ghaemiyeh.com
سيرة الحسين(عليه السلام)
في الحديث والتاريخ..
السيد جعفر مرتضى العاملي
الجزء الحادي والعشرون
المركز الاسلامي للدراسات
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى
2016م - 1437هـ
حاد
المركز الاسلامي للدراسات
لبنان - بيروت - الضاحية الجنوبية - أوّل حي ماضي بناية حجازي - ط 1 - تلفاكس: 00961.1.274519
البريد الالكتروني : alhadi@alhadi.org
المنشورات بيروت - بئر العبد - سنتر الانماء 3 - 0096170995421
محرر الرقمي: عليرضا حقاني فر
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى
2016م - 1437هـ
حاد
المركز الاسلامي للدراسات
لبنان - بيروت - الضاحية الجنوبية - أوّل حي ماضي بناية حجازي - ط 1 - تلفاكس: 00961.1.274519
البريد الالكتروني : alhadi@alhadi.org
المنشورات بيروت - بئر العبد - سنتر الانماء 3 - 0096170995421
سيرة الحُسَينَ (عليه السلام)
في الحديث والتاريخ..
السيد جعفر مرتضى العاملي
الجزء الحادي والعشرون
المركز الاسلامي للدراسات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وذكرت رواية أخرى ما خلاصته: أن رجلا من بني أسد، أتى إلى ساحة المعركة في كربلاء، بعد ارتحال عمر بن سعد، فشاهد من تلك الأجساد أنواراً ساطعة، وأرواحاً طيبة، ورأى أسداً هائل المنظر، يتخطى تلك الجثث حتى وصل إلى جسد الحسين« عليه السلام»، فتمرغ بدمه، وله همهمة وصياح، فدهش ذلك الأسدي.
وعند انتصاف الليل رأى شموعاً مسرجة ملأت الأرض، وبكاءً وعويلاً مفجعاً..
وعلم أن هؤلاء نساء الجن، وأن الأسد هو علي بن أبي طالب(عليه السلام)(1).
وفي الرواية أمور أخرى لا حاجة إلى ذكرها.
ونقول:
لا نريد أن نناقش هذه الرواية بالتفصيل، ونكتفي بطرح سؤال
1) راجع مدينة المعاجز ج 4 ص 70 و 71 وبحار الأنوار ج 45 ص 193 و 194 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 512 .
واحد عن سبب ظهور الإمام علي« عليه السلام» في صورة أسد هائل المنظر !! ألم يكن ظهوره بصورة رجل متنكر، أو ملثم هو الأنسب بمقامه؟!
ولنا أن نسأل أيضاً عن سبب تمرغه بدم الحسين« عليه السلام»!!
وعن أنه إذا كان هناك بكاء وعويل مفجع، وكانت هناك شموع ملات الأرض، هل يعقل أن لا يكون قد رآها، ولا رواها إلا رجل واحد من بني أسد ، مع أن المفروض أن تكون المنطقة مأهولة؟! إلا إذا فرض أن ذلك الأسدي كان وحده يسكن في تلك الأرض الواسعة، التي يحتاج فيها إلى الأمن وإلى المعونة، وغير ذلك.
وعلى كل حال.. فإن كتاب مدينة المعاجز قد اشتمل الجزء الرابع منه على أحاديث كثيرة حول الإمام الحسين
« عليه السلام» تعد بالعشرات.. ولا يمكننا إيراد جميعها لمناقشته وبيان بعض ما يحسن بيانه فيه مع العلم بأنها روايات لا أسانيد لها في الأكثر ، ولم يذكر الكثير منها في مصادر معتمدة، وقسم منها لم تعرف مصادره من الأساس.
قال عماد الدين الطبري: «إن الحر «رحمه الله» دفن في
الموضع الذي قتل فيه»(1).
ونقول:
لسنا بحاجة لحشد النصوص وجمع الشواهد لتفنيد هذه المقولة، فإن الحر إنما قتل في معسكر أبي عبد الله الحسين« عليه السلام»، الذي كان يقاتل في بقعة معينة، بالقرب من ثقله وعياله، وكان صلوات الله وسلامه عليه» كلما استشهد أحد من أصحابه وأهل بيته أتی بجسده، ووضعه مع سائر الشهداء الذين سبقوه.
ولم يكن هناك مبرر لاتساع ميدان القتال، ليصبح فرسخاً، أو أكثر، ولو أن هذا الأمر قد حصل فعلا، فالسؤال هو:
لماذا أتى الحسين«عليه السلام» بسائر الشهداء وضمهم إلى بعضهم البعض، وجعلهم في مكان واحد، وترك الحر وحيداً فريداً في تلك البقعة النائية عنه، وعن أصحابه وأهل بيته
قال السيد الجزائري« رحمه الله» عن قبر الحر:
وهو بعيد عن قبر مولانا الحسين« عليه السلام» بفرسخ ، وأزيد وقبره الآن معروف يزوره بعض الناس.
وبعض الخواص من الشيعة والعلماء يترك زيارته بل ربما سمعت عن بعض محدثي الشيعة لعنه، والطعن عليه، تعويلاً على أنه
1) نفس المهموم ص 389 عن كامل بهائي.
قطع عليه بالارتداد الفطري، ومثل هذا المرتد عند الأكثر لا تقبل توبته.
وما نقل من قبول الحسين «عليه السلام» له منقول بأخبار الآحاد، وهو يعارض الإجماع»(1).
ونقول:
إن هذا الحكم القاسي على الحر غير سديد.. وقد بين السيد الجزائري ذلك بما ملخصه:
أولاً : المرتد هو من أنكر ضرورياً من ضروريات الدين، كمن أنكر وجوب الصلاة، أو فعل ما يعلم ضرورة نفيه من الدين، كالسجود للصنم، أو قتل النبي مثلاً، مع علمه بأن ما ينكره، أو يفعله من ضروريات الدين بالفعل، أما إذا كان يحتمل في مثله جهل ذلك، كما لو كان يعيش في الأدغال، ولم يعرف عن دينه إلا أقل القليل، فلا يشمله هذا الحكم.
ثانياً : لم يكن الحر يريد قتل الحسين عليه السلام»، بل كان يريد أخذه إلى ابن زياد، فلما تحقق أن ابن سعد يريد قتل الحسين انفصل عنه، ولجأ إلى الحسين تائباً من تضييقه على الإمام «عليه السلام». ولا دليل يثبت على أنه «رحمه الله» كان يعلم أن تضييقه هذا يخرجه من الدين.
بل قد يقال: إن مجرد إيذاء الإمام لا يعد ارتدادا، فقد كان أقرباء
1) الأنوار النعمانية ج 3 ص 363
الأئمة «عليهم السلام» يؤذون الأئمة، ولم يكن الأئمة يحكمون عليهم ،بالارتداد بل كانوا يعودونهم إذا مرضوا، ويقضون ديونهم، ويبكون عليهم إذا نزلت بهم نازلة، كما جرى لبني الحسن، وبكاء الإمام الصادق«عليه السلام» عليهم.
ثالثاً : إن ما يخرج من الدين، ويحقق الارتداد، ولا تقبل التوبة منه هو ما يكون من ضروريات دين الإسلام لا من ضروريات مذهب التشيع، فمن أنكر إمامة علي« عليه السلام» لا يكون مرتداً، ولا يجب إجراء عقوبة المرتد في هذه الدنيا عليه. وإن كان يعاقب في الآخرة بأشد مما يعاقب به المرتد.
رابعاً :قولهم: إن المرتد عن فطرة لا تقبل توبته غير مقبول، بل هي تقبل فيما بينه وبين الله ، كما قال الشهيد الثاني« رحمه الله»، فلو تاب قبل العقوبة قبلت توبته، وصحت عباداته ومعاملاته، ولكن لا تعود إليه زوجته، لأنها بانت منه، كما أن ماله لا يعود إليه، بعد أن دخل في ملك غيره.
فإن كان الحاكم غير الإمام المعصوم، لم يجز له العفو عنه، وإن كان هو الإمام، فالأمر إليه إن شاء قتله، وإن شاء عفا عنه، وقد عفا علي« عليه السلام» عن أهل البصرة، وقبل توبة من تاب منهم، مع أنهم كانوا مرتدين عن فطرة، وكذلك الحال بالنسبة لأهل صفين والنهروان.
خامساً: لا معنى لقولهم إن ارتداد الحر قطعي، وتوبته ظنية، لأن كل خبر وأثر ذكر ارتداده، ذكر توبته واستشهاده. وذكر قبول الإمام
« عليه السلام» أيضاً لتوبته.
بل قد يقال: إن الطعن في توبة الحر طعن في من قبلها. وهذا هو الارتداد الظاهر والصريح.
سادساً : تدل الأخبار المعتبرة ،والصحيحة، كما قال الشهيد الثاني رحمه الله على أن الارتداد قسم واحد والمرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. وهذا مذهب ابن الجنيد.
وأما التفصيل بين المرتد عن فطرة وغيره، فلم يرد إلا في رواية عمار الساباطي، وهي رواية ضعيفة لا يمكن تقييد العديد من الروايات المعتبرة والصحيحة بها(1).
غير أننا نقول:
أولاً بالنسبة لأهل الجمل وصفين قد يقال: لا دليل على أن ارتدادهم كان عن فطرة، فإن فتح العراق والشام قد حصل بعد وفاة النبي«صَلَّى اللهُ عَليهِ وآلِهِ»، ومن حين فتحها صار الناس يدخلون في الدين بصورة تدريجية، فلعل معظم الذين حاربوا عليا «عليه السلام» كانوا قد أسلموا قبل سنوات قليلة أو كثيرة ، ثم جاؤا مع معاوية لحرب علي« عليه السلام».
ثانياً: إن الأحاديث تصرح بأن الإمام«عليه السلام» سار فيمن حاربه بالمن والكف، لأنه علم أنه سيكون للبغاة دولة، فلولا سياسته
1) الأنوار النعمانية ج 3 ص 363 - 366 بتصرف وتلخيص.
هذه للقي شيعته بعده بلاء عظيما (1).
روي عن ابن مسعود أنه قال: بينا نحن جلوس عند رسول الله «صلى الله عليه وآله» في مسجده، إذ دخل علينا فتية من قريش، ومعهم عمر بن سعد «لعنه الله»، فتغير لون رسول الله« صلى الله عليه وآله».
فقلنا :له يا رسول الله ما شأنك؟!
فقال: إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإني ذكرت ما يلقى أهل بيتي من أمتي من بعدي من قتل، وضرب، وشتم، وسبّ، وتطريد، وتشريد.
1) راجع: أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج 2 ص 273 والكافي ج 5 ص 21 و 33 وتهذيب الأحكام ج 6 ص 137 و 154 و 155 والغيبة للنعماني ص 232 و 231 والمحاسن للبرقي ص 320 وعلل الشرايع ص 147 و 150 و 154 ووسائل الشيعة ج 11 ص 55 و 58 و 59 و 18 والبرهان (تفسير) ج 4 ص 207 ورياض المسائل ج 1 ص 482 و481 و ص 483 والمختلف ج 2 ص 157 والخصال ج 1 ص 276 وتفسير القمي ج 2 ص 321 ونور الثقلين ج 5 ص 84 و 85 وجواهر الكلام ج 21 ص 330 و331 و 336 و 350 ودعائم الإسلام ج 1ص 394 .
وإن أهل بيتى سيشردون ويطردون ويقتلون، وإن أول رأس يحمل على (رأس) رمح في الإسلام، رأس ولدي الحسين «عليه السلام»، أخبرني بذلك [أخي] جبرائيل، عن الرب الجليل.
وكان الحسين« عليه السلام» حاضراً عند جده في ذلك الوقت، فقال: يا جداه فمن يقتلني من أمتك؟!
فقال: يقتلك شرار الناس ، وأشار النبي« صلى الله عليه وآله» إلى عمر بن سعد «لعنه الله».
فصار أصحاب رسول الله «صلى الله عليه وآله »إذا رأوا عمر بن سعد داخلاً من باب المسجد، يقولون: هذا قاتل الحسين «عليه السلام».
[قال:] وجعل عمر بن سعد، كلما لقي الحسين« عليه السلام» يقول: يا أبا عبد الله، إن في قومنا أناساً سفهاء، يزعمون أني أقتلك.
فيقول له الحسين «عليه السلام»: [والله] إنهم ليسوا بسفهاء، ولكنهم أناس حلماء، أما إنه ستقر عيني حيث لا تأكل من بر الري من بعد قتلي إلا قليلاً، ثم تقتل من بعدي عاجلا(1).
ونقول:
لا ريب في عدم صحة هذه الرواية:
1) مدينة المعاجز ج 4 ص 61 و 62 والمنتخب للطريحي ص 332.
أولاً: لأن عمر بن سعد قد ولد بعد وفاة رسول الله« صلى الله عليه وآله» بنحو عشر سنوات ومقتضى هذه الرواية: أنه كان في عهد رسول الله فتى، وهذا غير مطابق للواقع.
ثانياً: إنها ذكرت: أن أول رأس يحمل على رأس رمح في الإسلام رأس الحسين« عليه السلام»، وقد قلنا: إن ذلك أيضاً غير دقيق. فراجع ما ذكرنا حين تكلمنا عن هذا الأمر وما جرى في الكوفة بعد عاشوراء.
ثالثاً: ما معنى قوله:« لا تأكل من بر الري بعد قتلي»؟! فإن ابن سعد لم يتول الري لا بعد قتله الإمام الحسين
« عليه السلام» ولا قبله، ولم يأكل من برها لا قليلا ولا كثيراً؟!
والصحيح: أنه « عليه السلام »قال لابن سعد:« لا تأكل من بر العراق إلا قليلاً، ولم يذكر له بر الري».
وقد قال له هذه الكلمة حين جاءه عمر بن سعد بجيشه إلى كربلاء، وذلك في أحد أيام عاشوراء.
قال ابن نما: ورويت إلى ابن [أبي] عائشة قال: مر سليمان بن قئة العدوي، مولى بني تميم بكربلاء بعد قتل الحسين «عليه السلام» بثلاث فنظر إلى مصارعهم، فاتكا على فرس [قوس] له عربية وأنشأ يقول:
مَرَرْتُ على أبياتِ آل محمد*** فلمْ أرَها أمثالها يومَ حَلَّتِ
أَلَمْ تَرَ أَنَّ الشَّمْسَ أضحت*** لِفقدِ حسين والبلادَ اقشعرَّتِ
وكانوا رجاءاً ثمَّ أَصْحَوا*** لقَدْ عَظُمَتْ تلك الرزايا وجَلَّتِ
وتسألنا قيْس فَنُعْطِي فَقِيرَها*** وَتَقتُلنا قيسّ إِذا النَّعْلُ زَلَتِ
وعندَ غنِي قَطرَةً مِن دِمَائِنا*** سَنَطلبُهم يوماً بها حيثُ حَلَّتِ
فلا يُبْعِدُ الله الديارَ وأهلها*** وَإنْ أصبحت منهم برَغم تَخَلَّتِ
فإنَّ قتيل الطفِّ من آل هاشم*** أذلَّ رقابَ المسلمين فذلَتِ
وقد أعْوَلت تبكي السَّماءُ*** وأنجُمنا ناحت عليه وصلّتِ
وقيل : الأبيات لأبي رمح الخزاعي (1).
ونقول:
1) مثير الأحزان ص 110 و 111 و (ط المكتبة الحيدرية) ص88 وراجع الأبيات، أو بعضها في: مقاتل الطالبيين ص 121 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 81 وبحار الأنوار ج 45 ص 293 و 244 والعوالم، الإمام الحسين ج17 ص 544 و 548 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 117 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 263 وقد وصفه بالهاشمي، ونظم درر السمطين ص226 ونسب قریش ص 41 ومعجم البلدان ج 4 ص 36 والتذكرة الحمدونية ج 4 ص 219 والكامل في التاريخ ج 4 ص 91 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج6 ص2668 و 2669 والوافي بالوفيات ج 12 ص 266 والملهوف (نشر أنوار الهدى) ص 120 وينابيع المودة ج 3 ص 100.
1 - الظاهر: أن سليمان بن قتَة : أول من زار شهداء كربلاء في مصارعهم، لأنه حضر كربلاء بعد ثلاث ليال وهو أيضاً أول من رثى الحسين« عليه السلام» من الشعراء.
2 - وصف ابن نما هذا الرجل بالعدوي.. وهذا غير ظاهر، فقد قال المبرد: «سليمان بن قتة، رجل من تيم بن مرة. وكان منقطعاً إلى بني هاشم»(1).
3 - قد يقال: إن قوله:« فنظر إلى مصارعهم». يدل على أن الأجساد الطاهرة لم تدفن إلا بعد ثلاثة أيام.
ويجاب:
بأن المصارع جمع مصرع، وهو مكان القتل، فلا تدل هذه العبارة إلا على أنه قد حضر إلى المكان الذي صرعوا فيه.
ولا تدل على أنهم لا يزالون فيه، ولم يدفنوا .
وقد يؤيد ذلك: أن الأجساد ، ولو كانت لا تزال على وجه الصعيد، لذكر ذلك في شعره، ولكان قد سعى لدفنها.
4 - يلاحظ وجود تصحيف في بعض كلمات النص المتقدم، كما يظهر من مراجعة المصادر والمقارنة بينها مثل: «قتة» و«قبة» و«قوس» و «فرس».
1) الكامل في الأدب ج 1 ص 186 والمجدي في أنساب الطالبين ص332.
نشير في هذه البداية إلى أمرين:
الأول: إن زمان ومكان دفن الرؤوس ليس مما يمكن الاجتهاد، والقول بالرأي فيه، وبالرغم من أنه أمر نقلي، فإننا أيضاً لا نريد أن نلاحق أقوال الناقلين والمؤلفين، لكي نحقدها ونجمعها في صعيد واحد، فإن ذلك لا يقدم ولا يؤخر، ولا يغيّر كثيراً في النتائج النهائية للبحث..
ولذا فنحن نقتصر هنا على عصارة نحاول أن نجعلها وافية وكافية في تكوين تصور معقول لهذا الموضوع، فنقول:
الثاني: إننا قلما نجد تعرضاً من قبل أهل البيت «عليهم السلام» لتحديد المواضع التي نزلوا فيها، أو مواضع دفنهم، أو دفن الشهداء، أو مواضع دفن رؤوسهم، أو المسير الذي مروا فيه في تنقلاتهم، وفي أسفارهم، أو ما إلى ذلك، بل تركوا هذه الأمور للناس ليتداولوها، ويهتموا بها.
ولأجل ذلك كثرت المزارات لموضع رأس الحسين «عليه
السلام»، أو لمواضع كان قد وضع فيها ، أو لموضع قطرة دم سقطت من الرأس الشريف، أو لموضع نسب إليهم أنهم صلوا فيه، ولو على سبيل الاحتمال، أو الظن، أو للمشاهد التي تقام استناداً إلى رؤيا حقيقية، أو مدعاة، أو ما إلى ذلك..
وإنما تركوا ذلك للناس، ربما لأنهم لا يرون ضرراً في تكثير هذه المشاهد التي تربط الناس بأهل البيت«عليهم السلام»، وتذكّر بمظلوميتهم، ويُذكر الله تعالى ويعبد فيها، وفيها تتكامل النفوس، وتطلب الحاجات، وتنال البركات
نبدأ أولاً بالحديث عن رؤوس الشهداء ورأس الحسين« عليه السلام»، ثم نعقب ذلك بالحديث عن موضع دفن رأس الحسين «عليه السلام»، كما يرويه غير الشيعة أولاً، ثم ما يرويه الشيعة، وما استقر عملهم عليه، فنقول:
رؤوس الشهداء مع الحسين« عليه السلام» قسمان:
الأول: رؤوس أصحاب الحسين« عليه السلام».
الثاني: رؤوس بني هاشم
وتقدم أن ذكوان أبا خالد ادَّعى، أو ادعي له: أنه طلب من ابن زياد أن يأذن له بدفن الرؤوس، فأذن له، فأخذها وكفنها، ودفنها في الكوفة في الجبانة.
وقد ذكرنا : أننا نشك كثيراً في صحة هذا الكلام.
وسيمر معنا هنا: إن شاء الله المزيد مما يُظهر وهن هذه المزاعم أيضاً، فلاحظ ما يلي:
ذكرت بعض النصوص: أن رؤوس أصحاب الإمام الحسين «عليه السلام»، بل رؤوس جميع من قتل معه « عليه السلام» قد سيّرت من الكوفة إلى الشام، مثل:
1 - ما روي عن أبي مخنف قال عن ابن زیاد: «دعا زحر بن قيس، فسرح معه برأس الحسين ورؤوس أصحابه إلى يزيد بن معاوية الخ..»(1). وذكر المفيد نحوه أيضاً(2).
2 - قال سبط ابن الجوزي: إن ابن زياد حط الرؤوس في اليوم الثاني( أي حطها من الصّلب)، وجهزها والسبايا إلى الشام (3).
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 459 و (ط الأعلمي) ج4 ص351 وأنساب الأشراف ج 3 ص 415 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 212 وتاريخ مدينة دمشق ج 18 ص 444 و 445 والبداية والنهاية ج 8 ص 191 و( ط دار إحياء التراث)ج 8 ص 208 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج8 ص 3784 والوافي بالوفيات ج 14 ص 127 والكامل في التاريخ ج 4 ص 83 وجواهر المطالب ج 2 ص 291 والإرشاد ج 2 ص 118 و 119 وإعلام الورى ج 1 ص 473 وبحار الأنوار ج 45 ص 124.
2) راجع المصادر في الهامش السابق، ولاسيما المصادر الثلاثة الأخيرة فيه.
3) تذكرة الخواص ج 2 ص 193 .
3 - قال ابن أعثم:« دعا ابن زياد زحر بن قيس الجعفي، فسلم إليه
رأس الحسين بن علي « عليهما السلام» ورؤوس إخوته، ورأس علي بن الحسين« عليه السلام»، ورؤوس أهل بيته وشيعته «رضي الله عنهم أجمعين». ودعا علي بن الحسين« عليه السلام» أيضا فحمله، وحمل أخواته، وعماته، وجميع نسائهم، إلى يزيد بن معاوية»(1).
وقال ابن كثير: «ما قتل قتيل إلا واحتزوا رأسه، وحملوه إلى ابن زياد ثم بعث بها ابن زياد إلى يزيد»(2).
وبعد هذا.. كيف يكون ذكوان (أبو خالد) قد دفن رؤوس أصحاب الحسين في الكوفة؟!
ولكن ذلك لا يعني: أن نغض الطرف، عن خلاف آخر تظهره النصوص، وهو: هل أن رؤوس الشهداء أرسلت إلى الشام، ومعها رأس الحسين« عليه السلام» مع زحر بن قيس أولاً، ثم أرسل الأسرى بعد ذلك.. كما هو ظاهر النصوص التي ذكرناها آنفاً؟!
أو أن الرؤوس والسبايا قد أرسلوا معاً إلى الشام ؟!(3).
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 126 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 55 والرد على المتعصب العنيد ص 45.
2) البداية والنهاية ج 8 ص 190 و (ط دار إحياء التراث)ج 8 ص 206 إحقاق الحق( الملحقات) ج 33 ص 695 .
3) راجع: إقبال الأعمال ج3 ص 89 والملهوف ص208 و (نشر أنوار الهدى) ص 99 والأمالي للصدوق ص 230 وروضة الواعظين (منشورات الشريف الرضي) ص 190 وبحار الأنوار ج 45 ص 155و 145 و 124 والعوالم الإمام الحسين ص 395 و 413 وتاريخ الأمم ، والملوك ج 5 ص 463 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 356 والكامل في التاريخ ج 4 ص 83 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج8 ص213 وعمدة القاري ج 16 ص 241 و تاريخ مدينة دمشق ج 62 ص85 ومدينة المعاجز ج 4 ص 103 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 681 و 643 عن التبر المذاب ص88.
وفي بعض الروايات: أن رأس الحسين«عليه السلام»أرسل أولاً، ثم أرسلت سائر الرؤوس بعد ذلك مع الأسرى (1).
غير أننا لا نرى منافاة بين هذا وسابقه، ففي الإرشاد: أن الأسارى قد سرحوا في أثر الرأس، فساروا حتى لحقوا به في الطريق (2).
ثم إنهم لما قربوا من دمشق سبق زحر بن قيس برأس الحسين « عليه السلام» إلى دمشق.
قالوا : إن النصوص المتوافرة عن أحداث دمشق تذكر رأس
الحسين فقط، ولم تشر إلى رؤوس أهل بيته وأصحابه بشيء(1)..
ألا يحتم هذا على الباحث: أن يتريث في إطلاق القول حول موضوع إرسال ما عدا رأس الإمام الحسين «عليه السلام» إلى دمشق؟
ونقول:
أولاً : إن الحسين« عليه السلام »هو الأساس والمحور، الذي يهتم الناس لما جرى له فإنه سيد شباب أهل الجنة، وهو أقدس رجل على وجه الأرض، وجميع من عداه إنما هو في كنفه، وتحت مظلته، وما جرى له إنما هو لأنه نصره، وحاول أن يدفع عنه.
ثانياً :قولهم: إنه لا ذكر في الشام لغير رأس الحسين «عليه السلام»، غير دقيق، فلاحظ ما يلي:
ألف: قالوا: إن السبي لما ورد من العراق على يزيد، خرج فلقي الأطفال والنساء من ذرية علي والحسين« رضي الله تعالى عنهما». والرؤوس على أطراف الرماح، وقد أشرفوا على ثنية جيرون، فلما راهم نعب غراب، فأنشأ يزيد «لعنه الله» يقول:
لَمَّا بَدَتْ تِلْكَ الحُمُولُ *** تِلْكَ الرُّؤُوسُ عَلَى شَفَا جَيْرُون
1) راجع على سبيل المثال: الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 126 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 55 .
نَعَبَ الغُرَابُ فقلتُ قُلْ أَوْ لا تَقُلْ*** فقدْ اقْتَضَيْتُ مِنَ الرَّسُول(1)
ومن الواضح: أن غاية يزيد من استقدام السبايا والرؤوس إلى الشام هو : أن يراهم الناس ليؤكد بذلك قوته وشوكته.
ب: قد طلبت أم كلثوم من الشمر« لعنه الله»: أن يخرجوا الرؤوس من بين المحامل، وينحوا النساء عنها ، فأمر بحمل الرؤوس في أوساط المحامل(2)
ج: قال خواند أمير: إن يزيد سلم رؤوس الشهداء إلى علي بن الحسين، فألحقها بالأبدان الطاهرة يوم العشرين من صفر، ثم توجه إلى المدينة (3).
1) تفسير الألوسي ج 26 ص 72 عن تاريخ ابن الوردي، والوافي بالوفيات، وراجع: تذكرة الخواص ج 2 ص 148 وراجع بحار الأنوار ج 45 ص 199 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 417 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 300 و 301 و عن صورة الأرض، لابن حوقل ص 16 .
2) الملهوف ص 210 و( نشر أنوار الهدى) ص 101 ومدينة المعاجز ج4 ص 110 وراجع ص 133 وبحار الأنوار ج 45 ص 127 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 427 وراجع مثير الأحزان ص 97 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 77 .
3) حبيب السير ج 2 ص 60.
قال السيد الأمين:
رأيت بعد سنة 1321 هـ في المقبرة المعروفة بمقبرة باب الصغير بدمشق مشهداً وضع فوق بابه صخرة كتب عليها ما صورته:
«هذا مدفن رأس العباس بن علي، ورأس علي بن الحسين الأكبر، ورأس حبيب بن مظاهر».
ثم إنه بعد ذلك بسنين هدم هذا المشهد، وأعيد بناؤه، وأزيلت هذه الصخرة،
وبني ضريح داخل المشهد، ونقش عليه أسماء كثيرة لشهداء كربلاء.
ولكن الحقيقة: أنه منسوب إلى الرؤوس الشريفة الثلاثة المقدم ذكرها بحسب ما كان موضوعاً على بابه كما مر.
وهذا المشهد الظن قوي بصحة نسبته، لأن الرؤوس الشريفة بعد حملها إلى دمشق والطواف بها، وانتهاء غرض يزيد من إظهار الغلبة والتنكيل بأهلها، والتشفى، لا بد أن تدفن في إحدى المقابر فدفنت هذه الرؤوس الثلاثة في مقبرة باب الصغير، وحفظ محل دفنها. والله أعلم(1).
1) أعيان الشيعة ج 1 ص 627 .
ونقول:
نلاحظ ما يلي:
1 - إن ذكر رأس حبيب بن مظاهر في جملة المدفونين في باب الصغير يؤيد صحة النصوص التي ذكرت: أن الرؤوس كلها قد أرسلت إلى دمشق بما فيها رؤوس الأصحاب.
2 - إن ما يريده يزيد من حمل الرؤوس إلى دمشق هو: أن يطاف بها ويراها الناس، وبذلك يتحقق وينتهي الغرض منها.
وبعد ذلك، فمن الطبيعي أن يأمر بدفنها .. ولكنه بالنسبة لرأس الحسين كان ليزيد« لعنه الله» منه موقف آخر، حيث قالوا: إنه صلبه بجيرون ثلاثة أيام.
وقيل: صلبه على باب قصره.
وسيأتي ذكر ذلك عند ذكر ما جرى في الشام، إن شاء الله.
ولا مانع من أن يكون قد صلبه في الموضعين في جيرون، وعلى باب القصر أيضاً، إظهاراً للقوة والشوكة، والجبروت والعظمة، وشماتة منه وحقداً .
ثم إن يزيد «لعنه الله» قد أمر أن يطاف بالرأس الشريف في مدائن الشام وغيرها (1)
1) راجع: شرح الأخبار ج 3 ص 159 وراجع مثير الأحزان ص 113 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 91 وبحار الأنوار ج 45 ص 148 .
ثم دفعه إلى الإمام السجاد «عليه السلام» ليعيده إلى كربلاء، فكان هو المتولي لأمره ، وتحقق مضمون ما ورد من أن الإمام لا يتولى أمره إلا الإمام.
3 - لكن ما يستوقفنا هنا، ما قاله خواند ،أمير، من أن يزيد قد سلم الرؤوس إلى الإمام السجاد« عليه السلام»، فألحقها بالأبدان.. فإن هذا إن صح، فيمكن أن يكون المراد منه أنه سلمه القليل منها، لا جميعها. وإن لم نستطع التحديد الدقيق للرؤوس التي وقع الاختيار عليها..
4 - وقد يؤيد ذلك: أن حمل جميع الرؤوس إلى كربلاء، لو صح لتوافرت الدواعي على نقله، ولكان الرواة والمؤلفون، قد نقلوه ودونوه، حتى استفاض في كتبهم.
وقد نجد من يعتبر ذلك من شواهد ندم يزيد أو من شواهد حسن معاملته التي يدَّعونها له. ولكننا - كما قلنا - لا نجد شيئاً من ذلك يليق بهذا الحدث اللافت .
5- لم نفهم السبب في اختياره هذه الرؤوس الثلاثة: رأس العباس، وعلي الأكبر، وحبيب لتدفن في باب الصغير، فإن كانت سائر الرؤوس قد تركت بلا دفن؟! فالسؤال هو: لماذا تركت؟! وإن كانت قد دفنت، فأين دفنت إن استثنينا هذا الموضع ؟!
ألا يحق لنا أن نحتمل: أن يكونوا قد دفنوا جميع الرؤوس في ذلك
الموضع الذي دفن فيه رأس العباس وعلي الأكبر، وحبيب، ولكن الناس ميزوا هؤلاء الثلاثة، وعرفوهم بأسمائهم، فذكروا أسماء من عرفوهم؟!
أو أنهم عرفوا أكثر من ثلاثة ولكنهم ذكروا أسماء عظمائهم، وأكثرهم شهرة، وأسماهم مقاماً ؟!
6 - ربما كانت مقبرة باب الصغير مزدحمة بالقبور آنئذ، فاتسع هذا المكان الرؤوس ثلاثة أشخاص. ثم دفنت باقي الرؤوس في موضع آخر، أو توزعت في مواضع أخرى في هذه الجبانة، أو في غيرها.
هناك عدة أقوال حول موضع دفن رأس الإمام الحسين «عليه السلام»، أربعة منها من مرويات ومقولات أهل السنة، وثلاثة منها من مرويات الشيعة، أو ذهب إليها بعض علمائهم، ومؤلفيهم.
ونحن نذكر هذه الأقوال وتلك كما يلي:
قالوا: في رأس الحسين « عليه السلام» أقوال، هي:
الأول : إنه مدفون بالمدينة عند قبر أمه فاطمة «عليها السلام ».
الثاني: إنه مدفون بدمشق بباب الفراديس عند البرج الثالث مما يلي المشرق، أو قرب باب توما، أو في حائط بدمشق، أو في دار الإمارة، أو في المقبرة، أو في قصر الخضراء، أو على رأس
إسطوانة في المسجد الأموي، أو في قبر معاوية أو، أو...
الثالث: إن سليمان بن عبد الملك دفنه في مقابر المسلمين، فلما ولي عمر بن عبد العزيز نبشه، وأخذه ولا يعلم ما صنع به.
الرابع: إنه مدفون بمسجد الرقة على الفرات في مدينة الرقة.
الخامس: إنه مدفون بمصر، نقله الخلفاء الفاطميون من باب الفراديس إلى عسقلان ثم نقلوه إلى القاهرة
وقيل غير ذلك.
أما شيعة أهل البيت، فلهم في ذلك أقوال ثلاثة، منشؤها رواياتهم وما لديهم من نصوص، وهي:
القول الأول: إن الرأس الشريف مدفون عند أبيه أمير المؤمنين «عليه السلام» إلى جهة رأسه الشريف.
الثاني: إنه مدفون مع جسده الشريف في كربلاء.
الثالث: إنه مدفون بظهر الكوفة، دون قبر أمير المؤمنين« عليه السلام».
ولنا وقفات مع الأقوال، التي حاول غير الشيعة إثارتها، نجملها كما يلي:
ألف: قولهم إنه دفن بالبقيع عند أمه فاطمة« عليها السلام». وكان يزيد أرسله إلى عمرو بن سعيد بن العاص، وكان والياً عليها .
وذكروا: أن عمروا قال: وددت أنه لم يبعث به إلي.
فقال مروان: أسكت ، ثم تناوله ووضعه بين يديه، وأخذ بأرنبة أنفه وقال:
يا حبذا بردك باليدين*** ولونك الأحمرفی الخدين (1)
وراجع: المنتظم لابن الجوزي ج 5 ص 344 والرد على المتعصب العنيد ص 49 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 315 ونهاية الأرب ج 20 ص 481 والبداية والنهاية ج 8 ص 205 . وراجع مثير الأحزان ص 106 و (ط المكتبة الحيدرية )ص 75 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 75 وبحار الأنوار ج 45 ص 124 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 391 و 392 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 20 وشذرات الذهب ج 1 ص 67 ونور الأبصار ص 133 وشرح الأخبار ج 3 ص 160 و 161 وقاموس الرجال ج 10 ص 36.
1) ترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص84 و 85 وراجع تذكرة الخواص ج 2 ص 206 و 207 وأنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج3 ص 217 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 299 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 4 ص 71 و 72 .
ونجيب:
أولاً: يبدو من كلام البلاذري أن الرأس الشريف أرسل إلى المدينة، ثم أعيد إلى الشام.
قال الكلبي : وبعث يزيد برأسه إلى المدينة، ثم رده إلى دمشق، فدفن في حائط بها، ويقال : في دار الإمارة، ويقال : في المقبرة (1).
فإذا كان المطلوب هو ذكر الأقوال، فيمكن أن نضيف إليها القول : بأن السجاد« عليه السلام» أخذه من يزيد، وألحقه بالجسد..
ثانياً: إن مما يؤكد هذا القول، ما تقدم من أن الإمام لا يتولى أمره إلا الإمام والرأس والجسد أساسيان في تكوين الإنسان، فلا يجوز، بل لا يتولى الصلاة على الرأس، وتكفينه، ودفنه إلا إمام وحجة مثله.
وقد قلنا فيما سبق: إن هذا ليس مجرد حكم تكليفي، بل هو إخبار عن واقع حتمي الحصول.
ثالثاً: ورد في الكلام المتقدم: أن الرأس الشريف دفن إلى جنب أمه فاطمة « عليها السلام»، فمن أين علم الراوي: أنه دفن عند قبر ،أمه، لاسيما وأن الذي دفنه هناك هو والي المدينة عمرو بن سعيد بن العاص؟!
ونحن نعلم: أن الزهراء «عليها السلام» قد دفنت ليلا، وعفي قبرها، حتى إن أحداً سوى الأئمة، وربما بعض الخلص من شيعتهم لا
1) أنساب الأشراف ج 3 ص 419 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 219 .
يعرف موضعه إلى يومنا هذا.. فما معنى ادّعاء دفن الرأس إلى جنب أمه؟ ولماذا ؟!
إلا أن يقال : ليس المقصود هنا قبر أمه فاطمة الزهراء «عليها السلام»، بل المقصود قبر جدته فاطمة بنت أسد «رضوان الله تعالى عليها»..
وهو احتمال بعيد حيث لم نعهد أحداً نسب الحسن والحسين إلى جدتهما، بالرغم من ما لها من مقام وعظمة، واحترام وكرامة.
إن الأقوال التي تذكر دفن الرأس الشريف لم تستطع تحديد زمان الدفن، ولا مكانه بصورة دقيقة .
أما اختلافها في مكان دفنه، فقد تقدمت الإشارة إلى بعض ما قالوه فيه: هل دفن في حائط بدمشق، إما في دار الإمارة في القصر، وإما غيره، وقد حفر له فأعمق ؟!(1)
أو عند باب الفراديس عند البرج الثالث مما يلي المشرق ؟!(2).
1) أنساب الأشراف ج 3 ص 416 و (ط دار إحياء التراث) ج 3 ص 214.
2) مثير الأحزان (ط المكتبة الحيدرية )ص 85 وبحار الأنوار ج 45 ص 144 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 452 ونهاية الأرب ج 20 ص 477 جواهر المطالب ج 2 ص 299 وراجع: الإشارات في أماكن الزيارات ص5 والبداية والنهاية ج 8 ص 205 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 222 والمختصر في أخبار البشر ج1 ص191.
في باب الفراديس في دار الإمارة ؟! (1).
أو في باب توما؟!(2).
أو في قبر معاوية، أو على رأس إسطوانة في المسجد الأموي، أو بقي في خزائن السلاح أو أو ..؟!.
وهي مجرد دعاوى، وبعضها صرح ناقلوها بضعف روايتها. بل إن نفس هذه الاختلافات التي ذكرناها توجب وهنها، فكيف إذا ارتاب الباحث فيها، باعتبار أنها تهدف إلى تضييع الناس، وتضعف الإقبال على زيارة القبر الشريف، ولاسيما إذا انضم إلى ذلك عدم وضوح البلد الذي انتهى إليه الرأس الشريف، هل هو كربلاء، أو المدينة، أو مصر، أو الرقة، أو عسقلان، أو الشام أو النجف أو ما بين الكوفة والنجف؟!
زعموا: أن يزيد بن معاوية قال: لأبعثنه إلى آل أبي معيط عوضاً عن رأس عثمان ، وكانوا بالرقة، فبعثه إليهم، فدفنوه في بعض
دورهم، ثم أدخلت تلك الدار في المسجد الجامع.
قال: وهو إلى جانب سدرة هناك، وعليه شبيه التنبل - وهو اليقطين ونحوه - لا يذهب شتاء ولا صيفا(1).
ونلاحظ هنا أنه قال: إن يزيد بن معاوية بعث الرأس إلى آل أبي معيط، عوضاً عن رأس عثمان.
مع أن عثمان لم يقطع رأسه.
ومع أن الحسين قد ذهب للدفاع عن عثمان كما تقدم.
وأما عدم الوضوح من حيث الزمان، فقد زعموا: أن الرأس مكث في خزائن السلاح حتى ولي سليمان بن عبد الملك، فبعث إليه، فجاء به، وقد قحل، وبقي عظم أبيض، فجعله في سفط، وطيَّبه، ودفنه في مقابر المسلمين.
وعند ابن الجوزي: دفنوه بدمشق عند باب الفراديس (2).
1) تذكرة الخواص ج 2 ص 208.
2) تاريخ مدينة دمشق ج 69 ص 161 والحدائق الوردية ج 1 ص 128 والبداية والنهاية ج 8 ص 205 و (ط دار إحياء التراث) ج8 ص 222 وجواهر المطالب ج 2 ص 299 وص 211 والإتحاف ص 69 و 70 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 75 وبحار الأنوار ج 45 ص 145 ونظم درر السمطين ص 226 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 344 والرد على المتعصب العنيد ص 50 ومثير الأحزان ص 106 و 107 و ط (ط المكتبة الحيدرية )ص 85 وتهذيب التهذيب ج 1 ص 594 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 319 والوافي بالوفيات ج 12 ص 264 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 107 وبحار الأنوار ج 45 ص 144 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 452 .
لكن رواية ابن عساكر تضيف إلى ذلك ما يلي:
«فلما ولي عمر بن عبد العزيز بعث إلى الخازن - خازن بيت السلاح - وجّه إلي رأس الحسين بن علي.
فكتب إليه: إن سليمان بن عبد الملك أخذه، وجعله في سفط، وصلى عليه، ودفنه، فصح ذلك عنده.
فلما دخلت المسودة سألوا عن موضع الرأس، فنبشوه وأخذوه، والله أعلم ما صُنِعَ به»(1).
ونقول:
إن هذا الكلام موضع شبهة وريب، لما يلي:
1 - إن هذا يعني أن الرأس الشريف لم يدفن إلى عهد سليمان بن عبد الملك .
2 - قول الرواية : إنهم جاؤا بالرأس إلى سليمان بن عبد الملك،
1) تاريخ مدينة دمشق ج 69 ص 161 والبداية والنهاية ج8 ص205 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 222 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 319 وتاريخ الإسلام للذهبي ج ه ص 107 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 75 والأمالي للشجري ج 1 ص 176 .
وقد قحل، وبقي عظم أبيض، غير مقبول، فإن كلمة «وقد قحل» معناها: أن جلده يبس على عظمه، فقوله:
«بقي عظم أبيض» يصبح غير ذي معنى، لأن المفروض أن الجلد كان لا يزال على ذلك العظم، ولكنه أصبح يابساً، وملتصقاً به.
والخلاصة : أنه إن لم يكن الجلد باقياً على العظم، فلا يصح وصفه بالقحل، لعدم وجود الموصوف.
وإن كان الجلد باقياً، فلا معنى للقول: «وبقي عظم أبيض».
3 - والأهم من ذلك أن لنا الحق في أن نتساءل ونسأل: من الذي قال لهؤلاء : إن هذا هو رأس الحسين
« عليه السلام»؟!
ومن هو ذلك الخازن العارف بالرأس؟! وما مدى أمانته وصدقه فيما يدَّعيه؟! ولاسيما إذا كان ما بقي منه هو عظم أبيض؟! فإن سلیمان بن عبد الملك لم ير الإمام الحسين«عليه السلام»، فقد توفي سنة 99 للهجرة، وعمره تسع وثلاثون سنة(1). فهو قد ولد قبل استشهاد الحسين« عليه السلام» بسنة واحدة، فكيف يعرف أن هذا هو رأس الإمام بعد أن غيره الزمان.
كما أن الذين نبشوا القبر واستخرجوا الرأس، من أين علموا أن هذا الذي استخرجوه هو رأس الحسين «عليه السلام»؟!
4 - والأهم من هذا وذاك ادّعاؤهم: ضياع الرأس، فلا يدري أحد
1) مختصر تاريخ مدينة دمشق ج 10 ص 170 و 171 .
من اخذه، وما صنع به؟!
5 - وبعض الروايات تذكر : أن الرأس الشريف كان في خزائن الوليد بن يزيد فأخذه أبو أمية الكلاعي، فدفنه، استتناداً إلى رقعة وجدها مع الرأس تقول إنه رأس الحسين بن علي(1). والكلام في صدق أبي أمية، وصدق كاتب الرقعة المدَّعاة. ولماذا بقي في خزائن الوليد بن يزيد؟ !
إلى غير ذلك من الأسئلة التي لن تجد لها جواباً مقنعاً ومقبولا...
وقال سبط ابن الجوزي، وهو يذكر الأقوال حول دفن الرأس الشريف:
«الخامس : أن الخلفاء الفاطميين نقلوه من باب الفراديس إلى عسقلان، ثم نقلوه إلى القاهرة سنة 548 هـ» (2)
1) تاریخ مدينة دمشق ج 67 ص 159 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص316 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 20 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 697 .
2) تذكرة الخواص ج 2 ص 209 والإتحاف ص 75 و 78 و 82 ونور الأبصار ص 133 و 135 عن الخطط للمقريزي، ومعجم البلدان ج5 ص142 ولواعج الأشجان ص 249 وأعيان الشيعة ج 1 ص 627 وراجع: المختصر في أخبار البشر ج 1 ص 191 والبداية والنهاية ج 8 ص 206و 204 و (ط دار إحياء التراث )ج 8 ص 222 .
ولا يستطيع أحد أن يثبت أن الرأس الذي نقل من باب الفراديس إلى عسقلان ثم منها إلى القاهرة هو رأس الحسين بن علي «عليهما السلام»، ومن هو الذي رأى الحسين« عليه السلام» ليمكن أن يدعي لنا أن هذا رأسه، أو ليس برأسه، بل إن إثبات كون الرأس قد دفن في الشام متعذر ، أو متعسر من الأساس، فما بالك بادعاء نقله بعد مئات السنين من الشام إلى عسقلان، ثم إلى مصر!!
إن النصوص التي بحوزة الشيعة الإمامية على نحوين:
أحدهما: أنه في كربلاء، وسيأتي.
الثاني: أنه ليس في كربلاء..
وهي على نحوين:
أحدهما : أن الرأس عند أمير المؤمنين« عليه السلام».
والثاني: أنه في موضع قريب من الكوفة، «بين الحيرة والنجف».
وإذا تأملنا في هذه الروايات عن دفنه في النجف، أو بينها وبين الحيرة نجد:
1 - بعضها لا يدل على أن الرأس مدفون في الموضع الذي تتحدث عنه، بل يدل على أنه قد وضع في ذلك المكان، مثل رواية أبان بن تغلب التي تقول إن الإمام الصادق« عليه السلام» مر بظهر الكوفة،
فصلى في ثلاثة مواضع، ركعتين، ركعتين:
أحدها: موضع قبر أمير المؤمنين.
الثاني: موضع رأس الحسين« عليه السلام» حيث لم يقل: موضع دفن رأس الحسين« عليه السلام» ونحو ذلك. بل قال موضع الرأس، كما قال موضع المنبر، أو موضع المنزل، فإنه لا يدل على أن المنبر أو المنزل قد دفنا هناك. بل المراد الموضع الذي وضع فيه المنبر، أو بني فيه المنزل، وإن كان قد نقل المنبر من ذلك المكان، أو هدم المنزل...
والثالث : موضع منزل (أو منبر) القائم(1).
2 - وبعضها يدل على أن الحسين« عليه السلام» يزار عند رأس أمير المؤمنين« عليه السلام»، مثل رواية الحسين بن سيف بن عميرة، وصفوان الجمال(2).
ولم تشر الرواية لا إلى دفن الرأس، ولا إلى وضعه في ذلك
1) الكافي ج 4 ص 572 وكامل الزيارات ص 83 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 14 ص 399 و 400 و (الإسلامية) ج 10 ص 310 وتهذيب الأحكام ج 6 ص 34 و 35 وفرحة الغري ص 57 و 58 و (ط سنة 1419 - 1998 م) ص 86 وبحار الأنوار ج 100 ص 241 و 247 والغارات ج 2 ص 851 ومرآة العقول ج 18 ص 290 والوافي ج 14 ص 1413.
2) فرحة الغري ص 96 و (ط سنة 1419 - 1998 م) ص70 وبحار الأنوار ج 97 ص 266 و 267 والغارات للكوفي ج 2 ص 847 .
المكان.
3 - وبعضها يدل على أن الرأس عاد إلى الجسد في كربلاء بعد أن صيَّره الله عند أمير المؤمنين«عليه السلام»..
فيقول النص عن يونس بن ظبيان إن الإمام الصادق «عليه السلام» بعد أن صلى عند أكمة وصل إليها، صلى عند أكمة دونها، ثم قال ليونس: الموضع الذي صليت عنده أولاً هو قبر أمير المؤمنين« عليه السلام»، والأكمة الأخرى رأس الحسين بن علي بن أبي طالب «عليهم السلام».
إن الملعون عبيد الله بن زياد« لعنه الله» لما بعث برأس الحسين «عليه السلام» إلى الشام رد إلى الكوفة ، فقال : أخرجوه عنها لا يفتن به أهلها، فصيَّره الله عند أمير المؤمنين« عليه السلام»، فالرأس مع الجسد، والجسد مع الرأس (1). فبعد أن رد يزيد الرأس إلى الكوفة، صيَّره الله عند أمير المؤمنين« عليه السلام».
وليس في هذه الرواية تصريح: بأن الرأس دفن عنده.
1) راجع الحديث الذي نتحدث عنه في كامل الزيارات ص36 و (ط مؤسسة النشر الإسلامي) ص 87 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 14 ص 402 و (الإسلامية) ج 10 ص 312 وبحار الأنوار ج 45 ص 178 وراجع ج97 ص 243 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 451 ومستدرك سفينة البحار ج 4 ص 9 .
فإن ظاهر قوله «صيَّره الله»: أن خوف عبيد الله بن زياد من افتتان أهل الكوفة بالرأس جعله يأمر بإخراج الرأس عنها .
فهذا من التدبير الإلهي الذي أوجب أن يصير الرأس عند أبيه أمير المؤمنين« عليه السلام»، ولو لبرهة وجيزة..
ثم صار الرأس مع الجسد، والجسد مع الرأس..
مع العلم: بأن الجسد في كربلاء.
وليس في النص دلالة على دفن الرأس عند أمير المؤمنين «عليه السلام»، فلعله وضع هناك إلى أن أخذه الإمام السجاد «عليه السلام» إلى كربلاء وألحقه بالبدن الشريف، ويكون هو المتولي لأمره دون سائر الناس.
ويلاحظ أن قوله :« فالرأس مع الجسد الخ..» كأنه قد قطع عن الفقرة السابقة، فلم يذكر« عليه السلام» أن أحداً قد رده إلى الجسد الشريف، ربما لكي لا تنشأ محاذير من تصريحه هذا. ولكن المتأمل يستطيع أن يفهم: أن ثمة من جمع بين الرأس والجسد.
4 - ومن الروايات ما يظهر منه أنه يتحدث عن قبر صغير للرأس.. ولكنه لا يأبى عن أن يكون المقصود به لا يتنافى مع ما ذكرناه في الروايات المتقدمة، ومع ما سيأتي، من أنه أعيد إلى كربلاء.
والرواية التي نتحدث عنها هنا هي ما روي عن علي بن أسباط - رفعه - قال: قال أبو عبد الله «عليه السلام»: «إنك إذا أتيت الغري
رأيت قبرين قبراً كبيراً ، وقبراً صغيراً. فأما الكبير، فقبر أمير المؤمنين «عليه السلام». وأما الصغير ، فرأس الحسين «عليه السلام»..»(1).
فإنه وإن كان يدل على أن القبر الصغير مرتبط برأس الحسين «عليه السلام»، ولكنه لم يصرح بأن الرأس قد قبر فيه، فإنه حين تحدث عن القبر الكبير صرح بكلمة «قبر» أولاً وثانياً، فقال في المرة الثانية : فأما الكبير، فقبر أمير المؤمنين. ولكنه حين ذكر الرأس الشريف لم يصرح في المرة الثانية بكلمة قبر، بل قال وأما الصغير فرأس الحسين بن علي.
فقد يقال: إن سبب ذلك: أن القبر الثاني كما يحتمل أن يكون موضع دفن الرأس، كذلك يحتمل أن يكون قد جعل للدلالة على وضع رأس الحسين في ذلك المكان، وصار رأس الحسين« عليه السلام» ينسب إليه، وإن لم يكن حالاً فيه، لأنه بعد أن وضع، أو قبر هناك، ولو لبرهة وجيزة، استخرجه الإمام السجاد«عليه السلام» ليجري عليه المراسم الشرعية من الصلاة وغيرها، ثم يلحقه بالجسد الطاهر في كربلاء، لاسيما وأن الإمام لا يتولى أمره إلا الإمام.
ومن المعلوم: أن هذا لا يزيل صفة القداسة والبركة، واستحباب الزيارة للإمام الحسين« عليه السلام» من هذا الموضع الذي حل الرأس
1) كامل الزيارات ص 84 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 14 ص 402 و (الإسلامية) ج 10 ص 311 وفرحة الغري ص 32 و (ط مركز الغدير) ص 88 وبحار الأنوار ج 97 ص 242 .
الشريف فيه، ولو لبرهة وجيزة تماماً كما هو الحال بالنسبة لزيارة النبي«صلى الله عليه وآله» في الموضع الذي دفن فيه، وإن كان الله قد رفعه بعد ذلك إلى السماء.
5 - بقي أن نشير إلى رواية يزيد بن عمر بن طلحة، وفيها أنه كان مع الإمام الصادق« عليه السلام» حين كان بالحيرة، فقصد زيارة قبر أمير المؤمنين« عليه السلام»، وكان معهما أيضاً : إسماعيل ابن الإمام«عليه السلام»، فلما جاز الثوية (موضع بالكوفة، أو في جانب الحيرة على ساعة منها) نزل ونزل إسماعيل، ونزلت معهما، فصلی،
وصلى إسماعيل وصليت، فقال لإسماعيل: «قم فسلم على جدك الحسين «عليه السلام».
فقلت: جعلت فداك، أليس الحسين« عليه السلام» بكربلاء ؟!
فقال: نعم. ولكن لما حمل رأسه إلى الشام سرقه مولى لنا، فدفنه
بجنب أمير المؤمنين «عليه السلام»..»(1)
وج 97 ص 241 و 249 و ج 2 ص 852 وفرحة الغري ص 64 و 65 و (ط سنة 1419 - 1998م) ص 92 و 93 وروضة الواعظين ص450 ومرآة العقول ج 18 ص 290 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 451.
.1) الكافي ج 4 ص 571 وكامل الزيارات ص 83 وتهذيب الأحكام ج 6 ص 35 ووسائل الشيعة (آل اليبت) ج 14 ص 399 و 400 و (الإسلامية) ج10 ص 310 والغارات للثقفي ج 2 ص 852 وبحار الأنوار ج 45 ص 178
ونقول:
قد يقال: إن مضمون الرواية يخالف ما ثبت من أن الرأس قد بلغ إلى الشام على نحو اليقين، وكان يقرأ القرآن في الطريق، وفي الشام أيضاً، وقد نكته يزيد بالقضيب الذي كان في يده وغير ذلك..
فلو كان قد سرق ودفن في مسيرهم إليها، لقامت الدنيا ولم تقعد.
إلا أن يقال: ليس المراد بقوله: «.. لما حمل رأسه إلى الشام..»
هو المسير بالرأس إليها ذهاباً ، بل المراد « هو السفر إلى الشام ككل، فيشمل الذهاب والإياب على حد سواء»..
ونقول في هذه الرواية نفس ما ذكرناه في رواية علي بن أسباط، من أنه يمكن أن يكون الرأس الشريف قد دفن في ذلك المكان لفترة وجيزة ، ثم استخرجه الإمام السجاد« عليه السلام»، ليتولى هو الصلاة علیه ودفنه، لأن الإمام لا يتولى أمره إلا إمام.. ولعل ذلك قد حصل في سفر الرجوع من الشام، كما بيناه آنفاً.
وما ذهب إليه شيعة أهل البيت (الإمامية)، بل ادَّعى البعض الإجماع عليه أن رأس الحسين« عليه السلام» أعيد إلى كربلاء، وضم إلى البدن الشريف على يد الإمام السجاد «عليه السلام» في العشرين من صفر .
وبعض الروايات والنصوص من العلماء والمؤرخين تدل على ذلك
1 - فقد روى الشيخ الصدوق بإسناده عن فاطمة بنت علي «عليه السلام» قالت:
«ولم يرفع ببيت المقدس حجر عن وجه الأرض إلا وجد تحته دم عبيط، وأبصر الناس الشمس على الحيطان حمراء كأنها الملاحف المعصفرة، إلى أن خرج علي بن الحسين «عليهما السلام» بالنسوة، ورد رأس الحسين
« عليه السلام» إلى كربلاء»(1).
وذكر الفتال النيسابوري مضمون هذا الكلام، ولم يعترض عليه، فراجع (2).
2 - قال السيد ابن طاووس :
«.. وأما رأس الحسين فروي أنه أعيد فدفن بكربلاء مع جسده الشريف« صلوات الله عليه».. وكان عمل الطائفة على هذا المعنى المشار إليه». وكذا قال السيد محمد بن أبي طالب (3).
3 - وقال السيد المرتضى «رحمه الله» جواباً على السؤال عن
1) الأمالي للصدوق ص 231 المجلس رقم 31 وبحار الأنوار ج 45 ص140 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 44.
2) روضة الواعظين ص 212 و (منشورات الشريف الرضي) ص 192 .
3) الملهوف ص 225 و (نشر أنوار الهدى) ص 114 وبحار الأنوار ج 45 ص 144 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 452 وراجع ما قاله ابن طاووس في الإقبال ص 588 وتسلية المجالس ج 2 ص 259 ولواعج الأشجان ص 247 وأعيان الشيعة ج 1 ص 626 .
حمل الرأس الشريف إلى الشام :
«هذا أمر قد رواه جميع الرواة والمصنفين في يوم الطف، وأطبقوا عليه».
وقد رووا أيضاً: أن الرأس أعيد بعد حمله إلى هناك، ودفن مع الجسد بالطف (1).
وذكر الطبرسي وغيره هذا الكلام عن السيد المرتضى أيضاً، فراجع(2).
4 - وقال ابن نما:« والذي عليه المعول من الأقوال أنه أعيد إلى الجسد بعد أن طيف به في البلاد، ودفن معه» (3).
وصرح بإلحاق الرأس بالجسد الشريف: أبو ريحان البيروني(4).
والشيخ البهائي (5).
1) رسائل الشريف المرتضى ج3 ص130
2) إعلام الورى ج 1 ص 477 وتاج المواليد (المجموعة) ص33 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 231 وأعيان الشيعة ج 1 ص 626 .
3) مثير الأحزان ص 106 و 107 و (ط المكتبة الحيدرية) ص75 وبحار الأنوار ج 45 ص 144 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 452 ولواعج الأشجان ص 247 وأعيان الشيعة ج 1 ص 626.
4) الآثار الباقية ص321.
5) توضيح المقاصد ص 6.
6 - وقال العلامة المجلسي« رحمه الله»: «المشهور بين علمائنا الإمامية: أنه دفن رأسه مع جسده، رده علي بن الحسين «عليه السلام»..»(1).
7 - وقال الشبراوي الشافعي: «..وقيل: أعيد إلى الجثة بكربلاء بعد أربعين يوماً من مقتله»(2).
8 - وقال الشبلنجي الشافعي: «وذهبت الإمامية: أنه أعيد إلى الجثة، ودفن بكربلاء، بعد أربعين يوماً من المقتل..»(3).
9 - ويقول سبط ابن الجوزي: «.. اختلفوا في الرأس على أقوال، أشهرها أنه ردّ إلى المدينة مع السبايا ، ثم رد إلى الجسد بكربلاء، فدفن معه. قاله هشام وغيره»(4).
10 - وقالوا أيضاً: «اليوم الأول منه (أي من شهر صفر) عيد بني أمية، أدخلت فيه رأس الحسين «عليه السلام» بدمشق. والعشرون منه ردت رأس الحسين «عليه السلام» إلى جثته» (5).
11 - وقال البدخشاني عن يزيد: «ثم وجه ذرية الحسين «عليه
السلام» ورأسه مع علي بن الحسين إلى المدينة»(1).
والمفروض: أنهم قد مروا على كربلاء، وألحقوا الرأس الشريف بالجسد الطاهر. ولا نريد أن نتوسع في إيراد الأقوال، ومن أراد، فليراجع الكتب والمصنفات(2).
وقد فهم بعضهم من كلام ابن طاووس حين قال عن رأس الحسين« عليه السلام»: «فروي أنه أعيد فدفن بكربلاء»: أنه يدل على وجود رواية عن المعصوم في هذا الشأن.
ولكننا نقول:
لا دلالة فيه على ذلك، لإمكان أن يكون مراده أن المؤرخين والناقلين للأحداث قد رووا ذلك.
ويبقى هنا سؤال يقول : إذا كان الرأس قد طيف به في بلاد الشام
وغيرها، وكان أيضا قد أرسل إلى المدينة، ثم أعيد إلى الشام. فذلك يحتاج إلى وقت طويل، لا يتلاءم مع القول: بأن السجاد «عليه السلام» قد طلب الرأس من يزيد، فأعطاه إياه، فاصطحبه إلى كربلاء، ودفنه مع الجسد الشريف.
ويمكن أن يجاب:
أولاً: هناك من ينفي أن يكون الرأس قد حمل إلى المدينة، إلى عمرو بن سعيد بن العاص، وإنما كتب إليه عبيد الله بن زياد «لعنه الله» يبشره بقتل الحسين عليه السلام، فقرأ كتابه على المنبر، وأنشد الرجز المذكور وأوماً إلى القبر :قائلاً: يوم بيوم بدر، فأنكر عليه قوله قوم من الأنصار(1).
ثانياً : إذا كان يزيد قد صلب الرأس على باب دار الإمارة، وفي جيرون ثلاثة أيام، فلا مانع من أن يكون قد أرسله بعدها مباشرة بالبريد إلى المدينة، فإن البريد قادر على قطع المسافة بينها وبين الشام في أقل من يومين.
بل قد يقال: إنها لا تحتاج إلى أكثر من يوم واحد إذا تواصل سير البريد بالسرعة القصوى، فلو ذهب الرأس الشريف إليها، وعاد منها إلى الشام في غضون ثلاثة أو أربعة أيام فإنه يبقى أمام يزيد حوالي
1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 4 ص 71 عن شيخه أبي جعفر. والنصائح الكافية ص 75 وفلك النجاة في الإمامة والصلاة ص 59
أسبوع، يمكنه فيه أن يطيف الرأس في بعض بلاد الشام بالإضافة إلى المدينة المنورة من خلال بريده السريع أيضا، ثم سلم الرأس الشريف إلى الإمام زين العابدين« عليه السلام»..فيكون قد جمع بين الأمرين.
البريد وسيلة سريعة:
قلنا فيما سبق: إن البريد عبارة عن إقامة منازل للخيالة على طول الطريق بين بلدين، فإذا سلمت الرسالة للمنزل الأول أطلق لفرسه العنان ليصل إلى المنزل الثاني بالسرعة الممكنة، فيأخذ خيال المنزل الثاني الرسالة، أو الحاجة من يد الأول، وينطلق ليوصلها إلى الثالث، وهكذا تتواصل هذه العملية إلى أن تصل الرسالة إلى أهلها بسرعة ..
وقد قلنا: إن الخيل يمكن أن تسير في الساعة ستين كيلومتراً أو أكثر.
في أي مكان في الشام؟!
إن مما يضحك أو يبكي :أن نجد بعض الناس يدَّعي: أن رأس الحسين «عليه السلام» كان في مسجد دمشق، على رأس أسطوانة، قال ابن حبان وقد رأيت ذلك العمود»(1).
1) ربيع الأبرار ج 3 ص 349 والثقات لابن حبان ج 3 ص 69 وشرح إحقاق الحق( الملحقات) ج 33 ص 695 .
إلا أن يقال: لعل المراد أنه وضع على رأس ذلك العمود ليراه الناس، وبعد ذلك أخذ إلى الموضع الذي دفن فيه..
وقد تقدمت الأقوال الكثيرة في موضع دفنه: في النجف، أو كربلاء، أو الرقة، أو عسقلان، أو مصر، أو الشام.. إلى آخر ما تقدم.
وقال ابن حبان أيضاً : «ومنهم من زعم أن رأسه بقبر معاوية. وذلك أن يزيد دفن رأسه في قبر أبيه ،وقال : أحصنه بعد الممات»(1).
وقال السيد هاشم معروف الحسني :
ممن رجح دفنه في دمشق: ابن أبي الدينار البلاذري في تاريخه، والواقدي أيضاً، وهؤلاء بين من ذهب إلى أنه مدفون بباب الفراديس، وبين من ذهب إلى أن يزيد بن معاوية دفنه في قبر أبيه، وبين من ذهب إلى أنه دفن في المسجد.
وقيل: في سور البلد، وبعد ذلك نقل من دمشق إلى عسقلان بواسطة الفاطميين، وبقي بها إلى القرن الخامس الهجري.
وممن ذهب إلى ذلك : عثمان مدوخ في كتابه «العدل الشاهد في تحقيق المشاهد»، فقد قال في كتابه - بعد أن عرض هذه المراحل -:
والدليل على ذلك أن بعض العلماء عمد إلى مكان قديم قريب من باب الفراديس، وشرع في هدمه، ليجعله خزانة لحفظ الكتب، فعثر على
1) الثقات لابن حبان ج 3 ص 69 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج33 ص 695 .
طاق في الجدار محكم السد بحجر كبير مكتوب عليه بالنقش في الحجر، ما فهموا منه أن ذلك مشهد رأس الإمام الحسين السبط «عليه السلام»، فرفعوا ذلك إلى والي الشام، فذهب ورأى ذلك بنفسه، وأمرهم أن لا يحدثوا في هذا شيئاً.
ثم رفع الأمر إلى المرحوم السلطان عبد المجيد خان، ابن السلطان محمود خان، فأمر بكشف ذلك المكان، بحضور جمهور من العلماء والأمراء، ووجوه الناس، وكشفوا الحجر الذي عليه الكتابة، فوجدوا فجوة خالية ليس فيها شيء، وبعد أن رآها الحاضرون أمر بسدها كما كانت، ورفع ذلك إلى السلطان عبد المجيد، فأمر بصنع طوق من الفضة حوالي الحجر.
ومضى المؤلف يقول: وكنت أعلم مقدار وزنه، وأظنه سبعة آلأف درهم.
واستطرد يقول: إن هذه الأمارة تدل على أن هذا الرأس دفن بدمشق، وبعدها بنحو مئة عام ظهر مشهد عسقلان، وانتقل من عسقلان إلى القاهرة بواسطة الملك الصالح طلائع في نصف القرن السادس(1).
1) سيرة الأئمة الاثني عشر ج 2 ص 81.
تقدم أن ابن زياد« لعنه الله» أرسل الرؤوس، والسبايا إلى الشام.. وقد ذكرنا بعض ما يرتبط بالرؤوس ودفنها.. ودفن رأس الإمام الحسين« عليه السلام».. وأشرنا إلى بعض الأقوال في ذلك، وإن لم نستقصها كلها، لأن بعضها ظاهر السخف والسقوط.
وذكرنا أيضاً : أن ابن زياد« لعنه الله» أمر بالمسير بالسبايا إلى .الشام. ولكن هل أرسلت جميع السبايا إلى الشام؟! أو خصوص سبايا أهل البيت «عليهم السلام»؟!
يقول بعض أهل العلم:« بقيت عيالات غير الطالبيين من أنصار الحسين« عليه السلام» بالكوفة، وذلك لأنهن حين الوصول إلى الكوفة شفع فيهن ذوو قرباهن من القبائل عند ابن زياد، فأخذوهن من السبي،
وسبيت الهاشميات الطالبيات إلى الشام»(1).
1) إبصار العين للسماوي ص 133 ووسيلة الدارين للزنجاني ص 414 .
ونقول:
لا نعرف المصدر الذي أخذ منه ناقل هذا الخبر، ولكننا نقول:
1 - إن شفاعة بعض القبائل بالنساء اللواتي حضرن كربلاء مع أزواجهن، وسباهن ابن زياد وبنو أمية، لم يكن من منطلق إيماني، أو من شعور إنساني.. بل كان تحاشياً من أن يعيّروا بسبي نسائهم، فتنحط مكانتهم، ويذهب بهاؤهم في مجتمعهم، حيث تزدريهم القبائل.
فشفاعتهم على هذا ما هي إلا استجابة لأنانيتهم، ودرء لضرر يرونه متوجهاً إليهم، ولم يكن سببها الغيرة على النساء، والشفقة عليهن من استمرار البلاء، ولا امتثالاً لأمر جبار السماء..
ولو كان ثمة شيء من ذلك لثارت حميتهم الدينية، ومشاعرهم الإنسانية، وغيرتهم، وشهامتهم لسبي أطهر الناس، وأتقاهم، وأنقاهم، وأحبهم إلى الله، ومن هم مصدر عزهم ومنار سبيلهم، وعنوان كرامتهم، وهم أهل بيت نبيهم.
2 - ما معنى أن يشارك هؤلاء القوم في قتل الرجال، والتمكين من سبي النساء، ثم تدركهم نفحة من حمية، هي عصارة من أنانيتهم وعنجهيتهم، فيشفعون بخصوص من لهم بهن قرابة بهدف حفظ الوجاهة الموهومة، وتوهم صون الكرامة المدَّعاة زوراً، حيث لا كرامة؟!
3 - أما ابن زياد، فكان يريد أن يتخلص من هذا العبء، عبء سبي نساء بعض القبائل، ليس لأجل أن يتخلص من تبعاته، بل ليتاجر به، ويقبض ثمنه طاعة، وخضوعاً، وذلة وخنوعاً من القبائل المعنية.
وليظهر بمظهر المتفضل عليهم، بغض الطرف عن مشاركة نسوة منهم في الولاء والحب لأهل البيت«عليهم السلام »أو عدمه.
ومن الأمور التي نحتاج إلى التذكير بها قبل أن نبدأ بعرض النصوص، هي أننا لا نريد أن نفيض في تحديد الطرق التي سلكوها بالأسرى، حتى وصلوا إلى الشام، بل سوف نقتصر على ما ألمحت إليه النصوص التي حفلت بها المصادر المعتمدة، لنحدد الطريق التي سلكوها ، و لا نعبأ بما ورد في الكتب المتأخرة، فإنها موضع غمز وريب، إلا إذا وجدنا في المصادر المتقدمة ما يؤيده ويسدده.
نقول هذا مع تأكيدنا على أننا لا نتهم هؤلاء المؤلفين بشيء يسيء إلى مكانتهم.
غاية الأمر: أنهم قد يسجلون ما يسمعونه من أفواه الرجال، أو يسجلون ما يتوقعونه ويفترضونه.
أما نحن، فالمعيار عندنا هو ما يروى فى النصوص المعتبرة، والمعتمدة.. فإن وجدنا فيها حديثاً عن مقام في حلب مثلاً، فإننا نعرف: أن السبايا قد مروا في حلب في مسيرهم. وإن وجدنا ما يشير إلى أنهم مروا على بعلبك، فالأمر أيضاً كذلك .
ولا نتجاوز ذلك إلى تحديد المنازل، والمسارات وما إلى ذلك، فلعل المسالك قد تبدلت وتحولت، فإن ذلك يحصل لأسباب مختلفة، كالسبب الأمني، أو للعثور على مسالك أيسر، وأكثر ملاءمة وسهولة، أو
لأجل توفر عناصر حيوية للمسافرين، أو لأجل أهداف سياسية، أو إعلامية، أو غير ذلك.
1 - إننا نشعر أن يزيد بن معاوية هو الذي رسم لقافلة السبايا مسالكها إلى دمشق وحدد لها المنازل والبلاد التي يجب أن يمروا فيها.
وقد ظهر أن مسارهم هذا كان قد حدد من قبل الذين اختاروه وفرضوه، انسجاماً مع خطة خبيثة وحاقدة، تؤكد حقيقة أن يزيد كان يعني ما يقول في الشعر الذي تمثل به، وزاد عليه إقراره على نفسه بالكفر بقوله:
لعبت هاشم بالملك فلا*** خبر جاء، ولا وحي نزل
وقوله:
لست من خندف إن لم أنتقم*** من بني أحمد ما كان فعل
وغير ذلك..
2 - إن من يلاحظ مسير السبايا والبلاد التي مروا بها يجد أن أكثر سكانها ليسوا من المسلمين، بل من النصارى غالباً، وهذا هو حال مدن شمال العراق، بدءاً من تكريت ومدن الجزيرة، وشمال بلاد الشام، وغير ذلك .
فلماذا يراد لهم أن يكون مرورهم في بلاد غير المسلمين؟! أليس
لأجل أن يظهروا شماتتهم ، وبهجتهم ،وفرحهم العارم بما جرى على أهل بيت رسول الله«صلى الله عليه وآله»؟!
3 - إن هذا يفسر لنا ما كان يجري حين يمرون بالسبايا والرؤوس على بعض الأديرة، وكيف كان الرأس الشريف يتكلم، أو تشرق أنواره، أو تظهر يد تكتب، وغير ذلك مما يدعو بعض مسؤولي تلك الأديرة إلى دفع مبالغ طائلة، ليحظوا بمبيت الرأس عندهم. كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
4 - إننا نعلم أن أم يزيد بن معاوية كانت نصرانية من بني كلب، وقد أمضى معظم أوقاته في نشأته مع أمه، التي كانت قد هجرت أباه (1).
وكانت تلبس الصليب في قصر معاوية بالذات.
5 - لقد كان خروج السبايا من الكوفة في اليوم الثالث عشر حسبما أوضحناه بعد أن وصل كتاب يزيد إلى عبيد الله بن زياد «لعنهما الله»، الذي يأمره فيه بإرسالهم إليه.( ولعله حدد لهم مسير الركب في هذا الكتاب أيضا).
1) سير أعلام النبلاء ج 4 ص 36 وحياة الحيوان ج 2 ص 342 والأعلام للزركلي ج 7 ص 339 وراجع تاريخ مدينة دمشق ج 65 ص 400 وج 70 ص 130 و 134 وتنزيل الآيات ص 457 وتخريج الأحاديث والآثار ج 2 ص 434 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 243
وقد قلنا: إن الكتاب المرسل في البريد المعتمد على سير الخيل يحتاج لقطع المسافة بين الكوفة ودمشق إلى أقل من يوم وليلة.
وإذا كانت المراسلة بين يزيد وابن زياد بواسطة الحمام الزاجل ،فلا يحتاج إلى هذا المقدار من الوقت أيضاً. وإذا كان يزيد قد أمر ابن زياد بأن يرسل إليه بما يجري معه كل يوم ،كما دلت عليه النصوص(1). فهذا يقتضي أن يكون يزيد قد أرسل بأوامره إلى ابن زياد بعد يوم عاشوراء بيوم واحد أن يرسل إليه بالرؤوس والسبايا.
وعلينا أن نتذكر أن يزيد قد كتب إلى عامله على المدينة بأخذ البيعة من أهل المدينة في رسالة صغيرة وأنه إذا امتنع الإمام الحسين «علیه السلام» عن البيعة أن يقتله ويرسل برأسه إليه.
ومن المعلوم: أن يزيد قد أمر ابن زياد أيضاً بقتل الحسين في
1) راجع تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 380 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 285 وتاريخ مدينة دمشق ج 18 ص 307 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 65 وبحار الأنوار ج 44 ص 359 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 209 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 329 وأنساب الأشراف ج 2 ص 342 و (ط الأعلمي) ج 2 ص 85 والأخبار الطوال ص 242 والفتوح لابن أعثم ج ه ص 63 والأعلام للزركلي ج 4 ص 193 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج8 ص178.
رسالة له ذكرها اليعقوبي وغيره(1)فهل لم يطلب منه فيها أن يرسل برأسه إليه، كما طلب من واليه على المدينة؟!
وإذا لم يذكر ذلك في رسالته هذه، أو لم يذكر المؤرخون هذه الفقرة، تخفيفا عنه، فمن الذي قال : إنه لم يرسل إليه رسالة أخرى أرفقها بها، كأذن الفأرة، كما فعل مع واليه على المدينة.
وعلى هذا نقول:
إذا كان وصول السبايا إلى دمشق قد حصل في أول يوم من شهر صفر .. فلماذا طال مكثهم في هذا الطريق إلى أسبوعين، أو أسبوعين ونيفاً؟!
ألا يدلنا ذلك على أن ثمة تعمداً للتشهير بهم في البلاد، وإذلالهم بين العباد ؟ خصوصاً في بلاد النصارى؟!
6 - يؤكد ذلك :أن المسار الطبيعي للأمور - لو لم يكن هناك أهداف أخرى - هو التسريع في إيصال الركب إلى دمشق، لا التأخير، وربما كان من أسباب هذا التأخير ما يلي:
أولاً: ضمان عدم تعرض هذا الركب لمهاجمة بعض الفئات التي قد يدفعها حماسها لطرد حراس الركب، وتحرير السبايا من أيدي ظالميهم، وفي هذا كسر لهيبة السلطان، ويوجب تعقيد الأمور أكثر مما هي عليه..
1) راجع تاريخ اليعقوبي (ط النجف الأشرف) ص 229 .
ثانياً: إن المتوقع ممن يرى نفسه منتصراً أن يستعجل رؤية نتائج ما أقدم عليه، وأن يستثمر الجهد الذي بذله، والتعجيل بإحضار من يريد أن يواصل التنكيل بهم، والتنفيس عن حقده، وإظهار الشماتة الكامنة في أعماق نفسه تجاههم..
7 - ومعنى هذا أن هذا الإبطاء، إن كان من دون أمر يزيد ورضاه، فهو يعرض فاعليه لغضبه وعقوبته، وإن كان بأمره ورضاه، فلا بد أن يكون له هدف أهم عنده من الإسراع وهو ما ذكرناه من إرادة التشهير بهم، ولاسيما في بلاد النصارى، وإظهار شوكته وقوته، والتودد لغير المسلمين بقتل أبناء النبيين.
ويبقى سؤال يقول : إذا كان ذهاب السبايا إلى الشام قد استغرق أكثر من أسبوعين.. فكم من الوقت استغرقت عودتهم من الشام إلى كربلاء؟!
ونجيب:
بأن المسافة بين الشام وكربلاء أقل بكثير من المسافة من الشام إلى الكوفة، وقد يصل الفرق إلى ثمانين كيلومتراً، وقد قالوا : إن الطريق بين الشام والكوفة، الذي هو الطريق السلطاني(1). ربما يصل إلى تسع مئة كيلومتر أو يزيد قليلا.
1) راجع في بيان منازله: المسالك والممالك لابن خرداذبه ص99
وقد تختصر هذه المسافة إلى أقل من ذلك، إذا كان هناك خبير بالطرق والمسالك.. وقد تقطع هذه المسافة في وقت قصير جداً، فقد قالوا: إن رافع بن عميرة الطائي(وهو رافع بن أبي رافع) الذي كان لصاً في الجاهلية قد قطع بخالد بن الوليد المسافة من الكوفة إلى الشام في خمس ليال(1).
وأما قطع هذه المسافة في أسبوع، أو ثمانية أيام، فعليه شواهد عديدة.
وقد سار عامر بن (أبي) ربيعة، ومعه مئة (مئتا) ألف مقاتل من الشام إلى الكوفة في عشرة أيام(2).
بل هناك من قطع المسافة بين الكوفة والشام ذهاباً وإياباً في سبعة أيام فقط، فإن أبا بكرة استأجل بسر بن أبى أرطأة أسبوعاً ليأتيه بكتاب من معاوية في الشام في شأن بعض من كان يريد قتله، فأجله أسبوعاً، فذهب من الكوفة إلى الشام (3)، ورجع إلى الكوفة ومعه كتاب معاوية
1) تاريخ مدينة دمشق ج 18 ص 15 و ج 2 ص 89 والبداية والنهاية ج7 ص6 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 7 ص 9 والفتوح لابن أعثم ج1 ص 109 وفتوح الشام ج 1 ص 25 وإكمال الكمال ج 6 ص 279 وتوضيح المشتبه ج 3 ص 365 والثقات لابن حبان ج 2 ص 186 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 608 .
2) قرة العين (ط النجف) ص 127 .
3) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 167 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 127 و 128 وأنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج 5 ص 189 والكامل في التاريخ ج 3 ص 415 ونهاية الأرب ج 20 ص 292.
في غضون أسبوع واحد فقط، فيكون قد قطع المسافة من الكوفة إلى الشام بثلاثة أيام ونصف. وكذلك العكس.
وهذا يعني: أن يتمكن من قطع المسافة بين الشام وكربلاء ذهاباً وإيابا بستة أيام أو أقل.
وسيأتي أن هناك من قطع المسافة من البصرة إلى الكوفة في يوم وليلة.
وهناك من قطع المسافة بين مكة والمدينة في يوم وليلة أيضاً..
وقد وصل خبر استشهاد الإمام الحسن« عليه السلام» من المدينة إلى البصرة في يومين.
وبهذا لا يبقى إشكال في حضور السبايا إلى كربلاء يوم الأربعين إذا كان الإمام السجاد«عليه السلام» قد عاد من هذا الطريق، حتى لو مسيره من الشام إلى كربلاء في الخامس عشر، أو في السادس عشر من شهر صفر.
نعود لنذكر القارئ الكريم : بأن لدينا شواهد ومؤيدات لما ذكرناه، من أن الذهاب بالأسارى من الكوفة إلى الشام كان من طريق طويل غير هذا الطريق الأقصر، وقد اختاروه لهم للتشهير بهم بين
النصارى، الذين سوف يسهل عليهم إظهار الشماتة بهم، والاستخفاف بدينهم، والتندر المبتذل برموزهم، ومحاولة إذلالهم.
وسيكون ذلك أكثر سهولة عليهم إذا علموا أن ذلك يرضي يزيد، ويزيدهم عنده حظوة، ونفوذاً وشوكة، وتصير كلمتهم مسموعة، مسمو وتكون لهم الأثرة والتقدم لديه.
كما أن المرور بهذا الطريق لا يبقى مجالاً للمتحمسين من المسلمين وأهل الدين لبذل المحاولة لتحرير الأسرى ، ومهاجمة آسريهم، لأن الغلبة والكثرة في معظم الطريق هي لغير المسلمين.
ونذكر هذه الشواهد على سبيل الاختصار أولاً.. على أن يأتي تفصيلها عن قريب إن شاء الله، وهي التالية:
1 - قصة راهب الدير في قنسرين، الواقعة في شمال الشام، مع رأس الإمام الحسين« عليه السلام »(1).
2 - يقول ابن شهر آشوب ومن مناقبه «عليه السلام» ما ظهر من المشاهد التي يقال لها مشهد الرأس من كربلا إلى عسقلان، وما بينهما في الموصل، ونصيبين، وحماة وحمص ودمشق وغير
1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 60 و 67 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 217 وبحار الأنوار ج 45 ص 303 و 304 ومدينة المعاجز ج4 ص 112 و 113 والعوالم الإمام الحسين ص 617 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 115.
ذلك»(1).
أي أن مشاهد الرأس كثيرة منتشرة من كربلاء إلى عسقلان. وقد أظهر الله تعالى لها كرامات ومعجزات كثيرة.
إلا أن يقال: إن هذا لا يصلح شاهداً على مرور السبايا من غير الطريق القصير المعروف، ولأجل ذلك لم يصرح بوجود السبايا، فلعل هذه المشاهد أقيمت بسبب وضع الرأس فيها حين طافوا به في البلاد.
3 - سيأتي: أن ياقوت الحموي وغيره قد ذكروا أن في غربي مدينة حلب الشهباء مقاماً يقال : إنه لسقط لإحدى نساء الحسين «عليه السلام»، اسمه المحسن يقال: إنه سقط لما جيء بالسبي من العراق إلى دمشق، ومروا بهن من هناك. أو أنه طفل كان مع السبي، مات بحلب، فدفن هناك (2)
4 - قال أبو الحسن علي بن أبي بكر الهروي: «في مدينة نصيبين مشهد النقطة ، يقال : إنه من دم رأس الحسين عليه السلام».
5 - وفي سوق النشابين مشهد الرأس، فإنه علق هناك لما عبروا
بالسبي إلى الشام»(1).
6 - قال كامل البالي الحلبي، الشهير بالغزي عن الإمام الحسين «عليه السلام»: «واحتز رأسه الشريف شمر بن ذي الجوشن، وسار به وبمن معه من آل الحسين إلى يزيد في دمشق، فمر بطريقه على حلب، ونزل به عند الجبل، ووضعه على صخرة من صخراته، فقطرت منه قطرة دم بني على أثرها مشهد عرف بمشهد النقطة »(2).
وهذا يشير إلى أن هؤلاء قد جاؤا بالسبي من الطريق المحاذي للفرات، ولم يأخذوا بالطريق السلطاني المعروف الذي يسير بمحاذاة نهر دجلة.
7 - ويقول عماد الدين الطبري أيضاً: «فوصلوا إلى قبيلة، وطلبوا منهم علفا لدوابهم، وقالوا معنا رؤوس الخوارج نحملها إلى الأمير.
وهكذا ساروا بهذه الحجة حتى بلغوا بعلبك، فأمر القاسم بن الربيع عامل البلد بتزيينه وحملوا الرأس إلى البلد مع آلاف الدفوف،
والطبول، والمزامير والشبابات.
ولما علموا بأن الرأس رأس الحسين خرج ما يقرب من نصف
البلد، وأحرقوا الأعلام، ومعالم الزينة والفرح، وقامت الفتنة أياماً على ساق في البلد.
وهرب الذين معهم الرأس من البلد سرا»(1).
ونقول:
1 - هذا شاهد على مرور السبايا في بعلبك، ويدل على أن أهالي هذا البلد قد وقفوا موقفاً كريماً ومشرفا يستحقون عليه الثناء والإكبار.
2 - وهذا النص يدلنا على معلم من معالم الطريق الذي سلكوه بالرؤوس والسبايا إلى دمشق.. فإذا أضيف إلى الشواهد السابقة، فإن الأمر يصبح أكثر وضوحاً، ونقاء، وصفاءً.
قالوا: «لما حمل عبيد الله بن زياد ولد الحسين بن علي، وحُرَمَهُ إلى يَزِيدَ بن مُعاوِيَة شَيَّعَهُم جَمعٌ من أهل الكوفة، فلمّا بَلغُوا النَّجَفَ وَقفُوا لِتَوْدِيعِهم، فأنشأت أم كلثوم بنتُ عَلِيٍّ بن أبي طالب:
ماذا تَقولون إن قالَ النَّبِيُّ لكُم*** ماذا فعلتُم وأنتُم آخِرَ الأُمَمِ
بأهل بيتي وأنصاري*** مِنْهُم أَسَارَى وقتلى ضُرِّجوا
ما كانَ هذا جزائي إذ نَصَحْتُ*** أن تَخلفوني بسوء في ذوي
1) كامل البهائي (ترجمة العلامة السيد محمد شعاع فاخر) ج 2 ص 260 .
وَالشَّعرُ لِأَبِي الأَسْوَدِ.
قالَ: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ(1)» (2).
ونقول:
إن تمثل أم كلثوم بأبيات أبي الأسود رحمه الله»، لا بد أن يكون قد أحرج أهل الكوفة أيما إحراج، لاسيما وأن السؤال الذي وجهته إليهم، لا ينتهي مفعوله وأثره عند انفراط ذلك الجمع، ورجوع كل منهم إلى مقره، ومحيط عمله، بل سيبقى صدى هذه الأبيات يتردد في أعماق أعماقهم، وفي حنايا ضمائرهم، وسيجدون أنفسهم في جميع لحظات حياتهم مطالبين بالإجابة.
وما يزيد هذا الأمر مرارة : أن السائل بعد هذا الوداع لن يكون هو أم كلثوم، سواء ماتت أو عاشت.
بل السائل هو الرسول الأعظم «صلى الله عليه وآله»..
وسيكون سؤاله هذا في يوم يفقد المجرمون فيه كل حيلة ووسيلة إذا فقدوا محبة رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ومحبة أهل بيته..
والأهم من ذلك :أن هذا السؤال سيوجه إليهم على مرأى ومسمع من جميع الخلائق، وعلى رؤوس الأشهاد.
وهو جمع لا ينفرط إلا باتجاهين: إما إلى الجنة،وإما إلى النار.
وبديهي أن من يغضب عليه رسول الله« صلى الله عليه وآله»، فإنه لا يشم ريح الجنة أبداً، وستكون النار مأواه ومثواه، وبئس المصير.
وقد تحدث الإمام السجاد عليه السلام» عن هذا الوداع أيضاً، فقد روي عن حُباب بن موسى، عن جعفر بن مُحَمَّد، عن أبيه، عن عليّ بن الحُسَين [زين العابدين] «عليهم السلام»:
حُمِلنا مِنَ الكوفة إلى يَزِيدَ بن مُعاوِيَة، فَغَصَّت طرق الكوفة بالنّاس يَبكونَ، فَذَهَبَ عَامَّة الليل ما يقدرون أن يجوزوا بنا لِكَتْرَةِ النّاس.
فقلتُ: هؤلاء الذين قتلونا وهُمُ الآنَ يَبكونَ !(1).
ونقول:
1) الطبقات الكبرى الطبقة الخامسة من الصحابة ج 1 ص 501 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص89.
1 - اللافت هنا: أن وداع أهل الكوفة للسبايا يشبه في أجوائه وحالاته يوم المجيء بهم أسارى إلى الكوفة. إلا أن الحشود في هذا الوداع كانت فيما يبدو أعظم، وأضخم ، وكان الناس في الوداع أكثر حماساً، وأشد انفعالاً.
2 - إن هذا الحماس قد بقي في حدود الحزن العاجز والخائب، فإنهم مع كثرة حشودهم، ومع هذا الانفعال العاطفي لم تصدر منهم أية بادرة، بل لم تصدر منهم ولو كلمة واحدة تعبر عن استيائهم من سوء معاملة أسرى أهل بيت نبيهم، وحرمه، فقد أركبوهم على الأقتاب من دون غطاء، ولا ،وطاء، وربطوهم بالحبال وهن مكشفات الوجوه، والشعور، كما يذكرون، وجعلوا الأغلال في عنق الإمام السجاد عليه السلام»، وفي يديه، إلى غير ذلك من إجراءات خبيثة، ومؤلمة، وقاسية.
3 - لو أن أهل الكوفة الذين قتلوا هذه الثلة المؤمنة من أهل البيت وأصحابهم كانوا نادمين فعلاً على ارتكابهم هذه الجريمة العظيمة وكانت حالتهم العاطفية بهذا المستوى من التوهج، فلماذا لا يفكرون
بالتكفير عن ذنبهم، ولو بحركة أو بكلمة حق أمام سلطان جائر ؟!
ولأجل ذلك رأينا الإمام السجاد « عليه السلام»، يعلق على هذا الواقع المرير بكلمة واحدة تختصر كل التأويلات والتبريرات الباردة والموهونة، حيث قال: «هؤلاء الذين قتلونا، وهم الآن يبكون»!!.
أي أن المعايير لدى هؤلاء الناس كانت مفقودة، فإن من يقتل
بريئا، بل يقتل أفضل الخلق، وأعلمهم ، وأتقاهم، وأنقاهم جيباً، وأطهرهم نفساً وقلباً، ووجداناً وضميراً، من دون أي سبب أو مبرر لهذا القتل، سوى أنه استجاب لاستغاثة قاتليه به.
4 - إن من يرتكب جريمة كبيرة كهذه، لا بد أن يكون في غاية السوء، وفي منتهى القسوة، وفي أشد حالات الطغيان والخيبة والخذلان .. فكيف نصدق أنه صار الآن رقيق القلب، سخي الدمعة، فياض المشاعر ، مشبوب العاطفة؟!
إن هذا الأمر لا يمكن أن يخدع ذوي البصيرة والدراية..
وإذا كان هؤلاء قد صاروا كذلك بالفعل، بعد أن ذهبت السكرة، وجاءت الفكرة، فلماذا رضوا بعد أن استيقظوا من غفلتهم، وصحوا من رقدتهم بهذا الظلم والاذلال لأهل بيت نبيهم، وهم مجرد نساء وصبيان. لا حول لهم ولا قوة، ولم يأخذوهم بذنب، ولا رأوا منهم أي خطأ؟!
قالوا:
وقدم رسول من قبل يزيد بن معاوية يأمر عبيد الله أن يرسل إليه بثقل الحسين ومن بقي من ولده وأهل بيته ونسائه، فأسلفهم أبو خالد (ذكوان )عشرة آلاف درهم، فتجهزوا بها ..»(1).
1) الطبقات الكبرى( الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 485 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 81 وراجع: تهذيب الكمال ج 6 ص 429 وتهذيب التهذيب ج 2 ص 304 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 309 والرد على المتعصب العنيد ص 45 .
ونقول باختصار شديد وأكيد:
إن بني أمية كما قال عنهم أمير المؤمنين« عليه السلام»: اتخذوا مال الله دولاً وعباده خولا(1). وحسبهم أنهم بمجرد أن علقت مخالبهم بالخلافة من خلال عثمان، ظهرت منهم الأعاجيب، حتى وصفهم علي
«عليه السلام» بقوله:
«إلى أن قام ثالث القوم نافجاً ،حضنيه بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أمية يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع، إلى أن انتكث عليه فتله، وأجهز عليه عمله، وكبت به بطنته»(2).
نافجاً: رافعاً.
النثيل: روث الدواب.
المعتلف :موضع العلف
الخضم: أكل الشيء الرطب.
انتكث انتقض.
الفتل: هو الحبل التي تلوى خيوطه، لكي تلتف على بعضها، فإنك كلما لويت واحداً منه التف على الآخر، وصار أكثر إحكاماً .
أجهز عليه: أتم قتله.
كبا الجواد: سقط لوجهه.
البطنة: التخمة.
وقد ازدادت الأمور سوءاً في الأدوار اللاحقة لعهد عثمان، ولاسيما حين تولى أمر الأمة راع مثل يزيد وابن زياد «لعنهما الله».
وبعدما تقدم نقول:
هل يمكن أن نصدق: بأن من بيدهم خزائن أموال الأمة أن تكون هذه الأموال قد نفدت من أيديهم حتى احتاجوا إلى اقتراض عشرة آلاف درهم من إنسان عادي، لينفقوها على أسراهم في مسيرهم من الكوفة إلى الشام؟!
وهل كانوا بحاجة إلى هذا المقدار الكثير ، لسفر قصير، وجماعة قليلة؟!
وكيف وأين تبخرت أموال الأمة من أيديهم؟! وكيف لم يبقوا منها شيئا فلعل طارئاً طرأ عليهم يحتاجون معه إلى نفقات كثيرة، وتجهيز جيوش جرارة؟!
ولماذا بذل لهم ذكوان هذا المبلغ، وساعدهم على التشفي والشماتة، والإذلال لأهل بيت نبيه، وإضعاف أمرهم..
ونذكر فيما يلي نصوصاً كثيرة حول الإنطلاق من الكوفة أولاً، وحول شدائد الطريق على السبايا ثانياً، نأخذها مع مصادرها من كتاب موسوعة الإمام الحسين« عليه السلام»، وهي التالية:
1 - عن الغاز بن ربيعة الجرشي : إِنَّ عُبَيدَ الله أَمَرَ بِنِساءِ الحُسَينِ وصبيانِهِ فَجُهِّرْنَ، وأمَرَ بِعَلِيٍّ بن الحُسَين فَغُلَّ بِغُلٍّ إِلَى عُنُقِهِ، ثُمَّ سَرَّحَ بهم مَعَ مُحَفِّز(1)بن ثعلبة العائِذِي - عائِدَةِ قريش -، ومَعَ شمر بن ذي الجوشن.
فانطلقا بهم حتى قدِموا عَلى يَزيدَ [ عن أبي مخنف: وكان مع زحر أبو بردة بن عوف الأزدي، وطارق بن أبي ظبيان] [وعند الدينوري: مع زحر بن قيس، ومحقن بن ثعلبة، وشمر بن ذي الجوشن].
1) ورد ضبط هذا الشخص بأشكال عديدة في نقول مختلفة، منها: محقر، محقن ،مخفر ،محقر ،محقز، مجفز . والأكثر رواية «محقز». والظاهر أنه الصواب.
فلم يَكن عَلِيُّ بنُ الحُسَين يُكَلِّمُ أحَداً مِنهُما فِي الطريق كَلِمَة حَتَّى بلغوا(1).
2 - إِنَّ عُبَيدَ اللهِ بن زيادٍ بَعدَ إنفاذِهِ برَأس الحُسَين «عليه السلام» أَمَرَ بِنِسائِهِ وصبيانِهِ فَجُهّزوا ، وأمَرَ بِعَلِيٍّ بن الحُسَين«عليه السلام» فَغُلَّ بِغُلِّ إلى عُنُقِهِ، ثُمَّ سَرَّحَ بهم في أثر الرّأس مَعَ مُجْفِر(2)بن ثعلبة العِائِذِيّ وشمر بن ذي الجوشن، فانطلقوا بهم حَتَّى لحقوا بالقومِ الَّذِينَ مَعَهُمُ الرَّأْسُ. ولم يَكن عَلِيُّ بنُ الحُسَين « عليه السلام» يُكَلِّمُ أَحَدًا مِنَ القوم في الطريق كَلِمَة حَتى بَلغوا (3).
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 460 وراجع ص463 و 459 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 352 وتاريخ مدينة دمشق ج 18 ص 445 وج57 ص 98 وراجع الكامل في التاريخ ج 4 ص83 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 341 وأنساب الأشراف ج 3 ص 415 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 214 والأخبار الطوال ص 260 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2631 والبداية والنهاية ج 8 ص 194 و 191 و( ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 211 وفيه« محقر بن ثعلبة العائذي» وكلاهما نحوه.
2) كذا في المصدر، وإعلام الورى، وفي مثير الأحزان، وبحار الأنوار: «مخفر».
3) الإرشاد ج 2 ص 119 وإعلام الورى ج 1 ص 473 ومثير الأحزان ص 96 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 76 نحوه، وبحار الأنوار ج 45 ص 130 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 430 وجواهر المطالب ج 2 ص 293 نحوه.
3 - أخرجَ عِيالُ الحُسَين «عليه السلام» ووُلدُهُ إلى الشام، ونُصِبَ رَأْسُهُ عَلَى رُمح (1).
4 - حُمِلَ أهلهُ [أي أهلُ الحُسَين« عليه السلام»] أسرى، وفيهم عُمَرُ، وزَيدٌ، وَالحَسَنُ، بَنُو الحَسَن بن عَلِيٍّ بن أبي طالب« عليه السلام».
وكَانَ الحَسَنُ بنُ الحَسَن بن عَلِيٍّ قَدِ ارتثْ (2)جريحاً، فَحُمِلَ مَعَهُم، وعَلِيُّ بنُ الحُسَين عليه السلام الذي أُمُّهُ أُمُّ وَلدٍ (3)، وزَيْنَبُ العقيلة، وأمُّ كلثوم بنتُ عَلِيٍّ بن أبي طالب، وسُكَينَهُ بِنتُ الحُسَين (4).
5 - عن حاجب بن زياد أَمَرَ [ عُبَيدُ اللهِ بنُ زِيادٍ] بِالسَّبايا ورَأس الحُسَين عليه السلام»، فَحُمِلُوا إلى الشام، فلقد حَدَّتْني جَمَاعَة كانوا خَرَجوا فِي تِلْكَ الصُّحْبَةِ : أَنَّهُم كانوا يَسمَعونَ بالليالي نَوحَ الحِنَّ عَلَى
1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 245
2) ارثتَ: أي حمل من المعركة رثيثا، أي جريحاً وبه رمق. راجع: الصحاح ج 1 ص 283 «رثث».
3) راجع موسوعة الإمام الحسين ج 1 ص 197(القسم الأوّل - الفصل الخامس . شهر بانو) وص235 (الفصل السادس - عليّ الأوسط زين العابدين «عليه السلام»).
4) مقاتل الطالبتين ص 119 و (ط المكتبة الحيدرية )ص 79.
الحُسَين « عليه السلام» إلى الصَّباح(1).
وتؤكد النصوص الكثيرة على أن ما عاناه أهل البيت «عليهم السلام» في أسرهم من شدائد وأذايا كان قاسياً ومريرا، سواء في ذلك ما عانوه في الطريق. أو ما مر عليهم في الشام نفسها.
والنصوص التالية توضح لنا جانباً من معاناتهم في مسيرهم من الكوفة إلى الشام.
1 - قال سبط ابن الجوزي: كَتَبَ إِليهِ [أي إلى يَزِيدَ] ابنُ عَبّاس: يَا يَزِيدُ، وإنَّ مِنْ أعظم الشمَاتَةِ حَمَلَكَ بَنَاتِ رَسُولِ اللهِ، وأطفالهُ وَحُرَمَهُ مِنَ العِراق إلى الشام أسَارَى مَجْلُوبِينَ مَسْلُوبِينَ، تُرِي النَّاسُ قُدرَتَكَ عَلَيْنَا. وأَنَّكَ قد قهرتنا واسئوليت على آل رسول اللهِ.
وفي ظُنّكَ أَنَّكَ أخَدْت بثأر أهْلِكَ الكَفْرَةَ الفَجَرَةَ يَوْمَ بَدْرٍ ، وأَظْهَرْتَ الانْتِقَامَ الذي كُنتَ تُخْفِيهِ ، والأَصْغَانَ التِي تَكْمُنُ فِي قلبكَ كَمُونَ النَّارِ في الزنَادِ الخ..(2).
1) الأمالي للصدوق ص 230 الرقم 242 وروضة الواعظين ص210 وبحار الأنوار ج 45 ص 155 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 395 وراجع هذه الموسوعة : ج 5 ص 52 (الفصل الثاني: ما ظهر من الآيات - نياحة الجن).
2) تذكرة الخواص ج 2 ص 239 وراجع تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 248 - 250 وبحار الأنوار ج 45 ص 325 والعوالم الإمام الحسين ج17 ص 643 والمعجم الكبير ج 10 ص 243 ومجمع الزوائد ج 7 ص 252 والدرجات الرفيعة ص138.
2 - قال ابن الصباغ المالكي:
أَرْسَلَ [ عُبَيدُ اللهِ] بالنّساءِ وَالصَّبيان عَلى أَقْتابِ المَطايا ومَعَهُم عَلِيُّ بنُ الحُسَين «عليه السلام»، وقد جَعَلَ ابنُ زِيَادٍ الغُلَّ فِي يَدَيْهِ وفي عُنْقِهِ، ولم يزالوا سائرين بهم عَلى تِلْكَ الحالة إلى أن وَصَلوا الشام(1).
3 - جاء في زيارَةِ النّاحِيَةِ : رُفِعَ عَلى القنا رَأسُكَ، وسُبيَ أهلكَ كَالعَبِيدِ، وصُقدوا فِي الحَديدِ فوق أقتاب المَطِيّاتِ، تَلفَحُ وُجُوهَهُم حَرُّ الهاجراتِ (2)، يُساقونَ فِي البَراري والفلوات، أيديهم مغلولة إلى الأعناق، يُطافُ بهم في الأسواق(3).
4 - قال ابن أعثم:
قسارَ القومُ بِحُرَمِ رَسول اللهِ« صلى الله عليه وآله» مِنَ الكوفة
1) الفصول المهمة لابن الصباغ ص 191 و(نشر دار الحديث) ج 2 ص 831 ونور الأبصار ص 144 وراجع جواهر المطالب ج 2 ص 293 ونهاية الأرب ج 20 ص 467 والكامل في التاريخ ج 4 ص 83.
2) الهَجِيرُ والهَاجرة اشتداد الحرّ نصف النهار راجع: النهاية ج 5 ص 246 «هجر».
3) المزار الكبير لابن المشهدي ص 505 ومصباح الزائر ص233 وبحار الأنوار ج 101 ص 241 و 322
إلى بلادِ الشَّامِ، عَلى مَحامِلَ بِغَير وطاءٍ، مِن بَلدٍ إلى بلدٍ، ومِن مَنزل إلى مَنزِلِ، كَما تُساقُ أَسارَى التُركِ وَالدَّيلم.
وسَبَقَ زَحْرُ بنُ قيس الجُعفِيُّ برَأس الحُسَين «عليه السلام» إلى دِمَشْقَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى يَزِيدَ، فَسَلَّمَ عَليهِ ودَفَعَ إِلَيهِ كِتابَ عُبَيدِ اللَّهِ بن زیاد(1).
5 - عن عبد الملك بن هشام النحوي البصري: أنقذ ابنُ زِيادٍ رَأسَ الحُسَين عليه السلام» إلى يَزِيدَ بن مُعاوِيَة مَعَ الأسارى مُوثَقِينَ فِي الحِبال مِنهُم نِساء وصبيانٌ وصَبيّاتٌ مِن بَناتِ رسول اللهِ «صلى الله عليه وآله» عَلى أقتاب الجمال مُوثَقِينَ، مُكَشَفاتِ الوُجوهِ وَالرُّؤوس(2).
6 - أنفَدَ عُبَيدُ اللهِ بنُ زِيادٍ رَأسَ الحُسَين بن عَلِيٍّ «عليه السلام» إلى الشامِ مَعَ أسارَى النِّساءِ وَالصَّبيان من أهل بيت رسول اللهِ« صلى الله عليه وآله» عَلى أقتاب (3)، مُكَشَفاتِ الوُجوهِ وَالشعور(4).
7 - عن كتاب المصابيح بإسناده عن جعفر بن مُحَمَّد، عن أبيه
1) الفتوح لابن أعثم ج ص 126 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 55 .
2) تذكرة الخواص ج 2 ص 201 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 498 وج 27 ص 374.
3) القتب: رحل صغير على قدر سنام راجع الصحاح ج 1 ص198 مادة «قتب».
4) الثقات لابن حبّان ج 2 ص 312 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج33 ص 692 عن السيرة النبوية وأخبار الخلفاء ص 560 .
مُحَمَّد بن عليّ [الباقر] « عليهما السلام»: سَألتُ أبي عَلِيَّ بنَ الحُسَين« عليه السلام» عَن حَمل يَزِيدَ لَهُ ، فَقالَ: حَمَلْني عَلى بَعِيرِ يَطْلُعُ(1)بِغَيرِ وطاءٍ، ورأسُ الحُسَين« عليه السلام» عَلى عَلمٍ، وَنِسوَتْنا خَلْفِي عَلَى بغالِ أكْفٍ (2)، والفارطة(3)خَلقنا وحولنا بالرّماحِ، إِن دَمَعَت مِن أَحَدِنا عَينٌ فَرِعَ رَأْسُهُ بِالرُّمح ، حَتَّى إِذا دَخَلْنا دَمِشقَ صاحَ صائِح: يا أهلَ الشام هؤلاء سَبايا أهل البَيتِ الملعون(4).
8- كَتَبَ عُبَيدُ اللهِ بن زيادٍ إِلى يَزِيدَ بن مُعاوِيَة يُخبره يقتل الحُسَين «عليه السلام» وخَبر أهل بَيْتِهِ...
وأمّا يَزيدُ بنُ مُعاوِيَة، فَإِنَّهُ لَمّا وَصَلَ إليهِ كِتابُ ابن زيادٍ ووَقَفَ عَليهِ، أعادَ الجَوابَ إليهِ يَأْمُرُهُ فِيهِ بِحَمل رأس الحُسَين «عليه السلام»
1) هكذا في المصدر والظاهر أنّ الصواب: «يظلع»، قال ابن الأثير : الظلع العَرَج. راجع النهاية ج 3 ص 158 مادة «ظلع».
2) إكاف الحمار : بَرْدُعَتُه ، وهو في المراكب شبه الرحال والأقتاب راجع تاج العروس ج 12 ص 87 مادة «أكف». قال المجلسي «رحمه الله»: أي كانت البغال بإكاف - أي برزعة - من غير سرج. راجع بحار الأنوار ج 45 ص 154 .
3) فرَط: شتم، وفرط عليه :آذاه وأفرطه: أعجله. راجع: تاج العروس ج 10 ص 365 مادة «فرط».
4) إقبال الأعمال ج3 ص 89 وبحار الأنوار ج 45 ص 154 ح 3 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 413.
ورؤوس مَن قُتِلَ مَعَهُ، ويحمل أثقالِهِ ونِسائِهِ وعِياله.
فَاستَدعَى ابنُ زِيادٍ بمحقر بن ثعلبة العائذي، فَسَلَّمَ إِلَيهِ الرُّؤوس وَالأسارى وَالنّساء، فسار بهم محقر إلى الشام كَما يُسارُ بِسَبَايَا الكقار، يَتَصَقَّحُ وُجوهَهُنَّ أهلُ الأقطار(1).
9 - أرسَلَ ابنُ زِيادٍ رَأسَ الحُسَين « عليه السلام» ورؤوس أصحابهِ مَع زَحر بن قيس إلى الشام، إلى يَزيدَ ومَعَهُ جَمَاعَةٌ، وقِيلَ: مَعَ شمر وجَمَاعَةٍ مَعَهُ، وأرسَلَ مَعَهُ النِّسَاءَ وَالصِّبيانَ، وفيهم عَلِيُّ بنُ الحُسَين «عليه السلام»، قد جَعَلَ ابنُ زِيادٍ الغُلَّ فِي يَدَيهِ ورَقَبَتِهِ، وحَمَلَهُم عَلى الأقتاب، فلم يُكَلِّمُهُم عَلِيُّ بنُ الحُسَين
«عليه السلام» في الطريق حَتى بَلغُوا الشام (2).
10 - أَمَرَ عُبَيدُ اللهِ بنُ زِيادٍ بِعَلِيِّ بن الحُسَين «عليه السلام» فَغُلَّ بِغُلٍّ إِلى عُنُقِهِ، وجَهَّزَ نِساءَهُ وصِبيانَهُ، ثُمَّ سَرَّحَ بِهِم مَعَ مُحَفِّز بن ثعلبة من عائِدَةِ قُرَيش، وشمر بن ذي الجوشن. وقومٌ يَقولونَ: بُعِثَ مَعَ مُحَفِّز برأس الحُسَين أيضا(3).
1) الملهوف ص 207 و (نشر أنوار الهدى) ص 99 وبحار الأنوار ج 45 ص 121 - 124 وفيه« مخفر بن ثعلبة العائذي». والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 425 وعن تسلية المجالس ج 2 ص 372 .
2) الكامل في التاريخ ج 4 ص 83 ونهاية الأرب ج 20 ص 467.
3) أنساب الأشراف ج 3 ص 416 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 214 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 460 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 352 وتاريخ مدينة دمشق ج 57 ص 98 والبداية والنهاية ج 8 ص 194 و( ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 211 وفيه« محقر بن ثعلبة العائذي».
11 - إِنَّ عُبَيدَ اللهِ بن زيادٍ جَهَّزَ عَلِيَّ بنَ الحُسَين «عليه السلام» ومَن كانَ مَعَهُ مِن حُرَمِهِ،( بعد أن اعتمدوا ما اعتمدوه، من سبي الحريم وقتل الذراري) بِحَيثُ تَقشَعَر من ذكره الأبدانُ، وتَرتَعِدُ مِنهُ مَفاصِلُ الإنسان إلى البغيض يَزيدَ بن مُعاوِيَة(1).
ونقول:
من الواضح: أنه لم يكن ثمة مبرر لوضع الأغلال في عنق ويدي الإمام السجاد« عليه السلام»، فإنه إن كان الهدف من ذلك منعه من الهرب، فمن الواضح :
أولاً: أنه لم يكن ليقدم على ذلك، ويترك العيال والأطفال، والنساء في أيدي الأشرار، ولا يدري ما يصيبهم من أذايا، وبلايا في تلك الصحاري والقفار المنقطعة فربما تاه بعض الأطفال. ولم يبال أولئك القساة الحاقدون بالأمر، فيتركونه طعمة للوحوش الكاسرة، أو فريسة للجوع الذي لا يرحم، أو لغير ذلك من مصائب وبلايا.
1) أخبار الدول وآثار الأول ج 1 ص 323 وحياة الحيوان الكبرى ج 1 ص92 وفلك النجاة ص 93
ثانياً: لماذا يريد الإمام السجاد« عليه السلام» أن ينفلت من أيديهم، وهو لا يرى لهم عليه أية مؤاخذة، ولا توجد أية تهمة من ،أعدائه، تشير إلى أمكانية التعرض له بسوء. بل إن فراره من بين أيديهم يثير لديهم المخاوف منه، التي قد يستندون إليها لملاحقته، وإلحاق الأذى به.
ثالثاً: لو أراد « عليه السلام» أن يتفلت من هذا الأسر، فإن ذلك سيكون إلقاء بنفسه إلى التهلكة، فإن معظم المناطق التي سلكوها بالسبايا لم يكن سكانها من المسلمين كما قلنا.. والمسلمون - إن وجدوا في تلك المناطق - فهم أقل القليل. وكان ولاء أهل تلك البلاد، وأكثرهم من النصارى ليزيد وبني أمية، فهل ترى أنهم سيرحبون بالإمام السجاد، وسيساعدونه على الإفلات من أيدي أعدائه؟! أم أنه سوف يجد لديهم الحرص على التزلف ليزيد وبني أمية بالسعي للقبض عليه، وتسليمه« عليه السلام» لأعدائه الذين سيكونون أكثر شراسة وقسوة عليه من كل أحد؟!
ويبدو أن جميع الذكور - وكانوا اثني عشر غلاماً. وحسب نص ابن نما: اثني عشر رجلاً - كانوا كلهم مغلولين، وقد روي ذلك عن الإمام السجاد أيضاً، وعن الإمام الباقر« عليهما السلام »(1)..
1) راجع مثير الأحزان ص 98 و (ط المكتبة الحيدرية) ص78 وبحار الأنوار ج 45 ص 132 والعوالم الإمام الحسين ج17 ص 432 وشرح الأخبار ج 3 ص 267 و 268 والعقد الفريد ج 3 ص 368 والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 2 ص 6 و (تحقيق الشيري) ج 2 ص 12 والمحن ص 148 . وراجع: جواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 272 .
وورد في زيارة الناحية التي قلنا: إنها فيما يظهر صادرة عن الإمام الحسن العسكري «عليه السلام» ما يدل على أن جميع السبايا قد غلت أيديهم إلى أعناقهم. فهي تقول: «وسُبي أهلكَ كَالعَبِيدِ، وصُفِّدوا فِي الحَديدِ فوق أقتابِ المَطِيّاتِ، تَلفحُ وُجوهَهُم حَرُّ الهاجراتِ، يُساقونَ فِي البَراري والفلواتِ، أيديهم مغلولة إلى الأعناق، يُطافُ بهم في الأسواق».
غير أننا نقول:
أولاً: في رسالة ابن عباس ليزيد أن أكثر الذكور المأسورين كانوا من الأطفال، فلعل مراد ابن نما من قوله «رجلا»: أنهم من الذكور مقابل الإناث، فيكون من باب التوسع في الإطلاق.
إن هذه العبائر لم تذكر: أن ذلك قد حصل في طريق الشام، فلعله حصل في الطريق من كربلاء إلى الكوفة، ثم حصل في الكوفة، أو في الشام نفسها.
وفي النص المتقدم عن النحوي البصري: أنهم كانوا موثقين بالحبال، لا بأغلال الحديد.
إن حقيقة الأمر هي: أن الهدف من وضع هذه الأغلال هو الإذلال، ليس للإمام السجاد «عليه السلام» وحسب، بل للبيت
الهاشمي وشيعته ومحبيه، بالإضافة إلى إظهار القوة والشوكة ليزيد، وبني أمية. ولكن الله تعالى يقول: وَلِلهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ(1).
ولا يمكن إذلال من أعزهم الله تعالى.
وقد أثبتت الوقائع: أن هذا كان وسيبقى وصمة عار وشنار على بني أمية عبر الأحقاب والدهور، وستبقى اللعنة تلاحقهم إلى يوم القيامة.
ظهر مما تقدم: أن عبيد الله بن زياد«لعنه الله» قد أرسل الرأس الشريف إلى الشام ثم أرسل النساء والصبيان، ومن معهم، فلحقوا الرأس في الطريق.
وفي نص آخر: أنهم لما قربوا من دمشق سبقهم زحر بن قيس بالرأس الشريف إلى يزيد.. فإن صح هذا، فلا بد من القول: بأن يزيد عاد وأرسل الرأس إلى خارج دمشق لكي يدخلوا به والسبايا معاً، لكي يرى الناس السبايا والرؤوس، في عمل استعراضي مخز ولئيم.
وقد جاء في عدة نصوص : أن الإمام زين العابدين« عليه السلام»
1) الآية 8 من سورة المنافقون.
لم يكن يكلم أحداً من القوم في الطريق كلمة، حتى بلغوا الشام..
ولسائل أن يسأل عن سبب ذلك.
ونقول في الجواب:
لعل من أسباب ذلك:
أولاً: أن هؤلاء الذين يرون الآيات الظاهرة، والكرامات الباهرة للرأس الشريف.. حيث كانت تظهر الأنوار الساطعة في الليالي المظلمة مرات كثيرة في ذلك السفر الطويل، وتظهر يد تكتب على الجدار بقلم من حديد بعض الأبيات الزاجرة، ويرون ويسمعون الرأس يتكلم، ويقرأ الآيات في الطريق، كرات ومرات..
ويرون الرهبان والقساوسة يسلمون بسبب هذا وذاك. ويسمعون بالليالي نوح الجن على الحسين إلى الصباح. ويرون.. ويرون.. ولا يعتبرون، بل يبقون في غيهم سادرين وعلى شرب المسكر عاكفين.. وبآيات الله غير مؤمنين.
فهؤلاء لا أمل بهم، ولا سبيل لهدايتهم، ولا توجد لغة مشتركة بين هؤلاء وبين سادة الأولياء، والحجج على الخلق بعد الأنبياء، فالحجة عليهم قد أقيمت بهذه المشاهدات، وبظهور المعجزات والكرامات، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ(1).
1) الآيتان 96 و 97 من سورة يونس.
ثانياً: إن المسير الذي سلكوه بالسبايا لم يكن فيه إلا قلة من المسلمين وكان معظم أهل تلك البلاد من النصارى، فإن كان« عليه السلام »يريد أن يكلم أولئك الظلمة بشيء، فهو لا يتعدى أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر .. وسوف يزعجهم ذلك، وربما أسمعوه كلاماً قاسيا، أو نابيا وقد يذكي ذلك حقدهم وكراهيتهم.. إلى الجرأة على مقامه، بما هو أطم وأعظم.
فإن اعتدوا عليه وقتلوه، فلن تكون لهم نجاة من عقاب يزيد الذي كان يريد أن يتلذذ هو بالتنكيل بأهل البيت، بعد أن تظهر للناس قوته وشوكته وعظمته في استعراضاته الرعناء المختلفة بالرؤوس والسبايا.
فليس أمامهم سبيل إلا أن يتآمروا مع بعض الأشرار في الطريق، ليهاجموهم في إحدى الليالي، ويقتل الإمام علي بن الحسين «عليه السلام» في زحمة الأحداث بطريقة غامضة.. وبذلك لا يجد يزيد سبيلاً عليهم باعتبار أن الذي جرى خارج عن دائرة علمهم وقدراتهم.
وقد رأينا في النصوص المتقدمة : كيف أن ظهور المعجزات والكرامات للرأس الشريف كان يتوالى طيلة مسيرهم بالرأس والسبايا إلى الشام.. فكان الرأس الشريف كثيراً ما يقرأ الآيات القرآنية في الطريق، وفي منازله.. وكانوا يسمعون نوح الجن على الحسين «عليه
السلام» في الليالي إلى الصباح. ويرون الأنوار الباهرة تتصاعد من الرأس الشريف إلى السماء في الليالي الظلماء. ويرون كما تظهر وتكتب على الحائط بقلم من حديد بعض الوعيد، والتهديد. ويرون.. ويرون..
ونحن نعلم: أنه لم يكن يرافق ذلك الركب أي ولي محب للحسين وأهل بيته، بل كان الجميع أعداء فجرة، وبالحق كفرة، كما أن أكثر البلاد التي مروا بها، وعرضوا الرؤوس والسبايا فيها ما كانوا من أهل الإسلام، وكان يروق لكثير منهم ما جرى على الذرية الطاهرة ..
إذن.. فقد انحصر نقل الحوادث اللافتة، والعجائب والكرامات الظاهرة، والدلائل الباهرة بأعداء أهل البيت
«عليهم السلام».. بل بقتلتهم، وحاملي رؤوسهم وسباياهم من بلد إلى بلد..
والأمور التي كانت تظهر لم تكن مما يمكن احتمال كتمانه، بل هو مما يتلذذ الناس بذكره، وبتداوله في مجالسهم، ويتباهون بكونهم قد عاينوه وشاهدوه.
فلا يستطيع أحد أن يتهمهم بالوضع والتزوير لهذه الأمور، من منطلق الحب والولاء، بدعوى أن الحب يعمي ويصم..
ومن جهة أخرى، فقد كثرت المزارات والمشاهد المنسوبة لأهل البيت بسبب سقط هنا، أو قطرة دم من الرأس الشريف هناك، أو غير ذلك من أمور تنسب للسبايا والرؤوس في ذلك المسير في العديد من
البلدان، مثل ،نصيبين وحلب وحماة، وغير ذلك ..
ولهذه المزارات أثر كبير في انتشار محبة أهل البيت، واعتبارهم
موضع رجاء كل ،راج، وبالتوسل بهم يقضي الله تعالى حاجة كل محتاج.
ورد في النصوص المتقدمة : أنهم ساروا ببنات رسول الله صلى الله عليه وآله مكشفات الوجوه والرؤوس، كما في تذكرة الخواص، أو مكشفات الوجوه والشعور كما عند ابن حبان، وفي أخبار الدول يتصفح وجوههن أهل الأقطار...
ويستوقفنا هنا: ندرة تصريح المؤرخين بكشف وجوه وشعور (رؤوس) نساء أهل البيت، مع أنه أمر لافت، ومثير لحمية أهل الدين، ويهتم له القريب والبعيد، لاسيما مع ما لهذا الأمر من أثر في إظهار سوء يزيد وبني أمية، ومظلومية أهل البيت وبني هاشم.
غير أننا نود لفت النظر إلى الأمور التالية:
1 - إن كشف الرؤوس لا يلازم انكشاف الشعور، فتبديل ابن حبان الرؤوس بكلمة الشعور لعله كان سبق قلم، أو اجتهاداً منه..
2 - كلمة «نساء»، الواردة في كلام سبط ابن الجوزي، وابن حبان كما تصدق على الكثير تصدق على القليل أيضاً.. فلعل بعض بنات رسول الله «صلى الله عليه وآله »قد تعرضن لمحاولة سلب مقانعهن، فظهر بعض شعر هن بالرغم عنهن، فصح للقائل أن يوبخ من فعل ذلك بالقول : إنك أبديت شعور بنات النبي..
3 - إن طغاة بني أمية - كما ألمح إليه ابن عباس في رسالته ليزيد
والطواف بالسبايا ورؤوس الرجال المقطوعة في البلاد، كما كانوا يطوفون بسبايا المشركين من أهم مظاهر قاهريتهم.
وكان إظهار ملامح السبي على نساء أهل البيت أمراً مقصوداً لأولئك الخبثاء، وكان هذا الأمر يطبع أساليب تعاملهم معهم، فكانوا يقرعون رأس من تدمع عينه منهم بالرمح، ويربطونهم بالحبال، ويضعون الأغلال في أيدي وأعناق الرجال، ويحملونهم على أقتاب الجمال، وعلى الأكاف من دون سرج.
ويحاولون أيضا إظهار وجوه النساء وشعور هن، كما يظهرون شعور الإماء، ونساء أهل الذمة، وكان يكفيهم لهذه الغاية كشف رؤوس ووجوه بضعة نساء ، ثم يربطون سائر النساء بالحبال، ويقوم الجلاوزة الأشرار بقرع رأس من تدمع عينها منهن بالرمح، كما تقدم عن الإمام السجاد« عليه السلام».
عن ابن لهيعة: كُنتُ أطوفُ بالبَيتِ، فإذا أنَا بِرَجُلٍ يَقولُ: اللهُمَّ اغفِر لي وما أراكَ فاعِلاً.
فقلتُ لَهُ: يا عَبدَ اللهِ، اتَّقِ الله ولا تَقُل مِثلَ هذا، فَإِنَّ دُنوبَكَ لو كانت مِثل قطر الأمصار ، وورق الأشجار، فاستغفرتَ اللَّهَ، غَفْرَهَا لَكَ، إِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
قالَ: فَقالَ لي: أدنُ مِنّي حَتى أخبرَكَ بِقِصَّتي.
فأتيتُهُ، فقال: اعلم إنَّنا كُنَّا خَمسينَ نَفَراً مِمَّن سارَ مَعَ رَأس الحُسين «عليه السلام» إلى الشام ، فكنا إذا أمسينا وَضَعْنَا الرَّأْسَ فِي تابوت، وشربنَا الخَمرَ حَولَ التابوتِ، فشرب أصحابي ليلة حتى سَكِروا، ولم أشرَب مَعَهُم.
فلمّا جَنَّ اللَّيلُ سَمِعتُ رعداً، ورأيتُ بَرقاً، فإذا أبوابُ السَّمَاءِ قد فُتِحَتْ، ونَزَلَ آدَمُ، ونوحٌ، وإبراهيم، وإسحاق، وإسماعيلُ، وَنَبِيُّنا مُحَمَّدٌ «صَلَّى اللَّهُ عَلِيهِ وآلِهِ» وعليهم أجمَعينَ ، ومَعَهُم جَبرَئيلُ، وخَلَقَ مِنَ المَلائِكَة.
فَدَنا جَبْرَئِيلُ مِنَ التابوتِ، فَأَخرَجَ الرَّأْس ، وضَمَّهُ إِلى نَفْسِهِ وقَبَّلَهُ، ثُمَّ كَذلِكَ فَعَلَ الأنبياءُ كُلُّهُم.
وبَكَى النَّبِيُّ «صَلَّى اللهُ عَليهِ وآلِهِ» عَلى رَأس الحُسَين «عليه السلام»، وعَزَّاهُ الأنبياء.
وقالَ لَهُ جَبْرَئِيلُ «عليه السلام»: يا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَني أن أطيعَكَ في أُمَّتِكَ، فإن أمَرتَني زَلْزَلتُ الأرض بهم، وجَعَلْتُ عاليها سافلها، كما فعلتُ بقوم لوط.
فَقالَ النَّبِيُّ«صَلَّى اللهُ عَليهِ وآلِهِ»: لا يَا جَبرَئيلُ، فَإِنَّ لَهُم مَعي مَوقِفا بَينَ يَدَيِ اللَّهِ يَومَ القِيامَةِ.
ثُمَّ جَاءَ المَلائِكَةُ نَحوَنا لِيَقْتُلُونا، فقلتُ: الأمان يا رَسُولَ اللهِ.
من المعلوم: أن اليأس من رحمة الله من مظاهر الكفر ، فقد قال تعالى:إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ(2).
وأعمال الإنسان هي التي تؤدي به إلى الكفر، ثم إلى اليأس.
ويشهد لذلك: أن الله سبحانه وتعالى يقول: وَلِلهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَن الْعَالَمِينَ(3).
ولعل السبب في أن الكفر ينتج اليأس: أن الكفر إما أن يكون بإنكار الخالق، أو بإنكار صفاته. وإنكار الذات لا ينفك عن إنكار الصفات، لأن القضية تكون من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع، ومن
هذه الصفات: الغفار والتواب، والقادر ، والغني، والقريب، والمجيب، والحنان والكريم والغفور، والحكيم، والعليم، والخالق، والرازق والمدبر، وغير ذلك.
فإذا احتاج الإنسان الكافر الذي لا يؤمن به إلى معين، قادر، غني، غفور، تواب، فإنه لا يجده في عمق ضميره ونفسه، وقلبه، فتنقطع به السبل، ويكون اليأس..
وسيكتشف هذا الرجل : أن ربه الذي يعبده - إن كان يعبد رباً - ربٌ خاو من كل الصفات التي ذكرناها وسواها فلا فرق بين هذا الرجل الذي ينكر الصفات، وبين من يعبد حجراً، أو خيالاً أو ما إلى ذلك .
وهذا الرجل حين جاء إلى الطواف حول البيت دل مجيؤه هذا على أنه معترف بالله، ولكنه لا يسبغ عليه الصفات اللائقة بمقام الألوهية والربوبية، ولأجل ذلك قال: «وما أراك فاعلا».
والذي أوصله إلى هذا الحال هو سوء عمله، حتى لقد رضي أن يكون من حملة رأس سيد شباب أهل الجنة، ليطوف به في البلاد، رافعاً له على الرمح على رؤوس الأشهاد، ويوصله إلى أشر الخلق وأبغضهم إلى الله..
ذكرت الرواية المذكورة آنفاً: إن الذين ساروا مع الرأس الشريف من الكوفة إلى الشام كانوا خمسين رجلا، مع أن الرواية الآتي
ذكرها عن الأعمش تقول: إن الذين حملوا الرأس الشريف إلى يزيد كانوا أربعين رجلاً.
ونقول:
لا منافاة بين الروايتين من هذه الجهة، لأن الرواية المتقدمة عن ابن لهيعة تقول : إن الخمسين رجلا كانوا ممن سار مع رأس الحسين «عليه السلام»..
مما يعني: أنه يتحدث عن جماعة بعينها كانت لها مهمة خاصة في ذلك المسير، ولم تذكر الرواية طبيعة هذه المهمة، فلعلها الحراسة، ولعلها حمل الرأس، ولعلها المعونة على حمل الأثقال، من طعام وشراب وغير ذلك.. ولعلها .. ولعلها
أما رواية الأعمش، فهي تذكر أربعين رجلاً كانت مهمتهم حمل الرأس الشريف في ذلك السفر] وقد كان الرأس على رمح كما تقدم، فحمله والسير فيه مسافة طويلة، لا يقوم به شخص واحد، لأنه يحتاج إلى جهد من جماعة كبيرة تتناوب على هذه المهمة في سفر يمتد أياماً كثيرة ...
1 -تقول الرواية: إن هذا الشقي قد رأى جبرئيل، وخلقا من الملائكة، وآدم ونوحاً، وإبراهيم، وإسحاق، وإسماعيل «عليهم السلام»، ونبينا محمداً« صلى الله عليه وآله» قد نزلوا إلى موضع رأس
الحسين «عليه السلام» وجرى لهم مع الرأس ما جرى حسبما تقدم..
ولكنه لم يذكر نزول أحد من الأنبياء الذين هم بين إسماعيل ومحمد«صلى الله عليه وآله»، مثل يعقوب ويوسف، حتى ولا موسى وعيسى عليهم السلام، مع أنهما من أولي العزم.
ولعل سبب ذلك: أن الأنبياء من لدن إسماعيل وإسحاق - وحتى نبينا الأعظم صلى الله عليه وآله» - قد أرسلوا لأقوام بخصوصهم، :فإن موسى وعيسى ويعقوب، ويوسف.. و.. و.. إنما أرسلوا لبني إسرائيل، لا للبشر كلهم ، ولكن آدم ونوحاً، وإبراهيم، وإسماعيل، ونبينا محمداً منهم مبعوثون لجميع البشر قال تعالى: نَذِيرًا لِلبَشر(1).
2 - إنه قدَّم ذكر إسحاق على إسماعيل، مع أن المفروض هو العكس، فإن إسماعيل قد ولد قبل إسحاق.
ويجاب:
أولاً : إن هذا الترتيب في الرواية المتقدمة ليس من قول المعصوم لتكون له حجية في مداليل تقديم وتأخير الأسماء.
ثانياً : إن الأولى هنا تقديم إسحاق، ليكون الانتقال من إسماعيل إلى نبينا الأعظم طبيعياً، لأنه «صلى الله عليه وآله» من ذريته.
ولو أخر ذكر إسحاق لتوهم متوهم: أن من هم من ذريته من أنبياء
1) الآية 36 من سورة المدثر .
بني إسرائيل، وغيرهم قد طوي ذكرهم اختصاراً، مع أنهم مقصودون أيضاً، لأنهم من ذريته.
وهذا خلاف المراد ، لأن الأنبياء الذين حضروا عند الرأس الشريف لهم خصوصية يختلفون فيها عن غيرهم. وهي أنهم مبعوثون لجميع البشر ، ولأجل ذلك لم يجئ معهم أحد من الأنبياء الآخرين الذين كانوا مبعوثين لأقوام بخصوصهم كبني إسرائيل، حتى من الذين عاصروا هؤلاء الذين ذكرهم، مثل لوط مثلا.
تقدم أن جبرئيل عرض على النبي«صلى الله عليه وآله» أن يزلزل الأرض بأولئك المجرمين القتلة للحسين «عليه السلام»، ويجعل عاليها سافلها.
فقال النبى«صلى الله عليه وآله»: لا يا جبرئيل، إن لهم معي موقفا بين يدي الله يوم القيامة.
والسؤال هو : لماذا لم يسمح النبي «صلى الله عليه وآله» لجبرئيل«عليه السلام» بأن يجعل عالي الأرض سافلها بأولئك المجرمين، مع العلم بأن في الأنبياء السابقين من دعا الله سبحانه: أن يهلك أقوامهم، حين لم يعد سبيل لتحمل بغيهم، والسكوت عن إجرامهم؟!
ونجيب :
أولاً : لقد خاطب الله تعالى نبيه الأكرم «صلى الله عليه وآله»
بقوله: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَة لِلْعَالَمِينَ(1)، وهذا لا يعني أن سائر الأنبياء كانوا نقمة على أممهم، بل جميع الأمم التي نزل عليها العذاب كانت تستحق نزوله عليها .. وكان في تأخيره مفاسد و شدائد على سائر الأمم لا تطاق. وقد تكون من أسباب هلاك وضلال أمم أخرى.
بل قد يقال: إن الأمم التي أنزل الله عليها العذاب لم تكن هي البشر، بل كانوا أقواماً من جميع البشر ، استحقوا العذاب، وبقي سائر الناس على ما هم عليه، لم يصبهم شيء.
وقد يقال: إن قوم نوح لم يكونوا جميع البشر، بل كانوا قوماً بخصوصهم.
أما بالنسبة لنبينا فقد قال بعض الإخوة الأكارم: «فمضافا إلى خصوصية كونه رحمة للعالمين باعتباره خاتم الأنبياء، وشريعته خاتمة الشرايع، والمعني بها كل الناس إلى يوم القيامة.
وأما غيره من الأنبياء، فمع كونهم رحمة، إلا أنهم لا يكونون بطبيعة الحال إلا رحمة للأمم التي بين أحدهم وبين الآخر، ليكون الآخر رحمة لمن بعده، وهكذا».
أما بالنسبة لأمة محمد« صلى الله عليه وآله»، فإن إهلاكها لقتلها الإمام الحسين« عليه السلام»، من شأنه أن يضيّع كل فوائد وعوائد هذا الاستشهاد ، ويحرم أمماً وأجيالاً من نعمة الهداية والرعاية الإلهية.
1) الآية 107 من سورة الأنبياء.
وهذا ينافي كونه «صلى الله عليه وآله» رحمة للعالمين، كما أشرنا إليه آنفاً.
ثانياً: إن سلسلة الإمامة لم تنقطع باستشهاد الحسين «عليه السلام»، بل هي باقية نامية إلى يوم القيامة، والإمام السجاد وبعده الإمام الباقر« عليهما السلام »حاضران و ناظران.
وأئمة أهل البيت «عليهم السلام» أمان لهذه الأمة من نزول العذاب. فإن الله تعالى يقول لنبيه: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(1). ومضمون هذه الآية ينطبق على الإمام أيضاً. كما هو معلوم.
ثالثاً : إن نزول العذاب في الدنيا يحسم أمر تلك الأمة الشقية، ولا يبقى في الآخرة إلا سوق أولئك المجرمين إلى النار.
ولكن الأمر في قتل الإمام الحسين« عليه السلام »أعظم من أن يحسم في الدنيا وينتهي الأمر ، بل هو يحتاج إلى أن يفضح المجرمين يوم القيامة أمام جميع الأمم التي خلقها الله تعالى من أول الدنيا إلى فنائها. فإن هذا الخزي للمجرمين من أعظم العذاب لهم، وبه يشفي الله تعالى صدور جميع المؤمنين، ويظهر مظلومية النبي وأهل بيته الطاهرين «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين»، ويعطي صورة عن جهادهم، وصبرهم، وتضحياتهم.
1) الآية 33 من سورة الأنفال.
كما أن في انتظار المؤمنين لما سيكون عليه الحال في الآخرة بعض السلوة، ويمنحهم المزيد من الصلابة والقوة في عملهم وجهادهم، ويمنحهم الصبر والثبات والرضا.
كما أن هذا الأمر سيخيف من تسول له نفسه اتباع النهج اليزيدي والأموي، ويجعلهم فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ(1). والحمد لله رب العالمين.
ويقول بعض الإخوة الأكارم:
مضافاً إلى ما بين القتل وعذاب القيامة من وعد بإيراث الأرض المؤمنين، وظهور خاتم الأوصياء، وإقامة دولة الحق. وما تضافرت، بل تواترت به الأخبار من رجعة الأئمة« عليهم السلام»، لينتصف لهم ربهم ممن ظلمهم، ويجعلهم حكام الأرض، وفي ذلك عذاب في الدنيا شديد، وانتقام كبير من الظلمة وأتباعهم.
1) الآية 45 من سورة التوبة.
1 - قال جعفر بن نما في مثير الأحزان: روى النطنزي، عن جماعة، عن سليمان الأعمش قال: بَينَما أَنَا فِي الطُّوافِ أَيَّامَ المَوسم، إذا رَجُلٌ يَقولُ: اللهُمَّ اغفِر لي، وأنا أعلمُ أَنَّكَ لا تَغفِرُ.
فَسَأَلْتُهُ عَن السَّبَبِ..
فقالَ: كُنتُ أحَدَ الأربعين الَّذِينَ حَمَلُوا رَأسَ الحُسَين إلى يَزِيدَ عَلَى طريق الشّام، فَنَزَلْنا أَوَّلَ مَرحَلَةٍ رَحَلْنا مِن كَرِبَلاءَ عَلَى دَيرِ لِلنَّصارى، وَالرَّأْسُ مَركوزٌ عَلَى رُمْحٍ، فَوَضَعَنَا الطَّعامَ، وَنَحْنُ نَأَكْلُ [في بعض المصادر: وقعدوا في أول مرحلة يشربون النبيذ، يتحيون بالرأس] إذا بِكَفِّ عَلى حَائِطِ الدَّيرِ يَكْتُبُ عَلَيْهِ بِقَلْمٍ حَدِيدٍ سَطرا بِدَمٍ:
أتَرجو أُمَّةٌ قَتَلَت حُسَيناً*** شَفاعَة جَدِّهِ يَومَ الحِسابِ
فَجَزعنا جَزَعاً شديداً، وأهوى بَعضُنا إلى الكَفِّ لِيَأْخُذُهُ، فَغَابَ، فعادَ أصْحَابي.
2 - وحدَّث عبد الرحمان بن مسلم، عن أبيه أنه قال: غزونا بلاد الروم، فأتينا كنيسة من كنائسهم قريبة من القسطنطينية، وعليها شيء
مكتوب، فسألنا أناساً من أهل الشام يقرؤن بالرومية، فإذا هو مكتوب هذا البيت. يعني قوله:
أترجو أمَّة قتلت حُسَيناً*** شَفاعَة جَدِّهِ يَومَ الحِسابِ
[زاد في مثير الأحزان :قوله فقالوا لهم: منذ متى مكتوب؟!
قالوا: قبل أن يبعث نبيكم بثلاث مئة عام ](1)
وراجع ما روي عن أبي قبيل - وهو يشبه رواية الأعمش المتقدمة في: المعجم الكبير ج 3 ص 123 الرقم 2873 وتهذيب الكمال ج 6 ص 443 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 244 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 107 مقتل الحسين ج 2 ص 93 و مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 61 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 218 وبحار الأنوار ج 45 ص 305 و 125 و 184 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 398 و 425 و 603 ومناقب علي بن طالب لابن المغازلي ص 311 والخرائج والجرائح ج 2 ص 578 ومدينة المعاجز ج 4 ص 116 وذيل تاريخ بغداد ج 4 ص 159 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2652 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 405 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 76 .
.1) راجع رواية الأعمش، وعبد الرحمان بن مسلم، عن أبيه في موسوعة الإمام الحسين ج 5 ص 131 عن مثير الأحزان ص 96 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 76 والصراط المستقيم ج 2 ص 179 الرقم 8 نحوه، وليس في ذيله من وعن مشايخ» وبحار الأنوار ج 44 ص 224 الرقم 4 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 111 ومدينة المعاجز ج 4 ص 138 والدر النظيم ج4 ص 562 و 570 وراجع: الأمالي للشجري ج 1 ص 185 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 93 والبداية والنهاية ج 8 ص200 وراجع هذه ج8 الموسوعة ج 5 ص 27 (الفصل الثاني: ما ظهر من الآيات).
3 - وذكر أبو عمرو الزاهد في كتاب الياقوت قال: قال عبد الله بن الصفار صاحب أبي حمزة الصوفي: غزونا غزاة وسبينا سبيا، وكان فيهم شيخ من عقلاء النصارى، فأكرمناه، وأحسنا إليه، فقال لنا: أخبرني أبي، عن آبائه أنهم حفروا في بلاد الروم حفراً قبل أن يبعث [محمد] العربي بثلاث مائة سنة، فأصابوا حجراً عليه مكتوب بالمسند
هذا البيت:
أترجو أمة قتلت حسيناً*** شفاعة جده يوم الحساب
والمسند كلام أولاد شيث «عليه السلام»(1).
ونقول:
1 - إن بعض ما سجلناه حول رواية ابن لهيعة آت في الرواية المتقدمة آنفاً برقم ،[1] فلا حاجة إلى إعادته، لكن ما نرتاب فيه منها هو قوله: «فوضعنا الطعام ونحن نأكل» مع أن نفس هذه الرواية قد وردت في مصادر أخرى، وفيها : إنهم قعدوا في أول مرحلة يشربون النبيذ، ويتحيون بالرأس.
ولعل بعض الرواة أراد التلطيف والتخفيف من حدة النقد واللوم
1) بحار الأنوار ج 44 ص 225 ومثير الأحزان (ط المكتبة الحيدرية) ص77 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 111.
الموجه للأمويين وأذنابهم وأعوانهم ، فاستبدل شرب النبيذ بالأكل.. سعياً منه في تزوير الحقيقة، وخدمة لأعداء الله ورسوله..
2 - قوله: «ويتحيون بالرأس» يراد به أنهم كلما أرادوا الشرب أشاروا بالكأس المملوء بالمسكر إلى رأس الإمام الحسين «عليه السلام»، وكأنهم يحيونه بكأسهم هذا. وهو بمعنى «شرب نخبه» بتعبير أهل زماننا.
3 - إننا نرتاب في قول الرواية المتقدمة برقم [1] أيضاً «وأهوى بعضنا إلى الكف ليأخذه، فغابت»، لأن ظهور هذه اليد الكاتبة على الحائط بقلم من حديد أمر صادم للمشاعر، مثير للرهبة والخوف من هذا الأمر الغيبي، فلا نظن أن أحداً يجرؤ على لمس تلك اليد، فضلاً عن أن يرى نفسه قادراً على أخذها.
4 - بالنسبة للرواية المتقدمة برقم [2] نقول:
إن من يراجع كتب الحديث والتاريخ يجد نصوصاً كثيرة تدل على أن قتل الحسين« عليه السلام» كان معروفاً ومتداولاً بين الأنبياء، ولهم من الاهتمام بهذا الأمر، والتفاعل الوجداني والعاطفي به، ما يجعل تصديق هذه الروايات التي تذكر أن هذا البيت (أترجو أمة..) كان مكتوباً في بعض كنائس النصارى، أو أنهم وجدوه محفوراً على حجر بالمسند (الذي هو كلام أولاد شيث) وكان الحجر مدفونا في بلاد الروم - تجعله - أمراً طبيعياً ومقبولاً.
قالوا:
1 - إِنَّ رَأسَ الحُسَين «عليه السلام» لمّا حُمِلَ إِلَى الشَّامِ جَنَّ عَليهِمُ الليلُ، فَنَزَلُوا عِندَ رَجُلٍ مِنَ اليَهودِ، فلمّا شربوا وسَكِروا، قالوا له: عِندَنا رَأْسُ الحُسَين.
فَقالَ لهُم: أروني إيَّاهُ، فأروهُ إِيَّاهُ بصندوقِ يَسطعُ مِنهُ النُّورُ إِلى السَّماء .
فَعَجِبَ اليَهُودِيُّ، وَاستَودَعَهُ مِنهُم، فأودَعوهُ عِندَهُ.
فقالَ اليَهُودِيُّ لِلرَّأس، وقد رَآهُ بذلِكَ الحال: اشفع لي عِندَ جَدِّكَ.
فَأَنطَقَ اللهُ الرَّأْسَ، وقالَ: إِنَّما شَفَاعَتِي لِلمُحَمَّدِيِّينَ، ولستَ بِمُحَمَّدِيِّ، فَجَمَعَ اليَهُودِيُّ أقربَاءَهُ، ثُمَّ أخذ الرَّأسَ وَوَضَعَهُ في طستٍ، وصَبَّ عَليهِ مَاءَ الوَردِ، وطرَحَ فِيهِ الكَافُورَ، وَالمِسكَ، وَالعَنبَرَ .
ثُمَّ قَالَ لِأُولادِهِ وأقربائِهِ : هذا رَأْسُ ابن بنتِ مُحَمَّدٍ.
ثُمَّ قال: وا لهفاه ! لم أجد جَدَّكَ مُحَمَّدًا فَأُسلِمَ عَلى يَدَيهِ، ثُمَّ وا لهفاهُ لم أجدكَ حَيّا فَأُسلِمَ عَلى يَدَيكَ، وأقاتِلَ دونَكَ، فلو أسلمتُ الآنَ أَتَشفَعُ لي يَومَ القِيامَةِ؟
فَأَنطَقَ اللهُ الرَّأْسَ ، فقالَ بِلِسَان فصيح : إن أسلمت فأنَا لَكَ شَفيع. قالها ثلاثَ مَرَّاتٍ وَسَكَتَ .
فأسلم الرَّجُلُ وأقرباؤه(1).
2 - لمّا جاؤوا برأس الحُسَين« عليه السلام»، ونَزَلُوا مَنزِلاً يُقالُ لهُ قِتَسرينَ (2)، اطلع راهِبٌ مِن صَومَعَتِهِ إِلى الرَّأس، فرأى نورا ساطعاً يَخرُجُ مِن فِيهِ، ويَصعَدُ إِلى السَّماءِ، فأتاهُم بِعَشَرَةِ آلافٍ دِرْهَمٍ، وأخذ الرأس، وأدخلهُ صَومَعَتَهُ (3)، قسَمِعَ صَوتا ولم يَرَ شخصا. قال: طوبى لك، وطوبى لِمَن عَرَفَ حُرِمَتَهُ.
فَرَفَعَ الرَّاهِبُ رَأسَهُ، وقال: يا رَبِّ، بحَقِّ عيسى تَأْمُرُ هذا الرَّأْسَ بالتَّكلُّم مَعي.
فَتَكَلمَ الرَّأْسُ، وقال: يا راهِبُ، أَيَّ شَيْءٍ نُرِيدُ؟
قالَ: مَن أَنتَ؟
1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 102 وبحار الأنوار ج 45 ص172 ح20 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 417 ومستدرك سفينة البحار ج 4 ص 7 و 8 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 499 .
2) قال في موسوعة الإمام الحسين ج 5 ص 128 : كانت قسرين مدينة [في الشام] بينها وبين حلب مرحلة من جهة حمص بقرب العواصم، وما زالت عامرة آهلة إلى أن كانت سنة 351هـ. ق. وغلبت الروم على مدينة حلب، وقتلت جميع ما كان بربضها، فخاف أهل قتسرين، وتفرقوا في البلاد. راجع: معجم البلدان ج 4 ص 404 .
3) الصَّومَعَة: بيت للنصارى ومَنار للراهب. تاج العروس ج11 ص281 «صمع».
قالَ: أَنَا ابْنُ مُحَمَّدٍ المُصطفى، وأنَا ابْنُ عَلِيِّ المُرتَضى، وأنَا ابْنُ فاطِمَة الزَّهراء، وأنا المقتولُ بكَر بَلاء، أنا المظلومُ، أَنَا العَطشانُ، فسَكَت .
فَوَضَعَ الرَّاهِبُ وَجهَهُ عَلى وَجهِهِ، فَقالَ: لا أرفعُ وَجهي عَن وَجْهِكَ حَتَّى تَقُولَ: أَنَا شَفِيعُكَ يَومَ القِيامَةِ.
فتَكَلَّمَ الرَّأْسُ ، فَقالَ: ارجع إلى دين جَدّي مُحَمَّدٍ «صَلَّى اللَّهُ عَلِيهِ وآلِهِ».
فقالَ الرَّاهِبُ: أَشهَدُ أن لا إله إلا اللهُ، وأشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. فَقِيلَ لَهُ الشَّفاعَة.
فلمّا أصبحوا أخَذوا مِنهُ الرَّأْسَ وَالدَّرَاهِمَ، فلمّا بَلغُوا الوادِيَ نَظَرُوا الدَّراهِمَ قد صارَت حِجَارَةً(1).
3 - عن عبد الملك بن هشام النحوي البصري قال: لمَّا أنفَذ ابنُ زيادٍ رَأسَ الحُسَين« عليه السلام» إلى يَزيدَ بن مُعاوِيَة مَعَ الأسارى مُوَثَّقِينَ فِي الحِبال، مِنهُم نِساء، وصبيانٌ ، وصَبِيّاتٌ مِن بَنَاتِ رَسول اللهِ «صَلَّى اللهُ عَليهِ وآلِهِ»، عَلى أقتاب الجمال مُوثَقِينَ، مُكَشَفاتِ الوُجوهِ وَالرُّؤوس.
1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 60 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص217 عن النطنزي في الخصائص، وبحار الأنوار ج 45 ص 303 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 617.
وكَانُوا كُلما نَزَلوا منزلاً أخرَجُوا الرَّأْسَ مِن صُندوق أعَدّوهُ لهُ، فَوَضَعُوهُ عَلَى رُمح، وحَرَسوهُ طول الليل إلى وقتِ الرَّحيل، ثمَّ يُعيدوه [كذا] إلى الصندوق ويرحلوا [كذا].
فنَزلوا بَعض المنازل، وفي ذلِكَ المنزل ديرٌ فِيهِ راهِبٌ، فَأَخرَجُوا الرَّأْسَ عَلى عادَتِهم، ووَضَعوهُ عَلى الرُّمح ،وحَرَسَهُ الْحَرَسُ عَلَى عَادَتِهِ، وأسنَدُوا الرُّمح إلى الدَّير .
فلمّا كانَ فِي نِصفِ الليلِ رَأَى الرَّاهِبُ نوراً مِن مَكان الرَّأْس إلى عَنان السَّمَاءِ، فَأَشرَفَ عَلى القوم، وقالَ: مَن
أَنتُم ؟!
قالوا: نَحنُ أصحاب ابن زيادٍ.
قالَ: وهذا رَأْسُ مَن؟
قالوا: رَأسُ الحُسَين بن عَلِيٍّ بن أبي طالب، ابن فاطِمَة بنتِ رسول اللهِ« صلَّى اللهُ عَليهِ وآلِهِ».
قالَ: نَبِيُّكُم؟
قالوا: نَعَم .
قال: بئس القومُ أنتُم، لو كانَ لِلمسيح ولدٌ لأسكتاه أحداقنا، ثمَّ قَالَ: هَل لَكُم في شَيءٍ ؟!
قالوا: وما هُوَ؟!
قالَ: عِندي عَشَرَةُ آلاف دينار تَأخُذُونَها ، وتُعطونّي الرَّأْسَ يَكونُ عِندي تَمامَ الليلة، وإذا رَحَلتُم تَأخُذُونَهُ.
قالوا: وما يَضُرُّنا، قناوَلُوهُ الرَّأس، وناوَلهُمُ الدَّنانير .
فأَخَذَهُ الرّاهِبُ، فَغَسَلَهُ وطيَّبَهُ، وتَرَكَهُ عَلى فَخِذِهِ، وقعَدَ يَبكي الليلَ كُلَّهُ، فلمّا أسفَرَ الصُّبحُ قالَ: يا رَأسُ ، لا أملك إلا نَفسي، وأَنَا أَشْهَدُ أَن لا إله إلا اللهُ، وأَنَّ جَدَّكَ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وأشهدُ اللهَ أَنَّني مَولاكَ وعَبْدُكَ . ثُمَّ خَرَجَ عَن الدَّير وما فيهِ، وصارَ يَحْدِمُ أَهْلَ البَيتِ.
قال ابن هشام في السيرة: ثم إنهم أخذوا الرأس وساروا، فلما قربوا من دمشق قال بعضهم لبعض: تعالوا حتى نقسم الدنانير، لا يراها يزيد فيأخذها منا.
فأخذوا الأكياس وفتحوها، وإذا الدنانير قد تحولت خزفا، وعلى أحد جانب الدينار مكتوب:وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ َغافِلَا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ(1).
وعلى الجانب الآخر: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلبٍ يَنْقَلِبُونَ(2)، فرموها في بردى (3).
وقال الخوارزمي: لعل هذا الرجل اليهودي كان راهب قنسرين، لأنه أسلم بسبب رأس الحسين «عليه السلام»، وجاء ذكره في
الأشعار، وأورده الجوهري والجرجاني في مراثي الحسين «عليه السلام»، كما سيرد عليك في موضعه إن شاء الله(1).
ونقول:
لا بأس بالنظر إلى ما يلي:
1 - يلاحظ: أن اليهودي يرى النور يتصاعد من الرأس الشريف إلى عنان السماء، كما يراه أولئك الأشرار، ولا يردع هذا الأمر هؤلاء الأشرار عن غيهم، بل يمعنون في الانغماس في معصية الله تعالى بشربهم الخمر إلى حد السكر ، والرأس معهم، وآياته ظاهرة لهم.
أما ذلك اليهودي، فهو يرى الرأس الشريف لأول مرة، فيخشع قلبه، ويبادر إلى طلب الشفاعة من الرأس عند جده «صلى الله عليه وآله»..
2 - إن الرأس لم يستجب لطلب اليهودي فلم يعده بالشفاعة إلا أن يسلم، ويتشهد الشهادتين.
ولعل اليهودي قد خاطب الرأس على سجيته، بعد أن أدرك أن له شأناً عظيماً عند الله .. ولم يكن يتوقع من الرأس أن يكلمه..
ولعله كان يريد أن يدخل الجنة من خلال الحسين «عليه السلام»
1) راجع مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 115 و 116.
وشفاعته. ولكن الرأس كلمه وأجابه بأنه إنما يشفع لمن كان مؤمناً بنبوَّة جده محمد «صلى الله عليه وآله» ولا تقبل الشفاعة في من لم يكن يؤمن بمحمد« صلى الله عليه وآله». فكان كلام الرأس مع اليهودي آية أخرى له لم يكن يتوقع حدوثها ، فبخع لها، ولم يتردد في قبولها. بل جمع أولاده وأقرباءه، وأعلمهم بما جرى. كما تقدم. 3 - ظهر: أن اليهودي كان رجلاً عاقلاً لبيبا، وحكيما أريباً، حيث أراد أن ينيل أقرباءه وأولاده هذه السعادة التي نالها بفضل الله تعالى عليه.. وإذ بالرأس يعينه على تعميق الإيمان في قلوبهم، وترسيخه في وجدانهم، فكلمه مرة أخرى بمحضر أولاده وأقربائه.. فكان منهم الرضا والقبول، وفازوا بإسلامهم فوزاً عظيماً.
وعن حديث راهب الصومعة في قنسرين نلاحظ ما يلي:
تقدم: أن الراهب في قنسرين حين أشرف على الركب من صومعته رأى الرأس والنور يخرج من فيه، ويصعد إلى السماء..
والسؤال هو: لماذا من فيه؟!
ويمكن أن يجاب بأن هذا الموضع هو مصدر الخيرات، والبركات، والهدايات ، ومنه تصعد التسابيح إلى السماوات، وهو الذي كان يتلو القرآن على رأس الرمح في المدن وفي الفلوات، وسيقرؤه
في الشام في العديد من المناسبات،في الطرق والساحات..
1 - إن الدراهم التي أعطاها راهب قنسرين ليسمحوا له بأن يكون الرأس عنده في ليلتهم تلك قد صارت حجارة بعد مغادرتهم مكان الراهب، وكذلك الحال بالنسبة للدنانير التي أخذوها من الراهب الذي أسلم بسبب الرأس، وصار يخدم أهل البيت، ثم تحولت الدنانير إلى خزف.. وهي آية أخرى أظهرها الله تعالى لأولئك المخذولين الذين تعاموا عما رأوه من أنوار تتصاعد من فم الإمام إلى السماء.. لأن الله تعالى لا يريد لهم بعد حصولهم على الأموال أن يشعروا بالسلام والسلامة.. وأن الأمور طبيعية، وأن ما رأوه من أنوار تتصاعد من
الرأس الشريف قد تكون خيالات عرضت لهم، بسبب حالة غير طبيعية ألمت بهم...
فجاء تحول الدراهم إلى حجارة والدنانير إلى خزف، ليكون شاهداً ملموساً ومحسوساً لهم، لا يمكن أن يكون وهما ولا خيالاً.. ولا مجال لأن يعزى لاضطرابات نفسية، وتوهمات لا أساس لها، ولا تلبث أن تزول وتتلاشى.
2 - إن هذه الكرامة للرأس الشريف هي من مفردات إقامة الحجة عليهم، وهي أيضاً من مظاهر الرفق بهم، لأنها تدفع عنهم الأوهام الشيطانية الهادفة إلى إبطال أثر النور الذي يرونه يتصاعد من الرأس الشريف إلى السماء. فإن اهتدوا بسببها، فبها ونعمت، وإن أصروا
على ضلالهم، فإلى جهنم وساءت مصيراً..
وما كان يجري في الأديرة، ومع بعض أهل الكتاب من رهبان النصارى تارة، ومن بعض اليهود أخرى، وإن كان متقارباً في مضامينه، وفي محوره ومداره، وهو المعجزة والكرامة من خلال النور المتصاعد من الرأس، أو الفم إلى السماء، أو من خلال تكلم الرأس الشريف مع الراهب أو مع اليهودي، أو غير ذلك ..
لكن ذلك لا يمنع من تكرر الحدث من خلال النور، والتكلم الإعجازي في أكثر من مكان، وأكثر من مناسبة. فإن هذه الطريقة أيسر طرق الهداية فى مثل هذه الحال، وأقربها إلى بلورة تفاعل عاطفى عقلانى رصين، بعيد عن العشوائية والانفعال والارتجال.
ويشهد لاختلاف وتعدد الحوادث المشار إليها: وجود اختلافات بين النصوص، فهذا يبذل لحراس الرأس الشريف عشرة آلاف درهم وذاك يبذل لهم عشرة آلاف دينار. ويمكن مراجعة الروايات والمقارنة بينها لمن أحب وأراد..
والرواية التي تحدثت عن بذل الراهب عشرة آلاف درهم، قد رواها الراوندي عن سليمان الأعمش، وفيها: أن عمر بن سعد هو
الذي أوصل الرؤوس إلى الشام(1).
مع أن المعروف أن عمر بن سعد لم يذهب إلى الشام مع الرؤوس.
ونحن نورد هنا رواية عن المنتخب للطريحي، لمجرد إطلاع القارئ، لا لأجل البحث والمناقشة، والرواية هي التالية:
نقل السيد هاشم البحراني «رحمه الله» عن الطريحي، قال: «روى الثقاة عن أبي سعيد الشامي قال كنت ذات يوم مع القوم اللئام، الذين حملوا الرؤوس والسبي إلى دمشق، لما وصلوا إلى دير النصارى، فوقع بينهم أن نصر الخزاعي قد جمع عسكراً، ويريد أن يهجم عليهم نصف الليل، ويقتل الأبطال، ويجدل الشجعان، ويأخذ الرؤوس والسبي.
فقال رؤساء العسكر من عظم اضطرابهم: نلجأ الليلة إلى الدير ،ونجعله كهفا لنا، لأن الدير كان لا يقدر أن يتسلط عليه العدو.
فوقف الشمر وأصحابه «لعنهم الله» على باب الدير، وصاح بأعلى صوته يا أهل الدير فجاء هم القسيس الكبير ، فلما رأى العسكر، قال لهم: من أنتم وما تريدون؟
1) الخرائج و الجرائح ج 2 ص 579 و 580 .
فقال الشمر لعنه الله»: نحن من عسكر عبيد الله بن زياد، ونحن سائرون من العراق إلى الشام.
فقال القسيس: لأي غرض؟
قال :كان شخص بالعراق قد تباغی، وخرج على يزيد، وجمع العساكر، فعقد يزيد عسكراً عظيماً، فقتلوهم، وهذه رؤوسهم، وهؤلاء النساء سباياهم.
قال الراوي: قال: فنظر القسيس إلى رأس الحسين «عليه السلام»، وإذا بالنور ساطع منه، والضياء لامع، قد لحق بالسماء، فوقع في قلبه هيبة منه.
فقال القسيس: ديرنا ما يسعكم، بل أدخلوا الرؤوس والسبي إلى الدير، وحيطوا أنتم من خارج إن دهمكم عدو فقاتلوه، ولا تكونوا مضطربين على السبي والرؤوس.
قال: فاستحسنوا كلام القسيس صاحب الدير، وقالوا: هذا هو الرأي !
فحطوا رأس الحسين في صندوق وقفل عليه، وأدخلوه إلى داخل الدير، والنساء وزين العابدين «عليه السلام»، وصاحب الدير حطهم في مكان يليق بهم.
قال الراوي: ثم إن صاحب الدير، أراد أن يرى الرأس الشريف، فجعل ينظر حول البيت الذي فيه الصندوق، وكان له رازونة، فحط رأسه في تلك الرازونة، فرأى البيت يشرق نوراً، ورأى أن سقف
البيت قد انشق، ونزل من السماء تخت عظيم، والنور يسطع من جوانبه، وإذا بامرأة أحسن من الحور، جالسة على التخت وإذا بشخص يصيح: اطرقوا ولا تنظروا .
وإذا قد خرج من ذلك البيت نساء، فإذا حواء، وصفية، وزوجة إبراهيم أم إسماعيل، وراحيل أم يوسف، وأم موسى، وآسية، ومريم، ونساء النبي.
قال الراوي : فأخرجوا الرأس من الصندوق، وكل من تلك النساء واحدة بعد واحدة، يقبلن الرأس الشريف، فلما وقعت النوبة لمولاتي فاطمة الزهراء « عليها السلام»، غشى على بصر صاحب الدير، وعاد لا ينظر بالعين، بل يسمع الكلام، وإذا قائلة تقول:
«السلام عليك يا قتيل الأم، السلام عليك يا مظلوم الأم، السلام عليك يا شهيد الأم، السلام عليك يا روح الأم، لا يداخلك هم وغم، فإن الله سيفرج عني وعنك، ويأخذ لي بثأرك».
قال: فلما سمع الديراني البكاء من النساء اللاتي نزلن من السماء، اندهش ووقع مغشياً عليه، فلما أفاق من ذلك البكاء، وإذا بالشخص نزل إلى البيت، وكسر القفل والصندوق، واستخرج الرأس، وغسله بالكافور، والمسك، والزعفران، ووضعه في قبلته، وجعل ينظر إليه ويبكي ويقول:
يا رأس رؤوس بني آدم، ويا عظيم، ويا كريم جميع العوالم، أظنك أنت من الذين مدحهم الله فى التوراة والإنجيل، وأنت الذي
أعطاك فضل التأويل، لأن خواتين سادات الدنيا والآخرة، يبكين عليك ويندبنك.
أما أنا أريد أن أعرفك باسمك ونعتك !
فنطق الرأس بإذن الله وقال: أنا المظلوم! أنا المقتول! أنا المهموم! وأنا المغموم! وأنا الذي بسيف العدوان والظلم قتلت أنا الذي بحرب أهل الغي ظلمت!
فقال صاحب الدير بالله أيها الرأس زدنى!
فقال الرأس إن كنت تسأل عن حالتي ونسبي: أنا ابن محمد المصطفى! أنا ابن علي المرتضى أنا ابن فاطمة الزهراء! أنا ابن خديجة الكبرى وأنا ابن العروة الوثقى أنا شهيد كربلاء ! أنا مظلوم كربلاء ! أنا قتيل كربلاء ! أنا عطشان كربلاء ! أنا ظمآن كربلاء ! أنا مهتوك كربلاء !
قال الراوي: فلما سمع صاحب الدير من رأس الحسين «عليه السلام» هذا الكلام، جمع تلامذته ومريديه وحكى لهم هذه الحكاية ،وكانوا سبعين رجلا، فضجوا بالبكاء والنحيب ونادوا بالويل والثبور، ورموا العمائم من رؤوسهم، وشقوا أزياقهم، وجاؤا إلى سيدنا ومولانا علي بن الحسين زين العابدين «عليه السلام»، ثم قطعوا الزنار، وكسروا الناقوس، واجتنبوا أفعال اليهود والنصارى، وأسلموا على يديه، وقالوا: يا ابن رسول الله، مرنا أن نخرج إلى هؤلاء القوم الكفرة، ونقاتلهم ونجلي صدأ قلوبنا، ونأخذ بثأر سيدنا.
فقال لهم الإمام السجاد« عليه السلام»: لا تفعلوا ذلك، فإنهم عن قريب ينتقم الله منهم، ويأخذهم أخذ عزيز مقتدر، فردوا أصحاب الدير عن القتال(1).
ونقول:
لا نريد أن نثير الأسئلة الكثيرة حول مضامين هذه الرواية، والتي منها:
أولاً : ما الذي أباح لقسيس ليس على دين الإسلام أن يرى جمال فاطمة الزهراء عليها السلام في وجهها، حتى لقد وصفها بأنها أحسن من الحور.
ثانياً : إن بعض نساء النبي، مثل خديجة، وأم سلمة، وربما بعض آخر هي من أهل الكرامة عند الله، بحيث يمكن أن تكون في جملة هذا الوفد، لكن من قادت حرباً - سميت حرب الجمل - إنما فعلت ذلك لتقتل الحسين وأبيه وأخيه «عليهم السلام» وشيعتهم، وكانت لا تستطيع أن تذكر عليا « عليه السلام» بخير أبداً .
وكذلك الحال بالنسبة لمن كانت تؤيدها وتشد من عضدها في هذا المسير، أو هذا النهج.
ومن الواضح: أن هاتين لا يعقل أن تكونا في ضمن هذا الوفد.
1) مدينة المعاجز ج 4 ص 126 - 129 وعن الدمعة الساكبة ج 5 ص 70 وعن معالي السبطين ج 2 ص 137.
ثالثاً : إذا كان الديراني قد رأى السيدة الزهراء «عليها السلام» حين نزولها من السماء، وهي أحسن من الحور، فلماذا حين أرادت تقبيل الرأس الشريف غشي على بصر ذلك الديراني؟!
رابعاً : كيف ولماذا تتقدم النسوة جميعاً على الزهراء« عليها السلام» في تقبيل الرأس الشريف؟!
إلا إن أجيب بما قاله بعض الإخوة الأكارم: قد يكون وجه التقدم طول موقف سيدة النساء« عليها السلام »مع الرأس، وكلامها حينها الذي ينبغي السكوت عليه، ولا يحسن بعده كلام أو فعل .
خامساً : هل كان جميع النسوة المذكورات من محارم الإمام الحسين «عليه السلام»، حتى جاز لهن جميعاً تقبيل الرأس الشريف؟!
وبعدما تقدم، فإننا نذكر فيما يلي نصوصاً مروية في مصادر يمكن الاعتماد عليها، والإرشاد إليها، وهي نصوص ترشدنا إلى ما قدمناه، من أن الطريق الذي سلكوه في إيصال السبايا من الكوفة إلى دمشق كان طويلاً، وكان أكثر سكان البلاد التي مروا بها من غير المسلمين.
وهذه النصوص، وإن لم تصرح بأسماء جميع تلك البلاد، ولا حددت أكثر تلك المنازل. ولكن ما صرحت به قد حسم الأمر، ووفى بالمطلوب، وهو أن يترجح لدى الباحث الطريق الذي اختاروه، والبلاد التي مروا عليها. فقد تقدم الحديث عن:
ألف :مرورهم على قنسرين، وحديث راهبها.
وسيأتي الحديث عن مرورهم في المواضع التالية:
ب: مسجد النقطة في حلب
ج: مشهد السقط في حلب.
د: مشهد مسقط الرأس بنصيبين.
هـ: مشهد النقطة بنصبين.
و: مشهد الرأس بنصيبين.
ونحن لا نجد حرجاً من الاعتراف بأن سائر ما يذكر من أحداث جرت في الطريق، وما يُدَّعى من منازل نزلوا فيها، أو بلاد مروا عليها، لم نجده في مصدر قابل للاعتماد .
والظاهر: أن الأصل في كثير منه هو المقتل المنسوب إلى أبي مخنف، أو روضة الصفا، أو معالي السبطين، أو إكسير العبادات، أو ما أشبه ذلك.
وقد قلنا: إن كتاب أبي مخنف ساقط عن الاعتبار، وأن هذه الكتب لم يعتمد عليها أكثر العلماء، فلا حاجة إلى الإعادة.
وقد يعتب علينا إخوة أعزاء، لأننا لم نكثر من الأخذ مما ورد في هذه الكتب، مع أننا لا نتهم أشخاص مؤلفيها..
غير أننا نقول:
صحيح أننا لا نتهم أياً من مؤلفي تلك الكتب بسوء، ولكننا نقول:
لعل الآفة كانت في المروي عنه، لا في الراوي، أو لعله أراد أن يصور الوقائع وفق ما يتوقعه، أو لعله ذكر ما ذكره على قاعدة ولسان حاله يقول.. أو على قاعدة كأني به قد فعل كذا، أو قال كذا.. أو لعله سمع بعض ذلك من خطيب، أو رجل لم يسنده إلى من يوثق به، وما إلى ذلك.
ونذكر من المشاهد والمزارات المرتبطة بأحداث تظهر أنهم قد مروا بالرأس، أو به وبالسبايا من تلك البلاد، ما يلي:
يقول صاحب كتاب نهر الذهب في تاريخ حلب:
«وفي سنة إحدى وستين قتل الحسين بن علي «عليه السلام» بكربلاء، واحتز رأسه الشريف شمر بن ذي الجوشن، وسار به وبمن معه من آل الحسين إلى يزيد في دمشق فمر بطريقه على حلب، ونزل عند الجبل غربي حلب، ووضعه على صخرة من صخراته، فقطرت منه قطرة دم عمّر على أثرها مشهد عُرف بمشهد النقطة(1)
وقال أيضاً: «قلت: ذكر أن سبب بناء مشهد النقطة هو: أن رأس الحسين لما وصلوا به إلى هذا الجبل، وضعوه على الأرض، فقطرت منه قطرة فوق صخرة، فبنى الحلبيون عليها هذا المشهد، وسمّي
1) نهر الذهب في تاريخ حلب ج 3 ص 24 .
مشهد النقطة، ولعل هذه الصخرة نقلت من هذا المشهد بعد خرابه إلى محراب مشهد الحسين، فبنى عليها ...» (1).
قال الحموي:
«وفي غربي البلد في سفح جبل جوشن(2)قبر المحسن بن الحسين، يزعمون أنه سقط لما جيء بالسبي من العراق ليحمل إلى دمشق، أو طفل كان معهم بحلب، فدفن هنالك»(3).
وقال أيضاً: «جوشن جبل في غربي حلب، ومنه كان يحمل النحاس الأحمر وهو معدنه، ويقال: إنه لم يعد فيه معدن، وبطل منذ عبر عليه سبي الحسين بن علي ونساؤه، وكانت زوجة الحسين حاملا ، فأسقطت هناك، فطلبت من الصناع في ذلك الجبل خبزا وماءً، فشتموها ومنعوها! فدعت عليهم، فمن الآن من عمل فيه لا يربح»(4).
وقال الغزي: «ومما يلحق بهذه المحلة (أي محلة الكلامتة) مشهد
محسن، ومشهد الحسين.
فأما مشهد محسن فيعرف بمشهد الدكة ، ومشهد الطرح، وهو غربي حلب، سمي بهذا الاسم لأن سيف الدولة بن حمدان كان له دكة على الجبل المطل على موضع المشهد، يجلس عليها لينظر إلى حلبة السباق، فإنها كانت تقام بين يديه هناك .
وعن تاريخ ابن أبي طيّ: أن مشهد الدكة ظهر في سنة 351 هـ، وأن سبب ظهوره هو: أن سيف الدولة، كان في إحدى مناظره التي بداره خارج المدينة، فرأى نوراً ينزل على مكان المشهد، وتكرر ذلك، فركب بنفسه إلى ذلك المكان، وحفره، فوجد حجراً عليه كتابة:« هذا قبر المحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب».
فجمع سيف الدولة العلويين، وسألهم هل كان للحسين ولد اسمه المحسن؟!
فقال بعضهم: ما بلغنا ذلك، وإنما بلغنا: أن فاطمة كانت حاملا، فقال لها النبي «صَلَّى اللهُ عَليهِ وآلِهِ»: في بطنك محسن، فلما كان يوم البيعة هجموا على بيتها لإخراج علي إلى البيعة، فأخدجت(1)، وفي صحة هذا نظر (2).
وقال بعضهم: إن سبي نساء الحسين لما مروا بهن على هذا المكان
طرحت بعض نسائه هذا الولد..
فإِنَّا نروي عن آبائنا: أن هذا المكان سمي بجوشن، لأن شمر بن ذي الجوشن نزل عليه بالسبي والرؤوس، وكان معدناً يُستخرج منه الصفر، وإن أهل المعدن فرحوا بالسبي، فدعت عليهم زينب بنت الحسين (هكذا)، ففسد ذلك المعدن.
فقال سيف الدولة: «هذا الموضع قد أذن الله بإعماره، فأنا أعمره على اسم أهل البيت»..»(1).
وفي كتاب الإشارات إلى معرفة الزيارات: «في مدينة نصيبين مشهد النقطة، يقال: إنه من دم رأس الحسين
«عليه السلام »(2).
وفي سوق النشابين مشهد الرأس، فإنه عُلق هناك لما عبروا بالسبى إلى الشام»(3).
ويقول الشيخ عباس القمي:
«وأما السانحة التي وقعت بنصيبين، ففي الكامل للبهائي ما حاصله أنهم لما وصلوا إلى قرب نصيبين أمر المنصور بن إلياس بتزيين البلدة، فزينوها بأكثر من ألف مرآة، فأراد الملعون الذي كان معه رأس الحسين «عليه السلام» أن يدخل البلد، فلم يطعه فرسه، فبدّله بفرس آخر ، فلم يطعه، وهكذا.
فإذا بالرأس الشريف قد سقط إلى الأرض، فأخذه إبراهيم الموصلي فتأمله، فوجده رأس الحسين« عليه السلام»، فلامهم ،ووبخهم، فقتله أهل الشام لذلك، ثم جعلوا الرأس خارج البلد، ولم يدخلوه به .
قلت : ولعل مسقط الرأس الشريف صار مشهداً »(1).
ونقول:
1 - قوله: «ففي الكامل» يريد به كتاب« كامل بهائي»، لعماد الدين الطبري، وقد قالوا عن عماد الدين الطبري هذا ما يلي:
«متكلم، فقيه، معاصر للمحقق الطوسي والمحقق الحلي، وأقواله منقولة في كتب الفقه، ويعبرون عنه فيها بالعماد الطبري، وبعماد الدين الطبري.
1) نفس المهموم ص 426 عن كامل البهائي، لعماد الدين الطبري
وقد نقل قوله الشهيد الثاني في رسالة الجمعة، والشهيد الأول في بعض كتبه، وغيرهما.
وفي رياض العلماء : هو فاضل عالم متبحر ،جامع دين، كان من أفاضل علماء طبرستان، ومن المعاصرين للخواجه نصير الدين الطوسي.
هذا الشيخ الجليل الشأن موثوق به عند العلماء الأعيان»(1).
وأما كتابه «كامل بهائي»، فهو بالفارسية، وقد فرغ من تأليفه سنة 675 هجرية.
2 - قلنا: إننا لم نجد في الروايات عن المعصومين ما يدل على كراهة إقامة المشاهد، والمزارات، ونصب الدلالات والعلامات على أي أمر ينسب إلى الأنبياء والأوصياء، والأئمة، والأولياء، والعلماء: أو له صلة بأي منهم، بقول أو فعل، ككونه قد صلى في ذلك المكان، أو بات، أو توضأ فيه، أو لمسه أو لبس ذلك الثوب، أو ما شابه ذلك .وقد كثرت المشاهد المنسوبة إليهم في حال حياتهم وبعد وفاتهم بصورة لافتة، بل كانوا يدعون الناس إلى الصلاة والزيارة فيها، واحترامها .
ولعل هذا الرضا منهم يهدف إلى الرغبة في تكثير مواضع عبادة الله سبحانه ،من خلال ربط الناس بالأنبياء والأئمة، من حيث إنهم أسوة وقدوة، وسلوة وهداة، وحماة ورعاة، ومبعث سكينة، وسبب
1) أعيان الشيعة ج 5 ص 212 و 213.
طمأنينة..
وبذلك يظهر: أن ما يدَّعيه البعض، من أن هذه المزارات مبغوضة، ومرفوضة لا أساس له من الصحة.
1 - قال المرحوم الشيخ عباس القمي: «قال الشيخ الكفعمي(1)، وشيخنا البهائي(2)، والمحدث الكاشاني(3): في أول صفر أدخل رأس الحسين «عليه السلام» إلى دمشق، وهو عيد عند بني أمية، وهو يوم تتجدد فيه الأحزان:
كانت مَآتِمُ بالعِراق تَعدُّها*** أموية بالشام من أعيادها(4)
خبر السبط ص 92
وحكي أيضاً عن أبي ريحان في الآثار الباقية(5): أنه قال: في اليوم الأول من صفر أدخل رأس الحسين« عليه السلام» مدينة
1) مصباح الكفعمي ص 510 و (ط أخرى) ص 676 .
2) توضيح المقاصد للبهائي ص 4. ص4.
3) تقويم المحسنين للفيض الكاشاني ص 15.
4) ديوان الشريف الرضي رحمه الله» وراجع مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 268 وبحار الأنوار ج 45 ص 250 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 554 وشجرة طوبى ج 1 ص 21 ودرر السمط في
5) الآثار الباقية للبيروني (ط مكتبة المثنى - بغداد) ص 331
دمشق...»(1).
2 - عن جعفر بن محمد، عن أبيه« عليهما السلام» قال: «لما قَدِمَ على يزيد بذراري الحسين أدخل بهن نهاراً ، مكشوفات وجوههن.
فقال أهل الشام الجفاة: ما رأينا سبيا أحسن من هؤلاء، فمن أنتم؟!
فقالت سكينة بنت الحسين: نحن سبايا آل محمد»(2).
ونقول:
أولاً : بالنسبة لقوله « عليه السلام» في الرواية الأخيرة : إن أعداء الله قد دخلوا بالسبايا مكشوفات الوجوه، نقول:
سيأتي التعقيب على الفقرة الآتية تحت عنوان: «ماذا عن كشف الوجوه»؟! ما له ارتباط بهذا الأمر.. وسنذكر السبب في غضب الأئمة« عليهم السلام» من كشف وجوه النساء.
ثانياً بالنسبة لقوله « عليه السلام»: إنهم قد وردوا بالسبايا إلى مدينة دمشق نهاراً ، نقول:
إنه دال على أنه «عليه السلام» يعتبر هذا الأمر من مثالب يزيد .وحزبه.. لأن هذا كان من جملة مساعيهم لهتك حرمة الحسين وجده وأبيه، بإبراز مخدراته، مكشفات الوجوه على هيئة الأسرى، وفي حالة من الإهانة والإذلال والتشفي والشماتة، وإظهار قوة سلطانهم، وشوكتهم، وعنفوانهم.
بل سيأتي: أن أهل الذمة وقفوا للسبايا في سوق دمشق، يبصقون في وجوههن(1).
كما أن أشرار الناس كانوا يظهرون الفرح بما جرى عليهن، ويسمعونهن الكلام المؤذي والجارح.
ثالثاً: للإنسان أن يتصور كم كان يؤذي السبايا سماعهن جفاة الشام، وهم يتندرون بحسنهن، ويصفونهن بالسبايا، ويقولون: ما رأينا سبياً !!! أحسن من هؤلاء، فمن أنتم؟!
رابعاً: لقد أجابتهم سكينة «رضوان الله تعالى عليها» بجواب يشير إلى عظمة وكرامة وعزة هؤلاء السبايا حسب زعمهم.. فإنهم من آل خاتم الأنبياء، وأفضل وأشرف وأقدس المخلوقات.
وفيه أيضاً : إدانة وإهانة لهؤلاء الذين يعتدون على ثقل النبوة، وأهل بيت الكرامة، والعصمة، وصفوة العترة.
وهو جواب صاعق لا بد أن يكبت المعني به، ويحمله مسؤولية
1) بستان الواعظين ص 263 .
الشماتة بأهل بيت نبيه «صلى الله عليه وآله».
وبذلك يصبح الناس مطالبين بتمحيص الأمور، والبحث عن مدى صحة وسلامة موقفهم، وعن حقيقة مالهم ومصيرهم.
وينبغي لفت النظر هنا إلى سؤال يطرح، عن أن الرؤوس هل دخلت دمشق مع السبايا، أو دخلت قبلهن؟!
ونجيب:
إن النص الآتي يتحدث عن طلب أم كلثوم من الشمر أن يخرج الرؤوس من بين المحامل، حتى يقل تعرضهن لأنظار الناس.
وهذا معناه : أن السبايا والرؤوس قد دخلوا إلى دمشق معا في أول شهر صفر ..
ويظهر أيضاً من كلام ابن حبان(1).
ومن رواية عن الإمام زين العابدين« عليه السلام»: أن رأس الحسين« عليه السلام» كان معهم في مسيرهم إلى الشام (2).
وهذا هو ما صرح به ابن الأثير أيضا(3).
لكن ظاهر رواية ابن أعثم والخوارزمي: أن زحر بن قيس سبق
برأس الحسين إلى دمشق(1).
ونص ثالث يصرح: بأن السبايا لحقن بالذين معهم الرأس الشريف بالطريق، فأدخلوا مع الرأس الشريف الشام(2).
فهل المراد: أن الرأس الشريف أدخل دمشق مع زحر بن قيس برهة وجيزة ليراه يزيد، ثم أعيد إلى خارج البلد، لكي يدخلوه نهاراً إلى دمشق على رأس الرمح بعد تزيين البلد، واجتماع الناس لرؤية الرؤوس والأسرى؟!
أو المراد: أن الرأس صلب على باب الدار، أو المسجد، وأوقف أهل البيت حوله تسع ساعات أيضاً ، ثم أدخل الرأس الشريف أولاً إلى يزيد، وبقي العيال على درج المسجد، حيث يقف السبي؟! وبعد ذلك أدخل العيال إلى مجلس يزيد.
ونحن نستقرب الاحتمال الأول دون هذا الاحتمال الأخير...
قد لا يجرؤ الباحث على القول بضرس قاطع: إن حاكماً يريد أن
يتباهى بانتصاراته، ويؤكد عزته، وقوته، وشوكته، وعظمته، لن يخرج لاستقبال رؤوس ضحاياه وثلة قليلة جداً من النساء والأطفال.. فإنه يرى أن في هذا التصرف خفة وتسرعاً لا مبرر له، ولا يناسب أبهة الخلافة وما تفرضه الزعامة.
غاية ما هناك: أن يكون يزيد قد خرج من محل إقامته إلى سطح بيته، أو إلى مكان متصل به، ومشرف على الطريق..
وهذا ما حدث بالفعل، فإن يزيد قد خرج من محل إقامته إلى مكان مشرف على الطريق، ليعاين وصول الركب الحسيني.. فإنه كان قلقاً، وربما مضطرباً. ويريد أن يسكن ،اضطرابه، وتعود إليه نفسه بهذه الرؤية الخاطفة.
ويقول النص أيضاً ما يلي:
قال ابن القفطي في تاريخه: إن السبي لما ورد على يزيد بن معاوية خرج لتلقيه، فلقي الأطفال والنساء من ذرية علي والحسن والحسين «عليهما السلام»، والرؤس على أسنة الرماح، وقد أشرفوا على ثنيّة العقاب، فلما رآهم أنشد:
لمَّا بَدَتْ تِلْكَ الْحُمُولُ *** تِلكَ الرُّؤُوسُ عَلَى شَفا
1)جیرون: باب من أبواب الجامع بدمشق، وهو الباب الشرقي.
ثعَبَ الغُرَابُ فقلتُ قُلْ أَوْ لا تَقُلْ*** فقدْ اقْتَضَيْتُ مِنَ الرَّسُول
وقد اعتبر قول يزيد هذا من دلائل كفره، وخروجه من دين الإسلام..
وربما قيل: إنه لا دليل على أن يزيد قد دخل في الإسلام، ليقال: إنه قد خرج منه.
ويدل هذا الشعر أيضاً على أن الأمر لم يقتصر على رأس الإمام الحسين« عليه السلام»، في حمله إلى الشام، بل حملت سائر الرؤوس أيضاً إليها، كما صرحت النصوص أيضاً..
عن زيد عن أبيه زين العابدين« عليه السلام»: أنّ سهل بن سعد قال :
خَرَجْتُ إِلى بَيتِ المَقدِس حَتَّى تَوَسَّطتُ الشّامَ، فَإِذا أَنَا بِمَدِينَةٍ مُطرِدَةِ الأنهار، كَثيرَةِ الأشجار، قد عَلَّقوا السُّتورَ، وَالحُجُبَ، وَالدّيباج، وهُم فرحونَ مُستَبشرون، وعِندَهُم نِساءٌ يَلعَبنَ بِالدُّفوفِ وَالطبول.
1)تفسير الألوسي ج 26 ص 72 عن تاريخ ابن الوردي، والوافي بالوفيات، وراجع تذكرة الخواص ج 2 ص 148 وراجع: بحار الأنوار ج 45 ص 199 عن خط الشهيد والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 417 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 300 و 301 وعن صورة الأرض، لابن حوقل ص 16 .
فقلتُ في نَفسي: لعلّ لِأهل الشام عيداً لا نَعْرِفُهُ نَحْنُ، فَرَأَيتُ قوماً يَتَحَدَّثون، فقلتُ: يا هؤلاء ! ألكُم بالشام عيدٌ لا نَعرفهُ نَحنُ؟!
قالوا :يا شَيخ نَراكَ غَرِيباً.
فقلتُ: أَنَا سَهْلُ بنُ سَعدٍ، قد رأيتُ رَسولَ اللَّهِ «صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وآلِهِ» وحَمَلْتُ حَدِيثَهُ.
فقالوا يا سَهْلُ ما أعجَبَكَ السَّمَاءُ لا تمطرُ دَماً وَالْأَرْضُ لا تَحْسِفُ بأهلها !
قلت : ولِمَ ذاكَ؟!
فقالوا: هذا رَأسُ الحُسَين «عليه السلام» عِترَةِ رَسولِ اللهِ «صَلَّى اللهُ عَليهِ وآلِهِ»، يُهدى من أرض العراق إلى الشام، وسَيَأتِي الآن.
قلتُ: واعَجَباهِ يُهدى رَأْسُ الحُسَين « عليه السلام» وَالنَّاسُ يَفْرَحُونَ؟ فَمِن أي بابِ يُدخَلُ؟!
فأشاروا إلى باب يُقالُ لَهُ: بابُ السّاعاتِ.
فسرتُ نَحوَ الباب، قبَينَما أَنَا هُنالِكَ، إذ جَاءَتِ الرَّايَاتُ يَتلو بَعضُها بعضاً، وإذا أنا بفارس بِيَدِهِ رُمحٌ مَنزوعُ السِّنان، وعَليهِ رَأْسُ مَن أَشبَهُ النّاس وَجهَا برَسول اللهِ «صَلَّى اللهُ عَليهِ وآلِهِ»، وَإِذا بِنِسْوَةٍ مِن وَرَائِهِ عَلى حِمالٍ بِغَير وطاءٍ.
قدَنَوتُ مِن إحداهُنَّ، فقلتُ لها : يا جاريَةً مَن أَنتِ؟!
فقالت: سُكَينَهُ بِنتُ الحُسَين.
فقلتُ لها: ألكِ حاجة إليَّ ؟! فأنَا سَهِلُ بنُ سَعْدٍ مِمَّن رَأَى جَدَّكِ وَسَمِعَ حَدِيثَهُ.
قالت: يا سَهْلُ قُل لِصاحِبِ الرَّأْس أن يَتَقدَّمَ بِالرَّأْسِ أَمَامَنا، حَتَّى يَشْتَغِلَ النّاسُ بِالنَّظر إليه فلا ينظرون إلينا، فَنَحنُ حُرَمُ رَسول الله.
قالَ: فَدَنَوتُ مِن صاحِبِ الرَّأس وقلتُ لَهُ: هَل لَكَ أَن تَقْضِيَ حاجتي، وتَأخُذُ مِنّي أَربَعَمِنَةِ دينار؟!
قالَ: وما هِيَ؟
قلتُ: تَقدَّم بالرأس أمامَ الحُرَمِ.
فَفَعَلَ ذلِكَ، وَدَفعتُ لهُ ما وَعَدتُهُ(1).
قال السيد ابن طاووس:
«وسار القوم برأس الحسين «عليه السلام» والأسراء من رجاله ،فلمّا قربوا من دمشق دنت أم كلثوم من شمر، وكان من جملتهم.
فقالت له: لي إليك حاجة
فقال: وما حاجتك؟!
1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 60 وتسلية المجالس وزينة المجالس ج 2 ص 379 وبحار الأنوار ج 45 ص 127 ،والعوالم، الإمام الحسين ج17 ص 427 وراجع مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 60 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص217.
قالت: إذا دخلت بنا البلد، فاحملنا في درب قليل النظارة، وتقدّم إليهم أن يخرجوا هذه الرؤوس من بين المحامل، ينحونا عنها، فقد خزينا من كثرة النّظر إلينا، ونحن في هذه الحال.
فأمر في جواب سؤالها : أن تجعل الرؤوس على الرماح، في أوساط المحامل، بغياً منه وكفراً !! وسلك بهم بين النظارة على تلك الصفة حتى أتى بهم إلى باب دمشق»!
فوقفوا على درج باب المسجد الجامع حيث يقام السبي(1).
وعند ابن أعثم:
أنهم أدخلوا مدينة دمشق من باب توما، ثم أتي بهم حتى وقفوا على درج باب المسجد حيث يقام السبي(2).
ونقول:
1 - قد يقال: هناك من الفقهاء من يفتي بجواز أن تكشف المرأة وجهها، وعلى الرجال أن يغضوا أبصارهم. فلماذا يعتبر كشف وجوه السبايا من آل محمد من مخازي يزيد وبني أمية، فإنهم لم يفعلوا حراماً ؟!
ولماذا هذا الاستعظام وتصوير الأمر على أنه جريمة عظيمة، يستحق فاعلها النار، وبئس القرار ؟!
وما معنى أن تؤنب زينب « عليها السلام» يزيد بهذا الأمر، وتعتبره من مثالبه ومخازيه؟!
وما الحاجة لأن تطلب أم كلثوم من الشمر إبعاد الرؤوس عن النساء، لكي يجنبهن ذلك نظر الناس إليهن؟!
ونجيب ضمن النقاط التالية:
أولاً: إن من كمال المرأة، وحميد :صفاتها: أن تكون مبالغة في الصون والعفة، وأن تعتبر أي تفريط أو تهاون في هذا الأمر يسيء إليها، ومن يحاول ذلك منها، فهو يعتدي على مقامها وعلى كرامتها.
وهي لا تستفيد من الرخصة التي تعطى للمضطر لعلمها بأنها قد تجعل مدخلا أو سبباً لتحطيم الحواجز التي تمنع خائنة الأعين من أن تحوم حولها، وأن تتحين الفرص لاقتحام حريمها، والعبث ولو في دائرة التخيل بقدسيتها، وتحطيم الحجب التي تحجز الضمائر الموبوءة، وتكبح جماحها عنها.
وهذا التحصن والتعفف بأقصى درجاته حق لكل امرأة، فلا يجوز حرمانها منه، أو العبث به، ومن يفعل ذلك يكون معتدياً وظالماً .
ثانياً: إن سعي الأعداء لكشف وجوه النساء أمام النظار في الباحات والساحات، إنما يأتي من سياق الإذلال لنساء الحسين «عليه السلام» وعياله، وتكريس الإهانة لهن، وتوفير أدوات الشماتة بهن،
ولاسيما حين يراد بكشف الوجوه إضفاء سمة السبي على عترة خير البشر. من قبل الجاحدين والمجرمين والظالمين.
ثالثاً: إن الناس ليسوا سواء في هذا الأمر. أعني أمر الستر. بل هم متفاوتون فيه حتى بنظر الشارع الحكيم إذ ليس كل ما يجوز فعله لشخص يجوز فعله لغيره فكيف إذا كان الكلام عما له مساس بمقام خاتم الأنبياء من خلال العدوان على عياله ونسائه، ونساء سيد الأوصياء ؟!
إن بعض ما يليق ببعض الناس فعله، فلا تثريب عليهم إذا فعلوه.
ولكن ذلك لا يعني أن لغيرهم أيضاً أن يجاريهم في ذلك، إذ لعل هذا الأمر لا يليق بهؤلاء فعله، فيحرم عليهم، ويعابون به لو فعلوه، بل قد يستحقون العقوبة عليه بصورة مضاعفة أيضاً.
شاهدنا على ذلك: أن الله تعالى قد خاطب نساء النبي« صلى الله عليه وآله»، فقال: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا *وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا *يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا *وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى(1).
فالزوجية للنبي «صلى اللهُ عَليهِ وآلِهِ» إذا اقترنت بالتقوى، فإن الله
1) الآيات 30 - 33 من سورة الأحزاب.
تعالى يؤتي تلك الزوجة المحسنة أجرها مرتين.
وإن اقترنت الزوجية للنبي بعمل قبيح ، ظاهر القبح، كإيذاء النبي «صلى الله عليه وآله»، أو الافتراء عليه، أو ما شاكل، أو مخالفة الأوامر والنواهي الواردة في الآيات في سورة الأحزاب وغيرها، فإن العذاب يضاعف لزوجة النبي هذه بالقياس لعذاب أي امرأة أخرى ترتكب نفس ذلك الفعل القبيح.
وزوجيتها للنبي لا تمنع من هذه المضاعفة، بل توجبها، لأن المعيار هو الطاعة لله والتقوى، وليس المعيار هو كونها زوجة للنبي «صلَّى اللهُ عَليهِ وآلِهِ». كما أن نفس قربها من النبي« صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وآلِهِ» يجعل منها أمثولة وقدوة لغيرها. وإساءتها توجب الوهن في دعوته وفي تأثير كلامه.
فتقوى نساء النبي هي التي تميزهن عن سائر النساء، فيجب عليهن الحرص على التزام ما أمر هن الله به، والانتهاء عما نهاهن عنه. ولا بد أن يزيد حرصهن على حرص غيرهن، وأن تبالغن في الاحتياط والتحفظ على امتثال هذه التكاليف.
ونتيجة لذلك، فإن من يسعى إلى إسقاط هذا الصون، وأن يخرج نساء النبي« صلى الله عليه وآله» عن خدرهن، أو نساء عترته، ويكشف وجوههن، ويجعلهن في معرض الأنظار، ليتصفح وجوههن القريب والبعيد، والوضيع والشريف فهو ينقض بفعله هذا صريح القرآن، وهو متلبس بالإجرام، متعمد لهتك الحرمات العظام،
وارتكاب الآثام.
تقدم أنهم أدخلوا السبايا إلى دمشق من باب توما. وهو إلى جهة الشرق من مدينة دمشق.
لكن بعض النصوص يقول : إنهم أدخلوهم من باب الساعات. كما تقدم في حديث سهل بن سعد.
وعلى كل حال، فإن أبواب دمشق كثيرة ، وكانوا يريدون أن يطوفوا بهم في البلد، لأنهم يريدون لأهل الشام أن يظهروا الفرح والشماتة لقتل عترة رسول الله«صلى الله عليه وآله».
ولعلهم في طوافهم بالرؤوس والسبايا قد مروا بكثير من أبواب المناطق، وأبواب الأزقة وأبواب الأسواق في المدينة، وأبواب المساجد.. ولعل باب الساعات كان أحد هذه الأبواب.
ويفهم من كلام ابن طاووس المتقدم وغيره:
أن أهل دمشق قد اصطفوا لاستقبال الرؤوس والسبايا على طول الطريق التي كان يفترض مرور مركب السبايا والرؤوس فيها. وامتد اصطفافهم إلى مسافات خارج باب البلد..
ثم تواصل انتشارهم على جانبي الطريق في داخل البلد وأسواقه، إلى حيث المسجد الأموي.
ويشهد لذلك: قول أم كلثوم في الرواية المتقدمة للشمر: «فقد خزينا بكثرة النظر إلينا». وطلبت منه تنحية الرؤوس عن النساء إذا دخل الموكب البلد.
ثم تقول الرواية: «وسلك بهم بين النظارة على تلك الصفة، حتى أتى بهم باب دمشق، فوقفوا على باب المسجد الخ ..»(1).
1 - روى ابن رستم الطبري بسنده عن سعد بن أبي خيران (طيران) عن الحارث بن وكيدة قال: كُنتُ فيمَن حَمَلَ رَأسَ الحُسَينِ « عليه السلام»، فَسَمِعتُهُ يَقرأ سورةَ الكهفِ ، فَجَعَلْتُ أَشُكُ في نَفسي وأنَا أَسْمَعُ نَعْمَة أبي عَبدِ اللهِ «عليه السلام».
فقال لي: يا ابن وكيدَةَ، أما عَلِمتَ أنا مَعشَرَ الْأَئِمَّةِ أَحياءٌ عِندَ رَبِّنا ترزق؟!
قال: فقلتُ في نَفسي أَسرقُ رَأْسَهُ!
قنادي: يا ابن وكيدَةَ، ليسَ لَكَ إلى ذاكَ سَبِيلٌ، سَفكُهُم دَمي أعظمُ عِندَ اللهِ مِن تَسييرهم رأسي، قدرهُم
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ *إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ(2)»(3).
2 - عن المنهال بن عمرو : أَنَا - وَاللهِ - رَأيتُ رَأسَ الحُسَين بن عَلِيٍّ« عليه السلام» حينَ حُمِلَ، وأنَا بِدِمَشْقَ وبَينَ يَدَيِ الرَّأْس رَجُلٌ يَقرأ سورةَ الكهفِ، حَتَّى بَلغَ قوله تعالى: أمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا(1).
قالَ: فَأَنطَقَ اللهُ الرَّأْسَ بلسان ذرب(2)، فقالَ: أَعْجَبُ مِن أصحاب
الكَهفِ قتلي وحملي(3).
3 - عن ابن شهر آشوب، عن الشعبي : لمَّا صَلْبُوا رَأْسَهُ عَلَى الشَّجَرَةِ سُمِعَ مِنهُ : وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلبٍ يَنقَلِبُونَ(4).
1) الآية 9 من سورة الكهف.
2) ذُربَ الرجُلُ: إذا فَصُح لسانه راجع لسان العرب ج 1 ص 385 مادة «ذرب».
3) تاريخ مدينة دمشق ج 60 ص370 والخرائج والجرائح ج 2 ص577 والثاقب في المناقب ص333 ح 274 ،نحوه، والصراط المستقيم ج 2 ص 179 ح 17 وليس فيه صدره إلى «الرأس» وفيه «عربي» بدل ذرب»، وبحار الأنوار ج 45 ص 188 والعوالم الإمام الحسين ج17 ص 412 ونور الثقلين (تفسير) ج 3 ص 243 والدر النظيم ص565 وكفاية الطالب ج 2 ص 127 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 76 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 452 و 453 وج 27 ص 418 .
4) الآية 227 من سورة الشعراء.
وسُمِعَ أيضاً صَوتُهُ بدِمَشْقَ يَقولُ: لا قُوَّة إِلَّا بِاللهِ (1).
وسُمِعَ أيضاً يَقرأ: أمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (2)، فَقالَ زَيْدُ بنُ أرقم: أمرُكَ أَعْجَبُ يَا ابنَ رَسولِ الله(3)
4 - عن سلمة بن كهيل رأيتُ رَأسَ الحُسَين بن عَلِيٌّ «عليه السلام» على القنا، وهُوَ يَقولُ: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ (4)»(5).
ونقول:
1 - بالنسبة لابن وكيدة، لم نجد ما يدلنا على هذا الرجل، وميوله، وموقعه، غير أن نفس مشاركته في حمل رأس الحسين من الكوفة إلى الشام يدل على أنه كان من أعوان الظالمين إن لم نقل: إنه من ثقاتهم.
2 - إن كلام الرأس مع ابن وكيدة كرامة إلهية، ومعجزة ربانية
يفترض أن تغير حال ابن وكيدة، وتدفعه للتوبة والإستغفار، والإذعان، والإقرار بالحق لأهله، وحمل راية نصرتهم، والدعوة إلى محبتهم وولايتهم..
وهل يحتاج إلى شاهد ودليل أعظم وأدل من هذا الشاهد ؟!
فما لنا لم نسمع لهذا الرجل ذكراً يهدينا إليه، ولم نر له أثراً يدلنا عليه، ولم نسمع أنه تفوه بكلمة واحدة تدل على قبوله بالحق، وبخوعه له ..
ولعل ابن وكيدة أراد من هذا النص:
ألف: أن يجر النار إلى قرصه.
ب: وأن يظهر براءته مما جرى على الحسين «عليه السلام»، وأنه كان معهم مكرها ، أو أنه رجع إلى نفسه، فأراد أن يتدارك ما بدر منه .
وكل ذلك يشير إلى أن براءة ابن وكيدة فيما يرويه غير ظاهرة.
3 - بالنسبة لما روي عن المنهال بن عمرو نقول:
إن المنهال هذا كان صابئياً، كما صرح به ابن أعثم(1).
ووصفه الخوارزمي بالضبابي، بدل «الصابي»(2).
وقد وثقه ابن معين(3).
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 133 .
2) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 71 .
3) اللآلي المصنوعة ج 1 ص 321 وتاريخ الإسلام للذهبي ج7 ص 483 وتهذيب الكمال ج 28 ص 570 وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص388 وتنزيه الشريعة ج 1 ص 376 وشفاء السقام ص 348 والتعديل والتجريح ج2 ص 837 وتاريخ مدينة دمشق ج 60 ص 371 وسير أعلام النبلاء ج 5 ص 184 وميزان الإعتدال ج 4 ص 192 وفتح الباري (المقدمة) ص 446 وج 8 ص 427 وعمدة القاري ج 19 ص 150 .
وقال ابن حجر:«صدوق، وربما وهم»(1).
وعن ابن الجوزي تضعيفه (2)، وضعفه الجوزجاني(3).
ولعله - إن صح ما ذكره ابن أعثم - كان من الصابئة، فأسلم..
وربما كان سبب إسلامه ما رآه من كرامة ظاهرة للرأس، حين تكلم في شوارع دمشق وغيرها، أو أنه كان قد أسلم قبل ذلك.
ويرد هنا سؤال عن السبب في أن قتل الإمام الحسين «عليه السلام»، وحمل رأسه أعجب من أصحاب الكهف والرقيم.
وهنا سؤال آخر، عن السبب في وضع يزيد وأعوانه رجلاً يقرأ
1) راجع: تقريب التهذيب ج 2 ص 216 ولسان الميزان ج 7 ص 400 وتحفة الأحوذي ج 6 ص 216 وقاموس الرجال ج 10 ص 259.
2) قاموس الرجال ج 10 ص 259 عن السيوطي في اللآلي، وعن الضعفاء، لابن الجوزي ج 3 ص 140 . وراجع: نصب الراية ج 3 ص 332 و 411.
3) تهذيب الكمال ج 28 ص 572 وميزان الإعتدال ج 4 ص 192 وتهذيب التهذيب ج 10 ص 284 وفتح الباري (المقدمة) ص 446 .
القرآن بين يدي الرأس.
ونجيب على السؤال الثاني: بأن من الجائز أن يكون قد بلغهم أن الناس قد سمعوا أن الرأس مراراً وتكراراً كان يقرأ القرآن، ولاسيما آيات من سورة الكهف، في الكوفة، وفي الطريق إلى الشام..
فخافوا من أن يقرأ القرآن من جديد أمام جموع الناس في دمشق، فتنقلب أفراح الحكام إلى أتراح، ونصرهم إلى هزيمة وعظمتهم إلى ذل وصغار، فوضعوا هذا الرجل ليقرأ القرآن أمام الرأس، على اعتبار أنه إن قرأ الرأس شيئا من القرآن أيضاً، فسوف تختلط الأمور على الناس، بسبب هذا التشويش الذي يثير الشبهة في مصدر الصوت، وربما تظهر الاختلافات فيما بينهم، ويختلط الحابل بالنابل، والحافي بالناعل.
مع أن من الواضح: أن الرأس الشريف لا بد أن ينصت إذا قرئ القرآن على مرأى ومسمع منه، ولا يتكلم إلا حين يسكت القارئ الآخر. ولكن هؤلاء الأشرار لا يفقهون هذا المعنى، ويتصرفون وفق ما جرت عليه عادتهم، وما توحي به إليهم تصوراتهم وأهواؤهم.
ونجيب على السؤال الأول: بأن أهل الكهف لم يموتوا قتلا على يد طواغيت زمانهم المخالفين لهم في الدين ولكن الله تعالى هو الذي أماتهم، ثم أحياهم بعد ثلاث مئة عام شمسية، وازدادوا إليها تسع سنين قمرية، ليجعل من هذا الإحياء آية للبشر، تحسم لهم أمر المعاد والقيامة، فلما تحقق هذا الغرض أماتهم.
وأما أن قتل الحسين «عليه السلام»، أعجب من موت أهل الكهف، فلأنه كان بيد من يدعون أنهم على دين الحسين، ومن أمة جده الرسول« صلى اللهُ عَليهِ وآلِهِ»، وهو قتل عدواني، إجرامي، لا مبرر له من قول ولا فعل من قبل المقتول على الإطلاق..
وأين هذا من موت أهل الكهف الذين ماتوا بصورة طبيعية من خلال الفعل الإلهي بهم.. لا بفعل الحكام الذين يخالفونهم في الدين؟!
ولم يتحملوا الآلام الجسدية والروحية والنفسية التي تعرض لها شهداء كربلاء.
وحمل الرأس الشريف أعجب مما جرى لأهل الكهف أيضاً، بعد أن كان هذا الرأس المقطوع يقرأ الآيات، ويكلم الناس في العديد من المناسبات.. وليس في قصة أهل الكهف شيء من ذلك، إلا أن الله تعالى أحياهم.. وقد أحيا الله تعالى عزيراً بعد أن أماته مئة عامة. أما تكلم الرأس المقطوع المرفوع على الرمح، فهو أعجب من إحياء الميت، حتى ولو تكلم بعد إحيائه.. لأن المفروض أن الرأس المقطوع ميت، والميت لا يتكلم.
وإذا تكلم الرأس، فيفترض أن لا يتجرأ حتى أحد من أعدائه على حمله، لأن المفروض أن يكون كلامه رادعاً ومانعاً من أي تصرف عدائي، أو غير إنساني ضده. بل المفروض أن يتحول عما هو عليه ليصبح من أوليائه، معاديا لأعدائه.
فحمله على رأس الرمح وهو يقرأ الآيات المختلفة، ويتكلم بأمور
عديدة، ويتلو آيات التهديد والوعيد الإلهي وغيرها، وإصرار قتلته على العدوانية، والجحود أعجب مما جرى لأصحاب الكهف، فإن ما جرى لهم قد حسم الأمر في موضوع القيامة.. ولم يلجأ أحد للجحود والتمرد..
قالوا:
ووَقفَ أهلُ الدّمَّةِ لَهُنَّ في سوق دِمَشْقَ يَبصُقُونَ فِي وُجُوهِهِنَّ، حَتَّى وَقْفنَ بِبَابِ يَزِيدَ.
فَأَمَرَ برَأس الحُسَين« عليه السلام»، فَنُصِبَ عَلَى البابِ، وَجَميعُ حَرَمِهِ حَولَهُ، ووُكِّلَ بهِ الحَرَسُ، وقالَ : إذا بَكَت مِنهُنَّ باكِيَة فالطموها.
فظللنَ ورَأسُ الحُسَين عليه السلام بَينَهُنَّ مَصلوبٌ تِسعَ ساعاتٍ مِنَ النَّهار.
وإِنَّ أُمَّ كلثوم رَفَعَت رَأسَها، قرأت رَأسَ الحُسَين «عليه السلام»، فبَكَت، وقالت يا جَدّاه - تُريدُ رَسولَ اللهِ« صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وآلِهِ» - هذا رَأسُ ُحَبيبِكَ الحُسَين مَصلوبٌ ، وبَكَت ، فَرَفَعَ يَدَهُ بَعضُ الحَرَس ولطمها لطمَةٌ حَصَرَ وَجهَها، وشلت يَدُهُ مَكَانَهُ (1).
ونقول:
1) موسوعة الإمام الحسين ج 5 ص 216 عن بستان الواعظين ص263.
إن النص المذكور أعلاه منقول من كتاب بستان الواعظين، الذي ينقل عنه السيد هاشم البحراني، المتوفى سنة 1107 هـ. ق. وفيه: أن أهل الذمة كانوا يبصقون في وجه السبايا في شوراع دمشق.
ونقول:
إن أهل الذمة لايجرؤون على هذا الفعل الشنيع، لو لم يكونوا قد لمسوا الرضا، بل والتشجيع لهم من قبل الحاكم الظالم، وحصلوا على الأمان والضمان بالحماية منه، لو تعرضوا لأي سوء من قبل محبي أهل البيت «عليهم السلام»، ومن يقدسون نبيهم، ويحفظونه في أهل بيته، ويسوء هم هذا البغي الذي يمارسه الطغاة ضدهم.
ومن جهة أخرى : إذا كان أهل الذمة يبصقون في وجوه نساء أهل بيت النبي «صلى اللهُ عَليهِ وآلِهِ» في عاصمة الخلافة الإسلامية، وعلى مرأى ومسمع من حكام بلاد المسلمين، وعلى درج باب مسجدهم، وفي ظلال قصر خليفتهم، فلنا أن نتخيل مدى الأذى الذي ألحقه السفهاء والأشرار من هؤلاء الأغيار بأهل البيت «عليهم السلام»، حين كانوا يمرون بهم من بلادهم البعيدة، في مسيرهم من الكوفة إلى الشام.
وما رأيناه منهم في دمشق يدل على الغرض الخبيث الذي دعا مجرمي بني أمية لاختيار ذلك المسير المرهق والطويل.
ونحن لا نتهم جميع أهل الذمة بهذه الأفعال الشنيعة، فقد كان فيهم
عقلاء، وذوو معرفة بالأمور ، وفيهم ميزات مرضية، ولكننا نقول: إن شرارهم وسفهاءهم هم العمدة في هذه الأفعال القبيحة والمؤذية.
إن من الظلم ،الفاحش الإعتداء ظلما وجوراً، وغطرسة على حياة جماعة من الناس، وإعمال السيف فيهم إلى حد الإبادة، ثم يعمد إلى عيالهم ونسائهم فيعاملهن - وهم أشرف الناس وأكرمهم - كما تعامل سبايا المشركين.
وأفحش الظلم: أن يكون هؤلاء الناس المظلومون، والمقهورون المقتولون هم أكرم الخلق على الله، وأعلم الناس بدين الله، وأتقاهم، وأطهرهم، وأفضلهم.
والأشر والأضر: أن تقطع رؤوس أحبائهم وقتلاهم، ويطاف بها في البلدان. ثم يصلب الرأس، وحرمه وعياله حوله، ويمنعن من البكاء، فما بالك بالشكوى والدعاء ؟
ويوكل بهن حرس جفاة قساة ليلطموا كل من تبكي منهن.
وبعد ظهور كل هذا البغي، فقد يتوهم بعض الناس : أن ذلك كله لو كان محض عدوان من قبل فئة شريرة ،ومجرمة، على أبرياء هم أقدس الناس، وخير أهل الأرض، لانتقم الله لأوليائه من أعدائه، أو لأظهر بعض الآيات والدلالات على ادخاره هذا الانتقام منهم..
فمن أجل حفظ إيمان هؤلاء الناس، وإبعاد هذه الأوهام عنهم،
يظهر الله تعالى طرفاً من نقمته لهم، ويقيم حجته عليهم، ويلقي بتبعة حفظ إيمانهم عليهم..
ولهذا نجد: أن يد هذا الظالم قد شلت بمجرد لطمه وجه السيدة أم كلثوم« رضوان الله تعالى عليها».
قالوا:
جاءَ شَيحٌ، فَدَنا مِن نِساءِ الحُسَين« عليه السلام» وعِيالِهِ - وهُم في ذلِكَ المَوضع - وقالَ: الحَمدُ للهِ الذي قتلكُم، وأهلكَكُم، وأراحَ البلاد من رجالِكُم، وأمكن أميرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنكُم!
[في نص آخر: وقطع قرن الفتنة، فلم يأل عن سبهم وشتمهم.
فلمّا انقضى كلامه قال له علي بن الحسين «عليهما السلام»: إنّي قد أنصت لك حتى فرغت من منطقك، وأظهرت ما في نفسك من العداوة والبغضاء، فأنصت لي كما أنصت لك .
فقال له: هات].
فَقالَ لَهُ عَلِيُّ بنُ الحُسَين «عليه السلام» یا شَيخ! هَل قَرَأْتَ القرآن؟
قالَ: نَعَم
قالَ: فَهَل عَرَفتَ هذه الآية: قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنَّا المَوَدَّة
فِي الْقُرْبَى ؟!(1). قالَ الشيخ : قد َقرَأْتُ ذلِكَ.
فَقالَ لهُ عَلِيٌّ «عليه السلام»: نَحنُ القُربى - يا شيخ -، [في الإحتجاج فهل تجد لنا في سورة بني إسرائيل حقا خاصة دون المسلمين؟!
فقال: لا.
فقال: أما قرأت هذه الآية الخ..]
فَهَل قرأت في بني إسرائيل: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ؟!(2).
فَقالَ الشيخ : قد قرأتُ ذلِكَ.
فقالَ: فَنَحْنُ القُربى - يا شيخ -، [في الإحتجاج: قال علي «عليه السلام» فنحن أولئك الذين أمر الله نبيّه أن يؤتيهم حقهم.
فقال الشامي: إنّكم لأنتم هم؟!
فقال له علي« عليه السلام»: نعم نحن هم]
فَهَل قرأت هذِهِ الآية: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غُنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُول وَلِذِي الْقُرْبَى ؟!(3).
قالَ: نَعَم.
فقال «عليه السلام»: فَنَحْنُ القُربى - يا شيخ - [في الإحتجاج: فهل تجد لنا في سورة الأحزاب حقا خاصة دون المسلمين؟!
فقال: لا.
قال علي بن الحسين« عليهما السلام» أما قرأت الخ..]
وهَل قرأت هذِهِ الآية: إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ؟ !(1).
قالَ الشيخ: قد قرَأْتُ ذلِكَ.
قالَ «عليه السلام»: نَحنُ أهْلُ البَيتِ الَّذِينَ خَصَّنَا اللَّهُ بِآيَةٍ الطهارة - يا شيخ ..
قالَ الرّاوي: بَقِيَ الشيخ ساكِتا نادِماً عَلى ما تَكَلَّمَ بِهِ، وقالَ: تَاللَّهِ إنَّكُم هُم؟!
فَقالَ عَلِيُّ بنُ الحُسَين «عليه السلام» تَاللهِ إِنَّا لَنَحْنُ هُم مِن غَيرِ شَكٍّ، وحَقٌّ جَدّنا رسول اللهِ« صلى الله عليه وآاله»: إنَّا لَنَحنُ هُم.
قالَ: فَبَكَى الشيحُ ورَمَى عِمَامَتَهُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: اللهُمَّ إِنِّي أَبْرَأَ إِليكَ مِن عَدُوٌّ آلِ مُحَمَّدٍ «صلى الله عليه وآله» مِنَ الْجِنِّ والإنس.
[في الإحتجاج: ولقد قرأت القرآن منذ دهر، فما شعرت بها قبل
1) الآية 33 من سورة الأحزاب
اليوم].
ثُمَّ قَالَ: هَل لي مِن تَوبَةٍ؟
فَقالَ لَهُ: نَعَم، إن ثبت تابَ اللهُ عَليكَ، وأنتَ مَعَنا.
فقال: أنَا تَائِبٌ.
فَبَلغَ يَزِيدَ بنَ مُعاوِيَة حَديث الشيخ، فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ (1).
ونقول:
1 - إن مبادرة ذلك الشيخ إلى إظهار العداوة والتشفي بما جرى لأهل البيت «عليهم السلام» من دون أن يعرف من هم، ولا عرف السبب بما جرى لهم، ولا من الظالم من المظلوم، ما هو إلا تسرع وقلة تدبر، وانسياق مع الأجواء العامة التي يثيرها الحكام في المحيط من حولهم، بهدف توجيه مسار الأمور بما يخدم أهدافهم، ويتوافق مع سياساتهم وأهوائهم.
1) الملهوف ص 211 و (نشر أنوار الهدى) ص 102 وبحار الأنوار ج 45 ص2 ص 129، 155 و 166 وج 13 ص 202 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 429 و 395 و 408 وراجع الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 129 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 61 والأمالي للصدوق ص230 وروضة الواعظین ص210 و(منشورات الشريف الرضي) ص190 و 191 والحدائق الوردية ج 1 ص 127والإحتجاج ج 2 ص 120 و (ط دار النعمان) ج 2 ص 33 والعمدة لابن البطريق ص 51 وتفسير فرات ص153 ومستدرك الوسائل ج 7 ص 290 وغاية المرام ج 3 ص 243 .
2 - رأينا أن الإمام زين العابدين قد بدأ كلامه معه باستخلاص وعد منه بإفساح المجال لبلوغ غايته في بيان ما يرمي إليه، وذلك من خلال إلزامه بما يقتضيه أدب الخطاب، والسؤال والجواب
وكان من الطبيعي أن يهتم ذلك الرجل لحفظ شؤون شيخوخته، من حيث استجماعها لموجبات السؤدد والكرامة، ولاسيما فيما يرتبط بقراءة القرآن، وبالمعرفة الكافية والوافية بأحكام الدين وغير ذلك، مما يتوسمه الناس في من هم بهذا السِّن.
فأجاب ذلك الشيخ على سؤال الإمام «عليه السلام» بالإيجاب...
ثم تابع « عليه السلام» الأسئلة على ذلك الشيخ، بطريقة ظلت، مشوبة بشيء من الريب في معرفته، حيث استندت إلى تكرار السؤال، بالاستناد إلى هل عرفت؟! وهل قرأت؟! مع أنه كان قد أخبره في أول أجوبته بأنه قد قرأ القرآن.
4 - كانت حصيلة تلك الأسئلة والأجوبة هي: أن ذلك الشيخ قد قرأ القرآن، لكنه لم يعرف مقاصده وتطبيقاته..
5 - إن رواية الإحتجاج لهذا الحوار بين الإمام «عليه السلام»
وذلك الشيخ تظهر أنه «عليه السلام» كان يريد أن يستل منه
الاعتراف بعد الاعتراف بأنه غافل عن معاني القرآن ومراميه، ولذا كانت صيغة سؤاله « عليه السلام» له هي:
هل تجد لنا في سورة بني إسرائيل حقاً خاصة دون المسلمين؟
فقال: لا.
فاعترف بأنه لا يجد.
فلما أخبره بالآية ومعناها أظهر تعجبه وأعاد السؤال على الإمام ليؤكد له « عليه السلام» على صحة ما قاله...
وسأله أيضاً : هل تجد لنا في سورة الأحزاب حقا خاصة دون المسلمين.
فقال: لا.
وكانت النتيجة مشابهة للنتيجة التي سبقت...
6 - وبعد أن طلب ذلك الشيخ من الإمام أن يؤكد له ما سمعه من حقائق بالقسم، بادر الإمام إلى ذلك وفق ما طلب.
فحينئذٍ أعلن ذلك الشيخ براءته من عدو آل محمد من الجن والإنس.
7 - وأعلن أيضاً أنه قرأ القرآن منذ دهر، ولم يشعر بهذه المعاني قبل هذا اليوم.
8 - وأدرك سوء تصرفه، وخطأ ،موقفه، فسأل الإمام إن كان لا يزال باب التوبة مفتوحاً أمامه، أو أنه قد أوصد بسبب سوء أعماله..
فبشره الإمام: بأن باب التوبة لا يزال مفتوحاً. وأنه سوف يحشر مع أهل البيت« عليهم السلام»، فأعلن توبته.
9 - وبلغ يزيد ما جرى، فأمر بقتل ذلك الشيخ، فقتل..
ولعله أمر بقتله، لأنه أدرك خطورة شيوع هذا النوع من الأحداث، حيث يستسهل الناس، بل يروق لهم أن يقوموا بالاحتكاك بالإمام السجاد وغيره من أهل ذلك الركب، وسماع أقوالهم، وحججهم، التي كان يزيد يعلم أنها قوية، ودامغة، وستكون مؤثرة فيهم كما أثرت في ذلك الشيخ..
وهذا يراكم مستوى الوعي، ويزيد من حجم تداول مظلومية أهل البيت «عليهم السلام»، ويشيع الكثير من مبادئهم، ويعرف الناس بعلمهم، وفضلهم، ويظهر ضحالة وانحراف مناوئيهم.
فقتل هذا الشيخ التائب والمظلوم بنظر يزيد سوف يختزل هذا الانتشار، بل هو يقطع الطريق عليه، فلا يهتدي أحد إليه.
قالوا:
1 - عن الغاز بن ربيعة الجُرَشيّ (من حمير )لمَّا انتَهَوا [أي السبايا ومَن مَعَهُم] إلى بابِ يَزِيدَ، رَفَعَ مُحَقِّرُ بنُ تَعَلبَة صَوتَهُ، فَقَالَ: هذا مُحَقَّرُ بنُ ثعلبة، أتى أمير المُؤمِنِينَ باللئام الفَجَرَةِ.
قالَ: فَأَجَابَهُ يَزيدُ بنُ مُعاوِيَة : ما وَلدَت أُمُّ مُحَفِّرٍ شَرٌّ والأُمُ (1).
1) موسوعة الإمام الحسين ج 5 ص 227 و 228 عن المصادر التالية: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 460 و 463 و (ط الأعلمي) ج 4 ص352 وأنساب الأشراف ج 3 ص 416 وتاريخ مدينة دمشق ج 57 ص 98 وفيه ««محفر بن ثعلبة» وكلها نحوه؛ والإرشاد ج 2 ص 119 وفيهما «مجفز بن ثعلبة» و «أجابه عليّ بن الحُسين عليه السلام» بدل «فأجابه يزيد بن معاوية»، ومثير الأحزان ص 98 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 78 نحوه، وفيه «مخفر بن ثعلبة»، وبحار الأنوار ج 45 ص 131 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 432 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 211 ونهاية الأرب ج 20 ص 468 وإعلام الورى ج 1 ص 473 .
2 - قدِمَ بِرَأس الحُسَين «عليه السلام» مُحَقِّرُ بن ثعلبة العائِذِيُّ - عائِدَة قريش - عَلى يَزيدَ، فقال: أتيتُكَ يا أمير المُؤْمِنِينَ، بِرَأس أحمق الناس والأمهم!!
فقالَ يَزِيدُ : ما وَلدَت أُمُّ مُحَقِّرٍ أَحْمَقُ وأَلْأُمُ!
لكِنَّ الرَّجُلَ لم يَقرَأَ كِتابَ اللهِ :تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ المُلكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ (1).
ثُمَّ قَالَ بالخَيرُ رانَةِ بَينَ شَفْتَي الحُسَين «عليه السلام»، وأنشأ يَقولُ :
يُفلقن هَامَاً مِن رِجَالِ أَعِزَّةٍ*** عَلَيْنَا وَهُمْ كَانُوا أَعَقَّ وَأَظْلَمَا
وَالشَّعرُ لِحُصين بن حُمامِ المُرِّيِّ.
فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنصار حَضَرَ: ارفع قضيبَكَ هذا، فإنِّي رَأَيتُ رَسولَ اللهِ« صلى الله عليه وآله» يُقبِّلُ المَوضِعَ الَّذِي وَضَعَتَهُ عَليهِ (2).
3 - وقال ابن طاووس استدعى ابن زیاد بمحفر بن ثعلبة
العائذي، فسلم إليه الرؤوس والأسارى والنساء، فسار بهم محفز إلى الشام الخ..(1).
فالرواية الأولى تصرح بأن محفز بن ثعلبة هو الذي جاء بالسبايا.
والرواية الثانية تقول: إن محفز بن ثعلبة هو الذي جاء بالرأس الشريف إلى يزيد..
وقال ابن طاووس: إن محفز بن ثعلبة قد تولى أمر الرؤوس والسبايا معاً، فلا موقع لزحر بن قيس - على هذا - في كلا الأمرين.
لكن نصوصاً أخرى تقول: إن الذي جاء بالرأس الشريف إلى يزيد هو زحر بن قيس، ومنها ما يلي:
4 - قال ابن الأثير ثمّ أرسل ابن زياد رأس الحسين«عليه السلام» ورؤوس أصحابه مع زحر بن قيس إلى الشام، إلى يزيد ومعه جماعة، وقيل مع شمر وجماعة معه، وأرسل معه النساء والصبيان، وفيهم علي بن الحسين، وقد جعل ابن زياد الغلّ في يديه ورقبته، وحملهم على الأقتاب الخ..(2).
5 - قال ابن أعثم:« ثم دعا ابن زياد زجر بن قيس الجعفي، فسلم
إليه رأس الحسين بن علي، ورؤوس إخوته، ورأس علي بن الحسين «عليه السلام» ورؤوس أهل بيته وشيعته..».
إلى أن قال:« وسبق زحر بن قيس الجعفي برأس الحسين إلى دمشق حتى دخل على يزيد، فسلم عليه الخ..» (1).
ونقول:
نستطيع أن نلخص ما جرى على النحو التالي:
يبدو: أن محفز بن ثعلبة، وشمر بن ذي الجوشن، وزحر بن قيس.. وجماعة آخرين - قد يكون عددهم أربعين أو خمسين رجلا، كما في الروايات - قد رافقوا الأسرى، والنساء إلى الشام..
وقد تقدم :أن رأس الحسين «عليه السلام» قد أرسل أولا، ثم لحقه موكب الأسرى والسبايا في الطريق...
ومروا بهم وبالرؤوس في بلاد غير المسلمين، وطال السفر إلى حوالي أسبو عين، أو أكثر ، فلما قربوا من دمشق سبقهم زحر بن قيس برأس الحسين، ودخل على يزيد، وأخبره بما جرى.
ولكن يزيد كان يريد أن يزين دمشق، وأن يدخل الرؤوس على الرماح، والسبايا والأسرى إلى دمشق على أسوأ حال، وأن يجتمع أهل دمشق على طول الطريق ابتداءً من خارج البلد، وأن يمروا بهم في
1) الفتوح لابن أعثم ج ص 126 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 55
الأسواق، إلى أن ينتهوا إلى باب المسجد..
كما أنه كان يريد إقامة الأفراح، وقرع الطبول، والنفخ في البوقات، وأن تكون للنساء مساهمة في هذه الأعمال.
وتقدم أن أهل الذمة كانوا حين مروا بهم في الأسواق يبصقون في وجوه نساء أهل البيت «عليهم السلام».
وتقدم معنا أيضاً: أنه إذا كان زحر بن قيس قد سبق الناس بالرأس إلى يزيد، فذلك يعني: أنه بعد أن أراه إياه أرجعه إلى خارج دمشق، ليكون على رأس الرمح حين يدخلون المدينة، ويطوفون به وبالنساء في أسواقها..
وبعد أن صلبوا الرأس على باب المسجد تسع ساعات، كما تقدم، وحوله النساء والعيال أدخلوه إلى مجلس يزيد.
ولعل الذي أدخله إلى مجلس ذلك الخبيث هذه المرة هو محفز بن ثعلبة كما تقدم علیه.
ولعل محفزاً عاد ودخل إلى يزيد مع النساء والأسرى حين أدخلوهم
ويظهر من الروايات التي سيأتي بعضها أيضاً : أن دخول النساء على يزيد «لعنه الله»، قد تأخر عن دخول الرأس الشريف إليه.
1 - ولم يكن قول يزيد المحفز : ما ولدت أم محفز شر وألأم، يهدف الانتصار للحسين بل كان بهدف الدفاع عن نفسه، لأن قول محفز:
جئتك برأس أحمق الناس وألأمهم، بيّن الغواية، ظاهر الفجور والكذب، فإن سكت عنه يزيد، فإن سكوته قد يعد تصديقاً له.
ومن الواضح أن التظاهر بتصديق هذا القول البديهي البطلان ويدرك كذبه وزيفه كل من عرف الحسين، يكون بمثابة القبول بأن يستخف محفز بعقل يزيد، ويتكلم بالترهات والأباطيل عنده، ولا ينكرها عليه.
فلم يقبل يزيد هذه الإهانة، وأنف من أن يكون ممن يستخف الأعراب الجفاة بعقولهم.
2 - على أن قول يزيد ما ولدت أم محفز أحمق والأم ليس فيه
تبرئة للحسين« عليه السلام» من الحمق واللؤم، بل فيه إثبات له، وقبول بقول محفز ، وغاية الأمر: أنه يرى أن ثمة من هو أشد حمقا وأعظم لؤماً من الحسين «عليه السلام ».
وهكذا يقال بالنسبة لقول محفز : إنه أتاه باللئام الفجرة، وجواب يزيد له. فلا حاجة إلى الإعادة.
ولم نعرف من المقصود بقول يزيد ولكن الرجل لم يقرأ كتاب الله: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ (1). فإن كان يريد أن محفز بن ثعلبة لم يقرأ كتاب الله، فنقول:
1) الآية 26 من سورة آل عمران.
إن كلامه إن احتملنا أن يكون صحيحاً ، ولكنه مردود عليه لما يلي:
أولاً: لأننا نقول ليزيد نفسه هل قرأ هو كتاب الله، ولاسيما قوله: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا(1).
وقوله تعالى: قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى (2).
وقوله تعالى: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ (3).
وقوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ(4)
إلى مئات الآيات الأخرى التي تجاهلها يزيد وضرب بها عرض الحائط.
ثانياً: لماذا اختار يزيد هذه الآية بالذات؟! أليس لأجل تكريس معنى الجبر الإلهي في أذهان الناس، وأن الله تعالى هو الذي آتاه الملك. والله هو الذي نزع الملك من الإمام الحسين« عليه السلام».
والله سبحانه هو الذي أعز يزيد، وهو الذي أذل الحسين «عليه السلام».
وهل يؤتي الله الملك للفجار، وينزعه من الأخيار الأبرار؟!
وهل يمكن القبول بعقيدة الجبر الإلهي، التي تنقض سنة العدل
الإلهى، وتجعل الله تعالى ظالماً يثيب ويعاقب بلا سبب، أو مبرر والعياذ بالله ؟!
ثالثاً : هل من يقتل مظلوماً، ويكون مجاهداً وشهيداً في سبيل الله تعالى يكون ذليلاً ؟!
وهل يكون الفاجر، القاتل للأئمة، والأوصياء، والأتقياء والعلماء وخير البشر عزيزاً ؟! .
وقد ذكرنا فيما سبق: أن يزيد قد كذب في الشعر الذي تمثل به، حيث إنه لا ينطبق عليه، ولا على الحسين
«عليه السلام».
أولاً : لقد كذب في دعواه أن الحسين« عليه السلام» كان عزيزاً عليه. مع أنه كان أبغض الناس إليه، وقد أمر عامله الوليد بن عتبة بقتله، وإرسال رأسه إليه بمجرد موت أبيه معاوية، ثم كتب إلى ابن زياد يأمره بقتله أيضاً.
ثانياً : لقد كذب يزيد في ادّعائه أن الحسين كان عاقاً، بل ادعى أنه «عليه السلام» أشد عقوقاً من يزيد وسائر بني أمية. وهذا كذب صريح، وافتراء قبيح.
ثالثاً : ادَّعى أنه «عليه السلام» كان ظالماً ، بل ادعى أنه أظلم من يزيد وبني أمية. وهذا أيضاً من أكاذيبه التي تهدف إلى تشويه صورة من أنزل الله تعالى تطهيرهم وعصمتهم في كتابه الكريم.
يُريدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ ثُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ(1)صدق الله العلي العظيم.
ودوافع هذا التزوير واضحة، فإن يزيد كان يعرف موقع الحسين «عليه السلام» في الأمة، وهو يعرف أن لقتله «عليه السلام» آثاراً وتداعيات لا يمكنه ،تجاهلها، ولذلك سار في خطين متوازيين منذ اللحظات الأولى لارتكاب الجريمة، فهو من جهة يريد أن يظهر قوته، وشوكته، ويعرض عضلاته بهدف كبت أي تحرك، وإجهاض أي ارتعاش وجداني، وتمييع أية صحوة إيمانية يمكن أن تحدث له بلبلة إرباكاً.. فيعرض عيال الحسين «عليه السلام» على أنهن سبايا، ويطوف بهن ، والرؤوس معهن في البلاد وبين العباد، ويتلقى التهاني ويزين المدينة، ويقتل كل من يحرجه في أمر الحسين «علیه السلام»، حتى لو كان رسول ملك الروم، كما سنرى..
وهو من جهة أخرى.. ومن أول لحظة وصول خبر قتل الحسين «عليه السلام» إليه، ألقى باللائمة على عبيد الله بن زياد .. ولكنه يكرم ابن زياد، ويقويه بالجوائز والعطايا، وغير ذلك.
وهو في حين يبكي لقتل الحسين نراه يتهمه بالبغي والعقوق، في تبرئة مبطنة، أو صريحة لابن زياد أيضاً، فلاحظ النص التالي:
1) الآية 8 من سورة الصف.
ذكر في موسوعة الإمام الحسين ج 5 ص 225 - 227 نصوصاً عن حامل خبر قتل الحسين« عليه السلام» إلى يزيد، فنحن نختار أحدها مع مصادره، ونشير إلى مصادر النصوص الأخرى، التي لم يذكرها، فنقول:
كَانَ عُبَيدُ اللهِ بنُ زِيادٍ لَمّا قَتَلَ الحُسَينَ« عليه السلام» بَعَتْ زَحْرَ بن قيس الجُعِفِيَّ إِلى يَزِيدَ بن مُعاوِيَة يُخبرُهُ بِذلِكَ. فَقَدِمَ عَلَيهِ فَقَالَ[ لَهُ يَزِيدُ]: ما وَرَاءَكَ؟
قالَ: يا أميرَ المُؤمِنينَ! أبشر بفتح اللَّهِ وَبِنَصْرِهِ! وَرَدَ عَلِينَا الحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ في ثمانِيَة عَشَرَ مِن أهل بَيْتِهِ، وفي سَبعينَ [في الطبري: ستين] من شيعَتِهِ، فسرنا إليهم، فخَيَّر ناهُمُ الاستسلام وَالتُزولَ عَلى حُكم عُبَيدِ اللهِ بن زيادٍ أو القتال، فاختارُوا الْقِتَالَ عَلَى الاستسلام.
[في الطبري: فعدونا عليهم مع شروق الشمس، فأحطنا بهم من كل ناحية، حتى إذا أخذت السيوف مأخذها من هام القوم].
فَجَعَلُوا يُبَرقِطونَ(1)إلى غَير وَزَر، ويلوذونَ مِنّا بِالآكام وَالأمر(2)
وَالحُقر ؛ لوذا كَما لاذ الحَمائِمُ مِن صَقر، فَنَصَرَنَا اللهُ عَلَيهِم.
فَوَاللهِ يا أميرَ المُؤمِنِينَ ما كانَ إِلا جَزر جزور، أو نَومَة قائِلٍ، حَتَّى كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ مُؤنَتَهُم فَأَتَينا عَلَى آخِرِهِم.
فهاتيكَ أجسادُهُم مُطَرَّحَةٌ مُجَرَّدَةَ، [في الطبري: وثيابهم مرملة] وخُدودُهُم مُعَقَرَةَ، وَمَناخِرُهُم مُرَمَّلَةٌ، تَسفِي عَليهِمُ الرِّيحُ دُيولها بِقِيِّ سَبسَبٍ(1)، تَنتَابُهُم عُرُجُ(2)الضّباع، زُوّارُهُمُ العِقبانُ وَالرَّخَمُ .
قالَ: فَدَمَعَت عَينا يَزيدَ، وقال: كُنتُ أرضى من طاعَتِكُم بدون قتل الحُسين.
وقالَ: كَذلِكَ عاقِبَةُ البَغي وَالعُقوق.. ثُمَّ تَمَثَّلَ يَزِيدُ :
مَن يَدْقِ الحَربَ يَجِد طعمها*** مُرّاً وتَترُكهُ بجَعجاع(3)(4)
وذكر ما يقرب من هذا في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 459 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 352 وتاريخ مدينة دمشق ج 18 ص 445 والكامل في التاريخ ج 4 ص 83 والعقد الفريد ج 3 ص 367 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 127 ومقتل الحسين للخوارزمی ج 2 ص 56 وفيهما« فأطرق يزيد ساعة» بدل« فدمعت عين يزيد» والأربعة الأخيرة نحوه والإرشاد ج 2 ص 118 عن عبد الله بن ربيعة الحميري، وفيه: «فأطرق يزيد هنيهة» بدل «فدمعت عين يزيد»، وبحار الأنوار ج 45 ص 129 . وراجع أيضاً مثير الأحزان ص 98 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 78 والأخبار الطوال ص 261 وليس فيه ذيله من«بقاع». والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 208 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 830 - 834 ونهاية الأرب ج 20 ص 467 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 430 وأنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج 3 ص 212 والوافي بالوفيات ج 14 ص 127 وحياة الحيوان الكبرى ج 1 ص92.
1) قِيٍّ سَبسَب : القِيِّ : الأرض القفرة الخالية والسَبْسَبُ الأرض القفر البعيدة، لا ماء بها، ولا أنيس راجع لسان العرب ج 15 ص 211 مادة «قوا» وج 1 ص 460 مادة «سبسب».
2) العَرْجاءُ: الصَّبْعُ ، والجمع عُرُج، والعرب تجعلها بمعنى الضباع بمنزلة قبيلة. راجع: لسان العرب ج 2 ص 321 مادة «عرج».
3) الجَعْجَاعُ : الموضع الضَّيِّقُ الحَشِنُ راجع النهاية ج 1 ص274 «جعجع».
4) الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 485 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 81 والأخبار الطوال ص 260 والمنتظم ج 5 ص 341 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج6 ص2631 وتذكرة الخواص (ط النجف) ص 260 كلها نحوه، وراجع سير أعلام النبلاء ج 3 ص 303.
ونقول:
1 - إن ما ورد على لسان الخبيث زحر بن قيس، من أن الله تعالى هو الذي فتح عليهم ، ونصرهم على الإمام الحسين، ما هو إلا تزييف للحقائق، وافتراء على الله سبحانه، فإن الله تعالى لا ينصر الكفرة الفجرة
على أهل الحق والدين، وعلى المعصومين المطهرين.. ولا يعد فتكهم بالأبرياء والصلحاء فتحاً إلهيا لهم، بل محض عدوان، وإجلاب
شيطان.
2 - أما وصفه لجيش البغي والطغيان بالمؤمنين، فهو تكذيب لما روي عن النبي« صلى الله عليه وآله »من أن الخارج على إمام زمانه کافر(1).
3 - وقد وصف هذا الخبيث أجساد شهداء كربلاء بأنها مطرحه مجردة. ولعل مراده أنها سلبت عدتها وردت من الألبسة التي يطمع فيها وإلا فإنه لا دليل على أن الشهداء كانوا عراة بصورة تامة. بل إن طلب الحسين« عليه السلام» لباساً لا يطمع فيه أحد ربما يشهد لما نقول.
قالَ يَزيدُ حِينَ رَأَى وَجهَ الحُسين «عليه السلام»: ما رأيتُ وَجها قط أحسَنَ مِنهُ !
فقيلَ لَهُ: إِنَّهُ كَانَ يشبهُ رَسولَ اللهِ« صَلَّى اللهُ عَليهِ وآلِهِ». فسكَتَ (2)
ونقول:
1 - يقال: إن كلمة يزيد هذه، وما قيل في جوابه، يشيران إلى أن
يزيد لم يكن قد رأى الإمام الحسين« عليه السلام» في حياته. وكيف يراه، وأين، وأنى يراه؟ لأن أمه ميسون بنت بحدل الكلبية كانت نصرانية، وتربى ونشأ عند أمه، وقضى أكثر أوقاته بين أهل نحلتها..
2 - لقد بهر جمال وجه سيد الشهداء وبهاؤه حتى يزيد، الذي هو أعدى أعدائه، فلم يتمالك نفسه من إظهار دهشته، ويحق له أن يدهش.. فإنه لم يكن يرى هذا الجمال الظاهر والباطن، في غير أهل البيت »عليهم السلام».
وهل يتوقع أن ينبت الجمال والإشراق والبهاء، والصفاء، والرونق، والنور، في منابت السوء والعهر، والخزي، وأن يرى ذلك أمثال يزيد، الذي نشأ وتربى، وترعرع في محيط الفسق والفجور، واكتنفته الأدواء، وحفت به الفحشاء والأسواء، وتغذى على الحرام، وما اختلج له عضو إلا في مكامن الرجس، ولم يتقمم إلا القذرات والمخزيات.
ومن يكون هذا حاله، فمن الطبيعي أن يتوقع منه الابتلاءات والتشويهات العميقة في الخلق والخلق، والفكر، والنفس، والفهم.. والمسخ للروح، والغل، والقسوة، والحقد على الصالحين، وبغض المؤمنين وأهل الحق والدين، وأن تهيمن عليه الظلمات، ولا يرى إلا الآفات ،وإن تتحول المعاني الإنسانية والصور الرحمانية لديه - إن
كانت - إلى تمثلات إبليسية، وهيئات شيطانية.
فإذا رأى نور الطهر، والعلم، والفضل، والكمال صدم وصعق،
و دهش، وزاده ذلك بغضاً وحقداً على أهل الفضل والخير، والسؤدد والكمال ،والصلاح، ثم هو يواصل سلوك طريق الضلال والغواية
والخذلان، والعماية.
3 - أما فيما يرتبط بشبه الحسين« عليه السلام» برسول الله«صلى الله عليه وآله»، فهذا المورد من دلائل ذلك، وقد تقدم الحديث عن هذا الأمر في بعض أجزاء الكتاب الأولى.
عن ريّا، حاضِنَهُ يَزيدَ، قالت: دَخَلَ رَجُلٌ عَلى يَزِيدَ، فَقالَ: أبشر، فقد أَمْكَنَكَ اللهُ مِنَ الحُسَين، وجيء بِرَأْسِهِ.
قالَ: فَوُضِعَ في طستٍ، فَأَمَرَ الغُلامَ فَكَشَفَ، فَحِينَ رَآهُ خَمَّرَ وَجْهَهُ كَأَنَّهُ شَمَّ مِنهُ.
فقلتُ لها : أَقرَعَ ثناياهُ بقضيبٍ؟
قالت: إي واللهِ (1).
ونقول:
1 - قد يفاجأ الإنسان بالرائحة الطيبة إذا كانت قوية، وقد يخمر وجهه قليلا كي يتألف معها، ويستسيغها ..
1) سير أعلام النبلاء ج 3 ص 319 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 106 و 107 و تاريخ مدينة دمشق ج 69 ص 159 و 160 وتهذيب التهذيب ج 2 ص308
وقد ورد عن أبي مخنف في رواية: أنه لما دخل بالرأس على يزيد كان للرأس طيب قد فاح على كل طيب(1).
2 - أما إن كان المقصود :هو الإيحاء بأنه خمر وجهه تحاشياً للرائحة الكريهة، فنقول : لقد بقي الرأس الشريف عشرين يوما يدار به في البلاد، وفي الحر والقر، وكان يعرض للعباد، ولم نجد أحداً من الناس، حتى أعدى أعدائه تأفف، أو أوهم أنه شم من الرأس رائحة كريهة، ولو كان أدنى شيء من ذلك لسارعوا إلى إعلانه، والتحدث
به في السر والعلن..
يضاف إلى ما تقدم: أن يزيد نفسه كان يعقد مجالس الشرب والمجون، ويحضر الرأس الشريف فيها، إمعاناً منه بالإهانة له، وتلذذاً بما يزعم أنه فتح ونصر.
كما أنه قد بقي أمامه في مجلسه العام برهة ليست وجيزة، حيث جرت بينه وبين السبايا والأسرى حوارات، وألقيت خطب، وجرت بينه وبين جلسائه مساجلات حادة، بسبب تعامله الوقح مع الرأس الشريف، فهل كان يضع كمامة تحجب عنه الرائحة الكريهة في هذه المجالس التي تعددت؟!
1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 61 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص218 ومدينة المعاجز ج 4 ص 116 وبحار الأنوار ج 45 ص 305 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 618 وراجع مستدرك سفينة البحار ج 4 ص 9 .
إن هذا وذلك يدعونا إلى توجيه اتهام صريح لهذا الطاغية: أنه أراد بتصرفه الشيطاني هذا : أن يوحي للآخرين بوجود رائحة كريهة، بهدف الإنتقاص والتنفير منه« عليه السلام»، ولو من خلال التوهم الذي تثيره أمثال هذه الحركات.
عن عكرمة بن خالد قال : أتِيَ برَأس الحُسَين «عليه السلام» إلى يَزِيدَ بن مُعاوِيَة بدِمَشْقَ ، فَنُصِبَ، فَقالَ يَزِيدُ: عَليَّ بِالنُّعمان بن بَشير، فَلمّا جاءَ قَالَ: كَيفَ رَأيت ما فَعَلَ عُبَيدُ اللهِ بنُ زِيادٍ؟
قالَ: الحَربُ دُوَلٌ.
فقالَ: الحَمدُ للهِ الَّذي قتَلهُ.
قالَ النَّعمانُ قد كان أميرُ المُؤمِنينَ - يَعني بهِ مُعاوِيَة - يَكْرَهُ قتله.
فَقالَ: ذلِكَ قبلَ أَن يَخرُجَ، ولو خَرَجَ عَلى أمير الْمُؤْمِنِينَ - وَاللَّهِ - قَتَلَهُ إن قدِرَ.
قال :النعمان ما كنت أدري ما كان يصنع. ثم خرج النعمان.
فقال يزيد هو كما ترون إلينا منقطع. وقد ولاه أمير المؤمنين، ورفعه ولكن أبي كان يقول : لم أعرف أنصاريا قط إلا يحب عليا وأهله، ويبغض قريشاً بأسرها (1).
1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 59 .
ونقول:
أولاً: إن النعمان بن بشير كان منحرفاً عن علي وعدواً له. وخاض الدماء مع معاوية خوضاً، وكان من أمراء يزيد ابنه، حتى قتل وهو على حاله كما يقول ابن أبي الحديد المعتزلي(1).
ثانياً : يبدو أن النعمان بالرغم من عداوته لعلي وأهل بيته، وتمسكه بالبيت الأموي قد أجاب هذا الجواب خوفا من عواقب هذا الفعل العظيم، وهو قتل الإمام الحسين «عليه السلام».
وكأنه أراد أن ينصح يزيد بعدم المبالغة في توهم القوة، والشوكة والعظمة، فإن ذلك قد يحرك الناس ضده، ويزيد من تعاطفهم مع أهل البيت «عليهم السلام»..
ثالثاً يشهد لما ذكرناه : أنه احتج عليه بأبيه، وأنه كان يكره قتل الحسين« عليه السلام» لا لأجل حبه له، ورغبته في الإبقاء عليه بدليل أنه دس السم لأخيه الحسن «عليه السلام»، مع أنه كان يظهر كراهته لقتله أيضاً ..
مما يعني: أنه يكره قتله بصورة علنية وسافرة، لأن ذلك يحرك الناس ضده. أما قتله بصورة خفية، ثم السير في جنازته، والتظاهر بالحزن عليه، فتلك هي السياسة المعتمدة لمعاوية، وهو صاحب الشعار الذي يقول : إن الله جنوداً من عسل.
1) شرح نهج البلاغة لابن للمعتزلي ج 4 ص 77 .
رابعاً: لقد طاش سهم يزيد حين ادَّعى للنعمان أن أباه كان سيقتل الحسين« عليه السلام» لو خرج عليه. فإن هذه مغالطة سمجة لا قيمة لها ..
لأن هذا الفرض لا مورد له، بعد أن حدد صلح الإمام الحسن « عليه السلام» الالتزامات، والمواقف. فلم يكن معاوية يجد سبيلاً على الإمام الحسين.
ولم يكن كلام النعمان بن بشير ناظراً إلى هذا الافتراض. بل هو ناظر إلى صورة مبادرة معاوية لقتل الحسين، من دون أن يخرج الحسين« عليه السلام»، أو يعلن الحرب عليه فإن هذا ما حصل مع يزيد، فقد قتل الحسين «عليه السلام»، ولم يكن قد خرج عليه.
وهدف يزيد بتحوير الكلام بهذا الاتجاه: هو ادعاء أن الحسين «عليه السلام» قد خرج إلى العراق بهدف محاربة عماله، توطئة للاستيلاء على العراق، ثم مهاجمة يزيد في الشام...
وهذا ادّعاء باطل كما قررناه أكثر من مرة.. والشواهد تدل على خلافه.
على أن ما ادعاه يزيد من أن الحسين« عليه السلام» لو خرج على معاوية لقتله ليس له ما يثبته، فلعله يعقد معه صلحا، كما فعل مع الإمام الحسن« عليه السلام». ولذلك عقب النعمان على ادعاء يزيد هذا بقوله: ما كنت أدري ما كان يصنع..
خامساً: ما ذكره يزيد عن كراهة الأنصار لقريش بأسرها.. يريد به
اتهام النعمان: بأنه إنما قال ما قال بدافع من بغضه لقريش.. مع أنه كان متفانياً في خدمة أهداف قريش، ومروجاً لسياساتها.
عن هانئ بن ثبيت القايضي: لمَّا أدخلوا [أي الأسرى] عَلى يَزِيدَ لعَنَهُ اللهُ، أَقْبَلَ قَاتِلُ الحُسَين بن عَلِيٍّ «عليه السلام» يَقولُ:
أوقر ركابي فِضَّة وذهَباً*** إِنِّي قتَلتُ المَلِكَ المُحَجَّبَا
قتَلتُ خَيْرَ النّاس أماً وأباً*** وخَيْرَهُم إِذْ يُنْسَبُونَ نَسَبًا
فقالَ لَهُ يَزِيْدُ: إذا عَلِمتَ أنَّهُ خَيرُ النّاسِ لِمَ قَتَلْتَهُ؟!
قالَ رَجَوْتُ الجَائِزَةَ.
فَأمَرَ بضرب عُنُقِهِ، فَحُزَ رَأْسُهُ.
وَوُضِعَ رَّأسُ الإمام الحُسَين « عَلَيْهِ السَلامُ » بَينَ يَدَي يَزِيدَ لَعَنهُ اللَّهُ فی طستِ، فَجَعَلَ يَنكْتُهُ عَلى ثناياه بالقضيب، وهُوَ يَقولُ:
نقلِقُ هَامَا مِنْ رِجَالِ أَعِزَّةٍ*** عَلَيْنَا وَهُمْ كَانُوا َأعَقَّ
وأظلما(1)
1) راجع ما تقدم كلا أو بعضاً في مقاتل الطالبتين ص 119 و (ط المكتبة الحيدرية ) ص 79 وراجع تذكرة الخواص (ط النجف) ص262 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 61 والخرائج و الجرائح ج 2 ص 580 وبحار الأنوار ج 45 ص 128 و 186 وتسلية المجالس ج 2 ص 381 وتهذيب الكمال ج 6 ص 428 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 309 ومروج الذهب ج3 ص 61 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 521
وعند القندوزي الحنفي: «قال له يزيد إذا علمت أنه خير الناس أماً وأباً فلم قتلته؟!
أخرج من بين يدي، فلا جائزة لك.
فخرج هارباً خائبا من الجائزة، وخاسراً في عاجل الدنيا، وأجل الآخرة»(1).
ونقول:
تقدم معنا: أن مضمون هذا النص قد حصل في كربلاء حين جاء
قاتل الحسين« عليه السلام» إلى عمر بن سعد، وهو ينشد هذين البيتين، فزجره عمر بن سعد، وأخبره أنه لو قال هذا لعبيد الله بن زياد لكان قد خاطر بحياته..
ثم ذكرنا أيضاً: أنهم رووا :أن هذين البيتين خوطب بهما ابن زياد نفسه حين جيء إليه بالرأس الشريف في الكوفة.. فواجه ابن زياد قائلهما بالتغيظ الشديد والزجر والوعيد، وكان نصيب حامل الرأس هو القتل على يد ابن زياد أيضاً.
وهذه هي المرة الثالثة التي يقال : إنها جرت بين قاتل الحسين «عليه السلام»، وبين يزيد نفسه..
1) ينابيع المودة ج 3 ص 91 و 92 وراجع جواهر المطالب ج 2 ص 270 .
وقد رأينا: أن الاختلاف في أن منشد هذا الشعر قد قتل، أو حرم من الجائزة ولم يقتل هي عينها تتكرر ، ولا يمكن تأكيد أي من الروايات حصلت، فامتنع الآخرون من تكرار نفس الفعل، حذراً من مواجهة نفس المصير.
وقد سجلنا في الموارد المشار إليها بعض ما له ارتباط بمضمون هذين البيتين، فيمكن مراجعة ما سجلناه هناك، فلا حاجة للإعادة ..
قالوا:
«أُتِيَ بِالرَّأْس حَتَّى وُضِعَ بَينَ يَدَي يَزِيدَ بن مُعاوِيَة في طشت مِن ذهَبٍ.
قالَ : فَجَعَلَ يَنظُرُ إِلَيهِ وَهُوَ يَقُولُ:
نفلِقُ هَامَا مِنْ رِجَالِ أَعِزَّةٍ*** عَلَيْنَا وَهُمْ كَانُوا َأعَقُّ وَأَظْلَمَا
قالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ عَلى أهل مَجْلِسِهِ، وقال: [في الطبري: أتدرون من أين أتي هذا؟] هذا كانَ يَفْتَخِرُ عَليَّ ويَقولُ: أبي خَيْرٌ مِن أَبِ يَزِيدَ، [في الطبري وأحق بهذا الأمر منه] وأمّي خَيرٌ مِن أُمِّهِ، وجَدّي خَيرٌ مِن جَدٌ يَزِيدَ، وأنَا خَيرٌ مِن يَزِيدَ، فَهذا الذي قتَلهُ.
فأَما قولهُ: إِنَّ أَبي خَيْرٌ مِن أبِ يَزِيدَ، فقد حاجَّ أبي أباهُ، فَقضَى اللَّهُ لِأبي على أبيه. [في الطبري: وَعَلِمَ الناسُ أَيُهما حُكِمَ لَهُ].
وأمّا قولهُ: إِنَّ أمّي خَيرٌ مِن أُمِّ يَزِيدَ، فَلعَمري إِنَّهُ صَدَقَ إِنَّ فاطِمَة
بنت رسول اللهِ «صَلَّى اللهُ عَليهِ وآلِهِ» خَيْرٌ مِن أُمّي.
وأما قوله: بأنَّ جَدّي خَيرٌ مِن جَدٌ يَزِيدَ، فليسَ أَحَدٌ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِر يقولُ: إِنَّهُ خَيْرٌ مِن مُحَمَّدٍ «صَلَّى اللَّهُ عَلِيهِ وآلِهِ». [في الطبري: ما أحد يؤمن بالله واليوم الآخر يرى لرسول الله فينا عدلاً ولا ندا].
وأمّا قولهُ خَيْرٌ مِنّي، فلعله لم يقرأ هذه الآية: قل اللهُمَّ مَالِكَ المُلكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(1). [في الطبري ولكنه أتي من قبل فقهه، ولم يقرأ: قل اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ إلى آخر الآية]»(2).
قال سبط بن الجوزي: ولما فعل يزيد برأس الحسين ما فعل تغيَّرت وجوه أهل الشام، وأنكروا عليه ما فعل، فقال: أتدرون من أين دهى أبو عبد الله؟!
1) الآية 26 من سورة آل عمران.
2) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 128 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 57 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 462 والكامل في التاريخ ج 2 ص577 والفصول المهمة لابن الصباغ ص 191 والبداية والنهاية ج 8 ص 195 كلها نحوه. وراجع: الإرشاد ج 2 ص 119 وبحار الأنوار ج 45 ص 131 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 431 والفتوح لابن أعثم ج 5ص 128 ونهاية الأرب ج 20 ص 468 .
قالوا: لا.
قال: من الفقه والتأويل، كأني به قد قال أبي خير من أبيه، وأمي خير من أمه، وجدي خير من جده، فأنا أحق بهذا الأمر منه، ولم يلحظ قوله تعالى: قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ المُلكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قدِيرٌ(1). فسرى عن وجوه أهل الشام(2).
ونقول:
لا بأس بالنظر في الأمور التالية:
1 - لم يوضع الرأس الشريف في طشت من ذهب، بهدف تكريم الرأس، وصاحبه، بل لأجل التبجح والاستطالة بالغنى، وإظهار العظمة أمام الناس، مع أن هذا الذهب لم يكن ثمرة عمل، ولا نتيجة جهد بذله يزيد حتى حصل عليه، بل هو مال مغصوب ومسلوب من المسلمين، وغيرهم من الناس الذين استضعفهم بواسطة أعوانه وزبانيته.. فهو يفخر على الناس، بمال سلبه منهم.
وإذا كان أهل الدنيا يفخرون بالأموال، وبالذهب والفضة، وهي
مجرد جمادات، تثير مشاعر معينة لدى من وضع يده عليها، وتجعله يتلذذ بتخيلاته ويسعد بأوهامه، ويستغرق بأحلامه. من خلال نسبة هذه الجمادات إليه.
فإنه فخر غير مفيد، لأن هذه المعاني التي يتوهمها، ليست إلا كالنقش على الماء، أو على لوح من الثلج.. لا يلبث أن يتلاشى ويزول، وكأن شيئاً لم يكن.
ولعل أهم إنجاز تحققه الأموال، بما فيها هذا الذهب، ونظائره: أنها تذكي في من تنسب إليه الشعور بالواجدية والاستغناء عن الله، والإعراض عنه، ثم الاستخفاف بأوامره ونواهيه، والتمرد عليه، كما قال تعالى: كَلَّا إنَ الْإِنْسَانَ ليَطغى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى(1).
لأن الإنسان إذا وجد المال يظن أنه هو حلال مشاكله، وهو مطيته لغاياته، وقاضي حاجاته، فإذا مرض يرى أن ماله يشفيه، وإذا احتاج رأى أن ماله يكفيه، وإذا طلب مأوى، فماله هو الذي يؤويه، وإذا خاف فماله يحميه، وإذا ضعف فماله يقويه، وإذا اشتهى أمراً، فإن ماله ينيله ما رغب فيه.. وإذا.. وإذا ..
وبذلك يتضاءل الشعور بالحاجة إلى الله، ويبدأ هذا المستغني بالسعى لنسيانه تعالى، وإبعاده عن ذاكرته، لأن الله تعالى يفرض عليه قدراً من الانضباط ضمن دائرة الشرع، ويحمله مسؤوليات،
1) الآيتان 6 و 7 من سورة العلق.
ويلاحقه بما لها من تبعات. وهذا ما يريد التملص والتخلص منه.
إن يزيد حين رأى ما فعله بالرأس الشريف قد أغاظ أهل الشام، وأنكروا ذلك عليه، لجأ إلى الخداع والتمويه عليهم. وقد ذكر سبط ابن الجوزي أن خداعه قد ترك أثره عليهم..
ونوضح ذلك ضمن النقاط التالية:
1 - إن يزيد حين تمثل بالشعر المتقدم ذكره قد سجل على نفسه كذبات عديدة، فقد كذب بادعائه أن الحسين عزيز عليه، وبأنه «عليه السلام» قد عقه، وبأنه « عليه السلام» قد ظلمه، وبأنه كان أكثر عقوقاً وظلماً ليزيد من عقوق وظلم يزيد له ...
2- إن هدف يزيد من هذه الإختراعات والأكاذيب، هو التأسيس لمبررات، وأعذار واهية، تستند إلى مرتكزات لا أساس ولا حقيقة لها .. فلاحظ ما يلي:
ألف: زعم أن الحسين «عليه السلام» كان يفتخر عليه بأمور :أربعة بأبيه، وأمه، وجده ونفسه، مع أن هذا لم يصدر من الحسين « عَلَيْهِ السَلامُ» قط. بالرغم من أنه أمر واقعي في نفسه، وأن دعوى صدوره من الحسين
« عَلَيْهِ السلامُ» أمر اخترعته مخيلة يزيد بهدف تبرير قتله الإمام« عليه السلام».
ب: لو سلمنا جدلاً: أنه افتخر عليه بهذه الأربعة، فإن هذا
الافتخار لا يبرر ليزيد قتله «عليه السلام»...
ج :مع أن يزيد قد اعترف صراحة بصحة اثنتين من هذه الأربعة التي ذكرها، وهما أن أم الحسين« عليه السلام» وجده خير من أم يزيد، وجده..
أما الاثنتان الباقيتان، وهما: أن أبا الحسين ونفس الحسين خير من يزيد وأبيه، فقد أنكرهما يزيد استناداً إلى معادلة ظاهرة البطلان. وهي أن ملاك الخيرية، ومعيارها هو الغلبة والظفر، والحصول على الملك، والجاه، والمال، والقوة.. وقد حصل هو وأبوه على الملك، فكانا بذلك خيراً من علي، ومن الحسين «عليهما السلام». ولذلك استدل بقوله تعالى: قُل اللهُم مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ المُلكَ مِمَن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُ مَن تَشَاء(1). على أنه خير من الحسين« عليه السلام»..
د وبهذا الاستدلال الشنيع يكون قد رد على الله سبحانه الذي يقول: إنّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أتقاكُمْ(2)فالخير هو الأتقى، والأتقى هو الأكرم عند الله سبحانه.
هـ: إن حكمه بأن فاطمة «عليها السلام» خير من أمه لم يعلم وجهه حسب معايير يزيد، فإن فاطمة لم تحصل على الملك، ولا على
المال، ولا على الغلبة في الدنيا، بل هي قد ضربت وأهينت، وأسقط جنينها، وسلب منها مالها خصوصاً في فدك.
و: الغريب في الأمر: أن يكون يزيد هو الذي يطعن في فقه أبي عبد الله الحسين« عليه السلام»، ويزيد نشأ ورضع من ثدي نصرانية، وتربى، وترعرع في حجرها، وقضى أكثر حياته في مجتمعها وبيئتها. يجعل نفسه في موقع الراصد والحَكَم على من حكم الله تعالى في كتابه الكريم بطهارته وعصمته، ومن قال رسول الله« صلى الله عليه وآله» في حقه وحق سائر أهل البيت «عَلَيْهِمُ السَلامُ»: لا تعلموهم، فإنهم أعلم منكم(1).
1) روضة المتقين ج 11 ص 250 و ج 13 ص 110 وملاذ الأخيار ج8 ص 473 والصواعق المحرقة ص 126 وبصائر الدرجات ص 69 و 70 و 72 والإمامة والتبصرة ص 44 والكافي ج 1 ص 209 و 294 والأمالي للصدوق ص 616 وعيون أخبار الرضا ج 1 ص 182 و 208 وكمال الدين ص 662 وتحف العقول ص 426 وكفاية الأثر ص56 و 129 و 132 و 163 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 27 ص 189 و (الإسلامية) ج 18 ص 139 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج 1 ص 143 و 336و 340 وكتاب سليم بن قيس ص 178 و 204 و 208 و 415 والغيبة للنعماني ص 52 والمسترشد ص 401 و 467 والإرشاد ج 1 ص 180 والإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 219 و 221 وج 2 ص 224 وبحار الأنوار ج 11 ص 84 و ج 22 ص 465 وج 23 ص130 و 137 و 138 و 153 و ج 25 ص 221 وج 30 ص 65 وج 31 ص 417 و 422 وج 35 ص 211 وج 36 ص 329 و 330 و 338 وج 49 ص 180 ومرآة العقول ج 2 ص 424 و ج 3 ص 279 والمعجم الكبير ج 5 ص 167 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 1 ص 188 وتفسير العياشي ج 1 ص 250 وتفسير القمي ج 1 ص 4 والبرهان (تفسير) ج 1 ص 21 و 74 وج 2 ص 106 و 111 و ج 3 ص 227 وج 4 ص 445 و 549 وج 5 ص 301 وإرشاد القلوب ج 2 ص 306 وينابيع المودة ج 1 ص 74 و 109 و 112 و 116 و 121 و 133 و ج 2 ص 438 و ج 3 ص 399.
فهل أهل بيت النبوة ، ومعدن الرسالة، لا يفقهون معاني القرآن، ويزيد هو الذي يفهمها بصورة صحيحة ؟!
1 - ذكر النص المتقدم أنه أتي بالرأس إلى يزيد، فجعل ينظر إليه، وهو يقول:
تَعْلَقُ هَامَا مِنْ رِجَالِ أَعِزَّةٍ*** عَلَيْنَا وَهُمْ كَانُوا أَعَقَّ
وأظلمَا
2 - مع أن النص عن القاسم بن بخيت يقول : أذِنَ [يَزِيدُ] لِلنّاس، فَدَخَلُوا وَالرَّأْسُ بَينَ يَدَيهِ، ومَعَ يَزِيدَ قضيبٌ، فَهُوَ يَنكُتُ بِهِ فِي تَغرِهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هذا وإيَّانا كَما قالَ الحُصَينُ بنُ الحُمامِ المُرِّيُّ:
نفلّقُ هَامَا مِنْ رِجَال أحِبَّةٍ*** إليْنا وَهُمْ كَانُوا أَعَقَّ وَأَظْلَمَا (1)
أبي قومنا أن ينصفونا فأنصفت*** قواضب في أيماننا تقطر
الدّما
1) موسوعة الإمام الحسين ج 5 ص 231 عن: تاريخ الأمم والملوك ج5 ص 465 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 356 وتاريخ مدينة دمشق ج 62 ص 85 والردّ على المتعصب العنيد ص 45 وتذكرة الخواص ج 2 ص 197 وراجع نهاية الأرب ج 20 ص 468 البداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 209 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 834 والكامل في التاريخ ج 4 ص 85 وفيه بزيادة:
3 - عن ابن أبي الدنيا:
إِنَّهُ لمَّا نَكَت [يَزِيدُ] بالقضيب ثناياه [أي الحُسَين «عليه السلام»]
أَنشَدَ لِحُصَين بن الحُمامِ المُرّي:
صَبرَنا وكَانَ الصَّبْرُ مِنَّا*** بأسْيَافِنا تقرينَ هَامَاً ومِعْصَمَا
نفْلَقُ هَامَا مِنْ رُؤُوسِ أَحِبَّةٍ*** إلَيْنا وَهُمْ كَانُوا َأعَقَّ وَأَظْلَمَا
قالَ مُجاهِدٌ : فَوَاللهِ، لم يبقَ فِي النّاس أَحَدٌ إِلَّا مَن سَبَّهُ، وعابَهُ، وتَرَكَهُ (1).
فلماذا لم يشر النص الذي نحن بصدد معالجته إلى هذه الجرأة اليزيدية الفاحشة على مقام سيد شباب أهل الجنة «عليه السلام»، وعلى مقام رسول الله «صلى الله عليه وآله»..
1) تذكرة الخواص ج 2 ص 197 وأشار في هامشه إلى الرد على المتعصب العنيد ص 46 و 48 والبداية والنهاية ج 8 ص 194 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 208 .
ومهما يكن من أمر ، فسيأتي المزيد من الحديث عن نكت ثنايا أبي عبد الله «عليه السلام» بالقضيب وما أنشده يزيد من الشعر إن شاء الله.
ونكتفي هنا بالإشارة إلى ما قاله القاضي النعمان حول هذه الأبيات التي تمثل بها يزيد هنا، وهي أبيات الحصين بن الحمام..
قال القاضي النعمان:
عن عليّ بن الحسين [زين العابدين] «عليه السلام»: أَمَرَ [يَزِيدُ] بالنّسوَةِ، فَأُدخِلْنَ إِلى نِسَائِهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِرَأس الحُسَين «عليه السلام»، فَرُفِعَ عَلى سِنِّ قناةٍ، فلمّا رأينَ ذلِكَ نِسَاؤُهُ أَعْوَلَنَ.
فَدَخَلَ - اللعينُ - يَزِيدُ عَلى نِسَائِهِ، فَقالَ ما لكُنَّ لا تَبكِينَ مَعَ بَناتِ عَمَكنَّ؟ وأَمَرَهُنَّ أن يُعولن مَعَهُنَّ؛ تَمَرُّداً عَلَى اللهِ عز وجل، واستهزاءً بأولياء الله« عليهم السلام»، ثُمَّ قال:
تَعْلَقُ هَامَا مِنْ رِجَالِ أَعِزَّةٍ*** عَلَيْنَا وَهُمْ كَانُوا أَعَقَّ وَأَظْلَمَا
صَبرنا وكَانَ الصَّبْرُ مِنَّا*** بأسْيَافِنَا يَفرِينَ هَامَاً ومِعْصَمَا
وجَعَلَ يَستَفزهُ الطَّرَبَ وَالسُّرورَ، وَالنِّسوة يبكينَ وَيَندُبنَ، وَنِسَاؤُهُ يُعولنَ مَعَهُنَّ، وَهُوَ يَقُولُ:
شجِيٌّ بَكَى شَجْوَهُ فَاجِعَا*** قتيلاً وبَاكِ عَلى مَنْ قَتَل
إننا لا نستبعد أن يكون يزيد قد كرر شعر الحصين بن الحمام، مرة في مجلسه العام حين نكت ثنايا الإمام
« عليه السلام» بالقضيب.
ومرة أخرى حين دخل إلى موضع النساء..
والظاهر أن يزيد أنشد بيتي الحصين في مجلسه العام بهدف خداع الناس بادّعاء: أن الحسين هو العاق والظالم، وأن هذا العقوق والظلم هو الذي انتهى به إلى هذه النتيجة.
وادّعاء: أن يزيد قد انساق إلى حرب الإمام الحسين «عَلَيْهِ السَلامُ» وقتله مرغماً، دفاعاً عن نفسه، وعن كيانه والدفاع عن النفس أمر مشروع، ولا ينبغي أن يلام عليه.
ويؤكد ذلك: أن الحسين عليه السلام كان من الأعزة على يزيد، ولم يكن يزيد ليفرط به لولا أن الحسين هو الذي ساق الأمور بهذا الاتجاه.
وحين دخل يزيد إلى الموضع الذي كان فيه السبايا، مع نساء يزيد..
كان هدفه من إعادة بيتي الحصين هو التلذذ بمضمونهما، وبما فيهما من
تعابير تدل على القوة والبطش. الأمر الذي يثير لديه المزيد من الزهو، والخيلاء بالإضافة إلى صفة التحمل والرجولة والصبر، وعدم الرعونة في اتخاذ المواقف.
وهذا ما يؤدي إليه قوله: نُفَلِقُ هَامَا.
وقوله: مِنْ رِجَالِ أَعِزَّةٍ.
وقوله: صَبرَنَا وكَانَ الصَّبْرُ مِنَّا سَجِيَّة ..
ثم قوله أخيراً : بأَسْيَافِنَا يَفْرِينَ هَامَاً ومِعْصَمَا..
وقد دل هذا النص على أن القاضى النعمان قد أصاب كبد الحقيقة، حين اعتبر أن هدف يزيد من الدخول إلى موضع نساء أهل البيت «عليهم السلام» هو الإمعان في إيذائهن، ونكأ جراحهن.
ويدل على ذلك: سائر تصرفاته الخبيثة، وما أكثرها، لاسيما وأنه قد رفع الرأس الشريف على سن قناة على مرأى من النساء.
وبالرغم من أن نساءه أعولن لما رأين الرأس - والعويل: هو رفع الصوت بالبكاء والصياح - فإنه دخل إليهن، وقال لهن: ما لكن لا تبكين مع بنات عمكن؟!
وقد أبقى الرأس الشريف عدة أيام مصلوباً أمام الناس في دمشق.
وسيأتي: أنه حبس النساء في بيت لايكنهم من حر ولابرد، وكان بصدد قتل الإمام زين العابدين«عليه السلام»، وكان يحضر الرأس
الشريف إلى مجالس لهوه وشرابه، وغير ذلك كثير.
إن ذلك كله يدلنا أن يزيد كان يريد أن يتلذذ ببكاء عيال الحسين، ويسعى إلى زيادة حرقتهن.. وما إدخالهن على نسائه إلا ليريهن طرفاً من العظمة والعز والبذخ، والرفاهية الذي كان هو ونساؤه فيه، وعيال رسول الله في غاية العدم، والمذلة بين الأعداء والشامتين.
بل نفس أن ترى نفسك على حال من الضعف والأسى، والألم، بحيث تثير شفقة آسرك، وقاتل أحبائك، وهم من الأئمة، ومن أوصياء الأنبياء، وسيد شباب أهل الجنة، وأعدى أعدائك يبكي، أو يتظاهر بالبكاء شفقة عليك، من دون أن تجد حولك نصيراً ولا معينا، ولا من يمد لك يد العون، أو من يسعى في التخفيف عنك.. إن ذلك مما يثير الشجون، ويجري الدموع من العيون.
فكيف إذا كانت الأفراح بقتل أحبائهم قائمة، والشماتة بهم دائمة، وإسماعهم الأذايا لا ينقطع، وعن سب أفضل الخلق بعد النبي لا يرتدع؟!
أما البيتان الأخيران المتقدمان فيشهدان على صحة ما قاله القاضي النعمان أيضاً.
فإن البيت الأول يشير إلى أن الباكين على الحسين« عليه السلام »على قسمين:
1 - قسم يبكي على فقيده المقتول بفجاعة وحرقة، وهم أهله وأحباؤه،
2 - وقسم آخر، وهم القتلة أنفسهم يشاركون أولئك في البكاء، أو فیالتظاهر به على ذلك الذي قتلوه.
ثم يظهر تعجبه من اجتماع هذين الفريقين المتناقضين في مقام واحد، كان هو الموجب لاختلافهم، وافتراقهم، وتباغضهم.
ثم أظهر: أنه لم ير كذلك اليوم يوما تجتمع فيه الظباء والنفل، وهو الغنيمة إن كان بالفاء.. أو النقل بالقاف، وهو ريش السهام حين تنقل من سهم لآخر، أو هي الحجارة التى تكون كالأفهار، فإنها مما يقتل به الظباء أيضاً كالسهام.
ونود أن نشير إلى أن ملاحظة النصوص تعطي:
1 - أن الرأس الشريف (أو الرؤوس كما في بعض النصوص) أدخل (أو أدخلت) على يزيد أولاً، وكان في مجلسه جماعة من الأعيان والأعوان.
2 - يبدو: أن يزيد صار ينكت ثنايا الإمام بقضيب كان في يده، ويتمثل ببعض الأشعار.
وقد اعترض عليه أبو برزة الأسلمي.. كما سنرى.
3- وبعد ذلك أدخل عيال الحسين« عليه السلام»، ومعهم الإمام السجاد والأسرى الذين بلغ عددهم اثني عشر رجلا، أو غلاماً، كما سيأتي.
4 - ثم نكت ثنايا أبي عبد الله« عليه السلام» بالقضيب بحضور الأسرى والسبايا أيضاً..
5 - إن زينب عليها السلام لم ترض بأن تتكلم مع يزيد حتى يتكلم الإمام السجاد «عليه السلام».
3- جرت بين يزيد لعنه الله» وبين الإمام السجاد «عليه السلام» مساجلات مؤثرة.. وكانت أحياناً حادة، أثارت غضب يزيد، وتهدد الإمام بالقتل. فنجاه الله منه.
7 - جرت أيضاً مساجلات بین،يزيد وبين عدد من النسوة، لم يستطع يزيد أن يصمد لها ، فانكفأ وتراجع بعض الشيء.
8 - جرت بين يزيد وبعض الأعيان من غير المسلمين مساجلات حادة أيضاً.
9 - ثم كانت خطبة الإمام السجاد وزينب «عليهما السلام» في مجلس يزيد..
10 - ثم أدخل السبايا إلى نسائه لكي يتشفى بهن، كما تقدم وسيأتي.
11 - ثم أخرجهن من منزله، وأودعهن السجن الذي لا يكنهن من حر ولا برد ومعهن الإمام السجاد« عليه السلام».. بالإضافة إلى الاثني عشر غلاماً الآخرين.
ونحن سوف نذكر هذه الأمور ونتكلم حولها وفق هذا الترتيب، ونضيف إليها، بعض ما لم نذكره فيها، مثل ما جرى للإمام السجاد «عليه السلام» مع المنهال بن عمرو في دمشق، وغير ذلك، فنقول:
1 - وأمّا زَيْنَبُ، فَإِنَّها لمّا رأتهُ [أي رَأسَ الحُسين «عليه السلام»]
أهوت إلى جيبها فَشَقَّتهُ، ثُمَّ نادَت بصوتٍ حَزِينِ يَقرَحُ القُلوبَ: يا حُسَيْناه، يا حَبِيبَ رَسول اللهِ، يَا ابْنَ مَكَةٌ ومِنيٍّ، يَا ابْنَ فَاطِمَةَ الزَّهرَاءِ سَيِّدَةِ النّساءِ، يَا ابن بنتِ المُصطفى.
قالَ الرّاوي: فأبكَت وَاللهِ كُلَّ مَن كانَ حاضراً فِي المَجلِس، ويَزِيدُ ساكِت(1).
ثم تذكر الرواية أن امرأة من بني هاشم جعلت تندب الحسين في دار يزيد، بما لا يبتعد عما قالته زينب، ولعلها اقتبست بعضه من كلامها «عليها السلام». لكنها قالت أيضاً: «يا قتيل أولاد الأدعياء»(2).
وليس في هذا ما يثير حفيظة يزيد وحزبه، لأنهم يرون أن المقصود هو عبيد الله بن زياد، لأن معاوية كان ادَّعى أن زياداً أباه هو ابن أبي سفيان.
وبعدما تقدم نقول:
1) الملهوف ص 213 و (نشر أنوار الهدى)ص 104 والإحتجاج ج 2 ص 123 و(ط دار النعمان) ج 2 ص 34 ومثير الأحزان ص100 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 59 نحوه، وبحار الأنوار ج 45 ص 132 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 433 والمجالس الفاخرة ص 279.
2) الملهوف ص213 و (نشر أنوار الهدى) ص 104 وبحار الأنوار ج 45 ص 132والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 433 .
هنا سؤال يحتاج إلى جواب، وهو: أن الرأس الشريف لم يزل مرافقاً لزينب«عليها السلام» منذ استشهد الحسين «عليه السلام»، طيلة عشرين يوما أو أكثر، وكان رفيقها في سفرها الطويل أيضاً، وكانوا يسيرون بهم في البلاد وبين العباد، والرأس على رأس الرمح بين النسوة، ثم صلب على باب المسجد، والسبايا حوله. ثم أدخل إلى مجلس يزيد أولا، ثم أدخلوا النساء إلى ذلك المجلس بعد قليل.. فما هذه العاطفة الجياشة التي تظهرها النساء، في مجلس يزيد، مع أنهن لم يفارقهن الرأس إلا يسيراً من الوقت؟!
ونجيب:
أولاً: لقد كان الحسين «عليه السلام» صفوة الخلق، وأفضلهم وأقدسهم وسيد شباب أهل الجنة وقد قتل على ذلك النحو الفظيع والفجيع بهدف محق دین محمد« صلى الله عليه وآله»..
فلم يكن البكاء على الحسين« عليه السلام» لكونه أخا، أو مظلوماً وحسب، لكي تسكن النفوس، وتهدأ العواطف وتسلو الخواطر، بل هو بكاء على الدين، وعلى الأمة، وعلى سيد المرسلين، وجميع النبيين، والشهداء،والصالحين، الذين كان الحسين« عليه السلام» يحمل مسؤولية حفظ جهادهم، وجهودهم وتثميرها على النحو الأفضل والأمثل.
ثانياً : إنها « عليها السلام» قد ضمنت ندبتها هذه إدانات، وحقائق لا يمكن الجدال والنقاش فيها، وهي تفتح العيون على أهداف يزيد من قتل
الحسين «عليه السلام».. فهو يقتل حبيب رسول الله« صلى الله عليه وآله»، وليس ليزيد ولا لغيره من بني أبيه هذه المكانة منه «صلى الله عليه وآله».
وهو « عليه السلام» ابن مكة ومنى، وليس لقاتليه هذا الموقع والمقام، حتى وإن عاشوا ، أو عاش أسلافهم في مكة، وترددوا في أزقتها وألموا بشعابها ، وترددوا إلى منى.. فقد أثبتت الوقائع أن بني أمية كانوا يريدون تقويض رمزية ومكانة ودور مكة في دين الله سبحانه، وتحويلها إلى معلم جاهلي بكل ما لهذه الكلمة من معنى..
ويكفي أن يكون أحد أحفاد هذه الشجرة الملعونة في القرآن - وهو یزید -قد حاول اجتثاث أساس التوحيد والإيمان والإسلام من الجذور.
وهو « عليه السلام» كما تقول :زينب ابن فاطمة الزهراء سيدة النساء «عليها السلام».
وقاتل الحسين قد تربى في حجر أم نصرانية، طلقها أبوه، وهي حامل به، وعاش أكثر أوقاته معها، وفي بيئتها، لأنها كانت قد عاشت في قومها مع ولدها في غالب الأحيان.
وأما الحسين« عليه السلام»، فهو ابن بنت رسول الله« صلى الله عليه وآله»، وقد عاش مع أبيه وأمه وجده في بيت الله، في الحجر المحيطة بمسجد الرسول في المدينة.
كما أن أمه فاطمة هي بحسب تقرير الوحي الإلهي على لسان
رسول الله «صلى الله عليه وآله »سيدة نساء العالمين، وفيها، وفي أبيها، وبعلها، وبنيها، نزلت آية التطهير: إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (1).
فهذه الحقائق التي أشارت إليها ، وذكرت بها هي التي أبكت -والله - كل من كان حاضراً في المجلس. ويزيد ساكت.
تقدم معنا في هذا الكتاب : أن الإمام الحسين« عليه السلام» قال لزينب ورقية، وفاطمة، والرباب (ولم يذكر سكينة!!):
«أنظرنَ إذا أنَا قُتِلتُ، فلا تشققنَ عَليَّ جَيبا، ولا تَحْمُشنَ عَلَيَّ وَجها، ولا تَقُلنَ عَليَّ هُجراً»(2)
وهذا يعطي: أن ما ذكرته هذه الرواية، من أن زينب«عليها السلام» «أهوَت إلى جيبها قشقتهُ» لا يمكن قبوله، فإن زينب لا يمكن أن تخالف أمر أخيها الإمام الحسين« عليه السلام».
وقد كان يفترض بمن تبرع بهذه الفقرة : أن ينظر إن كانت تليق بمقام من يريد أن ينسبها إليها أو لا . ولو نزه نفسه عن الارتطام بقذارات الجعل والتشويه لكان خيراً له.
وقد تمثل يزيد في مجلسه بأبيات ابن الزبعرى، وأشعار أخرى أضافها إليها على نفس الوزن والقافية، أو لوزن آخر.
ونحن نذكر نفس النصوص التي ذكرت في موسوعة الإمام الحسين« عليه السلام» ج 5 ص 232 - 237 مستفيدين من مصادره وهوامشه عليها أيضا، فنقول:
1 - عن شيخ صدوق من مشايخ بني هاشم وغيره من الناس: إِنَّهُ لمَّا دَخَلَ عَلِيُّ بنُ الحُسين« عليه السلام» وحُرَمُهُ عَلَى يَزِيدَ، وجيء برأس الحُسَين «عليه السلام» ووُضِعَ بَينَ يَدَيهِ فِي طُستِ، فَجَعَلَ يَضْرِبُ ثناياهُ بمِخصَرَةٍ(1)كانَت فِي يَدِهِ، وهُوَ يَقولُ:
لعِبَت هاشم بالمُلكِ فلا*** خَبَرٌ جاءَ ولا وَحيَّ نَزَلَ
ليت أشياخي ببدر شهدوا*** جَزَعَ الخَزرَج مِن وَقَع الأَسَل
لأهلوا وَاستَهَلُوا فَرَحاً*** ولقالوا يا يَزيدُ لا تُشل
فجَزَيْناهُم بِبَدرِ مَثلاً*** وأقمَنا مِثلَ بَدر فاعتَدَل
1) المِخْصَرَهُ: ما يختصره الإنسان بيده فيمسكه، من عصا أو عكازة، أو مقرعة، أو قضيب راجع: النهاية ج 2 ص 36 مادة «خصر».
2) خندف فخذ من قبيلة «مضر»، وهو لقب أحد أجداد الشاعر. راجع: مستدركات علم رجال الحديث ج 3 ص 343 .
3) الإحتجاج ج 2 ص 122 الرقم 173 و (ط دار النعمان) ج 2 ص34 والملهوف ص 214 و (نشر أنوار الهدى) ص 105 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 114 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 261 والمسترشد ص510 والخرائج والجرائح ج 2 ص 580 كلها نحوه، وبحار الأنوار ج 45 ص 157 الرقم 5 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 402 ومدينة المعاجز ج 4 ص 140 وراجع مقاتل الطالبيين (ط المكتبة الحيدرية) ص 80 وبلاغات النساء ص 21 .
ولعل كلمة مثل بدر في البيت الرابع مصحفة عن كلمة «ميل». كما في نقل آخر للأبيات.
2 - وُضِعَ الرَّأْسُ بَينَ يَدَي يزيد، وأقبَلَ يَزِيدُ يَقُولُ ويَنظُرُ إِلَى الرأس:
ليت أشياخي ببدر شهدوا*** جَزَعَ الخَزرج مِن وَقع الأسل
فاستَهَلوا وَاستَطاروا فرَحاً*** ولقالوا يا يَزيدُ لا تُشل
ما أبالي بَعدَ فِعلي بهمُ*** نزَلَ الوَيلُ عَليهم أم رَحَل
لستُ مِن خِندِفَ إن لم أنتَقِم*** من بني أحمدَ ما كانَ فعَل
قد قتلنا القرم (1)من أبنائهم *** وعَدَلناه ببدر فاعتَدَل
1) القرْمُ : المُقدّمُ في المعرفة وتجارب الأمور. راجع النهاية ج 4 ص 49 مادة «قرم».
فبذاكَ الشَّيخُ أوصاني بهِ*** فاتَّبَعتُ الشيخ في قصدِ سيل
لعِبَت هاشِمُ بالمُلكِ فلا*** خَبَرٌ جَاءَ ولا وَحيَّ نَزَل (1)
[زاد في بعض المصادر قوله عن حاجب يزيد:
قال: «وأقبل يقول وينظر إلى الرأس
ليت أشياخي ببدر شهدوا*** جَزَعَ الخزرج مِن وَقع الأسَل
ثم أمر برأس الحسين «عليه السلام»، فنصب على باب مسجد دمشق»(2)].
وقال اليعقوبي:« وضع الرأس بين يدي يزيد، فجعل يزيد يقرع ثناياه بالقضيب»(3).
3 - جَعَلَ يَزِيدُ يَتَمَثَلُ بِأَبِياتِ عَبدِ اللهِ بن الزَّبَعْرِى وهُوَ يَقولُ:
ليت أشياخي ببدر شهدوا*** وقعة الخَزرج مِن وَقع الأسل
لأهلوا وَاستَهَلوا فرَحاً*** ولقالوا يا يَزيدُ لا تُشل
حين ألقت بقناةٍ بَركَها*** وَاستَحَرَّ القتلُ في عَبدِ الأَشَل
فجَزَيناهُم بِبَدر مثلها *** وأقمَنا مِثلَ بَدرِ فاعتَدَل
ثم زاد فيها هذا البَيتَ مِن نَفْسِهِ، فَقالَ:
لستُ مِن عُتْبَة(1)إن لم أنتَقِم*** مِن بَني أحمدَ ما كانَ فعَل(2)
4 - عن مجاهد كَشَفَ [يَزِيدُ] عَن ثنايا رَأس الحُسَين «عليه السلام» بقضيبهِ، ونَكَتَهُ بهِ وأَنشَدَ:
أبى قومُنا أن يُنصفونا*** قواضِبُ في أيماننا تَقطرُ الدَّما
صَبرنا وكَانَ الصَّبْرُ مِنَّا*** وَأَسْيَاقْنا يَقْطعْنَ كَفَّاً ومِعْصَمَا
نُفلَقُ هَامَا مِنْ أَناسٍ أَعِزَّةٍ*** عَلَيْنَا وَهُمْ كَانُوا أَعَقَّ وَأَظْلَمَا
فَقالَ بَعضُ جُلسائِهِ: ارفع قضيبَكَ فَوَاللهِ ما أحصي ما رَأَيتُ شَفْتَي مُحَمَّدٍ« صَلَّى اللهُ عَليهِ وآلِهِ »في مَكان قضيبكَ يُقبِّلُهُ، فَأَنشَدَ يَزِيدُ :
يا غرابَ البَين ما شئت فقُل*** إِنَّما تَندُبُ أمراً قد فعِل
كُلُّ مُلك ونعيم زائِلٌ*** وبَناتُ الدَّهرِ يَلعَبنَ بِكُل
1) عتبة : هو الجد الأعلى ليزيد.
2) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 129 والبداية والنهاية ج 8 ص 192 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 209 نحوه، وراجع: تاريخ الأمم والملوك ج 10 ص 60 و (ط الأعلمي) ج 8 ص 187 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 343 ومقاتل الطالبيين ص 119 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 80 والردّ على المتعصب العنيد ص 47
ليت أشياخي في(1)بدر*** جَزَعَ الخَزْرَج مِن وَقع الأسل
لأهَلوا وَاستَهَلوا فرحا*** ثمَّ قالوا يا يَزيدُ لا تُشَل
لستُ مِن خِندِفَ إن لم أنتَقِم*** من بَني أحمدَ ما كانَ فعَل
لعِبَت هاشمُ بالمُلكِ فلا*** خَبَرٌ جَاءَ ولا وَحي نزل
قد أخذنا مِن عَلِيٍّ ثارنا*** وقتلنا الفارسَ اللَيثَ البَطل
وقتلنا القرم من ساداتهم*** عَدَلْناهُ ببَدر فاعتَدَل
قالَ مُجاهِدٌ: فَلا نَعلمُ الرَّجُلَ إلا قد نافق في قوله هذا !(2)
5 - أَمَّا المَشْهورُ عَن يَزِيدَ في جَميعِ الرِّواياتِ، فهو: أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَ الرَّأْسُ بَينَ يَدَيهِ جَمَعَ أهلَ الشّامِ وجَعَلَ يَنكَّتُ عَليهِ بِالخَيزران، ويَقولُ أبيات ابن الزِّبَعرى:
ليت أشياخي ببدر شهدوا ***وَقعَة الخَزرج مِن وَقع الأسل
قد قتلنا القرن من ساداتهم ***وعَدَلنا قتل بدر فاعتَدَل
حَكَى القاضي أبو يعلى عَن أحمدَ بن حَنْبَلٍ في كِتاب: الوجهين والروايتين: أنَّهُ قالَ: إن صَحَ ذلِكَ عَن يَزِيدَ فَقَد فَسَقَ.
قالَ الشَّعبيُّ: وزادَ فيها يَزِيدُ فَقالَ:
لعِبَت هاشم بالمُلكِ فلا*** خَبَرٌ جاءَ ولا وَحيّ نزل
لستُ مِن خِندِفَ إن لم أنتَقِم*** مِن بَنى أحمدَ ما كان فعَل
قالَ مُجاهِدٌ: نافق.
وقالَ الزُّهريُّ: لمّا جاءَتِ الرُّؤوسُ كَانَ يَزِيدُ فِي مَنظَرَةٍ عَلَى جيرونَ، فَأَنشَدَ لِنَفْسِهِ:
لمَّا بَدَت تِلكَ الحُمولُ*** تِلكَ الشُّموس عَلَى رَبِّي جَيرون
نعَبَ الغُراب فقلتُ صح أو لا*** فلقد قضيتُ مِنَ الغريم
6- عن يزيد بن أبي زياد: لمَّا أُتِيَ يَزِيدُ بنُ مُعاوِيَة برأس الحُسَين بن عَلِيّ «عليه السلام»، جَعَلَ يَنكُتُ بِمِحْصَرَةٍ مَعَهُ سِنَّهُ، ويَقولُ: ما كُنتُ أظُنُّ أبا عَبدِ اللَّهِ يَبْلُغُ هَذَا السِّنَّ.(1)
قالَ: وإذا لِحيَثهُ ورَأْسُهُ قد َفصَلَ مِنَ الخِصَابِ الأَسْوَدِ(2).
لعل الصحيح: نصل ولكن الرواة صحفوها.
ونقول:
تقدم: أن يزيد «لعنه الله» يقول حسب رواية الفتال النيسابوري في كتاب روضة الواعظين ص211:
ما أبالي بَعدَ فِعلي بهمُ*** نَزَلَ الوَيلُ عَليهم أم رَحَل
قد قتلنا القرم من أبنائهم ***وعَدَلْناهُ بِبَدْرٍ فَاعتَدَل
فبذاك الشَّيخُ أوصاني بهِ*** فاتَّبَعتُ الشيخ في قصدِ سيل
والظاهر: أنه يقصد بالشيخ أباه معاوية بن أبي سفيان.
وهذا يعني: أن يزيد ليس هو صاحب فكرة قتل الحسين «عليه السلام».
وقد تقدم في بعض أجزاء هذا الكتاب: أن معاوية أبقى ليزيد كتاباً يأمره فيه بقتل سيد شباب أهل الجنة« عليه السلام».. وإن كان معاوية يظهر للناس خلاف ذلك، ويتظاهر بأنه يوصيه به، ويحذره من أن يناله منه أذى.
ذكر النص الأخير المتقدم برقم [6] :أن يزيد «جعل ينكت بمخصرة معه سنه « عليه السلام»، ويقول ما كنت أظن أبا عبد الله يبلغ هذا السن».
وهذا يدل على جهل وغباء فاحش حيث يظهر منه :أنه قد استكثر السن الذي تظهره ملامحه «عليه السلام»، وكأنه كان يحسبه
شاباً يافعاً في الثلاثينات مثلا، أو أزيد بقليل.
مع أن من المعلوم أن الحسين « عليه السلام» قد ولد في عهد جده رسول الله« صَلَّى اللهُ عَليهِ وآلِهِ» في سنة أربع للهجرة.
والكل يعلم: أنه في سنة ستين، أو إحدى وستين للهجرة، كان قد مضى على وفاة النبى أكثر من خمسين سنة.
ولا بد أن يضاف إلى هذه الخمسين ست سنوات أخرى، عاشها
مع جده، وقد نزلت فيه « عليه السلام»، وفي أهل الكساء آية التطهير، وباهل رسول الله «صلى الله عليه وآله» به، وبأخيه نصارى نجران ،ونزلت الآية الكريمة لتقرر ذلك.
فكيف يظن أنه كان أصغر من السن الذي تظهره ملامحه؟!
إلا أن يُدَّعى: أنه كان يظهر على الإمام أنه أكبر من سنه الحقيقي، كما لو أن عمره سبعون سنة مثلاً، مع أن عمره ست وخمسون، فيحق لمن يراه أن يقول ما كنت أظن أنه يبلغ هذا السن.
وهذا يبقى مجرد ادّعاء لا دليل عليه، ولا شاهد له إلا إرادة التبرير، وتمحل ..الأعذار
ومن المعلوم: أن حب الرجل لقومه، والسعي إلى برِّهم، وصلتهم، ودفع الأسواء عنهم ، هو كالتعصب للحق وأهله أمر مطلوب ومحبوب لله سبحانه ولكن الله تعالى، وكذلك العقلاء من بنى البشر لا يرضون بأن
يتعصب الإنسان لقومه، وأن ينصرهم بصورة عمياء، محقين كانوا، أو مبطلين ظالمين.
وما ابتلي به يزيد، وأمعن في الانتصار له : هو العصبية للقوم والعشيرة، ونصرتهم، حتى في حربهم لرسول الله «صلى الله عليه وآله»، والسعي للأخذ بثارات المشركين منهم، حتى من رسول الله «صلى الله عليه وآله»، الذي كان يحاربهم دفاعاً عن نفسه، وعن دينه.
إن يزيد بالرغم من أن النبي «صلى الله عليه وآله» كان قد استشهد قبل أكثر من خمسين سنة، عمد إلى ذريته الذين لم يكونوا قد ولدوا في حرب بدر، فذبحهم ، واستأصل شأفتهم، وأبادهم، وأسر وسبى عيالاتهم ومن ينتسب إليهم، بغضاً منه لرسول الله« صلى الله عليه وآله»، وسعياً للانتقام منه.
ومن أقوال يزيد، وعبيد الله بن زياد، ومروان بن الحكم في قتل الحسين « عليه السلام» يوم بيوم بدر..
فإن لم يكن هذا كفراً، فما هو الكفر يا ترى.
إن الأبيات المتقدمة وسواها فيها دلالات صريحة على كفر قائلها، ولا ينفع فيها تأويل، ولا يجدي إنكار ، ولا موضع فيها الشبهة .. فلاحظ على سبيل المثال قوله:
لعِبَت هاشم بالمُلكِ فلا*** خَبَرٌ جَاءَ ولا وَحي نَزل
وقوله:
فجزَيناهُم بِبَدرِ مَثلاً*** وأقمَنا مِثلَ بَدر فاعتَدَل
وقوله:
لستُ مِن خِندِفَ إن لم أنتَقِم*** مِن بَني أحمدَ ما كانَ فعَل
وقوله:
نعَبَ الغُراب فقلتُ صح أو لا*** فلقد قضَيتُ مِنَ الغريم ديوني
وروي أيضاً «من النبي» في تصريح صلف بالثأر من رسول الله «صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وآلِهِ» نفسه، كما حكاه المجلسي «رحمه الله» قائلا:
ووجدت بخط بعض الأفاضل نقلاً من خط الشهيد «قدس سره» قال :
لما جيء برؤس الشهداء والسبايا من آل محمد «عليهم السلام» أنشد يزيد لعنه الله:
لما بدت تلك الرؤس*** تلك الشموس على ربى جيرون
صَاحَ الغُراب فقلتُ صح أو لا*** فلقد قضَيتُ مِنَ النَّبِيِّ دُيوني(1)
وقد كان على مجاهد وغيره: أن لا يكتفوا بوصف يزيد بالنفاق كما تقدم، وإنما كان عليهم أن يصرحوا بكفره. فإن لفلفة أمر كهذا يستبطن
1) بحار الأنوار ج 45 ص 199.
الخداع للناس، وإيهامهم بأن الأمر لم يصل إلى حد الكفر.
ويبقى هنا سؤال يقول : لقد رأينا أن الروايات المتقدمة مختلفة غير مؤتلفة، ولاسيما فيما يرتبط بالأبيات التي تمثل بها يزيد، وقد اختلفت في كلماتها، وفي أعداد أبياتها، كما اختلفت في تقرير ما قاله يزيد حين نكته ثنايا الإمام بالقضيب وغير ذلك.. فبأي الروايات نأخذ، وعلى أيها نعتمد ؟!
ونجيب بما يلي:
هناك اختلافات تنشأ عن محاولات بعض الرواة اختصار الحدث، والاقتصار على موضع الحاجة منه. وربما تعمدوا الاختصار وعدم التصريح بكل الحقيقة، حفظاً منهم لماء وجه هذا الشخص أو الفريق، الذي يعز عليهم.
وهناك اختلافات تنشأ عن سوء الحفظ، أو من عدم التقيد بالمعايير المطلوبة.
وهناك اختلافات منشؤها الواقع نفسه، فنحن نعلم: أن يزيد قد أبقى أهل البيت في دمشق أسبوعين، وربما أكثر، وبقى يصلب الرأس كل يوم إلى عدة أيام على باب داره، أو على باب جيرون في دمشق، وهو أحد أبواب المسجد الأموي.
كما أنه كان يحضر الرأس الشريف إلى مجالس شرابه ولهوه.
فيبدو: أنه كان يكرر إنشاد هذه الأبيات أو تلك، وقد يزيد وينقص
منها هنا أو هناك، حسب ما تقتضيه الحاجة، ووفق ما يتقبله الحاضرون، أو حسبما يقتضيه غيه وبغيه، وتأثره بالشراب المحرم مجالس لهوه وغيرها.
بل كان يحضر بعض الشخصيات غير المسلمة، كرسول ملك الروم وغيره في مجالس لهوه، ويحضر رأس الحسين فيها، وقد جرت مع بعض من حضر قضايا وأحداث بسبب الرأس الشريف. كما سنرى.
فاختلاف الأحداث والتصرفات، وتعدد الاعتراضات، يدل على أن يزيد كان يكرر نكت الثنايا الشريفة بخيزرانته، ويعيد على مسامع الناس بعض أبيات الشعر، وربما يزيد وينقص منها، وفق ما تقتضيه الأحوال، كما أنه كان يتصرف ببعض كلمات تلك الأبيات من مرة إلى أخرى..
وعلى هذا .. فلا يمكن الأخذ برواية واحدة وترك ما عداها، بل تكون جميعها في معرض القبول، ولو على سبيل الظن أو الاحتمال.
وقد رأينا أن الاعتراضات على نكت يزيد للثنايا المباركة، كانت أكثر مما يتوقعه يزيد، ونريد أن نقدم نموذجاً من هذه الاعتراضات، فإن ما فعله يزيد قد استفرّ الكثيرين، فاتخذوا هذا الموقف منه، وقد أسهم ذلك في فضح يزيد، وبعد انضمام ذلك إلى عوامل، وأسباب أخرى اضطر يزيد إلى العمل على إخراج أهل البيت من الشام وتخلص من الرأس الشريف، بتسليمه للإمام السجاد «عليه السلام»، ربما لأنه خشي إن دفنه في أي موضع في الشام أن يصبح مزارا للناس، ثم تتطور الأمور في غير صالحه. فنذكر من هذه الاعتراضات ما يلي:
عن القاسم بن بخيت: أذِنَ [يَزيدُ] لِلنّاس، فَدَخَلُوا وَالرَّأْسُ بَينَ يَدَيهِ، ومَعَ يَزِيدَ قضيبٌ، فَهُوَ يَنكَّتُ بهِ في ثَغرِهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هذا وَإِيَّانَا كَما قالَ الحُصَينُ بنُ الحُمامِ المُرِّيُّ:
يُعْلَقْنَ هَامَا مِنْ رِجَالِ أَحِبَّةٍ*** إلَيْنَا وَهُمْ كَانُوا أَعَقَّ وَأَظْلَمَا
قالَ: فَقالَ رَجُلٌ مِن أصحاب رسول اللهِ« صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وآلِهِ» يُقالُ لَهُ: أبو بَرزَةَ الأسلميُّ: أتَنكَّتُ بقضيبك في ثغر الحُسَين؟!
أما لقد أخَذ قضيبُكَ مِن تَغرِهِ مَأخذا، لرُبَّما رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ «صلَّى اللهُ عَلِيهِ وآلِهِ» يَرشْفُهُ، أَما إِنَّكَ - يا يَزِيدُ - تَجِيءُ يَومَ القِيامَةِ وَابْنُ زِيادٍ شَفيعُكَ، ويَجيءُ هذا يَومَ القِيامَةِ ومُحَمَّدٌ «صَلَّى اللَّهُ عَلِيهِ وآلِهِ» شَفِيعُهُ، ثُمَّ قَامَ فَوَلى(1).
وروي عن الإمام الباقر« عليه السلام» نحوه، وفيه: فقال له أبو برزة: ارفع قضيبك، فوالله لربما رأيت فا رسول الله«صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ» على فيه يلثمه(2).
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 456 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 356 والكامل في التاريخ ج 4 ص 85 و تاريخ مدينة دمشق ج 62 ص85 ونهاية الأرب ج 20 ص 468 وأنساب الأشراف ج 3 ص 416 و (ط دار التعارف)ج3 ص 214 وجواهر المطالب ج 2 ص 293 نحوه وراجع الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 486 والردّ على المتعصب العنيد ص 45 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 682 عن مختصر تاريخ دمشق (ط دار الفكر) ج 26 ص 151.
2) البداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 209 و 215 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 705 وراجع ج 27 ص 521 و ج 33 ص 662 وراجع مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 114 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 261 وتهذيب الكمال ج 6 ص 429 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 309 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 293 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 342 .
وروى ابن أبي الدنيا هذا المعنى أيضا(1).
وقال ابن أعثم:
دَعا [يَزِيدُ] يقضيبٍ خَیزُرانِ، فَجَعَلَ يَنكَّتُ بِهِ تَنايَا الْحُسَين «عليه السلام»، وهُوَ يَقولُ: لقد كان أبو عَبدِ اللَّهِ حَسَنَ المَنطِقِ !
فَأَقْبَلَ إِليهِ أبو بَرزَةَ الأَسلَمِيُّ أو غَيرُهُ، فَقَالَ لَهُ: يا يَزِيدُ وَيْحَكَ! أتَنكَّتُ بقضيبكَ ثنايا الحُسين عليه السلام» وثغرَهُ؟ أَشْهَدُ لقد رأيتُ رَسولَ اللهِ«صَلَّى اللهُ عَليهِ وآلِهِ» يَرشُفُ ثناياه وثنايا أخيهِ ويَقولُ: «أنتما سَيّدا شَبابِ أهل الجَنَّةِ، فَقتَلَ اللهُ قاتِلكْما، ولعَنَهُ، وأَعَدَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ، وساءَت مصيرا».
أما إِنَّكَ يا يَزِيدُ لتَجيءُ يَومَ القِيامَةِ وعُبَيدُ اللَّهِ بنُ زِيَادٍ شَفِيعُكَ، ويجيءُ هذا ومُحَمَّدٌ «صلى اللَّهُ عَلَيهِ وَآلِهِ» شَفِيعُهُ.
1) راجع تذكرة الخواص ج 2 ص 197 و راجع كتاب الرد على المتعصب العنيد ص 47 والبداية والنهاية ج 8 ص 194 و( ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 209 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 705 ومروج الذهب ج3 ص 61 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 465 وراجع: أنساب الأشراف ج3 ص 215 وتاريخ مدينة دمشق ج 62 ص 85 ومختصر تاريخ مدينة دمشق ج 26 ص 151 وغير ذلك.
قالَ: فَغَضِبَ يَزِيدُ ، وأمر بإخراجه، فأخرجَ سَحبا(1).
وقال ابن شهر آشوب:
وقالَ الطَّبَرِيُّ، وَالبَلادُريُّ، وَالكوفِيُّ: لَمَّا وُضِعَتِ الرُّؤوسُ بَينَ يَدَي يَزِيدَ، جَعَلَ يَضربُ بقضيبهِ عَلى ثَنِيَّتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَومٌ بيَوم بدر..
قال أبو بَرزَةَ: ارفع قضيبَكَ يا فاسِقُ فَوَاللهِ رَأَيْتُ شَفْتَي رَسولُ اللَّهِ مَكانَ قضيبكَ يُقبِّلُهُ فَرَفَعَ وهُوَ يَتَدَمَّرُ مُغضَباً عَلى الرَّجُل (2).
ونقول:
1 - قال سبط ابن الجوزي:« وذكر البلاذري: أن الذي كان عند يزيد
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 129 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 57 والملهوف ص 214 و( نشر أنوار الهدى) ص 104 ومثير الأحزان ص 100 و (ط المكتبة الحيدرية ص 79 كلها نحوه، وبحار الأنوار ج 45 ص 132 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 33 وراجع: الفصول المهمة ص191 و (ط دار الحديث) ج 2 ص 834.
2) مناقب آل أبي طالب ص 114 و (ط المكتبة الحيدرية)ج 3 ص 261 وراجع تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 390 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 293 وتهذيب الكمال ج 6 ص 428 ومروج الذهب ج 3 ص70 وسير أعلام النبلاء ج3 ص 309 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 342 نحوه، والبداية والنهاية ج 8 ص 197 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج8 ص 215 والأمالي للشجري ج 1 ص 192 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج27 ص 521 وراجع مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 58 .
وقال هذه المقالة أنس بن مالك.
وهو غلط من البلاذري، لأن أنسا كان بالكوفة عند ابن زياد، ولما جيء بالرأس بكى، وقد ذكرناه»(1).
ولم يتسن لي مراجعة كتاب البلاذري للتأكد من صحة هذه المؤاخذة التي سجلها سبط ابن الجوزي، فالعهدة عليه..
2 - إن ما أراد يزيد أن يجعل منه مظهرا من مظاهر العظمة والأبهة والتسلط قد جعله الله تعالى من أسباب ظهور ذله وانكساره، باعتراضات أناس كان يرى أنهم مستسلمون لا يجرؤون على التفوه بكلمة معه من أمثال أبي برزة الأسلمي، وغيره ممن سيأتي بعض مواقفهم.
وقد جاءت هذه الاعتراضات منطقية ومفحمة، يعجز يزيد عن مواجهتها بأي منطق كان حتى بمنطق القوة، لأنه رأى أن استعمال القوة سوف يرتد عليه، حيث سيتعاطف الناس مع هؤلاء المعترضين، الذين ينتصرون لنبيهم وأهل بيته« صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين». وسيكون استعمال القوة ضد هؤلاء من أسباب انتشار هذه الفضيحة عنه وتداولها، وخلودها عبر الأجيال.
وقد يرى الناس: أن أبا برزة كان في كلامه هذا ناصحاً ليزيد، راغبا في أن يجنبه المزيد من التردي في هاوية المخازي، التي
1) تذكرة الخواص ج2 ص198.
اختارها لنفسه ..
3 - لعل محاولات تجهيل أبي برزة من قبل بعض ناقلي هذه الحادثة كان متعمداً ، بهدف الحد من تأثير موقفه هذا، فإن صدور هذا الموقف ممن له مكانة بين الناس له وقع أشد مما لو صدر من إنسان مجهول، يعيش على الهامش.
ولعل هذا هو ما يفسر لنا قولهم فقال له رجل من أصحاب رسول الله».
وقولهم أيضاً : «فأقبل إليه أبو برزة الأسلمي، أو غيره»..
ويشهد لما نقول:
أن التصدي لطاغية مثل يزيد حدث مهم، يدعو كل من شهده أن يسأل عن اسم ونسب، ومكانة من يقدم عليه.. لما فيه من المخاطرة بالمال والعرض، والنفس، وغير ذلك ..
وتزداد الرغبة في التعرف على ذلك الشخص، إذا رأوا أنه قد نجا من الهلاك، بالرغم من مواجهته وإحراجه لأعظم طاغية مجرم، لا يتورع عن قتل أولاد الأنبياء، وسيد شباب أهل الجنة.
4 - إن ما رواه أبو برزة عن رسول الله«صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَآلِهِ»، وإن كان ثقيلاً جداً على الطغاة والجبارين، ولكن يزيد لم يكن قادرا على فعل أكثر مما فعل، حيث أمر بإخراج أبي برزة من مجلسه، فأخرج سحباً..
وحسب نص آخر: إن يزيد رفع القضيب عن ثغر الحسين «عليه
السلام» وهو يتذمر مغضباً من الرجل.
لكن نصاً آخر قال: إن أبا برزة نفسه قد قال ما قال، ثم قام فخرج.. فهل تكرر حضوره مجالس يزيد وتكرر نكت الثنايا، فتكرر الاعتراض ؟! أو أن بعض الرواة رواها مخففة، ومجردة عن التفاصيل.. ورواها آخر مع بعض تفاصيل ما جرى، ورواها ثالث على حقيقتها، وبكل تفاصيلها.
هذا.. ما يبقى في دائرة الاحتمال المعقول والمقبول..
لكن يبقى التنافي ظاهراً بين قولهم: إن الرجل خرج مختاراً وبين قولهم: أمر بإخراجه، فأخرج سحباً.
5 - وعلى كل حال، فإن هذا الموقف من أبي برزة كان قوياً شجاعاً، يحمد عليه فاعله ويثاب وهو كلمة حق أمام سلطان جائر.
6 - لعل اعتراض أبي برزة، واعتراضات أخرى واجهها يزيد حتى من شخصيات مرموقة من أهل الكتاب من اليهود والنصارى على حد سواء.. بالإضافة إلى خطب ومواقف السجاد وزينب «عليهما السلام»، وكذلك سائر السبايا هي التي أسهمت في إفهام يزيد: أن الإمعان في الاستكبار والقسوة في هذا الاتجاه ربما يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، وشعر أن عليه أن يتخلص من عبء السبايا والأسرى بالسرعة الممكنة، وبالطريقة التي لا تزيد الطين بلة، والخرق اتساعاً..
الأمر الذي اضطره إلى البدء بتحاشي الاحتكاك بهم، وصار يلقي
بتبعة قتل الإمام الحسين« عليه السلام» على عبيد الله بن زياد .
وهذا ما ستأتي بعض شواهده مع بعض التوضيح، إن شاء الله تعالى.
وقد تعددت أساليبه في هذا المجال، فهو:
تارة: ينكر أن يكون قد علم بقتل الحسين، ويتهم به ابن زياد.
وأخرى يهاجم ابن زياد على أن بعث بعيال الحسين «عليه السلام» على تلك الحالة المزرية والمهينة.
وثالثة : يحاول أن يلقي بتبعة ما جرى على الإمام الحسين نفسه، إلى غير ذلك مما تقدم بعضه، وسيأتي كثير منه فيما يلي من مطالب.
تقدم: أن أبا برزة اعترض على يزيد حين رآه ينكت ثنايا الإمام الحسين «عليه السلام».
ونضيف هنا جماعة آخرين قالوا: إنهم اعترضوا على يزيد حين رأوه ينكت الثنايا المباركة.
وهذا يعطي : أن هذا الأمر قد فعله يزيد أكثر من مرة في مجلس أو في مجلسين أو أكثر، وكان الناس يتوافدون على مجالسه هذه تباعاً، فكان يكرر هذا الفعل الشنيع، ويتكرر الاعتراض.
ويقال : إنه من الذين اعترضوا على يزيد
قال الخوارزمي: «.. وقيل: إن الذي رد على يزيد ليس أبا برزة، بل هو سمرة بن جندب، صاحب رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وقال ليزيد قطع الله يدك يا يزيد أتضرب ثنايا طالما رأيت رسول الله «صلى اللهُ عَليهِ وآلِهِ» يقبلهما، ويلثم هاتين الشفتين».
فقال له يزيد: لولا صحبتك لرسول الله لضربت - والله - عنقك.
فقال سمرة : ويلك، تحفظ لي صحبتي من رسول الله، ولا تحفظ لابن رسول الله بنوته؟!
فضج الناس بالبكاء، وكادت أن تكون فتنة (1).
ونقول:
هذه الرواية عدة مؤاخذات، نذكر منها:
أولاً: إنها تقول إن سمرة بن جندب اعترض على نكت ثنايا الإمام الحسين «عليه السلام»، حين جيء إليه بالرأس الشريف، مع أن بقاء سمرة حياً إلى حين استشهاد الإمام عليه السلام غير معلوم، فإنه وإن قال بعضهم: إنه توفي سنة بضع وستين(2). وكان في شرطة ابن زياد، ولما علم بمسير الإمام الحسين إلى العراق أخذ يحرض
الناس على الخروج إلى قتاله(1).
ولكن قال ابن الأثير : قال الثلاثة توفي سنة تسع وخمسين، وقيل: ثمان وخمسين بالبصرة (2).
وقال العسقلاني:«.. ومات سمرة قبل سنة ستين..إلى أن قال: قيل: مات سنة ثمان، وقيل: سنة تسع وخمسين، وقيل: في أول سنة ستين»(3).
وقال ابن القيسراني مات سنة تسع وخمسين، ويقال سنة ستين. قاله البخاري في الصغير(4).
وقال ابن عبد البر، وابن مندة، وأبو نعيم مات سنة 59. وقيل: سنة ثمان وخمسين بالبصرة (5).
ثانياً :ولو سلمنا أنه بقي حيا إلى ما بعد سنة إحدى وستين، لا
1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 4 ص 78 والمعارف لابن قتيبة ص 305 وبحار الأنوار ج 34 ص 289 وخلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 263.
2) أسد الغابة (ط دار الكتاب العربي) ج 2 ص 355
3) الإصابة ج 2 ص 79 و نشر دار الكتب العلمية ج 3 ص 150 وراجع: العبر في خبر من غبر ج 1 ص 65 وتهذيب الكمال ج 12 ص 134 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 186 والثقات لابن حبان ج 3 ص174
4) الجمع بين رجال الصحيحين ج 1 ص203.
5) راجع تنقيح المقال ج 33 ص 394 وراجع تقريب التهذيب ج 1 ص 395 وتهذيب التهذيب ج 4 ص 207 وخلاصة تذهيب وتهذيب الكمال ص156 ومشاهير علماء الأمصار ص67.
يتوقع من هذا الرجل الشديد البغض لعلى، وأهل بيته، موقفاً كهذا، ويكفي أن نذكر: أنه هو الذي وضع الحديث الذي يقول: إن آية: مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلَهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ الدُّ الخِصَامِ (1)نزلت في علي« عليه السلام»، وأن آية: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ(2)نزلت في ابن ملجم، لقاء أربع مئة ألف درهم بذلها له معاوية(3).
وهو الذي لم يستجب لطلب رسول الله «صلى الله عليه وآله» فيما يرتبط بنخلة له كانت في دار رجل أنصاري. وكان يصر على الدخول إلى نخلته من دون استئذان، فأمر «صلى الله عليه وآله» بقلع
1) الآية 204 من سورة البقرة.
2) الآية 207 من سورة البقرة.
3) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 4 ص 73 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 383 و 384 وبحار الأنوار ج 33 ص 215 وخلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 362 و 263 وكتاب الأربعين للماحوزي ص386 والغارات للثقفي ج 2 ص 840 وفرحة الغري لابن طاووس ص47 وشجرة طوبى ج 1 ص 97 والغدير ج 11 ص 29 و 30 و ج 2 ص101 وإكليل المنهج ص97 ج11 ص29 ص290 والنصائح الكافية ص 76 وإحقاق الحق (الأصل) ص 196 وسفينة النجاة للتنكابني ص 303 وحياة الإمام الحسين للقرشي ج 2 ص 156 .
تلك النخلة، وقال: لا ضرر ولا ضرار في الإسلام(1).
وروي أن النبي«صلى الله عليه وآله» قال له، ولأبي محذورة، وأبي هريرة آخر كم موتا في النار(2). وكان سمرة آخر هم موتاً.
1) أنساب الأشراف ج 1 ص 527 والكافي ج 5 ص 294 وراجع ص 292 ومن لا يحضره الفقيه ج 3 ص 233 و 103 وتهذيب الأحكام ج 7 ص 147 ووسائل الشيعة ج 17 ص 340 و 341 وبحار الأنوار ج 100 ص127 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 4 ص 78 والسنن الكبرى للبيهقي ج6 ص 157 وسنن أبي داود ج 3 ص 315 والفائق للزمخشري ج 2 ص 442 ومصابيح السنة للبغوي ج 2 ص 14 والنظم الإسلامية ص321 عن أبي داود، وعن عون المعبود ج 2 ص 352 والدر المنثور ج 6 ص 357 عن ابن أبي حاتم وراجع قاموس الرجال جه ص8.
2) الإصابة ج 2 ص 79 و ط دار الكتب العلمية ج 3 ص 150 والإستيعاب بهامش الإصابة ج 2 ص 78 و (ط دار الجيل) ج 2 ص 645 وأسد الغابة ج 2 ص 355 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 1 ص 95 وبحار الأنوار ج 18 ص 132 والنص والإجتهاد ص 222 ومجمع الزوائد ج ص 290 وجزء أشيب للبغدادي ص 58 والمعجم الأوسط ج6 8 ص 208 والمعجم الكبير ج 7 ص 177 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 4 ص 78 وأبو هريرة للسيد شرف الدین ص 215 والتاريخ الصغير للبخاري ج 1 ص 133 وتهذيب الكمال ج 12 ص 133 وج 34 ص 257 وتهذيب التهذيب ج 4 ص 207 و ج 12 ص 200 وأنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج 5 ص 211 و 212 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 4 ص 233 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 6 ص 253 وإمتاع الأسماع ج 12 ص 223 و 224 وج 14 ص 132 ودلائل النبوة ج 6 ص 459 وكفاية الطالب ج 2 ص 144 والشفا للقاضي عياض ج 1 ص339 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 184 و 185 وتهذيب الأحكام ج 7 ص 147 .
وزعموا: أنه سقط في قدر مملوءة ماء حاراً فمات، وأن المراد بكلام النبي «صلى الله عليه وآله» هذا المعنى، وهو كلام باطل.
أولاً : إنه« صلى الله عليه وآله» لم يقل: آخركم موتاً بالنار، لتكون النار سبباً لموته، بل قال في النار .. لتكون النار ظرفاً ومحلاً ومقراً لذلك الميت.
ثانياً : الماء الحار ليس ناراً .
ثالثاً : لو سلمنا: أن هذا هو المراد، فإنه سيكون تعبيرا ركيكا، لا يليق بالنبي، أفصح الفصحاء، وأبلغ البلغاء.. إذ كان ينبغي أن يقول: آخر كم موتاً يموت بالنار.
وسمرة أيضا رجل سفاك للدماء، حتى إن الطبري يروي عن محمد بن سليم :قال سألت أنس بن سيرين هل كان سمرة قتل أحداً؟!
قال: وهل يحصى من قتل سمرة بن جندب؟! استخلفه زياد على البصرة، وأتى إلى الكوفة. وقد قتل ثمانية آلاف من الناس الخ..(1).
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 236 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 176 والنصائح الكافية ص 76 والفصول المهمة للسيد شرف الدين ص 135 والغدير ج 11 ص 29 .
وسمرة هو القائل: لعن الله معاوية. والله لو أطعت الله كما أطعت معاوية ما عدبني أبدا(1).
ومن كان هذا حاله، هل يعقل أن يكون مهتما بالدفاع عن كرامة
الرسول «صلى الله عليه وآله» ويريد حفظ كرامة الإمام الحسين «عليه السلام» وهو لأجل حفنة من المال يكذب على الله ورسوله، ويضع الأحاديث في ذم أمير المؤمنين «عليه السلام»، ومدح قاتله؟!
قال القطب الراوندي: فدخل عليه (أي على يزيد) زيد بن أرقم، ورأى الرأس في الطشت وهو يضرب بالقضيب على أسنانه، فقال: «كف عن ثناياه، فطالما رأيت رسول الله «صلى الله عليه وآله» يقبلها.
فقال يزيد: لولا أنك شيخ خرفت لقتلتك(2)
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 291 و (ط الأعلمي) ج 4 ص217 والكامل في التاريخ ج 3 ص 495 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج ص 73 والإيضاح لابن شاذان ص 543 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 267 وأنساب الأشراف (نشر جمعية المستشرقين الألمانية - بيروت) ج 5 ص 240 والغدير ج 11 ص30 والنصائح الكافية ج11 ص 77 .
2) الخرائج والجرائح ج 2 ص 581 وبحار الأنوار ج 45 ص 186 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 401.
وإلى ذلك أشار الحميري بقوله:
لم يزل بالقضيب يعلو ثنايا*** في جناها الشفاء من كل
داء
قال زید: ارفعن قضيبك ارفع*** عن ثنايا غر غذي باتقاء
طالما قد رأيت أحمد يلثمها*** وكم لي بذاك من شهداء(1)
2 - روى ابن الجوزي عن زيد بن أرقم قال: «كنت عند يزيد بن معاوية، فأتي برأس الحسين بن علي، فجعل ينكت بالخيزران على شفتيه وهو يقول:
يُفلّقن هَامَا مِن رِجَالِ أَعِزَّةٍ*** عَلَيْنَا وهُمْ كَانُوا َأعَقَّ وأظلمَا
فقلت له: ارفع عصاك .
فقال: ترابي!!
فقلت: أشهد لقد رأيت رسول الله« صلى الله عليه وآله» واضعاً حسنا على فخذه اليمنى، واضعاً حسينا على فخذه اليسرى، واضعا يده اليمنى على رأس الحسن، واضعاً يده اليسرى على رأس الحسين وهو يقول: اللهم إني استودعكهما وصالح المؤمنين.
فكيف كان حفظك يا يزيد وديعة رسول الله ؟ !(2).
قال البري التلمساني: «وأتي يزيد برأس الحسين «عليه السلام»، فلما وضع بين يديه جعل ينكت أسنانه بقضيب كان في يده، ويقول: «كان أبو عبد الله صبيحاً».
فقال له النعمان بن بشير:« ارفع يدك يا يزيد عن فم طالما رأيت رسول الله «صلى الله عليه وآله» يقبله».
قال: فاستحيا يزيد، وأمر برفع الرأس»(1).
وممن اعترض على هذا الفعل من يزيد: يحيى بن الحكم، أخو مروان بن الحكم، فإنه لما رأى ما فعل يزيد برأس الحسين، وتمثله بالأبيات التي تدل على كفره، قال:
لهام بأدنى الطف أدنى قرابة*** من ابن زياد العبد ذي الحسب
سميّة أمسى نسلها عدد*** وبنت رسول الله ليس لها نسل
فرفع يزيد يده، فضرب صدر يحيى بن الحكم وقال: اسكت.
1) الجوهرة في نسب الإمام علي وآله ج 2 ص 219 و (نشر مكتبة النوري - دمشق) ص46.
رواه كثير من أرباب السير، منهم الشيخ المفيد والطبرسي(1).
وجاء في بعض الكتب أنه قال:
لهام بجنب الطف أدنى قرابة*** من ابن زياد العبد ذي النسب
سميّة أمسى نسلها عدد الحصى*** وليس لآل المصطفى اليوم من
نسل(2)
ج 2 ص 294 وتاريخ مدينة دمشق ج 64 ص 123.
ونسب هذا الموقف، وهذه الأبيات، وموقف يزيد منها، إلى أخيه عبد الرحمن بن الحكم أيضا(3).
وعن سبط ابن الجوزي: أنه بعدما أنشد الأبيات صاح وبكى، فضرب يزيد صدره، وقال له يا ابن الحمقاء، ما لك ولهذا ؟! (4).
1) الإرشاد للمفيد ج 2 ص 119 و 120 وإعلام الورى ج 1 ص 474 .
2) مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 260 و 261 وتاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 352 والكامل في التاريخ ج 4 ص 89 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 208 وجواهر المطالب
3) أنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج 3 ص 222 وتاريخ مدينة دمشق ج 34 ص 316 والأغاني ج 13 ص 178 والوافي بالوفيات ج 18 ص 82 وفوات الوفيات ج 1 ص 623 والأعلام للزركلي ج 3 ص 305 وفي مجمع الزوائد ج 9 ص 198 والمعجم الكبير ج 3 ص 116 «عبد الرحمان ابن أم الحكم».
4) الأغاني ج 13 ص 178 والوافي بالوفيات ج 18 ص82 وفوات الوفيات ج 1 ص 623 ومرآة الزمان ص 99 على ما في عبرات المصطفين ج2 ص 315 .
وفي بحار الأنوار والمناقب بعد ذكر ما أنشده عبد الرحمن بن الحكم قال يزيد: نعم، فلعن الله ابن مرجانة، إذ أقدم على مثل الحسين بن فاطمة، لو كنت صاحبه لما سألني خصلة إلا أعطيته إياها، ولدفعت عنه الحتف بكل ما استطعت، ولو بهلاك بعض ولدي، ولكن قضى الله أمرا، فلم يكن له مرد.
وفي رواية: أن يزيد أسرَّ إلى عبد الرحمان وقال: سبحان الله ،أنَّى (لعل الصحيح: أفي) هذا الموضع ؟! أما يسعك السكوت؟!(1).
ووصف ابن الجوزي عبد الرحمان بن الحكم: بأنه كان فصيحاً شاعرأً(2).
ووصفه الصفدي: بأنه شاعر محسن شهد يوم الدار(3).
ورووا أيضاً :أن الحسن بن الحسن (الحسن المثنى) لما رأى
يزيد يضرب بالقضيب موضع فم رسول الله «صلى الله عليه وآله» قال: واذلاه(1).
سميّة أمسى نسلها عدد*** وبنت رسول الله ليس لها
ويقال: إن الحسن البصري لما سمع بهذا الخبر قال هذا البيت أيضاً(2).
ونقول:
لقد وصف يزيد زيد بن أرقم بأنه شيخ قد خرف، ولولا ذلك لقتله .
مع أن كلام زيد لم يتضمن أي شيء يدل على الخرف. بل ما قاله ليزيد هو عين العقل والورع والتقوى، فلماذا أطلق عليه يزيد هذا الوصف الذي هو نفس ما قاله ابن زياد له حين نهاه عن فعل نفس ما فعله یزید فرماه ابن زياد بالخرف أيضاً؟!
ولعل سبب ذلك أن هؤلاء الطغاة يعرفون أن قتل الحسين«عليه السلام» أمر عظيم، وخطب جسيم، ويحاولون أن يمنعوا الناس من التعبير عن مشاعرهم، باستعمال البطش والقتل لكل من يعترض، أو
يخشى منه ذلك.
فإن وجدوا أن قتل بعض هؤلاء قد يكون من قبيل صب الزيت على النار لجأوا إلى الاتهام بالخرف، أو الترابية، أو إلى التغيظ الشديد الذي يقمع الطرف الآخر، أو إلى الطرد من المجلس، أو ما إلى ذلك، كما يتضح من النصوص المتقدمة.
وزيد بن أرقم شخصية معروفة ومحترمة بين الناس، فقتله سوف يثير بلبلة بين الناس، وسيكثر من يخطئ يزيد ويلومه، وربما دعا ذلك الكثيرين إلى أن يكونوا من أنصار المناوئين ليزيد وبني أمية، فلا مصلحة لهم في قتل زيد في هذه الحالة.
على أن ما قاله زيد ليزيد، وابن زياد - إن كان زيد قد ترك الكوفة وقدم إلى الشام في تلك الأيام لحاجة عرضت له - ليس فيه ما يستحق به القتل، بل يمكن ليزيد أن يعتبره نصيحة له حتى لا يتعرض لمقت الناس، ويتعامل معه على هذ الأساس.
كما أن موقف زيد هذا ، يهدف إلى حفظه من حيث إنه أراد أن لا يوجب فعل يزيد هذا كرامة رسول الله ، ومنع الإهانة للإمام الحسين، يكون من موجبات المثوبة لزيد بن أرقم.
وبذلك يكون من حق زيد على يزيد أن يبادله هذه النصيحة بالشكر والامتنان والطاعة، لا رميه بالخرف، وتهديده بالقتل.
وقد ظهر مما تقدم، وغيره مما لم نذكره في هذا الكتاب: أن
تعامل يزيد مع المعترضين على إساءاته للرأس الشريف، حين كان ينكته بالقضيب مرة بعد أخرى، وربما في مجالس متعددة - ظهر وجود تفاوت واختلاف فهو يتهم زيد بن أرقم بالخرف، ويهدده بالقتل.
ويتهمه أيضاً : بأنه ترابي. أي من أنصار أو محبي أبي تراب، وهو علي أمير المؤمنين« عليه السلام»، وهي التهمة التي كان بنو أمية يحاسبون الناس عليها ، ويضطهدونهم لأجلها.
ولعل من أسباب شدته على زيد: هو ما كان يرويه من فضائل لعلي وأهل البيت «عليهم السلام».
والحاصل أنه يعامل زيد بن أرقم بهذه الحدة والشدة، ولكنه يراعي جانب النعمان بن بشير، الذي لم يزد على ما قاله زيد بن أرقم شيئاً، فيستحي، ويأمر برفع الرأس.
والنعمان كان من أعوانهم المخلصين لهم، ومن المبغضين لعلي« عليه السلام»، وقد خاض معهم في الدماء خوضاً في حروبهم الأمير المؤمنين. وبقي كذلك إلى أن مات يزيد.
وهو يضرب في صدر يحيى بن الحكم الأموي، ويقول له: أسكت.
أو قال له - بعد أن صاح وبكي -: يا ابن الحمقاء، ما لك ولهذا؟!
ويقول لعبد الرحمان بن الحكم: سبحان الله، أفي هذا الموضع؟ أما يسعك السكوت؟!
ولكنه حين اعترض عليه أبو برزة الأسلمي غضب، وأمر بإخراجه، وأخرج سحباً.
وفي نص آخر: فرفع، (عصاه عن ثنايا الإمام «عليه السلام») وهو يتذمر، مغضباً على الرجل.
فهو يعامل الناس حسب قربهم منه، وبعدهم عنه، انطلاقاً من المنطق العشائري، أو انطلاقا من مقدار قربهم من علي عليه السلام» وبعدهم عنه، عملا بالمنطق الشيطانى الخبيث .
ونلاحظ وجود اختلالات وركاكة في الأشعار المذكورة آنفاً:
1 - فالبيت الثالث في الأبيات المنسوبة للسيد الحميري« رحمه الله»، قال: «يلثمها»، حيث يجب أن تكون الميم مضمومة، لأنه فعل مضارع لم يرد عليه جازم، ولكنها تقرأ في هذا الشعر مجزومة، لأن الوزن يقتضي ذلك، ولا مبرر لجزمها.
2 - وفي البيت الثاني من تلك الأبيات ركاكة ظاهرة، ولاسيما في قوله: «غذي باتقاء».
3 - يلاحظ: أن البيت الثانى من البيتين اللذين أوردهما يحيى بن الحكم جاءت قافيته مضمومة، والقافية في البيت الأول مجرورة، وهذا إقواء كان يمكن تحاشيه.
وقد ورد البيتان في تاريخ الأمم والملوك بصورة سليمة، حيث
كانت القافية في البيتين معاً مرفوعة.
1 - عن علي بن الحسين [زين العابدين]« عليه السلام»: أدخلنا عَلى يَزِيدَ ونَحْنُ اثنا عَشَرَ رَجُلاً [في شرح الأخبار وغيره: غلاماً] مُغلَّلُونَ، فلمّا وقفنا بَينَ يَدَيهِ، قُلتُ: أنشدُكَ الله يا يَزِيدُ، ما ظُنُّكَ برَسول اللهِ لو رَآنا عَلى هذهِ الحال؟...
إلى أن تقول الرواية : وقالت فاطمة بنتُ الحُسَين: يا يَزِيدُ، بَناتُ رَسول اللهِ صَبايا !
فَبَكَى النَّاسُ، وبكى أهلُ دارهِ حَتَّى عَلتِ الأصوات.
فقالَ عَلِيُّ بنُ الحُسَين «عليه السلام» وأنَا مَغلُولٌ، فَقُلتُ: أَتَأَدْنُ لي في الكلام؟!
فقالَ: قُل ولا تَقُل هُجراً.
قلت: لقد وقفتُ مَوقِفا لا يَنبَغِي لِمِثلي أن يقول الهجر، ما ظُنُّكَ برَسول اللهِ لو رآني في غُلِّ؟
فَقالَ لِمَن حَولهُ: حُلُوهُ، ثُمَّ وَضَعَ رَأسَ الحُسَين «عليه السلام» بَينَ
يَدَيهِ، وَالنِّسَاءَ مِن خَلْفِهِ؛ لِئَلا يَنظُرنَ إِليهِ، فَرَآهُ عَلِيُّ بنُ الحُسَين «عليه السلام»، فلم يَأكُل بَعدَ ذلِكَ الرَّؤوس أبدا (1).
2 - وفي نص آخر لمَّا وقفوا بَينَ يَدَيهِ، وَهُمْ عَلى تِلْكَ الْحَالِ، فَقَالَ لهُ عَلِيُّ بنُ الحُسَينِ «عليه السلام»:
أنشدُكَ الله يا يَزيدُ، ما ظنك برسول اللهِ «صلى الله عليه وآله» لو رآنا على هَذِهِ الصفَةِ مُقرَّنينَ فِي الحِبال، أما كانَ يَرقُ لنا؟!
فَأَمَرَ يَزيدُ بالحبال فقطعت. وعُرف الإنكِسارُ فيهِ(2).
وفي نص آخر: فأدخلنا عَليهِ، وكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنّا يَدُهُ مَغلولة إلى عُنُقِهِ، فَقالَ لنا: أحرَزَت (أَخْلَصْتُم) أَنفُسَكُم عَبيدُ أهل العِراق! وما عَلِمتُ بخروج أبي عَبدِ اللهِ ، ولا يقتلِهِ(3).
1) مثير الأحزان ص 98 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 78 وبحار الأنوار ج 45 ص 132 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 32 وراجع: شرح الأخبار ج 3 ص 267 .
2) الطبقات الكبرى الطبقة الخامسة من الصحابة ج 1 ص 488 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 83 وراجع والملهوف ص213 و (نشر أنوار الهدى) ص 103 وبحار الأنوار ج 45 ص 131 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 432 والرد على المتعصب العنيد ص 49 وراجع: تذكرة الخواص ج 2 ص 198 .
3) العقد الفريد ج 3 ص 368 وجواهر المطالب ج 2 ص 272 والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 2 ص 6 و (تحقيق الشيري) ج 2 ص 12 والمحن ص 148.
وسيأتي هذا النص بتمامه عن قريب إن شاء الله.
3 - عن حاجب عبيد الله بن زياد: أدخِلَ نِسَاءُ الحُسَين «عليه السلام» عَلى يَزِيدَ بن مُعاوِيَة، فصحنَ نِساءُ آل يَزِيدَ وبَناتُ مُعاوِيَةٌ وأهله، ووَلوَلنَ، وأقمنَ المَأْتَمَ، ووُضِعَ رَأْسُ الحُسَين «عليه السلام» بَينَ يَدَيهِ.
فقالت سُكَينَهُ: وَاللهِ ما رأيتُ أقسى قلباً مِن يَزِيدَ، ولا رَأيتُ كَافِرًا ولا مُشركا شَرًا مِنهُ، ولا أجفى مِنهُ، وأَقْبَلَ يَقولُ ويَنظُرُ إِلَى الرَّأس:
ليت أشياخي ببدر شهدوا*** جَزَعَ الخَرْرَجَ مِن وَقَع الأَسَل
ثُمَّ أَمَرَ برَأس الحُسَين« عليه السلام» قنُصِبَ عَلَى بَابِ مَسجِدِ دِمَشْقَ (1).
الأسل: الرماح، والنبل.
ونقول:
إننا نسجل هنا النقاط التالية:
ذكرت بعض الروايات المتقدمة: أن الأسرى من الرجال كانوا اثني
1) الأمالي للصدوق ص 230 و 231 وروضة الواعظين ص211 و (منشورات الشريف الرضي) ص191 وبحار الأنوار ج 45 ص 155 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 396.
عشر ، وكانوا كلهم مغللين. ولم نستطع أن نحصل على أسماء جميع هؤلاء الرجال والمتيقن أن أكثرهم كانوا من الصبيان، فقد قال ابن :حبان ثم أنفذ عبيد الله بن زياد رأس الحسين بن علي إلى الشام مع أسارى النساء والصبيان»(1). وقال : « ثم أركب الأسارى من أهل بيت رسول الله« صَلَّى اللهُ عَليهِ وآلِهِ» من النساء والصبيان أقتاباً يابسة»(2).
وفي رسالة ابن عباس ليزيد:« ألا وإن من أعجب الأعاجيب وما عسى أن أعجب - حملك بنات عبد المطلب وأطفالاً صغاراً من ولده إليك بالشام كالسبي المجلوبين تري الناس أنك قهرتنا، وأنت تمن علينا»(3).
وقال الشبراوي الشافعي: «ثم أرسل بها إلى يزيد بن معاوية، وأرسل معه النساء والصبيان مشدودين على أقتاب الجمال»(4).
وقال ابن الأثير: «أرسل ابن زياد رأس الحسين ورؤوس أصحابه مع زحر بن قيس إلى الشام إلى يزيد، ومعه جماعة. وقيل: مع شمر وجماعة معه وأرسل معه النساء والصبيان، وفيهم علي بن
الحسين»(1).
وقد ذكرنا فيما سبق: أسماء ذكرت في بعض المصادر لرجال، أو صبية صغار كانوا في جملة الأسرى، مع وجود تضارب وتكاذب، واختلاف بين النصوص، فلا حاجة إلى الإعادة..
لكننا نعلم: أن من الأسرى بعد استثناء الإمام الباقر «عليه السلام»، الذي كان صغير السن:
1 - الإمام السجاد« عليه السلام».
2 - الحسن المثنى..
ويحتمل أن يضاف إليهما:
3 - القاسم بن عبد الله بن جعفر
4- القاسم بن محمد بن جعفر.
والباقون.. إما أطفال، أو أنهم من الشهداء، أو أن الكلام حولهم متناقض.
ولذلك نقول:
إن كان المراد بكلمة رجلاً في قوله : ونحن اثنا عشر رجلاً». هو الذكور مقابل الإناث، فله وجه.
1) الكامل في التاريخ ج 4 ص 83 ونهاية الأرب ج 20 ص 467 .
لكن استعمال كلمة «رجل» بهذا المعنى غير شائع.
ولعل التعبير الأولى بالقبول: هو قول القاضي النعمان وغيره: إنهم كانوا اثنى عشر غلاماً ، لأن الغلام يطلق على الكبير والصغير..
على أن ذلك لا يحل إشكال عدم التمكن من العثور حتى على أسماء هؤلاء الغلمان بصورة تفي بالعدد المذكور.
بعض النصوص تقول: إن جميع الأسرى كانوا مغللين، والغل طوق يوضع في العنق، يكون غالباً من الحديد.. وربما تغل اليدان إلى العنق أيضاً..
لكن بعض النصوص الأخرى قالت: أمر بالحبال فقطعت.. ولا يقال للحبل غل.. فلعل الأطفال الصغار - كالإمام الباقر (عليه السلام»- كانوا مربطين بالحبال، لأن الأكثر كانوا صغاراً، كما صرح به ابن عباس في رسالته ليزيد أما المراهقون والكبار فكانوا مغللين وهم قلة.
وكأن المقصود من هذه الأغلال، والحبال هو الإذلال، وكسر الهيبة، وإظهار الشوكة..
واحتمال أن يكون المقصود أن يزيد وضع الرأس أمام السجاد، ووضع النساء خلفه « عليه السلام»، حتى لا يرين الرأس لا مجال لقبوله، لأن الإمام السجاد «عليه السلام» لا يمنع من رؤية النسوة
للرأس، إلا إذا كان في حجرة، وقد خيم عليه بردائه مثلا، وهذا لم يحصل.
يضاف إلى ذلك : وجود نصوص أخرى تصرح بأنه وضع سكينة خلف ظهره. أي خلف ظهر يزيد.
وقد يتساءل المرء عن مدى صحة قولهم: إن يزيد قد وضع النساء والأسرى خلفه، لئلا ينظرن إلى الرأس بين يديه.
ونقول:
إن يزيد كان يعرف: أنه لا يستطيع أن يضبط الأمور بالصورة التي تحقق له أهدافه، إذا كان يريد أن يسيء الأدب، ويذل أهل البيت، فقد كان في مجلسه أعيان أهل الشام، وغيرهم من سائر البلاد، وليس من مصلحته أن يكون في مجلسه ضجيج وعجيج، وبكاء ونواح وعويل وصياح.. فكان يريد ترويض مجلسه على نمط بعينه.
ولكن الأمور لم تجر وفق ما ،رسم، بل أصبح ذلك المجلس الذي أراد أن يصنع منه مفخرة ومأثرة ،له مجلس خذلان وشؤم عليه..
وأما الحديث عن عدم أكل علي بن الحسين «عليه السلام» الرؤوس منذ رأى رأس أبيه في مجلس يزيد، فلا ينبغي التوقف عنده، فإن الرأس الشريف قد صاحب الإمام السجاد والسبايا طيلة عشرين
يوماً. وقد وضع في طشت وجيء به إلى عبيد الله بن زياد في الكوفة، ولم يزد يزيد في تعامله القبيح مع الرأس على ما فعله ابن زياد، فلماذا لم يمنع ذلك الإمام السجاد من أكل الرؤوس منذ ذلك الحين؟!
وما ذنب رؤوس الأنعام التي أحل الله تعالى أكلها للبشر، إذا كان أشرار الخلق يسيئون إلى رؤوس الأصفياء والأولياء؟!
لم يكن هناك أحد يجهل: أن أهل البيت« عليهم السلام» قد زقوا العلم زقاً. وأن حججهم على حقهم لا تبارى ولا تجارى. كما أن أحداً لا يجهل شجاعتهم في قول الحق، وأنهم لا تأخذهم في الله لومة لائم.
ولكن لعل يزيد ظن: أن المصائب والبلايا، والأهوال، والرزايا ،والإذلال والإهانات قد استنفدت من الإمام السجاد« عليه السلام» بعضاً من قواه وجعلته يتجه نحو الانفعال، والتكلم بما ينفس كربته، ويجيش في صدره، وربما تضمن كلامه بعض التجريح بشخص يزيد، وبني أمية.
فأراد بقوله: «قل ولا تَقُل هُجراً»: أن يوحي بأن أهل هذا البيت أناس عيَّابون شتامون، لا يلتزمون بأدب الخطاب، ولا بنظافة الكلمة من الترهات، والكلام الخارج على حدود العقل والمنطق القويم.
وبذلك يكون يزيد قد أدان الإمام السجاد، فيما يقوله، قبل أن يقول «عليه السلام» كلامه وخفف من حدة تأثير المؤاخذات التي يتوقعها نتيجة لفعلته الشنعاء تلك
ولكن جواب الإمام السجاد «عليه السلام» قد تضمن إدانة حاسمة ليزيد، الذي أساء التقدير، وأعرب عن نفسه بأنه لا يعرف أقدار الرجال، فقد قال له: «لقد وقفتُ مَوقِفاً لا يَنبَغِي لِمِثْلِي أَن يَقُولُ الهجر».
ويلاحظ أنه « عليه السلام» لم يقل :ليزيد وقفت موقفاً لا ينبغي فيه الهجر. فقد يقال له هناك أشياء كثيرة لا تنبغي، ولكن الناس يفعلونها انسياقا مع هوى، أو لأجل مصلحة يرونها، أو منفعة يتوقعونها، أو بسبب حالة غضب وانفعال، أو غير ذلك وأنت قد فعلت ما لا ينبغي لسبب من هذه الأسباب، أو سواه.
كما أنه لم يقل: أنا لا أقول هجراً، فقد يقال له: أنت تدعي لنفسك ما قد لا يرضاه الناس منك.. والعبرة بالحكم عليك بما سوف يصدر منك ...
كما أنه أيضاً لم يقل: إن المقام ليس مقاماً أقول «فيه» هجراً.. إذ رُبَّ قائل يقول له معنى ذلك : أنك قد تقول الهجر في مقامات أخرى..
ولكنه قال : «لا يَنبَغِي لِمِثْلِي أَن يَقُولُ الهُجر».
وكأن الهدف من إجراء الكلام على هذا النسق: بيان خطأ يزيد في معرفته، حتى بأبده الأمور، فكأنه لم يكن يعلم.
أو أراد أن يتظاهر بأنه لا يعلم بأن الناس أصناف شتى، فهناك صنف لديه مبادئ وقيم، وأخلاق ،والتزامات يرى أن الإخلال بها إخلال بإنسانيته وقيمه ومبرر وجوده، فليس لأحد أن يظن بهؤلاء
الوقوع بأية هفوة أو زلة، وهم الأنبياء والأوصياء المعصومون.
وقد حكى الله تعالى في كتابه الكريم عن هؤلاء وبين صفاتهم وميزاتهم، فهم الصادقون، والأوفياء بعهودهم ووعودهم، وهم المصطفون الأخيار وهم الذين فرض الله مودتهم، وأمر بطاعتهم، والكون معهم.
وهم الذين طهرهم الله تعالى من كل رجس، فقال: إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطهِّرَكُمْ تَطهيرًا(1).. وآيات كثيرة أخرى، دلت على عظيم فضلهم، وباذخ مقامهم عند الله، وجليل موقعهم لديه.
فليس لأحد كائناً من كان أن يتوهم فيهم خلاف ذلك.. لأنه إنما يكذب الله ورسوله، وما أنزله في كتابه.. فلا مجال لغلبة هوى، ولا لفورة غضب غير محسوبة، ولا لغير ذلك ..
ولأجل ذلك قال «عليه السلام»:« لا ينبغي لمثلي»، لأنه من هذا السنخ الذي كان يزيد وحزبه يجهدون لإبادته واستئصاله..
وتذكرني كلمة «لمثلي» هنا بكلمة الإمام الحسين «عليه السلام» حين أرادوه على بيعة يزيد، حيث قال : «ومثلي لا يبايع مثله».
وهناك فريق انساق مع هواه، وآثر طاعة الشيطان على طاعة الرحمان. وانغمس في الجرائم والمآثم.. ومنهم يزيد وحزبه الضالون
1) الآية 33 من سورة الأحزاب.
والظالمون..
وهناك قسم آخر من الناس خلطوا عملاً صالحاً، وآخر سيئا، عسى الله أن يرحمهم إذا صحت توبتهم، وخلصت نيتهم.
واللافت هنا أن السؤال الذي طرحه الإمام زين العابدين«عليه السلام» على يزيد كان واضحاً وسهلاً مستساغاً، يدركه العالم والجاهل، والقريب والبعيد، والدني والشريف، والرجل والمرأة، والطفل، والمسلم وغير المسلم.
ولم يكن لهذا السؤال سوى جواب واحد، إلا إذا أراد أحد أن يتخذ سبيل الجحود والعناد والمكابرة، التي ستكون في غير صالح ذلك الجاحد المكابر ، لأنه سوف يفضح نفسه، ويدل على جهله، أو على مبلغ أنانيته وحقده، والسؤال هو:
ما ظنك برسول الله إذا رأني في غل، أو إذا رأنا على هذه الصفة، أو على هذه الحالة، أو نحو ذلك؟!
فإن قال في الجواب: إِنه «صَلَّى اللهُ عَليهِ وآلِهِ» سيكون فرحاً مسروراً، فالكل يعلم: أن هذا كذب فاضح، وبغي واضح..
وإن قال: سوف يكون مغموماً وغاضباً، فسيقال له: فلم فعلت ما يغضب رسول الله« صلى الله عليه وآله».
وإن أراد المكابرة والعناد، وقال: سيكون راضياً، لأن أباك قد خرج على السلطان محارباً، ولا بد من دفعه، فسيسمع أجوبة كثيرة
يكون كثير منها ذا طابع جارح. وستكون هذه الأجوبة بمثابة فضيحة کبری لیزید.
ومما يمكن أن يقال له، ما يلي:
1 - إن يزيد كان قد بايع الحسين« عليه السلام»، ثم نكث البيعة، وتسلط على الناس بغير وجه حق.. وهذا ما صرح به عبد الله بن الزبير، كما قلنا(1).
2- إن يزيد هو من الظالمين، الذين لا ينالهم عهد الله، ومن الطلقاء الذين ليس لهم في هذا الأمر نصيب، وهو أيضاً.
قال تعالى:لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(2).
وقد قال «صلى الله عليه وآله»: «الخلافة محرمة على آل أبي سفيان، وعلى الطلقاء وأبناء (الطلقاء»(3).
3- إن رسول الله« صلى الله عليه وآله »قد جعل الحسين وأخاه
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 149 .
2) الآية 124 من سورة البقرة.
3) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 17 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 184 ومثير الأحزان ص 41 و (ط المكتبة الحيدرية) ص15 والملهوف (نشر أنوار الهدى )ص 18 وتسلية المجالس ج 2 ص 153. وراجع الأمالي للصدوق ص 130 و (ط مؤسسة البعثة )ص 216 وبحار الأنوار ج 44 ص 312 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 161 والفضائل لابن شاذان ص 68 .
إمامين قاما أو قعدا.
4 - إنه«صَلَّى اللهُ عَليهِ وآلِهِ» قال: يكون بعدي اثنا عشر إماماً أو أميراً كلهم من قريش. وقد نص النبي«صلى الله عليه وآله» على أسمائهم، وليس اسم يزيد، ولا أحد من غير بني هاشم.
5 - إن يزيد لم يبايع من قبل أهل الحل والعقد، ومن بايعه بعد ذلك، فإنما بايع تحت التهديد بالسيف، وما جرى للحسين «عليه السلام» شاهد واضح على ذلك .
6 - لم يذهب الحسين للعراق مقاتلا، ولا جمع جيشاً، ولا هيأ عدة، بل ذهب بعياله، وبعض محبيه، فلماذا يواجه بعشرات الألوف. كان منهم في ساحة المعركة وحدها ثلاثون ألفاً، فما بالك بمن كانوا في المنطقة قد أخذوا الطرق والمفارق، أو اجتمعوا ليكونوا مدداً إن احتاج عمر بن سعد إلى مدد. وكان ذلك بعد أن أخذوا عليه الطرق، وأريد منه أن يستأسر ؟!
7 - إن أهل العراق قد استغاثوا بالحسين «عليه السلام» ليأتيهم، ويعينهم على حل مشاكلهم، وليس بالضرورة أن يتم ذلك بالحرب والقتال مع أي كان من الناس.
8 - إن سلوك يزيد الأخلاقي والديني لا يسمح له بأن يكون بواب خليفة، فما بالك بمقام خلافة النبوة؟ ونكتفي هنا بكلمة قالها الإمام الحسين«عليه السلام»: «إنَّا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة،ومختلف الملائكة، ومهبط الوحي والتنزيل، بنا فتح الله وبنا يختم
ويزيد رجل فاسق فاجر، قاتل للنفس المحترمة شارب للخمر، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله»(1).
وهنا يقول النص التاريخي: «فأمر يزيد بالحبال فقطعت».
وفي بعض المصادر:«وعرف الانكسار فيه».
وهذا اعتراف عملي من يزيد، وهو أقوى من القول: بأن رسول الله سوف يغضب، ويتألم، إذا رأى أهل بيته على هذه الصفة.. فإن القول قد يحمل على أنه قد قيل على سبيل الاستهزاء بالمخاطب.. أو لاستدراجه للإفصاح عن أمور أخرى يظن أنها تجيش في نفسه، أو لغير ذلك من أسباب.
ثم أكد هذا المعنى ذلك الانكسار الذي بدا على يزيد، والذي قرئ في وجهه وسائر تصرفاته .
ويلاحظ: أن أهل العراق الذين غدروا بإمامهم، ثم قتلوه مع أهل بيته وأصحابه، وأرسلوا برؤوسهم إلى يزيد، وهذا كان غاية أمنياته.
1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 184 ومثير الأحزان (ط المكتبة الحيدرية) ص 14 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 14 وبحار الأنوار ج 44 ص 325 والعوالم ، الإمام الحسين ص 174 ولواعج الأشجان ص 25 والملهوف (نشر أنوار الهدى) ص 17 .
قد بقوا مبغوضين ليزيد، ولم يحصلوا على رضاه، فكان هذا أول تجليات استجابة دعاء الإمام الحسين« عليه السلام »عليهم، حيث قال:
«اللَّهُمَّ امْنَعهُم بَرَكَاتِ الأرض، وفَفَرِّقهُم تَفريقا، ومَزَّقَهُم تَمزيقا، وَاجعَلهُم طرائق قدَداً، ولا تُرض الولاةَ عَنهُم أَبَداً .. »(1).
لكن نص الخوارزمي يقول : «اللهم فاحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تذر على وجه الأرض منهم أحداً ، ولا تغفر لهم أبداً» (2).
وما نريده من هذه الفقرات هنا أمران:
الأول: أنه « عليه السلام» دعا الله على محاربيه أن يقتلهم بدداً، وأن يحصيهم عدداً مما يعني أنهم جماعة معينة قد اجتمعت على أمر، ويريد« عليه السلام »من الله أن يفرق جمعهم، ويحصي عددهم حتى لا يفلت أحد منهم من العقوبة، ولذا قال أيضاً: «ولا تذر على وجه الأرض منهم أحداً».
فما يشاع، من أنه « عليه السلام» قد دعا على أهل العراق عامة، وأن دعوته تلاحقهم في كل جيل غير صحيح.
الثاني: أن الوالي الذي من أجل رضاه غدروا بسيد شباب أهل الجنة، والإمام المطهر المعصوم، وقتلوه، وسبوا عياله - إن هذا
الوالي - يبغضهم، ولا يجد حرجاً في إعلان ذلك حتى في اللحظة التي يتسلم فيها منهم رأس أقدس البشر ، وأعظمهم شأناً، وهو يزيّن دمشق ليستقبل الناس عياله الأسرى والسبايا بالأفراح وغيرها.
ثم إن هذا الوالي نفسه يقول في هذه اللحظات بالذات لهؤلاء السبايا : «أحرزت أنفسكم عبيد أهل العراق»، فدل بكلامه هذا على احتقاره للعراقيين، وبغضه لهم. وقد زرع هذا البغض في قلب يزيد أبوه معاوية حين قال له وهو يوصيه بما ينبغي أن يفعل من بعده: «وانظر إلى أهل العراق، فإنهم لا يحبونك أبدأ، ولا ينصحونك، ولكن دارهم الخ..»(1)
وقد ذكرنا بعض ما يرتبط بسعي يزيد في المجالس المختلفة لتبرئة نفسه من دم الحسين والإلقاء باللائمة على ابن زياد، بالرغم من أن معاملته لابن زياد تشهد بكمال المحبة والانسجام بينهما. وكانت هباته، وجوائزه، وعطاياه له تتوالى، ولا يكف عن تأييده، وتقويته، وشد أزره .
غير أننا لم نكن نحسب أن يبلغ الأمر به حدّ ادّعاء: أنه لم يعلم بخروج أبي عبد الله ولا بقتله، فإن هذه الكلمة تضمنت كذبة فاحشة، وفرية عظيمة.
1) الفتوح لابن أعثم ج 4 ص 351 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 177 .
فقد تقدم في الجزء الثالث عشر من هذا الكتاب ص 220 كتابه لعبيد الله بن زياد يأمره بقتل الإمام الحسين «عليه السلام».
فأما كذبته، فهي تشي باستهتاره بعقول الناس، وكأنه يتوهم أنهم سوف يصدقونه في ادّعائه في أنه لم يعلم بقتله. فإن أحداً لا يتوهم، أن يقدم أي كان من الناس على قتل أعظم وأقدس إنسان في الأمة، من دون أن يعلم الخليفة مسبقاً بذلك، بل هو لا يفعل ذلك لو لم يهدده يزيد بإعادته إلى صفوف العبيد، كما صرح به في رسالته إليه.
وإذا كان قتل الحسين قد ساء يزيد، فلماذا لا يحاسب القاتل، بل هو يواصل تقويته، ودعمه وتأييده؟!
وأما فريته العظيمة، فهي زعمه: أن الحسين «عليه السلام» قد خرج عليه، مع أن هذا أمر لم يحصل، بل هو «علیه السلام» قد اكتفى بعدم إعطاء البيعة ليزيد، الذي كان قد بايع الحسين «عليه السلام» ثم نكث - كما تقدم عن عبد الله بن الزبير(1).
ومعاوية هو الذي رعى هذه البيعة، وحلف الأيمان للإمام الحسن أن يكون الأمر للحسين بعد الحسن. فلماذا يفتري يزيد على الحسين، ويدعي أنه خرج عليه وهو لم يفعل ذلك؟! ولم يكن لديه رجال ولا سلاح ؟!
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 149 .
1 - بَعَثَ يَزِيدُ بِرَأس الحُسَين «عليه السلام» إلى نِسَائِهِ، فَأَخَدَتهُ عاتِكَة ابنَتُهُ - وهِيَ أُمُّ يَزيدَ بن عَبدِ المَلِكِ - فَغَسَلْتهُ، ودَهَنَتهُ، وطَيَّبَتهُ.
فقال لها :يَزِيدُ ما هذا؟
قالت: بَعَثْتَ إِليَّ برأس ابن عَمّي شَعَثا ، فَلمَمتُه، وطيَّبته (1).
2 - عن أبي مخنف وغيره: إِنَّ يَزِيدَ َأمَرَ أن يُصلبَ الرَّأْسُ الشَّرِيفُ عَلى باب دارهِ، وأمَرَ أن يُدخِلوا أهلَ بَيتِ الحُسَين «عليه السلام» داره.
فَلَمّا دَخَلْتِ النِّسْوَةُ دارَ يَزِيدَ،[ في بعض المصادر: وأمَرَ نِسَاءَ آل أبي سُفيانَ، فَأَقِمِنَ المَأْتَمَ عَلى الحُسين «عليه السلام» ثلاثة أيامٍ] لم تَبقَ امْرَأَةٌ مِن آل مُعاوِيَة إِلا اسْتَقبلتهُنَّ بِالبُكاءِ وَالصُّراخ، وَالنِّياحَةِ وَالصِّياحِ عَلَى
الحُسَين« عليه السلام»، وألقينَ ما عَليهِنَّ مِنَ الحُلِيِّ وَالحُلل، وأقمن
1) أنساب الأشراف ج 3 ص 416 و (ط دار التعارف) ص214 وراجع تذكرة الخواص ج2 ص195
المَأْتَمَ عَليهِ ثلاثة أَيَّامٍ.
وخَرَجَت هِندُ بِنتُ عَبدِ اللهِ بن عامر بن كريز امرَأَهُ يَزِيدَ - وكانَت قبلَ ذلِكَ تَحتَ الحُسَين بن عَلِيٍّ « عليه السلام» - فَشَقَّتِ السِّتْرَ وهِيَ حاسرة، فوثبت عَلى يَزِيدَ وقالت:
أَرَأس ابن فاطِمَة مَصلوبٌ عَلى باب داري؟!
فَغَطاها يَزيدُ، وقالَ: نَعَم، فأعولي عَليهِ يا هِندُ، وَابِكِي عَلَى ابن بنت رسول اللهِ، وصَريحَةِ قُرَيش عَجَّلَ عَليهِ ابنُ زياد فقتله، قتلهُ اللهُ.
[وفي نص آخر عن الطبقات، وسير أعلام النبلاء: أن يزيد قال: حُقَّ لها أن تُعولَ عَلى كَبير قريش وسَيِّدِها].
ثمَّ إِنَّ يَزِيدَ أَنزَلَهُم بدارهِ الخاصَّةِ، فما كانَ يَتَغَدّى ويَتَعَشَى حَتَّى يَحضُرَ عَلِيُّ بنُ الحُسَين« عليه السلام ».
وقد روى الطبري ما فعلته هند عن القاسم بن بخيت، فراجع (1).
1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 73 وبحار الأنوار ج 45 ص 142 وراجع الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 489 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 83 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 303 . وراجع أيضاً : تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 462 و 465 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 353 وتاريخ مدينة دمشق ج 69 ص 177 وج 62 ص 85 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص344 وليس فيه ذيله وراجع. أيضاً الكامل في التاريخ ج 4 ص 84 وجواهر المطالب ج 2 ص 293 والأمالي للصدوق ص 230 وروضة الواعظين ص 211 وبحار الأنوار ج 45 ص 142 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص443 ونهاية الأرب ج 20 ص 468 والبداية والنهاية( ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 212 وأنساب الأشراف ج 3 ص 417 و (ط دار التعارف) ج3 ص 217.
3 - عن عوانة بن الحكم الكلبي : أدخِلَ نِساءُ الحُسَين «عليه السلام» عَلى يَزِيدَ، فَصاحَ نِساءُ آل يَزيدَ وبَناتُ مُعاوية وأهلهُ ووَلَوَلَنَ، ثُمَّ إِنَّهُنَّ أُدخِلْنَ عَلَى يَزِيدَ.
فقالت فاطِمَهُ بنتُ الحُسَين - وكانت أكبَر مِن سُكَينَة -: أَبَناتُ رَسولِ اللهِ سَبايا - يا يَزيدُ -؟ [يسرك هذا ]
فَقالَ يَزِيدٌ: يَا ابنَة أخي ! أنا لهذا كُنتُ أكرَهُ.
قالت: وَاللهِ ما تُركَ لنا خُرص.
قالَ يَا ابنَة أخي ما آتِ إِليكِ أعظمُ مِمّا أخذ مِنكِ.
ثُمَّ أخرجنَ، فَأُدخِلنَ دارَ يَزِيدَ بن مُعَاوِيَةٌ.
فلم تَبقَ امْرَأَةٌ مِن آل يَزِيدَ إلا أتَتهُنَّ، وأقمن المَأْتَمَ، وأَرسَلَ يَزِيدُ إلى كُلِّ امرأةٍ: ماذا أخذ لكِ؟ وليسَ مِنهُنَّ امرأةٌ تَدَّعِي شَيئاً بالغاً ما بَلغَ إلا قد أضعَفَهُ لها.
فكانَت سُكَينَهُ تَقولُ: ما رأيتُ رَجُلاً كَافِراً باللهِ خَيْرًا مِن يَزِيدَ بن مُعاوِيَة (1).
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 464 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 355 والكامل في التاريخ ج 4 ص 86 وراجع: الفصول المهمة لابن الصباغ (ط النجف) ص 192و (ط دار الحدیث) ج 2 ص 836 ونهاية الأرب ج 20 ص 470 ونور الأبصار ص 145.
4 - عن الوليد بن مسلم عن أبيه : لمَّا قَدِمَ برَأس الحُسَين «عليه «السلام» عَلى يَزِيدَ بن مُعاوِيَة، وأدخِلَ أهله الخضراءَ، تَصَايَحَت بَناتُ مُعاوِيَة ونِساؤُهُ، فَجَعَلَ يَزِيدُ يَقُولُ:
يا صَيحَة تُحمَدُ مِن صَوائِح*** ما أهوَنَ المَوتَ عَلَى النَّوائِح
إذا قضَى اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً، قدْ كُنَّا نَرْضَى مِنْ طَاعَةِ هَؤُلاءِ يدُون هَذَا(1)
5 - عن الليث أبى الحُسَينُ «عليه السلام» أن يَسْتَأْسِرَ حَتَّى قُتِلَ بالطفٌ، وانطلقوا ببَنِيهِ عَلِيٍّ وفاطِمَة وسُكَينَة إِلى يَزِيدَ، فَجَعَلَ سُكَينَة خَلْفَ سَرِيرِهِ لِئَلا تَرى رأس أبيها ، وعَلِيٌّ« عليه السلام» في غُلِّ(2)
ص18.
.ونقول:
1 - ذكر النص الأول: أن يزيداً اعترض على ابنته عاتكة، لأنها
غسلت الرأس الشريف، وطيبته، وهذا الاعتراض يعطي: أن هدف يزيد من إرسال الرأس إلى نسائه لم يكن نتيجة يقظة ضمير، أو لارتعاشة عاطفية فرضت نفسها عليه، بل كان بهدف الإعتزاز والتباهي أمام نسائه بما يعده إنجازاً عجز عنه الآخرون.
وكان يريد أن يبقى الرأس الشريف مشعثاً ، مخضوبا بالدماء، فلا يرى الناس طرفا من نوره وجماله، وبهائه الذي تستره تلك الدماء وغيرها عنهم فلو استطاع أن يحجب ولو بمقدار ذرة من هذا الجمال لما تردد في ذلك.
2 - اللافت أن جواب ابنته عاتكة لم يتضمن أيه إشارة إلى أنها فعلت ما فعلته بدافع ديني، أو من منطلق حب الرسول ورعاية، لقرابة الحسين منه، أو من منطلق عاطفة جاشت أو بدافع إنساني.. بل أجابته بجواب تفوح منه رائحة المنطق العشائري المجرد عن كل معنى جميل ونبيل، أو هكذا أرادت.
3 - واللافت هنا أيضاً أن مشهداً كهذا يفترض أن يثير لدى المرأة مشاعر الرأفة والكمد، ويدعوها إلى الوجوم، ويحدث لديها صدمة..
ولكننا لم نشعر أن عاتكة قد مرت أو مر بها شيء من ذلك.
رأينا في النصوص المتقدمة ما يشي بأن ثمة تعمداً للمبالغة في المآتم التي أقيمت للحسين «عليه السلام» من قبل نساء يزيد، وزعموا: أن
المآتم تواصلت إلى ثلاثة أيام..
ولكن ليت شعري لماذا عاد يزيد فأودعهم السجن الذي لا يكنهم من حر ولا برد؟! ولماذا لم يتغير على السبايا والأسرى أي شيء من المعاملة السيئة، والمؤذية؟!
وكيف رضي يزيد ونساء آل أبي سفيان عامة أن يصلب الرأس الشريف على باب مسجد دمشق؟!
ولماذا رضي يزيد، بل أمر: بأن يطاف بالرأس الشريف في البلاد؟!
ولماذا حاول هذا الطاغية أن يقتل الإمام السجاد «عليه السلام»؟! وكيف تكون المآتم قائمة في بيت يزيد والرأس الشريف مصلوب على باب نفس ذلك البيت الذي فيه المأتم ؟! ولماذا ؟! ولماذا ؟!
والأعجب والأغرب: أن نقرأ في بعض الكتب : أَنَّ يَزِيدَ أَنزَلَهُم بدارهِ الخاصة. فما كانَ يَتَغَدّى ويَتَعَشّى حَتَّى يَحْضُرَ عَلِيُّ بنُ الحُسَينِ «عليه السلام»!!
كما ويتحدث عوانة بن الحكم عن عطايا يزيد للسبايا حتى كانت سكينة تقول: «ما رأيتُ رَجُلاً كَافِرًا بِاللهِ خَيْراً مِن يَزِيدَ بن مُعاوِيَة». كما تقدم.
فألا يدل ذلك كله، وسواه :على أن هذه المآتم المدعاة كان بعضها بهدف الإمعان في قهر النساء المسبيات، وإذلالهن أمام بهرجة نساء يزيد، اللواتي كنَّ يعشن في القصور، ولا شغل لهن سوى السرور
والحبور، ويرفلن الحلل خلف الأستار والكلل، وبنات الرسول في أسر الهوان والمذلة، تكوي قلوبهن شماتة الأعداء، وفقد الأحباء؟!
وطرف آخر منه هو من اختراع مخيلة الكذابين الذين يتقربون إلى الشيطان في نصرة أوليائه على أهل الحق والعلم والفضل والدين..
تقدم أن يزيد قال لزوجته هند:« وَابكي على ابن بنتِ رَسولِ اللهِ وصَرِيحَةِ قُرَيش»، أو قال: «حُقَّ لها أن تُعولَ عَلَى كَبِيرٍ قُرَيْشٍ وسَيّدِها».
ويستوقفنا هنا: اعتراف يزيد: بأن الحسين«عليه السلام» صريحة
قريش ،وسيدها وكبيرها، ثم يكون هو الذي يقتل السيد والكبير، والخالص النسب في قريش. ويطيف برأسه فى البلاد، ويصلبه على باب مسجد دمشق، ويسبي عياله، ومن تبقى من أطفاله..
مع أن بني أمية هم حملة لواء التعصب لقريش، حتى حينما قررت ومارست الحرب ضد الرسول، سعياً لقتله، وإبطال دينه.. وها هو يزيد يأخذ بثارات الذين قتلوا من قريش على الشرك، من الذين قتلوهم دفاعاً عن دين الله، ويقول، هو وعبيد الله بن زياد، ومروان بن الحكم :يوم بيوم بدر...
إننا نرى: أن يزيد لم يكن جادا فيما قاله لزوجته هند، بل قاله على سبيل التندُّر والاستهزاء، والاستخفاف برسول الله« صلى الله عليه وآله».
تقدم في الرواية رقم [2] قول يزيد: «عَجَّلَ عَليهِ ابْنُ زِيادٍ فَقَتَلَهُ، قتَلهُ اللهُ». ويقول لفاطمة بنت الحسين حين سألته عن سبي بنات الرسول« صلى الله عليه وآله» كما في الرواية المتقدمة برقم [3] «أَنَا لِهذا كُنتُ أُكْرَهُ».
بل سيأتي قول يزيد للأسارى والسبايا حين دخلوا عليه: «وما عَلِمتُ بخُروج أبي عَبدِ اللهِ، ولا يقتلِهِ»(1).
ولكن ليت شعري كيف يرضى حاكم بقتل عامله أهم وأفضل، وأعظم شخصية في الأمة من دون علمه؟!
ألم يكن الحسين - على ما له من مكانة وموقع - يستحق أن يطالب قاتله بدمه؟! ويحاكم على فعلته، أو على الأقل أن يعزل على عمله؟! أو أن يلام ولو ببضع كلمات ولو لذر الرماد بالعيون؟!
فلماذا ارتفعت مكانة ابن زياد عند يزيد بعد قتله الحسين« عليه السلام»، فأغدق عليه الجوائز والعطايا، والهبات والهدايا؟!
وإذا كان قتل مثل الحسين« عليه السلام» يمكن أن يحصل من دون علم يزيد فهل هناك شيء آخر يمكن أن يكون غير متوقع
1) العقد الفريد ج 3 ص 368 وجواهر المطالب ج 2 ص 272 والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 2 ص 6 و (تحقيق الشيري) ج 2 ص 12 والمحن ص 148.
الحصول بدون علمه أيضاً ؟!
وأي حكم، وأي حاكم هذا يا ترى؟!
إن رواية عوانة بن الحكم المتقدمة تسعى للإيحاء: بأن كل همّ السبايا كان هو الحصول على الأموال من يزيد، حتى إنه لكثرة ما أغدقه عليهن من أموال صرن يرينه خیر کافر رأينه على الإطلاق.
وإذا كانت سكينة هي التي تقول هذا الكلام عن يزيد، فسيأتي عنها أيضاً برواية حاجب يزيد عنها أنها قالت: «وَاللهِ ما رَأَيتُ أقسى قلباً مِن يَزِيدَ، ولا رأيتُ كافِراً ولا مُشركا شراً مِنهُ، ولا أجفى مِنهُ»(1).
كما أن بعض نصوص هذه الرواية تدعي: أن الذي بذل للسبايا هذه الأموال والعطايا هن نساء يزيد، فما بالك بما يمكن أن يكون يزيد قد بذله لهن.
فهل يمكن أن نتصور أن نساء أهل البيت« عليهم السلام» كن يحببن الدنيا إلى هذا الحد؟ وأن يهون عليهن فقد أقدس البشر، وسيد شباب أهل الجنة أمام حفنة من المال؟!
وكيف يغدق عليهن العطايا، ثم يخرجهن من بيته إلى سجن لا
1) الأمالي للصدوق ص 230 و 231 وروضة الواعظين ص211 و (منشورات الشريف الرضي) ص 191 وبحار الأنوار ج 45 ص 155 و والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 396.
يكنهن من حر ولا برد؟!
إلى غير ذلك من الأسئلة الكثيرة التي تراود ذهن كل عاقل أريب، وراصد لبيب.
ثم يعود يزيد ليحيل الأمر على الجبر الإلهي، ويجعل المطالب بدم الحسين «عليه السلام» ليس هو، ولا ابن زياد، بل هو الله تعالى، حيث قال - كما في الرواية رقم [4] -: «إذا قضى الله أمراً كان مفعولاً» وبذلك يسقط يزيد كل المطالبات بالحقوق، ولا يبقى للقصاص والحدود معنى..
وتقدم :أن يزيد جعل سكينة خلف سريره: لئلا ترى رأس أبيها .
وهذا كلام غريب، فإن سكينة لم تكن في ذلك الوقت طفلة صغيرة يحجبها عن رؤية رأس أبيها سرير يزيد بل كانت امرأة عاقلة كاملة، وكان الحسن بن الحسن قد خطب لعمه إحدى ابنتيه، فقال له «عليه السلام»: اختر يا بني أحبهما إليك، فاستحيا الحسن، فاختار له «عليه السلام» أختها فاطمة (1).
1) الإرشاد للمفيد ج 2 ص 25 والعدد القوية ص355 والأغاني ج 21 ص 115 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 21 ص 79 وبحار الأنوار ج 44 ص 167 وإسعاف الراغبين ص 229 و 230 والكنى والألقاب ج 2 ص 465 ومقاتل الطالبيين ص 180 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 122 ولباب الأنساب ج 1 ص 385 وعمدة الطالب ص 98 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 750 وإعلام الورى ج 1 ص 417 وكشف الغمة ج 2 ص 205 و( ط دار الأضواء) ج 2 ص 202 وسر السلسلة العلوية ص6 وقاموس الرجال ج 12 ص 314 والدر النظيم ص 519 .
فإن كان يزيد مهتماً بحفظ عواطف بنات الحسين «عليه السلام»، فلماذا خص سكينة بهذا الأمر، ولم يشرك معها أختها، فضلاً عن سائر النساء، وصغار السن وهم كثيرون وكان الإمام الباقر ابن ثلاث سنوات؟!
على أن الرواية التالية تدعي :أنه جعل النساء كلهن خلفه.. فبأيهما نأخذ، وأيهما نصدق؟!
قالوا: إنّ يَزِيدَ بن مُعاوية، قالَ لِزَيْنَبَ تَكَلَّمِي.
فقالت: هُوَ المُتَكَلّم.
فتَقَدَّمَ السَّجَّاد« عليه السلام» وجَعَلَ يَقولُ:
لا تَطْمَعوا أن تُهينونا*** وأن نكُفَّ الأذى عَنكُم وَتُؤذونا
فاللهُ يَعلَمُ أَنَّا لا نُحِبُّكُم*** ولا نلومُكُمُ إن لم تُحِبّونا
فَقالَ يَزِيدُ: صَدَقت - يا غُلامُ -، ولكِن أرادَ أبوكَ وجَدُّكَ أَن يَكونا أميرين، فالحَمدُ للهِ الذي أذلهُما ، وسَفَكَ دِماءَهُما (1).
فَقالَ لَهُ عَلِيُّ بنُ الحُسَين« عليه السلام» يَا ابنَ مُعاوِيَة، وهِندٍ، وصَخرٍ ، لم يَزالوا آبائي وأجدادي فيهمُ الإمرة من قبل أن نَلِدَ. ولقد كانَ جَدّي عَلِيُّ بنُ أَبي طَالِبٍ «عليه السلام» يَومَ بَدر وأحدٍ وَالْأَحزَابِ فِي يَدِهِ رَايَهُ رَسولِ اللهِ« صلى الله عليه وآله»، وأبوكَ وجَدُّكَ
1) راجع: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 173وبحار الأنوار ج 45 ص 175 وراجع ص 135 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 131 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 63 .
في أيديهما رايات الكفار.
ثُمَّ جَعَلَ عَلِيُّ بنُ الحُسَين «عليه السلام» يَقولُ:
ماذا تَقولُونَ إِن قَالَ النَّبِيُّ لَكُم*** ماذا فعلتُم وأنتُم آخِرُ الأُمَمِ
بعترتي وبأهلي بَعدَ مُنقلبي*** مِنهُم أسارى ومِنهُم ضُرِّجوا
ما كان هذا جزائي إذ*** أن تَخلفوني بسوءٍ في ذوي
ثُمَّ قَالَ عَلِيُّ بنُ الحُسَين «عليه السلام»: وَيْلَكَ يا يَزِيدُ، إِنَّكَ لو تَدري ما صَنَعتَ ومَا الَّذِي ارتَكَبَتَ مِن أبي، وأهل بيتي، وأخي، وعُمُومَتي، إذا لَهَرَبَتَ فِي الجبال، وفرشت الرَّمَادَ، وَدَعَوتَ بِالوَيل وَالنُّبور: أن يَكونَ رَأسُ الحُسَين ابن فاطِمَة وعَلِيٍّ «عليهما السلام» مَنصوباً عَلى بابِ المَدينَةِ، وهُوَ وَدِيعَهُ رَسول اللهِ« صلى الله عليه وآله» فيكُم، فأبشر بالخزي وَالتَدامَةِ غَداً إِذا جُمِعَ النَّاسُ لِيَومٍ لا رَيبَ فِيهِ (1).
3 - عن محمد بن الحسين بن عليّ: دَخَلْنا عَلى يَزِيدَ، وَنَحْنُ اثنا عَشَرَ غُلاماً مُغَلَّلينَ فِي الحَدِيدِ وعَلينا قُمُص.
فقالَ يَزيدُ: أخلصتُم أَنفُسَكُم بعبيدِ أهل العِراق! وما عَلِمتُ بخُروج أبي عَبدِ اللَّهِ حِينَ خَرَجَ ولا يقتلِهِ حِينَ قُتِلَ!
قالَ: فَقَالَ عَلِيُّ بنُ الحُسَين «عليه السلام»:مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 131 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 63 وبحار الأنوار ج 45 ص 135 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 436 .
اللَّهِ يَسِيرٌ* لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ(1). قالَ: فَغَضِبَ يَزِيدُ وجَعَلَ يَعبَتْ بِلِحيَتِهِ، وَقَالَ: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ(2)»(3).
4 - في نص آخر وانطلِقَ بِعَلِيٍّ بن حُسَين« عليه السلام» وفاطمة بنتِ حُسَينِ، وسُكَينَة بنتِ حُسَينِ إِلى عُبَيدِ اللهِ بن زيادٍ، وَعَلِيٌّ يَومَئِذٍ غُلامٌ قد بَلغَ، فَبَعَتْ بهم إلى يَزِيدَ بن مُعاوِيَة، فَأَمَرَ بِسُكَينَةٌ فَجَعَلها خَلْفَ سَريرهِ، لِئَلا تَرى رَأسَ أبيها وذوي قرابَتِها ، وعَلِيُّ بنُ الحُسَين «عليه السلام» في غُلٍّ.
فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَضَرَبَ عَلَى تَنِيَّتَي الحُسَين «عليه السلام»، فقال:
نفلّقُ هاماً من رجال أحِبَّةٍ*** إلينا وهُم كانوا أعَقَّ وأظلما
فَقالَ عَلِيُّ بنُ الحُسَين «عليه السلام»: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْض وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذلِكَ عَلَى
اللهِ يَسِيرٌ (1) فَتَقْلَ عَلى يَزِيدَ أن يَتَمَثَّلَ بِبَيت شعر، وثلا عَلِيُّ آيَةٌ مِن كِتابِ اللهِ عز وجل، فقالَ يَزِيدُ: بَلقبمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْقُوْ عَن كَثِيرِ (2).
فَقالَ عَلِيٌّ« عليه السلام» أما واللهِ لو رآنا رَسُولُ اللَّهِ «صلى الله عليه وآله» مَغلولينَ لأَحَبَّ أن يُخَلّينا مِنَ الغُلِّ.
فقالَ: صَدَقت، فخلوهُم مِنَ الغُلِّ.
قالَ: ولو وقفنا بَينَ يَدَي رَسول اللهِ «صلى الله عليه وآله» عَلَى بُعدٍ لأَحَبَّ أن يُقرِّبَنا.
قالَ: صَدَقت، فَقَرَّبوهم.
فَجَعَلت فاطِمَهُ وسُكَينَهُ يَتَطاوَلان لِتَرَيا رَأسَ أبيهما، وجَعَلَ يَزِيدُ يَتَطاوَلُ فِى مَجْلِسِهِ لِيَسْتُرَ عَنهُما رَأس أبيهما.
ثمَّ أَمَرَ بهم فجُهّزوا ، وأصلح إليهم وأخرجوا إلى المَدينَةِ (3).
1) الآية 22 من سورة الحديد.
2) الآية 30 من سورة الشورى.
3) موسوعة الإمام الحسين ج 5 ص 244 عن : المعجم الكبير ج 3 ص104 ح 2806 وتاريخ مدينة دمشق ج 70 ص 14 و تاريخ الإسلام للذهبي جه ص 18 عن الليث بن سعد؛ والأمالي للشجري ج 1 ص 178ومجمع الزوائد ج 9 ص 195 وراجع تذكرة الخواص(ط النجف) ص 262 ومثير الأحزان ص 99 و (ط المكتبة )الحيدرية ص 79 وبحار الأنوار ج 45 ص132 ،والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 433 والكامل في التاريخ ج 4 ص 86 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 837 وجواهر المطالب ج 2 ص 294 ونهاية الأرب ج 20 ص 470 والإرشاد ج 2 ص 120 وإعلام الورى ج 1 ص 474 .
5 - أَقْبَلَ [يَزِيدُ] عَلى عَلِيٍّ بن الحُسَين «عليه السلام»، فقال:
أبوك قطعَ رَحِمي، ونازَ عَني سُلطاني، فَجَزاهُ اللهُ جَزاء القطيعَةِ وَالإِثْمِ [في الإرشاد فصنع الله به ما قد رأيت](1).
6 - أَمَرَ [يَزِيدُ] بِعَلِيِّ بن الحُسَين «عليه السلام»، فأدخِلَ مَغلولاً، فقال : لو رَآنا رَسُولُ اللهِ«صلى الله عليه وآله» مَغلولينَ لفَكَّ عَنّا.
قالَ: صَدَقت، وأمَرَ بِفَكٌ غُلَهِ عَنهُ.
فقالَ عَلِيٌّ « عليه السلام»: لو رَآنا رَسولُ اللهِ« صلى الله عليه وآله» بُعَداءَ لأَحَبَّ أن يُقرِّبَنا.
فَأَمَرَ بِهِ فَقُرِّبَ مِنهُ.
وقالَ لَهُ يَزِيدُ: إيهِ يا عَلِيَّ بن الحُسَين، أبوك الذي قطعَ رَحمي، وجهل حقي، ونازَعَني سُلطاني، فَصَنَعَ اللهُ بِهِ ما رَأَيت.
فقالَ عَلِيٌّ «عليه السلام»: مَا َأصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأهَا إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ
1) الطبقات الكبرى الطبقة الخامسة من الصحابة ج 1 ص 489 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 83 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 303 وليس فيه ذيله.
مُخْتَالٍ فَخُور(1). فَقالَ يَزِيدُ: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ (2)، ثُمَّ سَكَتَ عَنهُ (3)
7 - عن الصادق« عليه السلام»: لمَّا أُدخِلَ رَأْسُ الحُسَين بن عَلِيٍّ « عليه السلام» عَلى يَزِيدَ لَعَنَهُ اللهُ، وأدخِلَ عَليهِ عَلِيُّ بنُ الحُسَينِ« عليه السلام» وبَناتُ أمير المُؤمِنينَ « عليه السلام»، وكانَ عَلِيُّ بنُ
1) الآيتان 22 و 23 من سورة الحديد
2) الآية 30 من سورة الشورى.
3) موسوعة الإمام الحسين ج 5 ص 243 عن : الكامل في التاريخ ج 4 ص 86 و 87 والفصول المهمة لابن الصباغ (ط النجف) ص192 و( نشر دار الحديث) ج 2 ص 837 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص320 وروي نحوه أيضاً في المصادر التالية: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 461 و 464) و (ط الأعلمي) ج 4 ص 352 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 211 وأنساب الأشراف ج 3 ص 419 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 220 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 343 والفتوح لابن أعثم ج ص 130 ونهاية الأرب ج20 ص470 والإرشاد ج 2 ص 120 وإعلام الورى ج 1 ص 474 كلها نحوه، وبحار الأنوار ج 45 ص 135 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 436 ونور الثقلين (تفسير) ج5 ص 247 وكنز الدقائق (تفسير) ج 13 ص 104 والدر النظيم ص565 ج13 ص4 وشرح إحقاق الحق( الملحقات) ج 28 ص 193 و 198 - 199 وج 33 ص 663
الحُسَين عليه «السلام» مُقيَّداً مَغلولاً ، فقالَ يَزيدُ : يا عَلِيَّ بنَ الحُسَين، الحَمدُ للهِ الَّذِي قَتَلَ أَباكَ.
فقالَ عَلِيُّ بنُ الحُسَين «عليه السلام»: لَعَنَ اللَّهُ مَن قَتَلَ أَبي.
قالَ: فَغَضِبَ يَزِيدُ وأَمَرَ بِضَرب عُنْقِهِ «عليه السلام».
فقالَ عَلِيُّ بنُ الحُسَين «عليه السلام»: فإذا قتَلتَني فَبَناتُ رَسولُ اللَّهِ «عليه السلام» مَن يَرُدُّهُم إِلى مَنازِلِهم وليسَ لَهُم مَحرَمٌ غَيري؟!
فقالَ: أَنتَ تَرُدُّهُم إِلى مَنازِلِهِم، ثُمَّ دَعا بمبردٍ فَأَقْبَلَ يُبرِدُ الجَامِعَة مِن عُنُقِهِ بِيَدِهِ.
ثُمَّ قَالَ لَهُ: يا عَلِيَّ بنَ الحُسَين أتَدري مَا الَّذي أريدُ بِذلِكَ؟!
:قالَ بَلى، تُريدُ أن لا يَكونَ لِأَحَدٍ عَلَيَّ مِئَةٌ غَيْرُكَ.
فقالَ يَزيدُ: هذا وَاللهِ ما أَرَدتُ أفعَلهُ.
ثُمَّ قَالَ يَزِيدُ : يا عَلِيَّ بنَ الحُسَين: وَمَا َأصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ.
فَقالَ عَلِيُّ بنُ الحُسَين «عليه السلام» كلا ما هَذِهِ فِينَا نَزَلْت، إِنَّمَا نَزَلت فينا: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلُ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فاتَكُمْ وَلا تَقْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور(1)، فَنَحنُ
1) الآيتان 22 و 23 من سورة الحديد
الَّذينَ لا نَأْسى عَلى ما فاتنا ولا نَفْرَحُ بما آتانا(1).
ونقول على سبيل الاختصار والاقتصار على ما هو ضروري:
إننا قد جمعنا هذه النصوص مع بعضها لتقارب سياقاتها في بيان ما جرى. ولسنا بصدد تحديد النص الأولى بالقبول منها. وإنما يتحدد ذلك من خلال المجموع، بعد إسقاط ما يسقطه الدليل، ولا تساعد عليه الاعتبارات التي يرضاها أهل العقل السليم، والمنطق القويم.
وسوف نتكلم حول كل نص على حدة، شريطة أن لا نقع في التكرار، ونحن نبدأ بالنص المتقدم برقم [1] فنقول:
قد تجلى أدب زينب ، وحكمتها وعقلها و درايتها، حين رفضت طلب يزيد منها بأن تتكلم قبل الإمام السجاد
« عليه السلام»، فأشارت إلى الإمام السجاد «عليه السلام»، وقالت: هو المتكلم.
مع أنها عمته، وأكبر منه سنا، ولها احترامها، ومكانتها التي ينبغي رعايتها، وهي مثكولة بأحبابها، وإخوتها وأبنائهم، وأبنائها ، وسائر
1) تفسیر القمّی ج2 ص352 وبحار الأنوار ج45ص168و ج 78 ص180 والعوالم، الأمام الحسین ج17 ص414 و415 ومستدرک سفینۀالبحار ج6ص428 والبرهان (تفسیر )ج4ص827 وج5 ص299 ونور الثقلین (تفسیر ) ج5ص 247 وکنز الدقائق (تفسیر) ج11 ص526 وج 13 ص103-104.
أحبائها.
كما أنه « عليه السلام» مثكول بهؤلاء جميعاً مثلها ..
ولكن بالرغم من ذلك، فإن السجاد« عليه السلام» هو الإمام بعد أبيه، وهو مستهدف بالخطط والقرارات الشيطانية أكثر منها، وهو أولى بأبيه، وأقرب إليه من سائر الخلق.
ومن جهة أخرى، فلعل يزيد «لعنه الله» قد تعمد تجاهل موقع علي بن الحسين« عليه السلام» لحاجة في نفسه، كما إذا كان يريد تصغير شأنه، وتهوين أمره، بتقديم امرأة عليه.
وربما ظن يزيد: أن السيدة زينب«عليها السلام» لا تحسن ما يحسنه الرجال، ولم يكن يأمن جانب الإمام السجاد من هذه الجهة، فقد يؤدي إفساح المجال له إلى قول أمور ، والإدلاء بحجج لا قبل له بها، فقد شاع وذاع أن أهل البيت قد زقوا العلم زقا..
وقد صرح يزيد «لعنه الله»: بأن الإمام السجاد «عليه السلام» إذا رقى المنبر لم ينزل إلا بفضيحته، وفضيحة آل أبي سفيان.
ولكن زينب «عليها السلام» صدَّته، وأعادت الأمور إلى نصابها الصحيح، فدلت على نباهة وحنكة وعقل، وأدب ورزانة.
وقد رأينا أنها « عليها السلام» قالت ليزيد «هو المتكلم»، ولم تقل: فليتكلم غيري مثلاً.
ربما لأنه قد يفهم من هذا: أنها تساوي نفسها بالغير، حتى بالإمام
وربما توهم متوهم أنها تمتنع عن الكلام، بسبب تعبها، أو لأي سبب آخر.
كما أنها لم تقل: قل لعلي «عليه السلام» ليتكلم، ربما لأنها لا تريد أن تعطي ليزيد حق الأمر للإمام أو لغيره، ولو بالصورة والشكل.. ولا تريد أيضاً أن تدَّعي لنفسها أن كلامه «عليه السلام» يوازي كلامها.
بل قالت: «هو المتكلم»، فدلت بذلك على:
أولاً : أنه ( عليه السلام» هو المالك لعنان الكلام، والبارع فيه.
ثانياً : أنه ليس لأحد سواه أن يتكلم بمحضره، بل حق الكلام منحصر به.
ثالثاً : إن الحق بالكلام دائم وثابت للإمام في هذا الوقت وفي كل وقت.. فإنه هو الذي أذن له الرحمان بالكلام، ويقول صواباً، كما قال :تعالى: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا(1).
1) الآية 38 من سورة النبأ .
أما الشعر الذي نسبت الرواية إلى الإمام أنه قاله في مجلس يزيد:
لا تَطْمَعوا أن تهينونا ***الـــــــخ..
فنحن نرتاب في صحته، لما يلي:
1 - يتضمن البيت الأول: اعترافا بأنهم أهل البيت، أو بني هاشم سوف يواصلون إيذاء الأمويين وغيرهم من خصومهم، مع أننا لم نجد أن بني هاشم وأهل البيت كانوا في موقع المؤذي لبني أمية، حتى عندما كان بنو أمية يؤذونهم.
2 - إن لحن هذا البيت يوحي بأن القضية شخصية، وليست قضية دين وإيمان وإسلام، ونهج، وقيم، واخلاق ومبادئ.
3- والأهم من هذا وذاك قوله:
***ولا نلومُكُمُ إن لم تُحِبّونا
فإن حب أهل البيت «عليهم السلام» واجب بالنصوص القرآنية، كما في آية المودة وغيرها، وبالنصوص النبوية الكثيرة، ومن لا يمتثل أي واجب في الشرع والدين، فإنه يلام ويزجر، ولا يقبل منه الاستمرار في ذلك .
4 - ما المبرر لمواجهة يزيد وحزبه بهذه المضامين التي تجاوزتها الأحداث بمراتب كثيرة.
5 - إن سياق هذه الأبيات سياق تهديد، ولاسيما قوله:
***وأن نكُفَّ الأذى عَنكُم وتُؤذونا
ولم يكن وضع الإمام «عليه السلام» يسمح بإطلاق تهديد كهذا.
وعن قول يزيد أراد أبوك وجدك أن يكونا أميرين، نقول:
أولاً : لم يُردْ أبوه وجده الإمرة، ولكن الله تعالى أراد الإمرة لهما، وشرفها بهما.
ثانياً : إن كان يزيد يقصد بكلامه هذا أن عليا «عليه السلام» قد حارب من أجل ،الإمرة، فهو كاذب، بدليل أنه تحمل المصائب والبلايا، وقد ضربت زوجته، وأسقط جنينها ، وماتت صديقة شهيدة، ولم يشهر سيفاً، ولا خاض حرباً، بل صبر على البلاء، رفقا منه بالأمة، وحفظاً للدين..
وقد بقى خمسا وعشرين سنة جليس بيته، ثم أكرهه الناس على البيعة له، ثم نكث الناكثون، وأعلنوا الحرب عليه، فاضطر للدفاع عن نفسه.. كل هذا، بالرغم من أن الله تعالى هو الذي منحه هذا المقام. كما هو معلوم. وليس كالذين نص الله ورسوله على حرمانهم، لأنهم ظالمون، ولأنهم من الطلقاء وأبنائهم، ثم يقتلون أصحاب الحق لكي يتأمروا على الناس.
وأما الحسين« عليه السلام»، فقد شرحنا أمره أكثر من مرة، وقلنا: إنه لم يخرج محارباً ، ولا جمع جيشاً، ولا أعد سلاحاً.
ولكن أهل العراق كاتبوه، وطلبوا منه النظر في أمرهم، وحل مشاكلهم، فلما توجه إليهم نكثوا عهده، وأخذوا عليه السبل، وخيروه بين الاستسلام لعدوه، والقتل، فلم يرض بالاستسلام.
واللافت هنا: أن يزيداً يعقب على ذلك بقوله عن علي والحسين «عليهما السلام»: «قالحَمدُ للهِ الَّذي أذلهُما وسَفَكَ دِماءَهُما»، استناداً إلى ما يلي:
أولاً: إن من يقع القتل عليه يكون ذليلا، وقد فاته: أن قتل الأشرار للأبرار بغيا وظلما، هو سعادة وشهادة، وفوز وفلاح. فما بالك بما إذا كان المقتول نبيا ،کيحيى، أو إماماً، كعلي والحسين «عليهما السلام»..
ثانياً : إنه ينسب جرم ابن ملجم في قتله عليا إلى الله سبحانه، وينسب ما ارتكبه هو في حق الحسين وأهل بيته وأصحابه إلى الله تعالى أيضاً، مع أن رسول الله «صلى الله عليه وآله »وصف قاتل علي «عليه السلام» بأشقى الأولين والآخرين.
وقال في عذاب وعقاب ولعن قاتل الحسين «عليه السلام» الشيء الكثير ، الذي مر بعضه في هذا الكتاب .
ونقول:
1 - لقد فات يزيد: أن ثمة نصوصاً كثيرة تؤكد على أن الموت في عز خير من الحياة في ذل، فما معنى ادّعاء يزيد: أن عليا والحسين
«عليهما السلام» ماتا ذليلين؟
2 - إنه في كلامه هذا يقرر مرة أخرى، ويشيع عقيدة الجبر الإلهي، التي لا يقرها عقل ولا منطق. بل هي تفسد الدين والإيمان.
ثم تقول الرواية المتقدمة برقم [1]:« لم يزالوا آبائي وأجدادي فيهمُ الإمرَهُ مِن قبل أن نَلِدَ»..
ولنا هنا ملاحظات :
1-قوله: لم يزالوا آبائي وأجدادي جارٍ على لغة أكلوني البراغيث، فإنه جاء بالواو الذي يفترض أن يكون هو الفاعل لكلمة «يزالوا»، ثم صرح بالاسم الظاهر لهذا الفاعل، وهو كلمة آبائي وأجدادي.
فهل الفاعل الاسم الظاهر، والواو علامة الجمع، أو الفاعل هو الواو؟!
2 - قوله: «من قبل أن نَلِدَ»، ربما يفهم منه خلاف المقصود، لأن كلمة نَلِدَ، التي ماضيها وَلدَ معناها: أن المخاطب هو الذي يلد غيره. مع أن المقصود هو قبل أن يولد المخاطب، ويخرج من رحم أمه..
3 - إن كان المراد هو : أن إمرة آبائه « عليه السلام» كانت قائمة ومستمرة قبل أن يولد يزيد فلنا أن نسأل إذا كان يزيد قد ولد في سنة ست ،وعشرين فمن المعلوم أن علياً« عليه السلام» لم يكن أميراً منذ
توفي رسول الله «صلى الله عليه وآله». وإلى سنة خمس وثلاثين. أي خمسا وعشرين سنة، منها ست عشرة سنة قبل ولادة يزيد، وتسع سنوات بعد ولادته..
إلا إن كان المقصود : هو الإشارة إلى تأمير علي «عليه السلام» في زمن الرسول «صَلَّى اللهُ عَليهِ وآلِهِ »في بدر، وأحد، والأحزاب وسواها، وتأميره على المدينة في غزوة تبوك، وما إلى ذلك.
فإن كان هذا هو المقصود، فهو لا يتلاءم مع قوله: آبائي وأجدادي بصيغة الجمع فيهما، إلا على سبل المسامحة، والتساهل في هذه التعابير، وفي هذه المواقف.
يكون المقصود أنهم «عليهم السلام» لم يزالوا أهلاً للإمرة، وهم يعاملون كما يعامل الأمراء، وإن لم يتأمروا بالفعل.
ولست أدري.. أيمكن أن يكون هذا المقام يسمح بأن يقول علي بن الحسين «عليه السلام» ليزيد «وَيْحَكَ يَا يَزِيد»، أو أن يقول له:
«... فأبشر بالخزي والنَّدامَةِ غَداً إِذا جُمِعَ النّاسُ لِيَومٍ لَا رَيبَ فِيهِ»؟!
فإنه كلام ثقيل على مسامع الجبارين، ولاسيما في الإجتماعات العامة، وفي مجلس عرض الرؤوس والسبايا والتهنئة والأفراح بالنصر - المزعوم - قائمة على قدم وساق.
وقد تقدم في العديد من الروايات: أن علي بن الحسين «عليه
السلام» استشهد بقوله تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِنَّا فِي كِتَابِ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَقْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور (1).
ولأجل الوقوف على بعض ما أراد « عليه السلام» نسجل التوضيحات التالية:
1 - قررت الآية: أن الله تعالى يحصى ويسجل كل ما كان وما يكون، وهو عالم به حتى قبل أن يخلق تلك الأنفس، أو قبل حصول تلك الحوادث.
2 - لا يظنن أحد أن كتابة كل شيء في كتاب، قبل خلقه، أو قبل خلق الأنفس مر صعب بل هو يسير على الله سبحانه .
3 - إن من ثمرات العلم بكتابة ذلك كله: أن من لم يصل إلى ما يريد، وفاته ما طلب لم يحزن لفواته، فلعل الذي أبطأ عنه خير له، فإن الحصول على المراد وعدمه مستند إلى علل وأسباب لا يعلم بها إلا علام الغيوب فقد يكون الذي نال ما أراد وفرح به إنما يفرح بما هو سبب هلاكه وشقائه في الدنيا والآخرة. فيكل الأمر إلى الله العالم بالأمور قبل أن تقع، والقادر الذي يسهل عليه كل عسير...
ومن حصل على ما أراد، فعليه أن لا يفرح به، فإن حصوله عليه
1) الآية 22 و 23 من سورة الحديد.
قد يكون سبب هلاكه، ولاسيما إذا استفزه الفرح، فاعتبر أن حصوله على النعم كان لخصوصية فيه، كما قال قارون الذي كان لديه كنوز هائلة: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي(1).
وعلى هذا، فقد يكون الحزين على فوات ما فاته إنما يكون حزيناً على أمر لو حصل عليه لأودى به، وقضى عليه في الدنيا والآخرة.
وعلى هذا، فما معنى فرح يزيد بالجريمة العظمى التي ارتكبها؟! وستكون هي سبب هلاكه في الدنيا وعذابه الأليم في الآخرة؟!
فكيف إذا ضم إلى فرحه الشائن هذا خيلاءاً وزهوا ناشئاً عن تخيله: أن ارتكاب هذه الجريمة هو من فضائله وإنجازاته، فتكون الرذيلة بنظره فضيلة، والخزي والعار يصبح عزة وفخارا ؟!
ويزداد حاله سوءاً، وتصرفاته قبحاً إذا كان يتباهى، ويكثر من الافتخار بهذا الخزي الذي هو فيه.
4 - ومما زاد الأمر سوءاً على يزيد:
أن الإمام «عليه السلام» قال: «فَنَحْنُ الَّذِينَ لا نَأْسى عَلى ما فاتنا، ولا نَفرَحُ بما آتانا» كما في الرواية الأخيرة المتقدمة عن الإمام الصادق «عليه السلام».
وفي رواية ابن الصباغ : أنه « عليه السلام» قال في هذا المورد أيضاً :«هذا في حق من ظلم - بفتحتين - لا بحق من ظلم - بضم أوله
1) الآية 78 من سورة القصص.
وكسر ثانيه»(1).
5 - لعل يزيد قد فهم بعض هذه المعاني من قراءة الإمام السجاد «عليه السلام» لهذه الآية المباركة، فغضب وقلق وتحير - كما يدل عليه قولهم : إنه جعل يعبث بلحيته، ثم التجأ إلى مقولة الجبر الإلهي، وقال: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ(2).
وقد قلنا أكثر من مرة: إن الحسين« عليه السلام» لم يعلن حرباً، ولا جمع جيشاً، ولا هيأ سلاحاً لحرب أحد، بل كان يزيد هو الذي جمع عشرات الألوف من المقاتلين وأخذ الطرق عليه، وهو مسافر مع أهله وعياله وأطفاله، وبعض من لحق به تبركاً به، وحباً له، ورغبة في الاستفادة من بركاته، وأخلاقه، وعلمه، وحكمته..
ولا يتجاوز عدد جميع هؤلاء العشرات، فضلا عن أن يبلغوا مئة أو مئات.
فما معنى أن يدعي يزيد : أن ما جرى للحسين وأهل بيته وأصحابه كان بما كسبت أيديهم؟!
6 - إن من حقنا أن نعرف، ولو بعضاً مما كسبته أيدي هؤلاء الصفوة مما استحقوا به إنزال هذه المصائب بهم..
وهل مجرد رفضهم البيعة ليزيد يكفي مبرراً لما جرى..
وقد علمنا أن يزيد هو الذي نكث بيعته، وأباه هو الذي حلف الأيمان للإمام الحسن« عليه السلام» أن يكون الأمر للحسين «عليه السلام» بعد موت الحسن. ويزيد هو الباغي، والخارج على إمام ،زمانه والمقدم على قتله من دون أي سبب..
وقد علمنا أن عدداً من الصحابة وغيرهم لم يبايعوا علياً «عليه السلام» بعد قتل عثمان، ولم يتعرض لهم
« عليه السلام» بسوء، ولم يكرههم على شيء، مع أن الصحابة وأهل الحل والعقد قد بايعوه، ومع أنه قد نصبه رسول الله «صلى اللهُ عَليهِ وآلِهِ» بأمر من الله إماماً على الأمة يوم الغدير ، وأخذ له البيعة من المسلمين قبل موته «صلى الله عليه وآله» بسبعين يوماً.
وتقدم في الرواية رقم [3]: وصف الإمام السجاد «عليه السلام» بأنه «يَومَئِذٍ غُلامٌ قد بَلغَ».
مع أن عمره «عليه السلام» كان آنئذ ثلاثاً وعشرين سنة، بل أكثر من ذلك على بعض الأقوال، فإن كان مرادهم بوصف الغلام أنه كان، قد راهق، بل بلغ سن التكليف، فهذا الوصف غير دقيق، بل فيه تجهيل، وتضليل عن الحقيقة، لأن عمره كان أزيد من ذلك بكثير.
وإن كان المراد: أنه كان بمثابة الغلام الذي يسعى في قضاء
الحاجات، دون أن يكون له رأي مستقل، أو شخصية قوية، وقدرة على الاستقلال بالتصرف، فهو بمثابة المملوك الذي ليس له أن يتخذ قراراً في شيء، بل هو ينفذ ما يقرره سيده فهذا يستبطن الإيحاء بأن ثمة قصوراً لدى الإمام، يقعد به عن أن يكون كغيره في تدبيره وعقله، وإدراكه، وحكمته..
وهذا اتهام باطل تكفي أدنى مراجعة لكلمات علماء الأمة فيه للتدليل على خطله وفساده. فضلا عن رأي الشيعة فيه، ونصوصهم، وأنه إمام معصوم.
وتقدم أن يزيد قال للإمام السجاد« عليه السلام»: «أبوك الذي قطعَ رَحمِي، وجَهلَ حَقي، ونازَعَني سُلطاني، فَصَنَعَ اللهُ بِهِ ما رأيت».
وفي نص آخر: «فَجَزاهُ اللهُ جَزاء القطيعَةِ وَالْإِثْمِ».
ونقول:
إن هذه الكلمات فيها اعتراف بقتل الحسين «عليه السلام»، فلا معنى لادّعائه أنه لم يعلم بقتله.
وأما ما زعمه من أمور نسبها للإمام الحسين، فهو كما يلي:
1 - تقدم معنا بعض الكلام عما زعمه من أن الإمام الحسين«عليه السلام» قطع رحم يزيد.. وقلنا: إنه « عليه السلام» لم يفعل أي شيء
من ذلك، بل كان يزيد هو الذي بادر إلى حرب الحسين «عليه «السلام»، وجمع عشرات الألوف، وأخذ الطرق عليه وهو مسافر بأهل بيته وعياله وأطفاله وقتله وقتلهم، وأسر من تبقى من الأطفال والنساء منهم..
فالذي بادر إلى الغدر، ونكث العهد في أمر الإمامة هو يزيد.
بالنسبة لقول يزيد: «جَهلَ حَقي» نطلب من المنجمين، والناظرين بالبخت والطالع أن يسعفونا ويدلونا على الحق الذي كان ليزيد، وقد جهله الحسين، سوى أنه يجب أن يعامل وفق أحكام الشرع الشريف، لأنه يدَّعي الإسلام ولكنه الرجل الفاسق، القاتل، المعلن بالفسق، والشارب الخمر.
ومع ذلك لم يتعرض له الحسين« عليه السلام» بسوء، ولا أقام عليه حداً، أو أجرى عليه قصاصاً فرض الله إجراءه على أمثاله؟!
وما هي المفردات والدلائل والأمارات والإشارات إلى جهالة الحسين«عليه السلام» حق يزيد، فإن الجهل أمر جوانحي لا تراه العيون، ولا تسمعه الآذان ولا يشم، ولا يحس؟! بل يستدل عليه بالأقوال والأفعال، وليس شيء منهما يدل على ذلك بالنسبة للحسين «عليه السلام ».
بل كان يزيد من خلال ما دلت عليه أقواله وأفعاله التي يصعب حصرها هو الذي جهل، أو تجاهل حق الحسين «عليه السلام»، الذي فرضه الله تعالى له على الأمة، ونطق القرآن بشطر منه، مما أوجبه
الله له على الأمة التي يدعي يزيد أنه منها، مثل حق المودة في القربى، وحق الولاية، وحق الأبوة والرعاية.
فكما أن حق علي« عليه السلام» على هذه الأمة كحق الوالد على ولده، فإن هذا بالذات هو حق الحسين
« عليه السلام» أيضاً، فهو أيضاً بمثابة الوالد للأمة في رعايته لها، وحفظ شؤونها، وتربيتها، وتعليمها، وبناء شخصيتها، لتكون أمة قوية في أخلاقها، وخصالها، وقيمها، وفي كل شؤون الخير والصلاح، والسداد والرشاد، حتى تكون خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر. ولذلك قال « عليه السلام»: «خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي».
3 - والأغرب والأعجب قوله: «ونازَعَني سُلطاني». فأي سلطان كان ليزيد لعنه الله، ومن أين جاء بهذا السلطان؟! وما هو إلا غاصب، متغلب، جائر، قد انتزى على أمر هذه الأمة بالقوة والقهر، والتخويف، والبطش إلى حد الاستئصال للأبرياء، والأئمة العلماء، الأتقياء، وقد قتل الرجال، وذبح الأطفال، وأسر النساء، وطاف بهن
البلاد وبين العباد، وهنَّ على أقتاب الجمال..
وهل غابت أيمان أبيه للإمام الحسن« عليه السلام»: بأن الأمر للحسين من بعده، أو نسي بيعته للحسين
« عليه السلام»؟! وهل الغدر ،ونكث البيعة، والعهد ينقل الحقوق من أصحابها إلى الناكث الغادر ؟!
4 - وأما قوله: «قصَنَعَ اللهُ بهِ ما رأيت»، فهو عودة إلى مقولة الجبر الإلهي التي لم يزل يعتمد عليها، ويلجأ إليها ..
بل هو يسعى من وراء نسبة قتل الحسين « عليه السلام» إلى الله تعالى إلى أن يشغل أذهان الناس بالتحليل والإجمال، والتفصيل لاستيعاب هذا الاتهام الباطل للعزة الإلهية بارتكاب جريمة كان يزيد وحزبه هم الذين ارتكبوها ، وأنجزوا جميع فصولها.
وتقدم في الرواية رقم [6]: أن يزيد «لعنه الله» قال لعلي بن الحسين عليه السلام»: «الحَمدُ للهِ الَّذي قَتَلَ أباك»، فقال الإمام «عليه السلام»: «لَعَنَ اللهُ مَن قَتَلَ أبي».
ونقول:
1 - لقد عاد يزيد إلى الاستنجاد بمقولة الجبر الإلهي بادعاء: أن الله هو الذي قتل الحسين« عليه السلام»، وزاد عليها هنا أنه سعى إلى تحسين قتل الحسين وتجميله حين حمد الله تعالى عليه، مع أنه كان ينكره، ويلعن ابن زياد لأنه أقدم عليه.
2 - قد يظن ظان أن جواب الإمام «عليه السلام» ليزيد كان قاسياً علىه، فكان أمره بقتله«عليه السلام» ردا على هذه الجرأة ردة فعل طبيعية.
ونجيب:
بأن الأمر ليس بهذه البساطة، بل كان جوابه «عليه السلام» عادياً وطبيعيا، وهادفا ، وقد جاء عن تدبر، وحكمة ، وأناة، ولم يكن عن غضب وانفعال وتسرع، كما قد يتوهمه من لا يعتقد بالإمامة
والعصمة، وقد حقق « عليه السلام» أهدافه كاملة من هذا الجواب ...
وتوضيح ذلك:
أن يزيد كان يتصرف تصرفات متناقضة في ظاهرها، فهو يدخل عيال الحسين«عليه السلام» إلى أهله وداره، ثم يعود فيسجنهم في خربة لا تكنهم من حر ولا برد
وهو يرسل برأس الحسين إلى ابنته، ثم يطالبها، لأنها غسلت الرأس وطيبته.
ثم هو يطلب من أهله البكاء على الحسين، ثم يصلب الرأس على باب داره .
وهو يدَّعي: أن ابن زياد هو الذي قتل الحسين «عليه السلام»، ولم يعلم هو بقتله، ويلعن ابن زياد لأجل ذلك، ثم يدَّعي أن الله تعالى هو الذي قتل الحسين «عليه السلام».
وبالرغم من اتهامه ابن زياد بقتل الحسين ولعنه له، فإنه يغضب أشد الغضب إذا قال له الإمام السجاد: «لَعَنَ اللهُ مَن قَتَلَ أبي».
إلى غير ذلك مما لا مجال للإلمام به هنا.
من هنا نقول:
إن الإمام « عليه السلام» إذا لعن قاتل أبيه أمام من يدعي أنه ليس هو القاتل، أو الراضي بقتله، بل هو يلعن ابن زياد، لأنه قتله، فإنه «عليه السلام» يكون قد تصرف تصرفاً طبيعياً جداً، ومتوقعاً وعادياً.
فلماذا غضب يزيد إلى حد أنه أمر بقتل الإمام السجاد؟!
ألا يدل هذا على أنه كان يكذب، ويدلس، ويخدع الناس بتملصه من المسؤولية عن القتل، وإلقائها على عاتق غيره؟!
إن هذا الذي جرى قد فضح يزيد، وأسقط مكره، ورد كيده عليه، وسهام خداعه إليه.
وقد يتساءل المرء عن مغزى قوله :« عليه السلام»: إذا قتلتني فبنات رسول الله «صلى الله عليه وآله »من يردهم إلى منازلهم، وليس لهم محرم غيري ؟! ألا يعد هذا استعطافاً ليزيد ؟! وماذا لو اتهم الإمام متهم بالضعف والخوف من الموت الذي هدده به يزيد؟!
ونجيب:
بأن الأمر ليس كذلك، بل هو استدراج ليزيد ليعترف بأن السبايا هن بنات رسول الله، وأنه هو نفسه «عليه السلام» ابن رسول الله «صلى اللهُ عَليهِ وآلِهِ».
وبعد هذا الاعتراف.. فإن قتله يزيد فيكون قد قتل رجلاً يعترف يزيد نفسه لحظة قتله له بأنه ابن الرسول. كما أنه يسبي بناته «صلى الله عليه وآله».
وقد أظهرت سرعة تراجع يزيد عن موقفه، واستجابته لطلب الإفراج عن السبايا ، وإرجاعهن برعاية الإمام السجاد - أظهرت -: أن يزيد أدرك أنه أوقع نفسه في مأزق، يحتاج إلى الإسراع بالخروج منه.
وما أهون على من يغدر ويمكر ، وينكث العهود أن يتراجع عن مواقفه، وأن يقع في المتناقضات في ساعة واحدة. بل خلال لحظات كما رأيناه هنا.
ولا غرابة في أن يتحول الرجل المستكبر المغرور إلى حمل وديع، وخادم مطيع، فيجمع بين الصفات والتصرفات المتضادة في موقف واحد.
وهذا ما رأيناه من يزيد حين أقبل يبرد الجامعة من عنق الإمام السجاد بيده لكي يجعل ذلك يداً له عند علي بن الحسين «عليه السلام». مع أنه هو الذي جعل الجامعة في عنق الإمام« عليه السلام» ظلماً وعتوا وكأنه يظن أن هذه اليد مجرد فك هذه الجامعة سوف يمحو جرائمة العظمى، ومخازيه الكبرى التي ارتكبها - ولا يزال - في حقهم «عليهم السلام».
1 - نفهم من النص المتقدم برقم [6] أن الجامعة قد بقيت في عنق الإمام السجاد إلى حين قرر يزيد ترحيل الإمام «عليه السلام» مع السبايا إلى المدينة، فإذا كان هذا القرار قد اتخذ في أواخر إقامتهم بالشام، كما سيأتي فذلك يعني: أنه « عليه السلام» بقي مغلولاً حوالي أسبوعين وأن الغل، وإن أزيل عنه في مجلس يزيد، فقد أعيد إلى عنقه الشريف بعد انتهاء ذلك المجلس.
2 - بل يبدو لنا: أن مجالس عديدة قد جمعت بين يزيد وبين علي بن
الحسين، كان يزيد يحاول أن يتلذذ بإيذائه فيها بالتصرفات تارة، وبالكلام أخرى: بالتصريحات تارة، والتعريضات أخرى، ما وجد إلى ذلك سبيلا .. ولكن الله تعالى كان هو الناصر لأهل الحق، وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأهْلِهِ.
1- عن فاطمة بنت الحُسَين : لمَّا جلسنا بَينَ يَدَي يَزِيدَ رَقَّ لنا، فقامَ إِلَيهِ رَجُلٌ مِن أهل الشام أحمرُ ، فقالَ: يا أمير المُؤمِنِينَ، هَب لي هَذِهِ الجارية - يَعنيني - وكُنتُ جارية وضيئة، فأرعِدتُ، وظنَنتُ أَنَّ ذلِكَ جائِرٌ لَهُم، فَأَخَذتُ بِثِيَابِ عَمَّتي زينب، وكانَت تَعلَمُ أَنَّ ذلِكَ لا يَكونُ.
فقالت عَمَّتي لِلشَّامِيّ : كَذبت وَاللهِ وَلْؤُمتَ، وَاللهِ ما ذلِكَ لكَ ولا له.
فَغَضِبَ يَزِيدُ وقالَ كَذبتِ إِنَّ ذلِكِ لي، ولو شئتُ أن أفعَلَ لفَعَلتُ.
قالت كلا واللهِ ما جَعَلَ اللهُ لكَ ذلِكَ، إلا أن تَخرُجَ مِن مِلَّتِنا، وتَدِينَ بغيرها.
فَاستَطارَ يَزِيدُ غَضَباً، وقال: إيّايَ تَستَقبلين بهذا ؟! إِنَّمَا خَرَجَ مِنَ الدّين أبوك وأخوك.
قالت زَيْنَبُ : بدين الله ودين أبي ودين أخِي اهْتَدَيْتَ أنتَ وجَدُّكَ وأبوك، إن كُنتَ مُسلِماً .
قال: كَذبتِ يا عَدُوَّةَ اللَّهِ.
قالت له: أنت أميرٌ تَشتُمُ ظالِماً، وتَقهَرُ بِسُلطانِكَ.
فَكَأَنَّهُ استحيا وسَكَتَ فَعادَ السَّامِيُّ فَقالَ: هَب لي هذِهِ الجارية!
فَقالَ لَهُ يَزِيدُ :أَعْرُب ، وَهَبَ اللهُ لَكَ حَتْفاً قاضياً(1).
2 - نَظرَ رَجُلٌ مِن أهل الشام إلى فاطمة ابنَةِ الحُسَين «عليه السلام»، فقالَ: يا أميرَ الْمُؤْمِنِينَ هَب لي هذِهِ الجارية.
فقالت فاطِمَهُ لِعَمَّتِها: يا عَمَّتاه! أُوتِمتُ وأستَخدَمُ؟
فقالت زَيْنَبُ: لا، ولا كرامة لهذا الفاسق.
ققالَ الشّامِيُّ: مَن هَذِهِ الجَارِيَة؟
فقالَ يَزِيدُ: هذِهِ فَاطِمَة بنتُ الحُسَين، وتِلْكَ عَمَّنْهَا زَيْنَبُ ابنَهُ عَلِيٍّ.
فقالَ الشّامِيُّ : الحُسَينُ بنُ فَاطِمَة، وَعَلِيُّ بنُ أَبي طَالِبٍ؟!
1) الإرشاد ج 2 ص 121 والأمالي للصدوق ص 231 الرقم 242 عن فاطمة بنت عليّ، والإحتجاج ج 2 ص 131 و (ط دار النعمان) ج 2 ص 38 وروضة الواعظين ص 211 و (منشورات الشريف الرضي) ص191 كلها نحوه، وبحار الأنوار ج 45 ص 136 و 156 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 396 و 436 وإعلام الورى ج 1 ص 474 والكامل في التاريخ ص86 ج5 ص461 ج 4 ص 86 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 461 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 353 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 343 وتاريخ مدينة دمشق ج 69 ص 177 والثلاثة الأخيرة عن فاطمة بنت علي نحوه، والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث )ج 8 ص 211 وجواهر المطالب ج 2 ص 295 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص663 ونهاية الأرب ج 20 ص 469 .
قالَ: نَعَم.
فَقالَ الشسّامِيُّ: لَعَنَكَ اللهُ يا يَزِيدُ! أَتَقْتُلُ عِتْرَةَ نَبِيِّكَ ، وتَسبي دُرِّيَّتَهُ؟! وَاللهِ ما تَوَهَّمتُ إِلا أَنَّهُم سَبي الرّوم!
فَقالَ يَزِيدُ: وَاللهِ لالْحِقْتَكَ بهم ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَضُرِبَت عُنُقَهُ (1).
3 - عن عمار بن أبي معاوية الدّهني، عن أبي جعفر مُحَمَّد بن عليّ بن الحُسَين [الباقر]« عليه السلام»: لما قدِموا عَليهِ [أَي عَلَى يَزِيدَ] جَمَعَ مَن كانَ بحَضرَتِهِ مِن أهل الشام ، ثمَّ أدخلوا عَليهِ فَهَتَؤوهُ بالفتح، فقامَ رَجُلٌ مِنهُم أَحمَرُ أَزرَقُ، َونَظرَ إلى وَصِيفَةٍ مِن بَناتِهم، فقالَ: يا أميرَ المُؤمِنِينَ، هَب لى هَذِهِ.
فقالت زَيْنَبُ : لا وَاللهِ، ولا كَرامَة لك ولا لهُ، إِلَّا أَن يَخرُجَ مِن دين الله.
فأعادَهَا الأَزرَقُ، فقالَ لَهُ يَزِيدُ: كَفَّ (2).
1) الملهوف ص 218 و (نشر أنوار الهدى) ص 108 وبحار الأنوار ج 45 ص 136 و 137 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 436 وراجع: الاحتجاج (ط دار النعمان) ج 2 ص 37 .
2) تهذيب الكمال ج 6 ص 429 وتهذيب التهذيب ج 2 ص 304 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 309 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 293 والبداية والنهاية ج 8 ص 197 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 215 ومثير الأحزان (ط المكتبة الحيدرية) ص 80 والأمالي للشجري ج 1 ص 192 والحدائق الورديّة ج 1 ص 125 عن الإمام زين العابدين «عليه السلام» وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 522 .
4 - قامَ رَجُلٌ مِن أهل الشام، فقالَ: إِنَّ سَبَايَاهُم لَنا حَلالٌ !
فَقالَ عَلِيُّ بنُ حُسَينِ « عليه السلام»: كَذبت ولؤُمتَ، ما ذاكَ لكَ، إِلَّا أن تَخرُجَ مِن مِلتِنا، وتَأْتِيَ بغَير ديننا.
فأطرَقَ يَزِيدُ مَلِيّا ، ثُمَّ قَالَ لِلشَّامِي: اجلس (1).
ونقول:
1 - قول النص المتقدم برقم [1]: عن فاطمة بنت الحسين «عليه السلام»: إن يزيد رق لهن، لما جلسن بين يديه، لا يعقل أن يصدر عنها «عليها السلام».. والحال أن أختها سكينة تقول عن يزيد، كما تقدم:
«وَاللهِ ما رَأيتُ أقسى قلباً مِن يَزِيدَ، ولا رأيتُ كافِراً ولا مُشركا شَرًا مِنْهُ، ولا أجفى مِنهُ».
فهل يعقل أن تتباين نظرتا الأختين إلى هذا الحد، وهما تعيشان نفس المصائب، وتواجهان نفس الأهوال والنوائب، وتعانيان من نفس
1) الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 489 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 83 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 5 ص 212 وتاريخ مدينة دمشق ج 41 ص 367 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 345 كلاهما عن مصعب بن عبد الله؛ وشرح الأخبار ج 3 ص 252 كلها نحوه وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 28 ص 190 وج 33 ص 664 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 303.
المشاق والمتاعب ؟ ! وقد عاشتا في بيئة النبوة والدين، والحكمة ،والرحمة، والعلم والخلق الكريم، وما إلى ذلك.. وشربتا من نبع واحد. وكانت فاطمة - كما قال الإمام الحسين« عليه السلام» للحسن المثنى
حين خطبها منه -: تشبه جدتها الزهراء «صلوات الله عليها».
2- إن ما قالته نفس هذه الرواية، من أن فاطمة بنت الحسين نفسها أيضاً قالت «ظننت أن ذلك جائز لهم». هو الآخر كلام باطل، فهل يمكن أن يتوهم ذو مسكة أنه يجوز استرقاق المسلمات، واتخاذهن إماء وخادمات؟! وهل قتل النبي، أو الوصي، أو أي مؤمن آخر على أيدي الأشرار والفجار يجعل استرقاق نسائه وأطفاله، وعياله جائزاً لأولئك المجرمين، أو لغيرهم؟!
وعدا ذلك، هل رأت فاطمة : أن هؤلاء قد اهتموا، ولو في مورد واحد ، برعاية أحكام الشريعة، وسألوا هل هذا الأمر أو ذاك يجوز لهم أو لا يجوز ؟! أم أنهم قد هتكوا أعظم الحرمات، وارتكبوا الموبقات، من دون أن يرف لهم جفن، وما إلى ذلك؟!
ونحن نعلم :أن فاطمة لم تكن صغيرة السن بل كانت امرأة كاملة، عاقلة، وقد زوّجها أبوها من الحسن بن الحسن.. واستودعها الإمام الحسين «عليه السلام» في كربلاء بعض ما كان يريد حفظه للإمام السجاد« عليه السلام».
3 - إن هاتين المؤاخذتين تدلان على صحة النص الذي ذكر في الرواية التي ذكرناها بعدها، من أن فاطمة لما سمعت ما قاله الشامي
قالت لعمتها: «يا عَمَّتاه أوتمتُ وأستَخدَمُ». وإن كانت الرواية الثانية قد اختصرت الحوار، ولكنها بينت الخاتمة السعيدة التي نالها ذلك الشامي. فلا بأس بضم حوار الأولى إلى الأمور التي تفردت بها الرواية التي بعدها.
4 - إن هذه الحادثة قد جلبت ليزيد الخزي حين ألقمته من حججها
حجراً هشم ،عجرفته وطامن من كبريائه، وذهب ببهاء زهوه الكاذب، وبهرجته الرعناء فقد ظهر جهله بأحكام الدين إلى الحد الذي يخرجه منه حين قالت له « عليها السلام»: «إِلَّا أَن تَخرُجَ مِن مِلَّتِنا، وتَأْتِيَ بِغَير ديننا».
وما أشد حسرته وكمده، وهو المتعجرف المستكبر حين قاده غضبه، وإلحاحه ومكابرته إلى أن يظهر لمن حضر ذلك المجلس، وهم أعيان أهل الشام أنه إن كان مسلماً، فقد اهتدى بدين جدها، وأبيها، وأخيها.
وقد أجابها بقوله: كَذبت يا عَدُوَّةَ اللهِ.. فإن كانت قد كذبت، فيكون يزيد خارجاً عن الإسلام، ولا يدين بدين هؤلاء، ويكون قولها : إن كنتَ مُسلِماً شكاً انتهى إلى اليقين من خلال إقرار يزيد على نفسه.
قال ابن حوقل عن باب جيرون: «صلب على هذا الباب رأس يحيى بن زكريا. وصلب على باب جيرون رأس الحسين بن علي في
الموضع الذي صلب فيه رأس يحيى بن زكريا»(1).
وعند الخوارزمي، عن أبي مخنف أن يزيد أمر أن يصلب الرأس الشريف على باب داره (2).
وقال أبو حمزة بن يزيد الحضرمي: حدثني بعض أهلنا :أنه رأى رأس الحسين« عليه السلام» مصلوبا بدمشق ثلاثة أيام (3).
وعن عكرمة بن خالد أتي برأس الحسين «عليه السلام» إلى يزيد بن معاوية بدمشق، فنصب (4).
وفي نص آخر: «ثم أمر برأس الحسين « عليه السلام» فنصب
1) صورة الأرض لابن حوقل ص 161 وصبح الأعشى ج 6 ص 97.
2) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 73 وبحار الأنوار ج 45 ص 142 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 443.
3) سير أعلام النبلاء ج 3 ص 319 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 107 وتاريخ مدينة دمشق ج 69 ص 160 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 75 نحوه، والأمالي للشجري ج 1 ص 176 والبداية والنهاية ج 8 ص 204 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 222 وراجع جواهر المطالب ج 2 ص 299 وبحار الأنوار ج 45 ص 145 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 453 والوافي بالوفيات ج 12 ص 264 ونهاية الأرب ج 20 ص 476 .
4) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 59 وراجع تاريخ مدينة دمشق ج16 ص 180
على باب مسجد دمشق»(1).
ونقول:
لاحظ ما يلي:
1 - لا شك في أن كل مجتمع لا يخلو من صالح وطالح، وإن كان الصالحون أقل عدداً .. وإذا أخذنا الحد الأعلى والأتم للصلاح، والحد الأدنى فيما عداه، فإننا سنجد المراتب بين هذين الحدين متعددة، وهي تختلف وتتفاوت باختلاف الموارد والمآرب، وتعدد الأهواء والمشارب.
2 - ومن المؤثرات في قوة كل فريق وضعفه، وقلته وكثرته، وفي مدى أثره، امتدادا وانحسارا التربية والرعاية، وصلاح وفساد من بيده مقاليد الأمور، فللأب الراعي كما للأب الوالد تأثيره الكبير في صلاح الناس وفسادهم. فضلاً عن تأثير البيئة، والمعشر ، وغير ذلك.
فإذا كان الأب الراعي هو النبي محمد «صلى الله عليه وآله»، أو علي والحسين «صلوات الله عليهم»، ومن هم في خطهم ونهجهم، فلنا أن نتوقع التغيير الكبير والواسع، وإن بنسب متفاوتة في سلوك الناس، وفي اهتماماتهم وأولوياتهم، وظهور ملامح الصلاح والفلاح فيهم.
1) الأمالي للصدوق ص 231 وروضة الواعظين ص 211 و (منشورات الشريف الرضي) ص 191 وبحار الأنوار ج 45 ص 156 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 396 .
وإن كان راعي الأمة مثل يزيد، فعلى الإسلام بكل خيراته وبركاته
السلام، كما قال الإمام الحسين «عليه السلام»: «فعلى الإسلام السلام [العفا] إذ بليت الأمة براع مثل يزيد» (1)
من أجل ذلك قال النبي «صلى الله عليه وآله»: «أنا وعلي أبوا هذه الأمة».
3 - ومن المعلوم: أن أهل الشام من حين دخولهم في دين الإسلام، إنما عرفوا الإسلام السفياني الأموي، الذي هو إسلام الأطماع ، ممن يتخذون الدين ذريعة للدنيا، مع سعيهم لحفظ وتكريس مفاهيم وقيم، وطريقة عيش أهل الجاهلية، وتكريس جميع مخازيها ومآثمها، والتسويق لها، ونشرها، وتقويتها.
غير أن رفع شعار الإسلام، وتداول اسم نبي الله فيهم، وذكره في أذان الصلاة عدة مرات كل يوم على مسامع جميع شرائح المجتمع، وإلزامهم بالقرآن كتاباً، وبالكعبة قبلة، وأخذهم بالإيمان بالله، وبالمعاد، وبوجوب محبة أهل البيت ومودتهم ، وغير ذلك يجعل لديهم استعداداً لسماع ما يرتبط بهذه الأمور.
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 17 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 184 :وراجع تسلية المجالس ج 2 ص 153 ومثير الأحزان (ط المكتبة الحيدرية) ص 15 وبحار الأنوار ج 44 ص 326 والعوالم، الإمام الحسين ص 175 ولواعج الأشجان ص 26 والملهوف( نشر أنوار الهدى) ص18 والمجالس الفاخرة ص 183.
ومهما حاول أهل الدنيا، ودعاة الباطل الترويج للشهوات، والأباطيل، والأضاليل. فإن الفطرة مهما أصابها من تشويه واختلال، سوف يبقى لها أثر في إعادة الأمور إلى نصابها، وسيبقى سلطان العقل والوجدان قادراً على إيقاظ ما تبقى منها، والنهوض به، إن وجدت المحفزات، وساعدت الظروف والأحوال..
4 - وهذا ما غفل عنه يزيد« لعنه الله»، - وهذا من خذلان الله تعالى له - فأراد أن يستقبل السبايا بالأفراح والزينة، والعربدات الفارغة، إظهارا لقوته وإمعاناً في إذلال أهل بيت النبوة «صلوات الله عليهم»، فعوضاً من أن يتستر على جريمته، ويحاول التملص منها، وإنكارها كان هو الذي يسعى لنشر أخبارها، ويتقبل التهاني بها، ويقيم الأفراح، وينشر الزينة لها، بل هو يصلب للناس رأس ابن نبيهم، على باب أكبر مساجد مدينتهم، الذي يفترض أن يأتوا إليه، ويذكروا الله تعالى فيه.. وإذ بهم يأتون إليه ليجدوا رأس ابن بنت نبيهم على بابه..
5 - وكان من نتائج فعله هذا، الذي أحرج به نفسه أنه - ولاسيما - بعد أن جرى ما جرى في مجلسه، وبدأت الروائح الكريهة لأفعاله الشنيعة تزكم الأنوف، وتخنق النفوس والأرواح إضطر إلى الكذب والتدليس على الناس.
فتارة يقول لهم :ما علمت بقتل الحسين.
وأخرى يقول: عجل عليه ابن مرجانة.
وثالثة يقول: كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين.
ورابعة، وخامسة... لكن ذلك لم ينفع، وبدأت النار تلتهم كرامته، وقوته، وعرشه، ولو بصورة تدريجية.
6 - وآخر نقطة نذكرها هنا : أن هذا العنف على الدين وأهله ممن ينسبون أنفسهم إلى هذا الدين يدل على أن الإمامة لو لم تكن في أهل البيت المطهرين المعصومين لم يقم للإسلام عمود، لأنه إذا كان أهل البيت، وهم الأقوى، حضوراً وتقديساً في وجدان الأمة وضميرها، قد جرى عليهم ما جرى فما بالك بغيرهم لو أن الأمر تجاوز أهل البيت، إلى غيرهم؟!
روى البيهقي عن أبي معشر قال: وقتل الحسين «رضي الله عنه» وجميع من معه، «رحمهم الله»، وحمل رأسه إلى عبيد الله بن زیاد، فوضع بين يديه على ترس، فبعث به إلى يزيد، فأمر بغسله ،وجعله في حريرة، وضرب عليه خيمة، ووكل به خمسين رجلا.
فقال واحد منهم نمت وأنا مفكر في يزيد وقتله الحسين «عليه السلام»، فبينا أنا كذلك، إذ رأيت سحابة خضراء فيها نور قد أضاءت ما بين الخافقين، وسمعت صهيل الخيل ومناديا ينادي يا أحمد اهبط.
فهبط رسول الله «صلى الله عليه وآله» ومعه جماعة من الأنبياء والملائكة، فدخل الخيمة وأخذ الرأس، فجعل يقبله، ويبكي، ويضمه إلى صدره، ثم التفت إلى من معه، فقال: انظروا إلى ما كان من أمتي في ولدي، ما بالهم لم يحفظوا فيه وصيتي، ولم يعرفوا حقي؟! لا
أنالهم الله شفاعتي !
قال: وإذا بعدّة من الملائكة يقولون يا محمد الله تبارك وتعالى يقرئك السلام، وقد أمرنا بأن نسمع لك ونطيع، فمرنا أن نقلب البلاد عليهم.
فقال:« صلى الله عليه وآله» خلوا عن أمتي، فإن لهم بلغة وأمداً.
قالوا: يا محمد إن الله جل ذكره أمرنا أن نقتل هؤلاء النفر !
فقال: دونكم وما أمرتم به.
قال: فرأيت كل واحد منهم قد رمى كل واحد منا بحربة، فقتل القوم في مضاجعهم غيري، فإني صحت يا محمد!
فقال: وأنت مستيقظ ؟
قلت: نعم.
قال خلوا عنه، يعيش فقيراً، ويموت مذموماً.
فلما أصبحت دخلت على يزيد وهو منكسر مهموم، فحدثته بما رأيت.
فقال امض على وجهك، وتب إلى ربك»(1).
ونقول:
1) المحاسن والمساوي ص 62 .
تقدم تحت عنوان: «اغفر لي، وما أراك فاعلاً »: رواية تشبه هذه الرواية فى عدة موارد، ولكنها تختلف عنها في بعض الأمور أيضاً، فلأجل هذه الفوارق أعدنا ذكرها، لاسيما وأن ظاهر الرواية التي ذكرناها سابقاً أن مضمونها حدث في الطريق، حين جيء بالرأس من الكوفة إلى الشام.
وهذه الرواية تقول: إن مضمونها حصل في دمشق، حين وضع يزيد الرأس في خيمة، ووكل به خمسين رجلاً.
وفي هذه الرواية موارد عديدة تحتاج إلى بيان، فلاحظ ما يلي:
تقول هذه الرواية: إن يزيد ضرب على الرأس خيمة، ووكل به الرجال.. فالظاهر أنه كان يصلب الرأس في النهار على باب مسجد ،دمشق، فإذا جاء الليل، وضعوه في الخيمة، لأنهم إذا أبقوه ليلا على باب المسجد يخشون عليه من السرقة. وهذا يحرجهم ويظهر ضعفهم .
ذكرت الرواية: أن هذا الرجل رأى الملائكة ترمي أصحابه بالحراب التي قتلتهم جميعاً، باستثناء الرجل المتحدث.
وليس فيها ما يدل على أنهم وجدوا مقتولين على نحو الحقيقة، ولو كان هذا الأمر قد حدث لضج الناس، وتداولوه، ونقلوه إلينا.
وبذلك يظهر أن المطلوب هو بيان استحقاق تلك الجماعة للقتل.
أما المتحدث، فلعله لم يصل في طغيانه وسوئه إلى الدرجة التي بلغها أولئك.
وفي الرواية : أن هذا الرجل قد حدث يزيد بما رأى، فقال له: تب إلى ربك .. لكن ليت شعري هل تاب يزيد نفسه إلى ربه من جرائمه التي منها قتل الحسين« عليه السلام »وأهل بيته، وأصحابه، وسبي عياله؟! أو أنه هو المصداق لقول القائل:
يا أيها الرجل المعلم غيره*** هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء من السقام لذي*** ومن الردى قد كنت أنت سقيم
أو
تصف الدواء لذي السقام وذي*** كيما يصح به وأنت سقيم
على أن هذا الرجل يقول: إنه قد دخل على يزيد، وهو منكسر مهموم ،فحدثه بما رأى، مع أن النصوص المتضافرة تؤكد على أن يزيد كان فرحاً مستبشراً بقتل الحسين «عليه السلام»، إلا إن كان قد دخل
عليه بعد خطبة زينب في مجلسه، وخطبة الإمام السجاد «عليه السلام» في مسجد دمشق، ورأى تغيراً في الناس، وخشي من حدوث أمر لا يطاق، فركبه الهم والغم، وظهر عليه الإنكسار.
وقد قال «صلى اللهُ عَليهِ وآلِهِ»: لا أنالهم الله شفاعتي، فقد يقول قائل: ما معنى أن يكون الله هو الذي ينيل المذنبين شفاعة نبيهم؟!
ويجاب:
بأن المراد: هو التوفيق لاستحقاق الشفاعة، من خلال التوبة النصوح، واستئناف العمل الصالح، وإزالة الآثار السلبية للموبقات التي ارتكبها.
فإن بعض الذنوب يفقد مرتكبها الأهلية للشفاعة، فيترك وشأنه، ويحرم من البركات والألطاف، ويزداد بعداً عن الله بما يقترفه من ذنوب وآثام تضاف إلى سابقاتها.
وقتل الحسين« عليه السلام» هو من هذه الذنوب التي تحرم فاعلها من التوفيقات الإلهية، التي تؤهله لاستحقاق الشفاعة.
إن عدم رضاه «صَلَّى اللهُ عَليهِ وآلِهِ»: بأن تواجه أمته عذاب الاستئصال، حتى مع استحقاقها له، وآثر أن يعطيها فسحة، أو فقل: بلغة، فلعل أحداً منها يراجع حساباته، أو يكون في ذرية بعضهم من يهتدي لنور الحسين «عليه السلام». لاسيما وأن الأمر لم يصل بجميع الأمة إلى الحد الذي وصل إليه قوم نوح، الذين وصفهم نوح «عليه السلام»
بقوله: إِنَّكَ إِنْ تَدْرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِنَّا فَاجِرًا كَفَّارًا(1).
ومن لم يراجع حساباته، ولم يتراجع لا يفلت من العقاب.. لأن الجزاء والعقوبة والمثوبة إن لم يكن في الدنيا، فلا مجال للتخلص منه في الآخرة.
روى الطبري بسنده عن القاسم بن بخيت، ورواه غير الطبري أيضاً،قالوا :
لمَّا أقبَلَ وَفدُ أهل الكوفة برأس الحُسَين « عليه السلام»، دَخَلُوا مَسجِدَ دِمَشْقَ، فَقالَ لهُم مَروانُ بنُ الحَكَم كَيْفَ صَنَعتُم [بهم]؟
قالوا: وَرَدَ عَلينا مِنهُم ثمانِيَة عَشَرَ رَجُلا ، فأتينا - وَاللَّهِ - عَلَى آخِرِهِم. وهذِهِ الرُّؤوسُ وَالسَّبايا، فَوَثَبَ مَروانُ، فَانصَرَفَ.
فَأَتَاهُم أخوهُ ُيحَيَى بن الحَكَم في[ نص آخر: عبد الرحمان بن الحكم]
ققالَ: ما صَنَعتُم؟!
فأعادوا عَليهِ الكَلامَ.
فقالَ: حُجِيتُم عَن مُحَمَّدٍ «صَلَّى اللهُ عَليهِ وآلِهِ» يَومَ القِيامَةِ، واللهِ لا أجامعكم [لن أجامِعَكُم عَلى أمر] أبدا.
ثُمَّ قَامَ، فَانصَرَفَ (2)
وجواهر المطالب ج 2 ص 294 وتسمية من قتل مع الحسين في كربلاء (مطبوع في مجلة تراثنا - السنة الأولى عدد 2 ص 157 وتهذيب الكمال ج 6 ص 422 والأمالي للشجري ج 1 ص 173 وشرح إحقاق الحق
(الملحقات) ج 33 ص 681 .
.ونقول:
يستوقفنا في هذا النص:
1 - أن سؤال مروان: «كيف صنعتم بهم»؟! مريب في صيغته هذه التي تعني أن ما كان يهمه معرفته هو كيفية قتلهم، ربما لكي يتلذذ بها، ويرتاح لها ولأجل ذلك نرى أنه لم يستنكر نفس هذا الفعل الشنيع، بل سمع وانصرف.
2 - يبدو أن ما كان يهتم له أولئك المجرمون هو إبادة بني هاشم. أما أصحابهم، فلم يكونوا يهتمون لهم ، ولذا اقتصر الجواب على عدد شهداء الهاشميين، ولم يشيروا إلى الأصحاب بشيء، وكأنهم لم يحضروا كربلاء، ولم يستشهدوا مع الإمام الحسين« عليه السلام»!! لكن يحيى بن الحكم أخا مروان كان أكثر إنسانية ولباقة من أخيه، وربما يشاركه في هذا الأمر أخوه عبد الرحمان، لكن ما قاله لهم لم يكن مثيراً لمشاعرهم، ولا قاسيا عليهم، لأنه اقتصر على
الإعلان بأن فعلهم هذا قد حرمهم من الوصول إلى النبي «صلى الله عليه وآله »يوم القيامة.
ثم تعهد بعدم مشاركتهم في أي أمر في المستقبل..
مع أنه لم يثبت أنهم كانوا يحزنون إذا لم يروا النبي «صلى الله عليه وآله»يوم القيامة.
3 - إن الأمر الأهم في هذه الرواية يكمن في إثبات وجود مروان الشام حين وصول السبايا، فإنه كان يسكن المدينة. وسيأتي في الحديث عن إرسال الرأس الشريف إلى المدينة أنه كان له موقف سيئ ومشين حين أرسل الرأس إليها .. فكيف نفسر ذلك، وكيف نجمع بين القول بأن مروان كان في الشام ، ثم كان في المدينة حين وصول الرأس الشريف إليها ؟!
إلا أن يقال: لا مانع من أن يكون مروان قد سافر إلى الشام في أمر يهمه وقضى حاجاته فيها، وعزم على الرجوع، فشاهد الرأس (أو الرؤوس) والسبايا حين ورودهم إلى الشام. وجرى له مع الوفد ما ذكرته الرواية آنفا، ثم غادر في نفس اليوم أو بعده إلى المدينة.
ثم لما أرسل الرأس إلى المدينة على جناح السرعة، كان لمروان منه موقف شنيع كما سنرى، ثم أعيد الرأس الشريف إلى الشام، ربما بعد ساعات، واستطاع أن يحصل الإمام« عليه السلام» على رأس أبيه، بالرغم من أن يزيد كان قد قال له: إنه لن يرى رأس أبيه أبدا...
ولكن دراية وحكمة الإمام السجاد« عليه السلام» قد أثمرت أن
يزيد قد غير رأيه هذا، وسلمه الرأس، فاصطحبه معه إلى كربلاء، ودفنه مع الجسد الطاهر.
عن أبي مخنف: دَعا [يَزِيدُ] بالنِّساءِ وَالصبيان، فَأجلسوا بَينَ يَدَيهِ، فَرَأَى هَيئَةٌ قَبِيحَة فَقالَ: قَبَّحَ اللهُ ابن مَرجَانَة، لو كانَت بَينَهُ وبَيْنَكُم رَحِمٌ أو قرابة ما فعل هذا بكم، ولا بَعَتْ بِكُم هكذا (1).
ونقول:
1 - متى دعا يزيد بالنساء، وخاطبهن بهذا الخطاب العطوف والرؤوف؟! هل كان ذلك في أول وصولهم إلى الشام؟! أو كان حين شعر بأن الأمور بدأت تتغير لغير صالحه، وذلك بعد مضي حوالي أسبوعين من الأذايا، والبلايا، والإذلال المتواصل والإهانات التي كان يتفنن في اختراعها؟! وهل كان ذلك بعد حبسهن في بيت لا يكنهن من
1) موسوعة الإمام الحسين ج 5 ص 232 عن تاريخ الأمم والملوك جه ص 461 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 352 والمنتظم من تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 343 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 62 نحوه؛ والإرشاد ج 2 ص 120 وإعلام الورى ج 1 ص 474 وبحار الأنوار ج 45 ص 136 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 436 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 211 والدر النظيم ص 566 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 663 .
حر ولا برد، أو قبل ذلك؟! إلى غير ذلك مما تقدم وسيأتي بعض منه.
2 - هل هذا كان هو الذنب الوحيد لابن مرجانة ( عبيد الله بن زياد)؟! ولماذا لم يطالبه ولم يعاقبه على ما هو أدهى وأعظم، وهو قتل شبل الرسول، وسيد شباب أهل الجنة؟!
3 - إن قاتل الحسين هو يزيد وقد تهدد ابن زياد بأنه سوف يعيده عبداً كما كان.. وقد تقدمت دلائل كثيرة على هذا.. وسيأتي بعض من ذلك فى موارد أخرى أيضاً، وفي الملحق الذي ذكرناه بعد الإنتهاء من الكتاب دلائل أخرى أيضاً.
4 - لقد كانت بين يزيد وبين بني هاشم رحم وقرابة، كما يُدَّعى، فلماذا لم تردعه عن قتل سيدهم وعميدهم الحسين بن علي، وابن رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟! وذبح أطفاله، وإبادة كل من وصلت إليهم يده، من بني أبيه، وأخيه، فضلاً عن أصحابه ومحبيه؟!
5 - وما ينفع تقبيحه لفعل ابن مرجانة، وهو لم يزل يغدق عليه الجوائز والعطايا، ويرفع من مقامه، ويدنيه، ويجعله أنيسه ونديمه، ويشد من أزره، ويقويه؟!
6- إن هذا التقبيح لفعل ابن زياد ما هو إلا لذر الرماد في العيون، وتوطئة للتخلص من عبء الأسرى والسبايا، بعد أن أحس بأن الأمور يمكن أن تنتهي إلى ما لا تحمد عقباه.
1 - رُوِيَ أَنَّهُ لمَّا حُمِلَ عَلِيُّ بنُ الحُسَين «عليه السلام» إلى يَزِيدَ عَليهِ اللعنَهُ، هَمَّ بِضَرب عُنْقِهِ، فَوَقَفَهُ بَينَ يَدَيهِ وَهُوَ يُكَلِّمُهُ لِيَسْتَنطِقَهُ بِكَلِمَةٍ ُيوجِبُ بها قتله، وعَلِيٌّ« عليه السلام»يُجِيبُهُ حَسْبَ مَا يُكَلِّمُهُ، وفي يَدِهِ سُبحَة صَغِيرَةٌ يُديرها بأصابعِهِ، وَهُوَ يَتَكَلَّمُ.
فقالَ لَهُ يَزِيدُ - عَليهِ ما يَستَحِقُهُ : أَنَا أكَلِّمُكَ، وأنتَ تُجِيبُنى وتُدير أصابعَكَ بِسُبحَةٍ في يَدِكَ، فَكَيفَ يَجوزُ ذلِكَ؟!
فقالَ « عليه السلام»: حَدَّثني أبي، عَن جَدّي «صلى الله عليه وآله»: أَنَّهُ كانَ إذا صَلَّى الغَداةَ وَانفَتَلَ، لا يَتَكَلَّمُ حَتَّى يَأْخُذ سُبحَةٌ بَينَ يَدَيهِ، فيقول:
اللهُمَّ إِنِّي أَصْبَحتُ أُسَبِّحُكَ، وأحمدُكَ، وأهللكَ، وأُكَبِّرُكَ ، وأَمَجّدُكَ بِعَدَدِ ما أَديرُ بِهِ سُبحَتي، ويَأْخُدُ السُّبحَة فِي يَدِهِ ويُديرُها وَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما يُريدُ مِن غَير أن يَتَكَلَّمَ بالتَسبيح، وذكَرَ أنَّ ذلِكَ مُحْتَسَبٌ لَهُ وَهُوَ حِرِرٌ إِلَى أَن يَأْوِي إِلى فِراشِهِ، فإذا أوى إلى فِراشِهِ، قالَ مِثلَ ذلِكَ القول، ووَضَعَ سُبْحَتَهُ تَحتَ رَأْسِهِ ، فَهيَ مَحسوبَةٌ لَهُ مِنَ الوَقتِ إِلى الوَقتِ.
فَفَعَلتُ هذا اقتداءً بِجَدّي «صلى الله عليه وآله».
فَقالَ لَهُ يَزِيدُ عَليهِ اللعنَة: مَرَّةَ بَعدَ أخرى، لستُ أُكَلِّمُ أَحَدًا مِنكُم إِنَّا ويُجيبُني بما يَفورُ بِهِ وعَفا عَنهُ، ووَصَلَهُ،وأمَرَ بإطلاقِهِ (1).
1) الدعوات للراوندي ص 61 و 62 وبحار الأنوار ج 45 ص 200 ومستدرك الوسائل ج 5 ص 124 وسنن النبي للطباطبائي (ط الخامسة) ص347 و 348 و (ط مؤسسة النشر الإسلامي) ص 365 و 366
2 - لمَّا استشهدَ[ الحُسَينُ «عليه السلام»] حُمِلَ عَلِيُّ بنُ الحُسَينِ «عليه السلام» مَعَ الحَريم وأدخِلَ عَلى اللعين يَزِيدَ، وَكَانَ لِابْنِهِ أَبي جَعَفَرٍ« عليه السلام» سَنَتَان وشهورٌ ، فأدخِلَ مَعَهُ، فَلمَّا رَآهُ يَزِيدُ قَالَ لَهُ: كَيْفَ رَأيت يا عَلِيَّ بنَ الحُسَين؟!
قالَ: رَأيتُ ما قضاهُ اللهُ عز وجل قبلَ أَن يَخلُقَ السَّماواتِ وَالأرض.
فشاوَرَ يَزِيدُ جُلساءَهُ في أمره فأشاروا بقتله، وقالوا له: لا نَتَّخِذ مِن كَلْبِ سَوءٍ جَرواً .
فابتَدَرَ أبو مُحَمَّدٍ « عليه السلام» الكَلامَ، فَحَمِدَ الله وأثنى عَليهِ، ثُمَّ قالَ لِيَزِيدَ لَعَنَهُ اللهُ: لقد أشارَ عَلَيْكَ هَؤُلاءِ بِخِلافِ ما أَشارَ جُلساءُ فِرعَونَ عَليهِ حَيث شاوَرَهُم في موسى وهارون، فَإِنَّهُم قالوا له: أرجه وأخاهُ، وقد أشار هؤلاء عَليكَ يقتلنا، ولهذا سَبَبٌ.
فقالَ يَزِيدُ ومَا السَّبَبُ؟!
فقالَ: إنَّ أُولئِكَ كانُوا لرَشَدَةٍ وهؤلاء غَيرُ (لعل الصحيح: لغير )رشدَةٍ، ولا يَقتُلُ الأنبياء وأولادَهُم إِلا أُولادُ الأدعياء.
فَأَمْسَكَ يَزِيدُ مُطرقا ، ثُمَّ أَمَرَ بإخراجهم على ما قص ورُوي (1).
1) إثبات الوصية ص 181.
ونقول:
لاحظ ما يلي:
تظهر الرواية الأولى: أن الذي أزعج يزيد هو : أنه كان يتوقع من الإمام السجاد« عليه السلام» أن يعامله كما يعامل الملوك والفراعنة، والجبارون، وأن هذا الشاب المفجوع بأبيه، وأهل بيته، وأصحابه، والأسير في يده سوف يكون أكثر خضوعاً ، واستسلاما له، ولربما توقع منه أن يبالغ في الاستعطاف والتملق..
وإذ به يرى السجاد يعامله - وهو الذي تهيمن عليه نشوة النصر، ويجوب أفاقها بأشرعة الزهو والخيلاء - وكأنه لا شيء، ويراه بعوضة أو أقل، بالرغم من أنه بين جنده ،وأنصاره، وفي عاصمة حكمه، وفي ديوان ملكه، وعلى بساطه.
فيزيد المستكبر والمغرور يكلمه، وهو «عليه السلام» بمرأى ومسمع منه ومن كل من حضر ذلك المجلس، وهم أعيان البلاد - يكلمه - وهو يدير سبحة صغيرة بأصابعه يحسب من يراه أنه يعبث بها..
فأغاظ ذلك يزيد، وأراد أن يوجه إليه سهام اللوم، وإذ به يفاجأ بما لم يكن في الحسبان، حيث تبين أن ما يظنه الجهال لعباً وعبثا، واستهتارا هو عند أهل العلم والدراية من الأعمال الصالحة الجليلة، التي لها مثوبات، وآثار في الحفظ والاحتراز من شر الأشرار، وكيد الفجار ..وهذا أثر مروي عن رسول الله «صلى الله عليه وآله».
ومن الواضح: أن من يدَّعي لنفسه مقام خلافة النبوة، لا بد أن يكون عارفاً بمناهج النبي، واقفاً على أقواله، ملتزما بها في نفسه، وداعياً إليها الناس وناشراً لها فيما بينهم، حاثاً لهم على الالتزام بها.
ومن غير المقبول أن يحتاج إلى غيره لمعرفة أقوال من يدعي أنه خليفته، والقائم مقامه.
وبالنسبة للرواية الثانية: نسأل عن سبب مشورة أصحاب يزيد علیه بقتل على بن الحسين« عليه السلام»، وقبل ذلك عن سبب تمايل يزيد إلى قتله « عليه السلام»، فبادر إلى الاستشارة في ذلك.. مع أن ما حدث هو أن يزيد قال له كيف رأيت يا علي بن الحسين»؟!
فقال «عليه السلام»: رأيت ما قضاه الله عز وجل قبل أن يخلق السماوات والأرض».
ونجيب:
بأن هذا الجواب منسجم تماماً مع قول الإمام« عليه السلام»: «رضا بقضائك، وتسليماً لأمرك، لا معبود سواك» (1).
ومنسجم أيضاً مع الآية التي قرأها الإمام السجاد «عليه السلام» على يزيد: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي
1) مفتاح السعادة ج 6 ص 229 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب ج 7 ص 248
كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ * لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَقْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ(1). وخلاصة ما نريد قوله : أن الأئمة هم الذين لا يأسون على ما فاتهم، ولا يفرحون بما آتاهم لأن الله تعالى إذا قضى أمراً، فإنما يقضي أن يحصل بأسبابه التي قد يكون منها إرادات واختيارات البشر. فإذا اختار أحد أن يقتل نبيا أو وصياً، وقد حصل ذلك بالفعل، فإنه يكون مما قضاه الله تعالى قبل أن يخلق السماوات والأرض.
ولكن قضاءه تعالى لهذا القتل، وحصول ما قضاه لا يعني براءة القاتل، ونجاته من العذاب ..
كما أن ذلك لا يعني أن يكون النبي والوصي والإمام مستحقاً للقتل، ومدانا، بل يكون لهذا النبي أو الوصي المقتول أعظم المثوبات لنيله مقام الشهادة، ويكون للقاتل أشد العقوبات.
1 - وقد تقدم أنه « عليه السلام» لم يسكت على مشورة جلساء يزيد على يزيد بقتله « عليه السلام»، بل فندها وأدانها، موضحاً: بأن جلساء فرعون كانوا خيراً منهم..
وبذلك يكون «عليه السلام» قد ألمح أيضا إلى أن يزيد يشبه فرعون.. ولكن يزيد تغافل عن هذا، ربما خوفا من أن ينتهي الكلام إلى
1) الآيتان 22 و 23 من سورة الحديد
فضائح تكون عليه أشد وأقسى.
2 - كما أنه« عليه السلام» ذكر أن جلساء فرعون، ومستشاريه كانوا طيبي الولادة، أما جلساء ومستشارو يزيد، فكانوا أبناء زنا.
ولم يستطع يزيد أن يناقش في هذا الأمر، لكي لا يفاجئه «عليه السلام» بما لم يكن له في الحسبان ، مع العلم بأن المسلمين يعلمون بأن النبي« صلى الله عليه وآله» قد وصف مبغضي أمير المؤمنين «عليه السلام» بما لا يخرج عن هذا السياق، فإنه «عليه السلام» لا يبغضه إلا ابن زنا، أو نحو ذلك...
1 - روي عن عليّ بن الحسين [زين العابدين] «عليه السلام» قوله: إِنَّ اللهَ تَعالى - ولهُ الحَمدُ - ابتلانا بمَصَائِبَ جَلِيلةٍ، وتُلمَةٍ فِي الإسلام عَظيمَةٍ، قُتِلَ أبو عَبدِ اللهِ« عليه السلام» وعِتَرَتْهُ، وَسُبِيَ نِسَاؤُهُ وصِبيَتُهُ، وَدَارُوا بِرَأْسِهِ فِي البُلدان مِن قوق عامل السنان، وهذِهِ الرَّزِيَّهُ التي لا مثلها رَزيَّة (1).
2- أَمَرَ يَزِيدُ اللعينُ برَأس الحُسين« عليه السلام»، فطيفَ بِهِ في
1) الملهوف ص 229 و نشر أنوار الهدى ص 117 ومثير الأحزان ص17 ص 113 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 91 وليس فيه ذيله، وبحار الأنوار ج 45 ص 148 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 448 وينابيع المودة ج3 ص 93 ولواعج الأشجان ص 244 وأعيان الشيعة ج 1 ص 618 .
مَدائِن الشام وغيرها (1).
ونقول:
1 - ذكرنا في ما سبق : أن الطريق التي سلكها الوفد الذي جاء بالسبايا من الكوفة إلى الشام، قد مرت بعشرات المدن، بدءاً من مدن شمال العراق إلى مدن شمالي سوريا وغربها، حتى انتهوا بدمشق.
وتقدم أن أكثر سكان تلك المدن كانوا من غير المسلمين، وما يذكر من أمور جرت في الأديرة، ومع الرهبان، ومع بعض اليهود يشهد على ما نقول.
2 - تقدم: أنهم دخلوا مدينة دمشق في اليوم الأول من شهر صفر، فإذا كانوا قد تركوا الكوفة في الثالث عشر من شهر المحرم، فذلك يعني: أن سفرهم إلى أن بلغوا الشام قد استمر حوالي سبعة عشر يوما ..
3 - وقد صرحوا أيضاً: بأن الرأس الشريف قد صلب في الشام ثلاثة أيام.
4 - سيأتي أن المعتزلي يقول : إن الرأس لم يرسل إلى المدينة، ولكننا مع ذلك نقول: إن كان الرأس قد أرسل إلى المدينة، بعد الثلاثة أيام الأولى، ومكث فيها يوما أو بعض يوم، ثم أعيد إلى الشام على جناح السرعة، فيمكن أن يكون الذين تولوا أخذه إلى المدينة، وإرجاعه منها قد مروا بالرأس الشريف في بعض البلاد التي كانت على
1) شرح الأخبار ج 3 ص 159.
طريقهم، فكانوا يظهرون الرأس ويرفعونه ليراه أهل البلد حين عبورهم فيه..
وبذلك يكون أيضاً قد طيف بالرأس الشريف في بلاد كثيرة، ممتدة من الشام إلى المدينة، تضاف إلى المدن والبلاد التي مروا بها، وهم في طريقهم من الكوفة إلى الشام كما بيناه.
5 -وإن كان قد بقي يوم أو أيام بعد رجوع الرأس من المدينة إلى الشام، قبل أن يتحرك ركب العيال والأيتام من الشام إلى كربلاء..فيمكن أن يكون يزيد قد أرسل الرأس الشريف كل يوم إلى بعض المدن القريبة، ليطاف به فيها.
وبذلك يمكن أن نتلمس التطبيق العملي للنص المشار إليه آنفا، من أنهم داروا برأسه في البلدان من فوق عامل السنان..
6 - بل لو لم يكن سوى المدن التي مروا بها، وهم في طريقهم من الكوفة إلى شمال العراق، وشمال بلاد الشام وغربها، حتى أوصلوا الرأس الشريف إلى دمشق لكفى ذلك خزياً لهم.. ولتحقق مضمون قولهم حول الطواف بالرأس الشريف في البلدان..
وفي النص المنقول عن الإمام زين العابدين «عليه السلام»: أن دورانهم بالرأس في البلدان رزية لا مثلها رزية.
وهذا واضح المأخذ، لأن هذا التصرف يستدرج الناس للخروج للنظر إلى الرأس الشريف، وإذا عرف موقعية صاحب الرأس في
الدين، والقرآن ،وقداسته وكونه ابن رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وسيد شباب أهل الجنة فلا بد أن يهون على الناس كبيرهم وصغيرهم أمر الدين وابتذال ووهن أمر المقدسات ويسهل عليهم انتهاك أعظم الحرمات.. وقد أشار الإمام الحسين« عليه السلام» إلى أنهم إن قتلوه، فلا يهابون بعد ذلك أحداً ، وقد قدمنا ذلك في هذا الكتاب.
فلو أن الهيبة حفظت، وبقي الناس يستعظمون أمثال هذه الجرائم، لأمكن استدراك شيء مما فات.
1 - عن عبد السلام بن صالح الهروي: سَمِعتُ أَبَا الْحَسَن عَلِيَّ بنَ موسَى الرّضا « عليه السلام» يَقولُ: أَوَّلُ مَن اتَّخِذَ لَهُ الفَقاعُ (1)فِي الإسلام بالشّامِ يَزِيدُ بنُ مُعاوِيَة لَعَنَهُ اللهُ، فَأَحضِرَ وهُوَ عَلى المائِدَةِ، وقد نَصَبَها عَلى رَأس الحُسين «عليه السلام»، فَجَعَلَ يَشْرَبُهُ ويَسقي أصحابَهُ، ويَقولُ لَعَنَهُ اللهُ: اشربوا ، فهذا شرابٌ مُبارَكٌ، ولو لم يَكْن مِن بَرَكَتِهِ إِلا أَنا أَوَّلَ ما تَناوَلْناهُ ورَأسُ عَدُوِّنا بين أيدينا، ومائِدَتْنا مَنصوبَة عَلِيهِ، ونَحنُ نَأكْلُهُ(2)ونُفوسُنا ساكِنَة، وقلوبنا مُطْمَئِيَّة .
فَمَن كانَ مِن شيعَتِنا فَلْيَتَوَرَّع عَن شُرب الفقاعِ، فَإِنَّهُ مِن شَرَابِ
أعدائنا، فإن لم يَفعَل فليسَ مِنّا، ولقد حَدَّثني أبي، عَن أَبيهِ، عَن آبائِهِ، عَن عَلِيٍّ بن أبي طالِب « عليهالسلام»، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ «صلى الله عليه وآله»: لا تلبسوا لِباسَ أعدائي، ولا تَطْعَمُوا مَطَاعِمَ أعدائي، ولا تَسلكوا مَسالِكَ أعدائي، فتكونوا أعدائي كَما هُم أعدائي(1)
ومستدرك سفينة البحار ج 9 ص 243 .
.2 - عن الفضل بن شاذان: سَمِعتُ الرّضا« عليه السلام»: لمَّا حُمِلَ رَأسُ الحُسَين «عليه السلام» إلى الشام، أمَرَ يَزِيدُ - لَعَنَهُ اللَّهُ - فَوُضِعَ، ونُصِبَ عَليهِ مائِدَةٌ ، فأقبَلَ هُوَ وأصحابُهُ يَأكُلُونَ، وَيَشْرَبُونَ الفُقاع.
فلما فرغوا أَمَرَ بِالرَّأس، فَوُضِعَ في طست تَحتَ سَرِيرِهِ، وبُسط عَليهِ رُقْعَهُ الشَّطرنج ، وجَلسَ يَزِيدُ - لَعَنَهُ اللهُ - يَلْعَبُ بِالشَّطْرَنج، ويَذَّكَّرُ الحُسَينَ بنَ عَلِيٍّ وأباهُ وجَدَّهُ « صلى الله عليه وآله»، ويَستَهزِئُ بِذِكرهم، فمتى قامَرَ صاحِبَهُ تَناوَلَ الفُقاعَ فَشَرِبَهُ ثَلاثَ مَرَّات، ثُمَّ صَبَّ فَضلتَهُ عَلى ما يَلي الطست مِنَ الأرض.
فَمَن كانَ مِن شِيعَتِنا فَليَتَوَرَّع عَن شُرب الفقاع، واللعب بالشطرنج،
1) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 23 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 1 ص 26 وعلل الشرايع (ط المكتبة الحيدرية ) ج 2 ص 348 ومن لا يحضره الفقيه ج1 ص 163 و (ط مركز النشر الإسلامي) ج 1 ص 252 ووسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج 4 ص 385 و ج 25 ص 364 و (ط دار الإسلامية) ج 3 ص 279 و ج 17 ص 290 والنوادر ص 232 ومشكاة الأنوار ص 561 والجواهر السنية ص 343 وقصص الأنبياء للراوندي ص277
ومَن نَظرَ إلى الفقاع أو إلى الشطرنج فليذكر الحُسَينَ «عليه السلام»، وَلْيَلْعَن يَزِيدَ وآلَ زِيادٍ، يَمحُو الله عز وجل بذلِكَ دُنوبَهُ ولو كانَت بِعَدَدِ النجوم (1).
3 - كانَ يَزِيدُ يَتَّخِدُ مَجالِسَ الشراب ،واللهو، والقِيانِ، وَالطَّرَبِ، ويُحضِرُ رَأسَ الحُسَين« عليه السلام» بَينَ يَدَيِهِ (2)
ص 72 عن محمد ابن الحنفية، وزيد بن علي.
.ونقول:
لقد كان ما مر بيزيد وما سمعه من الإمام السجاد ومن زينب «عليهما السلام » منذ وصل الرأس الشريف والسبايا إلى دمشق - كان- يكفي لأخذ العبرة، وإعادة النظر في ما هو فيه من طيش ومجون،
1) من لا يحضره الفقيه (ط جماعة المدرسين )ج 4 ص 419 وعيون أخبار الرضا ج2 ص22 و (ط الأعلمي) ج 2 ص 25 وجامع الأخبار ص432 ح 1208 والدعوات للراوندي ص 162 وبحار الأنوار ج 45 ص 176 وج 63 ص 492 وج 76 ص 237 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 415 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 25 ص 363) و (الإسلامية) ج17 ص290 ومسند الإمام الرضا ج 1 ص 148 والوافي ج 20 ص 665 .
2) مثير الأحزان ص 103 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 82 وراجع: بحار الأنوار ج 45 ص 141 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 442 والملهوف ص 220 و (نشر أنوار الهدى) ص 110 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2
وتهتك، أو على أقل تقدير كان ينبغي أن يجعل يزيد يمسك عن هذه التصرفات الرعناء التي كان يحرص عليها.
كما أن الحجج التي سمعها وعجز عن الإجابة على أي منها، كان يتوقع أن تجعله يخجل من نفسه من متابعة هذه التعديات على جلال وقدسية الإمام الشهيد «صلوات الله عليه».
ولكن السيدة زينب «عليها السلام» قد وضعت إصبعها على الجرح حين قالت :إن هذا العتو والطغيان وشدة العداوة لرسول الله هو نتيجة خلال الكفر.
وهذا ما دل عليه قوله تعالى: ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (1).
وهذا يدلنا على أن زينب كانت تعلم: بأن يزيد لن يتأثر بكل ما قيل، ولكنها أرادت للناس أن يسمعوا ويعوا وأن يروا بأم أعينهم كيف يتحقق مصداق الآية الكريمة، ويتجسد فى يزيد، فكلامها جار على طريقة : إياك أعني واسمعي يا جارة.
أما يزيد، فهو ميت القلب، فاقد لكل معانى الخير، فالكلام معه كالكلام مع الأموات، وقد قيل:
لقد أسمعت لو ناديت حياً*** ولكن لا حياة لمن تنادي
1) الآية 10 من سورة الروم.
1 - وقد تضمنت الروايات المتقدمة حكماً شرعياً بالمنع من التشبه بأعداء رسول الله «صلى الله عليه وآله» في اللباس والطعام...
ومن الواضح: أنه ليس المراد بالتشبه هو المحاكاة في الأمور المشروعة، والراجحة بنظر الشارع، فإن فعل هذه الأمور إنما هو طاعة لأمر الشارع، والتماس لرضاه.. إلا إذا فرض أن من يفعلها لا ينوي بفعله لا هذا ولا ذاك، وإنما يقصد إلى مجرد المحاكاة الخاوية من أي مضمون، سوى تأييد أهل الباطل، وإظهار الحب لهم.
والمقصود من التشبه بأعدائه «صلى الله عليه وآله»: هو محاكاتهم فيما اخترعوه، وابتدعوه لأنفسهم مما يميزهم عن غيرهم، حتى صارت تلك الأحوال شعاراً لهم، ومن خصوصياتهم، بحيث إذا لوحظت تلك الأمور، أو ذكرت انتقل الذهن إلى أولئك الأعداء.
2 - قوله « عليه السلام»:« ولا تَطْعَمُوا مَطاعِمَ أَعْدَائي» يشهد لما قلناه من أن المراد هو المطاعم المحرمة، مثل أكل الميتة، وشرب المسكرات، ومنها الفقاع.
3 - قوله: «ولاتسلكُوا مَسالِكَ أَعْدَائي»يراد التشبه بهم في الحركات والأفعال كاستماع اللهو، والتحايا بالشراب المحرم، كما يفعل الفساق في شربهم الأنخاب. وكذلك عقد مجالس الرقص واللهو والمجون، وسواها.
1 - ولا ندري كيف يكون المسكر الذي حرمه الله - كالفقاع -شراباً مباركاً، تلتمس الرحمة والنماء والخير فيه ومنه، كما يدعيه يزيد!!
2 - وما الذي أوجب الوجل والقلق لدى يزيد، حتى يكون قتل الحسين «عليه السلام» من موجبات سكون نفسه، واطمئنان قلبه، وهل ومتى أخافه الحسين، أو هدده، أو جمع الجيوش لحربه حتى يقلق ويأرق؟!
3 - ما هذا القلب القاسي ليزيد، حتى إنه ليحضر رأسا مقطوعاً في مجلس لهوه وطربه، ولعبه، وشربه..
4 - والأنكى من ذلك : أنه يلعب بالشطرنج فوقه.
5 - أن يذكر الحسين بن علي وأباه وجده «صلى الله عليه وآله»، ويستهزئ بذكرهم. ولا ندري ما العيب أو العيوب التي وجدها في شخصيات هؤلاء الثلاثة، مما يبرر هذا الاستهزاء.
6 - لنفترض: أنه كان يخشى من الإمام الحسين على ملكه، ولو بأن يجمع الناس لقتاله، وهذا ما لم يحدث، فما الذي كان يخشاه من علي «عليه السلام»، ومن رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟!
1 - التَفَتَ حَبْرٌ مِن أحبار اليهود وكان حاضراً [أي عِندَ يَزِيدَ ] ،
فقالَ: مَن هذا الغُلامُ يا أمير المُؤمِنِينَ؟!
ققالَ: هذا صاحِبُ الرَّأس هُوَ أبوه.
قالَ: وَمَن هُوَ صَاحِبُ الرَّأس يا أمير المُؤمِنينَ؟!
قالَ: الحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ بن أبي طالِبٍ.
قالَ: فَمَن أُمُّهُ؟
قالَ: فَاطِمَة بنتُ مُحَمَّدٍ.
ققالَ الحَبرُ: يا سُبحانَ اللهِ ! هذا ابن بنت نَبِيِّكُم قتلتُموه في هذهِ السُّرعَةِ! بِئْسَ ما خَلفتُموهُ في دُرِّيَّتِهِ، وَاللهِ لو خَلْفَ فينا موسى بنُ عمران سبطا مِن صُلبهِ، لكنّا نَعبُدُهُ مِن دون الله ! وأنتُم إِنَّما فارقكم نَبيُّكُم بالأمس، فَوَتْبتُم عَلى ابن نَبِيِّكُم فَقَتَلْتُموهُ سَوءَةَ لَكُم مِن أُمَّةٍ.
قالَ: فَأَمَرَ يَزِيدُ بكَر(1)في حَلْقِهِ، فَقامَ الحَبرُ وهُوَ يَقولُ: إن شئتُم فاضربوني، أو فاقتلوني، أو قرّروني، فإني أحدُ فِي التَّوراةِ: أَنَّهُ مَن قتَلَ دُرِّيَّة نَبِيِّ لا يزال مغلوباً أبَداً ما بَقِي، فإذا مات يُصليهِ اللَّهُ نارَ جَهَنَّمَ (2).
1) الكرُّ: الحَبل الغليظ لسان العرب ج 5 ص 136 مادة «كرر». وفي بحار الأنوار: «فأمر به يزيد لعنه الله فوجئ في حلقه ثلاثا، فقام...».
2) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 132 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص71 والحدائق الورديّة ج 1 ص 127 كلاهما نحوه، وفيهما «ملعونا» بدل «مغلوباً»، وبحار الأنوار ج 45 ص 139 والعوالم الإمام الحسين ج17 ص 440
2 -عن سليمان بن مهران الأعمش عن رجل: دَخَلَ عَليهِ [أَي عَلَى يَزِيدَ ] رَأسُ اليَهُودِ، فقال: ما هذا الرَّأْسُ؟!
فَقالَ: رَأْسُ خارجي.
قالَ: ومَن هُوَ؟
قالَ: الحُسَينُ.
قالَ: اِبنُ مَن؟
قالَ: اِبنُ عَلِيٍّ.
قالَ : ومَن أُمُّهُ؟
قالَ: فاطمه
قالَ : ومَن فَاطِمَهُ؟
قالَ : بنتُ مُحَمَّدٍ.
قالَ: نَبيُّكُم؟!
قالَ: نَعَم
قال: لا جَزاكُمُ اللهُ خَيراً ، بالأمس كانَ نَبيَّكُم، وَاليَومَ قَتَلْتُم ابن بنتِهِ! وَيْحَكَ إِنَّ بَيني وَبَينَ دَاوُدَ النَّبِيِّ نَيّفاً وسَبعين أباً، فَإِذا رَأتنِي اليَهودُ كَفَّرَت (1)لي. ثُمَّ مالَ إلى الطشت وقبَّلَ الرَّأس، وقالَ: أَشْهَدُ أن لا إلهَ
1) التكفير : هو أن ينحني الإنسان ويطأطئ رأسه قريباً من الركوع راجع: النهاية ج 4 ص 188 مادة «كفر».
إلا الله، وأنَّ جَدَّكَ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وخَرَجَ.
فَأَمَرَ يَزِيدُ يقتلِهِ (1).
ونقول:
لعل هذين النصين بصدد تقرير قصة واحدة جرت بين يزيد وبين حبر يهودي، كان رأس اليهود في الشام. مع ملاحظة قلة عدد اليهود في تلك المناطق في ذلك الزمان، ولكن رؤساءهم كانوا يتوددون للحكام، ويحضرون مجالسهم.
ويلاحظ: أن مصير هذا اليهودي كان هو القتل، كما أن مصير رسول ملك الروم - وكان هذا الرسول نصرانيا - كان أيضاً القتل.
وذلك بسبب موقفهما الصريح والحاد تجاه هذه الجريمة الكبرى.. وكنا نتوقع أن نجد بين المسلمين المئات من المعترضين على يزيد بحدة أكثر، وحنق أكبر ، وأن يقتلهم يزيد وابن زياد بسبب ذلك.
ولكننا ويا للأسف لم نر لأمنيتنا هذه حظا في الموقف أو الخطاب، ولا محلاً من الإعراب.
1 - عن محمد ابن الحنفيّة، عن عليّ بن الحسين زين العابدين
1) الخرائج والجرائح ج 2 ص 581 وبحار الأنوار ج 45 ص 187 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 401 وراجع مدينة المعاجز ج4 ص104 والدر النظيم ص 564.
«عليه السلام»: لمَّا أتِيَ برأس الحُسَين« عليه السلام» إلى يَزِيدَ كَانَ يَتَّخِذُ مَجالِسَ الشرب، ويَأْتي برأس الحُسَين «عليه السلام» وَيَضَعُهُ بَينَ يَدَيهِ، ويَشْرَبُ عَليهِ.
فَحَضَرَ ذاتَ يَومٍ في أَحَدٍ مَجالِسِهِ رَسولُ مَلِكِ الرّومِ، وَكَانَ مِن أشرافِ الرّوم وعُظمائها، فقالَ: يا مَلِكَ العَرَبِ، رَأْسُ مَن هذا؟
فقالَ لهُ يَزيدُ: ما لك ولهذا الرأس؟
فَقالَ: إِنِّي إِذا رَجَعتُ إلى مَلِكِنا يَسألني عَن كُلِّ شَيْءٍ رَأَيْتُهُ، فأحببت أن أخبرَهُ بقِصَّةِ هذا الرأس وصاحبهِ، لِيُشارِكَكَ فِي الفَرَج والسرور.
فَقالَ يَزيدُ: هذا رَأسُ الحُسَين بن عَلِيٍّ بن أبي طالب.
فقالَ: وَمَن أُمُّهُ؟
قالَ : فَاطِمَهُ الزَّهراء.
قالَ: بِنتُ مَن؟
قالَ: ُبنتُ رَسول اللهِ.
فَقالَ الرَّسولُ: أُفٍّ لكَ ولدينِكَ، ما دينٌ ُأخَسُّ مِن دينِكَ، اعلم أنّي مِن أحفادِ دَاوُدَ «عليه السلام» وبَيني وَبَينَهُ آبَاءٌ كَثِيرَةٌ، وَالنَّصارى يُعَظَّمونَني، ويَأخُذونَ التُرابَ مِن تَحتِ قدَمَيَّ تَبَرُّكا، لِأَتِي مِن أحفادِ دَاوُدَ «عليه السلام»، وأنتُم تَقتُلونَ ابن بنت رسول الله «صلى الله عليه وآله» وما بَينَهُ وبَينَ رَسول اللهِ إلا أمّ واحِدَةُ! فَأَيُّ دين هذا؟
ثُمَّ قَالَ لَهُ الرَّسولُ: يا يَزيدُ هَل سَمِعتَ بِحَدِيثِ كَنيسة الحافِرِ ؟
فقالَ يَزِيدُ: قُل حَتَّى أَسْمَعَ.
فقالَ: إِنَّ بَينَ عُمانَ وَالصّين بَحرٌ مَسيرَتْهُ سَنَة، ليسَ فِيهِ عُمرانٌ إِلا بَلدَهُ واحِدَةٌ في وَسَطِ الماء ، طولها ثمانون فرسَخا، وعَرضُهَا كَذلِكَ، ما عَلى وَجهِ الأَرض بَلدَة أكبَرُ مِنها.
ومِنها يُحمَلُ الكافور، والياقوتُ، وَالعَنبَرُ ، وأشجارُهُمُ العودُ، َوهِيَ في أيدِي النَّصارى لا مِلكَ لِأَحَدٍ فِيهَا مِنَ الْمُلُوكِ.
وفي تِلْكَ الْبَلدَةِ كَنائِسُ كَثيرَةٌ أعظمُها كَنيسة الحافِر ، في محرابها حقة مِن ذَهَبٍ مُعلقة فيها حافِرٌ ، يَقولونَ إِنَّهُ حافِرُ حِمارٍ كَانَ يَركَبُهُ عيسى«عليه السلام»، وقد زُيِّنَت حَوالِي الحُقَّةِ بالذَّهَبِ، وَالجَواهِرٍ، وَالدِّيباج وَالأبريسم.
وفي كُلِّ عامٍ يَقصُدُها عَالِمٌ مِنَ النَّصارى، فَيَطوفُونَ حَولَ الحُقَّةِ ويزورونها ويُقبِّلُونَها ، ويرفعونَ حَوائِجَهُم إِلى اللهِ تَعَالَى بِبَرَكَتِها.
هذا شأنهُم ودَأبُهُم بِحافِر حِمارٍ يَزعُمُونَ أَنَّهُ حافِرُ حِمارٍ كَانَ يَركَبُهُ عيسى« عليه السلام» نَبيُّهُم ، وأنتُم تَقتُلونَ ابنَ بِنتِ نَبِيِّكُم ! لا بارَكَ الله فيكم، ولا في دينِكُم.
فَقالَ يَزِيدُ لِأصحابه : أقتلوا هذا النَّصرانِيَّ؛ فَإِنَّهُ يَفْصَحُنا إِن رَجَعَ إلى بلادِهِ، ويُشنّعُ عَلينا.
فلمّا أَحَسَّ النَّصرانِيُّ بالقتل قال: يا يَزِيدُ، أَتُريدُ قتلي؟
قالَ: نَعَم.
قالَ: فاعلم إنّي رأيتُ البارحة نَبيَّكُم في منامي وهُوَ يَقولُ لي: يا نَصرانِيُّ، أنتَ من أهل الجَنَّةِ، فَعَجِبتُ مِن كَلامِهِ حَتَّى نالني هذا، فأنَا أشهَدُ أن لا إله إلا الله، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسولهُ.
ثُمَّ أَخَذ الرَّأْسَ وضَمَّهُ إِليهِ، وجَعَلَ يَبكي، حَتَّى قُتِلَ (1).
أضاف الخوارزمي هنا قوله : «وروى مجد الأئمة السرخكسي عن أبي عبد الله الحداد أنّ النّصراني اخترط سيفاً، وحمل على يزيد ليضربه فحال الخدم بينهما وقتلوه وهو يقول : الشهادة الشهادة»(2).
2 - عن عبيد بن عمير : كانَ رَسولُ قيصر(3)حاضراً عِندَ يَزِيدَ، فقالَ لِيَزِيدَ : هذا رَأسُ مَن؟!
قالَ: رَأْسُ الحُسَين.
قالَ: وَمَن الحُسَينُ؟
قالَ: اِبنُ فَاطِمَة.
1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 72 والملهوف ص 220 و (نشر أنوار الهدى ص 110 ومثير الأحزان ص 103 و (ط المكتبة الحيدرية) ص82 من دون إسنادٍ إلى أحدٍ من أهل البيت «عليهم السلام» وكلاهما نحوه، وبحار الأنوار ج 45 ص 141 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 442 وراجع: الخرائج و الجرائح ج 2 ص 581 .
2) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 72.
3) قيْصَر : لقبُ مَنْ مَلكَ الروم. راجع القاموس المحيط ج 2 ص 118 مادة «قصر».
قالَ: َومَن فَاطِمَهُ؟
قالَ: ُبنتُ مُحَمَّدٍ «صلى الله عليه وآله».
قالَ: نَبِيُّكُم؟
قالَ: نَعَم.
قالَ: وَمَن أبوه؟
قالَ: عَلِيُّ بنُ أَبي طَالِبٍ.
قالَ: ومَن عَلِيُّ بنُ أَبي طَالِبٍ؟
قالَ: ابْنُ عَمِّ نَبِيِّنا.
فقالَ: تَبّاً لكُم ولدينِكُم، ما أنتُم وحَقِّ المَسيح عَلَى شَيْءٍ، إِنَّ عِندَنا في بَعض الجزاير ديرا فيهِ حافِرُ حِمارٍ رَكِبَهُ عِيسَى السَّيِّدُ المَسيحُ «عليه السلام»، ونَحنُ نَحُجُّ إِليهِ في كلِّ عامٍ مِن الأقطار، ونَنذِرُ لهُ النُّذور، وتُعَظْمُهُ كَما تُعَظَّمون كعبتَكُم، فأشهَدُ أَنَّكُم عَلى بَاطِلِ، ثُمَّ قَامَ ولم يَعُد إليه (1).
ونقول:
1 - قد يقال : إن هذين النصين يحكيان قصة واحدة جرت لرسول ملك الروم.
1) تذكرة الخواص (ط النجف) ص 263 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 689 عن التبر المذاب (مخطوط) ص 88 .
ولكننا نرى: أن الاختلاف الظاهر بين الأحداث، يعطي: أنهما قصتان مختلفتان.
2 - عن رسول ملك الروم نقول : لا مانع من أن يكون ملك الروم قد أرسل رسولاً إلى يزيد، ثم استجد أمر آخر بعد أيام، فأرسل رسولاً آخر إليه، وكانت لكل منهما قصته مع الرأس الشريف، وانتهى الأمر بأحدهما إلى القتل والشهادة، وبالآخر إلى مغادرة مجلس يزيد، ولم يعد إليه بعد ذلك.
إن ما قالته الرواية الأولى من أن النصراني قال ليزيد: ما دين أخس من دينكم.
وفي الرواية الثانية: أنه قال: «تَبا لكم ولدينكم». كذلك قوله: «لا بارَكَ اللهُ فيكُم، ولا في دينِكُم».. لا يمكن قبوله، فإن ما يفعله الظالمون والعصاة لا يمكن أن يكون دليلاً على أن الدين الحاكم في تلك البلاد هو أخس الأديان، لأن الطغاة لا يلتزمون بأحكام الدين، لتكون أفعالهم معبرة عنه، وليصح معرفة صحته وعدمها من خلالهم.
إلا ان كان يريد أن التزامهم بالدين هو في أدنى وأحط الدرجات.
وقد يشهد لذلك: قوله في الرواية الثانية: «ما أنتم وحق المسيح على شيء»، ومثل قوله: «فأشهد أنهم على باطل» إن كان المراد به أن أشخاصاً بأعيانهم مثل يزيد لم يلتزمو بأحكام الدين، ولا استجابوا
للشريعة.
وقد لفت نظرنا قول يزيد إنه يخشى من أن يفضحه النصراني، ويشنع عليه في بلاد الروم، فقتله لأجل ذلك.
وبالرغم من أن هذا من قبيل القصاص قبل الجناية، فإن من الواضح أن خبر قتل الحسين« عليه السلام» لا بد أن ينتشر في البلاد، ويصل إلى جميع الأقطار بما فيها بلاد القيصر أيضاً.. ولا بد يتسبب قتل رسول قيصر بسرعة انتشار هذا الخبر في قومه، ولاسيما إذا علم سبب قتله.
1 - الفهرس الإجمالي
2 - الفهرس التفصيلي
الفصل الثالث هل كان الحر مرتداً ؟!...5
الفصل الرابع: دفن الرؤوس...18
الباب الثالث: إلى الشام...56
الفصل الأول: أحداث في طريق الشام:...58.
الفصل الثاني: من الكوفة إلى الشام....80
الفصل الثالث: كرامات ومزارات...108
الفصل الرابع: السبايا في الشام...137
الفصل الخامس من درج المسجد.. إلى مجلس يزيد...171
الباب الخامس: ماذا جرى في الشام؟! ...208
الفصل الأول: قرع الثنايا...210
الفصل الثاني: المعترضون على يزيد....231
الفصل الثالث يزيد لم أعلم بقتل الحسين !!...257
الفصل الرابع العزاء في بيت يزيد...276
الفصل الخامس: هو المتكلم ...289
الفصل السادس مما جرى فى الشام....318
الفهارس ...363
الفهرس الإجمالي...365
الفهرس التفصيلي ...367
الفصل الثالث هل كان الحر مرتداً ؟!...5
الأسد الذي هو علي : ...7
دفن الحر في موضع قتله:...8
قبر الحر لا يزار لماذا ؟! ...9
رواية مكذوبة : ...13
أول زائر للحسين عليه السلام :...15
الفصل الرابع: دفن الرؤوس :....18
بداية ...20
رؤوس الشهداء ورأس الحسين عليه السلام :21
نصوص لا تذكر رؤوس الشهداء: ...24
دفن الرؤوس في باب الصغير ...27
أين دفن رأس الحسين؟! ...30
:ألف أقوال غير الشيعة ...30
ب أقوال الشيعة: ...31
وقفات مع أقوال غير الشيعة :...31
دفن في المدينة: ...32
الرأس في الشام...34
في مسجد الرقة: ...35
في خزاين السلاح :....36
إلى عسقلان.. ثم إلى مصر:.....39
النجف، أو بين الحيرة والنجف؟:...40
القول الأمثل الرأس في كربلاء: ...46
الرواية في كلام ابن طاووس ....50
كيف نوفق بين النصوص ؟! ....50
البريد وسيلة سريعة: ....52
في أي مكان في الشام؟!...52
الباب الثالث: إلى الشام...56
الفصل الأول: أحداث في طريق الشام....58
السبايا إلى الشام ...60
سبايا أهل البيت فقط :...60
الطريق إلى الشام...62
لماذا هذا الطريق؟! ...63
طريق عودة السبايا :...67
شواهد ومؤيدات: ...69
أهل الكوفة يودّعون السبايا :...73
السجاد عليه السلام في وداع أهل الكوفة:...75
ابن زياد يقترض تكاليف السفر : ...77
توضیحات: ...78
الفصل الثاني من الكوفة إلى الشام. ...80
الإنطلاق من الكوفة :...82
شدائد الطريق :...85
الأغلال للإذلال:...90
إنفاذ رأس الحسين أولاً:...93
صمت الإمام زين العابدين عليه السلام :...93
رواة الكرامات وكثرة المزارات:...95
مكشفات الوجوه والرؤوس (الشعور):...97
اغفر لي، وما أراك فاعلاً :...98
اليأس من رحمة الله :...100
كنا خمسين نفراً :...101
لم تذكر الرواية موسى وعيسى :...102
إن لهم معي موقفاً: ...104
الفصل الثالث: كرامات ومزارات :...108
كرامات في الأديرة والكنائس :...110
رهبان ويهود يسلمون :...114
نظرة في حديث اليهودي :...119
راهب قنسرين .....120
النور يصعد من فيه!!:...120
الدراهم تصير حجارة :....121
لعلها أكثر من قضية :...122
عمر بن سعد لم يكن مع الركب :...122
العهدة على الراوي.....123
قرائن ودلالات أخرى:....128
حدث.. ومزار:...130
1 - مشهد النقطة في حلب :...130
2 - مشهد السقط في حلب :...131
3 - مشهد محسن، ومشهد الحسين: ...131
4 - مشهد النقطة بنصيبين: ...133
5 - مشهد الرأس بنصيبين: ....133
6 - مشهد مسقط الرأس بنصيبين:...134
الفصل الرابع: السبايا في الشام.. .137
على أبواب دمشق:...139
إشارات ولفتات : ....140
السبايا، أو السبايا والرؤوس؟!...142
يزيد يتلقى السبي والرؤوس:...143
سهل بن سعد في الطريق :...145
خزينا من كثرة النظر إلينا : ...147
ماذا عن كشف الوجوه؟! ...148
من أي باب دخلوا دمشق؟! ...152
المستقبلون في الخارج والداخل:...152
رأس الحسين عليه السلام يتكلم :...153
أعجب من أصحاب الكهف:...157
على درج الأذايا والشماتة: ...160
أشرار أهل الذمة:...161
إذا بكت فالطموها :...162
هل قرأت هذه الآية يا شيخ؟! ...163
الفصل الخامس من درج المسجد.. إلى مجلس یزید.... 171
من الذي قدم بالرأس الشريف؟!...173
هكذا جرت الأمور: ...176
أحمق الناس: ...177
من الذي لم يقرأ آية الملك ؟!...178
يزيد يكذب في شعره :...180
التزوير في خطوط متناقضة ومتوازية :...181
زحر حامل الخبر إلى يزيد:...182
الحسين عليه السلام شبيه الرسول ها :...185
شيطنة يزيد:...187
يزيد يستشير النعمان بن بشير:...189
إملأ ركابي فضة وذهباً ....192
عذر أقبح من ذنب ....194
طشت من ذهب :....196
يزيد يخترع ويكذب، ويخدع أهل الشام:...198
التلاعب بالنص: ....201
مع القاضي النعمان ....203
لعلهما :حادثتان :...204
القاضي النعمان أصاب:....205
الباب الخامس: ماذا جرى في الشام؟!...208
الفصل الأول: قرع الثنايا....210
ترتيب المطالب: ....212
زينب رأت الرأس في مجلس الطاغية :...213
هل شقت زينب جيبها؟! ...217
أشياخ يزيد.. وقرع الثنايا: ....218
بذاك الشيخ أوصاني: ....224
يزيد لا يعرف مقدار سن الإمام :...224
العشائرية مرفوضة : ...225
کفر یزید ...226
بأي رواية نأخذ؟! :...228
الفصل الثاني: المعترضون على يزيد...231
الإعتراضات علی یزید :...233
1 - إعتراض أبي برزة الأسلمي :...233
إعتراضات بالجملة: ....240
2 - سمرة بن جندب يعترض على يزيد:...241
3 - زيد بن أرقم: ...246
4 - النعمان بن بشير...248
5 - يحيى بن الحكم ...248
6 - عبد الرحمان بن الحكم :...248
7 - الحسن المثنى :...250
زيد بن أرقم شيخ خرف:..251
ردود یزید: تنوع واختلاف:...252
إختلالات في الأشعار:...254
الفصل الثالث يزيد لم أعلم بقتل الحسين !! ...257
في مواجهة يزيد: ...259
الأسرى من الرجال:...261
أسماء متيقنة أو مشكوكة :...263
في الأغلال أو في الحبال :...264
النساء خلف سریر یزید:...265
امتنع من أكل الرؤوس ....265
لا تقل هجراً؟! . .....266
يزيد يدين نفسه :...269
أمر بالحبال فقطعت:...272
عبيد أهل العراق.:...272
ما علمت بخروج أبي عبد الله، ولا بقتله:...274
الفصل الرابع: العزاء في بيت يزيد...276
الهاشميات في بيت يزيد!! ...278
إعتراض يزيد على ابنته :...281
هل هذه مبالغات؟! ...282
هل هذا استهزاء؟! : ....284
عجل عليه ابن زیاد :...285
هل هي قضية أموال؟! ...286
إذا قضى الله أمراً:...287
لماذا سكينة ؟! ...287
الفصل الخامس: هو المتكلم....289
نبذة من مواقف السجاد عليه السلام : ...291
الأدب الزينبي: ...298
هو المتكلم....299
ولا نلومكم إن لم تحبونا ...301
أرادا أن يكونا أميرين:...302
من الذي أذله الله؟! : ...303
الإمرة في آباء وأجداد الحسين عليه السلام:...304
أبشر بالخزي والندامة: ...305
لا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم :...305
السجاد غلام قد بلغ: ...309
أبوك جهل حقي، وناز عني سلطاني :...310
نتيجة الاختبار :...310
من يرد بنات الرسول؟! :...315
لفت نظر: ...316
الفصل السادس مما جرى فى الشام..318
ليس ذلك لك، ولا لأميرك:....320
الأفراح وصلب الرأس في دمشق :...325
حراب الملائكة. ...330
روايتان أو رواية واحدة؟!:...332
توضيح لا بد منه: ...332
قتل الخمسين رجلاً:...332
تب إلى ربك: ...333
لا أنالهم الله شفاعتي:...334
إن لهم بلغة وأمداً: ...334
موقف مروان وأخويه ...335
یزید: قبح الله بن مرجانة....338
يقتل أولاد الأدعياء أبناء الأنبياء:...340
حديث السبحة: ...342
ما قضاه الله قبل الخلق:....343
جلساء فرعون أفضل : ...344
يطاف برأس الحسين في البلدان:...345
رزية لا مثلها رزية ...347
في مجالس المجون ...348
لا حياة لمن تنادي: ...350
الفقاع شراب أعدائنا : ...352
الشراب المبارك: ...353
رأس اليهود يسلم ويستشهد :...353
رسول ملك الروم :...356
هل هما حادثة واحدة؟! :...360
ما دين أحسن من دينك:...361
الفضيحة في بلاد الروم: ...362
الفهارس ...363
الفهرس الإجمالي...365
الفهرس التفصيلي ...367