزارةولما وصل شرف الدولة أبو الفوارس إلى شيراز قبض على نصر بن هرون كما تقدم ذكره و استوزر أبا القاسم العلاء بن الحسن فقصر أبو القاسم في أمور الحواشي والخواص وهم أفسدوا رأي شرف الدولة فيه وأغروه به وبأخيه أبي الحسن الناظر على سخيمة كانت في نفس فخر الدولة على أبي الحسن فقبض بعد مدة يسيرة عليهما وعلى أبي منصور محمد بن الحسن بن صالحان معهما وأمر بحملهم إلى بعض القلاع. ورد النظر إلى أبي محمد علي بن العباس بن فسانجس وإلى أبي الحسن محمد بن عمر العلوي فإنه أشار به للمودة البغدادية التي جمعتهما وبقي أشهراً ثم قبض عليه. وأفرج في هذا الوقت عن هؤلاء المعتقلين وعول على أبي منصور في الوزارة من بينهم فاتفق له بالعرض ما صار سبباً لثباته فيها.## ذكر اتفاق حميد صار سبباً لثبات قدمحكى أبو محمد بن عمر أن شرف الدولة أنفذ رسولاً إلى القرامطة فلما عاد الرسول من وجهه سأله عن مجاري الأحوال فقال له في جملة الأقوال: إن القرامطة سألوني عن الملك فوصفت لهم حسن سياسته وجميل سيرته فقالوا: من حسن سيرة الملك أنه استوزر في سنة واحدة ثلاثة لغير ما سبب. فحصل هذا القول في نفس شرف الدولة ولم يغير على أبي منصور أمراً وبقي في خدمته إلى أن توفي.وأما أبو الحسن الناظر فإنه أنفذ إلى جرجان برسالة وتوفي بها.وأما أبو القاسم العلاء فإنه أقام في داره إلى أن خرج شرف الدولة إلى الأهواز فخرج معه على ما سيأتي ذكره في موضعه.وفي هذه السنة قبض على أبي عبد اللّه الحسين بن أحمد بن سعدان ومن يليه وعلى أبي سعد بهرام وأبي بكر بن شاهويه وسائر أصحابهم ونظر أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف في الأمور ودبرها مديدة.## ودخلت سنة خمس وسبعين وثلثمائةفيها شورك بين أبي القاسم وبين أبي الحسن أحمد بن محمد بن برمويه في الوزارة وتنفيذ الأمور وخلع عليهما جميعاً.

## شرح الحال فيما جرى عليه أمر هذه الوزارة المشتركةكانت الحال فيما بين أبي القاسم وبين أبي الحسن بن برمويه ثابتة على الإخاء جائزة على الصفاء وكانا يتجاوران في منازلهما ويتزاوران في مجالسهما فهما أبدا عاكفان إما على معاشرة وإما على مشاورة فلما توفي أبو الحسن علي بن أحمد العماني كاتب أبو عبد اللّه بن سعدان لأبي نصر والده في كتابتها فعمل أبو والدة صمصام الدولة سعى القاسم عبد العزيز في عكس ذلك للعداوة التي بينهما.## ذكر كلام سديد لعبد العزيز بن يوسف في تحذير صمصام الدولة من الحجر عليهقال له: إن عبد اللّه قد استولى على أمورك وملك عليك خزائنك وأموالك وإذا تم له حصول والده مع السيدة حصلنا تحت الحجر معه وهذا أبو الحسن بن برمويه رجل قد خدم عضد الدولة وهو أسلم خبية وأطهر أمانة وألبق خدمة الحرم لأنه كان خصياً خصاه ابن الياس واشتراه عضد الدولة من البلوص عند حصوله في أسرهم. فوقر هذا القول في سمع صمصام الدولة وقبله وقلد أبا الحسن كتابة والدته. فلما نظر أبو القاسم بعد أبي عبد اللّه بن سعدان استخلف أبا سعد الفيروزابادي وأبا عبد اللّه بن الحسين بن الهيثم فاستوحش أبو الحسن بن برمويه بعدوله عنه بعد أن قدر أن الأمور تكون مفوضة إليه للحال التي بينهما فواصله أياماً على رسمه ثم انقطع عنه وصار يجتاز ببابه ولا يدخل إليه. وشرع مع والدة صمصام الدولة في طلب الأمر لنفسه فتغير أبو القاسم عليه واعتقد كل واحد منهما عداوة صاحبه.## ذكر رأي ضعيف أشارت به والدة صمصام الدولة عليه فعمل بهخاطبته على أن يجمع بين أبي القاسم وبين أبي الحسن في الوزارة فأجابها إليه وخوطب أبو القاسم في ذلك فامتنع وجدت السيدة في الأمر وتردد من الخطاب ما انتهى آخره إلى إلزامه الرضا به فخلع عليهما وسوى في الرتبة والخطاب بينهما وجلسا جميعاً في دست واحد في دست الوزارة المنصوب وتقرر أن يكون اسم أبي القاسم متقدماً في عنوانات الكتب عنهما. فلم يتم ذلك واستعلى أبو الحسن بقوة سره واستظهاره بعناية السيدة به وخوف الناس منه وصار الأمر سخيفاً بهذا الرأي الضعيف. والدولة إذا كفلها النساء فسدت أحوالها ووهنت أسبابها وبدأ اختلالها وولّى إقبالها والأمر إذا ملكته انتقضت قواه وانهدم بناه ولم تحمد عقباه والرأي إذا شاركن فيه قل سداده وضل رشاده وعند ذلك يكون الفساد إلى الأمور أسرع من السيل إلى الحدور. لا جرم أن أبا القاسم

احفظه ذلك وما عاملته السيدة من نصرة أبي الحسن عليه ولما رأى أن أبا الحسن أشد بطشاً في عداوته من ابن شهراكويه شرع في إخراج الملك من يدي صمصام الدولة واستغوى أسفار بن كردويه ووافقه على ذلك.## ذكر ما جرى عليه الأمر في عصيان أسفاركان قد ردد بين صمصام الدولة وبين زيار بن شهراكويه أسرار اطلع عليها أبو القاسم بحكم امتزاجه بالخدمة وخرج بها إلى أسفار وخاض فيها الغمرات وأشعر قلبه وحشةً أخرجته من أنس الطاعة. وتقرر بينهما في ذلك ما أحكما عقده ودخل معهما في هذا الرأي المظفر أبو الحسن عبيد اللّه بن محمد بن حمدويه وأبو منصور أحمد بن عبيد اللّه الشيرازي كاتب الطائع يومئذ وقد كان صمصام الدولة اعتل علة أشفى فيها فواقف أسفار أكابر العسكر وأصاغرهم على خلع صمصام الدولة وإقامة الأمير أبي نصر (وسنه في الوقت خمس عشرة سنة خليفة لأخيه شرف الدولة ووعدهم بمواعيد الإحسان واستظهر عليهم بمواثيق الإيمان وابتدأ الفتنة بالتأخر عن الدار واستعمال التخبي وترددت إليه من صمصام الدولة مراسلات التأنيس والتسكين فما زادته إلا إغراء وتغميراً. فصار إليه أبو القاسم عبد العزيز وأبو الحسن بن برمويه وأبو الحسن بن عمارة العارض برسالة من صمصام الدولة هي ألطف مما تقدم فلما حصلوا عنده امتنع من لقائهم وقبض عليهم وجمع العسكر وأحضر الأمير أبا نصر ونادى بشعار شرف الدولة وأفرج عن أبي القاسم لأن القبض عليه كان بموافقة منه واجتمعوا على تدبير الأمور وترتيبها وتولى المظفر بن الحسن بن حمدويه وأبو منصور الشيرازي أخذ البيعة على الجند. وبلغ صمصام الدولة الخبر وقد أبل من مرضه فتحير في أمره وجمع غلمان داره وراسل الطائع للّه في الركوب فاستعفى وامتنع منه.)## ذكر رأي سديد واتفاق حميد اتفقا لصمصام الدولة أسفر بهما الأمر عن الظفرلما رأى الخطب معطلاً استنصر فولاذ بن ماناذر مستصرخاً وبذل له المواعيد الكثيرة على ذلك وكان فولاذ مع القوم فيما عقدوه لكنه أنف من بعد رتبة الانحطاط لأسفار رتبة المتابعة. وكان من حميد الاتفاق إطلال المساء وحجاز الليل ولو سار أسفار في الوقت الذي أظهر فيه ما أظهره إلى صمصام الدولة لأخذه ولم يكن له دافع عنه لكنه ظن أن لن يفوته الأمر وكان قدراً مقدوراً. فأصبحوا وقد خالفهم فولاذ وانحاز إلى صمصام الدولة فحضر لديه وأحد العهد والعقد عليه وتنجز منه توقيعاً بجميع ما التمسه من جهته وتكفل له بالذب عن دولته والقيام بخدمته. وانضاف إلى صمصام

الدولة فولاذ ورجاله والجيل وهم أقاربه وأخواله وغلمان داره وعدتهم كثيرة وشوكتهم قوية ففتح خزانتي السلاح والمال وعجل لهم وأعطاهم ووعدهم من بعد ومناهم وسار بهم فولاذ مصعداً للقاء القوم.## ذكر تدبیر جید دبره فولاذ في أمر الحربنزل إلى زبزب صمصام الدولة وجلس على كرسيه في دسته وعلى رأسه علامته ومن ورائه وأمامه الزبازب والطيارات حتى ظن الناس أن صمصام الدولة قد خرج بنفسه. وسير العسكر بإزائه على الظهر فلما انتهى إلى الجزيرة بسوق يحيى وجد الجيل وعدتهم قليلة يقاتلون ديلم أسفار وقد ثابتوهم وصابروهم. فصعد من الزبزب وعبى المصاف وسار قليلاً قليلاً حتى صدم عسكر أولئك (وعندهم أن تحت العلامة صمصام الدولة فانكسروا. ورآهم أسفار من روشنه مولين فأيقن بالهزيمة فركب وولى هارباً وتبعه طائفة من أقاربه وشيعته وأبو القاسم عبد العزيز وأفلت أبو الحسن بن عمارة العارضي جريحاً وأخذ الأمير أبو نصر وحمل إلى صمصام الدولة. فرق له لما شاهده وعلم أنه كان لا ذنب له فلم يؤاخذه وتقدم باعتقاله وترفيهه فكان في الخزانة محروساً مراعى. ونهبت دور الديلم والأتراك العاصين ودور أتباعهم وأشياعهم.)وقتل في اللية التي وقعت في صبيحتها الهزيمة أبو عبد اللّه بن سعدان## ذكر مكيدة لعبد العزيز في أمر ابن سعدان صارت سبباً لقتلهلما قبض أسفار على أبي القاسم وأبي الحسن بن برمويه وأبي الحسن بن عمارة انتهر أبو القاسم الفرصة وأرسل في الحال إلى صمصام الدولة يغريه بابن سعدان ويوهمه أن الذي جرى كان من فعله وتدبيره وأنه لا يؤمن ما يتجدد منه في محبسه فسبق في هذا القول إلى ظنه. وكان أحمد بن حفص المحرى عدوّاً له فزاد بالإغراء به فأمر حينئذ بقتله وقتل معه أبو سعد بهرام على سبيل الجرف وقد كان خليفته وقت نظره وقتل أبو منصورغيظاً لأبي القاسم. قال اللّه تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةٌ لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خاصة [الأنفال: 25]. وكان أبو بكر بن شاهويه معتقلاً فسلم لحسن اتفاق.

ذکر اتفاق عجیب سلم به ابن شاهويه من القتل

كان محبوساً في حجرة تتصل بالحجرة التي فيها هؤلاء لكن بابها خلف الأخرى فإذا فتح ذلك غطّى هذا فلا يُوبَهُ له فانستر لهذه العلة وسكنت سورة الفتنة فأفرج عنه من بعد وأطلق أبو الريان حمد بن محمد من الاعتقال وعول عليه في الوزارة وعلى أبي الحسن علي بن طاهر في كتابة السيدة وكتب الكتب بذكر البشارة إلى فخر الدولة وسائر

الأطراف وقبض على أخوي أبي القاسم وكتابه وأصحابه. وكان المظفر أبو الحسن بن حمدويه وأبو منصور الشيرازي هربا من دار أسفار يوم الهزيمة فظفر بهما وقرر أمرهما على مال صودرا عليه.

و خلع الطائع للّه على صمصام الدولة وجدد له له تشريفاً وإكراماً وخلع على أبي نصر فولاذ بن ماناذر الخلع الجميلة وخوطب بالاصفهسلارية بعد أن استحلف على الوفاء والمناصحة.

ومضى أسفار بن كردويه وأبو القاسم ومن معهما إلى الأهواز مغلولين.

ذكر ما جرى عليه أمر أسفار وعبد العزيز بن يوسف والأتراك الخارجين من بغداد

خرجوا من بغداد إلى جسر النهروان وساروا إلى الأهواز فلما حصلوا بها تلقاهم الأمير أبو الحسين وأرغبهم في المقام فأما الأتراك فإنهم أظهروا الموافقة وأسرُّوا غيرها ثم ركبوا في بعض الأيام غفلة وساروا. فتقدم الأمير أبو الحسين إلى سابور بن كردويه بتتبعهم وردّهم فركب وراءهم ولحقهم بقنطرة أربق فلم يكن له بهم طاقة وجرت بينهم مناوشة ورموه فأصابوا بعض أصحابه ومضوا هم وعاد هو. وأما أسفار بن كردويه فإنه أقام بالأهواز مكرماً وكان أخوه سابور زعيم الجيش فقدم عليه أسفار لكبر سنه وجلالة قدره وأقام على ذلك إلى أن أقبل شرف الدولة من فارس فأنفذه الأمير أبو الحسين إلى عسكر مكرم لضبطها في خمسمائة رجل من الديلم فلما حصل شرف الدولة بالأهواز صار أسفار إليه فأمر بالقبض عليه وحمل إلى بعض القلاع بفارس. وكان بها إلى أن توفي شرف الدولة وأفرج عنه عند الإفراج عن صمصام الدولة وأقام بفارس مديدة ومضى إلى الري. وأما أبو القاسم عبد العزيز فإن أبا الفرج منصور بن خسرو تكفل بأمره وأعظم منزلته وعرف له حق تقدمه فجازى أبو القاسم إحسانه بسوء النية فيه وحدَّث نفسه بطلب مكانه وألقى ذلك إلى بعض من عوّل عليه فيه فأحس أبو الفرج واستظهر لنفسه بالتوثيق من الأمير أبي الحسين ومن والدته باليمين على إقراره في نظره وترك الاستبدال به. ولم يزل يتوصل حتى غير نية الأمير أبي الحسين في أبي القاسم ونقصه في المنزلة التي كان أنزله إياها في ابتداء وروده و اطرح الرجوع في شيء من الأمور إلى رأيه وجزاء سيئة سيئة مثلها والبادئ أظلم وبقي على هذه الحال إلى أن ورد شرف الدولة فقبض عليه مع أسفار وأنفذ إلى القلعة وأفرج عنه بعد وفاته.

وفي هذه السنة ورد إسحاق وجعفر الهجريان في جمع كثير وهما من القرامطة الستة الذين يلقبون بالسادة فملكا الكوفة وأقاما بها الخطبة لشرف الدولة. فوقع الانزعاج

الشديد من ذلك بمدينة السلام لما كان قد تمكن في قلوب الناس من هيبة هؤلاء القوم وقوة بأسهم ومسالمة الملوك لهم لشدة مراسلهم حتى أن عضد الدولة وعز الدولة قبله أقطعاهم إقطاعات بواسط وسقي الفرات فكانت مآربهم تقضى ومطالبهم تُمضى وأبو بكر بن شاهويه صاحبهم يجري بالحضرة مجرى الوزراء في حاله والإصغاء من الملوك راجع إلى أقواله وأكابر الناس يخشونه مجتملين لكبره منقادين لأمره ولا سبب إلا اعتزاؤه إلى هؤلاء القوم.

ذكر ما جرى عليه أمر إسحاق وجعفر القرمطيين

لما ورد الخبر باستيلائهما على الكوفة بداهما أبو الريان بالمكاتبة وسلك معهما طريق الملاطفة والمعاتبة ودعاهما إلى الموادعة والمقاربة وبذل لهما ما يحاولانه. وعول على أبي بكر بن شاهويه في الوساطة معهما وكان قد أطلقه من الاعتقال وتلافى بالإحسان إليه والإجمال. فعدلا في الجواب إلى التعليل والتدفيع وجعلا ما كان من القبض على ابن شاهويه حجة في اللوم والتقريع وزاد الخطب معهما في بث أصحابهما في الأعمال ومد أيديهما إلى استخراج الأموال حتى لم يبق للصبر موضع ولا في القوس منزع وحصل المعروف بأبي قيس الحسن بن المنذر وهو وجه من وجوه قوادهم بالجامعين في عدد كثير فجرد إليهم من بغداد أبو الفضل المظفر بن محمود الحاجب في عدة من الديلم والأتراك والعرب وأخرج أبو القاسم بن زعفران إلى إبراهيم بن مرح العقيلي لتسييره في طائفة من قومه. وحصل أبو الفضل الحاجب بجسر بابل والقوم بإزائه فعقدوا جسراً على الفرات فإلى أن فرغ منه وصل إبراهيم وابن زعفران وحصلا مع القرامطة على أرض واحدة وتناوشوا وتطاردوا وفرغ الجسر وعبر سرعان الخيل من الأتراك وفرسان الديلم وحملوا مع إبراهيم بن مرح وأصحابه على القوم حملة واحدة انكشفت عن هزيمتهم وأسر أبو قيس زعيمهم مع جماعة من قوادهم وأسرع إليه إبراهيم بن مرح فضرب عنقه لثار له عنده وعاد الفل إلى الكوفة. وجاء البشير إلى بغداد فأظهرت البشارة بها.

ذكر ما كان من القرمطيين بعد قتل أبي قيس صاحبهما

لما عاد الفل إليهما هزتهما الحمية ( وللقرامطة نفس أبية) فجهزا جيشاً جعلا عليه قائداً من خواصهما يعرف بابن الجحيش واستكثروا معه من العُد والعِدة: ووصل الخبر بذلك إلى بغداد فأخرج أبو مزاحم بحكم الحاجب في طوائف من العسكر وعبر القوم وهم بغربي الجامعيين وواقعهم وقعة أجلت عن قتل ابن الجحيش وأسر عدد من قوادهم وانتهاب معسكرهم وسوادهم ونجا من نجا منهم هارباً إلى الكوفة فرحل القرمطيان فيمن تخلّف عندهما وولوا أدبارهم. ودخل أبو مزاحم الكوفة وقص آثارهم حتى بلغ القادسية فلم يدركهم وعاد إلى الكوفة وزالت الفتنة وبطل ناموس القرامطة عند ذلك وذهبت

الهيبة التي اشرأبت النفوس منها. ولكل قوم سعادة تجري إلى أجل معدود وتنتهي إلى أمل محدود ثم تعود إلى نقصان وزوال وتغير من حال إلى حال إلا سعادة الدين فإنها إلى نماء فإذا انفصلت من دار الفناء اتصلت بدار البقاء.

وفي هذه السنة أفرج عن ورد الرومي ومن معه من الأسرى بسفارة زيار بن شهر اكويه.

شرح ما جرى عليه أمر ورد في الإفراج عنه وإصعاده إلى بلد الروم

قد تقدم ذكر القبض عليه في أيام عضد الدولة وبقي في الاعتقال إلى هذا الوقت فسفر زيار في إطلاقه وخاطب صمصام الدولة على اصطناعه فاشترطت عليه وله شروط وتوثق منه فيها ووثق له على الوفاء بها. وأما ما اشترط عليه فهو أن يعترف لصمصام الدولة بالصنيعة ويكون حرباً لمن حاربه سلماً لمن سالمه من المخالفين في الدين والموافقين عليه وأن يفرج عن جماعة المسلمين بين من أحاطت ربقة الأسر بأرقابهم أو طالت يد الحصر في أعناقهم ويعينهم على النهوض إلى بلادهم وحراستهم على طبقاتهم في نفوسهم وأموالهم وحرمهم وأولادهم وأن لا يجهز جيشاً إلى ثغر ولا يغضي العين لأحد من أصحابه في مثل ذلك على غدر وأن يسلم سبعة من حصون الروم برساتيقها من ومزارعها آهلة عامرة وأن يفي بقية ما عاش بجميع ما قرر معه واشترط عليه. وأما ما شرط له فالتخلية عن سبيله وحمايته من الأيدي الخاطفة حتى يخرج هو ومن في صحبته موفورين من البلاد التي تضمّها مملكة صمصام الدولة وأن يكون أمر الحصون إذا سلمها مجرى العادة المستمرة في حراسة أهلها وإقرارهم على أملاكهم وحقوقهم وإجرائهم في المعاملات والجبايات على رسومهم وطسوقهم. واستوثق من أخيه قسطنطين ومن ابنه أرمانوس بمثل ما استوثق منه وكتب بذلك كتب وسجلات استؤذن الخليفة الطائع للّه إمضائها في فأذن فيها وأمر بإحكام قواعدها ومبانيها. فلما استقرت القاعدة أفرج عنه وحمل إليه مال وثياب وجلس صمصام الدولة للقائه.

ذكر ترتيب جلوس صمصام الدولة بحضور ورد

قال صاحب التاريخ: عهدي بصمصام الدولة وجلس حتى يلقاه ورد ويشاهده ويخدمه ويشكره وقال: كان الوقت شتاء والدار ومجالسها مملوءة بالفرش الجليلة وستور الديباج النسيجة معلقة على أبوابها وغلمان الخيل بالبزَّة الحسنة والأقبية الملونة وقوف سماطين بين يدي سدته وكانت قد نصبت في السَّدلِيّ الذهب الذي تفتح أبوابه إلى البستان وإلى بعض الصحن والديلم من بعدهم على مثل ترتيبهم وزيهم إلى دجلة. وعبر ورد وأخوه وابنه في زبزب أنفذ إليهم يمشون بين السماطين إلى حضرة صمصام

الدولة وبحضرته كوانين من ذهب موضوعة فيها قطع العود توقد فلما قرب منه ورد طأطأ رأسه قليلاً وقبل يده ووضع له كرسي ومخدَّة فجلس عليهما. وسأله صمصام الدولة عن خبره فدعا له وشكره بالروصية والترجمان يفسّر عنه وله وقال قولاً معناه: قد تفضلت أيها الملك ما لا أستحقه وأودعت جميلاً عند من لا يجهله وأرجو أن يعين اللّه على طاعتك وتأدية حقوق فعلك. وقام ومشى الحجاب والأصحاب بين يديه كفعلهم عند مدخله وعبر في الزبزب إلى داره.

ذكر ما جرى عليه أمر ورد بعد إصعاده من بغداد

لما توجه تلقاء بلده استمال كثيراً من البوادي وأطمعهم في العطاء والإحسان وأخذ في المسير حتى نزل على ملطية وبها كليب عاملاً لملكي الروم عليها وكليب من أصحاب ورد (كما قد تقدم ذكره في المشروح الذي وجد بخط ابن شهرام) فأطاعه وحفظ عهده وسلم إليه ما كان معداً عنده فلم به شعثه وقوي به حزبه وعمل على المسير إلى ورديس بن لاون مظهراً حربه فترددت بينهما رسائل انتهت إلى تقرير قاعدة في الصلح على أن يكون قسطنطينية وما والاها من جانبها لورديس بن لاون وما كان في الجانب الآخر من البحر لورد واتفقا بعد توكيد الإيمان بينهما على الاجتماع وسار كل واحد منهما للقاء صاحبه فاجتمعا على ميعاد فلما تمكن منه ابن لاون قبض عليه.

ذکر غدر ورديس بن لاون بورد وقبضه عليه ثم مراجعته الحسنى بالإفراج عنه

كان ورد قد وثق بما أكده من العهود التي اطمأن إليها واعتقد ورديس بالبديهة أنه فرصة قد قدر عليها فغدر به وقبض عليه وحمله إلى بعض القلاع. فلما راجع رويته علم أنه أقدم على خطة شنعاء تبقى عليه سمة الغدر وتجلب إليه وصمة في الذكر وأجرى إلى فعله نكراً ينفر كل قلب عن معاهدته ويحمل كل قريب على مباعدته فاستدرك الأمر بتعجيل الإفراج عنه والاعتذار إليه وتجديد المواثيق معه فعادا إلى ما كانا عليه من الإلفة والاتفاق ودفعا أسباب الفرقة والشقاق. وانصرف ورديس فنزل بإزاء قسطنطينية منازلاً لباسيل وقسطنطين ملك الروم وقد اجتمعت الكلمة عليه وانضوى العساكر وأهل البلاد إليه وبقي الملكان في قل من الناس متحصنين بالمدينة وبحصينها.

ذكر تدبير لملكي الروم عاد به أمرهما إلى الاستقامة بعد الاضطراب

لما انتهت الحال منهما إلى الضعف راسلا ملك الروسية واستنجداه فاقترح عليهما الوصلة بأختهما فأجاباه إلى ذلك وامتنعت المرأة من تسليم نفسها إلى من يخالفها في دينها وتردد من الخطاب في ذلك ما انتهى إلى دخول ملك الروسية في النصرانية وتممت

الوصلة معه وهديت المرأة إليه فأنجدهما من أصحابه بعدد عديد وهم أولو قوة وأولو بأس شديد. فلما حصلت النجدة بقسطنطينية عبروا البحر في السفن للقاء ورديس وهو يستقلهم في النظر ويهزأ بهم كيف أقدموا على ركوب الغرر فما هو إلا أن وصلوا إلى الساحل وحصلوا مع القوم على أرض واحدة حتى نشبت الحرب بينهم واستظهر فيها الروسية وقتلوا ورديس وتفرقت جموع عساكره وثاب أمر الملكين إلى الاستقامة والاعتدال واشتد ملكهما بعد التضعضع والانحلال وراسلا وردا واستمالاه وأقراه على ولايته فأقام على جملته مديدة ثم توفي وقيل إنه سُم. وتقدم بسيل في الملك وظهر منه حسن سياسة وأضاء له رأي وقوة عزم وثبات قلب حتى أنه صبر على قتال بلغر خمساً وثلاثين سنة يواقعهم ويواقعونه والحرب لم تزل بينهم حتى ظفر بهم وملك ديارهم وأجلى عنها الجم الغفير عدله منهم وأسكنها الروم بدلاً عنهم. وشاع ذكره في ومحبته للمسلمين وطال أعده في بلادهم وملكه بالكف عن بلادهم وإحسان معاملته مع من يحصل في ممالكه منهم.

وفي هذه السنة هم صمصام الدولة بأن يجعل على الثياب الإبريسميات والقطنيات التي تنسج ببغداد ونواحيها ضريبة العشر في إتمامها.

ذكر السبب في ذلك

كان أبو الفتح الرازي كثر ما يحصل من هذا الوجه وبذل تحصيل ألف ألف درهم منه في كل سنة. فاجتمع الناس بجامع المنصور وعزموا على المنع من صلاة الجمعة وكان المدن تفتتن فأعفوا من أحداث هذا الرسم.

وفيها مات أبو العباس بن سابور المستخرج تحت المطالبة بالتعذيب والمعاقبة. فقيل إنه عرضت فتوى على أبي بكر الخوارزمي الفقيه مضمونها ما يقول الشيخ في رجل مطالب معاقب قد ترددت عليه مكاره هونت عليه الموت هل له فسحة في قتل نفسه وإراحتها مما تلاقيه. فكتب في الجواب: أنه لا يجوز ولا يحل فعله والصبر على ما هو فيه أدعى إلى تضاعف ثوابه وتمحيص ذنوبه. فلما انصرف حاملها قال بعض الحاضرين لزهير بن أبي بكر: هذه فتوى ابن سابور المستخرج. قال أبو بكر: ردوا حاملها. فردوه فسأله عنها فأخبر أنها لابن سابور فقال أبو بكر: قل له: إن قتلت نفسك أو أبقيت عليها فعاقبتك إلى الخسارة ومصيرك إلى النار.

وفيها اتصلت الأخبار بحركة شرف الدولة من فارس طالباً للعراق فأخرج إليه أبو عبد اللّه محمد بن علي بن خلف رسولاً وسفيراً في تقرير الصلح. فورد كتابه من الأهواز يذكر فيه أنه صادف شرف الدولة بها فبلغ ما تحمله من الرسالة فقوبل بالجميل الدال على حسن النية ووعد بإحسان السراح وضم رسول إليه ليقرر أمر الصلح والصلاح.

وبعد ذلك قبض على أبي الريان حمد بن محمد وعلى أصحابه وأسبابه.

ذكر السبب في ذلك

كان أبو الحسن علي بن طاهر قد استولى على أمور والدة صمصام الدولة بحكم كتابتها وعظمت حاله ومنزلته عندها وعند صمصام الدولة لأجل خدمتها. وقد تقدم القول بأن تملك النساء لأمور الدولة عائد عليها بعظيم الخلل فلا يزال بهن النقض والإبرام حتى تزيغ القلوب وتزل الأقدام. وكان ابن طاهر هذا وأبو عبد اللّه ابن عمه قد استوحشا من أبي الريان فأفسدا حاله عند صمصام الدولة واستعانا بالسيدة عليه وقرفاه بالميل إلى شرف الدولة وإن نفوذ ابن خلف لإصلاح أمره معه وما زالا يعملان الحيلة حتى تم القبض عليه.

ذكر ما جرى عليه أمر أبي الريان

حضر الدار على رسمه وجلس ينظر فيما جرت عادته بالنظر فيه. ومن غريب الاتفاق أنه فقد خاتمه في تلك الحال ولم يعلم كيف سقط من يده وطلب فلم يوجد ثم استدعى إلى حضرة صمصام الدولة وعدل به إلى الخزانة ووقع القبض عليه فكانت مدة وزارته هذه سبعة أشهر وأياماً. واستولى أبو الحسن وأبو عبد اللّه ابن عمه على الأمور وكان إليهما مصادر الأوامر في الأصول ونصبا أبا الفتح بن فارس وأبا عبد اللّه بن الهيثم لمراعاة الفروع وكانا يحضران في حجرة لطيفة في دار المملكة ويوقعان بإخراج الأحوال وإطلاق الصكاك واستيفاء الأموال وجرت الحال على ذلك إلى أن زال صمصام الدولة. وورد في أثر القبض على أبي الريان أبو نصر خواشاذه رسولاً عن شرف الدولة ومعه أبو عبد اللّه بن خلف فتلقاه صمصام الدولة في خواصه وقواده وأكرمه.

ذكر ما جرى عليه الأمر في وروده

قد كان أبو نصر هذا وأبو القاسم العلاء بن الحسن وأكثر الحواشي الذين مع شرف الدولة يحبون المقام بفارس لأنها وطنهم وبها أهلهم ونعمهم وفي جبلة البشر حب الأوطان واختيار الثواء بين الأهل والإخوان. وكان أبو الحسن محمد بن عمر يشير على شرف الدولة بقصد العراق وهم لا يتابعونه في الرأي على هذا الاتفاق ويقولون: غرضه العود إلى مستقر قدمه والرجوع إلى بلده وأملاكه ونعمه أن عضد الدولة منذ أعرض عن فارس وأقبل على العراق لم يكن له بال رخي ولا عيش هني. وكان شرف الدولة يوعيهم لهذا الأمر سمعاً ويحب المقام بشيراز طبعاً لأن فيها مولده وبها منشاه ولما قيل:

بلاد بها نيطت علي تمائمي***و أول أرض مس جلدي ترابها

فلذلك كانت كلمة هذه الجماعة عنده قوية ومشورتها لديه مقبولة مرضية. فلما

ورد عليه ما ورد من كتب صمصام الدولة ووالدته وأبي الريان ببذل الطاعة والبخوع بالتباعة والإذعان بإقامة الدعوة والتظاهر بشعار النيابة وجد هذا القول من قبله قبولاً وأنفذ أبو نصر خواشاذه لإتمام هذه القاعدة رسولاً وأصحبته تذكرة تشتمل على التماس الخلع السلطانية واللقب وإقامة الخطبة وانفاذ الأمير أبي نصر مكرّماً واستدعاء آلات وفرش وخدم وجوار عازماً على القناعة بذلك فلما حصل بالأهواز وأتته الدنيا طوعاً بإقبالها وألقت البلاد مفاتيح أقفالها بدا له من ذلك الرأي فعزم على قصد العراق مصمماً وسار نحو بغداد متمماً. وسيأتي ذكر ذلك في موضعه بإذن اللّه تعالى.

شرح الحال في مسير شرف الدولة من فارس واستيلائه على الأهواز وانصراف الأمير أبي الحسين عنها

لما عزم شرف الدولة على المسير من فارس كتب إلى الأمير أبي الحسين بالجميل والإحسان وبذل له إقراره على ما في يديه من الأعمال والبلدان وأعلمه أن مقصده بغداد لاستخلاص الأمير أبي نصر أخيه وأنه لا يحدث في الاجتياز في بلاده أمراً يضره أو يؤذيه. فلم يقع هذا القول من الأمير أبي الحسين موقع التصديق وعرض له من سوء الظن ما يعرض للشقيق. واتفق أن والدته توفيت وهي بنت ملك ماناذر ملك الديلم ولها الحسب الصميم والخطر العظيم وكانت تكاتب شرف الدولة وتجامله وشرف الدولة يجلها لبيتها الجليل ويراقبها لإذعان طوائف الديلم لها بالتبجيل فلما مضت لسبيلها خلا سابور بن کردويه بالأمير أبي الحسين فثناه عن هذه الطريقة.

ذكر رأي أشار به سابور على الأمير أبي الحسين في هذه الحال

قال له: إن هذه الكتب الواردة هي على وجه الخديعة والمكر وإذا اغتررت لم تأمن أن تحصل معه ه في حبائل الأسر فما سار من فارس إلا لطلب الممالك جميعها والاحتواء على عاصيها ومطيعها ولا يبدأ إلا بك وما لنا لا نحاربه ونقاتله ولنا من العسكر والعدة ما نقاومه ونماثله؟ فأصغى إلى قوله وعمل لأمر المحاربة معدّاً وشمر عن ساق المباينة مُجداً. فبينما هو في ذلك إذ ورد الخبر بنزول قراتكين الجهشياري أرجان على مقدمة شرف الدولة ونزل شرف الدولة أرجان وسار قراتكين إلى رامهرمز. وتبرّز الأمير أبو الحسين إلى قنطرة أربق وأنفذ أسفار بن كردويه إلى عسكر مكرم لضبطها وبدأ الديلم يتسللون إلى شرف الدولة لواذاً وتقطعت الكلمة المجتمعة جذاذاً وتحيّز الغلمان الأتراك إلى جانب من العسكر ونادوا بشعار شرف الدولة فأشرف الأمير أبو الحسين وسابور بن كردويه وأبو الفرج بن خسره على أن يوخذوا ويسلموا فعرَّج الأمير أبو الحسين إلى فورة الاختلاط على الجبل وسار من ورائه طالباً صوب المأمونية وراسل سابور بن كردويه

باللحاق به فلحقه بعد هنات جرت له حتى خلص إليه وثلثهما أبو الفرج أبن خسره وتبعهما غلام من غلمان داره فسار هو ومن معه طالبين حضرة فخر الدولة حتى وردوا أصفهان. فكتب منها إلى فخر الدولة وهو يومئذ بجرجان يشكون إليه أمره ويرجو منه نصره وكتب في جوابه وعداً لم يعقبه وفاء وأظهر له وداً لم يتبعه صفاء. ووقع له على الناظر بأصفهان بما قدرُهُ في الشهر مائة ألف درهم فاجتمع عنده بتطاول مقامه فل من الديلم الذين كانوا في جملته. وتبين له سوء رأي فخر الدولة فألبس عليه أمره وضل طريق الصواب عنه.

ذكر تدبير سيىء ألقى به نفسه إلى الهلاك

لما يئس من صلاح حاله أظهر لمن كان بأصفهان من الأولياء ما لا حقيقة له وأعلمهم أن بينه وبين شرف الدولة مراسلة استقر معها النداء بشعاره والانضواء إلى أنصاره واستمال قوماً من الجند المقيمين بها وعمل على التغلب على البلد. وكان المتولي لتلك الأعمال أبو العباس أحمد بن ابراهيم الضبي وند الخبر إليه فعاجل الأمر وقصد دار الأمير أبي الحسين في عدة قوية وأوقع به وانهزم من كان حوله من لفيفه وأسر هو وأبو الفرج بن خسره واعتقلا في دار الإمارة. وأما أبو الفرج فإنه قتل من يومه وأما الأمير أبو الحسين فإنه صفد وحمل إلى الري واعتقل بها مدة يسيرة ثم نقل إلى قلعة ببلاد الديلم ولبث فيها عدة سنين فلما اشتدت بفخر الدولة العلة التي قضى فيها نحبه أنفذ إليه من قتله.ويروي له بيتان قالهما في الحبس وكان يقول الشعر وهما:

هب الدهر أرضاني وأعتب صرفه***وأعقب بالـحسنى وفك مـن الأسر

فمن لي بأيام الشباب التي مضت***ومن لي بما قد فات في الحبس من عمري

وسار شرف الدولة من أرجان ودخل الأهواز وقد تمهدت الأمور فاطلق من كان اعتقله الأمير أبو الحسين من أصحابه وقبض على أسفار وعبد العزيز بن يوسف وعلى أصفهان بن علي بن كامة الوارد معه كامة الوارد معه وأخرج وأخرج العلاء بن الحسن إلى البصرة للقبض على الأمير أبي طاهر بن عضد الدولة وعلى من كان في جمله من الخواص فقبض عليه وعاد العلاء بن الحسن بعد تقرير أمر البصرة وأعيد إلى شيراز للمقام بها. واستدعي أبو منصور محمد بن الحسن بن صالحان وعول على أبي نصر سابور بن أردشير في مراعاة الأمور إلى أن يصل أبو منصور وأزمع شرف الدولة على المسير إلى العراق.

وفي هذه السنة ورد الخبر بوفاة ابن مؤيد الدولة فجلس صمصام الدولة للعزاء وبرز الطائع للّه لتعزيته.

قال صاحب التاريخ: عهدي بالطائع للّه وهو في دسته منصوب على ظهر حديدي وهو لابس السواد والعممة الرصافية السوداء وعلى رأسه شمسة وبين يديه الحجاب والمسودة وحول الحديدي الأنصار والقراء والأولياء في الزبازب. وقد قدم إلى مشرعة

دار المملكة من باب الميدان فنزل صمصام الدولة إليه وقبل الأرض بين يديه ورده بعد خطاب جرى بينهما في العزاء والشكر.

ودخلت سنة ست وسبعين وثلثمائة

فيها وقع الخوض مع أبي نصر خواشاذه في انجاز ما وعد به وإحكام قواعده ومبانيه فأجيب إلى جميع ما تضمنته التذكرة إلا انفاذ الأمير أبي نصر فإنه أرجى أمره إلى أن يستبين أمر الصلح.

ذكر ما تقرر الأمر عليه مع أبي نصر خواشاذه في ذلك

قررت أقسام الصلح على أقسام ثلاثة قسم منها يعم الفريقين وقسمان يخص كل فريق قسم منها. فأما الأمر الذي يعم فهو: تألف ذات البين حتى لا يدرك طالب نبوة مقصداً في تنفير وتصافي العقائد حتى لا يجد جالب وحشة مطعماً في تكدير فإن ظهر عدو مباين لأحدهما ناضلاه جميعاً عن قوس الموافقة والمساعدة ودافعاه بمنكب المظاهرة والمعاضدة. وأن يمنع كل واحد من تعرض ببلاد الآخر ولا يطمع فيها جنداً ولا يقطع منها حداً ولا يجبر منها هارباً ولا يأوى متحيزاً أو موازياً.

وأما ما يخص شرف الدولة: فهو أن يوفيه صمصام الدولة في المخاطبة ما يقتضيه فضل السن والتقديم ويلتزم من طاعته ما يوجبه حق الإجلال والتعظيم ويقيم له الخطبة على منابر مدينة السلام وسائر البلدان التي في يديه ويقدم بعد إقامة دعوة الخليفة دعوته عليه. وأما ما يخص صمصام الدولة: فهو أن يكف شرف الدولة عن سائر ممالكه وحدودها ويمنع أصحابه كافة عن طرقها وورودها وأن يراعيه في كل أمر يستمد فضله فيه مراعاة الأخ الأكبر لأخيه وتاليه.

وصدر كتاب المواضعة بالاتفاق على تقوى اللّه تعالى وطاعة الخليفة الطائع للّه وامتثال ما أمرهما به من الألفة على الشروط المذكورة وجعل على نسختين ختم أحدهما بيمين حلف بها صمصام الدولة معقودة بأن يحلف بمثلها شرف الدولة.

فلما تحرر ذلك جلس الطائع للّه وحضر الأشراف والقضاة والشهود ووجوه أصحاب صمصام الدولة وأبو نصر خواشاذه وقرئ كتابه إلى شرف الدولة وزين الملة بالتلقيب والتقليد وسلمت الخلع الكاملة واللواء. وندب أبو القاسم علي بن الحسن الزينبي الهاشمي وأحمد بن نصر العباسي الحاجب ودعي الحاجب للخروج من قبل الطائع للّه بذلك وأبو علي بن محمان من قبل صمصام الدولة برسالة جميلة مشتملة على خفض الجناح والاستمالة إلى الصلاح والإذعان بالطاعة والولاء والترقيق بالرحم والإخاء وسارت الجماعة على هذه القاعدة المذكورة. ووجد فيما خلفه أبو الحسن ابن حاجب

النعمان نسخة أخرى بمثل الذي تقدم ذكره واتصلت بها يمين واشتمل آخرها على لفظ شرف الدولة بذلك وأنه قد ألزم ذلك وأشهد اللّه عليه به وحلف باليمين المذكورة فيه. وعلى ظهرها بخط أبي الحسن ابن حاجب النعمان:

بسم اللّه الرحمن الرحيم: ثبت بحضرة سيدنا ومولانا الإمام الطائع للّه أمير المؤمنين أطال اللّه بقاه وأعز نصره وأدام توفيقه وكبت عدوه ما تضمنه الاتفاق المكتوب في باطن هذا الكتاب وصح عنده التزام شرف الدولة وزين الملة أبي الفوارس أمد اللّه تأييده لصمصام الدولة وشمس الملة أبي كاليجار مولى أمير المؤمنين أعز اللّه نصره ما شرح فيه بعد أن ألزم له مثله. فحكم مولانا أمير المؤمنين أعز اللّه نصره عليهما به وجمعهما إلى الائتلاف عليه في طاعته وخدمته وقطع به بينهما الفرقة والاختلاف. وأمر بهذا التوقيع تأكيداً لما تصافيا عليه والزاماً لهما الوفاء به وأنعم بعلامة بخط يده الكريمة في أعلاه والحكم الشريف النبوي في منتهاه واللّه عون مولانا أمير المؤمنين على ما التزماه وتوخياه. وكتب علي بن عبد العزيز بالحضرة الشريفة وعن الاذن السامي والحمد للّه حمد الشاكرين، علامة الطائع للّه «الملك للّه وحده» نقش الخاتم في الأسر نجم المسك والعنبر «الطائع للّه».

وأمر هذه النسخة عجيب لأن هذا الصلح لم يتم وما عاد به أبو نصر خواشاذه ونفذ فيه أبو علي بن محمان لم يلتئم وربما يكون ذلك فيما كتب بالأهواز وأنفذ إلى بغداد ثم انتقض واللّه أعلم.

ذكر ما جرى عليه أمر الرسل الخارجين إلى شرف الدولة

انحدرت الجماعة إلى واسط ومدبرها قراتكين الجهشياري فأكرمهم الكرامات الوافية وأقام لهم الإقامات الكافية وسار أبو علي على طريق الظهر. فورد كتاب شرف الدولة في أثر ذلك إلى قراتكين بالقبض عليه وحمله إلى الأهواز فركب في جماعة من الغلمان متبعاً له فلحقه بباذبين وقد نزل بها فقبض عليه وعلى جميع ما صحبه مما كان حمل إلى شرف الدولة ورده إلى واسط واعتقله ثم أنفذه وما كان معه على طريق البصرة. وتوجه أبو نصر خواشاذه في الماء إلى البصرة مع رسل الطائع للّه وتمم منها إلى حضرة شرف الدولة فوجده وقد تغير عما فارقه عليه من حاله وانقادت له الأمور انقياداً ألواه عما كان مائلاً إليه. وخلا به أبو الحسن محمد بن عمر فثناه إلى ما أراده فلم يكن لأبي نصر موضع قول إلا فيما علاً بناء هذا الرأي وشيده. وقد كان العمال والمتصرفون مضوا إلى شرف الدولة من كل بلد من أعمال العراق وتقدم أبو علي التميمي من واسط وتلاه أبو عبد اللّه بن الطيب من من النهروانات وأبو محمد الحسن بن محمد بن مكرم من الكوفة وقصد الناس حضرته على طبقاتهم من كل فج عميق ووافاه

الديلم والأتراك فوجاً بعد فوج وفريقاً إثرفريق. وكان نفوذ قراتكين الجهشياري إلى واسط على مقدمته بعد وصول أبي عبد اللّه بن الطيب فضمه إليه ناظراً في البلد وأعماله ومقيماً لنفقات قراتكين الجهشياري ورجاله. فمد ابن الطيب جناحه على الأعمال ويده إلى الأموال فلما حصل أبو محمد بن مكرم بالأهواز كثرت الأقوال على ابن الطيب فيما أخذه من النهروانات عند مفارقته لها وبواسط عند حصوله بها فأخرج أبو محمد بن مكرم للقبض عليه والنظر بواسط.

ذكر ما جرى الأمر عليه في ترتيب القبض على ابن الطيب واخفاء الحال فيه إلى أن تم

أنفذ أبو محمد من الأهواز وفي الظاهر أنه رتب في إقامة المير لشرف الدولة وعساكره بين الأهواز وواسط وفي الباطن قرر معه النظر بواسط والقبض على أبي عبد اللّه بن الطيب وإخوته فاصحب كتباً باطنة وظاهرة بذلك. فلما حصل بواسط واجتمع مع قراتكين وواقفه على ما ورد فيه قبض على الجماعة الحاضرين والغائبين في يوم واحد بتدبير دبره وبقوم قدم انفاذهم إلى كل من عاتباً على ميعاد قرره ومقدار وقته. ورأى أن يسلك مع أبي عبد اللّه على طريق المياسرة والمقاربة فاحتسب له بجميع الظاهر المأخوذ منه في جملة مال المطالبة واعتمد مع إخوته إظهار بعض التشديد والاستقصاء ثم سهل أمورهم عند التحقيق والاستيفاء وعلم أن أعمال السلطان عوارتي فتساهل و قارن و جامل وقارب. فمن أحسن فإنما يحسن لنفسه ومن أساء إنما يسيء إليها والعارية في الحالين مردودة وأيام لبثها عند المعار معدودة ومهما سلكه الإنسان من طريق فنجاحه فيه بهداية وتوفيق.

ذكر مسير شرف الدولة من الأهواز لما استتبت له الأمور بواسط

سار إليها في عساكر كثيرة بالجموع الظاهرة التجمل وكانت زينته وأهبته في صاحته من كل نوع على أحسن ما شوهد فقيل إن جماله كانت ثلاثة عشر ألف رأس وجمال عسكره أكثر من هذا العدد وغلمان خيوله مع الخدم الف وثمانمائة ما بين غلام وخادم إلى ما يتبع ذلك ويشاكله من كل ما يكون للملوك المخولين والسلاطين الممولين. يقول صاحب التاريخ هذا القول ويستكثر هذا القدر ولو أدرك هذه الدولة القاهرة ورأى سلطانها وغلمانها وأركانها وعدتها ورجالها وزينتها وأموالها لعلم أن الذي استكثره في قبيل الإقلال ولأقرّ أن البحر لا يقاس بالأوشال.

فلما استقر شرف الدولة بواسط سار قراتكين إلى دير العاقول ولما أجلت الأحوال بمدينة السلام حدر بالأمير أبي نصر بن عضد الدولة إلى حضرة شرف الدولة مع غلام من

الخواص. وزادت أمور صمصام الدولة اختلالاً وتناقصت حالاً فحالا وشعب الديلم حتى أحاطوا بداره مطالبين بالمال ورفعوا سجف المراقبة ونادى سلار سرخ بشعار شرف الدولة وثار العامة في عرض هذه الفتنة وكبسوا حبس الشرطة فأطلقوا من فيه وأذنت دولته بزوال وعقدته بانحلال ولم يزل الأولياء والحواشي والنظار والعمال يصيرون إلى حضرة شرف الدولة بالأهواز وواسط من غير احتشام ويقدمون من غير احجام فلما رأى صمصام الدولة ووالدته وأبو حرب زيار وفولاذ بن ماناذر ما قد انتهى الأمر إليه أجالوا الرأي بينهم.

ذكر رأي سديد رآه زيار في تلك الحال وأشار به على صمصام الدولة فلم يعمل به

أشار بالإصعاد إلى عكبرا ليعرف بذلك من هو معهم ممن هو عليهم ويتميز الآنس بهم من النافر عنهم وقال: إن الجيل كلهم في طاعتنا مخلصون وفي سلكنا منخرطون ولا بد من أن ينضاف إليهم قوم آخرون فإن رأيتم عدتنا كثيرة وشوكتنا قوية بحيث تنكافي في المقارعة أخرجنا ما في أيدينا من المال وأطلقناه للرجال وإن ضعفنا عن القراع وعجزنا عن الدفاع تممنا إلى الموصل وينضم أبو القاسم سعد الحاجب ومن العساكر إلينا ويكثر جمعنا ويقوى أمرنا. فإن الديلم والأتراك سيكثرون عند شرف الدولة ثم لا يزال بهم التنافس والتحاسد حتى يحدث بينهم التباين والتباعد وبإزائهم منك ملك تعلق به آمالهم وتطمح نحوه أبصارهم وهي الأيام والغير والقضاء والقدر والأمر يحدث بعده الأمر.

ذكر رأي آخر سديد أشار به فولاذ فلم يقبل منه

قال فولاذ: الصواب المسير إلى قرميسين والحصول في أعمال بدر بن حسنويه ومكاتبة فخر الدولة وكان في صلح صمصام الدولة بحسب ما نسجه ابن عباد بينهما واستمداد عسكر والمسير على طريق أصفهان إلى فارس والتغلب عليها. وفيها أخر: أين شرف الدولة وذخائره فليس بإزائنا في تلك الأعمال أحد يقاومنا ويدافعنا وإذا حصلنا بها لم يستقر لشرف الدولة قدم بالعراق ولم يستمر له على الاتساق ويضطرب أمره وتنحل قراه وينزل في الصلح على حكم اختياره ورضاه. فمال صمصام الدولة إلى رأي زيار في الإصعاد ووقع الشروع في ترتيب أسبابه ثم بدا له من ذلك

ذكر رأي خطأ استبد به صمصام الدولة في إسلام نفسه إلى شرف الدولة

لما رأى الخرق قد اتسع والأمر قد التبس ضاق صدره وقل صبره. وكل ملك لم

یکن صدره في النائبات رحيباً وصبره في الحادثات عتيداً ونفسه في المعضلات مديداً أوشك أن يضمحل شأنه ويولي زمانه. فعمل على اطراح ذلك كله والانحدار إلى شرف الدولة ونزل إلى زبزبه مستبداً برأيه غير ناظر في بصائره وواردا على أمر غير عالم بمصادر. فلما حصل تحت روشن زیار قدم إلى فنائه وتقدم باستدعائه فنزل إليه وعنده أنه يصعد إلى داره فلما لم يبصر لصعوده أثراً قال: إلى أين أيها الملك؟ قال: إلى أخي. قال: أو قد تغير رأيك عما كنا عليه. قال: نعم: قال: لا تفعل فإن الملك عقيم والخطب عظيم والملوك لا تصل أرحامها ولا ترعى للقربي ذمامها وفي إسلام النفوس أخطار وحسن الظن في مثل هذه المواطن اغترار فراجع فكرك وتبصر أمرك. فقال له: ما أرى لنفسي رأياً صواباً إلا ما عملت عليه. قال له: خار اللّه لك. ثم قال له صمصام الدولة: فعلى ماذا عملت أنت؟ قال: إذا كنت قد رأيت ذلك رأياً وأنت أنت لم أرغب بنفسي عن نفسك ولم يكن خوفي أعظم من خوفك. فقال له: أما أنت فلا أرى لك أن تضع يدك في يد شرف الدولة. وودعه وانحدر. فلما قرب من معسكر شرف الدولة وقد خيَّم بنهر سابس أنفذ من يؤذن بوصوله فوافى أبو نصر خواشاذه في زبزب وقرب من زبزبه وخدمه ثم قال له: الملك يتعرَّف خبر الأمير والحمد للّه على ما وفقه من هذا العزم الذي يبلغ فيه مراده. ثم صار إلى المشرعة وهناك دابة قد قدمت لأجله فركبها ونزل عند خيمة شرف الدولة وهو واقف ينتظره وبين يديه حواشيه وخواصه وقد ارتج المعسكر بالخبر. فلما وصل إليه قبل الأرض ثلاث مرات بين يديه وقرب منه فقبل يده فسأله شرف الدولة عن حاله في طريقه فاستصوب رأيه في وروده فأجابه صمصام الدولة جواباً شكره فيه وأراه قوة نفسه به. فوقف قليلاً ثم قال له شرف الدولة: تمضي وتغير ثيابك وتتودع من تعبك. فخرج من حضرته وحمل إلى خيمة وخركاه قد ضُربتا له بغير سرادق وفي صدر الخركاه ثلاث مخاد فدخل وجلس على المخدتين وأطرق اطراق الواجم وأبصر أمر غلطه فبان عليه أسف النادم: وأخرج أبو الحسن نحریر وأبو بكر البازيار إلى بغداد للاحتياط على ما في دار المملكة والخزائن والاصطبلات.

ذكر ما جرى عليه أمر زيار وفولاذ

لما انحدر صمصام الدولة ولم يبق لهما ملجأ أعيتهما الحيل وضاقت بهما السبل فحدّثا نفوسهما بالانحدار ووقع في قلوبهما حسن الظن لتبين مواقع الأقدار فغابت عنهما الآراء وظلت عليهما تلك الانحاء. وقام الرشيد فانحدر بعد صمصام الدولة على الأثر وحملا أمرهما على الغرر فأما زيار فإنه قُبض عليه بعيد وصوله وقتل وأما فولاد فاعتُقِل ثم حمل إلى قلعة نهر. وسار أبو علي التميمي من دير العاقول إلى مدينة السلام بعد انحدار صمصام الدولة فدخلها وسكن البلد وورد شرف الدولة ونزل الشفيعي في شهر

رمضان واجتمع في عسكره من الديلم الواردين والمقيمين تسعة عشر ألف رجل ومن الأتراك ثلاثة آلاف غلام فاستطال الديلم على الأتراك فوقعت بينهم مناوشة.

ذكر الفتنة التي جرت بين الديلم والأتراك

كان الديلم قد أعجبهم كثرتهم وغرَّتهم قوَّتهم فجرت منازعة بين نفر من الطائفتين في دار واصطبل جرَّت خطباً عظيماً

فإن النار بالعودين تذكى***وأن الحرب أولها كلام

فاجتمع الديلم بالحلبة وركب الغلمان وجرت بينهم حرب كانت اليد فيها للديلم وقيل إنهم ذكروا صمصام الدولة وهموا بانتزاعه

ذکر اتفاق سلم به صمصام الدولة من القتل بعد إشرافه عليه

قال أبو منصور أحمد بن الليث: حدثني صمصام الدولة قال: كنت في خركاه بالشفيعي وليس بيني وبين شرف الدولة إلا لبدُها وثوب خيمة تجاورها وقد ثارت الفتنة وذكرت في الديلم فسمعت نحریر الخادم يشير على شرف الدولة بقتلى ويقول: نحن على شرف أمر عظيم فما يؤمننا أن يهجم الديلم علينا وينتزعونه من أيدينا فيصير إلى الملك ونصير إلى الأسر. وشرف الدولة يمتنع عليه وعلى من كان يشد رأيه فلما زاد الأمر أقيم على باب الخركاه التي كنت فيها غلام بسيف وأظنه وصي بقتلي إن هجم الديلم فارتعت وأقبلت على القراءة في مصحف كان في يدي واستخلصت في الدعاء إلى اللّه تعالى بالخلاص ففضَّل اللّه بالسلامة وتفرق جمع الديلم.

ذكر تفريط جرى من الديلم في هذه الحرب حتى آل أمرهم إلى التشرد والهلاك

كان الاستظهار للديلم على الأتراك في أول الأمر لأنهم أفلتوا من أيديهم مولين فحملهم الحنق والطمع فيهم حين قلوا في أعينهم على تتبع آثارهم وتشوّشت مصافهم والديلم إذا اضطربت تعبيتهم بانت عورتهم فوجد الأتراك مجالاً من ورائهم وأمامهم فحملوا عليهم من وجوههم وظهورهم وكانت الدائرة على الديلم ولم يمض إلا ساعة حتى قتل منهم زهاء ثلاثة آلاف رجل وكرّ الغلمان إلى البلد فنهبوا دورهم واحتووا على أموالهم وقتلوا كل من أدركوه منهم وتشرد الديلم فبعض أصعد إلى عكبرا وبعض مضى إلى جسر النهروان ولاذ الأكثر منهم بخيم شرف الدولة.

وبان سداد الرأي الذي كان رآه زيار لصمصام الدولة في الإصعاد إلى عكبرا فلو أنه قبل منه لكان مع هذه الفتنة قد ثاب أمره إلى الصلاح لكن القدر غالب والتسليم للقضاء واجب.

ودخل شرف الدولة في ثاني هذا اليوم والديلم اللائذون به قد أحدقوا بركابه ونزل في المضارب تحت الدار الملكية. وركب الطائع للّه في غد في الحديدي مهنئاً له بالسلامة وتلقاه شرف الدولة إلى آخر دار الفيل فقبل الأرض بين يديه وعاد الطائع اللّه إلى الدار. ووقع الشروع في إصلاح ما بين الديلم والأتراك فيسر اللّه إتمامه وأخذت العهود على الطائفتين فتصالحوا وتواهبوا وتهذبت الأمور وجرت على الإرادة وكان ذلك من أقوى دلائل الإقبال والسعادة.

ذكر جلوس شرف الدولة للتهنئة وما جرى أمر صمصام الدولة عليه في الاعتقال

لما حضر عيد الفطر جلس شرف الدولة جلوساً عاماً ودخل الناس على طبقاتهم وجاء صمصام الدولة فقبل الأرض بين يديه ووقف من جانب السرير الأيمن وجاء بعده الأمير أبو نصر بن عضد الدولة وفعل مثل ذلك ووقف. وحضر الشعراء فأنشدوا وعرَّض بعضهم بذكر صمصام الدولة بما فيه غميزة عليه فأنكر شرف الدولة ذلك ونهض من المجلس. ولم يعرف لصمصام الدولة خبر بعد ذلك الموقف حتى قيل إنه حمل إلى فارس فاعتقل في القلعة وسيأتي ذكر ما جرى عليه الأمر في عليه الأمر في كحله ثم عود الملك إليه بفارس في موضعه بإذن اللّه.

ولما حصل شرف الدولة بمدينة السلام سأل عن أبي الريان وطلب فوجد ميتاً مدفوناً بقيوده في دار أبي الهيجاء عقبة بن عتاب الحاجب وكان سلم إليه بعد القبض عليه وأمر بقتله فقتله فأخرج من مدفنه وسُلّم إلى أهله.

وفي هذه السنة ورد الخبر بوفاة أبي القاسم المظفّر بن علي الملقب بالموفق أمير البطيحة واستقرار الأمر بعده لأبي الحسن علي بن نصر بالعهد الذي عهده إليه ما حسب تقدم ذكره وكتب إلى شرف الدولة ببذل الطاعة والخدمة ويسئل التقليد والتلقيب والخلع فأجيب إلى ذلك جميعه ولقب بالمهذب أولاً ثم بمهذب الدولة من بعد.

ذكر استقرار الإمارة بالبطيحة على الملقب بمهذب الدولة

لما توفي المظفر انتصب أبو الحسن علي بن نصر في موضعه. وكان أبو الحسن علي بن جعفر يفوته في كثير من الخلال سخاء وشجاعة وأبوة ولكنه قدمه ووطىء عنقه تمسكاً بالوصية التي أحكم المظفر عقدها وقلدهما عهدها. وكان مع تقديمه إياه ينزل نفسه منه منزلة المشارك في الأعمال والمشاطر في الأموال فأبقاه علي بن نصر وقاربه وأفرد له النواحي الكثيرة والمعايش الجليلة وخلى بينه وبين ارتفاعها. واستمرت الحال على ذلك (إلى) أن توفي علي بن جعفر فارتجع علي بن نصر ما كان في يديه سوى

أملاكه الصحيحة فإنه أقرها على ولديه. وتدرجت الأحوال لعلي بن نصر الملقب بمهذب الدولة في أفعاله الرضية إلى الرتبة العلية حتى عظم قدره وسار ذکره و استجار به الخائف فأجاره بأمانه ولاذ به الملهوف فوطأ له كنف إحسانه وسلك بالناس طريقة جميلة في العدل والإنصاف وصارت البطيحة معقلاً لكل من قصدها من الأطراف واتخذها الأكابر وطناً فبنوا فيها الدور وشيَّدوا فيها القصور وقصدها المسترفد والشعراء من كل صوب وفج إلى بابه فأوسعهم جوداً ونوالاً وإكراماً وإفضالاً. وكاتب ملوك الأطراف وكاتبوه وقاربهم وقاربوه وزوجه بهاء الدولة ابنته ونقلها إليه واستعان به في عدة أوقات فأعانه واستدان منه فأدانه وخطب له بواسط والبصرة وأعمالها وصرفت إليه الدنيا أعِنَّة إقبالها. وتوجت الأيام مفرق مفاخره بمقام القادر باللّه رضوان اللّه عليه في جواره فضاعفت له هذه المنقبة حسباً وصارت له إلى استحقاق المدح سبباً ولولا كرم نفسه وخيرها لما مدحت البطيحة ولا أميرها:

نفس عصام سوَّدت عصاما***وعودته الكر والإقداما

وهذه عقبى أفعال الخير فإنها تبلغ بصاحبها درجة تُوفي على آماله وتنتهي به إلى منزلة لا تخطر بباله فالسعيد من قدَّم عملاً صالحاً لأخراه وخلف ذكراً جميلاً في دنياه. وسيأتي ذكره ما تصرفت به الأمور في مواضعه بعون اللّه تعالى وحسن توفيقه.

ذكر ما اعتمده شرف الدولة من الأفعال الجميل عند استقراره بمدينة السلام

رُدّ على الشريف أبي الحسن محمد بن عمر جميع ما كان له في سائر البقاع من الأملاك والضياع وجدد عنده آثار النعمة والاصطناع فاستضاف ضياعاً إلى ضياعه وتضاعفت موارد ارتفاعه فكان خراج أملاكه في كل سنة ألفي ألف وخمسمائة ألف درهم يصححها في ديوان السلطان وناهيك بذلك ثروة حال وكثرة استغلال.

وردّ على الشريف أبي أحمد الموسوي أملاكه وأقر ابن معروف على قضاء القضاة وراعى لكل من الكتاب والمتصرفين معه وأدرّ عليه معيشة ورزقة ورفع أمر المصادرات وقطع أسبابها وذم طرق السعايات وسد أبوابها.

ذكر اتفاق عجيب دل على حسن نية وعاد بصرف أذية

ذكر أبو الفضل مهيار بن حاتم المجوسي أستاذ الدار أنه سلم إلى شرف الدولة مدرجاً فيه سعاية فوقف عليه وطواه وتركه على كرسي مخادّه ونهض من مجلسه وأنسه فلما كان بعد أيام ذكره فقال لي: يا أبا الفضل امض إلى ذلك المجلس واطلب مدرجاً تركتُه هناك. فمضيت إلى المكان فلم أجده وسألت عنه فلم أعرف خبره فعدت إليه

فأخبرته فشق عليه وشدد عليَّ في الكشف عنه فخرجت من بين يديه وأنا قلق لما رأيت من شغل قلبه وأحضرت كل حاضر في الدار وغائب عنها من الحواشي والفراشين وبالغت في الوعيد والتهديد وكدت أوقع ببعضهم. فبينما أنا في ذلك إذ حضر فراش ومعه قطعة من قرطاس وقال: وجدت الغزلان عند المخاد وقد أكل أكثره وبقيت منه بقية هي هذه: فدخلت إلى شرف الدولة وشرحت له ما قال الفراش وأريته القطعة الموجودة فلما تأملها سرى عنه وقال: هذه قطعة من المدرج وقد كنت عازماً على تعفية أثره لئلا يقف أحد على خبره فإذا كان الغزال قد كفانا أمره فقد أراد اللّه تعالى بذلك صرف الأذى عن الناس ولعن اللّه الشر وأهله. فانظر إلى آثار الخير ما أحسن موضوعها واصغ إلى أخبار العدل ما أطيب مسموعها وقسها بضدها من الشر والظلم تجد لهما منظراً فظيعاً ومسمعاً شنيعاً. فطوبى لمن حكم في التمييز سمعه وبصره ثم وفّق في الاختيار للأحسن وتتبع أثره.

ونظر أبو نصر سابور بن أردشير في الأعمال والمعاملات وغمس يده فيما انحل عن الديلم من الإقطاعات ونظر في الأمور ونفذها إلى حين ورود أبي منصور محمد بن الحسن بن صالحان على ما يأتي ذكره.

ودخلت سنة سبع وسبعين وثلاثمائة

فيها ورد الأمير أبو منصور وتلقاه الناس كافة من مدينة السلام إلى المدائن ثم تلقاه شرف الدولة إلى الشفيعي فدخل البلد على غاية الإكرام. وانتظمت الأمور على يديه كل الانتظام وطالب العمال بعمل المصالح وأخذهم بإقامة العمارات ووجد الأسعار متزايدة والأقوات متعذرة فرتب نقل الغلات من بلاد فارس في البحر وجد في حملها من كل بلد. واستتر سابور بن أردشير مدة ثم توسط أبو بكر الفرّاش حاله على أخذ الأمان له من أبي منصور فآمنه.

ذكر بعض أخلاقه وطرائقه

كان الغالب عليه فعل الخير وإيثار العدل وحسن الطريقة في الدين فإذا سمع الأذان بالصلاة ترك جميع شغله ونهض من مجلسه لأداء فرضه ثم عاد بعد ذلك إلى أمره. قال صاحب التاريخ: ما رأينا وزيراً دبر من الممالك ما الممالك ما دبره فإن مملكة شرف الدولة أحاطت بما بين الحد من كرمان طولاً إلى ديار ربيعة وبكر وعرضاً إلى الأحساء والرقة والرحبة وحلوان. وكانت له تجارات وحمولات بنيسابور تقبل توقيعاته عليها في المعاملات وأنه عرضت عليه رحال باستحقاق بعض الجند والحواشي فوقع بمالها على الموصل وعمان نصفين.

ونحن نقول كيف به لو أدرك زماننا ورأى هذه الدولة القاهرة التي تجول عساكرها وجُند ملكها في الأقطار نافذ بأمره فترد مشارع الخليج كما ترد مشارع جيحون وسراياها الآن بالخفار قاربة لورد النيل وكفى بما بين هذه الموارد الثلاث ممالك واسعة الطول والعرض. وأوامر وزيره نافذة فيها بالإبرام والنقض والدهماء ساكنة في جميعها برأيه وتدبيره والهيبة ضابطة لجميعها بسياسته وتقريره. وأين من يوقع على الموصل وعمان ممن يوقع على أعمال الشام وأقاصي خراسان! إن الفرق بينهما بعيد.

تريني السها وأريه القمر

وأي فخر في أن يقبل في بلاد المخالفين خط يكتب على معاملة تاجرية فإن يكن ذلك من جملة المناقب فأمرُ التجار إذاً أنفذ في المشارق والمغارب لأنهم يكتبون بالأموال الجمة على معاملاتهم فيكون أسرع في الرواج من مال الجباية والخراج. وإنما الفخر في نفاذ الأحكام على البلاد التي مهدتها السيوف للأقلام والملك ما قطر الدم من الصفائح في افتتاح أعماله ثم جرى المداد في الصحائف بإطلاق أمواله. وليس الصحائف بإطلاق أمواله وليس هذا موضع بسط المقال في ذكر هذه الفضائل ولكنا ننتهز الفرصة أولاً فأوّلاً في إقامة الشواهد والدلائل على تفصيل والدليل على تفضيل زماننا حسب ما قدَّمنا ذكره في صدر كتابنا هذا لتكون أقوالنا محققة بالبيان ودعاوينا مصدقة بالبرهان. فأحسن القول ما صاحبَهُ الصدق فزانه وأسوأه ما مازجه الكذب فشانه واللّه تعالى ولي حسن التوفيق بمنه.

ونعود إلى سياقة التاريخ. وفي هذه السنة ندب قراتكين الجهشياري لقتال بدر بن حسنويه وخلع عليه الخلع الجليلة وفيها السيف والمنطقة الذهب وخرج شرف الدولة إلى معسكره لوداعه.

ذكر ما جرى عليه أمر قراتكين في هذا الوجه

كان شرف الدولة مغيظاً على بدر بن حسنويه لانحرافه عنه وتحيزه إلى فخر الدولة فلما استقرت قدمه وقرب من طاعته كل جامح شرع في تدبير أمر بدر. وكان قراتكين قد جاز الحد في التبسط فرأى أن يخرجه في هذا الوجه فإما أن يظفر ببدر ويشفي منه صدره وإما أن يستريح من قراتكين فيلغي أمره فجرد معه من العساكر وأصحابه من الخزائن ما استظهر فيه وعرف تداريجه فاستعد واحتشد وتلاقيا على الوادي بقرميسين.

ذكر خدعة تمت لبدر على قراتكين وعسكره وتفريطهم وقلة حزمهم

لما توقعوا انهزم بدر حتى توارى عنه وظن قراتكين وعسكره أنه قد مضى على وجهه فنزلوا عن خيولهم وتفرقوا في خيمهم فلم يلبثوا ساعة حتى كر بدر راجعاً وأكب عليهم إكباباً أعجلهم من الاستعداد والتجمع وقتل منهم مقتلة عظيمة واحتوى على جميع ما في معسكرهم. وأفلت قراتكين بحشاشة نفسه في شرذمة من غلمانه وعاد في يومين إلى

جسر النهروان وتلاحق الفل به واحد بعد واحد وحمل إليه من بغداد ما لم به شعثه ودخل إلى داره. واستولى بدر بعد ذلك على أعمال الجبل وما والاها وقويت شوكته.

ذكر ما جرى عليه حال قراتكين بعد عوده في سوء تدبيره وما انتهى أمره إليه حتى آل إلى قتله

قد تقدم القول فيما كان حصل في نفس شرف الدولة منه لإسرافه في استعمال الدالة واستيلاء كتابه وأصحابه والتجاء كل متعزز إلى بابه. وعاد من الهزيمة المذكورة وقد زاد تجنيه وتغضبه وتضاعفت تبسطه وتسحبه وأغرى الغلمان بالتوثب في دار المملكة على الوزير أبي منصور حتى لقوه بالصعب وقالوا له: أنت كنت السبب في هزيمتنا بتأخيرك المال والسلاح والنجدة عنا. فلوطفوا ودفعوا عنه ثم وقع الشروع في إصلاح الحال بينالوزير وبين قراتكين فتم. وأسرَّ شرف الدولة من ذلك غيظاً فكتمه في قلبه وأمسك مُرويا في تدبير خطبه فلم تمض أيام حتى قبض عليه وقيد ثم قتل من يومه وأنفذ إلى داره من قبض على أصحابه وكتابه واحتاط على معاملاتهم وأسبابهم. وخاض الغلمان في الشغب لأجله فلما أيقنوا بقتله وأرضى أكابرهم تبعهم أصاغرهم فأمسكوا.

وقُدم طغان الحاجب بينهم وأقيم مقامه فيهم فلزموا بعد ذلك الطريقة السوية واستشعروا المراقبة والتقية.

ومن أعظم الأغلاط دالة الاتباع على السلاطين وإن سبقت خدمهم وسلفت حُرمهم فإنها مؤذنة بزوال نعمهم منذرة بورود مناهل الحمام. ومثل المدال على السلطان بتمكنه منه كمثل راكب الأسد فبينما تراه عزيزاً رفيعاً إذ صار بين براثنه ذليلاً صريعاً ألا وإن ذلك لمن أخطر المراكب وأحقها بسوء العواقب. وكفاك بقصة قراتكين تذكرة وتبصرة.

ولما تمهدت الأمور عُقد مجلس حضره الأشراف والقضاة والشهود وجددت التوثقة فيه بين الطائع للّه وبين شرف الدولة واستقر ركوب شرف الدولة إلى دار الخلافة.

ذكر ما جرى عليه الأمر في جلوس الطائع بحضور شرف الدولة

ركب شرف الدولة في الطيار بعد أن ضربت له القباب على شاطئ دجلة وزينت الدور التي عليها في الجانبين بأحسن زينة وجلس الطائع للّه جلوساً عاماً وخلع عليه الخلع السلطانية وتوجّه وسوّره وطوقه وعقد له بيده لواءين أسود وأبيض وقُرئ عهده بين يديه. وخرج من حضرته فدخل عليه أخته المتصلة بالطائع للّه وأقام عندها إلى وقت العصر ثم انكفأ إلى داره والناس مقيمون على انتظاره. ولما حمل اللواء تخرَّق وانفصلت منه قطعة فتطير من ذلك فقال له الطائع للّه: إنما حملت الريح منه قطعة وتأويل ذلك أن تملك مهب الريح.

وكان أبو عبد اللّه محمد بن أحمد معروفاً في جملة من حضر مع شرف الدولة فلما رآه الطائع للّه قال له:

مرحباً بالأحبة القادمينا أو حشونا وطال ما آنسونا.

فقبل الأرض وشكر ودعا وفي هذه السنة ورد الخبر بوفاة سعد الحاجب بالموصل.

ذكر ما جرى عليه أمر سعد بعد انحدار زيار من الموصل إلى أن توفي

لما أراد زياد الانحدار أقر سعداً على الحرب وأبا عبد اللّه بن أسد على الخراج فلم يلتأم ما بينهما وحصلا على وحشة. وورد شرف الدولة مدينة السلام فكاتب سعداً بإقراره على الأمر تأنيساً له وكان من عزمه أن يضربه بأبي علي التميمي بوعد سبق من شرف الدولة إليه فمات أبو علي وبطل ذلك. وعرف شرف الدولة ما يجري بين سعد وأبي عبد اللّه أسد بن من الخلف في الأمور فأمر باستدعاء ابن أسد وترتيب ابن أخيه في مكانه نائباً عنه وكتب سعد يذكر تضاعف ما تأخر للأولياء من أرزاقهم وفرط مطالبتهم بما اجتمع في استحقاقهم فعول به في الجواب على بقايا للموصل وأعمالهم بحسب ما ذكره ابن أسد بالحضرة. وأخرج إليه أبو سعد الحسن بن عبد اللّه الفيروز أبادي وأمر بمناظرة الديلم على النزول عن الفائت جميعه أو معظمه فما وصل أبو سعد إلى الحصباء خيَّم بها فحمل إليه سعد إنزالاً فلم يقبلها.

ذكر رأي سَيّىء لأبي سعد من رَدّ ما حمله ومكيدة لسعد تمت عليه

كان من غلط الرأي ما اعتمده أبو سعد من رد ما حمله إليه سعد من الإنزال فإن ذلك عاد بسوء ظنه فيه وأوجس في نفسه أنه لم يفعل ذلك إلا عن قاعدة أحكمت في طلب مكروهه. وكان الديلم يميلون إلى سعد ويطيعونه فأوحشهم من أبي سعد ووضعهم باطناً على الإيقاع به فشغبوا وراسلوا سعداً: بأنك لم تزل تعدنا وتمطلنا بورود من يرد من حضرة السلطان للنظر في أمورنا وقد ورد هذا الرجل وما رأينا وجهاً لما كنا نتوقعه وبلغنا أنه معوّل على المسير إلينا لاستنزالنا عن أموالنا وإرضائنا من البقايا وهذا مما لا نقنع به. فأجابهم جواباً ظاهراً أسكتهم به وراسل أبا سعد بأن: الصواب أن ترفق بهم إذا راسلوك رفقاً لا تلين لهم فيه وتستوفي عليهم استيفاء لا تنفّرهم به. فلما حضره رُسلهم غلظ في جوابهم فوثبوا به وهموا بقتله فهرب وألقى نفسه إلى دجلة فاستنقذ منها إلى بعض السفن وهو مجروح وعبر إلى الجانب الشرقي إلى أن سكنت النائرة ثم ردَّه

سعد الحاجب وأنزله داره وأمر بمداواته مما به. ومضت أيام فاعتل سعد الحاجب وقضى نحبه (وقيل إن أبا سعد الفيروز أباذي واطأ بعض خواصه على سمه) فلما توفي ظهر أبو سعد وجلس في داره واحتاط على ماله وتولى الأمور إلى أن وصل إليه من الحضرة من اجتمع معه على تحصيل التركة وحملها.

وأخرج أبو نصر خواشاذه إلى الموصل لحفظ أكنافها وزمَّ أطرافها.

وتجدد لباد بن دوشنك مع وفاة سعد الحاجب طمع في التغلب على البلاد فصار إلى طور عبدين وهو جبل مطل على نصيبين.

ذكر ما جرى عليه أمر أبي نصر خواشاذه مع باد عند إصعاده من الموصل

لما عرف أبو نصر الخبر دعته الضرورة لقصد نصيبين لدفع باد فكتب إلى الحضرة يستمد ويستنجد فأمد وأنجد بما هو غير كاف وخاف أن حاله يجري مع باد على ما جرت عليه حال أبي سعد بهرام وأبي القاسم سعد فاستدعى بني عقيل واستدناهم وعوَّل في حرب باد عليهم لأنهم أخف خيولاً وأسرع خروجاً وقفولاً والأكراد خيولهم بطاء وعددهم للحرب ثقال.

ذكر رأي رآه أبو نصر في إقطاع البلاد حين تعذرت عليه وجوه الإطلاق

كان الوزير أبو منصور يقصده لشغب بينهما فأخر أمره وعللّه بالمواعيد ثم كان قدر ما حمله له بعد تلك المواعيد المكررة ثلاثمائة ألف درهم وأين يقع ذلك القدر من مثل هذا الخطب! وكان أبو نصر يعلل من معه بوصول الحمل فلما عرف مبلغه رأى أن يكتم أمره خوفاً أن يظهر فتنقطع الآمال وتتفرق الآجال ويهجم عليه باد فينهزم بأسوأ حال. فعدل إلى تفرقة البلاد على العرب وتسليمها إليهم وقال: هذه بلاد بإزاء عدوّ وقد استفحل أمره وإذا حصلت لهؤلاء العرب دفعوا عنها في عاجل الحال لنفوسهم دفع القوم عن حريمهم فإن قوي أمر السلطان كان انتزاعها من أيديهم أسهل من انتزاعها من يد باد. فكان الواحد منهم يكتب قصة ويسأل فيها إقطاعه الخربة الفلانية (وتكون ضيعة جليلة) فيوقع له بها من غير إخراج حال ولا تعرف ارتفاع وارتفق كاتبه على ذلك أموالاً جمة.

ذكر حيلة سحر بها باد عين من بإزائه واسترهبهم

كان يقيم البقر على رؤوس الجبال ويجعل بينها رجالة يبرقون بالسيوف والحراب فإذا شوهدوا من بعد ظنوا رجالاً فلا يقدم العسكر على الصعود إليهم. فاتفق أنه نزل أخ

لباد وقاتل قوماً من العرب فقتل وبلغ قتله من باد كل مبلغ وضعف أمره فبينما هو في ذلك إذ ورد الخبر على أبي نصر بوفاة شرف الدولة فكتمه وعاد إلى الموصل فأظهر فيها العزاء به. وانفسخ باد وأصحابه وتمكن من طور عبدين واستضافها إلى ديار بكر ولم يقدم على الإصحار خوفاً من العرب فصار الجبل له والسهل لبني عقيل ونمير. وكان أبو نصر على إصلاح أمره ومعاودة حرب باد إذ أصعد إبراهيم وأبو عبد اللّه الحسين ابنا ناصر الدولة إلى الموصل. وسيأتي ذكر ما جرى عليه أمرهم من بعد بإذن اللّه تعالى.

ودخلت سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة

فيها قبض على شكر الخادم من الموضع الذي كان مستتراً فيه وحمل إلى حضرة شرف الدولة وعلى أبي منصور أحمد بن عبيد اللّه بن المرزبان الشيرازي لأجله.

شرح الحال في ذلك

كان شكر قد أسلف إلى شرف الدولة ما أوحشه وتولى إبعاده عن بغداد إلى كرمان في حياة عضد الدولة وقام بأمر صمصام الدولة فحقد عليه شرف الدولة فلما انحل أمر صمصام الدولة ووقع اليأس منه خاف شكر. وكان أبو منصور أحمد بن عبيد اللّه بن المرزبان الشيرازي صديقاً خصيصاً له فقال له: شرف الدولة قد أقبل وأرى الاستظهار لنفسي بالاستتار ثم اعمل الحيلة في الخروج عن البلد فأعد لي موضعاً عندك لأصير إليك. فقال له أبو منصور: أما حصولك في داري فلا يخفى لكثرة من يطرقها ولكن اختار لك مكاناً منه. فلما كان في الليلة التي انحدر فيها صمصمام الدولة إلى شرف الدولة استدعي من قبل أبي منصور من يصير به ليلاً إلى الموضع الذي أعده. فأنفذ إليه زوجته بنت أبي الحسين بن مقلة ونزل شكر في سمارية وأصعد إلى الجسر كأنه ماض إلى عكبرا ثم انتقل إلى سمارية أخرى مع المرأة ولبس خفاً وإزاراً كان قد استصحبهما وصارت به إلى دار أبي بكر محمد بن موسى الخوارزمي الفقيه فأقام بن موسى الخوارزمي الفقيه فأقام عنده مديدة. ففطن عنده مديدة. ففطن به فانتقل إلى دار رجل بزاز في رحبة خاقان يعرف بابن هارون وكان أبو منصور الشيرازي يثق به.

ذكر رأي سديد رآه البزاز وقبله شكر ثم خالفه فيه من بعده

قال له: أيها الأستاذ ملاك أمرك وأمري في سترك أن أتولى خدمتك ولا يدخل إلى بيني وبينك وبين هذه المرأة (إشارة إلى زوجته) رابع. فقال: افعل. فقام الرجل بخدمته فلما مضت مدة راسل شكر أبا منصور وقال له: لي جارية حبشية وأنا أثق بها وأريد أن تتولى خدمتي. فأجابه: بأنني لا آمن عليك. فراجعه حتى استقر الأمر على إحضارها فأحضرت وأقامت معه. وكان قد علق قلبها بهوى فكانت تأخذ من الدار المأكول وغيره وتخرج إلى حيث يدعوها هواها وربما احتبست في أكثر الأوقات فلحق

شكراً ضجر من فعلها ومنعها من الخروج فلم تمتنع.

ذكر فساد رأي شكر فيما دبر به أمره

لم يقنع بما غلط فيه من الخروج بسيره إلى غير أهله وقد قيل في المثل «لا تفش سرك إلى أمَةٍ» حتى غلط ثانياً بالضجر في غير وقته فإنه لما كثر ضجره منها رماها في بعض الأيام بحميدي أصاب به وجهها فخرجت من الدار غضبي ومضت إلى باب شرف الدولة وصاحت «النصيحة النصيحة» فسئلت عنها فقالت: لا أقولها إلا له. فأدخلت الدار وأخرج إليها بعض خواص الحاشية فأخبرته بحال شكر فرتب مع صاحب المعونة من الخواص من يمضي للقبض عليه فقالت: قد جرى بيني وبينه نفرة وربما استوحش وانتقل فابدؤوا بدار أبي منصور الشيرازي. ففعلوا ذلك فما شعر أبو منصور وهو قاعد في داره عند حرمه إلا بهجوم القوم عليه بغتة فقبض عليه وفتشت الدور والحجر فلم يوجد شكر. فمضوا إلى دار البزاز وكبسوها وأخذوا شكراً منها وحملا جميعاً إلى حضرة شرف الدولة فأما شكر فإن نحریراً استوهبه قبل وصوله فوهبه له وعدل به إلى داره وأحسن إليه. ومضت مديدة وحضر وقت الحج فسأله الاستئذان له في الحج فأذن له وخرج ثم عدل عن مكة إلى مصر وحصل عند صاحبها. وأما أبو منصور فإنه اعتقل فتلطف الوزير أبو منصور بن صالحان في أمره.

ذكر تدبير لطيف عمله الوزير أبو منصور في خلاص أبي منصور الشيرازي

قال لشرف الدولة: هذا رجل إليه ديوان الضياع وعليه علق وحسبانات وأنا آخذه إلى الديوان وأتولى محاسبته ومطالبته بما عليه. فسلم إليه ونقله إلى حجرة تجاور داره وأولاه الجميل ثم توصل إلى اطلاقه بعد شهور.

ولم يوجد في بقية أحداث هذه السنة ما فيه ذكر تدبير وسياسة.

ودخلت سنة تسع وسبعين وثلثمائة

فيها أنفذ الطائع أبا الحسن علي بن عبد العزيز ابن حاجب النعمان كاتبه إلى دار القادر باللّه رضوان اللّه عليه وهو أمير للقبض عليه فخباه اللّه تعالى منه.

ذكر السبب في ذلك وما جرى عليه الأمر فيه

لما توفي اسحق بن المقتدر باللّه والد القادر باللّه رحمة اللّه عليهم جرى بينه وبينأخته آمنة بنت معجبة منازعة في ضيعة وطال الأمر بينهما وعرضت للطائع للّه علة أشفى منها ثم ابلّ. فسعت آمنة بأخيها القادر باللّه إلى الطائع للّه وقالت له: إنه شرع في

تقلد الخلافة عند علتك. فظن ذلك حقاً وتغيّر رأيه فيه وأنفذ أبا الحسن ابن حاجب النعمان وأبا القاسم بن أبي تمام الزينبي العباسي الحاجب للقبض عليه فاصعدوا في الماء إلى داره بالحريم الطاهري. فحكى القاضي أبو القاسم التنوخي عن صفية بنت عبد الصمد بن القاهر باللّه قالت: كنت في دار الأمير أبي العباس تعني القادر باللّه يوم کبست بمن أنفذه الطائع للّه وقد جمع حرمه في غداة هذا اليوم وكنت معهن فقال لنا: رأيت البارحة في منامي كان رجلاً يقرأ علي (الَّذِينَ قال لهم: النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَنَا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّه وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173] وقد خفت أن يطلبني طالب. وهو في حديثه إذ شاهد زبزب بن حاجب النعمان قد قدم إلى درجة داره فقال: إنا للّه هذا حضور مريب بعقب هذا المنام. وصعد القوم من الزبزب إليه وتبادرنا إلى وراء الأبواب فقالوا له: أمير المؤمنين يستدعيك. فقال: السمع والطاعة. وقام فقال له: أبو الحسن: إلى أين؟ فقال: ألبس ثياباً تصلح للقاء الخليفة. فعلق بكمه ومنعه فبرزنا إليه وأخذناه من يده ونزل إلى سرداب في الدار ووقفنا في صدره حتى تخلص وعاد القوم إلى الطائع للّه وعرَّفوه الحال.

وانحدر القادر باللّه بعد ذلك مستخفياً إلى البطيحة فأقام عند مهذب الدولة إلى أن عقدت له الخلافة. وجعل علامته حين تقلد الأمر (حَسْبُنَا اللّه وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) تبرُّكاً بالرؤيا التي رآها.

ومن بعد هذه الحكاية نقول إن اللّه تعالى إذا اصطفى عبداً أظهر عليه آثار الكرامات ودل على اصطفائه بالآيات والعلامات وإذا اختاره لأمر هيأ له أسبابه وفتح عليه أبوابه ونجاه من كل سوء يخشاه وجعل إلى الخير مآله وعقباه. قال سبحانه في محكم التنزيل (وَيُنَجِّى اللّه الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [الزمر: 61].

وفي هذا الوقت أخرج محمد الشيرازي الفراش لكحل صمصام الدولة.

ذكر ما جرى عليه الأمر في ذلك

كان نحریر الخادم يحض شرف الدولة على قتل صمصام الدولة ويقول له: إنه ملك قد قعد على السرير ولا يؤمن الدهر وحوادثه ودولتك مع بقائه على خطر. فيعرض شرف الدولة عن هذا القول فلما اعتل وأشفى الح عليه في ذلك وقال له: إن لم تر القتل فالكحل إذاً. فاخرج محمد الفراش لسمل صمصام الدولة وسلم إليه شيئاً أمر بأن يكحله به ثلاثة أيام كحلا ويشد عليه عينيه فمضى الفرّاش فقبل أن يصل توفي شرف الدولة. فحصل الفراش بسيراف والقلعة التي فيها صمصام الدولة كانت من أعمالها وعاملها رجل يهودي يسمى روزبه فذكر الفراش للعامل ما ورد فيه فقال: هذا أمر قد بطل حكمه مع وفاة شرف الدولة ولا يجوز تمكينك منه إلا بعد إعلام أبي القاسم

العلاء بن الحسن الناظر. فكتب إليه يستأذنه فعاد جوابه بتمكينه مما ورد فيه فقصد القلعة وكحل صمصام الدولة بما صحبه فذهب ناظره.

ذكر قلة حزم في استرسال عاد على صاحبه بوبال

كان في جملة الموكلين بصمصام الدولة فراش يسمى بنداراً وقد أنس به لتطاول المدة فقال له: قول المترثي: كيف الملك ؟ فقال له: بالاسترسال: قد بقيت من نظري بقية أبصرُ بها من تلك الكوَّة. فأعاد بندار قوله على محمد فاجتمعا على أن يحصا عينيه بمبضع. فلما عاد صمصام الدولة إلى الملك بفارس رام بندار أن يخدمه على رسمه فأمر صمصام الدولة بأن يكون مع الستريين بالبعد منه فقال بندار. هكذا أستحق من الملك بعد خدمتي له وصحبتي معه؟ فأعيد قوله عليه فقال: أما يرضى بالإبقاء عليه حتى يدلُّ بهذه الدالة. واتصل الحديث بالأمير أبي طاهر واطلع على قصته فأمر بأخذه وصلبه فصلب. وكان صمصام الدولة يقول: ما سلمني إلا العلاء بن الحسن فإنه أمضى في أمر ملك قد مات. ولما قبض عليه واقفه على ذلك ثم عفا عنه. وحصل محمد الفراش ببغداد فلما ورد عميد الجيوش أبو علي الحسن ابن أستاذ هرمز من العراق قال: أريد أن أشفي صدري بقتله جزاء له على سوء فعله. فهرب منه إلى مصر وأقام بها إلى أن مات عميد الجيوش.

وفي هذه السنة توفي شرف الدولة وقام الأمير أبو نصر مقامه في الملك.

ذكر ما جرى عليه الأمر في علة شرف الدولة واستقرار الأمر للأمير أبي نصر بعده

اعتل شرف الدولة العلة التي توفي فيها وكانت من استسقاء فلما اشتدت به ندب أبا علي ولده إلى الخروج إلى فارس للنيابة عنه بها وأخرج معه والدته وجماعة من حرمه وأصحبه جلّ عدده من مال وسلاح وضم إليه عدداً كثيراً من وجوه الأتراك. وعلى أثر انحدار ولده غلب عليه المرض حتى غلب اليأس منه على الرجاء فيه فاجتمع وجوه الأولياء وراسلوه باستخلاف الأمير أبي نصر فيهم إلى أن يبل من مرضه فأجابهم إلى سؤالهم وروسل الأمير أبو نصر بالحضور فامتنع وأظهر القلق والجزع. واستقرت الحال على إظهار استخلافه في غد ذلك اليوم وغدا الناس إلى دار المملكة لذلك. فجرى من بعض القواد والخواص مطالبة باستحقاقهم خرجوا فيها إلى التشديد فتقوّض الجمع من غير تقرير أمر. وعاجلت شرف الدولة منيته فقضى نحبه وكُتم أمره ليلة واحدة وأصبح الناس وعند أكثرهم خبره واجتمع العسكر فطلبوا الأمير أبا نصر برسم البيعة وتردد الخوض معهم في أمر العطاء ومبلغ ما أطلق لكل واحد منهم. فتولى خطابهم بنفسه وأعلمهم خلو الخزائن من المال الذي يعمهم ووعدهم بكسر ما فيها من الأواني

والصياغات وضربها عينا وورقا وصرفا إليهم وأطل المساء وراحوا إلى منازلهم من غير استقرار وباكروا الغدو إلى الدار فوجدوا الأمير أبا نصر قد أظهر المصيبة وجلس للتعزية فأمسكوا عن الخطاب.

و خرج تابوت من شرف الدولة وتقدم للصلاة عليه أبو الحسن محمد بن عمر العلوي وحمل إلى المشهد بالكوفة. فكان مقام شرف الدولة ببغداد سنتين وثمانية أشهر وأياماً وعاش ثماني وعشرين سنة وخمسة أشهر ثم بلغ الكتاب أجله ودعاه الداعي فاستعجله وبزّته المنية ثوبي ملكه وشبابه واختطفته من بين حشمه وأصحابه فمضى غضاً طرياً إما سعيداً وإما شقياً في سبيل لا بد للخلائق من سلوكها ولا فرق فيها بين سوقتها وملوكها ولربما كانت السوقة أخف ظهوراً وأسرع في تلك الغمرات عبوراً. فأف لدار هذه صورة سكانها ولشجرة هذه ثمرة أغصانها لقد ضل من اتخذ هذه الدار قراراً واستطاب من هذه الشجرة ثماراً فطوبى لمن قصَّر في الدنيا أمله وأصلح للآخرة عمله. قال اللّه تعالى: (إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَوةُ الدُّنْيَا مَتَعُ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ﴾ [غافر: 39].

و ترددت بين الأمير أبي نصر وبين الطائع للّه مراسلات انتهت إلى أن حلف كل واحد منهما لصاحبه على الصفاء والوفاء وركب الطائع للّه من غد للعزاء.

ذكر ما جرى عليه الأمر في ركوب الطائع للّه للتعزية

قدم الطيّار على باب الدرجة وفرش سطحه بدبیقی وعليه مقرمة ديباج حمراء منقوشة ووسطه بديباج أصفر وعليه مقرمة دبيقية ووقف الغلمان الأتراك الأصاغر بالسيوف والمناطق في دائر المجلس الأوسط ووافى حجاب شرف الدولة الأتراك والمولّدون في الزبازب بالثياب السود والسيوف والمناطق وكل منهم قائم في زبزبه واجتمع من السفن التي فيها العامة عدة كثيرة. وخرج الطائع للّه من داره وتحته فرس صنابي بمركب خفيف وسرج مُغرى أحمر وعليه قباء ملحم أسود وعمامة خز سوداء على رُصافية وهو متقلد بسيف وبين يديه خمسة أرؤس فوق سروجها جلال الديباج ونزل إلى الطيار فجلس في المجلس الأوسط على المقرمة في الدست على خلاف عادة الخلفاء فإنهم كانوا يجلسون على سطح حرّاقة وبين يديه مجلس طيار وقيل إنه فعل ذلك لأنه كان في عقيب علة وأراد أن يخفى ما بوجهه من آثارها.

فوقف بين يديه أبو الحسن علي بن عبد العزيز كاتبه ودجي خادمه والعباس حاجبه وسار الطيار إلى دار المملكة بالمخرم فنزل الأمير أبو نصر متشحاً بكساء طبري والديلم والأتراك بين يديه وحواليه إلى المشرعة التي قدّم إليها الطيار وقبل الأرض وصعد أبو الحسن بن عبد العزيز إلى الأمير أبي نصر فأدى إليه رسالة عنه بالتعزية فقبل الأرض ثانياً ودعا وشكر. وعاد أبو الحسن إلى حضرة الطائع للّه وأعلمه شكره ودعاءه

وعاود الصعود إلى الأمير أبي نصر لوداعه عن الطائع للّه فأعلمه شكره ودعاءه فقبل الأرض ثالثاً وانحدر الطيار على مثل ما أصعد وعاد الأمير أبو نصر إلى داره.

ثم ركب الأمير أبو نصر بعد خمسة أيام إلى حضرة الطائع للّه فخلع عليه الخلع السلطانية ولقبه بهاء الدولة وضياء الملة وقرئ عهده بين يديه بالتقليد وقدم إليه فرس بمركب ذهب وقيد بين يديه آخر بمثل مركبه وسار العسكر حواليه إلى باب الشماسية في القباب المنصوبة ونزل إلى الطيار وانحدر إلى دار المملكة.

ذكر ما دبره بهاء الدولة عند قيامه بالملك

أقر الوزير أبا منصور بن صالحان على الوزارة وأصحاب الدواوين وغيرهم على ما كان إليهم ثم صرف أبا سعد بن الخياط عن ديوان الإنشاء مع مد يده وعوّل فيه على أبي الحسن علي بن محمد الكوكبي المعلم وخلع عليه الطائع للّه وكناه ولقبه بالكافي وكانت الخلعة دُرّاعة دبيقية وعمامة قصب وحمله على فرس بمركب. وقبض على نحریر الخادم وأبي نصر بن كعب فاعتقلا ثم قتلا.

فأما نحریر فكان هلاكه على يد الحسين الفراش فأما أبو نصر بن كعب فعلى يد أبي الحسن الكوكبي.

شرح الحال في ذلك

كان بهاء الدولة شديد الميل إلى نحریر كثير الثناء عليه فلما توفى شرف الدولة أراد منه أن يجري في خدمته على ما كان عليه في خدمة شرف الدولة فامتنع نحریر وتظاهر بلبس الصوف واجتهد معه كل الاجتهاد مراسلة بالشريف أبي الحسن محمد بن عمر والوزير أبي منصور محمد بن صالحان ومشافهة بنفسه فما أجدى معه نفعاً.

ذكر ما ارتكبه نحریر من اللجاج حتى آل به شر مآل

لم تزل الحكماء وأولو العقول الراجحة يحذرون ركوب مطبة اللجاج فإنها كثيرة الكبوة والنفور تلقي صاحبها إلى الورطة والثبور. قال أبو نصر الحسين بن الحسن المعروف بالاستاذ الفاضل: كنت قائماً بين يدي بهاء الدولة وهو يخاطب نحريراً ويقول له: لا تزهد في مع رغبتي فيك فأنا أولى بك على ما كنت عليه من قبل. ونحرير يقبل الأرض ويستعفي إلى أن انتهى بهاء الدولة إلى أن قال له: باللغة الفارسية وقد دمعت عيناه: افعل للّه. فأقام نحریر على أمر واحد في اللجاج الذي لا يقابل الملوك بمثله وانصرف من بين يديه ودخل الحسين الفراش بعد ساعة وقال: قد طلب نحریر عشرين ألف درهم من الخزانة. فقال: احملوها إليه.

ذكر حيلة عملها الحسين الفراش نفّر بها قلب بهاء الدولة من نحریر حتى أمر بالقبض عليه

لما حملت الدراهم إلى نحرير عاد الحسين الفراش وقال: عرفت أنه معول على الهرب في هذه الليلة وأنه أخذ الدراهم وجعلها في أكياس نفقة الطريق. فانزعج بهاء الدولة لذلك وسهر ليلته يراعيه وينفذ فراشاً بعد فراش إلى داره ليعرف ما هو فيه إلى أن أسفر الصبح ولم يكن لما ذكره الحسين الفراش أصل وإنما أراد الإغراء به. وعطفت الجماعة بعد ذلك على بهاء الدولة باللوم له ولا سيما أبو الحسن بن عمرو فإنه كأنه كان عدواً لنحرير وقال: أيها الملك قد أسرفت في مداراة هذا الخادم أسرافا يشيع ذكره وأصرَّ على مخالفتك اصراراً يصغر عنه قدره. وما زالوا بهذا القول وأمثاله حتى غيروا رأيه في نحرير وزادوا غيظه منه. فحضر نحرير بعد أيام ومعه أبو نصر بن كعب وكان خصيصاً به وأبو الحسن محمد بن عمر وأبو منصور الوزير وأبو سعد بن الخياط في الحجرة مجتمعون فأذن بهاء الدولة في القبض عليه. ورأى أبو نصر أمارات التغير والتنكر فأشار إلي بيده وقال: ما الخبر. فأومأت إليه بالقيام فقام وتبعه أبو سعد بن الخياط وأخذ أبو نصر بن كعب إلى الخزانة فاعتقل فيها. وبقي أبو الحسن محمد بن عمر ونحریر فقال له محمد بن عمر: يا هذا قد أسرفت في الدولة ومن أنت وما قدرك حتى تمتنع من خدمة هذا الملك العظيم ؟ فأغلظ له في القول ونحریر مطرق فلما زاد الأمر عليه رفع رأسه وقال له: أيها الشريف أين كان هذا القول منك في أيام مولاي وأنت ترى أفضل آمالك إذا تبسمت في وجهك؟ فأما الآن وأنا على هذه الحال فاستعمال ما أنت مستعمله لؤم قدرة وسوء ملكة وكيف ألام على ترك الدنيا بعد ملك ابتاعني بألف درهم ثم رفعني إليه إن كنت تخدمني ولا أخدمك وتحتاج إليَّ ولا أحتاج إليك؟ فاغتاظ أبو الحسن أبن عمر وانصرف: وأخذت بيد نحریر فأقعدتهُ على الفراش من الأرض فقال لي: أريد أن أتحمل إليَّ مصحفاً وأن تقول لمولانا الملك «ما كان امتناعي عليك إلا ما جرت به الأقدار من أدباري وقد خدمتك وخدمت أخاك وأوجبت عليك حقاً بذلك وأسألك أن لا تسلمني إلى عدو يشتفي مني وأن تكون أنت الآمر بما تفعل بي» وأعدتُ قوله على بهاء الدولة فقال: ارجع إليه واحمل إليه مصحفاً كما طلب وقل له «هذه ثمرة لجاجك فإلى من تريد أن أسلمك» وحملت إليه المصحف وأعدت عليه القول فقال: إلى أبي جعفر الحجاج. وعدتُ إلى بهاء الدولة فأعلمته فاعترض الحاضرون على ذلك فلم يصغ بهاء الدولة إلى أقوالهم وتقدم بحمله إلى أبي جعفر فحمل.

ذكر مكيدة أخرى عملها الحسين الفراش سكن بها من قتل نحرير

جاء الحسين الفراش بعد أيام فقال لبهاء الدولة: أيها الملك قد بلغني عن ثقة

صادق أن أبا جعفر الحجاج معول على الركوب في غد ومسئلتك في أمر نحریر فإن أجبته إلى ذلك أفرجت عن عدوّ لا تأمنه فيما عاملته به وقد علمت طاعة الأتراك له وأن منعته أضفت إلى استيحاش نحریر استيحاش أبي جعفر. قال: فما الرأي. قال: أن تسبقه إلى أخذه من داره. قال: فإلى أين يُحمل. قال: إلى داري التي نأمن فيها على مثله. فأمر عند ذلك بإنفاذ من يأخذه فنُقل واعتقل في غرفة. ومضت أيام واتفق أن بهاء الدولة خرج يوماً في آخر النهار من الحجرة والحسين الفراش يسار أخاه وظهرُهُ إلى الموضع الذي خرج منه بهاء الدولة فلم يشعر به حتى رآه أخوه فأنذره فأقبل إليه فقال له: بهاء الدولة وقد رأى في وجهه وجوماً وتغيراً: في أي شيء أنت؟ قال: يا مولانا ذكر أخي أن جماعة من الغلمان الشرفية اجتازوا على داري ورآهم نحریر من الغرفة فصاح إليهم وقال لهم«أنا نحریر فاهجموا على الدار واستخلصوني» فخاف الموكلون به أن يؤخذ من أيديهم فقتلوه. فقال: ويلك ما تقول. قال: ما يسمعه مولانا. فورد على بهاء الدولة من ذلك ما أزعجه وعرف بعد ذلك أن ما حكاه الحسين الفراش باطل وأنه هو الذي أمر الموكلين بقتله فأسرّها في نفسه ولم يبدها له.

ذكر ما جرى عليه أمر أبي نصر بن كعب في قتله

كان أبو الحسن الكوكبي نقله إلى داره وأخذ منه مالاً فلما قتل نحریر خاف أن يظهر ما وصل إليه منه. قال أبو نصر المعروف بالاستاذ الفاضل: كنت في بعض الأيام جالساً مع الكوكبي فوافاه بعض غلمان الخزانة وأسرَّ إليه شيئاً لم أسمعه وعاد فقال لي الكوكبي: أتدري ما نحن فيه قلت: لا. قال: قد أسقي ابن كعب السم دفعتين وما عمل فيه وسقي ثالثاً وكان غاية فعله أن أظهر نفخاً في وجهه. فوجمتُ من قوله فلما كان في غد قال لي: أعندك خبر ابن كعب؟ قلت: لا. قال: لم ينفع: ذلك السم حتى أعناه بالسيف وهو يضحك.

ذكر مقابلة عجيبة فيها عبرة وتذكرة

لما تجرأ الفراش والكوكبي على ما تجرأ عليه عجل اللّه الانتقام منهما جميعاً. فأما الفراش فإنه اعتقل في دار نحرير وقتل بعد قليل وأما الكوكبي فإنه سُقي السم عند قتله مراراً فلم يعمل فيه حتى خنق بحبل الستارة وحضر بعض الأتراك فوجاه بسكين كانت معه.

فانظر إلى هذه المقابلة الوجيعة الشريفة كيل الصاع بالصاع

وکن کیف شئت***فكما تدين تدان

وإذا كانت هذه حال الدنيا التي عود اللّه فيها للمقابلة إمهالاً فما ظنك في الآخرة

التي جعل اللّه فيها لكل ذرة مثقالاً؟ فتعساً للظالم ما أشقاه وتباً له ما أجهله وأعناه أتظن أنه ظلم غيره؟ كلا إنه ما ظلم إلا نفسه أما تعلم أن الحاكم عدلٌ وأن القضاء الفصل فهلاً أعد لموقف سؤاله جواباً في اليوم الذي قال اللّه تعالى: يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَلَيتَنِي كُنتُ تُرَبا [النبأ: 40].)وفي هذا الوقت جرت منافرة بين الديلم والأتراك أثارت من الصدور اضغاناً ولقحت بينهم حرباً عواناً. وتحصن الديلم بالدروب وعظمت القصة واستمر القتال أياماً حتى برز بهاء الدولة إلى معسكر الأتراك وخيم عندهم لأنهم كانوا أخشن في القوة جانباً وألين في الطاعة عريكة. فتلافي الأمر وراسل الديلم ورفق بالأتراك حتى ألقت الحرب أوزارها ووقع الصلح وعاد الأتراك إلى البلد وتواهبوا وتصافحوا وحلفت كل طائفة للأخرى. وقويت شوكة الأتراك وعلت كلمتهم وضعف أمر الديلم بعد هذه الوقعة وتفرَّق جمعهم وتسللوا في كل طريق ومضى فريق بعد فريق.## ذكر ما جرى عليه أمر أبي علي بعد انحدارهانحدر الأمير أبو علي ومن في صحبته على ما تقدم ذكره فلما حصلوا بواسط استعجمت عليه أخبار شرف الدولة وانقطعت النوبة المترددة بالكتب فساءت الظنون ثم ورد عليهم ما دل على اليأس منه فسار الأمير أبو علي والأتراك على الظهر وانحدرت الخزائن والحُرم والاثقال إلى البصرة ووقع الاجتماع بمطارا. ووردت الكتب بوفاة شرف الدولة وانحدر أبو شجاع بكران بن أبي الفوارس والحاجب أبو علي بن أبي الريان ليرد الجماعة فأشير على الأمير أبي علي بالتعجيل إلى ارجان ففعل وصحبه خواص الحرم في عماريات واستصحب ما خف محمله وعول على طاهر بن زيد صاحب عبادان في توجيه بقية الحشم والأثقال التي معهم في البحر إلى أرجان فقدم بتنفيذ شيء منها. ووصل بكران وابن أبي الريان فاستوقفا كل من كان تأخر مع بقية الأثقال وقالا لهم: إنما وردنا لتطييب قلوبكم. ثم ورد الأمير أبو علي إلى حضرة بهاء الدولة عمه ليقضي فيه حق شرف الدولة عليه وأعاد الجماعة من عبادان إلى البصرة.ثم شغب الديلم بالبصرة وطلبوا رسم البيعة ولم يكن للمال وجه فأخذ بكران على سبيل القرض من تلك الثياب والصياغات شيئاً كثيراً وصرفه إليهم ثم وقع اليأس من عود الأمير أبي علي فتسلم البقية. وحصل الأمير أبو علي بالرجال وكان أبو القاسم الرضيع بها على ما رتبه شرف الدولة من النيابة عنه وحصل معهما عدد الأتراك وفيهم مثل خمارتكين الحمصي وأبو الغارات والبكي ومن يجري مجراهم وكانوا جمهور العسكر فعملوا على المسير إلى فارس.

## ذكر رأي رآه أبو القاسم العلاء بن الحسن بالبادرة وندم عليه بعد الرويةلما انتهى إليه تميز القوم خاف أن يستقيم الدولة للأمير أبي علي ولا يكون له فيها قدم فاستعجل بمكاتبة الأمير أبي علي وأبي القاسم الرضيع وعرفهما ما اعتمده من جمع كلمة الديلم على الطاعة. وكان المرتب في القلعة التي فيها صمصام الدولة والأمير أبو طاهر قد أطلقهما وكذلك المرتبة التي فيها فولاذ بن ماناذر أيضاً وحصل الثلاثة... كلمة الديلم على تمليك صمصام الدولة وأبي طاهر ونادوا بشعارهما وقام فولاذ بتقرير ذلك. وندم أبو القاسم العلاء بن الحسن على مكاتبة الأمير أبي علي وعلم أن أبا القاسم الرضيع باستيلائه سیستعلي عليه ويستبد بالأمر دونه فكاتب صمصام الدولة وأبا طاهر وفولاذ واستدعاهم ووعدهم ومناهم وسار الأمير أبو علي حتى نزل على ثلاثة منازل من شيراز.## ذكر ما دبره أبو القاسم العلاء بن الحسن في أمر الرضيع حتى قبض عليهاختار ستين رجلاً من وجوه الديلم وواقفهم على أن يلتقوا الأمير أبا علي ويخدموه ويعرّفوه عن الأولياء طاعتهم له ويطالبوه بالقبض على أبي القاسم الرضيع قبل الدخول إلى البلد وترتيب من يقوم مقامه بعد الاستقرار فيه. وضمن العلاء بن الحسن لهؤلاء الوجوه اقطاعات الرضيع بفارس وكانت كثيرة فطمعوا فيها وبالغوا في خطابهم حتى أجيبوا إلى القبض على الرضيع وحمل إلى العلاء بن الحسن فأنفذه إلى القلعة. وتمم الأمير أبو علي والأتراك إلى شيراز فخيموا بظاهرها.## ذكر حيلة رتبها العلاء بن الحسن أفسد بها الحال بين الديلم والأتراك حتى بلغ غرضهأحضر غلاماً من الأتراك يعرف بأنوشتكين وخدعه وقال له: هل فيك لاستخدامك في أمر يكون فيه رفع لقدرك وتقديم لمنزلتك ؟ قال: نعم. قال: تعرض للديلم فتقتل منهم رجلين أو ثلاثة على سبيل الغيلة وتهرب لأظهرك من بعد وأوفي لك بما وعدتك به. فانخدع الغلام لجهله وخرج وصعد إلى حائط بستان ورمى رجلين من الديلم جازا تحته بفردات أصابت مقاتلهما وثارت الفتنة بين الديلم والأتراك ثم وقع الشروع في إصلاح ما بين الفريقين وتم على ذحل. وعدل العلاء بن الحسن إلى مراسلة الأمير أبي علي ووالدته ويحذرهما من الديلم وبوادرهم لما ظهر من ميلهم إلى صمصام الدولة وأبي طاهر فخرج الأمير أبو علي من دار الإمارة مستخفياً بالليل إلى مخيم الأتراك

وتبعته والدته. وأصبح الديلم قد اجمعوا رأيهم على الابتداء بالأمير أبي علي والاحتياط عليه فوجدوهم قد برزوا إلى المعسكر فكشفوا القناع ونابذوا الأتراك وجرت بينهم مناوشات في عدة أيام. ثم ارتحل الأتراك بالأمير أبي علي وساروا إلى فسا فوجدوا بها أبا الفضل بن أبي مكتوم عاملاً وتحت يده مال معد يريد حمله إلى شيراز وعنده نحو أربعمائة من الديلم فراسلوه واستمالوه فمال إليهم واستوزره الأمير أبو علي وفرق المال المجتمع عليهم وحاصروا الديلم المقيمين بها في دار لجؤوا إليها فلما فتحوها قتلوهم بأسرهم وقوي أمر الأتراك بما حصل في أيديهم من أسلابهم. وعاد الأمير أبو علي علافهم إلى أرجان ومضى البكي ومعه جمرة العسكر إلى باب شيراز وقد حصل فيها صمصام الدولة فأقاموا بظاهرها مدة يقاتلون الديلم وينهبون السواد. ثم ضجروا من المقام فانصرفوا إلى ارجان.## ذكر سوء تدبير ابن أبي مكتوم في عداوة البكي حتى هلككان قد جرى بين ابن أبي مكتوم وبين البكي تنافر أصرّ البكي على عداوته فيه فلما قرب من البلد تلقاه أبو علي وابن أبي مكتوم معه يسير على جانبه فحين وقف للقاء الواردين سبقوا إليه وخدموه والبكي بمعزل عنهم. ثم تقدم أحد الأتراك إلى ابن أبي مكتوم فجذبه بكم دراعته وساعده الباقون على سحبه إلى البكي فضرب عنقه وسار البكي لوقته إلى الأمير أبي علي وقد ماج الناس وتوارى أكثر الحواشي فحين بصر به قبل الأرض بين يديه واعتذر إليه وقال: إن عبيدك ما أقدموا على قتل هذا الرجل إلا لما عرفوه من سوء نيته فيك وفيهم واطلعوا عليه من مكاتبة صمصام الدولة وتسليمك وتسليمهم ونحن خدمك ومماليكك ورؤوسنا ونفوسنا دونك. فأجابه بما أظهر به الرضاء عنه.ومضت مديدة ووافى أبو علي الحسن بن محمد بن نصر رسولاً من حضرة بهاء الدولة بالمواعيد الجميلة فكاثر الأتراك وكاثروه واستمالهم في السر حتى اتفقت كلمتهم على الانكفاء إلى حضرة بهاء الدولة بواسط. فلما قرب منها تُلقى وأكرم ووصل إلى حضرة بهاء الدولة وهو في مجلس أنس فقر به وأدناه وباسطه وسقاه ثم قبض عليه بعد أيام وحدر إلى البصرة واعتقل بها. وسار بهاء الدولة إلى فارس فلما عاد إلى العراق استدعاه وتولى أبو الحسن الكوكبي المعلم قتله خنقاً بیده.## ذكر ما جرى عليه أمر صمصام الدولة في خلاصه وعوده إلى الملك بفارس بعد شرف الدولةقد تقدم ذكر خلاصه وخلاص أبي طاهر وحصولهما بسيراف فلما ارتحل الأمير أبو علي والأتراك من باب شيراز كتب أبو القاسم العلاء بن الحسن إليهما بما فعله من تمهيد

الأمور وأشار عليهما بتقديم السير فساروا ونزلوا بدولتا باذ ثم دخلا البلد. فاستولى الأمير أبو طاهر على الأمر بقوة نفسه وشدة بأسه وتقلد فولاذ بن ماناذر أمور الديلم ومايله العلاء بن الحسن فتعاضدا وصارت كلمتهما واحدة ثم مات الأمير أبو طاهر وقيل إنه سُمَّ فغلب فولاذ على الأمور واستبد بالتدبير وعرض من فساد الحال بينه وبين العلاء ما صار سبباً لانفصاله عن فارس وحصوله بالري وسيرد ذلك في موضعه إن شاء اللّه.وفي هذا الوقت ورد الخبر بمسير فخر الدولة من همذان طالباً أعمال خوزستان ومحدّثاً نفسه بقصد العراق.## ذكر السبب في حركة فخر الدولة لطلب العراقكان الصاحب بن عباد على قديم الأيام وحديثها يحب بغداد والرياسة فيها ويراصد أوقات الفرصة لها فلما توفي شرف الدولة سمت نفسه لهذا المراد وظن أن الغرض قد أمكن. فوضع على فخر الدولة من يعظم في عينيه ممالك العراق ويسهل عليه فتحها وأحجم الصاحب عن تجريد رأي ومشورة بذلك نظراً للعاقبة وتبرئا من العهدة إلى أن قال له فخر الدولة: ما الذي عندك أيها الصاحب فيما نحن فيه. فقال: الأمر لشاهانشاه وما يذكر من جلالة تلك الممالك مشهور لا خفاء به وسعادته غالبة فإذا همَّ بأمر خدمته فيه وبلغته أقصى مراميه. فعزم حينئذ على قصد العراق وسار إلى همذان ووافاه وبدر بن حسنويه وأقام بها مدة يجيل الرأي ويقلبه ويدبر الأمر ويرتبه حتى استقر العزم على أن يسير الصاحب وبدر بن حسنويه على طريق الجادة ويسير فخر الدولة وبقية العسكر على طريق الأهواز ورحل الصاحب مرحلة.## ذكر رأي أشير به على فخر الدولة اقتضى رد الصاحب من الطريققيل لفخر الدولة: من الغلط مفارقة الصاحب لك لأنك لا تأمن أن يستميله أولاد عضد الدولة فيميل إليهم. فاستعاده وسارت الجماعة إلى الأهواز وكان أبو منصور بن عليكا والياً للحرب بالأهواز وأبو عبد اللّه بن أسد ناظراً في الخراج على ما رتبهما شرف الدولة فلما توفي شرف الدولة عمل أبو الحسن الكوكبي المعلم في تغيير أمر أبي منصور بن عليكا والقبض عليه. وندب لذلك أخا للحسين الفراش وانتهى الخبر إلى أبى منصور من أصحابه بالحضرة فترك داره ورحله وأكثر كراعه ومضى مع بعض العرب قاصداً حضرة فخر الدولة ونهب الديلم بعد انصرافه رحله وكان شيئاً كثيراً.## ذكر رأي سديد لأبي عبد اللّه بن أسد استرجع به المأخوذ وحفظ فيه السياسةجمع قواد الديلم وقال لهمان هذا الرحل والكُراع المأخوذ هو اليوم لبهاء الدولة

وإذا أخذ ونُهب كان ذلك خروجاً على الطاعة فإما أن تردُّوا المأخوذ وإما أن تخلوا عني لأفارق موضعي وأنتم بشأنكم أبصر. فقالوا: إنما فعل ذلك أصاغرنا الذين لا قدرة لنا على انتزاع ما في أيديهم. فراجعهم وراجعوه حتى التزموا ردَّ المنهوب وتحالفوا على استخلاصه ففعلوا ذلك فأعادوه. ثم عدلوا إلى المطالبة بمال البيعة فجمع أبو عبد اللّه صدراً من مال الارتفاع وقوم بقية الرحل والكراع على القوم وأرضاهم به.وشاع خبر مسير فخر الدولة فوقع بين الديلم والأتراك تنافر أدى إلى حرب بينهما أياماً ثم سار الأتراك ومن مال إلى بهاء الدولة من الأهواز على سمتِ العراق.## ذكر ما جرى عليه أمر فخر الدولة عند حصوله بالأهواز وما اعتمده من سوء التدبير والسياسة حتى عاد بالخيبةكان الصاحب أبو القاسم اسماعيل بن عباد سبق إلى الأهواز وملكها ولحقه فخر الدولة بعد عشرين يوماً وخيَّم ببستان البريدي. وتشوف الجند إلى ما يكون من عطائه وإحسانه فلم يكن منه في ذلك ما اقتضته الحال ولا بعض ما كانت عليه الآمال. وحضر المهرجان فقاد القواد الخوزستانية خيلاً برسم خدمته على ما جرت به العادة في مثل هذا الفصل فردَّها عليهم وسامهم أن يمكنوا المخيرين من اختيار ما يرتضونه لمراكبه وأخذ من خيلهم جيادها فنفرت قلوبهم لذلك. ثم حظر على اقطاعاتهم ومنعهم التصرف في ارتفاعها وإن لم يظاهرهم بحلها وارتجاعها ومدَّ العمال في أثناء الخطر أيديهم في تناول موجودها فضاقوا صدوراً وازدادوا نفوراً.فأما وجوه الديلم الذين وصلوا مع فخر الدولة فإن نياتهم ساءت أيضاً لأن اقطاع كل واحد منهم بالري وأعمال الجبل كان من عشرين ألف درهم إلى ثلاثين ألف درهم ورأى كل واحد من قواد الديلم الخوزستانية واقطاعه ما بين مائتي ألف درهم إلى ثلاثمائة ألف درهم فكثر تحاسدهم وظهر تحاقدهم. وكان من عجيب الاتفاق (ليقضى اللّه أمرا كانَ مَفْعُولاً [الأنفال: 42] أن دجلة الأهواز زادت في تلك الأيام زيادة لم أَمْرًا تجربها العادة ودخل الماء إلى الخيم فأخذ بعضها فرحل فخر الدولة وعسكره وعظم في أعينهم ما رأوه لأنهم ألفوا المدود وقال بعضهم لبعض: إنما حملنا الصاحب إلى هذه البلاد طلباً لهلاكنا. فاشمأزت قلوبهم وساءت ظنونهم وتقلقل الأمر ولاح من كل وجه وهي أسبابه. واتصلت الأخبار إلى بغداد بحصول فخر الدولة بالأهواز.

ذكر ما دبره بهاء الدولة في تجهيز العسكر للقاء فخر الدولة

لما عرف وصول فخر الدولة إلى الأهواز انزعج انزعاجاً شديداً وندب الحسين بن علي الفراش للخروج في هذا الوجه والقيام بتدبير الحرب وقدمه وعظمه ولقبه

«الصاحب» مغايظة لابن عباد وخلع عليه خلعاً توفي على قدر من هو أوفى منه وأصحبه من المال والسلاح والآلات كل خطير كثير وجرد معه أبا جعفر الحجاج بن هرمز والفتكين الخادم ومعهما عسكر جرّار. وسار بعد أن خرج بهاء الدولة لتوديعه فرتَّب نفسه في طريقه ترتيب الملوك في مجالسه ومواكبه وانخرق في العطاء وأسرف في التدبير. وكان السبب في بلوغه هذه المرتبة مع عناية بهاء الدولة تجرد أبي الحسن الكوكبي المعلم لتشييد أمره لا عن صفاء له وإنما قصد بمساعدته على ذلك إبعاده عن الحضرة والاستراحة منه فإنه كان شديد الاستيلاء على بهاء الدولة. فلما حصل بواسط وبعد حكيت عنه حكايات وأقوال ووجد في تغير رأي بهاء الدولة متسع ومجال.

ذكر السبب في تغير رأي بهاء الدولة في الحسين الفراش وما جرى عليه الأمر في القبض عليه ورده من الطريق إلى بغداد وقتله في دار نحریر

قال أبو نصر المعروف بالاستاذ الفاضل: لما أراد الحسين الفراش التوجه قال لي بهاء الدولة: أريد أن أشاهده إذا ركب في موكبه وبرز إلى مضاربه. فقلت: الأمر لك. فخرج ووقف من باب الحطّابين ينظر إلى الطريق فاجتاز للحسين عدة غلمان أتراك بالسيوف والمناطق وتحتهم الخيل بالمراكب الجميلة فقال لي: يابا نصر هذه المراكب من الخزانة؟ قلت: نعم لما بيعت ابتاعها وطرَّاها. واجتازت بعد ذلك جنائبه بمراكب ذهب وغير ذهب وفيها بغلة عليها مركب كان يحبه بهاء الدولة فأخرج فيما بيع وحصل له فقال: يابا نصر هذا مركبي الفلاني؟ قلت: نعم. ولم يزل يسأل عن شيء شيء هذا ويقول: متى جمع وحصَّله فلما مضى الحسين عاد بهاء الدولة إلى مجلسه. ورأيت وجهه قد تغيَّر ونشاطه قد فتر ودخل الحجرة فنام إلى العصر ولم يطعم طعاماً إلى آخر النهار ثم راسله الحسين الفراش على لساني يسأله الإذن في ضرب طبول القصاع فامتنع عليه من ذلك وقال: هذا لا يجوز. وعدت إليه بهذا الجواب فاشتطّ وقال: بمثل هذه المعاملة يُراد مني أن أدفع فخر الدولة وقد استولى على المملكة مما ذهب فيه مذهب الجهل، واتفق إن أعد الفراش كان حاضراً معي وسامعاً لما يجري وقمنا وسبقني أحمد الفراش فحدّث بهاء الدولة بما جرى ثم جئت من بعد فسألني عما كان من الجواب فقلت: قد كان أحمد الفراش حاضراً وتقدّمني إلى حضرتك ولعله قد شرحه. فقال: أعده. فحسنتُ ما أورده فقال ما كان هكذا. قلت: إذا كان مولانا قد عرف الأمر على صحته فما الفائدة في تكرير اعادته؟

ثم تتابعت الأخبار بما يفعله الحسين في طريقه من الأفعال التي تجاوز الحد

فوجد أبو الحسن الكوكبي سبيلاً إلى تقبيح آثاره وحكى عنه الحكايات التي أدت إلى بواره. فقال له: بهاء الدولة في بعض الأيام وقد جاراه ذكره: أنفذ من يقبض عليه فانتهز أبو الحسن الكوكبي الفرصة وبادر بإنفاذ أبي الفتح أخي أبي عبد اللّه محمد بن عليان وأبي الحسن علي بن أبي علي لذلك.

ذكر اتفاق عجيب انكتم به الأمر عن الحسين الفراش حتى قبض عليه

ذكر الثلاثة المنحدرون أنهم لما وصلوا إلى مطارا والحسين بها ساء ظنه بورودهم فانفذ إلى زبازبهم من فتشها وأخذ ما وجده من الكتب فيها فلحسن الاتفاق لهم وسوء الاتفاق عليه كانوا قد استظهروا بترك الملطفات المكتوبة بالقبض عليه في سمارية كانت في صحبتهم إلا أنها مفردة من جملة ما يخصهم فلم يجدوا إلا الكتب الظاهرة التي كانت إليه فأنس وسكن. ثم اجتمعوا مع أبي جعفر والفتكين فاوضلوا إليهما الملطفات ووقفوهما على ما رسم فيها وصاروا إلى الحسين واجتمعوا في خركاه له وحادثوه ساعة ونهضوا من عنده وأطبقوا عليه بابها ووكلوا به وبخزانته ثم حملوه مقيداً إلى البصرة وسلموه إلى بكران بن أبي الفوارس وأبي علي بن أبي الريان فحمل منها إلى بغداد. وقد أوغر عليه صدر بهاء الدولة فحبس في دار نحریر وأمر بإخراج لسانه من قفاه فمات ورُمي من بعد إلى دجلة. فكان بين استخدامه في الكنس والفرش وبين الخلع عليه مدة يسيرة وبين الخلع عليه وبين قتله مدة أيسر من الأولى.

وأن من صعد من الحضيض الأوهد إلى محل الفرقد ولم يكن ليديه بأسباب الخير تعلق ولا لقدميه في أبواب البر تطرق يوشك أن يهوى سريعاً ويخر صريعاً فتنبت حاله وتنقطع أوصاله فتحول حاله إلى الفساد وتحور ناره إلى الرماد فالنار في الحلفاء أعجل وقوداً وصعوداً ولكنها أسرع خموداً وهموداً وهي في جزل الغضا أبطأ عملاً لكنها أبقى جمراً وأفسح مهلا. والمعوّل في كل حال على العاقبة فعندها تبين الناجية من العاطبة وعول بهاء الدولة بعد أخذ الحسين الفراش على أبي العلاء عبيد اللّه بن الفضل في هذا الوجه وأنجح فيه ما يأتي شرحه بإذن اللّه تعالى.

ذكر ما رتبه فخر الدولة في تجهيز الجيش إلى الأهواز

لما عرف فخر الدولة دنو عسكر بهاء الدولة من أعمال خوزستان جرَّد العساكر للقائهم فسار ابن الحسن خاله وشهفیروز بن الحسن وغيرهما في ثلاثة آلاف من الديلم وبدر بن حسنويه في أربعة آلاف من الأكراد ودبيس بن عفيف الأسدي وكان قد انحاز إليه في عدة كثيرة من العرب فلما تلاقي العسكران أجلت الحرب عن هزيمة عسكر أصحاب فخر الدولة.

ذکر اتفاقات كانت سبباً لهزيمة عسكر فخر الدولة

لم يكن في التقدير وظن النفس ورأي العين أن يثبت لهم عسكر بهاء الدولة لولا النصر فإنه من عند اللّه. فاتفق أن المعركة كانت بقرب أنهار وجاءت زيادة مد أخذ الصحارى وظن عسكر فخر الدولة أنها مكيدة عملت بفتح بثق عليهم يغرقون فيه ولم يكن لهم علم بحال المدود ولا هي عندهم من المألوف والمعهود فولوا أدبارهم ونكصوا على أعقابهم إلى الأهواز واستأسر أناس من أكابرهم واستأمن كثير من أصاغرهم. وقيل إن بدر بن حسنويه وقف بنجوة من الأرض واعتزل الحرب وأن دبيس بن عفيف انصرف قبل اللقاء. وربما كان سبب هذا الفعل من الصاحب على ما اعتمده فخر الدولة معه من الارتياب به ورده حین سار من همذان على جادة العراق خوفاً من ميله إلى أولاد عضد الدولة ومثل ذلك ما أثر في القلوب وأقام البريء مقام المريب ثم ما استمر من مخالفته إياه في آرائه.

فلما عاد الفل إلى الأهواز قلق فخر الدولة وتقلقل رأيه وتململ.

ذكر رأي سديد رآه الصاحب لم يساعده عليه فخر الدولة

قال له: أمثال هذه الأمور تحتاج إلى توسع في العطاء وضايقت الناس مضايقة وأضعفت فينا آمالهم وقطعت منا حبالهم فإن استدركت الامر بإطلاق المال واستمالة الرجال ضمنت لك ردَّ أضعاف ما تطلقه بعد سنة من ارتفاع هذه البلاد. فلم يكن منه اهتزاز لهذا القول وكان قصارى ما فعل تلافي القواد الأهوازية بإزالة الحظر عن اقطاعاتهم فلم يقع هذا الفعل موقعاً منهم مع ذهاب ارتفاعها في تلك السنة. ولم تسمح نفس فخر الدولة بعطاء للشح الغالب عليه وأخذ الناس في التسلل لاحقين بأصحاب بهاء الدولة حتى كان النقباء يطوفون في صبيحة كل يوم على الخيم فيجدون كثيراً منها قد خلا من أصحابها. واتسع الخرق على الراقع وأعضل الداء على الطبيب: كما أن الأديم إذا تفرى*** بلى وتعفنا غلب الصباحا

فضاق فخر الدولة ذرعاً بالمقام مع انتشار الحبل في يديه وتفرق الناس عنه وانصرف عائداً إلى الري وقبض في طريقه على جماعة من القواد الرازية وقتلهم. ووافي أبو العلاء عبيد اللّه بن الفضل فدخل الأهواز وملك الأعمال.

وأما أبو عبد اللّه أسد فإن الديلم قبضوا عليه قبل وصول الصاحب إلى بن الاعتقال من علة عرضت له ومرض الصاحب بالأهواز مرضاً أشفى الأهواز وتوفي في منه ثم أقيل فتصدق بجميع ما كان في داره من المال والثياب والأثاث ثم استأنف عوض كل شيء من بعد

ذكر ما حفظ على الصاحب في مقامه بالأهواز

قيل إن قوماً تظلموا إليه من حيف لحقهم فوقع على ظهر قصتهم: يظلمون شهراً وينصفون دهراً. وهذا توقيع طريف فهل يجوز الغفول عن الظلم ساعة فكيف شهراً وما يدريه لعل اللّه يُحدث قبل الشهر أمراً.

وقيل إنه رسم لكتاب البلد عمل حساب بارتفاع كل كورة فعملوه وحملوه إليه. فأمر بجمع العمال والمتصرفين وأن يخرج ارتفاع كل ناحية ويعرض عليهم ويزايد بينهم فكان ينادي على النواحي بين العمال كما ينادي على الأمتعة بين التجار. وهذا الحديث مستطرف في حكم النظر.

وقيل إنه غير مستنكر عند كتاب الري وتلك البلاد لأن معاملاتهم جارية على عقود وقوانين. فأما العراق وما والاها فلم نسمع بمثل ذلك فيها إلا ما كان من قديم الناس من المزايدة بين التجار في غلات السلطان.

ذكر خبر مستحسن في ذلك

قيل إن أحد الوزراء وأظنه علي بن عيسى واللّه أعلم جمع التجار إلى مجلس نظره في بعض السنين ليبيع الغلات عليهم فتقاعدوا بالأسعار على اتفاق بينهم فبرز أحدهم فزاد زيادة توقف عنها الباقون ظناً منهم أنه لن يقنع بذمة رجل واحد دون الجماعة لأنه مال عظيم فأمضى الوزير البيع له. فلما خافوا فوت الأمر زادوه عشرة آلاف دينار فقال الوزير: قد نفذ السهم وسبق القول والغلات للرجل والثمن لنا وله الاختيار في قبول الزيادة منكم أو ردّها عليكم فهي له خالصة دوننا. فسألوا الرجل قبول الزيادة أو المشاركة فقبل الزيادة وولاهم البيع وبرئت ذمته من الثمن وعاد إلى منزلته بعشرة آلاف دينار.

فما أحسن هذا الفعل الكريم والمذهب المستقيم وكم في أثناء الوفاء بالعقود والثبات على الشروط والصدق في الوعود من مصلحة خالصة وسياسة شاملة! وإن لاح في أولاها بعض الغرم ففي عواقبها كل النعم وإذا لم يوثق بأقوال الصدور فعلام تُبنى قواعد الأمور؟ والسياسة بنيان والصدق قاعدة والبنيان يشد بعضه ببعض فإذا اضطربت القاعدة آل البنيان إلى النقض. ونعود إلى سياقة التاريخ.

وفي هذه السنة أفرج عن أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف وعاد إلى بغداد ناجياً من الهلاك بعد أن كان أشرف عليه.

ذكر أناءة اعتمدها العلاء بن الحسن في بابه أدت إلى خلاصه

كان قد حصل في القلعة معتقلاً على ما تقدم ذكره والعلاء بن الحسن يراعيه مراعاة مستورة. فورد عليه في آخر أيام شرف الدولة من يأمره بقتله فانزعج لهذه الحال لما كان بينهما من حرمة الاتصال وثبت في إمضاء ما ورد. وتجدد من وفاة شرف الدولة وما تجدّد فأنفذ في تلك الفترة من أخرجه من الحبس وأشار عليه بقصد العراق فسار إلى البصرة واستأذن في الإصعاد فأذن له.

وفيها قُبض على أبي الحسن محمد بن عمر العلوي وعلى كاتبه أبي الحسن علي بن الحسن

ذكر ما جرى عليه الأمر في ذلك

كانت حال أبي الحسن محمد بن عمر قد تضاعفت في أيام شرف الدولة وقد تضاعف ارتفاع أملاكه حتى أن أبا الحسن علي بن طاهر لما خرج إلى نواحي سقي الفرات لتأمل أحوالها في أيام شرف الدولة عمل في عرض ما راعاه عملاً بارتفاع ضياعه اشتمل على عشرين ألف ألف درهم. وعرف الشريف أبو الحسن ذلك فضاق صدره وساء ظنه.

ذكر رأي سديد رآه ابن عمر في تلك الحال استمال به قلب شرف الدولة

استدعى علي بن الحسين الفراش الملقب بالخطير فلما أحضر عنده قال له: احمل عني رسالة إلى الملك وقل له: يا مولانا ما لأحد علي نعمة كنعمتك ولا منة كمنتك أطلقتني من حبسي ومننت عليَّ بنفسي ورددت أموالي وضياعي إليَّ وزدت في الإحسان إليَّ.. وبلغني أن ابن طاهر عمل بضياعي عملاً بعشرين ألف ألف درهم وهذه الضياع هي لك ومنك وقد أحببت أن أجعل نصفها للأمير أبي على هدى ونحلة طيبة عن طيب نفس وانشراح صدر. فأعاد علي بن الحسين الفراش الرسالة على شرف الدولة.

ذكر جواب لشرف الدولة عن رسالة أبي عمر تدل على شرف نفس وعلو همة

قال شرف الدولة في الجواب: قل له: قد سمعت رسالتك وكل جميل اعتددت به فاعتقادي يوجب لك أوفى منه واللّه لو أن ارتفاعك أضعاف ما ذكرته لكان قليلاً لك

عندي. وقد وفّر اللّه عليك مالك وأملاكك وأغنى أبا علي عن مداخلتك في ضياعك فكن في السكون والطمأنينة على جملتك.

فانظر إلى هذه الهمة ما أشرفها وأعلاها وانصت إلى هذه الأحدوثة ما أطيبها وأحلاها وتلك مواهب من اللّه يخص بها من يشاء من عباده والمرء يصيب بحسن التوفيق لا بحوله واجتهاده.

فلما توفي شرف الدولة وانتقل الملك إلى بهاء الدولة استولى أبو الحسن المعلم على الأمور وامتدت عينه إلى حاله وأشار على بهاء الدولة بأخذ نعمته وقبض أملاكه فقبض عليه وعلى وكلائه وكتابه وبقي في الاعتقال الذي يرد ذكره فيما بعد.

وفي هذه السنة خرج أمر بهاء الدولة بإسقاط ما يؤخذ من المراعي من سائر السواد.

وفيها عاد أبو نصر خواشاذه من الموصل بعد اصعاد ابني حمدان إليها.

ذكر خروج ابني حمدان من بغداد وذكر ما جرى عليه أمرهما في حرب أبي نصر خواشاذه

لما توفي شرف الدولة شرع أبو طاهر إبراهيم وأبو عبد اللّه الحسين ابنا حمدان في الخروج إلى الموصل واستأذنا في ذلك فوجدا رخصة انتهزا بها الفرصة فاصعدا بأهلهما أجمعين وعلم من بالحضرة وقوع الغلط في إصعادهما فكوتب أبو نصر خواشاذه بدفعهما وردّهما. فلما وصلا إلى الحديثة راسلهما أبو نصر بالرجوع من حيث جاءا فهما إن خالفاه ودخلا البلد قبض عليهما فأجاباه جواباً جميلاً ببذل الطاعة وقبول ما يُؤمران به وعاد الرسول وسارا على أثره حتى نزلا بالدير الأعلى. وثار أهل الموصل على الديلم والأتراك فنهبوا أرحالهم وأخذوا أموالهم وخرجوا إلى ابني حمدان وأظهروا المباينة والعصيان. فأنفذ أبو نصر من كان معه من العسكر لقتالهم فقامت الحرب بينهم إلى العصر ثم انهزم أصحاب السلطان وهلك منهم عدد كثيرة قتلاً وغرقاً ولحق الباقون بأبي نصر فاعتصموا بدار الإمارة التي هو نازل فيها وتبعهم ابنا حمدان والعامة فغُلقت الأبواب دونهم واستوعب القتال بقية النهار ثم حجز الليل بينهم وعاد ابنا حمدان إلى مخيمهما.

ذكر رأي سديد رآه ابنا حمدان فأحسنا فيه الظن علماً للعاقبة

لما جرى ما جرى وعلما أن العامة لا تقنع إلا بقتل الديلم وأن السلطان لا يغمض على مثل هذه الجناية خافا عواقب الأمر وراسلا أبا نصر في ليلتهما وقالا له: نحن خدم السلطان وقد جرت الأقدار بغير الاختيار ولا قدرة لنا الآن على ضبط العامة لما في نفوسهم من الديلم وهم في غد يحرقون الدار ويسفكون الدماء فإما أن تصير إلينا وإما

أن تعلم أنك مُهلك نفسك. فعرف أبو نصر خواشاذه أنهما قد نصحاه وخرج إليهما ليلاً فأكرماه ثم عدلا إلى تدبير أمر العامة فأحضرا شيوخهم ووجوههم وقالا لهم: إن كنتم تؤثرون مقامنا بين ظهرانيكم فولونا أموركم ولا تشفوا بقتل أصحاب السلطان صدوركم فإنه شفاء يعقب داء عضالا ولا تجدون من السلطان في ذلك أغضاء وأجمالاً. والذي نراه أن تكفُّوا أحداثكم عن القتل وانصراف هؤلاء القوم عنكم صرفا جميلاً ويتلطف السلطان إقدامنا عندكم. فأجابوه بالسمع والطاعة وبذل المكنة والاستطاعة وبكر العوام إلى الدار فلم يزل ابنا حمدان والمشيخة بهم رفقاً ولطفاً حتى استقر الأمر بعد هناة على أن يهبوا الدم وينهبوا الأموال وأن يصعد الجند إلى السطوح ويقف على الدرج من الشيوخ من يمنع العامة من الصعود. ودخلوا الدار وخرجوا بنهب الموجود ثم غلقت الأبواب وصار جند السلطان محبوسين أياماً إلى أن انحدروا بأسوأ حال في الزواريق إلى بغداد وأفرج عن أبي نصر وأحسن إليه وعاد إلى الحضرة.

وتشاغل ابنا حمدان بالنظر في أمورهما وانثال عليهما من بني عقيل العدد ولم يكن لهما من الجند إلا العامة وثلاثون ألف من الحمدانية.

ثم دخلت سنة ثمانين وثلاثمائة

فيها كانت الوقعة بين باد وبين أبي طاهر وأبي عبد اللّه ابني ناصر الدولة بن حمدان وبين بني عقيل بظاهر الموصل.

ذكر ما جرى عليه الحال في هذه الوقعة من قتل باد وهزيمة أصحابه

لما حصل أبو طاهر وأبو عبد اللّه ابنا ناصر الدولة بظاهر الموصل استضعفهما باد وطمع في قصدهما وأخذ البلد منهما. وعلم أن لا جند لهما سوى العامة فكاتب أهل الموصل واستمالهم فأجابه بعضهم وسار في ستة آلاف رجل من أصناف الأكراد ونزل في الجانب الشرقي. فخافه ابنا حمدان وعلما أنه لا طاقة لهما به فلجأ إلى بني عقيل وراسلا أبا الدواد محمد بن المسيب وسألاه النصرة وبذلا له النزول على حكمه فالتمس منهما الجزيرة ونصيبين وبلد وعدة مواضع فأجاباه إلى ملتمسه. فلما استقرت بينهم هذه القاعدة سار إليه أبو عبد اللّه بن حمدان ووافى به في ألفي فارس إلى بلد وهي في أعلا الموصل في الجانب الغربي وعبرا دجلة وحصلا مع باد على أرض واحدة وباد عنهما غافل وبحرب أبي طاهر وأهل الموصل متشاغل. فجاءته طليعة من طلائعه تخبر بعبورهما فخاف أن يعبر إليه من بإزائه ويكبسه أبو عبد اللّه وبنو عقيل من ورائه فتقدم إلى أصحابه بالانتقال واللوذ بأكناف الجبال واضطربوا واخلطوا ما بين سابق مستعجل ولاحق مرتحل وثابت في المعركة مستقبل.

ذكر اتفاق عجيب آل إلى هلاك باد بعد انقضاء مدته

بينما الحال على ما ذكر من اختلاط أصحاب باد إذ قتل عبد اللّه حاجبه المعروف بعروس الخيل ففُجع به وانزعج لفقده وأراد الانتقال من فرس إلى فرس فحول رجله من ركاب إلى ركاب ووثب فسقط إلى الأرض بثقل بدنه فاندقت ترقوته والحرب قائمة بين الفريقين حتى عرف أبو علي الحسن بن مروان أن أخته خبره فصاروا إليه فقالوا له: احمل نفسك كي تلحق الخيل. فقال لهم: لا حراك بي فخذوا لنفوسكم. فانصرفوا في خمسمائة فارس طالبين الجبل عرضاً حتى خلصوا إليه من السهل. وجدل بنو عقيل منهم فرساناً وسلم بنو مروان وأكثر من معهم وساروا في لحف الجبل إلى ديار بكر. وحصل باد في جملة القتلى وبه رمق فعرفه أحد بني عقيل فأخذ رأسه فحمله إلى ابني حمدان وأخذ عليه منهما جائزة سنية ودل على جثته فحمل الى الموصل وقطعت يده ورجله وحملت إلى بغداد وصلب شلوه على باب دار الإمارة بالموصل. فثار العامة وقالوا: هذا رجل غاز فلا تحل المثلة به. فحط وكفن وصلّي عليه ودفن. وظهر من محبة العامة له بعد هلاكه ما كان طريفاً بل لا يستطرف من الغوغاء تناقض الأهواء ولا يستنكر للرعاع اختلاف الطباع وهم أجرأ الخلق إذا طمعوا وأخبثهم إذا قُمعوا ومضى أبو علي بن مروان من فوره إلى قلعة كيفا وهي قلعة على دجلة حصينة جداً وبها زوجة باد الديلمية.

ذكر حيلة لابن مروان ملك بها القلعة

لما وصل إلى باب القلعة قال لزوجة باد: قد أنقذني خالي إليك في مهمّات. فظنته حقاً فلما صعد وحصل عندها أعلمها بهلاكه ثم تزوج بها ورتب أصحابه فيها ونزل فقصد حصناً حصناً حتى رتب أمر جميع الحصون وأقام ثقاته فيها وصار إلى ميافارقين. ونهض أبو طاهر وأبو عبد اللّه ابنا حمدان إلى ديار بكر طمعاً في فتح القلاع وحملا معهما رأس باد فوجدا الأمر ممتنعاً وقد أحكم بن مروان بناه وحمى حماه فعدلا إلى قتاله ووقعت بينهما وقعة كان الظفر فيها لابن مروان وحصل أبو عبد اللّه بن حمدان أسيراً في يده.

ذكر جميل لابن مروان إلى أبي عبد اللّه عند أسره لم يشكر عليه فساءت عاقبة أمره

لما أسر ابن مروان أبا عبد اللّه أحسن إليه وأكرمه وأفرج عنه فصار إلى أخيه أبي طاهر وقد نزل على آمد فأشار عليه بمصالحة ابن مروان وموادعته والانكفاء عن ديار بكر فأبي أبو طاهر إلا معاودة حربه مع جمع كثير من بني عقيل ونمير واضطر أبو عبد اللّه

إلى مساعدته كما ينصر الأخ أخاه ظالماً ومظلوماً. وسارا إلى ابن مروان فواقعاه وكان النصر له قهرهما وأسر أبو عبد اللّه أسراً ثانياً فأساء إليه وضيّق عليه واعتقله زماناً طويلاً إلى أن كاتبه صاحب مصر في بابه فأطلقه بشفاعته وخطابه ومضى إلى مصر وتقلد منها ولاية حلب وأقام بتلك الديار حتى توفي وله بها عقب.

وأما أبو طاهر فإنه انهزم ودخل نصيبين وقصده أبو الدواد محمد بن المسيب فأسره وعليا ابنه والرغفير أمير بني نمير فقتلهم صبراً. وملك محمد بن المسيب الموصل وأعمالها وكاتب السلطان وسأل انفاذ من يقيم عنده من الحضرة فأخرج المظفر أبو الحسن عبید اللّه بن محمد بن حمدويه وذلك عند غيبة بهاء الدولة عن بغداد ومقام أبي نصر خواشاذه بها في النيابة عنه. فلم تدخل يد المظفر إلا في أبواب المال وفيما كان له ولأبي نصر خواشاذه من الأموال والاقطاع في النواحي فاستولى بنو عقيل على سوى ذلك.

وفي هذه السنة قبض على أبي الفرج محمد بن أحمد بن الزطي صاحب المعونة ببغداد.

ذكر ما جرى عليه أمره في القبض عليه إلى أن قتل

كان هذا الرجل قد تجاوز حد الناظرين في المعونة وأسرف في الاساءة إلى الناس حتى وترهم وبالغ في أيام صمصام الدولة بعد فتنة أسفار في منع أسباب أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف وتطلب حُرمه واستيصال أمواله ونعمه وأغرق في الفعل القبيح معهم ومع غيرهم. وكثرت الطوائل لديه واجتمعت الكلمة عليه وأطمع بهاء الدولة وأبو الحسن الكوكبي المعلم في ماله وكثر عندهما مبلغ حاله فقُبض عليه واعتقل في الخزانة وكرّر الضرب عليه أياماً. ووقع الشروع في تقرير أمره فاجتمع أبو القاسم عبد العزيز وأبو محمد بن مكرم على نصب الحبائل لهلاكه ووضعا أبا القاسم الشيرازي على أن يضمنه بمال كثير.

ذكر مكيدة تمت لعبد العزيز بن يوسف في أمر الزطي حتى هلك

قال أبو نصر الحسين بن الحسن المعروف بالأستاذ الفاضل: إن أبا القاسم عبد العزيز وهو الذي سعى واجتهد في أمر ابن الزطي وذكره عند المعلم بكل ما خوَّفه منه وقال: نحن بصدد حرب والمسير للقاء عدو والحوادث لا تؤمن ومتى استبقيت هذا الرجل لم نأمنه جميعاً على من نخلفه وراءنا من حرمنا وأولادنا وفي الراحة منه قربة إلى اللّه تعالى وأمن في العاقبة. قال المعلم: إن الملك قد أطمع في مال كثير من جهته. فقال عبد العزيز: لعمري إنه ذو مال ولكنه لا يذعن به طوعاً ولا يعطيه عفواً وهذا أبو القاسم الشيرازي يبذل فيه ألف ألف وخمسمائة ألف درهم ويقول إن المال لا يصح

وهو حي تخافه أصحاب الودائع. وحضر الشيرازي وبذل مثل ذلك بلسانه.

قال الأستاذ الفاضل: فقلتله: هل أنت على ثقة مما بذلته؟ فقال لي سراً: على الاجتهاد فإن بلغتُ المراد وإلا حملتُ إلى زوجة هذا )وأشار إلى المعلم( عشرة آلاف درهم وقد خلصتني من يده. وضحك وضحكت.

ولم يزل عبد العزيز بالمعلم حتى تقرر الأمر على قتله واستؤذن بهاء الدولة وتحقق عنده المال المبذول عنه فأذن في ذلك وعُبر بالرجل إلى الجانب الغربي وحمل رأسه إلى المعلم فأنفذه إلى محمد بن مكرم فوضعه في غد في دهليزه ليشاهده الناس.

وهذه حكاية عجيبة وليس العجب من قتل ابن الزطي فإنه كان من الأشرار وما آل إليه الأشرار من البوار وإنما العجب من استيلاء المعلم على بهاء الدولة واستيلاء المرأة على المعلم حتى يلعبا بالرجال ويتحكما بالدماء والأموال وإن أمثال هذه الأحوال لتكسو الدول من العار بروداً وتنظم لها من المساوي عقوداً. فإذا أحب اللّه صلاح دولة طهرها من مثل هذه الأدناس وقيض لتدبيرها أخيار الناس فتكون ما بقيت منصورة مؤيدة ثم تبقى محاسنها في الصحف محفوظة مؤبدة.

وعوّل بعد قتل ابن الزطي على أبي محمد الحسن بن مكرم الحاجب وخلع عليه فأبان فيها أثراً جميلاً وأخذ العيارين والدُّعَار أخذاً شديداً بعد أن كان قد استشرى أهل الفساد. فقامت الهيبة واستقامت الأمور على السداد وأمن البلد وهرب كل ذي ريبة. ثم استعفى منها وخرج في الصحبة إلى واسط.

ذكر السبب في ذلك

كان رأي أبي الحسن المعلم فاسداً في الوزير أبي منصور وإنما أقره على الوزارة تأنيساً لأبي القاسم العلاء بن الحسن وتقريراً لحيلة تتم عليه. فلما فعل بفارس ما فعله ووقع اليأس من خداعه بعد كشف قناعه قدم على القبض على الوزير أبي منصور ما كان أخر وعول على أبي نصر سابور بن أردشير في النظر وخلعت عليه الوزارة ونقل الوزير أبو منصور إلى الخزانة ونزل أبو نصر سابور داره.

وعلى ذا مضى الناس ! منصور ومخذول ومولّي ومعزول ومختار ومردود ومشتهي ومملول وأعمال السلطان عواري لا بد من استرجاعها وملابس لا بد من انتزاعها. والسعيد من حسنت من تلك العواري حاله وكرمت في خلال تلك الملابس خلاله فإذا ارتجعت منه بقي له من المجد حظ موفر وإذا انتزعت منه صفا عليه من الحمد بُرد محبَّرٌ فختمت بالصالحات أعماله وذكرت بعده بالخيرات أفعاله.

وفيها سار بهاء الدولة متوجهاً إلى شيراز بعد استتباب أبي نصر خواشاذه في

خلافته ببغداد وخلع عليه وطرح له دستاً كاملاً في دار المملكة الأولى وثلاث مخاد في الدار الداخلة وما رؤي أحد من الوزراء والأكابر جلس في هذه الدار على مثل ذلك ذُكر فيه «بشيخنا» وهو أول من خوطب بهذا الاسم من الحواشي. وعوّل وكتب له عهد على أبي عبد اللّه طاهر في النيابة عن الوزير أبي نصر سابور ببغداد فلم يستقم ما بن بينه وبين أبي نصر خواشاذه واستمر الفساد بينهما إلى أن عاد بهاء الدولة فقبض عليهما على ما يأتي ذكره في موضعه.

ذكر ما جرى عليه أمر بهاء الدولة في هذه السفرة

انحدر ومعه أبو الحسن المعلم والوزير أبو نصر سابور والأمر لأبي الحسن في الكبير والصغير وهو الغالب على الرأي في التدبير. وأقام بواسط أياماً وسار ونزل بمعسكر أبي جعفر بن الحجاج ودخل البصرة فشاهدها وعاد إلى مخيمه. وورد عليه خبر وفاة أبي طاهر أخيه فجلس لعزائه ثم توجه إلى الأهواز وسيّر أبا العلاء عبيد اللّه بن الفضل على مقدمته ومعه جمهور عسكره فصار إلى أرجان ودخلها وفتح القلعة بالجند وملكها كان فيها من أصناف الأموال شيء كثير. فلما وصل الخبر إلى بهاء الدولة سار إلى أرجان ونزلها وأمر بحط جميع ما كان في القلعة من المال وغيره وتسليمه إلى الخُزّان وكان من العين ألف ألف دينار ومن الورق ثمانية آلاف ألف درهم ومن الجوهر والثياب والآلات والأسلحة ما يذخر الملوك مثله.

ذكر ما جرى في أمر هذا المال حتى تفرق أكثره

لما حصل المال في الخزائن أحب بهاء الدولة تنضيده بأجناسه في مجلس الشرب فنضَّد جميعه على أحسن تنضيد ووكل الحفظة والخزان به في موضعه أياماً فكان منظراً أنيقاً إلا أنه شاع من ذلك ما صار إلى التفرقة طريقاً. فعند ذلك شغب الأتراك والديلم شغباً متتابعاً فأطلقت تلك الأموال حتى لم يبق منها بعد مديدة غير أربعمائة ألف دينار وأربعمائة ألف ألف درهم حملت إلى الأهواز. وتوجه أبو العلاء بن الفضل من أرجان إلى النوبندجان وهزم من كان بها من عساكر صمصام الدولة وأثبت أصحابه في نواحي فارس. وبرز أبو منصور فولاذ بن ماناذر من شيراز وسار على مقدمة صمصام الدولة وواقع أبا العلاء بخواباذان فهزمه.

ذكر هذه الوقعة والمكيدة التي كانت سبباً لهزيمة عسكر بهاء الدولة

لما حصل أبو العلاء والأتراك بإزاء فولاذ والديلم في وداي خواباذان وقنطرة حجاز بين الفريقين تطرّق قوم من الغلمان إلى جمال الديلم فساقوها وعادوا بها إلى معسكرهم ورآهم بقية الغلمان الأتراك فطمعوا في مثل ذلك وركب من الغد منهم سبعون

غلاماً من الوجوه وعبروا القنطرة. وكان الديلم قد أرسلوا جمالاً مهملة لا حماة معها على سبيل المكر والخديعة فاستاقهم الغلمان وكرّوا راجعين. ووقعت الصيحة فركب في أثرهم فرسان من الديلم والأكراد كانوا معدّين ووصل الغلمان إلى القنطرة فوجدوا من دونها خمسمائة رجل من الديلم كان فولاذ قد رتبهم وراء جبل بالقرب فلما عبر الغلمان بأموالهم رأوهم على القنطرة بالرصد فلم يكن للغلمان سبيل إلى العبور ولحقهم الفرسان فأوقعوا بهم وقتلوهم عن بكرة أبيهم وأخذوا رؤوس أكابرهم فأنفذوها إلى شيراز وكان ذلك وهناً عظيماً وثلماً كبيراً في عسكر بهاء الدولة. وراسل فولاذ أبا العلاء فأطمعه وخدعه ثم سار إليه وكبسه فانهزم من بين يديه وعاد إلى أرجان مفلولاً. ولما وصل الخبر بذلك إلى صمصام الدولة سار من شيراز.

وغلت الأسعار بأرجان ونواحيها وضاقت المير والعلوفة ثم وقع الشروع في الصلح وترددت فيه كتب وُرُسل فتم على أن يكون لصمصام الدولة فارس وأرجان ولبهاء الدولة خوزستان والعراق وأن يكون لكل واد منهما أقطاع في بلاد صاحبه. وعقدت العقود وأحكمت العهود وحلف كل واحد منهما الآخر على التخالص والتصافي بيمين بالغة وشرطت وحُررت على النسختين وعاد بهاء الدولة إلى الأهواز.

وورد أبو عبد اللّه الحسين بن علي بن عبدان نائباً عن صمصام الدولة بالحضرة وناظراً فيما أفرد له من الإقطاع بالعراق وعوّل على أبي سعد بندار بن الفيروزان في النيابة عن بهاء الدولة بفارس.

وفي هذه السنة ورد الخبر بوفاة أبي الفرج يعقوب بن يوسف وزیر صاحب مصر الملقب بالعزيز.

ذكر حاله وما جرى عليه أمر الوزارة بمصر من بعده

كان أبو الفرج كبير الهمة عظيم الهيبة فاستولى على الأمر ونصح صاحبه فيه فقرب من قلبه وتمكن من قربه ففوضت الأمور إليه واستقامت على يديه. فلما اعتل علة الوفاة ركب إليه صاحب مصر عائداً ووجده على شرف اليأس فحزن له وقال: يا يعقوب وددت أن تُباع فابتاعك بملكي أو تُفدى فأفتديك فهل من حاجة توصي بها فيكى يعقوب وقبل يده ووضعها على عينه وقال: أما فيما يخصني فلا فإنك أرعى لحقي من أن أسترعيك وأرأف بمخلفي من أن أوصيك ولكني أقول لك فيما يتعلق بدولتك سالم الروم ما سالموك واقنع من الحمدانية بالدعوة والسكة ولا تُبق على المفرج بن دغفل بن الجراح متى أمكنت فيه الفرصة. ولم يشغله ما كان فيه من فراق دنياه عن نصح صاحبه ومحبته وهواه وكذلك حال كل ناصح صدوق. ثم توفي فأمر صاحب مصر بأن يدفن

في قصره في قبة كان بناها لنفسه وحضر جنازته فصلى عليه وألحده بيده في قبره وانصرف من مدفنه حزيناً لفقده وأغلق الدواوين أياماً من بعده.

واستخدم أبا عبد اللّه الموصلي مدة ثم صرفه وقلد عيسى بن نسطورس وكان نصرانياً فضبط الأمور وجمع الأموال ومال إلى النصارى وولاهم الأعمال وعدل عن الكتاب والمتصرفين من المسلمين واستناب بالشام يهودياً يعرف بمنشا بن إبراهيم بن الفرار فسلك منشا مع اليهود سبيل عيسى مع النصارى واستولى أهل هاتين الملتين على جميع الأعمال.

ذكر حيلة لطيفة عادت بكشف هذه الغمة

كتب رجل من المسلمين قصة وسلمها إلى امرأة وبذل لها بذلاً على اعتراض صاحب مصر بالظلامة وتسليمها إلى يده وكان مضمونها: يا مولانا بالذي أعز النصارى بعيسى بن نسطورس واليهود بمنشا بن الفرار وأذلَّ المسلمين بك إلا نظرت في أمري. وكانت لصاحب مصر بغلة معروفة إذا ركبها مرت في سيرها كالريح ولم تلحق فوقفت له المرأة في مضيق فلما قاربها رمت بالقصة إليه ودخلت في الناس. فلما وقف عليها أمر بطلبها فلم توجد وعاد إلى قصره متقسم الفكر في أمره. واستدعى قاضيه أبا عبد اللّه محمد بن النعمان وكان من خاصته وأهل أنسِه فشاوره في ذلك فقال ابن النعمان: أنت أعرف بوجه الرأي. فقال: لقد صدقت المرأة في القصة ونبهت من الغفلة. وتقدم في الحال بالقبض على عيسى بن نسطورس وسائر الكتاب من النصارى وكتب إلى الشام بالقبض على منشا بن الفرار وجماعة المتصرفين من اليهود وأمر بردّ الدواوين والأعمال إلى الكتاب المسلمين والتعويل في الإشراف عليهم في البلاد.

ذكر تدبیر توصل به عیسی بن نسطورس إلى الخلاص والعود إلى النظر

كانت بنت المتلقب بالعزيز المعروفة بست الملك كريمة عليه حبيبة إليه لا يردّ لها قولاً فاستشفع عيسى بها في الصفح عنه وحمل إلى الخزانة ثلاثمائة ألف دينار. وكتب إليه يذكره بخدمته وحرمته فرضي عنه وأعاده إلى ما كان ناظراً فيه وشرط عليه استخدام المسلمين في دواوينه وأعماله.

وفي هذه السنة كثرت فتن العيَّارِين بعد انحدار بهاء الدولة ورفعت الحشمة وجرى من الحرب بين أهل الدروب والمحال نوبة بعد نوبة ما أعيا فيه الخطب وتكرر الحريق والنهب تارة على أيدي العيارين وتارة على أيدي الولاة وولى المعونة عدة فما أغنوا شيئاً واستمر الفساد إلى حين عود بهاء الدولة.

ودخلت سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة

فيها قبض على أبي نصر سابور الوزير بالأهواز ونظر أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف في الأمور.

ذكر السبب في ذلك

لما عاد بهاء الدولة بعد الصلح إلى الأهواز شعب الديلم والأتراك وطالبوا بإطلاق المال وذكروا أبا الحسن المعلم وأبا نصر سابور وأبا الفضل محمد بن أحمد عارض الديلم وعلي بن أحمد عارض الأتراك وجاهروا بالشكوى منهم وظاهروا بالكراهية لهم. وترددت بينهم وبين بهاء الدولة مراسلات انتهت إلى أن استوهب منهم أبا الحسن المعلم وأبا القاسم علي بن أحمد وأرضاهم بالقبض على أبي نصر سابور وأبي الفضل محمد بن أحمد وقلد أبا القاسم عبد العزيز الوزارة وخلع عليه.

ومن حسن سياسة الملوك أن يجعلوا خاصتهم كل مهذب الأفعال محمود الخصال موصوفاً بالخير والعقل معروفاً بالصلاح والعدل فإن الملك لا تخالطه العامة ولا أكثر الجند وإنما يرون خواصه فإن كانت طرائقهم سديدة وأفعالهم رشيدة عظمت هيبة الملك في نفس من يبعد عنه لاستقامة طريقة من يقرب منه. فقد ورد عن الاسكندر أنه قال: إذا فتحنا مدينة عرفنا خيارها من شرارها قبل تجربته.م قيل له: كيف. قال: لأنا نرى خيارهم يتصافون إلى خيارنا وشرارهم إلى شرارنا.

وروي عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه: أنه قال: ما شيء أدلُّ على شيء ولا الدخان على الدخان من الصاحب على الصاحب. قال عدي بن زيد:

عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه***فإن القرين بالمقارن يقتدي

وإذا كان خواص الملك ممن يُقدح فيهم وتذكر مساويهم قلت: الهيبة في النفوس فأظهر الجند استقلالاً لأمره ثم صار الإضمار نجوى بينهم ثم زادت الحيرة فصارت النجوى إعلاناً فعند ذلك تقع المجاهرة وترتفع المراقبة ويتحكمون عليه تحكم الأمر لا المأمور والقاهر لا المقهور.

وفي هذه السنة أنفذ خلف بن أحمد عمراً ابنه إلى كرمان ودفع تمرتاش عنها.

شرح عليه أمر خلف بن أحمد صاحب سجستان في إنفاذ عمرو ابنه إلى كرمان ويتصل هذا الحديث بما جرى بعد هذه السنة من أحوال تلك البلاد

كان أبو أحمد خلف بن أحمد المعروف بابن بنت عمرو بن الليث الصفار قد ورد

العراق في أيام معز الدولة وخلع عليه بالحضرة الخلع السلطانية لولاية سجستان. وكان رديء الدخيلة في الباطن جيد الناموس في الظاهر شديد الطمع في الأموال متوصلاً إلى أخذها باللطف والاحتيال ويقول: «ليس يجب أن يكون للرجال من الرعية أكثرة من عشرة آلاف درهم لأنها ذخيرة لذي الحاجة وبضاعة لذي التجارة».

ذكر الحيلة التي استمر عليها خلف بن أحمد في أخذ أموال رعيته

كان يتبع أمور أهل البلاد في مكاسبهم ومتاجرهم وبضائعهم وذخائرهم فإذا عرف استظهار قوم منهم عمل ثبتاً بأسمائهم. وخرج على وجه التنزه والتصيد ونصب رجلاً من أصحابه في النيابة عنه ووافقه على أخذهم ومطالبتهم بالفضل الذي يقدر أنه في أيديهم فإذا علم أن المال معظمه قد صح من جهتهم رجع فيشكونَ إليه ما عُوملوا به فيظهر لهم التوجع ويتقدم بالإفراج عن من بقي منهم في الاعتقال ومسامحتهم بما تأخر عليهم من المال ويحضر صاحبه الذي استنابه فيجللّه بالإنكار وربما ضربه بمشهدهم ليزول ما خامر قلوبهم من الاستشعار. وكان يمشي إلى المسجد الجامع في كل جمعة بالطيلسان وربما خطب وصلى بالناس وأملى الحديث وله إسناد عال ورواية عن شيوخ العراقيين ومحدّثي الحرمين.

وكان عضد الدولة عند حصوله بكرمان قرر معه هُدنة على أن لا يتعرض كل واحد منهما ببلاد صاحبه وكتبا بينهما كتاباً بذلك شاع ذكره عند أمراء ساسان وكبراء أهل خراسان وجرى الأمر على المسالمة مدة أيام عضد الدولة.

فلما توفي وملك شرف الدولة وانصرف أبو علي الحسين بن محمد الحاجب عن كرمان وتقلدها تمرتاش وسار شرف الدولة إلى العراق تحدثت نفس خلف بالغدر ثم أحجم عن الأمر. فلما توفي شرف الدولة وملك صمصام الدولة فارس ووقع الخلف بينه وبين بهاء الدولة قوي طمعه وجهز جيشاً مع عمرو ابنه فلم يشعر تمرتاش بهم حتى نزلوا بعيص أردشير ليلاً وكان هو وعسكره في موضع يعرف بتركياباد من أبنية أبي عبد اللّه بن الياس، ومعهم أموالهم وعلاهم فكان قصاراهم إن تركوا الدور وما فيها من الأموال ودخلوا بردشير بما أمكنهم حمله وحصلوا في الحصار وملك عمرو بن خلف جميع أعمال كرمان سوى بردشير وجبى الأموال وصار تمرتاش إلى فارس.

وكانت بينه وبين العلاء بن الحسن عداوة من أيام شرف الدولة فوجد العلاء في هذا الوقت الفرصة التي كان يتوقعها في أمره.

ذكر الحيلة التي رتبها العلاء بن الحسن في القبض على تمرتاش وقتله من بعد

قال العلاء بن الحسن لصمصام الدولة: إن تمرتاش في جنبه بهاء الدولة ولا يؤمن أن يميل إليه ويقيم الخطبة له. وقرر معه تجهيز عسكر كثير من الديلم لمعونته وموافقة وجوههم على القبض عليه عند الحصول ببردشير فأخرج أبا جعفر نقيب نقباء الديلم وتقدم إليه بذلك. وسار أبو جعفر إلى كرمان وعرف عمرو بن خلف حصوله بالشيرجان فعاد إلى بَمَّ ونرماشير. وتمم أبو جعفر إلى بردشير فاستقبله تمرتاش مبعداً في استقباله وسارا جميعاً إلى الخيم التي ضربت لأبي جعفر فلما وصلا إليها قال أبو جعفر التمرتاش: بيني وبينكم ما يجب أن نتواقف عليه في هذا العدو والصواب أن نقدمه. فعاد إلى مضاربه وكان أبو جعفر قد رتَّب فيها قوماً من الديلم لما يريده فحين نزلا قبض عليه وقيده فأنفذ إلى داره من احتاط على خزائنه واصطبلاته وكان مموّلاً فوجد له ما عظم قدره. وحمل تمرتاش إلى شيراز فحبسه العلاء ثم قتله.

ولما فرغ أبو جعفر من أمر تمرتاش سار بالعسكر الذي صحبه وبمن كان مقيماً ببردشير يطلب مواقعة عمرو بن خلف.

ذكر ما جرى عليه أمر أبي جعفر في هزيمته

لما التقى الفريقان بدارزين وهي في سهل من الأرض يتسع فيها اطراد الفرسان استظهر ابن خلف عليه بكثرة من الفرسان وضاقت المِيّر على أبي جعفر ومن معه فهرب ليلاً وعاد على طريق جيرفت. وبلغ الخبر صمصام الدولة ومدبّري أمره فانزعجوا منه ثم أجمعوا أمرهم وأخرجوا العباس بن أحمد الحاجب إلى هذا الوجه في عدد كثير من طوائف العسكر وسار متوجهاً للحرب.

ذكر ما جرى عليه أمر عمرو بن خلف في هذه الوقعة وهزيمته وما آل حاله إليه من القتل

لما حصل العباس بن أحمد الحاجب بقرب الشيرجان برز إليه عمرو بن خلف ووقعت الوقعة على باب البلد فكانت الدائرة على عمرو وأسر الفتكين وكان وجيهاً في عسكره والمعروف بابن أمير الخيل صهر خلف وعدد كثير من السجزية وذلك في محرم سنة اثنتين وثمانين. وعاد عمرو إلى سجستان مفلولاً مع نفر من أصحابه ولما دخل إلى أبيه قيده وأزرى به وعجزه في هزيمته وحبسه أياماً ثم قتله بين يديه وتولى غسله والصلاة عليه ودفنه في القلعة

فليت شعري ما كان مراده من قتل ولده أما كان عذره في قطع يده بيده أتراه ظن أنه يشفي غلته أو غلته أو يجبر وهنه بفت عضده؟ کلا بل خاب ظنه وزاد وهنه وطال حزنه لقد فعل في الدنيا نكراً وحمل للآخرة وزراً فويل للقاسية قلوبهم ما أبعدهم من الصواب وأقربهم من العذاب.

ووصل أبو علي بن أستاذ هرمز إلى فارس وقرب من خدمة صمصام الدولة فشرع في إنفاذ أستاذ هرمز أبيه إلى كرمان وقرر الأمر معه واستعيد العباس وتوجه أستاذ هرمز.

فقال أبو بكر بن عمرو بن يعقوب كاتبه: لما انتهى الخبر إلى خلف بن أحمد وجَم لذلك الجند ورأى أنه قد رُمي بحجره حين لا قدرة له على الذب عن حريمه لتمزق رجاله واضطراب حاله وعلم أنه متى قصده في عقر داره وهو على هذه الصورة انتهز فيه الفرصة فعمد إلى أعمال الحيلة.

ذكر حيلة عملها خلف بن أحمد في تعليل في تعليل أستاذ هرمز عن قصده

كتب كتاباً غير معنون أقام فيه العذر لنفسه وجعل حجّته في نقض الهدنة العضدية اختلاف صمصام الدولة وبهاء الدولة إذ كان من شروط الهدنة أنها ماضية بينهما مدة حياتهما ومنتقلة إلى أولادهما بعدهما ما لم يختلفوا وأن نقضه لها كان لهذا العذر وأنه متى استونف معه الصلح أجاب إليه وأنفذ الكتاب على يد أحد الصوفية قال أبو بكر: فلما وصل الكتاب قرأته على أستاذ هرمز وعرفته ما في الصلح من الصلاح فتقدم إلى بكتب جوابه على نحو ما وقع الابتداء ففعلت. واستمر خلف على هذه الطريقة في مواصلة المكاتبة وتقرير أمر الهدنة حتى استقرت وكتب بها كتاباً أخذ فيه خطوط الشهود وتوثق بالأيمان والعهود. واتصلت المهاداة والملاطفة بين الجهتين وخلف في أثناء هذه الأحوال يجمع المال ويثبت الرجال ويتجدد العهد حتى إذا قويت شوكته نقض عهده. وأظهر كتاباً منالمعتضد باللّه رحمة اللّه عليه ببلاد كرمان إقطاعاً لجده عمرو بن الليثالصفار وجعل ذلك عذراً عند ملوك الأطراف العارفين بما استقر من تلك المعاهدة.

ذكر مكيدة لخلف أراد بها إساءة سمعة أستاذ هرمز

كان بسجستان قاض يعرف بأبي يوسف البزاز مقبول القول بين الرعية يعظمونه غاية الإعظام ويجرونه عندهم مجرى الإمام فاستدعاه خلف وأخرجه رسولاً إلى أستاذ هرمز وضمّ إليه رجلاً من الصوفية يعرف بالحلبي كالمؤانس له وسلم إلى المتصوف سما ووافقه على أن يقتله في طعام يحمل إليه من دار أستاذ هرمز وفي عقب حضوره على طبقه لينسب الناس قتله إليه ورتَّب للصوفي جمازات بين سجستان وبم وقال له: إذا قضيت الإرب فاهرب. فتوجه أبو يوسف غافلاً عما يُراد به ووصل إلى يوسف غافلاً عما يُراد به ووصل إلى أستاذ هرمز وهو

بيم فأكرمه وسمع منه ما أورده عليه ووعده بالجواب عنه. ودخل الصوفي بينهما في السفارة وحصلت له بها قدم عند أستاذ هرمز فأنس به فأشار عليه باستدعاء أبي يوسف إلى طعامه ليشاهد فضل مروءته فيتحدث به في بلده. فقبل منه واستدعى أبا يوسف لذلك فاستعفاه وامتنع فصار الصوفي إلى أبي يوسف وقال له: إن في امتناعك عليه إيحاشاً له. ولم يزل به حتى لبى دعوته وحضر عنده في بعض ليالي شهر رمضان. واتخذ الصوفي شيئاً كثيراً من القطائف فمنه ما عمله بالفانيد السجزي على عادة تلك البلاد ومنه ما عمله بالسكر الطبرزد واللوز على رسم أهل بغداد وجعل السم في البغدادي. فلما انصرف أبو يوسف من دار أستاذ هرمز بعد إفطاره معه سأله الصوفي عن حاله وما شاهد من مروءته فما زال أبو يوسف يذكر شيئاً شيئاً حتى أفضى الحديث إلى ذكر القطائف فوصف أبو يوسف جودة ما أحضر منه على الطبق فقال الصوفي: ما أظن القاضي أكل مما يصلح عندنا في العراق وقد عملت منه شيئاً ليأكله ويعلم أن لبغداد الزيادة على كل بلد. وقام وأحضر ما أودعه السم. فاستدعى أبو يوسف جماعة من أصحابه ليأكلوا معه فقال له الصوفي: هذا شيء نحب أن يتوفر عليك وقد عملت لأصحابنا ما يصلح لهم. وأحضر ما كان عمله على رستم تلك البلاد ودعا القوم إليه وأكل أبو يوسف من المسموم وأمعن فيه. وخرج الصوفي من الدار وقصد باب البلد وركب جمازة معدة ودخل المفازة متوجهاً إلى سجستان ونام أبو يوسف فما مضت ساعة حتى عمل السم فيه وطلب الصوفي فلم يلحق ولا عرف له خبر فأحس بالحيلة.

قال أبو بكر الكاتب: فجاءني رسوله في جنح الليل يستدعيني فجئته وهو کما به يتقلب على فراشه ويحتسب اللّه على خلف فوصاني بحفظ ما يخلفه ومعاونة أصحابه على حمله إلى بلده وتسليمه إلى ورثته وبقي ساعة وقضى نحبه وعرف أستاذ هرمز الخبر فقلق لأجله ثم رأى كتمان الأمر وأحسن إلى أصحاب أبي يوسف وأعادهم موفورين.

ووصل الصوفي إلى خلف وحدثه الحديث فقرر معه أن يقول في المحفل الذي يجتمع الناس فيه: إن أستاذ هرمز غدر بأبي يوسف وسمه وقتله وأراد أن يفعل بي مثل ذلك فخرجتُ على وجهي هارباً منه وأنه قد نقض العهد وعزم على المسير إلى هذه البلاد. ثم عقد مجلساً فيه القضاة والشهود ووجوه الخاصة والعامة وأحضر الصوفي حتى أورد ما توافقا عليه فما استتم الصوفي كلامه حتى أجهش خلف بالبكاء والنحيب وقال: واأسفاه على القاضي الشهيد. ونادى: النفير لغزو كرمان. فكتب محاضر بذلك وأنفذها إلى أصحاب الأطراف وشنّع على أستاذ هرمز بالغدر والنكث. وندب ولده طاهراً المعروف بشير بابك مع أربعة آلاف غلام وخمسة آلاف رجل من السجزية إلى كرمان.

فسبحان من خلق أطواراً وجعل منهم أخياراً وأشراراً ما كان أجرى هذا الرجل

على فعل المحظور وقول الزور، أتراه ما سمع قول اللّه تعالى: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلدا فيها وغضب اللّه عليهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا( [النساء: 93]. وقوله سبحانه: ﴿وَمَن يَكْسِبُ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِينا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَنَا وَإِثْمًا مُّبِينًا [النساء: 112]. إن الإنسان لظلومٌ. كفّار ولقد أقدم على ظلم عظيم.

ذكر ما جرى عليه أمر طاهر بن خلف بكرمان

سار طاهر مع عسكره إلى نرماسير وبها شهفيروز ابن بنت ملكا بن ونداخرشيد في عدة من وجوه الديلم والجيل وفيهم سراهنك بن سياهجيك الجيلي قريب زيار بن شهراكويه وكان فارساً شجاعاً فوصلوا إلى باب البلد سحراً فما شعر الناس إلا بنعرة الأتراك. وبادر الديلم عند ذلك إلى ميدان في البلد فاجتمعوا فيه وتشاوروا فيما بينهم فيما يدبرون به أمرهم مع قصورهم عن مقاومة من نزل بساحتهم. فبينما هم في تراجع القول إذ أحرق السجزية أحد أبواب البلد وصعدوا السور واستقر رأي الديلم على الخروج من باب يفضي إلى البساتين والحيطان وسلوك طريق بينهما تضيق عن مجال الفرسان وتوجهوا على هذه النية. فلما وصلوا إلى الباب صادفوا السجزية داخلين منه فتلاقوا وكان يقدم الديلم سراهنك بن سياهجيك فرمى مليلين الدواتي أحد قواد خلف سقط منه صريعاً ورمى آخر فقتله وثلث فانهزم السجزية ناكصين على أعقابهم إلى الصحراء. وخرج الديلم بأهلهم وأموالهم ولزموا حيطان البساتين وقصدوا جبلاً كان قريباً منهم وصعدوا فيه حتى خلصوا ومضوا إلى جيرفت. ولم يقدم فرسان ابن خلف على اتباعهم في تلك الطريق ودخل طاهر بن خلف نرماسير بعد انصرافهم منه.

وبلغ أستاذ هرمز الخبر وهو ببم وكان في القلعة التي هو بها سلاح كثير له خطر كبير.

ذكر ما دبر به أستاذ هرمز أمره عند وصول الخبر إليه

جمع إليه من كان معه من الديلم وشاورهم في الأمر فقالوا: لا طاقة لنا اليوم بهذا الرجل مع قوة شوكته لا سيما وقد انقطع عنا العسكر الذين كانوا بنرماسير والصواب أن نحمل من هذه الأسلحة ما نقدر على حمله ونحرق الباقي لئلا يستظهر العدو به علينا ونمضي إلى جيرفت ونقرر رأينا هناك. فاستصوب رأيهم وعمل به وبادر إلى جيرفت وأقام بها يستكثر من الرجال ويستعدّ للقتال. وسار ابن خلف إلى بردسير لأنها قطب كرمان ومن ملكها وقلعتها تمكنت قدمه واستقام ملكه.

ذكر ما جرى عليه أمر ابن خلف في قصد بردسیر وما آل أمره إليه من الهزيمة

كان الحامي ببردسير في ذلك الوقت أبو بكر محمد بن الحسن قريب أبي الوفاء طاهر بن محمد فجاهد في الذب عن البلد ثلاثة أشهر ثم ضاقت الميرة فكتب إلى أستاذ هرمز يعلمه اشتداد الحصار به وأنه متى لم يدركه سلم البلد. فبلغ ذلك من أستاذ هرمز كل مبلغ وخاف أن تتم الحيلة فيه فسار من جيرفت في سنة أربع وثمانين والزمان شات ولاقى عسفاً في طرق سلكها وأخطار ركبها فلما قرب من بردسير أخذ في لحف الجبل حتى صار بينه وبين القلعة ثلاثة فراسخ ثم رتب مصافه وسار. وعرف من في القلعة وروده فضربوا البوقات والطبول وبرزوا وتلاقى السجزية وعسكر أستاذ هرمز واقتتلوا عامة النهار وأستاذ هرمز زحف بعسكره إلى باب البلد حتى إذا شارفه قلع السجزية مضاربهم من موضعها وتأخروا واختلطوا محاصرين لعسكر أستاذ هرمز. وقوي بعضهم ببعض وهابهم السجزية وأحجموا عن الإقدام عليهم وأقاموا يوماً واحداً ثم أوقدوا النيران ليلاً يوهمون بها أنهم مقيمون ورحلوا. وعرف أستاذ هرمز خبر انصرافهم سحراً فأنفذ أبا غالب ابنه في جماعة من الفرسان لاقتصاص آثارهم فسار مجداً في طلبهم وقتل جماعة ظفر بهم منهم. ورحل أستاذ هرمز يطوي المنازل إلى نرماسير فوصلها وقد دخل طاهر بن خلف المفازة عائداً إلى سجستان ونعود إلى سياقة التاريخ.

وفي هذه السنة عاد بهاء الدولة من الأهواز إلى مدينة السلام وقبض على أبي نصر خواشاذه وأبي عبد اللّه بن طاهر.

ذكر السبب في ذلك

كان أبو الحسن المعلوم يتوقع في كل ناظر خدمة وهدية وكان أبو نصر فيه شحُ يمنعه عن ذلك فإذا أشير عليه قال: إنما يفعل هذا الفعل من يرتزق أو يرتفق. فقد رأى أبي الحسن فيه فساداً عرفه كل أحد وبلغ أبا نصر فخافه وهم بالهرب عن قرب بهاء الدولة واستدعى من العرب من يخرج معه. ثم توقف وأشار عليه أهل أنسه بتلافي أبي الحسن بما يحمله إليه فنازلهم إلى ألف دينار فقالوا له: تكون وزناً يلقى بها بواسط. فلم يفعل وأخذ خط بعض الباعة به وأنفذه إليه فلم يقع موقعه إلا أنه قبله تأنيساً له. وورد مدينة السلام فقبض عليه وأخذ له عند القبض عليه من عدة مواضع ما بلغ قيمته ألفي ألف دينار وأفرج عنه بعد ذلك بمدة.

فانظر إلى هذا الشح المطاع كيف ألقى صاحبه في المهالك وأخرجه إلى ضيق المسالك فإنه ضيّع الكثير من حيث حفظ القليل. والجواد أملك لماله من الشحيح لأن

ذلك يبدله إما لنفع عاجل وإما لذخر آجل وهذا يحزنه إما لحادث وإما لوارث فذاك محظوظ وهذا محروم وذاك مشكور وهذا مذموم. وقد قيل: أنفق في حالتي الإقبال والإدبار والإنفاق في زمن الإقبال لا ينقص حالا والإمساك في زمن الإدبار لا يحفظ مالاً قال اللّه تعالى: وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأَوْلَيكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: 9].

فأما أبو عبد اللّه بن طاهر فإنه كان نائباً عن أبي نصر سابور إلا أنه أقر على أمره عند القبض على سابور بالأهواز لأنه أعطى أبا الحسن المعلم ما أرضاه ثم يدفع عنه كراهة منه لإيحاش أبي القاسم عبد العزيز فقبض عليه وقرر أمره على مال صححه وخلى عنه.

وفيها سكنت الفتنة وتتبع العيارون وأخذوا وقتلوا واطمأن الناس وقامت الهيبة. وكان في جملة العيارين المأخوذين إنسان يعرف بابن جوامرد من وجوههم وكان قد أبقى في أيام صمصام الدولة وحرس الأسواق فسئل بهاء الدولة في أمره فأمنه ومن أبقى أبقى عليه ومن أساء أساء إليه ومن أحسن أحسن إليه.

وفيها هرب أبو منصور فولاذ بن ماناذر من شيراز.

ذكر السبب في هرب فولاذ

لما استفحل أمره بفارس وزاد على حد أصحاب الجيوش حصل صمصام الدولة تحت حكمه وجعل اسمه مقترناً باسمه في المناشير وكتب فيها: هذا كتاب من صمصام الدولة وشمس الملة أبي كاليجار بن عضد الدولة يمين أمير المؤمنين ومن عبده وصاحب جيشه نجم الدولة أبي منصور مولى أمير المؤمنين. وكانت بينه وبين العلاء بن الحسن المودة التي تقدم ذكرها ثم استحالت عداوة ثبتت على الأيام أصولها وبسقت فروعها فعمل فولاذ على القبض عليه وخاطب صمصام الدولة على ذلك فأجابه إلى مراده منه.

ذكر الحيلة التي رتبها فولاذ على العلاء بن الحسن وانعكاسها حتى صارت الدائرة على فولاذ

صار فولاذ إلى دار الإمارة وفيها أبو القاسم العلاء بن الحسن على عادته فقدم إليه واستقبله وقضى حقه وأخذه بيده وماشاه وحادثه ثم وقف على باب بيت ودفع في صدره حتى حصل بالبيت وأغلق بابه عليه ووكل به قوماً فاشتغل فولاذ بلقاء الديلم وسلامهم وخطابهم على أمورهم وكان البيت الذي حصل فيه له باب آخر قد سمر فعالجه حتى فتحه وخرج منه ودخل على صمصام الدولة في حجرة خلوته فقال له: قد قبض هذا الرجل عليّ وغرضه في ذلك أن لا يترك بين يديك من يخدمك وفي نفسه أن يعلو على الملك. قال: فما الرأي. قال: أن تقبض عليه إذا دخل إليك الساعة وعلي أن لا يجري من العسكر قول في معناه. ففعل وتقدم إلى بعض الحواشي بالقبض عليه إذا أقبل إلى

حضرة صمصام الدولة والعدول به إلى بعض البيوت. وسمع على الأرزناني النديم الحديث وكان يتجسس على صمصام الدولة لفولاذ فلما وافى فولاذ أومى عليَّ إليه بيده أن «ارجع فإنك مأخوذ» فرجع فولاذ نافراً وانصرف إلى داره. وخرج العلاء بن الحسن إلى وسط العسكر على أثره وأظهر لهم عصيانه ونادى للركوب إليه والقبض عليه فعرف فولاذ ما عول عليه العلاء فأخذ ما خف من ماله على الجمازات وسار. وتبعه العلاء مغذاً فیطلبه قانعاً بما تم عليه من هربه ومضى فولاذ إلى الأكراد الخسروية فنزل عليهم وعاد العلاء وأقطع الديلم إقطاعات فولاذ واستقام الأمر به. وكاتب الأكراد وطالبهم بفولاذ وسبق إليهم بالوعيد إن لم يسلموه وكانوا قد طمعوا في مال فولاذ وانضاف إلى الطمع فيه الخوف من العلاء فنهبوه وأفلت بنفسه منهم وحصل بالري وأقام عند فخر الدولة إلى أن توفي. فأما علي الأرزناني فإن صمصام الدولة أمر بقتله فقُتل.

وفيها قبض على أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف وعلى أصحابه وأسبابه وكانت مدة نظره ببغداد شهرين ونصفاً. وقلد أبو القاسم علي بن أحمد الأبرقوهي الوزارة وخلع عليه.

وفي هذا الوقت قبض على الطائع للّه وقد جلس لبهاء الدولة.

ذكر السبب في القبض على الطائع للّه رضوان اللّه عليه

كان أبو الحسن المعلم (وبئس القرين هو) قد كثر عند بهاء الدولة مال الطائع للّه وذخائره وأطمعه فيها وهوّن عليه أمراً عظيماً وجرّأه على خطة شنعاء فقبل منه وقبض عليه. ثم لم يحظ من ذلك إلا بسوء الذكر إلى آخر الدهر ولولا أن حسنات أيام القادر باللّه رضوان اللّه عليه أسبلت على مساوي هذا الفعل ستراً لما وجد عند اللّه تعالى ولا عند المخلوقين عذراً لكن محاسن ذلك الإمام التقي الرضي أعادت وجه الدين مشرقاً وعُود الإسلام مورقاً. فأما شرح ما جرت عليه الحال يوم القبض فلم نذكره إذ لا سياسة

فيه فتحكى ولا فضيلة فتروى إلا أبياتاً للرضي أبي الحسن الموسوي رحمه اللّه فإنه كان في جملة من حضر فلما أحس بالفتنة أخذ بالحزم وبادر الخروج من الدار وتلوم من تلوّم من الأماثل فامتهنوا وسلبت ثيابهم وسلم هو فقال:

أعجب لمسكة نفسي بعد ما رميت***من النوائب بالأبكار والعون

ومن نجاتي يوم الدار حين هوى***غيري ولم أخل من حزم ينجيني

مرقت منها مروق النجم منكدرا***وقد تلاقت مصاريع الردى دوني

وكـنـت أول طـلاع ثـنـيـتـها***ومن ورائي شر غير مأمون

من بعد ما كان رب الملك مبتسماً***إليَّ أدنيه في النجوى ويدنيني

أمسيت أرحم من أصبحت أغبطه***لقد تقارب بين العز والهون

ومنظر كان بالسراء يضحكني***يا قرب ما عاد بالضراء يبكيني

هيهات أغتر بالسلطان ثانية***قد ضل ولأج أبواب السلاطين

وباللّه تعالى نستعين من شر الفتن وانقلاب الزمن وإياه نسأل سلامة شاملة وعاقبة حميدة بمنه.

ولما انصرف بهاء الدولة إلى داره و(قد حُمل الطائع للّه قبله إليها واعتقل فيها) أظهر أمر الخليفة القادر باللّه أبي العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر باللّه رضوان اللّه عليهم ونادى بشعاره في البلد. وكتب على الطائع كتاباً بالخلع وتسليم الأمر إلى القادر باللّه رضي اللّه عنه وشهد الشهود فيه عليه وكانت مدة خلافته سبع عشرة سنة وثمانية أشهر وخمسة أيام. وانحدر إلى حضرة القادر باللّه من خواص بهاء الدولة من يهنيه بالخلافة ويصعد في خدمته إلى مدينة السلام.

وشغب الديلم والأتراك مطالبين برسم البيعة ومنعوا من الخطبة باسم الخليفة في يوم الجمعة فقيل: «اللّهم اصلح عبدك وخليفتك القادر باللّه» الخليفة في يوم الجمعة فقيل: «اللّهم اصلح عبدك وخليفتك القادر باللّه» ولم يسم. وترددت الرسل بين بهاء الدولة وبين العسكر فأرضى الوجوه والأكابر ثم قرر لكل واحد ثمانمائة درهم وأخذت البيعة على الجماعة واتفقت الكلمة على الرضا والطاعة. وأقيمت الخطبة باسم أمير المؤمنين القادر باللّه أبي العباس أحمد رضوان اللّه عليه في يوم الجمعة الثالث من شهر رمضان وقيل إن القادر باللّه رضوان اللّه عليه رأى رؤيا قبل ورود الخبر إليه بمصير الأمر إليه.

ذكر الرؤيا التي رآها القادر باللّه رضوان اللّه عليه

قال هبة اللّه بن عيسى كاتب مهذب الدولة: كنت أغشى مجلس القادر باللّه في مقامه بالبطيحة في كل أسبوع يومين فإذا حضرت رفعني وإذا رمت تقبيل يده منعني. فدخلت إليه يوماً فوجدته قد تأهب تأهباً لم تجر عادته بمثله ولم أر منه ما عوّدنيه من الإكرام وجلست دون موضعي فما أنكر ذلك مني ورمت تقبيل يده فمدها إليَّ فاختلفت الظنون لزلة مني فإن تكن فاسأل إعلامي بها فإما أن أطلب مخرجاً منها بالعذر أو بي ألوذ فيها بالعفو فأجابني بوقار أن أسمع: رأيت البارحة في منامي كان نهركم هذا ( وأومى إلى نهر الصليق) قد اتسع حتى صار عرض دجلة دفعات وكأني متعجب من ذلك وسرت على حافته مستعظماً لأمره ومستطرفاً لعظمه فرأيت دستا هيج قنطرة عظيمة فقلت «ترى من قد حدث نفسه بعمل قنطرة في هذا الموضع على مثل هذا البحر الكبير ؟» وصعدته فكان بثقاً محكماً ومددت عيني وإذا بإزائه مثله وزال الشك عني في انهماد دستاهيج قنطرة وأقبلت أصعد وأصوّب في التعجب. فبينما أنا واقف عليه إذ رأيت شخصاً قد تأملني من ذلك الجانب وناداني يا أحمد أتريد أن تعبر. قلت: نعم

فمد يده حتى وصلت إليّ وأخذني وعبر بي فهالني فعله فقلت له وقد تعاظمني أمره: من أنت؟ قال: علي بن أبي طالب هذا الأمر صائر إليك ويطول عمرك فيه فأحسن إلى ولدي وشيعتي. فما انتهى الخليفة هذا المقال من قوله حتى سمعنا صياح ملاحين وضجيج ناس فسألنا عن ذلك فقيل: ورد أبو على بن محمد بن نصر وجماعة معه. فإذا هم الواردون للإصعاد به فقد تقررت الخلافة له. فعاودت تقبيل يده ورجله وخاطبته بإمرة المؤمنين وبايعته.

ثم قام مهذب الدولة بخدمة الخليفة في إصعاده وانحداره أحسن قيام وحمل إليه من المال والثياب والآلات ما يحمل مثله إلى الخلفاء وأعطاه الطيار الذي كان صنعه لنفسه وشيعه إلى بعض الطريق وأنفذ هبة اللّه بن عيسى في خدمته. فلما وصل إلى واسط اجتمع الخدم بها وطالبوا برسم البيعة وجرت البيعة وجرت لهم خطوب انتهت إلى أن وعدوا بإجرائهم مجرى البغداديين. فلما تقررت أمورهم عليه ورضوا سار فلما بلغ الجبل انحدر بهاء الدولة ووجوه الأولياء وأماثل الناس لتلقيه وخدمته دخل دار الخلافة ليلة الأحد ثاني عشر رمضان.

خلافة القادر

ذكر جلوس القادر باللّه أمير المؤمنين رضوان اللّه عليه على سرير الخلافة

جلس ثاني يوم حصوله في الدار جلوساً عاماً وهُني بالأمر وأنشد المديح بالشعر ذلك قصيدة للرضي ابي الحسن الموسوي أولها:

وكان من شرف الخلافة يا بني العباس***اليوم جدده أبو العباس

هذا الذي رفعت يداه بناءها الـ ***عالي وذاك موطد الأساس

ذا الطـود بقـاه الـزمـان ذخـيرةً***من ذلك الجبل الأشم الراسي

وتمامها مثبت في ديوان شعره ولقد صدق الموسوي في قوله إن القادر باللّه جدد معاهد الخلافة وأثار أعلامها وكشف غمم الفتنة وجلى ظلامها ويقولون لئن كان لكل من الأئمة رضوان اللّه عليهم مناقب مروية وطرائق مرضية فإن لأربعة منهم فضائل أفردوا بمزاياها وحظوا بمرباعها وصفاياها: قام أمير المؤمنين السفاح سفح دماء الأعداء وتاخي كشف الغماء وتفرّد وتفضل بفضيلة الابتداء: والمنصور باللّه أيد بالنصر في توطيد قواعد الأمر فذلل كل صعب وأزال كل شعب وثقف كل مناد ومهد لمن بعده أحسن مهاد: ثم المعتضد باللّه عضد الدولة بحسن تدبیره و سیاسته و تلافاها بشرف نفسه وعلو همته وأعادها بعد الضعف إلى القوة وبعد اللين إلى الشدة وبعد الأود إلى الاستقامة وبعد الفتنة إلى السلامة: ثم القادر باللّه قدَرَ من صلاحها على ما لم يقدر عليه سواه وسلك من طريق الزهد والورع ما تقدمت فيه خطاه. فكان راهب بني العباس حقاً وزاهدهم صدقاً ساس الدنيا والدين وأغاث الإسلام والمسلمين واستأنف في سياسة الأمر طرائق قويمة ومسالك مأمونة سليمة هي إلى الآن مستمرة والقاعدة عليها مستقرة لم تعرف منه زلة ولا ذمت له خلة: فطالت أيامه وطابت أخباره وأقفيت آثاره وبقيت على ذريته الشريفة أنواره رضي اللّه عنه رضاه عن الأئمة المتقين وجعلها كلمة باقية في عقبه إلى يوم الدين.

وحمل إلى القادر باللّه بعض ما كان أخذ من دار الخلافة من الأثاث والأواني والآلات وجعل كُتّابه وحجّابه وحواشيه جميعهم من أصحاب بهاء الدولة ثم أعاد القادر باللّه بعد ذلك حاشية الدار القدماء إلى مواضعهم. وكان مدة مقامه بالبطيحة من يوم وصلها إلى يوم خرج منها سنتين وأحد عشر شهراً.

فأما أخت بهاء الدولة التي كانت في حبال الطائع للّه فإن دارها حرست يوم القبض من النهب ثم نقلت: إلى دار بمشرعة الصحراء أقامت فيها موقرة إلى أن توفيت.

وفي هذه السنة ورد الخبر بوفاة سعد الدولة أبي المعالي بن سيف الدولة بعد قتله بكجور غلامه.

شرح الحال في عصيان بكجور وما آل إليه أمره القتل ونُبذ من أخبار المصريين تتصل بها في هذه السنة وما بعدها

كان لسعد الدولة غلام يعرف ببكجور فاصطنعه وقلده الرقة والرحبة واستكتب له أبا الحسن علي بن الحسين المغربي. فلما طالت مدته في ولايته جحد الإنسان وحدث نفسه بالعصيان واستغوى طائفة من رفقائه فصاروا إليه وخرج إلى أبي الحسن المغربي بسره فأشار إليه بمكاتبة صاحب مصر الملقب بالعزيز والتحيز إليه فقبل منه وكاتبه واستأذنه في قصد بابه فأذن له. وسار عن الرقة بعد أن خلف عليها سلامة الرشيقي غلامه وأخذ رهائن أهلها على الطاعة. فلقيتُه كُتب صاحب مصر وخلعه وعهده على دمشق فنزل بها وتسلمها ممن كان والياً عليها. ووجد أحداثها وشبانها مستولين ففتك بهم وقتل منهم وقامت هيبته بذلك وترددت بينه وبين عيسى بن نسطورس الوزير مكاتبات خاطبه فيها بكجور بخطاب توقع عيسى أوفى منه ففسد ما بينهما وأسر عيسى العداوة له وأساء غيبه وقطع بكجور مكاتبة عيسى وشكاه إلى صاحب مصر فأمر عيسى باستئناف الجميل معه فقبل ظاهراً وخالف باطناً. وخاف بكجور عيسى ومكيدته فاستمال طوائف من العرب وصاهرهم فمالوا إليه رغبة وعاد إلى الرقة وكتب إليه صاحب مصر يعاتبه على فعله فأجابه جواب المعتذر الملاطف.

ذكر السبب في مسير بكجور إلى حلب لقتال مولاه

كان لبكجور رفقاء بحلب يوادونه فكاتبوه وأطمعوه في الأمر وأعلموه تشاغل سعد الدولة باللذة فاغتر بأقوالهم وكتب إلى صاحب مصر يبذل له فتح حلب ويطلب منه الإنجاد والمعونة فأجابه إلى كل ملتمس وكتب إلى نزال الغوري وإلى طرابلس بالمسير إليه متى استدعاه من غير معاودة وكان نزال هذا من قواد المغاربة وصناديدهم ومن صنائع عيسى وخواصه.

ذكر الحيلة التي رتبها عيسى مع نزال في التقاعد ببكجور حتى ورطه

كتب عيسى إلى نزال سراً بأن يظهر لبكجور المسارعة ويبطن له المدافعة فإذا تورّط مع مولاه و صادمه تأخر عنه وأسلمه. فرحل بكجور عن الرقة وكتب إلى نزال بأن يسير من طرابلس ليكون وصولهما إلى حلب في وقت واحد وسار إليها. ورحل نزال وأبطأ في

سيره وواصل مكاتبة بكجور بنزوله في منزل بعد منزل وقرب عليه الأمر في وصوله. وقد كان سعد الدولة كتب إلى بسيل عظيم الروم وأعلمه عصيان بكجور عليه وسأله مكاتبة البرجي صاحبه بأنطاكية بالمسير إليه متى استنجده فكاتبه بسيل بذلك فلما وافي بكجور كتب سعد الدولة إلى البرجي بالمسير إليه فسار. وبرز سعد الدولة في غلمانه وطوائف عسكره (ولؤلؤ الجراحي الكبير يحجبه) ولم يكن معه من العرب إلا عمرو بن كلاب وعدّتهم خمسمائة فارس إلا أنهم أولو بأس ومن سواهم من عِدَّته وعُدته فنزل إلى الأرض وصلى وعفر خديه وسأل اللّه تعالى النصر. ثم استدعى كاتبه وأمره بأن يكتب إلى بكجور عنه ويستعطفه ويذكره اللّه ويبذل له أن يقطعه من الرقة إلى باب حمص ويدعوه إلى الموادعة ورعاية حق الرق والعبودية. ومضى بالكتاب رسول فأوصله إليه فلما وقف عليه قال: الجواب ما يراه عياناً. فعاد الرسول وأعاد على سعد الدولة قوله وأخبره أنه سائر على أثره. فتقدم سعد الدولة وتقارب العسكران ورتب المصاف ووقع الطراد.

ذكر جود عاد على سعد الدولة بحفظ دولته وشح آل يبكجور إلى ذهاب مهجته

كان الفارس من أصحاب سعد الدولة إذا عاد إليه وقد طُعِن أو جُرح خلع عليه وأحسن إليه وكان بكجور شحيحاً فإذا عاد إليه رجل من رجاله على هذه الحال أمر بأن يكتب اسمه لينظر مستأنفاً في أمره. وقد كان سعد الدولة كاتب العرب الذين مع بكجور وأمنهم ووعدهم ورغبهم فلما حصلت كتبه بالأمان معهم عطفوا على سواده ونهبوه واستأمنوا إلى سعد الدولة. ورأى بكجور ما تم عليه من تقاعد نزال به وانصراف العرب عنه وتأخر رفقائه الذين كانوا كاتبوه ووعدوه بالانحياز إليه إذا شاهدوه فاستدعى أبا الحسن المغربي كاتبه وقال له: لقد غررتني فما الرأي الآن؟ قال له: أيها الأمير لم أكذبك في شيء قلته ولا أردت إلا نصحك والصواب مع هذه الأسباب أن ترجع إلى الرقة وتكاتب صاحب مصر بما اعتمده نزَّال معك وتعاود استنجاده. وكان في العسكر قائد من القواد يجري مجراه في التقدم فسمع ما جرى بينهما فقال لبكجور: هذا كاتبك إذا جلس في دسته قال: «الأقلام تنكس الأعلام» فإذا تحققت الحقائق أشار علينا بالهرب واللّه لا هربنا. وحلف بالطلاق على ذلك وسمع أبو الحسن المغربي قوله فخاف وكان قد واقف بدوياً من بني كلاب على أن يحمله إلى الرقة متى كانت هزيمة وبذل له ألف دينار على ذلك فلما استشعر ما استشعر قدَّم ما كان أخره وسأل البدوي تسييره إلى الرقة فسيره.

ذكر ما دبره بكجور بفضل شجاعته فحالت المقادير دون إرادته

لما رأى الأمر معضلاً عمل على أن يعمد إلى الموضع الذي فيه سعد الدولة من

المصاف ويحمل عليه بنفسه ومن ينتخبه من صناديد عسكره موقعاً به فاختار وجوه غلمانه وقال لهم: قد حصلنا من هذه الحرب على شرف أمرين صعبين من هزيمة وهلاك وقد عوّلت على كيت وكيت فإن ساعدتموني رجوت لكم الفتح. فقالوا: نحن طوعك وما نرغب بنفوسنا عن نفسك. فغدر واحد من الغلمان واستأمن إلى لؤلؤ الجراحي وأعلمه بما عوّل عليه.

ذكر ما فعله لؤلؤ من افتداء مولاه بنفسه فنجاهما اللّه بحسن النية

أسرع لؤلؤ إلى سعد الدولة وأخبره الحال وقال: قد أيس بكجور من نفسه وهو لا شك فاعل ما قد عزم عليه فانتقل من مكانك إلى مكاني لأقف أنا في موضعك وأكون وقاية لك ولدولتك. فقبل سعد الدولة رأيه ووقف لؤلؤ تحت الراية وجال بكجور في أربعمائة غلام شاكين في السلاح ثم حمل في عقيب جولته حملة أفرجت له العساكر ولم يزل يخبط من تلقَّاه بالسيف إلى أن وصل إلى لؤلؤ وهو يظنه سعد الدولة فضربه على الخوذة ضربة قدَّها ووصلت إلى رأسه ووقع لؤلؤ إلى الأرض. وحمل العسكر على بكجور وبادر سعد الدولة عائداً إلى مكانه مظهراً نفسه لغلمانه فلما رأوه قويت شوكتهم وثبتت أقدامهم واشتدوا في القتال حتى استفرغ بكجور وسعه ثم انهزم في سبعة نفر.

ذكر ما جرى عليه أمر بكجور بعد الهزيمة إلى أن قتل

كان تحته فرس ثمنه ألف دينار فانتهى إلى ساقية تحمل الماء إلى رحا الطريق سعتها قدر ذراعين فجهد الفرس على أن يعبرها خوضاً أو وثباً فلم يكن فيه ووقف ولحقته عشرة فوارس من العرب فرّجلتهُ وأصحابه وجرَّدوهم من ثيابهم وآبوا عنهم بأسلابهم ونجا بكجور ومن معه إلى الرحا فاستكنوا فيه ثم خرجوا من بعد إلى قراح فيه زرع فمرَّ بهم قوم من العرب وكان فيهم رجل من بني قطن كان بكجور يستخدمه كثيراً في مهماته فناداه «أن ارجع» فرجع وهو لا يعرفه فأخذ ذمامه. ثم عرَّفه نفسه وبذل له على إيصاله الرقة حمل بعيره ذهباً فأردفه وحمله إلى بيته وكساه. وكان سعد الدولة قد بثَّ الخيل في طلبه وجعل لمن أحضره حكمه فساء ظن البدوي وطمع فيما كان سعد الدولة بذله واستشار ابن عمه في أمره فقال له: هو رجل بخيل وربما غدر في وعده وإذا قصدت سعد الدولة به حظيت برفده. فأسرع البدوي إلى معسكر سعد الدولة وأشعره بحال بكجور واحتكم عليه مائتي فدان زراعة ومائة ألف درهم ومائة راحلة محملة براً وخمسين قطعة ثياباً فبذل له سعد الدولة ذلك جميعه. وعرف لؤلؤ الجراحي الخبر وتقرَّر أن يمضي البدوي ويحضره فتحامل وهو مثخن بالضربة التي أصابته ومشى يتهادى على أيدي غلمانه حتى حضر عند سعد الدولة.

ذكر حزم أخذ به لؤلؤ دل منه على أصالة رأي

لما حضر سأل عما يقوله البدوي فأخبر به فقبض لؤلؤ على يده وقال له: أين أهلك. فقال: في المرج على فرسخ. فاستدعى جماعة من غلمانه وأمرهم أن يسرعوا إلى الحلة ويقبضوا على بكجور ويحملوه فتوجهوا وهو قابض على يد البدوي والبدوي يستغيث. فقدم لؤلؤ إلى سعد الدولة. وقال: يا مولانا لا تنكر علي فعلي فإنه مني عن استظهار في خدمتك فلو عاد هذا البدوي إلى بيته لم نأمن أن يبذل له بكجور مالاً جماً فيقبل منه وتطلب منه بعد ذلك أثراً بعد عين والذي طلبه البدوي مبذول وما ضر الاحتياط. فقال له سعد الدولة: أحسنت يا أبا محمد للّه درك. ولم يمض ساعات حتى أحضر بكجور فشاور سعد الدولة لؤلؤاً في أمره فأشار عليه بقتله خوفاً من أن تسأل أخت سعد الدولة فيه فيفرج عنه فأمر عند ذلك بضرب عنقه.

فسار سعد الدولة إلى الرقة فنزل عليها وفيها سلامة الرشيقي وأبو الحسن المغربي وأولاد بكجور وحرمه وأمواله ونعمه فأرسل إلى سلامة يلتمس منه تسليم البلد فأجابه: بأني عبدك وعبد عبدك إلا أن لبكجور علي عهوداً ومواثيق لا مخلص لي عند اللّه منها إلا بأحد أمرين إما أنك تذم لأولاده على نفوسهم وحرمهم وتقتصر فيما تأخذه منهم على آلات الحرب وعددها وتحلف لهم على الوفاء به وإما بأن أبلى عذراً عند اللّه تعالى فيما أخذ عليَّ من عهد وعقد معي من عقد. فأجابه سعد الدولة إلى ما اشترطه من الذمام وحلف له بيمين مستوفاة الأقسام ودخل فيها الأمان لأبي الحسن المغربي بعد أن كان قد هدر دمه إلا أنه أمنه على أن يقيم في بلاده فهرب إلى الكوفة وأقام بمشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ذكر ما جرى عليه أمر سلامة الرشيقي وأولاد بكجور في خروجهم من الرقة وغدر سعد الدولة

لما توثق سلامة لنفسه ولأولاد بكجور سلم حصن الرافقة وخرجوا منها ومعهم من الأموال والزينة ما كثر في عين سعد الدولة فإنه كان يشاهدهم من وراء سرادقه وبين يديه ابن أبي الحصين القاضي وقال له: ما ظننت أن حال بكجور انتهت إلى ما أراه من هذه الأثقال والأموال. فقال له: ابن أبي الحصين: إن بكجور وأولاده مماليك وكلما ملكه وملكوه هو لك لا حرج عليك فيما تأخذه منهم ولا حنث في الأيمان التي حلفت بها ومهما كان فيها من وزر وإثم فعليّ دونك. فلما سمع هذا القول أصغى إليه وغدر بهم وقبض على جميع ما كان معهم.

فما كان أسوأ محضر هذا القاضي الذي حسن لسعد الدولة تسويل الشيطان وأفتاه

بنقض الأيمان ثم لم يقنع بما زين له من غدره ولبس عليه من أمره حتى تكفل له بحمل وزره. وهل أحد حامل وزر غيره أما سمع قول اللّه تعالى في أهل الضلالة: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلَنَحْمِلْ خَطَبَكُمْ وَمَا هُم بِحَمِلِينَ مِنْ خَطَبَهُم مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ [العنكبوت: 12].

وكان أولاد بكجور كتبوا إلى العزيز بما جرى على والدهم وسألوه مكاتبة سعد الدولة بالإبقاء عليهم.

ذكر ما جرى بين صاحب مصر وسعد الدولة من المراسلات وما اتفق من وفاة سعد الدولة بعقب ذلك

كتب صاحب مصر إليه كتاباً يتوعده فيه ويأمره بالإبقاء عليهم وتسييرهم إلى مصر موفورين ويقول في آخره: فإن خالفت كنت خصمك ووجهت العساكر نحوك. وأنفذ الكتاب مع فائق الصقلبي أحد خواصه وسيره على نجيب إسراعاً به فوصل فائق إلى سعد الدولة وقد وصل من الرقة إلى ظاهر حلب وأوصل إليه الكتاب فلما وقف عليه جمع وجوه عسكره وقرأه عليهم ثم قال لهم: ما الرأي عندكم. قالوا له: نحن عبيد طاعتك ومهما أمرتنا به كنا عند طاعتك منه. فأمر بإحضار فائق فأهانه وقال له: عد إلى صاحبك وقل له: «لستُ ممن يستفزه وعيدك وما بك حاجة إلى تجهيز عسكر إلي فإنني سائر إليك وخبري يأتيك من الرملة. وقدَّم قطعة من عسكره إلى حمص أمامه وعاد فائق إلى صاحبه فعرفه ما سمعه ورآه فأزعجه وأقلقه. وأقام سعد الدولة بظاهر حلب أياماً ليرتب أموره ويتبع العسكر الذي تقدمه فعرض له القولنج أشفي منه وعاد إلى البلد متداوياً وأبل وهنّى بالسلامة. وعول على العود إلى المعسكر فحضرت فراشه فى الليلة التي عزم على الركوب في صبيحتها إحدى حظاياه وتبعتها النفس الشهوانية المهلكة فواقعها وسقط عنها وقد جف نصفه وعرفت أخته الصورة فدخلت إليه وهو يجود بنفسه واستدعى الطبيب فأشار بسجر الند والعنبر حوله فأفاق قليلاً فقال له الطبيب: أعطني يدك أيها الأمير لأخُذَ محبسك. فأعطاه اليسري فقال: يا مولانا اليمين. فقال: أيها الطبيب ما تركت لي اليمين يميناً. فكأنه تذكَّر ما فرط من خيانته وندم على نقص العهد ونكثه».

ومضت عليه ثلاث ليال وقضى نحبه بعد أن قلد عهده لولده أبي الفضائل ووصَّى إلى لؤلؤ الجراحي به ويبقية ولده.

ذكر قيام أبي الفضائل بن سعد الدولة بعد أبيه له وما جرى مع العساكر المصرية

جد لؤلؤ نصب أبي الفضائل في الأمر وأخذ له البيعة على الجند. وتراجعت

العساكر إلى حلب واستأمن منها إلى صاحب مصر وفاء الصقلي وبشارة الأخشيدي ورباح وقوم آخرون فقبلهم وأحسن إليهم وولى كل منهم بلداً.

وقد كان أبو الحسن المغربي بعد حصوله في المشهد بالكوفة كاتب صاحب مصر وصار بعد المكاتبة إلى بابه فلما توفي سعد الدولة عظم أمر حلب عنده وكثَّر له أموالها وهون عليه حصولها وأشار باصطناع أحد الغلمان وإنفاذه إليها. فقبل منه إشارته وقدّم غلاماً يسمى منجوتكين فخوَّله وموَّله ورفع قدره ونوَّه بذكره وأمر القواد والأكابر بالترجل له وولاه الشام واستكتب له أحمد بن محمد القشوري وسيره إلى حلب وضم إليه أبا الحسن المغربي ليقوم بالأمر والتدبير.

ذكر مسير منجوتكين من مصر إلى حلب ونزوله عليها

لما وصل إلى دمشق تلقاء قوادها وأهلها وعساكر الشام كلها فأقام بها مدة ثم رحل إلى حلب وقد استعد واحتشد ونزلها في ثلاثين ألف رجل وتحصن أبو الفضائل بن سعد الدولة ولؤلؤ بالبلد. وقد كان لؤلؤ عند معرفته بورود العساكر المصرية كتب إلى بسيل عظيم الروم وذكره ما كان بينه وبين سعد الدولة من المعاهدة والمعاقدة وبذل له عن أبي الفضائل ولده الجري على تلك العادة وحمل إليه ألطافاً كثيرة واستنجده وأنفذ إليه ملكوثا السرياني رسولاً. فوصل إليه ملكوثا وهو بإزاء عساكر ملك البلغر مقاتلاً فقبل ما ورد فيه وكتب إلى البرجي صاحبه بأنطاكية يجمع عساكر الروم وقضد حلب ودفع المغاربة عنها. فسار البرجي في خمسة آلاف رجل ونزل بجسر الحديد بين أنطاكية وحلب وعرف منجوتكين وأبو الحسن ذلك فجمعا وجوه العسكر وشاوراهم في تدبير الأمر.

ذكر مشورة أنتجت رأياً سديداً كان في أثنائه الظفر بالروم

أشار ذو الرأي والحصافة منهم بالانصراف عن حلب وقصد الروم والابتداء بهم ومناجزتهم لئلا يحصلوا بين عدوين فأجمعوا على ذلك وساروا حتى صار بينهم وبين الروم النهر المعروف بالمقلوب. فلما تراءى الجمعان تراموا بالنشاب وبينهم النهر وليس للفريقين طريق إلى العبور. فبرز من الديلم الذين في جملة منجوتكين شيخ في يديه ترس وثلاث زوبينات ورمى بنفسه إلى الماء والمسلمون ينظرون إليه والروم يرمونه بالنبل والحجارة وهو يسبح قدماً والترس في يده والماء إلى صدره وشاهد المسلمون ذلك وطرحوا نفوسهم في أثره وطرحت العرب خيولهم في النهر وهجم العسكر عن المخاض وحصلوا مع الروم على أرض واحدة ومنجوتكين يمنعهم فلا يمتنعون. وأنزل اللّه تعالى النصر عليهم وولى الروم أدبارهم بين مقتول ومأسور ومفلول. وأفلت البرجي في عدد قليل وغنمت منهم الغنيمة الكثيرة وجمع من رؤوس قتلاهم نحو عشرة آلاف رأس وحملت إلى مصر. وتمَّم منجوتكين إلى أنطاكية ونهب رساتيقها وأحرقها وكان

وقت إدراك الغلة فأنفذ لؤلؤ وأحرق ما يقارب حلب منها إضراراً بالعسكر المصري وقاطعاً للعيرة عليهم. وكرَّ منجوتكين راجعاً إلى حلب.

ذکر تدبير لطيف دبره لؤلؤ في صرف العساكر المصرية عن حلب

لما رأى لؤلؤ هزيمة الروم وقوَّة العساكر المصرية وضعفه عن مقاومتهم كاتب أبا الحسن المغربي والقشوري ورغبهما في المال وبذل لهما منه ما استمالهما به وسألهما المشورة على منجوتكين بالانصراف عن حلب في هذا العام والمعاودة في العام القابل لعلة تعذّر الأقوات والعلوفات. فأجاباه إلى ذلك وخاطبا منجوتکین به فصادف قولهما منه شوقاً إلى دمشق وخفض العيش وضجر من الأسفار والحروب وكتبت الجماعة إلى صاحب مصر بهذه الصورة واستأذناه في الانكفاء فقبل أن يصل الكتاب ويعود الجواب رحلوا عائدين وعرف صاحب مصر ذلك فاستشاط غضباً ووجد أعداء أبي الحسن المغربي طريقاً إلى الطعن عليه فصرفه بصالح بن علي الروذباري.

ذكر ما دبره المتلقب بالعزيز في إمداد العسكر بالميرة وإعادتهم إلى حلب

آلى على نفسه أن يمدّ العسكر بالميرة من غلاّت مصر فحمل مائة ألف تليس (والتليس قفيزان بالمعدّل) في البحر إلى طرابلس ومنها على الظهور إلى حصن أفامية. ورجع منجوتكين في السنة الثانية إلى حلب ونزل عليها وصالح بن علي الروذباري المدير فكان يوقع للغلمان بجراياتهم وقضيم دوابهم إلى أفامية على خمسة وعشرين فرسخاً فيمضون ويقبضونها ويعودون بها وأقاموا ثلاثة عشر شهراً وبنوا الحمامات والخانات والأسواق وأبو الفضائل ولؤلؤ ومن معهما متحصنون بالبلد وتعذرت الأقوات عندهم فكان لؤلؤ يبتاع القفيز الحنطة بثلاثة دنانير ويبيعها على الناس بدينار رفقاً بهم ويفتح الأبواب في الأيام ويخرج من البلد من تمنعه المضرتان عن المقام وأشير على منجوتكين بتتبع من يخرج وقتله ليمتنع الناس من الخروج ليضيق الأقوات عندهم فلم يفعل. وأنفذ لؤلؤ في أثناء هذه الأحوال ملكوثا إلى بسيل عظيم الروم معاوداً لاستنجاده وكان بسيل قد توسط بلاد البلغر فقصده ملكوثا إلى موضعه وأوصل إليه الكتاب وقال له: متى أخذت حلب فُتحت أنطاكية بعدها وأتعبك التلافي وإذا سرت بنفسك حفظت البلدين جميعاً وسائر الأعمال.

ذكر مسير بسيل إلى الشام لقتال العساكر المصرية وما جرى عليه أمره في ذلك

لما سمع بسيل قول ملكوثا سار نحو حلب وبينه وبينها ثلثمائة فرسخ فقطعها في سنة وعشرين يوماً وقاد الجنائب بأيدي الفرسان وحمل الرجالة على البغال. وكان الزمان

ربيعاً وقد أنفذ منجوتكين وعسكره كراعهم إلى المروج لترعى فيها وقرب هجوم بسيل عليهم من حيث لا يشعرون.

ذكر ما دبره واعتمده لؤلؤ من رعاية حرمة الإسلام وإنذار منجوتكين بخبر هجوم الروم

أرسل إلى منجوتكين يقول له: إن عصمة الإسلام الجامعة لنا تدعوني إلى إنذاركم والنصح لكم وقد أظلكم بسيل في جيوش الروم فخذوا الحذر لأنفسكم: وجاءت طلائع منجوتكين بمثل الخبر فأحرق الخزائن والأسواق والأبنية التي كان استحدثها ورحل في الحال منهزماً. ووافى بسيل فنزل على باب حلب وخرج إليه أبو الفضائل ولؤلؤ ولقياه ثم عاد ورحل في اليوم الثالث إلى الشام. وفتح حمص ونهب وسبى ونزل على طرابلس فمنعت جانبها منه فأقام نيفاً وأربعين يوماً فلما أيس منها عاد إلى بلاد الروم.

وانتهى الخبر إلى صاحب مصر فعظم ذلك عليه وأمر فنودي بالنفير فنفر الناس.

ذكر مسير المتلقب بالعزيز من مصر لغزو الروم وما اتفق من موته وجلوس ولده المتلقب بالحاكم في موضعه

خرج من داره مستصحباً جميع عساكره وعدده وأمواله وسار منها مسافة عشرة فراسخ حتى نزل بلبيس وأقام بظاهرها. وعارضته علل كثيرة أيس منها من نفسه فأوصى إلى أرجوان الخادم الذي كان خصيصاً به ومتولياً لأمر داره بولده المتلقب بالحاكم من بعده ثم قضى نحبه. وقام أرجوان بأمر الحاكم ودعا الناس إلى البيعة وحالفهم على الطاعة وأطلق لهم العطاء وذلك في شهر رمضان سنة 386 وانكفأ الحاكم إلى قصر أبيه وهو يومئذ ابن خمس عشرة سنة.

وتقدم أبو محمد الحسن بن عمار وكان شيخ كُتامة وسيدها ويلقب بأمين الدولة وهو أول من لقب في دولة المغاربة ونفذت أوامره في الخزائن والأموال إطلاقاً وعطاء حتى على جواري القصر هبة وعتقاً واستولى أصحابه وقلت: مبالاتهم وأشاروا عليه بقتل الحاكم فلم يعبأ به استصغاراً لسنّه واستهانة بأمره. وأرجوان في أثناء ذلك يحرس الحاكم ويلازمه ويمنعه الركوب والظهور من قصره.

واتفق شكر العضدي معه فتعاضدا وصارت كلمتهما واحدة حتى تم لهما ما أراداه.

ذكر ما دبره أرجوان في أمر ابن عمار ومكاتبة منجوتكين والاستنصار به عليه

لما زاد أمر ابن عمار في تمكنه كتب أرجوان إلى منجوتكين وشكا إليه ما هم فيه

ودعاه إلى قصد مصر ومقابلة نعمة العزيز عنده وكشف هذه الغمة عن ولده. فتقبل منجوتكين كتابه وركب إلى المسجد الجامع بثياب المصيبة وجمع الناس وذكرهم جميل العزيز إليهم ثم خرج إلى ذكر ما له عليه خاصة من الاصطناع وما يلزمه من خدمة ولده بعده ثم ذكر تغلب ابن عمار على الملك وسوء سيرته وما يلقاه أئمتنا المقيمون بمصر من الذلة والهوان وبكى بكاء شديداً رقت له القلوب وخرَّق ثيابه واقتدى الناس به في البكاء وتخريق الثياب وأجابوه إلى الطاعة وبذل المهج من غير التماس عطاء ولا مؤونة. فشكرهم وعاد إلى داره وأجمع أمره للمسير فسار إلى الرملة.

ذكر ما دبره ابن عمار في تجهيز الجيش وما آل إليه أمر منجوتكين من الهزيمة

لما وصل الخبر إلى ابن عمار بما فعله منجوتكين عظم عليه وقمع وجوه كتامة وأخبرهم بما تجدد وأظهر أن منجوتكين قد عصى على الحاكم فبذلوا الطاعة والانتهاء إلى ما يأمرهم به. وأحضر أرجوان وشكر العضدي واستمالهما واستحلفهما على المساعدة والمعاضدة فخلفا له اضطراراً. وندب العساكر لقتال منجوتكين وقدَّم أبا تميم سالم بن جعفر عليها وأمدَّه من الأموال والعدد ما أسرف فيه. وكان عيسى بن نسطورس على حاله في الوزارة فبلغه عنه ما أنكره فضرب عنقه.

وسار أبو تميم من مصر ورحل منجوتكين من الرملة بعد أن ملكها والتقيا بعسقلان وتواقعا فأجلت الوقعة عن هزيمة منجوتكين وأصحابه وتتبعوا. وجعل أبو تميم لمن يأتيه بمنجوتكين عشرة آلاف دينار ومائة ثوب فانبئت العرب في طلبه وأدركه علي بن الجراح فأسره وجاء به إلى أبي تميم فسلمه إليه وقبض المال منه. فسلمه إليه وقبض المال منه. فحمل إلى مصر وأبقى ابن عمار عليه واصطنعه وأحسن إليه استمالة للمشارقة بذلك. وسار أبو تميم فنزل طبرية وأنفذ أخاه علياً إلى دمشق فاعتصم أهلها عليه ومنعوه الدخول وكاتب أخاه بعصيانهم واستأذنه في قتالهم فكتب أبو تميم إلى متقدميهم من الأشراف والشيوخ وحذرهم عواقب فعل سفهائهم فلما وصل الكتاب إليهم خافوا وخرجوا إلى علي مذعنين بالطاعة ومنكرين لما فعله أهل الجهالة فلم يعبأ بقولهم وزحف إلى باب البلد فملكه وأحرق وقتل وعاد إلى معسكره. ووافى أبو تميم في غد فأنكر على أخيه ما فعله وتلقاه وجوه الناس فشكوا إليه ما أظلهم فأحسن لقاءهم وأمن جناتهم فسكنوا وعادوا إلى معايشهم.

ذكر ما اعتمده أبو تميم الكتامي من حسن سيرة ملك بها قلوب الرعية

ركب إلى المسجد الجامع في يوم الجمعة بزي أهل الوقار واجتاز في البلد بسكينة

وبين يديه القُرَّاء وقوم يفرّقون الدراهم على أهل المسكنة وصلَّى الجمعة وعاد إلى القصر الذي نزله بظاهر دمشق وقد استمال قلوب العامة بما فعله. ثم نظر في الظلامات وأطلق من الحبوس جماعة من أهل الجنايات فازدادوا له حباً واستقرت قدمه واستقام أمره. وعدل من بعد إلى النظر في أمور السواحل فهذبها وولى أخاه طرابلس وصرف عنها جيش بن الصمصامة وكان جيش هذا من شيوخ كُتّامة أيضاً إلا أنه كانت بينه وبين أبي تميم عداوة. فلما عزله عن طرابلس مضى إلى مصر وجهاً واحداً واجتمع مع أرجوان سراً ورمى نفسه عليه فقبله وبذل له المعاونة. ورأى أرجوان الفرصة قد أمكنت ببعد كتامة عن مصر إلا العدد القليل منهم فقرر مع الأتراك المشارقة الفتك بهم وأحكم الأمر في الاستيثاق. وأحسّ ابن عمار بذلك فعمل على الفتك بأرجوان وسبقه إلى ما يحاوله منه.

ذكر ما هم به ابن عمار من الفتك بأرجوان وشكر وما دبراه في التحرز منه حتى سلما منه وتورّط هو

رتب ابن عمار جماعة في دهليزه ووافقهم على الإيقاع بأرجوان وشكر إذا دخلا داره. وكان لأرجوان عيون على ابن عمار فصاروا إليه وأخبروه بما قد رتبه فاجتمع أرجوان وشكر وتفاوضا الرأي في التحرُّز مما بلغهما وقررا بينهما أن يركبا عند ركوبهما الغلمان يتبعوهما فإن أحسًا على باب ابن عمار بما يريبهما رجعا القهقهرى وفي جماعة من ظهورهما من يمنع عنهما. فرتبا ذلك وتوجها إلى دار ابن عمار فلما قربا من الباب بانت لهما شواهد الشر وما كانا أخبرا به فكرًا راكضاً ومنع عنهما الغلمان الذين كانوا وراءهما ودخلا قصر الحاكم باكيين صارخين وثارت الفتنة. واجتمع المشارقة وعبيد الشرى على باب القصر وركب الحسن بن عمار في كُتامة ومن انضاف إليهم من القبائل إلى الصحراء وفتح أرجوان الخزائن ففرق الأموال وحثَّ الرجال. وبرز ثلاثة من وجوه الأتراك في خمسمائة فارس لقتالهم فواقعوهم وكسروهم وهرب ابن عمار واستتر عند بعض العامة.

ذكر ما دبر به أرجوان أمر الملك

لما تم له الظفر فتح باب القصر وأخرج الحاكم وأجلسه وأخذ له بيعة مجدّدة على الجند وأمن وجوه كُتامة وقوادها فحضروا وأعطوا أيديهم بالطاعة ومهد الأمور في يومه وليلته. وكتب الملطفات إلى الأشراف وإلى وجوه العامة بدمشق بالإيقاع بأبي تميم ونهبه والي المشارقة بمعاونتهم عليه.

ذكر ما تم على أبي تميم من أهل دمشق قلة حزمه وضعف رأيه

كان أبو تميم مع سياسته مستهتراً باللذات ووصلت الملطفات وأبو تميم مشغول بلهوه فلم يشعر إلا بهجوم المشارقة والعامة على قصره فخرج هارباً على ظهر فرسه

ونهبوا خزائنه وأوقعوا بمن كان فيه من كتامة وعادت الفتنة بدمشق واستولى الأحداث. وكان فهد بن إبراهيم النصراني المكنى بأبي العلاء يكتب لأرجوان من قبل فلما صار الأمر إليه استوزره. ولم يزل أرجوان يتلطف للحسن بن عمار حتى أخرجه من استتاره وأعاده إلى داره وأجراه على رسمه في إقطاعاته واشترط عليه إغلاق بابه واستحلفه على لزوم الطريقة المستقيمة.

وكان أهل صور قد عصوا وأمروا عليهم رجلاً ملاحاً يعرف بالعلاقة وكان المفرج ابن دغفل بن الجراح قد نزل على الرملة وعاث في البلاد وانضاف إلى هذين الحادثين نزول الدوقس صاحب الروم في عسكر كثير على حصن أفامية، فاصطنع أرجوان جيش بن محمد بن الصمصامة وقدّمه وجهز معه عسكراً وسيّره إلى دمشق وبسط يده في الأموال ونفذ أمره في الأعمال.

ذكر ما جرى عليه أمر جيش بن الصمصامة في هذا الوجه إلى أن توفي

سار جيش ونزل على الرملة وعليها وحيد الهلالي والياً فتلقاه طائعاً وصادف أبا تميم بها فقبض عليه قبضاً جميلاً. وندب أبا عبد اللّه الحسين بن ناصر الدولة بن حمدان في عسكر إلى صور بعد أن كان أنفذ إليها مراكب في البحر مشحونة بالرجال فأحاطت العساكر بها براً وبحراً. وضعف أهل صور عن القتال وأخذ العلاقة فحمل إلى مصر فسلخ وصلب بها وأقام ابن حمدان بصور والياً عليها.

وسار جيش لقصد المفرّج بن دغفل بن الجراح فهرب من بين يديه وأتبعه حتى كاد يدركه فضاقت الأرض على ابن الجراح وعاذ بالصفح وأنفذ إليه عجائز نسائه يطلب الأمان فكف جيش عنه وأمنه واستحلفه على ما قرره معه وعاد سائراً إلى عسكر الروم النازل على حصن أفامية. فلما وصل إلى دمشق تلقاه أهلها في أشرافها ووجوه أحداثها مذعنين له بالانقياد راغبين إليه في استصحابهم للجهاد فجزاهم خيراً.

ذكر مكيدة بدأ جيش بها في هذه النوبة مع أحداث دمشق إلى أن أمكنته الفرصة منهم في الكرّة الثانية

أقبل على رؤساء الأحداث وبذل لهم الجميل ونادى في البلد برفع المؤن وإباحة دم كل مغربي يتعرض لفساد فاجتمعت الرعية وشكروه وسألوه دخول البلد والنزول بينهم فلم يفعل وأقام ثلاثة أيام وسار بعد أن خلع على رؤساء الأحداث ووصلهم ونزل بحمص واجتمعت عساكر الشام وتوجه إلى حصن أفامية. فوجد أهلها وقد اشتد بهم الحصار فنزل بإزاء عسكر الروم وبينه وبينهم النهر المعروف بالمقلوب ويعرف

بالعاصي. ثم التقى الفريقان من بعد وتنازعا الحرب وكان المسلمون يومئذ في عشرة آلاف من الطوائف وألف فارس من بني كلاب فحملت الروم على المسلمين فزحزحوهم عن مصافهم وانهزمت الميمنة والميسرة واستولى الروم على كراعهم وعطفت بنو كلاب على أكثر ذلك فنهبوه وثبت بشارة الأخشيدي في خمسمائة فارس، ورأى من في حصن أفامية من المسلمين ما أصاب إخوانهم فأيسوا من نفوسهم وابتهلوا إلى اللّه تعالى يسألونه الرحمة فاستجاب لهم.

ذكر ما أنزل اللّه تعالى على المسلمين من النصر فقتل زعيم الروم على يد أحدهم

كان الدوقس قد وقف على رابية وبين يديه ولد له وعشرة غلمة وهو يشاهد ظفر أصحابه وأخذهم للغنائم فقصده كردي يعرف بأحمد بن الضحاك السليل على فرس جواد وبيده اليمنى من خشت فظنه الدوقس مستأمناً إليه أو مستجيراً فلم يحفل به فلما دنا منه حمل عليه فرفع الدوقس يده متقياً وضربه الكردي بالخشت فأصاب خللاً في الدرع فخرقه ونفذ في أضلاعه وسقط إلى الأرض ميتاً. وصاح المسلمون «إن عدو اللّه قد قتل» ونزل النصر فانهزمت الروم وتراجع المسلمون ونزل من كان في الحصن وقتل من الروم مقتلة عظيمة. وباتوا غانمين مستبشرين بنعمة من اللّه وفضل وإن اللّه لا يضيع أجر المحسنين.

ثم سار جيش بن الصمصامة إلى باب أنطاكية فسبى وأحرق وانصرف عائداً إلى دمشق وقد عظمت هيبته في النفوس.

ذکر تمام هيبته في المكيدة التي كان بدأ بها جيش في تسكين إحداث دمشق حتى ظفر بهم

لما عاد إلى دمشق استقبله أهلها مهنئين داعين فتلقاهم بالبشاشة والبشر وزادهم من الكرامة والبر وخلع على وجوه الأحداث وحملهم على الخيل والبغال ووهب لهم الجواري والغلمان. وعسكر بظاهر البلد وسألوه الدخول والجواز في الأسواق وقد كانوا زينوها إظهاراً للسرور فلم يفعل وقال: هذه عساكر وإذا دخلت لم آمن أن تثقل وطأتهم. والتمس منهم أن يخلوا قرية على باب دمشق ليكون مقامه فيها فأجابوه إلى ذلك وتوفر على استعمال العدل وتخفيف الثقل فاستخص رؤساء الأحداث واستحجب جماعة منهم. وكان يعمل لهم سماطاً يحضرونه في كل يوم للأكل عنده ويبالغ في تأنيسهم فلما اطمأنوا ومضت مدة على ذلك أحضر قواده وتقدم بأن يكونوا على أهبة لما يريد استخدامهم فيه وتوقع ما يأمرهم به في رقاع مختومة والعمل بما فيها. ثم كتب رقاعاً بقسمة البلد وعيّن لكل من قواده الموضع الذي يدخل منه ويفتك فيها وختمها

وأعدَّها ثم رتب في حمام داره قوماً من المغاربة وتقدم إلى أحد خواصه بأن يراعي حضور رؤساء الأحداث طعامه فإذا أكلوا وقاموا إلى المجلس الذي جرت عادتهم بغسل أيديهم فيه أغلق بابه عليهم وأمر المتكمنين في الحمام بالخروج على أصحابهم والإيقاع بهم. وحضر القوم على رسمهم وبادر جيش بإنفاذ الرقاع إلى قواده وجلس معهم للأكل فلما فرغ وفرغوا نهض إلى حجرته ونهضوا إلى المجلس فأغلق الفراش عليهم بابه وخرج من في الحمام فأوقعوا بأصحابهم وقتلوهم بأسرهم. وركب القواد ودخلوا البلد فقتلوا قتلاً ذريعاً وثلموا السور من كل جانب ونزلت المغاربة دور دمشق وركب جيش فدخل دمشق وطافها واستغاث الناس به ولاذوا بعفوه فكفّ عنهم واستدعى الأشراف استدعاء حسن ظنهم فيه فلما حضروا أخرج رؤساء الأحداث وأمر بضرب رقابهم بين أيديهم ثم صلب كل واحد منهم في محلته حتى إذا فرغ من ذلك قبض على الأشراف وحملهم إلى مصر واستأصل أموالهم ونعمهم ووظف على البلد خمسمائة ألف دينار. ثم جاءه أمر اللّه الذي لا يُغلب وقضاؤه الذي لا يوارب ولاقتة المنية التي تجعل العزيز ذليلاً والكثير قليلاً فما أغنت عنه عندها قدرة ولا حيلة ولا نفعته معها فدية ولا وسيلة. وكان سبب منيته علة باطنة حدثت به.

ومن لم يمت بالسيف مات بغيره***تنوعت الأسباب والداء واحد

وورد الخبر إلى مصر بموته فقلد محمد ولده مكانه.

واستقامت الأمور على يد أرجوان وجرت بينه وبين بسيل عظيم الروم مراسلات وملاطفات انتهت إلى تقرير الهدنة مدة عشر سنين وصلحت الحال مع العرب.

وكان يواصل النظر في قصر الحاكم نهاره أجمع إلا ساعة في وقت الظهر ثم يعود إلى منتصف الليل ويوفي السياسة حقها وفهد بن إبراهيم بين يديه ينفذ الأمور أحسن تنفيذ فلم يزل على هذه الوتيرة إلى أن قتل.

ذكر السبب في قتل أرجوان وشرح الحال في ذلك

كان أرجوان يأخذ الحاكم بتهذيب الأخلاق وينصحه (والنصح مرّ المذاق) ويمنعه كثرة الركوب لفرط الإشفاق ويصده عن التبذير في غير موضع الاستحقاق فصارت له هذه الأحوال ذنوباً ثم لأن لكل امرئ أجلاً مكتوباً. وكان مع الحاكم خادم يعرف بريدان الصقلبي قد خص به فأنس في شكوى أرجوان إليه فزاده ريدان إغراء به وقال: إنه يريد أن يجعل نفسه في موضع كافور الأخشيدي ويجريك مجرى ابن الأخشيد في الحجر عليك. ولم يزل بالحاكم حتى حمله على قتل أرجوان واستقر بينهما أن يستدعي أرجوان في وقت الظهر بعد انصرافه إلى داره وأن يؤمر الناس بالركوب إلى الصيد ليتفرقوا فإذا حضر أمر بقتله ففعل ذلك

وقال الحاكم لريدان إذا حضر أرجوان وتبعني إلى البستان فاتبعه فإذا التفت إليك فاغتله بالسكين: فبينما هما في الحديث إذ دخل أرجوان فقال: يا مولاي الحر شديد والبزاة لا تصيد في مثله. فقال: صدقت ولكنا ندخل البستان ونطوف ساعة ونخرج. فقام ومشى أرجوان خلفه وريدان بعده فأهوى ريدان عند التفات الحاكم إليه بالسكين إلى ظهر أرجوان فاطلعها من صدره فقال أرجوان: یا مولاي غدرت. وصاح الحاكم بالخدم وتكاثروا وأجهزوا عليه وخرج الخدم الكبار فردوا الجنائب وبغال الموكب والجوارح. فسألهم شكر العضدي عن الحال فلم يجيبوه فجاء الناس أمر لم يفهموه وعاد شكر والموكب وشهر الجند

سيوفهم وظنوا حيلة تمت لابن عمار على الحاكم وأحاطوا بالقصر وعظم الأمر واجتمع القواد والوجوه. فلما رأى الحاكم زيادة الاحتياط ظهر من منظرة على أعلى الباب وسلم على الناس فترجلوا له وخدموه وأمر بفتح الباب وأنفذ على أيدي أصحاب الرسائل رقاعاً بخط يده إلى شكر وأكابر الأتراك والقواد مضمونها: إني أنكرت من أرجوان أموراً أوجبت قتله وقتلته فالزموا الطاعة وحافظوا على ما في أعناقكم من الإيمان. فلما وقفوا عليها أذعنوا وسلموا واستدعى الحسين بن جوهر وكان من شيوخ القواد فأمره بصرف الناس فصرفهم وعادوا إلى دورهم والنفوس خائفة وجلة من فتنة تثور بين المشارقة والمغاربة. ثم جلس الحاكم بعد عشاء الآخرة واستدعى الحسين بن جوهر وفهد بن إبراهيم وتقدم بإحضار الكتاب فحضروا وأوصلهم إليه وقال لهم: إن فهداً كان كاتب أرجوان وهذا اليوم وزيري فاسمعوا له وأطيعوا. وقال لفهد: هؤلاء الكتاب خدمي فاعرف حقوقهم وأحسن إليهم. وأمر بأن يكتب إلى سائر ولاة البلاد بقتل أرجوان وتسكيتهم في أعمالهم ونفذت الكتب وسكن الناس وأمن ما خيف من الفتنة. وكان ذلك في سنة 389.

ومضى أرجوان كأنه لم يكن ولو علم أن هلاكه على يد الحاكم لأقصر عن ذلك الاجتهاد في حفظه. ورب حافظ دواء داؤه فيه وحامل سلاح حتفه به وضنين بذخرٍ وباله منه ومع الأحوال كلها فالإفراط في منع الملوك عن شهواتهم جناية والإقصار عما يلزم من نصحهم خيانة لكن بشرط الاقتصاد وقد قيل: كثرة المراقبة نفاق وكثرة المخالفة شقاق. وكم من شفيق على الملوك قد هلك بفرط شفقته وحبيب صار بغيضاً بكثرة نصحه. ولم يبعد العهد بما شوهد من فعل الملك أبي كاليجار بخادمه المتلقب بالمؤيد وقصته مناسبة لقصة أرجوان.

وما أحسن الرواية التي تُروى عن المأمون رضوان اللّه عليه حين سأل جلساء عن أرفه الناس عيشاً فقال كل واحد منهم قولاً لم يعجبه فقال المأمون أرفه الناس عيشاً رجل أتاه اللّه كفاية لا يعرفنا ولا نعرفه. وقال بعض العقلاء: مثل السلطان كمثل النار فلا تقرب منها قرباً تباشر فيه لهبها ولا تبعد عنها بعداً تفقد معه ضوءها. وجملة القول

إن القرب من الملوك عز مع تعب والبعد منهم ذلُّ مع راحة والعيش في الخمول وتختلف الطباع في هذا الاختيار وكل امرئ ميسر لما خلق له.

ذكر ما جرت عليه الأمور بعد قتل أرجوان

استوزر فهد بن إبراهيم وقدم الحسين بن جوهر ولقبه بقائد القواد ثم استمر الفتك منه بالناس فقتل في المدة اليسيرة العدد الكثير.

واستحضر بعد أربعة أشهر الحسن بن عمار من داره فلقيه بالإحسان وأعطاه يده بالأمان وانصرف مسروراً إلى داره وركب الناس إليه يهنئونه بالعفو عنه ثم قتله بعد أسبوع. ثم قتل فهد بن إبراهيم بسعاية كاتبين من كتاب الدواوين به وولأهما الأعمال ثم قتلهما ثم قتل الحسين بن جوهر ولم يكن في شرح أحوال قتلهما ما يستفاد منه تجربة لأنه اختباط واختلاط. ثم قتل علياً ومحمداً ابني المغربي وأمر بإحضار أبي القاسم الحسين بن علي صاحب الشعر والرسائل الذي وزر ببغداد وأخويه فظفر بأخويه فقتلا واستتر الوزير أبو القاسم وما زال يعمل الحيلة حتى هرب مع بعض البادية وحصل عند الحسان بن المفرج بن الجراح واستجار به وأجاره.

وقد كان في نفس الحاكم ما جرى على عساكر مصر بباب حلب فعول على يارختكين العزيزي للخروج إلى الشام وقدمه وكثر أمواله ونعمه وأمر وجوه القواد بتبجيله والترجل في موكبه. وكان في جملة من أمر بخدمته والترجل له علي ومحمود ابنا المفرج وجاءا إلى أبيهما وعرَّفاه ما أمرا به من الترجل ليارختكين والمشي بين يديه وما ذلك لقياه من من المشقة وأن نفوسهما تأبى الصبر على هذه المذلة ثم حذراه يارختكين وتوجهه وقالا: إنك لا تأمن أن ينتهز فيك فرصة ويستفحل أمره فينبوا بك وبنا المقام في هذه الديار فدبر أمرك في في فسحة من رأيك وعاجله في الجفار قبل وصوله إلى الرملة و اعتضاده بعساكرها. وكان يارختكين سار في عدة قليلة على أن يجمع عساكر الشام ويسير بها إلى حلب وصحبه أهله وماله وعدد كثير من التجار فلما توسط الجفار أشار أبو القاسم المغربي على حسان بن المفرج بلقائه وانتهاز الفرصة فيه فسار حسان إلى أبيه وسهل عليهما الأمر فاجتمع رأيهما على ذلك. وجمعا العرب ورصدا وصول يارختكين إلى غزّة وعرف يارختكين الخبر فجمع ذي الرأي من أصحابه وشاورهم.

ذكر رأيين كل منهما سديد لو ساعد القدر فيه

قال أحدهم له: إنك من الرملة على عشرة فراسخ وبها خمسة آلاف رجل وعندك خيول مضمرة ولو أسريت ليلاً لصبحت الرملة وحصلت في قصرك آمناً وعرفت العرب خبرك فهابوك وراقبوك وسرنا بعدك على طمأنينة. فاعترض آخر وقال: هذا المرء اليوم

في ابتداء أمره فإذا شاع بين الناس أنه أشفق وهرب لم تبق له هيبة في النفوس ولكن الرأي أن يستدعي قائداً من قواد الرملة في ألف فارس ليلقانا بعسقلان. فاستقر الأمر على ذلك وكتب يارختكين إلى قائد يعرف بابن سرحان يستدعيه وأنفذ الكتاب مع رسول قدر لوصوله وخروج ابن سرحان ثلاثة أيام. فاتفق أن الرسول أخذ في الطريق قبل وصوله إلى ابن سرحان.

ذكر عجلة ضاع الحزم بها

لما مضى يومان من الثلاثة التي قدرها يارختكين سار على طريق الساحل وهو لا يشك في تعجيل ابن سرحان إليه. وكان حسان بن المفرج قد عرف خبره فبث الخيل من كل جانب فوقعت على يارختكين وجرت بين الفريقين حرب شديدة كانت الغلبة فيها للعرب وأسر يارختكين وأخذ ولده وحرمه وأموال التجار وجعل أكثر ذلك في يد حسان وعادت العرب إلى الرملة وشنوا الغارة على رساتيقها وخرج العسكر الذي بها فقاتلوهم قتالاً همت العرب معه بالانصراف.

ذكر رأي أشار ابن المغربي في تلك الحال

قال لهم: الوزير أبو القاسم بن المغربي: إن رحلتم على هذه الصورة وقع الطمع فيكم وإن صبرتم حتى تفتحوا البلد خافكم الحاكم وملكتم الشام والرأي أن تبادروا وتنادوا في السواد وتسمعوا الشراة في الجبال بإباحة النهب والغنيمة. فقبلوا منه وحشروا فنادوا فوافى خلق كثير وزحفوا إلى البلد وملكوه وأساؤوا الملكة بالفتك والهتك. وتأدى الخبر إلى الحاكم فانزعج وكتب إلى المفرج بن دغفل كتاباً عاتبه فيه وحذره سوء العاقبة وطالبه بانتزاع يارختكين من يد حسان وحمله إلى مصر ووعده على ذلك بخمسين ألف دينار.

ذكر رأي لابن المغربي قصد به تأكيد الوحشة بین حسان و صاحب مصر

قال لحسان: إن والدك سيركب إليك ولا يبرح من عندك إلا بيارختكين ومتى

أفرجتم عنه وعاد إلى الحاكم رده إليكم في العساكر التي لا قبل لكم بها. فلما سمع حسان ذلك (وكان في رأسه نشوة) أحضر يارختكين بقيوده فضرب عنقه صبراً وأنفذ رأسه إلى المفرج. فشق عليه ما جرى وعلم فوت الأمر فأمسك.

ثم اجتمع الوزير أبو القاسم مع المفرج وأولاده وقال لهم:قد كشفتم القناع في مباينة الحاكم ولم يبق من بعد للصلح موضع. وأشار عليهم بمراسلة أبي الفتوح الحسن بن جعفر العلوي واستجذابه به إليهم ومبايعته على الإمامة فإنه لا مغمز في نسبه وسهل الخطب عليهم في ذلك.

ذكر ما جرى عليه أمر أبي الفتوح العلوي

كان أبو الفتوح بمكة أميراً فمضى إليه ابن المغربي وأطمعه في الأمر فطمع فيه وجمع بني حسن وشاورهم فصبوا إلى العز وأعطوه أيديهم بالبيعة ثم عاد الناس إليه وتلقب بالراشد باللّه وصعد المنبر وخطب لنفسه. واتفق أن إنساناً موسراً توفي تلك السنة بجدة ووصى لأبي الفتوح من تركته بمال لكي يسلم الباقي لورثته فمد يده إلى التركة فاستوعبها بمشورة ابن المغربي عليه بذلك وسار لاحقاً بآل الجراح فلما قرب من الرملة تلقوه وقبلوا الأرض بين يديه وسلموا عليه بإمرة المؤمنين ونزل الرملة. ونادى في الناس بأمان الخائفين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونسي نفسه في أخذ تركة التاجر بجدة إلا أن الناس تراجعوا إلى معايشهم وظهروا من استتارهم وركب في يوم الجمعة والمفرج وأولاده وسائر أمراء طي مشاة بين يديه حتى دخل المسجد ودعا ابن نباتة الخطيب وأمره بصعود المنبر وأسرَّ إليه بما لا يبدأ به فصعد وقد طالت الأعناق فحمد اللّه وأثنى عليه وقرأ: بِسمِ اللّهِ الرَّحمَنِ الرَّحَيمِ (طَسم تِلكَ ءَايَتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ، نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَبَا مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، وَنُرِيدُ أَن نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَبِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكّنَ هُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ) [القصص: 1-6].

ولما فرغ أبو الفتوح من الصلاة عاد إلى دار الإمارة.

ونرى أن أبا الفتوح اتبع في هذا الاستشهاد بهذه الآيات محمد بن عبد اللّه بن حسن فيما جرى بين المنصور باللّه وبينه من المكاتبات فإنه استشهد بها. ويتضمن كتاب الكامل الذي صنفه أبو العباس المبرد ذكرها وقد نظر المنصور فيها ولولا شرط الاختصار لذكرناها فإنها عجيبة جداً وقد قارعا على الأحساب «والنبع يقرع بعضه بعضاً». وما أحسن أدب القائل حين دخل إلى المنصور باللّه بعد قتل إبراهيم بن عبد اللّه بن حسن بن حسن أخي محمد والناس ينالون من إبراهيم والمنصور يكره كثيراً من ذلك فقال: أجرك اللّه يا أمير المؤمنين في ابن عمك وغفر له ما استحله من قطيعتك أو ما هذا معناه فتهلل وجه المنصور سروراً بضوابه وقرَّبه إليه من دون أصحابه. واللّه تعالى يقول: وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللّه إِنَّ اللّه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنفال: 75].

ذكر ما دبره صاحب مصر عند وصول الخبر إليه

لما تأدى إلى الحاكم شرح ما جرى عظم عليه وكبر لديه وكتب إلى حسان

ملطّفات وبذل له بذولاً كثيرة وإلى المفرج بمثل ذلك واستمال آل الجراح جميعهم وحمل إلى علي ومحمود ابني المفرج أموالاً جزيلة حتى فلهما عن ذلك الجمع وجعلهما في حيّزه مع جماعة من العرب. وبدأ أمر الحاكم يقوى وأمر أبي الفتوح يضعف وبان له تغير آل الجراح عليه وانضاف إلى ذلك ورود الخبر بنزول ابن عمه على ملكه طالباً موضعه.

ذکر تحاسد بين الأهل عاد بوبال

كان لأبي الفتوح ضد من بني عمه يعرف بابن أبي الطيب يخاطب بالإمرة وبينهما تحاسد وتنازع فكتب إليه الحاكم في هذا الوقت وقلده الحرمين وأنفذ له ولشيوخ بني حسن مالاً وثياباً. فسارع مع من انضوى إليه من بني عمه إلى مكة وبها صاحب أبي الفتوح فنازله وأسرعت النجب إلى أبي الفتوح بالخبر فازداد قلقاً وخاف خروج الحرمين من يده.

وكان حسان قد أنفذ والدته في أثناء هذه الخطوب إلى مصر بتذكرة تتضمن أغراضه وسأل في جملتها أن تُهدي له جارية من إماء القصر فأجابه الحاكم إلى جميع ما سأل من إقطاع وتقرير وأمضاه وكتب له أماناً بخط يده وأهدى له جارية جهزها بما بلغ قيمته مالاً عظيماً. فعادت والدة حسان إليه بالرغائب له ولأبيه فسر بذلك وأظهر طاعة الحاكم ولبس خلعه.

وعرف أبو الفتوح الحال فأيس معها من نفسه فركب إلى المفرج مستجيراً به وقال: إنما فارقت نعمتي وأبديت للحاكم صفحتي سكوناً إلى ذمامك وأنا الآن خائف من غدر حسان فأبلغني مأمني وسيرني إلى وطني فحفظ المفرج ذمامه وضم إليه من أجازه وادي القرى فتلقاه بنو حسن وأصحابه ومضوا إلى مكة واستقامت أموره بها وكاتب الحاكم واعتذر إليه فقبل عذره. وأما الوزير أبو القاسم فإنه استجار بالمفرج حتى سيره إلى العراق.

وصبر الحاكم مدة يسيرة ثم جرد العساكر مع علي بن جعفر بن فلاح أخي أبي تميم ولقبه قطب الدولة وسار في عشرين ألف وتلقاه علي ومحمود ابنا المفرج طائعين. وكان الحاكم قد خدع كاتباً للمفرج يعرف بابن المدبر وبذل له بذولاً على قتل المفرج بالسم فتوصل الكاتب إلى أن سقاه سماً فمات وهرب ابن المدبر إلى مصر ووفي له الحاكم بما وعده ثم قتله من بعد.

وكذلك عاقبة من خان مولاه وباع دينه بدنياه فهو يخسرهما جميعاً ويحتقب إثماً عظيماً.

واضمحل أمر حسان وأخذت معاقله وصار طريداً شريداً مدة حتى ضاقت عليه

أرضه فأنفذ والدته والجارية إلى مصر لائذاً بالأمان واستشفع إلى الحاكم بأخته فشفعها فيه وأعطى والدته خاتمه وثياب صوف كانت على بدنه وعمامة على رأسه والحمار الذي يركبه فعادت الجارية بجميع ذلك إليه وأقامت والدته. فبادر حسان إلى الورود ودخل البلد على ذلك الحمار بتلك الثياب فعفا عنه وأعطاه أرضه واصطنعه وأقطعه وأعاده إلى الشام ولم يتعرض حسان بعدها بفساد إلى أن قتل الحاكم ونعود إلى سياقة التاريخ.

وفي هذه السنة المقدم ذكرها وردت كتب أهل الرحبة والرقة إلى الحضرة باستدعاء من يسلمون إليه البلاد فندب خمارتكين الحمصي للمسير.

ذكر ما جرى عليه أمره في ذلك

سار إلى الرحبة وملكها وأقام بها أياماً ثم سار إلى الرقة وبها سعد السعديّ فاعتصم بالرافقة وجرت بينه وبين خمارتكين وقعات ولم يتم فتحها وعاد إلى الرحبة. وقد بلغه اضطراب الأمور ببغداد فرجع واعترضه قوم من العرب في رجوعه فأخذوه أسيراً في أيديهم حتى افتدى منهم بمال.

وفيها خرج أبو جعفر الحجاج بن هرمز إلى أعمال الموصل مع عدد كثير من العسكر وحصل بها. واجتمعت بنو عقيل وزعيمهم يومئذ أبو الدؤاد محمد بن المسيب على حربه فجرت بينهما وقائع ظهر من أبي جعفر فيها شجاعة سار ذكره بها حتى أنه كان يضع كرسياً في وسط المصاف ويجلس عليه والحرب قائمة بين يديه وتمكنت له في قلوب العرب هيبة بذلك. واستنجد من الحضرة فأنجد بالوزير أبي القاسم علي بن أحمد واستقر الصلح مع العرب على المناصفة فيما قرب من أعمال الموصل وبقي أبو جعفر هناك إلى أن توفي محمد بن المسيب وعاد بنو عقيل فأخذوا منه البلد.

وفيها وصل الأشراف والقضاة والشهود إلى حضرة القادر باللّه رضوان اللّه عليه وسمعوا يمينه لبهاء الدولة بالوفاء وخلوص النية وتقليده ما وراء بابه مما تقام فيه الدعوة وذلك بعد أن حلف له بهاء الدولة على صدق الطاعة والقيام بشروط البيعة.

ودخلت سنة اثنين وثمانين وثلاثمائة

وفيها خلع على الوزير أبي القاسم علي بن أحمد وندب إلى الخروج إلى الموصل وقتال بني عقيل.

ذكر السبب في ذلك وما انتهى إليه الأمر فيه

كانت الحال بين أبي القاسم وبين أبي الحسن المعلم قد بدأت في الفساد ودخلت بينهما بلاغات حلت عُرى الوداد وكان أبو القاسم يجري نفسه معه مجرى الكاتب حتى أنه نزل يوماً معه في زبزبه فجلس على الكهوار بين يديه والناس يشاهدونه ويتعجبون

منه. ووردت كتب أبي جعفر الحجاج باجتماع بني عقيل عليه فأشار أبو الحسن على بهاء الدولة بإخراج أبي القاسم.

فتقدم إليه بذلك وجرَّد معه عدداً كثيراً من طوائف العسكر وسار بعد أن ركب إليه بهاء الدولة وودعه. فوصل إلى الموصل وخيَّم بظاهرها واجتمع مع أبي جعفر وانصرف بنو عقيل وبدأ بإحكام قواعد الأمور فلم يمهله أبو الحسن المعلم حتى كاتب أبا جعفر بالقبض عليه.

ذكر رأي سديد لأبي جعفر نظر فيه للعاقبة

علم أبو جعفر أنه إن فعل ذلك اضطرب الأمور وطمعت العرب ولم يمكنه الثبات فتوقف وراجع أبا الحسن وأعلمه وجه الغلط فيما رآه. واتصل الخبر بأبي القاسم بما يجري من الخوض في بابه من عيون له على بهاء الدولة وأبي الحسن وخواصهما وعول على مهادنة بني عقيل وأخذ رهائنهم وعمل على الانكفاء إلى بغداد ولما رأى أبو الحسن أن أبا جعفر قد توقف عما كاتبه فيه فأخرج أبا الفتح محمد بن الحسن الحاجب إليه ليلزمه إمضاء العزيمة فيما أمره به.

فحكى أبو نصر محمد بن علي بن سياجيك وكان كاتب أبي القاسم يومئذ قال: لما وصل الخبر إلينا بما تقرَّر من خروج أبي الفتح محمد بن الحسن على القاعدة المذكورة ثم تلاه كتاب من تكريت بوصوله إليها خاف أبو القاسم وأشار عليه من يثق به بالهرب ففرقت نفسه عنه وعزم على الانكفاء إلى بغداد ولم يأمن أن يظهر فيمنعه أبو جعفر.

ذكر ما رتبه أبو القاسم من الحيلة حتى تم له الانحدار

راسل أبا جعفر وقال له: قد توقف محمد بن المسيب عن تفرقة العرب من حوله وتسليم ما ووقف على تسليمه من النواحي وقال: «لست فاعلاً ذلك إلا بعد أن تنحدر أنت ومن معك من العسكر وآمن انتقاض ما تقرر» وقد عزمت على أن أنتقل بمعسكري من موضعه وأظهر الانحدار فليكن أدعى إلى سكونه. فاستصاب أبو جعفر رأيه وأمر أبا القاسم بالرحيل ليلاً وأصبح على عشرة فراسخ من الموصل. فراسله أبو جعفر وعاتبه على فعله فرد عليه جواباً معللاً بالاعتذار وقال: إن الأولياء طالبوني بالانحدار ولم يمكن مخالفتهم. ووصل إلى الحديثة وقد نزلها أبو الفتح الحاجب فخرج وتلقى الوزير وخدمه وأعطاه كتاباً من بهاء الدولة مضمونه: إن الأمور قد وقفت ببعدك وخيل لنا أن أبا جعفر منعك من العود ولم يقف عند ما تدبره به فأنفذنا أبا الفتح ليواقف أبا جعفر على طاعتك والرضاء بما تقرره ليتعجل عودك. فوقف أبو القاسم على الكتاب فلما نزل مخيمه استدعى أبا الفتح وراوضه على أن يصدقه عن باطن الأمر وبذل له ثلاثة آلاف

دينار فحلف له أبو الفتح على تقابل الظاهر والباطن فيما أوصله إليه فقال أبو نصر: فاستدعاني الوزير بعد خروج أبي الفتح من عنده وقال لي: قد ورد هذا الكتاب بما قد علمته وقد كتب أصدقاؤنا ونصحاؤنا بما عرفته فما الرأي ؟ قلت له: ليس إلا مراسلة أبي الدؤاد فإنه نازل بإزائنا وأخذ الذمام منه والعبور إليه والمقام عنده ثم تدبير الأمر مع الأمن. فقال: لعمري إن هذا هو الرأي الذي توجبه الخبرة في حراسة النفس ولكني أستقبح ذلك وسأدخل بغداد متوكلاً على اللّه تعالى. ثم ورد الخبر في أعقاب ذلك بالقبض على أبي الحسن المعلم وقتله فدخلت إلى الوزير فأقرأني الكتاب الوارد بذكر ذلك وعنده من يحتشمه فأظهرت وجوماً. فلما خلا عدت إليه وفي وجهي آثار الاستبشار ووجدته مفكراً مطرقاً فلما رآني قال: أظنك قد سررت بما ورد. قلت: نعم. قال: وما ذاك مما يسرّ لأن ملكاً قرب رجلاً كما قرب بهاء الدولة أبا الحسن وفوَّض إليه التفويض الذي رأيته ثم أسلمه للقتل بمرأى عينه لحقيق بأن تخاف ملابسته.

وفيها ورد أبو العلاء عبيد اللّه بن الفضل قادماً من الأهواز وكان أبو الحسن المعلم قد مد عينه إلى حاله وماله واستدعاه للقبض عليه.

ذكر تدبير جيد سلم به أبو العلاء عبيد اللّه بن الفضل

لما أحس أبو العلاء بما هم به أبو الحسن ملأ عينه بالتحف والملاطفات وعمل الدعوات المترادفات وسلك معه سبيل التذلل والمخادعة حتى اندفعت عنه النكبة وتجدد من قتل المعلم ما كفى به أمره.

وفيها أفرج عن أبي الحسن محمد بن عمر العلوي.

وفيها قبض على أبي الحسن المعلم وقتل.

شرح حال أبي الحسن المعلم في القبض عليه وقتله

كان قد استولى على الأمور الاستيلاء الذي تقدم ذكره ووتر القريب والبعيد وخنق أبا على بن شرف الدولة بيده وأفسد نيات وجوه العسكر والرعية وفعل الأفاعيل المنكرة وأملى له حتى امتلأت صحيفته. فشغب الجند في هذا الوقت وبرزوا إلى ظاهر البلد وراسلوا بهاء الدولة بالشكوى منه وطالبوه بتسليمه إليهم فأخذهم باللطف ووعدهم بإزالة شكواهم وأن يتولى بنفسه أمورهم ويقتصر أبو الحسن المعلم على خدمته فيما يخصه. فلم يقنعوا فبذل لهم أن يبعده عن مملكته إلى حيث يأمن على مهجته ويبلغ الجند مرادهم ببعده ولا يتقبح هو بتسليمه وقتله فكان جوابهم أخس من القول الأول. فقال بكران لبهاء الدولة وكان السفير بينه وبين العسكر: أيها الملك إن الأمر على خلاف ما تقدره وأنت مخيَّر بين بقاء أبي الحسن وبين بقاء دولتك فاختر أيهما شئت. فقبض عند

ذلك على أبي الحسن وعلى جميع أصحابه وأسبابه وظن أنهم يرضون ويعودون فلم يفعلوا وأقاموا على المطالبة بتسليمه إليهم فتذمّم من ذلك وركب بنفسه ليسألهم العود والاقتصار على ما جرى من القبض على المعلم فلم يقم أحد منهم إليه ولا خدمه وأبو أن يرجعوا إلا بعد تسليمه. فسلم حينئذ إلى أبي حرب شيرزيل وسُقي السم دفعتين فلم يعمل فيه فخنق بحبال الستارة ودهمه أحد الغلمان بسكين فقضى نحبه وأخرج ودفن. ثم عاد الجند إلى منازلهم وسكنت الفتنة.

ولو أن بهاء الدولة اقتصد في أمر هذا المعلم لكان ذلك أحسن بداية وأجمل توسطاً وأحمد عاقبة وآمن مغبة وأطيب أحدوثة ولكنه أخطأ باختيار من لا خير فيه ثم أفرط في تقريبه ثم أسرف في تمكينه لا جرم أن السمعة ساءت والرقبة رفعت والحشمة ذهبت والوصمة بقيت ولم يسلم المعلم مع ذلك كله فيا قرب ما بين ذلك العز وهذا الهوان وذلك الإكرام وهذا الإسلام فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ ﴾ [الدخان: 29].

وفيها سُلم الطائع إلى الخليفة القادر باللّه رضوان اللّه عليه وأنزله في حجرة من حجر خاصته ووكل به من يحفظه من ثقات خدمه. وأحسن ضيافته ومراعاة أموره حتى أنه كان يطالب من الخدمة بمثل ما كان يطالب به أيام خلافته وكان القادر باللّه رضوان اللّه عليه يتفقد ما يقام له ويقدم بين يديه أكثر تفقد مما يخص به نفسه. وأقام على ذلك إلى أن توفي رضوان اللّه عليه. وفيها ورد الوزير أبو القاسم علي بن أحمد والعسكر في صحبته.

ذكر ما جرى عليه أمر الوزير أبي القاسم وما استقر في أمر النظر بعد القبض عليه

ورد وعنده أنه قد كفى ما يحاذره بهلاك المعلم وكان بهاء الدولة قد نقم عليه لأسباب أحدها المعلم في نفسه أحدها ما كان منه بمقاربة بني عقيل ثم صح في نفسه أن الشعب الواقع من العسكر كان بكتبه ورسائله إليهم. فقبض عليه وخلع على أبي عبد اللّه الحسين بن أحمد ورد إليه العرض وأقر أبا الحسن علي بن سهل الدورقي على رسمه في نيابة الوزارة. وخوطب أبو منصور بن صالحان على تقلد الأمر فاستعفى فاستقر الأمر على استدعاء أبي نصر سابور وكان قد صار إلى البطيحة مستوحشاً من المعلم فكوتب بالحضور فحضر. وأشير على بهاء الدولة بالجمع بينه وبين أبي منصور بن صالحان في الوزارة فأمر بذلك بعد أن قرّره معهما وخلع عليهما جميعاً وطرح لهما دستاً كاملاً وكانا يتناوبان في تقديم اسم أحدهما على الآخر في المكاتبات.

وفيها قبض صمصام الدولة على أبي القاسم العلاء بن الحسن بشيراز.

ذكر ما جرت عليه الحال في ذلك

كان العلاء بن الحسن غالباً على أمر صمصام الدولة ووالدته كثير الإفضال على أصحابه وحاشيته ولم يكن مع ذلك مغضياً لهم على أمر يحلّ عُرى السياسة. وكان قد اصطنع أبا القاسم الدلجي واستصحبه من الأهواز لما أعاده شرف الدولة إلى شيراز وقدَّمه وقرَّبه ثم ولأه ديوان الإنشاء حين حصل صمصام الدولة بشيراز وخلع عليه ورتبه في ذلك ترتيب الوزراء ومضى الأمر على هذا زماناً. وتبسط الرضيع وسعادة وكتاب السيدة والدة صمصام الدولة واستولوا وطالبوا العلاء بما تقصر المادة عنه وتضطرب الأمور معه. فضاق مجال قدرته عن اقتراحاتهم ففسدت الحال بينه وبينهم لأجل ذلك وشرعوا في فساد أمره فوجدوا عند أبي القاسم الدلجي مساعدة لهم عليه عند صمصام الدولة طمعاً في حاله وحال من دونه فقبض عليه وعلى كتابه وحواشيه وعلى ابنته زوجة العلوي الرازي وطولبوا أشدَّ مطالبة وعوقبوا أشد معاقبة حتى تلفت ابنته وجماعة من أصحابه تحت الضرب. وبقي العلاء معتقلاً في بعض المطامير لا يعرف له خبر إلى أن فسد أمر أبي القاسم الدلجي فتغير رأي السيدة والدة صمصام الدولة وقبض عليه في سنة ثلاث وثمانين وأفرج عن العلاء بن الحسن ورُدَّ إليه النظر.

ذكر ما جرى عليه أمر العلاء بن الحسن في عوده إلى الوزارة

أخرج من محبسه وقد ضعف بصره وحصل في دار السيدة وعولج حتى برئ وخلع عليه ورُدَّ إلى الوزارة وصحب صمصام الدولة إلى الأهواز ثم رجع إلى أرجان فأقام بها على النظر في أمور فارس. فلما جرى ما جرى بتل طاؤوس وعاد الديلم منهزمين وانهزم صمصام الدولة إلى شيراز فسار العلاء إلى الأهواز وقاتل عسكر بهاء الدولة ثم مات بعسكر مكرم.

ولم تخلص نيته لصمصام الدولة بعد ما لحقه وابنته وأهله بل أهلك دولته بإقطاع الإقطاعات وإيجاب الزيادات وتمزيق الأموال وتسليم الأعمال وتأدَّت أمور صمصام الدولة إلى الاضطراب وأحواله إلى الاحتلال. وهكذا لعيسى في فساد الأمور كل حنق موتور.

وفيها ورد الخبر بنزول ملك الروم على خلاط وأرجيش وأخذهما وانزعج الناس لذلك. ثم ذكر من بعد استقرار الهدنة بين أبي علي الحسن بن مروان وبينه مدة عشر سنين وانصرف عن الأعمال.

ودخلت سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة

وفيها ورد الخبر باستيلاء أولاد بختيار على القلعة التي كانوا معتقلين فيها ومسير

أبي علي الحسن بن أستاذ هرمز من شيراز إليهم والقبض عليهم وقتل نفسين منهم.

ذكر الحال في ذلك وما انتهى إليه أمرهم

قد تقدم ذكر حال هؤلاء القوم وإحسان شرف الدولة إليهم بالإفراج عنهم ولما همَّ بقصد العراق أخرجهم إلى بعض دور شيراز وجعل معايشهم وإقطاعاتهم منها. فلما تُوفي قُبض عليهم وحبسوا في قلعة خرْشَنة فكانوا فيها إلى أن مضى صدر كبير من أيام صمصام الدولة.

ذكر حيلة عملها أولاد بختيار ملكوا بها القلعة

استمالوا حافظ القلعة ومن كان معه من الديلم فطاوعوهم فأفرجوا عنهم ثم أنفذوا إلى أهل تلك النواحي المطيفة بالقلعة وأكثرهم رجالة أصحاب سلاح ونجدة فاجتذبوا منهم عدّة كثيرة واجتمعوا تحت القلعة. وعرف صمصام الدولة الخبر فأخرج إليهم أبا علي بن أستاذ هرمز في عسكر وسار فلما قرب م من القلعة تفرق من كان اجتمع تحتها من الرجال وتحصن بنو بختيار والديلم فيها ونزل أبو علي عليها محاصراً ومحارباً.

ذكر ما دبره أبو علي بن أستاذ هرمز في فتح القلعة

راسل أحد وجوه الديلم الذين في القلعة وأطمعه في الإحسان والزيادة في المنزلة فاستجاب له وواقفه على أن ينزل إليه حبلاً من أعلى القلعة ليرتقي به الرجال إلى بابها وكان على سن من الجبل. فلما دنا الحبل خاطب أبو علي بن أستاذ هرمز جماعة من الذين معه على الصعود فتوقفوا حتى ابتدر أحد أصحابه فصعد. فلما دنا يقرب من الباب اضطربت يده على الحبل فخرَّ متردياً وأحجم الباقون فصب بين أيديهم أموالاً وبسط منهم آمالاً وابتدر قوم من أصحابه فيهم لوثة وجُزأة فصعدوا إلى القلعة واحد بعد واحد حتى حصل عدد منهم على الباب ففتح لهم ودخلوا القلعة وملكوها فقبض على أولاد بختيار وكانوا ستة. وكتب كتاباً بالفتح إلى صمصام الدولة فأنفذ فراشاً تولى قتل نفسين من أولاد بختيار وأنفذ الباقون إلى قلعة الجنيد فاعتقلوا فيها.

وفيها ندب أبو العلاء عبيد اللّه بن الفضل للخروج إلى الأهواز وخلع عليه.

ذكر السبب في ذلك

كانت بين الشريف أبي الحسن محمد بن عمر وبين أبي العلاء عبيد اللّه عداوة ومباينة وتقدم أبو العلاء عند بهاء الدولة وقرب منه بخدمته له. فاجتمع أبو الحسن محمد بن عمر وأبو نصر سابور الوزير واتفقا على الشروع في إبعاده فأرسل الوزير أبو نصر سابور الأستاذ الفاضل أبا نصر الحسين بن الحسن إلى بهاء الدولة وقال له. قل

للملك: أنا أعلم ما في نفسك من أمر فارس وقد انحلَّ أمر صمصام الدولة ومضى أكثر أعوانه ولك عشرون ألف ألف درهم معدة منها ما أخذه من أبي محمد بن مكرم والمتصرفين بالأهواز ومنها ما وجوهه لائحة والتدبير في هذا الأمر أن يخرج أبو العلاء إلى الأهواز كأنه عائد إليها للمقام بها ويجرد معه قطعة من العسكر ثم نتبعه بعد مدة بطائفة أخرى فإذا تكاملت العساكر هناك أظهرنا حينئذ ما نظهره وسار أبو العلاء من الأهواز فأعجل القوم عن أهبة واستعداد فأعاد الأستاذ الفاضل أبو نصر على بهاء الدولة ما ذكره سابور فتشوَّفت نفسه إليه وتعلق طمعه به وأمر في الجواب بما يجب ترتيبه وكتب بالقبض على أبي محمد بن مكرم وأصحابه وتقدم إلى أبي العلاء بالمسير بعد أن أعلم بباطن التدبير واستكتمه.

ذكر تفريط من أبي العلاء في إذاعة سر عجل به

قال الأستاذ الفاضل: فواللّه لقد خلع علي وسرت في موكبه إلى داره فما استقر في مجلسه حتى دخل أبو الحسين شهرستان بن اللشكري لتهنئته فقال: يا أبا الحسين أي دار تريدها بشيراز. فغمزته فتنبه واستدرك وقال لشهرستان: إنما أردت بالأهواز. ولم يخف الخبر وشاع فإن القول كالسهم إذا نفذ على كبد القوس فات.

وأقام أبو العلاء في معسكره أياماً كثيرة ولم يخرج معه أحد وبطل ما كان سابور بذله في أمر المال وحصوله. وخرج أبو العلاء بعد ذلك في شرذمة قليلين فسار إلى الأهواز فما وصلها إلا وقد عرف الخبر بفارس ووقع الشروع من هناك في المسير إلى العراق.

وفيها جلس القادر باللّه رضوان اللّه عليه لأهل خراسان عند عودهم من الحج وخوطبوا على أمر الخطبة وإقامتها وحملوا رسالة وكتباً إلى صاحب خراسان في المعنى.

وفيها شعب الديلم لأجل النقد وفساد السعر وغلائه وتأخر العطاء ونهبوا دار الوزير أبي نصر سابور وأفلت منهم ناجياً بنفسه. وراسلوا بهاء الدولة بتسليمه وتسليم أبي الفرج محمد بن علي الخازن وكان ناظراً في خزانة المال ودار الضرب وتردد القول بينهم إلى أن وعدوا بالإطلاق وتجويد النقد وسكنت الفتنة. واستمر سابور على استتاره وروسل وهو مستتر بتسليم أبي القاسم علي بن أحمد وكان سُلّم إليه ليعتقله عنده فسلمه وحمل في هذا الوقت إلى الخزانة في دار المملكة.

ولما جرى على سابور ما جرى استعفى أبو منصور بن صالحان من التفرّد بالنظر وأظهر العجز عنه. وكانت الإقامات قد زادت على قدر المادة وأحوجت النظار إلى التسكع فيها وصارت الهمة جميعها مصروفة إلى ما يحصل لأبي العباس العباس أحمد بن علي وهو الوكيل في هذا الوقت. فبدأ عند ذلك أبو القاسم علي بن أحمد في طلب العود

إلى الوزارة وراسل بهاء الدولة وبذل له أن يكفيه الاهتمام بأمر الإقامة متى مكنه وبسط يده فاشرأبت نفس بهاء الدولة لذلك فأحاله إليه واستوزره وخلع عليه.

ذكر ما جرى عليه أمر أبي القاسم علي بن أحمد في هذه الوزارة

قبض على جماعة من الكتاب والمتصرفين وأخذ منهم مالاً مبلغه ستة آلاف درهم وأحضر أبا العباس الوكيل وقرّر عليه تقريراً صالحاً عن نفسه وأعطاه وأقام له وجوهاً بالإقامة لمدة أربعة أشهر وأخذ خطه باستيفاء ذلك وأنفذه إلى بهاء الدولة فحسن موقعه عنده وملك به رأيه وقلبه لكنه أفسد قلوب الحواشي وأبعد بعضهم ومضت على ذلك مدة وحاله تزداد عند بهاء الدولة تمكناً واستقراراً وتزداد قلوب الحواشي منه استيحاشاً ونفاراً.

وكان قد قلد أبا محمد الحسن بن مكرم البصرة حرباً وخراجاً في إعجاز نكبته بالأهواز وأمره بالقبض على أبي عبد اللّه بن طاهر وكان ناظراً بالبصرة فقبض عليه وحبسه.

ذكر سبب وجد به الحواشي طريقاً إلى فساد حال الوزير أبي القاسم

ورد الخبر أن أبا عبد اللّه بن طاهر قتل في محبسه وأنه وضع عليه قوماً دخلوا إليه وفتكوا به فوجد الحواشي سبيلاً إلى الوقيعة في الوزير وعرفوا بهاء الدولة من قتل أبي عبد اللّه على الوجه القبيح ما غيّر رأيه فقال: قد قتل في تلك الكرة المعلم وفي هذه الكرة ابن طاهر أفتراه بمن يثلث؟ وانتهى هذا القول إلى أبي القاسم من عيون كانت له في الدار بحضرة بهاء الدولة فخاف وهرب في ليلة يومه.

ذكر ما جرت عليه الأمور بعد هرب الوزير أبي القاسم علي بن أحمد وعود أبي نصر سابور

قصد أبو نصر سابور دار بكران واستعاذ به حتى أصلح له قلوب الديلم وأمن جانبهم وظهر من داره. وأفرج عن الجماعة الذين اعتقلهم الوزير أبو القاسم ورتب في كل من الدواوين كاتباً يتولى أمره ونظر هو في الخبر والبريد والحماية ظاهراً وفي تدبير الأمور وتقريرها وتنفيذها باطناً فكانت الجماعة يصدرون عنه ويوردون إليه وجرت الحال على هذا الترتيب أشهراً ثم تظاهر بالعمل.

وفيها وردت كتب أبي العلاء عبيد اللّه بن الفضل ويذكر فيها مسير عساكر فارس مقبلة إلى الأهواز ويحث على إمداده بالعساكر.

ذكر ما دبره بهاء الدولة في ذلك

ندب أبا طاهر دريده شيرى للخروج إلى الأهواز في جماعة من الديلم وجرد أبا حرب شيرزيل إلى البصرة. وورد الخبر بانفصال عسكر فارس من أرجان فأمر بهاء الدولة

بإخراج مضاربه ثم ورد الخبر بحصولها برامهرمز فندب طغان الحاجب في عدد كثير من الغلمان وخلع عليه وأخرج معه عيسى بن ماسرجس ناظراً في خلافة الوزارة وأخرج ما في الخزائن من الأواني الذهب والفضة فكسرت و ضربت دنانير و دراهم وفرقت عليهم. ثم ورد الخبر بدخول عساكر فارس وعليهم أبو الفرج محمد بن علي بن زيار إلى الأهواز وهزيمة أبي العلاء عبيد اللّه بن الفضل وحصوله أسيراً في أيديهم.

ذكر ما جرى عليه أمر أبي العلاء بعد الأسر والاتفاق الذي سكن به

لما أسره أبو الفرج بن زيار حمله إلى شيراز وصمصام الدولة بدولتا باد للتوجه على سمت العراق فأدخل المعسكر على جمل وقد ألبس ثياباً مصبغة وطيف به وكل أحد لا يشك إنه مقتول. فاتفق أنه أجيز على خيم السيدة والدة صمصام الدولة فأومي بيده كالمستغيث المسترحم فبدرته قهرمانة من الديلميات بالسب فسمعتها السيدة فأنكرت قولها عليها وتقدمت بحطه عن الجمل ونزع الثياب المصوغة عنه وإلباسه غيرها وحمله إلى القلعة واعتقاله بها وإحسان مراعاته فيها. فكان فعل هذه المرأة سبب حياته والإبقاء عليه.

ولما ورد على بهاء الدولة خبر كسر عسكره بالأهواز وأسر أبي العلاء انزعج انزعاجاً شديداً وتقدم إلى طغان بالمسير. ورأى خلو خزائنه من المال وحاجته إليه فأمر الوزير أبا نصر بالانحدار إلى واسط واجتذاب ما يلوح له وجه منه ومراسلة مهذب الدولة والاستدانة منه على رهن يجعل له عنده وسلم إليه من الجوهر والآلات كل خطير.

وفيها عقد القادر باللّه رضوان اللّه عليه على ابنة بهاء الدولة بصداق مائة ألف دينار بحضرته والولي الشريف أبو أحمد بن موسى الموسوي وتوفيت قبل النقلة.

ودخلت سنة أربع وثمانين وثلاثمائة

وفيها وقع العقد لمهذب الدولة أبي الحسن على ابنة بهاء الدولة وللأمير أبي منصور بن بهاء الدولة على ابنة مهذب الدولة وكل عقد منهما كان على صداق مائة ألف دينار وحمل المهذب بالمبلغ مالاً وغلة وخطب له بواسط وأعمالها واحتسب له من مال ضماناته بأسفل واسط بألف ألف وثلاثمائة ألف درهم غياثية منسوبة إلى الإقطاع وكان عيار الدرهم الغيائي ثمانية ونصف حرفاً في كل عشرة.

وفيها أشار أبو نصر خواشاذه على بهاء الدولة بمراسلة فخر الدولة باستصلاحه واستكفافه عن مساعدة صمصام الدولة فاستصوب ذلك ورسم له السفارة فيه. فاختار أبا الحسن الأقسيسي العلوي للخروج في الرسالة نيابة عن أبي نصر خواشاذه وخرج الأقسيسي فقبل أن يصل إلى مقصده قبض عليه.

ذكر السبب في ذلك

كان بين أبي نصر خواشاذه وبين أبي نصر سابور صداقة ومخالطة فلما انحدر أبو نصر سابور إلى واسط هرب إلى البطيحة فوجد أعداء أبي نصر خواشاذه طريقاً إلى السعي فحسنوا لبهاء الدولة القبض عليه.

فتأمل هذه الآراء الطريفة والأهواء العجيبة في تقارب ما بين القبض والإطلاق والعزل والتولية حتى صار الأمر عجباً والجد لعباً على أن الحياة الدنيا لعب ولهو ولكن في اللعب مستقيم ومختل وهذا من المختل الذي تخالفت أعجازه وبواديه وتناقضت أواخره ومباديه فهل ترى في جميع ما شرد من أخبار الدولة البهائية نظاماً مستقيماً تحمد سلوك مذاهبه وتدبيراً جيداً ينتفع بمعرفة تجاربه؟ كلاً فجميعه واهي الأسباب وما يجري فيه من صواب فإنما هو بالاتفاق ونعود إلى سياقة التاريخ.

وفيها سار طغان والغلمان من واسط إلى خوزستان.

شرح ما جرى عليه أمره في هذا الوجه وظفرهم بعساكر صمصام الدولة وانهزامه من بين أيديهم

لما شارفوا السوس انهزم أصحاب صمصام الدولة عنها ودخلوها وتقدم أرسلان تكين الكركيري في سريّة من الغلمان إلى جندي سابور ودفعوا من كان بها وانتشرت الأتراك في أعمال خوزستان وعلت كلمتهم وظهرت على الديلم بسطتهم. ووصل صمصام الدولة إلى الأهواز وقد اجتمعت معه جيوش الديلم وبنو تميم وبنو أسد فلما حصل بدستر رحل ليلاً على أن يسري فيكبس معسكر الأتراك.

ذكر اتفاق سيء عاد بضد التقدير

ضل الأدلاء الطريق وساروا طول ليلتهم على حيرة وأسفر الصبح عنهم وبينهم وبين معسكر الأتراك مدى بعيد. وشاهد بعض طلائع طغان بسواد العسكر فكر إليه راجعاً وأخبره وقال: تأهب لأمرك فإن الديلم قد صبحوك موكباً. فركب وتلاحق به الغلمان واستعاد كل من كان قد ذهب ممتاراً فاجتمعوا حوله فكانوا نحو سبعمائة غلام والديلم ومن معهم في ألوف كثيرة. فصعد أرسلان تكين الكركيري تل طاؤوس فوقف عليه وقسم طغان الغلمان كراديس وأنفذ كردوساً مع يارغ وقال له: سر عرضاً واخرج على الديلم من ورائهم وبلبلهم في سوادهم لنشاغلهم نحن عن إمامهم فإذا حملت حملنا عليهم، فسار على ذلك ووقف طغان والغلمان بين يديه يطاردون الفرسان وزحف الديلم فملكوا التل ونزل أرسلان تكين الكركيري عنه ووقف صمصام الدولة عليه ووقع

يارغ وكردوسه على السواد وحمل على المصاف وحمل طغان والغلمان وكانت الهزيمة. ووقف سعادة وعنان صمصام الدولة في يده متحيراً ما يدري ما يصنع فقال له يارغ بالفارسية: ما وقوفك يا حجّام خذ صاحبك وانصرف. فولى عند ذلك صمصام الدولة ومضى ولم يتمكن رجالة صمصام الدولة من الهرب مع إرهاق الأمر واشتداد الطلب وكد السير فاستأمن منهم أكثر من ألفي رجل وتقطع الباقون وغنم الأتراك غنماً عظيماً.

ذكر ما دبره الغلمان في قتل المستأمنة إليهم من الديلم

لما اجتمع الديلم المستأمنون إلى خيم ضربها طنان لهم يشاور الغلمان فيهم فقالوا: هؤلاء قوم موتورون وعدَّتهم أكثر من عدتنا وإن استبقيناهم معنا خفنا ثورتهم وإن خلينا عنهم لم نأمن عودتهم. فاستقر رأيهم على القتل وطرحوا الخيم عليهم ودقوهم بالأعمدة حتى أتوا عليهم.

فكانت هذه الوقعة أخت وقعة الحلبة في كثرة من قتل من الديلم ووردت الأخبار بذلك على بهاء الدولة بواسط وأظهرت البشارة على حسب العادة في أمثالها وسار طغان إلى الأهواز فدخلها واستولى على جميع أعمالها وعادت طائفة من الغلمان إلى مدينة السلام.

ذكر ما فعله بهاء الدولة عند حصوله بواسط

استقرض من مهذب الدولة مالاً بعد القرض الأول واستقر بينهما في أمر البصرة أن يحدر بهاء الدولة عسكراً ويضم مهذب الدولة إليهم عدداً من رجاله فجرد أبا كاليجار المرزبان لذلك في في طائفة من ورتب مهذب الدولة أصحابه معهم واتحدر الجماعة.

وكان أبو الطيب الفرخان قد وصل من سيراف في البحر وملك البصرة فواقعوه بنهر الدير وكان الظفر لهم ودخل المرزبان بن شهفيروز البصرة وخطب لمهذب الدولة بها تالياً لبهاء الدولة.

ولما ورد الخبر على بهاء الدولة بهزيمة صمصام الدولة رحل سائراً إلى الأهواز وآثر أن يبتدئ بالبصرة فقصدها ونزل بها.

ذكر ما جرى عليه أمر الوزارة في البصرة في هذه السنة

استوزر بهاء الدولة عند حصوله بها أبا الحسن عبيد اللّه بن محمد بن حمدويه ونظر في السابع من شعبان واعتزل في الثالث والعشرين منه. وبان من ركاكة أفعاله في هذه الأيام القريبة كل أمر سخيف منها أنه كان في مجلس نظره يوماً وهو حفل بالناس وأبو العباس الوكيل حاضر فقال: ادعوا لي أبا العباس الوكيل. فقال له أبو العباس: ها أنا أيها الوزير. فتشاغل ساعة ثم قال: ألم أطلب أبا العباس فأين هو ؟ فقال: ها أنا يا مولانا. فقال: نعم. والحاضرون يتغامزون عليه. ومنها أنه ركب إلى دار الفاضل يعوده

فوقف على مزملة العامة فاستسقى منها ماء. ثم لما وصل إلى باب الفاضل حجب وانكفأ وعرف الفاضل حضوره فأنفذ أصحابه إليه حتى لحقوه في بعض الطريق فأعادوه ودخل إليه فشكا في أثناء الحديث حاله إليه وأراه قميصاً رثاً تحت ثيابه يلتمس بذلك مراعاة من بهاء الدولة ومعونة.

ثم استعفى بعد أيام من النظر وشرع أبو العباس عيسى بن ماسرجس في خطبة الوزارة وراسل الفاضل أبا نصر في السفارة فيها بعد أن كان قد بذل أبو علي الحسن الأنماطي لبهاء الدولة عنه بذولاً ووعده بملاطفات يحملها وعشرة آلاف دينار يخدمه بها.

ذكر رأي سديد أشار به الفاضل على ماسرجس فلم يعمل به

أشار عليه في جواب رسالته بأن يلاطف أبا علي الحسن بن محمد بن نصر صاحب البريد وأبا عبد اللّه الحسين بن أحمد العارض ومكاتبتهما ويسألهما النيابة عنه ويخاطب أبا عبد اللّه العارض بسيدنا ليكون عوناً له على تقرير أمره فلم يقبل. قال الفاضل: فما راعني إلا حضور من أخبر بوروده ونزوله في بعض البساتين ثم جاءني رسوله يستقرض مني مائة دينار فحملتها إليه في الحال وعجبت من التماسه هذا القدر النزر مع ما بذل عنه أبو علي لبهاء الدولة. ثم حضر عند بهاء الدولة وترك بين يديه ديناراً ودرهماً وخدمه وانكفأ فأنكر بهاء الدولة ذلك من فعله فقال للأنماطي: أين ما وعدتنا به؟ فعنوان خدمته يدل على ما وراءه. فقال الأنماطي: يحمل ما أعده من بعد. فمضى ذلك اليوم وغيره ولم يحمل شيئاً وكاتب أبا عبد اللّه العارض بمولاي ورئيسي فاجتمع هو وأبو علي الحسن بن محمد بن نصر على إفساد أمره.

ذكر ما رتباه من الحيلة في أمره حتى انحل

وضعا منصور بن سهل وكان هو العامل في الوقت على أن أشاع في البلدان ابن ما سرجس قد بذل بذولاً كثيرة في مصادرات التجار وفتح المخازن وأخذ أمتعة المجهزين والبحرانين فماج الناس وكادت الفتنة تثور ورفع أبو علي ذلك الخبر إلى بهاء الدولة وعظم الأمر في نفسه. واتفق أن الفاضل أبا نصر غاب أياماً في بعض الأشغال فخلا أبو عبد اللّه وأبو علي ببهاء الدولة وقالا له: قد ورد هذا الرجل بيد فارغة وما وفي بشيء مما بذله والبلد على ساق خوفاً منه ولا يؤمن حدوث فتنة يبعد تلافيها وأبو الحسين بن قاطر ميز يبذل أن يأخذ منه ما لا يخفف به عنك أثقالاً. وسهلا عليه الأمر في ذلك فأحالهما على الفاضل أبي نصر في الجواب وقال: اجتمعا به إذا عاد وقررا الأمر. فلما عاد الفاضل اجتمعا معه وقالا: إن الملك قد أمرنا بالقبض على أبي العباس. فقال: لأيَّة حال. قالا: لما ظهر من نفور الرعية منه ولنكوله عما كان بذل عنه. فقال لهما: هذا

مما لا يسوغ فعله وكيف يصرف اليوم رجل مستدعى بالأمس بغير سبب يقوم به الغدر وهل يجلب ذلك إلا سوء المقالة من الناس فينا ونسبتهم إيانا إلى سخافة الرأي وضعف النحيزة وإن خدمة هذا الملك لا تستقيم على أيدينا؟ وأنا أحضر عند الملك وأعرفه في ذلك. فقالا له: تعرفه ماذا ؟ وقد أنفذنا أبا الحسن الكراعي كاتبك وأصحابك إلى الرجل ووكلنا به. فوجم أبو نصر وأطرق ونفذ السهم وسلم الرجل إلى الحسن بن قاطرميز فطالبه واستقصى عليه.

ذكر ما جرى عليه أمر صمصام الدولة بعد انصرافه من الوقعة

لما انصرف به سعادة من المعركة سار عائداً إلى الأهواز فلما عبر به وادي دستر کاد يغرق فاستنقذه أحد بني تميم ووصل إلى الأهواز في عدد قليل من الديلم وترحل عنها طالباً أرجان. فتلقاه أبو القاسم العلاء بن الحسن وحمل إليه من الثياب والرحل ما رم به شعثه وسيره إلى شيراز ومعه الصاحب أبو علي بن أستاذ هرمز وتلقته والدته بما يجب تلقيه به من المراكب والثياب والتجمل. وكان بينها وبينه نفرة فلما رأته بكت بكاء شديداً وكان صمصام الدولة في عمارية وعليه ثياب سود حزناً وكآبة لا يطعم في الأيام إلا اليسير من الطعام فسكنت والدته منه وقالت له: ما زالت الملوك تُغلب وتغلب وإذا سلمت المهجة رجوت الأوبة. فغيّرت ثيابه وأصلحت حاله وحصل بشيراز ثم تلاحق الناس به وتكامل الديلم عنده من بعد. ولم نجد في بقية شهور هذه السنة ما يستفاد منه تجربة.

و دخلت سنة خمس وثمانين وثلاثمائة

فيها توفي الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد بالري ونظر في الأمور بعده أبو العباس أحمد بن إبراهيم الضبي ويلقب بالكافي الأوحد.

شرح ما جرت عليه الحال في ذلك

لما اعتلَّ ابن عباد كان أمراء الديلم وكبراء الناس يروحون إلى بابه ويغدون ويخدمون بالدعاء وينصرفون. وعاده فخر الدولة عدة مرات فيقال إنه قال لفخر الدولة أول مرة وهو على يأس من نفسه: قد خدمتك أيها الأمير خدمة استفرغت قدر الوسع وسرتُ في دولتك سيرة جلبت لك حسن الذكر بها فإن أجريت الأمور بعدي على نظامها وقررت القواعد على أحكامها نسب ذلك الجميل السابق إليك ونسيت أنا في أثناء ما يثنى به عليك ودامت الأحدوثة الطيبة لك. وإن غيرت ذلك وعدلت عنه كنت أنا المشكور على السيرة السالفة وكنت أنت المذكور بالطريقة الآنفة وقدح في دولتك ما يشيع في المستقبل عنك. فأظهر فخر الدولة قبول رأيه.

وقضى ابن عباد نحبه في يومه. وكان أبو محمد خازن الكتب ملازماً داره على

سبيل الخدمة له وهو عين لفخر الدولة عليه فبادر بإعلامه الخبر فأنفذ فخر الدولة ثقاته وخواصه حتى احتاطوا على الدار والخزائن. ووجدوا كيساً فيه رقاع أقوام بمائة وخمسين ألف دينار مودوعة له عندهم فاستدعاهم وطالبهم بالمال فأحضروه وكان فيه ما هو بختم مؤيد الدولة. فرجمت الظنون في ذلك فمن مقبح لآثاره ينسبه إلى الخيانة فيه ومحسن لذكره يقول: «إنما أودعه مؤيد الدولة لأولاده» ونقل جميع ما كان في الدار والخزائن إلى دار فخر الدولة.

وجهز ابن عباد وأخرج تابوته وقد جلس أبو العباس الضبي للصلاة عليه والعزاء به فلما بدا على أيدي الحمالين قامت الجماعة إعظاماً له وقبلوا الأرض ثم صلوا عليه وعُلق بالسلاسل في بيت إلى أن نقل إلى تربة له بأصفهان.

وقال القاضي أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد إنني لا أرى الترحم عليه لأنه مات عن غير توبة ظهرت عليه فنسب عبد الجبار في هذا القول إلى قلة الرعاية. ثم قبض فخر الدولة عليه وعلى المتعلقين به وقرّر أمرهم على ثلاثة آلاف ألف درهم فباع في جملة ما باع ألف طيلسان وألف ثوب من الصوف المصري.

فهلاّ نظر هذا القاضي في شأن نفسه ثم أفتى في شأن غيره مثل ابن عباد الذي قدم قدمه وأثَّل نعمته وراش جناحه ومهد أحواله ! صدق المثل «تبصر القذى في عين غيرك وتدع الجزع المعترض في حلقك» فرحم اللّه من أبصر عيب نفسه فشغل بستره عن عيب غيره.

وبلغنا أن رجلاً من الصالحين لقي أخاً له فقال له: إني أحبك في اللّه. فقال الآخر: لو تظهر لك عيوبي لأبغضتني في اللّه. فقال له: عيبي يشغلني عن تأمل عيب غيري. نسأل اللّه توفيقنا بما يعصم جوارحنا وقلوبنا وصنعا جميلاً يستر مساوينا وعيوبنا.

وقلد فخر الدولة أبا الحسن بن عبد العزيز قضاء القضاة وطالب أبا العباس الضبي بتحصيل ثلاثين ألف ألف درهم من الأعمال ومن المتصرفين فيها وقال له: إن الصاحب أضاع الأموال وأهمل الحقوق وقد ينبغي أن يستدرك ما فات منها. فامتنع أبو العباس من ذلك معتردد القول فيه. وكتب أبو علي بن حمولة يخطب الوزارة وضمن عنها ثمانية آلاف ألف درهم وأجيب إلى الحضور فلما قرب قال فخر الدولة لأبي العباس: قد ورد أبو علي وقد عزمت على الخروج في غد لتلقيه وأمرت الجماعة بالترجل له فلا بد أن تخرج إليه وتعتمد مثل ذلك معه. فثقل ذلك على أبي العباس وقال له خواصه ونصحاؤه: هذا ثمرة امتناعك عليه وقعودك عما دعاك إليه وسيكون لهذه الحال ما بعدها. فراسل فخر الدولة وبذل ستة آلاف ألف درهم عن إقراره على الوزارة وإعفائه من أن يلقى أبا علي وخرج فخر الدولة وتلقاه ولم يخرج أبو العباس. ورأى فخر الدولة أن من الصلاح الإشراك بينهما في النظر فسامح أبا علي بن حمولة بألفي ألف درهم من

جملة الثمانية التي بذلها وسامح أبا العباس بمثلها من الستة وقرر عليهما جميعاً عشرة آلاف ألف درهم وجمع بينهما في النظر وخلع عليهما خلعتين متساويتين ورتَّب أمرهما على أن يجلسا في دست واحد ويوقعا جميعاً فيوماً يوقع هذا ويعلم ذاك ويوماً يوقع ذلك ويعلم هذا ووقع التراضي بذلك ونظراً في الأعمال.

وقبضا على أصحاب ابن عباد وتتبعا كل من جرت مسامحة باسمه في أيامه وقررا المصادرات في البلاد وأنفذا أبا بكر بن رافع إلى استراباذ ونواحيها بمثل ذلك فقيل إنه جمع الوجوه وأرباب الأحوال وأخر الإذن لهم حتى تعالى النهار واشتد الحر ثم أطعمهم طعاماً أكثر ملحة ومنعهم الماء عليه وبعده وطالبهم بكتب خطوطهم بما يصححونه فلم يزل يستام عليهم وهم يتلهفون عطشاً إلى أن التزموا عشرة آلاف ألف درهم.

واجتمع لفخر الدولة في الخزائن والقلاع ما كثره المقللون ثم تمزّق بعد وفاته في أقرب مدة فلم يبق منه بقية. وكذاك مال كل ثروة ذميمة المكاسب ومصير كل زهرة خبيثة المنابت فلئن عمر خزائنه لقد خرب محاسنه ولئن جمع المال الجزيل لقد ضيع الذكر الجميل. ثم لم يحظ من ذلك إلا بالأوزار التي احتقبها والآثام التي اكتسبها وقبح الأحدوثة التي علقت بأخباره سماتها وبقيت على الأيام عظاتها إذ لم يبق من عظامه رفاتها. وما يغني عنه ماله إذا تردّى فيا ندم النادم إذا ترك ما اكتسبه وراء ظهره وانقلب بثقل الوزر وسوء الذكر إلى قبره. وأصعب من ذلك ما بعده (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللّه بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الشعراء: 88، 89].

وفيها أمر صمصام الدولة بقتل من بفارس من الأتراك فقتل قوم منهم بشيراز وأجفلت طائفة منهم فعاثوا في بلاد فارس فجرَّد صمصام الدولة إليهم من دفعهم عنها وانصرفوا إلى كرمان وبها أبو جعفر أستاذ هرمز فدفعهم أيضاً فدعتهم الضرورة إلى قصد بلاد السند واستأذنوا ملكها في دخول بلده.

ذكر الحيلة التي عملها صاحب السند على الأتراك حتى قتلهم

أظهر لهم القبول وخرج لاستقبالهم ورتب أصحابه صفين وهم رجالة ووافقهم على الإيقاع بهم إذا دخلوا بينهم ففعلوا ذلك ولم يفلت منهم إلا نفر حصلوا بين القتلى وهربوا تحت الليل.

وفيها توفي أبو نصر خواشاذه بالبطيحة وسبب حصوله بها أنه لما قبض عليه خرج الصحبة إلى واسط واعتقل بها فتوصل إلى الهرب. قال صاحب الخبر: فاذكر وقد انحدرت إلى مهذب الدولة واجتمعت مع أبي نصر فرأيت كتب فخر الدولة وصمصامها وبهائها وبدر بن حسنويه إليه يستدعيه كل واحد منهم ويبذل له من المعيشة والإحسان

ما يرغب في مثله لكن فخر الدولة قال له في كتابه: لعلك تسيء الظن بمعتقدنا للقبيح الذي قدمته في خدمة عضد الدولة عندنا وما كنا لنؤاخذك بطاعة من قدمك واصطنعك ومناصحة من كان يصنعك ويرفعك وأن نعتد لك من وسائلك لم نجعله ذنوبك وقد علمت ما عملنا به أبو القاسم إسماعيل بن عباد وإننا طوينا جميع ما كان بيننا وبينه استأنفنا معه من الإكرام والتفويض ما لم يقدره ويظنه. ولك علينا عهد اللّه وميثاقه في إيماننا من كل ما تخافه وتحذره وإنا لك بحيث تحبه وتؤثره فإن أردت الخدمة قدمناك إلى أعلى رتبها وأرفع درجها وإن رأيت الاعتزال والدعة أوجبنا لك مائة ألف درهم معيشة من أصفهان ووفرناك على المقام في دارك بها. فقلت: له: فإلى أي جهة ميلك. فقال: ما كنت أنفر إلا من جهة فخر الدولة وقد وثقت به ولم يعلق قلبي إلا به وأنا عازم على قصد الري عند ورود من أستدعيه من أصحاب بدر بن حسنويه. فعاجلته المنية المريحة من الخل والترحال القاطعة للحاجات والأشغال.

وفيها ورد الخبر بمسير العلاء بن الحسن والديلم من أرجان ووفاة طغان بالأهواز فسار بهاء الدولة على سمت الأهواز.

ذكر ما جرى عليه الأمر مع العلاء بن الحسن واستيلائه على الأهواز

لما توفي طغان الحاجب كوتب بهاء الدولة بخبره وبما عول عليه الغلمان وما حدّثوا به أنفسهم من العود إلى بغداد فانزعج لذلك وعلم ما في أثنائه ذهاب الدولة استعداد العلاء للمقارعة وقدم تسيير أبي كاليجار المرزبان بن شهفيروز إلى الأهواز مع للنيابة عنه ورمّ العسكر بها وكان بينهما تذمماً في جميع الأمور مستقلاً للتوقيع والتدبير. وأنفذ أبا محمد الحسن بن مكرم إلى الفتكين الخادم للمقام بموضعه وكان حصل برامهرمز منصرفاً مرتين إلى عساكر فارس فلم يستقر بالفتكين قدم وانكفأ إلى الأهواز وكوتب أبو محمد بن مكرم بالنظر في الأعمال والجد في استخراج الأموال وإرضاء الجند. وقرب العلاء بن الحسن فعرج على عسكر مكرم ونزل بهاء الدولة بطلاً وترددت بينه وبين العلاء مراسلات ومكاتبات سلك فيها العلاء سبيل اللينة والإطماع والمكر والخداع ثم سار على نهر المسرقان لازماً له إلى أن حصل بخان طوق. ووقع الحرب بينه وبين أبي محمد بن مكرم والفتكين ومن في جملتهما من الغلمان وصدق الفريقان وزحف الديلم بين البساتين والنخيل حتى دخلوا البلد ودفعوا أبا محمد والفتكين منه. وأرسل أبو محمد والفتكين إلى بهاء الدولة وأشاروا عليه بالعبور والبدار فتوقف عن ذلك ووعد وسوف ثم أمدهما بثمانين غلاماً غلمان داره مع خدم للخيل فعبروا وحملوا من على الديلم من ورائهم بغرَّة الصبوّة وقلة التجربة فأفرج الديلم لهم حتى توسطوهم ثم انطبقوا عليهم فقتلوهم. وعرف بهاء الدولة ما جرى على غلمانه فضعفت نفسه وهمَّ

بالهزيمة وخاف أن يظهرها فيطمع فيه بنو أسد فتقدّم بأن تُسرج الخيل ويطرح عليها السلاح وتحمل الأثقال وأظهر أنه يقصد الأهواز. فلما رتب ذلك جميعه ركب وأخذ سمت الأهواز قليلاً ثم عطف فتوجه تلقاء الجزيرة وأمن ما خافه من اختلاط العسكر عند الهزيمة وتعسف في طريقه حتى عاد إلى عسكره بظاهر البصرة.

ذكر ما جرى عليه أمر أبي محمد بن مكرم والغلمان

لما عرف أبو محمد والغلمان خبر بهاء الدولة في انصرافه ساروا إلى عسكر مكرم وتبعهم العلاء بن الحسن والديلم ورفعوهم عنها فارتفعوا ونزلوا براملان بين عسكر مكرم و دستر. وتكررت الوقائع بين الفريقين مدة لأن الأتراك كانوا يركبون إلى باب البلد ويخرج الديلم إليهم ويقاتلونهم قتال المحاجزة لا المناجزة ومع الأتراك دستر وسوادها يمتارون منها. ثم سار الأتراك إلى رامهرمز ومنها إلى أرجان واندفع من كان فيها من بين أيديهم واستولوا عليها واستخرج أبو محمد لهم الأموال منها وأقاموا بها ستة أشهر ثم كروا راجعين إلى الأهواز.

وبلغ العلاء خبرهم حين قربوا فأنفذ إلى قنطرة أربق من قطعها ووصل أبو محمد والغلمان إليها فطرحوا الأجذاع وأعمدة الخيم عليها وعبروها وحصلوا مع الديلم على أرض واحدة ونزلوا بالمصلى وخيّم العلاء نحو شهرين ثم رحل الأتراك من معسكر مكرم وتبعهم العلاء فوجدهم قد امتدوا واسطاً وكان العلاء بن الحسن قد رتب مناجزة أبي جعفر بالسوس عند مصير الأتراك إلى أرجان وفرَّق مقطعي كل كورة فيها.

فلما عاد بهاء الدولة إلى واسط على ما يأتي ذكره ولم يبق بينه وبين الديلم من يحول دونه جرَّد قُلَّج في عدة من الغلمان وسيره إلى السوس. وكتب إلى أبي محمد بن مكرم ومن في جملته من الغلمان بالتوقف عن الإتمام فلقيهم قلج والكتب في الطريق فرجعوا وحصل المعسكر جميعه مع أبي محمد وأقاموا ببصنى.

وفيها عاد أبو القاسم علي بن أحمد من البطيحة إلى حضرة بهاء الدولة للوزارة.

ذكر ما جرت عليه حاله في هذه النوبة

قال الأستاذ الفاضل أبو نصر: لما عاد بهاء الدولة إلى معسكره بظاهر البصرة وقفت أموره فترددت بينه وبين أبي القاسم مراسلة في العود إلى خدمته فاستقر ذلك بوساطة مهذب الدولة بعد أن اشترط على بهاء الدولة أنه إن مشى الأمر على يديه وإلا أعاده محروساً إلى البطيحة. وكان السفير بينهما الشريف أبو أحمد الموسوي ولم أعرف ذلك إلا بعد استقراره وكنت في بقايا علة واستأذنت بهاء الدولة في الإصعاد إلى بغداد للمداواة فلم يأذن فلما ورد الرجل ومضى على وروده ثلاثة أيام راسلني الملك وقال:

كنت استأذنتنا في الإصعاد إلى بغداد للعداوة وقد أذنا لك. فعلمت أن هذا القول على أصل وأن الغرض إبعادي فقبلت الأرض وقلت: السمع والطاعة وانصرف الرسول.

ذكر رأي سديد رآه الفاضل في استمالة قلب بهاء الدولة

قال الفاضل: أخذت دواة ودرجاً وأثبت ما كان لي بالبصرة من صامت وناطق حتى لم أترك إلا ما كان على جسدي وحملت جميعه على التذكرة به إلى الخزانة وقلت: هذا ما أملكه وأنا مع إصعادي مستغن عنه والخزانة مع كثرة الخرج محتاجة إليه. واستأذنت في الحضور للوداع فوقع ذلك موقعاً جميلاً وأذن لي في الحضور. وجاءني في أثناء ذلك الشريف أبو أحمد الموسوي وكان يتهمني بالميل إلى الشريف أبو الحسن محمد بن عمر ويستوحش مني لأجله فقال: قد بلغني أنك تصعد الليلة إلى بغداد وما كنت أوثر البعد عن سلطانك ولو وقفت وتركتني أتوسط ما بينك وبين هذا الوزير الوارد وأتوثق لكل واحد من صاحبه لكان أولى. فقلت: قد كنت على العزم الذي بلغ الشريف وإذ قد رأى لي الصواب في المقام أقمت يومين أو ثلاثة معولاً على تفضله فيما يقرره. وأردت بهذا القول كتمان حقيقة أمري عنه إشفاقاً من أن يعرف الوزير خبري فراسل بهاء الدولة فيما تعرفني به وربما بلغ غرضه في تعاجل الحال.

وانصرف الشريف أبو أحمد ولم تقلني الأرض حتى مضيت إلى المضرب وودعت بهاء الدولة وقبلت الأرض وبكيت فبكى لبكائي وقال: لا تشغل قلبك فإنني لك على أجمل نية وما أنفذتك إلا إلى مملكتي وأين كنت فإنك على بال من مراعاتي وملاحظتي. وخرجت فاتبعني بعض خواصه وقال: إن الملك يأمرك أن تتوقف ليسلم إليك رهوناً تحملها إلى مهذب الدولة وتستقرض عليها مهما أمكنك. فأشفقت من أن أتريث فتتجدد من الوزير في أمري مراسلة بهاء الدولة بما أتقيه فقلت للرسول: تقول لمولانا إنني قد أحسست بأول دور الحمى وأنا أصعد وأتوقف بنهر الدير إلى أن يلحقني ما يرى إنفاده. فدخل وخرج وقال: امض فإنا نحمل على أثرك ما يصحبك. فاغتنمت الفرصة وأسرعت ولم أتوقف ووصلت إلى واسط فما استقررت بها حتى ورد على الطائر كتاب من عبد العزيز بن يوسف يقول فيه إن الرجل (يعني الوزير أبا القاسم علي بن أحمد) وقف أمره وعاد إلى البطيحة فبادرت في الحال إلى الإصعاد علماً بأن الكتب سترد بالعود إليَّ فما بلغت فم الصلح حتى صاح بنا ركابيان وردا من البصرة ومعهما كتاب بهاء الدولة إليَّ بالانحدار. فاعتذرت في الجواب بقربي من مدينة السلام وإنني أدخلها وأحصل من المال والثياب ما أعلم أن الحاجة داعية إلى تحصيله وأعود.

فأما سبب فساد أمره فإنه عامل أبا العباس الوكيل بما أوحشه به واستشعر أبو عبد اللّه العارض وأبو الفرج الخازن منه واجتمعت كلمة الحاشية عليه وتطابقوا على

فساد أمره خوفاً من بوادره. وعول بهاء الدولة على القبض عليه فذكره الشريف أبو أحمد العهد الذي استقر مع مهذب الدولة بالقبيح وأخرج عن اليد فعند ذلك فسح في عوده مع الشريف أبي أحمد إلى بغداد.

ودخلت سنة ست وثمانين وثلاثمائة

وفيها ملك لشكرستان بن ذكي البصرة وانصرف أصحاب بهاء الدولة عنها.

شرح الحال في ذلك

كان لشكرستان ذا نفس أبية وهمة علية ولم يزل يلوح من شمائله في بدء أمره ما يدل على ارتفاع منزلته وقدره وهو من جملة من انحاز عن بهاء الدولة إلى صمصام الدولة وحصل مع العلاء بن الحسن بالأهواز فلما انصرف الأتراك إلى أرجان على ما تقدم ذكره حدثته نفسه بالخروج إلى البصرة ودفع بهاء الدولة عنها والتمس من الحسن مساعدة على ذلك فأحجم العلاء عن أفراد بعض العسكر عن نفسه لحاجته إلى الاستظهار بكثرة العدد. فبينا تردد الخطاب بينهما إذ ورد إليهما نحو أربعمائة رجل من الديلم مستأمنين من ديلم بهاء الدولة فضمهم لشكرستان إليه وفرق فيهم خمسة آلاف دينار من ماله وسار بهم إلى حصن مهدي. وجرد بهاء الدولة أبا مقاتل خمارتكين البهائي لقتاله فجرت بينهما مناوشات واعتصم الديلم بالبلد ولم يقدر خمارتكين على مواقعتهم فيه. فلما كان في بعض الأيام عاد منهم وخرج لشكرستان على أثره وحمل نفسه على الصعب وسار على التعسف حتى حصل هو ومن معه بلشكرابان. وتسلل إليه من بقي مع بهاء الدولة من الديلم ولم تكن لأصحاب بهاء الدولة قدرة عليهم لاعتصامهم بالبساتين والمياه التي يضيق مجال الفرسان فيها ثم ضاقت عليهم الميرة وانقطعت عنهم المادة فقطعوا النخل وأكلوا جمارها وأكلوا الزرع.

وكان أبو العباس بن عبد السلام وطائفة من أهل البصرة مائلين إلى بهاء الدولة ونزلوا بإزاء الديلم يصدقونهم القتال. وكان أبو الحسن بن أبي جعفر العلوي مائلاً إلى لشكرستان بن ذكي مضادة لابن عبد السلام لما بين الفريقين من المباينة فحمل العلوي إلى الديلم في السماد دقيقاً أمارهم به ونفس عنهم كربهم وعرف بهاء الدولة ذلك وظفر ببعض السفن التي حملت فيها الميرة فأنفذ من يقبض عليه فهرب وكبست داره و نُهبت. وطلبت هذه الطائفة فاستوحشوا وصار منهم عدد كثير مع أبي جعفر إلى لشكرستان وقويت بهم شوكته وجمعوا له سُفناً وحملوا الديلم فيها على ركوب أخطار وشدائد حتى جعلوهم على أرض البصرة ووافوا بهم إلى محالهم وواقعوا أصحاب بهاء الدولة فهزموهم ونهبوا دور بني عبد السلام وطائفته وخربوها وجلا ناس كثير من البصرة ونبا

ببهاء الدولة مكانه وخرج البلد عن يده وأصعد إلى واسط على الظهر فوصل إليها وقد تقطع عسكره وتمزق سواده.

ذكر ما جرى عليه أمر لشكرستان بالبصرة إلى أن استقر ما بينه وبين مهذب الدولة من الصلح

لما حصل لشكرستان بالبصرة بطش بأهلها فقتل وسفك وخرج الناس على وجوههم لفرط الهيبة الواقعة في نفوسهم ومد يده إلى أموال التجار فحرب البلد وتشرد كل من فيه وكتب بهاء الدولة إلى مهذب الدولة يقول له: إذا كان لشکرستان قد غلب على البصرة فأنت أحق بها منه فاستعد مهذب الدولة للقتال وجرد أبا عبد اللّه بن مرزوق إليه في عدة كثيرة من الرجال وكاتب أبا العباس بن واصل وكان بعبادان وغيره من أصحاب الأنهار بالاحتشاد والاستظهار والاجتماع مع ابن مرزوق على حرب لشکرستان و انحدر ابن مرزوق ودفعه عن البصرة.

فاختلفت الرواية في دفعه عنها فقيل إن أهل البصرة قويت نفوسهم فوثبوا على الديلم وانصرف لشكرستان من غير حرب إلى أسافل دجلة وقيل بل عقد جسراً في الموضع المعروف بالجل وقال: الديلم يرمون كل من يرد من نهر عمر. وجعل أمامه سلسلة حديد ممتدة من إحدى حافتي نهر ابن عمر إلى الأخرى ليدفع عن الجسر ما يرسل على الماء شاشات القصب المضرمة بالنار تغوص بثقلها فتعبر الشاشات عليها فتغرقها. فوافى عسكر البطيحة من نهر ابن عمر وجمعوا قصباً كثيراً بعرض النهر وأرسلوه مضرماً بالنار وجعلوا سفنهم التي فيها مقاتلتهم من ورائه فوقع على السلسلة وتقطعت وعلى السفن الصغار فاحترقت ووصل إلى الجسر ودخل عسكر البطيحة البصرة يقدمهم ابن مرزوق وعسكره إلى الجزيرة. وحصل لشكرستان بسوق الطعام وهي فسيحة واستمر القتال بين الفريقين وكان للديلم الاستظهار في الحرب ولهؤلاء قطع الميرة. فراسل لشكرستان مهذب الدولة وسأله المصالحة والموادعة وبذل له الطاعة والمتابعة على أن يقيم له الخطبة ويسلم ابنه إليه رهينة فمال مهذب الدولة إلى الصلح وسلم لشكرستان ابنه أبا العز واتصل الصفاء واستمر الوفاء زماناً طويلاً.

وأظهر لشكرستان طاعة صمصام الدولة وبهائها وأمر نفسه واعتضد بما عقده بينه وبين مهذب الدولة من المودة وعسف أهل البصرة مدة ثم عدل فيهم وأحسن السيرة بهم وخفف الوطأة عنهم بعد أن قرر نصف العشر عليهم وكان يؤخذ من سائر ما يتبايع حتى المأكولات وعاد البصريون إلى دورهم ومنازلهم. والذي تكثر به العشرة وتطول فيه من الفكرة ويستفاد منه التبصر وتنتفع بمثله التجربة حامل حالتي بهاء الدولة ومهذبها كيف اختل أمر ذلك وهو عريق في الملك صاحب مملكة لسوء سيرته وكيف استقام أمر هذا

وهو دخيل في الإمارة صاحب بطيحة لحسن طريقته !

لقد ضل من ظن أن الملك يستقيم بالظلم والمال يثمر بالجور أو الارتفاع يكثر بالحيف أو الضرع يدرّ بالعسف لا ورافع السماء ومؤتي الملك من يشاء ما يصلح الملك إلا بإحسان السيرة وإحكام السياسة وترتيب الخاصة وتهذيب العامة والهيبة في الجند والعدل في الرعية. وهيهات أن يصلح الملك تدبير مملكته إلا بعد تدبير مدينته أو تدبير مدينته إلا بعد تدبير داره أو تهذيب رعيته إلا بعد تهذيب جنده أو تهذيب جنده إلا بعد تهذيب حاشيته أو تهذيب حاشيته إلا بعد تهذيب نفسه. ولولا أننا لا نباهي أصحاب عصرنا أطال اللّه بقاءهم من الملوك والوزراء الماضين إلا كل من كان عالي الرتبة في العلاء والمجد طيب الأحدوثة بالثناء والحمد لأوردنا في هذا الفصل ما تتبين به مقادير التفاوت والفضل ويقوى معه الدليل على ما قدمناه في صدر كتابنا هذا من تفضيل زماننا بهم.

لكنا لا نقيس الفاضل بالناقص ولا المخدج بالكامل ولا العاجز بالقادر ولا النابي بالباتر لأن الشيء يقاس بما يناسبه ويشبه بما يقاربه ونعود إلى سياقة التاريخ.

وفيها عاد أبو نصر سابور بن أردشير إلى الوزارة ونظر نحواً من شهرين ثم هرب.

ذكر ما جرى عليه أمر أبي نصر سابور في هذه النوبة

كان بهاء الدولة أنفذ أبا عبد اللّه العارض وأبا نصر الفاضل إلى مهذب الدولة واستقرضا منه قرضاً وتطيبا إلى سابور وقررا معه العود إلى الوزارة. فلما حصلا بالبطيحة وقررا الأم مع سابور حضرا عند مهذب الدولة ليعلماه بحال ما استقر فقال مهذب الدولة: أنتما في طرف والملك في آخر وأخرج كتاباً بخط بهاء الدولة يسأله إنفاذ أبي القاسم علي بن أحمد فلما شاهداه وجما وقالا: قد يجوز أن يكون هذا قد بدا له بعدنا رأي آخر. وانصرفا فقال أبو عبد اللّه العارض للفاضل: ما فعل الملك ما فعله إلا على أصل والصواب القعود هاهنا والأخذ بالحزم. فقال له الفاضل: لا يضعف قلبك واصعد معي ودعني ألقى الملك وأحل ما عقد بعدنا معه فإني أعرف بأخلاقه منك ومتى تأخرنا بلغ أعداؤنا منا مرادهم. وما زال به حتى أصعد معه فلما وصلا إلى بهاء الدولة قال لهما: ما وراءكما. قالوا: كنا قررنا مع مهذب الدولة أمر القرض ومع سابور أمر النظر فوافى كتابك باستدعاء أبي القاسم علي بن أحمد فانتقض جميع ذلك وانصرفنا بعد النجاح بالخيبة. فلما سمع ذلك وجم (ولم يكن لأكثر ما قالاه من أمر القرض حقيقة لكنهما قصدا بذلك تقديمه) فقال لهما: ما كتبت ما كتبته إلا بما ألزمنيه أبو أحمد الموسوي وإذا كنتما قد قررتماه فالرأي العدول إليه. وأمر بكتب الكتب إلى مهذب الدولة بالشكر على ما أورداه عنه وبإخراج سابور إلى الحضرة وتطييب نفسه وحثه على البدار. وانصرف الفاضل إلى داره ليغير ثياب السفر وواقف أبا عبد اللّه على المقام

بحضرة بهاء الدولة إلى أن تنفذ الكتب لئلا يدخل إليه من يثنيه.

ونفذت الكتب وورد أبو نصر سابور وقد استوحش الشريف أبو أحمد الموسوي منه لما أسلفه إليه فقال لبهاء الدولة: بيني وبين العلاء بن الحسن مودة وأنا أخرج إليه وإلى صمصام الدولة وأستأنف أمر الصلح.

فمال بهاء الدولة إلى قوله واستروحت الجماعة إلى بعده وأذن له في ذلك ونظر سابور إلى الأمور.

وبدأ أبو القاسم علي بن أحمد يكتب إلى بهاء الدولة ويشرع معه في تقلد الأمر وبلغ أبا نصر من ذلك ما انزعج منه وأراد الاختبار لما عند بهاء الدولة فيه.

ذكر الحيلة التي عملها سابور في اختبار بهاء الدولة

خلا به وقال له: أيها الملك قد علمت أنني قصير اللسان في خطاب الجند وقد استشعروا في الطمع واستشعرت منهم الخوف ولو استدعيت أبا القاسم علي بن أحمد وعوّلت عليه في منابذتهم ومعاملتهم ووفرتني على جمع المال وإقامة وجوهه لكان ذلك أدعى إلى الصواب. فقال له بهاء الدولة: هذا هو الرأي وقد أردت أن أبدأك به فإذ قد سبقت إلى القول فيه فهذا كتاب أبي القاسم يخطب الخدمة وقد تقرر الأمر معه على هذه القاعدة. فسمع أبو نصر ذلك وانصرف من حضرته وأطلق يده للتوقيعات في الجند ولم يبق وجهاً إلا أحال عليه أكثر مما فيه فلما علم أنه لم يبق بواسط ما تمتد إليه يد فارق مكانه وهرب إلى الصليق وكتب بهاء الدولة إلى أبي القاسم يستدعيه.

وأنفذ إليه أبا الفضل الإسكافي رسولاً بما بذله له من بسط اليد والتمكين وانحدر أبو الفضل واجتمع معه وأصعدا. فلما حصلا في بعض الطريق عدل أبو القاسم علي بن أحمد عن السمت فقال له أبو الفضل: إلى أين أيها الوزير قال: إلى حيث أبعد به عنكم أما علم بهاء الدولة أن أبا نصر فرَّق أمواله وأفسد أمره وأبطل مملكته؟ وإنما رغبت فيما رغبتُ فيه أولاً لأنه كان هناك ما يمكن تمشية الأمور به فأما الآن فلم يبق إلا شجي الحلوق وقذى العيون ولقاء المكروه فما أنشط لذلك. وفارقه ومضى إلى الجبل وبقي مجلس النظر خالياً حتى ورد أبو العباس عيسى بن ماسرجس ونظر في الأمور.

وفيها استكتب القادر باللّه رضوان اللّه عليه أبا الحسن علي بن عبد العزيز حاجب النعمان.

ذكر السبب في ذلك

كان رجلان من التجار خرجا للحج فتبايعا عقاراً في الكرخ وهما بمكة وأشهدا إنساناً من الذين حضروا الموسم وردّ المشتري إلى مدينة السلام فحاول ثبوت كتابه عند

القضاة الأربعة وهم أبو عبد اللّه الضبي وأبو محمد بن الأكفاني وأبو الحسين بن معروف وأبو الحسين الجوزي بشهادة من شهد من التجار. وقد كان القادر باللّه رضي اللّه عنه أمرهم أن لا يقبلوا في مثل ذلك إلا شهادة الشهود المعدّلين. فتنجز المشتري كتباً من بهاء الدولة إلى القضاة باستماع قوله وإلى الشريف أبي الحسن محمد بن عمر والوزير أبي منصور بن صالحان (وكان نائباً عن بهاء الدولة ببغداد) بإلزامهم ذلك فخاطباهم فقالوا السمع والطاعة: إلا أبا عبد اللّه الضبي فإنه امتنع واحتج بما رُسم له من دار الخلافة. وغاظ الشريف أبا الحسن فعله فأطلق لسانه بالوقيعة فيه. وفارق الضبي داره بالكرخ وعبر إلى الحريم معتصماً به. وسمع أبو محمد أبو محمد الأكفاني شهادة القوم وعزم القاضيان الآخران على مثل ذلك فاستدعوا إلى دار الخلافة وأغلظ القول عليهم واعتيقوا إلى آخر النهار ثم أذن لهم في الانصراف والعود من غد.

وكان قوم من الشهود زكوا التجار الذين شهدوا في الكتاب منهم ابن النشاط وأبو إسحاق بن أحمد الطبري فطعن الضبي عليهم عند الخليفة فخرج التوقيع بإسقاطهم وأمر بقراءته على المنبر في المسجد الجامع. وعرف الشهود ذلك ومضى أبو إسحاق الطبري إلى أبي الحسن محمد بن عمر مستصرخاً وكان خصيصاً. وبلغ أبا الحسن علي بن عبد العزيز ما يجري من الخوض فى الأمر.

ذكر تدبیر لطیف توصل به ابن حاجب النعمان إلى خدمة دار الخلافة

استدعى القاضي أبا محمد بن الأكفاني وأبا إسحاق الطبري سراً وقال لهما: قد علمت ما أنتم عليه وإن طويتموه عني ومتى روسل الخليفة توصلت إلى مرادكم فصار أبو إسحاق إلى ابن عمر وأشار عليه بإنفاذ علي بن عبد العزيز إلى دار الخلافة فراسل أبا منصور بن صالحان في ذلك فكان جوابه: إنك عارف بما وردت به كتب بهاء الدولة من منع ابن حاجب النعمان عن دار الخلافة وإخراجه إلى حضرته فكيف يجوز أن تنفذه فيما هذه سبيله؟ فعاد مراسلة ثانية وسهل الأمر فأذن أبو منصور في ذلك من غير اختيار. وانحدر أبو الحسن علي بن عبد العزيز إلى دار الخلافة ووصل إلى حضرة القادر باللّه اللّه رضي عنه وأعاد ما حمله من الرسالة وكانا قالا له تخدم الحضرة الشريفة عنا بالدعاء وتقول: «إن الذي جرى في هذه القصة مما يوحش بهاء الدولة ويشعره التغير له والعدول عنه فيما كان مستخدماً فيه» وأتبع ما يورده عنهما من نفسه بأن قال: يا أمير المؤمنين ما الذي فعل هؤلاء القضاة مما خرجوا به عن حكم الشريعة أو حدث من الشهود حتى أسقطوا الإسقاط الذي يقرأ على المنابر؟ أو ليس ابن النشاط أحد الشهود الذين شهدوا على المخلوع بخلع نفسه وتسليمه الأمر إلى أمير المؤمنين؟ ولو أردنا اليوم شهادة حاضرة بذلك لما وجدنا غيره فيها فإن الشريف أبا أحمد الموسوي غائب بشيراز

وأبا القاسم بن أبي تمام قد مضى لسبيله وأبا محمد بن المأمون من أهلك وأبا الغنائم محمد بن عمر ممن لا تقوم به بينة. ونحن إلى الآن نزكي هذا الشاهد ونعد له أولى من أن نقدح فيه ونجرحه وهذا أبو إسحاق الطبري وأحد القرّاء المتقدمين وأهل العلم المشهورين ولم يبق من يحضر الحرمين ويصلي فيها بالناس مثله وهو إلى هذه الدولة منسوب وفي شعبها محسوب والباقون منهم أقل من أن يعرفهم أمير المؤمنين ويسميهم فضلاً عن أن يذكرهم على المنابر ويقع فيهم وما الذي يؤمننا من أن ينفذ إلى الجامع من ينفذه فيعترض بما يحول بينه وبين ما يحاوله ويلحقنا من ذلك ما لا خفاء به؟

فلما سمع القادر باللّه رضي اللّه عنه ما قاله بين الصواب فيه فأضرب عما عزم عليه وهم وردَّه بجواب جميل سكن إليه القضاة والشهود وتوقيع فيه علامته بإجرائهم على رسومهم.

وعاد أبو الحسن إلى الشريف والوزير فأعلمهما بما فعل وبزوال ما كان الخوض واقعاً فيه وأشار بأن يعود برسالة ثانية محدودة تتضمن الشكر والدعاء والاستئذان في حضور القضاة. فتقدّما إليه بذلك ومضى وعاد بالإذن في حضور القضاة ورجع ثالثاً والقضاة معه فجمع بينهم وبين القاضي أبي عبد اللّه الضبي واستطال أبو عبد اللّه في القول عليهم فمنهم من أجاب ومنهم من أمسك عنه. وانصرف القوم وتأخر أبو الحسن فأقام في الدار وقرر أمر نفسه واستعطف الشريف أبا الحسن بن عمر واستكفَّ كل من كان يقصده واستصلح فتم له الأمر واستتب.

وفيها عاد أبو جعفر الحجاج من الموصل.

ذكر السبب في ذلك وما جرى الأمر عليه

لما توفي أبو الدواد محمد بن المسيب طمع المقلد أخوه في الإمارة فلم تساعده العشيرة لأن من عادتها تقديم الكبير من أهل البيت وكان على أسن منه فأجمعوا عليه وولوه. وأيس المقلد من الإمارة فعدل إلى طلب الموضع وبدأ باستمالة الديلم الذين كانوا مع أبي جعفر واستفسادهم عليه وثنى برسالته بهاء الدولة خاطباً لضمان الموصل بألفي ألف درهم في كل سنة وبذل تقديم مال عنها واستصلح قلوب الحاشية.

ثم عدل إلى علي أخيه وأظهر له أن بهاء الدولة قد ولاه الموصل وأن أبا جعفر يدافعه عنها وسأله النزول معه بالحلل عليها فإن أبا جعفر إذا علم اجتماع الكلمة خاف واندفع عنها. فلبي علي دعوة أخيه وأجابه إلى سؤاله قاضياً حقه فيه فلما نزلت الحلل على باب الموصل استأمن عدد من الديلم الذين استفسدوا من قبل وعلم أبو جعفر أن لا طاقة له بالقوم فاعتصم بقصر كان استحدثه ملاصقاً إلى دار الإمارة مع سبعين رجلاً من

خاصته وسألهم أن يفرجوا له عن الطريق ليسلم الديلم إليهم فأجابوه إلى ذلك.

ذكر مكيدة عملها أبو جعفر سلم بها في انحداره

واعدهم في خروجه يوماً معلوماً واستظهرهم عليه وكانوا أجمعوا أمرهم على أن يأخذوه يوم مسيره فاستذم أبو جعفر من علي بن المسيب وأنفذ إليه كراعه ليسير من عنده ثم جمع سفناً حط فيها رحله وصناديقه وسلاحه وأصحابه فجاءة وانحدر قبل اليوم الموعود وما عرفوا خبره إلا بعد انحداره فتبعوه ودافعهم عن نفسه حتى خلص ووصل إلى مدينة السلام.

ذكر ما جرى عليه الأمر بالموصل بعد انحدار أبي جعفر

لما خرج أبو جعفر من البلد تقدم المقلد إلى أصحابه بالدخول وعمل علي بن المسيب في الرحيل فحسن له أبو الفضل طاهر بن منصور وكان كاتبه ووزيره وجماعة من أصحابه أن يلتمس من المقلد مشاركته في البلد فتذمَّم علي من ذلك حياء من أخيه فقالوا له: إذا كان البلد لأخيك كان هو الأمير وكنت أنت الصعلوك. وما زالوا به حتى راسلوه واستقرت الحال بينهما تذكرة من المقلد على إقامة خطبة لهما جميعاً وتقديم علي بحكم الإمارة وإقامة عامل من قبلهما لجباية الأموال وجرى الأمر على ذلك مديدة.

ثم زاد التشاجر والتجاذب بين أصحابهما وانتهى إلى الإفراط واتصلت الشكاوى من الفريقين وسيأتي ذكر ما جرت عليه الحال من بعد إن شاء اللّه.

ذكر الحال في ذلك

كان أبو علي خدم بهاء الدولة في أيام إمارته فلما ولي الملك قدَّمه وكاد ينوه به فنكبه أبو الحسن الكوكبي المعلم وبقي على العطلة ثم استخدم في الخواص بمدينة السلام. فلما عاد بهاء الدولة إلى واسط على الصورة التي ذكرت من اختلال الحال كاتب أبا منصور بن صالحان والشريف أبا الحسن بن عمر وأبا على هذا يذكر بما هو عليه من الإضاقة واستدعى منهم ملتمسات من ثياب وغيرها. فأجاب أبو منصور وأبو الحسن جميعاً بالوعد والتعليل وحصل أبو علي أكثر الملتمس بعد أن طلب من أبي علي بن فضلان اليهودي قرضاً يُرد عوضه عليه فلم يسعفه وانحدر إلى حضرة بهاء الدولة بما صحبه. فوقع فعله موقعاً جميلاً ازداد به عنده قبولاً وقرّر معه في أخذ اليهود ومصادرتهم تقريراً معلوماً وفي أمر أبي الحسن محمد بن عمر وأبي منصور بن صالحان ما كان مستوراً مكتوماً وأصعد على هذه القاعدة فلما حصل ببغداد قبض على جماعة من اليهود وعسفهم في المطالبة والمعاقبة.

وأما الشريف أبو الحسن بن عمر وأبو منصور بن صالحان فإنه بدا لهما خبر ما

أبطن في أمرهما فخرج ابن عمر إلى القصر وصار منها إلى البطيحة واستقر أمر ابن صالحان وكاتب بهاء الدولة واستصلحه وانحدر إليه.

ودبر أبو علي الأمور ببغداد واستمال الجند وقرر مع الأتراك عن أثمان إقاماتهم ورقاً يطلق لهم مسابعة ثم نقله إلى المشاهرة ونسبه إلى القسط وسلك أيضاً بالديلم هذه الطريقة فصار ذلك سنة مستمرة من بعد في الأقساط وسقطت كلف الإقامات وكانت قد انتهت إلى الإفراط ومشت أموره على السداد إلى أن جرى من المقلد بن المسيب ما صار سبباً للقبض عليه.

ذكر ما جرى من المقلد بن المسيب في هذه السنة

كان المقلد يتولى حماية القصر وغربي الفرات متصرفاً على أمر العباس بن المرزبان فاستناب المقلد أبا الحسن بن المعلم أحد أصاغر المتصرفين ببغداد وكان فيه تهور وإقدام فتبسط وانتهى عنه إلى ابن المرزبان ما غاظه وعول على القبض عليه. ولم يأت الحزم من أقطاره في أخذه فاستوحش ابن المعلم واستظهر وجرت مناوشات أدت إلى كشف القناع واستنجد ابن المعلم صاحبه فوافى من الموصل في عدته وعديده وحصل مع ابن المرزبان على أرض واحدة وجرت بينهما حرب أجلت عن هزيمة ابن المرزبان وأخذه أسيراً وحبسه وأمر بقتله من بعد.

وملك المقلد القصر وأعماله وكتب إلى بهاء الدولة بأعذار مختلفة وأقوال متفقة وسأل إنفاذ من يعقد عليه البلاد بمبلغ من المال يؤديه عنها. وكان بهاء الدولة مشغولاً بما هو بصدده والضرورة تدعوه إلى المغالطة والمداراة فأنفذ إليه أبا الحسن علي بن طاهر وجرت بينهما مناظرات ومواقفات كُتب بها تذكرة عاد بها ابن طاهر استأمر في أبوابها. ولما انفصل ابن طاهر عنه زاد في بسط يده في الأعمال واستضاف ما فيها من الأموال فضح المقطعون بالشكوى إلى أبي علي بن إسماعيل فاستعد للخروج إليه واستدعى محمد بن عباد وخاطب أبا موسى خواجة بن ساكيل على البروز فبرز وخيم بظاهر البلد.

ذكر الغيلة التي عملها المقلد

لما انتهى الخبر إليه ببروز من برز من السندية أنفذ أصحابه ليلاً فكبسوا معسكر ابن ساكيل وضربوا الخيم فبادر ابن سياهجنك إلى زبزبه وعبر إلى داره واستنفر الديلم فإلى أن اجتمعوا قطع أصحاب المقلد الجسر لئلا يتكاثر عليه الجند. وركب أبو علي بن إسماعيل وابن عباد والأولياء فإلى أن أعيد سد الجسر مضى أصحاب المقلد عائدين وتبعهم أبو علي فلم يلحقهم. وهم بالإتمام إلى السندية لمواقعة المقلد فأشاروا عليه بالعود فعاد وقد تمَّم لما ثبت له.

وكان الشريف أبو الحسن بن عمر قد حصل بالبطيحة على ما تقدَّم ذكره فلما ورد أبو جعفر الحجاج توسط حاله مع بهاء الدولة وأصلحها وجدا جميعاً في السعي على أبي علي وذلك قبل أن يحدث من أمر المقلد ما حدث. وشد منهما ابن ماسرجس وكان هو الوزير يومئذ وبذل ابن عمر لبهاء الدولة عشرة آلاف دينار عن تسليمه إليه وكان بهاء الدولة سريع القبول شديد الميل إلى هذه البذول وكل ما يُعقد معه محلول وكل ما يبنى لديه مهدوم.

ومن شرط السياسة أن يفي الملك بقوله وعهده وأن يصدق في وعيده ووعده وأنه متى أخلف استولت على المحسن الخيبة وزالت عن المسيء الهيبة ومن قارب بين التولية والعزل لا يعقل فنعود إلى تمام الحديث.

فخاضوا في تدبير أمر أبي علي ولم يكن ببغداد من يكاتب بالقبض عليه ويوثق به في الخروج بالسر إليه لأن ابن سياهجنك كان من خاصته والقهرمانة معه وفي كفته وكل من وجوه الجند مائلاً إلى جنبته ويخافون أن يخرجوا إنساناً من واسط فربما شاع الخبر وظهر.

ذكر المكيدة التي رتبت في القبض على أبي علي

أحضروا أبا الحسن محمد بن الحسن العروضي وكان بواسط وواقفوه على يكاتب أبا علي ويشكو إليه حاله ويسأله استدعاءه إليه وضمه إلى جملته ودبروا الأمر أنه إذا عاد الجواب إليه بالإصعاد أصعد وقرروا معه القبض عليه. وكتب أبو الحسن كتاباً بهذا الذكر فإلى أن عاد الجواب إليه حدث من أمر المقلد وهجوم أصحابه على مدينة السلام ما حدث وورد الخبر بذلك على بهاء الدولة فانزعج واستدعى أبا جعفر الحجاج في الوقت ورسم له المبادرة إليها وتلافى الحادث بها ومصالحة المقلد والقبض على أبي علي بن إسماعيل. ووجد أبو جعفر الفرصة فسار ووصل إلى مدينة السلام في آخر ذي الحجة وسيأتي ذكر ما جرى الأمر عليه بمشيئة اللّه تعالى.

وفيها قبض على الفاضل أبي نصر فاستقصي عليه في المطالبة وهرب أبو عبد اللّه العارض إلى البطيحة وأقام إلى أن أصلح حاله.

ذكر السبب في ذلك أولاً وما جرت عليه الحال ثانياً

كان جرى بين أبي عبد اللّه العارض وبين أبي طاهر سباشي المشطب المعروف بالسعيد كلام تنابزا فيه وجنايات اللسان عظيمة وصراعاته أليمة فأمر بهاء الدولة بالقبض على أبي طاهر لأجل ذلك واعتقاله. فاجتمع عدد كثير من الغلمان وصاروا إلى باب الخيمة الخاص وجبهوا بهاء الدولة بما فيه بعض الغلظ وقالوا: إن لم تفرج عنه أخذناه. فدعت الضرورة إلى إطلاقه فأطلق ثم لم يرضوا بالإفراج عن المشطب حتى اقترحوا إزالة أبي عبد اللّه عن ولاية العرض وإبعاد الفاضل أبي نصر وخاف بهاء الدولة

مخالفتهم فاعتقل العارض والفاضل اعتقالاً جميلاً ثم أذن لهما في الإصعاد إلى بغداد بعد أن قرر أمر الفاضل على مبلغ من المال. فأما الفاضل فإنه صحح المال المقرر بعد إصعاده وأقام في داره إلى أن وافى أبو جعفر.

ونظر أبو الحسن العروضي في نيابة الوزارة عن ابن ماسرجس فخافه الفاضل وكاتب بهاء الدولة يسأله حسن التعطف والحراسة فعاد جوابه بالجميل ورسم له الانحدار فانحدر ولما وصل إلى المعسكر قبض عليه وسلم إلى ابن ماسرجس فاستقصي عليه في المطالبة لما أخذ عليه من نوبة البصرة ونسبها إليه وكان بريئاً منها.

وأما أبو عبد اللّه العارض فإنه خاف بعد إصعاده فاستشار نصحاءه في أمره وقال: لست أحب الحرب فاجعل لنفسي حديثاً ولا الاسترسال. فأطرق غلبتها.

ذكر رأي سديد أشير به على العارض فكان سبباً لنجاته

قال له: علي بن عيسى صاحب البريد: إذا كان هذا اعتقادك فكيف تسمح بذهاب ما في دارك من الآلات ومن الغلمان؟ قال: نعم. قال: فاعبر إلى الجانب الشرقي كأنك زائر والدتك ودع دارك وحاشيتك على ما هي وهم عليه وأنا أحضر في كل يوم وألقى الناس فيها عنك واكتب كتب النوبة إلى بهاء الدولة وإذا حضر من يجوز الاعتذار إليه وأنا قاعد اعتذرت إليه بنومك أو صلاتك ومن وجب أن أقوم وأدخل الحجرة كأني أستأذنك وأخرج إليه بمثل العذر قمت وإذا رأى الناس ذلك ظنوك حاضراً وأنت في الباطن مستظهر. فاستصوب ذلك وعمل به واندرج الأمر على هذا أياماً ثم كبست الدار لطلبه والقبض عليه فلم يوجد. ودبر أمره في الخروج من البلد مستتراً وحصل بالبطيحة وأقام بها مدة وأصلح حاله مع بهاء الدولة وأصعد إلى واسط ونظر في دواوين الإنشاء والبريد والحماية.

وفيها حج بالناس أبو عبد اللّه بن عبيد العلوي.

وحمل بدر بن حسنويه خمسة آلاف دينار مع وجوه القوافل الخراسانية لتنصرف في خفارة الطريق عوضاً عما كان يجيء من الحاج في كل سنة وجعل ذلك رسماً زاد فيه من بعد حتى بلغ تسعة آلاف دينار. وكان يحمل مع ذلك ما ينصرف في عمارة الطريق ويقسم في أولاد المهاجرين والأنصار بالحرمين ويفرّق على جماعة من الأشراف والفقراء والقراء وأهل البيوتات في مدينة السلام بما تكمّل به المبلغ عشرين ألف دينار في كل سنة. فلما توفي انقطع ذلك حتى أثر في أحوال أهله ووقف أمر الحج.

ونحن نذكر ههنا طرفا من أفعال بدر و آدابه يستدل به على حزم الرجل ودهائه. فنقول إن من شرط الولاية المستقيمة أن يكون صاحبها عالماً بالسياسة قامعاً للجند عادلاً

بين الرعية خبيراً بجمع المال من حقوقه بصيراً بصرفه في وجوهه راغباً في فعل الخير ملتذاً بطيب الذكر ثابت الرأي في الخطوب رابط الجأش في الحروب على أن انتفاع ذوي الولاية بالرأي السديد أكثر من انتفاعهم بالبأس الشديد فإن ذا البأس يقاوم رجالاً وعشيرة وذو الرأي يقاوم أمة كثيرة:

الرأي قبل شجاعة الشجعان***هو أول وهي المحل الثاني

فإذا هما اجتمعا لنفس مرة***بلغت من العلياء كل مكان

وقد كان بدر جامعاً لهذه الخلال الحميدة والأفعال الرشيدة فإنه ساس قومه وهم البرزيكان شر طائفة في ظلمهم وعدوانهم وبغيهم وطغيانهم سعياً في الأرض بالفساد وقطعاً للسبل واستباحة الأموال وسفك الدماء ولي عليهم وقد استولوا على تلك الأعمال يسومون أهلها سوء العذاب ويذيقونهم مرارات البلاء والعقاب على طريقة من قال اللّه تعالى فيه: وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّه لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ [البقرة: 205]. فداوى داءهم وكف بلاءهم واستدنى من الأكراد من كانوا ضداً لقومه فاستعان بهم عليهم فطهر الأرض من ظلمهم غير مبق على آصرة ولا ملتفت إلى رحم متشاجرة فبدد شملهم وفرق جمعهم.)### ذكر مكيدة عملها بدر لقومهقيل إنه لما طالت أسباب الفساد وكاد الحرث يبطل في تلك البلاد عمل سماطاً وأمر بأن يقدم عليه من جميع الألوان المطبوخة باللحمان ( وكانوا أصحاب أغنام وأن لا يترك على السماط خبز بتة ثم أحضرهم فجلسوا وأيديهم لا تصل إليه توقعاً للخبز فلما طال الأمر بهم قال لهم:ما لكم لا تأكلون. قالوا: ننتظر الخبز. قال: فإذا كنتم تعلمون إنه قوت لا بد منه فما لكم قد أهلكتم الزرع قبحاً لوجوهكم وتباً لأفعالكم ! وأقسم لأن تعرض أحد منكم لصاحب زرع ليقابلنه بسفك دمه. وأبرَّ قسمه بقتل العدد الكثير منهم وأخذ الباقين بالهيبة وساسهم بالغلظة ولم يغض لهم عن الخيانة اليسيرة حتى تهذبت الأمور.)### ذكر سياسة بليغة من أفعالهقيل إنه اجتاز في بعض مرتحلاته برجل متحطب قد حط حمله عن ظهره على طريق وإن بعض الفرسان أخذ منه رغيفين كانا معه فلما حصل بإزائه قال: أيها الأمير إني رجل متحطب وقد كانت معي رغيفان أعادتهما لأتغدى بهما فيقويانني على حمل الحطب إلى البلد فأبيعه فأعود بثمنه إلى العيال وقد اجتاز بي أحد الفرسان وغصبني إياهما. فقال له: هل تعرف الرجل؟ قال: نعم بوجهه. فجاء به إلى مضيق جبل وأقام عنده حتى أجتاز عليه العسكر جميعه وجاء صاحبه فعرفه فأمر بدر بحطه عن فرسه

وإلزامه حمل الحطب على ظهره إلى البلد والدخول به إلى السوق وبيعه وتسليم ثمنه إلى صاحبه جزاء على فعله. وكان الرجل موسراً فرام أن يفتدي نفسه بمال وزاد حتى بذل بوزن الحطب دراهم فلم يقبل منه وألزمه فعل ما عزم به عليه فقامت الهيبة في النفوس فلم يقدم بعدها أحد من أصحابه على أذية.وأما بصره بوجوه المال فإنه عمّم وعدل فدرت عليه ضروع الأعمال وجمع من الذخائر والأموال من بلاد محدودة محصورة ما لا يكاد يجمع مثله من ممالك واسعة. ولو لم يكن إلا ما أخذه فخر الملك أبو غالب بن خلف من قلعته لكان عظيماً.### ذكر رأي سديد في تدبير الأعمالكان من حسن تدبيره أنه يحفظ الارتفاع من كل ثلم ثم يفرد العشر منه ويجعله موقوفاً على المصالح والصدقات. وأخذ عماله بتوفية أمواله أشد أخذ ويخلدهم الحبس على الخيانة فإن علم أن عجز المال كان عن آفة وأن العامل نقي الجيب من خيانة أعطاه من مال الصدقة ما تبرأ به ذمته من الضمان ويستعين ببعضه على الزمان فلا يقدم أحد على تجاوز الطريقة المرضية في أداء الأمانة وتجنب الخيانة. وأما بصيرته بصرف الأموال في وجوهها فقد تقدم ذكر ما كان يحمله في كل سنة بطريق مكة وكانت له صدقات كثيرة في بلده وأنفق أموالاً جمة في اتخاذ المصانع وعمل القناطر واستخراج الطرق في الجبال لوارد وصادر فتذللت بعد أن كانت مانعة ودنت المسافات بعد أن كانت شاسعة مع حزم كامل في الإنفاق.### ذكر ما دبره في أمر النفقات على القناطر والطرقاتكان إذا بدأ بعمل من هذه الأعمال أقام من قبله عنده سوقاً جامعة لسائر ما يبتاع في البلدان وجلب إليها جميع ما يحتاج إليه من الأصناف بأرخص الأثمان فإذا قبضت الرجال سلفاً من الورق صرفوه في تلك السوق على اختلاف أجناس ما يبتاعونه بالثمن الوافي فيجمع جميعه. فكان ما يخرج في أول الأسبوع من الخزانة يعود إليها في آخر الوقت اليسير الذي يتصل مع بعض الرجال ممن يقدر على نفسه في النفقة. فبقيت له الآثار الحميدة والأحاديث الجميلة قال اللّه تعالى: ﴿وَمَا عِندَ اللّه خَيْرٌ وَأَبْقَى) [القصص: 60]. وقال تعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى

[الضحى: 4]. وأما حسن تدبير الخطوب فله في ذلك أخبار مشهورة منها ما دبره عند وصول رسول يمين الدولة أبي القاسم محمود بن سبكتكين رحمه اللّه إلى الري.

ذكر رأي سديد في إقامة هيبة

قيل إن رسولاً لمحمود وصل إلى الري عند استيلاء السيدة على الأمر مهدِّداً

بالمسير إليها وكانت لا تحل ولا تعقد إلا بمشاورة بدر فكتبت إليه بما تجدد فأشار عليها بإنفاذ الرسول إليه ليتولى هو جوابه. ثم رتب طوائف الأكراد وأصناف العساكر وأمرهم أن ينزلوا بحللّهم بطول الطريق من باب الري إلى سابور خواست ويظهروا عند اجتياز الرسول بهم عددهم وأسلحتهم ويأخذوا زينتهم ويسيروا به من حلة إلى حلة ومن عسكر إلى عسكر حتى يوصلونه إليه ففعلوا ذلك.

ورأى الرسول في طريقه من العساكر ما هاله فلما وصل إليه رأى من حزمه ودهائه وحسن تدبيره ورأيه ما ازدادت به هيبته في صدره. وأجاب عن الرسالة بما أشار به إلى الاستمرار على طريق المسالمة وإجراء الأمر على ما كان عليه من قبل مع أصحاب خراسان فعاد الرسول إلى الري وكتب الأجوبة حسب ذلك وانصرف إلى خراسان وأخبر بما شاهده فكان ذلك طريقاً إلى الكف والموادعة.

وأما مكايده في الحروب وبصيرته بأمورها فقد تقدم من ذكر الوقعة التي جرت بينه وبين قراتكين الجهشياري على أخذ شرف الدولة ما يدل على صرامته وله بعد ذلك مقامات مشهورة. فلما انقضت مدته وتناهت سعادته لم ينفعه ماله ولا رجاله ولم تدفع عنه حزامته ولا احتياله قتله أقل الجند وأذلهم ومضى رخيصاً.

الحُوَّل القلب الأريبُ ولا***يدفع ريب المنيَّةِ الحِيلُ

وإذ قضينا من ذكر أخباره الشاة وطراً مع التبرىء من عهدة صحتها فقد عدنا إلى سياقة التاريخ.

ودخلت سنة سبع وثمانين وثلثمائة

وفيها تغير أمر أبي علي بن إسماعيل ووكل به في دار المملكة ثم أفرج عنه واستتر.

ذكر ما جرت عليه الحال في ذلك

لما ورد أبو جعفر الحجاج ساء ظن أبي علي بن إسماعيل ثم اتصل به من واسط ما حقق ظنه فأقام في دار المملكة ملتجئاً إلى القهرمانة وتلطف أبو جعفر له طمعاً في أن يصير إليه فلم يفعل فأنفذ من وكل به في موضعه. وتردد بينه وبين القهرمانة قول كثير انتهى آخره إلى أن كتبت خطاً بتسليمه وأنها تمتثل ما يرد إليها في معناه فصرف التوكيل حينئذٍ عنه. وأنفذ ابن إسماعيل إلى بارسطغان وبدرك ووضعهما على أن جمعا جمعاً كثيراً من الغلمان وصاروا إلى تحت دار أبي جعفر وراسلوه وقالوا له: قد كانت أحوالنا مختلة وأموالنا متأخرة إلى أن جاء هذا الرجل فتلافي أمورنا بحسن التدبير وقد حاولت الآن بورودك القبض عليه وإزالة هذا الترتيب ونحن لا نمكن منه ونكاتب الملك بشرح الأحوال

وإن دعتنا حاجة إلى الانحدار إليه انحدرنا. وتردد في ذلك ما طال وأفضى آخره إلى رد خط القهرمانة إليها والاتفاق على خروجه ونظره ومكاتبة الملك بما عليه الأولياء من إيثاره. فلما كان من غد خرج أبو علي من الدار وقصد أحد وجوه الأتراك واستتر عنده.

ونظر أبو الحسن العروضي في النيابة عن أبي العباس بن ماسرجس وتشاغل أبو جعفر بتقرير ما بينه وبين أبي حسان المقلد بن المسيب.

ذكر ما جرت عليه الحال في ذلك

أنفذ المقلد إلى أبي جعفر في أمر الصلح وبذل له البذول على حكمه فيه. فاستقر بعد مراجعات ومنازعات على أن المقلد عشرة آلاف دينار وتحمل إلى الخزانة يصحح بواسط ويقود معها خيلاً ويرفع يده عن الاقطاعات ويقنع بما يقرر له من رسوم الحماية عنها ويمكن العمال من المحلول ويشد منهم في استيفاء الحقوق السلطانية ويفرج عن الديلم المأسورين ويخطب لأبي جعفر بالموصل بعد بهاء الدولة ويحمل في كل سنة ألف ألف درهم غياثية عنها وعلى أن يخلع على المقلد الخلع السلطانية من دار الخلافة ويكنّى ويلقب بحسام الدولة ويحمل له اللواء ويعقد له بهاء الدولة على الموصل والكوفة والقصر والجامعين ويقلد زعيم العرب ويقطعه بألف ألف درهم غيائية من المحلول. فأجيب إلى ما التمسه وجلس القادر باللّه رضوان اللّه عليه لذلك على العادة.

ولم يف المقلد ما أشرطه على نفسه إلا بحمل المال المعجل وإطلاق بجميع الديلم المأسورين ثم استولى على البلاد فقصده الكتاب والمتصرفون والأمائل وخدموه ونبل قدره واستفحل أمره.

وفيها توفي العلاء بن الحسن بعسكر مكرم وورد أبو الطيب الفرخان وبعده أبو علي بن أستاذ هرمز شيراز.

ذكر ما جرى عليه الأمر بعد وفاة العلاء بن الحسن

قد تقدم ذكر خروج العلاء إلى عسكر مكرم في أثر الغلمان العائدين من أرجان مع أبي محمد بن مكرم ومقامه بها مرتباً للأمور ثم جاءه أمر اللّه الذي لا يدفعه وورد المنهل الذي لا محيد للبشر عنه. فلما انتهى الخبر إلى صمصام الدولة أنفذ أبا الطيب الفرخان بعد أن استوزره لسدّ مسدّه فورد ولم يكن منه ما ظن فيه فبان منه العجز والقصور وتقاعد به الديلم وملك أصحاب بهاء الدولة السوس وجنديسابور. وعرف صمصام الدولة ما جرى فأنفذ الصاحب أبا علي بن أستاذ هرمز وأصحبه مالاً ففرقه على الديلم وسار بهم إلى جنديسابور ودفع الأتراك عنها وجرت مع الأتراك وقائع كثيرة كانت اليد الطويلة لأبي علي فيها حتى أزاحهم عن بلاد خوزستان وعادوا إلى واسط. فخلت

له البلاد ورتب فيها العمال وجمع منها الأموال وتأمل حال الاقطاعات بها. فجرى بين سيامرد بن بلجعفر وبين عامل لأبي علي تنازع في حد وارتفع النزاع فيه إليه فأربي سيامرد في القول بمجلسه فغاظه.

ذكر تدبير يدل على قوة نفس وشهامة

أمر أبو علي أن يعمل عملاً بما في يد سيامرد وداود ولده وأبي علي بن بلعباس فاشتمل العمل على مائة ألف دينار وزيادة فأحضر الثلاثة المذكورين وكتابهم للمواقفة ثم عدل بهم إلى حجرة وقبض عليهم وقيدوا وأخرجوا بعد أيام على النفي إلى بلاد الديلم. وجعل اقطاعهم لخمسمائة رجل من الديلم الأصاغر وثلاثمائة رجل من الأكراد بعد أن أفرد منه شيئاً للخاص فتمكنت هيبته في الصدور وتضاعفت قوته في الأمور وتألف قلوب الديلم وراسل وجوه الأتراك الذين مع بهاء الدولة واستمالهم فأجابه بعضهم وصار إليه من جملتهم قراتكين الريحي فملأ عينه وقلبه بالإحسان.

واستمرت أحواله على الانتظام والتمكن من أعمال خوزستان من غير منازعة إلى أن عاد أبو محمد بن مكرم والأتراك من واسط. فلما عرف أبو علي بن أستاذ هرمز رجوعه استعد للحرب وجرت بينهم مناوشات ووقائع. ولم يكن للغلمان قدرة على إزالة الديلم من قصبات البلاد وأشرفوا على الانصراف ثانياً إلى واسط حتى خرج أبو علي بن إسماعيل من البطيحة وسير بهاء الدولة من القنطرة البيضاء وكان من الأمر ما يأتي ذكره في موضعه.

وفيها كوتب أبو جعفر الحجاج بالمسير من بغداد لقصد أبي الحسن علي بن مزيد وسار ابن ماسرجس من واسط لذلك.

ذكر ما جرى عليه الأمر مع أبي الحسن علي بن مزيد

كان علي بن مزيد قد استوحش من بهاء الدولة بسبب مال طولب به فکاشفه بالخطاب وانتسب إلى طاعة صمصام الدولة وأقام الخطبة له وأطلق لسانه بكل ما يوجب السياسة الإمساك عنه وانبسطت بنو أسد في الغارة على نواحي واسط. فغاظ بهاء الدولة فعلهُ وعرض من أمر المقلد ما استقل به عن غيره فلما استقرت الحال معه كتب بهاء الدولة إلى أبي جعفر بالمسير إلى ابن مزيد من بغداد وسيّر أبا العباس بن ماسرجس من واسط فاجتمعا. واندفع أبو الحسن علي بن مزيد من بين أيديهما معتصماً بالآجام وتتبعاه فراسلهما واستعطفهما وسأل إصلاح أمره مع بهاء الدولة وبذل على ذلك بذلاً. وكان الأمر قد ضاق بهما في المقام وتعذر عليهما وعلى العسكر نقل المير لبعدهم عن السواد فكاتبا بهاء الدولة في أمره وسألاه الصفح عنه وإقراره على ما يتولى الخدمة فيه فأجاب إلى

ذلك وسار أبو جعفر وابن ماسرجس إلى الكوفة فأما أبو جعفر فإنه عاد إلى بغداد وأما ابن ما سرجس فإنه أقام بالكوفة مستوحشاً ثم صار إلى المقلد ومضى من عنده إلى البطيحة. وفيها توفي فخر الدولة أبو الحسن علي بن ركن الدولة بالري.

ذكر ما جرى عليه الأمر بعد وفاة فخر الدولة

لما اشتدت العلة به أصعد إلى قلعة طبرك فبقي أياماً يعلل ثم مضى لسبيله. وكانت الخزائن جميعها مقفلة ومفاتيحها قد حصلت عند أبي طالب رستم ولده الملقب من بعده بمجد الدولة فلم يوجد ليلة وفاته ما يكفن به لقصور الأيدي عما في الخزائن وتعذر النزول إلى البلد لشدة الشغب حتى ابتيع له من قيم الجامع الذي تحت القلعة ثوب لفّ به. وجاء من الشغل بالجند ومطالبتهم العنيفة ما لم يمكن معه حطه سريعاً فأراح حتى لم يمكن القرب من تابوته فشُدّ بالحبال وجُر على درجة القلعة حتى تكسر وتقطع.

وذكر أنه خلف من العين والورق والجواهر سوى الثياب والسلاح والآلات ما يزيد على عشرة ألف ألف درهم فكان نصيبه من أمواله الثوب الذي كفن فيه وعاقبته من أيامه اليوم الذي حطّ فيه. فما أقله من نصيب مبخوس وأشأمه من يوم منحوس فما أغني عنه ماله وما كسب ثم ربه أعلم بما صار إليه من شقاوة أو حوقق أو سعادة أو سومح.

ورتب أبو طالب رستم ولده في الأمر وسنهُ إذ ذاك أربع سنين فأخذت له البيعة على الجند وأطلقت له الأموال الكثيرة حتى قيل إن الأمر أعجلهم عن حط المال من القلعة على رؤوس الرجال فحطوه بالزبل والبكر والحبال.

والوزيران يومئذ هما أبو العباس الضبي المتلقب بالكافي الأوحد وأبو علي بن حمولة المتلقب بأوحد الكفاة وبينهما أشد عداوة. فبسط أبو علي بن حمولة يده في إطلاق الأموال واستمالة الرجال فمالت قلوب الجند إليه ووقعت أهواؤهم عليه وامتنع أبو العباس الضبي عن مثل ذلك إلا أنه معظم لمنزلته المتأثلة وقدمه المتقدمة.

فتجدد من ورود قابوس بن وشمكير إلى جرجان واستيلائه عليها ما وقع الخوض في تدبير خطبه.

ذكر عود قابوس إلى جرجان وما جرى الأمر معه عليه

كان فخر الدولة عند استقراره في الملك عزم على رد قابوس إلى أعماله قضاء لحقه ومقابلة على إحسانه فصدَّهُ ابن عباد عن رأيه وكثر ارتفاعها في عينه فوقر هذا القول في سمعه لشح مطاع كان في طبعه. فلما مات كتب أهل جرجان إلى قابوس وهو بنيسابور يستدعونه فصار إلى بلادهم وملكها وورد الخبر إلى الري بذلك فجرت في ذلك منازعات في الرأي وكوتب بدر بن حسنويه بسببه.

ذكر جواب سديد لبدر خولف رأيه فيه

قال: إن الأمير الذي ورث هذا الملك حدث السن ولا ينبغي أن يضيع ماله وذخائره فيما لا تتحقق عواقبه ومصايره والصواب أن نترك الأمر على حاله فإن يك نجيباً على ما عهد من خلائق آبائه قدر على ارتجاع ما أخذ منه وإن ضعف عن ذلك لم تكونوا جمعتم عليه (ذهاب) ماله وذهاب أعماله. فخالفوا رأي بدر وجردوا العساكر وأشار أصحاب أبي علي بن حمولة ونصحاؤه عليه بالخروج في هذا الوجه واستصحاب الخزائن والأموال وقالوا: إنك إذا حصلت بجرجان وملكتها كنت أميراً لا وزيراً وكانت الحاجة إليك داعية والآمال بك متعلقة وبعدت عن الحضرة التي أنت فيها مجاذب على المنزلة. وغبى أن قاعدة غيره التي يبني عليها أمره هي بتلك الحضرة وإلى من يزاحمه في الرتبة يترقب به الفرصة في نقصها لكن هيهات قيامه عليها وإذا بعد عنها أسرعت اليد الهادمة إليها. فعمل فيه قول هؤلاء النصحاء المجتمعين عليه وسار بالخزائن والأموال لأمر تسوقه المقادير إليه وحصل بين عدوّين أحدهما أمامه لا يعلم ما يكون منه معه وأخر وراءه يقصد مقاتله.

ووافي قابوس وتصافا في الحرب فما كانت إلا حملة واحدة من أصحاب قابوس حتى انهزم أصحاب أبي علي بن حمولة وغنم قابوس وأصحابه غنيمة كثيرة وعاد إلى جرجان وثبتت قدمه بأحسن السيرة ورفع الرسوم الجارية والضرائب المأخوذة.

وعاد أبو علي إلى الري مفلولاً ووقع الشروع في تجريد العساكر ثانياً إلى جرجان فقال أبو علي: قد خرجت نوبة وهذه نوبة أبي العباس الضبي. وتردد في ذلك قول كثير ثم أجمع رأي السيدة ورأي بدر بن حسنويه على صرف أبي علي بن حمولة والقبض عليه.

ذكر ما جرى الأمر عليه في القبض على ابن حمولة

حضر أبو عيسى سافري بن محمد كاتب بدر مظهراً تجديد العهد بالخدمة واجتمعت الجماعة في دار الإمارة وخلوا في الحجرة الركنية لتقرير أمر من يخرج إلى جرجان فاتفق أن ابن حمولة نهض لحاجة يقضيها فاتبع بمن عدل به إلى موضع في الدار وقيد وانصرف أبو العباس الضبي إلى داره وأبو عيسى إلى دار علي بن كامة وكانت برسمه وهي طرف البلد. وشاع خبر القبض على ابن حمولة فثار الديلم وقصدوا دار أبي عيسى ليهجموا عليه فهدم حائطاً منها يلي الصحراء وخرج منه وركب وتبعه أصحابه ووقف على قرب من البلد حتى أخرج إليه ابن حمولة فسار به إلى بلاد بدر وحبسه في بعض القلاع وأنفذ إليه من الري بعد أيام من تولى قتله.

وأقام الديلم على شغب ونهبوا دار أبي العباس وطالبوا بتسليمه واقتضت الحال عند تفاقم الأمر القبض عليه ففعل ذلك وحمل في عمارية وهو مقيد وقد أخرجت رجله

منها ليشاهد القيد فيها بحضرة العسكر وأصعد إلى قلعة طبرك. وكان الجند قد هموا بالفتك به وكفَّ اللّه سبحانه وتعالى أيديهم عنه وألقى في قلوبهم هيبة منه فلما حصل في القلعة راسل أكابر الديلم واستمالهم وأصلحوا له قلوب أصاغرهم واجتمعوا بعد ثلاثة أيام وتشاوروا بينهم وقالوا: قد مضى ذاك الوزير الذي قد فعلنا هذا الفعل لأجله ولا يجوز أن نتعوض عن أبي العباس مع رياسته المأثورة وكفايته المشهورة بغيره. فصاروا إلى دار الإمارة وخاطبوا السيدة على ذلك فاستقر الرأي على خروجه ونظره فخرج في اليوم الرابع من القلعة وتلقاه الناس على طبقاتهم بتقبيل الأرض وإظهار السرور. وسيأتي ذكر ما جرى عليه أمره من بعد في موضعه.

وفيها قبض المقلد بن المسيب على أخيه بالموصل.

ذكر القبض على علي بن المسيب والإفراج عنه وما جرى في ذلك من الخطوب في هذه السنة وما بعدها ليتسق الحديث

قد تقدم ذكر ما تقرر بين عليّ والمقلد في أمر الموصل والمشاركة فيها وما وقع من الخلف بین أصحابهما. فلما عاد المقلد من سقي الفرات إلى الموصل عزم علی الفتك بأصحاب أخيه ثم علم إنه متى فعل ذلك بهم فعل علي بأصحابه مثله فقوي رأيه في القبض على أخيه. وكان مع المقلد من الديلم والأكراد وغيرهم نحو ثلاثة آلاف رجل تطلق لهم الأرزاق في كل شهر فحين عزم على ما عزم عليه جمعهم إلى داره وأظهر بأنه يريد المسير إلى دقوقا وحلفهم على الطاعة واستوثق منهم.

ذكر الحيلة التي عملها المقلد في ذلك

كانت دار المقلد متصلة بدار علي ولم يكن مع علي إلا نحو مائة رجل من خاصته فأمر بالنقب إلى الموضع الذي هو فيه في ليلة علم فيها إنه سكران ودخل إليه ومعه عدة من خواصه فحمله على ظهر أحد الفراشين وحصله في خزانته ووكل به جماعة من غلمانه الأتراك. واستدعى في الحال غلامين من البادية وسلم إليهما فرسين جوادين وأرسلهما إلى صاحبته يقول لها: إني قد قبضت على عليّ فخذي حذرك واسرعي في الحال بولديك قرواش وبدران إلى تكريت فإن أحمد بن حماد صديقي وهو يدفع عنكم ولا تخلفي ما تخلفينه وراءك في الحلة قبل أن يعرف أخي الحسن الخبر فيبادر إليك ويقبض على ولديك. فكد الغلامان فرسيهما ركضاً وتقريباً ووصلا إلى تكريت في يومهما عند غروب الشمس وجلسا من تكريت في ركوة وانحدرا إلى موضع الحلة وكانت على أربعة فراسخ منها فأنذرا المرأة وأديا إليها الرسالة. فركبت فرساً وأركبت ولديها فرسين وهما يومئذ صغيران وساروا في الليل إلى تكريت فدخلوها. وعرف الحسن بن المسيب حال القبض على أخيه من غلام أسرع إليه من الموصل بالخبر فبادر

الحسن إلى حلة المقلد ليقبض على ولديه وأهله وعنده أنه يسبق إليهم ففاتوه وبطل عليه ما قدره من ذلك.

وقام المقلد بالموصل يستدعي وجوه بني عقيل ويخلع عليهم ويقطعهم إلى أن اجتمع عنده زهاء ألفي فارس. وقصد الحسن حلل العرب بأولاد علي وحرمه يستغيثون ويستنفرون ويقولون «إن المقلد قطع الرحم وعادى العشيرة وقبض على أميرها وانحاز إلى السلطان» فنفر منهم نحو عشرة آلاف رجل وراسل المقلد وقال: إنك قد احتجزت عنا بالموصل وأقمت فإن كان لك قدرة على الخروج فاخرج. فأجابه بأنه يخرج ولا يتأخر وسار على أثر الرسول وأخرج معه علياً أخاه في عمارية وهو محروس في نفسه مراعي في أحواله إلا أنه مستظهر عليه بالتوكيل. وقرب من القوم حتى لم يبق بين الفريقين إلا منزل واحد بإزاء العلث وجد في أمر الحرب فحضره وجوه العرب واختلفت آراؤهم فقوم دعوه إلى الصلح وصلة الأرحام وقوم حضوه على المضي والإقدام. وكان في القوم غريب ورافع ابنا محمد بن مقن فتنازعا القول عند المقلد وظهر من رافع حرص على الحرب وخالف غريب.

ذكر كلام سديد لغريب

قال لرافع: ما قولك هذا بقول ناصح أمين ولا ناصر معين فإن كنت في هذا الرأي عليه فقد أخفرت الأمانة وأظهرت الخيانة وإن كنت معه فقد سعيت في تفريق الكلمة وهلاك العشيرة وإطماع السلطان. والمقلد ممسك لا يتنفس فدخل عليه داخل وقال له: أيها الأمير هذه أختك رهيلة بنت المسيب (وكانت عند جعفر بن علي بن مقن) قريبة منك تريد لقاءك. فامتدت الأعين إليها فإذا هي في هودج على بعد فركب المقلد وسار حتى لحق بها وتحادثا طويلاً ولا يعلم أحد ما جرى بينهما إلا أنه حكى فيما بعد أنها قالت له: يا مقلد قد ركبت مركباً وضيعاً وقطعت رحمك وعققت ابن أبيك فراجع الأولى بك وخل عن الرجل واكفف هذه الفتنة ولا تكن سبباً لهلاك العشيرة ومع هذا فإنني أختك ونصيحتي لاحقة بك ومتى لم تقبل قولي فضحتك وفضحت نفسي بين هذا الخلق من العرب. فلان في يدها ووعدها بإطلاق علي وعاد في وقته فأمر بفك قیده ورد عليه ما كان أخذه منه وأضاف إليه مثله ورتب له مخيماً جميلاً ونقله إليه جميع واستكتب له أبا الحسن بن أبي الوزير وجعله عيناً عليه متصرفاً على أمره بين يديه.

فأصبح الناس مسرورين بما تجدد من الصلح وزال من الخلف واجتمع المقلد مععلي وتحالفا ومضى علي عائداً إلى حلته والمقلد سائراً إلى الأنبار لقصد أبي الحسن علي بن مزيد ومقاتلته. فقد كان تظاهر بمعصية علي حين قبض عليه المقلد وطرق أعمال سقي الفرات واجتذب شيئاً منها.

ولما انفصل علي بن المسيب اجتمع إليه العرب وحملوه على مباينة المقلد فامتنع عليهم وقال: إن كان قد أساء فإنه قد أحن من بعد فما زالوا حتى غلبوه على رأيه وأصعد إلى الموصل مبايناً واعتصم من كان معه من أصحاب مقلد بها بالقلعة فنازلها وفتحها واستولى على ما كان فيها. فطار الخبر إلى المقلد فكر راجعاً واجتاز في طريقه على حلة الحسن وهو فيها فخرج إليه وشاهد من قوة عسكره ما خاف على أخيه منه فقال له: دعني أصلح ما بينك وبين أخيك وأضمن لك العهد فيما تريد منه ورفق به حتى استوقفه وسار في الوقت إلى علي من غير أن يعود إلى حلته فوصل إليه آخر النهار وقد جهد نفسه وفرسه وقال لعلي: إن الأعور قد أقبل بقضه وقضيضه وأنت غافل. ثم شاوره فأشار عليه أن يستميل كل من بالموصل من أهالي الجند الذين هم في جملة المقلد ويضعهم على توسط ما كان بينهم واستمالتهم فإن قبلوا وفارقوا المقلد قاتله وإن امتنعوا وأقاموا معه صالحه ففعل ذلك.

وكان المقلد قد قرب من الموصل وبات وهو متيقظ قد رتب الطلائع فظفر بقوم قد وردوا بالملطفات إلى أصحابه فحملوهم إليه ووقف على ما معهم من الكتب فأصبح وقد عبى عسكره وزحف إلى الموصل وأيس علي والحسن من فساد جند المقلد عليه فخرج إليه ولاطفه ثم دخل البلد وعلي عن يمينه والحسن عن شماله. وناوش العرب بعضهم بعضاً طلباً للفتنة فخرج الحسن حلا وأرهب قوماً وحسم الفتنة وحصل جميع الناس بالموصل على صلح.

ثم خوف علي من المقام فخرج هارباً في الليل وتبعه الحسن وترددت الرسل بينهما وبين المقلد واستقر أن يكون دخول كل واحد منهما البلد عن غيبة الآخر وجرت الحال على ذلك إلى بقية سنة 389. وسار المقلد إلى الأنبار ممضياً لما كان عزم عليه من حرب علي بن مزيد فدخل بلده واندفع علي بن مزيد إلى الرصافة ولجأ إلى مهذب الدولة فقام بأمره وتوسط ما بينه وبين المقلد حتى أصلحه وانصرف المقلد إلى دقوقا ففتحها. وعدل إلى تدبير أمر الحسن أخيه فإن علياً مات في أول سنة 390 وقام الحسن في الإمارة مقامه. فجمع المقلد بني خفاجة بحللّهم وبيوتهم وأصعد بهم إلى نواحي برقعيد يظهر طلب بني نمير ويبطن الحيلة على أخيه. وعرف الحسن خبره فخاف ومضى في السر هارباً على طريق سنجار إلى العراق فأسرى خلفه طمعاً في اللحاق ففاته وعاد المقلد إلى الموصل وأقام بها ثلاثة أيام وانحدر يقص آثاره فمضى الحسن إلى زاذان واعتصم بالعرب النفاضة وتمم المقلد إلى الأنبار وعادت خفاجة معه. فاتفق في أمره ما سيأتي ذكره في موضعه إن شاء اللّه.

وفيها عاد الشريف أبو الحسن محمد بن عمر إلى بغداد نائباً عن بهاء الدولة.

وفيها استكتب ولد أبي الحسن بن حاجب النعمان للأمير أبي الفضل بن القادر باللّه رضي اللّه عنهما وجلس الأمير أبو الفضل وسنه يومئذٍ خمس سنين فدخل إليه الناس وخدموه.

ودخلت سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة

وفيها هرب عبد اللّه بن جعفر المعروف بابن الوثاب من الاعتقال في دار الخلافة.

شرح حاله وما انتهى إليه أمره بعد هربه

هذا الرجل كان يقرب بالنسب إلى الطائع للّه وكان مقيماً في داره فلما قبض عليه وخلع من الأمر هرب هذا وتنقل في البلاد وصار بالبطيحة وأقام عند مهذب الدولة فكاتبه القادر باللّه رضوان اللّه عليه في أمره فأخرجه من بلده. ثم صار إلى المدائن منتقلاً فأنهى إلى القادر باللّه خبره فأنفذ من اعترضه وأخذه مقبوضاً عليه وحبس في بعض المطامير. فأمكنه فرصة في الهرب من موضعه فهرب ومضى إلى كيلان وادعى أنه هو الطائع للّه وذكر لهم علامات عرفها بحكم أنسه بدار الخلافة فقبلوه وعظموه وزوجه محمد بن العباس أحد أمرائهم ابنته وشدَّ منه وأقام له الدعوة في بلده وأطاعه أهل نواح أخر وأدوا إليه العشر الذي جرت عادتهم بأدائه إلى من يتولى أمرهم في دينهم. وورد من هؤلاء الجيل إلى بغداد قوم وصلوا إلى حضرة القادر باللّه رضي اللّه عنه فأوضحت لهم حقيقة الحال وكتب على أيديهم بإزالة الشبه فلم يقدح ذلك فيه لاستقرار قدمه و اعتضاده بحميه.

وكان أهل جيلان يرجعون إلى القاضي أبي القاسم بن كج في أمور دينهم وفتاويهم في أحكامهم وله وجاهة عندهم فكوتب من دار الخلافة ورسم له مكاتبتهم بما يزيل الشبهة عن قلوبهم في أمر عبد اللّه بن جعفر فكتب إليهم وصادف قوله قبولاً منهم وتقدموا إلى عبد اللّه بالانصراف عنهم فانصرف.

وفيها أصعد أبو علي بن إسماعيل من البطيحة إلى حضرة بهاء الدولة فانصرف الشريف أبو الحسن محمد بن عمر من بغداد مستوحشاً وعاد إلى البطيحة.

ذكر الحال في حصول أبي علي بن إسماعيل بواسط ناظراً وما جرى عليه أمر الشريف ابي الحسن بن عمر معه

قد تقدم ذكر ما جرى عليه أمره في استتاره ثم تنقل من موضع إلى موضع حتى حصل بالبطيحة وعرض له مرض حدث به منه استرخاء في مفاصله وصار إلى قرية

إبراهيم يطلب صحة الهواء بها. وراسل وروسل وكان بهاء الدولة جميل النية فيه وانضاف إلى ذلك قصور المواد عنه وخروج البلاد عن يده واحتياجه إلى من يدبر أمره واستقر النظر لأبي علي وأصعد إلى واسط. فلما حصل بها استوحش الشريف أبو الحسن بن عمر وانصرف بغداد إلى حلة مقلد ورتب أبا الحسن بن إسحاق كاتبه في ضیاعه بسقي الفرات وتمم إلى البطيحة. وشرع أبو علي بن إسماعيل في تتبع أسباب الشريف أبي الحسن وأخرج ثلاثة من المتصرفين لقبض أملاكه ومعاملاته وتحصيل أمواله وغلاته فنظروا فيما كان له ببغداد دون ما كان له بسقي الفرات فإن المقلد دفعهم عنها ومكن أبا الحسن بن إسحاق كاتب ابن عمر منها فكان يتناول ارتفاعها وبحمله إليه وهو بالبطيحة فلما انصلح ما بين الشريف أبي الحسن وبين أبي علي ضمن منه المتصرفين الثلاثة بمال بذله عنهم وأطلق يده فيهم وكان ذلك لؤماً منه فما المؤتمر بالظلم بأظلم من الآمر.

ذكر السبب في صلاح ما بين الشريف أبي الحسن محمد بن عمر وأبي علي بن إسماعيل كان أبو الحسن بن يحيى السابسي سعى في الصلح بينهما وانحدر إلى البطيحة وخلا بالشريف أبي الحسن بن عمر وقال له: أيها الرجل ما لك والتطرح والتشبث كلما تجدد ناظر ووزير مغرراً بنعمتك ونعمنا في معاداة من لا نصلح الموضعه ولا يصلح الموضعنا؟ وهذا أبو علي مخايل سعادته لائحة فسالمه ودعني أتوثق لكل واحد منكما من صاحبه. ولم يزل به حتى لانت عريكته للقبول.

واتفق أن مهذب الدولة تنكر على أبي علي بن إسماعيل بسبب تمور كانت لابن الحداد صاحبه فاستقصى أبو علي في استقضاء ضريبتها بواسط فأطلق مهذب الدولة لسانه فيه ومهذب الدولة يومئذ بحيث يحتاج إليه الملك ومن دونه فانحدر أبو علي إليه لاستلال سخيمته واستصلاح نيته وتقدمه أبو الحسن بن يحيى السابسي وقال للشريف أبي الحسن بن عمر: قد ورد أبو علي وأمكنت الفرصة في إصلاح الحال. وأشار عليه بتلقيه وقضاء حقه فتلكأ قليلاً ثم فعل ونزل في زبزبه وصار إلى أبي علي فلما صعد إليه أكرمه وقام له وأجلسه إلى المخدتين وحضر أبو نصر سابور فجلس إلى جانب أبي علي عن يمينه وسلم كل واحد منهما على صاحبه وسأله عن خبره ثم قام الشريف.

وانحدر أبو علي إلى مهذب الدولة واجتمع معه واعتذر إليه وأخذ معه منه خمسة آلاف دينار على وجه القرض وخرج من عنده إلى داره التي كان نزلها قبل الإصعاد. وجاء أبو الحسن بن يحيى إلى الشريف وألزمه العود إليه وقال له: تلك النوبة كانت للتلقي وهذه للصلح وتقرير القاعدة. فمضى إليه وتقرر بينهما على أن التزم الشريف عشرين ألف دينار

وحلف كل واحد منهما لصاحبه على الصفاء والوفاء. وكان الشريف أبو الحسن قد استوثق قبل ذلك من بهاء الدولة بيمين كتبها له بهاء الدولة بخطه واستظهر بأخذ خط مهذب الدولة في آخرها يقول: إن الوفاء للشريف مقرون بالوفاء لي والغدر به معقود بالغدر بي ومتى عدل به عن العهود المأخوذة فلا عهد لبهاء الدولة في عنقي ولا طاعة علي.

والتفت أبو علي إلى تقرير أمر أبي نصر سابور فواقفه على الإصعاد وآمنه من بهاء الدولة ومن كل ما يتخوفه وقرر أمر أبي غالب محمد بن علي بن خلف وغيره ممن کان قد بعد خوفاً على خمسة آلاف دينار فحصل معه من هذه الوجوه ثلاثون ألف دينار. وعاد إلى واسط وفي صحبته الشريف أبو الحسن وأبو نصر سابور وجماعة من كان بالبطيحة من المتصرفين وسكنت الجماعة إلى صدق وعد أبي علي وصحة عهده ولقب بالموفق.

وأشار على بهاء الدولة بالمسير إلى خوزستان ومباشرة الخطب بنفسه وجد في تجريد العساكر فخالفه أبو عبد اللّه العارض في هذا الرأي وقال: إن الملوك لا تغرّر ولا تخاطر ولا تضمن لها العاقبة في أمثال ذلك.

ذكر ما دبره أبو علي في نصرة رأيه

أرسل إلى الشريف أبي الحسن وقال: إني صائر إليك في هذه العشية وكانت في شهر رمضان ثم صار إليه ومعه أبو العلاء الإسكافي خاله وأبو نصر سابور فأفطروا عنده ثم خلوا وخامسهم السابسي فقال أبو علي لأبي الحسن بن عمر قد علمت أيها الشريف ما عليه أمر هذا الملك من الاختلال وقصور المادة به وخروج البلاد عن يده وإننا من هذه الحروب والمطاولة على خطر ومتى لم يمدد أصحابنا (يعني أبا محمد بن مكرم والغلمان الذين معه) بالمال لم يثبتوا وإن عادوا فقد سلموا الدولة وإذا أمددناهم ضاق الأمر بهذا الملك ولم يكن له بد من مد اليد إلى مالك ومال ابن عمك هذا (وأشار إلى أبي الحسن السايسي) ومال كل ذي ثروة ولم يدفع عنكم ولا عنا دافع وإن ساعدتني على ما أشير به من مسير بهاء الدولة بنفسه كنا بين أن يأتي اللّه بنصر فقد بلغنا المراد أو يقضي اللّه بغير ذلك فقد أبلينا العذر وبذلنا الاجتهاد. وفي غد تستدعي إلى الدار وتشاور فيما قلت:ه فإن ضربته فقد استرحت منا ببعدنا عنك وعسى اللّه أن يأذن بالفرج وإن ملت إلى من يشير بخلاف هذا الرأي فالحال تفضي واللّه إلى ما حسبته لك. فقال الشريف: كل هذا صحيح إلا أن المشورة القاطعة على الملوك بمثل ذلك لا تؤمن عواقبها ولكن سأتلطف فيما تريده. فانقضى المجلس.

واستدعي الشريف في صبيحة تلك الليلة إلى حضرة بهاء الدولة وجمع وجوه الأولياء وشوورت الجماعة في خروج بهاء الدولة بنفسه فقال الشريف: إنما جعل اللّه الملوك أعلى منا يداً وأفضل تأييداً بما خصهم من الرأي الصائب والنظر الثاقب وإذا كان

الملك قد عزم على التوجه بنفسه فاللّه تعالى يقرن ذلك بالخيرة والسعادة ويجعله سبباً لنيل الإرادة. فقال أبو علي بن إسماعيل: أيها الملك فقد وافق الشريف رأيي ولم يبق إلا إمضاء العزيمة وتقديمها. وتفرق الناس على ذلك.

ذكر مسير بهاء الدولة من واسط إلى القنطرة البيضاء

لما استقر الأمر على المسير بدأ أبو علي بإخراج أبي الحسن محمد بن عمر وأبي نصر سابور وأبي نعيم الحسن بن الحسين إلى بغداد على أن يكون إلى أبي الحسين حفظ البلد وإلى أبي نصر ملاحظة الأمور وإلى أبي نعيم جمع المال وإقامة وجوه الأقساط. ثم جد في تسيير بهاء الدولة وتحصيل ما يزجي به به الأمر من الآلات والظهور حتى استعان ببغال الطحانين وسار على اختلال في أهبته وإقلال من عدته حتى نزل الموضع المعروف بالقنطرة البيضاء وثبت أبو علي بن أستاذ هرمز بإزائه وجرت بين الفريقين وقائع كثيرة وضاق ببهاء الدولة وبعسكره الميرة فاستمد من بدر بن حسنويه فأمده بدر بما قام ببعض الأود وأشرف الأمر على الخطر. ووجد أعداء أبي علي بن إسماعيل مجالاً في الطعن على رأيه بتعريض الملك وأوغر صدر بهاء الدولة عليه حتى كاد يبطش به فتجدد من خروج ابني بختيار وقتل صمصام الدولة ما يأتي ذكره وجاء من الفرج ما لم يكن في الحساب وانقلب الرأي الذي كان خطأ إلى الصواب.

ربما تجزع النفوس من الأمر***له فرجة كحل العقال

فاجتمعت الكلمة على بهاء الدولة ودخل أبو علي بن أستاذ هرمز ومن معه من الديلم في طاعته وسيأتي شرح ذلك من بعد بمشيئة اللّه تعالى.

وفيها جلس القادر باللّه رضوان اللّه عليه للرسولين الواردين من أبي طالب رستم بن فخر الدولة وأبي النجم بدر بن حسنويه وكنى أبا النجم بدراً ولقبه نصرة الدولة وعهد لأبي طالب على الري وأعمالها وعقد له لواء وحمل إليه الخلع السلطانية الكاملة وعهد لبدر على أعماله بالجبل وعقد له لواء وحمل إليه الخلع الجميلة وذلك بسؤال بهاء الدولة وكتابه. فأما مجد الدولة فإنه لبس الخلع وتلقب وأما بدر فإنه كان سأل أن يلقب بناصر الدولة فلما عُدل به عنه إلى نصرة الدولة توقف عن اللقب ثم أجيب فيما بعد سؤاله فلقب بناصر الدين والدولة فقبله وكتب وكوتب به.

وفيها حدثت بفارس أمور كانت سبباً لانتقاض ملك صمصام الدولة وقتله في آخرها.

شرح الحال في الأمور التي أدت إلى قتل صمصام الدولة

قد تقدم ذكر ما كان العلاء بن الحسن اعتمده بعد تلك النكبة التي صار بها موتراً من السعي في هلاك الدولة بإطماع الجند وإيجاب الزيادات التي تضيق المادة عن القيام بها ثم مضى لسبيله وقد اضطربت أمور صمصام الدولة وطال تبسط الديلم عليه وقصرت مواده

عما يرضيهم به. فامتدت عيونهم إلى اقطاع السيدة والرضيع والحواشي فبدأ الديلم الذين كانوا بفسا وطالبوا عاملها بما استحقوه وألزموه مد اليد إلى الاقطاعات للمذكورين وإرضائهم بها فأبى عليهم فثاروا وشغبوا وحملوه إلى باب شيراز على غضب وشغب فلم يقدم أحد من أصحاب صمصام الدولة على الخروج إليهم وأقاموا ثلاثة أيام ثم قتلوا العامل وذكروا الحواشي بما أزعجهم فبعدوا عن مواضعهم خوفاً منهم. وخرج صمصام الدولة بنفسه إليهم فلقوه بالغلظة ولقيهم بالرفق واشتدوا عليه ولان لهم وأجابهم إلى ملتمساتهم وسكنوا وعادوا إلى مواضعهم بفسا فاستولوا على اقطاعات الحواشي جميعها.

ومضت على ذلك مدة وزاد الأمر على صمصام الدولة في انقطاع المواد عنه واجتماع الديلم عنده ومطالبتهم له فضاق بهم ذرعاً.

ذكر رأي خطأ لم تحمد عواقبه

أشار على صمصام الدولة نصحاؤه بعرض الديلم في جميع الأعمال وإمضاء كل من كان صحيح النسب أصيلاً وإسقاط كل من كان متشبهاً بالقوم دخيلاً والاتساع بما ينحلّ من الاقطاعات عنهم بهذا السبب فعمل هذا القول فيه وعزم على العمل به وتقدم إلى مدبري أمره بذلك فقيل له: إن ديلم فسا يتميزون بكثرة العدد وشدة البطش ولا يقدر على عرضهم إلا أبو جعفر أستاذ هرمز بن الحسن فإن له معرفة بالأنساب والأصول وهيبة في العيون والقلوب. فاستقر الأمر على استدعائه من كرمان وإخراج أبي الفتح أحمد بن محمد بن المؤمل ليقوم مقامه بها ففعل ذلك وعاد أبو جعفر فأخرج إلى فسا فلما حصل بها وأظهر ما رسم له وبدأ بالعرض ومسير الصفاء من الأوباش فما استتم العرض حتى سقط بها ستمائة وخمسين رجلاً وفعل أبو الفتح بن المؤمل مثل ذلك فأسقط نحو أربعمائة رجل. وحصل هؤلاء المسقوطون وهم أرباب أحوال وأولو قوة وبأس متشردين متلددين يطلبون موضعاً يقصدونه ومنشراً يصعدونه.

واتفق أن ابني بختيار وهما أبو القاسم إسبام وأبو نصر شهفيروز قد خدعا الموكلين بهما في القلعة فساعدوهما وأفرجوا عنهما فجمعا إلى نفوسهما من لفيف الأكراد من قوي به جانبهما واتصل خبرهما بمن أسقط من الديلم فصاروا إليهما فوجاً بعد فوج. فلما استحكم أمرهما سارا لأخذ البلاد وصار أبو القاسم إسبام إلى أرجان فملكها ودفع أصحاب صمصام الدولة عنها وتردد أبو نصر شهفيروز في الأعمال مستمداً للأموال ومستميلاً للرجال. وتحير صمصام الدولة في أمره ولم يكن بحضرته من ينهض بالتدبير ليقضي اللّه أمراً سبق في التقدير.

وكان أبو جعفر أستاذ هرمز مقيماً بفسا على ما تقدم ذكره فلما تجدد من ابني بختیار ما تجدد اجتمع إليه نسوة من نساء أكابر الديلم المقيمين بخوزستان عند أبي علي

ولده وكنّ يجرين مجرى الرجال في قوة الحزم وأصالة الرأي والمشاركة في التدبير.

ذكر رأي سديد أشرن به على أبي جعفر فلم يقبله

قلن له: أنت وولدك اليوم صاحبا هذه الدولة ومقدماها وقد لاحت لنا أمور نحن مشفقات منها ومعك مال وسلاح وإنما يراد مثل ذلك للمدافعة عن النفس والجاه. فالصواب أن تفرق ما معك على هؤلاء الديلم الذين هم عندك وتأخذهم وتمضي إلى شیراز وتسير صمصام الدولة إلى الأهواز وتخلصه من الخطر الذي قد أشرف عليه فإنك إذا فعلت ذلك أحييت الدولة وقضيت حق النعمة وتقربت الرجال إلى قلوب رجالنا المقيمين هناك. ومتى لم تقبل هذه المشورة وثب هؤلاء الديلم عليك ونهبوك وحملوك إلى ابني بختيار فلا المال يبقى ولا النفس تسلم. فشح أستاذ هرمز بما معه وغلب عليه حب المال فغطى على بصيرته حتى صار ما أخبر به حقاً فنهب داره واصطبله ونجا بنفسه واستتر في البلد فدل عليه وأخذ وحمل إلى ابن بختيار ثم احتال لنفسه فخلص من يده.

ذكر ما جرى عليه أمر صمصام الدولة بعد خروج ابني بختيار إلى أن قتل

لما أظله من أبي نصر بن بختيار ما لا قوام له به أشار عليه خواصه ونصحاؤه بصعود القلعة التي على باب شیراز وقالوا له: إنك إذا حصلت فيها تحصنت بها وكان لك من الميرة والمادة ما يكفيك الشهر والشهرين ولم تخل من أن ينحاز إليك من الديلم من يقوى به أمرك. فعزم على ذلك وحاول الصعود إليها فلم يفتح له المقيم فيها فازداد تحيراً في أمره فقال له: الجند وكانوا ثلثمائة رجل: نحن عدة وفينا قوة ومنعة وينبغي أن تقعد أنت ووالدتك في عمارية لنسير بك إلى الأهواز ونلحقك بأبي علي بن أستاذ هرمز وعسكرك المقيمين معه ومن اعترضنا في طريقنا دافعنا برؤوسنا عنك وبذلنا مهجتنا دونك. فقال الرضيع: هذا أمر فيه غرر والوجه أن نستدعي الأكراد ونتوثق منهم ونسير معهم. فمال إلى هذا الرأي وراسل الأكراد واستدعاهم وتوثق منهم وخرج معهم بخزينته وجمیع ذخائره فلما بعدوا عن البلد عطفوا عليه ونهبوا جميع ما صحبه وكادوا يأخذونه فهرب وصار إلى الدودمان على مرحلتين من شيراز. وعرف أبو نصر بن بختیار خبر انفصاله فبادر إلى شيراز ونزل بدولتا باذ وطمع طاهر الدودماني رئيس القرية في صمصام الدولة واستظهر عليه إلى أن وافى أصحاب ابن بختيار فأخذوه وقتلوه وذلك في ذي الحجة سنة 388 وكانت مدة عمره خمساً وثلاثين سنة وسبعة أشهر.

وما أقلها من مدة وأسوأها من عاقبة أمر فلقد كانت حلاوة دولته يسيرة ومرارة مصائبه في ملكه ونفسه كثيرة فما وفى شهده بصابه ولا عوافيه بأوصابه ولم يكن له في أيامه يوم زاهر ولا من ملکه نصيب وافر:

وإن امراً دنياه أكبر همه***لمستمسك منها بحبل غرور

وقبض على والدته وعلى الرضيع وقوم من الحواشي. وجاءت امرأة من الدودمان تسمى فاطمة فغسلت جثته وكفنتها ودفنتها وأحضر رأسه في طست بين يدي أبي نصر بن بختيار فلما رآه قال مشيراً إليه «هذا سنة سنها أبوك» وأمر برفعها.

وأما والدته فإنها سلمت إلى لشکرستان كور فطالبها وعذبها فلم تعطه درهماً واحداً فقتلها وبنى عليها دكة. وأما الرضيع فإنه قتل بعد ذلك وبعد أن صودر واستصفى ماله.

ودخلت سنة تسع وثمانين وثلاثمائة

وفيها دخل أبو علي بن أستاذ هرمز والديلم في طاعة بهاء الدولة واجتمعت الكلمة عليه وملك شيراز وكرمان فاستتبت أموره واستقامت أحواله واستقرت دولته واهتزت سعادته.

شرح ما جرى عليه الحال في ذلك

قد تقدم ذكر نزول بهاء الدولة بالقنطرة البيضاء وتكرر الوقائع بين الفريقين وأقام بهاء الدولة شهرين وأكثر يطلب مناجزة الديلم وهم يقصدون مدافعته ومحاجزته وطال الأمر مر بينهم. وكان أبو علي بن إسماعيل الملقب بالموفق يباشر الحرب ويتولى التدبير وكان معه مناح صاحب محمد بن عباد عباد مع مائة فارس من السادنجان فرتبهم في الطلائع وأمرهم أن يقتصوا أمر كل من يخرج من السوس أو يدخلها فيأخذوه. وضاق الأمر بالديلم من هذا الحصار وببهاء الدولة من تعذر الميرة وتطاول الأيام وأشرف على العود حتى أنه لو تأخر ما تقدم من أمر ابني بختيار وقتل صمصام الدولة لانهزم بهاء الدولة.

ذكر حيلة رتبها أبو علي بن أستاذ هرمز برأيه فكشفها أبو علي بن إسماعيل بألمعيته ودهائه

وكان بهاء الدولة وكل رجاله الفرس لأخذ من يوجد في الجواد فظفروا برجل معه زنبیل دستنبوا فحملوه إلى المعسكر وسئل عن أمره فقال: أنا عابر سبيل أتعيش بحمل هذا المشموم من موضع إلى موضع. فهدد وخوّف حتى أقر بأنه رسول الفرخان إلى الصاحب أبي علي بن أستاذ هرمز بملطف معه «إنا سائرون من طريق عند قرب وصولنا فتصمد للقاء القوم» فلما وقف بهاء الدولة على ذلك قلق قلقاً شديداً وقال: كل من يطعن على رأي أبي علي بن إسماعيل ويعاديه... وإن قصدنا من هذا الجانب فقد حصلنا في أيدي القوم أسارى وأعوزنا الهرب وضاق بنا المذهب فتابع بهاء الدولة الرسل إلى أبي علي بن إسماعيل وكان في الحرب يستدعيه فحين حضر أعلمه الحال وأعطاه الملطف فلما قرأه قال: هذا محال. وخرج من بين يديه وأحضر الرجل المأخوذ

وقال له: اصدقني. وعاصه بالجميل فلم يزده على القول الأول فأمر بشده وعمد إليه بدبوس فضربه بيده ضرباً مفرطاً فلما برح به الضرب قال: خلوني أصدقكم أنا رجل من أهل السوس استدعاني أبو علي بن أستاذ هرمز وسلم إليَّ هذا الملطف وقال لي: امض وتعرض للوقوع في أيدي أصحاب بهاء الدولة فإذا وقعت وسئلت عن أمرك فقل: «إني رسول الفرخان إلى الصاحب ومعي هذا الملطف» وأصر على قولك وأصبر للمكروه إن أصابك فإني أحسن إليك. فعاد أبا علي بن إسماعيل إلى حضرة بهاء الدولة وأخبره بالصورة وإنها منصوبة فسكن قليلاً وقال للحواشي: إن القول الأول هو الصحيح وإن الضرب والمكروه أحوجا الرجل إلى هذا القول الثاني.

ذكر حزم اعتمده أبو علي بن إسماعيل في تلك الحال

رأى أن الأخذ بالحزم أصوب على كل حال وأنفذ ابن مكرم والفتكين الخادمي مع عدد من الأتراك إلى دستر وأمرهما بالنزول على الوادي للمنع حتى إن حضر من يحاول العبور دفعاه فسارا إلى حيث أمرهما وخيما به وأقاما أياماً ووافى خرشيد بن باكليجار والكوريكي في عدة كثيرة من الديلم والرجالة فتقدم ابن مكرم والفتكين إلى أصحابهما بقلع الخيم والتحمل لأن عدتهم كانت قليلة وساروا حتى غابوا عن مطرح النظر ثم كمن الفتكين الخادمي والغلمان في بعض المكامن إلى أن عبر الديلم والرجالة وحصلوا معهم على أرض واحدة فحمل الفتكين وصاح الغلمان وارتفع الغبار وظن القوم أنهم في عدد كثير فتواقعوا في الوادي منهزمين وقتل خرشيد والكوريكي وجماعة من أصحابهما. وكان ذلك في اليوم الذي أصلح ما بين الديلم والسوس وبين بهاء الدولة ووقع التحالف ووصل من غد وقد اختلط الفريقان.

وأما ما جرى عليه الأمر في دخول الديلم في طاعة بهاء الدولة فإن أبا علي بن إسماعيل كان قد اعتمد ما يعتمده من الرأي الأصيل وشرع في استمالة قوم من العسكر إلى طاعة بهاء الدولة. وترددت بینه و بین شهرستان مراسلات بوساطة بهستون بن ذرير وقرر الأمر في اجتذابه وإمالته ثم اتفق أن المعروف بمناح الكردي المرتب في الطلائع ظفر بركابي ورد من شيراز فأخذه وأحضره عند أبي علي بن إسماعيل فسأله عن حاله فأخبره بالخطب الحادث بشيراز وأخرج كتاباً كان معه من بني زيار إلى شهرستان يشرح ما جرت عليه الحال في قتل صمصام الدولة فلما وقف أبو علي بن إسماعيل على الكتاب طالع بهاء الدولة مضمونه ثم أعاده على الركابي ليتمم إلى حيث بعث ثم قال أبو علي لبهستون: إنه لم يبق لشهرستان بعد اليوم عذر فإن كان على العهد فليقدم الدخول في الطاعة. فمضى بهستون إلى شهرستان وقرر معه أن يتحيز في غد ذلك اليوم مع ثلاثمائة رجل من الجيل إلى بهاء الدولة وتفارقا على هذا الوعد. فأحس فناخسره بن أبي جعفر بما عزم عليه شهرستان فقصده وخلا به.

ذكر كلام سديد لفناخسره بن أبي جعفر

قال لشهرستان: قد بلغني ما أنت عازم عليه وحالي عند بهاء الدولة الحال التي لا تخفى ونيته في النية التي تخالف وتحتمي ومتى عجلت في الانحياز إليه هلكت وهلك الديلم بأسرهم ويلزمك على كل حال صلاح أمرهم فأنظرني ثلاثة أيام لأسبر جرح هذه القصة بمراسلة بهاء الدولة فإن رجوت لها برأ واندمالاً اتفقت معك في إمضاء العزيمة واجتماع الكلمة وإن تكن الأخرى أخذت لنفسي وتوجهت أنا وأهلي إلى بلدي ثم افعل ما بدا لك فأجابه شهرستان إلى ذلك.

وبكر أبو علي بن إسماعيل على رسمه إلى الحرب متوقعاً من شهرستان انجاز الوعد فراسله بالعذر المتجدد فضاق أبو علي بذلك ذرعاً واعتقد أنه كان سخرية ودفعاً فقال له بهستون: إن مصداق هذا القول يبين عند غسق الليل فإن جاء رسول فناخسره فقد صدق شهرستان ووفى وإن تأخر فقد كذب وغدر والموعد قريب. فلما جن الليل ورد رسول فناخسره برسالة يعتذر فيها من سابق الأفعال ويطلب الأمان على استئناف الخدمة في مستقبل الحال فأجيب بما يسكن إليه ووثق به.

ووصل في أثناء ذلك كتاب ابني بختيار إلى أبي علي بن أستاذ هرمز يذكران فيه سكونهما إليه وتعويلهما عليه ويبسطان أمله كما يفعله مبتدئ بملك يروم أحكام قواعده وأركانه واستمالة أعضاده ويأمر أنه يأخذ البيعة لهم على الديلم قبله والمقام على الحرب التي هو بصددها. فأشفق أبو علي بما سلف له من الدخول إليهما ولم يثق بوفائهما بعد قتل أخويهما وحقيق بمن قتل للملوك شفيقاً أن يكون على نفسه شقيقاً. وبقي متلدداً في أمره متردداً في فكره مجيلاً للرأي في صدره فرأى أن الدخول في طاعة بهاء الدولة أصوب والتحيز إليه أدنى من السلامة وأقرب.

ذكر ما دبره أبو علي بن أستاذ هرمز في صلاح حاله مع بهاء الدولة

جمع وجوه الديلم وشاورهم فيما ورد عليه من كتاب ابني بختيار فأجمعوا رأيهم على الاعتزاء إلى طاعتهما والثبات في حرب بهاء الدولة على ما هم عليه فلم يوافقهم على رأيهم وقال: إن وراثة هذا الملك قد انتهت إلى بهاء الدولة ولم يبق من يجوز له منازعة بهاء الدولة فيه وإن نحن عدلنا عنه إلى من داره منا نائية ونيته عنا جافية أضعنا الحزم والصواب الدخول في طاعة بهاء الدولة بعد التوثق منه. فامتنعوا وقالوا: كيف نسلم نفوسنا للأتراك وبيننا وبينهم ما تعلم من الطوائل؟ فقال لهم:اذا كان هذا رأيكم فإني أسلم ما معي من المال والعدة إليكم وأنصرف بنفسي عنكم وأنتم لشأنكم أبصر وتقوض المجلس ثم وضع أكابرهم على ما يقولونه ويفعلونه.

وكان قد أنفذ إلى أبي علي بن إسماعيل من يلتمس منه شراباً عتيقاً للعلة التي به

فقال أبو علي بن إسماعيل لبهاء الدولة: إنه ما طلب منا شراباً ولكنه أراد أن يفتح لنا في مراسلته باباً. فأنفذ بهاء الدولة رسولاً يقول: إنه قد كنت أنت والديلم معذورين قبل اليوم في محاربتي حين كانت المنازعة في الملك بيني وبين أخي فأما الآن فقد حصل ثاري وثاركم في أخي عند من سفك دمه واستحل محرمه فلا عذر لكم في القعود عني في المطالبة بالثار واستخلاص الملك وغسل العار. فكان من جواب أبي علي بن أستاذ هرمز بعد السمع والطاعة لقوله: إن الديلم مستوحشون والاجتهاد في رياضتهم واقع وسأل في انفاذ أبي أحمد الطبيب لمعرفة قديمة كانت بينهما فأنفذ إليه.

ذكر كلام سديد لأبي علي بن أستاذ هرمز

لما حضر الطبيب عنده قال له: قد علمت اصطناع صمصام الدولة إياي وإحسانه إلي وما وسعني إلا الوفاء في خدمته وبذل النفس في مقابلة نعمته وقد مضى لسبيله وصارت طاعة هذا الملك واجبة علي ونصيحته لازمة لي وهؤلاء الديلم قد استمرت بهم الوحشة والنفور واستحكمت بينهم وبين الأتراك الترات والذحول وبلغهم أن الاقطاعات عنهم مأخوذة وإلى الأتراك مسلمة ومتى لم يظهر ما يزول به استشعارهم وتسكن إليه قلوبهم وبادرهم لم يصحب جنبهم فمضى الطبيب إلى بهاء الدولة بالرسالة وعاد بالجواب الجميل الذي تسكن إلى مثله وتردد من الخطاب ما انتهى آخره إلى حضور جماعة من وجوه الديلم إلى بهاء الدولة لاستماع لفظ بيمين بالغة في التجاوز عن كل إساءة سالفة وأخذ أمان وعهد بزوال كل غل وحقد. فلما طابت نفوس هؤلاء بالتوثق كاتبوا أصحابهم المقيمين بالسوس بشرح الحال.

وركب بهاء الدولة في ثاني اليوم إلى باب السوس يتوقع دخول الكافة في السلم فخرج الديلم فقاتلوا قتالاً شديداً لم يعهد مثله فيما معهم تقدم فضاق صدره وظن أن ذلك عن فساد عرض أو لأمر انتقض فقال له الديلم: طب نفساً فالآن ظهر تسليمهم الأمر إليك فمن عادتهم أن يقاتلوا عند التسليم أشد قتال لئلا يقدر أنهم سلموا عن عجز أو ضعف. وكان الأمر على ذلك لأنهم استوثقوا في اليوم الثالث بنسخة يمين نفذوها إلى بهاء الدولة فحلف بها هو ووجوه الأتراك.

والتمس الديلم لأبي علي بن إسماعيل أن يحلف لهم فامتنع وقال: هذه يمين يدخل فيه الملوك وجندهم فأما الحواشي فهم بمعزل عنها. فلم يقنعوا بذلك فألزمه بهاء الدولة الحلف فحلف. وجلس بهاء الدولة للعزاء بأخيه ثم ركب بالسواد فتلقاه الناس وخدموه وصار إليه أبو علي بن أستاذ هرمز واختلط العسكران ومن قبل ذلك بيوم أو يومين قتل الديلم أبا الفتح بن الفرج نقيب نقبائهم.

ذكر السبب في ذلك وما كان من مكيدة أبي علي ابن أستاذ هرمز في أمره

كان هذا الرجل مقدماً في العسكر فاستدعى أبو علي بن إسماعيل أخاه سهلان من بغداد وجعله وسيطاً معه ليستميله فلما استقر معه الدخول في طاعة بهاء الدولة قال لهم أبو علي بن أستاذ هرمز: هذا أبو الفتح رجل شرير وهو خبير بأموركم وأسبابكم وأصولكم وأنسابكم فإن اجتمع مع أبي علي أظهر له من أسراركم ما لم يطلع عليه ودله من أموركم على ما لا يهتدي إليه. فقالوا: سندبر أمره. ثم أجمعوا رأيهم على قتله فقتلوه.

ولما اختلط العسكران سار بهاء الدولة إلى السوس ومعه أبو علي بن إسماعيل وحوله الديلم والأتراك.

ذكر رأي طريف رآه أبو علي بن إسماعيل لا يعلم موجبه

لما قرب بهاء الدولة من مضربه عدل أبو علي إلى خيمته المختصة به ولم يتمم معه حتى ينزل على ما جرى به رسمه. ونزل بهاء الدولة وطلب الديلم أبا علي فلم يجدوه وقالوا: من يكلمنا. وانتهى الخبر إلى بهاء الدولة فأرسل إلى أبي علي يستدعيه فاحتج بعارض عرض له ولم يحضر فخرج بهاء الدولة بنفسه إليهم وكلمهم حتى انصرفوا.

وأظهر أبو علي بن إسماعيل الاستعفاء وأقام على أمر واحد فيه حتى وقعت الإجابة إليه وكتب له منشور بمعيشة التمسها فأذن له في العود إلى بغداد والمقام في داره وشاع هذا الخبر بين العسكر فركب وجوه الأتراك إلى مضرب بهاء الدولة فأخرج إليهم الحجاب ليسألوهم عن حاجتهم فطلبوا لقاء الملك فأخرج إليهم أبا عبد اللّه العارض ليستعلم منهم مرادهم فما زادوه على القول الأول فأوصلهم.

ذكر ما جرى بين الأتراك وبين بهاء الدولة من الخطاب

لما دخلوا إلى حضرته وقفوا وقالوا: يا أيها الملك قد خدمناك حتى بلغت مناك ولم تبق لك علينا حجة ولا بك إلى مقامنا حاجة وما فينا إلا من نفذت نفقته ونقصت عدته ونسأل الإذن لنا في العود إلى منازلنا لنصلح حالنا ومتى احتيج إلينا من بعد رجعنا. فأنكر هذا القول منهم وسألهم عن سببه فراجعوه وراجعهم حتى قالوا: هذا وزيرك الموفق الذي عادت الدولة إليك على يده واستقامت أحوالنا بيمن نقيبته قد صرفته وما لنا من يشهد بمقاماتنا المحمودة عندك سواه ولا نجد في الوساطة بيننا وبينك من يجري مجراه وليس من السياسة صرف مثله ولا قبول قول من يشير عليك ببعده. قال بهاء الدولة: ومن يريد ذلك. قالوا: الذي كتب له المنشور عنك وهوّز.

خطبه عندك (إشارة إلى أبي عبد اللّه العارض) قال: معاذ اللّه أن أقبل فيه قولاً ولكنّه لج فوافقته وسأل فأجبته والرأي ما رأيتموه من التمسّك فكونوا الوسطاء معه في تطبيب قلبه فانصرفوا عن حضرة بهاء الدولة إلى مخيم أبي علي بن إسماعيل وقد عرف خبرهم فحجهم فراجعوه حتى أوصلهم فلمّا دخلوا عليه عاتبهم على ما كان من خطابهم في معناه وقال: ليس من حقّي عليكم أن تعترضوا علي بما لا أهواه. فقالوا: دع عنك هذا القول فإن حراسة دولة صاحبنا التي بها ثباتنا وفيها حياتنا أولى من قضاء حقّك في موافقتك على غرضك. وما زالوا به حتّى ركب إلى مضرب بهاء الدولة فلقي منه ما أحبه وعاد إلى عادته في تدبير الأمور وتنفيذها.

وأذن لجماعة من الأتراك في العود إلى مدينة السلام وتوجّه مع بهاء الدولة إلى الأهواز.

ذكر ما دبره أبو علي بن إسماعيل بالأهواز

أول ما بدا بالنظر فيه أمر الاقطاعات وتقريرها بين الديلم والأتراك وعول في ذلك على أبي علي الرخجي الملقّب من بعد بمؤيد الدولة واستقرت المناصفة ثم امتنع ديلم دستر عن الدخول في هذا الحكم وكادت القاعدة تنتقض والاستقامة تضطرب والشر بين الفريقين يعود جذعاً. فقام الرخجي في التوسط بينهم مقاماً محموداً على أن تكون أبواب المال في قصبات البلاد مقرة على من هي بيده وتكون المناصفة فيما عداها من الضياع والسواد فتراضوا بذلك وأفردت له خيمة كان يحضر فيها ومعه فناخسره بن أبي جعفر والفتكين الخادمي ومن يتبعهما من وجوه الطائفتين فتولى تقرير المناصفات وإخراج الاعتدادات واشتراك طائفة مع أخرى وكتب الاتفاقات فلم تمض أيام قلائل حتى انتجز الأمر على المراد.

وكان الفرخان قد فارق الأهواز ومضى إلى إيذج مستوحشاً وأنفذ أبو محمد بن مكرم إليه بما وثق به من الأمان فأمنه وعاد به فلما ورد الفرخان خلع عليه أبو علي بن إسماعيل واستخلفه مدة بين يديه ثم سيره أمامه إلى بلاد سابور والسواحل.

أخرج شهرستان بن اللشكري في عدة كثيرة من العسكر مقدمة إلى أرجان فصار إليها ودفع ابن بختيار عنها فلحق بأخيه المقيم بشيراز.

ذكر رأي أشار به أبو علي بن إسماعيل على بهاء الدولة

أشار عليه بأن يستدعي الأمير أبا منصور ولده ويرتبه بالأهواز ويضم إليه أبا جعفر الحجاج وأن يسير بنفسه إلى فارس وإذا فتحها استدعى الأمير أبا منصور وأقامه فيها وانكفأ إلى الأهواز فجعلها للأمير أبي شجاع وقصد البصرة فإذا ارتجعها جعلها للأمير

أبي طاهر وعاد إلى بغداد فاستوطنها ودبر أمر الموصل منها فلم يعجب بهاء الدولة هذا الرأي وكان أبو علي قبل أن يفاوض بهاء الدولة في ذلك فاوض أبا الخطاب حمزة بن إبراهيم فيه (وأبو الخطاب يومئذ ينوب عنه بحضرة بهاء الدولة) فقال له: أبو الخطاب: أنا أعرف بأخلاق الملك وأغراضه والصواب لك أن تدعه بالأهواز وتسير أنت والعسكر إلى فارس فإذا فتحتها أقمت بها ورتبت للنظر في الأمور بحضرة بهاء الدولة من تأمنه وترتضيه فإنك إذا بعدت عنه حصلت من تلك البلاد في مملكة واسعة وتصرفت على اختيارك من غير معارضة مانعة. فإنه متى سار معك كنت بين أن تستبد برأيك أو تخالفه فتوغر صدره عليك ولا تأمن ما يكون من بوادره إليك وبين أن تصبر على معارضته لك فتجرع الغيظ منه بالاحتمال أو تظهر من الاستعفاء ما يؤدي إلى فساد الحال. فلم يقبل أبو علي منه واستبد برأيه وعمل أبو الخطاب بالأحوط لنفسه وانحرف عن أبي علي ومال إلى مطابقة بهاء الدولة فيما ينفق عليه.

قد استمررنا على النهج في ذكر ما وجدناه في التاريخ ونحن نرى أن أبا علي أصاب في رأيه ولا نرى حزماً فيما أشار به أبو الخطاب عليه من البعد عن حضرة ملك سریع التقلب في الأحوال كثير القبول للأقوال إذا بنى معه أمر نقض وإذا عقد معه عهد نكث فإذا كان الباني مع حضوره يخاف انتقاض بنائه فكيف يثق ببنائه إذا غاب عن فنائه؟ وهل مجال الأعداء في الطعن على الوزراء وهم مقيمون في منصب عزهم كمجالهم إذا خلت الحضرة منهم ببعدهم؟ كلا إن لسان الغيبة يطول عند الغيبة مع البعد عن بساط المراقبة والهيبة وكل مجر في الخلاء يسر. فما أخطأ أبو علي فيما رآه وما عليه إن خانه مقدور فالقدر حتم والمرء معذور:

غلام وغى تقحمها فأبلى***فخان بلاءه الزمن الخؤون

وكان على الفتى الإقدام فيها***وليس عليه ما جنت الظنون

وأطرف من ذلك مشورة أبي الخطاب عليه باستخلاف من يأمنه بالحضرة ليحفظ عنه وأين الأمين الذي يرعى العهد إذا لابس الحل والعقد؟ أليس أبو الخطاب وكان نائبه وصنيعته جحد إحسانه وطلب مصلحة نفسه فتبرأ منه وخانه؟ وكذلك كل ذي ثقة إذا استحلى الدنيا صار ظنيناً وكل ذي مقة إذا حسد صار عدواً مبيناً. ورب أخ قد شاق في الحسد أخاه بل بما ولد عقَّ في طلب الرتبة أباه ومثل ذلك موجود نشهده ونراه. وإنما كان خطأ أبي علي في إفراط إعجابه وكثرة إدلاله وشكاسة أخلاقه ومنافسته لولي نعمته فالملوك لا يشاكسون وأولياء النعمة لا ينافسون ومع ذلك فلكل أجل كتاب والصواب مع الشقاوة خطأ والخطأ مع السعادة صواب:

والناس من يلق خيراً قائلون له***ما يشتهي ولام المخطئ الهبل

ونعود إلى سياقة الحديث.

ولما استفر ما بين الديلم من المناصفات عول على أبي جعفر الحجاج في المقام بالأهواز وسار بهاء الدولة وأبو علي إلى الموفق إلى رامهرمز وتقدم أبو علي مع العسكر وصار إليه أبو جعفر أستاذ هرمز في بعض الطريق هارباً من ابن بختيار.

ذكر خلاص أبي جعفر أستاذ هرمز

قد تقدم ذكر حصوله في قبضة ابن بختيار فقرر أمره على ألف ألف درهم وأدى أكثرها ثم حصل عند لشكرستان كورمو كلابه مطالباً بالبقية فاحتال صاحب له طبري في الهرب به إلى دار أحد الجند ثم أحضر قوماً من الأكراد وأخرجه إليهم فساروا به وألحقوه بأبي علي بن إسماعيل. وطوى أبو علي المنازل حتى نزل بباب شيراز.

ذکر فتح شیراز

لما نزل أبو علي بظاهر البلد برز ابن بختيار في جنده ورجالته وعسكر بإزائه ووقعت الحرب بينهما فتضعضع ابن بختيار في اليوم الأول وصادف عساكر بهاء الدولة وغدر به كثير من الغلمان ودخلوا البلد ونهبوا بعضه ونادوا بشعار بهاء الدولة.

وكان أبو أحمد الموسوي بشيراز على ما تقدم ذكره في مسيره من واسط إليها وظن أبو أحمد أن أمراً قد تم فاستعجل وركب إلى المسجد الجامع وكان يوم الجمع فأقام الخطبة لبهاء الدولة. ثم ثاب ابن بختيار وعسكره فخاف أبو أحمد واحتال لنفسه وقعد في سلة وحمل مغطى حتى أخرج إلى معسكر أبي علي بن إسماعيل.

وعادت الحرب في اليوم الثالث بين الفريقين فلم يمض من النهار بعضه حتى استأمن الديلم إلى أبي علي وهرب ابن بختيار ناجياً بنفسه وتبعه أخوه في الهرب فأما أحدهما وهو أبو نصر فإنه لحق ببلاد الديلم وأما الآخر فإنه مضى إلى بدر بن حسنويه ثم تنقل من عنده إلى البطيحة وملك أبو علي البلد وكتب إلى بهاء الدولة بالفتح وإتمام المسير فسار إلى شيراز واستقر في الدار بها.

ذكر ما جرى عليه الأمر بعد هذا الفتح

لما حصل بهاء الدولة بفارس أمر بنهب قرية الدودمان وحرقها وقتل كل من وجد بها من أهلها حتى استأصل شافتهم. وكشف عن رمة صمصام الدولة وجددت أكفانها وجملت إلى التربة بشيراز فدفنت بها وأحسن إلى فاطمة الدودمانية خاصة وبرها ووصلها. وذلك ثمرة فعلها الجميل فإن المعروف شجرة مباركة أصلها زكي وعودها رطيب وورقها نضير وما خاب من غرسها وسقاها ولا ندم من حفظها ورعاها.

فاجتمع ديلم فارس جميعهم بشيراز وجرى الخوض في أمر الإقطاعات وارتجاع ما يرتجع منها وإقرار ما يقرر وترددت في ذلك مناظرات.

ذكر تقرير الاقطاعات وتوفير في المصارفات

تقرر أن تجعل أصول التقريرات مصارفة ثلاثمائة درهم بدينار وأن ينظر ما لكل رجل من الإيجاب الأصلي فيعطى به من الاقطاع الذي في يده ما يكون ارتفاعه بقدره على هذا الصرف ويرتجع الباقي وأن يبطل كل ما كان وقع به في آخر أيام صمصام الدولة. وجرى الأمر على ذلك في معاملته الأواسط والأصاغر فأما أكابر الديلم فإن أبا علي بن إسماعيل أعطاهم حتى ملأ عيونهم. وعرفوا مذهبه في العجب والكبر فوضعوا له خدودهم وخدموه خدمة لا يستحقها الملوك فضلاً عن الوزراء فكانوا يقبلون الأرض إذا بصروا به وإلى أن يصلوا إليه عدة مرات ويمشون بين يديه إذا ركب كما تمشي أصاغر الديلم. وزاد الأمر به فيما أعطاهم من الأموال وأعطوه من الطاعة والانقياد وكل زيادة تجاوزت حد الاستحقاق فهي نقصان وكل عطية سلبت نفع الارتفاق فهي حرمان. وعول على أبي غالب محمد بن علي بن خلف في النيابة عنه وقدمه واصطنعه وفرق العساكر في النواحي وأخرج أبا جعفر أستاذ هرمز إلى كرمان والياً عليها وقبض على الفتكين الخادمي.

ذكر السبب في القبض على الفتكين

كان أبو علي بن إسماعيل يرعى لفلح ما أسداه إليه من جميل في استتاره ببغداد فقدمه ونوّه بذكره وثقل ذلك على للفتكين وأضمر به استيحاشا منه. واتفق أن أبا علي في بعض مواقفه باب السوس قال للفتكين: يا حاجب الحجاب قد عزمت على أن أمضي في قطعة من الجيش إلى وراء السوس وأدخل أطراف البلد فإن الديلم إذا عرفوا خبرنا اضطربوا وانصرف قوم منهم إلينا فتشوشت تعبيتهم فإذا بدت ذلك الفرصة وأمكنتك الحملة فأصنع ما أنت صانع. وقرر ذلك معه وترك أبو علي علامته بحالها ودار من وراء الديلم ومعه نجب من الغلمان وغيرهم ودخل شوارع السوس فانفصل من العسكر الصمصامي شهرستان في خمسمائة رجل وتلقاهم واقتتلوا قتالاً شديداً واضطرب مصاف الديلم ولاحت الفرصة للفتكين في الحملة فتوقف عنها غيظاً من أبي علي الموفق لأنه كره أن يتم أمر على يده فنقم أبو علي هذا الفعل عليه وأسره في نفسه.

وحصل على باب شیراز بإزاء ابن بختيار فظهر من الفتكين من التقاعد قريب مما تقدم فلما تم أمر الفتح وورد بهاء الدولة واستقرت الأمور عمل في إبعاده فنديه للخروج إلى بعض الكور وأمره بالتأهب وحمل إليه عشرين ألف درهم نفقة. فأحضرها النقيب

والفتكين شارب ثمل فتكلم بقبيح أعيد على الموفق فاغتاظ منه وقال لبهاء الدولة: هذا الغلام كالعاصي علينا والصواب القبض عليه وإقامة الهيبة في نفوس الغلمان به. فأذن له في ذلك فقبض عليه وحمله إلى القلعة.

ذكر حيلة لطيفة كانت سبباً لسلامة الفتكين

اجتمع الغلمان ليخاطبوا في أمره فانتدب أحد وجوههم لأبي علي وقال له: نحن عبيدك وأمرك نافذ في صغيرنا وكبيرنا وما نطالبك بالإفراج عنه وقد أنكرت ما أنكرت منه ولكنا نسألك أن تهب لنا دمه وتعطينا يدك على حراسة نفسه. فقال: أما هذا فنعم. وأخذوا يده على ذلك وتوثقوا منه فلما عرض لأبي علي المسير في طلب ابن بختيار حين عاد من بلاد الديلم إلى كرمان اجتمع إليه خواصه ونصحاؤه وقالوا: ليس من الرأي أن تخرج في مثل هذا الوجه وتترك وراءك مثل هذا العدو. وأشاروا إلى الفتكين فقال: ما كنت لأبذل قولي في أمر ثم ارجع عنه.

ذكر أغلاط لأبي علي بن إسماعيل كانت سبباً لفساد حاله

أدل أبو علي بعد فتح شيراز على بهاء الدولة إدلالاً أفرط فيه وتجبر تجبراً لا توجبه السياسة ولا تقتضيه واطرح ما يلزم في خدمة الملوك من التقرب إليهم والتوفر عليهم وسلك خلاف هذه الطريقة وخرج من حد المتابعة والموافقة إلى المنافقة والمضايقة من غلطاته أن أحد النبهاء قال لبهاء الدولة في مجلس أنسه على سبيل الدعابة زينك اللّه يا مولانا في عين الموفق وبلغه ذاك فطالبه بتسليمه إليه ودوفع عنه فلم يندفع وأقام على الاستعفاء حتى سلم إليه فبالغ في عقوبته. ومنها أنه وقع بين غلمان داره وبين غلمان الخيول الخاصة ما يقع من أمثالهم بين أمثالهم عند اللعب بالصوالجة فغلق بابه ومنع العسكر من لقائه ولم يقبل مشورة أحد من خواصه وراسل بهاء الدولة فقال للرسول: يا هذا إن المخاطبة لي على غلمان داري قبيح وأن التعصب عليَّ لأجل منابذة جرت بينه وبين غلمانه أقبح وتسليمهم إليه ليشفي صدره منهم أقبح وأقبح فأرجع إليه بالمعاتبة اللطيفة وعرفه ما عليه في هذه المراسلة الطريفة فمضت معه خطوب حتى أمسك. ومنها أن بهاء الدولة كان يجلس في الجوسق الذي في دار الإمارة بشيراز وهو مشرف على الميدان ويجتاز أبو علي فيه راكباً وبين يديه أكابر الديلم مشاة فلا يرى أن يترجل وبهاء الدولة يراه وينفطر غيظاً منه. ومنها أنه أنفذ إليه بعض خواصه في ليلة نيروز يلتمس منه ثلاثة آلاف درهم فقال للرسول: لأي حاجة يريدها للخبز أو للحم أم للشعير ؟ فقال له الرسول: أيها الوزير لا يحسن أن يكون جواب الرسالة غير حمل الدراهم. فقال له: ما ههنا مال. وخاف الرسول أن تجري منافرة يكون هو سببها فحمل الدراهم من ماله وعرف بهاء الدولة ذلك من بعد.

فانظر إلى عجب الزمان وتقلب الأعيان: هذا أبو علي هو الرجل الذي تكلف واستدان وحمل إلى بهاء الدولة من بغداد ما امتنع من حمله ابن عمر وابن صالحان فقربت من قلبه منزلته وعلت لديه درجته ورتبته ثم ينتهي الأمر به إلى أن يطلب منه بهاء الدولة في ليلة نيروز هذا القدر النزر مع اتساع حاله وتبذخه على الديلم بعطائه ونواله فيمنعه. هل ذلك إلا لحادث قد يغطى على كل بصيرة وبصير؟ فشتان بين ابتداء السعادة وانتهائها لقد أحسنت أيامه في إقبالها وأساءت في انفصالها والخبر المأثور مشهور إذا أقبلت الدنيا على قوم كستهم محاسن غيرهم وإذا ولت عنهم سلبتهم محاسن أنفسهم.

وكان أبو غالب بن خلف في خلال هذه المضايقات يحول إلى بهاء الدولة الدنانير الكثيرة في الأوقات المتفرقة سراً فتمهدت له بذلك حال راعاها وكانت أكبر وسائله عنده وتأكدت الوحشة بين بهاء الدولة وأبي علي وجرى أمره على ما يأتي من بعد ذكره بمشيئة اللّه تعالى.

وفي هذه السنة قبض بكران بن بلفوارس على الحسين بن محمد بن مما نقيب نقباء الديلم ببغداد ثم أفرج عنه

ذكر الحال في القبض عليه

كان بكران مستناباً من قبل بهاء الدولة ببغداد على أمور الديلم فاستوحش من ابن مما وسعى بينهما سعاة بالفساد فقبض عليه بغير أمر من بهاء الدولة واعتقله في داره ووكل به کوشیار بن المرزبان مع جماعة من الديلم وضيق عليه وقلد أبا الحسين بن راشد نقابة النقباء وأنزله في دار ابن مما وقيل إنه هم بالفتك به. فتوسط أبو الفتح منصور بن جعفر أمره وضمن عنه عشرين ألف دينار وأخذه إلى داره وأقام خطوطاً وكفالات بالمبلغ. وعرف الشريف أبو الحسن بن عمر ما أقدم عليه بكران فأنكره وأطلق لسانه في بكران وفي ابن راشد بكل عظيمة وكتب إلى بهاء الدولة وإلى أبي علي بن إسماعيل بذلك.

ذكر سياسة قامت بها الهيبة في الإفراج عنه

لما وصلت الكتب إلى أبي علي بن إسماعيل امتعض الامتعاض الشديد وكتب إلى بكران بما أغلظ القول فيه وإلى الشريف أبي الحسن بانتزاع ابن مما من يده وارتجاع الكفالات المأخوذة بالمال منه وكتب إلى أحمد الفراش بملازمة بكران إلى أن يفرج عن الرجل. فامتثلت الجماعة مرسومة وأفرج عن ابن مما ورُدَّت عليه الكفالات وانحدر إلى الأهواز وجدد عهداً بالخدمة وعاد موفوراً. واستدعى بكران وأنفذ شيرزيل أخوه إلى بغداد ليقوم مقامه وقبض على كوشيار وحل إقطاعه ووفيت السياسة حقها في ذلك.

وفيها توجه الأمير أبو منصور بن بهاء الدولة إلى الأهواز.

وفيها استولى الأمير أبو القاسم محمود بن سبكتكين على أعمال خراسان بعد أن واقع عبد الملك بن نوح بن منصور ومن في جملته من توزون وفائق وابن سمجور بظاهر مرو وهزمهم وأقام الدعوة لأمير المؤمنين القادر باللّه رضي اللّه عنه على منابر تلك البلاد وكان آل سامان مستمرين على إقامتها للطائع اللّه.

وورد كتاب أبي القاسم محمود إلى القادر باللّه رضي اللّه عنه يذكر الفتح على ما جرت به العادة في أمثاله.

انقضت سنة تسع وثمانين وثلاثمائة وبانقضاء أخبارها ختمنا هذا الكتاب ومن اللّه تعالى نرجو أحسن التوفيق والهداية للصواب و به سبحانه نعوذ من شر القصد وخيبة المنقلب وآفة الإعجاب وهو حسبنا ونعم الوكيل.

آخر ما صنفه الوزير أبو شجاع رضي اللّه عنه وأرضاه والحمد للّه كثيراً.

تم الجزء السادس، ويليه الجزء السابع وهو قطعة من تاريخ هلال الصابي

فهرس المحتویات

ترجمة المؤلف عن تاريخ الإسلام للحافظ الذهبي...3

مقدمة المؤلف...5

ذكر ما جرى عليه أمر عضد الدولة عند توجهه إلى الجبل...11

ذكر القبض على بعض أولاد حسنويه واصطناع بعضهم...11

ودخلت سنة سبعين وثلاثمائة...11

ذکر ورود الصاحب أبي القاسم إسماعيل بن عباد...12

ذكر عمل رتب في تكثير اعتداد بارتفاع...12

ذكر عود عضد الدولة إلى مدينة السلام...12

ذكر ما جرى عليه أحوال أولاد حسنويه بعد وما جرّه الحسد من إلقاء من نجا منهم بيده إلى التهلكة...12

ذكر حيلة تمت على الصيداوي حتى أخذ وقتل...13

ذکر تدبیر دبرته المرأة حتى تم لها قتل نقفور لقلة حزمه...13

رأي صواب رآه أصحاب ورد وأشاروا عليه فأهمله واستبد برأيه...14

ذكر ما جرى عليه أمر فخر الدولة...14

ودخلت سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة...14

ذكر حرب جرت على غير ترتيب آل عقباها إلى الخبر والاتفاق...15

ذكر غلط جرى من قابوس في رد أصحابه بعد أن لاح له الضعف من مؤيد الدولة...15

ذكر خيانة فى مشورة جرّت نكبة...16

تفريط في إذاعة سر عاد بوبال...17

ذکر اتفاق رديء جاء بالعرض...18

ذكر السبب في القبض عليه والإفراج عنه...18

ذكر اتفاق عجيب في خلاص أبي اسحاق وهلاك ابن السراج...18

ذكر السبب في ذلك...19

أن الجواد عينه فراره...19

فأما قصة ابن سمجور وتنكر آل سامان عليه فالسبب في ذلك...21

ودخلت سنة اثنتين وسبعين وثلثمائة...22

شرح الحال في ذلك...22

ذكر ما جرى بين عضد الدولة وملك الروم فيما ترددت به الرسالة...22

نكت من جملة مشروح وجد بخط ابن شهرام دلت منه على دهاء وحزم وقوة رأي...22

ذكر بديهة جيدة انقدحت لابن شهرام في دفع حجة الخصم...23

جواب سديد لابن شهرام...24

رأي سديد رآه ابن شهرام في تلك الحال...25

ذكر ما رتبه ابن شهرام مع خصيص ملك الروم حتى بلغ به غرضه...25

واقع جيد وقع لابن شهرام26

كلام لملك الروم استمال به قلب البركموس...27

ذكر ما تقرر في أمر ورد وأخيه وولده...28

أخبار من سيرةً عضد الدولة...28

فأما أفعاله في تدبير نفسه وترتيبه في قسمة زمانه...29

خبر مأثور في سياسة جند...32

ونعود إلى ذكر ما نختاره من كتاب التاريخ...32

ذكر خبر في إقامة سياسة...35

ونعود إلى سياقة الأخبار...36

وأما ذكر ما فعله في أمر الحماية...36

ذكر مكيدة في قتل داود بن مصعب...37

ذكر حيلة لطيفة عادت بإقامة هيئة عظيمة بين رعية بعيدة خبر الحلاوي...40

وأما ذكر ما رتبه في تربية أولاده ودبر به دار مملكته بفارس عند غيبته عنها...46

ذكر الرسوم التي أحدثها عضد الدولة...46

ذكر أخبار ضبط مسرف لا يليق بملك...47

ذكر وفاة عضد الدولة سامحه اللّه...49

ذكر ما جرى عليه الأمر في قيام صمصام الدولة بالملك...50

ذكر ما جرى عليه أمرهما...51

شرح الحال في ذلك...51

ذكر رأي سديد في كتمان أمر حتى تم...51

ذکر اتفاق عجیب...52

ذكر اغترار بسلامة عاجلة آلت بصاحبها إلى هلاك...52

ذكر حسد حمل صاحبه على قطيعة رحم...52

ذكر سيرة عادت بخسران دنيا وآخرة...53

ذكر خبر باد ومبدأ أمره...53

ذکر فراسة دلت على دهاء...53

ودخلت سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة...54

ذكر ما جرى عليه أمر سعد بن محمد محمد مع باد...54

مع ذكر حصول باد بالموصل وإفراجه عن أبي المطرف...54

ذكر ما جرى عليه أمره بعد الهزيمة... 55

ذكر حيلة جيدة لو وافقت قضاء... 55

ذكر ما جرى عليه الأمر في ذلك...56

ذكر تهور سلم صاحبه بالاتفاق...56

ونعود إلى ذكر ما جرت عليه الحال بعد ذلك...56

ذكر منصوبة عملها المظفر في إظهار إمارته...57

ذكر ما اعتمده من حسن السيرة...57

ذكر ما جرى عليه الأمر في وفاة مؤيد الدولة وإلى ان استقرت الإمارة لفخر الدولة من بعده...57

ذكر ما دبره مؤيد الدولة في الاستيلاء على الملك وحالت المقادير دونه...58

ذکر کلام سديد للصاحب ابن عباد...58

خبر حسن فيه تنبيه على فعل خير...58

ذكر ما دبره ابن عباد بعد وفاة مؤيد الدولة...59

ذكر وصول فخر الدولة إلى جرجان واستقراره في دار الإمارة...59

ذكر كلام اختبر به ما في نفس فخر الدولة...60

ذكر حيلة تمت في قتل علي بن كامة...60

ذكر رأي سديد وقع لعبد العزيز بن يوسف أمن به ما خاف وقوعه...61

ودخلت سنة أربع وسبعين وثلثمائة...62

شرح ما جرى عليه الأمر في ذلك...62

فمن جملة ما كتب الصاحب بشرحه إلى الحضرة...62

ومما نطقت به الكتب من المشورة والرأي...62

ذكر ما جرى عليه الأمر بعُمان إلى أن عادت إلى شرف الدولة...63

ذكر ما جرى عليه الأمر في اعتقالهم والإفراج عنهم والتعويل على أبي منصور في الوزارة...64

ذكر اتفاق حمید صار سبباً لثبات قدم...64

ودخلت سنة خمس وسبعين وثلثمائة...64

شرح الحال فيما جرى عليه أمر هذه الوزارة المشتركة...65

ذكر كلام سديد لعبد العزيز بن يوسف في تحذير صمصام الدولة من الحجر عليه...65

ذكر رأي ضعيف أشارت به والدة صمصام الدولة عليه فعمل به...65

ذكر ما جرى عليه الأمر فى عصيان أسفار...66

ذكر رأي سديد واتفاق حميد اتفقا لصمصام الدولة أسفر بهما الأمر عن الظفر...66

ذکر تدبیر جید دبره فولاد فى أمر الحرب...67

ذكر مكيدة لعبد العزيز في أمر ابن سعدان صارت سبباً لقتله...67

ذکر اتفاق عجیب سلم به ابن شاهويه من القتل...67

ذكر ما جرى عليه أمر أسفار وعبد العزيز بن يوسف والأتراك الخارجين من بغداد...68

ذكر ما جرى عليه أمر إسحاق وجعفر القرمطيين...69

ذكر ما كان من القرمطيين بعد قتل القرمطيين بعد قتل أبي قيس صاحبهما...69

شرح ما جرى عليه أمر ورد في الإفراج عنه وإصعاده إلى بلد الروم..70

ذکر ترتیب جلوس صمصام الدولة بحضور ورد ذكر ما...70

جرى عليه أمر ورد بعد إصعاده من بغداد...71

ذكر غدر وردیس بن لاون بورد وقبضه عليه ثم مراجعته الحسنى بالإفراج عنه...71

ذكر تدبير لملكي الروم عاد به أمرهما إلى الاستقامة بعد الاضطراب...71

ذكر ما جرى عليه أمر أبي الريان...73

ذكر ما جرى عليه الأمر في وروده...73

شرح الحال في مسیر شرف الدولة من فارس واستيلائه على الأهواز وانصراف الأمير أبي الحسين عنها...74

ذكر رأي أشار به سابور على الأمير أبي الحسين في هذه الحال...74

ذكر تدبير سييء ألقى به نفسه إلى الهلاك...75

ودخلت سنة ست وسبعين وثلثمائة...76

ذكر ما تقرر الأمر عليه مع أبي نصر خواشاذه في ذلك...76

ذكر ما جرى عليه أمر الرسل الخارجين إلى شرف الدولة...77

ذكر ما جرى الأمر عليه في ترتيب القبض على ابن الطيب واخفاء الحال فيه إلى أن تم...78

ذكر مسير شرف الدولة من الأهواز لما استتبت له الأمور بواسط...78

ذكر رأي سديد رآه زيار في تلك الحال وأشار به على صمصام الدولة فلم يعمل به...79

ذكر رأي آخر سديد أشار به فولاذ فلم يقبل منه...79

ذكر رأي خطأ استبد به صمصام الدولة في إسلام نفسه إلى شرف الدولة...79

ذكر ما جرى عليه أمر زيار وفولاذ...80

ذكر الفتنة التي جرت بين الديلم والأتراك...81

ذکر اتفاق سلم به صمصام الدولة من القتل بعد إشرافه عليه...81

ذكر تفريط جرى من الديلم في هذه الحرب حتى آل أمرهم إلى التشرد والهلاك...81

ذکر جلوس شرف الدولة للتهنئة وما جرى أمر صمصام الدولة عليه في الاعتقال...82

ذكر استقرار الإمارة بالبطيحة على الملقب بمهذب الدولة...82

ذكر ما اعتمده شرف الدولة من الأفعال الجميل عند استقراره بمدينة السلام...83

ذكر اتفاق عجیب دل على حسن نية وعاد بصرف أذية...83

ودخلت سنة سبع وسبعين وثلاثمائة...84

ذكر ما جرى عليه أمر قراتكين في هذا الوجه...85

ذكر خدعة تمت لبدر على قراتكين وعسكره وتفريطهم وقلة حزمهم...85

ذكر ما جرى عليه حال قراتكين بعد عوده في سوء تدبيره وما انتهى أمره إليه حتى آل إلى قتله...86

ذكر ما جرى عليه الأمر في جلوس الطائع بحضور شرف الدولة...86

ذكر ما جرى عليه أمر سعد بعد انحدار زيار من الموصل إلى أن توفي...87

ذكر رأي سَيّىء لأبي سعد من رَدّ ما حمله ومكيدة لسعد تمت عليه...87

ذكر ما جرى عليه أمر أبي نصر خواشاذه مع باد عند إصعاده من الموصل...88

ذكر رأي رآه أبو نصر في إقطاع البلاد حين تعذرت عليه وجوه الإطلاق...88

ذكر حيلة سحر بها باد عين من بإزائه واسترهبهم...88

ودخلت سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة...89

ذكر رأي سديد رآه البزاز وقبله شكر ثم خالفه فيه من بعده...89

ذكر فساد رأي شكر فيما دبر به أمره...90

ذكر تدبير لطيف عمله الوزير أبو منصور في خلاص أبي منصور الشيرازي...90

ودخلت سنة تسع وسبعين وثلثمائة...90

ذكر ما جرى عليه الأمر في ذلك... 91

ذکر قلة حزم في استرسال عاد على صاحبه بوبال...92

ذكر ما جرى عليه الأم مر في علة شرف الدولة واستقرار الأمر للأمير أبي نصر بعده...92

ذكر ما جرى عليه الأمر في ركوب الطائع للّه للتعزية...93

ذکر ما دبره بهاء الدولة عند قيامه بالملك...94

ذكر ما ارتكبه نحریر من اللجاج حتى آل به شر مآل...94

ذكر حيلة عملها الحسين الفراش نفر بها قلب بهاء الدولة من نحریر حتى أمر بالقبض عليه...95

ذكر مكيدة أخرى عملها الحسين الفراش سكن بها من قتل نحریر...95

ذكر ما جرى عليه أمر أبي نصر بن كعب في قتله...96

ذكر مقابلة عجيبة فيها عبرة وتذكرة...96

ذكر ما جرى عليه أمر أبي علي بعد انحداره...97

ذكر رأي رآه أبو القاسم العلاء بن الحسن بالبادرة وندم عليه بعد الروية...98

ذكر ما دبره أبو القاسم العلاء بن الحسن في أمر الرضيع حتى قبض عليه...98

ذكر حيلة رتبها العلاء بن الحسن أفسد بها الحال بين الديلم والأتراك حتى بلغ غرضه...98

ذکر سوء تدبير ابن أبي مكتوم في عداوة البكي حتى هلك...99

ذكر ما جرى عليه أمر صمصام الدولة في خلاصه وعوده إلى الملك بفارس بعد شرف الدولة... 99

ذكر السبب في حركة فخر الدولة لطلب العراق...100

ذكر رأي أشير به على فخر الدولة اقتضى رد الصاحب من الطريق...100

ذكر رأي سديد لأبي عبد اللّه بن أسد استرجع به المأخوذ وحفظ فيه السياسة...100

ذكر ما جرى عليه أمر فخر الدولة عند حصوله بالأهواز وما اعتمده من سوء التدبير والسياسة حتى عاد بالخيبة...101

ذكر ما دبره بهاء الدولة في تجهيز العسكر للقاء فخر الدولة...101

ذكر السبب في تغير رأي بهاء الدولة في الحسين الفراش وما جرى عليه الأمر في القبض عليه ورده من الطريق إلى بغداد وقتله في دار نحریر...102

ذكر اتفاق عجیب انكتم به الأمر عن الحسين الفراش حتى قبض عليه...103

ذكر ما رتبه فخر الدولة فى تجهيز الجيش إلى الأهواز...103

ذكر اتفاقات كانت سبباً لهزيمة عسكر فخر الدولة...104

ذکر رأي سديد رآه الصاحب لم يساعده عليه فخر الدولة...104

ذكر ما حفظ على الصاحب في مقامه بالأهواز...105

خبر مستحسن في ذلكر105

ذكر أناءة اعتمدها العلاء بن الحسن في بابه أدت إلى خلاصه...106

ذكر ما جرى عليه الأمر في ذلك...106

ذكر رأي سديد رآه ابن عمر في تلك الحال استمال به قلب شرف الدولة...106

ذکر جواب لشرف الدولة عن رسالة أبي عمر تدل على شرف نفس وعلو همة...106

ذكر خروج ابني حمدان من بغداد وذكر ما جرى عليه أمرهما في حرب أبي نصر خواشاذه...107

ذكر رأي سديد رآه ابنا حمدان فأحسنا فيه الظن علماً للعاقبة...107

ثم دخلت سنة ثمانين وثلاثمائة...108

ذكر ما جرى عليه الحال فى هذه الوقعة من قتل باد وهزيمة أصحابه...108

ذکر اتفاق عجيب آل إلى هلاك باد بعد انقضاء مدته...109

ذكر حيلة لابن مروان ملك بها القلعة...109

ذكر جميل لابن مروان إلى أبي عبد اللّه عند أسره لم يشكر عليه فساءت عاقبة أمره...109

ذكر ما جرى عليه أمره في القبض عليه إلى أن قتل...110

ذكر مكيدة تمت لعبد العزيز بن يوسف في أمر الزطي حتى هلك...110

ذكر ما جرى عليه أمر بهاء الدولة في هذه السفرة...112

ذكر ما جرى فى أمر هذا المال حتى تفرق أكثره...112

ذكر هذه الوقعة والمكيدة التي كانت سبباً لهزيمة عسكر بهاء الدولة...112

ذكر حاله وما جرى عليه أمر الوزارة بمصر من بعده...113

ذكر حيلة لطيفة عادت بكشف هذه الغمة...114

ذكر تدبیر توصل به عیسی بن نسطورس إلى الخلاص والعود إلى النظر...114

ودخلت سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة...115

شرح عليه أمر خلف بن أحمد صاحب سجستان في إنفاذ عمرو ابنه إلى كرمان ويتصل هذا الحديث بما جرى بعد هذه السنة من أحوال تلك البلاد...115

ذكر الحيلة التي استمر عليها خلف بن أحمد في أخذ أموال رعيته...116

ذكر الحيلة التي رتبها العلاء بن الحسن في القبض على تمرتاش وقتله من بعد...117

ذكر ما جرى عليه أمر أبي جعفر في هزيمته...117

ذكر ما جرى عليه أمر عمرو بن خلف في هذه الوقعة وهزيمته وما آل حاله إليه من القتل...117

ذكر حيلة عملها خلف بن أحمد أحمد في تعليل أستاذ هرمز عن قصده...118

ذكر مكيدة لخلف أراد بها إساءة سمعة أستاذ هرمز...118

ذكر ما جرى عليه أمر طاهر بن خلف بكرمان...120

ذكر ما دبر به أستاذ هرمز أمره عند وصول الخبر إليه...120

ذكر ما جرى عليه أمر ابن خلف في قصد بردسير وما آل أمره إليه من الهزيمة...121

ذكر السبب في هرب فولاذ...122

ذكر الحيلة التي رتبها فولاذ على العلاء بن الحسين وانعكاسها حتى صارت الدائرة على فولاذ..122

ذكر السبب في القبض على الطائع للّه رضوان اللّه عليه...123

ذكر الرؤيا التي رآها القادر باللّه رضوان اللّه عليه...124

الخلافة القادر باللّه...126

ذکر جلوس القادر باللّه أمير المؤمنين رضوان اللّه عليه على سريرالخلافة...126

شرح الحال في عصيان بكجور وما آل إليه أمره القتل ونُبذ من أخبار المصريين تتصل بها في هذه السنة وما بعدها...127

ذكر السبب في مسير بكجور إلى حلب لقتال مولاه...127

ذكر الحيلة التي رتبها عيسى مع نزال في التقاعد بيكجور حتى ورطه...127

ذكر جود عاد على سعد الدولة بحفظ دولته وشح آل يبكجور إلى ذهاب مهجته...128

ذكر ما دبره بکجور بفضل شجاعته فحالت المقادير دون إرادته...128

ذكر ما فعله لؤلؤ من افتداء مولاه بنفسه فنجاهما اللّه بحسن النية...129

ذكر ما جرى عليه أمر بكجور بعد الهزيمة إلى أن قتل...129

ذكر حزم أخذ به لؤلؤ دل منه على أصالة رأي...130

ذكر ما جرى عليه أمر سلامة الرشيقي وأولاد بكجور...130

خروجهم من الرقة وغدر سعد الدولة...130

ذكر ما جرى بين صاحب مصر وسعد الدولة من المراسلات وما اتفق من وفاة سعد الدولة بعقب ذلك...131

ذكر قيام أبي الفضائل بن سعد الدولة بعد أبيه وما جرى له مع العساكر المصرية...131

ذكر مسير منجوتكين من مصر إلى حلب ونزوله عليها...132

ذكر مشورة أنتجت رأياً سديداً كان في أثنائه الظفر بالروم...132

ذكر تدبير لطيف دبره لؤلؤ في صرف العساكر المصرية عن حلب...133

ذكر ما دبره المتلقب بالعزيز فى إمداد العسكر بالميرة وإعادتهم إلى حلب...133

ذكر مسير بسيل إلى الشام لقتال العساكر المصرية وما جرى عليه أمره في ذلك...133

ذكر ما دبره واعتمده لؤلؤ من رعاية حرمة الإسلام وإنذار منجوتكين بخبر هجوم الروم...134

ذكر مسیرالمتلقب بالعزيز من مصر لغزو الروم وما اتفق من موته وجلوس ولده المتلقب بالحاكم في موضعه...134

ذكر ما دبره أرجوان في أمر ابن عمار ومكاتبة منجوتكين والاستنصار به عليه...134

ذكر ما دبره ابن عمار في تجهيز الجيش وما آل إليه أمر منجوتكين من الهزيمة...135

ذكر ما اعتمده أبو تميم الكتامي من حسن سيرة ملك بها قلوب الرعية...135

ذكر ما هم به ابن عمار من الفتك بأرجوان وشكر وما دبراه في التحرز منه حتى سلما منه وتورط هو...136

ذكر ما دیر به أرجوان أمر الملك...136

ذكر ما تم على أبي تميم من اهل دمشق قلة حزمه وضعف رأيه...136

ذكر ما جرى عليه أمر جيش بن الصمصامة في هذا الوجه إلى أن توفي...137

ذكر مكيدة بدأ جيش بها في هذه النوبة مع أحداث دمشق إلى أن أمكنته الفرصة منهم في الكثرة الثانية...137

ذكر ما أنزل اللّه تعالى على المسلمين من النصر فقتل زعيم الروم على يد أحدهم...138

ذكر تمام هيبته في المكيدة التي كان بدأ بها جيش في تسكين إحداث دمشق حتى ظفر بهم...138

ذكر السبب في قتل أرجوان وشرح الحال في ذلك...139

ذكر ما جرت عليه الأمور بعد قتل أرجوان...141

ذكر رأيين كل منهما سديد لو ساعد القدر فيه...141

ذكر عجلة ضاع الحزم بها...142

ذكر رأي أشار ابن المغربي في تلك الحال...142

ذكر رأي لابن المغربي قصد به تأكيد الوحشة بين حسان وصاحب مصر...142

ذكر ما جرى عليه أمر أبي الفتوح العلوي...143

ذكر ما دبره صاحب مصر عند وصول الخبر إليه...143

ذکر تحاسد بين الأهل عاد بوبال...144

ذكر ما جرى عليه أمره في ذلك...145

ودخلت سنة اثنين وثمانين وثلاثمائة...145

ذكر رأي سديد لأبي جعفر نظر فيه للعاقبة...146

ذكر ما رتبه أبو القاسم من الحيلة حتى تيم له الانحدار...146

ذكر تدبير جيد سلم به أبو العلاء عبيد اللّه بن الفضل...147

شرح حال أبي الحسن المعلم في القبض عليه وقتله...147

ذكر ما جرى عليه أمر الوزير أبي القاسم وما استقر في أمر النظر بعد القبض عليه...148

ذكر ما جرت عليه الحال في ذلك...149

ذكر ما جرى عليه أمر العلاء بن الحسن في عوده إلى الوزارة...149

ودخلت سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة...149

ذكر حيلة عملها أولاد بختيار ملكوا بها القلعة...150

ذكر ما دبره أبو علي بن أستاذ هرمز في فتح القلعة...150

ذكر تفريط من أبي العلاء في إذاعة سر عجل به... 151

ذكر ما جرى عليه أمر أبي القاسم علي بن أمر أبي القاسم علي بن أحمد في هذه الوزارة...152

ذكر سبب وجد به الحواشي طريقاً إلى فساد حال الوزير أبي القاسم...152

ذكر ما جرت عليه الأمور بعد هرب الوزير أبي القاسم علي بن أحمد وعود أبي نصر سابور...152

ذكر ما دبره بهاء الدولة في ذلك...152

ذكر ما جرى عليه أمر أبي العلاء بعد الأسر والاتفاق الذي سكن به...153

ودخلت سنة أربع وثمانين وثلاثمائة...153

شرح ما جرى عليه أمره في هذا الوجه وظفرهم بعساكر صمصام الدولة وانهزامه من بين أيديهم... 154

ذکر اتفاق سييء عاد بضد التقدير...154

ذكر ما دبره الغلمان في قتل المستأمنة إليهم من الديلم...155

ذكر ما فعله بهاء الدولة عند حصوله بواسط...155

ذكر ما جرى عليه أمر الوزارة في البصرة في هذه السنة...155

ذكر رأي سديد أشار به الفاضل على ماسرجس فلم يعمل به...156

ذكر ما رتباه من الحيلة في أمره حتى انحل...156

ذكر ما جرى عليه أمر صمصام الدولة بعد انصرافه من الوقعة...157

ودخلت سنة خمس وثمانين وثلاثمائة...157

ذكر الحيلة التي عملها صاحب السند على الأتراك حتى قتلهم...159

ذكر ما جرى عليه الأمر مع العلاء بن الحسن واستيلائه على الأهواز...160

ذكر ما جرى عليه أمر أبي محمد بن مكرم والغلمان...161

ذكر ما جرت عليه حاله في هذه النوبة...161

ذكر رأي سديد رآه الفاضل في استمالة قلب بهاء الدولة...162

ودخلت سنة ست وثمانين وثلاثمائة...163

ذكر ما جرى عليه أمر لشكرستان بالبصرة إلى أن استقر ما بينه وبين مهذب الدولة من الصلح...164

ذكر ما جرى عليه أمر أبي نصر سابور في هذه النوبة...165

ذكر الحيلة التي عملها سابور في اختبار بهاء الدولة...166

ذکر تدبیر لطیف توصل به ابن حاجب النعمان إلى خدمة دار الخلافة...167

ذكر مكيدة عملها أبو جعفر سلم بها في انحداره...169

ذكر ما جرى عليه الأمر بالموصل بعد انحدار أبي جعفر...169

ذكر ما جرى من المقلد بن المسيب في هذه السنة...170

ذكر الغيلة التي عملها المقلد...170

ذكر المكيدة التي رتبت في القبض على أبي علي...171

ذكر رأي سديد أشير به على العارض فكان سبباً لنجاته...172

ذكر مكيدة عملها بدر لقومه أفعاله...173

ذكر سياسة بليغة من أفعاله...173

ذكر رأي سديد في تدبير الأعمال...174

ذكر ما دبره في أمر النفقات على القناطر والطرقات...174

ذكر رأي سديد في إقامة هيبة...174

ودخلت سنة سبع وثمانين وثلثمائة...175

ذكر ما جرت عليه الحال في ذلك...175

ذكر ما جرت عليه الحال في ذلك...176

ذكر ما جرى عليه الأمر بعد وفاة العلاء بن الحسن...176

ذكر تدبير يدل على قوة نفس وشهامة...177

ذكر ما جرى عليه الأمر مع أبي الحسن علي بن مزيد...177

ذكر ما جرى عليه الأمر بعد وفاة فخر الدولة...178

ذكر عود قابوس إلى جرجان وما جرى الأم معه عليه...178

ذکر جواب سديد لبدر خولف رأيه فيه...179

ذكر ما جرى الأمر عليه في القبض على ابن حمولة...179

ذكر القبض على علي بن المسيب والإفراج عنه وما جرى في ذلك من الخطوب في هذه السنة وما بعدها ليتسق الحديث...180

ذكر الحيلة التي عملها المقلد في ذلك...180

ذكر كلام سديد الغريب...181

ودخلت سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة...183

شرح حاله وما انتهى إليه أمره بعد هربه...183

ذكر الحال في حصول أبي علي بن إسماعيل بواسط ناظراً وما جرى عليه أمر الشريف أبي الحسن ابن عمر معه...183

ذكر السبب في صلاح ما بين الشريف أبي الحسن محمد بن عمر وأبي علي ابن إسماعيل...184

ذكر ما دبره أبو علي في نصرة رأيه...185

ذكر مسير بها الدولة من واسط إلى القنطرة البيضاء...186

شرح الحال في الأمور التي أدت إلى قتل صمصام الدولة...186

ذكر رأي خطأ لم تحمد عواقبه...187

ذكر رأي سديد أشرن به على أبي جعفر فلم يقبله...188

ذكر ما جرى عليه أمر صمصام الدولة بعد خروج ابني بختيار إلى أن قتل...188

ودخلت سنة تسع وثمانين وثلاثمائة...189

شرح ما جرى عليه الحال في ذلك...189

ذكر حيلة رتبها أبو علي بن أستاذ هرمز برأيه فكشفها أبو علي بن إسماعيل بألمعيته ودهائه.... 189

ذكر حزم اعتمده أبو علي بن إسماعيل في تلك الحال...190

ذكر كلام سديد لفناخسره بن أبي جعفر...191

ذكر ما دبره أبو علي بن أستاذ هرمز في صلاح حاله مع بهاء الدولة...191

ذكر كلام سديد لأبي علي بن أستاذ هرمز...192

ذكر السبب في ذلك وما كان من مكيدة أبي علي ابن أستاذ هرمز في أمره...193

ذكر رأي طريف رآه أبو علي بن إسماعيل لا يعلم موجبه...193

ذكر ما جرى بين جرى بين الأتراك وبين بهاء الدولة من الخطاب ...193

ذكر ما دبره أبو على بن إسماعيل بالأهواز...194

ذكر رأي أشار به أبو علي بن إسماعيل على بهاء الدولة...194

ذكر خلاص أبي جعفر استاذ هرمز...196

ذكر فتح شیراز...196

ذكر ما جرى عليه الأمر بعد هذا الفتح...196

ذكر تقرير الاقطاعات وتوفير في المصارفات...197

ذكر السبب في القبض علي الفتكين...197

ذكر حيلة لطيفة كانت سبباً لسلامة الفتكين...198

ذكر أغلاط لأبي على بن إسماعيل كانت سبباً لفساد حاله...198

ذكر الحال في القبض عليه...199

ذكر سياسة قامت بها الهيبة في الإفراج عنه...199