النور المبین فی تفسیر للقرآن الکریم جلد 6

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

سرشناسه :الخادمي (الصدر)، السید محمدمهدي الخادمي، 1341-

عنوان و نام پدیدآور :النور المبین في تفسیر للقرآن الکریم/ تألیف السید محمدمهدي الخادمي (الصدر).

الناشر :قم : موسسة انصاریان للطباعة والنشر، 1441ق.= 1398.

خصائص المظهر :3ج.

ISBN :دوره:978-964-219-638-8 ؛ ج.1:978-964-219-637-1 ؛ ج.2: 978-964-219-639-5 ؛ ج.3: 978-964-219-640-1

حالة الإدراج:فیپا

لسان :العربية.

موضوع :تفاسیر شیعه -- قرن 14

موضوع :Qur'an -- Shiite hermeneutics -- 20th century

تصنيف الكونجرس:BP98

تصنيف ديوي:297/179

رقم الببليوغرافيا الوطنية:5897590

النور المبين في تفسير القرآن الكريم

تَفْسِيرُ سورة الفاتحة

تَفسِيرُ سُورَة الْبَقرة الْمُبَارَكَة

تأليف

السيد محمد مهدي الخادمي (الصدر)

محرر رقمي:محمد المنصوري

النور المبين في تفسير القرآن الكريم

تفسير سورة الأعراف المباركة

(المجلد السادس)

تأليف: السيد محمد مهدي الخادمي (الصدر)

الناشر: مؤسسة أنصاريان للطباعة والنشر الطبعة الأولي 1400 - 1443 - 2022

المطبعة: نگین

الكمية: 500 نسخة

عدد الصفحات: 408 ص.

حجم الغلاف: كبير

رقم الإيداع الدولي: 8-737-19-964-978

رقم الإيداع للدوره: 8-638-219-964-978

(تم تمويل الطباعة من ثلث المرحوم الحاج حمزه محمد علي السلمان)

مؤسسة أنصاريان للطباعة والنشر

جمهورية ايران الإسلامية

قم - شارع الشهداء - فرع 22 - ص. ب 187

هاتف 377417448 (25) (98) فاکس: 37742647

البريد الالكتروني : Int_ansarian@yahoo.com

www.ansariyan.ir

النُّورُ المدينِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرآنِ الكَريم

تَفسِيرُ سُورَة الْأَعْرَافِ الْمُبَارَكَة

تأليف

السيد محمد مهدي الخادمي (الصدر)

المجلد السادس

محرر الرقمي: محسن حقاني فر

اشارة

سرشناسه :صدر خادمی، سیدمحمدمهدی، 1341-

عنوان و نام پدیدآور :النور المبین فی تفسیر للقرآن الکریم/ تألیف السیدمحمدمهدی صدرالخادمی.

مشخصات نشر :قم : موسسه انصاریان للطباعه والنشر، 1441ق.= 1398.

مشخصات ظاهری :3ج.

شابک :دوره:978-964-219-638-8 ؛ ج.1:978-964-219-637-1 ؛ ج.2: 978-964-219-639-5 ؛ ج.3: 978-964-219-640-1

وضعیت فهرست نویسی :فیپا

یادداشت :عربی.

موضوع :تفاسیر شیعه -- قرن 14

موضوع :Qur'an -- Shiite hermeneutics -- 20th century

رده بندی کنگره :BP98

رده بندی دیویی :297/179

شماره کتابشناسی ملی :5897590

محرر رقمي:محمد المنصوري

النور المبين في تفسير القرآن الكريم

تفسير سورة الأعراف المباركة

(المجلد السادس)

تأليف: السيد محمد مهدي الخادمي (الصدر)

الناشر: مؤسسة أنصاريان للطباعة والنشر الطبعة الأولي 1400 - 1443 - 2022

المطبعة: نگین

الكمية: 500 نسخة

عدد الصفحات: 408 ص.

حجم الغلاف: كبير

رقم الإيداع الدولي: 8-737-19-964-978

رقم الإيداع للدوره: 8-638-219-964-978

(تم تمويل الطباعة من ثلث المرحوم الحاج حمزه محمد علي السلمان)

مؤسسة أنصاريان للطباعة والنشر

جمهورية ايران الإسلامية

قم - شارع الشهداء - فرع 22 - ص. ب 187

هاتف 377417448 (25) (98) فاکس: 37742647

البريد الالكتروني : Int_ansarian@yahoo.com

www.ansariyan.ir

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

تَفسِيرُ سُورَة الْأَعْرَافِ الْمُبَارَكَة

اشارة

تعريف عام لسورة الأعراف المباركة

اسم السورة :الأعراف، وتدعى أيضاً بسورة أل م ص، جاءت كلمة (الأعراف) في هذه السورة 46 مرة ، وتدعى كذلك ب- (الميقات)(1)و(الميثاق)(2).

عدد الآيات: 206.

عدد الكلمات: 3346

عدد الحروف: 14437

ترتيب نزول السورة : 39

ترتيب موقعها بين السور القرآنية: السابعة.

مكان النزول : مكة المكرمة

معنى اسم السورة الأعراف تأتي من أصل كلمة ( عُرف)، وهو المكان المرتفع والعالي.

مزايا السورة: هي إحدى السور المحكمات، تروي قصة أصحاب الأعراف، وأحداث قصة آدم(عليه السلام)وإبليس، وما مر من عبر على الأقوام الماضية.


1) الآية 143

2) الآية 173

أهم المواضيع المطروحة في هذه السورة: أمر بإطاعة الله، دعوة إلى التوبة والندم، معرفة القرآن الكريم، عهد الله وميثاقه مع الإنسان التدبر في خلق العالم، النظافة والطهارة.

كما تستعرض هذه السورة قصة أصحاب الأعراف في الآيات (46) و 48)، لذا سميت السورة بسورة الأعراف.

هي ثالث السور القرآنية المبدوءة بحروف مقطعة، وأول السور التي تحتوي آية سجود، ففي الآية الأخيرة منها سجدة مستحبة.

تحتوي السورة إضافة إلى ما سبق الإشارة إليه من قصة آدم(عليه السلام)وإبليس أحداث قصص أنبياء الله نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسی (عليه السلام) وتوضيح لأصول ومباني دعوة نبي الإسلام(صلی الله علیه وآله وسلم)وشرح لأحوال يوم القيامة والتوبة وإصلاح ذات البين، ومواضيع أخرى من مثل العرش والميزان وعالم الذر وعهد الله مع الإنسان، مع إشارة إلى عظمة القرآن الكريم والأعراف وأصحاب الأعراف.

فضل تلاوة سورة الأعراف وخواصها

1- روي عن رسول(صلی الله علیه وآله وسلم)في فضل هذه السورة : (من قرأ هذه السورة جعل الله يوم القيامة بينه وبين إبليس ستراً، وكان لآدم رفيقا).

2- وعن الإمام الصادق(عليه السلام) : (من قرأ سورة الأعراف، في كل شهر كان يوم القيامة من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون فإن قرأها في كل جمعة كان ممن لا يحاسب يوم القيامة).

3- وعن الصادق(عليه السلام) أنه قال: (أما إن فيها آيات محكمة، فلا تدعوا قراءتها وتلاوتها والقيام بها، فإنها تشهد يوم القيامة لمن قرأها عند ربه).

4-وعنه(عليه السلام)أيضاً: (من قرأ سورة الأعراف في كل شهر كان يوم القيامة من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، فإن قرأها في كل جمعة كان ممن لا يحاسب يوم القيامة ، أما إن فيها محكماً، فلا تدعوا قراءتها فإنها تشهد يوم القيامة لكل من قرأها).

5- وفي رواية أخرى عنه (عليه السلام)كذلك قارئ سورة الأعراف من الآمنين يوم القيامة.(1)

آثار وبركات تلاوتها

1 - أمان من شر الأعداء والوحوش:

من كتب هذه السورة بماء الورد والزعفران، ثم حملها لا تقربه الوحوش الضارية ولا أذى الأعداء طالما هو يحملها بإذن الله تعالى.(2)

2- للخوف من الشياطين:

روي عن أمير المؤمنین(عليه السلام): من قضى الليل في صحراء مقفرة، فقرأ الآية 54 من هذه السورة، فإن الملائكة تحميه وتبتعد الشياطين عنه.

3- اليقظة من النوم ليلا:

من أراد أن ينام مدة أقل، فيستيقظ لأداء صلاة الليل، فليقرأ الآيتان 54 و56 قبيل النوم، وكذا إن أراد أن لا يسيطر النوم عليه فليقرأ الآية 139 من هذه السورة على ماء، ويغسل به وجهه.

4- من كتب هذه السورة فحملها معه، حفظه الله من شر الأعداء، ولم يضل أبداً.

محتوى سورة الأعراف

موضوع ومحتوى السورة الأساسي هو إنذار وتنبيه للعاصين، وتخويف لمن عقد ميثاق مودة مع غير الله ، أو اتخذ سواه إلها يعبده، مكذباً ،آياته، ومستكبراً عن طاعته، متغاضياً عن أنعم الله ومنكراً لها.


1) مستدرك الوسائل ج 4

2) تفسير البرهان /ج 2 ص 515

مقاصد وخصائص سورة الأعراف

1- تستهدف السورة تبيان عظمة القرآن الكريم وهيبة الدعوة وتعاليمها، وقدرة استدلالاتها في تجلي الدعوة الإلهية، وإنذار وتهديد للمخالفين العاصين.

طرحت فيها أهداف الدعوة الإلهية - في مكة - كتوضيح لرسالة الإسلام، وبيان لأصول ومباني الدعوة الإسلامية، وهذه الأصول والمباني هي كالتالي:

أ) التوحيد في العبادة والتشريع والتقنين.

ب) توضيح البعث وتعريفه مع توضيح الجزاء في يوم القيامة.

ت) تقرير حول الوحي والرسالة بشكل كلي، أي النبوة عامةً.

ث) تقرير حول رسالة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) بشكل خاص، أي النبوة خاصةً .

3- تتخذ هذه السورة في سبيل استعراض هذه الحقائق أسلوبين اثنين: الأول: أسلوب التذكير بالنعمة، والآخر أسلوب تهديد من العذاب والانتقام الإلهي.

مكانة السورة ترتيبياً

1- تأتي هذه السورة بعد سورة الأنعام وقبل الأنفال من حيث ترتيبها في القرآن الكريم، أما من حيث النزول، فهي السورة التاسعة والثلاثين نزلت بعد سورة ص، وقبل سورة الجن.

2- جاء في بعض الروايات أن ترتيب نزول السورة في الرديف 35 ،36 ،37 ،38 وحتى ،108 ، ويرى بعض المفسرين الآيات 163 و 172 مدنية.

3- يرجح باحثون بالاستناد إلى بعض الروايات من جهة، وتشابه عدد من آيات هذه السورة مع سورة البقرة من جهة أخرى، أن تكون سورة الأعراف مدنية أيضاً، إلا أن تشابه سائر آيات هذه السورة مع سور أخرى مكية من مثيل : هود الشعراء ، نوح، يونس... بشكل يطغى على التشابه مع سورة البقرة، يرجح العكس من ذلك، إضافة إلى أنه من غير الكافي الحكم على

السورة بأنها مدنية، لمجرد تشابه بعض أجزائها بسورة البقرة، فالسورة مؤلفة من 206 ،آية، والبعض يرى بأنها 205 آية، على اعتبار أن الآية الأولى (المص) لا تحتسب.

4- هذه السورة هي الأطول بعد سورتي البقرة والنساء من حيث عدد الكلمات والحروف، وهي من السور المكية الأطول، وإحدى السور السبع الطوال في القرآن الكريم، كما أنها السورة الأولى التي ترد فيها الحروف المقطعة المؤلفة من أكثر من حرف واحد.

الآية 1

اشارة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المص

النقاط المستفادة من هذه الآية: رموز بین الله ونبیۀ، الحروف المقطعه

1- ألف، لام، ميم، صاد، هي هي حروف رموزبين الله سبحانه ونبيه الأعظم(صلی الله علیه وآله وسلم)، وهذا الكتاب مؤلف من هذه الحروف، لكن أحداً لا يستطيع كشفها أوالإتيان بمثلها.

2- من بين مجموع السور 29 التي تبدأ بهذه الحروف المقطعة، هنالك ما يبدأ ب-(ألم) ومنها ما يبدأ ب- (ص)، لكن هذه السورة تبدأ ب-

(المص) ، ولعل في ذلك إشارة إلى أن كل ما جاء في تلك السور، جاء في هذه أيضاً.

3- قد يكون في الحروف المقطعة إشارة إلى أن القرآن الكريم مؤلف من هذه الحروف العربية ذاتها التي يستخدمها الناس للتكلم، لكن مع ذلك، فليس لأحد منهم أن يؤلف ما هو مثل القرآن الكريم، وهذا في حد ذاته أحد البراهين على تميز القرآن الكريم.

4- إن أكبر وأعظم معاجز النبي الأعظم(صلی الله علیه وآله وسلم)، يجب أن تكون في رموز بين الخالق وأفضل خلقه، على شكل حروف خاصة بينهما .

5- رغم أن الله سبحانه هو الأعلم والأكثر خبرة من أي أحد آخر بما هو مراده وهدفه، ولكن قد تكون الرموز الموجودة في بداية السور، تأكيد للناس بأنهم لم يستطيعوا طوال هذه السنين أن يؤلفوا من هذه الحروف كلمات مفيدة أو أن يكشفوا سرها، رغم كونها ذات الحروف التي

يستخدمونها في كلامهم.

الآية 2

اشارة

كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2)

النقاط المستفادة من هذه الآية:الکتاب، التنزیل، الصدر، الحرج، الإنذار، الذکر، الإیمان، روح، النبی، ضیق صدر الرسول

1- المقصود من الكتاب هو مجموع القرآن الكريم، فأحد أسماء القرآن الكريم هو الكتاب، وجاء باعتباره نکره بهدف تعظيمه، ووصفه بالنزول، دون ذكر الفاعل، وذلك زيادة في الدلالة على عظمة شأنه في نزوله مرة واحدة.

2- إن اتباع القرآن الكريم هو بمثابة إذعان باتباع الولاية الإلهية، وهنا لا يكون للإنسان أن يتبع أولياء غير الله، لأن كل من سواه خواء وفراغ من نسج الخيال والأوهام لا غير.

3- تخاطب الآية الرسول الأکرم(صلی الله علیه وآله وسلم) فتقول : لا مكان للضيق وصعوبات تبليغ الرسالة، وذلك لأن ما أنزل عليك من قبل الله سبحانه، هو ذلك القرآن الكريم الذي يهدي الناس إلى الحقيقة، ويدعوهم للاعتقاد بها، وأنت تنذرهم من عاقبة العصيان والتمرةفَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ.

4-يجب أن تعلم بأن من يستفيد من هذا القرآن ليس إلا المؤمنين، لأنهم هم فقط من تلج الذكرى إلى قلوبهم، فتعمر بذكر الله، وتتذوق السكينة، لتزداد عيونهم بصيرة.

5- المقصود من الصدر هو روح النبی(صلی الله علیه وآله وسلم) القدسية، والسبب في استخدام هذا اللفظ ،هو الإشارة إلى ضرورة المحافظة على تماسك النفس وقدرتها بالمقاومة في مواجهة الأعداء، وعليه فالآية تقول للرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) لا يكن في قلبك ضيق وحرج، والحرج لغةً هو الصعوبة والكرب والضيق، كما يقول تعالى وما جَعَلَ عَلَيْكُم فِي الدِّينِ مِن حَرَج(1)


1) الحج/ 77

6- لا شك أن المقصود من جمل ففَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌفيه تطييب لخاطر الرسول الأکرم(صلی الله علیه وآله وسلم)، لمنع ضيق صدره ورفع الكرب عنه في مواجهة أذى المشركين، فالآيات منزلة من قبل الله سبحانه، وهذا الأمر يرفع أي مصدر للقلق، سواء القلق من ردة فعل الأعداء الحاقدين والعاتين، وسواء القلق مما سينتج عن تبليغ الرسالة.

7- إن ضيق صدرالرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) سببه ثلاثة أمور وقد زالت ببركة القرآن الكريم:

الأمر الأول: من حيث عدم إيمان ،قومه، ورفضهم للدعوة، وفي ذلك يقول تعالى وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ(1).

الأمر الثاني: من حيث مصير الأمة، أعطاه الله وعد الشفاعۀعَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا(2).

الأمر الثالث: من حيث كون هذا السبيل هو أفضل سبل الهداية والاستقامة للمؤمنين إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ(3).

8- تقع على عاتق القرآن كما النبي الأکرم(صلی الله علیه وآله وسلم) مهمتان أساسيتان في تبليغ الرسالة وهما أن يكونا نذيراً وبشيراً في آن معاً، كما تبينه الآيات كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا * بَشِيرًا وَنَذِيرًا(4).

9- جمل لِتُنْذِرَ بِهِتشير أولاً إلى أن سبب نزول القرآن الكريم هو لتخويف الناس وإخراجهم من الشرك والكفر والعصيان، وتخويفهم من البلاء والعذاب الدنيوي والأخروي معاً. وثانياً: ما تشير إليه عبارةذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَفي تذكير المؤمنين المصدقين، ممن ينهلون من القرآن الكريم روح العبادة الواقعية، فيقوموا طائعين له ومتقينلِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ.


1) العنكبوت/ 18

2) الإسراء/79

3) الإسراء/ 9

4) فصلت/ 3 و 4

الآية 3

اشارة

اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3)

النقاط المستفادة من هذه الآية: التنزیل، التیعیۀ، الولیّ، الذکر

1- تبدأ هذه الآية الحديث بإشارة إلى رسالة النبي الأکرم(صلی الله علیه وآله وسلم)، وإعلام للناس بأنه(صلی الله علیه وآله وسلم) قد بدأ دعوته فعليهم تقع مهمة الإتباع، فتخاطبهم بالقول؛ فلتتبعوا ما أنزل إليكم من الله، ولا تتبعوا أحداً سواه اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ

2- بناء على هذه الآية؛ لدى الإنسان في هذه الدنيا سبيلان اثنان، وعليه أن يختار بينهما، فإما أن يعتنق سبيل الولاية وإطاعة الله، أو إطاعة من سواه، والدخول في ظل ولايتهم، فإن قبل الإنسان السبيل الأول فلن يكون له إلا الله وحده وليّاً، أما إن اختار الثاني فإنه يتوجب أن يوالي أرباباً كُثر.

3- تبين عبارۀ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَأن قلة من الناس هم من سيتبعون سبيل النجاة والتسليم أمام الحق.

الآية 4

اشارة

وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4)

النقاط المستفادة من هذه الآية:القریۀ، الهلاکۀ، البأس، القول، العذاب، البیات

1- توجه هذه الآية للذين يعصون تعاليم الأنبياء ويعملون على زرع بذور الفساد، تحذيراً شديد اللهجة، فتذكرهم بعاقبة من سبقهم من أقوام خلت من خلال النظر إلى قراهم وما جرى عليها من دمار!وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا

2- تعتبر هذه الآية والآية التي تليها بمثابة فهرس يعرض نبذة عما مر على الأقوام السابقة، من مثل قوم نوح وفرعون وعاد وثمود ولوط ، وهي الأقوام التي اندثرت وزال ذكرها!

3 - في هذه الآية إشارة إلى العذابات النازلة على الأمم المشركة في غابر الزمان، حيث تقول بأن طريقة وسنة الهداية كانت بأنه عندما يختار الناس لأنفسهم ولياً غير الله، فيجعلونه قبلتهم ونموذجهم ، ينزل الله تعالى عليهم عذاباً ليلاً أو نهاراً، فيهلكهم عن بكرة أبيهم.

4- (بيات) تعني مباغتة العدو ليلاً، وكلمة (قائلون)هي من(قيلولة)أي في النوم منتصف النهار، وعليه فبدل أن تقول الآية ليلاً ونهاراً،استعاضت عن ذلك بقولبَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ،وتوضح الآية مدى ألم وصعوبة العذاب الذي ينزل بهم وسط الليل أو في أثناء انهماكهم بأعمالهم النهارية، وبينما بالهم مرتاح وفي غفلة عما سيتعرضون له.

الآية 5

اشارة

فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الشرک، الظلم، البأس، الإدعاء، العذاب، الإعتراف، الذنب، الغرور، الأقوم المتغطرسۀ

1-مثل هذه الآيات تحمل إنذاراً شديداً لزمانها وللمستقبل أيضاً، كما أنها لنا وللأجيال والأقوام الآتية، وذلك لأنها سنة وقانون إلهي لا مكان فيه للتخصيص.

2- حين يشعر الإنسان ويدرك بضميره الذاتي أن الشرك واختيار أولياء غير الله، هو ظلم وطغيان، وأن السنة الإلهية قائمة على اعترافه وإذعانه بالألوهية له سبحانه، فلا يخضع، بل ذلك ويظلم، عندها يضعه الله في مقام الإجبار على الإذعان والاعتراف بما ارتكب

يعصي مع من قبيح العمل.

3- لا يجد المذنبون بعد ارتكابهم للمعاصي ونزول العذاب، إلا أن يعترفوا بالحق، والاعتذار وطلب المغفرة، على الرحمة الإلهية تشمل حالهم، فيرتفع عنهم العذاب، كما حدث في قصة قوم نبي الله یونس(عليه السلام).

4- تستكمل الآية الشريفة خطابها في وصف حال الظالمين لدى نزول العذاب بهم وشعورهم بقرب أجلهم، كيف يشرعون فوراً بالاعتراف بظلمهم، متخلين عن غرورهم وتكبرهم لكن اعترافهم يأتي متأخراً، لا فائدة منه لهم، لأنه ليس عن قناعة ويقين، بل عن إجبار واضطرارفَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ.

5- إن اعتراف الكافرين بظلمهم بعد نزول العذاب ليس فيه فائدة لهم، وهذا ما تشهد عليه الآيات الكريمة من مثلوَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ (1)،وإِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ (2)التي تروي اعتراف فرعون بعد أن أشرف على الغرق، لكن من


1) سورة النساء / 18

2) سورة يونس / 90

بين كل ذلك، يستثني القرآن الكريم قوم يونس(عليه السلام)فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (1)

6- يتجلى في جملة إنا كنا ،ظالمين اعتراف بالظلم والمعاصي والذنوب، وذلك يشمل الظلم للدين؛ كالكفر والشرك والعناد والتعصب وسائر الأمور التي تبعث على زوال الإيمان، وظلم النفس كارتكاب المعاصي والذنوب وترك الواجبات والتقصير في أدائها، وكذلك ظلم الآخرين؛ كالغيبة والنميمة وهتك الحرمات والسب واللعن والاجتهاد لزرع الفتن والعداء بين الناس، وسلبهم أموالهم أو كراماتهم، وأذيتهم جسمياً أو نفسياً.

7- علينا أن نوقن بأن ما واجهه السابقون من الأقوام المتغطرسة والمغرورة، ليس ببعيد عن الناس اليوم فحتى إنسان اليوم مع ما هو غارق فيه من علم وحداثة وعصر صناعة وحضارة، لا يمكنه تحمل أن يقع عليه العذاب الإلهي، وهو ما نشهده اليوم، عندما يحل زلزال أوسيل أو عاصفة أو مطر شديد بأرض ما فينكشف ضعف الإنسان الحالي.


1) یونس / 98

الآية 6

اشارة

فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6)

النقاط المستفادة من هذه الآية: السؤال، الرسال، الرسول، عما یسأل یوم القیامۀ، النعیم، القرآن، أهل البیت، السلوک، العمل، الأعضاء، الجوارح، التصدیق، التکذیب، العمر، الشباب، المال، الرزق

1- في الآية السابقة كان الحديث حول جزاء الظالمين، وفي هذه الآية وما يليها من آيات ثلاث ،يستمر الكلام عن الجزاء الأخروي.

2- تظهر هذه الآية وكأنها قانون عام سيتحقق يوم الدين حين يُسأل جميع مع أرسل الله الأنبياء إليهم عن أنبيائهم ورسالاتهم، بل وسيتم سؤال أنبيائهم أيضاً عن كيفية أدائهم للرسالة، فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ.

3- لا شك أنه وطبق القانون الإلهي فإن كلّاً من القادة المرسلين من قبل الله، والأوصياء والأتباع كلهم مسؤول ، والأمر الوحيد المتفاوت بينهم هو كيفية أداء المسؤولية بين هذين الفريقين.

4-طُرح في الآية السابقة، العقاب الدنيوي، والسبب في ذلك كان أن المشركين كانوا مكلفين بتوحيد الله سبحانه ونبذ الشرك، أي مسؤولين عن أعمالهم وأقوالهم، وفي هذه الآية تأكيد على أن الجزاء والحساب الأخروي حتمي لا بد منه، كما يؤكد بأن السؤال والحساب ليس فقط على الناس، بل يجري أيضاً على الأنبياءيَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ(1)ففي يوم القيامة يُسأل القادة كما يُسأل العباد من الجن والإنس، لا فرق بين مذنب عاص أو عالم مؤمِن فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ


1) المائدة / 109

5-لا شك أن أداء أي تكليف مشروط بإنجازه من قبل جانبين، الجانب الأول هو الأنبياء المبعوثين، والجانب الآخر هو القوم المشركون ، ولذلك فإن الآية قد تحدثت عن سؤال الرسول ومؤاخذة الناس على حد سواء.

6- سؤال: عمّ نُسأل يوم القيامة؟

أ) عن النعم:ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِیم(1)وقد اعتبرت الولاية في العديد من الروايات مصداقاً بارزاً على النعم التي يُسئل الإنسان عنها.(2)

ب) عن القرآن وأهل الله ، فعن رسول أنه قال: يُسئل الناس عمّ فعلوه بالقرآن وبعترتي أهل البيت (ثم اسألهم ما فعلتم بكتاب الله وبأهل بيتی﴾(3)

ت )عن السلوك والعمل فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ *عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (4).

ث)عن الأعضاء والجوارحوَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا(5)

ج) عن تصديق وتكذيب الرسالة يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُم(6)كما وذكر القادة الدينيون أيضاً في موضع آخر وكيف يتلقاهم الناسيَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجبْتُمْ(7)

ح )عن العمر والشباب كيف تمت تمضيتهما.

خ) عن المال والرزق، حيث نقرأ في الروايات (شبابك فيما أبليته وعمرك فيما أفنيته و مالك ممّا اكتسبته وفيما أنفقتَه)(8).


1) التكاثر / 8

2) وسائل الشيعة ج 24، ص 299

3) تفسير الفرقان

4) الحجر / 92 و 93

5) الإسراء 36

6) الأنعام/130

7) المائدة 109

8) الكافي ج 2 ص 135/ البحارج 7، ص 259

7- سؤال: تبين هذه الآيات أن الجميع سيتعرضون للمسائلة حتماً، ولكن في آية أخرى من سورة الرحمن 39، نرى الآية تتحدث عن أن الله لن يسأل أحداً من الجن والإنسفَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّفكيف يمكن التوفيق بين هاتين الآيتين؟

الجواب: في يوم القيامة هنالك مواقف متعددة، وفي كل موقف هنالك مشهد خاص، ففي موقف ما يتم ختم الأفواه ومنعها من الكلام، وفي آخر، يرفع ذلك فيبدأ الجميع بالتوسل والإقرار والاعتراف، وفي آخر يُسأل الجميع، وفي موقف لا يسأل أحد عن شيء.. وعن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)(كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) فالإمام يُسأل عن الناس والرجل عن أهله والزوج عن زوجها والعبد عن مال سيده..(1)


1) تفسير الدر المنثور

الآية 7

اشارة

فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (7)

النقاط المستفادة من هذه الآية: القصۀ، العلم، الغائب

1- استكمالاً لما جاء في الآية السابقة من حديث حول سؤال العباد تقوم هذه الآية بتوضيح أن هذا السؤال لا يعني بحال أن هنالك ما هو غائب عن علم الله، وأنه سبحانه يحصل عليه بسؤال ،عباده، فتؤكد بأنه سيعرض أمام الناس أجمعين أعمالهم وما فعلوا في دار الدنيا، مما شهدوه أثناء حياتهم، أو مما غاب عنهم وعلمه اللَّهِفَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ.

2- كما أن الآية تبين قصة وأحوال السابقين، وهو مما لا يغيب في سرد القرآن لقصص الماضين وأحوال الأنبياء وأقوامهم، ففي قصة يوم يقول تعالى نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ (1)كما ويقول تعالى في موضع آخرلَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ(2)، والكثير من المواضع الأخرى.

3- المقصود من عبار فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْهو بيان حالات وأفعال وسلوك العبد الصادر عنه في دار الدنيا، وهذا من أصعب مواقف يوم القيامة، حيث يقف العبد خجلاً نادماً، لو تبتلعه الأرض لشدة الموقف وهوله.

4- حرف الباء فی بِعِلْمٍيفيد السببية، أي بواسطة العلم الذي لدينا والذي به نحيط بجزئيات الأفعال ونشرف على أعمالهم، فنحن وإضافة إلى الملائكة التي وكلناها بمراقبتكم وتسجيل أعمالكم، نقوم بأنفسنا بمراقبتكم، فنحيط بكل لحظات أعماركم، ولا نغفل طرفة عين أبداً، فالله هو الخبير والبصير والسميع والمحيط والناظر والحاضر في كل مكان، والناس تحت


1) يوسف الآية 3

2) يوسف / 111

إدارته وتدبيره، ولن يطول الأمر حتى يحضروا جميعاً بين يديه، فيحاسبون ويؤاخذوا لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ(1)

5- بالحديث عن يوم القيامة والحساب ومؤاخذة العباد والعذاب أيضاً، مما جاء فيما سبق من آيات فمن البديهي أن الجهة التي ستقوم بسؤال الناس والحساب بناء على ذلك، أن تكون عالمة بحقيقة الأمور والأعمال، وإن لم يكن ذلك ، فسيكون للناس أن يكذبوا ويحرّفوا الحقائق، ولذا ولجهة منع مثل هذا التوهم من أذهان الناس يقول تعالى بأنه عنده العلم الكامل، وهو مما لا يشبه علوم البشر القاصرة، وبالتالي ذكر علمه بصيغة النكرة، لتبيين عظمة الله وأهميته.

6- نحن نعلم بأن الله سبحانه يعلم كل شيء، وبأنه حاضر في كل مكان، فلم سيتم توجيه السؤال للأنبياء وللأمم السابقة واللاحقة دون استثناء؟! الإجابة: إن كان السؤال من أجل الاستعلام وإدراك أمر ما، فهذا مما لا يليق ومقام العالم، لكن لا مانع من أن يكون السؤال لإثبات الحجة، واعتراف العبد و.. وكأننا نسينا النعم الكثيرة التي أحاطنا الله تعالى بها، فارتكبنا من الخيانات والمعاصي الكثير، مع أن كل شيء واضح أمامنا ،وجليّ، فهنا يأتي السؤال للتذكير والتفهيم.


1) سبأ / 3

الآية 8

اشارة

وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الوزن، الحق، المیزان، الثقل، الفلاح، مقیاس الأعمال

1- استكمالاً لبحث البعث والقيامة، تقوم هذه الآية بالإشارة إلى مسألة (سبر الأعمال)، وهو مما جاء ذكره في الآيات الأخرى، من مثل سورة المؤمنون / الآية 102 و103 وسورة القارعة/ الآية 6 و 8 .

2- (الميزان) هو أداة للقياس، فكل شيء من الأشياء له مقياس خاص به، فالحرارة والبرودة بميزان الحرارة والفاكهة بالكيلو، والقماش بالمتر، وكذا فإن وسيلة قياس الناس العاديين هم الأشخاص الكاملون، وميزان يوم القيامة هو الحق والحقيقة، فحتى الحكم يكون بالحقهُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ.

3- تثبت هذه الآية أن هنالك وزناً وقيمة للأعمال الحسنة والسيئة، ويجب معرفة أن الأعمال الحسنة هي سبب تثقيل الأعمال، فيما السيئات تخففها، وبالمثل فالأعمال الباطلة والزائلة لا تمتلك وزناً.

4 - الحق هو الميزان الذي تقاس الأعمال به به يوم الدين، بمعنى أنه كلما كان العمل مشتملاً على الحق، كلما كان ذو وزن أثقل واعتبار أكبر بين الأعمال، وعليه فلأن الأعمال الحسنة تشتمل على الحق، فإنها ذات ثقل، وعلى العكس من ذلك العمل السيء، لأنه لا يشتمل على الحق، فهو باطل كامل، لذا لا يملك وزناً أو اعتباراً، وعليه فإن وزن كل عمل هو بمقدار الحق الموجود فيه.

5- من المسلم أن الأعمال في يوم القيامة لا تقاس بميزان، أي ليس بأداة الميزان التي نعرفها في هذه الدنيا، بل الميزان المقصود هو الأنبياء والأئمة، فبناء على رواية منقولة عن آل البیت(عليه السلام)أن وجود الأنبياء والأئمة والصالحين هو الوسيلة التي سيقاس بها العمل.

6- لا شك أن الكثير من الحقائق في هذا العالم مستترة بغطاء الإبهام والغيب، ويوم القيامة هو يوم ظهور وانكشاف هذا الغطاءوَبَرَزُوا للهِ الْواحِدِ الْقَهَّار(1).


1) ابراهيم /48

الآية 9

اشارة

وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (9)

النقاط المستفادة من هذه الآية: المیزان، الخفیف، الخسران، الظلم، الآیۀ، الذنب

1-كما قلنا في تفسير الآية السابقة، فإن الثقل والخفة في ميزان الأعمال، ليسا في ثقل كفة الميزان بحد ذاته، بل المقصود ثقل الأعمال من حيث حسنها وقبحها، فالأعمال القبيحة ليس فيها حق، لذا لا وزن لها.

2- لن يملك المذنبون في يوم القيامة سوى أنفسهم، وهذه الأخيرة هي ما أضاعوه في الغرور والعصيان والطغيان، وتكذيب آيات الله.

3- المذنبون هم أصحاب الأعمال الخفيفة، أصحاب الأعمال الخفيفة، فهم أولاً لا رأسمال لديهم ليعرضوه، لما ظلموا وطغوا، وثانياً هم قاموا بالإضرار بأنفسهم، بتكذيبهم آيات الله ، حيث لم يدخروا لأنفسهم ما ينفعها ليوم الدين، لذا كانت الخسارة لها وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ

4- التعبير بالظلم لآيات الله فيه إشارة إلى أن هؤلاء لم يظلموا أنفسهم فحسب، بل وظلموا آيات الله وتعاليمه، لأن هدف هذه هو هدايتهم ونجاتهم، لكن الظالمين أعرضوا عنها فجاء قوله تعالىبِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ

5- الخسارة يوم الدين هي قلة ما في جعبة الإنسان من أعمال صالحة، فكيف به وهولا يملك منها شيئاً، ف- (الخسارة) تعني فقد رأس المال والربح، ولكن (الضرر) يعني فقد الربح وليس رأس المال وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا

الآية 10

اشارة

وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (10)

النقاط المستفادة من هذه الآية: المنزل، التمکن، الشکر، المعیشۀ

1- تستعرض هذه الآية جانياً من فضل الله تعالى على الإنسان، ومنها نعمة الإقامة والسكن في الأرض، وتسخيرها له، وما فيها من نعم خُلقت لمعيشة الإنسان وحياته، إلا أن الإنسان نادراً ما يستذكر ذلك أو يشكر الخالق عليه.

2- معنى (مكناكم) هو أننا جعلنا الأرض منزلاً لكم، وقد يكون ذلك بمعنى فرضنا سيطرتكم عليها، وسخرناها لكم، ويؤيد المعنى الثاني آيات من سورة البقرة، حول قصة آدم و ابليسوَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ(1)

3- إن عبارۀوَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضفي الآية هي العنوان الذي سيتم فيما يلي من آيات تبيانه بالتفصيل .

4- المعايش؛ ج معيشة، وتعني الأمور التي يمكن بها إدارة الحياة، بما في ذلك الطعام والشراب و...

5- إن خلق الأرض وما فيها من أنظمة (دوران الأرض، الحرارة، النور، الجاذبية، دورة المياه والنباتات، والخضروات والفاكهة و...) جعلت بطريقة تكون فيها في خدمة الإنسان لسد احتياجاته وما يلزموَلَقَدْ مَكَّنَاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ

6- في هذه الآية والآيات التالية، سيتم بحث خلق الإنسان والعظمة والمكانة الهامة المعطاة له، وكيفية الخلق وبسط يد الإنسان فيه وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْض


1) البقرة / 36

الآية 11

اشارة

وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الخلق، التصویر، الملائکۀ، السجده، آدم، إبلیس، التمرد، العصیان

1- تتعلق هذه الآية وحتى الآية 14 بقصة نبي الله آدم، وقد تم في هذه الآية مخاطبة الناس أجمعين مرتين بكلمتيخَلَقْنَاكُمْ ... صَوَّرْنَاكُمْ

2- في الآية السابقة، كان الحديث حول قدرة الإنسان المادية وسلطته على الأرض، ولكن في هذه الآية يتوجه الحديث إلى مكانة الإنسان المعنوية والتي فيها أوجب الله على كافة ملائكته السجود للإنسان، فإن كانت الملائكة امتثلت لأمره تعالى فسجدت أجمعين، فكيف بالإنسان لا يمتثل فيسجد لخالقه؟

3- قد يكون السبب فى أمر السجود لأدم(عليه السلام)، هو للإشارة إلى أن كافة البشر يستحقون أن تسجد الملائكة لهم.

4 - فالواضح أن سجدة الملائكة لآدم لم تكن من نوع (سجود العبادة)، فالعبادة هي الله فقط، بل أن هذه السجدة هي بمعنى الخضوع والتواضع، وهذا بعيد كل البعد عن سجود المشركين للأصنام والآلهة ،وإلا فواضح كل الوضوح أن الإسلام نهى عن السجود لغير الله، وما جاء من سجود الملائكة لآدم(عليه السلام)، أو سجود يعقوب(عليه السلام) وأبنائه ليوسف(عليه السلام) هو لتبيان الاحترام والتواضع، وهذا مما لا يحتاج إلى مزيد من التعليل، فحتى رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)قد قال بأنه لو أمر أحداً بالسجود لأحد، لأمر المرأة بالسجود لزوجها، إذاً فهذا سجود ليس للعبادة بما يخالف الشريعة الإسلامية.

5- إن السبب في هذا الانتقال من الخطاب العام في قوله تعالىوَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْإلى خطاب خاص موجه للملائك ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ هولتبيان حقيقتين:

الحقيقة الأولى : أن سجود الملائكة لأدم(عليه السلام) هو في الواقع خضوع لعالم البشرية، فالنبي آدم(عليه السلام) لم يصبح قبلة الملائكة لمجرد سمات و خصوصیات شخصية فيه، بل لأنه يُمثل الإنسانية جمعاء، فهو ممثلها، كما هو حال الكعبة المشرفة التي تمثل مكانة ومقام الربوبية الإلهية، ويؤكد هذا المعنى عدة أمور في قصةآدم(عليه السلام) وإبليس:

الأول: من موضوع الخلافة بين الآيات 30-33 من سورة البقرة، أي أن الأمر لا يتعلق بآدم وحده، بل بذريته، حيث قوله تعالىإِذْ قَالَ رَبِّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً الثاني: من قول إبليسفَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (1)، لأنه وقبل هذه الآية، لم يكن هنالك من ذكر لشخص آدم(عليه السلام) فإبليس لم يبدأ بإشهار العداء ابتداءً لآدم، بل تحدث عن كافة البشر كما في سورة الحجر/ 39 قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ وكذا في الآية 82 من سورة صفَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ .

الثالث: خطابات الله سبحانه الموجهة لآدم(عليه السلام) في سورة (البقرة) و(طه)، هي ذاتها الخطابات الموجهة منه عزوجل إلى الناس أجمعين في سائر السور، وفي كل موضع يتكرر قوله تعالى: يا بني آدم.

إن الحقيقة الثانية المتمثلة بأن حقيقة خلق آدم(عليه السلام) هي في الواقع حقيقة خلق جميع البشر، والآيات 12 و 13 من سورة المؤمنون

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12 ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكيِنٍ)والآية 67 من سورة غافرهُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفلاً هي مما يؤكد ذلك، كما أن ظاهرهاتين الآيتين يشير أيضاً إلى أن المقصود بالخلق من التراب هو خلق آدم(عليه السلام).


1) الأعراف / 17

الآية 12

اشارة

قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12)

النقاط المستفادة من هذه الآية: السجود، الأمر، الخیر، الشر، الکبر، القیاس، النار، الطین،

1- جاء الخطاب الإلهي موجهاً بالسؤال إلى الشيطان : ما الذي جعلك تعصي أمري، فلا تسجد لما خلقته بيدي؟قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ(1)

2- لا شك أن في هذه الآية عدة حقائق الأولى: أن عبارۀأَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَیَّهي وصفية تبين اهتمام الله سبحانه بأمر خلق آدم

(عليه السلام).

والثانية: رغم أن هذه كانت المرة الأولى التي يعصي فيها إبليس الله سبحانه، بعدم السجود، إلا أنها كانت المرة الأولى أيضاً التي يرد فيها إبليس على الله سبحانه ويشهر عصيانه.

3- كلنا نعلم بأن مصدركافة المعاصي هو الأنانية والتكبر والرغبة بالتعالي وتحدي الله سبحانه، في حين أن الكبرياء والألوهية لا تليق إلا بمقام الله القدسي، وكافة المخلوقات ذليلة في محضر عزته وجلاله ، وقد قام إبليس بمعاندة كل هذا الكمال والجمال، مدعياً الكبرياء و.. (أنا خير منه).

4- تفيدنا الآية كذلك بأربع نقاط كالتالي:

أولاً: أن إبليس عصا الله سبحانه وتكبر على اشاءة الله وليس على آدم(عليه السلام).


1) سورة ص / 75

ثانياً: أن سجود الملائكة لآدم لم يكن لمادته التي خلقه الله منها، أي لم يكن سجوداً للتراب والطين، بل كان سجوداً لشرف روحه الإنسانية وهي الروح التي ميزها الله تعالى عن سائر المخلوقات، فجعلها من روحه.

ثالثاً: لا شك أن الأنانية والتكبر والتعجرف، كلها أعمت بصيرة الشيطان، ورغم أنه أشار إلى أن النار أعلى شأناً من التراب وليس للنار أن تسجد للتراب، إلا أن ذلك لم يكن السبب الأساس في طغيانه، لكنه كتمه ولم يعترف به، فجاءت ردة فعله بالعصيان والتكبر الذي أسقطه من مكانه القدسي الشريف.

رابعاً: إن كل المكانة الشريفة التي خضع الملائكة أمامها كانت بسبب أن الله نفخ في التراب من روحه، وهذا بحد ذاته فضيلة غفلت بصيرة الشيطان عن رؤيتها.

الآية 13

اشارة

قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الهبوط، التکبر، الخروج، الصغارۀ

1- (الهبوط) في اللغة هو بمعنى السقوط والخروج والنزول من مكان مرتفع أو مكان سابق كان الساقط مستقراً فيه، وعادة ما تستخدم الكلمة في التعبير عن الأمور المعنوية، مثل النزول من مكانة عالية إلى أخرى دنيا، كما أنها تستخدم لفظاً مثلاً في عبارة( هبطت الطائرة)، كما في

الآیۀ قَالَ فَاهْبِطُ مِنْها- رغم أن بعض المفسرين أعاد ضمير (منها في جمل قَالَ فَاهْبِطْ مِنْ إلى أنه الخروج من الجنة والنعيم، كما رد آخرون الضمير إلى السماء، لكن واقع الأمر أن المعنى المعنوي يشير إلى الهبوط من مكان ومقام مرتفع إلى مكان هابط ودني، فلقد كان إبليس في مكانة الملائكة سابقاً.)3- جمل ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَاتوضح سبب هبوط الشيطان وسقوطه، حيث تبين بأن ليس له أن يكون بين الملائكة، وهم اللذين لا يعصون الله طرفة عين أبداً، ولا يخالفون أمره، وعليه فلا يليق بهذا المقام الإلهي الرفيع أن يكون فيه مخلوق عاص كالشيطانلَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(1)

4- لأن ( صاغر) هو بمعنى الذليل، فإن هذه الجملة تؤكد أن الهبوط المذكور، هو نزول وسقوط من مكان رفيع، كان سابقاً مكانة إبليس بين الملائكة، لكن الآية الآن تقولفَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ.


1) التحريم /6

5- كما أوضحت الآيات القرآنية فإن إبليس كفر وتكبر، فهل هنالك من مكان غيرجه ليدخله ؟ وهو الأمر الواضح في الآية 72 من سورة الزمر ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ، وكذا في الآية 33 من سورة الزمر والآية 60 من سورة العنكبوت أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ.

6- تنتهي كل القدسيات عند الله سبحانه، فهو الإله المتعال الوحيد ذوالعدو المطلق، والكبرياء لائق به، وكل المخلوقات ذليلة خاضعة أمامه لأنه خالقها وموجدها.

7- يتجلى التكبر في سلوك العبد في أمرين: الأول التكبر المحمود الذي يرضاه الله وفيه يتجلى كبرياء الله، كالتكبر على أعداء الله والتعالي عليهم، والثاني هو التكبر المرفوض الذي تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء ويجعل المرء يتكبر بغير الحق على من سواه.

8 - يقول تعالى مخاطباً الشيطان: اخرج من مقامك في الجنة والسماوات أو من بين الملائكة، وليكن نزولك هكذا دون عودة، فأنت من الصاغرين.

الآية 14

اشارة

قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14)

النقاط المستفادة من هذه الآية: المهلۀ، النظر، البعث، إبلیس، یوم البعث

1- رغم أن هذه الآية لا توضح إلى أي زمان منحت المهلة للشيطان، لكن الآية 28 من سورة الحجر، والآيات 80 و 8 من سورة ص توضح أنها طويلة جداً، وليس إلى يوم القيامةفَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُوم.

2 -يجب أن نعلم بأن الشيطان لا يجبر الإنسان على العصيان، أو الانحراف، إلا أنه يوسوس له فقط، كما في الآية 22 من سورة إبراهيموَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لی

3- طلب الشيطان من الله عز وجل أن يمهله إلى يوم القيامة ، ليتمكن من إضلال الناس في الدنيا وفي البرزخ، لكن الله تعالى لم يمنحه ما يشاء، بل جعل مهلته في الدنيا فحسب، حيث بكون له أن يفتن الناس، لكن ليس له أي سلطة على الناس في البرزخ.

4- إن قصة الشيطان مع ،آدم لا تنتهي هنا فحسب، فهو وبعد طرده من رحمه الله تضاعف طغيانه ،وحقده، وبدل أن يتوب فينيب ويعترف بذنوبه، لم يطلب من الله سوى أن يمهله ليستكمل خطته ضد الإنسام قالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون .

الآية 15

اشارة

قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15)

النقاط المستفادة من هذه الآية: المهلۀ، النظر

1- يفهم من هذه العبارة؛ أولاً: أن الله سبحانه منح الشيطان مهلة، يُغوي فيها الناس ورغم أن مهلته هذه غير معلومة، إلا أنها ليست ممتدة حتى يوم القيامة، وهو موعد ليوم معلوم، لا يشمل البرزخ، لأن ليس للشيطان سلطة عليه في عالم البرزخقَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ

وثانياً: أن عبار قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ تشير إلى أن هنالك آخرين لهم مثل هذه المهلة كالشيطان.

2- رغم أن هذه الآية هي بمثابة رد الله سبحانه على طلب الشيطان، فإنها بينت طول الشيطان، دون تحديد لمدتها، إلا أن الآية 81 من سورة ص قيدت ذلك أكثرإلى يوم الوَقتِ المَعلوم.

3- قال بعض المفسرين بأن المقصود بالوقت المعلوم، هو نفخة صور إسرافيل الأولى، التي يموت فيها كافة الناس، ورغم أن الشيطان طلب المهلة للحياة حتى يوم القيامة، إلا أنه وبعد نفخة الصور لا يبقى هنالك من أحد من البشر ليقوم بإضلاله، ولا يعود هنالك من معنى للموت والحياة، إلا أنه وفي بعض الروايات الواردة في كتب الشيعة، فإن الوقت المعلوم هو زمان ما بعد ظهور الإمام صاحب الزمان( عجل الله فرجه الشريف)، حيث يحل زمن الرجعة، وقيل بعد رجعة أمير المؤمنین(عليه السلام) حيث يحارب الشيطان فيقتله ويزيله من الوجود.

سؤال : لماذا أمهل الله سبحانه الشيطان ليقوم بإغواء الناس وإضلالهم وسوقهم إلى جهنم؟

الجواب: إن الله سبحانه لا يجبر أحداً على الإيمان، أو العمل الصالح، وكذا على الكفر أو العمل الفاسد، فكل إنسان له الحرية في اختيا رسبيل يسلكه، وعليه فيتوجب أن تتهيأ أسباب

الخير والشر والإطاعة والمعصية معاً، فيكون رسل الله وكتبه وآياته هداةً للحق، وكذلك أن يكون الشياطين لدعوتهم نحو الشر والرذيلة، لتتم حجة الله من أجل الترغيب والتحذيرلِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (1)


1) الأنفال/ 42

الآية 16

اشارة

قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16)

النقاط المستفادة من من هذه الآية: الإغواء، القعود، صراط المستقیم، الشیطان، إبلیس، الخدعه، طریق الحق، القسم، سلطۀ الشیطان

1- (الإغواء ) هو في اللغة بمعنى الخداع والإغفال والتزين الظاهري بما هو جيد بينما الباطن عكس ذلك، لجهة التضليل وليس أي تضليل بل هو تضليل عاقبته الهلاك والخسران.

2- هذه الآية توضح سبب طلب الشيطان لمنحه عمراً مديداً في الآية السابقة، فهو لم يكن یکن يريد من ذلك أن يستغفر الله ويتوب، ولكن هدفه كما أوضح بلسانه، أن يُضل الإنسان من كل سبيل ممكنقَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ

3- كان الشيطان يعتقد بأن الله أمره بما جعله يضل وينحرف، رغم أنه كان غافلاً عن أن الله أرشده إلى ما فيه خير له من خلال أمر السجود ذاك، بينما ما جعله ينحرف هو اتصافه بالتكبر.

4- إن جملفَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمكناية عن أنه ولأنك أغويتني؛ فلسوف أقعد عند كل سبيل يوصل عبادك إليك، وإلى السعادة الأبدية ولا أرفع عنهم عيناً، بل وأستمر بإضلالهم والوسوسة لهم حتى أخرجهم عنه.

5-لا شك أن وهم الإغواء والإضلال الذي كان لدى الشيطان، وظنه الكاذب بأن الله هو من حرفه وخدعه لا يشف إلا عن تفكير قاصر وجهل من قبل إبليس بمقام الربوبية، ليقوم بنسب مثل هذه التهمة إلى ساحة القدس الإلهية المنزهة والمبرأة عن كل سوء.

6- إن التدبر والنظر إلى القرآن يجعلنا نفهم بوضوح أن وهم الإغواء والخداع والقسم والتهديد الصادر عن الشيطان لمقام الله سبحانه وتعالى لم يرد فقط في الآيتين 16 و 17 من سورة الأعراف، بل وجاء كذلك في كل من الآيات 39 و 40 من سورة الحجر قَالَ رَبِّ بِمَا

أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ وكذا تهديده بالمكر والخداع في الآيتين 82 و 83 من سورة ص قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ *إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ 7- كلمة (قعود) هي بمعنى الجلوس وسد الطريقلَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ، ومن الضروري أن نلتفت إلى أن الشيطان يقوم بنصب الفخاخ المختلفة للإنسان من خلال الشهوات الإنسانية والزخارف الدنيوية بالأموال والبنين وحب النساء والفساد و.. فإن لم يستطع مع كل ذلك أن يضله، جر الإنسان إلى طريق النفاق والارتداد، فإن لم يستطع أيضاً؛ فيبدأ بزرع الشك والوسوسة في قلب الإنسان ليُخرج الإيمان منه.

إن الطريق المستقيم وطريق الحق واحد، أما السبل المعوجة والمنحرفة فكثيرة جداً، وهي مما يستخدمه الشيطان لإضلال الإنسان وأنّ هذا صِراطِي مُستَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا الشِّبُلَ فَتَفَرِّقَ بِكُم عَن سَبِيل(1)

9- يمكن في ظل هذه الآية توضيح حديثين، الأول : أنه حين أقسم الشيطان بأن يقعد للإنسان من أربع جهات ليحرفه، قامت الملائكة فخاطبت الله سبحانه: يا رب! وكيف ينجو الإنسان؟ فقال تعالى : له سبيلان مفتوحان من فوق رأسه ومن تحت رجله، فكلما رفع يده بالدعاء أو سجد على التراب غفرت له ذنوب سبعين سنة.(2)

الحديث الثاني: أنه ما أن علم آدم (عليه السلام)بسلطة الشيطان تلك على الإنسان، حتى اتجه نحو الله بالعويل فجائه الخطاب أن لا تحزن، فسأجعل حساب الذنب بواحد والثواب بعشرة وسأفتح باب المغفرة. (3)


1) الإنعام 154

2) تفسير فخر الرازي الكبير

3) تفسير نو الثقلين

الآية 17

اشارة

ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الأیدی، الخلف، الیمین، الشمال، الشکر، الشیطان، الجهات، الأربع، الصراط المستقیم

1- توضح هذه الآية كيفية الخطة التي رسمها الشيطان، وما سيقوم به من حصاره للإنسان من كل جهة وكل سبيل عَلَّه يحرفه بعيداً عن طريق الحق.

2- جاءت الآية استكمالاً لحديث إبليس في الآية السابقة، مع مزيد من التوضيح لما ينويه الشيطان ضد الإنسان.

لم تذكر الآية جهتين اثنتين هما الأعلى والأسفل، وذلك لأنه عادة ما يقصد الإنسان أحد الجهات الأربع من حوله، ليتحرك ويمشي، ولا يتجه نحو الأعلى والأسفل!

4-ولكن ولأن الطريق إلى الله هو أمر معنوي، فبالطبع الحديث عن الجهات الأربع وشدها هو أمر معنوي أيضاً، وعليه فالشيطان كان يقصد بأنه سينفذ إلى الإنسان من أربع سبل ما يلي:

الأول:مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ: والمقصود بذلك الحوادث التي تطرأ للإنسان في حياته، فبعضها يُطابق رغباته والآخر ما يسبب حزنه وضيقه، وفي الحالتين يستفيد الإنسان من الفرصة لقلبها ضد الإنسان.

الثاني مِنْ خَلْفِهِموالمقصود بذلك الأولاد ونسل الإنسان، فالإنسان عادة ما يجول في خاطره الكثير من الأماني لأولاده، ولسعادتهم، فتراه يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم، وهكذا فالشيطان يستغل ذلك في جعل الإنسان يسعى بأي وسيلة كانت حلالاً أو حراماً، إلى تأمين رغبات أولاده وأسباب راحتهم.

الثالث :عَنْ أَيْمَانِهِم فالجانب الأيمن للإنسان هو جانبه المبارك، كما أنه يمثل مصدر القوة فيه، بما يحقق له سعادته وثبات دينه، وهنا يقوم الشيطان فإما أن يجعله يغالي في التدين أو يجعله ينفر.

5- واضح أن (الشاكرين) هم ذاتهم (المخلصين)، لأن من يعبد الله عبادة خالصة، فإنه لن يتوجه بقلبه سوى الله ، ولن يتسع فؤاده إلا له عز وجل، فلا مكان لوساوس الشيطان فيه، ومثل هذا الإنسان يشكر الله على نعمه بشكل يرضاه الله ، كما يفعل الشاكرون ممن تحول الشكر فيهم إلى ملكة غالبة ، لا تغيب عن أذهانهم، وهذا الإنسان هو الشاكر المخلص.

6- بالرجوع إلى ما في سائر الآيات من قرائن يمكن أن نفهم بأن السبب في استثناء جماعة المخلصين من الاغواء الشيطاني، لم يكن قط لجهة رأفة الشيطان بهم، بل لأنه غير قادر أبداً على السيطرة عليهم أو التغلب عليهم، وهم بالفعل فئة قليل وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور(1)

7- يُنقل عن الإمام الباقر(عليه السلام) تفسير عميق حول هذه الجهات الأربع، حيث يقول عليه السلام أن المقصود من اقتراب الشيطان من الإنسان من (أمامه ) هو أنه يقلل في عينه الآخرة والعالم الآخر الذي هو مشرف على الانتقال إليه، والمقصود من أنه يأتيه من (خلفه) هو أنه يدعوا الناس ليكنزوا أموالهم ويجتهدوا في جمع الثروات والبخل بالعطاء ودفع الحقوق الواجبة رغبة في تخليفها للورثة والأبناء، والمقصود من (الجانب الأيمن) هو أنه يبخس ويضيع قيمة الأعمال والأمور المعنوية بالشك والشبهة ، وأما الجانب الأيسر) هو أنه يبرز في أعينهم اللذات المادية والشهوات ويجملها.(2)

8- لأن الإنسان قادر على الوصول إلى الله سبحانه من عدة سُبل، فإن الشيطان أيضاً يبذل قصارى جهده ليسدها عليه، ويمنعه من بلوغ الصراط المستقيم.


1) سبأ الآية 13

2) تفسير كنز الدقائق / المجلد 3 الصفحة 32

9- إن العبارة الأخيرة من الآيۀوَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ مبينتوضح أن أكثر العباد يطغون ويعصون الله من خلال كفران النعم التشريعية التي تفضل الله بها عليهم وإنكارها أو عدم الاعتناء بالتفكر بها، ومنها إرسال الرسل وتنزيل الكتب السماوية من مثل القرآن وإيجاب الأحكام الإلهية كالصلاة و... أو بعدم استخدامها بالشكل الصحيح وكذا النعم الإلهية التكوينية كمنحهم العقل والقوى الظاهرية والباطنية.

الآية 18

اشارة

قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18)

النقاط المستفادة من هذه الآية:الخروج، المذءوم، المدحور، التبعیۀ، الإمتلا، جهنم، إبلیس، الشیطان

1- (المذوّم) من أصل( ذئم) وتعني العيب الشديد، و(المدحور) من (دحر) بمعنى المنبوذ بالذل والتحقير ، واللام في ( لمن تبعك ..) هي لام القسم وجوابها( لأملأن..).

2- في هذه الآية يصدر من جديد حكم الله بإخراج إبليس من حريم الله المقرب والمقام المقدس والمنزلة الرفيعة مع فارق أن حكم الطرد هنا صد ر بلهجة فيها تحقير وإذلال أشد من السابق، ولعل ذلك بسبب ما صدر عن الشيطان من عناد وإشهار بالمعصيرقَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا

3- بعد أن أقسم إبليس بأن يكمن للإنسان ويخدعه فيحرفه عن صراط العبادة والشكر باعتبارهما الهدف الأساس من وراء خلق ابن آدم نرى بأن الله سبحانه قد أشرك في رده على الشيطان اتباعه معه، فجعل لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ

4- إن عداء إبليس مع أبناء آدم كان بسبب أن وجود هذا الأخير تسبب في طرده من مقامه ومكانته، ولكن وكما سبق وقلنا؛ فإن وجود الشيطان ووساوسه وفتنه هي في صالح عباد الله الخالصين وذلك لأنهم ومن خلال مبارزتهم لتلك الوساوس، يبلغون مراتب التقوى والورع العالية، فوساوس الشيطان لا تعني أبداً بأن نتيجتها ستكون حتماً وقوع ابن آدم في المعاصي، بل إن السبب هو ضعف الإيمان لديه.

5- كما تمت الإشارة إليه مقدماً، فعبارة المَنْ تَبِعَكَ مِنْهُ فيها لام قسم، والله سبحانه

في جوابه للشيطان يقسم بأنه وبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا المخلصين منها لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ.

6- سؤال: لماذا منح الله سبحانه لإبليس فرصة جديدة في استمرار الحياة، بعد كل هذا التعالي والغطرسة والطغيان الواضح منه؟

الجواب: إن فرصة استمرار الحياة ليست مجرد إلحاق ضرر، بل هي بمثابة جانب سلبي واحد جاء من أجل تثبيت نقاط إيجابية ومؤثرة أخرى، فوجود الشيطان يولد في داخلنا ميداناً من المواجهة فيما بين قوى العقل والروح تكون في حد ذاتها المسار الأساس للارتقاء بنا للتكامل.

يجب الالتفات إلى أن الله سبحانه ورغم أنه جعل الشيطان حراً في أعماله ووساوسه، إلا أنه لم يترك الإنسان من جهة أخرى وحيداً فريداً دون دفاع، فقد منحه من الوسائل ما يرد عنه هجمات الشياطين؛ أولاً: العقل والتفكير، وثانياً: الفطرة الطاهرة والرغبة بالكمال في أعماق الإنسان، والثالث: الملائكة التي تلهم الإنسان بالأعمال الحسنة وتهب لمساعدته في خوض غما ر معاركه مع الشياطين.

7- رأى بعض المفسرين أن ضمير (منها) في أقال اخرج من يعود إلى الجنة، والبعض رأى بأنه يعود إلى السماء أو من درجة مرتفعة هي منزل الملائكة، وعلى كل حال فعبارة (مذئوماً) تؤكد بأن الخروج هو للطرد والهبوط من منزلة عليا بشكل معيب ومذموم.

8 - يبدو أن لفظ (تبع) في العبار لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْها تبيان لأن المذنبين يلحقون بالشيطان بإرادة منهم ورغبة وليس للشيطان عليهم من سلطان يجبرهم، فرغم أن سبيل الدسائس نحو ارتكاب الذنوب لا يكون إلا بترغيب وتزيين من الشيطان، إلا أن ذلك لا يتجاوز ذلك إلى الإجبار.

10- لعل المقصود من كلمة التابعين؛ هو الشياطين أيضاً، أي ذرية إبليس، وكثير منهم هم من البشر بما يشمل الجن والإنس ورؤوس الضلال والانحراف والعناد، وكذا أصحاب البدع والمنكرين لضرورات المذهب ،والدين وهم بالطبع أكثر عدداً من المؤمنين المعتقدين بالعقائد الحقۀلَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ.

11- مسألة : يقول تعالى في الآية 30 من سورة ق يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ لكن الآية هنا تقول لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ

التوضيح إن جهنم هي مظهر الغضب الإلهي، وليس بعسير على الله سبحانه أن يجعل فيها مكاناً لأضعاف مضاعفة من الكفار والشياطين، لذا فإنها تقول باستمرار: هل من مزيد ؟ .. فقد ورد في الروايات أنها تمتلئ إلى درجة لا يكون لكافر فيها مكان للتحرك من شدة ضيق المكان وكثرة .المذنبين. وهذا في حد ذاته أحد عقوباتها.

12- ياللعجب ! كم من العواقب تترتب على لحظة تكبر واحدة يقول فيها المرء (أنا خير!) .. فيأتيه الردّ (اهبط واخرج فأنت من الصاغرين..)، فكل هذا التحقير والإذلال ليس إلا لقاء التكبر والتعجرف، واستبدال الاعتذار والتأسف بمزيد من إعلان وإشهار الطغيان.

الآية 19

اشارة

وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19)

النقاط المستفادة من هذه الآية: آدم، السکنی، الزوج، الزوجۀ، الإکل، الشجرۀ، الظلم

1- في هذه الآية خطاب من الله سبحانه لآدم وألحق بالذكر والخطاب فيه زوجته معه.

2- إن أمر السكونة من جانب الله سبحانه لآدم في قوله عزوجل وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فيه أمر ترخيصي وليس إجباري، أو استحبابي، بمعنى : يمكنك أن تسكن فيها بحرية مع زوجك بشروط ، وهذا لا يعني أن يكون السكن مقابل عدم التحرك بحرية فيها.

3- جمل أَنْتَ وَزَوْجُكَ تشير إلى زوجة آدم وهي حواء ، وذلك لأن زوج الإنسان الذكر لا يكون إلا بأنثى.

4- قد يورد بعضهم إشكالاً هنا، وهو أنه لم لم يقل الله سبحانه (أنت وزوجتك) وهل أن تعبير زوجك يشمل المرأة أيضاً في اللغة العربية ؟

وفي الجواب نقول: في اللغة العربية الكثير من القرائن عن أن بعض الألقاب المطلقة على الأنثى، ترد دون تاء التأنيث من مثيل حائض، حامل، مرضع .... مما هو واضح بأنه لا يسري على الرجل، وعليه فالمقصود بلفظ زوج في الآية هو حواء .

5-من عبارۀوَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ نفهم بأن آدم وحواء لم يكونا منذ بدء الخلقة في الجنة، بل تم بعد خلقهما إدخالهما إليها.

6- لعل السبب في استخدام لفظ ( اهبطوا) في مواضع عديدة، هو الإشارة إلى السقوط والخروج والنزول من مكان مرتفع كان مستقراً سابقاً، وقد أشير فيما سبق أنه قد يكون الجنة الأخروية التي مُنح آدم الإذن بأن يسكنها مع زوجته وهي الجنة التي عرج النبي الأکرم(صلی الله علیه وآله وسلم) إليها في ليلة الإسراء والمعراج ومنها نزل عليه وعلى آله مائدة من الطعام، وليس الجنة

الدنيوية، فاليوم أصبحت الكرة الأرضية بأسرها مكشوفة وليس فيها مكان كما في وصف تلك الجنة.

7- جملفَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا تبين أن الأمر الإلهي فيه رخصة وحرية وإباحة لامانع فيها من تمتع آدم وحواء بمتاع الجنة؛ سواء بالمأكل والمشرب أو..

8- في هذه الأثناء؛ يبد وأن أول أمر إلهي قد صدر: فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ بأن لكما الحرية في أن تأكلا من كل أشجار الجنة وفي أي نقطة كانت، فيما عدا شجرة واحدة بعينها.

9- لعل النهي في هذه الآية وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ هو نهي إرشادي وليس تحريمي ولاتنزيهي، لذا فيُستخدم لفظ ترك الأولى هنا وليس ارتكاب الحرام أو المكروه.

10- عبارۀفَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَتوضح أن نهي الله في لفه ولا تَقْر يعني أن حدّكما بأن لا تقربا الشجرة فكيف بكما تأكلان منها، والظلم المذكور في الآية هو ظلم للنفس ومخالفة لأمر إرشادي، وليس معصية أو مخالفة لأمر من المولى، وهل هنالك ظلم للنفس أعلى من حرمانها من البقاء في الجنة والتمتع بنعمها ؟

الآية 20

اشارة

فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الوسوسۀ، الشیطان، السوء، النهی، الشجرۀ، الملک، الخلود، ششجرۀ العنب

(الوسوسة) في اللغة هي بمعنى الدعوة إلى القيام بأمر مستور وخفي، وفي عرف المجتمع يعني القيام بأعمال باطلة، تُلهم على قلب الإنسان بهيئة الحق والنصيحة. و(المواراة) هي التغطية بطريقة خفية، و(سوءة) هي عورة الإنسان التي يشعر بالعار من كشفها، فالشيطان قام بالوسوسة لآدم وحواء ليكشف عن عورتهما التي كانت مخفية فيما سبق.

2- سوءاتهما جمع سوءة، ويُقال بأن كلا من النبي آدم والسيدة حواء لم يكونا قبل ذلك قد اطلعا على سوأتيهما أبداً.

كان الشيطان قد قرر بحزم أن يقوم بالانتقام من آدم وذريته، لما جرى عليه من طرد، فقام باستغلال محبة الإنسان ورغبته إلى الكمال، ولتحقيق ذلك كان أمامه ان يسلك أحد شكلين :

4- الشكل الأول: بإلهام هو بتعبير آخر خيال، مما يستخدمه عادة مع سائر الناس، لكن ليس للشيطان أن يسيطر على قلوب المعصومين من الأنبياء والائمۀ(عليه السلام) ، لذا فلا يمكنه سلوك هذا السبيل.

الشكل الثاني: بأن يظهر بشكل إنسان في عدة حالات ليزرع الانحراف والشبهات، ويسعى نحو تشويه الحقائق وترسيخ الباطلفَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ.

5- حاول الشيطان أن يُرغب آدم وزوجه بتناول ثمار شجرة العنب، فقال: أن الله نهاكما عن هذه الشجرة، لأنه إن أكلتما منها فسوف تتحولان إلى ملكين تدخلان بين الملائكة، أو أن تحصلا على الخلم وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ.

6- رأى بعض المفسرين وبالاستناد على هذه الآية، وعلى آية شبيهة من سورة يوسف هذا بَشَراً إِن هذا إِلَّا مَلَكَ كَرِيا بأن الملائكة يتمتعون بمقام أعلى من الإنسان حتى الأنبياء منهم ،لكننا نورد فيما يلي برهانين لابطال ذلك :

البرهان الأول: لا شك أن نساء مصر لم يكن يعلمن بأن يوسف هو نبي ومبعوث من قبل الله، وكل ما كنّ يعلمنه عنه أنه غلام كنعاني فحسب، لكن رغم ذلك خاطبنه بأنه ملاك، رغم أنهن يعرفن بمقام الملائكة وعلو منزلتها.

البرهان الثاني: صحيح أن الشيطان عبد الله سنين طوال في السماوات وبين الملائكة، فتصور بأنه أفضل من الإنسان وأعلى، وعليه فلعل آدم وحواء أيضاً لم يكونا يعلمان بعلو درجتهما فوق الملائكة، فظنا بأن الأفضل لهما أن يدخلا في عداد الملائكة، على اعتبار أنها أشرف، في حين أن أمر الله للملائكة بالسجود لآدم هو في حد ذاته برهان محكم على أفضلية الإنسان المتقي والطاهر على الملائكة.

الآية 21

اشارة

وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21)

النقاط المستفادة من هذه الآية: القسم، الیمین، النصیحۀ، آدم، حواء

1 (مقاسمة) تعني المبالغة بالقسم وقاسمهما من قاسم( باب المفاعلة)، بمعنى أقسم لهما، وأما (نصح) فهي ضد كلمة (غش).

2- لأنه النبي آدم وزوجنه حواء : لم يكونا في بداية الأمريثقان بإبليس، ونظراً لتردد آدم في تناول فاكهة تلك الشجرة، فقد قام الشيطان بإلقاء القسم أمامهما، ليؤكد لهما بأنه صادق، فكان هذا أ و قسم بالكذب من قبل الشيطان.

3- يُروى عن الإمام الرضا(عليه السلام) أن آدم وحواء لم يكونا قد سمعا أحداً قط يعقد قسماً بالله كذباً حتى ذلك الحين، لذا وثقا بإبليس، وأقدما على تناول فاكهة الشجرة، وهذا الأمركان قبل نبوة آدم، كما أنه لم يكن نهياً تحريمياً أو من الكبائر التي تستحق النار.(1)

4- النصيحة عادة ما تكون إرشاداً بأمر فيه خير، وذلك في مواجهة الخيانة والإضلال والإفساد، وقد صدّق آدم (عليه السلام)كلام الشيطان، رغم ما أشهره من كفر، ورغم لعن الله له وطرده ،وذلك لأنه أقسم وقال إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ.


1) عيون الأخبار / ج 1 ، ص 196

الآية 22

اشارة

فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الدلیل، الغرور، الجنۀ، الشجرۀ، السوءۀ، ورق الجنۀ، النهی، العداوۀ، البینۀ

1- يُنقل عن الإمام الصادق(عليه السلام) في تفسير علي بن إبراهيم القمي & ؛ عندما أسكن الله سبحانه آدم وزوجه في الجنة، وأباح لهما كل شيء ما عدا تلك الشجرة، جاء إبليس وقال له بأنكما نهيتما عن هذه الشجرة، ولكن إن تناولتما من ثمارها فإنكما ستتحولان إلى ملكين وتبقيان في الجنة إلى الأبد، ولكن إن لم تفعلا؛ فسيخرجكما الله منها، ثم أقسم أمامهما بأنه يريد صلاحهما، وأنه ناصح لهما، فقبلا قوله، ولكن ما أن أكلا من تلك الشجرة حتى سقط عنهم رداء الجنة، ووقع ما جاء في الآية الكريمة وما أخبر تعالى به.

2- ذهب فريق من المفسرين؛ من أمثال السيد مرتضى والطبرسي وأبو الفتوح الرازي إلى أن إخراج آدم من الجنة إلى الأرض، كان من باب المصلحة وليس عقوبة له أو جزّاءً. (1)

3-كلمة ( غرور) تعني إظهار الخير وكتم السوء في الباطن؛ وكلمة (دلهما) تعني أنه قربهما، و(خصف) أي جمع ، ورتب، وبالتالي فالمعنى يكون أن الشيطان كان يخفي في قلبه خطته الوضيعة، ونيته السيئة لهما، فأظهر بأنه يريد بهما خيراً، وعليه تقرب منهما، وشجعهما على تناول الفاكهة الممنوعة، وعندما أصغيا له وأكلا من الشجرة، ظهر لهما ما كان مستوراً، فأخذا بسرعة يجمعان من أوراق أشجار الجنة ليغطيا جسديهموَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ.


1) تفسير الاثني عشري / المجلد 3 ص 40

4-في هذه الأثناء، ولأنهما ابتعدا عن مقامهما المقرب إلى الله سبحانه، جاء الخطاب الإلهي بأن : ألم أنهكما عن هذه الشجرة ؟ وألم أقل لكما بأن هذا الشيطان عدوكما؟ لكنكما نسيتما أمري فسقطتماوَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ.

5- يمكن من خلال المقارنة بين هذه الآية والآية الأولى التي يمنح فيها الله الإذن لآدم وزوجه بالسكن في الجنة، إدراك كم ابتعدا عن منزلة القرب الإلهي بهذا العصيان.

6- إن عداء الشيطان مع آدم وحواء صادر من جهات عدة، أولها الحسد والتكبر، وذلك لأن إنساناً مخلوقاً من تراب علا عليه، كما أنه كان السبب في طرد الله له وتبعيده، فما كان منه إلا أن أعلن عن نيته بإغواء أبناء آدم وإضلالهم، وذكر ذلك أيضاً في الآية 117 من سورة طهفَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى.

7 - الإرسال هو أمر يكون من الأعلى إلى الأسفل والهبوط هنا جاء بمعنى الانتقال من مكان مرتفع في الجنة إلى آخر أدنى وأسوأ .

8- سؤال: أولاً: إذا أراد الله سبحانه أن يُسكن آدم وحواء في الجنة؛إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً؟

ثانياً: الجنة ليست مكان التوالد والتناسل؛ فكيف إذا علم الشيطان بأنه سيكون لآدم أبناء وذرية إلى يوم القيامقَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا(1).

ثالثاً: بما أن الشيطان طرد من الجنة؛ فكيف دخل إليها ليوسوس لآدم وزوجته ؟

الإجابة: هنالك اختلاف فيما بين الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية، فالإرادة التكوينية هي أنه لا يقع أي أمر في العالم إلا بإرادة الله سبحانه

مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى


1) سورة ص / 80

أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِوفي كتاب الكافي/ باب المشيئة: عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه قال (ان الله شاء أن لا يسجد ابليس لآدم ولو شاء أن يسجد السجد، وشاء أن يأكل آدم من الشجرة ولو شاء أن لا يأكل لم يأكل)، فلا يجب أن نتصور أبداً بأن الإرادة التكوينية؛ ينتج عنها الإجبار والسيطرة على الإرادة، لأن إرادة الله تمثلت بعدم سلب إرادة الشيطان، ليكون له الخيار في السجود لآدم أو الامتناع عن ذلك، كما أن إرادة الله أيضاً تمثلت في منح آدم وزوجه حرية تناول الفاكهة من الشجرة، وذلك على خلاف الإرادة التشريعية التي فيها يقدم الله الأمور وفق صلاح الإنسان، وعليه فمصلحة الإنسان كانت في تسلسل الأحداث منذ امتناع الشيطان عن السجود وحتى خروج آدم من الجنة إلى الأرض ، وبدء خلافة الإنسان على الأرض وتحقق مشيئة الله في قيام أنبيائه والمعصومین(عليهم السلام). 9- إن استخدام كلمة (نداء) هي لتوضيح أن الخطاب يأتي من مكان بعيد، وعليه استخدم لفظ (تلكما) للشجرة للإشارة إلى أنها بعيدة، فيكون الخطاب هو كالتالي: لم لم تطيعاني فابتعدتما، ألم أمنعكما عن هذه الشجرة، ألم أقل بأن الشطان عدوكما، وبأنه أشهر عدائه لكما وسوف لن تأمنا مكره!؟

10- ما هي الشجرة الممنوعة ؟

جاء في المصادر الإسلامية تفسيران حولها، في أحدها جاء تفسيراً (مادياً) وفق المعروف في الروايات، أي (القمح)، وفي أحدها الآخر تفسير

(معنوي) كما جاء من أنها (شجرة الحسد)، حيث ووفق الروايات أن آدم(عليه السلام) حين رأى مقامه ومنزلته ظن بأنها العليا التي لا يعلو عليها أي منزلة أو مكانة، لكن الله سبحانه عرّفه على مكانة هي لجماعة من الأولياء من أبنائه و(نبي الإسلام وآله)، فأصيب آدم بحالة شبيهة بالحسد، ولذا فإنه تناول من تلك الشجرة الممنوعة، ظناً منه بأنها سترفعه إلى تلك المنازل المشرفة، وبأنها ستصنع له مقاماً رفيعاً بين أولياء الله

المذكورين، لكن يجب الالتفات هنا إلى أن هذا الحسد لم يكن حسداً حراماً، بل كان شعوراً نفسياً فحسب، دون أن يترتب عليه أي فعل آخر.

11- هل أذنب آدم؟

تطلعنا الوثائق الإسلامية بأنه لا يمكن لأي أحد من الأنبياء أن يرتكب ذنباً أبداً، وبأنه يستحيل أن يتقلد أحدهم مقام الوصاية وهو من المذنبين، ونحن نعلم بأن آدم كان نبياً، وعليه فكل ما جاء في القرآن الكريم حول بعض الأنبياء من عصيان؛ هو في الواقع ترك للأولى فحسب، وليس ذنباً مطلقاً.

12- علينا أن ندرك بأن الذنب على قسمين؛( الذنب المطلق) و(الذنب النسبي).

الذنب المطلق: بمعنى مخالفة أمر الله ويشمل أي شكل من أشكال ترك الواجب وارتكاب الحرام.

الذنب النسبي: فيعني أن يصد رعن شخص ذو مكانة ذنب غير محرم، بحيث لا يليق هذا العمل ومنزلته، كمثل الصلاة المستحبة التي تُعتبر أمراً إضافياً على الإنسان العادي وإن قام به يؤجر، لكن بالنسبة لأولياء الله هو عمل واجب وتركه ذنب، وأيضاً سائر أعمالهم، فيما عدا العبادات، التي تُقاس وفق مكانتهم، لذا فإنهم يُعاتبون على تركهم الأولى من قبل الله سبحانه، كما حصل مع آدم، حين نهاه الله عن تناول ثمار الشجرة الممنوعة، ولم يكن ذلك تحريماً، وبالنظر إلى مكانة آدم كان كسر هذا النهي كما ارتكاب المكروه، ووجب عليه مؤاخذة الله وعقابه.

1- لا شك أن آدم وحواء كانا يرغبان بشدة بالبقاء في الجنة إلى الأبد، وليس أن يتحولا إلى ملاكين.

الآية 23

اشارة

قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الظلم، النفس، المغفرۀ، الرحم، الخسران، ابلیس

1 - أدرك كل من آدم وحواء في النهاية خطة إبليس ونواياه، وعاقبة ما ارتكباه، لذا شرعا يفكران بما يمكن أن يعوّض ما فات وما كان منهما إلا أن أخذا يعترفان بذنبهما وظلمهما لنفسهما، بين يدي الله حيث قالقَالَا رَبِّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنا.

2- يتجلى من قولهما هذا منتهى تضرعهما والتماسهما في طلب العفو على ارتكاب ما يخالف الأمر الإرشادي الموجه إليهما، فهما لم يطلبا إلا المغفرة والرحمة، فقالا معترفين بأنهما ظلما نفسيهما وبأنه إن لم يغفر الله لهما بشكل كامل كل ما صدر عنهما، فهذا هو الخسران العظيم.

3- إن جمل رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَ فيها إشارة إلى عدد من الآيات السابقۀلاتَقرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِين حيث أن الظلم المذكور هو ظلم النفس، وقد طلبا له المغفرة والعفو، لأن حسنات الأبرارسيئات المقربين.

4- طلب كل من آدم وحواء في البداية ،المغفرة، ثم طلبا مزيداً من الفضل والرحمة، كما طلبا إصلاح ما فات من ظلمهما، فيما لحق بهما من ضرر، تمثل في حرمانهما من ثواب الإطاعة.

5- أي ظلم للنفس أعلى من أن يتحول الإنسان من مسجود للملائكة ومعلم لها وعالم بعلوم الأسماء الإلهية، إلى محروم من نعم الجنة ومرتكب لمنهيات الله سبحانه، إضافة إلى هبوط مكانته بین الملائكة ؟! لكل ذلك طلب آدم وزوجته المغفرة والرحمة والعفو من الله

لتركهما الأولى الذي تسبب لهما بما أوقعهما في الخسراروَإِن لَم تَعْفِر لَنا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين.

الآية 24

اشارة

قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الهبوط، العداوۀ، الأرض، الإستقرار، المتاع، القیامۀ، الحین

1-يتجه هذا الخطاب لآدم وزوجه وكذا هو لإبليس معهما، فالواضح أنه ووفق التقدير الإلهي؛ العداء فيما بين الشيطان وذرية آدم هو لأجل اختلافات وجودية، وعليه يترتب تقدير آخر هو أن يعيشوا معاً على الأرض.

2- لم يكن هبوط آدم وحواء من السماء مجرد نزول إلى الأرض من حيث الجانب المكاني، بل هو هبوط في المنزلة والمكانة أيضاً، إلى حين استعادة كمالهما ومقامهما السابق.

3- رغم أن توبة آدم وحواء الخالصة، قبلت عند الله، إلا أنه وعلى كل حال بقي لهما الأثر الموضعي والنتيجة المترتبة على عدم الإطاعة، وهو قوله تعالى بعد التوب قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ.

4- إن خلاصة عبارةقالَ اهْبِطُوا الواردة في سورة البقرة / الآية 34 أنه خطاب موجه إلى آدم وحواء وذريتهما. أي أبناء بني آدم إلى يوم القيامة.

5- العداء قسمان: الأول عداء ديني؛ كالعداء بين الكافر والمسلم، المشرك والموحد، المخالف والموافق الباطل والحق، بل وأي مذهب مع سائر المذاهب، وعداء دنيوي حول أمور كالجاه والمال والسيادة وغيرها من شهوات نفسانية وصفات خبيثة كالتكبر والحسد والعناد والغضب و... بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ .

6- عبارۀوَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ تدل على السكن على سطح الأرض، كما أن كلمة (متاع) تدل على العيش والحياة والمأكل والمشرب والملبس، وجمل غيرها إلى حين بمعنى إلى وقت الموت، وهو زمن يمتد من الولادة وحتى الوفاة بما لا يعلمه إلا الله.

الآية 25

اشارة

قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (25)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الحیاۀ، الموت، الخروج، البعث

1- إن تكرار كلمة ( قال ) فى قال اهبطوا... قال فيها تحيو يمكن أن تشير إلى أن المخاطب تغير بين الأولى والثانية، ففي الآية السابقة كان الخطاب موجهاً للإنسان والشيطان، وفي هذه الآية يتوجه الخطاب للإنسان فقط، دون الشياطين، فالأرض ليست هنا مجال حياة وممات الشياطين، لأنه لو كان الخطاب يشمل إبليس أيضاً، لما كان من الضروري إدراج كلمة (قال)، بل كان يكفي القول السابق.

2- توضح الآية بأن الله تعالى جعل قضائه وتقديره على جعل الأرض منزلاً ومستقراً للإنسان حتى يوم القيامة.

3-قد يكون الإخراج من الأرض في العباوَمِنْهَا تُخْرَجُونَبمعنى خروج الإنسان من قلب الأرض، أي من المكان الذي يُدفن فيه عادة، وقد يكون المعنى هو أنه وبعد أن يمضي البشر فترة حياتهم في الأرض، ثم عندما يتحقق الموت الجماعي، فإنهم سيخرجون من الأرض إلى مكان آخر ينقلون إليه.

4-ورد في كثير من الآيات الشريفة في أغلب السور القرآنية؛ تصريحاً وتلويحاً، إشارة إلى أن مثال حياة الإنسان على الأرض، مثال الفترة التي يقضيها المسافر العابر بشكل مؤقت من مكان ما، فحياة الإنسان تشهد انتقالاً مستمراً، من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات، ثم ليبصر النور على الأرض.. وهذا مفاد الآبل قالَ وَفِيهَا تَمُوتُونَثم وعندما يحين وقت موته ونهاية عمره، ينتقل إلى القبر وَفِيهَا تَمُوتُونَإلى أن تقوم الساعة فيخرجون من القبولوَمِنْهَا تُخْرَجُونَ.

5-عبارۀوَمِنْهَا تُخْرَجُونَ تبين حقيقة البعث من القبور بعد الموت والدفن تحت التراب.

الآية 26

اشارة

يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26)

النقاط المستفادة من هذه الآية: بنی آدم، النزول، الباس، السوءۀ، التقوی، الآیۀ، الذکر، آدم، حوّا

1- جملۀ يَا بَنِي آدَمَتشير إلى أن الخطاب موجه لذرية آدم من البشر، منذ آدم(عليه السلام) وحتى يوم القيامة، وعليه فهو يشملهم في كل زمان ومكان، سواء من ولد منهم أو من لم يولد منهم بعد.

2- يعرض تعالى في هذه الآية في أربعة مواضع (في هذه الآية والآيات 27 و 31 و 35)، سلسلة تعاليم بناءة لكل البشر، والتي هي في الواقع تتمة لأهداف وجود آدم في الجنة، ولوصايا أخرى من مثل حفظ لباس التقوى، واتقاء مكر الشيطان، وعدم الإسراف في المأكل والملبس والزينة، وإطاعة دعوة الأنبياء.

3- كلمة (لباس) هي مصد رفي اللغة، وأما في هذه الآية فهي بمعنى الشيء الذي يُرتدى ويصلح لتغطية الجسد ،و(ريش ) هو غطاء يُعتبر بمثابة زينة وجمال، وهذه الكلمة في اللغة هي بمعنى غطاء جسد الطيور، وعليه فهو ثوب وغطاء للزينة والجمال، وكذلك يُطلق ذلك على نوع من الأثواب التي تشير إلى رفاه وغنى المُرتدي.. وهو ما يُطلق على الأثاث المنزلي وأنواع المتاع أيضاً.

4- في هذه الآية إشارة إلى مسألة اللباس والتغطية التي لها دورهام في ما جرى مع آدم (عليه السلام)؛ فتقول بأننا أنزلنا عليكم يا بني آدم ثوباً ليس فقط لتغطية مفاتن الجسد فحسب؛ بل هو أيضاً زينة لكم، و(ريشاً) هو لباس التجمل وإضفاء مزيد من الجمال والبهاء عليكم.

5- من صور الجمال المستخدم في الآيات القرآنية هنا هو أن الآية توجهت بداية إلى الحديث عن الثوب المادي، ثم انتقلت للحديث عن اللباس المعنوي، كما هو الحال في كثير من الأمثلة الأخرى الواردة في القرآن الكريم، حيث الحديث عن كلا الجانبين المادي والمعنوي، وهنا تقول الآية بأن لباس الزهد والتقوى والطهارة هو الأعلى، وهذا اللباس يتمثل بالتواضع والطهر والخشية والطاعة والعفة والحياء والعمل الصالحوَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ

6- إن تشبيه التقوى والزهد باللباس، هو تشبيه واضح وجلي، فكما أن الثوب يغطي الجسد ويحميه من البرد والحر، فيكون درعاً يردّ عنه الكثير من الأخطار، ويغطي في الوقت عينه الكثير من العيوب الجسدية، ويُشكل زينة له، فكذلك روح التقوى والزهد أيضا؛ إضافة إلى أنها تغطي الذنوب والقبائح، وتحمي من كثير من الأخطار الفردية والاجتماعية، فهي بمثابة زينة له، تتوجه بالبهاء والرفعة.

7- رغم أنه وبناء على ما جاء في التاريخ، فإن الإنسان كان على مر الزمان مرتدياً للثياب إلا أن التطور في شكل ونوع الملابس بين الماضي والحاضر، يشير بوضوح إلى اختلاف كبير بين الأزمان، فالجوانب الفرعية أصبحت طاغية بشكل كبير، حتى زال الأصل الفلسفي من وجود اللباس، وصار مفهوم التزين وللأسف هو العنوان الأهم، في مذهب هو عبادة المظاهر، بشكل ينشر الفساد ويحرّك الشهوات ويزيد التكبر والاسراف والتبذير أضعافاً.

8- عبارۀ يُوَارِي سَوْآتِكُمْ التي هي مبين ووصف وتوصيف للملابس فيها أيضاً تأكيد على أن اللباس إلزامي، ولا غنى لأحد عنه، فهو تغطية لعضو، إن بقي عارياً لجلب على الإنسان العار والهوان، خلافاً للريش الذي هو تغطية إضافية وزائدة عن الحاجة، وهي من باب الزينة والتجمل.

9- المقصود من نزول اللباس من قبل الله هو الإشارة إلى خلق الله وتسخيره لما خلق أمام الإنسان.

1- في ختام الآية؛ يقول تعالى بأن هذه الملابس المادية والمعنوية؛ سواء منها تلك الجسمية أو رداء التقوى، كلّها من الآيات والبراهين ومن خزائن غيبه عز وجل، كما هو قوله و انْ من شيء الّا عندنا خزائنه وما ننزّله الا بقدر معلوم(1)، وأيضاً قوله وَأَنْزَلْنَا الحَدِيد(2)، وكذا قولهوَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامَ(3).


1) الحجر / 21

2) الحديد / 25

3) الزمر/ 6

الآية 27

اشارة

يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27)

النقاط المستفادة من هذه الآية:بنی آدم، الفتنۀ، آدم، حوّا، السوءۀ، الشیطان، الولی

1- رغم أن هذه الآية تبدأ بعبارة خطاب هييَا بَنِي آدَمَفتبد و وكأنها بداية جديدة منفصلة عما سواها؛ إلا أن ذكر السوأة فيها يربطها بما سبقها، فتكون تتمة لمفهومها، فالآية السابقة أشارت إلى اللباس باعتباره نعمة، وهذه الآية تحذر من أن الشيطان قد يسلبكم هذا اللباس والنعمة.

2- عبارۀ يَا بَنِي آدَمَفيها تحذير إلهي موجّه إلى كل بني آدم من هابيل وحتى آخر من سيأتي من ذرية آدم في زمن بقاء الشيطان في هذه الدارالدنيا، فتؤكد على أن البشر لهم عورات ومعايب لا يغطيها إلا لباس التقوى، ولباس التقوى هذا هو ذاته الثوب الذي ألبسانكم إياه بالفطرة؛ إذن فلتحذروا من خداع الشيطان وتزيينهيَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ.

3- إن التحذير من الوقوع في مكر الشيطان هو لجهة تنبيه الإنسان ليكون متيقظاً وعصياً على الوقوع في حبائل الشيطان، خاصة مع ما للشيطان من عداء قديم بدأ من أبوي البشرية الجمعاء، منذ لحظة خلقهما الأولى.

4-كلمة تفتين في يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُهي من مادة الفتنة؛ أي الضلال والفساد، أي لا يوقعنكم الشيطان في الضلال والفساد، كما جاء في الآية 187 من سورة البقرة، حيث يذكر تعالى بأن الفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ القتال، كما يقول تعالى أيضاً في سورة العنكبوت / الآيتين 1 و2 أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُترَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَا وَهُم لا يُفتَنُونَ وَلَقَد فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم.

5- جملۀإِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمفيها تأكيد على النهي السابق في وجوب الحذر من احتيال ومكر الشيطان، وذلك لأن أمر الشيطان وأعوانه يختلف عن سائر الأعداء، وسبيل النجاة من فتن إبليس صعب جداً، لأنه لا يدعو الإنسان إلى الشر والشقاوة غير إنسان آخر، يدله ،ويجذبه فمثل هذا الإنسان هو بالحق العد و الأسوأ والأخطر، لأنه قريب ويصعب على العقل كشفه ، لذا من الواجب الحذر كثيراً منه.

6- مسألة: لقد كان أمر الخروج من الجنة من قبل الله سبحانه، فكيف يُنسب ذلك هنا للشيطان؟

الإجابة: لا شك أنه وبالنظر إلى الآية 116 من سورة طه فَلا يُخرِجَنَّكُما مِنَ الجَنۀ فَإِن الله سبحانه قد منع آدم وحواء من الاقتراب من الشجرة المحرمة، وكذا حذرهما من الشيطان وحيله، والشيطان كان على علم بذلك، ويعلم بأن مخالفتهما لأمر الله سيؤدي بهما إلى الخروج من الجنة، فأقدم على خطته بالاحتيال عليهما، وهذا يعني أنه هو من أخرجهما.

7- عبارة إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونفيها تأكيد آخر على لزوم اجتناب الشيطان وكذلك يُفهم بأن ولاية الشياطين على البشرهي ولاية في جانب المكر والخداع وحسب، وليست ولاية قهرية لا يمكن للإنسان الصمود في وجهها.

8- يمكن من خلال التدبر في الآية 64 من سورة الإسراوَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَ... والآية 99 من سورة النحل إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ ... عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون

والآية 42 من سورة الحج إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَان، والآية محل البحث؛ نرى بأنه

ليس للشياطين أي ولاية على المؤمنين والمتوكلين ممن دعاهم الله بعباده، ورغم أنهم قد تزل أقدامهم أحياناً إلا أنهم لا سلطان للشياطين عليهم.

9- مسألة: كيف يخلق الله العادل والرحيم مثل هكذا عد و قهار وسليط أمام الإنسان؟ فليس هنالك من توازن للقوى بين هذين العدوين والحال أن الشيطان يمتاز عن الإنسان بكثير من القوى والقدرات.. بدءاً بأنه لا يُرى وحتى ما جاء في كثير من الروايات أنه قريب يجري باطن الإنسان كما الدم في العروق !!

وفي الإجابة نقول: بأن الله تعالى يذكر قرآنه الكريم بأن الشياطين هي أولياء عديمي الإيمان وبأن هذه الولاية لا تتحقق إلا بعد أن يذعن الإنسان بها ويرضى بأن يسيطر عليه الشيطانإنا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُون

يجب أن يلجأ الإنسان على الدوام إلى الله تعالى من شر الشيطان الرجيم، وأن يستعيذ من شره؛ لأن الشيطان هو كالكلب المسعور الذي يتوجب أن يأمنه الإنسان باللجوء إلى قلعة حصينة ،ومنيعة، وكذا قوله تعالى في سورة الأعراف/ الآية 19 وَ إِمّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشّيطانِ نَزِعُ فَاسْتَعِذ بالله والآية 36 من سورة فصلتفَإِذا قَرَأْتَ القُرآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشّيطان الرجيم والآية 100 من سورة النحل وغيرها الكثير.

الآية 28

اشارة

وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الفحشاء، الأمر، الکذب، العلم

1 في هذه الآية إشارة إلى نوع هام من أنواع وساوس الشيطان؛ التي تجري على ألسن شياطين الإنس أيضاً، وهي أنهم ما أن يرتكبوا عملاً شنيعا سيئاً، حتى يلتمسوا له العذر برده إلى آبائهم وأجدادهم وبأنها أمر من الله لهم وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا

2- كلمة (فاحشة) هنا غير مرتبطة بذنب خاص، لذا فهي تشمل أي عمل قبيح .

3- كلمة (فاحشة) هنا هي بمعنى أي عمل قبيح، من مثل (طواف العريان) و(إطاعة ولاة الظلم والطغيان).

4- على خلاف الآية السابقة؛ التي كان فيها الخطاب الإلهي موجهاً إلى أبناء آدم فإن هذه الآية تتوجه بالخطاب إلى الرسول الأکرم؛

حيث تشير إلى عمل هؤلاء القبيح من ردهم لأعمالهم السيئة إلى آبائهم ومن سبقهم، وبأن الله هو من أمرهم بها، وكأنهم يقولونلو شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنا .

5-لأن الإجابة على هذه الآية قد ورد سابقاً في الآية 170 من سورة البقرۀ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَیئاً ؛ فإن ذلك لم يتم إعادته في هذه الآية من جديد، والرد الوحيد الذي ورد كان حول حجتهم الثانية في أن الله هو من أمرهم بما يفعلون، فجاء الجواب بأن الله لا يأمر قط بالعمل القبيح والمستهجن.

6- وتُختتم الآية بعبارۀ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ أي هل تنسبون إلى الله ما ليس له ؟

الآية 29

اشارة

قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29)

النقاط المستفادة من هذه الآية: القسط، الوجۀ، المسجد، الدعا، الإخلاص، العود، العدل

1- استكمالاً للآية السابقة، فإن هذه الآية تقول بأنه عليكم أن تعلموا بأن الله يوصي على الدوام بالقسط والعدل، ويمنع عن الظلم والعدوان.

2- القسط يعني الحد الوسط، دون تفريق وتمييز، أي إعطاء كل ذي حق حقه، دون سواه.

3-وبناء على الآية فإن القسط يعني بأن الله أمر بتنفيذ العدل وتحقيقه، دون ظلم وتمييز، ومن ذلك عبادة الله وحده دون سواه، ودون تقليد لما فعل الآباء.

4- يجب أن يتوجه الإنسان بكل ما يملك من وجود نحو الله تعالى، وأن ينشغل في ذلك إلى درجة ينقطع فيها إلى الله عمن سواه.

5- معنى العبادة هو التوجه نحو معبود واحد هو الله، والانشغال بذلك، دونما غفلة أو سهو، حتى في أصعب اللحظات من اليأس، لأن معيا رقبول العبادة عند الله هو الإخلاص بها، فكما أن الإنسان خُلق من ذات المبدأ فإنه سيعود يوماً إليه وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ(1)


1) الأنعام 94

الآية 30

اشارة

فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الهدایۀ، الضلال، الشیطان، الولیّ، الوهم

1 - كلنا كلنا نعلم بأنه وبناء لتقدير إلهي وحكمة خاصة؛ فإن الناس ومنذ خلق آدم، قد انفصلوا خلال هذه الدنيا إلى فريقين، وهذا ما يستمر بهم الحال إليه يوم القيامة أيضاً؛حیث فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ

2- تقول الآية، إذا كنتم تحبون أن تكونوا من الناجين، فيجب أن تكون أعمالكم كلها على أساس العدل والعدالة والوسطية، وأن تعبدوا وتطيعوا، وأن تكون عبادتكم خالصة له، فتتجنبوا تلك الفئة الضالة.

3- لا يتصور أحد أبداً بأن الله يهدي طائفة دون سبب، فيما يُضل فئة أخرى، فالسبب الأساس في ضلال هؤلاء هو أنهم اتخذوا من الشياطين أولياء دون الله فاتبعوهم كما يقول تعالى في الآية 4 من سورة الحج كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِیر

4- جملۀ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ هي بمنزلة عطف لتفسير وتوضيح الجزء الأول من الآية، ويُفهم منها أنه عندما يقع الإنسان في طريق الضلال؛ يبقى يحدوه الأمل بالتوبة والإنابة، طالما أنه ما زال يعترف الله بالربانية، لكن ما أن يبلغ مرحلة يرفض فيها ذلك، فإنه يخسر فرصته بالعودة، ويغرق في الضلال دون عودة.

5- عندما يضل الإنسان، وينغمس في الطغيان والظلم يقع فريسة أهواء نفسه الأمارة، فيتغاضى عن أنوار عالم الملكوت ويتعلق بزينة الدنيا الغرور وأهوائها الزائلة، متبنياً ولاية

الشيطان بدل ولاية الله سبحانه، وهذا الحال خاص للذين أوصدت في وجههم أبواب الهداية بشكل تام، وهو ما اختاروه بأنفسها وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ.

الآية 31

اشارة

يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)

النقاط المستفادة من هذه الآية: بنی آدم، الزینۀ، المسجد، الشرب، الأکل، الإسراء، المحبۀ

1- يمكن القول بأن كل ما يرد في القرآن الكريم بعد لفظ (يا بني آدم) موجّه نحو كافة البشر، من كل الأديان.

2- تحتوي هذه الآية على قانون شامل ودائم، يجري على كل الأزمان والقرون المتعاقبة، وهو أمر يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ.

3- لا شك أن المقصود من الأمر الإلهي هنا؛ التزين لدى الحضور في المساجد؛ بما في ذلك الزينة الخارجية والزينة الداخلية أيضاً، في كافة المناسبات وحتى الصلوات اليومية.

4- قد يكون ولجهة أن القرآن الكريم ذكر مسبقاً المال والبنون على اعتبارهما من مصاديق (الزينة)، الآية 46 من سورة الكهفالمالُ والْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْیا، فإن المقصود في هذه الآية هو اصطحاب الأبناء إلى المساجد، وكذا الأموال ، وذلك لأن حضور الأبناء له فوائد تربوية وكذا المال من شأنه أن يحل بعض المشكلات الإقتصادية لبعض المؤمنين.

5- تشير هذه الآية إلى نوع من التوفيق والجمع بين الدين والدنيا، أي بين الأمور المادية والمعنوية، لأن الإسلام دين حياة، وصحيح أنه لا يعتبر الدنيا وما فيها من ملذات وتجملات قيماً بحد ذاتها؛ إلا أنه يأمر بأن يتزين المصلي بالزينة وقد ورد في الروايات أن الإمام الحسین(عليه السلام) كان يرتدي أجمل أثوابه للصلاة.

6- يستدل البعض بالإستناد إلى هذه الآية إلى وجوب ستر العورة أثناء الصلاة، لكن ذلك غير صحيح؛ حيث أن الآية ليست في مقام إصدار حكم، بل هي تدعو إلى عمل مستحب.

7- يرغب كل إنسان بالفطرة بإرتداء الزينة والثياب الجميلة وبالطعام والشراب، وهذه الآية إذ تذكر هذه الملذات، فإنها تصرح بأنها ليست بأمر محرم، لا بل وهي مباحة وجائزة، كما أن الآية فيها إرشاد إلى ضرورة ارتداء ما يليق وتناول ما يناسب دون إسراف، لكن الإنسان بطبعه يهوى الزيادة والتكثير، ويمكن أن تتم الإستفادة من هذا الأمر في الآية بوجه لا يرضاه الله تعالى، لذا يأتي النهي التحريمي مباشر وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِين.

8- إن الأمر والنهي في هذه الآية جاء بسبب قصة آدم (عليه السلام)في الجنة، وفي ذات الوقت هو إرشاد إلى عموم البشر.

9- إن كلمة (إسراف) شاملة جداً، فهي تشتمل على أي نوع من الزيادة في الكم أو الكيف أو التبذير دون هدف كشكل من أشكال الإتلاف.

10- قد تكون عبارۀ كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُواللوهلة الأولى عادية جداً، إلا أنه ووفق دراسات العلماء؛ فقد ثبت بأنها رأس كافة الأمراض، فكل طعام إضافي وزائد، لا يستطيع الجسد هضمه بشكل مناسب، فإنه وإضافة إلى كونه وزناً إضافياً على القلب وسائر الأعضاء والأجهزة، فهو أيضاً مصد ر لكثير من التعفنات والأمراض كما یقول(صلی الله علیه وآله وسلم)(المعدة بيت الداء).

الآية 32

اشارة

قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32)

النقاط المستفادة من هذه الآية: التحریم، زینۀ الله، الزینۀ، الحیاط الدنیا، یوم القیامۀ، الإیمان، التفضیل، الآیۀ، العلم

1- كلمة (زين) هي عكس كلمة (شين)، وتعني عكس كلمة (شين)، وتعني الأعمال والأشياء التي تزيل العيوب والنواقص.

2- هنالك نوع من السؤال والاستفهام في قوله تعالىقُلْ مَنْ حَرَّمَ، وهو بطرح سؤال إنكاري لتبيين حرمة أمر يسري على كل الشرائع السماوية من آدم(عليه السلام)وحتى خاتم النبیین(صلی الله علیه وآله وسلم).

3- إن الإنسان يحتاج بالضرورة إلى الزينة، لأنه لا يعيش منفرداً، بل ينتمي إلى مجتمع كبير، وهو لذا يواجه مشاعر وأحاسيس من مثل الحب والكره والرضا والرفض و... كما ويلاقي بشكل أو بآخر بأموريهواها ويفضلها وأخرى ينفر منها ، والله سبحانه يلهمه عبر الفطرة ويعلمه ليصلح نفسه ويتجنب العيوب والنواقص، فهو يتزين مثلاً وهذا مما أباحه الله له.

4- لقد ألهم الله الإنسان عبر الفطرة للتزود بأنواع وأصناف من الزينة المقبولة في المجتع، ليكون محل قبول بين القلوب وليس منفورا منهم.

5-ال- (طيب) هو كل ما يلائم طبع الإنسان، وهنا هو بمعنى كل ما يستمد الإنسان منه حياته وبقائه، بشكل لا يكون فيه إفراط أو تفريط، لأن التفريط في الطعام يؤدي إلى الأمراض

وتلبكات الأمعاء وثم الحاجة إلى الدواء وفساد الجسد، لذا فإن الدافع الفطري هو أقوى الدوافع نحو الالتزام بعدم الإفراط والتفريط.

6- جملۀ زِينَةَ اللَّهِ تدل على ما يتزين الإنسان ،به، فيحفظ ماء وجهه واحترامه وشأنه بین الناس، ويتجلى في اللباس وأماوَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِفالمراد منه الأشياء اللذيذة من مأكولات ومشروبات، وبالطبع أن تكون مما أحله الله، وأن تحفظ شأن واحترام الإنسان أمام أعدائه، لكن دون أن تدعوه إلى الكبر والمباهاة و..

7- تتوجه هذه الآية إلى أولئك الذين يظنون بأن تجنب الزينة والطعام والأرزاق المحللة هو تقرب إلى الله وارتفاع في المنزلة، فتقول للنبي الأکرم(صلی الله علیه وآله وسلم)قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ.

فيما يخص استخدام أنواع الزينة؛ فإن الإسلام وكما هو في كل الموارد يدعو إلى الاعتدال، من خلال من استخدام جمال الطبيعة والثياب الأنيقة والمناسبة وكذا العطور و.. بل وأوصى الإسلام وأكد على ذلك في كثير من الموارد.

9- إن النعم التي هي في هذه الدنيا ملك للمؤمن والكافر على حد سواء؛ تكون في الآخرة خاصة بالمؤمن فقط، ومحرمة على من سواه.

10- أل التعريف في فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا هو للتخصيص؛ أي أن أصل خلق هذه النعم في الدنيا هو أولاً للمؤمنين وثانياً للكفار والمخالفين لعبادة الله، وعبارۀ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِتوضح وتؤكد هذه النقطة، وهي أن الله قد خلق كل هذه الملذات والنعم للمؤمنين ليتمتعوا بها رغم أن سواهم أيضاً يستفيدون منها إلا أنه في الآخرة سيفرق الله بين المؤمنين والكفار، ويحظى المؤمنون بمقام رفيع يُحرم منه الآخرون. 11 في ختام الآية تأكيد على أن توضيح الأحكام والآيات هو لتوعية الناسكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.

الآية 33

اشارة

قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الحرمۀ، الفاحشۀ، الإثم، البغی، الحق، الظلم، الشرک، السلطۀ، القول بغیر علم، العلم

1 في أي موضع يذكر فيه القرآن أمراً مباحاً أو واجباً، فإنه يذكر بعده مباشرة القبائح والمحرمات ليكمل أحدهما الآخر، وهنا أيضاً؛ وبعد الحديث عن الزينة المباحة، يأتي الحديث عن المحرمات بشكل عام، ثم يأتي تخصيص لبعض الموارد.

2- في هذه الآية هنالك خمسة موارد من الامور التي حرمها الله تعالى، وهي:

أ- حرم الفواحش؛ أي الأعمال القبيحة جداً والمنفرة، أو ما هو الذنوب الكبيرة، خاصة الزنا والانحرافات الجنسية.

ب -حرم الإثم والذنوب المخالفة للشرع، فمنعها وحرمها، سواء الكبيرة منها أو الصغيرة.

ت- حرم الاعتداء على حقوق الآخرين والظلم.

ث - حرم كذلك اشراك إله آخر مع الله سبحانه.

ج -حرم نسب الله بصفات ليست فيه والكذب على الله.

3- إن هذه الموارد الخمسة تشتمل كافة الذنوب المحرمة، ومن الواضح أن تحريمها هو لجهة كونها تنافي المصلحة الإنسانية والحياة الشريفة وبالتالي فإن الإنسان بامتثاله أوامر التحريم، لا يقدم فضلاً، بل هو ينفع نفسه أولاً ويخدم مجتمعه.

4 - الفواحش هي جمع فاحشة، أي الذنوب القبيحة عند الجميع، ومنها الزنا واللواط ، والفاحشة على نوعين؛ إما ظاهرة علنية كاللواط والزنا مما كان مباحاً في الجاهلية، وإما باطني ،يكون سراً وبعيداً عن أعين الناس، والآية هنا حرمت الاثنين على حد سواء.

5-الإثم ؛ هو الذنب الذي يعقبه سقوط الإنسان وانحلاله والبغي؛ هو الظلم والتعدي

على حقوق الآخرين.

6- المقصود من البغي في هذه الآية، هو الذنوب التي تؤدي إلى ضياع حق الناس، لأن الفواحش والإثم يتعلقان عادة بحق الله سبحانه وأما قوله تعالى بِغَيْرِ الْحَقِّفهذا ليس للإشارة إلى أن هنالك نوعاً آخر بحق، بل ذلك للتأكيد على المطلوب، فالظلم هو بغير حق دائماً، ولا يمكن تصور غير ذلك.

7- جمل مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًالا تبين أن هنالك نوعين من الشرك، أحدهما بحق وآخر بغير حق، بل المقصود أن لا تنسبوا الله ما لم يبعث به رسولاً، وهو أيضاً للتأكيد بأن المشركين لا يمتلكون أي برهان وحجة على عقائدهم، والله لا يقبل منهم أياً من حججهم.

8- الشرك آفة عظيمة ، تحرم الإنسان من خيرات وبركات الإيمان والتوحيد.

كان الأعراب في زمن الجاهلية، ينسبون إلى الله الكثير من عاداتهم وسننهم الخاطئة، وكأن الله هو من لقنهم ذلك؛ وهذا بحد ذاته انحراف عظيم، وقد أشار إليه القرآن في مواضع كثيرة، معتبراً إياه أكبر أنواع الظلم.

الآية 34

اشارة

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الأجل، الموت، التأخیر، التقدیم

1- تتفرع هذه الآية عن عن قصة آدم(عليه السلام) الجنة، وعاقبة الأمم المستخلفة في الأرض من ولده.

2- بناء على هذه الآية؛ فإن العمر ليس خاصاً بالأفراد فحسب، فحتى الدول والأمم و.. لها أعمار، فهي تعيش وتموت، وتتوالى كل أمة تلو الأخرى، وسينقرض الجنس البشري يوماً ما.

3 - يجب أن يكون معلوماً بأن أفول وموت الأمم، عادة ما يكون بسبب فسادها وانحرافها عن سبيل الحق والعدل والغرق في الظلم والاستبداد وأمواج الشهوات المتلاطمة، وعبادة الأنفس ، وهذا يشمل كافة الأمم والمجتمعات.

4-جمل فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَتبين حقيقتين، أولاً: أن هنالك قوانين تحكم الأمم، فليس هنالك من أمر في هذا الوجود يجري بالصدفة أو خارجاً عن التدبير والنظام الدقيق، ثانياً: أن أجل الأمم محدد ومعين مسبقاً ولا يتغير.

5- يتجلى من جملۀ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌأن هنالك لكل منا فرص ومقدرات مخصصة في هذه الدار الدنيا، لكن يجب أن نعلم بأن هذه الفرص وتلك المقدرات هي زائلة وليست أبدية، لذا يتوجب أن نستفيد منها حد الإمكان.

الآية 35

اشارة

يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (35)

النقاط المستفادة من هذه الآية: بنی آدم، الرسالۀ، القصۀ، التقوی، الخوف، الحزن

1-هذه الآية الرابعة التي تتنزل وهي تحتوي قانوناً، بعد ذكر قصة في الجنة، وتخاطب أبنائه، حيث تقول : يا أبناء آدم إذا جاءكم رسل من جانبي إليكم، لتبيان آياتي، فإن اتبعتموهم فإنكم في أمان من الغم والخوف وهول يوم الحساب والعقاب.

2- الهدف من هذه الآية هو أن هداية الله هي عن طريق الوحي والرسالة، وكل من يتبع الأنبياء ويعمل صالحاً، لأنهم جميعاً عائدون إليه، فيجزيهم بما عملوا، ولا يكون عليهم خوف ولاغملِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(1)

3- رغم أن عبارۀيَا بَنِي آدَمَفي هذه الآية تخاطب كافة أبناء ؛ لكن المقصود من أبناء آدم هم الأشخاص الذين تتوفر فيهم شروط التكليف الأربع: (البلوغ والعقل وهما شرط التكليف الأساس، والعلم وهو شرط حجية التكليف وحتميته، والقدرة وهي شرط تنفيذ التكليف).

4- جملۀإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ، تبين أن كلمة إما هي جمع ل- إن وما، والنون أُدغمت في الميم، وحرف إن شرطي، والما زمانية ورغم أنه يمكن دون استخدام كلمة ما؛يتم المعنى أن والمقصود ، ولكن ولأن الأمور الشرطية توضح الشرط والنتيجة وجزاء ذلك الشرط، ولا تدل على حتمية إنجاز العمل، لهذا فإن ذكر كلمة ما، خاصة مع نون التوكيد فيه إشارة إلى تحقق وتنفيذ وعد الله، بأنه أرسل أنبياء حتماً لهداية الناس.


1) التوبة/ 121

5-المقصود من جملۀرُسُلٌ مِنكُمهو لتبيان إرسال الأنبياء من ذات أبناء آدم وذريته، بحيث أن أنبيائكم هم من جنسكم ويتكلمون لغتكم، ولهذا فهو سبحانه يقول في سورة إبراهيم / الآية 4ما أَرسَلنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَومه.

6- يتجلى من جملة فَمَن اتَّقى حقيقة أن من أطاع الأنبياء واتبعهم، مجتنباً المحرمات وما نهى الله عنه، فصلح وأحسن في الدنيا؛ فله في الآخرة أن لا تشمله أهوال يوم الدين ومخاوفها والحزن والغمفَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُون

الآية 36

اشارة

وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (36)

النقاط المستفادة من هذه الآية:الکذب، الآیۀ، الکبر، النار، أصحاب النار، الخلود، جهنم

1- عبارۀوَالَّذِينَ كَذَّبُواعطف على جمل فَمَن اتَّقى وتبين أن أبناء آدم انقسموا بعد بعث الرسل إلى فئتين:

الفئة الأولى : هم المؤمنون بالرسل المبعوثين من عند الله ممن يلتزمون التقوى ويجتنبون المعاصي في حياتهم، ويقومون بالصالح من الأعمال، فمثل هؤلاء لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

الفئة الثانية: هم الذين يكذبون الأنبياء والرسل، وكذلك الآيات الإلهية المتتالية النزول، ويتكبرون ويعصون، فلا يطيعون أمر الله وهؤلاء لن يلقوا في الآخرة إلا العذاب وهول يوم الحساب العسير، ويذوقون عذاب النار.

2- هذه الآية الشريفة تدل على أن عموم المكذبين والمعرضين عن الآيات الإلهية، سواء التوحيد أو النبوة والإمامة والمعاد، إن ماتوا وهم لم يتوبوا ويتداركوا بالإنابة فلهم الخلود في نار جهنم.

3- هنالك اختلاف بين أن يكون المذنب محكوماً بالدخول إلى النار لمدة محددة كمنزل ومأوى له، وبين من يكون محكوماً بالأبدية والخلود فيها، فأولئك المحكومين بالإقامة

في لمدة مؤقتة في جهنم؛ هؤلاء لن يظلوا فيها للأبد، وذلك على خلاف الكفار والمكذبين المعاندين ممن سيبقون للأبد خالدين في النار.

الآية 37

اشارة

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (37)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الظلم، الإفتراء، الکذب، الآیۀ، النصیب، الکتاب، الرسول، الموت، الدعاء، الضلال، الشهادۀ، النفس، الکفر

بالتدقيق في هذه الآية نستشف عدة نقاط : الأولى: أن هذه الآية متفرعة ولاحقة بالآية السابقة، ومن هذه الآية فما بعد يجري الحديث عن المصير السيء الذي سيلحق بالمفترين والمكذبين للآيات الإلهية، وثانياً: تبين أنه وبعد أن يُبلغ الله تعالى دينه لكافة البشرية، فإنه يبين عاقبة من يلتزم بالتعاليم الدينية ممن يكذب بها.

2- جملفَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًاالمطروحة بشكل استفهامي وسؤالي؛ بأنه من أظلم من هؤلاء الظالمين الذين ألحقوا الظلم بأنفسهم أولاً، ولهم العذاب الأبدي وكذا ظلموا الأنبياء والأوصياء، ثم وبذلك ظلموا عباد الله، إذ لم يسمحوا لهم أن يهتدوا وأغلقوا سبيل

الهداية أمامهم.

ورد في القرآن الكريم ذكر الأشخاص الذين ظلموا أنفسهم وظلموا المجتمع؛ باعتبارهم أظلم الناس؛ 15 مرة، وأصل كل هذا الظلم هو الافتراء على الله، المتمثل بالكفر والعناد والشرك.

4- المقصود من كلمة الكتاب فينَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ هو اللوح المحفوظ، وهو الكتاب الذي فيه مقدرات الإنسان؛ من طول عمر وفقر وغنى وسلامة وأبناء وسائر النعم

الدنيوية؛ من حياة وموت ، ورزق وسعادة وشقاء .. والتي بناء عليها يحاسب الإنسان يوم القيامة.

5-رغم أن الافتراء على الله سبحانه في هذه الآية مختص بأصول الدين وإنكار التوحيد والشرك بالله، بل واختيار إله سواه، إلا أن موضوع الافتراء على الله المتعال هو موضوع عام وكبير، يشمل أي بدعة سواء في أصول الدين أو في الفروع، وجملۀقَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ دليل على ذلك.

6- تنتهي الحياة بكل ما تحتويه من زينة وزخارف في تلك اللحظة التي تحل فيها ساعة الموت، وهنالك يقول ملك الموت ومن معه من ملائكة للإنسان المشرك المشرف على الموت أين هم شركاؤك الذين أشركتهم مع الله ؟.. فلا يكون من الكافر الذي أدرك شدة ضعفه ووحدته إلا أن يقولقَالُوا ضَلُّوا عَنَّاوبالتالي يكون قد شهد على نفسه بنفسه وتأتي الآية مستكملة المشهدوَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ .

7- إن ردة فعل الناس على الدعوة كما جاء في الآية السابقة؛ لا يتعدى حالتين؛ إما أنهم يقبلون الدعوة أو ينكرونها، فالمنكرين هم على أنواع، وأسوأ من فيهم هم من وإضافة لإنكارهم للأنبياء، يكذبون على الله ويقولون ما لم يقله الله وما لم يأمر به قط، فينسبون له ما يرغبون، فهؤلاء يفترون على الله، وإضافة إلى عبادتهم للأصنام، يقعون في انحرافات، يحللون فيها الحرام وبالعكس، ثم يقولون هذا ما قاله الله.

الآية 38

اشارة

قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (38)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الأمۀ، الجن، الإنس، النار، اللعنۀ، الأخت، الضلالۀ، العذاب، الضِعف، االعلم

1- في الآيات السابقة مشاهد من ساعة الموت والمحاسبة وسؤال الملائكة وقبض الأرواح، وفي هذه الآية مشهد من التقاء الفئات الغاوية مع الفئات المفتونة.

2- إن المتحدث في هذه الآية هو الله سبحانه يوم البعث، حيث يخاطب الناس ومنهم الكفارقَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ(1).

3- هذه الآية تدل على أن فئة من الجن تموت وفق آجال وأزمنة معلومة على خلاف إبليس الذي له عمر حتى الوقت المعلوم.

4- إن أحد المشاهد الصعبة في يوم القيامة؛ مشهد محادثة أهل ،البرزخ خاصة حديثهم مع قادتهم ورؤسائهم ممن أضلوهم وحرفوهمالْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِين(2)لهذا فحتى الأخلاء من هؤلاء هنالك يصبحون أعداء، وفي مواضع يرجون أن يروا من أضلهم في الدنيا ويقوموا بدهسهم بأرجلهم أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا


1) ص الآية 64

2) الزخرف/ 67

تَحْتَ أَقْدَامِنَا(1)وفي مواضع أيضاً يرون بأن سادتهم هم السبب في سقوطها أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا(2). ذلك المشهد التي يتعرض الناس فيه للهيب جهنم ويبدؤون بالشكوى والتوسل.. هنالك يرجون أولاً أن تلقى الفئة التي أضلتهم عذاباً أكبر من عذابها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ.

6- بالنظر إلى أن كل فئة قد سارت على مسلك سابقاتها في الشرك والكفر والعناد والخلاف والمعاصي، لهذا فإنها ترمي بذنب انحرافها على التي سبقتها، فيقولون بأن من سبقهم يجب وإضافة إلى عذابهم بسبب كفرهم أن يتعذبوا أضعافاً أكثر لأنهم كانوا السبب في إضلال من تلاهم من الأقوام، وفي القرآن الكثير من هذه الإشاراتالْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ(3).

إن الله الذي يعطي في ثواب الحسنات عشر أضعافها هو الله الذي يعاقب على السيئات بمثلها، ولكن السبب في أن الله يعذب هاتين الفئتين ضعفاً؛ هو لأن قادة الضلال يُعذبون مرة لكفرهم ومرة لإضلالهم الآخرين، وأما المقلدين لهم، فهم سيعذبون مرة لضلالهم هم، ومرة لاتخاذهم من قادة الضلال نموذجاً وقبلة يتجهون نحوها.

8 - بالنظر إلى أن الإنسان هو ذ وقدرة على الاختيار والفعل، بالتالي فلا يمكن أن يلقي بذنب ما يفعل على من سواه.

9- في تفسير جملۀوَلكِنْ لا تَعْلَمُون احتمالان :

الاحتمال الأول: أنكم جميعاً أيها السادة وأيها الأتباع؛ ستلقون عذاباً مضاعفاً، ولكنكم لا تعلمون بذلك؛ أي أنكم لا تعلمون بحالهم وهم لا يعلمون بحالكم.


1) فصلت/ 29

2) الأحزاب / 67

3) الزخرف/ 67

الاحتمال الثاني: أن العبارة هي كجواب على سؤالهم وطلبهم مضاعفة العذاب لفئة الأسياد، بأنكم لا تشعرون بما يشعرون به لشدة ما أحاط بكم من النار، ولعل هذا الاحتمال هو الأقوى.

الآية 39

اشارة

وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39)

النقاط المستفادة من هذه الآية: التأخیر، الفضیلۀ، العذاب، الإکتساب

1- تقول الآية استكمالاً لما جاء في السابقة؛ بأن الكفار حين سمعوا خطاب الله عز وجل، فإن تلك الفئة من الذين كانوا في زمانهم سادة :يقولون: لستم بأفضل منا حالاً، ويجب أن تعلموا بأن عذابكم ليس بأقل منا، وكذا يحصل جدال وتخاصم بينهم، وكل يتهم الآخر.

2- إن عاقبة سادة الكفر مع أتباعهم ستكون بتجادلهم وتخاصمهم والعداء يوم الدين فكل يطلب للآخر ضعفاً من العذاب وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ

3- إن نهاية الإنسان في يوم القيامة والعذاب، يتعلق بأعماله الدنيويةفَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ

الآية 40

اشارة

إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الکذب، الآیۀ، الکبر، الفتح، فتح الباب، ابواب السماء، الجنۀ، الجمل، سمّ الخیاط، المجرم، الجزاء

1- في هذه الآية نرى من جديد كيف أن القرآن الكريم يتناول مرة أخرى مصير المتكبرين والعصاة ممن كذبوا بالآيات، ولم يطيعوا الحق.

2- جملۀلَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فيها وجهين:

أولاً: تبين بأن أبواب السماء ليست بالمفتوحة بالمطلق للمذنبين، وعليه فليس لهم استجابة كل ما يدعون به، بل ولا تُقبل أعمالهم في أبواب الرحمة الإلهية، فليس لأرواحهم أن ترتقي إلى الجنان.

ثانياً: رغم أن الآية هنا أشارت إلى أن أبواب السماء مغلقة عليهم وتمنعهم من دخول الجنة،

إلا أنه يتجلى من ظاهر الآية هذه والآية 22 من سورة الذاريات فِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونأن الجنة في السماء، وبناء على رواية جاءت في مجمع البيان؛ أن أعمال وأرواح المؤمنين تُساق إلى السماء، وتُفتح لهم أبوابها، أما أرواح الكفار؛ فما أن تصعد إلى السماء حتى يُنادى من السماء بنداء (اهبطوا الى سجين )وتغلق السماء في وجوههم.

3- ذكر الجمل هنا هو وبالنظر إلى مواضع وروده في الروايات، يعني الإشارة إلى استحالة دخول الكفار إلى الجنة، فكما أن الجمل من المستحيل أن يدخل في ثقب الإبرة، كذلك يستحيل للكافر أن يردها.

4-كلمة (سم) هو الثقب، وجمعه (سموم ) وأما كلمة (خياط) مثل (مخيط) بمعنى الإبرة المستخدمة للخياطة.

5- استخدم القرآن الكريم جمل حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ككناية لطيفة لتبيان استحالة هذا الأمر...

6- في نهاية الآية جاءت عبارة وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ لمزيد من التوضيح والتأكيد على عاقبة المذنبين.

الآية 41

اشارة

لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41)

النقاط المستفادة من هذه الآية: جهنم، المهاد، طبقات الجحیم، الغواش، الجزاء، الظلم

من الواضح أنه لو تم إلحاق هذه الآية بالآية السابقة لها، فإن المعنى سيكون بأن المكذبين والمستكبرين على آيات الله ؛ محرومون من الجنة والرحمة الإلهية، وفي هذه الآية استكمال لما جاء في الآية السابقة، بأن المكذبين لن يحرموا من الجنة فحسب، بل وستكون الجحيم مأواهم الأبدي.

2- (جهنم) اسم من أسماء النار في الآخرة، وهي بمعنى البئر العميق جداً، و(مهاد) هي من (مهد)، والتعبير بكلمة ( مهاد ) هنا هو نوع من السخرية والاستهزاء، أي أن مكان استقرارهم ومسكنهم الجحيم، وفي اللغة يطلق لفظ مهد على المكان الذي يستقر الإنسان عليه، كالأرض أو كالسرير الذي يهدأ الطفل فيه وينام أو كالفراش الذي يجلس المرء عليه، كما جاء في الآية 6 من سورة النبأأَلَم نَجْعَل الأَرض مِهاداً والآية 21 من سورة البقرة أيضا جَعَلَ لَكُمُ الأَرضِ فراشاً وكما نقرأ في آيات أخرى : غواش؛ جمع غاشية؛ أي الغطاء أو الخيمة. تروي هذه الآية عذاب أهل النار العسير، حيث تحيط بهم النار من الأعلى والأسفل، وجملۀ مِلَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌإشارة إلى ذلك؛ بأن النار تشتعل تحت أرجلهم.

قد يكون المقصود من لفظ الظالمين هو المكذبين والمستكبرين على آيات الله،

ممن يظلمون أنفسهم وأنبيائهم والمؤمنين وأولادهم وذريتهم وأتباعهم، وقد يكون المقصود مطلق الظالمين، وأن العذاب الإلهي سيعم على كل الظالمين والمستكبرين والمكذبينو كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِين.

5- إن الجحيم ستحيط بالكافرين من كل جهة وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ(1)لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ(2).يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ(3)

6- لقد ذكر تعالى الكافرين في الآية 37 من هذه السورة باعتبارهم الأعداء العاصين، وباعتبارهم الكفار في الآية ،40، والظالمين في هذه الآية، لأنهم يكذبون الآيات الإلهية، وكلها ألقاب وأسماء تليق بهم، فكما نقرأ في الآية 254 من سورة البقرۀوَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُون

7- قال رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) بعد تلاوة هذه الآية: إن للجحيم طبقات من الأعلى والأسفل، وليس معلوماً الطبقات العليا أكثر أم السفلى والكفار بينها، يلقون العذاب، كما جاء في روايات أخرى أن الكفار في القبر يفترشون النار ويلتحفونها.


1) العنكبوت / 54

2) الزمر / 16

3) العنكبوت / 55

الآية 42

اشارة

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الإیمان، عمل الصالح، التکلیف، التکلیف، بمالایطاق، الجنۀ، أصحاب الجنۀ، الخلود

1- بالنظر إلى أن الآيات السابقة كان الحديث يدور حول عاقبة منكري آيات الله والمتكبرين والظالمين وفي هذه الآية والآية التالية مقدمة عن أحوال المؤمنين والكافرين ،كتمهيد للآية 43 من هذه السورة.

2- بالنظر إلى الآيات القرآنية التي تتحدث حول العذاب، نلاحظ أن القرآن لا يذكر لدخول الجحيم سببين اثنين، فيكفي أن يكون الإنسان مذنباً حتى يرد جهنم، سواء كان من الكفار أو المؤمنين، أما الجنة فلا يدخلها إلا من حقق شرطين، الأول على صعيد النية أي الإيمان، والثاني على المستوى العملي أي العمل الصالح.

3- بناء على الآيات القرآنية فإنه ليس لكل إنسان يقوم بعمل صالح أن يدخل الجنة، بل يتوجب أن تتحقق فيه روح الإيمان الطاهرة، وأن يكون قد قام بالعمل الصالح فعلاً، وبالطبع إذا كان الإنسان كافراً لكنه قام بعمل صالح، فإن الله سبحانه لا يترك هذا العمل دون أثر، فيعطيه في الدنيا من بركات عمله لينال الشهرة والسمعة الطيبة، أما الآخرة فهي مقر إجزال العطاء للطيبين والمؤمنينوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ . 4- سؤال: لأن عبارة عملوا الصالحات تشير إلى الجمع، والألف واللام في كلمة الصالحات تدل على عموم الصالحات، وتعني أن دخول الجنة لا يكفي له الإيمان والعمل الصالح، بل يلزم الإيمان والعمل بكافة الصالحات بشكل لا يتركون فيه أي تقصير، وبناء عليه

فالداخلين إلى الجنة هم فئة قليلة جداً، لأن من الصعب القيام بكل تلك الأعمال الحسنة وعدم إسقاط أحدها فهل المقصود من الصالحات هوتنفيذ كافة الأعمال الحسنة ؟؟

الإجابة: إن شرط الدخول إلى الجنة ليس بأن من الضروري أن ينفذوا كافة الأعمال الحسنة، بل أن تكاليف الله هي وفق قدرة واستطاعة الأفراد، ولذا فالله تعالى يستكمل الآيات بقوله تعالىلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا.

5-إن إصرار القرآن الكريم على مسألة الإيمان والعمل الصالح وعلى النجاة وسبيل السعادة الأبدية، هو أكبر دليل على مسألة أن الطريق الوحيد الذي يوصل الإنسان إلى الخلود هو عمله الصالح والإيمان، وهذا يُبطل ما يدعيه المسيحيون من أن وسيلة النجاة والسعادة الأبدية هي من خلال التضحية بالمسيح بدل ذنوب البشرية جمعاء.

الآية 43

اشارة

وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43)

النقاط المستفادة من هذه الآية: النزع، الصدر، الغلّ، الحمدلله، الحمد، الهدایۀ، الرسول، الحق، الجنۀ، الإرث، العمل

تعرض هذه الآية أحد أهم النعم التي تمنح لأهل الجنة، وهي من النعم التي تجعلهم يتمتعون بالسكينة والراحة والنفسية وهي رفع الحقد والحسد والبغضاء من قلوبهم وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلَّ تَجْرَی.

2- (غل) تعني الحقد والعداء والغضب الداخلي والواقع أن أحد أعظم المشاعر التي تزعج البشر في حياتهم الدنيوية؛ هي مشاعر الحقد والحسد؛ والتي هي أم الآفات الاجتماعية وأصلها؛ فهي لا تكلف الإنسان خسائر روحية فحسب، بل وتخلف خسائر مالية ومادية جمة، لذا لو نزع الله مثل هذه المشاعر من باطن الإنسان تجاه من قد يؤذيه أو يزعجه؛ فإنه ولا شك سيعيش حياة طيبة.

3- في شكر أهل الجنة الله بهذه الآية احتمالات عدة: الاحتمال الأول: قد يكون هذا الشكر إشارة إلى تقديرهم لكل تلك النعم التي يشعرون بها في الجنة.

الاحتمال الثاني: بتقدير أهل الجنة للنعم المعنوية والغيبية الممنوحة لهم كما في الآية 54و55 من سورة القملإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ *فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ.

الاحتمال الثالث : قد يكون الشكر والتقدير هو لأنه تم نزع الحقد والغضب من صدورهم، وبذلك تجري فيهم طبيعة ملائكية، فالملائكة ووفق الآية 164 من سورة الصافات وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُوم أي هم أصحاب مكانات ومقامات مختلفة، فأحدهم قادر والآخر أقدر، وأحدهم عادل والآخر أعدل ، لكنهم جميعاً ليس في قلوبهم أثر من الحقد والعداء والحسد، فكل منهم يرى من هو أعلى مقاماً فيعمل ليبلغه ولكن لا يشعر بالانزعاج لأن أحداً آخر غيره أفضل منه، وليس في قلبه أثر للحسد في هذه المسألة.

الاحتمال الرابع كافة هذه الاحتمالات أعلاه هي سبب الشكر والتقدير، وليس أن ذلك فقط مختص بمسألة نزع الغل، بل أن نزع الغل فرع تحت عنوان أكبر هو نعم الجنة.

الاحتمال الخامس: أن يكون الشكر والتقدير الله سبحانه لأنه جل وعلا مصدر التوفيق لبلوغ تلك النعم، ببركة العقل وإرسال الرسل وتنزيل الوحي والكتب السماوية، حتى نال المؤمنون جزاء أعمالهم وسعيهم؛ الجنة خالدين فيها، فكأنهم هنا يرفعون شكرهم لذلك الله، الذي

هداهم، وها هم الآن يشهدون بأعينهم حقيقة المعاد والحساب والعقاب والثواب والوحي.

4- اسم الإشارة تلكم في جملۀ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها يستخدم للإشارة إلى البعيد، وقد استخدمت هنا للإشارة إلى الجنة، والمقام الرفيع والعالي فيها، وليس المكان العالي الذي لا يمكن بلوغه، وهذا النداء يصد رفي الوقت الذي يستقر فيه أهل الجنة في مساكنهم.

5- في الآيۀ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونإشارة إلى أن هذه الجنة التي بلغتموها هي نتيجة أعمالكم الصالحة في الدنيا، ولكن ولأن الكفار ارتكبوا الشرك والمعاصي فقد حرموا أنفسهم من امتلاك الجنة وذهبت الجنة إرثاً للمؤمنين كما في الآية 10 من سورة المؤمنون الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُون.

الآية 44

اشارة

وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44)

النقاط المستفادة من هذه الآية: اصحاب الجنۀ، اصحاب النار، الحق، المؤذن، اللعنۀ، الظلم، أمیرالمومنین

1- يفهم من هذه الآية أن أهل الجنة وأهل النار، يمكن لهم من أماكنهم رؤية مكان الآخر، بحيث يتبادلون حديثاً فيما بينهم.

2- رغم أن الآية لم تفصح عن هوية المؤذن صاحب الصوت؛ إن كان ملاكاً أو جناً أو بشراً.. إلا أنه ومن خلال التدقيق في الخطاب الإلهي؛ فيمكن القول بأن جنس المؤذن يجب أن يكون من البشر وليس لا من الملائكة أو الجن، ولذلك نستعرض بالدراسة احتمالات:

الاحتمال الأول: أن يكون المؤذن من الجن؛ فهذا غير مقبول، لأننا لا نرى في أي موضع كلاماً ينقله الجن للبشر حول الأمور الأخروية. والاحتمال الثاني: أي أن يكون ملاكاً، هو أيضاً غير مقبول؛ فرغم أن بعض أمور القضاء والقدر وتنفيذ إرادة الله في خلقه موكلة للملائكة، وروى القرآن ذلك في مواضع وآيات مختلفة بشكل صريح وبين، من مثل صلاحياتهم في التعذيب وإخراج الأرواحأَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُون (1)أو استقبالهم لأهل الجنة وخطابهم لها سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الجنة(2)وكذا حديث أهل النار مع ماوَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبِّكَ قَالَ إِنَّكُم(3)وما إلى ذلك من أمثلة، ولكن لم يأت في القرآن ذكر لأن الملائكة أو أي موجود آخر يقوم بأي


1) الأنعام 93

2) النحل/32

3) الزخرف/ 77

عمل من تلقاء نفسه؛ إلا الإنسان الصالح، كما في الآيات 46 و 49 من هذه السورۀونادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُون .

3 - هنالك أقوال متباينة في هوية صاحب النداء، منها أنه الله سبحانه، أو إسرافيل، أو جبرائيل، أو خزنة جهنم أو الجنة ، ولكن في روايات الشيعة (نفسير نور الثقلين) وعدد من أحاديث أهل السنة نقرأ بأن صاحب النداء هو الإمام علی(عليه السلام)، فكما أن سورة البراءة تشتمل على تلاوة لنص يفيد البراءة من المشركين واللعنة عليهم، والذي تلاه عليه السلام في مكة على الشهود، ففي الآخرة أيضاً، يأتي نداء أمير المؤمنین (عليه السلام) مخاطباً أهل الجنة، وقد ورد في روايات عنه أنه أشار بأنه هو صاحب ذلك النداء المذكور في الآية الواردة،(1)كما أنه وفي روايات كثيرة جاءت في تفسير علي بن ابراهيم والكافي للكليني، ومن لا يحضره الفقيه، وتفسير العياشي والطبرسي؛ عن أمير المؤمنین(عليه السلام) والإمام الباقر (عليه السلام)والإمام الرضا(عليه السلام) وابن عباس أن ذلك المؤذن هو أمير المؤمنین(عليه السلام).

4- ونادي أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النّارتوضح هذه العبارة أن هنالك نوع من اللوم من قبل أهل الجنة لأهل النار، وكأنهم يقولون لهم، إننا إذ صدقنا الرسل وأيدناهم، فآمنا قولاً وعملاً، فقد حصلنا الآن على وعدنا كما قال ربنا مصدقاً بالحق أَن قَد وَجَدنا ما وَعَدَنا رَبِّنا حقّافأين كنتم من ذلك، وقد عاندتم وعصيتم وكفرتم بالقيامة والعذاب والنار، لكن الآن ها قد التقيتم بما كنتم تكذبون فَهَل وَجَدتُم ما وَعَدَ رَبِّكُم حقّا

5- وهذا الخطاب هو ما يجري من حديث بين أهل الجنة والنار، وهو إقرار وإذعان من قبل أهل النار، واستهزاء أهل الجنة بهم، وهو ليس استهزاء من نوع اللغو الباطل، بل هو لهدف فيه حق، كما في الآية 38 من سورة هودوَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُون والآية 29 وحتى 31 من سورة المطففيإِنَّ الَّذِينَ


1) تفسير نور الثقلين

أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهيِن 6- اللعنة تعني البعد عن الرحمة الإلهية وبناء على تعريف نهج البلاغة لجهنم فإنها (دارليس فيها رحمة)، وجهنم هي أحد مصاديق اللعنة وإلا فاللعن ليس لفظاً لكل من كان ظالماً في الدنيا وبأنه سيحشر ملعوناً في الآخرة، لأنه قد يكون قد ارتكب ظلماً أو ذنباً، لكنه وببركة التوبة والعذاب الدنيوي أو صعوبة حشرجات الموت لا يعود من الملعونين في الآخرة، بل وتشمله الرحمة الإلهية ويستحق الغفران، ولكن إن لم يكن له أي من ذلك، فلم يُطهر نفسه فسيكون له ما في الآيۀفَأَذَّنَ مُؤَدِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِين.

7-جاء في بعض التفاسير أن الظالمين في جملأَن لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينهم الذين كذبوا أمير المؤمنین(عليه السلام) وهضموا حقه، وواضح أن هؤلاء هم مصداق أتم الظالمين، والجمع المحلى بأل التعريف هو لإفادة التعميم، أي تشمل جميع الظالمين للأنبياء والأئمة الأطهار(عليه السلام) .

الآية 45

اشارة

الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ (45)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الصد، الحق، سبیل الله، العوج، البغی، الکفر، الآخرۀ

1- لا شك أنه إذا كان اختيار الإنسان لمسير حياته مبنياً على العقل والفطرة؛ فإنه سيرى سعادته في عبادة الله سبحانه واتباع دينه، وهذا هو سبيل الله المستقيم، فإن لم يكن اختيار الإنسان وفق فطرته فإنه وإن ادعى إيمانه بالله، ولكنه سواء قبل أم لم يقبل فسوف ينجر شيئاً فشيئاً نحو الضلال والانحراف، وكفر بأنعم الله عليه.

2- الصدر عن سبيل الله أمركان ومازال يحدث في كل زمان، فمثلاً في صدر الإسلام لم يكن المشركون يسمحون للنبی(صلی الله علیه وآله وسلم) بالدخول إلى مكة، وهو أمر يؤدي مباشرة إلى الصد عن سبيل الله.

3- إن الكفار والظالمين والمستكبرين والمخالفين والمبلغين للباطل وللبدع، هم الذين يقومون من خلال تبليغاتهم المسمومة بزرع الشك والترديد والزيغ في العقائد الدينية، كما أنهم يقومون بالعمل على طمس الحقائق وحجبها بشتى أشكال الخداع والتزييف، لعرقلة انتشار دعوات الأنبياء والأئمة والكتب السماوية..بل وكانوا يقومون بتشويه الصراط المستقيم، فيدعون بأنهم يدعون إليه لحرف عقول الناس، فهم يستخدمون الحساب والقيامة والجنة والنار و.. كأدوات في دعوتهم إلى الضلالالَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُون.

4 -إن الذين تركوا سبيل الله المستقيم، فانحرفوا بعيداً عنه بعبادة ما سواه من باطل، هم الذين يحوّلون نعمة التوحيد إلى الكفر، ويسلكون سبيلاً معوجاً.

5- عبارۀ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً هي بمعنى الذين يسلكون طريقاً معوجاً وغير صحيح، بدل الطريق المستقيم، والذي هو واحد ، وأي طريق سواه باطل، يؤدي إلى الانحرافمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلا الضَّلال؛ لذا فأولئك الظالمين ممن لعنهم الله ؛ سلكوا غير الحق طريقاً، فهم إما لا يسيرون في طريق الله أو أنهم يرغمون من سواهم على تركه من خلال تزييفهم وزرعهم الشكوك والشبهات.

الآية 46

اشارة

وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46)

النقاط المستفادة من هذه الآية:الحجاب، الأعراف، الرجال، المعرفۀ، اصحاب الجنۀ، السلام، العطام، الدخول

1- بما أن موضوع بحث هذه الآيات والآيات التالية هي حول (الأعراف) التي هو في بيان ما يجري على أهل الجنة والنار، لذا فإن هذه الآية مع الآيات الثلاث التالية فاصلة بين الجنة والنار.

2- يمكن من خلال الآيات التالية القول بأن الحجاب بين أهل الجنة والنار هو منطقة (الأعراف)؛ وهو مكان مرتفع بين الفئتين يمنع كلا منهما من مشاهدة الآخر، وأولئك الذين يقفون في الجزء المرتفع من هذه المنطقة؛ هم المشرفون فقط على كلا الطرفين.

3- قد يكون المقصود بالحجاب في هذه الآية؛ هو الجدار المذكور في الآية 13 من سورة الحديد، والذي يُضرب بين أهل الجنة والنارفَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابِ.

4- يقسم الحجاب إلى قسمين: القسم الأول : هو الحسي والمادي والظاهري، والقسم الثاني: هو الحجاب المعنوي، كما في الآية 45 من سورة الإسرا وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً ، والحقيقة أن الكافر محجوب، كما جاء في الآية 15 من

سورة المطففينإِنَّهُمْ عَن رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُون ، أو كما يروى عن الإمام الباقر(عليه السلام) في كتاب التوحيد للصدوق، من أنه ليس هنالك من حجاب بين الله وعبده، إلا نفس العبد، فمن لم يرنفسه لقي الله فالكبر والتعجرف هو الحجاب الواقعي بين الإنسان وربه، ولكن في

أحيان أخرى يكون الحجاب ظاهرياً وحسياً، كالآية 53 من سورة الأحزاب، التي تتحدث عن نساء النبي وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ .

5- الأعراف هو جمع عرف، وهو المكان المرتفع، وقد سميت هذه السورة باسم الأعراف لذكر هذه المنطقة فيها، حيث تدور الآيات حولها وما يجري فيها بين أهل الجنة وأهل النار.

6- هنالك احتمالات ثلاثة حول هوية الأشخاص الموجودين على الأعراف ويشرفون على أهل الجنة وأهل النار من ذلك المكان المرتفع، وهي كالتالي:

الاحتمال الأول : أنهم ليسوا من البشر، بل هم من الجن أو الملائكة، وهو احتمال مردود السببين الأول : لأن الآية تشير إليهم بلفظ (رجال) وهذا لفظ خاص بالبشر، والسبب الثاني هو ذكر الرجال بصيغة النكرة، ووفق العرف دلالة على أنهم أصحاب مكانة رفيعة ومحترمة.

الاحتمال الثاني: قد يكون المقصود هم المستضعفون؛ ممن كان من الممكن أن يؤمنوا لو تم اطلاعهم بالمعارف الإلهية وبالتالي فهؤلاء لم تتم عليهم الحجة الإلهية، ولكن هذا الاحتمال مردود أيضاً، لأن المستضعفين هم في الغالب من النساء والأطفال، أو من الرجال المجانين أو ناقصي العقول، وهذا مما لا ينطبق عليه أبداً قول الآبل رِجالٌ يَعْرِفُون.

الاحتمال الثالث: أنهم من الأفراد الذين تساوت أعمالهم الحسنة بالسيئة، فهم لا يستحقون الدخول لا إلى الجنة ولا إلى النار، وهذا أيضاً احتمال غير مقبول؛ لأنه وكما قلنا؛ فإنه ومن سياق الآية يُفهم بأنهم أصحاب منزلة محترمة ومكانة رفيعة، وهذا مما لا يمكن أن ينطبق ووصف الإنسان البرزخي بين الجنة والنار.

7- أفضل وأنسب احتمال لهوية أصحاب الأعراف؛ هو أنهم : أولاً: أشخاص من أصحاب الشرف والفضل والإيمان ، وثانياً : قد يكون بينهم نساء ولكن ولغلبة عدد الرجال فهم يخاطبون بلفظ رجال، وثالثاً: لا شك أنهم يتمتعون بمكانة تمنحهم الاشراف على سائر الناس، رابعاً: أنهم يلقون بالتحية على أهل الجنة لما لهم من مكانة عالية ومرتفعة، خامساً: أن لهم صلاحية التحدث وإدلاء الشهادة والشفاعة واستجابة الدعاء والأمر والنهي، كما لهم أن يلوموا أهل النار؛

لذلك كله فإنهم كما يذهب البعض هم إما الأنبياء أو الشهداء أو العلماء أو الفقهاء أو الحكماء والعرفاء ممن لهم منزلة أعلى من كافة من هم في الطرفين الجنة والنار.

8- إن الرجال الذين يقفون على الأعراف؛ ينادون أهل الجنة ويلقون عليهم سلام الله وتحياته ولكنهم لما يدخلوا الجنة بعد، رغم رغبتهم بذلكوَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُون.

الآية 47

اشارة

وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47)

النقاط المستفادة من هذه الآية: البصر، اللقاء، اصحاب النار، الظلم، القوم الظالمین

1- عبارۀصُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ توضح بأن نظرة أصحاب الأعراف إلى أهل النار تكون كالإنسان الذي يقع نظره على شيء دون ميل ورغبة منه بذلك، بما يجعله يشعر بالانزعاج.

2-عادة ما يصاب الإنسان لرؤيته مشاهد موحشة بالانزعاج والاشمئزاز، وقد يكون ما رآه ليس برغبة منه، وكأنه رآه من طرف عينه، أو فتح عينه فرأى المشهد أمامه، لذا جاء استخدام ( وإذا) للتعبير عن هذه الحالة.

3- من الواضح أن دعاء أصحاب الأعراف هنا ليس لجهة أن مكانتهم قد هبطت مثلاً أو سقطوا معنوياً، فدفعهم ذلك إلى التعبير بما يوحي بخوفهم من النار، بل أن مثل هذا النوع من الأدعية تكرر كثيراً وعلى لسان عدد كبير من الأنبياء والرسل وأولو العزم والعباد الصالحين وحتى الملائكة المقربين، وعليه فمعنى الآية هو أنه ما أن وقع بصر أصحاب الأعراف على أهل النار فشاهدوا هول المنظر؛ حتى استغاثوا بالله ألا يكونوا معهم أو منهم.

4- لا يقول أصحاب الأعراف في دعائهم لا تجعلنا مع أهل النار، بل يقولون لا تجعلنا مع الظالمين، وهذا وكأن فيه إشارة إلى أن رفقة الظالمين أعظم وأسوأ من مرافقة أهل النار.

الآية 48

اشارة

وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48)

النقاط المستفادة من هذه الآية: اصحاب الأعراف، الأعراف، الرجل، المعرفۀ، الکبر

1- يقول سلمان الفارسي رضوان الله عليه : سمعت أكثر من عشر مرات من رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)أنه قال: (يا عليّ انّک والاوصیاء من بعدك اعراف بين الجنّة والنار)(1).

2- تدل هذه الآية على أن أصحاب الأعراف يعرفون أهل النار من وجوههم، وأنهم ومن خلال شكل وجوههم يعرفون ما هي أعمالهم وخصائص ما ارتكبوه، فهم ينظرون إلى وجوه المتكبرين ويقولون لهم بأنكم تكبرتم في الدنيا وأصابكم الغرور؛ ولذا أنزلتم الذلة على أنفسكم، لكن كل ما كنزتموه وكثرتموه من ولد ومال وعدد و.. كله لم ينفعكم في شيء.

3 - إن المال والسلطة والأصحاب والأتباع ... كلها أمور لا تحقق النجلمَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ.

4- يستفاد من هذه الآيات أن أهل النار لا ينالون العذاب وحسب، بل ويتلقون لوم الآخرين لما ارتكبوا قالُوا ما أَغْنَى عَنْكُم.

5- إن كان أصحاب الأعراف هم الأئمة الأطهار(عليه السلام)وخاصة أمير المؤمنین(عليه السلام)وهم يعرفون أهل الجنة وأهل النار من سيماهم، فهم يعرفون أهل الجنة من آثار الإيمان في وجوههم، وإن لم يكونوا منهم، رأوا آثار الكفر واضحة في وجوههايَومَ تَبيَضُ وُجُوهٌ وَتَسَوَةٌ وُجُوهٌ(2)


1) بحار الأنوار ج 8 ص 337

2) آل عمران/ 102

الآية 49

اشارة

أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49)

النقاط المستفادة من هذه الآية: القسم، الیمین، الرحمۀ، الخوف، الحزن، رحمۀ الله

1- اسم الإشارة (هؤلاء) في الآية يشير إلى أهل الجنة، وهذه الجملة الاستفهامية تقريرية، للتذكير بما كان أهل النار ينسبونه للمؤمنين في الدار الدنيا، فيقسمون بأنهم لن ينالوا السعادة مطلقاً ولاريح رحمة الله تعالى أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ.

2- في الدنيا يُحقر الكفار المؤمنين ويذلونهم، ويقولون لهم بأن رحمة الله لن تشملهم، رغم أن الحقيقة هي أنهم هم من لم ولن تشملهم رحمة الله سبحانه.

3- في الختام تشمل الرحمة الإلهية تلك الفئة المستضعفة من المؤمنين، فيأتيهم الخطابادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ .

الآية 50

اشارة

وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50)

النقاط المستفادة من هذه الآية: اصحاب النار، اصحاب الجنۀ، الفیض، الماء، الرزق، الحرمۀ، الکفر

1- إن المسافة المكانية بين أهل الجنة وأهل النار كبيرة جداً؛ لذلك ورد في الآية الكريمة لفظ النداء للإشارة إلى تلك المسافة.

2- قد يرد سؤال هو: كيف يمكن لكل فئة من الفئتين أن تسمع صوت الأخرى وكل هذه المسافة الكبيرة تفصل بينهما ؟

والجواب : ليس ببعيد أبداً أن الله يمنح كلا الطرفين القدرة على سماع بعض، فنحن في زماننا هذا نرى كيف يتكلم الناس معاً من أماكن بعيدة جداً باستخدام أدوات التواصل، بل ويرون بعضهم بعضاً أيضاً.

3-وفق هذه الآيات، فإن أهل النارحين يرون ما يتمتع به أهل الجنة من نعيم ينادونهم من بعيد بأن هبونا بعضاً مما أنعم الله عليكم.

4-(الإفاضة) تعني ما يزيد عن حد وعاء فيسيل منه، وأكثر ما يطلبه أهل النار من أهل الجنة هو الماء، لما يصيبهم من عطش شديد، وهذا منتهى الذل والتحقير لأهل الجحيم.

5- عبارۀمِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُالتشير إلى الإبهام في الطلب، وهذا يعني أن أهل الجحيم أيضاً لا يعلمون ما نوع النعم التي يحصل أهل الجنة عليها ولا حجمها أو كيفيتها.

6- عبارۀ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَتشير إلى أن أهل الجنة لا يشعرون بعدم الرغبة بالإفاضة على الكفار في النار، وكأنهم يرغبون بذلك إن أمكن، وذلك لأن ليس في صدورهم

حقد أوغل لأحد قط، كما أنهم يعلمون بأن ما بين أيديهم من نعم لن تقل ولن تنقص، ولكن يبد وأن المانع هو حالة أجساد أهل الجحيم التي

لا تسمح لهم بالتمتع من نعم الجنة، وأنهم بكفرهم وظلمهم لا يستحقون أبداً مثل تلك الملذات، وهذا في الواقع (تحريم تكويني)، كأن يتم مثلا تحريم بعض أنواع الطعام والفاكهة على مريض، لذا فإن جواب أهل الجنة يكون قالوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ.

الآية 51

اشارة

الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51)

النقاط المستفادة من هذه الآية: اللهو، اللغب، الدین، الغرور، حیوۀ الدنیا، النسی، لقاء الله، الجحود، الآیۀ

1- استعرضت الآية السابقة ما جاء على لسان أهل الجنة من خطاب لأهل الناريبينون فيه حرمة نعم الجنان عليهم، وأما هذه الآية محل البحث؛ فهي تتحدث عن الكفار، وكما قلنا سابقاً فإن مثل هذه الآيات لا تتحدث عن كافة أوصافهم؛ بل تتناول جانباً منها، بحيث يتوجب جمع كل هذه الآيات معاً للوصول إلى استنتاج واضح.

2 - الظاهر هنا هو أن الآية لا تستكمل خطاب أهل الجنة، بل الخطاب الله عز وجل، في وصفه وتعريفه للكفار الذين ذكروا في كلام أهل الجنة، وهذا أحد أجمل أساليب نقل حديث عن أحد، حيث وفي نهاية كلامه، تضاف عبارة بذات سياق التفسير، لكن أن تشير العبارة في نفس الوقت بأن المتحدث فيها ليس الذي نطق بالجملة السابقة، وفي هذه الآية قرينة تدل على ذلك وهي لفظ فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ التي تشير بوضوح إلى أن صاحب الكلام هو الله وحده.

3- (اللهو) هو ما يشغل الإنسان عن القيام بوظيفته وعمله،(واللعب) هو العمل الذي يتم بناء على الخيال، كما أن نتيجته خيالية وبعيدة عن الواقع، و(الغرور) هو إظهار الاهتمام بشأن وصلاح أحدهم في الظاهر، بينما الحقيقة أمر آخر من الخداع والإضلال، و(النسيان) هو الغفلة عن تذكر أمر ما، ويستخدم في الكناية والاستعارة بهدف إظهار عدم الاعتناء بشيء، وهو الوجه المستخدم في الآية أيضاً، و(جحد) هي بمعنى هي بمعنى أنكرونفي.

4 -ذُكر في هذه الآية أربع أوصاف للكفار:

الصفة الأولى: أنهم يتخذون دينهم لهوا ولعباً، والمقصود هنا هم اليهود والنصارى، ممن لا يهتمون بجدية بأمر دينهم، ويتخذونه لعبة لتحقيق أهداف دنيوية، خاصة منهم الأحبار والقسيسين والرهبان ممن يُشكلون الدين بالهيئة التي يرغبون ويعرضونه أما البسطاء من الناس التابعين

الصفة الثانية: أن الدنيا فتنتهم وأغوتهم، فتحولوا إلى عبيد للذائذها المادية وشهواتها وطمعهم الذي لا ينتهي بشكل عميت عيونهم فيه عن القيم والمعنويات، فهجروا الدين وغادروه.

الصفة الثالثة : أنهم نسوا لقاء ربهم يوم الدين بل ونسوا يوم القيامة أيضاً، لذا فالله ينساهم أيضا في ذلك اليوم.

الصفة الرابعة : أنهم أنكروا آيات الله، وفي كثير من المواضع يرفضونها تماماً، وأو يقبلونها ولكن لا يعملون بها.

5- توضح هذه الآية بأنه لا غنى للإنسان عن الدين في أي موضع من المواضع، فالدين المسير والسبيل المبني على أساس فكرة الإنسان، وهذا الأخير يحتاج خلال حياته إلى الدين، فإن أعرض عنه وانشغل باللهو واللعب، فلابد وأنه سيغرق في الماديات ويخسر الدنيا والآخرة.

6- يجب الالتفات إلى أن عبارۀ فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ لا تعني بأن هذه الصفة قد تم نسبها لله سبحانه، فهو المنزه عن الغفلة والسهوات لكن الصحيح أنه أمر يناسب حقيقة أن الكفار كانوا يؤمنون بالآخرة ولكنهم غفلوا ونسوا أمرها بسبب غرقهم في اللذات والماديات، وعليه فإن المقصود بالعبارة هو أن الله لا يعيرهم اهتماماً ولا يشملهم بلطف نظرته.

7-تشير عبارۀ نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْإلى أنه وكما أن الكفار تناسوا يوم القيامة؛ رغم إرسال الأنبياء وإنزال الحجج والآيات والبراهين، لذا استحقوا النسيان في يوم القيامة، فالإنسان غير

المتدين؛ ورغم أنه يقوم بالأعمال الباطلة، لكنه مع ذلك يؤمن بيوم قيامة سيأتي، لكن الكافر لا يفكر مطلقاً بيوم الدين والحساب ولا يصدق كلام نبي زمانه.

الآية 52

اشارة

وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الکتاب، التفصیل، القرآن، الهدایۀ، الإیمان، الرحمۀ

1- بعد أن قامت الآيات السابقة باستعراض الإيمان والكفر بالتفصيل، مع ما يجري على المؤمنين والكفار؛ في الجنة وفي النار، يأتي الخطاب الإلهي للتذكير بأن القرآن قد أُرسل لهداية الناس.

2- تؤكد هذه الآية بأن حرمان الكفار وما يجري عليهم من عاقبة ليس إلا نتيجة لتقصيراتهم وظلمهم، وإلا فليس هنالك من تقصير من جانب الله سبحانه في الهداية والإرشاد وإبلاغ الآيات وتبيين التعاليم التربويۀ وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ.

3- تدل هذه الآية على حق الكتاب الإلهي المبين، وكيف لا يكون والله سبحانه أنزله وفصله بعلمه الذي لا نهاية له.

4- ومن أظلم من هؤلاء الظالمين الذين أتممنا عليهم حججنا وبراهيننا، لكنهم مع ذلك اتخذوا الدين لعبة وتسلية.

الآية 53

اشارة

هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (53)

النقاط المستفادة من هذه الآية: النظر، التأویل، النسیان، الرسول، الحق، الشفاعۀ، العمل، الخسران، الضلال، الإفتراء

1- أحد الحقائق الهامة التي أخبر القرآن بها، هي الحياة ما بعد الموت، والبعث والقيام لحساب يوم الدين، وذلك في مواضع مختلفة.

2-وفق عرف القرآن الكريم فإن تحقق الحكم أو الخبراً والحقيقة في الواقع، هو بمعنى التأويل، كما أن تحقق حلم ورؤيا في الواقع، هو بتأويل هذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَایَ ؛ وعليه فإنه لدى وقوع يوم القيامة تتحقق هذه الحقائق القرآنية التي لطالما أخبر الشيطان عنها.

3- رغم أن المقصود من تأويل القرآن في هذه الآية هو وقوع يوم القيامة وتحقق هذا الوعد الإلهي، ولكن في آيات أخرى، هنالك تأويل أعم من ذلك، فمثلا في الآية المتعلقة بالمحكم والمتشابه، حيث تم فيها ربط فهم تأويل القرآن بالله والراسخون في العلم، والمقصود من التأويل كافة الحقائق القرآنية التي لا يفهمها إلا الله والراسخون في العلم.

4 - كلميَنْظُرُونَهي هنا بمعنى؛ أولاً الانتظار وينتظرون مع الالتفات إلى أن الانتظار مدمج بالانتظار، وثانياً : هو بمعنى مقام التهديد، وذلك يشبه ما جاء في الآية 210 من سورة البقرۀ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ، وكذا في الآية 158 من سورة الأنعامهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ

يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ والآية 102 من سورة يونسفَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ . 5- تقول هذه الآية ؛ هل ينتظر الكفار الذين يفترون على الله الكذب، رغم ما جاءهم من حجج، هل ينتظرون إلا أن يتحقق وعد الله ؟! وبالتالي فالمعنى يكون كالتالي: هل ينتظر هؤلاء أن يحقق أمام أعينهم وعده في القرآن الكريم بقيام يوم الدين؟هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ

6- لا شك أن الكفار لم يكونوا يؤمنون أبداً بالقرآن الكريم، ولا بالوعود الواردة فيه أو حقيقة تحققها، وإلا لما طغوا ورفضوا العمل بتعاليمه! وهذا يعني أن عليهم الانتظار حتى يأتي ذلك اليوم ، لأنهم سواء علموا أم لم يعلموا، فإن وعد الله سيتحقق أخيراً.

7- حين يواجه الكفار أحداث يوم القيامة، فيشاهدون ما سيجري فيه من حقائق عندها سيعترفون بخطأ ما قاموا به ويذعنون حينها بأن الأنبياء جاؤوا بالحق فعلاً، ولكن أسفاً!! فالوقت قد فات والعذاب سيتحقق يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ

8- عندما يرى الكفار خلو أيديهم من أي وسيلة لتغطية أعمالهم الشنيعة وفسادهم الدنيوي، ويدركون هلاكهم عندها يقعون في اضطراب ووحشة من هول ما ينتظرهم، فيبدؤون بالبحث عما ينقذهم، وأمامهم أمران:

الأول : البحث عن شفعاء لإنقاذهم فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا، وهو الأمر الذي لا يمكن مطلقاً أن يتحقق لهم، فليس هنالك من شفعاء لمثل هؤلاء.

الثاني: أن يعودوا إلى الدنيا ليعملوا أعمالاً صالحة تنقذهما أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ.

ولكن يا لخسارتهم فليس لهم أن يتحقق أي من الأمرين، فقد استيقظوا متأخرين جداً كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا(1)وها هم قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُم


1) المؤمنون 100

10- إن أمنية العودة إلى الدنيا واستبدال الأعمال بالصالح على لسان الكفار، قد وردت في كثير من الآيات القرآنية.

11- يُفهم من هذه الآية أن الإنسان له الحرية بأعمال وهو مختار، وإلا لما طلب أن يعود ليستعيض عن الأعمال السيئة بأخرى صالحة.

12- لاشك أن الكفار في الدنيا لم يكونوا ليتخيلوا مطلقاً بأن وعد الله ستتحقق، ولهذا فإن سائر الآيات أيضاً جاءت في هذا السياق من المعنى، أي معنى الانتظار.. والانتظار للملحد والكافر هو في الواقع تهديد له، كما جاء في قصة نوح(عليه السلام)قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ(1)


1) هود 32

الآية 54

اشارة

إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)

النقاط المستفادة من هذه الآية: السماوات، الأرض، ستۀ أیام، الإستواء ،العرش، اللیل، النهار، الحثیث، الشمس، القمر، النجم، التسخیر، الخلق، رب العالمین، تبارک الله

1- إن هذه الآية تعرّف المعبود الحقيقي بصفاته الخاصة، وذلك لتعريف الباحثين الحقيقيين عن وجوده جل وعلا قبل قيام يوم الحساب والبعث.

2- هل تم خلق العالم في ستة أيام؟

بالنظر إلى مفهوم كلمة (أيام) الواسع، وإمكانية تقديم معادل مناسب له في اللغات الأخرى، فإن الإجابة تصبح أوضح، وذلك لأن كلمة (أيام) تستخدم لوصف الدهور كذلك.

وعليه فقد يكون المقصود أن الله خلق الأرض والسماوات في ستة دهور، وقد يكون كل منها يبلغ مليارات السنوات، والعلم في يومنا هذا لم ينف ذلك.

3- سؤال : وفق الآية 82 من سورة يسإذا أَرادَ شَيئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُون فإن الله المتعال والقاد رذي الجلال يمكنه خلق ما يشاء بطرفة عين، إذن فلم تحديد مدة ستة ستة أيام؟ الإجابة: نحن نعلم بأن كافة أفعال الله تتبع الحكمة والمصلحة، ومن الممكن أن تكون الحكمة في إيجاد شيء في لحظة، أو أكثر، فمثلا قبل أن يخلق الله العالم لم يكن هنالك مصلحة وحكمة في خلقه، لكن فيما بعد حكم قضاء الله بأن يخلقه ويكونه، ولذا فالأمور لا تقاس بهذا الشكل؛ أن نقول كان لدى الله القدرة أن يحيي الناس كلهم في لحظة ويميتهم في لحظة، إذا لماذا أوجد الله العالم بشكل ذريات متعاقبة.

4- إن القرآن الكريم يقولثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِأي أن الله لم يخلق الكون والوجود فحسب، بل وهو صاحبه ومديره ومدبره.

5- لماذا ذكرت الآية هنا أن الخلق تم في ستة أيام، بينما في سورة فصلت / الآية 9 أشير إلى أنوَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍوفي الآية 11 يقول تعالى فَقَضاهُنَّ سَبعَ سَماواتِ فِي يَومَين؟

الجواب واضح أن كلمة أربعة أيام في الآية 4 من سورة فصلت، ليست منفصلة عن الآية 11 التي تذكر الخلق في يومين ومفاد الآية هو أن الله خلق الأرض في يومين، وفي أربعة أيام خلق الجبال والتي هي أعمدة الأرض، وكذا بركات السماء والأرض، وبالتالي فمجموعهما هوستة كما في الآية المبحوثة.

6- سؤال: بالنظر إلى أن الآية ذكرت خلق السماء أولاً ثم خلق الأرض، ثم بعد ذلك أشارت إلى العرش، فهل يمكن أن نقول بأن خلق السماء كان قبل الأرض ، ثم خلق الأرض قبل العرش؟ بينما يذكر عكس ذلك في الآية 8 من سورة فصلت؟

الإجابة: لا شك أن ذكر خلق أي من السماء أو الأرض قبل ذكر الآخر؛ لا يعني بأن هذا هو الترتيب في خلقها زمنياً، لذا فاختلاف موقعهما بين السورتين لا يعني وجود منافاة بين الآيات القرآنية.

7- ما معنى لفظ (عرش) ؟ لهذا اللفظ معان متعددة في اللغة: فهو مرة بمعنى السقف أو الشيء ذو السقف، وأحياناً هو بمعنى الأسرة المرتفعة؛ كسرير السلاطين.

8- ما المقصود من عرش الله؟ لا يعرف الناس عن عرش الله سوى اسمه، فعقولهم قاصرة عن إدراكه والإحاطة بالمقصود منه، ورغم أن الجهلاء قد يتوهمون لدى سماعهم للآية الكريمة الرّحمنُ عَلَي العَرش استویبأنه الله يجلس على عرش كالملوك، ولكن يجب التنبه هنا إلى أننا وبناء على الآية 17 من سورة الحاق وَ يَحمِلُ عَرشِ رَبِّكَ فَوقَهُم يَومَئِذٍ ثَمَانِیۀ وكذلك 17 الكثير من الروايات التي تناولت موضوع العرش في ضوء ذكر العرش في آية الكرسي وَسِعَ

كُرسِيّهُ السَّماوات ؛ نؤمن بأن العرش موجود بالفعل وبأن الإحاطة به هو كالإحاطة بجميع السماوات والأرض، والمراد من الإحاطة هو القدرة والعظمة التي تدبر كافة الممكنات وتديرها، وعندما يُستخدم لفظ (عرش الله) فإن المقصود منه مجموع عالم الوجود والذي هو في الواقع مسند حكم الله سبحانه. 9- عبارۀ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ كناية على إحاطة الله الكاملة وسلطته وتدبيره للأمور السماوية والأرضية بعد خلقهما، ولذا ففي بعض الآيات القرآنية إشارة إلى هذا المفهوم؛ كما في سورة يونس؛ حيث جاءت الآيةثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وبعدها جاء يدبر الأمر؛ أو كما في الآية 2 من سورة الرعد، حيث أيضاً يقول تعالى ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ إلى قوليُدَبِّرُأو كما في الآية 4 من سورة فصلتثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وتلاها يُدَبِّر الأمر وحرف ثم قبل كلمة استوى هي للإشارة إلى أن القيام بتدبير الأموره و بعد حلق السماوات والأرض ، وليس أن إيجاد العرض كان بعد خلقهما.

10- المقصود من الْخَلْقُ هو الخلق الأول، وأما المقصود من َالْأَمْرُهو القوانين والأنظمة التي يحكم الله بها الوجود، فكما أن العالم بحاجة إلى الله لخلقه؛ فهو أيضاً متصل الحاجة بذات الإله لتدبير أموره واستمرار الحياة فيه، وإن غاب لطف الله عن هذا الوجود لحظة؛ فإن نظامه سیتلاشى ويزول، والفرق بين الخلق وبين الأمر؛ هو أن الأمر لا يكون تدريجياً، ولكن الخلق قابل للتدري وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةً كَلَمْحِ بِالْبَصَ(1)

11- قد يسأل أحدهم لماذا قال تعالىيُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَولم يقل يغشي النهار الليل؟ والإجابة على ذلك أن الليل هو بمثالة العدم والسلب؛ أي نظير الظلمة، والعدم لا يمكن عدمه، وأما النها رفه وبمنزلة الوجود؛ أي مثل النور، والموجود يمكن أن يتم عدمه، لذا فإنه حين يُعدم النها ريكون ذلك ليلاً في الواقع، كما أن الظلمة تحدث لانعدام النور.


1) القمر / 50

12- من الجدير بالذكر التذكير بأن مسألة الاستواء في آية 3 من سورة يونس، جاءت قبل مسألة التدبير، حيث بعد ذكر التدبير؛ يأتي الشرح بأنه سبحانه يغشي الليل النهار، وهذه العبارة تعني أن الأصل كان الظلمة وأن النوره و أمر عارض يأتي من ضياء الشمس، ولذا فالنهار هو عارض دائماً على الليل.

13 - أل التعريف فيأَلا لَهُ الخَلقُ وَالأمرهي لتبيان التخصيص والتصريح بأنه ليس هنالك خالق غير الله، وأن إطاعة أوامر رسول والأئمة الأطهار والوالدين والزوج والمولى واجب بواسطة أمره هوأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمرِ مِنكُم(1)، وفي الزيارة الجامعة (من أطاعكم فقد أطاع الله ومن عصاكم فقد عصي الله).

14 - عبارۀ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمين تعني أن إله العالمين يمتلك من البركات ما يفيض به على مخلوقاته في كل بقاع العالم، فهو إذاً إلههم، إضافة إلى أن من الواضح والمبرهن أن كل شيء مخلوق من المواد، وذلك ليكون عالم العقول تحت تربية الله له، فكل كمال لا يكون إلا بفيض منه عز وجل، وأي نقص يُرفع؛ هو بعناية الله ولطفه؛ لأنه وحده الكمال المطلق والتام.


1) النساء / 62

الآية 55

اشارة

ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الدعاء، التضرع، الخفاء، المحبۀ، الإعتداء

1- أثبتت الآية السابقة بأن الله هو الوحيد اللائق بالعبادة، وفي هذه الآية أمر للعباد، بأنه طالما أن الإله الوحيد والواحد لهذا العالم هو الله سبحانه فإذا فعلى كل عبد أن يدعوه هو وحده، ويعبده عبادة حقة، بل وأن تكون عبادته هذه بالتضرع والبكاء، وبشكل خفي، فلا يكون بصوت عالٍ أو علني، ليراعي أدب العبادة وسبيلها.

2- الدعاء هو أحد العبادات العظيمة، والآيات والروايات كثيرة في استعراض فضيلة الدعاء وأهميته، فالدعاء يكون لأمور كثيرة؛ لدفع العد و ورفع البلاء، فحتى لو كان المرء قوياً وذكياً وذ وسلاح، إلا أن عليه ألا يغفل عن حاجته للدعاء.

3- التضرع هو من أصل الضراعة، أي إظهار الضعف والتذلل، وكلمة (خفية) تشير إلى الستر والكتم، فالإنسان الذليل والضعيف عادة ما يلوذ بالكتمان والتستر، لذا فهذين الأمرين هامين في الدعاء الدعاء بين يدي الله، وهما يبينان بأن صاحب الدعاء أولاً ضعيف وذليل خاضع ومنكسر القلب يدعو باكياً، وثانياً أنه يدعو بصوت خافت وبإخلاص بعيد عن الرياء.

الدعاء يختلف عن السؤال، فالآية قالت ادعوا الله وليس أن تدعوه ثم تسألوه طالبين منه أمراً، وبكلمة أخرى أدعوا الله ولا تدعوا أمراً سواه، بحيث يكون الله هو مسألتكم ولي أمر غيره، إلا أن ذلك لا ينفي أن كثيراً من الأشياء والمقدرات مرهونة بسؤال العبد، فالآية 32 من سورة النساء تقول اسئلوا الله من فضل.

5- علينا أن نعلم بأن الدعاء يكون بين طرفين؛ أحدهما غائب والآخر حاضر، إلا أنه من الجلي أنه وفي مسألة الدعاء؛ الداعي هو الغائب وليس المدعو (أي الله تعالى)، فالدعاء هو لجعل كلا الداعي والمدعو يأنسان ببعضهما، فالداعي المسكين هنا هو الغائب وليس في

محضر الله، وفي مواضع يدعو الإنسان إمامه أرواحنا فداه ويناجيه ويطيل النواح (عزيز علي أن أرى الخلق ولا ترى)، فيكون المدعو غائباً.

6- إذا كانت تلك الذات التي يدعوها الإنسان ويتضرع إليها هي وكما فيها يقول الذكر الحكيم فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهوالذات الموصوفة بالأول والآخر والظاهر والباطن، وب-و هُوَ مَعَكُم این ما كُنتُموَاللَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِب فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعوَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونونَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَریدوو اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلبه؛ فلماذا على الإنسان أن يدعوها أصلاً؟ فالله عالم بكل ما يحيط بالإنسان وبكل احتياجاته!.. إذا فهذا يؤكد بأن الإنسان هو الغائب الذي يحضر بالدعاء؛ فالله حاضر أصلاً وموجود ، وإذا استطعنا الحضور أيضاً فهذا ما يجعلنا أغنياء حقاً.

7- رغم أن عبارۀوَهُوَ مَعَكُم اين ما كُنتم تبين وتوضح أن الله موجود مع فرعون ومع موسی(عليه السلام) على حد سواء، فهو الأول والآخر والباطن والظاهر، لكن الناس متفاوتون في تظللهم بالرحمة الرحمانية الله؛ تبع بعدهم وقربهم عنه ، على عكس الرحمة الرحمانية التي تشمل الجميع.

8- لا شك أن رزق الجميع بيده هو فهو اللطيف بأحوال العباد والخلائق، والرزق الذي يهبه هو أحد آثاره الظريفة واللطيفة في خلقه، فمثلاً قد يقوم إنسان ببناء مسجد من مواد بسيطة؛ كالحجارة والطين مستخدماً الفأس والمعول و.. ولكن قد يأتي آخر يبنيه بمزيد من مواد التزيين والتجميل والزركشة والزخرفة، فهذا لا يعود يحتاج في عمله أن يستخدم تلك الآلات الثقيلة، وكذا لو قارنا بين عمل الحداد وعمل الصائغ، فالحداد إذا أراد أن يصنع آلة استخدم كل قدرته العضلية، لكن الصائغ تراه يحرك رؤوس أصابعه ليصنع قطع الذهب والزينة، وكذا فالله يهب الجميع رزقاً؛ وهو رزق عام يشمل الجميع، لكن يبقى أن هنالك رزقاً خاصاً يهبه لخاصة عباده، وذلك من ألطافه يرزقها من يشاء.

9- في ختام الآية يقول عز وجلإِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينوالتعدي هو تجاوز الحد، أو طلب ما هو أكثر من ذلك الحد وما هو أكثر من القدرة، وهذه العبارة ذات معنى وسيع، وهو هنا يشير إلى أن كل تعدٍ يشمل؛ الصراخ لدى الدعاء، أو الرياء بالدعاء، أ والتوجه لغير الله أثناء الدعاء، أو الدعاء على أحد المؤمنين أو الدعاء للكافرين وطلب الغفران لمن لا يمكن أن تشملهم المغفرة ... كل هذا مما يشمله وصف التعدي بالدعاء.

الآية 56

اشارة

وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الفساد، الأرض، الإصلاح، الخوف، الدعاء، رحمۀ الله، الإحسان،

1- في هذه الآية إشارة إلى حكم هو في الواقع أحد الشروط المؤثرة في الدعاء، وهو الفساد الأرض، فليس للمفسد في الأرض دعاء مقبول.

2- جملۀ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا توضح أن الله المتعال قد أصلح الأرض والمجتمع البشري بواسطة الوحي والنبوة والشريعة، لكن أنتم أيها البشر من يعيث فيها فساداً.

3- يجب أن نعلم بأن الله وحده هو اللائق بالعبادة، لكن العبادة إن كانت فقط خوفاً من العذاب، فسوف تصيب الإنسان باليأس، وفي نهاية الأمر سيترك العبادة، كما أن العبادة إن كانت فقط طمعاً بالثواب والجزاء، فإنها ستورث الإنسان الوقاحة، كما أنها تنحرف به بعيداً عن مسيرالعبادة، لذا فالله سبحانه قال ادعوني خوفاً وطمعاً معاً؛ لكي يصلح كل نوع منهما مفاسد الآخر، ويصل الإنسان إلى الاعتدال.

4- يجب يجب ألا يكون الإنسان لا راضياً تماماً عن أعماله فيتوهم بأنه ليس في حياته أي نقطة مظلمة، وهذا بحد ذاته سبب التراجع والسقوط ، ولا أن يكون غائصاً باليأس فيتوهم بأنه لا يستحق غفران الله ،وتوبته بل الأصح أن يُحلق بجناحين؛ أحدهما (الخوف) والآخر (الأمل)؛ الأمل برحمته تعالى، والخوف من المسؤولية الملقاة عليه أو أن تزيغ قدمه عن الصراط.

5- في ختام الآية مزيد من التأكيد على أسباب رحمة الله،إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ.

6- يُفهم من جملۀإِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينأن على المؤمن أولاً بلوغ مرتبة الرحمانية الإلهية لكي يحظى بالرحمة الإلهية الخاصة، وهي المرتبة التي يحتاج الإنسان إلى الجهد والعمل للوصول إليها، فهي مما لا يُبلغ إلا بذلك، وليس أن يرضى وبالرحمانية فحسب، ويتوقف عن العمل الدؤوب من أجل الرحمة الخاصةذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ.

الآية 57

اشارة

وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الإرسال، الریاح، البشارۀ، بین یدی رحمته، السحاب، الثقیل، السقی، البلد المیت، النزول، الثمرات، الموت، الذکر

1- لقد تكرر كثيراً في الآيات السابقة الإشارة إلى موضوع (المبدأ)، أي توحيد الله وتعريفه من خلال استعراض أسرار من الكون والخلق وهذه الآية تناولت موضوع (المعاد) والبعث ليكمل كل من هذين الموضوعين الآخر، إضافة إلى أن هذه الآية تبين ربوبية الله من حيث رجعة كافة المخلوقات، على سياق الآية 54 التي تبين بدء الخلق.

2- المقصود من (رحمة) في الآية هو المطر، (وبين يدي رحمته) أي قبل نزول المطر، و ( اقلال) تعني الحمل و (السحاب) يعني الغيوم المثقلة بالأمطار، (والبلد الميت) هو الأرض اليابسة الخالية من الزرع.

3- في هذه الآية الشريفة؛ يثبت الله تعالى مسألة المعاد وإحياء الأموات، من خلال إثبات إحياء الأرض بواسطة المطر، فكما أن أجزاء النبات تجف وتبلى في فصلي الخريف والشتاء، إلا أن روحها باقية، تعود فتنشط في فصل الربيع من جديد؛ فكذا أيضاً حياة الإنسان، لأن الرجعة لا تختلف عن إحياء النبات، إلا في أمر هو أن البعث للبشريكون في يوم القيامة، حيث بعدها تبدأ حياته الأبدية والدائمة، فيما إحياء النباتات هو جزء من دورة طبيعية تتكرر كل عام.

4-لا شك أن أفضل مثال لإثبات القدرة على إعادة إحياء الأموات؛ هو إحياء الأرض، وذلك لأن الإنسان بعد الموت لا يتلاشى كلياً أو ينعدم تماماً، فروحه تبقى موجودة ومحفوظة،

والبدن فقط هو ما يتفكك، لكن لا ينعدم نهائياً، وعليه فكما أن الله قادر على إحياء الأرض، فهو أيضاً قاد رعلى إحياء الأموات يوم القيامة من التراب كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتِ .

5- إن إنزال الما فَأَنزَلنا بِهِ المال يشمل كافة أنواع الماء، بما فيه المطر والثلج والبرد؛ مما يسقط وينهمر على الأرض اليابسة الميتة فيحييها وتغدق بالثمار فَأَخرجنا بِهِ مِن كُلَّ الثَّمَراب.

6- تقول الآية الشريفة هنا بأن سبب إيراد هذه الأمثلة هو للتذكير، حتى يكون المعاد حاضراً في أذهانكملَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون

الآية 58

اشارة

وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58)

النقاط المستفادة من هذه الآية: البلد الطیب، النبات، الخبیث، النکد، الآیۀ، الشکر

1- بعد أن أشا رسبحانه إلى رحمته في الآية السابقة، فإنه في هذه الآية يوضح لعباده بأن مثال إحياء الأرض بالأمطار، لا يعني بأن كافة الاستعدادات والمواهب واحدة، بل هي متفاوتة في حسن استفادتها من الفضل الإلهي، فالواقع أنه في مجال التمتع بالمعنويات؛ لا يكفي فحسب وجود فاعلية الفاعل بشكل ظاهري والتمتع بالقدرة العقلية أو إبلاغ الرسائل الإلهية بالشكل المناسب، بل من المهم أيضاً التمتع ب- ( قابلية القابل) لدى الجهة المتلقية، أي الإنسان.

2-بناء على الرحمانية الإلهية، فالمطر والسحب تهطل على كافة الأراضي، فإن كانت الأرض خصبة ومستعدة؛ نبتت أعشابها ونباتاتها وبراعمها وأثمرت بألوان الثمار، ولكن إن لم تكن الأرض مستعدة لذلك، فلن يؤثر المطر فيها، وكمثل ذلك هو الإنسان أيضاً في مواجهة الرحمة الإلهية وكيفية استفادته منها.

3- إن المثال الوارد في الآية هو مثال ينطبق على المؤمنين والكافرين على حد سواء، فالمؤمنين هم الذين يتلقون الرسائل الإلهية عبر القرآن المجيد، فترقى قلوبهم وتنمو براعم الإيمان فيها، وعلى العكس منهم الكفار؛ فهم وبسبب بعدهم عن الله تعالى وعنادهم وتكذيبهم وعصيانهم لا يمتلكون الجهوزية الكافية لتلقي الهداية القرآنية، فلا يزيدهم ذلك إلا تحجراً.

4-يجب أن ننتبه إلى أن أرض قلوب الكفارقد تحولت بفعل ظلمهم لأنفسهم؛ إلى أرض قاحلة، لكن مع ذلك فإنهم إن تخلوا عن عنادهم وعصيانهم لأمكن لهم تغييرها جذرياً، بشكل تتهيأ فيه قلوبهم لاستقبال هدى الله.

5-من المؤكد أن للأعمال الحسنة آثار قيمة تنهل مصدرها من معين طاهر، وعلى العكس تماماً هي الأعمال الباطلة، وما لها من آثار خبيثة، لأنها تنشأ عن طينة شيطانية، والناس متفاوتون في تلقيهم للفيض الإلهي وهذا ليس إلا بسببهم ، وإلا فالرحمة الإلهية عامة ومطلقة.

6- في ختام الآية تذكير بأننا ننزل هذه الآيات على تلك الفئة الشاكرة من عبادنا؛ ممن يشكرون نعم الله التي لا تعد ولا تحصى.

الآية 59

لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الإرسال، نوح، العبادۀ، الإله، الخوف، العذاب، جهنم، یوم عظیم، یوم القیامۀ، شعیب، موسی، لوط، طوفان نوح

1- رغم أن اسم النبی نوح(عليه السلام)ذكر للمرة الأولى في سورة آل عمرانإِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَ نُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمين إلا أن قصة نوح(عليه السلام)ذكرت للمرة الاولى في سورة الأعراف.

2- من هذه الآية سيبدأ الحديث عن قصص بعض الأنبياء، من مثل نوح وهود وصالح وشعيب ولوط وموسی(عليهم السلام) مع تبيان لتكذيب قومهم لهم، وذلك فيه تطييب لخاطر النبي الأکرم(صلی الله علیه وآله وسلم)،لكي لا يحزن من تكذيب قومه له، فتلك سنتهم الدائمة.

3 - أو قصة وردت هنا هي قصة النبي نوح(عليه السلام)، وقد وردت كذلك في ست سور أخرى هي الأعراف، هود، المؤمنون، الشعراء، القمر، نوح، وقد ورد اسم هذا النبي المبارك ثلاثاً وأربعين مرة في القرآن الكريم، وستصل النبي نوح بالنبي آدم بتسعة ظهور، وقد بعث بالنبوة وهو في سن الأربعين أو الخمسين، كما أنه كان يعمل نجاراً، وعاش تسعمائة وخمسون سنة بين قومه، ولكن لم يؤمن به إلا ثمانون منهم، وكذبه الباقون بمن فيهم زوجه وابنه.

4- فيما يخص أمر طوفان نوح؛ فإن هنالك أسئلة كثيرة ومتعددة، من مثل: هل كان عالمياً؟ أم أنه حدث في الشرق الأوسط فحسب؟ وكيف بدأ؟ ثم كيف انتهى؟ وكيف بنى نوح سفينته؟ والمزيد من الاستفسارات التي سيتم بعون الله ومشيئته شرحها وتبيانها في تفسير سورتي نوح وهود بالتفصيل، وأما هذه الآيات فسيتم الإشارة فيها إلى بعض النقاط بشكل إجمالي.

5-لقد كان النبي نوح يعيش في محيط ملوث بالشرك، فأهل زمانه كانوا يعبدون الأصنام ولعلهم كانوا الفئة الأولى التي تعبد الأصنام ، ثم بعد ذلك انتشرت عبادة الأوثان المصنوعة من الخشب والحجارة.

6- إن الله سبحانه في بداية هذه الآية يقسم لتأكيد معنى التحقيق، وذلك لتأكيد أن هذا الأمر قد حدث قطعاً، حتى يقبله مشركو الحجاز ولا يظنوا بأنها أسطورة تروى لهم.

7- رغم أن قوم نوح كانوا مشركين ومنكرين لنبوته، إلا أنه(عليه السلام) كان يستخدم لهجة العطوف الناصح لإرشادهم وإنقاذهم؛ فهو لم يستخدم عبارة من مثل (أيها الناس)؛ بل استخدم (يا قوم )ليُشعرهم بأنه منهم ويهمه مصلحتهم.

8- يبدأ النبي نوح (عليه السلام)رسالته بالدعوة إلى عبادة الله، حيث قال لقومه : أتعرفون إلاها آخر غيره؟ والواقع أن ذلك ينقسم إلى قسمين من التحليل -1- أن يؤمنوا بالله الذي لا معبود سواه، 2- أن يعبدوه لأن لازمة الاعتقاد هو الإيمان بوحدانية الله ، وهذه العقيدة في ذاتها تحمل التزاماً بتكليف اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهِ غَيْرهُ

9- وفق هذه الآيات؛ فالله سبحانه بعث النبي نوح(عليه السلام)إلى قومه، ليدعوهم إلى عناصر الإسلام المحوية الثلاثة وهي: التوحيد والمعاد والنبوة، وهي العناصر المشتركة في كافة الأديان السماوية.

10- فيما يخص الرسالة والنبوة باعتبارها العنصر الثالث من عناصر الرسائل السماوية، فلقد تم الحديث عنها في الآية التالية، عندما كذبه رؤوس القوم وأشرافهم، واتهموه بالضلال جهراً.

11- بعد الدعوة إلى التوحيد، دعا نوح(عليه السلام) إلى المعاد بهذه العبارۀإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيموهو قد قال عذاب يوم عظيم وليس عذاباً عظيماً، وورد في القرآن في مواضع أخرى وصف العذاب بالعظيم أو الأليم، لكن في مثل هذه الموارد فاليوم هو العظيم في شأنه، أي يوم القيامة.

12- بناء على هذه الآية، فإن النبي نوح(عليه السلام)فی البداية بدأ رسالته بتعريف للتوحيد يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهِ غَيْرهوفي النهاية تحدث عن المعاد ويوم القيامۀ یوم ٍعَظيم، رغم أنه لم يتناول النبوة صراحة فيقول أنا رسول الله؛ لكن مجرد أنه صاحب الدعوة وحامل الرسالة، فهذا يعني أنه نبي الله.

13- رغم أن العذاب الإلهي في يوم القيامة قطعي على المشركين والكفار، ولكن ولأن أكثر الناس يخافون من النار فيعبدون الله، فقد استخدم نوح (عليه السلام)أسلوب النصح بلهجة محبة، للإشارة إلى قلقه على قومه ، فهو هنا نسب الخوف لنفسه أولاً ، وأوحى لهم بالكناية بأن عليهم أيضاً أن يخافوا من ذلك العذاب.

14- لا شك أن المقصود من يوم عظيم، هو يوم القيامة، رغم أن البعض ذهب إلى أن اليوم المقصود هو يوم الطوفان؛ إلا أن ذلك بعيد، لأن الدعوة كانت في بدايتها، ولم يكن من المتوقع رفض الناس للدعوة بعد، لذا فالأنسب القول بأنه يوم القيامة.

الآية 60

اشارة

قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (60)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الضلال، ضلال مبین

1- كلمة (ملأ) هي بمعنى أشراف القوم وكبارهم، وقد أطلق عليهم ذلك لما لهم من هيبة ومكانة في قلوب الناس، بحيث يملأ جمالهم وهيبتهم العيون.

2- ينقسم قوم نوح إلى فئتين:

الفئة الأولى: الفئة القليلة، ضعيفة الإيمان وما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيهوكذا الآية 36 من السورة ذاتها أيضا وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَومِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِس بِمَا كَانُوا يَفْعَلُون.

الفئة الثانية: هم الأكثرية ممن لم يؤمنوا، بل وخالفوا النبي وسخروا منه وأهانوه.

3- السبب في استخدام إنا ولام قبل نراک إِنَّا لَنَراکَ في قول أشراف قوم نوح هو لإظهار تأكيدهم على رفضهم له ولدعوته، مع اتهامه إياه بالضلال، ولتبيان إصرارهم أيضاً على رفض حقيقة نزول رسالة إلهية على إنسان كالنبي نوح(عليه السلام)يدعوهم باستمرار إلى عبادة الله وينهاهم عن عبادة الأصنام.

4- من الممكن أن المقصود منإِنَّا لَنَراکَ، أي الإشارة إلى الرؤية ليست بمعنى رؤية البصر، بل رؤية قلبية نابعة عن اعتقاد خاطئ رافض للدعوة على لسان نوح(عليه السلام).

الآية 61

اشارة

قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (61)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الضلال، الرسول، رب العالمین

1- رد النبي نوح على كل تلك الإهانات والغلظة الصادرة عن قومه، بمزيد من الهدوء والرحمة والمحبة؛ فقال لهم بأن دعوتي لكم بالوحدانية الله تعالى ليست بضلال، ولا ذلك بدليل على أني فقدت عقلي أو ضللت قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِين.

2-من المسلّم أن قوم نوح لم يكونوا من المنكرين لوجود الله ولكنهم أولاً: يشركون معه أصنامهم، ومن المؤكد أنهم كانوا يعتقدون بالأنبياء الذين أرسلوا قبل ؛ أي آدم وشيث وادریس(عليه السلام)،ولكنهم كانوا يعتقدون بأن أولئك الأنبياء لم يكونوا يدعون إلى التوحيد في عبادة الله.

ثانياً: رغم أن قوم نوح كانوا يرون بأم أعينهم المعجزات الكثيرة ومنها أنه ورغم عمره الطويل كان يبد وكشاب قوي؛ إلا أنهم مع ذلك كانوا ينكرون رسالته، بل ويرونه ضالاً لأنه لا يعبد آلهتهم.

3- السبب في أن النبي نوح(عليه السلام)دعا الله سبحانه أثناء رده على قومه باسم الرب؛ هو أن أصل النزاع بينه وبين قومه كان حول هذا الموضوع، فهم يؤمنون بأن لكل شأن من شؤون الدنيا إلاها؛ للسماء والأرض واليابسة والبحر .... لكن النبي نوح (عليه السلام)كان يأمرهم بإله واحد فقط.

الآية 62

اشارة

أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (62)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الإبلاغ، الرسالۀ، النصیحۀ، العلم

1- تبين هذه الآية ثلاث صفات للنبي نوح على لسانه هو(عليه السلام):

أولاً لأنني رسول الله ومبعوثه فيجب أن أبلغكم رسالة ربي إليكم.

ثانياً: لست أهدف من هذه الرسالة إلا السعادة لكم، وذلك من خلال النصيحة والكلمة الطيبة؛ لأبين لكم ثواب أعمالكم الحسنة يوم القيامة وأنذركم عذاب الله إذا ما عصيتم.

ثالثا: بالنظر إلى أني رسول الله إليكم؛ وبواسطة علاقتي بالله عن طريق الوحي الإلهي والعلم الغيبي الذي حبا الله به رسله؛ فإن لي علماً بوقوع بعض الأمور، وببدء الخليقة وغيره، فهوعلم من الله.

2- السبب في أن الآية استخدمت لفظ (رسالات) بدل رسالة واحدة، هو ليوضح لهم بأنه لم يُبعث إليهم برسالة واحدة فقط حول التوحيد، بل بشريعة ودين كامل في كافة الأبعاد، فأحكام الدين لا تنحصر فقط بالتوحيد والمعاد.

من الطبيعي أن النبي نوح(عليه السلام) هو أحد رسل الله ؛ وعليه مهمة إبلاغ الرسالات الإلهية، بين الله وعباده، لذا فعليه أن يسلك أنسب السبل لإبلاغها؛ سواء كانت في مجال العقائد الصحيحة والفاسدة، أو الأخلاق والأعمال الصالحة أو العبادات والمعاملات، أوإن كانت في مجال الأمور الاعتقادية وارتكاب الآثام ....

4- عبارة أَنْصَحُ لَكُمْتبين بأن النبي كان يريد لقومه صلاحهم وسعادتهم، فهو ينصحهم ويعظهم ليُجنبهم فساد الدنيا والآخرة.

5-قد يكون في عبارۀ أَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُوننوع من التهديد، فالنبي نوح(عليه السلام)يشير لقومه إلى العذاب الذي لا يعلم الكفار عنه شيئاً، كما قد تكون العبارة للإشارة إلى ألطاف ورحمة الله عز وجل وما سيجزي به عباده من بركات وثواب عظيم وهم لا يستطيعون تصوره.

الآية 63

اشارة

أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63)

النقاط المستفادة من هذه الآية: التعجب، الذکر، الرجل، الإنذار، التقوی، الرحمۀ

1- هذه الجملة الاستفهامية في الآية من النوع الإنكاري، وهي لبيان بطلان تعجب قوم نوح من ادعائه الرسالة من جهة، وتعجبهم من دعوة الحق التي جاء بها.

2- المقصود من كلمة (ذكر) هو الدين ومعارف الحق التي تذكر بالله، وكلمة مِنْ رَبِّكُمْ متعلقة ب- (كائن) تقديري.

3- العبارات الثلاث التاليۀليُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونمرتبطة بكلمة (جاءكم) ومعناها أن الذكر المتمثل بالدين والمعارف الإسلامية قد أنزل عليكم، ليقوم الرسول بإنذاركم وتوعيتكم بعاقبة الكفر وما ينتظر الكافرين من عذاب وهول عظيم، فاتقوا الله لتشملكم الرحمة الإلهية.

الآية 64

اشارة

فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (64)

النقاط المستفادة من هذه الآية: التکذیب، النجاۀ، الفلک، الغرق، الآیۀ، العمی

كلمة ( عمين) جمع (عمى)، وتطلق على من فقد البصيرة، أما (الأعمى) فهو فاقد البصر.

2- وفقاً لما يقول راغب فإن لفظ (فلك) هو بمعنى السفينة، وهي تطلق على الواحد منها أو على مجموعة من السفن على حد سواء، كما وأن اللفظ يعامل معاملة المذكر والمؤنث على حد سواء كما جاء في صحاح اللغة.

3- تشير التجربة إلى أن الإنسان إذا بقي لمدة في العتمة، أو إذا أغلق عينيه لمدة لأي آخر، فإن قدرته على الإبصار تضعف، وإذا أطال ذلك فسيعمى، كما أن سائر أعضاء الجسد إذا لم تعمل لمدة طويلة فإنها ستتعطل شيئاً فشيئاً وتتوقف في النهاية عن العمل، ومن ذلك أيضاً بصيرة الإنسان التي لو استمرت بالتغاضي عن الحقائق والبراهين؛ فإنها ستعمى ويعمى القلب معها.

4- جملۀفَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا قد تحمل لهجة تهديد في طياتها، فخلافاً لما كان يتوجب على قوم نوح أن يقوموا به من رد للمعروف في جواب جهاد هذا القائد الحريص ، قاموا بتكذيبه وتعذيبه والسخرية منه لهذا استحقوا عذاب الله.

5- لا شك أن سبب نزول عذاب الله على قومه كان لأن بصائرهم عمياء، فحُرموا من رؤية وجه الحقيقة النوراني.

6- إن المقصود من عمى البصيرة هو العمى القلبي وليس العيني، كما يقول تعالىإِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَوشرح ذلك وارد في الآية 46 من سورة الحجلا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِى الصّدُور.

7- بالنظر إلى الكلام الصادر عن الأقوام الكافرين من مثل قوم نوح وقوم إبراهيم وقوم فرعون؛ يمكن الالتفات إلى أن كلامهم متفاوت ومختلف جداً :

مثلاً بعضهم من يقول بأن هذا هو منطقنا وسبيلنا، وأحياناً يقولون بأننا لم نسمع بهذا الكلام (تعاليم الأنبياء) من آبائنا، أو أن يتهموا النبي نفسه كما قوم نوح بالضلال أو أن يشككوا بأنه مبعوث من قبل الله سبحانهيا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظيم ، وكما قال المترفون من قومه لهقالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينوجملة إنا لنراك هنا إسمية مع تأكيد بإدراج إنّ ولام قبل نراك ، لاستشفاف الاتجاه القلبي الذي في قلوب واعتقاد هؤلاء، وفي جوابهم يقول نوح(عليه السلام): يا قوم ليس بي ضلالة، وذلك كتبيان إلى مستوى الأدب في الحديث والصبر الكبير في التعامل.

8- قد يرد هنا سؤال هنا وهو: لماذا أغرق الله هؤلاء ؟

من الواضح أن سبب غرق هؤلاء هو العمى الذي أصاب قلوبهم، وفسادهم الذي جعلهم

يجحدون بالنعمة التي جاءهم نبي الله بها، بها، وهي الهداية إلى عبادة الله الواحد فاستكبروا وعصوا الله ورغم الفرصة المديدة التي حصلوا عليها؛ إلا أنهم لم يُحسنوا الاستفادة منها.

9- عبارۀ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواهي أحد أجمل التعابير اللطيفة في القرآن الكريم، وهي تشبه الآية 25 من سورة نوح حيث يقول تعالىمِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً؛ وحرف الفاء ه وفاء التفريغ في كلمة فادخلوا؛ أي أنهم دخلوا النار مباشرة بعد أن غرقوا، والواضح أن هذه النار المذكورة ليست من نوع النيران التي تشتعل بواسطة الحطب بما يجعلها تخبو بماء

البحر، بل هي تلك النار التي وصفها الله سبحانه بأنها تطلع على الأفئدة(1)، والواقع أن أبدان الكافرين بعد أن انتهى الطوفانوَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِى مَاءَكِ وَيَا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِیّ(2)، كانت قد تحولت إلى جثث محروقة، رغم أن المدة التي غرقوا فيها لم تكن طويلة، فلم احترقت وهي في الماء؟ لأنهم كانوا قوماً عمين.


1) الهمزة 5

2) هود / 44

الآية 65

اشارة

وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (65)

مقدمة :

لم تفصح الآيات مورد البحث عن الكثير حول قصة النبي هود(عليه السلام)وقومه ؛ واكتفت بالإشارة إلى جوانب من المحادثات المتبادلة وبينه

(عليه السلام) قومه، وفي سورتي الشعراء وهود هنالك المزيد بالتفصيل حول قوم عاد الذين كانوا يسكنون أرض اليمن ومنطقة الأحقاف في جنوب الحجاز، وما كانوا يتصفون به من قوة جسدية عظيمة وقدرات كبيرة في الزراعة وتربية المواشي، لكنهم كانوا يعبدون الأصنام ويرتكبون الكثير من المفاسد الأخلاقية، وقد بعث النبى هود(عليه السلام) إليهم من بينهم فدعاهم كمن سبقه من الأنبياء إلى التوحيد.

النقاط المستفادة من هذه الآية: عاد، هود، العبادۀ، الإله، التقوی

1- استكمالاً لما جاء به نوح (عليه السلام)في رسالته، والدروس والعبر التي استعرضتها الآيات السابقة، تتعرض هذه الآيات إلى قصة قوم آخرين هم قوم هود.

2-يطلق لفظ (أخ) في اللغة العربية إما على الأخ من أم وأب، أو من أحدهما، أو بالرضاعة، أو أخ بالتبني ولكن اللفظ يُطلق أيضاً للكناية وبشكل مجازي للإشارة إلى الانتساب إلى قوم أو قبيلة أو مدينة واحدة، أو للوصف بأمر ما، فمثلا يقال : أخوتميم؛ أي أنه من قبيلة تميم أويقال: أخو الكرم أي أنه كريم جداً، وفي هذه الآية جاء لفظ أخو عاد للإشارة إلى أن هود هو من قوم عاد، ولكنه بالتأكيد لا يدخل إلى الاخوة في الدين والاعتقاد، بل مجرد أنه من قوم عاد.

3- من الممكن أن يكون تفسير (أخا) هو أنه كان هنالك علاقة نسب بين هود وقومه، ثم بعثه الله إليهم ليدعوهم إلى التوحيد.

4-وقد يكون تفسير هذه الكلمة ( أخا) هي للإشارة إلى أن الشخص يكن مشاعر صادقة نحو قومه ويريد صلاحهم وخيرهم بالفعل، كما أنه لفظ لطيف يشف عن نوع من المساواة ونبذ العدو والسعي نحو السيادة وفرض الطاعة، وهذا ليس من صفات رسل الله أبداً، وقد استخدم القرآن الكريم بكثرة مثل هذا الوصف في مواضع عديدة منه.

5- إن عنوان دعوة الأنبياء هو التوحيد ونبذ عبادة الأصنام والإشراك بالله، ولذا فإن هوداً قام كما نوح أيضاً بالدعوة إلى التوحيد ومبارزة الشرك والوثنية وعبادة الأصنامقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِله غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُون.

6- تذكر هذه الآية ذات النقاط التي أوردتها في الآيات السابقة حول نوح(عليه السلام)، والفرق الوحيد بينهما هو أن الآية التي تحدثت عن النبي نوح(عليه السلام)جاء فيها (فقال) بينما هنا جاء اللفظ بدون الفاء (قال).

7- سؤال: قد يسأل أحدهم لماذا بدأت الآية السابقة ب-(فاء) بينما هذه الآية لم تبدأ بها، رغم تشابه الآيتين؟

الإجابة: نقلاً عن الزمخشري في الكشاف لأن الآية مورد البحث هي سؤال في تقدير، وكأنها بعد قولإلى عاد أَخاهُمْ هُوداًفهنا هنالك من طرح سؤالاً، ولكن سؤالنا هو أنه ما الذي قاله هود لقومه؟ والإجابة تأتي (قال با قوم.. )وهذا السؤال والجواب غير متصور في قصة لأنها أول قصة نوح(عليه السلام)ذكرت في هذه الآيات.

8- يجب أن يكون الإيمان بالله الواحد سبباً لليقظة والتنبه، والتقوىأَفَلا تَتَّقُونَ.

الآية 66

اشارة

قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66)

النقاط المستفادة من هذه الآية:الکفر، السفاهۀ، الظن، الکذب

1- المقصود من الملأ هنا هم المتكبرون والمحبون لذاتهم، خاصة أولئك الأثرياء المتعجرفون ، ممن يظن الناظر إليهم أنهم أصحاب جاه ومكانة عالية، فيُعجب بهم، وهؤلاء هم من نسبوا إلى هود تهمة الضلال، كما فعل قوم نوح أيضاً، بل وأضافوا على ذلك اتهامه بالسفاهة والكذب أيضاإِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ

2- السفاهة من وجهة نظر قوم هود؛ هي أن يخالف أحد سنة آبائهم وتقاليدهم، حتى لو كان يشوبها الخطأ، بل وحتى لو كان ثمن تحجرهم هذا يساوي خسارة أرواحهم، والمنطق في رأيهم هو اتباع الجماعة في كل شيء، حتى ارتكاب المفاسد.

3 -إذا جاءت النكرة مع النفي في جملة في اللغة العربية، فهذا يشير إلى نفي عام وكلي، أي أن الأمر المنفي لم يكن قط لا سابقاً ولا حالياً، والنبی(عليه السلام) استخدم في قوله ذلك اليْسَ بِى سَفَاهَۀٌليبين له بأن الأنبياء كلهم ليس في وجودهم ذرة من السفاهة.

4-يستفاد من عبارۀقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِبأنه إما أن قوم هود لم يكن فيهم أي مؤمن أبداً، أو أنه كان فيهم مؤمنون، ولو كان ذلك لاشتهروا بين الجميع ، وهذا مما لم يرد في وصف قوم نوح، حيث قال تعالىقَالَ المَلَأُ مِنْ قَوْمهِأي أن الآية تناولت علية قوم نوح وخصتهم بالذكر، لأنه كان في قومه مؤمنون يُخفون إيمانهم ويكتمونه خوفاً من الكفار( وهذا ما ذهب إلى تمييزه الزمخشري أيضاً).

5-لأن قوم هود كانوا قد اعتادوا وألفوا عبادة الأصنام؛ فقد كانت تتمتع بمكانة مقدسة ومحترمة في قلوبهم، ولم يكن بينهم من يجرؤ على نقض الشرائع التي ألفوها في عبادتهم تلك ،

كما أنهم كانوا لا يتقبلون أي انتقاد موجه إلى آلهتهم، لذلك نراهم يقولون بلهجة من التأكيد باستخدام اللام قبل كلمة نراکإِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ للتعبير عن رفضهم القطعي لما جاء به النبی(عليه السلام).

الآية 67

اشارة

قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (67)

النقاط المستفادة من هذه الآية: السفاهۀ، الرسول، الرسالۀ، القوم

1- تبين هذه الآية رد هود (عليه السلام)على قومه بما هو معهود من الأنبیاء(عليهم السلام) وقادة الحق، فهو لم يغضب ولم يرد على الإساءة بمثلها، بل قال بأدب ووقار: أني رسول الله إليكم وليس في قولي ولا فعلي أثر للسفاهة، بل قولي عين المنطق والعقل، وهذه الإجابة من نبي الله تشير إلى أمرين: أولاً: تبيان لمدى حرص النبي على مصلحة وسعادة قومه، وثانياً: توضح بأن المتكلم هنا هو إنسان يتمتع باليقين الكامل بأن هنالك قدرة عظيمة تعينه وتسانده.

2- رغم أن قوم هود اتهموه بإصرار بالسفاهة والكذب، ولكن رغم ذلك نرى كيف أن النبي هود لم يُظهر إصراراً شبيهاً بلحن قولهم في تبيانه لرسالته، وذلك لأنه يدرك بأنه يقف في مواجهة قوم سفهاء ومعاندين أولاً، ولأن ما يدعوا إليه واضح وضوح الشمس ولا يحتاج إلى مزيد من التأكيد لإثباته.

الآية 68

اشارة

أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68)

النقاط المستفادة من هذه الآية:البلاغ، الرسالۀ، النصیحۀ، الأمانۀ

1 -يقول النبي هود(عليه السلام)هنا بأنه لم يبعث لأي هدف سوى إبلاغ قومه برسالة الله تعالى، وبريء مما تنسبون إلي.

2- كما ويوضح لهم(عليه السلام) بأنه لا يحتال عليهم ولا يرغب بخداعهم، بل ما يهمه هو مصلحتهم وصلاحهم، فهو لم يُحرف ولم يُغير في الدين الذي أنزله الله عليه، بل بلغه لقومه دونما خيانة في الأمانة.

3- لا يستهدف الأنبياء في مهمتهم السماوية سوى تعريف الناس على سبيل التوحيد الصحيح، الذي يؤدي بهم إلى الفلاح والخير العميم، فأهم صفتين في التربية هما الأمانة والرحمة، فأي منهما كان دون الآخر أدى إلى نتائج خطرة؛ وكذا أشار النبي إلى هاتين الصفتين بقوله(عليه السلام)نَاصِحُ أَمِين.

4- رغم أن ذكر الإنسان لمزاياه هو أمر غير محمود بالمبدأ، ولكن ولأن قوم هود(عليه السلام) نعتوه بالكذب، لهذا اضطر للضرورة أن يقوم بالتعريف عن نفسه، والإشارة إلى مزايا الكمال التي يتمتع بها.

الآية 69

اشارة

أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69)

النقاط المستفادة من هذه الآية: العجب، الذکر، الإنذار، الخلیفۀ، نوح، الخلق، الفلاح

1- كلمة (بصطة ) هي ذاتها كلمة (بسطة) بالسين ، ولكن ولأنها ذكرت إلى جانب حرف الطاء وهو أحد حروف الاطباق ، لذلك وردت الكلمة بهذا الشكل أي بالصاد، ومثال ذلك أيضاً كلمة صراط التي هي بالأصل بالسين (سراط) ، وأيضاً كلمة ( آلاء) ترد بهذا الشكل اءلى وكلمة

(آناء) هي جمع (اءنى) و(آني).

2- أمام لهجة التعجب الذي أبداها قوم عاد من كون الله أرسله بالرسالة، يشير نبي الله هود(عليه السلام)كما فعل نبي الله نوح (عليه السلام) بالقول: أتعجبون أن يرسل الله إليكم بنبيه ليحذركم عاقبة أعمالكم :أَو عَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلي رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُم.

3- يشير النبي هود(عليه السلام) في الآية كما فعل نبي الله نوح(عليه السلام)؛أن إظها رقومه للعجب هو أمر لامكان له ولا صحة، يشير إلى نعمتين بهدف تحريك عواطفهم وتوجيههم نحو شكره عزوجل، وهاتين النعمتين هما:

الأولى: أن الله تعالى جعلهم خلفاء لقوم نوح، الذين طغوا فأخذهم الطوفان، وورث المؤمنون كل النعم والأرض بما فيها من خيراتأَوَ عَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلي رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمٍ نُوح.

النعمة الثانية : أن الله متعهم بأبدان ضخمة وأجساد قويوزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَۀ.

4- من الممكن أنه وكما أشرنا إليه سابقاً، ووفق النصوص التاريخية وما يستفاض من الآيات القرآنية من مثل الآية 15 من سورة فصلت التي تعرض قولها من أشدّ منّا قوّۀوالآية 7 من سورة الحاقۀ فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاویۀ؛ أن يكون وصفهم بأعجاز النخل هو لأنهم بالفعل كانوا أصحاب أجساد قوية وهياكل ضخمة، لكن عذاب الله وانتقامه أزال شدتهم، كما أعجاز النخل الخاوية، وهنا تجدر الإشارة إلى أن جملۀ وزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصطَۀٌ فيها إشارة إلى القوة الجسمية التي يتمتع بها قوم عاد، فقد كانوا من ذوي الهياكل

الضخمة والقوية، أو أن يكون للإشارة إلى ما يمتلكون من قدرة مالية وحضارة ظاهرية وتقدم والأقوى أن الاحتمال الأول هو الأصح.

5- في الختام تشير الآية إلى تلك الفئة الأنانية بالقول إن الله عليكم من النعم الكثير، فاذكروها، وأطيعوا الله سبحانفَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون.

الآية 70

اشارة

قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70)

النقاط المستفادة من هذه الآية: العبودیۀ، التوحید، الآباء، الوعدۀ، الوعید، الصدق

1-عندما أدرك قوم عاد عجزهم عن الرد على الرد على حجج هود(عليه السلام) المنطقية ونصائحه وإرشاداته، لاذوا إلى أسلوب السخرية والاستهزاء ، مذكرين بعبادة آبائهم وتمسكهم بها.

2- تقول الآية الكريمة بأن أولئك الذين يرون بأن تذكيرهم بالنعم الإلهية يهدد منافعهم المادية هم ذاتهم الذين رأوا بأن قبولهم للدعوة سيمنعهم من فعل ما تهواه أنفسهم، لذا قاموا بمخالفة الرسالة الإلهية صراحة، وهم يقولون لنبيهم لقد جئتنا بما يُخالف ما جاء به آباؤنا وما عظمناه وقدسناه لأحقاب مديدۀ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ

3- يمكن من خلال المطالعة والتحقيق في تاريخ الأنبياء أن نكتشف بأن أغلب الرسل واجهوا في تبليغهم للرسالة مصاعب ثلاث وهي: المشكلة الأولى: أن مستوى أفكار الناس هابط إلى درجة أنه كانوا يستوحشون لدعوتهم إلى عبادة الله الواحد.

المشكلة الثانية : التشتت وكثرة الآلهة وهو أمر كانوا يفخرون به !!

المشكلة الثالثة: أنهم لم يكونوا قادرين على الدفاع لا عقلياً ولا شرعياً عن آلهتهم، وكيف يكون لهم ذلك وهو أمام إله عظيم وقاد روما يعبدون ليس إلا حجارة وخشب، لذا فإنهم كانوا يقومون على الفور بالاستناد إلى التقليد الأعمى لأجدادهم ورفض العبادة الجديد وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا

4- في نهاية الأمر ورغبة من قوم عاد بقطع أمل هود(عليه السلام)من إمكانية استجابتهم، فإنهم يقولون له: إن كنت صادقاً بما تقول، فلتقم بإنزال العذاب علينا لإزالته فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ.

الآية 71

اشارة

قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الرجس، الغضب، المجادلۀ، الأسماء، الآباء، السلطنۀ، الإنتظار

1- (رجس) و(رجز) هو لفظ يُطلق على الشيء الذي إن لامس شيئاً آخر، وجب رميه بعيداً، والمقصود من الرجس هنا هو العذاب الإلهي.

2- يستدل فخر الرازي بقوله تعالى قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْمًا الإثبات أن الإنسان كائن مسير ومجبور وللقول بأن حقيقة معنى هذه الجملة هو أن الكفر والإيمان كلاهما بيد الله سبحانه.

لكن الاستدلال بالجبرية باطل لأسباب ثلاثة:

أولاً: كما جاء في تفسير الجزء الأخير من الآية 125 من سورة الأنعام المبارككَذلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونفالله يشير إلى أن الرجس هو عقاب يحلّ بمن بلغتهم حجة الله كاملة وواضحة، لكنهم مع ذلك جحدوا بها، وعليه فالأشخاص الذين لم يلقوا هذه الحجة ولم يسمعوا عن الحلال والحرام؛ لا يحلّ بهم أي رجس أو شر.

ثانياً: بناء على ذات الآية (الآية 125 من سورة الأنعام) ليس هنالك من عذاب أو غضب ينزل على الإنسان الذي لم يبلغ بعد مستوى الامتحان.

ثالثاً: إن الرجس والغضب والعذاب الإلهي لا ينزل على إنسان هو في نهاية عمره ولكنه لم يؤمن بعد، إلا أن هنالك أملاً بأن يعود فيتوب.

النتيجة: إن الرجس والغضب الإلهى لا ينزل إلا بعد أن يكون الإنسان قد استحقه بعنوان عقاب على أفعال طبعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُون .

3- قام هود(عليه السلام) بالرد على قومه بجوابين :

الجواب الأول : إنكم بإصراركم وعنادكم هذا، وعبادتكم العمياء للأصنام تقليداً لما جاء به آباؤكم تجعلون غضب الله حتمياً عليكم، فكل ذلك الجحود الصاد رعنكم لم يُبعدكم عن الله فحسب، بل وأنزل عليكم غضبه، وإن سبب نزول العذاب السريع هو تجرؤكم بالسؤال عن وقت

نزوله، لذا فانتظروه وأنا معكم منتظر.

الإجابة الثانية : هل تثيرون معي كل هذا الجدال لأجل أوثان صنعها آباؤكم من الخشب والحجارة، فقاموا بإطلاق الأسماء عليها ؟ في حين أنكم لا تملكون أي دليل بأنها نزلت من عند الله ولا أي دليل أو برهان محكم على أن الألوهية شأن يعني الأصنا أَتُجادِلُونَني في أَسْمَاءٍسَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُم.

4- لا شك أن كلام هود هذا في أما انْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرين هو في حد ذاته يحمل وجهين:

الوجه الأول: تهديد لقومه، فلقد بدؤوا هم بالتحدي والتجرؤ بقولهم لا عذاب حقاً، وإن كنت صادقاً فهيا أنزل ما شئت علينا، لذا جاء رد النبی (عليه السلام)تهديداً لعصيانهم.

الوجه الثاني: أنه لا بد أن هنالك فرقاً شاسعاً بين انتظار هوج وانتظارقومه، فهو ينتظر متيقناً من وعد الله، أما قومه فهم ينتظرون والشك يشوب نفوسهم .

الآية 72

اشارة

فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (72)

النقاط المستفادة من هذه الآية: النجاۀ، الرحمۀ، القطع، الکذب، الإیمان

1- تبين هذه الآية بعبارة مختصرة عاقبة الكافرين وكيف أن العذاب اقتلعهم من جذورهم ، إضافة إلى أنها تشير إلى لطف الله ورحمته التي شملت عباده المؤمنينفَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنا وَما كَانُوا مُؤْمِنين.

2- في هذه الآية وردت كلمة (رحمة) بصيغة نكرة وذلك للدلالة على نوع خاص من رحمة الله يشمل المؤمنين نصراً لهم وفلاحاً على أعدائها إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَاد(1)

3- عبارة (قطع دابر) هي كناية على اجتثاث ذرية القوم وهلاكهم جميعاً، وإن السبب في هذا العذاب هو لتكذيبهم الآيات الإلهية وعدم إيمانهم.

4- لأن رحمة الله سبحانه دائماً ما تسبق غضبه، وبالنظر إلى أن الأصل عند الله هو الرحمة وليس التعذيب، وأن تنوين كلمة رحمةٍ جاء تنوين تفخيم فذلك يبين خصوصية الرحمة التي أحاط الله بها عبده هود(عليه السلام)ومن معه، كما أنه عادة ما تذكر الرحمة قبل العذاب في الآيات التي تروي نزول عذاب على الكافرين وهلاكهم، وفي سورة الأعراف مثال على ذلك؛ سواء في قصة نوح(عليه السلام)(الآية 64 )أوقصة هود(عليه السلام) (الآية 72).


1) غافر/ 51

الآية 73

اشارة

وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73)

مقدمة وتعريف بقوم ثمود:

ثمد في اللغة هو الماء الذي لا يخرج من باطن الأرض، عبر الينابيع وغيرها، بل هو كماء المطر مثلاً يهطل من السماء، وثمود هي من أكبر القبائل العربية التي كانت قبل التاريخ وكانت تسكن في أرض اليمن في الأحقاف، وثمود هو اسم أحد أحفاد نوح(عليه السلام) وقد سميت القبيلة على اسمه، وذكرت في القرآن الكريم بهذا الاسم، وقد تكرر اسم ثمود 26 مرة في القرآن الكريم، وهي شبيهة بقوم عاد التي سكنت مناطق ما بين الشام واليمن، حيث تمتلك الكثير من الأراضي الزراعية والمواشي، ففي الصيف كانت تقيم في السهول الواسعة الخصبة وتعمل بالزراعة والرعاية وتربية المواشي، وأما في الشتاء فكانت تأوي إلى الجبال هرباً من السيول والعواصف والثلوج إلى المناطق الجبلية معتدلة الحرارة؛ في بيوت وقصور لهم إلى أن ينقضي الشتاء.

وصالح (عليه السلام) هو أحد أنبياء ما قبل التاريخ ورد اسمه المبارك 4 مرات في القرآن الكريم جاء بعد نبي الله نوح، وقبل نبي الله إبراهيم ، لكن اسمه لم يذكر والنبي هود أيضاً في التوراة؛ ولو لم يذكر اسم هذين النبيين في القرآن الكريم لاندثر ذكرهما.

أرسل صالح(عليه السلام) إلى قوم ثمود الذين كانوا يعيشون في بحبوحة ورغد من الرفاهية، لذا فقد لاقی(عليه السلام) الكثير من العذاب والأذى من قبل قومه الذين خططوا حتى لقتله وأهله، ولكن في نهاية الأمر لم يؤمن منهم إلا فئة قليلة، وقد نزل على قوم صالح معجزة الناقة، إلا أنهم مع ذلك لم يؤمنوا وعقروها فنزل العذاب بهم.

النقاط المستفادة من هذه الآية: ثمود، صالح، العبادۀ، البیّنۀ، الناقۀ، ناقۀ الله، الأکل، الأرض، المسّ، السوء، عذاب ألیم

1 - جملۀ وَإِلَى ثَمُو هي عطف واستكمال لجملۀ﴿لقَد أَرسلنا نُوحاً إلى قومِهِ، والمعنى أننا أرسلنا إلى ثمود؛ وثمود هو اسم ابن عاشر بن إرم بن سام بن نوح، وقد سمي أبناؤه وأحفاده ومن بعدهم من ذريته باسمه، أي قبيلة ثمود، وقد كانوا كثيري العدد، يتكلمون العربية، وصالح(عليه السلام) أحد أفراد قبيلة ثمود؛ لذا أشارت إليه الآية ب- أخاهُم صالحاً.

2- بعث الله صالحاً بالنبوة والرسالة إلى قومه، وهم منهم فبدأ كما سائر الأنبياء بأول خطوة نحو الهداية وهي التوحيد، فقال لهموإلي ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهِ غَيْره.

3- وفي الآية التالية؛ يشیر(عليه السلام) إلى الناقة، كبرهان على كلامه، فيقول قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيْنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقۀ الله.

4- لم يكن قوم ثمود راضين عن ترك الناقة ترعى كما تشاء، لذا فقد قام صا لح(عليه السلام) بأمرين اثنين:

أولاً: قال لقومه أن يتركوا الناقة ترعى في أرض الله بحرية دون أن يعترضوها بأذى.

وثانياً: هددهم بغضب الله وعذابه فيما إذا مسوها بأي أذى؛ كأن يقتلوها أو يمنعوها،فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ ألیم .

الآية 74

اشارة

وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الذکر، عاد، ثمود، السهل، القصر، البیت، الفساد، الأرض

1- (مبوأ) في اللغة العربية هو مكان السكن والمنزل، وعبارة( تبوء الدار) أي تهيئة المكان المناسب من أجل للاستراحة والإقامة؛ لهذا فلفظ بَوَّأَكُمْهو بمعنى أوجد لكم المكان المناسب لعيشكم، أو مهد الأرض بشكل يناسب إقامتكم، والمقصود من هذا المعنى ليس أنه جعل لكم السلطة الكاملة والتامة للتصرف بها ، فالسكن على الأرض والإقامة فيها هو حق لجميع البشر، لكن المقصود في الآية أن الله جعل لكم الأرض مناسبة للإقامة، فجعل جبالها وسهولها مرتعاً لكم لتتمتعوا بالراحة فيها.

2- يدعو النبي صالح(عليه السلام) قومه في هذه الآية إلى استذكار نعم الله عليهم، ومنها أنه سبحانه جعلهم خلفاء للأقوام السابقة، ومكنهم في الأرض، وسخر لهم الجبال والسهول ليزرعوا وليربوا مواشيهم ويقيموا البيوت والقصور فيسكنوها بأمان وراحة بالتَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولها قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبال بيوتاً.

3- في ختام الآية يؤكد النبی(عليه السلام) على نعم الله ويلخص ذلك بقولفَاذْكُرُوا آلاءَ اللهللإشارة إلى النعم الوفيرة التي ميز الله بها قوم ثمود؛ من الرفاه والغنى الذي كانوا يعيشونه، إلى

قدراتهم الجسدية وطول العمر .... ثم يُحذرهم من الفساد والطغيان، فتلك من عظيم المعاصي وكفران النعمفَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِين.

الآية 75

اشارة

قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الکبر، المستضعف، المستکبر، العلم، صالح، الرسول، الإیمان

1- كلمة (الملأ) تعني الجمع الغفير من الناس، وفي هذه الآية هي للإشارة إلى أن قوم صالح انقسموا إلى فئتين فئة مشركة وكافرة لا تطيع الدعوة وهم الفئة الأكثر عدداً، وفئة آمنت مع صالح(عليه السلام) ، ولكن عددها أقل، فهي الفئة المستضعفة.

2- التكبر والكبر لهما معنيان متفاوتان :

فأحياناً تكون صفة الكبر للإشارة إلى نفس الإنسان وباطنه، فقد يمتلك هذه الصفة القبيحة في باطنه، لكنه لا يُفصح عنها أمام الناس، ولا يقوم بما يُظهرها، لكن في أحيان أخرى: يكون الإنسان متكبراً في باطنه، ويظهر هذا التكبر على شكل تعجرف أو ظلم وتعدي وطغيان وعصيان، والواقع أن هذا النوع من التكبر هو المذموم في القرآن الكريم والمنهي عنه، وصاحبه سيلاقي عذاب النار.

3- تبين هذه الآية أن المستضعفين وحدهم هم من آمن من قوم صالح(عليه السلام)، ولم يلتحق به أي من المستكبرين، فكان المستكبرون يسألون المستضعفين: هل أنتم على يقين مما جاء به صالح ؟ فيجيبهم المؤمنون: نعم وقد آمنا بما جاء به من عند الله.

من العجيب بمكان أن يعيد قوم ثمود ذات الخطأ الذي ارتكبه قوم نوح وهود؛ فتقوم تلك الطبقة ذات الثروة الطائلة والمتلبسة بظاهر الشرف، بينما يسكن باطنها الكبر والغرور، فلا يقبلون الحق ولا يطيعونه، بل ويسخرون من المؤمنين ويستهزؤون بهم، ويسألونهم بتعجب عن إيمانهم هذا قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ ربه.

5-جملۀ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُرسَلٌ مِن ربِهِفيها استفهام توبيخي ويبين أن الفئة المستكبرة كانت تقوم بتوبيخ الفئة المستضعفة على إيمانها بالنبي صالح(عليه السلام)، وبالتالي فهو ليس باستفهام تحقيقي للتعبير عن تعجبهم وطلبهم المعرفة.

6- رد المؤمنين المستضعفين كان قاطعاً وحاسماً في وجه الكافرين، كما أنه كان سريعاً ويعبر عن ثباتهم وإيمانهم الواقعيقالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُون.

الآية 76

اشارة

قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (76)

النقاط المستفادة من هذه الآية:المستکبر، الکبر، الإیمان، صالح

1- لقد أنكر قوم صالح كلياً الرسالة والنبوة لصالح(عليه السلام)، بل وأنكروا صاحب الرسالة أيضاً، أى الله سبحانه.

2- من الممكن أن المقصود بالكفر والإنكار هو إنكار التوحيد ومعرفة الله من جهة فئة الأكثرية الثرية، وبمعنى أننا لن نترك الشرك ولا عبادة الأوثان، والتي يُقال بأنها بلغت لدى هؤلاء 70 وثناً، وكل طائفة ومجموعة لها صنم خاص بها.

كما قد يكون المقصود من الكفر؛ إنكار الرسالة ونبوة النبي صالح(عليه السلام)، حيث قال تعالى:قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواوهو تعبير عن التكبر والنخوة والعناد والعصبية والجهالة والحماقة، إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ، لكن ظاهر كلمة كافرون تشير إلى الكفر والإنكار بما جاء به صالح.

3- الكافرون والكفر كلاهما لفظان يدلان على ستر الحق وإخفائه، فالآية تشير إلى أن قوم صالح(عليه السلام) كانوا لا يؤمنون بنبوته، ويجهرون بذلك علانية، وأنهم من عدم إيمانهم هذا يستنتجون أن ما جاء به صالح أيضاً غير صحيح، فهم لذا لا يؤمنون بالتوحيد وغيره من تعاليم حوتها رسالة صالح.

الآية 77

اشارة

فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الناقۀ، العقر، العصیان، صالح، الوعید، الوعدۀ، الرسالۀ

1 - العقر في اللغة هو بمعنى قطع اليد والرجل كما أنه أيضاً يشير إلى النحر وقتل الجمل، وكذا بمعنى تتبع الشيء بهدف القتل، وقطع العصب والوتر، خاصة ذلك الموجود خلف قوائم الجمل أو الحصان الذي هو الوتر الأساس في حركتهما؛ والذي إن قطع هوى الحيوان أرضاً.

2-جاء فعل (عقر) بصيغة المفرد في سورة القمر، وتدل على أن قاتل الناقة كان فرداً؛ لكن في سائر المواضع (سورة الشمس والشعراء وهود) جاء الفعل بصيغة الجمع، أي (عقروا) للدلالة على أن الفاعل هم مجموعة من أفراد القبيلة.

3-فعل ( عتو) هو بمعنى التمرد والعصيان ، ولأنه ورد مع حرف (عن) فهومتعدي؛ ويبين العصيان والتكبر والغروا وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْبمعنى الفساد والتحجر ورفض الطاعة .

4- لأن النبي صالح كان قد قدم منذ البداية الناقة على أنها معجزة إلهية، ولأنه منذ البداية أوضح بشكل جلي لقومه عواقب التعدي عليها ولا تَمَسوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُم عَذابٌ أَلِيم(1)وحذّر من أي محاولة للإعتداء عليها، فقد كان من الطبيعي أن يحيط بهم عذاب الله سبحانه، فينزل أليماً ،وقاطعاً، رداً على تكبرهم وغرورهم في السخرية من النبي ورسالته ومن حدود الله، حيث أنهم خاطبوا صالح بالقول

وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا.


1) الأعراف/73

الآية 78

اشارة

فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78)

مقدمة

بعد أن تحدى الكافرون بقتلهم الناقة؛ نبيهم ووعد الله؛ قال لهم صالح(عليه السلام) دارِكُم ثَلاثَةَ أَيَّا(1)، وفي الروايات أن النبي صالح(عليه السلام) أمهل قومه فقال لهم بأن لون وجوههم أصقر في اليوم الأول، ثم وفي اليوم الثاني سيصبح أحمراً، وأخيراً في اليوم الثالث سيصبح أسوداً، والعجيب في ذلك؛ أن قوم صالح (عليه السلام)رأوا هذا التغيير ولكنهم رغم ذلك لم يتوبوا، إلى أن تحقق وعد الله؛ حيث وفي منتصف الليلة الرابعة جاءتهم صيحة جبرئيل فزلزلتهم بشكل تمزقت فيه أغشية آذانهم، ثم وفي طرفة عين هلكوا جميعاً، وتلا ذلك صاعقة أحرقتهم تماماً.

النقاط المستفادة من هذه الآية: صالح، الناقۀ، العقر، الرجفۀ، الجثوم، ثمود

1- سؤال: لم يتجاوز عدد قتلة الناقة أفراداً معدودين فهم إما واحد أو مجموعة؛ فلم شمل العذاب كل القوم ؟

الإجابة: للرد على ذلك يجب القول بأنه : أولاً وفقاً لما جاء في الآية 66 من سورة هودفَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَناأَن الله أنقذ أن الله أنقذ من قوم ثمود من آمن منهم وهذا يعني أن العذاب لم ينزل على جميع أفراد القوم.


1) هود / 68

وثانياً: أن سبب نزول العذاب على سائر الكافرين ممن لم يقتلوا الناقة بأنفسهم كان عصيانهم ورفضهم لعبادة الله الواحد، كما أنهم سكتوا أمام جريمة القتلة، وذلك يعني رضاهم عنهم وموافقتهم، وعليه فهم جميعاً شركاء في الجريمة، فعن أمير المؤمنین(عليه السلام)( الايمان معرفةٌ بالقلب واقرار باللسان وعمل بالأركان).

2- لعل السبب في أن هذه الآية أوضحت بأن سبب هلاك قوم ثمود كان بسبب الرجفة، فيما في الآية 17 من سورة فصلت والآية 44 من سورة الذاريات إشارة إلى أن العذاب كان على شكل صاعقة (إما نار بسبب برق ورعد شديد أو البرق والرعد المؤدي إلى احتراق الأشياء واشتعالها)فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُون؛ هو أن العذابين كلاهما قد حلّا بقوم ثمود، في لحظة واحدة ،ومعاً، أو قد يكون المقصود من الرجفة هو ارتجاف الأجساد لهول الخوف وحالة الرعب وليس الزلزلة.

3- بالنظر إلى أن هنالك ثلاثة تفاسير للجملفَأَخَذَتْهُمُ الرَّجفةَ؛ فالبعض فسرها بزلزلة أرضية، وآخرون بصاعقة من نار، وغيرهم بصيحة وصوت مرتفع جداً ومرعب، فيمكن من مجموع ذلك الوصول إلى أن الصيحة أدت إلى إثارة الرعب والخوف في نفوس قوم ثمود، فأوجد

ذلك فيهم زلزلة، فصعقوا، وهكذا فقد نزل عليهم عذاب ثلاثي ( الزلزلة والصيحة والصاعقة).

4- (الرجفة) تعني الإرتجاف والضطراب الشديد، و(الجثوم) هو الوقوع على الوجه أو على الصدر، و(جاثم) من (جَثَمَ)، بمعنى الجلوس على الركبتين أو السقوط على الوجه، وهو لفظ يشير هنا إلى أن العذاب نزل على قوم ثمود ليلاً، وهم يستريحون، فاستيقظوا ولكن لم تسنح لهم الفرصة للاستيقاظ والفرار، لذا هلكوا وهم على تلك الحالة من الجثو.

5-تشير الآية الشريفة إلى أن العذاب طال أخيراً قوم ثمود، لتكذيبهم بآيات الله ، ورغم أن كيفية العذاب لم توضح في هذه الآية، إلا أن الآية 67 من سورة هود أشارت إلى ذلك وأوضحته وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِين وكذلك الآية 17 من سورة فصلت فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون.

الآية 79

اشارة

فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الرسالۀ، النصیحۀ، المحبۀ، صالح، ثمود

1- ابتعد صالح (عليه السلام) عن قومه بعد أن رأى كيف عصوا أمر الله ؛ وقال لهم بأني قد قمت بما أمرني الله به، ولم أكن أريد في دعوتي هذه أن أخدعكم ، بل كنت أريد صلاحكم وسعادتكم، إلا أنكم رفضتم دعوتي وفضلتم ما أنتم عليه من ضلال وفساد.

2- إذا كانت الفاء في فَتَوَلّي عَنهمهي فاء التفريع، فهذا يعني بأن صالح تولى عنهم بعد أن نزل العذاب بهم ، وأنه خاطب جثثهم، فهل من الممكن أن يكون هذا أمراً واقعياً؟

وفي الرد على ذلك نقول :

الاحتمال الأول: من الممكن ان يكون خطاب النبی(عليه السلام) قد جاء بالفعل بعد هلاك قومه، ومثال ذلك خطاب النبي الأکرم(صلی الله علیه وآله وسلم) مع جثث الكفار عند بئر بدر، حيث سأله صحبه، وهل يسمعون قولاً؟ ، فأجاب(صلی الله علیه وآله وسلم) : بلى، ولستم بأسمع منهم(1)، وعليه فلا مانع من أن يخاطب صالح قومه فيما لوكان هذا احتمالاً صحيحاً، والتكلم مع الأموات أمر وارد في الدين، أفلا نقول لدى زيارة القبور( السلام عليكم يا أهل الديار من المؤمنين) (السلام عليكم يا اهل لا اله الا الله)، كما ونزور الأئمة وأبنائهم، ولدينا الكثير من الروايات التي تشير إلى تكلم الأموات مع الله أو الأئمة الأطهار(عليهم السلام)


1) بجار الأنوار ج 6 / ص 207 و 254

الاحتمال الثاني: خطاب صالح مع قومه قبل نزول العذاب بعنوان إتمام للحجة عليهم، فبالاستناد إلأى الآيتيتن 66 و 67 من سورة هود، نستخلص أن النبي صالح(عليه السلام) خرج مع من معه من المؤمنين من بين قومه قبل استحقاق العذاب، وقال لهم عندهاتَمَتَّعُوا فِي دَارِكُم ثَلاثَةَ أیامٍأَي، وفي اليوم الأول الذي بدأت فيه ملامح العذاب تظهر عليهم (اصفرار الوجوه) قال لهم عند خروجهفَتَوَلَّي عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحين.

الآية 80

اشارة

وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80)

مقدمة

تربط النبى لوط(عليه السلام)بنبي الله إبراهیم(عليه السلام) علاقة عائلية، وقد كان لوط أول من آمن به وهاجر معه فَآمَنَ لَهُ لُوطٌالعنكبوت / 25 ، والبعض قالوا بأن لوط هو ابن هاران، أي أنه ابن أخ لإبراهيم، فيما ذهب آخرون إلى أنه أخو سارة زوج إبراهیم(عليه السلام)أو ابن أختها، كما وقال آخرون بأنه ابن خالة إبراهيم.

وقد أرسله إبراهیم(عليه السلام) إلى منطقة معروفة بالانحرافات الجنسية المنتشرة بين أهلها، وشيوع الفحشاء والمنكر، لذا فإن جزءاً هاماً من مهمة لوط(عليه السلام)كانت بمواجهة تلك المنكرات الجنسية، وأعظم المشاكل التي كان قوم لوط يعانون منها هو أنهم كانوا يفتعلون المنكر القبيح مع ضيوفهم والمسافرين، وهو اللواط، ليخاف الناس من العبور من ديارهم ومنطقتهم.

وإن مبتكر وموجد هذا العمل القبيح هو الشيطان الرجيم، وذلك لأن أهل تلك المنطقة كانوا معروفين بالبخل الشديد، فكانوا يكرهون مرور القوافل العابرة والمسافرة من أرضهم، فأتاهم الشيطان في هيئة رجل عجوز وقام بتعليمهم هذا الأسلوب إِنَّكُم لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ المُنكَر(1)، حيث كانوا يأتون إلى بوابة مدينتهم، وكلما جاءها مسافر يقومون بالقبض عليه وارتكاب اللواط به، ثم الإغارة على ما معه وسلبه ممتلكاته، إلى أن عُرفوا بذلك بين الأقوام، وراحوا يستمتعون بهذا العمل وتلك السمعة التي ذاعت عنهم في البلاد.


1) العنكبوت / 28

النقاط المستفادة من هذه الآية: لوط، الفحشاء، إبراهیم، سارۀ، اللواط

1- حرف الواو في ولوطاًيشير إلى أن الآية هي استكمال لما سبقها من استعراض لقصص الأنبياء مع أقوامهم، وقد يكون الواو للتعلق بفعل محذوف، من مثل (واذكر لوطاً)، إلا أن الاحتمال الأول أنسب .

2- جمل إذ قالَ لِقَومِهِلا تشير إلى أن هنالك علاقة قرابة كانت تربط لوطاً(عليه السلام)بقومه، فهو ليس إلا رسولاً مبعوثاً من قبل النبي إبراهيم إليهم، ليمنعهم عن فعلهم القبيح.

3- رغم أن قوم لوط كانوا يرتكبون الكثير من الأعمال القبيحة، إلا أن أقبح أعمالهم كان اللواط، وهو عمل لم يسبقهم إليه أحد قط من الأقوام السابقۀ أَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ العَالَمِينَ.

الآية 81

اشارة

إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81)

النقاط المستفادة من هذه الآية: اللواط، لوط، النساء، الرجال، الشهوۀ، الإسراف

1- نظراً لأن ذنب قوم لوط كان من كبائر الذنوب القبيحة والمنبوذة، فقد خاطبهم الله تعالى بصيغة سؤال وتعجب؛ للإشارة إلى سوء هذا العمل الذي لم يأتِ به أحد من الأقوام السابقة.

2- السبب في أن الله ذم قوم لوط بهذا الشكل وقبح عملهم، هو أنه تعالى قد خلق الخلقة وفق نظام دقيق وحكمة، فجعل بقاء النسل واستمراره مبنياً على ارتباط الإنسان بالجنس المخالف له، جاعلاً ذلك فطرة في وجوده، ينجذب كل من الرجل والمرأة بها نحو الآخر، ليكفي شهوته الغريزية بما شرع الله وأباح، فهيأ جسدهما لهذه العملية بأن جعل النطفة في ظهر الرجل والرحم في جسد المرأة، ولكن ترك الازدواج والانجذاب نحو المثلية الجنسية يقلب الطبيعة الإنسانية ويتجاوز حدود الاعتدال بشكل قبيح ومرفوض، فوضع الشيء في غير مكانه ظلم وعدوان.

3- تحكي هذه الآية كيف أن قوم لوط هجروا العلاقات الزوجية مع نسائهم كما أحل لهم الله ،وأباح وانشغلوا بالتعرض للرجال، فتجاوزوا شرع الله وانحرفوا عن الفطرة، فأسرفوا وجحدوا أنعم الله عليهم.

4- من المعلوم والواضح أن الإسراف مرفوض ؛ حتى في الأمور المباحة، بل ويصل حد الحرام أيضاً، وهو من كبائر الذنوب، حيث ذكر في القرآن الكريم في مواضع عديدة: وكُلُوا وَ

اشْرَبُوا وَلا تُسرفواِ(1)، وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ المُسرِفِين(2)،وَأَنَّ المُسرِفِينَ هُم أَصحاب النار(3)، لكن الإسراف في المحرمات والمعاصي هو زيادة في الحرام وله عقوبات أعظم وأشد بكثير، إلى جانب عقوبة الإسرافبَل أَنتُم قَومٌ مُسْرِفُون.


1) الأعراف/29

2) الأنعام / 142

3) غافر / 43

الآية 82

اشارة

وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82)

النقاط المستفادة من هذه الآية: لوط، القریۀ، الطهارۀ، الإخراج، الذنب، الملوّث

1- يمكن من خلال الرد الذي قدمه قوم لوط وفق الآية الكريمة؛ الاستدلال على أنهم قوم جاهلون، يُقابلون دعوة النصح السماوية بالسوء، ويعقدون العزم على إيذاء النبي ومن معه بإخراجهم وإقصائهم.

2- ما هو الذنب الذي استحق عليه لوط(عليه السلام)الإخراج من مكان إقامته مع من هم معه؟! وما الذي اقترفوه حتى يقابلوا بكل ذلك الغضب؟!.. إن ذنبهم الوحيد هو أنهم طاهرون!! ولا يلوثون أنفسهم، إضافة إلى أن نبي الله لوط لم يكن من أهل تلك المدينة لذا فقد اعتبره أهلها أقل منهم وأدنى شأناً.

3- إن الرد غير المنطقي الوحيد الذي كان يمكن أن يصدر عن ذلك المجتمع القبيح، في مقابل دعوة الإصلاح الموجهة إليهم من قبل نبيهم الكبير؛ كان بأن قالوا: اخرج يا لوط ومن معك من مدينتنا فأنت لست معنا بل وتعرقل مصالحنا أيضاً .. وبالتالي فقوم لوط قابلوا نصحه ورأفته بهم بغباء عقولهم وفساد أمرها وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُون.

4-لا عجب في أن يقوم أناس ملوثون بالذنب بطرد الطاهرين من بينهم بعيداً، لأن وجود إنسان طاهر بينهم يكشف قبح عملهم، ويعيق عليهم إجراء أهدافهم الشهوانية الخبيثة، لأنه يشكل بالنسبة لهم نقطة ضعف يجب أن يتخلصوا منها نهائياً.

5-يمكن أن يكون تفسير لفظ قوم لوط بأن إنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُون هو أن هؤلاء الكافرين أرادوا اتهام لوط(عليه السلام) ومن معه بالرياء والتظاهر بالطهارة، وهذه عادة لطالما اتبعها كل الغارقين

أنواع الذنوب، فهم يتهمون المؤمنين على الدوام بأنهم يقومون في السر بأعمال سيئة، وذلك لتكذيبهم ورفض دعوتهم، محاولين إثبات أن ما يقومون به من سوء عمل هو أمر طبيعي والجميع مشتركون فيه.

6- المقصود من استخدام كلمة (قرية) في الآية هو المدينة أيضاً، فالقرآن الكريم استخدم في موارد عديدة لفظ القرية للدلالة على المدينة

وما كانَ رَبِّكَ مُهْلِكَ القُري حَتّي يبعث فِي أَنها رَسُولاً(1)، ووَكَایِّن مِن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِن قَريَتِكَ الَّتِي أَخرجتکَ(2).


1) القصص / 59

2) محمد / 14

الآية 83

اشارة

فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83)

النقاط المستفادة من هذه الآية: النجاۀ، الأهل، الإمراۀ، الغابر

1- بالنظر إلى ما تم استعراضه وتبيينه في الآيات الثلاث الماضية، فإنه يمكن لأي حاكم منصف أن يصد رالحكم الذي يستحقه هؤلاء القوم، فهم واجهوا معروف نبيهم ونصحه وخوفه عليهم بالعنف والتهديد والاتهام، لذا يقول تعالى في هذه الآيۀفَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِين.

2-كلمة (غابر) تعني الباقين ممن لم يلتحقوا بشيء أو بأمر، وعليه فقد خرج لوط وأصحابه من المدينة، فيما بقيت المدينة بمن فيها من الكافرين استعداداً لنزول العذاب.

3- رغم أن كلمة (أهل) تعني الأقارب، إلا أن البعض ذهبوا إلى أنها هنا تشير إلى الصحابة الخلّص ممن التفوا حول لوط(عليه السلام)،وهم بذلك أهله وعائلته، ولكن وفق ما يمكن استخلاصه من الآية 36 من سورة الذاريات، فإنه لم يخرج مع لوط من مدينته أحد أبداً، وأن من رافقه كان عائلته والمقربين منه ممن آمنوا، فالظاهر أن كلمة (أهل) تشير إلى معناها الأصلي أي الأقارب من العائلة.

4- كلمۀفَأَنجيناهُتبين نجاة نبي الله لوط وأهله بأمر من الله تعالى بالخروج ليلاً من المدينة للنجاة من العذاب، وقد وردت الآية 81 من سورة هود أيضاً حول ذلك فَأَسرِ بِأَهلِك بِقِطعِ مِنَ اللَّيل وَلا يَلتَفِت مِنكُم أحدٌ، وكذا الآية 34 من سورة القمرإِلَّا آلَ لُوطٍ نَجِّيناهُم بِسَحَرٍ

5- يمكن من خلال التدقيق في الآية 81 من سورة هود إدراك أن الله سبحانه ذكر عائلة لوط بكلمة أهل، فيما أشار إليهم في الآية 34 من سورة القمر بلفظ (آل)، والمقصود من كلا اللفظين

هم أفراد العائلة التي وافقته وتابعته، ولذا فالله سبحانه قال في شأن ابن نوح(عليه السلام) إِنَّهُ لَيسَ مِن أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَير صالح، وإن آل النبي الأکرم(صلی الله علیه وآله وسلم)وأهله؛ هم أمير المؤمنين والصديقة الطاهرة والحسنین(عليه السلام) ؛فهم كيان واحد مع النبي محمد (صلی الله علیه وآله وسلم)عملاً وعلماً وأخلاقاً ونسباً وحسباً وإيماناً، أما سائر من حول النبي من أهله وعائلته فهم لا يتمتعون بمكانة ولياقة هؤلاء.

6- الإنسان حرّ له أن يختار ما يشاء، وأحد الأدلة على هذه الحرية، هو موقف زوج نبي الله لوط(عليه السلام) ؛التي كانت تعيش في بيت الوحي وتتغذى منه، إلا أنها كفرت، وعلى العكس منها؛ زوج الفرعون التي آمنت فحظيت بمكانة عليا من التقوى؛ رغم أنها كانت تقيم في قلب قصر الكفر والطغيان، ولذا يمكن القول بأن الزواج بنبي، ولو كان مدعاة للفخر، إلا أنه ليس كذلك عند الله تعالى، فنحن نرى في الآية 10 من سورة التحريم كيف أن الله تعالى يضرب بامرأتي نوح ولوط المثل باعتبارهما نموذجاً للخيانة والكفر رغم أنهما كانتا زوجين لنبيين من أعظم أنبياء الله كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ وفي مقابلها يقول تعالى في الآية 11 من سورة التحريم وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرعَون.

الآية 84

اشارة

وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84)

النقاط المستفادة من هذه الآية:المطر، العاقبۀ، الجزاء، المجرم، لوط

1- بالنظر إلى الآيات السابقة، فإن هذه الآية القصيرة والمفيدة في معناها؛ تروي العقاب العسير الذي لاقاه قوم لوطوَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِين.

2- في هذه الآية؛ ورغم أنه لم يتم الإشارة إلى نوع المطر لكن يمكن من ذكر هذه الكلمة، استنباط أنه ليس بمطر عادي، بل هو لون من ألوان العذاب، كأن يكون حجارة، وهذا ما جاء توضيحه في الآية 83 من سورة هودوأَمْطَرْنا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ .

3- رغم أن كلام الله سبحانه في الآيۀ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينهو خطاب موجّه لنبي الإسلام(صلی الله علیه وآله وسلم)، إلا أن الخطاب في الأصل موجه إلى الأمة الإسلامية ككل ليروا ما هي عاقبة التمرد والعصيان.

الآية 85

اشارة

وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85)

مقدمة :

هذه هي القصة الخامسة من قصص الأنبياء المذكورة في هذه السورة حول الأقوام السابقة وعاقبة كل منها، وهي قصة قوم نبي الله شعیب (عليه السلام) الذي يعود نسبه إلى نبي الله إبراهیم(عليه السلام) وقد أرسله الله إلى أهل مدين ومدين هي أحد مدن بلاد الشام، وهي تقع اليوم قرب الأردن وتدعى معان، وتتمتع بأنها منطقة خصبة وخضراء، ويعمل أهلها بالتجارة، لذا فهم في رفاه من عيشهم، إلا أنهم يعبدون الأصنام، ومعروفون بأساليب الغش والاحتيال في معاملاتهم التجارية الرائجة، وقد أرسل الله إليهم نبيه شعیب(عليه السلام) ليوقظهم من غفلتهم ويهديهم إلى صراطه القويم إلا أنهم عاندوه وعصوا أمر ربهم حتى استحقوا العذاب الأليم، وقد أرسل الله شعیاً(عليه السلام) أيضاً بعد قوم مدين إلى قوم (أيكة)، حيث قاموا هم أيضاً على نهج أهل مدين المنحرف برفض الرسالة فما كانت عاقبتهم إلا الهلاك.

النقاط المستفادة من هذه الآية: مدین، شعیب، العبادۀ، الإله، الکیل، المیزان، البخس، الفساد، الأرض، الإصلاح، الإیمان

1- ذهب جمع من المفسرين من أمثال المرحوم الطبرسي في كتابه مجمع البيان، وفخر الرازي في تفسيره المعروف، إلى القول بأن (مدين) هو اسم أحد أبناء إبراهيم الخلیل(عليه السلام) ، ولأن أبناء إبراهيم وأحفاده أقاموا في أرض على طريق الشام، فقد تم إطلاق هذا الاسم عليها، وبالطبع فمن الممكن أن تكون (مدين) هي ذاتها (أيكة)، لأن كلمة أيكة تُطلق على الأرض كثيفة الأشجار وذات النخيل، وعليه فالمعنى أن مدينة شعيب كانت ذات اسمينكَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِين(1).

2- بدأ نبي الله شعيب دعوته كسائر الأنبياء من مسألة التوحيدقالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهِ غَيْرَه ولاقى كما سائر الأنبياء رفضاً حاداً من قومه الكفار، فرغم أنه أوضح لهم سبيل الوصول إلى السعادة والإيمان ونصحهم ووعظهم، ليجتنبوا المفاسد الأخلاقية والاجتماعية، إلا أنهم أصروا على كفرهم وظلمهم.

3- الإيفاء؛ هو إعطاء الشيء حقه كاملاً، وإتمامه كما يجب، فمثلاً إيفاء الدين هو بمعنى تسويته ودفعه كاملاً لصاحبه، وكذا الوفاء بالعهد والعقد والنذر والقسم والشرط و.. ، وإن بيان موضوع الكيل والميزان في الآية، ورد بعنوان مثال، وإلا فإن بعض الأشياء يتم تعيين حدودها ومقدارها سواء بالكيل أو الوزن أ و العد أو بالقياس و... وليس فقط بالميزان والكيلفَأَوفُوا الكَيلَ والميزان.

4- كلمة (بخس ) تعني الإنقاص في البضاعة المُباعة، وهو أحد الذنوب الكبيرة التي ذكرها القرآن الكريم أيضاً في الآيات 1 و2 و 3 من سورة المطففينوَيلٌ لِلمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكتالُوا عَلَى النَّاسِ يَستَوفُونَ وَإِذا كَالُوهُم أَو وَزَنُوهُم يُخسِرُون وهو إضافة إلى أنه ظلم لحق

الناس، فقد أعد الله لمرتكبيه عذاباً أليماًولا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشياءَهُم.


1) الشعراء / 176

5- إن الإفساد في الأرض، وإن كان أمراً مطلقاً، يشمل كافة الذنوب والمعاصي لحق الله وحق الناس، إلا أنه ومن خلال النظر في موضوع الآيات مورد ،البحث، نلاحظ أن الفساد المذكور هنا هو فقط حول الذنوب التي تشمل السرقة والتعدي على أعراض الناس والقتل وما إلى ذلك، مما يسلب المجتمع أمنه واستقراره مالياً ونفسياً.

6- الحياة الاجتماعية لأي إنسان تتوقف أولاً على الإصلاح وإحلال الأمن ، لهذا لا يسمح أحد لنفسه بالخيانة أو الغش أو السرقة، وفي المقابل لا يجوز لمن هو سواه أيضاً أن يسلك مثل هذا السلوك، وثانياً: من الواضح والبديهي أنه إن انتشر في أي مجتمع أشكال من الفساد والاحتيال و.. فهذا يعني أن المجتمع محكوم عليه بالزوال، لذا فيتوجب لهذا إطاعة أوامر الله وتعاليم دينه ، لأن ذلك أفضل السبل نحو السعادة في الدارين.

7-جليّ أن سيطرة أي نوع من أنواع الخيانة والاحتيال على المعاملات بين الناس، يزلزل أسس الثقة والاطمئنان بينهم ويسلبهم الخلفية الاقتصادية المناسبة لازدهار أعمالهم، فتنهدم وتنهار، ولا يمكن بعدها للمجتمع أن يعوّض تلك الخسائر بشيء، لذا فقد جاء شعيب وأشار بدعوته إلى أكثر الأمور حساسية وأهمية في مجتمعهولا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إصلاحها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنين.

8- جملۀإِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنين في آخر الآية، تشير إلى أنه ليس هنالك من مجتمع فاسد أخلاقياً أو إيمانياً أو فاقد للأمن، يستطيع بلوغ الازدهار أو الفلاح، فالتعاليم الاجتماعية والأخلاقية لا تثمر إلا عندما يرافقها نور الإيمان، ولولا ذلك فلن يكون للمجتمع أن يستند فحسب على أمور مادية زائلۀ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين.

الآية 86

اشارة

وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86)

النقاط المستفادة من هذه الآية: القعود، الصراط، الوعد، الوعید، الصدّ عن سبیل الله، سبیل الله، العوج، الذکر، الکثیر، القلیل، عاقبۀ المفسدین، الفساد

-1 في هذه الآية استكمال لحديث شعیب(عليه السلام) إلى قومه، وموعظته ونصحه لهم، حيث يقول لهم بأن انحراف الأفراد في المجتمع يؤذي كل المجتمع، ومن حدیثه (عليه السلام)نفهم بأن قومه كانوا وإضافة إلى ما اشتهروا به من غش وبخس لما يبيعونه؛ هم أيضاً أهل فتنة ويجلسون على الطرقات لإرعاب الآخرين وإخافتهم، كما أنهم كانوا يهددون من آمن من شعیب(عليه السلام) بالقتل ،ويسعون بشتى السبل إلى إضلالهم.

2- المقصود بعبارۀ سَبيلِ الله هو دين الله ، وبالتالي فعبارة تَصُدُّونَ عَن سبيل الله تعني إعاقة المؤمنين وعرقلة مسير من يريد سلك السبيل إلى الله ومرضاته، من خلال منعه وإضلاله، سواء بالتهديد أو الفتنة وإيجاد الشبهات أو بأي أسلوب آخر يكون فيه الشيطان نموذجهم الأعلى، وهو الذي بدأ أولاً بالإفساد وحرف الإنسان عن سبيل الحقلأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيم(1).

3- جملۀ مَنْ آمَنَ بِهِتشير إلى أن معارضي النبي شعیب(عليه السلام) كانوا يريدون حرف المؤمنين عن طريق الحق ليلتحقوا بهم في كفرهم وإلحادهم.


1) الأعراف / 16

4- يستذكر النبي شعیب(عليه السلام) هنا بعض النعم الإلهية على قومه، ليحرك فيهم مشاعرهم، ويدفعهم نحو التفكر .

5- يُستفاد من جملة و اذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَليلاً فَكَثَرَكُمأنه وخلافاً لما تذهب إليه الإعلانات ووسائل الإعلام المروجة؛ من ضرورة تقليل العديد، فإن كثرة العدد هي في الواقع نعمة، وقد تكون بحد ذاتها نبع قوة ومصدر عزوجاه.

6- ثم وبعد كل تلك المواعظ نرى كيف يلفت نبي الله قومه إلى عاقبة العاصين الفاسدين، ويذكرهم بالأمم السابقة، من أمثال قوم نوح وعاد وثمود ممن ساقتهم شهواتهم ونفوسهم نحو هلاكهم، لما عصوا وتمردوا ، وبما أظهروه من تكبر وكفران بالنعموانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِين.

الآية 87

اشارة

وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الإیمان، الرسول، الصبر، الحکم، خیرالحاکمین

هذه الآية هي في الواقع رد على بعض أسئلة المؤمنين والكفار من قوم شعيب:

فالمؤمنون بطبيعة الحال يسألون نبيهم : إلى متى نصبر على كل هذا الأذى والضغط من قبل الكفار بسبب إيماننا ؟

وفي المقابل يسأل الكفار المعارضون لدعوة النبي بكل وقاحة : إن كنت نبياً من قبل الله حقاً فإذا أين العذاب الذي تتوعدنا به؟

2- في هذه الآية الشريفة بشارة للمؤمنين وإنذار وتهديد للكفار، وذلك لأن قوم شعيب كانوا قد انقسموا إلى فريقين :

فريق آمن بالله الواحد، واعترف بالنبوة لشعیب(عليه السلام) وبأنه حامل لرسالة الله وبالتالي أطاع هؤلاء النبی(عليه السلام)وعملوا بما جاءهم وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنوا.

الفريق الثاني: هم الكفار والمشركين ممن كذبوا شعيب ورسالته، وأصروا على عصيانهم وكفرهم، وجهدوا في سبيل إيذاء المؤمنين وإضلالها وطائِفَةٌ لَم يُؤْمِنوا.

3- رغم أن بعض المفسرين ذهبوا إلى أن حكم (فَاصْبِرُوا ) هو حكم إرشادي بالنسبة للكفار، وحكم مولوي للمؤمنين بشكل يحفظ لكل طرف صلاحه، والله يحكم بالحكمة بما فيه الخير لكل الناس المؤمنون والكفار على حد سواء، وليس في حكمه أثر من الظلم والجور،

لكن الواقع أن حكم الله هنا بالصبر للمؤمنين والكفار، يحمل وجهين؛ أحدهما الترغيب والتبشير للمؤمنين، والآخر التهديد بالعذاب للكفار، وذلك يحمل عدة مطالب:

المطلب الأول: كلا الفريقين من المؤمنين والكفار عليهم بالصبر، لكي يكشف المستقبل لهم من الذي كان على الحق ، ومن كان ضالاً على الباطل.

المطلب الثاني: خطاب للمؤمنين بأن اصبروا على ما حلّ بكم من ضيق، فالفرج آت لا محالة، وسيزول عدوكم وتنالون عطف الله وحبه.

المطلب الثالث: خطاب للكفار بالصبر، لأن ما وعدهم به شعيب من العذاب سيحل بهم وسيدركون حينها عاقبة عصيانهم.

4- يُستفاد من هذه الآية أن النبي شعیب(عليه السلام)كان يعلم أنه قريباً سيبدأ المستكبرون والمقتدرون من قومه بإيذاء المؤمنين ومنعهم ، كما أنه كان قد يئس من إمكانية أن يؤمن له كل قومه، لذا فقد أمر قومه بمن فيهم من مؤمن وكافر بالصبر.

5- رغم أن الله المتعال قد أمر أتباع شعیب (عليه السلام)بوجه خاص بالصبر وما سيأتي بعده من فلاح، لكن الآية تشير إلى حكم هو شامل لكل المسلمين في كل الأزمان، ومفاده: لا تستسلموا وتتراجعوا بل اصبروا وكونوا على يقين من أن العاقبة للمتقين.

الحكم بالصبر هو أفضل دليل على أن الله هو أحكم الحاكمين، لأن أفضل عمل للمجتمع المركب من المؤمنين والكفار هو الصبر والمداراة حتى لا يقع المؤمنون في اليأس، وكذا كي يندم الكفار في عاقبة الأمر على ما فعلوا.

الآية 88

اشارة

قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الکبر، المستکبر، الإخراج، شعیب، القریۀ، الملۀ، الکراهۀ

1- تظهر هذه الآية ردة فعل قوم شعیب(عليه السلام) على خطابه المنطقي، فهم ولما يتمتعون به من موقع مرموق بين القوم متكبرون ومغرورون، ومن حيث الظاهر هم أيضاً أقوياء وأشداء، لذا فهم يستندون على قوتهم لتهديد شعيب بالطرد مع أصحابه قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ.

2- يجب الالتفات إلى أن عبارۀ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا تعني أن شعيب كان سابقاً من عبدة الأصنام فليس هنالك من نبي كان قبل اصطفاءه للنبوة عابداً للأصنام، لكن الواقع أن شعیباً(عليه السلام)وقبل أن يبعثه الله بالنبوة، كان لا يتكلم مع قومه حول مثل هذه الأمور، لأنه غير مكلف بالتبليغ، لذا ظن قومه بأنه أحدهم ومعهم ، وقد يكون خطاب الكفا رهنا موجهاً لشعيب (عليه السلام)ومن معه من المؤمنين، حيث أنهم كانوا سابقاً يعبدون الأصنام، لكن هداهم الله فآمنوا.

3- رغم أن شعیب(عليه السلام)كان دؤوباً في دعوته، فكان لا ينفك ينصحهم ويرشدهم، إلا أن تكبر قومه ،أعماهم، فلم يقبلوا النصح، واستعجلوه من أجل إنزال العذاب؛ وراحوا يؤذون المؤمنين ويهددونهم.

4- رغم أن الكفار لم يكتفوا بهذا التهديد فحسب، فأفرطوا في أنواع التهديدات، وهو ما سيتم بحثه في آيات أخرى، إلا أنه من البديهي أن يكون التهديد بالإخراج والطرد من الديار، أسهل من الاستسلام والعودة إلى الكفر ونبذ دين التوحيد.

5- جملۀقال أَو لَو كُنّا كارهين، تبين الرد البسيط واللطيف والمنطقي من قبل شعیب(عليه السلام) في مواجهة كل تلك الخشونة والعنف؛ فهو يقول لهم: كيف لي أن أترك هذه الدعوة، وقد كلفني الله بها؟ أتريدون أن أخضع لكم ظلماً وعدواناً؟ أو أن ينكص المؤمنون عن إيمانهم فيعودوا إلى عبادة الأصنام، بعد ما رأته أعينهم وأيقنته بصائرهم؟

الآية 89

اشارة

قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الإفتراء، الکذب، النجاۀ، التوکل، الفتح، الکفر، شعیب، مدین، الحق، الضلال

1-هنا يتكلم شعیب(عليه السلام) بالنيابة عن قومه، لأن المعلوم أن الأنبياء لم يشركوا قط فهم معصومون من الآثام، وعليه فهذا الخطاب هو باسم المؤمنين.

2 يوضح شعیب(عليه السلام)وأصحابه من خلال عبارات قصيرة ووافية، سبب كرههم ونفورهم من العودة إلى الشرك وعبادة الأصنام، فيقولون : ليس هذا بلائق بنا؛ أن نقوم بالتقليد الأعمى، مدفوعين بأهواء وشهوات دنيوية، فقد هدانا الله وأنعم علينا، لذا فعودتنا إلى دينكم جحود لنعمته الوفيرة، وكيف لنا أن نكذب بما جاءنا بالحق ونحن نعلم أنه الحققَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا.

3- في الحقيقة فإن شعیب(عليه السلام) أوضح من خلال هذه الجملما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فيها إلا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنا أمرين اثنين:

أولاً: هو نبي الله ويجب أن يراعي أصول الأدب، فيذعن بأنه تابع لأمر الله ومطيع له، كما أنه لا يمكن أن يقوم بأي عمل فيه عصيان لأمره تعالى.

ثانياً: عودتهم إلى ما يدعوهم إليه قومهم أمر مستحيل، إلا أن يسلبهم الله ألطافه ورعايته فينحرفوا في الضلال.

4 - السبب في أن شعیب(عليه السلام) ذكر في خطابه لفظ (الله) وأيضاً (ربنا)، هو للإشارة والتأكيد على أن الله هو ربهم ومربيهم الذي يدير أمورهاإلا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنا .

5-ويشير شعیب(عليه السلام) إلى علم الله فيقول: إن علم الله وقدرته محيطة بكل شيء، ومشيئته وإرادته، قادرة على إعادة القوم الذين آمنوا إلى ما كانوا عليه سابقاً من انحراف وشرك، ونكون نحن مسلوبي القدرة أمامه ولا حول لنا ولا قوة، إلا أنه سبحانه يستحيل أن يفعل وذلك لأن:

أولاً: الله عليم بكل شيء ، كما أنه يمتلك الحكمة لإدارة الأمور وتدبيرها، وعليه فلا يمكن أن يصدر سبحانه أمراً بعودة المؤمنين إلى الكفر لأن الكفر والشرك هما مصدر الباطل وخلاف العقلانية.

ثانياً: يجب أن نعلم بأن من يعود عن أمر أصدره سابقاً، لا بد أن يكون محدود العلم وقابلاً للوقوع في الاشتباه، وهذا مما لا يمكن أن يجري لدى الحديث عن الله سبحانه، وهو المحيط العليم بكل صغيرة وكبيرة.

6- ويستطرد شعیب (عليه السلام)خطابه للكفار، فيقول: بأنهم يتوكلون على الله، فهو عونهم، وإليه فوضوا كافة الأمور، ليكونوا في رعايته وحفظه، وذلك ليبين للكفار أنه ورغم لين حديثه معهم إلا أن ذلك ليس لضعف فيهم، فالتهديدات لا تخيفهم.

7- لأن حديث وكلام الكفار كان يحمل لهجة من العنف والتهديد؛ فقد أشار النبي شعیب(عليه السلام)إلى صفة الفتح في الله سبحانه وأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحين، والمقصود من ذلك الحكم بين فريقين والواقع أن هذا أشبه بتوجيه اللعنة وتمني الهلاك للكافرين، رغم أنه لم يفصح عنه جهراً، وذلك لأن:

أولاً: لليقين الذي كان لديه من أنه يستحيل أن يتركه الله وحيداً، وبأنه سيهلك المستكبرين.

ثانياً: طلباً لإنصاف الله(عليه السلام)حيث سلّم أمره إليه وأودعه خاتمة الأمور، لأنه هو خير الفاتحين.

8- في النهاية ولكي يثبت (عليه السلام)حسن نيته، ويظهر لهم أنه لا يطلب سوى الحق والسلم، يقول:رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحين.

الآية 90

اشارة

وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (90)

النقاط المستفادة من هذه الآية:الکفر، شعیب، الخسران

1-لا شك أن المتحدثين في هذا الخطاب ممن هددوا أتباع شعیب(عليه السلام)؛ هم ذاتهم أشراف وسادة القوم من الكفار، وهم هنا إما أنهم يوجهون الحديث للكفار من ضعفاء القوم، أو ممن تبع شعيب، أو أنهم يتحدثون مع الجميع على حد سواء.

2- من العجيب بمكان أن يظن البعض الكفر منفعة، فيما الإيمان واتباع الأنبياء خسراناً، بينما الآيات الثلاث التالية تروي بوضوح عكس ذلك: كُلّ حِزب بِمَا لَدَيهِم فَرِحُون(1)و زَيِّنَ لَهُمُ الشَّيطانُ أَعْمالَهم(2)قُل هَل نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعيُهُم فِي الحَياةِ الدُّنيا وَهُم يَحسَبُونَ أَنَّهُم يُحسِنُونَ صُنعاً(3).

3- يجب أن نعلم بأن قوم شعیب(عليه السلام) لم يرفضوا النصح فحسب بل وهددوا المؤمنين ،ليمنعوهم أيضاً من الالتحاق بشعیب(عليه السلام)

4- لا شك أن عداء الكفار الأول كان مع شعیب(عليه السلام) ، وأما عداؤهم لأتباعه فهو لأنهم كانوا يريدون إجبارهم على العودة عن إيمانهم، بهدف ترك شعيب وحيداً في هجرته.


1) المؤمنون/ 55

2) العنكبوت / 37

3) الكهف / 103

5 - الخسران يقابل المنفعة والربح، فعاقبة العمل برأس مال لا تخرج عن ثلاثة احتمالات إما أن يزداد رأس المال ويتضاعف وإما أن يقل ويصاب صاحبه بالضرر وهذا هو الخسران، وإما أن لا يربح شيئاً ولا يتضرر، فيبقى ماله كما هو، وهو ما يدعى بالركود.

6- بديهي أن سادة قوم شعیب (عليه السلام)كانوا يقصدون من الخسران النوع المادي منه منه، فلو أصر المؤمنون على اتباع شعیب(عليه السلام) فسيلاقون عقوبة الطرد وسلب الأملاك وما شابه.

الآية 91

اشارة

فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الرجفۀ، الجثوم، شعیب، الخسران

1- تحكي هذه الآية كيف نزل العذاب أخيراً على قوم شعیب(عليه السلام) ، وذلك بعد أن استوفوا الحجج والبراهين، فلم تزدهم آيات الله إلا عناداً وكفراً، فجاءهم العذاب ليلاً، حيث زلزلت الأرض بشدة من تحتهم، وعندما طلع الصباح كانوا جميعاً جثثاً هامدۀفَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ.

2- كلمة (جاثم) في اللغة تُطلق على من يسقط على الأرض على وجهه، أو أن يقع فيتلقى الأرض بركبتيه بحيث لا يمتلك القدرة على النهوض ، وقد يكون المقصود من كلمة (رجفة) هو الاضطراب واهتزاز الجسد من الخوف والرعب.

3 -من خلال التدقيق بالعناوين الثلاثة المختلفة، والتي تروي كيف كان شكل العذاب المنزل على قوم شعيب، يمكن إدراك أنها لا تتعارض معاً، فمثلا هذه الآية توضح أن العذاب كان على شكل زلزال، وفي الآية 94 من سورة هود هو صيحة من السماء، وفي الآية 189 من سورة الشعراء هو ظلالة من الغمام، وإن كل هذه الأشكال تتشارك بأنها في إطار واحد، ويمكن أن تكون دالة على شكل واحد من العذاب فيكون كالتالي: صاعقة عظيمة خرجت من قلب غمامة سوداء نحو المدينة، فكانت قوية إلى درجة أن الأرض اهتزت تحت أقدام المشركين.

الآية 92

اشارة

الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92)

النقاط المستفادة من هذه النقطة: الکذب، شعیب، الخسران

1- تبين هذه الآية الأبعاد المرعبة للزلزال الذي أهلك أعداء نبي الله شعیب(عليه السلام).

2- يقول تعالى في رده القاطع على أعداء شعيب أن هؤلاء الذين كذبوا شعيباً وهددوا أتباعه بالتهجير والطرد ها هم قد لاقوا عذابهم الموعود.

في النهاية رأى المشركون أن المؤمنين من أتباع شعيب لم يخسروا، بل الخاسر الوحيد كان أنفسهم، كما وأيقنوا أن السبب الرئيس في خسارتهم تلك لم يكن المؤمنين الذين كانوا يهددونهم ويؤذونهم، بل المسبب لذلك هو عداؤهم لشعیب(عليه السلام).

الآية 93

اشارة

فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93)

النقاط المستفادة من هذه الآية:الرسالۀ، النصیحۀ، الأسی، الکفر

1 تعرض هذه الآية آخر خطاب وجهه نبي الله شعیب (عليه السلام)لقومه، وذلك بعد أن قام بتأدية تكليفه في إبلاغ الرسالة، ولم يترك جهداً إلا وبذله في سبيل هداية قومه، ولكنهم لم يستجيبوا فحق عليهم العذاب، وحان الأوان لشعیب (عليه السلام)أن يغادرهم.

2- لا شك أن هدف شعيب من محاورة قومه بعد نزول العذاب هو لجعلهم عبرة للآخرين، ولذا فالواقع أن شعیب(عليه السلام) هنا يُخاطب الآخرين فيقول: والآن وقد بلغت رسالة ربي ونصحت قومي، ولم أتهاون في تأدية هذه المهمة، فأرشدت ووعظت .. لكن قومي لم يستجيبوا، إذاً فليس عليّ أن أحزن أو أشعر بالأسى عليهم، وقد اختاروا بأنفسهم سبيل العناد والعصيان.

3- يمكن من خلال التدبر في هذه الآية وآيات كثيرة أخرى؛ منها الآية 88 من سورة حجر، والآية 128 من سورة الإسراء، والآية 72 من سورة النمل أن ندرك بأنه ليس للمؤمن أن يشعر بالأسى أو الحزن على الكفار الذين عصوا وتجبروا، وأعموا أبصارهم وبصائرهم عن الآيات

والبراهين، بل ولجّوا في الطغيان والظلم فاستحقوا عذاب الله سبحانه.

4- رغم أنه من الممكن أن يطرح سؤال هنا وهو: هل تشير عبارۀ فَتَوَلَّي عَنهُم إلى أن شعیب قال ذلك قبل هلاك قومه أو بعد ذلك ؟ والواقع أن كلا الحالتين ممكنتين، فقد يكون

(عليه السلام)قد قال ذلك لإقامة الحجة على قومه قبيل هلاكهم، ولكن يظهر من الآية أن الخطاب كان بعد الهلاك، بسبب أنه(عليه السلام)أشار إلى أن نزول العذاب عليهم لا يدعو للتأسف.

الآية 94

اشارة

وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الرسالۀ، الرسول، القریۀ، النبی، البأساء، الضراء، التضرع

1- كلمة ( بأساء) هي بمعنى الحوادث والصدمات الجسدية من مثل المرض والموت وكلمة (الضراء) هي بمعنى الصدمات والأضرار المالية.

2- تذكر هذه الآيات قصص الأنبياء الماضين؛ من مثل نوح وهود وصالح ولوط وشعيب، وقبل البدء بقصة النبي موسی(عليه السلام) ستعرض الآيات عدداً من الأصول الكلية في كافة الأقوام التي أرسل الله تعالى إليها رسله.

3- إن عادة أكثر الناس المرفهين ممن يعيشون في رغد العيش، أنهم لا يقبلون الناس ولا يستقبلونه، بل ولكثرة ما يملكون، يشعرون بأنهم في غنى عن إتباع الحق، ويرون بأن النعم التي بين أيديهم ملك لهم، فلا يظنون بأنها قد تزول يوماً، لكن ما أن يقع هؤلاء في ضيق من أمرهم حتى يلوذوا بفطرتهم إلى التوحيد، ويتذكروا وجود الله دون اختيار، ويجري الحق في قلوبهم، ويجهدوا بالعمل الصالح حتى ارتفاع الغمة والعسر عنهم.

4- صحيح أن يقظة الإنسان لدى الشدائد هو أمر فطري عام لدى جميع الناس، إلا أن ذلك يحدث بشكل عابر عند أغلبهم، فما أن يستنقذوا من بلواهم، حتى يعودوا إلى سابق عهدهم وغفلتهم، لكن ذلك لا ينفي أن قلة من الناس ينقلبون بحق بعد تلك اليقظة، فيحدث في حياتهم تحول كبير، ويتغيرون جذرياً.

5- تشير الآية أيضاً إلى أن الله ما أرسل إلى قرية من رسول؛ إلا خَصّه وأهلها بامتحان إلهي.

الآية 95

اشارة

ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (95)

النقاط المستفادة من هذه الآية: التبدیل، السیئۀ، الحسنۀ، المسّ، الضراء، البأساء، البغۀ، الشعور، الغرور، الخسران

1- تقول الآية الكريمة؛ أن الكفار لم يتعظوا مما حصل لهم، ولهم يزدهم امتحان الله إلا غفلة وعتواً؛ لذا رُفعت عنهم المشكلات والنوائب واستبدلت بمزيد من النعم والوسع في العيشثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا .

2- يرى المفسرون في العبارۀ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ تأويلات عدة:

التأويل الأول: أننا رزقناهم من الإمكانات الكثير، ليزدادوا قدرة ونعمة، تعويضاً لهم عما خسروه سابقاً في عددهم وثروتهم.

التأويل الثاني: أننا رزقناهم من الخيرات والنعم الكثير، حتى أصابهم الغرورونسوا شكر الله.

التأويل الثالث: أننا وهبناهم من الخيرات ما يزيل عصر النكبة الذي عاشوه.

3- أصل معنى كلمة (عفوا) هو إما بمعنى الزيادة (وكلمة عفوا هنا تعني الزيادة والنمو) أو بمعنى الإطلاق والتحرير:

إذا كان بمعنى الزيادة، فلذلك فإن القرآن الكريم يقول وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفو ،أي أن الإنفاق هو صرف الزائد عن الحاجة، وعليه فالمقصود من العفو هنا: أنه وبالنظر إلى المصائب والمشكلات الكبيرة التي لاقاها هؤلاء القوم من كآبة وضعف ونحول وأفول ومرض

وفقر وفاقة، أعطاهم الله الكثير من الثروات والعطاء والنعم؛ لكنهم مع ذلك لم يستيقظوا.

وإن كان العفو هو بمعنى التحرير والإطلاق، فهو بمعنى الصفح والتنازل عن الحق، فمثلاً من يحق له أن يقتص من أحد آخر، لكنه مع ذلك يتنازل عن انتقامه؛ فهذا هو العفو، وفي اللغة أيضاً: أعفا لحيته، أي أطلقها لتطول، وهنا هو بمعنى أنه تعالى بدل صعوبات حياتهم إلى راحة وتركناهم في النعم لأمرهم.

4-يجب أن نعلم بأن أي شيء فيه ضرر للإنسان ويسبب له الاستياء، يقال عنه سيئة، وأي شيء فيه نفع له يقال عنه حسنة، ولهذا فكما أن كل إنسان انسان يكره الفقر والمرض والعسر والبأساء، فعليه أن يعلم أيضاً بأن الذنوب كلها سيئات، وبعض هذه السيئات تتحقق في هذه الدنيا، والبعض الآخر في الآخرة.

5- يقول تعالى بأنه حين تبين أن المصائب والمشاكل لم توقظ الكافرين ولم تحرك فيهم فطرة التوحيد، فقد تم تبديل حالهم إلى الرفاه والراحة، ووفرة النعم، لعلّ هذا يدعوهم إلى الشكر واستذكار الماضي الأليم الذي مروا به.

6- من العجيب حقاً؛ كيف أنه ما أن يخرج الإنسان من محنته، يتناسى كيف أن كل النعم والنقم هي بيد الله عزوجل، فتراه يقول بأن تلك الصعوبات والمشكلات التي حلت به لم تكن نوعاً من الامتحان وما شابه، بل هي مجرد أحداث تجري بشكل يومي في هذه الدنيا، وتحل في بيت كل إنسان فيوم أفراح وآخر أتراح، وهذه سنة الأيام، وقد شهدها آباؤنا وأجدادنا، وقالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَاء.

7-إن مثيل هذه الآية جاء في سورة الأنعام / الآية 44فَلَمّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتۀٌ، وهي تشير إلى أن من ينسون مواعظ الأنبياء ونصائحهم ويتغافلون، تُفتح أبواب النعم في وجههم دون حدود، حتى إذا ازدادوا غرقاً

اللذات، أتاهم عذاب الله بغتة.

8- في نهاية الآية، يقول القرآن الكريم : أن العذاب لم يأخذ الكافرين إلا بعد أن استنفذوا كل الفرص وأنواع النصح والإرشاد، بغرورهم وطغيانهم فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتۀ .

9- عبار وَهُمْ لا يَشْعُرُو توضح حقيقة أن الإنسان المذنب غافل عن العذاب ،ومغرور بالنعم الإلهية، ورغم أنه يدعي علمه بأسباب الأمور في هذا العالم، إلا أنه غافل تماما وجاهل، وجهله هذا يؤدي به إلى استحقاق عذاب الله.

الآية 96

اشارة

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96)

النقاط المستفادة من هذه الآية: القریۀ، الإیمان، التقوی، الفتح، البرکۀ، السماء، الأرض، الکذب، الکسب، الأخذ

1- تقول الآية الكريمة؛ لو أن أهل تلك القرى وسائر أرجاء الأرض آمنوا بما جاءهم ونبذوا الكفر والعصيان والتمرد، فساروا في سبيل التقوى والصلاح، فإنهم لن ينجوا من عذاب الله فحسب، بل وسيحظون بألوان البركات السماوية والأرضيۀو لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرِي آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْض

2- يقول صاحب كتاب المنار، أن كلمة أم القرى تشير إلى العاصمة أو مركز البلاد، ولكن قد يكون ذلك غير دقيق، فالله سبحانه يخاطب النبي ا بالقول لتُنذِرَأُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَولَهَا(1)، والمقصود من أم القرى هنا هو مكة المكرمة، وما حولها أي القرى أو الأرياف الصغيرة، ووفق تفسير صاحب المنار، فمكة هي عاصمة البلاد ومركزها.

3-كلمة (بركات) هي جمع (بركة)، وتعني الأمور الحسنة ذات الأثر الطويل، من مثل السكينة والسلامة، والمال والأولاد وعكسها الأشياء المؤقتة، التي تنتهي بسرعة، ويشمل ذلك أموراً معنوية ومادية، من مثل العمر والممتلكات والعلم و....

4- المقصود من بركات السماء، هو ما يهطل منها كالمطر والبَرَد والثلج و.. بالمقدار المفيد والنافع، والمقصود من البركات الأرضية هو أنواع محاصيل الأرض؛ من فاكهة وخضار وأمن وسكينة.


1) الشورى /7

5- لأن الإنسان موجود اجتماعي يسعى نحو الكمال؛ لذا فإيمان فرقة صغيرة لا يكفي، لأنه إن كان الطيف الأعظم من المجتمع متشكلاً من الكفار والفاسقين، فإنهم سيطغون على المؤمنين الذين يشكلون الفئة الأقل، وبالتالي لا يمكن لهذه المواجهة أن تكفل إنهاء أمر الفساد، ولذا يقول تعالى بأن هذه البركات تتنزل ليزداد الناس تقى.

6- تشترط هذه الآية الكريمة نزول البركات بأمرين هما الإيمان والتقوى، وعليه فأفراد المجتمع ينقسمون إلى أربع مجموعات:

المجموعة الأولى: الذين يتمتعون بالإيمان والتقوى معاً.

المجموعة الثانية: الذين لا يمتلكون لا الإيمان ولا التقوى.

المجموعة الثالثة : الذين يتمتعون بالإيمان دون التقوى.

المجموعة الرابعة : الذين يتمتعون بالتقوى دون الإيمان.

7- رغم أن معظم المفسرين ذهبوا إلى أن البركات هي بمعنى نزول المطر من السماء، وخروج النبات والثمر من الأرض، لكن وبالنظر إلى حرف (لو الشرطية) في جمل الوأَنَّ أَهلَ القُرة وحرف اللام في بداية الفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكَار فجزاء ذلك الشرط ممتنع، ولعل ذلك يشير إلى أن المقصود من البركات في هذه الآية ليس محصوراً بالمطر والثمار و.. فهذه نعم يمنحها الله لجميع خلقه، الكافر والمؤمن على حد سواء، إلا أن هذه الآية تشير إلى نوع آخر من البركات، فتقول إذا تحلى الناس بالإيمان المتمثل بالإمامة والولاية لأهل البیت (عليه السلام)عندها يتحقق المجتمع المؤمن والمتقي ، اللائق بأن تُسخر له بركات السماء والأرض، ومصداق ذلك في الآية 5 من سورة القصصوَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين.

8- الجملة الأخيرة في الآية تشير إلى عذاب الله الذي يصيب المذنبين لما ارتكبوه حتى يهلكوا ولكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون

الآية 97

اشارة

أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الأمان، القریۀ، البأس، البیات، النائم

1- كلمة (بيات) تعني النوم في الليل، والمكان الذي يخلد الإنسان فيه للنوم، أويعني أيضاً الإغارة على العد وليلاً.

2- إنه لمن عجائب الدهر، أن ينال الكافرون من الله نعم الدنيا المادية، لكن لا يزيدهم ذلك إلا غروراً وغفلة عن أن عذاب الله قد ينزل بهم في أي لحظة.

3- بعد كل ما رآه الكفار من آثار العذاب النازل على الأقوام السابقة، من أمثال عاد وثمود ونوح وغيرهم هل مازالوا يعتقدون بأنهم في أمان من العذاب؟ وكيف لهم أن يرقدوا إلى النوم براحة واطمئنان بعد كل المعاصي التي ارتكبوها ؟

4- جمل وهم نائمون تشير إلى حقيقة أن أكثر العذابات النازلة على الأقوام السابقة؛ نزلت في الليل والقوم نيام.

الآية 98

اشارة

أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98)

النقاط المستفادة من هذه الآية: القریۀ، البأس، الضحی، اللعب

1- كلمة (ضحى) تعني أوائل النهار، حين ينبسط نور الشمس وينتشر، وكلمة (لعب) هي كناية عن الانغماس في الأمور الدنيوية والسعي وراء اللذات الزائلة فيها.

2- خلاصة هذه الآية إلى جانب سابقتها أن عذاب الله إذا شاء أن ينزل على قوم، فإنه يمكن أن ينزل في أي وقت يريده الله وبالتالي فليعلم الكفا رأنهم ليسوا بأمان.

3- أهل القرية هنا هم أي مجموعة من الناس تنشغل بأعمالها التافهة، وتسعى إلى تكذيب الأنبياء، والإصرار على عبادة الإشراك.

4- عبارۀوَهُم هُم يَلْعَبُونتشبّه المستمتعين بمتع الدنيا بأطفال أو حيوانات تفتقد العقل والحكمة، وفي القرآن يقول تعالى وَمَا الحَياةُ الدنيا إِلَّا لَعِب وَلَهوٌ(1)،والآیۀأَنَّمَا الحَياةُ الدُّنيا لَعِبٌ وَلَهُوَ(2)والآیۀاعلَمُوا أَنَّمَا الحَياةُ الدُّنيا لَعِبٌ وَلَهُوَ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرْ بَينَكُم وَتَكَاثُرُ في الأموال والأولاد(3).


1) الأنعام 32

2) محمد 38

3) الحديد /19

الآية 99

اشارة

أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99)

النقاط المستفاد من هذه الآية: مکرالله،المکر، الأمن، الخسران

1- استعرضت الآيات السابقة عاقبة أقوام نوح وعاد وثمود ولوط وشعيب، وأنواع العذابات المنزلة عليهم، وبعد ذلك كله تأتي هذه الآية لتطرح سؤالاً على من جاء بعد هذه الأقوام، فتقول وهل يمكن لمن رأى كل ذلك وسمع عنه أن يستمر بالإصرار على كفره؟!

2- من الواضح والجلي؛ أن الآية إذ تتناول أهل القرى بالحديث، فهذا لا يعني أن الحديث خاص بهم فقط، بل هو موجه لكل الناس في كل زمان؛ حتى يوم القيامة، بأن سنة الله ثابتة ولا تغيير فيها،وَلَن تَجِدَ لِسُنّةِ اللهِ تَبْدِيلا (1)

3- معنى كلمة (مكر) لا ينحصر بالحيلة والخداع، بل هو في الأصل بمعنى التدبير بما يباغت العدو، والمكر المقصود في الآية؛ هو الصادر عن الله فقط في حال معصية العبد، وإلا فلا يكون المكر من الله سبحانه بالتدبير للكفار.

4 - المكر هنا هو العذاب الإلهي والسبب في تسمية العذاب بالمكر، هو أنه ينزل بالكفار بشكل لم يكونوا يتوقعون لا زمانه ولا مكانه، وتلك حقيقة المكر.

5- البأس في يَأْتِيَهُم بَأْسُنا يشير إلى أن العذاب الذي ينزل على القوم الكافرين من زلزلة أو صيحة أو صاعقة أو خسف أو...

6- إذا شعر الإنسان بالخطر فإن عليه أن يبحث عن الحل المناسب والتدبير الأفضل لإخراجه من تلك المحنة، وكذلك الإنسان الكافر أيضاً، حين يدرك الخسارة والضرر الذي


1) الأحزاب / 62

سيلحق به في الدنيا والآخرة؛ يتوجب عليه أن يلوذ إلى التوسل والدعاء وترك المعاصي لاستنقاذ نفسهفَلا يَأْمَنُ مَكَرَ اللَّهِ إِلَّا القَومُ الخَاسِرُون.

الآية 100

اشارة

أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (100)

النقاط المستفادة من هذه الآية:الهدایۀ، الإرث، الأرض، الذنب، الطبع، السمع

1- تقول الآية الكريمة؛ أليس بجلي وواضح للذين ورثوا الأرض بعد كل تلك الأقوام السابقة؛ أن الله يعاقب المذنبين بما اقترفته أيديهم.

2- عبارۀ أَوَلَمْ يَهدِهي استفهام تقريري، يعني هديناكم وذكرناكم بعاقبة الأمم السابقة، التي أرسلنا إليها رسلنا وأنزلنا عليها من الكتب السماوية وكل ما فيه صلاحهم وسعادتهم، كما متعناهم بما يرغبون، لكنهم هجروا الصراط المستقيم فعذبوا الأنبياء وأضلوا المؤمنين، وأفسدوا في الأرض حتى استحقوا العذاب.

3- لا شك أننا إن شئنا فسوف نبلوكم بالذنوب كما كانت سيرة أجدادكم الأولين لبلوناكم ولكانت عاقبتكم عذاباً أليما، ولما أنقذكم منه إلا عملكم الصالح والتقوى.

4-إن الكافر لا يستحق العذاب؛ إلا عندما يطمس على قلبه، فيُحرم من نور الحق ولا يعود كلام الأنبياء والأوصياء مؤثراً فيه، فيستكبر ويتحجر أمام نفحات الهدى وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُون.

الآية 101

اشارة

تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (101)

النقاط المستفادة من هذه الآية: القریۀ، القصۀ،الرسالۀ، البیّنۀ، الإیمان، الکذب، الکفر، القلب، الطب

1- عرضت الآيات السابقة قصصاً حول أنبياء الله نوح ولوط وهود وصالح وشعیب(عليه السلام)، مشيرة إلى بعض السنن الإلهية التاريخية، وأما هذه الآية مورد البحث فهي تتوجه بالخطاب ظاهراً إلى النبي الأعظم (صلی الله علیه وآله وسلم)، لكن الواقع أنها تستهدف جميع الناس، فتقول: هذه القصص تروي ما حدث في الماضي وما جرى على الرسل.

2- القصص هي أحداث ما جرى على الماضين، وهي على نوعين:

النوع الأول الأساطير والروايات التي تحكى لجهة التسلية وملء الوقت، ولكنها في الواقع لا تمت إلى الحقيقة بصلة.

النوع الثاني: هي قصص للعبرة والإرشاد وإكساب التجارب، أو للتشجيع والتحذير، وهي قصص واقعية، من مثل قصص الأنبياء والعلماء والمؤمنين والكفار والمشركين التي ذكرت في کتاب الله، أو التي رواها الأئمة الأطهار(عليه السلام) ونقلها العلماء في كتبها نَقُص عَلَيک.

3- النبأ في اللغة هو بمعنى الخبر، ولذا دعي الأنبياء بهذا الاسم؛ لجهة أنهم ينقلون خبراً مهماً من قبل الله عز وجل مِن أنبائها، وتعرض هذه الآية بشكل مختصر وسريع، كيف يروي القرآن قصص الماضين للنبي الأعظم(صلی الله علیه وآله وسلم).

4- سبب كل هذا العصيان والتمرد الذي أظهرته الأقوام السابقة، هو تكذيبهم لأنبيائهم، بحيث طبع على قلوبهم المتحجرة ، بشكل يمنعهم من قبول الدعوة الإلهية وإدراكها.

5- لقد جاء الأئمة واحداً بعد الآخر لكن أقوامهم كانوا يتوالون بالعصيان والتكذيب، بل وأنهم كانوا يتبنون موقف التكذيب قبل أن يشرع النبي بتبليغ رسالتان وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ.

6- الطبع هو بمعنى رسم شيء بشكل ما كطبع العملات مثلاً، وهي في الحقيقة من قبيل المزية المنسوبة إلى الله تعالى وإن من يخطو في السبيل الخاطئ، يثبت على قلبه الانحراف والكفر والفساد بشكل لا يمكن إزالته، فيُسلب توفيق الهداية.

7- من الواضح أن الضلال ليس بالأمر الإجباري فالمسبب الأول لأي فساد هو ذات الإنسان، والواقع أن العصيان والتمرد وعدم الانقياد إذا تكرر مرات ومرات، فإن البصيرة تعمى لدى الإنسان، ولا يعود يتقبل نور الهداية والإرشاد.

الآية 102

اشارة

وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102)

الآية المستفادة من هذه الآية: العهد، المیثاق، الفسق

1- العهد في اللغة هو الميثاق، والذي يقع على عاتق الإنسان الإيفاء به، ولعل المقصود من العهد هنا هو الميثاق الذي أخذه الله من جميع خلقه يوم خلقهم، فالله سبحانه عندما وهب لعبادة العقل والفكر والقدرة على التحليل، فهذا يعني أنه أخذ منهم ميثاقاً، ليقوموا بإعمال حواسهم، فيروا الحقائق ويسمعوها، ثم ينقادوا للبارئ المتعال (وفي الآيات الأخيرة من هذه السورة تمت الإشارة إلى عنوان عالم الذر ، أو هو العهد والميثاق الذي أخذه الأنبياء والمرسلون من الناس ليعبدوا الله وحده.

من اللافت في القرآن الكريم توجهه إلى أظرف وأدق الملاحظات، فهو إذ ينشد العدل والحق، تراه يستخدم كلم أكثره ليشير إلى أن هنالك إلى جانب تلك الأكثرية الفاسدة، أَكْثَرَهُم أقليات مؤمنة غير منحرفة، رغم أن عددها في كل قوم قد لا يتجاوز أفراد عائلة واحدة، إلا أن القرآن الكريم لم يدمجهم بالشمول، بل قالأَكْثَرَهُ ليميزهم .

2- في هذه الآية إشارة إلى نوعين من أسباب الضعف الأخلاقي في هذه المجتمعات: النوع الأول: كسر العهود ونكثها، والإصرار على الكفر والنفاق، والوقوع في عواقبها المشؤوموَ ما وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْد .

النوع الثاني: التمرد وضرب القوانين عرض الحائط والخروج عن نظام الخلق، وذلك سبب آخر من أسباب إصرارهم وعنادهم على الكفر ونبذ الإيمانوَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِين.

الآية 103

اشارة

ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103)

مقدمة:

أرسل الله سبحانه نبيه موسی(عليه السلام) باعتباره ثالث أولي العزم ؛ وذلك لأن البشرية كانت قد بلغت مستوى من إدراك المعارف الإلهية والأحكام التفصيلية التي تُهيؤها لاستقبال رسالة جديدة ذات كتاب سماوي وشريعة وبذا دخل دين التوحيد مرحلة مهمة تتميز بأحكامها وتعاليمها.

إن في قصة النبي موسی(عليه السلام)الكثير من الوجوه القابلة للدراسة والبحث، فمثلاً ورد اسم هذا النبي العظيم في القرآن الكريم لأكثر من مائة مرة، كما أن في حياته فصولاً فريدة ومتنوعة مما يحتوي الكثير حول حياته هو وما حمله من ،معجزات والحروب والمشكلات التي واجهها، إضافة إلى قيادته لقومه ونبوته وتكليمه للحق وسماعه صوت الحق من الشجرة وأمثال ذلك, وحتى تلك الأربعينية التي حل فيها ضيفاً على اللهوَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلۀوَأَتْمَمْناها بِعَشْرِ فَتَمَّ ميقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلۀًفلم يذق الماء ولا الطعام خلالها، بل كان مشغولاً على الدوام بالمناجاة، لينهل التوراة من الذات القدسية، أو قصته حينما خرّصعقاً فَلَمّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكَّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً، ثم إلى العلاقة التي ربطته والخضر(عليه السلام)، ثم إلى حربه مع الفراعنة والمعجزات والمناظرات مع الفرعون وقصة السحر وأحوال بني اسرائيل ..

وخلاصة القول؛ يمكن تأليف أربعة كتب حول قصص موسى في القرآن الكريم، الأول حول معارف موسى، والثاني حول معاجزه، والثالث حول حروبه، والرابع حول نبوته وقيادته، وليت

هنالك بالفعل من يتفرغ لمثل هذه التأليفات ليظهر للعالم أجمع من هو موسی(عليه السلام) ،ويتكشف ما هو الدين التوراتي الصحيح.

النقاط المستفادة من هذه الآية: البعث، موسی،فرعون، الظلم، عاقبۀ المفسدین، الفساد

1- استخدم القرآن الكريم كلمة رسالة فيما يخص الأنبياء الخمسة الذين ذكرت قصصهم في هذه السورة؛ حيث بدأ كل قصة بالرسالة؛ فقال أرسلنا نوحاً إلى قومه، وإلى عاد أخاهم هوداً، وإلى ثمود أخاهم صالحا وإلى مدين شعيباً، لكن حين بدأ الحديث عن نبي الله موسی(عليه السلام) ، نرى كيف ميزه القرآن الكريم بتبيان فاصلة زمنيۀ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ.

2- كلمتا (بعث) و (بعثة) هما في اللغة بمعنى الإرسال وتوجيه أحد نحو مكان أوحَمْلَهُ عليه أو إخراج إليه، أو بمعنى أيقظ وحرّك وهيّج وأحيا، وكذا بمعنى حشر، وفي الإسلام هو بمعنى تلقي رسالة إلهية، فيقوم المُتلقي بالقيام بين قومه لإجراء الرسالة وإبلاغها، فيوقظ الغافلين من غفلتهم، ويُخرج الجاهلين من الظلمات إلى النور، وينبه الناسين والمتناسير،قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذا(1)ووَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فیه.

3- تتميز البعثة بجانب معنوي أشمل من الرسالة، فالبعثة هي كالوحي ذات مراتب، مثلاً في سورة البقرة تم استعراض قصص كافة الأنبياء، باعتباره بعثاًكَانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِين،(2)فالأنبياء جميعاً هم مبعوثون ومرسلون من قبله جل وعلا و لَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت(3).


1) يس/ 52

2) البقرة / 213

3) النحل/36

4- لقب (فرعون) هو اسم يطلق على كافة ملوك وسلاطين مصر، وبمثل ذلك مثلاً يطلق اسم القيصر على كافة ملوك الروم، أو كسرى على كافة ملوك الفرس.

5- كل رسالة مدمجة مع البعثة وأقل درجة من درجات البعث من قبل الله تعالى كان بإرسال غرابين يقتتلان، حتى قتل أحدهما الآخر ثم دفنه على مرآى من نظر قابيل الذي قام بعد ذلك بدفن أخيه هابيل بذات الطريقفَبَعَثَ اللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يواری(1)وعلى هذا المنوال أيضاً للوحي درجات وأقل درجة ذكرها القرآن الكريم جاءت في الآیۀوَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِى مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً(2)، ومن مراتب البعث أيضاً، أمر يتكرر يومياً لكل إنسان بعد النوم وَهُوَ الَّذِى يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُم(3).

6-( الملأ) في اللغة كما تمت الإشارة إليه سابقاً هم علية القوم ممن يحظون بمكانة عالية ويتمتعون بالغنى والرفاه واللفظ يأتي من أن رؤيتهم تملأ أعين الناس حين يظهرون في المحافل العامة.

7- سؤال: لماذا أرسل موسی(عليه السلام) أولاً إلى فرعون والملا؟

الإجابة: أولاً: إن أحد أهداف موسی(عليه السلام)كان إنقاذ بني إسرائيل من مخالب الإستعمار الفرعوني، وتخليصهم من أرض مصر، وهذا مما كان يستحيل دون التحدث إلى فرعون أولاً.

ثانياً : إذا لم يتم أولاً إصلاح رؤوس المجتمع السياسية والإقتصادية والثقافية، فإنه لن يمكن إرشاد المجتمع وتقويم إعوجاجه، أو إنهاء وجوه الفساد فيه.

8- الظلم هو وضع الشيء في غير محله، لذا فالكفر والعصيان والتمرد على عبادة الله الواحد واستبدالها بالشرك، ولا شك أن قوم موسی (عليه السلام)كان يجب أن يُذعنوا له ويؤمنوا به مع ما شهدوه من معجزات إلهية بدءاً بالعصا التي تحولت إلى ثعبان واليد البيضاء والطوفان


1) المائدة/ 31

2) النحل/ 68

3) الأنعام 60

والجراد والقمل والوزغ والدم و...، إلا أن فرعون ومن معه أنكروا تلك الآيات الكريمة ورفضوها بظلم وعدوان فظلموا بها

9 - المقصود من كلمۀآياتنا هو المعجزات التي أنزلها الله على موسی(عليه السلام) ورغم أنها كانت كثيرة جداً، بل والواقع أن المعجزات النازلة على قوم موسی(عليه السلام) كانت أكثر من المعجزات النازلة على سائر الأقوام؛ إلا أن فرعون ومن معه أنكروها وكذبوا بها، ولذا حق عليهم

العذاب.

10- تقول الآية فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِين أي تفكر بعاقبة الذين كانوا يستضعفون المؤمنين، ويفسدون في الأرض.

الآية 104

اشارة

وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (104)

النقاط المستفادة من هذه الآية:موسی، فرعون، الرسول، رب العالمین

1- تبدأ هذه الآية بسرد قصة موسی(عليه السلام) الذي أمر بالذهاب إلى فرعون، فذهب إليه وأعلن له بأنه مرسل من قبل الله رب العالمين.

2- سؤال: لماذا قام موسی(عليه السلام) بالتعريف عن نفسه بعبارۀإِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمين ولم يقل إني رسول الله فحسب ؟

الإجابة: السبب في تركيز نبي الله موسی(عليه السلام) على هذا اللفظ؛ هو للإشارة إلى وجه الاختلاف والتشابه بينه وبين فرعون ويمكن استعراض ذلك في نقطتين:

أولاً ليقول له بأن بينهما وحدة نظر لجهة أنهما يؤمنان بأن الله هورب العالمين، فالفراعنة وكافة الوثنيين في مصر وسائر البلاد من أمثالها، لا يؤمنون بأن الأصنام هي الخالقة، كما ويؤمنون بأن الله هو واجب الوجود وهو خالق العالم الوحيد، وعليه فأنا رسول هذا الرب.

ثانياً: ليقول بأن الاختلاف بيني وبينكم هو فقط في أنكم وإلى جانب إيمانكم بربوبية الله، تؤمنون أيضاً بأن هنالك مجموعة من القديسين؛ سواء من البشر أو من الجن أو الملائكة السماوية أو الأرضية، لهم يد في الربوبية وإدارة العالم، فتدعونهم بالربوبية أيضاً، وترفعونهم إلى مقام ليس من شأنهم ولا هو لهم.

3- حين يتكلم أحد أولياء الله مع طاغوت من الطواغيت، بجب أن يتقلد مقام الأدب واللين في إبلاغ الرسالةفَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيْنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشی(1)، وكما يقول أميرالمؤمنین (عظم الخالق في أنفسهم وصغر ما دونه في اعينهم)، مع الالتفات إلى أن هذا اللين ليس مقصوداً به التنازل أو التراخي بإبلاغ الرسالة، ولهذا نرى كيف أن موسی(عليه السلام)لم


1) طه /44

يستخدم في خطابه لفرعون أياً من ألفاظ الخطاب المتداولة، من مثل (أيها الملك أوصاحب الجلالة أو...).

الآية 105

اشارة

حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (105)

النقاط المستفادة من هذه الآية:الحق، البینۀ، بنی اسرائیل

1- يقول موسی(عليه السلام) أنا رسول، ومن مسؤولياتي كرسول أن أكون صادقاً، فلا أنقل إلا الحق عنالله، ولا أنسب إليه باطلاً، والآن وقد جئتكم بمعجزة بينة من عند الله فذلك يؤيد ما أقوله، حقيق على أَن لا أَقُولَ عَلَى اللهِ إلا الحق.

2- بدأ موسی(عليه السلام) حديثه بالقولقَدْ جِئْتُكُمْ بِينۀأي جئتكم بمعجزة كبرهان على الرسالة، وبالطبع فهذا القول لا يعني بأن موسى حمل معه معجزة واحدة فحسب، فالآية تدل على جنس الإعجاز والتبيين، وإلا فالآية 101 من سورة الإسراء تشير إلى تسع معجزات منزلة علىوَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَات،لكن المعجزات المنزلة على موسی هي أكثر بكثير، وقد نزلت عليه بشكل تدريجي وفي أزمنة مختلفة، ولذا فالمقصود من البينة في الآية هو جنس المعجزة بشكل عام.

3- يُفهم من كلمۀجِئْتُكم أن موسی(عليه السلام) يخاطب هنا عموم الناس في مصر، وليس قادتهم وسادتهم أو العلية منهم فحسب، ولا حتى بني إسرائيل فحسب.

4- يمكن من خلال التدقيق في كلامه(عليه السلام) إدراك أنه وبعد أن عرض أول معجزة له، ودعا إلى التوحيد، قدم مباشرة أول طلب له وهو حرية قومهقدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بني إسرائيل.

5- سؤال: أين كان بنو إسرائيل حين طلب موسی(عليه السلام) من فرعون مصر أن يُرسلهم معه؟

الإجابة: لأن قصة موسی(عليه السلام) مع فرعون وردت في مواضع عدة من القرآن الكريم، فيمكن بناء على ذلك تقديم احتمالين كإجابة على السؤال السابق: الاحتمال الأول: أن المقصود بإرسال القوم معه، هو تحريرهم جميعاً وإطلاق سراحهم، أو إطلاق سراح المساجين منهم في سجون فرعونفَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائيل .

الاحتمال الثاني: بناء على الآية 18 من سورة الدخانوَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَريمٌ أَنْ أَدُّوا إِلَى عِبادَ اللَّهِ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمين العل المقصود أنه ولأن نبي الله هو أمين من طرفه عز وجلإِنّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمين؛ لذا فالرسول الأمين يجب أن يكون ناظراً ومحافظاً على الأمانة الإلهية، ولأن الناس هم عباد الله، وعباد الله أمانات الله، لذا فمهمة النبي حمايتهم ومراقبتهم من خلال تربيتهم ورعايتهم، وكأن أفراد هذا المجتمع مسافرون يحتاجون إلى من يدير أمورهم ويوجههم ، لذلك طلب موسى من فرعون أن يسلمه أمر إدارة قومه.

يمكن من مجموع الآيات 105 و 157 من سورة الأعراف وآيات سورطه والشعراء والدخان، أن نفهم بأن المقصود من طلب موسی(عليه السلام) هو أن بني اسرائيل محتجزون تحت أمر الفرعون وعبيد له، والنبي موسی (عليه السلام)حمل الرسالة لكي يحررهم من العبودية التابعة إلى فرعون ويرتقي بهم إلى عبودية الله الواحد.

الآية 106

اشارة

قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106)

النقاط المستفادة من هذه الآية:الآیۀ، الصدق

1- في هذه الآية عرض لرد فرعون على ما ادعاه موسی(عليه السلام) من قدرته على تقديم بينۀ قال إن كُنتَ جِنت بأية فَأْتِ بها.

2- قال فرعون لموسی(عليه السلام) رداً على ما ادعاه من الرسالة: إن كنت حقاً تحمل معجزة، فهاتها لنرى ماذا لديك.

3- عبارۀ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقية توضح بأن فرعون لم يكن مؤمناً حقاً بصدق موسى، بل كان يستخدم الكناية لنعته بالكذب.

4 - صحيح أن الأنبياء والرسل عادة ما يقدمون رسالتهم ودعوتهم ثم يعرضون المعجزة، إلا أن ذلك لا يعني أن جميع الناس سيتأثرون بها فيلبون الدعوة ويؤمنون، كما هو حال فرعون ونمرود وأبو جهل وأبو سفيان و... ممن رأوا المعجزات ولكن لم يؤمنوا، بل وأصروا على العناد والعصيان، وتضاعف عداؤهم للنبي ولأتباعه على الجهة الأخرى المقابلة لأمثال هؤلاء؛ هنالك آخرون آمنوا بمجرد أن سمعوا بالدعوة، من أمثال أمير المؤمنین(عليه السلام) والسيدة خديجة : فصدقوا وأيقنوا دون المطالبة بمعجزة ، ومثل هؤلاء : لوط مع إبراهيم وهادون مع موسی(عليه السلام).

الآية 107

اشارة

فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (107)

مقدمة

عن الإمام الرضا : كانت الشعوذة والسحر رائجة في زمان نبي الله موسی(عليه السلام)........(1)بعد أن قام فرعون بعقد أول جلسة له مع صفوة قومه، طالب النبي موسی(عليه السلام)بعرض معاجزه وبالفعل ضرب موسی(عليه السلام) بعصاه التي كانت بيده على الأرض، وإذا بها تتحول فجأة إلى ثعبان مهيب؛ فكه الأعلى يطال قمة الأعمدة في قصر فرعون وفكه الأسفل على الأرض، ويُخرج ناراً من بطنه، فما أن رآه فرعون وهو يتجه نحوه حتى ارتعد بشدة، وهرب مع من كان معه من وزراء وخاصة إلى الخارج، وهم يصرخون طالبين من موسى أن يلتقطه، فقام(عليه السلام) بالتقاطه من جديد وإذا به يعود إلى صورته الأولى. ويُقال بأن هذه العصا هي عصا آدم التي حملها معه من الجنة، وقد توارثها الأنبياء واحداً بعد الآخر، إلى أن وصلت إلى نبي الله شعیب(عليه السلام) الذي أعطاها لصهره نبي الله موسی(عليه السلام) ومن بعدهم توارثها سائر الأنبياء إلى أن وصلت إلى المعصومين الأطهار، وهي الآن في حوزة ولي الله الأعظم عجل الله تعالى فرجه الشريف.

النقاط المستفادة من هذه الآية: ثعبان، عصا، موسی، فرعون

1- سؤال : لماذا ورد في القرآن الكريم عدة تعابير حول هذه العصا؛ فمرة بلفظ ثعبان كما في هذه الآية، ومرة بلفظ جان كما في الآية 10 من سورة النمل كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلّي مُدبراً، وفي سورة طه الآية 20 بلفظ حيۀفَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسعی ؟ أوحين


1) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 80

الإجابة : لأن هدف هذه المعجزة هو التهديد والتخويف والتحقير والتعجيز والهداية، وفي التبليغ والتربية يتوجب مراعاة المخاطبين والجمهور، والتحدث إلى كل منهم وفق مكانته وإدراكه، لذا فإن عصا موسى(عليه السلام)كانت في كل مرة تظهر بشكل مختلف، فمثلاً حين ذهب موسى إلى فرعون وضرب بعصاه لديه، تحولت إلى حيّة وجانّ، وقد جاء في الروايات أنها كانت من العظمة بما يمكنها من التقاف قصر فرعون بما فيه بين فكيها.

2- بالاستناد إلى الآيات ،المتعددة كان هنالك مجموعة من المعجزات المرتبطة بمعجزة العصا، ومنها أنها التهمت كل ما رماه السحرة من حبال وعصي، يُخيل للناظر إليها أنها حيۀتَلْقَفُ مَا يَأْفِكُون(1)، وكذلك حين ضرب موسی(عليه السلام)بها الأرض فانشق نهر النيل، بما سمح لبني اسرائيل بالعبورأنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَق(2)، أو حين استخدمها لينفجر من الصخرة مشارب ماء لقومه اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنا(3)، وكذا حين تحولت العصا إلى حية صغيرة تتحرك بسرعة، فأخافت موسی(عليه السلام)جَانٌ وَلى مُدبراً(4)وفي محضر جمهور الحاضرين من الناس حيث تحولت إلى حية عادیۀ حَيَّةٌ تَسعی(5)تشعر وكما في هذه الآية؛ أي في قصر فرعونفَإِذَا هِيَ ثُعْبان

3- كلمامُبِينٌتشير إلى أن المعجزة يجب أن تكون جلية وواضحة إلى درجة يفهمها الجميع ويدركونها دونما لبس أوشك.


1) الشعراء / 45

2) الشعراء / 63

3) البقرة/ 60

4) النمل / 10

5) طه 20

الآية 108

اشارة

وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108)

مقدمة

كان فرعون يظن بأن ما عرضه موسی(عليه السلام) جلسته الأولى في القصر كان سحراً فحسب، لذا طلب منه أن يقدم معجزة أخرى، فما كان من نبي الله(عليه السلام) الذي يتمتع ببشرة حنطية مائلة إلى السمرة ، إلا أن نزع يده من تحت إبطه وإذا هي بيضاء، يسطع نورها إلى درجة تغلب بها ضياء الشمس ، فاجتمع جميع من كان في المجلس حول النبی(عليه السلام) وراحوا يراقبون عن كثب، إلى أن أعاد(عليه السلام)يده فضمها وإذا هي تعود إلى حالتها الأولى، ومما زاد الناظرين دهشة وحيرة.

النقاط المستفادة من هذه الآية: الید، البیضاء، موسی، فرعون

1- بعد أن أتى موسی(عليه السلام) بمعاجزه الأولى أمام فرعون وحاشيته، طلب فرعون منه معجزة أخرى، وقد جاء ذكرها أيضاً في سورة طه الآية ،22 وسورة القصص/ الآية 32، وهي أن موسى أخرج يده من تحت إبطه فإذا هي تتلألأ نوراً وتوهجاً يخرج من بين أصابعه، وهو الأمر الذي كان مدهشاً جداً بالنسبة للحضور.

2- يُفهم من كلمۀنَزَعَأن موسى أدخل يده إلى مكان، ثم أخرجه منه، فكلمة نزع تستخدم في اللغة للإشارة إلى أن الشيء كان مغطى ثم أُخرج منه، كأن نقول نزع الثوب ونزع الحذاء، ولو كان المعنى غير ذلك لجاء اللفظ بهذا الشكل مثلاً: أبرزيده، وعليه فالآية تدل على أن النبي موسی(عليه السلام) أخفى يده أولاً بأمر من الله ثم أخرجها.

3 -بيضاء مؤنث ،أبيض، وليس بمعنى الشمس والضياء واللمعان والمشع، وعليه فلا يمكن القول بأن يده صارت كالشمس أو القمر، حتى لو كانت بعض الروايات والأحاديث تثبت ذلك، إلا أن الآيات أسْلُك يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِن غَيرِسوءوَاضْهُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِسُوءتوضح كيفية البياض بأنه كان من غير سوء، أي أنه

لم يكن بياضاً بسبب مرض جلدي كالجذام أو البرص، وبالتالي فهذا البياض كان من النوع الذي أجمع جميع الحاضرين على أنه محير للعقول ومدهش.

الآية 109

اشارة

قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109)

النقاط المستفادة من هذه الآية:فرعون، السحر، موسی

1- لأن الأقباط، وهم سادة وصفوة الفراعنة كانوا يخشون من إمكانية أن يميل الفراعنة إلى موسى بعد مشاهدة المعجزتين، فقد قاموا بعقد جلسة فيما بينهم للبحث عن حل مناسب لرفعه إلى الفرعون، حتى يقوم هو بدوره باتخاذ القرار المناسب فيما يخص نبوة وكان نتيجة جلستهم أن قالوا له؛ أن ما قام به موسى(عليه السلام) ليس بمعجزة ولا برهان، بل هو مجرد سحر ساحر محترف يريد ادعاء النبوة.

2- من الواضح والجلي أنه وبالاستناد إلى الآية 13 من سورة النمل وجَحَدُوا بِها وَ استَيْقَنَتها أَنفُسُهُمفإن سادة الفراعنة من حاشية فرعون كانوا يعلمون بأن ما جاء به موسی(عليه السلام)هو يقيناً معجزة بينة، وليس مجرد سحر، إلا أنهم كانوا يدركون بأن الإذعان بهذه الحقيقة والاعتراف بها سيُضيع عليهم مقامهم وسلطانهم في الدولة.

3- يُعتبر السحر في الإسلام، بل وفي جميع الأديان الإسلامية أحد المحرمات والمعاصي الكبيرة جداً، وبالنظر إلى أن السحر كان شائعاً بكثرة في عصر الفراعنة، فكان السحرة والمشعوذ ون يقومون بالكثير من الأعمال العجيبة، بل وكان هنالك مدرسة لتربية السحرة، وتعليم السحر كان رائجاً بشكل رسمي، ولكن حين جاء موسی(عليه السلام) وأظهر لهم من السحر ما ابتلع كل ما في وفاضهم من ألاعيب، أدركوا جيداً بأنه تهديد واقعي لعرش الفراعنة، فهو قد جاء منادياً بدين جديد وباستقرا ر بني إسرائيل في المدينة واخراجهم منها.

4- صرّح الفراعنة هنا بعبارۀ ساحِرٍ عَلِيمٌللإشارة إلى موسی(عليه السلام) كما أن ذلك أيضاً ذكر في سورة الشعراء /37 سَحَّارٍ عليمٍ للإشارة إلى أنه بالغ الاحتراف والمهارة في السحر.

الآية 110

اشارة

يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (110)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الإخراج، الأرض، فرعون، موسی، السحر

1- أراد الفراعنة تشويش الأذهان وحرفها من خلال إلصاق التهم بموسی(عليه السلام) ، فأذاعوا أنه ليس صادقاً في كونه نبي مبعوث من عند الله، وأنه في الواقع ساحريريد خدعهم، وأنه وبادعائه النبوة يرمي إلى جعل بني إسرائيل الذين كانوا طوال الحقب الماضية عبيداً للفراعنة سادة لمصر، وإخراج الفراعنة منها.

2- فيما يخص تفسير جملۀيُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِکم احتمالات، وسنشير هنا إلى اثنين منها:

الاحتمال الأول : أن حاشية فرعون وكبار الفراعنة قالوا للفرعون بأن موسى ساحر عليم، لكن فرعون كان يخشى إصدار حكم القتل بحقه؛ لأن ما رآه من عصا موسى وثعبانه المهيب قد أرعبه ، وجعله يخشى من أن تُهلك الفراعنة عن بكرة أبيهم، لذا لاذ إلى حاشيته بالقولفماذاتَأْمُرُون.

الاحتمال الثاني: أن الملأ وكبا رقوم الفراعنة وسائر السادة؛ الذين يتمتعون بمرتبة أعلى من الملأ ،ومن بينهم الفرعون قالوا ماذا نفعل مع موسى؟ وما هو القرار المناسب؟ ويبد وأن هذا الاحتمال أفضل.

الآية 111

اشارة

قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (111)

النقاط المستفادة من هذه الآية: موسی، هارون، مدین، فرعون

1-كلمة (أرج) تأتي من أصل (رجاء)، كما أنها تأتي بمعنى الحبس والسجن أيضاً، وكذا بمعنى التأخير والصبر والتمهل، وعدم الإقدام على فعل أمر، وجاء في الآية للإشارة إلى رأي الملأ في تأخير أمر موسى حتى إقامة مسابقة بين كبار السحرة.

2- تروي هذه الآية حكاية آخر رأي قدمه كبار القوم لفرعون، وهو ما جاء ذكره في سورة الشعراء أيضاً، الآية ،37، والواضح أن ذلك كان في البداية رأي فرعون، ثم وبعد التشاور وافق سائر الكبار على ذلك، فأشاروا على الفرعون بأن يرسل في طلب كبا ر السحرة من أنحاء مصر، وأن يُبقي النبي موسی(عليه السلام) وأخاه تحت المراقبة حتى حين إقامة المسابقة، دون استعجال في قتلهما، كي لا يشيع بين الناس بأن الفرعون حاكم ظالم.

الآية 112

اشارة

يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112)

النقاط المستفادة من هذه الآية:السحر، موسی، هارون، فرعون

قام فرعون وبناء على ما أشاره عليه الملأ وسادة القوم بإرسال عدد من الرسل إلى مختلف أصقاع مصر طلباً لكل ساحر يعثرون عليه، واستحضاره إلى القصر.

2- لأن السحر كان رائجاً جداً في ذلك الزمان، فلم يكن من الصعب حشد السحرة في مدة زمنية قصيرة.

الآية 113

اشارة

وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113)

النقاط المستفادة من هذه الآية: السحر، فرعون، الغلبۀ، الأجر، موسی

1- إن خطاب السحرة هذا لفرعون يوضح بأنهم أدركوا أهمية تلك المسابقة عنده، لذا فإنهم خاطبوه بسؤال خبري : إن كنا نحن الغالبين فما هي جائزتنا؟

وقد أجابهم فرعون بما أرادوه، بل وزاده بأن وعدهم بمكانة مرموقة لديه بين حاشيته المقربة، وبأن لهم ما يشاؤون، وهذا يكشف عمق الخوف الذي كان الفرعون يعيشه، بحيث اضطر وهو في تلك المكانة أن يلجأ للسحرة ويقدم لهم ما يشاؤون، شرط أن يخلصوه من موسی(عليه السلام) .

الآية 114

اشارة

قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114)

النقاط المستفادة من هذه الآية: التقریب، الأجر، السحر

1- قسم فرعون عطائه للسحرة في حال فوزهم على موسی (عليه السلام) إلى اثنين؛ الأول هو أجرهم : والثاني هو المكانة المرموقة في الحكم.

2- جملۀ إِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبينتشير إلى الوعد الثاني الذي ضمنه فرعون للسحرة في حال فوزهم على موسی(عليه السلام) بأن ينالوا ذلك القرب المعنوي وفخر مجالسة الفرعون

الآية 115

اشارة

قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115)

النقاط المستفادة من هذه الآية: موسی، السحر

1- واضح أنه ووفق الأسلوب المتبع في القرآن الكريم لنقل الأحداث وسردها، فإن الأجزاء غير الهامة والإضافية تُلغى من مثل ماهية ونوع الأدوات المستخدمة من قبل السحرة ؟ كم حبلاً وكم عصا كان لديهم؟

2- إن هذا التفويض الذي أفصح عنه السحرة، بأن سمحوا له بالاختيار إن كان سيبدأ أولاً أو بعدهم؛ يشير إلى أنهم كانوا مستعدين وواثقين من أنفسهم، وهم لا يظنون أبداً بأن موسى(عليه السلام) قادر على هزمهم، لذا خاطبوه بهذه العبارة الذكية ليُضعفوا من ويهبطوا من عزيمته .

3- إن عرض السحرة لموسی(عليه السلام) للبدء بالسحر؛ يشير إلى احتمالين :

إما أنهم قاموا بذلك احتراماً له وتأدباً بين يدي موسی(عليه السلام)، أ وأنهم قالوا ذلك عن غرور وتكبر، لتصغير موسى والإنقاص من قدره، وكأنهم يقولون له بأننا سنهزمك على كل حال، سواء بدأت أنت أولاً أو كنا نحن البادئين إما أَن تُلْقِيَ وَإِما أَن تَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقَین.

الآية 116

اشارة

قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116)

النقاط المستفادة من هذه الآية: السحر، موسی

1- كلمة (إلقاء) تستخدم في المعارف والمعاني وأمثال ذلك وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْان(1)ويستخدم للتعبير عن نزول الشيء من مكان مرتفع إلى آخر منخفض، وكذا فيما يخص الأجرام والأجسامقَالَ أَلْقُوا.

2-السحر هو نوع من السيطرة على حواس البشر، بشكل يرون فيها أو يسمعون أشياء غير الواقع والحقيقة.

3- لقد قال النبي موسی (عليه السلام)للسحرة حين اقترحوا عليه أن يختار من يبدأ أولاً؛ بل ابدؤوا أنتم أولاً، فإن كانوا قد عرضوا اقتراحهم عن احترام، فقد ردّ عليهم بالمثل، وإن كانوا قالوا ذلك عن غرور وتكبر، فقد أثبت لهم بأنه كذلك على استعداد كامل ولا يخشى أن يبدؤوا قبله.

4- إذا كان السحر حراماً في كل الأديان؛ فكيف يقوم النبي موسی (عليه السلام)باعتباره رسولاً لله بتوجيه أمر بعمل حرام من خلال قوله لهم قال أَلقُوا؟

الإجابة قدم المفسرون أجوبة مختلفة لذلك؛ فمثلاً منهم من قال بأن أمرموسی(عليه السلام) هو أمر تهديدي كالآية 40 من سورة فصلاعْمَلُوا ما شئتم، وذهب آخرون إلى أن أمر موسى هذا هو حلال وجائز وليس فيه إفساد أو حرمة، فيما رأى آخرون بأنه أمر تقديري؛ أي إذا كان الحق معكم فلتلقوا، ولكن الواقع أنه لا يُعد أي تفسير مما سبق كافياً وكاملاً، والصحيح أن نقول أنه لم يكن ذلك أمراً، لأن تعريف الأمر هو أن يكون لصاحبه مكانة أعلى من المأمور، إلا أن هذا لم يكن


1) النمل/ 6

حال موسی والسحرة في ذلك المجلس، فلم يكن السحرة حتى ذلك الوقت قد آمنوا بموسی(عليه السلام) بعد، لذا فهم لم يتلقوا ما قاله بأن يبدؤوا على أنه أمر.

5- عبارۀ سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاس تبين أن السحرة استطاعوا خلال تلك المسابقة المقررة مسبقاً، والتي اجتمع فيها جمهور غفير من الناس، أن يؤثروا على أعين الناس وأنظارهم، ليروا الحبال والعصي وكأنها أفاعي تتلوى.

6- كلمة (استرهب )تشير إلى الخوف الذي سيطر على نفوس الفرعونيين، وهول ذلك السحر الذي ارتعدت له قلوبهم.

الآية 117

اشارة

وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الوحی، عصا، ثعبان،الإفک

1- الوحي هو الإلقاء في القلب من قبل الملائكة، حيث تلقي في قلوب الأنبياء أو المؤمنين إلهاماً، وللوحي أساليب وأشكال كثيرة، كما هو مذكور في الآيات 50 و51 من سورة الشورى وما كان لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحياً أَو مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَو يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ

2- كلمة ( تلقف ) من (لَقَفَ ) بمعنى أخذ الشيء بسرعة وقوة، وهنا بمعنى الابتلاع، وكلمة (يأفكون) من (إفك ) أي الكذب الملبس بالصدق والذي يطرح وكأنه أمر صالح بينما الواقع أنه باطل محض.

3- إذا كانت عصا موسى قد استطاعت أن تزيل حبائل ونسائج السحرة وتبطلها، فلابد أن معجزة الرسول الکرم (صلی الله علیه وآله وسلم) الخالدة أي القرآن الكريم بإمكانه أن يبطل مكر أعداء الله ويحيلها هباء منثوراً.

الآية 118

اشارة

فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118)

النقاط المستفادة من هذه الآية: ثعبان، الحق، الباطل، العمل

1- حرف الفاء في كلمۀفَوَقَعَ الحقُّتعني أنه وبعد أن ألقى موسى وبعد أن ألقى موسى عصاه، فابتلعت سحر السحرة، حتى ظهر الحق وصدق ادعاء موسی(عليه السلام) بالنبوة.

2- في هذه الآية استعارة، وهي أنه تم تشبيه الحق وكأنه معلق في الهواء، وغير واضح المصير، ولكن بعد أن ثبتت معجزة العصا ثبت الحق على الأرض واستقر.

3- الوقوع في اللغة بمعنى تثبيت الحق والحقيقة وأي أمر يطابق الواقع، والمقصود من ذلك إثبات حقانية وصدق نبوة موسی(عليه السلام) أمام كافة الحاضرين، بعد أن فازود حض السحرة، كما جاء في الآية 14 من سورة النمل وجَحَدُوا بِها وَاستَيْقَنَتها أَنفُسُهم.

4- قد يكون المقصود من كلمة الحق هو معجزة النبي موسی(عليه السلام) لأن المعجزة خارجة عن قدرات البشر، فهى أمر يتحقق بإرادة الله سبحانه ولها قوانين وقواعد خاصة، ولا يمكن لأحد أن يأتي بها، بخلاف السحر الذي هو أمر علمي وذوقواعد، ويمكن لمن يتقنه أن يقوم به، رغم أن السحرة أدركوا بطلان سحرهم أمام تلك المعجزة.

الآية 119

اشارة

فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (119)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الغلبۀ، الإنقلاب، الصغیر

لفظ (فَغُلِبُوا) تدل على أن السحرة أصيبوا بالهزيمة أمام موسی (عليه السلام)وبالتالي خسروا مكانتهم وشعبيتهم أمام الناس الذين كانوا قبل تلك الحادثة، لا يعلمون شيئاً عن موسى ولا عن معاجزه أو نبوته بل كانوا على العكس من ذلك، يولون الفرعون الكثير من الاحترام والتقدير، وهُنَالِکَ

انقلب الأمر رأساً على عقب، فهم وإضافة إلى أنهم فقدوا إيمانهم بفرعون، ها هم قد بدأوا يكبرون موسى ويعظمونه.

2- فعل و انقَلَب تشير إلى تبدل أمر من جهة إلى أخرى، وفي الشريعة الإسلامية يُعد الانقلاب أحد المطهرات من مثيل تبديل الخمر إلى خل، وكذا ذكر في موضع آخر هذا الفعل وإن أَصابَتْهُ فِتنَةٌ انقَلَبَ عَلي وَجهِه(1).

3- كلمة صَاغِرِينَهي جمع صغر، وتصف هنا حال فرعون وأعوانه وسط ذلك المجتمع، وهم منكسرون ومغلوبون بعد العز والجاه الذي كانوا يتمتعون به بين الناس.


1) الحج / 11

الآية 120

اشارة

وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (2)

النقاط المستفادة من هذه الآية: السحر، السجود

1- لاشك أن إرسال الله لأنبيائه بما بين أيديهم من بينات ومعجزات، هو من الحكمة الإلهية في هداية عباده، وهذه المعجزات متنوعة وكثيرة، وتتناسب مع كل زمان وفق ما يناسبه، ففي زمان عيسی(عليه السلام) كان الطب في أوجه ورائجاً بين العلماء، فجاء(عليه السلام) بمعجزة إحياء الأموات أمام أعين الأطباء والحكماء، لإثبات قدرة الله تعالى، وفي زمان نبي الله محمد(صلی الله علیه وآله وسلم)کان الشعر والفصاحة من أكثر ما تتغنى به العرب فجاء القرآن الكريم ليعجز أبلغ الألسن، وفي عصر موسی (عليه السلام)كان السحر هو صاحب الكلمة الأولى في رفع الطبقات والسيطرة على القوة ،فجاء موسى بالمعجزات ليدحض كل ساحر في زمانه.

2- كلم ألقِيَ جاءت بشكل مبهم، فهي أولا تشير إلى مدى تأثر السحرة وتسليمهم لما رأوه، وثانياً تبين كيف أن إدراك الحق يمهد السبيل للانقياد والانصياع، فالمعرفة الصحيحة لها أن تغير العقيدة في لحظة واحدة، وهذا ما أدركه السحرة، إذ أيقنوا بأن ما يرونه ليس أمراً بشرياً أو سحراً وشعوذة، بل هو معجزة من قبل رب العالمين.

3- حين رأى السحرة عظمة المعجزة الإلهية؛ لم يتمالكوا أنفسهم فسقطوا دون إرادة أو اختيار، وأذعنوا الله المتعال، وهذا هو أفضل العبادات وأبرزها أي التسليم العملي، من خلال إعلامهم رفضهم عبادة الأصنام والتوجه لعبادة الله الواحد أُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِين .

الآية 121

اشارة

قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الإیمان، السحر، السجود، رب العالمین

1- رغم أن السحرة الذين استقطبهم فرعون، كانوا بادئ الأمر يريدون إسقاط موسی(عليه السلام)،وكشف حيلته بإعتقادهم، إلا أن ما رأوه وشهدوه أذهلهم، فأدركوا وهم الخبراء في فنون السحر أن هذا ليس بسحر أبداً، بل هو أمر خارج عن قدرات البشر، لذا عادوا إلى أنفسهم ودخل الإيمان قلوبهم، حتى أعلنوا جهرة إلتحاقهم بدين التوحيد بقولها إلى رَبّنا مُنْقَلِبُونالآية 125 من هذه السورة.

2- قد يرد هنا سؤال هو: بالنظر إلى العبارۀقالُوا أمنّا ما هو الفرق بين الإسلام والإيمان؟ الفرق الأول : الاختلاف بينهما هو أن (الإسلام) له شكل ظاهري قانوني، فكل من ينطق الشهادتين يصبح مسلماً ،وتجري عليه أحكام الدين الإسلامي، ولكن الإيمان هو حقيقة باطنية وقلبية وليست مجرد لفظ خارجي.

الفرق الثاني: قد يكون للإسلام أسباب كثيرة، بدءاً بالمنافع المادية وحتى الأسباب الشخصية، ولكن الإيمان ليس له إلا سبب معنوي ،خالص يدفعه العلم والمعرفة، ويهب النفس ثمرة التقوى.

3- لم يقتصر إيمان السحرة على الكلام واللسان فحسب، بل أنهم دعوا الناس الحاضرين أيضاً ليهتدوا بنور الحق الإلهي ، فهم باعترافهم بالإيمان كانوا قد أعلنوا للجميع نتيجة المسابقة التي أقامها فرعون، لصالح موسی(عليه السلام)وما يدعوا إلى آمَنَّا بِرَبِّ العالمين.

4- لفظ رَبِّ العالمين على لسان السحرة دليل صريح علی إيمانهم بالله الخالق الواحد، والموجد لجميع العوالم (من الذر والدنيا والبرزخ وحتى القيامة).

الآية 122

اشارة

رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (122)

النقاط المستفادة من هذه الآية:موسی، هارون، رب العالمین، السحر، الإیمان

1- لعل هذه الآية جاءت لتفصيل وشرح الآية السابقة بعد ما جاء فيها من عمومية وإجمال، وكأنهم يريدون الجهر أمام الناس جميعاً، لمزيد من التأكيد والتحديد، حتى لا يظن فرعون أو أي من الحاضرين بأن قصدهم هو عبادتهم لفرعون، فقد كان يدعي ذلك وفق نقل القرآن الكريم

أَنَا رَبِّكُمُ الْأَعْلی(1)أو قوله أيضامَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهِ غَيْرِی(2).. 2- وقد يكون قصد السحرة من هذا التمييز تعظيم واحترام الله سبحانه، والتعريف به أمام الجميع أن اعلموا بأن الله الذي آمنا به؛ هو الله الذي أنشأ موسى في قصر فرعون، وأنشأ أخاه هارون ليكون عضداً لأخيه، وحفظهما من كل شر.

3- إن خلق أي مخلوق دليل على خالقه وصانعه وعلى عظمته وعلمه وقدرته، فمثلا من يقوم بصنع فخارة يدرك بأن قدرته وعلمه هو في هذا الحد من صنع الفخارة، وبالتالي فهو بطبيعة الحال يدرك بأن القادر على صنع طائرة يمتلك درجة أعلى وأرقى بكثير من العلم والقدرة والبراعة، وكذا السحرة أدركوا القدرة الإلهية المفوضة للنبي موسى وأخيه، كما وأدركوا بأن مقام النبي والوصي هو أعلى وأشرف من كافة المخلوقات بما في ذلك الملائكة، لذا فهم ومن خلال سجودهم لإله موسى وهارون؛ لم يثبتوا صراحة إيمانهم بالله فحسب، بل وبرب هذه القدرة الممنوحة لموسی(عليه السلام).

4- ذكر السحرة كلا من موسى وهارون معاً، بقولهمرَبِّ مُوسى وَهَارُون وذلك لأنهم إن اختصروا قولهم على موسى فقط لتسبب ذلك بسوء تفاهم لدى الفرعونيين؛ من حيث أنه قد


1) النازعات / 24

2) القصص /38

يقولون : إن رب موسى هو فرعون ! فقد تربى موسى في قصر فرعون ونشأ في كنفه، لذا فهو بنظرهم ربّهقَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَليدا(1)، لذا أشاروا إلى هارون أيضاً للتوضيح.

5- استناداً إلى ما جاء في الآيات 26 وحتى 33 من سورة طه قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدرِي وَيَسِر لِي أَمرِي واحلل عُقدَةً مِن لِسانِي يَفقَهُوا قَولِي وَاجْعَل لِي وَزِيراً مِن أَهلِي هَارُونَ أَخِي اشدد بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكَهُ فِي أَمری وكذا الآية 37 من سورة الفرقانوَلَقَد آتينا مُوسَى الكِتابَ وَ جَعَلنا مَعَهُ أَخاهُ هَارُونَ وَزِيراً وكذا بالنظر إلى الحديث المنقول في الأخبار المتواترة لدى الفريقين من الشيعة والسنة، عن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) أنه قال: (( عليّ منّي بمنزلة هارون من موسي الا انّه لا نبي بعدي))؛ يمكن لنا أن نقول كما أن هارون كان أخاً للنبي موسی(عليه السلام) وشريكاً ووصياً له ووزيراً، وكان له إلى جانبه دور في الإرشاد والدعوة، لذا فإن السحرة أعلنوا إيمانهم بالنبي موسی(عليه السلام) كان يتوجب أيضاً أن يؤمنوا بهارون(عليه السلام)، أيضاً وبوزارته، لذا لا يكفي للمسلم أن يعترف بالوحدانية لله وبالنبوة لخاتم الأنبياء، بل يتوجب أن يكمل إيمانه بالاعتراف بالإيمان بوصيه أمير المؤمنین(عليه السلام) وبإمامته وولايته.


1) الشعراء /18

الآية 123

اشارة

قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ(123)

النقاط المستفادة من هذه الآية: فرعون، الیمان، الإذی، المکر، المدینۀ، الإخراج، العلم

1- من العجب كيف قام فرعون بتنصيب نفسه رباً لقومه، يأذن لمن يشاء أن يؤمن بأمر ما أو يمنعه عنه فهو يمنع السحرة من الإيمان بموسى، رغم أن الإيمان أمر قلبي، وللإنسان الحرية الكاملة في اختيار إيمانه.

2- موقف فرعون هذا هو دليل واضح على أعلى درجات الاستعمار، فها هو يتوجه بالتوبيخ والتهديد من رعيته، وكأنه بالفعل يمتلك جسمهم وروحهم، أو أنهم كالعبيد والأسرى بين يديهقَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ

3- في بداية دعوة موسى لفرعون؛ نرى كيف أن فرعون اشترط على موسی(عليه السلام)لكي يأخذ قومه معه أن يأتيه ببينه أن أرسل مَعَنا بَنِي إسرائيل فجاء قول فرعونقال إن كُنتَ جِئتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِين، لكن وبعد أن أشهد موسى(عليه السلام)جميع الحاضرين على صدق بينته ها هو فرعون يبدأ بالمرحلة الأولى باتهام السحرة بالسحر والشعوذة، ثم اتهمهم بأنهم تواطؤوا منذ البداية مع موسی (عليه السلام) وأنهم متآمرون ضده، وبذلك اتخذ فرعون من هذاالوضع حيلة ليصر أكثر على عدم تحرير بني إسرائيل لمرافقة موسی(عليه السلام)إِنَّ هَذَا لَمَكْر مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَها

4- إتهام فرعون للسحرة كان ضعيفاً جداً، ولا ينطلي إلا على العامة الجاهلين، لهذا فقد وجه تهديداً ضمنياً للسحرة بالقولفَسَوْفَ تَعْلَمُون .

الآية 124

اشارة

لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124)

النقاط المستفادة من هذه الآية: القطع، الأیدی، الآرجل، الصلیب، فرعون، السحر

1- إن رد فعل فرعون هذا هو أمر طبيعي ومتوقع منه، إذ هو رد فعله في أي مواجهة محكومة باللاعدل واللامروءة، فهوذ والقوة والجبروت وله أن يفرض قوانينه نحو من يتهمهم بما شاء، وذلك لأنه بذلك يقتل أي محاولة للمطالبة بالحق في المهد، ويثير في قلب الجميع الرعب والخوف.

2- فالتهديد الذي أشار إليه فرعون في الآية السابقة بشكل مبهم، ها هو يفصح عنه فيقول : أقسم بأن أقوم بتقطيع أيديكم وأرجلكم بشكل معاكس( اليد اليمنى مع الرجل اليسرى واليد اليسرى مع الرجل اليمنى) ثم سأقوم بتعليقكم حتى الموت، أي أقوم بصلبكم، لجعلكم عبرة للجميع.

3- جاء شبيه هذه الآيات في سورة طه أيضاً، ولم يذكر القرآن الكريم أي شيء حول قيام فرعون بالفعل بإجراء حكمه، ولكن وفق ما نقل في التاريخ، أن فرعون قام بتقطيع المؤمنين بموسی(عليه السلام)وتعليقهم على أشجار النخيل، حتى أن الطبري يقول في ذلك :( كانوا أوّل النهار كفّاراً سحرة وآخر النهارشهداء بَررَة).

4- لو أن فرعون لم يذكر كلمة أجمعين لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِين لكان من الواضح أنه يقصد السحرة فحسب، لأنهم كانوا جهة الخطاب التي توجه إليها منذ البداية، ولكن لفظ أجمعين، يشير إلى أنه أراد أن يفهم الجميع بأن حكمه هذا يشمل كل من يريد أن يفكر بالإيمان والسير على خطى السحرة، سواء كانوا من بني اسرائيل، أو هو مؤمن آل فرعون (مما سيأتي شرحه في سورة المؤمن )أو آسية : زوجة فرعون أو من سواهم، بل وهو يشمل موسی(عليه السلام) نفسه .

الآية 125

اشارة

قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (125)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الذنقلاب، الرب، السحر

1-لم تؤثر تهديدات فرعون في إضعاف عزيمة السحرة المؤمنين، فالآية تظهر بأنهم ردوا عليه بثبات، دونما خوف أو ترددإنَّا إِلَى رَبِّنا مُنقَلِبُون، قاطعين الطريق أمام أي حجج أو براهين مفبركة يمكن لفرعون أن يقدمها ، فهم يقولون كيف تهددنا بالتعذيب، وقد تحولنا من الباطن وتغيرت أحوالنا، ونحن متجهون إلى الله والواقع أن قول المؤمنين هذا هو أعظم من قول من يقول (إنا لله وإنا إليه راجعون)، فهذا القول يعني بأننا عائدون إليه وراجعون، أما قول السحرة المؤمنين فيعني بأننا نتحرك باتجاهه ونحوه، وليس هنالك من سوء يصيبنا عندهما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَی(1)

2- الانقلاب هو من أصل (قَلَبَ)، ويعنى التحول من حال إلى أخرى، وتغير هوية وماهية الشيء، كتبدل وانقلاب الخمر النجس والحرام إلى خل طاهر وحلال، وعلى نفس المنوال؛ يقال لفؤاد الإنسان ،قلب لأنه إن اهتم بشيء وتوجه نحوه انقلب من شيء إلى آخر.

3-أشار السحرة بقولهم هذا إلى أنهم كمثل الخمر الذي ينقلب إلى خل، قد انقلبوا من حال الكفر والغفلة والإشراك إلى الإيمان والتوحيد والصلاح فلا لوم علينا فيما نحن عليه، ونحن شاكرون الله على لطفه بنا، فهو الذي يتوجه بالنظر إلى قلوب عباده، ومن كان منهم ذا قلب طيب؛ وهبه التوبة والانقلاب وأما أصحاب القلوب المتحجرۀخَتَمَ اللهُ عَلي قُلُوبِهِم(2).


1) الشورى / 36

2) البقرة / 6

الآية 126

اشارة

وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (126)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الإنتقام، الإیمان، الصبر، الوفاء، الموت، المسلم

1- يستكمل السحرة خطابهم إلى فرعون في هذه الآية؛ حيث يذكرون السبب وراء تهديد فرعون وانتقامه منهم، فيقولون له : إن السبب وراء غضبك ورغبتك بالانتقام منا؛ هو أننا آمنا لما رأينا براهين ربنا، ونحن أعلم بأنها ليست بسحراً و شعوذة.

2- في قول السحرة المؤمنين؛ يبد و أنهم استخدموا لفظ (معجزات) رغم أن من موسی(عليه السلام)عرض أمامهم معجزة واحدة وهي العصا، فما السبب في ذلك ؟

الإجابة: صحيح أن موسی(عليه السلام)عرض معجزة العصا أمام السحرة، إلا أنه ومن خلال هذه المعجزة الواحدة أراهم ثلاث معجزات على الأقل وهي:

المعجزة الأولى: تحول العصا إلى ثعبان.

المعجزة الثانية: أن الثعبان ابتلع كافة حبال وعصي سائر السحرة.

المعجزة الثالثة: عودة العصا إلى حالتها الأولى.

3- رغم أن ظاهر الموقف يوحي بأن السحرة في موقف ضعف أمام فرعون، إلا أن الواقع يحكي حقيقة أخرى، فقد أجاب السحرة تهديد فرعون بتهديد آخر شجاع، وهم بقولهم هذا يبينون له بأنه في الواقع يقف أمام الله بتهديده، لأنهم لم يقترفوا ذنباً غير إيمانهم بالله، وفرعون يعلن بتهديدهم عصيانه الله، وشبيه هذه الآية جاء في الآية 5 من سورة البروج إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ

4- إن موقف السحرة يظهر مدى الطمأنينة التي سكنت قلوبهم والشجاعة البالغة التي تحلوا بها، وثبات إيمانهم وقوة برهانهم وبلاغة قولهم وعلمهم الواسع، وكل هذا يشف عن شرف أخلاق وروح وكرامة ، فهم بعد إيمانهم بما شهدوه لم يتراجعوا أو يخافوا، لأنهم كانوا على علم بأن هنالك نبياً يأتي بهذه البراهين التي أتى بها موسی(عليه السلام)وكانوا ينتظرون أن يأتي، وبرؤيتهم له تحققت نبوءاتهم، فلم يكن منهم إلا أن اعترفوا بها وأذعنوا بالحق.

5- بعد أن خاطب السحرة فرعون توجهوا بخطابهم نحو الله، فتلك قد تكون فرصتهم الأخيرة لذلك، بعد ما توعدهم به فرعون، لذا تراهم لاذوا إلى الله طالبين الصبر للثبات على ما اختاروه فيحتسبهم فيمن أسلم له.

6- في قولهم تَوَفَّنا مُسْلِمين مزيد من الشجاعة، فهؤلاء المؤمنين لم يطلبوا من الله النجاة ولا الحياة، بل طلبوا الوفاة، وتلك هي وصية الأنبياء لا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون.

الآية 127

اشارة

وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127)

النقاط المستفادة من هذه الآية: فرعون، موسی، بنی اسرائیل، الأرض، القتل، الأبناء، النساء، الإستحیا، القهر، الفوق، الغلبۀ

1- واضح من هذه الآية أنه وبعد الهزيمة التي أصيب فرعون بها أمام موسی(عليه السلام)رفع الرقابة إلى حد ما عنه وعن قوم بني إسرائيل، فازدادت تبليغات نبي الله موسی(عليه السلام)إلى الدرجة التي شعر فيها أشراف الفراعنة وأصحاب السلطة بالخطر من ترك فرعون لموسى ولبني إسرائيل، فأخذوا يحرضونه ويدفعونه إلى التيقظ، بقولهم : أتترك موسى وقومه لشأنهم؟!.. حيث يُفهم من قولهم هذا أن الدعوة لم تعد مقتصرة على شخص موسى وهارون، بل أن عدد أتباعهما ازداد أكثر بشكل لافت يهدد أركان حكم الفراعنة.

2- قول حاشية فرعون وأتباعه من الملأ هذا؛ يشير إلى رغبة لديهم بتحريض فرعون لقتل موسى والانتقام منه.

3- كان أهل بلاط فرعون يريدون إجبار فرعون على التخلص من موسی(عليه السلام)، من خلال تصويره كأخطر عد و ومنافس، وذلك بالتركيز على نقطتين هامتين .

الأولى: أن موسى ومن معه سيفسدون الحكم وسيعيثون باطلاً وتخريباً، لأنهم لا يطيعونك أيها الفرعون ولأنك منحتهم الحرية بترك مراقبتهم والتضييق عليهم.

الثانية: أن أتباع موسى تركوا عبادة الأصنام وعبادتك ، ومن هنا يُفهم بأن الفرعون كان يدعي الألوهية، ويعبد آلهة أخرى، كما جاء بلسان القرآن الكريمأَنَا رَبِّكُمُ الْأَعْلى (1).


1) النازعات / 24

4- في مقابل اعتراض حاشية فرعون ؛ نراه يرد عليهم لإرضائهم بالقول: سنعيد عليهم قريباً العذاب والتضييق بقتل أبنائهم وأخذ بناتهم جاريات للخدمة، ثم يضيف في آخر قوله ما يريد به تهدئة غضب حاشيته فيقول وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُون.

5-في رده على حاشيته، لم يقل فرعون بأنه سيواجه موسی(عليه السلام)شخصياً، بل أشار بالحديث إلى الانتقام من قوم بني إسرائيل، بقتل أبنائهم واستحياء نسائهم.

6- لماذا لم يأت فرعون على ذكر موسى في جوابه ؟

قد يكون السبب أنه حين خاب سعي فرعون في إخماد دعوة موسی(عليه السلام)في ذلك المحفل، بدأ يسعى إلى ذلك بأسلوب آخر هو الضغط على موسى من خلال التضييق على قومه وتعذيبهم.

الآية 128

اشارة

قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128)

النقاط المستفادة من هذه الآية: موسی، بنی اسرائیل، الأرض، الإرث، العبادۀ، العبد، العاقبۀ، للمتقین، التقوی، الإستعانۀ، الخوف

1- تأتي هذه الآية لتبيان ردة فعل نبي الله موسی(عليه السلام) على تهديدات فرعون الواردة في الآية السابقة، حيث يضع بين يدي قومه الحل لمواجهة تلك الآلام.

2- تعرض هذه الآية خمسة أمور قدمها النبي موسی(عليه السلام) لقومه، لتجاوز الأذى الفرعوني وبلوغ النصر الأكيد:

الأمر الأول: العون الإلهىاسْتَعِينُوا بِالله

الأمر الثاني: الاستقامة والثبات وَاصْبِرُوا.

الأمر الثالث : عدم الخوف من تهديدات العد ووهجماته.

الأمر الرابع: التذكير بأن الأرض هي الله ، وهو القادر على أن يورثها لمن يریدإِنَّ الْأَرْضَ اللَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِباده

الأمر الخامس : التمسك بالتقوى لأن العاقبة الحسنة هي للمتقيل للمتقيل وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقين.

3- الصبر يعني هنا التيقظ والوعي لأجل الفوز على العدو، وليس سكوناً وذلاً أمام ظلمه وطغيانه.

4- إن قول موسی(عليه السلام)إِنَّ الْأَرْضَ اللَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِباده هورد على تهديد فرعون وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُون ، فليس لأحد أن يفرض سيطرته على أحد أو يقهره، ومشيئة الله تريد عكس ذلك، فكل شيء بيده سبحانه .

5- إن السنة الإلهية الأزلية؛ هي أن العاقبة الحسنة تكون دائماً من نصيب المؤمنين والمتقين، ولذا فإن توجه قوم بني إسرائيل نحو الله وطلبوا منه العون بإخلاص، ثم ثبتوا وصبروا، فإن الأرض التي هي اليوم لقوم فرعون ستكون لهم.

6- طالما أن الأرض الله سبحانهإِنَّ الْأَرْضَ للهوأن ليس لأحد أن يسلب من ملك الله شيئاً، أو أن ينتقص منه جزءاً؛ فله الحق في أن يهبها ويورثها من يشاء إِنَّ الْأَرْضَ اللَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاء أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبادِيَ الصَّالِحُون وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين

7-إن من المعلوم للجميع أنه وفي أي عملية بيع وشراء؛ هنالك إما تبادل لمال بمال آخر، أو لمصلحة بأخرى، أو لمال بمصلحة ، أو هو للربح في مقابل ربح آخر، أو حق في مقابل مال، وهذا كله تبادل وتغيير لمكان الممتلكات، إلا فيما يتعلق بالإرث ، فالوارث لا يدفع مقابل ما يرثه شيئاً، فهنا لا يتغير مكان الممتلكات؛ بل يتغير المالك.

8- بناء على ما سبق، فالسؤال هنا هو من يرث الجنة يوم القيامة؟

إذا كان هنالك من إنسان سيرث الفردوس يوم القيامۀيَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ فهو يجب أن يكون خليفة الله، وإلا فمن سواه يرثها، فالإنسان إن لم يكن خليفة الله فلن يرث ملك الله، وكذا في الأرض فإن المتقين من عباد الله يرثونها والعاقبة للمتقين.

الآية 129

اشارة

قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الأذی، بنی اسرائیل، موسی، الهلاکۀ، العدوان، الأرض

1- سمع قوم إسرائيل بتهديدات فرعون الجديدة لهم بالقتل والسبي؛ فشكوا أمرهم إلى موسی(عليه السلام)، قائلين بأننا كنا في العذاب والإذلال من قبل أن تأتي إلينا، وها نحن لا زلنا نعاني ذات الآلام، فأين وعودك لنا بالخلاص والتحرر؟ قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا.

2- يبدو من كلام بني إسرائيل قالُوا أُوذينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنا أنهم لا يقصدون بذلك أن لديهم رغبة بالارتداد عن دين التوحيد، بل أنهم يشتكون إليه ألماً حلّ بهم وعسراً نزل عليهم، فهم يعتبرونه القائد الذي تبعوه وقد وعدهم بوعود، ومنحهم الآمال في

الخلاص من ظلم ،فرعون وهم الآن يريدون الانتصار به وحالهم هذه تشبه ما نُقل عن المسلمين في القرآن الكريم و زلزلوا حتى يقول الرسول والذين ءامنوا معه متى نصراللهأي أنهم يطلبون النصر ويدعون بحلوله.

3- لا شك أن بين المؤمنين في كل الأزمنة والعصور فئة ضعيفة الإيمان، ممن يسألون الله عن نصره، لكن مثل هؤلاء يجب أن يعلموا بأن النصر لا يأتي إلا بتكبد العناء والجد والعمل ،وإحداث تغيير جذري وانقلاب عميق بإخلاص وعقيدة راسخة.

4- لعل الكثيرين من بني إسرائيل كانوا يتوقعون أن النصر سيأتيهم في ليلة وضحاها، وأنهم سيحصلون على الحرية دون تعب وببساطة، إلا أن الواقع أمر آخر، لذا فهم حين رأوا بأن دعوة موسی(عليه السلام) ،لم تجلب لهم ما كانوا ينتظرونه من رفاه ورغد؛ جاؤوا يعترضون عند نبي الله الذي قال لهم؛ بأن هذا الطريق يحتاج إلى الصبر والعمل والتوكل على الله.

5- استخدم موسی(عليه السلام) لفظ (عسى) في كلامه ليؤكد لقومه بأن ما يقوله ليس وعداً أو عهداً أكيد الوقوع، كي لا يقعد عن العمل والسعي، فتكلم بلهجة المؤمل، فإن التزموا أمر الله وتوكلوا واستعدوا كان لهم الفوز العظيم من قبل الله تعالى وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِين(1).

6- يريد النبي موسی(عليه السلام)خطابه لقومه أن يدركوا بأنهم لن ينتصروا على فرعون، حتى يعلموا بالتحديد ما الذي يريدونه من الحكم، وما الذي سيفعلونه إذا تقلدوا زمام الأمور، فإن كان هدفهم أن يقوموا على فئة خاصة، ليأتي مكانها فئة أخرى أكثر قوة فحسب، فهذا عين الفشل، لأن الصحيح أن يقوموا بتشكيل حكم عادل ومحب للقسط، فهذا هو هدف بعث الأنبياء في كل الاديارليَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْط.


1) محمد / 31

الآية 130

اشارة

وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130)

النقاط المستفادة من هذه الآية: فرعون، السنّ، الثمرۀ، الذکر

1- حين تُخالف الأقوام أنبيائها، ينزل الله عليها من الامتحانات ما يحثها على اليقظة والتنبه، فتحيط بهم المشاكل التي تجعلهم يلوذون إلى الله، هذه سنة الله في كل الأقوام التي أرسل إليها رسله.

2- المقصود من كلمة (أَخَذْنا) هنا هو ابتلاء القوم بالمصائب، والمقصود من آل فرعون هو أولئك الذين يعبدون فرعون والمتفقين معهم في العقيدة والأسلوب والرأي والسلوك.

3 كلمة (سنين) هي في اللغة جمع سنة، لكن عندما تأتي الكلمة مع لفظ (أخذ) فهي تعني على الأغلب سنة من الجفاف والقحط، فكانت أشجارهم لا تثمر، ومحاصيلهم لا تدر عليهم بشيء، وذلك لتنبيههم إلى أن إصرارهم على إتباع فرعون هو السبب في هذا البلاء.

4-في هذه الآية تأكيد وقسم لبيان أهمية البلاء النازل بالقوم لتوعيتهم، لعل ذلك يجعلهم يلوذ ون إلى الله ويتضرعون إليه.

5- إن النقص في النعم هو الامتحان الذي أراد الله به إيقاظ القوم من غفلة الطغيانكلا إِنَّ الإِنسان لَيَطغي أَن رَآهُ استغنی (1)فتلك عادة أكثر البشر، في الميل إلى الظلم والمعصية أوقات الغنى والرفاه، واللجوء إلى الله في أوقات الاضطرار والباء وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّدَعانا


1) العلق/6

دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ(1)،فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ(2) 6- إن عبارۀلَعَلَّهُم يَذَّكَّرُون الا تعني أن في أمر الله تعلل أوشك، من إمكانية أن يهتدي القوم بعد هذا، بل هي تشير إلى الأسف والحسرة عليهم، لغفلتهم وقساوة قلوبهم التي حالت دون أن يبصروا الحقيقة ويستنيروا بالصراط المستقيم.


1) يونس / 12

2) الزمر / 49

الآية 131

اشارة

فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (131)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الحسنۀ، السیئۀ، التطهیر،موسی، بنی اسرائیل

1- كلمة ( يطيروا من التطير من أصل (طَيَّر) وتعني الشؤم وسوء الحظ، ، وسوء الطالع يُدعى (طيره)، وكان ينتشر بين العرب سابقاً، وحتى اليوم أيضاً اعتقاد بأن طيران الغراب والبوم، أو صوتهما سوء طالع ، أو أنه إن حط طائر مثل الغراب على جدار منزل أحدهم، فهذا يعني بأن

مصيبة ستحل ،به وهذا ضرب من الخرافات.

2- الخرافات هي إحدى مشكلات المجتمعات الإسلامية وغير الإسلامية على حد سواء، ورغم أن البعض يظنون بأن الإيمان بالخرافات هو من صفات المتدينين؛ إلا أن الواقع يؤكد بأنها صفة يحملها غير المتدينين، بل وغير المعتقدين بقدرة الله.

3- لقد حارب الإسلام الخرافات منذ بداية الدعوة، وقدّمها باعتبارها مخالفة للعقل والآيات والأحاديث، وأن منشأها هو الجهل، ومنها مثلا الاعتقاد بأن الرقم ثلاثة عشرة منحوس ويتوجب تجنبه، وعلى ذات المنوال، ذهب أعداء النبي موسی(عليه السلام) إلى تقديمه على أنه رمز للشؤم، لتفريق الناس عنه ودحض دعوتهيَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَ مَنْ مَعَهُ، ويتوجب في محاربة الجهل والخرافة أن نقول : أولاً: لقد أنكر القرآن الكريم الخرافات، ويقول اعلموا بأن عواقبكم هي بید الله سبحانه وليس لموسی(عليه السلام) أي دور في تغييرها، ومثيل ذلك في سورة يس / الآية19 طَائِرُكُمْ مَعَكُم ، فليس هنالك من مخلوق شرير ونحس أو أثم أو خائن أو.. كما تدعون، وثانياً: يؤكد القرآن بأنه إن كنتم عباداً مخلصين الله ، فإن العالم بأسره سيكون نوراً لكم، ولهذا

ففي الآيتين 78 و79 من سورة النساء يقول تعالىأينما تَكونوا يُدرِككُمُ المَوتُ وَلَو كُنتُم في بُروج مُشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبهُم حَسَنَةٌ يَقولوا هذه مِن عِندِ الله.

4-كان الفراعنة يظنون بموسی(عليه السلام) ظن السوء، لذا فقد كانوا كلما تعرضوا لشر نسبوه له، وكلما أصيبوا بخير نسبوه لأنفسهم، بقولهم هذا نتيجة سعينا وعملنا، ولأننا أهل لهذا الخير، بينما كل شريصيبهم هو برأيهم وبال وجود موسى وأتباعه بينهم.

5- كانت الأرض التي يقيم الفراعنة فيها من أخصب الأراضي وأغناها، بحيث أنهم لم يرو قبل ذلك لون المجاعة أو القحط في بلادهم أبداً، إلى أن جاء موسی(عليه السلام) حاملاً دعوة التوحيد، لذا فقد قالوا بأنه السبب فيما حل بهم من عذاب وشؤم، لكن الله يخاطبهم في الآية بالقول: إن عذابكم الحقيقي هو ذلك الذي ينتظركم في الآخرة، لقاء ما ارتكبتموه من ذنوب وجرائم عظيمة في هذه الدنيا.

6- يمكن لنا القول بالاستناد إلى الآية 14 من سورة النمل و جَحَدُوا بها وَاسْتَيْقَنَتها أَنفُسُهُم ظُلماً وَعُلُوّابأن قلة من الفراعنة من أمثال الفرعون نفسه وحاشيته المقربة؛ كانوا في قرارة أنفسهم يعلمون بأن الحق مع موسی(عليه السلام) لكن حبهم للملك والجاه وعنادهم وغرورهم قد منع نفوسهم المريضة من الانصياع والانقياد أمام الحق، وأما المقصود من الأكثرية في قوله لكِنَّ أَكْثَرَهُم لا يَعْلَمُو هو جمع الناس والقوم من غير هذه القلة، ممن اتبعوا عن جهل وعمى.

## الآية 132### اشارةوَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132)### النقاط المستفادة من هذه الآية: السحر، الإیمان، موسی، بنی اسرائیل، فرعون1- يستمر عناد قوم الفراعنة يظهر في عباراتهم وخطابهم بنبي الله(عليه السلام فيقولون له: اعلم يا موسى؛ بأنا لن نقبل بأي بينة تأتي بها، لا عصاك ولا أي آية أخرى.)2- إن السبب في أن الفراعنة وصفوا معجزة موسی(عليه السلام بالسحر؛ هو لجهة السخرية منه والاستهزاء بدعوته، وكأنهم يقولون له بأنك تدعي كذباً بأن ما تتقنه من أعمال الشعوذة والسحر هو قدرة إلهية ممنوحة لك.)3- لم يكن الفراعنة يؤمنون بأن عصا موسى ويده البيضاء من معاجزه الإلهية وآياته الحقة، وإن ذكروها في بعض حديثهم باسم الآية؛ فهذا فقط من منطلق الاستهزاء والسخرية من كلام النبی(عليه السلام نفسه .)

## الآية 133### اشارةفَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133)### مقدمة :نقرأ في بعض الروايات أن كلا من هذه البلايا المذكورة في الآية الشريفة، كانت تقع على الفراعنة في سنة، ففي سنة ،الطوفان، وفي سنة الجراد، وفي سنة الآفات الزراعية وهكذا، ولكن روايات أخرى تذهب إلى ما يخالف ذلك؛ فتقول بأن كلا من هذه المصائب كانت تنزل عليهمبفاصلة شهر واحد، وعلى أي حال فالواضح أنها كانت تنزل وراء بعضها بفواصل تسمح لهم بالتفكر والتيقظ، وحول ذلك نشير إلى النقاط التالية:• ورد في الروايات أن الجراد الذي حل بهم كان من الشدة أن لم يبق على الأشجا رشيء من الأغصان ولا الأوراق، بل وطال أجسادهم فأصابها بالأذى، بالشكل الذي أثارهم فتعالت أصواتهم معترضة.• لاذ الفراعنة مع أول عذابين نزلا بهم بالنبي موسى(عليه السلامففي بلاء الطوفان وبلاء الجراد جاؤوا موسی يرجونه أن يدعو الله لرفع البلاء، وبالفعل استجاب لهم النبی(عليه السلام) وارتفع البلاء عنهم.)• في البلاء الثالث نزل على الفراعنة عذاب القمل، وأما ما المقصود من القمل هنا؟ فهنالك أقوال عديدة، إلا أن الأقوى هو أنها نوع من الآفات الزراعية التي تصيب الزرع فتفسده.

• حين انتهى هذا العذاب وارتفع عن الفراعنة، عادوا من جديد إلى آثامهم وإجرامهم، لذا نزل بهم العذاب الرابع وهو الضفادع التي ازداد عددها أضعافاً مضاعفة، بشكل ملأت فيه كل مكان من بيوتهم، فضاقوا ذرعاً بهذا الوضع و وخامته.• في هذه الأثناء سلّط الله عليهم عذاباً آخر هو الدم والدم على قول البعض هو الرعاف بشكل مرضي وعام يسري بين الجميع، ولكن أغلب الرواة أجمعوا على أن المقصود بالدم هو تحوّل نهر النيل العظيم إلى لون الدم بشكل لم يعد بالإمكان معه استخدام مياهه لأي أمر !### النقاط المستفادة من هذه الآية: الطوفان، الجرد، القمل، الضفدع، الدّم، الآیۀ، الکبر، الجرم،1- واضح من الآيات السابقة، أن المعجزات والبينات التي كان الله تعالى يرسلها على قوم فرعون لم تكن تنزل عليهم دفعة واحدة، بل أن موسی كان بداية يخبر القوم بما سيأتي عليهم، ليقيم الحجة ولعلهم يعتبرون أو يطيعون.2- وسخره في سبيل إرشاد الناس وهدايتهم وإنقاذهم من السقوط، ففي المجال العلمي يقدم للناس البراهين على وجوده بالعقل والحكم﴿ قالَ رَبُّنَا الَّذي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدی ومَنْ رَبُّكُما يا مُوسى قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدی وبالنصيحة والموعظة فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَبِنَّا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى أو بالمناظرة والكلام الجميل إن كان لازماً، أو بالتهديد والتخويف لأهله والتشجيع والترغيب لأهله، وأما في المجال العملي؛ فأحياناً تكون وفرة النعم هي البينة والامتحان، وأحياناً بنقص النعم والبلاء﴿ ولَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُون ، لكن بعد كل هذا؛ إن لم ينفع معهم لكن بعد كل هذا؛ إن لم ينفع معهم ذلك فهم المستكبرون حقاً فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِين. واضح من تنوع هذه الآيات، كيف أن الله سبحانه لم يترك سبيلاً علمياً أو عملياً، إلا

3- كيف يمكن أن يبتلى أهل مصر ذات الخيرات والطبيعة الغناء والجمال ووفرة الثروات، والموقع الاستراتيجي والحضارة المتجلية في البناء والقصور والمدن و.. ورفاهية أهلها وتسخيرهم لبني إسرائيل لخدمتهم، كيف يمكن ذلك؟!

من اللافت للنظر في الروايات أن كل هذه المصائب والبلايا لم تكن تنزل إلا على قوم فرعون؛ بينما بنو إسرائيل في أمان منها، وهذا في حد ذاته معجزة أخرى.

5- كلمة (طوفان) من أصل (طوف) بمعنى الدوران والإحاطة، وتطلق على أي حادثة تحيط بالإنسان، إلا أنها تستخدم في الأغلب على هبوب الرياح القوي وكذا على ارتفاع الماء الذي يسبب الغرق، أو بشكل عام على أي حادثة عامة ومرعبة.

6-في نهاية الآية إشارة إلى أن كل هذه الآيات والمعجزات لم تزد القوم إلا ظلماً وعدواناً.

الآية 134

اشارة

وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الرجز، موسی، فرعون، العهد، الرسول، بنی اسرائیل

1- كلمة( رجز ) تعني العذاب، وتشمل كافة آيات العذاب وعلاماته التي أنزلها الله تعالى على قوم فرعون .

2- لعل السبب في أن قوم فرعون كانوا مع نزول كل عذاب يلوذون إلى موسی(عليه السلام) ويتعهدون بالإيمان؛ هو إما لأنهم يحيكون أمراً جديداً للالتفات عليه، وبالتالي ينقضون العهد من جديد، أو أنهم ورغم إدراكهم الحقيقة أن موسی(عليه السلام) على حق، وأنه نبي ودعوته لا تُرد، إلا أنهم لا يستطيعون الاستجابة له، بسبب ما هو في صدورهم من طغيان وظلم، فيطلبون إليه أن يشفع لهملَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا، مثلهم في ذلك مثل أهل جهنم؛ فهم ورغم يقينهم بأن عذابهم خالد وأبدي، إلا أنهم يقولون لمالک(عليه السلام) یا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَينا رَبُّك.

الآية 135

اشارة

فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (135)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الرجز، الکشف، الأجل، النکث، فرعون

1- يُفهم من هذه الآية: أولاً أن كلا من العذابات المنزلة على قوم فرعون، لم تكن أبدية، بل تنتهي في وقت محدد فترفع عنهم، وثانياً : تبين أن موسی(عليه السلام) كان يعقد مع قومه ميثاقاً مع القوم على إيقاف العذاب بشكل مؤقت، شرط أن يؤمنوا، فإن لم يلتزموا بالميثاق في تلك المدة نزل عليهم العذاب من جديد.

2-كلمة (كشف)لا تشير إلى أن أصل العذاب انتهى، بل هي تعني بأن العذاب كان يحلّ عليهم بعد إنذار موسی(عليه السلام)لهم، وتوضيحه لهم بأن العذاب سينزل لسوء عملهم، في وقت محدد، فإن آمنوا واهتدوا ارتفع عنهم مؤقتاً إلى أن يثبتوا صدق قولهم.

3- عبارۀ كلما وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرّجزُتوضح بأن لجوء قوم فرعون بموسی كان يتكرر مع كل نزول المصيبة أو عذاب، ويتكرر مع ذلك نقضهم الميثاق والعودة إلى الظلم والطغيان.

الآية 136

اشارة

فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الإنتقام، الغرق، الیمّ، التکذیب، الآیۀ، الغافل

1- الانتقام هو من أصل نقم ومن النقمة أي عكس النعمة، والنعمة هي من الطراوة واللين، فيقال جلد الطفل ناعم، وعلى العكس النقمة تشير إلى الخشونة، وهو وصف يطلق على أي حدث مزعج يطرأ للإنسان فلا يستطيع تجاوز فَانْتَقَمْنَا مِنْهُم.

2- تختصر هذه الآية كل ما كان قوم فرعون يتصفون به من جحود وعصيان ونقض للعهد بجملتين :

الجملة الأولى: تقول الآية أنه ونتيجة لكل ما مر من نزول الآيات واستمرار القوم بطغيانهم جاء انتقام الله منه فَانْتَقَمْنا منْها ﴾

الجملة الثانية: تشرح الآية شكل الانتقام بالقولفَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنا وَكَانُوا عَنْها غَافِلِين.

3- عبارۀفَأَغْرَقْناهُمْ فِي اليمّ توضح كيفية انتقام الله من قوم فرعون، وكلمة (يم) تعني وفق ما جاءت به في نصوص الاحاديث، البحر، ورغم أن كلمة يم هي في الأصل عربية أو سريانية أو هيروغليفية، إلا أن هنالك جدلاً بين العلماء حولها، فقد أيد كاتب (المنار) أن هذه

الكلمة تعود إلى لغة المصريين القدماء، وأنها تعني في لغتهم البحر، وبما أن القصة تحكي أحداثاً جرت في مصر القديمة، فمن الممكن أن تكون بعض الألفاظ المستخدمة في القرآن الكريم، تعود إلى ذلك الزمان، حيث تشير الكلمة إلى الأنهار العظيمة المتميزة بالعمق والاتساع بشكل تشابه فيه البحار، ومنها النيل، كما أن القرآن الكريم استخدم هذا اللفظ في مواضع أخرى منه، للإشارة إلى البحر أيضا نبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمَ مَا غَشِيَهُم.

4- لا ينتقم الله من أحد من عباده دون سبب فكل انتقام هو حاصل مقدمات وأسباب كثيرة، وعقاب قوم فرعون كان له ثلاثة أسباب، هي: الغفلة عن آيات الله، وعدم الاعتبار من الآيات والأدلة الإلهية، وتكذيب كافة الآيات الإلهية التكوينية التي تشمل الآيات الدالة على خلق الله للعالم بأسره، وبأنه واحد، وكذا الخاصة؛ مما تم إنزاله على موسى وهارون .

5-واضح بأن الغفلة المذكورة في الآية لا تعني الجهل والسهو غير العمدي، بل هي تشير إلى أولئك الذين جاءتهم الرسل والأنبياء بالبينات والحجج، لكنهم مع ذلك يتعمدون التغافل والتكذيب، ويرفضون عن وعي وتيقظ الحق والآيات كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَ كَانُوا عَنْها غافلين.

الآية 137

اشارة

وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الإرث، المستضعف، المشرق، الأرض، المغرب، البرکۀ، الکلمۀ، بنی اسرائیل، الصبر، التدمیر،فرعون، موسی

1- كما تمت الإشارة إليه سابقاً فإن كلمة (إرث) تعني في اللغة المال أوالملك الذي ينتقل من شخص إلى آخر دون تجارة أو معاملة، سواء كان ذلك من قبل الأموات أو الأحياء.

2- بناء على ما جاء من وعد موسی لقومه في الآية 128 من هذه السورة، حيث قال لهم بأن الله تعالى هو مالك هذه الأرض، وبأنه هو وحده من يورثها لمن يستحقها من أهل الصبر والجد والتوكل والْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقين، تأتى هذه الآية لتقول بأن الوعد قد تحقق بالفعل وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانوا يسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَها.

3- يبدو أن المقصود من مَشارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنَا فيهاهو الشام وفلسطين، لأن الله سبحانه لم يصف أرضاً بالبركة غير مكة وفلسطين وما حولهما، الّذي أشرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْله.

4- كلمة (يستضعفون) هي من أصل استضعاف، وتعادل الاستعمار في عصرنا وزماننا، والمقصود منها أن قوماً يستخدمون القوة للسيطرة على فئة ضعيفة، بهدف تحقيق مآربهم وأطماعهم على حساب حقوق وحرية الفئة المستضعفة، إلا أن الفرق بين الاستعمار والاستضعاف؛ أن كلمة استعمار تشير في ظاهر معناها إلى الإعمار والبناء، إلا أنها في الواقع

تحمل صوراً من التخريب والتهديم، أما الاستضعاف ففي كلا الوجهين؛ الظاهري والباطني، تحمل معنى واحداً.

5- كلمة ( يستضعفون) تبين أن الفراعنة كانوا يستضعفون بني إسرائيل بشكل مستمر، بحيث كانوا يحرصون على إبقاء بني إسرائيل في حالة الضعف ضعف فكري، ضعف أخلاقي، ضعف اقتصادي ... بل وضعف في كل الأصعدة الممكنة.

6- استخدام عبارۀ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَها يشير إلى أن المقصود هو أراض واسعة جداً ومتمادية، مما كان في ملك الفراعنة، فالأرض الصغيرة لا يمكن أن تمتد إلى درجة تكون فيها في المشرق والمغرب في آن معاً، لكن الأرض الواسعة جداً، تمتد من المشرق وحتى المغرب، ويختلف فيها الأفق من حد إلى آخر.

7- عبارۀبارَكنَا فيها تشير إلى أرض مميزة ليس لها مثيل، فهي تعلو على ما سواها من أراض أخرى، ولا يتوقف تميزها هذا على زمن ،واحد بل هي ذات بركة عبر الأزمان، وقد ذكر بعض الرواة أن أرض الفراعنة كانت ممتدة إلى درجة شملت بها أرض الشامات.

8- من المهم الإجابة عن سؤال هو : في أي زمن قام حكم بني إسرائيل؟ ويقال بأن ذلك يعود إلى زمان داوود وسليمان، إلا أن ظاهر الآية يشير إلى أن حكم بني إسرائيل كان في زمن موسی(عليه السلام)أي في وقت معاصر لحكم الفراعنة، وبالطبع فمن المعروف أن بني إسرائيل عاشوا أربعين عاماً من الضياع ،والشتات في الصحارى إلى أن دخلوا أخيراً فلسطين وحكموها، ولكن ما نقرؤه في هذه الآية والآيات المشابهة، يوضح بأن بنو إسرائيل حكموا مصر مدة من الزمن بعد غرق فرعون وجيشه، وهنالك ما يؤيد ذلك في التاريخ أيضاً وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلى بَنِي إِسْرائيلَ بِمَا صَبَروا.

9- وفي ختام الآية إشارة إلى أن الانتقام شمل إبادة قصور الفراعنة الفارهة وأبنيتهم المزركشة والعظيم وَ دَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كَانُوا يَعْرِشُون .

الآية 138

اشارة

وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138)

مقدمة :

تشير هذه الآية إلى جزء آخر مهم من قصة بني إسرائيل، وهو الجزء الذي يروي صوراً من رحلتهم مع مو ما بعد انتصارهم على فرعون وجيشه، حيث تركز الآية على التفات بني إسرائيل إلى عبادة الأصنام، كما أن القرآن الكريم استعرض ذلك في مواضع أخرى، وفصل لذلك الآيات 86 وحتى 97 من سورة طه، كما وردت مرة أخرى بشكل مختصر في الآية 148 وما بعدها من هذه السورة.

النقاط المستفادة من هذه الآية: بنی اسرائیل ،البحر، الصنم، موسی، الإله، الجهالۀ

1 -أحاط الله تعالى بني إسرائيل بالكثير من المعجزات، فرافقتهم الآيات بشكل متتالي من عصا موسى وحتى عبورهم البحر وغرق فرعون وقومه فيه، إلى أن نجا بنو إسرائيل مع موسى(عليه السلام) ، وفروا من ملاحقات جيش فرعون العتيد، بمعجزة عظيمة، فكيف انفلق البحر ليعبروا من أعماقه ويخرجوا سالمين، بينما تحول إلى تابوت أطبق على فرعون ورجاله.

2- لكن هذا النصر نقل موسى کلیم الله(عليه السلام) إلى جهاد أعظم؛ هو معاناته الداخلية مع قومه، خاصة الجاهلين من بني إسرائيل، ممن أعمى العناد بصيرتهم.

3- إن هذه الآية تستعرض بحق أعلى مستوى من الجهل الإسرائيلي، فبعد كل تلك الآيات التي شهدوها وعايشوها بأعينهم، بل بلحومهم وجلودهم، وبعد مسلسل الملاحقات

والعذابات التي تذوقوا مرارة حنظلها، والنصر المؤزر الذي أخرجهم من براثن فرعون، التي كانت مطبقة على أعناقهم لعقود مضت، ها هم ينظرون إلى قوم يعبدون الأصنام ويسجدون لها، فتراهم وقد مالوا ورغبوا بأن يكون لهم أصنام يسجدون لها!

4-بعد أن عبر الإسرائيليون من البحر، التقوا بقوم من عبدة الأصنام؛ يعبدون الأوثان ويسجدون لها، ويقال بأن هؤلاء القوم هو الكنعانيون أوهم بنو لخم، وقد كانوا يعبدون العجل، ولأن بنو إسرائيل كانوا يعبدون العجل فيما سبق أيضاً في مصر، فما أن رأت فئة منهم القوم منهم الكفار حتى استذكرت عبادتها السابقة، وجاءت موسی(عليه السلام) تطلب إليه أن يجعل لها آلهة وأصناماً ليسجدوا لها أيضاً!

5- مثل هذا الطلب يشير إلى أن بنو إسرائيل لم يبلغوا بعد حقيقة التوحيد، ولم يدركوها فعلا، لذا ما أن رأوا الأصنام حتى مالت قلوبهم إليها، أي أن لهذه العبادة في قلوبهم وقعاً يحكم أذهانهم بصور محببة، ولو أنهم أدركوا حقيقة التوحيد، لكان محالاً أن يستحسنوها.

6- من الجلي أن بني إسرائيل لم يقصدوا بطلبهم هذا أن يصنع موسی(عليه السلام)لهم أصناماً باعتبارها الخالق والإله، بل ما كانوا يريدونه هو أن يكون لهم شيء يلمسونه بحواسهم، وأن يكون مظهر الله لهم، وبذلك يتقربون إليه.

الآية 139

اشارة

إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139)

النقاط المستفادة من هذه الآية: التبار، الهلاک ، الباطل، العمل، موسی، فرعون، بنی اسرائیل،

1- كلمة ( متبر) هي من أصل (تبار ) أي الهلاك، والمراد من عبارة ( ما فيه) أسلوب وطريقة عبادة الأصنام المتبعة لديهم، والمقصود من ( ما كانوا يعملون) هو شكل عبادتهم تلك.

2- يستكمل موسی(عليه السلام) حديثه إلى بني إسرائيل بالقول : إن عمل هؤلاء الوثنيين باطل وإلى زوال، وليس لعاقل أن يرجوهإِنَّ هؤلاءِ مُتَبَّرُ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُون.

3 - لعل الهلاك المقصود في الآية هو الهلاك المعنوي أكثر منه مادي، وبهذه الإشارة يحاول نبى الله(عليه السلام)أن يوضح لقومه الجهلة واقع حال المشركين وبأن عليهم الحذر من أهوائهم التي تميل بهم نحو الهاوية، خاصة بعدما شهدوه من معجزات عظيمة، وبعدما عاشوه من نصر مؤزر على فرعون وجيشه.

4- يذكر النبي موسی(عليه السلام) قومه بعاقبة فرعون، التي يتوجب أن تكون عبرة لهم، فنهاية هذا الطاغي دليل على أن سبيل الشرك والإلحاد لا ينتج عنه سوى الهلاك والتبار، إِنَّ هؤلاء مُتَبَّر ما هم فيه في الدنيا والآخرة.

5- سؤال: لماذا عدّت الآية أسلوب هؤلاء في العبادة باطلاً؟

الإجابة: لأن الإنسان في هذا الأسلوب من العبادة يقوم برفع معبود مصنوع من الأوهام إلى مقام الألوهية، ويجعله في مقام رفيع من الملك لكافة المخلوقات، كما يمنحه الكمالات الوجودية، ثم يسجد لأضعف الموجودات، فهذا سبيل الباطل حقاًوَباطِل ما كانُوا يَعْمَلُون.

الآية 140

اشارة

قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140)

النقاط المستفادة من هذه الآية: البغی، الفضل، العالمین، بنی اسرائیل، موسی

1- لقد ردّ موسی(عليه السلام)على طلب قومه الأخير، بعبارات ثلاث قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ* انَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرُ ما هُمْ فِيهِ وَباطِل ما كانُوا يَعْمَلُون، وما أن أتم (عليه السلام)هذه العبارات حتى انتقل إلى استعراض برهانه من هذه الآيۀقَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً.

2- يقول موسی(عليه السلام) لقومه: من أين أتيكم بإله آخر، وليس لكم من معبود سوى الله الواحد الأحد، وهو الذي أنزل عليكم آياته وأرسل ببيناته فخلصكم من فرعون وظلمه وحرركم بعد الأسر والاستضعاف، أفلا يكفيكم كل هذا؟ أتستبدلون مثل هذا الإله بأصنام وأوثان : أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً.

3- يقول موسی(عليه السلام) لقومه: إن كان هدفكم من هذا الطلب هو العبادة وشكر الخالق الذي أنعم عليكم؛ فإن الوحيد اللائق بهذا الشكر والعبادة هو الله الواحد الأحد، وليس من إله غيره قط، فهو الذي فضلكم، منذ إسحاق وحتى اليوم، بالأنبياء والمرسلين على من سواكم من الأقواموهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمينَ.

الآية 141

اشارة

وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141)

النقاط المستفادة من هذه النقطة: فرعون، سوء العذاب، العذاب، القتل، الإبناء، الإستخیاء، البلاء

1- كلمة (يسومون) هي من أصل (سوم)، وتعني أنهم كانوا يذلونكم ويحقرونكم، ويقول راغب في المفردات أنها تعني الاتباع والمشي وراء الشيء ، والآية تخاطب بني إسرائيل مذكرة إياهم بحق الله عليهم، فتقول: قد خلصكم الله تعالى من شر أتباع فرعون، الذين كانوا ينزلون بكم أشد ألوان الذل والهوان، فيقتلون فلذات أكبادكم، ويأخذون بناتكم لخدمتهم.

2- رغم أن البعض من المفسرين يرى أن هذه الآية تتوجه بالخطاب إلى اليهود المعاصرين للرسول الأکرم(صلی الله علیه وآله وسلم)، إلا أنه إن كان ذلك صحيحاً، لانقطع اتصالها بما يسبقها من آيات، ولكانت بمثابة جملة اعتراضية، لذا فالظاهر بأنها تتوجه إلى اليهود في زمن موسی

(عليه السلام)، وهو أصح.

مص

3- يشير تعالى هنا إلى أحد أكبر نعمه على بني إسرائيل، ليستشعروها ويتوجهوا بالشكر إلى منعمها، وليعلموا بأنه اللائق الوحيد بالعبادة والتقديس والتسبين .

4- في الآية السابقة جاءت إشارة على أفضلية بني إسرائيل على سائر الأقوام، ولفظ (فضلكم) هو فعل بصيغة المفرد للإشارة إلى أنه صاد ر عن الله فقط، ولكن في هذه الآية يقول تعالى بصيغة الجمع (أنجينا)، ولعل هذا الاختلاف في المفرد والجمع، هو دليل على أن صبر ومقاومة الناس بقيادة موسی(عليه السلام) ،وعادة ما يستخدم ضمير الجمع في مثل هذه المواضع ،

فمثلا يقول تعالى عن المطر: (أنزلنا) لأن كلا من البحر والحرارة والغيم والريح وغيره يجتمع معاً في إنتاج المطر.

الآية 142

اشارة

وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142)

مقدمة في تعريف حديث المنزلة:

يشير الكثير من المفسرين في تفسير هذه الآية إلى حديث المنزلة المعروف، مع بعض التفاوت الوارد بين المفسرين الشيعة والسنة؛ فأما مفسر والشيعة فهم ينظرون إلى هذا الحديث باعتباره أحد الأسناد والحجج المبرهنة على إمامة وخلافة أمير المؤمنين المباشرة بعد الرسول الأکرم(صلى الله عليه وآله وسلّم)، إلا أن بعض المفسرين من أهل السنة لا يقبلون بالحديث ويرفضونه بتعصب.

ولتقديم توضيح حول هذا الحديث؛ فإن من الضروري تقديم بعض الأحاديث ونصوص الروايات المؤيدة له، إضافة إلى دلالة الحديث، وفي الختام استعراض بعض الأصوات الرافضة له ودراستها:

وثائق حديث المنزلة:

1- نقل الكثير من صحابة النبی(صلى الله عليه وآله وسلّم) ،بما في ذلك كتب الأحاديث المعتبرة من أمثال الصحيح البخاري حول أحداث غزوة تبوك :

(أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) خرج إلى تبوك واستخلف عليا فقال: أتخلفني في الصبيان والنساء؟ قال: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي).

ورد هذا الحديث أيضاً في صحيح مسلم ، في باب فضائل الصحابة؛ عن سعد أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)قال لعلی(عليه السلام) : (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي). وقد ذكر الحديث بشكل كلي ولا يخص الحادثة بغزوة تبوك، حيث يلي إدراج الحديث بكلام كثير، ذكر غزوة تبوك ، كما وذكر الحديث ذاته في كتاب سنن ابن ماجه.

وجاء في سنن الترمذي؛ وهو أحد صحاح أهل السنة الهامة، أن معاوية قال لسعد يوماً: لم لا تنال أبوتراب بسوء؟ فقال: أني سمعت من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)ثلاثة أمور تجعلني لا أمسه بكلام سيء، ثم يذكر الأمور الثلاثة ومنها حديث غزوة تبوك السابق.

ويستعرض كتاب مسند أحمد؛ وهو أيضاً من أكبر كتب الرواية عند أهل السنة، هذا الحديث في حوالي عشرة مواضع روي بعضها خلال ذكر غزوة تبوك ، وروي بعضها الآخر بشكل كلي وعام دون ذكر الغزوة.

وفي أحد تلك المواضع يُنقل بأن ابن عباس كان جالساً، وإذا بجماعة تأتيه، فتقول له: إما أن تقوم معنا أو أن تصرف من عندك ، فيقول لهم ابن عباس : بل أذهب معكم، ... إلى أن يروي لهم ابن عباس قصة غزوة تبوك، وخطاب نبي الله محمد(صلى الله عليه وآله وسلّم)لعلی(عليه السلام)، ثم يضيف في النهاية أن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلّم) قال لأمير المؤمنین(عليه السلام) :(إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي).

وفي كتاب خصائص النسائي؛ ذكر ذات الحديث، وكذا في كتاب مستدرك الأحكام، وتاريخ الخلفاء للسيوطي، والصواعق المحرقة لابن حجر، وسيرة ابن هشام، وسيرة الحلبي والكثير من الكتب الأخرى التي هي من أوثق وأشهر كتب أهل السنة.

من الجدير ذكره هنا؛ أن الحديث السابق لم يُنقل فقط عن سعد بن وقاص، بل ورواه العديد من الصحابة الآخرين، وعددهم يناهز العشرين منهم: جابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدري وأسماء بنت عميس وابن عباس وأم سلمة وعبد الله بن مسعود وأنس بن مالك وزيد بن الأرقم وأبو أيوب، واللافت أن كلا من معاوية وعمر بن الخطاب أيضاً قاما بنقل الحديث عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلّم).

وينقل محب الدين الطبري في ذخائر العقبى، أن رجلاً جاء إلى معاوية وطرح مسألة، فقال معاوية له فلتسأل علياً فهو أعلم، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين (يقصد معاوية)جوابك عندي أحلى، فأنبه معاوية على ذلك، ثم قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلّم) فيحق علی(عليه السلام) (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي). وينقل أبو بكر البغدادي في كتاب تاريخ بغداد عن عمر بن الخطاب: أن رجلاً كان يسب علياً، فرآه عمر ، فقال له: إني لأظنك منافقاً لأني سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلّم)يقول (إنما علي مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي).

بيان حديث المنزلة في عدة مواضع

من الجدير ذكره أن الرسول الأکرم(صلى الله عليه وآله وسلّم) لم يذكر هذا الحديث في غزوة تبوك فحسب، بل وفي مواضع أخرى أيضاً، منها:

1- في يوم المؤاخاة الأول، أي في اليوم الذي آخى فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)بين المؤمنين في مكة المكرمة، واختار لنفسه فقال له: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.

2- في يوم المؤاخاة الثاني؛ أي في اليوم الذي آخى فيه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلّم)بين الأنصار والمهاجرين، واختار لنفسه أيضاً مخاطباً إياه: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، وأنت أخي ووارثي).

3- كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلّم)يزور بيت أم سليم التي كانت إحدى سيدات الدعوة الإسلامية البارزات، حيث كانت تدعو إلى الإسلام، كما أن والدها وأخوها استشهدا بين يدي رسول ، وانفصلت هي عن زوجها لرفضة الدعوة الإسلامية، فكان النبی(صلى الله عليه وآله وسلّم)يعزيها ويسأل عن حالها بين الفينة والأخرى ، وقد قال لها يوما يا أم سليم علي لحمه من لحمي ودمه من دمي وهو مني بمنزلة هارون من موسى).

4- عن ابن عباس : أن عمر بن الخطاب قال يوماً: لا تسبوا علياً فإني سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلّم) يقول في علي ثلاثا... كنت عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)مع أبو بكر وأبو عبيدة وجمع من

الأصحاب ،وهو (صلى الله عليه وآله وسلّم) متكئ إلى علي، فضرب بيده على كتفه وقال : أنت يا علي أول المؤمنين إيماناً وأولهم إسلاما ثم قال أنت مني بمنزلة هارون من موسى).

5- ونقل النسائي في كتابه ( الخصائص)، أن علياً كان يتحدث مع جعفر وزيد حول تبني ابن حمزة، وكل منهم يريده، فجاء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلّم)وقال: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى).

6- ينقل جابر بن عبد الله، أنه في اليوم الذي أمر فيه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلّم) بسد كافة الأبواب الموصلة إلى المسجد النبوي، إلا باب بيت علی(عليه السلام) ،قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلّم): انه يحل لك من المسجد ما يحل لي وإنك مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي).

إن هذه المواضع الستة المذكورة أعلاه، هي من الموارد التي حدثت في غير غزوة تبوك وكلها وردت في كتب أهل السنة المعتبرة، وفي مصاد رأهل الشيعة الكثير أيضاً من المواضع التي ذكر فيها هذا الحديث في غير الغزوة، بما يشير أن حديث المنزلة لم يختص فقط بحادثة خاصة هي تلك الغزوة، بل أن خطاب الرسول الأكرم هو بمثابة أمر عام وكلي مستمر، وذلك على العكس مما يتصوره بعض أهل العلم من أهل التسنن؛ من أن النبی(صلى الله عليه وآله وسلّم) كان يقصد تلك المنزلة لعلی(عليه السلام)فقط في غزوة تبوك لا غير، والأحاديث جلية وواضحة، فكما أن هارون كان خليفة لموسی(عليه السلام) فی كل المواقف والمناسبات - فيما عدا النبوة- فكذا هو الأمر حول النبي الأکرم(صلى الله عليه وآله وسلّم) وعلی

(عليه السلام)وقوله(صلى الله عليه وآله وسلّم): (إلا أنه لا نبي بعدي) يؤكد هذه العمومية في الحديث.

يمكن استخلاص ما يلي من الحديث

1- علی(عليه السلام)هو صاحب أعلى وأرفع مكانة بين كل أفراد الأمة، فيما عدا النبي الأكرم، كما كان هارون بين قومه

2-علی (عليه السلام)وزیر النبی(صلى الله عليه وآله وسلّم)ومساعده الخاص ومؤازره وشريكه في كافة مسؤولياته، لأن القرآن قد حدد دور هارون بذلك أيضا واجعَلْ لي وزيراً مِنْ أهلي * هَارُونَ اَخي *اُشدُدْ بِهِ آزرى * وَأَشْرِكْهُ في أَمری (1)

3-علی (عليه السلام) يحظى إضافة إلى الأخوة الإسلامية العامة مع رسول الله، بأخوة معنوية خاصة تربطه بالنبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلّم).

4-علی (عليه السلام) هو نائب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلّم) وخليفته، وليس لأحد سواه أن يرتقي مثل هذه المنزلة.

أسئلة حول حديث المنزلة:

يورد عدد من المتعصبين بعض الإشكالات على الحديث المذكور، وهي إشكالات واهنة وضعيفة لا تبلغ درجة تفنيد الحديث أو ضرب مصادره، وفيما يلي نستعرض جانباً منها للاطلاع :

الإشكال الأول: أن هذا الحديث يظهر فحسب حكماً خاصاً ومحدوداً، وذلك لأنه ورد في غزوة تبوك؛ حين بقي علی(عليه السلام) في المدينة مع النساء والأطفال، فحزن لذلك، وما كان من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلّم)إلا أن طيب خاطره بهذا القول وبالتالي فالمقصود من الحديث هو قيادة تلك الفئة من النساء والأطفال لا غير!!

وللرد على ذلك نقول: يتضح من الأبحاث السابقة، أن هذا الحديث ورد - وخلافاً لما يذهب إليه هؤلاء المعاندون- في العديد من المواضع والمناسبات، أي أنه لا يختص بواقعة تبوك فقط، وهذا ما جاء في صدر أغلب المصاد رالمعتبرة لدى أهل السنة ، فلو كان النبی(صلى الله عليه وآله وسلّم) كان يقصد من حديث المنزلة ما يذهبون إليه، لكان بإمكانه أن يختار شخصاً آخر لمهمة البقاء إلى جانب النساء والأطفال، وليس أن يختار بطل جيشه لها، خاصة وأنه کان(صلى الله عليه وآله وسلّم)ذاهباً المواجهة عدو عتيد كإمبراطور روما الشرقية، إذا فالجلي هنا أن النبی(صلى الله عليه وآله وسلّم)كان يعلم كم من


1) طه 29 - 32

الأعداء قد خلف وراء ظهره، حول المدينة، من منافقين ينتظرون الفرصة المناسبة للانقضاض عليه من خلف ظهره، لذا فكان الأولى أن يختار سداً منيعاً يحمي نواة الإسلام الأولى في ذلك الزمن، ومن لهذه المهمة الخطيرة غير علی(عليه السلام)؟

الإشكال الثاني: تروي الأسناد التاريخية بأن هارون توفي في حياة موسی(عليه السلام)، لذا فمن غير الممكن الاستناد إلى هذا الحديث لإثبات خلافة علی(عليه السلام)للرسول الأکرم(صلى الله عليه وآله وسلّم).

الرد: لعل هذا هو أقوى إشكال يمكن للمعارضين ذكره لنقد الحديث، لكن عبارة (إلا أنه لا نبي بعدي ترد عليهم بقوة، لأنه لو كان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلّم) يريد بهذا الحديث الاختصار على زمان حياته، لما قال هذه العبارة، فالأمران لا يتفقان معاً.

وعليه فهذا الاستثناء يشير بجلاء إلى أن كلام اللنبی(صلى الله عليه وآله وسلّم)يشمل ما بعد رحيله أيضاً، ولكن ولأنه أراد التأكيد على مسألة ختام النبوة، استكمل الحديث بتلك العبارة، كي لا يبقى أمام أحد أي سبيل نحوادعاء نبوة علی(عليه السلام).

وبالتالي فتشبيه علی(عليه السلام)بهارون هو لجهة المكانة والمنزلة وليس من حيث استمرارها، فهارون (عليه السلام) لوبقي حياً لاستمر خليفة لموسی(عليه السلام).

الإشكال الثالث: أن الاستدلال بهذا الحديث يشير إلى أن علیاً(عليه السلام)كان في زمان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلّم) في منزلة الولاية والقيادة، بينما هذا لا يصلح بأن يكون هنالك قائدان وإمامان في زمان واحد. فكيف يكون ذلك؟

ورداً على ذلك نقول : لا شك أن هارون كان في زمان موسی(عليه السلام) في مقام القيادة لبني إسرائيل، ولكنه لم يكن يتمتع باستقلالية في تلك القيادة، بل كان يعمل تحت إشراف موسى، وهذا الأمر ينطبق على أمير المؤمنین(عليه السلام) أيضاً، حيث أنه لم يكن قائد الأمة المستقل طالما أن الرسول الأكرم على قيد الحياة، ثم وبعد رحیلۀ(صلى الله عليه وآله وسلّم) تسلم القيادة وكان إمام الأمة.

النقاط المستفادة من هذه الآية: موسی، ثلاثین لیلۀ،اربعین لیلۀ، هارون، الخلافۀ، الصلاح، الإتباع، سبیل المفسدین، حدیث المنزلۀ، امیرالمومنین، بمنزلۀ هارون من موسی،المؤاخاۀ، یوم المؤاخاۀ، وزیر النبی

1- تعرض هذه الآية مشاهد من حياة بني إسرائيل، واختلاف موسی(عليه السلام)معهم، وقصة ميعاده مع ربه لتلقي أحكام التوراة عن طريق الوحي، وتكليمه الله سبحانه، واصطحابه كبار بني إسرائيل إلى الميعاد ليشهدوه لإثبات أن الله لا يُرى بالعين أبداً، ثم ما يلي ذلك من قصة عبادة بني إسرائيل للعجل، أثناء غياب موسی(عليه السلام) عنهم، وانحرافهم عن الصراط المستقيم والفوضى العجيبة التي خلّفها السامري.

2- كلمة (ميقات) هي من أصل وقت أي الوقت المحدد الذي سيتم إنجازعمل خاص فيه، وعادة ما تطلق الكلمة للإشارة إلى زمن بعينه، لكن أحياناً يطلق على المكان الذي سيتم إنجا زالعمل فيه أيضاً، فمثلا نقول (ميقات الحج) أي المكان الذي لا يمكن لأحد الدخول إليه دون أن يكون محرماً.

3- ذُكرت أحداث هذه القصة في موضعين من القرآن الكريم، أحدهما في سورة البقرة والآخر في هذه الآية أعلاه، مع فارق أن هذه الآية أشارت بأن الميعاد كان ثلاثين ليلة، ثم أضيف عشرة ليالٍ، فأصبحت أربعين ليلة، لكن في سورة البقرة ذكرت الأربعون ليلة فحسب، ولم تذكر الليالي الثلاثين أو العشرة الأخرى،وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْل(1)، وقد تكون هاتان الآيتان عن حدثين مختلفين، ولعل النبي موسی(عليه السلام) قد ذهب في عدة أربعينيات بين يدي الله سبحانه .

4- سؤال: لماذا لم تذكر الآية الأربعينية التي قضاها نبي الله موسی (عليه السلام)مرة واحدة؟ أي لِمَ ذكرت الليالي الثلاثون أولاً ثم ذكرت العشرة التالية، كاستكمال لها، في حين أن الآية الواردة في سورة البقرة ذكرت الأربعينية كلها مرة واحدة ؟

الإجابة: يُقدم المفسرون تأويلات عديدة لذلك؛ ولكن ما يلفت النظر في كل ذلك، أن روايات أهل البیت(عليه السلام) تتفق على أنه ورغم أن الأربعينية كانت أربعين ليلة منذ البداية، إلا أن


1) البقرة/ 51

الله سبحانه أراد أن يمتحن بني إسرائيل بمواعدة موسی(عليه السلام) لمدة ثلاثين ليلة ثم قام بتمديدها، ليُعرف المنافقون من بني إسرائيل، وعن الإمام الباقر(عليه السلام) أنه قال في تلك الحادثة: حين ذهب موسی(عليه السلام) إلى موعده مع الله، أخبر قومه بأن غيابه لن يطول لأكثر من ثلاثين ليلة لكن حين أضاف تعالى تلك الليالي العشرة، قال بنو إسرائيل: لقد خلف موسى في وعده، وعقب ذلك عبادتهم للعجل و..

5- إن الإشارة إلى هذا التقسيم لليالي الأربعون لا يعني بأن الليالي العشرة الإضافية لم تكن في البداية، ثم تم استحداثها، ففي الروايات أن الليالي العشرة الإضافية هي ذاتها الليالي العشرة الأولى من بداية ذي الحجة.

6- إن التغيير الحاصل في عدد الليالي بناء على الظروف الحاصلة والحكمة شبيهة بما قد يصفه الطبيب للمريض بناء على تشخيصه للداء، كما أن ذلك لا يعني بأن الله سبحانه لم يكن يحيط علماً منذ البداية بأن مدة المواعدة هي أربعون ليلة، كما أن الطبيب حين يصف للمريض الدواء، قد يرى بأنه يحتاجه لمدة معينة مع علمه بأن أحوال المريض قد تدعو إلى إطالة الدواء أو تغييره .

7- تذكر الروايات بأن الأربعينية المذكورة توافق بداية شهر ذي القعدة وحتى العاشر من ذي الحجة، فالقرآن الكريم استخدام لفظ (أربعين ليلة) ، وليلة أربعين يوماً أو نهاراً، فذلك يعود إلى أن المناجاة والدعاء عادة ما يكون في الليل وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُوداأو لعل ذلك يعود إلى أن حساب الأيام سابقاً طان بناء على القمر، لذا فحساب الأيام يكون وفق الليالي حيث يظهر القمر.

8- من الواضح أن المدة التي قضاها موسى كل کلیم الله(عليه السلام) في العبادة لم تقتصر على الليالي فحسب دون النهار، فالروايات تؤكد بأن (عليه السلام)كان ضيف الرحمن، مشغولاً بالمناجاة، فلا ينام ولا يأكل، كما الملائكة التي لا يشغلها إلا العبادة دونما حاجة إلى طعام أو شراب.

9- لالليل خصوصية في أمر العبادة، فالله سبحانه يخص هذا الوقت من اليوم بمكانة مميزة، والقرآن الكريم شاهد على ذلك في آيات عديد سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامو إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَةٌ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر فالليل موعد العاشقين الله فيه تهدأ الأصوات ويأوي الناس إلى السكون، فيقوم المحبون إلى حبيبهم بالعبادة والمناجاة، وتلك لذة لا يعرفها أحد سواهم.

10- في العدد أربعين الكثير من الأسرار الكامنة، فنراه يرد بشكل متكرر في نصوص الروايات والأحاديث، ولا يخص ذلك الدين الإسلامي فحسب، بل ويتجاوزه إلى ثقافات الأديان الأخرى، ففي زمان نبي الله نوح (عليه السلام) هطل المطر لمدة أربعين يوماً، وفي زمن نبي الله موسی(عليه السلام)تاه قومه أربعون عاماً في الصحراء، واعتكف رسول الله محمد(صلی الله علیه وآله وسلم)أربعين يوماً بعيداً عن خديجة ، والطعام يتنزل إليه من السماء ، وكان ذلك تمهيداً لولادة السيدة فاطمة الزهراء ، كما أن الرسول الأكرم بعث بالرسالة في عمر الأربعين، والإنسان بشكل عام يكتمل من الجانب الروحي والمعنوي في الأربعين من عمره، إضافة إلى الأحاديث الواردة في قراءة بعض السور والآيات والأدعية لأربعين مرة لقضاء الحوائج المختلفة، وعدم قبول الصلاة لمدة أربعين يوماً له تبعات خطرة في ارتكاب بعض الذنوب، أ وإذا شهد أربعون مؤمناً للميت بحسن خلقه؛ يغفر له الله و... الكثير من هذه الآثار الغريبة للعدد أربعين، حتى أن كتباً أُلفت تحت عنوانه ولشرح مضامينه.

11- سؤال: كيف يجعل موسى من أخيه هارون ، نائباً له وقائداً وإماماً لبني إسرائيل، مع أنه كان نبياً؟

الإجابة: مقام النبوة يختلف عن مقام الإمامة، فهارون كان نبياً، ولكنه لم يكن قادراً على قيادة بني إسرائيل من كافة الجوانب، فتلك ميزة خاصة بموسی(عليه السلام) ، ولكن حين قصد موسی الاعتكاف مدة من الزمن بعيداً عن بني إسرائيل، قام باختيارهارون للنيابة عنه كإمام ووصي

له، وهنا يتضح كيف أن الإمامة هي . الموضوع يمكن مراجعة قصة إبراهیم(عليه السلام) في ذيل الآية 124 من سورة البقرة.

وأرقى مكانة من النبوة وللمزيد في شرح هذا

12 سؤال : لماذا أوصى موسی(عليه السلام) أخاه هارون بالإصلاح في قومه وعدم اتباع المفسدين، والحال أن ها نبي ومعصوم؟

الواقع أن هذه الوصايا هي للتأكيد على حساسية الموقع والمكانة التي ستلقى على عاتق هارون في هذه المهمة ولعلها كانت للإشارة إلى أن بين بني إسرائيل منافقون ومنحرفون، يتوجب الحذر منهم أولاً، ولأنه أراد أن يوضح للقوم ضرورة الانقياد والانصياع أمام قيادة هارون الحكيمة لهم، وأن يوالوه ويتبعوه دون عصيان أو تمرد، كما أن هارون أطاع موسى وانصاع لنصائحه.

13 بالعودة إلى حديث المنزلة؛ كيف يمكن أن نقبل بأن موسی(عليه السلام) قام باختيارنائب عنه وخليفة في قومه، رغم أن غيابه لم يتجاوز الأربعين ليلة، فأعلن أمام القوم عن خليفته ووصيه في فترة غيابه، ثم لا نقول بأن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)قد اختار لأمته وصياً ينوب عنه وهو راحل إلى عروجه الأبدي ؟! وهل من اللائق به أن يترك قومه في شتات وضياع؟!

الآية 143

اشارة

وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)

مقدمة:

تروي هذه الآية وما يليها مشاهد من العبرة التي مرت في حياة بني إسرائيل في ذلك الزمن، وهي أن جماعة من بني إسرائيل أصروا على موسی(عليه السلام)لرؤية الله سبحانه ، وأنهم إن لم يروه فلن يؤمنوا، فاختار مول منهم سبعون نفراً، وأخذهم معه إلى الميعاد، حيث رفع طلبهم إلى الله سبحانه، وجاء الجواب الذي أوضح لبني إسرائيل كل شيء، وقد جاء جزء من هذه الواقعة في سورة البقرة/ الآيتان 55 و 56 ، وكذا في سورة النساء 153، وجزء في آيات هذه السورة ولَمَّا جَاءَ مُوسى لِمِيقَاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبِّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبِّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكَّا وَخَرٌ مُوسَى صَعِقًا ة فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ.

النقاط المستفادة من هذه الآية: المیقات، موسی، کلمۀ ربه، النظر، الجبل، خرّموسی صعقا، التسبیح، التوبۀ، الإیمان، الإستقرار

كلمة (تجلى) هي بمعنى قبول آثار الظهور، وكلمة (دك) تعني حطم ورصّ الشيء على بعضه، و(خرّ) بمعنى سقط وهوى بشدة، و(صعقاً) أي مغمى عليه أو ميت على أثر صوت قوي، و(أفاق) أي استيقظ وعاد صحيحاً .

المعنى الظاهري للآية يروي بأنه حين وصل موسى إلى الميقات الذي واعده ربه عنده، طلب أن يرى الله ، أي أنه طلب أن يهيئ الله له الأسباب المناسبة ليكون قادراً على رؤيته، إلا أنه منزه عن الحواس، وأعلى من أن تدركه، لذا فقد أجابه الله بأنه يستحيل أن تراني، فهذا أمر غير معقول.

3- يبدو من الآية أنه وبعدما تذوقه موسی(عليه السلام) من لذة المناجاة مع الله سبحانه، أراد أن يرتقي إلى مقام الشهود فيلتقي الحق تعالى، وترفع عنه الحجب ليرى بباطنه الذات القدسية؛ لذا قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ، فجاء الجواب بأنك لن تراني، أي أن الله تعالى لم يقل لن أريك نفسي، وبالتالي فواضح بأن المانع هو من جانب موسی(عليه السلام) الذي ليس لديه القدرة الجسدية لذلك.

4-من المؤكد بأن طلب موسی(عليه السلام) هذا ليس يشبه ما يمكن أن يطلبه الأشخاص العاديون، فهو يعلم بأن الله غير قابل للرؤية قط، فهو مما لا تحيط به الحواس أو تدركه، لكن ولأن الله تعالى كان قد كلمه سابقاً، لذا رغب موسى بأن يرتقي في هذا النوع من الكمال العلمي، وليس الرؤية البصرية الحسية، وقد قال البعض بأن الرؤية التي قصدها موسی (عليه السلام)كانت رؤية قلبية وليس بصرية، ولعل طلب موسى هذا كان لجهة أن قومه طلبوا ذلك منه لَن نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّي نَرَي اللهَ جَهرۀً.

5- يجب تب أن نعلم بأن رؤية الله بالمعنى الحسي، أي بالعين المجردة؛ هو أمر محال، سواء في هذه الدنيا أو في الآخرة، وذلك لاعتبارات عقلية ونقلية، وبناء عليه فمحال أن يسأل موسی(عليه السلام)ذلك أيضاً، وقد ورد ذلك في سورة الأنعام لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصارَ وَهُوَ اللطيفُ الْخَبیر.

6- إن وجود الله في هذا العالم، هو كوجود الروح في الجسد، لا يمكن تمثيله بأي شيء، فلاشيء مثله، لأن الله لا يُعرف بالحدود ولا بالمفاهيم أو الماهيات، والسبيل الوحيد لنا لإدراكه

هو بالمعرفة الحضورية، فنحن كلنا نعرف الله بالعلم الحضوري ومن خلال المعرفة الجزئية التي لدينا عن الله ندرك أنفسنا كبشر ، ومن يدرك نفسه يدرك الله حتماً.

7- أراد تعالى أن يوضح لمو أكثر فأوحى له بأنه سيتجلى لجبل ظاهر أمامه، فإن رأى موسی أن الجبل ظل مستقراً في مكانه، فهذا يعني بأنه أيضاً قادر على تحمل مثل تلك المكاشفة، لكن ما أن أظهر تعالى قدرته للجبل حتى انها رالجبل وتلاشت ذراته عندها أذهلت تلك الهيبة والعظمة من ، فوقع مغمياً عليه، وفور استيقاظه قال فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِين.

8- رغم أن جملۀوَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلتشير إلى أن الله تعالى تجلى للجبل، ولكنه يعني أن موسی(عليه السلام) ليس لديه القدرة على تحمل هذا التجلي والإغماء الذي أصابه يثبت ذلك، فلما رأى كل تلك العظمة والهيبة أدرك معنى ما قاله تعالىلن تَرانِي فالإنسان ليس له أبداً أن يشرف على مثل هذه القدرة في هذه الدنيا.

9- حين أدرك موسى بأنه لو استجاب ربه لطلبه فإن عاقبته ستكون شبيهة بعاقبة ذلك الجبل، تراجع عن طلبه، وتاب عن ذلك، وطبيعي أن توبة الأنبياء ليست عن ذنب أو إثم، بل هي عدول عن أي شائبة صغيرة.

10- ورد اسم الجبل مسبوقاً بأل التعريف وهذا يدل على أنه جبل معروف ومحدد، هو تحت إشراف موسی(عليه السلام) وأمام ناظريه.

11- قد يرد هنا سؤال وهو: لماذا لم يجعل الله تعالى هذا الامتحان على موسى كلیمه(عليه السلام) ليبلغ مرحلة اليقين؟

وفي الجواب نقول : يصح الامتحان لإنسان إذا كان في النهاية سيرى النتيجة أو يدرك بالتجربة، وليس أن ينتهي الامتحان بهلاك الممتحن، وإلا فما الفائدة من هكذا امتحان!؟ وكيف سيستفيد من نتيجة الامتحان في تعديل سلوكه وسلوك الآخرين وهدايتهم.

الآية 144

اشارة

قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144)

النقاط المستفادة من هذه الآية: موسی، الإصطفاء، الرسالۀ، الکلمۀ، الشکر

بعد تلك الواقعة قال الله تعالى مخاطباً موسى؛ قد اخترتك يا موسى، لتحمل رسالتي؛ رسالة الأوامر والنواهي والمعارف والشرائع، كما اخترتك لتكون كليمي.

2- المقصود من وبكلام هو أن الله كان يكلم موسی(عليه السلام) دون واسطة ملاك، فيأتيه الخطاب مباشرة من الله تعالى، لذا فخذ هذه الرسالة مدركاً خطورتها وأهميتها، شاكراً لله نعمه.

3 - هل يُستفاد من هذه الآية أن التكلم مع الله تعالى هو أحد الامتيازات الخاصة الموهوبة لموسی(عليه السلام) بین كافة الأنبياء ؟ أي هل المقصود بأني اخترتك من بين الأنبياء لتكون كليمي؟

الواقع هو أن الآية تشير إلى نقطتين هامتين تميز موسى عن سائر الناس، الأولى حمل رسالة الله، والثانية التكلم مع الله، وكلا الميزتين ترسخان مقام القيادة له.

الآية 145

اشارة

وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145)

النقاط المستفادة من هذه الآية:الألواح، الموعظۀ، الفسق، الحسن

1- كلمة (لاح ) هي بمعنى ظهر و (ألواح ) هي صفحات للكتابة عليها، وهي تسمى بذلك لأن الخط المكتوب عليها يكون ظاهراً .

2- يشير تعالى في هذه الآية إلى أربعة أمور:

الأمر الأول: أن هذه الألواح تحمل كل ما يمكن أن يعترض القوم من مسائل اعتقادية أو عملية، بالشرح والتفصيل مع الإرشادات والتوضيحات اللازمة.

الأمر الثاني: تأمر الآية موسی(عليه السلام) بأخذ الألواح بجدية وأن يبذل أقصى ما بوسعه لحفظها أن يكون دقيقاً في ذلك فلا يسمح لشيء منها أن يزول.

الأمر الثالث: توجه الآية موسى(عليه السلام) بأن يأمر قومه بترك ارتكاب الذنوب والسيئات، وأن يلتزموا بما في التوراة.

الأمر الرابع: التأكيد على أن الفاسقين سيلقون حتفهم قريباً.

3- المقصود من الفاسقين في هذه الآية هم أولئك الذين يميلون إلى ارتكاب السيئات، ويرغبون بالضلالة، فهؤلاء لا يعقب أعمالهم سوى الهلاك والخسران.

4- ما المقصود بالأحسن في قوله تعالى وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها؟

تتباين الأقوال في ذلك، فمثلا يقال بأن المطلوب بالأحسن هو أخذ القدرة والسلطة، وآخرون يقولون بأنه من العلم والعمل، أو التخيير بين الأهم والمهم، وإنجاز الأفضل، أو لعل المقصود هو تعاليم التوراة ، أي أحسن القوانين والتعاليم ، ولكن ولا شك فالأحسن المطلق هو القرآن الكريم، كما يقول تعالىوَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُون

5-عبار مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَۀ ﴾تشير إلى أن كافة المواعظ والحكم وما قد يحتاجه قوم بني إسرائيل موجود في التوراة فالله سبحانه كان ينزل على كل نبي ما يحتاج قومه في زمانهم، إلا فيما يخص القرآن الكريم، لأنه كتاب لكل العالمين، وهو الكتاب الأكمل والأشمل.

6- يبدو من ظاهر العبارۀ سَأُرِيكُمْ دار الفاسِقِين أنها تشير إلى البرزخ، أي أنه مقر من عصى الله ورفض الانصياع.

الآية 146

اشارة

سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146)

النقاط المستفادة من هذه الآية:الکبر، الأرض، الحق، الإیمان، الرشد، الغی، الکذب، الآیۀ، الغفلۀ

1- الإشارة إلى مصير المتكبرين في هذه الآية والآية التالية، هو في الواقع نوع من الاستنتاج لما جاء في الآيات السابقة، حول قصة فرعون وقومه وعناد بني إسرائيل، فالله يخاطبهم بالقول: إن لم تكف كل تلك المعجزات والآيات في هدايتكم وإيمانكم، ولم تزدكم إلا إصراراً على الذنب والتكذيب، فهذا لأنكم غفلتم وتكبرتم عن الحق.

2- الاستكبار في الأرض؛ يعني إذلال الآخرين وإجبارهم على الخضوع، أي هو نوع من استعما ر الناس بظلم وعدوان، وهذا التكبر ليس إلا باطلاً، وهذا واضح، ولكن أن يأتي في هذه الآية بهذا اللفظ يتكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَق رغم وضوحه، فهذا لمزيد من التأكيد على كونه إثماً وذنباً وإلا فليس هنالك مقابل التكبر بغير حق، تكبر بحق! فالتكبره وتحقير وإذلال لعباد الله بغير وجه حق، وكما تقول الآية الكريمۀإِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُون(1)، وأما مرافقة العبارة مع عبارة (في الأرض) فهذا يشير إلى


1) البقرة / 61

الطغيان على الأرض، وبديهي أنه عمل لا حق فيه، فالتكبر الوحيد الممدوح والمحمود هو التكبر على أعداء الله فحسب.

3- إذا أردنا التعرف أكثر على هؤلاء المستكبرين؛ فيجب أن نقول بأنهم ولجهة إصرارهم على الانحراف عن سبيل الارتقاء والهداية، فإنهم يصرون على الضلال، رغم علمهم بأنهم يسيرون في الطريق الخاطئ، أي أنهم يتعمدون ذلك، وليس عن جهل أو عدم معرفة، فهم ولإثبات ذلك يقومون برفض كل معجزة إلهية تأتيهم، ونتيجة لصفاتهم هذه وتكذيبهم وغفلتهم عن آيات الله، فإن الله تعالى يصرفهم عن الاعتراف بإدراك آياته، رغم أنهم لم يكونوا متيقظين لعاقبة أعمالهم وغفلتهم تلکذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِين.

4- لا شك بأن سلب توفيق الهداية من الإنسان لا يتحقق، بتكذيبه للآيات أو بارتكابه الإثم لمرات فباب التوبة والإنابة مفتوح أمامه، ولكن الإصرار المتكرر على ارتكاب الذنب والاستمرار في الظلم يسلب الإنسان توفيق القدرة على تمييز الجيد من الرديء.

الآية 147

اشارة

وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (147)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الکذب، الآیۀ، الآخرۀ، الحبط، العمل، الجزاء

هنالك ثلاثة احتمالات لتفسير مقصود تكذيب الآيات الإلهية:

الاحتمال الأول: تكذيب الأنبياء والرسل، من خلال نسب الكذب إليهم افتراء وبهتاناً، أو اتهامهم بالجنون والسحر والشعوذة.

الاحتمال الثاني: تكذيب المعجزات والآيات الإلهية الصادرة عن الأنبياء، من خلال القول بأنها سحر وخدعة.

الاحتمال الثالث: قد يكون المقصود مخالفة الحق في الكتب السماوية والأحاديث.

لأن كلمة (اياتنا) هي جمع مضاف؛ فليس ببعيد أنها تشمل كل تكذيب لأي آية وبرهان من قبل الله وليس المقصود من تكذيب الآيات، إنكار كافة الآيات، فتكذيب الإنسان لأي من الآيات يجعل هذا اللفظ يصدق عليه، فمثلاً إذا أنكر أحد الرسل أو الأوصياء أو أنكر أحد المعجزات الصادرة عن الأنبياء أو نعتها بأنها سحر وخداع، أو أي من ضروريات الدين الأخرى، فهذا يعني بأن حكم هذه الآية يشمله.

3- إن منكري المعاد والآيات الإلهية، وأولئك الذين يرفضون البعث والقيام ويعدونه باطلاً، فإن كافة أعمالهم تحبط تندثر، وكلمة ( حبط ) تعني بطل وفسد، فحتى لو قام الأشخاص بأعمال حسنة وصالحة، فلن يكون لها ثوابوَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَت أَعمالُهُم

4-في ختام الآية يقول تعالى؛ هذه عاقبتهم وهي نتيجة أعمالهم، بل هي نفس أعمالهم، ها هي تتجسد أمامهم .. وهل من الممكن يحصلوا على ما سواها؟ هَل يُجزَونَ إِلا ما كانُوا يَعْمَلُون.

الآية 148

اشارة

وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148)

مقدمة

تبدأ هذه الآية بشرح تفاصيل قصة عبادة بني إسرائيل للعجل، فبعد أن ذهب موسى إلى میقات ربه، وطالت غيبته عن الثلاثين ليلة حتى بلغت الأربعين، أصيب القوم بالشك، واستغل السامري هذا الضعف فيهم، فاحتال عليهم وخدعهم، بجمع ما بين أيديهم وممتلكاتهم من زينة وحلي، ليصنع تمثال عجل، يخرج من فمه صوت يشبه صوت العجل الحقيقي، ثم قال لهم: هذا إلهكم فاعبدوه.

النقاط المستفادة من هذه الآية:موسی، العجل، خوار، الکلام، الهدایۀ، الظلم، بنی إسرائیل، هارون

1- تطلق كلمة ( حلي) على كل زينة يستخدمها الإنسان، وهي مصنوعة من الذهب والفضة، أما العجل فهو صغير البقرة وصوته الخوار:

2- تذكر الآية حادثة عجيبة ومؤسفة في آن معاً، وهي أنه وفي غياب موسی عن بني إسرائيل بقصد بلوغ ميقاته مع الله، قاموا هم بخلق تمثال على شكل عجل، من زينتهم وحليهم.

3- تبلغ هذه القصة من الأهمية درجة كبيرة، حيث ذكرت في أكبر أربعة سور كبيرة: في سورة البقرة والأعراف وطه.

4- لا شك أن هذه الحادثة، كسائر الأحداث الاجتماعية الأخرى، لم تخلق من عدم بل كان لها مقدمات، لأن بني إسرائيل عاشوا لعقود متتالية تحت وطأة حكم الفراعنة، وهنالك تلقنوا عبادة العجل وتقديسه كما أنهم ولدى عبورهم البحر، شاهدوا قوماً بعبدون العجل،

فلفت ذلك انتباههم، وكما جاء في الآيات السابقة؛ طلبوا من موسی(عليه السلام) بالفعل أن يكون لهم أصنام يعبدونها، فأنّبهم موسى بشدة ولامهم على ذلك.

5- ينفي الله تعالى ألوهية ذلك التمثال المصنوع على شكل عجل من خلال تبيان أمرين:

الأول: أنه عجل بجسد ولا يتكلم.

الثاني: أن التمثال يفتقد القدرة على إرشاد القوم.

6- السبب في أن الآية ركزت فقط على هاتين الصفتين لدحض ادعاء الألوهية، دون ذكر سائر الأسباب رغم كثرتها، هو أن صفتي التكلم والإرشاد هما أهم وأوضح صفتين في إثبات الألوهية، فالمعبود الحقيقي يتوجب على أقل تقدير أن يكون قادراً على التكلم وعلى الهداية

والإرشاد.

فالله سبحانه الذي كان موسی(عليه السلام)يدعو إليه يمتلك هاتين الصفتين بجدارة؛ فهو:

أولاً: تكلم إلى موسی (عليه السلام).

وثانياً هدى الناس إلى الصراط المستقيم، وبالتالي فكان على القوم أن يدركوا بأن العجل لا يمتلك هاتين الصفتين فإذا هو ليس باله.

7 - رغم أن ظاهر الآية يوحي بأن كل قوم موسی(عليه السلام)شاركوا في هذا العمل، إلا أن الآية 159 من هذه السورة تقول وَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُون، وهذا يوضح بأن الآية الحالية لا تقصد كافة بني إسرائيل، بل أكثرهم، وهو مما سيتضح فيما يلي من آيات.

8- إن السبب الذي جعل السامري يصنع العجل من الذهب والفضة، هو لأنه كان يدرك بأن قوم إسرائيل قد عاشوا لعقود في فقر وحرمان من جهة، ولأنهم قوم تغلب على أكثرهم صفات الطمع والشجع وتقديس الماديات خاصة الحلي والذهب و.. لذا فقد صنع السامري العجل من الحلي؛ ليجذب إليه عيون بني إسرائيل وينال قبولهم.

9- كيف أصدر العجل الذهبي صوتاً؟

يعتقد المفسرون بأن السامري كان قد صنع العجل منذ البداية بطريقة تجعل الهواء يدخل فيه، ثم يخرج من فمه فيصد رصوت يشبه صوت الخوا را ويرى آخرون بأن العجل كان موضوعاً في مسيرتيا رهوائي بحيث تهب الريح في فمه فيصدر الصوت.

10-رغم أن السامري كان هو صاحب الفكرة ومنفذها، إلا أن الآيات قد ذكرت اسم القوم باعتبارهم المذنبين، وذلك لأن عدداً كبيراً منهم ساندوا السامري وأيدوه في عمله.

11- إن تمديد ميقات موسی(عليه السلام) عند الله زمنياً، قد أشاع بين بني إسرائيل خبر وفاة النبي موسی(عليه السلام)، وقد جاء في بعض التفاسير بأن المنافقين عملوا على نشر هذا الخبر بين القوم.

12- كيف يمكن لعقل الانسان أن يقبل بعبادة شيء صنعه بيديه؟ كيف له أن يخضع أمام جماد لا روح له؟ ولو افترضنا بأن الحلي تحولت إلى عجل، فهل من اللائق عبادة العجل؟! كيف والناس إن أرادوا أن ينعتوا أحداً بالغباء والسذاجة قاموا بتشبيهه بالعجل ؟!.. لكن لا شك أن جهل أغلب القوم قد سمح للسامري بأن يمشي بينهم بحيلته فتنطلي عليهم.

13- يتكلم القرآن لأمثال هؤلاء بلهجة اللوم ألا يرى هؤلاء بأن العجل لا يكلمهم؟ ولا يدلهم على شيء؟ .. لقد ظلموا أنفسهم بعبادتهم هذه.

14- سؤال: إذا كان قوم موسی(عليه السلام) فقراء بالفعل، فمن أين لهم بكل تلك الحلي والزينة ؟

وللإجابة نقول:جاء في الروايات بأن نساء بني إسرائيل كن قد أخذن بعضاً من حلي الفراعنة بعنوان عارية لارتدائها في عيد مهم من أعيادهم، لكن تصادف ذلک مع غرق قوم فرعون وهلاكهم، لذا بقيت الزينة والحلي بحوزة بني إسرائيل.

الآية 149

اشارة

وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (149)

النقاط المستفادة من هذه الآية:السقط، الأیدی، الضلال، الرحمۀ، الرحمۀ، الغفران، الخسران،

1- حين عاد موسی(عليه السلام) إلى قومه واتضحت الأمور له بشكل كامل، اكتشف بنو إسرائيل خطأهم، فندموا أشد الندم على ما ارتكبوا وصاروا يطلبون العفو والغفران قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين.

2- عبارۀ لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسرين كناية عن الندم الشديد، فعندما يكتشف الإنسان بأنه سلك الطريق الخاطئ، أو أنه حصد ما لا يبتغيه يشعر بندم شديد، ويرجو لو أنه لم يفعل، وتقول العرب في ذلك اصطلاحسُقِطَ في أَيْديهِم.

3- هنالك فئة من الناس لا تتراجع أو تندم على عمل ما لم تقع في الخطأ وما لم تذق مرارة الحسرة، فهل هنالك من خسارة أكبر من أن يدرك الإنسان بأنه ترك الله الواحد الأحد ولاذ إلى عجل؟

الآية 150

اشارة

وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150)

مقدمة

تعريف الغضب :في اللغة هو السخط والثوران، وفي الاصطلاح الأخلاقي هو هيجان الروح وانتفاضها نحو تحطيم أو غلب أوإزالة شيء ما.

ومنشأ الغضب القوة الغضبية، وهي المحرك والدافع نحو دفع ضرر محتمل كالدفاع عن النفس والمال والعرض والكرامة وكل ما يعتبره الإنسان ملكاً له.

مراتب الغضب :

1- مرتبة الإفراط وهو نوع مذموم وغير مسؤول، حيث يغلب على الإنسان حتى يتجاوز حدود العقل والشرع، ويتطاول على الموازين، فهذه حالة تخرج الإنسان عن سيطرته، ليفقد قدرته على التحكيم، ويبد و وكأن في باطنه لهيباً يستعر، مسيطراً عليه، وهذه المرتبة تحدث

بشكلين:

ألف: إما أنها تبقى داخلية في الباطن لأسباب عديدة، فلا تصل مرحلة الظهور.

ب: أو أن تتجاوز الباطن إلى الأعمال والأقوال، ويكون نتيجتها إجرام وذنوب، والكثير من التبعات الخطرة، وقد يكون من نتائجها شقاوة أبدية.

عن أمير المؤمنین(عليه السلام) ( وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَ أَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَني فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)(1).

2 -مرتبة التفريط :

هذه المرتبة لا يرتكب الإنسان الغضب المذموم فحسب بل ويفتقد إلى الغضب الممدوح والمحمود، فهو لا يغضب حيث يطلب العقل والشرع منه ذلك، يبدو غير مهتم؛ كالذي لا يبدي غضباً في مواجهة الكفار والمعاندين والعاصين والمستكبرين والفاسدين، ممن يهتكون حرم الله، فمثل هؤلاء لا يبدون اهتماماً للحرب بين الكفر والإيمان أوبين الصالح والطالح، ويغوصون في الرذائل الأخلاقية.

3- مرتبة اعتدال الغضب :

وتعني الغضب في المكان الذي يقتضي ذلك عقلاً وشرعاً، فهو يخلو من مجرد الثوران والسخط المذموم ، بل ويُعد من علامات الإيمان والإخلاص والعبودية.

قال تعالى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً سيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُود (2)

النقاط المستفادة من هذه الآية:موسی، غضبان، الأسف، العجل، الألواح، هارون، الضعیف، المستضعف، القتل، الدو، الظلم،بنی اسرائیل

1- حين جاء موسى إلى قومه غاضباً ومتألماً مما ارتكبوه، ورأى مشهد عبادة العجل، قال لهم بأنكم أسأتم في خلافتي وضيعتم شريعتي! وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِی.


1) جامع السعادات ج 1 ص 289

2) الفتح / 29

2- سؤال موسى لقوم أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُم يوضح بأنه(عليه السلام) كان يؤنبهم على تعجلهم بهذا الأمر، وعدم الصبر حتى إتمام أمر الله ، أي حتى نهاية الأربعين ليلة.

3- في مثل هذا الوضع كان يتوجب على موسی أن يظهر غضبه لقومه، وإلا لما كان ممكناً أبداً إعادتهم إلى سبيل الرشاد، وقد وصف القرآن مشهد غضب وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ برَأْس أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَیه.

4-لا شك بأن هذا الغضب المطلوب شرعاً وعقلاً هو غضب ممدوح، بل وهو صفة من صفات الإيمان، وعلامات التوحيد والصدق والإخلاص، ومن لوازم حب الله سبحانه، كغضب المعصومین(عليه السلام) في الحروب وفي وجه الظالمين والمفسدين، والواقع أن ردة فعل موسى هذه دليل على ما يجول في باطنه من حزن وعدم رضا عن حالة قومه تلك، ورفض لعبادة الأصنام، لذا فحالة الغضب التي اعترته(عليه السلام) لا تتعارض وعصمته، فهي ليست لأمر دنيوي أو مادي، وأما غضبه وتأسفه على أخيه هارون، كان من منطلق تأديبي لعدم تنفيذ أمر إرشادي، وليس ذلك لمخالفة أمر إلهي ينافي مقام العصمة التي يتمتع بها.

5- بديهي بأن الأخذ بالرأس يشير في الآية إلى شد الشعر، والمقصود أن موسی جذب شعر رأس أخيه، وفي الآية 94 من سورة طه إشارة إلى جذب شعر الرأس واللحية أيضا قالَ يَا بْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذُ بِلِحْيَتِى وَلا بِرَأسی.

6- لماذا لم يدع موسى أخاه هارون ، بلفظ أخي؛ بل قال يا بن أم؟

وللإجابة على ذلك لدينا احتمالين:

الاحتمال الأول: لأن الأم هي رمز الأرحام، فنحن لا نقول صلة الأصلاب، بل صلة الأرحام، والأصل أنه لولا المرأة لما كان هنالك من أرحام، كما أن الأم هي محور العطف والحنان ،والمحبة، لذا فإن هارون أراد من هذا النداء تحريك عواطف موسی(عليه السلام) وتوضيح أنه ليس بمذنب.

الاحتمال الثاني: أن موسی (عليه السلام)يذكر الأم باعتبارها جنة، فيقال بأنه كان محباً لأمه جداً، لأنها كانت تتميز عن سائر الأمهات بأنها وَأَوْحَيْنا إِلى أُمّ مُوسى ، فهي ذات مقام رفیع عند الله تعالى لما بذلته من صبر وجهد وجد في حفظ موسی(عليه السلام) ، وعليه فإن هارون أراد أن يحرك عاطفة أخيه موسى بذلك.

7- من اللافت أن موسی(عليه السلام)يدعو هارون دائماً بالأخإِنِّي لا أَمْلِكُكُ إِلا نَفْسي وَأَخیرَبِّ اغْفِرْ لِي وَلَأَخی وَأَخَذَ بِرَأْس أَخیۀ

8- يُفهم من عبارۀ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادوا يَقْتُلُونَني أنه أولاً: إن لم يكن هارون قد بذل جهداً لمنع بني إسرائيل عن عبادة العجل، لما قاموا هم باستضعافه، أي أنه لو بقي صامتاً لما قاموا هم بإيذائه، لذا فالآية تؤكد بأن هارون(عليه السلام) واجه القوم ومنعهم ولم يبق صامتاً أمام ذنبهم، حتى أنهم حاولوا قتلهوَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي .

ثانياً: هارون(عليه السلام) تنبه إلى ضرورة عدم إلقاء التفرقة بين القوم، فهو قد يكون السبب في انقسام القوم إلى مجموعتين واشتداد الصراع بينهما حتى أن ذلك قد يصل درجة إراقة الدماء، بشكل تقضي فيه إحدى المجموعتين على الأخرىإِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بني إسرائيل.

الآية 151

اشارة

قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151)

النقاط المستفادة من هذه الآية: المغفرۀ، الرحمۀ

1-حين هدأ غضب موسی(عليه السلام) توجه إلى الله سبحانه طالباً رحمتهقالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين.

2- إن طلب الغفران من الله سبحانه في هذه الآية؛ ليس لجهة أن موسی وهارون قد ارتكبا ذنباً ويريدان من الله أن يغفره ، وإنما هو نوع من الخضوع والخشوع بين يدي الله، وإظهار البراءة والنفور مما ارتكبه العاصون، كما أن في ذلك عبرة للآخرين، فإن كان مثل موسى وأخيه يستغفران الله وهما من المعصومين ولهم من المقام الرفيع عند الله ما لهم، فكيف يجب أن يكون حال من سواهما، ولعل استغفار موسی(عليه السلام) جاء أيضاً لأنه قام بترك الأولى، عندما غضب فألقى الألواح أرضاً وجذب أخاه بتلك الطريقة الحادة، وأما هارون فلعل ترك الأولى كان بأنه كان يتوجب أن يخرج من بين القوم، بعد أن ذكرهم ونبههم وأعلن بأن عملهم مأثوم ، فلم يقبلوا بل وشرعوا بإيذائه وصولاً إلى محاولة قتله، فكان الأولى أن يخرج من بينهم مع ملاحظة أن ترك الأولى لا يحتاج إلى استغفا رأ وطلب للتوبة.

3- لعل طلب الغفران الذي ذكره موسی(عليه السلام) كان لإعلان الندم على حالة الغضب التي اعترته أمام الناس، أو لعله نوع من التعويض على هارون(عليه السلام) وخطابه العاطفي بلفظابْنَ أمِّ.

4- واضح بأن رحمة الله قد شملت كل الممكنات واحتوتها، و رَحمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شیءٍثم في الآية 7 من سورة المؤمن رَبِّنا وسعت كُلِّ شَيْءٍ رَحمَةً وَعِلماَ، إلا أنه يتوجب إزالة موانع تلك الرحمة من النزول على العباد.

الآية 152

اشارة

إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152)

النقاط المستفادة من هذه الآية: العجل، بنی اسرائیل، الغضب، الذلۀ، الدنیا، الجزاء، الإفتراء

1- تؤكد الآية بأن الندم فحسب لن يغفر لعبدة العجل ذنبهم العظيم، بل أنهم سيلاقون غضب الله والهوان في الحياة الدنياإِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنیا

2- لعل المقصود من كلمة (غضب) عذاب الآخرة، والمقصود من (الذل) هو الانحطاط والتحقير في الحياة الدنيا، كما أن إدراج الكلمتين بصيغة النكرة هو للإشارة إلى عظمتهما وشدتهما.

3- رغم أنه تعالى لم يذكر تفاصيل ذلك الغضب والذل بشكل جلي، ولكن قد يكون المقصود هو ما سيأتي على بني إسرائيل من وقائع، أولها حرق العجل ونسفه في ماء البحر، ثم قتل السامري وأعوانه، والمقصود من الذلة هو القتل الجماعي والأسر.

4- يجب الالتفات إلى أن قانون الغضب والذلة ليس خاصاً ببني إسرائيل فحسب، بل هو سنة جارية في كل أمة مفترية وعاصيۀوَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِين .

الآية 154

اشارة

وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154)

النقاط المستفادة من هذه الآية: موسی، الغضب، الألواح، الهدایۀ، الرحمۀ، الرهبۀ

1- الرهبة هي بمعنى الخوف المترافق مع الاحتياط والاحتراز من الغضب، ومعنى الآية واضح وجلي حيث تقول: عندما هدأ غضب موسی

(عليه السلام) رفع الألواح عن الأرض، تلك الألواح التي فيها نسخة من الهداية والرحمة الإلهية.

2- لا شك أن الهداية المقصودة والرحمة الإلهية هنا هي خاصة بأولئك الذين شعروا بالمسؤولية ويخافون الله، فلا يستسلمون أمامهوَلَمَّا وَ فِي نُسْخَتِهَا هُدى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُون.

3- يصنف المؤمنون المهتدون إلى قسمين فهم إما أهل الرهبة والخوف والحياء من الله، ممن يخافون من العذاب الإلهي، أو أنهم أولئك المشتاقين إلى المناجاة مع الله والعبادة وهؤلاء يأملون بدخول الجنة والتنعم فيها.

4-يجب أن نعلم بأن أغلب الناس يعبدون الله بسبب الخوف والرهبة من العذاب الإلهي، والدليل أنه ورغم الفضائل الكثيرة المذكورة لصلاة الليل؛ إلا أن الأغلبية الساحقة لا تصليها، فهي ليست بالواجبة عليهم، لكنهم يحرصون على الاستيقاظ لأداء صلاة الصبح، فهي واجب وتركها حرام، إلا أن بين هؤلاء أقلية تعبد الله عبادة العاشقين، ومثل هؤلاء يعبدون الله رغبة وشوقاً، وليس طمعاً أو خوفاً، ورغم أنهم كذلك إلا أن ذلك لا يمنع من كونهم يشعرون بالخوف من العذاب الإلهي، وتراهم يرون أنفسهم دائماً في مقام المذنب هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُون

ولِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُون و هدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُون.

الآية 155

اشارة

وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155)

النقاط المستفادة من هذه الآية: موسی، سبعین،رجلا، المیقات، الرجفۀ، الهلاکۀ، السفاهه، الفتنۀ، الهدایۀ، الولایۀ، المغفره، الرحمۀ

1- في هذه الآية والآية التالية يتجدد ذكر قصة موسی(عليه السلام) في الميقات مع مجموعة من قومه، وأما الإجابة عن سؤال: هل أن موسی(عليه السلام) ذهب إلى الميقات عدة مرات؟ أو أنها مرة واحدة فحسب؟ وإن كان موت قومه في الميقات بسبب عبادتهم للعجل أو غير ذلك، هو مما لا يفيد في فهم الآية، لذا فلن نتطرق إليه.

2- القرآن ليس كتاب قصص وروايات، لذا فهو لا يذكر القصص بشكل متسلسل من بدايتها وحتى ختامها، فرغم أن اسم النبي موسی(عليه السلام)قد ورد أكثر من مائة مرة في القرآن، إلا أن كل تلك الموارد لم تكن حول قصته، بل كل قصة تحمل نقاطاً بارزة بمثابة مواعظ وعبر، وأما زمان حدوث كل منها أو مكانه، فهو بعلم الله سبحانه، والقرآن لا يولي مثل ذلك الأهمية.

3- كيف أمكن لأصحاب النبي موسی(عليه السلام) بعد كل ما شهدوه من معجزات، أن يطلبوا نه رؤية الله تعالى أو أن يسمعوا صوته، فمن رأى المعجزة ، فليس له بعد ذلك أن يختلق الذرائع والحجج للامتناع.

4- حین اصطحب موسى معه حوالي السبعين من قومه إلى ميقات الله طلبوا إليه أن يريهم الله، فما كان إلا أن حدثت زلزلة أخذتهم جميعاً، فأهلكوا ، ودهش موسی(عليه السلام) ، فسأل الله تعالى عما سيقوله لقومه وقد أخذ صفوتهم وقتلهم.

5- قال موسی (عليه السلام)لله تعالى: بأن طلب رؤية الله كان صادراً عن فئة قليلة من الجهلة ،فهل من العدل قتل الجميع بسببهاأَتُهْلِكُنا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ منّا.

6- نرى كيف يظهر موسی(عليه السلام) منتهى الذلة الذلة بين يدي الله وهو يطلب الغفران فيقول : إن هذا الأمر هو امتحان من قبل الله للعباد ليرى من يضل ومن يهتدي منهم إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاء.

7- جعل موسی(عليه السلام)حاجته في صيغة الدعاء بين صفتين ولاية الله وغفرانه، حيث اعتبرهما صفتين كافيتين فلم يصرح بحاجته الأصلية وهي إحياء مجموعة السبعين نفراً أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْلَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ.

8- من مجموع الآيات والروايات نرى بأن نهاية هذه الحادثة كانت بإحياء الهالكين من بني إسرائيل فيها، وعودتهم مع موسی(عليه السلام) ، حيث أطلعوا قومهم على ما رأوه.

الآية 156

اشارة

وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الدنیا، الحسنۀ، الآخرۀ، الهدایۀ، العذاب، الرحمۀ، الرحمۀ الواسعۀ، الکتابۀ، التقوی، الزکوۀ، الإیمان، الآیۀ

1- تتكلم هذه الآية عن الخير والشر، فما يصيب الناس من الله ليس إلا حصيلة أعمالهم وما ارتكبته أيديهم.

2- تعرض الآية دعاء موسی(عليه السلام)؛ الذي يطلب فيه أن ينعم الله عليه وعلى قومه بعاقبة أخروية شبيهة بنعمه الدنيوية، من خلاص وتحرير وآيات ومعجزات.

3- المقصود من الرجوع إلى الله هو أنه وكما أننا التمسنا فطرتنا الإنسانية، فاتبعنا الطريق الموصل إلى الله، بما شملنا من عناية وتوفيق، فأعنا وتلطف بنا في الآخرة أيضاً لنهتدي إلى طريقك.

4- لأنه لا يصدر عن الله سوى الرحمة، ولأن رحمته محيطة بكل شيء، والحرمان من هذه الرحمة هو العذاب العظيم، إلا أن هذا العذاب لا يصد ر إلا من جانب المذنبين أنفسهم، وليس من قبل الله تعالى، فمن يلتزم بأداء تعاليم دينه ويدفع بزكاة ماله وينفق في سبيل الله فهؤلاء هم المحسنين.

5- المتقين هم الذين يتجنبون المعاصي ولا يقصرون في أداء تكاليفهم الشرعية، والمقصود ب-(الزكاة) هو إما الحقوق المالية أو هو الإنفاق بالإجمال في سبيل الله تعالى، بما

يزيد في المال بركة، ويصلح المجتمع ويقطع الفساد، وأما المقصود من (الإيمان بالآيات) فهو الانصياع للآيات الإلهية والانقياد للمعجزات النبوية، أو التسليم للأحكام والشرائع السماوية.

6- في نهاية الآية، تنبيه إلى أن رحمة الله ومغفرته لها شروط وقيود، فيقول تعالى بأنه قريباً ما ستشمل رحمته من يقومون بأمور ثلاث: أن يكونوا من المتقين وأن يؤتوا الزكاة، وأن يؤمنوا بالآيات فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنا يُؤْمِنُون.

الآية 157

اشارة

الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الإتباع، الرسالۀ، الرسالۀ، الرسول، الأمی، التورات، الإنجیل، الأمر بالمعروف، النهی عن المنکر، الحلال، الحرام، الطیب، الخبیث، الغلّ، الإیمان، النصر، النور، الفلاح

1- في الواقع فإن هذه الآية تكمل الآية الماضية، حول صفات الذين تشملهم رحمة الله الواسعة، أي بعد ما ذُكر في الآية السابقة، حول صفات التقوى وإيتاء الزكاة والإيمان بالآيات، تشير هذه الآية إلى صفات أخرى لتوضيح السابقة، وهي اتباع النبي الأکرم(صلی الله علیه وآله وسلم)، وذلک، لأنه ليس هنالك فرق بين الإيمان بالله والإيمان بنبيه.

2- تبين الآية سبع صفات الرسول الله :

الصفة الأولى: من اتبعه تشمله الرحمۀ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُول

الصفة الثانية: هو نبي الله وكلمة (نبي) تطلق على من يحمل رسالة الله، وينزل الوحي عليه - حتى لو لم يكن مأموراً بالدعوة والتبليغ - أما

(الرسول) فهو يتمتع إضافة إلى كونه نبياً، بأنه مأمور بالدعوة والتبليغ وبالاستقامة في هذا المسير.

الصفة الثالثة: أنه نبي لم يتلق تعليماً، فهو من صميم الناس، من أرض مكة أم القرى.

الصفة الرابعة : جاءت علامات نبوته وحقانية رسالته في الكتب السماوية السابقة، من مثل التوراة والإنجيل الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيل﴾.

الصفة الخامسة : صاحب دعوة لا تتنافى مضامينها وأوامر العقل.يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْکَر.

الصفة السادسة: تتوافق دعوته والفطرة السليمة، فهو يُحل الطيبات وما يفيدهم، ويحرم عليهم ما يؤذيهم وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِث.

الصفة السابعة : هو لا يدعي النبوة كذباً، بهدف السيطرة على الناس واستعبادهم، بل على العكس يدعوهم إلى الحرية ويرفع عنهم أغلال الطغيانويَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِ.

3- ولأن هذه الصفات السبع واضحة وجلية وضوح الشمس، فإن من يتبع هذا النبي ويؤمن به، هو من المفلحين الفائزين حقافَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أنزلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون.

4- أل التعريف في (الرّسول) تشير إلى أن المقصود هو النبي محمد(صلی الله علیه وآله وسلم) ومن المعلوم أن مقام النبي أدنى من الرسول، فكل رسول هو نبي، لكن ليس كل نبي رسول مكلف بالتبليغ. كلمة (أميّ) مأخوذة من كلمة أم، وتطلق على من لا يعرف القراءة والكتابة، أي أنه كما ولدته أمه، والبعض قال بأن أمي تعني بأنه قادم من الأمة، أي من صميم القوم وليس من أشرافهم، والبعض الآخر أيضاً نسب ذلك إلى أنه من (أم القرى).

6- ذهب بعض المفسرين لكلمة (أميّ) إلى مسارات خاطئة، حيث فسروا ذل بأن المقصود أنه لا يعرف القراءة والكتابة، ولكن ذلك ما لا يتوافق ومفهوم الآية التي تذكر مزايا النبي وفضائله، فكيف تذكر بأنه لا يعرف القراءة والكتابة، بينما يعدّ ذلك نقصاً في الفرد، وبالنظر إلى ما جاء في الآية 48 من سورة العنكبوت وما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابِ وَلا تَخُطَّهُ

بِيَمِينِک وما نقلته النصوص التاريخية فإن النبي الأکرم(صلی الله علیه وآله وسلم) قد تعلم هاتين المهارتين بمعجزة إلهية، في عصر لم يكن فيه في مكة كلها سوى 17 رجلاً وامرأة قادرين على القراءة والكتابة.

الآية 158

اشارة

قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)

مقدمة:

روي في حديث عن الإمام الحسن المج- ، أنه دخل على رسول جمع من اليهود، وقالوا: أأنت محمد الذي يدعي بأنه كمثل مو نبي يوحى إليه ؟! فأطرق رسول قليلاً، ثم قال: نعم أنا سيد أبناء آدم ولا فخر، وأنا خاتم الأنبياء والأوصياء المتقين ورسول إلى العالمين، فسأله اليهود إلى من ؟ إلى العرب أو العجم ؟ فأنزل تعالى الآية أعلاه للتصريح

بأن رسا هي رسالة عالمية.

النقاط المستفادة من هذه الآية: الرسول، الرسالۀ، السماء، الأرض، الملک، الأمی، کلمۀ الله، الإتباع، الهدایۀ

1- إن هذه الآية كما سواها من الآيات في القرآن الكريم، تُعد دليلاً واضحاً على أن رسالة النبي الأكرم عالمية.

2- إن لأنبياء الله صفات مشتركة هي: الدعوة إلى التوحيد، التقوى، إنهاء الخلافات، محاربة الشرك والجهل والتقليد ينذرون ويبشرون، ويتميزون بالعصمة، وعرض البينات والكتاب والميزان ،والمعجزة واحترام المحرومين والمحتاجين, وهذه كانت من صفاتهم العملية، أما من الناحية المعنوية والكمالات الروحية، فبين الأنبياء أيضا صفات مشتركة، منها: التوحيد في الخشية والصدق والأمانة.

3- تؤكد الآيات الإلهية على أنه صحيح بأن الأنبياء يشتركون معاً من حيث اتصالهم بعالم الوحي، إلا أنهم يختلفون في الفضيلة والتفاضل، فبعضهم يتمتع بصفات خاصة لا يمتلكها الآخرون، ومثال ذلك الرسول الأعظم(صلی الله علیه وآله وسلم) الذي ليس هنالك أحد يشابهه في الفضائل

والصفات.

4 -أما عن صفات الرسول الأعظم الخاصة فيمكن الإشارة إلى أنه: خاتم الأنبياء، عبد مطلق الله، وليس كمثله أحد في كل العصور، هو أول المسلمين درجة ومقاماً، أنزل الله عليه من الهبات ما لم يهبه لأحد، ورود اسمه في الكتب السماوية السابقة نموذج الكمال المطلق الذي يتخذه الباقون قدوة.

عبارة ( قل يا أيها الناس) تشير إلى أن كل أفراد البشرية تحت ظل الله وعلمه وإحاطته بهم، لذا فإن الآيات الكريمة فيها صيغة المناداة بصيغة العمومية، وحتى في خطابة للنبي الأکرم(صلی الله علیه وآله وسلم)، ورغم ما يبدو عليه الخطاب من توجه لشخص النبي، إلا أن الخطاب في الواقع يتوجه إلى الناس أجمعين.

6- في هذه الآية إشارة إلى ثلاث صفات إلهية يدعوا النبی(صلی الله علیه وآله وسلم)إليها :

الصفة الأولى: الله الذي له حكم السماوات والأرضين.

الصفة الثانية: إله يستحق أن يُعبدلا إِلهَ إِلَّا هو

الصفة الثالثة: هو إله يهب الحياة للجميع ، وبيده نظام الحياة والموت.

7- في الختام؛ دعوة لجميع البشرية، للإيمان بالله ورسله ورسالاته فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّنِ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماته

8- جملۀ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون يبين أن الإيمان لا يكفي لوحده في الدعوة، بل يجب أن يترافق مع العمل والتطبيق، من خلال اتباع مثل هذا النبی(صلی الله علیه وآله وسلم)

الآية 159

اشارة

وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159)

النقاط المستفادة من هذه الكلمة: موسی، الهدایۀ، بنی اسرائیل، العدل، الحقّ

1- في هذه الآية يتجدد الحديث مرة أخرى عن بني إسرائيل وعاقبة الأحداث التاريخية التي جرت لهم، حيث تسلط الضوء على الفئة الشاكرة من الصالحين الأخيار، وإن هذا لإنصاف من القرآن الكريم أن يذكر عمل هذه الفئة المحمود إلى جانب ظلم سائر القوم.

2-واضح في هذه الآية بأن بني إسرائيل لم يكونوا جميعاً من الفاسدين الظالمين وأن منهم من اتبع النبي وصدق الله قولاً وعملاً، وبالتالي فلا يمكن تعميم صفة العصيان على جميع قوم بني إسرائيل، ففي مواجهة تلك الأكثرية الظالمة هنالك فئة مؤمنة وهادية إلى الحق ولو كانت أقلية.

3-قد تكون هذه الآية نزلت في حق تلك الفئة المؤمنة من بني إسرائيل التي وقفت في وجه السامري ولم تستسلم أمامه، بل وكانت على الدوام تساند نبي وتشد أزره، وقد يكون المقصود منهم هم الأنبياء والأئمة أو المجموعات الصالحة الأخرى التي ظهرت بين قوم بني إسرائيل، وهدت إلى الحق وحكمت به فالهداية في الواقع هي صفة من صفات الأئمة والأنبياء.

الآية 160

اشارة

وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160)

النقاط المستفادة من هذه الآية:الأسباط،موسی، الإستسقاء، السقی، عصا، الحجر، الشرب، الظلل، الغمام، المنّ، السلوی، الطیب، الرزق، الظلم

1- رغم أن كلمة (سبط ) تعني في اللغة العربية ابن الابنة أي الحفيد من الابنة، إلا أنها هنا تعني قوم بني إسرائيل، وأما كلمة (انبجاس) فتعني الانفجار، و(الأمة) هي الجماعة من الناس ممن لهم هدف ومقصد محدد.

2- تشير الآية إلى أربعة نعم أنعمها الله على بني إسرائيل وهي:

النعمة الأولى : تقسيمهم إلى 12 فريقاً لنظم أمرهم ومنع العنف والنزاع بينهموقَطَعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً.

النعمة الثانية: حين كان القوم يقطعون الصحراء الحارقة وحرها المهلك، اشتد عليهم العطش، فطلبوا من موسى الماء، فأوحى الله له بأن يضرب عصاه على الأرض، وإذا باثنتي عشرة عيناً تتفجر لكل مجموعة منهموَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُم.

النعمة الثالثة: في تلك الصحراء وشدة القيظ جعل الله لهم ظلالاً تغطيهم وتمنع عنهم الحر وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمام.

النعمة الرابعة : أنزل الله عليهم من المن والسلوى غذاء يتلذذون به ويستمتعون بطيب و أَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْون ثم أمرهم الله أن يأكلوا من الطعام الطاهر كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ ما رَزَقْناكُم.

3- لا شك أنه ولأن الله سبحانه غير محتاج لإيمان العباد ، لذا فظلم وعصيان قوم بني إسرائيل لا يضره سبحانه شيئاً، والمتضرر الوحيد من كل ذلك هم بني إسرائيل أنفسهم، فهم يخسرون سعادة الدنيا والآخرة.

الآية 161

اشارة

وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161)

مقدمة

استكمالاً للآيات السابقة؛ فإن هذه الآية والآية التالية لها تشير إلى مزيد من الهبات التي أنعم بها الله تعالى على بني إسرائيل ومستبديهم.

النقاط المستفادة من هذه الآية: السکنی، القریۀ، حطۀ، السجود، المغفرۀ، الخطیئۀ، الإحسان

1- كلمة قرية تشير إلى الأرض التي في بيت المقدس، والتي كان بنو إسرائيل مأمورون بدخولها بعد محاربة سكانها (العمالقة ) وفتحها .

2- تذكر الآية الكريمة دعوة الله لبني إسرائيل إذ قال لهم بأن يدخلوا بيت المقدس، فيأخذوا من نعم الأرض كما يشاؤونوَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شئتم، وأن يدخلوها في حال السجود وهم يطلبون غفران الله من ذنوبهم وأعمالهم السيئة.

3- ما معنى كلمة (حطة) في الآية؟

الحطة تعني النزول والهبوط من الأعلى إلى الأسفل والكلمة في الواقع كانت شعار بني إسرائيل لدى دخولهم بيت المقدس، أي أن يطلبوا حاجتهم (الحطة) ويسألوا الله أن يتنزل عليهم بغيث الغفران والرحمة، حتى تتساقط الذنوب عن كواهلهم.

4- كلف الله بني إسرائيل بأن يدخلوا بيت المقدس بقلوبهم وأرواحهم، حتى يبلغوا درجة التوبة الخالصة والحقيقية، ويغسلوا بذلك رجس آثامهم السابقة، مما ارتكبوه قبل دخولهم إلى بيت المقدس.

5- لا شك أن هذا الشعار هو كسائر الشعارات الأخرى التي يؤكد فيها على ألا تختصر على اللفظ واللسان فحسب، بل أن تتجاوزهما إلى أن تلتحم بكل ما في وجودهم من ذرات.

الآية 162

اشارة

فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (162)

النقاط المستفادة من هذه الآية: التبدیل، الظلم، الرسول، الرجز، السماء

1-لطالما كان هذا أسلوب بني إسرائيل في التحريف والانقلاب، بسبب ما في قلوبهم من كفر وفسوق، وكان ذلك السبب في نزول العذاب عليهم.

2- إن الآيتين الحالية والسابقة لها لهما ما يشابههما في سورة البقرة أيضاً ( الآية 58 و 59)، والفرق الوحيد بينهما هو أن الآيتان هنا تورد لفظ بما كانُوا يَظْلِمُون ، وأما في سورة البقرة فاللفظ بهذا الشكلبما كانُوا يَفْسِقُون إضافة إلى تعبير الإنزال، وفي الآيتين هنا في سورة الأعراف فجاء لفظ الإرسال، فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْرًا مِنَ السَّماء، وهو بمعنى الإنزال، فالإرسال من السماء يشبه الإنزال في المعنى.

3- قد يكون الاختلاف بين الآيۀبِما كانُوا يَظْلِمُون وبين الآية 59 من سورة البقرةبما كانُوا يَفْسِقُون؛ هو في أن الذنوب هي ذات وجهين الوجه الأول يتعلق بالله سبحانه، والوجه الثاني يتعلق بالإنسان والقرآن الكريم أشار في سورة البقرة إلى الوجه الأول وعبّر عنه بالفسق، الذي يعني الخروج عن طاعة الله وأمره، وأما في الآية محل البحث فهنالك إشارة إلى الوجه الثاني باستخدام لفظ الظلم.

4- كما تمت الإشارة إليه في سورة المائدة الآيات من 20) وحتى (26) فإن أغلب التعاليم الأخلاقية قد تم تغييرها ونسخها على أيديهم، ومن المؤكد أن هذا التغيير لم يكن على المستوى اللفظي فحسب، لأنه لو افترضنا ذلك، لما كان ذلك سبباً في نزول العذاب الإلهي

عليهم، لذا فالتغيير المقصود هو تغيير معنوي ومستهدف، وقد ذُكر باعتباره وسيلة سخرية ولهو، وهو تغيير بظلم وليس عن اجتهاد وفكرفَبَدَّلَ الَّذينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُم.

الآية 163

اشارة

وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163)

النقاط المستفادة من هذه الآية: القریۀ، البحر، السّبت، الحیتان، البلاء، الفتنۀ، الفسق

1- (شرع) هي بمعنى الظاهر والجلي والمقصود من (حاضرة البحر) أي على مقربة البحر وبشكل مشرف عليه، و(يعدون) هي من أصل التعدي أو تجاوز أوامر الله ونواهيه.

2- رغم أن ظاهر الآية يشير إلى أن الخطاب موجه للنبي ، إلا أنها تروي مشهداً آخر من الأحداث التي مرت ببني إسرائيل على ساحل البحر، وهو قرية تعتبر ميناءً باسم (أيله)، وفق ما جاء في النصوص التاريخية، والذي يدعى اليوم إيلات، فالآية تقول لرسول الله فليطلعك اليهود في زمانك عن قصة أولئك وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْر.

3- لقد شرّع الله تعالى لليهود قوانين خاصة حول يوم السبت، فجعله يوماً مقدساً لهم، ويتوجب عليهم فيه أن يتركوا أي عمل من أعمال كسب المال وغيره أوصيد السمك، لينشغلوا بدل ذلك بالعبادة والمناجاة، ولكن ما كان يجري أن الأسماك في هذا اليوم كانت تخرج إلى سطح الماء وتطفوا بشكل ظاهر، وفي ذلك امتحان لهم، فقد ساد الفسق والفجور بينهم، وعُرفوا بحرصهم الشديد على هذه الأعمال، وهذا الأمر الإلهي كان لكشف عصيانهم.

4- أن تأتي الأسماك بهذا الشكل أيام السبت فتطف و مكشوفة على وجه الماء، هو أمر غير طبيعي، وفيه جانب غير عادي، لأنه لون من ألوان الامتحان الإلهي،إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُون.

5- بدأ القوم في تلك القرية بمعصيتهم بتحريف الواقع والمواربة، وذلك بابتداع حيلة تبدو في الظاهر ،شرعية، فهم بدأوا أولاً بحفر أحواض صغيرة على الشاطئ، بحيث تعلق الأسماك فيها، وبذلك قاموا بتصغير الذنب لأنفسهم، إلا أن ذلك كان طريقهم نحو التعدي على ،أمر الله، فأخذوا يصطادون بالخفاء يوم السبت.

الآية 164

اشارة

وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الموعظۀ، الهلاک، العذاب، العذر، التقوی

1- انقسم بنو إسرائيل في قبالة هذا الأمر الإلهي إلى مجموعات ثلاث:

الأولى: وهي تشكل الأكثرية، التي خالفت الأمر الإلهي وقامت ضده.

الثانية: هي الأقلية كالعادة، ممن وقفوا في وجه المجموعة الأولى وأمروها بالمعروف ونهوها عن المنكر.

الثالثة: هي الحيادية الساكتة، التي لم تقف لا إلى جانب الأكثرية ولا الأقلية، ولا أعلنت موقفاً في دعم الأمر الإلهي.

2- يُفهم من هذه الآية أنه كان بين قوم إسرائيل جماعة مؤمنة، قد أرهقت لكثرة ما شهدت من فسق وفجور القوم، فكانت لا تكف عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا أن كل نصائحهم وإرشاداتهم لم تكن لتنفع في جلاء الظلمة عن القلوب العاصية، دون أن يصابوا بأي يأس من استكمال مسير الأمر بالمعروف رغم صعوبته.

3- جملۀ مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُم فيها إشارة إلى أن النهي عن المنكر يجب ألا يقال لنا، فنحن لسنا أهله، بل هو يشملكم أنتم أيضاً.

4-من الضروري الإيمان بأن تبيان الحقائق والواجبات الإلهية أمر واجب، حتى لو كان احتمال ألا يقع ذلك موقع التأثير، وخلاف ذلك يجعل البدع تأخذ مع مرور الزمان موقعاً محموداً وتتحول إلى مقدسات، ولذا وتجنباً من الوصول إلى مثل هذه المرحلة، يتوجب الوقوف في وجه السيئات جهراً على رؤوس الأشهاد، حتى لولم يقبل المذنبين بذلك.

الآية 165

اشارة

فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165)

النقاط المستفادة من هذه الآية: النسیان، الذکر، النجاۀ، النهی، السوء، الظلم، العذاب، الفسق

1- إن الله تعالى أنجى الذين كانوا ينهون عن السوء، فيما أنزل عذابه على القوم الذين كانوا يرفضون الموعظة بشتى السبل فمنهم من يلتف على التعاليم والشرائع، ومنهم من يستخف بأمر الله (كالذين احتالوا على أمر تجنب الصيد يوم السبت) ومنهم من يسكت عن الحق ويرضى بالباطل، أو منهم من يعترض على من ينهي عن السوء ويستنكر النصح.

2- جاء في الروايات بأن الذين كانوا ينهون عن المنكر استاؤوا لما رأوا من رفض القوم النصحهم، فاتفقوا على الخروج من المدينة، وعندما حل الليل خرجوا بالفعل، وكان أن نزل عذاب الله على الفئتين الباقيتين من المذنبين والساكتين عن الذنب، فيما أنجا الله الواعظين.

3- لاشك أن سبب نزول هذه الآية هو الفسق وعدم الاهتمام بأوامر الله تعالى، بشكل كان يجعلهم يتثاقلون من أداء أمر الله.

4- يمكن من خلال مزيد من التمعن في هذه الآية الالتفات إلى أن عدم منع الظالمين والسكوت عن ذنوبهم، أو عدم قطع التواصل معهم هو اشتراك في الذنب والظلم، وبذلك يستحق هؤلاء العذاب.

الآية 166

اشارة

فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166)

النقاط المستفادة من هذه الآية: القردۀ، العصیان، بنی اسرائیل

1- تشرح الآية أولا نوع العقاب الذي أنزله الله على المذنبين الظالمين والساكتين عنهم، وثانياً لفظ(عتو) الذي يعني زيادة المعصية والإثم ومضاعفتهما، وهذا يوضح أن هنالك فرق بين أن يرتكب أحدهم ذنباً، وبين أن يزداد ظلماً فيسرف فيه.

2-حين عصا بنو إسرائيل ما أمروا به واحتالوا عليه؛ مسخهم الله في هيئة قردة وضيعة ومطرودة.

3-من الجلي بأن أمر (كونوا) هو أمر تكويني هنا، أي أنهم انقلبوا إلى هيئة القرود فوراً، وكما جاء في الروايات فإن الذين يُمسخون إلى هيئة الحيوانات غالباً ما يموتون بعد حوالي 3 أيام تقريباً، بحيث لا يخرج منهم ذرية في الأرض.

الآية 167

اشارة

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167)

النقاط المستفادة من هذه الآية:الإذن، البعث، یوم القیامۀ، سوء العذاب، سریع العقاب، الغفران، الرحمۀ، بنی اسرائیل

1- تقول الآية الكريمة بأن الله قد أقسم بأن يرسل على قوم بني إسرائيل من يذيقهم العذاب إلى يوم القيامة.

2- وقد يكون المقصود من العذاب هو ما سيلحق بهم في هذه الدنيا، وكما تشهد كتب اليهود أنفسهم، فقد تسلط على اليهود لعدة سنين من السلاطين والملوك، فكان اليهود محاربين على الدوام، يُقتلون ويُشردون ، ويُسلبون ما لهم من أموال، وفي زمان ما بعد الميلاد وعروج عيسى المسيح، وقبل الاسلام انتصر طيطوس الرومي على اليهود، فقتل مليون إنسان منهم، وأسر سبعة آلاف، وأما من بعد الإسلام؛ فقد تحول اليهود إلى أكثر الفئات المجتمعية مدعاة للنفور والكره من جانب سائر الفئات الأخرى.

3- قد يكون من الممكن القول بأن جملۀ وإِذ تَأَذَّنَ رَبِّكَ لَيَبعَثَنَّ عَلَيْهِم إِلى يَومِ القِيامَةِ مَن يَسُومُهُم سُوءَ العَذاب هي إشارة إلى عذاب عالم البرزخ وملائكة العذاب فيه حتى يوم القيامة.

4- قد يتصور اليهود المذنبين من بني إسرائيل أنه وبعد مرور مدة طويلة من الزمن، سيصلون إلى يوم القيامة، ولكن وفق الآيۀإِنَّ رَبِّكَ لَسَرِيعُ العِقاب إشارة إلى أن ذلك اليوم سيكون سريعاً جداًيَرَوْنَهُ بَعِيداً وَ نَرَاهُ قَرِيباً(1).


1) المعارج 6و7

5- إن ذكر عذاب الله ومغفرته في آية واحدة فيه تأكيد على أن سرعة العقاب الإلهي، لا تتنافى وسعة رحمته وغفرانه للذنوب، وذكر التوبة هنا هو من باب إعطاء الأمل للمذنبين بإمكانية أن يشملهم غفرانه لو أنابوا بالفعل وتابوا.

الآية 168

اشارة

وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168)

النقاط المستفادة من هذه الآية: القطع، الأرض، الدمۀ، الصلاح، الفساد، البلاء، الفتنۀ، الحسنۀ، السیئۀ، الرجوع

1- تشير الآية إلى تقسيم الله قوم بني إسرائيل لمجموعات وفرق مختلفة، فكل مجموعة تقيم في مدينة أو بلد، كما أنهم متفاوتون في العقائد والأخلاق والأعمال والسلوك بين أمم متنوعة وَقَطَعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً.

2- جملۀ مِنْهُمُ الصّالِحُون توضح أنه كان بين بني إسرائيل الصالحون والمحسنون، ممن اتبعوا الأنبياء وآمنوا بدين الله، كما أنهم آمنوا بحقانية دين الإسلام، وبأنه طريقهم إلى السعادة، لكن في المقابل كان من بني إسرائيل المسيؤون العاصون من عبدة الدنيا الكافرين.

3 - أنعم الله تعالى على بني إسرائيل في فترات بالعز والجاه ليمتحن شكرهم له، وفي فترات أخرى بنزول النوائب والمصاعب ليوقظ فيهم مشاعر التوبة والاستغفار، ولعل المقصود من الحسنات هو النعم والألطاف الإلهية التي لا تعد ولا تحصى، من مثل سعة الأرزاق والثروات والأموال وطول العمر وسلامة الأجسام والتمتع بالأمن وغير ذلك الكثير، مما يُسخره الله للإنسان ليختبره، فإما أن يشكر أو أن يطغى، فإن هو شكر ازداد سعادة ونعمة، ولكن إن عصا واستكبر نزلت به النوائب لتسلبه ما كان فيه من نعم ورفاه وبلوناهُم بِالحَسَناتِ وَالسَّيِّئات .

4- يجب الالتفات هنا إلى أن امتحان الله بالنعم والمصائب لم يكن لليهود فحسب، بل أن الله سبحانه يختبر عباده جميعاً بألوان وأشكال عديدة؛ فإما بالعسر وإما باليسر وإما بصور أخرى يعلمها هو.

5- لقد اختبر الله جماعة من بني إسرائيل ممن لم يكونوا أهلاً للقيام بالأعمال الحسنة، وممن عصوا ،وطغوا بالنعم وبالمصائب الدنيوية، لعل ذلك يوقظ فيهم بصائرهم، ومن المؤكد أن كلمة لعلّ في لعَلَّهُم يَرْجِعُون ليست للتمني، فالله سبحانه عالم بخفاياهم ومستقبلهم وخبير بما يجول في خواطرهم، وعواقب أعمالهم، وإنما لفظ لعل هو بمعنى أن العباد إذا أرادوا للنعم أن تبقى بين أيديهم، فعليهم التوجه إلى الله في طلبها لكي ترتفع البلايا عنهم، وذلك بأن يتوبوا عن ارتكاب القبائح والمفسدات.

الآية 169

اشارة

فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (169)

النقاط المستفادة من الآية:الخلاف، الخلف، الإرث، الکتاب، المغفرۀ، الحق، الآخرۀ، التقوی، العقل

1- كلمة (عرض) تعني الشيء الزائل الذي لا يبقى ولا يدوم، واستخدامها هنا هو للإشارة إلى قبح ما يلهثون وراءه وحقارته.

2- تقول الآية بأن نسلاً جاء بعد الصالحين من بني إسرائيل، ولكنهم ورغم كونهم يحملون التوراة، إلا أنهم وبسبب عدم اعتنائهم بالمعارف والحلال والحرام، فقد هجروه وتجرؤوا على ارتكاب الذنوب مغترين بأنفسهم ومدعين بأنهم حزب الله وأبناؤه.

3 - لا يظن أحد بأن هؤلاء كانوا يمنون أنفسهم برحمة الله وتوبته، فالأمل برحمة الله ومغفرته يتطلب أولاً أن يكون الإنسان في حالة بين الخوف والرجاء مع الخشية من ارتكاب الذنوب والمعاصي ورجاء رحمة الله، وثانياً الأمل الصحيح والصادق هو بإظهار الندامة في الأفعال

والأعمال .

4-ورثة التوراة المفسدين لم يتجرؤوا فحسب على ارتكاب الذنوب، فغرقوا في ذنوب عظيمة من التعدي على حدود الله، بل وإن وجدوا بأن هنالك فوائد ومكاسب أخرى يمكن أن يحصلوا عليها بمزيد من التعدي فإنهم لم يكونوا ليمتنعوا عن ذلك أبداً.

5- رغم كل ما تعلموه من التوراة، ورغم علمهم بالآخرة وبأنها بيت المتقين، وأن ثواب الآخرة أبقى وأدوم، ويقينهم بأن المؤمنين في أمان يوم الدين لأنهم ثبتوا على سبيل الحق ولم يحيدوا عنه، إلا أنهم رغم ذلك سلكوا سبيل الظلم، وارتكبوا الذنوب والمعاصي.

الآية 170

اشارة

وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الصلوۀ، الکتاب، التوراۀ، الإنجیل، الصلاح، الإستماک

1- كلمة (استمساك) تعني التشبث والاعتصام واللجوء إلى شيء، ولا شك بأن التمسك بكتاب الله يهب المجتمع صلاحه وسعادته، فما يدعو إليه دين الله من تعاليم وأحكام هو ما يحفظ للناس صلاح أمرهم في الدنيا والآخرة.

2- الصلاة هي ركن الدين القويم، فبها يُحفظ ذكر الله ودينه، لأنها كما الروح في الجسد، تسري في كافة شرائع الدين، لذا فمن منطلق أن ذكر الله هو أساس وجذ ركافة الشرائع الدينية، بل وروحها، لذا فالتمسك بها بعد التمسك بكتاب الله هو لتبيان أهميتها وشرف مقامها أمام سائر فروع الدين الأخرى.

3- يجب التوجه إلى أن الدين الإلهي هو ذاته الأحكام والشرائع والسنن التي تحفظ للعباد ،مصالحهم، وبالتالي فالدين ليس مجموعة من الشرائع يقوم الإنسان ذاته بتحديدها وخطها لنفسه، والادعاء بأن صلاح البشر فيها.

4- إن الإيمان بالغيب والخضوع للقوانين التي تحكم الوجود والدين الحق المتمثل بالإسلام؛ هي من الأمور الكامنة في فطرة أي إنسان، ولا شك أن الإنسان يجب أن يتحرر من كافة القيود والخرافات والعلائق الزائفة التي قام هو بنفسه برسمها لنفسه، وما يعتري نفسه من ميول، من أجل التمتع بحياة أبدية سعيدة.

5- الإفساد في الأرض هو ضد كلمة الإصلاح فيها، ومن الواضح بأن ثواب المصلحين في يوم القيامة هو في مقابل ما يتمسكون به من أعمال يرضاها الله والتمسك بالقرآن الكريم وبإقامة الصلاة، وهذا يطابق الفطرة الإنسانية الصحيحة.

الآية 171

اشارة

وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الجبل، الظلال، الظن، التقوی، بنی اسرائیل، طور

1- هذه هي الآية الأخيرة التي تتناول قصة بني إسرائيل في هذه السورة، وهي تروي قصة معجزة اقتلاع جبل طور من مكانه وبقاءه معلقاً فوق رؤوس بني إسرائيل، وذلك لإخافتهم.

2- إضافة إلى أن هذه الآية فيها شرح لما مر من معجزات وبينات شهدها بنو إسرائيل، فهي أيضاً بمثابة تذكير لهم بوعدهم وميثاقهم مع الله، وبالأحكام والشرائع، لعل ذلك يوقظ فيهم التقوى.

3- إن رسالة موسی (عليه السلام)بأكملها ومعه سائر الأنبياء وما لاقوه من عذابات وأذى في سبيل نشر دعوتهم ، وعظيم الآلام والأحزان التي تكبدوها وتحملوا صعوباتها، هي كلها من أجل إجراء أمر الله وإرساء الحق والعدالة والطهر والتقوى، إذن فلتحفظوا ما بلغكم من تلك الرسالة لتبلغوا مرتبة التقوی وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون.

الآية 172

اشارة

وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172)

النقاط المستفادة من هذه الآية: ألست بربکم، بنی آدم، الذریۀ، الشهادۀ، القیامۀ، یوم القیامۀ، الغفلۀ

1- تشير الآية الشريفة إلى أن الهدف من ذلك الميثاق كان إلقاء الحجة عليهم وتجريدهم من أي حجج وكي لا يقول وبأن الغفلة أخذتهم أو أنهم لم يعلموا فنسيو ميثاق الفطرة واتبعوا ما جاء به آباؤهم.

2-كلمة (أخذ) تعني سحب شيء من الآخر، على أن كلاهما مستقل عن الآخر، وقد أضيف هنا قيا مِنْ ظُهُوره للإشارة إلى نوع من الانفصال، بحيث أن الابن أُخذ من ظهر أبيه فصار موجوداً مستقلاً عنه، ثم من الابن ابنه وهكذا... إلى أن ازداد النسل البشري وانتشر، وكل فرد مشرف ومسؤول عن نفسه.

3- مهما استولت الماديات على الإنسان، ومهما أخذته فغرته، إلا أنها لا تجعله ينكر بأنه ليس مالكاً لنفسه، وبأنه غير قادر على الاستقلال بها، لأنه لو كان كذلك لما كان مجبوراً قط على الاستسلام أمام العلل والأسباب الطبيعية، فالإنسان في الواقع محتاج إلى الله لأنه المالك والمدبر، وهذه الحاجة هي عين ذاته ولا تنفصل عنها، وقد أذعن كل البشر بهذه الشهادة واعترفوا الله بها.

4- لولم يأخذ الله هذا الميثاق من البشر مسبقا، لكان للعباد أن يأتوا يوم القيامة ليقولوا لم نكن نعلم أو أننا ما شهدنا وما أدركنا، وعليه فالغافل لا تكليف عليه، وبهذه الطريقة يخلصون أنفسهم من الحساب والعذاب.

الآية 173

اشارة

أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الشرک، الآباء، الذریۀ، الهلاکۀ، الباطل

1- إن أول برهان جاء في الآية السابقة لتأكيد أخذ الشهادة من كافة العباد وإذعانهم بربوبية الله هو أن الله جعل كل إنسان شهيداً على نفسه في شهادته.

2-وأما البرهان الثاني؛ فهو بأنه لو أن الله لم يأخذ من الناس ميثاقهم قبل الخلق، لما اعترفوا بالعبودية، ولقال المشركون يوم القيامة: لا ذنب لنا في كفرنا، فقد تبعنا آباءنا فحسب.

3- لو أن الله سبحانه أخذ الشهادة من الآباء فقط، لكان بإمكان الأبناء أن يقولوا بأننا لم نعلم بذلك ولم نحضر وعليه فالذنب يقع على آبائنا فحسب، وهكذا تكون حجتهم داحضة، ولا يمكن معها تعذيبهم.

الآية 174

اشارة

وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174)

النقاط المستفادة من هذه الآية:الآیۀ، التفصیل، الرجوع، التوبۀ

1- الفصل هو عكس الوصل، ويعني التفريق بين شيئين.

2- تشير الآية إلى حقيقة أن بيان الآيات الكريمة لم يكن أبداً بهدف سرد القصص ونقل التاريخ، بل أن ذلك كان لتوعية الناس وموعظتهم ونصحهم، أولاً ليدركوا مدى رحمة الله ولطفه ورأفته بأهل التقوى والإيمان من الصالحين، وعظمة الشدة التي ستلم بالعاصين المشركين من الكفار والفاسقين والظالمين وحجم البلوى التي ستحل بهم، وثانياً: لأن كشف الأمور وتوضيحها سيساعدهم في العثور على الطريق إلى الله ،ومعرفته، ومن ذلك معرفة الحق والباطل، وتجنب السقوط في هاوية الغفلة والضلال.

3- أرسل الله تعالى الأنبياء والرسل وأنزل الآيات الشريفة وجاء بالمعجزات لإنقاذ الناس من الوقوع في الغرور والتكبر الأعمى، وأهواء النفس الأمارة بالسوء، ولإيقاظهم وإنقاذهم.

الآية 175

اشارة

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175)

مقدمة

ورد في ما يخص هذا الشخص المذكور في الآية العديد من التفسيرات، حول هويته، وحول العصر الذي عاش فيه، وحول الآيات التي جاءته، وحول كيفية انسلاخ الآيات عنه، ولأننا لا نملك ما يثبت قول المفسرين، فإننا سنعمد إلى نقل ما جاء في أخبار أهل البيت الطاهرین (عليهم السلام)وإن لم نجد ما يبين لنا وجه الأمر جلياً فإننا نوكل علم ذلك إلى الله سبحانه، ونتكلم على وجه الاحتمال.

النقاط المستفادة من هذه الآية: الآیۀ، الشیطان، الغاوین

1- تبدأ الآية بلفظ وَاتْلُ عَلَيْهِم خطاباً لرسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) بأن يروي لأصحابه قصة الذي نزلت عليه آيات الله فتجرد منها وانقلب على عقبه متبعاً الشيطان ومقلداً إياه في الضلال.

2- النبأ يعني الخبر الهام في اللغة العربية.

3- كلمة( انسلاخ) تعني القلع، وتستخدم للإشارة إلى انفصال شيئين ملتحمين ببعض بقوة، وهنا تشير الكلمة إلى الانفصال عن العلوم الإلهية، حيث أنه لو تمسك بها لرفعته عالياً جداً، لكنه اختار الانفصال عنها، فهبط وسقط إلى الحضيض، أي أنه عبد دنياه ونفسه، ولم يكن أهلاً للعدو والارتقاء.

4- كلما فَأَتْبَعَه تبين أن هذا الشخص الذي تتحدث عنه الآية، كان قد بلغ مقاماً عالياً في سبيل الحق، لكن الشيطان استهواه وأضله فانحرف حتى سقط في عداد الأشقياء.

5- رغم أن القرآن الكريم لم يفصح عن اسم ذلك الشخص، إلا أنه أوضح ما هو عمله، وطبق ما جاء في الروايات عن الإمام الباقر(عليه السلام) بأن الآية تنطبق على كل إنسان يغلب هوى نفسه عليه فيظلم(1)، وقيل هو ( بلعم باعور الذي كان سابقاً أحد علماء بني إسرائيل المقدسين، وعايش فترة حياة موسی(عليه السلام) ، لكنه تحول فجأة إلى أسير لنفسه وهواه فهوى من أوج مقامه المعنوي إلى حضيض الشقاء والضلال.

6- الحق أن حب الدنيا وهوى النفس يهبط بالإنسان إلى القاع، ويحول دون ارتقائه وارتفاعه المعنوي، بل ويجرده مما لديه من معارف وعلوم، فيحرم نفسه من التمتع بما يليق به.

7 - أحياناً نجد بين الناس من يرتقي عالياً مراتب الدين والعلم والكمال، فيبلغ العلا، حتى يغد وإنساناً في أوج ،العرفان لكن أهواء نفسه تغلبه، فيميل نحو حب السيادة والرياسة، وكأن كل ذلك الكمال والعلم لم يكن له أثر فيه حتى تغلبه شقوته ويتبع الشيطان.


1) تفاسير نور الثقلين وكنز الدقائق/ المجلد 3 ص 220

الآية 176

اشارة

وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176)

النقاط المستفادة من هذه الآية:الخلود، الأرض، الکلب، الهلث، الکذب، القصه، الفکر

1- صحيح أن الآيات الإلهية هي وسيلة تساعد على ارتقاء الإنسان وتكامله، لكنها لا تصنع السعادة الواقعية، وذلك لأن أثر هذه الوسائل يرتبط بالله، وبطبيعة الحال فإن السعادة الإلهية لا يستحقها من أعرض عن آيات الله أو كذب بها.

2- إن من يأخذه ميله نحولذات الدنيا الفانية، فيتماهي فيها، ويتبع غرورها وزينتها، هو ولا شك إنسان ضالّ ولا يمكن له أن يهتدي قط.

3- ذ والطينة الخبيثة ؛ غارق في لذاته المادية، حتى لو شملته العنايات الإلهية والألطاف الرحمانية، لأنها لا تدخل قلبه وتبقى في حالة ظاهرية، لذا فالآية تقول للرسول الأکرم(صلی الله علیه وآله وسلم) بأنك قد تظن بأنهم قد سلكوا سبيل الحق، واهتدوا إلا أن حالهم حال الكلب، سواء تُرك لحاله، أو منع وزُجر، فإنه يستمر في نباحه على أي حال.

الآية 177

اشارة

سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الکذب، الآیۀ، الظلم

1- تبين هذه الآية والآية التالية لها، عاقبة ونتيجة ما يؤول إليه أمثال ( بلعم ) من العلماء الدنيويين، فتقول بأنه ليس هنالك من هو أسوأ حالاً من هؤلاء، فهم بحث مثال يضرب في تكذيب الآيات وإنكارها، وعاقبتهم المنحوس ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنا.

2- إن أعمال مثل هؤلاء لن تضر الله شيئاً، فعاقبتها لا تشمل إلا أصحابها، الذين يخسرون السعادة وطريقها إلى الأبد.

3 -أي ظلم أعلى من أن يُسلط الظالمون والطغاة على كنوز العلوم المعنوية التي من شأنها لو استخدمت في صراطها المستقيم أن ترتقي بصاحبها وتعلو بشأنه عالياً جداً.

الآية 178

اشارة

مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (178)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الهدایۀ، الضلال، الخسران

1- رغم أن الله سبحانه يرسل بأنبيائه ورسله ومعاجزه وآياته وبشتى أساليب التهديد والوعيد والتبشير وذكر الجنة والنار، ليهدي الناس جميعاً، بمن فيهم المؤمن والكافر على حد سواء، إلا أن الهداية ونيل رضا الله أمر يستلزم إخلاص المؤمن في إيمانه، لبلوغ مأموله في السعادة الأبدية.

2- إن من يتعمد مخالفة الأنبياء والمرسلين، وسلوك السبيل المعاكس لهم، بل والجهر بالعصيان والطغيان يسلبهم الله توفيق الهداية والإنابة، فيحرمون أنفسهم بأنفسهم نعمة الهداية ولذتها.

3- إن الهداية أو الضلالة من قبل الله ليستا بالأمر المصادف أو الفوضوي والعفوي، لابل أن أعمال الإنسان هي التي تضعه على الصراط المستقيم ، وهي التي تبعده عنها، فالنجاة من شراك الشياطين أمر يحتاج هداية وتوفيق الله سبحانهمَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدى.

4- لا شك أن الخاسر الوحيد في هذه الدنيا هو الذي يرمي بنفسه إلى التهلكة، بيديه وبأعماله، ولا يستثمر ما يُقدم له لمواجهة الشيطان والصمود في وجه وساوسوَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُون.

5- يجب أن نعلم بأن الهداية الواقعية تتحقق آثارها عندما يقدر لها الله ذلك، وإلا فمجرد الوصول إلى أمر ما لا يعني الحصول عليه، والإنسان لا يمكن أن ينال الهداية إلا بالتكامل والاستقامة.

الآية 179

اشارة

وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)

النقاط المستفادة من هذه الآية:جهنم، الجن، الإنس، القلب، الفقاهه، العین، البصر، الأذن، السمع، الأنعام، الغفلۀ

1- قسمت الآية السابقة الناس إلى فئتين؛ الضالين والمهتدين فريق يدخل الجنة وفريق النار، وتذكر هذه الآية فريق النار، ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْس

2- كلمة (ذرأنا) من ذرأ تعني خلق وأوجد، وفي هذه الآية إشارة إلى أن جهنم أوجدت بسبب الكثير من الجن والإنس ، وهو تعريف لا تضاد فيه مع ما ذكر في موضع آخر من أن نتيجة خلق الإنسان هو الرحمة أي الجنة إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبِّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُم لأن النتيجة تتعلق بنوع العمل وهدفه.

3- اللام في بدايرلجَهَنَّم هي لام العاقبة وليست لام الغاية والنتيجة، ولام العاقبة عادة ما ترد في نصوص الشعر والأدب، وفي القرآن نماذج عديدة لورودها، وهي تعني أن الله خلق الإنسان من أجل الجنة، ثم عرفه إلى الحق والباطل وأراه السبيل إلى الجنة والنار، ومنحهم حرية الاختيار، بعد أن كشف لهم بالأدلة والبراهين ما ينتظرهم في كلا السبيلين؛ فمنهم من اختار سبيل الفلاح عن معرفة وتعقل ومنهم من اختار طريقه نحو الهاوية، فكانت داره في الآخرة دماراً.

4-سؤال: هل المقصود من الآية أن الله خلق هذه الفئة لتدخل النار؟ في حين أنه سبحانه يقول في موضع آخروَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون، إضافة إلى أن الآية أعلاه توحي

بالجبرية في الخلق، وكأن الذي يدخل النار لم يكن له خيار غير ذلك، وهذا ما ذهب إليه أصحاب مذهب (فخر الرازي) لإثبات الجبرية.

الإجابة: يجب أن نعلم بأن الإجابة عن مثل هذا السؤال كامنة في الآية ذاتها، إضافة إلى أنه لورتبنا الآيات القرآنية في هذا الشأن إلى جانب بعضها بعضاً، لأمكن الوصول إلى معنى أكثر عمقاً وواقعية، فالقول بأن الله خلق قوماً ليدخلوا الناريعني بأنه اتخذ من البداية حكماً ظالماً في حقهم والعياذ بالله، وهذا بعيد كل البعد عن صفاته سبحانه هذا أولاً، وأما ثانياً فهذا المعنى السطحي والظاهري للآية يتعارض تماماً مع ما تصرح به الآيات الأخرى حول هدف الخلق في العبودية والتكامل.

5- إن هدف الله تعالى من خلق الإنسان، هو إيجاد مخلوق متكامل، قادر على الارتقاء من خلال العبودية، إلا أن وجود اختلافات القدرات في الحياة الدنيوية يؤثر في ردود البشر، بحيث لا يتلقون نداءات الهداية بشكل يوجههم نحو النجاة، ويشبه ذلك أمر النجار الذي يريد استخدام ما بين يديه من خشب لصنع أثاث راق، لكنه عندما يرى بأن قطع الخشب معوجة وهشة، يقوم بحرقها أو استبدالها بأخرى حسنة وقوية، وكذا فهدف الله الأول من الخلق كان بأن تشمل رحمته كل من خلق، لكن حين يقع خلقه في الخسران والشقاء، لا يكون لهم سوى الحرق كما هو حال أخشاب النجار المعوجة.

6- رغم ما ذهبت إليه بعض التفاسير من أمثال (تفسير المنار) من أن السبب في تقديم ذكر الجن على الإنس، هو لأن أكثر الجن لها قلوب لا تفقه وعيون لا ترى وآذان لا تسمع، وهذا السبب في أن عددها أكبر في العذاب، أو لأن الجن مخلوقة من النار، وأنها أكثر عدداً من البشر، فمثلا في الآية 27 من سورة الحجر يقول تعالىوَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُون أو أن السبب يعود إلى أن القرآن الكريم حيث يدعو إلى التحدي العقلاني والتفكرأ والفصاحة والبلاغة؛ يُقدم الإنس على الجن، كما في الآية 88 من سورة الإسراء لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهیرا بينما يتم

تقديم الجن على الإنس في مواضع أخرى تتعلق بالخلقة بشكل عام، حيث ولأن الجن خُلق قبل الإنسان وفق النظام الخارجي، فيأتي ذكرها أولاً.

تسليم

7 سؤال: ما المقصود من لفظ قلب في هذه الآية؟

في الإجابة نقول؛ لا شك أن اللفظ لا يقصد القلب الصنوبري الموجود في الجانب الأيسر من صدر الإنسان، والذي يقوم بأعمال ضخ الدم إلى أنحاء جسده، سواء المؤمن أو الكافر، أو حتى في جسد الحيوان، بل هو القلب الوارد في آيات أخرى من مثيل إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ * إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَليم وفی قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَي ذلك الجزء اللطيف من وجود الإنسان، فنحن إن أردنا أن نمدح أحدهم قلنا، هو ذ وقلب سليم، وأما كلمة قلب، فقد أطلقت للدلالة على حالة الانقلاب التي لطالما سيطرت على الإنسان وغيرت حالاته.

8- لفظ (انعام) يشير إلى الدواب التي تمشي على أربع كالفرس والبقر والخراف والإبل، وقد أطلق هذا الاسم عليها لأنها تحط بحوافرها بنعومة على الأرض وهي تمشي، خلافاً للحيوانات المتوحشة الأخرى التي تدعى سباع، أما تشبيه الناس بالأنعام فهو لجهة أن أغلب ذنوب الإنسان تصدر عن بطونهم وغرائزهم، لذا فهم يشبهون الأنعام لذلك، كما في الآية 12 من سورة محمد وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأَنْعام، فالأنعام لا يشغلها سوى النوم والأكل والتكاثر، وكذا هذه الفئة المذكورة في الآية القرآنية.

9- عبارۀ كَالأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضلّ تبين أن الإنسان قد ينحط إلى درجة يفوق فيها الأنعام سفاهة وجهلاً، ورغم أن الله منحه من القدرات ما يبلغ به العلياء مقاماً، إلا أنه يهوي إلى مستوى أدنى من الحيوانات، لأنه يجحد بنعم الله عليه، فنحن إن وهبنا المهندس سلماً، استثمره فصعد به إلى السقف ،وأناره، أما إن قدمنا السلّم لسفيه نزل به إلى قعر بئر ما، فأي الاثنين يستحق ذلك السلّم؟

10- سؤال: كيف يمكن لهؤلاء أن يهوي إلى مستوى أدنى من الحيوانات؟

الإجابة : رغم أن الحيوان لا يملك عقلاً إلا أنه يتصرف بالمستوى المطلوب والمتوقع منه،فيطيع صاحبه ويتبعه، ولا يعصيه مطلقاً، لكن الإنسان ورغم امتلاكه لكنز العقل، إلا أنه يعصي ويخالف، بل ويرمي نفسه في التهلكة والمعاصي !

الآية 180

اشارة

وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الأسماء الحسنی، الدعاء، الإلحاد، الجزاء، العمل

1- تشير هذه الآية إلى وضع أهل الجنة وصفاتهم، كما تدعو أهل الناس إلى أسماء الله الحسنى، طالبة منها أن يطلبوا الله بها، أي بالأسماء الحسنى ووَاللَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنِي فَادْعُوهُ بها

2- كلمة (اسم) إما هي اسم يطلب به الإنسان شيئاً ويتوجه إليه، إضافة إلى أن له معنى وصفياً كلفظ (الله)، الذي يشير إلى صفة الخلق فيه تعالى. 3- الألف واللام في أول كلمة (أسماء) تفيد معنى العمومية، وتشير إلى أن كل اسم حسن ه و لله سبحانه، ولا شريك له فيها، كما أن اللام في (الله) هي لام التخصيص؛ أي أن الأسماء الله وحده.

4- يبد و من ظاهر الآيات وصريحها ما يؤيد هذا المعنى في أن الأسماء الحسنى هي فقط لله كما الآية أَنّ القُوَّةَ لله جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ العَذَابِ فَإِنَّ العِزَّةَ اللهِ جَمِیعوولا يحيطون بشيءٍ مِنْ عِلْمِهِ الّا بِمَا شاءَ وَسِعَ كرسيه السّماواتِ والارض ، ومنها يستدل بأن كل اسم من الأسماء هو الله وحده، ولا يمكن لأحد أ و لمخلوق أن يرافقه فيه.

5-المقصود من مناداة الله بالأسماء الحسنى، ليس مجرد اللفظ اللساني، بل هو باستشعار تلك الصفات في ذات الإنسان وسعيه إلى تطبيقها في ذاته، فيتصف بها ويمتثل لها.

6- إن أولئك الذين حرّفوا أسماء الله كالمسيحيين المعتقدين بالتثليث يصفون الله بما ليس له، ويجعلون الصفات التي هي في الأصل الله من صفات البشر، فهؤلاء قريباً ما سيتلقون عذابهم الدنيوية قبل الأخروي وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون.

الآية 181

اشارة

وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181)

النقاط المستفادة من هذه الآية:الأمۀ، الهدایۀ، العدل

1- بالنظر إلى ما ورد في عدد من الآيات السابقة حول أن كثيراً من الجن والإنس المضللين سيدخلون جهنم فإن هذه الآية تشير إلى تلك الفئة المؤمنة التابعة للأنبياء ودينهم في عبادة الله الواحد.

2-لا شك بأن المقصود من المهتدين هم الأنبياء والأوصياء، فهم المهتدون بهدى الله، وهم من يدعو الله بأسمائه الحسنى فالله هداهم إلى الحق وهو يحميهم من الضلال ويعصمهم منها، فهؤلاء هم المهتدون الذين يحكمون بالعدل وبالحق.

3 - يُفهم من هاتين الآيتين أنه وخلال سنين طويلة كان الضالون هم الأكثرية الساحقة، من أنصار الباطل وأتباعه العاصين الذين كذبوا الأنبياء، بينما المؤمنون قلة قليلة، يستضعفهم الطغاة ويحيطونهم بأنواع الظلم والتعذيب، لكنهم مع ذلك يستقيمون ويصمدون، فيبلغون بذلك المراتب العليا من الكمال .

الآية 182

اشارة

وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الکذب، الآیۀ، الإستدراج، الخدعۀ، العذاب

1- تشير الآية موضع البحث والآية التالية لها إلى نوع من العذاب الإلهي؛ الذي يبتلي به الكثير من الآثمين، وهو (عذاب الاستدراج).

2 - كلمة (استدراج) تشير إلى الخداع والاقتراب التدريجي، وفيه يكمن معنى من عنصر مفاجئة المذنبين بعاقبتهم.

3- يرى أهل اللغة(1)(2)بأن كلمة الاستدراج تأتي من أصل درجة، وبالتالي هي ذات معنيين في الآية، أولاً بمعنى التدريج، كالإنسان الذي يصعد سلماً أو ينزل منه، كما أن العمل الذي يتم على مراحل يقال عنه استدراج، أما المعنى الثاني فهو الطي؛ كما يتم طي الرسالة أو المخطوطة.

4- إن المقصود من الاستدراج في الاصطلاح الديني هو أن الله لا ينزل عذابه على مذنبين العاصين دفعة واحدة، بل يفتح عليهم أبواب نعمه، ويحيطهم بأنواع اللذات الدنيوية، وهذا إما أن يوقظهم من غفلتهم ويحرك فيهم التأمل والتفكر أو أن يزيدهم عمى وغروراً، وبذلك

تتضاعف عقوبتهم.

5- ورد الاستدراج في موضعين اثنين من القرآن الكريم، أحدهما في هذه الآية، والآخر في الآية 44 من سورة القلم، وكلا الآيتين تناولتا المنكرين لآيات الله والمكذبين بها، وما يقابل ذلك


1) ابن منظور، محمد بن مکرم لسان العرب، ج 2، ص 269

2) راغب الأصفهاني حسين بن محمد ؛ المفردات في غريب القرآن، ص 167

من كيد الله والإمهال والاستهزاء وإطالة فرصتهم في الحياة و... كنوع من الاستدراج لهم، وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُون.

6- صحيح أن الاستدراج هو في اللغة بمعنى الدرجة وراء الدرجة نحو الأعلى أو الأسفل، إلا أنها بلسان القرآن تعني الدنو التدريجي من الهلاك.

7- لا شك أن المذنبين لا يمكنهم إدراك أن سبب موتهم وقرب هلاكهم هو ذنوبهم، فيفرطون ويسرفون في لذاتهم وعبادة دنياهم.

8- قد يكون الاستدراج في تجديد النعم وتعاقبها، بما يُغرق المذنب ويجعله أسير الدنيا وملذاتها، حتى يغفل عن ذكر ربه، بما يفقده سكينته واطمئنانه، فيشرع بالبحث عن مصدر وهمي لتأمين السكينة لنفسه، لكنه لا يجدها، فيغوص في مزيد من الملذات الكاذبة، ويزيد بذلك عذابه أضعافاً، باحثاً عما حرم نفسه منه أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنَّ الْقُلُوب (1)


1) الرعد/ 28

الآية 183

اشارة

وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183)

النقاط المستفادة من هذه الآية: المهلکۀ، الکید

1- يقول تعالى في هذه الآية: بأن لا عجلة له في تعذيب المذنبين، فهو يمهلهم ويمنحهم الفرصة تلو الأخرى، علّهم يستيقظون من غفلتهم أو يتنبهون، وهذا التأخير ليس لجهة طهارتهم ومكانتهم، أو لضعف في القدرة الإلهية والعياذ بالله، ولا النعم الذي يستلذون بها هي دليل على فوزهم وفلاحهم، فكم من لذة جاء عقبها عذاب وألم، والمهلة الإلهية الممنوحة لهم لا بد لها أن تنتهي مهما طال الزمن وأملى لَهم

2- إن خطاب الله في هذه الآية صاد ر بلسان المتكلم، سواء في الإشارة إلى الإمهال أو في حرمان المذنبين من رحمته ليعلم المذنبون بأن سياسة الإملاء والامهال صادرة عنه سبحانه، فإما أن يعودوا وينيبوا، أو أن يزدادوا طغياناً ويستحقوا العذاب.

3-إن المتعجلين والمسرعين هم الذين لا يمتلكون القوة الكافية، وبالتالي يخافون من تغير الأحوال وانقلاب الأمور بما يضعفهم عن استخدام قوتهم، لذا تراهم يسرعون في استخدامها عند أول فرصة خشية ألا تسنح لهم مرة أخرى، لكن الله سبحانه له القوة المطلقة متى شاء، لذا فيمهل لأن الأمور بيده إِنَّ كَيدى متين.

4- عن الصادق (عليه السلام) في تفسير الآية أعلاه أنه قال بأنها تشير إلى العبد الذي يذنب فيحيطه الله بالنعم، فيظن بأنه أهل لها ويغفل عن الاستغفار.

الآية 184

اشارة

وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75)

شأن نزول الآية الكريمة:

تمت الإشارة إلى ذلك بشكلين:

الأول: عن المفسرين المسلمين أن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) حين كان في مكة المكرمة، خرج إلى جبل الصفا ليلاً ودعا الناس إلى عبادة الله الواحد، وخص منهم قريش، محذراً إياهم من عقاب حتى مضى معظم الليل وقال المشركون جنّ صاحبنا يصرخ من الليل إلى الصبح!... فنزلت الآية المباركة.

الثاني: قيل بأن رسول (صلی الله علیه وآله وسلم)وقف على جبل الصفا، مكلّماً قبائل العرب وداعياً إياهم إلى عبادة الله، فقال بعض منهم بأنه جُنّ، وذلك لأنه لم يسبق لأحد أن تكلم بتلك الطريقة أو تجرأ على رفض الأصنام، لذا اعتبروه منحرفاً ومجنوناً، خاصة حديثه عن القيامة والبعث،وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزَقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * افترى على الله كذباً أَمْ بِهِ جُنۀ(1).

النقاط المستفادة من هذه الآية: الکفر، الجنۀ، المجنون، الإنذار

1 - الاستفهام في هذه الآية استفهام انكاري، بهدف الشهادة والتصديق على ادعاء بالنبوة، وسؤال الكفار بنبرة توبيخ وتأنيب على ما نسبوه للنبی

(صلی الله علیه وآله وسلم).رغم علمهم بصفاته وذاته، أفلم يكن الصادق الأمين بينكم؟


1) سبأ (7-8)

2- لقد أقام رسول الله بين قومه لأكثر من أربعين عاماً، وهم يشهدون رجاحة عقله وسمو فكره في مناسبات ومواقع عدة، فكيف لهم أن ينسبوا له ما نسبوه من جنون وغيره، وليس ذنبه إلا أنه كان ينذرهم من العقاب والعذاب إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِين.

الآية 185

اشارة

أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185)

النقاط المستفادة من هذه الآية: ملکوت السماوات، السما، الأرض، الخلق، الدجل، الإیمان

هذه الآية تأنيب جديد لأولئك المعارضين والمخالفين للرسالة المحمدية، فتقول ألم ينظروا في الخلق من حولهم ليتفكروا فيه، ويوقنوا بأن دعوة

هي دعوة الحق محمد(صلی الله علیه وآله وسلم)، وبأنه ليس لأي من المخلوقات أن تستقل في وجودها وتستغني عن الله.

2- الملكوت هو الوجه الباطني لكافة الأشياء لجانب وجهتها إلى الله، والنظر في الملكوت يستلزم يقيناً وإيماناً قلبياً.

3- تعيد هذه الآية دعوة الكفار إلى التأمل والتفكر في الخلق، وذلك بمشاهدة الخلق، في السماوات والأرضينأوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ.

4- لاشك أن التأمل في الخلق لن يسوق الإنسان إلا إلى إدراك أن كل هذه العظمة لا يمكن أن توجد بالصدفة أو من لا شيء، وهذا يجعل عقله وقلبه يتراجعان عن العناد الأعمى لتنيرهما البصيرة بالحق، وتلك دعوة الرسول الأکرم(صلی الله علیه وآله وسلم).

5- في ختام الآية يقول تعالى كيف لا يتفكر هؤلاء بأنهم إن لم يؤمنوا اليوم بما جائهم من الحق، فقد يحل موعد موتهم، ويدنو أجلهم، عندها بماذا سيؤمنون ؟وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ اَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَديث بَعْدَهُ يُؤْمِنُون.

الآية 186

اشارة

مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (186)

النقاط المستفادة من هذه الآية:الإضلال، الهدایۀ، الطغیان

1- تتمم هذه الآية سابقتها، فتبين سبب يأسهم من الإيمان، وتوضح عاقبتهم كالتالي: أن كل من يضل بما قدمته يداه من أعمال سيئة، لن يكون له من يهديه أبدا مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُون.

2- من الواضح أن مثل هذه التعابير خاصة لفرقة محددة تتصف بدرجة كبيرة من التكبر والتعصب والعناد، وكأن هنالك حجاب يغشى عيونهم وآذانهم وقلوبهم، ويُرخي عليها بالظلمات.

3- توصي الآية رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) بأن من لا يؤمن بالله قرآنه وآياته وبراهينه وحججه، فهو لن يهتدي بعد ذلك، لأنه ليس هنالك من هداية أعلى من هدى القرآن وهدى الله.

الآية 187

اشارة

يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (187)

شأن النزول:

قامت قريش بتجنيد عدد من الرجال للسفر إلى نجران، ليطرحوا عدداً من الأسئلة المعقدة على علماء يهود تلك المنطقة (إضافة إلى النصارى)، ويحصلوا على الإجابة، ثم يعودوا إلى مكة فيطرحوها على النبي محمد(صلی الله علیه وآله وسلم) ويحرجونه بظنهم، ومن أسئلتهم تلك أنهم قالوا: متى تقوم الساعة ؟ فنزلت الآية الكريمة رداً عليهم.

النقاط المستفادة من هذه الآية: الساعۀ، السؤال، العلم، السماء، الأرض، البغتۀ، علم الله

1- الساعة تعني الوقت الذي يبعث الله فيه الكائنات، وعبارة (أيان مرساها) تعني متى ستقع وتحدث ؟

2- رغم أن لهذه الآية شأن نزول خاص، إلا أنها في ذات الوقت ترتبط بالآيات السابقة، فالآيات السابقة تناولت موضوع يوم القيامة وضرورة الاستعداد لذلك اليوم، ومن الطبيعي أن يثير ذلك بين الناس سؤالاً حول ساعة القيامة، فيقولوا: متى تكون الساعةيَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسيها

3- يخاطب الله تعالى نبيه بالقول: أن الله سبحانه هو العالم الوحيد العالم بالساعة التي النشور.

سيقوم فيه يوم الدين؛ فهو أمر غيبي ومن الأحكام التي لا يعرفها سوى الله، ولأن يوم يستوجب فناء الوجود أولاً، فهذا ليس إلا لله القدرة على تحقيقه وعلمه.

4- جملة (ثقلت في السموات والأرض توضح بأنه ولأن قيام الساعة أمر شديد التعقيد لذا فإن العلم بها يتمتع بذات الوقع الثقيل، وذلك لسببين:

السبب الأول : ليس هنالك من حادثة دنيوية أعظم من يوم القيامة وأحداثه، والحال أن كافة الأجرام السماوية تهوي يومئذ، وتخمد الشمس وينطفئ القمر، ثم تتلاشى النجوم، فينشأ عالم جديد مختلف تمام ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالأرْض.

السبب الثاني: أن القيامة تحدث بشكل انقلابي وغير تدريجيلا تَأْتيكُمْ إِلا بَغْتۀ.

5- قدم المفسرون أربعة احتمالات حول المقصود من ثقل الساعة في السماوات والأرض: الاحتمال الأول: أن المقصود من الثقل هو ثقل العلم بها.

الاحتمال الثاني: لأن هذا الثقل يشتمل على الشدائد والحساب والجزاء لذا فإن ثقل صفته تؤثر على السماوات والأرض أيضاً.

الاحتمال الثالث: لأن السماوات والأرض لا تحتمل ثقل الساعة، لذا فليس هنالك من ثقل أصلاً.

الاحتمال الرابع: لأن ثبوت ثقل القيامة يستلزم فناء كافة المخلوقات، وليس هنالك من شيء يتحمل فناء ذاته، لذا فإن هذا يشتمل كافة هذه الاحتمالات، أي قيام الساعة بشكل مفاجئ، لذا فعلى العاقل أن يتلافى حدوث الواقعة قبل تحققها.

6- لأن أغلب الناس يأنسون الأمور الحسية، فإنهم يتعرفون على العالم من حولهم بها أيضاً، ويقيسونه وفقها، بشكل يكون فيه مقروءاً لهم، وقابلا للقياس بأدواتهم، لكن هذا أمر باطل، وذلك لأن أموراً من مثل تاريخ قيام يوم الدين، هي أمور غيبية وبعيدة عما يمكن الشعور به بالحواس

الإنسانية.

7- كلمة ( حفي) تعني العالم والذي لديه خبر بشيء، وهي تشير في الآية إلى ما يظنه الكفار من أن النبي عالم بأمر قيام يوم الدين، فتقول الآية القرآنية مخاطبة إیاهقُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبّى لا يُجَلّيها لِوَقْتِها إلاّ هو

8- إن تكرار السؤال عن قيام الساعة في زمن الرسول الأکرم يشير إلى أن السائلين كانوا يظنون عن جهل بأنهم قد يحصلون من تكرار السؤال على إجابة أخرى أو غير متطابقة عما سبقها، لذا قال تعالى لنبيه بأن يجيبهم بما قاله لهم سابقاً قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُون

الآية 188

اشارة

قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)

النقاط المستفادة من هذه الآية: النفع، الضرّ، العلم، غیب السماوات، الخیر، السوء، المسّ، الإنذار، البشارۀ، الإیمان

1- رغم أنه جاء لهذه الآية شأن نزول خاص، إلا أنها ذات علاقة بالآية السابقة، وذلك لأن الآية السابقة بحثت جهل الجميع بساعة قيام القيامة إلا الله تعالى، وفي هذه الآية تأكيد على أن العلم بقيام الساعة محصور به تعالى، ولا أحد يحيط به، حتى رسول الأکرم(صلی الله علیه وآله وسلم) وتشير إلى أن يعلن عدم علمه بذلك مطلقاً، وعجزه عن الإلمام بمثل هذا العلم قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسي نَفْعاً وَلاضَرّاً.

2- نظراً إلى أن سؤال القوم يشير إلى أنهم يؤمنون بأن النبي يمتلك علماً غيبياً مطلقاً بكافة الأمور، فقد جاء الخطاب القرآني طالباً من ان النبی(صلی الله علیه وآله وسلم) أن يبيّن لهم حقيقة الأمر، ليخرج هذه الشبهات من أذهان الناس.

3- من الواضح تماماً بأن النبي والإمام كلاهما لا يمتلكان علماً غيبياً مستقلاً، ولا كشفاً خاصاً عن المستقبل، إلا بما يتيحه لهم الله تعالى؛ ولكن يحدث أحياناً أن يكشف لهم الله تعالى صوراً من المستقبل وما سيجري فيه بشكل محدود.

4- هنالك من ينظر إلى الآيات القرآنية نظرة بتراء، ولا يربط بينها للاستدلال والتأويل، ومثل هؤلاء يستغلون هذه الآية الكريمة للاستدلال على نفي علم الغيب بشكل مطلق عن الأنبياء، في حين أن الآية تنفي فقط العلم الذاتي المستقل عن علم الله ، وليس علم الغيب بشكل عام،

فالصحيح أن الآية القرآنية تنفي علم الغيب المستقل عن علم الله، وهذا ما جاءت الإشارة إليه في سورة الجن (27/26) أيضاً.

5- من البديهي بأن أصحاب علم الغيب من الأنبياء والقادة و.. يستخدمون علمهم هذا في تنظيم رؤيتهم للمستقبل واتخاذ القرارات المناسبة في هذا الجانب، فكيف بالنبي محمد(صلی الله علیه وآله وسلم) وهو قائد عام وعالمي، يحتاج في قراراته علماً مضافاً على علم البشر المحدود.

6- من المعلوم بأنه لو كان الإنسان على علم بما سيجري في المستقبل؛ لقام بتنظيم حياته الحالية بما يناسب ذلك، دون أن يعرض نفسه لأي خطر أو مهلكة مؤذية، لكن هذا مما ه و خارج خيارات الإنسان، لذلك تراه يتعرض لأنواع وألوان الأخطار المحدقة، فلا ينجو منها إلا بقدرة الله وعونه.

7- فيما يخص التوسل والدعاء؛ فإن هنالك فئتين تعتقدان أموراً خاطئة، الفئة الأولى هم أولئك الذين يقولون بأن للنبي أو الإمام القدرة الذاتية الخاصة، والمستقلة عن قدرة الله تعالى، أما الفئة الثانية فهي التي تنحرف في تعصبها لتقول بنفي أي قوة لمن سوى الله، فلا تؤمن بالشفاعة والقدرة الموكلة من الله تعالى لخاصة عباده، بل وتذهب إلى أن ذلك ضرب من الكفر.

8- يؤمن الإنسان المسلم بأنه ليس هنالك في الكون من يمتلك القدرة على النفع والضرر إلا الله، فهو وحده العالم والخبير، لذا فمثل هذا الإنسان باعتقاده هذا لا يمكن أن يلجأ إلى مخلوق آخر مثيله في الضعف والحاجة، لكنه في ذات الوقت يدرك بأن الأنبياء والأئمۀ(عليه السلام) هم أصحاب مكانة وقداسة لذا يقدمونهم بين أيديهم عند الله، ويكمن خطأ من يعتقد بأن هذا شرك وكفر؛ في أنه يظن بأن من يتوسل بهم يتوجهن إليهم وحدهم دون الله ويرجو منهم قضاء حاجته، مع أنه إن قصد الانسان الأنبياء والأئمۀ(عليهم السلام) بنية أنهم شفعاء له عند الله فلا عيب في مسألته، بل ويتطابق ذلك وما جاء به القرآن الكريم.

9 - لأن الجماعة التي سألت ال ذلك السؤال المشار إليه في الآية الكريمة هم من أصحاب الذهن المحدود، فقد جاءهم الرد متناسباً وذلك الفهم؛ بالقول: إن من قد يمتلك علماً من الغيب فهو ولا بد سيستفيد منه فيما ينفعه، فيرد عن نفسه الأضرار والأخطار، ويستجلب الخيرات؛ لكن النبي في الواقع ليس كذلك بل هو إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشیرٌ وهذا بيان لحقيقة أن النبي لا يعلم من الغيب إلا ما يكشفه له الله على اعتبار إبلاغه الرسالة الإلهية.

10 - الإنذار والتبشير هما من مهام الأنبياء الرئيسة، ليقوموا(عليهم السلام) بترغيب الناس وجذبهم إلى الدين الإلهي من جهة، وتخويفهم من عاقبة المتخلفين العاصين من جهة أخرى.

الآية 189

اشارة

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الخلق، النفس، الزوج، التسکین، الحمل، الثقیل، الشکر، الصلاح

1- يتشكل المجتمع البشري من عدد من الأسر، وكل أسرة تتألف من رجل وامرأة وأبناء، فكلا الرجل والمرأة يشعران بالسكينة داخل الأسرة التي قاما بتشكيلها، وكل منهما يُكمل شریكه بما يتصف به من صفات فطرية وخلقية، خاصة المرأة التي تُعتبر بلطافتها ركن سكينة لزوجها، فإضافة إلى ما ينتج عن اقتران الرجل بالمرأة من سكينة لهما، فإنه أيضاً يثمر توالداً وتكثيراً للنسل، وهذا بحد ذاته معجزة وآية إلهية.

2- إن المقصود من قوله تعالى بأن البشر من نفس واحدة، وأنه خلق أول إنسان ثم جعل له زوجاً من جنسه، ليسكن إليها ويطمئن ليس فقط النبي آدم وزوجه، بل هو إشارة إلى الآباء والأمهات بشكل عام وتوالدهم، ومثيل هذا ما جاء في الآية 21 من سورة الروم وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إلیها.

3- تتحدث هذه الآية عن أمر شائع بين الأزواج، وهو كيف أنهم يتضرعون إلى الله تعالى عندما تحمل الأم لتضع طفلها سالماً، ولكن ما أن يلد الطفل، حتى ينسى كلاهما الوعود والعهود، فيردون سلامة الطفل إلى الأسباب المادية ويغفلون عن السبب الأول والآخر وهو الله سبحانه، ولو أنهم تفكروا لأيقنوا بأن كل تلك الأسباب المادية والطبيعية هي من صنع الله ولا محرك لها سواه.

4- رأى بعض المفسرين بأن الآية الكريمة تتحدث عن آدم وحواء ، كما أنهم ينقلون لذلك رواية، تقول بأن حواء كانت حاملاً، فتدعو الله طالبة منه أن يهبها طفلاً صالحاً، وعندما تلد؛ يخدعها الشيطان فتضع اسم ابنها عبد الحارث، والحارث هو أحد ألقاب الشيطان، لكن هذه الرواية ضعيفة السند؛ كما أنها لا تتناسب ومسلّمات الإسلام، لأن هذه الرواية تنسب إلى آدم الشرك وهذا مما لا يتناسب ومقام النبوة، بل وإن الضمائر الواردة في هذه الآية وما يماثلها من آيات أخرى ( يشركون ) و ( لا يستطيعون) لا يمكن أن ينطبق على آدم وحواء، بل الأنسب ردّها إلى المشركين ممن لا يعتقدون بقدرة الله ويقومون على الدوام بتكرار مثل هذا الفعل مع ولادة كل طفل لهم.

الآية 190

اشارة

فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190)

النقاط الواردة في هذه الآية: الصلاح، الشرک

1- حين يرزقهم الله بما كانوا يحلمون به من أطفال يقومون بجعل طفلهم شريكاً الله فيتمسكون به ويظهرون له المحبة والمودة، وينسون شكر الله على نعمته التي أنعم بها عليهم.

2- لا شك أن الله تعالى يحيط كافة عباده بلطفه الخاص، لكن أغلب العباد ينقضون عهودهم ومواثيقهم، وهذا ما تتحدث الآية عنه بوضوح ؟

3- يعتقد المفسرون بأن هذه الآية تشير فى واقع الأمر إلى المشركين المحبين للتوالد والأبناء ، ممن يبذلون في هذا السبيل كل غال ورخيص حتى لو اضطرهم ذلك إلى الاشراك بالله تعالى، وعليه فلا يمكن أن ينطبق مثل هذا الوصف على نبي كريم كالنبي آدم(عليه السلام)، لأن في ذلك اتهاماً لمعصوميته بما لا يصلح لهذا المقام الشريف.

الآية 191

اشارة

أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الشرک، الخلق

1- مرة أخرى يعترض القرآن الكريم بقوة على فكر عبادة الأصنام والوثنيۀ أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُون.

2- إن البشر بكفرهم واشراكهم يرتكبون عملاً قبيحاً جداً ومنافياً للعقلانية بكل المقاييس، فالأصنام لا تملك لنفسها ولا لسواها أي نفع أو ضرر، بل هي بحد ذاتها مخلوقات بيد البشر.

3 من الضروري الإيمان بأن كافة المصادر المنفصلة عن الله تعالى؛ لا تملك لنفسها أي استقلال يمنحها القدرة والسلطان، بل أنها مخلوقة بيد الله سبحانه.

الآية 192

اشارة

وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (192)

النقاط المستفادة من هذه الآية: النصر

1- تكرر في القرآن الكريم كثيراً آيات من مثيل لا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْ حيث في ذلك نهي حازم عن التعلق بشتى الأشياء ومنحها الاستقلالية كقدرة منفصلة .

2- إن كافة هذه المعبودات المصنوعة بيد البشر لا تحل أي مشكلة فحسب، بل ولا قدرة لها على مد أتباعها بالعون والمساندۀ ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُون.

الآية 193

اشارة

وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (193)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الدعوۀ، الهدایۀ، الإتباع، الصمت

1- إن الأصنام والأوثان الخيالية، لا يمكن لها قط أن تمتلك من القوة والقدرة ما تستجيب فيه لأتباعها، أو تدرك حاجاتهم وتتفهمها، بل وتحيط بكل ما يكتنف حياتهم، وما يصلح لهم لذا فسواء طلب الناس منها المدد أو سكتوا عن ذلك، فهذا لن يغير في حالهم شيئاً .

2- من الممكن أن معنىتَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدی هو بأنه إن كنتم تريدون لهذه المعبودات الخيالية أن تهديكم وتعينكم، فإنها لم ولن تجيركم في شيء، لأنها لا تملك من العقل والمشاعر ما يهديها إلى ذلكوإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُم.

3 -لا يمكن أبداً عقد الآمال على الوثنيين وعبدة الأصنام العاصين والمعاندين، لأنه سواء تمت دعوتهم أولم تتم، فهم ثابتون على عقيدتهم ودينهمسَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامتون .

الآية 194

اشارة

إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (194)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الدعوۀ، العبد، الإستجابۀ، الشرک

1-تستكمل هذه الآيات والآيات التالية بحث التوحيد ومبارزة الشرك، واثبات أن عبادة سوی الله ليس إلا ضرباً من ضروب السفاهة والاختلال العقلي وذلك من خلال أربعة أدلة أساسية، تبين هذه الآية دليلين منها:

الأول: أنكم يا معشر عباد الأصنام والمشركين تطلبون العون والتسديد من هذه الأوثان الضعيفة الخالية من أي قدرة أو سطوة، فكيف لكم أن تقوموا بذلك والعقل يثبت خلو هذه الصنائع من أي قدرة فهي مثلكم جزء من الطبيعة المحكومة بالفناء، وها أنتم تسجدون لها، بينما البقاء والأزلية بيد الله! إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُم.

ثانياً: إذا كنتم تظنون بأن هذه الأصنام ذات عقل ومشاعر، فلتقوموا بدعوتها إن كنتم صادقينفَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِين.

الآية 195

اشارة

أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (195)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الرجل، المشی، الید، البطش، العین، البصر، الإذن، السمع، الشرک، الکید، المهلۀ

1- الدليل الثالث: فلتتأملوا هذه الأصنام المصنوعة بأيديكم، كيف أنها أكثر ضعفاً منكم فأنتم على الأقل تملكون أرجلاً تتنقلون بها هنا وهناك، لكن ماذا عن تلك الأصنام التي لا تملك لنفسها شيئاً من إرادۀأَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِأ وهل لها أيدٍ تضرب بها أَمْ لَهُمْ أَيْدِ يَبْطِشُونَ بهاأو أعين ترى بها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أم آذان تسمع بهاأم لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِها؟!

2- الدليل الرابع: أن يا رسول الله قل لهؤلاء المشركين فلتتعاضدوا ولتتآمروا على إزالتي وإزالة رسالتي، ولتبذلوا كل حيلة وقدرة لذلك، فهل أنتم قادرون بذلك على إحداث أي أمر؟! وهل لتلك الأصنام القدرة على مساندتكم في ذلك أمقُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُون.

الآية 196

اشارة

إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الولایۀ، التنزیل، الکتاب، القرآن، الصلاح

1- تشير الآية الكريمة إلى خطاب الرسول الأکرم(صلی الله علیه وآله وسلم) عبدة الأصنام من المشركين، حيث يقول لهم بأن الله تعالى هو الهادي للناس جميعاً وهو مولى الصالحين.

2- إن الداعي إلى الله، يتكئ إليه في أمره، وأما سائر من يشرك الكافرون بهم، ليسوا إلا ضعفاء لا قوة لهم على نصر أحد، ومثل هذا الاعتقاد هو مم لا يخطر أبداً في بال المؤمنين.

3-من الواضح أن الله سبحانه لا يبغي تعذيب عبادة المؤمنين الصالحين في هذه الدار الدنيا، ولكن الهدف من امتحانهم هو تمحيصهم ورفع شأنهم، إضافة إلى ما للامتحان من آثار تربوية جمة، ولكن من جهة أخرى يُستدرج الظالمون بنعم الحياة ورفاهها، استدراجاً له نحونار جهنم.

4 - الله هو المسؤول عن عباده والمتولي لأمورهم، وقد وعد بأن يشد أزرهم ويورثهم أرضه.

5-الله سبحانه هو ولي عباده والمسؤول عنهم، وقد وعد بأن يعينهم وينصرهم ويورثهم الأرض أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُون.

الآية 197

اشارة

وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (197)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الدعوۀ، الدعاء، الإستطاعۀ، النص

1- يمكن من خلال ما مر من الآيات السابقة استنتاج عدة صفات للرب والمعبود؛ وهي مما لا يتمتع به أي مما يشرك الكافرون به:

أ- أن يكون الخالق والمالك أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُون.

ب- أن يكون الناصر والمعين لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَکم.

ت- أن يستجيب للدعاء والحاجات سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ ....

ث- أن يكون مقتدراً وذا قُوۀ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها....

ج- أن يكون سميعاً بصيراً أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا، أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بها.

ح -أن يكون قادراً على احباط مكر العدو ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُون.

خ- أن يكون له كتاب وقانون ينزله نَزَّلَ الْكِتاب.

د- أن ينصر الصالحين والأخيار يَتَوَلَّى الصّالِحِين.

2- ليس للأصنام التي تسجدون لها أي قدرة علمية أو قوة يساندونكم بها.

3- يسعى عبدة الأصنام إلى استمداد العون منها؛ إلا أن هذه الأصنام ذاتها غير قادرة على حماية نفسها أورد السوء عنها، فكيف لمثل هذه المعبودات أن تمنح ما تفقده؟ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُون.

الآية 198

اشارة

وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (198)

النقاط المستفادة من هذه الآية:الدعوۀ، الهدایۀ، السمع، النظر، البصر

1- لقد جاء مضمون هذه الآية في الآيات السابقة أيضاً، وهذا التكرار يفيد التأكيد على جانب محاربة عبادة الأصنام، واقتلاع جذورها من روح المجتمع وذهن أفراده.

2-الأصنام ،جمادات، لا عقل ولا قدرة لها، لذا فهي لا ترى ولا تشعر، وكيف لحفنة من الحجارة والأخشاب أن تخلق موجوداً أسمى منها؟ ثم كيف لها أن تستجيب له وتحيط به؟

3- تخاطب الآية الكريمة الرسول الأعظم(صلی الله علیه وآله وسلم) فتقول: إنك إن تقوم بدعوتهم إلى الهدى؛ لا يصغون إليك بقلوب مبصرة، ولا تفيد أنواع اللغات في جذبهم والتأثير عليها وإِن تَدعُوهُم إِلَي الهدي لا يَسْمَعُوا .

وتستكمل الآية خطابها للرسول الأکرم(صلی الله علیه وآله وسلم)رغم أن المشركين قريبون منك ويسمعون صوتك، ويبصرونك بأعينهم، إلا أن قلوبهم أصابها العمى وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُون

الآية 199

اشارة

خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)

مقدمة

حين نزلت هذه الآية، طلب النبي الأعظم(صلی الله علیه وآله وسلم) من جبرئیل(عليه السلام)أن يسأل الله كيفية العمل بهذه الآية الشريفة، فجاءه الوحي ((تَعفُو عمّن ظلمك وتُعطى مَن حَرمك وتَصِل من قطعك )) .

النقاط المستفادة من هذه الآية: العفو،الأمر بالمعروف، الإعراض عن الجاهلین، الجهل

1 - العرف هو كل عمل تصنفه عقول الناس باعتباره أمراً جيداً ومقبولاً، وأصل الكلمة من العرفان.

2- رغم أن لكلمة (عفو) الكثير من المعاني المتراوحة بين: الاعتدال وتجنب الشدة، والقبول بعذر المقترف للخطأ ومسامحته على ذلك، وتيسير الأمور، إلا أن المعنى الأول هو الأقرب.

3- لا شك أن تجنب التشدد على الناس والعفو عنهم، أو التغاضي عن سيئاتهم؛ هو فيما يخص الأمور الخاصة، ولا يشمل العفو في المسائل المتعلقة بحق الناس وبيت المال.

4- تشير هذه الآية في خطابها للرسول الأکرم(صلی الله علیه وآله وسلم) إلى أسلوب القيادة والسيادة الصحيح في تبليغ الرسالة، وذلك بشكل لافت ومثير، في إتقان الاختصار والإفادة، بما يتناسب ومسألة تبليغ المشركين المذكورة في الآيات السابقة.

5- إن المسؤوليات الثلاث التي يتوجب أن يلتفت إليها حملة الرسالة ومبلغوها؛ هو تجنب الضغط على الناس أو تعسير الأمور أمامهم، وذلك كي لا يتركوا مجالاً للأعذار الواهية أو الحجج الداعية إلى تركهم اعتناق الرسالة الإسلامية.

6- يلتقي قادة التبليغ وأقطابه عادة بأطياف مختلفة من العاصين الملحدين والمعاندين الرافضين أو الجاهلين ممن يتميزون بمستوى فكري منحط أو بسيط جداً

وبدائي، وهؤلاء كثيراً ما يشرعون بنعت الأنبياء والمبلغين بأنواع الصفات السيئة لإعاقتهم وعرقلة سير رسالتهم.

7- لا يمكن السير في الطريق إلى النصر، إلا من خلال سبيل مليء بالصعوبات والمعوقات، ولا شيء يمكن أن يفيد في تحقيق الفلاح فيه إلا الحلم والصبر، والثبات في المجاهدة، وقد أثبتت التجربة بأن ذلك الأفضل لإيقاظ الجهلة وتنبيههم، وإخماد نار حسدهم وغضبهم وتعصبهم.

الآية 200

اشارة

وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الشیطان، النزع، الإستعاذۀ

1- كلمة (نزغ) تعني الدخول في أمر بقصد التخريب والإفساد، أو بمعنى تحريك شيء واجتثاثه من مكانه وعلى أي حال فكلمة (نزغ) تعني فيي أقل ما تعنيه وساوس الشيطان.

2- تشير هذه الآية إلى المهمة الرابعة من مهام القادة والمبلغين، وذلك بطريقة أخرى، وهي أن الوساوس الشيطانية لطالما ستعرقلهم وتقف حائلاً دون تحقيق أهدافهم، سواء بشكل وساوس تتعلق بالمكانة والمنصب أو المال أو الشهوة وما يشابه ذلك.

3- يقدم القرآن الكريم في هذه الآية العلاج لمن يشعر بأن وساوس الشيطان قد طالته، دافعة إياه نحو تصرفات جاهلة ومتسرعة في الغضب والانتقام ... وهذا العلاج هو اللجوء إلى الله سبحانه، وطلب حمايته، فالله سبحانه هو السميع لدعاء عبيده، والخبير بأحوالهم وأمورهم وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.

4- رغم أن ظاهر الآية يوحي بأنه خطاب موجه للرسول الأعظم(صلی الله علیه وآله وسلم) ، إلا أنها تتوجه إلى كافة وذلك لأنهم المحتاجون الواقعيون لهذه النصيحة أو المسلمين والتابعين للرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) العلاج، وإلا فالرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) معصوم.

الآية 201

اشارة

إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201)

النقاط المستفادة من هذه الآية: التقوی، المسّ، الشیطان، الذکر، البصر

1- إن الوساوس الشيطانية؛ عادة ما تصيب البشر خلال مراحل ارتقائهم الإيماني، ولا فرق بين عمر وآخر أ وبين زمان ،وآخر، إلا أن من البديهي أن تصيب الشباب بنسبة أكبر، فالإنسان يشعر بأن هنالك قوة دافعة تصدر من أعماقه، وتوجهه نحو أمور شيطانية.

2- إن أفضل سبيل لتجنب وساوس الشيطان؛ هو اللجوء إلى الله سبحانه، وهو أيضاً سبيل أهل التقوى إلى الله، فإذا أصابت الوساوس أفئدة المتقين، يستذكرون ما في الآية، فيلجؤون فوراً إلى أنيسهم وقبلتهم، ليدفع عنهم شر الشيطان الرجيم.

3- يتوجب على أهل التقوى لدى اعتراض الوساوس لهم أن: أولاً يتذكروا نعم الله عليهم، وثانياً أن يستحضروا في أذهانهم عواقب المتخلفين المتمسكين بوساوس الشيطان، ليكون بإمكانهم اختيار مسير الحق الواضح والجلى إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُون.

4- إن( التقوى) هي سبيل النجاة الوحيد من الوقوع في الذنوب والآثام كما جاء في بداية الآية.

الآية 202

اشارة

وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (202)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الذخوۀ، المد، الغی

1- رأينا في الآيات السابقة كيف ينجو المتقين من براثن الشيطان بذكر الله، بينما يقع في حبائله المذنبون، ممن دعاهم القرآن الكريم بأخوة الشيطان.

2- المقصود من (إِخْوانُهُمْ) هو المشركين ، والآية تقول بأن أخوة الشيطان من غير المتقين هم في ضلال دائم لا ينتهي ! فهم يستمرون بمدهم بشكل لا توقف فيه كما تشير إليه الآية.

3- من الضروري أن نعلم بأن المتقين قد تنبهوا وتحلوا بالبصيرة، أما المشركين فهم غارقون في ظلمات الجن والشياطين هم يستمرون في الغوص أكثر فأكثر في أغوارها، بل ويلقون العون والمدد من الشياطين في مزيد من الانحراف والضلال.

الآية 203

اشارة

وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الوحی، الآیۀ، الهدایۀ، البصیرۀ، الرحمۀ، الإیمان

1- المقصود من الاجتباء هنا على لسان المشركين هو نوع من السخرية والاستهزاء بالنبي الأکرم(صلی الله علیه وآله وسلم).

2- تشير هذه الآية إلى حالة جماعية لدى المشركين والمذنبين الذين لا يفقهون من المنطق شيئاً، كيف أنهم وكلما جاءهم النبی(صلی الله علیه وآله وسلم)بما أنزل إليه من آيات ليتلوها عليهم؛ يكذبونه ويعترضون، وأما إن لم تنزل آيات الله على النبی(صلی الله علیه وآله وسلم) ؛يسألونه قائلين: لم لَمْ تنزل الآيات، أولست من يقوم بجمعها؟ وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَها.

3- ورداً على كلامهم؛ تخاطب الآية الرسول الأكرم بالقول: قل لهم ليس هنالك من شيء آتيكم به من نفسي، فأنا أتبع ما يأمرني الله به عبر الوحي،قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكم .

4- يجب أن يعلم المشركون بأن القرآن الكريم وآياته ليس إلا وسيلة هداية نحو الصراط المستقيم والرحمة الإلهية، إلا أن الهداية والرحمة هي فقط لأصحاب الإيمان من المطيعين الله والمسلمين لأمره، فيمنحهم الله القدرة على التفريق بين الحق والباطل وَهُدى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يومنون.

الآية 204

اشارة

وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)

النقاط المستفادة من هذه الآية: القرآن، الإستماع، الإنصات، الرحمۀ

1- بدأت آيات هذه السورة (سورة الأعراف) ببيان عظمة القرآن الكريم، وهو ما تشير إليه وتؤكد في الآيات الختامية من ذات السورۀوإذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون.

2- الانصات هو السكون المقرون الذي يرافقه الاستماع أو هو الاستماع الذي يرافقه السكوت، وعلى كل حال، ففي هذه الآية يأمر تعالى عباده بالتزام السكوت لدى سماع الآيات القرآنية تتلى والاستماع لها، بتدبر في سبل الهداية، لعل ذلك يكون فيه الرحمة لهم.

3 - يتبين من ظاهر الآية أن حكم الاستماع والسكوت أو السكوت للاستماع، هوليس بحكم خاص بحالة أو وضعية خاصة، بل هو حكم شامل، فيستحب إن تُلي القرآن في أي مكان أو زمان؛ أن يصمت المستمعون احتراماً وإجلالاً، لينصتوا إلى رسالة الله إليهم، ويستلهموا منها الهدى، فالقرآن الكريم ليس مجرد كتاب تُقرأ سطوره، بل هو كتاب للفهم والإدراك، ولكي تعي القلوب ما فيه، ثم ينعكس ذلك إيماناً وعملاً في سلوكه، والمكان الوحيد الذي يتحول فيه هذا الحكم إلى وجوب ؛ هو في وقت صلاة الجماعة عندما يتوجب على المأموم الصمت أثناء قراءة الإمام للسور القرآنية.

الآية 205

اشارة

وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (205)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الذکر، التضرع، الخفی، الجهر، الغدو، الأصال، الغفلۀ

1- التضرع يأتي من أصل (ضراعة)، بمعنى التملق مع نوع من الخشوع والخضوع، كلمة خيفة تصف حالة من الخوف، وهي هنا ما يناسب المثول بين يدي الله سبحانه، وعلى أي حال؛ ففي التضرع ميل إلى التقرب من المتضرع إليه واللجوء إليه، في الخيفة إشارة إلى ميول

تجنب ذلك الشخص والرهبة تجاهه.

2- كما أن أغلب الآيات القرآنية تخاطب في الظاهر النبي الأکرم(صلی الله علیه وآله وسلم)ولكنها في الواقع تتوجه إلى عموم الناس، فإن هذه الآية أيضاً فيها أمر إلهي بذكر الله بقلب خاشع والتوجه نحوه بصمت وسكون وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْل3- تصنف هذه الآية ذكر الله إلى نوعين أحدهما يجري على اللسان وآخر باطني، وتنهى عن الذكر الجهري بصوت مرتفع، لأنه يتنافى وأصول العبادة وآدابها.4- ذكر الله في أثره على القلوب هو كما غيث الربيع على وجه الأرض، يوقظ في الأفئدة بصيرتها ومشاعر المسؤولية ونور الحق.5- إن السبب في هذه الإشارة إلى لوني التضرع والخيفة في ذكر الله تعالى؛ هو أن الإنسان تلك الحالة يكون كمن يرغب بالتقرب إلى شخص محبوب لديه، لكنه في ذات الوقت يشعر بالحياء تجاهه، لذا تراه يتقدم خطوة ويتراجع ،أخرى، إلا أن الفرق الذي يجب أن يعيههنا، هو أن الله هو الخير الخالص الذي لا شرفيه، وما من شريصدر إلا عنا نحن.

6- رغم العلم بأن الله سبحانه هو خير مطلق، إلا أن سبب خوف الإنسان هو عظمته المهيبة، لكل ما يتصف به من جمال وجلال.7- تقول الآية الكريمة فلتدعو الله سبحانه بلون من التملق الممزوج بالخشوع والخضوع مع درجة من الخوف تناسب عزة جلاله؛ بشكل صامت فيه الإجلال والاحترام، فالدعاء بصوت مرتفع؛ لا يتناسب وأدب العبودية، ولأن الله ليس بالبعيد الذي يحتاج طلبه بصوت مرتفع ليسمع ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيد(1). 8- يتوجب أن يتوافق الدعاء بنوع من الرجاء والخوف والسبب في أن الله سبحانه يدعو عباده لدعائه صباحاً مساء، هوليبقى الإنسان في حالة يقظة لا غفلة فيها، وهذا ما تم تطبيقه أوقات الصلاة اليومية، حيث يؤكد تعالى في بداية الآية على نبذ الغفلة والدخول في أيضاً مع الغافلين.

9- الإنسان غير قادر على مواصلة الذكر بشكل مستمر، فهذا أمر صعب وغير ميسرله، بل ومن الممكن أن يقع في الغفلة بين الحينة والأخرى، ولكن عليه أن يتيقظ من عدم الثبات أو الوقوع مطولاً في الغفلة، ولمحاربة ذلك، عليه مداومة ذكر الله بالقلب والتضرع إليه مع حالة من الخوف والرهبة، وفي ذلك طاعة الله.


1) سورة ق الآية 16

الآية 206

اشارة

إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206)

النقاط المستفادة من هذه الآية: الإستکبار، الکبر، التسبیح، السجود

1- تختتم الآية الكريمة بخطاب يقول أن الذكر ليس أمراً خاصاً بالناس، بل أن الملائكة المقربين أيضاً مشغولون بذلك، وهم في مكان مقرب من الله.

2- إن العبودية تتنافى والاستكبار أو الطغيان؛ لذا فإن المقربين إليه تعالى لا يمكن أن يتصفوا بالكفراً وغيره، فهم يسبحون على الدوام، دون أن يفتروا عن ذكره تعالىإِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُون

3- لا شك أن المقربين إلى الله لا يمكن قط أن يغفلوا عن ذكر الله، فقد زالت الحجب الفاصلة بينهم وبين إلههم، والمقصود من هؤلاء المقربين ليس الملائكة فحسب، بل يشمل كافة المقربين إليه تعالى.

4- يجب الالتفات إلى أن الذكر لا يقتصر على التسبيح والسجود فحسب، أي لا يقتصر على الأعضاء المختصة بهذه العبادة، بل ويشمل كافة حركاته وسكناته وتقلبات قلبه وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه(1)


1) سورة الإسراء / 44

فهارس

موضوعات

الآباء، 145، 147، 324

إبراهيم، 163

الإبلاغ، 131

إبليس ، 28، 34 ، 37، 42، 54

الأبناء، 237، 261

ابواب السماء، 85

الإتباع، 269 ، 298، 301، 355 ،

الإثم ، 72

الأجر، 220، 221

الأجل، 74، 252، 342

الإحسان، 120، 306

الأخت، 81

الأخذ، 193

الإخراج، 166، 178، 217، 232

الآخرة، 96، 281، 296 ، 319

الإخلاص، 65

الإخوة، 365

الإدعاء، 17

آدم، 28، 45، 49، 58، 61

الإذن، 232، 315

الأذن، 331، 357

الأذى، 241

اربعين ليلة، 269

الإرث ، 91 ، 199، 239، 255، 319

الأرجل، 233

الإرسال، 122، 126

الأرض، 56، 113، 120، 151، 152، 172 ،113 ،241 ،239 ،237 ،217، ،199 ،193 ،342 ،328 ،317، ،301 ،279 ،255

الأسباط ، 304

الإستجابة، 356

الإستحياء، 237، 261

الإستدراج، 337

الإستسقاء، 304

الإستطاعة، 359

الإستعاذة، 363

الإستعانة، 239

الإستقرار، 56، 273

الإستكبار، 370

الإستماع، 367

الإستماك، 321

الإستواء، 113

الإسراء 68

الإسراف، 164

الأسف، 288

الأسماء الحسنى، 335

الأسماء، 147

الأسى، 187

الأصال، 368

اصحاب الأعراف، 102

أصحاب الجنة، 89، 93، 98 ، 104

أصحاب النار، 77، 93، 101، 104

الإصطفاء، 276

الإصلاح، 120، 172

الإضلال، 343

الإعتداء، 117

الإعتراف، 17

الإعراض عن الجاهلين 361

الأعراف، 98، 102

الأعضاء، 19

الإغواء، 37

الإفتراء ، 79 ، 110، 180، 292

الإفك، 225

الأقوام المتغطرسة، 17

الإكتساب، 84

الأكل، 45 ، 68، 151

الإلحاد، 335

ألست بربكم، 323

القيامة، 56

الإله، 126 ، 137، 172، 257

الألواح، 277، 288، 293

الأمان، 195

الأمانة، 142

الأمة، 317، 336

الأمة، 81

الإمتلاء، 42

الأمر بالمعروف، 298، 361

الأمر، 30، 64

الإمرأة ، 168

الأمن، 197

الأمّي، 298، 301

أمير المؤمنين، 93، 269

الإنتظار، 147

الإنتقام، 235، 253

الإنجيل، 298، 321

الإنذار، 13 ، 133، 143، 340، 347

الإنس، 331،81

الإنصات، 367

الأنعام، 331

الإنقلاب، 227، 234

أهل البيت، 19

الأهل، 168

الآية، 26 ، ،58، 70، 77، 79، 85، 106، ،247، 249، 253، 211 ،134 ،124 ،329 ،326 ، 325، 296 ،281 ،279، 366،337

الأيدي، 39، 233، 286

الإيمان، 13 ، 70، 89، 109، 149، 154، 156 ،230 ،229 ، 200 ، 193 ،176 ،172 ،296 ،279 ،273 ،247 ،235 ،232 ،298، 342 ، 347، 366

البأس، 16، 17، 195، 196

البأساء، 189، 190

الباطل، 226، 259، 324

البحر، 257، 310

البخس، 172

البركة، 193، 255

البشارة، 122، 347

البصر، 101، 331، 357، 360، 364

البصيرة، 366

البطش، 357

البعث ، 34 ، 57، 204، 315

البغة، 190

البغتة، 344

البغي، 72، 96، 260

البلاء، 261، 310، 317

البلاغ، 142

البلد الطيب، 124

البلد الميت، 122

بمنزلة هارون من موسى، 269

بني آدم، 58، 61، 68، 75، 323

بني إسرائيل، 209 ، 237، 239، 241 ، 245، ،259، 260 ،257، 255 ،251 ،247،

،315 ،314 ،303 ،292 ،288 ،283 ،322

البيات، 195،16

البيت، 152

البيضاء، 214

بين يدي رحمته 122

البينة، 151، 200، 209

التأخير، 84،74

التأويل، 110

التبار، 259

تبارك الله ، 113

التبديل، 190، 308

التبعية، 15، 42

التحريم، 70

التدمير، 255

التسبيح، 273، 370

التسخير، 113

التسكين، 350

التصديق، 19

التصوير، 28

التضرع، 117، 189، 368

التطير 245

التعجب، 133

التفصيل، 70، 109، 325

التقديم، 74

التقرب، 221

التقوى، 58 ، ،75 ، 133، 137، 193، 239، 322، 364 ،319 ،312 ،296

التكبر، 32

التكذيب، 19، 134، 253

التكليف بما لايطاق، 89

التكليف، 89

التمرد، 28

التمكن 27

التنزيل، 13، 15، 358

التوبة، 273

التوبة، 325

التوحيد، 145

التوراة، 298، 321

التوكل، 180

ثعبان، 212 ، 225، 226

الثقل، 24

الثقيل، 122، 350

ثلاثين ليلة، 269

الثمرات، 122

الثمرة، 243

ثمود، 151، 152، 158، 160

الجبل، 273، 322

الجثوم، 158، 185

الجحود، 106

الجراد، 249

الجرم، 249

الجزاء ، 85، 87، 170، 281، 292، 335

الجمل، 85

الجن، 81، 331

الجنة، 340

الجنة، 50، 85، 89، 91

الجهات الأربع، 39

الجهالة، 257

الجهر، 368

الجهل، 361

جهنّم ،42، 77، 87، 126، 331

الجوارح، 19

الحبط ، 281

الحثيث، 113

الحجاب، 98

الحجر، 304

حديث المنزلة، 269

الحرام، 298

الحرج، 13

الحرمة ، 72 ، 104

الحروف المقطعة، 12

الحزن، 75، 103

الحسن، 277

الحسنة ، 190، 245، 296، 317

حطة، 306

الحق، 24 ، 72، 91 ، 93، 96، 110، 180، 319 ،303 ،279 ،226 ، 209

الحكم، 176

الحلال، 298

الحمد، 91

الحمد لله، 91

الحمل ، 350

حوّاء، 49، 58، 61

الحياة الدنيا، 70، 106

الحياة، 57

الحيتان، 310

الحين، 56

الخبيث، 124، 298

الخدعة، 37، 337

خرّ موسی صعقا 273

الخروج، 32، 42، 57

الخسران ، 26 ، 54 ، 110، 183، 186، 190، 330 ،286،197

الخطيئة، 306

الخفاء، 117

الخفى، 368

الخفيف، 26

الخلاف، 319

الخلافة، 269

الخلف، 39، 319

الخلق، 28، 113، 143، 342، 350، 353

الخلود، 47، 77، 89، 328

الخليفة، 143

خوار، 283

الخوف، 75، 103، 120، 126، 239

خير الحاكمين، 176

الخير، 30 ، 347

الدخول، 98

الدعاء، 65، 79، 117، 120، 335، 359

الدعوة ، 355، 356، 359، 360

الدليل 50

الدم، 249

الدنيا، 292، 296

الدين، 106

الذرية، 323، 324

الذكر، 13، 15 ، 58 ، 122، 133، 143، 152، 364، 368،313 ،23 ،417

الذلة، 292

الذنب، 17، 26، 166، 199

رب العالمین 113، 130، 207، 229، 230

الرب، 234

الرجال، 98 ، 164

الرجز، 251 ، 252 ، 308

الرجس، 147

الرجفة، 158 ، 185، 294

الرجُل، 102، 133

الرجل، 357

الرجوع، 317 ، 325

الرحم، 54

رحمة الله ، 103، 120

الرحمة الواسعة، 296

الرحمة ، 103 ، 109 ، 133، 149، 286، 291،293، 294، 296، 315، 366، 367

الرزق، 19، 104، 304

الرسال، 19

الرسالة، 75 ، 1131، 141، 142، 157، 160، 276 ، 298، 301 ، 200 ،189 ،187

الرسول، 19 ، 79، 91، 110، 130، 141، 154، ،301 ،298 ،251 ، 207،8 ،189 ، 176،308

الرشد، 279

رموز بین الله ونبيه 12

الرهبة، 293

روح النبي، 13

الرياح، 122

الزكوة، 296

الزوج، 45، 350

الزوجة، 45

زينة الله، 70

الزينة، 68 ، 70

سارة، 163

الساعة ، 344

السبت، 310

سبعين رجلا، 294

سبيل الله ، 96، 174

سبيل المفسدين، 269

ستة أيام، 113

السجدة، 28

السجود، 30 ، 228، 229، 306، 370

السحاب، 122

السحر، 216 ، 217 ، 219، 220، 221، 222، ،234 ،233 ، 230 ،229 ،228 ،223 ،247

سریع العقاب، 315

السفاهة ، 139، 141، 294

السقط، 286

السقي، 122، 304

السكني، 45، 306

السلام، 98

سلطة الشيطان، 37

السلطنة، 72، 147

السلوك، 19

السلوى، 304

سم الخياط ، 85

السماء ، 85، 193، 301 ، 308، 342، 344

السماوات، 113

السمع، 199، 331، 357، 360

السهل، 152

سوء العذاب، 261، 315

السوء، 151، 313، 347

السن، 243

السوءة، 47، 50، 58، 61

السؤال، 19، 344

السيئة، 190، 245، 317

الشباب، 19

شجرة العنب، 47

الشجرة، 45 ، 47، 50

الشر 30

الشرب، 68، 304

الشرك، 17، 72 ، 324 ، 352، 353، 356 ، 357

الشعور، 190

شعيب، 126، 172 ، 178، 180، 183، 185، 186

الشفاعة، 110

الشكر، 27، 39، 124، 276، 350

الشمال، 39

الشمس، 113

الشهادة، 79، 323

الشهوة، 164

الشيطان، 37 ، 39 42، 47، 61، 66، 326، 363، 364

صالح، 151، 154، 156، 157، 158، 160 ،

الصبر، 176، 235، 255

الصد عن سبيل الله ، 174

الصد، 96

الصدر، 13، 91

الصدق، 145 ، 211

الصراط المستقيم، 37، 39

الصراط، 174

الصغارة، 32

الصغير، 227

الصلاح ، 269، 317، 321، 350، 352، 358

الصلوة، 321

الصليب، 233

الصمت، 355

الصنم، 257

الضحى، 196

الضر، 347

الضراء، 189، 190

الضعف، 81

الضعيف، 288

الضفدع، 249

ضلال مبین 129

الضلال، 66 ، 79 ، 110 ، 129، 130، 180، 330،286

الضلالة، 81

ضيق صدر الرسول، 13

الطائفة، 176

الطبع، 199 ، 200

طبقات الجحيم، 87

طريق الحق، 37

الطغيان، 343

الطهارة، 166

طور، 322

طوفان نوح، 126

الطوفان، 249

الطيب، 298، 304

الطين، 30

الظلال، 322

الظلل، 304

الظلم، 17، 26، 45، 54، 72، 79، 87، ،308 ،304 ،288 ،283 ، 204 ، 101 ،93 329 ،313

الظن، 139، 322

عاد، 137، 152

عاقبة المفسدين، 174، 204

العاقبة للمتقين، 239

العاقبة، 170

العالمين، 260

العبادة، 126، 137، 151، 172، 239

العبد، 239، 356

العبودية، 145

العجب، 143

العجل، 283، 288، 292

العداوة البينة 50

العداوة ، 56

العدل، 65، 303، 336

العدو، 288

العدوان، 241

عذاب أليم، 151

العذاب، 16 ، 17 ، 81، 84، 126، 261 ، 337 ،313 ،312،296

العذر، 312

العرش، 113

عصا، 212

عصا، 225

عصا، 304

العصيان 28

العصيان، 157

العصيان، 314

العطام، 98

العفو، 361

العقر، 157،158

العقل، 319

علم الله ، 344

العلم، 22، 64 ، 70 ، 72، 81، 131، 154، 344، 347،232

عما يسأل يوم القيامة، 19

العمر 19

عمل الصالح ، 89

العمل، 19 ، 91 ، 110، 226، 259، 281، 335

العمي، 134

العهد، 202 ، 251

العوج، 96، 174

العود، 65

العين، 331، 357

الغابر، 168

الغافل، 253

الغاوين، 326

الغائب، 22

الغدو، 368

الغرق، 134، 253

الغرور، 17، 50، 106، 190

الغضب، 147، 292، 293

غضبان، 288

الغفران، 286 ، 315

الغفلة، 279، 323، 331، 368

الغلّ، 91، 298

الغلبة، 220، 227، 237

الغمام، 304

الغواش، 87

الغي، 279، 365

غیب السماوات، 347

الفاحشة، 72

فتح الباب، 85

الفتح، 85 ، 180، 193

الفتنة، 61 ، 294، 310، 317

الفحشاء، 64، 163

فرعون، 204 ، 207 ، 212 ، 214 ، 216، 217 ، ،237 ،233 ،232 ،220 ، 219 ،218 ،243 ، 247 ، 251 ، 252 ، 255، 259، 261

الفساد ،120 ، 152 ، 172، 174، 204، 317

الفسق ، 202، 277، 310، 313

الفضل، 260

الفضيلة، 84

الفقاهة، 331

الفكر، 328، 340

الفلاح، 24، 143، 298

الفلك، 134

الفوق، 237

الفيض، 104

القتل، 237 ، 261 ، 288

القرآن، 19، 109، 358، 367

القردة ، 314

القرية، 16، 166، 178، 189، 193، 195، 310 ،306 ،200 ،196

القسط، 65

القسم، 37 ، 49 ، 103

القصة ، 22 ، 75 ، 200، 328

القصر، 152

القطع، 149، 233، 317

القعود، 37، 174

القلب، 200، 331

القليل ، 174

القمر، 113

القمل، 249

القهر، 237

القول بغير علم، 72

القول، 16

القوم الظالمين، 101

القوم، 141

القياس 30

القيامة، 323

الكبر، 30 ، 77، 85، 102، 154، 156، 178،370 ،279 ،249

الكتاب، 13 ، 79 ، 109، 319، 321، 358

الكثير ، 174

الكذب، 64 ، 77 ، 79، 85، 139، 149، ،281 ،279 ، 200 ، 193 ،186 ،180 ،337 ،329 ،328

الكراهة، 178

الكسب، 193

الكشف، 252

الكفر ،79 ، 96 ، 104 ،139 ، 156، 180، 200 ،187 ،183

الكلام، 283

الكلب، 328

كلمة الله ، 301

كلمة ربه، 273

الكلمة، 255، 276

الكيد، 339 ، 357

الكيل، 172

اللباس، 58

اللعب، 106، 196

اللعنة، 81، 93

لقاء الله، 106

الكتابة، 296

اللقاء، 101

اللهو، 106

اللواط، 163، 164

لوط ، 126، 163، 164، 166، 170

الليل، 113

الماء، 104

المال، 19

المتاع، 56

المجادلة، 147

المجرم، 85، 170

المجنون، 340

المحبة، 68 ، 117، 160

المد، 365

المدحور، 42

مدین، 172، 180، 185، 218

المدينة، 232

المذء وم، 42

المسّ، 151، 190، 347، 364

المستضعف ، 154، 255 ، 288

المستكبر، 154، 156، 178

المسجد، 65، 68

المسلم، 35

المشرق، 255

المشي، 357

المطر، 170

المعرفة، 98، 102

المعيشة، 27

المغرب، 255

المغفرة ، 54 ، 291، 294، 306، 319

مقياس الأعمال، 24

المكر، 197، 232

مكر الله، 197

الملائكة، 28

الملّة، 178

الملک، 47، 301

ملكوت السماوات، 342

الملوّث، 166

المن، 304

المنزل، 27

المهاد، 87

المهلة ، 34، 35، 339، 357

المؤاخاة، 269

الموت ، 57، 74، 79، 122، 235

المؤذن، 93

موسی، 126، 204 ، 207 ، 212، 214، 216، ،223 ،222 ،220 ،219 ،218، 217،

،247 ،224، 451 ،239 ،237 ،230 ،251، 255 ، 257، 259 ، 260، 269 ،294 ،293 ،288 ،283 ،273، 276

303، 304

الموعظة، 277، 312

الميثاق، 202

الميزان، 24، 26، 172

الميقات، 273، 294

النار، 30 ، 77، 81

ناقة الله، 151

الناقة، 151، 157، 158

النائم، 195

النبات، 124

النبي، 189

النجاة ، 134 ، 149، 168، 180، 313

النجم، 113

النزع، 91، 363

النزول، 58 ، 122

النساء، 164، 237

النسي، 106

النسيان، 110، 313

النص، 359

النصحية، 131، 187

النصر، 298، 354

النصيب، 79

النصيحة، 49، 142، 160

النظر، 34، 35، 110، 273 ، 360

النعيم، 19

النفس، 54 ، 79، 350

النفع، 347

النكث 252

النكد، 124

النهار، 113

النهي عن المنكر، 298

النهي، 47 ، 313،50

نوح، 126، 143

النور، 298

هارون، 218 ، 219 ، 230، 269، 283، 288

الهبوط، 32، 56

الهداية، 66 ، 91 ، 109، 199، 283، 293، ،336 ،330 ، 303 ، 301 ،296،294، 355، 360، 366 ،33

الهلاك، 259، 312

الهلاكة ، 16، 241، 294، 324

الهلث، 328

هود، 137

الوجه، 65

الوحي، 225، 366

ورق الجنة ، 50

الوزن، 24

وزير النبي، 269

الوسوسة، 47

الوعد، 174

الوعدة، 145، 157

الوعيد، 145، 157، 174

الوفاة، 235

الولاية ، 294 ، 358

الولىّ، 15 ، 61، 66

الوهم، 66

اليد، 214، 357

اليمّ، 253

اليمين، 39 ، 49 ، 103

يوم البعث، 34

يوم القيامة، 70، 126، 315، 323

يوم المؤاخاة، 269

يوم عظيم، 126

فهرس المحتويات

تعريف عام لسورة الأعراف المباركة ...7

فضل تلاوة سورة الأعراف وخواصها ...8

آثار وبركات تلاوتها...9

محتوى سورة الأعراف ...9

مقاصد وخصائص سورة الأعراف ...10

مكانة السورة ترتيبياً ...10

الآية 1.... 12

النقاط المستفادة من هذه الآية: رموز بين الله ونبيه، الحروف المقطعة ...12

الآية 2...12

النقاط المستفادة من هذه الآية: الكتاب ،التنزيل، الصدر، الحرج، الإنذار، الذكر، الإيمان، روح النبى، ضيق صدر الرسول... 13

الآية 3 ...15

النقاط المستفادة من هذه الآية: التنزيل، التبعية، الولى، الذكر,... 15

الآية 4 .... 16

النقاط المستفادة من هذه الآية: القرية، الهلاكة، البأس، القول، العذاب، البيات ......16

الآية 5 ...17

النقاط المستفادة من هذه الآية: الشرك، الظلم، البأس، الإدعاء ،العذاب، الإعتراف، الذنب، الغرور، الأقوام المتغطرسة ...17

الآية 6 .... 19

النقاط المستفادة من هذه الآية: السؤال، الرسال، الرسول، عما يسأل يوم القيامة، النعيم، القرآن، أهل البيت، السلوك، العمل، الأعضاء، الجوارح، التصديق، التكذيب، العمر ،الشباب، المال، الرزق ...19

الآية 7 ...22

النقاط المستفادة من هذه الآية: القصة، العلم، الغائب... 22

الآية 8.

النقاط المستفادة من هذه الآية: الوزن، الحق، الميزان، الثقل، الفلاح، مقياس الأعمال ..... 24

الآية 9 ...26

النقاط المستفادة من هذه الآية: الميزان، الخفيف، الخسران، الظلم، الآية، الذنب ...26

الآية 10 ...27

النقاط المستفادة من هذه الآية: المنزل، التمكّن، الشكر، المعيشة ...27

الآية 11...28

النقاط المستفادة من هذه الآية: الخلق، التصوير، الملائكة، السجدة، آدم، إبليس، التمرّد، العصيان....28

الآية 12...30

النقاط المستفادة من هذه الآية: السجود، الأمر، الخير، الشر، الكبر، القياس، النار، الطين ...30

الآية 13 ...32

النقاط المستفادة من هذه الآية الهبوط، التكبر، الخروج، الصغارة ...32

الآية 14 ...34

النقاط المستفادة من هذه الآية: المهلة، النظر ،البعث، إبليس، يوم البعث......34

الآية 15 ...35

النقاط المستفادة من هذه الآية: المهلة، النظر ...35

الآية 16 ...37

النقاط المستفادة من هذه الآية: الإغواء، القعود، صراط المستقيم، الشيطان، إبليس، الخدعة، طريق الحق، القسم، سلطة الشيطان ...37

الآية 17 ...39

النقاط المستفادة من هذه الآية: الأيدي، الخلف، اليمين، الشمال، الشكر، الشيطان، الجهات الأربع، الصراط المستقيم ...39

الآية 18 ...42

النقاط المستفادة من هذه الآية: الخروج، المذء وم، المدحور، التبعية، الإمتلاء، جهنم، إبليس ،الشيطان.... 42

الآية 19...45

النقاط المستفادة من هذه الآية: آدم السكني، الزوج الزوجة، الأكل، الشجرة، الظلم ...45

الآية 20 ...47

النقاط المستفادة من هذه الآية: الوسوسة، الشيطان، السوءة، النهي، الشجرة، الملک، الخلود ،شجرة العنب...47

الآية 21 ...49

النقاط المستفادة من هذه الآية: القسم اليمين، النصيحة، آدم، حواء ...49

الآية 22 ...50

النقاط المستفادة من هذه الآية: الدليل، الغرور، الجنة ،الشجرة، السوءة، ورق الجنة، النهي، العداوة البينة ...50

الآية 23 ...54

النقاط المستفادة من هذه الآية : الظلم ،النفس، المغفرة، الرحم، الخسران، ابليس...54

الآية 24 ...56

النقاط المستفادة من هذه الآية: الهبوط، العداوة، الأرض، الإستقرار، المتاع، القيامة، الحين ..... 56

الآية 25...57

النقاط المستفادة من هذه الآية الحياة، الموت، الخروج، البعث ...57

الآية 26 ...58

النقاط المستفادة من هذه الآية: بني آدم، النزول، اللباس، السوءة، التقوى، الآية، الذكر، آدم، حوّا ....58

الآية 27 ...61

النقاط المستفادة من هذه الآية :بنى آدم ،الفتنة آدم حوّا، السوءة، الشيطان الولى ...61

الآية 28 ...64

النقاط المستفادة من هذه الآية: الفحشاء، الأمر، الكذب ،العلم ...64

الآية. 29 ...65

النقاط المستفادة من هذه الآية: القسط ، الوجه المسجد، الدعا، الإخلاص، العود، العدل ........ 65

الآية 30 ...66

النقاط المستفادة من هذه الآية: الهداية، الضلال، الشيطان، الولى، الوهم ...66

الآية 31 ...68

النقاط المستفادة من هذه الآية: بني آدم، الزينة ،المسجد، الشرب، الأكل، الإسراء، المحبة...68

الآية 32 ...70

النقاط المستفادة من هذه الآية: التحريم، زينة الله ،الزينة، الحياة الدنيا، يوم القيامة، الإيمان،التفصيل، الآية، العلم ...72

الآية 33 ...72

النقاط المستفادة من هذه الآية: الحرمة، الفاحشة، الإثم، البغي، الحق، الظلم، الشرك، السلطنة، القول بغير علم، العلم ...72

الآية 34 ...74

النقاط المستفادة من هذه الآية: الأجل، الموت، التأخير، التقديم ...74

الآية 35 ...75

النقاط المستفادة من هذه الآية: بني آدم، الرسالة، القصة، التقوى، الخوف، الحزن .....75

الآية 36 ...77

النقاط المستفادة من هذه الآية: الكذب، الآية، الكبر، النار، أصحاب، النار، الخلود ، جهنّم .... 77

الآية 37 ...79

النقاط المستفادة من هذه الآية: الظلم ،الإفتراء، الكذب، الآية، النصيب، الكتاب، الرسول، الموت، الدعاء، الضلال، الشهادة النفس الكفر...79

الآية 38 ...81

النقاط المستفادة من هذه الآية: الأمة، الجن الإنس النار، اللعنة، الأخت الضلالة، العذاب ،الضعف، العلم .......81

الآية 39 ...84

النقاط المستفادة من هذه الآية: التأخير ، الفضيلة، العذاب، الإكتساب ...84

الآية 40 ...85

النقاط المستفادة من هذه الآية: الكذب، الآية، الكبر، الفتح، فتح الباب، ابواب السماء، السماء، الجنة، الجمل، سمّ الخياط، المجرم ، الجزاء...85

الآية 41 ...87

النقاط المستفادة من هذه الآية: جهنم، المهاد، طبقات، الجحيم، الغواش، الجزاء، الظلم ...87

الآية 42 ...89

النقاط المستفادة من هذه الآية: الإيمان، عمل الصالح، التكليف، التكليف بمالايطاق، الجنة، أصحاب الجنة، الخلود...89

الآية 43 ...91

النقاط المستفادة من هذه الآية: النزع، الصدر، الغل، الحمد الله، الحمد، الهداية، الرسول، الحق، الجنة ،الإرث، العمل...91

الآية 44 ...93

النقاط المستفادة من هذه الآية: اصحاب الجنة، اصحاب النار، الحق، المؤذن، اللعنة، الظلم، أمير المؤمنين ...93

الآية 45 ...96

النقاط المستفادة من هذه الآية: الصد، الحق، سبيل الله، العوج، البغي، الكفر، الآخرة. ....... 96

الآية 46 ...96

النقاط المستفادة من هذه الآية: الحجاب، الأعراف، الرجال، المعرفة، اصحاب الجنة، السلام، العطام ،الدخول ...98

الآية 47 ...101

النقاط المستفادة من هذه الآية: البصر، اللقاء، اصحاب النار، الظلم، القوم الظالمين ...... 101

الآية 48 ...102

النقاط المستفادة من هذه الآية: اصحاب الأعراف، الأعراف ،الرجل ،المعرفة، الكبر ....... 102

الآية 49 ...103

النقاط المستفادة من هذه الآية: القسم ،اليمين، الرحمة، الخوف، الحزن، رحمة الله ........ 103

الآية 50 ...104

النقاط المستفادة من هذه الآية: اصحاب النار، اصحاب الجنة، الفيض، الماء، الرزق، الحرمة الكفر..... 104

الآية 51 ...106

النقاط المستفادة من هذه الآية: اللهو، اللعب، الدين، الغرور، حيوة الدنيا، النسي، لقاء الله ،الجحود، الآية...106

الآية 52..... 109

النقاط المستفادة من هذه الآية: الكتاب التفصيل القرآن الهداية، الإيمان، الرحمة .......... 109

الآية 53 ...110

النقاط المستفادة من هذه الآية: النظر، التأويل، النسيان، الرسول، الحق، الشفاعة، العمل، الخسران، الضلال، الإفتراء ....110

الآية 54 ...113

النقاط المستفادة من هذه الآية: السماوات، الأرض، ستة أيام، الإستواء، العرش، الليل، النهار، الحثيث ،الشمس، القمر، النجم، التسخير، الخلق رب العالمين، تبارك الله ....113

الآية 55 ...117

النقاط المستفادة من هذه الآية: الدعاء، التضرع، الخفاء، المحبة، الإعتداء ...117

الآية 56 ...120

النقاط المستفادة من هذه الآية: الفساد، الأرض، الإصلاح، الخوف، الدعاء، رحمة الله، الإحسان ...120

الآية 57 ...122

النقاط المستفادة من هذه الآية: الإرسال الرياح البشارة، بين يدي رحمته، السحاب، الثقيل، السقي، البلد الميت، النزول، الثمرات، الموت، الذكر .... 122

الآية 58 ...124

النقاط المستفادة من هذه الآية البلد الطيب النبات الخبيث النكد، الآية، الشكر.......... 124

الآية 59 ....126

النقاط المستفادة من هذه الآية: الإرسال ،نوح ،العبادة، الإله ،الخوف، العذاب، جهنم، يوم عظيم، يوم القيامة، شعيب، موسی، لوط، طوفان نوح

...126

الآية 60 ........ 129

النقاط المستفادة من هذه الآية: الضلال، ضلال مبين ...129

الآية 61 ....130

النقاط المستفادة من هذه الآية :الضلال، الرسول رب العالمين ....130

الآية 62 ....131

النقاط المستفادة من هذه الآية: الإبلاغ، الرسالة، النصحية، العلم ....131

الآية 63 ....... 133

النقاط المستفادة من هذه الآية : التعجب، الذكر، الرجل، الإنذار، التقوى، الرحمة ........133

الآية 64 ...134

النقاط المستفادة من هذه الآية: التكذيب، النجاة، الفلك، الغرق، الآية، العمي ...134

الآية 65 ...137

مقدمة ......137

النقاط المستفادة من هذه الآية: عاد، هود ،العبادة، الإله، التقوى.... 137

الآية 66 ...139

النقاط المستفادة من هذه :الآية، الكفر، السفاهة، الظن ،الكذب ...139

الآية 67 ....141

النقاط المستفادة من هذه الآية: السفاهة، الرسول، الرسالة، القوم ....141

الآية 68 ...142

النقاط المستفادة من هذه الآية: البلاغ، الرسالة، النصيحة، الأمانة .... 142

الآية 69 ...143

النقاط المستفادة من هذه الآية: العجب، الذكر، الإنذار، الخليفة، نوح، الخلق ،الفلاح ...143

الآية 70 ....145

النقاط المستفادة من هذه الآية: العبودية، التوحيد، الآباء، الوعدة، الوعيد ، الصدق...145

الآية 71 ....147

النقاط المستفادة من هذه الآية :الرجس، الغضب، المجادلة، الأسماء، الآباء، السلطنة، الإنتظار ...147

الآية 72 ....149

النقاط المستفادة من هذه الآية: النجاة، الرحمة، القطع، الكذب، الإيمان ...149

الآية 73 ...150

مقدمة وتعريف بقوم ثمود :...150

النقاط المستفادة من هذه الآية: ثمود، صالح، العبادة، البينة، الناقة، ناقة الله، الأكل، الأرض، المسّ، السوء، عذاب أليم ...151

الآية 74 ...152

152

النقاط المستفادة من هذه الآية الذكر، عاد ثمود ،السهل القصر البيت الفساد الأرض ......152

الآية 75

النقاط المستفادة من هذه الآية :الكبر، المستضعف، المستكبر ،العلم، صالح، الرسول، الإيمان ...154

الآية 76...156

النقاط المستفادة من هذه الآية: المستكبر، الكبر، الكفر، الإيمان، صالح ...156

الآية 77 ...157

النقاط المستفادة من هذه الآية: الناقة، العقر، العصيان، صالح، الوعيد، الوعدة، الرسالة ...... 157

الآية 78 ...158

مقدمة .. ..158

النقاط المستفادة من هذه الآية: صالح، الناقة، العقر، الرجفة، الجثوم ،ثمود ...158

الآية 79...160

النقاط المستفادة من هذه الآية :الرسالة، النصيحة، المحبة ،صالح ،ثمود...160

الآية 80 ...162

النقاط المستفادة من هذه الآية :لوط ،الفحشاء، إبراهيم، سارة، اللواط ...163

الآية 81 ....164

النقاط المستفادة من هذه الآية: اللواط، لوط، النساء، الرجال، الشهوة، الإسراف ...164

الآية 82 ....166

النقاط المستفادة من هذه الآية : لوط، القرية، الطهارة، الإخراج، الذنب ،الملوّث... 166

الآية 83 ....168

النقاط المستفادة من هذه الآية: النجاة ،الأهل، الإمرأة ،الغابر ،....168

الآية 84 ...170

النقاط المستفادة من هذه الآية: المطر، العاقبة الجزاء، المجرم، لوط...170

الآية 85 ...171

مقدمة .....

النقاط المستفادة من هذه الآية : مدين، شعيب، العبادة، الإله، الكيل، الميزان، البخس، الفساد، الأرض، الإصلاح، الإيمان ...172

الآية 86 ...174

النقاط المستفادة من هذه الآية: القعود ،الصراط، الوعد، الوعيد، الصدّ عن سبیل الله، سبیل الله، العوج، الذكر، الكثير، القليل، عاقبة المفسدين الفساد ...174

الآية 87 ....176

النقاط المستفادة من هذه الآية: الطائفة ،الإيمان، الرسول ،الصبر، الحكم، خير الحاكمين .... 176

الآية 88 ...178

النقاط المستفادة من هذه الآية: الكبر، المستكبر، الإخراج، شعيب، القرية، الملة، الكراهة ....178

الآية 89 ...180

النقاط المستفادة من هذه الآية: الإفتراء، الكذب، النجاة، التوكل، الفتح ،الكفر، شعیب، مدین ،الحق، الضلال ...180

الآية 90....183

النقاط المستفادة من هذه الآية: الكفر ،شعيب، الخسران...183

الآية 91 ...185

النقاط المستفادة من هذه الآية :الرجفة ،الجثوم، شعيب، مدين ...185

الآية 92 ...186

النقاط المستفادة من هذه النقطة: الكذب، شعیب، الخسران...186

الآية 93 ...187

النقاط المستفادة من هذه الآية: الرسالة، النصحية، الأسى، الكفر....187

الآية 94 ....189

النقاط المستفادة من هذه الآية: الرسالة، الرسول، القرية النبي، البأساء، الضراء، التضرع ...... 189

الآية 95... 190

النقاط المستفادة من هذه الآية: التبديل، السيئة، الحسنة، المس، الضراء، البأساء، البغة ،الشعور، الغرور، الخسران ...190

الآية 96 ...193

النقاط المستفادة من هذه الآية: القرية، الإيمان، التقوى ،الفتح، البركة، السماء، الأرض، الكذب، الكسب، الأخذ ..... 193

الآية 97 ...195

النقاط المستفادة من هذه الآية: الأمان، القرية، البأس، البيات، النائم ....195

الآية 98 ...196

النقاط المستفادة من هذه الآية: القرية، البأس، الضم، الضحى، اللعب ...196

الآية 99 ....197

النقاط المستفاد من هذه الآية :مكر الله، المكر، الأمن، الخسران : ...197

الآية 100 ...199

النقاط المستفادة من هذه الآية: الهداية، الإرث ،الأرض، الذنب، الطبع، السمع ....199

النقاط المستفادة من هذه الآية: القرية، القصة، الرسالة، البيّنة، الإيمان، الكذب، الكفر، القلب، الطبع ...200

الآية 102 ...202

الآية المستفادة من هذه الآية: العهد، الميثاق، الفسق ...202

الآية 103 ....203

مقدمة ....203

النقاط المستفادة من هذه الآية :البعث، موسی، فرعون، الظلم، عاقبة، المفسدين، الفساد ......204

الآية 104...207

النقاط المستفادة من هذه الآية: موسى ،فرعون، الرسول، رب العالمين ...207

الآية 105 ....209

النقاط المستفادة من هذه الآية: الحق، البيّنة، بني إسرائيل...209

الآية 106 ....211

النقاط المستفادة من هذه الآية: الآية، الصدق...211

الآية 107 ...212

مقدمة ...212

النقاط المستفادة من هذه الآية: ثعبان، عصا ،موسی، فرعون...212

الآية 108...214

مقدمة ...214

النقاط المستفادة من هذه الآية :اليد، البيضاء ،موسى، فرعون...214.

الآية 109...216

النقاط المستفادة من هذه الآية : فرعون، السحر، موسى ...216

الآية 110....217

النقاط المستفادة من هذه الآية: الإخراج، الأرض، فرعون، موسى، السحر...217

الآية 111 ...218

النقاط المستفادة من هذه الآية : موسى، هارون، مدین، فرعون ...218

الآية 112 ....219

النقاط المستفادة من هذه الآية: السحر، موسی، هارون، فرعون ...219

الآية 113....220

النقاط المستفادة من هذه الآية: السحر، فرعون، الغلبة، الأجر، موسى...220

الآية 114 ....221

النقاط المستفادة من هذه الآية :التقرب ،الأجر، السحر....221

الآية 115 ....222

النقاط المستفادة من هذه الآية: موسى، السحر....222

الآية 116 ....223

النقاط المستفادة من هذه الآية: السحر، موسى...223

الآية 117 ...225

النقاط المستفادة من هذه الآية: الوحي، عصا، ثعبان، الإفك ...225

الآية 118....226

النقاط المستفادة من هذه الآية : ثعبان، الحق، الباطل ، العمل....226

الآية 119... 227

النقاط المستفادة من هذه الآية: الغلبة، الإنقلاب الصغير.....227

الآية 120 ....228

النقاط المستفادة من هذه الآية: السحر، السجود....228

الآية 121 ....229

النقاط المستفادة من هذه الآية: الإيمان، السحر، السجود، رب العالمين.... 229

الآية 122... 230

النقاط المستفادة من هذه الآية : موسى ،هارون، رب العالمين، السحر، الإيمان ...... 230

الآية 123 ...232

النقاط المستفادة من هذه الآية :فرعون، الإيمان، الإذن، المكر ، المدينة، الإخراج، العلم ...232

الآية 124 ....233

النقاط المستفادة من هذه الآية: القطع ،الأيدي، الأرجل، الصليب، فرعون، السحر.......233.

الآية 125....234

النقاط المستفادة من هذه الآية: الإنقلاب، الرب ..السحر... 234

الآية 126 ...235

النقاط المستفادة من هذه الآية: الإنتقام، الإيمان، الصبر، الوفاة، الموت ،المسلم....235

الآية 127

النقاط المستفادة من هذه الآية: فرعون ،موسى، بني اسرائيل، الأرض، القتل الأبناء، النساء، الإستحياء، القهر الفوق، الغلبة ...237

الآية 128...239

النقاط المستفادة من هذه الآية : موسى بني اسرائيل الأرض الإرث العبادة، العبد، العاقبة للمتقين، التقوى، الإستعانة الخوف... 239

الآية 129

النقاط المستفادة من هذه الآية: الأذى، بني اسرائيل، موسى، الهلاكة، العدوان، الأرض....... 241

الآية 130....... 243

النقاط المستفادة من هذه الآية: فرعون، السنّ، الثمرة، الذكر.... 243

الآية 131... 245

النقاط المستفادة من هذه الآية: الحسنة، السيئة، التطير، موسى بني اسرائيل ...245

الآية 132...247

النقاط المستفادة من هذه الآية: الآية، السحر، الإيمان، موسى، بني اسرائيل، فرعون ...247

الآية 133...248

النقاط المستفادة من هذه الآية: الطوفان، الجراد القمل الضفدع الدّم، الآية الكبر، الجرم ... 249

الآية 134 ...251

النقاط المستفادة من هذه الآية: الرجز ،موسى، فرعون، العهد، الرسول، بني اسرائيل ......... 251

الآية 135 ...252

النقاط المستفادة من هذه الآية: الرجز، الكشف، الأجل، النكث، فرعون... 252

الآية 136... 253

النقاط المستفادة من هذه الآية: الإنتقام ،الغرق، اليمّ، التكذيب، الآية، الغافل . 253

الآية 137... 255.

النقاط المستفادة من هذه الآية: الإرث، المستضعف، المشرق، الأرض، المغرب، البركة، الكلمة ،بني اسرائيل، الصبر، التدمير، فرعون ،موسى

...255

الآية 138 ....255

النقاط المستفادة من هذه الآية: بني اسرائيل، البحر، الصنم، موسى الإله، الجهالة .....257

الآية 139 ..259

النقاط المستفادة من هذه الآية : التبار، الهلاك الباطل العمل، موسى، فرعون، بني اسرائيل .. 259

الآية 140...260

النقاط المستفادة من هذه الآية: البغي، الفضل، العالمين، بني اسرائيل، موسى ...260

الآية 141... 261

النقاط المستفادة من هذه النقطة: فرعون، سوء العذاب، العذاب، القتل، الأبناء، الإستحياء، البلاء ...261

الآية 142 ...263

مقدمة في تعريف حديث المنزلة: ...263

وثائق حديث المنزلة : ...263

يمكن استخلاص ما يلي من الحديث: ...266

أسئلة حول حديث المنزلة : ...267

النقاط المستفادة من هذه الآية :موسى ،ثلاثين ليلة ،اربعين ليلة، هارون، الخلافة، الصلاح، الإتباع سبيل المفسدين، حديث المنزلة، أمير المؤمنين، بمنزلة هارون من موسى، المؤاخاة، يوم المؤاخاة، وزير النبي ...269

الآية 143...273

النقاط المستفادة من هذه الآية: الميقات، موسى ،كلمة ربه، النظر، الجبل، خرّ موسى صعقا،التسبيح، التوبة، الإيمان الإستقرار....273

الآية 144 ...276

النقاط المستفادة من هذه الآية : موسى، الإصطفاء، الرسالة، الكلمة، الشكر ...276

الآية 145 ....277

النقاط المستفادة من هذه الآية الألواح، الموعظة الفسق، الحسن ...277

الآية 146....279

النقاط المستفادة من هذه الآية: الكبر، الأرض، الحق، الإيمان، الرشد، الغي، الكذب، الآية، الغفلة ...279

الآية 147 ...281

النقاط المستفادة من هذه الآية: الكذب، الآية، الآخرة، الحبط، العمل، الجزاء ....281

الآية 148 ...283

النقاط المستفادة من هذه الآية موسى العجل خوار ،الكلام، الهداية، الظلم، بني اسرائيل، هارون ...283

الآية 149 ...286

النقاط المستفادة من هذه الآية: السقط الأيدي، الضلال الرحمة ،الغفران، الخسران .......... 286

الآية 150...287

مقدمة .........287

النقاط المستفادة من هذه الآية: موسى، غضبان، الأسف، العجل، الألواح، هارون، الضعيف،المستضعف، القتل، العدو، الظلم، بني اسرائيل..288

الآية 151...291

النقاط المستفادة من هذه الآية: المغفرة، الرحمة . ..291

الآية 152....292

النقاط المستفادة من هذه الآية: العجل بني اسرائيل الغضب، الذلة الدنيا، الجزاء، الإفتراء .... 292

الآية 154 ...293

النقاط المستفادة من هذه الآية: موسى، الغضب، الألواح، الهداية، الرحمة، الرهبة ......... 293

الآية 155.. 294

النقاط المستفادة من هذه الآية :موسى، سبعين رجلا، الميقات، الرجفة ،الهلاكة، السفاهة، الفتنة، الهداية، الولاية، المغفرة، الرحمة ...294

الآية 156....296

النقاط المستفادة من هذه الآية: الدنيا، الحسنة ،الآخرة، الهداية، العذاب، الرحمة، الرحمة الواسعة، الكتابة، التقوى، الزكوة، الإيمان، الآية.. 296

الآية 157 ...298

النقاط المستفادة من هذه الآية: الإتباع، الرسالة، الرسول، الأمي، التوراة، الإنجيل، الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر ، الحلال، الحرام، الطيب، الخبيث، الغل، الإيمان، النصر، النور، الفلاح .....298

الآية 158 ....301

مقدمة. ...301

النقاط المستفادة من هذه الآية: الرسول، الرسالة، السماء، الأرض، الملك، الأمي، كلمة الله، الإتباع، الهداية ...301

الآية 159 ....303

النقاط المستفادة من هذه الكلمة: موسى ،الهداية، بني اسرائيل، العدل، الحق ....... 304

الآية 160 ....304

النقاط المستفادة من هذه الآية: الأسباط، موسى، الإستسقاء، السقي، عصا، الحجر، الشرب، الظلل، الغمام ،المنّ، السلوى، الطيب، الرزق، الظلم.

الآية 161 ...306

مقدمة ....306

النقاط المستفادة من هذه الآية: السكني، القرية، حطة، السجود، المغفرة، الخطيئة، الإحسان..... 306

الآية 162....308

النقاط المستفادة من هذه الآية: التبديل، الظلم ،الرسول، الرجز، السماء ...308

الآية 163 ...308

النقاط المستفادة من هذه الآية: القرية، البحر، السبت، الحيتان ،البلاء، الفتنة، الفسق ....310

الآية 164 ...312

النقاط المستفادة من هذه الآية: الموعظة، الهلاك، العذاب، العذر، التقوى ....312

الآية 165 ...313

النقاط المستفادة من هذه الآية: النسيان، الذكر، النجاة، النهى، السوء، الظلم، العذاب ،الفسق....313

الآية 166 ....314

النقاط المستفادة من هذه الآية: القردة ،العصيان ،بني اسرائيل.....314

الآية 167...315

النقاط المستفادة من هذه الآية: الإذن، البعث، يوم القيامة، سوء العذاب، سريع العقاب، الغفران الرحمة، بني اسرائيل .....315

الآية 168 ....317

النقاط المستفادة من هذه الآية: القطع ،الأرض، الأمة، الصلاح، الفساد، البلاء، الفتنة، الحسنة، السيئة، الرجوع....317

الآية 169 ....319

النقاط المستفادة من الآية: الخلاف، الخلف، الإرث ،الكتاب، المغفرة، الحق، الآخرة، التقوى، العقل ...319

الآية 170 . ...321

النقاط المستفادة من هذه الآية: الصلوة، الكتاب، التوراة، الإنجيل، الصلاح، الإستماك ........321

الآية 171 ...322

النقاط المستفادة من هذه الآية: الجبل، الظلال، الظن، التقوى، بني اسرائيل، طور ...322

الآية 172 ...323

النقاط المستفادة من هذه الآية: ألست بربكم ،بني آدم، الذرية، الشهادة، القيامة، يوم القيامة،الغفلة ...323

الآية 173 ...324

النقاط المستفادة من هذه الآية: الشرك، الآباء الذرية، الهلاكة، الباطل ...324

الآية 174 ...325

النقاط المستفادة من هذه الآية: الآية، التفصيل، الرجوع، التوبة ...325

الآية 175 ...326

مقدمة ...326

النقاط المستفادة من هذه الآية: الآية، الشيطان، الغاوين ...326

الآية 176 ...328

النقاط المستفادة من هذه الآية: الخلود، الأرض، الكلب، الهلث، الكذب، القصة، الفكر ......328

الآية 177 ...329

النقاط المستفادة من هذه الآية: الكذب، الآية، الظلم....329

الآية 178.... 330

النقاط المستفادة من هذه الآية: الهداية، الضلال، الخسران... 330

الآية 179...331

النقاط المستفادة من هذه الآية: جهنم، الجنّ، الإنس، القلب، الفقاهة، العين، البصر، الأذن، السمع، الأنعام، الغفلة ...331

الآية 180.... 335

النقاط المستفادة من هذه الآية: الأسماء الحسنى، الدعاء، الإلحاد، الجزاء، العمل ...335

الآية 181 ...336

النقاط المستفادة من هذه الآية: الأمة، الهداية، العدل ...336

الآية 182 ...337

النقاط المستفادة من هذه الآية: الكذب، الآية، الإستدراج، الخدعة، العذاب ...337

الآية 183 ....339

النقاط المستفادة من هذه الآية: المهلة، الكيد ...339

الآية 184 ....340

شأن نزول الآية الكريمة: ...340

النقاط المستفادة من هذه الآية: الفكر، الجنة، المجنون الإنذار.....340

الآية 185 ....342

النقاط المستفادة من هذه الآية :ملكوت، السماوات، السماء، الأرض، الخلق، الأجل، الإيمان .....342

الآية 186 ....343

النقاط المستفادة من هذه الآية: الإضلال، الهداية، الطغيان....343

الآية 187 ....344

شأن النزول: ....344

النقاط المستفادة من هذه الآية: الساعة، السؤال، العلم، السماء، الأرض، البغتة، علم الله .....344

الآية 188 ....347

النقاط المستفادة من هذه الآية: النفع، الضر، العلم، غيب السماوات، الخير، السوء، المش، الإنذار، البشارة، الإيمان ...347

الآية 189 ....350

النقاط المستفادة من هذه الآية: الخلق ،النفس، الزوج، التسكين، الحمل، الثقيل ، الشكر ، الصلاح...350

الآية 190 ...352

النقاط الواردة في هذه الآية :الصلاح ،الشرك ....352

الآية 191....353

النقاط المستفادة من هذه الآية: الشرك، الخلق ...353

الآية 192 ....354

النقاط المستفادة من هذه الآية: النصر ...354

الآية 193 ....355

النقاط المستفادة من هذه الآية :الدعوة، الهداية، الإتباع، الصمت ....355

الآية 194 ....356

النقاط المستفادة من هذه الآية: الدعوة، العبد الإستجابة، الشرك...356

الآية 195 ....347

النقاط المستفادة من هذه الآية :الرجل، المشي، اليد، البطش، العين، البصر، الأذن، السمع، الشرك، الكيد، المهلة ...357

الآية 196 ...358

النقاط المستفادة من هذه الآية :الولاية، التنزيل ،الكتاب، القرآن، الصلاح ....358

الآية 197...359

النقاط المستفادة من هذه الآية: الدعوة، الدعاء الإستطاعة، النص ...359

الآية 198 ....360

النقاط المستفادة من هذه الآية: الدعوة، الهداية، السمع، النظر، البصر....360

الآية 199....361

مقدمة ...361

النقاط المستفادة من هذه الآية: العفو، الأمر بالمعروف، الإعراض عن الجاهلين، الجهل ...361

الآية 200 ....363

النقاط المستفادة من هذه الآية: الشيطان، النزع ..الإستعاذة...363

الآية 201 ....364

النقاط المستفادة من هذه الآية: التقوى، المس، الشيطان، الذكر، البصر....364

الآية 202 ...365

النقاط المستفادة من هذه الآية: الإخوة،المد، الغي ...365

الآية 203 ...

النقاط المستفادة من هذه الآية: الوحى، الآية، الهداية، البصيرة، الرحمة، الإيمان.... 366

الآية 204 ....367

النقاط المستفادة من هذه الآية: القرآن، الإستماع، الإنصات، الرحمة ...367

الآية 205 ....368

النقاط المستفادة من هذه الآية: الذكر، التضرع ،الخفى، الجهر، الغد و الآصال، الغفلة ......368

الآية 206 ...370

النقاط المستفادة من هذه الآية: الإستكبار، الكبر، التسبيح، السجود ....370