ghaemiyeh.com
سرشناسه : سبحانی تبریزی، جعفر، ۱۳۰۸ -
عنوان و نام پديدآور : معجم طبقاتالمتکلمین : یتضمن ترجمه رجالاتالعلم والفکر عبر اربعه عشر قرنا/ تالیف اللجنه العلمیه فی موسسه الامام الصادق علیهالسلام؛ تقدیم و اشراف جعفر السبحانی.
مشخصات نشر : قم: موسسه الامام الصادق علیهالسلام، ۱۴۲۴ق. = ۱۳۸۲-
مشخصات ظاهری : 5ج.
شابک : ج.۱: 964-357-126-2 ؛ ج.۲: 964-357-127-0
يادداشت : عربی.
يادداشت : ج.۵ (چاپ اول: ۱۴۲۶ق.= ۱۳۸۴).
یادداشت : کتابنامه.
موضوع : کلام شیعه امامیه
متکلمان -- سرگذشتنامه
شناسه افزوده : موسسه امام صادق (ع)
رده بندی کنگره : BP۲۰۱/س۲م۶ ۱۳۸۲
رده بندی دیویی : ۲۹۷/۴۹۲
شماره کتابشناسی ملی : م۸۳-۱۵۸۰۹
محرر الرقمي: میثم الحیدري
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
اُدْعُ إِلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ اَلْمَوْعِظَةِ اَلْحَسَنَةِ وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ .
(النحل: 125)
أتقدّم بالشكر الجزيل إلى اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق عليه السّلام تجاه ما بذلت من جهود مضنية في تأليف هذا الكتاب و تنظيمه، و أخصّ بالذكر: الأستاذ الفذّ حيدر محمد علي البغدادي (أبا أسد) الذي لم يأل جهدا في التحقيق و التحرير و غير ذلك ممّا بذله في طريق هذا الكتاب.
كما أشكر جهود الأخ الفاضل خليل النايفي في استقصاء أسماء الأعلام و تنظيم المذكّرات من خلال المراجعة الجادّة في مختلف المصادر و المراجع.
جعفر السبحاني
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه الملك العلاّم، خالق النفوس و الأجسام، الذي حارت عن إدراك كنهه العقول، و ضلّت الأوهام، و الصلاة و السلام على المبعوث حجّة على الأنام، أقدس السفراء الفخام محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و على الأطائب من ذرّيته، الحجج الغرّ الكرام.
لمّا فرغت اللجنة العلميّة في مؤسسة الإمام الصادق عليه السّلام من تأليف كتاب «موسوعة طبقات الفقهاء» و صدرت - بفضل اللّه تعالى - في أربعة عشر جزءا بتقديم منّا في جزءين، و قدّر جهودها رجالات العلم و الدين في داخل البلد و خارجه برسائلهم و كلماتهم، أحببت أن أردف الموسوعة بموسوعة أخرى ألا و هي «معجم طبقات المتكلّمين»، التي تشتمل على رجال علم الكلام خلال أربعة عشر قرنا حتّى أخدم رجال الفقه الأكبر و الأصغر بهاتين الموسوعتين عسى اللّه أن يرزق الجميع شفاعة هؤلاء يوم القيامة، و قد استقبلت اللجنة مقترحنا بوجه طلق و صدر رحب.
ثمّ إنّي وضعت هذه الرسالة لتبيين تاريخ علم الكلام و كيفية نشوئه و تكامله و مدارسه و العراقيل التي كانت في مسيره لتكون كالمقدّمة للموسوعة، عسى اللّه أن ينتفع بها روّاد علم الكلام انّه قريب مجيب.
و الكلام يقع في فصول:
اختلفت كلمات أعلام المتكلّمين في وجه تسمية علم الكلام، و ها نحن نذكر كلماتهم في المقام:
خصّص هذا العلم باسم الكلام لوجوه:
العادة قاضية بتسمية البحث في دلائل وجود الصانع تعالى و صفاته و أفعاله، بالكلام في اللّه تعالى و صفاته، فسمّي هذا العلم بذلك. و لا استبعاد في تخصيص بعض الأسماء ببعض المسمّيات دون بعض:
أنكر جماعة البحث في العلوم العقلية و البراهين القطعية، فإذا سئلوا عن مسألة تتعلّق باللّه تعالى و صفاته و أفعاله و النبوة و المعاد، قالوا: نهينا عن الكلام في هذا العلم، فاشتهر هذا العلم بهذا الاسم.
هذا العلم أسبق من غيره في المرتبة، فالكلام فيه أسبق من الكلام في غيره، فكان أحقّ بهذا الاسم.
هذا العلم أدق من غيره من العلوم، و القوة المميزة للإنسان - و هي النطق
إنّما تظهر بالوقوف على أسرار هذا العلم، فكان المتكلّم فيه أكمل الأشخاص البشرية، فسمّي هذا بالكلام لظهور قوة التعقّل فيه.
هذا العلم يوقف منه على مبادئ سائر العلوم، فالباحث عنه كالمتكلم في غيره، فكان اسمه بعلم الكلام أولى.
إنّ العارفين باللّه تعالى يتميزون عن غيرهم من بين نوعهم، لما شاهدوه من ملكوت اللّه تعالى، و أحاطوا بما عرفوه من صفاته، فطالت ألسنتهم على غيرهم فكان علمهم أولى باسم الكلام.(1)
سمّي علم الكلام كلاما، لأنّ مباحثه كانت مصدّرة بقولهم: كلام في كذا و كذا، و لأنّ أشهر الاختلافات فيه كانت مسألة كلام اللّه تعالى انّه قديم أو حادث، و لأنّه يورث قدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات كالمنطق في الفلسفيات، و لأنّه كثر فيه من الكلام مع المخالفين و الردّ عليهم ما لم يكثر في غيره، و لأنّه لقوة أدلّته صار كأنّه هو الكلام دون ما عداه كما يقال للأقوى من الكلامين هذا هو الكلام.(2)
و قد ذكر التفتازاني أيضا في «شرح العقائد النسفية» أسباب تسمية علم الكلام بهذا الاسم فقال: و سمّوا معرفة العقائد عن أدلّتها بالكلام:
لأنّ عنوان مباحثه كان قولهم: الكلام في كذا و كذا.
و لأنّ مسألة الكلام (في حدوث القرآن و قدمه) كانت أشهر مباحثه و أكثر نزاعا و جدالا.
و لأنّه يورث قدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات و إلزام الخصوم كالمنطق للفلسفة.
و لأنّه أوّل ما يجب من العلوم التي تعلم و تتعلم بالكلام، فأطلق عليه هذا الاسم لذلك ثمّ خصّ به و لم يطلق على غيره تميزا له.
و لأنّه إنّما يتحقّق بالمباحثة و إدارة الكلام بين الجانبين، و غيره قد يتحقّق بالتأمل و مطالعة الكتب.
و لأنّه أكثر العلوم خلافا و نزاعا فيشتد افتقاره إلى الكلام مع المخالفين و الرد عليهم.
و لأنّه لقوة أدلّته صار كأنّه هو الكلام دون ما عداه من العلوم، كما يقال للأقوى من الكلامين هذا هو الكلام.
و لأنّه لابتنائه على الأدلّة القطعية المؤيّد أكثرها بالأدلّة السمعية، أشدّ العلوم تأثيرا في القلب و تغلغلا فيه، فسمّي بالكلام، المشتق من الكلم و هو الجرح.(1)
و على كلّ تقدير فقد يطلق على هذا العلم، علم أصول الدين، كما يسمّى أيضا بعلم التوحيد، أو علم التوحيد و الصفات، أو الفقه الأكبر، أو علم النظر و الاستدلال.(2)
هذا خلاصة ما ذكروه غير أنّ كثيرا منها إبداعيّ لا يعتمد على دليل، خصوصا ما اشتهر بين الناس من أنّ وجه التسمية بالكلام لأجل انّ البحث في الكلام الإلهي من حيث الحدوث و القدم كان هو السبب وراء تسمية هذا العلم
بعلم الكلام.
و ذلك لأنّ البحث في الكلام الإلهي من حيث القدم و الحدوث نجم في عصر المأمون عام 212 ه، مع أنّ هذا المصطلح كان دارجا بين المسلمين قبل هذا العصر.
و الظاهر انّ خطب الإمام و كلماته، كانت هي الأساس في التسمية و تدوين علم الكلام، فالمتكلّمون كانوا يستدلّون بكلام علي عليه السّلام في كذا و كذا حتّى سمّى مجموع المسائل بعلم الكلام.
و سيوافيك أنّ المؤسس الأوّل لهذا العلم هو الإمام علي بن أبي طالب عليه السّلام، فإنّه أوّل من تكلّم بين الصحابة حول أسمائه سبحانه و صفاته و أفعاله بوجه بديع، و خطبه و كلماته أفضل شاهد على ذلك.
و قد عرّف علم الكلام بتعاريف مختلفة:
علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج و دفع الشبه.(1)
هو العلم بالعقائد الدينية عن الأدلّة اليقينية.(2)
هو ملكة يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء و الأفعال المحمودة التي صرّح بها واضع الملة و تزييف كل ما خالفها بالأقاويل.(3)
علم يتضمّن الحجاج على العقائد الإيمانية بالأدلّة العقلية و الرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقاد عن مذاهب السلف و أهل السنّة.(4)
و يلاحظ على التعريف الأخير بأنّ المتكلّم - على ضوء هذا التعريف - هو من يدافع عن أصول الدين لا عن فروعه. و اختلاف السنّة مع غيرهم اختلاف في الفروع لا في الأصول بما فيه الاختلاف في الإمامة، لأنّها عند أهل السنّة من
الفروع و جزء من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، فلا معنى لتخصيص علم الكلام بالدفاع عن عقيدة السلف و السنّة، بل المتكلّم يدافع عن العقيدة الإسلامية المشتركة بين السنّة و الشيعة.
و على ضوء هذه التعاريف يكون علم الكلام علما آليا يستخدم في إثبات العقائد الدينية، إمّا بإيراد الحجج أو دفع الشبه، و يكون موضوعه العقائد الدينية من حيث إقامة الحجج العقلية عليها أو دفع الشبه عنها.
و هذا النوع من التعاريف ينطبق على الكتب المؤلفة في العصور الإسلامية الأولى التي اقتصر البحث فيها على المسائل العقائدية.
و لكن هذا الوضع لم يدم، ففي العصور المتأخرة شرع المتكلّمون في البحث عن أوسع الموضوعات و هو البحث عن الموجود بما هو موجود؛ فقسّموا المباحث الكلامية إلى: الأمور العامة أوّلا، و الطبيعيات ثانيا، و الإلهيات ثالثا.
و على ضوء ذلك سار نصير الدين الطوسي (المتوفّى 672 ه) في كتابه «تجريد الاعتقاد»؛ و تبعه غير واحد من المتكلّمين، منهم: العلاّمة الحلّي في غير واحد من كتبه الكلامية لا سيّما كتاب «نهاية المرام في علم الكلام»، و القاضي الإيجي (المتوفّى 756 ه) في «المواقف»، و التفتازاني (المتوفّى 791 ه) في «مقاصده» و «شرحه»، و الجرجاني (المتوفّى 816 ه) في «شرح المواقف»، و الفاضل المقداد (المتوفّى 826 ه) في «اللوامع الإلهية»، إلى غير ذلك من الكتب.
و هذه المسائل لا تمت إلى العقائد الدينية بصلة. نعم حاول محمد علي الفاروقي التهانوي من علماء القرن الثاني عشر إرجاع هذه المسائل إليها بالبيان التالي:
و موضوعه هو المعلوم من حيث إنّه يتعلّق به إثبات العقائد الدينية تعلّقا قريبا أو بعيدا، و ذلك لأنّ مسائل هذا العلم إمّا عقائد دينية كإثبات القدم و الوحدة للصانع، و إمّا قضايا تتوقف عليها تلك العقائد كتركب الأجسام من الجواهر الفردة و جواز الخلاء و انتفاء الحال و عدم تمايز المعدومات المحتاج إليها في المعاد، و كون صفاته تعالى متعددة موجودة في ذاته، و الشامل لموضوعات هذه المسائل هو المعلوم المتناول للموجود و المعدوم و الحال، فإن حكم على المعلوم بما هو من العقائد تعلّق به إثباتها تعلّقا قريبا، و إن حكم عليه بما هو وسيلة إليها تعلّق به إثباتها تعلّقا بعيدا، و للبعد مراتب متفاوتة.(1)
يلاحظ عليه: أنّه لا صلة بين إثبات الأحوال البهشمية المطروحة في الأمور العامّة و نفيها و العقائد الدينية، و هكذا كثير من المسائل المطروحة في علم الطبيعيات.
و سيوافيك الرأي الحاسم في الفصل القادم.
1) . كشاف اصطلاحات الفنون: 31.
إنّ تحديد موضوع علم الكلام رهن كيفية تعريفه، فلو قلنا في تعريف علم الكلام بأنّه علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج و دفع الشبه، يكون موضوعه العقائد الدينية التي أذعن المتكلّم بصحّتها بدلائل إجمالية، و تكون عوارضها إقامة الحجج التفصيلية عليها أو بدفع السهام المرشوقة إليها.
و أمّا لو قلنا في تعريف علم الكلام بأنّه الباحث عن أحوال الموجود بما هو موجود كما يدلّ عليه مباحثه، فالموضوع هو الموجود بما هو موجود الذي ثبوته من البديهيات و مسائله من النظريات، فعندئذ يتّحد موضوع علم الكلام مع موضوع الفلسفة، و غاية ما يمكن أن يقال في الفرق هو انّ البحث في علم الكلام على نهج قانون الإسلام بمعنى انّ المتكلّم ملتزم بأن لا يخرج بنتيجة يخالف فيها الإسلام و لكن الفيلسوف غير ملتزم بذلك.
ينقل الإيجي في «المواقف» و يقول: و قيل الموضوع هو الموجود بما هو موجود و يمتاز عن الإلهي باعتبار، و هو انّ البحث ها هنا على قانون الإسلام.(1)
و على ضوء ذلك فالفلسفة و الكلام اسمان لعلم واحد، مشتركان في عامّة
1) . المواقف: 7/1.
المسائل، غير أنّ همّ المتكلّم في النهاية إيراد الحجج على العقائد أو دفع الشبه بخلاف الفيلسوف.
و بذلك ظهر انّ الموضوع أحد أمرين:
أ. العقائد الدينية المبرهنة إجمالا في غير علم الكلام. فيبحث عن العوارض الذاتية لها و هي - كما مرّ - إمّا إقامة الدليل أو دفع الشبهة.
ب. الموجود بما هو موجود الذي يؤمن به كلّ إنسان موضوعي و يبحث عن عوارضه الذاتية، و هي تقسيم الموجود إلى واجب و ممكن، و الممكن إلى مجرّد و مادّي و هكذا.
و قد تقدّم انّ التهانوي جعل الموضوع «المعلوم» من حيث إنّه يتعلّق به إثبات العقائد الدينية و كأنّه حاول الجمع بين الأمرين.
هذا هو المستفاد من كلمات القوم.
و الحقّ أن يقال: أنّه لو قلنا بأنّ علم الكلام يتضمّن الاحتجاج على العقائد الإيمانية بالأدلّة العقلية و الردّ على المبتدعة فموضوع علم الكلام «هو العقائد الإيمانية بعد فرضها صحيحة من الشرع من حيث الاستدلال عليها بالأدلّة العقلية فترفع البدع و تزول الشكوك و الشبه عن تلك العقائد».
و قد كان علم الكلام في أوائل الأمر لا يتجاوز هذا الحدّ، و كان الغرض منه هو الذبّ عن العقائد الصحيحة، فالعقائد الإيمانية موضوع و البرهنة عليها بالأدلّة العقلية و رفع البدع و إزالة الشكوك من عوارضها.
و لكن علم الكلام - بمرور الزمن - تجاوز هذا الحدّ فصار يواكب الفلسفة
في حقولها الثلاثة: الأمور العامّة، الطبيعيات و الفلكيات، و الإلهيات بالمعنى الأخصّ.
فعند ذلك لا محيص من القول من أنّ موضوع علم الكلام هو نفس موضوع الفلسفة، لكن الغرض الأقصى للمتكلّم هو البرهنة على ما ثبت في الشرع في الحقول الثلاثة، و بالأخص ما يمت إلى العقائد بصلة؛ و هذا بخلاف الحكيم، فإنّ الغاية هو فهم حدود الوجود و تعيّناته من الواجب إلى الممكن و من الجوهر إلى العرض و من المادّة إلى المجرّد.
و بذلك يتيسّر لنا أن نقول: إنّ علم الكلام تطوّر عبر القرون، ففي القرون الأولى كان الهدف هو الدفاع عن العقائد الإيمانية فقط، و لم يكن هناك أيّ غرض سوى ذلك، و لكن بمرور الزمن و احتكاك الثقافات و ازدهار الفلسفة لم يجد المتكلّمون بدّا من التوسع في المعارف الكونيّة من الطبيعيات و الفلكيات و البحث عن القواعد العامّة في الأمور العامّة و غير ذلك.
و بذلك اختلفت كلمتهم في بيان موضوع العلم.
إنّ الوقوف على موضوع العلم يحصل من خلال الوقوف على غايته، فإنّ غاية العلم تحدّد موضوع العلم و بالتالي تعريفه.
فالغاية القصوى للمتكلّم هي معرفة اللّه سبحانه و صفاته و أفعاله، و يدخل في أفعاله معرفة المعاد و الأنبياء و الأئمّة و ما يمت لهم بصلة، فإذا كانت هذه هي الغاية فلا معنى لاتخاذ الموجود بما هو موجود موضوعا لعلم الكلام، فإنّ البحث عن مطلق الموجود و إن لم يكن له صلة باللّه و أسمائه و صفاته و أفعاله خارج عن
الغاية المتوخاة للمتكلّم، و بذلك تخرج كثير من المباحث المطروحة في الفلسفة عن علم الكلام، نظير:
الأمور العامة، كالبحث عن الوجود و الماهية، و البحث عن العدم و أحواله إلى غير ذلك من المسائل.
الطبيعيات، كالبحث عن تركّب الجسم من الهيولى و الصورة، أو الفلكيات إلى غير ذلك.
و قد مرّ أنّ المتكلّمين في العصور الأولى لم يكن لهم همّ إلاّ طرح المسائل التي لها مساس بالعقائد الدينية، و لكن لمّا اتسعت العلوم و دام التنازع بينهم و بين غيرهم اتسعت دائرة علم الكلام إلى مسائل لا تمت إليها بصلة، و كانت الغاية من إدخال هذه المسائل هي مجاراة الفلاسفة فيها حتّى لا يتّهموا بقلة الاطّلاع و ضآلة الفضل و العرفان، و لو لا هذا لما شمل علم الكلام هذه المباحث.
و لذلك نرى أنّ العلاّمة الحلّيّ يذكر في غاية علم الكلام ما هذا نصّه:
إنّ الإنسان هو مدني بالطبع يفتقر في معاشه إلى غذاء و لباس و مسكن، و هذه الأمور لا يمكن صدورها عن صانع واحد و إنّما تحصل باجتماع خلق يتعاونون عليه و يتشاركون في تحصيله.
ثمّ إنّ الاجتماع على التعاون إنّما يتم إذا كان بين بني النوع معاملة و عدل، إذ كلّ منهم يشتهي ما يحتاج إليه و يغضب على مزاحمته فيه، و بحسب هاتين يحصل الجور فيقع الهرج و المرج فمسّت الحاجة إلى وضع قوانين إلى كيفية العدل.
و تلك القوانين لو وضعها الناس لحصل الاختلاف، فوجب في عناية اللّه تعالى إرسال الأنبياء بشرائع تقتضي نظام الوجود و مجازاة الممتثل لها بإحسان
و مقابلة المخالف بالعذاب الأخروي، فوجب معرفة المجازي.(1)
ترى أنّه يبيّن غاية علم الكلام بحاجة الإنسان إلى القوانين العادية، و لا يحصل ذلك إلاّ بتشريع اللّه سبحانه، و معرفة القوانين تتوقّف على معرفة اللّه سبحانه و أسمائه و صفاته و أنبيائه، و ما وعد به المطيع، أو أوعد به المجرم.
فإذا كانت الغاية هي هذه، فالبحث عن الماهية و الوجود و الأحوال البهشمية أو عن أصالة الوجود و الماهية أو المسائل الطبيعية بأجمعها يكون أمرا زائدا، و لذلك نرى أنّ العلاّمة الحلّي بعد ما يذكر الغاية يعرّف علم الكلام بالشكل التالي:
علم الكلام هو المتكفّل بمعرفة المجازي، و كيفية آثاره و أفعاله و تكاليفه على الإجمال. و ذلك هو سبب السعادة الأبدية و الخلاص عن الشقاء الأبدي، و لا غاية أهمّ من هذه الغاية.(2)
فإذا كانت هذه غاية علم الكلام حسب ما قرره العلاّمة الحلي اتّضحت الأمور الثلاثة:
تعريف علم الكلام.
موضوعه.
غايته.
إنّ الذكر الحكيم يعدّ التفكير فريضة دينية، يقول سبحانه: اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اَللّٰهَ قِيٰاماً وَ قُعُوداً وَ عَلىٰ جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ رَبَّنٰا مٰا خَلَقْتَ هٰذٰا بٰاطِلاً .(1)
و قد تكرر قوله سبحانه في الذكر الحكيم: إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ .(2)
فلو كانت الفريضة هي الجمود على ما ذكره السلف فيما يرجع إلى المبدأ و المعاد، فلماذا حثّ سبحانه على التفكير في آياته و خلقه؟! أليس في ذلك دعوة لمعرفة المبدئ و أسمائه و صفاته و أفعاله حسب الطاقة البشرية من خلال التدبّر في آثاره و آياته الكونية؟.
إنّه سبحانه عند ما يندّد بالملحدين و المشركين يخاطبهم بقوله: قُلْ هٰاتُوا بُرْهٰانَكُمْ ، و يقول سبحانه: أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هٰاتُوا بُرْهٰانَكُمْ هٰذٰا ذِكْرُ
مَنْ مَعِيَ وَ ذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاٰ يَعْلَمُونَ اَلْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ .(1)
و على ضوء ذلك فالبرهان هو مدار الإيمان و الصلاح و النجاح، فمن طلب البرهان أو أبطل الوهم به، فقد عمل بالقرآن؛ و أمّا من أقفل على قلبه و عقله و قلّد السلف دون تفكير، فقد عطّل عقله و تفكيره.
ثمّ ما الدليل على أنّ السلف أفضل من الخلف، و كأنّ السلف قد أحاطتهم هالة من العصمة لا يخطأون و لا يشتبهون. و سيوافيك أنّ خير السلف هو الإمام أمير المؤمنين علي عليه السّلام و أهل بيته الطاهرين، قد فتحوا باب المعارف الإلهية بوجه الأمّة على ضوء الكتاب و السنّة الصحيحة و العقل الحصيف الذي به عرفنا ربّنا سبحانه، لا عن طريق المشاغبات و المجادلات.
إنّ القرآن الكريم يحثّ على التعقّل في آياته سبحانه و يقول: كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ اَللّٰهُ لَكُمْ آيٰاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ .(2)
و يقول سبحانه: أُفٍّ لَكُمْ وَ لِمٰا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ أَ فَلاٰ تَعْقِلُونَ (3)، و يبيّن أنّ الغاية من ضرب الأمثال هو التعقّل و يقول: وَ تِلْكَ اَلْأَمْثٰالُ نَضْرِبُهٰا لِلنّٰاسِ وَ مٰا يَعْقِلُهٰا إِلاَّ اَلْعٰالِمُونَ .(4)
و يبيّن انّ شر الدّواب هو الإنسان الذي أغلق عقله و أعدم تفكيره، يقول تعالى: إِنَّ شَرَّ اَلدَّوَابِّ عِنْدَ اَللّٰهِ اَلصُّمُّ اَلْبُكْمُ اَلَّذِينَ لاٰ يَعْقِلُونَ .(5)إلى غير ذلك من الآيات الحاثّة على التعقّل.
أفهل يصحّ تخصيص هذه الآيات بالتعقّل في أمور الدنيا و معاش الإنسان و ما حوله من العلوم الطبيعية و الفلكية فقط؟ أو أنّ مقتضى إطلاقها، هو التفكير في الطبيعة و ما بعدها؟
فلو صحّ ما يقوله علماء السلف: «إنّما أعطينا العقل لإقامة العبودية لا لإدراك الربوبية، فمن شغل ما أعطي لإقامة العبودية بإدراك الربوبية فاتته العبودية و لم يدرك الربوبية».(1)
فلو صحت هذه الجملة فمن المخاطب إذن بهذه الآيات التي تحتوي على براهين مشرقة؟!
أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ اَلْخٰالِقُونَ .(2)
لَوْ كٰانَ فِيهِمٰا آلِهَةٌ إِلاَّ اَللّٰهُ لَفَسَدَتٰا فَسُبْحٰانَ اَللّٰهِ رَبِّ اَلْعَرْشِ عَمّٰا يَصِفُونَ .(3)
مَا اِتَّخَذَ اَللّٰهُ مِنْ وَلَدٍ وَ مٰا كٰانَ مَعَهُ مِنْ إِلٰهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلٰهٍ بِمٰا خَلَقَ وَ لَعَلاٰ بَعْضُهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ سُبْحٰانَ اَللّٰهِ عَمّٰا يَصِفُونَ .(4)
إلى غير ذلك من الآيات التي وردت فيها أصول المعارف الإلهية التي تقع وراء الحس و الطبيعة.
ثمّ إنّه سبحانه يأمر بالشكر بعد ما يذكّر ببعض مواهبه من السمع و الأبصار و الأفئدة و يقول سبحانه: وَ اَللّٰهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهٰاتِكُمْ لاٰ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ جَعَلَ لَكُمُ اَلسَّمْعَ وَ اَلْأَبْصٰارَ وَ اَلْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ .(5)
و المراد من الشكر في ذيل الآية صرف النعمة في مواضعها، فشكر السمع و البصر هو إدراك المسموعات و المبصرات بهما، و شكر الفؤاد هو درك المعقولات و غير المشهودات به، فالآية تحرّض على استعمال الفؤاد و القلب و العقل في ما هو خارج عن إطار الحس و غير واقع في متناول أدواته.
و لأجل ذلك يتّخذ القرآن لنفسه في هذه المجالات موقف المعلّم فيعلّم المجتمع البشري كيفية إقامة البرهنة العقلية على توحيده سبحانه في أمر الخلقة و التدبّر.
باللّه عليك أيّها القارئ اقرأ الآيات التالية، ثمّ احكم بنفسك، هل يمكن لإنسان أن يقف على مغزاها بلا تفكير و تعقّل مبني على أصول متعارفة أو موضوعة؟ فلو أعطينا العقل لإقامة العبودية لا لإدراك (مشاهد) الربوبية فماذا تهدف هذه الآيات التي أمرنا بالتدبّر فيها؟!
نَحْنُ خَلَقْنٰاكُمْ فَلَوْ لاٰ تُصَدِّقُونَ * أَ فَرَأَيْتُمْ مٰا تُمْنُونَ * أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ اَلْخٰالِقُونَ * نَحْنُ قَدَّرْنٰا بَيْنَكُمُ اَلْمَوْتَ وَ مٰا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلىٰ أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثٰالَكُمْ وَ نُنْشِئَكُمْ فِي مٰا لاٰ تَعْلَمُونَ * وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ اَلنَّشْأَةَ اَلْأُولىٰ فَلَوْ لاٰ تَذَكَّرُونَ * أَ فَرَأَيْتُمْ مٰا تَحْرُثُونَ * أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ اَلزّٰارِعُونَ * لَوْ نَشٰاءُ لَجَعَلْنٰاهُ حُطٰاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنّٰا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * أَ فَرَأَيْتُمُ اَلْمٰاءَ اَلَّذِي تَشْرَبُونَ * أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ اَلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ اَلْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشٰاءُ جَعَلْنٰاهُ أُجٰاجاً فَلَوْ لاٰ تَشْكُرُونَ * أَ فَرَأَيْتُمُ اَلنّٰارَ اَلَّتِي تُورُونَ * أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهٰا أَمْ نَحْنُ اَلْمُنْشِؤُنَ .(1)
رغم انّ علم الكلام الذي هو من أفضل مظاهر التفكير، كان ضرورة زمنية دعت المخلصين الغيارى من علماء الإسلام إلى تدوينه و نشره حتّى يقوم الجيل
1) . الواقعة: 57-72.
الحاضر بالدفاع عن حياض الشريعة بقوة و حماس، ترى أنّ أكثر التابعين و حتّى أئمّة الفقه يعارضون علم الكلام بل يحرمونه، فهذا هو مالك و الشافعي و أحمد بن حنبل و سفيان الثوري ذهبوا إلى رفض علم الكلام و مهاجمة المتكلمين.
فقد نقلوا عن الشافعي قوله في أثناء موته: لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفرّوا منه فرارهم من الأسد.
و أمّا أحمد بن حنبل فقد استخدم في حقهم لفظ الزنادقة.
و أمّا مالك فقد رفض الكلام و المتكلّمين بحجة انّهم قوم على استعداد أن يغيّروا دينهم وفقا للبراهين التي تعرض لهم أو تعرض عليهم، فقال: أرأيت إن جاء عالم الكلام من هو أجدل منه أيدع دينه كلّ يوم، لدين جديد.(1)إلى غير ذلك من الكلمات المروية عن التابعين و تابعي التابعين.
و هذا هو الإمام الأشعري لما عدل عن منهج الاعتزال و التحق بمذهب الإمام أحمد لم يحتفل به أصحاب الإمام أحمد.
قال عبد اللّه الحمراني: لمّا دخل الأشعري بغداد جاء إلى البربهاري فجعل يقول: رددت على الجبائي و على أبي هاشم، و نقضت عليهم و على اليهود و النصارى و المجوس و قلت و قالوا؛ و أكثر الكلام، فلمّا سكت قال البربهاري: و ما أدري ما قلت لا قليلا و لا كثيرا، و لا نعرف إلاّ ما قاله أبو عبد اللّه أحمد بن حنبل. قال: فخرج من عنده و صنف كتاب «الإبانة» فلم يقبله منه، و لم يظهر ببغداد إلى أن خرج منها.(2)
و قد اشتهر ذمّ علم الكلام على لسان الذين عطلوا تفكيرهم و كرّسوا
جهودهم بنقل الحديث دون وعيه و درايته، و قد نقلت في هذا المقام كلمات عن السلف نظير ما نقلناه. و لا بأس بذكر بعضها:
نقل ابن الجوزي بسنده عن الوليد بن أبان الكرابيسي أنّه قال لبنيه لما حضرته الوفاة: تعلمون أحدا أعلم بالكلام منّي؟ قالوا: لا، قال: أفتتهمونني؟ قالوا: لا، قال: فإنّي أوصيكم أتقبلون؟ قالوا: نعم، قال: عليكم بما عليه أصحاب الحديث فإنّي رأيت الحقّ معهم.
و نقل أيضا عن إمام الحرمين أنّه كان يقول: لقد جلت أهل الإسلام جولة و علومهم و ركبت البحر الأعظم، و غصت في الذين نهوا عنه كلّ ذلك في طلب الحقّ و هربا من التقليد، و الآن فقد رجعت عن الكلّ إلى كلمة الحق، عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق بلطيف برّه فأموت على دين العجائز و يختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص فالويل لابن الجويني.
و كان يقول لأصحابه: يا أصحابنا، لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أنّ الكلام يبلغ بي ما بلغ ما تشاغلت به.
و قال أبو الوفاء ابن عقيل ليعض أصحابه: أنا أقطع أنّ الصحابة ماتوا و ما عرفوا الجوهر و العرض، فإن رضيت أن تكون مثلهم فكن، و إن رأيت انّ طريقة المتكلّمين أولى من طريقة أبي بكر و عمر فبئس ما رأيت، و قد أفضى الكلام بأهله إلى الشكوك و كثير منهم إلى الإلحاد، تشم روائح الإلحاد من فلتات المتكلّمين، و أصل ذلك انّهم ما قنعوا بما قنعت به الشرائع و طلبوا الحقائق و ليس في قوة العقل إدراك ما عند اللّه من الحكمة التي انفرد بها و لا أخرج الباري من علمه لخلقه ما علمه هو من حقائق الأمور.(1)
1) . انظر للوقوف على مصادر هذه الكلمات تلبيس إبليس: 82-83، ط دار القلم، بيروت.
هذه كلماتهم في ذم التعقّل و التفكّر و كم لها من نظير، و على القارئ الكريم أن يعرض كلماتهم على الذكر الحكيم حتّى يتبين الحقّ من الباطل، و أن يكون رائده إلى الحق كلامه سبحانه لا كلمات القوم.
إنّ تعطيل العقول عن المعارف الإلهية بين أهل الحديث أو صنف منهم جرّهم إلى القول بالتشبيه و التجسيم باطنا و إن أنكروه ظاهرا، يقول ابن تيمية محيي الدعوة السلفية في القرن الثامن: أهل السنّة و الجماعة يؤمنون بما أخبر اللّه به في كتابه من غير تحريف و لا تعطيل، و من غير تكييف و لا تمثيل، بل هم الوسط في فرق الأمة كما أنّ الأمّة هي الوسط في الأمم، فهم وسط كما في باب صفات اللّه سبحانه و تعالى بين أهل التعطيل الجهمية و أهل التمثيل (المشبهة).(1)
و القارئ الكريم يتصوّر أنّه مشى على هذا الأصل إلى آخر كتابه، و لكنّه يقف على أنّه سرعان ما انقلب على وجهه و ارتد على أدباره و غرق في التشبيه و التجسيم و نادى به و قال:
«و ممّا وصف الرسول به ربّه في الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول و وجب الإيمان به قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ينزل ربّنا إلى سماء الدنيا كلّ ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فاستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ و من يستغفرني فاغفر له؟ و قوله: يضحك اللّه إلى رجلين، أحدهما يقتل الآخر كلاهما يدخل الجنة. و قوله: لا تزال جهنم يلقى فيها و تقول هل من مزيد
1) . مجموعة الرسائل و المسائل: 400.
حتّى يضع ربّ العزة فيها قدمه ينزوي بعضها إلى بعضه، و تقول: قط قط. و هذه الأحاديث متفق عليها.(1)
نحن نسأل «ابن تيميّة» و من لفّ لفّه: هل هو يأخذ بظواهر هذه الأحاديث التي لو وردت في حقّ غيره سبحانه لقطعنا بكونه جسما، كالإنسان له أعضاؤه، أو يترك ظواهرها و يحملها على غيرها؟ فعلى الأوّل يقع في مغبّة التشبيه، و على الثاني يقع في عداد المؤوّلين و هو يتبرّأ منهم.
و أمّا الأخذ بظواهرها لكن بقيد «بلا تكييف» و «لا تشبيه» - فمضافا إلى أنّه لم يرد في النصوص - يوجب صيرورة الصفات مجملة غير مفهومة، فإنّ واقعيّة النزول و الضحك و وضع القدم، إنّما هي بكيفيتها الخارجيّة، فحذفها يعادل عدمها. فما معنى الاعتقاد بشيء يصير في نهاية المطاف أمرا مجملا و لغزا غير مفهوم؟ فهل يجتمع هذا مع بساطة العقيدة و سهولة التكليف التي تتبنّاها السلفيّة في كتبهم؟!
فلو صحّ تصحيح هذه الأحاديث و الصفات الجسمانية بإضافة قولهم «بلا تمثيل» فليصحّ حمل كلّ وصف جسماني عليه بإضافة هذا القيد بأن يقال:
اللّه سبحانه جسم لا كهذه الأجسام، له صدر و قلب لا كمثل هذه الصدور و القلوب، إلى غير ذلك مما ينتهي الاعتقاد به إلى نفي الإله الواجب الجامع لصفات الجمال و الجلال.
إنّ إقصاء العقل عن ساحة العقائد و تفسير القرآن و الحديث، لا ينتج إلا إجلاسه سبحانه على عرشه فوق السماوات، يقول «ابن قتيبة» - المدافع عن الحشوية و أهل الحديث - في تفسير قوله: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ
1) . نفس المصدر: 398-399. و سيوافيك آراؤه الشاذة في ص 159-170.
يستوحشون أن يجعلوا لله كرسيّا أو سريرا و يجعلون العرش شيئا آخر، و العرب لا تعرف العرش إلا السرير، و ما عرش من السقوف و الابار. يقول اللّه وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى اَلْعَرْشِ أي على السرير.
و أميّة بن أبي الصلت يقول:
مجّدوا اللّه و هو للمجد أهل *** ربّنا في السماء أمسى كبيرا
بالبناء الأعلى الذي سبق النا *** س و سوّى فوق السماء سريرا
شرجعا(1)ما يناله بصر ال *** عين ترى دونه الملائك صورا(2)(3)
ترى أنّه يصور اللّه سبحانه ملكا جبّارا جالسا على عرشه، و الخدم دونه ينظرون إليه بأعناق مائلة، و هو يتبجّح بذلك تبجّح المتكبّر باستصغار الناس و ذلتهم.
و يقول أيضا:
«كيف يسوغ لأحد أن يقول: إنّه بكلّ مكان على الحلول مع قوله:
اَلرَّحْمٰنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوىٰ أي استقر، كما قال: فَإِذَا اِسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَ مَنْ مَعَكَ عَلَى اَلْفُلْكِ أي استقررت.
و مع قوله تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ وَ اَلْعَمَلُ اَلصّٰالِحُ يَرْفَعُهُ .
كيف يصعد إليه شيء هو معه أو يرفع إليه عمل و هو عنده.(1)
ثم إنّه يستشهد بكونه سبحانه في السماء بما ورد في الحديث:
«إنّ رجلا أتى رسول اللّه بأمة أعجميّة، للعتق، فقال لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أين اللّه تعالى؟
فقالت: في السماء، قال: فمن أنا؟ قالت: أنت رسول اللّه، فقال (عليه السلام): هي مؤمنة، و أمر بعتقها.(2)فقد غاب عن «ابن قتيبة» إنّ المراد من كونه سبحانه بكلّ مكان ليس هو حلوله فيه، بل المراد أنّ العالم بكلّ أجزائه و ذرّاته قائم به قيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي و انّ وجوده سبحانه وجود فوق الزمان و الزمانيّات و المكان و المكانيّات، غني عنهما، لا يحتاج إليهما، بل هو الخالق لهما.
و أمّا الحديث الذي استدلّ به فليس فيه دلالة على تصديق رسول اللّه بكلّ ما تعتقده الأمة، بل انّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم اكتفى بما أظهرت من الاعتقاد الساذج بوجوده سبحانه و نبوّة نبيّه و إن أخطأت في الحكم بأنّه في السماء و لم تكن الظروف - إذ ذاك - تساعد، لتفهيمها إنّه سبحانه منزّه عن المكان و الزمان و الجهة، و إنّه ليس جسما و لا جسمانيا حتى يحلّ في السماء.
على أنّ الرواية، نقلت بصور مختلفة أوضحنا حالها في رسالة خاصة.
قد عرفت أنّ التفكير فريضة إسلامية و انّ الإنسان بطبعه يفكّر و ينقض و يبرم و يتطلّع إلى موضوعات قابلة للتفكير فيطلب إجابة حاسمة لها، و مع ذلك نرى أنّ أناسا يعدّون من طبقة المحدّثين ينكرون علم الكلام و ينددون به تحت غطاء شبهات نذكرها تباعا:(1)
يلاحظ عليه: أنّ القائل استخدم المنطق في إبطال المنطق، فإنّ ما ذكره قياس استثنائي حيث قال: لكنّا نجدهم مختلفين فاستنتج بأنّ المنطق ليس طريقا موصلا.
أضف إلى ذلك انّ معنى كون المنطق آلة للاعتصام، هو أنّه لو استعمل استعمالا صحيحا يعصم من الخطأ، و أمّا انّ كلّ مستعمل له، يستعمله صحيحا
1) . نقل قسما من هذه الشبهات، السيد الطباطبائي في الجزء الخامس من كتاب الميزان، فلاحظ ص 256-271، طبعة بيروت.
فلا يدّعيه أحد، و هذا نظير ما يقال: انّ السيف آلة القطع، و لكن ليس كلّ مستعمل يستعمله، يترتّب عليه القطع.
يلاحظ عليه: أنّ المتكلّم لا يدّعي الاستغناء عن الكتاب و السنّة، بل الكتاب و السنّة الصحيحة أحد الطرق إلى معرفة الحقائق، و إنّما يستعان بالعقل أيضا إمّا لدعم ما يستفاد منهما، أو لدفع الإشكال عنهما، أو لإثبات ما لا يستفاد منهما حسب فهمنا. كيف و أئمّة أهل البيت هم الذين فتحوا باب التفكّر بوجه الأمّة؟!
يلاحظ عليه: أنّ ما نقل عن الحكماء يشتمل على الصحيح و الخطأ، و الحسن و السيّئ، و القرآن يدعو إلى أخذ الحسن دون السيّئ، لا إلى رفض الجميع، يقول سبحانه: فَبَشِّرْ عِبٰادِ * اَلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ اَلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولٰئِكَ اَلَّذِينَ هَدٰاهُمُ اَللّٰهُ وَ أُولٰئِكَ هُمْ أُولُوا اَلْأَلْبٰابِ .(1)
و ثمّة آيات و روايات كثيرة تؤكّد هذا المعنى، و لا ريب في أنّ القرآن هو الداعي إلى تعلم العلوم و الأخذ بأحسنها و ردّ سيّئها.
و بعبارة أخرى: انّ الكتاب و السنّة يحثّان الإنسان على التوسع في استعمال الطرق العقلية الصحيحة، أعني: المقدّمات البديهيّة أو المنتهية إليها لتمييز الفكرة الصحيحة عن السقيمة، سواء كانت الفكرة شرقية أم غربية.
1) . الزمر: 17-18.
و كانوا يستغنون بالكتاب و السنّة عن استعمال الأصول المنطقية و العقلية.
يلاحظ عليه: أنّ السلف الصالح لم يكونوا على وتيرة واحدة، فعليّ عليه السّلام و أهل بيته و شيعتهم و لفيف من أهل السنّة يرون التفكير فريضة إسلامية، و كانوا يخوضون في بحار المعارف و يستدلّون بالأقيسة الصحيحة على النتائج.
و أصحّ دليل على ذلك خطب الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام و احتجاجات تلاميذه و تابعيه.
و الحاصل: انّ رائدنا في الخوض في المباحث العقلية، هو قوله سبحانه:
اُدْعُ إِلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ اَلْمَوْعِظَةِ اَلْحَسَنَةِ وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ .(1)فما هو المراد من الحكمة؟ فهل هي كلّ كلام أو فكر مقرون بالبرهان أو الدليل كما أنّ المراد من الجدل هو الاحتجاج على الخصم بأقواله؟
يلاحظ عليه: أنّ معنى ذلك إيقاف ركب العلم عن التقدّم، فلا شكّ انّ العلوم الكونية قد تقدّمت و كشفت عن مكامن و قوانين لم تكن معروفة للصحابة، أفيصحّ - في منطق العقل - رفض هذه العلوم بحجّة انّ الصحابة كانوا يجهلونها؟! لا أدري متى أصبحت طريقة الصحابة محورا للحقّ و معيارا لتمييز الصحيح عن الفاسد... و القرآن يدعو إلى التفكير في السماوات و الأرض و يقول: أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ (3)، و يقول: أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى اَلسَّمٰاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ
بَنَيْنٰاهٰا وَ زَيَّنّٰاهٰا (1)إلى غير ذلك من الآيات الحاثّة على التفكير في عالم المادة.
و حاصل الشبهة يرجع إلى أمرين:
أ. عدم وجوب معرفة ما لم يرد به كتاب من اللّه تعالى.
ب. انّ العقول بريئة من معرفة صحّة ما يناقض الآيات القرآنية.
يلاحظ على الأوّل: بأنّ المتكلّم - في مجال العقائد - لا يهمّه إلاّ معرفة ما جاء في الكتاب و السنّة معرفة علمية لا تقليدية، فهو عند ما يتلو قوله سبحانه: وَ مٰا كٰانَ مَعَهُ مِنْ إِلٰهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلٰهٍ بِمٰا خَلَقَ وَ لَعَلاٰ بَعْضُهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ (3)يريد أن يفهم مغزى هذه الآية بتحاليل عقلية، فلا هدف للمتكلّم إلاّ معرفة ما ورد في كتاب اللّه و سنّة نبيّه، لكن معرفة رعاية لا معرفة رواية.
و أمّا في غير مجال العقائد فالقرآن ليس كتابا في العلوم الطبيعية أو الرياضية أو الفلكية لكي تغنينا دراسته عن دراسة سائر العلوم، و لو قلنا بمقالة القائل لوجب إغلاق كافة المراكز العلمية.
و أنّى لنا نسبة هذه الفكرة إلى الإسلام و هذا كتابه المجيد يتحدّث فيما يرجع إلى العلم قرابة 800 مرة، أفيصحّ أن نرمي الإسلام بأنّه يصدّ أبناءه عن دراسة ما ليس في كتابه؟!
و يلاحظ على الثاني: أنّه يمتنع التعارض بين القطعيين، و قد حقّقنا في محلّه انّه لا بدّ في تعارض العلم مع القرآن الكريم من ملاحظة أمرين: إمّا القول بأنّ ما أثبته العلم ليس علما بل تخيّل، أو انّ ما نفهمه من القرآن ليس فهما صحيحا، و إلاّ فيمتنع التعارض بين القطعيين.
يلاحظ عليه: أنّ المتكلّم لا يدّعي أنّ علمه يساوي علم اللّه سبحانه، إذ لا يتكلّم بذلك إلاّ المجنون، كيف و هو يقرأ في كتابه العزيز: وَ مٰا أُوتِيتُمْ مِنَ اَلْعِلْمِ إِلاّٰ قَلِيلاً .(2)
ثمّ إنّ المتكلّم في العقائد الدينية لا يهدف إلى إيثار عبارات الآخرين على عبارات المعجز الباهر (فأين التراب من رب الأرباب؟!) و إنّما يريد أن يستثمر العقل الذي وهبه اللّه سبحانه لهذا الموجود فيسلّط الضوء على آفاق و آفاق، ليتعرف على أحكامها من الإمكان و الوجوب و الامتناع، و أين ذلك من ترك كتاب اللّه؟!
و حصيلة الكلام: انّ ما كتبه ابن الجوزي في «تلبيس إبليس» و ابن الوزير
في «إيثار الحق على الخلق» و ما جمعه مؤلف «علاقة الإثبات و التفويض»(1)من كلمات المنتمين إلى السلف، كلّها مشاغبات و مناظرات في غير محلّها، تكشف عن أنّ هؤلاء لم يمسّوا كتابا كلاميا، و لم يناظروا متكلّما إسلاميا.
إنّ الإسلام دين عالمي تكلّم في الكون و التشريع بأبسط الوجوه، و من المعلوم أنّ خصومه يتربّصون به الدوائر فيثيرون عجاجة الشبهات على أصوله و فروعه بين حين و آخر، و طبيعة الحال تقتضي أن يكون هناك علماء أفذاذ محيطون بمنطق الخصم و حقيقة الإسلام، ليردّوا عنه سهام الأعداء، و يصونوا المسلمين من الوقوع في مصائد هؤلاء، و المتكلّم هو ذلك الإنسان الرسالي المدافع بمنطقه و أسلوبه عن كيان الإسلام و عقيدة المسلمين بأساليب مختلفة و في كلّ زمان.
فلو ترك الإسلام دون أن يناظر في أصوله و فروعه لاعتراه الوهن و خمد نوره، و انطلاقا من ذلك صار علم الكلام ضرورة زمنية ملحة.
نعم إنّ العقيدة الإسلامية التي هي عصارة الكتاب العزيز، و السنّة النبوية، بنيان مرصوص لا تتزعزع بالترّهات و الشبهات، فهي كالجبل الراسخ لا تحركه العواصف.
نعم العقيدة الإسلامية - كما وصفت - لها رصيدها الغيبي، و هي مستقاة من الوحي الذي لا يتطرق إليه الخطأ.
لكن الذي يحفّز المفكر الإسلامي على مزاولة علم الكلام و مدارسته، و التطلّع إلى سائر المدارس البشرية أو الإلحادية، هي أمور نشير إليها إجمالا:
1) . طبع بمكة، و قدّم له ابن باز.
في أجواء و ثنايا التيارات المتضادة و هم ليسوا ببعيدين عن أصحاب العقائد المختلفة، و من الواضح انّ التعايش على صعيد واحد، يستلزم احتكاكات ثقافية، و تبادل أفكار و معلومات، الأمر الذي يفضي إلى اختلاط الآراء الحقة بالدعاوي الباطلة التي تناقض العقيدة الإسلامية، ففي مجال تمحيص الحق، و استخلاصه من دنيا الباطل، لا محيص عن علماء و اعين يفرزون الأفكار الإسلامية الصحيحة، عن غيرها من الأفكار السقيمة، و الأصول الصحيحة عن الأصول الباطلة بطرق علمية.
و هذا هو مفضل بن عمر الجعفي الكوفي الذي عاصر الأئمّة الأربعة من الباقر إلى الرضا عليه السّلام يشرح لنا مدى الحرية التي نالها أصحاب المدارس الإلحادية في ذلك العصر و يقول:
كنت ذات يوم بعد العصر جالسا في الروضة بين القبر و المنبر و أنا مفكّر فيما خصّ اللّه تعالى به سيّدنا محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، من الشرف و الفضائل، و ما منحه و أعطاه و شرّفه و حباه، ممّا لا يعرفه الجمهور من الأمّة و ما جهلوه من فضله و عظيم منزلته، و خطير مرتبته، فانّي لكذلك إذ أقبل «ابن أبي العوجاء» فجلس بحيث
أسمع كلامه، فلمّا استقرّ به المجلس إذا رجل من أصحابه قد جاء فجلس إليه، فتكلّم «ابن أبي العوجاء» فقال: لقد بلغ صاحب هذا القبر العز بكماله، و حاز الشرف بجميع خصاله، و نال الحظوة في كلّ أحواله؛ فقال له صاحبه: إنّه كان فيلسوفا ادّعى المرتبة العظمى، و المنزلة الكبرى، و أتى على ذلك بمعجزات بهرت العقول، و ضلّت فيها الأحلام، و غاصت الألباب على طلب علمها في بحار الفكر، فرجعت خاسئات و هي حسّر، فلمّا استجاب لدعوته العقلاء و الفصحاء و الخطباء، دخل الناس في دينه أفواجا، فقرن اسمه باسم ناموسه فصار يهتف به على رؤوس الصوامع، في جميع البلدان و المواضع التي انتهت إليها دعوته، و علتها كلمته، و ظهرت فيها حجته برا و بحرا، سهلا و جبلا، في كلّ يوم و ليلة خمس مرّات مرددا في الأذان و الإقامة، ليتجدد في كلّ ساعة ذكره، و لئلاّ يخمل أمره.
فقال «ابن أبي العوجاء»: دع ذكر محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقد تحيّر فيه عقلي، و ضلّ في أمره فكري، و حدثنا في ذكر الأصل الذي يمشي به... ثمّ ذكر ابتداء الأشياء، و زعم أنّ ذلك بإهمال لا صنعة فيه و لا تقدير، و لا صانع و لا مدبّر، بل الأشياء تتكون من ذاتها بلا مدبّر، و على هذا كانت الدنيا لم تزل و لا تزال!
(قال المفضل): فلم أملك نفسي غضبا و غيظا و حنقا، فقلت: يا عدو اللّه ألحدت في دين اللّه، و أنكرت الباري جلّ قدسه الذي خلقك في أحسن تقويم، و صوّرك في أتمّ صورة، و نقلك في أحوالك حتّى بلغ إلى حيث انتهيت.
فلو تفكّرت في نفسك و صدقك لطيف حسّك، لوجدت دلائل الربوبية و آثار الصنعة فيك قائمة، و شواهده جلّ و تقدّس في خلقك واضحة، و براهينه لك
لائحة.
فقال: يا هذا إن كنت من أهل الكلام كلّمناك، فإن ثبتت لك حجّة تبعناك، و إن لم تكن منهم فلا كلام لك، و إن كنت من أصحاب جعفر بن محمد الصادق فما هكذا يخاطبنا، و لا بمثل دليلك يجادلنا، و لقد سمع من كلامنا أكثر ممّا سمعت، فما أفحش في خطابنا، و لا تعدى في جوابنا و انّه الحليم الرزين، العاقل الرصين، لا يعتريه خرق و لا طيش و لا نزق، يسمع كلامنا، و يصغي إلينا، و يتعرف حجّتنا، حتّى إذا استفرغنا ما عندنا، و ظننّا إنّا قطعناه، دحض حجّتنا بكلام يسير، و خطاب قصير، يلزمنا به الحجة، و يقطع العذر، و لا نستطيع لجوابه ردا، فإن كنت من أصحابه فخاطبنا بمثل خطابه.
قال المفضل: فخرجت من المسجد محزونا مفكّرا فيما بلي به الإسلام و أهله من كفر هذه العصابة و تعطيلها، فدخلت على مولاي عليه السّلام فرآني منكسرا، فقال:
مالك؟ فأخبرته بما سمعت من الدهريّين و بما رددت عليهما. فقال: يا مفضل لألقين عليك من حكمة الباري جلّ و علا و تقدّس اسمه في خلق العالم، و السباع، و البهائم، و الطير، و الهوام، و كلّ ذي روح من الأنعام و النبات و الشجرة المثمرة، و غير ذات الثمر و الحبوب، و البقول، المأكول من ذلك و غير المأكول، ما يعتبر به المعتبرون، و يسكن إلى معرفته المؤمنون، و يتحيّر فيه الملحدون، فبكّر عليّ غدا.(1)
ثمّ إنّ الإمام أملى عليه دروسا في مجالس أربعة، شرح فيها برهان النظم
1) . توحيد المفضل: 39-43، ط النجف الأشرف مع تقديم كاظم المظفّر؛ بحار الأنوار: 57/3.
التوأم مع وجود الهادفية في عالم الكون المنظّم، و قد طبعت باسم توحيد المفضل غير مرّة، و ترجمت إلى عدة لغات.
فلو لا هذه الشموس المضيئة و الأقمار المنيرة لغطت ظلمة الباطل الأقطار كلّها، و أصبحت كلمة التوحيد كحديث أمس الدابر لا ترى منها أثرا.
و قد أخبر الرسول عن هؤلاء الرجال الغيارى على الإسلام الذابين عن أصوله و فروعه في حديثه الذي رواه الكشي في رجاله قال:
يحمل هذا الدين في كلّ قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين و تحريف الغالين و انتحال الجاهلين كما ينفى الكير خبث الحديد.(1)
ففي هذا الجوّ الذي يتدرّع فيه الخصم - اليوم - بسلاح العلم، و يشن الهجوم على عقائدنا و مقدّساتنا، لا محيص من التدرّع بنفس السلاح حتّى يردّ الحجر من حيث جاء.
و نعم ما قاله المصلح السيد شرف الدين العاملي: «لا يأتي الهدى إلاّ من حيث أتت الضلالة».
و قد دخل الإمام الصادق من حيث دخل ابن أبي العوجاء و حلّ شبهته، على الأصول التي اعتمد عليها ضمن مجالس أربعة.
1) . رجال الكشي: ص 10.
و من هنا تفرض المسؤولية على المسلم الغيور أن يلمّ بعلم الكلام و قواعده ليشكل سدا منيعا أمام التيارات الهدّامة للدين.
و يطيب لي ذكر ما أبرق به شيخ إسلام العثمانيين - قبل غلبة العلمانيّة - إلى المرجع الأعلى في النجف الأشرف الشيخ محمد كاظم الخراساني (1255 - 1329 ه) و حاصل البرقية أنّ هذا السيل الجارف باسم الحضارة الحديثة انطلق من الغرب إلى الشرق إذا لم يكن أمامه سدّ منيع، سيطيح بالدين الإسلامي و الحضارة الإسلامية.
و هذا ما أبرق به عام 1327 ه، فما هو هذا السد الذي سيقف أمام هذا التيار الزاحف؟ إنّه ليس إلاّ دعم العقيدة الإسلامية و مكافحة الأميّة بالاسلوب العلمي، و هو ما نعبّر عنه بعلم الكلام و التفكير المنطقي.
إنّ هؤلاء - أي الذين يحرّمون الخوض في المعارف العقلية، و يقولون: إنّ واجبنا هو الإيمان و الإقرار أو التلاوة و السكوت - خلطوا مرحلة الإيمان القلبي المطلوب من جميع الناس، بمرحلة الفهم و النظر العقلي الدي لا يقوم به إلاّ الأماثل من الناس، و أصحاب المواهب و المؤهلات الفكرية الخاصة، و ما ذكروه راجع إلى المرحلة الأولى، فإنّ الإيمان المنقذ من الضلال و العذاب، هو الاعتقاد بصحّة ما جاء في الكتاب العزيز حول أسمائه و صفاته و أفعاله، حتى في مجالات الصفات الخبرية من اليد و الوجه و العين و الاستواء على العرش، و بما أنّ الأكثرية الساحقة لا يستطيعون فهم ما فيها من الدقائق و المعارف و ربما يكون الخوض فيها منتهيا إلى ما لا يحمد، فإنّه يكفي لهم الإيمان و الإقرار و الإمرار و السكوت، و ما
نقل عن الإمام مالك (المتوفّى 179 ه): إيّاكم و البدع، قيل: يا أبا عبد اللّه ما البدع؟ قال: أصحاب البدع هم الذين يتكلّمون في أسمائه و صفاته و كلامه و علمه و قدرته، و لا يسكتون عمّا سكت عنه الصحابة و التابعون لهم بإحسان.(1)لعلّه ناظر إلى هذه الطائفة الذين لو خاضوا فيها، فسدوا و أفسدوا، و لم يأتوا بشيء.
و أمّا إذا انتقل إلى المرحلة الثانية، أي مرحلة الفهم و الدراية و البحث و النظر و صياغة العقائد في ضوء الكتاب و السنّة و العقل، فلا يصحّ له الاكتفاء بالإقرار و الإمرار، فإنّ الاستطلاع أمر طبيعيّ للبشر، و هو أحد الأبعاد الأربعة الروحية له، فلا يمكن كبح جماح فهمه و نظره بحجّة أنّ الصحابة و التابعين سكتوا عنه، و كأنّ السلف هم القدوة دون الذكر الحكيم، و دون النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و عترته الذين تكلّموا فيها، و أضاءوا الطريق لسالكيه، و كأنّ قوّة التفكير و النظر و المواهب العقلية المودعة في الإنسان خلقت سدى و بلا غاية.
و هل يمكن أن يفرض على عمالقة الفكر و أصحاب المواهب العقلية أن يقفوا دون هذه المعارف و يطفئوا أنوار عقولهم ليصبحوا كأجلاف البيداء لا همّ لهم سوى الأكل و الشرب و السير طلبا للماء و العشب؟!
و على هذا فيجب تصنيف الناس إلى صنفين: قابل و غير قابل، مستعدّ و غير مستعدّ، فلو صحّ الحرمان فإنّما للسوقة من الناس دون من أوتي تفكيرا قويا و استعدادا وقّادا.
ثمّ إنّه كما يجب تصنيف الناس، يجب تصنيف المسائل بين ما يمكن للإنسان الخوض فيه و الرجوع عنها بفكرة صحيحة، و ما لا يمكن للإنسان دركه
1) . الدكتور أحمد محمود صبحي: في علم الكلام: 21/1 نقلا عن تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، لمصطفى عبد الرازق: 155، طبعة 1944 م.
و فهمه، فإنّ البحث عن ذاته سبحانه أمر غير ممكن، إذ ليس كمثله شيء حتى يعرف الذات به، و لأجل ذلك ورد النهي الأكيد عن البحث و الجدال في ذاته، و مثله البحث عن حقيقة الوحي و النبوة، أو عن حقيقة الجنة و النار، إلى غير ذلك من الأمور الغيبية التي لا يلمسها و لا يدركها إلاّ نبي يوحى إليه أو إنسان خرج من الدنيا و دخل الآخرة، و الواجب فيها الإيمان فقط، قال سبحانه: اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ .(1)فإنّ الإنسان المحبوس في سجن المادة، لا يمكن له درك حقيقتها، و إن كان له حقّ البحث عن آثار الوحي و النبوة و خصائصهما.
أضف إلى ذلك انّه لا مفرّ للمانعين عن الخوض في المعارف القرآنية بل العقلية على الإطلاق، من سلوك أحد طريقين:
التلاوة و السكوت و الإمرار و الإقرار و تفويض معانيها إلى منزّلها.
الأخذ بظواهر الآيات الحرفية و تفسيرها بظواهرها الحرفية.
أمّا الأوّل فينتهي إلى تعطيل العقول عن المعارف و بالتالي يتنزّل الإنسان إلى حدّ الحيوان، و تكون وظيفة الحكيم العارف المقتدر على درك دقائق التوحيد و رقائقها، هي نفس وظيفة الجاهل البائل على عقبه، في مجال العقيدة و التفكير، و هو كما ترى.
و أمّا الثاني فهو ينتهي إلى التشبيه و التجسيم، و أقصى ما عند هؤلاء الذين يأخذون بالظواهر الحرفية هو ضمّ كلمة «بلا كيف و لا تمثيل» إلى مفاد هذه الآيات، فيقولون: إنّ للّه يدا و رجلا و عينا و استواء على العرش بنفس المعنى اللغوي، و لكن بلا كيف و لا تمثيل.
1) . البقرة: 3.
يلاحظ عليه أوّلا: أنّه لم ترد تلك الجملة (بلا كيف) في نصّ قرآني و لا سنّة نبوية، فمن أين لهم هذه الجملة و تفسير الآيات على ضوئها؟!
و ثانيا: أنّ اليد و أضرابها موضوعة حسب اللغة للأعضاء المحسوسة، التي لها هيئات و مواصفات و هي مقوّماتها، فإجراؤها على اللّه سبحانه مع حفظ المقوّمات، يستلزم التشبيه و التمثيل، و مع عدمها، يستلزم التأويل، فاليد في يَدُ اَللّٰهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (1)إمّا مستعملة في اليد المحسوسة فهو مثار التشبيه، و إمّا في غيرها فهو مثار التأويل الذي يفرّون منه فرار المزكوم من المسك.
و هذه المضاعفات ناشئة عن الجمود على الظواهر الحرفية و الأخذ بالظهور التصوّري، دون الظهور التصديقي الذي لا يخالف العقل قيد شعرة في آية من الآيات.
إنّ الدعوة السلفية التي أحدثت ضجة في القرن الرابع عشر قد طرحت الصفات الخبرية على صعيد البحث في الآونة الأخيرة، و تصرّ على الأخذ بمعانيها الحرفية، و قد عرفت أنّها تنتهي إلى التجسيم أو التأويل.
و من المؤسف جدّا إنّ المتقدّمين من السلف كانوا يصرّون على الأخذ بحرفية الصفات، و إليك بعض نصوصهم:
قيل لعبد اللّه بن مبارك: كيف يعرف ربّنا؟ قال: بأنّه فوق السماء السابعة و على العرش بائن من خلقه.
و قال الأوزاعي: إنّ اللّه على عرشه، و نؤمن بما وردت به السنّة من صفاته.
1) . الفتح: 10.
و قال الدارمي في مقدمة كتابه «الردّ على الجهمية»: استوى على عرشه فبان من خلقه.
و قال القرطبي في تفسير قوله سبحانه: ثُمَّ اِسْتَوىٰ عَلَى اَلْعَرْشِ (1)، و قد كان السلف لا يقولون بنفي الجهة و لا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم، و الكافة بإثباتها للّه تعالى كما نطق كتابه و أخبرت رسله و لم ينكر أحد من السلف الصالح أنّه استوى على عرشه حقيقة.(2)ذٰلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ اَلْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اِهْتَدىٰ .(3)
قد عرفت أدلّة المتقدّمين على منع الخوض في المعارف الإلهية، و هناك من يؤيد تلك الفكرة لكن بثوب جديد و هو انّ العلم المفيد هو العلم المعتمد على الحس و التجربة، فالخارج عن ذينك الحكمين لا يفيد شيئا. و في ذلك يقول فريد وجدي في بعض كتبه:
بما انّ خصومنا يعتمدون على الفلسفة الحسّية و العلم الطبيعي في الدعوة إلى مذهبهم، فنجعلهما عمدتنا في هذه المباحث، بل لا مناص لنا من الاعتماد عليهما، لأنّهما اللّذان أوصلا الإنسان إلى هذه المنصة من العهد الروحاني.(4)
و قال أبو الحسن الندوي:
و قد كان الأنبياء عليهم السّلام أخبروا الناس عن ذات اللّه و صفاته و أفعاله و عن بداية هذا العالم و مصيره و ما يهجم على الناس بعد موتهم، آتاهم اللّه علم ذلك كلّه بواسطتهم عفوا بلا تعب، و كفاهم مؤونة البحث و الفحص في علوم ليس عندهم مبادؤها و لا مقدّماتها التي يبنون عليها بحثهم ليتوصلوا إلى مجهول، لأنّ هذه العلوم وراء الحس و الطبيعة لا تعمل فيها حواسّهم، و لا يؤدي إليها نظرهم، و ليست عندهم معلوماتها الأوّلية.
إنّ الذين خاضوا في الإلهيات من غير بصيرة و على غير هدى جاءوا في هذا العلم بآراء فجّة، و معلومات ناقصة، و خواطر سانحة، و نظريات مستعجلة فضلّوا و أضلّوا.(1)
و يلاحظ على كلا التقريرين:
أوّلا: إنّ الاعتماد على الفلسفة الحسّية و التركيز على الحسّ من بين أدوات المعرفة، مقتبس من الفلسفة المادية التي ترفض الاعتماد على العقل و أدواته و لا تعترف إلا بالحسّ و تحسبه أداة منحصرة للمعرفة، و العجب أن يلهج بهذا الأصل من يدّعي الصلة بالإسلام و يعد من المناضلين ضد الفلسفة الماديّة، ففي القول بهذا، إبطال للشرائع السماوية، المبنية على النبوّة و الوحي و نزول الملك و سائر الأمور الخارجة عن إطار الحسّ، و التي لا تدرك إلا بالعقل و البرهنة، فمن العجيب أن يلعب فريد وجدي و مقلّد الدعوة السلفية «أبو الحسن الندوي» بحبال المادية من غير شعور و لا استشعار.
1) . ما ذا خسر العالم بانحطاط المسلمين: 97.
و ثانيا: إنّه لو صحّ قول «الندوي» إنّ: «هذه العلوم وراء الحسّ و الطبيعة لا تعمل فيها حواسّهم، و لا يؤدّي إليها نظرهم، و ليست عندهم معلوماتها الأوّلية»، فلماذا يطرح الذكر الحكيم لفيفا من المعارف، و يحرّض على التدبّر فيها و هي ممّا يقع وراء الحسّ و الطبيعة، و ليست الغاية من طرحها هو التلاوة و السكوت حتى تصبح الآيات لقلقة لسان لا تخرج عن تراقي القارئ بدل أن تتسلّل إلى صميم الذهن و أعماق الروح؟!
لقد منيت الفلسفة بنفس ما مني به علم الكلام، و المراد من الفلسفة هو التفكير العقلي في صفحة الكون و الوجود، و قد انتقلت الفلسفة إلى أوساط المسلمين عن طريق المترجمين في عصر العبّاسيّين، و لمّا كان فيها من الآراء ما لا يوافق الأصول المسلّمة عند المسلمين، قام المتطرّفون بتحريم الكلّ و تكفير المتعاطي لها خلافا لقوله سبحانه: اَلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ اَلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ، لكن المنصفين من علماء الإسلام حافظوا على الاعتدال، فأخذوا الصحيح منها و نقدوا الباطل و تلقّوها ثروة فكرية بشريّة لا تختص بفئة دون فئة، لكنّها بحكم أنّها حصيلة الفكر البشري لا تخلو عمّا يخالف الحقّ، و ها نحن - على وجه الإيجاز - نذكر كلمات بعض المنكرين لها بتاتا:
ألّف الغزالي كتابه المعروف «تهافت الفلاسفة» و هو يضمّ عشرين مسألة عالجها الفلاسفة القدماء و رأى تناقضهم فيها، فكفّرهم في ثلاث منها، دون غيرها من المسائل التي رأى أنّها قريبة من عقائد المعتزلة و غيرهم، و قد ذكر الغزالي
المسائل العشرين في ديباجة الكتاب و نحن نذكرها حسب ما ذكره، قال:
التي أظهرنا تناقض مذهبهم فيها في هذا الكتاب و هي عشرون مسألة:
المسألة الأولى: إبطال مذهبهم في أزلية العالم.
المسألة الثانية: إبطال مذهبهم في أبدية العالم.
المسألة الثالثة: بيان تلبيسهم في قولهم: إنّ اللّه صانع العالم، و إنّ العالم صنعه.
المسألة الرابعة: في تعجيزهم عن إثبات الصانع.
المسألة الخامسة: في تعجيزهم عن إقامة الدليل على استحالة إلهين.
المسألة السادسة: في إبطال مذاهبهم في نفي الصفات.
المسألة السابعة: في إبطال قولهم: إنّ ذات الأوّل لا تنقسم بالجنس و الفصل.
المسألة الثامنة: في إبطال قولهم: إنّ الأوّل موجود بسيط بلا ماهية.
المسألة التاسعة: في تعجيزهم عن بيان أنّ الأوّل ليس بجسم.
المسألة العاشرة: في بيان أنّ القول بالدهر و نفي الصانع لازم لهم.
المسألة الحادية عشرة: في تعجيزهم عن القول بأنّ الأوّل يعلم غيره.
المسألة الثانية عشرة: في تعجيزهم عن القول بأنّه يعلم ذاته.
المسألة الثالثة عشرة: في إبطال قولهم: إنّ الأوّل لا يعلم الجزئيات.
المسألة الرابعة عشرة: في قولهم: إنّ السماء حيوان متحرك بالإرادة.
المسألة الخامسة عشرة: في إبطال ما ذكروه من الغرض المحرّك للسماء.
المسألة السادسة عشرة: في إبطال قولهم: إنّ نفوس السماوات تعلم جميع الجزئيات.
المسألة السابعة عشرة: في إبطال قولهم باستحالة خرق العادات.
المسألة الثامنة عشرة: في قولهم: إنّ نفس الإنسان جوهر قائم بنفسه ليس بجسم و لا عرض.
المسألة التاسعة عشرة: في قولهم باستحالة الفناء على النفوس البشرية.
المسألة العشرون: في إبطال إنكارهم لبعث الأجساد، مع التلذذ و التألّم في الجنة و النار باللذات و الآلام الجسمانية.
فهذا ما أردنا أن نذكر تناقضهم فيه من جملة علومهم الإلهية و الطبيعية، و أمّا الرياضيات فلا معنى لإنكارها و لا للمخالفة فيها، فإنّها ترجع إلى الحساب و الهندسة.
و أمّا المنطقيات فهي نظر في آلة الفكر في المعقولات، و لا يتّفق فيه خلاف به مبالاة، و سنورد في كتاب «معيار العلم» من جملته ما يحتاج إليه لفهم مضمون هذا الكتاب إن شاء اللّه.(1)
أقول: و قبل الكلام في المسائل الثلاث التي كفّر بها الفلاسفة نلفت نظر القارئ إلى نكتة و هي انّ قسما من هذه المسائل مبنيّ على أصول الهيئة البطليموسية، أعني: المسائل الرابعة عشرة - الثامنة عشرة، فليس في الكون سماء حسب التفكير البطليموسي، حتّى نتكلّم في خصوصياتها، نعم لا شكّ أنّ القول بقدم العالم الملازم لاستغنائه عن الخلق و الإيجاد كفر لا يتفوّه به الموحد فضلا عن المسلم، و هكذا إنكار علمه سبحانه بالجزئيات، إذ صريح الآيات المتضافرة على أنّه لا يخفى عليه شيء في الأرض و لا في السماء. كما هو مقتضى البراهين الفلسفية التي غفل عنها الغزالي.
1) . تهافت الفلاسفة: 41-42، ط دار و مكتبة الهلال.
و يقرب من ذلك إنكار حشر الأجساد، فإنّ المعاد الجسماني من ضروريات الدين، يقول سبحانه: قُلْ يُحْيِيهَا اَلَّذِي أَنْشَأَهٰا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (1)، و أمّا ما سوى ذلك فإنّما هي آراء فلسفيّة أو كلامية و ليست من أسباب الإيمان و الكفر.
لكن الكلام في ثبوت الصغريات، فهل الفلاسفة المسلمون كانوا ينكرون حدوث العالم و يعتقدون بقدمه؟ و هل الفلاسفة الإسلاميّون كلّهم على النحو الذي يصفهم هو بقوله: قد رأيت طائفة يعتقدون في أنفسهم التميز عن الأتراب و النظراء بمزيد الفطنة و الذكاء، قد رفضوا وظائف الإسلام من العبادات، و استحقروا شعائر الدين: من وظائف الصلوات، و التوقي عن المحظورات، و استهانوا بتعبّدات الشرع و حدوده و لم يقفوا عند توقيفاته و قيوده، بل خلعوا بالكلية ربقة الدين بفنون من الظنون، يتبعون فيها رهطا يصدون عن سبيل اللّه و يبغونها عوجا و هم بالآخرة هم كافرون، و لا مستند لكفرهم غير تقليد سماعي إلفي كتقليد اليهود و النصارى، إذ جرى على غير دين الإسلام نشأهم و أولادهم؟ و عليه درج آباؤهم و أجدادهم، و غير بحث نظري، صادر عن التعثّر بأذيال الشبه، الصارفة عن صوب الصواب، و الانخداع بالخيالات المزخرفة كلامع السراب، كما اتّفق لطوائف من النظّار في البحث عن العقائد و الآراء، من أهل البدع و الأهواء.(2)
و نحن لا يمكن لنا إنكار ما ذكره أو تصديقه و لكن نجلّ أكثر الفلاسفة الإسلاميين عن هذه الآراء الساقطة خصوصا من تقدّم عليه، نظراء: الفارابي، و الشيخ الرئيس، و من تأخر عنه كالمحقّق نصير الدين محمد بن محمد بن حسن
الطوسي (597-672 ه) و من تربّى على يديه، كالكاتب القزويني، و العلاّمة الحلّي، و من أتى بعدهم كالمحقّق الداماد و مشايخه و تلاميذه.
أوجدت مسألة حدوث العالم حدوثا زمانيا ضجّة كبرى بين أهل المنقول، فالمتكلّمون - تبعا لما ورد في الروايات - على أنّ العالم حادث زمانا، و يقولون: كان زمان لم يكن للعالم فيه أيّ أثر.
غير أنّهم عجزوا عن البرهنة و الاستدلال على معتقدهم هذا، إذ انّ الحدوث الزماني عبارة عن «سبق عدم العالم في زمان خاص و انّه كان زمان لم يكن للعالم فيه خبر و لا أثر».
و هذا الرأي أوقعهم في مشكلة، لأنّه ينقل الكلام إلى نفس «الزمان» فهل لهذا الزمان حدوث زماني أو لا؟
فإن اختاروا الأوّل لزم أن يكون للزمان زمان، أي أن يكون ثمة زمان لم يكن فيه من الزمان اللاحق أثر و لا خبر، و هذا باطل جدّا، لأنّه ينقل الكلام إلى الزمان السابق و هكذا يتسلسل.
و إن اختاروا الثاني استلزم ذلك قدم الزمان و هم يفرّون من كلّ قديم زماني.
هذا و قد طال البحث و الجدل حول هذه المسألة التي هي خارجة عن إطار هذا البحث و لو أنّهم فرقوا بين الحدوث الذاتي المتّفق عليه بين الإلهيين و الحدوث الزماني الذي يستلزم القول به التسلسل، لكان أفضل و أقطع للنزاع.
على أنّ نظرية «الحركة الجوهرية» قد حلّت العقدة و أثبتت الحدوث الزماني للمادة بأوضح الوجوه لا بنحو يستلزم التسلسل، لأنّه إذا كان الزمان منبعثا من تجدّد المادة و تدرّجها، فكلّ قطعة من المادة السيّالة ترسم عدم القطعة اللاحقة، فتصير كلّ قطعة من المادة موصوفة بأنّها لم تكن مع القطعة السابقة، و بالنتيجة لم تكن القطعة اللاحقة في الزمان السابق عليها.
و بتعبير آخر: إذا كان كلّ قطعة من المادة السيّالة و كلّ درجة منها متعانقا مع الزمان، و لم يكن من القطعة اللاحقة فيها عين و لا أثر، صحّ توصيف القطعة اللاحقة بالحدوث الزماني، و هو انّه لم تكن القطعة اللاحقة في ظرف القطعة السابقة، و هكذا الحال إذا وضعنا البنان على كلّ جزء جزء من تلك المادة السيّالة.
و بهذا يثبت الحدوث الزماني للطبيعة من دون أي إشكال.
و في هذا الصدد يقول الحكيم صدر الدين الشيرازي:
«لقد تبيّن انّ الأجسام كلّها متجدّدة الوجود في ذاتها، و انّ صورتها صورة التغيّر، و كلّ منها حادث الوجود مسبوق بالعدم الزماني كائن فاسد لا استمرار لهوياتها الوجودية، و لا لطبائعها المرسلة، و الطبيعة المرسلة وجودها عين شخصياتها و هي متكثرة، و كلّ منها حادث و لا جمعية لها في الخارج حتّى يوصف بأنّها حادث أو قديم».(1)
و قال: «إنّ الطبائع المادية كلّها متحركة في ذاتها و جوهرها مسبوقة بالعدم الزماني، فلها بحسب كلّ وجود معيّن مسبوقية بعدم زماني غير منقطع في الأزل».(2)
إنّ نفي علمه سبحانه بالجزئيات فكرة غير صحيحة لا يليق أن تنسب إلى الفلاسفة الإلهيين الذين اتّفق أكثرهم على علمه بها، و إنّما اختلفوا في الكيفية، و قد ذكر صدر المتألّهين أقوال المتقدّمين و المتأخرين منهم في الفصل الرابع من الموقف الثالث في الأسفار، و ها نحن نذكر آراءهم في الموضوع، و التي تحكي اتّفاقهم أو اتّفاق أكثرهم على العلم بالجزئيات، و الاختلاف بينهم إنّما هو اختلاف في الطريقة.
الأوّل: مذهب توابع «المشّائين» منهم الشيخان «أبو نصر» و «أبو علي» و «بهمنيار» و «أبو العباس اللوكزي»، و كثير من المتأخرين، و هو القول بارتسام صور الممكنات في ذاته تعالى و حصوله فيها حصولا ذهنيا على الوجه الكلّي.
الثاني: القول بوجود صور الأشياء في الخارج، و هو مذهب المحقّق الطوسي و ابن كمونة و العلاّمة الشيرازي و محمد الشهرزوري.
الثالث: القول باتحاده تعالى مع الصور المعقولة، و هو المنسوب إلى فرفوريوس.
الرابع: ما ذهب إليه أفلاطون الإلهي من إثبات الصور المفارقة و المثل العقلية و انّها علوم إلهية.
الخامس: مذهب القائلين بثبوت المعدومات الممكنة قبل وجودها، و هم المعتزلة.
السادس: مذهب القائلين بأنّ ذاته تعالى علم بجميع الممكنات.
السابع: القول بأنّ ذاته علم تفصيلي بالمعلول الأوّل و إجمالي بما سواه و ذات
المعلول الأوّل علم تفصيلي بالمعلول الثاني و إجمالي بما سواه، و هكذا إلى أواخر الموجودات، فهذا تفصيل المذاهب المشهورة بين الناس.(1)
و قد أنهى الحكيم السبزواري في شرح المنظومة عدد الأقوال في كيفية العلم بالجزئيات إلى أحد عشر قولا آخرها لصدر المتألّهين الذي استنبطه من القاعدة الفلسفية، و هي أنّ بسيط الحقيقة كلّ الأشياء و أنّ ذاته سبحانه حاو لكلّ الكمالات، فما يوجد في عالم الإمكان من الجزئيات، فاللّه سبحانه جامع لكمالاته على نحو أبسط و أتمّ، كملكة علم النحو التي تجمع كمالات الأجوبة التفصيلية النحوية، و عندئذ يكون العلم بالذات نفس العلم بما سواه.
نحن لا نريد أن نحوم حول هذه الآراء لنميّز الصحيح عن الزائف، بل المقصود هو بيان اتّفاقهم (إلاّ من شذّ) على علمه سبحانه بالجزئيات و إنّما اختلفوا في طريقته.
المسألة الثالثة التي كفّر بها الفلاسفة هي إنكار حشر الأجساد و هي ليست على ما نقل، نعم ينسب إلى النصارى بأنّ المعاد روحاني و ليس بجسماني، و أمّا الفلاسفة الإسلاميون، فأقصى ما عندهم أنّ المعاد الروحاني مبرهن عليه دون المعاد الجسماني فلا برهان عليه، غير أنّ النصوص متضافرة على حشر الأجساد.
يقول الشيخ الرئيس: يجب أن يعلم: انّ المعاد منه ما هو منقول في الشرع و لا سبيل إلى إثباته إلاّ من طريق الشريعة و تصديق خبر النبي و هو الذي للبدن
1) . الأسفار الأربعة: 180/6-181.
عند البعث، و خيرات البدن و شروره معلومة لا يحتاج إلى تعلم.
و قد بسطت الشريعة الحقّة التي أتانا بها نبيّنا و سيّدنا و مولانا محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حال السعادة و الشقاوة التي بحسب البدن، و منه ما هو مدرك بالعقل و القياس.(1)
هذا نصّ كلامه، و أمّا من تأخّر عنه كصدر المتألهين، فقد قال في شرح الهداية الأثيرية: اعلم أنّ إعادة النفس إلى بدن مثل بدنها الذي كان لها في الدنيا، مخلوق من سنخ هذا البدن بعد مفارقتها عنه في القيامة، كما نطقت به الشريعة من نصوص التنزيل و روايات كثيرة متضافرة عن أصحاب العصمة و الهداية غير قابلة للتأويل، كقوله تعالى: قٰالَ مَنْ يُحْيِ اَلْعِظٰامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا اَلَّذِي أَنْشَأَهٰا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ .(2)
فَإِذٰا هُمْ مِنَ اَلْأَجْدٰاثِ إِلىٰ رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ .(3)
أَ يَحْسَبُ اَلْإِنْسٰانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظٰامَهُ * بَلىٰ قٰادِرِينَ عَلىٰ أَنْ نُسَوِّيَ بَنٰانَهُ .(4)
و هذا أمر ممكن غير مستحيل فوجب التصديق به، لكونه من ضروريات الدّين و إنكاره كفر مبين.(5)
و لعلّ هذا المقدار حول المسائل الثلاث كاف.
و أمّا سائر المسائل من المسائل العشرين فهي على أقسام:
بالسالبة بانتفاء الموضوع، كالمسائل المبنية على الهيئة البطلميوسية.
ما هو صحيح و مبرهن، أدعمه الذكر الحكيم كتجرد النفس و بقائها بإذن اللّه سبحانه و كون الواجب سبحانه صرف الوجود لا ماهية له.
ما يعد مسائل فلسفية أو كلامية لا يناط بها الإيمان و الكفر كسائر المسائل.
إنّ علي بن أحمد بن علي بن سعيد بن حزم الأموي بالولاء، أبو محمد الأندلسي القرطبي مروّج المذهب الظاهري و منقحه قام بنقد الفلسفة في رسائله و في كتابه «الفصل في الملل و الأهواء و النحل»، أمّا في رسائله فقد ألّف رسالة في الرد على «رسالة الكندي إلى المعتصم باللّه» في الفلسفة الأولى و قد أسماه كتاب «الفلسفة الأولى فيما دون الطبيعيات و التوحيد»، كما ناقش في «الفصل» بعض المسائل الفلسفية.(1)
لقد ألّف أبو الفتح محمد بن أبي القاسم عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني الشافعي الأشعري كتاب «مصارعة الفلاسفة» و ردّ فيه على سبعة من المسائل الفلسفية المهمّة، يقول:
«هذه المصارعة في سبع مسائل من الإلهيات، من جملة نيّف و سبعين مسألة في المنطق و الطبيعيات و الإلهيات خنقته فيها بوتده، و رشقته بمشاقصه، و رددته في
1) . اقرأ ترجمته في الأعلام: 254/4، و معجم المؤلفين: 16/7، و غيرهما.
مهوى حفرته، و أركسته لأمّ رأسه في زبيته(1)، ذلك من فضل اللّه علينا و على الناس و لكن أكثر الناس لا يشكرون.
المسألة الأولى: في حصر أقسام الوجود.
المسألة الثانية: في وجود واجب الوجود.
المسألة الثالثة: في توحيد واجب الوجود.
المسألة الرابعة: في علم واجب الوجود.
المسألة الخامسة: في حدوث العالم.
المسألة السادسة: في حصر المبادئ.
المسألة السابعة...(2)
و قد كان الركب سائرا في نقد الفلاسفة عصرا بعد عصر، فهذا هو أبو البركات البغدادي ينقد آراء الفلاسفة في إرادته سبحانه في كتابه المعتبر (ج 3، ص 176). كما أنّ الإمام الرازي قام بنقد الإشارات للشيخ الرئيس، و لم يقتصر على كتابه هذا، بل له في غير واحد من كتبه (كالمباحث المشرقية و البراهين و غير ذلك) ردود و تشكيكات، و مع ذلك كلّه فالقوم بدل أن يستهدفوا في كتاباتهم تمييز الصحيح عن الزائف و الاستماع إلى الأحسن، شطبوا على الجميع و رموهم بسهم واحد خلافا لما دعا إليه الذكر الحكيم.
غير أنّ المحقّقين لم يلزموا جانب الصمت إزاء هذا الهجوم، بل تصدّوا للردّ على تلك الشبهات منهم: علمان جليلان و كوكبان مضيئان في سماء العلم
و الفلسفة:
أ. أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد الأندلسي (520-595 ه) ألّف كتاب «تهافت التهافت» سنة (575 ه) ردّا على كتاب «تهافت الفلاسفة» لأبي حامد الغزالي، و قد أحدث هذا الكتاب منذ ظهوره دويّا في الأوساط الدينية و الفلسفية، يبدأ كتابه بقوله:
و بعد حمد اللّه الواجب و الصلاة على جميع رسله و أنبيائه، فإنّ الغرض من هذا القول أن نبيّن مراتب الأقاويل المثبتة في كتاب التهافت في التصديق و الإقناع و قصور أكثرها عن مرتبة اليقين و البرهان.
ب. نصير الدين محمد بن محمد بن الحسن الطوسي (597-672 ه)، ألّف كتابا باسم «مصارع المصارع» ردّ فيه على كتاب «مصارعة الفلاسفة» للشهرستاني الّذي ألّفه للرد على الشيخ الرئيس في مسائل سبع. يقول المحقّق الطوسي في مقدّمة الكتاب:
عثرت في أثناء طلبي على كتاب يعرف بالمصارعات للشيخ تاج الدين أبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني ادّعى فيه مصارعته مع الشيخ الرئيس أبي علي حسين بن عبد اللّه بن سينا في عدّة من المسائل و الردّ عليه فيما ذكره في كتبه.
فدعتني دعواه إلى النظر فيه، و اشتد حرصي من استماع اسمه على التأمّل في معانيه.
فلمّا طالعته وجدته مشتملا على قول سخيف، و نظر ضعيف، و مقدّمات واهية، و مباحث غير شافية، و تخليط في الجدال، و تمويه في المثال، قد مازج به سفها يحترز عنه العلماء، ورثّا من القول لا يستعمله الأدباء، إلاّ المنتسبين بالانتقام، و المتسوقين عند العوام، قد انصرع في أكثر مصارعاته، و انهزم في معظم مبارزاته.
فرأيت أن أكشف عن تمويهاته، و أميز بين تخليطاته، غير ناصر لابن سينا في
مذاهبه، لكن مشيرا إلى مزالّ أقدام صاحبه، و منبّها على مغالطات مشاغبه، و إن كلته في بعض المواضع بصاعه، أو سقيته بكأسه، فاللّه يعلم مني أنّ ذلك ليس ممّا يقتضيه دأبي، و لا يتعوده خلقي، بل الحرب يعدي، و الكلام يجر الكلام.
و نقلت فيه متن كلامه، و نص مرامه، من صدره إلى ختامه، لئلا يحتاج من يقع إليه هذه النسخة إلى طلب أصل الكتاب، و سمّيته ب «مصارع المصارع»، فإن وقعت لي فيه زلة أو هفوة، فليصلح من اطّلع عليه من إخواني، طلبا بذلك اقتناء الخير، و إحراز الأجر، و ها أنا مفتتح الكتاب، و اللّه ملهم الصواب.
و لم يزل النقد و الردّ قائما على قدم و ساق بين المتخاصمين، و قد عرفت أنّ القول الحاسم هو دراسة الأقوال و الآراء و الاستماع إلى أحسنها، هذا من جانب و من جانب آخر أنّ دراسة الفلسفة و مذاكرتها رهن قابلية و صلاحية خاصّة، و هي ليست شرعة لكلّ وارد و شارد، و إنّما يردها وارد بعد وارد، فهي رهن ذهن وقّاد و صلاحية ممتازة كما يقول الشيخ الرئيس:
أيّها الأخ إنّي قد مخضت لك في هذه الإشارات عن زبدة الحقّ، و ألقمتك قفّي الحكم في لطائف الكلم، فضنه عن الجاهلين و المبتذلين و من لم يرزق الفطنة الوقادة و الدربة و العادة، و كان صغاه من الغاغة، أو كان من ملحدة هؤلاء الفلاسفة و من همجهم، فإن وجدت من تثق بنقاء سريرته و استقامة سيرته و بتوقّفه عمّا يتسرع إليه الوسواس و بنظره إلى الحقّ بعين الرضا و الصدق فآته ما يسألك منه مدرّجا مجزءا مفرقا، تستفرس ممّا تسلفه لما تستقبله، و عاهده باللّه و بأيمان لا مخارج لها ليجري فيما يأتيه مجراك متأسيا بك، فإن أذعت هذا العلم أو أضعته فاللّه بيني و بينك، و كفى باللّه وكيلا.(1)
1) . شرح الإشارات: 419/2.
ألّف ابن تيمية كتابا أسماه «درء تعارض العقل و النقل» أو «موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول» حاول فيه رفع التناقض بين العقل و النقل، و لكنّه في الحقيقة يريد العقل الذي يوافق النقل الموجود في الصحيحين و غيرهما، دون العقل المخالف، و إن دعمته البراهين الناصعة التي بها عرفنا ربّنا سبحانه، فالأصل عنده النقل، لا العقل، و السلفية اليوم يكيلون له بكيل كبير و يضفون عليه ألقابا فخمة، نظير شيخ الإسلام، علم الأعلام، مفتى الأنام، الإمام المجاهد، الصادق الصابر، سيف السنّة المسلول على المبتدعين، و القاطع البتّار لألسنة المارقين الملحدين و...
هلمّ معي لنقف على عطاءاته الفكرية في هذا المجال، و هل هو عارض المبتدعين أو هو أحد المبتدعة؟ و نحن نستعرض في ذلك شيئا من آرائه ليكون كنموذج لما لم نذكره:
قد تقدّم أنّ الغزالي كفّر الفلاسفة لقولهم بقدم العالم و عدم حدوثه زمانا، و قد أحيا ابن تيمية تلك الفكرة، و قال بقدم العالم نوعا، و حدوثه شخصا، ذكره في غير واحد من كتبه، مثل «موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول» و «منهاج السنة» و غيرهما.
و هذا نصّ عبارته في الموافقة:
و أمّا أكثر أهل الحديث و من وافقهم فانّهم لا يجعلون النوع حادثا بل قديما، و يفرّقون بين حدوث النوع و حدوث الفرد من أفراده، كما يفرق جمهور العقلاء
بين دوام النوع و دوام الواحد من أعيانه.(1)
و العجب أنّه نسبه إلى أكثر أهل الحديث، و أين هم من هذه البحوث الفلسفية؟! و متى أدلوا بهذا الرأي؟! فانّ مذهبهم هو السكوت عمّا سكت عنه الكتاب و السنّة، و هل هناك آية أو رواية تدلّ على أنّ كلّ ما في العالم من الأنواع، قديم بنوعه، حادث بشخصه.
و يقول في منهاجه: و حينئذ يمتنع كون شيء من العالم أزليا، و إن جاز أن يكون نوع الحوادث دائما لم يزل، فانّ الأزل ليس هو عبارة عن شيء محدد، بل ما من وقت يقدر إلاّ و قبله وقت آخر، فلا يلزم من دوام النوع، قدم شيء بعينه.(2)
و يقول أيضا: و أين في القرآن امتناع حوادث لا أوّل لها.(3)
أقول: إنّ صريح ذلك انّ الزمان بجنسه قديم، دون مصاديقه، و هكذا سائر الأنواع من إنسان و فرس، و بقر، فهل هذا ما نطق به الذكر الكريم أو السنّة النبوية؟!
ثمّ إنّ الذي دعاه إلى اختيار هذا الرأي، هو قوله بجلوس الرب على العرش، فعند ما يثار بوجهه هذا السؤال إنّ العرش مخلوق للّه سبحانه، فأين كان سبحانه قبل خلق العرش؟ فإنّه يحاول الخروج من هذا المأزق بما نقله عنه المحقّق الدواني في كتاب شرح العضدية، قال: و قد رأيت في بعض تصانيف ابن تيمية القول بالقدم الجنسي في العرش.(4)و معناه انّه كان يعتقد انّ جنس العرش أزلي أي
ما من عرش إلاّ و قبله شيء إلى ما لا نهاية و انّه يوجد و ينعدم ثمّ يوجد و ينعدم، و هكذا فالعرش عنده قديم جنسا و لكن شخصه حادث.
هذا جزاء من أعدم العقل، و أكبّ على النقل دون تمحيص.
و أعجب منه انّه يستدلّ على الجواز، بأنّه ليس في القرآن امتناع حوادث لا أوّل لها، فيكون سكوت القرآن عن امتناعه، دليلا على إمكانه بل وقوعه.
فكأنّ القرآن كتاب فلسفي جاء لبيان ما هو الممكن و المستحيل، فإذا سكت عن استحالة شيء يكون دليلا على إمكانه «ما هكذا تورد يا سعد الإبل»!!
و من مبتدعاته التي خرق بها إجماع المتألهين على أنّه سبحانه منزّه عن قيام الحوادث به، قوله: فمن أين في القرآن ما يدلّ دلالة واضحة على أنّ كلّ متحرك محدث أو ممكن؟ و أنّ الحركة لا تقوم إلاّ بحادث أو ممكن، أو ما قامت به الحوادث لم يخل منها، و أنّ ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث؟
و يقول في مكان آخر: فإنّا نقول: إنّه يتحرك و تقوم به الحوادث و الأعراض، فما الدليل على بطلان قولنا؟(1)
أقول: لو كان الكاتب درس الفلسفة و الكلام عند أساتذتهما دون أن يكون له رأي مسبق في الموضوع لوقف على أنّ الذات القائم به الحوادث كالحركة و السكون حادث، لأنّ الحركة في العرض نابعة من الحركة في الجوهر، و الحركة في الجوهر عبارة عن تغيير ذات الشيء و تحوّله من جوهر إلى جوهر، و أيّ
1) . منهاج السنّة: 64/1 و 210.
حادث أظهر من ذلك؟
و هو بهذا القول أحيا نظرية الكرّامية - أعني: أتباع محمد بن كرّام - حيث زعموا أنّ الحوادث تطرأ، أي تتجدد على ذات اللّه.
يقول الاسفرائيني في التبصير: و ممّا ابتدعوه - أي الكرامية - من الضلالات ممّا لم يتجاسر على إطلاقه قبلهم واحد من الأمم لعلمهم بافتضاحه هو قولهم:
بأن معبودهم محلّ الحوادث تحدث في ذاته أقواله و إرادته و إدراكه للمسموعات و المبصرات، و سمّوا ذلك سمعا و تبصّرا، و كذلك قالوا: تحدث في ذاته ملاقاته للصفحة العليا من العرش، زعموا أنّ هذه أعراض تحدث في ذاته، تعالى اللّه عن قولهم».(1)
إنّ ابن تيمية و إن كان لا يصرّح بكونه سبحانه جسما لكنّه يصرّح بأنّه لم يرد عن الصحابة و التابعين أنّ اللّه ليس بجسم، يقول: و أمّا الشرع فمعلوم أنّه لم ينقل عن أحد من الأنبياء و لا الصحابة و لا التابعين و لا سلف الأمّة أنّ اللّه جسم أو أنّ اللّه ليس بجسم، بل النفي و الإثبات بدعة في الشرع.(2)
و يقول أيضا: و أمّا ذكر التجسيم و ذمّ المجسّمة فهذا لا يعرف في كلام أحد من السلف و الأئمة، كما لا يعرف في كلامهم أيضا القول بأنّ اللّه جسم أو ليس بجسم، بل ذكروا في كلامهم الذي أنكروه على الجهمية نفي الجسم، كما ذكره أحمد في كتاب الردّ على الجهمية.
و قال في موضع ثالث: أمّا ما ذكره من لفظ الجسم و ما يتبع ذلك فانّ هذا اللفظ لم ينطق به في صفات اللّه لا كتاب و لا سنّة لا نفيا و لا إثباتا، و لا تكلم به أحد من الصحابة و التابعين و تابعيهم و لا أهل البيت و لا غيرهم.(1)
إنّ فكرة التجسيم من مستوردات اليهود، و كتبهم مشحونة به و بالجهة و بالنزول و الحركة. و هذا أمر ظاهر لمن راجع كتبهم، و ابن تيمية تبعا لما أدخله مستسلمة اليهود بين أصحاب الحديث، جوّز أن يكون سبحانه جسما. و من المعلوم أنّ الجسم ذو أبعاض يحتاج في تحقّقه إلى أبعاد، و المحتاج ممكن، و الممكن ليس بواجب.
و العجب أنّه زعم أنّه لم ترد عن أهل البيت كلمة في نفي الجسميّة، و هذه خطب الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام و كلمات أبنائه الطاهرين عليهم السّلام صريحة في ذلك لا يسعنا نقل معشار منها. إلاّ أن يكون «أهل البيت» عنده، غيرهم.
ثمّ إنّ أبناء التجسيم يصحّحون قولهم بالجسمية بأنّه سبحانه جسم لا كسائر الأجسام، و في ذلك يقول أبو الثناء في كتابه «التمهيد لقواعد التوحيد» ما هذا نصّه:
ثمّ إنّهم ناقضوا في ما قالوا، لأنّ الجسم اسم للمتركّب لما مرّ، فإثبات الجسم إثبات التركيب و نفي التركيب نفي الجسم، فصار قولهم جسم لا كالأجسام كقولهم: متركب و ليس بمتركب، و هذا تناقض بيّن بخلاف قولنا:
شيء لا كالأشياء، لأنّ الشيء ليس باسم للمتركّب و ليس ينبئ عن ذلك و إنّما ينبئ عن مطلق الوجود، فلم يكن قولنا: «كالأشياء نفيا لمطلق الوجود، بل يكون نفيا لما وراء الوجود من التركيب و غيره من أمارات الحدث، فلم يكن ذلك
1) . منهاج السنّة: 312/1.
متناقضا و للّه الحمد و المنّة».
و إذا ثبت أنّ اللّه تعالى لا يوصف بالجسم، فلا يوصف بالصورة أيضا، لأنّ الصورة لا وجود لها بدون التركيب.(1)
ذهب ابن تيمية إلى صحّة نسبة الحدّ إلى ذاته تعالى، و قد نقله في كتابه «الموافقة» عن أبي سعيد الدارمي المجسّم موافقا له، فقال ما نصّه:
و قد اتّفقت الكلمة من المسلمين و الكافرين أنّ اللّه في السماء و حدّوه بذلك إلاّ المريسي الضالّ و أصحابه، حتّى الصبيان الذين لم يبلغوا الحنث قد عرفوا ذلك إذا أحسن الصبي يثني. يرفع يده إلى ربّه و يدعوه في السماء دون ما سواها و كلّ أحد باللّه و بمكانه أعلم من الجهميّة.(2)
و قال في كتابه «تلبيس الجهميّة»: لقد دلّ الكتاب و السنّة على معنى ذلك، كما تقدّم احتجاج الإمام أحمد لذلك بما في القرآن ممّا يدلّ على أنّ اللّه تعالى له حدّ يتميّز به عن المخلوقات.(3)
إلى غير ذلك من كلماته الصريحة في إثبات الحدّ و إخلاء العالم بأرضه و سمائه عن وجوده سبحانه.
لقد أثبت المفكّرون الواعون من المسلمين تنزيهه سبحانه عن الحدّ و ذكروا
براهينه بما لسنا في مقام بيانها، و لكن إذا دار الأمر بين أخذ المعارف و العقائد من ابن تيمية أو تلميذه ابن القيّم أو من لفّ لفّهما و بين أخذها من ربيب بيت النبوة و عيبة علم النبي الإمام علي عليه السّلام، فلا شكّ أنّ الثاني أولى و أفضل، بل هو المتعيّن، و لقد صدع بذلك الرازي في مسألة الجهر بالبسملة و قال: و من اقتدى في دينه بعليّ فقد اهتدى، قال و الدليل عليه قول رسول اللّه: «اللّهم أدر الحقّ مع عليّ حيث دار».(1)
و هذا هو الإمام يصف اللّه سبحانه بقوله: «و من وصفه سبحانه - أي جعل صفاته غير ذاته - فقد قرنه، و من قرنه فقد ثنّاه، و من ثنّاه فقد جزّأه، و من جزّأه فقد جهله، و من جهله فقد أشار إليه، فقد حدّه، و من حدّه فقد عدّه، و من قال: فيم فقد ضمّنه، و من قال على م فقد أخلى منه».(2)
و في كلام له: «الحمد للّه اللابس الكبرياء بلا تجسّد، و المرتدي بالجلال بلا تمثّل، و المستوي على العرش بلا زوال، و المتعالي عن الخلق بلا تباعد منهم، القريب منهم بلا ملامسة منه لهم، ليس له حدّ ينتهي إلى حدّه، و لا له مثل فيعرف بمثله».(3)
إلى غير ذلك من خطبه و خطب أبنائه و كلماتهم عليهم السّلام.
لقد تكرّر إثبات الجهة و المكان للّه سبحانه في كلمات ابن تيمية في «منهاج السنّة»، و يكفي في ذلك العبارتان التاليتان:
إذا قيل إنّه في جهة كان معنى الكلام أنّه هناك فوق العالم حيث انتهت المخلوقات، فهو فوق الجميع عال عليه.(1)
و جمهور الخلف على أنّ اللّه فوق العالم و إن كان أحدهم لا يلفظ بلفظ الجهة، فهم يعتقدون بقلوبهم و يقولون بألسنتهم ربهم فوق.(2)
أقول: فمن أين لابن تيمية هذا العلم؟! فهل هو يعلم ما تخفي الصدور؟!.
لا أدري!!
و أسوأ من ذلك أنّه استدلّ على ثبوت الجهة للّه بطلب فرعون أن يصنع له مصعدا ليطّلع إلى إله موسى، قال: و اللّه قد أخبر عن فرعون أنّه طلب أن يصعد ليطّلع إلى إله موسى، فلو لم يكن موسى أخبره أنّ اللّه فوق، لم يقصد ذلك، فإنّه لو لم يكن مقرّا به فإذا لم يخبره موسى به لم يكن إثبات العلوّ لا منه و لا من موسى عليه الصلاة و السلام، ثمّ قال: فموسى صدّق محمّدا في أنّ ربّه فوق و فرعون كذّب موسى في أنّ ربّه فوق، فالمقرّون بذلك متبعون لموسى و لمحمد و المكذبون بذلك موافقون لفرعون.(3)
ما الدليل على أنّ موسى أخبر فرعون بأنّ ربّه فوق السماوات، و أيّ دليل على أنّه لم يأخذه من مجسّمة عصره؟!
و أين هذا من كلام الإمام جعفر الصادق عليه السّلام حيث يقول: «سبحان من لا يعلم أحد كيف هو إلاّ هو، ليس كمثله شيء، و هو السميع البصير، لا يحدّ و لا يحسّ و لا يجسّ و لا يمسّ و لا تدركه الحواسّ، و لا يحيط به شيء و لا جسم و لا صورة
و لا تخطيط و لا تحديد».(1)
و قد تضافر هذا التعبير عن أئمّة أهل البيت عليهم السّلام في غير مكان.
و هذا هو الإمام أبو الحسن الهادي عليه السّلام يقول: «سبحان من لا يحدّ، و لا يوصف، و لا يشبهه شيء، و ليس كمثله شيء، و هو السميع البصير».(2)
و إثبات الجهة للّه سبحانه إثبات مكان و إثبات تحديد، و أين هذا من الواجب الغنيّ عن المكان و الجهة و الحدّ؟!
و من عجائب أفكاره في باب التوحيد، إثبات جلوسه سبحانه على العرش، يقول: ثمّ إنّ جمهور أهل السنّة يقولون: إنّه ينزل و لا يخلو منه العرش، كما نقل ذلك عن إسحاق بن راهويه و حماد بن زيد و غيرهما، و نقلوه عن أحمد بن حنبل في رسالته.(3)
و قال في شرح حديث النزول: و القول الثابت هو الصواب، و هو المأثور عن سلف الأمّة و أئمّتها أنّه لا يزال فوق العرش و لا يخلو العرش منه مع دنوّه و نزوله إلى السماء و لا يكون العرش فوقه.
و يقول أيضا في فتاواه: و قال أهل السنّة في قوله: اَلرَّحْمٰنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوىٰ (4)، الاستواء من اللّه على عرشه المجيد على الحقيقة لا على المجاز.(5)
و قال أيضا في كتاب «تلبيس الجهمية»: الوجه الخامس: انّ العرش في اللغة السرير بالنسبة إلى ما فوقه كالسقف إلى ما تحته، فإذا كان القرآن قد جعل للّه عرشا و ليس هو بالنسبة إليه كالسقف، علم أنّه بالنسبة إليه كالسرير بالنسبة إلى غيره، و ذلك يقتضي أنّه فوق العرش.(1)
و قال في تفسير سورة العلق: إنّ عرشه أو كرسيّه وسع السماوات و الأرض و إنّه يجلس عليه فما يفضل منه إلاّ قدر أربعة أصابع، و إنّه ليئطّ أطيط الرحل الجديد براكبه.(2)
هذا هو الإله الذي يعبده ابن تيمية و مقلد و منهجه، فهو إله ينتقل و يتحرك و ينزل، محدود بحدود، له جهة و مكان، و أنّه يجلس على العرش، و عرشه يزيد عليه بأربعة أصابع، فإذا كان هذا إله العالم و خالق البرايا، فرفض هذا الإله أفضل من إثباته، و الرجل بعد قد تأثر بأخبار الآحاد المستوردة من مستسلمة أهل الكتاب، و تصوّر أنّها حقائق راهنة و أنّ بها تناط سعادة الأمّة و أنّ عرش إله العالم يئطّ أطيط الرحل الجديد!
فإذا كان هذا هو الإله المعبود «فيا موت زر إن الحياة ذميمة»!!
هذا جزاء من أعدم العقل و أكبّ على النقل بلا وعي، و تلقّى روايات الصحيحين كأوثق ما يكون، دون أخضاعها للنقد و التمحيص.
فإذا كان هذا شيخ الإسلام و حجة الدين فعلى الإسلام السّلام!
و لا يتصوّر القارئ بأنّ شذوذه و انحرافه عن الرأي العام بين المسلمين
يختصّ بما ذكرنا، و لكن خطأ الرجل لا يختصّ بباب دون باب، و إليك قوله بفناء النار و انتهاء العذاب.
أكّد القرآن الكريم في آيات كثيرة على خلود المنافقين و الكفّار في نار جهنم و عدم خروجهم من النار. قال تعالى: وَعَدَ اَللّٰهُ اَلْمُنٰافِقِينَ وَ اَلْمُنٰافِقٰاتِ وَ اَلْكُفّٰارَ نٰارَ جَهَنَّمَ خٰالِدِينَ فِيهٰا هِيَ حَسْبُهُمْ وَ لَعَنَهُمُ اَللّٰهُ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ مُقِيمٌ .(1)
و قال في آية أخرى: كَذٰلِكَ يُرِيهِمُ اَللّٰهُ أَعْمٰالَهُمْ حَسَرٰاتٍ عَلَيْهِمْ وَ مٰا هُمْ بِخٰارِجِينَ مِنَ اَلنّٰارِ .(2)
إلى غير ذلك من الآيات الصريحة في خلود الكفّار في نار جهنم.
و لكن هلمّ معي نقف على رأي ابن تيمية في المقام، يقول: و في المسند للطبراني: أنّه ينبت فيها - النار - الجرجير».(3)
فيحتج ابن تيمية بهذا الحديث على فناء النار مضيفا أنّ القائلين ببقائها ليس معهم كتاب و لا سنّة و لا أقوال الصحابة.
و أضاف أيضا: أنّ من قال بدوام النار محتجا بالإجماع، فالإجماع غير معلوم، إلى أن زعم أنّ القول بفنائها فيه قولان معروفان عن الخلف و السلف.(4)
أقول: قد عرفت أنّ الآيات صريحة في بقاء النار و خلود الكفّار فيها، و مع ذلك لا تصل النوبة إلى المرويّات التي لا تتجاوز أخبار الآحاد.
و كم لابن تيمية من زلاّت في باب التوحيد و فيما يرجع إلى النبوّة و النبي و غيرهما، بيد أنّنا نقتصر على ذلك، لأنّ الإطناب ربما يكون مملاّ.
إنّ دراسة العقائد الإسلامية بحاجة إلى الإلمام بالكتاب و السنّة الصحيحة المعتبرة (غير المأخوذة من مستسلمة أهل الكتاب)، و الاستناد إلى العقل الصريح الذي يصون الإنسان من الوقوع في هذه المهالك. و اللّه هو المسدّد.
إنّ علم الكلام كسائر العلوم الإنسانية، ظاهرة علمية نشأت بين المسلمين في ظل أسباب سيوافيك بيانها، و انبثقت عنها مدارس مختلفة، كما كانت للأمم السابقة مذاهب كلامية و مدارس دينية يبحث فيها عن اللاهوت و الناسوت، و قد ألّف غير واحد من علماء اليهود(1)و النصارى كتبا كلامية يرجع تاريخها إلى القرنين الخامس و السادس، و أمّا عوامل نشأته بين المسلمين فتتلخص في عوامل داخلية و خارجية، إليك بيان الأولى منهما:
إنّ الذكر الحكيم هو المنطلق الأوّل لنشوء علم الكلام بين المسلمين،
1) . كدلالة الحائرين لابن ميمون و غيرها. هذا ما يرجع إلى سالف الأيام، و أمّا اليوم فما من شهر إلاّ و لهم كتاب أو رسالة حول ديانتهم.
و هو المصدر الأوّل عند المتكلّمين في دعم ما وافق و ردّ ما خالف.
إنّ الآيات المتضمّنة للحوار بين الرسل و من أرسل إليهم هي أحد أسباب التفكير الكلامي عند المسلمين، فلنذكر نماذج من تلك الحوارات:
هذا هو إبراهيم عليه السّلام يحتجّ على من أنكر ربوبية اللّه سبحانه و تعالى، و ينقل سبحانه احتجاجه بقوله: أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِي حَاجَّ إِبْرٰاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتٰاهُ اَللّٰهُ اَلْمُلْكَ و هذا المقطع من الآية يكشف عن أنّ ملك زمانه كان مشركا في الربوبية و يزعم أنّ ربوبية العالم و تدبيره مفوضة إليه، فاحتجّ إبراهيم عليه بقوله: رَبِّيَ اَلَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ ، فأجاب الملك و قال: أَنَا أُحْيِي وَ أُمِيتُ .(1)
قال إبراهيم: فَإِنَّ اَللّٰهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ اَلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهٰا مِنَ اَلْمَغْرِبِ .
فعند ذلك بهت الملك و لم يدر بماذا يجيب، فيحكي سبحانه تحيّره و خذلانه أمام البرهان القاطع للخليل بقوله: فَبُهِتَ اَلَّذِي كَفَرَ .(2)
إنّ لبطل التوحيد إبراهيم الخليل حوارا آخر مع المشركين بشأن أصنامهم
التي أقدم على كسرها و جعلها جذاذا إلاّ كبيرا لهم ليكون عبرة لهم، فلمّا فوجئ المشركون بهذه الكارثة، تساءلوا عمّن قام بهذا الفعل الشنيع؟ فانتهى الأمر بهم إلى اتّهام إبراهيم عليه السّلام بذلك، فأحضروه للكشف عن جليّة الحال، و دار بينه و بينهم حوار ينقله سبحانه بقوله:
المشركون: أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هٰذٰا بِآلِهَتِنٰا يٰا إِبْرٰاهِيمُ.
إبراهيم: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هٰذٰا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كٰانُوا يَنْطِقُونَ .
المشركون: لَقَدْ عَلِمْتَ مٰا هٰؤُلاٰءِ يَنْطِقُونَ .
إبراهيم: أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ مٰا لاٰ يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَ لاٰ يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَ لِمٰا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ أَ فَلاٰ تَعْقِلُونَ .
و لمّا أحسّ المشركون بالعجز عن إفحامه، تمسّكوا بمنطق القوة، فقالوا:
حَرِّقُوهُ وَ اُنْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فٰاعِلِينَ .
ثمّ إنّه سبحانه نصر رسوله في هذه اللحظة الرهيبة بجعل النار بردا و سلاما على إبراهيم كما يقول:
قُلْنٰا يٰا نٰارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاٰماً عَلىٰ إِبْرٰاهِيمَ * وَ أَرٰادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنٰاهُمُ اَلْأَخْسَرِينَ .(1)
إنّ الحوار الدائر بين موسى الكليم عليه السّلام و فرعون مدّعي الربوبية يرينا بوضوح قوة منطق الكليم مع أحد جبابرة عصره الذي ذبح لحفظ عرشه مئات من الأطفال الرّضع للحيلولة دون ولادة موسى عليه السّلام و الذي تنبّأ كهنة مصر بزوال عرشه على يد
1) . الأنبياء: 62-70.
موسى عليه السّلام، و قد نقل القرآن ذلك الحوار مبسطا في سورة الشعراء من الآية 16 إلى 51، و نحن نقتطف منه ما يلي:
موسى: إِنّٰا رَسُولُ رَبِّ اَلْعٰالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنٰا بَنِي إِسْرٰائِيلَ .
فرعون: قٰالَ أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينٰا وَلِيداً وَ لَبِثْتَ فِينٰا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَ فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ اَلَّتِي فَعَلْتَ وَ أَنْتَ مِنَ اَلْكٰافِرِينَ .
موسى: قٰالَ فَعَلْتُهٰا إِذاً وَ أَنَا مِنَ اَلضّٰالِّينَ * فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمّٰا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَ جَعَلَنِي مِنَ اَلْمُرْسَلِينَ * وَ تِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهٰا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرٰائِيلَ .
فرعون: وَ مٰا رَبُّ اَلْعٰالَمِينَ .
موسى: رَبُّ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ مٰا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ .
فرعون: قٰالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَ لاٰ تَسْتَمِعُونَ .
موسى: رَبُّكُمْ وَ رَبُّ آبٰائِكُمُ اَلْأَوَّلِينَ .
فرعون: إِنَّ رَسُولَكُمُ اَلَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ .
موسى: رَبُّ اَلْمَشْرِقِ وَ اَلْمَغْرِبِ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ .
فرعون: لَئِنِ اِتَّخَذْتَ إِلٰهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ اَلْمَسْجُونِينَ .
موسى: أَ وَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ .
فرعون: فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلصّٰادِقِينَ .
موسى: فَأَلْقىٰ عَصٰاهُ فَإِذٰا هِيَ ثُعْبٰانٌ مُبِينٌ * وَ نَزَعَ يَدَهُ فَإِذٰا هِيَ بَيْضٰاءُ لِلنّٰاظِرِينَ * قٰالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هٰذٰا لَسٰاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمٰا ذٰا تَأْمُرُونَ .
إلى آخر الحوار.
ترى أنّ موسى يستدلّ بالدليل و البرهان و يعرّف الربّ سبحانه بقوله: رَبُّ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ مٰا بَيْنَهُمَا و بقوله: رَبُّكُمْ وَ رَبُّ آبٰائِكُمُ .
و لكن فرعون يتّهمه أوّلا بالجنون و يقول: إِنَّ رَسُولَكُمُ اَلَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ .
و من المعلوم أنّ المصلحين في العالم يتّهمون دائما بالجنون، لأنّهم يريدون التغيير الجذريّ في المجتمع و الذي يعدّه البسطاء أمرا محالا، و يصفون الساعين إليه بالجنون، و لكن موسى لم يعر أهمية لهذه التهمة و أعاد برهانه بقوله: رَبُّ اَلْمَشْرِقِ وَ اَلْمَغْرِبِ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ .
فعند ذلك واجهه فرعون بمنطق القوة و قال: لَئِنِ اِتَّخَذْتَ إِلٰهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ اَلْمَسْجُونِينَ .
و لما أثبت صلته بعالم الغيب بالإتيان بالمعجزة الباهرة و أثبت بوضوح انّه رسول ربّ العالمين، قابله فرعون بادّعاء أنّ ما أتى به سحر و لا نصيب له من الواقع.
إنّ الحوار الدائر بين مؤمن آل فرعون و بين فرعون و رهطه حوار صدر في ظروف عصيبة، قام به أحد المنتمين إلى فرعون (كان يظهر كفره و يكتم إيمانه)، على مرأى و مسمع من فرعون و ملئه، و في جوّ مشحون بالتآمر على موسى عليه السّلام و استئصال دعوته، و قد نقل الذكر الحكيم هذا الحوار على طوله في سورة غافر من الآية 26 إلى 45، نقتطف منه ما يلي:
موسى: إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَ رَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاٰ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ اَلْحِسٰابِ .
مؤمن آل فرعون: أَ تَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اَللّٰهُ وَ قَدْ جٰاءَكُمْ بِالْبَيِّنٰاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَ إِنْ يَكُ كٰاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَ إِنْ يَكُ صٰادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ اَلَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّٰابٌ .
فرعون: يٰا هٰامٰانُ اِبْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ اَلْأَسْبٰابَ * أَسْبٰابَ اَلسَّمٰاوٰاتِ فَأَطَّلِعَ إِلىٰ إِلٰهِ مُوسىٰ وَ إِنِّي لَأَظُنُّهُ كٰاذِباً .
مؤمن آل فرعون: يٰا قَوْمِ اِتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ اَلرَّشٰادِ .
و كم في القرآن الكريم من نظائر لهذا الحوار دار رحاها بين رجال صالحين و أناس طالحين و كان الظفر فيها حليف أصحاب المنطق و التفكير.
و بذلك يظهر أنّ القرآن الكريم بما فيه من الأدلة الساطعة و البراهين المحكمة على توحيده ذاتا و فعلا، و ما نقل من الحوارات، كان هو المنطلق الأوّل لعلم الكلام.
إذا كان الكتاب هو المنطلق الأوّل، فإنّ خطب النبي و كلماته و مناظراته مع المشركين و اليهود و النصارى، كانت هي المنطلق الثاني للتفكير الكلامي.
إنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ناظر المشركين و أهل الكتاب بمرأى و مسمع من المسلمين، و هذه احتجاجاته مع نصارى نجران في العام العاشر من الهجرة، حتّى أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بعد ما أفحمهم، دعاهم إلى المباهلة، و قد حفل التاريخ و كتب السير و التفسير بما
دار بين الرسول و بطارقة نجران و قساوستهم، و قد استدلّوا على إلوهية المسيح بقولهم: هل رأيت ولدا من غير ذكر؟ فأفحمهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بإيحاء من اللّه: و قال:
إِنَّ مَثَلَ عِيسىٰ عِنْدَ اَللّٰهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرٰابٍ ثُمَّ قٰالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ .(1)أي انّ مثل عيسى في عالم الخلقة كمثل آدم، و قد خلق من غير أب و لا أمّ، فليس هو أبدع و لا أعجب منه.
و إليك نموذجا من مناظراته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
لمّا أمر اللّه جلّ شأنه نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، جاء قوم من اليهود و قالوا: يا محمد هذه القبلة (بيت المقدس) قد صلّيت إليها أربع عشرة سنة ثمّ تركتها الآن. أفحقا كان ما كنت عليه؟ فقد تركته إلى باطل، فانّ ما يخالف الحقّ فهو باطل؛ أو باطلا كان ذلك، و قد كنت عليه طول هذه المدة فما يؤمننا أن تكون الآن على باطل؟!
و أساس الشبهة التي أشار إليها اليهود هو انّه لا يمكن أن يكون التوجه صوب القبلتين صحيحا، فأحدهما باطل، إمّا السابق و إمّا اللاحق، و من المحتمل أن يكون الباطل هو اللاحق فكيف نؤمن به؟
و قد غفل المجادل عن أنّ الأحكام تتغيّر حسب تغيّر المصالح و المفاسد، فلا مانع من أن يكون كلاّ من التوجّهين حقا في ظرفه، و على ذلك تدور رحى النسخ في الأحكام الشرعية.
فأجاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بقوله: «بل ذلك كان حقّا، و هذا حقّ، يقول اللّه: قُلْ لِلّٰهِ
1) . آل عمران: 59.
اَلْمَشْرِقُ وَ اَلْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشٰاءُ إِلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ (1)إذا عرف صلاحكم يا أيّها العباد في استقبال المشرق أمركم به، و إذا عرف صلاحكم في استقبال المغرب أمركم به، و إن عرف صلاحكم في غيرهما أمركم به، فلا تنكروا تدبير اللّه تعالى في عباده و قصده إلى مصالحكم».
ثمّ قال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «لقد تركتم العمل يوم السبت ثمّ عملتم بعده في سائر الأيام ثمّ تركتموه في السبت ثمّ عملتم بعده، أفتركتم الحق إلى باطل أو الباطل إلى حق؟! و الباطل إلى باطل أو الحق إلى حق؟! قولوا كيف شئتم فهو قول محمد و جوابه لكم». قالوا: ترك العمل في السبت حق و العمل بعده حق.
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «فكذلك قبلة بيت المقدس في وقته حق، ثمّ قبلة الكعبة في وقته حق».(2)
إنّ خطب الإمام و رسائله و كلمه القصار، التي حفظها التاريخ من الضياع لأوضح دليل على أنّ الإمام كان هو المؤسس للأصول الكلامية خصوصا فيما يرجع إلى التوحيد و العدل، و بين يديك «نهج البلاغة» الذي جمعه الشريف الرضي ممّا وصل إليه من خطبه، تجد فيه من الأصول الكلامية ما لا تجده في غيره، و إلى ذلك يشير السيد المرتضى في أماليه، فيقول:
اعلم أنّ أصول التوحيد و العدل مأخوذة من كلام أمير المؤمنين عليه السّلام و خطبه، فانّها تتضمن من ذلك ما لا زيادة عليه و لا غاية وراءه، و من تأمّل المأثور في ذلك من كلامه، علم أنّ جميع ما أسهب المتكلّمون من بعد في
تصنيعه و جمعه إنّما هو تفصيل لتلك الجمل و شرح لتلك الأصول، و روي عن الأئمّة من أبنائه عليهم السّلام في ذلك ما لا يكاد يحاط به كثرة، و من أحب الوقوف عليه و طلبه من مظانه أصاب منه الكثير الغزير الذي في بعضه شفاء للصدور الشقية و لقاح للعقول العقيمة.(1)
و جاء في «الفهرست» للنديم: أنّ أبا الهذيل العلاّف، محمد بن الهذيل، قال: أخذت هذا الذي أنا عليه من العدل و التوحيد، عن عثمان الطويل، و كان معلم أبي الهذيل.
قال أبو الهذيل: و أخبرني عثمان أنّه أخذه عن واصل بن عطاء، و أنّ واصلا أخذه عن أبي هاشم عبد اللّه بن محمد بن الحنفية، و أنّ عبد اللّه أخذه من أبيه محمد بن الحنفية، و أنّ محمدا أخبره أنّه أخذه عن أبيه علي عليه السّلام، و أنّ أباه أخذه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و أنّ رسول اللّه أخبره أنّ جبرئيل نزل به عن اللّه تعالى.(2)
و بما أنّ خطب الإمام عليه السّلام و رسائله تعجّ بالتوحيد و العدل، و التنزيه و غيرها من المعارف، فنحن في غنى عن نقل نتف منها.
إنّ أئمّة أهل البيت عليهم السّلام و إن أقصوا عن منصّة الحكم و لكنّهم كلّما أتيحت لهم الفرصة في عصر الأمويين أو العباسيين قاموا بمهمة بيان المعارف و الأصول التي كان القوم يتنازعون فيها، و ها نحن نذكر مقتطفات من مناظراتهم و نبتدئ بمناظرة أمّ الأئمّة النجباء مع خليفة زمانها.
روى المؤرخون أنّ فاطمة الزهراء عليها السّلام لمّا منعت من إرثها، لاثت خمارها على رأسها و اشتملت بجلبابها، و أقبلت في لمّة من حفدتها، و نساء قومها حتّى دخلت على أبي بكر و هو في حشد من المهاجرين و الأنصار، فقالت مخاطبة إيّاهم بخطبة بليغة نقتصر منها على موضع الحاجة:
يا ابن أبي قحافة، أفي كتاب اللّه أن ترث أباك و لا أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريّا على اللّه و رسوله، أفعلى عمد تركتم كتاب اللّه و نبذتموه وراء ظهوركم؟ إذ يقول: وَ وَرِثَ سُلَيْمٰانُ دٰاوُدَ (1)، و قال فيما اقتصّ من خبر يحيى بن زكريا عليهما السّلام إذ قال: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ (2)، و قال أيضا: وَ أُولُوا اَلْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتٰابِ اَللّٰهِ (3)، و قال:
يُوصِيكُمُ اَللّٰهُ فِي أَوْلاٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ (4)و قال: إِنْ تَرَكَ خَيْراً اَلْوَصِيَّةُ لِلْوٰالِدَيْنِ وَ اَلْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ... (5)، و زعمتم أن لا حظوة لي و لا إرث من أبي و لا رحم بيننا، أفخصّكم بآية من القرآن أخرج أبي محمدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم منها؟ أم هل تقولون: إنّ أهل الملتين لا يتوارثان؟ أو لست أنا و أبي من أهل ملة واحدة؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن و عمومه من أبي و ابن عمي؟(6)
لقد راجت فكرة استغناء الممكن في فعله «لا في ذاته» عن اللّه سبحانه في عصر عبد الملك بن مروان (65-86 ه) و كان لهذه الفكرة دويّ في عصره، و قد
طلب عبد الملك بن مروان من عامله في المدينة أن يوجه إليه الإمام الباقر عليه السّلام حتّى يناظر رجلا يتبنّى تلك الفكرة و قد أعيا الجميع.
فبعث الإمام الباقر ولده مكانه، فقدم الشام، و تسامع الناس بقدومه لمخاصمة الرجل، فقال عبد الملك لأبي عبد اللّه: إنّه قد أعيانا أمر هذا القدري، فقال الإمام: «إنّ اللّه يكفيناه»، فلمّا اجتمعوا، قال القدري لأبي عبد اللّه عليه السّلام: سل عمّا شئت؟ فقال له: «اقرأ سورة الحمد»، قال: فقرأها، فلمّا بلغ إلى قول اللّه تبارك و تعالى: إِيّٰاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّٰاكَ نَسْتَعِينُ فقال جعفر: «قف من تستعين؟ و ما حاجتك إلى المؤونة، إن الأمر إليك، فبهت الرجل.(1)
إنّ للإمام علي بن موسى الرضا عليه السّلام احتجاجات و مناظرات مع أصحاب الديانات المختلفة و على رأسهم اليهود و النصارى و المجسمة و غيرهم، نقلها الشيخ أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي (المتوفّى حوالي 550 ه) في كتاب «الاحتجاج» بصورة مفصلة، و نحن لا يسعنا نقل القليل منها فضلا عن الكثير، و كان الخليفة المأمون يشارك في مجالس المناظرة مع الأحبار و القساوسة و أصحاب الحديث و التي كان يتجلّى فيها قوة منطق الإمام بالاستدلال عليهم بنصوص التوراة و الإنجيل باللغة العبريانية و السريانية، و ها نحن نذكر احتجاجه مع أبي قرّة الذي كان يدّعي رؤية النبيّ للّه سبحانه في هذه الدنيا.
1) . راجع البحار: 55/5-56، الحديث 98.
قال الإمام: فمن المبلّغ عن اللّه عزّ و جلّ إلى الثقلين: الجن و الإنس لاٰ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصٰارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ اَلْأَبْصٰارَ (1)، و وَ لاٰ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (2)، و لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (3)، أليس محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؟!
قال أبو قرة: بلى.
قال الإمام عليه السّلام: «فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعا فيخبرهم انّه جاء من عند اللّه، و انّه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه، و يقول: لاٰ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصٰارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ اَلْأَبْصٰارَ و وَ لاٰ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً و لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ثمّ يقول: أنا رأيته بعيني و أحطت به علما، و هو على صورة البشر؟! أما تستحيون، ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا، أن يكون يأتي عن اللّه بشيء ثمّ يأتي بخلافه من وجه آخر.(4)
هذه هي العوامل الداخلية لنشوء علم الكلام بين المسلمين، و هناك عوامل خارجية لنشوئه، نذكر المهمّ منها:
إنّ الطابع العام للعرب في العصر الجاهلي هو التوحيد في الذات و التوحيد في الخالقية، و لكنّهم كانوا مشركين في أمر الربوبية و العبادة، فكانوا معتقدين بربوبية غيره سبحانه كما كانوا يعبدون غيره كالأصنام و الأوثان.
نعم كان عندهم صنف ينكر الخالق، و يشارك مع الطائفة الأولى في إنكار البعث و الإعادة.
يقول الشهرستاني: فصنف منهم أنكروا الخالق و البعث و الإعادة، و قالوا بالطبع المحيي و الدهر المفني و هم الذين أخبر عنهم القرآن المجيد وَ قٰالُوا مٰا هِيَ إِلاّٰ حَيٰاتُنَا اَلدُّنْيٰا نَمُوتُ وَ نَحْيٰا (1)إشارة إلى الطبائع المحسوسة في العالم السفلي و قصرا للحياة و الموت على تركّبها و تحلّلها، فالجامع هو الطبع و المهلك هو الدهر وَ مٰا يُهْلِكُنٰا إِلاَّ اَلدَّهْرُ .(2)
و صنف منهم أقرّوا بالخالق و ابتداء الخلق و الإبداع و أنكروا البعث و الإعادة، و هم الذين أخبر عنهم القرآن: وَ ضَرَبَ لَنٰا مَثَلاً وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قٰالَ مَنْ يُحْيِ اَلْعِظٰامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ .(3)
و صنف منهم أقرّوا بالخالق و ابتداء الخلق و نوع من الإعادة و أنكروا الرسل و عبدوا الأصنام و زعموا انّهم شفعاؤهم عند اللّه في الدار الآخرة، و حجّوا إليها، و نحروا لها الهدايا و قرّبوا القرابين، و تقرّبوا إليها بالمناسك و المشاعر، و أحلّوا و حرّموا؛ و هم الدهماء من العرب إلاّ شرذمة منهم.
و من العرب من يعتقد بالتناسخ فيقول: إذا مات الإنسان أو قتل اجتمع دم الدماغ و أجزاء بنيته، فانتصب طيرا «هامة» فيرجع إلى رأس القبر كلّ مائة سنة، و عن هذا: أنكر عليهم الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال: «لا هامة و لا عدوى و لا صفر».(4)
إنّ العرب و إن اعتنقوا الإسلام و لكن جذور هذه الأفكار كانت موجودة في أذهانهم خلفا بعد سلف، إذ لا تقلع الأفكار الراسخة بمضي يوم أو سنة أو سنين،
و كان خصماء الإسلام يطرحون تلك الأفكار حينا بعد حين في مناسبات خاصة، فصار هذا سببا مناسبا لنشوء علم الكلام و الدفاع عن العقائد الإسلامية بدليل و برهان، كما أنّ القرآن الكريم طرح شبهاتهم في التوحيد و المعاد و ردّها بقوّة، مثلا:
إنّهم كانوا يستبعدون إحياء العظام و هي رميم، فاستدلّ لهم بالنشأة الأولى، إذ اعترفوا بالخلق الأوّل، فقال عزّ و جلّ: قُلْ يُحْيِيهَا اَلَّذِي أَنْشَأَهٰا أَوَّلَ مَرَّةٍ (1)، و قال سبحانه: أَ فَعَيِينٰا بِالْخَلْقِ اَلْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ .(2)
يقول الشهرستاني: اليهود تدّعي أنّ الشريعة لا تكون إلاّ واحدة، و هي ابتدأت بموسى عليه السّلام و تمّت به، فلم تكن قبله شريعة، إلاّ حدود عقلية و أحكام مصلحية.
و لم يجيزوا النسخ أصلا، قالوا: فلا يكون بعده «شريعة» أصلا، لأنّ النسخ في الأوامر «بداء»، و لا يجوز البداء على اللّه تعالى، و مسائلهم تدور على جواز النسخ و منعه، و على التشبيه و نفيه، و القول بالقدر و الجبر و تجويز الرجعة و استحالتها.
أمّا النسخ فكما ذكرنا، و أمّا التشبيه فلأنّهم وجدوا التوراة ملئت من المتشابهات، مثل: الصورة و المشافهة و التكلّم جهرا و النزول على طور سيناء انتقالا و الاستواء على العرش استقرارا، و جواز الرؤية فوقا و غير ذلك.
و أمّا القول «بالقدر» فهم مختلفون فيه حسب اختلاف الفريقين في الإسلام، فالربّانيون منهم كالمعتزله فينا، و القرّاؤون كالمجبرة و المشبهة.(1)
لمّا رفع المسيح عيسى بن مريم عليه السّلام إلى السماء، اختلف الحواريون و غيرهم فيه اختلافا شديدا مع أنّه كان رسول التوحيد، فأثبت أتباعه للّه أقانيم ثلاثة و سمّوها: الأب، و الابن، و روح القدس.(2)
و قد افترقت النصارى إلى: «ملكانية»، و «نسطورية»، و «يعقوبية»؛ و قد كان قسم منهم منتشرا في الجزيرة العربية.
إنّ وجود هذه التيارات الدينية مضافا إلى غيرها ممّا لم نذكره كالصابئين و المجوس و كلّ من له شبهة كتاب في الجزيرة العربية، أوجد أرضية صالحة لنشوء علم الكلام في مختلف المسائل حيث كان المسلمون على مقربة منهم.
و قد أدى الاحتكاك بينهم إلى تغلغل أفكارهم في أوساط المسلمين، ممّا حدا بالعلماء المسلمين إلى إجراء الحوارات و المناظرات معهم، الأمر الذي ساهم في نشوء مباحث جديدة لعلم الكلام في الشرق الإسلامي.
قام المسلمون بواجبهم ففتحوا البلاد و نشروا الثقافة الإسلامية بين الأمم المتحضّرة، التي كانت تتمتع - وراء الآداب و الفنون و العلوم و الصناعات -
بمناهج فلسفية و آراء كلامية لا يذعن بها الإسلام.
و قد كان لذلك الاحتكاك الثقافي و اللقاء الحضاري تأثير بالغ، عاد على الإسلام و المسلمين بالخير الكثير، إلاّ أنّ هذا الاحتكاك لم يكن يخلو من مضاعفات، منها انتقال تلك الآراء و الأفكار إلى الأوساط الإسلامية في وقت لم تكن فيه متدرّعة تجاه تلك الشبهات و المشاكل.
و أعان على ذلك أمر ثان و هو انتقال عدّة من الأسرى إلى العواصم الإسلامية بآرائهم و أفكارهم و عقائدهم المضادّة للإسلام و أسسه، و كان بين المسلمين من لم يتورّع عن أخذ هاتيك العقائد الفاسدة، نظراء: عبد الكريم بن أبي العوجاء، و حمّاد بن عجرد، و يحيى بن زياد، و مطيع بن أياس، و عبد اللّه بن المقفّع، إلى غير ذلك بين غير متدرّع أو غير متورّع، فأوجد ذلك بلبلة في الأفكار و العقائد بين المسلمين.
و ثمّة أمر ثالث كان له التأثير الحاسم في بسط الإلحاد و الزندقة، و هو نقل الكتب الرومانية و اليونانية و الفارسية إلى اللغة العربية من دون نظارة و رقابة و جعلها في متناول أيدي الناس، و قد ذكر النديم تاريخ ترجمة تلك الكتب فقال:
«كان خالد بن يزيد بن معاوية محبّا للعلوم، فأمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونان ممّن كان ينزل مدينة مصر، و أمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اللسان اليوناني و القبطي إلى العربي، و هذا أوّل نقل كان في الإسلام من لغة إلى لغة، ثم نقل الديوان و كان باللغة الفارسية إلى العربية في أيام الحجاج، و كان أمر الترجمة يتقدم ببطء، إلى أن ظهر المأمون في ساحة الخلافة، فراسل ملك الروم يسأله الإذن في إنفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة، المدّخرة في بلد الروم، فأجاب إلى ذلك بعد امتناع، فبعث المأمون جماعة، منهم: الحجاج بن مطر، و ابن بطريق،
و محمد و أحمد و الحسن بنو شاكر المنجّم، فجاءوا بطرائف الكتب، و غرائب المصنّفات في الفلسفة و الهندسة و غيرهما»، ثم ذكر النديم أسماء النقلة من اللغات المختلفة إلى اللغة العربية، و جاء بأسماء كميّة هائلة(1)فأخذوا يصبون ما وجدوه من غث و سمين في كتب الوثنيين و المسيحيين على رؤوس المسلمين، و هم غير متدرّعين و غير واقفين على جذور هذه الشبه، مع أنّها كانت تزعزع أركان الإسلام.
و نقل المسعودي في وصف المنصور أنّه أوّل خليفة قرّب المنجّمين فعمل بأحكام النجوم، و كان معه نوبخت المجوسي المنجّم و أسلم على يديه و هو أبو هؤلاء النوبختية، و إبراهيم الفزاري المنجم صاحب القصيدة في النجوم، و غير ذلك من علوم النجوم و هيئة الفلك، و علي بن عيسى الاسطرلابي المنجم. و هو أوّل خليفة ترجمت له الكتب من اللغات العجميّة إلى العربيّة، منها: كتاب «كليلة و دمنة»، و كتاب «السند هند»، و ترجمت له كتب ارسطاطاليس، من المنطقيات و غيرها، و ترجم له كتاب «المجسطي» لبطليموس و كتاب «الارتماطيقي» و كتاب «إقليدس» و سائر الكتب القديمة من اليونانية و الرومية و الفهلوية و الفارسية و السريانية و أخرجت إلى الناس، فنظروا فيها، و تعلّقوا إلى علمها.(2)
و ذكر في وصف المهدي العبّاسي: و أمعن في قتل الملحدين و الذاهبين عن الدين لظهوره في أيامه و اعلانهم باعتقاداتهم في خلافته، ذلك لما انتشر من كتب «ماني» و «ابن ديصان» و «مرجئون» مما نقله «عبد اللّه بن المقفع» و غيره و ترجمت من الفارسية و الفهلوية إلى العربية، و ما صنفه في ذلك ابن أبي العوجاء و حماد بن عجرد
و يحيى بن زياد و مطيع بن أياس من تأييد المذاهب المانية و الديصانية و المرقيونية، فكثر بذلك الزنادقة و ظهرت آراؤهم في الناس، و كان المهدي أوّل من أمر الجدليين من أهل البحث من المتكلّمين بتصنيف الكتب على الملحدين ممّن ذكرنا من الجاحدين و غيرهم، و أقاموا البراهين على المعاندين و أزالوا شبه الملحدين، فأوضحوا الحقّ للشاكّين...(1)
و في ظل انتشار الكتب المترجمة بين أهل العلم من المسلمين، استفحلت المناظرة في عصر المأمون، و كان أهل الفرق و المذاهب و النحل و أصحاب المقالات يتناظرون فيما بينهم على مرأى و مسمع من الخليفة، و هذا هو المسعودي ينقل عن يحيى بن أكثم أنّه قال: كان المأمون يجلس للمناظرة في الفقه يوم الثلاثاء، فإذا حضر الفقهاء و من يناظره من سائر أهل المقالات أدخلوا حجرة مفروشة، و قيل لهم: أنزعوا أخفافكم، ثم أحضرت الموائد، و قيل لهم: أصيبوا من الطعام و الشراب و جدّدوا الوضوء، و من خفّه ضيق فلينزعه، و من ثقلت عليه قلنسوته فليضعها، فإذا فرغوا أتوا بالمجامر فبخروا و طيّبوا، ثمّ خرجوا فاستدناهم حتّى يدنوا منه و يناظرهم أحسن مناظرة، و أنصفها و أبعدها من مناظرة المتجبرين، فلا يزالون كذلك إلى أن تزول الشمس، ثمّ تنصب الموائد ثانية فيطعمون و ينصرفون.(2)
و يذكر في حياة الواثق باللّه أنّه كان له مجلس في الفلسفة و الطب و كان الواثق باللّه محبّا للنظر، مكرما لأهله، مبغضا للتقليد و أهله محبّا للإشراف على علوم الناس و آرائهم، ممّن تقدّم و تأخّر من الفلاسفة و غيرهم من الشرعيّين، فحضرهم ذات يوم جماعة من الفلاسفة و المتطببين، فجرى بحضرته أنواع من علومهم في
الطبيعيات و ما بعد ذلك من الإلهيات.(1)
لقد أثار انتقال هذه الشبه و العقائد و الآراء إلى أوساط المسلمين ضجّة كبرى بينهم، و افترقوا إلى فرقتين:
فرقة اقتصرت على الذب عن حياض الإسلام بتضليلهم و تكفيرهم و توصيفهم بالزندقة و تحذير المسلمين من الالتقاء بهم و قراءة كتبهم و الاستماع إلى كلامهم، إلى غير ذلك مما كان يعدّ مكافحة سلبية، لا تصمد أمام ذلك السيل الجارف.
و فرقة قد أحسّوا بخطورة الموقف و أنّ المكافحة السلبية لها أثرها المؤقت، و إنّ ذلك الداء لو لم يعالج بالدواء الناجع سوف يعمّ المجتمع كلّه أو أكثره، فقاموا بمكافحة إيجابية، أي الدعوة بالحكمة و الموعظة الحسنة و الجدال الذي يستحسنه الإسلام، فأزالوا شبهاتهم، و نقدوا أفكارهم في ضوء العقل و البرهان، و قد نجحوا في ذلك نجاحا باهرا، و هؤلاء هم الشيعة خرّيجو مدرسة أهل البيت أوّلا، و المعتزلة أتباع واصل بن عطاء ثانيا الذين أخذوا أصول مذهبهم عن علي عليه السّلام بواسطتين:
أبي هاشم ابن محمد بن الحنفية.
محمّد ابن الحنفية ابن علي بن أبي طالب.
ففي تلك الأجواء المشحونة بالبحث و الجدل استفحل أمر الكلام، أي العلم الباحث عن المبدأ و أسمائه و صفاته و أفعاله لغاية الذب عن الإسلام، فكان علم الكلام وليد الحاجة، و نتاج الصراع الفكري مع التيارات الإلحادية المتحديّة
1) . مروج الذهب: 489/3.
للإسلام و المسلمين، و في هذه الظروف العصيبة قام أهل البيت عليهم السّلام بتربية جموع غفيرة من أصحاب المواهب للذب عن الإسلام و أصوله أوّلا، و حريم الولاية ثانيا، في ضوء العقل و البرهان، فصاروا يناظرون كل فرقة و نحلة بأتقن البراهين و أسلمها، و قد حفظ التاريخ أسماء لفيف من الرافلين في حلل الفضائل و المعارف، و سوف توافيك أسماؤهم في هذه الموسوعة.
يقول الدكتور فيصل بدر عون أستاذ جامعة عين شمس: على ضوء هذه الثقافات المتباينة انّه كانت توجد في الجزيرة العربية، و في البلاد التي امتدت إليها الفتوحات الإسلامية فلسفات و علوم و ديانات متباينة، و كان لكلّ دين أو فلسفة أنصاره و مؤيدوه، و هؤلاء الأنصار أيضا انقسموا فيما بينهم إلى شيع و أحزاب، و مع أنّ هذه الطوائف قد احتفظت بكثير من عناصرها و خصائصها الأصلية، فانّ امتزاجها قد أدّى فيما بعد إلى صعوبة التمييز بينها و بين معالم الدين الجديد، إلاّ أنّ ذلك لم يمنع من القول بأنّ معظم هذه الثقافات قد احتفظ بسماته العامة التي تميزه عن غيره، و هكذا أيضا تجد انّ المسلمين قد ورثوا تراثا إنسانيا ضخما، كان عليهم أن يدرسوه و يمحّصوه و يضيفوا إليه و يقتبسوا منه ما يتفق و دينهم و يردّوا على الآراء التي لا تتفق و الروح الإسلامية الجديدة.(1)
أقول: إنّ ما اقترحه الأستاذ الفاضل من أنّه كان من واجب المسلمين دراسة التراث و تمحيصه، لم يعر له المشايخ أهمّيّة فقد حرّموا علم الكلام و دراسته و أدانوا الممارسين له، و استمرت فكرة التحريم إلى عصر أبي الحسن علي بن إسماعيل إمام الأشاعرة (260-324 ه) الذي كتب رسالة في استحسان الخوض في علم الكلام، و حاول بذلك القضاء على فكرة أهل الحديث المحرّمين لعلم الكلام و البحوث
1) . علم الكلام و مدارسه: 31-32.
العقلية.
فمع أنّ الإمام تاب عن الاعتزال و التحق بركب الحنابلة، فمع ذلك استحسن الخوض في علم الكلام.
و لما كانت الرسالة تحتوي على نكات بديعة تعرب عن رسوخ الرجعيّة بين أهل الحديث و تعالج ذلك الداء العضال، فقد ارتأينا الإتيان بنصّها. قال بعد التسمية و الحمد و التسليم:
رسالة الإمام الأشعري في استحسان الخوض في علم الكلام(1)
أمّا بعد فإنّ طائفة من الناس جعلوا الجهل رأس مالهم، و ثقل عليهم النظر و البحث عن الدين، و مالوا إلى التخفيف و التقليد، و طعنوا على من فتّش عن أصول الدين و نسبوه إلى الضلال، و زعموا أنّ الكلام في الحركة و السكون و الجسم و العرض و الألوان و الأكوان و الجزء و الطفرة و صفات الباري عزّ و جلّ بدعة و ضلالة، و قالوا: لو كان هدى و رشادا لتكلّم فيه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و خلفاؤه و أصحابه! قالوا: و لأنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يمت حتّى تكلم في كلّ ما يحتاج إليه من أمور الدين، و بيّنه بيانا شافيا، و لم يترك بعده لأحد مقالا فيما للمسلمين إليه حاجة من أمور دينهم، و ما يقربهم إلى اللّه عزّ و جلّ و يباعدهم عن سخطه؛ فلما لم يرووا عنه الكلام في شيء ممّا ذكرناه، علمنا أنّ الكلام فيه بدعة، و البحث عنه ضلالة، لأنّه لو كان خيرا لما فات النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لتكلّموا فيه، قالوا: و لأنّه ليس يخلو ذلك من وجهين: إمّا أن يكونوا علموه فسكتوا عنه، أو لم يعلموه بل جهلوه، فإن كانوا
1) . الرسالة طبعت للمرّة الثالثة في حيدر آباد الدكن (الهند) عام 1400 ه/ 1979 م، كما طبعت في ذيل كتاب اللمع للأشعري أيضا.
علموه و لم يتكلموا فيه وسعنا أيضا نحن السكوت عنه، كما وسعهم السكوت عنه، و وسعنا ترك الخوض كما وسعهم ترك الخوض فيه، و لأنّه لو كان من الدّين ما وسعهم السكوت عنه، و إن كانوا لم يعلموه وسعنا جهله كما وسع أولئك جهله، لأنّه لو كان من الدين لم يجهلوه، فعلى كلا الوجهين الكلام فيه بدعة، و الخوض فيه ضلالة، فهذه جملة ما احتجوا به في ترك النظر في الأصول.
قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه عنه: الجواب عنه من ثلاثة أوجه:
أحدها: قلب السؤال عليهم بأن يقال: النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يقل أيضا إنّه من بحث عن ذلك و تكلّم فيه فاجعلوه مبتدعا ضالا، فقد لزمكم أن تكونوا مبتدعة ضلاّلا، إذ قد تكلّمتم في شيء لم يتكلّم فيه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و ضلّلتم من لم يضلله النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
الجواب الثاني: أن يقال لهم: إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يجهل شيئا ممّا ذكرتموه من الكلام في الجسم و العرض، و الحركة و السكون، و الجزء و الطفرة، و إن لم يتكلّم في كلّ واحد من ذلك معينا، و كذلك الفقهاء و العلماء من الصحابة، غير أنّ هذه الأشياء التي ذكرتموها معينة، أصولها موجودة في القرآن و السنّة جملة غير منفصلة.
فأمّا الحركة و السكون و الكلام فيهما فأصلهما موجود في القرآن، و هما يدلاّن على التوحيد، و كذلك الاجتماع و الافتراق، قال اللّه تعالى مخبرا عن خليله إبراهيم صلوات اللّه عليه و سلامه في قصة أفول الكوكب و الشمس و القمر(1)و تحريكها من مكان إلى مكان، ما دلّ على أنّ ربّه عزّ و جلّ لا يجوز عليه شيء من ذلك، و أنّ من جاز عليه الأفول و الانتقال من مكان إلى مكان فليس بإله.
و أمّا الكلام في أصول التوحيد فمأخوذ أيضا من الكتاب، قال اللّه
1) . الأنعام: 75-79.
تعالى: لَوْ كٰانَ فِيهِمٰا آلِهَةٌ إِلاَّ اَللّٰهُ لَفَسَدَتٰا (1)، و هذا الكلام موجز منبه على الحجة بأنّه واحد لا شريك له، و كلام المتكلّمين في الحجاج في التوحيد بالتمانع و التغالب فإنّما مرجعه إلى هذه الآية، و قوله عزّ و جلّ: مَا اِتَّخَذَ اَللّٰهُ مِنْ وَلَدٍ وَ مٰا كٰانَ مَعَهُ مِنْ إِلٰهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلٰهٍ بِمٰا خَلَقَ وَ لَعَلاٰ بَعْضُهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ (2)، إلى قوله عزّ و جلّ:
أَمْ جَعَلُوا لِلّٰهِ شُرَكٰاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشٰابَهَ اَلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ .(3)
و كلام المتكلّمين في الحجاج في توحيد اللّه إنّما مرجعه إلى هذه الآيات التي ذكرناها، و كذلك سائر الكلام في تفصيل فروع التوحيد و العدل إنّما هو مأخوذ من القرآن، فكذلك الكلام في جواز البعث و استحالته الذي قد اختلف عقلاء العرب و من قبلهم من غيرهم فيه حتّى تعجبوا من جواز ذلك فقالوا: أَ إِذٰا مِتْنٰا وَ كُنّٰا تُرٰاباً ذٰلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (4)، و قولهم: هَيْهٰاتَ هَيْهٰاتَ لِمٰا تُوعَدُونَ (5)، و قولهم:
مَنْ يُحْيِ اَلْعِظٰامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ (6)، و قوله تعالى: أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذٰا مِتُّمْ وَ كُنْتُمْ تُرٰاباً وَ عِظٰاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (7)، و في نحو هذا الكلام منهم إنّما ورد بالحجاج في جواز البعث بعد الموت في القرآن تأكيدا لجواز ذلك في العقول، و علّم نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و لقّنه الحجاج عليهم في إنكارهم البعث من وجهين على طائفتين: منه طائفة أقرّت بالخلق الأوّل و أنكرت الثاني، و طائفة جحدت ذلك بقدم العالم فاحتج على المقر منها بالخلق الأوّل بقوله: قُلْ يُحْيِيهَا اَلَّذِي أَنْشَأَهٰا أَوَّلَ مَرَّةٍ (8)، و بقوله:
وَ هُوَ اَلَّذِي يَبْدَؤُا اَلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ (9)و بقوله: كَمٰا بَدَأَكُمْ
تَعُودُونَ (1)، فنّبههم بهذه الآيات على أنّ من قدر أن يفعل فعلا على غير مثال سابق فهو أقدر أن يفعل فعلا محدثا، فهو أهون عليه فيما بينكم و تعارفكم، و أمّا الباري جلّ ثناؤه و تقدست أسماؤه فليس خلق شيء بأهون عليه من الآخر، و قد قيل: إنّ الهاء في «عليه» إنّما هي كناية للخلق بقدرته، إنّ البعث و الإعادة أهون على أحدكم و أخفّ عليه من ابتداء خلقه، لأنّ ابتداء خلقه إنّما يكون بالولادة و التربية و قطع السرة و القماط و خروج الأسنان، و غير ذلك من الآيات الموجعة المؤلمة، و إعادته إنّما تكون دفعة واحدة ليس فيها من ذلك شيء، فهي أهون عليه من ابتدائه، فهذا ما احتجّ به على الطائفة المقرة بالخلق.
و أمّا الطائفة التي أنكرت الخلق الأوّل و الثاني، و قالت بقدم العالم فإنّما دخلت عليهم شبهة بأن قالوا: وجدنا الحياة رطبة حارة، و الموت باردا يابسا، و هو من طبع التراب، فكيف يجوز أن يجمع بين الحياة و التراب و العظام النخرة فيصير خلقا سويا، و الضدّان لا يجتمعان، فأنكروا البعث من هذه الجهة.
و لعمري إنّ الضدّين لا يجتمعان في محلّ واحد، و لا في جهة واحدة، و لا في الموجود في المحل، و لكنّه يصحّ وجودهما في محلّين على سبيل المجاورة، فاحتجّ اللّه تعالى عليهم بأن قال: اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ اَلشَّجَرِ اَلْأَخْضَرِ نٰاراً فَإِذٰا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (2)، فردّهم اللّه عزّ و جلّ في ذلك إلى ما يعرفونه و يشاهدونه من خروج النار على حرها و يبسها من الشجر الأخضر على برده و رطوبته، فجعل جواز النشأة الأولى دليلا على جواز النشأة الآخرة، لأنّها دليل على جواز مجاورة الحياة التراب و العظام النخرة، فجعلها خلقا سويا و قال: كَمٰا بَدَأْنٰا أَوَّلَ خَلْقٍ
نُعِيدُهُ .(1)
و أمّا ما يتكلّم به المتكلّمون من أنّ الحوادث أوّلا(2)و ردهم على الدهرية أنّه لا حركة إلاّ و قبلها حركة، و لا يوم إلاّ و قبله يوم، و الكلام على من قال: ما من جزء إلاّ و له نصف لا إلى غاية، فقد وجدنا أصل ذلك في سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حين قال:
«لا عدوى و لا طيرة» فقال أعرابي: فما بال الإبل كأنّها الظباء تدخل في الإبل الجربى فتجرب؟ فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: فمن أعدى الأوّل؟ فسكت الأعرابي لما أفحمه بالحجة المعقولة.
و كذلك نقول لمن زعم أنّه لا حركة إلاّ و قبلها حركة: لو كان الأمر هكذا لم تحدث منها واحدة، لأنّ ما لا نهاية له لا حدث له، و كذلك لما قال الرجل: يا نبيّ اللّه! إنّ امرأتي ولدت غلاما أسود و عرض بنفيه، فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: هل لك من إبل؟ فقال: نعم! قال: فما ألوانها، قال: حمر، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: هل فيها من أورق؟ قال: نعم! إنّ فيها أورق، قال: فأنى ذلك؟ قال: لعل عرقا نزعه، فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: و لعلّ ولدك نزعه عرق. فهذا ما علّم اللّه نبيّه من ردّ الشيء إلى شكله و نظيره، و هو أصل لنا في سائر ما نحكم به من الشبيه و النظير.
و بذلك نحتج على من قال: إنّ اللّه تعالى و تقدّس يشبه المخلوقات، و هو جسم، بأن نقول له: لو كان يشبه شيئا من الأشياء لكان لا يخلو من أن يكون يشبهه من كلّ جهاته، أو يشبهه من بعض جهاته، فإن كان يشبهه من كلّ جهاته وجب أن يكون محدثا من كلّ جهاته، و إن كان يشبهه من بعض جهات وجب أن يكون محدثا مثله من حيث أشبهه، لأنّ كلّ مشتبهين حكمهما واحد فيما اشتبها له،
و يستحيل أن يكون المحدث قديما و القديم محدثا، و قد قال تعالى و تقدّس: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (1)، و قال تعالى و تقدّس: وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ .(2)
و أمّا الأصل بأنّ للجسم نهاية و أنّ الجزء لا ينقسم فقوله عزّ و جلّ اسمه:
وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنٰاهُ فِي إِمٰامٍ مُبِينٍ (3)و محال إحصاء ما لا نهاية له، و محال أن يكون الشيء الواحد ينقسم(4)لأنّ هذا يوجب أن يكونا شيئين، و قد أخبر أنّ العدد وقع عليهما. و أمّا الأصل في أنّ المحدث للعالم يجب أن يتأتى له الفعل نحو قصده و اختياره و تنتفي عنه كراهيته، فقوله تعالى: أَ فَرَأَيْتُمْ مٰا تُمْنُونَ * أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ اَلْخٰالِقُونَ (5)، فلم يستطيعوا أن يقولوا بحجّة أنّهم يخلقون مع تمنّيهم الولد، فلا يكون مع كراهيته له، فنبّههم أنّ الخالق هو من يتأتى منه المخلوقات على قصده.
و أمّا أصلنا في المناقضة على الخصم في النظر فمأخوذ من سنّة سيّدنا محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و ذلك تعليم اللّه عزّ و جلّ إيّاه حين لقي الحبر السمين، فقال له:
نشدتك باللّه هل تجد فيما أنزل اللّه تعالى من التوراة أنّ اللّه تعالى يبغض الحبر السمين؟ فغضب الحبر حين عيّره بذلك، فقال: «ما أنزل اللّه على بشر من شيء»، فقال اللّه تعالى: قُلْ مَنْ أَنْزَلَ اَلْكِتٰابَ اَلَّذِي جٰاءَ بِهِ مُوسىٰ نُوراً (6)فناقضه عن قرب، لأنّ التوراة شيء، و موسى بشر، و قد كان الحبر مقرا بأنّ اللّه تعالى أنزل التوراة على موسى.
و كذلك ناقض الذين زعموا أنّ اللّه تعالى عهد إليهم أن لا يؤمنوا لرسول حتّى يأتيهم بقربان تأكله النار، فقال تعالى: قُلْ قَدْ جٰاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنٰاتِ وَ بِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ (1)فناقضهم بذلك و حاجهم.
و أمّا أصلنا في استدراكنا مغالطة الخصوم فمأخوذ من قوله تعالى: إِنَّكُمْ وَ مٰا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهٰا وٰارِدُونَ - إلى قوله: - لاٰ يَسْمَعُونَ (2)، فإنّها لما نزلت هذه الآية بلغ ذلك عبد اللّه بن الزبعرى - و كان جدلا خصما - فقال: خصمت محمدا و ربّ الكعبة، فجاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فقال: يا محمد! ألست تزعم أنّ عيسى و عزيرا و الملائكة عبدوا؟ فسكت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا سكوت عي و لا منقطع، تعجبا من جهله، لأنّه ليس في الآية ما يوجب دخول عيسى و عزير و الملائكة فيها، لأنّه قال: وَ مٰا تَعْبُدُونَ و لم يقل و كلّ ما تعبدون من دون اللّه، و إنّما أراد ابن الزبعرى مغالطة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ليوهم قومه أنّه قد حاجّه، فأنزل اللّه عزّ و جلّ: إِنَّ اَلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا اَلْحُسْنىٰ يعني من المعبودين أُولٰئِكَ عَنْهٰا مُبْعَدُونَ (3)فقرأ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ذلك، فضجّوا عند ذلك لئلا يتبين انقطاعهم و غلطهم، فقالوا: أَ آلِهَتُنٰا خَيْرٌ أَمْ هُوَ يعنون عيسى، فأنزل اللّه تعالى: وَ لَمّٰا ضُرِبَ اِبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذٰا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ إلى قوله:
خَصِمُونَ (4)، و كلّ ما ذكرناه من الآي أو لم نذكره أصل، و حجة لنا في الكلام فيما نذكره من تفصيل، و إن لم تكن مسألة معيّنة في الكتاب و السنّة، لأنّ ما حدث تعيينها من المسائل العقليات في أيّام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الصحابة قد تكلّموا فيه على نحو
ما ذكرناه.
و الجواب الثالث: إنّ هذه المسائل التي سألوا عنها قد علمها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لم يجهل منها شيئا مفصلا، غير أنّها لم تحدث في أيّام معيّنة فيتكلّم فيها، أو لا يتكلّم فيها، و إن كانت أصولها موجودة في القرآن و السنّة، و ما حدث من شيء فيما له تعلّق بالدين من جهة الشريعة فقد تكلّموا فيه و بحثوا عنه و ناظروا فيه و جادلوا و حاجّوا، كمسائل العول و الجدات من مسائل الفرائض، و غير ذلك من الأحكام، و كالحرام و البائن و ألبتة و حبلك على غاربك. و كالمسائل في الحدود و الطلاق ممّا يكثر ذكرها، ممّا قد حدثت في أيّامهم، و لم يجئ في كلّ واحدة منها نصّ عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، لأنّه لو نصّ على جميع ذلك ما اختلفوا فيها، و ما بقي الخلاف إلى الآن.
و هذه المسائل - و إن لم يكن في كلّ واحدة منها نصّ عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم - فإنّهم ردّوها و قاسوها على ما فيه نصّ من كتاب اللّه تعالى و السنّة و اجتهادهم، فهذه أحكام حوادث الفروع، ردّوها إلى أحكام الشريعة التي هي فروع لا تستدرك أحكامها إلاّ من جهة السمع و الرسل، فأمّا حوادث تحدث في الأصول في تعيين مسائل فينبغي لكلّ عاقل مسلم أن يرد حكمها إلى جملة الأصول المتّفق عليها بالعقل و الحس و البديهة و غير ذلك، لأنّ حكم مسائل الشرع التي طريقها السمع أن تكون مردودة إلى أصول الشرع الذي طريقه السمع، و حكم مسائل العقليات و المحسوسات أن يرد كلّ شيء من ذلك إلى بابه، و لا يخلط العقليات بالسمعيات و لا السمعيات بالعقليات، فلو حدث في أيّام النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الكلام في خلق القرآن و في الجزء و الطفرة بهذه الألفاظ لتكلّم فيه و بيّنه، كما بيّن سائر ما حدث في أيّامه من تعيين المسائل، و تكلّم فيها.
ثمّ يقال: النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يصحّ عنه حديث في أنّ القرآن غير مخلوق أو هو مخلوق، فلم قلتم: إنّه غير مخلوق؟
فإن قالوا: قد قاله بعض الصحابة و بعض التابعين، قيل لهم: يلزم الصحابي و التابعي مثل ما يلزمكم من أن يكون مبتدعا ضالا إذ قال ما لم يقله الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
فإن قال قائل: فأنا أتوقّف في ذلك فلا أقول: مخلوق و لا غير مخلوق، قيل له: فأنت في توقّفك في ذلك مبتدع ضالّ، لأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يقل: إن حدثت هذه الحادثة بعدي توقّفوا فيها و لا تقولوا فيها شيئا، و لا قال: ضلّلوا و كفّروا من قال بخلقه أو من قال بنفي خلقه.
و خبرونا، لو قال قائل: إنّ علم اللّه مخلوق، أكنتم تتوقّفون فيه أم لا؟
فإن قالوا: لا، قيل لهم: لم يقل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لا أصحابه في ذلك شيئا، و كذلك لو قال قائل: هذا ربّكم شبعان أو ريان، أو مكتس أو عريان، أو مقرور أو صفراوي أو مرطوب، أو جسم أو عرض، أو يشم الريح أو لا يشمها، أو هل له أنف و قلب و كبد و طحال، و هل يحج في كلّ سنة، و هل يركب الخيل أو لا يركبها، و هل يغتمّ أم لا؟ و نحو ذلك من المسائل، لكان ينبغي أن تسكت عنه، لأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يتكلّم في شيء من ذلك و لا أصحابه، أو كنت لا تسكت، فكنت تبيّن بكلامك أنّ شيئا من ذلك لا يجوز على اللّه عز و جلّ، و تقدس كذا و كذا بحجّة كذا و كذا.
فإن قال قائل: أسكت عنه و لا أجيبه بشيء، أو أهجره، أو أقوم عنه، أو لا أسلم عليه، أو لا أعوده إذا مرض، أو لا أشهد جنازته إذا مات.
قيل له: فيلزمك أن تكون في جميع هذه الصيغ التي ذكرتها مبتدعا ضالا، لأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يقل: من سأل عن شيء من ذلك فاسكتوا عنه، و لا قال: لا تسلموا عليه، و لا: قوموا عنه، و لا قال شيئا من ذلك، فأنتم مبتدعة إذا فعلتم
ذلك، و لم لم تسكتوا عمّن قال بخلق القرآن، و لم كفّرتموه، و لم يرد عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حديث صحيح في نفي خلقه، و تكفير من قال بخلقه.
فإن قالوا: إنّ أحمد بن حنبل، قال بنفي خلقه، و تكفير من قال بخلقه، قيل لهم: و لم لم يسكت أحمد عن ذلك بل تكلّم فيه؟
فإن قالوا: لأنّ العباس العنبري و وكيعا و عبد الرحمن بن مهدي و فلانا و فلانا قالوا إنّه غير مخلوق، و من قال بأنّه مخلوق فهو كافر.
قيل لهم: و لم لم يسكت أولئك عمّا سكت عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؟
فإن قالوا: لأنّ عمرو بن دينار و سفيان بن عيينة و جعفر بن محمد رضي اللّه عنهم و فلانا و فلانا قالوا: ليس بخالق و لا مخلوق.
قيل لهم: و لم لم يسكت أولئك عن هذه المقالة، و لم يقلها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؟
فإن أحالوا ذلك على الصحابة أو جماعة منهم كان ذلك مكابرة. فإنّه يقال لهم: فلم لم يسكتوا عن ذلك، و لم يتكلّم فيه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. و لا قال: كفروا قائله، و إن قالوا: لا بدّ للعلماء من الكلام في الحادثة ليعلم الجاهل حكمها، قيل لهم: هذا الذي أردناه منكم، فلم منعتم الكلام، فأنتم إن شئتم تكلّمتم، حتّى إذا انقطعتم قلتم: نهينا عن الكلام؛ و إن شئتم قلّدتم من كان قبلكم بلا حجّة و لا بيان، و هذه شهوة و تحكّم.
ثمّ يقال لهم: فالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يتكلّم في النذور و الوصايا، و لا في العتق، و لا في حساب المناسخات، و لا صنف فيها كتابا كما صنعه مالك و الثوري و الشافعي و أبو حنيفة، فيلزمكم أن يكونوا مبتدعة ضلالا إذ فعلوا ما لم يفعله النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و قالوا ما لم يقله نصا بعينه، و صنّفوا ما لم يصنّفه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و قالوا بتكفير القائلين بخلق القرآن و لم يقله النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. و فيما ذكرنا كفاية لكلّ عاقل غير معاند.
نجز و الحمد للّه، و صلّى اللّه على سيّدنا محمد و آله و صحبه و سلم.
ذكر أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (479-548 ه) بدايات الخلاف بين المسلمين في عصر الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و بعده، و لكنّها بدايات خلاف و ليست بدايات خلاف في مسائل كلاميّة، و كان عليه عقد فصل لبدايات الخلاف و فصل آخر لبدايات الخلاف في المسائل الكلاميّة. و ها نحن نذكر كلتا البدايات في مقامين:
إنّ الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم - بما أنّه لا ينطق عن الهوى و أنّ ما يقوله و يفعله إنّما هو وحي يوحى إليه - كان سدّا منيعا لنشوء الخلاف، و لو حصل هناك خلاف بين الصحابة فإنّما هو خلاف سطحي، يرتفع غالبا بإرشاداته و توجيهاته، و نحن نذكر نموذجين من ذلك:
معاوية، و حكيم بن حزام، و الحارث بن الحارث، و الحارث بن هشام، و سهيل بن عمرو، و حويطب بن عبد العزّى، و العلاء بن جارية، و صفوان بن أمية، و غيرهم ممّن كانوا يعادونه إلى الأمس القريب، فأعطى لكلّ واحد منهم مائة بعير.(1)
لقد شق هذا الأسلوب في تقسيم الغنائم على الأنصار لجهلهم بالمصالح الّتي كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يراعيها و يتبنّاها في هذا التقسيم و كانوا يتصوّرون انّ التعصب القبلي هو الذي دفع بالرسول إلى تقسيم خمس الغنيمة بين أبناء قبيلته، فجاء ذو الخويصرة التميمي فقال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بكل وقاحة: يا محمّد قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم لم أرك عدلت، فغضب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من كلامه، فقال: ويحك إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟ فطلب عمر بن الخطاب من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يأذن له بقتله، فلم يأذن له، ثمّ أخبر صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن مصيره السيّئ، و قال:
دعه فإنّه سيكون له شيعة يتعمّقون في الدين حتّى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية.(2)
«يا معشر الأنصار ما مقالة بلغتني عنكم وجدة وجدتموها في أنفسكم؟ ألم آتكم ضلاّلا فهداكم اللّه، و عالة فأغناكم اللّه، و أعداء فألّف اللّه بين قلوبكم»؟!
قالوا: بلى، اللّه و رسوله أمنّ و أفضل!
قال:
«ألا تجيبوني يا معشر الأنصار»؟
قالوا: و ما ذا نجيبك يا رسول اللّه؟ لرسول اللّه المنّ و الفضل.
قال:
«أما و اللّه لو شئتم قلتم فصدقتم، أتيتنا مكذّبا فصدّقناك، و محذولا فنصرناك، و طريدا فآويناك، و عائلا فآسيناك! وجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في شيء من الدّنيا، تألّفت به قوما ليسلموا و وكلتكم إلى إسلامكم، أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة و البعير، و ترجعوا برسول اللّه إلى رحالكم؟
و الذي نفس محمّد بيده لو لا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار، و لو سلك الناس شعبا و سلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار».
ثمّ ترحّم على الأنصار و على أبنائهم و على أبناء أبنائهم فقال:
«اللّهمّ ارحم الأنصار و أبناء الأنصار و أبناء أبناء الأنصار».
و قد كانت كلمات النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هذه من القوة و العاطفة بحيث أثارت مشاعر الأنصار، فبكوا بعد سماعها بكاء شديدا حتّى اخضلّت لحاهم بالدّموع و قالوا:
رضينا يا رسول اللّه حظّا و قسما!!!
ثمّ انصرف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و تفرّقوا.(1)
نعم قد وقع في عصر الرسول خلاف بينه و بين بعض أصحابه لم يحسم في حياته بل بقى الخلاف إلى أن قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و إليك شيئا من هذا القسم.
1) . السيرة النبوية: 498/2 و 499؛ المغازي: 957/3 و 958.
كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مهتما بالرّوم و يرى أنّهم يشكّلون خطرا كبيرا على الدولة الفتيّة الإسلامية، و لأجل ذلك سار في العام التاسع من هجرته إلى تبوك مع ثلاثين ألفا من أصحابه، و جاء فلم ير هناك أثرا للعدوّ و عقد مواثيق مع رؤساء القبائل في المنطقة و رجع إلى المدينة و جهّز في أخريات عمره، و قبل أن يطرأ عليه المرض جيشا أمّر عليه أسامة بن زيد الذي كان أبوه أيضا أميرا على الجيش، و غزا في أرض مؤتة و كان الناس على استعداد للنفر و قد اجتمع كثير منهم في معسكر «جرف».
عقد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم اللواء لأسامة، ثمّ مرض بشدة و أصابه صداع شديد ألزمه الفراش و استمرّ المرض عدّة أيّام حتّى قضى عليه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و عند ما شاهد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو طريح الفراش استثقال صحابته في النفر و الحركة إلى تبوك، خرج من البيت و قال: جهّزوا جيش أسامة، لعن اللّه من تخلّف عنه، فقال قوم: يجب علينا امتثال أمره، و أسامة قد برز من المدينة.
و قال قوم: قد اشتدّ مرض النبي فلا تسع قلوبنا مفارقته، و الحالة هذه، نصبر حتى نبصر أيّ شيء يكون من أمره.
و على كلّ تقدير لم يتحقّق أحد آمال النبي في أيّام حياته، بسبب فقدان الانضباط بين الصحابة و الذي أبداه فريق من شيوخ القوم و أعيان الجيش.
لمّا اشتدّ مرض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و حضر عنده أعيان صحابته، أمر بإحضار القلم و الدواة و القرطاس ليكتب لهم شيئا حتّى لا يضلّوا بعده، و قد ذكر ذلك مسلم في صحيحه كما ذكره البخاري في صحيحه في عدّة مواطن، و نحن نذكر ما
أخرجه مسلم في صحيحه عن عبيد اللّه بن عبد اللّه عن ابن عباس، قال:
لمّا حضر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و في البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: هلمّ، أكتب لكم كتابا لا تضلّون بعده، فقال عمر: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قد غلب عليه الوجع و عندكم القرآن، حسبنا كتاب اللّه، فاختلف أهل البيت فاختصموا... فلمّا أكثروا اللغو و الاختلاف عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : قوموا عنّي و لا ينبغي عندي التنازع.
و كان ابن عباس يقول: إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و بين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم و لغطهم.(1)
كان وجود الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بين المسلمين، يمثّل - غالبا - سدّا منيعا أمام نشوب الخلاف و الشقاق بينهم، و بعد رحيله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بدأ النزاع بينهم في المسائل الفقهية و العقائدية... و أخذ يتّسع شيئا فشيئا إلى أن بلغ درجة، تفرّقوا معها إلى فرق و مذاهب مختلفة.
و الخلافات بعد رحيله تنقسم إلى قسمين:
و نظيره الخلاف في أمر فدك و أنّ النبي يورث أو لا، فادّعى أبو بكر أنّه سمع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، و خالفه علي عليه السّلام و بنت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و جميع أهل البيت عليهم السّلام في أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يورّث كما يورث الآخرون، و أنّ ما رواه أبو
1) . صحيح مسلم: 76/5، باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه من كتاب الوصية.
بكر خبر واحد مخالف للقرآن الكريم حيث ورث أبناء الأنبياء آباءهم.
و لو كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كسائر الأنبياء لا يورّث، كان عليه أن يبيّن ذلك لأولاده حتّى لا يدّعوا بعده ما ليس لهم، كما عمل بذلك في باب الزكاة و قال: إنّ الصدقة حرام على آل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
إنّ الخلافة في العقيدة الشيعية منصب إلهي كالنبوة يعطى لأفضل أفراد الأمّة و أصلحهم و أعلمهم، و الفرق الواضح بين الإمام و النبي، هو أنّ النبي مؤسس الشريعة، و يوحى إليه، و يتلقّى الكتاب من لدن اللّه تعالى، و الإمام و إن كان لا يتمتع بواحد من هذه الشؤون، إلاّ أنّه يقوم بوظائف النبيّ كلّها - عدا ما استثنى - كنشر الإسلام، و تفسير الكتاب، و تبيين الأحكام، و قيادة المسلمين، و...
نعم الإمامة عند أهل السنّة مسألة فرعية من مسائل الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.
و على كلّ تقدير فإنّ هذا الخلاف هو الأساس لعامة الخلافات، و لو كانت الصحابة عملت بوصية النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في أهل بيته حيث قال في غير موضع: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه و عترتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا...» لذابت سائر الخلافات بين المسلمين، و ذلك لأنّ أهل البيت (كما في حديث الثقلين)، هم المرجع العلمي للأمّة، و الخلافات تردّ إليهم، فيكون رأيهم و قضاؤهم هو الرأي الحاسم و القاطع و لكن القوم - عفا اللّه عنّا و عنهم - أقصوا أئمّة أهل البيت و طمعوا في الخلافة و رغبوا عن الإمامة، فلو كانوا مقدّمين من قدّم اللّه و مؤخّرين
من أخّر اللّه، لأكلوا من فوقهم و من تحت أرجلهم، و كان المسلمون يدا واحدة دون أية فرقة و شقاق.
هذا و قد تفاقم الأمر بعد رحيل الرسول في مسائل كثيرة، لعدول الأكثر عن الخط الذي رسمه لهم الرسول، و هو التمسّك بأئمّة أهل البيت بعد رحيله فيما يرجع إلى دينهم و دنياهم، و نودّ أن نشير إلى هذه الأمور بإيجاز:
تولّى أبو بكر الخلافة قرابة ثلاث سنين و أوصى بها بعد وفاته إلى عمر بن الخطاب خلافا للأصل الذي كانوا يتبنّونه في السقيفة من اختيار الخليفة عبر البيعة، فلمّا ولاّه الخلافة واجه رفض بعض الأصحاب و اعتراضهم، و قالوا له: قد ولّيت علينا فظّا غليظا.
تسنّم عثمان عرش الخلافة بشورى سداسية، عيّن أعضاءها عمر بن الخطاب، الذي تناسى الأصل في تعيين الخليفة من حديث البيعة و لما استتبّ لعثمان الأمر ارتكب أمورا كثيرة نقموا بها عليه:
منها: ردّه الحكم بن أميّة إلى المدينة بعد أن طرده رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (و كان يسمّى طريد رسول اللّه) و بعد أن تشفّع إلى أبي بكر و عمر أيام خلافتهما فما أجابا إلى ذلك، و نفاه عمر من مقامه باليمن أربعين فرسخا.
و منها: نفيه أبا ذر إلى الربذة.
و منها: تزويجه مروان بن الحكم بنته و إعطاؤه خمس غنائم أفريقية و قد بلغ مائتي ألف دينار.
و منها: إيواؤه عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح (و كان رضيعه) بعد أن هدر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم دمه و توليته إياه مصر بأعمالها.
و لما عاد الحقّ إلى نصابه و أخذ الإمام علي عليه السّلام زمام الخلافة نكثت طائفة كالزبير و طلحة، و قسطت طائفة أخرى كمعاوية و أتباعه، و مرقت طائفة ثالثة و هم الخوارج، و الحديث ذو شجون، و التاريخ متكفّل لبيانها.
إنّ ما ذكر كان إلماما عابرا بالخلافات التي سبّبت شقاق المسلمين و اختلافهم، و حان الكلام في المقام الثاني و هو المسائل الكلامية الّتي أوجدت الفرق الكلامية، و إليك جذور هذه المسائل.
إنّ الاختلاف في الإمامة الذي نشب في السقيفة و حتى بعد زمن، كان اختلافا سياسيا لا كلاميا، و لم يكن مبنيّا على قاعدة دينية و جدال كلامي، يظهر ذلك من المحادثات التي جرت في السقيفة و بعدها، و كان الأنصار يرون أنفسهم أولى بإدارة الأمور لأنّهم آووا النبي و نصروه، و كان المهاجرون يرون أنفسهم أولى بها لأنّهم أصل النبي و عشيرته، إلى أن غلب منطق المهاجرين منطق الأنصار، فخرج أبو بكر من السقيفة ظافرا بعد ما بايعته قبيلة الأوس و خمسة أشخاص من المهاجرين.
و أمّا في أواسط القرن الأوّل، فقد أصبحت مسألة الإمامة مسألة كلامية، و أنّ الإمامة منصب تنصيصي أو منصب انتخابي.
لما قبل عليّ عليه السّلام التحكيم تحت ضغط طائفة من أصحابه (الذين أصبحوا فيما بعد من الخوارج) ندم الذين فرضوا التحكيم على عليّ، و قالوا: إنّ تحكيم الرجال على خلاف القرآن الكريم لقوله سبحانه: إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاّٰ لِلّٰهِ... .(1)
و الفارق بين خلاف الناكثين و القاسطين و بين خلاف المارقين هو أنّ خلاف الطائفتين الأوليين لم يكن قائما على أساس ديني أو قاعدة دينية، بخلاف الخوارج فإنّ اختلافهم كان مبدئيا حيث كانوا يردّدون كلمة «لا حكم إلاّ للّه» و كان علي عليه السّلام و ابن عباس يحتجّان عليهم بالقرآن و السنّة.
لمّا ظهر التطرف في خلافة عثمان و دبّ الفساد في أجهزة الحكم و أنصارهم نجمت مسألة كلامية، تدور حول حكم مرتكب الكبيرة، و قد استفحل أمرها فيما بعد أيّام محاربة الخوارج للأمويين الذين كانوا معروفين بالفسق و الفجور، و سفك الدماء و غصب الأموال، فكان الخوارج يحاربونهم بحجّة أنّهم كفرة لا حرمة لدمائهم و لا لأعراضهم لاقترافهم الكبائر.
فاختلفوا إلى أقوال:
أ. مرتكب الكبيرة كافر.
ب. مرتكب الكبيرة فاسق منافق.
ج. مرتكب الكبيرة مؤمن فاسق.
1) . يوسف: 40.
د. مرتكب الكبيرة لا مؤمن و لا فاسق بل منزلة بين المنزلتين.
فالأوّل خيرة الخوارج، و الثاني مختار الحسن البصري، و الثالث مختار الإمامية و أهل الحديث و تبعهم الأشاعرة، و الرابع نظرية المعتزلة.
و قد انبثق من النزاع السابق نزاع آخر يتعلّق بتحديد مفهوم الإيمان، و هل أنّ العمل داخل في حقيقة الإيمان أو لا؟
فالخوارج و المعتزلة على الأوّل، فمن لا عمل له فلا إيمان له.
و الشيعة و من وافقهم على الثاني، و أنّ العمل و إن كان من أركان الإيمان إلاّ أنّ الإيمان يزيد و ينقص، فالعمل شرط النجاة لا شرط تحقّق الإيمان.
كان الخوارج يشنّون الغارة على كلّ من ارتكب معصية كبيرة - و لو مرّة واحدة - و يرونه كافرا فاقدا للإيمان، فكان لتلك الفكرة ردّ فعل سيّء و هو إيلاء الاهتمام بالإيمان القلبي و إقصاء العمل، فظهرت طائفة اشتهرت بالمرجئة و كانوا يهدفون إلى تقديم الإيمان و تأخير العمل، و يقولون «لا يضرّ مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة».
و هذه الفكرة مع سذاجتها يوم نشوئها تحوّلت إلى الإباحية، و فتحت أبواب المعاصي أمام المسلمين بلا اكتراث.
قد ثبت في محلّه أنّ اليهود كانوا يولون اهتماما واسعا بالتقدير، و قد رسخت
الفكرة في الأوساط العربية في عصر الجاهليّة حتّى أن عمر بن الخطاب نسب انهزام المسلمين في يوم حنين إلى تقدير اللّه سبحانه.(1)مع أنّ القرآن يشهد على خذلان الصحابة للنبي، و تولّيهم في ميدان الحرب.(2)
قد كانت فكرة القدر راسخة في أذهان الصحابة، القدر الذي كان يفسّر بسلب الاختيار عن الإنسان و تفويض مصير الإنسان إلى عالم التقدير فكأنّ الإنسان ريشة في مهبّ الريح العاصف، روى عبد اللّه بن عمر أنّه جاء رجل إلى أبي بكر فقال: أرأيت الزنا بقدر؟ قال: نعم. قال: اللّه قدّره عليّ ثمّ يعذّبني؟! قال:
نعم، يابن اللخناء، أما و اللّه لو كان عندي إنسان أمرته أن يجأ أنفك.(3)
لا شكّ أنّ القضاء و القدر من المعارف القرآنية التي لا يمكن لأحد إنكارها و لا تأويلها غير أنّ الكلام في موضعين:
هل القضاء و القدر يسلبان الاختيار عن الإنسان في الأعمال التي يجازى بها الإنسان و يثاب عليها؟
هل يحقّ للحكّام تبرير أعمالهم الجنائية بالقضاء و القدر، مثلما كان الأمويون يفعلون ذلك؟
يقول أبو هلال العسكري: إنّ معاوية أوّل من زعم أنّ اللّه يريد أفعال العباد كلّها.(4)
قد تقدّم أنّ التوراة ملئت بالمتشابهات مثل الصورة و المشابهة و التكليم جهرا، و النزول على طور سيناء انتقالا، و الاستواء على العرش استقرارا، و جواز الرؤية، و غير ذلك.
فصار التشبيه و التجسيم شعارا لليهود أو لصنوف منهم، و يكفيك أنّ التوراة تصف اللّه بصورة إنسان و له صورة، و تقول: خلق اللّه آدم على صورته و تقول: فرغ اللّه في اليوم السادس من عمله الذي عمل فاستراح في اليوم السابع، و أنّه يمشي بين رياض الجنّة و له نداء، إلى غير ذلك ممّا ورد في العهد القديم من التشبيه و التجسيم و التمثيل.(1)
و قد دسّ الأحبار كثيرا من البدع بين الأحاديث لاعتماد الرواة على أناس؛ نظراء: كعب الأحبار، و وهب بن منبه، و تميم الداري، و غيرهم؛ و أصبحت مسألة التشبيه و الصفات الخبرية ذات أهمية بين المسلمين، و قد أخذت طريقها إلى الصحاح و المسانيد و كتب التفسير.
قد سبق(2)أنّ اليهود تبنّت امتناع النسخ في الشريعة، فقالوا: لا يكون بعد شريعة موسى أيّة شريعة، لأنّ النسخ بداء، و البداء لا يجوز على اللّه، و بذلك صارت مسألة النسخ مسألة كلامية.
إنّ أبرز ما يفترق فيه القرآن عن العهدين هو مسألة صيانة رجال الوحي و الهداية عن الذنب و العصيان، خلافا للتوراة و بعض ما ورد في الإنجيل، فقد جاء فيهما أساطير خيالية تمس كرامة اللّه أوّلا، ثمّ كرامة الأنبياء ثانيا، فالأنبياء يشربون الخمر و يمكرون و يقترفون الزنا!!
إنّ مسألة حدوث القرآن و قدمه أو خلق القرآن و عدم خلقه طرحت في أيام المأمون و شقّت عصا المسلمين و وحدتهم النسبية إلى طرفين، و كانت يد يوحنا الدمشقي تلعب بهذا الأمر من وراء الستار، و كان يحاول أن يثبت قدم عيسى - بما أنّه كلمة اللّه - بالقول بقدم القرآن.
شغلت قاعدة التحسين و التقبيح العقليين بال الكثيرين من أقدم العصور إلى يومنا هذا، إذ قلّما يتّفق لباحث أن يخوض في الكلام و الأخلاق دون أن يشير إليها.
و قد صارت القاعدة أساسا لعدّة مسائل كلامية، نأتي برؤوسها:
وجوب معرفة اللّه عقلا.
وصفه بالعدل و الحكمة.
لزوم اللطف على اللّه.
بعثة الأنبياء.
حسن التكليف.
لزوم تزويد الأنبياء بالبيّنات و المعاجز.
لزوم النظر في برهان مدّعي النبوة.
العلم بصدق دعوى الأنبياء.
الخاتمية و استمرار أحكام الإسلام.
اللّه عادل لا يجور.
ثبات الأخلاق و القيم.
هذه بدايات علم الكلام في القرنين الأوّلين، و توالى البحث حول مسائل أخرى إلى أن أصبح علما متكامل الجوانب يواكب علم الفلسفة في بحوثه الثلاثة:
الأمور العامة.
الطبيعيات و الفلكيات.
الإلهيات بالمعنى الأخصّ.
لا شكّ أنّ أكثر ما احتفلت به الكتب الكلامية في حقل الطبيعيات و الكلّيات و ما يرجع إلى الجوهر و العرض كان اقتباسا ممّا نقله المترجمون عن الإغريقيين و غيرهم من الهنود و الفرس، و أمّا ما يرجع إلى الإلهيات فللإسلاميين فيها دور فعال لا ينكر، خصوصا الفلاسفة منهم، فقد أسسّوا قواعد، و كشفوا أصولا فلسفية لم يسبقهم إليها أحد.
هذا و قد نقل سيّد مشايخنا العلاّمة الطباطبائي في مقال له ألقي في الذكرى المئوية لميلاد صدر المتألهين: «إنّ المسائل الفلسفية الموروثة عن اليونانيين و غيرهم لم تكن تتجاوز مائتي مسألة، و قد تكاملت بأيدي فلاسفة الإسلام و متكلّميهم إلى
أن بلغت سبعمائة مسألة»، لكنّه قدّس سرّه لم يشر إلى عناوين المسائل المنقولة، و المسائل المؤسّسة، و يا ليته كان يشير إلى عناوين هذه المسائل ليريح الآخرين من القيام بالعبء الثقيل في طريق تمييز هذين النوعين من المسائل.
قال الدكتور شبلي شميل: إنّ الفلسفة الإلهية بلغت بين المسلمين شأوا و لكن البيئات النصرانية لم تستطع أن تحتفظ بها، و صارت الفلسفة بعد الانتشار بينهم محكومة بالفناء و الاندثار، حتّى قام رجال الكنائس يكافحونها بكلّ قوة غير ما يرجع إلى لاهوتية المسيح.(1)
لو كانت تلك الفلسفة الإسلامية (المشيّدة القواعد و المحرّرة المسائل) منتشرة بين أبناء الغرب لما ظهر بينهم ما ظهر من المسالك المتناقضة و المذاهب المتبدّدة التي يقضي الوجدان السليم ببطلانها.
و لو كانت الفلسفة الإسلامية دارجة يرجع إليها المادي في شبهاته و شكوكه و الإلهي في تقويم عقائده و تحكيم مبانيه، لما ظهر سلطان المادي في البيئات العلمية.
و لو كانت الفلسفة الإسلامية سائدة على المفكّرين من الغربيين لما تسنّى للسوفسطائي أن يبث تلك الدعاوي الفارغة و الأساطير المكذوبة حينما قضى الدهر على أسلافهم بالفناء و الهلاك، فجاء أخلافهم بعد لأي من الدهر يقتفون آثار آبائهم و أجدادهم البالية.
1) . النشوء و الارتقاء، الجزء الثامن حول القرآن و العمران.
من أبرز العوامل التي أدّت إلى نشوء المدارس الكلامية، هو الاختلاف في الأصول، الذي انتهى إلى تأسيس مسالك مختلفة مع اتفاق الكلّ على أنّ الغاية من تأسيس علم الكلام هي الذبّ عن الإسلام، أصوله و فروعه.
و تتلخص الأصول التي أوجد الاختلاف فيها فجوة كبيرة بين الآراء و الأفكار، في أمور أهمّها:
لا شكّ أنّه سبحانه موصوف بالعلم و القدرة و الحياة و غيرها من الصفات الجمالية، و السؤال: هل هذه الصفات هي غير الذات مفهوما و عينها ذاتا و مصداقا، أو هي غير الذات مطلقا، مفهوما و مصداقا؟ فالعدلية على الأوّل، و الأشاعرة على الثاني.
ثمّ إنّ القائلين بالوحدة على طائفتين:
الأولى: انّ الصفات الجمالية متحقّقة في الذات، لكن لا تغاير بين الموصوف و الوصف وجودا، و إن كان بينهما تغاير مفهوما، فالذات كلّها علم، و كلّها قدرة، و كلّها حياة و هكذا، و لا مانع من أن يكون قسم من الصفات - كالعلم - أمرا قائما بالغير كما في الممكنات، و قسم منه أمرا قائما بالذات كما في الواجب عزّ اسمه، و هذا مذهب الإمامية.
الثانية: انّ الذات نائب مناب الصفات، فالذات ببساطتها، تقوم بكلّ ما تقوم به الأوصاف، فكما أنّ الذات الموصوفة بالعلم و القدرة، و الحياة يصدر منها الفعل بالعلم و الإتقان، و هكذا ذاته سبحانه، النائبة مناب الصفات، يكون فاعلا عالما و متقنا لفعله، و هذا هو القول بالنيابة، و به قال بعض المعتزلة.
يقول الحكيم السبزواري:
و الأشعري بازدياد قائله *** و قال بالنيابة المعتزله(1)
و المراد، ما وصف به سبحانه نفسه في القرآن و الحديث فأثبتا له اليد و الاستواء و العين و غيرها، فقد أوجد تفسير هذه الصفات اختلافا عظيما بين المتكلّمين؛ فالأشاعرة على حملها بمعانيها اللغوية على اللّه سبحانه غاية الأمر «يقولون الكيف مجهول» و قد عرفوا بالمثبتة، أي مثبتة الصفات؛ و المعتزلة على تأويل اليد بالقدرة، و الاستواء على الاستيلاء و قد عرفوا بنفاة الصفات أو بالمؤوّلة.
و أمّا الإمامية فقد ذهبوا إلى أنّ المتبع هو الظهور التصديقي، لا التصوّري،
1) . شرح المنظومة للسبزواري: 156.
و إن شئت قلت: المتبع هو الظهور الجملي لا الإفراديّ، و اليد و الاستواء و العين و إن دلّت بظهورها التصوريّ أو الإفرادي على التشبيه و التجسيم لكنّه ليس بمتّبع، بل المتّبع هو الظهور التصديقي، و هو المعاني التي كنّي عنها بهذه الألفاظ، و كلام العرب مشحون بالكنايات، و التفصيل في محله.
ما يصدر عنه سبحانه من الخلق و الرزق، و الرحمة و العذاب صفات فعلية، فوقع الكلام فيما يجوز عليه تعالى و ما لا يجوز، فالمعتزلة و الإمامية على تحديد فعله سبحانه من خلال الإمعان في بعض صفاته ككونه حكيما عادلا، بالعدل و الحكمة، فقالوا: يمتنع عليه سبحانه، التكليف بما لا يطاق، أو تعذيب المطيع، بخلاف الأشاعرة حيث إنّه سبحانه عندهم فوق أن يقع في إطار التحديد، حتّى يوصف بعض أفعاله بالوجوب و الآخر بالامتناع، فيجوّزون التكليف بالمحال، و تعذيب المطيع.
اتّفق المتكلّمون على وصفه سبحانه بالعدل، إنّما اختلفوا في تفسيره، فالأشاعرة على أنّ الدليل على وصفه سبحانه به، هو السمع، و على ذلك فكلّ ما صدر منه سبحانه فهو عدل، سواء أكان عدلا، عند العقل أم لا، خلافا للإمامية و المعتزلة فانّ الدليل على وصفه بالعدل هو العقل، و لو دلّ السمع على أنّه عادل فهو مؤيّد له، و العقل بنفسه يميّز مصداق العدل عن خلافه؛ و على ضوء ذلك، يستحيل صدور ما يعد ظلما في منطق الفعل، فتكليف العاجز و تعذيب الطفل الصغير، خلاف العدل، و نفس الظلم عند العدلية.
إنّ الاختلاف في تفسير العدل ينشأ من الاختلاف في المسألة التالية، و كأنّها هي المصدر الوحيد، لنشوء أكثر المدارس الكلامية.
إنّ القائلين بذاتيّة التحسين و التقبيح، يفسرونها بالقول: إنّ الفعل الصادر من الفاعل المختار، سواء أكان واجبا أم ممكنا، إذا نظر إليه العقل و تجرّد عن كلّ شيء يستقل إمّا بحسنه و انّه يجب أن يفعل، أو بقبحه و انّه يجب أن يترك، بغضّ النظر عمّا يترتّب عليه من المصالح و المفاسد، أو بغضّ النظر عن موافقته لغرض الفاعل أو مخالفته، فانّ كلّ هذه الضمائم ممّا لا حاجة إليها في قضاء العقل بالحسن و القبح، فكأنّ نفس الفعل علّة تامة - عند اللحاظ - لحكم العقل بالحسن أو القبح.
فإذا كان الشيء بذاته حسنا فهو حسن عند الكلّ يجب أن يفعل، و إذا كان الشيء قبيحا فهو قبيح عند الكلّ يجب أن يترك، و بهذا يتميز ما يجب للّه تعالى، عمّا لا يجوز عليه و يترتّب على ذلك:
قبح التكليف بغير المقدور، و بالتالي امتناعه.
قبح تعذيب البريء و بالتالي امتناعه.
قبح تزويد المتنبّئ الكاذب بالمعجزة و بالتالي امتناعه.
قبح تضليل العباد و بالتالي امتناعه.
حسن العمل بالوعد، و بالتالي لزومه و وجوبه.
حسن العصمة في الأنبياء، و بالتالي لزومه و وجوبه.
حسن انتخاب الأصلح، و بالتالي لزومه و وجوبه.
إلى غير ذلك من الآثار المترتبة على التحسين و التقبيح العقليّين، على خلاف القول بعجز العقل عن إدراك ما هو الحسن و القبيح، فالقائل به لا يعترف بواحد من هذه الآثار و بذلك تتسع الفجوة بين القائلين، و تحدث مسالك و مدارس كلامية.
إنّ القضاء و القدر من المعارف العليا و قد تضافرت الآيات و الروايات على وقوع كلّ ما في الكون في إطار التقدير و القضاء و اعترف به العدلية من المتكلّمين غير أنّ الكلام في تفسيرهما، فالأشاعرة يعطون للقدر سيادة على نحو يسلب الاختيار عن الإنسان، و يجعله كالريشة في مهب الريح اغترارا ببعض الروايات المستوردة، فالقدر عندهم إله ثان و الذي له السيطرة على الكون و الإنسان، و ليس للإنسان محيص إلاّ عن سلوك ما قدّر، و تطبيق العمل على ما قضي سواء أكان حلوا أم مرّا؛ غير أنّ العدلية، مع الاعتراف بعمومية القدر و القضاء لأفعال الإنسان، يفسرونهما على نحو لا يسلب المسؤولية عن الإنسان، و ذلك ببيان أنّ المقدر ليس صدور الفعل من الإنسان بأي نحو شاء، بل المقدّر، صدوره منه عن إرادة و اختيار، عن رؤية و تفكير.
هذه هي الأصول المكونة للمدارس الكلامية المختلفة عبر العصور، و قد اقتصرنا على الرئيسية منها:
و هناك عوامل أخرى غير رئيسية، انتهت إلى ظهور آراء في المسائل العقائدية، يرجع لبّها إمّا إلى إعوجاج في الفكر و تفسير الآيات و الروايات على غير وجهها؛ أو تبنّي المدّعى أوّلا، ثمّ طلب الدليل ثانيا.
فنحن نشير إلى أمّهات المدارس الكلامية حسب تاريخ تكوينها، و نترك الفروع المشتقة من كلّ مدرسة، و من أراد التفصيل فليرجع إلى كتابنا «بحوث في الملل و النحل».
نخصّ هذا الفصل بدراسة المدارس الكلامية بمناهجها المختلفة و هي كثيرة، و لكلّ منهج، أصول و كتب، و بناة و دعاة، و لا يمكننا بسط الكلام فيها، فانّه يحوجنا إلى تأليف كتاب خاص في ذلك، و قد قمنا به في موسوعتنا المنتشرة باسم «بحوث في الملل و النحل».
و إنّما الغاية في المقام، الإلماع إلى مؤسسي المدارس و أصولها و أعلامها على وجه موجز.
و يعبّر عنهم بالخوارج، و قد انقرضوا و لم يبق منهم إلاّ فرقة معتدلة و هي الإباضية.
إنّ حركة الخوارج - يوم ظهرت - كانت حركة سياسية و لم يكن لها جذور كلامية خلافا لسائر الفرق. و الأصول التي كانوا يتبنونها، لا تعدو ثلاثة:
تكفير مرتكب الكبيرة.
إنكار مبدأ التحكيم.
تكفير عثمان و علي و معاوية و طلحة و الزبير، و من سار على دربهم و رضي بأعمال عثمان و تحكيم الإمام علي عليه السّلام.
نعم انّ المحكّمة عبر الاحتكاك بسائر الفرق تبنّت أصولا أخرى، و بذلك تأسّست مدرسة كلامية في إطار خاص و هو:
عدم اشتراط القرشية في الإمام.
صفاته سبحانه عين ذاته.
امتناع رؤيته سبحانه في الآخرة.
القرآن حادث غير قديم.
و في هذه الأصول الثلاثة الأخيرة يتفقون مع العدلية بكلتا الفرقتين: الإمامية و المعتزلة.
الشفاعة، و تعني: دخول الجنة بسرعة لا مغفرة الذنوب، و في هذا الأصل يتفقون مع خصوص المعتزلة من العدلية.
التولّي و التبرّي.
و هي مأخوذة من الإرجاء بمعنى التأخير، و هم يولون أهمية للإيمان القلبي و لا يهتمون بالعمل، و قد اشتهروا بتقديم الإيمان و تأخير العمل، فأخذوا من الإيمان جانب مجرد الإقرار بالقول الكاشف عن الإذعان قلبا و إن لم يكن مصاحبا مع العمل، فاشتهروا بالمرجئة، أي المؤخرة، و شعارهم: «لا تضرّ مع الإيمان معصية، و لا تنفع مع الكفر طاعة...» و هؤلاء و الخوارج في مسألة العمل، على جانبي نقيض، فالمرجئة لا يشترطون العمل في حقيقة الإيمان، و الخوارج يضيّقون فيرون مرتكب الكبيرة كافرا مخلّدا في النار.
و يقال: إنّ أوّل من وضع الإرجاء الحسن بن محمد بن الحنفية (المتوفّى 99 ه) و لكن الإرجاء الذي قال به، ليس هو الإرجاء المصطلح.(1)
المعتزلة بين المدارس الكلامية المختلفة مدرسة فكرية عقلية أعطت للعقل القسط الأوفر.
1) . لاحظ تفصيل ذلك في موسوعتنا: بحوث في الملل و النحل: ج 3، فصل المرجئة.
و مؤسس المذهب هو واصل بن عطاء تلميذ الحسن البصري، نقل الشهرستاني أنّه دخل شخص على الحسن البصري فقال: يا إمام الدين! لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفّرون أصحاب الكبائر، و الكبيرة عندهم يخرج بها عن الملّة، و هم وعيديّة الخوارج، و جماعة يرجئون أصحاب الكبائر و يقولون لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة، و هم مرجئة الأمّة، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادا؟
فتفكّر الحسن في ذلك و قبل أن يجيب، قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول إنّ صاحب الكبيرة مؤمن مطلقا و لا كافر مطلقا، بل هو في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن و لا كافر، ثمّ قام و اعتزل إلى اسطوانة المسجد يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنّا واصل، فسمّي هو و أصحابه:
معتزلة.(1)
و الأصول المهمّة التي تعدّ عمادا للاعتزال لا تتجاوز الخمسة و هي:
التوحيد.
العدل.
الوعد و الوعيد، أي يجب العمل بالوعيد كوجوبه بالوعد.
المنزلة بين المنزلتين، فمرتكب الكبيرة لا مؤمن و لا كافر بل بين المنزلتين.
الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، أي وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر عقلا.
1) . الملل و النحل: 62/1.
و للمعتزلة أئمّة نضج المذهب بأفكارهم و آرائهم و وصل إلى القمة في الكمال و في مقابل هؤلاء مشايخهم الكبار الذين لهم دور في تبيين المذهب دون أن يتركوا أثرا بارزا يستحقّ الذكر، و إليك نزرا من أئمّتهم.
واصل بن عطاء (80-131 ه).
عمرو بن عبيد (80-143 ه)
أبو الهذيل العلاّف (135-235 ه).
و هذا الأخير من أعيان المعتزلة، و يصفه ابن خلكان بقوله: «كان حسن الجدال، قويّ الحجة، كثير الاستعمال للأدلّة و الإلزامات».
و يظهر من مناظرته مع صالح بن عبد القدّوس أنّ حركة الشكّ كانت استفحلت في عصره حتّى ألف صالح بن عبد القدوس كتابا حول الشكوك، يقول ابن خلكان: «لقي أبو الهذيل صالح بن عبد القدوس و قد مات له ولد و هو شديد الجزع عليه. فقال له أبو الهذيل: لا أعرف لجزعك عليه وجها، إذا كان الإنسان عندك كالزرع، قال صالح: يا أبا الهذيل: إنّما أجزع عليه، لأنّه لم يقرأ كتاب الشكوك فقال له: كتاب الشكوك ما هو يا صالح؟ قال: هو كتاب قد وضعته من قرأه يشك فيما كان، حتّى يتوهم أنّه لم يكن، و يشك فيما لم يكن، حتّى يتوهم أنّه قد كان، فقال له أبو الهذيل: فشكّ أنت في موت ابنك و اعمل على أنّه لم يمت و إن كان قد مات، و شكّ أيضا في قراءة كتاب الشكوك و إن كان لم يقرأه.(1)
1) . وفيات الأعيان: 266/4، منشورات الشريف الرضي، قم.
النظّام (160-231 ه).
أبو علي الجبائي (235-303 ه)
أبو هاشم الجبائي (278-321 ه).
قاضي القضاة عبد الجبار (324-415 ه)
إلى غير ذلك من الأئمّة.
لقد ابتسم الدهر للمعتزلة في عصر أبي جعفر المنصور و امتد نشاطهم - إلاّ في عصر هارون - إلى خلافة الواثق (227-232 ه)، و لمّا قضى الواثق نحبه و أخذ المتوكل زمام أمر الخلافة أفل نجمهم شيئا فشيئا إلى أن انقرضوا، و قد قتل كثير منهم بسيف محمود بن سبكتكين في أرض خراسان، و لم نعثر بعد الزمخشري (المتوفّى 538 ه) و ابن أبي الحديد (المتوفّى 656 ه) على علم من أعلام المعتزلة سوى بعض الزيدية التابعين للمعتزلة في الأصول.
الجهمية منسوبة إلى جهم بن صفوان السمرقندي الذي قتل في آخر دولة بني أميّة عام 128 ه، و قاعدة مذهبه أمران:
الأوّل: الجبر و نفي الاستطاعة، فصار الجهم رأس الجبر و أساسه، و يطلق على أتباعه الجبرية الخالصة في مقابل غير الخالصة منها.
الثاني: تعطيل ذاته عن الوصف بصفات الجمال و الكمال، و لأجل ذلك
سمّيت المعطلة أيضا.
و قد نسب إليه أيضا الأمور التالية:
كون القرآن الكريم مخلوقا حادثا.
نفي رؤيته في الدنيا و الآخرة.
جواز الخروج على السلطان الجائر.
و لعلّه لهذا الأصل الثالث قتل بسيف بني أميّة.
ثمّ إنّ كلّ من قال بنفي الصفات، أو بخلق القرآن، يرمى بالجهميّة و إن لم يكن منهم، و الجهمية في كلمات الإمام أحمد هم المعتزلة.(1)
إنّ إقصاء العقل عن ساحة العقائد، ألحق أضرارا جسيمة بالمجتمع الإسلامي فظهرت حركات هدّامة ترمي إلى تقويض الأسس الدينية و الأخلاقية، و من هنا نجمت المجسّمة التي رفع لواءها مقاتل بن سليمان المجسّم (المتوفّى عام 150 ه) فهو و جهم بن صفوان مع تشاطرهما في دفع الأمّة الإسلامية إلى حافّة الجاهلية، لكنّهما في مسألة التنزيه و التشبيه على طرفي نقيض.
أمّا جهم بن صفوان فقد أفرط في التنزيه حتّى عطّل وصفه سبحانه بالصفات، و أمّا مقاتل فقد أفرط في التشبيه فصار مجسّما.(2)
إنّ الكرّامية، مثل المجسّمة و هي أيضا وليدة إقصاء العقل و المنطق عن ساحة العقائد و الانكباب على الروايات المدسوسة المليئة بالأباطيل و الترّهات التي وضعتها الأهواء، و الكرّامية صنيعة محمد بن كرّام السجستاني (المتوفّى عام 255 ه)، الذي يعرفه ابن حبان بقوله: «التقط من المذاهب أرداها، و من الأحاديث أوهاها، و جعل الإيمان قولا بل معرفة، و من آرائه أنّه سبحانه جسم لا كالأجسام، و من آرائه: أنّ النبي أخطأ في تبليغ قوله: وَ مَنٰاةَ اَلثّٰالِثَةَ اَلْأُخْرىٰ حتّى قال بعده: «تلك الغرانيق العلى، و انّ شفاعتها لترتجى».
و الحاصل: انّ الحركة الكرّامية من أسوأ الحركات الرجعية التي ظهرت في القرن الثالث.(1)
الأشعرية مدرسة كلامية أسّسها أبو الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق، من أحفاد أبي موسى الأشعري الصحابي المعروف، ولد عام 260 ه، و توفّي سنة 324 ه و على قول 330 ه، و كان معتزليا و تخرّج على يد أستاذه أبي علي الجبائي
1) . ميزان الاعتدال: 21/4؛ الفرق بين الفرق: 222.
(235-303 ه) ثمّ أعلن براءته من هذا المذهب - بعد وفاة أستاذه بسنتين - و التحق بمذهب الإمام أحمد، و نادى من على المنبر بأعلى صوته و قال: من عرفني فقد عرفني و من لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا فلان بن فلان، كنت قلت بخلق القرآن و إنّ اللّه لا يرى بالأبصار، و إنّ أفعال الشر أنا أفعلها، و أنا تائب مقلع معتقد للرد على المعتزلة.(1)
و هو و إن التحق بأهل الحديث لكنّه قد امتاز عنهم باستحسان الخوض في المسائل الكلامية و البرهنة على العقيدة بالدليل العقلي، و لذلك رفضه بعض أتباع الإمام أحمد كالبربهاريّ.(2)
إنّ مذهبه و إن لم يتمتع بالانتشار في حياته، لكن تلاميذه و تلاميذ تلاميذه قد نضّجوا الأصول الموروثة عنه، و نشروه إلى حد، صار المذهب الأشعري، هو المذهب الرسمي لأهل السنّة.
يقول المقريزي بعد ذكر الأصول الكلامية للمذهب الأشعري: «فهذه جملة من أصول عقيدته التي عليها الآن جماهير أهل الأمصار الإسلامية، و التي من جهر بخلافها أريق دمه.(3)
و إليك أصول مذهبه المهمة:
الاستطاعة مع الفعل لا قبله. 7. رؤية اللّه سبحانه في الآخرة. 8. كلام اللّه سبحانه، هو الكلام النفسي. 9. كلامه قديم و ليس بحادث. 10. الحسن و القبح شرعيان لا عقليان. لاحظ للوقوف على مصادر آرائه كتابي الإبانة و اللمع، و هما من تأليفه.
و ربما يتصور: انّ الشيخ الأشعري أعلن الالتحاق بمذهب الإمام أحمد، ليجري الإصلاح في مذهب أهل الحديث، الذين غلب عليهم يومذاك القول بالتجسيم و الجهة و الجبر، فحاول أن يصلح ما فسد. و لكن هذا التصوّر غير دقيق.
و إذا افترضنا انّ الشيخ كان يروم الإصلاح، فإنّ التوفيق لم يحالفه في ذلك للأسباب التالية:
إبقاء الأصول الفاسدة في مسلك أهل الحديث، نظير: أفعال الإنسان مخلوقة للّه سبحانه مباشرة، فلا شكّ انّ القول بهذا الأصل ينتهي إلى الجبر، لأنّ معناه انّ المؤثر في فعل العبد هو قدرته سبحانه مباشرة و لا دور لإرادة العبد و قدرته المفاضة منه سبحانه إليه، و ربما يعبر عنه بالجبر غير الخالص.
تجويز رؤية اللّه يوم القيامة، و هو يلازم القول بالتجسيم و كونه سبحانه ذا جهة.
قوله: إنّ القرآن قديم غير حادث، أو غير مخلوق للّه سبحانه و ذلك يؤدي في النهاية إلى فرض قديم ثان، و تصور ندّ له إلى غير ذلك من الأصول التي تركها الأشعري بحالها و لم يحدث فيها أي تغيير.
إنّ من أبرز سمات منهج الأشاعرة هو نفي السببيّة و العليّة حتّى بالمعنى
الظلّي عن غيره سبحانه، و أنّه ليس في صحيفة الكون إلاّ علّة واحدة و سبب فارد، هو المؤثر في الكون و بذلك شطبوا على تأثير العلل الطبيعية بعضها في بعض، و نفوا السببية في الكونيات و زعموا أنّ القول بذلك ينافي التوحيد في الخالقية و الربوبية و بذلك نازعوا وجدانهم كما نازعوا الوحي المبين حيث إنّه يثبت الأثر الطبيعي لكلّ سبب، و في الوقت نفسه يربطهما باللّه سبحانه، قال: اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ فِرٰاشاً وَ اَلسَّمٰاءَ بِنٰاءً وَ أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمٰاءِ مٰاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ اَلثَّمَرٰاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلاٰ تَجْعَلُوا لِلّٰهِ أَنْدٰاداً وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ .(1)
تجد أنّ الوحي اعترف بسببية الماء الخروج الثمرات الطيّبة و ليست هذه الآية وحيدة في هذا الباب، بل في القرآن الكريم نماذج من هذا النوع، قال سبحانه:
وَ فِي اَلْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجٰاوِرٰاتٌ وَ جَنّٰاتٌ مِنْ أَعْنٰابٍ وَ زَرْعٌ وَ نَخِيلٌ صِنْوٰانٌ وَ غَيْرُ صِنْوٰانٍ يُسْقىٰ بِمٰاءٍ وٰاحِدٍ وَ نُفَضِّلُ بَعْضَهٰا عَلىٰ بَعْضٍ فِي اَلْأُكُلِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ .(2)
فتستدلّ الآية على أنّ تدبيره سبحانه فوق تدبير الفواعل الطبيعية، و ذلك بشهادة أنّ الجنّات تثمر أثمارا مختلفة مع وحدة الشرائط و الظروف المحيطة بها من وحدة الماء و الأرض، و هذا يدلّ على أنّ وراء الأمور الطبيعية و الأسباب الماديّة مدبّرا فوقها، و على الرغم من هذا الاعتراف إلاّ أنّه لا ينفي تأثير العوامل الطبيعية و لكن يراها غير كافية في خلق هذا التنوّع.
و بذلك يظهر أنّ ما ذكره ابن خلدون حول تأثير الأسباب و لزوم الغضّ عنها دون شأنه جدّا و كان المترقب منه غير ذلك، لكن سيطرة مذهب الأشعري
على العقول، أثّرت على تفكيره فعاد يفكر كأنّه أشعري مطلق، بل حنبلي محض.
يقول: تأمل من ذلك حكمة الشارع في نهيه عن النظر إلى الأسباب و الوقوف معها فإنّه واد يهيم فيه الفكر و لا يحلو منه بطائل و لا يظفر بحقيقته - إلى أن قال: - فوجه تأثير هذه الأسباب في الكثير من مسبّباتها مجهول، لأنّها إنّما يوقف عليها بالعادة لاقتران الشاهد بالاستناد إلى الظاهر و حقيقة التأثير و كيفيته مجهولة، فلذلك أمرنا بقطع النظر عنها و إلغائها جملة و التوجّه إلى مسبّب الأسباب كلّها و فاعلها و موجدها لترسخ صفة التوحيد في النفس.
فإن وقف عند تلك الأسباب فقد انقطع و حقّت عليه كلمة الكفر، و إن سبح في بحر النظر و البحث عنها و عن أسبابها و تأثيراتها واحدا بعد واحد فأنا الضامن له أن لا يعود إلاّ بالخيبة، فلذلك نهانا الشارع عن النظر في الأسباب و أمرنا بالتوحيد المطلق.(1)
يلاحظ عليه أوّلا: ما هو الدليل أنّ الشارع نهانا عن النظر في الأسباب، فإن أراد النظر فيها بمعنى التوقّف عند تلك الأسباب، و إضفاء الأصالة عليها و انقطاعها عن مسبّب الأسباب، فذلك كما ذكره كفر محض، و لكن المؤمن الموحّد لا ينظر إلى الأسباب بذلك المنظار.
و إن أراد النظر فيها بما فيها من نظام بديع حاك عن كونه مخلوقا لموجود عالم قادر حكيم فالنظر فيها بهذا المنظار هو نفس التوحيد، فكيف نهانا الشارع عن النظر في الأسباب؟ هذا هو القرآن الكريم يشرح لنا نظام الكون بأدق الوجوه و يجعلها آية لتوحيد خالق العالم و مدبّره.
1) . مقدّمة ابن خلدون، الفصل العاشر في علم الكلام: 424.
يقول سبحانه: إِنَّ فِي خَلْقِ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اِخْتِلاٰفِ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهٰارِ وَ اَلْفُلْكِ اَلَّتِي تَجْرِي فِي اَلْبَحْرِ بِمٰا يَنْفَعُ اَلنّٰاسَ وَ مٰا أَنْزَلَ اَللّٰهُ مِنَ اَلسَّمٰاءِ مِنْ مٰاءٍ فَأَحْيٰا بِهِ اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهٰا وَ بَثَّ فِيهٰا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَ تَصْرِيفِ اَلرِّيٰاحِ وَ اَلسَّحٰابِ اَلْمُسَخَّرِ بَيْنَ اَلسَّمٰاءِ وَ اَلْأَرْضِ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ .(1)
إنّ قول اللّه - هذا - مضافا إلى كونه مشيرا إلى برهان النظم يمكن أن يكون تلويحا إلى عوامل استقرار الحياة على الأرض، و مذكرا للعقول بأنّه لا يمكن أن تجتمع كلّ العوامل - مع ما فيها من المحاسبات الدقيقة - عن طريق الصدفة العمياء دون أن يتدخل في ذلك تدبير «مدبر عاقل حكيم» و دون أن يكون قد جمعها على هذا النسق المناسب لظاهرة الحياة - «إله خالق عارف بالأمور، محيط بالمحاسبات و السنن».
كما يمكن أن يكون بعض الآيات الأخر مشيرا إلى هذا البرهان (برهان النظم) مثل قوله تعالى: اَللّٰهُ اَلَّذِي رَفَعَ اَلسَّمٰاوٰاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهٰا ثُمَّ اِسْتَوىٰ عَلَى اَلْعَرْشِ وَ سَخَّرَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ اَلْأَمْرَ يُفَصِّلُ اَلْآيٰاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقٰاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ .(2)
و ثانيا: أنّ قوله: «إنّما يوقف عليها العلّية بالعادة لاقتران الشاهد بالاستناد إلى الظاهر» يرمي إلى نفي العلّية و المعلولية و لو بنحو الظلّية بين الأسباب و المسببات، و أنّ المشهود هو ظهور الحرارة مقترنة بوجود النار و البرودة مقترنة بوجود الماء دون أن يكون بين الأثر و ما هو المؤثر في الظاهر صلة و علاقة. و هذا هو الذي يدّعيه الإمام الأشعري من نفي العلّية، و إنّ ما نسمّيه علّية هو جريان
عادة اللّه على وجود الآثار بعد الأسباب من دون أن يكون للسبب أيّ تأثير.
أقول: إذا كان الداعي لنفي السببيّة بين الظواهر الكونية هو تقوية روح التوحيد في الخالقية و الربوبيّة و انّ المؤثّر الحقيقي هو اللّه سبحانه فهو أمر جميل؛ و إذا كان الداعي هو نفي السببية و العلّيّة بين الأسباب و المسببات الطبيعية، فهو على خلاف الكتاب أوّلا، و الوجدان ثانيا، و تشويه لسمعة الإسلام ثالثا.
ثمّ إنّ هناك رجالا ارتبطت أسماؤهم ببلورة المذهب الأشعري، و لولاهم لما قام لهذا المذهب عمود و لا اخضرّ له عود، و إليك أسماء أعلامهم عبر التاريخ:
أبو بكر الباقلاني (المتوفّى 403 ه).
أبو منصور عبد القاهر البغدادي (المتوفّى 429 ه).
إمام الحرمين أبو المعالي الجويني (419-478 ه).
حجة الإسلام الإمام الغزالي (450-505 ه).
أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني (479 - 548 ه).
أبو عبد اللّه محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي، فخر الدين الرازي (544-606 ه).
أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد بن سالم المعروف بسيف الدين الآمدي (551-631 ه).
عبد الرحمن بن أحمد، عضد الدين الإيجي (708-756 ه).
مسعود بن عمر بن عبد اللّه المعروف بسعد الدين التفتازاني (712 - 791 ه).
السيد علي بن محمد بن علي الحسيني المعروف بالسيد الشريف (المتوفّى 816 ه).
علاء الدين علي بن محمد السمرقندي القوشجي (المتوفّى 879 ه).
هذا بعض الكلام في المذهب الأشعري، و الذي صار مذهبا رسميا لأكثر أهل السنّة.
في الوقت الذي ظهر فيه مذهب الإمام الأشعري بطابع الفرعية لمذهب أهل الحديث، ظهر مذهب آخر، بهذا اللون و الشكل لغاية نصرة السنّة و أهلها و بالتالي:
إقصاء المعتزلة عن الساحة، و هو مذهب الإمام محمد بن محمد بن محمود الماتريدي السمرقندي (المتوفّى سنة 333 ه) أي بعد ثلاثة أو تسعة أعوام من وفاة الإمام الأشعري.
و الداعيان كانا في عصر واحد و لم تكن بينهما أيّة صلة، فالأشعري كان يكافح الاعتزال و يناصر السنّة في البصرة متقلّدا مذهب الشافعي في الفقه، و الماتريدي يكافح الاعتزال في الشرق الإسلامي متقلّدا رأي الإمام أبي حنيفة في الفقه؛ فكانت البصرة محط الأهواء و معقلها، كما كانت أرض خراسان مأوى أهل الحديث و مهبطهم.
و لم يكن الماتريدي نسيج وحده في هذا الأمر، بل معاصره أبو جعفر الطحاوي صاحب العقيدة الطحاوية (المتوفّى سنة 321 ه) كان أيضا يناصر السنّة متقلّدا مذهب أبي حنيفة في الفقه، و قد صدّر رسالته المعروفة بالعقيدة الطحاوية بقوله:
بيان عقيدة فقهاء الملة: أبي حنيفة و أبي يوسف و محمد بن الحسن.(1)
اتّفق المترجمون للماتريدي على أنّه توفّي عام 333 ه و لم يعيّنوا ميلاده، لكن القرائن تشهد على أنّه من مواليد عام 248 ه. و قد أخذ العلم عن عدّة من المشايخ، و هم:
أبو بكر أحمد بن إسحاق الجوزجاني.
أبو نصر أحمد بن العياضي.
نصير بن يحيى، تلميذ حفص بن سالم (أبي مقاتل).
محمّد بن مقاتل الرازي.
و تخرّج عليه عدّة من العلماء، منهم:
أبو القاسم إسحاق بن محمد بن إسماعيل الشهير بالحكيم السمرقندي (المتوفّى 340 ه).
أبو الليث البخاري.
أبو محمد عبد الكريم بن موسى البزدوي، جدّ محمد بن محمد بن عبد الكريم البزدوي مؤلّف «أصول الدين».
إنّ منهج الماتريدي يتمتع بسمات ثلاث:
1) . شرح العقيدة الطحاوية: 25.
أوّلا: أعطى للعقل سلطانا أكبر و مجالا أوسع، و ذلك هو الحجر الأساس للسمتين الأخيرتين.
ثانيا: منهجه أبعد عن التجسيم و التشبيه من منهج الأشاعرة.
ثالثا: منهجه أقرب إلى الاعتزال من منهج الإمام الأشاعرة.
و إليك بعض الفوارق بين المنهجين:
معرفته سبحانه واجبة عقلا عند الماتريدية و سمعا عند الأشاعرة.
التحسين و التقبيح عقليان عند الماتريدية و سمعيّان عند الأشاعرة.
لا يجوز التكليف بما لا يطاق عند الماتريدية خلافا للأشاعرة.
أفعال اللّه تعالى معلّلة بالأغراض عند الماتريدية دون الأشاعرة.
الصفات الخبرية كالاستواء و اليد و العين تثبت على اللّه سبحانه بنفس معانيها اللغوية لكن بلا كيفية عند الأشاعرة، و أما الماتريدية فهي بين مفوّضة معانيها إلى اللّه سبحانه، أو مفسّرة لها بنفس ما تفسّره العدليّة.
صفاته عين ذاته سبحانه عند الماتريدية، زائدة عند الأشاعرة.
المذهب الماتريدي مذهب الأحناف خصوصا في تركيا و آسيا الوسطى و شبه القارّة الهنديّة، و مذهب الأشاعرة مذهب الشوافع غالبا.
القاضي الإمام أبو اليسر محمد بن محمد بن عبد الكريم البزدوي (421 - 493 ه)، له كتاب «أصول الدين».
أبو المعين النسفي (المتوفّى 502 ه)، و هو من أعاظم أنصار هذا المذهب، له كتاب «تبصرة الأدلّة» الذي ما زال مخطوطا حتّى الآن، و يعدّ الينبوع
الثاني بعد كتاب «التوحيد» للماتريديّة.
الشيخ نجم الدين أبو حفص عمر بن محمد النسفي (المتوفّى 537 ه) مؤلّف «العقائد النسفية»، و ما زال هذا الكتاب محور الدراسة في الأزهر إلى يومنا هذا.
الشيخ مسعود بن عمر التفتازاني (المتوفّى 791 ه) أحد المتضلّعين في العلوم العربية و المنطق و الكلام، و هو شارح «العقائد النسفية».
الشيخ كمال الدين محمد بن همام الدين الشهير بابن الهمام (المتوفّى 861 ه) صاحب كتاب «المسايرة» في علم الكلام، نشره و شرحه محمد محيي الدين عبد الحميد و طبع بالقاهرة.
العلاّمة كمال الدين أحمد البياضي الحنفي مؤلف كتاب «إشارات المرام من عبارات الإمام» أحد علماء القرن الحادي عشر الهجري، و يعدّ كتابه هذا أحد مصادر الماتريدية.
الشيخ محمد زاهد بن الحسن الكوثري المصري (المتوفّى 1372 ه) وكيل المشيخة الإسلامية في الخلافة العثمانية، أحد المتضلّعين في الحديث و التاريخ و الملل و النحل.
الزيديّة مذهب منتسب إلى الإمام زيد الشهيد بن زين العابدين علي بن الحسين بن مولى الموحدين علي بن أبي طالب، ولد عام 75 ه، و استشهد سنة
121 ه، و قد أدرك زيد ثلاثة أئمّة من أهل البيت عليهم السّلام، و هم:
والده الإمام علي بن الحسين عليهما السّلام (38-94 ه).
أخوه الأكبر أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين عليهم السّلام (57-114 ه).
ابن أخيه الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السّلام (83-148 ه).
أخذ عن أبيه، ثم عن أخيه محمد الباقر عليه السّلام كما كانت أواصر الحبّ و الودّ تجمعه بالإمام الصادق، فلمّا بلغ نعيه إلى المدينة أخذ الناس يفدون إلى الإمام الصادق يعزّونه.(1)
و قد ترك آثارا علمية، منها:
المجموع الفقهي.
المجموع الحديثي.
تفسير غريب الحديث.
الصفوة، و هي دراسة قرآنية تتبنّى بيان فضائل أهل البيت عليهم السّلام و تقديمهم على سائر الناس في مختلف المجالات.
إلى غير ذلك من المسائل.
زعمت الزيدية انّه ادّعى الإمامة لنفسه، و لكن كلمات زيد تخلو من أيّة إشارة إلى ذلك، بل كلّها تعرب عن أنّه دعا للرضا من آل محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
لم يكن زيد الشهيد صاحب منهج كلامي أو فقهي مستقلّ، و إذا كان يقول بالعدل و التوحيد و يكافح الجبر و التشبيه فلأجل أنّه ورثهما عن آبائه، و إذا كان يفتي في مورد ما، فإنّما كان يصدر في ذلك عن الحديث الذي يرويه
1) . الأغاني: 251/7.
عن آبائه.
نعم جاء بعد زيد مفكّرون وعاة، و هم بين دعاة للمذهب، أو بناة للدولة في اليمن و طبرستان، فساهموا في إرساء مذهب باسم المذهب الزيدي، منفتحين في الأصول و العقائد على المعتزلة، و في الفقه و كيفية الاستنباط على الحنفية، و لكن الصلة بين ما كان عليه زيد الشهيد في الأصول و الفروع و ما أرساه هؤلاء في مجالي العقيدة و الشريعة منقطعة إلاّ في القليل منها.
و على أية حال، التقت الزيدية مع شيعة أهل البيت في العدل و التوحيد، كما التقوا مع المعتزلة في الأصول الثلاثة التالية:
الوعد و الوعيد.
المنزلة بين المنزلتين.
الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.
و لأجل إيقاف القارئ على الخطوط العريضة لعقائدهم التي يلتقون في بعضها مع المعتزلة و في بعضها الآخر مع الإمامية نأتي بها:
صفاته تعالى عين ذاته، وفاقا للإمامية.
إنّ اللّه سبحانه لا يرى و لا يجوز عليه الرؤية خلافا للأشاعرة.
العقل يدرك حسن الأشياء و قبحها.
اللّه سبحانه مريد بإرادة حادثة.
انّه سبحانه متكلّم بكلام، و كلامه سبحانه فعله: الحروف و الأصوات.
أفعال العباد ليست مخلوقة للّه سبحانه.
تكليف ما لا يطاق قبيح، خلافا للمجبّرة و الأشاعرة.
المعاصي ليس بقضاء اللّه.
الإمامة تجب شرعا لا عقلا خلافا للإمامية.
النصّ على إمامة علي و الحسنين عند الأكثرية.
القضاء في فدك صحيح خلافا للإمامية.
خطأ المتقدّمين على عليّ في الخلافة قطعي.
خطأ طلحة و الزبير و عائشة قطعي.
توبة الناكثين صحيحة.
معاوية بن أبي سفيان فاسق لبغيه و لم تثبت توبته.
هذه رؤوس عقائد الزيدية استخرجناها من كتاب «القلائد في تصحيح العقائد»، المطبوع في مقدّمة البحر الزخار.(1)
الإسماعيلية، إحدى فرق الشيعة القائلة بأنّ الإمامة منصب تنصيصي من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أو الإمام القائم مقامه، غير أنّ هناك خلافا بين الزيدية و الإمامية و الإسماعيلية في عدد الأئمّة و مفهوم التنصيص.
الإمام الأوّل للدعوة الإسماعيلية هو إسماعيل بن جعفر الصادق عليه السّلام و كان
1) . البحر الزخار: 52-96.
والده شديد المحبّة له و الإشفاق عليه، مات في حياة أبيه بالعريض و حمل على رقاب الرجال إلى أبيه بالمدينة حتّى دفن بالبقيع.(1)
إنّ للمذهب الإسماعيلي علائم و سمات نشير إليها:
انتماؤهم إلى بيت الوحي و الرسالة، و قد كان لهذه السمة رصيد شعبي و كان المسلمون يتعاطفون مع من ينتمي إلى أهل بيت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
تأويل الظواهر، إنّ تأويل الظواهر و إرجاعها إلى خلاف ما يتبادر منها في عرف المتشرعة هي السمة البارزة الثانية للدعوة الإسماعيلية، و هي إحدى الدعائم الأساسية لهذا المذهب، بحيث لو انسلخت الدعوة عن التأويل و اكتفت بالظواهر لم تتميز عن سائر الفرق الشيعية إلا بصرف الإمامة عن الإمام الكاظم عليه السّلام إلى أخيه إسماعيل بن جعفر.
تطعيم مذهبهم بالمسائل الفلسفية حيث انجرفوا في تيارات المسائل الفلسفية و جعلوها من صميم الدين و جذوره، و انقلب المذهب إلى منهج فلسفي يتطور مع تطوّر الزمان، و يتبنى أصولا لا تجد لها في الشريعة الإسلامية عينا و لا أثرا.
هذه سمات مذهبهم، و إليك رؤوس عقائدهم:
أمّا التوحيد، فيصفونه سبحانه بأنّه واحد لا مثل له و لا ضدّ.
و أمّا في مجال الصفات، فقد ذهبوا إلى نفي الصفات عنه على الإطلاق، و اكتفوا في مقام معرفته بالقول بهوّيته و ذاته، دون وصفه بصفات حتّى الصفات
1) . المفيد، الإرشاد، ص 284.
الجمالية و الكمالية.
و أمّا عقيدتهم في العدل، فالإنسان عندهم مخيّر لا مسيّر، و القضاء و القدر لا يسلبان الاختيار.
و أمّا عقيدتهم في النبوة فإنّها أعلى مراتب البشر و الرسالة عندهم تنقسم إلى عامّة و خاصّة، و أنّ شريعة الأنبياء موافقة للحكمة، لكن لها ظاهر و باطن.
إنّ تقسيم الشريعة إلى ظاهرية و باطنية أعطى مبرّرا لكلّ إمام من أئمّتهم في أن يضع لكلّ ظاهر باطنا، و لكلّ واجب حقيقة يسمّي أحدهما شريعة ظاهرية، و الآخر باطنيّة من دون أن يستدلّ على تأويله بدليل عقلي أو نقلي.
أمّا عقيدتهم بالمعاد فهو روحاني لا جسماني، و أنّ التناسخ محال.
و أمّا عقيدتهم في الإمامة، فالحديث عنها ذو شجون، فقد ذكروا لها درجات خمس ربما تضيق المقدمة عن بيانها.(1)
الوهابيّة منسوبة إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي (1115 - 1206 ه). كان الشيخ منذ طفولته ذا رغبة شديدة في مطالعة كتب التفسير و الحديث و العقائد، و قد درس الفقه الحنبلي عند أبيه الذي كان من علماء الحنابلة، و كان ابنه محمّد يستقبح كثيرا من الشعائر الدينية التي كان يمارسها
1) . لاحظ في عقائدهم: راحة العقل للكرماني، ص 47؛ تاج العقائد و معدن الفرائد، و قد ذكرنا تفصيل عقائدهم في موسوعتنا: بحوث في الملل و النحل، ج 8.
أهالي نجد، و لم يقتصر تقبيحه على نجد، بل تعدّاه إلى المدينة المنوّرة بعد انصرافه من مناسك الحج، فقد كان ينكر على الزائرين التوسّل برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عند مرقده المقدّس.
و كان يكتم عقائده هذه خوفا من أبيه، و لمّا توفّي أبوه، أخذ بالدعوة و الالتقاء برؤساء القبائل، و التقى أخيرا بمحمد بن سعود الجدّ الأعلى لآل سعود فاتّفقا على نشر الدعوة، بشرط أن تكون القيادة الدينية لمحمد بن عبد الوهاب، و السياسية لمحمد بن سعود، و من ذلك اليوم ابتلي المسلمون بزمرة يشنّون الغارات على القبائل النجدية و خارجها كاليمن و الحجاز و نواحي سوريا و العراق لأجل أخذ الغنائم تحت غطاء الدعوة إلى التوحيد، و قد ضبط التاريخ حروبهم و غاراتهم على المناطق الإسلامية و كانت النتيجة هي الدمار و إراقة الدماء و نهب الأموال، إلى أن استولى آل سعود على الحرمين فساد الأمن في البلاد لكن مع الفقر المدقع، و الجوع الأسود إلى أن اكتشفوا آبار الذهب الأسود، فعند ذلك استتبّ الأمر للوهابية مفتين و أمراء، و بذلك استغنوا عن شنّ الغارات و الحروب الدامية.
يختلف الوهابية مع المسلمين في مسائل فقهية تارة، و مسائل كلامية أخرى، و يغالون في المسائل الفقهية الخلافية و يعتبرونها خروجا عن الدين و التوحيد، و إليك نبذا من خصائصهم:
تحريم بناء القبور و لزوم هدم المشاهد عليها.
حرمة بناء المساجد على القبور و الصلاة فيها.
حرمة شدّ الرحال لزيارة القبور و الصلاة في المساجد.
حرمة التوسل بالأنبياء و الصالحين.
حرمة طلب الشفاعة من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
حرمة النذر للأنبياء و الأولياء.
حرمة التبرّك بآثار الأنبياء و الصالحين.
حرمة الاحتفال بمواليد أولياء اللّه و وفياتهم.
و لهم نشاطات تبشيريّة، و منشورات و دوريات مختلفة.
الشيعة: من أحبّ عليّا و أولاده عليهم السّلام باعتبارهم أهل بيت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الذين فرض اللّه سبحانه مودّتهم قال عزّ و جلّ: قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبىٰ (1)و ينضوي تحت لواء الشيعة (بهذا المعنى) كلّ المسلمين إلاّ النواصب، بشهادة أنّهم يصلّون على نبيّهم و آله في صلواتهم و أدعيتهم و يتلون الآيات النازلة في حقّهم صباحا و مساء، و هذا هو الإمام الشافعي يصفهم بقوله:
يا أهل بيت رسول اللّه حبّكم *** فرض من اللّه في القرآن أنزله
كفاكم من عظيم الشأن أنّكم *** من لم يصلّ عليكم لا صلاة له(2)
و لكن المراد من الشيعة في المقام من يشايع عليّا و أولاده باعتبار أنّهم خلفاء
الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أئمّة الناس بعده، نصبهم النبي لهذا المقام بأمر من اللّه سبحانه.
و ليس التشيع كسائر المذاهب الإسلامية من إفرازات الصراعات السياسية كما هو الحال في المحكّمة و غيرهم، و لا من نتائج الجدال الكلامي و الصراع الفكري كما هو الحال في الأشعرية و المعتزلة.
بل الإسلام و التشيّع و جهان لعملة واحدة، و توأمان ولدا في يوم واحد، و لو انّ كتّاب العقائد درسوا تاريخ التشيع بدقة و موضوعية لعلموا أنّه ليس للتشيّع تاريخ و لا مبدأ سوى تاريخ الإسلام و مبدئه، و أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هو الغارس لبذرة التشيع في صميم الإسلام من أوّل يوم أمر فيه بالصدع(1)فأصحر بالحقيقة إلى أن لبّى دعوة ربّه.
فالتشيّع عبارة عن استمرار قيادة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بعد وفاته عن طريق من نصبه إماما للناس و قائدا للأمّة حتّى يرشدها إلى النهج الصحيح و الهدف المنشود، فإذا كان التشيع متبلورا في استمرار القيادة بالوصي فلا نجد له تاريخا سوى تاريخ الإسلام و النصوص الواردة عن رسوله.
فالشيعة هم المسلمون من المهاجرين و الأنصار و من تبعهم بإحسان، أعني: الذين بقوا على ما كانوا عليه في عصر الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في أمر القيادة و لم يغيروا و لم يتعدّوا ما رسم لهم الرسول إلى غيره.
و الميزة الهامة للشيعة على الإطلاق و للإمامية خصوصا هي أنّ الإمامة عندهم منصب إلهي يتصدى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و بأمر إلهي لتعيين من يتبوّؤه.
و قد أخبر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن إمامة اثني عشر رجلا من أهل بيته و ذكر أسماءهم
1) . فَاصْدَعْ بِمٰا تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ اَلْمُشْرِكِينَ * إِنّٰا كَفَيْنٰاكَ اَلْمُسْتَهْزِئِينَ. (الحجر: 94-95).
أوّلهم علي بن أبي طالب و آخرهم الإمام المهدي عليهم السّلام. و قد ذكر أهل السنّة روايات حول الأئمّة الاثني عشر دون أن يذكروا أسماءهم.
أخرج مسلم عن جابر بن سمرة، قال: انطلقت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و معي أبي فسمعته يقول: «لا يزال هذا الدين عزيزا منيعا إلى اثني عشر خليفة فقال كلمة صمّنيها الناس، فقلت لآبي: ما قال؟ قال: كلّهم من قريش».(1)
و لسنا في هذا المقام بصدد تحرير تاريخ التشيع و دلائل إمامة الأئمّة الاثني عشر، بل الغاية الإلماع إلى أصولهم الكلامية.
و الشيعة الإمامية تتّفق مع الفرق الإسلامية - أعني: المعتزلة و الأشاعرة و الماتريدية - في أكثر المسائل العقائدية، و لكنّهم يفترقون عن الأشاعرة في مسائل، كما أنّهم يفترقون عن المعتزلة في مسائل أخرى.
و نحن نشير إلى بعض الفوارق بين هاتين الطائفتين (الشيعة و المعتزلة)، و ما ذلك إلاّ لأنّ قسما كبيرا من كتّاب تاريخ العقائد جعلوا الشيعة من فرق المعتزلة مع أنّ بين المنهجين الكلاميين مشتركات و مفترقات.
الشفاعة عند الشيعة و الأشاعرة هي غفران الذنوب أو إخراج العصاة من النار بخلاف المعتزلة، فإنّ نتيجة الشفاعة هي ترفيع الدرجة.
مرتكب الكبيرة عند الإمامية و الأشاعرة مؤمن فاسق، و قالت المعتزلة: بل هو في منزلة بين المنزلتين.
1) . صحيح مسلم: 3/6-4.
الجنّة و النار عند الإمامية و الأشاعرة مخلوقتان الآن بدلالة الشرع خلافا للمعتزلة فانّهما غير موجودتين عندهم.
الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فريضتان واجبتان عند الإمامية و الأشاعرة شرعا، و عند المعتزلة عقلا، نعم ذهب بعض الإمامية إلى وجوبهما عقلا أيضا.
اتّفقت الإمامية و الأشاعرة على بطلان الإحباط، خلافا للمعتزلة، حيث قالوا: إنّ المعصية تحبط الثواب المتقدم.
اتّفقت الإمامية و الأشاعرة على أنّ قبول التوبة بفضل من اللّه و لا يجب عقلا إسقاط التوبة للعقاب بخلاف المعتزلة فانّ التوبة مسقطة للعقاب على وجه الوجوب.
اتّفقت الإمامية على أنّ الأنبياء أفضل من الملائكة، و أجمعت المعتزلة على خلاف ذلك.
اتّفقت الإمامية على أنّ الإنسان غير مسيّر و لا مفوّض إليه بل هو بين الجبر و التفويض، و أجمعت المعتزلة على التفويض.
اتّفقت الإمامية و الأشاعرة على أنّه لا بدّ في بيان بعض التكاليف من دلالة الرسول، و خالفت المعتزلة و زعموا أنّ العقول تغني بمجرّدها عن السمع.
غالت المعتزلة في تمسكهم بالعقل و غالى أهل الظاهر في جمودهم على ظاهر النص، و أعطت الإمامية للعقل سهما في ما له فيه مجال.
هذه هي الفوارق بين الشيعة الإمامية و المعتزلة و قد تبيّن أنّ الشيعة ليست فرعا من المعتزلة و إن كانت الفرقتان تستمدّان التوحيد و العدل من كلام الإمام علي بن أبي طالب.
فإذا تبيّنت الفوارق بين الطائفتين فلنذكر بعض الفوارق بين الإمامية و الأشاعرة.
إنّ الشيعة الإمامية تخالف الأشاعرة في أصول نذكر المهمّ منها:
صفاته سبحانه متّحدة مع ذاته، فليس هناك ذات و علم، بل الذات علم كلّه، خلافا للأشاعرة، فإنّ الصفات زائدة على الذّات.
أفعال العباد عند الإمامية صادرة عن نفس العباد صدورا حقيقيا بلا مجاز أو توسّع.
فالإنسان هو الضارب و القاتل و المصلّي و القارئ، و لم يثبت في لغة العرب استعمال كلمة الخلق في الأفعال فلا يقال: خلقت الأكل و الضرب و الصوم و الصلاة، و إنّما يقال فعلتها، فالإنسان هو الفاعل لأفعاله بقدرة مفاضة من اللّه سبحانه، و أنّ قدرته المكتسبة هي المؤثرة بإذن من اللّه خلافا للأشاعرة، إذ ليس لإرادة العبد و لا قدرته دور في إيجاد الأفعال.
رؤية اللّه بالأبصار مستحيلة مطلقا سواء أكان في الدنيا أم في الآخرة، خلافا للأشاعرة حيث يجوّزون رؤية اللّه في الآخرة.
التحسين و التقبيح عقليان عند الشيعة كما مرّ بيانه دون الأشاعرة فانّهما عندهم شرعيّان.
هذه هي الأصول التي تخالف الإمامية فيها الأشاعرة و ربما توافقهم المعتزلة في بعض الأصول.
هناك فوارق رئيسية بين الشيعة و سائر الفرق و أكثرها تعدّ من خصائص الإماميّة.
وجوب نصب الإمام على اللّه سبحانه.
عصمة الإمام المنصوب من اللّه.
الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر المولود عام (255 ه) و هو حيّ يرزق.
القول بالبداء، و هو تغيير المصير بالأعمال الصالحة أو الطالحة، و البداء بهذا المعنى عند التحقيق من العقائد المشتركة.
هذه هي الخطوط العريضة للعقائد الكلامية عند الشيعة الإمامية، و بذلك تمّ بيان المدارس الكلامية الرائجة بين المسلمين، و بقي هناك مدارس كلامية أخرى لا حاجة لذكرها إمّا لضآلتها أو لانقراضها.
لقد شاع على ألسن بعض الجامعيين الجدد عنوان «علم الكلام الجديد» و هم يلهجون به بفم ملؤه الإعجاب و الاعتبار، و يبدو لأوّل وهلة أنّ هناك علمين مختلفين أحدهما «الكلام القديم» و الآخر «الكلام الجديد» و لكلّ تعريف و موضوع و مسائل و غاية.
و لكن الحقيقة غير ذلك، إذ ليس ثمّة علمان مختلفان، من حيث الموضوع و الغاية، بل هو علم واحد يتكامل عبر الزمان حسب تكامل الحضارة و تفتّح العقول، و ليس ذلك أمرا شاذا في علم الكلام، بل هو جار في سائر العلوم أيضا، فعلم النحو مثلا لم يكن يوم ظهوره إلاّ عدّة مسائل ألقاها علي عليه السّلام على تلميذه أبي الأسود الدؤلي و أمره بأن ينحو نحوها، ثمّ أضيف إليه في كلّ عصر مسائل حتّى تكامل و صار علما متكامل الأطراف.
و كذلك شأن علم الكلام، فلم يكن يوم ظهوره إلاّ عدّة مسائل محدودة كالتوحيد و العدل و القضاء و القدر و ما يشبهها، و لكنّه أخذ بالتكامل و التطوّر بسبب الاحتكاكات الثقافية و في ظلّ سائر العوامل المؤثرة في تكامله.
و على ذلك يكون التعبير الصحيح: المسائل الجديدة في علم الكلام لا علم الكلام الجديد.
و أظن - و ظنّ الألمعي صواب - أنّ الغاية من وصف بعض المسائل بالكلام الجديد، هو تهميش الكلام الإسلامي الذي تكامل عبر الزمان بيد عمالقة الفن و أساتذته بزعم أنّ المدوّنات الكلاميّة لا تلبّي حاجات العصر و لا تشبع رغبة الطالبين.
و لكنّه - يشهد اللّه - بخس لحق هذا العلم، فانّ الكلام الإسلامي قادر على تلبية حاجات المتكلّمين فيما يتبنّونه في هذه الأيّام باسم فلسفة الدين و ما يرجع إلى المعرفة الدينية.
إنّ الفقه الأكبر (علم الكلام) كالفقه الأصغر يستطيع أن يحلّ المشاكل و يجيب عن عامة الأسئلة في حقل الدين، و قد قمنا بطرح هذه الأسئلة و تحريرها ضمن مقالات متنوّعة نشرناها في مجلّتنا الفصلية عبر سنين، و قد طبع ما يرجع إلى هذا الموضوع في جزءين مستقلين و انتشر باللغة الفارسية باسم «مدخل مسائل جديد در علم كلام».
و لأجل إيقاف القارئ على نماذج من هذه المسائل التي عرقلت خطى بعض المفكّرين، نذكر عناوينها مقرونة ببيان موجز:
لقد حاول بعض المفكّرين تفسير نشأة الدين و تعليل ظهور الاعتقاد باللّه سبحانه بين البشر، بوجوه و هميّة صنعتها يد الخيال فهم - مكان أن يفسّروه بالفطرة و أنّ الدين نداء يسمعه الإنسان من ضميره و باطن عقله - حاولوا أن يفسّروه بعوامل ماديّة ألجأت البشر - حسب زعمهم - إلى اعتناقه.
فتارة يفسّرونها بالخوف من الحوادث الطبيعية المرعبة، قال ويل دورانت: «الخوف - كما قال لوكريشس - أوّل أمّهات الآلهة و خصوصا الخوف من الموت». فهذا العامل و ما يشبهه جعل البشر يلوذ إلى قوة عليا اخترعها ليسكن إلى حمايتها و يرتاح في كنفها.
و أخرى يفسّرونها بالجهل بالعلل الطبيعية، و حاصلها أنّ الإنسان البدائي عند ما واجه الحوادث الطبيعية كالزلازل و السيول و الكسوف و الخسوف التي تحيط به، و لم يعرف عللها الطبيعية الواقعية، لجأ - لجهله - إلى اختراع فاعل لها و اعتبره العلّة الوحيدة لكلّ شيء مباشرة.
فكان الاعتقاد بوجود اللّه وليد الجهل بأسباب الحوادث الكونية الطبيعية.
و ثالثة يفسّرونها بالعامل الاقتصادي ببيان أنّ أصحاب الرق و الإقطاعيّين و الرأسماليّين في عهود (الرق و الإقطاع و الرأسمالية) كلّما خشوا ثورة العبيد و الفلاّحين و العمال في وجه المستغلّين لهم بسبب ما يلاقونه من الضغوط، عمدوا إلى التوسّل بالمفاهيم الدينية و الروحية و ترويجها بين المحرومين و الكادحين الناقمين بهدف تخديرهم و التخفيف من غضبهم و صرفهم عن الانتفاضة و الثورة.
و رابعة بأنّ التديّن نزعة طفولية، و قد تبنّاها «فرويد» و قال: إنّ الحالة الطفولية لدى الإنسان و التي تتطلب له أبا رؤوفا يأوي إليه في الأهوال، هي التي جرّته إلى أن يخترع فكرة الإله ليقيمه مقام الأب الحامي له في فترة الطفولة حتّى تحصل له الطمأنينة و يتوفّر له الاستقرار النفسي.
إلى غير ذلك من النظريات الساقطة التي لم تكن إلاّ دعاوى فارغة من الدليل، ظهرت لغايات سياسية.
و نحن لا نذكر ما في هذه النظريات من إشكالات تجعلها عقيمة(1)، و إنّما نلفت نظر القارئ إلى نكتة مهمة، و هي أنّ أصحاب هذه النظريات كأنّهم اتّفقوا على تغافل أنّ هناك لنشوء الاعتقاد باللّه في حياة الإنسان عللا طبيعية روحية كالفطرة، أو منطقية و عقلية كدلالة العقل الإنساني على وجود قوة عليا عند ما يواجه هذا النظام البديع.
هذه العلل تكشف أنّ للاعتقاد جذورا واقعية في العقل و النفس و هي التي دعت الإنسان في عامة القرون إلى الاعتقاد بالعوالم الغيبية غير عامل الخوف من الحوادث الطبيعية المرعبة أو الجهل بالعوامل الظاهرة أو نظرية الاستغلال أو الحالة الطفولية أو غير ذلك من الفروض التي حاكها الخيال و أبطلها المنطق و التاريخ و التجربة.
هذه هي المسألة الثانية المطروحة باسم الكلام الجديد، و أكثر من يثيرها الماركسيون قبل انهيار الاتحاد السوفياتي، و بما أنّ القوم لم يدرسوا حاجة
1) . راجع في نقد هذه النظريات كتاب «اللّه خالق الكون»: 19-88.
البشر إلى التديّن عادوا يرونه أمرا زائدا في حياة المجتمع الإنساني اليوم بعد أن كان مفيدا في غابر الزمان.
و لكنّهم جهلوا ما للدين من آثار بنّاءة لا يستغني عنها الإنسان في أيّة فترة من فترات حياته، و نشير إلى بعضها و نحيل التفصيل إلى محلّه:
أ. التديّن إجابة عملية لسؤال مطروح للإنسان من أقدم العصور حتّى اليوم حيث كان يسأل نفسه في أنّه:
من أين أتى؟
لماذا أتى؟
و إلى أين يذهب؟
و لم تزل هذه الأسئلة تطالبه بالجواب بإلحاح شديد... إنّه لا يمكنه أن يمرّ على هذه الأسئلة دون اكتراث، و هو يرى لكلّ ظاهرة حياتية سببا، فكيف بهذا الكون العظيم و هذا الفضاء الواسع العريض و ما يتّسمان به من جلال و إبداع؟ و الدين يجيب على هذه الأسئلة بوضوح و إتقان.
ب. انّ الدين يطرد القلق المحيط بالإنسان عند ما يحتمل أن يكون هناك قوة عليا و لها عليه سلطة و تكاليف ربما يحاسب لأجلها، و يشتد هذا القلق عند ما يراجع التاريخ البشري و يواجه مجموعة كبيرة ممّن يطلق عليهم «الأنبياء» قد أخبروا بوجود إله خالق لهذا الكون، و أنّهم رسل اللّه إلى البشرية جاءوا ليخبروهم بأنّ ثمّة واجبات و تكاليف، و أنّ هناك حياة أخرى و حشرا و نشرا و حسابا و عقابا، و جنّة و نارا، و أنّ الناس جميعهم مسؤولون محاسبون شاءوا أم أبوا.
إنّ هذا النوع من القلق هو الباعث على دراسة العقيدة و البحث عن اللّه
و ما يتبع ذلك من العقائد و التكاليف و لا يرتاح إلاّ بالنزول على عتبة الدين.
ج. التديّن مورث للطمأنينة: يواجه الإنسان في حياته أمورا عديدة تنغّص عليه عيشه و تسبّب له أزمة روحية منها:
هاجس الفناء.
المصائب و النكبات.
المطامح المادية غير المحقّقة.
إنّ العقيدة الدينية قادرة على مواجهة عوامل الاضطراب هذه و على تحقيق السكينة للإنسان و التخفيف من أزماته الروحية، و ذلك من خلال الإيمان ب:
أوّلا: أنّ الموت في العقيدة الدينية ليس فناء، بل هو انتقال من عالم ضيق إلى عالم فسيح و من حياة زائلة إلى حياة أبدية، و عندئذ يتغيّر طعم الموت عند الإلهي عمّا هو عند المادي.
و ثانيا: أنّ المصائب و الآلام و إن كانت بظاهرها مرّة، و لكنّها لا تخلو من مصلحة و حكمة، ما دام خالق الكون عالما حكيما، فإذا وقف الإنسان على أنّها من فعل الخالق الحكيم لم يحزن لما دهاه منها، بل يزداد صلابة و استقامة.
و ثالثا: أنّ العقيدة بما أنّها تقدّم للإنسان تعاليم أخلاقية، تحد من سؤرة الحرص و فورة الطمع الذي يسبب الاضطراب نتيجة العجز عن تحقيق الطموحات المادية العريضة.
د. الاعتقاد باللّه دعامة الأخلاق: الإنسان كتلة هائلة من الغرائز التي لا تعرف الحدود، و مجموعة من الشهوات و المطامع و الطموحات التي لا تعرف نهاية، فإذا ترك و شأنه لينال ما تدفعه إليه شهواته و غرائزه جرّ على نفسه و على مجتمعه الفساد و الفناء، لتضارب المصالح و المطامع و الطموحات، و من هنا
طرح المصلحون و الاجتماعيون مسألة الأخلاق التي تهتمّ بتعديل هذه الغرائز.
و لكن الالتزام بالأخلاق لمّا كان يلازم التنازل عن بعض الطموحات لم تستطع التوصيات الأخلاقية وحدها من السيطرة على الغرائز، فلا بدّ هنا من شيء يعزّز مكانة الأخلاق و هو أن يشعر الإنسان بأنّ هناك قوّة عليا ناظرة لأعماله تثيب من التزم طريق العدالة و حفظ الحدود و الحقوق، و تعاقب من خالف ذلك، و هذا لا يحصل إلاّ عن اعتقاد ديني.
ه. الاعتقاد باللّه ضمانة لتنفيذ القوانين: قد أثبت التاريخ و التجربة أنّ وجود القانون وحده ليس كافيا في توفير الأمن للمجتمع و إن كان مدعما بقوة جهاز الشرطة في الردع و فرض الغرامة و الحكم بالسجن، بل لا بدّ مع ذلك من رقيب (مشرف) داخلي يعمل حتّى في حالة غفلة أجهزة الدولة و الشرطة، و ليس هو إلاّ الإيمان باللّه و اليوم الآخر و مخافة الحساب و العقاب و خشية المؤاخذة و المكافاة إلى غير ذلك من آثار بنّاءة للعقيدة الدينية.
و هذه هي المسألة الثالثة و هي تحديد دور الدين و هل هو رابطة روحية بين الخالق و المخلوق و يتلخص في تصفية الروح باتصاله بمبدأ الكمال، أو أن نطاقه يعمّ ذلك و غيره؟ فهو نظام شامل لحياة الإنسان في حقول مختلفة من غير فرق بين حقل السياسة و الأخلاق و الاقتصاد و الاجتماع، فللدين بيان و بلاغ في كلّ واحد من هذه الحقول.
و هذا لا يعني أنّ الدين يغني عن التفكير في هذه المجالات و يجعل الإنسان مقلّدا فارغا عن التخطيط، بل بمعنى أنّ الأصول الكلية الّتي عليها مدار
السعادة في الدنيا و الآخرة يبيّنها الدين و يترك التخطيط للإنسان على ضوء هذه الأصول المسلّمة.
نعم من يلخّص الدين في مجرّد الصلة بين الخالق و المخلوق و يدعو الإنسان إلى الدعاء و المناجاة في الكنائس و المعابد و يترك باقي الأمور لهوى الإنسان، فمثل هذا الدين نطاقه ضيّق غير شموليّ و هذا كالمسيحيّة الموجودة في العصر الراهن، فإنّ الكنائس لخّصت واجب الإنسان الديني في الدعاء و الابتهال إلى اللّه في ساعة واحدة من يوم واحد من الأسبوع.
و لعلّ ما يذكره القائل من تضييق نطاق الدين يجعل هذا النوع من الدين مقياسا لقضائه، أمّا لو عطف نظره إلى ما ورد في تلمود الكليم من الواجبات و المحرّمات و ما في الشريعة المحمّدية من آلاف الأحكام في حقول مختلفة لرجع القهقرى من هذا النوع من التفكير.
إنّ النبوّة عند الإلهيّين موهبة إلهية يهبها سبحانه إلى صالحي عباده و أفضلهم، و يجهّزهم بالآيات و البيّنات ليقيموا الناس بالقسط و العدل و يهدوهم إلى الصراط السويّ على أصعدة مختلفة.
نعم هناك من لم يؤمن بالنبوّة يفسرها بالنبوغ الاجتماعي، و أنّ الأنبياء دعاة و مفكّرون لهم من النجدة و الفكر ما يميّزهم عن غيرهم، و لأجل إقناع الناس و إلفات نظرهم إلى خطابهم نسبوها إلى السماء و ما وراء الطبيعة و إلى اللّه ليكون أوقع في النفوس.
و هذا النوع من التفسير للنبوة رمي للأنبياء بالكذب، و أيّ افتراء أكبر من أن
نصف عمالقة الإصلاح و أتقياء المجتمع بالفرية و الكذب و لو لغاية الإصلاح!!
إنّ الأنبياء قد ضحّوا بأنفسهم و نفائسهم في طريق إصلاح المجتمع، أفهل يصحّ وصف هؤلاء بالكذب و الدجل؟ و ما هذا إلاّ لأنّ القوم لم يدرسوا حقيقة النبوّة و شروطها و واقع الوحي و حدوده.
هل الشريعة السماوية تصلح لأن تسعد المجتمع الإنساني عبر القرون و ترتقي به إلى أرفع المستويات؟ أو أنّ تعاليم الأنبياء تعاليم زمنية و إصلاحات وقتية تنتفع بها بعض المجتمعات في فترة حياة النبي أو بعدها بمدّة يسيرة؟
إنّ السائل خلط بين ما هو ثابت في الشريعة و ما هو متغيّر فيها، فانّ الأصول المبتنية على الفطرة الإنسانية ثابتة لا تتغير و لا تتبدّل لثبات فطرتها.
نعم هناك مقرّرات في الشريعة تتبدّل و تتغيّر حسب تغيّر الظروف و الحضارات، فالسائل لم يفرّق بين القوانين و المقرّرات، فالثابت هو الأوّل و المتغيّر هو الثاني، و مثال ذلك أنّ فريضة التعليم و التعلّم و الكتابة من الأصول الإسلامية التي لا تتغيّر، فالمسلم هنا مطالب بتحصيل العلم، و بذل أقصى الجهود في هذا المجال، و أمّا ما يتحقّق به هذا الأصل من الأدوات فهي تابعة للظروف و الحضارة كما هو واضح، و قس على ذلك كلّ ما ورد في الشريعة من الأصول الثابتة و المقررات.
و في مجال آخر، يعدّ الدفاع عن كيان الإسلام و حفظ الاستقلال، استنادا إلى قوله سبحانه: وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ (1)من الأصول الثابتة، و أمّا
1) . الأنفال: 10.
كيفية الدفاع و نوع السلاح المستخدم و غير ذلك، فهي من الأصول المتغيرة التي تخضع لمقتضيات الزمان.
التعددية الدينية Religious Pluralism من المسائل الكلامية الحديثة الظهور، و قد جرت مؤخرا على الألسن، و صدرت حولها كتب و مقالات مختلفة في بيانها أو نقدها، يتكون عنوان (البيلوراليزم الديني) من كلمتين هما «بيلوراليزم» و «ديني» و المفهوم الثاني واضح نوعا ما، إلاّ أنّ المفهوم الأوّل يحتاج إلى بيان.
تستخدم كلمة Plural اسما أو صفة، و كذلك تأتي بمعنى «الجمع أو الكثرة» و الحقيقة أنّ الكلمة المذكورة تشير إلى «الكثرة» و «التعدد» و تكملتها ism تعني تيارا، من هنا استخدمت في مجالات مختلفة أعمّ من الدين، كالفلسفة، و الأخلاق، و الحقوق و السياسة، فمثلا «البيلوراليزم السياسي» نوع من التعددية السياسية، كما تشير إلى تعدّد الأحزاب و التشكيلات، و المقصود من التعدّدية الدينية ما يقابل الوحدانية و التفرّد، أو ما يصطلح عليه الانحصارية في الدين في مقابل الشمولية.
إنّ التعددية الدينية لها تفسيران:
يتاح للجميع التعايش مع بعضهم البعض في ظل السلام و الاحترام المتبادل.
يكفي في سعادة الإنسان أن يؤمن باللّه و يلتزم بإحدى الشرائع السابقة، و هذا التفسير من التعددية الدينية مردود بنصوص الشريعة، و إليك بعضها:
انّ القول بخلود و استمرار كلّ شريعة يفضي إلى إلغاء فائدة تشريع الشرائع المتعدّدة و إرسال الرسل المحوريّين، و سوف لا نجني من ذلك شيئا سوى التشويش و بث الفرقة.
إذا قلنا بأنّه يكفي في تحقيق السعادة اتّباع أية شريعة، فلما ذا تحدد مسؤولية كلّ نبي بمجيء النبي الآخر بل و التبشير به؟
إذا كانت كل الشرائع خالدة فلا موجب لنسخ الأحكام، و لو بشكل إجمالي، و لما قال المسيح: وَ لِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ اَلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ .(1)
إذا كانت شريعة عيسى صالحة و معترفا بها رسميا حين نزول الشريعة اللاحقة، فلا وجه لدعوة اليهود و النصارى لاتّباع دين محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، مع أنّ القرآن يصرّح بضلال أهل الكتاب ما لم يؤمنوا بالدين الجديد: فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مٰا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اِهْتَدَوْا .(2)
عند ما نراجع نصوص الكتاب المقدّس و القرآن الكريم و أقوال و رسائل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نجد انّ هذه النظرية من الهشاشة إلى درجة لا يصدقها إلاّ من يقضي و يبرم جزافا، ثمّ يبحث عن الدليل و يتشبّث من أجل نجاته بكلّ غث فيؤمن بهذه النظرية.
تتوقّف حياة الإنسان في الآخرة على عقيدة صحيحة و عمل صالح،
و تحقّقهما موجب للثواب. و هنا نسأل: كيف يمكن للتضاد في العقيدة أو العمل بأمرين متضادين، أن يضمن الحياة المعنوية للإنسان؟ و كيف يسعد الإنسان في الدارين بتبنّي التوحيد على جميع الأصعدة و في الوقت نفسه يسعد بالإيمان بالتثليث و بتثليث الرب، أو يسعد بتجنّب الخمر و الربا و كذلك مع الإدمان و أكل الربا؟
فهل يمكن للإنجيل الذي خطّته يد البشر أن يسعد جميع الناس على وجه الأرض؟ و التوراة أيضا - مثل الإنجيل - حامت حولها الشكوك، فالتوراة الحالية قرئت و كتبت على يد أحد حفّاظ التوراة في زمان نبوخذ نصّر(1)بعد اختفاء النسخة الأصلية، و هذه النسخة تعرضت بعد مرور سبعين سنة للتحريف، و اشتملت على أحكام و نصوص تخالف العقل، و قد انتقدها القرآن باعتبارها عاجزة عن توفير السعادة و الهداية.
1) . أي «بخت النصر» ملك بابل، و في الكتاب المقدس «بنوكد نصر».
طول التاريخ حتى اليوم، متساوية من منظار علمي.
لهذه المسألة (السابعة) جذور في القرون المتقدّمة، فحينما ترجمت الكتب اليونانية و الهندية و الفارسية إلى اللغة العربية و انتشرت الفلسفة بين المسلمين، رأى غير واحد من المفكرين أنّ هناك تعارضا بين السمع و بين ما في هذه الكتب، فعادوا يعبرون عن هذه الفكرة بتعارض الدين و الفلسفة أو تعارض العقل و النقل.
و عند ما ارتجّ العالم بظهور الحضارة الصناعية و أخذ العلم زمام الحياة، و انتشرت نتائج التجارب في الأوساط و ربما كان بعضها مخالفا لما في الكتاب المقدّس أخذت هذه المسألة لنفسها عنوانا آخر، و هو تعارض العلم و الدين.
و حصيلة الكلام في نقد التعارض: أنّ المراد من الدين هو حصيلة الوحي الإلهي لا أخبار الآحاد المنتشرة بين الكتب و الأفواه، و الوحي إدراك قطعي لا يقبل الخطأ، فعند التعارض لا بدّ من انتخاب أحد الأمرين:
ما تلقّيناه دينا و ما فهمناه من الكتاب العزيز ليس بدين و إنّما هو انتزاع ذهني و فهم خاطئ منّا.
أو ما أثبتته التجربة ليس من الحقائق المسلّمة، بل فرضية سوف تتبدل إلى فرضية أخرى.
و عند ما ظهرت نظرية «دارون» في أصول الإنسان، حسب المادّيون أنّهم قد توسّلوا بسلاح حادّ لضرب المتدينين القائلين بخلق الإنسان من الطين، و لكن لم يلبث أن قامت الأدلة القاهرة على بطلان هذه النظرية و قامت مقامها نظرية أخرى، و هكذا تتابعت النظريات إلى يومنا هذا.
إنّ الأخلاق جزء من الدين و ليست شيئا خارجا عنه، و قد مرّ أنّ الاعتقاد باللّه دعامة الأخلاق، بحيث لو انهارت هذه الدعامة لم يبق هناك ما يدعم القيم الأخلاقية، و لأجل إيضاح المقام نقول: إنّ الفضائل و السجايا الكريمة جزء من فطرة كلّ إنسان، و إنّ الميل إلى الخير و كراهة الشر أمران مغروسان في جبلّة البشر فهم يحبّون الخير و أهله و يكرهون الشر و أهله، و لكن هذه البذور و الخمائر لا تستطيع مقاومة الغرائز و مزاحمة الشهوات إلاّ إذا قويت و نمت، و هي لا تنمو إلاّ في ظلّ الدين الذي ينطوي على الاعتقاد باللّه و اليوم الآخر و ما وعد فيه من مثوبات عظيمة على الخيرات، أو عقوبات شديدة على ارتكاب الشرور و الآثام، و بهذا تكون العقيدة خير وسيلة لتنمية السجايا النبيلة في الكيان الإنساني و خير سبيل إلى تقويتها و دعمها.
و قد سبق منّا: انّ الدين دعامة الأخلاق و لنعم ما قاله الشاعر:
و إنّما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
فإذا كانت هذه مكانة الأخلاق، فما هي مكانة الدين الذي هو دعامتها؟
إنّ الفيلسوف الطائر الصيت «سارتر» و من نحا نحوه أعطوا للحرية مكانة مرموقة، و كأنّ الإنسان خلق للحرية و في خدمتها، و هم - لأجل ذلك - يرفضون الدين لأنّه يحدد حرية الإنسان و يزاحمها، و ينكرون كلّ أمر فطري أطبق عليه العقلاء في كلّ قرن كحسن العدل و قبح الظلم، بحجة انّ الاعتراف بوجود هذا الميل الفطري، يحدد حرية الإنسان و يضع لها إطارا خاصا، فصارت الحرية
عند هؤلاء، إلها يعبد مكان إله العالم.
و قد أخذ الإسلام من الحرّية، الجانب الأوسط، فرأى كرامة الإنسان في الحفاظ على حريته، و لكن لا على نحو تكون ذريعة للانحلال الأخلاقي فتصبح وبالا عليه، و تجعل الإنسان عبدا خاضعا، للميول و الغرائز تحت غطاء، صيانة الحرية. فالحرية بهذا المعنى، تذليل للإنسان و هدم لكرامته و نوع من العبودية للشهوات و الغرائز الجامحة كما حدّد حرّيته بعدم الإضرار بمصالح الآخرين، و إن أردت التفصيل فنقول:
يتميّز الإنسان عن سائر الموجودات بالتفكير العقلاني، و الحرّية في السلوك، و كأنّ هذين العنصرين: التفكير و الحرية، جوهر الحياة الإنسانية.
أمّا التفكير فقد دعا إليه الإسلام في العديد من آياته إلى درجة عدّت تنمية القوة العقلية و التفكر في مظاهر الكون من سمات ذوي الألباب، قال سبحانه:
إِنَّ فِي خَلْقِ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اِخْتِلاٰفِ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهٰارِ لَآيٰاتٍ لِأُولِي اَلْأَلْبٰابِ * اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اَللّٰهَ قِيٰاماً وَ قُعُوداً وَ عَلىٰ جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ رَبَّنٰا مٰا خَلَقْتَ هٰذٰا بٰاطِلاً .(1)
و قد نهى الإسلام عن كلّ عمل أو سلوك يضاد التفكير العقلائي، فنهى عن الخمر، و كلّ مسكر يزيل العقل، كما نهى عن التقليد الأعمى، و الاتّباع غير المدروس للآباء و الأجداد.
و أمّا الحرّية فإنّ الإسلام حذّر الإنسان من استعباد أخيه الإنسان و قهره و إذلاله، كما حذّر من الخضوع للقهر و التسلّط، فليس للإنسان إلاّ أن يعيش حرّا كريما بعيدا عن أيّ شكل من أشكال الذلّ و الصغار، قال الإمام علي عليه السّلام: «لا
1) . آل عمران: 190-191.
تكن عبد غيرك و قد جعلك اللّه حرّا».(1)
و قد روي عنهم عليهم السّلام: «إنّ اللّه تبارك و تعالى فوّض إلى المؤمن كلّ شيء إلاّ إذلال نفسه».(2)
نعم الحرية موهبة إلهية منحها اللّه للإنسان لحفظ كرامته و عزته و شرفه، فلو استخدمها في هدم كرامته و شرفه، فقد خالف السنّة الإلهية، و لذلك صارت الحريات الفردية الشخصية في المجالات الاقتصادية أو السياسية محدّدة بعدم منافاتها لتكامله المعنوي، كما هي مقيدة بعدم إضرارها بالمنافع العامة.
فالحرية أصل أساسي في حياة الإنسان محددة باستخدامها في طريق رقيّه و تكامله، و عدم إضرارها بمصالح العامة، لكي تكون في خدمة الإنسان و مصالحه، و مصالح المجتمع.
الهرمنوتيك كلمة يونانية بمعنى تفسير النصوص، و الغاية من طرح هذه المسألة هو أنّ النصوص الدينية لا يمكن تفسيرها تفسيرا قطعيا، و أنّه يتعذّر اتخاذ رأي نهائي و قطعيّ في المفاهيم الدينية المأخوذة من الكتاب و السنّة.
قالوا في ذلك: «لا يوجد أي رأي نهائي و قطعي في الشؤون الدينية، لأنّ الخطاب الديني يجد معناه في نهاية الأمر عبر الارتباط باللّه، فلا توجد لدينا فتوى قطعية و لا نظرية عقائدية نهائية و إنّما نعيش مسارا تفسيريا دائما...».
إنّ هذا القائل و إن خصّ النظرية بالنصوص الدينية، و لكنّ مؤسّسي
النظرية في الغرب، أعني: «شلاير ماخر» (1768-1844 م) و «مارتين هايدگر» (1879-1974 م) و من تقدّم عليهما أو تأخّر عنهما، تبنّوها على نطاق وسيع، و قاموا بتعميمها على كلام كلّ متكلّم و أثر كلّ مؤلّف، و أنّه لا يمكن أن يصل المخاطب إلى المقصود النهائي منهما أبدا.
و قد أفردنا رسالة في نقد هذه النظرية و انتشرت انتشارا واسعا، فلا نعود إليها، إلاّ أنّنا نودّ أن نلفت نظر القارئ إلى أمور:
أوّلا: أنّ أصحاب تلك النظرية يتكلّمون عن أصحاب الكتب السماوية، و هم لا يعترفون بتلك النظرية بل يكذبونها، فإنّ القرآن الكريم يقسم آياته إلى قسمين: محكم و متشابه، فيرى المحكم أمّ الكتاب، و أنّ عقدة المتشابه تنحلّ بالرجوع إليه، يقول سبحانه: هُوَ اَلَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ اَلْكِتٰابَ مِنْهُ آيٰاتٌ مُحْكَمٰاتٌ هُنَّ أُمُّ اَلْكِتٰابِ وَ أُخَرُ مُتَشٰابِهٰاتٌ فَأَمَّا اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مٰا تَشٰابَهَ مِنْهُ اِبْتِغٰاءَ اَلْفِتْنَةِ وَ اِبْتِغٰاءَ تَأْوِيلِهِ وَ مٰا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اَللّٰهُ وَ اَلرّٰاسِخُونَ فِي اَلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّٰا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنٰا وَ مٰا يَذَّكَّرُ إِلاّٰ أُولُوا اَلْأَلْبٰابِ .(1)
فالمحكمات من الآيات ما أحكمت دلالتها، و اتّضحت معالمها، و تبيّنت مقاصدها، أفهل يصحّ وصف هذه الآيات بعدم وجود أي رأي نهائي في تفسيرها و تبيينها؟!
إنّ النظرية تعني أنّ النصوص الدينية مجموعة رموز و ألغاز يفسره كلّ إنسان، حسب ما أوتي من مواهب و حسب ما لذهنه من طابع مع أنّه تبارك و تعالى يصف كتابه بأنّه أنزل بلسان عربي مبين: نَزَلَ بِهِ اَلرُّوحُ اَلْأَمِينُ * عَلىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ اَلْمُنْذِرِينَ * بِلِسٰانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ .(2)
إلى غير ذلك من الآيات الآمرة باستماع القرآن و الإنصات إليه لفهم مقاصده السامية.
و ثانيا: أنّ القول بعدم وجود رأي نهائي و قطعي في الشؤون الدينية ناجم عن القول بنسبية الإدراكات التي ورثها الغرب عن «إيمانوئيل كانت» الذي أعاد السفسطة اليونانية - التي تهدمت بجهود حكماء كبار كسقراط و أفلاطون و أرسطاطاليس - إلى الساحة العلمية في الغرب، قائلا بأنّ ما يدركه الإنسان لا يحكي عن الواقع مائة بالمائة و إنّما يحكي عنه بنسبة خاصة، و ذلك لأنّ القوى المدركة في الإنسان مقرونة بقوالب لها طابعها الخاص ترد إليها المفاهيم و الصور من الخارج لكن لا تبقى على سذاجتها، بل تنصبغ بصبغة الذهن و تنطبع بتلك الطوابع، و هذا نظير من نظر إلى غابة خضراء بمنظار أصفر فيراها بلون المنظار مع أنّها على خلافه.
و قد أثبتنا في محاضراتنا حول نظرية المعرفة، أنّ هذه الفكرة تنتهي إلى السفسطة مائة بالمائة، و الفرق بين ما تبنّاه «كانت» و ما تبنّاه بعض الإغريقيين هو أنّ الفرقة الثانية كانوا يطرحون أنظارهم ببساطة و سذاجة و يدعون أنّه ليس لنا علم بالخارج، و لكن الغرب و على رأسهم «كانت» يعرض تلك النظرية بثوب علمي يغري الجاهل.
و إذا كانت مدركات الإنسان تأخذ لنفسها أشكال القوالب الذهنية، فمن أين نعلم أنّ هناك عالما وراء ذهننا و مدركاتنا و نحن ندركه و نعرف آثاره؟ لأنّ هذه الفكرة (وجود العالم الخارج عن الذهن) لا يمكن أن تعبّر عن الواقع مائة بالمائة لأنّها انصبغت بصبغة الذهن و أخذت شكل القوالب الذهنية.
الأنبياء لتلك الغاية السامية، يقول سبحانه: آمَنَ اَلرَّسُولُ بِمٰا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ اَلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّٰهِ وَ مَلاٰئِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ لاٰ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَ قٰالُوا سَمِعْنٰا وَ أَطَعْنٰا غُفْرٰانَكَ رَبَّنٰا وَ إِلَيْكَ اَلْمَصِيرُ .(1)
فلو كانت المفاهيم الدينية مفاهيم غير قطعية و إدراكات متزلزلة تتبدّل كل يوم إلى معنى يغاير الأوّل، فلا تحصل الغاية السامية من إنزال الكتب و بعث الرسل، لأنّهم بعثوا لإيجاد الإيمان القاطع باللّه سبحانه و كتبه و رسله.
نعم إن هذه المسائل و أشباهها التي اشتهرت باسم الكلام الجديد، و ذكرنا في المقام نماذج منها، كانت تتبلور في الغرب و تهز أركان الكنائس و تضعف قدرتهم، و قد قوبلت في الغرب بقيام رجال مخلصين، تصدّوا لهذه الشبه و نقدوها أفضل النقد، و قد ألفوا في ذلك مئات الكتب، و لا يزال ينتشر في كلّ شهر أو أسبوع حول المواضيع المذكورة كتاب أو رسالة، و قد وصلت موجة هذه الشبه إلى الشرق عبر من تخرج من المعاهد الغربية دون أن تترسخ في أذهانهم المبادئ الدينية و العلمية، فتأثروا بذلك و حسبوها حقائق راهنة، و أخذوا ينشرونها في الجامعات زاعمين أنّها منهاج فلسفي ثمين، غفل عنه الإسلاميون و انتبه له الغربيون.
بدأ الغربيّون يسيطرون على البلاد الإسلامية بفضل تفوّقهم الصناعي، يقودهم جند الاستشراق الذين يعرفون ما يملك المسلمون من طاقات مادية و معنوية.
و لذلك فقد عملوا على صعيدين:
1) . البقرة: 285.
تصدير الصناعة بشكل ناقص بحيث يكون الشرق محتاجا إلى الغرب في كلّ حين و زمان، و بالتالي تكون لهم السيادة و للآخرين الفقر و الحاجة.
إرسال البعثات التبشيرية إلى البلاد الإسلامية النائية، و البعيدة عن العواصم الإسلامية، كدول أفريقيا و دول شرق آسيا الذين أسلموا طوعا و رغبة دون أن يكون عندهم علماء أقوياء في مواجهة التبشير. و قد نجحوا بعض النجاح في ذلك المجال، حتّى رفع البابا عقيرته قبل سنين بأنّ أفريقيا على رأس القرن الحادي و العشرين قارة مسيحية خالصة و ليس للإسلام هناك أي شأن و قدرة، و لكنّها كانت مجرّد أمنية لم يكتب لها النجاح.
و قد أحسّ الاستعمار أنّ السيطرة على البلاد الإسلامية الّتي ضرب الإسلام فيها بجرانه، ليس أمرا سهلا، فدخلوا من باب آخر و هو بث الشكوك و الشبهات عن طريق المسائل الفلسفية و الكلامية في المدارس و الجامعات حتّى يخرج الإيمان من قلوبهم فيصبحوا شكّاكين حيارى، غير باذلين أيّ اهتمام في الدفاع عن الدين، فعند ذلك يسهل استعمارهم، و ذوب ثقافتهم في ثقافة المستعمرين.
و لتنفيذ هذا المخطط فتحوا فروعا لجامعاتهم في العواصم الإسلامية، و ربّما نفذوا هذا المخطط أيضا عن طريق بعث رجال العلم إلى الجامعات الإسلامية - و هم يحملون شهادات علمية - لغاية إيجاد الشك و التزلزل في قلوب الطلاب و الطالبات.
و على ضوء ذلك نرى أنّ الفلسفة الغربية و الكلام المسيحي أخذ ينتشر و ينتعش في البلاد الإسلامية و خاصة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، و الغاية من نشر هذه الأفكار هي إزالة الإيمان عن قلوبهم الذي أصبح سدّا منيعا أمام أطماع
المستعمرين، و ها هنا نشير إلى بعض المسائل الكلامية الّتي طرحت لغرض إيجاد البلبلة الفكرية و تشويش أذهان الجامعيين و سوقهم إلى الشك و الإلحاد.
إنّ فصل السياسة عن الدين من أهمّ خططهم حتّى يحصروا علماء الدين في زوايا المساجد لكي لا يكون لهم شأن سوى الدعاء و الأوراد، و عند ذلك يسهل لهم السيطرة على العباد و البلاد.
فلو أريد من الدين، الدين الرائج في البلاد المسيحية حيث إنّ أصحاب الكنائس ليس لهم شأن إلاّ الدعاء و قراءة الأوراد في يوم واحد من أيام الأسبوع و ترك الناس على أحوالهم دون تدخل في شأن من شؤون حياتهم، فالحق عدم وجود الصلة بين السياسة و الدين.
و لو أريد منه، خاتمة الشرائع - أعني: شريعة الإسلام - فكتابها و سنّتها يصوّران السياسة و الدين لحمة و سدى للشريعة، ففصل أحدهما عن الآخر محو لها، فكيف يمكن فصلها عن الدين إذا فسّرت السياسة بتدبير أمور الأمّة في معاشهم و معادهم، و قد طفح الكتاب و السنّة بأصول تتكفّل تدبير حياة المسلمين. يقول سبحانه: اَلَّذِينَ إِنْ مَكَّنّٰاهُمْ فِي اَلْأَرْضِ أَقٰامُوا اَلصَّلاٰةَ وَ آتَوُا اَلزَّكٰاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ لِلّٰهِ عٰاقِبَةُ اَلْأُمُورِ .(1)
فالصلاة صلة العبد باللّه سبحانه، و الزكاة صلة الإنسان بالمجتمع، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر هو تدبير حياة الأمّة بدفعها إلى المعروف و نهيها عن المنكر بأساليب مختلفة تقتضيها مصالح العصر.
1) . الحج: 41.
إنّ مسألة تعدّد القراءات للدين من أخطر المصائد الّتي نصبها المستعمرون في سبيل مسخ الهوية الإسلامية، لأنّ مغزاه انّ كلّ ما ورد في الكتاب و السنّة ليس له معنى واحد و قراءة واحدة، بل يمكن تفسيرها بطرق مختلفة، و لكلّ إنسان قراءته الخاصة في الدين، فربّما تكون نتيجة قراءة فرد فصل السياسة عن الدين و الآخر ضمها إليه، و هكذا دواليك.
فإذا قام الخطيب بتفسير آية أو رواية في جانب من الجوانب الدينية و الّذي لا يناسب أذواق المستعمرين و أذنابهم قاموا بوجهه قائلين بأنّ ما فهمته من الدين قراءة تختص بك و للآخرين من العلماء قراءة أخرى، فلا يكون فهمك حجّة على الكل. و عند ذلك يصبح الإسلام بكتابه و سنته و كلمات علمائه مفاهيم غير واضحة، بل ألعوبة بيد المنحرفين.
الشريعة الإسلامية بفضل نصوصها شريعة خاتمة للشرائع، و كتابها خاتم الكتب، و نبيّها خاتم النبيّين، و قد جاء بسنن و قوانين تستطيع أن تلبّي حاجات الإنسان فردية و اجتماعية ما دام هو يعيش في هذا الكوكب، و لمّا كان القول بالخاتمية و دوام الشريعة سدّا منيعا أمام أطماع المستعمرين حاولوا أن يحدّدوا شريعته بأجيال ماضية قد قضى عليها التاريخ، فعلى الإنسان أن يمهد طريقه في الحياة بأفكاره و آرائه، أو بما يمليه العلم في مختلف الجوانب دون أية حاجة إلى الوحي و الشريعة.
هذه هي الأصول المخططة لتضعيف الإيمان و سوق المجتمع إلى اللادينية
و الانحراف عن التمسّك بالشريعة، فعندئذ تسهل السيطرة على منافع البلاد و أرباحها و نفوسها و مصيرها و مستقبلها، فعلى علماء الإسلام و محقّقيهم رصد هذه المناهج الضالّة و الدفاع عن حياض الإسلام بتحليل هذه المناهج بالمشراط العلمي حتّى لا يذوب الإيمان في قلوب الناشئة و تصبح سدّا منيعا أمام هذه التيارات الضالّة.
و هذه دراسة إجمالية تدفع المفكّر الإسلامي إلى بذل التوجّه و الاهتمام بالفقه الأكبر و أنّه ينال الدرجة الأولى من الحاجات العلمية.
الكلام الإمامي في مراحله التي مرّ بها، كان يسير على ضوء الكتاب، و السنّة الصحيحة المأخوذة عن أئمّة أهل البيت عليهم السّلام، و العقل الحصيف، و لم يكن فيما يبرم و ينقض، أو يعتقد و يرفض عيالا على منهج من المناهج الكلامية خصوصا الاعتزال، من غير فرق بين أهل الحديث و الأثر منهم، كالشيخ الصدوق (المتوفّى 381 ه)، و من تقدّم عليه كأستاذه ابن الوليد (المتوفّى 343 ه) و أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري (المتوفّى حدود 280 ه) و سعد بن عبد اللّه القمي (المتوفّى 301 ه)، و أهل البرهنة و الاستدلال كعيسى بن روضة حاجب المنصور، و علي بن إسماعيل بن ميثم التمار البغدادي، و أبي جعفر مؤمن الطاق، و هشام بن الحكم، و هشام بن سالم، و من يليهم إلى عصر المفيد و المرتضى و الشيخ الطوسي، و الجميع على اختلاف مشاربهم درسوا العقيدة الإسلامية على ضوء ما ذكرنا، خصوصا خطب الإمام علي عليه السّلام و كلماته، فلو قالوا بالتوحيد، و العدل، و التنزيه، و نفي الرؤية، و القدرة، و الاستطاعة فإنّ جميع هذه المفاهيم مستقاة من
عين صافية، و هي أحاديث أئمّة أهل البيت في مقدّمهم، خطب الإمام علي عليه السّلام.
فلو اتّفقوا مع المعتزلة في قسم من الأصول المذكورة، فلا يعدّ هذا دليلا على أنّهم أخذوه عن المعتزلة، بل الطائفتان اجتمعتا على مائدة واحدة و انتهلتا من معين واحد.
و قد ذكرنا في موسوعتنا(1)نصوص أئمّة الاعتزال على أنّ مذهبهم يتصل بالإمام علي عليه السّلام، و نأتي هنا بنموذجين:
قال القاضي عبد الجبار: فأمّا أمير المؤمنين عليه السّلام فخطبه في بيان نفي التشبيه و إثبات العدل أكثر من أن تحصى.(2)
و قال أيضا: و أنت إذا نظرت في خطب أمير المؤمنين وجدتها مشحونة بنفي الرؤية عن اللّه تعالى.(3)
و هذا هو ابن المرتضى يقول: و سند المعتزلة لمذهبهم أوضح من الفلق، إذ يتّصل إلى واصل و عمرو اتصالا ظاهرا، و هما أخذا عن محمد بن علي بن أبي طالب و ابنه أبي هاشم عبد اللّه بن محمد، و محمد هو الذي ربّى واصلا و علّمه حتّى تخرّج و استحكم، و محمد أخذ عن أبيه علي بن أبي طالب عليه السّلام من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.(4)
و ها نحن نذكر خطبة من خطب الإمام، و هي جواب لسؤال من قال:
صف لنا ربّنا مثل ما نراه، فغضب عليه السّلام، و نادى الصلاة جامعة، فاجتمع إليه الناس حتّى غصّ المسجد بأهله فقال كما يرويه الشريف الرضي:
و أشهد أنّ من شبّهك بتباين أعضاء خلقك، و تلاحم حقاق مفاصلهم
المحتجبة لتدبير حكمتك، لم يعقد غيب ضميره على معرفتك و لم يباشر قلبه اليقين بأنّه لا ندّ لك، و كأنّه لم يسمع تبرّؤا التّابعين من المتبوعين إذ يقولون: تَاللّٰهِ إِنْ كُنّٰا لَفِي ضَلاٰلٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ اَلْعٰالَمِينَ .
كذب العادلون بك إذ شبّهوك بأصنامهم و نحلوك حلية المخلوقين بأوهامهم. و جزّأوك تجزئة المجسّمات بخواطرهم، و قدّروك على الخلقة المختلفة القوى بقرائح عقولهم.
و أشهد أنّ من ساواك بشيء من خلقك فقد عدل بك، و العادل بك كافر بما تنزّلت به محكمات آياتك، و نطقت عنه شواهد حجج بيّناتك، و إنّك أنت اللّه الّذي لم تتناه في العقول فتكون في مهبّ فكرها مكيّفا و لا في رويّات خواطرها فتكون محدودا مصرّفا.
و من كان عنده هذا الكنز الثمين و أمثاله فهو في غنى عن التطفّل على موائد الآخرين، و في منتدح عن أن يتفوّه بالتجسيم و التشبيه أو بالجهة و الرؤية، أو يصير عيالا على غيره.
و مع هذا التاريخ الوضّاح لكلام الشيعة الإماميّة فقد اتّهموه ببعض التهم:
نذكر منها أمرين:
إنّ مشايخ الإمامية كانوا على عقيدة التشبيه و التجسيم و الجهة و الرؤية، إلاّ نفرا قليلا عدلوا إلى التنزيه و العدل، لأجل مصاحبتهم المعتزلة.
و حاصل التهمة: انّ الشيعة الإمامية، كانوا مجسّمة غير أنّ أقلّية منهم اتّصلت بالمعتزلة فتأثّروا بعقائدهم و صاروا من أصحاب التوحيد و العدل.
يقول أبو الحسين الخياط (المتوفّى 311 ه): «و أمّا جملة قول الرافضة، فهو: إنّ اللّه عزّ و جلّ ذو قد، و صورة، و حدّ يتحرّك و يسكن، و يدنو و يبعد، و يخفّ و يثقل...» هذا توحيد الرافضة بأسرها، إلاّ نفرا منهم يسيرا صحبوا المعتزلة و اعتقدوا التوحيد، فنفتهم الرافضة عنهم، و تبرّأت منهم، فأمّا جملتهم و مشايخهم، مثل: هشام بن سالم، و شيطان الطاق، و عليّ بن ميثم، و هشام بن الحكم، و عليّ بن منصور، و السكّاك، فقولهم ما حكيت عنهم...».(1)
و يقول ابن تيمية: و معلوم أنّ المعتزلة هم أصل هذا القول (العدل الإلهي)، و انّ شيوخ الرافضة كالمفيد (336-413 ه) و السيد المرتضى (355-436 ه) و الطوسي (385-460 ه) و الكراجكي (المتوفّى 449 ه) إنّما أخذوا ذلك من المعتزلة، و إلاّ فالشيعة القدماء لا يوجد في كلامهم شيء من هذا.
و يقول الذهبي، زميل ابن تيمية: و من حدود سنة 370 ه، إلى زماننا هذا تصادق الرفض و الاعتزال و تواخيا.(2)
يقول ابن حجر - موسّعا زمان التآخي -: و إنّ الطائفتين لم يزالا متواخيين من زمان المأمون العباسي.(3)
أقول: و أنّي لأبي الحسين الخياط و ابن تيمية و الذهبي و أشباههم الإلمام بتاريخ الشيعة، و تقييم عقائدهم، و هم يكتبون تاريخ الشيعة بنفسية خاصة و بعقيدة مسبقة في حقّهم.
كيف يكون الشيعة عيالا على المعتزلة من عصر اتّصال المفيد بهم مع أنّ
مشايخ الشيعة، قد رفعوا لواء التوحيد في القرون المتقدّمة على المفيد.
و ها نحن نذكر لفيفا من مشايخ الشيعة (في القرنين الثاني و الثالث) الذين ألّفوا كتبا حول التوحيد، منهم:
له كتاب التدبير في التوحيد و الإمامة.
و كان من حضار مجلس يحيى بن خالد البرمكي الذي كان يعقده للمناظرة.
قال المسعودي: كان إمامي المذهب، و من نظّار الشيعة في وقته.
فمن كان يناظر في المسائل الكلامية و الفلسفية بمحضر جمع من متكلّمي الإسلام، هل يتصور أن يقول بالتجسيم و التشبيه و الجهة؟!
له كتاب باسم التوحيد و آخر باسم المعرفة.
و هو من المتكلّمين المرموقين في عصر هارون الرشيد، و كان يرتاد الندوة التي كان يعقدها خالد بن يحيى البرمكي ببغداد.
له كتاب التوحيد.
كان من مشايخ الشيعة، و لذلك اعتقل في أيام هارون الرشيد و كفى في مقدرته العلمية أنّ هشام بن الحكم و هشام الجواليقي لمّا أرادا المناظرة في بعض المسائل العلمية، اشترط الجواليقي أن تجري المناظرة بينهما بحضور ابن أبي عمير.
ألّف في الكلام كتاب التوحيد.
و هو أحد أقطاب الشيعة في عصره.
ألّف كتبا، منها: كتاب التوحيد، و كتاب الرد على أهل القدر.
و هو صاحب الباع الطويل في الفقه و الحديث و الكلام.
عاصر الإمامين محمد الجواد و علي الهادي عليهما السّلام.
صنف كتاب التوحيد.
و هو يروي مناظرة موسى بن جعفر عليهما السّلام مع أبي حنيفة، و هي بصدد نفي الجبر عن العبد، و تصحيح التقدير على نحو لا يخالف حرية الإنسان.(1)
هذه نماذج من مشايخ الشيعة الذين عاشوا في القرنين الثاني و الثالث، و قبل أن يولد الشيخ المفيد بسنين متطاولة، فكيف يصحّ لهؤلاء المتسرّعين ذلك القضاء الباطل الذي يبخس حق الشيعة، و يتنكّر لأصالة آرائهم و نظرياتهم الكلامية؟!
و العجب العجاب أن تصبح شيعة أمير المؤمنين (الذي منه عليه السّلام انتشر التوحيد و العدل) مجسّمة مجبّرة، و يكون الأغيار أهل التنزيه و العدل!!
و ليس هذا من خصائص الكلام الإمامي و حسب، فانّ الزيدية المقتفية أثر خطب الإمام و كلماته، رفعت أيضا لواء التوحيد و العدل منذ زمن قديم، منهم:
أبو محمد القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل الرسّي الحسني (169-246 ه) فقد ألّف كتاب التوحيد و العدل الصغير، طبع في بيروت، دار مكتبة الحياة ضمن مجموعة رسائل من العدل و التوحيد.
1) . انظر تراجم هؤلاء الأعلام في هذا الجزء من الكتاب.
كما ألّف كتاب التوحيد و العدل الكبير و هو ردود على المشبهة و المجبرة و القدرية و المرجئة طبع أيضا في بيروت في نفس الدار.
يحيى بن الحسين الزيدي (220-298 ه) له العدل و التوحيد كما في الجامع الكبير.(1)
إلى غير ذلك من الكتب المؤلفة حول التوحيد و العدل بيد مشايخ الشيعة إماميهم و زيديهم و قد اشتهر بين المتكلّمين: العدل و التوحيد علويان، و الجبر و التشبيه أمويان.
إنّ كتاب الكافي لمؤلفه الشيخ الكليني (260-329 ه) يزخر بالأحاديث الدالة على نفي التشبيه و التجسيم و الجبر، و يليه كتاب التوحيد للشيخ الصدوق (306-381 ه) فقد أخرج فيه ما روي عن أئمّة أهل البيت عليهم السّلام في مجال التوحيد و العدل، و قد جمع العلاّمة المجلسي (1037-1110 ه) في موسوعته الحديثية «بحار الأنوار»، كلّ ما ورد حولهما من الأثر عن النبي و أهل بيته فاستغرق ستة أجزاء من كتابه.
أفبعد هذه الأحاديث المتوافرة تتّهم، شيعة آل البيت بالتجسيم و التشبيه، ظلما و عدوانا؟! و لأجل الملازمة بين التشيع و حبّ آل البيت و بين العدل و التوحيد يقول الصاحب بن عباد:
لو شقّ عن قلبي يرى وسطه *** سطران قد خطّا بلا كاتب
العدل و التوحيد في جانب *** و حبّ أهل البيت في جانب
و العجب من ابن تيمية يرى القذى في عين غيره، و لا يرى الجذع في عينه، فهو و زميله الذهبي ينسبان للشيعة ما عرفت، مع أنّ كتب الحنابلة مكتظة بأخبار
1) . الجامع الكبير: 675/2.
التجسيم و الجبر و هذا هو محمد بن إسحاق بن خزيمة (المتوفّى 311 ه) ألف كتابا باسم «التوحيد و إثبات صفات ربّ العالمين»، جمع فيه من هنا و هناك روايات التجسيم، و قد أصبح هذا الكتاب و كتاب «السنّة»، لعبد اللّه بن أحمد بن حنبل (213-290 ه)، مرجع المجسّمة، فقد جاء فيهما ضحك ربنا، و اصبعه، و يده، و رجله، و ذراعيه و صدره إلى غير ذلك من الإسرائيليات و المسيحيات التي خدع بها المغفلون من الحشوية، فملأوا بها كتبهم، و هم يحسبون انّهم يحسنون صنعا.
و قد نال توحيد ابن خزيمة مكانة عظمى لدى الحنابلة، و صار مصدر العقيدة الإسلامية عندهم.
قال ابن كثير في حوادث 460 ه: و في يوم النصف من جمادى الأولى قرئ «الاعتقاد القادري» الذي فيه مذهب أهل السنّة و الإنكار على أهل البدع و قرأ أبو مسلم الكجي البخاري، المحدث، كتاب «التوحيد» لابن خزيمة على الحاضرين و ذكر بمحضر من الوزير ابن جهير و جماعة الفقهاء و أهل الكلام، و اعترفوا بالموافقة.(1)
و قد وقف الرازي على ما في الكتاب من الشرك و البدع، فشطب عليه، و قال في تفسير قوله سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ : و اعلم أنّ محمد بن إسحاق بن خزيمة أورد استدلال أصحابنا بهذه الآية في الكتاب الذي سمّاه ب «التوحيد» - و هو في الحقيقة كتاب الشرك - و اعترض عليها و أنا أذكر حاصل كلامه بعد حذف التطويلات، لأنّه كان رجلا مضطرب الكلام، قليل الفهم، ناقص العقل.(2)
و لمّا وقف شيخنا الصدوق على اتّهام قدماء أصحابنا بالتجسيم و التشبيه،
ألف كتاب «التوحيد»، في ردّ هذه الوصمة فقال في مقدّمة الكتاب: إنّ الذي دعاني إلى تأليف كتابي هذا، إنّي وجدت قوما من المخالفين لنا ينسبون عصابتنا إلى القول بالتشبيه و الجبر، لما وجدوا في كتبهم من الأخبار التي جهلوا تفسيرها و لم يعرفوا معانيها، و وضعوها في غير مواضعها، و لم يقابلوا بألفاظها، ألفاظ القرآن فقبّحوا بذلك عند الجهال مذهبنا، و لبّسوا عليهم طريقتنا، و صدّوا الناس عن دين اللّه، و حملوهم على جحود حجج اللّه، فتقربت إلى اللّه تعالى ذكره بتصنيف هذا الكتاب في التوحيد و نفي التشبيه و الجبر.
اتّهم أبو الحسين الخياط «الهشامين: هشام بن الحكم، و هشام بن سالم» و مؤمن الطاق و غيرهم بالتجسيم و التشبيه و تبعه غيره، لكنّها شنشنة أخزمية، نسمعها من كلّ من يكنّ العداء لشيعة آل البيت. و من وقف على جانب من جوانب شخصية «هشام بن الحكم» و انّه كان رائد الدليل و البرهان في الأندية الكلامية لأذعن بأنّ نسبة التجسيم إليه و إلى نظرائه، فرية بلا مرية.
و هذا هو المسعودي يعرفنا مكانته بين أعلام عصره، و نبوغه في الجدل و البرهان، فيقول: و قد كان يحيى بن خالد ذا علم و معرفة و بحث و نظر، و له مجلس يجتمع فيه أهل الكلام من أهل الإسلام و غيرهم من أهل الآراء و النحل، فقال لهم يحيى و قد اجتمعوا عنده: قد أكثرتم الكلام في الكمون و الظهور، و القدم و الحدوث، و الإثبات و النفي، و الحركة و السكون، و المماسّة و المباينة، و الوجود و العدم، و الجرّ و الطفرة، و الأجسام و الأعراض، و التعديل و التجريح، و نفي الصفات و إثباتها، و الاستطاعة و الأفعال، و الكمية و الكيفية، و المضاف، و الإمامة أنصّ هي أم اختيار، و سائر ما توردونه من الكلام في الأصول و الفروع، فقولوا الآن
في العشق على غير منازعة، و ليورد كلّ واحد منكم ما سنح له فيه، و خطر إيراده بباله.
فقال علي بن ميثم و كان إمامي المذهب من المشهورين من متكلّمي الشيعة: أيّها الوزير العشق ثمرة المشاكلة...
و قال الثالث: و هو محمد بن الهذيل العلاّف، و كان معتزليّ المذهب و شيخ البصريين: أيّها الوزير، العشق يختم على النواظر، و يطبع على الأفئدة، مرتقى في الأجساد...
و قال الرابع: و هو هشام بن الحكم الكوفي شيخ الإمامية في وقته و كبير الصنعة في عصره -: أيّها الوزير، العشق حبالة نصبها الدهر فلا يصيد بها إلاّ أهل التخالص في النوائب...
و قال النظّام إبراهيم بن سيّار المعتزلي و كان من نظار البصريين في عصره:
أيّها الوزير العشق أرق من السراب و أدبّ من الشراب...
ثمّ قال السادس و السابع و الثامن و التاسع و العاشر و من يليهم، حتّى طال الكلام في العشق بألفاظ مختلفة و معان تتقارب و تتناسب، و فيما مر دليل عليه.(1)
أفيصحّ بعد هذا أن نتّهمه بأنّه كان يقول بأنّ معبوده سبعة أشبار بشبر نفسه و انّه في مكان مخصوص و جهة مخصوصة، و انّه يتحرك و حركته... و ليست من مكان إلى مكان و قال: هو متناه بالذات غير متناه بالقدرة.
و حكى عبد اللّه عيسى الوراق أنّه قال: إنّ اللّه تعالى مماس لعرشه، لا يفضل منه شيء عن العرش و لا يفضل من العرش شيء منه.(2)
إنّ هذه الأفكار ألصق بالحشوية منها بشيعة آل البيت الذين تربّوا في أحضان التوحيد و العدل.
إنّ أفضل السّبل للوقوف على شخصية إنسان و أفكاره و نزعاته هو تسليط الضوء على الآثار التي تركها بعد رحيله، فالمترجمون له، يذكرون له كتبا، منها:
كتاب التوحيد.
كتاب المجالس في التوحيد.
كتاب الشيخ و الغلام في التوحيد.
كتاب الردّ على ارسطاطاليس في التوحيد.
كتاب الدلالات على حدث (حدوث) الأجسام.
كتاب الردّ على الزنادقة.
كتاب الردّ على أصحاب الاثنين.
كتاب الردّ على أصحاب الطبائع.
كتاب في الجبر و القدر.
كتاب القدر.
كتاب الاستطاعة.
كتاب المعرفة.
كتاب الألطاف.
كتاب الألفاظ، و لعلّه كان يعني شرح المصطلحات التي كان يستعملها هو أو كانت تستعمل في الكلام.
إنّ من يرد على أرسطاطاليس في التوحيد، و يناضل ذلك المعلم الأوّل،
يستحيل عليه أن يقدّر ربه بأشبار نفسه، أو يجلسه على عرشه الذي لا يزيد عليه و لا ينقص منه.
و قد كفانا في دفع هذه السهام المرشوقة على شخصية مثل هشام بن حكم، أو هشام بن سالم أو مؤمن الطاق، ما قام به القدامى من علمائنا، منهم الشريف المرتضى، حيث يقول:
«... فأمّا ما رمي به هشام بن الحكم من القول بالتجسيم، فالظاهر من الحكاية عنه القول ب «جسم لا كالأجسام»، و لا خلاف في أنّ هذا القول ليس بتشبيه، و لا ناقض لأصل، و لا معترض على فرع، و أنّه غلط في عبارة، يرجع في إثباتها و نفيها إلى اللّغة، و أكثر أصحابنا يقولون: إنّه أورد ذلك على سبيل المعارضة للمعتزلة، فقال لهم: إذا قلتم: إنّ القديم تعالى شيء لا كالأشياء، فقولوا: إنّه جسم لا كالأجسام، و ليس كلّ من عارض بشيء و سأل عنه أن يكون معتقدا له و متديّنا به، و قد يجوز أن يكون قصد به إلى استخراج جوابهم عن هذه المسألة و معرفة ما عندهم فيها، أو إلى أن يبيّن قصورهم عن إيراد المرتضى في جوابها، إلى غير ذلك ممّا لا يتّسع ذكره.
فأمّا الحكاية أنّه ذهب في اللّه تعالى أنّه جسم له حقيقة الأجسام الحاضرة، و حديث (الأشبار) المدّعى عليه فليس نعرفه إلاّ من حكاية الجاحظ عن النظّام، و ما فيها إلاّ متّهم عليه غير موثوق بقوله، و جملة الأمر: أنّ المذاهب يجب أن تؤخذ من أفواه قائليها و أصحابهم المختصّين بهم و من هو مأمون في الحكاية عنهم، و لا يرجع إلى دعاوي الخصوم...
و ممّا يدلّ على براءة هشام من هذه التهم، ما روي عن الإمام الصادق عليه السّلام في قوله: «لا تزال يا هشام مؤيّدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك».
و أمّا الجبر و تكليفه [تكليف اللّه] بما لا يطاق ممّا لا نعرفه مذهبا له...».(1)
و في معالم ابن شهر آشوب، قال الصادق عليه السّلام: «هشام رائد حقّنا، و سائق قولنا، المؤيّد لصدقنا، و الدامغ لباطل أعدائنا، من تبعه و تبع أثره تبعنا، و من خالفه و ألحد فقد عادانا و ألحد فينا».(2)
و لا ريب في أنّ العارف بفنّ المناظرة و الأساليب المتّبعة في هذا الفنّ، يدرك ما يرمي إليه المناظر القدير من مقاصد في كلامه، و يبدو أنّ أبا الفتح الشهرستاني (المتوفّى 548 ه)، قد فهم هذا المعنى، و أدرك مغازي تلك المناظرات، فقال:
و هذا هشام بن الحكم صاحب غور في الأصول، لا يجوز أن يغفل عن إلزاماته على المعتزلة، فإنّ الرجل وراء ما يلزمه على الخصم، و دون ما يظهره من التشبيه، و ذلك أنّه ألزم العلاف، فقال: إنّك تقول الباري عالم بعلم و علمه ذاته، فيشارك المحدثات في أنّه عالم بعلم، و يباينها في أنّ علمه ذاته، فيكون عالما لا كالعالمين، فلم لا تقول هو جسم لا كالأجسام، و صورة لا كالصور، و له قدر لا كالأقدار، إلى غير ذلك.
و يقول أحمد أمين: إنّ هشام بن الحكم أكبر شخصية شيعية في الكلام، و كان جدا قوي الحجّة، ناظر المعتزلة و ناظروه، و نقلت له في كتب الأدب مناظرات كثيرة متفرقة تدل على حضور بديهيته و قوة حججه.
و أقصى ما يمكن أن يقال: إنّ الرجل كان في بداية أمره من تلاميذ أبي الشاكر الديصاني، صاحب النزعة الإلحادية في الإسلام، ثمّ تبع الجهم بن صفوان، الجبري المتطرّف المقتول بترمذ عام 128 ه، ثمّ لحق بالإمام الصادق عليه السّلام و دان بمذهب الإمامية، و ما تنقل منه من الآراء التي لا توافق أصول الإمامية، فإنّما هي راجعة إلى العصرين اللّذين كان فيهما على النزعة الإلحادية أو الجهمية، و أمّا بعد ما لحق بالإمام الصادق عليه السّلام فقد انطبعت عقليّته بمعارف أهل البيت إلى حدّ كبير، حتّى صار أحد المناضلين عن عقائد الشيعة الإمامية.(1)
و إنّني أعتقد أنّ هذا الكلام الواضح كالشمس في رابعة النهار، يبدّد كلّ السحب السوداء التي أحاطت بآراء و مقالات هشام، و لم يبق لطلاّب الحقيقة من عذر في جهل شخصية هشام، و سمو منزلته في العلم و الإيمان و العقائد الصحيحة.
هذه هي التهمة الأخرى التي ألصقها خصوم الشيعة بهم، و قد مرّ في كلام الخياط و غيره الإشارة إليها و اجترّها الباحث الغربي «آدم متز» في كتابه «الحضارة الإسلامية في القرن الرابع»، و قد خصّص الفصل الخامس من كتابه للشيعة، و لم يكن عنده - حسب اعترافه - إلاّ مخطوط علل الشرائع للصدوق (306-381 ه) و قد عثر عليه في مكتبة برلين، و لم يذكر في هذا الفصل شيئا مهما عن الشيعة سوى الصراعات و الفتن التي دارت في هذا القرن و ما قبله بين السنّة و الشيعة في بغداد و غيرها، و قد جمع تلك الصفحات بجدّ و حماس، و كأنّه يريد أن يلخّص الشيعة في
1) . راجع بحوث في الملل و النحل: 578/6.
إثارة الفتنة و الفساد، متناسيا دورهم الكبير في الدين و الأدب، و مشاركتهم سائر المسلمين في بناء الحضارة الإسلامية، و إن أشار في ثنايا كتابه إلى بعض الشخصيات اللامعة منهم كنصير الدين الطوسي، وليته اكتفى في رسم صورة تلك الطائفة بما ذكره، و لم يتّهمهم بكونهم تبعا للمعتزلة في الأصول و الآراء، و إنّه لم يكن لهم في القرن الرابع مذهب كلامي مدوّن، و إليك نصّ كلامه:
إنّ الشيعة هم ورثة المعتزلة، و لا بدّ أن تكون قلّة اعتداد المعتزلة بالأخبار المأثورة ممّا لاءم أغراض الشيعة، و لم يكن للشيعة في القرن الرابع (300-400 ه) مذهب كلامي خاصّ بهم، فتجد مثلا أن عضد الدولة (المتوفّى 372 ه) و هو من الأمراء المتشيّعين يعمل على حسب مذهب المعتزلة، و لم يكن هناك مذهب شيعي للفاطميين، و يصرح المقدسيّ بأنّهم يوافقون المعتزلة في أكثر الأصول، و على العكس من هذا نجد الشيعة الزيدية يرتقون بسند مذهب المعتزلة حتى ينتهي إلى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، و يقولون: إنّ واصلا أخذ عن محمد بن علي بن أبي طالب، و أنّ محمّدا أخذ عن أبيه، و الزيدية يوافقون المعتزلة في أصولهم إلاّ في مسألة الإمامة، و يدلّ على العلاقة الوثيقة بين المعتزلة و الشيعة أنّ الخليفة القادر جمع بينهما حينما نهى في عام (408 ه) عن الكلام و المناظرة في الاعتزال و الرفض (مذهب الشيعة) و المقالات المخالفة للإسلام.
ثمّ إنّ الطريقة التي سار عليها ابن بابويه القمّي أكبر علماء الشيعة في القرن الرابع الهجري في كتابه المسمّى بكتاب «العلل» تذكّرنا بطريقة علماء المعتزلة الذين يبحثون عن علل كلّ شيء.(1)
إنّ في كلام هذا الباحث مناقشات كثيرة قد أشرنا إليها في مقال تحت عنوان
1) . الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري: 106/1-107.
«الشيعة و علم الكلام عبر القرون الأربعة»، نشر بمناسبة الذكرى الألفية لوفاة الشيخ المفيد برقم 32 لكن نشير في المقام إلى الغرض الأسنى من هذا البحث.
من قرأ تاريخ التشيع و الاعتزال يقف على أنّ الطائفتين تتصارعان صراع الأقران في المسائل التي اختلفتا فيها، فكيف يمكن أن تكون الشيعة عالة على المعتزلة في عقائدها؟ فأين مبادئ الشيعة من مبادئ الاعتزال و الطائفتان و إن كانتا تشتركان في التوحيد و العدل و بالتالي في نفي التجسيم و الرؤية و الجبر و القول بالتحسين و التقبيح العقليين، لكنّهما تفترقان في كثير من الأصول، و كفاك في هذا المضمار ما ألّفه الشيخ المفيد باسم «أوائل المقالات في المذاهب و المختارات».
يقول في ديباجة كتابه: «فإنّي بتوفيق اللّه و مشيته مثبت في هذا الكتاب ما آثر إثباته من فرق ما بين الشيعة و المعتزلة، و فصل ما بين العدلية من الشيعة و من ذهب إلى العدل من المعتزلة، و الفرق ما بينهم من بعد، و ما بين الإمامية فيما اتّفقوا عليه من خلافهم فيه من الأصول، و ذاكر في أصل ذلك ما اجتبيته أنا من المذاهب المتفرعة عن أصول التوحيد و العدل و القول من اللطيف في الكلام و ما كان وفاقا منه لبني نوبخت رحمهم اللّه، و ما هو خلاف لآرائهم في المقال و ما يوافق ذلك مذهبه(1)من أهل الاعتزال و غيرهم من أصحاب الكلام ليكون أصلا معتمدا فيما يمتحن للاعتقاد، و باللّه استعين على تبيين ذلك و هو بلطفه الموفق للصواب».(2)
و قد سبق منّا في الفصل التاسع الفوارق بين المنهجين في الكلام.(3)
إنّ المناظرات التي دارت بين الشيعة و المعتزلة من عصر الإمام الباقر عليه السّلام إلى العصر الذي ارتمت فيه المعتزلة في أحضان آل بويه، أدلّ دليل على أنّ النظام الفكري للشيعة لا يتفق مع المعتزلة.(1)
و أمّا ردود الشيعة على المعتزلة فحدّث عنها و لا حرج، و إليك أسماء بعضها:
محمد بن علي بن النعمان، مؤمن الطاق (المتوفّى نحو 160 ه): أحد المتكلّمين البارزين، و له مجالس مع الآخرين، له كتب، منها: الرد على المعتزلة في إمامة المفضول، و كتاب الجمل في أمر طلحة و الزبير و عائشة.(2)
هشام بن الحكم (المتوفّى 199 ه): متكلّم الشيعة في عصره. له ردود على مختلف الفرق، منها: كتاب الردّ على المعتزلة، و كتاب الردّ على المعتزلة و طلحة و الزبير.(3)
الفضل بن شاذان الأزدي النيسابوري (المتوفّى 260 ه): فقيه متكلّم بارع. له ردود، منها: النقض على الاسكافي، الرد على الأصمّ، كتاب في الوعد و الوعيد.(4)
الحسن بن موسى بن الحسن بن محمد بن العباس النوبختي (المتوفّى حدود 310 ه) له ردود على المعتزلة نذكر منها ما يلي:
النقض على أبي الهذيل العلاّف في المعرفة (أبو الهذيل متكلم معتزلي توفّي
سنة 235 ه)، النقض على جعفر بن حرب في الإمامة (و هذا متكلّم معتزلي توفّي سنة 236 ه)، نقض العثمانية للجاحظ، الردّ على أصحاب المنزلة بين المنزلتين في الوعيد، إلى غير ذلك من آثاره.
و أخيرا قام الشيخ المفيد بنقض كثير من كتب المعتزلة، فله الكتب التالية و كلّها ردود عليهم:
الرد على الجاحظ العثمانية.
نقض المروانية.
نقض فضيلة المعتزلة.
النقض على ابن عبّاد في الإمامة.
النقض على عليّ بن عيسى الرماني.
النقض على أبي عبد اللّه البصري في المتعة.
1) . رجال النجاشي: 288/2 برقم 1024.
نقض الخمس عشرة مسألة للبلخي.
نقض الإمامة على جعفر بن حرب.
الكلام على الجبائي في المعدوم.
نقض كتاب الأصمّ في الإمامة.
كتاب الردّ على الجبائي في التفسير.
عمد مختصرة على المعتزلة في الوعيد.
إنّ تلميذه الفارس البطل في حقل الكلام السيد المرتضى (355-436 ه) نقض بعض كتب المعتزلة فألف الشافي ردّا على الجزء العشرين من كتاب «المغني» للقاضي عبد الجبار (المتوفّى 415 ه).
كلّ ذلك يعرب عن أنّ الطائفتين تتفقان في أصول و تختلفان في أصول أخرى و ليست إحداهما فرعا للأخرى، بل الجميع يصدرون في قسم من الأصول عن عين صافية، أعني: خطب الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام و يختلفون في أصول كلامية.
إلى هنا تمّ تبيين بعض التهم المرميّ بها الكلام الإمامي و تركنا بعض التهم الجزئية لضآلتها، و للّه الحمد.
قد أصبح اليوم تاريخ كلّ علم موضوعا مستقلا وراء العلم حتّى غلا بعضهم في القول بأنّه ليس للعلم حقيقة سوى تاريخه و مراحله التي مرّ بها العلم عبر قرون، و الفرق بين ذات العلم و دراسة تاريخه و مراحله يتجلّى في المثال التالي:
هناك من يبحث في علم الطب من منظار داخلي و تثمر جهوده في نفس ذلك العلم، و تتبعه اكتشافات في الداء و الدواء، و هناك من يبحث في ذلك العلم من منظار خارجي و تنصب جهوده في تاريخه و المراحل الّتي مرّ بها العلم، و ما أعقبه من نضوج و تكامل، و هذا ما نهدف إليه في هذا الفصل الذي هو خاتمة المطاف في هذا التقديم.
إنّ الشيعة الإماميّة منذ عصر الإمامين الباقر و الصادق عليهما السّلام إلى عصر الشيخ المفيد كانوا على منهجين متقاربين لا متضادّين:
منهج جمع الحديث و تدوينه مجرّدا عن التعمّق و التمحيص إلاّ قليلا.
منهج تدوين الحديث مع تمحيص السنّة الصحيحة عن الموضوعة.
و كانت الطائفتان على ذينك المنهجين و كلّ يدافع عن منهجه بجدّ و حماس إلى أن وصل دور الرئاسة إلى الفارس الباسل في ميدان العلوم و المعارف: الشيخ المفيد فأطفأ ثورة الطائفة الأولى و قلع فكرة الجمود على النقل من دون تمحيص و نظر.
نعم كان المنهجان يتواكبان في عصر واحد دون أن يكون لواحد تقدّم زمنيّ على الآخر، و قد اتخذت الطائفة الأولى بلدة قم و الريّ مركزا لتعاليمها و ثقافتها، كما كانت الكوفة و بغداد مركزا للطائفة الثانية، و ستقف على أعلام كلّ طائفة على وجه الإجمال.
جدير بالذكر أنّ اختلاف المنهجين في المسائل الكلامية التي لا يجب الاعتقاد فيها بواحد من القولين، رغم أنّهم كانوا متّفقين في الأصول التي تناط بها السعادة كالتوحيد و العدل و نفي الرؤية، و عينية الصفات للذات و حدوث القرآن و نفي الجبر عن أفعال العباد، و ها نحن نشير إلى أعلام كلّ منهج بإيجاز:
1) . رجال النجاشي، رقم 465.
سهل بن زياد أبو سعيد الآدمي الرازي، كان ضعيفا في الحديث غير معتمد فيه، له كتاب التوحيد، توفّي بعد 255.(1)
محمد بن الحسن الصفّار، يقول النجاشي: كان وجها في أصحابنا القميّين، ثقة، عظيم القدر، راجحا، قليل السقط في الرواية. توفّي عام 290 ه. له كتاب الردّ على الغلاة، و غير ذلك.(2)
أحمد بن محمد بن خالد البرقي، أبو جعفر، نقل العلاّمة الحلّي عن ابن الغضائري: طعن عليه القميّون و ليس الطعن فيه، و إنّما الطعن فيمن يروي عنه، فإنّه كان لا يبالي عمّن أخذ على طريقة أهل الأخبار، توفّي عام 274 ه.(3)
عبد العزيز بن يحيى بن أحمد بن عيسى الجلودي البصري أبو أحمد، شيخ البصرة و أخباريّها، و كان عيسى الجلودي من أصحاب أبي جعفر الجواد عليه السّلام.(4)
محمد بن زكريا بن دينار مولى بني غلاّب، قال النجاشي: كان هذا الرجل وجها من وجوه أصحابنا في البصرة، و كان أخباريّا واسع العلم و صنّف كتبا كثيرة، توفّي عام 298 ه.(5)
أحمد بن إبراهيم بن معلّى بن أسد العمّي، قال النجاشي: كان ثقة في حديثه، حسن التصنيف، و أكثر الرواية عن عامّة الأخباريّين.(6)
و أخيرهم لا آخرهم:
هؤلاء هم مشاهير المقتفين للمنهاج الأوّل، و قد مرّ أنّ النجاشي يصف أكثرهم بالأخبارية، و قد مرّ أنّهم كانوا يسكنون مدينة قم أو الري، و يستنتج ممّا جاء في تراجمهم انّهم كانوا يتميزون بأمور:
كانوا يمارسون الأخبار و يروونها لكن بلا تمحيص، و مع ذلك لم يكن الجميع على منزلة واحدة من هذه الجهة للفرق الواضح بين ما ألّفه الصدوق و غيره.
كانوا يعتمدون على العقل بأقلّ ما يمكن.
يرون أنّ خبر الآحاد حجة في العقائد و المعارف كما هو حجّة في الفقه و الأحكام.
و أمّا أعلام المنهج الثاني الذين كانوا أكثر اعتمادا على العقل و البرهان من الطائفة الأولى، فقد ورثوا هذا الخط من عصر الإمام الصادق عليه السّلام، و نبغ في أحضانه متكلّمون واعون نشير إلى بعضهم:
1) . رجال النجاشي برقم 1050.
قارئا، فقيها، متكلما، شاعرا، أديبا، قد اجتمع فيه خصال الفضل و الدين، له كتاب في الاستطاعة و الجبر.(1)
محمد بن أبي عمير زياد بن عيسى. يقول النجاشي: بغدادي الأصل و المقام؛ جليل القدر، عظيم المنزلة فينا و عند المخالفين. له من الكتب: كتاب الكفر و الإيمان، كتاب البداء، كتاب الاحتجاج في الإمامة، توفّي عام 217 ه.(2)
يونس بن عبد الرحمن مولى علي بن يقطين. يقول النجاشي: كان وجها في أصحابنا، متقدّما، عظيم المنزلة، روى عن الكاظم و الرضا عليهما السّلام. له كتاب المثالب، كتاب البداء، كتاب الردّ على الغلاة، كتاب الإمامة.(3)
الفضل بن شاذان، أبو محمد الأزدي. كان أبوه من أصحاب يونس، و كان ثقة، أحد أصحابنا الفقهاء و المتكلّمين، و له جلالة في هذه الطائفة، و من كتبه: كتاب النقض على الاسكافي في تقوية الجسم، كتاب الوعيد، كتاب الردّ على أهل التعطيل، كتاب الاستطاعة، كتاب الأعراض و الجواهر، إلى غير ذلك من كتبه.(4)
أبو محمد حسن بن موسى النوبختي. يقول النجاشي: الحسن بن موسى أبو محمد النوبختي شيخنا المتكلّم المبرّز على نظرائه في زمانه قبل الثلاثمائة و بعدها. له على الأوائل كتب كثيرة، منها: كتاب الآراء و الديانات، كتاب كبير حسن يحتوى على علوم كثيرة، قرأت هذا الكتاب على شيخنا أبي عبد اللّه. ثمّ ذكر
فهرس كتبه الكثيرة عامّتها في الكلام و قسم منها نقوض وردود. توفي حوالي 310 ه.(1)
أبو سهل إسماعيل بن علي بن إسحاق النوبختي. يقول النجاشي: كان شيخ المتكلّمين من أصحابنا و غيرهم، له جلالة في الدنيا و الدين، يجري مجرى الوزراء في جلالة الكتاب. صنّف كتبا كثيرة، منها: الاستيفاء في الإمامة، و كتاب التنبيه في الإمامة، إلى غير ذلك من النقوض و الردود.(2)
أبو الجيش مظفر بن محمد البلخي. يعرّفه النجاشي بقوله: متكلّم مشهور الأمر سمع الحديث فأكثر، له كتب كثيرة، منها: نقض العثمانية على الجاحظ، كتاب مجالسة مع المخالفين، إلى غير ذلك من الكتب، توفّي عام 367 ه، و قد قرأ على أبي سهل النوبختي.(3)
أخيرهم لا آخرهم:
هذه إشارة عابرة إلى رجال المنهجين، و الطابع الغالب على الأوّل التحديث و العمل بخبر الآحاد في العقائد و المعارف، كما أنّ الطابع العام لمقتفي المنهج الثاني هو العمل بالكتاب و السنّة المتضافرة و العقل الحصيف.
و هناك سبب آخر لتمايز المنهجين، و هو أنّ روّاد المنهج الأوّل كانوا في منطقة طابعها العام هو التشيع و كانت السنّة بينهم في قلّة، فلم يكن هناك ما يحفّز كثيرا على إعمال العقل و النظر و الاحتجاج، لكن روّاد المنهج الثاني كانوا يتواجدون في بغداد و الكوفة و فيها السنّة بطوائفها، و كان الاحتكاك الثقافي يلزمهم بالجدل و المناظرة و إعمال الفكر لتحصين العقائد.
و مع سيادة طابعين مختلفين على أصحاب هذين المنهجين إلاّ أنّهم لم يختلفوا في الأصول و إنّما اختلفوا في مسائل كلامية، تظهر بمراجعة كتاب «تصحيح الاعتقاد» للشيخ المفيد، و هو تعليقات على كتاب «عقائد الإمامية» للشيخ الصدوق، ناقشه في عدّة من المسائل الكلامية.
و بالرجوع إلى «تصحيح الاعتقاد» تظهر مواقع الاختلاف بين المنهجين، و بما أنّ «تصحيح الاعتقاد» طبع و انتشر على نطاق واسع، فإنّنا لا نجد هنا ما يلزم لبيان الفوارق بينهما.
و لأجل إعلام القارئ بوجود النقاش بين أصحاب المنهجين نذكر عبارة المفيد التي سطّرها في بعض فصول هذا الكتاب يقول:
«لكن أصحابنا المتعلّقين بالأخبار، أصحاب سلامة و بعد ذهن و قلّة فطنة، يمرّون على وجوههم فيما سمعوه من الأحاديث و لا ينظرون في سندها، و لا يفرقون بين حقّها و باطلها، و لا يفهمون ما يدخل عليهم في إثباتها، و لا يحصلون معاني ما يطلقونه منها...».(1)
نقل الشيخ المفيد آراء بعض المحدّثين بما لا يوافق مذهب الإمامية، و لأجل
1) . تصحيح الاعتقاد، ص 38، طبع تبريز.
ذلك خطّأهم و نسبهم إلى التقصير قال: و قد سمعنا حكاية ظاهرة عن أبي جعفر محمد بن الحسن بن الوليد(1)لم نجد دافعا في التقصير، و هي ما حكي عنه أنّه قال:
أوّل درجة في الغلوّ نفي السهو عن النبي و الإمام، فإن صحت هذه الحكاية فهو مقصّر مع أنّه من علماء القمّيين و مشيختهم.
قد وجدنا جماعة وردوا إلينا من قم يقصّرون تقصيرا ظاهرا في الدين، و ينزلون الأئمة عن مراتبهم، يزعمون أنّهم كانوا لا يعرفون كثيرا من الأحكام الدينية حتّى ينكت في قلوبهم.
و رأينا في أولئك من يقول: إنّهم ملتجئون في حكم الشريعة إلى الرأي و الظنون، و يدّعون مع ذلك أنّهم من العلماء، و هذا هو التقصير الذي لا شبهة فيه.(2)
قال سبحانه: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سٰاقٍ وَ يُدْعَوْنَ إِلَى اَلسُّجُودِ فَلاٰ يَسْتَطِيعُونَ .(3)
قال الصدوق: الساق وجه الأمر و شدّته.
و فسّره الشيخ المفيد بأنّه سبحانه يريد به يوم القيامة ينكشف فيه عن أمر شديد صعب عظيم، و هو الحساب و المداقّة على الأعمال و الجزاء على الأفعال، و ظهور السرائر و انكشاف البواطن...
ترى أنّ الاختلاف بين العلمين بسيط، و بيان الشيخ توضيح لما ذكره الصدوق في تفسير الآية.
قال سبحانه: وَ اُذْكُرْ عَبْدَنٰا دٰاوُدَ ذَا اَلْأَيْدِ إِنَّهُ أَوّٰابٌ .(1)
قال الصدوق: معنى الآية: ذو القوّة، و قال الشيخ المفيد: فيه وجه آخر و هو أنّ اليد عبارة عن النعمة. قال الشاعر:
له عليّ أياد لست أكفرها *** و إنّما الكفر أن لا تشكر النعم
قال سبحانه: وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي .(2)
قال الصدوق: هي روح مخلوقة أضافها إلى نفسه كما أضاف البيت إلى نفسه، حيث قال: وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّٰائِفِينَ .(3)
قال الشيخ المفيد: ليس وجه إضافة الروح [و البيت] إلى نفسه و النسبة إليه، من حيث الخلق فحسب، بل الوجه في ذلك التمييز لهما بالإعظام و الإجلال، و الاختصاص بالإكرام...
قال سبحانه: يُخٰادِعُونَ اَللّٰهَ وَ هُوَ خٰادِعُهُمْ .(4)
و قال سبحانه: وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اَللّٰهُ .(1)
قال سبحانه: نَسُوا اَللّٰهَ فَنَسِيَهُمْ .(2)
قال الصدوق: إنّ المراد بذلك كلّه جزاء الأعمال.
و قال المفيد: هو كما قال، إلاّ أنّه لم يذكر الوجه في ذلك. ثمّ ذكر الوجه.
قال الصدوق: أفعال العباد مخلوقة خلق تقدير لا خلق تكوين، و معنى ذلك أنّه تعالى لم يزل عالما بمقاديرها.
و خالفه المفيد، و قال: إنّ العلم بالشيء لا يعدّ خلقا له. ثمّ هو نفى كون أفعال العباد مخلوقة للّه بأيّ نحو كان، و استدلّ بما روي عن أبي الحسن الثالث أنّه سئل عن أفعال العباد؟ فقيل له: هل هي مخلوقة للّه تعالى، فقال عليه السّلام: لو كان خالقا لها لما تبرأ منها، قال سبحانه: أَنَّ اَللّٰهَ بَرِيءٌ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ وَ رَسُولُهُ .(3)
ورد عن أئمّة أهل البيت عليهم السّلام: «لا جبر و لا تفويض بل أمر بين الأمرين»، ففسرّه الصدوق بنحو و الشيخ بنحو آخر.
قال الصدوق: «شاء اللّه و أراد، و لم يجب و لم يرض، و شاء عزّ اسمه ألاّ يكون شيء إلاّ بعلمه، و أراد مثل ذلك». و حاصله: أنّ أفعال العباد تعلّقت بها إرادة اللّه
و مشيئته و لكنّها غير محبوبة و لا مرضيّة.
و خالفه الشيخ المفيد و قال: إنّ اللّه تعالى لا يريد إلاّ ما حسن من الأفعال، و لا يشاء إلاّ الجميل من الأعمال و لا يريد القبائح و لا يشاء الفواحش. يقول سبحانه: وَ مَا اَللّٰهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبٰادِ .(1)
قال الصدوق: الكلام في القدر منهيّ عنه.
و خالفه الشيخ المفيد و حمل الأخبار الناهية على وجهين:
أن يكون النهي خاصّا بقوم كان كلامهم في ذلك يفسدهم و يضلّهم عن الدين و لا يصلحهم في عبادتهم إلاّ الإمساك عنه و ترك الخوض فيه و لم يكن النهي عنه عامّا لكافة المكلّفين.
النهي عن الكلام في ما خلق اللّه تعالى و عن علله و أسبابه و عمّا أمر به و تعبّد و عن القول في علل ذلك، إذ كان طلب علل الخلق و الأمر محظورا، لأنّ اللّه تعالى سترها عن أكثر خلقه.
قال الصدوق: إنّ اللّه تعالى فطر جميع الخلق على التوحيد.
و وافقه الشيخ، و لكن فسّر معنى ذلك.
ذهب الصدوق إلى أنّ الجدال في اللّه منهيّ عنه، لأنّه يؤدّي إلى ما لا يليق به.
1) . غافر: 31.
قال الشيخ المفيد: الجدال على ضربين: أحدهما بالحق و الآخر بالباطل، فالحقّ منه مأمور به و مرغّب فيه، و الباطل منه منهي عنه و مزجور عن استعماله، ثمّ استشهد ببعض الآيات.
هذه نماذج ممّا اختلف فيه العلمان، و ربما ذكر الشيخ المفيد عقيدة الصدوق و لم يخالفه بشيء، و ربما اتّفقا في المعنى لكن أجمل الصدوق و أفصح المفيد، و ثالثة اختلفا جوهرا و لبّا، و الاختلاف في هذه المسائل إمّا اختلاف في تفسير الآية، أو في مسألة كلامية لا تمتّ إلى صميم العقيدة بصلة.
و إليك قائمة بما لم نذكر كلامهما فيه:
الأعراف، 19. الصراط، 20. العقبات، 21. الحساب و الميزان، 22. الجنة و النار، 23. حدّ التكفير، 24. نزول الوحي و القرآن، 25. العصمة، 26. الغلو و التفويض، 27. التقيّة، 28. آباء النبيّ، 29. تفسير قوله سبحانه: قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبىٰ (1)، 30. الحظر و الإباحة، 31. الطب، 32. حكم الأحاديث المختلفة.
و هذه المقدار من الاختلاف في جنب ما اتّفقا عليه من الأصول و الأمّهات، أمر طفيف.
قد سبق أنّه كان بين محدّثي مدرسة قم و محدّثي مدرسة بغداد اختلاف في
1) . الشورى: 23.
بعض المسائل الكلامية خصوصا في ما يرجع إلى مقامات النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الأئمّة عليهم السّلام.
و كان النزاع بين أصحاب المنهجين قائما على قدم و ساق إلى أن حسمه الشيخ المفيد عند ما انتهت إليه رئاسة الإمامية في الكلام و الفقه، فقد جمع أصحاب المنهجين على مائدة واحدة بتأليف كتابين:
أوائل المقالات في المذاهب و المختارات.
تصحيح الاعتقاد.
و قد علّق على عقائد الإمامية للصدوق و أثبت أنّ بعض ما ذكره الصدوق ليس من عقائد الإمامية و إنّما هو نتيجة استخراجه من أخبار الآحاد.
و بما أنّ الشيخ ربّى جيلا عظيما كالشريفين: المرتضى و الرضيّ و الشيخ الطوسي و الكراجكي و الديلميّ و غيرهم، فقد أخذ تلامذة الشيخ زمام البحوث بعد رحيله، و جمعوا الإمامية على أصول موحّدة، و لم ينجم بينهم خلاف معتبر إلى أن ظهرت الحركة الأخبارية.
كان مطلع القرن الحادي عشر مسرحا للتيارات الفكرية المختلفة، فمن مكبّ على العلوم الطبيعية كالنجوم و الرياضيات، و الطب و التشريع، إلى آخر متوغّل في الحكمة و العرفان، إلى ثالث مقبل على علم الشريعة كالفقه و الأصول.
في تلك الأجواء ظهرت المدرسة الأخبارية التي شطبت على العلوم العقلية بقلم عريض، و لم تر للعقل أيّ وزن و قيمة لا في العلوم العقلية، و لا في العلوم النقلية، و قد رفع راية تلك الفكرة الشيخ محمد أمين بن محمد شريف الاسترابادي (المتوفّى 1036 ه).
و أمّا ما هو السبب لظهور ذلك التيّار في ربوع الشيعة، فقد ذكروا هنا فروضا مختلفة و ذكرنا ما هو الحقّ بين تلك الفروض.(1)
و على كلّ تقدير فقد تأثرت الأوساط العلمية بالتيار الأخباري و ذاع صيته و كثر أتباعه، و هم بين متطرّف - كمؤسّسة - يطعن على العلماء، و معتدل يحترم المخالف.
و من أصول ذلك المنهج: نفي حجّية حكم العقل في المسائل الأصولية، و عدم الملازمة بين حكم العقل و النقل، و ادّعاء قطعية صدور أحاديث الكتب الأربعة، و أنّه عند تعارض العقل و النقل يؤخذ بالنقل.
و هذا الأصل الأخير صار سببا لتقديم أخبار الآحاد على أحكام العقل في باب المعارف و المسائل الكلامية.
و لذلك نرى أنّ المجلسي الأوّل (1003-1070 ه) و كذا ولده المجلسي الثاني (1037-1110 ه) و الفيض الكاشاني (1007-1091 ه) و المحدّث الحرّ العاملي (1033-1104 ه) و غيرهم ممّن تأثروا بالمنهج الأخباري إلى ظهور المحقّق البهبهاني (1118-1206 ه) نبذوا كلّ ألوان التفكير العقلي في أصول الفقه على الإطلاق و في مجال العقائد على نحو خاص حتّى أنكروا تجرّد النفس الإنسانيّة.
و لمّا كان المظهر الأتمّ لهذا التفكير في العقائد هو كتاب «بحار الأنوار» الذي جمع درر أخبار الأئمّة الأطهار بلا تمحيص و لا تنقيح، فقد قام أستاذنا العلاّمة الطباطبائي بالتعليق على مواضع من بيانات العلاّمة المجلسي حول
1) . لاحظ تاريخ الفقه الإسلامي و أدواره: 386-390.
الروايات، و لكنه قدّس سرّه توقّف عن العمل بسبب الضغوط التي مورست عليه، و بذلك خسر العلم و الدين ثروة زاخرة في مجال تمحيص روايات ذلك الكتاب على ضوء الكتاب العزيز و السنّة القطعية و العقل الحصيف.
كان للمحقّق البهبهاني الدور الرئيسي في إرجاع العقل إلى الساحة في مجالي أصول الفقه و العقائد، و قد ألّف في التحسين و التقبيح العقليين و أثبت فيه حجّية العقل في المستقلات العقليّة.
و أصبح المحقّق البهبهاني رائد الحركة الفكرية في النصف الثاني من القرن الثاني عشر و أوائل القرن الثالث عشر، ثمّ قاد هذه الحركة لفيف من تلامذته و تلامذة تلامذته، الأمر الذي مكّن من إعادة العقل إلى الساحة في مجال الاستنباط و المعارف العقلية، و لذلك ترى أنّ ما ألّف حول المسائل الكلامية يختلف عمقا واعتبارا عمّا ألّف في عهد المجلسيّين أو قبلهما أو بعدهما.
هذه إشارة عابرة إلى المراحل الأربع الّتي مرّ بها الكلام الإماميّ، و ليعذرني إخواني في هذا الإيجاز في بيان المرحلتين الثالثة و الرابعة.
إنّ للأئمّة الاثني عشر عليهم السّلام دورا كبيرا في بيان العقيدة الإسلامية، و إرساء قواعدها، و ترسيخ جذورها من خلال بثّ الآراء و الأفكار المعبّرة عن روح الإسلام و نهجه السامي.
كما قاموا - هم و تلامذتهم - بدور بالغ الأهمية في صيانة العقيدة و الدفاع عنها، و مواجهة التيارات المنحرفة و الأفكار الضالة، و التصدّي للثقافات الأجنبية و المذاهب الفاسدة المتأثرة بالفلسفة الإلحادية و إسرائيليات اليهود و آراء النصارى و غيرها، و مناقشتها و بيان هشاشتها على ضوء البراهين و الحجج العقلية الرصينة، و النصوص الدينية الصحيحة.
و قد أخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن نشاط هؤلاء الرساليين حين قال: «يحمل هذا الدين من كلّ قرن عدول، ينفون عنه تأويل المبطلين و تحريف الغالين، و انتحال الجاهلين، كما ينفي الكير خبث الحديد».(1)
1) . رجال الكشي: 10.
و قبل أن نذكر - بإيجاز - ما قاموا به في مجال صيانة العقيدة الإسلامية في أدوار مختلفة، نودّ أن نذكر مقدّمة لها صلة بالموضوع و هي:
إنّ الدين السائد في الجزيرة العربية - و خاصّة منطقة أمّ القرى - قبل بزوغ شمس الإسلام كان هو الشرك باللّه في التدبير و العبادة، و هذا أمر واضح لا يرتاب فيه ذو مسكة، و كان العرب في تلك المناطق يعيشون في خضمّ الخرافات، و يستسلمون في مجال العقيدة إلى الأساطير و القصص الخرافية إلى حدّ لا يمكن أن نذكر معشار ما دوّنه المؤرّخون في ذلك المجال، لكنّا نشير إلى بعض أفكارهم التي بقيت رواسبها في أذهان بعض المسلمين حتّى بعد بزوغ الإسلام:
و هذا هو السيوطي ينقل عن عبد اللّه بن عمر أنّه جاء رجل إلى أبي بكر فقال: أرأيت الزنا بقدر؟ قال: نعم، قال: فإنّ اللّه قدّره عليّ ثمّ يعذّبني؟ قال: نعم
يابن اللخناء، أما و اللّه لو كان عندي إنسان أمرته أن يجأ أنفك.(1)
لقد كان السائل في حيرة من أمر القدر فسأل الخليفة عن كون الزنا مقدّرا من اللّه أم لا؟ فلما أجاب الخليفة بنعم، استغرب من ذلك، لأنّ العقل لا يسوّغ تقديره سبحانه شيئا بمعنى سلب الاختيار عن الإنسان في فعله أو تركه ثمّ تعذيبه عليه، و لذلك قال: فإنّ اللّه قدّره عليّ ثمّ يعذبني؟! فعند ذاك أقرّه الخليفة على ما استغر به و قال: «نعم يابن اللخناء...».
أربّا واحدا أم ألف ربّ *** أدين إذا تقسّمت الأمور؟
عزلت اللاّت و العزّى جميعا *** كذلك يفعل الجلد الصبور
و لكن اعبد الرحمن ربّي *** ليغفر ذنبي الربّ الغفور(2)
إلى غير ذلك من العقائد الفاسدة التي كانت العرب تدين بها، و هذا
الإمام علي أمير المؤمنين يصف عقائدهم في بعض خطبه و يقول:
«و أهل الأرض يومئذ ملل متفرقة، و أهواء منتشرة، و طرائق متشتّتة، بين مشبّه للّه بخلقه أو ملحد في اسمه أو مشير إلى غيره، فهداهم به من الضلالة، و أنقذهم بمكانه من الجهالة».(1)
و في خطبة أخرى له:
«إنّ اللّه بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نذيرا للعالمين و أمينا على التنزيل، و أنتم معشر العرب على شرّ دين، و في شرّ دار منيخون بين حجارة خشن، و حيات صمّ تشربون الكدر و تأكلون الجشب، و تسفكون دماءكم و تقطعون أرحامكم، الأصنام فيكم منصوبة و الآثام بكم معصوبة».(2)
و للأسف أنّ هذه العقائد الباطلة بعد ما شطب الإسلام عليها جميعا عادت - بعد رحيل الرسول - إلى الساحة الإسلامية بثوب آخر و بغطاء جديد. و قد بذل أئمّة أهل البيت عليهم السّلام جهودا مضنية في طريق تثبيت العقيدة الإسلامية، و صيانتها عن الانحراف، بما وصل إليهم من آبائهم، و إليك نماذج منها:
قد عرفت أنّ العرب في العصر الجاهلي كانوا يدينون بالجبر و أنّ القرآن ندّد به و عرّف الإنسان بأنّه مختار في مصيره، يقول سبحانه: فَمَنْ شٰاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شٰاءَ فَلْيَكْفُرْ .(3)
و للّه در الشهيد السعيد زين الدين العاملي في قوله:
لقد جاء في القرآن آية حكمة *** تدمّر آيات الضلال و من يجبر
و تخبر أنّ الاختيار بأيدينا *** فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر
و قد اعتنق الجبر طائفة كبيرة من المسلمين و ألّفوا في ذلك رسائل ذهبوا فيها إلى القول بأنّ من قال بالقدر و الاختيار يجلد و يوثق، و قد بلغ حماس الأمويين في ترسيخ الجبر بين المسلمين إلى حدّ كبحت معه ألسن الخطباء عن الإصحار بالحقيقة، فهذا الحسن البصري الذي يعدّ من مشاهير الخطباء و وجوه التابعين كان يسكت عن أعمالهم الإجرامية، غير أنّه كان يخالفهم في القول بالقدر بالمعنى الذي كانت السلطة تروّجه آنذاك، فلمّا خوفه بعض أصدقائه من السلطان، وعد أن لا يعود. روى ابن سعد في طبقاته عن أيّوب قال: نازلت الحسن في القدر غير مرّة حتى خوّفته من السلطان، فقال: لا أعود بعد اليوم.(1)
و لم يسلم محمد بن إسحاق صاحب السيرة النبوية المعروفة من الجلد لمخالفته القدر، قال ابن حجر: إنّ محمد بن إسحاق اتّهم بالقدر و قال الزبير عن الدراوردي «و جلد ابن إسحاق يعني في القدر».(2)
و قد ألّف عمر بن عبد العزيز رسالة في الردّ على القدرية القائلين بالاختيار نقلها أبو نعيم الاصفهاني في ترجمة عمر بن عبد العزيز.(3)
كما انتشر التفويض في عصر الإمام الصادق عليه السّلام بمعنى إيكال الأمور إلى
البشر و استغنائهم في أفعالهم عن اللّه سبحانه، و يظهر من بعض الروايات أنّ فكرة التفويض استولت على بعض المفكّرين في عصر عبد الملك بن مروان على نحو أعجز العلماء في الشام، فكتب عبد الملك رسالة إلى الإمام الباقر عليه السّلام يدعوه لنزول أرض الشام، و مناظرة ذلك الرجل القدري (التفويضي)، فلمّا جاءت الرسالة كتب إليه الإمام بقوله: إنيّ شيخ كبير لا أقوى على الخروج، و هذا جعفر ابني يقوم مقامي فوجّهه إليه، فلمّا قدم على الأمويّ أزراه لصغره، و كره أن يجمع بينه و بين القدريّ مخافة أن يغلبه، و تسامع الناس بالشام بقدوم جعفر لمخاصمة القدريّة، فلمّا كان من الغد اجتمع الناس بخصومتهما، فقال الأمويّ لأبي عبد اللّه عليه السّلام إنّه قد أعيانا أمر هذا القدريّ، و إنّما كتبت إليه(1)لأجمع بينه و بينه، فإنّه لم يدع عندنا أحدا إلاّ خصمه، فقال: إنّ اللّه يكفيناه.
قال: فلمّا اجتمعوا قال القدريّ لأبي عبد اللّه عليه السّلام: سل عمّا شئت! فقال له:
«اقرأ سورة الحمد»، قال: فقرأها، و قال الأمويّ و إنّا معه: ما في سورة الحمد؟!، غلبنا، إنّا للّه و إنّا إليه راجعون!! قال: فجعل القدريّ يقرأ سورة الحمد حتّى بلغ قول اللّه تبارك و تعالى: إِيّٰاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّٰاكَ نَسْتَعِينُ فقال له جعفر: «قف؛ من تستعين؟ و ما حاجتك إلى المؤونة إن الأمر إليك؟» فبهت الّذي كفر، و اللّه لا يهدي القوم الظالمين.(2)
كان الطابع العام على السلفية و أهل الحديث، هو الجبر و نفي القدر بمعنى الاختيار إلى أن جاء الإمام الأشعري فأحسّ بخطورة الموقف و أنّ القول بالجبر يساوي بطلان التكليف و لغوية بعثة الأنبياء، فحاول أن يصحّح عقيدة أهل
الحديث بإضافة الكسب على عقيدتهم، فقال: إنّه سبحانه خالق لأفعالنا و العبد كاسب، فهو حاول أن يخرج أهل الحديث عن الجبر الخالص إلى فسيح الاختيار، لكنّه أضاف عقدة إلى عقدة، فلم يعلم ما هو مراده من الكسب؟! إلى حدّ صار أحد الألغاز في جنب سائرها، يقول الشاعر:
مما يقال و لا حقيقة عنده *** معقودة تدنو إلى الافهام
الكسب عند الأشعري و الحال *** عند البهشمي و طفرة النظّام(1)
ففي خضم هذه التيارات الضالّة شمّر أئمّة أهل البيت عليهم السّلام عن ساعد الجدّ، فنشروا فكرة الأمر بين الأمرين و أنّه لا جبر و لا تفويض بل أمر بين الأمرين، و بذلك فسروا الآيات الواردة في الجبر و التفويض و قضوا على الفكرتين، فكرة الجبر التي تساوق بطلان التكليف، و فكرة التفويض التي تساوق الشرك و استغناء الممكن في فعله عن اللّه سبحانه، و لهم في ذلك بيانات شافية لا يمكننا نقل معشار ما ذكروه.
إنّ فكرة الأمر بين الأمرين مستنتجة من القرآن الكريم. يقول سبحانه:
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَ لٰكِنَّ اَللّٰهَ قَتَلَهُمْ وَ مٰا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لٰكِنَّ اَللّٰهَ رَمىٰ .(2)
إنّه سبحانه ينسب الفعل (الرمي) إلى العبد و في الوقت نفسه يسلبه عنه و ينسبه إلى اللّه سبحانه، و هو نفس الأمر بين الأمرين، فالفعل مستند إلى العبد، و في الوقت نفسه إلى اللّه سبحانه، و قد كتب الإمام الهادي عليه السّلام رسالة في نفي
الجبر و التفويض نقلها المجلسي في موسوعته.(1)
و قال الإمام الصادق عليه السّلام في ردّ كلا المنهجين:
«إنّ اللّه أكرم من أن يكلّف الناس ما لا يطيقون، و اللّه أعز من أن يكون في سلطانه ما لا يريد».(2)
اتّفق الإلهيون على كونه تعالى موصوفا بصفات الكمال و الجمال من العلم و القدرة و الحياة و لكنّهم اختلفوا في كيفية إجرائها عليه سبحانه.
ذهبت أكثر المعتزلة إلى نيابة الذات عن الصفات من دون أن يكون هناك صفة، و إنّما ذهبوا إلى ذلك لأجل أنّهم رأوا أنّ الاعتراف بأنّ هناك ذاتا و صفة هو التركيب، لأنّ الصفة غير الموصوف، و التركيب آية الإمكان، فلذلك ذهبوا إلى نفي الصفات، و لما رأوا أنّ ذلك يجرّهم إلى القول بخلوّ الذات عن الكمال قالوا: إنّ الذات تنوب مناب الصفات و إن لم تكن هناك واقعية للصفات وراء الذّات.
و أمّا الأشاعرة فقد ذهبوا إلى زيادة الصفات على الذات، و بذلك صاروا معترفين بالقدماء الثمانية، نظير التثليث الذي اعتنقه النصارى، بل أسوأ منه.
و من المعلوم أنّ لازم ذلك هو تركيب الذات من أمور مختلفة و التركيب آية الإمكان و الافتقار. و أمّا أئمّة أهل البيت عليهم السّلام فاعترفوا بأنّ اللّه سبحانه صفات كمالية، و لكنّها ليست زائدة على الذات، بل هي عينها.
صحيح أنّ الصفة غير الموصوف، و لكن هذا في الموجودات الإمكانية، و أمّا
الواجب بالذات فكما هو واجب في ذاته واجب في صفاته، فلا مانع من أن تكون صفاته عين ذاته دون أن يكون هناك تركيب أو تشبيه. يقول أمير المؤمنين عليه السّلام:
«و كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف و شهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة، فمن وصف اللّه فقد قرنه، و من قرنه فقد ثنّاه، و من ثنّاه فقد جزّأه، و من جزّأه فقد جهله».(1)
و في هذا الكلام تصريح بعينية الصفات للذات، و فيه إشارة إلى برهان الوحدة، و هو أنّ القول باتحاد صفاته مع ذاته يوجب تنزيهه عن التركيب و التجزئة و نفي الحاجة عن ساحته، و لكن إذا قلنا بالتعدّد و الغيريّة فذلك يستلزم التركيب و يتولد منه التثنية، و التركيب آية الحاجة، و اللّه الغني المطلق لا يحتاج إلى من سواه.
و قال الإمام الصادق عليه السّلام: «لم يزل اللّه جلّ و عزّ ربّنا و العلم ذاته و لا معلوم، و السمع ذاته و لا مسموع، و البصر ذاته و لا مبصر، و القدرة ذاته و لا مقدور».(2)
و الإمام عليه السّلام يشير إلى قسم خاص من علمه سبحانه - وراء عينية صفاته و ذاته - و هو وجود علمه بلا معلوم و سمعه بلا مسموع. و ما هذا إلاّ لأجل أنّ ذاته من الكمال و الجمال بلغت إلى حدّ لا يشذ عن حيطة وجوده أيّ شيء، و تفصيل هذا القسم من العلم يطلب من محالّه.
اتّفقت العدلية على أنّه سبحانه لا يرى بالأبصار لا في الدنيا و لا في الآخرة، و أمّا غيرهم فالكرّامية و المجسّمة فقد جوّزوا رؤيته في الدارين بلا إشكال، و أمّا أهل الحديث و بعدهم الأشاعرة فمع أنّهم يصفون أنفسهم بالتنزيه و يتبرّأون من التجسيم و الجهة، لكن قالوا برؤيته سبحانه يوم القيامة خضوعا للرواية التي رواها
الإمام البخاري في صحيحه.
و هؤلاء تركوا صحيح النص في القرآن الكريم، أعني: لاٰ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصٰارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ اَلْأَبْصٰارَ وَ هُوَ اَللَّطِيفُ اَلْخَبِيرُ (1)، كما تركوا قضاء العقل الصريح و أخذوا بالرواية، و لو لا وجود هذا الحديث في الصحيح لما أخذوا بهذا القول، و لكنّهم غفلوا عن أبسط الدلائل على امتناع الرؤية، لأنّ الرؤية لا تخلو عن حالتين: إمّا تقع على الذات كلّها، أو على البعض؛ فعلى الأوّل يلزم أن يكون المرئي محدودا متناهيا محصورا شاغلا لناحية من النواحي و تخلو النواحي الأخرى منه، و على الثاني يلزم أن يكون مركّبا متحيّزا ذا جهة.
إنّ فكرة الرؤية فكرة مستوردة جاءت من جانب الأحبار و الرهبان بتدليس خاصّ. فإنّ أهل الكتاب يدينون برؤيته سبحانه، و قد تصدّى أئمّة أهل البيت عليهم السّلام لتلك الفكرة بخطبهم و أحاديثهم التي لا يسعنا إيرادها في هذا البحث. قال الإمام علي عليه السّلام في خطبة الأشباح:
«الأوّل الذي لم يكن له قبل فيكون شيء قبله، و الآخر الذي ليس له بعد فيكون شيء بعده، و الرادع أناسيّ الأبصار عن أن تناله أو تدركه».(2)
و قد سأله ذعلب اليماني فقال: هل رأيت ربّك يا أمير المؤمنين؟ فقال عليه السّلام:
«أفأعبد ما لا أرى؟» فقال: كيف تراه؟ فقال: «لا تدركه العيون بمشاهدة العيان و لكن تدركه القلوب بحقائق الايمان، قريب من الأشياء غير ملابس، بعيد منها غير مبائن».(3)
ذهبت النصارى إلى قدم الأقانيم الثلاثة، فقالوا بالتثليث و قدم الأب و الابن و روح القدس، و بذلك خرجوا عن عداد الموحّدين، و الأسف أنّ أهل الحديث تأثروا بدون وعي بالمسيحيّين فقالوا بقدم القرآن و نفي حدوثه و بذلك اعترفوا بقدم غيره سبحانه، و قد بذلوا جهودهم على طريق ترسيخ هذه العقيدة التي لا يعلم مرامها و ما هو المقصود منها، فإنّ محلّ البحث و النزاع لم يحرر بشكل واضح بحيث يمكن تحليله. فها هنا احتمالات يمكن أن تكون محطّ النظر لأهل الحديث و الأشاعرة عند توصيف كلامه سبحانه بالقدم، نطرحها على بساط البحث و نطلب حكمها من العقل و القرآن.
أ. الألفاظ و الجمل الفصيحة البليغة التي عجز الإنسان في جميع القرون عن الإتيان بمثلها، و قد جاء بها أمين الوحي إلى النبي الأكرم، و قرأها الرسول فتلقتها الأسماع و حررتها الأقلام على الصحف المطهّرة، و من الواضح أنّها مخلوقة على الإطلاق للّه سبحانه.
ب. المعاني السامية و المفاهيم الرفيعة في مجالات التكوين و التشريع و الحوادث، و أشار إليها بألفاظه و جمله و هي حادثة بلا ترديد.
ج. ذاته سبحانه و صفاته من العلم و القدرة و الحياة التي بحث عنها القرآن، و من المعلوم أنّ ذاته و صفاته قديمة و لكن الألفاظ التي أشار بها إليها حادثة.
د. علمه سبحانه بكلّ ما ورد في القرآن الكريم. و لو كان المراد هذا، فلا شكّ انّه قديم و البحث فيه بلا طائل.
ه. الكلام النفسي القائم بذاته الذي هو أحد الألغاز.
و. القرآن ليس مخلوقا، أي مصنوعا للبشر و إن كان مخلوقا للّه.
و قد جرّت هذه العقيدة و يلات على المسلمين و سفكت فيها الدماء و حبس فيها الأبرياء، و قد أدرك أئمّة أهل البيت عليهم السّلام أنّ المسألة اتّخذت لنفسها طابعا سياسيّا فامتنعوا عن الخوض فيها و منعوا أصحابهم أيضا، فقد سأل الريان بن الصلت الإمام الرضا عليه السّلام و قال له: ما تقول في القرآن؟ فقال عليه السّلام: «كلام اللّه لا تتجاوزوه، و لا تطلبوا الهدى في غيره فتضلّوا».(1)
نعم في بعض المواقف الخاصة التي يأمن فيها الأئمّة من الفتنة أدلوا برأيهم في الموضوع و صرّحوا بأنّ الخالق هو اللّه و غيره مخلوق، و القرآن ليس نفسه سبحانه، و إلاّ يلزم اتحاد المنزل و المنزل فهو غيره، فيكون لا محالة مخلوقا.
روى محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني أنّه كتب علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا عليه السّلام إلى بعض شيعته ببغداد: «بسم اللّه الرحمن الرحيم، عصمنا اللّه و إيّاك من الفتنة، فإن يفعل فقد أعظم بها نعمة، و إن لا يفعل فهي الهلكة، نحن نرى أنّ الجدال في القرآن بدعة، اشترك فيها السائل و المجيب، فيتعاطى السائل ما ليس له، و يتكلّف المجيب ما ليس عليه، و ليس الخالق إلاّ اللّه عزّ و جلّ، و ما سواه مخلوق، و القرآن كلام اللّه، لا تجعل له اسما من عندك فتكون من الضالين، جعلنا اللّه و إيّاك من الذين يخشون ربّهم بالغيب و هم من الساعة مشفقون».(2)
الغلاة هم الذين غلوا في حقّ النبي و آله حتّى أخرجوهم من حدود الخليقة، و الخطابية و المغيرية من هذه الصنوف، كما أنّ القول بالتفويض و هو تفويض تدبير
العالم إلى النبي و الأئمة و أنّهم هم الخالقون و الرازقون و المدبّرون للعالم، شعبة من الغلوّ.
و يقابله النصب و هو تنقيص أئمّة أهل البيت عليهم السّلام و نصب العداء لهم، و قد كافح أئمّة أهل البيت عليهم السّلام هاتين الفكرتين الهدّامتين، فبيّنوا أنّ الغلوّ كفر و خروج عن الإسلام كما كشفوا عن فضيحة أهل النصب، و ها نحن نذكر حديثين في هذا المجال:
قال أمير المؤمنين عليه السّلام في حديث الأربعمائة: «إيّاكم و الغلوّ فينا، قولوا: عبيد مربوبون و قولوا في فضلنا ما شئتم، من أحبنا فليعمل بعملنا و يستعن بالورع».(1)
و قال الإمام الصادق عليه السّلام: «لعن اللّه من قال فينا ما لا نقوله في أنفسنا، لعن اللّه من أزالنا عن العبودية للّه الذي خلقنا، و إليه مآبنا و معادنا، و بيده نواصينا».(2)
و قد أوضح الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام موقف أئمّة أهل البيت عليهم السّلام في خطبته:
«لا يقاس بآل محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من هذه الأمّة أحد، و لا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا، هم أساس الدين و عماد اليقين، إليهم يفيء الغالي و بهم يلحق التالي، و لهم خصائص حق الولاية، و فيهم الوصية و الوراثة، الآن إذ رجع الحق إلى أهله، و نقل إلى منتقله».(3)
و في كلام له عليه السّلام: «نحن آل محمد النمط الأوسط، الذي لا يدركنا الغالي و لا يسبقنا التالي».(4)
و قال أيضا: «سيهلك فيّ صنفان: محب مفرط يذهب به الحبّ إلى غير
الحق، و مبغض مفرط يذهب به البغض إلى غير الحق، و خير الناس فيّ حالا النمط الأوسط فألزموه».(1)
إلى غير ذلك من الكلمات التي ترشد الأمّة الإسلامية إلى ما لهم من المكانة الرفيعة دون الغلوّ و فوق ما يزعمه النصاب - أعداء أهل العصمة -.
النبوّة سفارة بين اللّه و بين ذوي العقول من عباده لإزاحة علّتهم في أمر معادهم و معاشهم، و النبي هو الإنسان المخبر عن اللّه تعالى بإحدى الطرق المعروفة، و الأنبياء هم الصفوة من الناس الذين تحلّوا بزينة التقوى و العصمة، حتّى صاروا أهلا لحمل الرسالة الإلهية إلى عباده و اللّه سبحانه يصفهم بقوله: إِنّٰا أَخْلَصْنٰاهُمْ بِخٰالِصَةٍ ذِكْرَى اَلدّٰارِ * وَ إِنَّهُمْ عِنْدَنٰا لَمِنَ اَلْمُصْطَفَيْنَ اَلْأَخْيٰارِ .(2)
و بقوله: وَ اِجْتَبَيْنٰاهُمْ وَ هَدَيْنٰاهُمْ إِلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ .(3)
فمن يصفه سبحانه بأنّه من المصطفين الأخيار يستحيل عادة أن يعصي اللّه سبحانه و يخالفه، و لذلك اتّفق أهل العدل على عصمة الأنبياء في المرحلتين قبل البعثة و بعدها، و استدلّوا على ذلك بأدلّة عقلية و آيات قرآنية، غير أنّ لفيفا من أهل الحديث اغتروا بروايات رواها مستسلمة أهل الكتاب في حق بعض الأنبياء كداود و سليمان و غيرهما، و قد ملأت هذه الروايات المدسوسة كتب التفسير التي يندى الجبين من نقلها و نشرها في حياة هذين النبيين الكريمين.
و العجب أنّ أهل السنّة قالوا بعدالة الصحابة من أوّلهم إلى آخرهم، بل
بعصمتهم و إن لم يتفوّهوا بها، فلو سمعوا من باحث موضوعي شيئا يمسّ كرامة صحابي كفسق الوليد بن عقبة الذي جاء وصفه بالفسق في الذكر الحكيم(1)، لطاشت عقولهم و رموا القائل بالحقد و العداء للصحابة، بل إلى قلّة الدين و عدم الإيمان.
و بما أنّ أهل الحديث اغتروا ببعض ظواهر الآيات من دون أن يقفوا على مغزاها، فقد قام أئمّة أهل البيت عليهم السّلام بتفسيرها و تبيين مقاصدها، فمن حاول الوقوف على كلماتهم في هذا الموضوع فليرجع إلى كتاب «الاحتجاج» للشيخ الطبرسي.
و لعلّ ما ذكرنا كاف في تبلور دور أئمّة أهل البيت عليهم السّلام في صيانة العقيدة السامية، و الدفاع عن حياض الدين بالبرهنة و الخطابة.
لكن إكمالا للبحث نأتي ببعض المناظرات التي دارت بينهم و بين أهل الضلال عملا بقوله سبحانه: اُدْعُ إِلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ اَلْمَوْعِظَةِ اَلْحَسَنَةِ وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ .(2)
إنّ الدعوة الصحيحة تتحقق بأمور ثلاثة:
مَا اِتَّخَذَ اَللّٰهُ مِنْ وَلَدٍ وَ مٰا كٰانَ مَعَهُ مِنْ إِلٰهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلٰهٍ بِمٰا خَلَقَ وَ لَعَلاٰ بَعْضُهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ سُبْحٰانَ اَللّٰهِ عَمّٰا يَصِفُونَ .(3)
عند الجلوس على منصّة الخطابة.
كانت العرب في العصر الجاهلي قائلة بالقضاء و القدر بمعنى كون الإنسان مسيّرا لا مختارا، و أنّه أمام الحوادث مكتوف اليدين، و لا محيص له عن التسليم لما قضي. و قد كانت هذه العقيدة راسخة في أذهان كثير من المسلمين في عصر النبي و بعده، حتّى روي أنّ رجلا سأل عليّا عليه السّلام بعد انصرافه من الشام فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن خروجنا إلى الشام أبقضاء و قدر؟
فقال له أمير المؤمنين عليه السّلام: «نعم يا شيخ، ما علوتم تلعة و لا هبطتم بطن واد إلا بقضاء من اللّه و قدر».
فقال الرجل: عند اللّه أحتسب عنائي، و اللّه ما أرى لي من الأجر شيئا!!
فقال علي عليه السّلام: «بلى، فقد عظّم اللّه لكم الأجر في مسيركم و أنتم ذاهبون، و على منصرفكم و أنتم منقلبون، و لم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين، و لا إليه مضطرّين».
فقال الرجل: فكيف لا نكون مضطرّين و القضاء و القدر ساقانا، و عنهما كان مسيرنا؟!
فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: «لعلّك أردت قضاء لازما، و قدرا حتما، لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب و العقاب، و سقط الوعد و الوعيد، و الأمر من اللّه و النهي،
و ما كانت تأتي من اللّه لائمة لمذنب، و لا محمدة لمحسن، و لا كان المحسن أولى بثواب الإحسان من المذنب، و لا المذنب أولى بعقوبة الذنب من المحسن، تلك مقالة إخوان عبدة الأوثان، و جنود الشيطان، و خصماء الرحمن، و شهداء الزور و البهتان، و أهل العمى و الطغيان، هم قدريّة هذه الأمّة و مجوسها، إنّ اللّه تعالى أمر تخييرا، و نهى تحذيرا، و كلّف يسيرا، و لم يعص مغلوبا، و لم يطع مكرها، و لم يرسل الرسل هزلا، و لم ينزل القرآن عبثا، و لم يخلق السماوات و الأرض و ما بينهما باطلا، ذلك ظنّ الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار».
قال: ثمّ تلى عليهم: وَ قَضىٰ رَبُّكَ أَلاّٰ تَعْبُدُوا إِلاّٰ إِيّٰاهُ (1). قال: فنهض الرجل مسرورا و هو يقول:
أنت الإمام الذي نرجو بطاعته *** يوم النشور من الرّحمن رضوانا(2)
لقد كان التجسيم و الاعتقاد بوجود الجهة للّه من عقائد اليهود، و قد تسربت تلك العقيدة عن طريق مستسلمة أهل الكتاب إلى أوساط المسلمين، فحسبه أهل الحديث أنّه سبحانه فوق السماوات السبع، و أنّه جالس على عرشه، و العرش يئط أطيط الرحل، و لم تزل هذه العقيدة محفوظة عند ابن تيمية و أتباعه.(3)و هي عقيدة سخيفة ساقطة تضاد القرآن الكريم و العقل الحصيف.
و قد كافح أئمّة أهل البيت عليهم السّلام هذه الفكرة المستوردة، و هذا هو الإمام علي ابن أبي طالب عليه السّلام سمع رجلا يقول: «و الذي احتجب بسبع طباق» فعلاه بالدرّة، ثمّ قال له: «يا ويلك! إنّ اللّه أجلّ من أن يحتجب عن شيء، أو يحتجب عنه شيء،
سبحان الذي لا يحويه مكان، و لا يخفى عليه شيء في الأرض و لا في السماء».
فقال الرجل: أفأكفّر عن يميني يا أمير المؤمنين؟
قال: «لا، لم تحلف باللّه فيلزمك كفّارة، و إنّما حلفت بغيره».(1)
المتسالم عند الناس هو أنّ الصفة غير الموصوف و انّ الأولى عارضة للثاني، و قد اختمرت تلك الفكرة في أذهان العامّة حسب احتكاكهم بالماديات، فهناك إناء و له لون، و إنسان و له علمه، و على ضوء ذلك زعموا أنّ علمه سبحانه زائد على ذاته و انّ مقتضى الصفة هو الاثنينية.
و لما كان هذا القول مؤديا إلى الشرك و تعدّد القدماء قام أئمّة أهل البيت عليهم السّلام بوجه تلك الفكرة الخاطئة في بعض مناظراتهم.
روى محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام قال: في صفة القديم: إنّه واحد صمد، أحديّ المعنى، ليس بمعان كثيرة مختلفة.
قال: قلت: جعلت فداك إنّه يزعم قوم من أهل العراق أنّه يسمع بغير الذي يبصر، و يبصر بغير الذي يسمع؟
قال: فقال: «كذبوا و ألحدوا، و شبّهوا اللّه تعالى، إنّه سميع بصير، يسمع بما به يبصر، و يبصر بما به يسمع».
قال: فقلت: يزعمون أنّه بصير على ما يعقله؟
قال: فقال: تعالى اللّه إنّما يعقل من كان بصفة المخلوق، و ليس اللّه كذلك».(2)
لقد أراد أهل النصب و أصحاب العداء أن ينكروا كون الحسنين من أبناء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و قد أشاعوا تلك الفكرة، لأنّ الولد عندهم عبارة عمّن ينتسب إلى الرجل بنفسه أو عن طريق ابنه لا بنته، أخذا بالرأي الجاهلي في تفسير الولد، قالوا:
بنونا بنو أبنائنا و بناتنا *** بنوهن أبناء الرجال الأباعد
و بما انّ الحسنين كانا يتصلان بالنبي عن طريق بنته فاطمة عليها السّلام فلا يصحّ وصفهما بأنّهما من أبناء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
و قد رد على تلك الفكرة، تلاميذ أبي جعفر الباقر عليه السّلام ببعض الآيات القرآنية، حيث عدّ القرآن عيسى بن مريم من آل إبراهيم و قال: وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ [إبراهيم] دٰاوُدَ وَ سُلَيْمٰانَ وَ أَيُّوبَ وَ يُوسُفَ وَ مُوسىٰ وَ هٰارُونَ وَ كَذٰلِكَ نَجْزِي اَلْمُحْسِنِينَ * وَ زَكَرِيّٰا وَ يَحْيىٰ وَ عِيسىٰ وَ إِلْيٰاسَ كُلٌّ مِنَ اَلصّٰالِحِينَ .(1)حيث عدّ «عيسى» من ذريّة إبراهيم و هو يتصل به من جانب الأمّ.
كما احتجوا عليهم بقوله سبحانه: فَقُلْ تَعٰالَوْا نَدْعُ أَبْنٰاءَنٰا وَ أَبْنٰاءَكُمْ وَ نِسٰاءَنٰا وَ نِسٰاءَكُمْ وَ أَنْفُسَنٰا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اَللّٰهِ عَلَى اَلْكٰاذِبِينَ (2)، و قد اتّفق المفسرون على أنّ المراد من قوله: أَبْنٰاءَنٰا هو الحسنان.
هذا هو الذي احتجّ به تلاميذ الإمام و من تربّى في حجره، لكن الإمام الباقر عليه السّلام احتجّ بشكل آخر فقال مخاطبا أبا الجارود: «و اللّه يا أبا الجارود! لأعطينّكها من كتاب اللّه آية تسمّيهما أنّهما لصلب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا يردها إلاّ كافر».
قال: قلت: جعلت فداك و أين؟
قال: «حيث قال اللّه تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ وَ بَنٰاتُكُمْ - إلى قوله: - وَ حَلاٰئِلُ أَبْنٰائِكُمُ اَلَّذِينَ مِنْ أَصْلاٰبِكُمْ (1)، فسلهم يا أبا الجارود هل يحلّ لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نكاح حليلتيهما؟ فإن قالوا: نعم، فكذبوا و اللّه، و إن قالوا: لا، فهما و اللّه ابنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لصلبه، و ما حرّمن عليه إلاّ للصلب».(2)
لم يزل برهان النظام دليلا واضحا و مقنعا لعامة الناس، بالأخص إذا كان هادفا لغاية خاصة، إذ لا تخضع الهادفية للصدفة، بل هي تكشف عن خضوع النظام لخالق مدبّر عالم، أوجد مصنوعه، لغاية عقلانية.
و هذا النوع من البرهان كثير الدوران في الذكر الحكيم و الروايات الشريفة نذكر منها ما يلي:
دخل أبو شاكر الديصاني على أبي عبد اللّه عليه السّلام و قال يا جعفر بن محمد:
دلّني على معبودي!.
فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام: «اجلس!» فإذا غلام صغير في كفّه بيضة يلعب بها، فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «ناولني يا غلام البيضة!» فناوله إيّاها، فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «يا ديصاني! هذا حصن مكنون، له جلد غليظ، و تحت الجلد الغليظ جلد رقيق، و تحت الجلد الرّقيق ذهبة مايعة، و فضة ذائبة، فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضّة الذائبة، و لا الفضّة الذائبة تختلط بالذهبة المائعة، فهي على حالها، لم يخرج منها خارج مصلح فيخبر عن إصلاحها، و لم يدخل فيها داخل مفسد فيخبر عن
إفسادها، لا يدرى للذكر خلقت أم للأنثى، تنفلق عن مثل ألوان الطواويس، أترى له مدبّرا؟».
قال: فأطرق مليّا ثمّ قال: أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله، و أنّك إمام و حجّة من اللّه على خلقه، و أنا تائب [إلى اللّه تعالى] ممّا كنت فيه.(1)
قد تعرفت على أنّ التجسيم و الجهة كان مختمرا في أذهان المسلمين و قلّما يتّفق لأحد منهم أن يتصوّر تصوّرا صحيحا من إحاطته سبحانه بالعالم إحاطة قيّوميّة.
و هذا ابن أبي العوجاء زنديق عصره بعد ما سمع كلمة «اللّه» سبحانه عن الصادق عليه السّلام قال له:
ذكرت اللّه فأحلت على غائب، فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «ويلك! كيف يكون غائبا من هو مع خلقه شاهد، و إليهم أقرب من حبل الوريد، يسمع كلامهم و يرى أشخاصهم و يعلم أسرارهم؟» فقال ابن أبي العوجاء: فهو في كلّ مكان، أليس إذا كان في السماء كيف يكون في الأرض، و إذا كان في الأرض كيف يكون في السّماء؟!
فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «إنّما وصفت المخلوق الذي إذا انتقل من مكان اشتغل به مكان، و خلا منه مكان، فلا يدري في المكان الذي صار إليه ما حدث في المكان الذي كان فيه، فأمّا اللّه العظيم الشأن، الملك الديّان، فلا يخلو منه مكان و لا يشتغل به مكان، و لا يكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان».(2)
فقد استدلّ الإمام بأنّ إنكار إله محيط بالعالم نابع عن قياس الممكن بالواجب و المخلوق بالخالق. فالممكن لأجل كونه محدودا إذا وقع في مكان يخلو عنه مكان آخر، و أمّا الواجب لأجل سعة وجوده و عدم تحديده يكون حاضرا في كلّ مكان، لا حضورا حلوليّا، بل قيّوميّا، لقيام كلّ ممكن بوجوده قيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي.
لقد شاع العمل بالقياس بعد رحيل النبي الأكرم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، لقلّة النصوص في المسائل المستجدّة، فلم يجدوا بدّا من العمل بالقياس و الاستحسان و سائر القواعد التي لم يدلّ على حجيتها الكتاب و السنّة، و إنّما التجأوا إليها لإعواز النصوص و الإعراض عن أئمّة أهل البيت عيبة علم الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
كان أبو حنيفة من أعلام العاملين بالقياس، و لذلك عرف فقهاء العراق بأهل القياس، و فيما دار بينه و بين أبي عبد اللّه عليه السّلام من المناظرة يظهر قوة منطق المناظر و رجوع الخصم إلى الحق.
قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: «فانظر إلى قياسك إن كنت مقيسا أيّما أعظم عند اللّه:
القتل أم الزنا؟»
قال: بل القتل.
قال: «فكيف رضى اللّه تعالى في القتل بشاهدين، و لم يرض في الزنا إلاّ بأربعة؟» ثمّ قال له: «الصلاة أفضل أم الصيام؟» قال: بل الصلاة أفضل.
قال عليه السّلام: «فيجب على قياس قولك على الحائض قضاء ما فاتها من الصّلاة في حال حيضها دون الصيام، و قد أوجب اللّه تعالى عليها قضاء الصوم دون
الصلاة».
قال له: «البول أقذر أم المني؟».
قال: البول أقذر.
قال عليه السّلام: «يجب على قياسك أن يجب الغسل من البول دون المني، و قد أوجب اللّه تعالى الغسل من المني دون البول».(1)
إنّ أبا قرّة كان أحد المحدّثين الكبار في عصر الإمام أبي الحسن الرضا عليه السّلام فدخل عليه و دار بينهما كلام طويل، نورد منه ما يلي:
قال أبو قرّة: فإنا روينا انّ اللّه قسّم الرؤية و الكلام بين نبيّين، فقسّم لموسى عليه السّلام الكلام و لمحمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الرؤية.
فقال أبو الحسن عليه السّلام: «فمن المبلّغ عن اللّه إلى الثقلين الجن و الإنس أنّه لا تدركه الأبصار و لا يحيطون به علما و ليس كمثله شيء، أليس محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؟!» قال:
بلى.
قال أبو الحسن عليه السّلام: «فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعا فيخبرهم أنّه جاء من عند اللّه، و أنّه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه، و يقول: إنّه لا تدركه الأبصار، و لا يحيطون به علما و ليس كمثله شيء، ثمّ يقول: أنا رأيته بعيني و أحطت به علما و هو على صورة البشر، أما تستحيون؟! ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا: أن يكون أتى عن اللّه بأمر ثمّ يأتي بخلافه من وجه آخر».(2)
لم يزل أصحاب الحديث يستدلّون على التجسيم بالحديث المروي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه قال: «إنّ اللّه خلق آدم على صورته».
فالضمير حسب زعمهم يرجع إلى اللّه، فتكون النتيجة أنّ للّه سبحانه صورة كصورة الإنسان و قد خلق آدم على غرار صورته.
فلمّا سئل الإمام الرضا عليه السّلام عن هذا الحديث قال:
«قاتلهم اللّه لقد حذفوا أوّل الحديث، إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مرّ برجلين يتسابّان، فسمع أحدهما يقول لصاحبه: «قبّح اللّه وجهك و وجه من يشبهك». فقال له صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
«يا عبد اللّه لا تقل هذا لأخيك! فإنّ اللّه عزّ و جلّ خلق آدم على صورته».(1)
كانت ظاهرة الغلو فاشية في عصر الإمام الصادق عليه السّلام و بعده إلى أن بلغت أوجها في عصر الإمام العسكري عليه السّلام.
و إليك مناظرة دارت بين الإمام الرضا عليه السّلام و أحد السائلين، قال السائل:
بأبي أنت و أمّي يابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم! فإنّ معي من ينتحل موالاتكم و يزعم أنّ هذه كلّها من صفات علي عليه السّلام، و أنّه هو اللّه ربّ العالمين.
قال: فلمّا سمعها الرّضا عليه السّلام، ارتعدت فرائصه و تصبب عرقا و قال: «سبحان اللّه عمّا يقول الظالمون و الكافرون علوّا كبيرا! أو ليس عليّ كان آكلا في الآكلين، و شاربا في الشّاربين، و ناكحا في الناكحين، و محدثا في المحدثين؟ و كان مع ذلك مصلّيا خاضعا، بين يدي اللّه ذليلا، و إليه أوّاها منيبا، أفمن هذه صفته يكون
1) . الاحتجاج: 385/2، المناظرة 292.
إلها؟! فإن كان هذا إلها فليس منكم أحد إلاّ هو إله لمشاركته له في هذه الصفات الدالات على حدوث كلّ موصوف بها».(1)
قدم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة، فأراد أن يقيم عليه الحد فأسلم.
فقال يحيى بن أكثم: قد هدم إيمانه شركه و فعله، و قال بعضهم: يضرب ثلاثة حدود، و قال بعضهم: يفعل به كذا و كذا.
فأمر المتوكّل بالكتاب إلى أبي الحسن العسكري عليه السّلام و سؤاله عن ذلك.
فلمّا قرأ الكتاب كتب عليه السّلام: «يضرب حتّى يموت»، فأنكر يحيى و أنكر فقهاء العسكر ذلك، فقالوا: يا أمير المؤمنين! سله عن ذلك فانّه شيء لم ينطق به كتاب، و لم يجئ به سنّة.
فكتب إليه: إنّ الفقهاء قد أنكروا هذا، و قالوا: لم يجئ به سنّة و لم ينطق به كتاب، فبيّن لنا لم أوجبت عليه الضرب حتّى يموت؟
فكتب: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم فَلَمّٰا رَأَوْا بَأْسَنٰا قٰالُوا آمَنّٰا بِاللّٰهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنٰا بِمٰا كُنّٰا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمٰانُهُمْ لَمّٰا رَأَوْا بَأْسَنٰا الآية.(2)
قال: فأمر به المتوكّل فضرب حتّى مات.(3)
اجتمع ابن أبي العوجاء و أبو شاكر الديصاني الزنديق و عبد الملك البصري و ابن المقفع عند بيت اللّه الحرام، يستهزئون بالحاج و يطعنون على القرآن.
فقال ابن أبي العوجاء: تعالوا ننقض كلّ واحد منّا ربع القرآن و ميعادنا من قابل في هذا الموضع، نجتمع فيه و قد نقضنا القرآن كلّه، فإنّ في نقض القرآن إبطال نبوّة محمّد، و في إبطال نبوته إبطال الإسلام و إثبات ما نحن فيه، فاتّفقوا على ذلك و افترقوا، فلمّا كان من قابل اجتمعوا عند بيت اللّه الحرام، فقال ابن أبي العوجاء:
أمّا أنا فمفكّر منذ افترقنا في هذه الآية: فَلَمَّا اِسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا (1)، فما أقدر أن أضمّ إليها في فصاحتها و جمع معانيها شيئا، فشغلتني هذه الآية عن التفكّر فيما سواها.
فقال عبد الملك: و أنا منذ فارقتكم مفكّر في هذه الآية: يٰا أَيُّهَا اَلنّٰاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبٰاباً وَ لَوِ اِجْتَمَعُوا لَهُ وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ اَلذُّبٰابُ شَيْئاً لاٰ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ اَلطّٰالِبُ وَ اَلْمَطْلُوبُ (2)، و لم أقدر على الإتيان بمثلها.
فقال أبو شاكر: و أنا منذ فارقتكم مفكّر في هذه الآية: لَوْ كٰانَ فِيهِمٰا آلِهَةٌ إِلاَّ اَللّٰهُ لَفَسَدَتٰا (3)، لم أقدر على الإتيان بمثلها.
فقال ابن المقفع: يا قوم! إنّ هذا القرآن ليس من جنس كلام البشر، و أنا منذ
فارقتكم مفكّر في هذه الآية: وَ قِيلَ يٰا أَرْضُ اِبْلَعِي مٰاءَكِ وَ يٰا سَمٰاءُ أَقْلِعِي وَ غِيضَ اَلْمٰاءُ وَ قُضِيَ اَلْأَمْرُ وَ اِسْتَوَتْ عَلَى اَلْجُودِيِّ وَ قِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ اَلظّٰالِمِينَ (1)، لم أبلغ المعرفة بها، و لم أقدر على الإتيان بمثلها.
قال هشام بن الحكم: فبينما هم في ذلك. إذ مرّ بهم جعفر بن محمّد الصادق عليهما السّلام فقال: قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ اَلْإِنْسُ وَ اَلْجِنُّ عَلىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هٰذَا اَلْقُرْآنِ لاٰ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كٰانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (2)، فنظر القوم بعضهم إلى بعض و قالوا: لئن كان للإسلام حقيقة لما انتهت أمر وصية محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلاّ إلى جعفر بن محمّد، و اللّه ما رأيناه قطّ إلاّ هبناه و اقشعرّت جلودنا لهيبته، ثمّ تفرّقوا مقرّين بالعجز.(3)
هذه نماذج من مناظرات أئمّة أهل البيت في مجالات مختلفة، و من أراد التفصيل فليرجع إلى كتاب «الاحتجاج» للعلاّمة الطبرسي و «بحار الأنوار» للعلاّمة المجلسي.
و قد تربى في أحضانهم رجال صاروا أبطال المناظرة، فخرجوا في حلبة الجدال العلمي بوجوه مشرقة، منهم: هشام بن الحكم، مؤمن الطاق، فضال بن حسن بن فضّال، إلى غير ذلك من متكلّمي عصر الأئمّة الذين تقرأ تفاصيل حياتهم في هذه الموسوعة.
هذه مقدّمة متواضعة لعلم الكلام و علل نشوئه و مناهجه و مسائله إلى غير ذلك، قدّمناها إليك أيّها القارئ الكريم لتكون على بصيرة من سير هذا العلم، و تكون تمهيدا لما سيوافيك من حياة روّاد هذا العلم من المتقدّمين و المتأخّرين، الذين بذلوا جهودا جبارة في إرساء قواعد هذا العلم و ردّ الشبهات و التمويهات عن وجه الدين القويم.
و أنا أختم مقدّمتي هذه بما ختم به الشيخ أحمد التلمساني مؤلف «نفح الطيب»، مقدّمة كتابه حتّى يكون ختامه مسك.
و من يتوسّل بالنبيّ محمّد *** شفيع البرايا السيد السند الأسنى
فذاك جدير أن يكفر ذنبه *** و يمنح نيل القصد و الختم بالحسنى
تمّ تحرير هذه المقدّمة، يوم ميلاد النبيّ الأعظم، محمد المصطفى و سبطه الإمام الصادق عليه السّلام السابع عشر من شهر ربيع الأوّل من شهور عام 1424 من الهجرة النبوية.
و الحمد للّه ربّ العالمين
جعفر السبحاني
قم - مؤسسة الإمام الصادق عليه السّلام
1 أبو ذرّ الغفاري (1)(... - 32 ه)
جندب بن جنادة الغفاري، أحد الصحابة الأجلاّء السابقين إلى الإسلام، كان يتألّه في الجاهلية و يوحّد، و لا يعبد الأصنام.
قدم على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو بمكة فأسلم، ثمّ انصرف إلى بلاد قومه، فأقام بها
1) طبقات ابن سعد 354/2، التاريخ الكبير 221/2، المعارف 142، تاريخ اليعقوبي 171/2 - 173 (ط. دار صادر)، رجال الكشي 27 برقم 2 (مؤسسة الأعلمي - كربلاء)، الثقات لابن حبان 55/3، مشاهير علماء الأمصار 30 برقم 28، مستدرك الحاكم 337/3، حلية الأولياء 252/1 برقم 26، رجال الطوسي 13، 36، فهرست الطوسي 45، الاستيعاب 252/1 برقم 339، معالم العلماء 32، صفة الصفوة 584/1، أسد الغابة 187/5، شرح النهج لابن أبي الحديد 252/8، رجال ابن داود 67، رجال العلاّمة الحلي 36، تهذيب الكمال 294/33 برقم 7351، سير أعلام النبلاء 46/2 برقم 10، العبر 24/1، تذكرة الحفاظ 17/1، الوافي بالوفيات 193/11، مرآة الجنان 88/1، البداية و النهاية 171/7، الجواهر المضية 415/2، تهذيب التهذيب 90/12 برقم 401، الإصابة 63/4، النجوم الزاهرة 89/1، شذرات الذهب 39/1، الدرجات الرفيعة 225، تنقيح المقال 234/1 برقم 1967، تأسيس الشيعة 281، أعيان الشيعة 225/4، الغدير 292/8، الأعلام 140/2، معجم رجال الحديث 164/4 برقم 2385، موسوعة طبقات الفقهاء 64/1 برقم 12.
حتّى قدم على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم المدينة، فلازمه، و جاهد معه، و حمل راية غفار يوم حنين.
قال أبو نعيم الأصبهاني:... رابع الإسلام، و رافض الأزلام قبل نزول الشرع و الأحكام... أوّل من تكلّم في علم البقاء، و ثبت على المشقّة و العناء، و حفظ العهود و الوصايا، و صبر على المحن و الرزايا. ثمّ قال: كان للرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ملازما و جليسا، و على ملازمته و الاقتباس منه حريصا... سأله عن الأصول و الفروع...
و سأله عن كلّ شيء حتّى عن مسّ الحصا في الصلاة.(1)
و قال ابن عبد البرّ: كان من أوعية العلم المبرّزين في الزهد و الورع و القول بالحقّ، سئل علي رضي اللّه عنه عن أبي ذر؟ فقال: ذلك رجل وعى علما عجز عنه الناس ثمّ أوكأ عليه، و لم يخرج شيئا منه.(2)
و قد عرف أبو ذر بالصدق و الجرأة و الصراحة، و الدعوة إلى الوقوف عند حدود الشريعة، و إلى إصلاح المجتمع و تطهيره من الزيغ و الانحراف و التلاعب بالأحكام و الأموال.
و كان يخطب الناس في عهد عثمان بن عفان، فينبّههم على ما شاع من المنكرات، و ينعى عليهم الابتعاد عن العترة الطاهرة، و إقصاء أمير المؤمنين عليه السّلام عن ولاية الأمر، و كان يعتقد أنّه عليه السّلام أولى الناس بالإمامة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم(3)و يقول: أيّتها الأمّة المتحيّرة بعد نبيّها! أما لو قدّمتم من قدّم اللّه، و أخّرتم من أخّر اللّه، و أقررتم الولاية و الوراثة في أهل بيت نبيّكم لأكلتم من فوق رؤوسكم و من
تحت أقدامكم، و لما عال وليّ اللّه، و لا طاش سهم من فرائض اللّه، و لا اختلف اثنان في حكم اللّه، إلاّ وجدتم علم ذلك عندهم من كتاب اللّه و سنّة نبيّه...(1)
و ضاق به عثمان، فسيّره إلى الشام إلى معاوية، و هناك واصل جهاده في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و تحريض الفقراء، و التنديد بالمترفين و طواغيت بني أمية الذين (اتّخذوا بلاد اللّه دولا، و عباد اللّه خولا).
و كان ينكر على معاوية مزاعمة بأنّ ما يجري على يديه إنّما هو من قضاء اللّه، فقد ذكر أنّ معاوية قال في بعض خطبه: أنا خازن من خزّان اللّه، أعطي من أعطاه اللّه، و أمنع من منعه اللّه، فقام أبو ذر الغفاري، و قال: كذبت يا معاوية! إنّك لتعطي من منعه اللّه، و تمنع من أعطاه اللّه.
و لمّا شعر معاوية بالخطر، و أنّه بدأ يستهوي قلوب الرجال، شكاه إلى عثمان، فاستقدمه إلى المدينة، ثمّ نفاه إلى الرّبذة، فتوفّي فيها سنة اثنتين و ثلاثين، و شهد دفنه عبد اللّه بن مسعود، صادفه و هو مقبل من الكوفة في رهط من أهل العراق عمّارا، و استهلّ ابن مسعود يبكي و يقول: صدق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: تمشي وحدك، و تموت وحدك، و تبعث وحدك.(2)
روي عن أبي رافع أنّه قال: أتيت أبا ذر بالربذة أودّعه، فلما أردت الانصراف، قال لي و لأناس معي: ستكون فتنة، فاتقوا اللّه، و عليكم بالشيخ علي بن أبي طالب، فاتّبعوه.(3)
2 حجر بن عدي (1)(... - 51 ه)
ابن جبلة بن عدي بن ربيعة الكندي، الكوفي، المعروف بحجر الخير و بحجر بن الأدبر.
كان من خيار الصحابة، قائدا، شجاعا، مجاهدا، ثائرا، خالص الولاء لأمير المؤمنين عليه السّلام.
وفد على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هو و أخوه هانئ، و شهد القادسية.
و صحب الإمام عليّا عليه السّلام، و أخلص له غاية الإخلاص، و شهد معه الجمل
1) طبقات ابن سعد 217/6، طبقات خليفة 246 برقم 1042، التاريخ الكبير 72/3، تاريخ اليعقوبي 230/2، رجال الكشي 94 برقم 40 (مؤسسة الأعلمي - كربلاء)، مروج الذهب 188/3 برقم 1773، أخبار شعراء الشيعة للمرزباني 48 برقم 9، رجال الطوسي 38 برقم 6 و 67 برقم 4، الاستيعاب 329/1 برقم 487 (ط. نهضة مصر)، تاريخ مدينة دمشق 207/12 برقم 1221، الكامل لابن الأثير 377/3، 472، 478، 483، أسد الغابة 385/1، سير أعلام النبلاء 462/3 برقم 95، العبر 40/1، مرآة الجنان 125/1، البداية و النهاية 51/8 (سنة 51)، الإصابة 313/1 برقم 1629، نقد الرجال 83، شذرات الذهب 57/1، الدرجات الرفيعة 423، منتهى المقال 337/2 برقم 675، تهذيب تاريخ دمشق 87/4، أعيان الشيعة 569/4-586، الأعلام 169/2، معجم رجال الحديث 237/4 برقم 2607، قاموس الرجال 81/3، رسائل و مقالات للسبحاني 304.
و صفّين و النهروان، و كان أحد القادة في هذه الوقائع، و ذا كلمة نافذة في قومه.
تولّى عليّا عليه السّلام و آزره بسيفه و لسانه، و له شعر ينمّ عن عمق اعتقاده بولايته عليه السّلام و وصايته بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
قال، و هو يرتجز في المعركة:
يا ربّنا سلّم لنا عليّا *** سلّم لنا المبارك المرضيّا
المؤمن الموحّد التقيّا *** لا خطل الرأي و لا غويّا
بل هاديا موفقا مهديا *** و احفظه ربّي و احفظ النبيّا
فيه فقد كان له وليّا *** ثمّ ارتضاه بعده وصيّا
و قال، و هو يبذل الطاعة و النصر لإمام زمانه في معركة صفين:
يا أمير المؤمنين، نحن بنو الحرب و أهلها الذين نلقحها و ننتجها قد ضارستنا، و لنا أعوان ذوو صلاح و عشيرة ذات عدد و رأي مجرّب و بأس محمود، و أزمّتنا منقادة لك بالسمع و الطاعة، فإن شرّقت شرّقنا، و إن غرّبت غرّبنا، و ما أمرتنا به من أمر فعلناه.
و استمرّ حجر - بعد تسلّط الأمويين على الحكم - في الذبّ عن حياض العقيدة و نهج عليّ عليه السّلام و مدرسته، و وقف عمره في مناصرة الحقّ و معارضة الظلم.
و كان المغيرة بن شعبة - والي الكوفة - لا يدع ما وصاه به معاوية من شتم علي و الوقوع فيه، فيقوم حجر فيقول: بل إيّاكم قد ذم اللّه و لعن، إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّٰامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدٰاءَ لِلّٰهِ وَ لَوْ عَلىٰ
أَنْفُسِكُمْ (1)و إنّي أشهد أنّ من تذمّون أحقّ بالفضل ممّن تطرون، و من تزكّون أحقّ بالذمّ ممّن تعيبون.
و واصل حجر - في عهد زياد بن أبيه - مسيرته و جهاده في سبيل المبادئ، فبعث به زياد إلى الشام، فلمّا أشرف على مرج عذراء (من قرى دمشق)، قال: إنّي لأوّل مسلم كبّر في نواحيها.(2)
ثمّ قال (كما في الاستيعاب) لمن حضر من أهله: لا تطلقوا عني حديدا و لا تغسلوا عنّي دما، فإنّي ملاق معاوية بالجادة، و إني مخاصم.
ثمّ أمر معاوية بقتله، فقتل في مرج عذراء مع أصحاب له، و ذلك في سنة إحدى و خمسين. و كان رسول معاوية قد عرض عليهم البراءة من علي عليه السّلام، فإن فعلوا خلّى سبيلهم، و لكنّهم أبوا، و قالوا: بل نتولاّه و نتبرّأ ممّن تبرّأ منه.
قال الإمام الحسين عليه السّلام فيما كتبه إلى معاوية جوابا... ألست القاتل حجر ابن عدي أخا كندة و أصحابه الصالحين المصلّين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم و يستعظمون المنكر و البدع و لا يخافون في اللّه لومة لائم، ثمّ قتلتهم ظلما و عدوانا من بعد ما كنت أعطيتهم الأيمان المغلّظة و المواثيق المؤكّدة لا تأخذهم بحدث كان بينك و بينهم و لا بإحنة تجدها في نفسك عليهم.
3 خالد بن سعيد (1)(... - 14 ه)
ابن العاص بن أمية بن عبد شمس، الصحابي الجليل، أبو سعيد القرشي الأموي، المكي.
أسلم في الأيام الأولى لبزوغ نور الإسلام.(2)
و تعرّض للأذى و الاضطهاد من قبل أبيه المعروف بأبي أحيحة (و كان من خصوم الإسلام الإشدّاء)، فما وهن لما أصابه في سبيل اللّه و ما استكان.
ثمّ هاجر إلى الحبشة، فأقام بضع عشرة سنة.
1) طبقات ابن سعد 94/4، طبقات خليفة 40 برقم 55 و 548 برقم 2813، تاريخ خليفة 61، 80، تاريخ اليعقوبي 124/2، 126، 133 (ط. دار صادر)، الاستيعاب 420/2 برقم 599 (ط. نهضة مصر)، الاحتجاج للطبرسي 190/1 (انتشارات أسوة)، تاريخ مدينة دمشق 67/16 برقم 1880، الكامل لابن الأثير 60/2، 313، 402، 405، 406، أسد الغابة 82/2، مختصر تاريخ دمشق 344/7 برقم 323، سير أعلام النبلاء 259/1 برقم 48، البداية و النهاية 33/7، الإصابة 406/1 برقم 2167، شذرات الذهب 30/1، منتهى المقال 166/3 برقم 1051، الدرجات الرفيعة 392، تهذيب تاريخ دمشق 48/5، تأسيس الشيعة 353، أعيان الشيعة 288/6، الأعلام 296/2، معجم رجال الحديث 26/7 برقم 4188، قاموس الرجال 476/3.
2) . أسلم بعد أبي بكر، و قيل معه، و في رواية للحاكم في المستدرك: أنّه أسلم قبل أبي بكر.
و قدم مع جعفر (الطيار) بن أبي طالب على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بخيبر (سنة 7 ه)، و شهد مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الفتح و حنينا و الطائف و تبوك.
ثمّ بعثه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عاملا على اليمن، فلم يزل عليها إلى أن توفّي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فتخلّى عن عمله، و أتى المدينة.
و كان عالي الهمّة، رابط الجأش، من مشاهير المتكلّمين من الشيعة.
احتجّ على أبي بكر، و أنكر عليه قيامه بالأمر(1)، و أبي أن يبايعه، و قال: لا أبايع إلاّ عليا. و كان من المتمسكين بولاء علي عليه السّلام، الذابّين عن حقّه في ولاية الأمر.
قال ابن الأثير في «أسد الغابة»: تأخّر خالد و أخوه أبان عن بيعة أبي بكر، فقال لبني هاشم: إنّكم لطوال الشجر، طيّبو الثمر، و نحن تبع لكم، فلما بايع بنو هاشم أبا بكر بايع خالد و أبان.(2)
و قال اليعقوبي: كان خالد بن سعيد غائبا، فقدم فأتى عليا، فقال: هلمّ أبايعك، فو اللّه ما في الناس أحد أولى بمقام محمّد منك.(3)
و لما بعث أبو بكر الجنود لقتال الروم، دفع لخالد أحد الألوية، فعارضه عمر، و قال: أتؤمّره و قد صنع ما صنع و قال ما قال، فعزله قبل أن يسير و أمّر يزيد بن أبي
1) . ذكر البرقي في آخر رجاله أنّه من الاثني عشر الذين أنكروا على أبي بكر، و كان أوّل من تكلّم يوم الجمعة. معجم رجال الحديث.
2) . و في كتاب «السقيفة» لأبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري أنّه قال: أنتم الظهر و البطن و الشعار دون الدثار، و العصا دون اللّحا، فإذا رضيتم رضينا، و إذا سخطتم سخطنا... إنّكم لطوال الشجر. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد.
3) . تاريخ اليعقوبي 126/2.
سفيان، فسار خالد في ذلك الجيش تحت راية شرحبيل بن حسنة، فشهد فتح أجنادين (قرب الرملة بفلسطين) سنة (13 ه)، ثمّ شهد وقعة مرج الصّفّر (قرب دمشق) سنة (14 ه)، فقتل فيها. و قيل: قتل يوم أجنادين.
4 زيد بن صوحان (1)(... - 36 ه)
ابن حجر بن الحارث العبدي، نزيل الكوفة، أخو صعصعة بن صوحان.
كان خطيبا، مجاهدا، صوّاما، قوّاما، من سادة التابعين(2)القائلين بتفضيل علي عليه السّلام على الناس، المتفانين في ولائه.
1) طبقات ابن سعد 123/6، التاريخ الكبير 397/3، رجال البرقي 5، المعارف 176، تاريخ الطبري 361/3، 367، 493، 525، رجال الكشي 63 برقم 18 (مؤسسة الأعلمي - كربلاء)، الاختصاص للمفيد 79، مروج الذهب 80/2، رجال الطوسي 41 برقم 2، تاريخ بغداد 439/8 برقم 4549، الاستيعاب 555/2 برقم 852 (ط. نهضة مصر)، تاريخ مدينة دمشق 429/19 برقم 2339، أسد الغابة 233/2، الكامل لابن الأثير 144/3، 216، 228، 229، 232، 245، سير اعلام النبلاء 525/3 برقم 133، الوافي بالوفيات 32/15 برقم 35، مرآة الجنان 99/1، شذرات الذهب 44/1، جامع الرواة 342/1، منتهى المقال 289/3 برقم 1223، أعيان الشيعة 101/7، الغدير 41/9-43، الأعلام 59/3، معجم رجال الحديث 342/7 برقم 4860، قاموس الرجال 255/4، رسائل و مقالات للسبحاني 306، موسوعة الإمام علي 133/12 برقم 40.
2) . و قيل: له وفادة على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. انظر الوافي بالوفيات.
أسلم في حياة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
و شهد وقائع الفتح، فقطعت شماله يوم جلولاء.
و سكن الكوفة، و قدم المدائن، فكان يؤمّ الناس و يخطبهم بأمر سلمان - أمير المدائن -.
و نفاه عثمان (فيمن نفى من أهل الكوفة) إلى الشام سنة (33 ه)، لمناهضته و معارضته الصريحة للاستبداد و الظلم و التلاعب بالأحكام.
ثمّ حمل راية الجهاد أميرا على عبد القيس في معركة الجمل، فاستشهد فيها سنة ست و ثلاثين.
و كانت عائشة قد كتبت إليه: من عائشة أمّ المؤمنين حبيبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى ابنها الخالص زيد بن صوحان، أمّا بعد، فإذا أتاك كتابي هذا فاقدم فانصرنا، فإن لم تفعل فخذّل الناس عن عليّ.
فكتب إليها: أمّا بعد، فأنا ابنك الخالص لئن اعتزلت و رجعت إلى بيتك، و إلاّ فأنا أوّل من نابذك.
ثمّ قال: رحم اللّه أمّ المؤمنين، أمرت أن تلزم بيتها و أمرنا أن نقاتل، فتركت ما أمرت به و أمرتنا به، و صنعت ما أمرنا به و نهتنا عنه.(1)
و كان أبو موسى الأشعري - والي الكوفة - يخذّل الناس عن علي عليه السّلام، فقام زيد فشال يده المقطوعة، فقال: يا عبد اللّه بن قيس، ردّ الفرات على أدراجه، اردده من حيث يجيء حتّى يعود كما بدأ، فإن قدرت على ذلك، فستقدر على ما تريد، فدع عنك ما لست مدركه! سيروا إلى أمير المؤمنين و سيد المسلمين، انفروا إليه
1) . الكامل في التاريخ 216/3.
أجمعين تصيبوا الحقّ.(1)
و لما صرع زيد يوم الجمل، جاء أمير المؤمنين عليه السّلام حتّى جلس عند رأسه، فقال: رحمك اللّه يا زيد قد كنت خفيف المؤونة عظيم المعونة، فرفع زيد رأسه إليه، ثمّ قال: و أنت فجزاك اللّه خيرا يا أمير المؤمنين، فو اللّه ما علمتك إلاّ باللّه عليما و في أمّ الكتاب عليا حكيما، و إنّ اللّه في صدرك لعظيم، و اللّه ما قاتلت معك على جهالة، و لكنّي سمعت أمّ سلمة زوج النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تقول: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:
«من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهم وال من والاه، و عاد من عاداه، و انصر من نصره، و اخذل من خذله». فكرهت و اللّه أن أخذلك، فيخذلني اللّه.(2)
و ذكر المسعودي أنّ معاوية قال لعقيل بن أبي طالب: ميّز لي أصحاب علي و ابدأ بآل صوحان، فإنّهم مخاريق الكلام، فوصف له صعصعة، ثمّ قال: و أمّا زيد و عبد اللّه، فإنّهما نهران جاريان يصبّ فيهما الخلجان، و يغاث بهما اللهفان، رجلا جدّ لا لعب معه.(3)
5 سلمان الفارسي (1)(... - 34 ه)
سلمان الفارسي، أبو عبد اللّه، و يعرف بسلمان الخير، و كان يقول: أنا سلمان ابن الإسلام.
هجر بلدته (رامهرمز، و قيل أصفهان)، و جاب البلاد في سبيل الوقوف على أصول الدين الذي يمكن الركون إليه، و قرأ كتب الفرس و الروم و اليهود.
1) طبقات ابن سعد 319/7، تاريخ خليفة 143، طبقات خليفة 33 برقم 22، المحبّر 75، التاريخ الكبير 135/4، المعارف 154، تاريخ اليعقوبي 50/2، 124، الكنى و الأسماء للدولابي 78، 861، الجرح و التعديل 296/4، رجال الكشي 12 برقم 1 (مؤسسة الأعلمي - كربلاء)، ثقات ابن حبان 157/3، مشاهير علماء الأمصار 76 برقم 274، المعجم الكبير للطبراني 212/6، مستدرك الحاكم 598/3، ذكر أخبار أصبهان 48/1، فهرست الطوسي 80، رجال الطوسي 20، 43، تاريخ بغداد 163/1 برقم 12، الاستيعاب 634/2 برقم 1014 (ط. نهضة مصر)، معالم العلماء 57، الاحتجاج للطبرسي 192/1 (انتشارات أسوة)، أسد الغابة 328/2، الكامل لابن الأثير 138/3، 481، تهذيب الأسماء و اللغات 226/1، رجال ابن داود 105، رجال العلامة الحلي 84، تهذيب الكمال 245/11، سير أعلام النبلاء 505/1 برقم 91، تاريخ الإسلام (عهد الخلفاء) 510، الوافي بالوفيات 309/15، مرآة الجنان 100/1، الإصابة 60/2، تهذيب التهذيب 137/4، شذرات الذهب 44/1، الدرجات الرفيعة 198، أعيان الشيعة 279/7، الأعلام 111/3، الغدير 44/1، 126/11، معجم رجال الحديث 186/8 برقم 5338، موسوعة طبقات الفقهاء 117/1 برقم 34.
ثمّ سمع بأنّ نبيّا سيبعث، فقصد بلاد العرب، فلقيه ركب من بني كلب، فاستخدموه ثمّ استعبدوه و باعوه حتّى وقع إلى المدينة، فسمع بخبر الإسلام، فقصد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و أظهر إسلامه، و أصبح من أجلاّء الصحابة الملازمين له صلّى اللّه عليه و آله و سلّم العاكفين على الانتهال من علومه.
و كان عالما بالشرائع و غيرها، صحيح الرأي، من الزهّاد المتقشّفين.
شهد الخندق، و هو الذي أشار بحفره، فاختلف عليه المهاجرون و الأنصار، كلاهما يقول: سلمان منّا، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: سلمان منّا أهل البيت.(1)
هيهات لا قرّبت قربى و لا رحم يوما إذا أقصت الأخلاق و الشّيم
كانت مودّة سلمان لهم رحما و لم يكن بين نوح و ابنه رحم
و سئل عنه علي عليه السّلام، فقال: امرؤ منّا و إلينا أهل البيت، من لكم بمثل لقمان الحكيم، علم العلم الأوّل و العلم الآخر، و قرأ الكتاب الأوّل و الكتاب الآخر، و كان بحرا لا ينزف.
و كان من شيعة علي عليه السّلام و خاصّته، شديد التحقّق بولائه، و قد انحاز إليه في أحداث السقيفة و بعدها، و امتنع عن بيعة أبي بكر(2)، ثمّ حضر بين يديه محتجّا، و داعيا إيّاه إلى تسليم الأمر إلى من هو أحقّ به منه، قائلا:... ما عذرك في التقدّم على من هو أعلم منك و أقرب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أعلم بتأويل كتاب اللّه عزّ و جلّ و سنّة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و من قدّمه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في حياته و أوصاكم به عند وفاته...
و قال من خطبة له:... ألا إنّ لكم منايا تتبعها بلايا، فإنّ عند علي علم المنايا و علم الوصايا و فصل الخطاب، على منهاج هارون بن عمران، قال له رسول
اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أنت وصيي و خليفتي في أهلي بمنزلة هارون من موسى... ثمّ قال: أما و اللّه لو وليتموها عليّا لأكلتم من فوقكم و من تحت أرجلكم... أنزلوا آل محمد منكم منزلة الرأس من الجسد بل منزلة العينين من الرأس.
و لما هاجمت الجيوش الإسلامية المدائن (سنة 16 ه)، كان سلمان الفارسي - كما يقول ابن الأثير - رائد المسلمين و داعيتهم(1)، دعا أهل بهرسير (المدائن الغربية) ثلاثا، و أهل القصر الأبيض ثلاثا، و كان يقول لهم:
إنّما كنت رجلا منكم، فهداني اللّه للإسلام، فإن أسلمتم فلكم ما لنا و عليكم ما علينا، و إن أنتم أبيتم، فأدّوا الجزية و أنتم صاغرون، فإن أبيتم، نابذناكم على سواء، إنّ اللّه لا يحبّ الخائنين.
ثمّ عيّن واليا على المدائن، فأقام بها إلى أن توفّي سنة أربع و ثلاثين.(2)
6 صعصعة بن صوحان (1)(... - 56 ه)
ابن حجر بن الحارث العبدي، نزيل الكوفة.
كان خطيبا مفوّها، بليغا، قويّ النفس، من كبار أصحاب الإمام علي عليه السّلام.
ولد في دارين (قرب القطيف).
و أسلم في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و لم يره.
و روى عن: علي عليه السّلام، و ابن عباس.
عدّه السيد حسن الصدر من مشاهير المتكلّمين من الشيعة.
و عرف بحضور الجواب، و قوة البيان، و الجرأة في الرأي، و امتلاك ناصية
1) طبقات ابن سعد 221/6، تاريخ اليعقوبي 179/2، تاريخ الطبري 361/3، 362، 365، 366، 525، رجال الكشي 64 برقم 19 (مؤسسة الأعلمي - كربلاء)، رجال النجاشي 448/1 برقم 540، رجال الطوسي 45 برقم 1، الاستيعاب 717/2 برقم 1211، أسد الغابة 20/3، الكامل لابن الأثير 138/3، 139، 140، 142، 144، 284، 427، 429، 430، سير أعلام النبلاء 528/3 برقم 134، تاريخ الإسلام (سنة 41-60 ه) 240، الوافي بالوفيات 309/16 برقم 337، منتهى المقال 27/4 برقم 1479، تهذيب تاريخ دمشق 425/6، تأسيس الشيعة 355، أعيان الشيعة 387/7، الأعلام 205/3، معجم رجال الحديث 104/9 برقم 5913، قاموس الرجال 119/5.
الحجاج.
سكن الكوفة.
و أنكر على عثمان سياسته المجانبة لروح الإسلام، و نقم عليه اختصاصه أقاربه بالمناصب و استئثارهم بالقرار و الأموال، فأمر واليه على الكوفة (سعيد بن العاص) بإبعاده (مع عدد من رجالات الكوفة) إلى الشام، و ذلك في سنة (33 ه)، و هناك واجه معاوية (أمير الشام) بقوارع كلمه و صراحته المعهودة، فأمر عثمان بردّهم إلى الكوفة.
ثمّ لزم الإمام عليّا عليه السّلام، و شهد معه وقعة الجمل، و أبلى فيها بلاء حسنا، حيث أخذ الراية بعد استشهاد أخويه سيحان و زيد، و خاض غمرات الجهاد حتى ارتثّ.
و شهد أيضا حرب صفّين أميرا على كردوس، و وقعة النهروان.
و نفاه المغيرة بن شعبة (والي الكوفة من قبل معاوية) إلى جزيرة أوال (بالبحرين)، فمات فيها سنة ست و خمسين. و قيل: مات بالكوفة.(1)
و كان شديد الولاء لأهل البيت عليهم السّلام، متمسّكا بنهجهم، و له في الذبّ عن مقامهم و حقّهم في الإمامة و قيادة الأمة احتجاجات معروفة و مواقف مشهودة، و إليك بعضها:
قال ابن عساكر: و قال الشعبي: خطب الناس معاوية، فقال: لو أنّ أبا
1) . ذكر ابن الأثير أنّ المغيرة دعا صعصعة، و قال له: إيّاك أن يبلغني عنك أنّك تعيب عثمان، و إيّاك أن يبلغني أنّك تظهر شيئا من فضل عليّ، فأنا أعلم بذلك منك... فإن كنت ذاكرا فضله فاذكره بينك و بين أصحابك في منازلكم سرّا، و أمّا علانية في المسجد فإنّ هذا لا يحتمله الخليفة لنا. فكان يقول له: نعم، ثمّ يبلغه عنه أنّه فعل ذلك، فحقد عليه المغيرة. الكامل في التاريخ 430/3.
سفيان ولد الناس كلّهم كانوا أكياسا، فقام إليه صعصعة، فقال له: قد ولد الناس كلّهم من هو خير من أبي سفيان آدم عليه السّلام، فمنهم الأحمق و الكيّس... فقال معاوية:
إنّ أرضنا مقدّسة، فقال له صعصعة: إنّ الأرض لا يقدّسها شيء و لا ينجّسها، إنّما تقدّسها الأعمال، فقال معاوية: عباد اللّه اتّخذوا اللّه وليّا و اتخذوا خلفاءه جنّة تحترزوا بها، فقال صعصعة: كيف و كيف؟ و قد عطّلت السنّة، و أخفرت الذمة، فصارت عشواء مطلخمة، في دهياء مدلهمة، قد استوعبتها الأحداث، و تمكّنت منها الانكاث، فقال له معاوية: يا صعصعة لأن تقعي على ظلعك خير لك من استبراء رأيك، و إبداء ضعفك، تعرض بالحسن بن عليّ عليّ، و لقد هممت أن أبعث إليه، فقال له صعصعة: إي و اللّه وجدتهم أكرمكم جدودا، و أحياكم حدودا، و أوفاكم عهودا، و لو بعثت إليه فلوجدته في الرأي أريبا، و في الأمر صليبا، و في الكرم نجيبا، يلذعك بحرارة لسانه، و يقرعك بما لا تستطيع إنكاره...
و ذكر ابن الأثير (في حوادث سنة 43 ه) أنّ صعصعة علم بمنزل بعض الخوارج في دار سليم بن محدوج العبدي (و هو من أبناء عشيرته عبد القيس) فقام فيهم خطيبا، فقال:
أيّها الناس، إنّ اللّه و له الحمد، لما قسّم الفضل خصّكم بأحسن القسم، فأجبتم إلى دين اللّه... و لم يزل اللّه يزيدكم بذلك خيرا حتّى اختلفت الأمّة بينها، فقالت طائفة: نريد طلحة و الزبير و عائشة، و قالت طائفة: نريد أهل المغرب، و قالت طائفة: نريد عبد اللّه بن وهب الراسبي، و قلتم أنتم: لا نريد إلاّ أهل نبيّنا الذين ابتدأنا اللّه عزّ و جلّ من قبلهم بالكرامة، تسديدا من اللّه عزّ و جلّ لكم و توفيقا، فلم تزالوا على الحقّ لازمين له آخذين به...
7 ابن عباس (1)(3 ق ه - 68 ه)
عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم، الصحابي الجليل، أبو العباس القرشي الهاشمي، ابن عمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، المعروف بحبر الأمّة.
كان فقيها محدّثا مفسّرا، مناظرا قديرا، لسنا، من تلامذة أمير المؤمنين عليه السّلام، و أمراء جيشه، المخلصين في ولائه.
1) طبقات ابن سعد 365/2، التاريخ الكبير 2/5، رجال البرقي 2، المعارف 73، المعرفة و التاريخ 217/1، تاريخ اليعقوبي 158/2، 161، 190، 191، 192، الجرح و التعديل 116/5، الثقات لابن حبان 248/3، مشاهير علماء الأمصار 28 برقم 17، المعجم الكبير للطبراني 232/10، مستدرك الحاكم 533/3، حلية الأولياء 314/1، رجال الطوسي 22 برقم 6، تاريخ بغداد 173/1، الاستيعاب 933/3 برقم 1588، صفة الصفوة 314/1، أسد الغابة 192/3، تهذيب الأسماء و اللغات 274/1، رجال ابن داود 121 برقم 880، رجال العلاّمة الحلي 103، تهذيب الكمال 154/15 برقم 3358، سير أعلام النبلاء 331/3 برقم 51، العبر 56/1، تذكرة الحفاظ 40/1، الوافي بالوفيات 231/17، نكت الهميان 180، مرآة الجنان 143/1، البداية و النهاية 298/8، الجواهر المضية 415/2، تهذيب التهذيب 276/5، الاصابة 322/2-326، مجمع الرجال 24/4، شذرات الذهب 25/1، جامع الرواة 494/1، الدرجات الرفيعة 103، تنقيح المقال 191/2 برقم 6921، أعيان الشيعة 55/8، الأعلام 95/4، معجم رجال الحديث 229/10 برقم 6943، قاموس الرجال 3/6، رسائل و مقالات للسبحاني 304، موسوعة طبقات الفقهاء 164/1 برقم 51.
ولد بمكّة قبل الهجرة بثلاث سنين.
و نشأ في بدء عصر النبوة، فلازم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
و قرّبه عمر في أيام خلافته، و شاوره مع كبار الصحابة، و جرى بينهما أكثر من حوار في مسألة حقّ علي عليه السّلام في الخلافة.
و لما آلت الخلافة إلى علي عليه السّلام آزره ابن عباس، و ذبّ عن قضية الإمامة و الولاية، بلسانه و سنانه، حيث شهد وقائع الجمل و صفين و النهروان، و ولي البصرة، و مثّل الإمام عليّا عليه السّلام في العديد من المواقف، فأظهر مقدرة فائقة في المناظرة و الحوار و الاحتجاج، و أصبح في طليعة الرجال الذين يعتمدهم أمير المؤمنين عليه السّلام و ينتد بهم لمهام الأمور.
ثمّ سكن ابن عباس مكّة المكرّمة، فلمّا دعا ابن الزبير إلى نفسه، أبى أن يبايعه، فنفاه إلى الطائف، فتوفّي بها سنة ثمان و ستين.
و لابن عباس خطب و مناظرات و احتجاجات و أشعار، أبان فيها عن وعي عميق، و فطنة شديدة، و ولاء ثابت لعلي عليه السّلام، و اعتقاد راسخ بحقّه و حقّ أبنائه عليهم السّلام في ولاية الأمر، و كان يقول: الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول اللّه و بين أن يكتب لهم ذلك الكتاب.
روى الزبير بن بكار في «الموفقيات» عن عبد اللّه بن عباس، قال: إنّي لأماشي عمر بن الخطاب في سكّة من سكك المدينة، إذ قال لي: يا ابن عباس، ما أرى صاحبك إلاّ مظلوما، فقلت في نفسي: و اللّه لا يسبقني بها، فقلت: يا أمير المؤمنين، فاردد إليه ظلامته، فانتزع يده من يدي، و مضى يهمهم ساعة، ثمّ وقف فلحقته، فقال: يا ابن عباس، ما أظنّهم منعهم عنه إلاّ أنّه استصغره قومه! فقلت في نفسي: هذه شرّ من الأولى، فقلت: و اللّه ما استصغره اللّه و رسوله حين أمراه أن
يأخذ براءة من صاحبك. فأعرض عنّي و أسرع، فرجعت عنه.(1)
و قال ابن عباس: كنت عند عمر، فتنفّس نفسا ظننت أنّ أضلاعه قد انفرجت، فقلت: ما أخرج هذا النفس منك يا أمير المؤمنين إلاّ همّ شديد! قال:
إي و اللّه يا ابن عباس! إنّي فكّرت فلم أدر فيمن أجعل هذا الأمر بعدي! ثمّ قال:
لعلّك ترى صاحبك لها أهلا! قلت: و ما يمنعه من ذلك مع جهاده و سابقته و قرابته و علمه! قال: صدقت...(2)
و روى عبد اللّه بن عمر قال: كنت عند أبي يوما... فقال: يا ابن عباس، أتدري ما منع الناس منكم؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، قال: لكني أدري، قال: ما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوة و الخلافة، فيجخفوا جخفا(3)، فنظرت قريش لنفسها فاختارت و وفقت فأصابت.
فقال ابن عباس: أيميط أمير المؤمنين عني غضبه فيسمع! قال: قل ما تشاء، قال: أما قول أمير المؤمنين: إنّ قريشا كرهت، فإنّ اللّه تعالى قال لقوم:
ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مٰا أَنْزَلَ اَللّٰهُ فَأَحْبَطَ أَعْمٰالَهُمْ .
و أمّا قولك...
و أمّا قولك: (فإن قريشا اختارت)، فإنّ اللّه تعالى يقول: وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ مٰا يَشٰاءُ وَ يَخْتٰارُ مٰا كٰانَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ ، و قد علمت يا أمير المؤمنين أنّ اللّه اختار من خلقه لذلك من اختار، فلو نظرت قريش من حيث نظر اللّه لها لوفّقت و أصابت قريش...(4)
و قال ابن عباس من خطبة له: أيّها الناس استعدوا للشخوص إلى إمامكم
و انفروا خفافا و ثقالا و جاهدوا بأموالكم و أنفسكم فإنّكم تقاتلون المحلّين القاسطين الذين لا يقرأون الكتاب و لا يعرفون حكم الكتاب و لا يدينون دين الحقّ، مع أمير المؤمنين و ابن عمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الآمر بالمعروف و الناهي عن المنكر و الصادع بالحق و المقيم بالهدى و الحاكم بحكم الكتاب الذي لا يرتشي في الحكم و لا يداهن الفجار و لا تأخذه في اللّه لومة لائم...
و لما خرج الحسين عليه السّلام إلى الكوفة اجتمع ابن عباس و عبد اللّه بن الزبير بمكة، فضرب ابن عباس جنب ابن الزبير، و تمثّل:
يا لك من قبّرة بمعمر *** خلا لك الجوّ فبيضي و اصفري
و نقّري ما شئت أن تنقّري
خلا لك و اللّه يا ابن الزبير الحجاز، فقال ابن الزبير: و اللّه ما ترون إلاّ أنّكم أحقّ بهذا الأمر من سائر الناس، فقال له ابن عباس:
إنّما يرى من كان في شكّ، فأمّا نحن من ذلك فعلى يقين.(1)
و من شعر ابن عباس في أمير المؤمنين عليه السّلام:
وصيّ رسول اللّه من دون أهله *** و فارسه إن قيل هل من منازل
فدونكه إن كنت تبغي مهاجرا *** أشمّ كنصل السيف عير حلاحل(2)
و لما حضرت ابن عباس الوفاة، قال:
اللّهم إنّي أتقرّب إليك بولاية عليّ بن أبي طالب.(3)
8 عديّ بن حاتم (1)(... - 67 ه)
ابن عبد اللّه بن سعد بن الحشرج الطائي، المكنّى أبا طريف، أحد أجلاّء الصحابة.
وفد على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فأكرمه، و نزع و سادة كانت تحته فألقاها له حتّى جلس عليها، فسأل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن أشياء، فأجابه عنها، فأسلم و حسن إسلامه.
و بعثه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سنة عشر على صدقات طي و أسد.
و شهد فتوح العراق و الشام و بلاد فارس آمرا على بعض الكتائب.
1) المصنف لعبد الرزاق 8458، 8502، 8530، 8531، 8621، وقعة صفين 100، 117، 137، 143، 197، 205، 359، و غير ذلك، طبقات ابن سعد 22/6، تاريخ خليفة 57، 62، 146، 203، طبقات خليفة 127 برقم 463 و 225 برقم 904، التاريخ الكبير 43/7 برقم 189، المعارف 177، المعرفة و التاريخ 429/2، الجرح و التعديل 2/7 برقم 1، الثقات لابن حبان 316/3، أخبار شعراء الشيعة للمرزباني 46 برقم 8، حلية الأولياء 124/4، تاريخ بغداد 189/1 برقم 29، الاستيعاب 1057/3 برقم 1781 (ط. نهضة مصر)، الكامل لابن الأثير 631/1، 285/2، 286، 301، 345، 347، و غير ذلك، تهذيب الأسماء و اللغات 327/1، تهذيب الكمال 524/19 برقم 3884، سير أعلام النبلاء 162/3 برقم 26، العبر 55/1، تهذيب التهذيب 166/7 برقم 330، الاصابة 460/2 برقم 5477، أعيان الشيعة: 142/8، شذرات الذهب 74/1، الأعلام 220/4، معجم رجال الحديث 134/11، موسوعة الإمام علي 213/12 برقم 67، موسوعة طبقات الفقهاء 200/1 برقم 61.
ثمّ سكن الكوفة.
و كان سيّدا شريفا في قومه، خطيبا، حاضر الجواب، فاضلا كريما.
شهد مع علي عليه السّلام حروبه كلها، و كان من قادته الشجعان الأوفياء، المخلصين له و لأبنائه عليهم السّلام، الذائدين عن حريم الحق و الولاية.
و قد امتاز بقوة المناظرة، و قوة الفكرة، و بعد النظرة، و كان من الحكماء.
قال له علي عليه السّلام - قبل أن ينشب القتال في معركة الجمل -: يا عدي، أنت شاهد لنا، و حاضر معنا و ما نحن فيه؟
فقال عدي: شهدتك أو غبت عنك، فأنا عند ما أحببت، هذه خيولنا معدّة، و رماحنا محدّدة، و سيوفنا مجرّدة، فإن رأيت أن نتقدّم تقدّمنا، و إن رأيت أن نحجم أحجمنا، نحن طوع لأمرك، فأمر بما شئت، نسارع إلى امتثال أمرك.
و قال عدي في أيام حرب صفين: أيها الناس، إنّه و اللّه لو غير علي دعانا إلى قتال أهل الصلاة ما أجبناه، و لا وقع بأمر قطّ إلاّ و معه من اللّه برهان، و في يديه من اللّه سبب، و إنّه وقف عن عثمان بشبهة، و قاتل أهل الجمل على النكث، و أهل الشام على البغي.(1)
و قال لمعاوية - حينما بعثه علي عليه السّلام إليه في أيام الهدنة -: أمّا بعد، فإنّا أتيناك ندعوك إلى أمر يجمع اللّه به كلمتنا و أمّتنا، و نحقن به الدماء، و نصلح ذات البين، إنّ ابن عمّك سيّد المسلمين أفضلها سابقة و أحسنها في الإسلام أثرا، و قد استجمع له الناس...(2)
و قال - لما رأى تثاقل الناس عن الاستجابة للإمام الحسن عليه السّلام في قتال معاوية -: أنا ابن حاتم، سبحان اللّه ما أقبح هذا المقام، ألا تجيبون إمامكم، و ابن بنت نبيّكم، أين خطباء المصر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة، فإذا جدّ الجدّ فروّاغون كالثعالب، أما تخافون مقت اللّه، و لا عيبها و لا عارها؟... ثمّ مضى لوجهه فخرج من المسجد و دابته بالباب فركبها، و مضى إلى النّخيلة، و أمر غلامه أن يلحقه بما يصلحه، و كان أوّل الناس عسكرا.
توفّي عدي بن حاتم بالكوفة سنة سبع و ستين.
و من شعره:
تفدي عليّا مهجتي و مالي *** و أسرتي يتبعها عيالي
و قال له معاوية يوما: ما فعلت الطّرفات - يعني أولاده -؟
قال: قتلوا مع عليّ.
قال: ما أنصفك عليّ، قتل أولادك، و بقّى أولاده.
فقال عدي: ما أنصفت عليّا، إذ قتل و بقيت بعده.
9 قيس بن سعد (1)(... - 59، 60 ه)
ابن عبادة بن دليم بن حارثة الأنصاري الخزرجي، اليمني.
خدم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فكان منه بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير، و حمل راية الأنصار في بعض الغزوات، و استعمله النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على الصدقة.
و كان فارسا شجاعا، سياسيا ماهرا، مناظرا قديرا، خطيبا مفوها، متهالكا في ولاء أهل البيت، متفانيا في نصرتهم. و هو من السباقين إلى الدفاع عن خلافة الحق و حقّ الخلافة، و إمامة أمير المؤمنين عليه السّلام بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم(2)، و قد بلغ به الأمر أن
1) طبقات ابن سعد 52/6، طبقات خليفة 235 برقم 973 و 494 برقم 2556، تاريخ خليفة 149، 152، 172، 275، التاريخ الكبير 141/7 برقم 636، رجال البرقي 65، المعرفة و التاريخ 299/1، تاريخ اليعقوبي 179/2، 186، 187، 202، 214، الجرح و التعديل 99/7 برقم 560، رجال الكشي 102 برقم 49، الثقات لابن حبان 339/3، أخبار شعراء الشيعة للمرزباني 43 برقم 6، رجال الطوسي 26 برقم 1 و 54 برقم 1، تاريخ بغداد 177/1 برقم 17، أسد الغابة 215/4، الكامل لابن الأثير 201/3، 268، 269، 270، 271، 272، 404، 408، 525، تهذيب الأسماء و اللغات 61 برقم 75، مختصر تاريخ دمشق 102/21، رجال ابن داود 279 برقم 1210، تهذيب الكمال 40/24 برقم 7179، سير أعلام النبلاء 102/3 برقم 21، تهذيب التهذيب 395/8 برقم 700، الإصابة 239/3 برقم 7179، شذرات الذهب 52/1، جامع الرواة 25/2، بهجة الآمال 89/6، أعيان الشيعة 452/8، الغدير 67/2، الأعلام 206/5، معجم رجال الحديث 93/14 برقم 9652، قاموس الرجال 396/7.
2) . موسوعة الإمام علي بن أبي طالب 254/12.
خاصم أباه حين ذكر أمامه مرّة كلاما كان سمعه من النبي في حقّ عليّ، فقال قيس لأبيه:
أنت سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول هذا الكلام في علي بن أبي طالب ثمّ تطلب الخلافة و يقول أصحابك منّا أمير و منكم أمير...
ولاّه الإمام علي عليه السّلام مصر في صفر سنة (36 ه)، فلما وصلها، قام فيهم خطيبا، و قال: الحمد للّه الذي جاء بالحق و أمات الباطل و كبت الظالمين، إنّا قد بايعنا خير من نعلم بعد نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فقوموا أيها الناس فبايعوه على كتاب اللّه و سنة رسوله، فإن نحن لم نعمل لكم بذلك فلا بيعة لنا عليكم. فقام الناس فبايعوا و استقامت مصر.
و سعى معاوية إلى استمالته، بالإغراء أوّلا ثمّ بالتهديد ثانيا، فكتب إليه قيس: أمّا بعد فالعجب من استسقاطك رأيي و الطمع في أن تسومني لا أبا لغيرك الخروج عن طاعة أولى الناس بالأمر و أقولهم بالحق و أهداهم سبيلا و أقربهم من رسول اللّه وسيلة، و تأمرني بالدخول في طاعتك طاعة أبعد الناس من هذا الأمر و أقوم بالزور و أضلّهم سبيلا...
و عزل قيس عن ولاية مصر بمحمد بن أبي بكر، و شهد مع علي عليه السّلام وقعتي صفين و النهروان، و كان على ميمنة الجيش.
و لما ملك معاوية، و أحضر الناس لبيعته، قال قيس: إن كنت لأكره مثل هذا اليوم يا معاوية. ثمّ خاطب الناس، بقوله: لقد اعتضتم الشر من الخير، و استبدلتم الذل من العزّ، و الكفر من الإيمان، فأصبحتم بعد ولاية أمير المؤمنين، و سيّد المسلمين، و ابن عمّ رسول ربّ العالمين، و قد وليكم الطليق ابن الطليق
يسومكم الخسف، و يسير فيكم بالعسف...(1)
توفّي بالمدينة سنة تسع و خمسين، و قيل: سنة ستين.
قال إبراهيم الثقفي: كان شيخا شجاعا مجرّبا، مناصحا لعليّ و لولده، و لم يزل على ذلك إلى أن مات.
10 كميل بن زياد (2)(... - 82 ه)
ابن نهيك بن هيثم النخعي الصّهباني، الكوفي.
1) . تاريخ اليعقوبي 216/2.
2) طبقات ابن سعد 179/6، تاريخ خليفة 222، طبقات خليفة 249 برقم 1058، التاريخ الكبير 243/7 برقم 1036، رجال البرقي 6، المعرفة و التاريخ 481/2، تاريخ اليعقوبي 205/2، الفتوح لابن أعثم 141/7، الجرح و التعديل 174/7 برقم 995، المحن لأبي العرب 212، الثقات لابن حبان 341/5، المجروحين لابن حبان 221/2، حلية الأولياء 79/1، رجال الطوسي 56 برقم 6 و 69 برقم 1، الكامل لابن الأثير 138/3، 144، 183، 205، 376، 379، 472/4، 481، شرح النهج لابن أبي الحديد 149/17، تهذيب الكمال 218/24 برقم 4996، تاريخ الإسلام (سنة 81-100 ه) 176 برقم 133، ميزان الاعتدال 415/3 برقم 6978، البداية و النهاية 50/9، تهذيب التهذيب 448/8، الإصابة 300/3 برقم 7503، مجمع الرجال 75/5، نقد الرجال 277، جامع الرواة 31/2، بهجة الآمال 128/6، تأسيس الشيعة 356، الأعلام 234/5، معجم رجال الحديث 128/14 برقم 9753، موسوعة طبقات الفقهاء 498/1 برقم 241.
كان من أصحاب عليّ عليه السّلام و شيعته و خاصّته، مجاهدا، عابدا، مطاعا في قومه.
أبعده سعيد بن العاص (والي الكوفة) مع عدد من أعلام الكوفة إلى الشام بأمر عثمان بن عفان سنة (33 ه)، لتنديدهم بالسياسة التي كان ينتهجها الخليفة و بطانته (و منهم الوالي المذكور)، و إعلانهم عن تبرّمهم و سخطهم على التصرّفات و الممارسات المخالفة للسنة المطهّرة و لموازين القسط و العدل.
و لزم الإمام عليّا عليه السّلام، و انقطع إليه، و جاهد بين يديه في معارك صفّين.
ثمّ بعثه عليه السّلام عاملا له على هيت (بلدة على الفرات، غرب العراق).
عدّه السيد حسن الصدر من مشاهير المتكلّمين من الشيعة، و قال: كان عيبة علم نافعة، و شجرة مثمرة.
و لمّا غلب مطر بن ناجية الرياحي على الكوفة أيام ابن الأشعث، نهض كميل، و ارتقى المنبر، و كان - كما يقول أبو العرب - خطيبا شريفا، ففضح مساوئ الحكام الأمويين و أعوانهم، و حرّض الجماهير عليهم، حتّى أثّرت خطبته في نفوسهم.(1)
و لما ظفر الحجّاج الثقفي، منع النخع أعطياتهم حتّى يأتوه بكميل، فلمّا رأى ذلك أقبل على قومه فقال: أبلغوني الحجّاج فأبلغوه، و جرى بينهما كلام (دلّ على ولائه لعليّ عليه السّلام و قوّة جنانه و ثباته)(2)، عجز فيه الطاغية عن محاججته و إرعابه، فأمر بضرب عنقه، فالتحق بركب الشهداء الذين أريقت دماؤهم دفاعا عن ولاية
أمير المؤمنين عليه السّلام و نهجه القويم، و ذلك في سنة اثنتين و ثمانين.(1)
قال كميل: أخذ بيدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام، فأخرجني إلى الجبّان، فلما أصحر تنفّس الصعداء، ثمّ قال:
يا كميل إنّ هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها، فاحفظ عنّي ما أقول لك:
الناس ثلاثة: فعالم ربّاني، و متعلّم على سبيل نجاة، و همج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كلّ ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، و لم يلجأوا إلى ركن وثيق...
يا كميل هلك خزّان الأموال و هم أحياء، و العلماء باقون ما بقي الدهر...
بلى لا تخلو الأرض من قائم للّه بحجّة: إمّا ظاهرا مشهورا، أو خائفا مغمورا، لئلاّ تبطل حجج اللّه و بيّناته...
و قد روى صاحب الترجمة دعاء طويلا عن أمير المؤمنين عليه السّلام، عرف باسم (دعاء كميل)، و قد اشتهر هذا الدعاء و لهجت بقراءته الألسن، لسموّ بيانه، و عمق مضامينه.
1) . و قيل: سنة (83 ه). قال ابن أبي الحديد: قتله الحجّاج على المذهب فيمن قتل من الشيعة.
11 الأشتر (1)(... - 38 ه)
مالك بن الحارث بن عبد يغوث بن مسلمة النخعي، التابعيّ الكبير، أبو إبراهيم الكوفي، المعروف بالأشتر، و بكبش العراق.
ولد قبل الإسلام، و عاصر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و لكنّه لم يره.
و كان شجاعا مقداما، قائدا مظفّرا، خطيبا بليغا، متكلّما مفوّها، عميق
1) طبقات ابن سعد 213/6، طبقات خليفة 249 برقم 1057، تاريخ خليفة 129، التاريخ الكبير 311/7 برقم 1325، رجال البرقي 6، تاريخ اليعقوبي 179/2، 187، 194، الجرح و التعديل 207/8 برقم 910، رجال الكشي 61 برقم 17 (مؤسسة الأعلمي - كربلاء)، الثقات لابن حبان 389/5، الإرشاد للمفيد 365، رجال الطوسي 58 برقم 5، الاستيعاب 301/1، الكامل لابن الأثير 133/3، 138، 144، 148، 158، 227، 231، 250، 294، 300، 371، و غير ذلك، شرح النهج لابن أبي الحديد 98/15، رجال ابن داود 283 برقم 1232، رجال العلاّمة الحلي 169 برقم 1، تهذيب الكمال 126/27 برقم 5731، سير أعلام النبلاء 34/4 برقم 6، تاريخ الإسلام (عهد الخلفاء الراشدين) 593، تهذيب التهذيب 11/10، الإصابة 459/3، مجمع الرجال 89/5، جامع الرواة 37/2، بهجة الآمال 1327، تنقيح المقال 48/2 برقم 10025، أعيان الشيعة 38/9، الغدير 31/9 برقم 43، قائد القوات العلوية لعبد الواحد المظفر، الأعلام 259/5، معجم رجال الحديث 161/14 برقم 9796، قاموس الرجال 463/7، موسوعة الإمام علي 275/12، موسوعة طبقات الفقهاء 505/1 برقم 244.
الوعي، شديد التحقّق بولاء أمير المؤمنين عليه السّلام، من أكابر الشيعة و عظمائها.
شهد وقعة اليرموك، و فيها شترت عينه.
و سكن الكوفة.
و نفاه عثمان - مع عدد من أعلام الكوفة - إلى الشام عام (33 ه) لاتّهامهم بتأليب الناس، و القدح في سيرته و سيرة سعيد بن العاص والي الكوفة
و لمّا استفحلت الثورة على عثمان و عمّاله، تزعّم الأشتر و غيره جموع الثائرين من أهل الكوفة، و ساروا إلى المدينة، هاتفين بإحياء أحكام القرآن و السنّة المطهّرة، و معبّرين - و لسانهم الأشتر - عن ولائهم لأهل البيت و لعلي منار الهدى و إمام الأمّة.
و لما قتل عثمان، قاد الأشتر الجماهير إلى بيعة علي عليه السّلام، و شهد معه وقعة الجمل، ثمّ صار واليا في منطقة الجزيرة الفراتية (الواقعة على حدود الشام).
ثمّ شهد حرب صفين، فأبلى فيها بلاء حسنا، و أذاق الأعداء الويل في كرّاته الشديدة عليهم.
و أعيد - بعد انتهاء الحرب - إلى عمله في الجزيرة إلى أن اضطربت الأوضاع في مصر، فبعثه عليه السّلام واليا عليها بدلا من محمد بن أبي بكر، فلقي حتفه في الطريق، و قيل: مات مسموما و هو المشهور(1)، و ذلك في سنة ثمان و ثلاثين.(2)
و للأشتر خطب و مناقشات و أشعار، عبّر فيها عن اتجاهه العقائدي بكل
جلاء، حيث دعا إلى الائتمام بعلي و الانقياد لإمامته، باعتباره المرجع الفكري و السياسي للأمّة بعد الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و الحامل الحقيقي للرسالة، الذي يقام به الحقّ و تصان الشريعة، كما حذّر من مغبّة مخالفته و عصيانه.
قال، و هو يحثّ الناس على البيعة: أيّها الناس، هذا وصيّ الأوصياء، و وارث علم الأنبياء، العظيم البلاء، الحسن الغناء، الذي شهد له كتاب اللّه بالإيمان، و رسوله بجنة الرضوان، من كملت فيه الفضائل، و لم يشكّ في سابقته و علمه و فضله الأواخر، و لا الأوائل.(1)
و قال، و قد استعدّ للقتال في صفين:... معنا ابن عمّ نبيّنا، و سيف من سيوف اللّه علي بن أبي طالب، صلّى مع رسول اللّه، و لم يسبقه إلى الصلاة ذكر، حتّى كان شيخا لم تكن له صبوة، و لا نبوة، و لا هفوة، و لا سقطة، فقيه في دين اللّه، عالم بحدود اللّه، ذو رأي أصيل، و صبر جميل، و عفاف قديم... و اعلموا أنّكم على الحقّ، و أنّ القوم على الباطل... فما يشكّ في قتال هؤلاء إلاّ ميّت القلب.
و قال من خطبة له في صفين: الحمد للّه الذي جعل فينا ابن عمّ نبيّه، أقدمهم هجرة، و أوّلهم إسلاما، سيف من سيوف اللّه صبّه على أعدائه، فانظروا إذا حمي الوطيس، و ثار القتام، و تكسّرت المرّان، و جالت الخيل بالأبطال...
و قال، مجيبا الشاب الذي تلا (حم) عند ما همّ الأشتر بقتله:
يذكّرني حاميم و السيف مصلت *** فهلا تلا حاميم قبل التقدّم
هتكت له بالرمح جيب قميصه *** فخرّ صريعا لليدين و للفم
على غير شيء غير أن ليس تابعا *** عليا، و من لا يتبع الحقّ يندم
1) . تاريخ اليعقوبي 179/2.
12 المقداد بن الأسود (1)(نحو 37 ق. ه - 33 ه)
المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك البهراني القضاعي، المعروف بالمقداد بن الأسود، و يقال له المقداد الكندي.
كان من كبار الصحابة النجباء الأبطال، السابقين إلى الإسلام.
شهد بدرا و أحدا و الخندق و سائر المشاهد، و كان يوم فتح مكة على ميمنة
1) طبقات ابن سعد 161/3، تاريخ خليفة 124، التاريخ الكبير 54/8 برقم 2126، رجال البرقي 1، 3، 63، 64، المعارف 150، المعرفة و التاريخ 161/2، تاريخ اليعقوبي 163/2، الجرح و التعديل 426/8 برقم 1942، العقد الفريد 224/3، 32/5، الثقات لابن حبان 327، حلية الأولياء 172/1، رجال الطوسي 27 برقم 8 و 57 برقم 1، الاستيعاب 1480/4 برقم 2561 (ط. نهضة مصر)، الاحتجاج للطبرسي 194/1 (انتشارات أسوة)، صفة الصفوة 423/1 برقم 20، الكامل لابن الأثير 73/2، 111، 118، 120، 152، 190، 290، 492، 67/3، 68، 70، 71، 111، 146، أسد الغابة 409/4، شرح النهج لابن أبي الحديد 21/9، 55، 56، تهذيب الأسماء و اللغات 111/2 برقم 163، رجال العلاّمة 169 برقم 1، تهذيب الكمال 452/28 برقم 6162، سير أعلام النبلاء 385/1 برقم 81، مرآة الجنان 89/1، تهذيب التهذيب 285/10، الإصابة 433/3 برقم 8185، التحرير الطاووسي 272 برقم 406، مجمع الرجال 137/6، نقد الرجال 353، جامع الرواة 262/2، تنقيح المقال 244/2 برقم 12096، أعيان الشيعة 134/10، الأعلام 282/7، معجم رجال الحديث 314/18 برقم 12607، قاموس الرجال 111/9، موسوعة عظماء الشيعة ج 3، موسوعة طبقات الفقهاء 242/1 برقم 78.
النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
و في يوم بدر، عند ما استشار رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أصحابه بشأن الحرب، قال المقداد: يا رسول اللّه امض لما أمرت به فنحن معك، و اللّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقٰاتِلاٰ إِنّٰا هٰاهُنٰا قٰاعِدُونَ ، و لكن اذهب أنت و ربّك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون، فو الذي بعثك بالحق نبيّا لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه.
و يعدّ المقداد من شيعة أمير المؤمنين المخلصين و من الأصفياء من أصحابه، وقف إلى جانبه عليه السّلام بحزم و صلابة، و أبى أن يبايع (مع عدد من المهاجرين و الأنصار)(1)أبا بكر، إيمانا منه بأنّ عليّا عليه السّلام أولى الناس بالنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أنّه المستحقّ للخلافة و ولاية الأمر.
و كان أحد المتكلّمين الاثني عشر - كما يذكر البرقي في آخر رجاله - الذين احتجّوا على الخليفة الأوّل، طالبين منه تسليم الأمر إلى من هو أحقّ به منه.
و لما صفق عبد الرحمان بن عوف (في قضية الشورى) على يد عثمان بالبيعة، قال المقداد: يا عبد الرحمان، أما و اللّه لقد تركته (أي تركت علي بن أبي طالب) و إنّه من الذين يقضون بالحق و به يعدلون.
ثمّ قال: ما رأيت مثل ما أتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيّهم، إنّي لأعجب من قريش أنّهم تركوا رجلا ما أقول و لا أعلم أنّ رجلا أقضى بالعدل و لا أعلم منه.
فقال عبد الرحمان: إنّي أخاف أن تكون صاحب فتنة و فرقة.
قال المقداد: إنّ من دعا إلى الحقّ و أهله و ولاة الأمر لا يكون صاحب فتنة،
1) . و لم يبايع هؤلاء، إلاّ بعد أن بايع الإمام علي عليه السّلام حرصا على مصلحة الإسلام العليا.
و لكن من أقحم الناس في الباطل و آثر الهوى على الحقّ فذلك صاحب الفتنة و الفرقة.(1)
و كان المقداد يتّخذ من مسجد الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في المدينة مقرّا لبث دعوته لعليّ عليه السّلام، مبتدئا بعرض ظلامته عليه السّلام، ثمّ يطرح أمام الجمهور فضائله و كراماته و سابقته منتهيا ببيان أحقّيته في الخلافة بأسلوب فريد و كأنّه محام بارع أسند إليه القيام بهذا الدور.(2)
قال اليعقوبي: إنّ المقداد كان جاثيا على ركبتيه في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، يتلهّف تلهّف من كأنّ الدنيا كانت له فسلبها، و هو يقول:
و اعجبا لقريش، و دفعهم هذا الأمر عن أهل بيت نبيّهم، و فيهم أوّل المؤمنين، و ابن عمّ رسول اللّه، أعلم الناس و أفقههم في دين اللّه، و أعظمهم غناء في الإسلام، و أبصرهم بالطريق، و أهداهم للصراط المستقيم، و اللّه لقد زووها عن الهادي المهتدي الطاهر النقيّ، و ما أرادوا إصلاحا للأمّة و لا صوابا في المذهب، و لكنّهم آثروا الدنيا على الآخرة، فبعدا و سحقا للقوم الظالمين.(3)
توفّي بالجرف(4)سنة ثلاث و ثلاثين و هو ابن سبعين سنة أو نحوها، و دفن بالمدينة المنوّرة.
13 ميثم التمّار (1)(... - 60 ه)
ميثم بن يحيى الأسدي بالولاء، الكوفي، التمّار، صاحب أمير المؤمنين، و أمين أسراره، و أحد أعاظم الشهداء في التشيّع.
كان عبدا لامرأة من بني أسد، فاشتراه علي عليه السّلام و أعتقه، و قرّبه و أدناه، و أفاض عليه من علومه و معارفه و اختصّه بكثير من الأسرار، و كان يصحبه أحيانا عند المناجاة في الخلوات و عند خروجه في الليل إلى الصحراء، و يذكر له ما سوف يلاقيه في سبيل الولاء، فيقول ميثم: هذا في اللّه قليل.
عدّه السيد حسن الصدر من مشاهير المتكلّمين من الشيعة، و قال غيره:
كان خطيب الشيعة بالكوفة و متكلّمها، و روى آخر أنّه قال لابن عباس: سلني ما
1) رجال البرقي 4، تاريخ اليعقوبي 213/2-214، رجال الكشي 74 برقم 24 (مؤسسة الأعلمي - كربلاء)، الاختصاص للمفيد 3، 7، 8، 61، 75، 76، الإرشاد للمفيد 323، 324، 325، رجال الطوسي 58 برقم 6 و 70 برقم 3 و 79 برقم 1، روضة الواعظين للفتّال 288، المناقب لابن شهر اشوب 38/4، شرح النهج لابن أبي الحديد 291/2، الإصابة 479/3 برقم 8474، نقد الرجال 359، جامع الرواة 284/2، تأسيس الشيعة 283، 355، أعيان الشيعة 198/10، الذريعة 317/4 برقم 1339، ميثم التمار لمحمد حسين المظفر، الأعلام 336/7، معجم رجال الحديث 93/19 برقم 12914 و 94 برقم 12916، قاموس الرجال 164/9، موسوعة الإمام علي 317/12 برقم 94، موسوعة طبقات الفقهاء 536/1 برقم 264.
شئت من تفسير القرآن، فإنّي قرأت تنزيله على أمير المؤمنين عليه السّلام و علّمني تأويله، فأقبل ابن عباس يكتب، و ذكره اليعقوبي في من حملوا العلم عن علي عليه السّلام.
و كان ميثم متفانيا في حبّ أهل البيت، مشهورا بولائه و نصحه و إخلاصه لهم.
اعتقل، و أدخل على عبيد اللّه بن زياد والي الكوفة و قيل له: هذا كان من آثر الناس عند أبي تراب، قال: ويحكم هذا الأعجمي، قالوا: نعم، فقال له عبيد اللّه:
أين ربّك؟ قال: بالمرصاد للظلمة و أنت منهم...
ثمّ أمر به، فصلب على جذع نخلة، فجعل يهتف بالإمامة و يحدث الناس بفضائل علي و عدله، و بمساوئ بني أميّة، فقيل لابن زياد: قد فضحكم هذا العبد، فقال: ألجموه، فكان أوّل من ألجم في الإسلام، ثم طعن في اليوم الثالث بحربة فمات.
و كان استشهاده قبل قدوم الحسين عليه السّلام العراق بعشرة أيّام، أي في نحو الثاني و العشرين من شهر ذي الحجّة سنة ستين للهجرة.
14 ابن داحة (1)(... - حيّا نحو 180 ه)
إبراهيم بن سليمان بن داحة (و قيل: ابن أبي داحة) المزني، أبو إسحاق البصري، أحد الشخصيات البارزة في عصره.
لم نقف على أسماء المشايخ الذين أخذ عنهم العلم، سوى ما ذكر من أنّه روى عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام، و عن محمد بن أبي عمير(2)، و لكنّه - كما يبدو من أخباره - قد بلغ مرتبة علمية و اجتماعية رفيعة.
قال أبو العباس النجاشي: كان وجه أصحابنا البصريين في الفقه و الكلام و الأدب و الشعر.
سمع منه أبو عثمان الجاحظ (163-255 ه)، و حكى عنه في كتابيه
1) البيان و التبيين 61/2، الحيوان للجاحظ 61/1، 62، 82/2، 153، 402/3، 61/6، رجال النجاشي 87/1 برقم 13، فهرست الطوسي 27 برقم 3، معالم العلماء 5 برقم 8، رجال ابن داود 15 برقم 21، رجال العلاّمة الحلي 4 برقم 8، مجمع الرجال 44/1، نقد الرجال 9 برقم 48، جامع الرواة 22/1، بهجة الآمال 528/1، تنقيح المقال 18/1 برقم 108، تأسيس الشيعة 376، أعيان الشيعة 141/2، معجم رجال الحديث 228/1 برقم 165، قاموس الرجال 136/1.
2) . كذا نقل النجاشي عن «البيان و التبيين»، و في المطبوع منه: محمد بن عمير.
«الحيوان» و «البيان و التبيين» في موارد متعددة، و وصفه بأنّه من مشايخ الشيعة.
و لابن داحة مؤلفات لم نظفر بها و لا بأسمائها.
و كان شغوفا بالعلم، كثير الاعتناء بالكتب.
حضر مجلس أبي عبيدة معمر بن المثنى (110-209 ه)، و أنشد فيه شعرا للسيد الحميري.
قيل لابن داحة - و أخرج كتاب أبي الشمقمق، و إذا هو في جلود كوفيّة و دفّتين طائفيّتين، بخط عجيب -: لقد أضيع من تجوّد بشعر أبي الشمقمق! فقال: لا جرم و اللّه!! إنّ العلم ليعطيكم على حساب ما تعطونه، و لو استطعت أن أودعه سويداء قلبي، أو أجعله محفوظا على ناظري، لفعلت.
و لقد دخلت على إسحاق بن سليمان(1)في إمرته، فرأيت السّماطين و الرجال مثولا كأنّ على رؤوسهم الطير، و رأيت فرشته و بزّته، ثمّ دخلت عليه و هو معزول، و إذا هو في بيت كتبه، و حواليه الأسفاط و الرّقوق و القماطر و الدفاتر و المساطر و المحابر، فما رأيته قطّ أفخم و لا أنبل، و لا أهيب و لا أجزل منه في ذلك اليوم، لأنّه جمع مع المهابة المحبة، و مع الفخامة الحلاوة، و مع السؤدد الحكمة.(2)
لم نظفر بتاريخ وفاته، و لكنّه كان حيا في العقد التاسع من القرن الثاني، لسماع الجاحظ منه، و للخبر الذي ذكرناه آنفا (خبره مع إسحاق بن سليمان)، و لا ندري إلى أية سنة امتدّ به العمر، و هل بقي إلى القرن الثالث أم لا.
15 السيّد الحميري (1)(105-173 ه)
إسماعيل بن محمد بن يزيد بن ربيعة، الشاعر المفلق، أبو هاشم الحميري، الشهير بالسيّد.
ولد بعمّان(2)سنة خمس و مائة.
و نشأ بالبصرة بين أبوين إباضيين، بيد أنّه رزق حبّ علي عليه السّلام منذ صباه، و أقام بالكوفة، يأخذ الحديث عن الأعمش، و عاش متردّدا بينهما.
و قد قرض الشعر في وقت مبكّر، و برع فيه، و كرّس أكثره لمدح العترة الطاهرة و الذبّ عنهم، و نقد أعدائهم و مناوئيهم، و لم يدع منقبة لأمير المؤمنين عليه السّلام إلاّ نظم
1) الأغاني 229/7-278، أخبار السيد الحميري للمرزباني 151-179 (مطبوع مع أخبار شعراء الشيعة)، رجال الكشي 242 برقم 133 (مؤسسة الأعلمي - كربلاء)، رجال الطوسي 148 برقم 108، فهرست الطوسي 108 برقم 352، معالم العلماء 146-147، وفيات الأعيان 343/6 (ضمن ترجمة يزيد ابن مفرغ المرقمة 821)، رجال ابن داود 59 برقم 193، رجال العلاّمة الحلي 10 برقم 22، فوات الوفيات 188/1 برقم 72، الوافي بالوفيات 196/9 برقم 4103، لسان الميزان 436/1 برقم 1354، جامع الرواة 102/1، منتهى المقال 86/2 برقم 386، أعيان الشيعة 134/1، 405/3، الغدير 213/2-278، الأعلام 322/1، معجم رجال الحديث 177/3 برقم 1423.
2) . و في الأعلام: نعمان: واد قريب من الفرات على أرض الشام، قريب من الرجعة.
فيها شعرا.
و كان على مذهب الكيسانية (القائلين بإمامة محمد بن الحنيفة)، ثمّ عدل عنه إلى الإمامية، بتأثير من الإمام جعفر الصادق (المتوفّى 148 ه).
عدّه السيد محسن العاملي من متكلّمي الشيعة، و قال: شعره مملوء بالاحتجاج، و له مناظرات جمّة.(1)
و قال العلامة الأميني: إنّه كان عارفا بالحجج الدينية، بصيرا بمناهج الحجاج في المذهب و إقامة الحجّة على من يضادّه في المبدأ.(2)
و كان السيد الحميري - كما يقول أبو الفرج الأصبهاني - شاعرا متقدّما مطبوعا. يقال: إنّ أكثر الناس شعرا في الجاهلية و الإسلام ثلاثة: بشّار و أبو العتاهية و السيد، فإنّه لا يعلم أنّ أحدا قدر على تحصيل شعر أحد منهم أجمع.
توفّي ببغداد سنة ثلاث و سبعين و مائة.(3)
و أخباره كثيرة جدّا.
و من شعره القصيدة العينية(4)في مدح أمير المؤمنين عليه السّلام، و مطلعها:
لأمّ عمرو باللّوى مربع *** طامسة أعلامه بلقع
و منها:
1) . أعيان الشيعة 134/1.
2) . الغدير 26/2.
3) . و قيل: (178 ه)، و (179 ه).
4) . شرحها لفيف من العلماء و الأدباء، منهم العلاّمة الفاضل الهندي (المتوفّى 1137 ه) و سمّى شرحه: اللآلئ العبقرية في شرح العينية الحميرية (ط). تمّ تحقيقه في مؤسسة الإمام الصادق عليه السّلام، و قدّم له العلاّمة جعفر السبحاني.
عجبت من قوم أتوا أحمدا *** بخطة ليس لها موضع
قالوا له لو شئت أعلمتنا *** إلى من الغاية و المفزع
إذا توفّيت و فارقتنا *** و فيهم في الملك من يطمع
فقال لو أعلمتكم مفزعا *** ماذا عسيتم فيه أن تصنعوا
صنيع أهل العجل إذ فارقوا *** هارون، فالتّرك له أوسع
و في الذي قال بيان لمن *** كان له أذن بها يسمع
ثمّ أتته بعد ذا عزمة *** من ربّه ليس لها مدفع
أبلغ و إلاّ لم تكن مبلغا *** و اللّه منهم عاصم يمنع
فعندها قام النبيّ الذي *** كان بما يأمره يصدع
يخطب مأمورا و في كفّه *** كفّ عليّ نورها يلمع
رافعها أكرم بكفّ الذي *** يرفع و الكف التي ترفع
يقول و الأملاك من حوله *** و اللّه فيهم شاهد يسمع
من كنت مولاه فهذا له *** مولى فلم يرضوا و لم يقنعوا
فاتّهموه و انحنت منهم *** على خلاف الصادق الأضلع
و ضلّ قوم غاظهم قوله *** كأنّما آنافهم تجدع
16 الأصبغ بن نباتة (1)(... - بعد 100 ه)
ابن الحارث بن عمرو المجاشعي التميمي، أبو القاسم الكوفي، أحد كبار التابعين.
صحب أمير المؤمنين عليه السّلام، و اختصّ به، و شهد معه الجمل و صفين، و أخذ عنه كثيرا، و روى عنه عهده إلى مالك الأشتر، و وصيّته عليه السّلام إلى ابنه محمد المعروف بابن الحنفية.
و روى أيضا عن: الإمام الحسن المجتبى عليه السّلام، و أبي أيوب الأنصاري، و غيرهما.
1) طبقات ابن سعد 225/6، التاريخ الكبير 35/2 برقم 1495، رجال البرقي 5، المعارف 341، الجرح و التعديل 319/2 برقم 1213، رجال الكشي 96 برقم 42، رجال النجاشي 69/1 برقم 4، رجال الطوسي 34 برقم 2، فهرست الطوسي 62 برقم 119، معالم العلماء 27 برقم 138، رجال ابن داود 52 برقم 204، رجال العلاّمة الحلي 24 برقم 9، تهذيب الكمال 308/3 برقم 537، تاريخ الإسلام (سنة 101-120 ه) 28 برقم 11، تهذيب التهذيب 262/1 برقم 658، تقريب التهذيب 81/1 برقم 613، مجمع الرجال 231/1-233، جامع الرواة 106/1، رجال السيد بحر العلوم 266/1، تنقيح المقال 150/1 برقم 1008، تأسيس الشيعة 358، أعيان الشيعة 464/3-466، معجم رجال الحديث 219/3 برقم 1509، قاموس الرجال 103/2، موسوعة طبقات الفقهاء 291/1 برقم 100.
و كان متكلّما في الأصول(1)، عالما بالحديث، شاعرا، ناسكا، من فرسان أهل العراق.
له كتاب عجائب أحكام أمير المؤمنين، و كتاب مقتل الحسين.
روي عن الأصبغ أنّ رجلا يقال له ذعلب، سأل أمير المؤمنين قائلا:
يا أمير المؤمنين هل رأيت ربّك؟ قال: ويلك يا ذعلب لم أكن بالذي أعبد ربّا لم أره، قال: فكيف رأيته؟ صفه لنا؟ قال: ويلك لم تره العيون بمشاهدة الأبصار، و لكن رأته القلوب بحقائق الإيمان، ويلك يا ذعلب إنّ ربّي لا يوصف بالبعد، و لا بالحركة، و لا بالسكون، و لا بالقيام قيام انتصاب، و لا بجيئة و لا بذهاب، لطيف اللطافة لا يوصف باللطف، عظيم العظمة لا يوصف بالعظم، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر، جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ، رؤوف الرحمة لا يوصف بالرقّة، مؤمن لا بعبادة، مدرك لا بمجسّة، قائل لا باللفظ، هو في الأشياء على غير ممازجة، خارج منها على غير مباينة...(2)
توفّي الأصبغ بعد سنة مائة، و قد عمّر طويلا.
17 جابر بن حيّان (1)(حدود 120-200 ه)
ابن عبد اللّه، أبو موسى الكوفي، أحد فلاسفة الشيعة، و أكابر المفكّرين.
كان عالما بالكيمياء، فيلسوفا، غزير الانتاج في مختلف حقول المعرفة.
ولد حدود سنة عشرين و مائة.
و ورد - حسب قول هولميارد - بلاد الجزيرة العربية، للاتصال بقبيلته (الأزد)، و بقي هناك إلى أن بلغ أشدّه، فأتقن العربية، و تعلّم القرآن و الحساب و علوما أخرى.(2)
و تلمّذ للإمام جعفر الصادق عليه السّلام، و اختصّ به، و وصفه بسيّد أهل زمانه.
1) الفهرست للنديم 512-517 (ط. الاستقامة - القاهرة)، كشف الظنون 83/1، 914، 1160/2، 1161، 1415، 1416، 1419، و غيرها، إيضاح المكنون 288/2، أعيان الشيعة 30/4، الأعلام 103/2، معجم المؤلفين 105/3، معجم رجال الحديث 9/4 برقم 2009، قاموس الرجال 306/2، مستدركات أعيان الشيعة 46/3، فلاسفة الشيعة 184، معجم التراث الكلامي 441/4 برقم 9618.
2) . قيل إنّ والده كان عطّارا بالكوفة، و إنّه في خلال رحلة له إلى خراسان، ولد له فيها ولده جابر، و إن والي خراسان قتل والده لاتهامه بالتشيّع، ثمّ إنّ جابرا اليتيم قدّر له من أرسله إلى أهله الأزديين في الكوفة، و قيل إنّ والده نزح (مع زوجته و ولده جابر) من الكوفة إلى طوس (بخراسان)، ثمّ أرسل جابر إلى الجزيرة العربية.
و كان قد وجد في إمامه الفذّ (الصادق عليه السّلام) سندا و معينا، و رائدا أمينا، و موجّها لا يستغني عنه.(1)
ثمّ اتصل بالبرامكة، و انقطع إلى جعفر بن يحيى البرمكي.
و تقدّم في الفلسفة و الحكمة و المنطق و غير ذلك، و اشتهر بالكيمياء، و وضع فيها تآليف كثيرة مشهورة، و أصبح إمام هذا الفنّ من غير منازع.
و حاز شهرة واسعة عند الافرنج بما نقلوه من كتبه في بدء نهضتهم العلمية.
قال برتلو: لجابر في الكيمياء ما لأرسطوطاليس قبله في المنطق.
و للمترجم تآليف جمّة، منها كتب في مذاهب الشيعة(2)، و (300) مؤلّف في الفلسفة، و (500) مؤلف في النقض على الفلاسفة.
و إليك جملة من مؤلفاته في الحكمة و المنطق و الفلسفة و الكلام: كتاب الإمامة(3)، تقدمة المعرفة(4)، القديم، الحكمة المصونة، العدل، اللاهوت، صندوق الحكمة، كتاب إلهي، صفة الكون، كتاب الجاروف الذي نقضه المتكلّمون (و قيل هو لأبي سعيد المصري)، و مصححات أرسطاليس، و غير ذلك.
توفّي سنة مائتين، و قيل غير ذلك.
18 الجعفي (1)(... - 128 ه)
جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي، الكوفي، التابعي، أحد كبار علماء الشيعة.
قال السيد حسن الصدر في حقّه: المتبحّر في أصول الدين و الفقه و التفسير و الآثار على مذهب أهل البيت.
1) طبقات ابن سعد 345/6، طبقات خليفة 276 برقم 1221، تاريخ خليفة 302 (سنة 127 ه)، التاريخ الكبير 210/2 برقم 2223، رجال البرقي 9، 16، الجرح التعديل 497/2 برقم 2043، رجال الكشي 169 برقم 78 (مؤسسة الأعلمي - كربلاء)، الكامل لابن عدي 113/2 برقم 326/1، رجال النجاشي 313/1 برقم 330، رجال الطوسي 111 برقم 6 و 163 برقم 30، فهرست الطوسي 70 برقم 158، معالم العلماء 32، المنتظم لابن الجوزي 267/7 برقم 691، رجال ابن داود 80 برقم 286، رجال العلاّمة الحلي 35 برقم 2، تهذيب الكمال 465/4 برقم 879، ميزان الاعتدال 379/1، تاريخ الإسلام (سنة 121-140 ه) 59، تهذيب التهذيب 46/2، التحرير الطاووسي 68 برقم 78، مجمع الرجال 7/2، نقد الرجال 65، جامع الرواة 144/1، بهجة الآمال 487/2، إيضاح المكنون 304/1، 309/2 و 319 و 348، تنقيح المقال 201/1 برقم 1621، تأسيس الشيعة 358، أعيان الشيعة 51/4، الذريعة 268/4 برقم 1245، الأعلام 105/2، الإمام الصادق و المذاهب الأربعة 447/2، معجم المؤلفين 106/3، معجم رجال الحديث 17/4 برقم 2025، قاموس الرجال 333/2، موسوعة طبقات الفقهاء 307/1 برقم 110.
اختصّ بالإمام أبي جعفر محمد الباقر عليه السّلام(1)، و أخذ عنه علما جمّا، كما أخذ عن الإمام أبي عبد اللّه جعفر الصادق عليه السّلام.
و روى عن: الشهيد زيد بن علي، و جابر بن عبد اللّه الأنصاري، و أبي الطفيل عامر بن واثلة الكناني، و عمّار الدّهني، و سويد بن غفلة، و آخرين.
و كان واسع الرواية، غزير العلم.
ألّف كتبا، منها: التفسير، و الفضائل، و مقتل أمير المؤمنين عليه السّلام، و مقتل الحسين عليه السّلام، و صفّين، و النوادر، و غيرها.
توفّي بالكوفة سنة ثمان و عشرين و مائة.(2)
روى المترجم عن الباقر عليه السّلام أنّه قال: يا جابر إنّ اللّه تبارك و تعالى لا نظير له و لا شبيه، تعالى عن صفة الواصفين، و جلّ عن أوهام المتوهّمين، و احتجب عن أعين الناظرين، لا يزول مع الزائلين، و لا يأفل مع الآفلين، ليس كمثله شيء و هو السميع العليم.(3)
و للإمام الباقر عليه السّلام وصية لجابر، نقتطف منها ما يلي:
و اعلم بأنّك لا تكون لنا وليّا حتّى لو اجتمع عليك أهل مصرك، و قالوا:
إنّك رجل سوء لم يحزنك ذلك، و لو قالوا: إنّك رجل صالح لم يسرّك ذلك، و لكن اعرض نفسك على كتاب اللّه، فإن كنت سالكا سبيله، زاهدا في تزهيده، راغبا في ترغيبه، خائفا من تخويفه، فاثبت و أبشر، فإنّه لا يضرّك ما قيل فيك، و إن كنت مباينا للقرآن، فماذا الذي يغرّك من نفسك؟
19 حديد بن حكيم (1)(... - حيّا قبل 183 ه)
الأزدي، أبو علي المدائني، أحد شيوخ الشيعة.(2)
أخذ العلم عن الإمام أبي عبد اللّه جعفر الصادق، و ولده الإمام أبي الحسن موسى الكاظم عليهما السّلام.
و حدّث، فروى عنه: حريز بن عبد اللّه الأزدي، و أبان بن عثمان الأحمر، و الحسن بن محبوب، و محمد بن سنان الزاهري، و آخرون.
و ألّف كتابا، رواه عنه محمد بن خالد البرقي.
وصفه أبو العباس النجاشي بقوله: ثقة، وجه، متكلّم.
1) رجال البرقي 45، رجال النجاشي 347/1 برقم 383، رجال الطوسي 181 برقم 276، فهرست الطوسي 89 برقم 254، تاريخ بغداد 280/8 برقم 4377، معالم العلماء 44 برقم 287، رجال ابن داود 101 برقم 383، رجال العلاّمة الحلّي 64 برقم 9، لسان الميزان 181/2، مجمع الرجال 86/2، نقد الرجال 83، جامع الرواة 181/1، بهجة الآمال 42/3، تنقيح المقال 258/1 برقم 2355، أعيان الشيعة 588/4، الذريعة 320/6 برقم 1785، معجم رجال الحديث 238/4 برقم 2610 و 2611، قاموس الرجال 89/3، رسائل و مقالات للسبحاني 316، موسوعة طبقات الفقهاء 114/2 برقم 354.
2) . وصفه بذلك الدارقطني في «المؤتلف و المختلف». لسان الميزان 181/2.
و قال علي بن الحكم: كان عظيم القدر، وافر العقل، مشهورا بالفضل.
روى المترجم بسنده عن ابن عباس، قال: رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بني أمية على منبره، فساءه ذلك، فأوحى اللّه إليه: إنّما هو ملك يصيبونه، و نزلت إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ * وَ مٰا أَدْرٰاكَ مٰا لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ * لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ .(1)
لم نظفر بتاريخ وفاة المترجم.
20 الحسن بن صالح (2)(100-169 ه)
ابن صالح بن مسلم بن حيّ الهمداني الثوري، أبو عبد اللّه الكوفي.
1) . تاريخ بغداد.
2) طبقات ابن سعد 375/6، التاريخ الكبير 295/2، المعارف 284، المعرفة و التاريخ 805/2، مقالات الإسلاميين للأشعري 68-69، الثقات لابن حبان 164/6، مشاهير علماء الأمصار 268، الفهرست للنديم 267 (ط. الاستقامة - القاهرة)، الفرق بين الفرق 33 برقم 51، حلية الأولياء 327/7، طبقات الفقهاء للشيرازي 85، الملل و النحل للشهرستاني 161/1، المنتظم لابن الجوزي 313/8، الكامل لابن الأثير 76/6، تهذيب الكمال 177/6 برقم 1238، سير أعلام النبلاء 361/7 برقم 134، العبر 190/1، تذكرة الحفاظ 216/1، تهذيب التهذيب 285/2 برقم 516، طبقات الحفاظ 98 برقم 193، شذرات الذهب 262/1، جامع الرواة 204/1، أعيان الشيعة 119/5، الأعلام 193/2، معجم المؤلفين 231/3، معجم رجال الحديث 361/4 برقم 2873، قاموس الرجال 180/3، موسوعة طبقات الفقهاء 129/2 برقم 365، أعلام المؤلفين الزيدية 321 برقم 303.
كان فقيها، متكلّما، من كبار علماء الشيعة الزيدية.
ولد سنة مائة.
و روى عن الإمامين الباقر و الصادق عليهما السّلام، و عن: جابر بن يزيد الجعفي، و سلمة بن كهيل، و شهاب بن عبد ربه، و منصور بن المعتمر، و أبي إسحاق السبيعي، و آخرين.
و اشتهر بالزهد و العبادة، و له مقالات انتحلتها فرقة عرفت بالصالحية.(1)
و كان لا يصلي خلف فاسق (و لهذا ترك الجمعة) و لا يصحّح ولاية الإمام الفاسق، و يرى وجوب القتال مع ولد علي عليه السّلام ضدّ الحكّام الجائرين، و يثبت الإمامة لكلّ من نهض منهم.
و قد ألّف كتبا، منها: التوحيد، إمامة ولد علي من فاطمة، و الجامع في الفقه.
توفّي بالكوفة سنة تسع و ستين و مائة(2)، بعد أن عاش متواريا عن المهدي العباسي سبع سنوات.
21 الصّحّاف (1)(... - حيّا قبل 183 ه)
الحسين بن نعيم الأسدي بالولاء، الكوفي، الصحّاف.
كان من تلامذة الإمامين أبي عبد اللّه الصادق و أبي الحسن الكاظم عليهما السّلام.
روى عنهما و عن عدد من رجال مدرسة أهل البيت، منهم: ذريح بن محمد المحاربي، و علي بن يقطين، و سدير بن حكيم الصيرفي، و أبو سيار مسمع بن عبد الملك القيسي.
و مهر في الكلام
و ألّف كتابا، رواه عنه محمد بن أبي عمير الأزدي (المتوفّى 217 ه)، و غيره.
ذكره محمد بن عبده الناسب(2)، و قال: كان متكلّما مجيدا.
1) رجال النجاشي 164/1 برقم 119، رجال الطوسي 169 برقم 65، فهرست الطوسي 81 برقم 218، معالم العلماء 39 برقم 243، رجال ابن داود 127 برقم 492، رجال العلاّمة الحلي 51 برقم 17، مجمع الرجال 204/2، نقد الرجال 111، جامع الرواة 258/1، بهجة الآمال 320/3، تنقيح المقال 348/1 برقم 3093، أعيان الشيعة 189/6، معجم رجال الحديث 108/6 برقم 3724 و 119 برقم 3693، قاموس الرجال 341/3.
2) . كان معاصرا لابن السّكّيت (المستشهد 244 ه)، و قد تتلمذ كلاهما على العلاّمة محمد بن سلمة ابن أرتبيل اليشكري. انظر رجال النجاشي 217/2 برقم 896، و موسوعة طبقات الفقهاء 509/3 برقم 1118.
قال الصحاف: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: لم يكون الرجل عند اللّه مؤمنا قد ثبت له الإيمان عنده ثمّ ينقله اللّه بعد من الإيمان إلى الكفر؟ قال، فقال: إنّ اللّه عزّ و جلّ هو العدل، إنّما دعا العباد إلى الإيمان به لا إلى الكفر، و لا يدعو أحدا إلى الكفر به، فمن آمن باللّه ثمّ ثبت له الإيمان عند اللّه لم ينقله اللّه عزّ و جلّ [بعد ذلك] من الإيمان إلى الكفر، قلت له: فيكون الرجل كافرا قد ثبت له الكفر عند اللّه ثمّ ينقله بعد ذلك من الكفر إلى الإيمان؟ قال، فقال: إنّ اللّه عزّ و جلّ خلق النّاس كلّهم على الفطرة التي فطرهم عليها، لا يعرفون إيمانا بشريعة و لا كفرا بجحود، ثمّ بعث اللّه الرسل تدعوا العباد إلى الإيمان به، فمنهم من هدى اللّه، و منهم من لم يهده اللّه.(1)
لم نقف على تاريخ وفاة المترجم.
1) . الكليني، الكافي 416/2، كتاب الإيمان و الكفر، الباب 181، الحديث 1.
22 حمران بن أعين (1)(... - حدود 130 ه)
ابن سنسن الشيباني بالولاء، أبو الحسن أو أبو حمزة الكوفي، أحد أجلاّء التابعين، و أكابر علماء الشيعة.
لقي الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليهما السّلام.
و اختصّ بالإمامين محمّد الباقر و جعفر الصادق عليهما السّلام، و أخذ عنهما علما جمّا، و روى عنهما و عن: أبي الطفيل عامر بن واثلة الليثي الصحابي، و عبيد بن نضيلة، و غيرهما.
1) التاريخ الكبير 80/3 برقم 289، رجال البرقي 14 و 16، الجرح و التعديل 265/3 برقم 1185، رجال الكشي 157 برقم 71 (مؤسسة الأعلمي - كربلاء)، الثقات لابن حبان 179/4، الكامل لابن عدي 436/2 برقم 548/179، رسالة أبي غالب الزراري 129، الفهرست للنديم 322 (ضمن آل زرارة بن أعين)، رجال الطوسي 117 برقم 41 و 181 برقم 274، رجال ابن داود 134 برقم 518، رجال العلاّمة الحلي 63 برقم 5 و 59 (مع حجر بن زائدة)، تهذيب الكمال 306/7 برقم 1497، تاريخ الإسلام (سنة 121-140 ه) 402، ميزان الاعتدال 604/1 برقم 2292، غاية النهاية في طبقات القراء 261/1 برقم 1189، تهذيب التهذيب 25/3 برقم 32، نقد الرجال 118، جامع الرواة 278/1، بهجة الآمال 382/3، تنقيح المقال 370/1 برقم 3351، أعيان الشيعة 234/6، معجم رجال الحديث 255/6 برقم 4017، قاموس الرجال 412/3، موسوعة طبقات الفقهاء 330/1 برقم 123.
و أصبح فقيها، مقرئا، عالما بالنحو و اللغة، عارفا بالكلام و المناظرة، ذا منزلة رفيعة عند الإمامين الباقر و الصادق عليهما السّلام.
و كان يجلس مع أصحابه للمناظرة و المذاكرة بأمر آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتّى إذا خلطوا به حديثا آخر، ردّهم إليه فإن أصرّوا على تركه قام عنهم و تركهم.
و هو أحد المتكلّمين الذين تصدّوا لمناظرة الرجل الشامي بمحضر الإمام الصادق عليه السّلام، و قد خاطبه عليه السّلام - بعد خروجه من المناظرة ظافرا - بقوله: يا حمران تجري الكلام على الأثر فتصيب.(1)
توفّي حدود سنة ثلاثين و مائة أو قبلها.
1) . انظر الخبر في الكافي 171/1، باب الاضطرار إلى الحجّة، الحديث 4، و منه تظهر عناية الإمام الصادق بالعالم المتخصّص في فنّ من الفنون، و اهتمامه به من خلال نقده و توجيهه و تقييمه و تشجيعه.
23 الفراهيدي (1)(96-170 ه)
الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي اليحمدي الأزدي، أبو عبد الرحمان البصري، اللغوي، العروضي، أحد أجلاّء علماء الشيعة.
ولد بالبصرة سنة ست و تسعين.(2)
و أخذ عن: أبي عمرو بن العلاء، و أيوب السختياني، و عاصم الأحول، و العوام بن حوشب، و غالب القطان، و عيسى بن عمر الثقفي، و آخرين.
1) مروج الذهب 233/4 (ط. دار الأندلس)، الثقات لابن حبان 229/8، الفهرست للنديم 69 (ط. الاستقامة - القاهرة)، معجم الأدباء 72/11 برقم 17، الكامل لابن الأثير 50/6 (حوادث سنة 160 ه)، تهذيب الأسماء و اللغات 177/1 برقم 149، وفيات الأعيان 244/2 برقم 220، رجال ابن داود 141 برقم 564، رجال العلاّمة الحلي 67 برقم 10، تهذيب الكمال 326/8 برقم 1725، مرآة الجنان 362/1، البداية و النهاية 166/10، تهذيب التهذيب 163/3 برقم 312، بغية الوعاة 557/1 برقم 1172، كشف الظنون 1136/2، 1438، 1441، 1467، شذرات الذهب 275/1، روضات الجنات 289/3 برقم 294، إيضاح المكنون 277/2، 307، 344، تأسيس الشيعة 150، 178، أعيان الشيعة 337/6، الأعلام 314/2، معجم المؤلفين 112/4، معجم رجال الحديث 76/7 برقم 4337، قاموس الرجال 29/4، مستدركات أعيان الشيعة 75/3، 147/5.
2) . و قيل: سنة (100 ه).
و برع في النحو و اللغة، و ابتكر علم العروض، و ضبط لغة العرب كلّها في كتاب.
و كان عالما وقورا، زاهدا، حسن الكلام، بعيد الأفق، واسع العلم و الثقافة.
أخذ عنه: الأصمعي، و سيبويه، و النضر بن شميل، و علي بن نصر الجهضمي، و مؤرج السدوسي، و حماد بن زيد، و آخرون.
و تعاطى الكلام، و قد ألّف فيه كتابا، اشتمل على موضوعات منها التوحيد و العدل.(1)
و ذكر له صاحب «أعيان الشيعة» كتابا في الإمامة، و قال: أورده بتمامه محمد ابن جعفر المراغي(2)في كتابه و سمّاه كتاب الخليلي.(3)
و له أيضا: كتاب العين (ط) في اللغة، كتاب العروض، معاني الحروف، النقط و الشكل، تفسير حروف اللغة، و النغم.
توفّي بالبصرة سنة سبعين و مائة.(4)
و قد أثرت عنه كلمات و حكم، منها قوله في علي عليه السّلام:
استغناؤه عن الكلّ، و احتياج الكلّ إليه، دليل على أنّه إمام الكلّ.
1) . ذكر هذا الكتاب أبو عمرو الجاحظ، و بالغ في ذمّه (ربّما لدوافع مذهبية)، و قال: و لو لا أن... حكيت صدر كتابه في التوحيد، و بعض ما وصفه في العدل. انظر مروج الذهب 233/4 (أيام الراضي باللّه)، ط. دار الأندلس.
2) . للمراغي هذا ترجمة في رجال النجاشي 318/2 برقم 1054.
3) . إذا ثبت أنّ للخليل كتابا في الإمامة، فمن المحتمل أن يكون جزءا من كتابه في الكلام الذي ذكره الجاحظ.
4) . و قيل: سنة (175 ه)، و قيل غير ذلك.
و قال له يونس النحوي: ما بال أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كأنّهم كلّهم بنو أمّ واحدة، و عليّ كأنّه ابن علّة؟ فقال الخليلي: إنّ عليّا عليه السّلام تقدّمهم إسلاما، وفاقهم علما، و بذّهم شرفا، و رجحهم زهدا، و طالهم جهادا، و الناس إلى أشكالهم و أشباههم أميل إلى من بان منهم.
و قال: ما أجيب بجواب حتّى أعرف ما فيه عليّ من الاعتراضات و المؤاخذات.
و من شعره:
لو كنت تعلم ما أقول عذرتني *** أو كنت تجهل ما أقول عذلتكا
لكن جهلت مقالتي فعذلتني *** و علمت أنّك جاهل فعذرتكا
24 زرارة بن أعين (1)(... - 150 ه)
ابن سنسن الشيباني بالولاء، أبو الحسن و أبو علي الكوفي، أحد رجال الشيعة البارزين.
كان قارئا، فقيها، متكلّما، شاعرا، أديبا.(2)
تلّمذ للإمامين محمد الباقر و ولده جعفر الصادق عليهما السّلام، و انقطع إليهما، و ارتفع شأنه عندهما.
و أخذ أيضا عن لفيف من رجال مدرسة أهل البيت كأخيه حمران، و الفضيل
1) رجال البرقي 16، 47، مقالات الإسلاميين للأشعري 36 و 43، الجرح و التعديل 604/3 برقم 2731، رجال الكشي 121 برقم 62، الفهرست للنديم 322، الفرق بين الفرق 70 برقم 65، رجال النجاشي 397/1 برقم 461، رجال الطوسي 123 برقم 16 و 201 برقم 90، فهرست الطوسي 100 برقم 314، رجال ابن داود 155 برقم 619، رجال العلاّمة الحلي 76 برقم 2، ميزان الاعتدال 69/2 برقم 2853، لسان الميزان 473/2 برقم 1908، مجمع الرجال 49/3، نقد الرجال 136 برقم 1، جامع الرواة 324/1، منتهى المقال 250/3 برقم 1173، بهجة الآمال 161/4، تنقيح المقال 438/1 برقم 4213، أعيان الشيعة 46/7، الأعلام 43/3، معجم رجال الحديث 218/7 برقم 4662، قاموس الرجال 154/4، موسوعة طبقات الفقهاء 207/2 برقم 422، معجم التراث الكلامي 249/1 برقم 884.
2) . رجال النجاشي.
ابن يسار النهدي، و محمد بن مسلم الطائفي، و عبد اللّه بن عجلان.
و صار من مشاهير العلماء فقها و حديثا و معرفة بالكلام.
قال أبو علي الزراري: كان خصما جدلا لا يقوم أحد لحجّته، صاحب إلزام و حجّة قاطعة، إلاّ أنّ العبادة أشغلته عن الكلام، و المتكلّمون من الشيعة تلامذته.
صنّف كتابا في الاستطاعة و الجبر.
و نسبت إليه أقوال و آراء كلامية باطلة، و فرقة تسمّى الزّرارية، و قد أنكر علماء الشيعة ذلك، و قالوا: إنّه ثقة، و صحيح العقيدة، و متكلّم حاذق.(1)
توفّي سنة خمسين و مائة.(2)
25 أبو الجارود (1)(... - بعد 150 ه)
زياد بن المنذر الهمداني(2)الخارفي(3)، أبو الجارود الكوفي، الأعمى، أحد علماء الزيدية.
روى عن الإمامين محمّد الباقر و جعفر الصادق عليهما السّلام، و عن: الشهيد زيد بن علي، و الأصبغ بن نباتة، و الحسن البصري، و عبد اللّه بن الحسن بن الإمام الحسن عليه السّلام، و عطية بن سعد العوفي، و غيرهم.
1) التاريخ الكبير 371/3 برقم 1255، رجال البرقي 13، المعرفة و التاريخ 38/3، مقالات الإسلاميين للأشعري 67/1، رجال الكشي 199 برقم 104، الفهرست للنديم 267 (ط الاستقامة - القاهرة)، الفرق بين الفرق 30 برقم 49، رجال النجاشي 387/1 برقم 446، رجال الطوسي 122 برقم 4 و 197 برقم 31، فهرست الطوسي 98 برقم 305، الملل و النحل للشهرستاني 157/1، رجال ابن داود 454 برقم 186، تهذيب الكمال 517/9 برقم 2070، تهذيب التهذيب 386/3 برقم 704، مجمع الرجال 73/3، نقد الرجال 142 برقم 35، جامع الرواة 339/1، هداية المحدثين 68، بهجة الآمال 217/4، أعيان الشيعة 83/7، الأعلام 55/3، معجم المؤلفين 188/4، معجم رجال الحديث 321/7 برقم 4805، 76/21 برقم 14001، قاموس الرجال 228/4، بحوث في الملل و النحل للسبحاني 453/7، موسوعة طبقات الفقهاء 219/2 برقم 430، أعلام المؤلفين الزيدية 436 برقم 426.
2) . و قيل: العبدي، و قيل: الثقفي.
3) . نسبة إلى خارف: بطن من همدان، نزلوا الكوفة. الأنساب للسمعاني 9/5.
و روى عنه: إسماعيل بن أبان الوراق، و عبد اللّه بن الزبير الأسدي الشاعر، و علي بن هاشم بن البريد، و عمرو بن أبي المقدام، و محمد بن سنان الزاهري، و نصر بن مزاحم المنقري، و آخرون.
و ألّف كتابا في التفسير، رواه عن الباقر عليه السّلام، و رواه عنه كثير بن عياش القطّان.
و انتسبت إليه إحدى فرق الزيدية، المسمّاة بالجارودية، و التي تذهب إلى: أنّ علي بن أبي طالب عليه السّلام أفضل الخلق بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أولاهم بالأمر من جميع الناس، و تبرّأت من أبي بكر و عمر، و قالت: إنّ الإمامة مقصورة في ولد فاطمة عليها السّلام، و أنّها لمن خرج منهم يدعو إلى كتاب اللّه و سنّة نبيّه، و علينا نصرته و معونته لقول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: من سمع داعينا أهل البيت، فلم يجبه، أكبّه اللّه على وجهه في النار.
و قالت أيضا: الحلال حلال آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و الحرام حرامهم، و الأحكام أحكامهم، و عندهم جميع ما جاء به النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كله كامل عند صغيرهم و كبيرهم...
و ذكر عبد القاهر البغدادي أنّ أتباع أبي الجارود قد زعموا أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نصّ على إمامة عليّ بالوصف دون الاسم، و زعموا أيضا أنّ الصحابة كفروا بتركهم بيعة عليّ.(1)
توفّي أبو الجارود بعد سنة خمسين و مائة.
1) . قد مرّ عليك أنّهم تبرّأوا من أبي بكر و عمر، فلا نعلم مدى صحة قول عبد القاهر بأنّهم كفّروا الصحابة.
26 زيد بن علي (1)(67-122 ه)
ابن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو الحسين المدني، الشهيد، إمام الزيدية.
1) طبقات ابن سعد 325/5، 316/6، التاريخ الكبير 403/3 برقم 1341، المعرفة و التاريخ 807/2، 75/3 و 76، أنساب الأشراف 229/3-259، تاريخ اليعقوبي 325/2 (ط. دار صادر)، الكنى و الأسماء للدولابي 149/1، تاريخ الطبري 482/5، الجرح و التعديل 568/3 برقم 2578، العقد الفريد 225/5، الثقات لابن حبان 249/4، 313/6، مقتل الطالبيين 127، الملل و النحل للشهرستاني 153/1، المنتظم لابن الجوزي 207/7-212 و 218 برقم 655، الكامل لابن الأثير 242/5، وفيات الأعيان 122/5 (ضمن الترجمة 699)، 110/6 (ضمن الترجمة 786)، مختصر تاريخ دمشق 149/9 برقم 65، تهذيب الكمال 95/10 برقم 2120، سير أعلام النبلاء 389/5 برقم 178، العبر 118/1، الوافي بالوفيات 33/15 برقم 36، فوات الوفيات 35/2 برقم 160، مرآة الجنان 257/1، البداية و النهاية 324/9، تهذيب التهذيب 419/3 برقم 769، النجوم الزاهرة 286/1 و 288، شذرات الذهب 158/1، أعيان الشيعة 107/7-125، زيد الشهيد للسيد عبد الرزاق المقرّم، الأعلام 59/3، معجم رجال الحديث 345/7 برقم 4870، قاموس الرجال 259/4، موسوعة طبقات الفقهاء 222/2 برقم 432، أعلام المؤلفين الزيدية 439 برقم 430.
ولد في المدينة المنوّرة سنة سبع و ستين.(1)
و نشأ في كنف والده الإمام زين العابدين عليه السّلام، و تلقّى عنه و عن أخيه الإمام محمد بن علي الباقر عليه السّلام العلوم و المعارف.
و سما مقامه في دنيا العلم و العمل و الجهاد.
و كان فقيها، قارئا، مناظرا، خطيبا، من أباة الضيم البارزين.
حدّث، و ناظر، و أقام بالكوفة يحرّض الناس على الثورة ضدّ الحكم الأموي الجائر، فبايعه كثيرون على الدعوة إلى الكتاب و السنّة، و جهاد الظالمين، و الدفع عن المستضعفين، و إعطاء المحرومين، و العدل في قسمة الفيء، و ردّ المظالم، و نصرة أهل البيت.
كتب هشام بن عبد الملك إلى يوسف بن عمر الثقفي والي العراق:
أشخص زيدا إلى بلده، فإنّه لا يقيم ببلد يدعو أهله إلاّ أجابوه، فإنّه جدل لسن حلو اللسان، فإن أعاره القوم أسماعهم فحشاها من لين لفظه مع ما يدلي به من قرابة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مالوا إليه.
و كان زيد قد دخل على هشام، فقال له هشام: أنت الطامع في الخلافة و أمّك أمة، فقال: لو كان في أمّ الولد تقصير لما بعث اللّه إسماعيل نبيّا و أمّه هاجر، فالخلافة أعظم أم النبوّة؟ فأفحم هشام.(2)
1) . اختلفت الأقوال في مولده: 80، 79، 78، 75 ه. بيد أنّنا اخترنا قول السيد عبد الرزاق المقرّم، حيث ذهب إلى أنّ المختار الثقفي بعث (في أيام ظهوره) بأمّ زيد إلى زين العابدين عليه السّلام، فعلقت بزيد في تلك السنة (66 أو 67 ه). يذكر أنّه ورد في «مقاتل الطالبيين» ص 86 أنّ أمّ زيد أهداها المختار لعليّ بن الحسين.
2) . ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق.
استشهد في الكوفة سنة اثنتين و عشرين و مائة(1)، ثمّ نبش من قبره و صلب، ثمّ أحرق بعد ذلك.
و قد ترك آثارا عديدة، منها: مسند الإمام زيد بن علي (ط) و يشمل (المجموع الفقهي و المجموع الحديثي)، و رسالة تثبيت الإمامة (ط)، و رسالة تثبيت الوصية (ط)، و جواب على واصل بن عطاء (ط) في الإمامة، و الردّ على المرجئة (ط)، و مناظرة أهل الشام (ط)، و الردّ على المجبّرة (ط)، و مقالاته عن المتعة و الإمامة و بعض أخباره، و كلام له في وصف الإمام و كيف يكون، و كتاب الصفوة (ط)، و غير ذلك.(2)
27 سليمان بن جرير (3)(... - حيّا قبل 187 ه)
الرقّي، أحد متكلّمي الزيدية.
لم نقف على أسماء مشايخه الذين أخذ عنهم العلم، و لكنّه - على أية حال - كان متقدّما في علم الكلام، و قد برز كأحد المتكلّمين المعروفين لدى بلاط هارون الرشيد.
و هو أحد الذين دعاهم يحيى البرمكي(1)للمناظرة في مجلسه الذي كان يعقده ببغداد، و جرت بينه و بين هشام بن الحكم الإمامي - في ذلك المجلس - مناظرة في مسألة الإمامة، ذكرها أبو عمرو الكشي.(2)
و كان سليمان يقول - و تبعته في ذلك فرقة عرفت بالسليمانية أو الجريرية -:
إنّ الصحابة تركوا الأصلح بتركهم مبايعة عليّ لأنّه كان أولاهم بها، إلاّ أنّ الخطأ في بيعة أبي بكر و عمر لا يبلغ درجة الفسق، و إنّما كان خطأ اجتهاديا، غير أنّه طعن في عثمان للأحداث التي أحدثها، و أكفره بذلك.
لم نظفر بتاريخ وفاة المترجم.
28 أبو مالك الحضرمي (3)(... - حيّا قبل 183 ه)
الضحاك الحضرمي، الكوفي، أبو مالك.
1) . نكب (كسائر البرامكة) على يد الرشيد عام (187 ه)، و توفّي (190 ه). انظر الأعلام 144/8.
2) . رجال الكشي 223-225 (ضمن ترجمة هشام بن الحكم).
3) مقالات الإسلاميين للأشعري 42، 43، 51، 516، الفهرست للنديم 266 (ط. الاستقامة - القاهرة)، رجال النجاشي 451/1 برقم 544، رجال ابن داود 189 برقم 773، رجال العلاّمة الحلي 90 برقم 2، نقد الرجال 174 برقم 2، جامع الرواة 418/1، منتهى المقال 35/4 برقم 1486، تأسيس الشيعة 362، الذريعة 480/4 برقم 2134، معجم رجال الحديث 143/9 برقم 5944، قاموس الرجال 141/5، رسائل و مقالات للسبحاني 314 برقم 6، معجم التراث الكلامي 351/2 برقم 4108.
أدرك الإمام أبا عبد اللّه الصادق عليه السّلام، و اختلفوا في روايته عنه.
و روى عن الإمام موسى الكاظم عليه السّلام (المتوفّى 183 ه).
و صحب المتكلّم الشهير هشام بن الحكم، حتّى عدّ من رجاله.
و كان محدّثا، متكلّما، له آراء كلامية.
ألّف كتابا في التوحيد، رواه عنه علي بن الحسن الجرمي الطاطري.
و اختلف هو و محمد بن أبي عمير في إحدى مسائل الإمامة، قال ابن أبي عمير: الدنيا كلّها للإمام عليه السّلام على جهة الملك و أنّه أولى بها من الذين هي في أيديهم، و قال أبو مالك: ليس كذلك، أملاك الناس لهم إلاّ ما حكم اللّه به للإمام من الفيء و الخمس و المغنم، فذلك له، و ذلك أيضا قد بيّن اللّه للإمام أين يضعه و كيف يصنع به، فتراضيا بهشام بن الحكم، و صارا إليه، فحكم هشام لأبي مالك...(1)
لم نظفر بتاريخ وفاة المترجم.
1) . الكليني، الكافي 409/1-410، باب أنّ الأرض كلّها للإمام.
29 عبد الأعلى بن أعين (1)(... - حيّا نحو 150 ه)
الكوفي، مولى آل سام.
تلمّذ للإمام أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام، و روى عنه روايات عديدة في مختلف حقول الشريعة.
و حدّث، و أفتى، و ناظر و جادل.
روى عنه: ثعلبة بن ميمون، و علي بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم التمّار المتكلّم، و حماد بن عثمان الفزاري (المتوفّى 190 ه)، و علي بن رئاب، و مرازم بن حكيم المدائني، و آخرون.
قال عبد الأعلى: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: إنّ الناس يعيبون عليّ (الكلام)، و أنا أكلّم الناس. فقال: أمّا مثلك، مثل من يقع ثمّ يطير فيقم، و أمّا من يقع ثمّ لا
1) رجال البرقي 24، رجال الكشي 271 برقم 151، رجال الطوسي 238 برقم 237 و 239، رجال ابن داود 220 برقم 914، رجال العلاّمة الحلي 127 برقم 2، مجمع الرجال 253/3 و 254، نقد الرجال 181 برقم 1 و 6، جامع الرواة 435/1 و 436، هداية المحدثين 90، بهجة الآمال 122/5، تنقيح المقال 132/2 برقم 6255 و 6261، معجم رجال الحديث 254/9 برقم 6221 و ص 256 برقم 6230، قاموس الرجال 255/5 و 256، موسوعة طبقات الفقهاء 290/2 برقم 479.
يطير، فلا.(1)
و قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قول العامة: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: من مات و ليس له إمام مات ميتة جاهلية، فقال: الحقّ و اللّه، قلت: فإن إماما هلك و رجل بخراسان لا يعلم من وصيّه لم يسعه ذلك؟ قال: لا يسعه، إنّه إذا هلك وقعت حجّة وصيّه على من هو معه في البلد، و حقّ النفر على من ليس بحضرته إذا بلغهم، إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: فَلَوْ لاٰ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي اَلدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (2)قلت: فنفر قوم فهلك بعضهم قبل أن يصل فيعلم؟ قال: إنّ اللّه جلّ و عزّ يقول: وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهٰاجِراً إِلَى اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ اَلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اَللّٰهِ (3)، قلت: فبلغ البلد بعضهم فوجدك مغلقا عليك بابك، و مرخى عليك سترك، لا تدعوهم إلى نفسك، و لا يكون من يدلّ عليك، فبم يعرفون ذلك؟ قال: بكتاب اللّه المنزل، قلت: فيقول اللّه جلّ و عزّ كيف؟ قال: أراك قد تكلّمت في هذا قبل اليوم؟، قلت: أجل، قال: فذكّر ما أنزل اللّه في عليّ عليه السّلام، و ما...(4)
لم نظفر بتاريخ وفاة المترجم.
30 ابن بكير (1)(... - حيّا حدود 175 ه)
عبد اللّه بن بكير بن أعين بن سنسن الشيباني بالولاء، أبو علي الكوفي، أحد كبار علماء الشيعة.
تلمّذ للإمام الصادق عليه السّلام، و روى عنه و عن جمع من أعلام مدرسة أهل البيت، منهم: عمّاه زرارة و حمران ابنا أعين، و بريد العجلي، و الفضيل بن يسار النهدي، و محمد بن مسلم الثقفي، و ابن عمّه عبيد بن زرارة، و غيرهم.
و كان فقيها، كثير الحديث.
روى عنه: محمد بن أبي عمير (المتوفّى 217 ه)، و فضالة بن أيوب الأزدي،
1) رجال البرقي 22، فرق الشيعة للنوبختي 79، 112، مقالات الإسلاميين للأشعري 43/1، رجال الكشي 294 برقم 189 (مؤسسة الأعلمي - كربلاء)، رسالة أبي غالب الزراري 114 و 131، الفهرست للنديم 286، 322 (ط. الاستقامة - القاهرة)، رجال النجاشي 23/2 برقم 579، رجال الطوسي 224 برقم 27 و 226 برقم 58، فهرست الطوسي 188 برقم 405، معالم العلماء 77 برقم 517، رجال ابن داود 199 برقم 828، رجال العلاّمة الحلي 106 و 107، التحرير الطاووسي 168 برقم 223، مجمع الرجال 268/3، نقد الرجال 195، جامع الرواة 473/1، هداية المحدثين 202، رجال بحر العلوم 228/1، بهجة الآمال 203/5، تنقيح المقال 171/2 برقم 6768، أعيان الشيعة 48/8، معجم رجال الحديث 122/10 برقم 6724، 160/22 برقم 15039، قاموس الرجال 399/5، موسوعة طبقات الفقهاء 329/2 برقم 512.
و عبد اللّه بن جبلة الكناني (المتوفّى 219 ه)، و أحمد بن محمد بن أبي نصر (المتوفّى 221 ه)، و جعفر بن بشير البجلي، و عدّة.
و ألّف كتابا في الأصول.(1)
و ذكره الأشعري في عداد زعماء إحدى الفرق التي تضمّ عددا من المتكلّمين كهشام بن سالم الجواليقي، و زرارة، و محمد بن حكيم الخثعمي، و نسب إليهم رأيا في الاستطاعة.
لم نظفر بتاريخ وفاة المترجم.
31 ابن مسكان (2)(... - قبل 183 ه)
عبد اللّه بن مسكان العنزي بالولاء، أبو محمد الكوفي، أحد علماء الشيعة البارزين.
1) . الفهرست للنديم 79 ط الاستقامة بالقاهرة.
2) رجال البرقي 22، رجال الكشي 327 برقم 242 (مؤسسة الأعلمي - كربلاء)، رجال النجاشي 9/2 برقم 557، رجال الطوسي 264 برقم 675، معالم العلماء 74 برقم 494، رجال ابن داود 213 برقم 888، رجال العلاّمة الحلي 106 برقم 22، التحرير الطاووسي 168 برقم 224، مجمع الرجال 52/4، نقد الرجال 257 برقم 246، جامع الرواة 507/1، منتهى المقال 236/4 برقم 1800، بهجة الآمال 285/5، تنقيح المقال 216/2 برقم 7073، معجم رجال الحديث 324/10 برقم 7161، 31/23 برقم 15151، قاموس الرجال 142/6، موسوعة طبقات الفقهاء 348/2 برقم 525.
أخذ عن الإمامين أبي عبد اللّه الصادق و أبي الحسن الكاظم عليهما السّلام، و عن فريق من رجال مدرسة أهل البيت، أبرزهم: محمد بن علي بن أبي شعبة الحلبي، و أبو بصير ليث بن البختري المرادي، و منصور بن حازم البجلي، و زرارة بن أعين، و محمد بن مسلم الطائفي، و الفضل بن عبد الملك البقباق.
و كان فقيها، كثير الرواية في شتى حقول الشريعة.
ألّف كتابا في الإمامة، و كتابا في الحلال و الحرام.
قال ابن مسكان: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن اللّه عن اللّه تبارك و تعالى أكان يعلم المكان قبل أن يخلق المكان، أم علمه عند ما خلقه و بعد ما خلقه؟ فقال: تعالى اللّه، بل لم يزل عالما بالمكان قبل تكوينه كعلمه به بعد ما كوّنه، و كذلك علمه بجميع الأشياء كعلمه بالمكان.(1)
توفّي في أيّام الإمام موسى الكاظم عليه السّلام (المتوفّى 183 ه).
1) . الصدوق، التوحيد 137، باب العلم (10)، الحديث 9.
32 ابن رئاب (1)(... - حيا بعد 148 ه)
علي بن رئاب التميمي الأسيّدي(2)، أبو الحسن الكوفي، أحد مشايخ الشيعة.
تلقّى العلم عن الإمامين أبي عبد اللّه الصادق و أبي الحسن الكاظم عليهما السّلام، و روى عنهما، و عن فريق من أعلام مدرسة أهل البيت كأبي حمزة الثمالي، و بريد بن معاوية العجلي، و فضيل بن يسار النهدي، و أبان بن تغلب البكري، و محمد بن مسلم الثقفي.
و كان عالما كبيرا، واسع الرواية، جليل القدر، مقدّما في أصحابه.
1) رجال البرقي 25، مروج الذهب 28/4 برقم 2192، الفهرست للنديم 322 (ط. الاستقامة - القاهرة)، رجال النجاشي 70/2 برقم 655، رجال الطوسي 243 برقم 316، فهرست الطوسي 113 برقم 377، معالم العلماء 62، رجال العلامة الحلي 93، سير أعلام النبلاء 264/5 (ضمن ترجمة أخيه هارون المرقمة 123)، مجمع الرجال 194/4، نقد الرجال 235، جامع الرواة 579/1، بهجة الآمال 442/5، تنقيح المقال 288/2 برقم 8282، معجم رجال الحديث 17/12 برقم 8125، قاموس الرجال 489/6، مستدركات أعيان الشيعة 148/3.
2) . كذا في «الأنساب» للسمعاني و «سير أعلام النبلاء» عند ذكر أخيه هارون بن رئاب، و في رجال النجاشي: مولى جرم، بطن من قضاعة، و قيل مولى بني سعد بن بكر. و (الأسيّدي): نسبة إلى أسيّد، و هو بطن من تميم. الأنساب 159/1.
ألّف كتبا، منها: كتاب الوصية و الإمامة، و كتاب الديات.
و كان يجتمع مع أخيه اليمان (من كبار الخوارج) في كلّ سنة ثلاثة أيّام يتناظران فيها ثمّ يفترقان.(1)
لم نقف على تاريخ وفاته.
33 علي بن صالح (2)(100-154 ه)
ابن صالح بن مسلم بن حيّ الهمداني الثوري، أبو الحسن (أو أبو محمّد) الكوفي، أخو الحسن(3)بن صالح، و هما توأمان.
ولد سنة مائة.
1) . انظر مروج الذهب. و في سير أعلام النبلاء: يمان و هارون و علي بنو رئاب، فهارون من أئمّة السنّة، و يمان من أئمّة الخوارج، و علي من أئمّة الروافض.
2) طبقات ابن سعد 374/6-375، طبقات خليفة 286 برقم 1283، التاريخ الكبير 280/6 برقم 2404، الجرح و التعديل 190/6 برقم 1048، مقاتل الطالبيين 276-277 (ط. دار الكتب)، حلية الأولياء 327/7 برقم 400، رجال الطوسي 241 برقم 291، تهذيب الكمال 464/20 برقم 4084، سير أعلام النبلاء 371/7 برقم 135، تهذيب التهذيب 332/7 برقم 560، شذرات الذهب 263/1، مستدركات علم رجال الحديث 388/5 برقم 1009، معجم رجال الحديث 63/12 برقم 8206، قاموس الرجال 9/7.
3) . المتوفّى (169 ه)، و قد مضت ترجمته.
و روى عن الإمام جعفر الصادق عليه السّلام، و عن: سلمة بن كهيل، و سليمان الأعمش، و منصور بن المعتمر، و أبي إسحاق السبيعي، و إبراهيم بن مهاجر البجلي، و غيرهم.
و كان متكلّما(1)، من كبار الشيعة الزيدية.
تصدّى للإقراء، فتلا عليه عبيد اللّه بن موسى.
و حدّث، فروى عنه: أخوه الحسن، و سفيان بن عيينة، و وكيع بن الجراح، و أبو نعيم الفضل بن دكين، و عدّة.
توفّي سنة أربع و خمسين و مائة.(2)
قال الحسن: لما حضر أخي رفع بصره، ثمّ قال: مَعَ اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللّٰهُ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلنَّبِيِّينَ وَ اَلصِّدِّيقِينَ وَ اَلشُّهَدٰاءِ وَ اَلصّٰالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولٰئِكَ رَفِيقاً (3)، ثمّ خرجت نفسه.
34 علي بن منصور (1)(... - حيّا قبل 187 ه)
الكوفي، البغدادي، من أصحاب المتكلّم الشهير هشام بن الحكم، يكنّى أبا الحسن.
قال المسعودي: كان إماميّ المذهب، من نظّار الشيعة في وقته.
اختصّ بهشام، و أفاد منه في علم الكلام، و سجّل آراءه و مقالاته في هذا المجال، و روى عنه، و عن: إبراهيم بن عبد الحميد الأسدي الأنماطي، و إسماعيل الجوزي، و كلثوم بن عبد المؤمن الحرّاني.
روى عنه: الحسين بن سعيد الأهوازي، و علي بن أسباط بن سالم الكندي، و يونس بن يعقوب بن قيس البجلي (المتوفّى بعد 183 ه)، و غيرهم.
و ألّف كتاب التدبير في التوحيد و الإمامة، جمعه من كلام أستاذه هشام.
و اشتهر بغداد كمتكلّم و مناظر بارز.
1) مقالات الإسلاميين للأشعري 63/1، رجال الكشي 220 برقم 131 (ضمن ترجمة هشام بن الحكم)، مروج الذهب 238/4 برقم 2572، رجال النجاشي 71/2 برقم 656 و ص 398 برقم 1165 (ضمن ترجمة هشام بن الحكم)، نقد الرجال 244 برقم 240، جامع الرواة 603/1، منتهى المقال 73/5 برقم 2118، الذريعة 18/4 برقم 50، مستدركات علم رجال الحديث 483/5 برقم 10752، معجم رجال الحديث 187/12 برقم 1528، قاموس الرجال 65/7.
و كان من حضّار مجلس يحيى بن خالد البرمكي(1)الذي كان يعقده ببغداد للمناظرة في المسائل الكلامية و الفلسفية، و يرتاده جمع من أهل البحث و النظر من متكلّمي الإسلام و غيرهم.
لم نقف على تاريخ وفاة المترجم.
35 أبو خالد الواسطي (2)(... - بعد 150 ه)
عمرو بن خالد القرشي بالولاء، أبو خالد الكوفي ثمّ الواسطي، أحد علماء الشيعة الزيدية.
روى عن الإمام محمد الباقر عليه السّلام، و عن: الشهيد زيد بن علي و أكثر عنه، و حبيب بن أبي ثابت، و أبي حمزة الثمالي، و آخرين.
1) . نكب مع سائر البرامكة سنة (187 ه) و توفّي سنة (190 ه).
2) فرق الشيعة للنوبختي 54، رجال الكشي 333 برقم 250، الفهرست للنديم 322 (ط. الاستقامة - القاهرة)، رجال النجاشي 134/2 برقم 769، رجال الطوسي 131 برقم 690، فهرست الطوسي 220 برقم 869، رجال ابن داود 488 برقم 354، رجال العلاّمة الحلي 241، ميزان الاعتدال 257/3 برقم 6359، تقريب التهذيب 69/2 برقم 572، التحرير الطاووسي 190 برقم 271، مجمع الرجال 284/4، نقد الرجال 250 برقم 34، جامع الرواة 620/1، هداية المحدثين 220، 281، بهجة الآمال 592/5، تنقيح المقال 330/2 برقم 8691، معجم رجال الحديث 93/13 برقم 8893، 143/21 برقم 14216، قاموس الرجال 145/7، بحوث في الملل و النحل للسبحاني 134/7، موسوعة طبقات الفقهاء 426/2 برقم 584.
حدّث بالكوفة، و انتقل إلى واسط، فحدّث بها.
روى عنه: الحسين بن علوان الكلبي، و أبان بن عثمان، و يونس بن بكير، و أبو حفص الأبّار، و إسرائيل بن يونس، و غيرهم.
و ألّف كتابا كبيرا، رواه عنه نصر بن مزاحم المنقري (المتوفّى 212 ه).
و كان من رؤساء الزيدية(1)، و من متكلّميهم(2)، و له أتباع أخذوا بمقالاته.
قال ابن حجر: توفّي بعد سنة (120 ه).
أقول: يبدو أنّه بقي إلى منتصف القرن الثاني، أو بعده، لرواية المنقري عنه.
36 عيسى بن روضة (3)(... - حيّا بعد 136 ه)
الهاشمي بالولاء، التابعي.(4)
1) . رجال الكشي 201 برقم 106 (ضمن ترجمة محمد بن سالم بيّاع القصب).
2) . الفهرست للنديم.
3) رجال النجاشي 145/2 برقم 794، رجال ابن داود 267 برقم 1149، مجمع الرجال 301/4، نقد الرجال 261 برقم 21، جامع الرواة 650/1، منتهى المقال 165/5 برقم 2245، تنقيح المقال 360/2 برقم 9301، تأسيس الشيعة 350 (ضمن ترجمة واصل بن عطاء)، أعيان الشيعة 383/8، معجم رجال الحديث 186/3 برقم 9175، قاموس الرجال 270/7، رسائل و مقالات للسبحاني 314 برقم 5، معجم التراث الكلامي 468/1 برقم 2016.
4) . وصفه بذلك صاحب «أعيان الشيعة».
كان متكلّما، جيّد الكلام.
ألّف كتابا في الإمامة، رآه أحمد بن طيفور (أبي طاهر) الخراساني البغدادي (المتوفّى 280 ه)، ذكر ذلك في كتابه «تاريخ بغداد».(1)
و هو أوّل من صنّف في علم الكلام.(2)
قيل: إنّ المنصور العباسي لمّا كان بالحيرة، تسمّع على عيسى بن روضة، و كان مولاه، و هو يتكلّم في الإمامة، فأعجب به، و استجاد كلامه.
لم نظفر بتاريخ وفاته.
و كان المنصور قد ولي الخلافة سنة (136 ه).
37 فضّال بن الحسن (3)(... - حيّا قبل 150 ه)
ابن فضّال الكوفي، المتكلّم الشيعي.
وصفه السيد حسن الصدر بالمتكلّم المشهور، و قال: ما ناظر أحدا من
1) . طبع منه الجزء السادس، و يحتوي على أخبار المأمون من دخوله بغداد (204 ه) إلى وفاته (218 ه).
2) . تأسيس الشيعة.
3) كنز الفوائد للكراجكي 294/1، الاحتجاج للطبرسي 315/2 برقم 259 (انتشارات أسوة)، بحار الأنوار 400/47، تأسيس الشيعة 359-360، معجم رجال الحديث 261/13 برقم 9322، قاموس الرجال 313/7، رسائل و مقالات للسبحاني 316 برقم 10.
الخصوم إلاّ قطعه.
ناظر أبا حنيفة (المتوفّى 150 ه) في مسألة الأفضلية، و جرى بينهما حوار، نذكر طرفا منه.
قال أبو حنيفة: كفى بمكانهما (يعني أبا بكر و عمر) من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كرما و فخرا، أما علمت أنّهما ضجيعاه في قبره؟
قال فضال: أنت تعلم أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مات عن تسع نساء، و نظرنا فإذا لكلّ واحدة منهنّ تسع الثمن، ثمّ نظرنا في تسع الثمن، فإذا هو شبر في شبر، فكيف يستحقّ الرجلان أكثر من ذلك؟ و بعد، فما بال عائشة و حفصة ترثان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و فاطمة ابنته منعت الميراث؟!
فقال أبو حنيفة: يا قوم نحّوه عني...
لم نظفر بتاريخ وفاة المترجم.
و آل فضّال أسرة معروفة بالكوفة، منهم الحسن(1)بن علي بن فضّال، و ابنه علي، و لا ندري إن كان المترجم له ينتمي إلى هذه الأسرة أم لا.
1) . المتوفّى (224 ه)، و ستأتي ترجمته.
38 النوبختي (1)(... - حيّا قبل 193 ه)
الفضل بن أبي سهل بن نوبخت، أبو سهل البغدادي، الفارسي الأصل، أحد كبار العلماء بالفلسفة و الكلام و النجوم.
عني بالترجمة، فنقل كثيرا من كتب (البهلويين) الأوائل في الحكمة الإشراقية من الفارسية إلى العربية.
و ولي خزانة كتب الحكمة لهارون الرشيد (المتوفّى 193 ه).
ذكره أبو الحسن علي بن يوسف القفطي (المتوفّى 646 ه) في كتابه «أخبار الحكماء»، و قال في وصفه: مشهور، من أئمّة المتكلّمين.
و قال السيد حسن الصدر عنه:
الفيلسوف المتكلّم و الحكيم المتألّه، وحيد في علوم الأوائل.
و لأبي سهل مؤلفات في مواضيع مختلفة، أكثرها في النجوم، منها: كتاب في الإمامة، كتاب النهمطان في المواليد، كتاب الفأل النجومي، كتاب المنتحل من
1) الفهرست للنديم 396، تأسيس الشيعة 364، أعيان الشيعة 360/2، 410/8-412، ريحانة الأدب 245/6 و 250، 147/7، الذريعة 332/2 برقم 1321، معجم المؤلفين 72/8، فلاسفة الشيعة 178.
أقاويل المنجمين في الأخبار و المسائل و المواليد، و كتاب التشبيه و التمثيل، و غير ذلك.
لم نظفر بتاريخ وفاته.
و لعلّه عاش حتى أدرك أوائل القرن الثالث.
39 الرّسان (1)(... - حيّا قبل 148 ه)
فضيل بن الزبير بن عمر بن درهم الأسدي، الكوفي، أخو عبد اللّه(2)
إذا كنت لا تدرين ما الموت فانظري إلى هانئ في السوق و ابن عقيل
إلى بطل قد هشّم السيف وجهه و آخر، يهوي من طمار قتيل في أبيات عديدة.
بن الزبير الأسدي المحدث الشاعر.أدرك فضيل الإمام محمد الباقر عليه السّلام و روى عنه، و اتّصل بأخيه الشهيد زيد
1) فرق الشيعة للنوبختي 55، 58، الفهرست للنديم 267، رجال الكشي 287 برقم 169 و 242 (ضمن ترجمة السيد الحميري المرقمة 133)، مقاتل الطالبيين 99-100 (تسمية من عرف ممن خرج مع زيد بن علي)، رجال الطوسي 132 برقم 2 و 271 برقم 22، جامع الرواة 9/2، منتهى المقال 208/5 برقم 2293، مستدركات علم رجال الحديث 221/6 برقم 11632، معجم رجال الحديث 326/13 برقم 9411، قاموس الرجال 328/7.
2) . و هو القائل في رثاء مسلم بن عقيل بن أبي طالب، و هانئ بن عروة المرادي اللّذين استشهدا قبل مجيء الحسين عليه السّلام إلى كربلاء:
ابن علي، و روى عنه، و اختصّ به، و صار من دعاته و أنصاره في ثورته ضدّ الحاكم الجائر.
و صحب الإمام جعفر الصادق (المتوفّى 148 ه)، و روى عنه، و عن جمع من الرواة، منهم: صالح بن ميثم، و أبو داود السبيعي، و أبو سعيد عقيصا، و يحيى بن أمّ الطويل.
عدّه محمّد بن إسحاق النديم من متكلّمي الزيدية، و قال: هو من أصحاب محمد بن علي (يعني الباقر عليه السّلام).
و ذكر الحسن بن موسى النوبختي الأقوياء من الزيدية، و عدّ أصحاب الرسّان منهم.
و للمترجم كتاب تسمية من قتل مع الحسين عليه السّلام.
لم نظفر بتاريخ وفاته.
40 قيس الماصر (1)(... - حيّا قبل 130 ه)
أحد أعلام متكلّمي الشيعة.
أدرك الإمام علي (زين العابدين) بن الحسين عليهما السّلام، و انتهل من علومه، و أخذ
1) الكافي 171/1، باب الاضطرار إلى الحجّة، الحديث 4، تأسيس الشيعة 358، أعيان الشيعة 458/8، معجم رجال الحديث 99/14 برقم 9672، رسائل و مقالات للسبحاني 314.
عنه الكلام، و صحب الإمام جعفر الصادق عليه السّلام (المتوفّى 148 ه).
و أصبح في عداد كبار المتكلّمين كحمران بن أعين، و محمّد بن علي بن النعمان البجلي (مؤمن الطاق)، و هشام بن سالم الجواليقي، بل كان - كما يرى يونس ابن يعقوب(1)- أحسنهم كلاما. و له تلامذة عكفوا عليه و اختصّوا به.(2)
ذكر يونس بن يعقوب أنّ رجلا شاميا ورد على الصادق عليه السّلام، و طلب منه مناظرة أصحابه، فقال لي عليه السّلام: انظر من ترى من المتكلّمين، فأدخله، فأدخلت حمران(3)... و قيس الماصر، و كان عندي أحسنهم كلاما. فلمّا ناظره قيس الماصر، قال له عليه السّلام: أنت و الأحوال (أي مؤمن الطاق) قفّازان حاذقان.(4)
لم نظفر بتاريخ وفاة المترجم.
و هو والد عمرو بن قيس الماصر، أحد الرواة عن الإمام محمد الباقر عليه السّلام، و إليه تعزى الفرقة الماصريّة (إحدى فرق المرجئة)، و يقال: إنّه زيدي بتري.(5)
1) . هو يونس بن يعقوب بن قيس البجلي الدّهني، الكوفي: أحد أعلام الفقهاء، ذو منزلة سامية عند الإمامين الصادق و الكاظم عليهما السّلام، له روايات كثيرة في كتب الإمامية الأربعة. توفّي بالمدينة بعد سنة (183 ه). انظر موسوعة طبقات الفقهاء 652/2 برقم 740.
2) . يفهم ذلك من قول الفضيل بن يسار: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام [الصادق] يقول لبعض أصحاب قيس الماصر: إنّ اللّه عزّ و جلّ أدّب نبيّه فأحسن أدبه... الكافي 266/1، باب التفويض إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و إلى الأئمّة في أمر الدين. الحديث 4.
3) . المتوفّى (حدود 130 ه)، و قد مضت ترجمته.
4) . انظر كتاب الكافي.
5) . الخوئي، معجم رجال الحديث 122/13 برقم 8971؛ و شريف يحيى الأمين، معجم الفرق الإسلامية 208.
41 النّوّاء (1)(... - حيّا نحو 135 ه)
كثير بن إسماعيل(2)النوّاء، أبو إسماعيل التيمي بالولاء، الكوفي، البتري الزيدي.
روى عن الإمامين أبي جعفر الباقر و أبي عبد اللّه الصادق عليهما السّلام، و عن: عبد اللّه ابن مليل البجلي، و عطية بن سعد العوفي، و محمد بن نشر الهمداني، و فاطمة بنت الإمام علي عليه السّلام، و آخرين.
روى عنه: منصور بن أبي الأسود، و أبو عقيل يحيى بن المتوكّل، و سفيان بن عيينة (107-198 ه)، و شريك بن عبد اللّه، و محمد بن فضيل بن غزوان (المتوفّى 195 ه)، و عبد الرحمان بن عبد اللّه المسعودي، و أبان بن عثمان الأحمر، و عدّة.
1) التاريخ الكبير 215/7 برقم 934، فرق الشيعة للنوبختي 13، 57، رجال الكشي 208 برقم 117، الجرح و التعديل 159/7 برقم 895، ثقات ابن حبان 353/7، الفرق بين الفرق 33 برقم 51، رجال الطوسي 134 برقم 4 و 277 برقم 6، الملل و النحل للشهرستاني 161/1، تهذيب الكمال 103/24 برقم 4935، ميزان الاعتدال 402/3 برقم 4935، تهذيب التهذيب 411/8 برقم 735، تقريب التهذيب 131/2 برقم 3، معجم رجال الحديث 108/14 برقم 9713، قاموس الرجال 412/7، بحوث في الملل و النحل للسبحاني 454/7، معجم الفرق الإسلامية لشريف الأمين 51-53.
2) . و قيل: نافع، و قيل: قاروند.
و انتمت إليه فرقة من الزيدية عرفت بالبترية(1)، و كانت تذهب إلى: أنّ عليّا عليه السّلام أفضل الناس بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و أولاهم بالإمامة، لكنّه سلّم الأمر لهم راضيا، و ترك حقّه راغبا، فنحن راضون بما رضي به، مسلّمون لما سلّم، و لو لم يرض عليّ بذلك، لكان أبو بكر هالكا، و توقّفوا في أمر عثمان، و لم يقدموا على ذمّه و لا على مدحه(2)، و جوّزوا إمامة المفضول و تأخير الفاضل و الأفضل، إذا كان الأفضل راضيا بذلك.
و قالوا أيضا: من شهر سيفه من أولاد الحسن و الحسين عليهما السّلام، و كان عالما زاهدا شجاعا، فهو الإمام.
لم نظفر بتاريخ وفاة المترجم.
1) . جعلهم عبد القاهر البغدادي أتباع رجلين: الحسن بن صالح، و كثير النوّاء الملقّب بالأبتر، في حين جعلهم الشهرستاني أتباع النوّاء فقط، و سمّى الفرقة التي تنتسب للحسن بن صالح بالصالحية، و قال: إنّهما متفقان في المذهب.
2) . و هي بهذا القول، تفترق عن السليمانية (أصحاب سليمان بن جرير الرقّي) التي تذهب إلى الطعن في عثمان.
42 الكميت بن زيد (1)(60-126 ه)
ابن خنيس بن مجالد الأسدي، الشاعر الفحل، أبو المستهل الكوفي.
ولد سنة ستين.
و اختلف إلى العلماء، حتّى ألمّ بمعارف عصره.
و مارس التعليم في مسجد الكوفة.
و نبغ في الشعر، و اشتهر به.
و اجتمعت فيه - كما يقول العتّابي - عشر خصال لم تجتمع في شاعر: كان خطيب قومه بني أسد، و فقيه الشيعة، و حافظ القرآن... و كان جدلا.
1) البيان و التبيين 36/1 و 37، رجال الكشي 179 برقم 84، مروج الذهب 66/4 برقم 2267 - 2272، تاريخ مدينة دمشق 229/50 برقم 5828، مختصر تاريخ دمشق 210/21 برقم 131، رجال العلاّمة الحلي 135 برقم 3، تاريخ الإسلام (سنة 121-140 ه) 210، سير أعلام النبلاء 388/5 برقم 177، مجمع الرجال 72/5، نقد الرجال 277، كشف الظنون 808/1، جامع الرواة 31/2، نسمة السحر بذكر من تشيّع و شعر 545/2 برقم 138، روضات الجنات 55/6 برقم 561، إيضاح المكنون 716/2، تنقيح المقال 41/2 برقم 9937، تأسيس الشيعة 351، أعيان الشيعة 33/9، ريحانة الأدب 117/1، الغدير 180/2-212، الأعلام 233/5، معجم المؤلفين 147/8، معجم رجال الحديث 125/14، قاموس الرجال 430/7، مستدركات أعيان الشيعة 130/1، أعلام المؤلفين الزيدية 789.
و قد وظّف قصائده الهاشميات - التي تغلب عليها النزعة العقلية و الطافحة بالحجج و البراهين - لخدمة عقيدته و مذهبه، حيث تجلّى فيها بوضوح حبّه لأهل البيت و إخلاصه لهم، و دفاعه عن حقّهم المشروع في الخلافة بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، الأمر الذي عرّضه لظلم و اضطهاد حكّام بني أمية، و تجنّي ذوي التعصب المقيت.
و هو أوّل شاعر رصد أكثر شعره لخدمة فكرة عقائدية معينة في العهد الأموي.(1)
قال الجاحظ: ما فتح لشيعة الحجاج إلاّ الكميت بقوله:
فإن هي لم تصلح لحيّ سواهم *** فإنّ ذوي القربى أحقّ و أوجب
يقولون لم يورث و لو لا تراثه *** لقد شركت فيها بكيل و أرحب(2)
و يقول الدكتور نعمان القاضي: إنّ الكميت لم يكن شاعرا على الطريقة المألوفة، و إنّما كان شعره لونا جديدا على الذوق العربي التقليدي، و محاولة رائدة في إدخال الشعر العربي من باب جديد، و استمدادا لمنابع عقلية جديدة، و صياغته صياغة فكرية لم يسبق إليها، تتحول بالشعر العربي من مجال العاطفة إلى مجال الفكر و العقل المحض، و محاولة التصدي للتعبير عن نظرية مذهبية مدعمة بالنظر العقلي و طرائق المتكلّمين و وسائلهم في
الاحتجاج و الاستدلال.(1)
و للكميت منزلة رفيعة عند أئمّة أهل البيت: زين العابدين، و الباقر، و الصادق عليهم السّلام، و قد أنشد بين أيديهم بعض قصائده، فدعوا له بالمغفرة و الجزاء الأوفى.
توفّي سنة ست و عشرين و مائة.
و خلّف ثروة شعرية ضخمة، منها قصائد عديدة في مدح بني هاشم و رثاء الحسين عليه السّلام و زيد بن علي عليه السّلام، فمن شعره:
و يوم الدّوح دوح غدير خمّ *** أبان له الولاية لو أطيعا
و لكنّ الرجال تبايعوها *** فلم أر مثلها خطرا مبيعا
فقل لبني أمية حيث حلّوا *** و إن خفت المهنّد و القطيعا
أجاع اللّه من أشبعتموه *** و أشبع من بجوركم أجيعا
و قال، مصرّحا بالوصية لعلي و أبنائه عليهم السّلام.
1) . انظر مستدركات أعيان الشيعة.
و الوصيّ الذي أمال التجوبي *** به عرش أمّة لانهدام(1)
كان أهل العفاف و المجد و الخي *** - ر و نقض الأمور و الإبرام
و الوصيّ الوليّ و الفارس المعل *** - لم تحت العجاج غير الكهام(2)
كم له ثم كم له من قتيل *** و صريع تحت السنابك دامي
و خميس يلفّه بخميس *** و فئام حواه بعد فئام(3)
و وصي الوصي ذي الخطّة الفص *** - ل و مردي الخصوم يوم الخصام(4)
و قتيل بالطفّ غودر منه *** بين غوغاء أمة و طغام
و قال:
1) . الوصيّ: هو الإمام علي عليه السّلام، و التجوبيّ: هو عبد الرحمان بن ملجم المرادي قاتل الإمام عليه السّلام، و تجوب: قبيلة في مراد.
2) . المعلم: الذي وضع له علامة يعرف بها. و الكهام: الكليل من الرجال و السيوف.
3) . الخميس: الجيش الكثير. و الفئام: الجماعة من الناس.
4) . وصي الوصي: هو الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السّلام.
وجدنا لكم في آل حاميم آية *** تأوّلها منّا تقيّ و معرب
و في غيرها آيا و آيا تتابعت *** لكم نصب فيها لذي الشك منصب
بحقّكم أمست قريش تقودنا *** و بالفذّ منها و الرديفين نركب
43 الخثعمي (1)(... - حيّا قبل 183 ه)
محمد بن حكيم الخثعمي، أبو جعفر الكوفي، أحد متكلّمي الإمامية.
تلمّذ للإمامين أبي عبد اللّه الصادق و أبي الحسن الكاظم عليهما السّلام، و روى عنهما
1) رجال البرقي 19 و 48، مقالات الإسلاميين للأشعري 43، رجال الكشي 380 برقم 315 (مؤسسة الأعلمي - كربلاء)، رجال النجاشي 257/2 برقم 958، رجال الطوسي 285 برقم 79 و 358 برقم 2، فهرست الطوسي 176 برقم 647 و 180 برقم 680، معالم العلماء 106 برقم 710، رجال ابن داود 308 برقم 1336، رجال العلاّمة الحلي 151 برقم 65، التحرير الطاووسي 243 برقم 362، مجمع الرجال 200/5، نقد الرجال 304 برقم 272، جامع الرواة 102/2، هداية المحدثين 235، بهجة الآمال 417/6، تنقيح المقال 109/3 برقم 10623 و 10624، الذريعة 361/6 برقم 2214، معجم رجال الحديث 30/16 برقم 10616 و 10620، قاموس الرجال 151/8.
و عن لفيف من أتباع مدرسة أهل البيت، منهم: محمد بن مسلم الطائفي، و شهاب ابن عبد ربّه الأسدي، و أبو مسروق عبد اللّه النهدي.
و حدّث، و ناظر، و ألّف كتابا، رواه عنه ابنه جعفر و غيره.
أخذ عنه جماعة، منهم الفقيهان المتكلّمان: محمد بن أبي عمير الأزدي، و يونس بن عبد الرحمان.
و كان الإمام الكاظم عليه السّلام يأنس لقابلياته في المناظرة و الحوار، و يحضّه على التصدّي لذلك، في وقت كان عليه السّلام ينهى بعض أصحابه عن القيام بذلك.
و كان عليه السّلام يسأله عمّا يجري في مناظراته، و يعرب عن رضاه بها.(1)
قال محمد بن حكيم: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: المعرفة صنع من هي؟ قال:
من صنع اللّه عزّ و جلّ، ليس للعباد فيها صنع.(2)
لم نظفر بتاريخ وفاته.
44 الطّيّار (1)(... - قبل 148 ه)
محمد بن عبد اللّه الفزاري، الشهير بالطيّار، و يقال: يعرف بابن الطيّار أيضا.(2)
كان مقرئا، فرضيّا، متكلّما، مناظرا.
تلمذ للإمامين أبي جعفر الباقر، و ولده أبي عبد اللّه جعفر الصادق عليهما السّلام و روى عنهما، و فاز لديهما بمكانة سامية.
و عني بالكلام، و اطّلع على آراء الفرق الإسلامية(3)، و تصدّى للمناظرة و الحجاج، و قد ناظر - بإشارة من الصادق عليه السّلام - رجلا من أهل الشام في الاستطاعة.(4)
1) رجال الكشي 297 برقم 197 و 198، رجال العلاّمة الحلي 150 برقم 64، جامع الرواة 133/2، منتهى المقال 84/6 برقم 2686، أعيان الشيعة 242/6 (بعنوان حمزة)، الإمام الصادق و المذاهب الأربعة 64/3 (بعنوان حمزة)، معجم رجال الحديث 194/16 برقم 11000 و 256 برقم 11148، قاموس الرجال 423/3 (بعنوان حمزة)، 248/8.
2) . يرى العلاّمة التستري أنّ المترجم كان معروفا بالطيار فقط، و أنّ إضافة لفظة (ابن) إليه من التحريفات. قاموس الرجال 425/3.
3) . كالمرجئة و القدرية و الخوارج و الزيدية. انظر رجال الكشي.
4) . انظر رجال الكشي 235 (ضمن ترجمة هشام بن الحكم).
و لمّا بلغه كراهة الصادق للمناظرة و الخصومة، سأله عن ذلك، فأجابه عليه السّلام بقوله:
أمّا كلام مثلك للناس فلا يكره. من إذا طار أحسن أن يقع، و إن وقع يحسن أن يطير، فمن كان هكذا فلا نكره كلامه.
توفّي قبل (سنة ثمان و أربعين و مائة)(1)، و ترحّم عليه الإمام الصادق، قائلا:
رحمه اللّه، و لقّاه نضرة و سرورا، فقد كان شديد الخصومة عنّا أهل البيت.
و قد روى عن المترجم جماعة، منهم ابنه حمزة(2)الشهير بابن الطيّار (و يقال:
يعرف بالطيّار أيضا) و هو أحد تلامذة الصادق عليه السّلام.
1) . و هي سنة وفاة الصادق عليه السّلام.
2) . ذهب بعضهم إلى رجوع كلام الإمام الصادق (الذي نقلناه في الترجمة) إلى حمزة (و لذا عدّ من المتكلّمين)، لا إلى والده محمّد، و هذا - كما يرى السيد الخوئي - وهم، لأنّ ابن الطيار (المذكور في كلامه عليه السّلام) قد توفّي في حياة الصادق، في حين روى ابنه حمزة عن موسى الكاظم عليه السّلام (ابن الصادق عليه السّلام)، و روى عنه محمد بن سنان الذي لم يدرك الصادق عليه السّلام. انظر معجم رجال الحديث 280/6، الترجمة 4062.
45 مؤمن الطاق (1)(... - نحو 160 ه)
محمد بن علي بن النعمان بن أبي طريفة البجلي، أبو جعفر الكوفي، الصيرفي، الأحول، الملقّب بمؤمن الطاق، و صاحب الطاق.(2)
1) رجال البرقي 17، رجال الكشي 102 برقم 49 (مؤسسة الأعلمي - كربلاء)، أخبار شعراء الشيعة للمرزباني 87 برقم 20، الفهرست للنديم 258 (ط. الاستقامة - القاهرة)، رجال النجاشي 203/2 برقم 887، رجال الطوسي 302 برقم 355 و 359 برقم 18، فهرست الطوسي 157، معالم العلماء 95 برقم 658، رجال ابن داود 326، رجال العلاّمة الحلي 138 برقم 11، سير أعلام النبلاء 553/10 برقم 187، الوافي بالوفيات 104/4 برقم 1585، لسان الميزان 300/5 برقم 1017، مجمع الرجال 1/6، نقد الرجال 324، جامع الرواة 158/2، بهجة الآمال 526/6، تنقيح المقال 160/3 برقم 11147، تأسيس الشيعة 358، الذريعة 336/2 برقم 1341، 245/21 برقم 4853، الأعلام 271/6، معجم المؤلفين 67/11، معجم رجال الحديث 32/17 برقم 11359، 11907، قاموس الرجال 417/8، فلاسفة الشيعة 450، موسوعة طبقات الفقهاء 515/2 برقم 642، معجم التراث الكلامي 164/1 برقم 475 و 186 برقم 574 و 478 برقم 2077، 399/3 برقم 6685.
2) . و يعرف أيضا بشيطان الطاق. قالوا: كان صيرفيا بالكوفة بطاق المحامل، فاختلف يوما هو و صيرفي في نقد درهم فغلبه المترجم، فقال: أنا شيطان الطاق، فغلب عليه هذا الاسم. انظر الوافي بالوفيات.
كان من مشاهير متكلّمي الشيعة، مناظرا قديرا، غزير العلم، كبير الشأن.
اختصّ بالإمام جعفر الصادق عليه السّلام، و تلقّى عنه العلوم و المعارف، و حظي بثقته و مودّته و احترامه.
و ناظر و احتجّ في مسائل متعدّدة، خصوصا في مسألة الإمامة التي احتدم حولها الخلاف آنذاك بين الشيعة و المعتزلة و الخوارج و المرجئة.
و جلّى في هذا الميدان لفطنته و ذكائه و حضور بديهته و قوة عارضته.
و قد عدّه المرزباني في شعراء الشيعة، و قال: كان من الفصحاء البلغاء، و من لا يطاول في النظر و الجدال في الإمامة.
و وصفه النديم بقوله: كان حسن الاعتقاد و الهدي، حاذقا في صناعة الكلام، سريع الخاطر و الجواب.
قال أبو خالد الكابلي: رأيت أبا جعفر صاحب الطاق، و هو قاعد في الروضة، قد قطع أهل المدينة أزراره، و هو دائب يجيبهم و يسألونه، فدنوت منه، فقلت: انّ أبا عبد اللّه ينهانا عن الكلام، فقال: أمرك أن تقول لي؟ فقلت: لا و اللّه، و لكن أمرني أن لا أكلّم أحدا، قال: فاذهب إليه و أطعه فيما أمرك. فدخلت على أبي عبد اللّه عليه السّلام فأخبرته بقصة صاحب الطاق، و ما قلت له، و قوله لي: اذهب فأطعه فيما أمرك. فتبسّم أبو عبد اللّه عليه السّلام، و قال: يا أبا خالد إنّ صاحب الطاق يكلّم الناس فيطير و ينقضّ، و أنت إن قصوك لن تطير.
و للمترجم كتب جمّة، منها: كتاب الإمامة، كتاب المعرفة، كتاب الردّ على المعتزلة في إمامة المفضول، كتاب في إثبات الوصية، كتاب افعل لا تفعل، كتاب في أمر طلحة و الزبير و عائشة، كتاب في مناظراته مع أبي حنيفة و المرجئة، و كتاب في كلامه مع الخوارج، و غير ذلك.
و قد نقلت له في كتب التاريخ و الأدب قصص و حكايات طريفة مع أبي حنيفة، منها:
إنّ أبا حنيفة كان يتهم (شيطان الطاق) بالقول بالرجعة، و كان (شيطان الطاق) يتّهم أبا حنيفة بالقول بالتناسخ.
قال أبو حنيفة يوما له: أقرضني من كيسك خمسمائة دينار، فإذا عدت أنا و أنت رددتها إليك، فقال له: أريد ضمينا أنّك تعود إنسانا و أخاف أن تعود قردا.(1)
توفّي نحو سنة ستين و مائة.(2)
و من شعره:
و لا تك في حبّ الأخلاّء مفرطا *** و إن أنت أبغضت البغيض فأجمل
فإنّك لا تدري متى أنت مبغض *** صديقك أو تعذر عدوّك فاعقل
قال بشار بن برد: شيطان الطاق أشعر مني.(3)
46 المفضّل بن عمر (1)(نحو 100 - قبل 183 ه)
الجعفي، أبو عبد اللّه (أو أبو محمد) الكوفي.
ولد بالكوفة نحو سنة مائة.
و تلمذ للإمام أبي عبد اللّه جعفر الصادق عليه السّلام، و روى عنه و عن الإمام أبي الحسن موسى الكاظم عليه السّلام و عن عدد من أعلام مدرسة أهل البيت كجابر بن يزيد الجعفي، و أبي حمزة ثابت بن أبي صفية الثمالي، و غيرهما.
و كان فقيها، محدثا.
عني بالمسائل الكلامية، و ناظر فيها.
و ألّف كتاب فكر، و يعرف بتوحيد المفضّل، و هو مجموعة من الدروس، أملاها عليه الصادق عليه السّلام، و تحدّث فيها عن أسرار الكون و عجائب السماوات
1) رجال الكشي 272 برقم 154، رجال النجاشي 359/2 برقم 1113، رجال الطوسي 314 برقم 554 و 360 برقم 23، فهرست الطوسي 197، معالم العلماء 124، رجال ابن داود 518، رجال العلاّمة الحلي 258، جامع الرواة 258/2، أعيان الشيعة 132/10، معجم رجال الحديث 292/18 برقم 12586، قاموس الرجال 93/9، حياة الإمام موسى بن جعفر لباقر القرشي 323/2، موسوعة طبقات الفقهاء 566/2 برقم 676، معجم التراث الكلامي 562/1 برقم 2495، 24/2 برقم 2590 و 353 برقم 4116.
و الأرض و إثبات الصانع تعالى و توحيده.(1)
و له أيضا: كتاب ما افترض اللّه على الجوارح من الإيمان (و يسمّى الإيمان و الإسلام)، و كتاب في بدء الخلق و الحثّ على الاعتبار، و علل الشرائع، و وصيّة المفضّل، و كتاب يوم و ليلة.
توفّي في حياة الإمام الكاظم عليه السّلام.
روى المفضّل عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال: من زعم أنّ اللّه في شيء أو من شيء أو على شيء فقد أشرك، لو كان اللّه عزّ و جلّ على شيء لكان محمولا، و لو كان في شيء لكان محصورا، و لو كان من شيء لكان محدثا.(2)
1) . قال محمد الحسين المظفر: إنّ المفضل سمع ابن أبي العوجاء و إلى جانبه رجل من أصحابه في مسجد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هما يتناجيان في ذكر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، ثمّ انتقلا إلى ذكر الأصل فأنكر وجوده ابن أبي العوجاء، و زعم أنّ الأشياء ابتدأت بإهمال، فردّ عليه المفضل في مناظرة جرت بينهما، ثمّ قام المفضل و دخل على الإمام الصادق عليه السّلام فأخبره بما سمعه من الدهريين و بما ردّ عليهما، فألقى الإمام عليه هذا الكلام. الإمام الصادق 149.
2) . الصدوق، التوحيد 178، الباب 28، الحديث 9.
47 مقاتل بن سليمان (1)(... - 150 ه)
ابن بشير الأزدي بالولاء، المفسّر الكبير، أبو الحسن البلخي ثمّ البصري، أحد علماء الزيدية.
سكن البصرة، و ورد بغداد، فحدّث بها.(2)
روى عن الإمام الصادق عليه السّلام، و عن: محمد بن مسلم الزهري، و أبي إسحاق السبيعي، و عطاء بن أبي رباح، و آخرين.
و اشتهر بتفسير القرآن الكريم.
عدّه النديم من متكلّمي الزيدية.
1) طبقات ابن سعد 313/7، حياة الحيوان 354/1 (ط. مصر)، الفهرست للنديم 267 (ط. الاستقامة - القاهرة)، رجال الطوسي 138 برقم 49 و 313 برقم 536، تاريخ بغداد 160/13 برقم 7143، وفيات الأعيان 255/5 برقم 733، تهذيب الكمال 434/28 برقم 6161، سير أعلام النبلاء 701/7 برقم 79، ميزان الاعتدال 173/4 برقم 8741، تهذيب التهذيب 279/10 برقم 501، طبقات المفسرين للداوودي 330/2 برقم 642، كشف الظنون 459/1، 1469/2، 2001، شذرات الذهب 227/1، الأعلام 281/7، معجم المؤلفين 317/12، معجم رجال الحديث 311/18 برقم 12603، قاموس الرجال 109/9، أعلام المؤلفين الزيدية 1046 برقم 1125.
2) . قال عبد السلام الوجيه: و قد تركوا أحاديثه لتشيّعه. أعلام المؤلفين الزيدية.
و رمي بالتجسيم، و نسبت إليه فرقة تعرف بالمقاتلية.(1)
ألّف كتبا، منها: الردّ على القدرية، التفسير الكبير، الناسخ و المنسوخ، الأقسام و اللغات، التقديم و التأخير، و متشابه القرآن، و غير ذلك.
توفّي بالبصرة سنة خمسين و مائة.
48 منصور بن أبي الأسود (2)(... - بعد 170 ه تقديرا)
اللّيثي، الكوفي، أحد كبار الشيعة.
روى عن أبي عبد اللّه جعفر الصادق عليه السّلام، و عن: مغيرة بن مقسم الضبّي، و حصين بن عبد الرحمان، و سليمان الأعمش، و غيرهم.
و كان كثير الحديث.
روى عنه: عبد الرحمان بن مهدي (135-198 ه)، و أبو الربيع سليمان بن
1) . شريف يحيى الأمين، معجم الفرق الإسلامية 235.
2) طبقات ابن سعد 382/6، التاريخ الكبير 348/7 برقم 1500، فرق الشيعة للنوبختي 58، الجرح و التعديل 170/8 برقم 756، الفهرست للنديم 267 (ط. الاستقامة - القاهرة)، رجال النجاشي 353/2 برقم 1104، رجال الطوسي 313 برقم 531، ميزان الاعتدال 183/4 برقم 8770، تهذيب الكمال 518/28 برقم 6189، تهذيب التهذيب 305/10 برقم 533، تقريب التهذيب 275/2 برقم 1378، معجم رجال الحديث 340/18 برقم 12666، قاموس الرجال 125/9-126.
داود الزهراني (المتوفّى 234 ه)، و ابن أخيه الحسن بن صالح بن أبي الأسود، و أبو نعيم الفضل بن دكين (المتوفّى 219 ه)، و آخرون.
و ألّف كتابا، رواه عنه الحسين بن محمد بن علي الأزدي.(1)
ذكر النوبختي في «فرق الشيعة» الأقوياء من الزيدية، و عدّ منهم أصحاب المترجم له، كما عدّه النديم من متكلّميهم.
و قال ابن معين: كان من الشيعة الكبار.(2)
توفّي بعد سنة سبعين و مائة - حسب تقديرنا -.
49 منصور بن حازم (3)(... - حيّا بعد 148 ه)
البجلي، أبو أيوب الكوفي، أحد أجلاّء علماء الشيعة.
تلمّذ للإمام أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام، و أخذ عنه العلوم و المعارف، و روى عنه و عن الإمام أبي الحسن موسى الكاظم عليه السّلام، و عن لفيف من أعلام مدرسة أهل
1) . رجال النجاشي.
2) . ميزان الاعتدال.
3) رجال البرقي 39، رجال الكشي 358 برقم 295 (مؤسسة الأعلمي - كربلاء)، رجال النجاشي 352/2 برقم 1102، رجال الطوسي 312 برقم 523، فهرست الطوسي 192، رجال ابن داود 353 برقم 1573، رجال العلاّمة الحلي 167 برقم 2، مجمع الرجال 142/6، جامع الرواة 264/2، هداية المحدثين 152، منتهى المقال 334/6 برقم 3047، تنقيح المقال 249/3 برقم 12166، معجم رجال الحديث 342/18 برقم 12671، 345 برقم 12672، قاموس الرجال 126/9، موسوعة طبقات الفقهاء 570/2 برقم 678.
البيت كأبان بن تغلب، و أبي بصير الأسدي، و عبد اللّه بن أبي يعفور العبدي، و هشام بن سالم الجواليقي، و محمد بن علي الحلبي، و آخرين.
و أصبح من عيون الفقهاء.
ألّف كتبا، منها: أصول الشرائع، و كتاب الحجّ.
أقول: و كان له اهتمام بالمسائل الكلامية، يبدو ذلك جليّا من رواياته و حواراته في هذا المجال.
قال المترجم: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام إنّي ناظرت قوما فقلت لهم: إنّ اللّه جلّ جلاله أجلّ و أكرم من أن يعرف بخلقه، بل العباد يعرفون باللّه، فقال: رحمك اللّه.(1)
قلت له: من عرف أن له ربّا فقد ينبغي أن يعرف أنّ لذلك الربّ رضا و سخطا، و أنّه لا يعرف رضاه و سخطه إلاّ بوحي أو رسول، فمن لم يأته الوحي، فينبغي أن يطلب الرسل، فإذا لقيهم عرف أنّهم الحجّة و أنّ لهم الطاعة المفروضة.
فقلت للناس: أليس تعلمون أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان هو الحجّة من اللّه على خلقه؟ قالوا: بلى، قلت: حين مضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من كان الحجّة؟ فقالوا: القرآن، فنظرت في القرآن فإذا هو يخاصم به المرجئ و القدري و الزنديق الذي لا يؤمن به حتّى يغلب الرجال بخصومته، فعرفت أنّ القرآن لا يكون حجّة إلاّ بقيّم، ما قال فيه من شيء كان حقا، فقلت لهم: من قيّم القرآن، فقالوا... قلت: و أشهد أنّ عليّا كان قيّم القرآن، و كانت طاعته مفترضة، و كان حجّة على الناس بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و أنّه ما قال في القرآن فهو حقّ...
1) . الكافي 86/1، كتاب التوحيد، باب أنّه لا يعرف إلاّ به، الحديث 3. و تكملة الحديث نقلناها من رجال الكشي 358 برقم 295.
و قال المترجم: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام، هل يكون اليوم شيء لم يكن في علم اللّه بالأمس؟ قال: لا، من قال هذا فأخزاه اللّه، قلت: أرأيت ما كان و ما هو كائن إلى يوم القيامة أليس في علم اللّه؟ قال: بلى، قبل أن يخلق الخلق.(1)
لم نظفر بتاريخ وفاته.
50 هشام بن الحكم (2)(... - نحو 188، 199 ه)
الكندي بالولاء، أبو محمد الكوفي، البغدادي، أحد أعلام الفكر و المعرفة،
1) . الكليني، الكافي 148/1، كتاب التوحيد، باب البداء، الحديث 11؛ و الصدوق، التوحيد 334، كتاب التوحيد، باب البداء، الحديث 8.
2) رجال البرقي 35، مقالات الإسلاميين للأشعري 31-33، 37-38، 40-41، 42-43، 52، 55-56، 60-61، 63، و غير ذلك، مروج الذهب 236/4 برقم 2565، 22/5 برقم 2919، الفهرست للنديم 257، 263، الفرق بين الفرق 65-68، رجال الكشي 220 برقم 131، الرسالة العددية للمفيد 45، رجال النجاشي 397/2 برقم 1165، رجال الطوسي 329 برقم 18 و 362 برقم 1، فهرست الطوسي 202، الملل و النحل للشهرستاني 187/1-190 (دار الكتب العلمية. ط 1)، معالم العلماء 128 برقم 862، رجال ابن داود 347 برقم 1643، رجال العلاّمة الحلي 178 برقم 1، نقد الرجال 368، جامع الرواة 313/2، هدية العارفين 507/2، تأسيس الشيعة 360-361، أعيان الشيعة 264/10، الأعلام 85/8، الإمام الصادق و المذاهب الأربعة 79/3-110، معجم المؤلفين 148/13، معجم رجال الحديث 271/19 برقم 13329، قاموس الرجال 316/9-356، هشام بن الحكم لعبد اللّه نعمة، رسائل و مقالات للسبحاني 312، موسوعة طبقات الفقهاء 599/2 برقم 701.
و أبرز المتكلّمين في عصره.
ولد بالكوفة (و قيل بواسط)، و قضى بها جلّ أيّامه، و تردّد إلى بغداد للتجارة، ثمّ استقرّ بها.
تلمّذ للإمام جعفر الصادق عليه السّلام في شتى صنوف العلوم و المعارف الإسلامية، ثمّ اختصّ بالإمام موسى الكاظم عليه السّلام، فأخذ عنه العلم، و روى عنهما و عن: سدير بن حكيم الصيرفي، و شهاب بن عبد ربه الأسدي، و زرارة بن أعين، و أبي عبيدة الحذّاء، و آخرين.
و برّز في الفقه و الحديث، و ألمّ بالتفسير و الأدب، و برع في الكلام.
و استحوذت عليه نزعة الجدل، و ذاع صيته في ذلك، لما امتاز به من حدّة الذهن، و حضور الجواب، و عمق التفكير، و سعة الثقافة، و قوة الحجّة، حتّى صار - في ذلك العصر الحافل بضروب التيارات و الاتجاهات و المذاهب - أكبر شخصية شيعية في علم الكلام (على حدّ تعبير أحمد أمين المصري)، و من فرسان المناظرة المعلمين.
اقتحم المترجم ميادين المناظرة و الحجاج، مدافعا عن الإسلام و عن مذهب أهل البيت، و مفنّدا الشبه المثارة من الزنادقة و الفلاسفة و أصحاب الطبائع الثنوية، و ناقدا لآراء مختلف المذاهب و الفرق كالمعتزلة و الزيدية و الخوارج و غيرهم، و كان يخرج من جميع مناظراته منتصرا، الأمر الذي خلق له خصوما و حسّادا، نسبوا إليه آراء منكرة و مقالات فاسدة افتراء عليه، أو تلبيسا على الناس، أو جهلا بأساليب المناظرة.(1)
1) . مثل أن ينقل كلامه الذي يورده لمعارضة خصمه، و كأنّه من آرائه الثابتة، و من الواضح أنّه ليس كلّ من عارض بشيء يكون معتقدا به، و إلى هذا المعنى أشار الشهرستاني في قوله المذكور في أصل الترجمة. انظر المراجعات 292.
قال الشهرستاني: و هشام بن الحكم صاحب غور في الأصول، و لا يجوز أن يغفل عن إلزاماته على المعتزلة، فإنّ الرجل وراء ما يلزمه على الخصم، و دون ما يظهره من التشبيه، و ذلك أنّه ألزم العلاّف...
و لسموّ مكانة المترجم العلمية، آثره يحيى بن خالد البرمكي، و قرّبه إليه، و ولاّه مجالس الكلام و النظر ببغداد، و التي كان يحضرها أرباب البحث و النظر من متكلّمي الإسلام و غيرهم كالعلاّف و النظّام و السكّاك و علي بن ميثم و الموبذ.(1)
و من أبرز الجوانب التي ظهرت فيها مواهبه في المحاورة و الجدل، هو مناظراته التي كانت تدور حول الإمامة و المسائل المتعلّقة بها، حيث تجلّت فيها قدراته الخلاّقة في إفحام الخصوم، و في تركيز تلك المفاهيم، و ترسيخ بنائها على أسس عقلية و نقلية متينة، و لأثره البالغ في هذا المجال، وصفه النديم بقوله:
هو من متكلّمي الشيعة، ممّن فتق الكلام في الإمامة، و هذّب المذهب و النظر، و كان حاذقا بصناعة الكلام، حاضر الجواب.
تتلمذ على المترجم فريق من العلماء، أبرزهم: الفقيه المتكلّم يونس بن عبد الرحمان (المتوفّى 208 ه)، و المتكلّم علي بن منصور الكوفي البغدادي، و الفقيه المتكلّم محمد بن زياد (أبي عمير) الأزدي (المتوفّى 217 ه)، و المتكلّم الشهير إبراهيم بن سيّار النظّام المعتزلي.
و ألّف كتبا كثيرة، منها: كتاب التوحيد، كتاب الشيخ و الغلام، كتاب القدر، كتاب الاستطاعة، كتاب المعرفة، كتاب الإمامة، كتاب الردّ على من قال بإمامة المفضول، كتاب الوصية و الردّ على من أنكرها، كتاب الردّ على المعتزلة، كتاب الردّ على الزنادقة، كتاب الردّ على هشام الجواليقي، كتاب الردّ على أرسطاطاليس، كتاب الألطاف، و كتاب الردّ على أصحاب الاثنين، و غير ذلك.
1) . انظر مروج الذهب 236/4 برقم 2565.
و له مناظرات و محاورات كثيرة(1)، منها أنّه سأل عمرو بن عبيد، و هو يحاوره عن منفعة الجوارح و غاياتها من الأنف و اللسان و اليد و الأذن و سواها، و الرجل يجيبه، و أخيرا سأله عن فائدة القلب فأجابه: لأميّز به كلّ ما ورد على هذه الجوارح، قال: أفليس في هذه الجوارح غنى عن القلب؟ قال: لا، قال: و كيف ذلك و هي صحيحة سليمة؟ قال عمرو: يا بنيّ إنّ الجوارح إذا شكّت في شيء شمّته أو رأته أو ذاقته، فتؤديه إلى القلب، فيتيقّن و يبطل الشك، قال هشام: فإنّما قدّم اللّه القلب لشكّ الجوارح، قال: نعم، قال: فلا بدّ من القلب و إلاّ لم تستيقن الجوارح، قال: نعم، قال هشام: يا أبا مروان، إنّ اللّه لم يترك جوارحك حتّى جعل لها إماما يصحّح لها الصحيح، و ينفي ما شكّت فيه، هذا الخلق كلّهم في حيرتهم و شكّهم و اختلافهم، لا يقيم لهم إماما يردّون إليه شكّهم و حيرتهم، و يقيم لك إماما بجوارحك تردّ إليه حيرتك و شكّك.
فسكت عمرو و لم يقل شيئا.(2)
توفّي هشام بعد نكبة البرامكة(3)بمدة يسيرة (متسترا)، و قيل بل في خلافة المأمون(4)، قاله النديم.
و قال الفضل بن شاذان: توفّي سنة تسع و سبعين و مائة.
و قال النجاشي: مات سنة تسع و تسعين و مائة.
1) . منها: مناظرته مع أحد البراهمة، و مناظرته مع الإباضية، و مناظرته مع إبراهيم بن سيّار المعتزلي، و مناظرته مع ابن أبي العوجاء، و مناظرته مع أبي الهذيل العلاف، و مناظراته مع أبي حنيفة، و غير ذلك. انظر الإمام الصادق و المذاهب الأربعة 85/3.
2) . انظر مروج الذهب 22/5 برقم 2919.
3) . كانت نكبتهم على يد الرشيد سنة (187 ه).
4) . ولي الخلافة سنة (198 ه).
51 الجواليقي (1)(... - حيّا قبل 183 ه)
هشام بن سالم الجواليقي، أبو محمّد الكوفي.
اختصّ بالإمامين جعفر الصادق و ولده موسى الكاظم عليهما السّلام، و تلقّى عنهما علما جمّا.
و أخذ عن لفيف من الأعلام، منهم: أبان بن تغلب، و زرارة بن أعين، و أبو مريم عبد الغفار بن القاسم الأنصاري، و عبد اللّه بن أبي يعفور العبدي، و أبو حمزة الثمالي.
1) رجال البرقي 34، 48، مقالات الإسلاميين للأشعري 34، 41، 42، 44-45، 209، 346، الفرق بين الفرق 65، 68-69، رجال الكشي 238 برقم 132 (مؤسسة الأعلمي - كربلاء)، الرسالة العددية للمفيد 45، رجال النجاشي 399/2 برقم 1166، رجال الطوسي 329 برقم 17 و 363 برقم 3، فهرست الطوسي 203 برقم 781، الملل و النحل للشهرستاني 187/1، 191 (دار الكتب العلمية - ط 1)، معالم العلماء 129، رجال ابن داود 368 برقم 1645 و 384، رجال العلاّمة الحلي 179 برقم 2، التحرير الطاووسي 302 برقم 447، مجمع الرجال 234/6، نقد الرجال 369، جامع الرواة 314/2، بهجة الآمال 200/7، تأسيس الشيعة 360، أعيان الشيعة 266/10، الذريعة 270/4 برقم 1255، 254/6 برقم 1393، 226/21 برقم 4742، معجم رجال الحديث 297/19 برقم 13332، قاموس الرجال 357/9، موسوعة طبقات الفقهاء 602/2 برقم 702، معجم التراث الكلامي 188/5 برقم 11145.
و أصبح من رجال الشيعة البارزين في الفقه و الكلام.
ألّف كتبا، منها: كتاب المعراج، و كتاب التفسير، و كتاب الحجّ.
و تصدّى لنشر فقه و حديث أئمّة أهل البيت عليهم السّلام، و للمناظرة و الاحتجاج.
و قد شكّل هو و المتكلّم الشهير هشام بن الحكم - نتيجة توافقهما في كثير من الآراء(1)- مدرسة خاصة عرفت بالمدرسة الهشامية(2)، نهضت بمهمّة الدفاع عن منهج أهل البيت و خطّهم الفكري و العقائدي، و الردّ على آراء و دعاوى خصومهم و المنحرفين عنهم، الأمر الذي حملهم على التشنيع عليهما، و على نسبة أقوال و آراء كلامية منكرة إليهما، عداوة و تعصّبا، أو جهلا بقواعد فنّ المناظرة.
و المترجم هو أحد المتكلّمين الذين ناظروا الرجل الشامي بمحضر الإمام الصادق عليه السّلام.(3)
قال محمد بن هارون الورّاق البغدادي المعتزلي (المتوفّى 247 ه): إنّ هشام ابن سالم و محمد بن النعمان أمسكا عن الكلام في اللّه تعالى و رويا عمّن يوجبان تصديقه أنّه سئل عن قول اللّه تعالى: وَ أَنَّ إِلىٰ رَبِّكَ اَلْمُنْتَهىٰ ، قال: إذا بلغ الكلام إلى اللّه تعالى فأمسكوا، فأمسكا عن القول في اللّه و التفكّر فيه حتّى ماتا.(4)
لم نظفر بتاريخ وفاة المترجم.
52 الثّقفيّ (1)(... - 283 ه)
إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال بن عاصم بن سعد(2)الثقفي، أبو إسحاق الكوفي ثمّ الأصفهاني، صاحب كتاب «الغارات».
1) الفهرست للنديم 327 (ط. الاستقامة - القاهرة)، ذكر أخبار أصفهان 187/1، رجال النجاشي 90/1 برقم 18، رجال الطوسي 451 برقم 73، فهرست الطوسي 27 برقم 7، الأنساب للسمعاني 511/1، معالم العلماء 3 برقم 1، معجم الأدباء 232/1، رجال ابن داود 17 برقم 31، رجال العلاّمة الحلي 5 برقم 10، تاريخ الإسلام (سنة 281-290 ه) 112 برقم 125، لسان الميزان 102/1 برقم 200، مجمع الرجال 65/1، نقد الرجال 12 برقم 95، جامع الرواة 31/1، هداية المحدثين 168، روضات الجنات 4/1، بهجة الآمال 569/1، تنقيح المقال 31/1 برقم 186، تأسيس الشيعة 241 و 300 و 330، أعيان الشيعة 209/2، الذريعة 320/2 برقم 1261 و 1262، 236/8 برقم 993، 47/19 برقم 247، 102/25 برقم 563، و غير ذلك، الأعلام 60/1، قاموس الرجال 188/1، موسوعة طبقات الفقهاء 49/3 برقم 757، موسوعة مؤلفي الإمامية 384/1، معجم التراث الكلامي 456/1 برقم 1946، 283/3 برقم 6069، 22/5 برقم 10307 و 199 برقم 11207.
2) . هو سعد بن مسعود الثقفي، عمّ المختار بن أبي عبيد الثقفي، ولاّه أمير المؤمنين عليه السّلام المدائن.
كان فقيها، متكلّما، مؤرخا، كثير التصانيف، من مشاهير العلماء.
أخذ عن لفيف من علماء عصره، و روى عنهم، و منهم: عبد اللّه بن محمد بن أبي شيبة (المتوفّى 235 ه)، و إسماعيل بن أبان، و علي بن المعلّى، و أبو نعيم الفضل ابن دكين، و عبّاد بن يعقوب الرواجني، و العباس بن بكّار.
و كان زيديا أوّلا، ثمّ دان بمذهب الإمامية.
انتقل من الكوفة إلى أصفهان بدافع التعريف بمقام أهل البيت، و بثّ فضائلهم و مناقبهم، و ما قدّموه من عطاء ثرّ في مختلف حقول العلم و المعرفة.
و ذاع صيته هناك، و سمت مكانته بين العلماء.
روى عنه: أحمد بن علوية الأصفهاني الكاتب، و عبد الرحمان بن إبراهيم المستملي، و أحمد بن محمد بن خالد البرقي، و سلمة بن الخطاب، و سعد بن عبد اللّه الأشعري، و آخرون.
و ألّف كتبا جمّة، منها: كتاب المبتدأ (في العقائد)، كتاب المعرفة، كتاب في الإمامة كبير، كتاب في الإمامة صغير، كتاب الدلائل (في العقائد)، كتاب الوصية، كتاب الحوض و الشفاعة، كتاب الحجّة في فضل المكرمين، كتاب معرفة فضل الأفضل، كتاب الجامع الكبير في الفقه، كتاب الجامع الصغير، كتاب الغارات(1)(ط)، كتاب السقيفة، كتاب صفين، كتاب المغازي، كتاب مقتل الحسين سلام اللّه عليه، كتاب قيام الحسن عليه السّلام، و كتاب التفسير، و غير ذلك.
توفّي سنة ثلاث و ثمانين و مائتين.
1) . نقل عنه ابن أبي الحديد كثيرا في «شرح نهج البلاغة».
53 الأهوازي (1)(... - بعد 260 ه تقديرا)
أحمد بن الحسين بن سعيد بن حمّاد، أبو جعفر الأهوازي، الملقّب ب (دندان).
تلمذ لأبيه العالم الجليل الحسين بن سعيد، و روى عنه و عن أكثر شيوخ أبيه (و قالوا عن سائرهم، إلاّ حمّاد بن عيسى)، و هم: عبد اللّه بن مسكان العنزي، و الحسن بن علي بن فضال، و علي بن أسباط بن سالم، و أحمد بن محمد بن أبي نصر، و علي بن حديد المدائني، و غيرهم كثير.
روى عنه: محمد بن الحسن الصفار (المتوفّى 290 ه)، و سعد بن عبد اللّه الأشعري القمّي (المتوفّى 300 ه أو 299 ه).
1) الفهرست للنديم 325، و فيه: زيدان بن الحسن بن سعيد، رجال النجاشي 207/1 برقم 181، رجال الطوسي 453 برقم 87، فهرست الطوسي 46 برقم 67، معالم العلماء 12 برقم 57، رجال ابن داود 418 برقم 21-22، رجال العلاّمة الحلي 202 برقم 8، لسان الميزان 157/1 برقم 504، نقد الرجال 20 برقم 41، جامع الرواة 47/1، منتهى المقال 248/1 برقم 134، تنقيح المقال 56/1 برقم 336، أعيان الشيعة 564/2، مستدركات علم رجال الحديث 294/1 برقم 876، الذريعة 281/1 برقم 1471، 355/2 برقم 1430، معجم رجال الحديث 93/2 برقم 518، قاموس الرجال 287/1، موسوعة مؤلفي الإمامية 330/3-331، معجم التراث الكلامي 185/1 برقم 567 و 497 برقم 2182.
و صنّف كتاب الاحتجاج (الاحتجاجات)، و كتاب الأنبياء، و كتاب المثالب، و غير ذلك.
توفّي بقمّ، و لم نقف على تاريخ وفاته، و لعلّه بعد الستين و مائتين.
54 الصّيقل (1)(... - حيّا نحو 250 تقديرا)
أحمد بن الحسين بن عمر بن يزيد الصيقل، أبو جعفر الكوفي.
روى جدّه عمر بن يزيد عن الإمامين الصادق و الكاظم عليهما السّلام.
و روى هو عن عدد من رجال مدرسة أهل البيت، منهم: عمّه محمد بن عمر، و محمد بن جمهور العمّي.
روى عنه: أحمد بن أبي زاهر الأشعري القمي، و علي بن الحسن بن علي بن فضال الكوفي، و سهل بن زياد الآدمي الرازي، و محمد(2)بن أحمد بن يحيى الأشعري صاحب «نوادر الحكمة».
و ألّف كتبا، منها: كتاب في الإمامة، و كتاب النوادر.
لم نظفر بتاريخ وفاته.
1) رجال النجاشي 219/1 برقم 198، رجال العلاّمة الحلي 19 برقم 41، مجمع الرجال 108/1 - 109، نقد الرجال 21 برقم 45، جامع الرواة 48/1، منتهى المقال 257/1 برقم 138، أعيان الشيعة 569/2، الذريعة 320/2 برقم 1265، معجم رجال الحديث 99/2 برقم 527-529، قاموس الرجال 297/1، معجم التراث الكلامي 457/1 برقم 1950.
2) . هو من مشايخ ثقة الإسلام الكليني (المتوفّى 329 ه).
55 أبو يحيى الجرجاني (1)(... - حيا قبل 254 ه)
أحمد بن داود بن سعيد الفزاري، أبو يحيى الجرجاني.
كان من علماء أهل السنّة المتقدّمين في علم الحديث، ثمّ دان بمذهب أهل البيت عليهم السّلام، و تصدّى للدفاع عنه، و للرد و الاحتجاج في فنون شتى على الحشوية و على غيرها من الفرق و المذاهب.
و قد ألّف في ذلك كتبا متعددة، منها: الغوغاء من أصناف الأمّة من المرجئة و القدرية و الخوارج، كتاب التفويض، الرد على الحنبلي، الرد على السجزي(2)، محنة
1) رجال الكشي 447 برقم 409، رجال النجاشي 436/2 برقم 1232، رجال الطوسي 426 برقم 11 و 456 برقم 107، فهرست الطوسي 58 برقم 100، معالم العلماء 22 برقم 109، رجال ابن داود 27 برقم 73، رجال العلاّمة الحلي 17 برقم 26، مجمع الرجال 114/1، نقد الرجال 92، جامع الرواة 50/1، بهجة الآمال 489/7، تنقيح المقال 60/1 برقم 356، أعيان الشيعة 586/2، الذريعة 72/16 برقم 358، معجم رجال الحديث 111/2 برقم 557، قاموس الرجال 309/1، موسوعة مؤلفي الإمامية 399/3، معجم التراث الكلامي 252/1 برقم 893، 316/2 برقم 3953، 377/3 برقم 6550.
2) . و في عدة مصادر: السجري أو الشجري، و قد وقع اختيارنا على ما ورد في «معالم العلماء»، و يقصد به فيما أرى: محمد بن كرّام بن عراق السجزي (نسبة إلى سجستان)، إمام فرقة الكرّامية، و هي فرقة مستقلة من الصفاتية المجسمة، توفّي ابن كرّام سنة (255 ه) انظر الأعلام 14/7، و معجم الفرق الإسلامية لشريف الأمين 195-197.
المباينة - يصف فيه مذهب أهل الحشو و فضائحهم -، مناظرة الشيعي و المرجئ في المسح على الخفّين و أكل الجرّي و غير ذلك، المتعة و الرجعة و المسح على الخفين و طلاق المتعة، طلاق المجنون، و نكاح السكران، و غيرها.
لم نظفر بتاريخ وفاته.
و قد عدّه الشيخ الطوسي من أصحاب الإمام علي الهادي عليه السّلام (المتوفّى 254 ه).
56 الأشعري (1)(... - بعد 274 ه)
أحمد بن محمد بن عيسى بن عبد اللّه بن سعد الأشعري، أبو جعفر القمّي، زعيم الإمامية بها.
1) رجال الكشي 431 برقم 373، رجال النجاشي 216/1 برقم 196، رجال الطوسي 366 برقم 3 و 397 برقم 6 و 409 برقم 3، فهرست الطوسي 48 برقم 75، معالم العلماء 14 برقم 65، رجال ابن داود 43 برقم 127، رجال العلاّمة الحلي 13 برقم 2، مجمع الرجال 161/1، نقد الرجال 33 برقم 157، جامع الرواة 69/1، هداية المحدثين 15، بهجة الآمال 147/2، إيضاح المكنون 430/1 و 439، 264/2، 268، 269، 270 و 279، و غير ذلك، تنقيح المقال 90/1 برقم 508، أعيان الشيعة 144/3، الذريعة 477/4 برقم 2118، و غير ذلك، معجم المؤلفين 143/2، معجم رجال الحديث 296/2 برقم 898، قاموس الرجال 415/1، موسوعة طبقات الفقهاء 100/3 برقم 793، معجم التراث الكلامي 352/1 برقم 4111.
لقي الإمام علي الرضا عليه السّلام (المتوفّى 203 ه)، و روى عن الإمامين محمد الجواد و علي الهادي عليهما السّلام.
و حمل العلم و روى عن كبار العلماء في الفقه و الحديث و الكلام، و منهم:
محمد بن أبي عمير الأزدي (المتوفّى 217 ه)، و أبو محمد عبد اللّه الحجّال المتكلّم، و علي بن أسباط بن سالم، و علي بن الحكم، و الحسين بن سعيد الأهوازي، و الحسن ابن علي بن يقطين، و الحسن بن علي بن فضال، و علي بن مهزيار الأهوازي، و غيرهم كثير.
و تقدّم في الفقه و سائر علوم الشريعة، و أكبّ عليها إفادة و تصنيفا.
و علا قدره في أوساط العلماء و أرباب الدولة، و انتهت إليه رئاسة الإمامية بقمّ.
روى عنه: سعد بن عبد اللّه بن أبي خلف الأشعري، و أبو علي أحمد بن إدريس الأشعري، و سهل بن زياد الآدمي، و محمد بن الحسن الصفار، و محمد بن علي بن محبوب، و محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري، و آخرون.
و صنّف كتبا، منها: كتاب التوحيد، كتاب المتعة، كتاب فضل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، كتاب فضائل العرب، كتاب النوادر، كتاب الحجّ، كتاب المكاسب، و كتاب الناسخ و المنسوخ، و غير ذلك.
لم نظفر بتاريخ وفاته.
و قد حكي أنّه مشى في جنازة أحمد بن محمد بن خالد البرقي (المتوفّى 274 ه).(1)
1) . و قيل (280 ه). و إذا صحت هذه الحكاية، فهذا يعني أنّه قد جاوز الثمانين، و ربّما بلغ التسعين أو أكثر.
57 أحمد بن أبي زاهر (1)(... - بعد 270 ه تقديرا)
أحمد بن موسى (أبي زاهر) الأشعري، أبو جعفر القمّي.
روى عن: محمد بن الحسين بن أبي الخطاب الهمداني (المتوفّى 262 ه)، و جعفر بن محمد الكوفي، و الحسن بن موسى الخشاب، و غيرهم.
و حدّث، و ألّف، و أصبح من الشخصيات البارزة بقمّ.
روى عنه أبو جعفر محمد بن يحيى العطار القمّي (من مشايخ الكليني)، و كان أخصّ أصحابه.
و ألّف كتبا في أكثر من فنّ، منها: كتاب البداء، كتاب الجبر و التفويض، كتاب ما يفعل الناس حين يفقدون الإمام، كتاب صفة الرسل و الأنبياء و الصالحين، كتاب النوادر، كتاب الزكاة، و كتاب الجمعة و العيدين، و غير ذلك.
1) رجال النجاشي 230/1 برقم 212، رجال الطوسي 453 برقم 92، فهرست الطوسي 49 برقم 76، معالم العلماء 14 برقم 67، رجال ابن داود 21 برقم 52، رجال العلاّمة الحلي 203 برقم 11 و 417 برقم 16، مجمع الرجال 92/1، نقد الرجال 17، جامع الرواة 40/1، هداية المحدثين 13، بهجة الآمال 13/2، ايضاح المكنون 69/2، تنقيح المقال 49/1 برقم 284، أعيان الشيعة 189/3، الذريعة 40/12 برقم 233، معجم رجال الحديث 28/2 برقم 410، قاموس الرجال 257/1، موسوعة طبقات الفقهاء 107/3 برقم 800، معجم التراث الكلامي 25/2 برقم 2597 و 426، 167/4 برقم 8330.
لم نظفر بسنة وفاته، و نقدّر أنّها كانت في العقد الثامن من القرن الثالث، أو بعده بقليل، لأنّه في طبقة مشايخ مشايخ ثقة الإسلام الكليني (المتوفّى 329 ه).
58 ابن الراوندي (1)(حدود 205-245 ه)
أحمد بن يحيى بن محمد بن إسحاق، أبو الحسين الراوندي، أو ابن الراوندي، من سكّان بغداد.
كان من متكلّمي المعتزلة، ثمّ اعتنق مذهب الشيعة الإمامية، و رمي بالزندقة.
قال أبو الحسن الأشعري، و هو يذكر مؤلفي كتب الشيعة: و قد انتحلهم أبو
1) مقالات الإسلاميين للأشعري 32 و 64 و 140 و 149 و 159 و 332 و غير ذلك، مروج الذهب 23/5 برقم 2920، الفهرست للنديم 254-255، الملل و النحل للشهرستاني 199/1 (دار الكتب العلمية. ط 1)، معالم العلماء 144 برقم 1007، المنتظم 108/13 برقم 2052، وفيات الأعيان 94/1 برقم 35، سير أعلام النبلاء 59/14 برقم 31، الوافي بالوفيات 232/8 برقم 3673، البداية و النهاية 316/10 و 120/11، لسان الميزان 323/1 برقم 915، رياض العلماء 18/6، روضات الجنات 193/1 برقم 50، هدية العارفين 55/1، الكنى و الألقاب للقمي 287/1-290، أعيان الشيعة 204/3-206، ريحانة الأدب 297/2، 528/7، الأعلام 267/1، معجم المؤلفين 100/2، قاموس الرجال 449/1، موسوعة مؤلفي الإمامية 410/5، معجم التراث الكلامي 127/1 برقم 312 و 498 برقم 1955، 352/2 برقم 4112، 223/3 برقم 5764.
عيسى الوراق، و ابن الراوندي، و ألّفا لهم كتبا في الإمامة.
و عدّه أبو الفتح الشهرستاني من مؤلّفي الشيعة أيضا.
و نسبت للمترجم كتب، اتّهم بسببها بالإلحاد و الزندقة، و ردّ عليها جماعة، و نقض هو بعضها.(1)
و قد دافع عنه الشريف المرتضى، قائلا: إنّه ألّفها معارضة للمعتزلة و تحدّيا لهم، و إنّه كان يتبرّأ منها تبرّؤا ظاهرا، و ينتفي من عملها، و يضيفها إلى غيره.(2)
و كان الراوندي متكلّما حاذقا، فيلسوفا، مصنفا.
ناظر جماعة من علماء الحكماء، و انفرد - حسب قول ابن خلكان - بمذاهب نقلها أهل الكلام عنه في كتبهم.
و ألّف كتبا جمّة - بلغت على قول المسعودي (114) كتابا - منها: كتاب التوحيد، كتاب المعرفة، كتاب إثبات الرسل، كتاب الإمامة، كتاب خلق القرآن،
1) . قال السيد محسن العاملي: و نقضه لها إمّا لأنّه من أوّل الأمر لم يكن معتقدا بها، أو ظهر له فسادها أو تاب منها، و ربما يؤيده حكاية خصمه أبي القاسم البلخي عن جماعة أنّه تاب عند موته ممّا كان منه. ثمّ قال العاملي: و زبدة القول في ابن الراوندي أنّه مخطئ في تأليفه لهذه الكتب التي هي من كتب الضلال سواء كان ألّفها معتقدا بها أو لأجل معارضة المعتزلة كما ذكره المرتضى، إلاّ أنّه مع نقضه لأكثرها و حكاية القول بتوبته منها، لا يمكن الجزم بإلحاده، و يبقى حاله في مرحلة الشك، و إن جزمنا بخطئه، و اللّه العالم.
2) . و أضاف الشريف المرتضى: و ما صنع ابن الراوندي من ذلك إلاّ ما قد صنع الجاحظ مثله أو قريبا منه... و ليس لأحد أن يقول: إنّ الجاحظ لم يكن معتقدا لما في هذه الكتب المختلفة، و إنّما حكى مقالات الناس و حجاجهم، و ليس على الحاكي جريرة، و لا يلزمه تبعة، لأنّ هذا القول إن قنع به الخصوم، فليقنعوا بمثله في الاعتذار، فإنّ ابن الراوندي لم يقل في كتبه هذه التي شنّع بها عليه: إنّني اعتقد المذاهب التي حكيتها، و أذهب إلى صحتها، بل كان يقول: قالت الدهرية، و قال الموحّدون، و قالت البراهمة، و قال مثبتو الرسول. الشافي في الإمامة 87/1-88.
كتاب الابتداء و الإعادة، كتاب المرجان في اختلاف أهل الإسلام و نقضه ابن الراوندي على نفسه، كتاب البقاء و الفناء، كتاب العروس، كتاب فضيحة المعتزلة(1)، كتاب الاحتجاج لهشام بن الحكم، كتاب الردّ على الزنادقة، و كتاب في اجتهاد الرأي.(2)
توفّي سنة خمس و أربعين و مائتين.
و قال ابن الجوزي و غيره: سنة (298 ه).(3)
1) . ردّ عليه أبو الحسين عبد الرحيم بن محمد الخياط المعتزلي بكتاب سمّاه «الانتصار - ط».
2) . ردّ عليه إسماعيل بن علي النوبختي.
3) . هذا التاريخ لا ينسجم مع قول ابن الجوزي نفسه (في المنتظم) بأنّ ابن الراوندي و أبا عيسى الورّاق كانا يتراميان بكتاب «الزمرّد» و يدّعي كلّ واحد منهما على الآخر أنّه تصنيفه. فهذا الكلام يدلّ على معاصرته للورّاق (المتوفّى 247 ه)، و من البعيد أن يبقى بعد صاحبه كلّ هذه المدة، و يؤيّد ذلك ما ذكره أبو علي الجبّائي (كما في الوافي بالوفيات) من أنّ السلطان طلب ابن الراوندي و الورّاق، فأمّا الورّاق فحبس حتّى مات، و أمّا ابن الراوندي فهرب إلى ابن لاوي و وضع له كتاب «الدامغ» ثمّ لم يلبث إلاّ أيّاما يسيرة حتّى مرض و مات. ثمّ إنّ المؤرخ المسعودي (المتوفّى 346 ه) و هو أقرب من غيره إلى عصر المترجم، قد أرّخ وفاته في سنة (245 ه).
59 المخزومي (1)(... - حيّا قبل 300 ه)
إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن هلال المخزومي، أبو محمد المكي.
قدم العراق، و أخذ عن: أيوب بن نوح بن درّاج النخعي، و علي و أحمد ابني الحسن بن علي بن فضّال التيملي، و الحسن بن معاوية(2)، و محمد(3)بن الحسين.
و عاد إلى مكة، و أقام بها.
ألّف كتبا، منها: كتاب التوحيد، كتاب المعرفة، كتاب الإمامة، كتاب التجمّل و المروّة، و كتاب الصلاة.
1) الفهرست للنديم 287 (ط. الاستقامة - القاهرة)، رجال النجاشي 120/1 برقم 66، رجال الطوسي 452 برقم 83، فهرست الطوسي 35 برقم 35، معالم العلماء 8 برقم 35، رجال ابن داود 59 برقم 192، رجال العلاّمة الحلي 9 برقم 9، مجمع الرجال 222/1، نقد الرجال 46 برقم 69، جامع الرواة 102/1، هداية المحدثين 181، بهجة الآمال 308/2، تنقيح المقال 142/1 برقم 876، أعيان الشيعة 401/3، 405، الذريعة 321/2 برقم 888، 477/4 برقم 2120، 244/21 برقم 4840، معجم رجال الحديث 172/3 برقم 1414، قاموس الرجال 63/2، موسوعة طبقات الفقهاء 133/3 برقم 823، معجم التراث الكلامي 459/1 برقم 1960، 199/5 برقم 11210.
2) . لعله ابن معاوية بن وهب البجلي، و كان معاوية من تلامذة الإمامين الصادق و الكاظم عليهما السّلام.
3) . المظنون أنّه محمد بن الحسين بن أبي الخطاب الهمداني الكوفي (المتوفّى 262 ه).
و قد روى عنه هذه الكتب: ابنه محمد بن إسماعيل، و الشريف أبو الحسن علي بن أحمد العلوي العقيقي.
لم نظفر بتاريخ وفاته.
و قد استظهر السيد الخوئي اتّحاده مع إسماعيل بن محمد القمي، الملقب بقنبرة، و قال: من القريب أن يكون الرجل مكيّا، سكن قمّ مدة طويلة، ثمّ هاجر إلى العراق، ثمّ رجع إلى مكة.
60 العسكري (1)(... - حيّا قبل 247 ه)
ثبيت بن محمد، أبو محمد العسكري، صاحب المتكلّم المعروف أبي عيسى محمد(2)بن هارون الورّاق.
كان متكلّما حاذقا، مضطلعا بالحديث و الرواية و الفقه.
1) رجال النجاشي 293/1 برقم 298، رجال ابن داود 78 برقم 280، رجال العلاّمة الحلي 30 برقم 3، مجمع الرجال 299/1، نقد الرجال 64 برقم 1، جامع الرواة 139/1، هداية المحدثين 28، بهجة الآمال 470/2، تنقيح المقال 194/1 برقم 1503، أعيان الشيعة 21/2، الذريعة 59/2 برقم 236، 502/4 برقم 2253، معجم رجال الحديث 402/3 برقم 1980، قاموس الرجال 291/2، موسوعة طبقات الفقهاء 156/3 برقم 843، معجم التراث الكلامي 285/3 برقم 6081، 411/5 برقم 12254.
2) المتوفّى (247 ه)، و ستأتي ترجمته.
ألّف كتبا، منها: دلائل الأئمّة عليهم السّلام، كتاب في نقض العثمانية(1)، كتاب الأسفار، و كتاب توليدات بني أمية في الحديث و ذكر الأحاديث الموضوعة.
لم نظفر بتاريخ وفاته.
و هو غير ثبيت بن نشيط الذي عدّ من أصحاب الإمام الصادق عليه السّلام (المتوفّى 148 ه)، و يروي عنه أبو أيوب الخزّاز.(2)
61 ابن التاجر (3)(... - حدود 280 ه تقديرا)
جعفر بن أحمد بن أيوب، أبو سعيد السمرقندي، المعروف بابن التاجر.(4)
كان متكلّما، صحيح الحديث.
1) . و يعزى هذا الكتاب إلى أبي عيسى الوراق، خطأ. رجال النجاشي.
2) . راجع قاموس الرجال 291/2-293.
3) رجال النجاشي 301/1 برقم 308، رجال الطوسي 458 برقم 7، معالم العلماء 31 برقم 171، رجال ابن داود 82 برقم 296، رجال العلاّمة الحلي 32 برقم 14، لسان الميزان 107/2 برقم 438، مجمع الرجال 23/2، نقد الرجال 68 برقم 9، جامع الرواة 157/1، هداية المحدثين 30، بهجة الآمال 508، تنقيح المقال 212/1 برقم 1753، أعيان الشيعة 81/4، الذريعة 227/10 برقم 846، معجم رجال الحديث 50/4 برقم 2122، قاموس الرجال 372/2، معجم التراث الكلامي 402/3 برقم 6701.
4) . و في رجال النجاشي: ابن العاجز، و الظاهر أنّه تصحيف.
روى عن: أبي الخير صالح(1)بن أبي حماد الرازي، و أبي جعفر محمد بن يحيى بن الحسن، و عبد اللّه بن الفضل، و آخرين.
و روى عنه: أبو النضر محمد بن مسعود العيّاشي السمرقندي (المتوفّى حدود 320 ه)، و طاهر بن عيسى الوراق الكشي، و محمد بن إسماعيل بن أحمد البرمكي، و غيرهم.
و ألّف كتاب الردّ على من زعم أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان على دين قومه قبل النبوّة.
لم نظفر بسنة وفاته، و نقدّر أنّها كانت في حدود سنة (280 ه).
62 جعفر بن عيسى (2)(... - حيّا بعد 208 ه)
ابن عبيد بن يقطين بن موسى الأسدي بالولاء، أخو العالم الجليل محمد بن عيسى بن عبيد.
روى عن الإمام علي الرضا عليه السّلام، و عن: عمّ والده عليّ بن يقطين
1) . كان من أصحاب الأئمّة: الجواد، و الهادي، و العسكري (المتوفّى 260 ه). انظر موسوعة طبقات الفقهاء 288/3 برقم 945.
2) رجال الكشي 419 برقم 353، رجال الطوسي 370 برقم 2، رجال ابن داود 87 برقم 316، رجال العلاّمة الحلي 32 برقم 10، لسان الميزان 121/2 برقم 502، التحرير الطاووسي 65 برقم 71، مجمع الرجال 33/2، نقد الرجال 71 برقم 54، جامع الرواة 155/1، منتهى المقال 257/2 برقم 568، بهجة الآمال 549/2، تنقيح المقال 220/1 برقم 1824، أعيان الشيعة 133/4، معجم رجال الحديث 87/4 برقم 2215-2217، قاموس الرجال 399/2.
(المتوفّى 182 ه)، و خالد بن سدير بن حكيم الصيرفي، و آخرين.
و أخذ الكلام عن: يونس بن عبد الرحمان (المتوفّى 208 ه)، و هشام بن إبراهيم الختلي المعروف بالمشرقي.
و كان محدثا، متكلّما، حريصا على الانتهال من علوم مدرسة أهل البيت عليهم السّلام.
تشرّف هو و جماعة بلقاء الإمام الرضا عليه السّلام عام (199 ه)، و سأله عن صحة ما تلقّاه عن أستاذيه من الكلام، فقال عليه السّلام: ما أعلمكم إلاّ على هدى، جزاكم اللّه على النصيحة القديمة و الحديثة خيرا.
لم نظفر بتاريخ وفاة المترجم.
و قد روى عنه أخوه محمد بن عيسى (المتوفّى بعد 260 ه تقديرا).
63 الداعي إلى الحق (1)(... - 270 ه)
الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب الحسني العلوي، المدني، الملقّب بالداعي إلى الحق، أحد أئمّة الزيدية.
ولد بالمدينة المنورة، و نشأ بها.
و أقام بالعراق، فضاقت عليه الأمور هناك، فقصد بلاد إيران، و أسلم على يده جماعة، و سكن الرّيّ.
و دعاه أهل طبرستان (المعروفة اليوم بمازندران) لإنقاذهم من ظلم محمد
1) تاريخ الطبري 147/8، مروج الذهب 66/5 برقم 3036، الفهرست للنديم 288 (ط. الاستقامة - القاهرة)، الكامل لابن الأثير 407/7، وفيات الأعيان 411/6 و 412 و 421 و 424 (ضمن الترجمة 828)، تاريخ الإسلام (سنة 261-280 ه) 77 برقم 53، سير أعلام النبلاء 136/13 برقم 67، الوافي بالوفيات 20/12 برقم 14، البداية و النهاية 50/11، رياض العلماء 188/1، تنقيح المقال 280/1 برقم 2551، أعيان الشيعة 80/5، الذريعة 30/5 برقم 137، 255/6 برقم 1400، الأعلام 191/2، معجم المؤلفين 227/3، معجم رجال الحديث 335/4 برقم 2831، موسوعة طبقات الفقهاء 185/3 برقم 867، أعلام المؤلفين الزيدية 319 برقم 301، معجم التراث الكلامي 72/3 برقم 5074.
ابن أوس البلخي(1)، و الحكم فيهم بالعدل و الإنصاف من خلال الاقتداء بسيرة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و علي عليه السّلام، فلبّى الحسن دعوتهم، و خاض بهم معارك كثيرة مع جيوش العباسيين، أسفرت عن بسط نفوذه على طبرستان و جرجان و نواحيها و الريّ، و استقرّ ملكه بها نحو عشرين عاما، إلى أن وافاه أجله بمدينة آمل عام سبعين و مائتين.
و كان عالما، أديبا، شاعرا، ناقدا، حازما، مهيبا، ثاقب الرأي.
ألّف من الكتب: الحجّة في الإمامة، و البيان، و الجامع في الفقه.
و من شعره:
لم نمنع الدّنيا لفضل بها *** و لا لأنّا لم نكن أهلها
لكن لنعطى الفوز من جنّة *** ما إن رأى ذو بصر مثلها
هاجرها خير الورى جدّنا *** فكيف نرجو بعده وصلها
1) . كان البلخي هو الغالب على عامل طبرستان (سليمان بن عبد اللّه بن طاهر)، و قد فرّق أولاده في مدن طبرستان، و هم أحداث سفهاء، فتأذّى بهم الرعية، و شكوا منهم و من أبيهم و من سليمان سوء السيرة. الكامل لابن الأثير 130/7، حوادث سنة (250 ه).
64 البطائني (1)(... - بعد 224 ه - تقديرا)
الحسن بن علي بن أبي حمزة سالم البطائني، الأنصاري بالولاء، أبو محمد الكوفي الواقفي.
روى عن: أبيه (المتوفّى بعد 183 ه)، و إبراهيم بن عمر اليماني الصنعاني، و سيف بن عميرة النخعي، و عبد اللّه بن وضّاح الكوفي، و كليب بن معاوية الأسدي الصيداوي، و منصور بن حازم البجلي، و آخرين.
و كان من رجال الفقه و الحديث و التفسير، مؤلفا في فنون عديدة.
روى عنه: إسماعيل بن مهران بن محمد بن أبي نصر السكوني، و علي بن الحسين بن عمرو الخزاز، و إبراهيم بن هاشم الكوفي القمي، و أحمد بن ميثم بن أبي
1) رجال الكشي 462 برقم 425، رجال النجاشي 132/1 برقم 72، فهرست الطوسي 75 برقم 178 و 76 برقم 185، معالم العلماء 35 برقم 200، رجال ابن داود 440 برقم 121، رجال العلاّمة الحلي 212 برقم 7، لسان الميزان 234/2 برقم 994، التحرير الطاووسي 74 برقم 93، مجمع الرجال 121/2، نقد الرجال 92 برقم 89، جامع الرواة 208/1، بهجة الآمال 146/3، إيضاح المكنون 295/2 و 297 و 301، تنقيح المقال 290/1 برقم 2619، أعيان الشيعة 196/5، الذريعة 76/16 برقم 382 و 262 برقم 1072، معجم رجال الحديث 14/5 برقم 2928، معجم المؤلفين 253/3، قاموس الرجال 193/3، موسوعة طبقات الفقهاء 193/3 برقم 872، معجم التراث الكلامي 342/3 برقم 6356.
نعيم الفضل بن دكين، و محمد بن أبي الصهبان عبد الجبار، و غيرهم.
و ألّف كتبا، منها: كتاب الدلائل، كتاب القائم الصغير، كتاب الرجعة، كتاب الغيبة، كتاب فضائل القرآن، كتاب فضائل أمير المؤمنين، كتاب المتعة، كتاب الفرائض، كتاب الصلاة، و كتاب الفتن (و يسمى الملاحم).
لم نظفر بسنة وفاته.
أقول: أدركه علي بن الحسن بن علي بن فضال (المولود نحو سنة 206 ه)، و سمع منه أحاديث كثيرة، و كتب عنه تفسير القرآن كلّه، إلاّ أنّه لم يحدّث عنه لسوء رأيه فيه(1)، و هذا يدلّ على بقاء البطائني إلى ما بعد سنة (224 ه)، لأنّ ابن فضال(2)المذكور لم يرو عن أبيه الحسن (المتوفّى 224 ه)، و يعلّل ذلك بقوله: كنت أقابله و سنّي ثمان عشرة سنة بكتبه، و لم أفهم إذ ذاك الروايات، و لا استحلّ أن أرويها عنه.
1) . انظر رجال الكشي 462 برقم 425، و قد نقل الكشي كلام ابن فضال ثانية في ترجمة علي بن أبي حمزة (والد المترجم)، تحت الرقم 264، و هذا وهم، لأنّ والد المترجم توفّي في حياة الإمام الرضا عليه السّلام الذي استشهد سنة (203 ه)، فكيف يروي عنه علي بن فضال، و يكتب عنه التفسير؟! و لم أجد بين مؤلفي الكتب الرجالية من أشار إلى البعد بين الطبقتين.
2) . الآتية ترجمته.
65 ابن فضّال (1)(... - 224 ه)
الحسن بن علي بن فضال بن عمرو التيملي بالولاء، أبو محمد الكوفي، أحد كبار علماء الشيعة.
اختصّ بالإمام أبي الحسن علي الرضا عليه السّلام، و روى عنه، و عن جمع من رجال مدرسة أهل البيت، منهم: عبد اللّه بن بكير بن أعين، و عبد اللّه بن سنان بن طريف، و محمد بن أبي عمير الأزدي، و شعيب بن يعقوب العقرقوفي، و أحمد بن عمر الحلبي، و حنان بن سدير الصيرفي، و معاوية بن عمّار البجلي.
و كان فقيها كبيرا، مصنّفا في عدة فنون، ناسكا زاهدا، جليل القدر.
1) رجال البرقي 54، رجال الكشي 433 برقم 378 و 473 برقم 452، الفهرست للنديم 326 (ط. الاستقامة - القاهرة)، رجال النجاشي 127/1 برقم 71، رجال الطوسي 371 برقم 2، فهرست الطوسي 72 برقم 164، معالم العلماء 33 برقم 184، رجال ابن داود 114 برقم 437 و 441 برقم 125، رجال العلاّمة الحلي 37، لسان الميزان 225/2 برقم 976، التحرير الطاووسي 74 برقم 94 و 95، مجمع الرجال 131/2، نقد الرجال 94 برقم 111، جامع الرواة 214/1، بهجة الآمال 172/3، إيضاح المكنون 278/2 و 615، هدية العارفين 267/1، تنقيح المقال 297/1 برقم 2670، أعيان الشيعة 206/5، الذريعة 110/3 برقم 370، 212/10 برقم 586، معجم رجال الحديث 44/5 برقم 2983، قاموس الرجال 211/3، موسوعة طبقات الفقهاء 197/3 برقم 875، معجم التراث الكلامي 389/3 برقم 6620.
قال تلميذه الفضل بن شاذان: كان يجتمع هو و أبو محمد عبد اللّه الحجّال، و علي بن أسباط، و كان الحجّال يدّعي الكلام، و كان من أجدل الناس، فكان ابن فضال يغري بيني و بينه في الكلام في المعرفة.
و لابن فضال كتب كثيرة، منها: الابتداء و المبتدأ، الردّ على الغالية، البشارات، المتعة، الشواهد من كتاب اللّه، النوادر، الصلاة، الديات، الزهد، و الرجال، و غير ذلك.
توفّي سنة أربع و عشرين و مائتين.
و كان فطحيا(1)، ثمّ رجع عن ذلك، و قال قبل موته: قد نظرنا في الكتب، فما وجدنا لعبد اللّه شيئا.
1) . نسبة إلى الفطحية (و تسمّى أيضا الأفطحية): فرقة من الإمامية قالت بانتقال الإمامة من جعفر الصادق عليه السّلام إلى ولده الأكبر عبد اللّه الأفطح، و هي من الفرق البائدة.
66 ابن يقطين (1)(... - حيّا بعد 203 ه)
الحسن بن علي بن يقطين بن موسى البغدادي، المتكلّم الإمامي.
كان والده علي (المتوفّى 182 ه) من خاصة أصحاب أبي الحسن موسى الكاظم عليه السّلام، و صاحب منزلة كبيرة لديه.
روى الحسن عن الإمام أبي جعفر محمد الجواد عليه السّلام، و عن فريق من رجال مدرسة أهل البيت، منهم: أخوه الحسين، و عمّه يعقوب بن يقطين، و عاصم بن حميد الحنّاط، و يونس بن يعقوب بن قيس البجلي، و غيرهم.
قال أبو العباس النجاشي: كان فقيها، متكلّما، روى عن أبي الحسن و الرضا عليه السّلام.
روى عنه: أحمد بن محمد بن خالد البرقي، و أحمد بن محمد بن عيسى
1) رجال البرقي 51، رجال النجاشي 148/1 برقم 90، رجال الطوسي 372 برقم 7، فهرست الطوسي 73 برقم 166، معالم العلماء 34 برقم 186، رجال ابن داود 115 برقم 440، رجال العلاّمة الحلي 39 برقم 4، مجمع الرجال 139/2، نقد الرجال 96 برقم 119، جامع الرواة 218/1، هداية المحدثين 191، بهجة الآمال 182/3، تنقيح المقال 300/1 برقم 2684، أعيان الشيعة 217/5، الذريعة 334/20 برقم 3267، معجم رجال الحديث 58/5 برقم 2998، قاموس الرجال 220/3، رسائل و مقالات للسبحاني 315 برقم 8، موسوعة طبقات الفقهاء 202/3 برقم 878.
الأشعري، و سلمة بن الخطاب، و سهل بن زياد الآدمي، و محمد بن عيسى بن عبيد ابن يقطين، و أحمد بن هلال العبرتائي (180-267 ه)، و آخرون.
و ألّف كتاب مسائل أبي الحسن موسى عليه السّلام، رواه عنه البرقي، و صالح مولى علي بن يقطين.
لم نظفر بتاريخ وفاته.
67 الحسين بن إشكيب (1)(... - بعد 270 ه تقديرا)
المروزي، أبو عبد اللّه القمّي، خادم القبر(2)، المقيم بسمرقند و كشّ.
كان فقيها، متكلّما، مناظرا، جيّد النظر، من أجلاّء علماء الشيعة.
عاصر الإمامين أبا الحسن علي الهادي، و أبا محمد الحسن العسكري عليهما السّلام، و لم
1) رجال النجاشي 146/1 برقم 7، رجال الطوسي 413 برقم 18 و 429 برقم 1 و 462 برقم 7، معالم العلماء 41 برقم 262، رجال ابن داود 121 برقم 465 و 467، رجال العلاّمة الحلي 49 برقم 8، بحار الأنوار 27/52 برقم 22، مجمع الرجال 167/2، نقد الرجال 102 برقم 22، جامع الرواة 233/1، بهجة الآمال 251/3، تنقيح المقال 320/1 برقم 2849، أعيان الشيعة 458/5، الذريعة 227/10 برقم 688، 328/24 برقم 1723، معجم رجال الحديث 199/5 برقم 3313، قاموس الرجال 269/3، موسوعة طبقات الفقهاء 215/3 برقم 886، معجم التراث الكلامي 381/3 برقم 6569 و 402 برقم 6700.
2) . الظاهر أنّه قبر السيدة فاطمة (التي تعرف بمعصومة) بنت الإمام موسى الكاظم عليه السّلام ببلدة قمّ المشرّفة.
يرو عنهما - كما يبدو -.(1)
تلمّذ له العالم الشهير أبو النضر محمد بن مسعود العيّاشي السمرقندي (المتوفّى حدود 320 ه)، و روى عنه كثيرا، و اعتمد حديثه.
و ألّف كتبا، منها: كتاب الردّ على من زعم أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان على دين قومه، و كتاب الردّ على الزيدية، و كتاب النوادر.
و قد روى عنه هذه الكتب: محمد بن الوارث، من مشايخ جعفر بن محمد ابن قولويه القمّي (المتوفّى 368 ه).
لم نظفر بسنة وفاته، و نظنّ أنّها بعد السبعين و مائتين.
و قد أورد الشيخ الكليني في كتابه «الكافي» قصة أبي سعيد غانم الهندي الذي أسلم و دان بمذهب أهل البيت على يد المترجم له، و فيها ما يدلّ على سموّ منزلته و اشتهاره بحيث يبعث أمير بلخ في طلبه لمناظرة هذا الرجل الهندي.(2)
68 السّعدي (1)(... - حدود 270 تقديرا)
الحسين بن عبيد اللّه بن سهل السّعدي، أبو عبد اللّه القمي.
روى عن: إبراهيم بن هاشم الكوفي القمي، و الحسن بن علي بن أبي عثمان، و موسى بن عمر، و غيرهم.
و روى عنه: أحمد بن إدريس الأشعري القمي (المتوفّى 306 ه)، و سعد ابن عبد اللّه بن أبي خلف الأشعري القمي (المتوفّى 300 ه)، و محمد بن يحيى العطار القمي، و أحمد بن علي الفائدي.
و صنّف كتبا، منها: التوحيد، الإمامة، المؤمن و المسلم، المتعة، المقت و التوبيخ، المزار، و النوادر.
و قد تضمّن كتابه «المؤمن و المسلم» أبوابا كثيرة، منها: الإيمان وصفة المؤمن، الإيمان لا يثبت إلاّ بالعمل، الإيمان يزيد و ينقص، لا إيمان لمن لا تقية له، دعائم
1) رجال النجاشي 143/1 برقم 85، رجال الطوسي 471 برقم 54، فهرست الطوسي 82 برقم 220، مجمع الرجال 183/2، نقد الرجال 106، جامع الرواة 246/1، بهجة الآمال 281/3، تنقيح المقال 234/1 برقم 2967، أعيان الشيعة 86/6، 88، معجم رجال الحديث 21/6 برقم 3483، قاموس الرجال 295/3، موسوعة طبقات الفقهاء 225/3 برقم 895، معجم التراث الكلامي 461/1 برقم 1973، 354/2 برقم 4123، 339/5 برقم 11925.
الإيمان، دعائم الإسلام، في أطفال المسلمين، و غير ذلك.
لم نظفر بسنة وفاته، و نقدّر أنّها كانت في حدود السبعين و مائتين.
69 المصري (1)(... - بعد 230 ه تقديرا)
الحسين بن علي، أبو عبد اللّه المصري.
كان متكلّما، ثقة، من علماء الشيعة.
سمع في العراق من: أبي داود سليمان(2)بن داود الطيالسي البصري صاحب «المسند»، و علي بن قادم الخزاعي الكوفي (المتوفّى 213 ه)، و أبي سلمة(3)، و نظرائهم.
و سكن مصر.
1) رجال النجاشي 185/1 برقم 153، رجال العلاّمة الحلي 52 برقم 23، نقد الرجال 107 برقم 86، جامع الرواة 248/1، منتهى المقال 55/3 برقم 896، أعيان الشيعة 130/6، الذريعة 325/2 برقم 1287، 194/10 برقم 485، مستدركات علم رجال الحديث 156/3 برقم 4481، معجم رجال الحديث 37/6 برقم 3503، قاموس الرجال 302/3، معجم التراث الكلامي 377/3 برقم 6549.
2) . المتوفّى (204 ه).
3) . لعلّه موسى بن إسماعيل المنقري بالولاء، التبوذكي، البصري (المتوفّى 223 ه). و في منهج المقال: كأنّه منصور بن عبد العزيز الخزاعي البغدادي الذي مات سنة (210 ه) على الصحيح.
و ألّف كتبا، منها: كتاب الإمامة، و الردّ على الحسين(1)بن علي الكرابيسي.
لم نظفر بتاريخ وفاته، و نقدّر أنّه كان في العقد الرابع أو الخامس من القرن الثالث.
70 الحكم بن هشام (2)(... -...)
ابن الحكم الكندي بالولاء، أبو محمد الكوفي، نزيل البصرة.
قال أبو العباس النجاشي: كان مشهورا بالكلام، كلّم الناس، و حكي عنه مجالس كثيرة.
أقول: لم نقف على أسماء مشايخه الذين تلقّى عنهم الكلام، بيد أن والده (هشام بن الحكم) كان أبرز المتكلّمين و المناظرين في عصره (القرن الثاني)، و طبيعة الأمور تقتضي تتلمذ ابنه المذكور عليه.
1) . المتوفّى (248 ه). و كان فقيها متكلّما، من أصحاب الشافعي. انظر الأعلام 244/2.
2) رجال النجاشي 328/1 برقم 349، مجمع الرجال 222/2، نقد الرجال 115 برقم 27، جامع الرواة 268/1، منتهى المقال 108/3 برقم 980، تنقيح المقال 361/1 برقم 3252، أعيان الشيعة 212/6، الذريعة 325/2 برقم 1288، معجم رجال الحديث 181/6 برقم 3880، قاموس الرجال 384/3، معجم التراث الكلامي 461/1 برقم 1976.
هذا، و قد ألّف الحكم كتابا في الإمامة، رآه بعض أصحاب النجاشي، و الظاهر أنّه أحمد بن الحسين بن عبيد اللّه الغضائري.(1)
لم نظفر بتاريخ وفاته.
71 أبو الأحوص (2)(... - قبل 300 ه تقديرا)
داود بن أسد بن أعفر، أبو الأحوص المصري (البصري).
كان فقيها، محدثا، من أجلّة متكلّمي الإمامية.
ألّف كتابين في الإمامة، خصّص أحدهما للردّ على سائر من خالفه من الأمم، و جرّد الآخر للدلائل و البراهين.
و قد نال أبو الأحوص بتأليفاته مكانة مرموقة في أوساط العلماء، و أصبح ممّن
1) . انظر قاموس الرجال.
2) مقالات الإسلاميين للأشعري 63، رجال النجاشي 364/1 برقم 412، فهرست الطوسي 221 برقم 875، معالم العلماء 139 برقم 968، رجال ابن داود 43 برقم 571 و 391 برقم 1، رجال العلاّمة الحلي 69 برقم 7 و 188 برقم 15، مجمع الرجال 280/2، 4/7، نقد الرجال 127 برقم 8 و ص 383، جامع الرواة 302/1، 364/2، بهجة الآمال 62/4، 377/7، تنقيح المقال 407/1 برقم 3822، 1/3، تأسيس الشيعة 375، أعيان الشيعة 366/6، الذريعة 326/2 برقم 1293 و 1294، مستدركات علم رجال الحديث 351/3 برقم 5467، معجم رجال الحديث 96/7 برقم 4375، 11/21 برقم 13875، قاموس الرجال 46/4، 6/10، فلاسفة الشيعة 46، معجم التراث الكلامي 462/1-463 برقم 1983 و 1984.
يشار إليه بالأكفّ، فقد ذكره أبو الحسن الأشعري في كتابه، و جعله في مصافّ كبار متكلّمي الإمامية و مؤلّفي كتبهم كهشام بن الحكم، و يونس بن عبد الرحمان، و السكّاك، و الفضل بن شاذان، و غيرهم.(1)
كما ذكره القاضي عبد الجبار المعتزلي في كتابه، و قال عنه و عن متكلّمي بني نوبخت إنّهم يسلكون في الإمامة طريقة متوسطة بين العقل و الشرع، و إنّهم يتّبعون في الأكثر طريقة السمع، و إن كانوا ربّما التجؤوا إلى طريقة العقل.(2)
و قد ردّ الشريف المرتضى على القاضي المذكور، و قال: إنّ كلامه ينقض بعضه بعضا، و إنّه قد تضمّن غلطا عليهم في مذاهبهم، و إنكار اللطف من مقالتهم، ثمّ بيّن وجه المناقضة في كلامه، و غلطه عليهم، و قال: ربّما استدلوا بالسمع استظهارا و تصرّفا في الأدلة، و ليس كلّ من استدلّ على شيء بالسمع، فقد نفى دلالة العقل عليه.(3)
لم نظفر بتاريخ وفاته.
و كان المتكلّم الحسن بن موسى النوبختي (المتوفّى حدود 310 ه) قد لقيه، و أخذ عنه، و اجتمع معه في الحائر (كربلاء)، و كان ورد للزيارة.
أقول: أحسب أنّ وفاة أبي الأحوص كانت قبل الثلاثمائة، و ذلك بالاستناد إلى ما تقدّم، و إلى ملاحظة طبقته، حيث روى بواسطة واحدة عن أحمد بن هارون ابن موفق(4)، الذي روى عنه سهل بن زياد (المتوفّى بعد 255 ه).(5)
72 الأشعري (1)(... - 300 ه)
سعد بن عبد اللّه بن أبي خلف الأشعري، أبو القاسم القمّي، شيخ الطائفة الإمامية في عصره.
ارتحل في طلب العلم، و سمع من كبار محدّثي أهل السنّة كأبي حاتم محمد ابن إدريس الرازي (المتوفّى 277 ه)، و الحسن بن عرفة العبدي البغدادي (المتوفّى 257 ه)، و محمد بن عبد الملك الواسطي الدقيقي (المتوفّى 266 ه)، و عباس بن عبد اللّه بن أبي عيسى التّرقفي (المتوفّى 267 ه).
1) رجال النجاشي 401/1 برقم 465، رجال الطوسي 431 برقم 3 و 475 برقم 6، فهرست الطوسي 101 برقم 318، معالم العلماء 54 برقم 358، رجال ابن داود 168 برقم 671 و 457 برقم 201، رجال العلاّمة الحلي 78 برقم 3، مجمع الرجال 105/3، نقد الرجال 149 برقم 27، جامع الرواة 355/1، هداية المحدثين 71، بهجة الآمال 324/4، إيضاح المكنون 188/2 و 198 و 199 و 266 و 272 و 211، و غير ذلك، هدية العارفين 384/1، تنقيح المقال 16/2 برقم 4702، أعيان الشيعة 225/7، الذريعة 326/2 برقم 1296، 214/10 برقم 592 و 222 برقم 651، 121/15 برقم 817، و غير ذلك، طبقات أعلام الشيعة 134/1، الأعلام 86/3، معجم المؤلفين 211/4، معجم رجال الحديث 74/8 برقم 5048، قاموس الرجال 334/4، موسوعة طبقات الفقهاء 263/3 برقم 924، معجم التراث الكلامي 463/1 برقم 1986، 390/3 برقم 6627 و 397 برقم 6670، 183/4 برقم 8398.
و أخذ عن جمع من رجال الشيعة، منهم: أحمد بن الحسن بن علي بن فضّال، و أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري القمي، و أيوب بن نوح بن درّاج النخعي، و محمد بن الحسين بن أبي الخطاب الهمداني، و علي بن مهزيار الأهوازي.
و مهر في الفقه و الحديث، و أحاط بآراء و مقالات مختلف الفرق الإسلامية، و خصّص جانبا مهما من مؤلفاته لإثبات و إيضاح المسائل التي تتصل بعقائد الإمامية، و ردّ و تقويض آراء و مقالات بعض الفرق و الطوائف.
و كان غزير العلم، واسع الرواية، جليل القدر.
ألّف كتبا كثيرة، منها: كتاب الإمامة، كتاب الضياء في الردّ على المحمدية و الجعفرية، كتاب الردّ على الغلاة، كتاب الردّ على المجبرة، كتاب فرق الشيعة، كتاب الاستطاعة، كتاب الردّ على علي بن إبراهيم بن هاشم في معنى هشام و يونس، كتاب بصائر الدرجات، كتاب المنتخبات، كتاب مناقب الشيعة، كتاب الرحمة، كتاب جوامع الحجّ، و كتاب ناسخ القرآن و منسوخه و محكمه و متشابهه، و غير ذلك.
توفّي يوم الأربعاء لسبع و عشرين من شوال سنة ثلاثمائة.(1)
1) . و قيل: سنة (301 ه)، و قيل: (299 ه).
73 سهل بن زياد (1)(... - بعد 260 ه تقديرا)
الآدمي، أبو سعيد الرازي.
عاصر الإمامين محمد الجواد و علي الهادي عليهما السّلام (و قيل: روى عنهما)، و كاتب الإمام أبا محمد الحسن العسكري عليه السّلام سنة (255 ه).
و أخذ العلم و روى عن جمع من المشايخ، منهم: أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي (المتوفّى 221 ه)، و أيّوب بن نوح بن درّاج النخعي، و علي بن أسباط بن سالم، و الحسن بن علي بن يقطين، و محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني، و السيد عبد العظيم بن عبد اللّه الحسني، و الحسن بن محبوب السرّاد، و أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري، و الريّان بن الصلت، و عبد الرحمان بن أبي نجران.
1) رجال البرقي 58 و 60، رجال الكشي 474 برقم 454، رجال النجاشي 417/1 برقم 448، رجال الطوسي 401 برقم 1 و 416 برقم 4 و 431 برقم 2، فهرست الطوسي 106 برقم 341، معالم العلماء 57 برقم 383، رجال ابن داود 460 برقم 222، رجال العلاّمة الحلي 228 برقم 2، التحرير الطاووسي 143 برقم 184، مجمع الرجال 179/3، نقد الرجال 165، جامع الرواة 393/1، هداية المحدثين 78، بهجة الآمال 514/4، تنقيح المقال 75/2 برقم 5396، أعيان الشيعة 322/7، الذريعة 479/4 برقم 2133، 332/24 برقم 1743، معجم رجال الحديث 337/8 برقم 5629، قاموس الرجال 37/5، موسوعة طبقات الفقهاء 281/3 برقم 938، معجم التراث الكلامي 355/2 برقم 4130.
و كان كثير الرواية في شتى مجالات الشريعة.
روى عنه: محمد بن الحسن الصفار (المتوفّى 290 ه)، و محمد بن جعفر بن محمد بن عون الأسدي (المتوفّى 312 ه)، و محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري، و آخرون.
و صنّف كتاب التوحيد، و كتاب النوادر.
توفّي في عشر السبعين و مائتين تخمينا.
روى المترجم بسنده إلى الإمام علي الرضا عليه السّلام، قال: خرج أبو حنيفة ذات يوم من عند الصادق عليه السّلام، فاستقبله موسى بن جعفر عليه السّلام، فقال له: يا غلام ممّن المعصية؟ قال: لا تخلو من ثلاث: إمّا أن تكون من اللّه عزّ و جلّ، و ليست منه، فلا ينبغي للكريم أن يعذّب عبده بما لا يكتسبه، و إمّا أن تكون من اللّه عزّ و جلّ و من العبد، و ليس كذلك، فلا ينبغي للشريك القويّ أن يظلم الشريك الضعيف، و إمّا أن تكون من العبد، و هي منه، فإن عاقبه اللّه فبذنبه، و إن عفا عنه فبكرمه وجوده.(1)
1) . الصدوق، التوحيد 96، باب معنى التوحيد و العدل (5)، الحديث 2.
74 ابن جبرويه (1)(... - بعد 260 ه تقديرا)
عبد الرحمان بن أحمد بن جبرويه، أبو محمد العسكري.
كان متكلّما إماميا، حسن التصنيف، جيّد الكلام.
ناظر متكلّمي المعتزلة كعبّاد بن سليمان الضّمري(2)، و محمد بن عبد اللّه بن مملّك الأصفهاني، و على يده رجع الأخير عن مذهبه، و دان بمذهب الإمامية، و ستأتيك ترجمته.
و قد صنّف المترجم كتاب الكامل في الإمامة، وصفه أبو العباس النجاشي بأنّه كتاب حسن.
لم نظفر بسنة وفاته، و نقدّر أنّها كانت بعد الستين و مائتين، لأنّه - كما يظهر
1) رجال النجاشي 47/2 برقم 623، رجال ابن داود 222 برقم 928، رجال العلاّمة الحلي 114 برقم 9، نقد الرجال 184 برقم 13، جامع الرواة 446/1، منتهى المقال 98/4 برقم 1583، تنقيح المقال 139/2 برقم 6341، تأسيس الشيعة 375، أعيان الشيعة 133/1، مستدركات علم رجال الحديث 384/4 برقم 7603، طبقات أعلام الشيعة 147/1، الذريعة 252/17 برقم 131، معجم رجال الحديث 308/9 برقم 6338، قاموس الرجال 280/5، معجم التراث الكلامي 485/4 برقم 9826.
2) . قال ابن المرتضى: له كتب معروفة، و بلغ مبلغا عظيما، و كان من أصحاب هشام الفوطي، و له كتاب يسمى الأبواب، نقضه أبو هاشم. طبقات المعتزلة 77. و انظر الفرق بين الفرق 161.
من النجاشي - في طبقة عبّاد الذي عدّ في «طبقات المعتزلة» لابن المرتضى من الطبقة السابعة.(1)
75 أبو الصّلت الهروي (2)(... - 236 ه)
عبد السلام بن صالح بن سليمان بن أيوب بن ميسرة القرشي بالولاء، أبو الصلت الهروي ثمّ النيسابوري، العالم الشيعي، الزاهد.
ارتحل في طلب العلم إلى الكوفة و البصرة و الحجاز و اليمن، و سمع: حمّاد بن زيد، و مالك بن أنس، و شريك بن عبد اللّه، و أبا معاوية الضرير، و سفيان بن عيينة، و عبد الرزاق بن همّام الصنعاني، و آخرين.
و روى عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السّلام.
سئل يحيى بن معين عنه، فقال: ثقة صدوق، إلاّ أنّه يتشيّع.
1) . و تضمّ الجاحظ (المتوفّى 255) و غيره.
2) رجال الكشي 512 برقم 518 (مؤسسة الأعلمي - كربلاء)، رجال النجاشي 60/2 برقم 641، رجال الطوسي 380 برقم 14 و 396 برقم 5، تاريخ بغداد 46/11 برقم 5728، رجال ابن داود 224 برقم 938 و 474 برقم 295، رجال العلاّمة الحلي 117 برقم 2، ميزان الاعتدال 616/2 برقم 5051، نقد الرجال 187 برقم 5، جامع الرواة 456/1، منتهى المقال 123/4 برقم 1618، معجم رجال الحديث 16/10 برقم 6504، مستدركات أعيان الشيعة 131/3.
و وصفه الذهبي بقوله: الرجل الصالح إلاّ أنّه شيعي جلد.
أقول: الصواب أن يقال: رجل صالح، أو ثقة صدوق لأنّه شيعي جلد، فالتشيّع الحقيقي لأهل البيت عليهم السّلام، يرتقي بالإنسان إلى ذرى الإيمان و الصدق و الورع، و ينأى به عن الوقوع في حمأة الكذب و الفسوق و العصيان.(1)
قدم أبو الصلت مرو غازيا، فلما رآه المأمون و سمع كلامه جعله من خاصّته، و كان يردّ على المرجئة و الجهمية و القدرية و الزنادقة، و ناظر بشر بن غياث المريسي(2)غير مرة بحضرة المأمون مع غيره من أهل الكلام، و في كلّ ذلك كان الظفر له.
و حدّث ببغداد و غيرها، فروى عنه: عباس بن محمد الدوري، و إسحاق بن الحسين الحربي، و الحسن بن علوية القطان، و إبراهيم بن هاشم الكوفي القمي، و أحمد بن علي الأنصاري، و غيرهم.
و ألّف كتاب وفاة الرضا عليه السّلام.
توفّي في شهر شوال سنة ست و ثلاثين و مائتين.
1) . قال أبو عبد اللّه الصادق عليه السّلام: كونوا دعاة للناس بالخير بغير ألسنتكم، ليروا منكم الاجتهاد و الصدق و الورع. و قال عمرو بن أبي المقدام: قال لي أبو جعفر [يعني محمدا الباقر عليه السّلام] في أوّل دخلة دخلت عليه: تعلّموا الصدق قبل الحديث. الكافي 104/2، كتاب الإيمان و الكفر، باب الصدق و أداء الأمانة، الحديث 4 و 10.
2) . فقيه معتزلي عارف بالفلسفة، يرمى بالزندقة، و إليه تنسب الطائفة المريسية القائلة بالإرجاء، توفّي سنة (218 ه). الأعلام 55/2.
76 الحسني (1)(... - 252 ه)
عبد العظيم بن عبد اللّه بن علي بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، العالم الربّاني، السيد أبو القاسم العلوي الحسني.
صحب الإمامين أبا جعفر محمد الجواد (المتوفّى 220 ه) و أبا الحسن علي الهادي عليهما السّلام، و اقتبس منهما العلوم و المعارف، و روى عنهما و عن لفيف من كبار المشايخ، أمثال: محمد بن أبي عمير الأزدي البغدادي (المتوفّى 217 ه)، و الحسن ابن محبوب السراد (المتوفّى 224 ه)، و إبراهيم بن أبي محمود الخراساني، و علي بن أسباط بن سالم الكندي، و آخرين.
و حدّث و أفاد، و حظي بمنزلة رفيعة لدى الجواد عليه السّلام، ولدى الهادي عليه السّلام الذي أمر شيعته في (الريّ) بالرجوع إليه فيما أشكل عليهم من أمور الدين.
و اهتم السيد الحسني - كما يتّضح من مروياته - بالأصول الاعتقادية، و انبرى
1) رجال النجاشي 65/2 برقم 651، رجال الطوسي 417 برقم 1 و 433 برقم 20، فهرست الطوسي 147 برقم 549، رجال ابن داود 226، رجال العلاّمة الحلي 130 برقم 12، مجمع الرجال 97/4، نقد الرجال 190، جامع الرواة 460/1، روضات الجنات 207/4 برقم 380، بهجة الآمال 176/5، تنقيح المقال 157/2 برقم 6651، الذريعة 190/7 برقم 969، 304/25 برقم 258، معجم رجال الحديث 46/10 برقم 6580، قاموس الرجال 345/5، موسوعة طبقات الفقهاء 319/3 برقم 969.
للكشف عن رؤية أهل البيت في هذا المجال خصوصا في مسألتي التوحيد و العدل، اللتين اختلفت فيهما الآراء و الأقوال، و تعرّضتا للتشويه لا سيما في عصر المتوكل العباسي - المعاصر للسيد المترجم - الذي قرّب الحشوية، و ساندهم - لأغراض سياسية - في نشر الروايات و توجيهها بما يدعم القول بالجبر و التجسيم و التشبيه.
و كان السيد الحسني قد ورد الريّ، هاربا من السلطان، و سكن سربا في دار رجل من الشيعة في سكّة الموالي، و انصرف إلى العبادة و التهجد، و لم يزل ينمى خبره إلى الواحد بعد الواحد من شيعة آل محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتّى عرفه أكثرهم.
روى عنه جماعة من العلماء، منهم: أحمد بن مهران، و أحمد بن محمد بن خالد البرقي (المتوفّى 274 ه)، و أبو تراب عبيد اللّه بن موسى الروياني، و أبو صالح محمد ابن فيض العجلي، و سهل بن زياد الآدمي، و غيرهم.
و ألّف كتاب خطب أمير المؤمنين عليه السّلام، و كتاب يوم و ليلة.
توفّي - في قول بعضهم(1)- سنة اثنتين و خمسين و مائتين، و قبره بالريّ مشهور يزار.
و للشيخ الصدوق (المتوفّى 381 ه) كتاب جامع أخبار عبد العظيم بن عبد اللّه الحسني، و للوزير الصاحب بن عباد (المتوفّى 385 ه) رسالة في أقوال عبد العظيم الحسني (ط).
روي عن السيد الحسني أنّه دخل على الإمام الهادي عليه السّلام، فقال: يابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إنّي أريد أن أعرض عليك ديني، فإن كان مرضيا أثبت عليه حتّى ألقى اللّه عزّ و جلّ.
1) . انظر الذريعة 190/7.
فقال: هاتها يا أبا القاسم.
فقلت: إنّي أقول: إنّ اللّه تبارك و تعالى واحد ليس كمثله شيء، خارج من الحدّين: حدّ الإبطال، و حدّ التشبيه، و إنّه ليس بجسم و لا صورة و لا عرض و لا جوهر، بل هو مجسّم الأجسام، و مصوّر الصور، و خالق الأعراض و الجواهر، و ربّ كلّ شيء و مالكه و جاعله و محدثه، و إنّ محمدا عبده و رسوله خاتم النبيّين، فلا نبيّ بعده إلى يوم القيامة، و أقول: إنّ الإمام و الخليفة و وليّ الأمر بعده أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب ثمّ الحسن، ثمّ الحسين، ثم... و أقول: إنّ وليّهم وليّ اللّه، و عدوّهم عدوّ اللّه، و طاعتهم طاعة اللّه، و معصيتهم معصية اللّه، و أقول: إنّ المعراج حقّ، و المساءلة في القبر حقّ، و إنّ الجنّة حقّ، و النار حقّ، و الميزان حقّ، و إنّ الساعة آتية لا ريب فيها، و إنّ اللّه يبعث من في القبور، و أقول: إنّ الفرائض الواجبة بعد الولاية: الصلاة و الزكاة و الصوم و الحجّ و الجهاد و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر...(1)
1) . الصدوق، كتاب التوحيد، باب التوحيد و التشبيه (81)، الحديث 37. و لمعرفة المزيد من مرويات السيد عبد العظيم الحسني في حقل التوحيد و العدل، راجع الأمالي للصدوق 419، و مستدرك الوسائل 614/3-615.
77 الحجّال (1)(... - حيّا قبل 224 ه)
عبد اللّه بن محمد الأسدي بالولاء، أبو محمد الحجّال(2)، المزخرف، الكوفي، و قيل إنّه من موالي بني نهم (تيم).
عدّ من أصحاب الإمام علي الرضا عليه السّلام.
و روى عن فريق من علماء مدرسة أهل البيت، مثل: أبي إسحاق ثعلبة بن ميمون، و جميل بن درّاج النخعي، و عاصم بن حميد الحنّاط، و علي بن أسباط بن سالم، و صفوان بن مهران الجمّال، و يونس بن يعقوب البجلي، و غيرهم.
و حدّث، و ناظر.
روى عنه: أحمد بن محمد بن خالد البرقي، و أحمد بن محمد بن عيسى
1) رجال البرقي 55، رجال الكشي 434-435 (ضمن الترجمة 378)، رجال النجاشي 30/2 برقم 593، رجال الطوسي 381 برقم 18، فهرست الطوسي 128 برقم 440 و 218 برقم 853، معالم العلماء 73 برقم 492، رجال ابن داود 210 برقم 878، رجال العلاّمة الحلي 105 برقم 18، مجمع الرجال 276/3، 46/4، نقد الرجال 206 برقم 219، هداية المحدثين 206، بهجة الآمال 274/5، تنقيح المقال 206/2 برقم 7031، تأسيس الشيعة 376، معجم رجال الحديث 301/10 برقم 7095، 77/23 برقم 15280، قاموس الرجال 120/6، 122، موسوعة طبقات الفقهاء 347/3 برقم 991.
2) . نسبة إلى بيع الحجل.
الأشعري، و العباس بن معروف القمي، و محمد بن الحسين بن أبي الخطاب (المتوفّى 262 ه)، و آخرون.
و ألّف كتابا، رواه عنه الحسن بن علي بن عبد اللّه بن المغيرة البجلي.
و كان يجتمع مع الحسن بن علي بن فضّال (المتوفّى 224 ه)، و علي بن أسباط، و يتبادل معهما الحديث في المسائل العلمية.
قال المتكلّم الشهير الفضل بن شاذان: كان الحجّال من أجدل الناس، فكان ابن فضّال يغري بيني و بينه في الكلام و المعرفة.(1)
لم نظفر بتاريخ وفاة المترجم.
78 علي بن أسباط (2)(... - بعد 230 ه)
ابن سالم الكندي، بيّاع الزّطّي، أبو الحسن الكوفي.
1) . انظر رجال الكشي 434-435 (ضمن ترجمة الحسن بن علي بن فضّال المرقّمة 378).
2) رجال البرقي 55 و 56، رجال الكشي 470 برقم 440، رجال النجاشي 73/2 برقم 661، رجال الطوسي 382 برقم 23 و 403 برقم 10، فهرست الطوسي 116 برقم 386، معالم العلماء 63 برقم 430، رجال ابن داود 481 برقم 321، رجال العلاّمة الحلي 99 برقم 38، التحرير الطاووسي 187 برقم 262، مجمع الرجال 166/4، نقد الرجال 227، جامع الرواة 554/1، هداية المحدثين 114، بهجة الآمال 375/5، تنقيح المقال 268/2 برقم 8172، الذريعة 240/4 برقم 1175، 237/8 برقم 1002، 334/24 برقم 1765، معجم رجال الحديث 260/11 برقم 7923، قاموس الرجال 421/6، مستدركات أعيان الشيعة 201/2، موسوعة طبقات الفقهاء 380/3 برقم 1017.
أخذ العلم عن الإمامين علي الرضا و محمد الجواد عليهما السّلام، و روى عنهما، و عن جمع من رجال مدرسة أهل البيت، منهم: أبوه أسباط، و عمّه يعقوب بن سالم الأحمر، و علي بن أبي حمزة البطائني، و سيف بن عميرة النخعي، و غيرهم.
و كان فقيها، مقرئا، صادق اللهجة.
و يبدو من رواياته و بعض أخباره (كملازمته للمتكلّم أبي محمد عبد اللّه الحجّال، و الحسن بن علي بن فضال)(1)أنّ له اهتمامات و توجّهات نحو علم الكلام، و يكشف عن ذلك أيضا تأليفه لكتاب الدلائل.
و له مؤلفات أخرى، منها: كتاب التفسير، و كتاب المزار، و كتاب نوادر مشهور.
و كان فطحيا، جرى بينه و بين علي بن مهزيار رسائل في ذلك، رجعوا فيها إلى أبي جعفر الجواد عليه السّلام، فعدل علي بن أسباط عن ذلك القول و تركه.(2)
أخذ عنه لفيف من العلماء، و رووا عنه في مختلف مجالات الشريعة، منهم:
السيد عبد العظيم بن عبد اللّه الحسني، و الحسين بن سعيد الأهوازي، و علي بن الحسن بن فضال، و محمد بن الحسين بن أبي الخطاب (المتوفّى 262 ه)، و موسى ابن القاسم بن معاوية بن وهب البجلي، و آخرون.
لم نظفر بتاريخ وفاته، و قد سمع منه علي بن الحسن بن علي بن فضال في شهر شعبان سنة (230 ه).(3)
1) . قال الفضل بن شاذان: و كان الحسن بن علي بن فضال يجتمع هو و أبو محمد عبد اللّه الحجال و علي بن أسباط، و كان الحجال يدّعي الكلام، و كان من أجدل الناس، فكان ابن فضال يغري بيني و بينه في الكلام في المعرفة. رجال الكشي 435 (ضمن الترجمة المرقمة 378).
2) . و قيل إنّه لم يرجع عن مذهبه، و مات عليه. انظر رجال الكشي 470 برقم 440.
3) . انظر رجال النجاشي 260/2 (ضمن ترجمة محمد بن حمران النهدي، المرقمة 966).
روى المترجم عن الحسن بن الجهم عن بكير بن أعين، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: علم اللّه و مشيّته مختلفان أم متفقان؟ فقال: العلم ليس هو المشيّة، ألا ترى أنّك تقول: سأفعل كذا إن شاء اللّه، و لا تقول سأفعل كذا إن علم اللّه، فقولك إن شاء اللّه دليل على أنّه لم يشأ، فإذا شاء كان الذي شاء كما شاء، و علم اللّه سابق للمشيّة.(1)
79 علي بن ميثم (2)(... - بعد 202 ه تقديرا)
علي بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم (التمّار) بن يحيى الأسدي بالولاء، أبو الحسن الكوفي ثمّ البصري، المعروف بعلي بن ميثم اختصارا و بالميثمي.
قال المسعودي: كان إمامي المذهب، من المشهورين من متكلّمي الشيعة.
1) . الصدوق، التوحيد 146، باب صفات الذات و صفات الأفعال، الحديث 16.
2) فرق الشيعة للنوبختي 81، مقالات الإسلاميين للأشعري 42 و 54 و 516، مروج الذهب 237/4 برقم 2566، الفهرست للنديم 263، رجال النجاشي 72/2 برقم 659، رجال الطوسي 383 برقم 52، فهرست الطوسي 113 برقم 376، رجال ابن داود 238 برقم 1002، رجال العلاّمة الحلي 93 برقم 9، مجمع الرجال 167/4، نقد الرجال 226، جامع الرواة 558/1، بهجة الآمال 380/5، هدية العارفين 669/1، تنقيح المقال 270/2 برقم 8178، أعيان الشيعة 167/8، الذريعة 18/2 برقم 51 و 330 (ذيل الرقم 1311)، معجم المؤلفين 37/7، معجم رجال الحديث 275/11 برقم 7929، قاموس الرجال 425/6، معجم التراث الكلامي 247/1 برقم 874 و 466 برقم 2006.
عدّ من أصحاب الإمام علي الرضا عليه السّلام.
و أخذ العلم عن عدد من رجال مدرسة أهل البيت، منهم: عبد الأعلى مولى آل سام، و فضيل بن الزبير الرسّان، و حبيب بن المعلل (المعلى) الخثعمي، و ربعي ابن عبد اللّه بن الجارود الهذلي البصري، و فضالة بن أيوب الأزدي، و غيرهم.
و برع في الكلام.
و حدّث، و ناظر كبار المتكلّمين كأبي الهذيل العلاّف(1)، و إبراهيم بن سيّار النظّام(2)المعتزليين.
و ألّف كتبا، منها: كتاب الإمامة، كتاب مجالس هشام بن الحكم، كتاب الاستحقاق، كتاب الطلاق، كتاب النكاح، و كتاب المتعة.
و أصبح من وجوه المتكلّمين.
حضر مجلس يحيى بن خالد البرمكي الذي كان يعقده ببغداد (قبل نكبة البرامكة عام 187 ه) للبحث و المناظرة في المواضيع الكلامية و الفلسفية، و يجتمع فيه مشاهير متكلّمي الإسلام و غيرهم من أصحاب الآراء و النحل، كالعلاّف و هشام بن الحكم و النظّام و السكّاك و بشر بن المعتمر و الموبذ.
و اعتقل في عهد هارون الرشيد في الحملة القمعية التي شنّتها أجهزته، و اعتقل فيها الإمام موسى الكاظم عليه السّلام(3)و عدد من أصحابه و أتباع أهل
1) . محمد بن الهذيل بن عبد اللّه العبدي: ولد بالبصرة (135 ه)، و اشتهر بعلم الكلام، له مقالات في الاعتزال و مجالس و مناظرات. توفّي بسامراء (235 ه). الأعلام 131/7.
2) . إبراهيم بن سيّار، أبو إسحاق النظّام: تبحّر في علوم الفلسفة، و انفرد بآراء خاصة، تابعته فيها فرقة من المعتزلة سميت (النظامية). توفّي (231 ه). الأعلام 43/1.
3) . ظلّ عليه السّلام في السجن، إلى أن استشهد فيه مسموما عام (183 ه).
البيت.(1)
ثمّ أطلق سراحه.
لم نظفر بتاريخ وفاته، و نقدّر أنّه كان بعد سنة اثنتين و مائتين، و ذلك لإدراكه مقتل محمد بن الفرات على يد إبراهيم بن المهدي العباسي المعروف بابن شكلة(2)، و كان ابن شكلة قد دعا إلى نفسه، فبايعه كثيرون ببغداد، و تغلّب على الكوفة و السواد، و استمرت خلافته ببغداد لمدة سنتين (202-204 ه).(3)
و قد ذكرت لعلي بن ميثم في كتب التاريخ و الأدب مناظرات طريفة، تدلّ على حضور بديهة، و قوة حجة، و تجد في كتاب «الفصول المختارة» للشيخ المفيد طائفة منها.(4)
1) . ورد خبر اعتقاله مع زميله محمد بن سليمان النوفلي في رجال الكشي 225 (ضمن ترجمة هشام بن الحكم، برقم 131).
2) . قال محمد بن عيسى العبيدي: حدثني أخي جعفر بن عيسى و علي بن إسماعيل الميثمي عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام أنّه قال: آذاني محمد بن الفرات، آذاه اللّه و أذاقه حرّ الحديد... قال محمد بن عيسى: فأخبراني أنّه ما لبث محمد بن الفرات إلاّ قليلا حتّى قتله إبراهيم بن شكلة أخبث قتلة. انظر رجال الكشي 464 (ترجمة محمد بن الفرات، برقم 428).
3) . انظر ترجمة إبراهيم بن المهدي في الأعلام 59/1-60.
4) . فلاسفة الشيعة، و فيه وفاته سنة (179 ه)، و هو وهم.
80 ابن فضّال (1)(نحو 206 - بعد 270 ه تقديرا)
علي بن الحسن بن علي بن فضّال بن عمرو التيملي بالولاء، أبو الحسن الكوفي، الفطحي، أحد الشخصيات العلمية البارزة.
ولد نحو سنة ست و مائة.(2)
و روى عن جمع من أتباع مدرسة أهل البيت، منهم: أخواه أحمد (المتوفّى 260 ه) و محمد، و إسماعيل بن مهران بن محمد بن أبي نصر السكوني، و أيوب بن
1) رجال الكشي 445 برقم 397، رجال النجاشي 82/2 برقم 674، رجال الطوسي 419 برقم 26 و 433 برقم 12، فهرست الطوسي 118 برقم 393، معالم العلماء 65 برقم 438، رجال ابن داود 483 برقم 328، رجال العلاّمة الحلي 93 برقم 15، مجمع الرجال 180/4، نقد الرجال 230 برقم 71، جامع الرواة 569/1، هداية المحدثين 215، بهجة الآمال 399/5، إيضاح المكنون 80/1 و 303، 93/2، 273، 278، 283، 286، و غير ذلك، تنقيح المقال 278/2 برقم 8226، الذريعة 330/2 برقم 1312 و 356 برقم 1434، معجم المؤلفين 66/7، معجم رجال الحديث 338/11 برقم 8010، قاموس الرجال 454/6، موسوعة طبقات الفقهاء 387/3 برقم 1022، معجم التراث الكلامي 466/1 برقم 2007 و 497 برقم 2186.
2) . اعتمدنا في تاريخ مولده هذا على قول المترجم الذي علّل به عدم روايته عن أبيه (المتوفّى 224 ه): كنت أقابله و سنّي ثمان عشرة سنة بكتبه، و لم أفهم إذ ذاك الروايات، و لا استحلّ أن أرويها عنه. و مع ذلك فقد وردت له عن أبيه عدة روايات، منها ما رواه الصدوق في كتابه «التوحيد».
نوح بن درّاج النخعي، و الحسن بن علي الوشّاء، و علي بن أسباط بن سالم، و يعقوب بن يزيد الأنباري، و علي بن مهزيار الأهوازي.
و كان غزير العلم، واسع الرواية في حقول الشريعة المختلفة، جمّاعا للكتب، كثير التصنيف في فنون شتى.
روى عنه: أحمد بن محمد بن سعيد المعروف بابن عقدة الحافظ الزيدي (249-333 ه)، و علي بن محمد بن الزبير القرشي، و علي بن محمد بن يعقوب الكسائي، و محمد بن يحيى العطّار، و آخرون.
و ألّف كتبا، منها: كتاب الدلائل، كتاب المعرفة، كتاب إثبات إمامة عبد اللّه(1)، كتاب الغيبة، كتاب البشارات، كتاب الجنة و النار، كتاب الأنبياء، كتاب التفسير، كتاب الرجال، كتاب الصلاة، كتاب الزكاة، كتاب المواعظ، و كتاب العلل، و غير ذلك.
لم نقف على سنة وفاته، و نقدّر أنّها كانت بعد (270 ه).
1) . يعني عبد اللّه الأفطح، الابن الأكبر للإمام الصادق عليه السّلام، المتوفّى بعد أبيه بسبعين يوما، و كانت وفاة الصادق عليه السّلام في (25) شوال عام (148 ه).
81 الطّاطري (1)(... - حدود 230 ه تقديرا)
علي بن الحسن بن محمد الطائي الجرمي، أبو الحسن الكوفي، المعروف بالطاطري، أحد كبار رجال الواقفة(2)الإمامية.
روى عن: الحسن بن محبوب السرّاد (المتوفّى 224 ه)، و عبد اللّه بن وضّاح، و وهيب بن حفص الجريري الواقفي، و محمد بن سكين بن عمار النخعي، و درست
1) الفهرست للنديم 266 (ط. الاستقامة - القاهرة)، رجال النجاشي 77/2 برقم 665، رجال الطوسي 357 برقم 46، فهرست الطوسي 118 برقم 392، معالم العلماء 64 برقم 437، رجال ابن داود 482 برقم 326، رجال العلاّمة الحلي 232 برقم 4، مجمع الرجال 183/4، نقد الرجال 230 برقم 73، جامع الرواة 568/1، رجال بحر العلوم 330/1، منتهى المقال 377/4 برقم 1990، بهجة الآمال 403/5، تنقيح المقال 278/2 برقم 8220، الكنى و الألقاب للقمي 437/2، هدية الأحباب 192، الذريعة 330/2 برقم 1313، 480/4 برقم 2139، 143/25 برقم 832، و غير ذلك، معجم المؤلفين 68/7، معجم رجال الحديث 344/11 برقم 8014 و 8018 و 8024، قاموس الرجال 452/6، موسوعة طبقات الفقهاء 389/3 برقم 1023، معجم التراث الكلامي 466/1 برقم 2008، 357/2 برقم 4144، 522/5 برقم 12780.
2) . هم الذين قالوا بسبعة أئمة، و وقفوا عند الإمام موسى الكاظم عليه السّلام، و لم يتجاوزوا إلى غيره، و زعموا أنّه هو القائم من آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و قد انقرضت هذه الفرقة، و لم يبق لها أثر. انظر معجم الفرق الإسلامية للأمين 268-269.
ابن أبي منصور الواسطي، و آخرين.
و روى عن المتكلّم أبي مالك الضحاك الحضرمي كتابه في التوحيد.
روى عنه: جعفر بن محمد بن سماعة الحضرمي الواقفي، و سلمة بن الخطاب، و علي بن الحسن بن فضّال، و عبيد اللّه بن أحمد الدهقان، و غيرهم.
و تلمذ له في المذهب الحسن بن محمد بن سماعة (المتوفّى 263 ه).
و ألّف كتبا في الفقه و الكلام و الحديث، منها: التوحيد، الإمامة(1)، الولاية، المعرفة، المتعة، الغيبة، المناقب، الصلاة، الفرائض، و الحجّ، و غير ذلك.
لم نظفر بسنة وفاته، و نظنّ أنّها في حدود الثلاثين و مائتين أو بعدها بقليل.(2)
82 علي بن مهزيار (1)(... - قبل 254 ه)
العالم الجليل، الناسك، المصنّف، أبو الحسن الأهوازي، الدّورقيّ الأصل، أحد وكلاء الأئمّة عليهم السّلام.
كان أبوه نصرانيا فأسلم، و قيل: إنّ عليّا أيضا أسلم و هو صغير، ثمّ منّ اللّه تعالى عليه بمعرفة أمر الولاء لأهل البيت عليهم السّلام.
تشرّف بلقاء الإمام علي الرضا عليه السّلام، و روى عنه.
ثمّ اختص بالإمام محمد الجواد عليه السّلام، ثمّ بولده الإمام علي الهادي عليه السّلام، و عظم محلّه منهما، و نهض بأعباء الوكالة عنهما.
1) رجال البرقي 54، رجال الكشي 459 برقم 422، رجال النجاشي 74/2 برقم 662، رجال الطوسي 381 برقم 22 و 403 برقم 8 و 417 برقم 3، فهرست الطوسي 114 برقم 381، معالم العلماء 63 برقم 427، رجال ابن داود 251 برقم 1071، رجال العلاّمة الحلي 92 برقم 6، التحرير الطاووسي 183 برقم 252، مجمع الرجال 226/4، نقد الرجال 244 برقم 244، جامع الرواة 604/1، هداية المحدثين 119، بهجة الآمال 545/5، إيضاح المكنون 304/1، هدية العارفين 674/1، تنقيح المقال 310/2 برقم 8534، الذريعة 356/2 برقم 1435، 214/10 برقم 593، و غير ذلك، معجم المؤلفين 247/7، معجم رجال الحديث 192/12 برقم 8539، قاموس الرجال 66/7، موسوعة طبقات الفقهاء 409/3 برقم 1039، معجم التراث الكلامي 498/1 برقم 2188، 390/3 برقم 6628.
كما أخذ و روى عن ثلّة من الفقهاء و المحدّثين و المتكلّمين، منهم: أيّوب بن نوح بن درّاج النخعي، و محمد بن أبي عمير الأزدي، و علي بن إسماعيل الميثمي المتكلّم المعروف، و الحسن بن علي بن فضّال، و الحسن بن محبوب السرّاد، و الحسين ابن سعيد الأهوازي، و فضالة بن أيوب الأزدي.
و كان كثير الرواية، واسع الاطّلاع، غزير الإنتاج، شديد الاهتمام بالدعوة إلى مذهب أهل البيت، و نشر فقههم و حديثهم و عقائدهم.
روى عنه: ابنه الحسن، و أخوه إبراهيم بن مهزيار، و محمد بن عيسى بن عبيد، و العباس بن معروف، و الهيثم بن أبي مسروق النهدي، و أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري، و آخرون.
و ألّف ما يربو على ثلاثين كتابا في فنون متعددة، منها: كتاب الردّ على الغلاة، كتاب القائم، كتاب التقية، كتاب الأنبياء، كتاب البشارات، كتاب التفسير، كتاب الصلاة، كتاب الزكاة، كتاب المكاسب، و كتاب النوادر.
و له رسائل حول الفطحية، تبادلها مع علي بن أسباط (و كان فطحيا)، و أسفرت - بعد الرجوع فيها إلى الإمام الجواد عليه السّلام - بعدول ابن أسباط عن رأيه.
توفّي علي بن مهزيار في الفترة الواقعة بين سنتي (229 ه) و (254 ه)، لأنّه لم يدرك إمامة الحسن العسكري عليه السّلام،(1)و كان حيّا في سنة (229 ه).(2)
83 القزويني (1)(... - بعد 250 ه بقليل)
فارس بن حاتم بن ماهويه القزويني، نزيل العسكر (سامراء).
عدّه أبو عمرو الكشي من الغلاة.
و قال النجاشي: ما روى الحديث إلاّ شاذا.
لم نقف على أسماء مشايخه، و لم يرو له الأعلام في الكتب الأربعة.(2)
ألّف كتبا، منها: كتاب الردّ على الإسماعيلية، كتاب الردّ على الواقفة، كتاب الحروب، و كتاب التفضيل، و غير ذلك.
قتل بعد سنة خمسين و مائتين(3)، في حياة الإمام علي الهادي عليه السّلام (المتوفّى 254 ه).
1) رجال الكشي 437 برقم 384 و 440 برقم 391، رجال النجاشي 174/2 برقم 846، رجال الطوسي 420 برقم 3، رجال العلاّمة الحلي 247 برقم 2، تأسيس الشيعة 258، الذريعة 183/10 برقم 408 و 235 برقم 737، و غير ذلك، معجم رجال الحديث 238/13 برقم 9292، قاموس الرجال 292/7-298، معجم التراث الكلامي 368/3 برقم 6489 و 410 برقم 6751.
2) . و هي: «الكافي» للشيخ الكليني، و «من لا يحضره الفقيه» للشيخ الصدوق، و «تهذيب الأحكام» و «الاستبصار» كلاهما للشيخ الطوسي.
3) . روي أنّ الإمام الهادي عليه السّلام كتب رسالة إلى علي بن عمر القزويني بتاريخ التاسع من شهر ربيع الأوّل سنة (250 ه)، و ذكر فيها المترجم له. انظر معجم رجال الحديث 243/13-244، الترجمة 9292.
84 الفضل بن شاذان (1)(... - 260 ه)
ابن الخليل الأزدي، أبو محمد النيسابوري، أحد أعلام الإمامية في عصره، و من مشاهير متكلّميهم.
اهتم به والده، و تعهّد بتعليمه و إرشاده، و تعريفه بكبار العلماء، فأقبل على طلب العلم بشغف في بغداد و الكوفة، و لازم المشايخ الثلاثة: محمد بن أبي عمير الأزدي البغدادي (المتوفّى 217 ه)، و صفوان بن يحيى البجلي الكوفي (المتوفّى 210 ه)، و حمّاد بن عيسى الجهني الكوفي البصري (المتوفّى 209 ه)،
1) مقالات الإسلاميين للأشعري 63، رجال الكشي 451 برقم 416 (مؤسسة الأعلمي - كربلاء)، رجال النجاشي 168/2 برقم 838، رجال الطوسي 420 برقم 1 و 434 برقم 2، فهرست الطوسي 150 برقم 564، معالم العلماء 90 برقم 627، رجال ابن داود 272 برقم 1179، رجال العلاّمة الحلي 132 برقم 2، مجمع الرجال 21/5، نقد الرجال 266 برقم 11، جامع الرواة 5/2، بهجة الآمال 37/6، إيضاح المكنون 23/1 و 213 و 400، 184/2 و 185 و 197 و 269، و غير ذلك، هدية العارفين 817/1، تنقيح المقال 10/2، تأسيس الشيعة 377، الذريعة 332/2 برقم 1322 و 490 برقم 1926، 185/10 برقم 423، و غير ذلك، الأعلام 149/5، معجم المؤلفين 69/8، معجم رجال الحديث 289/13 برقم 9355، قاموس الرجال 322/7، موسوعة طبقات الفقهاء 429/3 برقم 1057، معجم التراث الكلامي 468/1 برقم 2018 و 545 برقم 2419، 369/2 برقم 6499 و 375 برقم 6534، و غير ذلك.
و روى عنهم كثيرا.
و روى أيضا عن: محمد بن سنان الزاهري، و الحسن بن علي بن فضّال، و عبد اللّه بن جبلة الكناني، و آخرين.
و برّز في كلّ فنّ من العلم في القرآن و الفقه و الحديث و الكلام.
و تميّز بقدراته الفائقة في الردّ على آراء و مقالات مختلف المذاهب و الفرق، و في تفنيد شبهات الفلاسفة و المتكلّمين.
و أصبح - بعد وفاة محمد بن الخليل السكّاك(1)- الرجل الأوّل بين متكلّمي الإمامية في خوض هذا المجال، و في الذبّ عن عقائد الإسلام و مذهب أهل البيت عليهم السّلام.
و قد اعتنى كبار العلماء كالكليني و الصدوق و النجاشي و الطوسي و غيرهم بأقواله و كلماته و آرائه و مباحثه في الفقه و الفرائض و الحديث و الرجال و الكلام، و نقلوها في كتبهم.
و كان غزير العلم، واسع الرواية، ذا جلالة و قدر كبير في الطائفة.
ألّف كتبا كثيرة، بلغت كما يقول يحيى بن زكريا الكنجي مائة و ثمانين كتابا، منها: الإيضاح (ط) في الردّ على سائر الفرق أصولا و فروعا، الردّ على الغلاة، الردّ على القرامطة، الردّ على الحشوية، الردّ على الحسن البصري في التفضيل، الردّ على الثنوية، الردّ على الأصمّ، الردّ على الفلاسفة، الردّ على أهل التعطيل، النقض على الاسكافي في تقوية الجسم، الإمامة الكبير، المعيار و الموازنة، القائم عليه السّلام، محنة الإسلام، السنن في الفقه، التفسير، و الطلاق، و غير ذلك.
و ألّف تلميذه علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري كتابا اشتمل على ذكر
1) . ستأتي ترجمته، و كان السكاك قد خلف يونس بن عبد الرحمان (المتوفّى 208 ه) في هذا الميدان.
مجالس الفضل مع أهل الخلاف.
توفّي المترجم سنة ستين و مائتين، و قبره مزار معروف بنيسابور.
85 الرّسّي (1)(169-246 ه)
القاسم بن إبراهيم (طباطبا) بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن ابن علي بن أبي طالب، أبو محمد الحسني العلوي، المعروف بالرّسّي، أحد أئمّة الزيدية.
ولد في المدينة المنورة سنة تسع و ستين و مائة.
و تلقّى العلم عن أكابر علماء أهل بيته.
روى عن: أبيه (من تلامذة الصادق عليه السّلام)، و إسماعيل بن أبي أويس، و أبي
1) الفهرست للنديم 288 (ط. الاستقامة - القاهرة)، رجال النجاشي 181/2 برقم 857، المجدي في أنساب الطالبيين 75، الشجرة المباركة 24، الفخري في أنساب الطالبيين 102، الحدائق الوردية 1/2، رجال ابن داود 275 برقم 118، و فيه: القاسم البرسي، عمدة الطالب 174، مجمع الرجال 44/5، جامع الرواة 15/2، تراجم الرجال للجنداري 29، تنقيح المقال 18/2 برقم 9553، أعيان الشيعة 435/8، الأعلام 171/5، معجم المؤلفين 91/8، معجم رجال الحديث 8/14 برقم 9472، قاموس الرجال 355/7، بحوث في الملل و النحل للسبحاني 393/7، مؤلفات الزيدية 161/1 برقم 431 و 178 برقم 481 و 241 برقم 656 و 247 برقم 680، و غير ذلك، موسوعة طبقات الفقهاء 437/3 برقم 1062، أعلام المؤلفين الزيدية 759 برقم 822.
سهل المقرئ، و آخرين.
و روى عنه: أولاده محمد و الحسن و الحسين و سليمان و داود، و محمد بن منصور المرادي، و أحمد بن المغلس الحمّاني، و جعفر النيروسي، و آخرون.
و كان فقيها، متكلما، شاعرا، زاهدا.
أقام بمصر عشر سنين مختفيا، و الأمير عبد اللّه بن طاهر الخزاعي يجدّ في طلبه، ثمّ توجّه إلى الحجاز، و بثّ دعاته في البلدان، و بايعه كثيرون، فاشتهر أمره، فطاردته جيوش العباسيين، فاضطر إلى الاختفاء إلى أن تهيّأت مقدّمات ظهوره، فبويع البيعة الجامعة بالكوفة سنة (219 ه)، إلاّ أنّ دعوته لم تنجح، فاعتزل، و انتقل إلى الرّس (جبل أسود بأطراف المدينة بالقرب من ذي الحليفة)، و عاش هناك بقية عمره، إلى أن توفّي سنة ست و أربعين و مائتين.
و قد ترك مؤلفات عديدة (جلّها رسائل)، منها: أصول العدل و التوحيد و نفي الجبر و التشبيه (ط، ضمن مجموع رسائل العدل و التوحيد بتحقيق سيف الدين الكاتب)، الإمامة، الدليل الكبير على وجود اللّه، الدليل الصغير، الرد على ابن المقفع (ط)، الرد على المجبرة (ط، ضمن المجموع السابق)، كتاب الرد على النصارى، المسترشد في التوحيد، الكامل المنير في الرد على الخوارج، الفرائض و السنن، كتاب الطهارة، سياسة النفس، و تفسير القرآن (فسّر فيه السور القصار)، و غير ذلك.
86 الكاتب (1)(... - نحو 220 ه)
القاسم بن يوسف بن القاسم بن صبيح العجلي بالولاء، أبو أحمد الكوفي، الكاتب، أخو أحمد بن يوسف الكاتب (وزير المأمون).
قال محمد بن عمران المرزباني (المتوفّى 384 ه): كان أحد متكلّمي الشيعة، و شعرائهم.
قرض الشعر في فنون كثيرة.
و كان أشعر من أخيه أحمد (المتوفّى 213 ه)، و عاش بعده، ورثاه.
لم نظفر بتاريخ وفاته، و قد خمّنه صاحب «الأعلام» بنحو سنة عشرين و مائتين.
و من شعره، قوله:
حلفت بربّ الورى المعتلي *** على خلقه الطالب الغالب
لأحمد خير بني غالب *** و من بعده ابن أبي طالب
فهذا النبيّ و هذا الوصي *** و يعتزل الناس في جانب
و قال في رثاء الحسين السبط الشهيد عليه السّلام قصيدة، أوّلها:
1) أخبار شعراء الشيعة للمرزباني 108، أعيان الشيعة 135/1، الأعلام 186/5.
سلّم على قبر الحسين و قل: *** صلّى عليك اللّه من قبر
و سقاك صوب الغاديات و لا *** زالت عليك روائح تسري
يا ابن النبيّ و خير أمّته *** بعد النبيّ مقال ذي خبر
و منها (متعرّضا لأعدائه عليه السّلام، و مستنجدا بالمهدي عليه السّلام):
إنّي لأرجو أن تنالهم *** منّي يد تشفي جوى الصّدر
بالقائم المهدي إن عاجلا *** أو آجلا إن مدّ في عمري
أو ينقضي من دونه أجلي *** فاللّه أولى فيه بالعذر
87 الأشعري (1)(... - حدود 280 ه)
محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران بن عبد اللّه الأشعري، أبو جعفر القمّيّ، صاحب «نوادر الحكمة».
1) رجال النجاشي 242/2 برقم 940، فهرست الطوسي 170 برقم 623، معالم العلماء 103 برقم 686، رجال ابن داود 297 برقم 1284، رجال العلاّمة الحلي 149، مجمع الرجال 143/5، نقد الرجال 295 برقم 103، جامع الرواة 63/2، هداية المحدثين 227، بهجة الآمال 266/6، هدية العارفين 20/2، ايضاح المكنون 680/2، الذريعة 333/2 برقم 1329، 346/24 برقم 1857، معجم المؤلفين 28/9، معجم رجال الحديث 44/15 برقم 10156، قاموس الرجال 39/8، موسوعة طبقات الفقهاء 463/3 برقم 1085، معجم التراث الكلامي 473/1 برقم 2050.
تلقّى العلم على لفيف من الأعلام، و روى عن الجمّاء الغفير، منهم:
أحمد بن محمد بن أبي نصر (المتوفّى 221 ه)، و أحمد بن الحسن بن علي بن فضّال، و أيّوب بن نوح بن درّاج، و محمد بن الحسين بن أبي الخطاب الهمداني، و موسى بن القاسم البجلي، و الهيثم بن أبي مسروق النهدي، و أحمد ابن محمد بن عيسى الأشعري.
و كان عالما متفنّنا، واسع الرواية، جليل القدر.
روى عنه: أحمد بن إدريس الأشعري القمي (المتوفّى 306 ه)، و سعد بن عبد اللّه الأشعري، و محمد بن يحيى العطار، و أحمد بن جعفر المؤدب، و آخرون.
و صنّف كتبا، منها: كتاب الإمامة، كتاب الملاحم، كتاب مقتل الحسين عليه السّلام، و نوادر الحكمة(1)، و هو كتاب حسن كبير يشتمل على اثنين و عشرين بابا، منها: التوحيد، الأنبياء، القضايا و الأحكام، مناقب الرجال، الحج، و الصوم.
توفّي حدود سنة ثمانين و مائتين.(2)
88 البرمكي (1)(... - بعد 260 ه تقديرا)
محمد بن إسماعيل بن أحمد بن بشير البرمكي، الرازي، القمّي، المعروف بصاحب الصومعة.
روى عن: الحسين بن الحسن بن برد الدينوري، و عبد العزيز بن المهتدي بن محمد الأشعري القمي، و الحسن بن علي بن فضال (المتوفّى 224 ه)، و علي بن العباس الخراذيني الرازي، و موسى بن عبد اللّه النخعي، و غيرهم.
روى عنه: محمد بن جعفر بن محمد بن عون الأسدي الكوفي الرازي (المتوفّى 312 ه)، و حمدويه بن نصير الكشي، و أخوه إبراهيم بن نصير، و أبو علي أحمد بن إدريس الأشعري القمّيّ (المتوفّى 306 ه).
و صنّف كتاب التوحيد، رواه عنه الأسدي المذكور.
لم نظفر بتاريخ وفاته، و نخمّن أنّها كانت بعد سنة ستين و مائتين.
1) رجال الكشي 263 (ضمن الترجمة 142) و 373 (ضمن الترجمة 307) و 413 (ضمن الترجمة 351)، رجال النجاشي 231/2 برقم 916، رجال العلامة الحلي 154 برقم 89، مجمع الرجال 150/5، نقد الرجال 293 برقم 124، جامع الرواة: 68/2، منتهى المقال 367/5 برقم 2493، الذريعة 481/4 برقم 2149، معجم رجال الحديث 92/15 برقم 10240 و 94 برقم 10245، قاموس الرجال 57/8، معجم التراث الكلامي 363/2 برقم 4181.
89 محمد بن الحسين (1)(... - 262 ه)
ابن أبي الخطاب زيد الهمداني، أبو جعفر الزيّات، الكوفي، أحد أجلاّء الإمامية.
اتصل بفريق من أهل العلم ممّن لهم باع طويل في الفقه و الحديث و الكلام، فانتفع بهم، و روى عنهم، و من هؤلاء: صفوان بن يحيى البجلي (المتوفّى 210 ه)، و جعفر بن بشير البجلي (المتوفّى 208 ه)، و الحسن بن علي بن فضال (المتوفّى 224 ه)، و أبو محمد عبد اللّه بن محمد الحجّال، و أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي (المتوفّى 221 ه)، و الحسن بن محبوب السرّاد (المتوفّى 224 ه)، و غيرهم.
و تقدّم في ميدان العلم، و عظم قدره في الطائفة.
و كان كثير الرواية في مختلف مجالات الشريعة، حسن التصانيف.
1) رجال النجاشي 220/2 برقم 898، رجال الطوسي 407 برقم 28 و 423 برقم 23 و 435 برقم 8، فهرست الطوسي 166 برقم 608، معالم العلماء 101 برقم 671، رجال ابن داود 304 برقم 1318، رجال العلاّمة الحلي 141 برقم 19، مجمع الرجال 195/5، نقد الرجال 352، جامع الرواة 96/2، هداية المحدثين 233، بهجة الآمال 388/6، هدية العارفين 17/2، إيضاح المكنون 272/2 و 284 و 334، تنقيح المقال 106/3، الذريعة 481/4 برقم 2150، 187/10 برقم 439، 339/24 برقم 1795، معجم رجال الحديث 291/15 برقم 10554، قاموس الرجال 140/8، موسوعة طبقات الفقهاء 494/3 برقم 1109، معجم التراث الكلامي 475/1 برقم 2063، 364/2 برقم 4188، 371/3 برقم 6509.
روى عنه: عبد اللّه بن جعفر الحميري، و محمد بن الحسن الصفار، و محمد بن يحيى العطار، و سعد بن عبد اللّه الأشعري، و أحمد بن إدريس الأشعري، و علي بن سليمان بن الحسن الزراري، و آخرون.
و ألّف كتبا، منها: كتاب التوحيد، كتاب المعرفة و البداء، كتاب الإمامة، كتاب الردّ على أهل القدر، كتاب اللؤلؤة، كتاب النوادر، و كتاب وصايا الأئمّة عليهم السّلام.
توفّي سنة اثنتين و ستين و مائتين.
90 السّكّاك (1)(... - بعد 208 ه)
محمد بن الخليل البغدادي، أبو جعفر السكّاك(2)، المتكلّم الإمامي، المناظر.
1) مقالات الإسلاميين للأشعري 63، 213، مروج الذهب 240/4 برقم 2575، الفهرست للنديم 264 (ط. الاستقامة - القاهرة)، رجال النجاشي 211/2 برقم 890، فهرست الطوسي 158 برقم 596، معالم العلماء 95 برقم 659، رجال ابن داود 310 برقم 1345، رجال العلاّمة الحلي 144 برقم 32، نقد الرجال 305 برقم 307، جامع الرواة 111-112، منتهى المقال 45/6 برقم 2619، تأسيس الشيعة 362، الكنى و الألقاب للقمي 34/1-35، أعيان الشيعة 273/9، الذريعة 26/2 برقم 101 و 334 برقم 1333، 481/4 برقم 2151، 245/21 برقم 4850، معجم رجال الحديث 74/16 برقم 10710، 292/13 (ضمن الترجمة 9355)، قاموس الرجال 167/8، معجم التراث الكلامي 248/1 برقم 880 و 476 برقم 2066، 364/2 برقم 4190، 200/5 برقم 11214.
2) . نسبة إلى عمل السكك. و في فهرست النديم: الشكاك، و هو تصحيف أو خطأ.
لازم المتكلّم البارع هشام بن الحكم، و تلمّذ له، و أخذ عنه.
و تقدّم في علم الكلام، و صار من المتكلّمين المرموقين في عصر هارون الرشيد الذي ازدهر فيه هذا العلم.
و كان يرتاد الندوة التي يعقدها يحيى بن خالد البرمكي ببغداد للمناظرة و البحث في المسائل الكلامية و الفلسفية، و يحضرها متكلّمو الفرق الإسلامية و غيرهم من أهل الآراء و النّحل.(1)
و اتّسعت شهرة المترجم، و انتهت إليه رئاسة متكلّمي الإمامية بعد وفاة يونس بن عبد الرحمان (سنة 208 ه)، و خاض ميدان المناظرة و الاحتجاج دفاعا عن مذهب أهل البيت، و ردّا على شبهات و مقالات مختلف المذاهب و الفرق.
قال الفضل بن شاذان (المتوفّى 260 ه): مضى هشام بن الحكم، و كان يونس بن عبد الرحمان خلفه، كان يردّ على المخالفين، ثمّ مضى يونس و لم يخلف خلفا غير السكّاك، فردّ على المخالفين حتّى مضى، و أنا خلف لهم من بعدهم.(2)
و للسكّاك كتب، منها: كتاب التوحيد، كتاب المعرفة، كتاب في الإمامة، و كتاب الاستطاعة.
لم نظفر بتاريخ وفاته.
91 ابن أبي عمير (1)(... - 217 ه)
محمد بن أبي عمير زياد بن عيسى الأزدي بالولاء، أبو أحمد البغدادي، أحد أعلام الإمامية، و كبار فقهائهم.
لقي الإمام موسى الكاظم عليه السّلام و سمع منه أحاديث، و روى عن ولده الإمام علي الرضا عليه السّلام.
و أخذ عن جمع من العلماء، منهم: أبان بن عثمان الأحمر، و جميل بن درّاج النخعي، و حنان بن سدير الصيرفي، و عبد اللّه بن بكير بن أعين، و المتكلّم هشام ابن الحكم، و المتكلم هشام بن سالم الجواليقي، و معاوية بن عمار الدهني،
1) رجال البرقي 49، رجال الكشي 492 برقم 483، رجال النجاشي 204/2 برقم 888، رجال الطوسي 388 برقم 26، فهرست الطوسي 168 برقم 618، رجال ابن داود 287 برقم 1250، رجال العلاّمة الحلي 140 برقم 17، التحرير الطاووسي 251 برقم 370، مجمع الرجال 117/5، نقد الرجال 284، جامع الرواة 50/2، بهجة الآمال 227/6، هدية العارفين 10/2، ايضاح المكنون 21/1، 310/2، تنقيح المقال 61/2 برقم 10272، الذريعة 283/1 برقم 1479، 26/2 برقم 100، 56/3 برقم 143، 481/4 برقم 2147، الأعلام 131/6، معجم المؤلفين 12/10، معجم رجال الحديث 279/14 برقم 10018، قاموس الرجال 3/8، مستدركات أعيان الشيعة 139/1، موسوعة طبقات الفقهاء 503/3 برقم 1115، معجم التراث الكلامي 249/1 برقم 883، 30/2 برقم 2621 و 365 برقم 4193.
و آخرون.
و برع في فنون متعددة، و علا شأنه عند الفريقين الشيعة و السنّة، و أصبحت داره منتجعا للمشايخ و روّاد العلم.
اعتقل في أيام هارون الرشيد ليدلّ على مواضع الشيعة و أصحاب الإمام الكاظم عليه السّلام، و تعرّض للاضطهاد و التعذيب الشديدين، و أفرج عنه بعد أربع سنوات.
و كان كثير الرواية و التصنيف، واسع العلم، ذا مقام علمي رفيع.
تتلمذ عليه، و روى عنه كثيرون، منهم: إبراهيم بن هاشم الكوفي القمي، و أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري، و علي بن مهزيار الأهوازي، و الفضل بن شاذان، و محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني، و الحسين بن سعيد الأهوازي، و غيرهم.
و لما أراد هشام بن الحكم و هشام الجواليقي المناظرة في بعض المسائل الكلامية، اشترط الجواليقي أن تجري المناظرة بينهما بحضور ابن أبي عمير.
هذا، و قد ألّف المترجم كتبا كثيرة (تلف معظمها أيام حبسه) منها: كتاب التوحيد، كتاب الكفر و الإيمان، كتاب الاستطاعة، كتاب البداء، كتاب الاحتجاج في الإمامة، كتاب المعارف، كتاب المتعة، كتاب الحجّ، كتاب فضائل الحجّ، كتاب الصلاة، كتاب الصيام، كتاب اختلاف الحديث، و كتاب المغازي، و غير ذلك.
توفّي سنة سبع عشرة و مائتين.
92 ابن مملّك (1)(... - حيا قبل 300 ه)
محمد بن عبد اللّه بن مملّك، أبو عبد اللّه الأصفهاني، الجرجاني الأصل.
كان من متكلّمي الشيعة، جليل الشأن، عظيم القدر و المنزلة.
انتقل من مذهب المعتزلة إلى مذهب الإمامية بتأثير المتكلّم عبد الرحمان بن أحمد بن جبرويه العسكري.
و ناظر، و ألف.
له كتب، منها: كتاب الجامع في سائر أبواب الكلام، كتاب المسائل و الجوابات في الإمامة، كتاب مجالسه مع أبي علي الجبّائي(2)، كتاب مواليد الأئمّة عليهم السّلام، و كتاب نقض الإمامة على أبي علي و لم يتمّه.(3)
1) مقالات الإسلاميين للأشعري 358، الفهرست للنديم 266، رجال النجاشي 297/2 برقم 1034، فهرست الطوسي 225 برقم 905، معالم العلماء 142 برقم 998، رجال العلاّمة الحلي 188 برقم 18، نقد الرجال 318 برقم 515، جامع الرواة 144/2 و 436، منتهى المقال 103/6 برقم 2727، تأسيس الشيعة 376، أعيان الشيعة 390/9، الذريعة 27/5 برقم 119، 366/19 برقم 1632، 289/24 برقم 1493، قاموس الرجال 255/8، معجم التراث الكلامي 412/2 برقم 4386، 39/5 برقم 10399 و 410 برقم 12245.
2) . هو أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبّائي (235-303 ه) أحد كبار متكلّمي المعتزلة.
3) . ذكره النديم.
و أورد له أبو الحسن الأشعري مقالة في الأعراض هل هي تبقى أم لا؟
و للمتكلّم الحسن بن موسى النوبختي (المتوفّى حدود 310 ه) كتاب شرح به مجالسه مع أبي عبد اللّه بن مملّك.(1)
لم نظفر بتاريخ وفاته.
و قد عاش في النصف الثاني من القرن الثالث، و لا ندري إن كان بقي إلى أوائل القرن الرابع - كصاحبيه الجبّائي و النوبختي - أو لا.
93 العبيدي (2)(... - بعد 260 ه تقديرا)
محمد بن عيسى بن عبيد بن يقطين بن موسى الأسدي بالولاء، أبو جعفر
1) . رجال النجاشي 180/1 (ضمن ترجمة الحسن بن موسى، المرقمة 146).
2) رجال البرقي 58 و 61، رجال الكشي 450 برقم 415، الفهرست للنديم 326 (ط. الاستقامة - القاهرة)، رجال النجاشي 218/2 برقم 897، رجال الطوسي 435 برقم 393، فهرست الطوسي 167 برقم 612، معالم العلماء 101 برقم 676، رجال ابن داود 508 برقم 459، رجال العلاّمة الحلي 141 برقم 22، مجمع الرجال 16/6، نقد الرجال 327 برقم 623، جامع الرواة 166/2، هداية المحدثين 248، بهجة الآمال 540/6، تنقيح المقال 167/3 برقم 11211، الذريعة 336/2 برقم 1342، 245/21 برقم 4852، 11/25 برقم 61، معجم رجال الحديث 113/17 برقم 11509، قاموس الرجال 329/8، موسوعة طبقات الفقهاء 551/3 برقم 1156، معجم التراث الكلامي 478/1 برقم 2079، 496/5 برقم 12643.
العبيدي، اليقطيني، البغدادي، أحد أعيان الإمامية.
أدرك الإمام أبا جعفر الجواد عليه السّلام، و روى عنه مكاتبة و مشافهة.
و روى أيضا عن الإمام أبي الحسن علي الهادي عليه السّلام، و عن ثلّة من رجال مدرسة أهل البيت، منهم: يونس بن عبد الرحمان، و محمد بن أبي عمير الأزدي، و أخوه جعفر بن عيسى، و الحسن بن محبوب، و صفوان بن يحيى البجلي، و علي بن أسباط، و زكريا المؤمن، و علي بن مهزيار.
و تقدّم في مختلف حقول الشريعة من الفقه و الحديث و الكلام و التفسير و الرجال.
وفاق أقرانه، و احتلّ مكانة مرموقة في أوساط العلماء.
و كان كثير الرواية، حسن التصانيف.
روى عنه: محمد بن الحسن الصفار (المتوفّى 290 ه)، و عبد اللّه بن جعفر الحميري، و محمد بن جعفر الرزاز، و سعد بن عبد اللّه الأشعري، و علي بن إبراهيم ابن هاشم، و آخرون.
و ألّف كتبا، منها: كتاب المعرفة، كتاب الإمامة، كتاب الواضح المكشوف في الردّ على أهل الوقوف، كتاب اللؤلؤة، كتاب تفسير القرآن، كتاب الفيء و الخمس، كتاب الزكاة، كتاب الرجال، و كتاب قرب الإسناد، و غير ذلك.
توفّي - حسب تقديرنا - بعد سنة ستين و مائتين.(1)
روي عن محمد بن عيسى أنّه قال: قال لي أبو الحسن عليه السّلام: ما تقول إذا قيل
1) . يتضح من إحدى الروايات أنّ المترجم كان حيّا قبل سنة (260 ه) بقليل، أي في زمن الإمام العسكري (المتوفّى 260 ه). انظر رجال الكشي 451 (ضمن ترجمة الفضل بن شاذان، المرقمة 416).
لك: أخبرني عن اللّه عزّ و جلّ شيء هو أم لا؟ قال: فقلت له: قد أثبت اللّه عزّ و جلّ نفسه شيئا، حيث يقول: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهٰادَةً قُلِ اَللّٰهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ (1)، فأقول: إنّه شيء لا كالأشياء، إذ في نفي الشيئية عنه إبطاله و نفيه، قال لي: صدقت و أصبت...(2)
94 الرّسّي (3)(... - 284 ه)
محمد بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن ابن علي بن أبي طالب الحسني العلوي، أحد علماء الزيدية.
لم نقف على أسماء أساتذته الذين أخذ عنهم العلم. يذكر أنّ والده القاسم الرسي(4)كان من أئمّة الزيدية، و متكلّميهم.
طاف السيد المترجم كثيرا من البلدان: بغداد و البصرة و أقام بهما، و الأهواز و خراسان، و الشام، و مصر، و المغرب.
و استقرّ في آخر عمره بالحجاز.
توفّي سنة أربع و ثمانين و مائتين.
و ترك مؤلفات عديدة، منها: الشرح و التبيين في أصول الدين، الأصول الثمانية(1)و هو مختصر في أصول الدين، شرح شروط الإيمان على خطبة الإمام علي عليه السّلام: بني الإيمان على أربع دعائم، تفسير القرآن الكريم (وجد منه من سورة البلد إلى سورة النازعات)، و الهجرة و الوصية، و غير ذلك.
95 أبو عيسى الورّاق (2)(... - 247 ه)
محمد بن هارون بن محمد، أبو عيسى الورّاق، البغدادي.
كان متكلّما، مناظرا، مصنّفا، عارفا بالمذاهب و الفرق و أديان الأمم.
ترجم له النديم، و قال: كان معتزليا، ثمّ خلّط، و انتهى به التخليط إلى أن صار يرمى بمذهب أصحاب الاثنين.
أمّا المسعودي (المتوفّى 346 ه)، و قاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد
1) . في مؤلفات الزيدية: الأصول اليمانية.
2) مقالات الإسلاميين للأشعري 33 و 34 و 64، مروج الذهب 45/4 برقم 2225 و 77 برقم 2282، 23/5 برقم 2920، الفهرست للنديم 216 (ط. إيران)، الفرق بين الفرق 67 و 69، الشافي في الإمامة 89/1، رجال النجاشي 280/2 برقم 1017، لسان الميزان 412/5 برقم 1360، نقد الرجال 338 برقم 795، جامع الرواة 212/2، منتهى المقال 223/6 برقم 2927، 219/7 برقم 3702، أعيان الشيعة 83/10، الذريعة 361/1 برقم 1897، 337/2 برقم 1346، الأعلام 128/7، معجم رجال الحديث 317/17 برقم 11941، قاموس الرجال 424/8، معجم التراث الكلامي 479/1 برقم 2084.
المعتزلي (المتوفّى 415 ه)، و أبو العباس النجاشي (المتوفّى 450 ه)، فقد جعلوه من متكلّمي الشيعة، و إن كان قاضي القضاة قد شنّع عليه بتهمة التمسك بمذاهب الثنويّة، و لكنّ الشريف المرتضى (المتوفّى 436 ه) برّأ ساحته من هذه التهمة، و قال إنّ ذلك ممّا رماه به المعتزلة، و قد تقدّمهم في قذفه بها ابن الراوندي لعداوة كانت بينهما، و أضاف: كانت شبهته في ذلك و شبهة غيره تأكيد أبي عيسى لمقالة الثنوية في كتابه المعروف ب «المقالات» و إطنابه في ذكر شبهتهم، و هذا القدر إن كان عندهم دالا على الاعتقاد، فليستعملوه في الجاحظ و غيره، ممّن أكّد مقالات المبطلين و محّصها و هذّبها. فأمّا الكتاب المعروف ب «المشرقي» و كتاب «النوح على البهائم» فهما مدفوعان عنه، و ما يبعد أن يكون بعض الثنوية عملهما على لسانه.(1)
و للمترجم تصانيف كثيرة، وصفها المسعودي بأنّها حسان، منها: كتاب الإمامة الكبير، كتاب الإمامة الصغير، كتاب اختلاف الشيعة و المقالات، كتاب المجالس، كتاب الحكم على سورة لم تكن، كتاب السقيفة، كتاب الرد على النصارى الكبير، كتاب الرد على النصارى الأوسط، كتاب الرد على اليهود، كتاب الرد على المجوس، و كتاب اقتصاص مذاهب أصحاب الاثنين و الرد عليهم، و غير ذلك.(2)
توفّي بالرملة (في الجانب الغربي من بغداد) سنة سبع و أربعين و مائتين.
96 معلّى بن محمد (1)(... - بعد 260 ه)
البصري، المكنّى أبا الحسن.(2)
روى عن: أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي (المتوفّى 221 ه)، و الحسن ابن علي بن فضال (المتوفّى 224 ه)، و الحسن بن علي الوشّاء و أكثر عنه، و علي بن أسباط بن سالم، و محمد بن جمهور العمّي، و أحمد بن محمد بن خالد البرقي، و غيرهم.
و كان واسع العلم، كثير الرواية في مجالات متعددة كالفقه و التفسير و العقائد و الآداب و غيرها.
اختصّ به أبو عبد اللّه الحسين بن محمد بن عامر الأشعري (أستاذ الشيخ
1) رجال النجاشي 365/2 برقم 1118، رجال الطوسي 515 برقم 132، فهرست الطوسي 193 برقم 733، معالم العلماء 121 برقم 812، رجال ابن داود 349 برقم 1549، رجال العلاّمة الحلي 259 برقم 2، مجمع الرجال 113/6، نقد الرجال 349 برقم 9، جامع الرواة 251/2، هداية المحدثين 150، بهجة الآمال 56/7، تنقيح المقال 233/3 برقم 11203، الذريعة 338/2 برقم 1348 و 515 برقم 2022، 238/8 برقم 1007، و غير ذلك، معجم رجال الحديث 250/18 برقم 12506-12508، قاموس الرجال 65/9، موسوعة طبقات الفقهاء 584/3 برقم 1183، معجم التراث الكلامي 479/1 برقم 2086.
2) . و قيل في كنيته: أبو محمد.
الكليني) و روى عنه كثيرا.
و للمترجم كتب، منها: كتاب الدلائل، كتاب الإمامة، كتاب الإيمان و درجاته و زيادته و نقصانه، كتاب الكفر و وجوهه، كتاب سيرة القائم عليه السّلام، كتاب التفسير، كتاب فضائل أمير المؤمنين عليه السّلام، كتاب قضايا أمير المؤمنين عليه السّلام، كتاب المروة، و كتاب شرح المودة في الدين.
توفّي - حسب تقديرنا - في العقد السابع أو الثامن من القرن الثالث، لأنّه في طبقة مشايخ مشايخ الكليني (المتوفّى 329 ه).
97 هارون بن مسلم (1)(... - نحو 260 ه تقديرا)
ابن سعدان الكاتب، أبو القاسم الأنباري ثمّ السامرائي.
أدرك عددا من تلامذة الإمام أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام، و عاش حتّى لقي
1) رجال البرقي 60، رجال النجاشي 405/2 برقم 784، رجال الطوسي 437 برقم 1، فهرست الطوسي 205 برقم 784، تاريخ بغداد 23/14، معالم العلماء 129 برقم 865، رجال ابن داود 524 برقم 526، رجال العلاّمة الحلي 180 برقم 5، مجمع الرجال 204/6، جامع الرواة 307/2، منتهى المقال 408/6 برقم 2163، بهجة الآمال 173/7، تنقيح المقال 285/3 برقم 12761، الذريعة 251/16 برقم 1004، مستدركات علم رجال الحديث 126/8 برقم 15809، معجم رجال الحديث 229/19 برقم 13241، قاموس الرجال 282/9، موسوعة طبقات الفقهاء 603/3 برقم 1200.
الإمامين أبا الحسن علي الهادي و أبا محمد الحسن العسكري (المتوفّى 260 ه) عليهما السّلام.
روى عن: مسعدة بن صدقة العبدي و اختصّ به، و الحسين بن علوان الكلبي، و علي بن الحكم الأنباري، و محمد بن أبي عمير الأزدي (المتوفّى 217 ه)، و آخرين.
أقام بسامراء، و حدّث بها، و انتقل إلى بغداد، و مات بها.
روى عنه: عبد اللّه بن جعفر الحميري، و سعد بن عبد اللّه الأشعري، و محمد ابن علي بن محبوب، و رجاء بن يحيى بن شاذان العبرتائي، سمع منه بسامراء (240 ه)، و أبو الخير صالح بن أبي حماد سلمة الرازي، و غيرهم.
أثنى عليه أبو العباس النجاشي، و قال: كان له مذهب في الجبر و التشبيه.
و للمترجم كتب، منها: كتاب التوحيد، كتاب الفضائل، كتاب الخطب، كتاب المغازي، و كتاب الدعاء.
و له مسائل لأبي الحسن الثالث (الإمام الهادي عليه السّلام).
توفّي - حسب تقديرنا - نحو سنة ستين و مائتين أو بعدها بقليل، و قد عمّر طويلا.
98 المشرقي (1)(... - بعد 200 ه تقديرا)
هشام بن إبراهيم الختلي، البغدادي، المعروف بالمشرقي.(2)
اتصل بالإمام أبي الحسن الرضا عليه السّلام، و روى عنه، و تشرّف هو و جماعة بلقائه عام (199 ه)، و دارت بينهم و بينه عليه السّلام أحاديث، خاطب خلالها المشرقي الإمام، بقوله:
و اللّه ما نقول إلاّ ما يقول آباؤك عليهم السّلام، و عندنا كتاب سمّيناه كتاب الجامع، فيه جميع ما يتكلّم الناس عليه من آبائك عليهم السّلام، و إنّما نتكلّم عليه.
و قد روى عن المشرقي جماعة، منهم: يونس بن عبد الرحمان (المتوفّى 208 ه) و هو - كما يظهر(3)- من أقرانه، و محمد بن راشد، و إبراهيم بن هاشم
1) رجال الكشي 419 برقم 352، نقد الرجال 368 برقم 2 و 407 (باب الألقاب، و فيه هاشم، خطأ)، جامع الرواة 311/2-312، منتهى المقال 422/6 برقم 3181، مستدركات علم رجال الحديث 146/8 برقم 15888، معجم رجال الحديث 265/19 برقم 13320، قاموس الرجال 314/9.
2) . و هو غير سميّه هشام بن إبراهيم العباسي، و يقال له الراشدي، و كان أوّلا شيعيا من أصحاب الرضا عليه السّلام، ثمّ زاغ بعد اتصاله بالفضل بن سهل و المأمون. انظر قاموس الرجال 309/9.
3) . لكونهما معا من مشايخ جعفر بن عيسى. انظر رجال الكشي.
الكوفي ثمّ القمي، و سعد بن سعد بن الأحوص الأشعري، و محمد بن عيسى بن عبيد بن يقطين.(1)
و أخذ عنه الكلام جعفر بن عيسى بن عبيد بن يقطين.
توفّي - حسب تقديرنا - في أوائل القرن الثالث.
99 الهادي إلى الحق (2)(220-298 ه)
يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل الحسني، الرّسّي، الملقب بالهادي إلى الحق، أحد أئمّة الزيدية.
ولد بالمدينة المنورة سنة عشرين و مائتين.(3)
و عاش في كنف أبيه و أعمامه، و أقبل على طلب العلم، حتّى نبغ و اشتهر في
1) . روى بعض هؤلاء عن هشام بن إبراهيم الأحمر، و هو المشرقي، كما يرى مؤلف «قاموس الرجال».
2) مروج الذهب 167/5 برقم 3334، الفهرست للنديم 288، المجدي في أنساب الطالبيين 78، الفخري في أنساب الطالبيين 107، الحدائق الوردية 13/2، تاريخ الإسلام (سنة 291-300 ه) 321 برقم 540، تاريخ ابن خلدون 142/4، الأعلام 141/8، معجم المؤلفين 191/13، بحوث في الملل و النحل للسبحاني 395/7، مؤلفات الزيدية 80/1 برقم 174، 19/2 برقم 1526 و 22 برقم 1535 و 26 برقم 1548 و 457 برقم 2820، أعلام المؤلفين الزيدية 1103 برقم 1186، معجم التراث الكلامي 381/3 برقم 6572 و 398 برقم 6673 و 417 برقم 6786، 85/5 برقم 10624.
3) . و في أعلام المؤلفين الزيدية: سنة (245 ه).
فنون العلم من الفقه و الكلام و التفسير، و في ميادين البطولة و الشجاعة.
دعاه أبو العتاهية الهمداني (من ملوك اليمن) إلى بلاده، فقصدها، و دخل مدينة صعدة (سنة 283 ه) في أيام المعتضد، و بايعه أبو العتاهية و بعض القبائل، و تلقّب بالهادي إلى الحق، و فتح نجران، و ملك صنعاء (سنة 288 ه) بعد معارك خاضها مع عمّال بني العباس، و اتّسع ملكه، فخطب له بمكة سبع سنين، و ضربت السكّة باسمه.
و للسيد المترجم مؤلفات كثيرة (جلّها رسائل)، منها: الديانة و التوحيد، الإمام و إثبات النبوة و الوصية، جواب مسألة النبوة و الإمامة، الرد و الاحتجاج على الحسن بن محمد بن الحنفية (ط)، الردّ على سليمان بن جرير، الرد على أهل الزيغ من المشبهين (ط، ضمن رسائل العدل و التوحيد)، الرد على المجبرة و القدرية (ط، ضمن رسائل العدل و التوحيد)، المرشد للمسترشدين و الهادي للمهتدين في ذكر مسائل أصول الدين، تثبيت الإمامة، الإرادة و المشيئة، جامع الأحكام في الحلال و الحرام (ط)، كتاب الفنون (ط) في أبواب من العلم و الفقه، تفسير القرآن الكريم، و المنتخب من «سياسة النفس» لجده القاسم الرسّي(1)، و غير ذلك.
توفّي بصعدة سنة ثمان و تسعين و مائتين.
1) . المتوفّى (246 ه)، و قد مضت ترجمته.
100 يعقوب بن نعيم (1)(... - حيّا بعد 203 ه)
ابن عمرو بن قرقارة، أبو يوسف الكاتب، أحد أجلاّء الإمامية.
روى عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السّلام، و عن جعفر بن أحمد بن عبد الجبار الينبعي، و أحمد بن محمد الأسدي.
و صنّف كتابا في الإمامة، رواه عنه أبو نعيم نصر بن عصام بن المغيرة المحاربي الفهري.
و روى عنه أيضا أبو الحسين محمد بن الحسين الدينوري.
لم نظفر بتاريخ وفاته.
1) فضائل الأشهر الثلاثة للصدوق 32 حديث أمّ داود (14)، رجال النجاشي 424/2 برقم 1214، رجال ابن داود 379 برقم 1698، رجال العلاّمة الحلي 189 برقم 4، نقد الرجال 379 برقم 20، جامع الرواة 349/2، بحار الأنوار 43/97 كتاب الصوم باب 55، منتهى المقال 69/7 برقم 3281، الذريعة 339/2 برقم 1355، مستدركات علم رجال الحديث 279/8 برقم 16458، معجم رجال الحديث 146/20 برقم 13747، قاموس الرجال 466/9، معجم التراث الكلامي 481/1 برقم 2101.
101 يعقوب بن يزيد (1)(... - حيا 248 ه)
ابن حمّاد السّلمي، أبو يوسف الأنباري، ثمّ البغدادي، الكاتب.
روى عن الإمام أبي جعفر محمد الجواد عليه السّلام، و عن لفيف من رجال مدرسة أهل البيت، منهم: الحسن بن علي بن فضّال، و أحمد بن الحسن الميثمي، و أحمد بن محمد بن أبي نصر، و الحسن بن علي الوشّاء، و محمد بن أبي عمير الأزدي، و حمّاد بن عيسى الجهني، و صفوان بن يحيى، و غيرهم.
و كان كثير الرواية.
روى عنه: عبد اللّه بن جعفر الحميري، و سعد بن عبد اللّه الأشعري، و محمد ابن الحسن الصفار، و أحمد بن محمد بن خالد البرقي، و محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري، و آخرون.
1) رجال الكشي 509 برقم 508 (ط. مؤسسة الأعلمي - كربلاء)، رجال النجاشي 426/2 برقم 1216، رجال الطوسي 395 برقم 12 و 425 برقم 2، فهرست الطوسي 209 برقم 804، رجال العلاّمة الحلي 189 برقم 1، نقد الرجال 379 برقم 21، جامع الرواة 349/2، منتهى المقال 70/7 برقم 3282، الذريعة 57/3 برقم 148، 172/15 برقم 1141، معجم رجال الحديث 147/20 برقم 13749، قاموس الرجال 467/9، معجم التراث الكلامي 31/2 برقم 2630.
و ولي الكتابة للمنتصر باللّه العباسي (المتوفّى 248 ه).(1)
و ألّف كتبا، منها: كتاب البداء، كتاب المسائل، كتاب الطعن على يونس، و كتاب نوادر الحجّ.
لم نظفر بتاريخ وفاته.
و لا ندري إن كان متحدا مع من ترجمه الخطيب البغدادي تحت عنوان (يعقوب بن يزيد، أبو يوسف التمار)، و قال عنه: (كان من شعراء العسكر الذين أحسنوا القول في الغزل، و اتصل بالمنتصر باللّه، و لم يزل حيا إلى أن توفّي على ما بلغني في آخر أيام المعتمد على اللّه(2).(3)
102 يونس بن عبد الرحمان (1)(قبل 125 ه بقليل - 208 ه)
يونس بن عبد الرحمان، مولى آل يقطين، يكنّى: أبا محمد، أحد أبرز العلماء في عصره.
ولد في أيّام هشام بن عبد الملك (المتوفّى 125 ه)، و اكتحلت عينه برؤية الإمام الصادق عليه السّلام بين الصفا و المروة، و لكنّه لم يسمع منه.
أخذ العلوم و المعارف عن الإمام موسى الكاظم عليه السّلام، ثمّ اختصّ بولده الإمام علي الرضا عليه السّلام، فحظي عنده بمنزلة رفيعة، و كان عليه السّلام يثني عليه، و يشير إليه في
1) رجال البرقي 49، مقالات الإسلاميين للأشعري 35 و 63، الفهرست للنديم 323، رجال الكشي 409 برقم 351، الفرق بين الفرق 70 برقم 66 (ط. دار المعرفة)، رجال النجاشي 420/2 برقم 1209، رجال الطوسي 364 برقم 11 و 394 برقم 1، فهرست الطوسي 211 برقم 810، الملل و النحل للشهرستاني 191/1 و 198، معالم العلماء 132 برقم 893، رجال ابن داود 380 برقم 1708، رجال العلاّمة الحلي 184 برقم 1، نقد الرجال 381، جامع الرواة 356/2، منتهى المقال 90/7 برقم 3305، بهجة الآمال 357/7، هدية العارفين 572/2، تنقيح المقال 338/3 برقم 13357، أعيان الشيعة 326/10، الذريعة 339/2 برقم 1356، 57/3 برقم 149، 214/10 برقم 599، و غير ذلك، الأعلام 261/8، معجم المؤلفين 348/13، معجم رجال الحديث 198/20 برقم 13834، قاموس الرجال 487/9، موسوعة طبقات الفقهاء 634/3 برقم 1226، معجم التراث الكلامي 481/1 برقم 2102، 31/2 برقم 2630، 391/3 برقم 6634.
العلم و الفتيا.
و أقام في العراق، عاكفا على طلب العلم، فتتلمذ على جمع من أعلام مدرسة أهل البيت، و روى عنهم، و منهم: أبو أيّوب الخزّاز، و عبد اللّه بن مسكان العنزي، و عبد الرحمان بن الحجاج البجلي، و عاصم بن حميد الحناط، و المتكلّمان الشهيران هشام بن الحكم، و هشام بن سالم الجواليقي، و أبو الوليد الحسن بن زياد الصيقل، و غيرهم.
و قد لازم هشام بن الحكم، و رافقه في بعض الندوات التي كان يعقدها يحيى ابن خالد البرمكي ببغداد، و يحضرها متكلمو الإسلام و غيرهم.(1)
و مهر يونس في الكلام و الفقه و الحديث و نقده، و سائر العلوم الشرعية، و أصبح - كما يقول النديم - علاّمة زمانه.
حدّث، و أفتى، و ناظر.
و تتلمذ عليه و روى عنه جماعة، منهم: محمد بن أبي عمير البغدادي، و محمد ابن خالد البرقي، و شاذان بن خليل النيسابوري، و محمد بن عيسى بن عبيد البغدادي، و أكثر عنه حتّى نسب إليه، فعرف باليونسي، و آخرون.
و كرّس أكثر وقته للتأليف و التصنيف و الردّ على مختلف المذاهب و الفرق، و قد خلف في ذلك أستاذه هشام بن الحكم، و صار المقدّم بين متكلّمي الإمامية في هذا المجال(2)، و سمت مكانته و اتسعت شهرته، الأمر الذي خلق له أعداء
و حسّادا، نسبوا إليه مقالات و اعتقادات باطلة، كما عزيت إليه فرقة أفرطت في التشبيه، تسمّى اليونسية.
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه *** فالقوم أعداء له و خصوم(1)
و للمترجم مؤلفات جمّة، منها: كتاب الإمامة، كتاب الردّ على الغلاة، كتاب البداء، كتاب علل النكاح و تحليل المتعة، كتاب العلل الكبير، كتاب الجامع الكبير في الفقه، كتاب التجارات، كتاب البيوع و المزارعات، كتاب الشرائع، كتاب تفسير القرآن، كتاب جوامع الآثار، كتاب اللؤلؤة في الزهد، و كتاب يوم و ليلة، و غير ذلك.
توفّي سنة ثمان و مائتين.
1) . لأبي الأسود الدؤلي، أحد كبار أصحاب الإمام علي عليه السّلام.
رجال النجاشي 443/2 برقم 1255
أعيان الشيعة 360/2
رجال النجاشي 19/2 برقم 573
معجم رجال الحديث 244/10 برقم 6954
رجال النجاشي 19/2 برقم 572
معجم رجال الحديث 371/10 برقم 7210
رجال النجاشي 77/2 برقم 664
معجم رجال الحديث 78/12 برقم 8259 و 8260
قاموس الرجال 14/7
متكلّم إمامي. له كتب في الكلام و الأخبار، رواها عنه أحمد بن محمد بن خالد البرقي (المتوفّى 274 ه).
رجال النجاشي 238/2 برقم 933
تأسيس الشيعة 375
معجم رجال الحديث 228/14 برقم 9960
رجال النجاشي 298/2 برقم 1035
معجم رجال الحديث 74/16 برقم 10708
قاموس الرجال 166/8
أصحاب الإمام علي الهادي عليه السّلام.
رجال الكشي 456 برقم 417
قاموس الرجال 185/8
فلاسفة الشيعة 45 برقم 11
رجال النجاشي 229/2 برقم 910
تأسيس الشيعة 376
معجم رجال الحديث 79/17 برقم 11467
تأسيس الشيعة 366
أعيان الشيعة 306/10
الذريعة 271/25 (ضمن الرقم 66)
(نجز الكلام في الجزء الأوّل وسيليه الجزء الثاني الذي يتضمّن متكلمي القرون: الرابع، و الخامس، و السادس، و السابع)
و الحمد للّه ربّ العالمين
فهرس محتويات الكتاب
حسب الترتيب الألفبائي
حسب وفياتهم
الموضوع\الصفحة
تقديم: بقلم آية اللّه جعفر السبحاني، و فيه فصول 7
1
ما هو سبب تسمية علم الكلام بهذا الاسم؟ 8
نظرنا في وجه التسمية 11
2 تعريف علم الكلام 12
3 موضوع علم الكلام 15
إيضاح و تفصيل 16
استظهار موضوع العلم من خلال غايته 17
4 التفكير فريضة إسلامية 20
مضاعفات تعطيل العقول عن التفكير 26
5 شبهات منكري علم الكلام 30
محاورة المفضّل مع ابن أبي العوجاء 37
خروج المفضل من المسجد 38
القول الحاسم في المقام 40
الدعوة إلى العلوم الحسيّة 44
6 المصير المأساوي للفلسفة 47
كلمات بعض المنكرين للفلسفة 47
المسائل الثلاث التي كفّر الغزالي بها الفلاسفة 51
الأولى: حدوث العالم زمانا و ذاتا 51
الثانية: علم الباري بالجزئيات 53
الثالثة: حشر الأجساد يوم القيامة 54
ابن حزم الأندلسي (384-456 ه) 56
الشهرستاني (467-548 ه) 56
ابن تيمية و آراؤه الفلسفية 60
أ. قدم العالم نوعا 60
ب. قيام الحوادث بذات اللّه سبحانه 62
ج. قوله بالتجسيم 63
د. اللّه سبحانه محدود بالحد 65
ه. نسبة الجهة و المكان للّه تعالى 66
و. جلوسه سبحانه على العرش 68
ز. فناء النار و انتهاء عذاب الكفّار 70
7 علم الكلام و عوامل نشوئه 72
العوامل الداخلية لنشوء علم الكلام 72
أ. حوار إبراهيم عليه السّلام مع مدّعي الربوبية 73
ب. حوار إبراهيم عليه السّلام مع عبدة الأصنام 73
ج. حوار موسى عليه السّلام مع فرعون 74
د. حوار مؤمن آل فرعون مع قومه 76
احتجاج النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مع اليهود في تبديل القبلة 78
خطب الإمام علي عليه السّلام هي المنطلق الثالث 79
دور أئمّة أهل البيت عليهم السّلام في نشوء علم الكلام 80
نموذج من مناظرات الإمام الصادق عليه السّلام مع أحد القدرية 81
احتجاج الإمام الرضا عليه السّلام مع اليهود و النصارى و المجسّمة 82
العوامل الخارجية لنشوء علم الكلام 83
أ. معطّلة العرب 83
ب. اليهود و عقائدهم في التجسيم و القدر 85
ج. النصارى و التثليث 86
د. الفتوحات الإسلامية و الاحتكاك الثقافي 86
رسالة الأشعري في استحسان الخوض في علم الكلام 92
8 بدايات الخلاف في عصر الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و بعد رحيله، و فيه مقامان 102
المقام الأوّل: بدايات الخلاف في عصر الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم 102
تجهيز جيش أسامة 105
الأمر بإحضار القلم و الدواة 105
الخلاف بعد رحيل الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم 106
المقام الثاني: بدايات المسائل الكلامية 109
الإمامة تنصيصية أو انتخابية 109
مسألة التحكيم 110
حكم مرتكب الكبيرة 110
تحديد مفهوم الإيمان 111
الإرجاء و المرجئة 111
القضاء و القدر 111
مسألة التشبيه و التنزيه 113
النسخ في الشريعة 113
عصمة الأنبياء 114
حدوث القرآن و قدمه 114
التحسين و التقبيح العقليان 114
9 العوامل المؤثرة في نشوء المدارس الكلامية 117
أ. الصفات الذاتية 117
ب. الصفات الخبرية 118
ج. الصفات الفعلية 119
د. العدل 119
ه. التحسين و التقبيح العقليان 120
و. القضاء و القدر 121
10 المدارس الكلامية المهمّة 123
أ. المحكّمة 123
ب. المرجئة 125
ج. المعتزلة 125
الأصول الخمسة عند المعتزلة 126
أئمّة المعتزلة 127
د. الجهمية 128
ه. المجسّمة 129
و. الكرّامية 130
ز. الأشعرية 130
نفي السببية عن الأسباب 132
أعيان الأشاعرة 136
ج. الماتريدية 137
أعيان الماتريدية 139
ط. الزيدية 140
ي. الإسماعيلية 143
الخطوط العريضة للمذهب الإسماعيلي 144
ك. الوهّابية 145
ميزاتهم عن سائر المسلمين 146
ل. الشيعة الإمامية 147
الفوارق بين الشيعة و المعتزلة 149
الفوارق بين الإمامية و الأشاعرة 151
الفوارق الرئيسية بين الشيعة و سائر الفرق 152
11 علم الكلام الجديد أو المسائل الجديدة في علم الكلام 153
أ. ما هو السبب لنشأة الدين؟ 155
ب. ما هي الحاجة إلى التديّن؟ 156
ج. نطاق شمول الدين 159
د. هل النبوة موهبة إلهية أو نبوغ اجتماعي؟ 160
ه. خلود الشريعة و بقاؤها 161
و. الوحدة أو التعدديّة الدينيّة 162
ز. تعارض الدين و العلم 165
ح. صلة الدين بالأخلاق 166
ط. حرية الإنسان في سلوكه الفردي و الاجتماعي 166
ي. الهرمنوتيك أو تفسير النصوص 168
مخطط الغربيين لضرب الثقافة الإسلامية 171
أ. فصل الدين عن السياسة 173
ب. تعدّد القراءات 174
ج. حصر الشريعة بفترة خاصة 174
12 الكلام الشيعي في قفص الاتّهام 176
أ. اتّهام الشيعة بالتجسيم 178
اتّهام هشام بن الحكم بالتجسيم 184
ب. الشيعة ورثة المعتزلة 189
13 المراحل الأربع التي مرّ بها الكلام الإمامي 195
المرحلتان المتواكبتان 195
أعلام المنهج الأوّل 196
أعلام المنهج الثاني 198
بعض المسائل التي اختلف فيها العلمان الصدوق و المفيد 202
أ. معنى كشف الساق 202
ب. تأويل اليد 203
ج. نفخ الأرواح 203
د. الخدعة و المكر و النسيان 203
ه. خلق أفعال العباد 204
و. الجبر و التفويض 204
ز. المشيئة و الإرادة 204
ح. الكلام في القضاء و القدر 205
ط. معنى فطرة اللّه 205
ي. الجدال في اللّه 205
المرحلة الثالثة: تجديد المنهج الحديثي 206
المرحلة الرابعة: إحياء المنهج العقلي 209
خاتمة المطاف: دور أئمّة أهل البيت عليهم السّلام في تبيين العقيدة الإسلامية 210
مكافحة الجبر و التفويض 213
مكافحة التجسيم و التشبيه 217
مكافحة فكرة رؤية اللّه 218
مكافحة قدم غيره سبحانه 220
مكافحة الغلو و النصب 221
عصمة الأنبياء 223
نماذج من مناظرات أئمّة أهل البيت عليهم السّلام 225
تفسير القضاء و القدر 225
عدم احتجاجه سبحانه بالسماوات السبع 226
اتحاد الصفات مع الذات 227
البرهنة على أنّ الحسنين من أبناء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم 228
النظام الهادف آية وجود الخالق 229
قياس الخالق بالمخلوق 230
إبطال القياس 231
إبطال الرؤية يوم القيامة 232
تصحيح فهم الحديث النبوي 233
مكافحة الغلو 233
استنطاق القرآن في مورد إسلام الذمّيّ 234
اعتراف الزنادقة بعجزهم عن نقض القرآن 235
ختامه مسك 237
الاسم الصفحة
ابن عباس - عبد اللّه بن عباس 258
أبو ذرّ الغفاري - جندب بن جنادة 241
الأشتر - مالك بن الحارث 270
جندب بن جنادة، أبو ذرّ الغفاري 241
حجر بن عدي بن جبلة بن عدي الكندي، الكوفي، المعروف بحجر الخير و بحجر بن الأدبر 244
خالد بن سعيد بن العاص بن أمية القرشي الأموي، المكي 247
زيد بن صوحان بن حجر بن الحارث العبدي، نزيل الكوفة 249
سلمان الفارسي، أبو عبد اللّه 252
صعصعة بن صوحان بن حجر العبدي، نزيل الكوفة 255
عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم، أبو العباس القرشي الهاشمي 258
عديّ بن حاتم بن عبد اللّه بن سعد الطائي 262
قيس بن سعد بن عبادة بن دليم الأنصاري الخزرجي 265
كميل بن زياد بن نهيك بن هيثم النخعي، الكوفي 267
مالك بن الحارث بن عبد يغوث النخعي، الكوفي، المعروف بالأشتر 270
المقداد بن الأسود - المقداد بن عمرو 273
المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك البهراني، المعروف بالمقداد بن الأسود و بالمقداد الكندي 273
ميثم التمّار - ميثم بن يحيى 276
ميثم بن يحيى الأسدي بالولاء، الكوفي، التمّار 276
حسب الترتيب الألفبائي
الاسم الصفحة
إبراهيم بن سليمان بن داحة (أو ابن أبي داحة) المزني، أبو إسحاق البصري 281
ابن أبي داحة - إبراهيم بن سليمان 281
ابن بكير - عبد اللّه بن نكير 313
ابن حيّ - الحسن بن صالح 293
ابن حيّ - علي بن صالح 317
ابن داحة - إبراهيم بن سليمان 281
ابن رئاب - علي بن رئاب 316
ابن الطيّار - محمد بن عبد اللّه 336
ابن مسكان - عبد اللّه بن مسكان 314
أبو الجارود - زياد بن المنذر 304
أبو خالد الواسطي - عمرو بن خالد 320
أبو مالك الحضرمي - الضحاك الحضرمي 309
إسماعيل بن محمد بن يزيد بن ربيعة الحميري، الشاعر، الشهير بالسيد 283
الأصبغ بن نباتة بن الحارث بن عمرو المجاشعي التميمي، الكوفي 286
جابر بن حيّان بن عبد اللّه الكوفي 288
جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي، الكوفي 290
الجواليقي - هشام بن سالم 351
حديد بن حكيم الأزدي، أبو علي المدائني 292
الحسن بن صالح بن صالح بن مسلم بن حيّ الهمداني الثوري 293
الحسين بن نعيم الأسدي بالولاء، الكوفي، الصحّاف 295
حمران بن أعين بن سنسن الشيباني بالولاء، الكوفي 297
الخليل بن أحمد بن عمرو الفراهيدي اليحمدي الأزدي، البصري 299
الرسّان - فضيل بن الزبير 325
زرارة بن أعين بن سنسن الشيباني بالولاء، الكوفي 302
زياد بن المنذر الهمداني الخارفي، أبو الجارود الكوفي 304
زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو الحسين المدني، الشهيد 306
سليمان بن جرير الرقّي 308
السيّد الحميري - إسماعيل بن محمد 283
الصحّاف - الحسين بن نعيم 295
الضحاك الحضرمي، الكوفي، أبو مالك 309
الطيار - محمد بن عبد اللّه 336
عبد الأعلى بن أعين الكوفي، مولى آل سام 311
عبد اللّه بن بكير بن أعين بن سنسن الشيباني بالولاء، الكوفي 313
عبد اللّه بن مسكان العنزي بالولاء، أبو محمد الكوفي 314
علي بن رئاب التميمي الأسيّدي (و قيل الجرمي)، الكوفي 316
علي بن صالح بن صالح بن مسلم بن حيّ الهمداني الثوري، الكوفي 317
علي بن منصور الكوفي، البغدادي، أبو الحسن 319
عمرو بن خالد القرشي بالولاء، أبو خالد الواسطي 320
عيسى بن روضة الهاشمي بالولاء 321
الفراهيدي - الخليل بن أحمد 299
فضّال بن الحسن بن فضّال الكوفي 322
الفضل بن أبي سهل بن نوبخت، أبو سهل البغدادي 324
فضيل بن الزبير بن عمر الأسدي، الكوفي، الرسّان 325
قيس الماصر 326
كثير بن إسماعيل التيمي بالولاء، الكوفي، النوّاء 328
الكميت بن زيد بن خنيس الأسدي، الكوفي، الشاعر 330
محمد بن حكيم الخثعمي، الكوفي 334
محمد بن عبد اللّه الفزاري، الشهير بالطيار، و يقال ابن الطيار 336
محمد بن علي بن النعمان بن أبي طريفة البجلي، أبو جعفر الكوفي،
الأحول، المقلب بمؤمن الطاق 338
المفضّل بن عمر الجعفي، الكوفي 341
مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي بالولاء، أبو الحسن البلخي ثمّ البصري، المفسّر 343
منصور بن أبي الأسود الليثي، الكوفي 344
منصور بن حازم البجلي، أبو أيّوب الكوفي 345
مؤمن الطاق - محمد بن علي بن النعمان 338
النوّاء - كثير بن إسماعيل 328
النوبختي - الفضل بن أبي سهل 324
هشام بن الحكم الكندي، الكوفي، البغدادي، أبو محمد 347
هشام بن سالم الجواليقي، أبو محمد الكوفي 351
حسب الترتيب الألفبائي
الاسم الصفحة
إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال الثقفي، الكوفي، صاحب كتاب «الغارات» 355
ابن أبي عمير - محمد بن زياد 419
ابن التاجر - جعفر بن أحمد 368
ابن جبرويه - عبد الرحمان بن أحمد 389
ابن الراوندي - أحمد بن يحيى 363
ابن فضّال - الحسن بن علي بن فضّال 375
ابن فضّال - علي بن الحسن بن علي 401
ابن مملّك - محمد بن عبد اللّه 421
ابن يقطين - الحسن بن علي بن يقطين 377
أبو الأحوص - داود بن أسد 383
أبو الصلت الهروي - عبد السلام بن صالح 390
أبو عيسى الورّاق - محمد بن هارون 425
أبو يحيى الجرجاني - أحمد بن داود 359
أحمد بن أبي زاهر - أحمد بن موسى 362
أحمد بن الحسين بن سعيد بن حماد الأهوازي، دندان 357
أحمد بن الحسين بن عمر بن يزيد الصيقل، أبو جعفر الكوفي 358
أحمد بن داود بن سعيد الفزاري، أبو يحيى الجرجاني 359
أحمد بن محمد بن عيسى بن عبد اللّه الأشعري، أبو جعفر القمي 360
أحمد بن موسى (أبي زاهر) الأشعري، أبو جعفر القمي 362
أحمد بن يحيى بن محمد بن إسحاق، أبو الحسين الراوندي (أو ابن الراوندي) 363
إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن هلال المخزومي، أبو محمد المكي 366
الأشعري - أحمد بن محمد بن عيسى 360
الأشعري - سعد بن عبد اللّه 385
الأشعري - محمد بن أحمد بن يحيى 413
البرمكي - محمد بن إسماعيل 415
البطائني - الحسن بن علي بن سالم 373
ثبيت بن محمد العسكري، أبو محمد 367
الثقفي - إبراهيم بن محمد 355
جعفر بن أحمد بن أيوب، أبو سعيد السمرقندي، ابن التاجر 368
جعفر بن عيسى بن عبيد بن يقطين الأسدي بالولاء 369
الحجّال - عبد اللّه بن محمد 395
الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل الحسني، المدني، الداعي إلى الحقّ 371
الحسن بن علي بن أبي حمزة سالم البطائني، الكوفي 373
الحسن بن علي بن فضّال بن عمرو، أبو محمد الكوفي 375
الحسن بن علي بن يقطين بن موسى البغدادي 377
الحسني - عبد العظيم بن عبد اللّه 392
الحسين بن إشكيب المروزي، أبو عبد اللّه القمّي 378
الحسين بن عبيد اللّه بن سهل السعدي، أبو عبد اللّه القمّي 380
الحسين بن علي المصري، أبو عبد اللّه 381
الحكم بن هشام بن الحكم الكندي، الكوفي ثمّ البصري 382
الداعي إلى الحقّ - الحسن بن زيد 371
داود بن أسد بن أعفر، أبو الأحوص المصري (البصري) 383
دندان - أحمد بن الحسين بن سعيد 357
الراوندي - أحمد بن يحيى 363
الرسّي - القاسم بن إبراهيم 410
الرسّي - محمد بن القاسم 424
سعد بن عبد اللّه بن أبي خلف الأشعري، القمّي 385
السّعدي - الحسين بن عبيد اللّه 380
السكّاك - محمد بن الخليل 417
سهل بن زياد الآدمي، أبو سعيد الرازي 387
صاحب الصومعة - محمد بن إسماعيل 415
الصيقل - أحمد بن الحسين بن عمر 358
الطاطري - علي بن الحسن بن محمد 403
عبد الرحمان بن أحمد بن جبرويه، أبو محمد العسكري 389
عبد السلام بن صالح بن سليمان بن أيوب، أبو الصلت الهروي 390
عبد العظيم بن عبد اللّه بن علي بن الحسن، السيد أبو القاسم الحسني 392
عبد اللّه بن محمد الأسدي بالولاء، أبو محمد الحجّال، الكوفي 395
العبيدي - محمد بن عيسى 422
العسكري - ثبيت بن محمد 367
علي بن أسباط بن سالم الكندي، الكوفي، بيّاع الزّطّي 396
علي بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم (التمار) الأسدي بالولاء، المعروف بعلي بن ميثم و بالميثمي 398
علي بن الحسن بن علي بن فضّال التيملي، أبو الحسن الكوفي 401
علي بن الحسن بن محمد الطائي الجرمي، أبو الحسن الكوفي، المعروف بالطاطري 403
علي بن مهزيار الأهوازي، أبو الحسن 405
علي بن ميثم - علي بن إسماعيل 398
فارس بن حاتم بن ماهويه القزويني، نزيل العسكر 407
الفضل بن شاذان بن الخليل الأزدي، أبو محمد النيسابوري 408
القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم الحسني، الرسّي 410
القاسم بن يوسف بن القاسم بن صبيح العجلي، الكاتب 412
القزويني - فارس بن حاتم 407
الكاتب - القاسم بن يوسف 412
محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري، أبو جعفر القمّي، صاحب «نوادر الحكمة» 413
محمد بن إسماعيل بن أحمد بن بشير البرمكي، صاحب الصومعة 415
محمد بن الحسين بن أبي الخطاب زيد الهمداني، أبو جعفر الزيّات 416
محمد بن الخليل البغدادي، أبو جعفر السكّاك 417
محمد بن أبي عمير زياد بن عيسى الأزدي، أبو أحمد البغدادي 419
محمد بن عبد اللّه بن مملّك، أبو عبد اللّه الأصفهاني، الجرجاني الأصل 421
محمد بن عيسى بن عبيد بن يقطين الأسدي، أبو جعفر العبيدي، اليقطيني، البغدادي 422
محمد بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل الحسني، الرسّي 424
محمد بن هارون بن محمد البغدادي، أبو عيسى الورّاق 425
المخزومي - إسماعيل بن محمد 366
المشرقي - هشام بن إبراهيم 430
المصري - الحسين بن علي 381
معلّى بن محمد البصري، أبو الحسن 427
الميثمي - علي بن إسماعيل 398
الهادي إلى الحق - يحيى بن الحسين 431
هارون بن مسلم بن سعدان الكاتب، أبو القاسم الأنباري ثمّ السامرائي 428
هشام بن إبراهيم الختّلي، البغدادي، المعروف بالمشرقي 430
يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم الحسني، الرسّي، الهادي إلى الحقّ 431
يعقوب بن نعيم بن عمرو بن قرقارة، أبو يوسف الكاتب 433
يعقوب بن يزيد بن حمّاد السلمي، أبو يوسف الأنباري ثمّ البغدادي، الكاتب 434
اليقطيني - محمد بن عيسى 422
يونس بن عبد الرحمان، مولى آل يقطين 436
حسب وفياتهم
السنة\الاسم\الصفحة
14 \خالد بن سعيد بن العاص الأموي\ 247
32 \جندب بن جنادة، أبو ذرّ الغفاري\ 241
33 \المقداد بن عمرو بن ثعلبة البهراني\ 273
34 \سلمان الفارسي\ 252
36 \زيد بن صوحان العبدي\ 249
38 \مالك بن الحارث النخعي، الأشتر\ 270
51 \حجر بن عدي الكندي\ 244
56 \صعصعة بن صوحان العبدي\ 255
59، 60 \قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي\ 265
60 \ميثم بن يحيى التمّار\ 276
67 \عديّ بن حاتم الطائي\ 262
68 \عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب\ 258
82 \كميل بن زياد\ 267
حسب وفياتهم
بعد 100 \الأصبغ بن نباتة المجاشعي\ 286
122 \زيد بن علي بن الحسين الهاشمي، الشهيد\ 306
126 \الكميت بن زيد الأسدي\ 330
128 \جابر بن يزيد الجعفي\ 290
حدود 130 \حمران بن أعين\ 297
قبل 148 \محمد بن عبد اللّه الطيار\ 336
150 \زرارة بن أعين\ 302
بعد 150 \زياد بن المنذر، أبو الجارود الكوفي\ 304
154 \علي بن صالح بن حيّ\ 317
نحو 160 \محمد بن علي بن النعمان، مؤمن الطاق\ 338
169 \الحسن بن صالح بن حيّ\ 293
170 \الخليل بن أحمد الفراهيدي\ 299
بعد 170 \منصور بن أبي الأسود الليثي\ 344
173 \إسماعيل بن محمد، السيد الحميري، الشاعر\ 283
قبل 183 \عبد اللّه بن مسكان العنزي\ 314
نحو 188، 199 \هشام بن الحكم الكندي\ 347
200 \جابر بن حيّان الكوفي\ 288
حيا قبل 130 \قيس الماصر\ 326
حيا نحو 135 \كثير بن إسماعيل النوّاء\ 328
حيا بعد 136 \عيسى بن روضة\ 321
حيا قبل 148 \فضيل بن الزبير الأسدي، الرسّان\ 325
حيا بعد 148 \علي بن رئاب\ 316
حيا قبل 150 \فضّال بن الحسن بن فضّال\ 322
حيا نحو 150 \عبد الأعلى بن أعين، مولى آل سام\ 311
حيا حدود 175 \عبد اللّه بن بكير بن أعين\ 313
حيا نحو 180 \إبراهيم بن سليمان بن داحة البصري\ 281
حيا قبل 183 \حديد بن حكيم الأزدي\ 292
\الحسين بن نعيم الصحّاف\ 295
\الضحاك، أبو مالك الحضرمي\ 309
\محمد بن حكيم الخثعمي\ 334
\هشام بن سالم الجواليقي\ 351
حيا قبل 187 \سليمان بن جرير الرقّي\ 308
حيا قبل 193 \الفضل بن أبي سهل النوبختي، أبو سهل\ 324
حسب وفياتهم
السنة\الاسم\الصفحة
بعد 200 \هشام بن إبراهيم الختلي، المشرقي\ 430
بعد 200 \علي بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم التمار\ 398
208 \يونس بن عبد الرحمان\ 436
بعد 208 \محمد بن الخليل، أبو جعفر السكّاك\ 417
217 \محمد بن أبي عمير زياد الأزدي\ 419
نحو 220 \القاسم بن يوسف العجلي، الكاتب\ 412
224 \الحسن بن علي بن فضّال\ 375
بعد 224 \الحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني\ 373
حدود 230 \علي بن الحسن الطائي، الطاطري\ 403
بعد 230 \الحسين بن علي، أبو عبد اللّه المصري\ 381
236 \عبد السلام بن صالح، أبو الصلت الهروي\ 390
245 \أحمد بن يحيى، أبو الحسين الراوندي\ 363
246 \القاسم بن إبراهيم الحسني، الرسّي\ 410
247 \محمد بن هارون، أبو عيسى الورّاق\ 425
بعد 250 \فارس بن حاتم القزويني\ 407
252 \عبد العظيم بن عبد اللّه الحسني\ 392
قبل 254 \علي بن مهزيار\ 405
260 \الفضل بن شاذان الأزدي\ 408
نحو 260 \هارون بن مسلم بن سعدان الكاتب\ 428
بعد 260 \أحمد بن الحسين بن سعيد الأهوازي\ 357
بعد 260 \سهل بن زياد الآدمي\ 387
بعد 260 \عبد الرحمن بن أحمد بن جبرويه\ 389
بعد 260 \محمد بن إسماعيل البرمكي\ 415
بعد 260 \محمد بن عيسى بن عبيد العبيدي، اليقطيني\ 422
262 \محمد بن الحسين بن أبي الخطاب الهمداني\ 416
270 \الحسن بن زيد الحسني، الداعي إلى الحق\ 371
حدود 270 \الحسين بن عبيد اللّه السعدي\ 380
بعد 270 \أحمد بن أبي زاهر موسى الأشعري\ 362
بعد 270 \الحسين بن إشكيب المروزي\ 378
بعد 270 \علي بن الحسن بن علي بن فضّال\ 401
بعد 274 \أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري\ 360
حدود 280 \جعفر بن أحمد بن أيّوب السمرقندي، ابن التاجر\ 368
حدود 280 \محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري\ 413
283 \إبراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي\ 355
284 \محمد بن القاسم بن إبراهيم الحسني، الرسّي\ 424
298 \يحيى بن الحسين بن القاسم، الهادي إلى الحق\ 431
قبل 300 \داود بن أسد، أبو الأحوص\ 383
300 \سعد بن عبد اللّه بن أبي خلف الأشعري\ 385
حيا بعد 203 \الحسين بن علي بن يقطين\ 377
حيا بعد 203 \يعقوب بن نعيم، أبو يوسف الكاتب\ 433
حيا بعد 208 \جعفر بن عيسى بن عبيد بن يقطين\ 369
حيا قبل 224 \عبد اللّه بن محمد، أبو محمد الحجّال\ 395
حيا قبل 247 \ثبيت بن محمد العسكري\ 367
حيا 248 \يعقوب بن يزيد السّلمي، الكاتب\ 434
حيا نحو 250 \أحمد بن الحسين بن عمر الصيقل\ 358
حيا قبل 254 \أحمد بن داود، أبو يحيى الجرجاني\ 359
حيا قبل 300 \إسماعيل بن محمد المخزومي\ 366
حيا قبل 300 \محمد بن عبد اللّه بن مملّك\ 421
حيا قبل 300 \الحكم بن هشام بن الحكم\ 382