ghaemiyeh.com
سرشناسه :الخادمي (الصدر)، السید محمدمهدي الخادمي، 1341-
عنوان و نام پدیدآور :النور المبین في تفسیر للقرآن الکریم/ تألیف السید محمدمهدي الخادمي (الصدر).
الناشر :قم : موسسة انصاریان للطباعة والنشر، 1441ق.= 1398.
خصائص المظهر :3ج.
ISBN :دوره:978-964-219-638-8 ؛ ج.1:978-964-219-637-1 ؛ ج.2: 978-964-219-639-5 ؛ ج.3: 978-964-219-640-1
حالة الإدراج:فیپا
لسان :العربية.
موضوع :تفاسیر شیعه -- قرن 14
موضوع :Qur'an -- Shiite hermeneutics -- 20th century
تصنيف الكونجرس:BP98
تصنيف ديوي:297/179
رقم الببليوغرافيا الوطنية:5897590
النور المبين في تفسير القرآن الكريم
تَفْسِيرُ سورة الفاتحة
تَفسِيرُ سُورَة الْبَقرة الْمُبَارَكَة
تأليف
السيد محمد مهدي الخادمي (الصدر)
المجلّد الرّابع
النور المبين في تفسير القرآن الكر
تفسير سورة المائدة
(المجلد الرّابع)
تأليف: السيد محمد مهدي الخادمي (الصدر)
الناشر: مؤسسة أنصاريان للطباعة والنشر
الطبعة الأولي 1400 - 1443 - 2021
المطبعة: نگین
الكمية: 500 نسخة
عدد الصفحات: 456 ص.
حجم الغلاف: كبير
رقم الإيداع الدولي: 7 - 734-219 -964 -978
رقم الإيداع للدوره : 8 -638 -219-964-978
(تم تمويل الطباعة من ثلث المرحوم الحاج حمزه محمد علي السلمان)
مؤسسة أنصاريان للطباعة والنشر
جمهورية ايران الإسلاميّة
قم - شارع الشهداء - فرع 22 – ص. ب 187
هاتف: 37741744 (25) (98) فاكس: 37742647
البريد الالكترونى : Int ansarian@yahoo.com
www.ansariyan.ir
بِسْمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير سورة المائدة المُباركة
هذه السّورة العظيمة هي السّورة الخامسة من سور السّورة الخامسة من سور المصحف الشريف، ونشير هنا إلى بعض خصائصها قبل البدء بتفسيرها ومحاولة السياحة في آفاقها:
اشتق اسم هذه السّورة من الآية الثّانية عشرة بعد المائة؛ والّتي تحكي قصة نزول مائدة من السماء على النّبي عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وحوارييه.
يذهب البعض، ومنهم ابن عبّاس إلى أنّ هذه السّورة الجليلة نزلت على القلب المطهر للنّبيّ الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في المدينة المنورة... في المدينة المنوّرة.. (1)وإلى أن الآية الثّالثة منها فحسب نزلت حين سفره إلى بيت اللّه الحرام لدى (حجة الوداع) حيث كان راكباً ناقته..
في هذه السّورة (120) آية، تتضمن (2804) كلمة و(11933) حرفاً.
يذكر أن عدد الآيات طبقاً للعد الكوفي هو (120) آية، وطبقاً للعد البصري هو (123) آية وعدها آخرون (122) آية، ويعود هذا الاختلاف إلى أنّ البعض قد اعتبر الآية الأولى تنتهي إلى قوله تعالى (بالعقود) فعدّوها آية مستقلة. كما اعتبروا جملة (ويعفو عن كثير) آية واحدة. وفضلاً عن هاتين الآيتين والموردين، دعا بعضهم الآية (23) آيتين مستقلتين، وقالوا: إن عبارة (فإنّكم غالبون) آية واحدة.
1) مجمع البیان، ج 3، ص 231.
1- عن النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه قال حول ثواب هذه السّورة الشّريفة: «مَنْ قَرأَ سورة المائدة؛ أُعطي منَ الأجرِ بعددِ كلّ يهودي ونصراني يتنفّسُ في دار الدنيا عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئاتٍ، ورفع له عشر درجات» (1).
2- فيما يرتبط بنزول السّورة؛ ورد عن مولانا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه وقبل نزول هذه السّورة، كانت بعض الآيات القرآنيّة ينسخ بعضها بعضاً، ولهذا؛ كان التمسك بأحكام الآيات القرآنيّة عموماً منوط بإرشاد النّبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فحسب، ولكن بعد نزول سورة المائدة الّتي نسخت جملة من الأحكام السابقة... ترسخت وتثبتت أحكامها ومقرراتها. (2)
وهذه السّورة العظيمة نزلت على الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو راكب ناقته، ومن عظيم هذه السّورة أنّ الناقة عجزت عن الحركة ممّا اضطرّ النّبي إلى الاتكاء بيده المباركة على رأس أحد الصحابة، ثم أن الناقة عادت إلى وضعها الطبيعي بعد انتهاء نزولها، وخروج النّبي عن حالته المعنويّة المميزة، حيث راح يتلو آياتها المباركة بادئاً بقرائنها والعمل بأوامرها ونواهيها.
3- وكذلك رُوي بهذا الصدد أن مولانا الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : «من قرأ سورة المائدة في كلّ يوم خميس، لم يلبس إيمانه بظلم، ولا يشرك أبداً»(3).
4- وكذلك روي عن أبي حمزة الثّمالي أن السّورة نزلت دفعة واحدة على قلب النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد شايعها سبعون ألف ملك.... (4)
كانت وجهة خطاب هذه السّورة بدءاً إلى الرسول الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ثم إلى المؤمنين، ثم إلى المشاكسين والمنحرفين الباحثين عن الانحراف والتضاد بالسّر أو بالعلن- مع المجتمع المؤمن.
و إن أردنا رسم خارطة لأبحاث هذه السّورة ومواضيعها، ثمّ توزيعها ضمن أقسام كلّيّة، سنجد أمام نواظرنا عناوين وسياقات عديدة، مثل:
أصل التقوى والورع.
التعاون في القابليات.
العدالة الإجتماعيّة.
القيام بالقسط والعدل.
الشهادة والحكم على أساس الحقّ والعدل.
توفير الحقوق الأوليّة والأساسيّة للنّاس، ومن ذلك: حق الحياة.
أصل الشّعور بالمسؤوليّة وتحمّلها.
أصل الهجرة، وأوائل المهاجرين المسلمين.
ولاية أئمة الحقّ بعد الفترة النّبويّة.
معرفة الدّين الحقّ والتامّ.
أصل الاعتدال في الحياة.
الأسلوب التّدريجيّ في التربية وبناء الفرد والمجتمع :
أهمية الكعبة ودورها في التحولات الدّينية والإنسانيّة.
أحكام وقوانين عامة، مثل بعض أحكام الزّواج وتأسيس الأسرة.
الغسل والوضوء والتّيمّم وتطهير الجسم والرّوح.
عقوبة الاعتداء على ممتلكات الآخرين.
تحريم شرب الخمر والقمار و...
الإشارة إلى بعض الطعام الحلال والحرام.
تحریم العلاقات السّلبية.
تحريم صيد الحيوانات والطيور حال الإحرام وفي حدود الحرم.
آداب الوصيّة والشهادة عليها.
القسم وكفارته.
الأذان للصلاة.
مراجعة الدروس التربوية من قبيل:
تاريخ أنبياء بني إسرائيل.
كلام النّبي موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع اللّه جل جلاله.
أولاد آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ).
تاريخ النّبي المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ).
معجزات النّبي المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ).
توحيد النّبي عيسى ونفوره من الشّرك والظّلم.
وعشرات المواضيع البنّاءة؛ فكريّاً وعقائديّاً وأخلاقياً واجتماعياً وأسريّاً، على الصعيد المعنويّ والتّربويّ.. كما سيتم التطرق إليها إن شاء اللّه تعالى.
بِسمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يَا أَيُّهَا الّذينَ ءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلّى الصّيدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّه يَحكُمُ مَا يُرِيدُ (1)
طبقاً للأحاديث والروايات وآراء كبار المفسّرين، فإنّ هذه السّورة هي آخر، أو من أواخر السور الّتي أُنزلت على النّبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد ورد في (تفسير العياشي) عن مولانا الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال بأنّ سورة المائدة نزلت على النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قبل شهر أو ثلاثة أشهر من شهادته (1). مضافاً إلى أنّ الوارد من الرّوايات في كون هذه السّورة ناسخة غير منسوخة (2)إشارة إلى هذا الموضوع.
إنّ هذه السّورة بآياتها تبيّن سلسلة ومجموعة من المفاهيم الإسلاميّة وهي بمثابة آخر ملامح المنهج الدّيني وقضيّة المنهج الدّيني وقضيّة قيادته الأمّة وخلافة النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). ويمكن - على هذا الأساس- أن تكون الآية الأولى من السّورة النّاطقة بلزوم الوفاء بالعهود بداية وملزماً لإلزام المؤمنين بالوفاء بما عاهدوا عليه اللّه من قبل... والأمر أشبه ما يكون بمسافر يعمد في آخر
لحظات وداعه إلى تذكير أقربائه وأتباعه بأن لا ينسوا وصاياه وملاحظاته وما تعاهدوا عليه فيما بينهم، فيكونون بذلك من الأوفياء (يَا أَيُّهَا الّذينَ ءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ).
1- العقود؛ جمع عقد، وفي اللّغة اللغة بمعنى جمع أطراف الشيء المتين، وعلى هذا الأساس يقال لعقد طرفي الحبل، أو عقد حبلين إلى بعضهما؛ عقدة. ثمّ من هذا المعنى الحسّيّ ينتقل إلى المفهوم المعنويّ، فيقال لكل عهد وتعهد عقد. ولكن طبقاً لكلام بعض المفسّرين؛ فإن للعقد مفهوماً أكثر محدوديّة من العهد لأن العقد يُقصد به العهد ذو المتانة والرصانة الكافية؛ وليس كلّ عهد، وإن ورد في بعض الروايات وعبارات المفسّرين بكون العقد والعهد بمعنى واحد (1)، فإنّه لا يتنافى وما ذكرنا، لأنّ المراد هو التفسير الإجمالي لهاتين الكلمتين والاصطلاحين، وليس لبيان جزئياتهما.
2- بالنظر إلى حرف (ال) الوارد في كلمة (العقود الّتي تفيد العموم، بما جعل جملة (أوفوا بالعقود) مطلقة تماماً، فهي ذات مفهوم واسع جداً يشمل جميع جوانب حياة الإنسان بما هو أعم من العقيدة والعمل وعليه صارت هذه الآية المباركة دليلاً على وجوب الوفاء بجميعا لعهود والعقود الّتي يبرمها النّاس فيما بينهم، أو مع اللّه تعالى، وذلك يشمل جميع العهود الإلهيّة والإنسانيّة والمعاهدات السياسيّة والاقتصاديّة والإجتماعيّة والتجاريّة والزوجيّة وكذلك العهود الفطريّة والتوحيديّة، وبالعهود الّتي يبرمها النّاس في إطار المسائل المختلفة للحياة، أو العهود الّتي يبرمها المسلمون مع غير المسلمين.
3 - عُرّف العقد في تفسير (روح المعاني) عن الراغب لغةً: لأن العقد يتمّ بين طرفين، فهو على ثلاثة أقسام :
1) تفسير القمي، ج1، ص 160.
ألف: تارة يكون العقد بين اللّه وعبده.
ب: وتارة بين الإنسان ونفسه حيث يتعاقد المرء مع ذاته، فيعد نفسه شخصين وطرفين الإبرام العقد.
ج: وتارة يكون العقد بين نفسه وسائر الأفراد (1).
4 - أن إحدى أوضح القيم الإجتماعيّة؛ الوفاء والالتزام بالعهود المقبولة عموماً؛ ويقبلها العقلاء من كلّ دين ومذهب، كما أنّ ردّ الأمانة وأدائها والوفاء بالعهد من جملة الأحكام الّتي يدركها (العقل) مستغنياً عن الدليل الشرعيّ مع أنّ حكم الشّارع المقدس بخصوص ردّ وأداء الأمانة ووجوب الوفاء بالعقد أمر إرشادي، وإلا فإنّنا لو تجردنا أو لم يواجهنا أي دليل شرعي على وجوب الوفاء بالعهد وعلى لزوم أداء الأمانة، فإنّ حكم العقل كافٍ لإثبات وتأييد الحكم الشرعيّ.
5- ثَمّ آيات قرآنيّة عديدة تأمر المسلمين بالوفاء بعقودهم وعهودهم وكانت أكثر المفردات المستعملة في هذا الأمر، مفردة (الوفاء) كما أن مفردة مورد الوفاء هي (العهد) كما جاء في قوله سبحانه: (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا) (2).
(وَالّذينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) (3).
(یَا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (4).
وعلى هذا؛ فإنّ العبارة الرائجة -قرآنيّاً - فيما يتعلّق بالمعاهدات والعقود؛ هي (العهد). أما فيما يرتبط بموارد قد استعملت فيها مفردات أخرى، مثل كلمة (عقد) وقد مرّ مثالها. أو
بكلمة (عقدة) في قوله تعالى: (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حتّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ) (1).
وثَم كلمات ومفردات أخرى مثل : (إل) و (ذمّة) حيث يقول تعالى: (كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً) (2).
6- العقد عبارة عن كلّ فعل وقول يجسّد معنى العقد لغة، وذلك المعنى اللّغوي عبارة عن إنجاز نوع الصلة والارتباط بين شيء وشيء آخر بحيث يتمّ به ولا ينفصل عنه، مثل عقد البيع الّذي هو عبارة عن نوع صلة وربط ملكي بين البضاعة والمشتري، بحيث يكون بمستطاع المشتري - بعد إبرام العقد أن يتصرّف بالبضاعة كيف يشاء، كما ينتهي الأمر بقطع علاقة بائع البضاعة بها، فلا يستطيع التصرّف والتدخل بشأنها، حيث تجرّد عن مالكيتها الّتي كانت له في السابق. وكعقد النكاح الّذي هو عبارة عن إيجاد العلاقة الزّوجيّة بين المرأة والرجل بحيث يكون بمستطاع الرّجل التمتع بزوجته فيمارس ما للزوج في زوجته، فلا يحق للمرأة بعد ذلك أن تقيم مثل هذه العلاقة مع غيره من الرجال، أو أن تسلّط رجلاً آخر على ناموسها. أو كعهد يسلّط فيه صاحب العهد شخصاً معهوداً له على نفسه، ليفي بهذا العهد ولا يستطيع تجاهله وعدم الوفاء..
7 - إن مسألة الوفاء بالعهد والعقد الّذي تناولته هذه الآية الشّريفة؛ تعدّ طبيعة من أهمّ الطّبائع في الحياة الإجتماعيّة، فلا يمكن تصوّر هذه الحياة دون الالتفات إلى هذه المسألة.. كما أنّ النّاس إذا ما فرطوا بها؛ فإنّهم سيفرّطون ثمّ سيفتقرون إلى الحياة الإجتماعيّة وآثارها العمليّة، ولهذا؛ فقد ورد التأكيد العميق في المصادر الإسلاميّة على هذه المسألة، وقلّ أن يتمدد أمركما تمدّدت هذه المسألة، إذ من دونها تقع الفوضى العارمة ويُسلب المجتمع أمانه
الأمر الّذي يعدّ أعظم مأساة اجتماعية يتعرّض لها النّاس من هنا؛ ورد التأكيد الإلهيّ بخصوص حفظ العهد والوفاء بالعقد، ومن جملة ذلك ؛ قوله سبحانه : (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) (1).
8- العهد والوفاء به من جملة الأمور الّتي لا تسمع الإنسان أن يستغني عنها طيلة حياته... وبهذا الصدد يتساوى الفرد والمجتمع... أمّا ذو القدرة والسّلطة ممّن ينقضون عهودهم ومواثيقهم، فإنّهم في حقيقة الحال وواقعه يتسبّبون في تضييق الحقوق ونقض العدالة الإجتماعيّة، فيما العدل يمثل الرّكن الأساسيّ في خلاص الإنسان من العبوديّة والأسر، وإنّ منطق الدّين الحقّ يقول بأنّ المحافظة على الحقوق الإجتماعيّة والعدالة في مختلف الظروف أمر واجب، لأنّ المصلحة الإجتماعيّة رهينة ومتوقّفة عليها...
9 - إنّ منطق الدول المتقدّمة والرأسماليّة والدّيمقراطيّة يتبلور في أنها تحرص بشدّة على حفظ مصالحها ومصالح شعوبها؛ وإن أدّى ذلك إلى تضييع حقوق الدّول والشّعوب الأخرى، ولهذا ترانا نسمع في كلّ يوم حوادث وأخبار تضييع الدول القوّية لحقوق وعهود الدول والشّعوب الضعيفة؛ حفظاً لمصالحها هي وإن أدّى ذلك إلى استضعاف الآخرين.
10 هذه الآية من جملة الآيات الّتي يستدلّ بها في أبحاث الحقوق الإسلاميّة وفي كافّة الأبعاد الفقهيّة، وهي تمثل قاعدة فقهيّة مهمّة يطلق عليها: (أصالة اللّزوم في العقود)، وهي تشمل كلّ عقد وعهد متعلّق بأشياء أو أفعال يتم إبرامه بين شخصين، فيكون لازماً، حتّى بالنسبة إلى أنواع المعاملات والشّركات والعقود في عصرنا ولم تكن معروفة في سالف الأيّام، أو أن تُبدع في مستقبل العصر، فتكون مشمولة بهذه القاعدة القرآنيّة - إن تمت وفق الموازين الصحيحة. فهذه الآية الشّريفة تعدّ قاعدة رصينة لكلّ ذلك وتمضيها (بشرط إحرازها الضّوابط
1) سورة الإسراء / 34.
الكلّيّة الّتي أقرّها الإسلام).
11 - لا شكّ في أنّ الاستدلال بهذه الآية الشّريفة باعتبارها قاعدة فقهية لا تعد دليلاً على شمول العهود الإلهيّة المبرمة بين العباد وربّهم المتعال، أو تلك المسائل المرتبطة بالقيادة وزعامة الأمّة الّتي وقعت من قبل النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقطعها على النّاس، بل إنّ للآية هذه مفهوماً واسعاً تشمل جميع هذه الأمور.
12- أنّ لزوم الوفاء بالعقود والعهود يجب أن يكون من قبل الطرفين، ما دامت لم تنقض من طرف واحد.. فإنّ وقع النقض من جهة واحدة، لم تكن الجهة الأخرى ملزمة بالوفاء، وهذا ما هو ساقط من ماهية العقد والعهد.
13 - موضوع الوفاء بالعهد من المواضيع الخالية عن أي تفاوت بين النّاس، سواء كان طرف العقد مسلماً أو غير مسلم، وحسب الاصطلاح هو من جملة حقوق الإنسان، دون أن تكون - حكراً - على حقوق الأخوّة الدّينيّة.
14 - خمسة أحاديث حول الوفاء بالعهد:
الحديث الأوّل: نقرأ عن مولانا الإمام الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ):
(ثلاث لم يجعل اللّه عز و جل لأحد فيهن رخصة : أداء الأمانة إلى البرّ والفاجر، والوفاء بالعهد للبرّ والفاجر، وبرّ الوالدّين؛ برين كانا أو فاجرين!) (1).
الحديث الثّاني: روي عن مولانا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
(إذا أومأ أحد من المسلمين، أو أشار إلى أحد من المشركين؛ فنزل على ذلك؛ فهو في أمان). (2)
الحديث الثّالث: وعن النّبي المصطفى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال :
(لا دين لمن لا عهد له). (1)
الحديث الرّابع: عن مولانا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال:
(إنّ اللّه لا يقبل إلّا العمل الصالح، ولا يقبل اللّه إلّا الوفاء بالشروط والعهود) (2).
الحديث الخامس: نقرأ في نهج البلاغة من عهد أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى مالك الأشتر رضوان اللّه عليه: (.. فإنّه ليس من فرائض اللّه شيء؛ النّاس أشدّ عليه اجتماعاً مع تفرّق أهوائهم وتشتّت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعهود، وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين لما استوبلوا من عواقب الغدر...). (3)
15- بعد أن أمرت الآية الشّريفة بالوفاء بالعقود، حيث تشمل جميع الأحكام والعهود الإلهيّة، وجدنا الآية تبيّن مجموعة من الأحكام الإسلاميّة، أوّلها حلّية لحوم الحيوانات؛ فقالت (أُحِلّت لَكُم بَهِيمَةَ الأَنعَام).
16 - إنّ كلمة (بهيمة) هنا بمعنى ذات الأربعة أرجل، وهي أعمّ من (الأنعام)، إذ الأنعام تُطلق على البقر والجمال والغنم وقد وردت كلمة (بهيمة الأنعام) ثلاث مرات في القرآن؛ بمعنى حلّيّة ذوات الأربعة أرجل، وقد بيّن مولانا الإمام الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن المراد من بهيمة الأنعام جنين الحيوان المذكى، إذ تذكيّة أمّه تذكيته. (4)
17 - حيث كانت حلية حيوانات مثل البعير والبقر والغنم معلومة من قبل نزول هذه الآية، أمكن أن تكون الآية إشارة إلى حلّيّة أجنّتها، ولكنّ الأقرب في معنى الآية كما يبدو أنّ لها معنى واسعاً وتبين حلّيّة هذا النوع من الحيوانات وكذلك حليتها، وإن كان حكم هذا النوع
من الحيوانات معلوماً - أيضاً - سلفاً، فقد تكرّر هنا بعنوانه مقدّمة للاستثناءات..
18 - اتّضح أنّ علاقة حكم حلّيّة لحوم ذوات الأربع بالأصل الكلّي بلزوم الوفاء بالعهود من حيث أنّ هذا الأصل الكلّي بمثابة الأحكام الإلهيّة والّتي هي - نوعاً ما عهد إلهي مع العباد، هو محظ تأكيد... ؛ ثم تبعاً لذلك ورد بيان جملة من الأحكام، وهي حلّية لحوم بعض الحيوانات وحرمة لحوم حيوانات أخرى.
19 - في ذيل الآية؛ استثني موردان في حكم حلّيّة لحوم ذوات الأربع المورد الأوّل : استثناء اللحوم الّتي يعلن تحريمها عليكم (إلّا مَا يُتلَى عَلَيكُم). المورد الثّاني: وباستثناء حال الإحرام لأداء مناسك الحجّ أو مناسك العمرة، حيث يحرّم الصيّد (غَيرَ مُحلِّى الصِّيدِ وَأَنتُم حُرُم).
20 - في ختام الآية، ورد مطلق القدرة الإلهيّة في إصدار الأحكام باعتبار أنّ الربّ المتعال هو العالم بكل شيء، فتراه يشرع ما هو صلاح للعباد وما يقع ضمن مقتضى الحكمة..
يَا أَيُّهَا الّذينَ ءَامَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائَرَ اللّه وَلَا الشَّهْرَ الحَرَامَ وَلَا الهدى وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا ءَآمِينَ الْبَيْتَ الحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَبِهِمْ وَرِضْوَانَا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَأَصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللّه إِنَّ اللّه شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)
تبيّن من الآية عشرة تعاليم إسلاميّة مهمّة من جملة آخر ما نزل على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وجميعها أو أغلبها مرتبط بالحج وزيارة بيت اللّه الحرام:
الأوّل: في البدء توجّهت بالخطاب إلى الأفراد المؤمنين بقولها: (يَا أَيُّهَا الّذينَ ءَامَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائَرَ اللّه).
الثّاني: احترام الأشهر الحرم والامتناع عن القتال فيها : (وَلَا الشَّهْرَ الحَرَامَ).
الثّالث: عدم تحليل الأضاحي المقادة في الحجّ، سواء ما كان منها معلّماً بعلامة أو لم يكن، وضرورة إيصالها إلى موضع ذبحها لتذبح في محلّها؛ (وَلَا الهدى وَلَا الْقَلَائِدَ).
الرّابع: ضرورة أن يتمتع جميع زوّار بيت اللّه الحرام بالحرّيّة التّامة خلال مراسم الحج، ولا ميزة في هذا الإطار لجماعة على أخرى ولقومية دون غيرها.
الخامس على هذا؛ لا تنبغي مزاحمة الساعين إلى رضا اللّه تعالى أو لمن يقصد بيت اللّه الحرام بقصد التجارة وتحقيق المكسب المادّيّ.
السّادس: للجميع حصانة في بيت اللّه وإن كان بعضهم أعداء، ما داموا مسلمين: (وَلَا ءَآمِينَ الْبَيْتَ الحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَبِهِمْ وَرِضْوَانَا).
السابع: تحريم الصيد محدود بزمان وفترة الإحرام، وعليه إذا أحل المرء من إحرام الحج أو العمرة؛ حلّ له الصّيد (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَأَصْطَادُوا).
الثّامن: إذا تسبّب البعض من عبدة الأصنام حين الجاهليّة (في صلح الحديبية) بمضايقتكم لدى زيارة بيت اللّه، ولم يسمحوا لكم بأداء مناسك الحجّ والزّيارة... فإنّ ذلك لا ينبغي أن يكون سبباً للحقد أو إحياء العداوات السابقة بعد إسلامهم، فتمنعوهم من زيارة بيت اللّه الحرام (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ).
التّاسع: لإتمام البحث السابق، أكدت هذه الآية الشّريفة على الكف عن التفكير بالانتقام جرّاء العداوات السابقة... وعلى الحرص على التكاتف في إطار البر والتقوى دون التعاون على المعاصي والعداوات (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ).
العاشر: في آخر الآية، ولتكريس الأحكام السابقة، حرصت الآية على ضرورة الامتناع عن مخالفة الأوامر الإلهيّة، لأنّ فيها العقاب الإلهيّ (وَاتَّقُوا اللّه إِنَّ اللّه شَدِيدُ الْعِقَابِ).
1- اختلف المفسّرون في تعريف الشعائر، ولكن بالقياس إلى الفقرات الأخرى لهذه الآية، ولأنّ سنة نزولها كانت السنة العاشرة الهجرية وسنة حجّة الوداع.. فإنه يبدو أن المراد من الشعائر: المناسك وأعمال الحجّ الّتي يؤديها المسلم باحترام وشاهد هذا التفسير أنّ كلمة (شعائر) الواردة في القرآن الكريم عادة ما استعملت بخصوص مراسم الحجّ.
2- ذهب بعض المفسّرين والفقهاء إلى أن قوله تعالى (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ
عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ...) قول عام ويشمل غير المسلمين حتى، بمعنى: لو أن المشركين أرادوا زيارة بيت اللّه فلا يصح منعهم عن ذلك، ولكن بالالتفات إلى هذه الآية (28) من سورة التّوبة وهي السّورة المعروفة بكونها قد نزلت في السنة الهجرية التّاسعة.. قد أمرت بمنع المشركين عن دخول المسجد الحرام، وبالنظر إلى أنّ سورة المائدة قد نزلت في الفترة الأخيرة في حياة النّبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وفي السنة الهجرية العاشرة، وطبقاً لروايات المسلمين عموماً، فإنّه ليس من حكم من أحكامها نُسخ (1)، وعليه؛ فإنّ هكذا تفسير غير صحيح، والحق أن الحكم أعلاه خاص بالمسلمين.
3- لا شكّ في أنّه وإن كان قوله تعالى (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ) قد نزل بخصوص زيارة بيت اللّه، إلا أن يفصح عن قانون عام يؤدّي إلى تحريم العقد والضغينة على المسلم أو أن يفكر في الانتقام لحوادث وقعت في الزمن الماضي.
4 - الحكم الإسلاميّ بالامتناع عن الحقد والضغينة؛ وذلك لدى غروب شمس عمر النّبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لمنع اتقاد شعلة ونار النفاق بين المسلمين، إذ الحقد من أبرز علل النفاق والتّشتت في كلّ مجتمع مسلم.
5- أنّ موضوع التعاون عبارة عن أصل إسلامي عام يشمل القضايا الإجتماعيّة والقانونية والأخلاقيّة والسياسيّة، ويحمّل المسلمين مسؤوليّة التضامن والتكافل والتعاون لدى الأعمال الصالحة، مع ممنوعية التعاون لتحقيق الأهداف الباطلة والأفعال الخاطئة من ظلم وجور، وإن كان صادراً عن صديق مسلم مقرّب.
6- أنّ قانون التعاون في الإسلام يبطل كلّ قانون جاهلي ماض أو معاصر يقول : انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، دون مراعاة أصل العدالة ولا يفكك بين الظّالم والمظلوم، وللأسف؛ نرى هذا
1) الميزان، ج 5، ص 190.
الأصل الجاهلي حاكماً في العلاقات الدولية المعاصرة، فتجد الدول والحكومات المنظّمة لمعاهدة ما، أو الّتي تجمعها مصالح مشتركة تهب لدعم بعضها بعضاً دون اهتمام أو تفعيل لأصل العدالة.. فيما الإسلام يأمر المسلمين بالتضامن والتّعاون على أصل البرّ والتّقوى والمنهج المفيد والبنّاء؛ وليس المعصية والظّلم والاعتداء.
7- ذكر مفردة التّقوى وتكرارها ضمن مرحلتين؛ يشير إلى وجود مرحلتين؛ إيجابية وسلبيّة. وفي البعد الإيجابي ثمّ إشارة إلى الأعمال المفيدة، أما البعد السلبي؛ ففيه الإشارة إلى منع الممارسات الخاطئة، وبهذا ينبغي أن يكون التعاون قائماً على أساس الدعوة إلى صالح الأعمال ومواجهة المساوئ والأباطيل.
8 - جرى الانتفاع في الفقه الإسلاميّ من القانون القائل بلزوم التعاون الخير، ولزوم اجتناب التّعاون على الشّر، وذلك ضمن المسائل الحقوقيّة؛ وعلى هذا؛ فإن التعامل وإبرام العقود التجاريّة المساعدة على ارتكاب المعصية، يعد عملاً ممنوعاً ومحرّفاً، مثل: بيع العنب لمعامل صنع الخمور، أو بيع الأسلحة لأعداء الحقّ والعدالة. أو تأجير محل العمل لإجراء المعاملات الباطلة والمخالفة للشّرع، فإذا ما جرى إحياء هذا الأصل في المجتمعات المسلمة، وتعاون المسلمون على تطبيقه، فبغضّ النظر عن العلاقات الشخصيّة والعنصريّة، وامتنعوا عن التعاون مع الأفراد الظّلمة؛ مهما كانت منازلهم، فإنّ كثيراً من أوجه الاضطراب والفوضى الإجتماعيّة سيتم القضاء عليها. ولو أنّ المعايير الدولية قد وضعت بناءً على هذا الأصل الإسلاميّ، فعمد إلى مواجهة المعتدي مهما كان وأي دولة كانت لجفت جذور شجرة الاستعمار والاستغلال من عموم العالم، أما إن رأينا الحكومات الظّالمة تدعم من قبل حكومات شبيهة أخرى مع اعترافها التام وتصريحها الواضح بوجود مصالح خاصّة فيما بينها يدفع بها إلى التضامن معها ودعمها... فإنّه من العبث والشفه أن نتوقع تحسّن أوضاع البشريّة.
الحديث الأوّل : (قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إذا كان يوم القيامة نودي أين الظالمون؟ وأين من قدّم لهم قلماً؟ وأين من هو لاقٍ لهم دواتاً؟ قال فيجتمعون في تابوت من حديد، ثمّ يرمى بهم إلى جهنم) (1).
الحديث الثّاني: (عن صفوان الجمال، وكان من جملة أصحاب الإمام الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : قدمت على الإمام فقال لي: يا صفوان كلّ شيء فيك حسن إلّا شيء واحد، قلت: روحي فداك وما هو ؟ قال : أنك أجرت جمالك لهذا الرجل - هارون العبّاسي - فقلت: واللّه لم آجره للّهو أو للصيد الحرام، بل أكريته في طريق مكة للحجّ وإنّي لا أصحبه في طريقه، وإنما يرافقه بعض أولادي وأقاربي، فقال : يا صفوان وهل تأخذ على أجرتك ثمناً؟ قلت : نعم، قال: وهل تحب أن يبقوا أحياء ليعطوك مال الإجارة؟ قلت نعم قال: إنّ من أحبّ لهم البقاء؛ كان منهم، ومن كان منهم؛ صار إلى النّار، قال صفوان : فبادرت إلى بيع جميع جمالي، فتناهى ذلك إلى هارون، فبعث ورائي وقال يا صفوان سمعت أنك بعت جمالك، قلت: نعم، فقال: ولم؟ قلت : قد كبر سنّي ولا يستطيع أولادي وعمالي أن يقوموا بأمرها، فقال: ليس الأمر كما تزعم.. وإنّي لأعلم من أمرك بذلك.. إنّه موسى بن جعفر. فقلت: ما لي ولموسى بن جعفر؟ فقال هارون: دعك من هذا... وواللّه لولا ما سلف منك من صلاح معنا لأمرت بقطع رأسك !! (2)
الحديث الثّالث: قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): (يا عليّ كفر باللّه العلي العظيم من هذه الأمّة عشرة.. وبائع السلاح من أهل الحرب). (3)
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحمُ الخنزيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَير اللّه بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقُ الْيَوْمَ يَئِسَ الّذينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخشَوْهُمْ وَاخْشَونِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثْمٍ فَإِنَّ اللّه غَفُورٌ رَّحِيمٌ (3)
الإسلام دين جامع، يهتم بجميع حاجات الإنسان الطبيعيّة والرّوحيّة، وهو يصرّح بكل وضوح عن مواقفه (حُرّمَت).
دور الطعام في سلامة الجسم والرّوح بحيث ورد التأكيد القرآني عليه مراراً (حُرِّمَت عَلَيكُم).
ينبغي أن تتم عملية ذبح الحيوان ضمن صبغة إلهيّة وفي سبيل اللّه تعالى، وإلّا كانت
هذه العمليّة حراماً (وَمَا أُهِلَّ لِغَير اللّه).
إن صُرع الحيوان، أو نُطح، أو سقط من علّ، أو أكل من قبل حيوان آخر مفترس فذبح ولمّا يُفارق الحياة بعد... ؛ كان حلالاً (إِلَّا مَا ذَكَيْتُمْ).
يلزم المسلم خلال حياته أن يواجه جميع مظاهر الشرك، ومن ذلك أنّه يحرّم الحيوان المذبوح على أو في إطار الأصنام (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ).
مع أن اللّحم المقسم بالسهام أو أعواد القمار محكوم بالحرمة، ولكن يبدو أن للحم أو لوسيلة تقسيمه وأعواد القمار خصوصيّة، وإنما الكسب الحاصل في طريق القمار هو المقصود في إطار النهي (وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ).
لقد كانت أهم بارقة أمل بالنسبة للكفار؛ موت رسول اللّه الا اللّه، وقد انطفأت هذه البارقة بتعيين أمير المؤمنين اللّه في منصف الخلافة (الْيَوْمَ يَئِسَ..).
الكفّار كانوا يخشون الدّين الكامل، دون الدّين المعطلة قيادته وجهاده ومصادره وأفراده المتفرّقين (الْيَوْمَ يَئِسَ.. الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ).
تعيين واصطفاء عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) للإمامة كان إتماماً للنّعمة الخاصة المسماة (نعمة اللّه تبارك وتعالى) (أتممت عليكم نعمتي) علماً أن استدبار هذه النعمة والكفران بها وعدم الشكر عليها وعدم الالتزام بمتطلباتها.. له عواقبه المدمّرة (النحل / 112) (فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ).
الإسلام المجرّد عن الولاية والإمامة - إن سمّي إسلاماً لا يحظى برضا اللّه تعالى (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا).
الاضطرار يجيز استعمال المحرّم، ولا يصح للإنسان أن يتعمّد السقوط في حالة الاضطرار (اضْطُرَّ) وهذا فعل مجهول الفاعل.
الإسلام - في أحد أبعاده- يجسّد قانوناً كاملاً يهتم بجميع حالات وظروف الإنسان؛ لاسيما في حالة الاضطرار والمخمصة، وهذا يعني أن الإسلام لا يتضمن طريقاً مسدوداً.. (فَمِنِ اضطُرَّ). لا ينبغي تبدل أو تبديل الحالات الضّروريّة إلى أرضيّة لارتكاب المعاصي أو تصوّر الإباحية المطلقة، بل اللّازم هو الاكتفاء بالمقدار المحدد في دفع الاضطرار (غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثْمٍ).
من التّسهيلات المقررة للأفراد المضطرين لا يصح إساءة الاستفادة منها (غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثْمٍ) وعن مولانا الإمام الباقر الا في تفسير قوله تعالى: (غَيْرَ مُتَجَانِفٍ): لا يذهب للذنب عامداً (1).
حيث أشير في مطلع هذه السّورة المباركة إلى حلّية لحوم ذوات الأربع أرجل، فقد بينت هذه الآية الكريمة تحريم أحد عشر مورداً.. ومن المحرمات الواقعة تحت طائلة الاستثناء الواردة في الآية الأولى من السّورة؛ وهي لازمة التوضيح فيما وردت الإشارة إلى استثناءات أخرى في آيات قرآنيّة تأكيداً عليها:
الحرام الأوّل : (الميتة).
الحرام الثّاني: (الدم).
الحرام الثّالث : (لحم الخنزير).
الحرام الرّابع: الحيوانات المطابقة لسنن الجاهليّة، والمذبوحة باسم الأصنام؛ دون اسم اللّه جلّ جلاله، (وَمَا أُهِلَّ لِغَير اللّه بِهِ).
الحرام الخامس: الحيوان الميت بالخنق (المنخنقة).
الحرام السّادس: الحيوان الميت تحت طائلة الضرب (الموقوذة).
الحرام السّابع: الحيوان الميت بالسقوط من عل (المتردية).
الحرام الثامن: الحيوان الميت بالنطح (النطيحة).
الحرام التاسع: الحيوان الميت بهجوم حيوان مفترس؛ إلّا أن يُذبح ذباحة شرعية (ما أكل السّبع).
1) تفسير القمي، ج1، ص 162.
الحرام العاشر: كان الوثنيون في العصر الجاهلي قد وضعوا في جوانب الكعبة أحجاراً ليست لها خاصية محددة، وكانوا يسمونها (نُصب) ويذبحون تحتها أو في مقابها القرابين ويصبغونها بدمائها، وكان الفرق بينهم وبين الأصنام، أن هذه الأخيرة كانت ذات أشكال وصور خاصّة.
فيما لم تكن (النّصب) كذلك، وقد حرّم الإسلام هكذ لحوم، وواضح أنّ لهذا التحريم بعداً أخلاقياً ومعنوياً، دون البعد المادّي والجسماني. وفي الواقع تعد هذه اللحوم أحد أقسام (وَمَا أُهِلَّ لِغَير اللّه بِهِ) ولشدّة رواج هذا الأمر بين عرب الجاهليّة؛ وجدنا القرآن المجيد يصرّح به (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ).
الحرام الحادي عشر: الحيوانات الّتي تذبح وتقسم على أساس الحظ، وكانت صورتها كالتالي: أنّ عشرة أشخاص يتراهنون، فيشترون حيواناً ويذبحونه. ثمّ إنّهم يتخذون عشرة أعواد يكتبون على سبعة منها كلمة (رابح) وعلى ثلاثة ومنها كلمة (خاسر) ثم يضعون جميع الأعواد في كيس خاص، ثمّ إنّهم يخرجون العود تلو الآخر بطريقة القرعة باسم أحد أولئك الأفراد واحداً بعد الآخر... فيكون اللّحم من حظ الأفراد السبعة الّذين يقع عليهم الشهم، ولا يدفع الفرد الرّابح الّذي خرجت القسمة له شيئاً من المال في مقابل اللّحم، ولكن أولئك الثلاثة الّذين تخرج القسمة باسم خاسر، يجب أن يدفع كلّ منهم ثلث قيمة كمّيّة اللّحم مع أنّهم لا يأخذون شيئاً من اللّحم. والعود في هذه العمليّة يسمّى (زلم) وجمعه (أزلام) على وزن (قلم وأقلام). ومعلوم أنّ حرمة تناول هذه اللحوم لا تعود إلى ذاتها ولو كانت مرّت بعملية ذبح شرعيّة. ولكنّ الحرمة شرّعت لناحية القمار واختبار الحظّ خلالها.
يمكن أن تكون فلسفة التحريم في الأنواع الخمسة من لحوم الحيوانات (من رقم 5 إلى 9) تعزى إلى أن دمائها لا تخرج منها بالقدر الكافي، لأنه ما لم تقطع الأوداج الأصلية، لم يخرج منها الدّم المطلوب، ونعلم أنّ الدّم هو مركز أنواع الجراثيم، وبموت الحيوان يتعفّن الدم قبل كلّ
شيء منه، وبعبارة أخرى أنّ هكذا نوع من الحيوانات تحوي نوعاً من المسمومية ولا تُعدّ لحومها من جملة اللحوم الصّالحة الصحيّة، لا سيّما إذا مات الحيوان بداعي التعذيب أو المرض، أو بداعي ملاحقة حيوان مفترس، فإنّها ستتضاعف مسموميتها، مضافاً إلى لزوم إحراز البعد المعنويّ في عمليّة الذبح، وذلك بذكر اسم عليها وتوجيهها نحو القبلة، وهو ما لم يتحقق في هذه الحيوانات ولكن إن لم تخرج روح الحيوان بعد، وذبح طبقاً للموازين الإسلاميّة، فخرج منها الدم الكافي صار لحمه حلالاً، لذلك؛ قال القرآن الحكيم تبعاً لتحريم الموارد المذكورة أعلاه (إِلّا مَا ذَكّيتُم).
احتمل بعض المفسّرين بخصوص الجملة الاستثنائية: (إِلّا مَا ذَكّيتُم) احتمالين:
الأول: أنّ هذا الاستثناء يشمل القسم الأخير الّذي ورد فيه قوله تعالى (ما أكل السّبع).
الثّاني: ذهب أكثر المفسّرين إلى أنّ هذه الجملة الاستثنائية ترجع إلى جميع الأقسام، وهذا الرأي - في الحقيقة - أقرب إلى الصحة.
سؤال: لماذا ذكرت هذه الموارد في مطلع الآية.. أوليست هي داخله في مفهوم الميتة؟
تلزم الإجابة بالقول: إن كان المفهوم الواسع للميتة في الناحية الفقهية والشرعيّة يشمل كلّ حيوان لم يذبح ذباحة شرعيّة. إلّا أنّ الميتة لغة تقال للحيوان الميت تلقائياً. وبناءً على هذه الموارد المذكورة لا تدخل ضمن المفهوم اللغوي للميتة، أو كونها لا تدخل على الأقل، ولذلك؛ فهي بحاجة إلى بيان..
بنظرة إلى أحكام الطعام والغذاء في الإسلام نفهم أنّ تعاليم الدّين وفيما يتعلق بالانتفاع من اللحوم تنتهج نهجاً مقبولاً وهي ليست كما كانت مسالك النّاس في فترة الجاهليّة، والّذين كانوا يتناولون الزواحف والميتة والدم وأمثال ذلك، وليست كما الغربيين الّذين تطرّفوا في تناول اللحوم وكمّيّتها، وليست كما البوذيين الّذين يحرّمون اللحوم، وليست كما الصينيين الّذين يبيحون لأنفسهم تناول لحم كلّ حيوان على الإطلاق، فيما الإسلام قرّر جملة شروط
ومواصفات لتناول اللّحم:
الشروط الأوّل: يجب أن يكون اللّحم لحم حيوان يأكل النباتات، لأن الحيوان المتغذّي على اللّحم - وهو في الغالب لحم ميتة وملوّث - يكون لحمه ملوّثاً وسبباً لانتقال أنواع الأمراض والتّلوث الجرثوميّ والدّيدان، خلافاً للحيوانات ذوات الأربع من آكلة النباتات الّتي تتغذّى في الغالب على مواد سالمة نظيفة، مضافاً إلى أن كلّ حيوان ينقل صفاته إلى من يأكل لحمه... وعليه؛ فإن تناول لحوم الحيوانات المفترسة ينقل صفاتها في القساوة ورغبة الافتراس إلى آكلها؛ فتكرّسها فيه.. ولهذا راح الإسلام إلى تحريم لحوم الحيوانات الجلالة؛ وهي الّتي تتغذى على النّجاسات.
الشرط الثّاني: الحيوانات الّتي يؤكل لحمها ؛ ينبغي أن لا تكون موضع نفرة وكراهة عامة.
الشرط الثّالث: أن لا تسبّب الضرر بجسم الإنسان وروحه، مثل الحيوانات المخنوقة أو الّتي وقع فعل النطح عليها أو الساقطة من علَّ، أو المعرضة للضرب بحيث لم يخرج دمها بالمقدار الكافي، وهذه لحوم محرّمة عموماً.
الشرط الرّابع: الحيوانات الّتي جرى التضحية بها على سبيل الشرك وعبادة الأوثان وأمثال ذلك، لأنّها غير نزيهة من الناحية المعنويّة.
الشرط الخامس: وردت جملة تعاليم إسلامية لطريقة الذّبح الشرعيّ، ولكل واحد منها أثره الصحي أو الأخلاقيّ.
لم يرد في هذه الآية اسم حيوان محرم سوى الخنزير، وذلك لشيوع تناوله، وقد ورد عن مولانا الإمام الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بخصوص لحم الميتة؛ أنّه لم يقترب منها أحد إلا تعرّض للضعف والخمول وانقطاع النسل وموت الفجأة... (1)
1) الكافي، ج 6، ص 242.
سؤال: هل يتناسب تحليل ذبح الحيوان للأكل مع الرحمة الإلهيّة؟
الجواب : إنّ أساس الخلقة قائم على التبدّل والتحوّل إذ التّراب يتحوّل نهائياً، والنبات يتحوّل حيواناً، والحيوان يتحوّل إنساناً، ونتيجة هذا التحوّل تكون نمواً وتطوّراً.
سؤال: ما المراد من استعمال كلمة (اليوم) مرّتين في هذه الآية؟
وأيّ يوم هو يوم إكمال الدّين ويوم يأس الكافرين؟
وأي يوم هو الّذي جمعت في أربعة جوانب ؟
أ - يأس الكفّار في ذلك اليوم.
ب - كمال الدّين في ذلك اليوم.
ج - تكامل نعمة اللّه تعالى في ذلك اليوم.
د - قد قرر اللّه تعالى في ذلك اليوم أن يكون دين الإسلام هو الدّين الخاتم للأديان.
لدى الإجابة على هذه الأسئلة نحاول مراجعة الأيّام الحسّاسة في التاريخ الإسلاميّ:
الاحتمال الأوّل : هل المقصود بعبارة اليوم، يوم نزول الأحكام أعلاه فيما يتعلّق باللّحم الحلال واللّحم الحرام ؟
لا ريب أن الأمر ليس كذلك، لأنّ نزول هذه الأحكام لا يتوفّر على هذه الأهميّة، بدليل أنّنا نطالع أحكاماً أخرى في هذه السّورة بل إنّ نزول هذه الأحكام، لا يعد سبباً ليأس الكفار من المسلمين... وإنّ ما يؤدّي إلى يأس الكفّار هو توفّر البنية الرصينة لمستقبل الإسلام. وبعبارة أخرى إنّ نزول هذه الأحكام وأمثالها غير ذي تأثير كبير في معنويات الكافرين.. لا سيّما وأنّهم لا يتحسّسون من حلّيّة هذا اللّحم وحرمة ذلك اللّحم!
الاحتمال الثّاني: هل يمكن أن يكون البعثة، وهو أول يوم لانطلاق رسالة النّبي المصطفى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فهو يوم تكميل الدّين ويأس الكفّار وإتمام النعمة الإلهيّة، وأن يكون اليوم الّذي ختم اللّه فيه وبه الدّين؟
لدى الإجابة ينبغي أن يقال: لا يمكن ليوم البعثة أبداً أن يكون اليوم الّذي ييأس فيه الكفّار، أو أنّه اليوم الّذي يكمل فيه الدّين وتتم فيه النعمة، لأنّ يوم البعثة هو أوّل أول يوم بدء وانطلاق للرّسالة المحمدية، كما لا يمكن أبداً تصوّر العلاقة بين يوم البعثة الأوّل وبين نزول هذه الآية الشّريفة، إذ ثمّ سنون عديدة تفصل بين الأمرين.
والاحتمال الثّالث: هل يمكن ليوم هجرة الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن يتضمن هذه الصفات الأربع المهمة المطروحة في هذه الآية؟
الجواب هو النفي، لأنّ يوم الهجرة ؛ يوم هروب النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بأمر اللّه تعالى، وهو يوم هجوم الكافرين المتكالبين على بيت النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).. وليس يوم يأسهم من الدّين وأهله..
والاحتمال الرّابع: هل يمكن لأيام الانتصار الإسلاميّ في معارك بدر والخندق و.... أن تنطوي تحتها الصفات المهمة الأربع؟
بالطبع إنّ الجواب سلبيّ هذه المرّة أيضاً، لأنّ أيّام الانتصار تلك لم ييأس فيها غير الكفّار الّذين حضروا ساحة المعارك دون الكفّار الآخرين، في حين نجد القرآن المجيد يقول في محكم آياته (الْيَوْمَ يَئِسَ الّذينَ كَفَرُوا...) أي يئسوا جميعهم.
والاحتمال الخامس: هل المراد من ذلك اليوم يوم عرفة في آخر حجّ النّبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حيث تعلّم النّاس آداب الحج في محضره، ليكون يوم تكميل هذه الصفات الأربع؟
والجواب سلبيّ، لأنّ الأمارات المذكورة لا تنطبق على يوم عرفة في حجة الوداع، ولم يتضمّن وقوع حادثة خاصّة تستوجب يأس الكفّار.
وإن كان المراد هو اجتماع المسلمين الّذين كانوا عند رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قبل يوم عرفة في مكّة، وإن كان المراد نزول الأحكام المذكورة في ذلك اليوم، لأنّ النّاس في ذلك اليوم تعلّموا آداب الحج فحسب في محضر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وليس جميع الدّين الّذي يتصوّر اكتماله خطاً ؛ بتعلّم مسائل الحج ومناسكه، فيما الحجّ جزء من الدّين والحال أن القرآن الكريم يقول: (الْيَوْمَ
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ).
الاحتمال السادس: هل المراد من هذا اليوم الأعظم يوم فتح مكة المكرمة (كما احتمل البعض مع أنّ تاريخ نزول هذه السورة كان بعد فترة غير قصيرة من فتح مكة؟ وهل المراد هو نزول آيات سورة (البراءة) ؟ والحال أنّها نزلت قبل مدّة من نزول هذه السّورة!؟
الاحتمال السابع: هل يمكن أن يكون يوم الثامن من ذي الحجة من السنة الهجرية العاشرة وبعد حجّة الوداع وحادثة الغدير حيث نصب اللّه تعالى علياً اللّه أميراً للمؤمنين وخليفة لرسول اللّه اللّه متضمناً لتلكم الصفات الأربع المذكورة في آية (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ.. وَرَضِيتُ.. يَئِسَ الّذينَ كَفَرُوا).
ينبغي القول لدى الإجابة: هذه الصفات والعناوين الأربعة لا تنطبق إلّا على يوم الغدير ويوم إعلان إمامة أمير المؤمنين اللّه من قبل النّبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولمزيد من الإيضاح؛ نعكف على شرح الصفات والعناوين الأربعة:
أ- يأس الكفّار حصل بداعي أنّ الكافرين لم يتمنّوا - بعد كلّ تلكم التهم والافتراءات وإعلان الحروب ومحاولات اغتيال شخص النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، والّتي باءت بالهزيمة والخزي والفشل، ولم يبق أمامهم سوى رحيله عن هذه الدنيا.. إلا أن نصب علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) أميراً للمؤمنين أفهم الجميع أنّ النّبي إن كان له ولد؛ فلن يكون أفضل من عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأنّ الدّين لا يمحى ذكره بموت أو قتل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، لأن شخصاً كعلي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) سيكون ولي أمر المسلمين وخليفة النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والقائد الجديد للأمة.. وهنا يئس الكفّار جميعاً.. (بمن فيهم المنافقين)!!!
ب - أما إكمال الدّين فمن أجل أنّ القوانين والتعاليم وإن حددت بشكل تام، ولكنها مجردة عن قيمومة القائد والمعصوم والكامل.. لبقيت قوانين وتعاليم ناقصة..
ج- إتمام النعمة، بداعي أنّ القرآن عدّ نعمة الولاية والقيادة أعظم نعمة، ولو أنّ النّبي
الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) رحل عن دار الدنيا وترك النّاس بلا قائد - مختار - لكان قد فعل ما لا يفعل الراعي بأغنامه.. فكيف تتمّ نعمة اللّه تعالى من دون تعيين القائد الرباني؟!
د - رضا اللّه عز وجل، لأنّ توافق القانون الكامل والمنفّذ العادل يؤدّي إلى تحقق رضا الرّبّ المتعال.. فإن حصل كلّ من إكمال الدّين وإتمام النعمة ورضا اللّه الحقّ ويأس الكفّار في يوم... كان كافياً أن يكون ذلك اليوم من أيام اللّه تعالى.. ناهيك عن يوم مثل يوم الغدير الّذي حوى كلّ هذه الخصائص، ولهذا؛ فقد اعتبرت روايات أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) عيد الغدير أكبر وأعظم الأعياد.. (1)
لكلمة (أَتمَمَتُ) في العبادات والأعمال معان كثيرة:
تارة تستعمل كلمة (تمام) بمعنى إكمال جميع الواجب إلى آخر جزء منه، فإن نقص جزء صغير بسيط منه نقصت وبطلت جميع الأجزاء السابقة، مثل الصوم (أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلَ) إذ يفترض أن يكتمل الصيام إلى آخر جزء من النهار حيث يقع الغروب، وإلا كان الصوم عملاً عدیم الفائدة والثواب وكذلك هو واجب الصلاة أو الحجّ، فإن فات ركن من أركانها فاتت بأكملها...
وتارة يكون لكلّ جزء أثره المستقل في نفسه، مثل تلاوة آيات القرآن المجيد، إذ كمال كلّ آية يتحقق بقراءتها، ولكلّ آية تُقرأ ثوابها وفضيلتها وروعتها.
وتارة يكون إكمال كلّ جزء بحاجة إلى انضمام جزء آخر، بحيث إن لم ينضم إليه ذلك الجزء؛ صارت مجموعة الواجب ناقصة، وإن كانت الأجزاء الأخرى كاملة في نفسها، مثل الطيار الّذي تبقى الطائرة من دونه دون فائدة.. وكذلك أمر القيادة وولاية الحقّ، لأنّ الإنسان إن لم يوثق
علاقته باللّه تعالى؛ صارت النعمة نقمة، ولم يصل العبد إلى ربّه.. أكملت أتممتُ وصيّة، يئس
1) الخصال، ج 2، ص 394.
الّذين كفروا...
إنّ علّة يأس أعداء الإسلام بعد حادثة الغدير العظيمة، أن أعداء الإسلام كانوا يظنون بأنّ دين الإسلام قائم ومتوقف على شخص بعينه، وأنّ الإسلام سيطوي صفحته شيئاً فشيئاً... ولكنّهم حين شاهدوا رجلاً هو من حيث العلم والتقوى والقوة والعدالة عديم النظير بعد النّبي المصطفى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من بين المسلمين باعتبار خليفة لهذا النّبي، وأنّه ستؤخذ له البيعة من النّاس بالولاية والإمامة والإمارة... هنالك غرق - الأعداء - باليأس تجاه مستقبل الإسلام الّذي أرادوا له الانطواء والموت.. فعرفوا أنّ الدّين ذو جذر ورصانة ولا سيّما وأنه قد صرّح وأعلن في ذلك اليوم عن تكافله النهائي.. إذ من دون تعيين الخليفة الإلهيّ للنّبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ومن دون اتضاح وضع ومستقبل المسلمين بعد الحقبة النّبويّة، لن يتكامل هذا الدّين.. في ذلك اليوم الأعظم اكتمل الدّين وتمت النعمة بتعيين القائد الفذ، والجدير أعني عليّاً لللا لضمان مستقبل المسلمين.. وفي ذلك اليوم حيث اكتمل الإسلام صار الدّين هذا خاتم الأديان من جهة اللّه العزيز (وهكذا اجتمعت فيه الميزات الأربع).
ست قرائن تؤيّد الاحتمال السابع:
القرينة الأولى : المثير للانتباه أنّ (تفسير الفخر الرازي) وتفسير (روح المعاني) وتفسير (المنار) - وهي تفاسير مخالفة لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) - قد نقلت في ذيل هذه الآية القول بأنّ النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لم يبق في عالم الدنيا أكثر من واحد وثمانين يوماً بعد نزول هذه الآية. (1)
وبالنظر إلى أن رحيل النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كما في روايات المخالفين، وحتّى ما ورد في بعض روايات وكتب الشيعة، مثل (الكافي) للكليني، من أنه وقع في اليوم الثّاني عشر من شهر ربيع
1) التفسير الكبير، ج 11، ص 288 وروح المعاني، ج 3، ص 233 والمنار، ج 6، ص 154.
الأول (1)، فإنّنا نستنتج أنّ يوم نزول الآية كان الثّامن عشر من شهر ذي الحجة الحرام حقّاً.
القرينة الثّانية: قد ورد التصريح في روايات عديدة نقلت من طرق المخالفين وطرق الشيعة بأنّ الآية الشّريفة المذكورة قد نزلت في يوم غدير خم ولدى إبلاغ ولاية أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، (2)من جملة ذلك.
القرينة الثّالثة: نقل العالم السنّي المعروف ابن جرير الطبري في كتاب (الولاية) عن زيد بن الأرقم، الصحابي المعروف أنّ هذه الآية قد نزلت في يوم غدير خم في عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ).
القرينة الرّابعة: روى الحافظ أبو نعيم الإصفهاني في كتاب (ما نزل من القرآن في عليّ) (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أبي سعيد الخدري (الصّحابيّ المعروف) أن النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد نصب عليّا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعنوانه وليّ النّاس في غدير خم، وأنّ النّاس لم يتفرّقوا حتّى نزلت الآية القائلة (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...) وهنالك قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : "اللّه أكبر على إكمال الدّين وإتمام النعمة ورضا الربّ برسالّتي وبالولاية لعليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) من بعدي" ثم قال : " من كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله". (3)
القرينة الخامسة: روى الخطيب البغدادي في (تاريخه) عن أبي هريرة عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه بعد حادثة غدير خم وعقد الولاية لأمير (عَلَيهِ السَّلَامُ) عال و بعد مقولة عمر بن الخطاب "بخٍّ بخٍّ يا بن أبي طالب أصبحت مولاي ومولاكل مسلم... نزلت آية (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ..) (4)وقد رُوي في كتاب (الغدير) النفيس، فضلاً عن هذه الروايات الثلاث ثلاث عشرة رواية أخرى في هذا الإطار... (5)
القرينة السادسة : روي في كتاب (إحقاق الحقّ) في جزئه الثّاني، وفي (تفسير ابن كثير) ص14، وفي (مقتل الخوارزميّ) ص 47 : أنّ نزول هذه الآية جاء بخصوص واقعة الغدير، وأنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد أكّد ذلك. كما وردت عشر روايات في تفسير البرهان) و(نور الثقلين) من طرق مختلفة أنّ هذه الآية نزلت في عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو يوم غدير (1)، وسرد جميع هذه الروايات بحاجة إلى رسالة مستقلة، إضافة إلى أنّ المرحوم العلّامة السيد شرف الدّين قال في كتاب (المراجعات): أنّ نزول هذه الآية في يوم الغدير ورد في روايات صحيحة عن الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ)وعن الإمام الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كما روى المخالفون سنّة أحاديث بأسانيد مختلفة عن النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وهي تصرّح بمجموعها بأنّ نزول هذه الآية حدث في هذه الواقعة. (2)
واضح أن الأحاديث المصرحة بأن هذه الآية كانت لدى حادثة الغدير، وهي ليست بمستوى الخبر الواحد الّذي يمكن رميه بالضعف فتتجاهل، بل هي أخبار إن لم تكن متواترة؛ فهي مستفيضة على الأقل. وقد رُويت في المصادر الإسلاميّة المعروفة.. وإن كان بعض المتعصبين من المخالفين من أمثال الآلوسي يحاولون تضعيفها وبخسها شأنها، حيث قام هذا الأخير في تفسيره (روح المعاني) بالسعي نحو تضعيف سند واحد من مصادر هذه الرّوايات مع تناسي وتجاهل بقية النصوص النّبويّة.. (3)ولأنّهم وجدوا الرواية مخالفة لذوقهم المشوّه، فقد عدوّها مجعولة موضوعة وغير صحيحة. أو مثل كاتب تفسير (المنار) الّذي اكتفى بسرد تفسیر سطحي لهذه الآية، متغافلاً عن إيراد ولو إشارة بسيطة إلى تلكم الروايات.... (4)ولعلّه رأى نفسه في طريق مسدودة؛ فهو إن ذكر الرّوايات المشار إليها وحاول تضعيفها، لكان خاض
فى غير نطاق الانصاف.. وإن اضطر إلى قبولها؛ فقد خالف ذوقه !!!
بقراءة متأنية فى مفاد الآية الخامسة والخمسين من سورة النور المباركة حيث يقول تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا...) وبقراءة الآية محط البحث، وضمها إلى الآية (55) من سورة النور ومع سبق نزول سورة النور نزول سورة المائدة، وبالالتفات إلى عبارة (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) الواردة في الآية محط البحث؛ وهي بخصوص ولاية أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، تتحصل نتیجتان
الأولى: أنّ الإسلام إنّما يكون ضارباً جذوره المتينة في الأرض إذا ما اقترن بالولاية، لأنّ هذا الإسلام الّذي رضيه اللّه تعالى ووعد بتكريسه وبعبارة أخرى: أن صورة الإسلام ستكون أجلى وأصدق إذا لم تنفصل عن ولاية أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ).
الثّانية يفهم من ضمّ آية سورة النّور إلى الآية محطّ التفسير أنّ اللّه سبحانه قد وعد المؤمنين في آية سورة النور ثلاثة وعود:
أ - الخلافة على الأرض.
ب - الأمن لعباد اللّه وعبيده
ج - استقرار الدّين الّذي هو موضع رضا الرب المتعال.
وهذه الوعود الثلاثة اتّخذت لنفسها طابعاً عملياً في يوم الغدير ولدى نزول الآية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...) إذ بشرى تنصيب واستخلاف النموذج الأكمل للفرد المؤمن ذي العمل الصالح؛ أي: علي بن أبي طالب وقد حظي المسلمون نوعاً ما بالاستقرار والأمن النسبي تحت مظلة قوله تبارك وتعالى (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) وبطبيعة الحال؛ يمكن استنتاج القول بأنّه المنافاة بين الرّوايات القائلة بكون آية سورة النور المباركة مؤوّلة بالشأن المهدوي ونازلة فيه، لأنّ ل- : (آمِنُوا مِنكُم..) معنى واسعاً؛ قد تحقق مصداقه في يوم الغدير، ثمّ إنّه
سيتحقق في مصداقه الأوسع والمقياس الأكبر والأعمّ في عصر الظهور المهدوي العظيم، وعلى هذا، فإنّ كلمة (الأرض) في آية سورة النور لا تعني كلّ الأرض، بل يمكن تصوّرها ضمن معنى آخر يمكن أن يطلق على تمامها، مضافاً إلى ما يستعمل قرآنياً في بعض الموارد حيث تطلق الكلمة على قسم من الأرض، كما تطلق على جميعها.
سؤال : طبقاً للأدلة أعلاه والأسانيد الواردة في ذيل آية (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) فإنّ الآيتين مرتبطتين بواقعة الغدير، فلماذا فصل القرآن المجيد بينهما، حيث كانت الأولى هي الثّالثة من السّورة فيما كانت الثّانية هي السابعة والستين في السّورة؟!
ينبغي القول لدى الإجابة:
أولاً: لا شك أن آيات وسور القرآن الكريم لم تجمع طبقاً لنزولها، بل إن كثيراً من السّور الّتي نزلت في المدينة تتضمن آيات كانت نزلت في مكة، والعكس صحيح أيضاً حيث نشاهد آيات مدنيّة انطوت تحت عناوين وسور مكّيّة.. وبالنظر إلى هذه الحقيقة؛ فإنّ فصل هاتين الآيتين عن بعضهما في القرآن ليس موضع تعجب ومعلوم أن قرار تدوين الآيات الخاصة بكل سورة كان منوطاً بأمر النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، نعم، لو كانت الآيات قد صنفت وجمعت طبقاً لتاريخ نزولها؛
لكان الإشكال في محلّه.
ثانياً: الحوادث الّتي وقعت في آخر ساعات عمر النّبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، والمعارضة الصريحة الّتي بدت من بعض الأفراد تجاه طلب كتابة النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) للوصية.. وبلوغها حدّ اتّهامه بالهجر والهذيان والعياذ باللّه وقد نقلت تفاصيل ذلك في كتب المسلمين بشيعتهم ومخالفيهم على حدّ سواء؛ شاهد حي على حساسية البعض الخاصة تجاه مسألة الخلافة والإمامة بعد الفترة النّبويّة.. ممّن لم يكونوا ليتحدّدوا بحدّ في إنكارهم... ومثل هذه الظروف كانت تستوجب خلطها بمطالب بسيطة وجزئيّة، حفظاً لها من التّحريف والحذف والتغيير؛ ولتكون أقل إثارة للمعارضين المخالفين، ولذا فإنّ من الممكن أن تتنزّل الآية الخاصة بموضوع الغدير متخلّلة
الأحكام المرتبطة بحلّيّة الأطعمة وحرمتها، إذ غالياً ما يحدث أن يتم وضع الشيء النفيس ضمن قوالب بسيطة لدفع الانتباه لها.. (1)
ثالثاً: أنّ الأسانيد المتعلقة بنزول آية (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) عن الغدير ومسألة خلافة النّبي.. لم تُنقل في كتب الشيعة فحسب ليرفع مثل هذا الإشكال بوجههم، إذ أنها رويت في كتب المخالفين أيضاً، وقد نقلت بطرق متعدّدة عن ثلاثة من الصحابة المعروفين.
(مخمصة) من مادّة خمص على وزن لمس بمعنى التّعمّق وبمعنى الجوع الشّديد المؤدّي إلى تراجع البطن وانطوائها على نفسها، سواء بسبب القحط أو بداعي المشكلة والمصيبة الشخصيّة.
عبارة (غير متجانف لإثم) في الآية لغة تعني عدم الميل إلى المعصية، والأمر مؤكّد المفهوم الاضطرار، وما يبيّن معاني وشروط الاضطرار هو :
ألف - الاستفادة من الحرام والمحرّم بداعي الضرورة والاضطرار ينبغي أن يكون بحدود رفع الحاجة الضرورية بلا زيادة أو نقصان.
ب عدم توفير مقدّمات الاضطرار والضرورة من قبل المضطر.
ج- عدم الابتلاء والتّورط بحالة الاضطرار والضّرورة كتعمّد السفر من أجل فعل الحرام.
ويمكن أن تكون جميع هذه المعاني مرادة من هذه العبارة. عبارة: (فَمَنِ اضْطُرَ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثْمٍ فَإِنَّ اللّه غَفُورٌ رَّحِيمٌ) الواردة في منتهى هذه الآية تبيّن حقيقة أنه ولدى الاضطرار يكون تناول المضطرين حين الجوع والعطش للّحوم
1) ولعلّ اقتران موضوع تنصيب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في يوم الغدير إلى أحكام الطّعام وحثّ المؤمنين على اجتناب الطعام الحرام، يعكس إرادة اللّه سبحانه وتعالى في أن يكون المؤمن الموالي المقرّ بولاية أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)وحاضنة صالحة طاهرة في كلّ لوث، لاسيما من الطعام المحرّم، ولاريب في أنّ هذا الأخير يؤدّى تنجيس الجسم الإنسانيّ وتلويث الرّوح الإنسانيّة بما يتنافي وولاية المعصومين الطاهرين (المترجم).
المحرمة أمراً حلالاً بالنسبة لهم في حال عدم رغبتهم وميلهم إلى ارتكاب المعصية، ذلك لأنّ اللّه تبارك وتعالى غفور رحيم ولا يرمي بعباده إلى تجشّم عناء المشقة أو يورّطهم بها، فهو لا يعاقبهم على ما اضطروا إليه.. (فَمَنِ اضْطُرَ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثْمٍ فَإِنَّ اللّه غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُم قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِمُونَهُنَّ ممّا عَلَمَكُمُ اللّه فَكُلُوا ممّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللّه عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللّه إِنَّ اللّه سَرِيعُ الْحِسَابِ (4)
ذكر في شأن نزول الآية أعلاه أسباب عديدة أنسبها أنّ زيد الخير وعدي بن حاتم - وكانا من أصحاب النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - جاءاه وقالا: نحن جماعة نصطاد بالحجر والباز والكلاب فتصطاد لنا الحيوانات الحلال، فيصلنا منها ما هو حي فنذبحه، وبعضها يموت بما تنهشه الكلاب وغيرها، فلا يسعنا ذبحها، ونحن نعلم أن اللّه تعالى قد حرّم علينا الميتة، فما تحكم يا رسول اللّه ؟؟ فنزلت الآية أعلاه وفيها حكم ما سألوه عنه. (1)
1 - كلمة (يَسْئَلُونَكَ) تبيّن سؤالاً مطلقاً وكلّياً، وجوابها كان مطلقاً وعاماً، أيضاً، وضابطه: أنّ الحلال من اللّحوم ما كان التصرف فيه أمراً طيباً ومعقولاً، فما عده عرف العقلاء من النّاس طيباً كان طيباً وحلالاً... والعلّة في هذا الاستنتاج؛ مطلقية الحكم، لأنّ المطلق لا يشمل الفرد غير المتعارف.. وتذكر الآية تبعاً لذلك أن صيد كلّ حيوان مفترس معلّم هو صيد حلال.
2- بناء على تصريح القرآن في هذه الآية وأمثالها، فإنّ كلّ الأطعمة الطيبة والنظيفة جائزة
1) مجمع البیان، ج 3، ص 248.
للمسلمين، ولهذا كانت أنواع الأطعمة وكلّ ما ينتج عنها أو تلوّث غير مجاز...
الميتة أو الحيوان الميت.
الدّمّ السّائل والمنعقد.
الخنزير وجميع تفرعاته وما ينتج عنه.
الحيوانات الّتي لا يذكر اسم اللّه عليه حين الذبح.
الحيوانات الّتي يمنع مانع عن خروج دمها بالمقدار المطلوب والكافي.
الحيوانات الّتي تذبح ويذكر عليها غير اسم اللّه.
جميع المواد المسكرة الّتي تخرج الإنسان عن حالته الطبيعيّة، وتشمل الخمر والمخدّرات.
الحيوانات الآكلة للحم، ذات الأنياب، مثل الأسد والكلب والذّئب والنمر و...
الطّيور ذات المخالب الحادّة (طيور الصيد) مثل الباز والنّسر والبوم و...
الحيوانات البرمائية، مثل الضفدع والأفعى والسلحفاة....
3 - المراد من العبارة القرآنيّة القائلة: (قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ) أنّ تناول الطيبات صار جائزاً ومن نصيبكم أيها المسلمون دون غيركم، بل إنّ استعمال ضمير المخاطب بداعي السؤال وحاجة المسلمين، والجواب لدى الرّدّ على السؤال، وأنّه تعالى لم يقل: أحلّ للناس أكل الطيبات لعله جاء بداعي أنّ غير المسلمين - في العادة - لا يتقيدون بمراعاة الأحكام الإسلاميّة؛ فلا يراعون الحلال والحرام في الأطعمة والحقيقة أن الجملة الجوابية موجهة إلى المسلمين.. (يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُم).
4- ينبغي أن نعلم أنّ قوانين اللّه تعالى لا تحرّم أبداً موجوداً طيباً قد خلقه من قبل لانتفاع النّاس.. وأن نعرف أنّ التشريع متناغم في كلّ مكان مع التكوين، ولهذا؛ وجدنا جميع ما حرّم الإسلام يقع ضمن دائرة الخبائب وغير الطيبة.
5 - (الجوارح) لغة من مادة: جرح، وتأتي بمعنى الكسب تارة، وبمعنى الجرح في البدن أو الشعور تارة أخرى، ومن هنا؛ قيل للحيوان الصّائد - طائراً كان أو غير طائر - جارح، وجمعه: جوارح، أي: الحيوانات الّتي تجرح صيدها أو الحيوانات الّتي تجعل من صاحبها كاسباً.. وإطلاق الكلمة على أعضاء البدن، لأنّ الإنسان ينجز فعلاً أو يكتسب ربحاً بها.
6- عبارة (وَمَا عَلَّمْتُم مِنَ الْجَوَارِحِ) تشمل جميع الحيوانات الّتي تربّى للصيد، ولكن قيد (مُكَلِّبِينَ) يأتي بمعنى المدرّبين لكلاب الصيد، وهو مأخوذ من مادة (كلب)، ولهذا؛ فإنّها لا تشمل الصيد بالصقر أو النسر والباز.. ومن هنا؛ لم يجز الفقه الشيعي الصيد بغير الكلب المعلّم، وإن أجازه جمع من مفسّري وعلماء المخالفين، ففسّروا (مُكَلِّبِينَ) بالمعنى الواسع حيث لم يخصوه بالكلاب ولكنّ المادة الأصليّة لهذه المفردة تخص الكلاب بالتدريب، وإن كان ثمّ حيوانات صيد أخرى توقع بالفريسة، ولكن تحليلها منوط ببلوغ الصائد وحيازته لها قبل أن تفارقها الروح...
7 - يفهم من قوله تعالى: (تُعَلِمُونَهُنَّ ممّا عَلَمَكُمُ اللّه) أربعة مواضيع:
الموضوع الأوّل: يلزم الاستمرار والمواصلة في تعاليم هكذا حيوانات فإن نسي الكلب مثلا تعليمه وعاد ككلب عاديّ، لم يكن صيده حلالاً (لأنّ فعل -تعلمونهنّ- مضارع يفيد الاستمرار).
الموضوع الثّاني: يلزم أن يكون تعليم الكلابمطابقاً للأصول الصحيحة ليصدق على المفهوم (مِمَّا عَلَمَكُمُ اللّه).
الموضوع الثّالث: أنّ مصدر جميع العلوم وإن كان بسيطاً وصغيراً من اللّه تعالى، ونحن لا علم لنا من دون تعليمه.
الموضوع الرّابع: المراد من تعليم كلاب الصيد يكون بحيث ينطلق ويعود الكلب بأمر صاحبه.
8 - حينما يرسل الصيّاد كلب صيده نحو الصيد عليه أن يراعي شرطين:
الأول: أن يذكر اسم اللّه تعالى (وَاذْكُرُوا اسْمَ اللّه عَلَيْهِ).
الثّاني: إذا وصل للحيوان الّذي تصيده كلاب الصيد وهو على قيد الحياة، لزمه أن يذكّي الحيوان هذا بالذبح طبقاً للتعاليم الشرعيّة، وهو يكون حلالاً، ويدخل ضمن جملة (وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ) كما مرّ في الآية السالفة، إذ الحقيقة تفضي إلى أنّ هذا الكلب لم يعلّم، وأنّ ما أبقاه لا يصدق عليه معنى (عَلَيْكُمْ) وإنما كان ما صاده لنفسه (فَكُلُوا ممّا أَمْسَكَنَ عَلَيْكُمْ).
9 - في خاتمة هذه الآية ولكي تتمّ رعاية جميع هذه التعاليم، قال سبحانه: (وَاتَّقُوا اللّه إِنَّ اللّه سَرِيعُ الْحِسَابِ).
الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَات وَطَعَامُ الّذينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الّذينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَخِذِى أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5)
1- المراد من (الْيَوْمَ) حسب جماعة من المفسّرين هو يوم عرفة، وذهب جماعة آخرون إلى أنه يوم فتح خيبر، ولكن لا يبعد أن يكون هو يوم الغدير نفسه حيث الانتصار الكامل للإسلام على الكفّار - ذكر حلّيّة الطيبات مع أنه كان وارداً قبل ذلك اليوم وذلك ليكون مقدّمة لذكر حكم طعام أهل الكتاب.
2 - يمكن أن يكون المقصود من جملة (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَات) تأسيساً للحكم بحلية تناول الطيبات من قبل المسلمين فحسب، أي أنّ ما كنتم تأكلون قبل اليوم طعام غير حلال؛ قد انقضى أمره، وأنّه من اليوم فصاعداً؛ يجب أن يكون من الطيبات المحللة فقط...
3- ما المراد من طعام أهل الكتاب المحلّل الوارد ذكره في هذه الآية؟
ذهب أكثر المفسّرين وعلماء المخالفين إلى أنه يشمل كلّ أنواع الطعام، سواء كان لحم حيوان ذبح بأيديهم، أو غير ذلك، ولكنّ الأغلبية الغالبة من مفسّري وفقهاء الشّيعة ذهبوا إلى
أنّ المراد من ذلك هو غير اللحوم الّتي ذبحت من قبل أهل الكتاب. ولم يذهب من الشيعة إلى الرأي الأوّل سوى عدة معدودة.. والرّوايات العديدة المنقولة عن أئمة أهل البيت (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) قد أكّدت القول بأنّ المراد هو غير ذبائح أهل الكتاب. (1)
4- بيان حلّية الطّعام شامل لكلّ شيء يسدّ الجوع، مثل الحنطة وسائر الحبوب واللحوم الحلال.. دون اللحوم الحرام، مثل لحم الميتة والخنزير أو لحم الحيوان الّذي لم يذكر اسم اللّه عليه، لأنّ اللّه تعالى جعل كلّ ذلك مصاديق الفسق والرّجس والإثم.
5 - لا شكّ في أنّ إعمال الدّقة في الآيات والروايات العديدة المدوّنة في المجلد السادس عشر في (وسائل الشيعة) في الباب الحادي والخمسين من أبواب الأطعمة والأشربة؛ يفهم أنّ تفسير الطعام بغير الذبيحة أقرب إلى الحقيقة.... (2)لأنّ أهل الكتاب لا يراعون شرائط الذّبح الإسلاميّ عموماً؛ ولا يذكرون اسم اللّه على ذبائحهم؛ ولا يوجّهونها إلى قبلة المسلمين، بل ولا يحرزون سائر الشروط، ولهذا؛ كيف يمكن تصوّر أن تعمد هذه الآية إلى تحليل ذبائح أهل الكتاب في الآيات السّالفة قد صرّحت بحلّيّة لحم هكذا حيوان ؟! والشاهد على هذا المدعى الرواية المنقولة في (تفسير علي بن إبراهيم) عن مولانا الإمام الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيما ستعلّق الآية أعلاه؛ حيث: (عنى بطعامهم هاهنا الحبوب والفاكهة غير الذّبائح الّتي يذبحون، فإنّهم لا يذكرون اسم اللّه عليها). (3)
6- سؤال : إن كان المراد من طعام أهل الكتاب غير اللّحم، فهل كان شراء الحنطة أو الحبوبات الأخرى منهم ممنوعاً قبل نزول هذه الآية ؟ والحال أنّ التجارة والتعامل كان قائماً بين المسلمين وأهل الكتاب؟
ونجيب من الضّروريّ الالتفات إلى مسألة أساسية لدى تفسير هذه الآية، وهي أن هذه الآية نزلت في فترة كان فيها الإسلام منتشراً وذو قدرة وسطوة في جميع أجزاء شبه الجزيرة العربية ممّا أدى إلى يأس الكفّار من إلحاق الهزيمة بالإسلام والمسلمين، ولهذا؛ فقد رفع حكم هذه الآية المحدوديّة السابقة فيما يخص التعامل والمعاشرة والاختلاف من جهة المسلمين إلى الكافرين، وحضور ضيافتهم أو تضييفهم، وأنّه ينبغي إلغاء تلك المحظورات.
ولذا؛ فقد نزلت هذه الآية وأعلنت عن أنّ انحسار احتمال الخطر الّذي كان يمثّله أهل الكتاب على المسلمين أو ما تتركه العلاقة بهم قد سمح بالاختلاف إليهم ودعوتهم للضيافة.. ولعلّ معنى قوله تعالى (أُحِلَّ.. طَعَامُ الّذينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌ لَكُمْ) هو حلية حضور موائدهم ودعوتهم إلى طعام المسلمين.
7- ينبغي أن نعلم أنّ الفقهاء الّذين يبخسون أهل الكتاب ويقولون: يحلّ الأكل معهم ومنهم شرط عدم رطوبة الطعام أو ممّا لم تمسه أيديهم الرّطبة.. غير أن فريقاً من الفقهاء الذاهبين إلى طهارة أهل الكتاب يقولون : (تحلّ مؤاكلتهم بشرط أن يكون طعامهم من ذبائحهم، وإحراز اليقين بعدم مخالطة طعامهم – عرضاً - بما هو بخس مثل الشّراب أو ماء الشعير وأمثال ذلك.. فيمكن مؤاكلتهم لدى إحراز هذه الشروط...).
8- بديهيّ أنّ الحكومة المسلمة تستطيع التساهل مع أتباعها حين تبسط سيطرتها على البلاد والعباد بصورة تامة ولا تخشى الأعداء، ومثل هذه الحالة والأوضاع قد تحققت في الواقع في يوم غدير خم، وعلى رأي البعض يوم الغدير هو اليوم الأنسب لهذا الموضوع كما يبدو..
9 - أشكل صاحب تفسير (المنار) بخصوص تفسير هذه الآية وقال: كلمة (طعام) لم ترد في العديد من الآيات القرآنيّة بمعنى الغذاء وتشمل اللحوم أيضاً، فكيف أمكن تحديد الآية أعلاه بالحبوبات والفاكهة وأمثال ذلك. ثمّ كتب قد أوردت هذا الإشكال في مجلس ضمّ
جمعاً من الشيعة (1)(ولم يجب عليه أحد منهم !!!).
ولا بد من ردّ هذا الإشكال بالقول؛ نحن لا ننكر أنّ للطعام مفهوماً واسعاً، ولكنّ الآيات السابقة بحثت موضوع اللّحم، لا سيّما لحم الحيوان الّذي لا يذكر اسم اللّه عليه حين ذبحه... فهذا الأمر يخصص المفهوم الواسع ويحدّده بغير اللّحم، ونحن نعلم أن كلّ عامٍ أو مطلق قابل للتخصيص والتقييد، ولا شكّ أنّ أهل الكتاب غير ملتزمين بذكر اللّه على ذبائحهم، إضافة إلى عدم مراعاتهم لسائر الشّرائط المذكورة في سنن الذّباحة.
10- ورد في إشكال آخر في كتاب (كنز العرفان) في تفسير الآية، وهو أنّ كلمة (الطَّيِّبَات) لها مفهوم واسع وعامّ حسب ما يقال، أمّا طعام الّذين أوتوا الكتاب؛ فخاصّ، وفي العادة ؛ إذا ذكر الخاص بعد العام، فلا بدّ أن يحمل معنى محدّداً، وهنا لم يتضح هذا المعنى، ثمّ إنّه صاحب الكتاب المذكور أعلاه- رجا أن يحلّ اللّه له هذا الإشكال العلميّ!. (2)
ولدى الإجابة على هذا الإشكال، وبالالتفات إلى المطالب المتقدّمة الذكر، يلزم أن يقال: إنّ ذكر حلّيّة الطيبات - في الواقع - مقدّمة لبيان رفع الحظر والممنوعية في الاختلاط بأهل الكتاب، وحقيقة الأمر هي أنّ الآية تقول كلّ شيء طيب صار حلالاً لكم، وعليه؛ قد صار طعام أهل الكتاب حلالا عليكم أيضاً (حيث يكون طيباً وطاهراً) وقد رفع عن المسلمين الحظر السابق بخصوص مخالطة أهل الكتاب.. تبعاً للانتصارات التى حققها الإسلام والمسلمين على أعدائهم وبسط نفوذهم وانحسار سطوة أهل الكتاب في شبه الجزيرة العربية.
11- (المحصن والمحصنة) بمعنى العفّة والتحرّر والتزوج وكون الإنسان مسلماً، والمراد من (الْمُحْصَنَاتُ) هنا: النّساء العفيفات وإلا فإنّ نكاح المرأة المتزوّجة أمر حرام قطعاً.
12- (أَخْدَانٍ) جمع خِدْن؛ بمعنى الصدّيق، ولكن المفردة تستعمل عادة في مورد الصداقة والعلاقة الخفية وغير المشروعة.
13 - جملة (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الّذينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) الّتي تبيّن حليّة الزواج من نساء أهل الكتاب؛ هي أيضاً في مقام المنّة والتخفيف وتيسير التكاليف، إلّا أنّ هذه الحلّيّة مشروطة بالزواج من الطريق المشروع، دون اللجوء إلى ممارسة الزنا أو العلاقة الخفيّة.. والعلّة في هذا الحكم - كما بينت هذه الآية أنّ أهل الكتاب له شريعته السابقة على شريعة المسلمين، وهم يؤمنون باللّه والرسالة والمعاد؛ خلافاً للمشركين الآخرين وعباد الأصنام.
14- تلزمنا معرفة أنّ هذه الآية غير ناسخة للآية الرّابعة من سورة البقرة؛ (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حتّى يُؤْمِنَّ) لأنّ أهل الكتاب هنا لم يعدوا مشركين على لسان القرآن، مضافاً إلى أنّ سورة المائدة هي آخر سورة قرآنيّة نزلت على النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).. فهي لم تنسخ بأيّ سورة أخرى.
15 - سؤال: هل الزواج من نساء أهل الكتاب جائز في كلّ الأحوال؟ أم أنه جائز في نوعه المؤقّت فقط ؟
الجواب هو أن هناك اختلافاً بين فقهاء الإسلام في هذه المسألة. فرغم أنّ جمعاً من فقهاء الشّيعة على نمط فقهاء المخالفين في عدم التفريق بين هذين النوعين من الزّواج، ويذهبون إلى عمومية هذه الآية، وأنّ الزواج من نساء أهل الكتاب جائز مطلقاً، وأنّ القرائن الموجودة في هذه الآية المبنية على ظهورها في العقد المؤقّت غير كافية في تخصيصها، وقد استدلوا ببعض الرّوايات في هذا المجال..
وإيضاح ذلك بحاجة إلى مراجعة الكتب الفقهيّة، إلّا أنّ من بين فقهاء الّشيعة ثمّ جمع ذهبوا إلى أنّ الآية منحصرة في الزواج المؤقت، وثمّ بعض من الروايات الواردة عن أئمة الهدى (عَلَيهِم السَّلَامُ) يمكن أن تؤكّد وتؤيّد هذا الرّأي، مضافاً إلى وجود ثلاث قرائن في الآية تصلح أن تكون شاهداً لهذا الرّأي:
القرينة الأولى:
جملة (إِذَا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ).
صحیح أنّ كلمة (أجر) تستعمل في موردي الزواج المؤقت والدائم، ولكنها أكثر ما تستعمل في الزّواج المؤقّت، أي أنّها تتناسب وإيَّاه أكثر درجة.
القرينة الثّانية:
اشتراط هذا الزواج بعبارات (غَيْرَ مُسَافِحِات وَلَا مُتَخِذِى أَخْدَانٍ) أنسب إلى الزواج المؤقت، إذ الزواج الدائم لا يُشبه – أبداً - بمسألة الزنا أو اتخاذ العلاقات الخفية مسلكاً، وهو الأمر الّذي ورد النهي عنه، غير أنّ بعض الأفراد – تارة - والجاهلين بمسألة وشرعيّة الزواج المؤقت يشتبهون بموضوع الزّنا والعلاقة الخفية والسّريّة.
القرينة الثّالثة:
تلاحظ ذات هذه العبارات في الآية (25) من سورة النّساء، ونحن نعلم ورود تلك الآية في الزواج المؤقّت.
16- يبقى أن يقال أنّ في العصر الراهن قد عادت تقاليد الجاهليّة الأولى مرّة أخرى.. حتّى صار الأمر عدم الاكتفاء باتخاذ امرأة أجنبية من قبل الأفراد غير المتزوجين وتحليل العلاقة الخفيّة المحرّمة كما كان معروفاً في الزمن الجاهلي السابق للإسلام، بل إنّ الباطل هذا قد تطوّر إلى إباحة الزنا والعلاقة السّرّيّة المحرّمة، وفي الحقيقة؛ إنّ عالم اليوم قد تجاوز في اختراق الحرمات وخوض الإباحيّة الشّيطانيّة حدود الجاهليّة الأولى، وذلك أنّ الوثنيين إذ ذاك كانوا يجيزون العلاقات السّرّيّة الباطلة، فإنّ جاهليّي العصر الراهن لا يمتنعون ولا يمانعون في الإعلان عن العلاقة المحرّمة؛ بل ويتفاخرون بها.. وهذا يعد تظاهراً بالفحشاء وحبّاً في إشاعتها، كما يعد مصدراً لكثير من الشقاء والدمار والجريمة.
17- لدى عبارة (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) تطرح مسألة الكفر وإحباط العمل.
و(الكفر) بمعنى التغطية مثل الكفران بنعم اللّه تعالى وآياته والكفر باللّه والرسول والكفر بالمعاد، والكفر بالإيمان الّذي ذكرته الآية؛ هو ترك العمل بما هو حق، مثل موالاة ومصادقة المشركين والاختلاط بهم ومشاركتهم أعمالهم مع العلم بحقانية الإسلام، أو ترك الأركان الدّينيّة؛ مثل الصلاة والصوم والحج وكلّ ما هو ثابت بضرورة الدّين. فالمراء من الكفر بالإيمان هو تجاهل وتغطية الأمور الثابتة بشكل متواصل خلال الحياة.. أما الّذي يتجاهل الحقّ خلال حياته مرة أو مرتين؛ ويعمل بما يخاف عمله وإيمانه؛ لا يقال له كافراً، وإنّما يدخل نطاق الفسق، وإنّ إحباط العمل مختص بالكافر، بمعنى: الّذي لا يعمل بمقتضى عمله على الدوام، فيغطّي الحق.. ومثل هذا الشخص؛ ومهما قام بعمل صالح يبقى بلا أجر يتقاضاه في دار الآخرة، وهذا الإيضاح تتمة لما مرّ.
1- أنّ موضوع تحليل الزواج من نساء أهل الكتاب خاص بالرجال المسلمين، إذ النساء المسلمات لا يجوز لهنّ الزواج من مشرك من أهل الكتاب على الإطلاق.. وفلسفة ذلك معلومة، لأنّ النساء لما فيهن من عواطف أكثر رقة من الرجال، ولوجود الخطر الماحق عليهن من التأثر بعقيدة أزواجهن الكافرين والمشركين ثمّ إمكانية اعتناقهنّ لدين أزواجهن وترك الدّين الإسلاميّ الحق.
19 - لمّا كان من الممكن أنّ التسهيلات المعطاة في هذه الآية فيما يتعلّق بمعاشرة أهل الكتاب والزواج من نسائهم تؤدّي إلى إساءة الاستفادة والانتفاع من قبل البعض، فينجرون إليهنّ عن علم أو جهل.. فالآية في خاتمتها تحذر المسلمين وتقول: (وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ).
20 - جملة: (وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ تتضمن الإشارة إلى احتمالين :
الاحتمال الأول:
أنّ التّسهيلات المذكورة، فضلاً عن كونها تحدّث الفرج في حياتكم، ينبغي أن تكون سبباً
لنشر الإسلام ونفوذه إلى نفوس الأجانب، لا أن تؤدّي إلى ارتداء المسلم عن دينه وتخليه عنه.. لأنّ ردّة الفعل السلبيّة هذه يتوقع لها عقاباً عظيماً وثقيلاً.
الاحتمال الثّاني:
يمكن لبعض المسلمين - بعد نزول الآية أعلاه وصدور الحكم بحلّية طعام أهل الكتاب والزّواج من نسائهم.. أن يكره ذلك، فترى القرآن الحكيم يحذّر من عدم الرضا بهذه الأحكام، ومن أنّ عدم التسليم لأحكام اللّه تعالى يحبط الأعمال الصالحة السالفة، وبالتالي خسران الدنيا والآخرة.
يَا أَيُّهَا الّذينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُم جُنُبًا فَأَطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَآءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللّه لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6)
1 - في الآية (43) من سورة النساء؛ جرت الإشارة إلى موضوع الغسل والتّيمّم، وهنا؛ وفضلاً عن هذين الأمرين أشير إلى موضوع الوضوء وإلى قسم مهم من أحكام الوضوء والغسل والتّيمّم الموجبة لصفاء الروح..
2- مصطلح (القيام) متى ما اقترن إلى حرف (إلى) كان بمعنى الإرادة (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ) بمعنى: إذا أردتم التوجه إلى الصلاة.
3 - المراد من الغسل غسل وإسالة الماء على الأعضاء المطلوب غسلها بهدف
التّنظيف والتطهير، علماً أنّ الآية أعلاه لم تذكر حدود غسل الأعضاء المذكورة، ولكنّ روايات المعصومين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد بينت كيفية وضوء النّبي اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (1).
4- حدّ الوجه طولاً من منبت شعر الرّأس إلى الّذقن، وعرضاً ما تضمنه إبهام الكفّ والإصبع الأوسط، وهذا في الحقيقة إيضاح لمعنى الوجه المتعارف، لأنّ الوجه هو ما يواجه به الإنسان الآخرين لدى مقابلتهم.
5 - قيد (إِلَى الْمَرَافِقِ) لدى غسل اليد؛ بيان لحدود غسلها لا جهتها، وحدّ اليد الّذي يجب أن يغسل، هو المرفق كما ذكر، والمرافق جمع مرفق، ولأنه إذا قيل بفرض غسل اليد قد يتبادر غسلها إلى المعصم، حيث الغالب غسلها إلى هذا الحدّ، فكان رفع التوهّم هذا بذكر المرفق، ليكون الغسل حدّه.
6- وحرف (إلى) الوارد في الآية ورد لمجرّد بيان حدّ الغسل دون كيفيته، حيث توهّم البعض وظنّ أنّ الآية تريد القول بوجوب غسل اليد من رؤوس الأصابع إلى جهة المرفق (كما هو الرائج بين أهل الخلاف) كما يوصي الرّجل عاملاً أن يصبغ جداراً من أسفله إلى متر في ارتفاعه، ومن البديهيّ أن المراد بذلك ليس الصبغ من الأعلى إلى الأسفل، بل المراد هو صبغ هذا المقدار لا أقل ولا أكثر. وعلى هذا؛ يلزم غسل مقدار من اليد كما ذكر في الآية. أما كيفية ذلك؛ فقد بلغنا من أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) عن سيّدهم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وهو : غسل المرفق باتّجاه رؤوس الأصابع، مضافاً إلى غسل المرفق لدى الوضوء، لأنّ الغاية تدخل في المغيا كما يذكر الاصطلاح، أي: دخول الحد في المحدود.
7 - حرف (ب) الوارد على كلمة (رُءُوسِكُمْ) كما صرّحت بعض الروايات وكلام بعض خبراء اللّغة، بمعنى التّبعيض أي : امسحوا قسماً من الرّأس الّذي حدّ في الرّوايات بكونه ربع
1) راجع وسائل الشيعة، ج 1، ص 387 إلى 400.
الرّأس، وأنه يجب مسح قسم من هذا الرأس وإن كان قليلاً (1)وعليه؛ فإنّه لا يتفق ما هو معمول بين بعض أهل الخلاف بضرورة مسح جميع الرّأس بما في ذلك الأذن؛ ومفهوم الآية.
8 - وضع كلمة (أَرْجُلَكُمْ) إلى جانب (رُءُوسِكُمْ) شاهد على وجوب مسح الرجل، لا أن تغسل. وإن لاحظنا أنّ كلمة (أرجلكم تقرأ لامها بالفتح بداعي عطفها على محلّ (بِرُءُوسِكُمْ) لا عطفاً على (وُجُوهَكُمْ) البعيدة وغير المتعارف عليها - قرآنياً ولغوياً -قراءتها..
9 - الكعب لغة بمعنى بروز خلفية القدم، وكذلك بمعنى المفصل، أي نقطة التقاء وربط عظم الشاق وعظم سطح القدم.
10 فيما يرتبط بفلسفة الوضوء، ليس ثمّ شكّ أنّ له فائدتين بيّنتين، فائدة صحية وفائدة أخلاقية معنويّة. فمن الناحية الصحيّة؛ فإنّ غسل الوجه واليدين خمس مرات أيضاً أو ثلاث مرّات على الأقل في اليوم والليلة له أثر جدير بالملاحظة في نظافة الجسم، فيما المسح على الرّأس والقدم مع اشتراط وصول الماء إلى الشعر أو جلد القدم، من شأنها حفظ نظافة البدن، وكما نشير في فلسفة الغسل واتصال الماء بجلدة البدن وما له من أثر في تعادل الأعصاب وكذلك من الناحية الأخلاقيّة والمعنويّة حيث يؤدّى بقصد القربى وفي سبيل اللّه تعالى، وما لذلك من أثر تربويّ. مضافاً إلى ما يتضمّن من حالة رمزية مؤادها نية المتوضئ بأنّه يسير بكلّه - من أعلى الرأس إلى أخمص القدم وبكل كيانه - في طريق الطاعة.. وهو ما يؤيد الفلسفة الأخلاقيّة المعنويّة.
11 - واضح أنّ المراد من جملة (فَأَطَّهَّرُوا) هو غسل جميع البدن، بمعنى: إن صرتم جنباً فاغتسلوا (وَإِن كُنتُم جُنُبًا فَأَطَّهَّرُوا) إذ لو كان اللازم غسل عضو خاص، لكان من الجدير ذكره، وعليه؛ فإذا قلت: اغسل نفسك صار مفهوم قولك: اغسل جميع بدنك.. ونظير هذا ما ورد في
1) راجع نفس المصدر، ص 389 و 399 وص 410 إلى 418.
الآية (43) من سورة النساء حيث قالت (حَتَّى تَغتَسِلُوا).
12 - ذكرت (الجنابة) في هذه الآية مرّتين، ويمكن أن يراد التأكيد من ذلك. وكذلك يمكن أن تكون كلمة (جنب) بمعنى الجنابة والاحتلام لدى النوم، و(أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ) كناية عن الجنابة الحادثة بالمعاشرة الجنسيّة. وإن كان (القيام) في الآية بمعنى النهوض من النوم وفسرناه بذلك (كما ورد في روايات أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) (1)، وتوفّر القرائن في هذه الآية) فإنّه يشهد على هذا المعنى يلاحظ !
13- سؤال: لماذا أمر الإسلام بغسل جميع البدن في حال الجنابة، فيما اللّوث قد أصاب أو صدر عن عضو بدنيّ واحد ؟ وهل ثمّ تفاوت بين البول ولين خروج المني، حيث البول يستدعي غسل العضو المتنجّس فقط، فيما الغسل يشمل جميع أعضاء البدن؟!
أما الجواب الإجمالي فهو: أنّ خروج المني من الإنسان لا يعتبر عملاً موضعياً (مثل البول وسائر الزوائد) بدليل أنه يتوضّح على جميع البدن، وأنّ خلايا الجسم تتعرّض لحالة الرخاوة بعد خروج المني وهذا بمثابة تأثيره على جميع أجزاء البدن.. وطبقاً لتحقيق واختبارات المتخصصين، فإنّ ثمّ مجموعتين وسلسلتين من الأعصاب الشجرية مهمتها ضبط نشاطات وفعاليات البدن وهي منتشرة حول مختلف الأجهزة البدنيّة - خارجها وداخلها - ومن وظيفتها أنها تنشط أعصاب (سمباتيك) وتدفعها إلى ردود الأفعال، أما أعصاب الباراسمباتيك فمهمتها تقليل النشاط والفعالية، وفي الحقيقة لها أشبه ما يكون بدور غاز السيارة، فيما الآخر له دور الكوابح، وبهذا يكون التعادل في نشاط الأجهزة البدنيّة، وتارة تحدث تحوّلات في البدن تؤدّي إلى وقوع الخلل من جملة ذلك مسألة (منتهى اللذة الجنسيّة) المقترنة عادة بخروج المنيّ.. وفي هذه الحالة تتقدّم الكابحة على الأعصاب المحرّكة
1) تفسير العياشي، ج1، ص 297.
المنشّطة، فيأخذ التعادل شكلاً سلبياً كما هو ثابت ومن جملة الأمور القادرة على تفعيل أعصاب (سمباتيك) لحفظ التعادل اتصال الماء بالبدن فيظهر ويستشعر تأثير ذلك على جميع أعضاء البدن، فيتحقق التعادل بفعل الغسل بالماء بعد إحراز التعادل في هذين النوعين من الأعصاب، ومن هنا؛ ورد الأمر بالغسل بالماء بعد العمليّة الجنسيّة أو خروج المني من البدن. مضافاً إلى فائدة الغسل الّتي لا تنحصر بذلك، بل إنّ الاغتسال وفضلاً عن كونه نوع عبادة، فهو ذو أثر أخلاقي لا ينكر، وبهذا لو تم الغسل مجرّداً عن نية العبادة والطاعة للّه تعالى، لن يكون صحيحاً، إذ في الحقيقة أنه ولدى خروج المني والعمليّة الجنسيّة تتأثر الروح ويمكن أن تتنزّل وتنجر إلى حيث الشّهوة الماديّة، فيما البدن يصاب بالخمول والركود، فيما الغسل بمثابة النظف والمنشّط، مضافاً إلى أنّ اقتران هذا الغسل بقصد عبادة اللّه وطاعته يؤدّي إلى تنظيف الرّوح وتنشيطها.. فيتحقق التأثير المزدوج في آن واحد بالنسبة للبدن والروح لتساق هذه الأخيرة إلى حيث اللّه والمعنويّة، كما يساق البدن إلى حيث النظافة والنشاط والحيوية.
14- وفي التّيمّم تتكرّس روح العبوديّة، لأنّ ضرب التّراب باليد والمسح بها على الجبهة وهي أعلى عضو في البدن مع قصد العبادة، يعد نوعاً من التواضع اللّه تعالى. وكما أنّ الماء يزيل اللوث، وكذلك التراب الظاهر فيه خاصيّة القضاء على الجراثيم لتعرّضه المسبق لأشعة الشمس وهطول المطر عليه.
ثمّ الآية تبيّن طريقة التّيمّم فتقول (فَأَمْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِنْهُ).
15- معلوم أنّ المراد من المسح ليس حمل شيء من التراب ومسحه على الوجه إنّما المراد هو ضرب اليد على التراب ثم مسح الوجه وظهر الكفّين باليد. إلّا أنّ بعض الفقهاء ولأجل كلمة (منه) قالوا بضرورة حصول بعض الغبار - وإن كان قليلا- ً والتصاقه بالكفّ.
16- يقال (طيّب) لأشياء توافق طبع الإنسان، وقد أُطلقت هذه الكلمة في القرآن على الكثير من الموضوعات مثل (البلد الطّيّب، مساكن طيّبة - ريح طيّبة - حياة طيبة) و.. وكلّ
شيء نظيف طاهر يوصف بأنه طيب، ذلك لأنّ طبع الإنسان بذاته ينفر من الأشياء غير النّظيفة وغير الطّاهرة.
17 - الكثير من العلماء اللغويين ذكروا لكلمة (صعيد) معنيين: أحدهما : التراب، والآخر: جميع الأشياء الّتي تغطي سطح الأرض وقشرتها، فضلاً عن التراب والحجر وغيرهما.. وهذا الموضوع أدى إلى وقوع الاختلاف في آراء الفقهاء فيما يجوز به التّيمّم بهما، ولكن بالنظر إلى الأصل والجذر اللّغوي لكلمة (صعيد) وأنه الصعود.. يبدو أن المعنى الثّاني هو الأقرب..
18 - كلمة (طيباً) تبيّن لزوم أن يكون التراب المتيمم به نظيفاً وطاهراً، لا سيّما ما ورد في روايات أئمة الهدى (عَلَيهِم السَّلَامُ) الّتي بلغتنا حيث أكدت على هذا الحكم مراراً. ومن ذلك قول المعصوم (عَلَيهِ السَّلَامُ) : (نهى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يتيمم الرّجل بتراب من أثر الطّريق) (1)جدير بالذّكر أنه ورد عنوان التّيمّم في القرآن الكريم والأحاديث بمعنى هذه الوظيفة الشرعيّة.. إلّا أنه لغة يعني القصد، والقرآن - في الحقيقة - يقول بلزوم التّيمّم من قطعة أرض نظيفة طاهرة من بين قطع الأرض الأخرى.. وهي قطعة يصدق عليها كونها صعيدا من مادّة الصعود وفوق الأرض وفي معرض هطول الأمطار وأشعة الشمس ومسار الرّيح وواضح أنّ هكذا تراب ليس مجرّد عدم مخالفته للجانب الصحي، وإنما كما ذكرنا في المجلد الثّالث من التفسير في ذيل الآية (43) من سورة النّساء المباركة أنّ له أثر مشهود بشهادة الخبراء بالقضاء على الجراثيم بشكل ملحوظ.
19 - في ختام الآية ولكي يتضح عدم وجود العسر في الأحكام السالفة، بل إنّها شرعت في إطار المنافع الإنسانيّة، قالت: (مَا يُرِيدُ اللّه لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) وهذا في حقيقته تأكيد على واقعيات تفضي إلى أنّ جميع
1) الكافي، ج 3، ص 63.
الأحكام والتعاليم الإلهيّة والمناهج الإسلاميّة قد أنزلت وشرعت من أجل الإنسان والمجتمع حفظاً لمصالحهم ومنافعهم ولا هدف آخر لها أبداً، إذ اللّه تعالى يريد بهذه الأحكام أن يهيئ سبل الطهارة المعنويّة والبدنيّة للنّاس.
20 ال-(حرج) نوعان: الأول: الحرج في ملاك الحكم والمصلحة المطلوبة من هذا الحكم، بهذه الصورة يكون الحكم بذاته صادراً ضمن الحرج، ويكون صاحب الحكم يريد العسر والحرج من حكمه، لأنّ الحكم تابع الملاك والمعيار.
الثّاني: الحرج غير الدّاخل في ملك الحكم، وعلى سبيل القهر لا يدخل الحكم في أصل الحرج، ولكنّ العسر عرض على الحكم من جهة واعتبار خارجيّ ولذا؛ يكون الحكم لبعض الأفراد حرجيّاً، وبهذه الصورة يسقط هذا الحكم بالنسبة لهكذا أفراد، فيما يبقى على اعتباره وقوته بالنسبة للأفراد الآخرين... واللّه تعالى يقول بأنّ الأحكام الإلهيّة غير حرجيّة.
21 - ينبغي الالتفات إلى أن عبارة (مَا يُرِيدُ اللّه لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ) ذُكرت في ذيل الأحكام الإلهيّة ذات العلاقة بالغسل والوضوء والتيمم، ولكنّها تبيّن قانوناً كلياً، وهو أن الأحكام الإلهيّة لا تنطوي أبداً تحت طائلة الإحراج والتكليف الشّاق.. وعليه؛ إن شاهدتم بعضاً من التكاليف بخصوص بعض الأفراد قد اصطبغت بصبغة المشقة وأنها غير قابلة للتحمّل في موردهم، فذاك ما هو استثناء وساقط - بدليل هذه الآية بعينها - فمثلاً: إذا صار الصوم بالنسبة لأفراد كالشّيوخ والعجائز وأمثالهم ذا مشقة واضحة؛ فبدليل هذه الآية يسقط عنهم وجوب الصوم، مع الأخذ بعين الاعتبار أن جملةً من الأحكام هي مشكلة بحدّ ذاتها، وأنه من الضّروريّ تحمّلها لمصالح مهمة محدّدة، مثل الجهاد في سبيل اللّه ضد أعداء الحقّ.
وعليه؛ فالقانون العام في الفقه الإسلاميّ يصدر عن قاعدة (لا حرج) باعتبارها أصلاً أساسياً سارياً في مختلف الأبواب، وهو محط استناد الفقهاء وعملية استنباط الأحكام الكثيرة.
وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّه عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِى وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللّه إِنَّ اللّه عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7)
1 - مع أنّ ذكر النّعمة والالتزام بالميثاق الوارد في الآية يحمل تحذيراً كليّاً عامّاً، إلّا أنه يمكن أن يكون مراده - بدلائل محدّدة- يطرح مسألة قيادة المجتمع المسلم وتقديم الطاعة لها.
وتلك الدلائل عبارة عن:
ألف: القيادة الإلهيّة والميثاق الرباني، وإن قصة النّبي إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) وطلبه أن تكون الإمامة في ذريته، ثمّ إجابة اللّه سبحانه في أنّ الظالمين لا ينالون عهده (الإمامة) شاهد على هذا المطلب (لَا يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ).
ب: بعد تنصيب عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) للإمامة والخلافة في غدير خم، نزلت الآية الثّالثة من هذه السّورة، حيث أتمّ اللّه تعالى نعمته عليكم.
ج: قد بايع النّاس - في غدير خم - عليّاً، وأعلنوا السمع الطاعة له، وهذه الآية الجليلة قد حثّت النّاس على الوفاء والاستقامة تجاه قيادتهم، والقول (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) يشمل المواثيق الّتي قدّمت من قبل النّاس بشكل طبيعي وفطريّ وبالصيغة القوليّة أو الفعليّة للأنبياء كما هو الأمر بالنسبة لشهاداتهم بالتوحيد والنّبوّة.
2- تأكيد هذه الآية على جملة مفاهيم؛ مثل النّعمة والميثاق والطاعة والعلم بذات الصدور - وذلك بعد آية الغدير، يمكن أن تكون إشارة إلى نسيان محتوى الآية الثّالثة والتخلّف
عن خطّ ومسار الغدير.
3 - التذكير بالنّعم والمواثيق الأقوال وعلم الإلهيّ يعدّ عاملاً وممهداً للتقوى (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّه...).
4- لا ينبغي أن نكون ممّن لا يفي بالعهود والعقود، فاللّه عليم (وَاتَّقُوا اللّه إِنَّ اللّه عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) بما يتناسب وبحث الآية السالفة فيما يرتبط بقسم من الأحكام الإسلاميّة وتكميل النّعم الإلهيّة الماضية... وفي هذه الآية جرى إلفات الأنظار - مرة أخرى - إلى أهمية النعم اللامتناهية اللّه تعالى، وأهمها نعمة الإيمان والإسلام والهداية.. (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّه عَلَيْكُمْ).
ه - وإن كانت النعمة هنا وردت بصيغة المفرد، إلّا أنها تعطي معنى الجنس، وقد استعمل الجنس هنا بمعنى العموم، وبهذا تكون شاملة لجميع النّعم ولا ريب في أنّ هذا الاحتمال يرد في هذه الآية من أنّ المراد هو خصوصيّة نعمة الإسلام الّتي أشير إليها بالإجمال في الآية السابقة، وهنا قد قالت (وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ...).
6- جملة (وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ) تبين حقيقة عظمة هذه النعمة الّتي حصل فيها المسلمون على مثل هذه المواهب والافتخار والإمكانات تحت مظلة الإسلام.. وأنّ هذه الجموع الّتي كانت مبعثرة جاهلة ضائعة فاسدة مفسدة آكلة للمحرمات والدماء قد أصبحت الآن أمة واحدة ذات إمكانات مادية ومعنوية عظيمة.
7 - الميثاق لغة مفردة مشتقة من الوثاقة أو الوثوق، بمعنى الانعقاد والإحكام للشّيء بحبل وأمثاله.. ثمّ إنّها تستعمل في كلّ عمل يوجب الاطمئنان.. وهكذا صار العهد والميثاق شبيه العقدة الرابطة بين شخصين أو فريقين قد اطمأنت خواطرهم.. فيقال لسبب هذه الحال ميثاقاً... (وَمِيثَاقَهُ الَّذِى وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا).
8 - فيما يتعلّق بالمراد من العهد والميثاق مع اللّه، ثمّ احتمالات ثلاثة:
الاحتمال الأوّل : الميثاق الّذي أطلقه المسلمون في مبدأ الإسلام في الحديبيّة أو حجّة
الوداع أو العقبة أو مجرّد قبول المسلمين بالإسلام بشكل ضمني مع اللّه سبحانه وتعالى.
الاحتمال الثّاني: الميثاق الّذي تم بحكم الفطرة والخلقة من قبل أي شخص مع اللّه ربّه وهو الّذي يطلق عليه أحياناً ميثاق عالم الذر (وَمِيثَاقَهُ الَّذِى وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا).
الاحتمال الثّالث: لا ما نع أبداً أن تكون هذه الآية إشارة إلى جميع المواثيق التكوينيّة والتّشريعية (المواثيق المأخوذة من جهة اللّه تعالى بحكم الفطرة أو المواثيق النّبويّة المأخوذة على المسلمين في مختلف المراحل) ومن هنا يتضح أن المراد من الميثاق؛ ذلك الميثاق الّذي أخذه الرّسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على المسلمين بعيد حجّة الوداع في موضوع ولاية أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).. ويتّضح أنهّ الأنسب والأوفق ومراد الآية.. ذلك أنه قد قيل مراراً بأنّ التفاسير الواردة في ذيل الآيات في هكذا موارد هو بمثابة إشارة إلى أحد المصاديق الواضحة، دون أن تكون بمعنى الحصر والانحصار..
9 - إنّ اللّه تعالى لدى خلقته الإنسان، كرّس فيه قابليات جديرة، وأعطاه مواهب لا تحصى، من جملة ذلك؛ إمكانيّة التعرّف على أسرار الخلقة ومعرفة الرّبّ المتعال، مضافاً إلى العقل والفطنة والإدراك بواسطة الأنبياء وإطاعتهم... وبذلك يكون اللّه تعالى قد أخذ على الإنسان الميثاق لئلا يعطلوا المواهب والإمكانات، وأن يستعملها في مسارها الصحيح، وكانت ردّة فعل أفراد الإنسان بلسان الحال فعلاً وقوّة: (سمعنا وأطعنا).
10 - أنّ هذا الميثاق أمتن وأعم وأشمل ميثاق؛ ويتضمّن جميع المسائل الدّينية، الّذي أخذه اللّه تعالى على عباده، وهو ما أشار إليه أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خطبته الأولى من نهج البلاغة حيث قال: (ليستأدوهم ميثاق فطرته) (1)أي : الأنبياء يستوفون من النّاس وفائهم بميثاق اللّه الفطري الّذي أخذه على عباده..
1) نهج البلاغة، ص 43.
11- التّعبير ب-(بذات الصدور تركيب من ذات ؛ بمعنى: عين وحقيقة الصدور.. وذلك إشارة إلى أنّ اللّه سبحانه عالم مطلق بأدق الأسرار الكامنة في أعماق الرّوح الإنسانيّة، وليس غيره العالم بذلك - على سبيل الاستقلال -.
12 - في ختام الآية ولتأكيد هذا المعنى ؛ قالت (وَاتَّقُوا اللّه إِنَّ اللّه عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).
يَا أَيُّهَا الّذينَ ءَامَنُوا كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللّه إِنَّ اللّه خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)
1 - دعت الآية المؤمنين إلى التقوى والابتعاد عن الظّلم في الإدلاء بالشهادة تجاه الآخرين، دون النظر إلى العداوات والأحقاد المسبقة، وإلى الشّهادة على أساس القسط والعدل (يَا أَيُّهَا الّذينَ ءَامَنُوا كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ).
2 - شبيه هذه الآية وبقليل من التفاوت جاء في الآية (135) من سورة النساء حيث: (قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالدّين وَالْأَقْرَبِينَ).
3 - بين هذه الآية وآية سورة النساء تفاوت في نقطتين، واشتراك في نقطة واحدة: التفاوت الأوّل في آية النّساء؛ أطلقت الدعوة إلى القيام بالقسط وإلى الإدلاء بالشهادة اللّه تعالى.. وهنا أطلقت الدعوة إلى القيام للّه سبحانه وإلى الشهادة بالحق والعدل، ولعلّ هذا التّفاوت من أجل أنّ آية سورة النّساء هدفها الشهادة اللّه دون الأقارب، أما الآية محط التفسير فهدفها الشهادة بالقسط والعدل بعد أن تضمّن الحديث ذكر الأعداء..
التفاوت الثّاني: فقد أشير في سورة النّساء إلى أحد عوامل الانحراف عن العدالة، وهنا؛ أشير إلى عامل آخر.. هناك كان الحديث عن المغالاة في الحبّ.. وهنا جرى الحديث عن
المغالاة في البغض..
أما مورد الاشتراك في الآيتين؛ في موضوع اتّباع الهوى والشهوة الوارد في آية سورة النساء القائلة : (فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا) وردت بصيغة الجمع بل إن اتباع الهوى يعد مصدر وأساس الظّلم والجور، إذ قد يصدر الظّلم بداعي الهوى وإحراز المصالح الشخصيّة وليس من أجل حبّ أو بغض الآخرين، وعلى هذا؛ فإنّ الجذر الحقيقيّ للانحراف عن العدالة هو اتباع الهوى؛ وهو الّذي ورد في حديث رسول اللّه اللّه وقول أمير المؤمنين لا : (أما اتباع الهوى؛ فيسدّ عن الحقّ) (1).
4- حيث أنّ تجاهل الأحقاد الدّاخليّة تجاه النّاس أمر صعب، نجد الأمر - في هذه الآية -متعدّداً وتشجيعاً متكرّراً (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ... اعْدِلُوا... هُوَ أَقْرَبُ... اتَّقُوا اللّه).
5- الأحقاد والعداوات القوميّة وتصفية الحسابات الشخصيّة مانع من تحقيق العدالة، وموجب للتّعدي على حقوق الآخرين.. لأن العدالة أسمى من كلّ ذلك (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا).
6- (العدل) لغة بمعنى : وضع كلّ شيء في موضعه (2).
7 - قَلّ أن تكون مسألة طرحت في الإسلام كما هي مسألة العدالة وأهميتها، لأنّ هذه المسألة كمسألة التوحيد في مختلف أصول وفروع الإسلام؛ لها جذورها السّارية والمتوزّعة.. بمعنى: كما أنه ليس من مسألة من المسائل العقائديّة والعمليّة الفرديّة والإجتماعيّة، الأخلاقيّة والحقوقيّة منفصلة عن حقيقة التوحيد ووحدانيّة اللّه تعالى. كذلك ليس ثمة هنالك من مسألة خالية ومجرّدة عن روح العدل يمكن لنا العثور عليها.
8 - لا مكان للعجب من العدل بعنوانه ضرورة من ضرورات المذهب، وأحد قواعد التفكير الإسلاميّ. رغم أنّ العدالة الّتي هي جزء أساس في الدّين هي إحدى صفات اللّه تعالى، ولعلّها - من حيث علوم معرفة اللّه سبحانه - مدت أوّل أصل وركن، ولكنّ السموّ بها له معناه العظيم وبهذا؛ لم يتمّ اعتماد ركن في المباحث الإجتماعيّة الإسلاميّة كما هو اعتماد ركن العدالة.
9 - إشارة إلى ثلاثة نماذج من الأحاديث في إطار معرفة وإدراك أهمية العدل:
ألف: قال رسول اللّه صلّى اللّه صلوات اللّه عليه وآله : (إيّاكم والظّلم، فإنّ الظّلم عند اللّه هو الظّلمات يوم القيامة) (1). ومعلوم أنّ كلّ خير وبركة هو في النّور، بينما الظّلم مصدر كلّ عدم وفقر. ب قول النّبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): (بالعدل قامت السماوات والأرض)(2). وهذا التّعبير أبلغ تعبير عن العدالة.. ويعني أنه ليست حياة البشر فقط هي غير ممكنة من دون عدالة في الأرض، وإنّما الوجود بأجمعه رهين العدل وتعادل القوى والطاقات حيث لزم أن يوضع كلّ شيء في موضعه الجدير والمناسب.. ولو أنّ الوجود انحرف بمقدار أنملة لعمه العدم..
ج - شبيه هذا المضمون نقرأه في الحديث المعروف: (الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى الظّلم) (3)إذ يمكن للحكومات أن تكون كافرة وتدوم، إلّا أنّها ليست كذلك مع الظّلم، لأنّ أثر هذا الأخير سرعان ما يتصوّر بالحروب والاضطرابات والآلام والفوضى السياسيّة والإجتماعيّة والأخلاقيّة والأزمات الاقتصاديّة في عالم اليوم وبشكل واضح جداً.
10 - يلزم الالتفات إلى أنّ الإسلام لا يوحي بالعدالة فحسب، إذ الأهم هو تطبيق العدالة.. فقراءة هذه الآيات والرّوايات على المنابر ومنصات الخطابة وتأليف الكتب وصناعة الأفلام
لوحده لا يفي بمعالجة المآسي الناتجة عن الظّلم والتمييز والفساد الاجتماعي في المجتمع المسلم.. وإنما تتجلى عظمة هذه التعاليم الرّبانيّة في اليوم الّذي تسري فيه في أصل حياة المسلمين اليوميّة.
11- لقد تسلّح الأنبياء خلال مهمتهم في هداية النّاس بثلاثة وسائل: الدلائل الواضحة، الكتب السّماويّة والمعيار الحقّ في تمييز الحقّ من الباطل. والصّحّ والخطأ، وقد كان الهدف من بعثة هؤلاء الرّجال العظام وبهذه الوسائل الفذّة هو : تحقيق القسط والعدل..
12 - لمّا كانت العدالة أهم أركان التقوى والورع فقد أضافت الآية وللمرة الثّالثة تحت عنوان التأكيد؛ القول : (وَاتَّقُوا اللّه إِنَّ اللّه خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).
13 - تنقسم الآيات القرآنيّة فيما يتعلّق بالقسط والعدل إلى اثني عشر قسماً:
1 - الآيات الّتي تأمر الإنسان بالعدل بكل صراحة مثل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالدّين وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)(1).
وصرّح القرآن المجيد في موضع آخر : (يَا أَيُّهَا الّذينَ ءَامَنُوا كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللّه إِنَّ اللّه خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (2).
2 - الآيات الّتي أمر اللّه فيها بالعدل مثل : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (3).
3 - الآيات الّتي عدّت الالتزام الدقيق بالقسط والعدل إحدى خصائص يوم القيامة؛
مثل (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (1)والآيات 54 من سورة يونس و 48 و 123 من سورة البقرة بهذا الشأن.
4 - الآيات الّتي أعرب فيها اللّه تعالى عن حبّه لذوي العدل، مثل: (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) المائدة 42 والحجرات 9 والممتحنة.
5 - تشير مجموعة من الآيات إلى أنّ العدالة تجسّد الفلسفة من وراء بعثة الأنبياء والمرسلين، وبهذا الصّدد تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النّاس بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) الحديد 25، إنّ هذه الآية الشّريفة تبيّن علّة تشريع الدّين عن طريق إرسال الرسل وإنزال كتب السّماء، وتؤكّد أنّ الفرض من وراء ذلك أن يتعوّدوا القسط والعدل..
6- وهناك جملة من الآيات تدعو النّاس إلى العدل في مقام القضاء والحكم، مثل: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاس أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) (2).
والآيات 42 و 95 من سورة المائدة و 9 من سورة الحجرات أيضاً.
7 - تأمر بعض الآيات بضرورة التزام العدالة حين البيع والشراء، مثل: (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) الأنعام 152 وكذلك الآيات من سورة هود 85 والأنبياء 47 والرحمن 9.
8 - الآيات الآمرة بالعدل تعتبر العامل به هو الأسمى والأرقى : (هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ
بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) النحل 76.
9- هناك قسم من الآيات تشترط العدالة أساساً في الشاهد والشهادة؛ مثل : (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) الطلاق 2 وكذلك المائدة 106 والبقرة 282.
10 - الآيات الّتي تأمر بالعدالة في مقام الخطاب والتكلّم مثل: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى).
11- تدعو جملة من الآيات القرآنيّة الإنسان إلى ممارسة العدالة في المسائل الأسرية، كقوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) النساء 3 و 129 في هذا الإطار.
12 - وقسم من الآيات تأمر بالتعامل بالعدل مع أهل الكتاب؛ مثل: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدّين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (1)وهكذا نجد جميع الآيات الداعية إلى نبذ الظّلم والجور وتحدر منهما بمثابة أفضل دليل على وجوب التزام العدل والقسط في المجتمع..
1) الممتحنة 6.
وَعَدَ اللّه الّذينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9)
1 - العلّة في إطلاق الوعود الإلهيّة في القرآن المجيد لتوجيه الإنسان إلى المسير إلى اللّه تبارك وتعالى.
2 - من طبع ابن آدم أنّه لا يقوم بعمل ما لم يرغب فيه، وهكذا قدّم اللّه تعالى أمام الإنسان لذّاتٍ بهذه الغاية لخلق الدافع فيه.
3 - لأنّ إدراك حقيقة الدرجات العالية صعب في بداية الطريق بالنسبة للإنسان، ولإيجاد الدافع والمحرّك له كانت هذه الوعود الملموسة كافية لحركة الإنسان.
4- ينبغي أن نعلم أنّه تبارك وتعالى سيفي بوعوده، غير أنّ ابن آدم غير قادر على إدراك تلكم النّعم (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ).
5 - قد أطلق اللّه عز و جل في القرآن - وبالنظر إلى مستوى حاجات البشر وكذلك بالنظر إلى شروط الزّمان والمجتمع المسلم.. أطلق وعوداً تتضمن الترغيب والترهيب، ونشير إلى بعض تلكم الوعود.
6- وعد اللّه المؤمنين والعاملين الصالحات مغفرة وأجراً عظيماً.
وَالّذينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِئَايَاتِنَا أُوْلَبِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (10)
1- في الآية السّابقة؛ ذُكرت المغفرة والأجر العظيم بعنوان وعد إلهي؛ إذ قالت الآية: (وَعَدَ اللّه...) ولكن في هذه الآية؛ ذكر العذاب والجحيم باعتبارهما نتيجة عمل؛ فقالت: (وَالّذينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا..) وهذا - في الحقيقة - إشارة إلى مسألة الفضل والرحمة الإلهيّة فيما يرتبط بالأجر.. حيث لا وجه لعمل الإنسان البسيط لمقارنته به، كما أنّ عقاب العالم الآخر مجرّد عن صورة الانتقام، وإنّما هو نتيجة العمل الإنسانيّ الشّرير.
3- بالنظر إلى أن معنى (أَصْحَابُ) وهو الرفاق والملازمين، فإنّ التعبير بكلمة (أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) دليل على أنهم سيلازمون - بلا افتراق نار الجحيم، ولكن طبقاً لما جاء في تفسير (التبيان) و (مجمع البيان) و (التفسير الكبير) (1)فإنّ هذه الآية لا تستطيع لوحدها أن تكون دليلاً على مسألة الخلود في النّار، لأنّ الملازمة تكون دائميّة، كما قد تطول مدتها ثم تنقطع، كما ورد التعبير ب-(أصحاب السفينة) وهم أصحاب النّبي نوح (عَلَيهِ السَّلَامُ) في القرآن، حيث لم يركبوها على
1) التبيان، ج 3، ص 463 ومجمع البيان، ج 3، ص 262 والتفسير الكبير، ج11، ص 321.
الدّوام. وطبعاً؛ لا شكّ في أنّ الكفّار خالدون في جهنّم، إلّا أنّ هذه الآية لم تخض في مسألة الخلود أو عدمه، وإنّما يستفاد ذلك من آيات قرآنيّة أخرى.
يَا أَيُّهَا الّذينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّه عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمُ أَن يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُوا اللّه وَعَلَى اللّه فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11)
1- قد ذكر اللّه تعالى في آيات القرآن المسلمين مراراً بالنّعم المختلفة والألطاف الربانية، ليقوّي فيهم روح الإيمان ويثير فيهم الإحساس بالشكر والثبات بوجه المشاكل والأزمات. والآية أعلاه من تلكم الآيات.
2 - لم يبيّن المفسّرون احتمالات فيما إذا كانت هذه الآية تشير إلى حادثة بعينها، وهنا نشير إلى ثلاثة احتمالات:
الأول: ذكر بعض المفسّرين بأنّ هذه الآية إشارة إلى دفع خطر يهود بني النظير المتعلّق بخطّة القضاء على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وعلى المسلمين في المدينة.
الثّاني: من المفسّرين من عدّ هذه الآية تنويهاً إلى قصة بطن النخلة الّتي وقعت في قصة الحديبيّة سنة ست من الهجرة، وحيث أن جمعاً من مشركي مكّة قرّروا الهجوم - بقيادة خالد بن الوليد - على جموع المسلمين المصلين، فعلم النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فأفشل خطتهم عبر أدائه صلاة الخوف.
الثّالث: ذهب بعض المفسّرين إلى أنّ هذه الآية إشارة إلى جميع الحوادث الّتي وقعت
طيلة التّاريخ الإسلاميّ، وهذا التفسير، حيث استعمل كلمة (قوم)، بصرف النّظر عن كونها الدليل على الوحدة، فإنّه أفضل التفاسير.
3- هذه الآية تلفت نظر المسلمين إلى مدى المخاطر الّتي قد تساهم في محو اسمهم من صفحة التاريخ.. كما تحذرهم وتحثهم على اتخاذهم التقوى والتوكل على اللّه تعالى؛ شكراً على النعم، ويدركوا أنهم إذا اتقوا لن يتركهم وحيدين، وأن يد الغيب هي الّتي ستحفظهم (وَاتَّقُوا اللّه وَعَلَى اللّه فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ).
4 - ينبغي الالتفات إلى أنّ التقوى مشتقة من مادّة (الوقاية) بمعنى الصبر والحذر من عوامل السوء والفساد.. ويفهم من بدء الآية بالأمر بالتقوى ثمّ الإشارة إلى مسألة التوكل.. أن دفاع اللّه وحفظه وحمايته يعمّ حال المتقين.
5 - معلوم أنّ المراد من التّوكَّل؛ ليس تنصل الإنسان من المسؤوليات تحت طائلة إيكال عمله إلى اللّه تعالى والاستسلام للحوادث... بل إنّ المقصود في الوقت الّذي يجب فيه: الاستفادة وتفعيل كلّ القوى والطاقات ينبغي الإيمان بأنّ ما عنده – الإنسان - ليس ملكاً مستقلاً من نفسه، بل هو آيته من جهة أخرى مالكة مطلقة القوّة.. وهكذا يتم القضاء على روح التكبّر والغرور والأنانية، هذا أولاً.
ثانياً: لا يصح الهلع من عظيم الحوادث والأزمات واليأس.. ولا بد من الإيمان بوجود معتمد ومتكأ على من قدرته أعظم من جميع القدرات... وهو اللّه تعالى.
وَلَقَدْ أَخَذَ اللّه مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَاءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَى عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ اللّه إِنِّي مَعَكُمْ لَئنْ أَقَمْتُمُ الصَّلوةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَوةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّه قَرْضًا حَسَنَا لَأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَبِيلِ (12)
1- في قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللّه مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَاءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَى عَشَرَ نَقِيباً) إشارة إلى البحث الخاص بنقباء بني إسرائيل.
2- كلمة: (َقِيبا) مشتقة من النقب حيث يكون في الجدار أو جلد ما. وكذلك في مورد الخشب، أي: النّقب المعمول في الخشب وغيره. والنقيب بمعنى الشخص الّذي يحصي الآخرين ويتفقد أحوال النّاس (1).
3 – (النقيب) لغة؛ مأخوذ من مادة النقب، على وزن (نَقْد) بمعنى الكوّة الواسعة، لا سيّما
1) الصحاح، ج1، ص227.
فيما هو تحت الأرض، والنقيب في اللغة هو الرّئيس والزّعيم لجماعة.. لاطلاعه على أسرار من هم تحت إمرته، فكأنه أوجد نقباً بينهم واطلع عليهم، وتارة يقال (نقيب) لمن هو غير رئيس، وإنما هو معرّف لهم أو وسيلة تعريفهم. وإن أطلقت كلمة (مناقب) فذلك للزوم كشفها بالفحص والبحث (1).
4- ما يستفاد من المصادر الإسلاميّة أنّ كلّاً من نقباء بني إسرائيل كان من قبيلة، وكان أحدهم يوشع بن نون الّذي استخلفه النّبي موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وصياً من بعده وزعيماً لبني إسرائيل.. وكان هؤلاء النقباء في حقبة زمنيّة واحدة.. وقد نقل عن ابن عباس كان نقباء بني إسرائيل وزراء موسى ثم ارتقوا إلى مقام النّبوّة، وهم اثنا عشر رجلاً، فكان كلّ منهم زعيماً لقبيلة يحكمها، وكانت نسبة هؤلاء الاثني عشر نقيباً تجاه طوائف وقبائل بني إسرائيل كنسبة أولي الأمر تجاه رعيّتهم، وفي الحقيقة كانوا مراجع النّاس في أمور الدّين والدنيا، إلا أنهم لم يكونوا لينزل عليهم الوحي، ولم يكونوا يشرعون في حال أنّ تشريع الشرائع كان مختصاً بالنّبي موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).
5 - ذكرت أسماء نقباء بني إسرائيل على النّحو التّالي:
شموع بن زكّور شرفوط بن حوري، كولب (كالب) بن يوفنا، يغوول بن يوسف، يوشع بن نون، يلطي بن روفوا كدائيل بن شوذي كدّي بن سوسي، عمائيل بن كملي، شتّور بن فيحائيل، يحيى بن وقسي، كوائل بن موخي.
الّذين آمنوا لموسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) هم يوشع بن نون وكولب بن يوفنا، وكانا في عصر واحد، فيما كان يوشع بن نون - وهو من نقباء بني إسرائيل- ملازماً للنّبيّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وفتاه، وصار الخليفة من بعده وزعيماً لبني إسرائيل (3).
رغم أن القرآن المجيد لم يذكر اسم يوشع.. إلّا أنّ المفسّرين لدى تفسير الآيتين: (12و23) من سورة المائدة اعتبروه أحد نقباء بني إسرائيل، وأنّ الآية (60) من سورة الكهف منطبقة على يوشع بن نون(1).
6 - في مطلع هذه السّورة وردت الإشارة إلى مسألة الوفاء بالعهد، وقد تكرّر ذلك المعنى في مناحي متعدّدة، ومن جملة ذلك؛ الآية أعلاه، ولعلّ فلسفة ذلك بالتأكيد المتواصل على مسألة الوفاء بالعهد ومذمّة التنصّل عن العهد.. ولإعطاء هذه المسألة الأهمية الأكبر سترد مسألة ميثاق الغدير في الآية (67).
7 - في مطلع الآية محط البحث ورد التذكير بأخذ اللّه تعالى الميثاق من بني إسرائيل ليأتمروا بأمره، وتبعاً لذلك؛ نصب اللّه لهم اثني عشر نقيباً ليتزعم كلّ منهم قومه وقبيلته [اثنتي عشرة قبيلة] فكان كلّ منهم يسمّى نقيباً، وكان الواحد منهم عالماً عارفاً بأسرار رعيته، حتّى لكأنّه قد نقب من بينهم نقباً فاطلع على أحوالهم (وَلَقَدْ أَخَذَ اللّه مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَاءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَى عَشَرَ نَقِيباً).
8 - يجب أن نعلم أنّ روايات عديدة قد وردت من طرق المخالفين تشير إلى أوصياء وخلفاء النّبي الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الاثني عشر، وأن عددهم بعدد نقباء بني إسرائيل، ولطالما حرص مخالفو أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) على أن يطبقوا هذا العدد على ما يسمى بالخلفاء الراشدين وحكّام بني أميّة وبني العبّاس.. وحيث أنّ هذا المسعى محكوم بالفشل نرى من الجدير إيراد أربعة أحاديث بهذا الصّدد:
الحديث الأول: عن الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : الخلفاء بعدي اثني عشر رجلاً بعدد نقباء بني
1) مجمع البیان، ج 3، ص 279 وج6، ص 741.
إسرائيل.. (1)فكانت مساعي المخالفين فاشلة لا سيّما وأنّ هنالك عشرات الأحاديث النّبويّة الشّريفة قد أوردت أسمائهم الشّريفة، وهي مثبتة في كتب الشيعة ومخالفيهم المعتبرة.. وأوّلهم الإمام عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وآخرهم الإمام المهديّ (2).
الحديث الثّاني: نقل المحدّث المخالف المعروف أحمد ابن حنبل في (مسنده) عن مسروق أنه قال: سألت عبد اللّه بن مسعود عن عدد الّذين سيحكمون الأمّة؛ فقال: لقد سألنا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقال : اثني عشر كعدة نقباء بني إسرائيل. (3)
الحديث الثّالث: روي في (تاريخ ابن عساكر) عن ابن مسعود أنّه قال: سألنا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)عن عدّة خلفاء الأمّة، فقال: إنّ عدّة الخلفاء بعدي عدّة نقباء موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).
الحديث الرّابع: روي (في منتخب كنز العمال) عن جابر بن سمرة أن اثني عشر خليفة سيحكمون بعدة نقباء بني إسرائيل (5). (6)
9 - الصلاة والزكاة ونصرة الأنبياء والإنفاق.. كانت ضمن مناهج الأديان الإلهيّة الأخرى (مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَاءِيلَ).
10- تأييد ونصرة اللّه للعباد مشروطة بعدة شروط مثل الصلاة والزكاة والإيمان ونصرة الأنبياء والإنفاق (إِنِّي مَعَكُمْ لَئنْ أَقَمْتُمُ الصَّلوةَ...).
11 - الإيمان بالأنبياء غير كاف لوحده، واللّازم هو نصرتهم (وَعَزَرْتُمُوهُمْ).
12 - أداء جميع الواجبات المثمرة، دون الإتيان ببعضها (لَئنْ أَقَمْتُمُ الصَّلوةَ.. وَأَقْرَضْتُمُ
1) تفسير ابن كثير، ج 3، ص 59 نقلا عن مسند أحمد بن حنبل، ج1، ص398.
2) راجع بحار الأنوار، ج 36، ص 226 إلى 373.
3) تفسير ابن كثير، ج 3، ص 59 نقلا عن مسند أحمد ج1، ص 398.
4) الأمثل في تفسير كتاب اللّه المنزل، ج 3، ص 634 نقلا عن فيض القدير في شرح الجامع الصغير، ج 2، ص 459.
5) نفس المصدر، نقلا عن منتخب كنز العمال في حاشية مسند أحمد، ج 5، ص 312.
6) ومثل هذا الحديث ما ورد في ينابيع المودّة، ص 445، وفي كتاب البداية والنهاية، ج6، ص 247.
اللّهُ).
13- مساعدة النّاس؛ مساعدة اللّه (أَقْرَضْتُمُ اللّه) بدلاً من : أقرضتم النّاس.
14- الإقراض يجب أن يكون بطريقة طيّبة صحيحة : المال الطيب بالنية الحسنة والسرعة اللّازمة والتّجرّد عن المن (قرضاً حسناً).
15 - وضع موضوع القرض إلى جانب أمور مثل الصّلاة والزكاة والإيمان بالرسل ونصرة الأنبياء، ثم ترتّب المغفرة والأجر الإلهيّ يشير إلى الأهمية القصوى لهذا الأمر (والقرض شامل لعموم أشكال المساعدة، ومصداقه الواضح والطبيعي؛ إقراض النّاس).
16 - قائد المجتمع يجب أن يعيّن وينصب من قبل اللّه تعالى، كما أنّ الأنبياء يجب أن يكونوا من قبل اللّه سبحانه (بَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَى عَشَرَ نَقِيباً).
17- (سَوَاءَ السَبِيلِ) تطلق على الجادّة الوسط الّتي يعد الانحراف عنها سقوطاً..
فَبِمَا نَقْضِهِم مِيثَقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةٌ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ، وَنَسُوا حَظّاً ممّا ذُكَرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائْنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحٌ إِنَّ اللّه يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13)
1- بناءً على هذه الآية، فقد عاقب اللّه تعالى بني إسرائيل لنقضهم ما أخذ عليهم من الميثاق.. وكان ذلك العقاب بدءاً أنهم ابتعدوا عن الرّحمة الإلهيّة ثمّ تحجّر عقولهم وقسوة قلوبهم (فَبِمَا نَقْضِهِم مِيثَقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةٌ).
2- وقسوة قلوب بني إسرائيل كان لها نتائج وآثار، منها:
ألف: أنّهم بدأوا يحرّفون الكلمات ويخرجون بها عن مسارها (يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ).
ب: نسيانهم قسماً كبيراً ممّا نزل عليهم (وَنَسُوا حَظّاً ممّا ذُكَرُوا بِهِ).
3- لعلّ الأمر الّذي نساه بنو إسرائيل هو العلامات الخاصة بنبي الإسلام (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الّتي أشارت له إليها آيات قرآنيّة أخرى، كما لا يبعد أن تكون جملة (نَسُوا حَظّاً ممّا ذُكَرُوا بِهِ) تلميحاً بذلك، ونحن نعلم أنّ التّوراة الحقيقيّة الكاملة قد فقدت على مرّ الأيّام.. ثمّ إنّ جماعات من اليهود بادرت إلى كتابة ما قالوا عنه بأنه توراة، ولا ريب أن أقساماً وأجزاءً كثيرة منها خلال هذه المبادرة قد وقع في التحريف والنسيان، وأنّ ما هو معروف بالتّوراة الفعلية لا يمثل إلّا شيئاً ضبابيّاً
مشبوهاً وخليطاً بالخرافات والأكاذيب.
4- لا يمكن الحكم على جميع أفراد بني إسرائيل بالخيانة؛ رغم إطلاعنا اليومي المتواصل على خيانة جديدة تصدر أو كانت تصدر عنهم.. غير أنّ هناك في كلّ مكان وزمان أكثريّة وأقلّيّة.. ولذلك؛ كانت الأكثريّة فيهم مساهمة في الخيانة إلا قليلاً منهم (وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائْنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ).
ه سؤال: هل المراد من الأمر النازل على النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - في خاتمة هذه الآية بأن يغضّ الطرف عنهم بداعي أنه سبحانه يحب الصالحين المحسنين، وأن يغض الطرف عن ذنوب تلك الأقلّيّة الصالحة منهم ؟ أم أنّه صفح عن الأكثريّة غير الصالحة؟
ظاهر الآية يرفض الاحتمال الثّاني، لأنّ الأقليّة لم ترتكب خيانة حتّى تشمل بالعفو، ولكنّ الأمر المسلّم به هو العفو عن موارد الأذى الّذي كانوا يلحقونه بشخص رسول اللّه، دون ما ارتكبوه بخصوص محاولاتهم تدميرهم البنية التحتيّة للدين الإسلاميّ برمته، إذ لا معنى للعفو والصفح عنهم في هذا الإطار (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحٌ إِنَّ اللّه يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).
6- بالاستفادة من مجموع وسياقات آيات القرآن المجيد أنّ اليهود قد حرّفوا الكتب الإلهيّة ضمن أربع صور:
الأولى: كان تحريفهم تحريفاً معنوياً تارة، أي أنّهم فسّروا عبارات الكتب السّماويّة النّازلة بما يخالف المعنى الواقعي المراد منها.. بمعنى حفظهم لأصل العبارات وتغييرهم للمعنى:
الثّانية: تحريفهم لأصل الألفاظ تارة أخرى، حتّى أنّهم كانوا يقولون مستهزئين: سمعنا وعصينا، بدلاً من أن يقولوا : سمعنا وأطعنا!!
الثّالثة: إخفاؤهم أقساماً أقساماً من الآيات والنصوص الإلهيّة بما يوافق مؤامراتهم على شريعة موسی (عَلَيهِ السَّلَامُ)ورغباتهم.. فكانوا يكتمون الحقّ وهم يعلمون.
الرّابعة: كانوا - مع وجود النّصّ التوراتي الحقيقيّ- يعمدون إلى استغفال العوام، فيقفزون
على بعض العبارات لدى قراءتهم لعبارات كتابهم بحيث يعجز المستمع عن الالتفات والتعرّف إلى الحقيقة، كما سيأتي في ذيل الآية (41) من سورة المائدة المباركة في قصة ابن صوريا.
7- سؤال : نظراً إلى ما هو متوفّر في الآية؛ حيث نسب اللّه تعالى حالة قسوة قلوب اليهود إلى نفسه في الآية، ولأنّ قسوة القلب وعدم التسليم للحق بمثابة السبب في الانحراف وارتكاب المعاصي.. وهنا يأتي السؤال: لما كان ظاهر العبارة قد نسب هذا الفعل إلى نفسه فكيف يمكن محاسبة اليهود على أعمالهم؟.. ألا يُعدّ هذا نوعاً من الجبر؟ وهل أنه سبحانه يحمل الفرد على قسوة القلب ؟!
ينبغي القول هنا : إنّ كلّ الهداية وكلّ الضّلال وأمثال ذلك ممّا نسب في القرآن المجيد إلى اللّه عزّ اسمه، لا بد أن يكون على أسس ووفق مقدّمات وأعمال صدرت من قبل عن العباد ثمّ يليها استحقاق الهدى أو الضلال، وإلا فإنّ عدالة اللّه وحكمته لا تجيزان أن يهتدي أحدهم أو يضل متجرّداً عن الأسباب والمقدمات الطبيعيّة، وبالدقة في مطالعة مختلف الآيات القرآنيّة، وحتّى في الآية محط التدبّر ؛ يتضح أنه في موارد كثيرة قد حرم أفراد كثيرون من لطف اللّه وهدايته بداعي نواياهم السيئة وأعمالهم الطالحة.. فكان الأصل في هذا طبيعة موقفهم الّذي أدى بهم إلى السقوط في سلسلة الانحرافات الفكريّة والأخلاقيّة وغيرهما، بحيث يعجزون عن النأي بأنفسهم عن نتائجها وعواقبها.
أما نسبة تأثير السبب في ذلك إلى اللّه تعالى في القرآن المجيد، كما ورد في هذه الآية: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً..) وفي الآية (27) من سورة إبراهيم قال سبحانه: (وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ) وفي الآية (77) من سورة التّوبة بخصوص بعض الناقضين للمواثيق والعهود : (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) ونظير هذا كثير في القرآن الكريم.
8 - واضح أنّ الآثار السيئة الصادرة عن سلوك الإنسان لا تتنافى وروح التخيير وحرّية الإرادة، أو أن تستلزم السقوط في الجبر، لأنّ الإنسان هو الّذي هيّأ المقدمات بعمله وعلمه وإدراكه واختياره وإرادته حيث خطى في هذا الوادي؛ كشخص يتعمّد شرب الخمر، ثمّ يعمد إلى ارتكاب الجرائم بعد الشكر. ومع أنه خاض في الجريمة تحت تأثير السكر، إلّا أنّه كان قد هياً مقدمات ذلك باختياره وعلمه المسبق بأنّ حالة الشكر قد تدفع به إلى ارتكاب الجريمة، وأنّه شرب الخمر فسلبه اللّه عقله ورمى به في أحضان الجريمة.. فإنّ مفهوم ذلك لا يستلزم الجبر..
وَمِنَ الّذينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا ممّا ذُكِرُوا بِهِ، فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّتُهُمُ اللّه بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14)
1- هذه الآية لا تحصر ناقضي الميثاق باليهود من بني إسرائيل، وإنما تبيّن أنّ النّصارى قد نقضوا بعضاً من العهود والمواثيق الإلهيّة، ممّا أدّى إلى معاقبتهم من قبل اللّه تعالى، إلّا أنّ التّفاوت بطبيعة التعبير القرآني بخصوص اليهود والنّصارى وأنّ الجزء المتعلّق باليهود كما ورد في الآية السّابقة حيث قالت أن قسماً صغيراً من اليهود كانوا أوفياء للحق، إلّا أنّ هذه الآية تقول عن النّصارى: إنّ جمعاً منهم قد انحرفوا، ومن هنا يتضح أن منحرفي اليهود كانوا أكثر من منحرفي النّصارى.
2- النّصارى؛ جمع النصراني، أما فيما يرتبط بتسميتهم بهذا الاسم؛ فهناك ثلاثة احتمالات :
الأوّل: لأنّ المنطقة الّتي ولد فيها النّبي عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) هي مدينة الناصرة، وقد ترعرع فيها. الثّاني: أنّ كلمة نصارى مأخوذة من كلمة نصران، وهو اسم لقرية كان النّصارى يحبّونها بشكل مميّز.
الثّالث : ويمكن اختيار هذه التسمية بداعي طلب النّبي (عَلَيهِ السَّلَامُ) النصرة والأنصار من النّاس، فأجابوه، وقد قال سبحانه في ذلك: (َالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ).
3- إنّ وجود التّحريف ونفوذ الخرافات إلى نصوص الإنجيل وهو ما يعترف به تاريخ الأناجيل الصريح، وأنها قد دوّنت طيلة سنين مديدة بعد المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) بيد بعض المسيحيين، أدّى إلى حدوث الكثير من التناقضات الواضحة، وهذا يشير إلى أنهم نسوا كثيراً من أقسام وآيات الإنجيل ومن تلكم التناقضات والخرافات المشهورة في الأناجيل المعروفة؛ خرافة صناعة المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) للخمرة، وهو الأمر المخالف لحكم العقل.. وقصة مريم المجدلية وأمثال ذلك..
4- كلمة (أغرينا) في أصلها من الإغراء، بمعنى إلصاق الشيء، ثمّ الإيحاء بالتشجيع والممارسة لتكون العلاقة بين أفراد ما منوطة بغايات معينة محددة.
5 - نقض النّصارى للمواثيق ومعاصيهم كانت سبباً لمعاقبتهم من قبل اللّه تعالى بعقابين:
ألف: استمرار العداوة فيما بينهم إلى يوم القيامة (فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ).
ب: أنه تعالى سيخبرهم في المستقبل بنتائج أعمالهم، وسيرون ذلك بأعينهم أيضاً (وَسَوْفَ يُنَبِّتُهُمُ اللّه بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ).
6- (الْعَدَاوَةَ) في الأصل من مادة العدوّ بمعنى الاعتداء. (وَالْبَغْضَاءَ) في الأصل من مادة البغض بمعنى النفرة والتنفر من الشّيء وكراهته، ويمكن أن يكون الفرق بين هاتين الكلمتين أنّ البغض له بعد وحالة قلبية، فيما العداوة ذات بعد عملي، أو عملي قلبي على الأقل وبشكل عام.
7 - إنّ عوامل وأسباب العداوة وزرع النفاق والاختلاف بداعي نقض النّصارى مواثيقهم
وارتكابهم المعاصي؛ وقد قدّم لها النّصارى بأنفسهم، وإن كانت آثارها التكوينيّة والطبيعيّة قد نسبت إلى اللّه سبحانه.
8 - الاختلاف والصراع بين النّصارى له صور عديدة، منها:
ألف: الاختلاف في بيان المعارف والأحكام النصرانية، حيث ادعى كلّ فريق منهم شيئاً.
ب: الاختلاف بين المذاهب المعروفة، مثل: الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس والفرق والمذاهب الصغيرة الأخرى.
ج: الاختلاف السّياسيّ والعسكريّ الحاصل بين البلدان والدول النصرانيّة، ومنها ما هو معروف بالحربين العالميتين الأولى والثّانية، مضافاً إلى الصراعات المتواصلة على مختلف الأصعدة والاتّجاهات والصور.
د: بعض المفسّرين احتملوا في أنّ المراد من استمرار العداوة والبغضاء بين اليهود والنّصارى.. ولعلّ من غير الضروري التذكير بأنّ العاقبة الأليمة غير منحصرة بالنّصارى، إذ المسلمون أيضاً لدى سلوكهم سلوك اليهود والنّصارى، فإنّ المصير الأسود سيكون بانتظارهم أيضاً.
9 - يفهم من الآية أعلاه أنّ طائفة النّصارى باعتبارهم أتباع مذهب محدّد (أو اليهود والنّصارى معاً) سيبقون إلى نهاية العالم. ولكن السؤال الّذي يطرح نفسه هنا هو: يستفاد من الروايات الإسلاميّة أنّ ظهور مولانا الحجّة (عَلَيهِ السَّلَامُ) سيؤدّي إلى انقراض جميع الأديان والمذاهب في جميع بقاع المعمورة وبقاء وانتشار الدّين الإسلاميّ ليكون هو دين الأرض الوحيد؛ فكيف يمكن الجمع بين الفكرتين؟ يمكن أن تبقى النصرانية (أو اليهوديّة والنصرانيّة) بصورة أقليّة قليلة وضعيفة جداً في الأرض حتّى أثناء العصر المهدوي العظيم، لعلمنا بأنّ الحرّية وإرادة الإنسان لن تزول، وأنّ الدّين سيبقى مجرّداً عن الجبر، وإن كانت الأكثريّة المطلقة من البشر ستطوي طريق الحقّ وتنتمي إليه، والأهمّ من كلّ شيء أنّ حكومة الأرض التامة والعامة ستكون حكومة إسلاميّة. (1)
1) الأمثل فى تفسير كتاب اللّه المنزل، ج 3، ص 644.
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَ كُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا ممّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءَ كُم مِّنَ اللّه نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15)
1- من قوله تعالى: (يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا ممّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ) يفهم أنّ أهل الكتاب يكتمون كثيراً من الحقائق، إلا أنّ الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سيبين ما يحتاجه النّاس، مثل : بيان حقيقة التوحيد ونزاهة الأنبياء وبراءتهم من التهم الموجهة إليهم في كتابي العهدين القديم والجديد وحكم تحريم الربا والخمر وأمثال ذلك. وهناك جملة من الحقائق المتعلّقة بالأمم السالفة والعصور الماضية، وبيانها ولم يكن ذا أثر معلوم في تربية وتقاليد الأمم المعاصرة.. نغضّ الطرف عن ذكرها هنا.
2- تكرار كلمة (كثير) مرتين في هذه الآية يبيّن أنّ أهل الكتاب وإن حرصوا على كتمان كثير من الحقائق إلّا أنّ نبي الإسلام (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وبما أعطاه اللّه تعالى من صلاحيات ومن أجل التخفيف عن النّاس ومنهم أهل الكتاب أنفسهم؛ وبغض النظر عن بيان كثير من أمور ومسائل
الكتب السّماويّة وما يحتاجه هؤلاء من بيان للأسرار والحقائق؛ سيبينها لهم (يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا ممّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ).
3 - يكفي في بيان أهمية وعظمة القرآن المجيد وآثاره العميقة في هداية البشر وتربيتهم؛ أنّ اللّه تعالى يقول: (قَدْ جَاءَ كُم مِّنَ اللّه نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ).
4- للمفسّرين رأيين في المراد من النور المذكور في هذه الآية، وما إذا كان شخص نبيّ الإسلام (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، أو القرآن المجيد، ولكن بملاحظة مختلف آيات الذكر الحكيم والّتي شبّهت القرآن بالنور؛ يتضح أنّ النّور في هذه الآية أريد به القرآن وعليه؛ يكون عطف الكتاب المبين عليه من قبيل العطف الإيضاحيّ.
يَهْدِى بِهِ اللّه مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظّلماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16)
1- نور الهداية الإلهيّة يقود الإنسان ويخرجه من ظلام الشرك وظلمة الجهل والفرقة والتّشرذم والنفاق و... إلى حيث التوحيد الحقّ والعلم والاتحاد، ذلك النور الّذي يهدي به اللّه تبارك وتعالى الراغبين بكسب رضاه فيخرجهم من أنواع الظّلمات والماضي السحيق إلى الجادّة المستقيمة الّتي لا عوج فكريًا ولا عمليا فيها (وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظّلماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).
2- نقرأ في روايات عديدة أنّ النّور قد فسّر بشخص أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) (1). ولكن في واقع الأمر أنّ هذا التفسير هو من قبيل ذكر بطون الآيات، لأننا نعلم بأنّ القرآن وعلاوة على معانيه الظاهرة له معان باطنيّة أيضاً، ويعبّر عنها ب-(بطون القرآن). وقولنا: معلوم أنّ هذه التفاسير مرتبطة ببطون القرآن، مبني على أنّ تلك العصور لم يكن ثمّ وجود فعليّ للأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) ليُدّعى أهل الكتاب إلى الإيمان بهم.
3- بشرت هذه الآية الّذين يسعون إلى إحراز رضا اللّه تعالى في هذا السبيل أنهم سيعطون
1) تفسير العياشي، ج1، ص 139.
التوجيه إلى جادّة الهداية والسلامة الفرديّة، والسلامة الجماعية، ممّا يستلزم سلامة النفس والروح والأسرة وسلامة الأخلاق (ولكلّ ذلك بعد عملي).
4 - جميع النّعم الإلهيّة تكون من نصيب المسلمين للحق والباحثين عنه، وهذا مصداق (مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ) وأما المنافقون والمعاندون المعادون للحق فإنهم سيحرمون من كلّ تلكم المنافع الجليلة كما تشهد بذلك سائر آيات الكتاب المبين.
5- لا شكّ في أنّ جميع الآثار المشار إليها في هذه الآية تصدر عن الإدارة الإلهيّة المطلقة، وذلك يفهم من قوله (بِإِذْنِهِ).
لَقَدْ كَفَرَ الّذينَ قَالُوا إِنَّ اللّه هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّه شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ، وَمَن في الْأَرْضِ جَمِيعًا وَللّه مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللّه عَلَى كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)
للنّصارى جملة ادعاءات واهية عن اللّه تعالى حيث يشير إليها القرآن :
1- لا ريب في أنّ الّذين قالوا بأن المسيح بن مريم هو اللّه كافرون، وهم في الحقيقة ينكرون اللّه عزّ وجلّ.
2 - لإيضاح مفهوم كفر مدعى ألوهية المسيح، ينبغي أن نعلم بأنّ للنصارى عدة ادّعاءات واهية بخصوص اللّه سبحانه:
ألف: عقيدة التّثليث وهي ما ذكرتها الآية (170) من سورة النساء: (وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ) فالآية هذه أشارت إلى هذه العقيدة بل أبطلتها.
ب: هؤلاء يذهبون إلى أنّ الإله الّذي خلق العالم هو أحد الآلهة الثلاثة، ويسمونه : الإله الأب، والقرآن الحكيم ذكر هذه العقيدة في الآية (73) من سورة المائدة وأبطلها (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ) وسنعمد إلى تفسيرها في قابل الحديث.
ج: الآلهة الثلاثة في عين التعدّد حقيقة واحدة، ويعبّر عنها تارة بوحدة التّثليث وهذا الأمر الّذي أشير إليه في هذه الآية حيث يقولون إنّ اللّه هو المسيح بن مريم، وإنّ المسيح بن
مريم هو اللّه وهذان عبارة عن واحد حقيقي مع روح القدس وهم في الوقت نفسه يشكلون ثلاث ذوات متعدّدة وعليه؛ فإنّ كلّ واحد من جوانب التّثليث الثلاثة قد كان مورد البحث وهذا أعظم انحراف لدى النصرانية، وقد أبطل تماماً وأشير إليه في الآية (170) من سورة النساء (لَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ).
3 - تورّط بعض المفسّرين؛ مثل الفخر الرازي ولعدم إحاطته علماً بكتب النّصارى لدى فهم هذه الآية؛ تورّطوا في إشكال وظنوا أنّ لا أحد من النّصارى يظهر عقيدة اتحاد اللّه بالمسيح بصراحة، في حين أنّ مصادر النّصارى المتوفّرة تصرّح بمسألة الوحدة في التّثليث.. ولكن لعلّ هكذا كتب لم تصل يد أمثال الرّازي في تلك الحقبة.
4- لكي يبطل اللّه تعالى عقيدة الألوهية النصرانية، قدم دليلين:
الدليل الأوّل : أن عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) كأمه مريم وكسائر أفراد البشر، ليس إلا بشراً، وأنّ اللّه تعالى لو أراد إهلاك المسيح وإهلاك أمه وإهلاك جميع من على الأرض، فإنّه لن يعوقه عائق.. وعليه؛ فالمسيح مجرّد مخلوق كسائر مخلوقات اللّه عزّوجلّ وعليه؛ فهو مخلوق فان، والعدم يسري إلى ذرّات ذاته، ومثل هذا المخلوق يتصوّر في العدم.. فإذا كان المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) كذلك، فكيف يمكن أن يكون إلها أزليّاً؟!
الدليل الثّاني: لو كان المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلها، فإنّ اللّه سيعجز عن إهلاكه، وبهذا سيكون محدوداً، ومثل هذا لا يمكن أن يكون إلهاً.. لأنّ من المفترض أن تكون قدرة اللّه مطلقة كذاته المطلقة.
5 - جملة (يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) ردّ على قول الّذين يقولون بأن ولادة المسيح دون أي دليل على ألوهيته.. فنقول: إنّ اللّه حكومة السماوات والأرض وما بينهما، وهو الّذي يخلق ما يشاء كيف يشاء، فإذا أراد؛ خلق إنساناً بلا أب ولا أم كآدم، أو إنساناً من أب وأم كالأفراد البشريين العاديين، أو إنساناً من أمّ فقط؛ كالمسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ).. وإنّ تنوّع الخلقة هذا دليل من جملة الأدلة
على قدرته تعالى وليست دليلاً على شيء آخر، إذ اللّه تعالى قادر على كلّ شيء قدير.
6- تكرار كلمة (الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ) في الآية يمكن أن يكون إشارة إلى الحقيقة القائلة بأنكم تقرون بأن عيسى هو ابن مريم وأنه ولد من أم، أي أنه كان جنيناً ثمّ طفلاً رضيعاً ثمّ نما بدنه حتّى صار شاباً ورجلاً كبيراً فهل يُعقل أن يكون الرّبّ ضمن محيط صغير كرحم الأم، ويواجه كلّ تلكم التغيّرات، ثمّ يحتاج إلى أمّ في مرحلة التكوّن في الرحم ثمّ الرّضاعة ؟!
7- في هذه الآية وبغض النظر عن ذكر عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ذكرت السيدة (عَلَيهِ السَّلَامُ) باسمها وخاصة تحت عنوان (أمّه) وهكذا تحدّد والدة المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) من بين جميع نساء الأرض، ولعلّ ورود هذا التعبير بداعي أن النّصارى حين العبادة؛ يعبدون أمّ المسيح أيضاً.. والكنائس تحوي - من التّماثيل الّتي يعظمها النّصارى تمثال السيدة مريم (عَلَيهِ السَّلَامُ). وقد أشير في الآية (116) من سورة المائدة إلى هذا المطلب، حيث قال (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ)؟!.
8 - لو كان النّبي عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلها، فإنّ احتمال فنائه وموته لا يتناسب وإياه، ولهذا؛ كيف (حسب عقيدة النّصارى) قتل وصلب حتّى صار الصليب علامة مظلوميته وآلامه؟ فاللّه لا يمكن أن يتعرّض للأذى!!
10 - النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أمر بمحاورة منطقه مع المخالفين (قل فمن يملك...).
11- أنّ عيسى وأمه وجميع النّاس في الأرض على حدّ سواء في العجز في مقابل القدرة الإلهيّة (الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ، وَمَن في الْأَرْضِ جَمِيعًا).
12- ادّعاء الألوهية في غير اللّه تعالى، مثل المسيح الا، علامة عدم معرفة النّصارى الواقعية والصحيحة اللّه تعالى (قَالُوا إِنَّ اللّه هُوَ الْمَسِيحُ.. وَللّه مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ).
وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنّصارى نَحْنُ أَبْنَاؤُا اللّه وَاحِبَاؤُهُ قُل فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرُ ممّن خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَللّه مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18)
1- قد أشار اللّه المتعال مراراً في القرآن الكريم إلى ادّعاءات اليهود والنّصارى بكونهم أبناء اللّه سبحانه، فمثلاً ورد في قوله الجليل في الآية (111) من سورة البقرة ادّعاؤهم بأنّ الجنّة لن يدخلها إلا من كان هوداً أو نصارى، وقد أبطل سبحانه هذا الادعاء السخيف. أو ما ورد في الآية (80) من سورة البقرة أيضاً من أنّ النار لن تمسهم إلّا أياماً معدودة، وقد لامتهم الآية الشّريفة على قولهم الباطل هذا... وهنا ردّتهم هذه الآية على قولهم بأنهم أبناء اللّه وأحباؤه..
2- لا ريب في أنهم كانوا لا يعتقدون بأنهم أبناء اللّه على وجه الحقيقة، وإنما كان النّصارى يذهبون إلى كون المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) ابن اللّه حقاً، وقد صرّحوا بذلك.. وإنّ المراد في سياق الآية أنّهم اختاروا هذا العنوان لأنفسهم ليرتبُّوا نوع علاقة خاصّة مميّزة تربطهم باللّه دون غيرهم، وكأنّهم يريدون القول بهذا أنّ كلّ من ينتمى إليهم - عرقاً أو عقيدة يكون من أبناء اللّه وخاصته من دون أن يأتي بعمل صالح..
3- بناءً على تعاليم القرآن المجيد، فإنّ ميزة كلّ إنسان رهينة بالإيمان والطاعة والقيام بالعمل الصالح (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).
4- قد بيّن القرآن المجيد - لدى مواجهة جميع هذه المميزات الباطلة والأوهام وردّ مدّعيات اليهود والنّصارى - في هذه الآية الجليلة أربعة أدلة صادقة:
الأوّل : أنّكم - أيها اليهود والنّصارى - تقرون بتعرّضكم للعقاب الأخروي ولو خلال مدة قصيرة، وهذا العقاب الّذي سيُعرّض له العصاة في الآخرة دليل على أنّ علاقتكم الاستثنائية باللّه تعالى مجرّد ادّعاء باطل موهوم؛ مع أنّكم تدعون كونكم أبناء اللّه وأحباءه، إذ لو كنتم صادقين في مدعاكم؛ فلم سيعد بكم اللّه ويعاقبكم ؟ (قُل فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم)؟؟
الثّاني: التاريخ يؤكد لكم أنّكم تعرّضتم لسلسلة عقوبات إلهية في هذه الدنيا، وهذا دليل آخر على بطلان مدعاكم، مضافاً إلى أنّكم بشر من جملة مخلوقات اللّه تعالى(بَلْ أَنتُم بَشَرُ ممّن خَلَقَ).
الثّالث: أنّ عقوبة العصاة أو قسم منهم؛ تجسّد قانوناً مسنوناً لعموم البشر، سواء كانوا نصارى أو يهوداً أو مسلمين، وكلّ ذلك منوط بإرادة اللّه العزيز، وهو الّذي يعفو عمن يشاء
ويعذب من يشاء بإرادته وحكمته (يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ).
الرّابع: جميع النّاس ومن أي دين كانوا هم مخلوقون من قبل اللّه تعالى، وهم عبيده ومملوكوه، وعلى هذا؛ فإنّ من غير المنطقي إطلاق عنوان (ابن (اللّه) على أحدٍ منهم (وَللّه مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا).
5 - وفي النهاية ستعود جميع المخلوقات إلى بارئها (وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ).
6- سؤال : هل حَوَتْ كتب اليهود والنّصارى دليلاً على كونهم أبناء اللّه (سواء كانت هذه النّبوّة مجازية لا حقيقية) ؟
الجواب: ينبغي الالتفات إلى أنّ ادّعاء اليهود والنّصارى في الأناجيل المعروفة قد تكرّر فيها هذا الإدّعاء، من ذلك ما ورد في (إنجيل يوحنّا) الباب (8) الفقرة (41) وما بعدها على لسان عيسی (عَلَيهِ السَّلَامُ) الّذي خاطب اليهود بالقول: أنتم تفعلون أفعال أبيكم، فقالوا: إننا لم نولد من الزنا
ولنا أب وهو اللّه فقال لهم عيسى: لو كان اللّه أباكم لأحببتموني.. بالإضافة إلى أنّ بين الرّوايات الإسلاميّة ثمّة نصّ عن ابن عبّاس يروي أنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دعا جماعة من اليهود إلى دين الإسلام وحذرهم من عقاب اللّه سبحانه، فقالوا: كيف تخوّفنا من عذاب اللّه والحال أننا أبناؤه وأحبّاؤه؟ (1)كما ورد في تفسير (مجمع البيان) في ذيل هذه الآية حديثاً شبيهاً بالحديث المتقدّم، وهو أنّ جمعاً من اليهود قالوا بعد تحذير النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)لهم من العقاب الإلهيّ لا تهدّدنا ونحن أبناء اللّه وأحباؤه، ولو أنّه غضب علينا، فهو ليس إلّا كغضب الرجل على أبنائه، أي سرعان ما يفتر من غضبه !! (2)
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٌ فَقَدْ جَاءَ كُم بَشِيرُ وَنَذِيرٌ وَاللّه عَلَى كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19)
1- وجهة الخطاب في هذه الآية هم أهل الكتاب للحيلولة دون لجوئهم إلى ثقافة التبرير من أنّهم لم يأتهم رسول اللّه يبشّرهم وينذرهم (أَن تَقُولُواْ مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٌ).
2 - مهمة الرسول ليست التبشير بالجنّة فحسب، وإنما عليه أن يقول للناس: إن تحمّلتم مسؤولياتكم وعملتم بتكاليفكم فالجنة مثواكم، وإلا عليكم الخوف من عذابه العظيم (أَن تَقُولُواْ مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٌ).
3- الغاية من بعثة وإرسال الأنبياء والمرسلين بيان الوظيفة والتكليف والعلوم والحقائق الإلهيّة، وبعبارة أخرى عليهم تعليم النّاس بما لهم وما عليهم بناء على التبشير بجنّة اللّه والإنذار من غضبه عزّوجل وإنّه ما لم يأت نبي أو رسول ويحدّد للعبد وظائفه، ويبشّره بالجنّة إذا ما أدّى هذا الواجب والتكليف، وحدّره العذاب الإلهيّ المساوق للمعصية.. فإنّه لا وجه لمحاسبة العبد، وذلك بناء على أساس الحكمة والعقل القاضي بقبح العقاب بلا بيان، لا سيّما وأنه تعالى لا يصدر عنه ما يخالف الحكمة والعقل (قَدْ جَاءَ كُم بَشِيرُ وَنَذِيرٌ وَاللّه عَلَى كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
4 - البشير والنذير هو نبي الإسلام (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، حيث يبشر مريد الصّلاح وفاعله بالجنة والنَّعيم،
وينذر أهل الباطل والمعاصي من العقاب الإلهيّ العتيد (فَقَدْ جَاءَ كُم بَشِيرُ وَنَذِيرٌ).
5- (فترة) في الأصل بمعنى الشكون والهدوء، والحالة الّتي تقع بين حركتين أو سعيين ونهضتين.
6- حيث أنّ الفاصلة الّتي كانت بين نبوّة موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) والمسيح ؛ قد تخلّلتها بعثة أنبياء ورسل، إلّا أنّ الفاصلة بين نبوّة المسيح وبين نبينا الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و لم تكن بتلك الصورة، والقرآن الكريم سمّى تلك الحقبة بحقبة الفترة من الرّسل.
7 - نعلم أنه بين عصر المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعصر البعثة المحمّديّة كانت ست مائة عام تقريباً، إلّا أنّه وطبقاً لما هو مذكور في القرآن الكريم (سورة يس 14) وطبقاً لما قاله المفسرون، فإنّ ما لا يقل عن ثلاثة أنبياء قد بعثوا بين النّبي المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) والنّبي المصطفى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وارتقى بعضهم بالعدوّ المذكور إلى أربعة, غير أنّ بين وفاة أولئك الأنبياء الثلاثة أو الأربعة وبين البعثة المحمّديّة المقدّسة كانت هنالك فاصلة، ولهذا؛ سمّيت تلك المدّة الفاصلة في القرآن فترة.
8- سؤال : يمكن أن يقال هنا: طبقاً لعقيدتنا؛ فإنّ المجتمع الإنسانيّ لا يمكن أن يخلو لحظة من خليفة اللّه تعالى ورسوله، فكيف يمكن أن تكون هذه الفترة المذكورة؟
الجواب: يلزم الالتفات إلى أنّ القرآن المجيد يقول: (عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ) أي: لم يكن ثمّة رسل في تلك الفترة، غير أنه لا مانع أن يوجد أوصياء لأولئك الرّسل، وبعبارة أخرى: أنّ الرّسل هم الّذين كانوا يؤدون مهام التبليغ والدعوة العامة الواسعة، فكانوا يبشرون النّاس وينذرونهم.. أو يحطمون الصمت الاجتماعي، فيوصلون صوتهم إلى أسماع الجميع.. ولكن أوصيائهم لم تكن لهم هذه المهمة، بل إنّهم في بعض الأحيان كانوا وبداعي ظروف اجتماعية محدّدة يعيشون بهيئة خفيّة بين النّاس.
9 - قال مولانا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في إحدى خطب (نهج البلاغة): > اللّهم بلى لا تخلو الأرض من قائم للّه بحجّة، إما ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً لئلا تبطل حجج اللّه وبيناته؛ يحفظ
اللّه بهم حججه وبيّناته حتّى يودعها نظرائهم ويزرعونها في قلوب أشباههم<. (1)
10 - واضح أنه في الحالات الّتي لا يتوفّر فيها الأنبياء والرسل الثوريين بين ظهراني المجتمعات.. يلاحظ تسرّب الخرافات والوساوس الشّيطانيّة وأشكال التحريف وينتشر الجهل بتعاليم الرّبّ المتعال.. وهنا قد يعمد عدد من الأفراد إلى التبرير عبر الظرف الحاصل للتهرّب من تحمّل ثقل المسؤوليات.. وفي هذه الحال؛ نرى اللّه تعالى يقطع عليهم سبيل الأعذار والتبريرات بواسطة رجال الشماء.
11- عبارة (وَاللّه عَلَى كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) في خاتمة الآية الشّريفة تبين حقيقة أنّ بعثة الأنبياء واصطفاء وتعيين أوصيائهم لنشر دعوة الحقّ في مقابل أمر بسيط جداً قياساً بقدرته وحاكميته سبحانه وتعالى.
1) نهج البلاغة، ص 497.
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَا قَومِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّه عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُلوكًا وَءَاتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (20)
1- في هذه الآية الشّريفة ومن أجل إحياء روح معرفة الحقّ لدى اليهود والإقرار بها، وإحياء الضّمائر فيهم إزاء الأخطاء السالفة الّتي كانوا يرتكبونها ليفكّروا ويقرّروا جبرها.. قد خاطبهم اللّه سبحانه وتعالى على لسان نبيهم موسى بن عمران الا بالقول : (اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّه عَلَيْكُمْ).
2 - إنّ نسيان أو تناسي النّعم الإلهيّة يوجب الطغيان ويؤدّي بالإنسان إلى التمرد، كما أنّ شكر النعم وتذكرها يثير في الإنسان صفة الخضوع والطاعة لربّه سبحانه وتعالى.
3- واضح أنّ كلمة (نِعْمَةَ اللّه) تشمل جميع المواهب والنّعم، ولكن تبعاً لذلك، جرت الإشارة إلى ثلاثة أقسام خاصّة بأهم النعم الّتي أعطيت لبني إسرائيل (يَا قَومِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّه عَلَيْكُمْ...).
النّعمة الأولى نعمة وجود الأنبياء الّذين أرسلوا إليهم وبعثوا فيهم، وهي النّعمة الإلهيّة الكبرى، وهم في خضم هذه النعمة خرجوا عن الشرك وعبادة الأصنام والعجل والتشبث بأنواع الخرافات والمخازي، وهذه نعمة معنوية هي الأكبر كانت من نصيبهم (إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ).
النّعمة الثّانية ثمّ جرت الإشارة إلى أكبر نعمة إلهية مادّيّة، وهي بمثابة المقدمة للمواهب المعنويّة، إذ جعلهم اللّه تعالى مسلّطين على أرواحهم وأموالهم، وذلك بعد أن كانوا - طيلة سنين مديدة - مستعبدين من قبل الفراعنة الّذين كانوا يعاملونهم معاملة الحيوانات.. فأطلق اللّه
بنعمته سراحهم وأنجاهم من عبوديتهم وجعلهم أحراراً ومكّنهم في حياتهم (وجعلكم ملوكاً).
النعمة الثّالثة : (وَءَاتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) وهذه النعم المتنوعة كانت كثيرة، من جملتها النّجاة الإعجازية من مخالب فرعون والفراعنة وانشقاق البحر لهم، والتنعم بأنواع الأطعمة، مثل المن والسّلوى.. وقد مرّ الحديث عن ذلك في (المجلد الأول) في ذيل الآية (57) من سورة البقرة.
4- ظنّ البعض بأنّ المراد من (الملوك) هنا؛ الملوك الّذين صاروا من بني إسرائيل أنفسهم، والحال أننا نعلم بأنّ بني إسرائيل قد خاضوا تجربة ملوكيّتهم خلال فترة قصيرة جداً، ولم يحكمهم ملوكهم سوى عدد قليل منهم، فيما الآية تقول: (وَجَعَلَكُم مُلوكًا) ومن هنا يتضح أنّ المراد من الآية أنكم تسلّطتم على أنفسكم وأموالكم، مضافاً إلى أن مفردة (مَلِكْ) الّتي هي على وزن (ألِف) تعني السّلطة والتّحكّم.
5- روي في تفسير (الدّر المنثور) عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : (كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة؛ كُتِبَ ملكاً) (1).
6- أشار اللّه تعالى في آخر الآية إلى النّعم المهمة والجليّة الّتي لم تعط - في ذلك الزمن -أحداً من النّاس. وقد روي أنّ عصر موسى بن عمران (عَلَيهِ السَّلَامُ) فحسب شهد حضور سبعين نبيّاً وإنّ جميع الّذين رافقوه إلى الطور كانوا بمنزلة الأنبياء. (2)
يَا قَومِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الّتي كَتَبَ اللّه لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21)
1- هذه الآية تبيّن قصة دخول بني إسرائيل الأرض المقدّسة وتحذيرهم من قبل النّبي موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أن يخشوا مواجهة المشاكل، ومن أن يمتنعوا عن الوفاء والتّضحية، ومن أن يرتدّوا على أدبارهم فينقلبوا خاسرين.
2 - بالنظر إلى إشارة هذه الآية إلى الأرض.. فقد أطال المفسّرون في شرح المراد من الأرض. فقال بعضهم بأنّها أرض بيت المقدس وألمح آخرون إلى كونها بلاد الشام، وأكد آخرون منهم على أنّها أرض الأردن أو فلسطين أو أرض الطور.. ولكن لا يبعد أن يكون المراد من الأرض المقدسة جميع مناطق الشّامات الّتي تشمل جميع هذه الاحتمالات، لأنّ هذه المنطقة وبشهادة التاريخ تعتبر مهد ومهبط الأنبياء والرّسل، وهي موضع ظهور الأديان الكبيرة، كما كانت طيلة قرون مركزاً للتوحيد وعبادة اللّه تعالى ونشر تعاليم الأنبياء.. من هنا، اختبر لها عنوان: الأرض المقدّسة، وإن كان هذا العنوان يطلق تارة على منطقة بيت المقدس بالخصوص.
3- يفهم من قوله سبحانه: (كَتَبَ اللّه لَكُمْ) أنّ اللّه قد أراد لبني إسرائيل أن يقطنوا في هذه الأرض المقدّسة بأمان ورفاهية بشرط أن يُطهروها من لوث الشّرك وعبادة الأوثان، وأن لا ينحرفوا -هم- عن تعاليم الأنبياء، وإلا فإنّهم سيتحملون خسائر فادحة.
4 - وإن كان المخاطب في هذه الآية جيل من بني إسرائيل ممّن أراد اللّه تعالى لهم أن يدخلوا الأرض المقدّسة، إلّا أنّ إحجامهم عن إنفاذ إرادة الربّ العزيز في دخول الأرض المقدسة
وتيههم في الصحراء طيلة أربعين عاماً، وثمّ دخول الجيل التالي لهم لتلكم الأرض المقدّسة واستقرارهم فيها؛ لا يتنافى وعبارة (كَتَبَ اللّه لَكُمْ) لأنه كما يفهم من الآيات القادمة، فإنّ تقدير المشروط بشرائط لم يفوا بها، ثمّ وفى الجيل التّالي بها.
5- حيث أن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان قد تنبّأ بحال بني إسرائيل وأنّهم سيتمرّدون على أمر اللّه. رأيناه قد قال (وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ) فكان عدم دخولهم الأرض المقدسة وهو النّسق والمعصية بعينها.
قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَدْخُلَهَا حتّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22)
1- (الجبّار) من الجبر، بمعنى الإصلاح والجبران المرافق للقهر والضّغط، ولكنّ المفردة وردت بالمعنيين بصورة مستقلة: الجبران.. والقهر والغلبة، واستعملت أيضاً في اللّه سبحانه بالمعنيين معاً.
2- كما أن ديدن ضعاف الأشخاص وجبنائهم وجهالهم الميل إلى إحراز الانتصارات تحت مظلّة الصدف أو المعاجز، وحسب الاصطلاح أن يُلقّموا الطّعام من قبل غيرهم.. وهكذا قال بنو إسرائيل إزاء اقتراح موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأمره: يا موسى! قد تعلم بوجود القوم الجبّارين في الأرض المقدّسة، وأننا لن نخطوا صوبهم حتّى تخلوا الأرض من وجودهم، فإذا ما خرجوا دخلنا طائعين لك (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَدْخُلَهَا حتّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ).
3 - موقف بني إسرائيل السلبي الّذي عبّر عنه قولهم (لن) الّتي تستعمل في النفي المؤبد عادة، يبيّن حقيقة وطبيعة الاستعمار الفرعونيّ لأذهان ونفوس هؤلاء القوم طيلة سنين مديدة ومدى الآثار السلبية الّتي خلّفها في ذلك الجبل من قوم موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ).. مضافاً إلى تبيينه الخوف العظيم المتكرّس في نفوس أولئك القوم، ممّا حذا بهم إلى الامتناع عن المشاركة في عملية تحرير وتطهير الأرض المقدّسة من دنس أولئك الطغاة الجبّارين.
4- الغاية من الأمر بالانطلاق والحركة والمواجهة؛ كانت تحريض بني إسرائيل على التّضحية والسّعي وبذل المجهود والجهاد، دون انتظار وتوقع حصول المعجزة لتدمير الأعداء، إذ لو افترضنا دمار جميع الأعداء بالمعجزة خلافاً للسنة الإلهيّة فلم يكلف المؤمنون أنفسهم عناء الجهاد وتحمّل المشاق وورثوا الأرض الّتي اغتصبها الأعداء.. فإنّهم لا شك سيعجزون عن إدارتها، ولن تكون فيهم الرّغبة للمحافظة عليها، لافتقارهم الجدارة والاستحقاق.
5 - بناء على ما يفهم من التاريخ؛ يكون المقصود من (قَوْم جَبَّارِينَ) في هذه الآية؛ هم العمالقة، من جملة الأقوام السامية الّذين كانوا يقطنون منطقة شمال الجزيرة العربية عند صحراء سيناء، وقد هاجموا مصر وحكموها طيلة خمس مئة عام.. ولقد طال الحديث عن قاماتهم وعظيم عضلاتهم وجرت المبالغة والمغالاة في وصفهم بشكل خرافي ومضحك لا يتفق مع أي من الدليل والمنطق.. ويبدو أنّ تلكم الخرافات قد سرت إلى بعض الكتب الإسلاميّة، وهي من بدع بني إسرائيل المسماة عادة بالإسرائيليات ومصداق هذه الإسرائيليات وأمثالها متوفّر في نصوص التوراة الحاليّة..
قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الّذينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّه عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّه فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (23)
1- قال العلامة الطباطبائي في تفسير (الميزان): متى ما وردت كلمة (النعمة) في القرآن الكريم بلا قيد فالمراد نعمة الولاية والنّبوّة (1).
2 - بخصوص من يكون هذان الرّجلان كتب أغلب المفسّرين أنهما: يوشع بن نون وكالب بن يوفنا (يفنه) وهما من نقباء بني إسرائيل الاثني عشر من الّذين وردت الإشارة إليهم.
3- معلوم أنّ مفهوم جملة (مِنَ الّذينَ يَخَافُونَ) - مع وجود الاحتمالات - أن الرجلين المشار إليهما من الأفراد الّذين يخشون ربهم، وهكذا لا يخشون غير اللّه، وشاهد هذا المعنى (أَنْعَمَ اللّه عَلَيْهِمَا) إذ لا نعمة أكبر من أن يرتقي المرء إلى مرتبة عدم خشيته من اللّه سبحانه.
4- سؤال: ترى من أين كان يعرف هذان الرّجلان أنّ بني إسرائيل إذا ما باغتوا العمالقة، فإنهم سينتصرون ؟!
يمكن لدى الإجابة أن نحتمل بأنهما كانا يعلمان - مضافاً إلى يقينهما بمصداقية موسی (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالفتح والانتصار - بأنّ ثمّ قاعدة عامّة في جميع الحروب مفادها أنه إذا تمكّنت جماعة من مهاجمة عدوّها في عقر مقرّه فإنّها ستنتصر.. ولأنّ القول التاريخي المشهور يفضي
1) الميزان، ج 5، ص 291.
إلى أنّ العمالقة كانوا ذوي أجسام فارعة وكانت كلّ قوّتهم في خوض الحروب في خارج المدن دون الشّوارع والأزقَّة، هذا بالإضافة إلى أنّ هؤلاء كانوا أفراداً جبناء رغم مظهرهم العتيد، فإن فوجؤوا بهجوم مباغت غلبوا.. ومجموع هذه الأبعاد كانت سبباً لأن يدلي هذان الرّجلان برأيهما القائل بانتصار بني إسرائيل.
5 - الألطاف والنّعم الإلهيّة تتجلّى في رحاب خشية اللّه تعالى (يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّه..).
6- الشّخص الّذي يخشى اللّه من طبيعته خشية اللّه، ويعد أداء التكليف الإلهيّ أمراً واجباً، فلا يستسلم للقوى الأخرى يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّه.. ادْخُلُوا).
7 - خشية اللّه نعمة إلهيّة (يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّه عَلَيْهِمَا).
8- جملة (فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ) تؤكّد بأنّ هجوم المجاهدين يتطلب رفع معنوياتهم.
9- بناء على قوله سبحانه : (يَخَافُونَ.. فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ) يفهم أنّ التقوى وخشية اللّه تهب الإنسان البصيرة والطاقة والرّؤية الصحيحة تجاه الأمور.
10 - لتحقيق النّجاح؛ لا يكفي التوكل فقط، وإنّما الضّروري في الأمر أن يرافق التوكل سعي وجهد (ادْخُلُوا.. فَتَوَكَّلُوا).
11- التّوكَّل ليس أمراًنظرياً، وإنّما هو روح معنوية صادرة عن الإيمان (فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ).
قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاً إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون (24)
مقدّمة :
لقد اتفق القرآن والتّوراة في سبب تيه بني إسرائيل ومدة الأربعين سنة الّتي استغرقها التّيه. والقصة بدأت أنّ بني إسرائيل لدى خروجهم من مصر وعبورهم البحر الأحمر ومرورهم ووصولهم إلى حدود فلسطين؛ أمروا - بصريح القرآن - بقتال ساكني الأرض المقدّسة من الجبارين الكافرين، ولكنّهم تمرّدوا على أمر اللّه تعالى تحت مبرّر قوّة وجبروت ساكني المدينة.. رغم تحذیر موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) إيَّاهم، فامتنعوا عن دخول المدينة وحرب الكافرين، بعد أن اشترطوا على نبيّهم موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يذهب هو وربّه للقتال: (قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاً إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون) وفي هذا الخطاب وهذا الموقف وجه بنو إسرائيل أشكال الإهانات والتمرّد تجاه موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ).. وهذا بالإضافة إلى أنّ خطابهم لنبيّهم يتضمّن:
أولاً:
حيث أنّ الرجلين المذكورين قد أبلغا بني إسرائيل رسالة موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فإنّه كان المتوقّع من بني إسرائيل أن يمتثلوا أمر نبيهم الّذي دعاهم إلى دخول تلكم المدينة، ولكنهم لم يفعلوا ذلك، بل إنّهم واجهوا موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وخاصموه وكأنهم أرادوا إعلامه بأنّهم لا يسعهم أن يحاوروه وأنهم قد ملّوا دعوته وخطابه، وهذا لعمري نوع إهانة وإساءة أدب صدرت عنهم تجاه نبيّهم العظيم.
ثانياً:
أنّ هذا الخطاب الخارج عن حدود الأدب، وهذا التمرد المتكرّر من قبل بني إسرائيل للمرّة الثّانية على التوالي، حيث أكّدوا على أنهم لن يدخلوا تلك الأرض أبداً.
ثالثاً:
أنّ جهلهم كان إلى الحد الّذي تجرؤوا فيه على أن يستخدموا عبارةً أشدّ وقاحة، وهي قولهم لنبيّهم أن يذهب هو وربّه فيقاتلا، وأنهم قاعدون توقّعاً لنصرهما.. وهذا الخطاب أوضح دليل على أنهم يحملون العقيدة الباطلة تجاه اللّه سبحانه وتعالى، وهي العقيدة الّتي يتبناها عبدة الأوثان، حيث ظنّوا أنّه تعالى موجود شبيه بالإنسان.. وهكذا هم اليهود في عقيدتهم حقاً لأنّهم - حسب القرآن لكريم كانوا طلبوا من نبيهم موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد عبورهم البحر ومشاهدتهم لجملة المعاجز والكرامات أن يجعل لهم آلهة كما هي آلهة القرية الّتي مروا بها بعيد عبورهم البحر، ممّا دفع موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى وضعهم بالجهل والجاهليّة. (1)
1- هذه الآية توضح الحقيقة أدناه، أن وهي بني إسرائيل وضمن معارضتهم للنّبيّ موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والحمله على اليأس من دعوته، وبداعي ضعفهم وتقاعسهم عن الجهاد، قد رفضوا جميع أوامره وتعاليمه.
2 - بنو إسرائيل رفضوا موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) ودعوته ضمن دائرة الإهانات الّتي وجهوها إليه فيما يتعلّق بنصيحة الرجلين بخصوص دخولهم الأرض المقدّسة.. فخاصموا موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتحدّوه وكشفوا عن عقيدتهم الباطلة الّتي كانت تفصح عن ابتعادهم عن الإيمان الحقّ (قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاً إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون).
1) الميزان، ج 5، ص 292.
3 - إصرار وتأكيد بني إسرائيل على الموقف المتقاعس المتخاذل إزاء جبّاري وكفرة الأرض المقدّسة رغم أمر اللّه المتعال عبر النّبي موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ممّا يشير إلى هلع بني إسرائيل من مواجهة الكفرة الطغاة؛ حكّام بيت المقدس، مضافاً إلى عنادهم العتيد وعدم قبولهم للنصائح وعدم تقدّمهم بالشكر للّه تعالى على ما أولاهم وتفضّل عليهم من النعم.. ناهيك عن إهانتهم لموسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، بل واللّه تعالى اذهب أنت وربك وبقولهم (رَبُّكَ) وليس (ربّنا) قد أفصحوا عن إسائتهم الأدب تجاه اللّه سبحانه وتعالى وتجاه نبيهم.
4 - كان اللّه حسب عقيدتهم الباطلة عبارة عن موجود جسماني ذي حجم (اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ) حيث توقعوا منه الذهاب والقتال كما قد يذهب موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويقاتل.
5 - بإعلان بني إسرائيل عدم المشاركة في القتال مع الكفرة الطغاة، وبتصريحهم (اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاً) توقعوا حصول معجزة جديدة من موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومجيء مدد إلهي خاص لفتح الأرض المقدّسة والقضاء على الطغاة في محضر منهم، وهذه الجملة الصّادرة عنهم تؤيّد احتمال أن يكون المراد من قولهم (اذْهَبْ...) هو توقع المدد الإلهيّ ومعجزة من موسى لدحر الجبارين، بحيث لا يحتاجون خلال ذلك إلى تجسّم عناء الجهاد والقتال، هذا أولاً. وثانياً الاستنتاج الخاطئ من جهتهم في تصوّر طبيعة المدد الإلهيّ وشروطه وأرضيته (اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاً) وثالثاً: إصرار بني إسرائيل على اعتزال القتال مع الجبارين والاستيناس في عدم مبارحة مواضعهم (إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون).
6- إصرار قوم موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) على المكوث في مواضعهم وإيكال أمر الجهاد إلى موسى وربّه.. يناقض توصية يوشع وكالب في خوض الجهاد وضرورة الانطلاق من التوكل على اللّه تبارك وتعالى.. يبيّن حقيقة أنّ التّوكَّل على اللّه أجنبي عن اللامبالاة بالمسؤوليّة والتكليف الإلهيّ، وعن اعتزال أمر الجهاد وبذل الجهد والسعي (وَعَلَى اللّه فَتَوَكَّلُوا.. اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاً إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون).
7- أنّ على النّاس أن يبادروا بأنفسهم إلى إصلاح مجتمعهم، دون التهاون والتّخاذل وإيكال الأمر برمته إلى اللّه والقائد الدّيني.. (فَقَاتِلاً إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون).
8- تمنّي النصر مجرّداً عن أداء المسؤوليّة؛ أمر غير عقلائيّ (إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون...).
قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَأَفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25)
1- غالب الأدعية القرآنيّة تستمد من اسم الربّ.. (قَالَ رَبِّ).
2- شكوى الأنبياء إلى اللّه تعالى وتوجيه لعناتهم.. تكون حين يأسو من احتمال إيمان النّاس وطاعتهم (رَبِّ إِنِّي..).
جملة (رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي) الصّادرة عن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) توضح عميق شعوره بالغربة والوحدة لدى أداء رسالته، وتبيّن غاية تمرّد وظلم بني إسرائيل لهذا النّبي العظيم.
4 قول موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) (رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي) ليست كناية عن عجزة في حمل النّاس على قبول دعوته، إذ لم يكن مراده نفي قدرته عن دعوة النّاس بشكل مطلق، إذ أنّ بعض النّاس كانوا يخشون ربهم مثل الرّجلين اللذين استجابا لدعوة النّبي موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ).. وهذا التعرض إنّما كان للإعلان عن أنّ موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد دعاهم ولم يقصر في إبلاغهم رسالته، غير أنّ بني إسرائيل هم الّذين رفضوا دعوته وأساءوا الأدب تجاهه.. لهذا؛ رأيته في مقام شكواه إياهم إلى اللّه فأعرب عن كونه لم يقصّر، وأنه لا يملك إلا نفسه وأخاه أو ثلة قليلة ممّن استجابوا له.. وطلب من ربّه أن يحلّ عقدة من أمره، وأن يفصل بينه وبين العصاة من قومه..
5- من جملة (مِنَ الّذينَ يَخَافُونَ) الّتي مرّت في الآيات السالفة يفهم أنّ ثمة أقليّة قليلة من بني إسرائيل كانت تؤمن باللّه وتخشاه ومنهم ؛ يوشع وكالب، ولكننا هنا نلاحظ أنّ موسی (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد استثنى نفسه وأخاه ولم يشر إلى أحد ممّن وفي له.. فاحتمل المفسرون
احتمالین :
الأوّل: لعلّ السبب في ذلك أن هارون (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان وصي موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) ووزيره، مضافاً إلى أنه كان الأبرز في إسرائيل بعد موسى، ولذلك؛ فقد أورد ذكره هنا.
الثّاني: لعلّ موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يكن مطمئناً من ثبات ذنيك الرّجلين، لا سيّما وأنّهما قد هدّدهما النّاس بالرّجم، ولذلك قال موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ): اللّهم إنّي لا حول لي إلّا بك وأنّ الرّجلين في معرض الخطر..
6- بديهي أن استعمال صيغة اسم الفاعل في (الْفَاسِقِينَ) يحكي عن الاستمرار والدّوام، أي أنّ هؤلاء القوم في حال عصيان ومعصية دائمين، وإنّ مضمون دعاء النّبي موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يكن طلباً للعذاب، وإنّما إرادة الهداية وحل عقدة من جانب اللّه تعالى؛ إذ هو الهادي المطلق وإلّا فإنّه كان يخشى نزول العذاب على بني إسرائيل، ولهذا رأيناه توجّه بالدعاء إلى ربه المتعال فحسب.
7- طلب إحداث الفاصلة، لتحييد أصحاب موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) الأوفياء عن نار الغضب الإلهيّ، وأن تصل تلكم النار إلى الأعداء فحسب، أو أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) طلب الفاصلة – بالموت - بينه وبين الكافرين.
8 - ما قام به بنو إسرائيل - التمرّد الصّريح على أمر نبيّهم - بلغ الكفر.. وإن رأينا القرآن ينعتهم بالفسق، فذلك لأنّ للفسق معنى واسعاً، ولأن كلّ خروج وانحراف عن عبودية اللّه مشمول بعنوان الفسق وهكذا نقرأ عن الشيطان قوله تعالى (فَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) مع كلّ كفره وجحوده و تمرّده و عصيانه..
9- أحد بلاءات ومشاكل المؤمنين؛ العيش مع الفاسقين والتواجد بينهم، كما أنّ من الأزمات الإجتماعيّة؛ الابتعاد عن أولياء اللّه وحرمانهم من فيوضات وجودهم (فَأَفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ).
10 - شكوى النّبيّ موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد اليأس من حركة أو استجابة بني إسرائيل، شكواه إلى اللّه كانت مبنية على الانفصال بينه وبينهم.. ولم يكن ذلك لتدميرهم، وإنّما لطبيعة الفسق والتمرّد الّذي تسرّب إليهم واستحكم بهم، رغم كلّ النعم الّتي خطوا بها، وفي مقدمتها وجود النّبي موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بين ظهرانيهم، وما كان ذلك إلّا نتيجة أعمالهم، لعلّم يلمسون ذلك ويصلحون أنفسهم...
قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةٌ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26)
1- وأخيراً أجيبت دعوة لموسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتلقى بنو إسرائيل وشهدوا نتيجة مساوئهم، إذ أنه تعالى أوحى إلى موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأنّ هذه الجماعة المارقة ستحرم من دخول الأرض المقدّسة الطّافحة بأنواع المواهب الماديّة والمعنويّة طيلة أربعين سنة (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةٌ).
2 - الضّمير في (فَإِنَّهَا...) عائد إلى الأرض المقدّسة، كما لوأنّ المراد من الحرمة والتحريم ليسا الحرمة والتحريم التشريعيين وإنّما هي حرمة تكوينية، أي أنه تعالى قد كتب عليهم بداعي تمرّدهم وعصيانهم أن يتيهوا مدّة أربعين سنة في الصّحراء.
3- ينبغي الالتفات أنّ ما من عقاب إلهي يحمل في طياته بعداً انتقامياً لأنّ جميع الأفعال الرّبانيّة قائمة على أساس الحكمة.. وهذه العقوبة الّتي تعرّض لها بنو إسرائيل قد حلّت بهم تبعاً لأعمالهم ومعاصيهم، أو لغرض تأديبهم، أو لإحياء روح معرفة الحقّ والإقرار به في نفوس اليهود، ولإيقاظ ضمائرهم في مقابل الأخطاء الماضية الّتي ارتكبوها؛ ليفكّروا في جبر سلوكهم الشّائن تجاه ربّهم ونبيهم.
4 لعلّ فلسفة الحكم بالّتيه بهم وضياعهم طيلة أربعين سنة، ذلك أنهم كانوا تعرّضوا لفترات طويلة جداً من الظّلم على يد فرعون وملئه، حتّى صار ذلك الظّلم مجموعة من العقدالنّفسيّة والانهزاميّة وضعف البصيرة والشّعور بالحقارة والذلّ، فأصبحوا غير مستعدين لتطهير
أنفسهم ونزع الأغلال عن أرواحهم المكبوتة؛ وذلك تحت مظلّة قيادة وتعاليم نبيهم موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ليقفزوا إلى ساحة العز والشرف.. ولكنّهم رفضوا الجهاد مع نبيهم؛ إصراراً منهم على تخاذلهم وانهزاميّتهم.. فكان لابدّ من ضياعهم وانقراض جيلهم ليحل محله جيل جديد قادر على استشعار الحريّة ودحض الحيرة ضمن التّعاليم الإلهيّة مضافاً إلى استلهامهم الروح القويّة القادرة على خوض سوح الجهاد وإقامة حكومة الحقّ في الأرض المقدّسة.
5- تارة يتم إصلاح الجيل الجديد عبر انقراض الجيل القديم (أَرْبَعِينَ سَنَةٌ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ) فكان لا بد للمنهزمين في الساحة الفرعونية ممّن لم يعرف لموسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) قدراً أن يغادر الحياة، ثمّ إفساح المجال أمام الجيل الجديد أن ينمو في أجواء الحرّية ومواجهة مشاكل الصّحراء، ليعرفوا قيمة الحياة المدنيّة تحت مظلة القيادة السّماويّة.. وقد قيل أنّ معظم الجيل الإسرائيليّ الّذي عبر البحر انقرض في الصحراء، ثمّ أنّ الجيل الّذي تلاه هو الّذي دخل الأرض المقدّسة. (1)
6- مفردة (يَتِيهُونَ) مشتقّة من (التّيه) بمعنى الضياع، كما تطلق أيضاً على الأرض المقدّسة والاستفادة من نعمها الوفيرة.. فكان بنو إسرائيل يسرون في الصّباح من مواضعهم، ثمّ إذا حلّ عليهم الليل ناموا، فإذا استيقظوا صباحاً وجدوا أنفسهم في نفس الموضع الّذي كانوا قد ساروا منه في اليوم الفائت.. وهذا كان عذاباً كنتيجة لعصيانهم وفسقهم وتمردهم (يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ).
7- هنالك رمز خاص في العدد أربعين يستعمل في الخصام وفي اللّطف الإلهيّ، وقد استغرق تلقي موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) كتاب التوراة أربعين ليلة قضاها في جبل طور، كما أن مدة الّتيه استغرقت من بني إسرائيل أرعين سنة أرضاً.
1) تفسير ابن كثير، ج3، ص 71.
8 - المراد من (الحرمة) في جملة (فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ) ليس الحرمة التشريعية الخاصة بأحكام الحلال والحرام وإنّما هي حرمة تكوينية، أي أنه عزّوجلّ قد قدر منعهم من دخول الأرض المقدّسة عقاباً لهم على عصيانهم أمر ربّهم ونبيهم.. فأصبحوا تائهين ضائعين طيلة أربعين سنة..
10 - يمكن لأحدهم أن يُشْكِل بالقول: كيف لنا الجمع بين كلام اللّه تعالى الوارد في الآية العشرين حيث خاطب بني إسرائيل (وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) وما ورد في الآية الحادية والعشرين القائلة: (َا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) وبين قوله سبحانه: (فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةٌ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ)؟
وللرّدّ على هذا الإشكال لدينا احتمالين يمكن إيراد هما:
الأوّل : أنّ اللّه تعالى قد كتب الأرض المقدّسة لبني إسرائيل بشرط خوضهم الجهاد في سبيل اللّه ضدّ الطغاة الكافرين القاطنين فيها، ولكنّهم حين امتنعوا عن الجهاد المطلوب حرم اللّه الأرض المقدّسة عليهم.
الثّانية: أنه تعالى قد قرّر لهم دخولها بعد أربعين سنة معاقبة لهم، لعلهم يتوبون عن معصيتهم وتمرّدهم على تعاليم النّبي موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وحينما انقضت الأربعون سنة، وفى اللّه بعهده تجاههم.
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَى ءَادَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّه مِنَ الْمُتَّقِينَ (27)
1 - قصّة تضحية ابني النّبي آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) (قابيل وهابيل) قصة نافعة للغاية وذات عبرة وجديرة بالذّكر (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَى ءَادَمَ بِالْحَقِّ).
2- لا شكّ في أنّ قصة ابني آدم قصة واقعية، وفضلاً عن أنّ ظاهر الآيات ونصوص الروايات تثبت واقعيتها، فإنّ كلمة (بِالْحَقِّ) الواردة في هذه الآية خير شاهد في هذا الموضوع.
وعليه؛ فإنّ حديث الّذين يصفون هذه الآيات بكونها عبارة عن قصة رمزية وافتراضية؛ حديث مجرّد عن الدليل. ولكن في الوقت ذاته، ليس ثَمة مانع أن تكون هذه القصة الواقعية نموذجاً للنزاع والحرب المستمرة الواقعة في حياة البشر بشكل دائم.. فمن جهة هنالك رجال طاهرون مؤمنون لهم مقبوليّتهم عند اللّه بأعمالهم الصالحة. ومن جهة أخرى؛ هناك أفراد منحرفون ملوّثون يعيشون ضمن دائرة من الحسد والحقد والإرهاب والسطوة الباطلة.. وما أكثر الّذين قتلوا من الطاهرين الأطياب بيد أولئك الحاقدين.. ولكن هؤلاء سرعان ما يلقون عواقبهم السيئة نتيجة أعمالهم القبيحة.. فتراهم يحرصون كلّ الحرص على تغطية ودفن مساوئهم.. فيتمنون أن يحطّ غراب ما.. وهو رمز الإخفاء.. ليعلّمهم ويدعوهم إلى إخفاء جرائمهم ومساوئهم.. غير أنّهم لا يلقون سوى الخسارة والضرر والحسرة نصيباً وعاقبة!
3 - جهل قابيل بكيفيّة وطريقة دفن جسد هابيل يبيّن أنهما كانا أوائل البشر، وعليه؛ فلا
شكّ في أنّ المراد من (آدم) أبو البشر (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو أبو الأجيال البشرية الأولى.. أما اعتقاد البعض باحتمال أن يكون المقصود هو أناس تجمعهم قبيلة إسرائيلية تدعى (آدم)، فهو اعتقاد باطل بالأساس لا أساس له من الصحة، إذ أنّ هذه الكلمة قد تكرّرت غير مرّة في القرآن الكريم وقصدت هذا المعنى.. ولو كانت هنا- تحمل معنى آخر؛ للزم أن تذكر إلى جانبها قرينة دالة.. وعلى حدّ قول المفسّرين، فإنّ المراد من ابنيه؛ هو قابيل وهابيل.. ثمّ إنّ كلمة (نبأ) تستعمل في الأغلب في الخبر ذي الفائدة الكبيرة..
4- كلّ من هابيل وقابيل قدما قرباناً - هدية - كفعل يتقرب به إلى اللّه سبحانه (إذ قربا قرباناً) والقربان كلّ عمل طيب يتقرب به إلى اللّه. (1)
5 - قدّم قربانان من جهة قابيل وهابيل من نوع ومادة واحدة (إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا)، وصيغة المفرد في كلمة (قربا) هنا - رغم تقديمهما بصورة منفصلة، يمكن أن يكون إشارة إلى أنّ القربانين كانا من شاكلة واحدة.
6 - النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان مكلّفاً بنقل قصة قابيل وهابيل لأهل الكتاب بصورتها الصحيحة (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَى ءَادَمَ بِالْحَقِّ) ومن خلال الآيات السابقة بخصوص أهل الكتاب يُعلم أنّ المراد من ضمير (عَلَيْهِمْ) هم أهل الكتاب.
7- القرآن يحرّض النّاس على الاعتبار وأخذ الدروس من الوقائع التاريخية. (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَى ءَادَمَ بِالْحَقِّ).
8- استعمال كلمة (بِالْحَقِّ) ووصف القصّة بكونها (نبأ) في بيان حكاية تقديم ابني آدم القربان يحكي قصة واقعية لا خرافة أو أمراً رمزياً مجرّداً (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَى ءَادَمَ بِالْحَقِّ).
9 - استعمال كلمة (بالحق) وبقرينة الآيات السالفة الواردة في أهل الكتاب، تعكس مدى
1) مجمع البیان، ج 3، ص 282.
التحريف الّذي طال تراث أهل الكتاب الخاص بابني آدم وقصتهما.
10- لم يقبل سوى قربان واحد من بني آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) من قبل اللّه تعالى (فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ).
11- كان هابيل جديراً أن يتقبل اللّه تعالى منه وأن يؤجر على تقواه ونقائه (فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا) والقبول يقتضي الأجر.
12- من جملة (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّه) وكذلك تصميم قابيل على قتل هابيل؛ نفهم أنّ كلّ واحد من الاثنين قد التفت إلى مسألة التقبّل والرّفض الإلهيّين وقد ذهب كثير من المفسّرين إلى أنّ قربان هابیل نزلت علیه نار القبول من السّماء.
13 - قرار قابيل كان قاطعاً في قتل أخيه هابيل بعد واقعة تقديم القربان (قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ) وذلك بورود حرفي اللام والنون التوكيديّين.
14 - الحسد الناتج عن هوى النفس وغلبته على قوة العقل والتدبر والعاطفة الأخوية، أدّى إلى أن يهدّد قابيل أخاه هابيل (قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ).
15- قبول قربان هابيل وعدم قبول قربان هابيل؛ كان عامل إثارة ودافعاً لأن يقتل الأخ أخاه (فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ).
16- عدم قبول قربان قابيل، وقبول قربان أخيه، كان الدافع لحسده هابيل، ويبدو أنّه بعد تقبل قربان هابيل، لم يكن ثمّ دافع غير الحسد في اتخاذ قابيل قرار القتل، حتّى أن وضوح هذه المسألة لم يفسح المجال لكثير من البحث والكلام.. وإنّ الاستنتاجات المذكورة مستقاة من قول الإمام الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : "فقبل اللّه قربان هابیل فحسده قابیل فقتله.." (1)كما أنّ سياق الآية وبالنظر إلى مستوى حسد قابيل قد أدّى بالأخ القاتل إلى تجاهل عاطفة الأخوّة تجاه أخيه
1) تفسير العياشي، ج1، ص 312.
المقتول هابيل.
17- الحسد والأنانية؛ جذر ومبدأ قتل الأخ وأرضيّة القضاء على العلاقة والعاطفة الأخويتين بين النّاس عبر التاريخ (قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ).
18 - الأصل هو التقرب إلى اللّه تعالى؛ وليس تقديم القربان؛ مهما كان هذا القربان (إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا) و (قُرْبَانًا) هنا نكرة (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّه مِنَ الْمُتَّقِينَ).
19- اشتراط التقوى في قبول الأعمال الصالحة، كان جواب هابيل لدى اعتراض قابيل على عدم قبول اللّه تعالى قربانه (قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّه مِنَ الْمُتَّقِينَ).
20 - عدم تصريح هابيل بعدم تقوى قابيل؛ يحكي أدب الأوّل، ويبين العلة في ردّ أو قبول العمل، ويعكس مدى الذهنيّة الإيمانية والمنطقية والمعرفة الّتي امتاز بها هابيل(قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّه مِنَ الْمُتَّقِينَ).
21 - تقوى هابيل جسدت أرضيّة قبول قربانه من جهة اللّه تعالى (فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا.. قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ.. قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّه مِنَ الْمُتَّقِينَ).
22 - واضح أنّ جملة (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّه مِنَ الْمُتَّقِينَ) من شأنها أن تبيّن حقيقة أن قبول أو رفض الأعمال من جهة الربّ العزيز ضمن معيار محدّد. وإن ذهب بعض المفسّرين إلى أن المراد من شرطيّة التقوى لقبول العمل:
إحراز التقوى في العمل ذاته، أي أنّ العمل يجب اتصافه بالشّرائط المحدّدة من قبل اللّه عزّوجلّ، مثل الإخلاص.. ولهذا؛ فإنّ اللّه لا يقبل إلّا العمل الصالح المنبثق عن التقوى.
23 - (القربان) كلمة تطلق على العمل المقرون بقصد التقرب إلى اللّه عزّوجلّ، وعليه؛ فإنّ قبول القربان بمعنى حصول التقرب إلى اللّه المشروط - في الآية الشّريفة بالتقوى: (إِذْ قَرَّبَا.. إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّه مِنَ الْمُتَّقِينَ).
24 - وجود الأرضيّة للميل إلى الخير أو الشرّ في الإنسان كان منذ بداية خلقته (قَالَ
لَأَقْتُلَنَّكَ.. إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّه مِنَ الْمُتَّقِينَ) وحيث أنّ هابيل وقابيل كانا من أولاد آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، إلّا أنّهما اتّخذا طرقاً متضادّة، فيعلم أن الميول في أفراد الإنسان متفاوتة.
25 - في كيفية علم أبناء آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأن عملاً يقبل عند اللّه، وأنّ عملاً آخر لا يقبل.. لم يرد فيه توضيح قرآني، وإنما نقرأ في بعض الروايات أللإسلامية أن ابني آدم حملا قربانيهما إلى قمة جبل، فنزلت صاعقة على قربان هابيل بعنوان قبوله فحرقته، أما الآخر؛ فقد بقي على حاله (1)، وهذه لم تكن ذات سابقة، وإن كان بعض المفسّرين قد ذهب إلى أنّ قبول عمل أحدهما وردّ الآخر تمّ عن طريق الوحي وأنهما علما بذلك فيما بعد، وأنه لم يكن سوى تقوى هابیل وتضحيته في سبيل اللّه تعالى، إلّا أنّ قابيل كان مظلم القلب حاسداً معانداً.. والقرآن في خطابه الّذي تضمنته الآيات التالية لقصة ابني آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) توضّح هذه الحقيقة وطبيعة معنويّاتهما...
1) مجمع البیان، ج 3، ص 283.
لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطِ يَدِى إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنّى أَخَافُ اللّه رَبِّ الْعَالَمِينَ (28)
1 - لدى مواجهة الفرد الحسود؛ ينبغي الحديث معه بلين والسّعي بهدوء إلى إطفاء نار الحسد، لهذا؛ لا يصحّ مواجهته بلغة التّهديد والمواجهة والمقابلة بالمثل.. وإنّما على الإنسان أن يكون في جميع الحالات ناظراً إلى اللّه سبحانه وتعالى، ولو أنّ الطرف المقابل - لدى الدعوى والنزاع - خارجاً عن الحدود الإلهيّة، فعلينا تذكيره بخطابنا وسلوكنا أنّ خطابه وسلوكه في دار الدنيا خاضع للرقابة (لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطِ يَدِى إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنّى أَخَافُ اللّه رَبِّ الْعَالَمِينَ).
2 - ذوو التّقوى وبالإشارة والتّذكير بالخوف من اللّه لا يرتكبون ظلماً وذنباً، ولا يسمحون لأنفسهم بالسقوط في وادي الهلاك.. وعليه؛ فهابيل يقول : السبب في أنني لا أفكّر ولا أعزم على قتل قابيل هو الخوف من اللّه ربّ العالمين.
3 - جملة هابيل في ردّه على قابيل (بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ) كناية عن الشروع في مقدّمات للقتل واستعمال آلاته وتوفير أسبابه. في جواب هذه الجملة الّتي هي جملة شرطية، لكان يمكن لهابيل - بدلاً من هذه الجملة - أن يواجه قابيل بالقول: إن فعلت كذا؛ سأفعل كذا.. إلّا أنّه أورد جملة نافية بواقع جملة اسميّة مؤكّدة ليفهمه أنّه بعيد جداً عن ارتكاب جريمة القتل.. بحيث أنّه ليس مجرد غير مُصمّم ومُريد للقتل، بل أعرب عن كونه لا يفكر بعملية القتل، (إِنّى أَخَافُ اللّه رَبِّ الْعَالَمِينَ).
4 - إحدى طرق النهي عن المنكر، أنك توحي وتصرّح لفاعله أنك لست بصدد التعدي
والتجاوز عليه (مَا أَنَا بِبَاسِطِ يَدِى...).
5- ما له قيمة أن تكون طبيعة كلّ فعل وصبغته، طبيعة وصبغة إلهية، سواء تجسّد ذلك في غضب أو سرور، قتل أو غير قتل؛ ليكون الأساس فيما يصدر عن الإنسان الخوف من اللّه ربّ العالمين، وليس العجز والهلع وأشباه ذلك (إِنّى أَخَافُ اللّه..).
6- التقوى وخشية اللّه عزّوجلّ.. من جملة نتائج الإيمان بربوبية اللّه المطلقة (إِنّى أَخَافُ اللّه رَبِّ الْعَالَمِينَ).
7 - التقوى والخوف من اللّه عامل رادع من ارتكاب الذّنوب والتعدي في أشدّ الحالات الحسّاسة (إِنّى أَخَافُ اللّه).
8 - كثيرة هي المعاصي الّتي ارتكبها بنو إسرائيل فكانت مصداقاً للحسد.. واللّه تعالى - في هذه الآيات - قد ذكر بهم، وبين كيف أنّ الحسد له نتيجة سلبية قاتلة، بحيث يتجرّأ الأخ على إراقة دم أخيه..
إنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوأَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاؤُا الظَّالِمِينَ (29)
1 - (تبوء) من مادّة: بواء، بمعنى الرّجوع، وقد قال هابيل لقابيل: حين تفرغ من قتلي ستعود بذنبي وذنبك. أي: أنّ القاتل يحمل ذنوب المقتول على ظهره، وبالنتيجة، سيلقى المقتول بريئاً من الذّنوب.
2 - القاتل بفعل عمليّة القتل، ولأنّه قد سلب المقتول حق الحياة والعيش عليه أن يدفع غرامة في يوم القيامة، وهي حمل ذنوب المقتول ولأنّه - القاتل لا عمل صالحاً له، فإنّ ذنوب المقتول ستنتقل - تلقائياً- إلى القاتل.. وهذا المعنى لا يتنافى مع آية: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) لأنّ هذا الموضوع من جملة الأحكام العقليّة الّتي تثبت أو تتغيّر تبعاً لمصالح المجتمع البشري، وفي هذا المورد، لأنّ القاتل ومن خلال ارتكابه لجريمة قتل فرد من أفراد المجتمع، يكون قد منع هذا المجتمع من نيل حقوقه، ولذا؛ فإنّ للمجتمع الحقّ في أن يتجاهل أعماله الصالحة وخدماته المفيدة، مضافاً إلى حمل القاتل ذنوب المقتول، لأنه بسلبه الحياة من المقتول؛ تسلب منه فرصة التّعويض والتوبة (تَبُوأَ بِإِثْمِي).
3 - لا شكّ في أنّ معنى الآية لا يفيد السكوت تجاه الظّلم على أوّل غفران لذنوب المظلوم أو المقتول، وقول هابيل هذا القابيل (إنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوأَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ) لا يعني أنّ هابيل سمح لأخيه بقتله ليعذب بذنبه ويكون من الأشقياء ويبقى هو - هابيل- سعيداً بريئاً من الذّنوب. أو أن نقول: إنّ على المظلوم أن يصبر ولا يدافع عن نفسه ليتحمّل الظالم ذنباً عظيماً، وفي هذه الحالة يكون المظلوم شريكاً للظالم.. ومن هنا قال مولانا الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ): " من قتل مؤمناً
متعمّداً.
أثبت اللّه على قاتله جميع الذّنوب وبرأ المقتول منها، وذلك قوله تعالى: (إنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوأَ)". (1)
4 - الإيمان بالمعاد من جملة العقائد الأولية الّتي كانت للإنسان على الأرض (أَصْحَابِ النَّارِ).
1) المحاسن، ج1، ص 105.
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30)
1- (الطّوع) بمعنى السماح والعطاء وتأهيل الشيء.
2- عن مولانا الإمام السجاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن إبليس هو الّذي علّم قابيل كيف يقتل أخاه (1).
3- وعن مولانا الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبعد تلاوته قوله تعالى: (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ) قال : قد قال إبليس لقابيل: لم يُقبل قربانك وقُبل قربان أخيك، فإن بقي حيّاً تفاخر نسله على نسلك إلى أبد الدهر بأنّ قربان أبيهم قبل ولم يُقبل قربان أبيكم، فاقتله لئلا يذل نسلك. (2)
4 - عبارة (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ) تعني أنّه فوّض أمره إلى نفسه ليتمكن من قتل أخيه والعبارة القرآنيّة مع قصرها تشير إلى:
أولاً: أنّها تبين نقاء الفطرة الإنسانيّة ورفضها قتل الإنسان، ولكنّ النفس تصوّر الجريمة هذه بصورة مقبولة وتدفع بالفرد إلى قتل الآخر (فَطَوَّعَتْ).
ثانياً: أنّ ضبط النفس المتمرّدة الجموحة ومخالفتها في رغبتها؛ مهمة صعبة.. وأنّ السقوط في حضيض ومستنقع الخطيئة غالباً ما يتم بشكل تدريجي، ويحدث ذلك بعد صراع قد يكون مريراً في بعض الحالات بين النفس والعقل.. فإذا ما انتصرت النّفس في هذا النزاع الداخلي؛ صدر عن الإنسان فعل سيء قبيح، أما إذا انتصر العقل؛ ترك الإنسان وأحجم
عن فعل القبيح، وفي قصة لبني آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، انتصرت نفس قابيل على عقله..
5 - من جملة (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ) يفهم أنّه بعد قبول قربان هابيل، اندلعت ألسنة الحسد في قلب قابيل، فدفعته إلى الانتقام ممّن هو ليس بعدوّ له ومن جهة أخرى؛ كانت العاطفة والمحبّة الأخوية والشعور الإنسانيّ والتنفّر الذاتي من اقتراف الذنب والظّلم.. يمنعه من ارتكاب جريمة القتل، ولكن لأنّ نفسه الأمارة بالسوء قد فتنته بالوساوس والإيحاء والتزيين، فقد انجرّ إلى الخطيئة، فانتصرت النّفس المتمردة على العوامل الرادعة شيئاً فشيئاً، وهيأته لقتله أخيه.
6- من جعل وجوده مطيعة الرغبات نفسه، يمكن أن يشعر بالهدوء والاستقرار للحظات وليس للأبد.. إذ ينتهي إلى الندم (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ.. فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ).
7 - أراد البعض حمل كلمة (أَصْبَحَ) على أن جريمة القتل وقعت في الليل، والحال أنّ هذه الكلمة غير مختصة - في لغة العرب - بالليل أو النّهار، بل هي دليل وإشارة على وقوع فعل ما، مثل الآية (103) من سورة آل عمران إذ قالت: (فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا).
8 - أي خسارة أكبر من عذاب الضمير والعقاب الإلهيّ وتلويث السمعة إلى قيام القيامة (فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ).
9 - تُرى هل أنّ جملة (فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ) الّتي تشير إلى ندم قابيل بعد قتل أخيه هابيل تعدّ دليلاً على ندمه أم أنّ ذلك عائد إلى سبب آخر؟ أم أنّ ندم المخطئ دليل على توبته ؟!
ينبغي القول في معرض الإجابة واضح أنّ من دلائل التوبة الصّادقة أن تنبعث من خشية اللّه تعالى والاحساس بقبح العمل الّذي تم ارتكابه والعزم على عدم العود.. غير أنّ الآية القرآنيّة لم تحمل أي إشارة وتلميح إلى صدور مثل هذه التوبة عن قابيل القاتل، بل إن الآية التالية توحي بعدم الإشارة إلى هكذا توبة، ولهذا أوردت ثلاثة احتمالات لندم قابيل وواضح أنّ دافع ندم قابيل في الاحتمالات الثلاثة لا تمثل دليلاً على توبته عن ذنبه:
الاحتمال الأول: أنّ ندمه كان بدافع افتضاح عمله القبيح عند أبيه وأمه أو إخوته الآخرين، وأنّهم سيدينونه أشدّ الإدانة.
الاحتمال الثّاني: أو لأنه كان يحمل جسد أخيه مدة ولا يدفنه.
الاحتمال الثّالث: أنّ الإنسان - بعد ارتكابه العمل القبيح - تستولي عليه حالة من الشعور بالذنب والندم.
فَبَعَثَ اللّه غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِى سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَرِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31)
1- (يَبْحَثُ) من مادة البحث بمعنى التنقيب عن شيء في التّراب، ثم استعمل في البحث في الأمور الفكريّة والعقليّة.
2- (سَوْءَةَ) لغةً بمعنى كلّ شيء ينزعج الإنسان منه، ولذا؛ فالكلمة تطلق على الجسد الميّت، وتطلق على العورة أيضاً.
3 - ينبغي الالتفات إلى أنّ الفاعل في جملة (لِيُرِيَهُ) قد يكون اللّه، أي أنّ اللّه يريد أن يحفظ لهابيل حرمته بوسيلة الدّفن فعلّمها قابيل وكذلك يمكن أن يكون الفاعل هو الغراب الّذي فعل ما فعل بأمر اللّه تعالى.
4 - يفهم ممّا ورد في بعض الروايات عن الإمام الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن قابيل حين قتل أخاه، رماه إلى الصحراء؛ غافلاً عما يفعل، فلم تمض فترة حتّى رأى السباع تحاول أكل جثّة أخيه (حتى لكأنه صار تحت ضغط وتأنيب الضمير)، فحمل الجثّة على ظهره مدّة، إلّا أنّ الطيور أحاطت به مترصدة اللحظة الّتي يضع فيها قابيل أخاه هابيل على الأرض لتهاجمه.. ولدى ذلك - وكما يقول القرآن المجيد - بعث اللّه غراباً يبحث - يحفر - في الأرض، وبإخفائه جثّة غراب ميت تحت التراب،
أو بإخفائه شيئاً من الطعام.. دلّ قابيل على كيفية الدفن (1)(فَبَعَثَ اللّه غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِى سَوْءَةَ أَخِيهِ).
5- هذا الموضوع ليس مدعاة للتعجب طبعاً حيث يتعلّم الإنسان من طائر، إذ التاريخ والتجربة يشيران إلى أن كثيراً من الحيوانات تمتاز بمجموعة من الغرائز وقد تعلّمها البشر منها على امتداد التاريخ، فكمّل معرفته بها. ولقد كتب علماء الطبّ أنّ الإنسان مدين للحيوانات في جملة معلوماته الطبية.. ثمّ يضيف القرآن المجيد أنّ قابيل استفاق من غفتله وجهلته فانزعج وصرخ بالويل والقبور على نفسه، حيث وجد نفسه مضطراً إلى التعلم من غراب بعد أن عجز عن مداراة جنّة أخيه القتيل (قَالَ يَاوَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَرِيَ سَوْءَةَ أَخِي) وعلى أي حال؛ فقد ندم عن جريمته.
6- حين علم آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمقتل ابنه هابيل على يد أخيه قابيل.. تألّم كلّ الألم، وبكى آدم بكاءً مرّاً طيلة أربعين يوماً وليلة.. ثمّ إنّ اللّه تعالى أوحى إلى آدم لا أنه سيهبه ابناً آخر عوضاً عن هابيل، وقد أسماه سبحانه وتعالى: هبة اللّه وهو (شيث) (عَلَيهِ السَّلَامُ)، واستمرت ذرية آدم منه. (2)
7 - سؤال : هل نُفّذ القصاص بقابيل؟؟
وردت ثلاثة تبريرات لعدم تنفيذ حكم القصاص بقابيل في كتب التّاريخ:
التّبرير الأوّل: لم يكن حكم القصاص قد نزل من اللّه تعالى في عهد النّبي آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد.
التّبرير الثّاني: كان عدد أولاد آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) قليلاً في عصره. فمثلاً كان الموجودون على الأرض آدم وقابيل وهابيل ولعلّ بضعة نفر كانوا معهم، وكان قصاص قابيل يتسبب بتعرّض آدم وحوّاء إلى مصيبة جديدة بعد نزولها من الجنّة وبعد مقتل هابيل.
التبرير الثّالث: يتم القصاص بطلب من أولياء الدّم، وحيث أنّ هابيل لم يكن له ولد كان وليد أباه آدم، فإن لم يطلب آدم القصاص، لم يلزم أن يقتص من قابيل.
8 - لمفسّري الشيعة والمخالفين بخصوص عاقبة حياة قابيل أقوال متعدّدة، وهي عبارة عن خمسة أقوال:
الأول: قول الّذين يتفقون على أنّ قابيل كان يعيش عيشة خفيّة يغلب عليها الهرب والضّياع، ويبدو أنه كان له ذرّيّة، كما أنه يعدّ أوّل من ابتدع عبادة النّار، وطبقاً لبعض التفاسير أن هابيل حين قرب خروفاً وقابيل حزمة من حنطة، وكان احتراق القربان علامة قبوله، فكان احتراق قربان هابیل دون قربان ها بیل. راح هذا الأخير يلعن النار.. وهنالك تمثل له الشيطان بهيئة ملك وقال له : إنّ علّة احتراق قربان أخيك هابيل وقبوله أنّ هابيل كان يعبد النار في الخفاء... ثمّ إنّه راح يرغب قابيل بعبادة النار حتّى سجد لها. (1)
الثّاني: أنّ قابيل بعد جريمته؛ اعتزل إخوانه وأخواته، فكان يضيق صدره لرؤياهم أحياناً، ولكنه لجريمته ولخوفه من القصاص كان يبتعد عنهم فيما كان كثير اللعن للنار لكونها قبلت قربان أخيه دون قربانه. وورد في (إثبات الوصيَّة) للمسعودي أنّ آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يلعن قابيل حتّى يرى موضع مقتل هابيل فيما كان منادٍ من السّماء ينادي أن عليك اللعنة يا قابيل! (2)
الثّالث : ورد في (إثبات الوصية) للمسعودي - ص 22- أنه حين حضر آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) الوفاة جمع أولاده وأوصاهم جملة وصايا منها أنّه قال لابنه شيث أن يحذر أخاه قابيل وأن لا يختلط بأولاده.. ممّا يشير إلى أنّ قابيل كان على قيد الحياة حين وفاة أبيه آدم، ولم يكن ثمّ قصاص في البين، ثمّ إنّ أولاد قابيل انغمسوا في عبادة النّار والزنا وشرب الخمر، حتّى بعث النّبي نوح (عَلَيهِ السَّلَامُ).
فأمعنوا بالاستهزاء به حتّى أخذهم الطوفان وقضى عليهم. (1)
الرّابع ابتدع قابيل عبادة النّار. وبعد وفاة آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولدى المواجهة بين شيث وقابيل، كان هذا الأخير يهدّده بالقتل أيضاً. (2)
الخامس: جاء في تفسير(جوامع الجامع) أنّ قابيل وبداعي غضب أبيه، ومن شدّة الألم الّذي ألم به من قتله أخيه، وبداعي الضياع والاعتزال تغيّر بياض جلده إلى سواد. (3)
النتيجة: بالنظر إلى التقارير المذكورة أعلاه والواردة عن المصادر التاريخيّة والتفسيريّة، وبالأخصّ : وصية النّبي آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) لولده وخليفته شيث (عَلَيهِ السَّلَامُ) القاضية بضرورة اعتزال قابيل، يبدو- أوّلاً -: أنّ قابيل كان على قيد الحياة حتّى وفاة أبيه. – ثانياً - : أنّ الأقرب من الآراء هو اختفاء قابيل عن نظر أبيه وإخوانه خوفاً من القصاص.
9 - روي عن النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : (لا تقتل نفس ظلماً إلّا كان على ابن آدم الأوّل كفل من دمها، لأنه كان أوّل من سن القتل) (4)، كما يفهم من هذا النّصّ النّبوي الشريف أنّ من سنّ سنّة سيئة كان شريكاً في قبحها وقبح من عمل بها إلى يوم القيامة.
10 - يفهم من هذه الآيات جيّداً أنّ أساس أوّل اختلاف وقتل وتعدّي في عالم الإنسانيّة: مسألة الحسد، وهذه المسألة تعرّفنا على خطورة هذه الرذيلة الأخلاقيّة وآثارها السيئة جداً في الوقائع الإجتماعيّة.
11- قصّة قابيل وهابيل الواقعية بمثابة بيان لمصداق وتجربة النّزاع والصّراع والحرب المستمرّة الّتي بدأت منذ بداية الخلقة بين أخوين، وهي موجودة بصورة دائمة في حياة النّاس،
وهي من جهة أخرى أفراد منحرفون حسودون حاقدون طغاة.. وكم هم الصالحون الّذين قضوا على أيديهم حتّى نالوا شرف الشّهادة....
والمنحرفون حينذاك يرون بأعينهم قبح أفعالهم، ولكنّهم لإخفاء الحقائق يهرعون إلى دفنها ودسّها في التّراب، وهنالك تتسارع نحوهم الأماني البعيدة والمديدة، شأنها في ذلك شأن الغراب الّذي هو رمز ذلك في مظهره، فتدعوهم إلى تغطية آثار وملامح الجريمة.. إلّا أنّهم لا يلقون سوى الخسران المبين والحسرة العميقة..
لأنّ ارتكاب أوّل جريمة قتل في الأرض كان بفعل حسد قابيل أخاه هابيل، نرى من الجدير أن يكون لنا بحث تحقيقيّ عن مسألة الحسد:
الحسد لغة بمعنى إرادة الشرّ وزوال النعمة والسعادة عن الغير وهو - حسب الاصطلاح - تمنّي زوال النعمة عمّن هو لها أهل ويستحقّها.
أمّا تعريف الحسد؛ فهو من الذّنوب القلبية والأمراض النفسية القاتلة، وهو بلاء حارق وفتنة محرقة ومخرّبة للّدين والدّنيا والآخرة.
ومن وجهة نظر العلماء والمحقّقين ومتخصصي الأخلاق، فقد عرف الحسّد بالتالي:
الحسد: تمنّي الإنسان سلب النّعمة من الآخر لمصلحته. بمعنى أن الحاسد يرغب في أن تسلب النّعمة من صاحبها، وسواء انتقلت إليه - الحاسد - أم لم تنتقل.
وقد قال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذا الصدد: رأس الرذائل الحسد (1). والحسد في نظر ارسطو جاء في بعض ما نقل عنه: إنّالتّنافس ميل شريف يصدر عن الإنسان الشّريف، في حين أنّ الحسد - الحسرة - رغبة رذيلة تصدر عن حقيرى الأفراد.. لأنّ الأوّل بتنافسه الفذ يطلب ما هو
1) غرر الحكم، ص 377.
بصلاحه ويستعدّ لكسبه، فيما الثّاني يتجسّد في منع الآخرين عن نيل ما هم مستحقّون.
فمن ينزعج ويغضب حين رؤيته نعمة؛ مثل المال والولد والفضل والكمال؛ مثل العلم والشّجاعة والسخاء.. لشخص ما.. ويعجز عن رؤية ذلك، ويتمنّى سلبه إياها.. وسواء تمنّى سلب النعمة من المحسود أو سلبها إيّاه بنفسه لنفسه.. فذلك هو الحسود.
فمعنى الحسد هو تمني زوال النعمة عن الغير، سواء وصلت النعمة إلى الحسود أم لا.. وعليه؛ فإنّ عمل الحسود هو تدمير الغير وتخريب نعمه دون أن يصل الأمر الحسد على سبيل الحتم إليه.
ولا ريب في أنّ من الأشخاص قليلي العلم والاطلاع، من تختلط عليه صفة الغبطة الحسنة المطلوبة وصفة الحسد السيئة البغيضة.
إذ الغبطة عبارة عن تمنّي وطلب مثل النعمة المتوفّرة في الآخرين، بعيداً عن تمنّي زوالها عن الآخرين.
ومن تفاوت الحسد عن الغبطة، أنّ هذا الأخير قابل للتمييز، حيث ينزعج الحاسد ويتألّم إزاء سعادة الغير ويطلب ما للآخرين لنفسه.. والحاسد يستوحش أيضاً من أن يجد ما لديه في يد الغير، أو أن ينتهي إلى غير صالحه..
الحسد تجربة شعورية مريرة مانعة للمحبّة أو قابلة لها والحسود وعبر سلسلة من التجارب يسعى إلى أن يكون محبوبه متعلقاً به فقط، وهذا يعني متعلقاً به فقط، وهذا يعني أنّ الحسد ليس طلب لعلاقة مجرّدة عن أي قيد أو شرط مع الزوج أو المحبوب.
إنّ فعل الحسد ليس مجرّد شعور.. إذ للحسد تعريف شعوري متفاوت، مثل الحقارة والغضب والحقد والتنفّر.. فإن كنت في اضطراب فهذا دليل الحسد الشديد. وإن كنت حسوداً، فهذا يعني أنك تخشى أن تهجرك زوجك أو من تحبّ، أو أنها لن تحبّك فيما بعد،
وتارة يتغيّر الخوف إلى الاضطراب، فلا يسمح لك بالتفكير السليم، فتصاب بالتردّد والشّكّ فيما إذا كنت مهماً بالنسبة لها أم لا، فلا تفتأ عن البحث عن دلائل تؤدّي إلى الاطمئنان إلى حبّه لك.
هذا الشّعور (شعور التضييع والتفريط بالمحبوب والحقارة والتنفّر) فإن علامات هذا الشّعور في آن واحد، أثارت رذيلة الحسد، وما يضاعف من خطورة الحسد ويعقده تركيب هذا الشعور.
فإن تجاوزنا بحث الحسد في الحبّ، فإنّ تعريف الحسد عبارة عن شعور سلبيّ حيث ننظر إلى ميزة لا نمتلكها أو نتمناها.. والحسد يجعل سعادة الآخرين مرارة بالنسبة لنا، ويبعثنا إلى إرادة تحطيم الشخص المحسود بغض النظر عن الرّغبة في شعور معين، وإنّما الحسد أن يطلب الحاسد ما ليس عنده فيما الآخرون يتمتّعون به.
هناك عوامل دخيلة وكثيرة لنشأة الحسد، وقد تكون هذه العوامل مفردة أو مجموعة تجرّ إلى ظهور الحسد :
1- العدواة:
حيث يعادي الإنسان إنساناً مثله فلا يريد الخير له أبداً، فتراه لا يحبّ له أن يتنعّم حتّى يكون عداؤه له حقداً، ممّا يؤدّي إلى أن يحسده، ومن مصاديق حسده أن يحسده على مقام ومنصب أو ما يتعلق بالأمور الماديّة والاقتصاديّة، أو فيما يخص الأفضلية في العلم والمعرفة..
وقد شرحت آيات قرآنيّة من سورة آل عمران المباركة هذا الموضوع بقولها : (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا) وهذه النصوص تبين مدى عداء الكفّار للمسلمين وحسدهم لهم..
2 - التّعزّز:
بمعنى تضخيم الذّات، فالشخص الحاسد حين يرى صاحب النعمة الّذي يتكبّر عليه، يتألّم إزاء تصرّفه حيث يعجز عن تحمل تكبّره، فيتمنى أن لا تحفظ فيه النّعمة، أو أن لا ينالها لكي لا يتكبّر عليه.
3 - التكبّر :
من يرغب في التكبر على فرد آخر، أو مع علمه بحيازته النّعمة الكذائية ولا يمكنه تمنّي زوال نعمته، فتراه يعمد إلى التكبر عليه ما استطاع.
وبالنتيجة، ترى تعظيم الخادع والبحث عن الأفضلية غير المنطقيّ والتصوّر الخطأ في الأعلميّة ينجرّ - كلّ ذل -ك إلى ممارسة الحسد وبالأخصّ إذا ما أحسّ الحاسد بمزاحمة أحدهم لتكبّره وغروره..
إنّ الكبر يؤدّي إلى حسد كلّ من يريد التظاهر بالأفضلية في حيّز ما، ليكون الفرد الأوّل.. فالحاسد - في مثل هذه الحالة - إذا شاهد نجاح أحدهم في مجال ما.. تراه يتألّم، وسواء كان هذا التّصوّر صحيحاً أم خطاً، إذ الحاسد يتصوّر أنه سيُهمّش أو يُذلّ، فيستنتج أنه سيكون أدنى وأقلّ من غيره، فيشعر بعدم العدالة خطأ.. ممّا يؤدّي به إلى ممارسة الحسد، لا سيّما تجاه من هو أكثر إعزازاً وتعظيماً لنفسه، لأنّه یری لنفسه الأرجحيّة والفوقية.
4- التّعجّب:
وهنا لا عداء للحاسد تجاه المحسود ولا تكبّراً، وإنّما هي نعمة كبيرة صارت من نصيب الشّخص فتعجّب لها الحاسد فمارس الحسد، حيث لا يظنّه جديراً بهذا، ولا ريب في أنّهيرغب بزوالها بفضل اللّه تعالى أو بسعيه الحثيث وجده المستديم، ممّا يؤدّي به ليصبح كثير العجب.. ولعلّ مصداق ذلك المشركين الّذين كانوا ينظرون إلى الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) باعتباره فتى من قريش كان بالأمس يعيش بين ظهرانيهم بكلّ بساطة مع يتمه وفقره، ولكنّه - فجأة.. !. - أصبح نبيّاً تتّبعه أمة من النّاس ممّا زاد في اتّقاد نيران حسدهم واحتراق قلوبهم.
5- الخوف
الخوف من عدم بلوغ المقصود، أي: الخوف من أن يتسبب الطرف المقابل في مزاحمتهم، كشخص نال زعامة، فيخاف من أن يراجع ويتفحّص أعمال الّذين يعملون تحت إمرته، أو أنه إذا كسب مالاً أن يغمزهم بلسانه ويطعن عليهم بفقره كتاجر خائف من زميل له أن ينافسه في تجارته..
6- حبّ الرئاسة:
عادة ما تكون حين ينال الرئيس نعمة ما، والآخرون محرومون منها... وحينما يرى طالب الرئاسة غيره قد نال نعمة شبيهة بنعمته؛ يعمد إلى ممارسة الحسد، أو شخص متخصص في مجال ما، وكانت له رئاسة ما، وكان فريداً فداً في إطار عمله، فإنّه يرغب في خروج منافسه من ساحة العمل ليحرم من احتمال التّطوّر والتقدّم عليه..
7 خبث الطّينة :
الخبث الذّاتيّ والبخل تجاه عباد اللّه، ويؤدّي إلى الحسد؛ وإن كان المحسود لا يشكّل خطراً على الحاسد الخبيث الذات، غير أنّ خبث الطّينة والبخل الّذي هو مصاب بهما، يدفعان بصاحبهما إلى استشعار الشرور لدى مشاهدة إصابة الغير بمصيبة، وإلى التألّم من حصول الغير على نعمة.. ولذلك؛ فهو يفرح لدى سماعه خبر تعرّض الآخرين لمصيبة، أما إذا شاهد انتظام الأمور في عباد اللّه تألم وتعذِّب.. بل إنّه لا يجد في نفسه القدرة على مشاهدة النّعمة والراحة لدى الآخرين.. ممّا يشير إلى أنّ الانحراف عن المسار السليم للفطرة يلازم كثيراً من الغرائز الحيوانية، ويؤدّي بواقع الحاسد إلى هذه الظاهرة القبيحة.
للحسود غالباً ثلاث حالات:
1- بطبعه يميل ويرتاح بنزول السوء بالآخرين، ولكنّه في الوقت نفسه منزعج من هذه
الحالة، متنفّر منها عقلاً وقلباً، ولذلك؛ فهو غاضب على نفسه ويسعى إلى دفع الرذيلة عنها.. وهذا القسم من الحسد ؛ ولكونه خارج عن إرادة الإنسان فإنّه يقع ضمن إطار العفو الإلهيّ.
2- لأنّ – الحاسد - يميل إلى إصابة المحسود بالسوء - قولاً وفعلاً تراه يفرح ويظهر السّرور.. وهذا القسم من الحسد ممنوع وحرام قطعاً.
3- القسم الثّالث متوسطه بين الحالّتين المذكورتين، أي أنه يحسد بقلبه ولا ينزعج من صفته الرّذيلة، ولا يهتم لتطهير نفسه منها، ولكنّه يتظاهر برفض الحسد..
وقد وقع الاختلاف بين العرفاء تجاه هذا القسم من الحسد.
ففريق يقول : إنّ الحسد فعل قلبي، ولأنّ الإنسان يمارس هذه الرذيلة بشكل قلبيّ ولا ينزعج منها؛ فإنّه عاص وإن تظاهر برفض الحسد، وهو مذنب بمقدار رغبته القلبيّة في زوال النعمة عن المحسود.
ولإثبات هذا الرّأي استند هذا الفريق إلى قوله تعالى: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً) وفريق قالوا: مالم يُظهر الحاسد حسده بجوارحه؛ لا يكون مرتكباً لأي معصية، وهناك أخبار كثيرة على هذا المعنى.
قال لقمان لابنه : للحسد ثلاث علامات غيبة الآخرين إذا غابوا. وتملّقهم في حضورهم والسّرور في مصائبهم.
الأضرار الدّنيويّة والفرديّة للحسد
الحسود متألّم دوماً ويرى نفسه في عذاب متواصل، وهو حزين أبداً، لأنه ينزعج لدى رؤيته المتنعّم بالنّعم الماديّة والمعنويّة، لذلك؛ فهو متورّط بالحرمان والبؤس.
وقد ورد في الرّوايات أنّ الحسد أصل كثير من المفاسد الفرديّة والإجتماعيّة.. (1)إذ لهذه الرذيلة آثار سلبيّة سيّئة في جسم الإنسان وسلامته.. فالحاسدون في الغالب مرضى في أعصابهم، ومختلف نواحي البدن.. وفد ثبتت هذه الحقيقة القائلة بأن المرض البدني له جذر نفسيّ، وقد أولى الطب الحديث ببحوث مطوّلة تتناول الصّحة النفسية وتأثيرها في البدن..
وقد أشار أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) - في موارد عديدة - إلى أضرار الحسد الجسماني، كقوله: عجبا للحسود أن يكون معافئ في بدنه أو كالقول المنسوب له (عَلَيهِ السَّلَامُ) : للّه در الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله. (2)
وقال أيضاً: سلامة البدن من قلّة الحسد. (3)
وقال في موضع آخر لدى إشارته إلى مضار الحسد الرّوحيّة: خافوا الحسد؛ فإنّه يعيب الرّوح..
الأضرار الإجتماعيّة للحسد :
الحسد مصدر كثير من الأزمات والمشاكل الإجتماعيّة، منها:
1- أنّ الحسود يصرف جميع أو غالب طاقته البدنيّة والذهنية في إطار تدمير الآخرين بدلاً من صرفها في سبيل تحقيق الأهداف الإجتماعيّة الطبية، ومن هنا؛ فالحسود يقضي على إمكاناته الوجوديّة مضافاً إلى الإمكانات الإجتماعيّة.
2- الحسد بمثابة الدافع للجرائم المقترفة. وإن حققنا في العوامل والأسباب الأصلية في جرائم القتل والسرقة والاعتداء، رأينا أن قسماً لا يستهان به عائد إلى الحسد، والقرآن المجيد قد أكد أن جريمة القتل الأولى الّتي شهدتها الأرض كانت بداعي الحسد.
3- المجتمعات الّتي يشكّلها أفراد حسودون ضيقوا النظر، هي مجتمعات متأخرة، إذ كما ذكرنا الحسود لا يفتأ عن العمل على تأخير الآخرين وتدمير حياتهم، وهذا نقيض روح التكامل والرّقي.
الحسد من النّاحية المعنويّة علامة ضعف الشخصيّة والجهل ونقص الإيمان وضعف الفكرة، لأنّ الحسود في الواقع أضعف من أن يرى أو يصل إلى ما هو أسمى من مقام المحسود، ولذا؛ فهو يسعى أن يؤخّر المحسود، مضافاً أنّه من الناحية العمليّة معترض على حكمة اللّه الّذي هو الرّزاق الوهّاب للنّعم ومستشكل على إعطاء النّعم وتقسيمها من قبل اللّه تعالى.. وهكذا نقرأ عن مولانا الإمام الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) :: الحسد أصله من عمى القلب و الجحود بفضل اللّه تعالى". (1)
وهذان الأمران (ظلمة القلب والاعتراض على كرم اللّه ورزقه) بمثابة جناحين للكفر، وإنّ بداعي الحسد راح ابن آدم وغرق في حسرة أبدية حتّى سقط في الهالك الّذي لا منجي منه أبداً.
أمّا إذا آمن الإنسان بأضرار الحسد عن بصيرة وتأمّل وفكر والتفات، فإنّه سيضطرّ إلى الابتعاد عن هذه الصفة الرذيلة، وسيعلم أنّ متى ما نال إنسان نعمة وموهبة مثل العلم والفضيلة أو أي سلوك طيب، فإنّه لن يزيلها عنه بالحسد، بل المناسب أن يلوم الفرد الحسود نفسه.. لأنّ الآخرين بذلوا جهوداً فيما اختار هو القعود والكسل.. وهم طالما شهروا الليالي وبذلوا طاقاتهم في العمل حتّى الصباح وحرصوا على كسب الفضائل والكمالات، إلّا أنّه فضّل النوم والّلامبالاة، حتّى تأخر عن قافلة الحياة الطيبة الهادفة.
1) مصباح الشريعة، ص 104.
إنّ للحسد مفاسد باطنية كثيرة، وإنّ تجاهلها تتبعه مفاسد أفدح وأخطر.. ولعلّنا نعرف بين ظهرانينا من كانوا في عهد النظام الشاهنشاهيّ من كانت لهم مناصب جيّدة، ولكنّهم بداعي حسدهم لبعض الأشخاص؛ انحرفوا حتّى واجهوا الإمام.. إنّ للحسد مساراً خطيراً ينتظر الحاسد.
وهكذا؛ فإنّ الشخص الحسود في الواقع - ينازع اللّه عز وجلّ في عطائه وتدبيره وغير راض ولا مسلم لإرادة اللّه وفعله..
والحسد موجب للشرك باللّه تعالى، فمن كان حريصاً طامعاً، فهو يظنّ أنّ حرصه وطمعه يعود عليه بالربح الوفير والمقام الرفيع.. ومن كان متكبّراً؛ فهو يظنّ أنّه بعمله الرذيل يتعاظم..كما هو حال الّذي يزاول السّرقة والكذب ونكث العهد.. فكلّ ذلك لظنه الطائش بأنه سيحقّق منفعة من رذائله.. وهو إذ ذاك سيجرّد عن الإيمان بالقيامة والحساب والعدل الإلهيّ.
والحسود لا يؤمن بعدالة اللّه ولا الحساب ولا الآخرة، بل يظنّ أنّه هو المدبّر والمحاسب والمدير.. وكأنه يريد القول: إلهي ! إنّ فلاناً الّذي أوليته النعمة الفلانية؛ غير جدير بها..
افترضوا إنساناً صلّى الصّلوات المستحبّة، فكتب اللّه هذا العمل في صحيفة أعماله، ولكنّ هذا الشّخص رأى مسلماً قد وهبه اللّه نعمة.. أمّا الشخص الحسود فلا طاقة له إلّا أن يظهر ردّة فعله فيواجه حكمة اللّه وفعله لأنّه معترض على مقدّراته، والعلة في ذلك أنّ الحسود قد أشعل في نفسه ناراً أحرقت كلّ وجوده.. والصلوات والحسنات جزء من وجوده.. والحسد يحرق الوجود الدّيني للحسود.
لأن الحسود لا إيمان له بالمقدّرات الإلهيّة وبأنّه اللّه تعالى يعطي كلّاً بقدر صلاحيته.. علماً أنّ جميع أفعال اللّه تعالى في الوجود تتمّ طبقاً للمصلحة والحكمة.. وإنّ الاعتراض على فعل اللّه بمثابة عدم قبول الحكمة الإلهيّة ونوع من الشرك، فلا ينبغي لنا الاعتراض على الرّبّ
المتعال الممسك بجميع الأمور والمقدرات في الوجود والحياة، كما يمكن القول إنّ الحسد من خصائص الشيطان وقد قال مولانا الإمام الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إن إبليس يقول لجنوده: انشروا الظّلم والحسد بين عباد اللّه، لأنّ هذا الأمر مساوق للشرك باللّه.. (1)
القرآن المجيد كتاب هداية ودين، وهو يشير إلى أفضل طريق لنموّ الشخصيّة ومعرفة الذات، لأنّ الإنسان هو الموجود الوحيد المتشكّل من البعدين؛ المادي والمعنويّ، والآية القرآنيّة الشّريفة تقول (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ..) وقال سبحانه (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ).. وقوله تعالى في سورة (يونس 57) و(النمل 89) و(البقرة 151) و(الجمعة2) و(العنكبوت 20) وآيات أخرى حقيقة وجوده وأحواله المتنوّعة، ويشير إلى علل الانحراف ومرض الإنسان وطرق تهذيبه وتربيته ومعالجة نفسه بشكل جامع، ولهذا أكبر الأثر في تنظيم أمور شخصيّته وتكامله وضمان صحّته النّفسيّة.
إنّ الحسد من منظار الآيات القرآنيّة يتلخص فيه القول بأنّه من أهمّ عوامل التدمير والفساد في العالم، تدمير وفساد ينشأ من الأفراد الحاسدين، فالقرآن يعدّ الحسد العامل الأساس في القتل الأوّل الّذي شهدته الأرض، فيقول في ذلك:
(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَى ءَادَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّه مِنَ الْمُتَّقِينَ).
ومن هذه الآية يفهم أنّ مراسم تقريب القربان كانت منذ عهد آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولذلك قدّم ابناه قربانيهما بأمر أبيهما، ولكنّ قربان هابيل تُقبّل دون أخيه، فغضب هذا الأخير أشدّ الغضب واشتعلت نار الحسد في قلبه تجاه أخيه حتّى انتهى به الأمر إلى قتله..
1) الكافي، ج 2، ص 327.
مرّة أخرى تحرّكت عجلة التاريخ، وذلك فيما يتعلّق بالنّبي يوسف (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث حسده إخوته وقرّروا قتله، وفي النّهاية ألقوه في الجبّ: (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ) (1).
أمّا هذه الآية؛ فهي متعلقة بحسد اليهود للمسلمين، لأنّهم كانوا عديمي الإيمان فأرادوا سلب الإيمان من المسلمين:
(َدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ...).
وقد ألمح القرآن الكريم إلى أرذل وأسوأ الصفات وأمر بالاستعاذة باللّه من هذه الصفة وهي صفة الحسد :
(وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ) (2).
ورد التحذير الشديد من الحسد في الأحاديث والرّوايات ما لم يرد تحذير مثله من صفات رذيلة أخرى..
وقد روي في الحديث النّبويّ الشّريف أنّ اللّه تعالى قال لموسى بن عمران (عَلَيهِ السَّلَامُ) : يستاء الحسود من نعمي، ويبغض ما أردت لعبادي.. (3)
وعن مولانا الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب. (4)
وعن الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : الحسد هو أصل الكفر. (5)
وروى فضيل بن عياض عن مولانا الإمام الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : المؤمن يغبط ولا يحسد، والمنافق يحسد ولا يغبط. (1)
الآثار السيئة للحسد في أقوال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ):
1 - الحسود متألّم دوماً، ممّا يسبّب أمراضاً جسمية وروحية (2)
2 - الحسود يجفّف جذور الإيمان ويقضي على ابن آدم.
3- الحسد حجاب متين دون معرفة الحقائق.
4- الحسود يمارس الحسد حتّى مع أقربائه، ممّا يؤدي إلى فقدان ذوي قرباه وأصدقائه.
5 - الحسود لا يسود أبداً !!
6- الحسود متحسّر وذنوبه في زيادة مستمرة.
المعالجة الرذائل الأخلاقيّة طريقان :
العلاج العلمي على الإنسان أن ينظر إلى نتائج الحسد المدمرة في حياته وروحه ونفسه، وكم هو الضّرر الّذي يتركه الحسد في دينه ودنياه.. وأن يطيل الفكر في ذلك لعله يتنبه إلى ذلك..
العلاج العمليّ: الحرص على ممارسة ما هو بالضّدّ من الحسد، أي أنّ من يحسد عليه أن يأتي بما هو لا يتفق والحسد وأن يعي ويبيّن الصفات الطّيبة لذلك، ليكون ذلك بمثابة الملكة، فكيف عن فعل الحسد..
آثار الحسد: للحسد آثار مدمرة كثيرة من الناحية الفرديّة والإجتماعيّة والماديّة والمعنويّة،
ولعلّ الحسد لا تدانيه صفة رذيلة لها من الآثار السيئة والسلبية.. ولعلّ من أهمها:
أولاً : أنّ الحسد بمثابة الآفة الماحقة لأعمال الخير، وقد روي في الحديث عن مولانا الإمام الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : "إنّ الحسد ليأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب". (1)
ومن هنا يعلم أن جهنّم بدورها مثل صحراء خالية، أما النيران وألوان العذاب فهي الذّنوب الّتي تتجسّد بصورها، وهي الّتي كان النّاس قد اجترحوها وأرسلوها متقدّمة عليهم.. فالأفاعي والعقارب وطعام الزّقوم والنّار ومياه المهل إنّما تُخلق من المساوئ والموبقات، كما أن الحور والقصور والنعيم الأبديّ والجنّة تخلق من التّقوى والإيمان وصالح الأعمال.
ثانياً: أنّ الحسود متألّم على الدوام، ممّا يترك فيه أمراضاً بدنية ونفسية.. وبالمقدار الّذي يحقّق الآخرون- الّذين يحسدهم عادة - نجاحاً وينالون نعماً، تراه ينزعج بذات المقدار.. إلى الحدّ الّذي يسكنه فيه الأرق ويغادره الهدوء والرّاحة حتّى لترى الأمراض البدنيّة والروحية تطفح في وجهه، مع ما يتمتّع به من نعم وإمكانات.. ولو أنه طرد عنه هذه الرذيلة لتمتع بحياة مطمئنة رغيدة..، من جملة ذلك قول أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) "أسوأ النّاس عيشاً؛ الحسود". (2)
وجاء في تعبير آخر:
"العجب لغفلة الحسّاد عن سلامة الأجساد". (3)وهذا الحديث نختمه بحديث آخر، وإن كانت النصوص بهذا الصدد مستفيضة: قال مولانا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحسد لا يجلب إلّا مضرّة وغيظاً يوهن قلبك ويمرض جسمك". (4)
ولا ريب في أنّ مضار الحسد المعنويّة أكبر وأكثر من مضارّه الماديّة والجسديّة، لأنّ
الحسد يأكل ويأتي على جذور الإيمان ويدفع بالإنسان إلى إساءة الظن بكل من العدل والحكمة الإلهيّة، إذ الحسود يعترض في أعماق قلبه على واهب النّعم؛ اللّه تبارك وتعالى. وقد ورد في الحديث المعروف عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : " لا تحاسدوا؛ فإنّ الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب" (1)وبهذا المعنى رويت أحاديث عن نبي الإسلام (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وابنه المعصوم الإمام الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيضاً.. (2)
وأورد المرحوم الكليني في (الكافي) حديثاً آخر عن الإمام الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: "آفة الدّين الحسد والعجب والفخر". (3)
وعنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيضاً : "إنّ المؤمن يغبط ولا يحسد، والمنافق يحسد ولا يغبط" (4)ويفهم من هذا النّصّ المعصوم بوضوح أنّ الحسد معارض أبداً لروح الإيمان؛ متّفق النّفاق تماماً. وفي الحديث القدسيّ ورد أنّه تعالى قال لموسى بن عمران أن: دع الحسد، لأنّ الحسود غاضب من نعمي، مخالف لقسمتي لعبادي.. (5)
ثالثاً: ضرر الحسد الآخر؛ أنّه يمثل حجاباً متيناً تجاه معرفة الحقائق، لأنّ الحسود لا يسعه تبصّر نقاط قوّة الحسود؛ وإن كان أستاذاً كبيراً أو مربيّاً عظيماً.. وإنّما عيناه دائمتا البحث عن نقاط القوة والضّعف، فيرى ما هو قوّة ضعفاً؛ وما هو ضعف قوة..
رابعاً: أنّ الإنسان بالحسد يفرّط بأصدقائه وذويه، إذ أنّ كلّ شخص له من النعم ما يمتاز به على غيره الّذي له نعمه الخاصة به.. ومن كان حاسداً؛ فإنّه قد يحسد النّاس جميعاً، وهذا ما يؤدّي بالحاسد أن يهجره النّاس حتّى ينفرط عقد علاقته بغيره.. وشاهد هذا المنحى أنّ أمير
المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال" الحسود لا خُلّة له " (1)
خامساً: أن الحسد يعيق فاعله عن بلوغ المراتب السامية، حيث لا يتسنّى له أن تكون له الشخصيّة الإداريّة والقياديّة في المجتمع.. لأنّ الحسد يدفع بمن يحيطون بالحاسد حتّى يهجروه.. وإنّ من يتصف بالقوّة الدّافعة لن يكون كبيراً أبداً، وقد روي عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مقولته الشّهيرة: "الحسود" لا يسود". (2)
سادساً: أنّ الحسد سبب التلوّث بأنواع الذّنوب، لأنّ الحاسد ولتحقيق مآربه - زوال النعمة عن المحسود - يتوسل بأنواع الموبقات؛ مثل الظّلم والغيبة والتهمة والكذب والنميمة والوشاية، ويسخّر كلّ طاقاته لمحق المحسود، فتراه يمارس كلّ عمل غير مشروع لتحقيق غايته غير المشروعة.. وشاهد هذا القول كلام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) "الحسود كثير الحسرات ومتضاعف السيئات" (3).
سابعاً: من الحظ العاثر للحاسد، أنّ ضرر الحسد يلحق به قبل إصابته المحسود، إذ يورط نفسه بانزعاج الرّوح وما يتركه ذلك من نتائج سيّئة على بدنه، مضافاً إلى عذاب الدّنيا. وقد أشير إلى ذلك في الأحاديث والروايات الشّريفة.. وقد روي عن الإمام الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قوله : "الحسد مضرّ بنفسه قبل أن يضر بالمحسود، كإبليس؛ أورث بحسده بنفسه اللّعنة ولآدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) الاجتباء والهدى". (4)
سؤال : ماذا ينبغي أن نفعل للوقاية من الحسد؟
لهذه الغاية؛ ينبغي غضّ الطرف عن متابعة وإحصاء كماليات الأمور والإمكانات الزائدة
لدى الآخرين.. وللوقاية من أن نكون حاسدين؛ يلزمنا اتخاذ الأسلوب العلمي ثم العملي طريقاً.. فلا بدّ من تجاهل الأمور الماديّة والإيمان بأنّ القيمة الحقيقيّة للإنسان تكمن في جهاته الوجودية والمعنويّة والذهنيّة.
وبالنّتيجة؛ فإنّ العلم والعمل يؤدّيان دوراً مناهضاً للحسد، إذ يكف المرء عن تمنّي زوال النّعمة عن الغير، بل ويسرّ للآخر إذا ما نال نعمة وهذه الحقيقة تتأتى بالرياضة والتمرين الذهني.. إنّ ما يقرب من 80٪ من النساء والرجال يعانون مشكلة الحسد، أو أنّ لهم ردود أفعالهم الخاصة بهم تجاه عدم الصدق والإخلاص والتفاهم في العلاقات، ولكل منهم أدلّته أو تبريراته لدى ممارسته رذيلة الحسد.. فالنساء يبرّرن حسدهنّ بعدم صدق أزواجهن في علاقاتهم العاطفيّة والرّجال بدورهم إذا ما شعروا بعدم صدق النساء فيما يرتبط بالعلاقات الجنسيّة، فتراهم يشعرون بالحسد.
وليس الشّعور بالحسد مختص بالكبار فحسب، بل هو يسري في الصّغار أيضاً.. ولربما يحسدون آبائهم وأمهاتهم، ولربما يحسد الوالدان صغارهم، بل لا بد من القول إنّ جميع الشرائح الإجتماعيّة معرّضة للإصابة بداء الحسد.
إنّ اللّه تبارك وتعالى أراد لجميعنا أن نكون ممتلئين طاقة وحماساً في أبداننا وأنفسنا وأرواحنا، ولا شكّ في أنّ حصول خلل في وجهة من وجهات وجودنا يؤدّي إلى سراية هذا الخلل في جميع جوانبنا.. وإنّ من أخطر صور ومصاديق الخلل هو الحسد.. ولابد من البحث عن أسباب وأرضيّة حصول هذا الخلل والداء على المستوى الاجتماعيّ، بل الأهم من ذلك؛ البحث عنه في أنفسنا.. كما لا بد من التسلّح بأسباب الوقاية والعلاج بالشبل الأخلاقيّة والعلمية منذ نعومة أظفار الإنسان، لأنّ هذا الداء إذا ما غُفل عنه.. تجذّر في النفوس وأضحى من الصعب جدّاً معالجته وإزالته..
(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَى ءَادَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ
لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّه مِنَ الْمُتَّقِينَ).
والقرآن يقول بخصوص الأمم الماضية (ِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) فلم يكن اختلاف النّاس بداعي العلم. وإنّما بسبب تحديدهم وتشخيصهم الحق.. كما أن قسماً من ذلك كان بداعي الحسد والتعدي على الآخرين..
قال سبحانه وتعالى(وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ).
روي عن مولانا الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : " اتقوا اللّه ولا يحسد بعضكم بعضاً". (1)
وقال مولانا الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): " من لم يحسد؛ فله الجنّة". (2)
وقال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : " الحسود مغموم ". (3)
وعنه (عَلَيهِ السَّلَامُ): "ثمرة الحسد شقاء الدنيا والآخرة. (4)
وفي رواية عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): "صحة الجسد من قلة الحسد". (5)
وفي موضع آخر قال : "العجب لغفلة الحسّاد عن سلامة الأجساد". (6)
وعن الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن آبائه المعصومین روی : كان من وصيّة النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : يا علي أنهاك عن ثلاث خصال: الحسد والحرص والكبر... (7)
إنّ التحقيق في مسألة الحسد في الاتجاهين: الروحي والجسميّ، والإشارة إلى قصة هابيل وقابيل والحسد بين الإخوة.. له حكايته الملحمية المأساوية الضاربة في القدم.. إذ تمخّض الحسد ذاك إلى ارتكاب القتل الأوّل في الأرض والتاريخ البشري، وهذا ما أكد القرآن الحكيم
على إثباته بحكايته..
فصل البيان..
قال سليمان بن خالد قلت لأبي جعفر الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : نفسي لك الفداء يذهب النّاس إلى أن آدم زوج ابنته من ابنه!
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : هكذا يقولون ؟ ألم تعلم أنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، قال : لو كان آدم زوج ابنه وابنته، لزوّجت زينب من القاسم، ولما خالفته..
قلت: يقول النّاس إنّ قتل هابيل على يد أخيه قابيل كان بسبب أنّ أخت قابيل كانت قبيحة الوجه، فحصل الاختلاف بين ابني آدم.
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ألا تستحي أن تقول ذلك في نبي مثل آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؟ فقلت: إذن فما السبب في قتل قابيل أخاه ؟
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : بسبب الوصية والخلافة من اللّه، وذلك أنّ اللّه أوحى لآدم أن يخص ابنه هابيل بالاسم الأعظم ووصيّة النّبوّة، وقد كان قابيل الأخ الأكبر.. ولمّا عرف بذلك؛ غضب واعترض وقال: أنا الأكبر والأجدر بالوصية (1). فأوحى اللّه لآدم أن يكشف الأمر وأن يعلم كلاً من الأخوين ميزته، وقال لهما أن يقرّبا قرباناً، فمن قبل قربانه كان الأجدر بالوصية، وكان المعهود في ذلك الزّمان أنّ آية قبول الكبش أن تقع نار من السماء عليه فتأكله. ولما كان هابيل صاحب أغنام؛ فقد جاء بكبش سمين من بين قطيعه ووضعه في المكان المرسوم.. ولكنّ قابيل الّذي كان
1) تفسير العياشي، ج1، ص 312.
فلاحاً؛ فقد جاء بضعث سنابل هزيلة من الحنطة.. فنزل لسان من نار على قربان هابيل وأكله فعلم أنّ اللّه تقبّل قربان هابيل فما كان من قابيل إلّا أن حسد أخاه وعزم على قتله.. فأثار الشيطان بوساوسه قابيل وقال له: ليس مهمّاً قبول القربان، إذ الاختلاف بينك وبين أخيك.. وفي قادم الأيّام سيكون الخلاف بين نسليكما كبيراً، وسيفخر أولاد هابيل على أولادك.. فلم يكن من قابيل إلا أن قتل أخاه هابيل بالحجر.. وأراد دفن جسده فلم يعرف كيف يفعل ذلك، فشاهد غرابين يتقاتلان فقتل أحدهما الآخر وراح يبحث في الأرض حتّى حفر حفرة وأخفى جثّته... (1)وهكذا حكى القرآن قصّة تعلّم قابيل الدّفن.
(يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ)
وهنا ابتدع الشيطان أوّل مكائده إذ وسوس لقابيل بالشرك باللّه عزّوجل.. فجاءه قائلاً: هل تعلم لم لم يُقبل قربانك ؟ فأجابه بالنّفي. فقال إبليس لأنّك لا تعظم النّار، فإن أردت قبول قرابينك فيما يلي، فابن بيتاً خاصّاً لعبادة النّار.. فكان قابيل أوّل من قبل عبادة النّار. (2)
.. وهكذا أريق أول دم بظلم بداعي الحسد، حتّى انتهى الأمر إلى عبادة النار..
ويمكن القول إنّ الأغلب في ممارسة الظّلم وتجاوز الحقوق وارتكاب الجرائم يتمّ بداعي الضّغط الّذي تتركه هذه الصفة الرّذيلة والقبيحة على نفس الإنسان - وإن اتخذ ذلك صوراً وحالات متفاوتة - فكان أصل قصة هابيل وقابيل الحسد الّذي استولى على هذا الأخير بسبب وصيّة آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهابيل، حيث قبل اللّه قربان هابيل - وهو الامتحان الإلهيّ الّذي تمخّض عنه اصطفاء هابيل لخلافة آدم ؛ في الأرض - فاعترض قابيل الأمر الإلهيّ، وقتل وأشرك بربه..
مع أن آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) لقد كشف لابنه قابيل بأنّ اختياره هابيل كان بأمر اللّه وليس بأمره هو..
وحينما علم آدم بوقوع الجريمة بكى هابيل عند قبره أربعين يوماً، ثمّ طلب من اللّه أن يرزقه ابناً آخر، فاستجاب له ربّه ورزقه ابناً سمّاه (شيث) بمعنى هبة اللّه وجعله وصيّاً له، فبادره قابيل بالتّهديد والوعيد، ولكنّ اللّه تعالى حفظه من شرّه وضرره.
البعد الرّوحي: قصّة حسد إخوة يوسف.
قصة يوسف النّبي (عَلَيهِ السَّلَامُ) والبلاء والأذى الّذي ألحقه به إخوته كان بسبب الحسد الّذي سكنهم ضدّه.. وذلك أنه رأى مناماً، فاطلع إخوته عليه فثارت فيهم ثائرة الحسد.. حتّى اصطحبوه إلى الصّحراء ورموه إلى البئر، ثمّ اضطروا إلى بيعه..
قال عزّوجل:
(إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ *... ِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ) (1)
ولا شكّ أن يوسف وأخوه كانا بالفعل محبوبين من قبل يعقوب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، إلّا أنّ منشأ هذه المحبة لم يكن الجمال ولا الطفولة، وإنّما هو مشاهدة ما فيه من الولاية النّبويّة والاصطفاء والأخلاق والإيمان المتين والمحبّة الفائقة تجاه الآخرين.. ولكن أن يقال بعدم ضرورة التفات يعقوب إلى صفات يوسف الصّديق (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأخيه بداعي احتمال إثارة حفيظة إخوته الآخرين؛ قول خاطئ وبعيد عن الأصول الأولية للتربيّة، وعلى هذا فإنّ التفاوت المعقول في سلوك يعقوب تجاه يوسف دون إخوته ليس موضع ملامة، وذلك لأن تمييزاً غير منطقي أو غير عاطفي وأخلاقي لم يحصل من جهة يعقوب تجاه الإخوة الآخرين.
1) سورة يوسف / 4 إلى 9.
والقرآن المجيد لم يعد جذر حسد أولاد يعقوب (عَلَيهِ السَّلَامُ) أخاهم يوسف (عَلَيهِ السَّلَامُ) تمييزاً باطلاً، بل إنّه عزا حسدهم إلى أزمة نقص وضعف الشخصيّة فيهم، وهو القائل بوضوح إنّهم اتهموا أباهم باطلاً: (إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)!...
وبدلاً من أن يبحث إخوة يوسف عن محبة أبيهم له ولأخيه في قوة وكمال الشخصيّة، ومن أن يعمدوا إلى تكميل أبعاد ذلك في شخصيّاتهم ووجودهم ليرتقوا إلى مقام محبّة أبيهم يعقوب (عَلَيهِ السَّلَامُ) تراهم قد تملكهم الغرور والتكبّر والحسد، الأمر الّذي مهد إلى سلوكهم التالي المشين.. لقد أصرّ إخوة يوسف (عَلَيهِ السَّلَامُ) على تبرير حسدهم يوسف باتهامهم يعقوب وحبّه ليوسف وأخيه، والحال أنّ نبي اللّه يعقوب (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعبر كلماته وحواراته الجمة تجاه أولاده كان يوحي ويصرّح بأنّهم سواسية عنده وذلك بقوله المتكرّر لهم (يا بنيّ) دون تمييز منه بينهم، والقرآن المجيد ذكر حسد إخوة يوسف، وأكد على أنّهم رغم كونهم إخوته إلّا أنّهم رضوا واستعدوا لارتكاب جريمة القتل بحقه مع أنّه – يوسف - قد أخبرهم بكونهم سيفتضحون ويذلّون في نهاية المطاف.
حدّ عقوبة الحسد
يبدو أنّ صفة الحسد من جملة الخصال المتفشية بين النّاس، وهي بالنسبة لطبيعة أخلاقهم في تصاعد أو نزول.. وتارة تكون حراماً أو كفراً أو شركاً.. نستجير باللّه تعالى منه. وظاهرقول فريق من العلماء أنّ حرمة الحسد ووجود العقوبة عليها لأن تتجسّد في العقل وتارة لا تتجسّد، وظاهر قول الفريق الثّاني في العلماء أنّها ما لم تظهر وتتجسّد على صعيد الفعل أو القول، فهي لا تستتبع حراماً، لأنّ الحرمة والعقوبة من توابع الأفعال البدنيّة دون الصفات والملكات النّفسانية.
حسد للنّبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)
ينبغي القول إنّه متى ما كشف الإنسان عن كمالاته وحسن ذاته، وأشار إلى أنّ الآخرين لا يملكون ما يملك صارت كمالاته وحسناته وزراً ووبالاً. وبدلاً من أن تكون سلماً لنموّه ورشده واستقراره، تكون مدعاة لعسره وأزمته، وإن لم تكن كذلك ؛ فهو سيفقدها على الأقل. وبناء على مقتضى العقل، يلزم أن يُستعرض الحين والكمال أمام أنظار الآخرين بحيث يؤدي إلى التعرض للحسد أو التنافس، لأنّ الطرف المقابل إن لم يتمكّن من الفوز والغلبة، سعى لأن يكون منافساً غیر عادل؛ فيعمد إلى إخراجه من حلبة للتنافي.. ولا ريب أنّ في استعراض النّعم والكمال حسن غير قابل للتجاهل، وهذا يؤدّي إلى حسد النّاس. وقد ورد في الرّواية بخصوص رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنّ إحدى أسباب إيجاد الأذى من جهة الخلق بحق النّبي أنّ أشخاصهم كانت تثير في الآخرين حالة التّسابق والتّنافس، ولمّا كان النّاس يعحزون عن منافستهم، فهم يلجئون إلى الحسد والحقد (وطبعاً هناك القلة من الأفراد الأخيار الّذين يتعاملون بهذا الصدد بحدود ودراية ربّانيّة مسبقة)، وأنّ هذا اللطف لم يعط لفلان من النّاس لإيذائه، بمقدار ما هو عن ابتلاء وامتحان.
كما يمكن القول بهذا الخصوص أنّ الأفراد الّذين يتعرّضون للحسد... هم في العادة ذوو کمالات - سواء كانت حقيقية أو خياليّة - وكلّما صار الفرد أكمل، كلّما كان أكثر عرضة للحسد.. وحيث كان النّبي المصطفى وآله الطاهرين سلام اللّه عليهم أجمعين هم أجمعين هم الأكمل على الإطلاق من بين جميع النّاس والخلائق وقد تفضّل اللّه تعالى عليهم بكل الفضائل فقد أصبحوا الأكثر عرضة للأذى والحسد، وبالتّالي فقد كانوا (عَلَيهِم السَّلَامُ) محطّ حسد الآخرين، وقد روي عنهم سلام اللّه عليهم "نحن المحسودون الّذين قال اللّه أم يحسدون النّاس على ما آتاهم اللّه
من فضله. (1)
ويمكن تقسيم النّعمات والفضائل الّتي أولى اللّه تبارك وتعالى بها أهل البيت عليهم السلام إلى ثلاثة أقسام:
1- الكتاب. 2 - الحكمة. 3 - الملك العظيم.
والملفت للنظر، هو أنّ التعبير ب-(الملك العظيم) لم يعط لأحد من العالمين حتّى سليمان، وهو الّذي طلب ذلك بلسانه.. لأنّ الملك الّذي أعطاه اللّه للمعصومين الأربعة عشر لم يعطه لأحد من الأنبياء والمرسلين والأولياء.. وإنّ من جملة مصاديق هذا الملك: وجوب إطاعة الجميع - بمن فيهم الأنبياء ومنهم سليمان (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهؤلاء المعصومين الأربعة عشر..
السّؤال الّذي يطرح نفسه هنا هو لماذا يعادي اليهود المسلمين؟ وماذا حصل بين الطرفين في سالف الأيّام بحيث صبّ اليهود جام غضبهم وهو غضب مرير - على الإسلام؟ وأخيراً؛ ما هو دليل وجذر عداوة اليهود للإسلام ؟ وللإجابة نشير بداية إلى أنّ الحسد هو أحد جذور التّنفّر من الدّين، ويمكن اعتباره أحد شعب حبّ الدّنيا إلى الحدّ الّذي عده الإمام الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) جذراً بقوله " وإيّاكم أن يحسد بعضكم بعضاً، فإنّ الكفر أصله الحسد". (2)
ولقد كان اليهود قبيل بعثة النّبي المصطفى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) اللّه ينتظرون ظهور نبي يضمنون في ظلّه السّيادة والقيادة الإجتماعيّة، ولذلك كانوا يقولون للكفّار عن قريب سنتفوّق وننتصر عليكم حين نقبل نبوّة النّبي الخاتم.. ولكن ما أن بعث النّبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ؛ حتّى امتنعوا عن الإيمان والتصديق بنبوّته مع حيازته كلّ الدلائل والشواهد الّتي كانوا ينادون بها هم قبيل غيرهم.. قال
سبحانه وتعالى بهذا الصدد: (ولما جاء هم كتاب من عند اللّه مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الّذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة اللّه على الكافرين).
وفي هذه الآية يصوّر القرآن الكريم شكلاً آخر من عناد اليهود وتبعيّتهم لأهوائهم.. فهم كانوا بناء على بشارات التوراة.. يتوقعون ظهور النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بل إنّ بعضهم كان يبشّر بعضاً بالانتصار القريب.. وإن إحدى دلائل سكناهم في المدينة وما حولها، أنّهم كانوا على علم مسبق بأنّ المدينة ستكون حاضنة ومهجر النّبوّة والإسلام، ولهذا فقد استبقوا الأمر واختاروا المدينة سكناً.. ولكنّهم بعد ظهور النّبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وبعثته وهجرته كفروا به عن سابق إصرار وترصّد وعلم.
وفي الآية التّالية، بيّن القرآن المجيد علّة كفر اليهود بقوله : (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ).
في هذا المجال وقائع نشير هنا إلى نموذجين منها:
ألف: حين تعرّف الرّاهب بحيرة النّصراني على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في طفولته، منعه من السّفر إلى الشّام وقال لعمه أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) : احذر عليه اليهود، فهذا ابن أخيك عربيّ، واليهود يريدون للنّبيّ الموعود أن يكون من بني إسرائيل.. إنهم لا ريب سيحسدونه..
ب: أورد المؤرّخون والمفسرون عن ابن عبّاس أنّ اليهود كانوا يقولون للأوس والخزرج قبل الإسلام: سنغلبكم بالنّبي الخاتم أو الموعود. ولكنّهم راحوا ينكرون قولهم هذا بعد البعثة النّبويّة الشّريفة. وكان معاذ بن جبل وبشر بن البراء يقولان لهم : اتَّقوا اللّه وأسلموا؛ لأنكم كنتم تصفون لنا محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقد كنا مشركين وكنتم تقولون سيأتي ويُبعث وسنغلبكم به. فقال سلام بن مشكم اليهوديّ: ماكنا نذكره لكم ليس محمّداً، فهو لم يأتنا بما كنا نتوقِّعه ونعرفه!!!
نقل أنّ زرقان، وهو نديم ورفيق أحمد بن أبي داوود القاضي في عهد المعتصم العبّاسيّ، قال: رجع أحمد من عند المعتصم ذات يوم وقد بان على وجهه الغضب، فسألته عن سبب حاله، فقال: السبب هو الأسود أبو جعفر ابن علي بن موسى الرّضا، ولقد رجوت أني متّ قبل عشرين عاماً ولم أرَ هذا اليوم فقلت: وماذا حدث؟ قال: لقد جيء إلى الخليفة بسارق وقد اعترف بجرمه، فسأل الخليفة عن حده وكيفية تطهيره وكان أكثر الفقهاء حاضرين، فأمر الخليفة باستدعاء الآخرين، وطلب محمد بن علي أيضاً، فسألنا عن حدّ السارق وكيف يجب أن ينفّذ. فقلت : من الكرسوع، فقال: وبأي دليل؟ قلت : بدليل أن اليد تشمل الأصابع والكفّ إلى المعصم، وقد ورد في آية التّيمّم: (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) ووافقني على قولي هذا كثير من العلماء، ولكنّ جماعة آخرين منهم قالوا: يجب أن تقطع اليد من المرفق. فسأل الخليفة عن دليلهم فقالوا : بدليل آية الوضوء (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) لأنّ اللّه قد حدد حد اليد إلى المرفق. وأفتى جماعة آخرون بقطع اليد من أصلها، أي من الكتف واستدلوا بأنّ اليد تشمل الأصابع إلى الكتف...
وهنا التفت الخليفة إلى محمد بن عليّ وقال: يا أبا جعفر وأنت ما تقول في هذه المسألة. فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): قد قال العلماء أقوالهم، فأعفني عن إبداء رأيي، فقال أقسم عليك باللّه إلّا ما قلت رأيك.. فقال الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ): الآن حيث أقسمت علي فأقول: إنّ ما عيّنه العلماء من حدّ اليد خطأ واشتباه... وينبغي أن تقطع أصابع السّارق من دون الإبهام، فسأله عن الدليل، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) السجود على سبعة أعضاء الوجه واليدين والرّكبتين والقدمين، فإذا قطعت اليد من الكرسوع أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها، وقال سبحانه وتعالى (إنّ المَسَاجِدَ لِلّه) وما كان اللّه لم يُقطع.
ففرح المعتصم لهذا الحكم وصدّقه وأمر بقطع أصابع يد السارق طبقاً لقول الإمام
الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ).
قال زرقان: كان ابن أبي منزعجاً أن ردّ قوله وكان يتلوّى على نفسه حسداً... فذهب إلى المعتصم بعد ثلاثة أيام وخاطبه قائلاً: يا أمير المؤمنين جئتك ناصحاً، وهذا النصح شكراً على محبّتك إيَّاي، وإنّي لأخشى إن لم أقل أكون قد كفرت بالنّعمة فاحترق في جهنّم، فسأله المعتصم قائلاً: وما هي نصيحتك ؟، فقال : حين تعقد مجلساً للعلماء والفقهاء، فإنّما ليبحث أمر مهم من أمور الدّين ويكون الوزراء وأصحاب المناصب والعسكر الحرس الحاضرين، فيفشى ما يدور من حديث ويُتناقل، فإن أنت رددت - في مثل هذا المجلس - رأي الفقهاء، وقبلت رأي محمّد بن علي، التفت النّاس إليه شيئاً فشيئاً وانصرفوا عن بني العباس، فتسلب خلافتك ويستخلف هو، وها هو الآن إمام لأمة من النّاس...
ففعل الحسد فعلته إذ قال المعتصم لهذا العالم الحاسد: جزاك اللّه عن نصيحتك خيراً، وفي اليوم الرّابع أمر أحد الكتاب أن يدعو جماعة ويستضاف في مجلسهم محمد بن عليّ الّذي رفض الحضور. فأصرّ عليه مدعياً أن المجلس ذاك لن يعقد إلا للتعارف بينه وبين أحد الوزراء.. فقبل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).. وكان في المائدة طعام مسموم جيء به إليه، وما أن تناول منه حتّى شعر بمسموميّته، فنهض من مقامه.. فقال له صاحب المجلس: إنّك تستعجل الرواح!؟ فقال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ويلك !! خير لي أن أذهب.. (1)ثم إنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) استشهد بعد يوم واحد من ذلك..
العلماء والنّخبة وحسدهم لدى الأزمات الإجتماعيّة:
علماء الاجتماع ولا سيّما العلوم الإجتماعيّة والسياسيّة لدى تحليلهم الأزمات الإجتماعيّة يبينون أسباباً وعوامل كثيرة ويضعون الحلول لمواجهة تلكم الأزمات. وهم لدى ذلك قلّ أن ينسبوا الأزمات إلى العوامل النفسية باعتبارها عوامل جذريّة رغم أنّه قد حظيت
1) تفسير العياشي، ج1، ص319 و 320.
النّواحي النّفسيّة بمزيد اهتمام في الفترة المتأخرة، وصار تفسير السلوك في الاضطرابات الإجتماعيّة ذا دور مهم فكما أنّ السلوك الإنسانيّ متأثر بعلل وعوامل مختلفة - داخلية وخارجيّة - وهو صائر إلى تغيّر، وتظهر آثاره في حياة الشخص الواحد، كذلك هو المجتمع متأثّر بعلل وعوامل عديدة ومتنوّعة؛ فيتغيّر بناء عليها..
إنّ الأزمات الإجتماعيّة كما الحمّى الشّديدة مؤثّرة في محيطها، حيث تخرج الفرد عن حالته المتعادلة وتسحب ثروات وجوده إلى جهة معينة.. وها هو هذا المعنى يتّضح من حيث أنّ حسد العلماء يمكن أن يؤثر متسبباً في إيجاد أزمات اجتماعيّة عظيمة، فيصيب المجتمع بالدمار والانهيار، إذ العلم والعمل، ويتخذون من أفعالهم القدوة المعتد بها، كما أنّهم – النّاس - ينظمون أفكارهم وأذهانهم طبقاً لأفكار وأذهان مرجعيّاتهم..
وعلى هذا؛ فإنّ كلّ السّلوك الناتج عن الحسد، وفي أي مرتبة ودرجة يمكن أن يكون سبباً وعاملاً أساسياً في نشوب الأزمات الإجتماعيّة... واللّه العزيز المتعال يشير في الآية (213) من سورة البقرة إلى أن تحاسد العلماء لا يوجد الفرقة الفكريّة والاعتقاديّة بين الأمّة فحسب، وإنّما يؤدّي إلى حدوث أزمات أكثر عسراً وشدّة..
إنّ الضربة الّتي يوجهها الحاسدون من العلماء إلى المجتمع هي من الشّدّة والتأثير البالغ حيث يعتبرها الخالق سبحانه وتعالى منشأ كثير من الاختلافات والتشرذم الاجتماعي هو وجود العلماء الحسّاد، بل ويؤكّد أنّ هؤلاء يسوقون المجتمع الإنسانيّ إلى الدّمار، ولذلك؛ فهو عزّ اسمه وبسبب دور العلماء والنّخبة، عامل أساسي في تلاشي الثّقة في المجتمع، لأنّ الحسد يوجب تبادل الأفراد تراشق التّهم فيما بينهم، وبالتّهم غير الثّابتة وغير المحقة؛ بما يهدّد الأمن الأخلاقيّ للمجتمع ويقضي عليه.
إنّ الأزمات الرّاهنة في المجتمع الدولي والاختلافات الإجتماعيّة في إيران، يمكن من خلالها – وبسهولة - إدراك مدى الدور الّذي يلعبه حسد العلماء في تغيير مسار التقدّم والتطوّر
والسّموّ إلى حيث المشاكل والمعضلات حيث المشاكل والمعضلات، حيث تجاوزها والتخلّص منها يكلّف المجتمع خسائر فادحة ويقضي على كثير من الفرص الّتي تتوقعها الأمّة..
هناك العديد من الاختلافات القائمة على أساس حسد النخبة والعلماء.. وتارة تبقى كجرح عميق في جسم الأمّة، ويبقى لسنين طوال وقد لا يزول أبداً، بل ولعلّه يؤدّي إلى حدوث أخطاء متتالية، فتهدّد المجتمع مرّة أخرى بالدمار والفناء.. ممّا يوجب لدى بناء أمة قرآنيّة عدم الغفلة عن دور وتأثير حسد العلماء والنخبة، ولو أنّ هؤلاء لا يلتفتون إلى أخطائهم وزلّاتهم وذنوبهم؛ كانت الأمّة مسئولة عن تنبيههم بشكل من الأشكال. وأن لا تسمح لحسد النخبة أن يسوق الأمّة إلى أزمات اجتماعية متراكمة ودائمة.
دائماً ما يواجه الحسود مصيراً أسوداً يعاقب فيه، فيما الإنسان مكلّف في أن يكون بصدد معالجة هذا الداء المدمّر، ومن جملة تفاصيل هذا العلاج أن يفكر ويتأمل في عاقبة الأفراد الحسّاد الّذين عكفوا - فيما سبق - على حياكة المؤامرات المهلكة ضد الأفراد المحسودين، ففشلت مخطّطاتهم وساءت أمورهم وفضحوا وتلاشوا..
من جملة ذلك ما ورد في (المحجّة البيضاء) للعلّامة الفيض الكاشاني أنّ بكر بن عبد اللّه المزني قال: إنّ شخصاً قصد الملك وراح ينصحه بالتّالي: "أحسن إلى المحسن بإحسان، وإنّ المسيء ستكفيه مساوئه" (1)ومن قبل هذه النّصيحة صار هذا الناصح مقرّباً من الملك الّذي حرص على احترامه الخاصّ.
فحسده رجل على مقامه الرّفيع عند الملك، وأراد أن يحرّضه ضدّه ليفقد مقامه.. فعمد
1) المحجة البيضاء، ج 5، ص 328.
إلى تهمة جبانة، إذ ذهب إلى الملك وقال له: هذا الشخص الّذي اتخذته نديماً؛ يظهر التّنفّر من مجالستك، مدعياً أنّ بدن الملك متعفّن !!! فقال الملك: ومن أين أعرف أنك صادق؟ فقال : حينما يأتيك في المرة القادمة ؛ فقربه إليك ليظنّ أنّك ترغب في مناجاته والهمس إليه.. وهنالك سيثبت لك صدق دعواي، ثمّ إنّ هذا المدّعي استضاف العالم الناصح في بيته وقدّم له طعاماً فيه شيء من الثّوم.. وحينما حضر بين يدي الملك استدعاه كما لم يستدعه من قبل، وحين اقترب بوجهه من وجه الملك وضع يده على فمه وأنفه لئلا يشمّ الملك رائحته فيستاء. فصدق كلام ذلك الحسود.
وكان من عادة الملك أن يكتب بيده الكتب والرسائل الّتي يأمر فيها بالهبات والعطايا.. فكتب كتاباً وسلّمه إلى العالم الناصح.. ليسلّمه إلى عامله.. وكان الملك قد كتب: اقبض على حامل الكتاب واقطع رأسه واسلخ جلد بدنه واملأه علفاً وابعثه إليّ.. فحمل العالم كتاب الملك وانطلق.. فصادف في طريقه ذلك الحاسد.. فرأى كتاب الملك بيد محسوده، فطلب إليه – طامعاً - أن يعطيه الكتاب، فأعطاه.. فحمله إلى عامل الملك الّذي نفّذ ما فيه من أمر بمجرّد أن قرأه، إذ قال له: استعدّ للموت.
فقال له: ولكنّ الكتاب ليس خاصّاً بي وإنّما هو متعلّق بالعالم النديم، فقال العامل (الجلّاد) أنا مأمور بتنفيذ ما جاء في الكتاب بمن جاء به فقال الحسود: فدعني اذهب إلى الملك مرّة واحدة وأرجع إليك، فقال له العامل: كتاب الملك لا رجعة فيه وإنّي لأعرف خطّ الملك وإمضاءه، ولو سمحت لك بالرّجوع حاسبني الملك وعاقبني.. ثمّ إنّه قتله وفعل به ما أمر الملك..
وكان من أمر العالم نديم الملك أن حضر بين يدي الملك، فسأله عما إذا لم يكن قد حمل الكتاب لعامله ؟ فقال له : قد صادفني فلان في الطريق ووهبته كتابك.
فقال الملك قد قال في حقك كذا وكذا. فقال العالم ليس الأمر كذلك أيها الملك! فسأله
الملك عن سبب وضعه يده على فمه، فقال: لأنّه أطعمني الثّوم، ولم أرغب في إيذائك، ولو أردت أيّها الملك فلك أن تجرّب وتشمّ فمي.. فقال الملك : صدقت أنت ونال جزاءه هو.. والحمد للّه ربّ العالمين.
مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النّاس جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النّاس جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتَهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)
1- (أَجْلِ) على وزن (نخل) وفي الأصل بمعنى النهاية، ثمّ قصد بها كلّ فعل ذي عاقبة سيّئة، ثم استعملت في كلّ فعل ذي عاقبة، وفي الغالب تستعمل للتّعليل وبيان السّبب.
2- كلمة (ذلك إشارة إلى قصة ابني آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) الفجيعة لأنّ طبيعة البشر وفي حال الاستسلام للهوى والشّهوة والرّغبة النّفسيّة الجامحة تنتهي - بلا اختيار - إلى التورّط بالحسد والحقد واعتراض الفرد الحسود على إرادة اللّه تعالى، وفعله وبالتّالي؛ يمكن تورّطه وإقدامه - بداعي الحسد - على ارتكاب جريمة القتل كما فعل قابيل.. وهكذا ينتهي به الحال إلى إبطال الأحكام الإلهيّة ومنازعتها وارتكاب المفاسد في الأرض وبطلان الحكمة الإلهيّة في تكثير النسل البشريّ.
ولهذا صار قتل فرد بريء واحدِ يعدل قتل جميع أفراد الإنسانيّة، فيما صار إحياء النفس الواحدة إحياء لجميع النّفوس.
3 - ينبغي الالتفات إلى أنّ الإسراف لغة له معنى واسع يشمل كلّ اعتداء وتجاوز وإن كان
يستعمل في الغالب في الموارد الماليّة والماديّة.
4 - تحدّثت هذه الآية عن أن قتل شخص واحد بمثابة قتل جميع الأشخاص، ولإيضاح هذه الحقيقة يمكن استعراض جملة من المعاني :
ألف) أنّ قتل الفرد الواحد كقتل جميع النّاس.
ب) أنّ حرمة قتل الفرد الواحد عند اللّه بمنزلة قتل جميع النّاس.
ج) أن قتل الفرد الواحد يسلب الأمن من جميع النّاس.
د) أنّ قتل الفرد الواحد تجاهلٌ لمقام الإنسانيّة.
ح) لأنّ أفراد البشر بمنزلة أعضاء الجسم الواحد، فإنّ قتل الواحد يعدل قتل الجميع.
و) المصير الجهنّمي لقاتل الفرد الواحد؛ هو مصير وموضع قاتل الجميع.
ط) أن قتل الواحد يمهد الأرضيّة لقتل الجميع.
ي) الإنسان الواحد يمكن أن يكون بذاته ينبوعاً لجيل كامل، وعليه؛ يعد قتله قتلاً لجيل كامل.
5- كلمة (فَكَأَنَّمَا) تبيّن حقيقة أنّ موت وحياة فرد واحد وإن كانا لا يساويان موت وحياة مجتمع، إلّا أنّ بينهما شبه كبير.
6- سؤال: كيف يمكن أن يكون الإنسان الواحد مساوياً لقتل جميع النّاس؟
وكيف يمكن لإحياء النفس الواحدة أن يكون شبيهاً بإحياء كلّ النفوس؟ للإجابة على هذا التساؤل نبين وجهين هما:
أولاً : أن ضحيّة الفرد القاتل؛ إنسان بريء، ومن وجهة نظره، أنّ جميع أفراد الإنسانيّة أبرياء - مثل المقتول - متساوون، ولهذا؛ فهو على استعداد أن يقتل الجميع كما قتل الفرد الأول، فهو متأهّب للتعدي عليهم.. كما الّذي ينقذ فرداً وينجيه من الموت بدافع العاطفة الإنسانيّة تراه مستعداً أن يفعل ما فعله بحق جميع أفراد الإنسانيّة، فهو راغب متأهب لإنقاذ الأبرياء جميعاً،
لهذا ؛ تراه ينظر إلى جميع الأفراد الأبرياء بعين واحدة..
ثانياً: أنّ المجتمع البشري في الحقيقة هو مجتمع واحد لا غير، وهو متكوّن من مجاميع أفراد، وأفراده عبارة عن أعضاء جسد واحد، وكلّ ضرر يصيب عضواً من أعضاء هذا الجسد أو فرداً من أفراد المجتمع، سيظهر على سائر الأعضاء والأفراد لأنّ فقد فرد - شاء أم أبى سيؤثر على جميع المجتمع البشريّ الكبير، وإنّ شعاع تأثير الضّرر والفقدان - سيترك أثره بما يناسب دوره في المجتمع وتأثيره في الآخرين كما أن إحياء فرد واحد يتسبب في إحياء سائر أعضاء هذا الجسد. لأنّ كلّ شخص له أثره بمقدار وجوده في بنية المجتمع البشريّ الكبير، وتأمينه لمتطلباته، وقد ترتفع نسبة الدور والتأثير أو تهبط.. ولقد نقرأ في بعض الروايات أن عقوبة هكذا إنسان - القاتل - تعدل عقوبة من قتل كلّ النّاس، وفي هذا إشارة إلى ما قدّمناه، لا أنّه مساو له في جميع الجهات، ولكن ترانا نقرأ في تلكم الرّوايات أنّ عقوبته ستكون مضاعفة بتضاعف عدد جرائمه!
7- لقد كان نزول هذه الآيات ضمن بيئة لم يكن فيها للدمار قيمة تذكر، ممّا يشير إلى ما يوليه الإسلام للموت وحياة الإنسان من أهمية مضافاً إلى أنّ الرّوايات الكثيرة الخاصة بهذا الشّأن تدلّ على أنّ هذه الآية وإن كان مفهومها الظاهري مهتم بموضوع الحياة والموت المادّيّين، أما الأهم فيها هو الموت والحياة المعنويّين، أي إضلال أو هداية - إنقاذ الإنسان من الضّلال - الإنسان. (1)
8- أنّ قتل النّاس ليس فعلاً جسمانياً فحسب. فعبر هذه الآية يمكن الإشارة إلى معنى مستعار بالتّبعيّة التصريحين، وإلى الحديث عن إضلال الآخرين - قتل العقول والقلوب - ثمّ هداية النّاس وإنقاذهم من الضّلال، هو في الواقع مضلّ لجماعات عظيمة من النّاس.. حتّى
1) راجع تفسير العياشي، ج 1، ص 313، والكافي، ج 2، ص 210 و 211.
لكأنّه يسوقهم إلى الدّمار والفناء..
وعليه؛ يمكن إطلاق عنوان القاتل عليه.. والعكس صحيح.. فإنّ كلّ هاد يتمكّن من قيادة الآخرين إلى الصراط المستقيم يمكن إطلاق عنوان المحيي عليه، ويؤيد هذا المطلب نصوص الآيات والرّوايات.. إذ تؤكّد على أنّ هداية وإرشاد النّاس إلى الحقّ بحكم إحيائهم وهاديتهم، فيما الإضلال للنّاس بحكم قتلهم وتدميرهم (1). ولهذا وجدنا الآية (24) من سورة الأنفال قد عدّت الدّعوة المحمّديّة المقدّسة بمثابة إحياء للنّاس، وهي القائلة: (... إذَا دَعَاكُم لِمَا يُحيِيكُم) فيما الإمام الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: "من أخرجها من ضلال إلى هدى؛ فكأنّما أحياها، ومن أخرجها من هدى إلى الضلال؛ فقد قتلها" (2)وجاء في نصوص معصمية أخرى أنّ إفناء جميع الدنيا أيسر عند اللّه تعالى من قتل نفس مؤمنة... وكذلك هنالك أثر عن الإمام الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأنّ من سقى عطشاناً في موضع ليس فيه ماء؛ كان كمن أحيا نفساً... (3)
9- سؤال قد علمنا أنّ الحكم المذكور غير مختصّ ببني إسرائيل، ورد اسمهم في هذه الآية خاصّة؟
ينبغي القول هنا إنّ ذكر بني إسرائيل كان بداعي أن مسألة القتل وإراقة الدّماء - لا سيّما الجرائم المجترة بسبب الحسد وطلب الرئاسة كانت متداولة بشكل كبير بين ظهرانيهم.. ومن هنا؛ كان هذا الحكم الإلهيّ قد ورد في شريعتهم أوّلاً وقبل كلّ شيء.
10 - جملة (ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ) تشير إلى أنهم رغم إرسال كثير من الأنبياء وحصول المعجزات الإلهيّة فيهم، إلّا أنّهم لم يردعوا عن الإمعان في الجرائم وعن تجاوز خطوط الاعتدال في سيرتهم، وفي خاتمة الآية ورد وصف بني إسرائيل وأنّهم مع وجود
الدّلائل النّبويّة والبراهين الإلهيّة الواضحة لإرشادهم، غير أنّهم ازدادوا إصراراً على ارتكاب الذّنوب وممارسة التّكبّر والمعاصي للقوانين السّماويّة، فاتّخذوا من الإسراف طريقاً.. حتّى لكأنهّم لم يبعث فيهم نبيّ..
11 - قد كان عصيان النّاس لأنبيائهم سيرة بشرية مستديمة وعلى مر التاريخ (وَلَقَدْ جَاءَتَهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ).
12- الإنسان مختار.. ومع مجيء الأنبياء يبقى مختاراً في الطّاعة والمعصية (وَلَقَدْ جَاءَتَهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ.. بَعْدَ ذَلِكَ لَمُسْرِفُونَ).
إنَّمَا جَزَاؤُا الّذينَ يُحَارِبُونَ اللّه وَرَسُولَهُ, وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33)
جاء جمع من المشركين رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأسلموا عنده، ولكنّهم لم تناسبهم أجواء المدينة إذ مرضوا فيها، فأذن لهم النّبي بالخروج من المدينة لينالوا قسطاً من الراحة والصحة حيث ترعى إبل الزكاة ويشربوا من ألبانها، ففعلوا ذلك وعادت إليهم عافيتهم.. ولكنهم بدلاً من أن يشكروا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و عمدوا إلى قطع أيدي وأرجل عماله على إبل الزكاة وثملوا عيونهم ثمّ قتلوهم وسرقوا الإبل وارتدوا عن الإسلام. فأمر النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بملاحقتهم والقبض عليهم وأن يفعل بهم ما فعلوا بعمّاله، أي : أن تقطّع أيديهم وأرجلهم وأن تشمل عيونهم ثم يقتلوا، ليكونوا عبرة للآخرين لئلّا ترتكب هذه الجرائم البعيدة عن الإنسانيّة.. فنزلت هذه الآية الجليلة وشرعت قانون الإسلام بهذا الصدد.
1- هذه الآية تكمل البحث الّذي بيّنته الآيات السابقة بخصوص فعل قتل النفس، وتبين عقوبة الأفراد المعتدين الّذين يشهرون السلاح بوجه المسلمين ويهددونهم بالموت والقتل ويغيرون على أموالهم وممتلكاتهم.
2- المحاربة - بمعناها اللّفظي - أمر محال بالنسبة إلى اللّه تعالى، فترانا مضطرين إلى القول
بأن المقصود بها هو معناها المجازيّ الّذي يشمل المخالفة لأحكام الشريعة والظّلم والإسراف.. والمراد من محاربة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الإتيان بعمل يؤدّي إلى إبطال أثر ولاية النّبي المصطفى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، مثل حرب الكفّار ضدّ النّبي والمسلمين، مضافاً إلى ما جاء في أحاديث أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وما يشهد به شأن نزول هذه الآية - نوعاً ما - أنّ المراد من محاربة اللّه ورسوله هو تهديد أرواح وأموال النّاس بالسلاح؛ سواء كان ذلك بقطع الطريق خارج المدن، أو إشهار السلاح ضد الأفراد وأرواحهم وأعراضهم وأموالهم في داخل المدن.. (1)وعلى هذا؛ فإنّ ما كان هجوماً يهدد الأمن الإجتماعي العام يكون مشمولاً بالمحاربة.. وكذلك عدت الآية أعلاه كلّ من يهاجم عباد اللّه عنواناً لمحاربة اللّه سبحانه وتعالى.. وهذا في حفظ الأمن من وجهة النظر الإسلاميّة..
3- المراد من الإفساد في الأرض؛ استعمال السلاح والتعدي على الحرمات والإخلال بالأمن عموماً.
4 - (الخزيّ) بمعنى ذهاب ماء الوجه والذلّة والفضيحة، والآية الشّريفة تقول بأن ألوان العذاب المذكورة هي فضيحة الإفساد والظّلم في الدنيا، أما العذاب الأخروي، فهو أعظم من ذلك بكثير، علماً أنّ العذاب الدنيوي لن يزيح العذاب الأخرويّ.
5 - المراد من قطع اليد وكما أشير إلى ذلك في الكتب الفقهية- تمّ بيانه بخصوص مورد السّرقة، أي : قطع الأربعة من أصابع اليد أو القدم (إنَّمَا جَزَاؤُا الّذينَ يُحَارِبُونَ اللّه وَرَسُولَهُ أن تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِنْ خِلَافٍ).
6- أنّ عقاب الّذين يهاجمون أرواح وأموال النّاس ويحاربون اللّه والرسول ويفسدون في الأرض؛ عبارة عن أربعة أشكال :
1) راجع: نفس المصدر، ج 7، ص 245 إلى 247.
الأوّل: أن يقتلوا.
الثّاني: أن يصلبوا.
الثّالث: أن تقطع أيديهم وأرجلهم بالشّكل المخالف (اليد اليمنى والرجل اليسرى).
الرّابع: النّفي عن الأوطان.
7 - سؤال: تصوّر فريق من المفسّرين أنّ حرف (أو) في الآية الشّريفة للتّخيير والإباحة. والمقصود من ذلك أن قائد العدل له أن يقتل هكذا مجرمين أو أن يصلبهم أو أن ينفيهم من الأرض؟
الجواب: صحيح أنّ الإشارة قد وردت في بعض الأحاديث إلى تخيير الحكومة الإسلاميّة في هذا المجال، ولكن التخيير هنا ليس بمعنى أنّ الحكومة الإسلاميّة بكونها مختارة دون الدّقة في اعتبار نوع وكيفيّة الجناية.. (1)ويبدو بعيداً أن مسألة القتل أو الصلب هي مرادفة للنّفي، وأنها في مستوى واحد، وإن تحديد نوع الجزاء منوط بنوع ودرجة الجرم ومحاربة ذلك الفرد، ولهذا؛ كان عقاب (المحارب) بمستوى الجناية المرتكبة، ومن هنا؛ إن قتل أحدٌ، وجب أن يُقتل به، وإن أضيف إلى القتل أخذ مال النّاس عنوة، وجب أن يصلب. وإن كانت الجناية أخذ أموال النّاس فقط، لزم أن تقطع اليد والرّجل من خلاف. وإن قطع المجرم الطريق على النّاس فحسب؛ وبثَّ الرّعب في قلوبهم، وجب تنفيذ عقوبة النّفي، وما يؤيد هذا المنحى من إنزال درجات العقوبة مضامين أحاديث عدة وردت عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) (2).
8 - لا ريب في أنّ ردّة فعل الإسلام الشديدة بخصوص المحاربين إنّما كانت لحفظ الدّماء البريئة والمنع من هجوم واعتداء الأفراد المحاربين والجبّارين والقتلة على أرواح وأموال
ونواميس النّاس الأبرياء.
9 - جملة (ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) الواردة في خاتمة الآية تبين حقيقة أن تطبيق الحدود وإنزال أشكال ودرجات العقاب الإسلاميّ لا يمنع من العقوبات الأخرويّة الهائلة الفظيعة.
إِلَّا الّذينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللّه غَفُورٌ رَّحِيمٌ (34)
1 - إنّ اللّه سبحانه وتعالى لم يغلق باب غفرانه ورحمته حتّى في وجود الّذين يحاربون اللّه ورسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، أو سعوا في الأرض والمجتمع فساداً، حيث أتاح لهم إمكانية العودة، وإن كانوا من قبل عتاة مجرمين، وذلك قبل أن يقبض عليهم، وأن تكون عودتهم ضمن إطار الإصلاح وفتح الصّفحة الجديدة في حياتهم.. فوعدهم اللّه تعالى بقبول التوبة والغفران والرحمة.
2- جملة (إِلَّا الّذينَ تَابُوا) تبين موضوعين:
الموضوع الأوّل : أنّ الإتيان بالتّوبة ينبغي أن يكون قبل إلقاء القبض عليهم، وإن كان بعد ذلك؛ صار المحارب المفسد عرضة للعقاب ولن ينفعهم شيء في الدنيا.
الموضوع الثّاني: بقبول توبة المحارب ترفع عنه عقوبة تهديد الآخرين بالسلاح دون عقوبة القتل أو سرقة ومصادرة المال، ولهذا يلزم رضا أولياء دم المقتول، أو رضا صاحب المال المسروق، إذ على السارق أن يعيد ما سرق للمسروق، أو أن يتنازل عنه هذا الأخير.. وجذوة القول أنّ توبة المحارب لها تأثير في إسقاط حق اللّه تعالى دون حقوق النّاس، إذ لا بدّ من إرجاعها إليهم، ولاريب أنّ جزاء المحارب أشدّ من جزاء القاتل أو السّارق العادي.
3 - من عبارة (إِلَّا الّذينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقدِرُوا عَلَيْهِمْ) يفهم أنّ العقوبة وحدّ المحارب يرفع عن التائب الّذي تاب قبل إلقاء القبض عليه وأن يكون قد ندم وعاد عن إجامه باختياره.
4 - يمكن أن يسأل: كيف يمكن إثبات تحقق التّوبة وهي أمر باطني؟
نقول لدى الإجابة: لإثبات التّوبة طرق متعدّدة، ونشير إلى صورتين منها:
ألف: شهادة شاهدين عدلين تُثبت سماعهما للتوبة، أو أنه قد تاب بلا جبر..
ب: أن يغيّر طريقة معيشته وحياته بالشكل الّذي تظهر عليه آراء وأمارات التّوبة (إِلَّا الّذينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللّه غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
5- للعقوبات الإلهيّة وجهة تربوية وبعداً إصلاحيّاً في الفرد والمجتمع، دون الانتقام، ومن هنا، كان على الجاني أن يتوب وأن تكون توبته مؤثرة واضحة في طريقة تفكيره وسلوكه..
6- على أساس هذه الآية فإنّ أثر التوبة يكون ويتحقق قبل إلقاء القبض على التائب (مِن قَبْلِ أَن تَقدِرُوا عَلَيْهِمْ).
7- ضمن لزوم تصديقنا وثقتنا بغفران اللّه (اعْلَمُوا أَنَّ اللّه غَفُورٌ رَّحِيمٌ) يجب أن نعلم أنّ المغفرة الإلهيّة قرينة بالرّحمة وليس التوبيخ والإذلال (غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
يَا أَيُّهَا الّذينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللّه وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35)
1- رسمت الآيات الماضية صورة واضحة عن الأحكام الإلهيّة بخصوص قتل الأبرياء وممارسة أفعال الشّقاء وإثارة الفتن والمحاربة، وها هو القرآن المجيد في هذه الآية الشّريفة يمارس النصح والموعظة للنّاس ويدعوهم إلى التقوى.
2 - أنّ (الْوَسِيلَةَ) لغة تعني إيصال النفس إلى شيء بالإرادة والرّغبة ممّا يبعث على التقرّب إلى جهة أخرى، وحقيقة الوسيلة إلى اللّه تعالى: مراعاة الطريق إلى اللّه تعالى بالعلم البيانيّ أولاً، وثانياً بالعبوديّة اللّه تعالى، وثالثاً بتلمس المكارم والعمل بمستحبّات الشريعة.
3 - (الوسيلة) في هذه الآية بمعنى : كلّ عمل وكلّ شيء يبعث على التقرب واقتراب العبد من ساحة الرّبّ المتعال.. وقد أحصى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أهم مصاديق الوسيلة، وذلك ضمن خطبة له في (نهج البلاغة) حيث قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):
"... ما توسّل به المتوسلون إلى اللّه سبحانه وتعالى الإيمان به وبرسوله، والجهاد في سبيله، فإنّه ذروة الإسلام وكلمة الإخلاص ؛ فإنّها الفطرة، وإقام الصلاة؛ فإنّها الملة، وإيتاء الزكاة؛ فإنّها فريضة واجبة، وصوم شهر رمضان؛ فإنّها جُنّة من العقاب؛ وحجّ البيت واعتماره؛ فإنّهما ينفيان الفقر ويدحضان الذنب، وصلة الرّحم؛ فإنّها مثراة في المال ومنسأة في الأجل، وصدقة السّرّ، فإنّها تكفّر الخطيئة، وصدقة العلانية فإنّها تدفع ميتة السوء وصنائع المعروف؛ فإنّها تقي
مصارع الهون..". (1)
4- لا علاقة بين العبد وربّه إلّا علاقة العبوديّة والتذلّل والرّجاء، وعلى هذا؛ يكون ابتغاء الوسيلة عبارة عن تحقق حقيقة العبوديّة في داخل الإنسان...
5 - الّذين خصوا الآية أعلاه ببعض هذه المفاهيم ليس لهم - في الحقيقة - دليل على تخصيصهم، لأنّ للوسيلة لغة مفهوماً واسعاً، ويعني كلّ ما من شأنه البعث على التقرب إلى الربّ العزيز، وكذلك إلى النّبي والإمام، وتتبع آثارهم وتقليدهم والاقتداء بهم، إذ هم المقربون والمقربون إلى ساحة القدس الإلهيّة... حتّى أنّ اللّه تعالى حين يقسم بمقام النّبي والإمام الّذي فهذا إشارة إلى العلاقة الإلهيّة بهم وأهمّيّة مقامهم ومنزلتهم.. كجزء من هذا المفهوم الواسع.
6- يفهم جيّداً من هذه الآية وآيات قرآنيّة أخرى أنّ الوسيلة هي تقديم مقام إنسان صالح بين يديّ اللّه تعالى ثم طلب شيء من اللّه بجاه ما لهذا الإنسان الصالح عنده.. ولا ممنوعيّة من ذلك ولا منافاة فيها مع التوحيد، كما نقرأ الآية (64) من سورة النساء (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) وكذلك الآية (97) من سورة يوسف حيث طلب أبناء يعقوب منه أن يستغفر لهم اللّه، وقد قبل يعقوب واستجاب لهذا القلب. وفي الآية (114) من سورة التّوبة ورد الحديث عن استغفار إبراهيم لأبيه.. مم يؤيد القول في التأثير الكبير لدعاء الأنبياء للآخرين.. وكذلك ثمّ آيات قرآنيّة عديدة تؤيد هذا الطلب.
7 - يفهم من روايات كثيرة جداً وردت من طرق الشيعة والمخالفين أنّ التوسل بمعنى اتّخاذ مقام إنسان صالح سبباً ووسيلة إلى اللّه تعالى وطلب شيء من الرب المتعال بما له من حقّ وجاه عنده سبحانه، وأنه لا إشكال في ذلك أبداً، بل إنّه فعل مندوب، وقد نقلت هذه الرّوايات في مصادر كثيرة، وها نحن نورد ستة نصوص من ذلك كنماذج وردت في الكتب
1) نهج البلاغة، ص 163.
المعروفة للمخالفين :
الحديث الأوّل : نقرأ في كتاب (وفاء الوفاء) للعالم السني المعروف؛ السهمودي أنّ طلب المدد والشفاعة عند اللّه من النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ومن مقامه وشخصه ؛ قبل خلقته وخلال حياته ولدى وفاته، وكذلك في عالم البرزخ والبعث والقيامة.. أمر مجاز. ثمّ إنّه نقل الرواية المعروفة بتوسل آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالنّبي المصطفى، وذلك عن عمر بن الخطاب أنّ آدم كان مطلعاً على خلقة نبي الإسلام في قادم الدّهور فخاطب ربّه سبحانه بالقول: "يا ربّ أسألك بحق محمد لما غفرت لي". (1)
الحديث الثّاني: ينقل في كتاب (وفاء الوفاء) حديثاً عن جماعة من الرّواة، منهم النّسائيّ والترمذي الشاهد في جواز التوسل بالنّبي في حال حياته، خلاصته؛ أنّ رجلاً ضريراً طلب من النّبي الأكرم اللّه أن يدعو له بشفاء مرضه، فأمره صلوات اللّه عليه وآله أن يدعو بالقول:
(اللّهم إنّي أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد! إني توجّهت بك إلى ربّي في حاجتي لتقضي لي، اللّهم شفّعه فيّ) (2).
الحديث الثّالث: بخصوص جواز التوسل بالنّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بعد الوفاة، روي أنّ رجلاً فقيراً مرّ بقبر النّبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في عهد عثمان، فصلّى ودعا قائلاً: (اللّهم إنّي أسألك وأتوجه إليك نبيّنا محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) نبي الرحمة يا محمد! إنّي أتوجه بك إلى ربّك أن تقضي حاجتي). (3)
الحديث الرّابع: من جملة الرّوايات الّتي ينقلها صاحب كتاب (التوصّل إلى حقيقة التّوسّل) وهو المتشدّد في التّوسّل.. قال : روى ابن حجر المكّي في كتابه (الصّواعق المحرقة) عن إمامه الشّافعيّ؛ إمام أهل السنة أنه كان يتوسل بأهل بيت النّبي (عَلَيهِم السَّلَامُ) وبقوله التّالي:
آل النّبي ذريعتي***وهم إليه وسيلتي
جو بهم أعطى غداً***بيد اليمين صحيفتي (1)
ضمن ذلك، نقل (26) حديثاً من مختلف الكتب والمصادر تؤكد جواز التّوسّل، رغم أنه حاول جاهداً جرح رواة هذه الأحاديث، ولكنّ الواضح في الأمر أنّ الرّوايات إذا تعددت واستفاضت وبلغت حد التواتر، لا يبقى ثمّ مجال للخدش في أسانيد الأحاديث.. وإنّ الرّوايات الخاصة بموضوع التوسل تفوق حدود التواتر في المصادر الإسلاميّة. (2)
الحديث الخامس: نقل مؤلّف كتاب (التوصّل إلى حقيقة التّوسّل) عن البيهقي أنّ قحطاً حصل في عهد عمر، فجاء بلال وجمع من الأصحاب قبر النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقال: "يا رسول اللّه ! استسق لأمتك... فإنّهم قد هلكوا...". (3)كما نقل عن ابن حجر في كتاب (الخيرات الحسّان) أنّ الشّافعيّ- إمام الشافعية - كان يذهب لزيارة قبر أبي حنيفة لما كان في بغداد ويتوسل به لقضاء حاجاته !!!. (4)
الحديث السّادس: للمؤلّف نفسه أيضاً، وكذلك في (صحيح الدّراميّ) عن أبي الجوزاء نقل أن قحطاً شديداً أصاب المدينة ذات عام، فشكا بعضهم أمرهم إلى عائشة، فأوصت أن تفتح فتحات من قبر النّبي اللّه لينزل المطر ببركة القبر الشّريف، ففعلوا ذلك، فنزل المطر شديداً. (5)
وفي (تفسير الآلوسي) نقل عبارات كثيرة من الأحاديث المذكورة، وبعد مزيد الدقة والتحليل وكثير التشدّد فيها، اعترف مضطراً وقال: بعد جميع هذه الأقوال، لا أرى مانعاً من
التوسل إلى اللّه بمقام النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سواء في حياته أو بعد وفاته، وأضاف بعد شرح غیر قصير قائلاً بهذا الصّدد: لا مانع من التوسل إلى اللّه بمقام غير النّبي، بشرط أن يكون له مقام عند اللّه حقاً. (1)
8 - بالالتفات إلى اتضاح موضوع الشّفاعة والتّوسّل بمقام رسول اللّه له وأهل بيته (عَلَيهِم السَّلَامُ) في المذهب الشيعي، مضافاً إلى الروايات العديدة الّتي لا حاجة إلى ذكرها، نشير هنا إلى ستّ نقاط مهمّة :
النقطة الأولى: واضح جدّاً أنّ المراد من التوسل ليس طلب الشيء من شخص النّبي أو الإمام على سبيل الاستقلال، وإنّما المقصود هو التوسّل - اتخذ الوسيلة - بالأعمال الصالحة أو بالنّبي أو بالإمام أو بشفاعتهم، أو بالقسم على اللّه تعالى بمقامهم (وهذا نوع احترام واهتمام بمقاماتهم باعتبار ذلك نوع عبادة) وهذا المعنى لا يحمل رائحة شرك، ولا هو مخالف لآيات قرآنيّة أخرى، ولا هو خروج عن عموم الآية أعلاه.
النّقطة الثّانية: البعض يصرّ على وجود فرق بين حياة النّبي والإمام وبين موتهما، والحال أنّه فضلاً عن الروايات المذكورة؛ وهي كثيرة، أنّ هناك روايات عديدة تتناول إباحة واستحباب وأرجحيّة التّوسل بهم بعد الوفاة أيضاً، إذ من وجهة نظر الفرد المسلم حقاً أنّ للأنبياء والأئمة حياة برزخيّة، حياة هي أوسع من عالم الدنيا، كما صرّح القرآن فيما يتعلّق بالشهداء، وتحريمه القول بأنهم أموات، بل لا بد من الإيمان بكونهم أحياء. (2)
النقطة الثّالثة: بعض آخر من النّاس يصرّون أيضاً على أنّ ثمّ فرقاً بين الطلب من النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وبين القسم على اللّه بحق مقامه فيجيزون طلب الدعاء دون غيره، والحال أنّه لا فرق منطقيّاً أبداً بين الأمرين.
النّقطة الرّابعة : هناك بعض العلماء وكتاب المخالفين، والوهابيّون منهم على وجه الخصوص يسعون بعناد بالغ إلى تضعيف جميع الأحاديث الواردة في موضوع التوسل والاستشفاع مضافاً إلى مواجهتها بإشكالات واهية ثم تناسيها والتغافل عنها، وهم يبحثون بهذا الصدد بحيث يشعر كلّ ناظر مستقل أنهم قد تبنوا في أنفسهم عقيدة مسبقة، ثمّ يعارضهم ويتبنّى وجهة نظر مخالفة، في حين أنّ كلّ محقِّق لا يستطيع تقبل هكذا بحوث غير منطقيّة متطرّفة.
النّقطة الخامسة : كما قلنا؛ فقد وصلت روايات حلّيّة التّوسّل حد التواتر، وكثرتها تغنينا عن التحقيق في أسانيدها، فضلاً عن وجود روايات صحيحة كثيرة بحيث لا يبقى في البين مجال لطرح الإشكالات تجاه الرّوايات الواردة في ذيل هذه الآية وتشير إلى أنّ النّبي" كان يقول للناس : اطلبوني من اللّه وسيلة.. أو ما روي عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أن الوسيلة هي ذات المقام الأسمى في الجنّة.. (1)ولا منافاة بين ذلك وبين التفسير الّذي قدمناه للآية، إذ كما أشرنا مراراً أنّ (الْوَسِيلَةَ) عنوان يشمل كلّ ما يقرب من اللّه تعالى.. وقرّب النّبي من الباري سبحانه، مضافاً إلى عنوان (الدّرجة الأسمى في الجنّة) أحد مصاديق ذلك.
9 - المقصود من (الجهاد في سبيل اللّه) في هذه الآية؛ مطلق الجهاد، وهو أعمّ من جهاد النفس وجهاد أعداء الإسلام، كما أنّ (الْوَسِيلَةَ) هي مطلق كلّ شيء يقرب الإنسان إلى ربّه. وورد الأمر بالجهاد في سبيل اللّه بعد الأمر باتخاذ وابتغاء الوسيلة إلى اللّه، وهو من باب الأمر بالخاص بعد الأمر بالعام للإيحاء باهتمام المتحدّث تجاه الأمر الخاص، كما أن الأمر بابتغاء الوسيلة بعد الأمر بالتقوى هو ذكر للخاص بعد العام.. لأن معنى الوسيلة أخص من التقوى.. إذ كم الّذين لهم تقوى، ولكنّهم لافتقارهم للوسيلة (ومصداقها الأعلى والأتم هو ولاية النّبي والأئمة
1) راجع: مناقب آل أبي طالب عليهم السلام، ج 4، ص 399.
(عَلَيهِم السَّلَامُ)) لا ينتهون إلى الفوز والتوفيق والفلاح، فيما الفلاح والتوفيق والفوز متوقف على ابتغاء الوسيلة إلى اللّه تعالى وعبادته. (1)
10 - يمكن أن يتمّ الجهاد باليد أو اللّسان، فيقول الفرد أو يكتب عن الحقائق بالنظر إلى أحكام اللّه عزّ وجلّ. ويمكن أن يحصل الجهاد باليد وبوسيلة السيف، وبإنكار الظّلم والمكر والذنب بوسيلة القلب.. وينبغي أن تكون جميع الأفعال الصالحة بدافع الطاعة اللّه سبحانه، وعلى أمل النّجاة والفلاح (وَجَاهدُوا فِي سَبِيلِهِ).
11- على المؤمن أن يعلم بأنّ مسار بلوغه الفلاح والفوز والتوفيق في دار الدنيا ليس بالأمر اليسير، وأن يعلم بأنّ لذلك ثلاثة شروط صعبة : مثل بلوغ التقوى عبر ترك الذّنوب وأنه ينبغي البحث عن كلّ فعل وكلّ شيء يؤدّي إلى الاقتراب من ساحة القدس الإلهيّ، وأن يكون جهاد النّفس والكفّار في سبيل اللّه دون تقصير وتهاون.. وبالنهاية ولدى تحقق هذه الشروط الثلاثة يمكن الحصول على التوفيق للسير في الدنيا ضمن طريق الفلاح (اتَّقُوا اللّه.. وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ.. وَجَاهدُوا فِي سَبِيلِهِ.. لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
1) واللّه تعالى هو الّذي عيّن وحدّد طبيعة هذه الوسيلة، وهي: أهل البيت عليهم السلام دون غيرهم. إذ اللّه هو الّذي يأمر العبد باتخاذ الوسيلة وهو الّذي يحدّدها..
إِنَّ الّذينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ، مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقْبِّلَ مِنْهُمْ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (36)
1 - تعقيباً على الآية السالفة الّتي أمرت المؤمنين بتقوى اللّه والجهاد في سبيله واتخاذ الوسيلة إليه، أشارت هذه الآية والآية الّتي ستليها إلى مصير الأفراد الّذين لا يؤمنون باللّه ولا يطيعون أوامره، فقالت: (إِنَّ الّذينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُم...).
2- مضمون هذه الآية ورد الآية (17) من سورة الرّعد أيضاً، وهذا بمثابة منتهى التأكيد على مسألة العقاب والعذاب باتّخاذ الإيمان والتقوى والجهاد والوسيلة مبدأ ومسلكاً.
3- ينبغي العلم بأنّ لا بديل عن التقوى والوسيلة الصالحة للوصول والتقرب إلى اللّه تعالى.. وأنّ الّذين يتجاهلون بكفرهم الوسيلة إلى اللّه وتقواه والجهاد في سبيله.. سيتمنون في يوم القيامة أن يكون لهم ما في الأرض جميعاً مضاعفاً ليدرؤوا عن أنفسهم عذاب ذلك اليوم.. إلّا أنه لا منجي لهم من ذلك العذاب الأخرويّ.
4- جميع الطرق للنّجاة في يوم القيامة ستغلق أمام الكافرين الّذين لا نصيب لهم من الرحمة الإلهيّة، لأنّ هذه الرّحمة سيختص بها أهل التقوى (َرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ). (1)كما أنّ الكافرين لن ينهلوا من الشفاعة، إذ الشفاعة آنذاك مخصوصة بالّذين
1) سورة الأعراف / 156.
رضي اللّه تعالى عنهم (لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا) (1)إضافة إلى أنه لا موت في يوم القيامة، لأنّ مقامهم سيكون أبدياً في النار (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ) (2).
5- لن تقبل الفدية في يوم القيامة (لِيَفْتَدُواْ.. مَا تُقْبِّلَ)
6- لن يكون ثمّ أثر يذكر أو تأثير يشار إليه للأموال في الآخرة كما كان لها في دار الدنيا (...مَا تُقْبِّلَ).
العامل الرئيس والأصل للسعادة هو (الإيمان والتقوى والجهاد) وليس (المال والثّروة) المؤثّرة في مجاله الخارجيّ (لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا.. ما تُقبل منهم).
يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ (37)
1- يجب أن نعلم أنّ الإنسان وعلى فطرته يتألم من احتراقه بالنار؛ سواء في دار الدنيا أو في العالم الآخر، وأنه لن يأتي ذلك اليوم الّذي لا ينزعج ولا يتعذب يشعر بالعذاب بالنار، وأنه لا يتقاعس ولا يحاول التخلص من النار والخروج منها (يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ).
2- رغم السعي الحثيث الّذي يبذله الكافرون للخلاص من النار الجهنمية، إلّا أنّ ذلك لا يكون لهم حيث سيخلّدون فيها أبداً (وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ).
3 - كما أن أعمالنا الصالحة ستخلق لنا الجنّة في الدار الآخرة، كذلك هي أعمالنا السيئة ستكون السبب في عذابنا وستوجد لنا نار القيامة، وأنّ العامل الوحيد القادر على إبعادنا عن النّار هو الإيمان والتقوى.
4- لا يدفع عذاب الكافرين بفدية، ولا يقطع بمرور الزّمان (وَمَا هُم بِخَارِجِينَ).
5 - الّذي لا يخرج عن دائرة الجهل مع كلّ ما يصله من البراهين، لن يخرج عن عذاب النار في الآخرة (لَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ).
وَالسَّارِقُ وَالسَارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءَ بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللّه وَاللّه عَزِيزٌ حَكِيمُ (38)
1- ال-(واو) الواقعة في مبدأ الكلام واو استئنافية، بمعنى الحديث عن مطلب جديد.. والمطلب هنا يتناول حكم الشخص السّارق والسّارقة.
المراد من (اليد) هنا هو العضو المعروف في بدن الإنسان، والّذي حدّدته الروايات باليد اليمنى (1)، وقطعها من الكتف أو القسم منها صادق عليه.
3 - (القطع) قطع بآلة حادّة. و(الجزاء) حال في الجملة، بمعنى: في حال قطع اليد كونه عقاباً مقابل الفعل السيئ الّذي ارتكباه - السّارق والسارقة - فيكون هذا القطع عذاباً مقرّراً من قبل اللّه تعالى.
4- كلمة (نكال) تطلق على العقوبة لتكون عبرة للآخرين بحيث تكون صادة ومانعة للمجرم ليكفّ عن جرائمه، ويعتبر الآخرون برؤية ما لحق به من العذاب.
5- وفي خاتمة الآية ولدفع أي شبهة في أن تكون العقوبة عقوبة غير عادلة قالت الآية: (وَاللّه عَزِيزٌ حَكِيمُ) وعليه؛ لا دليل أن ينتقم من أحد أو أن يعاقبه بلا حكمة.
6- ذكرت الآية وأشارت إلى السّارق الرّجل ثمّ إلى المرأة السارقة، ولكن الآية الثّانية من السّورة الّتي تطرقت إلى حكم الزنا وذكرت المرأة الزانية بدءاً ثم ذكرت الرجل.. ولعل ذلك أنّ السارق يكون في الغالب رجلاً دون المرأة.
1) دعائم الإسلام، ج 2، ص 469.
7- طبقاً للفقهاء، فإنّ هذه الآية الشّريفة الّتي تبيّن حدّ السارق من اليد؛ لم تفصل القول في كيفيّة القطع، غير أنّ السنة النّبويّة ومجمل روايات أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) قد حدّدت قطع اليد بأربعة أصابع دون الإبهام وباطن الكفّ. (1)
8 - في مقدار وكيفيّة القطع ثمّ التفاوت في الآراء :
طبقاً لآراء أكثر فقهاء المخالفين، فإنّ القطع ينبغي أن يكون من المعصم.. وكنموذج لذلك، وجدنا الشافعي يقول بقطع اليد اليمنى من السارق في المرة الأولى، وللمرة الثّانية تقطع القدم اليسرى، ثمّ اليد اليسرى في المرّة الثّالثة، وللمرّة الرّابعة تقطع القدم اليمنى، وللمرّة الخامسة يلقى إلى السجن، أما أبو حنيفة فيذهب إلى عدم القطع في السّرقة الثّالثة.
أما فقهاء الشيعة؛ فذهبوا إلى قطع الأصابع الأربعة من يد السارق في المرة الأولى دون الإبهام وباطن الكف. وفي المرة الثّانية تقطع الرجل اليسرى من أصل الساق دون مؤخّر القدم، وفي المرة الثّالثة يلقى السارق سجيناً مدى الحياة. (2)
وهذا الرأي مشهور بين فقهائنا، بل عليه الإجماع، رووا ذلك عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3)، وفضلاً عن الإجماع؛ فقد استدلوا بهذه الآية؛ حيث يمكن القول: إنّ المراد من اليد وقطعها؛ هي الأصابع، لأنّ القرآن يقول (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم) (4)ومعلوم أن الكتابة تتمّ بواسطة الأصابع، ولذا؛ إذا ما قطعت أصابع السّارق؛ فكأنما قطعت يده.
9 - سؤال : نقلاً عن بعض التواريخ، فقد طرح السائل موضوع سؤاله بقالب شعريّ من العالم الكبير المرحوم السّيّد المرتضى علم الهدى (علماء القرن الخامس الهجري) بالشكل التّالي:
ید بخمس مئين عسجد وديت***ما بالها قطعت في ربع دينار ؟!
فأجابه السيد الشريف المرتضى بهذا البيت بقوله:
عزّ الأمانة أغلاها وأرخصها***ذلّ الخيانة فافهم حكمة الباري
[ وطبعاً لا بد من الالتفات إلى أنّ الخمس مئة دينار إذا ما قطعت الخمس أصابع. أما المطابق للفقه الشّيعي؛ فإنّ ما يصح قطعه هو أربعة أصابع فقط في السّرقة].
10- الّذي يفهم من مجموع الروايات أن تنفيذه هذا الحدّ الشرعيّ (قطع اليد) له شروط كثيرة، فلا يصح التنفيذ دون تحقق الشروط وتوفّرها، ومنها:
أن يكون الشيء المسروق يعدل ربع دينار على الأقل والدّينار هو عبارة عن مثقال ذهب مسكوك، والمثقال الشرعيّ يعدل - 18- حمّصة، أي ثلاثة أرباع المثقال المتداول)(1).
أن تكون السّرقة من مكان محفوظ ومصان مثل البيت والدكان والجيوب الداخلية للملابس.
أن لا تكون السّرقة في عالم قحط أو مجاعة، ولم يكن مناص من التخلّص منها (2).
أن يكون السّارق عاقلاً بالغاً مختاراً (3).
ليس لسرقة الأب من مال ولده(4)، أو الشريك من مال الشركة حكم في قطع اليد.
سرقة الفاكهة من أشجار البستان مستثناة من القطع (5).
تستثنى من حكم القطع جميع الموارد الّتي يحتمل حصول الشبهة للسارق بين ماله
ومال الآخرين (1).
أن لا يكون السارق مهدداً مجبراً على فعل السّرقة. (2)
أن يكون السارق ملتفتاً إلى كون المسروق مال الغير.
أن يعمد السارق لوحده أو بإعانة غيره إلى هتك الحرز... (3)
أن لا يكون السارق مضطراً.
أن لا يكون حرز وموضع حفظ المال مغصوباً سلفاً من السّارق. (4)
أن يسرق السّارق ويكون عنوان فعله سرقة.
أن لا يكون المال المسروق من أموال الدّولة أو الوقف وأمثال ذلك ممّا لا مالك شخصيّاً له.
وهناك شروط أخرى ينبغي توفّرها كما ذكرت كتب الفقه في السّارق والسّرقة والمسروق؛ قبل إجراء الحد.
11- لا ينبغي الاشتباه بأنّ المراد من ذكر الشروط أعلاه أنّ السّرقة لا تكون حراماً إلّا عند اجتماع هذه الشروط، بل المقصود هو أن تنفيذ حدّ السّرقة مخصوص بتحققها، وإلا فإن السّرقة كيف ما كانت وكم كانت مساحتها هي فعل حرام في الإسلام.
12 - السّرقة الموجبة للحدّ تثبت بإحدى الطّرق أدناه:
شهادة رجلين عدلين.
إقرار السارق مرّتين في محضر القاضي، بشرط أن يكون المقرّ بالغاً وعاقلاً وقاصداً ومختاراً.
إن أقر السارق مرة واحدة بالسرقة عند القاضي، وجب أن يسلّم المال المسروق لصاحبه؛ أمّا الحدّ فلا ينفذ فيه.
13 - ينفّذ حدّ السّرقة ضمن الشروط التالية:
إذا ما شكاه صاحب المال عند القاضي.
أن لا يكون صاحب المال قد عفا عن السارق قبل الشكاية.
أن لا يكون المال المسروق وقبل ثبوت الجرم عند القاضي قد انضم إلى ملك السّارق بشراء وأمثاله.
أن لا يكون السارق قد تاب عن ذنبه قبل ثبوت الجرم.
14 - أشكل بعض المسلمين وكثير من مخالفي الإسلام بأنّ هذه العقوبة الشرعيّة الإسلاميّة بالغة الشّدّة، إذ لو أريد أن يطبّق هذا الحكم - القطع - في عالمنا المعاصر؛ للزم أن تقطع كثير من الأيدي، مضافاً إلى أن تنفيذ هذا الحكم سيتسبب أن يعيش الشخص المحدود الفضيحة طيلة عمره، فضلاً عن فقدانه عضواً واضحاً من أعضاء بدنه !!
يلزم الالتفات إلى الحقيقة التّالية لدى الإجابة على هذا الإشكال:
أوّلاً: أنّ تنفيذ هذا الحكم متوقف على توفّر الشروط العسيرة التحقق، فهي لا تطبّق على سارق.. وإنّما الّذين يُنفّذ حدّ السّرقة عليهم هم مجموعة من السّرّاق الخطيرين المشمولين بالحكم بصورة رسمية.
ثانياً: بالنظر إلى أنّ إثبات الجرم في الإسلام له شروط خاصة، فهذا يستدعي التقليل في حالات تنفيذ الحد.
ثالثاً: أنّ كثيراً من الإشكالات الّتي يطرحها قليلو الاطلاع على قوانين الإسلام بداعي قراءتهم لهذا القانون أو ذاك بشكل مستقِّل وبعيداً عن سائر الأحكام الأخرى. وبعبارة أخرى؛
أنّهم يفرضون هذا الحكم في مجتمع غير مسلم مئة في المئة. ولكننا إن التفتنا إلى كون هذا الحكم ليس الوحيد في الإسلام، وإنّما الإسلام مجموعة من الأحكام يؤدّي تحقيقها وتنفيذها في مجتمع ما إلى تحقيق العدالة الإجتماعيّة ومناهضة الفقر وإرساء سبل التعليم والتربية الصحيحة والكافية والاطلاع والنّهضة والتقوى. ممّا يؤكّد أنّ المشمولين بحكم السّارق سيتضاءل عددهم.. وليس المراد ممّا قدمنا أنّ هذا الحكم لا ينبغي تنفيذه في المجتمعات المعاصرة، بل لا بد من التحقيق والدقة في جميع الجوانب حين إبداء الرأي. والخلاصة هي أنّ الحكومة الإسلاميّة موظفة في توفير المستلزمات الأولية والأساسية لجميع أفراد الأمّة، وأن توفّر لهم سبل التعليم والتربية الأخلاقيّة.. ومعلوم أنّ هكذا بيئة سيقل فيها عدد
الأفراد المتخلفين..
تبصرة:
إن حدّ السّرقة بعد ثبوت الجرم لا يسقط بالتوبة، وإنّ العفو عن السّارق غير جائز..
فَمَن تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ، وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّه يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّه غَفُورٌ رَّحِيم (39)
1- قول فقهاء الشيعة المشهور أنّ السّارق إذا تاب قبل ثبوت السّرقة في المحكمة الإسلاميّة؛ سقط عنه الحدّ أمّا إنّ ثبت جرمه بشاهدين عادلين؛ لم يسقط الحد عنه بالتوبة.
2 - التوبة توبتان :
توبة اختياريّة؛ بمعنى أنه إذا تحقّقت قبل ثبوت الجرم في المحكمة، وقبل رؤية العذاب بالندم والانزعاج من الذّنب، وعوّض السّارق على النّاس أضرارهم، وعزم على عدم العود للذنب، وكانت توبته في الحقيقة توبة تنتهي إلى ما أرادته الآية الشّريفة وأشارت إليه، حيث تقع قبل ثبوت الحكم في المحكمة.. فإنّها توبة قيّمة يعتدّ بها، وتوجب إسقاط حدّ السّرقة.
توبة اضطراريّة، مثل التّوبة الحاصلة حين مشاهدة العذاب الإلهى أو أمارات الموت، أو كالمذنب المجرم الّذي يظهر التّوبة خوفاً وهلعاً من العقوبة وإنزال العذاب به، في حين أنه لم يندم بقلبه.. فهذه التوبة لا توجب إسقاط عقوبة تنفيذ الحدّ الشرعيّ به، إذ لو قبلت هكذا توبة؛ لم يبق مورد لتطبيق الحقّ على المقصّر !
3 - جملة (إِنَّ اللّه غَفُورٌ رَّحِيم) تبيّن حقيقة أنّ اللّه سبحانه وتعالى لا يغفر للمذنب فحسب؛ وإنّما ينظر إليه نظرة رحيمة أيضاً، في حين أنّنا نحن البشر قد نصفح عمّن يسيء إلينا دون أن نعامله أو نظر إليه نظرة حانية رحيمة.
4- يمكن أن توحي عبارة (إِنَّ اللّه غَفُورٌ رَّحِيم) يأته مع تنفيذ حدّ السّرقة وإنزال العقوبة الإلهيّة بالسارق لتكون له بمثابة الفرصة للعودة عن خطيئته، وفي هذه الحالة حيث يصلح نفسه ويتوب بعد إرجاع المال لصاحبه؛ فلا يعاود الخطيئة، فيغفر اللّه تعالى له برحمته ويقبل توبته؛ لأنّ اللّه غفور رحيم.
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّه لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّه عَلَى كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (40)
1- هذه الآية المباركة تبيّن علّة سؤال يمكن أن يطرأ على ذهن أحدهم بخصوص حكم الآية السالفة فيقول : لماذا وكيف تقبل توبة السارق بعد إصلاحه نفسه؟!
ولدى الإجابة يقول تعالى: لأنّ اللّه مالك السماوات والأرض، فهو – سبحانه - له أن يتصرّف فيما يملكه، فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، والأمران منوطان ومبنيان على أساس الحكمة والمصلحة، ولهذا؛ فقد جرت الحكمة الإلهيّة في أن يكون لمالك الوجود المطلق أن يعذّب السّارق غير التّائب، وإن تاب غفر له، لأنه قادر على كلّ شيء (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّه لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ... وَاللّه عَلَى كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
2 - سؤال : لماذا قدّم اللّه تعالى في هذه الآية الجزاء والعذاب على الغفران؟
الجواب: لأنّ مورد الآية وموضوعها هو عذاب الفرد المذنب المرتكب لجريرة السّرقة، ولأنّ
ارتكاب الجرم وقع قبل طلب المغفرة؛ فقدّم ذكر العذاب قبل المغفرة.
3 - كلمة (لِمَن يَشَاءُ) في هذه الآية شاملة للمذنب الّذي جعل نفسه في مقابل حكمة اللّه المتعال في العذاب وعدمه، كما هي شاملة للتائب الّذي عرض نفسه على حكمة اللّه في قبول التوبة وعدمها.
4- سؤال: ما هي وجهة الخطاب الرباني والسؤال القرآني القائل (أَلَمْ تَعْلَمْ)؟
هنالك احتمالان لدى الإجابة على هذا السؤال:
الاحتمال الأوّل: وجهة الخطاب المتقدّم في الآية الشّريفة هي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فيما المقصود منها وبها هي مجموع أفراد النّاس، كما قوله عزّ وجلّ: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ...) (1)وهذا الاحتمال أقوى، لأنّ النّبي مبيّن الأحكام ومنفّذ الحدود الإلهيّة.
الاحتمال الثّاني: أنّ الآية تخاطب الأفراد المؤمنين، وكونها حقيقة أنّ جميع المقرّرات والوعود والتحذيرات القرآنيّة صحيحة، وعليه؛ فانتبهوا إلى أنّ مالكيّة السّماوات والأرض شأن إلهيّ محض، واللّه هو الّذي يتحكّم ويتصرّف في ملكه كيف يشاء؛ فلا تتطفّلوا ولا تمنعوا من تنفيذ تلكم المقررات والأحكام...
5- على المجرمين أن يعلموا أنه لا مفرّ لهم من حكومة الرّبّ القدير، وأنّ عليهم العود إليه (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّه لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
6 - اللّه سبحانه غني عن توبة العباد، لأنّ له ملك السماوات والأرض.
7- ينبغي أن يتوسط الإنسان حالّتي الخوف والرجاء (يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ).
8 - العفو أو العذاب مصداقان من مصاديق القدرة الإلهيّة (يُعَذِّبُ.. يَغْفِرُ.. عَلَى كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
1) سورة الطلاق / 1.
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الّذينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الّذينَ قَالُوا ءَامَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُم وَمِنَ الّذينَ هَادُواْ سَمَّاعُون لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَن يُرِدِ اللّه فِتْنَتَهُ، فَلَن تَمْلِكُ لَهُ مِنَ اللّه شَيْئًا أَوْلَئِكَ الّذينَ لَمْ يُرِدِ اللّه أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41)
أصحّ رواية وردت في شأن نزول هذه الآية؛ وردت عن مولانا الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذ قال إن أحد شخصيات اليهود المرموقة في خيبر اقترف خطيئة الزنا وقد كان محصناً، ولكي يتهرب واليهود من حكم الرّجم الوارد في التّوراة، راحوا يفتشون عن طريقة حلّ مع تظاهرهم بالتعصب لأحكام كتابهم فأرسلوا إلى بعض يهود المدينة وسألوهم عمّا إذا كان في الإسلام قانون أخف وطأة من حكم الرجم ليعملوا به، وإلّا تجاهلوا أمر الرجل الزاني الّذي افتضح في قومه بخيبر..
فبادر جمع من يهود المدينة إلى سؤال الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بهذا الشأن.
فقال لهم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): هل تقبلون بما أحكم ؟
قالوا: ولهذا جئناك يا محمد!
فحكم اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بأن يُرجم لكونه زان محصن، غير أنّ اليهود لم يرق لهم الأمر بداعي أنّ التّوراة خليّة من هذا الحكم. فأكّد لهم النّبي أنّ حكمه مطابق لما ورد في توراتهم، وعرض عليهم أن يختار واحداً منهم حكماً على أن يقبلوا بما حكم.
فقالوا: نعم الرأي رأيك!
فسألهم بالقول: إنّ ابن صوريا يعيش في فدك فكيف ترون علمه؟
فقالوا: إنّه أعرف اليهود بالتّوراة. ثمّ أرسلوا وراءه حتّى حضر بين يدي النّبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الّذي قال له:
أقسم عليك باللّه الأحد الّذي أنزل التّوراة على موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وفلق البحر لخلاصكم وأغرق فرعون عدوّكم ورزقكم في الصحراء.. ألم ينزل في التّوراة حكم الرّجم للزاني المحصن؟
فقال صوريا : القسم الّذي أقسمت به علي يضطرني إلى أن أقول: نعم ؛ قد ورد حكم الرّجم للمحصن الزّاني!
فقال النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : لم تحجمون عن تنفيذ هذا الحكم؟
فقالوا: كنّا فيما سلف نحدّ عوام أفرادنا دون أغنيائنا وأشرافنا، فشاعت هذه الخطيئة في مترفينا حتّى فعلها ابن عمّ لأحد زعمائنا، فصرفنا النظر عن معاقبته، وصادف أن فعل هذه الخطيئة أحد العوام منا، وحين أرادوا رجمه مانع أقرباؤه وقالوا: إن كان لا مناص من رجمه، فليرجم الرّجلان معاً.. فجلسنا وصدّقنا قانوناً أخفّ وطأة من الرّجم، وأن نجلد كلّاً منهما أربعين جلدة ونسوّد وجهيهما ونركبهما دابّتين نطوف بهما في الشّوارع والأزقّة.
فأمر النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إذ ذاك أن يرجم ذلك الرّجل والمرأة المحصنين أمام المسجد، وقال:
اللّهم إنّي أوّل من أحيا حكمك بعد أن أماته اليهود.. فنزلت هذه الآية وبينت الواقعة المذكورة بشكل موجز.. (1)
1 - يفهم من هذه الآية والآية بعدها أنّ لقضاء الإسلام الحقّ - وضمن شروط وحالات خاصّة - أن يحكموا في جرائم وجنايات غير المسلمين أيضاً، وسيأتي شرح ذلك في هذه الآيات لاحقاً.
2 - بدأ هذه الآية بمخاطبة النّبي بالقول: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ) وهذا الخطاب وهذا التعبير لم يرد إلا في موضعين من القرآن، الأوّل في هذه الآية، والثّاني في الآية 67 من هذه السّورة حيث طرحت مسألة الولاية والخلافة.. وكأنهما إشارة إلى أهمية الموضوع ودرء الخوف من الأعداء، وإثارة للمسلمين وتقوية إرادتهم وبيان لضرورة التزام الاستقامة.
3 - ثمّ إن الآية طيبت خاطر النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كمقدمة لإلقاء الحكم التالي، وهو أن لا يعجب النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إزاء نفاق اليهود وازدواجية نفوسهم ومواقفهم، وهم الّذين يدّعون الإيمان وقلوبهم منه خواء بل ويتنافسون في الكفر، ولذا: (لَا يَحْزُنكَ الّذينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الّذينَ قَالُوا ءَامَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُم).
4- يذهب البعض إلى أن عبارة (يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) متفاوتة مع القول: (يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) إذ العبارة الأولى تطلق على من هو كافر أصلاً ويسارع ضمن دائرة كفره ويتسابق مع غيره في الكفر، أما العبارة الثّانية فهي تفرض شخصاً غير كافر ثمّ يسارع وينطلق إلى الكفر.
5 - بیان ستّ صفات للمنافقين واليهود في مقابل نبي الإسلام:
الصفة الأولى: جملة (سَمَّاعُون لِلْكَذِبِ) لها احتمالان في التفسير:
الأوّل: أنّهم كثيرو السماع لخطابك، إلا أنّ هذا السماع ليس للإطاعة، وإنّما للبحث عمّا
1) مجمع البيان، ج 3، ص 299 و 300.
يعينهم على تكذيبك والافتراء عليك.
الثّاني: أنهم يسمعون لأكاذيب قادتهم، دون أن يكونوا على استعداد لتقبل خطابك.
الصفة الثّانية: أنّهم مطيعون وسمّاعون لأوامر زعمائهم دون أوامرك، وأنهم لم يقصدوا بالمجيء إليك قبول الحقّ من عندك. وفي هذه الحالة، لا ينبغي أن تكون مخالفتهم ومعارضتهم مصدر ازعاج لك لأنّهم إنّما يحضرون عندك لاتهامك بالكذب، وهم في الحقيقة أشبه بالجواسيس عليك (سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ).
الصّفة الثّالثة : أنّهم سمّاعون مطيعون لأوامر مجتمعهم، وأمرهم هو: إذا سمعوا حكماً منك موافقاً لرغباتهم وميولهم قبلوه، وإن لم يكن كذلك خالفوه، ولهذا؛ تراهم يحرفون كلام اللّه (وقد يكون التحريف هذا لفظياً أو معنويّاً) ثمّ إنّهم يبررون ميولهم المجانبة للحق عند كلّ حكم يسمعونه وكان معارضاً لرغباتهم أو يردّوه برمته (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ).
الصّفة الرّابعة : أنّهم قبل مجيئهم إليك كانوا قد اتخذوا قرارهم، إذ كان زعماؤهم قد أمروهم فيما لو أصدر محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حكماً موافقاً لما يرغبون ويميلون؛ فلهم أن يقبلوه، وإن كان حكمه مخالفاً لأهوائهم؛ فعليهم أن يرفضوه (يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا.
الصّفة الخامسة: أنهم قد انغمسوا في الضّلال وتحجّرت أذهانهم و أفكارهم إلى الحدّ الّذي صاروا فيه يردّون كلّ ما عارض ميولهم بلا أدنى مطالعة وتحقيق، وبهذا؛ لم يبق ثم أمل في هدايتهم.. واللّه يريد بذلك أن يعاقبهم ويفضحهم، وإنّ من أراد اللّه فضحه وعقابه، فلست قادراً عن الدفاع عنه (وَمَن يُرِدِ اللّه فِتْنَتَهُ، فَلَن تَمْلِكُ لَهُ مِنَ اللّه شَيْئًا).
الصّفة السادسة : أنّهم قد تلوّثوا بالضّلال إلى الحد الّذي لا ترجى لهم طهارة وتطهير ومن هنا؛ صاروا من الّذين لا يريد اللّه سبحانه تطهير قلوبهم (أَوْلَئِكَ الّذينَ لَمْ يُرِدِ اللّه أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ).
6- طبقاً للحكمة الإلهيّة، فإنّ عودة ونجاة وتوبة هؤلاء الّذين انغمسوا في الضلال والنّفاق
والكذب ومخالفة الحقّ والحقيقة وتحريف القوانين الإلهيّة طيلة أعمارهم بإرادتهم أمر غير ممكن في الغالب.. وهم سيفتضحون في الدنيا ويذلون، وسيعرضون للعذاب العظيم في الآخرة (لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَ إِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إنَّ اللّه يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42)
1- اليهود وبفعل أكلهم المال الحرام والباطل وأخذهم الرشي، لم تعد لهم آذان يسمعون بها النداءات الإلهيّة الحقّة، بل تراهم يحرصون كلّ الحرص على سماع أكاذيب زعمائهم، مضافاً إلى الحرص على تكذيبك - أيها الرسول- فيما يسمعون منك (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ).
2- صفات سماع الكذب وآكل الحرام وآخذ الرّشوة أوصاف شاملة لجميع اليهود. أمّا الجملة الأولى (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ) فهي صفة لليهود الّذين جاؤوا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وتظاهروا باستفتائه لمعرفة الحكم الحق. وأما الجملة الثّانية (أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) فوصف لأولئك العلماء الّذين أخذوا الرّشى ليغيروا حكم التّوراة.
3- تكرار كلمة (سَمَّاعُونَ) في آيتين متتاليتين إشارة إلى أن منهج الأكاذيب قد تكرّس فيهم شيئاً فشيئاً، حتّى أضحى علماؤهم يتظاهرون ويراؤون للتغطية على كذبهم في الرّغبة بسماع الحقّ، ولكنّهم بعد أخذهم الرّشى راحوا يحرفون الحقائق، فيما العوام منهم وأتباعهم حرصوا على سماع الأكاذيب عنهم..
4- (السّحت) القشرة الّتي ترمى بعيداً، وهذا الشحت يشمل أعمالاً تجعل من دين آكله ومروئته بمثابة القشرة الّتي ترمى بعيداً ولا قيمة لها، وكذلك يقصد به کل مال حرام، كما ورد عن النّبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن كلّ لحم نما من السحت حقيق بالنّار (1)، ولهذا؛ سمّيت الرشوة سحتاً.
5- هذه الآية تدلّ على أنّ المعيشة المسالمة والآمنة للمسلمين مع أهل الكتاب تكون حين يأتون للنّبيّ ليحكم بينهم.
6- وردت ثلاثة تعاريف لمصطلح السحت وأكل الحرام
التّعريف الأوّل: يذهب البعض إلى أن أكل الحرام قد سمّي سحتاً لما يلحقه من العذاب العظيم.
التعريف الثّاني: سمّي مال الحرام سحتاً باعتباره فارغ المحتوى والبركة ولكونه يجرّ الدّمار.
التعريف الثّالث: لأنه فعل قبيح ومخز وبعيد عن المروءة ويدمر شخصيّة الإنسان وقدراته المعنويّة..
7- يفهم من رواياتنا وعلى أساس جملة (فَاحْكُم.. أَوْ أَعْرِضْ) أنّ أئمة الحقّ وقضاة العدل وحكّام الشرع مخيّرون في أن يحكموا بين أهل الكتاب أو لا يحكموا... (2)
8- لا ريب في أنّ قبول النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الحكم بين أهل الكتاب وعدم قبوله منوط بالمصلحة الّتي يراها، إذ هو بعيد كلّ البعد عمّا يسمّى بالرّغبة الشخصيّة والميل النفسيّ وهذا يعني أنّ اللّه تعالى ينبئ نبيه بأنّه إذا رأى المصلحة في الحكم بينهم أو رأى الإعراض عنهم.. فإنّهم لن يلحقوا به ضرراً.. وإذا ما رأى الحكم بينهم؛ فينبغي أن يكون الحكم على أساس القسط
والعدل، لأنّ اللّه يحبّ العادل المقسط.
9- المسائل القومية والجغرافية والفرقيّة والميول الشخصيّة لا ينبغي أن تؤثر في عمليّة القضاء وإصدار الحكم.
10 -العدالة تجاه أيّ جماعة؛ قيمة يرضى بها الرّبّ المتعال، ولذا؛ إن أردت القضاء فيهم؛ ؛ فلا بد أن يكون طبق أصول العدالة، لأنّ اللّه يحبّ الأفراد العدول العادلين (إِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إنَّ اللّه يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).
11- قد كثر البحث والاختلاف بين المفسّرين بخصوص تخيير الحاكم الشرعيّ في الحكم بأحكام الإسلام بين غير المسلمين، أو أن يغض الطرف عن قبول الحكم فيهم.. وما إذا كان الحكم قد نُسخ أو بقي على قوته...
وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّه ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43)
1- العجب في أنّهم – اليهود - لم يكونوا يعتبرون التّوراة كتاباً منسوخاً، بل كانوا يعدّون الإسلام ديناً باطلاً، ومع ذلك؛ فقد جعلوا ما في التّوراة من أحكام لا تتطابق وميولهم وراء ظهرانيهم، وراحوا يبحثون لأنفسهم عن أحكام توافق رغباتهم مع كلّ الضرر الّذي تتضمنه.. والأعجب من ذلك أنّهم بعد اختيارهم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حكماً بينهم، لم يقبلوا حكمه وقضاءه الّذي كان بدوره موافقاً لحكم التّوراة، وذلك حين رأوه مخالفاً لنزواتهم..
2- تصدق هذه الآية وجود بعض الأحكام في التوراة ما يوافق الأحكام الإلهيّة الحقّة.
3 - الحقيقة هي أنهم في الأصل لا إيمان لهم، وإلّا ما كانوا لينظروا إلى أحكام اللّه تعالى ويتلاعبوا بها، ولو أنّهم أرادوا التسليم للحق لرضوا بما عندهم من حكم التّوراة في هذه القضيّة أو تلك. وعليه؛ فإنّ من البديهيّ أنّهم حين جاؤوك - يا رسول اللّه- اعتبروا حكمك المطابق للتّوراة في حكمها الصحيح حكماً باطلاً لا يناسبهم، لطبيعة إعراضهم عن الحقّ وعدم إيمانهم باللّه والتسليم لحكمه..
4 - يمكن أن يأتي من يستشكل قول الآية بأنّ حكم اللّه سبحانه قد ذكر في التوراة، والحال أنّنا نستوحي من آيات القرآن والوثائق التاريخية وجود التحريف في التّوراة.. وأنّ هذه التّوراة المحرّفة قد كانت على عهد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ؟
ولكن ينبغي الالتفات إلى أننا لا نعد التوراة كلّها محرّفة، وإنّما التحريف قد وقع على قسم منها.. وقد صادف أنّ حكم رجم الزاني المحصن لم يكن من الأحكام التوراتية الّتي تعرّضت للتّحريف، وقد حواه الفصل الثّاني والعشرين من سفر التثنية في التّوراة الحاليّة. هذا أوّلاً.
وثانياً: التّوراة مهما تكن؛ فهي الكتاب السماوي المقدّس لدى اليهود؛ وهي كتاب مقدّس برأيهم.. وعلى هذا؛ أليس عجيباً أن يعرضوا هم عن العمل بها؟!
5- إحدى المعاجز العلمية لرسول الإسلام (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حكميته بين اليهود، ممّا يؤكّد ويشير إلى أحقّيته دعوته ورسالته، وذلك أنه ومن دون قراءته التّوراة أو تلقّيه العلوم التّوراتيّة ومفاهيمها من علماء اليهود. وقد كشف لأفراد اليهود جملة القوانين والنصوص التّوراتيّة المعقدة الّتي طالتها يد التّغيير والتّحريف الّتي كانت خافية على كثير منهم، حتّى أنّ أعظم علمائهم وعبادهم قد شهد بصحة قول نبينا الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد انتهى به الأمر إلى انضمامه للإسلام.
6- ما هو مهمّ بالنّسبة للجماعة هو التّخفيف في القانون، دون الإيمان بالقانون وأداء التكليف (ولهذا؛ فإنّ اليهود ومع وجود قانون التّوراة، راحوا يتلمسون سبيل عقوبة أخفّ عند النّبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ).
علامة الإيمان التّسليم إزاء القانون (وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ).
إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النّبيُّونَ الّذينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللّه وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُاْ النّاس وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِئَايَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّه فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)
1- (الرّباني) من (الرّبّان) بمعنى المربّي، وحسب قول البعض إنّ (الرّبانيّ) هو المتصل ب(ربّ العالمين) وبعلمه وعمله صار إنساناً إلهيّاً حاملاً مسؤوليّة تربية النّاس، والمراد من (الرَّبَّانِيُّونَ) العلماء المنقطعين عن كلّ ما هو غير إلهي في العلم والعمل، أو ما هو قائم على أساس التربية البشرية الوضعيّة.
2- (الحِبر) لغة بمعنى الأثر الطيب، لأنّ العلماء في المجتمع منشأ الأثر الطيب، فيقال لهم أحبار، وقد لقب ابن عبّاس ب-(جدّ (الأمّة) والأحبار أيضاً هم الخبراء من علماء اليهود الّذين أمروا بحفظ التّوراة ليكونوا شاهدين عليها.. وأينما حدث الاختلاف شهدوا بنصوص التّوراة، أن هذا المطلب أو ذاك جزء من التّوراة أو لا، وبهذا تحفظ التوراة من التحريف.
3- أنّ الهدف من إنزال التّوراة؛ هداية النّاس ودفع الاختلاف من بينهم، وأنّ
الأنبياء الّذين كانوا سيحكمون بالتوراة - مع وصف القرآن - بداعي أن المراد بالإسلام هنا هو التسليم اللّه تعالى، وهذا هو الدّين الواحد عند اللّه تعالى وهو شأن المؤمن باللّه وتسليمه لربّه، لا أن يتكبّر إزاء الأحكام والتشريع الإلهيّ، فكان الأنبياء يحكمون بين اليهود طبقاً للتّوراة.
4 - ذهب رأي جماعة من المفسّرين إلى أنّ الهدف من جملة (فَلَا تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ) خطاب لعلماء اليهود، وذلك ضمن بيان خصائص وعلامات آخر الرسالات وخاتم الأنبياء، وبيان القوانين المرتبطة بعقوبة الزنا والقتل، فلا تنبغي الخشية من النّاس، وإنما الخوف يجب أن يكون من التّعمية على الحقائق من العقوبة الإلهيّة العادلة..
أما الجماعة الأخرى من المفسّرين فقد ذهبوا إلى القول بأنّ وجهة الخطاب هو إلى النّبي الأعظم وأمة الإسلام وأن لا يخشوا أبداً من بيان الحقائق وعقوبة المجرمين، وإنّما تجب الخشية اللّه وأن لا ستهاونوا – المسلمون - أبداً في الموقف من القوانين والأحكام، وعليهم أن يعلموا أنّ الربح والخسارة والنصر والهزيمة والموت والحياة بيد اللّه عزّ اسمه..
5 - في الحقيقة؛ إنّ السبب الأصل في كتمان الحقّ ورفض أحكام اللّه والخشية من النّاس والحرص على كسب المنافع الشخصيّة؛ هو ضعف الإيمان وانهزام وسقوط الشخصيّة، وقد وردت الإشارة إلى الأمرين معاً في العبارة أعلاه، وإنّ المقصود من قوله تعالى (ثَمَنًا قَلِيلًا) أنهم بأخذ الرشى لتحقيق المصالح الشخصيّة وكسب رضا النّاس، كما فعل علماء اليهود الّذين بدؤوا - بعد أكلهم السّحت - يحرّفون كتاب اللّه ويمتنعون عن بيان الحقائق الإلهيّة.
6- أن الّذين لا يحكمون طبقاً لإرادة اللّه وأحكامه؛ كافرون في الحقيقة، لأنّهم يقضون طبقاً لأهوائهم ورغباتهم وطبقاً للقوانين الوضعية الباطلة المغايرة لأحكام ربّ العالمين المتضمنة خير البشرية وصلاحها، وهذا الفعل عين الكفر (أَفَغَير دِينِ اللّهِ يَبغُونَ)؟
7 - قوله تعالى: (يَحْكُمُ بِهَا النّبيُّونَ الّذينَ أَسْلَمُوا) يبيّن أنّ الأنبياء المُسلّمون لأمر اللّه
تعالى كانوا يحكمون اليهود طبقاً لكتاب التّوراة المُنزّل، ويشهد على ذلك آخر الأنبياء والمرسلين، كما أنّكم الّذين حرّفتم ظاهره وباطنه تشهدون بذلك أيضاً..
8- في هذه الآية الشّريفة ورد وصف الأنبياء المُسلّمين، وهذا ممّا يُعَدُّ دَليلاً عَلى أَنْ الإسلام دين اللّه، وممّا يشير إلى أنّ كلّ نبي مسلم غير أنه ما كلّ مسلم نبي..
9- قال ابن عبّاس: المراد من (الأنبياء) في الآية المباركة المرسلون بعد موسى.. وكانوا آلافاً بعثهم اللّه تعالى لشرح قوانين وشريعة موسى ولبيان الحلال والحرام وإبلاغ النّاس رسالة موسى.
والمراد من جميع الأنبياء بعد موسى إلى نبوّة المسيح، وهؤلاء جميعاً كانوا يحكمون النّاس طبقاً للتّوراة..
10- واضح أنّ الحكم خلافاً لإرادة اللّه وقانونه أعم من الشكوت وعدم الحكم، وأنه بالسّكوت يكون إضلال النّاس وأنه بالتّحدّث ثمّ الحكم بخلاف حكم اللّه. وهذا الموضوع واضح أيضاً حيث أنّ للكفر مراتب ودرجات مختلفة، تبدأ من إنكار أصل وجود اللّه عزّ وجلّ، ومخالفة وعصيان ومعصية الرّبّ القدير.. لأنّ الإيمان الكامل يدعو الإنسان إلى العمل طبقاً لتلك الدّعوة، والّذين لا عمل لهم؛ لا إيمان كاملاً فيهم.. وهذه الآية توضح مسؤوليّة العلماء الثّقيلة - وعلماء كلّ أمّة - في مقابل الأعاصير الإجتماعيّة والحوادث الواقعة في بيئتهم، فبخطاباتهم الصّريحة والقاطعة يدعون النّاس لمواجهة الأمراض الرّوحيّة، وإلى عدم خشية أحد..
11- يقول البعض إنّ من الممكن أن يكون التصوّر بخصوص التقدير والتأخير في الآية الشّريفة: (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النّبيُّونَ...) وهذا التعريف المقيّد بالزّمان يطابق صلاحيّة التّوراة.
12- في خاتمة الآية، أصدرت الحكم القاطع بحق الأفراد الّذين يحكمون خلافاً لما أنزل اللّه تعالى، فقالت: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّه فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ).
وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسَنِ وَالْجُرُوحَ قِصَاصُ فَمَن تَصَدَقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّه فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (45)
1- ينفّذ حكم القصاص في الإسلام بشكل عادل وبغض النظر عن صور التفاوت القومّي والإجتماعيّ والطائفيّ والشخصيّ، وقد أكّد الدّين الإسلاميّ على أن جميع أفراد البشر من أي قبيلة أو عنصر، ومهما كانوا أغنياء أو فقراء متساوون أمام القانون، وأنه ليس هنالك دماء أسمى ولا أنبل من سواها، وعليه؛ فلا تمييز من هذه الجهات (ولا ريب أنّ هذا الحكم كسائر أحكام الإسلام؛ له شروطه وتفاصيله المذكورة في كتب الفقه وأنّ هذا الحكم غير مختصّ ببني إسرائيل، وله نظائر في الدّين كما ورد في آية القصاص من سورة البقرة المرقّمة 178) حيث قالت (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ).
2 - للإسلام والأديان الأخرى قوانين متشابهة، كما كان ذلك في الأديان السابقة (كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا).
3 - تشرح هذه الآية الجليلة قسماً آخر من الأحكام الجنائية والحدود الإلهيّة الّتي وردت
في التّوراة، وتقول (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا – التّوراة - أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) أي أنّ من قتل نفساً بريئة
متعمداً، فلأولياء المقتول أن يختاروا قتل القاتل به.
4 - هذه الآية فيها الدّلالة على أنّ مرادها بيان حكم القصاص في الأقسام المختلفة الأخرى للجناية، أي: قتل النفس وقطع العضو والجرح أيضاً.
5- حرف (الباء) في هذه الآية باء المقابلة، فتشير في مقام القصاص إلى أنّ النّفس مقابل النفس؛ والعين مقابل العين؛ والأنف مقابل الأنف.. وكذلك كلّ عضو سلبه جان من آخر، فإنّه يقطع منه ما قطع لدرء التّوهّم بأنه تعالى قد جعل خيار القصاص خياراً إلزامياً ودعا إلى المقابلة بالمثل.. قال القرآن تبعاً لذلك (فَمَن تَصَدَقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ).
7- وردت في تفسير قوله سبحانه : (فَمَن تَصَدَقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ) آراء متفاوتة، وها نحن نشير إلى ثلاثة منها:
الأوّل: يذهب البعض إلى أنّ من صفح أو غضّ الطرف عن القصاص، كان له كفّارة عن ذنوبه عند اللّه تعالى، إذ الصفح يكون من المجني عليه أو من ولي الدّم فحسب.
الثّاني: وآخرون - مثل ابن عبّاس - قالوا إنّ من تنازل عن حق القصاص ينال رحمة ومغفرة من اللّه تعالى.
وعن مولانا الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن اللّه يغفر من ذنوبه بمقدار عفوه وتنازله "ويكفر عنه من ذنوبه بقدر ما عفا من جراح غيره" (1). كما ورد عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من قبل: " من تصدق من جسده بشيء؛ كفّر اللّه عنه بقدره من ذنوبه" (2).
الثّالث: قال جماعة من المفسّرين مثل سعيد بن جبير إنّ مقصود الآية الشّريفة: إنّ العفو في القصاص كفّارة جناية الجاني المعتدي، لأنّ عفو المعتدى عليه أو أولياء الدّمّ يؤدّي إلى
أن يعفو اللّه عنه ولا يعاقبه.
إلّا أنّ ما نذهب إليه هو القول الأوّل باعتباره الأوضح والأفضل، لأنّ الضّمير يعود على (من) في النظرة الأولى. وبعبارة أخرى؛ في النظرة الأولى؛ يكون الأجر للعافي، دون المعتدي كما في القول الثّالث.
8- هذه الجملة في الحقيقة - ردّ قامع للذين يعتبرون قانون القصاص قانوناً غير عادل مشجّعاً على تكريس روح القتل والمثلة، إذ مجموع الآية يفيد بأن الإذن بالقصاص من شأنه إرعاب الجناة وضمان الأمن الاجتماعي وتوفير الطمأنينة لدى الأبرياء من النس، كما أنّ قانون القصاص قد توفّر على خيار العفو وفتح باب الصفح والتنازل في الوقت ذاته. وبإيحاء حالة الخوف والأمل أراد الإسلام الحدّ دون ارتكاب الجرائم، والتحريض من جهة أخرى على حقن الدّماء..
لكيلا يظنّ أحد أنّه تعالى قد ألزم تنفيذ القصاص ودعا إلى حتمية المقابلة بالمثل؛ قال مستأنفاً: (فَمَن تَصَدَقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ) أي أنّ المتنازل عن حقه في القصاص متصدّق ويؤجر على هذا بغفران ذنوبه. وضمير (به) عائد على القصاص، وكأنّ هذا القصاص عطيّة وهبها شخص الجاني..
10 - التعبير بكلمة (التصدّق) وكذلك الوعد بالتكفير عن الذّنوب، بمثابة الدّفع والتشجيع على الصفح والعفو، إذ لا شكّ في أنّ القصاص لن يعيد الحياة إلى المجني عليه، وإنّما – القصاص - عامل تهدئة مؤقتة للمجني عليه ولولي الدّم.. غير أنّ وعد اللّه بالعفو عن الذّنوب يجبر ما فقد بصورة أخرى، وبهذا؛ تكوى صفحة الألم والخسارة الّتي تعرّض لهما.. وهذا لعمري أبلغ صورة من صور التشجيع لهكذا أشخاص.
11- تقضي هذه الآية - منطوقاً ومدلولاً - على التمييز القبيح الّذي كان سائداً في ذلك العصر. وإنّه ليفهم من بعض التفاسير أن تمييزاً عرقياً كان متحكماً متنفّذا في طائفتين من
اليهود آنذاك.. فلو أنّ فرداً من طائفة بني النضير قتل فرداً من طائفة بني قريظة؛ لم يقتل به.. ولكن إذا ما قتل فرد قريظي فرداً نضريّاً؛ قتل به... وحينما دخل الإسلام المدينة؛ سأل بنو قريظة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن ذلك، فأكد لهم عدم وجود الفرق والتمييز بين دماء النّاس، فاعترض النضريون، على ذلك واتّهموا النّبي بتوجيه الإهانة لهم.
فنزلت الآية أعلاه وأعلنت لهم بأن الإسلام ليس هو الدّين الوحيد الّذي ساوى جميع النّاس.. وأنه قد ورد هذا في قانون اليهود أيضاً..
12 - إن تنازل صاحب القصاص عن حقه، وجب على القاضي أن يحكم طبقاً لأمر اللّه في القصاص، لا أن يحكم بما يراه ويستحسنه، لأنّ التّعدي على أحكام اللّه وتغييرها ظلم عظيم بل ليس من ظلم أفدح منه (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّه فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ).
وَقَفَيْنَا عَلَى ءَاثَرِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَءَاتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46)
1- تتمة للآيات المتعلقة بالتّوراة، نجد في هذه الآية والآية الّتي تليها إشارة إلى حال الإنجيل (وَقَفَيْنَا عَلَى ءَأَثَرِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ) ولهذا المقطع القرآنيّ تفسير آخر، وهو أن المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد أقر بحقانية التّوراة المنزّلة على موسى بن عمران، كما يقرّ جميع أنبياء السماء بالأنبياء الّذين يسبقونهم.
جمع
2- كلمة (قَفَيْنَا) من مصدر (تقفية) بمعنى الشّيء يتبع الشيء ووضعه بعده.
3- كلمة (آثار) (أثر) بمعنى ناتج الشّيء، إذ بوجوده بعلم وجود أصله أو سببه. والضمير في (آثارهم) يعود على الأنبياء. ومراد الآية أن عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد سار في ذات الطريق الّذي سار الأنبياء السّابقين عليه، وهو طريق الدعوة إلى التوحيد والتّسليم لإرادة اللّه سبحانه وتعالى.
4 - كلمة (وَمُصَدِّقًا) تؤيد هذا المعنى القائل بأن دعوة عيسى هي ذاتها دعوة موسى وأنه لا انفصال بينهما.
5- قد ثبت أنّ جميع الطاقات والقوى والحركات وأشكال وصور الجمال تنبع من النور ولولا النور لكان السكوت والموت قد عمّا أركان كلّ شيء.. وكذلك تعاليم الأنبياء؛ فلولاها؛ كانت جميع القيم الإنسانيّة - الفرديّة - منها والإجتماعيّة- سائرة إلى تلاش وانعدام.. وهذا ما تلمس مصاديقه في المجتمع البشريّ الماديّ.
6- كما أنّ جميع الموجودات محتاجة إلى النور لاستمرارها في الحياة، كذلك الدّين الإلهيّ وتعاليم السماء لها ضرورتها القاطعة لنموّ البشر وتكاملهم الرّوحي والمعيشي حتّى. ولهذا قد وصف القرآن المجيد التّوراة والإنجيل والقرآن بكونها نوراً. فعن التوراة نقرأ: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ) وعن الإنجيل نقرأ (وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ) وعن القرآن نقرأ: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ).
7 - لا شكّ في أنّ التوراة والإنجيل قد نزلا من جهة اللّه تعالى، ولذلك؛ وجدنا القرآن مراراً يذكر الكتابين ويصفهما بأنّهما كتابان سماويان، ولكن ممّا لا شكّ فيه أيضاً أنهما قد تعرّضا للتحريف بعد النّبيين موسى وعيسى، ممّا أدى إلى طمس الكثير من حقائقهما، ودخول الخرافات عليهما والإقلال من قيمهما، والاستعاضة عنهما بكتب أخرى، وعليه؛ فإنّ إطلاق (النور) على هذين الكتابين ناظر إلى التّوراة والإنجيل الأصليين.
8 - كلمة (الإِنجِيلَ) تعني (البشارة) وهو اسم الكتاب الّذي أنزل على النّبي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وفيه قسم من الهداية والنور، أي أنه مشتمل على الأحكام والمعارف المؤدية إلى هداية النّاس، ولأنّ هذا الوصف قد ورد عن التّوراة؛ كان الإنجيل مؤيداً ومصدّقاً للتّوراة أيضاً.
9- قوله تعالى (وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) الوارد في منتهى الآية، وتكرار كلمة (الهداية) بمثابة الدليل على أنّ الهداية الواردة بدءاً غير الهداية المذكورة ثانياً. وكلمة (الموعظة) تفسّرها، وعليه؛ فالهداية الأولى عبارة عن نوع من المعارف الّتي يهتدي النّاس ببركتها ضمن الاعتقادات وأساسيات الدّين. أما الهداية الثّانية؛ فهي مخصوصة بالمتقين الورعين الّذين يهتدون في مرحلة العمل ويتكاملون أخلاقياً ودينياً بواسطة المعارف وفرعيّات الدّين ويمتنعون عن ارتكاب الذّنوب.. ومن هنا؛ كان مصداق كلمة (النُّور) هو الأحكام والشّرائع، لأنّ الأحكام والشرائع أمور يستلهم الإنسان الهدى والنّور منها في طريق حياته، لئلا ينحرف عن قويم الجادّة.
10- أن يوصف الإنجيل للمرّة الثّانية بأنّه مصدّق للتّوراة ليس لمجرّد كونه تأكيداً، بل المراد تبعية الإنجيل لشريعة التّوراة، لأنّ الإنجيل ليس إلّا إمضاء لشريعة التّوراة، وإلّا احتواءه بعض الأحكام الّتي استثناها عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد وصف القرآن هذا الأمر بالقول(وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) (1).
11- ختام الآية عدّ الإنجيل موعظة للمتقين، لأنّهم قد لبسوا لباس العبوديّة، فصاروا ينتفعون عن الهدى والموعظة والأحكام الإلهيّة..
1) سورة آل عمران / 50.
وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّه فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّه فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47)
1- كان الحديث في الآيات الماضية حول رسالة موسى المسيح، وقد أولى القرآن بحديث هداه بهذا الصدد. أما هذه الآية؛ فتتوجه إلى النّبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وغايتها أن ينير الطّريق لليهود والنّصارى - ضمن دلائل وبراهين- وأن يدعوهم إلى الاقتناع بأنّ الرّسالة المحمديّة رسالة سماويّة، وأن منهجه وطريقته نابعة من الوحي وتصدر عن خالق الوجود، وبالتالي فإنّ مسلكه هو مسلك موسى وعيسى من حيث الوحي والإعجاز.. إذ كلّ الأنبياء يحملون رسالة اللّه إلى خلقه..
2- الخطاب في هذه الآية متوجّه - أيضاً - إلى النّصارى، وتأمرهم بالعمل بالإنجيل، وفي ذلك رأيان:
ألف: يذهب البعض إلى أنّ المراد من قوله سبحانه : (لْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّه فِيهِ...) فكأنّ هذا الخطاب إخبار عن شيء واجب عليهم، وأنّ دليل حذف الفعل هو قرينة (قَفَّينَا) الواردة في مطلع الآية.. وفي القرآن نماذج من ذلك منها قوله سبحانه (وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ [ يقولون] سَلَامٌ عَلَيكُم).
ب: وآخرون يذهبون إلى أنّ المراد هو خبر عن الماضي، وتتمة لخطاب الآية وليس أكثر، بل هنالك نقطة جديدة في منطوق الآية بدليل أنّ الإنجيل لم يكن قد نُسخ بعد حين نزول الآية الشّريفة، إذ كانت أحكامه متوافقة مع أحكام القرآن، ثمّ إنّ الرّسالة العالمية لنبي الإسلام قد
أعلنت من قبل الربّ المتعال. غير أنّ المذهب هو الأفضل برأينا كما يبدو.
3- في تفسير هذا المقطع من الآية: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّه فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) قولان:
الأوّل: ثمّ مفسّرون يسيرون إلى أنّ كلمة (من) موصولة؛ وفيها الإشارة إلى اليهود.
الثّاني: يقول البعض أنّ كلمة (من) شرطيّة والمراد منها هو: أن من لم يأتمر بأمر اللّه ويحكم بغير مايريد؛ فهو فاسق عاص، إذ يفهم من ظاهر العبارة أن المراد هو من ينظر إلى وجود المصلحة في مخالفة الأوامر الإلهيّة.. إنّما يسلك طريق الكفر والظّلم؛ وما هو إلا فاسق عاصي؛ لأنّه قد خرج عن الدّين بذلك.. وبهذا القول تكون هذه العناوين الثلاثة - الكفر والظّلم والفسق -مناسبة لشخص واحد أو فريق واحد وإن كان البعض يقول إنّ وصف الكافر عائد إلى من يحكم بخلاف التعاليم الإلهيّة؛ وينكر أوامره بقلبه.. أمّا وصفا الظّلم والفسق؛ فخاصان بمن يؤمن بتعاليم اللّه تعالى في قلبه ويتركها ويخالفها في عمله.
4 - الفسق لغة هو خروج الشّيء عن موضعه الأصلي.. فلو أنّ إنساناً مع علمه بثبوت حكم شرعيّ ما، أو بأيّ أمر ثابت من أمور دين اللّه، فيرده ويعارضه، فإنه يكون قد سقط في الكفر الصريح، أما إن لم يعلم بثبوت أمر ما؛ فإن لم يردّه واكتفى بالعمل بخلافه، فعمله هذا فسق، لأنه قاصر إزاءه، وإن لم يعلم بثبوته دون رده فلا يعد كفراً، وكذلك لا تعدّ مخالفته فسقاً، لكونه معذوراً في قصوره، اللّهم إلّا أن يقصر في بعض مقدماته، كمن هو قادر على كسب العلم وتعلم التكاليف الدّينيّة ولكنّه لا يسعى لذلك.
5 - أن يرد في الآيات الأخيرة على هكذا أفراد صفة الكفر، وعلى أفراد آخرين صفة الظّلم، وهنا في الفسق.. فإنّ التفاوت الحاصل في التعبير يمكن أن يكون كلّ حكم ذا أبعاد ثلاثة: فمن جهة، أنّه ينتهي إلى المقنّن والمشرّع؛ وهو (اللّه) ومن جهة أخرى؛ أن ينتهي إلى مطبّقي القانون (الحاكم والقاضي) ومن جهة ثالثة ينتهي إلى من يطبّق فيه الحكم (الشخص المحكوم)
فكأن كلّ واحد من هذه التعابير المذكورة تحمل الإشارة إلى إحدى هذه الجهات الثلاث.. فمن جهة لأنّ من يحكم بخلاف اللّه قد تجاهل القانون الإلهيّ واختار الكفر، ولأنه ظلم إنساناً بريئاً من جهة ثانية، ومن الجهة الثّالثة؛ قد خرج عن حدود وظيفته؛ فصار فاسقاً (إذ كما قدمنا بأنّ الفسق يعني الخروج عن الحدّ المرسوم في العبوديّة والطاعة والامتثال) (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّه فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).
6- لا ريب أنّ مِنَ المقصود من قوله تعالى (لْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّه فِيهِ) ليس أنّ القرآن المجيد يأمر أتباع المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالعمل بما في الإنجيل- في الوقت الرّاهن - لأنّ هذا القول لا يتناسب وخطاب جميع الآيات القرآنيّة وأصل وجود وإنزال القرآن باعتباره الدّين الجديد والنّاسخ للدّين القديم.. وإنّما المراد هو أنه (بعد) نزول الإنجيل على عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد أمرنا أتباعه أن يعملوا به ويقضوا طبقاً لما يحكم.
وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَأَحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّه وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُم عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحقّ لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللّه لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن ليَبْلُوَكُمْ فِيمَا ءَاتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللّه مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فيُنَبِئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)
1 - (المهيمن) لغة بمعنى المراقب والحافظ والشاهد والأمين والحارس على كلّ شيء، وحيث أنّ القرآن له المراقبة والرقابة التّامّة والحفظ لأصول الكتب السّماويّة السابقة، وحيث أنه المكمّل لها، فقد أطلق عليه عنوان المهيمن، وقال فيه سبحانه وتعالى : (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَأَحْكُم بَيْنَهُم....).
2- جميع الكتب السّماويّة متناغمة فيما بينها أساساً، ولها هدف واحد وهو تربية وتكامل الإنسان، وإن كان التفاوت فيما بينها ملموساً فيما يتعلّق بالمسائل الفرعية بمقتضى قانون التكامل التدريجي، وباعتبار أن كلّ دين جديد يطوي مرحلة أعلى وله هدف اجتماعي أشمل وأجمع، وعلى هذا الأساس؛ فإنّ للقرآن أصولاً ثابتة ويحفظ ذاتيات الكتب السّماويّة
السالفة.. وتلك الفروع الخاصة بالفترات الخاصة بالأديان الإلهيّة السابقة والمتكاملة المقتضيات وتحتاج إلى نسخ؛ فإنّه قد نسخها.. وليس الأمر أنه يؤيد جميع ما في الكتب السابقة ولا يغيّر فيها شيئاً.. وعلى أي حال؛ فالقرآن في الموارد الّتي يؤيدها؛ كتاب حقّ (..وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ.. وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ).
الأول: أنّ المراد هو أنّ القرآن المجيد - نسبة للتّوراة والإنجيل - أمين؛ ويشهد بسماويتهما.
الثّاني: يذهب البعض ؛ ومنهم سعيد بن جبير إلى أنّ المقصود هو كون القرآن كتاباً أميناً على كتب السماء الأخرى؛ بمعنى أنّ مفاهيم ومطالب تلك الكتب السابقة قد حفظها القرآن الكريم من يد التحريف باعتبارها تتطابق ومفاهيمه ومطالبه، وأنه - القرآن - قد بين تلك المفاهيم والمطالب الناتجة عن التغيير والتحريف..
الثّالث: وقال آخرون: أنّ القرآن هو حافظ وحارس الكتب السّماويّة لما له من الإشراف عليها والمراقبة ولكن ببيان هذه الآية الشّريفة المصرحة بأنّ القرآن الكريم شاهد ومصدق لمفاهيم ومطالب التّوراة والإنجيل، فلا يمكن أن نكون كبعض الّذين تصوّروا وجوب العمل بما جاء فيهما، لأنّ بعض أحكامهما كانا تابعين أو خاصين بزمانهما؛ وقد نُسخت تلكم الأحكام. ثمّ إنّه لو كان الرسول الأكرم ملزماً بالحكم طبقاً لما جاء فيهما، فما الّذي يجب عليه في بيان رسالته، بل أيّ رسالة عليه أن يبيّن؟ مضافاً إلى أنّ الجملة التالية من الآية (فَأَحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّه) توضّح أنّ معيار الحكم ورسالة النّبي المصطفى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) هي الحكم وفق ما أنزل عليه من ربه المتعال، دون الّذي أنزل على غيره من الأنبياء، ولهذا كان اختيار القول الثّاني متناسباً أكثر وحقيقة الآية..
4- قوله سبحانه: (فَأَحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّه) حيث (الفاء) تفريعيّة، يتبين أن جامعيّة أحكام الإسلام بالقياس إلى أحكام الإسلام بالقياس إلى أحكام الأديان السالفة، وهذا الأمر لا
يتنافى والآيات الماضية والمؤدّية إلى أنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مخيّر بين الحكم بينهم وبين عدم الحكم وتركهم وشأنهم، لأنّ الآية تقول بلزوم الحكم بين أهل الكتاب يجب أن يكون بما يطابق أحكام القرآن.
5 - أنّ الأحكام الإلهيّة مبتنية على الإرادة الإلهيّة كما نزل عليه من الحقّ، فينظر ماذا أراد اللّه منه، وليس ما يشتهي النّاس فيتبع أهوائهم (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُم عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحقّ).
6- ثمَّ سؤال بخصوص قوله تعالى : (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُم عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحقّ) يطرأ في الأذهان، وهو: كيف يمكن تصوّر النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مع ما له من مقام العصمة الشاّمي؛ أن يتبع أهواء أهل الكتاب؟!
ثُمّ جوابان لهذا السؤال:
الأوّل: يلزم الالتفات إلى أنّ في ذلك تحذيراً للنّبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من الفعل الّذي لم ولن يقوم به، ليكون ذلك
درساً تعليمياً للآخرين.
الثّاني: مضافاً إلى ذلك من أين يعلم أنّ الخطاب - في حقيقته - غير موجّه إلى الحكام والقضاة المسلمين؟ فيمكن أن يكون ظاهر الخطاب موجه إلى النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، أما باطنه وحقيقته فللآخرين.. ونظير ذلك في القرآن كثير جداً، مضافاً إلى احتمال أن يكون حرف (عن) في (عمّا) متعلّقاً بفعل (لَا تَتَّبِع)، وفي هذه الحالة يعلم مفهوم الانحراف، فيكون المعنى: وبسبب اتّباع أهواء هؤلاء، قد تنحرف - أيّها القاضي المسلم من الحقّ الّذي جاءك..
7- الشرع والشّريعة ؛ تقال للطريق المتجه إلى الماء وينتهي عنده وكلمة (نهج) و (منهاج) لغة تطلق على الطريق الواضح ونقل الراغب في (المفردات) وعن ابن عبّاس أنّه قال: الفرق بين الشرعة والمنهاج، أنّ الشرعة ما جاء في القرآن فيما المنهاج؛ فهو جمله الأمور
الواردة في السنة النّبويّة (1). (ولادليل قاطعاً في اليد على هذا التفاوت؛ رغم كونه حسناً كما يبدو). الشريعة والشرع طريق واضح، ولا سبيل إلى الانحراف والسقوط فيه، وأن العمل ضمنه لا يستلزم التعرّض الإلهيّ.. واللّه تعالى قد نسب الشريعة - في هذا المقطع إلى نفيه ليفهم المخاطب أنّ الشريعة والطريق الصحيح هو ما أمر النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بحسب، لأنّ كلّ من يتبع الرّسول؛ يتبع أمر اللّه تعالى حتماً.. وعليه؛ فإنّ الأديان الحقة؛ هي الأديان الّتي أنزلها اللّه وأقرها، وإنّ غير ذلك من الأديان الوضعية ليس فيها غير الضّياع والضّلال، كما أنه لا شريعة لعد هذه الشّريعة المحمدية، ولا عبرة بمخالفة أحكام هذه الشريعة.
9- أن يقال للدين شريعة، فذلك لانتهائها إلى الحقائق والتعاليم الباعثة والمؤدّية إلى النزاهة والطهارة والحياة الإنسانيّة الطيبة (لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا).
10- لا شكّ في أنّ اللّه عزّوجل قادر على أن يجعل النّاس أمة واحدة، فيتبعون ديناً واحداً، ولكنّ هذا الأمر لا يتناسب وقانون التكامل التدريجي وعبور المراحل المختلفة، لأنّ الإنسان وعلى مرور الزّمان متفاوت من حيث القابلية والمدارج المختلفة.. واللّه سبحانه قد أنزل شرائع متنوّعة ومتعدّدة للأمم لغاية الاختبار والابتلاء، كما سخّر لها أنواع النعم وعرّضها لأشكال الامتحان (وَلَوْ شَاءَ اللّه لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن ليَبْلُوَكُمْ فِي مَا ءَاتَاكُمْ).
11- جملة (ليَبْلُوَكُمْ فِيمَا ءَاتَاكُمْ) تبيّن حقيقة أننا اللّه - ربّ العالمين - لو أردنا؛ جعلناكم جميعاً أمة واحدة وعلى دين واحد.. ولكنّ المصلحة وما يناسب المراحل الزمنية، أدّت إلى وضع شرائع متعدّدة من قبل اللّه تعالى.. لأنّ أفراد الإنسان متفاوتون من حيث القابليات؛ وهم في حالة تكامل علميّ ومعنويّ، ولهذا؛ جعل اللّه لهم شرائع مختلفة بقصد الاختبار، باعتبار أنّ الغرض الأصلي من إنزال الشّرائع هو الاختبار.. فلا مفرّ إذن من إيجاد التفاوت والتعدد في
1) مفردات ألفاظ القرآن، ص 450.
الشّرائع، ولهذا كانت المدرسة العلميّة الدّنيويّة شاهدة على إرسال الأنبياء والرسل للسموّ بأفراد البشريّة؛ المرحلة تلو المرحلة، وبعد طيّهم مرحلة تربوية، يتمّ إدخالهم ضمن مرحلة أعلى بواسطة نبي تلك المرحلة.. تماماً كما المراحل الدراسية لشاب ما.. ولهذا لم يكن ممكناً لطالب المدرسة الابتدائيّة أو المتوسّطة أن تلقى عليه دروس مرحلة الدكتوراه، أو أن يختبر بدروسها.
وعلى هذا الأساس؛ إن أردنا أن نبيّن هذ المنحى ونشبه المراحل التربوية لرسالات الأنبياء طبقاً لقابليات تعلّم أممهم، فلنا أن نذكر مرحلة النّبي آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) ونقول: إنّها بمثابة مدرسة ابتدائية، أما مرحلة النّبي نوح (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فهي كمدرسة متوسطة، ومرحلة النّبي إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) كمرحلة ثانوية، ومرحلة النّبي موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) كمرحلة الليسانس، وعصر النّبي عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) كمرحلة الماجستير.. أما مرحلة خاتم الأنبياء (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فكمرحلة الدكتوراه ضمن بيان المعارف الإلهيّة.. وهي إلى منتهى حياة البشرية كفيلة بتلبية حاجاتها ومتطلباتها العلمية والمعنويّة والتشريعية > حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة < (1)والبشرية من حيث ما تتمتّع به من قابليّات فذّة قد أنعم اللّه بها على أفرادها، ومع وجود العلم والتكنولوجيا الفائقة ومع مرور أكثر من ألف وأربعمئة عام مرّت على شهادته، إلّا أنها لم تكتشف الكثير من حقائق القرآن وبواطنه ومن معارف أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ).
12- إنّ الهدف والغاية الأصلية من وجود الأديان والشرائع المتعدّدة ليس سوى امتحان البشريّة في دار الدنيا وضمن مواقف الحياة المختلفة (وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) (2)والحقيقة هي أنّ التكاليف الإلهيّة عبارة عن وسيلة لتفعيل
القابليّات الإنسانيّة - إخراجها من حالة القوّة إلى حالة الفعل - بجانبها الخير والشّرير وتحديد تعلّقهما في الحياة بأحد المنحيين؛ الرحماني أو الشيطانيّ (فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا يَضلّ ولا يَشقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (1)وبعبارة قرآنيّة أخرى خوطب بها إبليس الرّجيم (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) (2).
13- وأخيراً؛ خاطبت الآية جميع الأقوام والملل، ودعتهم إلى صرف طاقاتهم ضمن اتباع شريعة الحقّ وطريقها المهيمن على جميع الشرائع؛ دون تضييعها في الاختلافات والصّراعات الباطلة، وأشارت عليهم بالتّنافس إلى الخير وليس الشّرّ والّتشرذم، لأنّ رجوع الجميع إلى اللّه سبحانه وتعالى، وهو الّذي سيخبرهم بحقائق اختلافاتهم، وسيحكم فيهم بقضائه العادل (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللّه مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فيُنَبِئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ).
14 - الآية الشّريفة تبيّن ضرورة التنافس والتسابق وضرورة الاستباق إلى قيم الخير، وعدم تضييع الفرص.. قبل أن يهجم الموت على كلّ واحد من النّاس بغتة.. فالتنافس ينبغي أن يكون ضمن إطاعة اللّه تعالى، لأن أوامره ومناهيه وجملة تعاليمه تصبّ في مصلحة الإنسان.. ومعلوم أنّ ما يتقدم جميع الأعمال؛ القيام بالواجبات ؛ ثمّ يأتي الدور على بقية الأعمال.. وقد ذهب جمع إلى أنّ الآية الشّريفة ترغب النّاس بانجاز أفعال الخير؛ الواجبة والمستحبة.. (إِلَى اللّه مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فيُنَبِئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ).
وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّه وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّه إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَأَعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّه أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاس لَفَاسِقُونَ (49)
نقل بعض المفسّرين عن ابن عبّاس في شأن نزول هذه الآية: أنّ جمعاً من زعماء اليهود تآمروا وقالوا: نذهب إلى محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لعلّنا نردّه عن دينه، فجاؤوه وقالوا: نحن زعماء اليهود وأشرافهم، فإن اتّبعناك؛ اقتدى بنا سائر اليهود من قومنا، إلا أنّ بيننا اختلافاً ونزاعاً (بخصوص قتل أو أمر آخر) فإن حكمت في هذا النزاع لصالحنا آمنا بك. ولكن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) امتنع عن هكذا حكم وقضاء (حيث لم يكن عادلاً) فنزلت هذه الآية (1).
1 - يأمر اللّه تعالى في هذه الآية تبعاً للآية السالفة أن يحكم الرسول الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بما أنزل اللّه سبحانه، وأن لا يتّبع أهواء النّاس ورغباتهم وأن يحذّرهم، وأن يبين للناس أنهم إذا عصوا هذا الأمر - بداعي فسقهم - فإنّ اللّه سيحرمهم الهداية والرشاد.
2- سؤال : يمكن أن يشكّك بأنّ الآية أعلاه تعتبر دليلاً على احتمال تعرّض النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - والعياذ باللّه وحاشاه - إلى الانحراف عن الحقّ، ولذلك؛ فقد حذّره اللّه !!! فهل إنّ هذا التعبير
1) تفسير القرآن العظيم ابن أبي حاتم، ج 4، ص 1154.
يتناسب ومقام عصمة الأنبياء ؟!
الجواب:
إنّ عصمة النّبي والإمام لا تعني استحالة ارتكابها المعصية، وإلا لم تكن العصمة لتحسب فضيلة لهما، وإنّما المقصود أنهم مع قدرتهم على الاتيان بالذنب إلّا أنهما لا يأتيانه؛ وإن كان عدم الإتيان هذا بسبب ما حرّمه اللّه عليهما ومنعهما، وبعبارة أخرى: إنّ تذكير اللّه بمثابة عامل الصّون والحصانة للنّبيّ والإمام عن ارتكاب المعصية.
3 - مع وجود أنّ النّبي معصوم، إلّا أنّ الأمر نزل عليه بضرورة الحذر من فتنة أهل الكتاب وذلك لأنّ العصمة لا تسلب الاختيار من المعصوم بحيث لا يمكنه السير ضمن الخطأ، ثمّ لا يمكن أن يكلّف، لأنّ العصمة من سنخ الملكات العلميّة للنّبيّ والمعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وليس لها تأثير من قواه الفاعلة.
4 - إنّ العلة في تمرّدهم وعصيانهم للأوامر الإلهيّة؛ ذنوبهم السالفة وفسقهم.. ولا يمكن للنّاس أن يُعجزوا اللّه في ملكه.. بل اللّه سبحانه مهيمن غالب عل كلّ شيء قدير في فعله.. وهو عزّ اسمه يضل الفاسقين بعد رفضهم الهداية ولأنّ أكثر النّاس فاسقون عاصون، فإنّهم يركسون في الضّلال، واللّه تعالى لا يضل إلا الفاسقين (وَمَا يُضِلَّ بهِ إلّا الفَاسِقِينَ) (1).
5- سؤال : ترى ما العلة في تكرار الأمر إلى الرسول الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في حصر القضاء طبقاً لحكم اللّه تعالى دون اتباع أهواء النّاس ورغباتهم؛ في هذه الآية والآية الّتي سبقتها؟
ذُكر احتمالان في الجواب:
الأول: أنّ بعض المفسّرين ذهبوا إلى تكرار الأمر مرتين هنا بداعي أنّهم - أهل الكتاب - قد جاؤوا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مرّتين وطلبوا قضاءه في موضوعين؛ مرّة في قضية عقوبة زنا المحصن،
1) سورة البقرة / 26.
ومرّة بخصوص عقوبة القتل، وقد أمر اللّه الرحيم رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن يحكم بينهم طبقاً لقانون السّماء. وقد ورد هذا الاحتمال عن مولانا الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيضاً (1).
الثّاني: أنّ التكرار الوارد بداعي أنّ الأمر الأوّل كان مطلقاً، فيما الثّاني كان خاصاً بحالات معيّنة، أو بداعي المطالب الّتي وردت في آخر الآية، مضافاً أنّ التكرار في المسائل الضرورية تكرار مهمّ جدّاً..
6- جملتا: (أَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّه) و (لَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) تبيّنان حقيقة أنّ الاهتمام برغبات النّاس النفسية من المخاطر العظيمة على الحاكم والقاضي، وأنّ أساس القضاء والحكومة يجب أن يكون إلهيّاً.
7 - يحذّر اللّه المتعال رسوله الكريم تحذيراً جدّياً من مؤامرات الكفّار (وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ).
8- ينبغي أن نعلم أنّه بالالتفات إلى شأن نزول هذه الآية فإنّ الغاية لا تبرر الوسيلة، ولا ينبغي لمجرّد جذب جماعة للإسلام أن يستعان بالقضاء الباطل.
9- وضوح التحذير الإلهيّ الشديد الموجّه إلى أشرف أنبياء اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن طريق الوحي، واطلاع النّاس على هذا النوع من التحذير؛ كالقول: (لَا تَتَّبِعْ.. احْذَرْهُمْ.. يَفْتِنُوكَ..) يبين مدى صدق ومصداقية النّبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)في إبلاغ الوحي السّماويّ.. وإلّا فلا أحد يخاطب نفسه بهذه الخطابات الشديدة والحادّة (وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّه إِلَيْكَ).
10 - قوله تعالى: (فَإِن تَوَلَّوْا فَأَعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّه أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ) يشير إلى حقيقة أنّ أهل الكتاب لا يسلّمون لقضائك العادل لما علق بهم من ذنوب وخطايا، ولما سلب منهم من التوفيق، ولأنّ اللّه تعالى يريد معاقبتهم على بعض ذنوبهم.
1) مجمع البیان، ج 3، ص 315 و 316.
يمكن أن يكون ذكر كلمة (بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ) دون جميعها؛ أنّ العقوبة على جميع الذّنوب لا تتمّ في دار الدنيا، وإنّما هناك قسم من الذّنوب يجازي ويعاقب عليها المرء في الدنيا، ثمّ يوكل أمر باقي الذّنوب إلى العالم الآخر.
12- لم تتطرّق آية إلى تحديد نوع العقاب الّذي كتب عليهم، إلّا أنه يحتمل إشارة إلى المصير الّذي أصاب يهود المدينة، حيث الخيانات الّتي صدرت عنهم أجبرتهم على ترك بيوتهم وأملاكم والخروج من المدينة.. أو أنّ عدم توفيقهم بمثابة العقوبة على ذنوبهم السابقة، لأنّ سلب التوفيق نوع عقوبة بحدّ ذاته، وبعبارة أخرى؛ أنّ توالي عقوبة الذّنوب والعناد؛ الحرمان من الأحكام العادلة، ثم الضياع في متاهات الحياة..
3- قوله سبحانه: (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ) الوارد في خاتمة الآية بمثابة مواساة للنّبيّ الأكرم اللّه، ولا يبتئس في مقابل ما يمارسونه من ضغوط عليه في إطار الباطل.. وذلك تبعاً لكون كثير من النّاس فاسقين..
أفَحُكْم الجاهليّة يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّه حُكْمَا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)
1- ثَمّ رأيان في تفسير هذا المقطع من الآية الشّريفة:
الرأي الأوّل: ماذهب إليه فريق بأنّ وجهه الخطاب القرآني إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، أمّا الغاية؛ فهي ملامة اليهود، لأنّ الشاكلة الإجتماعيّة والسياسيّة والأخلاقيّة والقضائية شاكلة جاهليّة، فمنهم مع وجود كتاب سماوي بين ظهرانيهم إلا أنهم كانوا يسلكون مسلك الصّنميّين، ومن ذلك أنهم كانوا يعاقبون الفقير الضعيف إذا أساء وأخطأ، أما الغني القوي فذو حصانة لا يعاقب معها إن قصّر، بل ويقصر قانونهم عن ملامته وملاحقته وإنزال العقوبة به، ولهذا وجدنا القرآن يندّد بسلوكهم ويلومهم على شاكلتهم الوثنيّة.
الرآي الثّاني: وقال فريق آخر بحقية توجيه اللوم والتنديد باليهود، إلا أنهم نسبوا اللوم إلى كلّ فرد وفريق يستدبر تعاليم اللّه العادلة، وهم بذلك يتبعون سبل الجاهليّة أيضاً.
2- سؤال : حيث ورد الاستفهام التنديدي في هذه الآية الّتي قالت: (أفَحُكْم اللّه يَبْغُونَ..) فماذا يريد هؤلاء الأفراد من إعراضهم عن حكم الحقّ وعمّ يبحثون إذن هل هم في إطار البحث عن حكم الجاهليّة وقوانين الضّلال؟
فهم مع تمتّعهم بنعمة الأحكام الإلهيّة؛ تراهم قد أعرضوا عنها واتّجهوا إلى حيث القوانين البشرية الوضعيّة، وخطوا في مسار الجاهليّة (فَإِن تَوَلَّو.. أفَحُكْم الجاهليّة يَبْغُونَ) وبالجملة قد تضمّنت الآية استفهاماً استنكاريّاً.. فهؤلاء الّذين يدّعون اتّباع كتب السماء يتوقّعون الخلط
بين أحكام الجاهليّة والعنصرية أن تقضي فيهم وبينهم ؟ فأين أحكام الجاهليّة من تعاليم الخالق وأحكامه ؟!
3- إنّ كلّ قانون بشري مخالف لحكم اللّه هو قانون جاهلي (أفَحُكْم الجاهليّة) لأنّ غالب هذه القوانين توضع طبقاً للّهوى والشهوة والخوف والطمع والجهل والخطأ والظنون الباطلة والمحدوديّة العلميّة.
4- أنّ زمن الجاهليّة غير مخصوص بعصر ما.. إذ متى ما انفصل النّاس عن اللّه عزّوجل؛ خاضوا عصر الجاهليّة (أفَحُكْم الجاهليّة).
5- ليس من حكم يتبع إلا من حيث حسنه وصلاحه.. وأهل اليقين يعلمون أن لا حكم أفضل من حكم اللّه تعالى.
6 - أفضل قانون ما تمتّع واضعه بالصفات والحالات أدناه:
أن يكون عالماً مطلعاً على أسرار الإنسان ووجوده وواقعه ومستقبله.
ألّا تكون له منفعة ومصلحة شخصيّة في وضعه وتشريعه.
ألّا يتضمّن زللاً عمديّاً وسهويّاً.
ألّا يخشى المقنّن قوّة أبداً.
أن يبطن الخير والمنفعة للجميع.
وهذه الشروط والصفات جميعاً غير متوفّرة إلّا في اللّه تبارك وتعالى، لذا؛ وجدنا القرآن الكريم يقول (أفَحُكْم الجاهليّة يَبْغُونَ) ؟
ورد في (تفسير البرهان) في ذيل هذه الآية نقلاً عن (الكافي) بسنده عن أحمد بن محمد بن خالد، وهو عن أبيه عن الإمام الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال بأنّ القضاة على أربعة أصناف، ثلاثة
منهم في النّار، وفريق واحد في الجنّة (1).
1- رجل يحكم بالظّلم والجور مع علمه بظلم حكمه. ومعلوم مصيره إلى النّار.
2 - رجل يحكم بالظّلم جاهلاً، فموضعه في النّار.
3 - رجل يحكم بالحق جهلاً، فموضعه في النار أيضاً.
4- رجل يحكم بالحق ويعلم بكونه حقاً.. فهو وحده إلى الجنّة..
ه روي في كتاب (الكافي) عن مولانا الإمام الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
"الحكم حكمان؛ حكم اللّه وحكم الجاهليّة، فمن أخطأ حكم اللّه حَكَمَ بحكم الجاهليّة" (2). ومن هنا يتّضح أنّ المسلم - مع وجود الأحكام السّماويّة بين يديه - إن تبع القوانين الوضعيّة الخاصة بالأمم الأخرى.. سار ضمن مسار الجاهليّة في الحقيقة.
6- من وما أفضل للنّاس المؤمنين الموقنين باللّه واليوم الآخر والقرآن والرسول من حكم اللّه وقوانينه ؟ (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّه حُكْمَا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ).
يَا أَيُّهَا الّذينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنهُم إِنَّ اللّه لَا يَهْدِى القَومَ الظَّالِمِينَ (51)
كثير من المفسّرين نقلوا أن عبادة بن صامت الخزرجي جاء النّبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بعد معركة بدر وقال له: لي معاهدون يهود كثير و العدد شديد و القوّة، وهاهم اليوم يهدّدوننا بالحرب وقد امتاز المسلمون اليوم عن غيرهم، وأنا أبرأ من صديقي اليهودي.. وإنّما الّذين أعاهدهم وأواليهم اللّه ورسوله. قال عبد اللّه بن أبي: ولكنّني لا أبرأ من معاهدي اليهودي خشية من الحوادث وحاجتي إليه، فقال له رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : ما أخشاه على عبادة ولايته اليهود؛ أخشاه عليك (وخطر هذه الولاية عليك أكثر منها على عبادة) فقال عبد اللّه : إن كان الأمر كذلك فإنّي أقطع صلتي باليهود فنزلت الآيات أعلاه وحذرت المسلمين من أوليائهم من اليهود والنّصارى (1).
1- مسألة الولاء بين العرب كانت رائجة جداً في ذلك الزّمان.
2 - كلمة (اتّخاذ) تعني الاعتماد على شيء إلى حد الاطمئنان.
3 - مفردة (الولاية) نوع خاص من اقتراب شيء من شيء آخر بحيث توجب رفع الموانع
1) تفسير ابن كثير، ج3، ص 122.
بين هذين الشيئين، ولا ريب في أنّ المراد ليس كلّ الموانع، وإنّما الموانع الّتي لا تعيق الغرض من تلك الولاية..
4- ولكنّ معناها اللّغويّ هو النّصرة، بحيث يدحض كلّ مانع دون الإعانة والنّصرة للشخص الّذي اقترب منه ويواليه ويحبّه ولا يعيقه عنه. عنه. و (أولياء) جمع ولي، من مادة الولاية؛ بمعنى الاقتراب الشديد بين شيئين، وكذلك تعني المعاهدة والإدارة..
5 - ورد النهي في الآية عن المعاشرة مع اليهود والنّصارى ومحبتهم، لأن هذه المسألة بطبيعتها ذات تأثير وتأثر أخلاقي وعاطفي بالمودة والمحبّة والعلاقة الرّوحيّة، وبالنتيجة تتبدّل سيرة الإنسان وشاكلته إلى المسيرة والشاكلة الدّينيّة إلى مسلك الكفر وتدفع بالمرء اتّباع الميول النّفسانيّة وعبادة الشّيطان والخروج عن جادّة الفطرة.
6- بالنظر إلى شأن نزول الآية ومجمل القرائن المتوفّرة، لا يكون المراد أن لا يسمح الفرد المسلم بأي علاقة تجارية واجتماعية باليهود والنّصارى.. بل هو الامتناع عن معاهدتهم والاطمئنان إليهم وإلى محبّتهم وودّهم في المواقف تجاه سائر الأعداء..
7 - المراد من (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) ولاية المحبّة المؤدّية إلى اقتراب قلوبهم وانجذاب أرواحهم إلى بعضها، وأن تتفق آراؤهم في اتّباع هوى النفس والتكبّر عن قبول الحقّ.. واتّحادهم على إطفاء نور اللّه سبحانه وتضامنهم وتعاونهم ضدّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و المسلمين، بحيث يكونوا كالجسد الواحد رغم تعدّد مشاربهم وقوميّاتهم.
9 - مع وجود النّبي القرآني الصّريح في هذه الآية عن ولايتهم وتوليهم ومعاهدتهم، فإنّه من ناحية التقسيم الطبقي الاجتماعي والدّيني لا يكون المقصود غيرهم (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنهُم).
10- لأنّ الإسلام يعارض اتباع الميول النفسانية، فقد كان اليهود والنّصارى مع كلّ العداء فيما بينهما، واشتراكهما واتحادهما واقترابهما في العداء تجاه الإسلام والمسلمين، فقد كان النهي القرآني عن توثيق العلاقة بهم.. باعتبار أن المسلمين يد - وهكذا ينبغي - واحدة، وأنّ المحبّة والقرب منهم - مع خلوّه عن أي منفعة للمسلمين - فإنّها تضرّ بالمسلمين وتنفع اليهود والنّصارى، ولن تعين المسلمين أبداً..
11 - لأنّ طريق الإيمان هو طريق الهدى، ولأنّ للإيمان مراتب من حيث الإخلاص.. صار من يتخذهم منكم أولياء منهم وإن كان في الظاهر يحسب من المؤمنين، لأنّ هذا المؤمن في الظاهر وبالتراجع عن المسار الإلهيّ يخطو في طريق يسلكه اليهود والنّصارى، ومعلوم أنّ منتهى هذا الطريق انحراف عن الصراط المستقيم وإلى النقطة الّتي سقط فيها اليهود والنّصارى. ولا شكّ في أنّ اللّه سبحانه وتعالى لن يهدي أنّ اللّه سبحانه وتعالى لن يهدي الظالمين الّذين خانوا أنفسهم وإخوانهم في الدّين واعتمدوا واطمأنوا إلى أعدائهم.. فهؤلاء كما اليهود والنّصارى ظالمون، واللّه لا يهدي الظالمين (إِنَّ اللّه لَا يَهْدِى القَومَ الظَّالِمِينَ).
فَتَرَى الّذينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللّه أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرِ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52)
أحد مصاديق الضّلال، ومن الموارد الّتي لا تشمل – هؤلاء - الهداية الإلهيّة، أنّ البعض من المتظاهرين بالإسلام والإيمان يسارعون إلى أحضان اليهود والنّصارى تحت مبرّر الخوف منهم.. إلّا أنّ دافعهم الأصل هو كونهم يحبّون أعداء اللّه مع ادّعائهم الإيمان، إذ الكفر حقيقتهم، وإنّما يعتذرون بذلك لئلّا يتعرّضوا لإدانة وتوبيخ النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والمؤمنين الصّادقين لهم (فَتَرَى الّذينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ يُسَارِعُونَ..)
2- كلمة (عسى) في جملة (فَعَسَى اللّه أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ) تحمل مفهوم الاحتمال والرجاء، وفي الحقيقة؛ أنّ هذه الآية تردّ عليهم من طريقين:
الرّدّ الأوّل: أنّ هكذا أفكار تصدر عن قلوب مريضة وعن أفراد ذوي إيمان ضعيف متزلزل، ومسيء بالظَّنِّ باللّه تعالى، وإلا فإنّ الفرد ذا الإيمان لا يسمح لهكذا أفكار أن تنفذ إليه وتغزوه.
الرد الثّاني: على فرض احتمال انتصار الكفّار، أفلا يحتمل انتصار المسلمين أيضاً؟ وعليه، فإنّ المنافقين المرائين يبقى قائماً في معناه الأصلي، وعلى جميع الأصعدة، لأنّ النّدم يحصل حين يفعل الإنسان فعلاً لم ينبغ له أن يفعله.. وهؤلاء المنافقون قد أخفوا في قلوبهم حبّ وولاية اليهود والنّصارى، وحين يحصل الفتح للحق وأهله؛ سيصاب المنافقون بالندم..
3- حين يفعل الفتح فعلته ويتحقق النصر المؤزر للإسلام ينتهي أمر الكفر، وهنالك
يحلّ النّدم.. بجماعة المنافقين، لأنّهم بتظاهر بالانتماء إلى دين الحقّ وبإخفائهم الكفر في قلوبهم وعلاقتهم وولايتهم الوثيقة لليهود والنّصارى؛ وتجتسهم لصالحكم، لم يتسببوا لأنفسهم بغير فضيحة الدارين (فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ).
4 - بقرينة الآيات التالية يفهم أنّ المراد من الفتح ؛ ليس فتح مكة أو بعض قلاع وحصون اليهود والنّصارى، بل المراد من تنبؤ القرآن شامل لمستقبل الأمّة المسلمة.. حيث انتصار الحق على الباطل بصورته النّهائيّة.
5 - ترى ما المقصود من جملة (أَوْ أَمْرِ مِّنْ عِندِهِ) الواردة بعد كلمة (الْفَتْحِ) ؟ يلزم القول إنّ من الممكن أن ينتصر المسلمون على أعدائهم - إما بوسيلة الحرب، أو من دون الحرب - بحيث يمحقونهم. وبعبارة أخرى؛ تكون كلمة (الْفَتْحِ) إشارة إلى انتصارات المسلمين العظيمة. وجملة (أَوْ أَمْرِ مِّنْ عِندِهِ) إشارة إلى الانتصارات الإجتماعيّة والاقتصاديّة وأمثال ذلك..
6- هذه الآية إشارة إلى الانتصارات العسكريّة والإجتماعيّة والاقتصاديّة للمسلمين، إذ بالنظر إلى ذكر اللّه تعالى هكذا احتمال باعتباره العالم بالغيب والمطلع على احتمالات المستقبل.. تراه سبحانه يبشّر المؤمنين بذلك..
وَيَقُولُ الّذينَ ءَامَنُوا أَهَؤُلَاءِ الّذينَ أَقْسَمُوا بِاللّه جَهْدَ أَيْمَانِهِم إنّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53)
1- بخصوص معنى الآية الشّريفة؛ ثُمّ احتمالات ثلاثة:
الأوّل: لدى انتصار المسلمين وفضيحة المنافقين، يقول المؤمنون بتعجب: هل إنّ اليهود والنّصارى من كانوا يقسمون جادين على إعانتكم على المؤمنين؟
الثّاني: يقول بعض المؤمنين الحقيقيّين لبعضهم بعد تحقق النصر : هؤلاء مرضى القلوب كانوا يقسمون جادين ويقولون: نحن معكم.. وقد رأيتم أنهم ليسوا كذلك ؟
الثّالث: هؤلاء مرضى القلوب الّذين كانوا يقسمون أنهم مع اليهود والنّصارى.. فهل تمكّن أهل الكتاب من نصرتكم؟
2 - يمكن لأحد أن يسأل قائلاً: إلى أين جرّ هؤلاء المؤمنين ضعيفي الإيمان ؟
الجواب: إن ما فعلوه بالإسلام باطل عديم الأجر وضياع، لأنّهم لم يمارسوا الحياة كما أُمروا، ولم يقوموا بما هو جدير، ولم يكن ظاهرهم كباطنهم، وبهذا لن يكونوا جديرين بثواب اللّه العظيم (إنّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ).
3- هؤلاء المسلمون المراءون قد خسروا في الدنيا والآخرة.. فهم لم يكونوا أصحاباً أخياراً لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).. كما أنهم سيقرنون إلى رفاقهم الكفّار في الآخرة.. وإنّ أفدح خسائرهم أنهم سیحرمون الجنّة وسيساقون إلى عذاب النار (فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ).
يَا أَيُّهَا الّذينَ ءَامَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِي اللّه بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّه وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِم ذَلِكَ فَضْلُ اللّه يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّه وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)
1- الارتداد بمعنى الرجوع عن الإيمان والانقلاب إلى الكفر.
2 - هذه الآية الشّريفة متصلة بنحو ما بالآيات السابقة، وهي في إطار إيضاح القول بأنّ اللّه غني عن مريضي القلوب.. لأنّ الّذين يخشون على مصالحهم الماديّة إنما يورّطون أنفسهم في المهالك ويخالفون ربّهم المتعال، ويوالون اليهود والنّصارى، حتّى يعشعش النفاق في قلوبهم وتمرض.. واللّه تعالى هنا يتحدّث عن واقع ومصير غيبي لهم.. حيث سيصابون بضرر بالغ جرّاء تعاملهم المزدوج مع الدّين وتساهلهم في أمر الجهاد.. وبالتالي فإنّهم سيصبحون عرضة لسنّة الاستبدال الإلهيّة القاضية بالإتيان بقوم آخرين هم خير منهم؛ يحبّهم ويحبّونه، أذلاء على المؤمنين أعزاء على الكافرين ويجاهدون في سبيل اللّه تعالى ولا يخشون لومة لائم.
3 - أكّد اللّه تعالى في هذه الآية ست خصائص للمؤمنين حقاً:
الأولى: أنّه تعالى نسبة الإتيان بهم إلى ذاته المقدّسة، حيث لا ناصر إلا اللّه، وأنّ النّصرة الحقّة هي من جهة اللّه تعالى (فَسَوْفَ يَأْتِي اللّه بِقَوْمٍ).
الثّانية: لأنّ اللّه يحبّهم، فإنّه يطهرهم وينزّههم عن كلّ ظلم ولوث معنوي، مثل الكفر والفسق.. إنا بالعصمة أو بالمغفرة بوسيلة التوبة (يُحِبُّهُمْ).
الثّالثة: أنّهم يعشقون اللّه، ولا يطمحون إلا لإرضائه، وكذلك اللّه يحبّهم (وَيُحِبُّونَهُ).
الرّابعة لأنّهم يعظمون اللّه ويبجّلون ذكره، وهم يذلون أنفسهم ويتذلّلون للمؤمنين لأنّهم أولياء اللّه.. واللّه يكون وليهم.. ولأنّهم يعلمون أنّ العزّة تصدر عن اللّه تعالى.. تراهم على يقين بأنّ عزّة الكافرين عزّة كاذبة، فيقفون ضدّ الكافرين بكلّ عزّة وشموخ (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِين).
الخامسة : أنهم يتجاهلون أشكال اللوم الّذي قد يوجّه إليهم في إطار جهادهم، فلا يكفّون عن ممارسة هذه الوظيفة الدّينيّة بداعي الخشية على المصالح الماديّة.. ولهم من الشّهامة المقدار العظيم بحيث يتمكنون بها من مواجهة السنن والتقاليد وما يسمّى برأي الأكثريّة المنحرفة عن جادة الحق.. فلا يعيرون أهمّيّة لحملات السخرية والاستهزاء والحرمان (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّه وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِم).
السّادسة : أنّ فضائلهم تتنزّل عليهم من جهة اللّه تبارك وتعالى طبقاً لحكمته وفضله الّذي لا يمنحه أيّاً كان (ذَلِكَ فَضْلُ اللّه يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ).
4 - نيل هذه الخصائص والميزات (فضلاً عن سعي الإنسان) رهين بالفضل الإلهيّ الّذي يعطيه من يشاء (ذَلِكَ فَضْلُ اللّه يُؤْتِيهِ -هو- مَن يَشَاءُ).
واللّه تعالى هو الرّزّاق الوهّاب الّذي لا تنقص خزائنه بكثرة العطاء، وهو العالم بالجدير من عباده بعطائه.
5- ورد في كثير من الروايات، ومنها ما روي في (مجمع البيان) عن الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ
هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأصحابه (1)ومن تتمثل فيه هذه الخصال ممّن اعتبرهم القرآن ورثة الأرض وذوي العاقبة الحسنة..
6 - كثير من الأفراد ومع اتصافهم بالصفات الممتازة، إلّا أنّهم قد يجبنون في مقابل الأكثريّة المنحرفة؛ وتتضاءل شجاعتهم وجرأتهم، فيتراجعون حتّى تخلوا الساحة لأعدائهم، والحال أنّ القائد والفرد الهادف إلى نشر وتحكيم أفكاره ودينه تلزمه - قبل كلّ شيء - الشجاعة والشهامة.. أمّا التأثّر برأي العوام والبيئة وأمثالها يقف بالضّدّ لهذه الميزة والخصيصة الروحية الراقية وتحول دون تحقيق الإصلاح والتغيير.
1) مجمع البیان، ج 3، ص 321.
إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّه وَرَسُولُهُ وَالّذينَ ءَامَنُوا الّذينَ يُقِيمُونَ الصَّلوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوْةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)
ورد في شأن نزول الآية أنّ سائلاً دخل مسجد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وطلب من النّاس أن يتصدقوا عليه، فلم يعطه أحد شيئاً.. وفيما كان أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) منشغلاً بالصلاة هو في حال الرّكوع أشار إلى الرّجل وتصدّق عليه بخاتم كان في يمينه، فنزلت الآية الجليلة إكراماً (عَلَيهِ السَّلَامُ) لها وتعظيماً.
وقد روى هذه الحادثة عشرة من الصحابة، مثل ابن عبّاس وعمّار بن ياسر وجابر بن عبد اللّه وأبي ذرّ وأنس بن مالك وبلال و... وقد اتفق الشيعة ومخالفيهم على شأن نزول الآية (1)
ص: 399 إلى 407 والكشاف، ج 1، ص 649 وتفسير الثعلبي، ج 4، ص 80 و 81.
قال عمار بن ياسر: قد قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بعد التّصدّق بالخاتم ونزول الآية: "من كنت مولاه؛ فعليّ مولاه" (2). وتبياناً لمقام مولانا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) تلا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في غدير خم هذه الآية (3).وأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) نفسه طالما كان يقرأ هذه الآية في إطار بيان وإثبات حقانيته (4). أمّا أبو ذرّ الّذي كان شاهداً على هذه الحادثة؛ كان ينقل للنّاس هذه القضية في المسجد الحرام (5).
وعن مولانا الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ المراد ب-(الّذينَ ءَامَنُوا...) هو علي الا وأبنائه الأئمة المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ) إلى يوم القيامة.. وكل من تسنّم منصب الإمامة منهم؛ كانت له ذات
الخاصيّة، إذ كان كلّ منهم يتصدّق في ركوعه (1).
ونقل المرحوم الكليني في (الكافي) حديثاً يتضمّن أنّ سائر الأئمة المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ)كانوا تصدّقوا في صلاتهم وركوعهم على الفقراء (2)، وهذا العمل أكثر تناسباً مع صيغة الجمع الواردة في الآية الشّريفة : (يُقِيمُونَ) و(َيُؤْتُونَ) و (رَاكِعُونَ).
وعن مولانا الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ اللّه تبارك وتعالى قد أمر نبيه أن يعلن عن ولاية علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) - بشكل رسميّ - وأنزل هذه الآية. (3)
وإن خير تعريف لأوصاف وخصوصيات أحدهم أن يرد الوصف له دون ذكر الاسم (كما هو الشأن في هذه الآية، حيث لم تتطرّق إلى اسم المراد، واكتفت بوصفه وذكر فعله) إذ الإشارة أبلغ من العبارة؛ كما يقال.
1- كلمة (ولي) في هذه الآية ليست بمعنى الصديق والناصر، لأنّ هذين المعنيين متعلّقان بجميع المسلمين، وليس أولئك الّذين ينفقون في حال الرّكوع.
2- كلمتا (ولاء، توالي) بمعنى شيئين أو أكثر من أن يكونا من جنس واحد من دون أن يمنعهما شيء من غير ذلك الجنس، وفي الاستعارة في معنى القربى مثل القرب المكانيّ والقرب النّسبيّ وقرب العلاقة والصداقة؛ يحصل من الصداقة والنّصرة، والقرب الاعتقادي يستعمل أيضاً.
3- شرعت هذه الآية بكلمة (إنّما) الّتي تفيد الحصر في لغة العرب؛ فأكدت أنّ الولي والمتصرّف والمدير لشؤونكم ثلاثة : اللّه والنّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والّذين آمنوا؛ الّذين يقيمون الصّلاة ويؤتون
الزكاة وهم راكعون.
4 - حصر الموجود في كلمة (إنّمَا) حصر أفراد.. أما الأوصاف المذكورة للمؤمنين في هذه الآية؛ فتنطبق على عليا فقط كما حدّدت الروايات المستفيضة، ومن جملتها ما ورد في تفسير (الكشاف) في شأن نزول الآية أنها كانت في وقت يصلّي علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المسجد؛ فاقترب منه سائل، فتصدق عليه بخاتمه راكعاً (1)
ص: 399 إلى 407 والكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، ج 1، ص 649 وتفسير الثعلبي، ج 4، ص 80 و81.
، والركوع بالجسد خضوع وذلة الإنسان مقابل ربّه المتعال.5 - الولاية بمعنى النّصرة والتوالي وإدارة الأمر.. وعليه؛ فالولاية نوع قرب باعث ومجوّز لنوع خاصّ من التصرّف والمالكية والتدبير.. وبهذا المعنى فهي – الولاية - بمعنى المالكية وولاية أمر النّاس، لأنّ الولي يحكمهم.. ومهما اتسمت مساحة حكومته؛ كانت ولايته أوسع وأشمل.
6 - يفهم من سياق الآية أنّ الولاية في هذه الآية حيث أشير إليها ب-(واو) العطف؛ أنّ الولاية بالنسبة إلى اللّه والرسول والمؤمنين بمعنى واحد.
كما أنّ طاعة اللّه واجبة بلا قيد أو شرط، فطاعة الرسول بلا قيد أو شرط أيضاً، وهي إطاعة اللّه تعالى.. وولاية المؤمنين المذكورة في الآية يجب أن تكون بلا قيد أو شرط أيضاً، لأنها من ولاية اللّه ؛ وهي واجبة على جميع المؤمنين.
7- الولاية الإلهيّة على بعدين
أ- الولاية التكوينيّة (الحقيقيّة) إذ اللّه عزّوجلّ المالك المطلق على جميع المخلوقات، وله
1) راجع بحار الأنوار، ج 35، ص 183 إلى 206 والبرهان، ج 2، ص 315 إلى 326 ونور الثقلين، ج1، ص 643 إلى 648 وإحقاق الحقّ، ج 2،
القدرة والتصرف فيها أجمعين، وهو الّذي بيده تدبير أمور الخلق.
ب - الولاية التشريعيّة، ولها يرجع تشريع الشريعة وهداية وإرشاد الخلائق، وأمثال ذلك من أمور النّاس الدّينية. وولاية الرسول ولاية تشريعيّة، والقيام بالدّعوة إلى الشريعة والدّين وتربية الأمّة وإدارة شؤون الحكم بين النّاس والقضاء فيهم.. كلّ ذلك وأشباهه من شؤون الرسالة.
8- يذهب الشّيعة إلى أنّ هذه الآية العظيمة نصّ على ولاية وخلافة أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، لأنّه الوحيد الّذي تصدّق على السائل بخاتمه في حال الرّكوع.
أما المخالفون فيقولون إنها ليست نصاً في ولايته، لأنه ليس المراد من الركوع بمعناه الحقيقيّ هنا، وإنّما المراد هو معناه المجازي، أي: الخضوع مقابل عظمة الرب، بمعنى أن مراد الآية أنّ وليّكم ليس اليهود أو النّصارى، وإنّما وليّكم هو اللّه والرسول والمؤمنون الّذين يقيمون الصّلاة ويؤتون الزّكاة والخاضعون له دوماً.. أو أنهم يؤتون الزكاة مع كونهم فقراء وضيّقي ذات اليد..!
9 - كلمة (ولي) في الآية لا تعني الصديق والناصر والمعين، لأنّ الولاية بمعنى الصداقة والنّصرة لا تختص بالّذين يصلّون ويزكّون في حال الركوع، وإنّما هي حكم عام يشمل جميع المسلمين.. والمسلمون جميعاً ينبغي أن يحبّ بعضهم بعضاً ويصادق بعضهم بعضاً وينصر بعضهم بعضاً، بمن فيهم أولئك الّذين لا تجب عليهم الزكاة وليس لديهم ما يؤتونه، ناهيك عن أنّ يزكّوا وينفقوا في حال الرّكوع.. وهؤلاء أيضاً عليهم أن يتصادقوا ويتناصروا.. وبنظرة إلى جوانب هذه الآية وما قبلها وما بعدها وإلى جميع سياقات السّورة وببيان خمسة أدلّة ؛ نصل إلى المعنى المخالف لما ادعاه الأخوة من أهل السنة..
خمسة أدلّة من آية الولاية العلويّة:
الدليل الأوّل: مع أنّ مفسّري المخالفين بادعائهم قرينة وحدة السّياق وموضوع هذه الآية مع الآيات السالفة المتعلقة بكيفية ونوع الصّداقة والنصرة، فقد فسروا الولاية بمعنى النصرة دون
الإدارة وتدبّر الأمور.. ولكن الواضح أنّ ترتيب الأيات لم تنظم من قبل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (وإنما في زمن عثمان بن عفّان) وفي هذا الإطار كانت الولاية بمعنى إدارة الأمر.
الدليل الثّاني: مع أنّ الآيات السابقة لهذه الآية قد نهت المؤمنين عن التضامن وتولّي الكفّار، إلّا أنّ الآيات اللاحقة ستأمر النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن يذكر بأعمال الكفّار والمنافقين السيئة القبيحة.. وعليه؛ فإنّ الهدف في هذه الآيات ليس هدفاً واحداً.. وعليه؛ كيف تكون وحدة سياق بين هاتين الشاكلتين من الآيات ؟
الدليل الثّالث: سنتحدّث لدى تفسير الآيات (56 و 57 و 58 و 59) من نفس هذه السّورة عن أن كلمة (الولاية) في هذه الآيات لا يصح أن تكون بمعنى الصّداقة والنصرة، لأنّها لا تتناسب وسياق وموضوع الآيات (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) الالتحاق.. إنّما ينتهي إلى المودة والحب والإدارة والإطاعة.. وهذه المعاني هي المعاني المؤدّية إلى الوحدة والاتّحاد.
الدليل الرّابع: أنّه لا معنى لأن يقول القرآن الكريم في هذه الآية: إنّ النّبي ناصر المؤمنين..
بل المراد من الولاية؛ الولاية في التصرّف والمحبّة إضافة إلى ما ذكرنا من روايات كثيرة لدى الإمامية وأهل السنّة أيضاً دالة على أنّ الآيتين نازلتان في أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).. (1)فقد أرهقوا أنفسهم كثيراً وناقشوا الرّواية وتكلّفوا في قلب وتبديل معنى ظاهر الآية (وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ).
الدّليل الخامس: لدى الرّد على بعض المخالفين الّذين لا يذهبون إلى نسبة نزول الآية في أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) - طبقاً لما يفسّرها الإماميّة - بدليل صيغة الجمع (الّذينَ ءَامَنُواْ).. ينبغي القول إنّ الفرق بين إيراد صيغة الجمع وقصد الشخص الواحد وبين وضع قانون كلّي ويخبر به عموماً؛ في حال يشمل بهذا القانون شخص واحد ولا ينطبق إلا على فرد واحد.. فإنّه لا سابقة له في
1) راجع نفس المصدر.
العرف، فهذا شأن المورد الأول. أما في المورد الثّاني فهو شائع مستعمل في العرف وفي لسان القرآن المجيد كثيراً.. وقد وقع هذا المورد في هذه الآية، ومن هنا يتضح بأن المراد من (وليّ) في الآية أعلاه الولاية بمعنى التدبير والتصرّف والقيادة الماديّة والمعنويّة، لا سيّما هذه الولاية المرادفة لولاية النّبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولاية اللّه عزّ وجل، والولايات الثلاث تؤدى بعبارة واحدة.. وعلى هذا؛ فالآية هذه من الآيات الدالة كنصّ قرآنّي - على ولاية وإمامة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
10- لا شكّ في أنّ الركوع المشار إليه في الآية ورد بمعنى ركوع الصلاة؛ لا بمعنى الخضوع، لأنّ عرف الشرع واصطلاح القرآن يدلّ على المعنى المعروف حين الاستعمال، أي: ركوع الصلاة، علاوة على شأن نزول الآية والروايات العديدة القائلة بأنّ التصدق بالخاتم من قبل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الّذي كان موضوع ركوعه.. والإتيان بعبارة (يُقِيمُونَ الصَّلاةَ) شاهد على هذا الموضوع.. وليس ثم تعبير قرآني يأمر أو يقرن أداء الزكاة بالخضوع، بل الوارد هو ضرورة الإخلاص وطرد المنّة عن النّيّة في الإنفاق..
11- أكّدت الرّوايات الكثيرة الواردة في الكتب الإسلاميّة ومصادر أهل السنّة على أنّ الآية أعلاه قد نزلت في شأن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ونقلت في شأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد نقل الرواية كلّ من ابن عبّاس وعمّار بن ياسر وعبد اللّه بن سلام وسلمة بن كهيل وأنس بن مالك وعتبة بن حكيم وعبد اللّه بن أبي وعبد اللّه بن عالب وجابر بن عبد اللّه الأنصاري وأبي ذر الغفاري.. وعلاوة على الأفراد العشرة المذكورين، فقد نقلت هذه الرّواية أيضاً في كتب المخالفين عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) نفسه (1)، والمثير أيضاً أنّ كتاب (غاية المرام) قد أورد (24) حديثاً بهذا الصّدد عن طرق أهل السنّة، و (19) حديثاً عن طرق الإماميّة... (2)
12- بخصوص شأن النزول، فقد قل أن تكون آية من آيات القرآن الكريم أن يهتم أكثر من
ثلاثين كتاباً ومصدراً مشهوراً من مصادر أهل السنّة بنقل هذا الحديث المعروف الّذي ينسب شأن نزولها إلى ولاية أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، و هو من تلكم المصادر: (ذخائر العقبى) لمحب الدّين الطبري [ص88] و [تفسير فتح القدير للقاضي الشّوكاني [ج2، ص50] و (جامع الأصول) [ ج 9، ص 478] و (تفسير الطبري) [ ص 165] و(الكافي الشافي) لابن حجر العسقلاني [ ص 105] و(مفاتيح الغيب) [للرّازي لأج3، ص 431] و(تفسير الدّر المنثور) [ح2، ص393] و(كنز العمّال) [ ج 6 ص391] و (المسند) لابن مردويه و (المسند) لابن الشيخ.. إضافة إلى (صحيح النسائي) وكتاب (الجمع بين الصحاح السّتّة) وكتب ومصادر كثيرة ورد فيها هذا الحديث.. إلّا أنّ التّعصب الأعمى لا يسمح بالالتفات إلى كلّ الروايات وشهادة العلماء فيما يتعلّق بشأن نزول هذه الآية الجليلة.
13- كيف يمكن تجاهل كلّ هذه الأحاديث، والحال أنّ شؤون نزول آيات أخرى يكتفى - لدى الاقتناع بصحة صدورها - برواية أو روايتين؟
ولو كانت القاعدة في تفسير آية قرآنيّة واحدة أن يتم تجاهل كلّ الروايات الواردة فيها، للزم الأمر أن نتجاهل جميع الروايات لدى تفسير الآيات القرآنيّة.. وإنّ هذه المسألة على قدر كبير من الوضوح بحيث أنّ حسّان بن ثابت الشاعر المعروف في العصر النبوي الشريف قد ضمن قصيدة وأبياتاً بهذه الرواية في شأن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو القائل:
فأنت الّذي أعطيت إذ كنت راكعاً***زكاة فدتك النفس يا خير راكع
فأنزل اللّه فيك خير ولاية***وبينها في محكمات الشّرائع (1)
14 - تصرّ جماعة من المتعصبين من أهل الخلاف على إيراد جملة إشكالات بخصوص نزول هذه الآية في عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكذلك على تفسيرها بولايته باعتبارها عنواناً للإدارة والتّصّرف
1) الغدير، ج 2، ص 101.
والإمامة.. وها نحن هنا نشير إلى ثمانية إشكالات لهم نردّها عليهم:
الإشكال الأوّل : أنّ هذه الآية وبالنظر إلى كلمة (الّذينَ) الّتي تستعمل في صيغة الجمع غير قابلة للتطبيق على فرد واحد (أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)) لأنّ العبارة تشير إلى أنّ: وليكم الّذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راعون، فكيف يمكن حصرها وتطبيقها على عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟
الرّد: بناء على الأدب العربيّ، فقد عبّر عن الفرد بصيغة الجمع، من ذلك ما ورد في آية المباهلة العظيمة، حيث وردت كلمة (نسائنا) بصيغة الجمع، وكان المراد بها طبقاً لروايات شؤون النّزول المتعدّدة مولاتنا السيّدة الصديقة فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) (1). وكذلك وردت كلمة (أنفسنا) بصيغة الجمع والحال أن غير نفس رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لك يكن حاضراً إلّا نفس أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وفي الآية (172) في سورة آل عمران في قصة معركة أحد.. نقرأ قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا) وعلى حد تعبير بعض المفسّرين إن شأن نزول هذه الآية في نعيم بن مسعود الّذي لم يكن في شخص واحد. وكذلك الآية (52) من سورة المائدة حيث نقرأ قوله سبحانه (يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ) والحال أنّها نزلت في عبد اللّه بن أبي. والآية (215) و (274) من سورة البقرة، هي تعابير وردت بصيغة الجمع عموماً.. وطبقاً لشؤون نزولها فإنّها وردت في شخص واحد، وإنّما الاستعمال اللفظي هذا يعكس أهمية ودور هذا الشخص الواحد وواقعه المؤثر في كلّ حادثة من تلكم الحوادث، أو بداعي أنّ الحكم اتخذ شكلاً كلّيّاً وإن كان المصداق قد انحصر في فرد واحد.. وهناك آيات كثيرة جداً استعمل ضمير الجمع للتعبير عن اللّه الواحد الأحد كعنوان للتعظيم.. وطبعاً لا ينكر أنّ استعمال لفظ الجمع في المفرد -حسب الاصطلاح- خلاف الظاهر ومجرّداً عن القرينة غير جائز، إلا أنه مع وفرة الرّوايات الواردة في شأن النزول هي بمثابة قرينة صريحة وواضحة على
1) راجع: بحار الأنوار، ج 35، ص 257 الى 272.
هكذا تفسير، بل إنّه يقتنع بقرينة أقل وضوحاً في بعض الموارد الأخرى.
الإشكال الثّاني: قال الفخر الرازي وبعض المتطرفين كيف يمكن لعلي اللّه مع ما يعرف عنه من خشوع والتفات خاص في حال صلواته ومناجاته ربّه (ومعروف عنه أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد أخرج سهم من رجله أثناء صلاته ولم يلتفت إليه) قد سمع صوت السائل الفقير والتفت إليه؟!
الرّد: المستشكلون في هذه القضيّة قد غفلوا عن أنّ ما لا يتناسب وروح العبادة هو الالتفات إلى المسائل المتعلقة بمادّيّات الحياة والشخصيّة منها، أما الاهتمام بما هو ضمن إطار رضا اللّه تعالى؛ فهو متناسب مع روح العبادة تماما ومؤكّداً له.. وعليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد كان منطلقاً بنفسه إلى اللّه تعالى وليس غافلا عنه، ونحن نعلم أنّ التّجرّد عن خلق اللّه كدح إلى اللّه، ولهذا؛ كان الالتفات إلى الإنفاق في سبيل الفقير وإعانته لا يعد خروجاً عن الاندكاك في اللّه والذوبان في ذاته المقدّسة، بل هو عين الالتفات إلى الرّبّ القدير.. وهذا يختلف عن الإتيان بفعل مباح ضمن العبادة.
ومن الجّدير بالذكر إن معنى الانغماس لدى التوجه إلى اللّه لا يعني أن يفقد المرء مشاعره وأحاسيسه، وإنّما المطلوب والمراد أن يلتفت المرء بإرادته واختياره إلى ما هو ضمن المسار. والعجيب أنّ الرّازي قد أصرّ بعصبية الجهلاء على أنّ عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومن خلال إشارته للسائل بإصبعه ليأتي وينتزع الخاتم عنه، قد جاء بما يوصف أنه مصداق للفعل الكثير المنافي لحال الصّلاة.
مع علمه - الرّازي- أنّ ثمّ أفعالاً يجوز للمصلّي القيام بها وهي أكبر من الإشارة بالإصبع، مع عدم إضرارها وكذلك إرضاع الصغير.. ولم ير فيها الرّازي بأساً على صحة الصلاة.. فكيف له أن يتجرأ على إبداء الرأي المناهض لما فعله أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في صلاته ويقول بمنافاته لها وقد امتدح اللّه تعالى هذا الفعل العلوي الفذ العظيم في آية قرآنيّة؟ إلّا أنّ العالم المتورّط والغاطس في أوحال التطرف يسقط في هكذا شبهة؛ ولا عجب في ذلك أبداً..
الإشكال الثّالث: فيما يرتبط بمعنى كلمة (ولي) الّذي فسروه بالناصر وأمثال ذلك، لا بمعنى المدبّر والإمام والخليفة..
الردّ : كما ذكرنا في تفسير الآية أعلاه، فإنّ الصّداقة والنّصرة عبارة عن حكم عام، في حين أنّ الآية ناظرة إلى بيان حكم خاص، ولذا؛ بينت - بعد ذكر الإيمان - صفات خاصّة منحصرة في فرد واحد. وكلمة (ولى) الواردة هنا لا يمكن أن تكون بمعنى الصديق والناصر، لأنّ هذه الصفة يفترض أن تكون ثابتة لجميع المؤمنين وليس لأفراد خاصين منهم قد ذكرتهم الآية، وهم الّذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون.
الإشكال الرّابع: ترى أيّ زكاة واجبة كانت متعلقة بذمة أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهو الّذي لم يجمع لنفسه من مال الدّنيا شيئاً؟ وإن كان المقصود هو الصدقة المستحبّة، إلا أنه لا يطلق عليها مصطلح الزكاة؟!
الردّ : أوّلاً: بشهادة التواريخ، أنّ أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد حصل من كد يمينه على أموال كثيرة، وقد أنفقها في سبيل اللّه تعالى، حتّى نقل الرواة والمؤرّخون أنه أعتق ألف رقبة من أمواله، كما أنّ سهمان من الغنائم الحربية كانت جديرة بالاهتمام. وعليه؛ فإنّ فريضة الزكاة الّتي كانت تتعلّق بتلكم الأموال - أو بساتين النخيل - لم تكن بالشّيء المهم. إذ أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يكن ليبقيها بين يديه.. كما أننا نعرف بأنّ فورية وجوب أداء الزكاة هي فوريّة عرفية لا تتنافى مع أداء الصلاة.
ثانياً: أنّ إطلاق الزّكاة على الزّكاة المستحبّة في القرآن قد ورد في مواضيع عديدة، وقد وردت كلمة (الزَّكاة) في كثير من السور المكية، وكان المراد بها الزكاة المستحبّة، وذلك لأنّ وجوب الزكاة قد أشيع بعد الهجرة النّبويّة إلى المدينة كما هو معروف (الآية من سورة النحل - الآية 39 من سورة الرّوم - الآية 4 من سورة لقمان - الآية 7 من سورة فصلت.. وغيرها).
الإشكال الخامس: افترضوا أننا آمنا بإمامة وخلافة عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بلا فصل، إلا أن ذلك متعلّق بالوقت التالي لوفاة النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).. أي أن الولاية في ذلك الحين كانت ولاية بالقوّة دون الفعل..
والحال أنّ الآية بظاهرها تفيد مفهوم الولاية الفعلية...
الرّد: يلاحظ الكثير من هذه الاستعمالات والعبائر في القرآن المجيد، منها ما ورد في النّبي زكريّا (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث دعا اللّه تعالى بالقول: (هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) (1)والمسلّم به أنّ المراد بالولي هنا المدبّر بعد وفاته.. وإن كثيراً من الأفراد يعينون وصيّهم في حياتهم ويسمونه إذ ذاك، مع أنه يتصف بكونه وصيّاً لهم بالقوة.. مضافاً إلى أنه يرى في أحاديث النّاس العادية والاستعمالات الأدبية أن يطلق اسم أو عنوان على أفراد؛ هي تصلح أن تكون لهم بالقوة لا بالفعل، فيقال لهذا الفرد أو ذاك وصيّاً وقيماً، مع أن الموصي ما يزال على قيد الحياة.. وقد نقل عن النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من طرق الشيعة ومخالفيهم في أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه كان يخاطبه بكونه وصيه وخليفته.. في حين أن واحداً من هذه العناوين لم تخرج إلى حيّز الفعل أثناء حياة النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (2).
الإشكال السّادس: لماذا لم يستدلّ عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذا الدليل الواضح ؟
الردّ : قد نقل هذا الحديث في كتب ومصادر عديدة عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، منها (المسند) لابن مردويه وابن الشيخ و(كنز العمال) وهذا - في الحقيقة - بمنزلة استدلال الإمام بهذه الآية الشّريفة (3). وقد ورد حديث مفصل في كتاب سليم بن قيس الهلالي أن عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد سرد دلائل متعدّدة في ساحة صفّين في إثبات حقّانيته وفي محضر الآلاف المؤلّفة من النّاس، ومنها الاستدلال بهذه الآية (4). وفي كتاب (غاية المرام) روي عن أبي ذر أنّ عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد استدلّ في يوم الشّورى بهذه الآية الجليلة. (5)
الإشكال السابع: أنّ هذا التفسير غير متناسب والآيات السالفة والتالية، لأنّ الولاية فيها وردت بمعنى الصداقة والنصرة..
الرّد: قد قلنا مراراً إنّ الآيات القرآنيّة حيث نزلت بالتدريج وفي وقائع مختلفة كانت متصلة بها فلم تتنزّل آيات السورة متوالية أو قريبة في مفاهيمها، ولذا فقد اتفق كثيراً أن تنزل الآيتان متواليتان مع وجود الاختلاف في مفهوميهما والتفاوت في حادثتيهما.. وبالنظر إلى أنّ آية (إنّما وليكم اللّه.. وبشهادة شأن نزولها قد وردت في إتيان أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الزكاة حال ركوعه، وأنّ الآيات السالفة والتالية - كما قرأنا وسنقرأ - قد نزلت في حوادث أخرى.. فإننا لا نستطيع الاعتماد على اتصالها كثيراً، مضافاً إلى التناسب الموجود بين الآية محط التفسير وبين الآيات الماضية والتّالية، لأنها تتضمّن القول على الولاية بمعنى النّصرة، وفي هذه الآية كان الحديث عن معنى القيادة والتّصرف.. ولا شكّ في أنّ الشخص الولي والمدبّر والمدير سيكون ناصراً لأتباعه.. وبعبارة أخرى، إنّ النّصرة أحد شؤون الولاية المطلقة..
الإشكال الثّامن: ترى من أين لعليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذلك الخاتم الثّمين - كما ذكر في التاريخ؟!- مضافاً إلى أن التختم بذلك الخاتم الثّمين ألا يعد إسرافاً؟ ألا يعتبر ذلك دليلاً على عدم صحة التفسير – الإمامي - المذكور؟!
الرّدّ : إنّ المغالاة في قيمة الخاتم أمر لا أساس به من الصحة، ولا دليل مقبولاً على قيمته الكبيرة بين أيدينا.. وإنّ ما ذكر عن قيمته بأنّها تعدل خراج الشّام أمر أشبه ما يكون بالخرافة.. ولعلّ الحديث الموضوع في ذلك أريد به التقليل من قيمة وأهمّيّة أصل المسألة.. علاوة على أنّ الروايات الصحيحة والمعتبرة الواردة في شأن نزول الآية قد خلت تماماً من ذكر هذه الخرافة.. وعليه؟ لا يمكن التمويه والتعمية على الحقيقة التّاريخيّة بمثل هذا الكلام الباطل..
وَمَن يَتَوَلَّ اللّه وَرَسُولَهُ وَالّذينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّه هُمُ الْغَلِبُونَ (56)
1 - (التوالي) بمعنى اتخاذ الولي (وَالّذينَ ءَامَنُواْ) إشارة إلى مؤمنين محددين، وتفيد العهد أيضاً، أي: هم المؤمنون الّذين أشير إليهم في الآية السالفة (إنَّمَا وَلِيُّكُمُ...).
2- أشير إلى وصفين من أوصاف (حِزْبَ اللّه) في الآية (22) من سورة المجادلة.
ألف: إيمانهم بالمبدأ والمعاد.
ب: أنهم لا يوالون أعداء اللّه عزّوجل.
3- أشير في هذه الآية إلى قرينة أخرى على معنى الولاية؛ أي: الإمامة والإدارة والقيادة والتصرف، لأنّ التّعبير ب(حِزْبَ اللّه) والغلبة مرتبط بالحكومة الإسلاميّة الحقة، وليس الصداقة البسيطة.. وهذا ما يفيد بأنّ الولاية المرادة في الآية بمعنى الإدارة وقيادة المسلمين، لأنّ معنیالحزب نوع تنظيم وتضامن واجتماع لضمان تحقيق أهداف مشتركة..
4- ينبغي الالتفات إلى أن معنى (الّذينَ ءَامَنُوا) في هذه الآية لا تشمل جميع المؤمنين، بل هم الّذين أشير إليهم في الآية السابقة بأوصاف محدّدة.
5- ترى هل المقصود من غلبة وانتصار (حِزْبَ اللّه) الّذي أشير إليه في هذه الآية مجرّد الانتصار المعنويّ.. أم هو شامل لكل نوع من الانتصار الماديّ والمعنويّ ؟ لا ريب في أنّ إطلاق صيغة الآية دليل على انتصار - هم - المطلق في كلّ الجبهات.. ومعلوم أنه لو حصل أن اتّصف جماعة من حزب اللّه بالإيمان المطلوب والتّقوى والعمل الصالح والاتّحاد والتعاون التام
والوعي والنّضح والاستعداد الكافي.. فإنّ النّصر المطلق سيكون حليفهم.. وإذ نرى المسلمين في العصر الرّاهن محرومين من هكذا نصر وغلبة؛ فذلك لافتقارهم لصفات أفراد حزب اللّه الّذين ذكرتهم الآية.. وبهذا؛ نلاحظ أنّ الطّاقات والإمكانات الّتي كان ينبغي أن تصرف في إطار دحر الأعداء وحلّ المشاكل الإجتماعيّة ها هي تستخدم في الغالب في إضعاف بعضهم بعضاً !!
يَا أَيُّها الّذينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُواْ الّذينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوا وَلَعِبًا مِّنَ الّذينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللّه إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (57)
نقل في تفسير (مجمع البيان) وأبي الفتوح الرّازي والفخر أنّ رجلين من المشركين يسميان رفاعة وسويد أظهرا الإسلام ثمّ انخرطا في مجاميع المنافقين.. وكان بعض المسلمين يختلفون إليهما ويظهرون ودهم إليهما..
فنزلت الآية أعلاه وحذرتهم من مغبة سلوكهم (1). (وهنا يتضح أن الحديث لو كان بمعنى الصداقة - دون القيادة والتصرّف الوارد في الآيات السّالفة - لكان شأن نزول هذه الآيات شأناً مستقلاً عن تلك الآيات، وأنه لا يمكن اتخاذه قرينة للأخرى).
1- في هذه الآية، يأمر اللّه تعالى المؤمنين مرّة أخرى بالامتناع عن اختيار واتّخاذ المنافقين والأعداء عموماً أولياء، ولكنه سبحانه لإثارة عواطف المؤمنين وانتباههم إلى فلسفة هذا الحكم ؛ قال (يَا أَيُّها الّذينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُواْ الّذينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوا وَلَعِبًا).
2- مفردة هزو (على وزن قفل) بمعنى الكلام أو حركات الاستهزاء والسخرية الّتي تكون للإقلال من قيمة موضوع ما، وطبقاً لتعريف الرّاغب في (المفردات) تستعمل الكلمة للمزاح
1) مجمع البیان، ج 3، ص 328 وروض الجنان، ج 7، ص 38 والتفسير الكبير، ج 12، ص387.
والاستهزاء في حالة غياب الشخص المقصود أكثر شيء.
وإن كانت تتخذ بعض الأحيان في حال حضوره (1).
3 - (اللّعب) تستعمل عادة لدى الأفعال غير ذات الفرض الصّحيح، أو عديمة الهدف.. ومن ذلك لعب الأطفال.
4- أن يتخذ الكفّار وأهل الكتاب دين المسلمين سخريّاً، بمعنى أنهم يريدون القول بأنّ هذا الدّين لا ينفع في غير اللّعب والأغراض الباطلة وأنه لا فائدة عقلائيّة ترجى منه!!
5 - الولاية والودّ الحقيقيّ تعني المحبّة والعلاقة الطيّبة مع الكفّار، حيث يستلزم ذلك الامتزاج الرّوحيّ والتصرّف في الشّؤون النفسانية والإجتماعيّة.
6- ينبغي أن نعلم أنّ ولايتكم لهم ذات جهة وبعد واحد، لأنّهم لو كانوا يحبّونكم ويحترمونكم؛ ما اتخذوا دينكم ومقدّساتكم هزواً..
7 - المؤمن والمتمسّك بحبل الإيمان؛ لا معنى لأن يرضى للأغيار أن يتخذوا دينه وعقيدته
هزواً واستهزاء. وعليه؛ إن كنتم مؤمنين؛ فلا سبيل لكم سوى التقوى والامتناع عن موالاة الكفار والمنافقين (مِّنَ الّذينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ).
8 - في خاتمة الآية؛ تأكد الموضوع بجملة (وَاتَّقُوا اللّه إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) إذ اتخاذ الكفّار والمنافقين أولياء لا يتفق والتقوى والإيمان.
1) مفردات ألفاظ القرآن، ص 841.
وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْم لا يَعْقِلُونَ (58)
تبعاً للآية الأولى-ضمن هذا الموضوع - ورد في شأن نزول هذه الآية أنّ جمعاً من اليهود وبعض النّصارى كانوا يستهزؤون بصلاة المسلمين وحين يسمعون أذانهم.. فحذر القرآن المسلمين من إقامة الصداقة والولاية معهم (1).
1- المراد من (نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ) الأذان الّذي يعلن به عن دخول وقت الصلاة.. والضمير في (اتَّخَذُوهَا) عائد على الصلاة أو الأذان..
2- بداعي جهلهم وغبائهم يعجزون عن النظر بعين الدقة والتحقيق إلى الممارسات والشّعائر الدّينيّة وفوائدها؛ كالتقرب من اللّه تعالى وإحراز سعادة الدّنيا والآخرة، ولهذا السبب؛ يلجئون إلى وسيلة الاستهزاء بالإسلام والمسلمين.
3 - الكفّار يعمدون إلى مواجهة الإسلام بصفتين قبيحتين؛ وهما الاستهزاء والسّخريّة.
4 - للمفسرين لدى تفسير قوله سبحانه (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِباً) رأيان:
الرأي الأوّل: متى ما ارتفع صوت المؤذن للصّلاة، عمد الكفّار إلى إطلاق ضحكات الاستهزاء وقهقهات الهزو، لمنع المصلين عن الصّلاة وذكر اللّه تعالى؛ فتراهم يضحكون ويسخرون منهم ويصفونهم بالغباوة والجهل !
الرأي الثّاني: إنّهم لم يعوا عمق مفاهيم الأذان ونداء التوحيد والتقوى، لذلك؛ يصفون
1) مجمع البیان، ج 3، ص 329.
الأذان بكونه مجرد لعبة وعبثاً!!
5 - ثمة احتمالان في تفسير قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْم لا يَعْقِلُونَ):
الاحتمال الأوّل: قد ذهب البعض إلى أنّ المراد هو أنّ الجماعة المستهزئة هي جماعة غبيّة، وذلك لأنّ العقل والوجدان يمنع الفرد عن ممارسة الفعل القبيح.
الاحتمال الثّاني: فيما ارتأى آخرون أن المقصود كونهم يجهلون طبيعة الأجر على التعامل الإيجابي مع الإعلان عن وقت الصلاة والاستجابة لنداء الصلاة والإسراع إلى المسجد وإقامة الصلاة.. وكذلك هم لا يعلمون مدى العقاب الأليم الّذي سيلحق بهم جراء استهزائهم بالصلاة والمصلين والمؤذنين والأذان وأنّهم ما كانوا يعمدون إلى ذلك لو أنهم كانوا على علم بذلك العقاب الأليم ما استهزؤوا وما عبثوا..
6- لكلّ أمة في كلّ عصر ولإثارة مشاعر وأحاسيس أفرادها ودعوتهم إلى أداء وظائفهم الفرديّة والجمعيّة؛ شعارات وحالات رمزية، كما هو الحال في النّصارى، حيث يدعون أتباعهم إلى الكنيسة بضرب الناقوس.. وهذا الأمر آخذ بالاتساع والانتشار في عالم اليوم..
7- استعمل الإسلام لهذا الغرض رفع النداء إلى الصّلاة عند دخول وقتها، وهو دخول وقتها، وهو الوسيلة الأكثر تأثيراً ومخاطبة.. وأي شعار أكثر عمقاً وتأثيراً من ذكر اللّه تعالى والدّعوة الوجدانيّة والعقائديّة إلى وحدانيّة الرّبّ العزيز والشهادة بالرّسالة المحمدية وكذلك الدّعوة إلى الصلاة وإلى الفلاح وإلى أفضل العمل الصالح ثمّ الاختتام بذكر اللّه ووصفه الفذّ أيضاً.. إذ العبائر موزونة والمضامين واضحة جليّة، والمفاهيم بنّاءة توعويّة.
8- طالما ورد التأكيد على مسألة الأذان فى الرّوايات الشّريفة.. (1)ومن ذلك ماروي في الحديث النبوي الشّريف أن المؤذّنين في يوم القيامة هم مقام القيادة الأعلى ودعوتهم
1) راجع: وسائل الشيعة، ج 5، ص 369 إلى 379.
إلى اللّه سبحانه ودعوة إلى عبادة الصلاة.
9 - لا شكّ في أنّ الأذان ووجوب صيغته قد نزلا على النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) اللّه بطريق الوحي.. فيما نقلت روايات عجيبة بهذا الصدد من جهة المخالفين؛ وهي بمجموعها لا تتناسب والمنطق الإسلاميّ في التشريع، منها ما نقلوا أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) واستجابة لطلب بعض الصحابة في تحديد علامة للإعلان عن أوقات الصلاة.. فاستشارهم فأدلى كلّ منهم باقتراح، مثل نشر راية خاصة، أو إشعال نار، أو ضرب ناقوس، ولكنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لم يقبلها جميعاً، حتّى حدث أن رأى عبد اللّه بن زيد وعمر بن الخطاب مناماً فيمن يأمرهما أن يؤذن مؤذن للإعلان عن دخول وقت الصّلاة، وقد علّمهما صيغة الأذان، فأمضى النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) منامهما. (1)
ولكن هذه الحكاية الموضوعة تعد إهانة بالمقام النبويّ الشّامخ، إذ بدلاً من اعتماد الوحي السماوي، اتّكل على منامات الأصحاب، وجعل من ذلك مصدراً تشريعياً.. والواقع هو أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وكما هو المرويّ الصّحيح عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) لقد علم الأذان بالوحي السماوي (2).
10 - عن مولانا الإمام الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) حين نزل بالأذان كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) واضعاً رأسه في حضن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فألقى جبرائيل على النّبي الأكرم صيغة الأذان والإقامة عليه.. وحين رفع النّبي رأسه المبارك.. ثم سأل عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) عما إذا كان قد سمع أذان جبرائيل؟ فقال : نعم. فسأله النّبي الكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ثانياً عما إذا كان حفظه؟ فقال أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : نعم، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): أحضر - بلالاً - وكان ذا صوت جهوريّ - وعلمه الأذان والإقامة.. فاستدعى الإمام بلالاً وعلّمه الأذان والإقامة. (3)، (4)
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ ءَامَنَّا بِاللّه وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ اَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59)
عن عبد بن عبّاس أنّ جمعاً من اليهود جاؤوا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و اطلبوا منه أن يشرح لهم دينه، فقال : إنّي مؤمن باللّه العظيم ووحدانيته وما نزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب وموسى وعيسى وجميع أنبياء اللّه ورسله؛ لا أفرق بين أحد منهم، فقال اليهود : نحن لا نقر لعيسى ولا نقبله نبياً، ونحن لا نرى ديناً أسوأ من دينك.. فنزلت الآية الشّريفة وردّت باطلهم. (1)
1- (النّقمة) لغة بمعنى الإنكار والإشكال والعقاب اللساني أو العملي، وتستعمل تارة بمعنى العقوبة مطلقاً.
2- يصوّر اللّه الحنان في هذه الآية الشّريفة طبيعة اليهود القاسية الباحثة عن المعايب ورفضهم للحق في محضر نبي الحقّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) المؤمن بجميع الأنبياء والمرسلين.. ولكن الآية لم تتحدث عن ردّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ولكنها تأتي في مقام الرّدّ على ما اقترفوه من قبائح تجاه أنبياء اللّه ودين المصطفى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، مضافاً إلى إشارتها إلى طبيعتهم الفاسقة العاصية.. وهي قول القائل لأحدهم: إنّك منزعج منّي لكوني طاهراً نزيهاً ولكونك قبيحاً مشبوهاً! أو لأنني غني عنك بلطف اللّه ورحمته، ولأنك غير غنيّ.. وهذا الأسلوب في الخطاب أسلوب رائع لأنّه يجسّد مواجهة مؤثّرة
1) مجمع البیان، ج 3، ص330.
للغاية في المخاطب ويعكس نقاط قوة المتكلّم وثقته بنفسه وبما يتكلّم..
3- السبب في عدم الإشارة في هذا الآية إلى إيمان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الّذي أنزل أهل الكتاب من قبل الأنبياء السابقين؛ هو الكناية والتعويض بأهل الكتاب أنفسهم، ومضمون ذلك أن يا أهل الكتاب هل أنتم بصدد البحث عن عيوب فينا، والحال أنّكم لم تعلموا بما أنزل اللّه علينا وعلى الأنبياء من قبل، كما لم تفوا بما عاهدتم اللّه تعالى عليه..
4 - إنّ انزعاجكم منا لأننا آمنا باللّه وأطعناه، فيما أنكم لم تؤمنوا ولم تطيعوا..
5- من البديهي أنّ اليهود والنّصارى لم يلتزموا بما في كتبهم السّماويّة.. فهم - في الحقيقة - لم يتبعوا موسى ولا عيسى، ولا يعتبرون من أهل التّوراة والإنجيل الأصليين.. في حين أنّ المسلمين لا يفرقون بين الأديان والكتب السّماويّة ويؤمنون بها جميعاً.. وهم لم يذهبوا إلى قولكم: (تُؤمِنُ بِبَعضٍ وَتَكفُرُ بِبَعضٍ) لأنّ هذا القول والمسلك كفر، وإنّما بحثكم عن العيوب وملامتكم ليس إلّا أننا مؤمنون، وأنّ أكثركم فاسقون.
6- عرّفت كلمة (فاسق) في اللغة أنّ الفاسق هو الخارج عن التعاليم الإلهيّة بداعي الحسد وطلب الجاه لتحقيق الرّغبات والشهوات الباطلة.
7- أنّكم مع علمكم بحقانيتنا وعدالتنا، لا تقبلون إيماننا وسلوكنا، وذلك بدليل كونكم قوم فاسقين عاصين لأوامر اللّه ومناهيه، ولبلوغ طموحاتكم وإحرازكم المال والذهب؛ تتظاهرون بالانتماء للدين وربّ العالمين، وبهذا التظاهر تمارسون دوركم لتحقيق أهدافكم الدّنيويّة..
8 - في هذه الآية لم يتوجّه النّقد لجميع أهل الكتاب، وقد جرى الفصل بوضوح بين الأقلية الصالحة والأكثريّة الفاسقة وذلك بكلمة (أكثر) والعلّة في الإعلان عن فسق الأكثريّة دون الجميع لأنّ منهم - الأقلية - قد آمنوا باللّه وأطاعوه... ولذلك فقد اهتمّ القرآن بالفصل بين الفريقين (وَأَنَّ اَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ).
قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثْوَبَةً عِندَ اللّه مَن لَعَنَهُ اللّه وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أَوَلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ (60)
1 - يأمر اللّه تعالى نبيه الكريم في هذه الآية أن يدخل على الكفّار من باب التسليم ليقنعهم بشكل أسرع، وذلك أن يقول لهم : لنفترض أنّ الإيمان باللّه وإقامة الصلاة أمران سيئان، ولكن إذا كان من المقرر أن يُستهزأ بالشّرّ والخطأ ويفضحان، فإنّ الأولى من ذلك أن يتم الاستهزاء بما هو أسوأ من الشر وأكثر خطأ.. وهذا هو ديدنكم.. ولنفترض أننا على ضلال، فأنتم أضلّ منّا، لأنّ لعنة اللّه قد حلّت بكم ونزلت عليكم عياناً، وأنّ الّذين مسخوا قردة وخنازير قد كانوا منكم، وكذلك الّذين عبدوا الطاغوت كانوا من ملّتكم.. فهل تتجاهلون كلّ هذه المعايب والفضائح وتبحثون عن عيوبنا ؟ مع أنّ عيوبنا (على فرض أنّ الإيمان باللّه عزّوجلّ يعد عيباً والعياذ باللّه) لا تذكر قياساً بغيوبكم!!
2 - المقصود من (المثوبة) هو مطلق الجزاء أو العاقبة، والمراد من (الطَّاغُوتَ) كلّ معبود من دون اللّه، أو كلّ طاغ كافر.
3- في هذه الآية؛ جرى القياس بين العقائد المحرّفة والتصرّفات الخاطئة الخاصة بأهل الكتاب وطبيعة العقوبات الّتي لحقت بهم وبين أحوال المؤمنين والمسلمين الصّالحين، ليعلم أيّهما المستحقّ للنقد.. وهذا بمثابة ردّ منطقيّ للفت انتباه المعاندين والمتطرّفين.
4- في البيئة السيّئة ذات الأكثريّة الفاسقة والعاصية تتغيّر مقاييس الخطأ والصواب
ومعايير الباطل والحقّ، بحيث ينتقد العمل الصالح والعقيدة الصحيحة وتمتدح الأعمال السّيّئة والعقائد الباطلة.. هذا من خصوصيات المسخ الفكريّ النّاتج عن السقوط في الذّنوب والرّذائل وتعوّد وإدمان الإنسان عليها..
5 - لا شكّ في أنّ الإيمان باللّه والكتب السّماويّة ليس غير سيء فحسب، بل هو فضيلة.. أمّا الوارد في هذه الآية من قياس أفعال وأفكار أهل الكتاب والأمر الموجّه إلى النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن يقول لهم: هل الإيمان باللّه الواحد الأحد والكتب السّماويّة جدير باللّوم والانتقاد، أم السّلوك والمنهج باللّه الواحد الأحد والكتب السّماويّة جدير باللوم والانتقاد، أم السلوك والمنهج السيئ للّذين تعرّضوا لكل تلكم العقوبة الإلهيّة العظيمة؟ (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثْوَبَةً عِندَ اللّه)؟
6- الّذين تعرّضوا للعن اللّه وغضبه بداعي سوء أفعالهم، والّذين مسخوا قردة وخنازير، والّذين عبدوا الطاغوت.. لا ريب أن مصيرهم الأخروي سيكون أسوأ ممّا تعرضوا له في الدنيا من الخسارة والعقاب، لا سيّما وأنّهم كانوا الأضل سبيلاً !!
وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَد دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ واللّه أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (61)
1- يعرض اللّه تعالى في هذه الآية بواطن هؤلاء الخبيثة، ويخبر عن مستقبلهم المظلم ونفاقهم الباطني، ويشير إلى خبثهم لدى مواجهتهم المسلمين.
2- لدى تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَد...) هنالك احتمالان:
الأوّل: قد ذهب البعض إلى أنّ المراد حضورهم بكفرهم عند رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دون أن يكون إسلامهم وإيمانهم حقيقيين، وأنّ ذهابهم من عنده كان على الكفر والشّرك.
الثّاني: وذهب آخرون إلى أنهم منغمسون في الكفر والشّرك، فهم مصابون دوماً بآفة الكفر والشّرك، وقد عشعشا في نفوسهم وقلوبهم، وهم لا إيمان لهم.
3 - أنّ إظهار الإيمان باللسان ليس علامة على رسوخ الإيمان في القلب، ولهذا؛ لا ينبغي الانخداع بالمظهر ومحاولات الرياء في الحديث.
4 - الّذين يتظاهرون بالإيمان نفاقاً، عليهم أن يعلموا أن اللّه أعلم ببواطنهم وضمائرهم (قَالُوا آمَنَّا وَقَد دَخَلُوا بِالْكُفْرِ.. واللّه أَعْلَمُ).
وَتَرَى كَثِيرًا مِنهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62)
1- يذم القرآن هذه المجموعة من منافقي أهل الكتاب بداعي جرأتهم ووقاحتهم إزاء أنواع الذّنوب، لا سيّما الظّلم، وعلى الأخص إزاء أكل المال الحرام، مثل الرّشوة والربا..
2- كلمة (إثم) كما يستفاد من الآية، تعني الخوض وتتبع العيوب ونقاط الضعف في الآيات النازلة على المؤمنين, والمقصود من (الإثم) ليس الغوص في الكفر، وإنّماكل شكل من الخطيئة والمعصية.
3- كلمة (عدوان) لغة؛ هي التّعدي على الحقّ، وهذا من مصاديق الكفر اللساني واللفظي. ولكنّ مصطلح (الْعُدْوَانِ) الوارد في الآية الشّريفة هو الظّلم والجور أيضاً، ومعنى الآية هو أنّهم يسارعون في ارتكاب الذنب ومعصية اللّه وكلّ ظلم وجور يؤدّي إلى الشّقاء والهلاك..
4 - ذهب بعض المفسّرين إلى أنّ المقصود من جملة (وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ) علماء وزعماء اليهود الّذين يسارعون في الكفر والتعدي على حدود وتعاليم اللّه سبحانه. ويبدو- حسناً - أنّ المراد من ذلك هم الّذين يأخذون الرّشا لدى القضاء. ولهذا استعملت مفردة (السُّحْتَ) في الرّشوة، إذ أنّ هذه الآفة الاقتصاديّة والإجتماعيّة تسوق الإنسان إلى الشقاء والبؤس وزوال البركة عن المال (وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ).
5 - ارتأى بعض العلماء أنّ مفردة (المسارعة) تستعمل في الغالب في الأعمال الصالحة، وهنا؛ قد استعملت للإشارة إلى أنهم لدى ارتكابهم الذّنوب وتعديهم حدود اللّه وأحكامه وظلمهم وأكلهم الحرام يسارعون كأنّهم يفعلون صالح الأعمال ويسيرون في طريق الحقّ حيث يستوفون حقوقهم من النّاس، أو كأنهم يسارعون في قيامهم بتكاليفهم.. ولهذا؛ فقد ورد عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قوله إنّهم حسودون في الخطيئة والمعصية.
6- من العلامات الأخرى لنفاق علماء اليهود: تسابق الكثير منهم في إطار الذنب وممارسة الظّلم وأكل المال الحرام فيما بينهم.. أي أنّهم يخطون الخطوات العريضة والطويلة في طريق الظّلم والجور وكأنّهم يتقدمون إلى تحقيق الأهداف النّبيلة دونما حياء وخجل ليستبق بعضهم بعضاً (وَتَرَى كَثِيرًا مِنهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ).
7- ينبغي الالتفات إلى أنّ كلمة (الْإِثْمِ) قد وردت بمعنى الكفر وبمعنى كلّ خطيئة، ولكن حيث وردت هنا في مقابل العدوان، فقد فسّرها البعض بمعنى الذّنوب الّتي تعود عواقبها على نفس الإنسان؛ خلافاً للعدوان الّذي يصل ضرره إلى الآخرين، ويمكن أن يحتمل أنّ ذكر العدوان بعد الإثم هو من قبيل ذكر العام بعد الخاص.. وذكر أكل السحت بعد ذلك كان من قبيل ذكر الأخص.. وبهذا؛ فقد ذمّتهم الآية إزاء كلّ شكل من أشكال الذنب.
يفهم من عبارة (كَانُوا يَعْمَلُونَ) أنّ اقتراف هذه الأعمال لم يكن شيئاً صدفة من جهتهم، بل إنّهم كانوا يصرّون على ارتكابها حتّى بلغ بهم الأمر إلى إدمانها.
لَوْلا ينهاهُمُ الرَّبَّانيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَولِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يصنعون (63)
1- مصطلح (الرباني) مأخوذ من (الرّبّ) وكلمة (الرَّبَّانيُّونَ) تعني الأفراد المنقطعين عن غير اللّه ربّ العالمين واتصلوا به، كما تعني العلماء الّذين يدعون النّاس إلى اللّه سبحانه وتعالى.. ولكن موارد كثيرة لاستعمال هذه الكلمة تستعمل في عمل الديانة النصرانية.
2 - المراد من (الْأَحْبَارُ) هم علماء بني إسرائيل ورجال دينهم. وهذه الآية وردت في سياق النهي وتوبيخ علماء اليهود والنّصارى الّذين اختاروا الصمت تجاه ممارسات أفراد أمتهم السيئة ولم يمنعوهم ويردعوهم عنها. وضمير (هم) في هذه الآية يعود على كلمة (كثيرا) الواردة في الآية السابقة.
3- رغم أنّ بعض العلماء يعدّون المراد من (الرَّبَّانيُّونَ) علماء النّصارى، وأنّ (الْأَحْبَارُ) جمع حبر، وأنهم العلماء الّذين يتركون الأثر الإيجابي في مجتمعهم، إلا أنها تطلق على علماء اليهود خاصّة في كثير من الموارد ولكن من العلماء من عد المصطلحين خاصين بعلماء اليهود ورجال دينهم، لاسيما وأن الحديث يدور حولهم.
4- يذم اللّه تعالى علماء أهل الكتاب - في هذه الآية - ويلومهم، لأنّهم لم يؤدّوا مسؤولياتهم بالصورة المطلوبة، من ذلك؛ مسؤوليتهم في إبلاغ النّاس تعاليم اللّه.. وهذا التقصير والتهرب من أداء المسؤوليّة وعدم الالتزام من جهة رجال اللّه.. وهذا التقصير والتهرب من أداء المسؤوليّة
وعدم الالتزام من جهة رجال الدّين اليهودي والنّصارى.. يجرّ النّاس إلى التمرد والعصيان وارتكاب الذّنوب وبناء الثقافة والتصوّرات الخاطئة تجاه كلّ شيء.
5 - إذ لا يلاحظ ذكر لكلمة (الْعُدْوَانِ) في هذه الآية، فقد فهم البعض أن كلمة (الإثْمَ) في الآية قد أريد به المعنى الواسع للكلمة، ومن ضمنه العدوان..
6- إذ في هذه الآية وردت عبارة (قَولِهِمُ الإثْمَ) خلافاً للآية الماضية، وعليه فنحن أمام احتمالين:
الأوّل : يمكن أن يكون التعبير هذا إشارة إلى أنّ العلماء مكلّفون بردع النّاس عن خطيئة القول وخطيئة الفعل.
الثّاني: كلمة (قول) هنا تعني الاعتقاد، أي أنّ العلماء ولإصلاح المجتمع الفاسد؛ عليهم أولاً تغيير أفكار النّاس وعقائدهم الباطلة الخاطئة، إذ إن لم يحدث الانقلاب الفكري فإنّ من الخطأ توقع حصول الإصلاح الجذري العميق من النواحي العمليّة، وبهذا، تشير الآية إلى أنّ إصلاح المجتمع الفاسد يجب أن يبدأ من الثّورة التصحيحية والتغييرية في الرؤى والأفكاروالقناعات..
7- كما يندّد القرآن الحكيم بالمذنبين الأصليّين، كذلك يذمّ العلماء السّاكتين والتّاركين لمسؤوليّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصنَعُون)؟!
8- واضح أن مصير التاركين لأداء مسؤوليتهم العظمى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - لا سيّما العلماء منهم - سيكون ذات مصير المذنبين العصاة، وهم - في الحقيقة - شركاء في ذنوبهم. وقد ورد عن ابن عبّاس (المفسّر المعروف) قوله إنّ هذه الآية أشدّ آية في القرآن (1)في ذمّ العلماء الساكتين على المقصرين (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصنَعُون).
1) تفسير جوامع الجامع، ج1، ص339.
9- بديهي أنّ حكم مذمّة هذه الآية ليس خاصاً بعلماء اليهود والنّصارى الساكتين عن الحقّ، بل يتعدّى هذا الحكم إلى جميع القادة الفكريين والعلماء حين يختارون الصمت والانزواء وهم يرون النّاس من حولهم قد غرقوا في الذّنوب وسارعوا إلى ممارسة الظّلم والجور والفساد فيما بينهم، وذلك لأنّ حكم اللّه تعالى متساو في الجميع..
10 - في منتهى الآية السالفة ورد التعبير عن عموم النّاس بالقول: (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) في هذه الآية خوطب العلماء بكلمة (يصنعون) ونحن نعرف أن (يَصنَعُون) مأخوذة من (الصنع) بمعنى الفعل المنجز عن دقة ومهارة، إلّا أنّ (يَعْمَلُونَ) مأخوذة من (العمل) بمعنى كلّ ما ينجز وإن لم تصاحبه الدقة والمهارة.. وهذا الفارق يتضمّن لوماً وذماً أشد، لأنّ الأفراد العوام الجهال إذا قاموا بأعمال سيّئة، فإنّ قسماً منها يُعزا إلى الجهل والسذاجة، ولكنّ العالم الّذي لا يعمل بوظيفته، فإنّه يهبط إلى حضيض المعصية بعمله، وبهذا تكون عقوبة العالم أثقل وأقسى من عقوبة الجاهل، وقد ورد في المأثور عن المعصوم أنَّه يغفر للجاهل سبعون ذنباً حتّى يغفر للعالم ذنب واحد..
11- نقرأ في حديث عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) "فإنّ اللّه سبحانه لم يلعن القرن الماضي بين أيديكم إلا لتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلعن السفهاء لركوب المعاصي والحكماء لترك التناهي". (1)
وعنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيضاً : "وإنّما الأمم السالفة قد هلكت لارتكابها الذّنوب وسكوت علمائهم وقعودهم عن النهي عن المنكر، فنزل فيهم البلاء والعذاب. فأمروا - أيها النّاس - بالمعروف وانهو عن المنكر لئلا يصيبكم ما أصابهم.. (2)
12 - يفهم من الآية الشّريفة هذه المسألة الخطيرة، وهي أنّ من يتّخذ الموقف المسئول في حياته تجاه القبائح والذّنوب والظّلم والجور والجائر ولا يحذّر من ذلك ولا ينهى عنه.. كان كمن يرتكب مثل هذه الذّنوب.. كما أنّ الآية ترشد إلى أنّ الدّعوة إلى المثل العليا والتحذير ممّا ضدّها مسئولة واجبة على الجميع (وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ).
وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّه مَغْلُولَةً غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانَا وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِلحَربِ أَطْفَاهَا اللّه وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللّه لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)
1- يؤكّد التاريخ أنّ اليهود حين كانوا يعيشون في قمّة قوّتهم، ويسيطرون على أجزاء مهمّة من المساحات الجغرافيّة المعمورة، وكانت لهم دولة يحكمونها، مثل عصر النّبيين داوود وسليمان، ثمّ الفترات التّالية لهما.. فقد شهدت سلطتهم نوعاً من الصعود والهبوط.. ولكن بعد ظهور الإسلام - لا سيّما في بيئة الحجاز - وجدنا أفول نجم قدرتهم وسطوتهم، وقد كانت مواجهة النّبي الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لليهود من بني النّضير وبني قريظة وخيبر أدت إلى إضعافهم.. وفي تلك الأثناء عمد بعض هؤلاء اليهود وبناء وتغنّياً بقوّتهم السّابقة إلى القول باستهزاء: إنّ يد اللّه مغلولة إلى سلاسل، وإنّه لا يرزقنا.. وكان المتحدّث بهذا القول السّخيف - وطبقاً لنقل بعض المفسّرين - فنخّاس بن عاذورا؛ زعيم بني قينقاع، أو نباش بن قيس حسب البعض الآخر، وحيث كان اليهود راضين بهذه المقولة البدعة، فقد نسبها القرآن إلى أجمعهم فقال: (قَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّه مَغْلُولَةً).
2 - ثمّ أربعة أبعاد بينت لهذه الآية:
البعد الأوّل : نظراً للرّوايات العديدة المنقولة عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، يعلم أن هذه الآية أشارت إلى عقيدة اليهود بخصوص مسألة القدر والقضاء والمصير والتفويض والجبر.. (1)إذ ذهبوا إلى أنّ اللّه ومنذ بدء الخلقة قد عيّن وحدّد كلّ شيء وقام بما كان يجب أن يقوم، بل إنّه لم يعد قادراً على إدخال أي تغيير على ما قام به وفعله! وحيث أن اليهود قالوا بعدم جواز النّسخ في الأحكام الدّينيّة وعدم جواز البداء في الأحكام التكوينيّة (وإن أحد اعتراضاتهم على المسلمين القائلين بإمكانية نسخ الأحكام) فقد استلزم قولهم الباطل هذا أن لا تكون اللّه تعالى القدرة المطلقة في خلقه، وأنّه عاجز عن إدخال التغيير وفعل ما يريد ويحبّ.. وفي الحقيقة؛ إنّ عدم القول بجواز النّسخ والبداء يؤدّي إلى تحديد اللّه وتقييد قدرته..
البعد الثّاني: حيث كان اليهود يرون ضائقة المسلمين الماليّة، راحوا يقولون مستهزئين :يد اللّه مغلولة ويعجز عن أن يلبي حاجتهم ويرفع عنهم ضائقتهم!!
البعد الثّالث: لمّا كان اليهود قد أصيبوا بالقحط في ذلك العام، فقد نطقوا بهذا الكفر من باب الشّكوى.
البعد الرّابع: حين بلغت أسماع اليهود آيات القرض الحسن، راحوا يسخرون من المسلمين ويقولون: ما هذا الرّبّ المحتاج إلى قرض من يقرضه - لترويج دينه ؟ - وهذا البعد يبدو أنّه هو الأقرب من بين أبعاد شأن نزول الآية.
3- كلمة (يد) في لغة العرب تطلق على معاني عديدة.. ومعناها الأوّل والأصل هو هذا العضو من الجسم. ولما كان الإنسان يقوم بأكثر أعماله المهمة بيده، فقد استعلمت كناية في باقي النّعم ومظاهر القوّة والتسلّط.
1) راجع: البرهان، ج 2، ص330 و 331.
4- ممّا هو جدير بالنظر أنّ اليهود أوردوا كلمة (اليد) بصيغة المثنى إذ قال بل يداه مبسوطتان وحيث كانت اليد في لغة العرب تعبيراً عن القدرة واليدان تعبيراً عن الكمال في القدرة، فقد استعمل اللفظ القرآني بمثابة الكناية اللطيفة عن عظيم جوده وكرمه ورزقه، لأنّ كثيري السّخاء يعطون بيديهم، مع أنّ ذكر اليدين كناية عن قدرتهم الكاملة.. ولعلّ في ذلك إشارة إلى النّعم الماديّة والمعنويّة، أو الدّنيويّة منها والأخرويّة (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ).
5- المقصود من جملة (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) هو ذاته المعنى الأوّل في اليد، مع إمكانيّة أن يسايره معنى مسألة القضاء والقدر والمصير والتّفويض، وذلك أنّ اليهود حين اضطربت معيشتهم وغرب نجم سعدهم ذهبوا إلى أنّ ذلك من المصير المحتوم عليهم، وإلى استحالة تغيير المصير، باعتبار أنّ المصائر قد حددت منذ البداية وقد خرج تغييرها أو تعديلها عن يد اللّه عزّ وجلّ!!
7 - معلوم أنه ليس هنالك إجبار في الأفعال الإلهيّة.. وليست الإرادة الإلهيّة محكومة بجبر الزّمان والعوامل الطبيعيّة، بل إنّ إرادة الرّب القدير العزيز أسمى من كلّ شيء وأقوى من كلّ شيء، وهو سبحانه الفعّال لما يريد (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ ما يَشَاءُ).
8 - مع أنّه كان من الممكن أن يزيح نزول هذه الآيات الجليلة حجب الجهل والوقاحة من عقائد اليهود فتترك الأثر الإيجابي التّغييريّ المطلوب فيهم؛ وتمنعهم عن الإمعان في مسيرة البدع والباطل، إلّا أنّ كثيراً منهم أصروا على عنادهم وطغيانهم وكفرهم وباطلهم.. فحكم اللّه تعالى عليهم العقاب العظيم في دار الدنيا، وهو أن أغرى بينهم بالغداوة والبغضاء إلى يوم
القيامة (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانَا وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ).
9 - سؤال : ما المراد من العداوة والبغضاء ؟
إنّ العداوة هي الغضب المقرون إلى الاعتداء الفعليّ.
والبغضاء هي الغضب الباطني الّذي يمكن أن يقترن بالاعتداء الفعليّ أيضاً ويمكن القول بأنّه وبغضّ النظر عن الحالة الاستثنائيّة المعاصرة لليهود وبنظرة إلى تاريخهم المشرذم.. نجد أنّ ما يميزهم عن غيرهم من الأمم انعدام حالة التجانس والاتحاد بينهم.. ولو أنّهم كانوا على غير هذه الحال والصفة لما عرفنا عنهم كلّ ذلك التّشرذم والتّفرق والشقاء والذل بين الشّعوب الّتي يعيشون فيها.. وقد أشرنا إلى طبيعة اختلافهم وعداواتهم المتواصلة في تفسير الآية (14) من هذه السّورة أيضاً.
10 - تنبّه خاتمة الآية إلى مساعي اليهود وحرصهم على إشعال نيران الحروب.. ولكنّ اللّطف الإلهيّ؛ المتمثل بوجود النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وحكمته وبغير ذلك كان يقي المسلمين من شرّهم ومؤامراتهم (كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِلحَربِ أَطْفَاهَا اللّه).
11- كان اليهود أقوى النّاس في بلاد الحجاز وأعرفهم بمسائل الحرب، وكانت له أمنع القلاع والحصون، مضافاً إلى قوتهم الماليّة الّتي كانت تساعدهم في قوتهم العسكرية.. إلى الحدّ الّذي اضطر قريشاً في طلب المساعدة والدعم منهم.. كما كان كلّ من الأوس والخزرج يحرصان على عقد الاتفاقيات العسكرية معهم.. ولمّا طويت صفحة قوتهم بالشكل الّذي لم يكن متوقعاً؛ اضطرّ يهود بني النضير وبني قريظة وبني -القينقاع- ضمن ظروف خاصة- إلى الجلاء عن مساكنهم وقراهم ووطنهم.. أمّا سكّان قلاع خيبر وأرض فدك فقد استسلموا بدورهم، فيما اليهود المتناثرون في بعض صحاري الحجاز، فقد استسلموا إزاء عظمة الإسلام.. وهم لم يعجزوا عن دعم المشركين فحسب؛ وإنّما اضطروا إلى مغادرة ساحة المواجهة.. وكان هذا
المآل بمثابة إحدى نقاط الإعجاز المحمّديّ (كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِلحَربِ أَطْفَاهَا اللّه).
12- لم يؤاخذ القرآن اليهود من الناحية القومية. بل كانت مقاييس انتقاده لهم طبيعة أعمالهم السيّئة.. وسنقرأ في الآيات التالية أنّ القرآن قد أفسح لهم إمكانية العودة إلى جادّة الصّواب.
13- يقول سبحانه وتعالى :
أولاً : أنّ اليهود سيبقون في الحياة إلى يوم القيامة.
ثانياً: أنّ تنفّرهم من بعضهم وغضبهم ونزاعهم سيبقى فيهم إلى قيام الساعة، وإنّه متى ما أرادوا إشعال نار الحرب ضد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، و رماهم اللّه بالاختلاف فيما بينهم، وبذلك تطفأ تلكم النّار.. وهذه الآية بمثابة البشرى للمسلمين - آنذاك على الأقل - أمّا الحروف ذات الأهداف السياسيّة أو القوميّة، فهي خارجة عن سياق الآية وموضوعها..
14 - مساعي اليهود مكرّسة كلّها لملء الأرض فساداً ضدّ المسلمين.. إلّا أنّ اللّه تعالى لا يحبّ المفسدين.. ولا يكلّ الأرض ولا بهمل عباده ويتركهم بأيدي المفسدين، ولا يسمح بتحقيق أحلامهم الشّيطانيّة، لينتهي بها الأمر إلى الفناء والفشل (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللّه لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ).
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابٍ ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَیّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65)
1- تتمّة للإدانة القرآنيّة لمنهج وسلوك أهل الكتاب، يقول القرآن في هاتين الآيتين وكما تقتضي الأصول التربوية الحقة، ولإعادة المنحرفين من أهل الكتاب إلى الجارة الصواب، وللإشارة إلى المسار الصحيح، وتقديراً للأقليّة من بينهم حيث لم ترض بأعمالهم المخالفة (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابٍ ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَیّئاتِهِمْ).
2- التقوى بعد الإيمان بمعنى الامتناع عن ارتكاب المحرمات وكبائر الذّنوب، وهي الذّنوب الّتي توعد اللّه عليها في القرآن الكريم مرتكبها بالنّار، وهي الّتي تشكل الشرك وسائر الذّنوب الكبيرة.
3- كلمة (السيئات) في الآية بمعنى الذّنوب الصّغيرة، أي أنه تعالى يقول: إن آمنوا وتجنبوا كبائر الذّنوب، غفر اللّه صغائر ذنوبهم، وذلك ما يشبه بمضمونه الآية (31) من سورة النساء المباركة.
4 - بتأكيد رحمته الواسعة، يقول اللّه سبحانه فيما يرتبط بنعمه المعنويّة والأخرويّة إنّه لا يغفر لهم الذّنوب فحسب، وإنّما سيدخلهم جنّات النعيم الّتي هي مصدر ومركز أنواع النعم، وفي مقدّمتها نعمة السعادة الدّنيويّة والأخرويّة (وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ).
وَلَوْ أَنَهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ (66)
1- لو أنّ أهل الكتاب طبقوا تعاليم التّوراة والإنجيل عموماً، ووضعوا هذه التعاليم نصب أعينهم والتزموا بما نزل من كتب السّماء - بما فيها القرآن المجيد - بعيداً عن كلّ عصبية جاهليّة، لترك فيهم هذا الالتزام الأثر الإيماني العميق في أنفسهم، ولظهر ذلك حتّى في حياتهم الماديّة، ولتنزّلت عليهم نعم السماء وأثرتهم نعم الأرض أيضاً.
2 - يهدف القرآن الكريم - إلى الحدّ الممكن - إلى الهبوط بنسبة تطرّف أهل الكتاب، وإلى فتح منافذ إيجابية في أنفسهم.. ولهذا ؛ ورد الإطلاق في قوله سبحانه (وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ) وشموله جميع كتب السّماء والتّعاليم الإلهيّة.. إلّا أنّ حقيقة هذا الإطلاق والمراد منه الإشارة إلى خطأ التّمييز بين العصبيّات القوميّة وبين المسائل الدّينيّة والإلهيّة، لأن كتب السماء ليست نتاج اليهود العرب، وإنّما الوارد فيها ترجمة للتعاليم الإلهيّة..
3- ينبغي أن نعلم أنّ مجموع الضّمائر في (إِلَيْهِم ، مِّن رَّبِّهِمْ ، مِن فَوْقِهِمْ ، وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم) في هذه الآية تعود على النّاس، وهذا يبيّن ويؤكّد أن الالتزام بتعاليم السماء الواردة على لسان الأنبياء لا تقتصر على ضمان السعادة في الحياة الّتي تلي الموت، وإنّما لها أبعادها الواسعة والشّاملة للحياة الدّنيويّة الماديّة، حيث تقوّي الجموع وترص الصفوف وتراكم الطاقات وتزيد من بركات النّعم وتوسع الإمكانات وترفّه المعيشة وتصنع الأمن والأمان..
4 - تحمل جملة الآية (مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم) احتمالين الأوّل : أنّها تشمل جميع النّعم السّماويّة والأرضيّة.
الثّاني : أنّ هذه الجملة كنائيّة عن عموميّة النّعم، كما يقال في الأدب العربيّ وغير العربيّ: فلان قد غرق بألوان النّعم من فرق رأسه حتّى أخمص قدميه.. أي أن النعم قد شملته بكله...
5 - لا شكّ في أنّ الالتزام بتعاليم التّوراة والإنجيل عمل بأصولها، لأن أصول تعاليم الأنبياء متساوية في كلّ مكان، وليس التفاوت بين الكامل والأكمل وليس ثم تفاوت في أن تنسخ بعض الأحكام السّابقة بأحكام لاحقة.
6 - هذه الآية ردّ على مقولة اليهود الّتي قراناها في الآية (64) الّتي أفضت عن أننا إذا رأينا انقطاع النّعم الإلهيّة، فإنّه ليس من بخل في الذات الإلهيّة المقدّسة والعياذ باللّه وإنّما هو نتيجة سوء أعمال العباد الّتي تنعكس في حياتهم الماديّة والمعنويّة: فتعطلها إلى حد بعيد، ومالم يعد العباد إلى المسار الصحيح، فإنّ النّعم لن تعود..
7 -جملة (مِّنْهُم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ) إشارة إلى الأقلية القليلة الصالحة فيهم، وبيان لحقيقة خطأ التصوّر بأنهم – اليهود - ظالمون بأجمعهم، فمع أن كثيراً منهم سيّئون، إلّا أنّ منهم المعتدلين (وحسابهم مستقل عن حساب غيرهم عند اللّه تعالى) ونظير هذه العبارة فيما يرتبط بصالحي أهل الكتاب ومعتدليهم تلاحظ في الآيات (159 و 181) من سورة الأعراف والآية (75) من سورة آل عمران..
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ، وَاللّه يَعْصِمُكَ مِنَ النّاس إِنَّ اللّه لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)
رغم أن الأحكام المسبقة والتّعصّب المذهبيّ قد حال – وللأسف - دون إتاحة الحقائق المتعلّقة بهذه الآية لأيدي المسلمين من دون أي إضافات ونقائض وحجب.. إلّا أنّه في الوقت ذاته قد وردت أحاديث وروايات كثيرة في مختلف كتب علماء مخالفي الشّيعة بما يشمل كتب التفسير والحديث والسيرة.. وهي تؤكّد بصراحة أنّ الآية أعلاه قد نزلت في أمير المؤمنين عليّ بن أي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومقام ولايته العظمى.. وقد روى هذه النّصوص المباركة جمع من الصّحابة؛ منهم زيد بن أرقم وأبو سعيد الخدريّ وابن عبّاس وجابر بن عبد اللّه الأنصاريّ وأبو هريرة والبراء بن عازب وحذيفة بن اليمان وعامر بن ليلى بن صخرة وابن مسعود وغيرهم، وقد قالوا بنزول هذه الآية العظيمة في علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وواقعة يوم غدير خمّ.. (1)
1- نزلت هذه السّورة المائدة في أواخر عمر الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الشريف.
2 - في هذه الآية ورد التعبير بالقول (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ) بدلاً من (يا أيها النّبي) للإشارة إلى أهمّيّة الرّسالة الواجب على النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إبلاغها للنّاس، مضافاً إلى أن إطلاق التهديد
1) راجع الغدير، ج 1، ص 423 إلى 459.
للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بخصوص كتمانه الرّسالة في هذه الآية دون جميع آيات القرآن الكريم.. وأنّه إن لم يبلغها فكأنّه لم يبلغ القرآن ولم يقم بمهام النّبوّة أبداً، وعليه؛ يلزم الالتفات إلى عظيم أهمّيّة الرّسالة وقد بيّنت بهذه الصّورة..
3- هذه الآية تحدّد للنّبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بلحن خاص وبأمر معين وظيفته؛ أن يبلغ النّاس بما أنزل إليه من ربّه (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ).
4 - لا علاقة لهذه الآية الجليلة بما قبلها وبما بعدها - مسائل أهل الكتاب - لأنّ الفترة الّتي نزلت فيها كانت لا تحمل خطراً على النّبي والإسلام من أهل الكتاب.. ولهذا؛ كانت متفاوتة من حيث السياق عن الآيات السابقة.
5- بيّنت هذه الآية أمراً مهماً جداً؛ وهو مجموع الدّين أو أحكامه بصورة التنكير والإبهام، للإشارة إلى عظمة الأمر، وللإيحاء بأنّ الرسول الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) غير مخير.. وهذان المطلبان، وفضلاً عن برهانهما، يقدّمان عذراً قاطعاً للنّبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في الإقدام على إعلانه باعتبار يجسّد مجموع الدّين وحكمه أو أحكامه.. والأمر - مهما يكن - أمر كان يخشى الرّسول إبلاغه وإظهاره، بانتظار اليوم المناسب لإظهار.. ولم تكن هذه الخشية خشية على حياته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، بل إزاء اضمحلال وزوال الدّين.. أو احتمال اتّهامه من جهة النّاس، وبالتالي تعطل الدّين والدّعوة إليه..
6- ثمّ الآية عمدت إلى طمأنة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الّذي كان مضطرباً من هذه الواقعة بشكل من الأشكال، فأمرته أن لا يخشى النّاس من أداء هذه الرّسالة الخاصة، لأنّ اللّه سيجنبه شرّ النّاس (وَاللّه يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) واحتمال اتهامهم إيّاه.
7 - تعرّض الآية في خاتمتها تهديداً وعقاباً للذين ينكرون ويكفرون بهذه الرسالة الخاصة (إِنَّ اللّه لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ).
8 - ترتيب خطابات الآية واللحن الخاص والتأكيد المتكرّر والخطاب ب-(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ) وذلك في موردين من كلّ القرآن، وتهديد النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بعدم تبليغ الرسالة برمّتها في حال التقصير
عن إبلاغ ما أمر.. يشير إلى أنّ موضوع الإبلاغ في هذه المرّة إبلاغاً هو الأهم من كلّ شيء.. وأنّ عدم إبلاغه يعدل عدم إبلاغ الرسالة السّماويّة بأجمعها.
9- لا ريب أنّ هنالك معارضين معاندين جداً كانوا بالنسبة لهذا الموضوع؛ بحيث كانت معارضتهم قد تتسبّب للإسلام والمسلمين؛ ممّا أثار قلق النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).. ولذلك فقد طمأنه اللّه تجاه ذلك.
10- سؤال: بالنّظر إلى تاريخ نزول هذه السّورة الّذي كان في أواخر حياة الرسول الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، كيف يتبيّن مدى أهمّيّة المطلب الّذي أمره اللّه - بكل تأكيد وتهديد وصراحة - أن يبلّغه ؟
هنالك أربعة احتمالات لوجوه هذا الأمر الإلهيّ:
أوّلاً: أن يكون مرتبطاً بمسألة التّوحيد والشّرك وتحطيم الأصنام؟
ثانياً: هل هو متعلّق بالأحكام والقوانين الإسلاميّة؟
رابعاً: هل هو عائد إلى المنافقين؟
كل هذه الاحتمالات باطلة وليست في محلها.. لأن مسألة التّوحيد والشّرك قد حلّت منذ سنين بالنسبة للنّبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، والمسلمين، وقد بينت أكثر الأحكام والقوانين الإسلاميّة حتّى تلك الفترة، ومواجهة أهل الكتاب قد انتهى أمرهم بعد فتح مكة وسيطرة ونفوذ الإسلام في أنحاء الجزيرة، وذلك بعد حوادث بني النضير وبني قريظة وبني القينقاع وخيبر وفدك ونجران؛ ولم يعودوا يمثّلون مشكلة تُذكر للمسلمين.. فيما المنافقون المعروفون قد عُطّلت مؤامرتهم.
11- سؤال : ما هي القضيّة المهمّة الّتي برزت في أواخر أشهر حياة النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حتّى تنزل الآية أعلاه وتؤكّد عليها بالشكل المذكور؟
لدى الإجابة على هذا السؤال ينبغي القول : لا شكّ في أنّ خشية وقلق النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - كما أشارت الآية بصورة ضمنيّة - لم يكونا لشخصه وحياته وإنّما للمؤامرات والاعتراضات المحتملة من جهة المنافقين شديدي الخطر، حيث تحمل تلكم الاعتراضات والمؤامرات
أخطاراً على المسلمين ومستقبلهم وما تتضمنه من أضرار بالغة.. ولهذا - وبناءً على الروايات الواردة من طرق الشّيعة ومخالفيهم في هذه الآية - فإنّ الآية قد نزلت لتعيين وتنصيب الوحي والخليفة الواجد للصفات اللازمة بعد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وتحديد مصير المسلمين وتاريخ الإسلام (1).
12 - يفهم من الرّوايات المختلفة العديدة الواردة عن الشّيعة والسّنة أنّ نزول هذه الآية كان في تنصيب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) الإمامة المسلمين وبعد الفترة النّبويّة العظيمة.. وهذا يستلزم منا بيان وعرض هذه الروايات أوّلاً، ثمّ التحقيق في الإشكالات الواردة لدى تفسير هذه الآية من قبل جماعة المفسّرين المخالفين ثانياً.
ألف: بعض الأحاديث؛ مثل حديث زيد بن أرقم من طريق واحد. وبعض منها؛ مثل حديث أبي سعيد الخدري من أحد عشر طريقاً. وبعض منها؛ مثل حديث ابن عبّاس من أحد عشر طريقاً أيضاً. وبعض آخر ؛ مثل حديث البراء بن عازب من ثلاث طرق (2).
ب: العلماء الّذين صرحوا بذكر هذه الأحاديث في كتبهم.. وهم كثر.. ونسمي بعضاً منهم کنموذج:
الحافظ أبو نعيم الإصفهاني ّفي كتاب (ما نزل من القرآن في علي) نقلاً عن (الخصائص / ص 29).
أبو الحسن الواحدي النيشابوري في (أسباب النزول / ص150).الحافظ أبو سعيد السجستاني في كتاب (الولاية) نقلاً عن كتاب (الطّرائف).
ابن عساكر الشّافعيّ؛ نقلاً عن الدّر المنثور ج 2، ص (298) والفخر الرازي في (التفسير
الكبير / ج3، ص336).
أبو إسحاق الحموي في (فرائد السمطين).
ابن الصّباغ المالكيّ في (الفصول المهمة / ص 27).
جلال الدّين السّيوطيّ في (الدّر المنثور ج 2، ص298).
القاضي الشّوكانيّ في (فتح القدير/ ج 3، ص 57).
شهاب الدّين الآلوسيّ الشافعيّ في (روح المعاني / ج6، ص 172).
الشيخ القندوزيّ الحنفيّ في (ينابيع المودة / ص120).
بدر الدّين الحنفيّ في (عمدة القاري في شرح صحيح البخاري / ج 8، ص 584).
الشيخ محمد عبده المصري في تفسير (المنار/ ج6، ص 463).
الحافظ ابن مردويه المتوفّى سنة (416) نقلاً عن السيوطي في (الدّر المنثور).. وجمع كثير آخرون نقلوا المذكور في شأن نزول هذه الآية.
ج: لا يُتصوّر أنّ العلماء والمفسّرين المذكورين أعلاه قد قبلوا أنّ نزول هذه الآية في عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وإنما المقصود كونهم قد نقلوا الروايات المتعلّقة بهذا الأمر في كتبهم، رغم أنهم بعد نقلهم هذه الروايات بداعي أحكامهم المسبقة المانعة دون اعتناق الرأي الحقّ تجاه هكذا مواضيع.. تراهم يمتنعون عن قبول تلكم الرّوايات الصحيحة.. بل إنّهم سعوا في بعض الحالات أن يقلّلوا من شأنها وأهميتها.. مثل الفخر الرازي الشهير بتطرّفه وتعصبه في المسائل المذهبية والطائفية، حيث عمد إلى التقليل من أهمّيّة شأن نزول الآية، وجعله احتمالاً عاشراً وأورد تسعة احتمالات واهية جداً لشأن نزول الآية وقدّمها كلّها عليه... ولا عجب من هذا الرازي؛ لأنّ مسلك الجميع من أقرانه على ذلك.. والعجب من كتاب يدعون التنوّر مثل سيد قطب في تفسير
(ظلال القرآن) (1)ومحمد رشيد رضا في تفسير (المنار) وهما اللذان لم يذكرا شأن النزول الّذي ملأ الكتب.. أو لم يعطياه الأهمية المطلوبة.. بحيث لم يجعلاه ملفتاً للنظر أبداً.. فهل يا ترى أنّ بيئتهما لم تسمح لهما ببيان الحقيقيّة، أم أنّ حجب الضلال والعصبية الطّائفية - والبغض الشديد - لم يمكّنهما وأمثالهما من (النّواصب) أن ينفذ إلى أعماقهما نور اللّه والحقيقة؟ ولكن مع هذا؛ ثمّ جمع آخرون عدّوا شأن نزول الآية فى أمير المؤمنين الا فيما تردّدوا أنّ دالاً على مسألة الولاية والخلافة العلوية.. وسرعان ما نردّ إشكالاتهم الواهية بإذن اللّه تعالى.
د: الروايات الواردة بهذا الصدد في كتب السنة المعروفة فضلاً عن كتب الشيعة- وقبل أن يتاح إنكارها، أو تجاوزها بسهولة.. لماذا يحصل الاقتناع بشأن نزول سائر آيات القرآن عبر رواية أو روايتين.. أما بخصوص شأن نزول هذه الآية لا تكفي كلّ الرّوايات الواردة فيه ؟ فهل لهذه الآية خصوصيّة عديمة هي في باقي آيات القرآن ؟ وهل هناك دليل منطقي لكلّ هذا التّعنّت
حول هذه الآية ؟
ه: الروايات الخاصة بشأن نزول الآية هي الروايات الوحيدة فيما يتعلّق بنزولها في شأن عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وإلا فالروايات المتعلّقة بحادثة غدير خم وخطبة النّبي المصطفى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كثيرة جداً، إلى الحدّ الّذي أسندها المحقق العلّامة الأميني في موسوعته (الغدير) إلى (110) من الصحابة و (84) من التابعين و (360) عالماً وكتاباً إسلامياً معروفاً، ممّا يؤكّد أنّ الحديث المذكور أحد أكثر الأحاديث المتواترة قطعية.. ولو أن أحداً شكّ في تواتره، لقلنا بأنه لا يستطيع قبول أيّ نصّ متواتر !! (2)
و: لأنّ البحث هو عن جميع الرّوايات الواردة في شأن نزول الآية، وكذلك عن جميع
الرّوايات المنقولة عن واقعة الغدير فإنّه كان بحاجة إلى تأليف موسوعة ضخمة تخرجنا عن طور كتابة التفسير، ولهذا ترانا نقنع بهذا المقدار..
ومن أراد المزيد من القراءة بهذا الصدد؛ فله مراجعة كتب (الدّر المنثور) للسيوطيّ، و(الغدير) للعلّامة الأميني، و(إحقاق الحقّ) للقاضي نور اللّه التستري، و(المراجعات) لشرف الدّين، و (دلائل الصدق) لمحمد حسن المظفّر..
ز: ليس من شكّ في أنّ الآية وردت في غير خلافة وإمامة أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) - وكما قلنا_ لحصلت القناعة في أقل من مقدار الرّوايات والقرائن المتوفّرة في هذه الآية ذاتها، كما يصنع كبار المفسّرين لدى تفسيرهم الآيات القرآنيّة، حيث يكتفون بعشر الدلائل والوثائق الموجودة في هذه الآية، ولكنّ المؤسف جداً أنّ التّعصب والبغضاء هنا يمنعان من قبول الكثير من الحقائق الواضحة والوقائع الثّابتة.
13 - الّذين رفعوا راية المعارضة في مقابل تفسير هذه الآية ورواياتها المتعدّدة في شأن نزولها والروايات الفائقة على التواتر عن أصل حادثة الغدير؛ قد انقسموا إلى فريقين:
الفريق الأوّل : هم الّذين انطلقوا منذ البداية بروح العناد والنصب والهتك والإساءة والإهانة للشّيعة، ونموذجهم البارز والأوّل ؛ ابن تيمية في كتابه (منهاج السّنّة) ومثله في ذلك مثل الّذي يغلق عينيه ثمّ يصرّ أصابعه ويضغط لها على أذنيه ثمّ يصرخ قائلاً: أين الشّمس؟!، فلا هو مستعدّ أن يفتح عينيه ليرى جزءاً من الحقيقة الساطعة، ولا يرفع إصبعه عن أذنيه ليسمع شيئاً من ضجيج المحدّثين ومفسّري القرآن بل راح يتابع إساءاته المخزية من قيء كلامه.. وما عذره في ذلك غير الجهل والتّطرّف الممزوج بالعناد والعنف.. ليتسنّى له إنكار البديهيات والمسائل الواضحات.. ولذلك ترانا لا نتجشّم عناء نقل أقواله وأمثاله ولا نكلّف القرّاء المحترمين عناء سماع الرّدود عليه وأشباهه.. فالّذي يقول بكل وقاحة في مقابل كلّ هؤلاء العلماء وكبار المفسّرين؛ وأكثرهم من علماء السنّة، وقد صرّح أكثرهم بشأنيّة نزول الآية الشّريفة
في عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ).. قال : لم ينقل أحد من العلماء هذا الأمر في كتابه فما عسانا أن نقول.. وما قيمة قوله لنعرضه على طاولة البحث؟! والملفت للنظر هنا أن ابن تيمية ولتبرئة نفسه في مقابل الكتب المعتبرة الكثيرة المصرّحة بنزول الآية في شأن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) اكتفى بإيراد هذه العبارة المضحكة: إنّ أحداً من العلماء الّذين يعرفون ما يقولون، لم يعتبر هذه الآية نازلة في شأن عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكأنّ العالم الوحيد الّذي يعي ما يقول هو المتفق مع ميول ابن تيميّة المتطرفة والمعاندة، هذا منطق الّذي ألقى العناد بظلاله على تفكيره.. لنترك هذا الفريق وشأنه!!
الفريق الثّاني: الّذي حفظوا في ذواتهم روح التدقيق والتحقيق نوعاً ما، وراحوا يتعقّبون المسألة بشكل استدلاليّ.. ولهذا نراهم يقرّون بجزء من الحقيقة.. ولكنهم تبعاً لجملة من الإشكالات الوليدة عن ظروف خاصّة محيطة بطبيعة تفكيرهم؛ ذكروا بعض المسائل وتجاوزوا هذه الآية والروايات المرتبطة بها. ومن بين الإشكالات الّتي طرحها الفريق الثّاني ثمة بعض المواضيع الجديرة بالبحث؛ وها نحن نمر ببعضها:
الإشكال الأوّل: وهو متوجّه إلى حديث الغدير نظراً لأنّ معنى (المولى) هو الصّديق والنّاصر.. ومن أين يعلم أنه لا يخص هذا المعنى هنا؟
وللإجابة على هذا الإشكال وردّه نشير إلى ثلاث مقدّمات:
المقدّمة الأولى: كلّ مراقب محايد يعلم أنّ التذكير بصداقة عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا حاجة به إلى كلّ هذه المقدّمات والخطب في وسط الصحراء القاحلة الحارقة وتوقيف تلكم الجموع وأخذ الإقرار منهم.. فمحبّة وصداقة المسلمين فيما بينهم إحدى أكثر المسائل بداهة؛ وهي الّتي شرّعت منذ بزوغ فجر الإسلام.
المقدّمة الثّانية: لم يكن هذا المطلب بالأمر الّذي لم يعلنه النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولم يبلغه حتّى ذلك الوقت، إذ طالما تحدّث عنه وأمر المسلمين به، أو كان يخشى الإعلان عنه حتّى يطمئنه
اللّه تعالى عليه..
المقدّمة الثّالثة: لم تكن هذه القضية قد بلغت هذا الحدّ الّذي يهدد اللّه نبيّه بأنّه ما لم يطرحها على النّاس فكأنه ما بلّغ رسالته بالمرّة..
إنّ جميع هذه المقدّمات كاشفة عن:
أوّلاً: أنّ المسألة أبعد وأسمى من مجرد صداقة بسيطة عادية؛ وهي من أبجدية الأخوّة الإسلاميّة الثّابتة منذ اليوم الأوّل للإسلام.
ثانياً: إن كان المراد مجرّد صداقة بسيطة، فلماذا لم يأخذ النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من المسلمين الإقرار عليها من قبل، وذلك بقوله : ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ وهل ثمّ تناسب بين هذا السؤال وبین طرح قضيّة صداقة بسيطة ؟
ثالثاً: إنّ صداقة بسيطة ما كانت تستحق تهافت النّاس بمن فيهم شخص عمر بن الخطاب على عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليقولوا له وليتقدمهم بالقول: "بخ بخ لك يا علي! فقد أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة.." (1)ويعدّون ذلك أمراً يستحق التّهنئة والمباركة باعتباره نجاح عظيم وجديد لشخص أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).. اللّهم إلّا أن لا يكون حتّى ذلك اليوم مسلماً بسيطاً لم تكن محبّته وصداقته غير واجبة على كافّة أهل الإسلام.. وهل أنّ هذه الصداقة المتبادلة كانت حتّى ذلك اليوم بالأمر المستحدث الجديد لتحتاج إلى التهافت في التّهنئة، لا سيّما في السنة الخيرة من حياة النّبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
رابعاً: لا شكّ في أنّ العلاقة بين حديث الثقلين والعبائر الممزوجة بوداع النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مع مسألة صداقة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) البسيطة مع المؤمنين بحيث لا توجب على النّبي أن يجعلها مرادفة للقرآن.. ثمّ ألا يلتفت المراقب المحايد ويفهم من هذه العبارة أن مسألة الخلافة والإمامة
1) الغدير، ج 1، ص 510 و 515 و 516.
والقيادة هي المرادة من كلّ هذه الواقعة العظيمة ؟ وذلك أنّ القرآن بعد استشهاد النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) هوقائد المسلمين النظريّ وأنّ أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) هم القائد العمليّ..
الإشكال الثّاني: ثَمَّ أفراد مثل مؤلّف تفسير (المنار) في مجلّده السادس وصفحته السّتّ والستون بعد الأربع مئة وبالإصرار على أنّ الآيات السابقة واللاحقة هي الخاصة بأهل الكتاب ومعاصيهم.. وهو بهذا كان بصدد تغيير موضوع ومسار الآية.. ولكنّ هذا المنحنى غير ذي أهميّة لأنّ:
أوّلاً: أنّ لحن الآية وتفاوتها عما سبقها ولحقها يشير بوضوح أنّ موضوع هذه الآية موضوع متفاوت عمّا حوله من الآيات.
ثانياً: كما قلنا مراراً، فالقرآن ليس كتاباً بسيطاً تقليدياً بحيث تترتّب مطالبه ضمن فصول وأبواب محدّدة، بل إنّه كتاب كريم نزل طبقاً للحاجات والحوادث المختلفة.. ولهذا نشاهد القرآن وهو يبحث ويتحدّث عن اليهود والنّصارى؛ يتوجّه في الوقت ذاته بخطابه إلى المسلمين ويفصح عن إحدى التّعاليم والقوانين..
الإشكال الثّالث: يصرّ بعض المتطرّفين على أنّ هذه الآية قد نزلت في أوّل البعثة النّبويّة الشّريفة!!
وردّ هذا الإشكال هو أنه لا شكّ في نزول سورة المائدة برمتها كان في أواخر عمر النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
ولو قيل: هذه الآية - آية التّبليغ - قد نزلت في مكّة وفي مطلع البعثة النّبويّة، ثمّ إنّها وصفت بين آيات السّورة..
قلنا: هذا بالضّدّ من أنّكم تبحثون عنه وتريدونه، لعلمنا بأنّ النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لم يواجه ولم يقاتل اليهود أو النّصارى.. وعليه؛ فإنّ صلة هذه الآية قد قطعت عن الآيات السّابقة والآيات اللّاحقة.. وهذا كلّه يدلّل على أنّ هذه الآية كانت في معرض إعصار التّطرّف والعصبيّة، وبهذا الدليل تطرح جملة من الإشكالات تفضي إلى خلوّ الآيات المشابهة عن ذلك الخطاب.. فكان كلّ
واحد من المتعصبين (المبغضين النواصب بالعداء للشّيعة) يسعى جهده لتغيير مسار الآية وبشتّى أشكال التبرير.
الإشكال الرّابع: كيف لنا أن نقبل هذا الحديث، وهو لم ينقل في كتب الصّحاح؛ مثل (البخاري) و(مسلم)؟
ينبغي القول لدى ردّ هذا الإشكال السّاذج والمبكي المضحك والعجيب:
أولاً: أن كثيراً من الأحاديث المعتبرة الّتي قبلها علماء أهل السّنّة؛ هي غير مذكورة في صحيحي البخاري ومسلم، وهذا ليس هو الحديث الأوّل الّذي اتصف بهذه الصّفة.
ثانياً: هل أنّ الكتاب المعتبر عندهم منحصر في هذين (الصحيحين) فحسب، مع أنّ سائر المصادر المعتمدة حتّى بعض من الصحاح الستة المعروفة والمعتمدة من قبل أهل السنّة مثل (سنن ابن ماجة) و (مسند أحمد بن حنبل قد ورد فيها هذا الحديث.. (1)وقد أقرّ علماء من أمثال الحاكم النيسابوري والذهبي وابن حجر بكلّ شهرتهم وتطرّفهم؛ أقرّوا بصحة العديد من طرق هذا الحديث (2)، وعليه؛ فلا يبعد أبداً أن يكون كلّ من البخاري ومسلم وتحت ضغط بيئتهما قد عجزا أو لم يريدا نقل حديث أو مطلب معارض لذائقة الحكّام إذ ذاك في کتابیهما بصراحة ووضوح.
الإشكال الخامس: إن كان ثَمَّة وجود لحديث الغدير وبهذه العظمة، فلم لم يستدلّ به أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو أهل بيته أو أصحابهم أو محبّيهم في موارد اللّزوم؟ ألم يكن الأفضل أن يستندوا إلى مثل هذه الوثيقة لإثبات حقانيتهم؟
إنّ هذا الإشكال يصدر عن عدم الإحاطة بكتب الحديث والتّاريخ والتّفسير الأكثر شمولاً،
لأنّ كتب علماء أهل الخلاف قد نقلوا حالات عديدة قد استدل فيها أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) أو محبّيهم ومريديهم بحديث الغدير، ونشير هنا إلى خمسة شواهد من ذلك:
الشاهد الأوّل: في ذلك أنّ عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) نفسه في يوم الشّورى وطبقاً لما نقله الخطيب الخوارزمي الحنفي في (المناقب) عن عامر بن واصل قال: كنت وعليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في يوم الشورى في ذلك البيت فسمعته يقول لأفراد الشورى: أقيم لكم حجّة محكمة لا يغيّرها العجم والعرب: أسألكم باللّه ؛ هل فيكم من وحد اللّه قبلي (ثمّ عدّ مفاخره المعنويّة ومفاخر أهل بيته (عَلَيهِم السَّلَامُ) حتّى بلغ إلى القول :) أسألكم باللّه هل فيكم من قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فيه : من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهم وال من والاه وانصر من نصره، ليبلغ الشاهد الغائب ! فقالوا أجمعهم: اللّهم لا (1). وهذه الرواية نقلها في (فرائد السّمطين) الباب الثّامن والخمسين، وكذلك ابن حاتم في (الدّرّ النّظيم) والدّار قطنيّ وابن عقدة وابن أبي الحديد في (شرح نهج البلاغة) (2).
الشاهد الثّاني: أنّ عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) وطبقاً لنقل (فرائد السّمطين) في الباب الثّامن والخمسين استدلّ بحديث الغدير في أيام عثمان في المسجد النبوي وبحضور جماعة كبيرة. (3)
الشاهد الثّالث: في الكوفة وفي مقابل الّذين ينكرون النصّ النّبويّ على خلافته المباشرة.. قد استدل بهذا الحديث بصراحة، وهذا الحديث قد نقله - طبقاً لنقل (الغدير) -أربعة من الصحابة و (14) من التّابعين طبقاً لمصادر أهل السنّة المعروفة. (4)
الشاهد الرّابع: في يوم معركة الجمل وطبقاً لنقل الحاكم في (المستدرك / ج 3، ص 371) استدلّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كلامه مع طلحة. (5)
الشاهد الخامس: في معركة صفّين، وطبقاً لنقل سليم بن قيس الهلاليّ، فقد استدل في معسكره وأمام جمع من المهاجرين والأنصار ومن كان حوله من النّاس بهذا الحديث.. فقام اثنا عشر رجلاً من البدريين (الّذين قاتلوا مع النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في غزوة بدر) وشهدوا أنهم سمعوا هذا الحديث عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (1).
وبعد أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد استدلّت بهذا الحديث سيّدة النساء فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ)، والإمامان الحسن والحسين، وعبد اللّه بن جعفر الطيار وعمّار بن العاص بن ياسر وقيس بن سعد بن عبد العزيز والمأمون العبّاسي.. وحتى عمرو بن العاص قد استند إليه في رسالته إلى معاوية يكشف له فيها عن معرفته بحقائق وحقانية أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكذلك الخطيب الخوارزمي الحنفي في كتاب (المناقب / ص 124) ومن يرغب بإيضاحات مزيدة والتعرّف على المصادر المختلفة لهذه الرواية وأمثالها فيما يرتبط باستدلال الإمام عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأهل بيته (عَلَيهِم السَّلَامُ) وجموع الصّحابة وغير الصّحابة بحديث الغدير، فله أن يرجع إلى موسوعة (الغدير/ ج1، ص 159-213) وقد استدل المرحوم العلامة الأميني بهذا الحديث عن (22) صحابيّ وغير صحابيّ في موارد مختلفة.
الإشكال الخامس: إذا كانت هذه الآية مرتبطة بتنصيب عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) للخلافة والولاية وواقعة غدیر خم، فما بال المقطع الأخير من الآية يقول: (إِنَّ اللّه لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)؟ وما علاقته بهذه المسألة؟ وماذا يحمل من مفهوم؟!
يكفي لردّ هذا الإشكال أن نعلم أنّ الكفر في اللغة وكذلك في لسان القرآن وثقافته يعني الإنكار والمخالفة والترك و... دفن الحقيقة.. فتارة يطلق في إطار إنكار اللّه تعالى أو نبوّة النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وتارة في إنكار أو مخالفة التعاليم الأخرى.. ونقرأ في سورة الحج المباركة في آيتها
1) راجع: كتاب سلیم بن قیس، ج 2، ص 757 إلى 764.
السابعة والتسعين : (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) كما نقرأ في الآية الثّانية بعد المائة من سورة البقرة عن السّحرة ومن تلوّث بالسحّر : (وما يعلمان من أحد حتّى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر) وكذلك نقرأ في الآية الثّانية والعشرين من سورة إبراهيم تنفّر الشيطان وتبرؤه في يوم القيامة ممّن اتّبعه وأطاعه حيث يقول لهم: (إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ) وعلى هذا؛ فلا عجب من إطلاق مصطلح الكافر على المخالف لمسألة ولاية الإمام عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ).
الإشكال السّادس: ذكروا إشكالاً آخر في إطار التمرّد على هذا الحديث المتواتر والآية الخاصة به، وهو أنه إذا كان النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد نصّب عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولياً وإماماً وخليفة في يوم الغدير.. فلازم ذلك وجود ولتين وإمامين وقائدين في وقت واحد. فهل يمكن تصوّر وجود وليّين في زمان واحد ؟!
يلزم القول في معرض ردّ هذا الإشكال : إنه بملاحظة الظروف وأوضاع ذلك الزّمان الخاصّة بنزول هذه الآية وورود الحديث وكذلك توفّر القرائن في كلام النّبي الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).. تزيح - الملاحظة والدّقة - كلّ هذا الإشكال وأعذاره بشكل تام.. لأنّنا نعلم أنّ هذه الحادثة كانت في أخريات أشهر حياته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).. هذا في حين أن آخر كلامه للناس كان قوله الصريح يوشك أن أُدعى إلى ربّي فأجيب، وإنّي تارك فيكم الثقلين.. ومن كان هذا خطابه، فإنّ من المعلوم أنّه يكون بصدد تعيين خليفته ووصيه، وأنّه قد خطط لمستقبل رسالته وأمّته، وعليه؛ فإنّ من الواضح أنّ مراده لم يكن إيجاد أو وجود إمامين وزعيمين في وقت واحد..
الإشكال السّابع: في الوقت الّذي طرح بعض علماء السّنّة هذا الإشكال، استشكل بعضهم الآخر بما يقابله.. وهو أنّ النّبي قد عيّن عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) إماماً وولياً وخليفة، ولكنه لم يحدّد تاريخ وموعد هذه الولاية والخلافة.. فما المانع من أن تكون بعد خلافة خلفاء للرّسول؟!
وردّ هذا الإشكال واضح ويسير، وهو أنّ ما بعث على الحيرة والتعجب أن النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لو كان أراد تعيين خليفته الرّابع وكان مهتماً بمستقبل المسلمين، فلم لم يعيّن خليفته الأوّل والثّاني والثّالث في يوم الغدير مع ما لذلك من أولوية قصوى وهم المقدمون على الخليفة الرّابع طبقاً لهذا الإشكال العجيب؟!
14 - يقول تعالى: (إِنَّ اللّه لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) والمراد بالكفر هنا الكفر بخصوص هذا الحكم والآية محط البحث (قد سمّى اللّه منكري هذا الحكم كفّاراً) والمراد بالهداية ليس الهداية إلى الطريق الحقّ، وإنّما المراد هو الهداية إلى مقاصدهم السّيّئة. بمعنى أنه سبحانه لا يهيّء لهم أسباب ووسائل نجاحهم ليحققوا أهدافهم الباغية.. ولن يتيح لهم المجال في توجيه الضربات الّتي يريدون للدين وكل الحقّ، أو أن يطفئوا النور الّذي أنزل من عنده سبحانه وتعالى فيعيثون في الأرض فساداً وشرّاً، بل اللّه سبحانه سيمحقهم ويقضي على مكرهم وشرّهم وفسادهم ويعيده إلى نحورهم (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ).
ضمن روايات مستفيضة نقل بهذا الحدث، وهي جميعاً تتعقب واقعة واحدة محدّدة.. يوجد تعابير متنوّعة.. والبعض منها ذو تفصيل كبير، وبعض آخر مختصر مضغوط.
ومنها ما اقتصر على نقل ناحية من الواقعة.. إلّا أنّ من مجموع هذه الرّوايات والنّصوص التّاريخيّة، وبملاحظة القرائن والظروف والبيئة والمكان يفهم أنّه في آخر سنة من عمر النّبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).. كانت مراسم حجة الوداع الّتي أقيمت بأعظم وأجل ما يكون؛ إذ النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان على رأس حجيج السّنّة الهجريّة العاشرة.. فغاصت القلوب في هالة من الروحانية، وانعكست اللّذة المعنويّة في ذائقة الأرواح.. ولقد كان عدد الصحابة كبيراً.. فشعروا بسعادة ما بعدها سعادة.. ولم يكن أهل المدينة هم وحدهم الّذين صحبوا النّبي في سفر حجه ذاك فحسب، وإنّما المسلمون تقاطروا عليه من أنحاء الجزيرة العربية اكتساباً لهذا العزّ والفخر التّاريخيّ
العظيم..
أمّا الشمس فقد ألقت بلهيبها على جبال الحجاز، إلّا أنّ حلاوة هذا السفر الروحاني كانت عديمة النظير.. فيسرت كلّ عسير.. وقد اقترب موعد الزوال.. وشيئاً فشيئاً انطوت أرض الجحفة وتلتها الصحاري القاحلة حتّى لاحت للناظرين أرض غدير خم من بعيد..
هنا كان ثمّ تقاطع طريق ينفصل عنده النّاس في أربع طرق.. طريق إلى المدينة في الشمال، وطريق إلى العراق.
في الشرق، وطريق إلى الغرب وأرض مصر، وطريق إلى الجنوب وأرض اليمن.. وهنا كان مقرّراً أن تحصل آخر الذكريات وأهمّ فصول هذا السفر العظيم.. وكان للمسلمين أن يتلقوا آخر التّعاليم، وهي في الحقيقة نقطة النهاية للمهامّ النّبويّة النّاجحة.. وبعدها كان المقرر لهم أن يفترقوا..
كان اليوم يوم الخميس، الثّامن عشر من شهر ذي الحجّة الحرام من السنة الهجرية العاشرة، أي أنّ ثمانية أيام خلت عن عيد الأضحى من تلك السنة..
وفجأة صدر الأمر النّبويّ بتوقّف المسلمين.. وتعالى الصوت للذين تقدّموا أن يتراجعوا وأُمهلوا حتّى يلحق بهم المتأخرون.. وقد تجاوزت الشمس نصف النهار.. ودعا المؤذن النّاس بكلمة (اللّه أكبر) إلى صلاة الظهر.. فاستعد بأسرع وجه إلى أدائها.. ولكن الجو كان لاذع الحرارة إلى الحد الّذي وجد بعضهم نفسه مضطراً إلى أن يقف على طرف عباءته ويغطي بطرفها الآخر رأسه.. ولدى ذلك كانت رمال الصحراء الملتهبة وأشعة الشمس المحرقة تزعج الرؤوس والأقدام على حدّ سواء.. ولم تكن ثمّ مظلّة يستظل بها ولا شجرة يتفيأ بفيئها.. اللّهم إلّا بضع جمع قليل من النّاس وقد ألقوا عليها بعض القماش وصنعوا للنّبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) شيئاً من الظل يسير.. ولكنّ ريح السّموم كانت تتسلّل من أسفلها..
انتهت صلاة الظهر.. والمسلمين قد قرروا سراعاً أن يعودوا ويلجئوا إلى بعض ما يمكن
وصفه وتسميته بالخيام الصغيرة الّتي كانوا نصبوها.. ولكنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أعلمهم بأمر قاطع أن يستعدّوا للاستماع إلى رسالة إلهيّة جديدة سيتلوها عليهم ضمن خطبة له مفصلة..
الّذين كانوا قد ابتعدوا عن موضع النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، كانوا لا يستطيعون مشاهدة مظهره الملكوتيّ من بين تلك الجموع.. ممّا اضطرّ النّاس إلى إعداد منبر من أقتاب الجمال ليرتقي عليه رسول ربّ العالمين.
حمد الرّسول ربه وأثنى وتوكل عليه بدءاً، ثم خاطب النّاس بقوله: أوشك أن أدعي إلى ربّي فيجيب.. أنا مسئول وأنتم مسئولون.. فكيف تشهدون لي؟ فقال النّاس بصوت مرتفع وعيون دامعة: نشهد أنك قد بلغت ونصحت وجهدت، فجزاك اللّه خيراً. ثمّ قال لهم: هل تشهدون اللّه بالوحدانية، ولي بالرسالة والنّبوّة، وأنّ يوم القيامة حق، وأنّ البعث حق؟ فقالوا: نعم؛ نشهد بهذا. فقال: اللّهم فاشهد!
ثم قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مرة أخرى للناس: أيها النّاس! هل تسمعون صوتي؟ فقالوا: نعم.. وأعقب ذلك صمت عمّ الصحراء برمتها، فلم يسمع إلا شيء من هبوب الرياح.. فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : انظروا ماذا تصنعون بما تركتهما بينكم من الثّقلين.. فقال أحدهم وأي ثقلين يا رسول اللّه؟ فقال: الأول؛ ثقل أكبر؛ كتاب اللّه طرف منه بيد اللّه وطرفه الآخر بأيديكم، فتمسكوا به لئلا تضلّوا.. والثّقل الثّاني؛ أهل بيتي وقد أنبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتّى يردا علي الحوض.. فلا تتقدّموهما فتهلكوا، ولا تتأخروا عنهما فتهلكوا أيضاً.
وفجأة يبحث عن شخص.. وما أن وقعت عينه الشّريفة على علىّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) حتّى انحنى وأخذ بيده ورفعه إليه حتّى بان بياض إبطيهما ورآهما النّاس وعرفوه – عليّاً - وهو القائد والبطل العسكري الفذ الّذي لا يهزم أبداً.
هنا كان الصّوت قد تعالى أكثر من ذي قبل وقال:
"أيّها النّاس من أولى النّاس بالمؤمنين من أنفسهم؟"
فقالوا: اللّه ورسوله أعلم.
فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): اللّه مولاي وأنا مولى المؤمنين وأولى بهم من أنفسهم.. ثمّ قال : فمن كنت مولاه فعليّ مولاه. وكرّر ذلك ثلاثاً، أو أربعاً بحسب بعض الرواة.
ثم رفع رأسه نحو السماء وقال: "اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه، وأحبّ من أحبّه، وابغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحقّ معه حيثما دار" ثم قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):" ألا فليبلغ الشاهد الغائب".
ولمّا انتهى النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من خطبته تصبّب وجهه ورأسه عرقاً، وكذلك كان حال عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) والحاضرين.. أمّا الصّفوف فكانت لما تنفضّ حتّى نزل أمين الوحي وقرأ على النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) فهتف النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) صادحاً: "اللّه على إكمال الدّين وإتمام النعمة ورضا الرّبّ برسالّتي والولاية لعلي من بعدي" وأثناء ذلك حدثت ضجّة بين النّاس وراحوا يباركون لعليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويهنئونه.. وكان من بين المعروفين في تهنئته أبو بكر وعمر وصرحوا له بالقول: بخ بخ لك يا بن أبي طالب، أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة.. فقال ابن عبّاس لدى ذلك: واللّه سيبقى هذا الميثاق في أعناق الجميع. فيما استأذن حسّان بن ثابت الشاعر المعروف أن يقرأ أبياتاً في المناسبة في المناسبة، فقال مبتدئاً:
يناديهم يوم الغدير بنبيّهم***بخمّ وأسمع بالرّسول منادياً
فقال فمن مولاكم ونبيّكم؟***فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا
إلهك مولانا وأنت نبيّنا***ولم تلقَ منّا في الولاية عاصياً
فقال له قم يا علي فإنّني***رضيتك من بعدي إماماً وهادياً
فمن كنت مولاه فهذا وليّه***فكونوا له أتباع صدق موالياً
هناك دعا اللّهمّ وال وليّه***وكن للذي عادا عليّاً معادياً
فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : " اللّهم أحبّ من يحبّه، وعاد من عاداه.."
هذه كانت خلاصة الخلاصة من حديث واقعة الغدير المعروفة الواردة في مصادر علماء الشّيعة وأهل السّنّة.. (1)
1) الغدير، ج1، ص31 إلى 36.
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حتّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانَا وَكُفَراً فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68)
نقل في تفسير (مجمع البيان) وتفسير القرطبي عن ابن عبّاس أنّ جمعاً من اليهود التقوا رسول اللّه، وسألوه بادئ ذي بدء عمّا إذا كان يقرّ بأنّ التّوراة نازلة من عند اللّه ؟ فأجابهم بالإقرار بذلك. فقالوا: ونحن نقرّ بالتّوراة أيضاً، ولكننا لا نقرّ بغيرها (1). (أي أنّ التوراة تمثل القدر المشترك بين الطرفين، أما القرآن فكتاب لا يؤمن به غيرك، فما أحرانا أن نقبل التوراة وننفي غيرها!!!).
1- هذه الآية تشير إلى زاوية أخرى من هذه البحوث، وتردّ على منطقهم المتهاوي حيث أرادوا للتّوراة أن تكون الكتاب المتفق عليه بين اليهود والمسلمين، واعتبار القرآن المجيد كتاباً محطّ اختلاف ويجب أن ينحى جانباً!!
2- خوطب أهل الكتاب في هذه الآية بالقول: ما لم تعتمدوا التّوراة والإنجيل الحقيقيّين الخاليين من التحريف، فإنّكم محتاجون إلى معتمد وركن وثيق، ولن يكون لكم شأن حتّى تؤمنوا بالكتب السّماويّة جميعاً ومن دون تمييز وتعصب، بما في ذلك القرآن الّذي
1) مجمع البيان، ج 3، ص 345 وتفسير القرطبي، ج 6، ص 245.
هو آخر كتب السماء وأكملها وأجمعها علماً أنّ الكتب السالفة قد بشرت بهذا القرآن وأوجبت العمل به حين نزوله.. ولو أنكم كنتم صادقين بإيمانكم بالتوراة أو الإنجيل؛ للزمكم العمل بتلك البشارة، فإنّ وجدتم العلائم الخاصة بالقرآن في كتبكم: فلا بد لكم من التسليم له وتعظيمه (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حتّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ).
3- لا ريب في أنّ الجميع يعلمون أنّ هذه الكتب قد صدرت عن معين واحد، وأن أصولها الأساسيّة واحدة.. إذ أصلها جميعاً يعود إلى اللّه تعالى وتأمر بالإيمان باللّه والمعاد، وتأمر بالتقوى والتوبة إلى الغفّار الكريم.. وهذا هو الركن الوثيق الّذي ينبغي للإنسان أن يعتمده ليحقق سعادته في الدنيا والآخرة.
4- يا أهل الكتاب عليكم أن تعلموا أنّ الأسماء لا تأتي في الّدرجة الأولى والوحيدة من الأهمّيّة، إذ الأهم أنّ كتب السّماء قد نزلت من اللّه تعالى وأنّ على الجميع أن يعظموها ويحترموها.. والحال أنّ علاقتكم بهذه الكتب علاقة سطحية وغير كافية.. وأنكم بمنطقكم المتهادي هذا تتجاهلون خاتمة كتب السّماء..
5- كما أنّ آيات الحقّ ومنطق القرآن المتين يتركان أثرهما الإيجابي البالغ في القلوب وتريح الأفكار المريضة عن الأدمغة، وتدفع داء العناد عن القلوب..
نرى كثيراً من أهل الكتاب لا يكتفون بعدم الإيمان بهذه الآيات فلا يهتدون، بل إن عنادهم يزيد من كفرهم وطغيانهم (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانَا وَكُفَراً).
6- يواسي اللّه تعالى نبيه لدى مواجهة المصاعب الّتي تسببت بها هذه الأغلبية المنحرفة (فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ).
7 - بديهيّ أنّ محتويات هذه الآية غير مختصة باليهود، إذ المسلمون لو اكتنفوا بمجرّد ادّعاء الإسلام ولم يهتموا ويلتزموا أصول تعاليم الأنبياء، ولا سيّما كتابهم السّماويّ الخاتم
فإنّهم لن ينالوا خيراً عند اللّه، ولن ينتفعوا في حياتهم الفرديّة والإجتماعيّة.. وسيرزحون دوماً تحت وطأة غيرهم وستتوالى عليهم الهزائم..
إِنَّ الّذينَ ءَامَنُوا وَالّذينَ هَادُوا وَالصَّابئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ ءَامَن بِاللّه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُون (69)
1- كلمة (الصَّابئُونَ) تكرّرت في القرآن ثلاثاً إلى جانب ذكر اليهود والنّصارى.. وهم قوم يؤمنون باللّه والقيامة وبعض الأنبياء، إلّا أنهم يعتقدون بتأثير بعض النجوم في الخير والشر.
2- هذه الآية بصدد بيان القول بأنّ الأسماء والألقاب والمظاهر لا علاقة لها بتوفّر السعادة والحظّ العظيم..
3 - تتضمّن الآية ردّاً قاطعاً على الّذين يذهبون إلى أنّ النجاة و الخلاص تحت مظلة العنصريّة والقوميّة، ويميلون إلى التفرقة والتمييز بين الأنبياء والإيمان بهم ويخلطون بين الدّعوة الدّينية والتطرّف القوميّ.. وتؤكّد الآية على أنّ سبيل النّجاة منحصر في الكف عن هكذا خطاب ومدّعى.
4- ينبغي أن نعلم أنّ مجرّد التسمية ب-(المؤمن) أو (اليهودي) أو (الصّابئي) أو (النّصرانيّ) لا يحرز للفرد سعادة دنيوية أو أخرويّة، بل إنّ ما يحقق ذلك هو الإيمان باللّه سبحانه وتعالى وبيوم الجزاء وبالقيام بالأعمال الصالحة.. فإذا ما أحرز الإنسان هذه الأصول في نفسه وسلوكه، فإنّه لا خوف عليه ولا هو يحزن، وأنّه تعالى قد ضمن له سعادة الآخرة أيضاً.
5 - كما ذكرنا في بيان الآية (62) من سورة البقرة فإنّ هذه الآية تشابهها بالعبارة والمضمون؛ مع تفاوت عما ورد في الآية (17) من سورة الحجّ؛ رغم أنّ بعضهم حاول - بأسلوب سفسطائي - أن يجعل هذه الآية دليلاً على جدوى مسلك الصلح بين كلّ الأديان وأنّ كلّ أتباع الدّيانات هم على خير وأنّهم أهل النّجاة، متجاهلين أن فلسفة نزول الكتب السّماويّة؛ الواحد تلو الآخر ناظر إلى تطوّر عالم الإنسانيّة ضمن مسار التكامل التدريجي.. والحال أنّ التعبير بكلمة (وَعَمِلَ صَالِحًا) في هذه الآية والآية (62) من سورة البقرة يبيّن هذه الحقيقة، ويؤكد ضرورة العمل بقانون آخر وخاتم الأديان، لأنّ العمل بالقوانين محكوم بقاعدة حصول النسخ.. وإنما العمل الصالح هو العمل بالقانون المتوفّر والقانون الأخير..
لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَاءِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلَا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولُ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70)
1- لعل المراد من (مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَاءِيلَ) الّذي أخذه اللّه تعالى عليهم هو نفسه محتوى الآية السابقة. أي : الإيمان باللّه والمعاد الصالح.. ويمكن أن يكون المراد؛ اتباع الأنبياء الّذين ورد ذكرهم في هذه الآية بكلمة (رسلا) ولعلّه هو ذاته الميثاق المشار إليه في الآيتين (93) و (81) من سورتي البقرة وآل عمران، بمعنى العمل بما أنزل اللّه من تعاليم وأحكام... ومعلوم أن مجرّد التّعلّق بالأديان السّماويّة للخلاص من غضب الرّبّ القدير غير كاف من دون اقترانه بالإيمان والعمل الصالح..
2 - لم يفِ بنو إسرائيل بمثياقهم المأخوذ عليه فحسب، بل إنّهم عمدوا إلى العمل بتعاليم الأنبياء في كلّ فترة، حيث كانوا يواجهونهم بأقصى أشكال المواجهة، فجمعاً كذبوا وجمعاً قتلوا بعد عجزهم عن تكذيبهم (كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولُ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ).
3 - أنّ العلة الأساسيّة في مخالفة الأنبياء ورسل اللّه ؛ هوى النفس الإنسانيّة، إذ اللّه تعالى لا يحكم في أوامره ونواهيه وفي جميع الأمور طبقاً لرغبات وميول النّاس- وهم خَلقُهُ - وإنّما الحكم الإلهيّ يصدر وفقاً لمصالحهم الّتي يعلمها اللّه ذاته.. وعلى هذا الأساس؛ لم يكن عباد الهوى بالراضين المسلمين للأحكام والإرادة الإلهيّة، فيضطرون إلى مخالفة رسل اللّه تعالى ومواجهتهم ومنازعتهم.
5 - يمكن أن يكون السبب في استعمال صيغة الماضي في (كَذَّبُوا) وصيغة المضارع في (يَقْتُلُونَ) وفضلاً عن التّناسب اللّفظيّ في أواخر الآيات وما بعدها حيث وردت جميعها بصيغة المضارع أنّ حكم دلالة الفعل المضارع على الاستمرار، فكأنّ بيان أنّ روح التّكذيب متكرّسة فيهم وأنّ قتلهم الأنبياء لم يكن من قبيل الصدفة الّتي وقعت في حياتهم، وإنما الأمر كان ترجمة لمنهج تآمري مدوّن ومتفق عليه من قبلهم!!
وَحَسِبُواْ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ اللّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرُ مِنْهُمْ وَاللّه بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (71)
1- (الحسبان) لغة بمعنى التّصوّر والتفكّر. و(الفتنة) تعني الامتحان والتمخص والتصفية، أو أنّها تؤدّي في المعنى إلى مطلق الشّرّ والبلاء. و(العمى) هو عدم البصر، وهنا تعني عدم امتلاك عين البصيرة وتمييز الحقّ والصواب.
(والصّمّ) فقدان القدرة على الشمع والمراد هنا عدم سماع النصح والموعظة واللّامسؤوليّة.
2- لعلّ تقديم جملة (فَعَمُواْ) على (صُمّوا) يتضمّن الإشارة إلى ضرورة رؤية آيات اللّه ومعجزات الرّسول ؛ ثمّ الاستماع إليها.
3 - ذكر كثير منهم بعد تكرار (عُموا وصُمّوا) بمثابة إيضاح للجملتين معاً، أي أنّ حالة الغفلة والجهل والعمي والصّمّ إزاء الحقائق لم تكن بتلك الحالة العامة، وإنما كانت هناك أقلية صالحة فيهم. وهذا دليل واضح على أنّ الخطاب القرآني لليهود خال تماما عن البعد العنصري والطائفي، وأنه مهتم غاية الاهتمام بالبعد الإيماني وطبيعة أعمالهم ومنهجهم في الحياة.
4- سؤال: هل لتكرار جملة (عُمُوا وصُمّوا) بُعد كُليّ وتأكيدي؟ أم أنه إشارة إلى حادثتين مختلفتين؟ احتمالان هنا..
الأول: ذهب بعض المفسّرين إلى أنّ الجملتين إشارة إلى قضيتين مختلفتين وقعتا في بني إسرائيل إحداهما لدى هجوم البابليين. والثّانية لدى هجوم الفرس والروم. وقد نوّه القرآن في سورة بني إسرائيل إليهما بالإجمال.
الثّاني: أنّهم تورّطوا في هذه الحالة (الصّمّ والعمّي) مراراً، وكانوا يلمسون عواقب مواقفهم وأعمالهم السيئة.. فكانوا يتوبون ثمّ يكسرون توبتهم.. ولم يكون ذلك قد حدث لهم مرتين فحسب.
5 - ينبغي أن نعلم أنّ سبب عمى بني إسرائيل وصممهم هو طبيعة تفكيرهم ومتبنّياتهم الذهنيّة، حيث ظنّوا أنّهم لن يتعرّضوا للامتحان.. وهذا التّصوّر معلول لما كانوا يرون في أنفسهم من كرامة وأرجحيّة، فكانوا يقولون نحن أغصان شجرة يعقوب، وبالتّالي : نحن أبناء اللّه وأحباؤه !! فلن نتعذب بعذابه الّذي أعده لباقي المخلوقات.. حتّى بلغ بهم الأمر إلى العمى عن رؤية الحقّ أو سماعه!!
6 - مع أنّهم تابوا برحمة من اللّه وعرفوا الحقّ وعرفوا أنّ الأسماء والألقاب والمظاهر لا تؤدّي إلى الفلاح والسعادة.. إلّا أنّهم سرعان ما انقلبوا إلى الباطل وتعطل قواهم الذهنية والتصورية، فأصيبوا بالغفلة عن إدراك الحقائق..
7- جملة (وَاللّه بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) مع اختصارها، تبيّن حقيقة فذة وهي أنّه تعالى لا يغفل عن أعمالهم، إذ يرى كلّ ما يصدر عنهم، فلا تخفي عليه خافية منهم أبداً، ولا يمنعه عن درك حقائق العباد مانع..
لَقَدْ كَفَرَ الّذينَ قَالُوا إِنَّ اللّه هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَاءِيلَ اعْبُدُوا اللّه رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّه فَقَدْ حَرَّمَ اللّه عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (72)
1- ورد في تفسير (مجمع البيان): قالت الفرقة اليعقوبية من النّصارى: لقد اتّحد اللّه بالمسيح في الذات فصارا شيئاً واحداً. (1)
وهذه الآية تبيّن عقيدة بعض النّصارى الّذين اعتبروا المسيح هو اللّه وأقرّوا بالتّثليث. وجدير بالذكر أنه قد ورد في (إنجيل مرقس / الباب 12، الآية 29) أن عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد دعا النّاس إلى التوحيد وقال ربّنا ربّ واحد كما ورد في (إنجيل متّى / الباب 6، الآية 24) : محال أن يكون للإنسان سيّدان ومحبوبان.. فيخدم اللّه ويخدم غيره. كما روي عن إمامنا الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) لدى بيانه كبائر الذّنوب إذ قال: أكبر الذّنوب الشرك باللّه. ثم تلا هذه الآية الجليلة. (2)
2- هذه بصدد بيان أنّ النّصارى مثل اليهود؛ وقد اغتروا بنصر نيتهم وظنّوا أنّ انتسابهم إلى المسيح يحصنهم من أن يكونوا كافرين؛ فلا يعذّبون.. ولكن نسبتهم هذه وتسميتهم هذا لم يمنعاهم من السّقوط في مستنقع الكفر والشّرك.. إذ أنهم جعلوا من المسيح - الّذي كان مجرّد
إنسان - إلها، والحال أين الإنسان من اللّه ربّ العالمين؟!
مع أن المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان قد قال (اعْبُدُوا اللّه رَبِّي وَرَبَّكُمْ) وهذا القول لوحده يجسّد الحجّة والدّليل على كفرهم وبطلان عقيدتهم..
3 - أيّ كفر أعظم أن يُجعل اللّه اللا محدود من كلّ جهة متحداً مع المخلوق المحدود من كلّ جهة؟ وأن تضفى صفات المخلوق على الخالق؟ والحال أنّ عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد قال لبني إسرائيل بصراحة: اعبدوا اللّه الأوحد؛ فهو ربّي وربّكم (وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَاءِيلَ اعْبُدُوا اللّه رَبِّي وَرَبَّكُمْ).
4- هذه الحقيقة واضحة؛ وهي أنّ لا أحد إلّا اللّه خالق الوجود من يقوم بأعمال وله صفات جديرة بالعبادة، ولو ظنّ شخص ما أنّ قدرته المتصف بها تجعله جديراً بالعبادة، فإنّه قد أشرك باللّه.. ولا شكّ في أنّه تعالى سيحرّم عليه الجنّة وسيجعل النّار مثواه، ولن يكون ثمّ نصير للظالمين ليخلصهم من العذاب الأبدي (إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّه فَقَدْ حَرَّمَ اللّه عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ).
5- من المؤسف أنّ النّصارى يتصوّرون أنّ المسيح قد سار بقدميه إلى الصليب وفدى الآخرين من أتباعه لعل اللّه يتجاوز عن خطاياهم ويزيح عن ظهورهم أوزارهم وتكاليفهم ويدخلهم الجنّة بأجمعهم ولا تمس النار أجسادهم.. فقنعوا بمجرد تسميتهم باسمه مع أنهم يرتكبون أنواع المحرمات وقد جعلوا أنفسهم مثوبين على أن جعلوا اللّه سبحانه ولداً ليدخلوا أفواجاً!!!
6- لمزيد التأكيد وإثبات الحقيقة القائلة بأنّ الشّرك والغلو ظلم صريح. قال القرآن لهم: (وَمَا لِلظَّلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ).
لَقَدْ كَفَرَ الّذينَ قَالُوا إِنَّ اللّه ثَالِثُ ثَلَاثَةِ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الّذينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ (73)
1- في هذه الآية وبعد الإشارة إلى مسألة تعدّد الآلهة من وجهة نظر النّصارى، أي: التّثليث في التوحيد؛ قال سبحانه: (لقد كفر الّذين قالوا إنّ اللّه ثالث ثلاثة) وإنّه الإقنيم الثّالث من الأقانيم الثلاثة، ورغم أن كثيراً من المفسّرين؛ مثل الطبرسي في (مجمع البيان) والطوسي في (التبيان) والرّازي والقرطبيّ في تفسيره قد تصوّروا أنّ الآية السابقة تحدّثت عن فرقة من النّصارى تدعى (اليعقوبيّة) اعتبرت اللّه والمسيح متحدين. ولكنّ هذه الآية تحدثت عن فرقة نصرانية أخرى تسمى (الملكانيّة والنّسطوريّة) قائلة بتثليث الآلهة، غير أنّ هذا الاستنتاج عن النّصرانيّة لا يتطابق الحقيقة، لأنّ الاعتقاد بالتّثليث عام بين جميع النّصارى، كما أنّ الاعتقاد بالتّوحيد وأحديّة اللّه سار بين جميع المسلمين إلّا أنّهم في الوقت الّذي يعتبرون الآلهة ثلاثة، يقولون بالأحديّة الحقيقيّة وهم يذهبون - لدى ذلك - إلى أنّ الثلاثة يشكلون حقيقة في واحد حقيقي! (1)
2- وردت الإشارة في هذه الآية والآية السّابقة لها إلى ناحيتين مختلفتين لهذه القضيّة. ففي الآية السّابقة أشير إلى وحدة الآلهة الثلاث. وفي هذه الآية أشير إلى تعدّدهم.. ووضع هذين
1) الأمثل فى تفسير كتاب اللّه المنزل، ج 4، ص 109 و 110.
البيانين متواليين أريد به الإشارة إلى أحد الدلائل الواضحة في إبطال العقيدة النصرانية، حيث كيف يصير اللّه هو المسيح تارة (وروح القدس) واحداً حقاً، وتارة ثلاثة.. ترى هل تتساوى الثلاثة مع الواحد عقلاً. وما يؤيد هذه الحقيقة أننا لا نرى من بين النّصارى طائفة لا تقول الإله.. القرآن يقول قاطعاً للردّ عليهم : (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ).
3 - يعتبر النّصارى اللّه واحداً من ثلاثة أضلاع المقدّس الأب والابن وروح القدس.. ولازم قولهم أنّ شيئاً واحداً في الوقت الّذي هو واحد يثير ثلاثة.. ولكن العقل السليم لا يقبل بهذا.. ولا طريق للكثرة في اللّه.. وأنّ اللّه سبحانه واحد بالحقيقة الحقة، وذاته غير قابلة للتجزئة، فهو واحد الذّات، ولا تكثر فيه؛ لا عقلاً ولا تصوّراً، ولا يمكن أن يضمّ إليه شيء، أو يمكن أن يكون مركباً، وأن وحدته ليست وحدة عددية.. فهو في ذاته لا يتصف بالوحدة العددية؛ لا بالاسم ولا.بالصفات.. لأنّ الكثرة والوحدة العددية من آثار وحالات المخلوق، فكيف يمكن للصانع أن يكون كذلك ؟!!
4- لم يكن التّثليث في القرون الأولى - وفي عصر المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) خاصة - بل لا يلاحظ ذكر حتّى في الأناجيل المعاصرة مع ما دخل عليها من إضافات وتحريف لحديث عن التّثليث، وهذا ما يقرّ به المحقّقون النّصرانيّون قبل غيرهم. وعليه؛ فإنّ ما ورد في الآية أعلاه من إصرار النّبي عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) على مسألة التّوحيد مطلب متطابق والمصادر المسيحية المتوفّرة؛ ويعد من جملة العظمة القرآنيّة..
5 - ينبغي الالتفات إلى أنّ ما مرّ من بحث في الآية السّابقة هو مسألة الغلوّ واتّحاد المسيح باللّه، وبعبارة ثانية: التّوحيد في التّثليث. ولكن في هذه الآية يشير اللّه تعالى إلى مسألة تعدّد الآلهة من وجهة نظر النّصارى، أي: التّثليث في التوحيد، فقال عزّ اسمه:( َقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ) وإنّه الإقنيم الثّالث بين الأقانيم الثّلاثة.. فهم كافرون قطعاً.
6- لا يوجد شيء في عالم الوجود من جنس المعبود أبداً وبصورة عامة.. إلّا المعبود الواحد
الأحد، وأحديّته خاصّة به، فلا نظير لها؛ لا في الوجود الخارجيّ ولا في التّصوّر والوهم، وهي غير قابلة للتعدّد والكثرة أبداً.
7- لا ريب في أنّ الاعتقاد بالتّثليث ليس بالمطلب الّذي يستطيع عامة النّاس (وفي مقدمتهم النّصارى) أن يدركوه، وإنّما هم يرددونه كالببغاء ويقبلونه، حتّى صار في أذهانهم ذا بعد من أبعاد المجاملة.. وثيق بين العلماء والعوام.. ولعلّ من النّصارى البسطاء من لا يكفر كفراً حقيقياً ولا ينكر التّوحيد من أصله.. إلّا أنّ العلماء يكفرون كفراً حقيقياً، لإيمانهم بالتّثليث دونما مجاملة.. وهؤلاء هم المهدّدون بالعذاب الأخروي الأليم، وهذا في حال كانت (من) في (منهم) بيانية لإيضاح وتبرير علّة عذاب الكفّار.
8- كلمة (من) في (منهم) حسب البعض بيانية، ولكنّ ظاهرها تبعيضية هنا، وهي في الحقيقة إشارة إلى الّذين يصرّون على شركهم وكفرهم، ولم يراعوا دعوة القرآن المجيد إيَّاهم في هذا المجال؛ حيث لم يستغفروا ولم يتوبوا..
9- قوله سبحانه (وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) يبين الإنذار واللّهجة الشديدة فى أنه تعالى سيعذب المتشبثين بهذه العقيدة عذاباً أليماً..
10- نقل في تفسير (المنار) عن كتاب (إظهار الحقّ) حكاية مناسبة في هذا الإطار وتبين كيف أنّ التّثليث وتوحيد النّصارى غير قابل للفهم، يقول مؤلّف هذا الكتاب: اعتنق ثلاثة أشخاص الديانة النّصرانيّة، فعلمهم القسّ مبادئه الضّروريّة، ومنها مبدأ التّثليث، وذات يوم جاءه أحد النّصارى وسأله عن هؤلاء الّذين اعتنقوا النصرانية، مؤخّراً، فأشار إليهم القسّ بحبور. فسأله مباشرة بالقول: وهل تعلموا شيئاً من ضرورات الدّين النّصراني، فقال القش بشجاعة وتأكيد : نعم.. وكمصداق لذلك استدعى القش أحدهم ليمتحنه في محضر الضيوف وقال: ماذا تعرف عن عقيدة التّثليث؟ فقال في جوابه قد علمتني أنّ الإله ثلاثة؛ واحد في السماء وآخر في الأرض وقد ولد من بطن أمه، والثّالث نزل على هيئة طير على الإله الثّاني الّذي كان
عمره ثلاثاً وثلاثين سنة! فغضب القس وطرده قائلاً: إنّه لا يعرف شيئاً، ثمّ استدعى الثّاني، فأجابه قائلاً: قد علمتني أنّ الآلهة ثلاثة أما أحدهم فقد صلب، وليس عندنا غير إلهين في الوقت الحاضر. فاشتد غضب القس وطرده.. واستدعى الثّالث الّذي كان يبدو أكثر فهماً من صاحبيه، وسأله السؤال ذاته، فأجاب بشيء من اللباقة قائلاً: يا سيّدي! قد حفظت كلّ ما علّمتني؛ وفهمته ببركة المسيح؛ قد قلت: إنّ اللّه ثلاثة، وإنّ الثلاثة واحد.. أحدهم قد صلب ومات.. وعليه؛ فإنّ الجميع قد ماتوا؛ لأنه كان مع البقية واحداً.. ولهذا؛ فإنّه لا إله لنا في الوقت الحاضر !! (1)
1) المنار، ج 6، ص 485.
أَفَلَا يَتُوبُون إلَى اللّه وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللّه غَفُورٌ رَّحِيمٌ (74)
1- توجّهت الدّعوة - في هذه الآية إلى التّوبة والاستغفار والرّجوع عن عقيدتهم الكافرة، ليغفر اللّه تعالى لهم ويشملهم بعفوه (أَفَلَا يَتُوبُون إلَى اللّه وَيَسْتَغْفِرُونَهُ)؟
2- هذا المقطع من الآية الشّريفة نظير تلك الآية القائلة: (فَهَل أَنتُم مُنتَهُونَ)؟
أي أنّهم توجّبت عليهم التّوبة والاستغفار بصيغة الاستفهام.
3 - حرف (إلى) ورد للإعلان عن أنّ حقيقة التوبة رجوع إلى طاعة الربّ العزيز، وهي متوجّهة إلى من ابتعد عنه ثمّ همّ بالرّجوع إليه.
4- التّفاوت بين التّوبة وطلب المغفرة يمكن في أنّ طلب المغفرة يتمّ بوسيلة الدّعاء أو السبل والوسائل الأخرى. أما التّوبة؛ فتحمل مفهوم الندم والعزم على عدم العودة إلى الذّنب. وواضح أنّ المغفرة وطلبها فعل عبثي مع تكرار العمل القبيح(وَيَسْتَغْفِرُونَهُ).
5- تدعو هذه الآية الشّريفة الجميع إلى أصلين في صناعة الإنسان، وهما: التّوبة وطلب الرّحمة.
مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ أنظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤفَكُونَ (75)
1- خلاصة قول النّصارى أنّ المسيح جوهر ولون إلهي، وهذه الآية تردّ زعمهم وتقول: إنّه لا فرق.. بين المسيح وسائر رسل اللّه الّذين بعثهم لهداية العباد، ولا مناص لهم عن الموت.. فلا هم آلهة، ولا يستحقون أن يُعبدوا..
2 - تبطل هذه الآية بأدلة ثلاثة وضمن عبارات مقتضبة قول النّصارى بإلوهية المسيح بن مریم:
الدليل الأول: ما الّذي يميز المسيح عن سائر الأنبياء؛ فعبدتموه إلهاً.. فالمسيح ليس سوی رسول كسائر الرّسل؛ وهم جميعاً مبعوثون من قبل اللّه سبحانه، فإذا كانت الرسالة السّماويّة دليلاً على الألوهيّة والشّرك؛ فلم لم تقولوا ذلك في سائر الرّسل؟ (مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ).
الدليل الثّاني: قوله تعالى: (وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ) إشارة إلى أنّ من كان له أمّ والدة ونما في رحمها؛ كيف له أن يكون إلها؟ مضافاً إلى أنّ مصداقيّة أمّه أتت من انضمامها إلى رسالة ابنها المسيح ودفاعها عنه، وبهذا صارت من عباد اللّه المخلصين صدّيقة، فلا ينبغي اتخاذها معبوداً كما
هو المتعارف بين النّصارى، حيث يسجدون لها إلى حدّ العبادة.
الدليل الثّالث: من دلائل نفي الربوبية عن المسيح أنه كائن محتاج إلى سبل إدامة الحياة، بما في ذلك الطعام؛ شأنه شأن سائر النّاس (كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ...).
3 - (يُؤفَكُونَ) من الإفك، وهو لغة: الإبعاد عن شيء، والمأفوك هو الممنوع عن الحقّ وإنّ كان له تقصير في ذلك، ومن هنا قيل للكذب الّذي يعيق المرء عن حقه: إفكاً..
4 - تكرار كلمة (أنظُرْ) في خاتمة الآية (أنظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤفَكُونَ إشارة إلى جدوى النظر في الدلائل الواضحة من جهة، وهي كافية لكلّ ناظر.. ومن جهة أخرى؛ يلزم النظر إلى ردود أفعال النّصارى السّيئة، باعتباره ردود عجيبة محيرة، حيث يتعمدون الامتناع عن قبول الحق..
قُل أَتَعبُدُونَ مِن دُونِ اللّه مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللّه هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76)
1 - إكمالاً للاستدلال السالف خاطبتهم هذه الآية بالقول: لم تعبدون من هو محتاج؛ ولا يملك لنفسه - قبل غيره وهو أنتم - نفعاً ولا ضراً إلّا أن يشاء اللّه؟
2 - مسألة - بشريّة المسيح - وحاجاته الماديّة والجسمانية الّتي ذكرها النّصارى المدّعون ألوهية النّصارى، فقد رأيناهم يتهالكون في تبرير أقوالهم في المسيح، فاضطروا إلى الإزدواجية في أقوالهم تلك من قبيل البعد العيسوي اللّاهوتيّ والبعد النّاسوتيّ.. باعتبار أنّه اللّه في بعده اللّاهوتيّ، وأنّه جسم مخلوق في بعده النّاسوتيّ.. وأمثال ذلك؛ ممّا يعدّ أدل دليل على منطقهم الدّينيّ المتهالك..
3- بدلاً من كلمة (مِن) استعملت كلمة (ما) في هذه الآية الّتي ترد في العادة في غير العاقل، ولعلّ هذا الدخول سائر المعبودات؛ من قبيل الحجر والخشب في عمومية منطوق الآية ومدلولها.. وكأنّها تقول: إن كانت عبادة المخلوق جائزة، فلتكن عبادة الأصنام جائزة أيضاً.. ومعلوم أن الإيمان بألوهية المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) نوع عبادة للأصنام لا عبادة اللّه سبحانه.
4- تنذر الآية في نهايتها النّصارى من أن يتصوّروا أنّ اللّه تعالى لا يسمع قولهم الباطل أو لا يعلم ما في ضمائرهم.. بل إنّ (اللّه هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الحقّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ (77)
1 - في هذه الآية يؤمر النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولدى اتضاح خطأ أهل الكتاب فيما يرتبط بالغلق بأنبياء اللّه بأن يدعوهم النّبي بالدلائل الواضحة ليرجعوا عن غيّهم (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الحقّ).
2- (لَا تَغْلُوا) من الغلو؛ بمعنى التّجاوز عن حدّ الحقّ والصواب؛ فإذا ما حصل تجاوز لحدّ الإنسان ومقامه؛ قيل : غلوّاً ومغالاة.. والغالي في تحديد الشعر وقيمة الشّيء.. والغلو في الشهم.. وفي فوران الماء فيقال غليان، والغلواء هو الحيوان الجامح الطّائش.. والكلّ من المادة اللغوية ذاتها. كما ان البعض يذهب أنّ الغلوّ من قبيل التّطرّف والإفراط والتفريط.. فيما حصره البعض في جانب التّفريط، فيما يقابله التقصير.
3- حيث انّهم مطلع الآية أهل الكتاب بالغلو والتطرف وهذا ما يشترك فيه اليهود والنّصارى. وغلوّ النّصارى واضح معلوم، أما غلق اليهود - الّذين يشملهم خطاب - يا أهل الكتاب - فلا يبعد أن يكون إشارة إلى قول في العزير وأنّه ابن اللّه سبحانه..
4- جملة (وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ) إشارة إلى أنّ أصل الغلوّ - في الغالب - اتباع أهواء الضالين.. وتاريخ النّصارى قد نوّه إلى أن مسألة التّثليث والغلو في المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يكونا في الفترات الأولى للدّيانة النّصرانيّة، وإنّما حدث
ذلك لاعتناق الوثنيين الهنود لها.. ولذا نرى أنّ الثالوث الهندي (الإيمان بالآلهة براهما، فيشنو، سيفا) كان قبل ظهور التّثليث المسيحيّ من الناحية التّاريخيّة، وهو في الحقيقة انعكاس لما ورد في الآية (30) من يورة التّوبة، إذ نقرأ بعد التطرّق لغلوّ اليهود والنّصارى تجاه العزير والمسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) (يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ...).
5- تكرّرت كلمة (ضَلُّوا) في هذه الآية الخاصة بالكفّار الين اقتبس أهل الكتاب الغلوّ منهم، ويمكن أن يكون هذا التكرار تأكيداً أو لأنّهم كانوا ضالين من قبل ثمّ ضلّوا مرة أخرى تأثراً بإعلام الآخرين، فأضافوا ضلالاً على ضلالهم، لأنّ من يحاول جرّ غيره إلى الضلال هو أضل من الجميع، لأنه يسخّر كلّ طاقاته في مسار البؤس ليهلك الآخرين ويحمل وزرهم على ظهره، لأنّ من هو على صراط مستقيم غير مستعد أن يحمل غيره مضافاً إلى خطاياه هو..
لُعِنَ الّذينَ كَفَرُواْ مِنْ بَنِي إِسْرَاءِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78)
1- تخبر هذه الآية رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنّ الّذين كفروا من أهل الكتاب قد لعنوا على لسان أنبيائهم أيضاً، وأنّ هذه اللعنة كانت بسبب عصيانهم وكفرهم واعتدائهم وعداوتهم القديمة والدّائمة.
2- لقد لعن داوود (عَلَيهِ السَّلَامُ) بني إسرائيل بداعي تمرّدهم على الحكم القاضي بضرورة تعطيلهم الصّيد في يوم السبت.. وكذلك فعل عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث لعن الّذين تناولوا من المائدة السّماويّة الّتي أنزلت عليهم بدعائه لتطمئن قلوبهم للإيمان باللّه ثمّ كفروا.
3- في هذه الآية والآيتين التاليتين ولمنع أهل الكتاب عن تقليدهم الأعمى لأسلافهم، وردت الإشارة إلى مصائرهم السيئة، فقالت: (لُعِنَ الّذينَ كَفَرُواْ مِنْ بَنِي إِسْرَاءِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى).
4- هذه الآية إشارة إلى أن مجرد الانتماء لبني إسرائيل أو لعيسى لن ينجي أحداً ما داموا غیر متمسّكين حقاً بمنهجه، بل إنّ الأنبياء أنفسهم يلعنون هؤلاء المدّعين ويتنفّرون منهم.
5 - المقطع الأخير من الآية يؤكّد القول بأنّ ذلك اللعن والتنفّر نتيجة ارتكابهم الذّنوب وتجاوزهم الأحكام الإلهيّة (ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ).
كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُنكَرِ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)
مقدمة: لدى تفسير هذه الآية نتناول حديثين في أهمّيّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
الحديث الأوّل : قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) " لتأمرنّ بالمعروف ولتنهنّ عن المنكر ولتأخذنّ على يد السّفية ولتأطرنّه على الحقّ أطرا، أو ليضربنّ اللّه قلوب بعضكم على بعض ويلعنكم كما لعنهم" (1).
الحديث الثّاني: قال الإمام الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُنكَرِ فَعَلُوهُ): "أما إنّهم لم يكونوا يدخلون مداخلهم ولا يجلسون مجالسهم، ولكن كانوا إذا لقوهم ضحكوا في وجوههم وأنسوا بهم". (2)
1- ضمن بيان سلوك بني إسرائيل العدائيّ؛ تشير الآية إلى أنّ طريقة بني إسرائيل إزاء الأعمال القبيحة والمنكرة لفريق منهم، أنّهم كانوا لا ينهونهم عن ذلك، بل ويرضون بالعمل القبيح.. وهذا الرّضا بحدّ ذاته كان عملاً وموقفاً منكراً قبيحاً واعتداء على أحكام اللّه تعالى، وعليه؛ فإنّ طريقتهم الدائمة كانت ارتكاب المنكرات.
2- فيما يرتبط بوصف الآية لعملهم القبيح بالمنكر هناك أربعة أسباب:
الأوّل : لأنّ عقل الإنسان يحبّذ العمل الصالح ولا يستغربه، أما العمل القبيح وغير المحمود؛ فلا يرضاه، وعليه؛ فإنّ ما ينكره العقل؛ فهو قبيح، وما يرضاه حسن.
الثّاني: المقصود من (المُنكَر) أنّ فريقاً من اليهود كانوا يعمدون وخلافاً لأمر اللّه تعالى وحكمه - إلى الصيد في أيام السّبت.
الثّالث: يقول بعض المفسّرين هذه الآية إشارة إلى أخذ الرّشوة من قبلهم، والآية وضعت هذا الفعل القبيح بالمنكر.
الرّابع : بعض آخر ذهب إلى أنّ المراد بالمنكر هو أكل الرّبا وأخذ قيمة دهون الحيوانات من جهتهم.. وهما محرّمان عليهم.
3- ولهذا كان منهجهم في الحياة قبيح للغاية (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ).
تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الّذينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّه عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80)
1- يفهم من علاقتهم الإيجابية بالكفّار أنهم يتراجعون عن الالتزام بدينهم، إذ بشهادة العقل؛ فإنّ كلّ جماعة تودّ أخرى تكون راضية بفعلها، وهذه الآية من باب طلب الشّهادة من شعورهم وعقلهم، بمعنى إنّهم يعرفون دينهم إلى الحد الّذي لا يكفّون ولا يتراجعون عنه ولا يتجاوزون خدوده، ولازم هذا الأمر أن يحبّوا أهل التّوحيد ويتنفّروا من الكافرين.
2- هؤلاء وبحبّهم للكفّار، يدّخرون أسوأ الزاد لآخرتهم، وجزاؤهم في غضب اللّه عليهم وخلودهم في الجحيم ليذوقوا وبال أمرهم وسوء عاقبتهم لأنّهم كانوا قد قدموا عقابهم وعذابهم من قبل (لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّه عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ).
3 - بديهيّ أن صداقة الكفّار ليست صداقة بسيطة، وإنّما هي صداقة ممزوجة بأشكال الذّنوب وتشجيع لهم عقائدهم الكافرة وأعمالهم السيّئة المنكرة، ولذا؛ قالت الآية في آخرها: (تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الّذينَ كَفَرُوا).
4 - فيما يتعلّق بالمراد من (الّذينَ كَفَرُوا) في هذه الآية ومن يكونون؛ ثم احتمالان :
الأوّل : أنّهم مشركو مكّة الّذين عقد معهم اليهود أواصر الصّداقة.
الثّاني: أنّهم الجبّارون والظالمون الّذين تصادقوا مع اليهود عبر العصور، وقد نقل عن مولانا الإمام الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما يؤيد ذلك إذ قال: (يتولون الملوك الجبارين ويزينون لهم أهواءهم ليصيبوا من دنياهم) (1)ولا مانع من أن تكون الآية قد أشارت إلى المعنيين، بل هي أعم منهما..
1) مجمع البیان، ج 3، ص 358.
وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللّه وَالنّبيّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81)
1- لو كان اليهود آمنوا باللّه ونبي الإسلام ونبيّهم وكتابهم، ما أحبّوا الكفار أبداً، وما اتخذوهم معتمداً، لأنّ الإيمان باللّه يهيمن على جميع العالقات ومهما كانت رصينة متينة لأزالها (وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللّه وَالنّبيّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ).
2- إيمان أهل الكتاب بعيد جداً، وهو بمثابة التّمنّي (وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ) وكلمة (لو) تستعمل للأمر الّذي لا يتحقق، كما الرجل المسن الّذي يقول: ليتني أصير شاباً.
3- من المؤسف أنّ اليهود المطيعين اللّه هم قلّة قليلة جداً، وإنّ أكثرهم خارجون عن دائرة الأمر الإلهيّ وقد اتخذوا الفسق طريقاً (وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ).
4 - واضح أنّ المراد بالنّبي في هذه الآية؛ نبي الإسلام (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لأن القرآن المجيد قد استعمل هذه الكلمة في آيات عديدة، وهذا الأمر يلاحظ في عشرات الآيات القرآنيّة.
ه - بعض المفسّرين ذكر احتمالاً آخر في تفسير الآية، حيث أعاد الضمير في (كانوا) إلى المشركين والوثنتين. أي أن المشركين المعتمدين من قبل اليهود ومحط محبّتهم لو أنهم آمنوا بالنّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والقرآن ما كانوا ليختاروا اليهود أولياء.. وهذا دليل واضح على ضلالهم، إذ باد عائهم الالتزام بالكتب السّماويّة تراهم يختارون عباد الأصنام للعامة، أما إذا آمنوا باللّه وكتب السماء؛ ابتعدوا عنهم.. ولكنّ التَّفسير الأوّل أنسب وظاهر الآيات، وطبقاً لذلك؛ ترجع الضمائر كلّها إلى مرجع واحد (اليهود).
6- سؤال: لماذا وصف هؤلاء بالفسق في هذه الآية (وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) مع أن صفة الكفر ألصق بهم ؟!
الجواب : لم يصفهم اللّه تعالى بالكفر هنا لسببين:
الأوّل: لأنّهم تعدوا حدود اللّه وخرجوا على أمره، وهذا فسق صريح وليس كفراً.
الثّاني: لأنّ كفرهم كان واضحاً، وبهذا عدّهم فسّاقاً كفّاراً، لأنّهم بكفرهم كانوا يفسقون.
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاس عَدَاوَةَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ الْيَهُودَ وَالّذينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ الّذينَ قَالُوا إِنَّا نَصَرَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82)
1- في البدء جعل اليهود والمشركون في صف واحد والنّصارى في صف آخر. فقالت الآية بدءاً (أَشَدَّ النّاس عَدَاوَةَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ الْيَهُودَ وَالّذينَ أَشْرَكُوا) أما (أَقْرَبَهُم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ الّذينَ قَالُوا إِنَّا نَصَرَى).
2 - أجرى القرآن في هذه الآية عملية قياس بين حالات ومعنويات وعقائد أهل الكتاب، فقال بأنّ اليهود والمشركين من حيث التكبّر شبيهون ببعضهم إلى حد كبير، لاشتراكهم في كثير من الرذائل، رغم أنّ اليهود يختصون بأقاويل قبيحة، كقولهم (يَدُ اللّهِ مَغلُولَة) أو قول بعض النّصارى إنّ اللّه هو المسيح، أو إنّ المسيح ابن اللّه.. ولكن اليهود والمشركين عموماً أشدّ تطرّفاً ومكراً تجاه المؤمنين، ناهيك عن نقضهم العهود وقلة الإيمان وندرة المؤمنين بدينهم.
3 - العلّة في مودّة واقتراب النّصارى من المسلمين يمكن القول بها من حيث أنّ عدّة أكثر من النّصارى قد التحقوا بالإسلام واعتنقوه دون قتال؛ بل وبإعجاب آمنوا بالدّين الجديد أو لشعورهم بحريّة الاختيار بين الإسلام أو تقديم الجزية وبين أن يقاتلوا.. وبالتالي؛ صاروا أقرب النّاس مودّة للمؤمنين.
4 - سؤال : ما هي علّة قرب النّصارى من المؤمنين المسلمين؟
هناك علّتان في كونهم الأقرب إلى المؤمنين:
الأولى: أنّ بينهم أفراداً علماء متعبدين زاهدين (ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا).
الثّانية : أنّهم لا يميلون إلى التكبّر (وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ).
وإنّ صفات العلم والعبادة وعدم التّكبّر بمثابة مفتاح سعادتهم وماّدة استعدادهم لنيل السعادة وحسن الحظّ، لأن سعادة الإنسان من النّاحية الدّينيّة منوطة بمدى قدرته على تحديد العمل الصّالح، ثمّ القيام به، أما اليهود - وإن كان ثمّ علماء - فيهم إلّا اّن مسلكهم التّكبّر ومعاندة الحقّ، فيما المشركون الّذين لا علماء بينهم؛ فيمتازون بأنهم متكبّرون؛ وقد تجذرت فيهم صفة التعصّب والتّطرّف.
5- يشهد التاريخ الإسلاميّ بوضوح بهذه الحقيقة، إذ في كثير من مشاهد الحروب ضدّ الإسلام تدخل اليهود بشكل مباشر أو غير مباشر، ولم يقصروا أو يمتنعوا عن العداء والخيانة والمؤامرة وقل أن تجد بيتهم من أسلم، والحال أنّ غزوات المسلمين قلّ أن حدثت مواجهة بين المسلمين والنّصارى، كما أنّ الكثير قد التحقوا بصفوف المسلمين..
وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ ممّا عَرَفُوا مِنَ الحَقّ يَقُولُونَ رَبَّنَا ءَامَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83)
ما يفهم من الروايات الشّريفة والنصوص التاريخية وأقوال المفسّرين ويستشفّ بهذا الصدد أن سني البعثة النّبويّة الأولى ودعوته العامة أنّ المسلمين كانوا عبارة عن أقليّة قليلة وقد أكّدت قريش وأوصت قبائل العرب بالضّغط على من فيها من أفراد آمنوا واعتنقوا الإسلام، ولهذا ؛ أصبح كلّ مسلم معرّض لأشكال الضّغط النفسي والدّيني والمادي من قبل قومه..
وفي تلك الفترة كان يعسر على المسلمين أن يلجئوا إلى الجهاد العسكري كخيار من خيارات المواجهة، فيما النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و أمر المسلمين بالهجرة إلى خارج حدود الجزيرة العربية - الحبشة- حفظاً للقلّة المسلمة القليلة، وقد ذكر لهم أنّ في الحبشة ملكاً صالحاً - عادلاً- يمنع الظّلم والجور.
وكان مراد النّبي من ذلك - النّجاشيّ - وهو لقب لملوك الحبشة، كلقبي كسرى وقيصر في بلاد فارس والروم. أمّا اسم النّجاشيّ المعاصر للنّبيّ اللّه وآله فكان (أصْمَحَة) ويعني في لغة الأحباش عطيّة..
أحد عشر رجلاً وأربع نساء من المسلمين اتجهوا إلى الحبشة من طريق البحر، بعد أن استأجروا سفينة صغيرة، وكان ذلك في شهر رجب من السنة الخامسة للبعثة النّبويّة الشّريفة.. وهذه الهجرة كانت الهجرة الأولى.
ولم يمض وقت حتّى وضع جعفر بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) وجمع من هاجر معه أقدامهم على أرض الحبشة، وكانوا المقدمة لهجرة مجموعة أخرى بلغت من العدد (82) مسلماً فيهم النساء والأطفال أيضاً.
وكان مشروع هذه الهجرة مزعجاً جداً للمشركين، لعلم هؤلاء بأنه لن يمرّ وقت طويل حتّى يضطروا إلى مواجهة جماعة قوية من المسلمين الّذين اعتنقوا الإسلام وذهبوا إلى أرض الحبشة الآمنة.. ولإفشال هذا المشروع عزموا – المشركون - على إرسال رجلين شابين ذكيّين ماكرين - عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد - إلى أرض الحبشة وحمّلوهما مزيداً من الهدايا الثمينة..
ركب الشّابان سفينتهما وراحا يحتسيان الخمر حتّى أخذ منهما الشجار مأخذاً.. ولكنّهما وصلا أرض الحبشة لتنفيذ المخطط الّذي أرسلا من أجله.. فهنيئاً لهما مقدّمات الحضور بين يدي النّجاشيّ.. وذلك بتقديم الرّشوة لبعض أفراد حاشية ملك الحبشة وحرّضاهم على تأييد أقوالهما عنده.. وبدأ عمرو بن العاص المشرك الرعديد حديثه إلى النّجاشيّ بالقول: نحن رسل زعماء مكة، وقد أرسلنا لاسترجاع عدّة من شبّانها السفهاء الّذين رفعوا راية الخلاف بين قومهم وارتدوا عن دين أسلافهم وأساءوا إلى آلهتهم وزرعوا الفتنة في أهليهم ونثروا بذور النّفاق في عشيرتهم... وها هم قد أساؤوا استغلال العيش في أرضكم ولجئوا إليكم.. ونحن نخشى عليكم فتنتهم، والأفضل لكم أن تسلّمونا إياهم لنعيدهم إلى قومهم.... قال عمرو بن العاص كلّ ذلك وغيره ثمّ قدّم هداياه إلى النّجاشيّ..
فقال النّجاشيّ: ما لم ألقَ ممثّلي هؤلاء الّذين وصفتهم، لن أتحدّث عنهم وأقرّر فيهم.. وحيث أنّ الحديث حديث ديني فلابد من حضورهم وحضورك.. واستدعي الجمع إلى قصر النّجاشيّ بحضور علماء النّصارى هناك، وتقدّم جعفر بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليتحدّث عن المسلمين المهاجرين، وحضر رسل قريش بزعامة ابن العاص.. وبعد استماع النّجاشيّ لقول ابن العاص، التفت إلى جعفر وسأله عن رأيه وقوله..
فتقدّم جعفر وأدّى احترامه وقال: سلهم أيّها الملك بدءاً عما إذا كنّا عبيداً أبقين عنهم؟ فقال عمرو: بل أنتم أحرار.
قال جعفر: وسلهم عمّا إذا كان لهم دين في ذمتنا ويطلبونه منا!
فقال عمر: لا نطلبكم بشيء.
قال جعفر: هل أرقنا لكم دماً تثأرون له منا؟
قال عمرو: لستم ولسنا كذلك.
فقال جعفر: إذن ماذا تريدون منا حتّى عرّضتمونا لعذابكم وأذاكم؛ فخرجنا عن أرضكم الظالمة؟ ثمّ إنّ جعفراً التفت إلى الملك النّجاشيّ وقال: قد كنّا جماعة تعبد الأصنام وتأكل الميتة وتأتي الفواحش وتقطع الرحم وتسيء معاملة الجار، ويأكل منّا القويّ الضّعيف.. ولكنّ اللّه عزّ وجلّ بعث فينا رسولاً نبياً وأمره أن يدعونا إلى أن نشرك باللّه ولا نجعل له شبيهاً وأن لا نأتي الفواحش والمنكر والظّلم والجور.. وأمرنا بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن نتخذ من العدل والإحسان مسلكاً وأن نعين ذوي القربى منّا..
فقال النّجاشيّ: إنّ عيسى المسيح قد بعث بهذا، ثم سأله جعفراً عما إذا كان شيئاً من الآيات قد نزل على نبيّه وكان يحفظه.
فقال جعفر: نعم، ثم راح يتلو عليه آيات من سورة مريم.. وكانت الآيات تتناول قصّة مريم والمسيح، وتبرؤهما من كلّ سوء وتهمة باطلة.. ممّا تركت أثراً طيباً وعظيماً عند النّجاشيّ بالقول : واللّه إنّ علامات الحقيقة واضحة في هذه الآيات.
ولمّا همّ عمرو بن العاص على أن يتكلّم ويطلب استرداد المسلمين رفع الملك النّجاشيّ يده وصفعه على وجهه وقال: صه!! واللّه إن تكلّمت في هذه الجماعة ذامّاً عاقبتك !! قال النّجاشيّ ذلك والتفت إلى أعوانه وحرسه قائلاً : ردّوا هدايا هذا الرجل إليه وأخرجوه مطروداً وجماعته من أرض الحبشة. ثمّ قال لجعفر ومن معه: كونوا بسلام في أرضي..
وكانت هذه الحادثة العظيمة فضلاً عن تأثيرها الإعلامي الطيب والعميق بخصوص تعريف الإسلام لجموع النّاس في الحبشة سبباً لأن يسر مسلمو مكة ويعدوا الحبشة قاعدة أمن واطمئنان لهم، فبدأ المسلمون ممّن اعتنق الإسلام حديثاً يحدّثون أنفسهم بالهجرة إلى أرض الحبشة..
ومرّت السنون وهاجر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وسائر المسلمين إلى المدينة وقويت شوكة الإسلام وأمضي صلح الحديبية، وانطلق النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لفتح خيبر.. ولما فرح المسلمون بهزيمة اليهود في خيبر.. شاهدوا قافلة تتجه إليهم.. وما هي إلّا برهة حتّى علموا أن القافلة قافلة المسلمين المهاجرين العائدين من أرض الحبشة إلى ديار القدس النبوي.. وقد كسرت شوكة الشياطين المشركين وقد ضربت إلى ديار القدس النّبوي.. وقد كسرت الشياطين المشركين وقد ضربت شجرة الإسلام جذورها المديدة في الأرض..
فقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حين شاهد جعفراً والمهاجرين عبارته التّاريخيّة: "لا أدري أنا بفتح خيبر أسرّ ؛ أم بقدوم جعفر" وقد روي أنّه فضلاً عن المسلمين المهاجرين، كان هنالك ثمانية أشخاص بينهم راهب نصراني قد أقبلوا في الوقت ذاته من بلاد الشام، وقد رغبوا جميعاً باعتناق الإسلام، فجاءوا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وبعد استماعهم لآيات من سورة يس الكريمة؛ انخرطوا في بكاء ذي دمع غزير وقالوا: إنّ هذه الآيات شبيهة بتعاليمها بتعاليم المسيح الحقّة (1).
وحسب روايات أخرى نقلها في تفسير (المنار) عن سعيد بن جبير أن النّجاشيّ بعث بثلاثين شخصاً من أصحابه المقرّبين إليه؛ إبداء لشديد احترامه وتعلّقه برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ودين الإسلام.. وهم قد ذرفوا الدّموع لسماعهم آيات سورة يس واعتنقوا الإسلام، فنزلت هذه الآية
1) مجمع البيان، ج 3، ص 360 و 361.
وذكرت المؤمنين بخير وفضل. (1)
(وشأن النزول هذا لا يتنافى وأنّ سورة المائدة قد نزلت في أواخر العمر الشريف للنّبيّ العظيم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ولأنّ هذا الحديث مرتبط بأكثر آيات هذه السّورة، ولا مانع من أن تكون بعض الآيات قد نزلت في شأن حوادث سابقة، وقد جمعت إلى هذه السّورة في مناسبات أخرى بأمر من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)).
1 - إنّ علامة المتواضعين؛ أنهم ينقلبون إلى الصواب بمجرد سماعهم الحقّ، ولكن غيرهم لا تهتز لهم شعرة ولو رأوا الحقّ عيانا.. (لَا يَسْتَكْبِرُونَ.. وَإِذَا سَمِعُوا.. تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ.. يَقُولُونَ رَبَّنَا ءَامَنَّا).
2- الدّمع إذا مقروناً بالمعرفة؛ كان علامة الكمال (تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ ممّا عَرَفُوا).
3 - إن معرفة حقانية الإسلام وآيات القرآن تؤدّي إلى هطول الدموع من العيون لما للحق من تأثير في القلوب، وهذا كله تصديق وقبول وشاهد لمطلب تقدم القول فيه، وهو أنّ النّصارى أشدّ، لأنّهم خاضعون للحق، فتراهم إذا سمعوا حقاً قالوا: آمنا باللّه أقرب للمؤمنين ومحبتهم فاجعلنا من الشاهدين، وذلك لأنّ فيهم متسيّسين ورهباناً، وهم أفراد غير متكبّرين عموماً.
5 - في قوله تعالى (فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) ثلاثة احتمالات:
الأوّل : أن تكتب أسماؤهم في اللوح المحفوظ إلى جانب أسماء الشّاهدين.
الثّاني: أن تكتب أسماؤهم مع المؤمنين بالقرآن ومن بعث به.
الثّالث: أن تكتب أسماؤهم في عداد أسماء الّذين يشهدون بأحقية الرسالة والرسول وبأنّ القرآن الكريم كتاب سماوي، وهم عليّ وآله المعصومون (عَلَيهِم السَّلَامُ).
1) المنار، ج7، ص 14 و 15.
وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللّه وَمَا جَاءَنَا مِنَ الحَقّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84)
1- هؤلاء تأثروا بآيات هذا الكتاب السّماويّ للغاية بحيث قالوا (وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللّه وَمَا جَاءَنَا مِنَ الحَقّ...).
2 - يتحقق الإيمان باللّه وبالحق على أساس الفطرة السليمة؛ بعيداً عن الذّنوب، فلم لا نؤمن؟! ونحن نطمع ونتوقع أن يغفر لنا ربنا ويحشرنا مع القوم الصالحين؟! وكلّ أقوالهم الحاكية عن رغبتهم في الانتقال من النصرانية إلى الإسلام الحق؛ في الحقيقة شاهد ومصداق المطلب الّذي ذكره القرآن بخصوص كونهم أقرب النّاس من حيث المودة إليكم أنتم المؤمنين..
3- الّذين يصرّحون بشجاعة - بعد استيعاب الحقّ – ويقرّون به، ولا يخشون تهديداً ولا إرهاباً.. وهم أفضل الصّالحين، لأنّهم أحسنوا إلى أنفسهم وأنقذوها من عذاب بالجحيم، وكذلك ذكروا غيرهم بإقرارهم هذا.
4 - طبقاً لقول بعض المفسّرين، فإنّ المؤمنين قد أوردوا هذا الخطاب في مواجهة الّذين توجهوا باللوم على إيمانهم باللّه والرسول والقرآن. أما بعض المفسّرين أنهم يؤمنون في بواطنهم
وأيقنوا بضرورة قبول الحقّ واستيعابه، وإن واجههم الآخرون ولامهم، فلا بد من أن يجيبوه بذلك ويردّوه...
5- وإن كان البعض قد ذهب إلى مصطلح (الحَقّ) هنا بمفهوم (الظهور) لأنّ الآية الشّريفة تقول (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) ولكنّ الواضح في ذلك الأمر أنّ المراد من مفردة (الحَقّ) في الآية هو القرآن الكريم، والّذي نزل هو ملك الموت وليس القرآن والشكرات علامة ظهور ومجيء الموت.
6- نحن نطمع ونطمح أن يجعلنا ربّنا - بداعي إيماننا - مع المؤمنين والصالحين من أمة محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في الجنّة..
فَأَثَابَهُمُ اللّه بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالدّين فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85)
1 - يتّضح من هذه الآية أنّ جزاء أعمال النّصارى رضوان اللّه تعالى وجنانه الخالدة، وهذا يدلّ على اعتناق هذه المجموعة من النّصارى الإسلام.
2- (الإثابة) بمعنى المجازاة وإعطاء الأجر..
3- الّذين يظهرون للمؤمنين المحبّة ويسلّمون للآيات الإلهيّة ويظهرون إيمانهم بصراحة يجزيهم اللّه على صالح أفعالهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدّين فيها، وهذا جزاء المحسنين (فَأَثَابَهُمُ اللّه بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ...).
4- من مجمل آيات القرآن تتجلى هذه الحقيقة وهي أنّهم كانوا واعين وعالمين ومخلصين بما قالوا وأنّ ما أجروه على ألسنتهم نابع من عمق أنفسهم وصادر عن معرفتهم وإخلاصهم، ودموع عيونهم يشير إلى أنّهم - في مقابل القرآن والآيات - قد بلغوا مرحلة الحبّ والنضج والنّورانيّة.. وهل الإيمان الحقيقيّ غير هذا ؟!
5 - يفهم من الآية أيضاً أنّ جزاء الجنّة يناسب أقوالهم الواعية والخالصة، إذ المراد من (أقوالهم) دعاؤهم الجياش الصّادق حيث كانوا يقولون: ربنا اجعلنا من ومع الشاهدين على رسالة النّبي. وقولهم : نطمع أن يغفر لنا ربنا ويدخلنا الجنّة مع القوم الصالحين..
وَالّذينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئكَ أَصْحَابُ الجَحِيمِ (86)
1- وفى هذه الآية تتضح طبيعة جزاء اليهود والمشركين إزاء طبيعة جزاء النّصارى الّذين يسلّمون أمرهم اللّه ويعتنقون الحقّ، ليتبين في نهاية المطاف جزاء كلّ من الفرق الثّلاث..
2 - الّذين كفروا بالآيات الإلهيّة عناداً وتكبّراً وكذبوا بها، ليس لهم عاقبة غير النار خالدّين فيها (وَالّذينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا...).
3 - ورد التحذير والإنذار في هذه الآية الجلية للكافرين عموماً وليس لكفّار أهل الكتاب. وأنّ الكفر والتكذيب بآيات اللّه يجران الإنسان إلى استحقاق العذاب الجهنميّ، وذلك لأنّ آفتي الكفر والتكذيب قد ورد ذكرهما في الآية، حيث أنّ كفّار أهل الكتاب كفروا وجحدوا وكذّبوا بآيات اللّه تعالى.. وهم في الحقيقة قد أصيبوا بالدّائين معاً..
4 - واضح أن (التكذيب بالآيات) لا يستلزم وعي المكذب بصحة رأيه ومذهبه، إذ يكفي في أنه يذهب إلى كذب الآيات، فيكون مستحقاً لعنوان (المكذّب) وإن لم يكن متيقناً بصحة قوله، وهو بهذا الرأي الباطل مستحقّ للعقاب، ذلك لأنّ اللّه تعالى قد فسح سبل الهداية للإنسان وأتاحها وجعله قادراً على بلوغ الحقّ والحقيقة والتمييز بين ما هو صحيح من العقيدة وما هو خطأ.. ليختبر بهذه الشاكلة.
5 - لا شكّ في أنّ هذه المقارنة بين اليهود والنّصارى كانت في العصر النّبويّ إذ اليهود ورغم وجود الكتاب السّماوي بين أيديهم، إلّا أنّ تشبّثهم العتيد بالماديات صار في مصاف المشركين، مع أنهم لا وجه مشتركاً بينهم، والحال أنّ اليهود كانوا من المبشرين بظهور الإسلام،
ولم يكونوا قائلين بالتّثليث ومغالاة النّصارى، ولكنّهم كانوا شديدي العبادة للدنيا، ممّا جعلهم غرباء عن الحقّ، فيما لم يكن النّصارى كذلك في تلك الفترة.
6- بنظرة تحليلية دقيقة إلى التاريخ الماضي والمعاصر؛ نفهم أن النّصارى في القرون التّالية قد ارتكبوا المجازر الرهيبة بحق المسلمين، ولم يكونوا بذلك أقلّ إجراماً من اليهود.. ولا تخفى على أحد وقائع الحروب الصليبية المدمرة والمؤامرات الجسيمة الصادرة عن الاستعمار المعاصر ضدّ الإسلام والمسلمين، وعليه؛ لا ينبغي اعتبار الآيات أعلاه قانوناً كليّاً يشمل جميع النّصارى.. وعبارة (َإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ..) وبعدها شاهد على أنّ هذه العبارة وأمثالها كانت بخصوص بعض النّصارى المعاصرين للنّبيّ الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
يَا أَيُّهَا الّذينَ ءَامَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَ اللّه لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللّه لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87)
روي في شأن نزول هذه الآية والآيتين اللتين تليانها ونقلاً عن (الأمثل في تفسير كتاب اللّه المنزل):
كان النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يتحدث يوماً عن البعث وحال النّاس في يوم القيامة ومحكمة العدل الإلهىّ، ممّا تأثر له الصحابة أيما تأثر حتّى أن بعضهم بكى لذلك، فقرر عدد منهم أن يحرّموا على أنفسهم الراحة وطيّبات العيش ليتفرغوا للعبادة..
وذات يوم جاءت زوجة عثمان بن مظعون إلى عائشة. وكانت هذه المرأة شابة ذات جمال، فتعجبت لها عائشة وقالت: لم لا تتزيّنين. فأجابتها قائلة ولم أتزيّن وزوجي قد تركني منذ مدة واتخذ الرهبانية سبيلاً، فبلغ الأمر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فاستدعى المسلمين إلى المسجد، وحينما اجتمعوا إليه، ارتقى المنبر وحمد اللّه وأثنى عليه وقال : ليس منّي من ترك سنّتي، وإنّي أنام قسماً من اللّيل وأتقرب من أهلي ولا أصوم جميع أيّامي.. وإنّي لم أمركم أن تكونوا كقساوسة النّصارى في رهبانيتهم؛ فتتركون الدنيا.. ولا رهبانيّة في الإسلام وإنّ رهبانية أمّتيّ الجهاد.. وأمّا النفر الّذين أقسموا على التّرهّب؛ فقد قاموا وقالوا: يا رسول اللّه ! لقد أقسمنا على ترك الدنيا
فماذا نصنع بقسمنا ؟ فنزلت الآية أعلاه وأجابتهم على سؤالهم.. (1)
1 - (الحرام) هو الأمر أو الشّيء الّذي ورد فيه المنع، وسواء كان هذا المنع بتسخير وأمر النهي أو بمنع قهريّ أو عقليّ أو شرعيّ أو كان من جهة شخص وجب الطاعة، وقد نهي في هذه الآية عن تحريم حلال اللّه تعالى.
2- (الحلال) من الحِلّ بمعنى حلّ القعدة وفتحها، أو بمعنى الحلول والنزول، والحلال يقابل الحرام.
3 - لتحريم حلال اللّه تعالى ثلاث صور واحتمالات:
الأول: في مقابل أمر الشارع المقدس بتحليل شيء؛ فنشرع إزاءه حراماً.
الثّاني: أن يمنع أحدهم ذلك الفعل الحلال.
الثّالث: امتناع الشخص عن فعل الحلال.
4- لا شكّ في أنّ كلّ شكل من أشكال تحريم حلال اللّه، اعتراض على حكومة وحكم اللّه سبحانه، ونقض للإيمان به والتسليم لأوامره، وهو بمثابة نوع من التعدي على التشريع السماوي و خروج عن التسليم والالتزام بالأوامر الإلهيّة، وهذا الخروج اعتداء وعداء مع ربّ الوجود سبحانه وتعالى.
5- بناء على هذه الآية، يعد الاعتزال والرهبانية إفراط وتفريط وبدعة في دين الإسلام.
6- لا تخرجوا عن حدود الدّين، لأنّ اللّه جل جلاله لا يحبّ المتجاوزين المحرمين لحلاله، ولأنه تعالى قد شرع أحكامه بما يطابق المصلحة وفطرة البشر، فحلّل الطيبات وحرّم الخبائث (وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللّه لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ).
1) الأمثل فى تفسير كتاب اللّه المنزل، ج 4، ص 130 و131.
وَكُلُوا ممّا رَزَقَكُمُ اللّه حَلَالاً طيِّبَاً وَاتَّقُوا اللّه الَّذِى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ (88)
1- مفردة (كُلُوا) في الآية وردت بصيغة الأمر؛ وهي هنا تعني الإباحة.. والمقصود بذلك: الانتفاع من رزق اللّه ونعمه..
2 - في هذه الآية ورد تكرار وتأكيد ما في الآية السابقة، وورود الأمر بعد النهي والمنع دليل الجواز، لأنّ الآية السابقة قد ورد النهي عن التحريم، وفي هذه الآية ورد الأمر بالانتفاع المشروع من الرّزق والمواهب الإلهيّة (وَكُلُوا ممّا رَزَقَكُمُ اللّه حَلَالاً طيِّبَاً).
3- كلمة (كُلُوا) بمعنى التّغذية والتغذي؛ أو مطلق وجوه التصرف بالنعم الإلهيّة. ويمكن أن يكون الأكل بمعناه الواقعي والفعلي.. وإنّ سبب نزول هاتين الآيتين أنّ بعض المؤمنين عمدوا إلى تحريم الطيبات على أنفسهم في أيام نزول الآيتين؛ فأمرهم اللّه تعالى بتقواه والتسليم لأحكامه وشرعه.
4- إيمانكم باللّه سبحانه يوجب عليكم احترام جميع شرعه؛ فعليكم اتّخاذ مسلك الاعتدال والتقوى لدى الانتفاع من المواهب الإلهيّة.
5 - قوله تعالى (وَاتَّقُوا اللّه الَّذِى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ) يبيّن اشتراط الالتزام بتقوى الربّ الّذي شرع الأحكام ورزق العباد....
لا يُؤَاخِذُكُمُ اللّه بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَدتُّمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أيمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّه لَكُمْ ءَايَاتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89)
1- (اللَّغْوِ) هو الأمر الّذي لا يترتب عليه أثر عملي.
2- (الْأَيْمَانَ) جمع يمين؛ بمعنى القسم، وهو استعارة لليد اليمنى حيث يصنع الشّخص المتعهّد صاحب القسم بها أعماله في الأغلب.
3 - القسم اللّغو ما لا هدف محدّداً له، ولا يكون عن إرادة وتصميم، والآية الكريمة تنفي المؤاخذة والعقاب على هذا النوع من اليمين.. (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللّه بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ).
4 - الأيمان الحقيقيّة الجادة هي الصادرة عن إرادة والتفات وتصميم، كالقول: واللّه سأقوم بالفعل الكذائيّ الصّالح، أو : واللّه سأترك الفعل الكذائي ّالقبيح، أو: واللّه سأفعل الفعل الكذائي الحرام، أو: واللّه سأترك الفعل الكذائي الواجب.. وعن هذا النوع من القسم يقول القرآن المجيد: (وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَدتُّمُ الْأَيْمَانَ).
5- جدّيّة القسم لوحده غير كافٍ في صحته، وإنّما اللّازم أن يكون محتواه مباحاً على الأقلّ، كما ينبغي معرفة أنّ القسم يجب أن يكون باسم اللّه تعالى. (1)
6- من أقسم باللّه وجب عليه العمل به، فإن لم يعمل؛ لزمته الكفّارة، وكفّارة هكذا قسم واحدة من ثلاثة أشياء:
الأولى : إطعام عشرة مساكين.. ومن هذا الإطلاق يعمد البعض إلى التكفير بأي نوع من الطّعام أو قليل القيمة، ولكنّ النّصّ القرآني أو الإطعام من الغذاء الأوسط الّذي يطعم صاحب اليمين أهله.
الثّانية كسوة عشرة مساكين.
وظاهر الآية طبعاً يفيد بالكسوة الّتي تغطي البدن بما يناسب فصول السنة ومكان إقامة المسكين.. ويكفي - حسب ظاهر ومقتضى الإطلاق في الآية - أي نوع من الكسوة.
الثّالثة: تحرير وإعتاق عبد (أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ).
7 - لعلّ من النّاس من لا قدرة له على التكفير بما ذكر من أنواع الكفارات، ولذا؛ وجب عليه الاستعاضة عن ذلك بالصوم (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام).
8 - قوله تعالى (وَاحْفَظُوا أيمَانَكُمْ) يبيّن أنّ الحنث باليمين حرام حتّى مع إعطاء الكفّارة، فلا يظنّن أحد حلّيّة الحنث.
9- كما أنّه تعالى قد بيّن أوامره وأحكامه بخصوص اليمين والكفّارة، فإنّه قد بين آياته وأحكامه بوضوح أيضاً، وذلك لتشكروه على ما مهده لإرشادكم (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّه لَكُمْ ءَايَاتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).
1) خلاصة من الأمثل فى تفسير كتاب اللّه المنزل، ج 2، ص 139 و 140.
يَا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)
ذكر في تفاسير الشيعة والمخالفين شؤونات نزول عديدة لهذه الآية، مع تشابه بينها، من جملتها ما ورد في (مسند أحمد) و (سنن أبي داود) و(النسائيّ) و(الترمذيّ) أنّ عمر - طبقاً لتصريح تفسير (في ظلال القرآن) بأنّه كان ذا رغبة جامحة في شرب الخمر - دعا وقال: اللّهم بين لنا حكمك في شرب الخمر !! وحين نزلت الآية 219 من سورة البقرة وقالت: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ..) قرأها عليه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).. ولكنه أصر على دعائه وطلبه وقال: اللّهم امنن علينا بما هو أوضح من ذلك، فنزلت الآية 43 من سورة النساء: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) فقرأها عليه النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أيضاً.. ولكن عمر لم يفتر عن دعائه والإعراب عن عدم اكتفائه حتّى نزلت الآية محط البحث وكانت صريحة بشكل استثنائي في الموضوع.. وحين قرآها عليه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، قال : انتهينا انتهينا!! (1)
هذا بالإضافة إلى أنّ شرب الخمر كان رائجاً للغاية في الجاهليّة قبل الإسلام حتّى وصف بكونه بلاء عام، إلى الحدث الّذي قال فيه بعض المؤرّخين: (إنّ عشق أعراب الجاهليّة كان منحصراً في ثلاث: الشعر والخمر والحرب!) ومعلوم أنّ الإسلام لو كان أراد مواجهة وتحريم هذا البلاء العام من دون ملاحظة القواعد النّفسيّة والإجتماعيّة، ما كان لينجح في ذلك، لذا؛ فقد
1) في ظلال القرآن، ج 2، ص 664 والمنار، ج 7، ص 50.
وجدناه استخدم الأسلوب التدريجي وخلق الاستعداد الذهني لاقتلاع جذور هذه العادة الشيطانية عن الجاهليين.. ومن هنا كانت أكثر تجذراً من أن تقتلع بإشارات وتلميحات قرآنيّة.. وحين هاجر المسلمون إلى المدينة وتأتست حكومتهم الإسلاميّة؛ نزل الأمر الثّاني في الآية 219 من سورة البقرة فيما يتعلّق بمنع شرب الخمر بصورة أشد قاطعيّة. ثم كان تعرّف المسلمين على أحكام الإسلام سبباً في نزول الآية محط التفسير؛ وهي الأصرح والأكثر بياناً في قطع الطريق بوجه المتشبثين بالأعذار والتبارير. (1)
1- معلوم أنّه بالالتفات إلى التفشّي الواسع لشرب الخمر في العصر الجاهلي إلى الحدّ
الّذي وصف بكونه وباء ووباء عاماً شاملاً، حتّى قال بعض المسلمين بعد آيات التحريم ما حرّم علينا شيء أشدّ من الخمر.. فاضطرّ القرآن إلى التّدرّج في التحريم رعاية للقواعد النفسية وضمان أكبر نسبة من الالتزام بعدم شرب الخمر، وحرصاً على خلق التحوّل الفكري والعقائدي، فراح الإسلام ينوّع في تأكيداته على تحريم هذا الوباء والتخلص من هذه العادة المقيتة..
2 - ينبغي النظر إلى نموذجين تربويين للقرآن الكريم في مواجهة آفة شرب الخمر، وهي عبارة عن خطوات مرحلية، أو ما يسمى بمنهج (الخطوة فالخطوة) في التأكيد وتنوّعه، وهي أربع مراحل :
الأولى: بدءاً ومن منطلق الإسلام وظهوره في مكة، وقد وردت سور مكية لمسألة شرب الخمر كقوله تعالى: (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا) (2)إذ وضع
الخمر في مقابل الرّزق الحسن والشّراب الطيب وتعود الآفة القاتلة (وبهذا تكون المواجهة الفكريّة والثقافية قد بدأت).
الثّانية: في الخطوة الثّانية وبعد انتقال المسلمين إلى المدينة ونزول الآية 219 من سورة البقرة بشكل أكثر قاطعيّة حيث قال تعالى (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) وهذه الآية عدّت شرب الخمر مصدراً لكثير من الذّنوب والآثام والخسائر والأضرار مع الإشارة الواعية إلى المنافع الاقتصاديّة.. وبهذا يكون القرآن
قد وجه تحذيراً جدياً ليفكّر العقلاء ويختاروا عن الابتعاد عن هذه الآفة.
وفي الخطوة الثّالثة، حيث الآية 43 من سورة النّساء إذ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) فنهت هذه الآية المسلمين بصراحة عن الاقتراب من الخمر حين أداء الصلاة والدّعاء إلى اللّه تعالى، وأكدت على أنّ هذه الآفة هي آفة العبوديّة وعامل تدمير لنيّة التّقرب إليه سبحانه وتعالى.
والرّابعة بهذا التمهيد وباعتماد أصل التّدرّج التربوي بعد التعرّف والاستعداد الفكري للمسلمين بأحكام الشريعة ومع نزول هذه الآية وبالصراحة التامة والبيان القاطع بحيث يعجز المبرّرون عن أن يشكلوا على اقتلاع جذور هذه الآفة المفسدة الإجتماعيّة الكبيرة الّتي نفذت إلى أعماق وجودهم..
وفي الخطوة الرّابعة كشفت الآيات عن ان معاقري الخمر عبارة عن شياطين، وحرّمتها تحريماً تامّاً..
وبهذا يعلن القرآن المجيد لدى مواجهة الآفات والعادات القبيحة القاتلة، ضرورة الدّخول من بوابة الفكر وأصل الإرادة الخيّرة، مضافاً إلى اعتماد الأصليين الإنسانيّين التربويّين؛ أعني أصل التدرّج والتأكيد والتنوّع في التّأكيد (وعلى هذا الأساس؛ يفهم أن التحريم القرآني لشرب الخمر قد تمّ بالتّدريج وضمن أربع مراحل).
3 - بدأت الآية خطابها بالقول: (يَا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا) للإشارة إلى أنّ عصيان هذا الحكم مخالف لروح الإيمان ولا يتناسب معه..
4- المراد من (الْخَمْرُ) جميع المشروبات المسكرة، وقد ورد عن الرسول الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن الخمر من تسعة أشياء: العسل، العنب، التَّمر، الحنطة، الذّرة، الشّعير، نوع من الشّعير لا قشرة له، والزّبيب، والمراد من (المَيسرِ) القمار، والقمار له أدواته ووسائله العديدة الّتي يمارس بها..
5 - واضح أن المراد من الحرمة وقبح الخمر هو تناوله، كما أنّ المقصود بحرمة القمار عبارة عن لعبة وعبارة الأوثان واللعب بأسهم القرعة بقصد الفوز والخسارة.
6- يفهم من الآية الشّريفة أنّ كلّ ما حرّم فيها من أفعال الشّيطان وغير صائبة، وإن كانت من خلق اللّه تعالى إلّا أنّ الشيطان يجيّرها لنشر الفساد ونشر بذور الحقد والعداوة بين النّاس.
7 – (الْأَنصَابُ) أوثان ليس لها أشكال خاصة. وهي عبارة عن قطع حجرية، وجعل الخمر والقمار إلى جانبها يؤشّر إلى الخطر الكبير للشّراب والقمار، ولذا؛ نقرأ في الحديث النبوي الشّريف : "شارب الخمر كعابد الوثن". (1)
8 - الشيطان يدعو ابن آدم إلى شرب الخمر ليعطّل عقله الّذي يعبد اللّه تعالى به، ويشجّعه على القمار لينشر ما هو مضاد للفضائل الأخلاقيّة على الصعيد الاجتماعيّ، كما يدعو الشيطان الإنسان إلى عبادة الأصنام ليقذف بالشّرك وآفته القاتلة في القلوب، ويوسوس له اللعب بسهام القرعة بقصد الفوز والخسارة، ليؤسس للأخلاق العادات السّيئة والوقحة. ومن هنا؛ فقد حرّم اللّه كلّ هذه الصور غير الأخلاقيّة بعد أن وصفها بالشَّيطانية ونسبها إلى إبليس وأعوانه، وأكّد على الإنسان الابتعاد عنها ليضمن فلاحه وتوفيقه.
9- يذكر أنّ مرجع الضمير في (فَاجْتَنِبُوهُ) هو عمل الشّيطان وبدعة إبليس، وإن كان
1) جامع الأخبار، ص 149.
ممكناً ردّه إلى (رِجْسٌ) أيضاً (فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
10- بعد بیان مضار ومفاسد هذه الموارد في الآية، جاء النهي عن هذه الأعمال.. ولا ريب أنّ النّهي بعد بيان هذه المضار أكثر فائدة في النّفس وتأثيراً في الرّوح، ويتقبلها الإنسان ويكرسها في باطنه..
11- ورد التأكيد على ممنوعيّة هذه الأعمال بتعبير متنوّعة في هذه الآية إلى الحد الّذي قرن فيه شرب الخمر إلى عبارة الوثن كما اعتبر لعب القمار والأزلام أفعالاً شيطانية.. (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ - نوع من تجربة الحظّ - رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
12 - أحاديث شريفة بخصوص شرب الخمر:
قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : "ملعون ملعون من جلس على مائدة يشرب عليها الخمر". (1)
وكذلك قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : " أربعة لا ينظر اللّه إليهم يوم القيامة: عاق الوالدّين، والّذي يمن، ومكذّب بالقدر، ودائم الخمر ". (2)
وعنه أيضاً : " يأتي شارب الخمر في يوم القيامة أسود الوجه مخمّر العين، سائل اللعاب وقد علّق لسانه من وراء ظهره...". (3)
إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء في الخَمرِ والمَيسرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّه وَعَنِ الصَّلَوَة فَهَلْ أَنتُم مُنتَهُونَ (91)
1 - (العداوة) في اللغة من العدوّ بمعنى التجاوز والتعدّي، حيث تسمّى عداوة إذا كانت في القلب، وتارة عدواناً في حال عدم رعاية العدل، وتارة تعدّيّاً وتجاوزاً في حال عدم العمل بالتعاليم الدّينية، أي: إظهار العداوة وتجاوز الحد الدّيني، وقد أشارت إلى هذا المنحى الآية 102 من سورة النّساء القائلة (إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا) وقال سبحانه في الآية 5 من سورة يوسف (إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ) أي أنه يظهر عداءه للإنسان بصورة عمليّة..
2- (الْبَغْضَاء) من البغض في مقابل الود والعلاقة الطيبة، وفي الاصطلاح: نفرة من أمر لا تميل إليه النفس، وفي إزائه الحبّ الّذي يعني ميل النفس إلى أمر أو شيء ترغب به. والبغض حالة نفسية ومنشأ أثر خارجيّ. (1)
3- مع أنّ العداوة والبغضاء تعنيان الكره والعداء وأن بينهما ارتباط وثيق، نجد القرآن الكريم يجعل المفردتين في موضع واحد، ولكن جعلهما كذلك في منازل قرآنيّة مديدة، كما في آيات سورة المائدة (4 و 64 و 91) والآية 48 من سورة الممتحنة، ممّا يوحي إلى وجود أوجد التفاوت بينهما :
1) تاج العروس، ج 10، ص 15 والتحقيق في كلمات القرآن الكريم ج 1، ص 330 و 331.
التفاوت الأوّل: البغضاء عداوة القلب، ولكنّ العداوة فعل عدائي خارجيّ.
التفاوت الثّاني: البغضاء يعني العداء وحقد القلب، فيما العداوة تشمل ما في القلب وما في الظاهر، وفي الحقيقة؛ إنّ بين العداوة والبغضاء عموم وخصوص مطلق، وكلّ عداوة تشملها بغضاء، ولكن ماكل بغضاء تشملها عداوة.
4 - مفهوم البغض في القرآن المجيد مثل مفهوم الحبّ ذو حالّتين؛ إيجابية وسلبية.
ألف: نفرة الكافرين من المؤمنين أو نفرة الكافرين تجاه بعضهم؛ هو الشعور بالنّفرة والبغض، حيث ينتج تارة عن هوى النفس والابتعاد عن الخلق الإسلاميّ الفاضل، ويمكن أن يبغض المؤمن أخاه في الإيمان، وقد عدّ القرآن هذه الحالة من التنفّر حالة سلبية.
ب: نفرة المؤمنين من أعداء اللّه وهذه النفرة والبغض هما التبري الّذي هو أحد ضروريات الدّين، وكلّ مؤمن عليه أن يبغض ويتبرّأ من أعداء اللّه، وهذه الحالة حالة مطلوبة ومحمودة في القرآن. (1)
5 - تتّضح العداوة بصورتين:
الصورة الأولى: أن يعادي الفرد شخصاً ما، ولا ينوي إظهار هذه العداوة، فيصوّرها بهيئة عمليّة فيؤذي عدوّه.
الصورة الثّانية: أن لا يقصد العداء، ولكنه يفعل فعل العدوّ فينزعج الإنسان من عمله، كما يقول اللّه تعالى في الآية 14 من سورة التغابن (إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) مع أنّهم ليسوا أعداء للزوج الأب، ولكنّهم في العمل يقومون بما يؤذي الإنسان ويضره في الدّين والدنيا، وتارة تكون الرّغبة لدى الزّوجة والأولاد وبحجّة توفير مستلزمات المعيشة يدفعون به إلى
1) دايرة المعارف قرآن كريم، ج 5، ص 586 و 587.
الانحراف والغفلة عن اللّه عزّ وجلّ. (1)
6- مع أنّ الإحصاءات تغزو كثيراً من جرائم القتل والطلاق والأمراض النفسيّة والبدنيّة وحوادث الطرق و.... إلى معاقرة الخمر، إلّا أنّ القرآن الكريم في هذه الآية يؤكد مسالّتين لدى تبيين فلسفة تحريم الخمر: إحداهما الضرر الإجتماعي، أي العداوة والبغضاء والثّانية الضّرر المعنويّ أي الغفلة عن الصلاة وعن ذكر اللّه.
7 - سؤال : إن أدّت الممارسات العادية، مثل التجارة والرّياضة والدراسة والقراءة وغير ذلك إلى الغفلة عن الصلاة وذكر اللّه، فهل تكون كشرب الخمر أو لعب القمار ؟
لا ريب في أنّ كلّ ما يسبّب الغفلة عن ذكر اللّه، يعدّ قبيحاً كالشّراب والقمار، وإن لم يحرّم الإسلام - من باب اللطف والتساهل - ذلك.
8 - سؤال: كيف يسبّب شرب الخمر والقمار العداوة والبغضاء؟
لأنّ شرب الخمر يثير مجموعة الأعصاب ويخدّر العقل ويهيج العواطف ويزيل القدرة على التّفكير الصّحيح ويحرّك الشهوة الحيوانية، وبالنّتيجة يؤدّي إلى ارتكاب الفجور في المال والعرض والشرف والنفس بل ويبعث على هتك المقدّسات وتجاوز الحدود الإجتماعيّة..
أما القمار؛ فهو في كلّ حالّتي الفوز والخسارة له مشاكله.. إذ في حالة الخسارة قد ينهمك المقامر ولمدّة مديدة في جمع المال وقد يُذهب كرامته ويسقط ماء وجهه في ذلك حيث يضطر إلى الاقتراض أو السّرقة بعد أن فرّط بأمواله في لحظات أثناء لعبه بالقمار فينتهي به الأمر إلى الحقد والغضب والعصبية والإصابة بأشكال من الأمراض. ولو أن لاعب القمار فاز فإنّه سيستعمل المال الحرام في معيشته ومن يعولهم، ممّا يؤدّي إلى الإصابة بالخرافات في
1) قاموس قرآن، ج 4، ص 305 و 306.
سلوكه، مثل الكسل والإسراف والتبذير واللّهو الحرام والتعود على الكسب الحرام..
9- لا شكّ في أنّ ذكر اللّه تعالى هو روح الحياة في قالب العبوديّة، وهو الهدف الأصل من الدّعوة الإلهيّة، وشرب الخمر ولعب القمار يمنعان من تحقيق هذا الهدف العظيم.
10 - الذّكر يقابله النسيان.. وعدم ذكر اللّه يؤدّي إلى الغفلة والخروج عن طريق العبوديّة..
11- ذكرت الصلاة بشكل مستقل، رغم أنها من مصاديق ذكر اللّه تعالى بسبب أنّ صلاة الفرد أكمل من الذّكر، ولطالما أولاها الشارع أهميّة خاصّة وقد وصفها النّبي الكريم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بكونها عمود الدّين..
12- الفقرة الخاتمة للآية (فَهَلْ أَنتُم مُنتَهُونَ) وإن وردت بصورة سؤال وبهيئة استفهام تقريريّ، إلّا أنّ معناها - وبعد كلّ ما لوحظ من تأكيد فهل ثمّ يمكن احتماله من شك وتردّد في إطار ترك هاتين الموبقتين الكبيرتين وفي الحقيقة.. وجدنا القرآن المجيد، يحذر الإنسان من هذه العادات الجاهليّة المقيتة ويدفع به نحو الالتزام بالتعاليم الربانية الطيبة والابتعاد عن المحرمات الشرعيّة.
وبتوجيه السؤال لهؤلاء المصرّين على هذه المحرّمات - تحت مسمّى الاستزادة من تعاليم الشرع - لكي يحرجهم بوضوح وليتعلّم ما إذا كانوا سينتهون عن ممارسة هذه المحرّمات؟ وكانت وظيفتهم الرّدّ الإيجابي وترك المحرمات.. وهذه العبارة بهذا الأسلوب من الخطاب جاءا لتحذير الإنسان وترغيبه بهجر الأفعال الخاطئة.. وهو أسلوب أجدى نفعاً وأعود فائدة وأصح طريقاً.. والمراد هو التّعامل مع التحذير الإلهيّ بجدّيّة أكبر والامتناع النهائي عن شرب الخمر ولعب القمار.
وَأَطِيعُوا اللّه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (92)
1- قد أوصى القرآن الكريم النّاس في الآيتين السالفتين بالابتعاد عن الخمر والقمار العبادات المذلة.. وهاهو في هذه الآية الشّريفة ولدى تأكيده هذا الحكم؛ يأمر المسلمين بإطاعة اللّه ورسوله: وبالامتناع عن مخالفتها (وَأَطِيعُوا اللّه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا..).
2- مصطلح (الطاعة) بمفهوم الالتزام بالأمر، والآية تؤكّد على النّاس أن يأتمروا بأوامر اللّه والرّسول.. وهذا ما لا منافاة فيه، إذ الالتزام بأوامر الرسول - في حقيقته التزام بأوامر اللّه جل جلاله.
3- كلمة (وَاحْذَرُوا) من عدم طاعة اللّه وطاعة الرّسول؛ تحذير للمؤمنين من أنّ عدم الطاعة يستلزم التّعرّض لكلّ الضّرر؛ من قبيل غضب اللّه وعقابه وضنك العيش..
4 - المراد هو الإبلاغ النّبويّ التّام للرّسالة الإلهيّة، ليفهم النّاس أحكام اللّه وشريعته وكلّ دينه القويم.. وتكون لهم الحرّيّة في الالتزام والتمسّك أو عدمه.. وذلك لأنّ الرّسول مكلّف بالإبلاغ والتذكير دون جعل النّاس بالقوّة على أن يكونوا مؤمنين..
5- إن لم يطع النّاس أمر اللّه والنّبي، فإنّه لن يصيب النّبي المبلّغ ضرر وإنّما النّاس هم الّذين سيتعرّضون للخسران العظيم في الدنيا والآخرة..
ثم اعلموا -أيّها النّاس - أنّ ما على الرسول في هذا الصدد إلّا تبليغ الرسالة وليس عليه وظيفة أخرى (فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ).
6- مسؤوليّة النّبي هنا مجرّد إبلاغ الرسالة - والإبلاغ له أبعاده وصوره ووسائله وآفاقه - دون الإجبار واستعمال أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) التّام والواضح بحيث لا تبقى لأحد حجّة وتبرير في التنصّل عن الفهم والطاعة..
لَيْسَ عَلَى الّذينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَواْ وَءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَتِ ثُمَّ اتَّقَوا وَءَامَنُوا ثُمَّ اتَّقَوا وَأَحْسَنُوا وَاللّه يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93)
ورد في تفسير (مجمع البيان) وتفسير الطبري والقرطبي وباقي التفاسير الأخرى أنه بعد نزول آية تحريم الخمر والقمار.. قال بعض أصحاب النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : إذا كان هذان الأمران فيهما كلّ هذه الخطيئة، فما تكليف وحال أخوتنا ممّن سبقنا في الإسلام وقد توفاهم اللّه قبل نزول هذه الآية ولم يكونوا قد كفّوا عن هذين الأمرين !! فنزلت هذه الآية وأجابتهم على سؤالهم. (1)
ذ - ردّت هذه الآية على الّذين سألوا عن مصير المسلمين الّذين كانوا يتناولون الخمر أو يمارسون لعبة القمار ولما يبلغهم حكم تحريمها، أو كانوا يعيشون في مناطق نائية مع كلّ ما لهذا العمل من وزر وخطيئة، وعن مصير الّذين كانوا يشربون الخمر أو يلعبون القمار قبل نزول حكمهما.
وقد أجابت الآية بتبرئة هؤلاء عن الخطيئة مع اشتراط التزامهم التقوى ديدنا.. وإنّ القدر المتيقن من التقوى الّتي تكرّر ذكرها ثلاثاً.. هو حق التقوى، أي: التقوى الشديدة (لَيْسَ عَلَى الّذينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَواْ).
1) مجمع البيان، ج 3، ص 372 وتفسير الطبري، ج 7، ص 25 وتفسير الثعلبي، ج 4، ص 108.
2- الطعام هنا بمعنى جميع أنواع المأكولات وهي مطلق الطيبات والمحرمات الّتي بينها اللّه تعالى للمؤمنين.
3 - المقصود من الإيمان الأوّل في هذه الآية؛ الإيمان بتلك الأصول الّتي أبلغها اللّه عبر نبيّه.. فيما المراد من الإيمان الثّاني المذكور في الآية؛ الإيمان التفصيلي، أي: الإيمان بكلّ واحد من الأحكام الّتي جاء بها النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)من اللّه تعالى، بحيث لا يُسمح بإنكار وردّ واحد منها.. وذلك ما يعني ويستدعي التسليم لأوامر ونواهي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
4 - يمكن أن يكون الهدف من التقوى والإحسان؛ الإيمان الكامل بعد الإيمان الأول، بحيث يكون الإحسان ذا معنيين أحدهما أداء العمل بالوجه الحسن المجرّد عن أي سوء نية.. والثّاني: أن يصل إلى الآخرين ويعود عليهم بالخير والنفع. أما الإحسان الوارد في الآية بالمعنى الأولي؛ فهو أن يعمل الإنسان عمله الصّالح إحراز لرضا الرّبّ المنّان وتسليماً لأوامره؛ ولا يبطن القصد السيئ فيه.. وبناء على هذا التعريف يكون المعنى هو التّالي: أنّه لا جناح على من آمن وعمل صالحاً فيما كان قد فعله من شرب للخمر أو اجترح المحرّمات الأخرى من قبل.. بشرط أن يعزم على الإيمان ويعمل الصّالحات في جميع أطواره ويتورّع عن فعل المحرمات كذلك.. وبإحراز هكذا فضائل لا يبقى هنالك وزر عليه فيما اكتسبه من السيئات قبل نزول آية تحريم الخمر، أو قبل العلم بحرمته، حيث يغضّ اللّه نظره عن السّيئات السالفة، لأنّ اللّه سبحانه يحبّ الصّالحين والّذين يقصدون من عقائدهم السّليمة ونواياهم الطيبة رضوان الرب المتعال.
5 - اختلف المفسّرون المتقدمون والمتأخّرون بشدّة في سبب تكرار كلمة (التّقوى) في هذه الآية ثلاثاً.. وقد كان لكل منهم تفسير وتعليل..
فالبعض اعتبره تأكيد بالغاً مناسباً بجدّيّة وأهمّيّة موضوع التقوى و والإيمان والعمل الصّالح.
وبعض آخر ذهبوا إلى أنّ كلّ واحد من هذه الثّلاثة ناظر إلى حقيقة منفصلة مستقلة
يحمل احتمالات متعدّدة، وهي عموماً لا دليل ولا شاهد عليها:
الاحتمال الأوّل: المراد من التقوى الأولى عبارة عن مرحلة من التقوى في وجود الإنسان حيث يشعر بها بالمسؤوليّة الذاتية في التفكير والتحقيق بخصوص الدّين؛ ونتيجته الإيمان والعمل الصالح.. وهذه المنافاة ليس لها مساحة مع قول القرآن بدءاً (لَيْسَ عَلَى الّذينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ..) لآنّ الإيمان في البداية يمكن أن يتصف ويعني التسليم الظاهري، ولكن الإيمان التالي هو النّافذ إلى عمق الوجود الإنسانيّ.
الاحتمال الثّاني: حيث ورد عن الحديث عن التقوى للإشارة إلى التقوى الّتي تنفذ إلى أعماق المؤمن، وتكون آثاره أعمق، ونتيجته إيمان مستقر ثابت غير مستودع بحيث يكون العمل الصالح جزءاً منه. ولذا؛ لم يرد في الجملة الثّانية بعد ذكر الإيمان شيء عن العمل الصالح، بل قال فحسب : (ثُمَّ اتَّقَوا وَءَامَنُوا..) أي أنّ هذا الإيمان على قدر من النفوذ والثبات بحيث لا تكون ثمّ حاجة إلى ذكر العمل الصالح بعده..
الاحتمال الثّالث: المقصود من التقوى؛ هي الّتي بلغت حدّاً سام؛ بحيث تدعو الإنسان إلى الإحسان، فضلاً عن دفعها إلى الإتيان بالتكاليف الحتمية.. ومن يبلغ ذلك، تراه يمارس ما هو إحسان وإن لم يكن واجباً. ولعلّ أفضل ما يقال في ذلك: إنّ كلّ واحد من هذه التقوى ذات الأبعاد الثلاثة إشارة إلى مرحلة من الشّعور بالمسؤوليّة والورع.. فالمرحلة الابتدائية والمرحلة المتوسطة والمرحلة الأخيرة.. وكل واحد منها يحمل قرينة في الآية ذاتها، وبالاعتماد عليها يمكن فهم المراد..
6- الوعد الإلهيّ الوارد في خاتمة الآية بحبّ اللّه للمحسنين؛ بشارة إلى هؤلاء ليعلموا أنّ إحسانهم لن يقابل بالتجاهل.. ولأنّ حبّ اللّه للمحسنين ليس حباً بسيطاً عادياً، وإنما هو مقرون بالبركات ومنها الرحمة والمغفرة والاستقرار الدنيوي والأخروي لهم (وَاللّه يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).
يَا أَيُّهَا الّذينَ ءَامَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّه بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللّه مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94)
نقل في كتاب (الكافي) وكثير من التفاسير أنّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والمسلمين حين انطلقوا للعمرة في سنة الحديبيّة وهم محرمون؛ واجهوا في طريقهم حيوانات غير أليفة كثيرة؛ بحيث كان باستطاعتهم الإمساك بها وصيدها بأيديهم، وكانت أعداد هذه الحيوانات من الكثرة بحيث كتب البعض عنها أنها كانت تتنقل بين الخيول والخيام.. فنزلت الآية أعلاه وحذرت المسلمين من صيدها، وأكدت لهم أنّ ما يشاهدون نوع امتحان لهم. (1)
1- هذه الآية والآيتان اللتان تليانها ناظرات إلى واحد من أحكام الحج والعمرة، وهذه مسألة صيد الحيوانات البريّة والبحريّة في حال الإحرام.
2- ممّا لا ريب فيه أنّ جميع النّاس - المؤمن والكافر - مسئول عن أداء التكليف والواجب تجاه اللّه خالق الوجود وبعبارة (يَا أَيُّهَا الّذينَ ءَامَنُوا) وضمن تجاهله الكافرين، وجّه الخطاب إلى الموحدين المؤمنين، فجعلهم سبحانه محط لطفه وبركته، لأنّ هؤلاء المؤمنين هم وحدهم من يبجّل الرّسالة الإلهيّة والنداء الرباني..
1) الكافي، ج 4، ص 396 وتفسير القمي، ج1، ص 182 وتفسير العياشي، ج1، ص 343.
3- (البلاء) بمعنى الامتحان والاختبار، وامتحان المؤمنين سنة الربّ الثابتة (لأنّ حرفي لام القسم ونون التوكيد يأتيان للتأكيد، والفعل المضارع علامة القاطعيّة) (يَا أَيُّهَا الّذينَ ءَامَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ...).
4- قوله سبحانه (لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّه بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ) يبيّن أوّلاً أنه سبحانه يمتحن الإنسان المؤمن بصور عديدة؛ منها تحريم صيد بعض الحيوانات. وثانياً: كلمة (بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ) لاستصغار وعدم الاهتمام بشيء محرّم في حال الإحرام بمثابة إحراز منفعة لا تذكر، وذلك ليكفّوا عنه، ليساعد الفرد الممتحن المخاطب في النهاية عن الالتزام بالنهي الوارد في الآية التالية.
5- يمكن أن يكون الصيد الممنوع على درجة من اليسر بحيث يستغني فيه التهديف والرماية. وجمله (تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ) يبيّن ممنوعيّة جميع الصيد اليسير والصعب.. واللّه يبلو الإنسان ليعلم حقيقته، وليحدّد من يخاف الآخرة والعذاب الأليم؛ فيمتنع بذلك عن النواهي، ولأنّ في الآية إشعار بهذا المعنى؛ إذ الحكم شامل للمنع والتحريم، وختاماً ذكرت الآية أنّ من يتعدّى ويتجاهل حداً من الحدود سيتعرّض للعذاب الأليم في الآخرة.
6- للمفسّرين للمقطع القرآني القائل تناله أيديكم ورماحكم أربعة احتمالات
الأوّل : ذهب بعضهم، ومنهم ابن عبّاس إلى أنّ المراد تحريم صيد البر. وعن مولانا وإمامنا الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه قال : المراد من صيد ما تناله أيديكم: فراخ الطيور و بيوضها وصغار الحيوانات الوحشيّة، وأنّ المراد من صيد ما تناله رماحكم الطيور والحيوانات الوحشية ذاتها. (1)
الثّاني: وذهب أبو علي إلى انّ مراد الآية الشّريفة الصيد الّذي هو في الحرم الّذي تناله اليد والرّمح، لأنّ حيوانات الحرم لا تهرب من النّاس، وكذلك هو علامة قدرة اللّه أن جعل الحيوانات
1) راجع: الكافي، ج 4، ص 397.
الوحشيّة في الحرم تأنس للإنسان.
الثّالث: أن المراد هو الصيد البعيد والقريب (لِيَعْلَمَ اللّه مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ) وكأنّ اللّه يتصرّف معكم وكأنّه لا علم له بصدوركم ويريد أن يعلم بها!! أو أنّه يريد إظهار ما يعلمه منكم من خوف وتقيّد بتعاليمه، وذلك في ساحة الفعل لتتّخذوا من خشيته مسلكاً.
الرّابع: أنّ المراد امتحانكم ليعلم مدى خشيتكم في بواطنكم، إذ بالإعلان عن حرمة الصيد؛ يظهر هذا الخوف والإيمان؛ وهذا الظهور والإظهار متعلّق بعلم اللّه تعالى..
7- هل يستحق زائر بيت اللّه وضيفه عذاباً أليماً على ما اصطاد من الحيوان؟!
الجواب: إنّ أصل الصيد بحدّ ذاته لا يستحق العذاب الأليم، وإنّما العذاب يأتي من كسر حرمة وقدسيّة الحرم والإحرام وتجاوز القانون (مَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
8 - صحيح أنه سبحانه مطلّع على أفعال النّاس وأفكارهم، إلّا أّنه ليس من المناسب والحكيم أن يؤجرهم أو يعاقبهم طبقاً لعلمه واطلاعه، كما أننا لا نكافئ الفرد على مجرد علمه بالفنّ مثلاً، بل عليه أن ينجز شيئاً يستحق عليه المكافأة، ولهذا يجدر أن يكون ساحة اختبار لتتجلّى حقيقة الأفعال وبواطن الفاعلين..
9 - المراد من مصطلح (بِالْغَيْبِ) وطبقاً لبعض المفسّرين الخلوة والخفاء. فيما ذهب مفسّرون آخرون أن الخشية من عقاب اللّه في تلك الظّروف تتجلّى لدى تحذير المؤمن. وعلى هذا؛ فإنّ ما يبدو هو الخشية من العقوبة الإلهيّة، وليس علم اللّه بذنب المذنب في تلك الظّروف حيث لا يراه أحد (لِيَعْلَمَ اللّه مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ).
10- كلّ من يتعدّى حدود اللّه وتعاليمه بعد ذلك، ويصيد ضمن حدود الحرم وفي حال الإحرام.. سيتعرّض لعذاب أليم (فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
يَا أَيُّهَا الّذينَ ءَامَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُم وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنكُمْ هَدْيَا باَلِغَ الْكَعْبَةِ أَوْكَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامَا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ، عَفَا اللّه عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّه مِنْهُ وَاللّه عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (95)
كلمة (حُرُم) جمعها حرام بمعنى المنع، وبمعنى الّذي صار محرّماً للحجّ أو العمرة، والّذي حرّم على نفسه موارد معيّنة للحجّ يقال له محرم.
كلمة (نعم) جمعها أنعام، تطلق على البعير والبقر والخراف.
وكلمة (مَسَكِينَ) من السكن ويقال لمن لا يخرج من مسكنه بداعي الفقر والحاجة، اصطلاحاً تقال لمن أقعده فقره في بيته.
(مِثْلُ) بمعنی شبه و (عدل) بالكسر والفتح بمعنى العين والمثل.
(وبال) بمعنى الثّقل غير المطلوب في كلّ شيء.
1 - تصرّح الآية بقاطعيّة تامة بإصدار النهي عن القتل صيداً حين الإحرام، وأن كلّ من يرتكب هذا الفعل عامداً (وعليه؛ فإنّ القتل الخطأ أو عن نسيان خارج عن البحث) وجبت عليه الكفّارة، ويلزمه ذبح حيوان أهلي نظير ما قتل من حيوان الصيد (يَا أَيُّهَا الّذينَ ءَامَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُم).
2- حيث من الممكن أن تكون هذه المسألة مورد شك وترديد، فقد أمر القرآن المجيد بهذا الصدد "ينبغي أن يقع هذا الموضوع تحت نظر شخصين من الأفراد العدول ذوي الاطلاع" وتحديد ذلك أن يكون الحيوان نظير ذلك الصيد، أو أن يوكل ذلك إلى شخصين عادلين متديّنين (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنكُمْ).
3- المعيار في العمد أن يكون في حال الصيد وقتل الحيوان عالماً بكونه محرماً وأن القتل في حال الإحرام محرّم غير جائز عليه، أما إذا نسي كونه محرّماً أو لم يقصد الصيد، وإنما تصوّر استهدافه حجراً، أو رمى سهماً باتجاه حجر، وكان قد أصيب بخطأ في النظر واستهدف حيواناً أو ظهر له حيوان فجأة، فأصابه الشهم، فإنّ حكم الآية لا يشمل هذه الأمور..
4 - المقصود من (مِثْلُ) أن يكون كذلك الحيوان في شكله وحجمه، بمعنى أنه لو صار أحدهم حيواناً وحشيّاً كبيراً مثل النعامة، فعليه اختيار بعير كفّارة، أي إذا صار غزالاً وجب عليه التكفير بخروف؛ حيث يتناسبان في الحجم..
5 - فيما يتعلق بمكان ذبح حيوان الكفّارة، ورد الأمر بصورة الأضحية أو الهدي، يهدى إلى الكعبة ويصل إليها(هدياً بالغ الكعبة).
6- شخص صاد في حال الإحرام، خُيّر بين ثلاثة يراعى في ترتيبها.. الأول؛ الأضحية، فإن لم يستطع؛ أطعم مسكيناً، وإن لم يستطع؛ صام.
هذه الكفارات ليذوق وبال معصيته، وكلّ من لم يعتن بهذه التحذيرات ويحكم الكفّارة، وفعل الصيد في حال الإحرام مرة أخرى، فإنّ اللّه سينتقم منه..
8- حيث أنّ حكماً من هذه الأحكام لا تشمل الماضي، فقد صرّحت الآية، أنه تعالى يعفو عن المعاصي الماضية (عَفَا اللّه عَمَّا سَلَفَ).
9 - ما هو المراد من الصيد ؟ رأيان
الأوّل: طبقاً لعلماء العراق، فإنّ المراد هو كلّ حيوان وحشي ؛ سواء كان مأكول اللّحم أو لا.. ونحن نذهب إلى صواب هذا الرّأي، وقد قبله أصحابنا أيضاً.
الثّاني: ذهب الشافعي إلى أنّ المراد بالصيد؛ صيد مأكول اللّحم من الحيوان (وَأَنتُمْ حُرُم) والحقّ أن الرأيين صحيحان، لدلالة الآية عليهما معاً، وهي كذلك برأينا.
10 - من عاد إلى الصيد الحرام وهو محرم، فإن اللّه سينتقم منه لانتهاكه قداسة المكان ولتجاهله واستخفافه بالحكم الإلهيّ (وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّه مِنْهُ وَاللّه عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ).
11 - أنّ الإصرار على الذنب أمر خطير جداً ويوجب عقوبة كبيرة (وَاللّه عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ).
12 - سؤال: ما هي فلسفة تحريم الصيد حال الإحرام ؟
نعلم أن الحج والعمرة من العبادات الّتي تنأى بالإنسان عن عالم المادة وتأخذ بيده إلى بيئة مفعمة بالمعنويّات.. وإنّ لوازم وأبعاد الحياة الماديّة؛ مثل الحرب والصراعات والنّزاعات والرغبات الجنسيّة واللذات الماديّة تزاح جميعاً في موسم الحج والعمرة عموماً، ويبدأ الإنسان نوع رياضة روحيّة ضمن هذا المشروع الإلهيّ. ويبدو أنّ تحريم الصيد حال الإحرام كان بهذا القصد. يضاف إلى هذا؛ لو كان الصيد حلالاً مشروعاً لزائري بيت اللّه تعالى، وبالنظر إلى كلّ هذا السعي والنشاط الّذي تشهد الأرض المقدّسة في كلّ عام، فإن كثيراً من الحيوانات في تلك البقعة، وبحكم التصحر وشحة المياه - وهي قليلة - ستنقرض.. وإنّ هذا الأمر بمثابة مشروع للمحافظة على حيوانات تلك البقعة. لا سيّما إذا نظرنا إلى غير حالة الإحرام حيث يحرم الصّيد أيضاً، بالإضافة إلى ممنوعيّة اقتلاع الأشجار والنباتات.. فيتضح طبيعة صلة هذا الأمر بمسألة المحافظة على البيئة وحماية النباتات والحيوانات في تلك المنطقة من الفناء والانقراض.
13- هذا الحكم دقيق جداً في تشريعه إلى الحد الّذي حرّم فيه المساعدة على الصّيد والدّلالة عليه، أيضاً كما نقرأ في الروايات الواردة عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الّتي منها قول الإمام الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) الأحد أصحابه: "لا تستحلنّ شيئاً من الصيد وأنت حرام، ولا وأنت حلال في الحرم، ولا تدلنّ عليه محلاً ولا محرماً، فيصطاده، ولا تشر فيستحلّ من أجلك، فإنّ فيه فداء لمن تعمّده". (1)
1) الكافي، ج 4، ص 381.
أُحِلَّ لَكُمْ صَيدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعَا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِ مَا دُمْتُمْ حُرُمَا وَاتَّقُوا اللّه الَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96)
1- فهم صاحب تفسير (مجمع البيان) وبعض التفاسير الأخرى والكتب الفقهية من هذه الآية أنّ صيد الحيوانات البحرية والانتفاع بها حال الإحرام حلال، أمّا الحيوانات البرّيّة؛ فصيدها والانتفاع بها حرام. (1)
2- مفردة (صَيدُ) وردت مصدراً بمعنى ممارسة فعل الصيد تارة، وتارة بمعنى الحيوان الّذي تمّ اصطياده أو ما يصطاد، وعليه؛ ينبغي أخذ المعنيين في الآية الشّريفة بعين الاعتبار ومن ذلك تفهم حرمة الصيد.
3 - هذه الآية في مقام بيان حكم اصطياد الحيوانات البحرية والبرية؛ دون حكم أكلها، ولذا قالت: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيدُ الْبَحْرِ.. وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِ..) وفي مقام الملذة قالت: (وَطَعَامُهُ مَتَاعَا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ).
4- لا يتصوّر خطأ كما فعل مفسّرو المخالفين أنّ الآية في مقام بيان حلّيّة جميع الحيوانات البحريّة، ذلك لأنّ الآية لم ترد تبيين أصل حكم الصّيد البحريّ، وإنما كان هدفها إجازة المحرم أن يصيد من البحر ما كان له حلالاً قبل الإحرام، وبعبارة أخرى؛ هذه الآية لم تنزل
1) مجمع البیان، ج 3، ص 380.
لبیان تشريع حكم جديد للصيد، بل هي ناظرة إلى الخصوصيات القانونية الّتي شرعت سابقاً، فهي – اصطلاحاً - ليست في مقام البيان من الناحية العامة.. وإنّما هي بيان لأحكام المحرم فحسب.
5 - فيما يرتبط بالمقصود من الطعام.. احتمل بعض المفسّرين أن يكون المراد؛ الأسماك الّتي تموت دون صيد وتطفو فوق الماء.. في حين إننا نعرف خطأ هذا الاحتمال لأنّ أكل السمك الميت في الماء حرام، وإن روى أهل الخلاف في بعض نصوصهم حلّية ذلك.. ولكن ما يفهم من ظاهر الآية انّ المراد من الطعام هو الغذاء المعدّ من الأسماك المحلّلة بالصيد، لأنّ الآية تريد تحليل شيئين
الأوّل : الاصطياد، والثّاني: الغذاء المعد من الصيد.
6- أن فلسفة هذا الحكم هو الحرص على أن لا يتعرّض المحرم للحرج، ولكي يتمكّن من الانتفاع من أحل أنواع الصيد، وهذا الإذن قد صدر في مورد صيد البحر (مَتَاعَا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ).
7- مشهور فقهاء الشيعة وبالاستفادة الإجمالية من مفهوم عبارة حلّية صيد البحر، بين فتوى معروفة بخصوص الحيوانات البرّيّة، حيث لا يحرم الشّروع بالصّيد فحسب، بل إنّ حرمة تناول لحوم الحيوانات الّتي وقع الصيد عليها محرز، مضاف إلى حرمة أصل اصطياد الحيوانات البريّة.
8- قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللّه الَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) تحذير من جهة اللّه تعالى من جميع الذّنوب والمعاصي والأفعال القبيحة للخشية من الحشر في ذلك اليوم الّذي لا تملكون فيه لأنفسكم نفعاً ولا ضراً، وهو يوم البعث والجزاء على صالح الأعمال وطالحها..
جَعَلَ اللّه الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيامَاً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالهُدَى وَالْقَلَائد ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللّه يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللّه بِكُلِ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97)
1- نظراً إلى أن الحديث في الآيات السالفة اختصّ بجلال وعظمة الكعبة وحرمة حرمها.. وجدنا هذه الآية تتناول منزلتها وأنها جعلت عظمة الكعبة وحرمة حرمها قاعدة لمعيشة النّاس.
2- ذكرت الكعبة في هذه الآية والآيات السابقة مرتين, وفي اللغة اشتقت من الكعب بمعنى البارز من خلف القدم، ثمّ إنّ الكلمة تطلق على كلّ شكل من الارتفاع والبروز.. وإذا قيل للمكعب مكعباً فمن أجل أطرافه الأربعة البارزة... وهكذا كان المرتفع الظاهر من بيت اللّه في مكّة كعبة. مضافاً إلى رمزيّتها وعظمتها وسموّ مقامها.
3- أهمّيّة الكعبة تصل إلى حدٍ كما ذكرت الرّوايات في هدمها مرادف لقتل النّبي والإمام. وعدّ النّظر إليها عبادة (1)، والطواف حولها من أفضل الأعمال.. وقد روي عن إمامنا الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ): "لا ينبغي لأحد أن يرفع بناءه فوق الكعبة". (2)
4 - مصطلح (القيام) مصدر، ويبدو أنّ المراد منه أنّ النّاس من ذوي الإيمان ينالون البركة
في أمورهم الدّنيويّة والدّينية بما أقام اللّه لهم الكعبة، وذلك لأنّ في زيارة البيت المفعم بالمعنويّة ينتفع الزائر في بعده التّجاريّ والاقتصاديّ، مضافاً إلى انتفاع الأمّة المسلمة بما ذكر من بركات مادّيّة ومعنويّة وفكريّة وأخلاقيّة وإنسانيّة وعباديّة.
5- أن الغاية من جعل اللّه الكعبة حرماً آمنا وقبلة وقاعدة لحياة النّاس الإجتماعيّة السّعيدة، وجعلها قاعدة وعموداً تتوجّه إليه القلوب حين الصّلاة، ويوجه إليه المحتضرون والأموات وتذبح باتجاهها الذبائح والأضاحي، وتولى مزيد التبجيل والاحترام، أن تتوحد القلوب وتحيى أمور الدّين ويعين بعضهم بعضاً إذا ما تقاربت القلوب.
6- ينبغي الأخذ بعين الاعتبار أنّ أهمّيّة واحترام الكعبة ليس بداعي عمارتها، لا سيّما وأنّ أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذكر في خطبته القاصعة أنّ سبحانه وتعالى قد جعل بيته في أرض قاحلة حارقة بين جبال خشنة، وأمر ببنائه ببساطة ومن أحجار عاديّة، ولكن لما كانت الكعبة أقدم وأسبق مركز توحيدي عبادي ونقطة محورية لتوجّه الأمم المختلفة.. وهذه الأهمية تلاحظ في الأفق الإلهيّ. (1)
7 - الأشهر الحرم أربعة وهي رجب وذو القعدة وذو الحجّة ومحرّم.. وهذه الثلاثة الأخيرة متوالية، والسبب في تسميتها ب- (الشهر الحرام) في الآية الكريمة بدل الشهور الحرام، أنّ الشهر الحرام جنس للأشهر الحرام ويشملها جميعاً، ولأنّ إقامة الحجّ تكون فيها، فقد صار لها شأنيه خاصّة متميّزة عن باقي الشهور، ومن الناحية الأدبية كذلك قد عطفت على المقبول الأوّل للكعبة.
8 - حيث أن مراسم الحج يلزم أن تؤدّى في بيئة آمنة وبعيدة عن الحرب والنزاع العسكريّ.. فإنّ في ذلك إشارة إلى أنّ الأشهر الحرام أشهر يمنع فيها خوض الحرب بشكل
1) راجع: نهج البلاغة، ص 292 و 293.
مطلق (وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ).
9- كلمة (ذَلِكَ) اشارة إلى أخبار غيبيّة، وحيث أنّ اللّه تعالى عالم عليم، وكان مطلعاً على أنّ العرب قوم يميلون إلى الحرب والقتال وسيقاتلون في أرض مكة وإلى جوار الكعبة.. فإنّه حين خلق السماوات والأرض جعل الكعبة موضعاً آمناً، ونشر احترامها وتعظيمها في القلوب.. فهي باقية إلى الآن.. ولو أنّ اللّه تعالى لم يعلم بذلك قبل الخلقة ما كان ليدبر هذا الأمر طبقا للمصلحة، أو أنّ في ذلك إشارة إلى ما ذكره اللّه في هذه السّورة من الدروس التربوية في سيرة موسى وعيسى والتوراة والإنجيل وتعاليمهما.. وهي أحداث لم يرها نبي الإسلام (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ظاهراً ولا يكونوا يعلموها.. وعلى هذا الأساس، حيث القرآن المجيد وبتحديده كلّ هذه النّقاط والمسائل وغيرها الكثير.. وجدناه يقول (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللّه يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللّه بِكُلِ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ولو لم يكن عالماً بكلّ ذلك، فكيف أطلعكم عليها؟.
10- لما كان مجموع هذه المناهج والقوانين والتعاليم الدقيقة بخصوص الصيد وحرم مكة والأشهر الحرم وغير ذلك؛ يحكي عمق التدبير وسعة علم هكذا مقنن مشرّع وقال في خاتمة الآية : إنّ وضع هذه المناهج المنظمة؛ لتعلموا أن علمه واسع بحيث يعلم – كمثال - ما في السّماوات والأرض، وأنّه عليم بكل شيء - لا سيّما المتطلبات الروحية والجسمية لعباده - (ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللّه يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللّه بِكُلِ شَيْءٍ عَلِيمٌ).
11- منذ مطلع الآية يفهم أنّ القادر على تنظيم وترتيب القوانين التشريعية العميقة من هو مطلع على عمق القوانين التكوينيّة والعالم بها، وما لم يكن عالماً بجميع جزئيات وتفاصيل الأرض والسماء وما كان - بحكم الخلقة - في روح الإنسان وجسمه، فإنّه سيعجز عن تقنين هكذا أحكام، لأنّ القانون الصّائب والبنّاء هو المنسجم والمتطابق مع قانون الخلقة والفطرة.
12- منافع مراسم الحجّ المتعدّدة؛ مثل: الاجتماع المليوني السّنويّ للمسلمين المجرد
عن التشريفات والمرافق للأمن والقداسة والعبوديّة والمعرفة والبساطة والصفاء والإخلاص والابتعاد عن الجدال والشهوة والفسوق.. في أقدم مكان مقدّس ومركز توحيديّ.. مكّة المكرمة، وطلب براءة الذمة حين الانطلاق إلى الحجّ، واللقاءات والتزاور والمنافع التّجارية، وإعطاء الخمس والزكاة، والتعرّف على ثقافة الشّعوب والأمم، وذكر القيامة، ومواساة الأنبياء والأئمة، وتتبع آثارهم ومواطن أقدامهم، والتّوبة في جبل عرفات والمشعر.. وبركات أخرى ومنافع متتالية؛ وهي من خصائص العقيدة والشريعة الإسلاميّة.. فنعي أنّ منهاج الحج ومشروعه العظيم صادر عن علم إلهي مطلق لا متناهي بكلّ شيء.. وأنّه لا يسع العلم المحدود إصدار تعاليم بهذه الشاكلة من الجامعية والجذب (أَنَّ اللّه بِكُلِ شَيْءٍ عَلِيمٌ).
اعْلَمُوا أَنَّ اللّه شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللّه غَفُورٌ رَّحِيمٌ (98)
1- قد حدّد اللّه جملة من التعاليم الدّينية والدّين الّذي ارتاه لخلقه.. وها هو الآن بتأكيده التعاليم السالفة وتشجيع النّاس على الالتزام بها وأدائها وتهديد العصاة المتمردين.. فقال في ذلك (اعْلَمُوا أَنَّ اللّه شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللّه غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
2- قوله تعالى (اعْلَمُوا..) يبيّن أن معرفة الأجر والعقاب أمر لازم وأنّ هذا الأجر والعقاب
على الأفعال شيء من فضل اللّه ولطفه بالعباد.
4- جملتا (شَدِيدُ الْعِقَابِ) و(غَفُورٌ رَّحِيمٌ) وردتا للتأكيد على الأحكام المذكورة أعلاه. والجملة الأولى تحمل تهديداً للعصاة، والجملة الثّانية تعد بالأجر للمطيعين.
4 - التّرغيب والتّهديد ينبغي أن يكونا إلى جانب بعضهما.. إذ ينبغي للمرء أن يعيش حالتي الخوف والرّجاء، وأن لا ييأس تماماً من احتمال معصية هتك حرمة الكعبة ولا يغتر بالسلوك الحسن.
5 - أن نرى في الآية أعلاه تقديم شدّة العقاب على المغفرة والرحمة، فذلك – ربّما - لإشارة إلى أنّ العقاب الإلهيّ؛ مع شدّته، يمكن إزاحته بماء التوبة وشموله بالمغفرة والرحمة الإلهيّة رغم أن تقديم شدة العقاب على المغفرة والرحمة يبيّن فيه الشائبة الأكبر من التهديد.
مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللّه يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (99)
1 - متابعة التهديد الّذي أوردته الآية السابقة، وجدنا هذه الآية تشير إلى أنّ النّاس إذا خالفوا الأحكام الإلهيّة، فإنّهم لا يضرون اللّه أو رسوله، لأنّ مسؤوليّة الرسول ليست إلّا إبلاغ الرسالة، فيما اللّه عالم بما يعلنون وما يكتمون، وعليه؛ فإنّ وظيفة النّاس الورع عن معصية اللّه ورسوله.
2- رسالة النّبي ومسؤوليّته إبلاغ الرّسالة بحيث لا تبقى للنّاس حجّة، وهم مختارون في قبول الرّسالة أو رفضها والشير ضمن طريق الهداية أو الضلال (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ).
3- قبول النّاس للرسالة أو رفضها؛ لن يلحق ضرراً بالرسول (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ) كما نقرأ في الآية العشرين من سورة آل عمران (فإن تولوا فإنّما عليك البلاغ).
4- قوله سبحانه (وَاللّه يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ) تحذير صارخ وإعلان عن علم اللّه بما يظهر النّاس وبما يكتمون، فلا شيء يخفى على خالق الوجود..
5 - لمّا كان علم اللّه شاملاً، فإنّ كتمان النّاس نواياهم وأعمالهم أو إظهارهم إياها متساوٍ عند اللّه سبحانه (يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ).
قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللّه يَا أُوْلِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100)
1- حيث كان الحديث في الآيات السالفة من هذه السّورة المباركة عن تحريم شراب الخمر ولعب القمار والعبادة المذلة للأوثان، وممارسة ما هو معيب، وهاهي الآية أعلاه توضّح أصلاً أساسيّاً ورسالة خالدة مفادها أيّها النّاس أيّها الأجيال اعلموا أن الخبيث والطيب لا يستويان، وسواء كان هذان الأمران في مساحة الطعام والأغذية أو في الأفكار والعقائد والنّوايا والطعام الرّوحيّ والنفسيّ أو في مجال الأفراد الخبيثين والطيبين أو أشكال السلوك الطيبة والخبيثة، أو النور والظّلمة..
نعم إنّ هذين لن يتساويا أبداً، وإنّ الكثرة والقلّة أو التظاهر لن تصلح أن تكون المعيار في الخبث والطيبة.. وأنّما المعيار في ذلك هو النّزاهة والعدالة.. وهذه الأمور هي الّتي ترسم وتحدّد طريق الحقّ والصواب..
2- الخبيث والطيّب في الآية أعلاه بمعنى كلّ موجود خبيث وطيّب، وأعمّ من مسألة الطّعام الخبيث والطيب.. إذ الأهم من ذلك خبث القلب والعقيدة أو طهارتها..
3- يمكن لبعض الأفراد؛ ولتبرير ارتكابهم مختلف الذّنوب؛ مثل شرب الخمر أو لعب القمار؛ أو الصيد في الحرم المكي حال الإحرام.. أن ينظروا إلى موقف حال الأكثريّة من النّاس في بعض المحتمات.. ولإبطال هذا التّبرير بصورة تامة بينت الآية قاعدة كلّيّة وأساسية ضمن
عبائر مختصرة موجزة، فقالت (قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثرَةُ الْخَبِيثِ).
4- قد يتصوّر بعض النّاس أحياناً أنّ الحقّ هو ما تحبّذه الأكثريّة، وأن الحسن شيء تميل إليه أكثريّة النّاس.. في الحال الّذي تصاب أغلبية - غالياً- بالخطأ لدى التصويب والتخطئة.. وإنّ كثيراً من المصائب ومشاكل النّاس رهينة بهذه الشاكلة من التفكير.. ولهذا؛ كان المعيار الحقّ في تحديد الصّواب والخطأ الطيّب والخبيث الأكثريّة الكيفية دون الأكثريّة الكميّة، :أي: الأفكار الأسمى والأرقى والذّهنيّة الأطيب والأنزه، دون كثرة الأشخاص.. ولو كانت أكثريتهم تمتعت بتعاليم صحيحة.. أمكن أن تكون ميولها مقياساً لتحديد الطيب والخبيث، وليس الأكثريّة غير المطلعة وغير الموجّهة.
5 - بالنظر إلى أنّ كلمة (الْخَبِيثُ) في الآية قد قدّمت على كلمة (الطَّيِّب) وذلك لأنّ وجهة الحديث كانت إلى الّذين يستدلّون على ميلهم إلى الفعل السيئ بسلوك الأكثريّة، ولأنّ من الضّروري ردّهم وردعهم، حيث المعيار في تحديد الحسن والقبيح لا علاقة بميول الأكثريّة أو الأقليّة، وأنّ الأفضل في كلّ زمان ومكان هو الحسن والطيب، وأنّ ذوي العقول لا ينخدعون أبداً بميول الأكثريّة وسلوكهم وابتعادهم عن الخبيث والقبيح، رغم أنّ بيئة جميع الأفراد قد تكون بيئة غير سالمة، فإنّ ذوي العقول لا يميلون مع ريح الأكثريّة وإن عارضتهم.
6 - الآية الكريمة أشارت إلى هذه الحقيقة وأكدت على خطأ الانسياق وراء كثرة القبائح والقبيحين.. وقد تكرّرت عبارة (أَكثَرَ النّاسِ لَا يَعلَمُونَ) ونظائرها في القرآن الكريم أكثر من عشر مرّات.
7 - الإنسان العاقل وبمقتضى الفطرة يعلم أنّ الطيب أفضل من غير الطيب، وأنّ عليه ترجيح الخير على الشّر؛ واتخاذ تقوى اللّه وصراطه سبيلاً ومنهجاً في الحياة، والامتناع عن الانحراف تقليداً لرأي الأكثريّة، وعدم التلوّث بهكذا خبائث.. بل إن الإنسان إذا ما استقام وصمد بوجه الأكثريّة الباطلة المنحرفة كان الفلاح والتّوفيق من نصيبه.
8 - في ختام الآية؛ وردت مخاطبة العلماء والمفكرين وذوي الألباب والذّكاء فأمرتهم بخشية اللّه والورع عن الأفعال القبيحة؛ مثل شرب الخمر ولعب القمار والصّنمية المذلّة والأنهماك في اللعب المحرّم بقصد الفوز والخسارة وصيد الحرم في حال الإحرام ونظير ذلك من المساوئ.. لضمان الفلاح والنجاح والحصول على ثواب اللّه العظيم والنعمة الأبديّة (فَاتَّقُوا اللّه يَا أُوْلِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
يَا أَيُّهَا الّذينَ ءَامَنُوا لَا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْئَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْءَانُ تُبدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّه غَفُورٌ حَلِيمٌ (101)
في شأن نزول هذه الآية ثمّ اختلاف في الأقوال الواردة في مصادر الحديث والتفسير، ولكنّ المناسب والآيات أعلاه وتعابيرها.. هناك شأن نزول روي في تفسير (مجمع البيان) عن عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وخطب ذات يوم خطبة بين فيها أمر اللّه تعالى بخصوص الحج.. فسأله شخص - وعلى رواية : يسمّى سراقة - عما إذا كان هذا الأمر لكلّ عام، وما إذا كان على المسلم أن يحج في كلّ سنة؟
فلم يجبه النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).. ولكنّه عاود السؤال مرّة ثانية وثالثة فقال له النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : ويلك ! لم كلّ هذا الإصرار منك.. فإن قلت لك نعم، وجب عليكم الحجّ في كلّ عام، فإن كان كذلك؛ كنتم أعجز عن ذلك. وإن خالفتم ذلك؛ صرتم عصاة.. فما لم أقل لكم شيئاً؛ فلا تصروا عليه، إذ ممّا أهلك الأمم من قبلكم أنّهم كانوا كثيري الكلام لجوجين في السؤال من أنبيائهم.. فإذا أمرتكم بأمر ؛ فافعلوه ما وسعكم "وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" وإن نهيتكم عن أمر؛ فامتنعوا.. فنزلت الآية الشّريفة أعلاه ومنعتهم عن كثرة السؤال... (1)
1- لا ريب في أنّ السؤال بمثابة المفتاح في فهم الحقائق، ولهذا كان قليلو السّؤال أقلّ
1) مجمع البیان، ج 3، ص 386.
فهماً، والآيات والروايات قد حقت المسلمين على تعلّم ما لا يعلمون بوسيلة السّؤال والتعلّم من قبل النّاس.. وإنّما المراد بالآية الامتناع عن طرح الأسئلة الّتي ليست في مكانها، وعن اللجاجة ومحاولة العثور على الأعذار والتبريرات الّتي تتسبب في الغالب في التّشويش على أذهان النّاس وتوجب مزاحمة وإحراج المتحدّث وفرط عقد خطابه ومنهجه في الكلام..
2 - حيث أنّ لكلّ قانون استثناء في العادة، فقد كان لقانون التّربية والتّعليم استثناءات.. ولهذا؛ وجب إخفاء بعض المسائل؛ حفظاً للنظام الاجتماعيّ وضمان المصالح الفرديّة، وفي مثل هذه الحالات لا تبقى ثمّ فضيلة ورجحان للبحث والتحقيق المتواصل لإزاحة الحجاب عن الواقعيات والحقائق، بل لعلّ ذلك يوصف بكونه فعلاً سيئاً قبيحاً.. مثال ذلك: ما يتخذه الأطباء من خطوات - نظرية وعمليّة - لتجنيب النّاس الّذين هم في الغالب لا علم ولا تخصص لهم في تحديد نوع المرض ومخاطره عن مضاعفة الخوف والقلق لديهم.. وهذا القلق من طابعه أن يؤخّر عملية المعالجة إن لم يتسبّب في قتل المريض.. ولهذا؛ يعمد الأطباء إلى الاكتفاء بالكشف عن خطر المرض لذوي المريض، لأنّ التجربة أثبتت عدم لزوم إصرار المريض في طرحه الأسئلة المحرجة على الطبيب الحاني عليه.. إذ من الممكن إن يضطر الطبيب - ولطمأنة هذا المريض اللجوج من جهة، وليتفرغ الطبيب لمعالجة المرضى الآخرين - إلى كشف كلّ الحقيقة له، فيتعرّض لمزيد من الضغط النفسي ممّا يتسبّب له في حالة اليأس والانهزام تجاه مرضه وهذا المثال ونظائره في موارد أخرى تثبت خطأ الإلحاح في توجيه الأسئلة، لما لذلك من دور في مضاعفة الضّغوط على الشخصيّات القيادية في لزوم الإجابة والرّد..
3- سؤال : يمكن أن يقال: إذا كان الكشف عن أمور معيّنة خلافاً للمصلحة العامة، فلماذا یکشف عنها بالإصرار ؟
الجواب: دليل ذلك ما أشرنا إليه أعلاه، حيث يحدث تارة أن يختار القائد الصّمت تجاه
الإصرار على طرح أسئلة متتالية؛ ممّا قد يؤدّي إلى ظهور مفاسد أخرى، مثل سوء الظن، وتشويش الأذهان.. كما إذا سكت الطبيب لدى مواجهته بالأسئلة المتتالية من قبل المريض.. فيسقط هذا الأخير في الشكوك والأوهام الّتي لا مبرر لها، فيتصوّر أنه مصاب بمرض مجهول أو عضال.. فيجد الطبيب نفسه إزاء هذا الخطر الجدّيّ والجديد مضطراً لمصارحة المريض بحقيقة مرضه، ولعلّه يصاب بما هو أسوأ من مرضه الحقيقيّ..
4 - كلمة (أَشْيَاءَ) في الآية هي غير (الأشياء) الّتي ورد ذكرها في البداية حيث حذرت من طرحها.. وذهب آخرون إلى أنّ الضّمير يعود على هذه (الأشياء) الأولى نفسها، والمراد هو: إن طرحتم تلك الأسئلة حين نزول الوحي، فمن الأرجح أن لا تطرح؛ لأنّ الوحي كفيل بالإجابة عنها.
5 - لما كانت الأسئلة المتتالية من قبل الأفراد، وعدم تلقيهم الإجابات عنها؛ قد تؤدّي إلى نفوذ الشّك في الآخرين وإلى إضافة مزيد من المفاسد.. فإنّ تكرّر الإصرار عليها، ستشفى بواسطة القرآن ويتعرّض الجميع للضغط والحرج (وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن).
6- العلة في تحديد الكشف عنها وإيكاله إلى وقت نزول القرآن، أن الإجابة عنها منوط بالوحي الّذي سيبيّنها (وَإِن تَسْئَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْءَانُ).
7 - العبارة القرآنيّة (وَإِن تَسْئَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْءَانُ..) تكمل النهي السابق في مورد ممنوعيّة السؤال عن مسائل إن كشف عنها استأتم لها، دون النهي عن الأسئلة الّتي تطرح حين نزول القرآن. وجملة (عَفَا اللّهُ عَنْهَا) في مقام بقليل النهي عن السؤال..
8- لا تتصوّروا إذا ما سكت اللّه تعالى عن بيان بعض المسائل؛ أنّه غافل عنها، وإنّما أراد اليسر بكم والعفو عنكم واللّه هو الغفور الحليم (عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّه غَفُورٌ حَلِيمٌ).
9- رغم أنّ الخطاب في هذه الآية متوجّه إلى المؤمنين في زمن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ونهتهم عن سؤاله عن أمور ومطالب لو أنها كشفت لهم ساءتهم، إلّا أنّ وجود العلة الّتي تفهم من سياق
الآية (عَفَا اللّهُ عَنْهَا) أنّ الخطر فى توجيهه هكذا أسئلة غير منحصر في أسئلة أصحاب النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، بل أن هذه الآية منعت طرح الأسئلة غير المفيدة، وكذلك البحث الفضولي عن يوم موت فلان أو موعد فناء وسقوط هذه الدولة أو تلك.. وهي الأمور الّتي توجب الخوف والرعب في نفوس النّاس، وذلك لأنّ اللّه تعالى قد جعل بعض الأمور في نظام الخلقة القائم على أساس الحكمة، وإنّ الإصرار على كشفها يؤدّي إلى حصول الخلل في ذلك النظام.
10 - نقرأ في حديث عن مولانا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه قال: "إنّ اللّه افترض عليكم فرائض؛ فلا تضيّعوها، وحدّ لكم حدوداً؛ فلا تعتدوها، ونهى عن أشياء؛ فلا تنتهكوها، وسكت لكم عن أشياء ولم يدعها نسياناً؛ فلا تتكلّفوها". (1)
1) نهج البلاغة، ص 487.
قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (102)
1- المرجع في الضميرين (سَأَلَهَا... بِهَا) في هذه الآية؛ هي مسائل فهمت من الآية السابقة.
2- قد يكون السؤال المطروح في غير محله موجب للكفر، إذ حين يسأل الإنسان سؤالاً، ويكون جوابه قطعيّاً منجزاً، فإذا أنكره واستصغره وتكبّر عليه وترك العمل به.. صار كافراً!
2 - جمل بعض المفسّرين- طبقاً لتفسيره في الآية السابقة هذه الآية على عدّة معانٍ واحتمالات، وهي أدناه:
الاحتمال الأوّل: متعلّق بطلب حواريّي وتلامذة النّبي عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) نزول مائدة سماويّة من المسيح.. فكان هذا الطلب بعد تحققه سبباً في معارضة البعض وكفرهم.
الاحتمال الثّاني: متعلّق بطلب البعض المعجزة من النّبي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خلق ناقة من قبل اللّه تعالى، وحين خلقت.. تعقّبوها وفصيلها وقتلوهما فكفروا.
الاحتمال الثّالث: سؤال قريش النّبي الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن يجعل جبل الصفا ذهباً..
إلّا أنّ الظاهر فى الأمر خطأ هذه الاحتمالات جميعاً، إذ الآية لم تتناول السؤال بمعنى الطلب، وإنّما هو الاستفهام ومحاولة كشف المجهول، فكأنّ استعمال كلمة (سؤال) في هذين المعنيين أدّى إلى الوقوع في هكذا شبهة.
4- يمكن أن يكون المراد هو جماعة بني إسرائيل، وذلك أنهم أمروا بذبح بقرة للتأكد من طبيعة الجريمة الّتي وقعت بين ظهرانيهم.. فسألوا النّبيّ موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن لونها وعمرها ونوعها ومختلف جزئيّاتها، وهي الأمور الّتي لم تكن تعنيهم.. ولهذا؛ فقد عقدوا الأمور على أنفسهم؛ حيث أنّ إحضار بقرة لا تستدعي كلّ ما سألوه عنه، فأشكل عليهم الأمر، وارتفع سعرها حتّى
كادوا أن يغضّوا النظر عنها.
وفي معنى عبارة (أصبحوا بها كافرين) ثمة احتمالان :
الأوّل : الكفر بمعنى العصيان والاعتراض.
الثّاني: الكفر بالمعنى المعروف، إذ لدى سماع الإجابات المزعجة وغير الموجودة والثقيلة على ذهن الشامع؛ يكون سبباً لإنكار أصل الموضوع وصلاحية المتحدّث، كما يحدث تارة لدى سماع إجابة مزعجة من جهة الطبيب يؤدّي إلى أن تكون ردة فعل المريض سلبية إلى الحد الّذي ينكر فيه صلاحيّة الطبيب، وأن تحديده لطبيعة الحالة المرضية ناتجة عن عجزه وهذيانه!!
5- لا ريب في أنّ هذه الآية وسابقتها تلمّح أبداً قطع طريق توجيه الأسئلة المنطقية والبناءة، وإنّما هي خاصّة بالأسئلة غير المنطقية والبحث عن أمور لا يعني الاطلاع على إجاباتها شيئاً بالنسبة للسائل والمحقّق، بل إنّ كتمانها - والإعراض عنها - أجدى، بل ولازماً..
مَا جَعَلَ اللّه مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الّذينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللّه الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (103)
1- تناولت هذه الآية المنطق الخاوي والخرافي لأهل البدع والأساطير الّذين روجوا لمبادئهم في مجتمعاتهم ونسبوها إلى اللّه كذباً، وأشارت إلى أربع بدع كانت معروفة في عرب الجاهليّة، حيث جعلوا التقديس لجملة من الحيوانات ذات المنفعة الكبيرة والجسيمة التكاثر، ومن ذلك أنهم علموها وسموها بأسماء خاصّة وحرّموا أكلها وكذلك شرب ألبانها وحتّى ركوبها، فعطلوا الإفادة منها بشكل عمليّ، والحال أنه سبحانه وتعالى لا يقرّ بتقاليدهم البالية بهذا الشأن (مَا جَعَلَ اللّه مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ).
2 - يمكن القول في تعريف هذه الحيوانات الأربع التالي:
ألف: (البحيرة) هي أنثى الحيوان الّتي أنجبت خمس مرات، وكان خامس ما ولدته أنثى أو ذكر - على رواية - فكانوا يشقون أذنها ويتركونها لحالها دون الحرص على قتلها. (1)
ب: (السّائبة) هي الناقة الّتي أنجبت اثني عشر مرّة - أو عشراً على قول - فكانوا يحرّرونها؛ فلا يركبها احد، ولعلهم يستفيدون من لبنها أحياناً، ويقدّمونه لضيوفهم. (2)
ج: (الوصيلة) وهي أنثى الخروف الّتي ولدت سبع مرات.. أو تقال للتي ولدت توأماً، فحرّموا ذبحها.. (3)
د: (الحام) الحيوان الذكر الّذي تمت الاستفادة منه في تلقيح الإناث من نوعه عشر مرات، وكانت نطفته تنتهي في كلّ مرّة إلى ولادة حيوان جديد.. (1)
3- ينبغي تطهير الدّين من البدع والخرافات.. ومعلوم أن الأصل في الحيوانات الحلّيّة ما لم ينزل قانون إلهي يقول بحرمتها (ما جعل اللّه).
4- إتلاف المال وترك الحيوانات بلا استفادة على سبيل الوجوب افتراء على اللّه (المشرّع) وفعل حرام (يَفْتَرُونَ عَلَى اللّه الْكَذِبَ).
5 - جميع هذه الانحرافات والبدع وتغيير الحقائق؛ من فعل الإنسان المنحرف الضّال، وليس من اللّه وخلقة الرّبّ؛ وليس كما تقول الجبرية.. ولهذا؛ لم يكن الكافر منكر اللّه سبحانه فحسب، بل من الكافر، الّذي يقرّ باللّه ثمّ يفتري عليه (لَكِنَّ الّذينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ...).
6- يعتبر اللّه المتعال من يروّج للخرافات وينسبها إلى الرّبّ العزيز زوراً وكذباً كافراً، لأنه ينسب إلى اللّه ما ليس له أو فيه أو منه..
1) نفس المصدر، ص 390.
وَإِذَا قِيلَ هُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللّه وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ ءَابَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا یَهتَدُونَ (104)
1- بالإشارة الواردة في هذه الآية الشّريفة إلى التحريم البدعي والمجرّد عن الدليل وإلى منطق العرب الجاهليّين، تؤكّد الآية على واقعهم المزري بالقول:
(وَإِذَا قِيلَ هُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللّه وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا).
2- الحقّ عبارة عن القول والموقف الصّادقين غير الملوّثين بالكذب والباطل من مصداق ذلك؛ شأنية أنبياء اللّه ؛ وفي مقدمتهم نبينا الخاتم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الّذي كانت رسالته ودعوته عين الحقّ وليس غير الحقّ. ولمّا كانت مدعيات العرب عبّاد الأوثان كذباً وجهلاً، فإنّهم كانوا معارضين بصورة تلقائيّة للنّبيّ الأعظم مظهر الصدق والعلم والحقّ، وبرفضهم قول الحقّ؛ كانوا يقلّدون آبائهم وأسلافهم تقليداً أعمى.
3 - تهدي هذه الآية إلى الحقيقة الخلّاقة، فلا يصح التقليد الأعمى باعتباره فعلاً قبيحاً وأحمقاً.. إذ ليس لأحد أن يدلي في الدّين برأي لا دليل ولا برهان عليه..
4 - الإرشاد الآخر للآية الشّريفة هو أنّ تعلّم العلم واكتساب المعرفة أمر واجب وحق، وذلك أنّه تعالى يلومهم ويعيب عليهم بداعي عدم معرفتهم بالدّعوة النّبويّة وتقليدهم الأعمى لأسلافهم.. كما يطالبهم بالتفكير البنّاء الصائب وتفعيل عقولهم، ليعرفوا الحقّ وأن لا يتبعوا الآخرين بلا برهان.
5- ينبغي معرفة أن تقليد الجاهل للعالم (المؤهّل) أمر صحيح حقّ.. أما تقليد الجاهل للجاهل الآخر وأمثاله، فأمر باطل مذموم، والعقلاء لا يقبلون هكذا تقليد، لأن العقل لا يبيح رجوع الجاهل إلى الجاهل، لأنّ هذا المنحى - في الحقيقة - بمثابة طي طريق كبير الخطر.. ولا تجيز سنّة الحياة أن يطوي المرء هكذا طريق، إذ لا أمان فيه مطلقاً.
6- قيد (وَلَا یَهتَدُونَ) إتمام للحجّة عليهم. وقد ورد رأيان في تفسير عبارة (وَلَا یَهتَدُونَ).
الرّأي الأوّل: المراد هو ذمّ هؤلاء بداعي ضلالهم وجهلهم..
الرأي الثّاني: الثّاني : المراد طيهم الحياة عمياناً، وأنهم يجهلون سبيل الصلاح والسعادة، لتقليدهم جاهلاً مثلهم.. كالآباء والأجداد الّذين لم يكونوا جهّالاً فحسب بل لأنّهم لم يتعلموا ولم يكتسبوا الهدى من احد.. وهذا التقليد غير جائز البتة؛ ولا مزيّة له مطلقاً، فهو مذموم عقلاً.. ولهذا؛ كان الآباء والأجداد فاقدين لنعمتين فلّتين؛ وهما المعرفة والهدى، وهما يمثلان أمرين قيّمين معنويّين، لأنّ الهداية والانطلاق نحو السعادة والنّجاة؛ وهي ثمرة المعرفة الصحيحة والحقّة. غير أنّ هناك من العلوم والمعارف يمكن أن تكون أصولاً وقواعد للمعرفة، كما هو الاطّلاع على أنّ الكلّ أكبر من الجزء..
يَا أَيُّهَا الّذينَ ءَامَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّه مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105)
1- راقبوا أنفسكم لئلا تضلوا الطريق إلى اللّه سبحانه وتعالى، وإن السيل الوحيد للقاء الرّبّ ؛ الإيمان والعمل بتعاليمه الّتي يهتدي المرء في رحابها ويبلغ أفق السعادة حيث الرّضوان الإلهيّ، أمّا ضلال الآخرين فلن يضركم ما دمتم قد اهتديتم.
2 - الوصول إلى الهداية والتورّط في الضّلال رهين بطبيعة اختيار الطريق والأسلوب الّذي نعتمده. ولا شكّ في أنّ جميع الطرق الّتي يطويها ذوو الهدى وأهل الضّلال تنتهي إلى اللّه تعالى.. ولذا؛ إن قطع الإنسان صراط الهدى، بلغ الفلاح والنّجاح الأبدي، وإن سار في طريق الضّلال؛ ابتلي بالضّرر والخسران..
3 - أهمّ تكليف وواجب بالنسبة إلى المؤمن أن يسيطر على نفسه عبر التّربية والإرشاد الصّحيح في إطار العبوديّة والطاعة للّه سبحانه وتعالى وبغضّ النظر عن ضلال الأغلبية الراغبة في المعصية ورفض عبوديّة اللّه عزّوجلّ، مضافاً إلى عدم الخشية من مذمّة العصاة، وعدم الانحراف والزلل في الذّنوب والتضامن مع المذنبين أو الانسياق وراء مدعياتهم وأقوالهم بأنّ علم اليوم يجب تجريده عن المعنويّات، ولا يسمح بالانضمام واعتناق الديانات الأخرى. إذ اللّازم ؛ العمل بالتكليف الإلهيّ وعدم الهلع من ضلال الآخرين؛ لأنّ الحقّ حقّ؛ وإن عافه النّاس" والباطل باطل؛ وإن رغبت فيه الأغلبية وتمسكت به.
4- سؤال : يتصوّر البعض أنّ مؤدّى هذه الآية غير متناسب ومؤدّى آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنّ هذه الآية دليل على ترك الدعوة إلى القيم (الأمر بالمعروف) وهي تحذير في ترك ما هو مضادّ للقيم (النهي عن المنكر).. فهل صحيح هذا المنحى والمدعى؟
للردّ على هذا التصوّر نشير إلى ثلاث نقاط دقيقة:
النقطة الأولى: خلافاً للتّصوّر المذكور؛ فإنّ الآية تدلّ على عدم صحة ترك وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل هي تبين أصلاً أساسياً؛ يقول إنّ كلّ فرد مسئول عن عمله، وإنّ الفرد المطيع العارف بوظيفة لن يحاسب بداعي سلوك الآخرين المعيب..
النقطة الثّانية: يمكن أن يفهم من الآية أنّ من الجائز للإنسان الباحث والحريص على الحق أن يكتفي بهداية نفسه وإنقاذها؛ ولا يتدخل بشؤون الآخرين، وأن يحصن نفسه بالتقية، أو أن يكون ضمن بيئة وظروف لا تأثير للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيها، أو أبعد من ذلك.. حيث لا تفقد التأثير فحسب؛ وإنّما يلحقها الفساد أيضاً..
وواضح أنّ في هذه الحالات الثلاث؛ يكون أمام الإنسان العاقل والذكي أن يترك ويكف عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث لا يتوجه إليه التكليف؛ ولا يفهم من هذه الآية ما هو أبعد وأكثر من ذلك. وقد ورد في الحديث النبوي الشريف أنّ أبا ثعلبة سأل النّبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن تفسير الآية محط البحث، فقال له : " ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتّى إذا رأيت دنياً مؤثره وشحّاً مطاعاً وهوى متّبعاً وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه، فعليك بخويصة نفسك وذر النّاس وعوامّهم". (1)
النّقطة الثّالثة : هذه الآية تؤكد وجوب ولزوم الدّعوة إلى القيم المثلى وتنهى عمّا ضدّ القيم المثلى، وذلك لأنّ خالق الوجود يقول لعباده:
1) مجمع البیان، ج 3، ص 392.
"عليكم أنفسكم" وكذلك يقول " لا تقتلوا أنفسكم" لأنّ اللّه معكم، ثم يقول بعد ذلك :
5 - على المؤمن أن لا يلتفت إلى أقوال الضّالّين، وإنّ الجدير به وفي جميع الحالات إن يدعو النّاس إلى اللّه تعالى، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، بل عليه أن يهيء الأسباب الطبيعيّة للّهداية، ثمّ يوكل النتيجة والأثر إلى اللّه تعالى، لأنّ اللّه تعالى لم يجعل أحداً وكيلاً على غيره.. وهذا ممّا لا منافاة بينه وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
6- عبارة (لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ..) أنّ الكافرين لن يعيقوا مسار التوحيد ولن يسدوه بوجه المؤمن إذا كان صادقاً في إيمانه..
7- قوله تعالى (إِلَى اللّه مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) يبين حقيقة أنّ المقصد النهائي لكلّ إنسان ينتهي إلى اللّه سبحانه.. وحين يلتفت ابن آدم موضعه وموقفه من خالقه، وطبيعة النسبة بينه وبين سائر أجزاء العالم سيعي أنّ نفسه قد انقطع وانفصل عن كلّ شيء ما عدا اللّه تعالى وسيدرك أنّ ثمّ حجباً على نفسه، وأنه لا يزيحها إلا ربّه المتعال.. الرّبّ الّذي بقدرته وهدايته يجره من خلقه ومن أمامه إليه.. وفي هذه الأثناء سيدرك ويفهم أنّ نفسه ستهاجر من أفق الشرك ومن الابتعاد عن ربه إلى موطنه الأصلي والفطري؛ حيث العبوديّة الحقة ومقام التوحيد الفذ.. وإن شملته العناية الإلهيّة؛ تبدل فيه الاعتقاد بالخرافات والأوهام والابتعاد عن اللّه والتكبّر الشّيطاني والاستغناء الكاذب.. إلى التّوحيد وإدراك الحقائق والتّقرب من اللّه تعالى والتّواضع الرّحمانيّ والفقر والعبوديّة الصّادقة.
8- نظراً إلى كوننا موجودات مادية وترابيّة، فإنّنا لا نستطيع إدراك حقائق فذة وبالشكل المطلوب، مثل حقيقة (عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ) أو (لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) أو (إِلَى اللّه مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا) ولكنّ التدبّر والدقة والتعمّق تذهب بنا إلى تصديق الكليات الخاصة بهذه الحقائق، وإلى أنّ بلوغها هي الّتي تتجسّد في إصلاح النفس، لأنّ نهاية الإنسان وما ينتهي إليه أمره، مبني على أساس الأحوال والأخلاق النفسانية الّتي تنقسم بدورها إلى العمل الصالح
والعمل الفاسد.. أو ما يعنون بالتقوى والفسق والفجور، وقد ورد فيما اتفق المسلمون على روايته من الحديث النبوي الشريف: "من عرف نفسه؛ فقد عرف ربّه". (1)
1) متشابه القرآن و مختلفه، ج1، ص 44.
يَا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا شَهَادَهُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَواةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّه إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّه إِنَّا إِذَا لَّمِنَ الْأَثِمِينَ (106)
روي في مورد نزول هذه الآية والآيتين اللتين تليانها أن أحد المسلمين ويدعى (ابن أبي مارية) خرج من المدينة لأمر التجارة مع رجلين من نصارى العرب ويدّعيان (تميم) و(عدي).. وأثناء الطريق مرض المسلم وكتب وصيّة وأخفاها في متاعه وسلم أمواله للرجلين النّصرانيّين، وأوصاهما أن يسلّماها أهله.. ثم فارق الحياة.. أما النصرانيين، ففتحا متاعه وأخذا ما كان ثميناً فيه وسلّما ما بقي إلى ورثة المسلم.. وحين فتح الورثة متاع ميتهم، لم يجدوا قسماً من الأموال الّتي كان فقيدهم قد أخذها معه.. ثمّ إنّ عثروا على ورقة الوصيّة؛ الّتي كان مسجلاً فيها قائمة بالأموال المسروقة، فحدّثوا النصرانيين المسافرين، فأنكروا قائلين: قد سلّمناكم ما ائتمننا عليه ميتكم، فاضطروا إلى الشكوى عند رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).. فنزلت الآية أعلاه وأوردت الحكم في ذلك.. (1)
1) مجمع البیان، ج 3، ص 395 و 396.
وطبقاً للحديث الوارد في (أصول الكافي) فإنّ النّبي جعلهما يحلفان على ما يقولان، ولما حلفا، برّأهما، ولكن لما تبين كذبهما بواسطة ورقة الوصيّة، استدعاهما النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مرة أخرى، وأقسم الورثة على أنّ أشياء وأموالاً أخرى كانت مع ميتهم حين موته.. أجبرهما النّبي على تسليمها إياهم... (1)
1- من أهم المسائل الّتي اعتمدها الإسلام مسألة حفظ أموال النّاس وحقوقهم؛ أو ما يسمى - عموماً - العدالة الإجتماعيّة.
2- لئلّا تضيع أموال الشّخص الميت؛ ولتصان حقوق الورثة من أيتام وصغار، أمرت هذه الآية الشّريفة المؤمنين بالقول: (يَا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا شَهَادَهُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ).
3- هذه الآية خاطبت المؤمنين وحكمهم الخاص لهم لدى الشّهادة حيث يقسمون بالقسم أدناه: لا نطمع بربح مادّي من شهادتنا وإن كان الوصيّ ذا قرابة منّا.
4 - تحقيق المنفعة الماديّة بواسطة الشّهادة : أن يعمد الشاهد إلى الإدلاء بشهادته لكسب منفعة من المال أو جاه، أو بدافع من العواطف والقرابة؛ ممّا قد يحرّف الشهادة عن الحقّ، فيبدل شهادته لتحقيق هدف مادّي لا قيمة له.. وكذلك أن يقول الشاهدان: لا نكتم شهادة اللّه.. ومعناها: إنّنا لا نشهد خلافاً للواقع والحقيقة، لأنّ حقيقة الشهادة في الأصل؛ حق إلهي، وهذا الحقّ قد جعله اللّه بين عباده وأوجب عليهم إقامته من دون تحريف، وإلا كان الشاهد مذنباً مستحقاً للعقاب، بالإضافة إلى أنّ الشّهادة هنا مقرونة بالوصاية، بمعنى أن الشخصين وصيّان وشاهدان أيضاً.
1) راجع: الكافي، ج 7، ص 5 و6.
5 - (أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ) وغير المسلمين هم من أهل الكتاب فقط، أي: اليهود والنّصارى، إذ لم يجعل الإسلام للمشرك والملحد وعابد الصنم أي قيمة تذكر..
6 - المقصود من حرف (أو) في (أو آخران منكم) في هذه الآية الشّريفة ليس للتخيير، بحيث يختار المسلم وصيّة من المسلمين أو من غيرهم، وإنّما المراد : إن لم تحصلوا على شاهدين عادلين منكم، فلكم أن تختاروا شاهدين غير مسلمين.
7- بالنظر إلى استحباب كتابة الوصيّة، لا يلزم أن تكتب حين ظهور علائم الموت، بل المراد وصيّة الإنسان لما بعد الموت، ويكتب عقيدته في ذلك أو يفصح عنها.
8 - خالق الوجود يعلم أنّ موت البعض سيكون حين السفر، وأنّ من أهل الكتاب من سيكون حاضراً، أو أنهم يعيشون في بلاد لا تصل أيديهم إلى مسلم ما، ومن هنا قال سبحانه: (أَوْ ءَاخَرَانِ.. إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ...).
فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَئاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الّذينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّه لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا أَعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107)
1- كلمة (عثور) بمعنى الاطلاع المجرّد عن التجسّس بمعنى أنه لا حق لك في أن تتجسّس، ولكنّك إن اطلعت تبدّل التكليف (فإن عثر).
2 - إن اطلعتم على أنّ الشاهدين قد أذنبا بالشهادة واليمين الكاذبين لطمس الحقيقة، فليؤدّ الشهادة شاهدان آخران.
3 - لا يخفى أنّ شهادة ويمين أولياء الميت ينبغي أن يكونا بناءً على معرفتهم واطلاعهم المسبق فيما يرتبط بأموال الميّت حين السفر أو غيره.
4 - لكلمة (الْأَوْلَيَانِ) في هذه الآية معنيان:
ألف: وارثان شُهد بضررهما، ولكن لكونهما وارثين؛ فهما أقرب وأولى.
ب: المراد نفس الشاهدين اللذين طلب الميت منهما الشّهادة، وكانا حاضرين حين الوفاة، فهما أولى من غيرهما بسبب حضورهما أو طلب الميت منهما.
وعلى هذا؛ إن علم أنّ الشخصين الأولين قد ارتكبا الذنب، فليشهد اثنان آخران ممّن وقع عليهم الظّلم؛ وكانا أقرب للميت، بدلاً من الشاهدين الأولين أو الوصيين الخائنين، فهما أولى باليمين في هذا المورد.
5 - ينبغي أن تكون الشهادة من كلا الشاهدين؛ وباسم اللّه جل جلاله، وأن يكون مضمون اليمين ما ورد في الآية الشّريفة أنهما صادقان في اليمين، وأنهما لا يضمران التعدي على حقوق النّاس. ثمّ إذا كان يميناً كاذباً؛ فإنّنا نقر على أنفسنا بالظّلم.
6- يمكن القول لدى تفسير عبارة: (إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) أنّ الشاهدين الآخرين يقولان بعد الإدلاء باليمين إنّما في شهادتهما أصدق وأصح من شهادة الشخصين الآخرين ولم نذهب بعيداً فيها. ولو أننا فعلنا ذلك كنّا ظالمين ولكنا مسلك الظّلم بحق أنفسنا والغير..
أَدْنَى أَن يَأْتُوا بِالشَهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانُ بَعدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللّه وَاسْمَعُوا وَاللّه لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108)
1- هذه الآية تبيّن فلسفة التشدّد والدقة في أمر الشهادة واتخاذ الشّاهد - كما قالت الآيات السابقة - وأنّ لزوم أن يكون القسم بعد الصلاة وبحضور النّاس، حرصاً على أن تكون الشهادات واقعية، إذ اليمين يفترض فيها أن تتضمّن وتتصف بآداب وشروط مشدّدة لتؤتي أكلها وتحول دون حصول كثير من الأمور السيئة.. وهذا الأسلوب في هكذا شهادة؛ وبهذه التعليمات تكون أفضل وأكثر تأثيراً في اتضاح الحقائق وعدم حجبها وفي طبيعة الإدلاء بالشهادة.
ولا ريب في أنّ الشّهادة واليمين في حال عدم قبولهما، سيذهب ماء وجههما في محيطهما.. ولهذا؛ كان هذا الحكم وبالصورة الّتي قررها اللّه تعالى، كان يغرض الوصول للواقع، ولأنها أقرب شأناً للاحتياط، وأن لا يحصل التجاوز من الشاهدين، وأن يخافا من أن يسقط ما في يديهما وتردّ شهادتهما بعد قبولها.
2 - لا شكّ في أنّ هوى النفس يدفع بالإنسان ويشجعه دوماً أن يجرّ كلّ شيء لصالحه، اللّهم إلّا أن يوجد مانع من جناية أو تحذير أو عقوبة أو ذهاب ماء وجه وفضيحة عند النّاس، أو أن يكون المانع إيماناً باللّه والمعاد والخوف من الحساب والعذاب والعقوبة الإلهيّة تمنعه من الرّغبة النفسانية في التعدي على أموال النّاس وحقوقهم.. وفي مسألة الوصيّة الشفهية كما هي في مورد هذه الآية حيث تكون حقيقة الأمر فيها مجهولة محجوبة.. فلا يبقى للكشف عنها غير شهادة الّذين أوصاهم الميت واستشهدهم، ولهذا؛ فإنّ أقوى شيء يطمئن فيه الإنسان إلى
صدق شهادة الشهود هو إيمانهم الباطني، وبعد قسم هؤلاء باللّه تتّضح الحقيقة.. وعلى فرض كذب وخيانة الشهود، فإنّ أفضل إجبار للشهود على قول الحقّ هو يمين الورثة وأولياء الميت على خيانة الشّهود حين سماع الوصيّة، مضافاً إلى ذلك أنّ في هذه الخطوة منعاً من انحرافهم، وفي الحقيقة؛ إنّ هذه المسألة ستكون سبباً في إيقاظهم وإخافتهم من المسؤوليّة إزاء اللّه أو عباده وأن لا يحيدوا عن محور الحقّ (أَدْنَى أَن يَأْتُوا بِالشَهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانُ بَعدَ أَيْمَانِهِمْ)
3- يوجه اللّه تعالى في آخر الآية هذه موعظته ونصيحته لإرادته إبعادهم عن الغضب والعذاب والعقوبة الإلهيّة، وأن ينصتوا إلى وقع أحكامه، لأنه في أيمانهم ولا يخونوا أمانتهم وأن يستمعوا إلى المواعظ الإلهيّة المصنعة للإنسان، وأن يعلموا أنه سيحرم الفاسقين العصاة من جزيل ثوابه وجنته (وَاتَّقُوا اللّه وَاسْمَعُوا وَاللّه لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).
يَوْمَ يَجْمَعُ اللّه الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُم قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (109)
روي في (الكافي) و (تفسير القمّي) عن مولانا الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) بما يرتبط بتأويل هذه الآية، أنّ سؤال اللّه تعالى الأنبياء والرسل سؤال عن أوصيائهم؛ وهم خلفاؤهم الّذين عينوهم من بعدهم، والرّسل يجيبون بما مراده أن لا يعلمون بما صنع النّاس بأوصيائهم. (1)
1- الجميع سيتعرّضون للمسائلة في يوم القيامة، بمن فيهم الأنبياء عن موقف النّاس تجاه أوصيائهم من بعدهم.. وهذا الواقع أحد المصاديق الواضحة لموقف وسلوك النّاس تجاه خلفاء الرّسل الربانيين، ولا سيّما من لم يولوهم الاحترام اللازم. وهذا ما لا يتنافى وعموم الآية: (مَاذَا أُجِبْتُم).
2- علم الأنبياء لا يساوي شيئاً بالنسبة للعلم الإلهيّ، إذ العلم الإلهيّ علم حقيقيّ مستقلّ بذاته، وإنّ من يعلم؛ فعلمه من خالقه، كما هو علم الغيب الّذي هو خاص مختص باللّه تعالى ويعطيه من يشاء ويرتضي (لَا عِلْمَ لَنَا).
3 - في هذا السؤال والجواب محط إشارة هذه الآية الكريمة، وفيها الفوائد العظيمة للقراء فيما يتعلّق باللّه والأنبياء (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وها نحن نشير إلى بعض منها:
الفائدة الأولى: أنّ على النّاس إن يعلموا بأنّ إجابة الأنبياء إجابة اللّه، وكلّما كان سعيهم أكبر في الامتثال لأوامر الأنبياء كان قربهم إلى اللّه أشدّ..
1) الكافي، ج 8، ص 338 وتفسير القمي، ج1، ص 190.
الفائدة الثّانية: أن تعلم الأمم أنّه بالقدر الّذي تتقدّم في مقام الطاعة، فإنّ ذلك ممّا يوجب مباهاة الأنبياء في محضر اللّه تعالى.. وأنه بالقدر الّذي يوغلون في المعصية، فإنّ ذلك يوجب ألمهم..
الفائدة الثّالثة : أن يعلم النّاس أنّه تعالى علّام الغيوب وعالم بباطن وسريرة الإنسان، وإن كان الأنبياء العظام مكلّفون بالتظاهر، فإنّ اللّه ناظر إلى باطن البشر..
الفائدة الرّابعة: أن يعلم النّاس بأنّ اهتمام اللّه تعالى بطبيعة حفظ أوامره وتعاليمه إلى الحدّ الّذي سيسأل الأنبياء عنه - مع عصمتهم وقداسة شأنهم - ولعله يلومهم على أعمال أممهم، فإن عجزوا عن الإجابة أحالوا الأمر على العلم الإلهيّ المطلق واللامتناهي وسلّموا لأمره العتيد..
الفائدة الخامسة: أن يعلم النّاس أنّ القيامة يوم يحضر فيه جميع الأنبياء مع أممهم في محضر اللّه، وسيكون المطيعون لأنبيائهم في ذلك اليوم مقرّبين وعند أنبيائهم متفاخرين ومفلحين بين سائر الأمم.. بالنقيض من العصاة المقصّرين في حق اللّه سبحانه، وأذلاء في محضر رسلهم وإزاء سائر الملل.
4- واضح أنّ العلم الّذي ينفيه الأنبياء عن أنفسهم في المحضر الإلهيّ ليس هو أصل العلم، وإنّما نفي لمطلق العلم وجميع العلوم الغيبية الّتي هي من شأن اللّه فحسب، وإلّا فإنّه لا شكّ في أنّ اللّه يعطي من علمه بالغيب من احتاج إليه في إطار دعوته ومقامه، لأنّ العلم يتنزّل من اللّه بمقدار قدرة العالم بالأسباب والمتعلّقات وليس أكثر من ذلك، وإنّ هذا العلم ينعكس في الإنسان باعتباره ناظراً، وإنّ وقوعه وقوع الصورة دون الأصل.. ولذا؛ فإنّ العلم الحقيقيّ بالموجودات يحصل لأحدهم حال إحاطته للموجودات الماضية والمزامنة؛ بل وبالصانع والموجّه.. والإنسان لا طاقة له ولا قدرة على الإحاطة بكل العلوم.
5- يستدعي اللّه في يوم القيامة أنبياءه، وكلّ منهم شاهد على أمته وهو خير الشهود..
يستدعيه للشّهادة ويسأله من الّذي أجاب واستجاب لدعوتك وكيف؟ وهذا الشاهد؛ وشهادة الأنبياء على النّاس؛ لا تتيسّر إلا بالاطلاع على الغيب..
6- الأنبياء الّذين يعلنون أنّهم أعلم النّاس بأعمال أممهم، وأنهم الشهداء عليها، فإنّ مالديهم من علوم لا تتناسب وأن يظهروها ويتحدّثوا بها في محضر الرّبّ العزيز (لَا عِلْمَ لَنَا) إذ العلم الحقّ والحقيقيّ هو من شأن اللّه الواحد الأحد دون غيره.. فالأنبياء يعرفون مقادير مقاماتهم عند اللّه، وإنّهم ليستحيون في محضر اللّه تعالى من أن ينبسوا ببنت شفة وأن يتحدّثوا بشيء ممّا يعلمون (لَا عِلمَ لَنَا إلّا مَا عَلَّمتَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ).
إِذْ قَالَ اللّه يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَلِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النّاس فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَّلَمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإنجيلَ وَإِذْ تَخلُقُ مِنَ الطّين كَهَيْةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخرج الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَءِيلَ عَنكَ إِذْ جئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الّذينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ (110)
1- هذه الآية وتليها من آيات إلى آخر السّورة مرتبطة بسيرة النّبي المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) والمواهب الّتي تمتّع بها وأمته، وقد أشير إليها هنا لإثارة انتباه واطلاع المسلمين.
2 - للمفسرين لهذه الآية رأيان :
الأول: احتمل جمع منهم مثل الطبرسي والبيضاوي وأبي الفتوح الرّازي أنّ هذه الآية استمرار لمباحث الآية السابقة؛ وراجعة إلى الأسئلة والخطاب الّذي سيكون اللّه تعالى مع
أنبيائه في يوم القيامة. وعليه؛ ففعل (قَالَ) وهو فعل ماض ورد هنا بمعنى (يقول) للمستقبل وإشارة إلى حتمية حصوله..
الثّاني : أنّ هذه الآيات تبدأ بحثاً مستقلاً ذا بعد تربوي للمسلمين وعائد إلى هذه الدنيا، وباستعمال كلمة (قَالَ) نتصوّر أنّ مواصلة المباحث الواردة في الآية السالفة، وكونها مرتبطة بالأسئلة والخطاب الّذي سيكون اللّه مع أنبيائه في يوم القيامة؛ يخالف ظاهر الآية.
لا سيّما وأنّ إيراد وإحصاء النعم لأحدهم بقصد إحياء روح الشكر فيه، والحال أنّ هذه المسألة لا تذكر في يوم القيامة.
ولكن من الواضح أنّ المراد في هذا الحوار يمكن أن يكون في يوم القيامة؛ حيث تضمن شکر عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبياناً لدليل عقاب الّذين أخطئوا وانحرفوا في معرفة النّبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).. مضافاً إلى ورود الفعل بصيغة الماضي بدلاً من صيغة المضارع، للإشارة إلى اقتراب وقوع ذلك اليوم على سبيل الحتم.. وما كان وقوعه حتميّاً، وفضلاً عن كونه موضعاً لشكر العبد لخالقه، باعتباره فعلاً جميلاً ومطلوباً من جهة اللّه تعالى في الدنيا والآخرة ؛ فمن الممكن وبناء على بعض آيات أهل الجنّة الّذين سيتقدّمون بالشكر لربهم إزاء النعم الّتي سيعطونها من قبل اللّه تعالى، ولعلّ من الممكن الجمع بين الرأيين؛ فنقول : الحوار حوار دنيوي لما فيه من البعد التربويّ، وهو أخرويّ لما فيه من الشّكر، مضافاً إلى معاتبة ومؤاخذة أمة عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ).
3 - ثمّ احتمالان في معنى روح القدس:
ألف أن يكون هو نفسه جبرائيل ملك الوحي.
ب: أن يكون إشارة إلى طاقة غيبية ترفد النّبي عيسى لتحقيق معجزاته وأداء رسالته.. وهذا المعنى وارد بدرجة أضعف في غير الأنبياء. (إِذْ أَيَّدتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ).
4 - تكرّرت كلمة (بِإِذْنِي) في هذه الآية أربع مرات، والتكرار هنا يعكس مدى عظمة الخلقة
وإفاضة الحياة، لمنع احتمال الغلو وادّعاء الألوهية واستقلال النّبي عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيما كان يقوم به من المعاجز والكرامات.. أي أنّه ما كان يأتيه هذا النّبي الجليل - وإن كان عجيباً مذهلاً ويشبه الأفعال الإلهيّة - إلّا أنّه لم يكن من عند نفسه ومن ناحيته بل هو من جهة اللّه تعالى.. فعیسى عبد مطيع لربّه، وما كان لديه؛ فهو مستمد من القوّة الإلهيّة اللّامتناهيّة.
5 - سؤال : يمكن أن يقال إنّ هذه الآية تحصي المعجزات الّتي أظهرت على يد عيسى بن مریم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، و لكن لم ذكرت المنّة على والدة هذا النّبي والحال أنّ هذه المعجزات مرتبطة بعيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؟
الجواب: من المعلوم أنّ كلّ موهبة تعطى للولد هي في الحقيقة عطاء لأمه أيضاً، لأنّهما من أصل وجذر شجرة واحدة، إضافة إلى أنّ جميع هذه المعاجز الّتي اختص عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بها في الظّاهر بمثابة نعم أعطاها اللّه له ولوالدته، أما نعمة الولادة الاستثنائية؛ فهي شاملة له ولأمه حيث جرى الحمل والولادة بلا أب وهذه نعمة خاصّة ومميّزة قد حظي بها الاثنان. ونعمة التأييد بروح القدس- وهي غير الوحي الّتي يحظى بها جميع الأنبياء طبعاً - وإنّما المراد هو التأييد الإلهيّ في تكلّمه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المهد صبيّاً، وهذه نعمة أدّت إلى هزيمة أعداء مريم (عَلَيهَا السَّلَامُ) فيما اتّهموه بها، وانتهت إلى عزّة عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بين النّاس.
6- لا ريب في أنّ هذه الآية ونظائرها تعتبر من جملة الدّلائل الواضحة على الولاية التكوينيّة الّتي يحظى بها أولياء اللّه تعالى - كلّ حسب مقام قربه م ربه سبحانه - إذ ورد في سيرة المسيح؛ إحياؤه للموتى وشفاؤه للأعمى منذ ولادته، ومعالجته المصابين بالأمراض العضال وقد نسب ذلك إلى شخص المسيح؛ مع التأكيد على إنجاز ذلك في عالم التّكوين؛ فيقوم بهذه الأعمال أحياناً ضمن هذه القدرة.. وإنّ تفسير هذه الآية بدعاء الأنبياء واستجابة دعائهم من جهة اللّه تعالى يخالف ظاهر الآيات تماماً..
7 - يفهم من صيغة الجمع في كلمة (الموتى) أنّ فعل الإحياء قد تكرّر مراراً..
8 - النعم الإلهيّة المذكورة في هذه الآية هي كالآتي:
الأولى: التأييد بروح القدس حين مخاطبة النّاس في المهد، وفي الكبر.. فكان كلامه في المهد حكيماً فذاً كما هو في الكبر.. ولم يكن مجرد نطق لصغير بكلمات لا قيمة لها (تُكَلِّمُ النّاس فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا).
الثّانية: تعليم الكتاب والحكمة والتّوراة والإنجيل.. وجميع هذه العلوم ألقيت إلى النّبي عيسى دفعة واحدة دون التدريج، وقد تلقاها كأمر واحد من اللّه سبحانه (وَإِذْ عَّلَمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإنجيلَ).
الثّالثة: أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يصنع من الطين كهيئة الطير، ثمّ ينفخ فيه، فيصير كائناً حياً بإذن اللّه ويطير على مرأى من النّاس (وَإِذْ تَخلُقُ مِنَ الطّين كَهَيْةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي).
الرّابعة: أنّه كان يشفي الأعمى منذ ولادته بإذن اللّه (وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي).
الخامسة : إحياؤه الموتى بإذن اللّه (وَإِذْ تُخرج الْمَوْتَى بِإِذْنِي).
السّادسة: وقد جاء بالدّلائل الواضحة والآيات البيّنة لبني إسرائيل.. وهم الّذين تعبئوا واستعدّوا لقتله؛ كفراً وعناداً وحقداً وحسداً، ولكن اللّه جلّ جلاله دفع شرّهم عنه، وهذا الدفع الإلهيّ عن عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) يمكن أن يكون قد صدر عن لطف أو قدرة ربانية، كما دفع اللّه الكافرين ومنعهم من قتل النّبي الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأنقذه من شرّهم (وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَءِيلَ عَنكَ إِذْ جئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ).
9- جملة (وَإِذْ تُخرج الْمَوْتَى بِإِذْنِي) وإن كانت تبيّن أنه تعالى قد نسب الأمر إلى المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ)، إلا أنّ هذا الفعل المحيّر في حقيقته فعل إلهيّ كان يتم استجابة لبعض دعاء المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ).
10 - مفردة (نعمة) في هذه الآية الشّريفة وإن كانت في ظاهرها مفردة، إلّا أنّ المراد؛ جميع
النّعم، كقوله (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا...).
11- ينسب اللّه المسيح في هذه الآية إلى أمّه مريم، ليتضح للنّصارى أنّه كان عبداً، وإلّا فمن كان له أم فلا يمكن أن يكون إلهاً.
12- الّذين أنكروا الرّسالة العيسويّة كانوا يقولون ما جاء به عيسى ليس إلّا خرافات مفضوحة: (فَقَالَ الّذينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ).
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيّينَ أَنْ ءَامِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا ءَامَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111)
1 - الحواريّ لغة: الصاحب الخاص والقريب، وحواريو عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) هم المقربون منه ووزراؤه في تنظيم الأمور وتدبير الشّؤون، وبعضهم المخلصون المؤمنون وهم الّذين قال فيهم عيسى: (قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالُوا نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ).
2 - يمكن أن يكون المراد من الوحي إلى الحواريين؛ الإلهام في قلوبهم دون الوحي الّذي ينزل الأنبياء وقد ورد عن الإمام الصّادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) تعريفه لهذا الوحي أنهم (ألهموا) (1).
4- عبارة (وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ) تبيّن أنّ الحواريين في هذا الاختبار وبإعلأنّهم التسليم للّه والإيمان المجدّد بعد الإيمان الأوّل برسالة النّبي عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قد أكدوا استعدادهم لإقامة الدّعوة وتحمّل المشاق في سبيل الرّسالة.. وقولهم بأنّهم قد آمنوا، لا يقصدون به الإيمان البدائي..
1) تفسير العياشي، ج1، ص 350.
5 - ورد عن مولانا الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ عدد الحواريّين كان اثني عشر رجلاً (1)، وعلّه تسميتهم بهذا الاسم؛ طهارتهم الباطنيّة، وتطهر بهم قومهم من الذّنوب بالنّصح والموعظة (2).
إذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللّه إِن كُنتُم مؤْمِنِينَ (112)
1- (المائدة) لغة بمعنى الطعام وتسمية هذه السّورة بالمائدة بسبب طلب المائدة السّماويّة.
2 - حيث كان طلب الحواريّين نزول المائدة من نبيهم في شيء من سوء الأدب، حيث قالوا (يَا عِيسَى) بدلاً من القول: يا رسول اللّه، وبدلاً من قولهم : هل يتلطف اللّه بنا - مثلاً - قالوا > هل يستطيع ؟ < عوضاً عن القول ربّنا، قالوا (رَبُّكَ) فأجابهم (اتَّقُوا اللّه).
3- ليس من شكّ في أنّ الحواريين وأصحاب المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتلامذته وخواصه وملازميه، كانوا على درجة من العلم والمعارف الّتي استلهموها منه، واتّبعوا آثاره وآدابه، فلم يكن سؤالهم عن سوء أدب أو سخرية به (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولم يكونوا شاكّين في القدرة الإلهيّة، لأنّهم كانوا عارفين مؤمنین به سبحانه ولذا لم يكن طلبهم من نبيّهم عن شكّ في الاستطاعة والقدرة، لعلمهم بأنّ اللّه على كلّ شيء قدير، ولا سبيل للعجز والوهن إليه.. وعليه؛ فإنّ مفهوم (الاستطاعة) وإن كان ثمّ وجوه عديدة تجملها الآية التالية له ولكن وردت هنا خمسة احتمالات:
الأوّل: أنّ كلمة الاستطاعة بمثابة كناية عن (اقتضاء المصلحة) و(وقوع الإذن من جهة اللّه تعالى).
الثّاني: طلبهم هذا كان لإثبات صحة قول ودعوة النّبي عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؛ وطرداً للشك والريبة منهم، وبلوغ قمة الاطمئنان في أنفسهم، مثل ما طلب النّبي إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى ليحصل له الاطمئنان القلبيّ التّامّ..
الثّالث: طلبهم المعجزة؛ لتهديد الّذين يكفرون بعد تحقّقها، وإنّما ما للحجّة على الجاحدين، فمن لازمه الدليل الواضح يثبت، ومن لا دليل له يُدان..
الرّابع: حيث أنّ معاجز الأنبياء والآيات الإلهيّة تؤيّدهم وتدعمهم في دعواتهم.. فقد كان طلب المعاجز ردّاً على ما كان يصرّ عليه الكافرون من تنوّع في الطّلب والإكثار في التّحجّج كما هي معجزة ناقة صالح وسائر المعاجز المخيفة؛ مثل معاجز موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قوم فرعون؛ كهجوم الجراد والقمل والضفادع أو طوفان نوح، أو الرّيح الصّرصر العاتية في قوم عاد، أو من شاكلة المعاجز والآيات الّتي تحصل أثناء تقدّم المؤمنين بطلب ما، مثل نزول المنّ والسلوى على بني إسرائيل في عصر موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ).
الخامس: رغم أنّ الحواريّون قد شاهدوا المزيد من معاجز المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؛ وكان لهم الإيمان بحقّانيّته ورسالته، إلّا أنّ طلبهم المذكور هذا بعد رؤيتهم لعديد المعاجز الصّادرة عن رسول اللّه كان تنويعاً في الطّلب منهم لا من جهة الكفّار أو للكفّار، وطلب المعجزة هذاكان في غير محله ومن دون الحاجة الملحّة، وإنّما نشأ من هوى النفس، فكأنّه كان تلاعباً بالآيات الإلهيّة ويشكّل خطراً على طبيعة إيمانهم.. وفي مقام التوبيخ لهم، قال لهم عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) (اتَّقُوا اللّه إِن كُنتُم مؤْمِنِينَ).
4- الحواريّون الّذين كانوا أقرب النّاس إلى نبيّ السماء وتلامذته، وكانوا يعرفونه أكثر من غیرهم كانوا على علم بكونه إنساناً.. وابن مريم.. وكانوا يسمونه وينادونه بما يعرفونه.. وقد كانوا يعلمون بأنه ليس إلها، بل عبداً من عبيد اللّه وهو ليس ابن اللّه بل هو ابن مريم وعبد من جملة عبيد اللّه.. كذلك كانوا يعرفون تماماً أنّ ربّه المتعال هو الّذي يمكّنه من الإتيان بالمعاجز.. فلم
يكن عيسى ذا قدرة ذاتية ليأتي بهذه المعاجز الخارقة.. ولهذا؛ حين طلبوا منه المائدة السّماويّة لم يكونوا ليطلبوا منه - على سبيل الاستقلال عن اللّه تبارك وتعالى - لمعرفتهم به، ولعلمهم المسبق بعجزه عن الإتيان بالمعجزة من عند نفسه.. وإنما سألوه سؤالاً: (يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ).
قَالُوا نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113)
1- قوله تعالى (قَالُوا نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا) يبيّن أنّ الحواريين ولتبرير طلبهم المعجزة قدّموا أربعة أسباب:
الأول: أنّ طلبهم بم يكن غير عقلائي، وإنما رغبوا في التناول منها (نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا).
الثّاني: حيث أنهم بلغوا مرحلة مطلوبة من الإيمان، فقد أرادوا الاطمئنان لقلوبهم من حيث الإيمان (تَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا) أي أنهم جعلوا من إجابة طلبهم من قبل اللّه معياراً لمعرفة مدى قبول الرّبّ لطبيعة إيمانهم.
الثّالث: أرادوا إثبات صحة دعوة المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) الّتي جاء هم بها من جهة اللّه تعالى (نَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا).
الرّابع: أن يروا المعجزة بأعينهم ليشهدوا بها في يوم القيامة، وقد قدموا الأسباب العقلائية المذكورة لتحقق هذه المعجزة؛ وليزيلوا بذلك احتمال القول بقبح طلبهم وركاكته وليحملوا بنبيهم على قبول طلبهم، وهو الأمر الّذي قبله نبيهم في نهاية المطاف (نَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ).
2 - المراد من العلم في بادرة (نَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا) بلوغ العلم الّذي هو في حدّ اليقين، وهذه المرحلة من العلم تتأتّى في القلب بعد الإيمان والعمل والرياضة وتحمّل المصائب
والمصاعب.. أو التأكد ممّا إذا كان عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) يستجيب لما وعدهم وقال لهم إنّ من ثمرات إيمانكم استجابة دعاؤكم.. فهل سيفي هذا النّبي الجليل بوعده أن لا؟!
قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللّهمَّ رَبَّنَا أَنزِلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةً مِنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114)
1- لدى اطّلاع عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) على حسن نوايا حوارييه، نقل طلبهم إلى اللّه تعالى قائلاً (اللّهمَّ أَنزِلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً..).
2 - كان المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) يعلم أنّ أفضل طريق لإجابة طلبهم أن يكون باعتباره نبيّاً مقرّباً من ربّه؛ إلى جانب الحواريين، وأنّه ما لم تُرفع كفاه إلى السماء ؛ وما لم يلهج لسانه بالقول (رَبَّنَا) فإنّه لم يكن ليسمع من جانب الرّبّ جواباً، ولهذا؛ فقد أدخل نفسه في جميع حواريّيه وقال بلفظ الجمع (رَبَّنَا) وكان مراده في ذلك أن يتطابق النّداء والدّعاء..
3- في هذا الدعاء ثلاث خصوصيات:
الأولى: عادة ما تبدأ الأدعية القرآنيّة بلفظ > ربّ< ولكن هذه الآية بدأت بخصوصية كلمتين (اللّهمَّ رَبَّنَا) ولعلّ ذلك بداعي أهمّية هذه الحادثة ودقة مفاهيمها وعظيم نتائجها، وقد نادی عیسی ربّه بما يرضاه ولا يخالف مقام عزّته وكبريائه...
الثّانية: أضاف النّبي عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) في دعائه أمراً آخر لم يكن يمتاز به طلب حوارييه، وهو أنّ الهدف من محتوى الطلب بنزول المائدة السّماويّة أن يكون يوم النزول عيداً لهم باعتباره يوم ظهور المعجزة، حيث تكون المعجزة - من بين الكثير من المعاجز الإلهيّة - قائمة أمام الأعين، إذ لاتّخاذ العيد آثار حسنة؛ منها تقوية الدّين وسرور قلوب المؤمنين ووحدة الكلمة
وبثّ الحيوية في الرّوح الإجتماعيّة لكلّ أمّة.
الثّالثة: طلب الارتزاق لدى نزول المائدة، وهذا الطلب بمثابة فائدة فرعيّة مضافة على الفائدة والغرض الأصليّ؛ وهو (العيد) في حين أن الحواريين عدوا الارتزاق والتناول من المائدة هدفا أصليّاً في طلبهم، واتّخاذ هذا العيد كان من مختصات قوم عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ).
4- قوله تعالى: (وآيَةٌ مِنكَ) يبيّن خطاباً موجهاً إلى اللّه تعالى، مفاده: أن يا رب! إنّ المائدة الّتي تنزلها سنتّخذ يوم نزولها عيداً، لأنّ هذه البركة السّماويّة تصدر منك ومن قدرتك لتلين القلوب وتتنوّر الأذهان، وتحثّ النّاس على الإقرار بالحقّ وبالنّتيجة، وعبر هذه الآية المجيدة يؤمن النّاس بأحديّة اللّه وبرسالته نبيّك.
قَالَ اللّه إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ (115)
1- استجاب اللّه تعالى للدّعاء الصادر عن عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن حسن نية وقال له (إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ) ولكن عليكم أن تعلموا أن مسؤوليّة عرفان هذه المائدة سيكون ثقيلاً (فَمَن يَكْفُرْ بَعدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ).
2 - كلمة (مُنَزِّلُهَا) الواردة في هذه الآية مشتقة من الإنزال بمعنى النزول الدفعي ومرّة واحدة، خلافاً ل-(مُنَزِّلُهَا) من التنزيل الدال على النزول التّدريجيّ، لأنّ كلام اللّه في هذه الآية وعد صريح بالإنزال، لا سيّما وأنّه قد ذكر بصيغة اسم الفاعل لا بلفظ الفعل، ولهذا؛ فقد أنزلت المائدة بطلب المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) حتماً.
3 - للمفسّرين في قصّة نزول المائدة السّماويّة رأيان:
الأوّل : ذهب فريق منهم إلى أنّ الحواريين قد سحبوا طلبهم وتنازلوا عنه لدى معرفتهم شرط نزولها وكيفية الشكر عليها وطبيعة ما ينبغي أن يكون موقفهم منها بعد ذلك.
الثّاني: لأنّ اللّه قد أخبر بإنزالها، ومعلوم أنّ خالق عالم الوجود لا يخبر إلا على أساس الحقّ والصّدق، فإنّ فريقاً آخر من المفسّرين ذهبوا إلى حقيقة نزولها.. وثمّ روايات كثيرة عن النّبي الأعظم صلوات اللّه عليه وآله وعن آل بيته الطاهرين تؤكّد نزولها بطلب الحواريّين ودعاء المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ).. وذلك في يوم آخر.. وبهذا صار النّصارى يعدّون يوم الأحد مباركاً وعيداً. (1)
1) راجع: بحار الأنوار، ج 14، ص 262.
4 - جملة (فَمَن يَكْفُرْ بَعدُ مِنكُمْ) ليس ردّاً على دعاء عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وإنّما هي استجابة ورحمة مطلقة، وبها ينتفع الأولون والآخرون من أمة المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلّا الكافرون منهم؛ إذ كان وعد إنزال المائدة مطلقاً، أمّا الشّرط المذكور فليس صريحاً أو قطعيّاً، بل مقيّد بالكفر بعد النّزول.
5 - قد توعّد اللّه الكافرين بالمائدة بعذاب خاص، لأنّ الطّلب لم يكن طلباً عادياً بسيطاً.. فصار من يكفر بها بعد إنزالها داخلاً تحت الوعيد بالعذاب الشديد الّذي لن يتعرّض له أحد من العالمين، لا سيّما وأنّ إنزال المائدة قد شرّف قوماً لم يتشرف بمثله قوم آخرون..
6- ذهب بعض إلى أنّ المراد من مفردة (الْعَالَمِينَ) أناس ذلك العصر ممّن كفر بنزول المائدة ولم يشكر اللّه عليها بداعي الجحود، وقد مسخهم اللّه قردة وخنازير.. وقد ورد ذلك في رواية عن مولانا الإمام الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ). (1)
7- الّذين يبلغون درجة كبيرة من العلم واليقين والشهود تكون مسؤوليتهم أعظم؛ ويكون عقابهم أشدّ فيما إن لم يفوا ويتحمّلوا مسؤولياتهم (فَمَن يَكْفُرْ بَعدُ مِنكُمْ) أمّا من كان دونهم في الدّرجة؛ فيكونون بعيدين عن غضب الرّبّ العزيز..
8 - من له طموح أكبر؛ وطلب مائدة من الشماء عليه الالتزام والتحلي بالمواقف المناسبة لطموحه وطلبه (مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ.. عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا).
9- للمفسرين في تفسير المقطع الأخير من الآية آراء متعدّدة، نذكر منها ثلاثة:
الأوّل : أنّ المراد من مفردة (الْعَالَمِينَ) النّاس المعاصرون لزمن نزول المائدة الّذين يكفرون بهذه النعمة، حتّى أنه سبحانه قد مسخهم قردة وخنازير.
الثّاني: ولكنّ بعض العذاب عذاب استأصل الكافرين..
الثّالث: وقال آخرون أنّ المراد هو نوع عذاب لم يعذب به أحد من النّاس، لأنّهم رأوا
1) مجمع البیان، ج 3، ص 409.
المائدة المعجزة - وهي النّعمة المنزلة لغرض الهداية وإيقاظ النّاس - واختاروا الكفر والكفران، فاستحقوا عذاباً خاصّاً بهم، كما كان نزول المائدة خاصّاً بهم..
وَإِذْ قَالَ اللّه يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّه قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقِّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ، فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِى وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116)
1- هذه الآية تطرقت إلى حديث اللّه تعالى مع عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) في يوم القيامة، لأنّ يوم القيامة سينفع الصّادقين صدقهم فيه ولأنّ عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) أجاب ربّه بالقول: حيث كنت فيهم ومعهم كنت شاهداً على أعمالهم ولم أقل لهم ولم أدعهم إلى شيء من الكفر والشّرك بك سبحانك، وبعد أن اخترتني إلى جوارك كنت أنت الرقيب عليهم ول علم لي بما فعلوا بعدي، وإنك أنت علّام الغيوب..
2 - تضمّن جواب عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) إجلالاً وتقديساً خاصاً لربّه المتعال الّذي سأله بالقول: (يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ وَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ..؟) فأدلى عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأربع إجابات:
الإجابة الأولى: أنه نطق بتسبيح اللّه وتنزيهه عن كلّ شريك وشبيه (قَالَ سُبْحَانَكَ).
وفي هذا الصدد ثلاثة آراء:
الرّأي الأول: قال بعض : إنّ المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال لربّه : سبحانك؛ فأنت منزّه عن أن يكون لك شبيه وشريك ووزير وولد..
الرأي الثّاني: ولكن آخرين ذهبوا إلى أن المراد أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : إنّي يا ربّ أنزهك وأبرأ إليك ممّن أشرك بك!
الرّأي الثّالث: أنّ مقصود عيسى الا القول ياربّ! أنت أقدس من أن تبعث رسولاً فيكفر بنعمائك، وبدلاً من أن يدعو إلى وحدانيتك وأحديّتك؛ يحملهم على عبادة نفسه.. وبهذا يكون هذا النّبي العظيم قد سبّح ربّه بالعدل والتوحيد ثم تبرّأ من دعاوى الكفر والبدع والأكاذيب..
الإجابة الثّانية: (مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقِّ) فهو لم ينف هذا القول عن نفسه فحسب، وإنّما نفى الحقّ له أن يقول ذلك / إذ لا يتناسب هذا ومقامه النّبوي أبداً.. مضافاً إلى كونه مجرّد عبد من العبيد اللّه تعالى، فكيف يتسنّى له أن يدعوهم لعبادة نفسه مع إيمانه المطلق بأنّ الرّبّ فقط هو الجدير بالعبادة؛ فهو خالق الوجود ومدبر أمور العالم وكلّ النّعم صادرة عنه سبحانه..
الإجابة الثّالثة: بعد الاستناد إلى العلم الإلهيّ اللامتناهي.. قال عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) (إِن كُنتُ قُلْتُهُ، فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِى وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) واستعمال كلمة (نفس) ورد من حيث التطابق وجمالية الأسلوب في الآية، ومعلوم أنه تعالى منزّه عن أن تكون له نفس أو قلب يمكن أن يتصوّرا، وبقيّة الآية تؤكد هذا الأمر.
الإجابة الرّابعة : استند عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) على أصل العلم الإلهيّ المطلق (إِنَّكَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ).
3 - قوله تعالى لعيسى (أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ..) ليشير إلى أهم الحجج الّتي يستخدمها النّصارى في عبارة عيسى وأمه من دون اللّه، ومنها ولادته من مريم بلا أب، ولذا قال سبحانه (اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ) ولم يقل اتّخذوني ومريم!!
4- مع أنّ النّصارى لا يعبدون مريم في الوقت الحاضر، ولكن لأن فريقاً منهم كانوا يؤمنون بإلوهيتها، أو لأنّ العبادة عند تماثلها بمنزلة عبادتها، فقد عبّر عنها بلفظ (إله) (اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ).
5- كلمة (دُونِ اللّه) علامة الشرك لا لنفي الإله، أي: اتّخاذ عيسى ومريم معبودين بالإضافة
إلى اللّه يعتبر شركاً، وإنّ التّثليث الفعلي للنصارى هو اعتبار الأب والابن وروح القدس إلهاً أو آلهة طبعاً، بمعنى أنّ النّصارى يذهبون إلى أنّ اللّه شريكين، لا كونهما إلها واحداً مع نفي الألوهية عن الرّبّ، إذ الاعتقاد بالمعبود والإله هو غير القول بالإلوهية، وإن كان لازم اتخاذ الإله إقرار بإلوهيته، واتّخاذ المعبود يصدق حين يصير موضعاً للخضوع والعبادة، كما أنّ اللّه يقول (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ)؟
6- يذهب النّصارى إلى أنّ مريم، ذات سلطة غيبية، ويمكن أن تكون في الدنيا والآخرة عبر ابنها واسطة نفع أو ضرر.. وإن فرقة البروتستانت هي الفرقة الوحيدة من النّصارى الّتي تنكر ألوهية عيسى وأمّه، هذه الفرقة قد ظهرت وبعد عدّة قرون من ظهور الإسلام..
7 - قول عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) (إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) دفع للتوهّم بأنّ علم اللّه تعالى منحصر بينه وبين عبده عيسى المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وذلك لأنّ جميع الأشياء وكلّ الغيب حاضر عند اللّه تعالى دون المسيح، وله الإحاطة المطلقة بها.. وأنّ العلم الّذي يعطيه اللّه لغيره هو أن تتعلّق مشيئة الرّبّ المتعال في أن يحيط ذلك الشخص المعطى بأمور غيبية، دون أن يخرج هذا العلم عن مالكية اللّه سبحانه (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ).
مَا قُلْتُ هُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللّه رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كلّ شَيْ ءٍ شَهِيدٌ (117)
1- بعد أن نفى النّبي عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن نفسه السبب في انحراف من يدعون إتباعه عن مسار التوحيد قال (مَا قُلْتُ هُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللّه رَبِّي وَرَبَّكُمْ).
2 - وأنّني حيث كنت أراقب عقيدتهم وأشهد على أعمالهم، فلم أسمح لهم بالانحراف إلى جادة الشرك، ولما توفيتني - يارب كنت أنت من يراقبهم (وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ وَأَنتَ عَلَى كلّ شَيْ ءٍ شَهِيدٌ).
3- بناء على مذهبنا في حياة عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أو مماته حسب مذهب النّصارى؛ فإنّ مدّة رسالته قد انتهت والآية تعني أنّ وظيفة عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) خلال وجوده بين النّاس كانت منحصرة في إبلاغ الرّسالة والشّهادة على سلوك أمته. وكلمة (تَوَفَّيْتَنِي) تعني حين انتهاء فترة رسالّتي.. كنت يا ربّ رقيباً عليهم إذ أنّك على كلّ شهيد، وأنّ علمك محيط بكل الخلائق، وإنّني بريء من أن أكون دعوت النّاس إلى عبادتي وأمّي..
5 - لا شكّ في أنّ جملة (وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) أنّ للأنبياء العظام (عَلَيهِم السَّلَامُ) الوظيفتين إلهيّتين:
الأولى: إبلاغ الرّسالة والدّعوة إلى عبادة اللّه الواحد الأحد.
الثّانية : الشّهادة على سلوك أممهم، ولأن الأئمة المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ) يعتقون بعض العباد بإذن الرّبّ العلّام باعتباره سبحانه المدبّر الأصل لجميع الأمور، من قبيل الرزق والإحياء
والإماتة والحفظ ودعوة العباد وهدايتهم. وعبارة (كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ) تفيد الحصر، ولازمها أنّ اللّه تعالى في أيّام عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) ووجوده بين النّاس، وما بعدها هو الرّقيب والشّاهد والشّهيد بمعنى أنّ النّبي إذا كان شهيداً على أمّته؛ فذلك لم يكن على سبيل الاستقلال وإنّما هو واسطة في الشّهادة؛ كما هو الأمر في سائر أشكال التدبّر الإلهيّ..
7- من مجمل الآية يفهم أنّ عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) مبرّأ من جميع الأقاويل والافتراءات الّتي نسبها أتباعه إليه، فهو غير مسئول عما ارتكبته الجماعات الّتي تدعي الانتساب إليه جملة وتفصيلاً.
إِن تُعَذِّبهُم فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)
1- بعد أن أقام النّبي عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحجّة البالغة وأدّى وظيفته في إبلاغ الرّسالة وإقامة الشهادة في أيّام وجوده بينهم ممّا يبرئه من قول الباطل فيه.. قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) المناجياً ربه المتعال: أنت يا ربّ ذو المجد والعظمة والقدرة والعزّة والحكمة.. وأنت ذو الإرادة في تعذيب الّذين أشركوا بك (إِن تُعَذِّبهُم فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فلك يا ربّ بما أنك العزيز الحكيم أن تعفو عنهم، ولا اعتراض على عزيز حكمك وحكمة عزتك فيهم..
2 - هكذا عرّف عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) نفسه في محضر اللّه تعالى باعتباره عبداً خاضعاً خاشعاً، ولا يد له في تعذيب النّاس العصاة أو العفو عنهم.
3- لأنّ عذاب اللّه وعفوه يحصلان على أساس العزّة، والحكمة، وبدليل صراحة الآية الشّريفة الثّامنة والأربعين من سورة النساء (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) وكلمة (الحكيم) الواردة في آخر هذه الآية، تبيّنان أنّ جملة (إِن تَغْفِرْ لَهُمْ) تذهب إلى أن المغفرة تشمل ما هو أدنى من الشرك، أو أن تكون المغفرة للشرك الّذي أتبعته التوبة قبل الموت والتّعويض عن ذلك الانحراف.. وبهذا؛ يكون شرط الغفران الإلهىّ: توبة الفرد قبل الموت.. وإن لم ترد الإشارة إلى هذه الحقيقة في الآية الكريمة.
قَالَ اللّه هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللّه عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119)
1- تتمّة لحديث اللّه تعالى مع النّبي عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) في يوم القيامة وقد مرّ تفصيله في الآيات الماضية، نقرأ في هذه الآية قوله سبحانه لدى وصفه القيامة (هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) وتأكيداً وتصديقاً لأقوال نبيّه الجليل هذا بصيغة الكناية إذ لا حاجة للتصريح مع وجود القرينة المقالي.
2 - المقصود بالجنّة الّتي ستكون ثواباً للصّادقين على صدقهم أنّ على الإنسان خلال فترة حياته الدّنيويّة وقبل موته أن يكون صادقاً في أقواله وأفعاله ومواقفه، لينتفع من صدقه هذا في دار آخرته، وإلا فإنّ الصدق في الآخرة - وهي يوم الحساب دون العمل - لن يجدي نفعاً، إذ لا تكليف في يوم القيامة، بالإضافة إلى أنّ لدى المحضر الإلهيّ في يوم القيامة وهلع الإنسان وخوفه من العذاب، وشهادة صحيفة الأعمال؛ صغيرها وكبيرها، وحتى شهادة أعضاء الإنسان على صاحبها - بنص القرآن المجيد - لن يكون بوسع ابن آدم أن يقول غير الصدق، حتّى أن أعتى المجرمين سيقرّون بجرائمهم، وعليه؛ فلا كاذب في القيامة أساساً..
3- هذه الآية الشّريفة تؤكد أنه سبحانه وتعالى سيرضى عن صدق الصّادقين في يوم القيامة، وذلك سيرضى عن الصّادقين أنفسهم، وإنّما يتوجّه رضوان اللّه لأحد ما حين يتحقق فيه الهدف من خلقته، والغرض من الخلقة كما في الآية 56 / الذّاريات: (وما خلقت الجنّ
والإنس إلا ليعبدون) وعليه؛ فالصّادقون هم الّذين أحرزوا مقام العبوديّة الّذي ارتضاه لهم ربّهم؛ ولم يلتفتوا إلى غيره، وإن لازم هذا الأمر طهارة أنفس هؤلاء من جميع مراتب الكفر والفسق.. وفي مثل هكذا مقام يعرف العبد أنّ ما أولاه اللّه من فضل؛ إنّما هو من نعمائه، وأنّ ما منعه عنه؛ فهو بداعي حكمته سبحانه وتعالى (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ) (1)و (َإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (2)والصّادقون بطريق أولى راضون عن ربّهم المتعال،، أثابهم على أعمالهم وأعطاهم ما كانوا يرجون (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) (3)وبديهيّ أنّ الإنسان إذا نال ما أراد، رضي وقنع، وهذا منتهى درجات السعادة الإنسانيّة من جهة عبوديته.
4 - يمكن تصوّر جميع الصالحات تحت عنوان الصدق في القول والصدق في العمل، والصّدق هو الرأسمال الوحيد الّذي سيكون نافعاً في يوم الحشر.
من قوله تعالى (يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) يفهم أنّ الّذين قاموا بمسئولياتهم في أداء رسالتهم لم يطووا غير طريق الصدق، كما المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأتباعه الأبرار وأتباع الأنبياء الصّالحين الّذين دخلوا دار الدنيا من باب الصدق وانتفعوا من أعمالهم بما ينجيهم ويرفع من شأنهم في القيامة.
6- بعد ذكر الجنّات بكل نعيمها في هذه الآية، وجدناها تشير إلى تبادل الرّضا بين يديّ اللّه وعباده الصّادقين (رَضِيَ اللّه عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) وتبعاً لذلك؛ قالت الآية: (ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) ممّا يشير إلى طبيعة هذا الرّضا الثّنائيّ المتبادل، وإلى مدى أهميّته، إذ من الممكن أن يتمتّع بأرقى النّعم، ولكنّه إذا علم بأنّ مولاه ومعبودة ومحبوبة غير راض عنه شعر بمرارة تلكم النّعم وكذلك من الممكن أن يكون المتمتّع بكل شيء والمالك للنّعم غير قانع بها لأنه لا يشعر
بالرّاحة والسعادة معها، بل يعيش القلق والرّيبة وغياب الهدوء والسكينة [أعظم موهبة إلهية ] مضافاً إلى أنّ اللّه تعالى إذا أسعد إنساناً ما أعطاه ما أراد، وإذا أعطاه ما أراد شعر بالسّعادة، وعليه؛ فإنّ أسمى نعمة تعطى للإنسان؛ أن يرضى ربه عنه ويرضى عن ربه.
قوله تعالى (رَضِيَ اللّه عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) يبيّن أنّ أهم نعمة وتوفيق إلهيين أن يرضى اللّه تعالى عن عبده، إذ بذلك تضمن سعادة الدّارين.. وهذا الواقع يفوق بما لا يحصى جميع النّعم الماديّة، ولا ريب في أنّ هذه الموهبة العظيمة الجامعة للمواهب الماديّة والمعنويّة تعتبر مصداق الفوز العظيم (ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).
لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كلّ شَيْءٍ قَدِيرُ (120)
1- العبادة جديرة بمن يملك القدرة المطلقة وله ترجع تقاليد الأمور وسلطة الوجود، وليس غیره؛ وإن كان نبيّاً رسولاً (لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
2 - في آخر آية من هذه السّورة المباركة، ولأنّ هدفها كان دفع العباد إلى العبادة والوفاء بما أخذ اللّه عليهم من عهد وميثاق باعتباره مالك جميع المخلوقات، ولهذا؛ وجدناه سبحانه وبالإشارة إلى مالكيته وحكومته على السّماوات والأرض وما فيهنّ لإرادته في أن يفهمنا أنّ العبد لا يبقى لديه - مع مالكية اللّه المطلقة لكلّ شيء - إلّا العبوديّة والطّاعة الكاملة لهذا المالك المطلق فيما أمر ونهي، مضافاً إلى ما يجب على العبد من الوفاء بالعهد والميثاق ألي أخذه عليه.
3 - (مُلْكُ) عبارة عن التسلّط الخاص المميّز والقدرة التّامة المطلقة اللّه تعالى على نظام الوجود؛ الموجود بين الخلائق جميعاً.. وأثر هذه الملكيّة تتجلّى في وجود وإثبات إرادة المالك بما له سلطة فيه وعليه.. وإذا كانت قدرة المالك على مملوكه تامة ومطلقة في كلّ شيء، كان ملكه مطلقاً أيضاً ولا تتقيّد بقيد وحالة أبداً، فهو القادر على كلّ الأمور.. وبهذه العبارة الدالة على الملك المطلق للرّبّ تنتهي سورة المائدة المباركة، وعلامتها بهدف السّورة واضح، إذ دعت السّورة في مطلعها المؤمنين إلى الوفاء بالعهد والميثاق، وفي آخرها حيث أثبتت مالكية اللّه المطلقة؛ لوّحت بلزوم عبادة وإطاعة هذا المالك المطلق..
4 - إنّ اللّه ذو القدرة الخلّاقة المبدعة للأشياء، وعلى أساس تقديره الحكيم يلبس الجميع رداء الموت، ثمّ يحيي الموتى بعد موتهم، فهل لأحد أن يعمل عملاً إلا وفقاً لتقدير اللّه الحكيم؟ (وَهُوَ عَلَى كلّ شَيْءٍ قَدِيرُ).
5 - وردت كلمة الشماء بصيغة الجمع، والأرض بصيغة المفرد لتتجلّى عظمة السّماوات (لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.. وَهُوَ عَلَى كلّ شَيْءٍ قَدِيرُ).
6- القدرة الإلهيّة الّتي لا توصف ولا تحصى ذكرت بأنها محيطة بكلّ شيء يمكن أن يتصوّر عقلاً، وإيراد هذه الجملة بمثابة الدليل والسّبب في رضا اللّه تعالى عن عباده، إذ القادر على كلّ شيء والحاكم على كلّ الوجود؛ له القدرة على الاستجابة لطلبات العباد والرّضا عنهم أيضاً. كما يمكن أن تكون إشارة إلى خطأ عقيدة وعمل النّصارى في عبادة مريم، لأنّ العبادة لا تكون جديرة إلّا للمتحكّم على الإطلاق في عالم الوجود، أمّا عيسى ومريم ؛ فلم يكونا سوى عبدين من العباد (ر).
انتهى الأربعاء /13 جمادى الأولى/ 1439 ه-.ق
الموضوعات
ابتغاء مرضات اللّه 175
الإبتلاء، 356
ابن اللّه، 94
الإثم، 19، 26، 75، 125، 224، 264، 266، 391،389،275
الأجر، 45، 70
احباء اللّه، 94
الأحبار، 205، 266
الإحرام، 12، 359
الإحسان، 75، 80، 334، 353
احياء جميع النّاس، 164
الأخ، 112
الإختلاف، 218
اذن اللّه، 89
أربعين سنة، 115
الإرتداد، 102، 237، 263
الأرض المقدسة، 102
الأرض، 91، 94، 130، 182، 365، 424
الأزلام، 26، 343
الإستحقاق، 391
الإستغفار، 312
الإستهزاء، 254، 256
الإستواء، 371
الإسراف، 164
الأسف، 115
الإسلام، 205
اسم اللّه، 41
أشد النّاس عداوة، 325
الإصابة، 234
أصحاب الجحيم، 71، 335
أصحاب النار، 125
الإصلاح، 191
الإطاعة، 351، 60
اطفاء النار، 270
الإطمينان 408
الإظهار، 370
الإفتراء، 380
الإفك، 313
الإقتصاد، 276
أقرب النّاس مودة، 325
أكل السّحت، 200، 264، 266
الأكل، 276، 313، 339، 408
إكمال الدّين، 26
الإكمال 26
الإثم، 94
الهداية، 89
إمامة أميرالمؤمنين، 26
الإمامة، 252، 278
الإمامة، 26
أمة واحدة، 218
الأمر، 418
إمير المؤمنين، 278
الإنباء، 218، 261، 384
الإنتقام، 259، 359
الإنجيل، 212، 215، 254، 259، 276، 297، 398
الإنذار، 97
الأنف، 208
الإنقلاب، 102
الأنهار، 334، 421، 75
اهل الكتاب، 259، 275، 297، 316، 45، 97،87
إولي الألباب، 371
الآية، 313، 71
الأيدي، 73
الإيمان، 12، 53، 70 73، 75،
106
الإيمان، 175، 197، 203، 236، 237، 254، 323، 331، 332، 338، 339، 340، 343، 353، 374، 384، 389، 403، 405
الأيمان، 45
الباب، 106
البحر، 363
البحيرة، 380
البر، 19
بسط اليد 123
البسط، 270، 73
البشارة، 97
البشر، 94
البصيرة، 304
البعث، 130، 75
البغض، 84
البغضاء، 270، 347
البلاغ، 351، 370
البلاغة، 278
بني اسرائيل 102، 104، 109، 164، 302، 306، 318، 75
بهيمة الأنعام، 12
البيت الحرام 19، 365
بئس الصنع، 266
البيعة، 278
البينة، 164
التّثليث، 308
التحرير، 340
تحريف الكلم عن مواضعه 197
التحريف، 297، 80
التحريم، 115، 338
التذكية، 26
التسبيح، 415
تطهير القلوب، 197
التعاون، 19
التعدي 318، 338، 356، 391
تفيض من الدمع، 331
التقرب، 118
التقوى،،118، 123، 175، 19، 41، 60، 64، 73، 212، 254، 275، 339، 353، 363، 371، 393، 405
التكذيب، 302
التنزيل، 323، 412
التوالي، 252
التوبة، 173، 191، 304، 312
التورات، 102، 203، 205، 212، 254، 259، 276، 297
التوكل، 73، 106
التّيمّم، 53
التيه، 115
ثالث ثلاثة، 308
الجبابرة، 104
الجحيم، 335، 71
الجرح، 208
جزاء الإحسان، 334
جعفر بن أبي طالب، 331
الجنابة، 53
جنات النعيم، 275
الجنة، 306، 334، 421، 75
الجهاد، 175، 237
الحام، 380
الحبشة، 331
الحبط، 236، 45
الحذر، 351
الحرام، 26، 41، 45، 338
الحرب، 169، 270
الحرج، 53
الحرمة، 306
حزب اللّه، 252
الحزن، 197
الحزن، 300
الحساب، 41
الحسد، 127، 130
الحشر، 363
الحقّ، 316، 331، 332، 415
حكم الجاهليّة، 228
الحكم بما أنزل اللّه، 224
الحكم، 215، 228
الحكمة، 420
الحلال، 26، 338، 339، 41، 45
الحلف، 340
الحلم، 374
الحواريون، 405، 403
الحيرة، 115
الخبيث، 371
الخروج من النار، 184
الخزي، 169، 197
الخسران، 127، 236، 45، 102،
الخشية، 205، 234، 26
خلافة الرسول، 26
الخلق، 91
الخلود، 321، 334
الخلود، 421
الخمر، 343، 347
الخنزير، 261
الخوف، 123، 237، 300، 356، 393، 87، 106
الخيانة، 80
الخيرات، 218
خير الرازقين، 410
داوود، 318
الدخول الى المصر، 109
الدعاء، 112
الدفن، 130
الدم، 26
الدمع، 331
ذات الصدور، 60
الذكر، 347، 60، 73، 84
الذلة، 237
الذنب، 224، 94
الربانيون، 205
الرجس، 343
الرجوع إلى اللّه، 384
الرحمة، 173، 191، 26، 312، 369
الرزق، 339، 410
الرسالة، 164، 278، 302، 313، 395
الرسل، 97
الرسول، 302، 351، 370، 75، 100
الرضاية، 421
الرضوان، 89
الرقبة، 340
الرقيب، 418
الركوع، 241
الرمح، 356
الرهبان، 266، 325
روح القدس، 398
الزكوة، 241، 75
الزواج، 45
السارق، 185
السارقة، 185
السبع، 26
سبل السلام، 89
سبیل اللّه، 175 اللّه، 237
السبيل، 261، 316، 75
السحت، 264، 266
السخط، 321
السرعة إلى الإثم، 264
السعى في فساد الأرض، 169
السفر، 53
السماء، 405، 410
سماعون للكذب، 197للكذب، 200
السماوات، 365، 424، 91، 94
السمع، 315، 393، 60
السوء، 374
سواء السبيل، 316
السؤال، 374، 378
السيارة، 363
السيئة، 275، 75
شديد العقاب، 369
الشر، 261
الشرعة، 218
الشرك، 306، 325
الشعائر الإلهيّة، 19
شعائراللّه، 19
الشكر، 340، 53
الشنيئة، 64
الشهادة، 205، 331، 389، 389، 391، 393، 403، 408، 418، ، 418، 64
الشهر الحرام، 19، 365
الشيطان، 343، 347
الصابئة، 300
الصالحون، 332
الصد عن المسجد الحرام، 19
الصد عن ذكر اللّه، 347
الصدق، 212، 218، 313، 408، 421
الصدقة، 208، 241
الصراط المستقيم، 89
الصعيد، 53 الصفح، 80
الصلب، 169
الصلوة، 241، 256، 347، 389، 53، 75
الصمّ، 304
الصنع، 266، 84
الصنم، 26
الصوم، 340، 359
صيام ثلاثة أيام، 340
صيد البحر، 363
صيد البرّ، 363
الصيد، 12، 19، 356، 359
الضر، 315، 200، 384
الضلالة، 261، 316، 75
الطاغوت، 261
الطعام، 340، 359، 363، 45
الطغيان، 270، 297
الطمع، 332
الطيب، 339، 371
الطيبات، 338، 41، 45
الظّلم، 125، 191، 208، 231، 306، 391
الظّلمة، 89
العالم، 412
العبادة، 418، 420
العبد، 418، 420
العبوديّة، 261، 315
العجز، 130
العداوة، 264، 270، 325، 347، 84
العدل، 64
العدلين، 359، 389
العدوان، 19
عذاب الأخرة، 169 الأخرة، 197
عذاب الدنيا، 169
عذاب اللّه، 182
عذاب أليم، 182، 308، 356
عذاب مقيم 184
العذاب، 193، 308، 321، 356، 369، 412، 420، 94
العزة، 237، 359، 420
العصمة، 278
العصيان 318
العطام، 313
العفو، 359، 374، 80، 87
العقل، 256، 371، 380
علام الغيب، 415، 395
العلم، 193، 237 العلم، 304، 315، 365، 370، 382، 395، 415
علي بن أبي طالب، 241، 278
عمرو بن عاص، 331
العمل السيء، 319
العمل الصالح، 300 الصالح، 353 الصالح، 70
العمل، 264، 276، 384، 64
العمى، 304
العيد، 410
عیسی بن مریم 212، 306، 313، 318، 398، 405، 410، 415، 91
العين، 208
الغائط، 53
الغدير 26، 278
الغراب، 130
الغسل، 53
الغضب، 261
الغفران، 173، 191، 26، 70، 369، 374، 420
الغلبة، 252
الغيب، 356، 395
غير محلى الصيد 12
الفتح، 234
الفترة، 97
الفدية، 182
الفراق 112
الفساد، 164، 270
الفسق، 112، 115، 215، 224، 259، 26، 323، 393
فضل اللّه، 237
الفعل، 319
الفلاح، 175، 343، 371
الفوز العظيم، 421
قابیل، 118، 123، 127
القبول، 118
القبول، 182
القتال، 109
قتل جميع النّاس 164
القتل، 118، 123، 127، 164، 169، 302
القدرة، 173، 193، 424، 91، 97
القرآن، 218، 331، 374، 87
القربان، 118
الفتنة، 197، 304
القردة، 261
القرض، 75
القساوة، 80
القسط، 200، 64
القسم، 236، 340، 391، 393
قسيس 325
القصاص، 208
قطع الأيدي والأرجل من خلاف، 169
قطع اليد، 185
القلائد، 19، 365
القلب، 197، 234، 408، 80
قوامين اللّه، 64
القول، 236
قوم الظالمين، 231
القوم الفاسقون، 115
القيام اللّه، 64
القيام، 365
القيامة، 300
الكبر، 325
كتاب اللّه، 102
کتاب مبین، 87
الكتاب، 218، 254، 398، 45
الكتابة، 331
كتمان الشهادة، 389
الكتمان، 263، 370
الكذب، 335، 380، 71
الكسوة، 340
الكعبة، 359، 365
الكفارة، 208، 275، 340، 359، 75
الكفر، 182، 197، 203، 205، 237، 254، 26، 45، 71، 75، 91، 263، 270ف 278، 297، 306، 308، 321، 335، 378، 380، 412
الكلب، 41
لحم الخنزير، 26
اللعب، 254، 256
اللعن، 270، 318
اللعنة، 261، 80
اللغو، 340
اللومة، 237
ما أكل السبع، 26
ما أنزل اللّه، 215، 382
مالک السماوات والأرض، 193
المائدة، 405، 410
المتجانف، 26
المتردية، 26
المتعة، 45
المثوبة، 261
المحبة، 200، 237، 338
المحرم، 12، 363
المحصنات، 45
المذكى، 26
المرض، 234
المرضى، 53
مریم بنت عمران 91
مریم، 415،398،313
المس، 308، 53
المسجد الحرام، 19
المسح، 53
المسكين، 340، 359
المسيح، 306، 313، 91
المصر، 104
المصيبة، 389
المغفرة، 193، 312، 94
المغلولة، 270
المنافق، 263
المنخفقة، 26
المنهاج، 218
المهاجرة، 331
المهد، 398
الموت، 389، 418
المودة، 325
موسی، 100، 104
الموعظة، 212
الموقوذة، 26
المؤمنين، 300
الميتة، 26
الميثاق، 302، 60، 75، 84،80
الميسر، 343، 347
النار، 125، 270، 306
النّاس، 365
النّبوّة، 205، 323
النّبي، 100، 302
النّجاشيّ، 331
النداء، 256
الندامة، 130، 234
النزول، 259، 374، 382
النسيان، 84
النّصارى، 231
النّصارى، 259، 275، 300، 313، 316، 318، 325، 84، 87، 94، 97
النصب، 26، 343
النصر، 306
النطيحة، 26
نعمة اللّه، 60، 73، 100
النعمة، 106، 398
النفاق، 263
النفس، 208، 234، 384
النفع، 315، 421
نفي البلد، 169
النّقاط المستفادة من الآية اليهود، 300
النكال، 185
النهي عن المنكر، 319
النهي، 347
النور، 205، 212
النور، 87، 89
هابیل، 118، 123، 127
الهجرة، 331
الهداية،205، 205، 212، 231، 382، 89،393،384
الهدى، 19، 365
الهلاكة، 91
الهوى، 218، 224، 302، 316
الهين، 415
الوحدانية، 308
الوحي، 403
الوسعة، 237
الوسيلة، 175
الوصية، 389، 380
الوضوء، 53
الوعدة، 70
الوفاء بالعقد، 12
الوفاء بالعهد، 12
الوفاة، 418
الولاية الإلهيّة، 241
الولاية، 241، 252، 351
ولدی آدم، 118، 123
الولي، 231، 254، 323
الى اللّه المصير، 94
بد اللّه، 270
اليقين، 228
اليمین، 340، 391، 393
اليهود، 231، 259، 264، 266، 270، 275، 316، 325، 87، 97، 100، 102
اليوم الآخر، 300
يوم القيامة، 182، 270، 84
تفسير سورة المائدة...5
إطلالة على سورة المائدة:...7
اسم هذه السّورة:...7
نزول السّورة :...7
عدد آياتها ومفرداتها:...7
ثواب تلاوة السّورة:...8
في رحاب مفاهيم هذه السّورة التربوية:...9
الآية 1...11
المقدمة الأولى:...11
المقدمة الثّانية:...11
النّقاط المستفادة من الآية : الايمان الوفاء بالعهد، الوفاء بالعقد، بهيمة الأنعام، غير محلى الصيد، الصيد، المُحرم، الإحرام...12
الآية 2 ...19
النّقاط المستفادة من الآية: الشهر الحرام، شعائر اللّه، الهدى، القلائد، البيت الحرام، الصيد، الصد عن المسجد الحرام، المسجد الحرام، التعاون، البر، التقوى الإثم، العدوان، الشعائر الإلهيّة...19
ما هي الشعائر الإلهيّة؟...20
روايات وأحاديث في موضوع التّعاون:...23
الآية 3 ...24
خلاصة لبعض مفاهيم الآية:...24
النّقاط المستفادة من الآي:ة الميتة، الدم، لحم الخنزير، الحلال الحرام، المنخفقة، الموقوذة، المتردية، النطيحة، السبع، ما أكل السبع، التذكية، المذكّى، النصب الصنم، الأزلام الفسق، الكفر، الخشية
الإكمال، إكمال الدّين، إمامة أمير المؤمنين، الغدير الإمامة، خلافة الرسول، الإثم، المتجانف، الغفران، الرحمة...26
الآية 4 ...41
شأن نزول الآية: ...41
النّقاط المستفادة من الآية: الحلال، الحرام، الطيبات، الكلب، اسم اللّه، التقوى، الحساب...41
الآية 5 ...45
النّقاط المستفادة من الآية: الطيبات، الحلال، الحرام، الكتاب، اهل الكتاب، الطعام، المحصنات، الاجر، الزواج، المتعة، الأيمان، الكفر، الحبط، الخسران...45
الآية 6 ...53
النّقاط المستفادة من الآية: الإيمان، الصلوة، الوضوء، المسح، الجنابة، الغسل، المرضى، السفر، الغائط، المسّ، التّيمّم، الصعيد، الحرج، الشكر...53
الآية 7 ...60
النّقاط المستفادة من الآية: نعمة اللّه، الذكر، الميثاق، السمع، الإطاعة، التقوى، ذات الصدور...60
الآية 8 ...64
النّقاط المستفادة من الآية: قوامين اللّه القيام اللّه، القسط الشهادة، الشنيئة، العدل التقوى، العمل...64
الآية 9 ...70
النّقاط المستفادة من الآية الوعدة، الإيمان، العمل الصالح، الغفران الأجر...70
الآية 10 ...71
النّقاط المستفادة من الآية: الكفر، الكذب، الآية، الجحيم، أصحاب الجحيم...71
الآية 11 ...73
النّقاط المستفادة من الآية: الذكر، نعمة اللّه البسط، الأيدي، التقوى، التوكل الإيمان...73
الآية 12 ...75
النّقاط المستفادة من الآية: الميثاق، بني إسرائيل، البعث الصلوة الزكوة، الإيمان، الرسول، القرض الإحسان، الكفارة، السيئة، الإثم، الجنة، الانهار، الكفر، الضلالة، السبيل...75
الآية 13...80
النّقاط المستفادة من الآية: الميثاق، اللعنة، القساوة، القلب، التحريف، الخيانة، العفو، الصفح، الإحسان...80
الآية 14... 84
النّقاط المستفادة من الآية: النّصارى، الميثاق، النسيان، الذكر، العداوة، البغض، يوم القيامة، الصنع ...84
الآية 15 ...87
النّقاط المستفادة من الآية: اهل الكتاب، النّصارى، اليهود، الخوف، العفو، النور، القرآن، كتاب مبين...87
الآية 16 ...89
النّقاط المستفادة من الآية: الهداية، الرضوان، سبل السلام، الظّلمة، النور، اذن اللّه، الهداية، الصراط المستقيم...89
الآية 17...91
النّقاط المستفادة من الآية: الكفر، المسيح، عيسى بن مريم، الهلاكة، مریم بنت عمران، السماوات، الارض، الخلق، القدرة...91
الآية 18 ...94
النّقاط المستفادة من الآية: اليهود النصاری، ابن اللّه، احباء اللّه، العذاب الذنب، الإثم البشر، المغفرة، السماوات، الأرض، الى اللّه المصير ...94
الآية 19 ...97
النّقاط المستفادة من الآية: اهل الكتاب، اليهود النّصارى، الفترة الرسل البشارة، الإنذار القدرة...97
الآية 20 ...100
النّقاط المستفادة من الآية: موسى، اليهود، نعمة اللّه النّبي، الرسول... 100
الآية 21 ...102
النّقاط المستفادة من الآية: اليهود، الأرض المقدسة، الإرتداد، الإنقلاب، الخسران، کتاب اللّه، التورات، بني اسرائيل...102
الآية 22 ...104
النّقاط المستفادة من الآية: موسى، بني إسرائيل، الجبابرة، المصر... 104
الآية 23 ...106
النّقاط المستفادة من الآية: الخوف، النعمة، الباب، التوكل، الإيمان...106
الآية 24 ...108
مقدمة : ...108
في سبب الحكم على بني إسرائيل بتيه الصحراء في أربعين سنة !؟...108
النّقاط المستفادة من الآية: الدخول الى المصر، القتال، بني إسرائيل...109
الآية 25 ...112
النّقاط المستفادة من الآية: الدعاء، الأخ الفسق، الفراق...112
الآية 26 ...115
النّقاط المستفادة من الآية التحريم أربعين سنة، الحيرة، التيه، الأسف، الفسق، القوم الفاسقون...115
الآية 27 ...118
النّقاط المستفادة من الآية: ولدى، آدم، التقرب، القربان، هابیل، قابیل، التقوى، القتل، القبول...118
الآية 28 ...123
النّقاط المستفادة من الآية: القتل، بسط اليد، الخوف، التقوى، هابيل، قابيل، ولدَى آدم...123
الآية 29 ...125
النّقاط المستفادة من الآية: الإثم، النار، أصحاب النار، الظّلم...125
الآية 30 ...127
النّقاط المستفادة من الآية: القتل، هابيل، قابيل، الخسران، الحسد... 127
الآية 31 ...130
النّقاط المستفادة من الآية: البعث، الغراب، الأرض، الدفن، العجز، الندامة، الحسد...130
بحث في مسألة الحسد: ...134
تعريف نفساني للحسد...134
عوامل نشأة الحسد:...136
مراتب الحسد:...138
من علامات الحسد:...139
أضرار الحسد:...139
الأضرار المعنويّة للحسد:...141
للحسد جذور في الكفر!...142
الحسد من منظار قرآنيّ...143
الحسد في الروايات:...144
علاج الحسد: ...145
روايات شريفة في الحسد:...150
الحسد عبر التاريخ...155
حسد اليهود للإسلام :...156
حسد الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أدى به إلى الاستشهاد!...158
لا بدّ للحسود من عقا...161ب
الآية 32 ...164
النّقاط المستفادة من الآية: بني إسرائيل، القتل، الفساد، احياء جميع النّاس، قتل جميع النّاس، الرسالة، البينة، الإسراف...164
الآية 33 ...169
شأن وعلة نزول الآية:...169
النّقاط المستفادة من الآية: الحرب، السعى في فساد الأرض، القتل، الصلب، قطع الأيدي والأرجل من خلاف، نفي البلد، الخزي، عذاب الدنيا، عذاب الأخرة....169
الآية 34 ...173
النّقاط المستفادة من الآية: التوبة، القدرة، الغفران، الرحمة...173
الآية 35 ...175
النّقاط المستفادة من الآية: الإيمان، التقوى، ابتغاء مرضات اللّه، الوسيلة، الجهاد، سبيل اللّه، الفلاح...175
الآية 36 ...182
النّقاط المستفادة من الآية: الكفر، الارض الفدية، عذاب اللّه يوم القيامة، القبول، عذاب أليم...182
الآية 37 ...184
النّقاط المستفادة من الآية: الخروج من النار، عذاب مقيم... 184
الآية 38 ...185
النّقاط المستفادة من الآية: السارق، السارقة، قطع اليد، النكال... 185
الآية 39 ...191
النّقاط المستفادة من الآية: التوبة، الظّلم، الإصلاح، الغفران، الرحمة...191
الآية 40 ...193
191
النّقاط المستفادة من الآية: مالك السماوات والأرض، العذاب، المغفرة، القدرة، العلم...193
الآية 41 ...195
شأن النزول: ...195
193
النّقاط المستفادة من الآية: الحزن، الكفر، الإيمان، القلب، سماعون للكذب، تحريف الكلم عن مواضعه، الفتنة، تطهير القلوب، الخزي، عذاب الأخرة....197
الآية 42 ...200
النّقاط المستفادة من الآية : سمّاعون للكذب، أكل السحت، الضرر، القسط، المحبة...200
الآية 43 ...203
النّقاط المستفادة من الآية : التورات، الإيمان، الكفر...203
الآية 44... 205
النّقاط المستفادة من الآية: التورات، الهداية، النور، النّبوّة، الإسلام، الهداية، الربانيون، الخشية، الكفر، الأحبار، الشهادة...205
الآية 45 ...208
النّقاط المستفادة من الآية: النفس العين الأنف، القصاص، الكفارة، الظّلم، الصدقة، الجرح...208
الآية 46 ...212
النّقاط المستفادة من الآية: عيسى بن مريم، الإنجيل، التورات الهداية، النور، الصدق، الموعظة، التقوى...212
الآية 47 ...215
النّقاط المستفادة من الآية: الحكم، الإنجيل، ما أنزل اللّه، الفسق... 215
الآية 48 ...218
النّقاط المستفادة من الآية: الكتاب، القرآن، الصدق، الهوى، المنهاج، الشرعة، أمة واحدة، الخيرات، الإنباء، الإختلاف...218
الآية 49 ...224
شأن نزول الآية:...224
النّقاط المستفادة من الآية: الهوى، الحكم بما أنزل اللّه، الذنب، الإثم، الفسق...224
الآية 50 ...228
النّقاط المستفادة من الآية: حكم الجاهليّة، اليقين، الحكم...228
الآية 51 ...231
شأن نزول الآية:...231
النّقاط المستفادة من الآية: اليهود، النّصارى، الولي، الهداية، قوم الظالمين، الظّلم ...231
الآية 52 ...234
النّقاط المستفادة من الآية: القلب، المرض، الخشية، الإصابة، الفتح، الندامة، النفس ...234
الآية 53 ...236
النّقاط المستفادة من الآية: القول، القسم، الأيمان، الحبط الخسران...236
الآية 54...237
النّقاط المستفادة من الآية: الإرتداد، المحبة، الذلة، العزة، الكفر، الإيمان، الجهاد، سبيل اللّه، الخوف، اللومة، فضل اللّه، العلم، الوسعة...237
الآية 55 ...240
شأن نزول الآية:...240
النّقاط المستفادة من الآية: الولاية، الصلوة، الزكوة، علي بن أبي طالب، الركوع، الصدقة، الولاية الإلهيّة...241
الآية 56 ...252
النّقاط المستفادة من الآية: حزب اللّه، الغلبة، التوالي، الإمامة، الولاية...252
الآية 57 ...254
شأن نزول الآية:...254
النّقاط المستفادة من الآية: اللعب، الإستهزاء، الكتاب، التورات، الإنجيل، الكفر، الولي، التقوى، الإيمان...254
الآية 58 ...256
شأن نزول الآية:...256
النّقاط المستفادة من الآية: الصلوة، النداء، الإستهزاء اللعب، العقل...256
الآية 59 ...259
شأن نزول الآية:...259
النّقاط المستفادة من الآية: اهل الكتاب، اليهود، النّصارى، الإنتقام،
التورات، الإنجيل، الفسق، النزول...256
الآية 60... 261
النّقاط المستفادة من الآية: الشر، الإنباء، المثوبة، اللعنة، الغضب، القردة، الخنزير، الطاغوت، العبوديّة، السبيل، الضلالة...261
الآية 61 ...263
النّقاط المستفادة من الآية: النفاق، المنافق، الكفر، الكتمان، الإرتداد...263
الآية 62 ...264
النّقاط المستفادة من الآية: السرعة إلى الإثم، الإثم، العداوة، السحت، أكل السحت، العمل، اليهود...264
الآية 63 ...266
النّقاط المستفادة من الآية: الأحبار، الرهبان، الإثم، أكل السحت، السحت، بئس الصنع، الصنع، اليهود...266
الآية 64 ...270
النّقاط المستفادة من الآية: اليهود، يد اللّه المغلولة، اللعن، البسط، الطغيان، الكفر، العداوة، البغضاء، يوم القيامة، النار، الحرب اطفاء النار، الفساد...270
الآية 65 ...275
النّقاط المستفادة من الآية: أهل الكتاب، اليهود، التقوى، النّصارى، الكفارة، السيئة، الإثم، جنات النعيم...275
الآية 66 ...276
النّقاط المستفادة من الآية: التورات، الإنجيل الإقتصاد، العمل، الأكل...276
الآية 67 ...278
شأن نزول الآية:...278
النّقاط المستفادة من الآية: البلاغة، الرسالة، الإمامة، إميرالمؤمنين، علي بن ابي طالب، العصمة، الكفر، الغدير، البيعة...278
خلاصة حادثة الغدير :...292
الآية 68 ...297
شأن نزول الآية:...297
النّقاط المستفادة من الآية: أهل الكتاب، التورات، الإنجيل، التحريف، الطغيان، الكفر...297
الآية 69 ...300
النّقاط المستفادة من الآية: اليهود، المؤمنين، النّصارى، الصابئة، اليوم الآخر، القيامة، العمل الصالح، الخوف، الحزن....300
الآية 70 ...302
النّقاط المستفادة من الآية: الميثاق، بني إسرائيل، الرسالة، الرسول، النّبي، التكذيب، القتل، الهوى...302
الآية 71 ...304
النّقاط المستفادة من الآية: الفتنة، العمى، الصمّ، التوبة، البصيرة، العلم...304
الآية 72 ...306
النّقاط المستفادة من الآية: الكفر، المسيح، عيسى بن مريم، بني إسرائيل، الشرك، الحرمة، الجنة، النار، الظّلم، النصر...306
الآية 73 ...308
التقاط المستفادة من الآية: الكفر، ثالث ثلاثة، التّثليث، الوحدانية، المس، العذاب، عذاب أليم...308
الآية 74 ...312
النّقاط المستفادة من الآية: التوبة، الإستغفار، المغفرة، الرحمة...312
الآية 75 ...313
النّقاط المستفادة من الآية: المسيح، عيسى بن مريم، الرسالة، مريم، الصدق، الأكل، العطام، الآية، الإفك، النصاری...313
الآية 76 ...315
النّقاط المستفادة من الآية: العبوديّة، الضرّ النفع، السمع، العلم...315
الآية 77 ...316
النّقاط المستفادة من الآية: أهل الكتاب، النّصارى، اليهود، الحقّ، الهوى، الضلالة، السبيل، سواء السبيل....316
الآية 78 ...318
النّقاط المستفادة من الآية: اللعن، بني اسرائيل، النصاری، داوود، عیسی بن مريم، العصيان، التعدي...318
الآية 79 ...319
النّقاط المستفادة من الآية: النهي عن المنكر، الفعل، العمل السىء...319
الآية 80 ...321
النّقاط المستفادة من الآية: الكفر، السخط، العذاب، الخلود...321
الآية 81 ...323
النّقاط المستفادة من الآية: الإيمانريا، النّبوّة التنزيل، الولي، الفسق... 323
الآية 82 ...325
النّقاط المستفادة من الآية: اليهود النّصارى، العداوة، المودة، قسيس، الرهبان، الكبر، الشرك، أشد النّاس عداوة، أقرب النّاس مودة...325
الآية 83...327
شأن نزول الآية:...327
النّقاط المستفادة من الآية: القرآن الدمع، تفيض من الدمع، الحقّ، الإيمان، الكتابة، الشهادة النّجاشيّ، الحبشة، جعفر بن أبي طالب ، عمرو بن عاص، الهجرة، المهاجرة...331
الآية 84 ...332
النّقاط المستفادة من الآية: الإيمان، الحقّ، الصالحون، الطمع...332
الآية 85 ...334
النّقاط المستفادة من الآية: الجنة، الأنهار الخلود، الإحسان، جزاء الإحسان...334
الآية 86 ...335
النّقاط المستفادة من الآية: الكفر، الكذب، الجحيم، إصحاب الجحيم...335
الآية 87 ...337
شأن نزول الآية:...337
النّقاط المستفادة من الآية: الإيمان، التحريم، الطيبات، الحلال، الحرام، التعدي، المحبة...338
الآية 88...339
النّقاط المستفادة من الآية: الأكل، الرزق، الحلال، الطيب، التقوى، الإيمان...339
الآية 89 ...340
النّقاط المستفادة من الآية: اللغو، الأيمان، الكفارة، الطعام، المسكين، الكسوة، الرقبة، التحرير، الصوم، صيام ثلاثة أيام، الحلف، اليمين، القسم، الشكر...340
الآية 90...342
شأن نزول الآية:...342
النّقاط المستفادة من الآية: الإيمان، الخمر، الميسر، النصب، الأزلام، الرجس، الشيطان، الفلاح...343
الآية 91 ...347
النّقاط المستفادة من الآية: الشيطان، العداوة، البغضاء، الخمر، الميسر، الصد عن ذكر اللّه، الذكر، الصلوة، النهي...347
الآية 92 ...351
النّقاط المستفادة من الآية: الإطاعة، الرسول الحذر، الولاية، البلاغ... 351
الآية 93 ...353
شأن نزول الآية:...353
النّقاط المستفادة من الآية: الإيمان، العمل الصالح، التقوى، الإحسان...353
الآية 94 ...356
شأن نزول الآية:...356
النّقاط المستفادة من الآية: الإبتلاء، الصيد، الرمح، الخوف، الغيب، التعدي، العذاب، عذاب أليم...356
الآية 95 ...359
النّقاط المستفادة من الآية: الإحرام، الصيد، العدلين، الكعبة، الطعام، المسكين، الكفارة، الصوم، العفو، الإنتقام، العزة...359
الآية 96 ...363
النّقاط المستفادة من الآية: صيد البحر، الطعام، البحر، السيارة، صيد البرّ، المحرم، التقوى، الحشر...363
الآية 97 ....365
النّقاط المستفادة من الآية: الكعبة، البيت الحرام، النّاس، القيام، الشهر الحرام، الهدى، القلائد، السماوات، الأرض، العلم...365
الآية 98 ...369
النّقاط المستفادة من الآية: شديد العقاب، العذاب، الغفران الرحمة...369
الآية 99 ...370
النّقاط المستفادة من الآية: الرسول، البلاغ، العلم، الإظهار، الكتمان...370
الآية 100 ...371
النّقاط المستفادة من الآية: الإستواء، الخبيث، الطيب، التقوى، العقل، إولي الألباب، الفلاح...371
الآية 101 ...374
شأن نزول الآية:...374
النّقاط المستفادة من الآية: الإيمان، السؤال، السوء، النزول، القرآن، العفو، الغفران، الحلم...374
الآية 102 ...378
النّقاط المستفادة من الآية: الكفر، السؤال...378
الآية 103 ...380
النّقاط المستفادة من الآية: البحيرة، الوصيلة، الحام، الكفر، الإفتراء، الكذب، العقل...380
الآية 104 ...382
النّقاط المستفادة من الآية: النزول، ما أنزل اللّه، الهداية، العلم... 382
الآية 105 ...384
النّقاط المتفادة من الآية: الضرر، النفس، الهداية، الرجوع إلى اللّه، الإنباء، العمل، الإيمان...384
الآية 106 ...388
شأن نزول الآية:...388
النّقاط المستفادة من الآية: الشهادة، الإيمان، الوصية، الموت، العدلين، المصيبة، الصلوة، الإثم، كتمان، الشهادة، الشهادة..389
الآية 107 ...391
النّقاط المستفادة من الآية: الإثم، الإستحقاق، القسم، اليمين، الشهادة، التعدي، الظّلم...391
الآية 108 ...393
النّقاط المستفادة من الآية: الشهادة، الخوف، القسم، اليمين، التقوى، السمع، الهداية، الفسق ...393
الآية 109 ...395
النّقاط المستفادة من الآية: الرسالة، العلم، الغيب، علّام الغيوب... 395
الآية 110 ...403
النّقاط المستفادة من الآية: عيسى بن مريم، النعمة، مريم، المهد، روح القدس، الكتاب الإنجيل...398
الآية 111...403
النّقاط المستفادة من الآية: الوحي، الحواريين، الإيمان، الشهادة...403
الآية 112 ...405
النّقاط المستفادة من الآية: الحواریون، عیسی بن مریم، المائدة، السماء، التقوى، الإيمان...405
الآية 113 ...408
النّقاط المستفادة من الآية: الأكل، الإطمينان، القلب، الصدق، الشهادة...408
الآية 114 ...410
النّقاط المستفادة من الآية: عيسى بن مريم، المائدة، السماء، العيد،
الرزق، خير الرازقين...410
الآية 115 ...412
النّقاط المستفادة من الآية: التنزيل، الكفر، العذاب، العالم...412
الآية 116...415
النّقاط المستفادة من الآية: عيسى بن مريم، مريم، الهين، التسبيح، الحقّ، العلم، علّام الغيب...415
الآية 117 ...418
النّقاط المستفادة من الآية: الأمر، العبد، العبادة، الشهادة، الموت، الوفاة، الرقيب، الشهادة...418
الآية 118...420
النّقاط المستفادة من الآية: العذاب، العبادة، العبد، الغفران، العزة، الحكمة...420
الآية 119 ...421
النّقاط المستفادة من الآية: النفع، الصدق، الجنة، الأنهار، الخلود، الرضاية، الفوز العظيم ...421
الآية 120 ...424
النّقاط المستفادة من الآية: السماوات، الأرض، القدرة...424
فهرس المحتويات...439