سیرة الحسین علیه السلام فی الحدیث و التاریخ جلد 20

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

سيرة الحسين(عليه السلام)

في الحديث والتاريخ..

السيد جعفر مرتضى العاملي

الجزء الحادي والعشرون

المركز الاسلامي للدراسات

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

الطبعة الأولى

2016م - 1437هـ

حاد

المركز الاسلامي للدراسات

لبنان - بيروت - الضاحية الجنوبية - أوّل حي ماضي بناية حجازي - ط 1 - تلفاكس: 00961.1.274519

البريد الالكتروني : alhadi@alhadi.org

المنشورات بيروت - بئر العبد - سنتر الانماء 3 - 0096170995421

محرّر الرقمي: محمّد رادمرد

اشارة

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

الطبعة الأولى

2016 م - 1437ه

المركز الاسلامي للدراسات

لبنان - بيروت - الضاحية الجنوبية - أوّل حي ماضي بناية حجازي - ط 1 - تلفاكس: 274519 .1 . 00961

البريد الالكتروني : alhadi@alhadi.org

المنشورات بيروت - بئر العبد - سنتر الانماء 3 - 0096170995421

سيرة الحُسَينَ «علیه السلام»

في الحديث والتاريخ..

السيد جعفر مرتضى العاملي

الجزء العشرون

المركز الاسلامي للدراسات

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الباب الثاني: أحداث جرت في الكوفة..

اشارة

الفصل الأول : الكوفة تستقبل السبايا..

اشارة

ابن سعد دخل الكوفة نهاراً:

وإذا كان ابن سعد قد تحرك من كربلاء في اليوم الحادي عشر من المحرم، فيفترض أن يكون وصوله إلى مشارف الكوفة نهاراً. مما يعني: أنه انتظر خارجها إلى اليوم التالي ليدخل السبايا ويراهم الناس، ثم ضموا الرؤوس إلى السبايا ليطاف بهما معاً لإخافة الناس، ولتأكيد قوة، وشوكة، ونكث المجرمين.

هؤلاء يبكين علينا، فمن قتلنا؟!:

1 - عن حذام الأسدي - ومرة أخرى حذيم -: قدِمتُ الكوفة سَنَة إحدى وستينَ وهِيَ السَّنَة التي قُتِلَ فِيهَا الحُسَينُ «علیه السلام»، قرَأيتُ نِساءَ أهل الكوفة يَومَئِذٍ يَلْتَدِ منَ مُهتِكِاتِ الجُيوب، ورَأَيتُ عَلِيَّ بنَ الحُسَين «علیه السلام» وهُوَ يَقولُ بِصَوتِ ضَئيل، وقد نَحَلَ مِنَ الْمَرَضِ: يا أهل الكوفة، إنَّكُم تَبكونَ عَلَينا فَمَن قَتَلْنَا غَيرَكُم؟

ثُمَّ ذكَرَ الحَدِيث َوهُوَ عَلى لفظ هارون بن مُسلِم، وأخبَرَ هارونُ بنُ مُسلِمٍ بن سَعدانَ، َقالَ: أَخْبَرَنَا يَحيَى ْبنُ حَمَّادٍ البَصْرِيُّ، عَن يَحيَى بن الحَجاج، عَن جَعفر بن مُحَمَّدٍ، عَن آبائِهِ «علیهم السلام»، قال:

لمّا أُدخِلَ بِالنّسوَةِ مِن كَربَلاءَ إلى الكوفة، كانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَين «علیه السلام» ضَئيلاً قد نَهَكَتهُ العِلَّة، ورأيتُ نِساءَ أهل الكوفة مُشقّقاتِ الجُيوب عَلى الحُسَين بن عَلِيٍّ «علیهما السلام»، فَرَفَعَ عَلِيُّ بنُ الحُسَين بن عَلِيٍّ «علیهم السلام» رَأسَهُ، فَقالَ: أَلا إِنَّ هؤلاء يَبكينَ فَمَن قَتَلْنا؟! (1).

2 - سارَ ابنُ سَعِدٍ بِالسَّبي... فلمّا قاربوا الكوفة اجتَمَعَ أهلها لِلنَّظر إليهنَّ.

قالَ الرّاوي: فأشرفتِ امْرَأَةٌ مِنَ الكوفيّات، فقالت: من أيّ الأسارى أنتُنَّ؟

فَقُلنَ: نَحنُ أُسارى آلِ مُحَمَّدٍ «صلی اللّه علیه وآله».

فَنَزَلْت مِن سَطحِها، فَجَمَعَت مُلاءً وأَزْرا و مَقانِعَ فَأَعطتهُنَّ فَتَغَطِّينَ.

وكانَ مَعَ النِّساءِ عَلِيُّ بنُ الحُسَين، قد نَهَكَتهُ العِلَّهُ، وَالحَسَنُ بنُ الحَسَن المُثنّى، وكان قد واسى عَمَّهُ وَإِمَامَهُ فِي الصَّبْرِ عَلَى


1) بلاغات النساء ص 37 و (نشر مكتبة بصيرتي) ص 23 والأمالي للمفيد ص 321 ح 8 والأمالي للطوسي ص 91 ح 142 والإحتجاج ج 2 ص 109 ح 170 و (ط دار النعمان) ج 2 ص 29 عن حذيم بن شريك نحوه، وبحار الأنوار ج 45 ص 164 ح 8 وراجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 245 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 120 و 121 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 40 والفصول المهمة ص 190 وكشف الغمّة ج 2 ص 263 والحدائق الورديّة ص 124 كلها نحوه والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 368.

الرِّماحِ، وإنَّمَا ارتثَّ وقد أُتَّخِنَ بالجراح.

وكانَ مَعَهُم أيضا زيدٌ وعَمْرُو وَلدَا الحَسَن السبط «علیه السلام»، فَجَعَلَ أهلُ الكوفة ينوحون ويبكون.

فَقالَ عَلِيُّ بنُ الحُسَين «علیه السلام»: أتَنوحونَ وتَبكونَ مِن أجلنا؟ فَمَن ذا الذي قتلنا؟! (1).

ونقول:

السؤال المحرج والصريح:

إن سؤال الإمام السجاد «علیه السلام» عن نسوة أهل الكوفة بقوله : ألا إِنَّ هَؤُلاءِ يَبكِينَ عَلَيْنَا فَمَن قَتَلنا؟! هذا السؤال وإن بدا سؤالاً بسيطاً وساذجاً في ظاهره، ولكنه عميق ودقيق، حيث نلاحظ ما يلي:

1 - إنه «علیه السلام» قد أورد كلامه بصيغة السؤال، الذي يجعل سامعه سواء كان مخاطباً، أو غير مخاطب، أو حتى لو كان من فريق لا يعرف الإمام الحسين، ولا يعرف قتلته، أو كان إنسانا قد ولد بعد حادثة عاشوراء، وعرف بنتائجها، ثم قرأ أو ذكر له هذا السؤال، فإنه سيعود إلى نفسه ليبحث عن الإجابة علىه، فإن لم يجد لديها جواباً، فإنه سوف يبحث عن جواب له عند العلماء، أو في


1) الملهوف ص 190 و (نشر أنوار الهدى) ص 86 وبحار الأنوار ج 45 ص 108 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 377 وراجع: مثير الأحزان ص 85 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 66.

مطاوي كتب التاريخ..

2 - وإذا كانت كلمته «علیه السلام» هي: «إنكم تبكون علينا، فمن قتلنا غيركم»؟! فإن الأمر يصبح أكثر إحراجاً لنساء الكوفة، فهو بمثابة توجيه اتهام صريح لأهل الكوفة : بأنهم هم الذين قتلوا أهل البيت «علیهم السلام».

3 - إنه «علیه السلام» بكلامه هذا يسجل على أهل الكوفة : أنهم يفعلون أموراً متناقضة تبعث على الحيرة، وسياق عبارته يشير إلى أن هذا الأمر قد أثار استغرابه، فإن من يقتل أقدس البشر وأعلمهم وأتقاهم، وأفضلهم، وإمام أهل الأرض، وسليل النبوة، وسيد شباب أهل الجنة ولا يشفق على قريب أو صديق له، ثم يأسر نساءه وأطفاله يكون من أعتى الناس، وأقساهم قلباً، وأشدهم عنتاً وجحوداً وكفراً، وأبعدهم عن أن يكون لديه مشاعر إنسانية، وعواطف نبيلة، وقيم، ومبادئ أخلاقية، فكيف يبكي هذا القاتل؟!

أو كيف يسمح لأحد من أهل بيته بأن يبكي على ضحاياه، الذين حرص أشد الحرص على مواجهتهم بأنواع البلايا، وأنزل بهم أقسى أنواع الأذايا والمصائب؟!

وقد جاء سؤال الإمام السجاد «علیه السلام» لنساء أهل الكوفة ليثير لديهن هذه الأسئلة، وينبه إلى هذه المعاني بالذات.

4 - وتتأكد ضرورة إثارة هذه الأسئلة، إذا كنا نعلم أن نساء أهل الكوفة كنَّ يعلمن أن رجالهنَّ سواء أكانوا آباء، أو إخوة، أو أبناء، أو

أقارب إنما خرجوا من الكوفة لقتال الحسين. وقد قتلوه، وهذا رأسه، ورؤوس أصحابه، تدخل الكوفة على رؤوس الرماح، وتلك عياله وأطفاله يدخلون الكوفة سبايا، وبضعة نفر نبت السيوف، كالإمام زين العابدين وبعض آخر يدخلون بهم أيضاً إلى ذلك البلد أسرى مقهورين...

أسارى آل محمد:

ألف: بذلك يظهر: أن الكوفية التي سألت السبايا: «من أي الأسارى أنتن»؟! ربما كانت امرأة معزولة في بيتها، ومحيطها، ولا تعرف مما يجري حولها، إلا النزر اليسير. ولعلها كانت تعيش في حواشي الكوفة وأطرافها، كما تعيش بعض العوائل في زراعاتها، أو مع مواشيها، ويقتصر اتصالها بالناس على بيع ما يباع من تلك الزراعة، أو من ألبان تلك المواشي، أو أي منتجات أخرى.

وقد رأينا: أن نساء الإمام الحسین «علیه السلام» أجَبْنَ تلك المرأة: نحن نساء آل محمد، ولم يقلن: نحن نساء الحسین «علیه السلام»، ولعل من أسباب هذا الجواب:

أولاً: أن الحرب على الإمام الحسین «علیه السلام» كان يراد منها الانتقام من النبي «صلی اللّه علیه وآله» لقتله المشركين في غزوة بدر.

ثانياً: إبطال محاولات إنكار موقعية الحسنين «علیهما السلام» من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، تارة، بزعم: أن أبناء الرجل هم

الذكور وأبناؤهم. أما أبناء البنت فليسوا أبناء له..

وأخرى، بزعمهم: أن الحسین «علیه السلام» هو المعتدي، وقاطع الرحم، وأنه يجب أن ينال جزاءه.

وكلا هذين الأمرين باطل، فالحسین «علیه السلام» معصوم ومطهر من كل ذنب بنص القرآن، والمعتدي هم بنو أمية وأشياعهم، لأنه هو الإمام الحق للأمة بنص النبي «صلی اللّه علیه وآله»، وقد بايعه يزيد على أنه هو الخليفة بعد معاوية.. كما نص عليه ابن أعثم، وكما ذكره ابن الزبير في خطبته بعد استشهاده «علیه السلام»(1).

كما أن ابن عنبة يصرح: بأن الأمر من بعده للحسن ثم للحسين «علیهما السلام» (2).

كما أن الحسين لم يأت إلى العراق بجيوش، ولا هيأ العتاد والسلاح للحرب، بل جاء بأهل بيته ونسائه، ومعهم بضع عشرات من الأصحاب.

وسبب ذلك : أنه كان ملاحقا من قبل بني أمية، ويريدون قتله ولو كان متعلقا بأستار الكعبة..

كما أننا لم نسمع منه : أنه أعلن أنه خارج على يزيد، بل أعلن


1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 149.

2) عمدة الطالب ص 67.

أنه خرج لطلب الإصلاح في أمة جده.

وأما الحديث عن إنكار بنوة الحسنين لرسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله»، فتكذِّبه تصريحات رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» ببنوتهما له في عشرات النصوص..

من هم الأسرى؟!:

وتقدم: أن الأسرى الذين كانوا مع السبايا ما عدا المماليك والإماء الذين كانوا معهم أيضاً بحسب رواية ابن طاووس، وابن نما، وغيرهما هم:

1 - الإمام السجاد «علیه السلام».

2 - الحسن بن الحسن المثنى. الذي كان قد ارتث وأثخن بالجراح بعد أن قتل من الأعداء سبعة عشر رجلاً.

3 - زيد بن الحسن «علیه السلام».

4 - عمرو بن الحسن «علیه السلام».. وقد تقدم.

5 - القاسم بن عبد اللّه بن جعفر.

6 - محمد بن عقيل الأصغر.

7 - محمد الباقر «علیه السلام»(1).


1) راجع ما تقدم في: الملهوف ص 190 و 191 و (نشر أنوار الهدى) ص 86 وبحار الأنوار ج 45 ص 108 ومثير الأحزان ص 85 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 66 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد (تحقيق السيد عبد العزيز الطباطبائي) ص 78 وتسمية من قتل مع الحسين ص157 ص78 ومقاتل الطالبيين ص 119 و (ط المكتبة الحيدرية) ص79 وتاريخ أبي الفداء ج 1 ص 266 وكامل البهائي لعماد الدين الطبري ص 290 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 377.

وغيرهم..

وقال ابن نما: «قال علي بن الحسين «علیه السلام»: أدخلنا على يزيد، ونحن اثنا عشر رجلاً مغللون» (1).

إستقبال السبايا في مصادر متأخرة:

هناك نصوص لم نجدها في المصادر المتقدمة التي بين أيدينا، بل وجدت في مصادر متقدمة، أو في مصادر أبهم الناقل عنها كالمجلسي - اسمها. وقد تحاشينا في كتابنا هذا الأخذ من هذه الكتب المتأخرة، باستثناء مواضع يسيرة منها.

ونحن نذكر هنا ثلاثة نصوص، ثم نناقشها، وهي التالية:

1 - ما رواه سهل بن حبيب الشهرزوري قال: كنت قد أقبلت في تلك السنة، أريد الحج إلى بيت اللّه الحرام، فدخلت الكوفة، فوجدت الأسواق معطلة، والدكاكين مغلقة، والناس مجتمعون خلقا كثيراً، حلقا


1) مثير الأحزان ص 98 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 78 وبحار الأنوار ج 45 ص 132 والعوالم، الإمام الحسين ج17 ص 432.

حلقاً، منهم من يبكي سراً، ومنهم من يضحك جهراً.

فتقدمت إلى شيخ منهم، وقلت له يا شيخ ما نزل بكم؟! أراكم مجتمعين كتائب ألكم عيد لست أعرفه للمسلمين ؟!

فأخذ بيدي، وعدل بي ناحية عن الناس، وقال: يا سيدي ما لنا عيد، ثم بكي بحرقة ونحيب.

فقلت : أخبرني يرحمك اللّه؟!

قال: بسبب عسكرين: أحدهما منصور، والآخر مهزوم مقهور.

فقلت: لمن هذان العسكران؟

فقال: عسكر ابن زياد وهو ظافر منصور ! وعسكر الحسين بن علي «علیهما السلام»، وهو مهزوم مكسور.

ثم قال: واحرقتاه أن يدخل علينا رأس الحسين!

فما استتم كلامه، إذ سمعت البوقات تضرب، والرايات تخفق، قد أقبلت، فمددت طرفي، وإذا بالعسكر قد أقبل ودخل الكوفة.

فلما انقضى دخوله سمعت صيحة عالية، وإذا برأس الحسين «علیه السلام»، قد أقبل على رمح طويل، وقد لاحت شواربه، والنور يخرج ساطعاً من فيه، حتى يلحق بعنان السماء.

فخنقتني العبرة لما رأيته، وأقبلت من بعده أم كلثوم «عليها وعلى آبائها السلام»، وعليها برقع خز أدكن، وهي تنادي: يا أهل الكوفة، نحن واللّه سبايا الحسين، غضوا أبصاركم عن النظر إلينا.

معاشر الناس، أما تستحيون من اللّه ورسوله؟! تنظرون إلى حريم نبيكم رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وحريم علي المرتضى وفاطمة الزهراء «علیها السلام».

قال: فغضوا الناس أبصارهم من النظر إليهم.

قال سهل بن حبیب «رضي اللّه عنه»: فوقفوا بباب بني خزيمة ساعة من النهار، والرأس على قناة طويلة، فتلا سورة الكهف، إلى أن بلغ في قراءته إلى قوله تعالى: «أمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا» (1).

قال سهل: واللّه، إن قراءته أعجب الأشياء، ثم بكيت وقلت: إن هذا أمر فظيع، ثم غشي علي، فلم أفق من غشوتي إلى أن ختم السورة.

قال: وأقبلوا بالرأس إلى عبيد اللّه بن زياد.

قال بعضهم: حدثني بعض من حضر ذلك اليوم، قال: رأيت ناراً قد خرجت من القصر، فولى عبيد اللّه بن زياد هارباً من مجلسه إلى بعض البيوت، وارتفعت النار، وتكلم الرأس بصوت فصيح ولسان طلق، حتى سمعه عبيد اللّه بن زياد «لعنه اللّه»، وجميع من في القصر، وهو يقول: إلى أين تهرب يا لعين؟ إن عجزت عنك النار في الدنيا، فما تعجز عنك في الآخرة.


1) الآية 9 من سورة الكهف.

قال: هي مثواك يوم القيامة.

قال: فوقع كل من كان حاضراً على ركبهم سُجَّدًا من تلك النار، وكلام الرأس، فلطموا على رؤوسهم، لأجل ذلك.

فلما ارتفعت وسكت الرأس، رجع عبيد اللّه بن زياد، وجلس في مجلسه، ودعا بالرأس، فاحضر بين يديه وهو في طست من الذهب، وجعل يضرب بقضيب في يده على ثناياه، وينكتها، ويقول: قد أسرع الشيب إليك يا أبا عبد اللّه.

فقال له رجل من القوم: مه فإني [رأيت] رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، يلثم حيث تضع قضيبك.

فقال: يوم بيوم بدر، وأراد أن يصلبه في الكوفة، فخشي أن يتكلم عليه بكلام آخر (1).

وقد ذكرنا نحن فيما تقدم قول حذلم بن ستير: إن السبايا دخلن الكوفة على الجمال بغير وطاء، وأن الإمام السجاد «علیه السلام» قد نهكته العلة، وفي عنقه الجامعة، ويده مغلولة إلى عنقه (2).


1) مدينة المعاجز ج4 ص 121 - 124.

2) الأمالي للمفيد ص 320 و 321 والأمالي للطوسي ص 91 وبحار الأنوار ج 45 ص 164 و 162 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 371 و 368 والإحتجاج ج 2 ص 29 والملهوف ص192 و (نشر أنوار الهدى) ص84 والفصول المهمة ص 192 و المنتخب للطريحي ص 350.

2 - لما وصل إلى ابن زياد خبر عودة جيش عمر بن سعد إلى الكوفة، أمر أن لا يحمل أحد من الناس السلاح في الكوفة، كما أمر عشرة آلاف فارس أن يأخذوا السكك والأسواق، والطرق والشوارع خوفا من أن يتحرك الناس حميّة وغيرة على أهل البيت «علیهم السلام» إذا رأوا بقيتهم بتلك الحالة من الأسر والسبي.

وكان عدد نفوس أهل الكوفة آنذاك يربو على ثلاثمائة ألف نسمة. وأمر أن تجعل الرؤوس في أوساط المحامل أمام النساء، وأن يُطاف بهم في الشوارع والأسواق، حتى يغلب على الناس الخوف والخشية (1).

3 - لا شك في أن العلامة المجلسي «رحمه اللّه» هو من أعاظم علمائنا المعتمدين.. ولكنه قد نقل بعض النصوص من كتب كانت في حوزته، لم يذكر لنا اسمها، ولعل سبب ذلك: أنها كانت قد تعرضت لتلف بعض أوراقها التي تحمل اسم الكتاب، واسم المؤلف، ومن ذلك:

قال المجلسيّ «رحمه اللّه»: رأيت في بعض الكتب المعتبرة، روى مرسلاً عن مسلم الجصاص قال: دعاني ابن زياد لإصلاح دار الإمارة بالكوفة، فبينما أنا أجصص الأبواب، وإذا أنا بالزعقات قد ارتفعت من جنبات الكوفة، فأقبلت على خادم كان يعمل معنا، فقلت ما لي أرى الكوفة تضجّ؟


1) معالي السبطين ج 2 ص 57 عن روضة الصفا.

قال: السّاعة أتوا برأس خارجيّ، خرج على يزيد بن معاوية.

فقلت: من هذا الخارجي؟

قال: الحسين بن عليّ.

قال: فتركت الخادم حتى خرج ولطمت وجهي، حتى خشيت على عيني أن تذهبا !

وغسلت يدي من الجص، وخرجت من ظهر القصر، وأتيت إلى الكناس، فبينما أنا واقف والنّاس يتوقعون وصول السبايا والرؤوس، إذ قد أقبلت نحو أربعين شقة تحمل على أربعين جملا، فيها الحرم والتساء، وأولاد فاطمة «علیها السلام»، وإذا بعلي بن الحسين على بعير بغير وطاء وأوداجه تشخب دما، وهو مع ذلك يبكي ويقول:

يا أمّة السوء لا سقيا لربعكم***يا أمّة لم تراع جدنا فينا

لو أننا ورسول اللّه يجمعنا***يوم القيامة ما كنتم تقولونا

تسيّرونا على الأقتاب عارية***كأننا لم نشيد فيكم دينا

بني أمية ما هذا الوقوف***تلك المصائب لا تلبون داعينا

تصفقون علينا كقكم فرحاً***وأنتم في فجاج الأرض تسبونا

أليس جدّي رسول اللّه ويلكم***أهدى البرية من سبل المضلينا

يا وقعة الطف قد أورثتني***واللّه يهتك أستار المسيئينا

قال: وصار أهل الكوفة يناولون الأطفال الذين على المحامل

بعض التمر والخبز والجوز، فصاحت بهم أم كلثوم، وقالت: يا أهل الكوفة إنّ الصدقة علينا حرام وصارت تأخذ ذلك من أيدي الأطفال، ومن أفواههم وترمي به إلى الأرض.

قال: كلّ ذلك والنّاس يبكون على ما أصابهم.

ثمّ إنّ أمّ كلثوم «علیها السلام» أطلعت رأسها من المحمل، وقالت لهم:

صهٍ يا أهل الكوفة! تقتلنا رجالكم وتبكينا نساؤكم؟! فالحاكم بيننا وبينكم اللّه يوم فصل القضاء !

فبينما هي تخاطبهنّ، إذا بضجّة قد ارتفعت، فإذا هم أتوا بالرؤوس، يقدمهم رأس الحسين، وهو رأس زهريّ قمري، أشبه الخلق برسول اللّه، ولحيته كسواد السبج، قد انتصل منها الخضاب ووجهه دائرة قمر طالع! والرمح (لعل الصحيح: والريح) تلعب بها يميناً وشمالاً.

فالتفتت زينب «علیها السلام»، فرأت رأس أخيها، فنطحت جبينها بمقدّم المحمل، حتى رأينا الدّم يخرج من تحت قناعها، وأومت إليه بخرقة (لعل الصحيح: بحرقة) وجعلت تقول:

يا هلالاً لما استتم كمالاً***غاله خسفه فأبدى غروبا

ما توهمّت يا شقيق فؤادي***كان هذا مقدَّراً مكتوبا

يا أخي فاطم الصغيرة كلّمها***فقد كاد قلبها أن يذوبا

يا أخي قلبك الشفيق علينا***ماله قد قسى وصار صليبا

يا أخي لو ترى عليّاً لدى***مع اليتم لا يطيق وجوبا

كلما أوجعوه بالضرب ناداك***بذل يفيض دمعاً سكوبا

يا أخي ضمّه إليك وقرّبه***وسكّن فؤاده المرعوبا

ما أذلّ اليتيم حين ينادي***بأبيه ولا يراه مجيبا (1)

ونقول:

قبل أن نلقي نظرة موجزة على هذه النصوص نذكر معاني بعض الألفاظ، فنقول:

الكناس والكناسة : موضع بالكوفة، وكل فسحة في فناء منزل تلقى فيها الزبالة والأتربة والحجارة.

الشقة : الشظية، أو القطعة المشقوقة من لوح أو خشب، أو غيره

السَّبَج : حجر أسود شديد السواد براق له فوائد طبية. وهو معرَّب شبة.

نصل الخضاب: أي خرجت اللحية من الخضاب بسبب نمو الشعر، أو لأي سبب آخر.


1) بحار الأنوار ج 45 ص 114 و 115 والعوالم، الإمام الحسين ج17 ص 373 وينابيع المودة ص 471 و (ط دار الأسوة) ص 86 و 87 وعن المنتخب للطريحي ص 263.

هل كان هناك عسكران؟!:

ذكرت الرواية المتقدمة برقم [1]: أن سهل بن حبيب سأل شيخاً عن سبب تعطيل الأسواق، وتجمع الناس، فأخبره أن عسكرين التقيا، فكان أحدهما ظافراً منصوراً، والآخر مهزوماً مكسوراً..

وهذا التعبير مجاف للحقيقة، فلم يكن لدى الحسين «علیه السلام» عسكر، بل كان معه أهل بيته، ونساؤه وأطفاله، وبعض أصحابه، الذين قد يحتاج إليهم في سفره الطويل، في صحراء قاحلة، لا تخلو عادة من المخاطر، مثل اللصوص وقطاع الطرق والوحوش الكاسرة.

وهم بمجموعهم أقل من مئة رجل كما تقدم، وقد جاء «علیه السلام» تلبية لدعوة من يزعمون أنهم بحاجة إليه لحل مشاكلهم، وإصلاح أمورهم، فهو قد جاء إلى العراق مصلحاً، ولم يأتِ مقاتلاً.

ولأجل ذلك لم يجمع الجيوش، ولا طلب من الناس في الأقطار أن يلتحقوا به. بل هو قد طلب من الناس الذين التحقوا به: أن يتفرقوا عنه، ورغبهم في ذلك موضحاً لهم: أن الأمور سوف لا تجري كما يحبون أو يتوقعون.

ولكنّ بني أمية بادروا إلى أخذ الطريق عليه، وجعلوه أمام خیارین:

إما أن يؤخذ أسيراً مخفوراً، ويسلم إلى ابن زياد، ليرى فيه رأيه الذي لن يكون إلا القتل بصورة ذليلة ومهينة..

أو القتل عطشاناً في تلك الصحراء، على يد جيش يحيط به من مختلف الجهات، قد يزيد على ثلاثين ألفاً، فضلا عن الآلاف الأخرى، المنتشرة في المناطق القربية أو البعيدة.

فإن كان الهدف من إيراد هذا النوع من التعابير، هو الإيحاء: بأن الحسين «علیه السلام» قد جاء مقاتلا، ومعه عسكر وجيش، وقد هزمه عسكر يزيد وكسره فهذا افتئات على الحق والحقيقة، وتحريف للوقائع بمهارة وذكاء.

ظهور النار في القصر:

وذكرت رواية سهل بن حبيب المتقدمة: أن النار حين خرجت من القصر وهرب منها ابن زياد ناداه الرأس الشريف: «إلى أين تهرب يا لعين؟! إن عجزت عنك النار في الدنيا، فما تعجز عنك في الآخرة».

وهذا الكلام أيضاً غير معقول، ولا مقبول، فإن هذه النار إنما خرجت من القصر بطريقة إعجازية، وبفعل إلهي، بهدف إظهار القدرة الإلهية المطلقة، والضعف والعجز لدى أعداء اللّه، ليعرف الناس: أن قتلهم للحسين «علیه السلام» لا يعني أن اللّه تعالى عاجز عن أخذهم أخذ عزيز مقتدر.. ولا يعني أن اللّه تعالى قد صرف النظر عن أوليائه وأحبائه، وأن منزلتهم عنده قد تلاشت.

فالنار لم تعجز عن ابن زياد، لأنها لم تكن بصدد الوصول إليه، بل كان الغرض منها شيئاً آخر، هو ما ذكرناه.

وإلا فإن عجز النار عن ابن زياد لو صح لكان معناه: أن اللّه تعالى هو الذي عجز عنه..

وقال بعض الإخوة الأكارم: المراد: إنها إن عجزت عن ابن زياد ظنه أو زعمه، لأجل هروبه، فلن تعجز عنه في الآخرة، لأنه لن يستطيع حينها أن يهرب منها.

تدابير احترازية في الكوفة:

أما ما ذكره الحائري في معالي السبطين، فلا نعرف مصدره، ولم نجده فيما بين أيدينا من الكتب المعتمدة فإن كان قد أخذه من أمثال كتاب روضة الشهداء، فهذا الكتاب ليس من الكتب المعتمدة، وقد توفي مؤلفه: الحسين بن علي الكاشفي سنة 930 ه. وقد سجل كثير من العلماء مؤاخذات على هذا الكتاب، ومنهم أبو الحسن الشعراني، كما ذكر في المقدمة التي طبعت في أول كتاب روضة الشهداء.

كما أن عبد اللّه أفندي - مساعد العلامة المجلسي - قد سجل تحفظه عليه(1).

وكذلك المحدث النوري في كتابه: اللؤلؤ والمرجان، والسيد محسن الأمين (2)، والسيد محمد علي القاضي (3).


1) رياض العلماء ج 2 ص 190.

2) أعيان الشيعة ج 6 ص 122.

3) تحقيق حول أربعين سيد الشهداء (فارسي) ص 66.

ونسب ذلك أيضاً إلى الشهيد مطهري.

وقد أورد بعض الإخوة أمثلة على ما فى هذا الكتاب من عجائب وغرائب، مثل:

1 - أن عدد الجراح في جسم الإمام الحسین «علیه السلام» بلغ اثنين وعشرين ألفا (1).

2 - التصاق الرؤوس بأجساد أولاد مسلم (2).

3 - إن هاشم المرقال كان في كربلاء (3). مع أن هاشما استشهد في صفين.

وأضاف إلى ما تقدم:

4 - قصة زعفر الجني (4). مع أن هذه القصة قد يكون لها أصل، وليس لدينا ما يدل على أنها مختلفة.

5 - عرس القاسم (5). ونقول فيه كما قلنا في قصة زعفر الجني.

غير أن ما يريبنا هو عدم وجود هاتين القصتين في المصادر التي بين أيدينا، مما هو سابق على زمانه


1) روضة الصفا ص 60.

2) روضة الصفا ص 241.

3) روضة الشهداء ص 300.

4) روضة الشهداء ص 346.

5) روضة الشهداء ص 346.

الشعر الذي قاله السجاد «علیه السلام»:

وعن الشعر الذي يقال: إن السجاد «علیه السلام» قد أنشده نقول:

ألف: إن هذه الأبيات التي تنسب إلى الإمام زين العابدين «عليه السلام» لا تخلو من ملاحظات، فمثلاً:

1 - قوله في الشطر الثانى من البيت الأول:

يا أمّة السوء لا سقياً لربعكم***يا أمّة لم تراعي جدنا فينا

فإن استقامة الوزن تحتاج إلى المد الذي يظهر الياء في كلمة تراع، مع أنها مجزومة ب«لم»، وهذا يقتضي حذف الياء، فلو أنه قال: «لم تراقب جدنا» لسلم من هذا المحذور.

2 - في البيت الثالث قال:

تسيرونا على الأقتاب عارية***كأننا لم نشيِّد فيكم دينا

فكلمة «تسيرونا» فعل مضارع، وهي من الأفعال الخمسة التي ترفع بثبوت النون، فلماذا إذن حذف نون الرفع، واكتفى بضمير جمع المتكلمين، وهو كلمة «نا».

3 - قوله في البيت الرابع :

بني أمية ما هذا الوقوف***تلك المصائب لا تُلبون داعينا

قد أخرج فيه هذا الشعر عن الوزن الصحيح ولو قال مثلا:

بني أمية ما هذا الوقوف***تلك المصائب لم تصغوا لداعينا

لاستقام الوزن.

4 - ولو بدل قوله:

تصفقون علينا كقكم فرحاً

بقوله:

أتصفقون علينا كقكم فرحاً*** لكان أولى.

5 - وقوله في البيت السادس:

***أهدى البرية من سبل المضلينا

ظاهر الركاكة والاضطراب.

ب: بالنسبة للأبيات المنسوبة لزينب «علیها السلام»، نقول:

1 - ورد في هذه الأبيات قولها في البيت الثالث:

يا أخي، فاطم الصغيرة كلّمها***فقد كاد قلبها أن يذوبا

مع أن فاطمة بنت الحسین «علیه السلام» لم تكن صغيرة، بل كانت متزوجة من الحسن المثنى، وقد ذكروا: أن الحسن هذا خطب إلى عمه الحسين إحدى ابنتيه.

فقال له الحسین «علیه السلام»: اختر يا بني أحبهما إليك

فاستحى الحسن، ولم يحر جواباً.

فقال الحسین «علیه السلام» فإنني قد اخترت لك ابنتي فاطمة، وهي أكثرهما شبها بأمي فاطمة بنت رسول اللّه «صلى اللّه عليه

وآله»(1).

وعن الزبير بن بكار: أن الحسن لما خيَّره عمه اختار فاطمة(2)، وعن مصعب الزبيري نحوه (3).

وكان هذا التزويج في السنة التي قتل فيها الحسين «عليه السلام» (4)على الظاهر.

وأم فاطمة هي أم إسحاق (5)، التي كانت زوجة للإمام الحسن


1) الإرشاد للمفيد ج 2 ص 25 والعدد القوية ص355 والأغاني ج21 ص 115 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 21 ص79 وبحار الأنوار ج 44 ص 167 وإسعاف الراغبين ص 229 و 230 والكنى والألقاب ج 2 ص 465 ومقاتل الطالبيين ص 180 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 122 ولباب الأنساب ج 1 ص 385 وعمدة الطالب ص 98 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 750 وإعلام الورى ج 1 ص 417 وكشف الغمة ج 2 ص 205 و (ط دار (الأضواء) ج 2 ص 202 وسر السلسلة العلوية ص6 وقاموس الرجال ج 12 ص 314 والدر النظيم ص 519.

2) مقاتل الطالبین ص 180 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 122 والأغاني ج 21 ص 115 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 21 ص 79.

3) نسب قريش ص51 و تاريخ مدينة دمشق ج 70 ص17 والأغاني (ط دار إحياء التراث العربي) ج 16 ص 362.

4) لباب الأنساب ج 1 ص 385 وراجع تاريخ مدينة دمشق ج 70 ص 17 والمعارف لابن قتيبة ص 213 ونسب قريش ص59.

5) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 5 ص 319 والمحبر للبغدادي ص 404 والمعارف لابن قتيبة ص 200 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج8 ص 95 وصبح الأعشى ج 1 الأعشى ج 1 ص 500 والمحاضرات والمحاورات ص 423 وجمهرة أنساب العرب ص 41.

«علیه السلام»، فتزوجها الإمام الحسین «علیه السلام» بعده، فولدت فاطمة.

ويبدو: أن فاطمة ولدت سنة خمسين. وكانت أكبر من سكينة.

2 - كما أن مضمون البيت الرابع يقول : إن قلب الحسين. كان شفيقاً، ثم تغير وأصبح قاسياً وصليباً.

وهذا أمر مرفوض وغير صحيح.

3 - ذكرت الأبيات: أن عليا الأسير لا يطيق مع يتمه وجوباً، وفي هذا مؤاخذة من جهتين:

أولاهما : إنه وصف زين العابدين «علیه السلام» باليتيم في هذا البيت الخامس، ثم أكد ذلك في البيت الأخير، مع أن عمر الإمام السجاد يوم عاشوراء كان ثلاثاً وعشرين سنة، بل أكثر من ذلك بناء على بعض الأقوال الأخرى: فهل يمكن وصف من يكون بهذه السن يتيماً ؟!

الثانية: قولها:

يا أخي لو ترى عليّاً لدى***مع اليتم لا يطيق وجوبا

فحتى إذا فسرنا الوجوب بالثبوت، فإنه لا معنى لقول القائل : فلان لا يطيق ثبوتاً، ولا يكون بمعنى الثبات والتماسك.

4 - ورد في هذه الأبيات قولها «علیها السلام»: إن الإمام زين العابدين «علیه السلام»:

كلما أوجعوه بالضرب ناداك***بذل يغيض دمعاً سكوبا

ولنا على هذا البيت ثلاث مؤاخذات هي:

ألف: إن المناسب هو: أن يفيض الدمع السكوب، كلما أوجعوه بالضرب، لا أن يغيض ويجف، إلا إن كانت كلمة يفيض قد تعرضت للتصحيف، فصارت يغيض.

ب: هل صحيح أن الأعداء كانوا يوجعون الإمام السجاد «علیه السلام» بالضرب؟!

فلو كان الأمر كذلك لنقل إلينا بكثافة، لتوفر الدواعي على نقله من الأعداء، لإظهار ذلة الإمام «علیه السلام»، ومن الأولياء لإظهار شدة مظلوميته «علیه السلام»، وقدر فجور أعدائه، ولغير ذلك من أهداف.

ج: هل صحيح أنه «علیه السلام» كان حين يضربه الأعداء ينادي أباه بذل، وتفيض عيناه بالدموع؟! حيث قالت:

كُلِّمَا أَوْجَعُوهُ بِالضَّرْبِ نَادَاكَ***بذلُّ يَفِيضُ دَمْعَاً سَكُوبَا

5 - هل صحيح: أن فؤاد الإمام السجاد «علیه السلام» كان مرعوباً من الأعداء، أم أنه كان صابراً محتسباً، وراسخاً كالجبل، ومسلما أمره إلى اللّه سبحانه؟!

الصدقة علينا حرام:

وتذكر الرواية : أن أم كلثوم صاحت بأهل الكوفة، حين صاروا يناولون الأطفال بعض التمر، والجوز والخبز، وقالت يا أهل الكوفة، إن الصدقة علينا حرام.

وصارت تأخذ ذلك من أيدي الأطفال وأفواههم، وترمي به إلى الأرض.

والسؤال هو : إن الصدقة الواجبة هي: الزكاة، وهي المحرمة على بني هاشم، لأنها من أوساخ الناس (1).

أما الصدقة المستحبة، فلا تحرم عليهم.. فكيف قالت لهم أم كلثوم ذلك؟! وما معنى أخذ هذه الأشياء من أيدي الأطفال وأفواههم، ورميها إلى الأرض ؟! أليس هذا إتلافاً للمال من دون مبرر؟!

ونجيب:

إن الصدقة المستحبة إذا كانت مظهراً من مظاهر الذل والمهانة للآخذ.. ودليلاً على ضعفه وانكساره، ومن موجبات التبعية والوهن والنظر إليه بعين الازدراء، والاستضعاف.


1) كشف الغمة للشعراني ص 154 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 9 ص 268 و (الإسلامية) ج 6 ص 185 و 186 والإستبصار ج 2 ص 35 والكافي ج 4 ص58 وتهذيب الأحكام ج 4 ص 58 ومرآة العقول ج 16 ص 190 ونور الثقلين (تفسير) ج 2 ص 235 ومنتقى الجمان ج 2 ص 402.

ومن موجبات غرور المعطي، وتعاليه، وشموخه بأنفه، ونظره في عطفه، وتبرئته نفسه من أعظم الجرائم وأفظعها، - إن كان الأمر كذلك، كما هو غير بعيد - فإن هذه الصدقة تصبح حراماً على الآخذ، كما أنه يحرم إعطاؤها من الذي يريد ذلك.

زينب نطحت رأسها بمقدم المحمل:

وذكرت الرواية المتقدمة : أن زينب «علیها السلام» نطحت رأسها بمقدم المحمل، فرأى الناس الدم يخرج من تحت قناعها.

وهذا إن صح، فهو يدل على جواز أن يدمي الإنسان نفسه حزنا على الإمام الحسین «علیه السلام»، لاسيما مع وجود الإمام السجاد، ولم يظهر أنه لا يستطيع النهي عن الحرام.. وقد تحدثنا عن هذا الموضوع في كتاب «مراسم عاشوراء»، وذكرنا عشرات الشواهد على ذلك، فلا بأس بالرجوع إلى ما ذكرناه هناك.

رأس الحسين «علیه السلام» في شوارع الكوفة:

وتقدم: أنهم حين كانوا يطوفون بالسبايا فى أزقة الكوفة، أتوا بالرؤوس يقدمهم رأس الحسین «علیه السلام». وهذا يدل على أن الطواف برأس الحسين فى الكوفة كان بعد وصول السبايا إليها.

مئة ألف إنسان في شوارع الكوفة:

ذكر عماد الدين الطبري: أن عبيد اللّه بن زياد أمر أن يضعوا الرأس المقدس على الرمح، ويطاف به في سكك الكوفة، وأسواقها.

وقد قدمنا هذا النص، عن الإرشاد للمفيد، وغيره، وتحدثنا عنه بما ظهر لنا منه.

لكن عماد الدين الطبري زاد هنا قوله: «واجتمع مئة ألف إنسان للنظر إليه (أي إلى الرأس الشريف)، منهم من كان يهنئ، ومنهم من كان يعزي» (1).

وهذا تجمع هائل، قلما يحصل مثله في تلك الأزمنة.. وهو يدل على أن الكوفة كانت مدينة عامرة ومتسعة، ومقصودة للسكنى

ويشهد لصحة الرقم المذكور هنا: ما تقدم في كتابنا هذا، من أن أهل الكوفة كتبوا إلى الإمام «علیه السلام» بعد موت معاوية: إن لك في الكوفة مئة ألف سيف.

فإذا كان له «علیه السلام» في الكوفة هذا العدد من المؤيدين، وانضم إليهم أتباع بني أمية، وهم يعدون بعشرات الألوف أيضا.. فضلا عن الجماعات التي عزلت نفسها، ولم ترد أن تجاهر بالولاء، أو بالعداء. - إذا كان الأمر كذلك - فإن العدد يصير هائلاً وكبيراً قد يصل إلى مئتي ألف إنسان..

أضف إلى ذلك قولهم: إنه كان في الكوفة ما يقرب من خمسة وستين ألفا (2)، ومثلهم من مواليهم (3).


1) كامل البهائي ص290.

2) تاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 59 والكامل في التاريخ ج3 ص 340 ونهاية الأرب ج 20 ص 172.

3) حياة الشعر في الكوفة ص 168.

وقد سير علي «علیه السلام» من الكوفة تسعون ألفا (1).


1) مروج الذهب ج 2 ص 375 وشجرة طوبى ج 2 ص 325 والفتوح لابن أعثم ج 2 ص 544 و الفصول المهمة لابن الصباغ ج 1 ص 498.

الفصل الثاني: خطبة زينب وأم كلثوم، وفاطمة في الكوفة..

اشارة

هكذا جرت الأحداث في الكوفة:

يبدو من سياق النصوص والأحداث: أنها كانت على النحو التالي:

1 - إن عمر بن سعد أرسل رأس الإمام «علیه السلام» إلى الكوفة في اليوم العاشر، مع خولي، وسنان، وربما مع شخص ثالث أيضاً.

2 - إنهم وصلوا إلى الكوفة، فوجدوا القصر مغلقاً، لأن ابن زياد كان بالنخيلة.

3 – الظاهر: أنهم وصلوا بالرأس إلى الكوفة ليلا، لأن شهادة الإمام «علیه السلام» كانت بعد العصر من اليوم العاشر. والمسير من كربلاء إلى الكوفة يحتاج إلى العديد من الساعات.

4 - من أجل ما تقدم، أخذ خولي الرأس إلى بيته، وبقي عنده تلك الليلة، وجرى بينه وبين زوجتيه ما جرى.

5 - لما وصل ابن زياد إلى الكوفة جاءه خولي ومن معه بالرأس الشريف، فرآه، ولكنه لم يجرؤ على إظهاره، خوفاً من تحرك خطير من أهل الكوفة، بسبب الهيجان العاطفي الذي يتوقعه، ولم يكن لدى ابن زياد ما يكفي لدفع غائلة ذلك عن نفسه فأبقاه عند خولي ليلة أخرى.

6 - في اليوم الثاني عشر من المحرم وصل ابن سعد بجيوشه ومعه السبايا، وبقية رؤوس الشهداء إلى الكوفة، فدخلها نهارا. فاطمأن عبيد اللّه إلى قوته، وقدرته على قمع أي تحرك.

7 - لما دخل عمر بن سعد بالسبايا إلى الكوفة، قرر أن يطاف بهن وبالرؤوس التي معه في شوارعها. وكان جيشه معه، وهو يضمن أنه قادر على قمع أي تحرك.

8 - حين واجه السبايا الناس، ومعهم رؤوس الشهداء، جاؤوا برأس الحسین «علیه السلام» وجعلوه في المقدمة، فلما رأته زينب «علیها السلام» نطحت رأسها بمقدمة المحمل كما قيل.

9 - بعد أن طيف بالرأس الشريف في الأزقة والطرقات نصبت الرؤوس في ساحات الكوفة..

10 - في هذا الوقت دعا ابن زياد إلى جلسة عامة في القصر، وجيء إليه برأس الإمام، وبالسبايا والأسرى إلى مجلسه، وجرى بينه وبين زيد بن أرقم، وأنس، والسيدة زينب، والإمام زين العابدين «عليه السلام» ما جرى مما سيأتي بيانه.

11 - لما انتهى هذا المجلس بادر ابن زياد من فوره إلى إجراءات إرسال السبايا والأسرى من بني هاشم.. ورؤوس الشهداء من بني هاشم إلى الشام. أما رؤوس الأصحاب، فقد شفع فيها أهل الكوفة، فلم ترسل.

12 - غاب الإمام السجاد «علیه السلام» من محبسه في الكوفة

في هذه الفترة الوجيزة، ثم تبين أنه قد ذهب إلى كربلاء لدفن الأجساد، ثم عاد كما سنرى أيضاً.

خطبة زينب «علیها السلام» في أهل الكوفة:

ونذكر هنا خطبة السيدة زينب «علیها السلام» حين دخولها الكوفة، وحين قال الإمام السجاد «علیه السلام»: لنساء أهل الكوفة: إنَّ هؤلاء يَبكُونَ عَلينا! فَمَن قَتَلْنا غَيْرَهم؟

فأومَات زَيْنَبُ بنتُ عَلِيٍّ بن أبي طالب «علیها السلام» إلى الناس بالشكوت.

قالَ حِذْيَمٌ الأَسَدِيُّ: لم أرَ وَاللّه خَفِرَةً قط أنطق مِنهَا، كَأَنَّهَا تَنطِقُ وتفرغ عَلى لسان أمير المُؤمِنِينَ «علیه السلام»، وقد أشارت إلى الناس بأن أنصتوا فارتَدَّتِ الأنفاس، وسَكَنَتِ الأجراسُ، ثُمَّ قالت - بَعدَ حَمدِ اللّه تَعالى وَالصَّلاةِ عَلَى رَسولِهِ «صلی اللّه علیه وآله»:

أمّا بَعدُ يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والغدر والخذل والمكر، ألا فلا رقاتِ العَبرَةُ ولا هَدَأْتِ الزَّفْرَةُ، إِنَّما مَثَلُكُم كَمَثل «التي نقضت غزلها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلَا بَيْنَكُمْ» (1).

هَل فيكم إلا الصَّلفُ وَالعُجِبُ وَالشَّنَفُ وَالكَذِبُ، وَمَلَقُ الإِمَاءِ، وغَمزُ الأعداء، أو كَمَرعى عَلى دِمْنَةٍ، أو كَفِضَّةٍ عَلَى مَلحودَةٍ؟! أَلا بِئْسَ ما قدَّمَت لكُم أنفُسكُم أَن سَخِط اللّه عَليكُم وفِي العَذَابِ أنتم خالِدُونَ.


1) الآية 92 من سورة النحل.

أتَبكونَ أخي ؟! أجَل وَاللّه، فابكوا فَإِنَّكُم وَاللّه أحرياءُ بِالبُكاءِ، فابكوا كَثيراً وَاصْحَكوا قليلاً، فقد بُليتُم بعارها، ومُنيتُم بشنارها، ولن تَرحَضوها أبدأ، وأنّى تَرحَضونَ قتلَ سَليل خاتم النُّبُوَّةِ، ومَعدِن الرِّسالةِ، وسَيِّدِ شباب أهل الجَنَّةِ، ومَلاذِ حَريمكُم، ومَعاذِ حِزبكُم، ومقرّ سلمِكُم، وآسي كَلمكُم، ومَفزَع نازلتِكُم، وَالمَرجعِ إِلَيهِ عِندَ مُقاتَلْتِكُم، وَمَدَرَهِ حُجَحِكُم، ومَنار مَحَجَّتِكُم.

ألا ساء ما قدَّمَت لكُم أَنفُسُكُم، وساءَ ما تَزرونَ لِيَومٍ بَعْثِكُم فَتَعساً تَعساً! ونُكساً كسا ! لقد خابَ السَّعِيُّ، وتَبَّتِ الأيدي، وخَسِرَتِ الصَّفقة، وبُؤتُم بِغَضَبٍ مِنَ اللّه، وضُرِبَت عَليكُم الدِّلهُ وَالمَسكَنَهُ.

أتَدرونَ وَيلكُم أَيَّ كَيدٍ لِمُحَمَّدٍ «صلی اللّه علیه وآله» فَرَتْتُم [ فريتم] ؟! وأَيَّ عَهْدٍ نَكَثْتُم؟! وأيَّ كَرِيمَةٍ لَهُ أبرزتُم؟! وأيَّ حُرمَةٍ لهُ هَتَكتُم؟! وأَيَّ دَم لَهُ سَفَكتُم؟! «لقدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفطَرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُ الأَرْضُ وَتَخِرُ الجِبَالُ هَدًّا» (1).

لقد جئتُم بها شوهاءَ صَلعاء، عَنقاء، سوداء، فقماءَ، خَرقاء [شرها] طلاع الأرض وَالسَّماء. أفعَجِبتُم أن تمطرَ السَّماءُ دَمَا، «وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أخْرَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ» (2)فلا يَستَخِفَنَّكُمُ المَهَلُ، فَإِنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُحْفِرُهُ البدارُ ولا يُخشى عَليهِ فوتُ النار، كَلا إنَّ رَبَّكَ لنا ولهم لبالمرصاد.


1) الآيتان 89 و 90 من سورة مريم.

2) الآية 16 من سورة فصلت.

ثُمَّ أنشأت تَقولُ «علیها السلام»:

ماذا تَقولونَ إذ قالَ النَّبِيُّ لكُم***ماذا صَنعتُم وأنتُم آخِرُ الأُمَمِ

بأهل بيتي وأولادي وتكرمتي***مِنهُم أسارى ومِنهُم ضُرَّجوا

ما كانَ ذاكَ جَزائي إِذْ نَصَحْتُ***أن تخلفوني بسوء في ذوي

إنّي لأخشى عَليكُم أَن يَحِلَّ***مِثْلُ العَذَابِ الذي أودى عَلى إِرَم

ثُمَّ وَلَت عَنهُم.

قالَ حِذْيَمٌ: فَرَأيتُ النّاسَ حَيارى قد رَدُّوا أَيْدِيَهُم في أفواههم، فالتَفتُ إلى شيخ [من بني جعفي] [في الفتوح: من قدماء أهل مكة ] إلى جانبي يبكي وقدِ اخضلتِ لِحَيَثهُ بِالبُكاءِ، ويَدُهُ مَرفوعة إلى السَّمَاءِ، وهُوَ يَقولُ: بأبي وأمّي كَهولكُم خَيرُ الكهول، وَنِسَاؤُكُم خَيرُ النِّسَاءِ، وشَبَابُكُم خَيرُ الشَّبابِ، [في الفتوح: إذا نطقوا نطق سحبان] ونَسلُكُم نَسِلٌ كَريمٌ، وفضلكم فضل عَظِيمٌ، ثمَّ أَنشَدَ:

کهولكُم خَيرُ الكُهول ونسلكُم***إذا عُدَّ نسل لا يَبور ولا يَخزى

فَقالَ عَلِيُّ بنُ الحُسَين «علیه السلام» يا عَمَّهُ! أسكْتِي، فَفِي الباقي عَن الماضي اعتبار، وأنتِ ِبحَمدِ اللّه عالِمَةٌ غَيرُ مُعَلَّمَةٍ، فَهمَةٌ غَيرُ مُفهَّمَةٍ، إِنَّ البُكاءَ وَالحَنينَ لا يَرُدّان مَن قد أبادَهُ الدَّهرُ. فَسَكَتَت

ثُمَّ نَزَلَ «علیه السلام» وضَرَبَ فسطاطهُ، وأَنزَلَ نِسَاءَهُ، ودَخَلَ

الفسطاط (1).

ونقول:

لا بأس بالنظر إلى ما يلي:

توضیحات:

الخفر: شدة الحياء.

الختل: والختر : الخداع والغدر

رقأت الدمعة : جفت وسكنت.

الزفرة : التنفس.

الصلف: مواجهة صاحبك بما يكره، والتمدح بما ليس عندك.


1) الإحتجاج ج 2 ص 109 ح 170 و (ط دار النعمان) ج 2 ص 29 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 115 نحوه، وليس فيه ذيله من «ثمّ ولت عنهم»، وبحار الأنوار ج 45 ص 162 و 108 و 188 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 368 وقريب منه في بلاغات النساء ص37 و (نشر مكتبة بصيرتي) ص24 عن يحيى بن الحجاج. وراجع أيضاً المصادر التالية: الأمالي للطوسي ص 92 الرقم 142 والملهوف ص 192 و (نشر أنوار الهدى) ص 86 عن بشير بن خزيم الأسدي، ومثير الأحزان ص 86 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 66 وبحار الأنوار ج 45 ص 165 الرقم 18 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 121 عن خزيمة الأسدي، ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 40 عن بشير بن حذيم الأسدي، وكلها نحوه. وقاموس الرجال ج 12 ص 269 وتاريخ الكوفة ص 293 والدر النظيم ص 559.

الشنف : النظر إلى الشخص كالمعترض عليه، والكاره له، أو المتعجب منه.

الملق: أن يعطي بلسانه ما ليس في قلبه.

الغمز: الطعن لأجل إظهار عيب الآخر، الغمر: الحقد والغل.

الأجراس : جمع جرس، وهو: الصوت الخفي.

الدمنة : ما تدمنه المواشي بأبعارها، وما يتلبد منه، فيكون النبات فيه نضيراً حسناً.

قصته على ملحودة: القصة الجص بلغة أهل الحجاز. وإن قرئب فضة فمعناها واضح والملحودة : التي غيبت باللحد.

أحرياء: جمع حري، وهو الخليق واللائق.

الشنار: أقبح العيب. والأمر المشهور بالشنعة.

رحض: غسل.

الآسي: المعالج للجرح.

الكلم: بتسكين الميم الجرح.

المدرة : زعيم القوم والمتكلم فيهم، والسيد الشريف، والمقدم في اللسان والسيد عند الخصومة والقتال.

المحجة: جادة الطريق. أي معظمه، ووسطه.

باء: رجع.

الفرث : تفتيت الكبد بالغم والأذى.

إدّاً: منكراً.

الصلعاء: الخطة المشهورة والمنضوحة. وصلع الرأس: انحسر شعره عن مقدمه.

العنقاء : الداهية. أو المرأة اللينة العنق.

النقماء مائلة الحنك. وقيل : تقدم الثنايا السفلى حتى لا تقع عليها العليا.

خرقاء: الخرق: الشق. وخرقاء : مشقوقة، أو كثيرة الشقوق.

طلاع الأرض: ملؤها.

يحفزه: يدفعه.

يخفره: ينقض عهده.

البدار: المسارعة.

أخضلت: ابتلت.

أودى : هلك.

راوي خطبة زينب:

قالوا: إن راوي هذه الخطبة هو حذلم بن ستير، أو حذيم بن شريك الأسدي، أو حزام بن بشير الأسدي، أو بشير بن خزيم (أو بن حزيم) الأسدي، أو يحيى بن الحجاج عن الإمام الصادق «عليه السلام» كما في بلاغات النساء..

والتصحيفات في الكلمات واضحة بين حذيم، وحذلم، وخزيم أو

حزيم، أو حزام أو حذام وبين شريك وستير، وبشير، ولا يهمنا كثيراً التحقيق في ذلك.

أين كانت هذه الخطبة؟! :

قد يخطر ببال البعض: أن يكون احتمال أن تكون هذه الخطبة قد ألقيت عند العودة إلى المدينة عند مشارفها، وذلك استناداً إلى ما ورد في الاحتجاج في آخر الرواية، حيث قال الراوي: «ثم نزل، وضرب فسطاطه، وأنزل نساءه، ودخل الفسطاط».

أو في كربلاء عند عودتهم إليها من الشام..

والسبب في ذلك : أنه لم يكن للإمام «علیه السلام» فسطاط حين حمل من كربلاء إلى الكوفة، ومنها إلى الشام، كما أنه لم يكن له خيار أو اختيار لمواضع نزوله، ولا لمساكنه، بل يودع هو والسبايا معه في السجن.

ونقول:

إن لنا على هذا الكلام مؤاخذات

أولاً: إن أهل المدينة لا يستحقون منها هذا الخطاب اللاذع والقاسي.. والذي بلي بنارها وشنارها هم أتباع يزيد و بني أمية من أهل الكوفة..

وأهل المدينة لم يقتلوا سليل خاتم النبوة وسيد شباب أهل الجنة، ولم يبرزوا كرائم الرسالة، ولم يهتكوا حرمة النبي «صلى اللّه عليه وآله»، ولم يسفكوا دما له «صلی اللّه علیه وآله».

ثانياً: تقدم أنها صرحت: بأنها تخاطب أهل الكوفة، حيث قالت: «أما بعد يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والغدر الخ..».

ثالثاً: بالنسبة لكون الخطبة في كربلاء نقول: لم يكن أهل الكوفة في كربلاء حين عودة السبايا إليها من الشام، بل كان هناك جابر بن عبد اللّه الأنصاري، وعطية مولاه. فلمن كانت توجه خطابها إذن..

رابعاً : إن الإمام السجاد «علیه السلام» كان حين دخل مع السبايا إلى الكوفة مريضاً، وفي غاية الضعف والوهن وقد انهكته العلة - كما تقدم - ومن كان هذا حاله هل يقدر على ضرب الفسطاط؟!

من أجل ذلك نقول:

لعل الصحيح هو أن تقرأ كلمة «ضرب» بالبناء للمجهول أي غيره قد ضرب الفسطاط ثم دخله الإمام السجاد ومن معه..

والظاهر: أن من فعل ذلك هم اتباع ابن زياد، الذين كانوا يحيطون بهم من كل اتجاه.

خامساً : الفسطاط بيت من الشعر دون السرادق وليس بالضرورة أن يكون للإمام السجاد فسطاط يملكه ويستفيد منه حال أسره، فقد يكون الفسطاط لآسريه، ولكنه ينسب إليه على سبيل التوسع لعلاقة الحال والمحل. والإضافة تكفي فيها أنى مناسبة.

وقد يسجن الأسير، وتوضع السبايا في بيت من الشعر، أو في غيره، ويمنعون من الاتصال بالغير، ويمنع الآخرون من الدخول عليهم، أو الوصول إليهم.

ولا يجب أن يكون السجن مبنيا بالحجارة والطين، وقد قرأنا عن السجن الذي بناه أمير المؤمنين «علیه السلام» من القصب وسماه نافعا (1).

لم يكن مبنياً بالطين والحجر، أو الجص والآجر، بل كان من قصب.. ولذا اخترقه الناس يفرجونه ويخرجون منه، فبناه «عليه السلام» بالجص والأجر، وسماه مخيساً. أي مذللاً.

وقد قال «علیه السلام» مشيراً إلى هذا:

ألا تراني كيساً مكيسا***بنيت بعد نافع مخيسا

حصناً حصنياً وأميناً كيساً (2).

الكوفيون بنظر زينب «علیها السلام»:

1 - قد أظهرت خطبة زينب في أهل الكوفة، من ساعة وصولها أسيرة إليها بعد غياب حوالي عشرين سنة عن ذلك البلد - أظهرت -: أنها «علیها السلام» تمتلك معرفة عميقة ودقيقة بأحوال أهلها، وأخلاقهم، ونفسياتهم، وسلوكهم، وما إلى ذلك.


1) راجع: بحار الأنوار ج 34 ص 421 وج 64 ص 308 والدر المختار للحصفكي ج 5 ص 517 والغارات للثقفي ج 2 ص 727 والمصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 175 وأنساب الأشراف (ط الأعلمي) ج 2 ص 116 والفايق في غريب الحديث ج 1 ص 350 والنهاية لابن الأثير ج 2 ص 92 والقاموس المحيط ج 2 ص 213.

2) بحار الأنوار ج 34 ص 421 و 352 وج 66 ص 308.

2 - لقد بدأت «علیها السلام» خطبتها، التي وضعت فيها النقاط على الحروف، بوصف أهل الكوفة بأنهم:

ألف: أهل الختل.

ب: أهل الغدر.

ج: أهل الخذل.

د أهل المكر.

وهي صفات ظهرت أثارها العملية في تعاملهم مع الإمام الحسين «علیه السلام»، فإن أكثر الذين كتبوا إليه يطلبون منه بإصرار: أن يقدم عليهم، لينظر في أمورهم، ويصلح ما فسد منها، قد أعطوا ممثله العقود والعهود والوعود القاطعة بالوفاء والنصيحة

3 - ثم بمجرد وصول ابن زياد إلى الكوفة، بدأوا يتحولون إلى معسكره، فجعل ابن زياد منهم رأس حربة، ضد الإمام، وضد مبعوثه مسلم بن عقيل وظهرت هذه الصفات الأربع فيهم بأجلى ما يكون الظهور، فقد خذلوا الحسين، وغدروا به وبمسلم بن عقيل، وتعاملوا معهما بالمكر وبالختل الذي معناه التربص بالغافل ليورد ضربته به كما يتربص الصياد بفريسته، ويتخفى لاصطيادها.

4 - ثم ألمحت إلى أنهم قد أصبحوا «كَالَّتِي نَقَضَتْ عَزلَهَا مِنْ بَعْدِ قوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِدُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلَا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ

أمة» (1).

فهم كالمرأة التي تغزل الغزل وتقويه، وتشد خيوطه، ثم تنقضه وتجعله أنكاثاً، ومتفرقا مبدداً، ليس فيه قوة ولا فائدة.

وهم يعطون العهود والمواثيق، ويؤكدونها بالأيمان، ثم يجعلون منها وسيلة للغدر والخيانة، فينقضون أيمانهم بعد توكيدها.

وسبب نقضها: هو أنهم يريدون أن يكون هذا النقض، والنكث والغدر والخيانة سبباً في زيادة نصيب فريقهم من حطام الدنيا على نصيب الفريق الآخر الذي يعتبرونه منافساً لهم.

ثم تتابع زينب وصفها لأهل الكوفة، فتضيف الصفات التالية:

هل فيكم إلا :

1 - الصَّلفُ،

2 - العُجِبُ.

3 - الشَّنَفُ. أي النظر إلى الشيء نظر كراهة وامتعاض.

4 - الْكَذِبُ.

ه - مَلقُ الإماء.

6 - غَمزُ الأعداء، وهو الطعن الخفي باللسان. أو غمر الأعداء، وهو الغل والحقد.


1) الآية 92 من سورة النحل.

7 - هم كَمَرعى عَلى دِمْنَةٍ، وهي الأرض التي تلبدت بالروث والأبعار.

8 - هم مثل فِضَّةٍ عَلى مَلحودَةٍ (أو قصة وهي الجص) ولكنه جص على ما غيب في اللحد.

وما أقبح هذه الصفات، وما أشد منافرتها للطبع السليم، والفطرة المستقيمة، وما أقبح الأعمال التي تسوق هذه الصفات إلى ممارستها، وما أخطر ثمراتها وأقساها، وأمرها وأضرّها عليهم.. وزينت لهم، وأنتجت هذه الجرائم والعظائم الهائلة.

ثمرات ونتائج:

وقد كان من نتائجها وثمراتها: العدوان على اللّه ورسوله بقتل أهل بيته وسبي عياله المتمثل بقتل الحسين «علیه السلام» وأصحابه وأهل بيته، وأطفاله على ذلك النحو الفظيع والفجيع والمريع.

لقد انتهت بهم هذه الصفات إلى جلب البلايا والرزايا والعار والشنار إلى أنفسهم. وقد بلغ الخذلان الإلهي إلى حد أنهم كانوا يحرصون إن لم نقل: يتلذذون، بقتل من هو سر بقائهم، ورمز سعادتهم، ومصدر كل خير وصلاح لهم، وهو مظهر القداسة، والطهر، وهو فخرهم، وعزهم، وقد ذكرت الحوراء زينب من صفاته «عليه السلام» ما يلي:

ألف: سليل خاتم النبوة، وقتله معناه:

أولاً: العدوان على النبي الخاتم

ثانياً: إرادة قطع الامتداد، والاستمرار لنهج النبوات، باستئصال رموز هذا النهج وحملة أعبائه، والمضطلعين بمسؤولياته، وذوي الخبرات العميقة فيه. وهذه جريمة بحق الإنسانية والمخلوقات كلها، لا يوجد أعظم وأخطر منها، لا تهدف إلا تضييع جهود الأنبياء وتضحيات الأبرار والشهداء من خلال العدوان على النبي «صلی اللّه علیه وآله» وتقويض جهوده، وإذا كان خاتم الأنبياء ووارثهم، فالعدوان عليه عدوان عليهم، وتقويض لجهودهم.

ثالثاً: إن هذا استهداف لدين اللّه لاجتثاثه من جذوره، من خلال طمس معالمه، وتقويض دعائمه، من حيث إن الحسين «علیه السلام» هو معدن رسالة دين اللّه في الأمة، ومنه تلتمس أحكامه، وهو المقيم لدعائمه. فقتله «علیه السلام» قتل للدين، وعدوان على رب العالمين. ولذا قالت زينب «علیها السلام» عن الحسين ومعدن الرسالة..

رابعاً : ثم قالت عنه «علیه السلام» وسيد شباب أهل الجنة.. وهذا يعني أنه «علیه السلام» في جميع أحواله، وكل حركته في الحياة هو التجسيد الحي، والنموذج التطبيقي للغرس الإلهي الذي يثمر الخير والبركات على امتداد الحياة الدنيا والآخرة على حد سواء.

خامساً: ثم وصفته «علیه السلام» بقولها: «مَلاذِ حَرِيمِكُم» للدلالة على أن من أعظم وظائف الأنبياء والمرسلين، والعلماء المصلحين هو الذود عن الحريم الذي هو كل موضع تلزم حمايته، وصونه، والدفع عنه.

فهم بقتل الحسين «علیه السلام» يصبحون مستباحين لكل طامع، وطامح. أما الحكام المبطلون والمتغلبون، فإنهم لا يهتمون لصون الحرمات، بل بجلب المنافع لأنفسهم من حلال وحرام، فإذا ظنوا أن استباحة الحرمات يجلب لهم نفعاً، فسوف يشاركون هم فيه، وينغمسون في متاهاته، بل قد يكونون أشد من غيرهم حماساً، وأصعب مراساً، وأقوى عزيمة، وشكيمة..

والشاهد على ذلك: ما ظهر من لؤم وحقد، ووقاحة، وصلف في من غدروا بالحسين «علیه السلام»، ونكثوا أيمانهم، وخانوا عهودهم.

سادساً : ثم قالت زينب «علیها السلام» عن الحسين «علیه السلام»: «ومَعاذِ حِزبكُم». ولعل الصحيح حربكم فصحفها الرواة، فصارت «حزبکم».

ويشهد لذلك : قولها بعد ذلك مباشرة: «ومقرِّ سلمِكْم»، فيتم بذلك الحديث عن موقع الحسين «علیه السلام» في الأمة في حالتي الحرب والسلم معاً.

إن الحسين «علیه السلام»، وكذلك سائر الأنبياء، والأئمة والأوصياء هم المعاذ والملجأ للناس في اتخاذ قرار الحرب وعدمه، لأنهم المأمونون على هذا القرار، فلا يتاجرون بأرواح الناس للحصول على شيء من حطام الدنيا، ولأجل ثقة الناس بهم في ذلك تجدهم ينضوون تحت جناحهم، ويأتمرون بأمرهم، ويركنون إلى تدبيرهم، لأنهم يدركون أنهم مسددون من اللّه، ولا يريدون شيئا

لأنفسهم.. فما معنى أن يقتل الناس من هو بهذه المثابة بالنسبة إليهم؟!

سابعاً : ثم قالت عليها السلام» عن أخيها «صلوات اللّه وسلامه علیه» «ومَقرِّ سلمِكْم»، لتدل على أن السلم أيضاً لا يأتي بصورة عفوية، بل هو يحتاج إلى راع يهيئ له الظروف للتحقق، ويهيئ له عناصر البقاء والاستمرار أيضاً. وبدون ذلك، فإن هاجس انهياره وتلاشيه في كل لحظة يبقى قائماً، يفرض نفسه على الجو العام بقوة...

وإذا كان الإمام المعصوم هو الراعي له، والحافظ، والباذل نفسه وجهده في توفير مقومات تحققه وبقائه، فإن القلوب تطمئن والنفوس ترتاح لسلم كهذا..

ثامناً ثم قالت عن الإمام الحسين «علیه السلام»: «وآسي کلمكم» أي الطبيب المداوي الجراحهم وهذا يشير إلى أنه لا مشكلة لهم معه، وأنهم بحاجة إليه حاجة حقيقية، لأنهم هم المتألمون، والمربكون بجراحاتهم التي تعيق حركتهم، وتحد من فاعليتهم. فكيف يقتل الإنسان من يداوي جراحه ويدفع الآلام عنه، ويعيد البهجة إلى حياته؟!

تاسعاً: ثم قالت «علیها السلام»: «ومَفزَع نازلتِكُم». أي أنكم حين تنزل بكم النوازل، مثل الكوارث الطبيعية، كالزلازل، وسواها، وما كان نتيجة فعل السفهاء، أو الأعداء، كما لو أقدموا على كسر السدود على الأنهار، أو تسببوا بإحراق الزراعات بصورة شاملة، أو أحرقوا معظم الأشجار المثمرة، أو نحو ذلك. فإن الناس يلجأون إلى

الأنبياء و أوصيائهم ليعالجوا المشكلات، ويدبروا الأمور، بنحو سليم وقويم.

وهذا النوع من القادة هم الذين يعملون لوجه اللّه لا يريدون منهم جزاء ولا شكوراً..

عاشراً : ثم قالت «علیها السلام»: «وَالمَرجعِ إِليهِ عِندَ مُقاتَلْتِكُم» وحين لا بد من قتال العدو، فإن مسار القتال في الخطط الحربية، وفي الخيارات المرتبطة بأساليب القتال ووسائله، وفي الخيارات العملية التطبقيية، كاختيار المواقع، وتحديد مواقع الكمائن، وتركيبة أفرادها، وحتى نوع أسلحتهم، وأسلوب عملهم. وغير ذلك من شؤون وتفاصيل كثيرة - إن ذلك - إنما يرجع فيه إلى من يوثق بحكمته، وبمعرفته، وبتسديده، ورعايته من قبل اللّه تعالى، وما إلى ذلك..

ولا يرجع الناس - لو خلوا وطبعهم، وكان الخيار لهم - إلى الفساق والفجار، والظالمين وغير المأمونين من العقلاء على الدنيا ولا على الدين..

فكيف يقتل أهل الكوفة مرجعهم عند مقاتلتهم؟!

حادي عشر: ثم قالت «عليها السلام»: «ومَدَرَهِ حُجَجِكُم». وإذا كان التعامل مع العدو والصديق يجب أن يتسم بالواقعية، تبرز الحاجة إلى الإعلام الصحيح، القادر على إيصال الحقائق الراهنة بصورة صحيحة، فتمس الحاجة إلى من يستطيع إقناع الآخرين، سواء في ذلك الأعداء، أو الأولياء بالحق الذي يلتزم ويدعو إليه، ويجعله

أساساً لمواقفه، ولتعامله مع سائر الفئات. ومن مثل الإمام الحسين «علیه السلام»، وهو الإمام المعصوم المسدد من اللّه في قدراته الفائقة على البيان، وعرض الدلائل والحجج على الحق، التي لا تبقي عذراً لمعتذر، ولا حيلة لمتطلب حيلة.

ثاني عشر : ثم قالت «عليها السلام» عن أخيها الإمام الحسين «علیه السلام»: «ومَنار مَحَجَّتِكُم». فإذا كان «علیه السلام» هو الذي ينير الطريق للسالكين، وهو كما في الحديث الشريف: «مصباح هدى، وسفينة نجاة»، فما معنى أن يطفئ هؤلاء المخذولون منار طريقهم. ولماذا يطفئون هذا المصباح، ويختارون المشي في الظلمات، يخبطون خبط عشواء، ويعرضون أنفسهم للشقاء والبلاء؟!

وإذ قد ظهر من جميع ما تقدم: أن هؤلاء الناس لم يقتلوا عدوهم، ولا قتلوا من لا أثر لفقده عليهم، بل قتلوا رمز سعادتهم، وسر بقائهم، ومدبر أمورهم، وحافظهم، وراعيهم، والباذل لنفسه دونهم، والآسي الجراحهم، إلى آخر ما تقدم.

فهم إذن الخاسرون المخذولون، لأنهم إنما قتلوه ليحصلوا على شيء من حطام الدنيا، والحال أنهم خسروا بقتله الدنيا كلها. وخسروا الآخرة أيضاً، وذلك هو الخسران المبين.

وهذا ما أشارت إليه «علیها السلام» حين عقبت على ما وصفت به الحسين «علیه السلام»، فقالت:

«ألا ساءَ ما قدَّمَت لكُم أنفُسُكُم، وساءَ ما تَزرونَ لِيَومٍ بَعثِكُم.

فتَعساً تَعساً ! ولكسا تكساً ! لقد خابَ السَّعي، وتَبَّتِ الأيدي، وخَسِرَتِ الصفقة، وبُؤتُم بِغَضَبٍ مِنَ اللّه، وضُرِبَت عَليكم الدّلهُ وَالمَسكَنَة..»

فبعد أن ألمحت «علیها السلام» إلى خسرانهم في الدنيا، وخسرانهم في الآخرة طلبت من اللّه تعالى أن يتواصل التعس، وهو الانكباب على الوجه، وأن تتولى الانتكاسة لهم مرة بعد أخرى.. وذلك بملاحظة ما توخوه من الختل والغدر والخيانة للإمام الحسين «علیه السلام». فقد جاءت النتائج معكوسة، ومنكوسة، كما بينته سائر الفقرات اللاحقة.

المقصود هو رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله»:

1 - بيَّنت «علیها السلام» أن المستهدف الحقيقي هو رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله». وهذا ما دل عليه قول يزيد، وقول ابن زياد أيضاً حين جيء بالرأس الشريف إليهما: «يوم بيوم بدر».

وقد بينت «علیها السلام» هذه الحقيقة بأسلوب بياني رفيع، يقدم الوقائع بإثارات وجدانية، وواقعية بالغة التأثير، حيث عبرت عن شدة الغم والأذى الذي لحق برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: بأنهم قد فرثوا كبده «صلی اللّه علیه وآله». أي فتتوها بالغم والأذى أو أن سيوفهم، وسهامهم ورماحهم قد أصابت كبده ففرتها وقطعتها.

ويمكن أن يكون ذلك أيضاً على سبيل التنزيل بجعل كبد الحسين «علیه السلام» بمثابة كبد الرسول، فمن يفري كبد الحسين كأنه يفري كبده «صلی اللّه علیه وآله».

واعتبار ما جرى على الحسين «علیه السلام» قد جرى على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يظهر مدى جرأتهم، وقبح جريمتهم.. كما أن وضع هذا المعنى في قالب السؤال الهادف إلى تعظيم وتهويل مضمونه يزيد في إحداث الأثر المطلوب إحداثه، ويزيد الصورة وضوحاً.

2 - ثم تحدثت عن نكثهم العهد ونكث العهد في حد ذاته قبيح، ومبغوض مع أي كان من الناس. ولكنها حين نسبت العهد الرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» تكون قد زادت نكثه قبحاً على قبح وجعلت الأمر أكثر أهمية وحساسية، وأظهرت إلى أي حد بلغ بغيهم على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، كما أن نسبة العهد لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» ليست اعتباطية بل ثمرة فهم دقيق لمآل الأمور، وتوضيح لأبعادها وخلفياتها لمن يحتاج إلى التوضيح.

3 - وبعد أن ذكرت إيغالهم في الإجرام، حتى ضد أكرم الخلق، وخاتم الأنبياء، الأمر الذي يعرّف الناس بمدى توحشهم.

ثم ذكرت نكثهم لعهد بالغ الخطورة، شديد الأهمية، لارتباطه برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، لتدل بذلك على أنهم ليست لديهم قيم ومبادئ يمكن البناء عليها في التعامل معهم، لأنهم غدرة فجرة، وخونة أيضاً.

ثم بعد أن ذكرت هذا وذاك، انتقلت إلى أمر يرتبط بالكرامة والغيرة، والنبل، الذي لم يكن له أي ذكر في قاموس حياتهم

وممارساتهم، فهم يبرزون كرائم رسول اللّه ولا يراعون له حرمة، مع أن المفروض هو حفظ المرأة وصونها، وإبعادها عن مثل هذه المواقف، حتى لو كانت تعيش حياة الجهل، والبعد عن التخلق بالأخلاق الرضية، والتأدب، ولو بالآداب العامة.

ويتأكد لزوم هذا الصون، ويتجلى قبح هذا الإبراز في النساء اللواتي لسنّ كغيرهن، لأنهن غاية في الأدب والصون، والخلق الرضي.. وبعضهن عالمة غير معلمة، وفهمة غير مفهمة..

كما أن هؤلاء الكرائم ينتسبن لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وهو خاتم الأنبياء، وسيد الخلق أجمعين..

4 - ثم ذكرت: أن الحرمات التي هتكوها، واعتدوا عليها هي حرمات رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» أيضاً..

5 - وذكرت: أن الدم الذي سفك هو دمه..

6 - إن هذا البيان يعطي أيضاً : أن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» حاضر وناظر، وأنه يتألم لما يجري.. ويشعر بالطعنات والضربات، ويتألم لإبراز،کرائمه وهتك حرماته، وسفك دمه، ويتفتت كبده من شدة الغم والأذى.

وقد أشرنا إلى هذا الأمر في مواضع سابقة من هذا الكتاب.

هول الجريمة:

إنها «عليها السلام» بدأت بوصف هذه الجريمة، وشدة هولها،

وبالغ قبحها، والأثر العظيم الذي يمكن أن تتركه ليس على مرتكبها، بل على جميع الموجودات، وعلى الكون والحياة، ولأجل ذلك قالت لهم: «أفعَجِبتُم أن تمطرَ السَّماءُ دَماً» وقد تحدثنا عن هذا الأمر فيما سبق واستشهدت بالآية المباركة : «لقدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذًا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الجِبَالُ هَدًّا» (1).

أنتِ بحمد اللّه عالمة غير معلمة:

1 - وبعد انتهائها من خطبتها «علیها السلام» قال لها الإمام السجاد «علیه السلام»: «أنتِ بِحَمدِ اللّه عَالِمَةٌ غَيرُ مُعَلَّمَةٍ، فهمَةٌ غَيْرُ مُفَهَّمَةٍ». ثم أشار «علیه السلام» إلى عقم ما يفعله أهل الكوفة من بكاء وحنين، فإن جريمتهم لا تجبر بذلك، ولا يعوضها شيء، سوى إعادة الأمور إلى نصابها.

وهذا لا يكون إلا برد الأرواح إلى الأجساد. فلا محيص عن انتظار جزاء الآخرة بعد عقوباتهم في الدنيا، وظهور خزيهم فيها، وقد قال تعالى: «وَلعَذَابُ الْآخِرَةِ أُخْرَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ» (2).

2 - وعن كلمة الإمام السجاد «علیه السلام» لعمته زينب «صلوات اللّه علیها»، نقول في معناها:

علينا ملاحظة الأمور التالية:


1) الآيتان 89 و 90 من سورة مريم.

2) الآية 16 من سورة فصلت.

أولاً: إنها غير معلمة لأنها «علیها السلام» ذات عقل راجح، وفطرة سليمة، وسلوك قويم، فلا تتعامل مع الأمور من خلال الرغبات والميول، والأهواء، بل هي تتأمل وتتدبر فيها، وتوازن بينها، ولديها من المعايير، والقيم، ما يجعلها قادرة على إدراك الحسن فيما هو حسن و القبح فيما هو قبيح، فتتجنب القبائح، وتلتزم محاسن الأعمال، فلا تحتاج إلى من يدلها على حسن الصبر، وجميل العزاء في مصابها هذا ولا إلى من يعرفها ويدعوها إلى الكون في مواقع رضا اللّه، في جميع الأحوال.

ثانياً: إنها غير معلمة، لأنها بلغت في جهاد النفس، والتقوى والمحبة اللّه، والإخلاص له مراتب جليلة، ونالت من درجات القرب عنده ما جعلها جديرة بتلقي الإلهامات الإلهية، والهدايات الربانية، على قاعدة: وقتَحتَ بابَ فهمي يلذيذ مُناجاتِهم (1)، حتى صقل ذلك فكرها، وأثار دفائن عقلها، وأيقظ فطرتها.

فأصبحت من أجلى مصادیق قوله تعالى: «وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ» (2).

وقد ورد هذا المعنى في الروايات أيضاً، ومنها:


1) المزار لابن المشهدي ص 55 والمزار للشهيد الأول ص 65 والمصباح للكفعمي ص 473 وبحار الأنوار ج 97 ص 160 و 371 وج 99 ص 83 و 145.

2) الآية 17 من سورة محمد.

ألف: ما روي عن الإمام الرضا «علیه السلام»، عن آبائه «صلوات اللّه وسلامه علیهم»، قال: قال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: «ما أخلص عبد اللّه عز وجل أربعين صباحاً إلا جرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه» (1).

ب: عن النبي «صلی اللّه علیه وآله» نور الحكمة الجوع.. وقال: لا تشبعوا فيطفأ نور المعرفة في قلوبكم (2).

ج: في الحديث القدسي: قال تعالى: يا أحمد، إن العبد إذا جاع بطنه، وحفظ لسانه علمته الحكمة.. فإن كان كافراً تكون حكمته حجة عليه ووبالاً.


1) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 74 وبحار الأنوار ج 67 ص 242 و 249 و 240 و ج 53 ص 326 وعدة الداعي ص 218 ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 357 وج 3 ص 147 وج 4 ص 62 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج 1 ص 290 والمصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 131 ومسند الشهاب ج 1 ص 285 والترغيب والترهيب ج 1 ص 56 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 11 ص 213 والجامع الصغير ج 2 ص 560 والعهود المحمدية ص12 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 3 ص 208 وكشف الخفاء ج 2 ص 224.

2) مكارم الأخلاق للطبرسي ص 150 وبحار الأنوار ج 63 ص331 عنه، وج 67 ص 71 ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 134 وروضة الواعظين منشورات الشريف الرضي ص 457 وفيض القدير ج4 ص 319 وإحياء علوم الدين ج 8 ص 155 والمحجة البيضاء ج 5 ص 155.

وإن كان مؤمناً تكون حكمته، له نوراً، وبرهاناً، وشفاء، ورحمة فيعلم ما لم يكن يعلم، ويبصر ما لم يكن يبصر.

فأول ما أبَصِّره عيوب نفسه حتى يشتغل عن عيوب غيره. وأبصِّره دقائق العلم، حتى لا يدخل عليه الشيطان (1).

ثالثاً: ربما كانت غير معلمة من قبل البشر، بل هي معلمة من خلال فطرتها، وإدراكات عقلها، وحديث الملائكة لها، كما كان الحال بالنسبة لسلمان الفارسي «رحمه اللّه» (2)وغيره من الصفوة الأخيار.

بل قد روى غير الشيعة: أن عمر بن الخطاب كان محدثاً أيضا (3).


1) إرشاد القلوب ج 1 ص 205 وبحار الأنوار ج 74 ص29 و 22 ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 135.

2) بحار الأنوار ج 22 ص 327 و 350 و 331 و 349 وج 26 ص 67 ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 240 وإختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ج 1 ص 64 و 72 و 55 و 61 والدرجات الرفيعة ص210 و 211 وراجع بصائر الدرجات ص 342 و علل الشرائع ج 1 ص183 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 27 ص 146 و (الإسلامية) ج 18 ص 106 وقاموس الرجال ج 12 ص 476 و 477 ونفس الرحمن ص 22 و 312 و 313.

3) راجع: كنز العمال ج 11 ص 580 و ج 12 ص 600 وتاريخ مدينة دمشق ج 44 ص 91 و 92 و 93 و 95 وصحيح البخاري ج 4 ص200 ومسند أحمد ج 6 ص 55 وسنن الترمذي ج 5 ص 285 والغدير ج 5 ص 42 و 44 و 46 وج 8 ص 90 وفضائل الصحابة للنسائي ص 8 والمستدرك للحاكم 8 ج 3 ص 86 وعمدة القاري ج 16 ص 198 وتحفة الأحوذي ج 10 ص 125 والسنن الكبرى ج 5 ص 40 وأسد الغابة ج 4 ص 64 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 260 والبداية والنهاية ج 6 ص 224 وسبل الهدى والرشاد ج 10 ص 99 و 238 ومعرفة علوم الحديث للحاكم ص220 وتفسير السلمي ج 2 ص 380 والإستذكار ج 5 ص 124 والمصنف ج 7 ص 479 والنهاية في غريب الحديث ج 1 ص 350 ومسند ابن راهويه ج 2 ص 479 وتاريخ بغداد ج 9 ص 114 و علل الدارقطني ج 9 ص 313 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 12 ص177 ولسان العرب ج 2 ص 134 وتاج العروس ج 3 ص 192 وأحكام القرآن لابن العربي ج 3 ص 53 والجامع لأحكام القرآن ج 9 ص 193 وتغليق التعليق ج 4 ص 64 وكتاب السنة لابن أبي عاصم ص 569 وأبو هريرة للسيد شرف الدين ص 41 و 135.

وكانت الزهراء «علیها السلام» أيضاً محدثة، كما تدل روايات (مصحف فاطمة)، فراجع.

فزينب «علیها السلام» عالمة إذن بتعليم اللّه تعالى، وليست عالمة بالذات والعالم بالذات هو اللّه تعالى دون سواه.

خطبة أم كلثوم:

عن زيد بن موسى: حَدَّثني أبي عَن جَدِّي [الصادِق] «علیهما السلام»: خَطبَت أُمُّ كلثوم ابنَهُ عَلِيّ «علیه السلام» في ذلِكَ اليَومِ مِن

وَرَاءِ كِلْتِها، رافِعَةٌ صَوتَها بالبُكاءِ، فقالت:

يا أهل الكوفة، سوءاً لكُم، ما لكُم خَذلتُم حُسَينا وقتَلتُموهُ، وَانتَهَبْتُم أمواله وورثتموهُ، وسَبَيتُم نِساءَهُ ونَكَبتُموهُ؟! فَتَبَا لَكُم وسُحقاً.

وَيلكُم، أتدرونَ أَيَّ دَواهِ دَهَنكُم؟ وأي وزر عَلى ظهوركُم حَمَلْتُم؟ وأَيَّ دِمَاءٍ سَفَكتُموها؟ وأيَّ كَريمَةٍ اهْتَضَمتموها؟ وأي صبيَةٍ سَلبتموها؟ وأيَّ أموالِ نَهبَتُموها؟ قتلتُم خَيرَ رِجالاتِ بَعدَ النَّبِيِّ «صلی اللّه علیه وآله»، ونُزِعَتِ الرَّحِمَهُ مِن قُلوبِكُم، أَلا إِنَّ حِزْبَ اللّه هُمُ الغالِبونَ، وَحِزْبَ الشيطان هُمُ الخاسِرُونَ.

ثم قالت:

قتلتُم أخي صَبراً فوَيلٌ لِأُمِّكُمُ***سَتَجرُونَ ناراً حَرُّها يَتَوَقَدُ

سَفْكتُم دِمَاءً حَرَّمَ اللّه سَفْكَها***وحَرَّمَهَا القُرآنُ ثُمَّ مُحَمَّدُ

ألا فابشروا بالنَّارِ إِنَّكُم غدا***لفي قعر نارِ حَرُّها يَتَصَعَدُ

وإنّي لأبكي في حياتي على***عَلَى خَيرٍ مَن بَعدَ النَّبِيِّ سَيولدُ

بدمع غزير مُستَهَلِّ مُكَفَّكَفٍ***على الخدّ مِنّي دائِبٌ ليس يُحمَدُ

قالَ الرّاوي: فَضَجَّ النَّاسُ بِالبُكاءِ وَالنَّحِيبِ وَالنَّوحِ، وَنَشَرَ النِّسَاءُ شعورهُنَّ، وحتّينَ التُرابَ عَلَى رُؤوسِهِنَّ، وخَمَشنَ وُجُوهَهُنَّ، ولطمنَ خُدودَهُنَّ، ودَعَونَ بِالوَيلِ وَالثّبور.

وبَكَى الرِّجالُ، ونَتَفوا لِحاهُم، فلم يُرَ باكِيَةٌ وَبَاكٍ أَكثرَ مِن ذَلِكَ

اليَوم (1).

ونقول:

لا بأس بملاحظة الأمور التالية:

هل هذه زينب؟!:

قالوا: إن أم كلثوم بنت الزهراء، وبنت أمير المؤمنين «عليهما السلام» قد توفيت في حياة الإمام الحسن «علیه السلام» (2).

فالمقصود بأم كلثوم التي كانت في كربلاء: إما بنت أخرى لأمير المؤمنين «علیه السلام» بهذا الاسم، ولكنها ليست بنت الزهراء «علیها السلام». أو يكون المقصود : هو زينب الكبرى «عليها


1) الملهوف ص 198 و (نشر أنوار الهدى)ص 91 ومثير الأحزان ص 88 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 68 وبحار الأنوار ج 45 ص 112 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 381 وتسلية المجالس ج 2 ص 359 ولواعج الأشجان ص 205.

2) الطبقات الكبرى ج 8 ص 464 وأنساب الأشراف ج3 ص 412 وأسد الغابة ج 7 ص 378 و (ط دار الكتاب (العربي) ج 5 ص 615 وبحار الأنوار ج 78 ص 382 ونصب الراية ج 2 ص 317 وذخائر العقبي ص171 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج 4 ص 1956 والوافي بالوفيات ج 24 ص 272 والذرية الطاهرة ص 164 والدر المنثور في طبقات ربات الخدور ص 62 ونور الأبصار (ط سنة 1384ه) ص 193 ومختصر تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 162 وتهذيب تاريخ مدينة دمشق ج6 ص30 وأخبار الزينبات ص 124.

السلام»، حيث كان يقال لها: أم كلثوم أيضا (1). وتكون هذه خطبة أخرى لها «علیها السلام» في موقف آخر، وبجمع آخر لنساء الكوفة.

ويلاحظ: أن ثمة تشابهاً بين سياق هذه الخطبة وطريقة الخطاب فيها مع سياق وطريقة الخطبة المتقدمة لزينب «علیها السلام» ولكن الخطبة المتقدمة أبلغ من هذه..

وعلى كل حال، فقد ورد ذكر أم كلثوم في كربلاء في عدد من المصادر (2).

وقالوا: إنها تسمى زينب الصغرى (3)أيضاً.

وقد نستشف من هذا ترجيح القول: بأنها نفس زينب العقيلة، لكنها وُصفت بالصغرى اجتهاداً من الرواة.


1) راجع: الإشارات إلى أماكن الزيارات - المسمى زيارات الشام ص133 و 134 العوالم ج 2 ق 2 ص 946 و 947 وأعيان الشيعة ج 7 ص 137 ومراقد العقيلة زينب ص117 – 134.

2) راجع: موسوعة الإمام الحسين ج 5 ص 191 عن الأخبار الطوال ص 228 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 38 وشرح الأخبار ج3 ص 198 ومقاتل الطالبيين ص 119 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 79 ومثير الأحزان ص 88 و 97 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 68 و 77 ص 68 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 355.

3) راجع: موسوعة الإمام الحسين ج 5 ص 191 عن مجموعة نفيسة (تاج المواليد) ص 94.

خطبت من وراء كلتها:

وقد قالت الرواية: إن أم كلثوم خطبت من وراء كلتها، والكلة - بكسر الكاف - هي الستر الرقيق.

ولكن قد تقدم تحت عنوان: «هؤلاء يبكين علينا، فمن قتلنا»؟!: أنه لما قارب السبي الكوفة اجتمع أهلها للنظر إليهن. وأن إحدى النساء لما عرفت أنهن أسارى آل محمد، أعطتهن ملاء، وأزراً، ومقانع، فتغطين.

ولكن لم نجد في المصادر التي راجعناها: أنها أعطتهن كللا أيضاً.

نشرن شعورهن:

وتقدم: أنه لما سمع نساء أهل الكوفة خطبة أم كلثوم نشرن شعورهن، وحثين التراب الخ..

والسؤال هو: كيف يمكن أن يفعل النساء ذلك؟! أليس كشف الرأس محرماً على المرأة؟!

ونجيب:

أولاً بأن نساء أهل الكوفة لسن من أهل العصمة عن الخطأ والذنب.

ثانياً: لعل بعضهن قد نشرن شعورهن من دون كشف الشعر للرجال، فإن المرأة قد تنشر شعرها، ويبقى على رأسها ما يستره عن

الناظر الأجنبي.

الشعر المنسوب لأم كلثوم:

ولا نجد في الشعر المنسوب إلى أم كلثوم جزالة وقوة تجعله لائقاً بها أو بغيرها.

على أننا لم نفهم المراد من قولها: «على خير من بعد النبي سيولد»، فإن الحسين «علیه السلام» قد ولد في عهد النبي «صلی اللّه عَلیهِ وآلِهِ» لا بعده، فلا بد أن يكون المقصود شخصاً آخر تبكي عليه، وهو لم يكن قد ولد بعد، فهل هو الإمام المهدي «علیه السلام»، أو غيره من الأئمة «علیهم السلام»؟!

إلا أن يقال : المراد: أنها تبكي على الحسين، الذي هو خير من كل من سيولد بعد النبي «صلی اللّه علیه وآله» ؟! فلا يبقى إشكال في البين.

ملاحظة : قولها في شعرها في البيت الأخير: ليس يحمد. لعل الصحيح يجمد بالجيم لا بالحاء، وقد صحفها الرواة، أو النشاخ.

خطبة فاطمة الصغرى:

عن زيد بن موسى: حَدَّثني أبي، عَن جَدِّي [الصَّادِق] «عليه السلام»: خَطبَت فاطِمَهُ الصُّغرى بَعدَ أن وَرَدَت مِن كَربَلاء، فقالت:

الحَمدُ للّه عَدَدَ الرَّمل وَالحَصى، وزنَة العَرش إلى الثرى، أحمدُهُ، وأؤمِنُ بِهِ، وأتَوَكَّلُ عَليهِ، وأشهَدُ أن لا إله إلا اللّه وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأَنَّ

مُحَمَّداً «صلی اللّه علیه وآله» عَبدُهُ ورَسولهُ، وأنَّ ذُرِّيَّتَهُ ذُبحوا بِشَط الفُراتِ بِغَير دحلٍ ولا ترات.

اللّهمَّ إِنِّي أعودُ بكَ أن أفتَريَ عَليكَ الكَذِبَ، وأن أقولَ عَلَيكَ خِلَافَ مَا أَنزَلْتَ مِن أخذِ العُهودِ لِوَصِيَّهِ عَلِيٍّ بن أبي طالِبِ «علیه السلام»، المسلوبِ حَقَّهُ، المقتول بغير ذنب - كَما قُتِلَ وَلدُهُ بالأمس في بَيتٍ مِن بُيوتِ اللّه، فِيهِ مَعشَرٌ مُسلِمَةٌ بِأَلْسِنَتِهم.

تَعساً لِرُؤوسهم، ما دَفَعَت عَنهُ ضَيما في حَيَاتِهِ، وَلا عِندَ مَمَاتِهِ، حتى قبضتَهُ إِليكَ، مَحمودَ التَّقيبَةِ، طَيِّبَ العَريكة في الإحتجاج الضريبة]، مَعروفَ المَناقِبِ، مَشهورَ المَذاهِب، لم تَأْخُذُهُ اللّهمَّ فِيكَ لومة لائم، ولا عَذلُ عَاذِلٍ.

هَدَيْتَهُ يا رَبِّ لِلإِسلام صَغيراً، وحَمِدت مَناقِبَهُ كَبِيرًا، ولم يَزَلْ ناصحاً لكَ ولِرَسولِكَ «صَلواتُكَ عَليهِ وآلِهِ» حَتى قبضتَهُ إِليكَ، زاهدا فِي الدُّنيا، غَيرَ حَريص عليها، راغبا فِي الْآخِرَةِ، مُجَاهِداً لَكَ فِي سَبِيلِكَ، رَضيتَهُ، فَاحْتَرتَهُ، وهَدَيتَهُ إِلى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ.

أمّا بَعدُ، يا أهل الكوفة! يا أهلَ المَكر، والغَدر، وَالخَيَلاء ! فَإِنّا أهلُ بَيتٍ ابْتَلانَا اللّه بكُم، وَابْتَلاكُم بنا، فَجَعَلَ بَلاءَنَا حَسَنَا، وَجَعَلَ عِلْمَهُ عِندَنا، وفهمهُ لدَينا، فَنَحنُ عَيْبَهُ عِلمِهِ، ووعاءُ فَهمِهِ وحِكمَتِهِ، وَحُجَّتُهُ على أهل الأرض في بلادِهِ لِعِبادِهِ، أَكرَمَنَا اللّه بِكَرَامَتِهِ، وفَضَّلْنا بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ «صلی اللّه علیه وآله» عَلى كَثِيرٍ مِمَّن خَلَقَ تَفضيلاً بَيِّناً.

فَكَذَّبتمونا، وكَفَّرتمونا، ورأيتُم قِتالنا حَلالاً، وأموالنا نَهباً كَأَنَّنا أولادُ تُرْكِ أو كابُلٍ، كَما قتَلتُم جَدَّنا بالأمس، وسيوفكُم تَقطَّرُ مِن دِمَائِنا

أهلَ البَيتِ، لِحِقدٍ مُتَقدِّمٍ، قرَّت لِذلِكَ عُيُونُكُم، وفرحت قُلُوبُكُم، افتراء عَلَى اللّه، ومَكراً مَكَرتُم «وَاللّه خَيْرُ الْمَاكِرِينَ» (1).

فلا تَدعُوَتَكُم أَنفُسُكُم إِلى الجَدْل بما أَصَبْتُم مِن دِمائِنا، ونالت أيديكم من أموالنا، فإنَّ ما أصابَنا مِنَ المَصائِبِ الجَليلةِ وَالرَّزايَا العَظيمَةِ «فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأهَا إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللّه يَسِيرٌ * لِكَيْنَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللّه لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فخور» (2).

تَبّاً لكُم، فَانتَظِرُوا اللعنَة وَالعَذابَ، فكأن قد حَلَّ بِكُم، وتَواتَرَت مِنَ السَّمَاءِ نَقِماتٌ، فَيُسحِتُكُم بِعَذَابٍ، ويُذيقُ بَعضَكُم بَأسَ بَعضٍ، ثُمَّ تُخلدونَ فِي العَذاب الأليم يَومَ القِيامَةِ بما ظلمثمونا، «ألا لعنة اللّه عَلى الظَّالِمِينَ» (3).

وَيلكُم، أتَدرونَ أيَّة يَدٍ طَاعَنَتِنا مِنكُم ؟! وأَيَّةٌ نَفسٍ نَزَعَت إلى قتالنا؟! أم بأيَّةِ رجلٍ مَشيتُم إلينا تَبعُونَ مُحارَبَتَنا؟!

قست وَاللّه قُلُوبُكُم، وغلظت أكبادُكُم، وطبعَ عَلى أَفْئِدَتِكُم، وخُتِمَ عَلى أسماعِكُم وأبصاركُم، وسَوَّلَ لَكُمُ الشَّيطانُ وأملى لكُم، وجَعَلَ عَلَى بَصَرِكُم غِشَاوَةً فَأَنتُم لا تَهْتَدُونَ.

فَتَبَّأً لكم يا أهل الكوفة، أيُّ تِراتٍ لِرَسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»


1) الآية 54 من سورة آل عمران والآية 30 من سورة الأنفال.

2) الآية 22 من سورة الحديد.

3) الآية 18 من سورة هود.

قِبَلكُم، ودُحولٍ لهُ لدَيكُم، بما عَنِدتُم بِأخيهِ عَلِيٍّ بن أبي طالب «عليه السلام» جَدّي، وبَنيهِ، وعِترَةِ النَّبِيِّ الأخيار «صَلَواتُ اللّه وسَلامُهُ عَليهِم»، وَافْتَخَرَ بِذلِكَ مُفْتَخِرُكُم فَقَالَ:

نحن قتلنا عَلِيّاً وبَني عَلِيّ***بسيوف هنديَّة ورماح

وسَبَينا نِسَاءَهُم سَبيَ تُركِ***ونطحناهم فأيَّ نطاح

بفيكَ أَيُّهَا الْقائِلُ الكَثكَثُ وَالأَثلبُ، افتَخَرت بقتل قومٍ زَكَاهُمُ اللّه، وأذهَبَ عَنهُمُ الرِّجسَ وطهَّرَهُم تَطهيراً! فاكظم وأقع كما أقعى أبوك، فإِنَّما لِكُلِّ امرئٍ مَا اكْتَسَبَ وما قَدَّمَت يَداهُ.

أحَسَدتُمونا - وَيلا لكُم - عَلَى مَا فَضَّلْنَا اللّه؟!

فما ذنبنا أنْ جَاشَ دَهْرَاً***وبَحْرُكَ سَاج لا يُواري

«ذلِك فَضْلُ اللّه يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللّه ذو الفضل العظيم» (1)، «وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللّه لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نور» (2).

قالَ: وَارتَفَعَتِ الأصواتُ بالبُكاءِ، وقالوا: حَسبُكِ يابنَة الطَّيِّبِينَ، فقد أحرقت قلوبنا، وأنضَجت نحورنا، وأضرمت أجوافنا.

فَسَكَتَت (3).


1) الآية 21 من سورة الحديد.

2) الآية 40 من سورة النور.

3) الملهوف ص 194 و (نشر أنوار الهدى) ص 88 والإحتجاج ج 2 ص 104 -108 ح 169 و نشر دار النعمان ج 2 ص 27 عن زيد بن موسى بن جعفر عن أبيه، عن آبائه، ومثير الأحزان ص 87 و (ط المكتبة الحيدرية) ص67 نحوه، من دون إسنادٍ إلى أحدٍ من أهل البيت «علیهم السلام»، وبحار الأنوار ج 45 ص 110. ونضيف: تسلية المجالس ج 2 ص 355 - 359.

ونقول:

إيضاحات:

الذَّحْل: الوَتر، وطلب المكافأة بجناية جنيت عليه من قتل أو جرح، أو غيره وَالدَّحل العداوة والوتر الظلم في الذحل.

الترة: جمعها ترات.

التَّقِيْبَة : النّفس، وقيل: الطبيعة والخليقة.

العَريْكَة : الطبيعة.

الضريبة: الطبيعة والسجية.

العيبة : الوعاء.

الجذل: الفرح.

يسحتكم: يهلككم، ويستأصلكم.

نطحه: أصابه بقرنه.

الكثكث : بوزن جعفر، وزبرج: التراب، الأثلب: التراب والحجارة، أو فتاتها، وفتات الحجارة.

أقعى: جلس جلسة الكلب. أي ألصق اليتيه بالأرض، ونصب ساقيه، ووضع يديه على الأرض.

ساج: ساكن.

الدعامص: جمع دعموص: دويبة سوداء، تكون بالغدران، إذا قل ماؤها.

للتذكير.. والبيان:

إن خطب السيدة زينب والإمام السجاد، والإمام الحسين «علیهم السلام»، وكلماتهم، ومواقفهم هي التي نحاول التوقف عندها، لنتصيد بعض فرائدها وخرائدها، بالمقدار الذي يتسع له صدر القارئ الكريم..

أما خطب وكلمات ومواقف وتصرفات غير هؤلاء، فنحاول الإقتصار على ما هو ضروري مما أشارت إليه.

أو ما يفيد إيراده كشاهد أو قرينة على أمر بعينه..

ولأجل ذلك يلاحظ القارئ : أننا لا نريد أن نتوسع في الكلام حول خطبة أم كلثوم، وفاطمة الصغرى.

فكذبتمونا وكفرتمونا:

ويلفت النظر جداً: أن فاطمة بنت الحسين «علیه السلام»، بعد أن ذكرت: أن أهل البيت «علیهم السلام» هم عيبة علم اللّه، وحجته على أهل الأرض، تابعت كلامها لتقول لأهل الكوفة: «فكذبتمونا، وكفرتمونا» ولم نسمع ولم نقرأ: أن أهل الكوفة قد كفروا الحسين «عليه

السلام» وأهل البيت «صلوات اللّه وسلامه علیهم» إلا منها..

وهذا الأمر من أعظم الموبقات، لأنه يتضمن تكذيباً للقرآن، ومضادة صريحة لآياته، وقد ورد في الأحاديث عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله» ما مضمونه: من كفر مسلماً فهو كافر. فكيف إذا كفر من طهرهم اللّه في كتابه، ومن هو إمام منصوب من قبل اللّه تعالى على لسان رسوله «صلی اللّه علیه وآله».. ومن هو سيد شباب أهل الجنة..

كأننا أولاد ترك أو كابل:

1 – كابل: عاصمة الأفغان إلى يومنا هذا.. ولم يكن أهلها قد دخلوا الإسلام آنئذ، بل كانوا أعداء محاربين للإسلام وأهله.

والمراد هاهنا واضح، فإنها تريد أن تقول: إنهم قتلونا، وسبونا، وعاملونا كما يعامل الكافر المحارب.

2 - أشارت فاطمة بنت الحسين «علیها السلام» بقولها لحقد متقدم إلى قول يزيد في الشام وابن زياد في الكوفة، ومروان في المدينة حين أحضروا لهم رأس الحسين «علیه السلام»: يوم بيوم بدر، وأشعار يزيد التي استعار قسماً منها من ابن الزبعرى أشهر من النار على المنار، ومن الشمس في رائعة النهار.

نحن قتلنا علياً وبني علي:

وتقدم قولها «علیها السلام» أن أحد المنتسبين إلى الخط الأموي قال

مفتخراً.

نحن قتلنا عَلِيّاً وبَني عَلِيّ

ونقول:

أولاً : إن هذا الشطر غير موزون، لا بلحاظ بقية الشعر المتقدم، ولا بلحاظ أي وزن آخر من أوزان الشعر..

ولو قال مثلاً:

قدْ َقتَلْنَا عَلِيَّكُم وَبَنِيْهِ لكان أوفق بالوزن

ولعله حرفه المحرفون حتى أخرجوه عن دائرة الأوزان الشعرية بالكلية.

ثانياً: إن هذا نص منها على أن قتل الخوارج لم يكن مجرد عمل فردي من خارجي وخارجية، بل كانت هناك أيدٍ لمعاوية قد هيأت وحرَّضت، و دبَّرت، ولعلها مولت حتى استشهد علي «علیه السلام» على ید ابن ملجم في الظاهر، وتدبير معاوية في الباطن.

قتلتم جدنا بالأمس:

ومما يرجح أن يكون المراد بفاطمة التي خطبت هذه الخطبة هي بنت الحسين «علیه السلام» قولها: «كَما قتَلتُم جَدَّنا بالأمس»، ليكون مرادها: جدها علي «علیه السلام»، الذي وصفته بقولها قبل ذلك: «المقتول بغير ذنب».

وفاطمة بنت الحسين هى زوجة الحسن المثنى الذي حضر

كربلاء.

وأما ما يذكر، من أن للحسين «علیه السلام» فاطمة أخرى هي الصغرى، تركها في المدينة، فقد قلنا: إنه موضع نقاش وريب. وقد تحدثنا عن قصتها مع الغراب في موضع سابق من هذا الكتاب.

الفصل الثالث: خطبة السجاد «علیه السلام» في الكوفة..

اشارة

السجاد «علیه السلام» يخاطب أهل الكوفة:

وقالوا أيضاً:

إنَّ زين العابدين «علیه السلام» أومأ إلى النّاس أن اسكتوا، فسكتوا، فَقامَ قائماً، فَحَمِدَ اللّه وأثنى عَليهِ، وذكَرَ النَّبِيَّ بِما هُوَ أهله، فصلى عَليهِ، ثُمَّ قَالَ:

أَيُّهَا النَّاسُ! مَن عَرَقْني فقد عَرَفْني، ومَن لَم يَعرِفْنِي فَأَنَا أَعَرَّفْهُ بنفسي:

أَنَا عَلِيُّ بنُ الحُسَين بن عَلِيٍّ بن أبي طالب، أَنَا ابْنُ المَذبوح بِشَطٌ الفُراتِ، مِن غَير ذحلٍ ولا تراتٍ أنَا ابْنُ مَن انتهكَ حَريمُهُ، وسُلِبَ نَعِيمُهُ، وَانتُهب ماله، وسُبيَ عِيالَهُ. أَنَا ابْنُ مَن قُتِلَ صَبراً، وكَفَى بِذلِكَ فخراً.

أَيُّهَا النَّاسُ! ناشدتْكُمُ اللّه، هَل تَعلَمونَ أَنَّكُم كَتَبْتُم إلى أبي وخَدَعتُموهُ، وأعطيتُموهُ مِن أَنفُسِكُمُ العَهْدَ وَالميثاق، وَالبَيعَة، وقاتَلتموه، وخَدَلْتُموه؟!

فتَبّا لما قدَّمتُم لِأنفُسِكُم، وسوءاً لِرَأَيكُم بأيَّةِ عَينٍ تَنظُرُونَ إِلَى رَسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» إذ يَقولُ لكُم: قتَلتُم عِترتي، وَانتَهَكَّتُم حُرمتي،

فلستُم مِن أُمَّتي؟!

قالَ الرّاوي: فارتفعت أصواتُ النّاس مِن كُلِّ ناحِيَةٍ، وَيَقُولُ بَعضُهُم لِبَعض: هَلكتُم وما تعلمون.

فقالَ «علیه السلام»: رَحِمَ اللّه امْرَأَ قبلَ نَصيحتي، وحَفِظَ وَصِيَّتي فِي اللّه وفي رَسولِهِ وأهل بَيْتِهِ، فَإِنَّ لنا فى رسول اللّه أَسْوَةً حَسَنَةٌ.

فقالوا بأجمَعِهم: نَحنُ كُلنا يا ابنَ رَسولِ اللّه سامِعونَ مُطيعونَ، حافِظُونَ لِذِمَامِكَ، غَير زاهدين فيك، ولا راغِبينَ عَنكَ، فَأَمرنا بأمرِكَ يَرحَمُكَ اللّه، فَإِنَّا حَربٌ لِحَرِيكَ، وسلمٌ لِسلمِكَ، لنَأخُذَنَّ يَزِيدَ، ونَبرَأُ مِمَّن ظُلمَكَ وظلمنا.

فقالَ «علیه السلام» هيهات هيهات! أَيُّهَا الغَدَرَةُ المَكَرَةُ، حيلَ بَينَكُم وبَينَ شَهَوَاتِ أَنفُسِكُم، أتريدون أن تَأْتوا إليَّ كَما أَتَيتُم إلى أبي مِن قبلُ ؟!

كلا ورَبِّ الرَّاقِصاتِ، فَإِنَّ الجُرحَ لمّا يَندَمِل، قُتِلَ أَبي صَلواتُ اللّه عَليهِ بالأمس، وأهلُ بَيْتِهِ مَعَهُ، ولم يُنسني ثكل رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وثُكل أبي وبَني أبي، ووَجدُهُ بَينَ لَهَواتِي، وَمَرَارَتْهُ بَينَ حناجري وحلقي، وغُصَصْهُ تَجري في فراش صدري، ومسألتي أن لا تكونوا لنا ولا علينا.

ثُمَّ قَالَ:

لا غرو إن قُتِلَ الحُسَينُ***قد كان خيراً مِن حُسَين وأكرَما

فلا تَفرحوا يا أهلَ كوفانَ***أصابَ حُسَيناً كانَ ذلِكَ أعظما

قتيل بشَطَ النَّهر روحي فداؤُهُ***جَزاءُ الَّذي أرداه نارُ جَهَنَّما

ثُمَّ َقالَ «علیه السلام»: رضينا مِنكُم رَأساً بِرَأْسِ، فَلا يَومَ لنا ولا علينا (1).

ونقول:

إيضاحات:

الراقصات : هي الإبل إذا مشت مشي الخبب، وهي: أن يراوح بين يديه ورجليه.

اللّهوات: جمع لهاة، وهي اللحمة المشرفة على الحلق في أقصى سقف الفم.

قتل صبراً : أي حبس لكي يقتل.

لا غرو: الغرو: العجب، أي لا عجب من هذا الأمر.

اللّهازم - واحدتها لهزمة، وهي: أصول الحنكين.

الذمة والذمام: العهد، والأمان، والحرمة، والحق...


1) الملهوف ص 199 و (نشر أنوار الهدى) ص 92 والإحتجاج ج 2 ص 117 ح 171 و (نشر دار النعمان) ج 2 ص 31 عن حذيم بن شريك الأسدي، ومثير الأحزان ص 89 و 90 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 69 و 70 كلاهما نحوه، وبحار الأنوار ج 45 ص 112 - 114 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 381 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج4 ص 115 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 261.

الذحل: الوتر، وطلب المكافأة بجناية جنيت عليه، من قتل، أو جرح، أو غيره والذحل : العدواة والحقد.

الترات - جمع ترة - وهو: الظلم في الذحل.

الإغراء بالإصغاء والإنتباه :

لقد بدأ الإمام السجاد «علیه السلام» كلامه بطريقة تغري سامعه بالإصغاء إليه، والانتباه لما سيقوله، وما يعرف به نفسه. فمن يعرفه «علیه السلام»، يريد أن يعرف ما الذي سوف يختاره للتعريف بنفسه في هذه المناسبة الحساسة، ومن لا يعرفه - كتلك المرأة التي سألت النساء من أي الأسارى أنتن ؟! - سيكون مهتماً بمعرفة هؤلاء الذي يبكي عليهم أكثر المجتمع الكوفي، ولا يظهر الفرح بأسرهم سوى أعوان السلطة، وجلاوزتها.

هكذا عرفهم نفسه «علیه السلام»:

وقد عرف نفسه «علیه السلام» للناس على النحو التالي:

1 - إنه بعد أن خطبت زينب، وفاطمة وأم كلثوم، وأوضحن للناس أنهن سبايا آل محمد، وأنهن أهل بيت الرسول، وذريته، فإن الإمام السجاد «علیه السلام»: ركز على انتسابه لسيد الأوصياء علي أمير المؤمنين «علیه السلام».. الذي عاش بين أهل الكوفة سنوات خلافته «علیه السلام»، واستشهد في مسجد الكوفة، ودفن في ظاهر الكوفة أيضاً.. وإن لم يعرف الناس مكان دفنه آنئذ بالتحديد.

وعلي «علیه السلام» يعرفه الكوفيون، فهو الذي ركز فيهم راية

الإيمان، وعرفهم حدود الحلال والحرام (1)، وقد عرفوا سياسات علي «علیه السلام»، وذاقوا حلاوة عدله فيهم، كما عرفوا سياسات مناوئيه وذاقوا مرارات عسفهم وظلمهم لهم.

ويفترض فيهم: أن لا تنسيهم ميولهم وأهواؤهم، وحبهم للدنيا حلاوة عدله فيهم، وبره بهم، وحسن سياسته لهم، وأن تبقى ذكرياتها تراودهم، وأن تكون الحسرة عليها والشوق إليها، والأمل بها، كامنا في أعماق نفوسهم، ومستقراً في حنايا قلوبهم.

ولأجل ذلك قال «علیه السلام»: «أنَا عَلِيُّ بنُ الحُسَين بن عَلِيٍّ بن أبي طالب..».

2 - ثم عطف «علیه السلام» على هذا الانتساب الصريح التعريف بأبيه، وبيان ما جرى عليه من أهل الكوفة، الذين جاؤوا يبكون وينوحون على والده الحسين «علیه السلام»، بعد أن قتلوه، وسبوا نساءه.

فإذا كانوا يقرون بفضل علي «علیه السلام» عليهم، وعظيم إحسانه إليهم، وبالغ رفقه بهم، فما بالهم يكافئونه في ولده على هذا


1) راجع: نهج البلاغة بشرح عبده ج 1 ص 154 وبحار الأنوار ج 34 ص 209 والمراجعات ص 66 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 6 ص 373 و 380 وينابيع المودة ج 1 ص 84 و ج 3 ص 432 وأعلام الدين للديلمي ص 128 وغاية المرام ج 2 ص 317.

النحو الذي جمع بين أعظم القبائح الإنسانية، والأخلاقية، والسلوكية، فقد جمعوا بين الغدر والخيانة والختل والقسوة ونكران الجميل، والتعدي على الحرمات، وفقدان الحمية والغيرة، وإظهار الشره والطمع إلى حد الدناءة والخسة، مع ادِّعاءاتهم الفارغة للشرف، والشهامة، والغيرة..

وهذا ما حملته لنا كلماته التالية، حيث قال «علیه السلام»

«أَنَا ابْنُ المَذبوح بشَطُ الفُراتِ مِن غَير دَحلٍ ولا تِراتٍ، أَنَا ابْنُ مَن انتهكَ حَريمُهُ، وسُلِبَ نَعيمُهُ، وَانتُهبَ ماله، وسُبِيَ عِياله».

ويلاحظ: أن الإمام الحسين «علیه السلام»، قد واجه أنواعاً كثيرة من وسائل الأذى والقتل، وكيفياته من الرمي بالسهام إلى الطعن بالرماح، والضرب بالسيوف، إلى منع الماء، والعطش الذي لا يحتمل، إلى الرمي بالحجارة، والضرب بالخشب، وإلى محاولة حرق البيوت بما ومن فيها بالنار، وغير ذلك من نوائب ومصائب، مثل: ذبح الأطفال فضلاً عما لحق قتله «علیه السلام» من قطع الرؤوس، وسبي العيال والأطفال، وما صاحب ذلك من تحقير وإهانات، وحمل للسبايا على أقتاب الجمال..

ولكن الإمام السجاد «علیه السلام» قد اختار من كل ذلك أن يتحدث عن الذبح، فإنه الأكثر فظاعة، والأشد بشاعة، وأوضح دلالة على الحقد والقسوة والجرأة على اللّه، وعلى أحبائه وأوليائه.

فإن سائر الوسائل، والكيفيات التي واجه الأعداء بها الحسين «علیه السلام»، تبقى آثارها، وخفايا نتائج استعمالها في دائرة الحدس والتخمين،

من حيث الحجم والمدى الذي تبلغه والأثر الذي تحدثه، والألم الذي ينتج عنها.

أما الذبح، فإن الذابح يدرك مدى تأثير كل لمسة وحركة وحجمها، ومداها، ونتائجها على صعيد معاناة الآلام، وغير ذلك.

3 - فإذا كان هذا المذبوح، الذي يواجه بهذا القدر من الأذى، والضغينة لم يصدر منه تجاه الذابح ومن وراءه ما يوجب شيئاً من ذلك فإن بشاعة هذا العمل ستصبح أكثر وضوحاً وسطوعاً..

وقد اختار «علیه السلام» لبيان هذا الأمر كلمتين بالغتي الدلالة فقال: «مِن غَير دَحلٍ ولا ترات»، وذلك:

أولاً: لأن الذحل إن كان هو العداوة، فلم تكن هناك عداوة شخصية بينه وبينهم..

وإن كان المراد به المكافأة على قتل، أو جرح، أو أي شيء أحدثه فيهم، فإنه لم يكن هناك ما يوجب المطالبة بشيء من ذلك، لأن مبرر المكافأة، وهو القتل، أو الجرح، أو أي نقص آخر غير موجود من أساسه.

ثانياً: إنه مع انتفاء الموضوع ينتفي الحكم، وحيث لا يوجد عرش، فلا يوجد نقش، فلا يوجد الذحل (وهو العداوة، أو الحقد، أو طلب المكافأة على نقص أحدثه فيهم)، لكي يقال: إنه ظلمهم في الذحل..

الفخر بقتل الصبر!!:

1 - وبعد أن ذكر «علیه السلام» الذين ذبحوا الإمام الحسين «علیه السلام» بشط الفرات من غير ذحل ولا ترات، ذكر «عليه السلام» أموراً أخرى، لها دلالاتها وإشاراتها، فقال:

«أَنَا ابْنُ مَن انتُهكَ حَريمُهُ» ومن ينتهك حريمه، ويذبح من دون ذحل ولا ترات لا يمكن إلا أن يكون مظلوماً، ولا يمكن أن يثق، أو أن يتعامل، أو أن يهادن من يفعل به ذلك.. لاسيما وأن حرمته «عليه السلام» جزء من حرمة النبوة والرسالة والدين والإنسان بكل ما له من صفات كمال وجمال...

كما أن الذين يفعلون ذلك بأهل بيت النبوة، وسبط الرسول، وابن علي الذي عرفنا فضله، حتى على هؤلاء الذباحين لأولاد الأنبياء، والمنتهكين لحرماتهم، وعلى رأسهم سيد شباب أهل الجنة، لا يمكن أن يطلب من أبناء الحسين أن يثقوا بهم، ويركنوا إلى صدقهم ووفائهم، ويتعاملوا معهم، بعد أن خانوا وغدروا، وذبحوا وانتهكوا حريم أبيهم قبل ساعات، أو أيام، قلت أو كثرت.

ولن يرحض عنهم عار ما فعلوه بكاء ولا نواح، ولا تفيد الأيمان والعهود والوعود.

وانتهاكهم حريم مثل الإمام الحسين «علیه السلام»، والكل يعرف موقعه من هذا الدين يعطي : أنهم لن يحجزهم أي شيء عن انتهاك حريم أي مخلوق آخر، فإنه مهما علا شأنه، فإن شأن الحسين «عليه

السلام» يبقى هو الأرفع، ويبقى جانبه هو الأمنع.

2 - وهكذا يقال بالنسبة إلى سلبهم نعيم الإمام الحسين، وانتهابهم لماله طمعاً منهم بحطام الدنيا، فإن هذا أظهر مدى دناءتهم وخستهم.

3 - وأما سبي عيال الإمام الحسين «علیه السلام»، فيدل على فقدان الشهامة والغيرة لدى هؤلاء الناس، وحسبهم بذلك خزياً، وسقوطاً، وذلاً في الدنيا والآخرة.

4 - والأهم من ذلك كله: أنه «علیه السلام» قد حبس ومنع من الضرب في الأرض من لحظة لقائه بالحر الرياحي، إلى أن وصل إلى كربلاء، حيث حوصر ومنع عن التحرك في أي اتجاه، لكي يختار بين أن يُقتل هو وجميع من معه من أهل بيته وأصحابه، أو يخضع لإرادة يزيد وابن زياد.

فصبر على هذا البلاء، وفاز بدرجات القرب لدى رب السماء، ولم يستجب للظالمين، ولم يتزحزح قيد شعرة عما يرضي رب العالمين..

وهذا موقف جميل وجليل، وهو من أعظم المآثر والمفاخر، وكفى به فخراً كما قال الإمام زين العابدين «علیه السلام».

السجاد «علیه السلام» يستنطق أهل الكوفة:

1 - وجه الإمام السجاد «علیه السلام» أسئلة تقريرية لأهل الكوفة، تفيد : أنهم هم الذين كتبوا إلى الإمام الحسين «علیه السلام» وخدعوه، وأعطوه العهد والميثاق، والبيعة، ثم خذلوه.. فهم بعد هذا

أمام احتمالين:

أولهما: أن يكون هذا منهم منطلقا من شعورهم بأن هذا يحقق لهم أهدافهم، ويوصلهم إلى مطامعهم فيما مهدوه وقدموه، ولم يصلوا إلى ما يريدون.

ثانيهما: أن يكون هذا الذي فعلوه كان رأيا لهم بداعي الصالح العام، ولكن ليت شعري، ما هذا الرأي الذي يقوم على النكث والغدر والخيانة، وقتل الأئمة والأولياء، وسلالة الأنبياء، على هذا النحو الفجيع، وسبي نسائه، فسوءاً وقبحاً، وتبأ لهذا الرأي الغثيث والخبيث.

2 - ثم انتقل «علیه السلام» بكل عفوية ووضوح ليصل الفرع بأصله، حين ذكرهم بأمر لا ريب ولا لبس فيه، وهو أن الأمر لا ينتهي عند قتل الحسين وأهل بيته وأصحابه، فهناك قيامة وحساب، فإما فوز ومثوبة، أو عذاب وعقوبة، وهناك لقاء مع رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وسيسألهم عما أحدثوه بعده من انتهاك لحرمته وقتل لذريته، فبأي عين ينظرون إليه يومئذ..

فهل الإمام «علیه السلام» يفترض: أن تبقى لدى هؤلاء بقية من حياء، أو نفحة من إباء، يخجلون من أنفسهم حين لقائه «صلى اللّه عليه وآله» ؟!

أو أنه يريد أن يقول لهم: إن حاجتكم لرسول اللّه «صلی اللّه علیه آله»، وانقطاع السبل بكم يوم القيامة، حيث لا تملكون لأنفسكم في ذلك الموقف نفعاً ولا ضرا، سوف يضطركم للبحث عن مناص

وخلاص.. لا تجدونه إلا عند رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وأهل بيته الطاهرين..

فإذا واجهتم رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» مواجهة المحتاج للمعونة، والطالب للشفاعة، فبأي عين تنظرون إليه؟!

إنكم - ولا شك - سترجعون خائبين خاسئين، ولن ينفعكم قوله «صلی اللّه علیه وآله»: «ادَّخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» لأنكم لستم من هذه الأمة، لأنكم قتلتم عترتي، وانتهكتم حرمتي، فلستم من أمتي. وهذا حكم صريح بكفرهم، فإن قاتل إمامه كافر.

هلكتم وما تعلمون:

وبعد.. فإننا لا نصدق قول القائل منهم: «هَلَكتُم وما تَعلمون». لأنهم قد علموا من خلال الخطب والمواقف، والإحتجاجات عليهم، من قبل الإمام الحسين وأصحابه، وأهل بيته.. فضلا عن الآيات القرآنية الكثيرة التي تقرر حق أهل البيت ومكانتهم عند اللّه، وموقعهم الأمة، وكذلك التصريحات الكثيرة من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» التي لم تترك عذرا لمعتذر، ولا حيلة لمتطلب حيلة..

هل هذا استدراج؟!:

وقد يرى الباحث الأريب، والمتدبر اللبيب في قوله «علیه السلام»: «رحم اللّه امرءاً قبل نصحيتي، وحفظ وصيتي في اللّه، وفي رسوله، وأهل بيته الخ..».

إنه بمثابة استدراج لأهل الكوفة، لينبسطوا معه في الحوار، والإعراب عن المقاصد.

حيث جعلهم يظنون: أنه سيطلب منهم أموراً لها طابع العمل معه في المجال العام، أو أنه سوف يصدر لهم توجيهات ترتبط بعلاقتهم معه ومع سائر أهل البيت الذين نجوا من القتل على أيديهم.

ولاسيما حين حدد مورد وصيته لهم: بأنها سيكون لها ارتباط باللّه، فظنوا أنه سيأمرهم بطاعته، والعمل بأوامره ونواهيه، ويطلب منهم أن يصلحوا علاقتهم برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وأن يعودوا لنصرة أهل البيت، ومعاونتهم على دفع عدوّهم عنهم.

ولعل ظنهم هذا جعلهم يتبارون في إظهار الطاعة، والوعد بحفظ ذمامه، والتأكيد على أنهم سيواصلون تأييدهم له بكل قوة وثبات، وأعلنوا أنهم حرب على من حاربه وسلم لمن سالمه بل تمادی بهم الحماس إلى حد أنهم وعدوه بالقبض على يزيد بالذات..

ثم تقدموا خطوة أخرى، ليدعوا براءتهم ممن ظلمهم وظلمه.. وكأنهم لم يكونوا هم أنفسهم أداة الظلم الذي مورس ضد أبيه، وأهل بيته، وأصحابه. وهل استأجر بنو أمية أناساً من الترك أو الديلم لقتل الحسين «علیه السلام»؟!

فظهر بذلك: أنهم بنفس كلامهم هذا لم يحيدوا عن سنة الغدر والمكر، التي انتهجوها مع أبيه وأهل بيته وقد وجد «علیه السلام» في هذا الحماس في تقديم العروض، وهذا السخاء بالوعود، وإعطاء

العهود، وسرعة إنكارهم لجريمتهم التي لم يمض على ارتكابهم إياها يومان، واعتبار أنفسهم مظلومين كما هو مظلوم.

إن ذلك أوضح شاهد على أن الأمر لا يعدو كونه شنشنة يعرفها اللبيب من أخزم.

وتبين بذلك : أن هدفهم من هذا كله، هو اتباع الهوى، والاستجابة لنوازع شهواتهم وأهوائهم. وأنهم يريدون تكرار نفس ما فعلوه مع أبيه بالأمس، ولذلك قال لهم «علیه السلام»:

«هَيهات هيهات! أَيُّهَا الغَدَرَةُ المَكَرَةُ، حيلَ بَينَكُم وَبَينَ شَهَواتِ أنفُسِكُم، أتريدون أن تأتوا إليَّ كَما أَتَيتُم إلى أبي مِن قبلُ؟!

كَلا َورَبِّ الرّاقِصاتِ، فإنَّ الجُرحَ لمّا يَندَمِل الخ..».

ورب الراقصات!!:

بقي أن نشير إلى أنه «علیه السلام» قد أقسم هنا برب الراقصات، ولم يقسم برب الكعبة، أو برب محمد «صلی اللّه علیه وآله» مثلا، أو باللّه الذي لا إله إلا هو، أو نحو ذلك..

ولعل السبب في ذلك : أنه «علیه السلام» بعد أن حكم بكفرهم، وأنهم ليسوا من أمة محمد «صلی اللّه علیه وآله»، لم يشأ أن يقسم لهم بما يدل على أنهم يؤمنون بالمقدسات التي يؤمن بها المسلمون كالكعبة، أو محمد، أو نحو ذلك، بل أقسم لهم برب الراقصات، معتبراً إياهم من أهل الجاهلية، أو من الأعراب الذين هم أشد كفراً ونفاقا، وأجدر أن لا

يعرفوا حدود ما أنزل اللّه.

على أن من يعلن أنه إنما أراد أن ينتقم من النبي «صلی اللّه علیه وآله» بقتل أهل بيته، ويقول: «يا محمد، يوم بيوم بدر» كما فعل يزيد، وعبيد اللّه بن زياد ومروان بن الحكم، الذي يقال: إنه ضرب قبر النبي «صَلَّى اللّه عَليهِ وآلِهِ» برأس الحسين «علیه السلام»، ثم قال تلك الكلمة الخبيثة.

إن من يكون هذا حاله لا يهمه الحنث باليمين إذا كان برب الكعبة، أو النبي، أو القرآن، أو غير ذلك.

ثكل رسول اللّه وثكل أبي:

وقد اعتبر «علیه السلام»: أن المثكول بقتل الإمام الحسين «عليه السلام»، هم :

1 - رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»..

2 - علي أمير المؤمنين «علیه السلام». وقد قال جيش يزيد للحسين «علیه السلام» نقاتلك بغضاً منا لأبيك.

3 - بنو علي «علیه السلام»، والإمام السجاد «علیه السلام» منهم.

وهذا تأكيد آخر على ما كان أهل البيت يؤكدون عليه، وأيدت صحته أفعال وكلمات الطواغيت، من أن القضية هي: أن النبي «صلى اللّه عليه وآله» هو المستهدف في أهل بيته، وفي شرعه، ودينه.

لا تكونوا لنا ولا علينا:

وبعد كل ما تقدم كان الطلب الوحيد للإمام «علیه السلام» من أهل الكوفة هو ما ذكره بقوله : «ومَسألتي أن لا تكونوا لنا ولا علينا»، ثم كرر ذلك، فقال في آخر كلامه «رَضينا مِنكُم رَأساً برَأس، فلا يَومَ لنا ولا علينا».

ويبدو: أن المقصود بهذا الطلب هو خصوص المشاركين بقتل الحسين «علیه السلام» وأهل بيته وأصحابه، وأسري عياله وأطفاله.

وليس المقصود: جميع من سكن الكوفة، وقد كانوا يعدون بعشرات الألوف، حتى ليقال: إن المختار قد قتل منهم ثمانية عشر ألفا (1)، عدا من قتلهم الحسين وأصحابه وأهل بيته يوم عاشوراء، وهم ألوف أيضا، كما أنه «علیه السلام» لا يقصد جميع أهلها، أو من سكن، أو من ولد فيها، ولو بعد مئات السنين، إذ لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى..

هذا الشعر لا يستقيم:

أما بالنسبة للأبيات التي وردت في كلام الإمام زين العابدين «علیه السلام»، فيلاحظ:

1 - أن وزن البيت الأول قد جاء على بحر مختلف عن وزن البيتين اللذين بعده، وعن البحر الذي اعتمده..

فلكي يكون البيت الأول متوافقا مع ما يليه في وزنه وبحره،


1) راجع: ذوب النضار في الأخذ بالثار لابن نما ص 145.

يمكن أن يكون هكذا :

97

فلا غرو مِنْ قتل الحُسَين***لقد كان خيراً مِن حُسَين

فلا تَفرحوا يا أهل كوفان***أصابَ حُسَينا كانَ ذلِكَ أعظما

قتيل بشطَ الشَّهر روحي فداؤُهُ***جَزاءُ الذي أرداه نارُ جَهَنَّما

2 - ونشير إلى أن كلمة جهنم الواردة في عجز البيت الثالث، قد جاءت مفتوحة، حيث قال:

***جَزاءُ الذي أرداه نارُ جَهَنَّما

وسبب ذلك: أن هذه الكلمة ممنوعة من الصرف للعلمية، والعجمة قيل : هي فارسية، وقيل: عبرانية، أصلها كهنَّام (1).


1) أقرب الموارد ج 1 ص 147.

الفصل الرابع: املأ ركابي فضة وذهبا..

اشارة

الرأس الشريف عند ابن زياد:

وحين وصل الرأس الشريف إلى عبيد اللّه بن زياد كان حامل الرأس يحلم بالجائزة العظيمة من ابن زياد وهي: أن يملأ ركابه فضة وذهباً.. لأنه يرى أنه حقق بقتله الحسين «علیه السلام» إنجازاً عظيماً..

فقد قتل من وصفه: بأنه خير الناس أماً وأباً، وخير الناس نسباً، وهو الملك المحجب..

ولكن أحلامه هذه ليس فقط قد تبخرت، بل هي قد انقلبت عليه، فكان نصيبه من ابن زياد الغضب والحرمان من الجائزة.. بل يقال: إنه ضرب عنقه أيضاً، فلاحظ ما يلي:

1 - عن عبد اللّه بن منصور، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده [زين العابدين] «علیهم السلام»: أقبَلَ سنانٌ لعَنَهُ اللّه حَتَّى أدخَلَ رَأسَ الحُسَين بن عَلِيٍّ «علیه السلام» على عُبَيدِ اللّه بن زيادٍ الْعَنَهُ اللّه»، وهُوَ يَقُولُ:

املاً ركابي فِضَّة وذهَباً***إنّي قتَلتُ الْمَلِكَ الْمُحَجَّبا

قتلتُ خير الناس أمّاً وأباً***وخَيرَهُم إِذْ يُنسبونَ نَسَبا

فقالَ لَهُ عُبَيدُ اللّه بنُ زِيادٍ : وَيْحَكَ! فَإِن عَلِمتَ أَنَّهُ خَيرُ النّاسِ أَبَا وأمّا، لِمَ قَتَلْتَهُ إذن؟

فَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَت عُنُقهُ، وعَجَّلَ اللّه بروجه إلى النار (1).

2 - وروي في الطبقات ما هو قريب من هذا، لكنه قال: أدخَلَ خَولِيٌّ الأصْبَحِيُّ الرَّأْسَ عَلى ابن زيادٍ - وكانَ الذي يَتَوَلَّى حَمَلَهُ بَشِيرُ بنُ مالِكٍ - فَقَدَّمَهُ إليه، وأنشأ يَقولُ (2).

3 - وذكر آخرون عبارة موهمة تقول عن سنان: «ونَزَلَ مَعَهُ [أي مَعَ سِنان بن أنس] خَولِيُّ بنُ يَزِيدَ الأَصْبَحِيُّ، فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ، ثُمَّ أتى بهِ عُبَيدَ اللّه بن زيادٍ، فَقالَ:

أوقر ركابي فِضَّة وذهَباً***إنّي قتلتُ المَلِكَ المُحَجَّبا


1) موسوعة الإمام الحسين ج 5 ص 91 عن الأمالي للصدوق ص227 ح 239 وروضة الواعظين ص 209 و منشورات الشريف الرضي ص 189 و مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 113 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 260 نحوه، وكلاهما من دون إسنادٍ إلى أحدٍ من أهل البيت، وبحار الأنوار ج 44 ص 322 والفصول المهمة لابن الصباغ ص 190 و نشر دار (الحديث) ج 2 ص 828 نحوه، من دون إسنادٍ إلى أحدٍ من أهل البيت. والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 171 وراجع: مرآة الجنان ج 1 ص 108 وشذرات الذهب ج 1 ص 67.

2) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 39.

قتَلتُ خَيرَ النّاس أمّاً وأباً***وخَيرَهُم إِذْ يُنسبونَ نَسَبا

قالَ: فلم يُعطِهِ عُبَيدُ اللّه شَيئًا» (1).

4 - أرسَلَ عُمَرُ بنُ سَعدٍ بِالرَّأْس إلى عُبَيدِ اللّه بن زيادٍ، فَجَاءَهُ الرَّجُلُ بالرَّأس، واسمُهُ بِشرُ بنُ مَالِكٍ، حَتَّى وَضَعَ الرَّأْسَ بَينَ يَدَيهِ، وجَعَلَ يَقُولُ:

املاً ركابي فضة وذهَباً***إنّي قتلتُ المَلِكَ المُحَجَّبا

ومَن يُصَلِّى القبلتين في***وخَيرَهُم إِذْ يُذْكَرُونَ النَّسَبا

قتَلتُ خَيرَ النَّاس أماً وأبا

فَغَضِبَ عُبَيدُ اللّه بنُ زِيادٍ مِن قولِهِ، ثُمَّ قال: إذ عَلِمتَ أَنَّهُ كَذلِكَ فَلِمَ قتَلتَهُ؟ وَاللّه، لا نِلْتَ مِنّي خيرا، ولألحقتَكَ بِهِ، ثُمَّ قَدَّمَهُ، وَضَرَبَ عنقه (2).


1) موسوعة الإمام الحسين ج 5 ص 92 عن : الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 474 ومروج الذهب ج 3 ص 70 وسير أعلام ج3 النبلاء ج 3 ص 309 والبداية والنهاية ج 8 ص 196 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 205 والأمالي للشجري ج 1 ص 192 والثلاثة الأخيرة عن عمّار الدهني، عن الإمام الباقر «علیه السلام» وكلها نحوه. وراجع: شرح الأخبار ج 3 ص 155 وراجع: مجمع الزوائد ج 9 ص 194 والمعجم الكبير ج 3 ص 117 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج 1 ص393 ونظم درر السمطين ص 216.

2) موسوعة الإمام الحسين ج 5 ص 92 عن الفتوح ج 5 ص 120 ومطالب السؤول ص 76 و (بتحقيق ماجد العطية) ص 403 والصواعق المحرقة ص 197 وليس فيه صدره إلى بشر بن مالك»؛ وكشف الغمة ج 2 ص 263 و (ط دار الأضواء) ج 2 ص 262 والحدائق الورديّة ج 1 ص 123 نحوه.

ونقول:

فقدان المعايير:

لسنا بحاجة إلى التذكير: بأن من أعظم المآسي، والمصائب التي تحل بالناس: أن يفقدوا القدرة على التمييز بين الحق والباطل، وبين الحسن والقبيح، وبين الوهم والحقيقة.. وهذا هو التيه الذي ابتلي به بنو إسرائيل، وهو بلاء كل جاحد معاند، ومبطل و فاسد..

واللافت : أنه تعالى قد أذاق بني إسرائيل جزاء على عنادهم، وعدم انقیادهم وعلى سوء سرائرهم وخباثة ضمائرهم. أذاقهم طعم هذا التيه بأنواعه المختلفة، حيث تاهوا في أرض اللّه أربعين سنة، كنتيجة طبيعية لتيههم عن الحق، وعماهم عنه «وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى الْآخِرَةِ أَعْمَى» (1).

وقتلة الإمام الحسين «علیه السلام» نموذج لهذا العمى والضلال، وعدم الإدراك حتى لأبده البديهيات، وأوضح الواضحات. وقد تجلى ذلك في الشعر الذي قاله حامل الرأس الشريف لابن زياد..


1) الآية 72 من سورة الاسراء.

فهو لم يدرك بشاعة وقبح وتناقض ما جعله وسيلة لنيل الجائزة من ذلك الطاغية الجبار فهو يريد الفضة والذهب مكافأة على فعل أقبح القبائح، وارتكاب أعظم الفضائح. وهو قتله الملك المحجبا، وخير الناس أماً وأباً، وخير الناس نسباً ومن صلى القبلتين في الصبا..

فمن يفعل ذلك يكون جزاؤه أعظم جزاء المجرمين في الدنيا والآخرة. ولكن حامل الرأس يريد أن يجعل ما هو جريمة يستحق عليها أعظم العقوبات ذريعة للحصول على التكريم والتعظيم، ونيل الجوائز.

وليس ذلك إلا لأجل تيهه، وعمى بصيرته، وسقم تفكيره. ولأن اللّه تعالى ختم على قلبه، وجعل على بصره غشاوة.

وأقوال هذا الرجل الخبيث في شعره تدل على أن هذا الرجل كان عارفاً بحقيقة من أقدم على قتله، بل قد يقال : إنه كان يرى أن صفات الحسين «علیه السلام» التي يتحلى بها هي التي تبرر له قتله، وطلب الجائزة عليه، ثم الافتخار والتباهي بهذه الجريمة. وبلوغ الأمور بالشخص إلى هذا الحد لهو من أعظم الخذلان، حيث يصبح في ظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرج يده لم يكد يراها..

أما أهل الإيمان والتقوى، فإن نورهم يسعى بين أيديهم، وبأيمانهم، وهذه منحة إلهية لهم، هي من آثار رضا اللّه سبحانه وتعالى عليهم «وَمَنْ لَمْ يَجْعَل اللّه لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نور» (1).


1) الآية 40 من سورة النور.

غضب ابن زیاد:

وأما سبب غضب ابن زياد على حامل الرأس الشريف، فليس هو لأجل اهتمامه بمكارم الأخلاق، وحميد الصفات.. وليس لأن هذا الرجل قد قتل هذا الشخص الذي له هذه الصفات بل لأنه رأى أنه بشعره هذا إنما يحرض الناس على ابن زياد وبني أمية، ويسقط حرمتهم، ويضعف شوكتهم..

إملأ ركابي فضة وذهباً :

1 - نعود لنؤكد على أن سبب غضب وإقدام عبيد اللّه بن زياد على قتل الذي جاءه بالرأس الشريف - سواء أكان هو بشير بن مالك، أو سنان بن أنس - هو ثناؤه على الإمام الحسين «علیه السلام»، وعلى أبيه وأمه، وآبائه، فإنه كان لا يطيق سماع مثل هذا الثناء..

كما أنه كان يخشى أن يؤثر ذلك على موقف الناس، وربما أثار له مشكلات حقيقية لهم مع الحكم الأموي الذي ارتكب هذه الجريمة العظيمة.

2 - إن من المعلوم: أن قاتل الإمام الحسين «علیه السلام» هو شمر، وسنان على الأكثر ومعهم آخرون.. ذكرنا أسماءهم فيما سبق، فما معنى قول بشر بن مالك في رجزه:

أوقر ركابي فِضَّة وذهَبا***أنا قتلت المَلِكَ المُحَجَّبا

قتلتُ خَيرَ النّاس أمّاً وأبا***وخَيرَهُم إِذْ يُنسبونَ نَسَبا

إن هذه الدعوى الخطيرة هي بسنان بن أنس أنسب منها ببشر بن مالك.

وهذا يجعل ما ورد في عدد من المصادر من نسبة الرجز إلى سنان أولى بالاعتماد..

مصيبة - واللّه - ما أعظمها :

قالَ هِشَامُ بنُ مُحَمَّدٍ: لَمّا وُضِعَ الرَّأْسُ بَينَ يَدَي ابن زيادٍ، قَالَ لَهُ كاهِنُهُ (1): ثم قضَع قَدَمَكَ عَلى قم عَدُوِّكَ.

فَقامَ فَوَضَعَ قَدَمَهُ عَلى فِيهِ، ثُمَّ قَالَ لِزَيدِ بن أرقم: كَيفَ تَرى؟!

فقالَ: وَاللّه لقد رأيتُ رَسولَ اللّه «صلی اللّه علیه وآله» واضعاً فاه حَيثُ وَضَعَتَ قَدَمَكَ (2).

ونقول:

الكاهن: هو من يقوم بأمر الرجل، ويسعى في حاجته، والقيام بأسبابه، وأمر حزانته.


1) الكاهِنُ : العَربُ تُسمّى كلّ من يتعاطى علماً دقيقاً كاهنا، ومنهم من كان يُسمّي المنجم والطبيب كاهناً. راجع: النهاية ج 4 ص 215 مادة «كهن».

2) تذكرة الخواص ج 2 ص 185 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج33 ص 678 عن التبر المذاب (مخطوط) ص 85.

جبروت واستكبار:

1 - إن أول ملاحظة يجب الإلماح إليها في هذا النص هي: النفسية الطاغية والمتجبرة والمستكبرة، التي نجدها لدى هؤلاء الناس.

وما هذه الروح الشريرة، والشيطانية التي كانت تزين أقبح الأعمال، وتصورها بصورة مجيدة وسديدة وفريدة، لتصبح بالنسبة إليه من المآثر والمفاخر.. على قاعدة: «وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَن السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ» (1)، وعلى قاعدة: «إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ» (2).

والعمه: هو عمى البصيرة، كما قال الزمخشري(3). والتردد في الضلال.

2 - كأن ابن زياد «لعنه اللّه» يريد أن يقدم نموذجاً معاكساً لما ورد في القرآن الكريم على لسان الكفار في يوم القيامة، فقد قال تعالی:

«وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أرنا اللذين أضْلانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ


1) الآية 24 من سورة النمل.

2) الآية 4 من سورة النمل.

3) أقرب الموارد ص 833.

نجْعَلَهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ» (1).

فقد عكس الأمر حين أراد أن يضع قدمه على فم الإمام «علیه السلام»، المفترض على جميع الأمة طاعته، وهو الهادي، والمرشد إلى الخير، والدال على اللّه سبحانه وتعالى، ومن قال عنه رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله»: إنه «مصباح هدى، وسفينة نجاة»(2). وهو سيد شباب أهل الجنة، وريحانة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».

وبذلك، فإن ابن زياد أشد كفراً ونفاقاً، وأعظم جرماً من الكافرين الذين أشارت إليهم آية سورة فصلت.

3 - إن هذا الخبيث، وكذلك كاهنه الكافر الفاجر، قد اختار أن يطأ بقدمه على فم الحسين «علیه السلام»، فهل كان ذلك منهما بعد أن بلغهما أن الرأس الشريف كان يقرأ القرآن في أزقة الكوفة؟! فأراد أن يقول للناس: إن أمثال هذه الكرامات لا تخيفهم، وأنها تبقى في نطاقها المحدود، ولا تتعداه.

ولعلهم يريدون ادّعاء : أنها صنع بشري، لعله لا يبعد عن دائرة السحر، الذي كان المشركون وأذنابهم يرمون به بني هاشم


1) الآية 29 من سورة فصلت.

2) فرائد السمطين ج 2 ص 155 وإحقاق الحق (الملحقات) ج 14 ص 62 وكمال الدين وتمام النعمة ج 1 ص 265 وعيون أخبار الرضا ج 1 ص 62 وبحار الأنوار ج 36 ص 205 وغاية المرام ج 1 ص 150 وج 2 ص 170 و 265.

4 - إنه «لعنه اللّه» أراد أن يسقط عن الحسين «علیه السلام» هالة القداسة التي يحيطه بها المسلمون، ويجعله إنساناً عادياً، يخطئ ويصيب، وللأمير أن يبقيه، وأن يقتله، أو يحبسه، أو ينفيه إذا رأى أن سلطانه، وهيبته يحتاج إلى ذلك.

5 - إن سؤال عبيد اللّه بن زياد لزيد بن أرقم: كيف ترى؟!

لعله لأجل أن يكسر هيبة كل صحابي، ويكم بالخوف أفواههم، ولعله كان يظن أن خوف زيد سوف يحمله على أن يتكلم بما يوافق هواه. وإذ به يسمع جواباً مرا، لا يطيقه ابن زياد، فقد أقسم باللّه: أنه رأى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» واضعاً فمه حيث وضع ابن زياد رجله.

وإذا كان ابن زياد قد سكت عن جواب زيد بن أرقم، فإنه لم يرتدع عن غيّه، كما سنرى في النصوص التالية:

سماجة ووقاحة ابن زياد:

عن حاجب عبيد اللّه بن زياد : إِنَّهُ لما جيءَ بِرَأسِ الحُسَين «علیه السلام» أَمَرَ فَوُضِعَ بَينَ يَدَيهِ في طست مِن ذَهَبٍ، وَجَعَلَ يَصْرِبُ بقضيب في يَدِهِ عَلى ثناياه، ويقولُ : لقد أسرَعَ الشَّيبُ إِليكَ يا أبا عَبدِ اللّه.

فقالَ رَجُلٌ مِنَ القوم: مَه! فَإِنِّي رَأَيتُ رَسولَ اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يَلْثِمُ حَيْثُ تَضَعُ قضيبَكَ.

فَقالَ: يَومٌ بِيَومٍ بَدر (1).

وفي نص آخر: أن ابن زياد جَعَلَ يَمُسُّ الرأس الشريف بقضيبهِ، ويَقُولُ : إن كانَ لصَبيحاً، إن كَانَ لجَميلا (2).

وعن أنس بن مالك : فَجَعَلَ يَنكُتُ في وَجَنَتِهِ بقضيب، ويَقولُ: ما رَأَيتُ مِثْلَ حُسن هذا الوَجهِ قط.

فقلت: إِنَّهُ كَانَ يُشْبِهُ النَّبِيَّ «صلی اللّه علیه وآله» (3).

وفي نص آخر: أنه جعل يَقولُ : إِنَّ أبا عَبدِ اللّه قد كانَ شَمَط (4).

الشَّمَط : بياض شعر الرأس يخالط سواده.

عن ابن سعد: لمّا وُضِعَتِ الرُّؤوسُ بَينَ يَدَيِ عُبَيدِ اللّه بن زيادٍ، جَعَلَ


1) موسوعة الإمام الحسين ج 5 ص 95 عن الأمالي للصدوق ص 229 ح 242 وروضة الواعظين ص210 و منشورات الشريف الرضي ص190 وبحار الأنوار ج 45 ص 154 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 375.

2) الأمالي للشجري ج 1 ص 164 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 236 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 380 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 678 عن مختصر تاریخ دمشق (ط دمشق) ج 7 ص 152.

3) أنساب الأشراف ج 3 ص 421 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 222 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 43 وتاريخ مختصر الدول ص110.

4) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 393 و (ط الأعلمي) ج4 ص 296 وأنساب الأشراف ج 3 ص 424 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 226 والبداية والنهاية ج 8 ص 171 و (ط دار إحياء التراث) ج8 ص 185.

يَضْرِبُ بقضيبٍ مَعَهُ عَلى فِي الحُسَين «علیه السلام»، وهُوَ يَقولُ:

يُفلَقنَ هَامَا مِن أَناسِ أَعِزَّةٍ***عَلَيْنَا وهُمْ كَانُوا أَعَقَّ وَأَظْلَمَا

فقالَ لهُ زِيدُ بنُ أرقمَ: لو نَكَّيت هذا القضيبَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللّه «صلی اللّه علیه وآله» كانَ يَضَعُ فاهُ عَلى موضع هذا القضيب (1).

ونقول:

لا بأس بالنظر إلى ما يلي:

طشت من ذهب! لماذا؟:

لم نفهم السبب الذي دعا ابن زياد لأن يضع رأس الحسين «عليه السلام» في طشت من ذهب.

إذ لا شك في أن الهدف ليس هو تكريم الرأس الشريف وتعظيمه، إذ لو كان الأمر كذلك لما جعل ينكته بالقضيب تارة في وجنته، وأخرى على ثناياه!

ولو كان يريد تكريمه لم يقتله، ويسبي عياله، ويرفع رأسه على خشبة، ويطوف بالرأس في الكوفة، مرفوعاً على خشبة.

بل المراد الحقيقي : هو التباهي بالذهب، وإظهار الغنى، بهدف إطماع الناس، والاستئثار بآمالهم وأحلامهم، واستدراج الكثير من تزلفاتهم وتملقاتهم.


1) الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 481 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 79.

كما أن من أهداف ذلك: هو إظهار أبهة الملك، وعظمته، وأنه يملك الذهب والمال، بالإضافة إلى الرجال، والشوكة.

هل أسرع الشيب إلى الحسين؟!:

وقد رأينا : ابن زياد ينكت ثنايا الحسين «علیه السلام» المباركة بقضيبه ويقول: «أسرع الشيب إليك يا أبا عبد اللّه».. وهذا:

1 - كلام إنسان مستهتر عابث، يريد أن يظهر بمظهر غير المكترث ولا المبالي بالجريمة الهائلة التي ارتكبها في حق أقدس، وأفضل، وأعلم، وأكرم الخلق..

2 - هو يريد صرف الأذهان عن المطالبة بمبررات ارتكاب هذه الجريمة الهائلة التي ارتكبها، لأنه سيكون عاجزاً عن إقناع الناس بها.

3 - ثم هو يريد أن يهون من أمرها ويحط من قدرها، وكأن قتله «علیه السلام» وأهل بيته وأصحابه على ذلك النحو الفظيع والمفجع بمثابة ذبح عصفور.

4 - ما معنى حديث هذا الخبيث عن شيب الإمام في مثل هذا الموقف الذي ينبغي أن تسكب فيه العبرات، وتنفظر فيه القلوب..

مع أنه كلام لا حقيقة له، فإن من يناهز السبع والخمسين من عمره يكون ظهور الشيب فيه قد هاجمه بصورة كبيرة. وهذا أمر عادي ومتوقع لدى أكثر الناس، فما معنى ادَّعاء إسراع الشيب إلى الإمام «علیه السلام»، وهو بهذه السن المتقدمة؟!

يوم بيوم بدر:

ويلاحظ: أنه حين قيل لابن زياد: إن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» كان يلثم الموضع الذي كان ابن زياد يضربه بالقضيب لم يظهر أي نوع من أنواع التوقير والاحترام لرسول اللّه، بل ظهر منه الاستخفاف به «صلی اللّه علیه وآله» حين لم يراع حتى الشكليات فلم يعتذر، ولم يتراجع، بل تقدم خطوة أخرى إلى الإمام، حين قال: يوم بيوم بدر..

وقد أراد بهذه الكلمة:

1 - تبرير ضربه بالقضيب على ثنايا الإمام. ثم الإعلان عن أنه حين يقتل أقدس البشر فإنما يقتله انتقاماً لأسلافه الذين قتلهم رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يوم بدر..

2 - إن قتل الحسين «علیه السلام»، ومن معه، وسبي نسائه انما هو انتقام من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».

3 - إن هذه الكلمة انتصار للشرك وأهله، ومحاولة لبعث الروح فيهم من جديد..

4 - إنه تعبير عن هذا الارتباط العاطفي العميق له بأهل الشرك، وأن تقادم الزمن لم يخرج حبهم من قلبه.

ونفس هذا الكلام آت بالنسبة ليزيد الذي أعلن أيضاً أنه يثأر لأهل بدر، وتمثل بأبيات ابن الزبعرى، ما دل به علی کفره.

قال بعض الإخوة الأكارم: بل فضح نفسه، ودلل على كفره وكفر

فريقه، وذلك لأنه لم يعبّر عن مجرد الحب الذي قد يبقى في قلب من اختار الإيمان لبعض المشركين من أسلافه، ولو لضعف إيمانه، بل عبّر عن الثأر من الإيمان للشرك. وهذا لا يكون إلا عن مشرك.

5 - إن الحسين «علیه السلام» وأكثر من قتل معه، الأسرى وجميع والسبايا إنما ولدوا بعد يوم بدر، ورسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» قد استشهد قبل خمسين سنة من يوم عاشوراء، فما معنى أن يكون الانتقام بقتل وأسر وسبي ذريته، وهم لم يشاركوا في بدر بأي نحو من أنحاء المشاركة، بل لم يكن الحسين «علیه السلام» مولوداً حينها؟!

ألا يدل ذلك على أن المطلوب لهم هو أن يثأر الشرك من الإيمان، والخط من الخط الذي لا يفرق فيه - حسب عقلية هؤلاء - بين من كان يوم بدر وبين من لم يكن، ولأجل ذلك نقول: إن من يقاتل الحسين «علیه السلام» يقاتل رسول اللّه «صَلَّى اللّه عَليهِ وآلِهِ».

كانوا أعق وأظلما:

والأعجب والأغرب هنا: أن ينشد عبيد اللّه بن زياد الشعر الذي يقول:

نَفْلِقُ هَامَا مِنْ رِجَالِ أَعِزَّةٍ***عَلَيْنَا وَهُمْ كَانُوا أَعَقُّ وَأَظْلَمَا

فأولاً : لقد كذب ابن زياد بدعواه: أن الحسين «علیه السلام» كان من الأعزة عليه، لأنه كان هو وأبوه، وسائر بني أمية شديدي البغض لعلي وأهل بيته.

ثانياً: لقد كذب ابن زياد مرة أخرى حين قال: إن الحسين «عليه السلام» وأهل بيته أعق وأظلم منه، وممن هم على شاكلته ونهجه.

ولكن أهل البيت والحسين «علیه السلام» منهم، كانوا هم وكل مؤمن بدينه، يكرهون انحراف بني أمية، ويرفضون باطلهم، وظلمهم، وفجورهم، وجورهم(1).

هل خرف زيد بن أرقم؟!:

1 - عن حميد بن مسلم : دَعاني عُمَرُ بنُ سَعدٍ، فَسَرَّحَني إلى أهلِهِ لِأَبَشِّرَهُم بفتح اللّه عَليهِ وبعافِيَتِهِ، فأقبلتُ حَتى أتيتُ أهله فأعلمتُهُم ذلِكَ.

ثمَّ أَقبَلتُ حَتَّى أدخلَ فَأجِدَ ابن زيادٍ قد جَلسَ لِلنّاس، وأحدَ الوَقد قد قدموا عَليهِ، فَأَدخَلَهُم وأذِنَ لِلنَّاسِ، فَدَخَلْتُ فِيمَن دَخَلَ، فَإِذا رَأْسُ الحُسَينِ «علیه السلام» موضوع بَينَ يَدَيهِ، وإذا هُوَ يَنكَّتُ يقضيبٍ بَينَ ثَنِيَّتَيهِ ساعَة. [وفي نص آخر: جَعَلَ يَضْرِبُ بقضيب مَعَهُ عَلَى فِي الحُسَين «عليه السلام» وهُوَ يَقُولُ:

يُفلَقَن هَامَا مِنْ أَناسِ أَعِزَّةٍ***عَلَيْنَا وهُمْ كَانُوا أَعَقَّ

فلمّا رَآهُ زَيدُ بنُ أرقمَ لا يُنجِمُ عَن نَكَتِهِ بالقضيب، قالَ لَهُ: أعلُ بهذا القضيبِ عَن هَاتَين الثنِيَّتَين، فَوَالَّذي لا إلهَ غَيرُهُ، لقد رَأَيتُ شَفَتَي


1) الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 481 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 79.

رَسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» عَلى هاتين الشفتين يُقبِّلُهُما، ثُمَّ انفَضَحَ الشيحُ يُبكي.

فَقالَ لَهُ ابنُ زِيادٍ: أَبكَى اللّه عَينَيكَ [يَا عَدُّو اللّه]، فَوَاللّه لولا أَنَّكَ شيخ قد خَرفت، وذهَبَ عَقِلكَ لضَرَبتُ عُنُقكَ.

قالَ: فَنَهَضَ فَخَرَجَ، فلمّا خَرَجَ سَمِعتُ النّاسَ يَقُولُونَ: وَاللّه لقد قالَ زيدُ بنُ أرقمَ قولا لو سَمِعَهُ ابنُ زِيادٍ لقتَلهُ.

قالَ: فقلت: ما قال؟

قالوا: مَرَّ بنا وهُوَ يَقولُ: مَلكَ عَبدٌ عَبداً، فَاتَّخَذَهُم ثلدا (1)، أَنتُم يا مَعْشَرَ الْعَرَبِ العَبِيدُ بَعدَ اليَوم، قتَلتُمُ ابنَ فاطِمَة، وأمَّرتُمُ ابن مرجانة، فَهُوَ يَقتُلُ خِيارَكُم، ويَستَعيدُ شِرارَكُم فَرَضيتُم بِالدُّلِّ، فَبُعداً لِمَن رَضِيَ بالذُّل (2).


1) التليد: ما وُلِدَ عند غيرك ثمّ اشتريته صغيراً فثبت عندك راجع: تاج العروس ج 4 ص 369 مادة «تلد».

2) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 456 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 349 وأنساب الأشراف ج 3 ص 412 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 214 والكامل في التاريخ ج 4 ص 81 وأسد الغابة ج 2 ص 28 و (ط دار الكتاب العربي) ج 2 ص 21 و ج 5 ص 381 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 45 والبداية والنهاية ج 8 ص 190 و (ط دار إحياء التراث) ج8 ص 207 ج8 كلها نحوه وراجع: الأخبار الطوال ص 259 وسير أعلام النبلاء ج3 ص310 وذكر هذا المضمون إلى قوله: «فنهَضَ فَخَرَجَ». والإرشاد ج2 ص 114 وإعلام الورى ج 1 ص 471 وكشف الغمة ج 2 ص 275 وبحار الأنوار ج 45 ص 116 وراجع: جواهر المطالب ج 2 ص 291 وراجع: الأمالي للطوسي ص 252 وبحار الأنوار ج 45 ص 167 وتاريخ مدينة دمشق ج 41 ص 365 وج 62 ص 85 والخرائج والجرائح ج 2 ص 581 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 383 وعمدة القاري ج16 ص 241 والدرجات الرفيعة ص 452 والمنتظم ج 5 ص 341 والمختصر في أخبار البشر ج 1 ص 191 والدر النظيم ص 560 ونهاية الأرب ج 20 ص 464 ونفس الرحمن ص190.

2 - عن زيد بن أرقم: كُنتُ عِندَ عُبَيدِ اللّه، فَأتِيَ بِرَأس الحُسَين «عليه السلام»، فأخَذ قضيباً، فَجَعَلَ يَفْتُرُ بِهِ عَن شَفْتَيهِ (1)، فلم أرَ تغراً كَانَ أحسَنَ مِنهُ كَأَنَّهُ الدُّرُّ، فلم أملك أن رفعتُ صَوتي بالبُكاء.

فقالَ: مَا يُبكيكَ أَيُّهَا الشَّيحُ؟

قلتُ: يُبكينى ما رأيتُ مِن رَسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، رأيتُهُ يَمَصُّ مَوضِعَ هذا القضيب، ويَلْثِمُهُ، ويَقولُ: اللّهمَّ إنِّي أحِبُّهُ فَأحِبَّهُ (2).

3 - عن حزام بن عثمان: جيءَ برأس الحُسَين «علیه السلام» إلى


1) أي يكشف به عن شفتيه حتى تبدو أسنانه راجع النهاية ج 3 ص 427 «فرر».

2) سير أعلام النبلاء ج 3 ص 315 وتاريخ مدينة دمشق ج14 ص236 وترجمة الإمام الحسين لابن عساکر ص 381 و 382 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 19 ص 410 وج 33 ص 678 عن مختصر تاريخ مدينة دمشق (ط دمشق) ج7 ص 152.

عُبَيدِ اللّه بن زيادٍ وعِندَهُ زِيدُ بنُ أرقمَ، فَجَعَلَ يَنكَّتُ ثناياهُ بِقضيبٍ بِيَدِهِ، ويَقولُ: ما أحسَنَ تغر أبي عَبدِ اللّه، وكان قد أجلسَ زَيدَ بنَ أرقمَ مَعَهُ عَلى السَّرير.

فَقالَ: نَحّ قضيبَكَ، أَتَضَعُهُ مَوضِعاً طالما رأيتُ رَسُولَ اللّه «صلى اللّه عليه وآله» يَلْثِمُهُ؟

فَقالَ لَهُ عُبَيدُ اللّه : إِنَّكَ قد خَرفت.

فوثَبَ زِيدُ بنُ أرقمَ عَن السَّرير، ولصق بالأرض، وقال: أشهَدُ لقد رَأَيتُ رَسولَ اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وَالحَسَنُ «علیه السلام» عَلَى فَخِذِهِ الْيُمنى، ويَدُهُ الْيُمنى عَلى رَأْسِهِ، وَالحُسَينُ «علیه السلام» عَلَى فَخِذِهِ اليُسرى، ويَدُهُ اليُسرى عَلَى رَأْسِهِ، وهُوَ يَقولُ: اللّهمَّ إِنِّي أَستَودِعُكَهُما وصالِحَ المُؤمِنِينَ.

وكَيفَ َكانَ حِفظُكَ لِوَدِيعَةِ رَسولِ اللّه «صلی اللّه علیه وآله» إن كُنتَ مُؤمِناً؟! (1).


1) شرح الأخبار ج 3 ص 170 وراجع مثير الأحزان ص 92 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 72 وبحار الأنوار ج 45 ص 118 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص42 ج 1 ص 385 والرد على المتعصب العنيد ص 42 و 43 والصواعق المحرقة ص 198 وتذكرة الخواص ج 2 ص 184 و (ط النجف) ص 257 والثلاثة الأخيرة نقلاً عن أبي الدنيا نحوه وراجع تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 236 وأسد الغابة ج 2 ص 21 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 39 والمعجم الكبير ج 5 ص 234 و 185 ومجمع الزوائد ج 9 ص 194 وراجع: الأمالي للطوسي ص 252 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 72.

ونقول:

إيضاحات:

انفضخ: الشيء الأجوف إذا انفتح والمراد هنا انفجر باكياً.

التلد : المال القديم.

يفتر عن شفتيه: أي يكشف به عنهما، لكي تبدو أسنانه

لكن العبارة هنا غير سليمة، فإن قوله عن شفتيه تفيد أنه يريد أن يكشف عنهما، لا عن الأسنان.

هكذا يتصرف الوضيع:

إن من يكون وضيعا في حسبه، مطعونا في نسبه، يعيش عقد الحقارة والمهانة، ويجد في كل نظرة توجه إليه معنى الريب والشك، والازدراء، - إن من يكون كذلك - يصير حريصاً على التطاول على أهل الشرف والنبل، والسعي لإنزالهم عن مقاماتهم، وابتذال شخصياتهم، وتوهين أمرهم، وإظهار أنه فوقهم، وأقوى منهم، وأن مقامه أعلى من مقامهم..

وما فعله ابن زياد من وضع قدمه على في الحسين «عليه السلام»، ومن ضرب ثناياه «علیه السلام» بالقضيب، وغير ذلك، شاهد صدق على ما نقول.

الخرف المزعوم:

وقد تقدم قول ابن زياد لزيد: إنك شيخ قد خرفت، لمجرد بكائه حين رأى ابن زياد ينتهك حرمة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» في أهل بيته. وكذلك حين وصفه زيد بأنه عدو اللّه.

ولم نعرف السبب في حكمه عليه بالخرف، مع أن ما صدر من زيد هو من أدلة استقامته، وكمال عقله، وسلامة منطقه، وحسن فهمه للأمور، ودليل غيرته على الحق وأهله..

إلا إذا كانت الموازين قد انقلبت، وأصبح الباطل حقا، والحق باطلا، والقبيح حسناً، والحسن قبيحاً..

هل كان زيد بن أرقم أعمى؟!

وذكروا : أن علياً «علیه السلام»، نشد الناس في مسجد الكوفة على سماع حديث: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه من النبي «صلى اللّه عليه وآله»، فشهد له به اثنا عشر بدرياً.

قال زيد بن أرقم: وكنت في من سمع ذلك، فكتمته، فذهب اللّه ببصري، وكان يتندم على ما فاته من الشهادة، ويستغفر»(1).


1) الإرشاد للمفيد ص 352 والخرائج والجرائح ج 1 ص208 وبحار الأنوار ج 37 ص 196 و 200 وج 41 ص 205 و ج 42 ص 148 وخلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 209 وج 9 ص 24 والدرجات الرفيعة ص450 ومناقب علي بن أبي طالب لابن مردويه ص 175 وكشف الغمة ج 1 ص 287 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 337 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 6 ص320 والمحجة البيضاء ج 4 ص 201.

وعند المعتزلي: «وأمسك زيد بن أرقم، فلم يشهد - وكان يعلمها فدعا علي «علیه السلام» عليه بذهاب البصر، فعمي»(1).

وقال: «..وكان ممن أنكر عليه ذلك اليوم: زيد بن أرقم، فدعا عليه بالعمى، فكف بصره» (2).

وقد يؤيد ذلك: ما روي من أن علياً «علیه السلام» عاد زيد بن أرقم «فلما دخل عليه قال: مرحباً يا أمير المؤمنين عائداً، وهو علينا عاتب.

فقال «علیه السلام»: إن ذلك لم يكن يمنعني من عيادتك، إنه من عاد مريضاً الخ..» (3).

والظاهر: أنه «علیه السلام» قد دعا على البراء بن عازب بالعمى، لنفس السبب، وبنفس المناسبة (4).


1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 4 ص 74 وبحار الأنوار ج 37 ص200 وغاية المرام ج 1 ص 301 و 302 وكشف المهم في طريق خبر غدير خم ص 151 ونفس الرحمن ص 190 ودلائل الصدق ج 6 ص 389.

2) راجع: بحار الأنوار ج 34 ص 288.

3) دعائم الإسلام ج 1 ص 218 ومستدرك الوسائل ج 2 ص80 وبحار الأنوار ج 78 ص 228.

4) إختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ص 44 و (مؤسسة آل البيت لإحياء التراث) ج 1 ص 247 وراجع: بحار الأنوار ج 41 ص 213 والدرجات الرفيعة ص 453.

ويناقش في هذا:

أولاً: بأن ظاهر سيرة زيد بن أرقم، والروايات التي رويت عنه: أنه قد عاد إلى الاستقامة، كما ذكره صاحب قاموس الرجال في ترجمته في كتابه ج 4.

ثانياً: بأن الرواية لم تذكر الوقت الذي حصل فيه العمى لزيد، فلعله لحقه في آخر عمره، فيكون حصول العمى استجابة لدعاء علي، وكرامة له «علیه السلام»، وليكفّر عن ذنب كتمانه الحق..

وربما يكون قد أعطي هذه الفسحة الطويلة، لأن اللّه تعالى علم صدق التوبة، وصحة الندامة. فعقوبته بهذا المقدار كانت كافية.

وقد يحاول البعض تسجيل مؤاخذة على زيد وغيره، بحضورهم مجلس ابن زیاد وجلوس زيد مع ابن زياد على السرير، بعد كتمانه الحق في حديث المناشدة.

ونجيب:

إن أولئك الجبارين كانوا يفرضون على الناس المرموقين حضور مجالسهم، لأن ذلك يؤثر في انقياد العامة لهم، ويشهد لذلك: أن أبا برزة الأسلمي (نضلة بن عبيد) حين سأله ابن زياد عن حاله مع الحسين «علیه السلام».

أجابه بقوله: الحسين يشفع له جده محمد «صلی اللّه علیه وآله»، ويشفع لك زياد.

فقال له ابن زياد: اخرج لولا ما جعلت لك لضربت - واللّه - عنقك.

فلما بلغ باب الدار قال: لئن لم تغد علي وترح لأضربن عنقك !! (1).

أتبكي لفتح اللّه؟!:

إن الغريب في الأمر: أن يعتبر عبيد اللّه بن زياد قتل الإمام الحسين «علیه السلام»، وأهل بيته، وأصحابه وسبي عياله فتحاً إلهياً.

فهو إذن ومن معه، مثابون على هذه الجرائم، وهم مجاهدون في سبيل اللّه، وحري بالناس كلهم، لا بزيد بن أرقم فقط أن يفرحوا ويحتفلوا، لا أن يحزنوا ويبكوا، وإذا كانت أهدافهم من قتل الحسين «علیه السلام»، ومن معه هي الانتقام من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وطمس معالم الدين، وتضييع الحق، وتكريس الباطل، فإن هذه الأهداف لم يحققها اللّه تعالى لهم بل الذي تحقق هو العكس، فقد انفضح أمر بني أمية، وظهرت جرأتهم على اللّه، واستهتار هم برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وأنهم يريدون الانتقام لقتلاهم، الذين قتلوا على الشرك في بدر.


1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 49 و 50 :وراجع: الحدائق الوردية ج 1 ص 123.

كما أن ما يدَّعونه لأنفسهم، من غيرة وشهامة، وخلق كريم، وغير ذلك قد أظهرت الوقائع: أنهم لا يملكون ولو ذرة منه.

يفلقن هاماً من رجال أعزة:

وقد تحدثنا في موضع سابق : عن أن ابن زياد كان يكذب ويخدع الناس بقوله : إن الحسين «علیه السلام»، ومن قتل معه في كربلاء كانوا أعزة عليه، وعلى سائر من هم وراءه ومعه..

كما أنه قد كذب وافترى على الحسين وأهل بيته وصحبه، حين زعم أنهم أعق وأظلم.

ولكنه صدق على رغم أنفه بإقراره على نفسه، وعلى سائر فريقه: بأنهم عاقون وظالمون.

يقتل خياركم ويستعبد شرراكم:

إن زيد بن أرقم قد ألمح هنا إلى أمر أثبتته التجارب، وأكدته الوقائع، فإن الرجل الوضيع، وصاحب النفس الشريرة، يتعامل مع الآخرين بشراسة واستعلاء، ويريد فرض إرادته على الآخرين بتجبر وبطش وهمجية وعنجهية.

فإذا طلب من الأخيار: أن ينفذوا أوامره، فلن يجد لديهم الاستجابة لجميع ما يطلبه منهم، فإنهم إنما يطيعونه فيما فيه رضى اللّه، دون ما هو معصية وإجرام، وهذا ما لا يتحمله منهم هؤلاء الفجرة، فيبادرون إلى البطش بهم، والتخلص منهم، متوهمين أن ذلك يحفظ هيبتهم، ويقوي

حكمهم وسلطانهم.

وأما الأشرار أمثال ابن زیاد، فسيجدهم يسارعون إلى طاعته، ويكونون رهن إشارته، فيتخذهم عبيداً له، لا يرى لهم قيمة، إلا بالمقدار الذي يلبون فيه حاجاته، وينفذون أوامره، فإن وجد منهم أي تلكؤ، أو ضعف تخلص منهم أيضاً بالطريقة التى يتخلص بها الجبابرة من العبيد الأذلاء.

فحياة الأشرار مع أمثال يزيد وابن زياد تكون حياة ذل في الدنيا، وخزي وعذاب وخسران في الآخرة.

أما الأبرار، فلا يعطيهم الجبارون فرصة للحياة في الدنيا، ويكون لهم النجاة والفوز، والعزة في الآخرة.

وهذا ما أشير إليه في قول النبي «صلی اللّه علیه وآله»: «اللّهمَّ إنِّي أَستَودِعُكَهُما وصالِحَ المُؤمِنينَ»، لأن صالح المؤمنين هم الذين يحفظون الأمانة، ولاسيما إذا كانت هذه الأمانة هي خيار الخلق، وهداتهم، وأبرارهم وعلماؤهم، وأهل الفضل والتقوى فيهم.

أنس.. وابن زياد:

1 - عن أنس بن مالك قال: شهدت عبيد اللّه بن زياد، حيث أتى برأس الحسين «علیه السلام»، قال: فجعل ينكت بقضيب معه على أسنانه، ويقول: إن كان لحسن الثغر

قال: فقلت: واللّه لأسوءنك. فقلت: أما إني رأيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله» يقبّل موضع قضيبك من فيه (1).

2 - عن أنس بن مالك كُنتُ عِندَ ابن زيادٍ فجيء برأس الحُسَين، فَجَعَلَ يَقولُ (2)بقضيب له في أنفِهِ ويَقولُ: ما رأيتُ مِثلَ هذا حُسناً.

قالَ: قُلتُ: أما إنَّهُ كان من أشبههم برسول اللّه «صلی اللّه علیه


1) موسوعة الإمام الحسين «علیه السلام» ج 5 ص 160 عن الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 482 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص80 والمعجم الكبير ج 3 ص 125 ومسند أبي يعلي ج 4 ص 108 و نشر دار المأمون للتراث) ج 1 ص 61 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 314 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 45 ومثير الأحزان ص 91 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 72 وبحار الأنوار ج 45 ص118. وراجع: العوالم، الإمام الحسين ص 385 ومجمع الزوائد ج 9 ص195 والكامل لابن عدي ج 5 ص 198 و تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 235 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2633 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 16 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 207 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 379 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 72 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 19 ص 410 وج 22 ص24 وذخائر العقبى ص126.

2) العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال، وتطلقه على غير الكلام واللسان فتقول: قال بيده راجع: النهاية ج 4 ص124 مادة «قول».

وآله». وفي نص البخاري: «قال في حسنه شيئاً» (1)

وراجع: أنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج 3 ص 222 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 280 و 281 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص47 و 48 و 49 ومطالب السؤول ص 378 وينابيع المودة ج 3 ص10 وراجع مسند ج3 أبي يعلى ج 5 ص 228 وج 7 ص 61 وصحيح ابن حبان ج 15 ص 429 وبحار الأنوار ج 44 ص 194 وموارد الظمآن ص554 و (ط دار الثقافة العربية) ج 7 ص 200 و 201 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج6 ص 2632 وتحفة الأحوذي ج 10 ص 191 و 192 وتهذيب التهذيب ج 2 ص 299 وفتح الباري المقدمة) ص 474 وج 7 ص 94 و (ط دار المعرفة) ص 75 وعمدة القاري ج 16 ص 241 وذخائر العقبي ج 2 ص 66 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 417 وج 19 ص 275 وج 27 ص 32 و 33 و 36 و 37.

وراجع: صحيح البخاري ج 3 ص 1370 الرقم 3538 و 3748 ومسند أحمد ج 4 ص 520 الرقم 13750 وج 21 ص 285 وأسد الغابة ج 2 ص 26 عن محمد بن سيرين، عن أنس، والردّ على المتعصب العنيد ص 41 عن محمد بن سيرين والبداية والنهاية ج 8 ص 190 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 206 و 207 والعمدة ص 396 الرقم 798 وكشف الغمة ج 2 ص 223.

.

1) موسوعة الإمام الحسين ج 5 ص 160 عن مصادر كثيرة نذكرها، ونضيف عليها غيرها فنقول راجع سنن الترمذي ج 5 ص 459 الرقم 3778 و (ط دار الفكر) ج 5 ص 325 الرقم 3867 والمعجم الكبير ج 3 ص 125 الرقم 2879 وتهذيب الكمال ج 6 ص 400 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 126 و 127 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 45 نحوه، وكنز العمّال ج 13 ص 654 و 673 الرقم 37660 و 37718 نقلاً عن أبي نعیم؛ والأمالي للشجري ج 1 ص 193 والحدائق الورديّة ج 1 ص123 نحوه.

ونقول:

أولاً: لعل أنس بن مالك لم يجتمع مع زيد بن أرقم عند ابن زياد، فيبدو أنه قد دخل على ابن زياد قبل زيد بن أرقم، أو دخل عليه بعد خروج زيد فرآه يفعل نفس ما فعله أمام زيد، فاعترض عليه أنس بمثل ما اعترض عليه زيد.

ولكن لهجة أنس كانت أخف، فلم يواجهه عبيد اللّه بنفس الخشونة التي واجه بها زيد بن أرقم.

ثانياً: يبدو أن ابن زياد «لعنه اللّه» لم يكن قد رأى الإمام الحسين عليه السلام» قبل ذلك، ففاجأه ما رآه من جمال رباني وجسماني، وبهاء ورواء، وصفاء إنساني..

ولعل السبب في تعجب ابن زياد من حسن الإمام «علیه السلام»: أن أهل الجاهلية، وأكثر الناس في ذلك الزمان لم يعتادوا على رؤية الجمال الخارق والحسن الفائق فكان يبدو لهم غريباً ومستهجناً.

ولعل من أسباب قلة الجمال فيهم، عدا الوراثات للسمات غير المرغوب فيها، لأنها غالباً ما تتأثر بظلمات النفوس، المتأثرة بالمآثم

التي يتعاطونها - لعل السبب -: أنهم يعيشون في محيط صعب، يرزح تحت وطأة حرارة الشمس نهاراً، ولسعة البرد ليلا، بالإضافة إلى عسف الرياح التي تحمل الأتربة والأوبئة، وسواها، فتلفح بها وجوههم، وتنهك أجسادهم..

وإن لم يكن لها أثر ظاهر على الناحية الجمالية، ولكن الانغماس في المعاصي والمآثم، وما تتركه ظلمات القلب والنفس، وما تحدثه من تشويهات روحية، ومن آثار في التكوين وغيره يضع عوائق أمام ظهور الغضارة والنضارة، ويؤثر على السلامة العامة، وعلى الناحية الجمالية، بنحو أو بآخر.

ثالثاً : ذكرنا في موضع سابق من هذا الكتاب أن ابن زياد حين تحدث عن دهشته مما يراه من حسن الإمام الحسين «علیه السلام» إنما أراد صرف الأنظار عن الجريمة التي بكت لها السماوات والأرض، وأن يقلل من أهميتها، علما بأن الحديث عن حسن الإمام إنما هو حديث عن أمر قد انتهى، ولم يعد يشكل خطراً بزعم ابن زیاد.

رابعاً : لقد كان ابن زياد يرى أن جواب أنس له غير حميد، ولا سديد، لأن حقد ابن زياد، ومن وراءه على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» أعظم وأشد فلم يكن ابن زياد ليسعد بأن يكون رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» أجمل الخلق وأكملهم، وأعلمهم وأفضلهم. بل ذلك يحرق قلبه، ويقض مضجعه. فكيف إذا كان الذي قتله هو أشبه

الناس برسول اللّه، فإن هذا أمر قد يكون له أثره البالغ على الناس، وإشاعته ستكون مضرة بمصلحتهم.

خامساً: يلاحظ: أن رواية البخاري قد حاولت التخفيف من وهج قول ابن زياد عن جمال الإمام، ثم التأثير السلبي على إجابة أنس، لتصبح باهتة، وغير ذات أثر.

سادساً : يبدو: أن إجابة أنس أيضاً قد تعرضت لبعض التصرف السهوي أو العمدي من بعض الرواة.. فقد ذكر: أن أنسا قال: كان (من) أشبههم برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله». فقد جعل الحسين «علیه السلام» واحداً من مجموعة تشبه رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله». وكان في ضمن هذه المجموعة، مجموعة أخرى أشد شبها برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، والحسين «علیه السلام» كان واحداً من هذه المجموعة، كما قالوا.

ويمكن تصور هذا على أساس ما روي من شبه جعفر الطيار وعلي الأكبر، والإمام الحسن «علیه السلام».. وربما غيرهم، فيكون الحسين «علیه السلام» من أشبههم برسول اللّه صَلَّى اللّه عَلِيهِ وآلِهِ»، أو أشبههم به.

وبذلك يكون هذا الراوي قد خفف من وقع إجابة أنس، ولم يعد لها الأثر المطلوب.

مع أننا قد قدمنا أوائل كتابنا هذا أن ثمة نصوصاً تقول: إنه «عليه السلام» كان أشبه الناس برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله». فراجع ما

ذكرناه في كتابنا هذا ج 2 ص 330.

وقد صرح أنس: بأنه «علیه السلام» كان أشبههم برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وليس فيه كلمة «من» (1).


1) راجع: صحيح البخاري، فضائل أصحاب النبي، باب 22 (ط دار سحنون، ودار الدعوة وط دار الفكر) ج 4 ص 216 ومسند أحمد ج3 ص261 وسنن الترمذي ج 5 ص 325 وعمدة القاري ج 16 ص 240 و 241 وفتح 5 الباري (المقدمة) ص 475 وج 6 ص 411 وج 7 ص 75 وتحفة الأحوذي ج 10 ص 191 و 192 ومسند أبي يعلى ج 5 ص 228 وصحيح ابن حبان ج 15 ص 429 وكشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي ج3 ص 275 وموارد الظمآن ج 7 ص 201 وأسد الغابة ج 2 ص20 وبغية الطلب في تاريخ حلب لابن العديم ج 6 ص 2577 ومرآة الجنان وعبرة اليقظان ج 1 ص 108 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 206 وكشف الغمة ج 2 ص 221 والعمدة لابن البطريق ص 396 و 397 و 401 و 404 ومطالب السؤول ص 378 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 32 و 33 وج 33 ص 701 وذخائر العقبى ص 128 والمحجة البيضاء ج 4 ص 230 والآحاد والمثاني ج 1 ص 307 وبحار الأنوار ج 44 ص194 والعوالم، الإمام الحسين ج17 ص30.

الفصل الخامس: زينب والسجاد في مواجهة ابن زياد.

اشارة

زينب وابن زیاد :

قد جرت بين زينب «علیها السلام» وبين ابن زياد مساجلة معروفة، نقلها الرواة والمؤرخون، وفي نقولاتهم تقديم وتأخير، واختصار وحذف، ونحن نذكر منها ما هو أجمع وأعم، فنقول:

عن حميد بن مسلم لمّا دُخِلَ برَأس حُسَين «علیه السلام» وصبيانه وأَخَواتِهِ وَنِسَائِهِ عَلَى عُبَيدِ اللّه بن زيادٍ، لبست زَيْنَبُ ابنَهُ فَاطِمَة «علیها السلام» أرذل ثِيابها، وتَنَكَّرَت، وحفَّت بها إماؤُها، فلمّا دَخَلت جَلسَت فَقالَ عُبَيدُ اللّه بنُ زِيادٍ: مَن هَذِهِ الجَالِسَة؟

فلم تُكَلِّمه، فقالَ ذلِكَ ثلاثاً، كُلَّ ذلِكَ لا تُكَلِّمُهُ.

فقالَ بَعض إمائِها في الفتوح: رجل من أصحابه]: هَذِهِ زَيْنَبُ ابْنَهُ فاطِمَة «علیها السلام».

قالَ: فَقالَ لها عُبَيدُ اللّه الحَمدُ للّه الَّذي فَضَحَكُم وقتلكُم، وأكذب أحدوثتكم ! [في رواية الصدوق: أحاديثكم].

فقالت: الحَمدُ للّه الَّذي أَكْرَمَنَا بِمُحَمَّدٍ «صلی اللّه علیه وآله» وطَهَّرَنا

تطهيراً، لا كَما تَقولُ أَنتَ إِنَّما يَفْتَضحُ الفاسِقُ ويُكَذِّبُ الفَاحِرُ. [أضاف ابن طاووس وهو غيرنا]

قالَ: فَكَيْفَ رَأيتِ صُنْعَ اللّه بِأَهلِ بَيْتِكِ؟ [في الملهوف: بأخيك وأهل بيتك].

قالت: [في الملهوف ما رأيت إلا جميلا، هؤلاء القوم] كُتِبَ عَليهِمُ القتلُ، فَبَرَزُوا إلى مَضاجِعِهم، وسَيَجْمَعُ اللّه بَينَكَ وَبَيْنَهُم، فَتَحَاجُّونَ إِلَيهِ، وتَخاصمونَ عِندَهُ [في الملهوف وغيره: تحاج وتخاصم، فانظر لمن الفلج يومئذٍ، هبلتك (ثكلتك) أمك يا ابن مرجانة].

قالَ: فَغَضِبَ ابنُ زِيادٍ، وَاسْتَشاط.

قالَ: فَقالَ لَهُ عَمرُو بنُ حُرَيتْ أصلحَ اللّه الأمير! إِنَّمَا هِيَ امرَأَةٌ، وهَل تُؤاخَدُ المَرأَة بِشَيْءٍ مِن مَنطقها؟ إنَّها لا تُؤاخَدُ يقول، ولا ثلامُ عَلى خَطلٍ.

فَقالَ لَهَا ابنُ زِيادٍ: قد أشقى [في الملهوف: شفا] اللّه نَفسي مِن طاغِيَتِكِ [الحسين]، وَالعُصاةِ المَرَدَةِ مِن أهل بَيتِكِ.

قالَ: فَبَكَت ثُمَّ قالت: لعمري لقد قتلت،کَهلي، وأبَرتَ أهلي، وقطعت فرعي، وَاجتَثثت أصلي، فإن يَشفِكَ هذا فقدِ اشتَفيت.

فقالَ لها عُبَيدُ اللّه: هَذِهِ شَجَاعَة [ في الملهوف وغيره: سجّاعة]، قد لعمري كان أبوك شاعِراً شجاعاً [ سجَّاعاً].

قالت: ما لِلمَرأةِ وَالشَّجَاعَة [ والسجاعة ] ! إِنَّ لي عَن الشَّجَاعَةِ

لشُغُلا، ولكِنَّ نَفْتْي ما أقولُ (1)

واختصر في الطبقات الكبرى الطبقة الخامسة من الصحابة ج 1 ص 481.

وذكر ما يقرب مما ذكرناه في المصادر التالية الملهوف ص 200 ومثير الأحزان ص 90 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 70 وبحار الأنوار ج 45 ص 115 والعوالم، الإمام الحسين ص383 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 122 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 42 وراجع الحدائق الوردية ج 1 ص 124.

.

لماذا تنكرت زينب؟!:

تقدم أنهم يقولون : إن زينب ابنة فاطمة «علیهما السلام» حين أدخلت هي وصبيان الحسين، وأخواته ونساؤه على ابن زياد لبست أرذل ثيابها، وتنكرت فجلست وحفت بها إماؤها.

فقال ابن زیاد: من هذه الجالسة؟!

فلم تجبه فكرر ذلك ثلاث مرات فقال: بعض إمائها، أو رجل من أصحابه: هذه زينب ابنة فاطمة الخ..

وفي هذه الفقرات مواضع عديدة تحتاج إلى بيان، فلاحظ ما


1) موسوعة الإمام الحسين ج 5 ص 161 - 162 عن تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 457 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 349 و 350 والكامل في التاريخ ج 4 ص 82 والبداية والنهاية ج 8 ص 193 والإرشاد ج 2 ص 115 وإعلام الورى ج 1 ص 471 وكشف الغمّة ج 2 ص 275 كلها نحوه وراجع تذكرة الخواص ص 258 ونهاية الأرب ج 20 ص 464 و 465.

يلي:

إن أول ما يواجه الباحث، هو السؤال عن سبب تنكرها «عليها السلام» في هذا الموقف بالذات.

ويمكن أن يجاب:

أولاً: الإعلان بأن القيمة للإنسان إنما هى بإنسانيته، وفضله وتقواه، وعلمه، وخلقه، ودينه، و استقامته وليست بماله، وجيوشه، وسلطانه، ولا هي بجهله وقلة دينه، وبهيميته، وعدوانيته، وفقدانه للأخلاق النبيلة، وشيطنته، وبعده عن اللّه، وما إلى ذلك.

فرذالة الثوب لا توجب المهانة، ولا الاستهانة، ما لم تسر إلى رذالة الروح، وموت القلب، وفقدان المعاني الإنسانية..

ثانياً : قال بعض الإخوة: قد تكون «علیها السلام» أرادت أن لا يعرفها، ولا يقصدها بالكلام، فتضطر إلى مخاطبة مثله.

غير أننا نضيف إلى ذلك : أن الأمور إذا جرت على غير هذا النحو، فسيكون لها معه مقاماً آخر.. وهذا ما حصل بالفعل، حيث إنها بهذا الأسلوب قد أذلت ذلك الطاغية، الذي اعتاد من الناس أن يراقبوا قسمات وجهه، وكل حركة، وإشارة منه حتى لا تفوتهم تلبية شيء من أغراضه، ولمحاته، وإشاراته.. ولكن زينب قد أثارت فضوله بتنكرها، واستدرجت لديه الشعور بالحاجة إلى السؤال عنها.

وأكدت له ولغيره أنها غير مكترثة لرغباته، ولا منقادة لمطالبه، الأمر الذي أظهر أنها لا تقيم له كبير وزن، إلا إذا أراد أن يقهرها

بسلطانه.

وفي هذا إلماح: إلى أنه لا يملك قدرة ذاتية، بل هو يستعير قدرات أخرى لدى غيره، ويوظفها في تلبية حاجاته، والوصول إلى غاياته. دون أن يعني ذلك : أنه محق في ذلك، فلعله ظالم فيه وآثم..

ثالثاً : إنها «علیها السلام» حين دخلت جلست، ولم تنتظر الأذن من أحد، ولم تر نفسها أسيرة أو سبية له، ولا شعرت أن له الحق أن يطالبها بالخضوع الذليل، كما هو حال الأسارى والسبايا.

لقد أكدت السيدة زينب هذا المعنى ورسخته حين سأل عنها ثلاث مرات، فلم تكلمه، وإنما أجابته إحدى إمائها.. ولعل بعض أعوانه قد شارك في إيصال فحوى كلام تلك الأمة إليه.

ولعله لأجل ذلك روي تارة: أن إحدى إماء زينب أجابته، وروي أخرى أن الجواب جاءه من رجل من أصحابه..

ولعله أجابه على سبيل الحدس والتخمين للعلم بأن زينب «علیها السلام» لم تكن تبرز وجهها للرجال. ولا كان بإمكان أي رجل كان - من غير محارمها - أن يدل عليها.

رابعاً: يلاحظ: أن حميد بن مسلم الراوي لما جرى قد وصف زينب: بأنها ابنة فاطمة.. كما أن من عرَّفها لابن زياد، قد أطلق عليها نفس هذا الوصف، أعني «زينب ابنة فاطمة «علیهما السلام».

ويدلنا هذا :

ألف: على لؤم حميد بن مسلم، الذي كان في جملة من حارب الحسين «علیه السلام» في كربلاء.. ثم كان في جملة من حمل الرأس الشريف إلى عبيد اللّه بن زياد في الكوفة بأمر من عمر بن سعد، وها هو هنا يدلنا أيضاً على أنه ممن يتعمدون أن لا ينسبوا أبناء علي «علیه السلام» وبناته إليه، وذلك بغضاً منهم لعلي «علیه السلام». كما يدل عليه قولهم للإمام الحسين «علیه السلام» يوم عاشوراء: «نقاتلك بغضاً منا لأبيك».

إلا أن يزعم زاعم: أن حميد بن مسلم أراد أن يجاري ابن زياد ويداريه في التعابير التي يستعملها.. وحميد هذا كان أكثر ملاءمة، وألين عريكة من سائر جلاوزة ابن زياد وابن سعد. ولكن هذا الإدعاء يحتاج إلى شاهد ودليل، ولا دليل إلا ما رواه حميد نفسه عن نفسه.

ب: إنه بالرغم من كل شيء، فإن من مصلحة بني أمية أن لا يلفتوا الأنظار إلى صلة الحسين «علیه السلام» بالنبي «صلی اللّه علیه وآله»، لأن ذلك يؤلب الناس ضدهم، ويزيد النقمة عليهم.

ولكن بغضهم لعلي «علیه السلام»، وخذلان اللّه تعالى لهم قد دعاهم إلى نسبة الحسين «علیه السلام» إلى فاطمة «علیها السلام».

ثم تمادى بهم هذا الخذلان حتى صاروا يصرحون - كما فعل يزيد وابن زياد ومروان - بأن ما فعلوه بالحسين «علیه السلام» وأهل بيته كان انتقاما من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، الذي قتل أسلافهم في حرب بدر. وقديماً قيل: على نفسها جنت براقش.

إنما يفتضح الفاسق:

رأينا في مواقف زينب، ومن معها كيف أن المرأة المسلمة المؤمنة الواعية تعيش روح العزة ومعنى الكرامة، ونعمة الوعي، وشموخ الإباء في أقصى مداها، وأجل وأسمى معانيها.

وهي تشعر بالرضا والسعادة بالحق والهدى الذي هي عليه، ولو ظن الناس أنها في منتهى التعاسة والضعف، وفي أشد حالات الحرمان، مع أنها تسبح في آفاق الرضا والسعادة، والسكينة والأمل..

وما ذلك إلا لأنها تعرف أن المرأة الخاوية من الإيمان، والوعي والمفعمة بالغرور، وبالمظاهر الممسوسة بجنون الأهواء، وطغيان الشهوات مسكونة بالذل والهوان تعيش معنى التعاسة والضياع والشقاء، والخيبة، والخوف من المصير في أقصى الدرجات، وأشد الحالات.

وقد تجلت هذه المعاني الجليلة والجميلة التي تعيشها المرأة المؤمنة في هؤلاء النسوة اللاتي يظن الناس أنهن مسببات، مع أن السبي والأسر والضعف والهوان، والذل، كان من نصيب نفس آسريهن.

والحوار الذي جرى بينهن وبين عبيد اللّه بن زياد في الكوفة، ثم بينهن وبين يزيد في الشام شاهد صدق على ذلك، فقد أجابت زينب «علیها السلام» على قول ابن زياد: الحمد للّه الذي فضحكم، وأكذب أحدوثتكم بقولها : الحمد للّه الذي أكرمنا بنبيه محمد «صلى اللّه عليه وآله» وطهرنا من الرجس تطهيراً، وإنما يفتضح الفاسق، ويكذب

الفاجر، وهو غيرنا والحمد للّه».

وحين قال لها ابن زياد: كيف رأيت صنع اللّه بأهل بيتك؟

قالت له: «مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيْلاً، هَؤُلاء القومُ كُتِبَ عَليهِمُ القتلُ، فَبَرَزُوا إِلى مَضاجِعِهم، وسَيَجْمَعُ اللّه بَينَكَ وبَيْنَهُم، فَتَحاجُّونَ إِلَيهِ، وتَخاصَمُونَ عِندَهُ، فانظر لِمَن الفلجُ يَوْمَئِذٍ، هَبَلتْكَ (ثَكَلتكَ) أُمَّكَ يَا ابْنَ مَرْجَانَة».

وهذه أجوبة صاعقة للطغاة، مذلة للجبارين، وهي أيضاً رصينة، وواضحة، وقريبة المأخذ، وقوية المبنى والمعنى.

أما خطبة زينب في الشام وتقريعها الشديد ليزيد، فهي واسطة العقد، ودرة التاج في المواقف التي لا تبارى، ولا تجارى.

ويكفي منها قولها ليزيد:

«ولئِنْ جَرَّتْ عَليَّ الدَوَاهِي مُخَاطَبَتَكَ، إِنِّي لأَسْتَصْغِرُ قَدْرَكَ، وَأسْتَعْظِمُ تَفريْعَكَ، وَأَسْتَكْثِرُ تَوْيِيخَكَ، لكن العُيُونُ عَبْرَى، والصُّدُورُ حرَّى.

ألا فَالعَجَبَ كُلَ الْعَجَبِ، لِقتل حِزْبِ اللّه السُّجَبَاءِ، بِحِزْبِ الشَّيْطَانِ الطلقاء».

وتقول له: «وَتَهْتِفُ بِأَشْيَاخِكَ، زَعَمْتَ أَنَّكَ تُنَادِيْهُم، فَلْتَردَّنَّ وَشِيْكَا مَوْرْدَهُم، وَلتَوَدَّنَّ أَنَّكَ شَلِلْت وَبَكَمْتَ، وَلَم تَكُنْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ».

وتقول له : «فواللّه! مَا قَرَيْتَ إِلَّا جِلْدَكَ، وَلا حَزَرْتَ إِلَّا لَحْمَكَ الخ..».

والأمر المهم هنا: أن قسوة الكلام لم توجب الخروج عن جادة الصواب والحق، والشرع، والإنصاف، ولو في حرف واحد..

بينما نجد ابن زياد ويزيد، وسواهما من رموز وأركان الظلم والتعدي يشتمون، ويتهمون، ويغضبون، ويتهددون.

فابن زياد يصف زينب «علیها السلام»: بأنها سجَّاعة. ويصف أباها عليا «علیه السلام»: بأنه كان سجَّاعاً أيضاً، كما يستشيط غضباً، فيتدخل عمرو بن حريث لصده عن القيام بتصرف عدواني على زينب، أو غيرها من النساء قد يسبب لهم مشكلة مع الناس، أو يوجب وقوع الخلاف فيما بينهم أنفسهم..

هل هذا صنع اللّه؟! :

وقد رأينا: أن عبيد اللّه بن زياد يدَّعي أن ما فعلوه بالحسين «علیه السلام»، وأهل بيته وأصحابه في يوم عاشوراء، كان من فعل اللّه تعالى (أو صنعه) بهم.

وسيأتي: أنه حين سأل عن الإمام زين العابدين، فأخبروه بأنه علي بن الحسين «علیهما السلام» قال: «أليْسَ قَدْ قَتَلَ اللّه عِلِيَّ بَنَ الحُسَيْن»؟

فقال له السجاد : «كَانَ لِي أَخٌ يُسَمَّى عَلِيًّا قَتَلهُ النَّاسُ».

فقال له ابن زیاد: بَل اللّه قَتَلَهُ.

فنلاحظ: أن محاولات نسبة هذه الأفعال التي ارتكبوها إلى اللّه

سبحانه إنما هي محاولات لتسويق عقيدة الجبر الإلهي في الناس.. هذه العقيدة التي كانت لدى أهل الجاهلية، ثم لما جاء الإسلام حاربها، وفندها، وألغاها.

ثم عاد الحكام المناوئون، لأهل البيت إلى التشبث بها، وترويجها بعد وفاة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بتشجيع من علماء أهل الكتاب، ولاسيما اليهود منهم.

إن هذه العقيدة الباطلة التي تطعن في عدل اللّه، وفي قدرته، وفي غیر ذلك من صفاته، تصد الناس عن مقاومة إرادات الحكام، وتمنعهم من الاعتراض عليهم، وتخفف من حدة مؤاخذاتهم بذنوبهم، وتسهل عليهم استعباد الناس، وإذلالهم وقهرهم، واضطهادهم.

بل تجعل الناس يتنافسون في طاعتهم، حتى في معصية اللّه، لأن كل ما يفعلونه لا ذنب لهم فيه، لأن اللّه هو الذي يفعل ويتصرف، ومن يعارض ما يريده اللّه يخرج من دين اللّه تبارك وتعالى، ومن يفعل ذلك ينبغي أن يعاقب، بل يجب أن يقتل.

رد زينب والسجاد علیهما السلام»:

وقد بادرت «علیها السلام» إلى الرد على هذه الأباطيل، فبينت: أن اللّه تعالى لم يقتل الحسين ولا أهل بيته وأصحابه، ولا سبي عياله.. بل ما فعله هو أنه أمر الحسين «علیه السلام» ومن معه بالدفاع عن أنفسهم، كما أنه قد أمرهم ونهاهم، وحملهم مسؤوليات، كما حمل

الأمة كلها، فكان الحسين «علیه السلام» وأصحابه هم الذين اختاروا أن يطيعوا أوامره، وأن يعملوا بنواهيه، فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ودعوا الناس إلى الحق والخير، وسعوا في إصلاح أمورهم.

وكذلك الحال بالنسبة للفريق الآخر، فإن القاتل للحسين «عليه السلام»، وأصحابه وأهل بيته، ومن سبى عياله، هو ابن زیاد وجيشه بأمر من يزيد، وهم الذين اختاروا هذا الفعل من دون إكراه ولا إجبار.

وهذا ما سيسأل اللّه عنه هؤلاء في يوم القيامة، وسوف يحتج اللّه عليهم بما لا يجدون له جواباً. وسيكون الفلج لمن قُتِلَ وظلِمَ على القاتل والظالم.

كما أن الإمام السجاد «علیه السلام» قد رد على ما ادعاه ابن زياد من أن اللّه هو الذي قتل أخاه عليا، فقال له «علیه السلام»: كان لي أخ يسمى عليا، قتله الناس.

ففاعل القتل إذن ليس هو اللّه، بل الفاعل هو الناس.

فلما أعاد ابن زياد :قوله بل اللّه قتله.

بادر الإمام «علیه السلام» إلى التفريق بين أمرين:

أولهما : أن العبد هو الذي يختار الفعل، ويبادر إليه، ويتصرف فيه فيضرب الضربة التي من شأنها أن تجرح، أو تقتل، أو تقطع يداً أو رجلاً.

الثاني: إن حصول الأثر، وهو نفس القطع، والجرح والموت هو ما

تقتضيه السنة التي وضعها اللّه في مخلوقاته، فقد أخذ اللّه على نفسه أنه إذا اختار إنسان أن يضرب أخاه بسيفه على يده أن تقطع يده. وإن ضربه على عنقه أن ينفصل رأسه عن جسده، وتتحقق الوفاة بخروج الروح..

ولأجل ذلك استشهد الإمام «علیه السلام» هنا بقوله تعالى: «اللّه يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا» (1).

ولكن القاتل يبقى مديونا للمقتول، كما قال «علیه السلام»: «فقتَلتُموهُ، وَإِنَّ لَهُ مَطلَا مِنْكُم». والمطل : هو الدَّيْن والحق الذي يطالبكم به. وهذه المطالبة ستكون في الآخرة.

تشفي ابن زياد:

وقد قال ابن زياد لزينب «علیها السلام»: «قد أشقى (شفا) اللّه نَفسي مِن طَاغِيَتِكِ، وَالعُصاةِ المَرَدَةِ مِن أهل بَيْتِكِ».

وهذا كلام موبوء وسقيم..

فأولاً ما معنى أن يصف ابن زياد الإمام الحسين «علیه السلام» بأنه طاغية؟ وكيف ومتى ظهر هذا الطغيان منه «صلوات اللّه وسلامه عليه»؟!

إن القوة العسكرية والحاكمية، والأموال والرجال، والسلطة، لم تكن في يد الحسين «علیه السلام»، بل كانت طيلة سنوات كثيرة في


1) الآية 42 من سورة الزمر.

يد بني أمية.

ثانياً: ما معنى أن يصف ابن زياد سائر أهل بيت زينب بأنهم عصاة؟! والحال أنهم لم يسلوا سيفا، ولا أعلنوا حرباً أو قتالاً.. بل إن رأس العصاة، وزعيم الطغاة هو يزيد وحزبه، فقد قلنا: إنهم قد بايعوا الحسين «علیه السلام»، ثم نكثوا (1)، وإنما بايعه يزيد تطبيقاً للشرائط التي وردت في كتاب الصلح مع الإمام الحسن «علیه السلام»، ومن هذه الشرائط: أن الأمر بعد معاوية للحسن «علیه السلام»، ثم للحسين (2).

وصرح عبد اللّه بن الزبير: بأن يزيد قد بايع الحسين حينئذ، مع هذا الشرط، ثم نقض بيعته، ونكث عهده، وقد قال تعالى:

انسجاماً «فمَنْ نَكَثْ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ» (3)» (4).

هل اختطف السجاد «علیه السلام» ؟!:

وقالوا :

ومَضَوا بِعَلِيِّ بنُ الحُسَين الأَكْبَر، البَاقِي مِنْ وَلْدِهِ، وَهُوَ شَدِيْدَ العِلةِ... وقال عَلِيُّ بنُ الحُسَين «علیه السلام»: فما فهمتُهُ وعَقَلتُهُ مَعَ


1) راجع: الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 149.

2) عمدة الطالب ص 67.

3) الآية 10 من سورة الفتح.

4) راجع: الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 149.

عِلتي وشدَّتِها : أَنَّهُ أتِي بي إلى عُمَرَ بن سَعدٍ، فلمّا رَأى ما بي أعرَضَ عَنِّي، فَبَقيتُ مَطروحاً لما بي.

فأتاني رَجَلٌ مِن أهل الشام، فاحتملني، فَمَضَى بِي وَهُوَ يَبكي، وقال لي: يا ابنَ رَسول اللّه، إنِّي أخافُ عَلَيْكَ فَكُن عِندي.

ومضى بي إلى رَحلِهِ، وأكرَمَ نُزُلي، وكان كلما نَظرَ إليَّ يَبكي.

فكنتُ أقولُ في نَفسي: إن يَكُن عِندَ أَحَدٍ مِن هَؤُلَاءِ خَيرٌ، فَعِندَ هَذَا الرَّجُل.

فلمّا صرنا إلى عُبَيدِ اللّه بن زيادٍ سَأَلَ عَنِّي.

فقيل: قد تُركَ.

وطلبتُ فلم أوْجَد، فنادی مُنادٍ: مَن وَجَدَ عَلِيَّ بنَ الحُسَينِ، فَلْيَأْتِ بهِ وله ثلاثمِئَةِ دِرهم.

فَدَخَلَ عَلَيَّ الرَّجُلُ الَّذِي كُنتُ عِندَهُ - وهُوَ يَبكي - وجَعَلَ يَربط يَدَيَّ إلى عُنْقي، ويَقولُ: أخافُ عَلَى نَفسي يَا ابْنَ رَسُول اللّه، إِن سَتَرتُكَ عَنهُم أن يقتلوني.

فَدَفَعَني إليهم مربوطاً، وأخذ الثلاثمِئَةِ دِرْهَم وَأَنَا أَنظُرُ إِلَيهِ.

ومُضِيَ بي إلى عُبَيدِ اللّه بن زياد اللعين، فلمّا صِرتُ بَينَ يَدَيْهِ قَالَ: مَن أَنتَ؟

قُلتُ: أَنَا عَلِيُّ بنُ الحُسَين.

قالَ: أَوَلم يَقتُلُ اللّه عَلِيَّ بنَ الحُسَين؟

قلتُ: كانَ أخي، وقد قتَلهُ النّاسُ.

قالَ عُبَيدُ اللّه بنُ زِيادٍ: بَل قَتَلَهُ اللّه.

فقالَ عَلِيٌّ «علیه السلام»: «اللّه يَتَوَفَّى الأنفسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا» (1).

فَأَمَرَ عُبَيدُ اللّه بنُ زِيادٍ اللعينُ بقتل عَلِيٌّ بن الحُسَين «عليه السلام».

فَصاحَت زَيْنَبُ بنتُ عَلِيٌّ «علیها السلام»: يَا ابنَ زِيادٍ، حَسبُكَ مِن دِمائِنا، أناشدُكَ اللّه إن قتَلتَهُ إِلَّا قَتَلْتَنى مَعَهُ (2).

ونقول:

إن هذا الحديث لا يمكن قبوله، وذلك لما يلي:

أولاً : إن الإمام السجاد «علیه السلام» يعتبر الملاذ والملجأ، والمفزع للسبايا فمن الطبيعي أن يبقى موضع رصد ورقابة منهن، وتفقد له


1) الآية 42 من سورة الزمر.

2) شرح الأخبار ج 3 ص 156 و 157 والطبقات الكبرى الطبقة الخامسة من الصحابة ج 1 ص 480 والطبقات الكبرى (ط صادر) ج 5 ص212 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 79 وتاريخ مدينة دمشق ج 41 ص 367 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 345 وحياة الإمام الحسين للقرشي ج 3 ص 256 عن المنتظم، ومرآة الزمان لابن الجوزي، وتذكرة الخواص ج 2 ص 187 و 188 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 664 وج 28 ص 189 عن مختصر تاريخ مدينة دمشق (ط دار الفكر) ج 17 ص 231.

بالنظرات، في مسيرهم من كربلاء إلى الكوفة، ثم في سائر المنازل، ثم اللجوء إليه، والاعتماد عليه عند كل طارئ.

ثانياً: تقدمت الرواية التي تصرح بأن عمر بن سعد قد وظف أناساً لحفظ السبايا فور وقوعهن في أيديهم، فكيف تركوه، ولم يلتفتوا إلى عدم وجوده معهم؟!

ثالثاً: لو أن الإمام السجاد «علیه السلام» قد فُقِدَ حتى احتاج عبيد اللّه بن زياد إلى أن يضع جائزة مقدارها ثلاث مئة درهم لمن يكشف أمره ويأتي به، لكان ينبغي قبل ذلك: أن يطالب به الحرس الموكل بالسبايا، ويعاقبهم على تقصيرهم.

وما تحديد الجائزة بثلاث مئة درهم إلا لأجل تحقيره «علیه السلام»، والحط من مقامه.

رابعاً: صرحت الروايات: بأن الإمام السجاد «علیه السلام» قد خطب بأهل الكوفة فور وروده إليها. والرواية نفسها تصرح: بأنه حين وُجِدَ وجيء به، وأدخل على ابن زياد سأله عن اسمه، فأخبره، فقال: أولم يقتل اللّه عليا؟! الخ..

يضاف إلى ذلك: ما ذكرته الروايات، من أن السجاد «علیه السلام» كان مع الركب حين مروا بهم على جثث الشهداء في كربلاء. فكيف يكون ابن سعد لم يكترث له حين جيء به إليه، فاستولى عليه ذلك الشامي؟! وكيف لم يكترث له ابن سعد، وهو كما تقول الروايات أراد أن يقتله حين وقع في يده؟!

خامساً : كيف يكون ابن زياد قد رصد ثلاث مئة درهم لمن وَجَدَ الإمام «علیه السلام»، ثم تصرح الرواية نفسها: بأنه حين وُجِدَ الإمام «علیه السلام»، وجيء به إليه سأله عن اسمه، فأخبره، فقال ابن زياد أولم يقتل اللّه عليا؟!

سادساً : ذكرت الرواية : أنه حين قال له ابن زياد أولم يقتل اللّه عليا؟ أجابه الإمام «علیه السلام»: كان لي أخ يقال له علي أكبر مني قتله الناس.

مع أننا قلنا فيما سبق:

ألف: إن كلمة أكبر مني لم يثبت وجودها، فهناك نصوص أخرى تقول: كان لي أخ يسمى عليا قتله الناس، أو نحو ذلك.

وبعض نصوص نفس رواية الاختطاف لم تصرح بأن الشهيد كان أكبر سناً من الإمام «علیه السلام» (1).

ب: إن الأقوال في تاريخ ولادة السجاد «علیه السلام» وولادة علي الأكبر الشهيد في كربلاء، لا تحتم أن يكون الشهيد «علیه السلام» أكبر من الإمام زين العابدين «علیه السلام».

وقد تحدثنا عن ذلك في موضع سابق من هذا الكتاب.

ج: قلنا: إننا نرجح أن يكون الإمام السجاد هو الأكبر سنا، وإنما وصف علي الشهيد بالأكبر لتمييزه عن أخ له أصغر منه اسمه علي


1) راجع على سبيل المثال: شرح الأخبار ج 3 ص 156 و 157.

أيضاً.

د: إن القاضي النعمان يصرح: بأن الإمام السجاد «علیه السلام» هو علي الأكبر، ثم يورد قضية الاختطاف مباشرة، فكيف نوفق بين هذا وبين وصف رواية الطبقات عليا :الشهيد بأنه أكبر سناً من الإمام «علیه السلام»؟!

سابعاً : ظاهر رواية اختطاف الإمام «علیه السلام»: أن اختطافه قد حصل في كربلاء.. وأن ذلك الرجل قد أخفاه عنده حتى وصلوا إلى الكوفة، وأدخلوا السبايا على ابن زياد ولم يكن الإمام السجاد معهم. فكيف لم يتفقده ابن سعد، ولا الحرس الذي وكلهم بالسبايا، ولا السبايا ولا أحد من الناس ثم كان الذي اكتشف أنه مفقود هو ابن زياد نفسه؟!

ولماذا لم يلم ابن زياد عمر بن سعد، ولا أحداً آخر على هذا التقصير، ولم يعاقبهم على تفريطهم؟!

ثامناً: هل تريد الرواية أن توهم الناس أن الإمام زين العابدين «علیه السلام» كان ساذجاً إلى حد أنه انخدع بذلك الشامي، وظن أنه من أهل الخير؟!

مع علمه بأنه قد شارك في الحرب عليه، وعلى أبيه، وأهل بيته، وأصحابه، ولعله قد قتل منهم أيضاً، في حين أنه كان يمكنه أن ينحاز إلى الحق، ويلتحق بالإمام الحسين «علیه السلام»..

أو كان بإمكانه أن ينسلّ من ذلك الجيش إلى مناطق يأمن فيها على

نفسه، ولا يشارك في القتال، ولكنه لم يفعل شيئاً من ذلك !!

تاسعاً: صرحت الرواية بأن ابن زياد حين جيء بالسبايا، والأسارى سأل عن الإمام السجاد، فقيل له ترك، وطلب فلم يوجد الخ..

ثم تقول الرواية : إنه «علیه السلام» لما صار بين يدي ابن زياد، قال له: من أنت؟!

فقال: أنا علي بن الحسين.

قال: أولم يقتل اللّه علي بن الحسين؟! الخ...

عاشراً: إذا كان ذلك الشامي قد أخذ الإمام السجاد إلى رحله في كربلاء، فقد ينبغي أن نعرف كيف نقله بعد ذلك إلى الكوفة؟! وهل أخفاه عن أعين جيش ابن سعد كله، فلم يكتشفه أحد منهم؟! أم أن الناس كانوا يرونه معه، ولا يعرفونه؟! أو كانوا يعرفونه، ولا يهتمون لشأنه؟! وإذا كانوا يعرفونه، فلماذا لم يخبروا ابن سعد بأمره؟!

حادي عشر: ورد في الرواية - كما في نقل ابن الجوزي - قوله «علیه السلام»: «فبينما أنا ذات يوم عنده». وهذا يدل على أنه «عليه السلام» قد بقي عند ذلك الشامي أياما.. مع أن الأمر في مدة مسيرهم إلى الكوفة، ثم خروجهم منها إلى الشام لم يدم أكثر من ثلاثة أيام على أبعد تقدير.

وسيأتي توضيح ذلك في مورده إن شاء اللّه تعالى.

الإمام السجاد «علیه السلام» وابن زياد:

وقالوا في بيان ما جرى في مجلس ابن زياد ما يلي:

1 - عُرِضَ عَليهِ [أي عَلى ابن زيادٍ] عَلِيُّ بْنُ الْحُسَين «عليه السلام»، فَقالَ لَهُ: مَن أنتَ؟!

فقالَ: أَنَا عَلِيُّ بنُ الحُسَين.

فقال: أليس قد قتَلَ اللّه عَلِيُّ بنَ الحُسَين؟!

فَقالَ لهُ عَلِيٌّ «علیه السلام»: قد كان لي أخٌ يُسَمّى عَلِيّا قَتَلَهُ النّاسُ.

فقالَ لَهُ ابنُ زِيادٍ: بَل اللّه قتَلهُ.

فَقالَ عَلِيُّ بنُ الحُسَين «علیه السلام»: «اللّه يَتَوَقَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا» (1).

فَغَضِبَ ابْنُ زِيادٍ وقالَ: َوبكَ جُرأةٌ لِجَوابي؟ وفِيكَ بَقِيَّةٌ لِلرَّدِّ عَلَيَّ! اذهَبوا به فاضربوا عُنُقهُ.

فتَعلَّقت بهِ زَيْنَبُ عَمَّتُهُ، وقالت: يَا ابن زيادٍ، حَسبُكَ مِن دِمَائِنا، وَاعتَنَقتهُ وقالت واللّه لا أفارقه، فإن قتَلتَهُ فاقتلني مَعَهُ.

فَنَظرَ ابنُ زيادٍ إليها وإليهِ َساعَةً، ثُمَّ قَالَ: عَجَبَا لِلرَّحِمِ وَاللّه إِنِّي لأظنُّها وَدَّت أتى قتلتُها مَعَهُ، دَعوه فإنّي أراهُ لِما بهِ.


1) الآية 42 من سورة الزمر.

ثمَّ قامَ مِن مَجْلِسِهِ حَتَّى خَرَجَ مِنَ القصر (1)

واختصره في أنساب الأشراف ج 3 ص 412 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 206 وراجع: الملهوف ص 202 و (نشر أنوار الهدى) ص95 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 123 نحوه واختصره بصورة أشد في المصادر التالية: تهذيب الكمال ج 6 ص 429 وتهذيب التهذيب ج 1 ص 592 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 309 والأمالي للشجري ج 1 ص 192.

.

وفي الفتوح: [فقال ابن زياد لبعض جلسائه ويحك خذه إليك فأظنه قد أدرك الحلم!

قال: فأخذه مري (أو مروان) بن معاذ الأحمري، فنحاه ناحية، ثم كشف عنه، فإذا هو أنبت، فرده إلى عبيد اللّه بن زياد وقال: نعم، أصلح اللّه الأمير ! قد أدرك


1) الإرشاد ج 2 ص 116 وراجع: مثير الأحزان ص 91 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 71 وإعلام الورى ج 1 ص 472 وكشف الغمة ج 2 ص 278 وبحار الأنوار ج 45 ص 117 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 384 والكامل في التاريخ ج 4 ص 82 نحوه، وراجع: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 475 وراجع ص390 والدر النظيم ص 561 ونور الثقلين (تفسير) ج4 ص 487 وكنز الدقائق (تفسير) ج 11 ص 307 والطبقات الكبرى لابن سعد جه ص 212 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص79 وتاريخ مدينة دمشق ج 41 ص 367 والمنتخب من ذيل المذيل ص 119 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 345 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 350 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 664 وج 28 ص 190 عن مختصر تاريخ مدينة دمشق (ط دار الفكر) ج 17 ص 231 وشرح الأخبار ج3 ص 157 و 251 والتمهيد لابن عبد البرج 9 ص 157 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 210 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 292 ونهاية الأرب ج 20 ص 465.

فقال: خذه إليك الآن، فاضرب عنقه

قال: فتعلقت به عمته زینب بنت علي الخ..]

زاد ابن طاووس وغيره قوله: فَسَمِعَت بِهِ عَمَّتْهُ زِينَبُ «عليها السلام»، فقالت: يَا ابن زيادٍ إِنَّكَ لم تبق مِنّا أحَداً، فَإِن كُنتَ عَزَمَتَ عَلى قتلِهِ فَاقْتُلني مَعَهُ.

فقالَ عَلِيٌّ لِعَمَّتِهِ: اسكتي يا عَمَّهُ حَتى أَكَلَّمَهُ.

ثُمَّ أقْبَلَ إليهِ، فقال: أبالقتل تُهَدِّدُني يا ابن زياد؟! أما عَلِمتَ أنَّ القتل لنا عادَة وكَرامَتَنَا الشَّهادَة (1).

[زاد في الفتوح: فسكت ابن زياد ثم قال: أخرجوهم عني! وأنزلهم في دارك إلى جانب المسجد الأعظم].

2 - عن هشام لمّا حَضَرَ عَلِيُّ بنُ الحُسَينِ الْأَصْغَرُ «عليه السلام» مع النِّساءِ عِندَ ابن زيادٍ وكان مريضاً، قالَ ابنُ زِيادٍ: كَيفَ سَلِمَ هذا ؟! أقتلوه.

فصاحَت زَيْنَبُ بنتُ عَلِيٌّ «علیها السلام»: يَا ابْنَ زِيادٍ حَسبُكَ مِن دِمائِنا، إن قتَلتَهُ، فاقتلني مَعَهُ، وقالَ عَلِيٌّ «علیه السلام»: يَا ابنَ زِيادٍ


1) الملهوف ص 202 و (نشر أنوار الهدى) ص 95 وبحار الأنوار ج 45 ص 117 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 384 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 123 وراجع مقاتل الطالبيين ص 119 وموسوعة الإمام الحسين ج 5 ص 166.

إن كُنتَ قاتِلي فانظر إلى هذِهِ النّسوَةِ، مَن بَينَهُ وَبَيْنَهُنَّ قرابَةٌ يَكونُ مَعَهُنَّ ؟!

فقالَ ابنُ زِيادٍ: أَنتَ وذاك (1).

ونقول:

هنا أمور تحتاج إلى بيان، فلاحظ ما يلي:

الكشف عن السجاد: هل أدرك:

تقدم: أن ابن زياد أمر ابن معاذ أن يكشف على الإمام السجاد «علیه السلام»، ليرى إن كان قد أدرك أم لا، فنحاه ناحية، فكشف عنه، فشهد لابن زياد أنه قد أدرك..

وهذا كلام غير صحيح

أولاً: لما تقدم من أن عمر الإمام السجاد «علیه السلام» كان ثلاثة وعشرين عاماً، إن لم نقل ثمانية وعشرين على قول الواقدي(2).

وعن الواقدي أيضاً : قتل الحسين بن علي وعلي بن الحسين ابن


1) تذكرة الخواص (ط النجف) ص 258.

2) راجع: سر السلسلة العلوية ص 31 وعمدة الطالب ص 193 وراجع: شرح الأخبار ج 3 ص 266.

خمس وعشرين سنة (1).

ثانياً: روى أبو نصر البخاري: أن هذه القصة قد حصلت لعمر بن الحسن «علیه السلام»، فإنه كان في جملة الأسارى، وكان عمره إحدى عشرة سنة، وقالوا: إن ذلك حصل له مع يزيد بن معاوية، فلما نظروا إليه وجدوا أنه لم يدرك (2).

الجبر الإلهي عند بني أمية:

تحدثنا قبل هذه الفقرة عن محاولة ابن زياد إلقاء مسؤولية قتل الحسين «علیه السلام» وأصحابه وأهل بيته على مقام العزة الإلهية، وذلك من منطلق عقيدة الجبر الإلهي التي تعجب الطغاة والظالمين لأنها تبرئهم من جرائمهم وموبقاتهم، وتلقي بمسؤولية أعمالهم على الذات الإلهية والعياذ باللّه.

وقد ظهر لجوء بني أمية إلى هذه العقيدة في مناسبات كثيرة. ومنها: سعيهم لجعل حكمهم من أساسه قائماً ومستنداً إلى الفعل والجبر الإلهي..

إذن، فلا يمكن لأحد مقاومته، ومن يحاول ذلك، فإنما يعتدي على مقام العزة الإلهية، فلا بد من قتله، كائناً من كان، حتى لو كان إماماً أو


1) راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 41 ص 366 وتهذيب الكمال ج 20 ص 402 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 28 ص 16 عنه.

2) راجع: سر السلسلة العلوية ص 31 و 32.

نبياً أيضاً.

كما أنهم قد استفادوا من هذه العقيدة في تبرير استئثارهم بأموال الأمة، واعتبار أنفسهم مسيرين بيد اللّه فيما يرتبط بالعطاء والمنع..

وهذا موضوع طويل وله شواهد كثيرة، وقد ذكرنا بعضها وطائفة من المصادر في كتابنا أهل البيت في آية التطهير»، وفي غيره من كتبنا..

موقف زینب سدید ورشید :

قد يتوهم البعض: أن ما فعلته زينب «علیها السلام» لدفع القتل عن الإمام السجاد «علیه السلام» لم يأت وفق الضوابط الشرعية فإنه لا يحق لأحد أن يقدم نفسه للقتل إذا تعرض شخص آخر لهذا الخطر، بل عليه أن يحفظ نفسه، ويجنبها خطراً كهذا..

ويجاب:

أولاً: إن زينب «علیها السلام» قد تحركت لدفع القتل عن ابن أخيها باتجاهين، رأت أنهما كافيان في دفع ابن زياد عن تصميمه الأرعن هذا:

أولهما: أنها تعلم أن قتل المرأة بهذه الطريقة، وفي مثل هذا الظرف غير مستساغ حتى عند أهل الجاهلية، وقد تقدم عن أمير المؤمنين «علیه السلام»، وأن مجرد تناول المرأة بالهراوة كان قبيحاً، وممجوجا عند أهل الجاهلية، ومن فعل شيئا من ذلك يعيَّر به هو وولده من بعده.

وقد أكد عمرو بن حريث لابن زياد: أنه ليس من مصلحتهم قتل النساء. وهم يعتبرون عمرو بن حريث من تصاحهم، وأعوانهم وذوي الرأي والتجربة فيهم.

وربما رأى ابن زياد: أن عدم التفاته لنصيحة عمرو بن حريث قد يضر بمصلحته، أو بموقعه ومكانته عند يزيد ويضيع من يده بعض ما كان يتوخاه من مكاسب وولايات، ونفوذ كلمة لدى ذلك الطاغية.

الثاني: إن زينب أرادت أن توجد جواً عاطفياً، يحمل معه معاني جليلة، مثل:

1 - معنى الفداء.

2 - معنى الوفاء.

3 - معنى التضامن والتكافل.

4 - معنى العاطفة الصادقة.

5 - معنى القيمة، وأن الحياة إنما تصبح ذات قيمة ومعنى بأبرارها، وخيارها، وعلمائها، وأعلام الهداية، والفضل والتقوى فيها.

ثانياً: إن كل أحد يعلم: أن قتل السجاد «علیه السلام» لمجرد أنه بين أمراً يخالف ما يريد ابن زياد الترويج له.. إن هذا القتل لن يكون مستساغاً، ولا مرضياً لدى أكثر الناس، الذين سمعوا عن علي «عليه السلام»، الكثير من البيانات العقائدية والتوضيحات التي لا تترك عذراً لمعتذر. ولاسيما إذا استند «علیه السلام» في بيانه لهذا الأمر

إلى أدلة عقلية، ونصوص قرآنية، ونصوص نبوية، وسواها.

فإذا انضم إلى ذلك: كون المرأة التي يراد قتلها امرأة جليلة، وعالمة وذات مكانة خاصة في الأمة، لمجرد أنها اقترحت أن تقتل تضامناً مع ابن أخيها، من دون ذنب جناه هو، أوجنته هي، أو خطأ اقترفته. مع إدراك الناس كلهم أنها إنما فعلت ذلك بدافع العاطفة الصادقة، وشعورها بضرورة المنع من قتل الأبرياء، وحمايتهم من فتك الجبابرة المتعطشين لدمائهم من دون أي سبب، بل لمجرد أنهم دلوا ذلك الطاغية على خطأ ارتكبه، وأراد أن يوظفه بطريقة خاطئة في خدمة أهوائه، وتبرير جرائمه، ويجعل منه ذريعة للإيغال في إجرامه، والتوحش في فتكه.

إن قتل امرأة هذه صفاتها، وهذا حالها بدم بارد في مجلس عام جيء بها إليه على أنها سبية، وهي أيضاً امرأة مثكولة بأحب الناس إليها، ولم تكن بصدد قتال، ولم تهاجم أحدا بسيف ولا بسوط ولا حتى بكلمة شتيمة، بل كان كلامها مفعما بالطهر، والحق.. إن قتل هذه المرأة سوف يهز وجدان الناس ويثير كوامن صدورهم، ويهتك الستر الذي يتلفع به الجناة، لإخفاء قبح جرائمهم.

القتل لنا عادة وكرامتنا من اللّه الشهادة:

وذكر ابن طاووس وغيره : أن الإمام السجاد «علیه السلام» قال لابن زياد في هذا الموقف بالذات «أبالقتل تهددني يا ابن زياد؟! أما علمت أن القتل لنا عادة، وكرامتنا من اللّه الشهادة».

فقد تضمنت هذه الكلمة أموراً، نذكر منها ما يلي:

1 - إن يفرغ «علیه السلام» جهد ابن زياد من محتواه: بإفهامه أن قتله لا يحقق له ما يريد، وأن توهم ابن زياد ذلك.. لأن ذلك القتل إن كان للتشفي، فإن التشفي إنما يكون إذا كان من يراد التشفي به يشعر بالخسارة، أو بمزيد من الألم والحسرة على فراق الدنيا. وهذا غير متحقق هنا، فإنه إذا كان القتل عادة لأهل البيت، فهو يعني: أنه لا يصل إلى الحد الذي يصلح لأن يتشفى به ابن زياد منهم.

2 - إذا كان المقتول يرى: أن ما سيناله بعد هذا القتل من نعيم، وكرامة، يجعل من قتله ربحاً، لا خسارة فيه، فهو لا يحقق التشفي المطلوب، بل هو يعطي نتيجة معاكسة تماماً لمطلوب ابن زياد، لأن أكثر ما يؤلم المقتول من عامة الناس : إذا كان يرى أن فقدانه الحياة معناه: حرمانه من لذائذها، وأنه سيواجه بعد الموت المجهول، ويتعرض للأهوال والشدائد.

ولكن المقتول من أهل البيت لا يرى ذلك. بل هو يعتقد: أن ما يقدم عليه بالموت هو الأفضل والأمثل، فلماذا يتحسر على الحياة الدنيا ؟!

وهذا بعض ما ألمحت إليه كلمة الإمام «علیه السلام» لابن زياد، والتي جاءت بصيغة الاستفهام الإنكاري للدلالة على خطأه الفاحش في تقديره للأمور، وفي معرفته بها، فقد قال له: «أما علمت أن القتل لنا عادة»؟!

3 - إن مما يزيد في إظهار بوار وعقم ما يقدم عليه ابن زياد: أنه لم يعلم: أن الأئمة من أهل البيت «علیهم السلام» يرون أن الشهادة كرامة لهم، لكن لا من أهل الدنيا، وعشاقها ولا من الطغاة الجبارين وأئمة الضلال، بل الكرامة من اللّه تبارك وتعالى، فهم يأنسون بالشهادة، وفيها تزداد سعادتهم، وتظهر كرامتهم.

وإنما هم يحتملون مكثهم في الحياة الدنيا من أجل التهيئة لنعيم الآخرة، والفوز بمباهجها، والقيام بما يجب القيام به، فإن قرَضَ الطغاة عليهم الاستشهاد، وكان لا بد لهم من مواجهته، فإن ذلك لا ينقص من سعادتهم، بل يكون من أسباب زيادتها. فلا مورد للتشفي بقتل الإمام «علیه السلام».

وبك جرأة لجوابي:

وذكر الإمام السجاد «علیه السلام» لابن زياد: أن الناس هم الذين قتلوا الإمام الحسين «علیه السلام»، فهم المحاسبون والمطالبون بدمه، ثم بيّن له أن اللّه تعالى لا يتدخل فيما يختاره الناس، بل هو يجري فيهم السنن التي يريد للحياة أن تستمر بها، فمن أورد ضربة قاتلة، فإنه تعالى لا يتدخل لمنع الضربة من الوصول إلى المضروب، وإذا وصلت إليه، فهو تعالى لا يعطل القانون الطبيعي القاضي بحدوث أثر تلك الضربة من ألم، أو جرح، أو قطع، أو قتل، فيحدث الأثر، ثم يحاسب اللّه تعالى من ضرب وجرح، وقتل.

وهذا بيان لحقيقة ثابتة تدل عليها الآيات والروايات، وترشد إليها

العقول.

فحين لم يجد ابن زياد جواباً لجأ إلى التهديد والوعيد، واستفرس وتنمر، وطغى وتجبر، وقال: «وبك جرأة لجوابي؟! وفيك بقية للرد علي؟! إذهبوا به، فاضربوا عنقه».

فابن زياد يرى: أنه لا يحق للإمام أن يجيبه، ولو كان الجواب لبيان حقيقة إيمانية، بطريقة علمية وموضوعية، وهادئة، بل يريد:

أولاً: أن يفرض هيبته بالقوة والقهر تحت طائلة ذبح كل من يحاول أن يناقشه في أي أمر كان.

وقد أشارت زينب «علیها السلام» إلى هذا المعنى حين قال لها يزيد: كذبت يا عدوة اللّه.

فقالت: أمير يشتم ظالماً، ويقهر بسلطانه (1).

ثانياً: يريد أن يهيمن على الناس الخوف من بطشه، فلا يجدون في أنفسهم الجرأة على جوابه في شيء مما يريد أن يفرضه عليهم، مهما كان تافها، أو باطلاً، أو غير معقول ولا مقبول.

ثالثاً : يريد أن يسحق إرادات الناس من خلال إفراغهم من جميع مكامن القوة فيهم، فيكون وهنهم وضعفهم وفقدانهم لأية قوة هو الذي


1) الأمالي للصدوق ص 231 وبحار الأنوار ج 45 ص 156 وروضة الواعظين (منشورات الشريف الرضي) ص 192 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 397.

يقعدهم، ويفرض عليهم عدم الرد عليه..

وهذا هو الغاية في الظلم والعدوان.

فإن الخوف يبقى أمر عارضاً ويبقى مرهوناً بموجباته، فإذا زالت، وحصل الأمن يكون بالإمكان الاستفادة من الطاقة الكامنة، وتحريكها وفق ما يخدم أهدافه، ويفيد في تحريك قضيته في الاتجاه المنتج والبناء..

أما إذا فقد القوة، ولم تبق منها أية بقية تفيد في التحرك، فإن زوال الخوف لا يعيد القوة المفقودة، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.

دعوه، فإني أراه لما به:

وبعد أن تعلقت زينب عليها السلام» بالإمام السجاد، لكي تقتل معه إن كان لا بد من قتله، ووجد ابن زياد نفسه في موقف محرج له، يحمل معه احتمالات مبهمة وغير مطمئنة له، حسبما بيَّناه، حاول التملص بطريقته الخاصة، فأظهر تعجبه من شدة تعلق زينب عليها السلام» بالإمام السجاد، زاعماً أن الرحم هي التي حركتها لهذا الموقف.

وكأنه يريد أن لا يلتفت الناس إلى أنها إنما تمارس واجبها الشرعي، والعقلي والإنساني، بالإضافة إلى العاطفي أيضاً، بصدق وإخلاص، وتضحية ووفاء نادر.

ثم أطلق كلمة عامة وغائمة تحتاج إلى بيان ما أراد منها، حيث قال:

«..دعوه، فإني أراه لما به».

ثم بادر إلى القيام من مجلسه حتى خرج من القصر. ربما لكي لا تتوالى عليه الإحراجات التي لا قبل له بها.

فيبدو لنا: أنه أراد بقوله : «إني أراه لما به»، أن يظهر أنه يتوقع موته «علیه السلام»، بسبب شدة مرضه وعظيم مكابدته لآلامه، وإذا كان ميتا بمرضه هذا، فلا حاجة إلى قتله.

فلا يكون «لعنه اللّه» قد انصرف عن قتله «علیه السلام» تكرماً، ولا يكون قد عفا عنه استجابة لعاطفة تحركت لديه فإن من يحكم على الإمام السجاد بالقتل لمجرد أنه أجابه في أمر كان قد أخطأ فيه، ليس ممن يحمل معاني ومشاعر وعواطف إنسانية يمكن التعويل عليها. فإن الإرشاد إلى الخطأ ليس ذنباً أصلا، فضلا عن أن يكون ذنباً يحتاج إلى عفو، بل هو إحسان وتفضل يستحق عليه الشكر والامتنان..

كيف سلم هذا؟! اقتلوه:

وفي رواية هشام أن ابن زياد لما رأى الإمام السجاد «عليه السلام» قال كيف سلم هذا ؟ اقتلوه.

فصاحت زينب يا ابن زیاد حسبك من دمائنا الخ..

ونقول:

يمكن أن يكون ابن زياد قد أمر بقتل الإمام السجاد «عليه السلام» أكثر من مرة!

لعل إحداها: حين حضر مع النساء إلى مجلسه، فتصدت له زينب.

والثانية: بعد أن حصل الأخذ والرد بين الإمام «علیه السلام» وبين ابن زياد، فأعاد الأمر بقتله، فتصدت له زينب مرة أخرى!!

وقال له السجاد «علیه السلام» حينئذ إن كنت قاتلي، فانظر إلى هذه النسوة من بينه وبينهم قرابة يكون معهن.

إن هذا يبقى مجرد احتمال لا نملك ما يثبته سوى النصوص التي تحدثت عن هذا الأمر وذاك

ابن زياد، وأم كلثوم:

قال الشيخ الصدوق «رحمه اللّه» في آخر روايته المطولة عن الإمام الصادق «علیه السلام»، عن أبيه، عن جده ما يلي:

«وأرسل ابن زياد «لعنه اللّه» قاصداً إلى أم كلثوم بنت الحسين «علیه السلام» فقال لها : الحمد للّه الذي قتل رجالكم، فكيف ترون ما فعل بكم؟

فقالت: يا ابن زیاد لئن قرت عينك بقتل الحسين «علیه السلام» فطالما قرت عين جده «صلی اللّه علیه وآله» به، وكان يقبله، ويلثم شفتيه، ويضعه على عاتقه.

يا ابن زياد، أعدَّ لجده جواباً، فإنه خصمك غداً (1).

ونقول:

هنا عدة أمور يحسن الوقوف عندها، وهي:

بنت الحسين، أو أخته:

1 - إن أول ما لفت نظرنا قوله في هذه الرواية عن أم كلثوم: إنها بنت الحسين «علیه السلام»، مع أننا لا نعرف للإمام الحسين «علیه السلام» بنتا بهذا الاسم، ولم يمر معنا: أن هذه الكنية قد أطلقت على أي من بناته «علیه السلام»، وربما كانت كلمة «بنت» مصحفة عن كلمة «أخت» لتقاربهما بالرسم.

2 - ورد في المقتل المنسوب زوراً لأبي مخنف، وقريب منه ما في كتاب الإسفراييني، حوار بين ابن زياد وأم كلثوم، وهو التالي:

قال الإسفراييني عن ابن زياد:

ثم قال: أيكم أم كلثوم؟!

فقالت: ما تريد مني يا عدو اللّه؟!


1) الأمالي للصدوق ص 227 المجلس رقم 30 وبحار الأنوار ج 44 ص 322 وروضة الواعظين (منشورات الشريف الرضي) ص190 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 172 ومستدركات علم رجال الحديث ج 8 ص 558.

فقال: قبحكم اللّه !

فقالت: يا ابن زياد، وإنّما يقبح اللّه الفاسق والكاذب، وأنت الكاذب والفاسق، فأبشر بالنار.

فضحك من قولها وقال: إن صرتُ إلى النار في الآخرة، فقد بلغت مرادي وما أؤمله.

فقالت يا ويلك! لقد أرويت الأرض من دم أهل البيت «عليهم السلام».

فقال لها : أنتِ شجاعة مثل أبيك، ولولا أنك امرأة لضربت عنقك.

فقالت: لولا أنّي شجاعة ما وقفت بين يديك، ينظر إليَّ البرّ والفاجر، وأنا مهتوكة الخباء، وأخواتي بين يديك من غير غطاء» (1).

ونقول:

ونحن وإن كنا لا نمنع من أن يكون قد حصل هذا من ابن زياد «لعنه اللّه» على سبيل الإمعان منه في الأذى لنساء أهل البيت «عليهم السلام» فواجهته بمياسم من نار الحجج القاطعة، ما بقي على صدره وسام خزي، وفوق جبينه شارة ذل وصغار له على مر الأزمان.

ولكننا لا نستطيع أن نؤيد وقوع هذا المضمون ما لم ينقل لنا في


1) نور العين في مشهد الحسين للأسفراييني ص 42 والمقتل المنسوب زوراً إلى أبي مخنف ص164.

المصادر الموثوقة والمعتمدة.

ومن المستبعد ما نراه من الجرأة، والتحدي، والقسوة في مخاطبتها له، كما في رواية الإسفرانيني.

ونحن هنا نؤيد ما جاء في رواية الصدوق، ولا نتجاوزها إلى ما عداها، فليلحظ ذلك.

هل أحضر ابن زياد أم كلثوم مرة أخرى؟!:

ذكرت رواية الصدوق المتقدمة : أن ابن زياد «لعنه اللّه» أرسل قاصداً إلى أم كلثوم الخ...

والسؤال هنا هو :

ألم تكن أم كلثوم حاضرة في المجلس العام حين جيء بالسبايا إلى ابن زياد وألم تكن تشاهد ما جرى بين زينب، وابن زياد، وبينه وبين الإمام السجاد ؟! فلماذا عاد ابن زياد إلى التحرش بها، بإرسال قاصد إليها، حيث أحضرها، وواجهها بكلامه هذا ؟!

ويمكن أن يقال في الجواب:

ليس في الرواية أنه أحضرها، وخاطبها بهذا الخطاب، بل فيها أنه أرسل إليها من يبلغها كلامه هذا، إمعاناً منه بالأذى، وسعياً منه نه في الإذلال، وكسر الهيبة، وإظهار الشماتة.

فأسمعته «علیها السلام» من قوارع القول، وصواب المنطق والحجة، ما أطار لبه، وأوجع قلبه، وألقمته حجراً هشم أنيابه، وأفقده

صوابه.

ولكن ظاهر قولها في الرواية: يا ابن زياد، لئن قرت عينك الخ... أنها تخاطبه مباشرة، حيث لم تقل للقاصد: قل له كذا وكذا..

وكذلك الحال بالنسبة للحوار الذي ذكره الإسفراييني، فإنه ظاهر في الحوار المباشر..

وهذا يؤيد: أن يكون قد أحضر أم كلثوم مرة إلى مجلسه ليسمعها ما يؤذيها، ويتشمت بها.

4 - نلاحظ: أن ابن زياد عاد فكرر مقولاته في الجبر الإلهي التي تحدثنا عنها فيما سبق، ليجعل منها سبيل إدانة للحسين «عليه السلام»، ووسيلة براءة لنفسه ولمن معه.

مع أن الحقيقة: أنه إذا كان هذا فعلاً إلهيا، يدين الإمام الحسين الشهيد المظلوم، ويسمح لابن زياد بإظهار الشماتة، والتقريع.. فإنه يدين أيضاً ابن زياد (القاتل).

وإن كان يبرِّئ ساحة القاتل ويلقي بالتبعة على اللّه، فلا بد أن يكون ذلك نفسه سبباً في براءة المقتول.. إذ لا يمكن أن يكون هناك صيف وشتاء في آن واحد، وتحت سقف واحد. ولا يجوز أن تجر الباء هنا، ولا تجر هناك.

الفصل السادس: إلى السجن من جديد..

اشارة

إلى السجن مرة بعد أخرى:

1 - أَمَرَ عُبَيدُ اللّه بنُ زِيادٍ بِحَبس مَن قَدِمَ بِهِ عَليهِ مِن بَقِيَّةِ أهل الحُسين «علیه السلام» مَعَهُ فِي القصر (1).

2 - عن حاجب عبيد اللّه بن زياد قال: أمَرَ [ابنُ زِيادٍ] بِعَلِيٍّ بن الحُسَين «علیه السلام» فَغُلَّ، وحُمِلَ مَعَ النِّسوَةِ وَالسَّبايا إلى السِّجن، وكُنتُ مَعَهُم، فما مَررنا بزقاقٍ إِلَّا وَجَدناهُ مُلِئَ رجالاً ونساءً، يَضربونَ وُجوهَهُم ويَبكونَ.

فحُيسوا في سجن وطبّق عليهم. وفي نص آخر: ضيّق.

ثم ذكرت الرواية ما جرى بين زينب «علیها السلام» وبين ابن زياد، حتى استشاط غضباً، فسكّن منه عمرو بن حريث، ثم تقول الرواية: «فأمر ابن زياد بردهم إلى السجن، وبعث البشائر إلى النواحي بقتل الحسين «علیه السلام»..» (2).


1) الطبقات الكبرى الطبقة الخامسة من الصحابة ج 1 ص484 والقسم غير المطبوع من طبقات ابن سعد ص 81.

2) الأمالي للصدوق ص 229 الرقم 242 وروضة الواعظين ص 210 و (منشورات الشريف الرضي) ص190 وفيه «ضيق» بدل «طبق»، وبحار الأنوار ج 45 ص 154 الرقم 3 والعوالم، الإمام الحسين ج17 ص 375 و 395.

3 - أَمَرَ ابنُ زِيادٍ بِعَلِيِّ بن الحُسَين «علیه السلام» وأهل بَيْتِهِ، فَحُمِلُوا إلى بَيتٍ في جَنبِ المَسجِدِ الأعظم.

فقالت زَيْنَبُ ابْنَهُ عَلِيٍّ: لا يَدخُلُنَّ عَلينا عَربيَّةً إِلَّا أُمُّ وَلَدٍ أو مَمَلوكَةٌ ؛ فَإِنَّهُنَّ سُبينَ كَما سُبينا (1).

وعلى كل حال فإن النص المتقدم برقم [2] يصرح: بأنهم أخرجوا من السجن إلى ابن زياد، ثم أعيدوا إلى السجن بعد انتهاء المجلس.

4 - عن سعد بن عبيدة : وجيء بنِسائِهِ [أي بنِساءِ الإمامِ الحُسَين «علیه السلام»] وبَناتِهِ وأهلِهِ، وكان أحسَنُ شَيْءٍ صَنَعَهُ أَن أَمَرَ لَهُنَّ بِمَنزِلٍ فى مَكانٍ مُعتَزِلٍ، وأجرى عَليهنَّ رزقاً، وأمَرَ لَهُنَّ بِنَفْقَةٍ وكسوة (2).

5 - قيل : إِنَّ آلَ الحُسَين «علیه السلام» لمّا وَصَلوا إلى الكوفة


1) الملهوف ص 202 و (نشر أنوار الهدى) ص 95 وبحار الأنوار ج 45 ص 118 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 385.

2) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 393 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 296 وراجع: البداية والنهاية ج 8 ص 193 و (ط درا إحياء التراث العربي) ج 8 ص 185 وأنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج 3 ص 226.

حَبَسَهُمُ ابنُ زِيادٍ، وأرسَلَ إلى يَزِيدَ بِالخَبَر، فَبَينَما هُم فِي الحَبسِ إِذ سقط عَليهِم حَجَرٌ فِيهِ كِتابٌ مَربوط، وفيه:

إنَّ البريد سار بأمركُم إِلى يَزِيدَ، فَيَصِلُ يَومَ كَذَا وَيَعودُ يَومَ كَذَا، فإِن سَمِعتُمُ التكبير فأيقنوا بالقتل، وإن لم تسمعوا تَكبيراً فَهُوَ الأَمانُ.

فلمّا كانَ قبل قدوم البريد بيومين أو ثلاثة، إِذا حَجَرٌ قد أُلْقِيَ وفِيهِ كِتابٌ، يَقولُ فيهِ: أوصُوا، وَاعهَدوا، فقد قارَبَ وُصولُ البَرِيدِ.

ثُمَّ جَاءَ البَريدُ بأمر يَزيدَ بإرسالهم إليهِ (1).

ونقول:

1 - يبدو لنا: أن ابن زياد قد حبس الأسرى والسبايا عنده بالقصر برهة وجيزة، ريثما يجتمع الناس في مجلسه، ثم أحضرهم إليه، وجرى بينه وبينهم ما جرى، فلما لم يعد يطيقهم أمر بهم إلى الحبس، فحملوا إلى دار في جنب المسجد.

ولعله حين رأى قوة حجتهم، وروائع بيانهم أمر أن يحبسوا في المطبق. أي في سرداب تحت الأرض.. حتى لا يحاول الناس أن يكلموهم من النوافذ، أو أن يلجوا عليهم، ويتحدثوا معهم.

هذا، إن كان المراد بقوله: طبق عليهم هذا المعنى.

وإن كان المراد: أنهم حبسوا في دار إلى جنب المسجد، وضيّق عليهم، فلم يدعوا أحداً يتصل بهم.. كما تدل عليه الرواية الأخرى التي


1) الكامل في التاريخ ج 4 ص 84.

ذكرت «ضيق» بدل «طبق» فإن النتيجة ستكون واحدة على كلا الاحتمالين.

ويبدو لنا: أنهم حين أخرجوا إلى السجن الذي إلى جانب المسجد قد ساروا بهم إليه من طريق طويل فيه الكثير من الأزقة، لكي يتفرج الناس عليهم..

كما أننا نحتمل أن يكون البيت الذي حملوا إليه كان بعيدا عن المسجد فعلا.. وأن السجن القريب من المسجد هو الذي دخلوه عند ورودهم إلى الكوفة، وقد طبق أو «ضيق» عليهم، ثم لما حان وقت لقائهم بابن زياد جاؤا بهم إلى القصر، حبسوا فيه برهة يسيرة، ثم أدخلوا إلى المجلس، وجرى فيه ما جرى، ثم أعيدوا إلى السجن خارج القصر، ولعله كان بعيداً، فمروا بهم على العديد من الأزقة كما تقدم.

لماذا هذه الإهانات؟!

وقالوا أيضاً :

إن ابن زياد قد أمر بعلي بن الحسين «علیه السلام» فغل، وحمل مع النسوة إلى السجن.

والظاهر: أن الهدف من هذا الإجراء هو تحقير وإهانة، وتصغير شأن الإمام «علیه السلام»، ومن معه، وإظهارهم في صورة الأسرى الأذلاء.

ويشهد لما نقول:

أن ابن زياد نفسه قد شهد بأن الخطر يحدق بالإمام «عليه السلام» بسبب مرضه، وقد رآه الناس وعرفوا أنه يعاني من شدة المرض.. فما الحاجة إلى أن يُغلّ من هذا حاله؟! إلا التلذذ بأذى أهل البيت، والحط من مقامهم، وتصغير شأنهم؟!

ولو فرضنا: أن الإمام زين العابدين «علیه السلام» قد فكر بالانفلات من الأعداء، فإلى أين يذهب، وإلى من يلجأ في بلد جدّد من رجاله عشرات الألوف لحرب وقتل أفضل وأقدس البشر ؟!

ومع من، سوف يشعر بالأمن في بلد يسيطر عليه أعداؤه، ويمسكون بمفاصله ويمارسون الرقابة على كل حي، بل على كل بيت فيه؟! كما تقدم حين الحديث عما جرى لمسلم بن عقيل...

وقد يشهد لهذه النوايا السيئة، والأهداف الخبيثة التي تدفع إلى مثل هذه التصرفات القبيحة أنهم حين توجهوا بالإمام وبالسبايا من مجلس ابن زياد إلى السجن ما مروا بزقاق إلا وجدوه ملئ رجالاً ونساءً..

فمن الذي أخبر هؤلاء، وجاء بهم إلى أفواه الأزقة؟! ومن الذي قال لهم: إن هذا الطريق سيكون مسير السبايا فيه؟!

البشائر إلى النواحي:

وذكرت الرواية المتقدمة برقم [2]: أن ابن زياد بعد أن رد السبايا إلى السجن بعث البشائر إلى النواحي بقتل الحسين «عليه

السلام» الخ...

ونقول:

إن ابن زياد بإرساله البشائر بقتل الحسين «علیه السلام» إلى النواحي إنما ساهم في فضح نفسه، وإدانة سائر بني أمية، ومن هو معهم، وعلى نهجهم، وأوجب هذا الفعل الغبي تعريف الناس بمدى إجرامهم، وابتعادهم عن الدين، والأخلاق والقيم.

فهو كمن يرسل بطاقة بعيد ميلاده يدعو الناس فيها لشنقه وتشييع جنازته، والمشاركة في دفنه، أو هو كلص يرسل رسالة يدعو فيها الناس إليه للقبض عليه، وقطع يده..

لا يدخلن علينا عربية:

وذكر النص المتقدم برقم [3] : أن زينب «علیها السلام» قالت: لما أمر بهم إلى السجن : «لا يَدخُلُنَّ عَلينا عَربيَّة، إلا أُمُّ وَلدٍ أو مَملوكة ؛ فَإِنَّهُنَّ سُبِينَ كَما سُبينا».

ونقول:

لقد أوضح أمير المؤمنين «علیه السلام»: أن العرب كانوا ينقادون لقريش، ويدورون في فلكها ونقصد بذلك الأعم الأغلب منهم، وكان العرب وقريش في الغالب لا يحبون عليا «علیه السلام»، بل هم يسعون في نقض ما يبرمه، وتقويض ما يحكمه.

ولا ننكر أن ثمة قلة من هؤلاء وأولئك، عرفت الحق، وآثرت أن

تنصره، وتكون معه، وإن كلفها ذلك الكثير من التضحيات.

وقد ذكرنا في كتابنا علي والخوارج الجزء الأول، وفي كتاب الغدير والمعارضون، وفي غيرهما من كتبنا شذرات عديدة من كلامه «علیه السلام» في حق العرب، وقريش بصورة خاصة، وكان على المنبر يدعو على قريش ويقول: اللّهم اخز قريشاً، فإنها منعتني حقي، وغصبتني أمري(1).

وفي نص آخر: اللّهم إني أستعديك على قريش، ومن أعانهم، فإنهم قطعوا رحمي، وصعَّروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمراً هو لي (2).


1) الغارات للثقفي ج 2 ص 768 وكتاب الأربعين للشيرازي ص191 وبحار الأنوار ج 29 ص 629 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 9 ص 306 والتحفة العسجدية ص 142.

2) راجع: نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 2 ص 85 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج 4 ص 175 والغارات للثقفي ج 1 ص308 وج 2 ص 570 و 767 والمسترشد ص 416 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 172 و 186 وبحار الأنوار ج 29 ص 605 وج 33 ص 569 (ط قديم) ج 1 ص 621 والمراجعات ص 390 والنص والإجتهاد ص 444 ونهج السعادة ج 6 ص 327 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 4 ص 103 وج 6 ص 96 وج 9 ص 305 والإمامة والسياسة ج 1 ص 155 و (تحقيق الزيني) ج 1 ص 134 و (تحقيق الشيري) ج 1 ص 176 وأنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج 2 ص 74 فما بعدها.

وقال في رسالته «علیه السلام» لأخيه عقيل: «فإن قريشاً قد اجتمعت على حرب أخيك، اجتماعها على حرب رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» قبل اليوم، وجهلوا حقي، وجحدوا فضلي، ونصبوا لي الحرب، وجدوا في إطفاء نور اللّه، اللّهم فاجز قريشاً عني بفعالها، فقد قطعت رحمي، وظاهرت علي (1).

وثمة نصوص كثيرة حول هذا الموضوع ذكرنا شطراً منها في كتابنا الغدير والمعارضون ص 36 - 43.

أما بالنسبة للعرب فإن النصوص الكثيرة أيضاً تؤكد على أن موقفهم من علي «علیه السلام» كان سلبياً جداً.

فقد ذكر في رسالته لأخيه عقيل - كما في عدد من المصادر -: «ألا وإن العرب قد أجمعت على حرب أخيك، إجماعها على حرب رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» قبل اليوم الخ..»(2).


1) جواهر المطالب ج 1 ص 365 والإمامة والسياسة (بتحقيق الزيني) ج 1 ص54 و (بتحقيق الشيري) ج 1 ص 75 وراجع: المعيار والموازنة ص 180 وأنساب الأشراف للبلاذري بتحقيق المحمودي) ج 2 ص 75.

2) الإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 1 ص 54 و (تحقيق الشيري) ج 1 ص 75 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 2 ص 119 والغارات ج 2 ص 431 وبحار الأنوار ج 29 ص 622 وج 34 ص 23 و (ط قديم) ج8 ص 621 والدرجات الرفيعة ص 156 ونهج السعادة ج 5 ص 302 ومكاتيب الرسول ج 1 ص 580 والمعيار والموازنة ص 180 وأعيان الشيعة ج 1 ص520 وجواهر المطالب ج 1 ص 365.

وقد يجد الباحث في قوله «علیه السلام»: «واللّه لَوْ تَظاهَرَتِ العَرَبُ عَلَى قِتَالِي لَمَا وَلَّيْتُ عَنْهَا، وَلَوْ أَمْكَنَتِ الْفُرَصُ مِنْ رِقَابِهَا لسَارَعْتُ إِلَيْهَا» (1)إشارة إلى سلبية موقف العرب منه «عليه السلام»..

وقال الأشعث بن قيس لعلي «علیه السلام»، وهو على المنبر: غلبتنا هذه الحمراء على قربك !

قال: فركض على المنبر برجله.

فقال صعصعة: ما لنا ولهذا - يعني الأشعث - ليقولن أمير المؤمنين اليوم في العرب قولاً لا يزال يذكر !!

فقال علي «علیه السلام»: مَنْ يَعْذِرُني مِنْ هَؤُلاءِ الضَّياطِرِةِ؟(2)، يَتَمَرَّعُ أَحَدَهُمْ عَلَى فِرَاشِهِ تَمَرُّعُ الحِمَارِ، ويهجر قوم للذكر، فَيَأْمُرُنِي أن أطردَهُمْ إلخ.. (3).


1) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 3 ص 73 وشرح نهج البلاغة لابن ميثم ج 5 ص 100 وبحار الأنوار ج 33 ص 475 وج 41 ص 68 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 16 ص 289.

2) الضيطر: هو الأحمر، العضل الفاحش.

3) راجع: الكامل للمبرد ج 2 ص 62 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 19 ص 124 و ج 20 ص 284 والفائق ج 1 ص 319 وكنز العمال ج 4 ص 397 عن ابن أبي شيبة، والحارث، وأبي عبيد، والدورقي، وابن جرير وصححه، والبزار وغريب الحديث ج 3 ص 484 والنهاية ج3 ص 87 وراجع: تفسير العياشي ج 1 ص 360 و 361 وبحار الأنوار ج 34 ص 319 وج 41 ص 118 والبرهان (تفسير) ج 1 ص 527 ونور الثقلين 18 (تفسير) ج 1 ص 597 و 598 وقاموس الرجال ج 2 ص 99 وبهج الصباغة ج 13 ص 400 ومجلة نور علم، سنة 2 عدد 6 ص 20 في مقال للعلامة المحقق الأحمدي الميانجي، عن بعض من تقدم، وعن نثر الدر ج 1 ص 299 و 300 وعن تهذيب الكامل للسباعي ج 2 ص 116 وعن شرح الكامل للمرصفي ج 4 ص 194. وراجع: كتاب الأم للشافعي ج7 ص 176 والغارات للثقفي ج 2 ص 498 و 829 ومستدرك سفينة البحار ج 10 ص 465 ومسند أبي يعلى ج 1 ص 322 وأمالي المحاملي ص200.

ولعل من جملة أسباب بغضهم لعلي وأهل بيته:

أولاً : أنه لم يوافق على سياسة التمييز العنصري القاضية بتقديم العرب على غيرهم، بل نقض هذه السياسة وأدانها، وبيَّن عوارها، وساوى بين الناس، وإنما تنال المكانة لديه، ورفعة الشأن عنده بالتقوى، والالتزام بالشرع، وبالقيم والأخلاق والفضائل.

ولأجل إصراره على هذه المساواة كانت حرب الجمل بالإضافة إلى أسباب أخرى.

ثانياً : إن من أسباب بغض قريش والعرب لعلي «علیه السلام» قتله لصناديد قريش حين كانت تغزو النبي «صلی اللّه علیه وآله» لتطفئ نور اللّه.

ثالثاً: الحسد له على الكمالات والفضائل التي يفقدونها، فإن الفاقد يحسد الواجد، ويبغضه، ويتمنى له الدمار والبوار، لأن كمال ذاك يسهل على الناس إدراك نقص هذا، من خلال المقارنة.

رابعاً : إنه كان شديداً في ذات اللّه، لا يحابي، ولا يهادن أحداً شذ عن جادة الصواب وهذا يجعلهم في حرج معه، ويتمنون التخلص منه، ومن حكمه، ويعملون على عدم إفساح المجال لأمثاله بالوصول إلى أي موقع أو مقام.

خامساً: أظهرت كلمة السيدة زينب أن عرب الكوفة، وكان بينهم طوائف من أهل الشام أيضاً هم الداء الدوي، والعمدة فيما جرى على الإمام الحسين «علیه السلام» في كربلاء..

أما الموالي، فيبدو أنهم لم يشاركوا في صنع تلك الجريمة، وقد تمكنوا من تحاشي هذا الأمر، ولا ندري، فلعل الذين كان ابن زياد يرسلهم إلى كربلاء لحرب الحسين «علیه السلام». ويذكر التاريخ: أنهم كانوا يتسللون في الطريق، تحت جنح الظلام إلى مواضع آمنة. - لعل هؤلاء - كانوا من الموالي، فلم يكن يصل إلى كربلاء إلا العدو المبغض، والثاني، ممن تربى على أيدي أمثال زياد بن أبيه، ومروان، وغيرهما من ظلمة البيت الأموي الذين كان جلهم أو كلهم من العرب.

وقد صرحت السيدة زينب «علیها السلام»: بأن السبي قد وقع على أمهات الأولاد والإماء، كما وقع على أهل البيت. فأرادت أن

تظهر تعاطفها معهن، وتعرّف الناس بمكانتهن، وأن لهن من الكرامة والتقدير، والامتياز ما ليس للعربيات اللاتي كن على دين أزواجهن في الظلم والتعدي، ومودة أهل الطغيان.

أجرى عليهن رزقاً:

وقد لفت نظرنا قول سعد بن عبيدة، عن ابن زياد «لعنه اللّه»: إن «أحسن شيء صنعه أن أمر لهن بمنزل في مكان معتزل، وأجرى عليهن رزقاً، وأمر لهن بنفقة وكسوة».

وكأن هذا القائل يريد أن يمنح ابن زياد وساماً تقديريا، ويدَّعي: أن لديه بقية من خلق كريم، وعاطفة إنسانية، لكي يخفف من وقع جريمته على وجدان الأمة، وآثارها على واقع المجتمع الإسلامي، بل والإنساني العام.

ونحن نسجل ملاحظاتنا على النحو التالي:

1 - هل كان يظن سعد بن عبيدة : أن على ابن زياد: أن يترك النساء بالعراء، لكي يراهن الرائح والغادي، ويتكلم في أمرهن، وما جرى ويجري عليهن القريب والبعيد، والولي والعدو؟

وهل سيكون هذا في صالح ابن زياد وبني أمية؟! أم أن الأمر سوف يتفاقم ضدهم بنحو كبير وخطير، وقد تتطور الأمور إلى ما لا تحمد عقباه؟!

2 - أليس اختياره لهن منزلاً معتزلاً يؤيد: أنه كان يحاذر من اجتماع

النساء بهن، واستماعهن لهن ؟!

وبعد هذا هل يمكن اعتبار تخصيص منزل للسبايا إحساناً منه، أو أنه من مفردات سياسة الطغيان القاضية بعدم إفساح المجال للأسرى للاتصال بالناس وتعريفهم بمظلوميتهم؟!

3 - ذكر هذا القائل : أن ابن زياد أجرى على السبايا رزقاً.

وسؤالنا هو : هل أجرى عليهن الرزق شفقة منه عليهن؟! أو لأنه مطالب بحفظ حياة أسرى آل البيت حتى يصلوا إلى يزيد، ويرى فيهم رأيه؟!

4 - هل أرجع إلى بقية آل البيت أموالهم التي سلبها جيشه وقادته منهم، ثم زاد على ذلك: أن أجرى عليهم رزقاً إحساناً منه وتفضلا ؟!

5 - هل الرزق الذي أجراه عليهن كان من ماله، أو من بيت مال المسلمين الذين كان ابن زياد يستولي على بيوت أموالهم بقوة السيف، وقهر السلطان؟

6 - هل كان ابن زياد قد أفسح لهم المجال للسعي في طلب الرزق، ثم تفضل عليهم بالرزق الذي خصصه لهم، لكي يريحهم من عناء السعي والطلب ؟! أو أنه حبسهم، وآذاهم، وضيّق عليهم بما لا مزيد عليه؟!

الحجر الذي سقط عليهم في السجن :

وأما الرواية المتقدمة برقم [5] فعليها مؤاخذات عديدة، ونحن

نرى: أن ما ذكرته من إسقاط الحجر والكتاب على السبايا في السجن كان من صنع أعدائهم، على سبيل الحرب النفسية، والتهويل عليهم بما لا واقع له..

ومع ذلك نشير إلى ما يلي:

أولاً : لماذا صار التكبير علامة على إرادة قتل السبايا؟! ومن الذي وضع هذه العلامة؟ وكيف وصل الخبر إلى كاتب هذا الكتاب؟! وهل يتصرف هذا الكاتب من دون علم ابن زياد وأعوانه؟!

ثانياً : كيف صار قتل النساء قراراً متخذاً، وأمراً ممكنا، والحال أن عمرو بن حريث ذكر لابن زياد: أن المرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها. وردعه بذلك عن قتل زينب «علیها السلام».

ثالثاً : سنرى - إن شاء اللّه - أن ابن زياد بادر إلى إرسال السبايا إلى الشام بمجرد أن انتهى المجلس الذي جرت فيه المساجلات بينه وبين الإمام زين العابدين وزينب «علیهما السلام» وسواهما ولم ينتظر إلى ما بعد ذهاب البريد إلى الشام ثم رجوعه.

رابعاً: سيأتي: أن السبايا قد دخلوا الشام في أول يوم من صفر، بعد مسير طويل، أراد منه يزيد أن يراهم أهل البلاد المختلفة سبايا، ليؤكد للناس : أنه حاسم وحازم، ولا يراعي أحداً، بل سيكون الموت هو المصير المحتوم لكل من يتهدد سلطان بني أمية بزعمه وزعمهم.

وسيأتي ذكر مسيرهم الطوبل الذي يحتاج إلى حوالي أسبوعين أو أكثر، أو أقل.

ولا بد أن نضيف إلى ذلك : مدة بقائهم في الكوفة قبل سفرهم.

فكيف يصح قول الرواية المتقدمة: إن ابن زياد أرسل بريداً إلى یزید فلما عاد البريد بالجواب أرسل السبايا إلى الشام؟! فإن البريد يحتاج إلى أيام عديدة في ذهابه إلى الشام وإيابه منها.

إلا أن يفترض: أن الحمام الزاجل هو الذي تولى نقل الرسالتين في الذهاب والإياب.

أو أن يقال: إن البريد لا ينحصر بإرسال شخص بعينه في قافلة مثلاً، بل كان هناك نظام متبع، يتمثل بوجود طرق مختصرة بين البلاد الأساسية. وقد وضع علىها مراكز للخيل، وأصحابها، فإذا تسلم المركز الأول الكتاب سار على فرسه بأقصى سرعة ممكنة ليوصله إلى المركز الثاني، فإذا سلمه الكتاب سار هو الآخر بأقصى ما يستطيع ليسلمه إلى المركز الذي بعده. وهكذا يستمر الحال من مركز إلى مركز، إلى أن يبلغ مقصده، وهكذا يكون الحال في الإياب بالجواب إلى الموضع الأول..

فإذا كانت الخيل تسير في الساعة حوالي ستين كيلومتراً.. فلو سارت خمسين، أو أربعين، فإن الأمر بين الكوفة والشام قد لا يستغرق سوى يوم واحد، لأن أقصر الطرق إلى الكوفة، قد لا تصل إلى سبع مئة، أو ثمان مئة كيلومتر..

وعلى هذا، فيمكن قطع المسافة بين الكوفة والشام ببياض يوم، أو أزيد بقليل أمراً ميسوراً..

فإذا كان ابن زياد قد كتب إلى يزيد في أمر السبايا في العاشر من المحرم، فسيأتيه الجواب بعد أقل من يومين. ثم يجهز السبايا ويرسلهم إلى الشام بعد ذلك في غضون ساعات.

الفصل السابع: الرؤوس تطوف في الطرقات.

اشارة

الرؤوس في أزقة الكوفة:

وبعدما تقدم نقول:

1 - تقدم عن زر بن حبيش، وعن الشعبي: أن «أَوَّلُ رَأسِ رُفِعَ عَلى خَشَبَةٍ، رَأْسُ الحُسَينِ «رَضِيَ اللّه عَنهُ».» (1).

2 - لمّا أَصْبَحَ عُبَيدُ اللّه بنُ زِيادٍ بَعَثَ بِرَأس الحُسَين «عليه


1) موسوعة الإمام الحسين ج 5 ص 89 عن تاريخ الأمم والملوك جه ص 394 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 297 و الطبقات الكبرى الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 483 الرقم 445 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 80 والرد على المتعصب العنيد ص 40 والمعجم الكبير ج3 ص 125 الرقم 2876 عن الشعبي، والكامل في التاريخ ج 4 ص 83 ومثير الأحزان ص 79 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 60 وكشف الغمة ج 2 ص 267 والأمالي للشجري ج 1 ص 164 عن الشعبي، والخمسة الأخيرة نحوه. وراجع: بغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2646 والمنتخب من ذيل المذيل ص 25 والروض المعطار ص 397 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 690 و 691.

السلام»، قدير بِهِ في سكَكِ (1)الكوفة كلها وقبائلها.

ثم ردوه إلى باب القصر (2).

3 - إِنَّ ابنَ زِيادٍ نَصَبَ الرُّؤوس كلها بالكوفة عَلَى الخَشَبِ، وكانت زيادَةَ عَلى سَبعين رأساً، وهِيَ أَوَّلُ رُؤوس نُصِبَت فِي الإسلام بَعدَ رَأس مُسلِمٍ بن عقيل بالكوفة (3).

ونقول:


1) السكك: جمع سكة، وهى الزقاق.

2) موسوعة الإمام الحسين ج 5 ص 94 عن المصادر التالية: الإرشاد ج 2 ص117 وإعلام الورى ج 1 ص 473 وكشف الغمّة ج 2 ص 279 وبحار الأنوار ج 45 ص 121 و 119 وراجع أيضاً : تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 459 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 351 وأنساب الأشراف ج 3 ص 415 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 218 وتاريخ مدينة دمشق ج 18 ص 444 والطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة ج 1 ص 483 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص80 وفيه: «أمر عبيد اللّه برأس الحسين، فنصب» فقط، والكامل في التاريخ ج 4 ص 83 وفيه: «أمر ابن زياد برأس الحسين، فطيف به في الكوفة» فقط، والمنتظم ج 5 ص 341 والردّ على المتعصب العنيد ص40 والبداية والنهاية ج 8 ص 191 والثلاثة الأخيرة نحوه. والملهوف ص203 و (نشر أنوار الهدى) ص 95 والدر النظيم ص 561 ومدينة المعاجز ج4 ص 135 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 389 ومستدرك سفينة البحار ج 4 ص 6.

3) تذكرة الخواص ج 2 ص 189.

1 - يلاحظ أن الرأس الذي قيل: إنه قد طيف به في سكك الكوفة كلها وقبائلها، هو رأس الإمام الحسين «علیه السلام» دون سواه، ولم يذكر في المصادر التي اطلعنا عليها أنه قد طيف بسائر الرؤوس في أزقة الكوفة أيضاً.

2 - إن هذا يعني أن الحسين «علیه السلام» كان هو المقصود بالتوهين، وكسر الحرمة. أما سائر الرؤوس، فإن طوافها في أزقة

الكوفة وأسواقها ربما أوجب تحريك المشاعر، لدى بعض القبائل، فتحاول الثأر لكرامتها، فتستجد مشكلات لم يكن ابن زياد يرغب في حصولها.. حتى لا يعكر صفو نشوته بما يعده نصراً، وانتقاماً لقتلى المشركين في بدر من خلال توهين أمر رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، والعدوان على مقامه الشريف بقتل ذريته وأهل بيته.

3 - إذا كان رأس مسلم بن عقيل قد نصب على الخشب بالكوفة كما قال سبط ابن الجوزي فيمكن أن يكون المراد من قولهم: «أَوَّلُ رَأس رُفِعَ عَلى خَشَبَةٍ، رَأْسُ الحُسَينِ «رَضِيَ اللّه عَنْهُ»..»: أن رأس الحسين «علیه السلام» رفع على الخشب، وطيف به في الأزقة والقبائل.. فلم تجتمع هذه الأمور لأحد إلا لرأس الحسين «عليه السلام».

4 - إن الهدف من الطواف بالرأس الشريف: هو تهديد الناس وإرعابهم، باعتبار أنه لا حرمة لدى هذه السلطة الفاجرة لأحد، فإن من يتجرأ على أعظم وأقدس شخص على وجه الأرض، ويتعامل معه بهذه

الطريقة لا يمكن أن يتساهل مع غيره مهما كانت قبيلته كبيرة، وذات عزة وشوكة.

كما أنه يهدف إلى تحذير الناس من الاتصال بأهل البيت «عليهم السلام».

الرؤوس نصبت في الكوفة:

1 - قالوا: «وقد نصب ابن زياد الرؤوس كلها بالكوفة على الخشب. وكانت زيادة على سبعين رأساً. وهي أول رؤوس نصبت في الإسلام بعد رأس مسلم بن عقيل بالكوفة» (1).

2 - ثم إن ابن زياد حط الرؤوس في اليوم الثاني، وجهزها والسبايا إلى الشام إلى يزيد بن معاوية (2).

ونقول:

ظاهر النص المتقدم برقم [1]: أنه يتحدث عن نصب الرؤوس في خصوص مدينة الكوفة في الإسلام، وأن أول رؤوس نصبت في الكوفة بعد رأس مسلم بن عقيل هي رؤوس شهداء كربلاء، وكانت زيادة على سبعين رأساً.


1) تذكرة الخواص ج 2 ص 189 و 190 وراجع: ترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد (القسم غير المطبوع) ص 80 و 81 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 495 والرد على المتعصب العنيد ص 40 وأنساب الأشراف (ترجمة الإمام الحسين) ج 3 ص 212.

2) تذكرة الخواص ج 2 ص 193.

أول رأس حمل :

وعن زر بن حبيش: أول رأس حمل على رمح في الإسلام رأس الحسين بن على «علیهما السلام». فلم أرَ باكيا، ولا باكية أكثر من ذلك اليوم»(1).

وعن الشعبي: رأس الحسين أول رأس حمل في الإسلام (2).

وعنه أيضاً: أول رأس حمل في الاسلام رأس عمرو بن الحمق (3).


1) راجع: نفس المهموم ص 366 وكشف الغمة ج 2 ص 237 وترجمة الإمام الحسين (القسم غير المطبوع من طبقات ابن سعد) ص 80 و 81 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 297 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 691.

2) ترجمة الإمام الحسين (القسم غير المطبوع من طبقات ابن سعد) ص81.

3) المنتخب من ذيل المذيل ص 46 والطبقات الكبرى لابن سعد ج6 ص25 وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي ج 10 ص 121 وراجع عمدة القاري ج 17 ص 134 والمصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 271 و 723 وج 8 ص 357 وكتاب الأوائل لابن أبي عاصم ص 71 وكتاب الأوائل ص 107 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج 3 ص 1173 و 1174 والتاريخ الصغير ج 1 ص 131 و الثقات لابن حبان ج 3 ص 275 و تاريخ مدينة دمشق ج 45 ص 496 و 498 و 503 و 504 وأسد الغابة ج 4 ص 101 وتهذيب ج4 الكمال ج 21 ص 597 والإصابة ج 4 ص 515 والمعارف لابن قتيبة ص554 وأنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج ص 273 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 4 ص 88.

وقال ابن الأثير: «كان رأسه أول رأس حمل في الإسلام على خشبة في قول.

والصحيح: أن أول رأس حمل في الإسلام هو رأس عمرو بن الحمق»(1).

وعن ابن مسعود عن النبي «صلی اللّه علیه وآله» أنه قال: «إن أول رأس يحمل على رمح في الإسلام رأس ولدي الحسين «عليه السلام».

وقال: أخبرني بذلك أخي جبرئيل عن الرب العظيم» (2).

ونقول:

1 - قد يقال: إن الجمع بين هذه الأقوال هو أن المراد أن أول رأس حمل في الإسلام من أهل البيت، أو من بني هاشم هو رأس الحسين بن علي «علیهما السلام»، وأول رأس حمل في الإسلام من غير بني هاشم وأهل البيت هو رأس عمرو بن الحمق الخزاعي..

وقد يجاب:

بأن هذا الجمع بين الروايات والأقوال تبرعي، لا مجال للتأكد من أنه هو مقصود أصحاب الأقوال من كلماتهم، مع الاعتراف بأن


1) الكامل في التاريخ ج 54 ص 83.

2) المنتخب للطريحي ص 332 ومدينة المعاجز ج 4 ص 61 و 62.

مضمون هذا الجمع يعبر عن واقع لا مجال لإنكاره في نفسه.

2 - ربما قيل: إن ظاهر كلام زر بن حبيش: أن مراده أن رأس الحسين «علیه السلام» كان أول رأس حمل على خشبة، وطيف به في الأسواق، استذلالاً لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» ولأهل البيت.

ولذلك أضاف زر بن حبيش قوله: «فلم أرَ باكياً ولا باكية أكثر من ذلك اليوم».

وليس المقصود حمل الرأس الشريف من بلد إلى بلد، لكي يقال بتعارضه مع النص القائل : بأن أول رأس حمل هو رأس عمرو بن الحمق.

3 – فظهر: أن قول ابن الأثير :الصحيح أن أول رأس حمل في الإسلام هو رأس عمرو بن الحمق مستند إلى فهم كلام القائلين بنحو أعم من هذا وذاك. فهو يرى أن مرادهم: أن أول رأس حمل على رمح أو على خشبة، سواء طيف به في البلاد، أو لم يطف، وسواء حمل من بلد إلى بلد أو لم يحمل هو رأس الحسين «علیه السلام»..

فصحح كلامهم بناء على هذا التعميم بأن أول رأس حمل هو رأس عمرو بن الحمق.

غير أننا نقول:

إن هذا المعنى الذي ذكره ابن الأثير، هو ظاهر إطلاق كلام الشعبي، وهو أيضاً ظاهر إطلاق رواية ابن مسعود المتقدمة عن

النبي «صلی اللّه علیه وآله» عن جبرئيل «علیه السلام».

أما كلام زر بن حبيش، فهو أخص من ذلك كما قلنا، فقد يكون الشعبي وابن مسعود يقصدان هذا المعنى ويحتمل أن يكون مرادهما هو ما قاله ابن الأثير.. فيرد عليهما ما قاله.

4 - إن الرواية المتقدمة عن ابن مسعود، إنما أخذناها من المنتخب للطريحي «رحمه اللّه»، وقد رأينا أن الواقع يأبى أن يتوافق معها، ونحن وإن كنا قد التزمنا أن لا نأخذ من كتب المتأخرين ما لم نجده في كتب السابقين، ولكننا نذكر بين الفينة والفينة بعضاً من هذا الكتاب ونظائره، إذا لفت نظرنا ما نرى فائدة في التعرض له..

5 - نقصد بكتب المتأخرين الكتب التي ألفت في القرون المتأخرة عن المجلسي «رحمه اللّه»، مثل كتاب المنتخب للطريحي، ومعالي السبطين للحائري المازندراني، وإكسير العبادات للدربندي، وغير ذلك من المؤلفات التي لم تحظ بالقبول التام لدى كثير من العلماء ويرون أنها لم تعتمد في أحيان كثيرة على المصادر المعتبرة. أو على الأقل يشك في ذلك.

6 - بل هناك مصادر كتبت قبل ذلك، هي الأخرى لم تحظ بالقبول لدى أهل العلم، لنفس الأسباب، وذلك مثل روضة الصفا، وغيره..

7 - من الكتب التي لم نكترث لها: الكتاب المتداول المسمى بمقتل أبي مخنف، فإن فيه من الإشكالات، والسقطات، ما يدعو الباحث إلى التحرز من الأخذ منه، والاعتماد عليه، إذا لم يوجد النص في مصدر

آخر يكون معتمداً ومقبولاً..

أصحاب الكهف والرقيم :

تقدم أن ابن زياد أمر بأن يطاف برأس الحسين «علیه السلام» في سكك الكوفة كلها، وقبائلها، فروى زيد بن أرقم قال:

«مُرَّ به عليَّ، وهو على رمح، وأنا في غرفة، فلما حاذاني سمعته يقرأ: «أمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا» (1). فقف - واللّه - شعري وناديت

رأسك واللّه - يا ابن رسول اللّه - أعجب وأعجب.

ولما فرغ القوم من التطواف به بالكوفة ردوه إلى باب القصر، فدفعه ابن زياد إلى زجر (زحر) بن قيس، ودفع إليه رؤوس أصحابه، وسرحه إلى يزيد بن معاوية»(2)


1) الآية 9 من سورة الكهف.

2) الإرشاد ج 2 ص 117 و 118 وراجع: إعلام الورى ج 1 ص 473 وكشف الغمة ج 2 ص 279 والدر النظيم ص 561 والبداية والنهاية ج 8 ص 192 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 208 و تاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 351 والثاقب في المناقب ص333 ومناقب أمير المؤمنين «علیه السلام» للكوفي ج 2 ص 267 ومدينة المعاجز ج4 ص 135 و 136 وبحار الأنوار ج 45 ص 121 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 389 ومستدرك سفينة البحار ج 4 ص 6 والدرجات الرفيعة ص 452 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 452.

وعن الشعبي: أن رأس الحسين «علیه السلام» صلب بالصيارف بالكوفة، فنتنحنح الرأس، وقرأ سورة الكهف، إلى قوله:

«إِنَّهُمْ فِتْيَة آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى» (1).

قال: فلم يزدهم ذلك إلا ضلالاً (2).

وعن الشعبي أيضاً: لما صلبوا رأسه على الشجرة سمع منه: «وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلبٍ يَنْقَلِبُونَ» (3).

ونقول:

هنا أمور تحتاج إلى بيان وهي كما يلي:

إيضاحات:

الغرفة : العلية المبنية فوق سطح البيت.

قف شعري: قام من الفزع.

لماذا أصحاب الكهف والرقيم؟!

ذكرت الرواية المتقدمة : أن الرأس المطهر كان يتلو بعض الآيات في سكك الكوفة، ثم تكررت هذه التلاوة في العديد من


1) الآية 13 من سورة الكهف.

2) راجع: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 61 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 218 وبحار الأنوار ج 45 ص 304 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 386 ومدينة المعاجز ج 4 ص 115.

3) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 61 وبحار الأنوار ج 45 ص 304.

المواضع، والمناسبات، ثم في الشام نفسها، كما سنرى.

ونستطيع أن نسجل هنا أموراً، هي التالية:

أولاً: إن تكلم الرأس المقطوع أمر صادم، ومفاجئ. وهو ينقل الإنسان من أجواء الغفلة، ليضعه أمام يقظة ضميرية، ونداء وجداني يفرض عليه إعادة النظر فيما يجري حوله وفيما يمارسه من قول وفعل، وفيما يتخذه من مواقف.

بل إن هذا الأمر الاعجازي يمثل إنذاراً غير قابل للتأويل، وليس بحاجة إلى التحليل، وهو يفرض على أهل الغواية والضلالة ومن تابعهم، وطمع بهم، وخدع بمظاهر قوتهم، أن يغيروا مسارهم، فإن اللّه الذي يُنطق الرأس المقطوع أقدر على تبديد أحلام الطغاة، وكسر جبروتهم، وتحويله إلى يباب وسراب فلا تغرّن أحدا الادعاءات الفارغة، والمظاهر البراقة اللامعة.

كما أن من يُنطق الرأس المقطوع يخبر بلسان الفعل والاعجاز، بأنه قادر على إحياء الموتى، وإدراك ثأر المظلومين من ظالميهم، في كل وقت وحين، وإنما هو يمهل ولا يهمل، ولا يخلف وعده، ولا يخون عهده.

ثانياً : إن نفس تكلم الرأس حجة قاطعة وبرهان ساطع على زيف كل ادعاءات أولئك الظلمة، وسقوط أباطيلهم، ولا يبقى عذرا الأحد في قبول هذه الترهات منهم، فلا مجال بعد هذا لادعاء الانخداع بها، والغفلة عن مسار الأمور، وما تخفيه الضمائر، وتكنه الصدور

ومن ادعى ذلك بعد رؤيته هذا الأمر الاعجازي فهو كاذب في دعواه، عبد لهواه، وستكون الجحيم مأواه.

ثالثاً : إن تكلم الرأس الشريف، يزيد صاحب الرأس، وهو الحسين «علیه السلام» عزة وكرامة، ويسقط دعوى ابن زياد أن كل قتيل ذليل، فالنبي أو الإمام الشهيد هو الأكرم والأشرف، والأعلى كعباً، والأجل مقاماً. ولا يمكن أن تلحقه ذلة بالقتل.

ولا عجب في أن يتكلم الرأس الشريف على رأس الرمح، فقد سبَّح الحصى في كف رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وأحيا اللّه الميت القتيل في بني إسرائيل، حين ضرب ببعض البقرة، ودل على قاتله..

وسمع سليمان «علیه السلام» النملة تتكلم، وكانت الجبال تُؤوب وتردد التسبيح مع داود «علیه السلام»، وقد ألان اللّه تعالى له الحديد أيضاً، وعلمه منطق الطير، وفلق اللّه البحر لموسى «علیه السلام»، وأسرى بعبده محمد «صلی اللّه علیه وآله» حتى بلغ سدرة المنتهى، وأمثال ذلك كثير.

وبذلك يتضح: أن الآية التى قرأها الرأس الشريف أريد بها:

ألف: بيان أن تكلم الرأس الشريف فعل إلهي، يراد به تمييز أهل الحق عن أهل الباطل.

ب: إقامة الحجة على أهل الباطل، وفضح زيفهم، وكذب ادعاءاتهم وتحصين الناس من الانخداع بأباطيلهم، وأضاليلهم.

ج: إن النظر في قصة أصحاب الكهف الذين أماتهم اللّه ثلاث مئة عام، بحسب السنوات الشمسية، أو ثلاث مئة وتسع سنوات قمرية،- إن ذلك - يسهل على الناظر البصير، إدراك أن تكلم الرأس الشريف أيضاً هو من فعل اللّه تعالى.

د: جاء في رواية المنهال بن عمرو أنه سمع رجلا يمشي أمام «علیه السلام» الرأس الشريف في دمشق، وهو يقرأ:

«أمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا» (1).

فأنطق اللّه الرأس بلسان ذرب ذلق، فقال:

«.. أعجب من أصحاب الكهف قتلي وحملي» (2).

ولعل سبب كون قتله «عليه السلام» وحمل رأسه الشريف أعجب من قصة أصحاب الكهف: أن الدلائل القاطعة، والكرامات، والمعجزات، والشواهد الغيبية المصرحة : بأنه «علیه السلام» سوف يقتل، قد تواترت وتضافرت منذ كان رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» حيا، فقد ذكر «صلی اللّه علیه وآله» للناس ما يجري على الحسين «علیه السلام» في كربلاء بالتفصيل، وكذلك فعل علي والإمام الحسن «علیهما السلام» من بعده.


1) الآية 9 من سورة الكهف.

2) بحار الأنوار ج 45 ص 188 عن الخرائج والجرائح ج 2 ص 577 وتاريخ دمشق ج 60 ص 370 ومختصر تاريخ مدينة دمشق ج 25 ص 274 والصراط المستقيم للبياضي ج 2 ص 179.

وقد رأى ذلك الجيش المشؤوم من هذه الآيات والدلائل ما يقطع كل عذر، مثل ما جرى لابن حوزة في اليوم العاشر، واستجابة دعاء الحسين «علیه السلام» فيه. وقد ذكرنا بعضاً من هذه الدلائل في كتابنا هذا.

فالجرأة على ارتكاب هذه الجريمة في حقه «علیه السلام» ممن يدَّعون أنهم يدينون بدين جده، ويؤمنون بالقرآن الذي تضمن تطهيرهم والإلزام بمودتهم وغير ذلك - إن الجرأة على قتله - أعجب مما جرى لأصحاب الكهف.

مع العلم: بأنه لم يصدر منه «علیه السلام» عصيان، ولم يأتِ بجيش ولا دعا لقتال.

كما أنه قتل بأيد غادرة وفاجرة.. كانت هي التي استغاثت به ليساعدها في نظم أمورها وحل مشاكلها ثم انقلبت عليه، وتعاملت معه ومع أهل بيته وأصحابه بهذا القدر من الحقد والقسوة..

نعم، إن ذلك كله، يجعل مما جرى على الحسين «علیه السلام» أعجب مما جرى لأهل الكهف، فإن أهل الكهف لم يتعرضوا لشيء من ذلك كله.. بل كانت مشكلتهم هي: أن أهل الكفر والطغيان قد اضطهدوهم بسبب المخالفة فى الدين، فاضطروا إلى العمل بالتقية حتى أووا إلى الكهف فأماتهم اللّه ثلاث مئة سنة، ثم أحياهم ليجعل من إماتتهم وإحيائهم شاهد صدق على الدين الحق، وعلى القدرة الإلهية المطلقة.

ولم يقتصر الأمر في قصة الإمام الحسين «علیه السلام» في امتیازها على قصة أصحاب الكهف على ما أشرنا إليه، بل زاد على ذلك كله: تكلم الرأس الشريف على رأس الرمح في المواضع المختلفة.

ولكن كل ذلك لم ينفع في هداية الضالين، ولا دفع شرور عباد الشياطين.

رجعة أهل الكهف ورجعة الحسين:

ثم إن ثمة شبهاً آخر بين أصحاب الكهف والحسين «علیه السلام»، وهو: أن الحسين «علیه السلام»، وسائر شهداء كربلاء سوف يرجعون إلى الحياة في آخر الزمان وكذلك أهل الكهف.

فقد روى ابن عباس عن النبي «صلی اللّه علیه وآله» قوله: أصحاب الكهف أعوان المهدي (1).

وروى أيضاً عن أبي عبد اللّه «علیه السلام»، قال: «.. ويقبل الحسين «علیه السلام» فى أصحابه الذين قتلوا معه، ومعه سبعون نبياً، كما بعثوا مع موسى بن عمران فيدفع إليه القائم «علیه السلام» الخاتم، فيكون الحسين «علیه السلام» هو الذي يلي غسله، وكفنه، وحنوطه، ويواريه في حفرته» (2).


1) الدر المنثور ج 5 ص 370 و (ط دار المعرفة) ج4 ص 215 عن ابن مردويه.

2) بحار الأنوار ج 53 ص 103 ومختصر بصائر الدرجات ص 48 وإلزام الناصب ج 2 ص 317 والوافي ج 2 ص 267 ومنتخب الأنوار المضيئة ص 354 والإيقاظ من الهجعة ص 338.

وقال الثعلبي: ويقال: إنّ المهدي يسلم عليهم، فيحييهم اللّه عزّ وجل، ثمّ يرجعون إلى رقدتهم ولا يقومون إلى يوم القيامة»(1).

ملاحظة أخيرة:

يبدو: أن المراد بالرقيم هو الحجر أو الكتاب الذي سجل قضية أصحاب الكهف فيكون أهل أو أصحاب الكهف، هم أنفسهم أهل أو أصحاب الرقيم.

وهناك أقوال أخرى أكثرها يتوافق مع ما قلناه، باستثناء قول واحد منهم ذكر قصة أخرى عن ثلاثة دخلوا غاراً، فجاءت صخرة من أعلى الجبل على باب الغار فسدته عليهم، فذكر واحد منهم بعض أعماله الصالحة، ففتحت الصخرة قليلاً.

ثم ذكر الثاني شيئاً آخر ففتحت قليلا أيضاً.


1) تفسير الثعلبي ج 6 ص 157 والعمدة لابن البطريق ص 373 و 431 و 434 والطرائف لابن طاووس ص 84 وبحار الأنوار ج 36 ص 367 وج 39 ص 150 ونهج الإيمان ص 216 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 29 ص 438 عن البرهان في علامات مهدي آخر الزمان (ط مطبعة الخيام بقم) ص 87 وراجع: عقد الدرر في أخبار المنتظر ص 142 والجامع لأحكام القرآن ج 10 ص390 وحياة الحيوان الكبرى ج 2 ص 402 و 390.

ولما ذكر الثالث شيئاً من ذلك فرج اللّه عنهم.

ولكن اللّه لم يذكر غير قصة أصحاب الكهف، ولم يذكر شيئاً عن أصحاب الرقيم، فلماذا أهمل ذكرهم لو كان المقصود بأصحاب الرقيم جماعة أخرى؟!

حديث البساط:

وهناك حديث ذكر: أن جماعة من المسلمين في عهد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» قد زاروا أهل الكهف، وكلموهم.. فنحن نذكر هنا هذا الحديث على سبيل الاستطراف والاستطراد، فنقول:

إن للحديث المشار إليه نصوصاً عديدة، في بعضها زيادات وتفاصيل لم يذكرها البعض الآخر، وحيث إن المطلوب هو الإشارة إلى أصل الحدث، فقد رأينا أن نختار نصاً موجزاً منها، ثم نحيل القارئ الكريم إلى بعض مصادر سائر النصوص في الهامش، فإن أحب أن يراجعها، ويطلع على ما فيها من زيادات، فالأمر إليه.

والنص الذي اخترناه هو: ما رواه ابن البطريق، وابن المغازلي، قال ابن البطريق :

«أخبرنا أبو طاهر: محمد بن علي بن محمد البيع البغدادي قدم علينا واسطا، قال: أخبرنا [أبو عبد اللّه : أحمد بن محمد بن عبد اللّه بن خالد الكاتب أخبرنا] أبو بكر: أحمد بن جعفر بن محمد بن مسلم الجبلي (سلم الختلي) قال: حدثنا عمر بن أحمد، قال: حدثنا الحسن بن إدريس (يحيى) بن أبي الربيع الجرجاني قال حدثنا عبد الرزاق بن همام

السمعاني (الصنعاني) قال حدثنا معمر عن أبان، عن أنس بن مالك قال:

أهدي لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بساط من خندف، فقال لي: يا أنس ابسطه، فبسطته.

ثم قال: ادع العشرة، فدعوتهم.

فلما دخلوا أمرهم بالجلوس على البساط، ثم دعا عليا «عليه السلام»، فناجاه طويلاً.

ثم رجع عليٌّ فجلس على البساط ثم قال: يا ريح احملينا، فحملتنا الريح.

قال: فإذا البساط يدف بنا دقاً.

ثم قال: يا ريح ضعينا ثم قال تدرون في أي مكان أنتم؟

قلنا: لا.

قال: هذا موضع أصحاب الكهف والرقيم، قوموا فسلموا على إخوانكم.

قال: فقمنا رجل رجل، فسلمنا عليهم، فلم يردوا علينا.

فقام علي بن أبي طالب «علیه السلام»، فقال: السلام عليكم معاشر الصديقين والشهداء.

قال: فقالوا : وعليك السلام ورحمة اللّه وبركاته.

قال: فقلت: ما بالهم ردوا عليك، ولم يردوا علينا ؟!

قال: فقال لهم عليٌ: ما بالكم لم تردوا على إخواني؟

فقالوا : إنَّا معاشر الصديقين والشهداء لا نكلم بعد الموت إلا نبياً، أو وصياً.

قال: يا ريح احملينا، فحملتنا تدف بنا دقاً.

ثم قال : يا ريح ضعينا، فوضعتنا، فإذا نحن بالحرة.

قال: فقال علي «علیه السلام»: ندرك النبي «صلی اللّه علیه وآله» في آخر ركعة.

فطوينا وأتينا، وإذ النبي «صلی اللّه علیه وآله» يقرأ في آخر ركعة: «أمْ حَسِبْتَ أنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا» (1)» (2).


1) الآية 9 من سورة الكهف.

2) العمدة لابن البطريق ص 433 و 434 و (ط جماعة المدرسين) ص 372 ومناقب الإمام علي لابن المغازلي ص 232 و (ط سنة 1426ه) ص 192 ومناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي ج 1 ص 552 وكتاب الأربعين ص 47 وكتاب الأربعين للماحوزي ص 405 وينابيع المودة ج 1 ص 426 وغاية المرام ج 2 ص 154 وج 6 ص 219 و و 220 و 226 ومدينة المعاجز ج 1 ص 186 و 190 و 192 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 4 ص 98 وج 15 ص 168 وبحار الأنوار ج 24 ص 319 وج 39 ص 138 - 142 وج 41 ص 218 عن اليقين في إمرة أمير المؤمنين ص 133 – 135 وغيره، وخلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 258 وج 9 ص 42 والبرهان (تفسير) ج 3 ص 616 ونور الثقلين (تفسير) ج 4 ص 320 وكنز الدقائق (تفسير) ج 10 ص 472 والثاقب في المناقب ص 173 والروضة في فضائل أمير المؤمنين ص 204 والفضائل لابن شاذان ص 164 والطرائف لابن طاووس ص 83 وسعد السعود ص 112 - 116 والعقد النضيد ص 176 والصراط المستقيم ج 2 ص 32 والدر النظيم ص 138 ونهج الإيمان ص 214 وإرشاد القلوب ج 2 ص 268 ومختصر بصائر الدرجات ص 115 والخرائج والجرائح ج 2 ص836 ومناقب آل أبي طالب ج 2 ص 337 و 338 عن كتاب ابن بابويه، وأبي القاسم البستي، والقاضي أبي عمرو بن أحمد، وكنز الفوائد ص 289.

ونقول:

لا نريد أن ندخل في بيان ما تضمنته هذه الرواية، لأننا إنما ذكرناها - كما قلنا - استطرافا واستطراداً لما فيها من فوائد وعوائد.

غير أننا نلفت نظر القارئ الكريم إلى أمرين:

أولهما: أن سائر نصوص الرواية في المصادر المختلفة قد :صرحت بأن من الذين كانوا على البساط وسلموا على أصحاب الكهف، فلم يردوا عليهم أبا بكر، وعمر، وعبد الرحمان بن عوف. وكان معهم أيضاً سلمان، فراجع: سائر المصادر المذكورة في الهامش المتقدم للرواية.

الثاني: إن هذه الرواية من شواهد إمامة علي «علیه السلام» للأمة، ووصايته لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».

الفصل الثامن : نهضة ابن عفيف وتداعياتها..

اشارة

ابن عفيف يتصدى للطاغية:

صَعِدَ ابنُ ِزيادٍ المِنبَرَ، فَحَمِدَ اللّه وأثنى عَليهِ، وقَالَ فِي بَعض کلامه :

الحَمدُ للّه الذي أظهَرَ الحَقَّ وأهله، ونَصَرَ أَميرَ المُؤمِنِينَ وأشياعَهُ، وقتَلَ الكَذَّابَ ابنَ الكَذَّاب. [في الطبري والإرشاد وشيعته].

قال: فما زادَ عَلى هذا الكلام شيئاً ووقف، فقامَ إِلَيهِ عَبدُ اللّه بنُ عَفيفَ الأَزْدِيُّ رَحِمَهُ اللّه، وكانَ مِن خيار الشيعة، وكانَ أَفضَلهُم، وكان قد ذهَبَت عَينُهُ اليُسرى في يوم الجَمَل، والأخرى في يَوم صقين، وكانَ لا يُفارِقُ المَسجِدَ الأعظمَ يُصَلي فيه إلى الليل، ثمَّ يَنصَرِفُ إلى مَنزِلِهِ.

فلمّا سَمِعَ مَقالة ابن زيادٍ، وَثَبَ قَائِماً ثُمَّ قَالَ:

يَا ابْنَ مَرجَانَة الكَذَّابُ ابْنُ الكَذَّابِ أنتَ وأبوكَ، وَمَن استَعمَلكَ وأبوه، يا عَدُوَّ اللّه، أتَقتُلونَ أبناءَ النَّبِيِّينَ وتَتَكلمون بهذا الكَلامِ عَلى مَنابر المُؤمِنِينَ؟! [ في الإرشاد: وتقوم على المنبر مكان الصديقين].

قالَ: فَغَضِبَ ابنُ زِيادٍ ثُمَّ قَالَ: مَن المُتَكَلِّمُ؟

فقالَ: أَنَا المُتَكَلِّمُ يا عَدُوَّ اللّه، أَتَقتْلُ الدُّريَّة الطَّاهِرَةَ الَّتِي قد أَذهَبَ اللّه

عَنهَا الرِّجسَ فِي كِتابهِ، وتَزعُمُ أَنَّكَ عَلَى دين الإسلام؟

وا عَوناه، أينَ أولادُ المُهاجرين والأنصار، لِيَنتَقِمُوا مِن طَاغِيَتِكَ اللعين ابن اللعين عَلى لِسان مُحَمَّدٍ نَبِيٍّ رَبِّ العالمينَ؟

قالَ: فازدادَ غَضَبًا عَدُوٌّ اللّه حَتَّى انتفخت أوداجُهُ، ثُمَّ قَالَ: عَليَّ به.

قالَ: فَتَبادَرَت إِليهِ الجَلاوزة مِن كُلِّ ناحِيَةٍ لِيَأْخُذُوهُ، [في أنساب الأشراف قنادى بشعار الأزد: مبرور يا مبرور !] فَقَامَتِ الأشرافُ مِنَ الْأَزْدِ مِن بَنِي عَمِّهِ [ في الإرشاد: فَاجتَمَعَ مِنهُم سَبْعُمِئَةٍ رَجُلٍ] فخلصوه مِن أيدِي الجَلاوِزَةِ، وأخرجوه مِن بابِ المَسجِدِ، فانطلقوا بِهِ إلى منزلِهِ.

ونَزَلَ ابنُ زِيادٍ عَن المنبر ودَخَلَ القصر، ودَخَلَ عَلَيهِ أَشرافُ النَّاسِ، فقال: أرأيتُم ما صَنَعَ هؤلاء القومُ؟

فقالوا : قد رأينا أصلحَ اللّه الأمير، إِنَّمَا الأزدُ فَعَلْت ذَلِكَ فَشَدَّ يَدَيكَ بساداتِهم، فَهُمُ الَّذينَ استنقذوهُ مِن يَدِكَ حَتَّى صَارَ إلى مَنزِلِهِ.

قالَ: فأرسَلَ ابنُ زِيادٍ إلى عَبْدِ الرَّحمن بن مِخنَفٍ الأَرْدِي، فَأَخَدَهُ وأخَدْ مَعَهُ جَمَاعَة مِنَ الأرْدِ فَحَبَسَهُم، وقالَ: وَاللّه لا خَرَجْتُم مِن يَدي أو تأثونِي بِعَبْدِ اللّه بن عَفِيفٍ.

[في الإرشاد: فلمّا كانَ اللَّيلُ أرسَلَ إليهِ ابنُ زِيَادٍ مَن أَخْرَجَهُ مِن بَيْتِهِ، فَضَرَبَ عُنْقَهُ، وصَلْبَهُ فِي السَّبَخَةِ رَحِمَهُ اللّه ].

قالَ: ثُمَّ دَعَا ابْنُ زِيادٍ لِعَمرو (لعل الصحيح: بعمرو) بن الحَجّاج

الزُّبَيدِيِّ ومُحَمَّدِ بن الأَشْعَثِ، وشبَتْ بن الربعِيِّ، وجَمَاعَةٍ مِن أصحابه، وقالَ لهُم: إذهَبوا إلى هذا الأعمى، أعمى الأزدِ الَّذي قد أَعْمَى اللّه قَلْبَهُ كَما أعمى عَيْنَيْهِ، ائتوني به.

قالَ: فانطلقت رُسُلُ عُبَيدِ اللّه بن زيادٍ إِلى عَبدِ اللّه بن عَفِيفٍ، وَبَلْغَ ذلِكَ الأرْدَ فَاجتَمَعوا، وَاجتَمَعَ مَعَهُم أيضاً قبائِلُ اليَمَن لِيَمنَعوا عَن صاحبهم عَبدِ اللّه بن عَفيف.

وبَلغَ ذلِكَ ابن زيادٍ، فَجَمَعَ قبائِلَ مُضَرَ، وضَمَّهُم إِلى مُحَمَّدِ بن الأشعَثِ، وأمَرَهُ بِقِتال القوم.

قالَ: فَأَقْبَلت قبائِلُ مُضَرَ نَحوَ اليَمَن ودَنَت مِنهُمُ اليَمَنُ، فَاقْتَتَلُوا قتالاً شديداً، قبلغ ذلِكَ ابن زياد، فأرسل إلى أصحابهِ يُؤَذِّبُهُم.

فأرسَلَ إِليهِ عَمرُو بنُ الحَجّاج يُخبرُهُ بِاجتِماعِ اليَمَن عَلَيهِم.

قالَ: وبَعَتْ إِليهِ شَبَثْ بنُ الرِّبعِيِّ: أَيُّهَا الأميرُ، إِنَّكَ قد بَعَثْتَنا إِلَى أسود الأجام، فلا تعجل.

قالَ: وَاشْتَدَّ قِتالُ القوم حَتَّى قُتِلَ جَمَاعَةٌ مِنهُم مِنَ الْعَرَبِ.

قالَ : ودَخَلَ أصحابُ ابن زيادٍ إلى دار ابن عَفِيفٍ، فَكَسَرُوا البابَ وَاقْتَحَموا عَليهِ، فصاحت بهِ ابْنَتُهُ يا أَبَتِ أتاكَ القومُ مِن حَيثُ لا تَحتَسِبُ.

فقالَ: لا عَليكِ يَا ابنَتي، ناولينِي السَّيفَ.

قالَ: فناوَلتهُ فَأَخَذَهُ وجَعَلَ يَدُبُّ عَن نَفْسِهِ، وَهُوَ يَقُولُ:

أَنَا ابْنُ ذِي الفضل العفيف***عَفِيْفُ شَيْخِي وَابْنُ أُمِّ عَامِرٍ

كَمْ دَارِعَ مِنْ جَمْعِهِ، وَحاسِرٍ***وبَطل جَنْدَلتُهُ مُغادِر

قالَ: َوجَعَلْتِ ابنَتُهُ تَقولُ: يا ليتَني كُنتُ رَجُلاً فَأَقَاتِلَ بَينَ يَدَيكَ اليَومَ هؤلاء الفَجَرَةَ، قَاتِلِي العِتْرَةِ البَرَرَةِ.

قالَ: َوجَعَلَ القومُ يَدورونَ عَليهِ مِن خَلْفِهِ وعَن يَمِينِهِ وعَن شِمالِهِ، وهُوَ يَدُبُّ عَن نَفْسِهِ بِسَيفِهِ، وليسَ يَقدِرُ أَحَدٌ أَن يَتَقَدَّمَ إِلَيهِ.

قالَ : وتَكاثروا عَليهِ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ حَتَّى أَخَذُوهُ.

فَقالَ جُندَبُ بنُ عَبدِ اللّه الأَزدِيُّ: إنّا للّه وإنّا إليه راجعونَ، أَخَذوا وَاللّه عَبدَ اللّه بن عَفيفٍ، فَقَبُحَ وَاللّه العَيشُ مِن بَعدِهِ.

قالَ: ثُمَّ أُتِيَ بِهِ حَتَّى أُدخِلَ عَلَى عُبَيدِ اللّه بن زيادٍ، فَلَمّا رَآهُ قالَ: الحَمدُ للّه الذي أخزاكَ.

فقالَ لَهُ عَبدُ اللّه بنُ عَفيفَ : يا عَدُوَّ اللّه، بهذا أخزاني، وَاللّه لَو فَرَّجَ اللّه عَن بَصَرِي لضاقَ عَليكَ مَوردي ومَصَدَري.

قالَ: فَقالَ ابنُ زيادٍ یا عَدُوَّ نَفسِهِ ما تَقولُ فِي عُثمانَ بن عَقانَ؟

فَقالَ: يَا ابنَ عَبدِ بَني عِلاج، يا ابن مرجانة وسُميّة، ما أنتَ وعُثمانُ بنُ عَقانَ؟ عُثمانُ أساءَ أم أحسَنَ، وأصلحَ أَم أَفْسَدَ، وَاللّه تَبَارَكَ وتَعالى وَلِيُّ خَلْقِهِ، يَقضي بَينَ خَلْقِهِ وبَينَ عُثمان بن عَفَّانَ بِالعَدل وَالحَقِّ، ولكِن سَلني عَن أبيكَ، وعَن يَزِيدَ وأبيهِ.

فقالَ ابنُ زِيادٍ: وَاللّه لا سَأَلْتُكَ عَن شيءٍ أو تَذوق الموت.

فَقالَ عَبْدُ اللّه بنُ عَيفٍ: الحَمدُ للّه رَبِّ العالمين، أما إنّى كُنتُ أسألُ رَبِّي عز وجل أن يَرزُقنِي الشَّهادَةِ، وَالآنَ فَالحَمدُ للّه الَّذِي رَزَقْني إِيَّاهَا بَعدَ الإِياس منها، وعَرَّفني الإجابة مِنه لي في قديم دعائي.

ققالَ ابنُ زيادٍ: اِضربوا عُنْقهُ، فَضُرِبَت رَقبَتْهُ، وصُلِبَ، رَحمَهُ اللّه عَليه (1).

2 - وذكر البلاذري صدر الرواية على النحو الذي تقدم، لكن باقي الرواية كما يلي:

قال ابن عفيف: أتقتلون أبناءَ النَّبِيِّينَ وتَتَكَلمونَ بكَلامِ الصِّدِّيقين؟!

فقالَ ابنُ زِيادٍ: عَلَيَّ بِهِ.

فنادى بشعار الأزد: مبرور يا مَبرور !

وحاضِرُو الكوفة مِنَ الأزدِ يَومَئِذٍ سَبعُمِنَةٍ، فَوَثبُوا فَتَخَلَّصوهُ حَتَّى أتُوا بِهِ أهله.

فقالَ ابنُ زيادٍ لِلأشراف: أما رَأيتُم ما صَنَعَ هؤلاء؟


1) موسوعة الإمام الحسين ج 5 ص 173 عن: الفتوح لابن أعثم ج 5 ص123 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 52 والملهوف ص203 و (نشر أنوار الهدى) ص 95 ومثير الأحزان ص 92 و (ط المكتبة الحيدرية) ص72 كلها نحوه، وبحار الأنوار ج 45 ص 119 و 121 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 386 وراجع: الإرشاد ج 2 ص 117 وكشف الغمة ج 2 ص 279.

قالوا: بلى.

قال: فسيروا أنتُم - يا أهلَ اليَمَن - حَتى تَأْتوني بصاحِيكُم، وَامتَثلَ صَنيعَ أبيه في حُجر حينَ بَعَثَ أهلَ اليَمَن.

وأَشارَ عَليهِ عَمرُو بنُ الحَجّاج بأن يُحبَسَ كُلُّ مَن كَانَ فِي المَسجِدِ مِنَ الأزدِ، فَحُبسَوا وفيهم عَبدُ الرَّحمن بنُ مِخنَفٍ وغَيْرُهُ، فَاقْتَتَلتِ الأزدُ وأهلُ اليَمَن قِتالاً شديداً.

وَاستَبطأ ابنُ زِيادٍ َأهلَ اليَمَنِ، فَقالَ لِرَسولِ بَعَثهُ إليهم: أنظر ما بَينَهُم؟ [فَأَتاهُم] فرأى أشدَّ قتل، فقالوا : قل للأمير إِنَّكَ لَم تَبعَثنا إلى نَبَطِ (1)الجزيرة، ولا جرامِقةِ (2)الموصل، إنَّما بَعَثْتَنَا إِلَى الْأَزْدِ، إِلَى أسود الأجم (3)، ليسوا بِبَيضَةٍ تُحسى، ولا حرملة (4)توطأ.

فَقُتِلَ مِنَ الأَزْدِ عُبَيدُ اللّه بنُ حَوزَةَ الوالِبي، ومُحَمَّدُ بنُ حَبيب البكرِيُّ، وكَثرَتِ القتلى بَينَهُم، وفويَتِ اليَمانِيَّة عَلى الأزدِ، وصاروا


1) النَّبَط جيل من الناس كانوا ينزلون سواد العراق، ثم استعمل في أخلاط الناس وعوامهم. راجع: المصباح المنير ص590 مادة «نبط».

2) الجرامقة : قوم بالموصل أصلهم من العجم. راجع: الصحاح ج 4 ص 1454 مادة «الجرامقة».

3) الأَجَمَة: من القصب والجمع أجمات وأجم وأجم. راجع: الصحاح ج 5 ص 1858 مادة «أجم».

4) حرملة: اسم نبات. راجع: تاج العروس ج 14 ص 147 «حرمل».

إلى خُص (1)في ظهر دار ابن عفيفٍ، فَكَسَروهُ وَاقْتَحَمُوا، فَناوَلتهُ ابنَتُهُ سَيفَهُ، فَجَعَلَ يَدُبُّ بِهِ، وشدّوا عَليهِ مِن كُلِّ جانب، فانطلقوا به إلى ابن زيادٍ وهُوَ يَقولُ:

أقسم لو يُفسَحُ لي مِن بَصَرِي***شَقَّ عَل يكُم موردي ومَصْدَري

وخَرَجَ سُفيانُ بنُ يَزِيدُ بن المُغَقَّلِ لِيَدفَعَ عَن ابن عَفِيفٍ، فَأَخَذُوهُ مَعَهُ، فَقُتِلَ ابنُ عَفيف، وصُلِبَ بالسَّبَخَةِ (2)

وراجع: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 458 و 459 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 351 والكامل في التاريخ ج 4 ص 83 وجواهر المطالب ج 2 ص 292 والحدائق الورديّة ج 1 ص 124 كلها نحوه وراجع: تذكرة الخواص ص 259 والبداية والنهاية ج 8 ص 191 ومثير الأحزان (ط المكتبة الحيدرية) ص73 وبحار الأنوار ج 45 ص 119 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 387.

.

ما جرى على مؤيدي ابن عفيف:

أما ما جرى على الذين أيدوا ابن عفيف، لكونهم من الأزد، أو لأي سبب آخر، فيكفي أن نذكر هنا قول البلاذري


1) الخُصُّ: بيت يعمل من الخشب والقصَبِ. راجع: النهاية ج 2 ص 37 «خصص».

2) موسوعة الإمام الحسين ج 5 ص 171 عن: أنساب الأشراف ج 3 ص 413 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 210.

وأُتِيَ بِجُندَبِ بن عَبدِ اللّه، فَقالَ لَهُ ابنُ زِيادٍ: وَاللّه لَأَتَقْرَبَنَّ إِلَى اللّه بِدَمِكَ.

فَقالَ: إِنَّما تَتَباعَدُ مِنَ اللّه بدَمي (1).

وقال ابن أعثم:

ثم دعا ابن زياد بجندب بن عبد اللّه الأزدي، فقال: يا عدو اللّه ! ألست صاحب علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه» في يوم صفين؟!

فقال: بلى واللّه يا ابن زياد أنا صاحب علي بن أبي طالب «رضي اللّه عنه»، ولا زلت له وليا، ولا أبرأ إليك من ذلك.

فقال ابن زياد: أظن أني أتقرب إلى اللّه تعالى بدمك.

فقال جندب: واللّه ما يقربك دمي من اللّه، ولكنه يباعدك منه.

وبعد، فإنه لم يبق من عمري إلا أقله، وما أكره أن يكرمني اللّه بهوانك.

فقال ابن زياد: أخرجوه عني، فإنه شيخ قد خرف وذهب عقله!

قال: فأخرج عنه، وخلي سبيله.

قال: ثم قدم إليه سفيان بن يزيد، فقال له ابن زياد ما الذي أخرجك علي يا بن المعقل ؟ (لعل الصحيح المغقل).


1) أنساب الأشراف ج 3 ص 413 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 211.

فقال :له بلغني أن أصحابك أسروا عمي، فخرجت أدافع عنه.

قال: فخلى سبيله وراقب فيه عشيرته

ثم دعا بعبد الرحمن بن مخنف الأزدي، فقال له: ما هذه الجماعة على بابك؟

فقال: أصلح اللّه الأمير! ليس على بابي جماعة وقد قتلت صاحبك الذي أردت وأنا لك سامع مطيع، وإخوتي لك جميعاً كذلك، قال: فسكت عنه ابن زياد، ثم خلاه وخلى سبيل إخوته وبني عمه (1).

ونقول:

إن ما جرى بين ابن زياد وابن عفيف ومن تعاطف معه من الأزد يحتاج إلى شيء من التوضيح والبيان، فنحن نشير إلى بعض من ذلك ضمن ما يلي من عناوين:

ابن عفيف الرجل العابد:

وصفت الرواية المتقدمة ابن عفيف: بأنه كان ملازما للمسجد، وأنه كان يصلي فيه إلى الليل، ثم ينصرف إلى منزله.

وقد تقدم: أن الاجتهاد في العبادة وملازمة المساجد من سمات أصحاب على «علیه السلام»، حتى إن جاسوس ابن زياد، المسمى بمعقل إنما اكتشف مسلم بن عقيل من خلال مراقبته المتعبدين في


1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 126.

المسجد، لعلمه أن أصحاب علي وشيعته هم من العبَّاد الزهاد، فعرف تشيع مسلم بن عوسجة من كثرة صلاته، واجتهاده بالعبادة، فتقرب منه وتعرف إليه، وتمكن من الوصول إلى مسلم بن عقيل من خلاله.

شدَّ يدك بساداتهم:

ولما واجه ابن عفيف عبيد اللّه بن زياد بهذه الشدة والحدة، ونادى ابن عفيف بشعار الأزد، كان ساداتهم في مقدمة من بادر إلى تخليص ابن عفيف من أيدي الجلاوزة..

وحين استشار عبيد اللّه بن زياد أشراف الكوفة حوله فيما جرى أغروه برؤساء الأزد، فحبس جماعة منهم، وأعلمهم: أنهم سيبقون في يده حتى يأتوه بابن عفيف.

والذي نريد أن نشير إليه هنا هو التالي:

أولاً: إن المجتمع الكوفي قد نشأ وترعرع على أساس الانتماء إلى العرق والقبيلة، والالتزام بأعرافها، وتحمل تبعاتها. لكن العصبيات القبلية لا توصل الناس إلى بر الأمان في أكثر الأحيان، وإن حصل ذلك أحياناً، فلا يمكن الركون إليه في استمرار ذلك وثباته.

ولأجل ذلك نلاحظ: أن ابن عفيف، وإن كان قد وظف المشاعر القبلية في منع ابن زياد من القبض عليه في الفورة الأولى.. لكنه لم يستطع توظيفها في المراحل التالية بنحو فاعل ومؤثر، وإن كان قومه قد بذلوا جهداً كبيراً، وقدموا تضحيات في هذا السبيل، فقد غلبوا

على أمرهم حين واجههم ابن زياد بنفس الأسلوب، حيث لجأ إلى تحريك العنصر القبلي المنافس، كما أظهرته الرواية المتقدمة، فإن القبائل اليمانية إذا انتصرت للأزد، فإن قبائل مضر مستعدة لإجهاض ووأد هذا الإنتصار.

وهذا ما حصل فقد قتل ابن عفيف بسيف القبلية، وغلب قومه على أمرهم، وهو السيف الذي أراد ابن عفيف أن يدافع به عن نفسه.

ثانياً : إن قبض ابن زياد على جماعة من رؤساء الأزد، جعل الجماعات المرتبطة بأولئك الرؤساء. أقل حماساً، وجدية، وحدة، وضعفت رغبتها بمواجهة الجماعات التي استعان بها ابن زياد على الأزد.

ومن المعلوم: أن سياسات بني أمية كانت تقضي بتكثير الزعامات في القبائل وخلق مناخات تنافسية بينها، وإشاعة أجواء تحاسد وتباغض، وسعي كل منها إلى إضعاف الآخرين.

وهذا الضعف قد جعل كل هؤلاء الرؤساء يجدون أنفسهم بحاجة إلى أولئك الظلمة، الذين يعرفون من أين تؤكل الكتف، ولهم مهارات عالية في جعل الجميع خدماً، أو حتى عبيداً لهم. كما تقدم عن زيد بن أرقم حين واجه ابن زياد بسبب ما كان يفعله بالرأس الشريف.

وكان الحكام يفرضون على هؤلاء الضعفاء من رؤساء القبائل تلبية مطالبهم مهما كانت، وإلا فإنهم سوف يواجهون المصائب والكوارث. وكثيراً ما كانوا يغرون بعضهم ببعض، فتمزق الخلافات والأحقاد القبيلة الواحدة، وتحولها إلى شظايا متناثرة.

كما أن اللافت: أنه إذا تعرض بعضهم الشدة، فإنه لا يحظى بنصرة القبيلة كلها، بل بطائفة محدودة منها وهى المقتنعة بزعامته، أو التي تجد مصالحها مرهونة به، أو أن حظها معه أوفر، ونصيبها أكبر.

ثالثاً: وقد تجسد هذا التحاسد بين الرؤساء، حين أغرى قسم منهم ابن زياد بأخذ رؤساء الأزد، ومطالبتهم بتسليم ابن عفيف إليه، أو لا خلاص لهم من يده.

وهذا الاغراء لا مبرر له :

ألف: لأن اللّه تعالى يقول: «وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى». فكيف إذا كانا معاً بريئين، كما هو حال ابن عفيف، فإنه إنما قال كلمة الحق عند سلطان جائر، فما بال هؤلاء الرؤساء يتآمرون عليه، ويدبرون لتمكين ابن زیاد منه ليبطش به ويجهز عليه؟!

ألم يكن الأجدر بهم، وهم المسؤولون عن جماعات من الناس، والمؤتمنون على أرواحهم، وأموالهم، وأعراضهم؟

ألم يكن الأجدر أن يكونوا إلى جانب ناصر الحق. وأن يعموا علی ابن زياد سبل الوصول إليه، والتمكن منه؟!

ب: لماذا لا يتعاملون مع هذه القضايا على أساس تحاشي أن يكونوا - يوماً ما - مصداقا للقول المعروف: «أكلت يوم أكل الثور الأبيض» فيحفظوا بذلك أنفسهم وجماعاتهم..

فإن الطاغية الذي يقتل أبناء الأنبياء، لن يسلم من براثنه إلا الشاذ النادر، ممن هم على شاكلته. أما هؤلاء الرؤساء الذين يمالئونه،

ويزينون له مواصلة بغيه وبطشه فهم معه كمن يرقص الحية، أو كراكب الأسد، فإنه لا يدري متى يفتك به الأسد، ومتى تنهشه تلك الحية.

الحمد للّه الذي أخزاك:

وتقدم: أنهم حين أخذوا عبد اللّه بن عفيف بعد قتال عنيف معه، ومع قومه ومن معهم من قبائل ناصرتهم قال ابن زیاد «لعنه اللّه» لابن عفيف: «الحمد للّه الذي أخزاك».

وحيث إن الخزي: هو المهانة والذل. وقيل: أصل الخزي ذل يستحيا منه. فقد تعجب ابن عفيف من هذا القول، فقال له على سبيل الاستفهام الإنكاري: «يا عدو اللّه، بهذا أخزاني»؟!.

وجدير هذا التعجب بابن عفيف، وبكل عاقل منصف، فإن من قاتل هذا القتال المر بالرغم من كونه أعمى، وقد اجتمعت عليه الرجال، فلم يتمكنوا من الوصول إليه، وهو رجل واحد لا يبصر ما حوله.

ومن تنتصر له الأزد وقبائل اليمن هل يكون القبض عليه بعد كل هذا خزيا له؟! أو هو شرف وكرامة ورجولة وشهامة قل نظيرها؟! وألا يدل ذلك على قيمته ومكانته في الناس.

هل استطاع ابن زياد بكل بطشه وطغيانه، ومعه كل هذه الكتائب التي حشدها ضد ابن عفيف، والحرب التي خاضها معه مباشرة، ومع مناصريه، حتى كثرت القتلى بينهم - هل استطاع -: أن يكسر كلمة

هذا الرجل الأعمى، الذي يعرف أنه مقتول بعد لحظات؟!

ألا تنال مواقف وكلمات وأجوبة هذا الرجل لابن زياد، بعد مقاومة شرسة - ألا تنال - الإعجاب والاحترام والتقدير ؟!

يقول الراوي: «وجعل القوم يدورون عليه، من خلفه وعن يمينه، وعن شماله وهو يذب عن نفسه بسيفه، وليس يقدر أحد أن يتقدم إليه».

قال: وتكاثروا عليه من كل ناحية حتى أخذوه.

والأدهى والأمر: أن ابن زياد يريد أن يدعي أن القتل مذلة وخزاية، وضعف للمقتول.

وهذا ادّعاء باطل، فقد قال له الإمام السجاد: «القتل لنا عادة، وكرامتنا من اللّه الشهادة»..

والشهداء كما قال تعالى: «أَحْيَاء عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ» (1). وهم فِي «رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ» (2)..

وهذا ابن عفيف يستنكر أن يكون هذا الجهد والجهاد الذي بذله من مفردات الخزي، بل هو من أجلى وأغلى مظاهر العزة والعظمة، والشموخ وهو يستحق الإعجاب والتقدير في الدنيا، وبه ينال المقام المحمود في الآخرة.


1) الآية 9 من سورة الكهف.

2) الآية 15 من سورة الروم.

ولو صح كلام ابن زياد، لكان جميع من قتلوا أو أسروا أو قتلوا ظلماً وعدوانا من الأنبياء كيحيى، وكثير من أنبياء بني إسرائيل، ومن الأخيار والعلماء الأبرار، والأئمة الأطهار - لو صح منطق ابن زياد - لكانوا في موقع المهانة والخزاية والذل الذي يستحيا منه.

وهذا يخالف ما تحكم به العقول، وما بلغه القرآن الكريم، والرسول «صلی اللّه علیه وآله»..

ما تقول في عثمان؟!:

وقد طرح ابن زياد على عبد اللّه بن عفيف سؤالاً يقول: ما تقول في عثمان بن عفان؟!

ويبدو لنا: أن الهدف من طرح هذا السؤال الاستدراج للإحراج، ولاستخراج كلام حاد من ابن عفيف، ليجعل منه ذريعة للبطش به حيث إنه كان قد صمم على قتله مهما كان الثمن. ولكنه شعر بالحاجة الشديدة إلى هذا الاستدراج لاعتبارات عديدة، منها:

1 - أن ابن عفيف كان أعمى، وقتل رجل أعمى من غير ذنب، سوى انتصاره للنبي «صلی اللّه علیه وآله» وأهل بيته الطاهرين غير مستساغ للذائقة العامة، وتشمئز منه نفوسهم، ويمقتون عليه فاعله..

2 - لقد كان ابن عفيف من خيار الشيعة فهو لا يفارق المسجد الأعظم، يصلي فيه إلى الليل، ثم ينصرف إلى منزله..

3 - إن المساجلة التي جرت بينه وبين ابن زياد قد اتخذت من قبل ابن زياد طابع الشتيمة للأشخاص الذين طهرهم اللّه، ومن قبل ابن

عفيف رد الشتيمة على صاحبها، مشفوعة بالاستدلال الذي لا يستطيع أحد ردّه، أو النقاش فيه.

4 - إن ابن عفيف لم يغضب لأجل أمر يمسه هو شخصيا، بل لأجل شدة عدوانية، وجرأة ووقاحة ابن زياد الذي يقتل أبناء النبيين، ثم يسب أبرار الأمة، وأفضل الأئمة، وسيد الأوصياء على منابر المسلمين.

كما أنه يقتل الذين نزل القرآن بتطهيرهم، ثم يدعي أنه على دين الإسلام.

5 - إن ابن زياد يشتم الأئمة الأطهار، مع أنه ملعون على لسان رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».

والظاهر أنه يقصد بذلك ما ورد في لعن قاتل الحسين «عليه السلام».

6 - إن ابن عفيف تارة يقول لابن زياد: يا ابن عبد بني علاج، وأخرى يقول له: يا ابن مرجانة، أو يا ابن سمية..

وقد وصفه الإمام الحسين «علیه السلام» يوم عاشوراء بقوله: إن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة..

وبعد ما تقدم نقول:

إن أسهل شخص يمكن استدراج الناس آنئذ إلى الوقوع فيه، والتحامل عليه هو عثمان بن عفان، الذي نقم عليه الناس في أقطار

العالم الإسلامي، وقصدت طوائف من الكوفة ومصر وغيرهما المدينة للاعتراض عليه، وثار عليه أكثر الصحابة في المدينة، وتواصلت الاعتراضات عليه إلى أن قتل.

وكان بنو أمية قد اتخذوا من قتله ذريعة للتشبث بالحكم، واستبعاد مناوئيهم، بل ربما نكلوا بأولئك المناوئين أو قتلوهم.

ولكن ابن عفيف لم يقل في عثمان شيئاً، وأصر على أن ابن زياد لا شأن له بعثمان، ولا يحق له سؤال أحد عن حاله واللّه تعالى هو الذي يحكم بين العباد فطاش سهم ابن زياد، ولكنه لم يتراجع عن قتل ذلك العبد الصالح، فقتله وصلبه.

تداعيات قتل ابن عفيف:

ينقل الخوارزمي عن محمد بن إسحاق صاحب السيرة: «أنّ عبيد اللّه لما قتل ابن عفيف الأنصاري، وجاءت الجمعة الثانية، صعد المنبر وبيده عمود من حديد، فخطب الناس وقال في آخر خطبته: الحمدُ للّه الذي أعزّ يزيد وجيشه بالعزّ والنصر! وأذل الحسين وجيشه بالقتل!

فقام إليه سيد من سادات الكوفه، وهو المختار بن أبي عبيد، فقال له: كذبت يا عدوّ اللّه وعدوَّ رسوله بل الحمدُ للّه الذي أعزّ الحسين وجيشه بالجنّه والمغفرة، وأذلك وأذلَّ يزيد وجيشه بالنار والخزي!

فحذفه ابن زياد بعموده الحديد، الذي كان في يده فكسر جبينه،

وقال للجلاوزة: خذوه فأخذوه.

فقال أهل الكوفه: أيّها الامير، هذا هو المختار! وقد عرفت حسبه ونسبه، وختنه عمر بن سعد، وختنه الآخر عبد اللّه بن عمر !

فأوجس في نفسه خيفة، فحبس المختار ولم يتجرأ على قتله.

فكتب المختار إلي عبد اللّه (أي ابن عمر) كتاباً شرح فيه القصة.

فكتب ابن عمر إلى يزيد:

أمّا بعدُ.. أفما رضيت بأن قتلت أهل نبيّك حتى وليت على المسلمين من يسبّ أهل بيت نبيّنا، ويقع فيهم على المنبر !؟

عبر عليه ابن عفيف فقتله ! ثمّ عبر عليه المختار فشجّه، وقيّده وحبسه!

فإذا أنت قرأت كتابي هذا فاكتب إلى ابن زياد بإطلاق المختار، وإلا فواللّه لأرمين عبيد اللّه بجيش لا طاقه له به، والسلام.

فلمّا قرأ يزيد الكتاب غضب من ذلك، وكتب إلى ابن زياد:

أمّا بعدُ.. فقد وليتك العراق، ولم أولك على أن تسبّ آل النبي على المنابر، وتقع فيهم، فإذا قرأت كتابي هذا فأطلق المختار من حبسك مكرماً، وإيّاك أن تعود إلى ما فعلت وإلا فوالذي نفسي بيده، بعثت إليك من يأخذ منك الذي فيه عيناك!

فلما ورد الكتاب على ابن زياد أخرج المختار من حبسه، ودعا بمشايخ الكوفة وسلمه إليهم سالماً، فخرج المختار من الكوفه هاربا نحو

الحجاز» (1).

2 - وقال ابن رسته لما أحضر ابن زياد السبايا في مجلسه أمر بإحضار المختار، وكان محبوساً عنده من يوم قتل مسلم بن عقيل.

فلمّا رأى المختار هيئة منكرة زفر زفرة شديدة، وجرى بينه وبين ابن زياد كلام أغلظ فيه المختار، فغضب ابن زياد وأرجعه إلى الحبس ويقال : ضربه بالسوط على عينه فذهبت (2).

3 - وقال الشيخ محمد مهدي الحائري المازندراني:

وفي بعض الكتب ثمّ إنّ ابن زياد استخرج المختار من الحبس، وكان محبوساً، لاته لما قتل مسلماً وهانيا وبعث برأسيهما إلى يزيد كتب يزيد كتاباً إلى ابن زياد يشكره في ذلك، وكتب أنه بلغني أنّ حسيناً توجّه إلى العراق، فضع المناظر والمسالح، واقتل واحبس على الظنّة والتهمة.

فلمّا وصل الكتاب إلى ابن زياد قتل من قتل وحبس جماعه من الشيعة منهم المختار، فبقي في السجن حتى جيء برأس الحسين «علیه السلام»، ووضع بين يديه فغطاه بمنديل واستخرج المختار من الحبس، وجعل يستهزيء عليه (كذا) ! فقال المختار: ويلك أتستهزيء عليَّ وقد قرّب اللّه فرجي؟!


1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 205 و 206.

2) الأعلاق النفسية ص 224 ومقتل الحسين للمقرم ص 229.

فقال ابن زياد: من أين يأتيك الفرج يا مختار ؟!

قال: بلغني أنّ سيّدي ومولاي الحسين قد توجّه نحو العراق، فلا بدّ أن يكون خلاصي على يده!

قال اللعين: خاب ظنك ورجاؤك يا مختار ! إنا قتلنا الحسين!

قال: صه! فض اللّه فاك ! ومن يقدر على قتل سيّدي ومولاي الحسين؟!

قال له: يا مختار انظر! هذا رأس الحسين!

فرفع المنديل وإذا بالرأس بين يديه في طشت من الذهب، فلما نظر المختار إلى الرأس الشريف جعل يلطم على رأسه وينادي وا سيّداه! وا مظلوماه (1).

ونقول:

المختار يتصدى لابن زياد

1 - صريح الرواية المتقدمة : أن ما جرى لابن عفيف، ومواقف زينب والسجاد في مجلس ابن زياد لم يمر مرور الكرام، ولم يؤد إلى النتيجة التي توخاها ابن زياد حيث ظهر من الموقف المتقدم للمختار، والذي حصل في الجمعة الثانية أنه قد أوجد لدى الناس درجة من الجرأة بدأت تتبلور، وتظهر آثارها في كلماتهم


1) معالي السبطين ج 2 ص 65.

وتصرفاتهم، التي تعبر عما في ضمائرهم، كما فعله ابن عفيف نفسه، ثم ما فعله المختار.

وقد تقدمت في هذا الكتاب مواقف أبي برزة، وقيس بن عباد، ورجل من بكر بن وائل، اسمه جابر، أو جبير. فضلاً عن زيد بن أرقم، وأنس بن مالك، وغيرهم..

فإن ذلك كله يشير: إلى أن ثمة جمراً تحت الرماد لا يمكن تجاهله، ولا بد من التخلص من وجوده..

ويبدو لنا: أن الشعور بضرورة تحاشي الاصطلاء بلظى هذا الجمر، هو الذي دعا ابن زیاد بعد قتل ابن عفيف إلى الإنحناء أمام العاصفة التي بدأت طلائعها تظهر، فأظهر مرونة مع الذين كان لهم دور بارز مع ابن عفيف، فلم يقتل جندب بن عبد اللّه الأزدي، ولا سفيان بن يزيد بن المغفل، وعبد الرحمان بن مخنف الأزدي، الذي خلى سبيله، وسبيل أخويه وبني عمه أيضاً.

ولكن ابن زياد لم يتخلَّ عن عنجهيته واستكباره، بالرغم من تمكنه من إخماد حركة الأزد ومن ناصرهم، ثم محاولة تنقية الأجواء معهم، وتقريبهم إليه من خلال إطلاق سراح رؤسائهم، وتظاهره بالعفو عنهم. فصعد المنبر الجمعة الثانية، وبيده عمود من حديد لإظهار القوة والجبروت، وقال ما قال في حق الإمام الحسين «علیه السلام»، فتصدى له المختار على النحو المتقدم.

لماذا غضب يزيد؟!

وقد ذكرت الرواية المتقدمة: أن يزيد كتب إلى ابن زياد: «وليّتك العراق، ولم أولك على أن تسب آل النبي على المنابر، وتقع فيهم».

وهذا كلام بائس، ولا قيمة له..

أولاً : فإنه إذا كان يعترض على ابن زياد لسبه آل النبي «صلی اللّه علیه وآله»، ويتهدده بالقتل إن عاد إلى ذلك، فهل سب آل النبي «صلی اللّه علیه وآله» أعظم، أم قتلهم، على ذلك النحو الفجيع، وأسر نسائهم أعظم ؟ فلماذا لا يقتل من قتلهم، وسبى نسائهم؟!

ثانياً: إن يزيد إنما يعترض على ابن زياد، لأنه بسبه لأهل البيت «علیهم السلام» على المنابر، يحرك مشاعر المتعاطفين معهم، ويثير حفيظتهم، ويخلق مشكلات هم في غنى عنها.. فلو أنه لم يسبهم على المنابر بل سبهم في مجالسه الخاصة، ولم يوجب ذلك تحرك ابن عفيف، ثم تحرك المختار، فإن يزيد سوف يعطي ابن زياد الجوائز والمكافآت على ذلك.

ولو أنه لم يكترث بكتاب ابن عمر، وأفسح المجال لابن زياد ليواصل تصرفاته هذه، لوجدت المعترضين عليه يزداد عددهم باستمرار، وسيكونون من مختلف الفئات والقبائل

فإن تركهم، فإن ذلك سوف يؤثر سلباً على هيبته، وهيبة الحكم كله.

وإن أراد ملاحقتهم، فسيجد: كل يوم أمامه مشكلة تشبه مشكلة

الأزد، وتتوالى صراعاته مع القبائل، وتتآكل قدراته. ويكون كمن يسير إلى حتفه بظلفه.. وسوف لا يقتصر الأمر على ابن زياد، بل سيكون ليزيد القسط الأوفر منه أيضاً.

ولأجل ذلك: أمر يزيد عبيد اللّه بن زياد بإطلاق سراح المختار مكرماً، وحذره من العودة إلى هذا العمل مرة أخرى.

ابن عمر يهدد ابن زیاد بجيش:

وقد أضحكنا، وأبكانا في آن واحد قول ابن عمر في كتابه ليزيد: «فاكتب إلى ابن زياد باطلاق المختار، وإلا - فواللّه - لأرمين عبيد اللّه بجيش لا طاقة له به، والسلام».

ونقول:

1 - إننا لم نعهد ابن عمر مقاتلاً، ومدافعاً عن المظلومين إلا حين يصل الموسى إلى لحيته، كأن يُحْبَس أحد ممن له به قرابة، أما قتل أهل بيت نبيه، فلا يحركه ولا يدعوه إلى الإتيان بجيوشه للدفاع عن أهل النبي المظلومين، لاسيما وأنه يدَّعي أنه يملك جيشاً لا طاقة لابن زیاد به.

2 - إننا نحسب أن الجيش الذي تحدث عنه ابن عمر، هو جيش من الأوهام، أو هو جيش رآه في منامه. وإلا، فإن ابن زياد قد حشد لحرب الإمام الحسين «علیه السلام» ثلاثين ألفاً ليباشروا قتله، بالإضافة إلى عشرات الألوف الأخرى التي شحن بها الطرق والمسالك والبلاد المختلفة، وادَّخرها لنجدة الثلاثين ألفا، إن لزم

الأمر، وجاء بنفسه وأقام معها في النخيلة كما تقدم.

إطلاق سراح المختار:

ونستفيد من النصوص المتقدمة: أن المختار كان قد حبس حين قتل مسلم بن عقيل، وبقي في الحبس إلى أن استشهد الحسين «عليه السلام»، فأخرجه ابن زياد ليعبث به، ويرى ردة فعله، وجعل الرأس في طشت وأراه إياه، فاشتد على المختار ذلك، ثم قتل ابن عفيف، وخطب ابن زياد في الجمعة التالية خطاباً وقحاً احفظ المختار، فواجهه بالاعتراض، فحبسه ابن زياد، فحينئذٍ كتب المختار إلى ابن عمر بما جرى، وكتب ابن عمر ليزيد في إطلاقه.

ويحتمل أيضاً: أن يكون ابن عمر قد كتب إلى يزيد حين حبس المختار في أمر مسلم بن عقيل، فأطلق ابن زياد سراحه، ثم أراد أن يعيده إلى السجن في قصة الرأس المقدس، فلم ير سبيلا عليه، ولكنه حبسه في أمر ابن عفيف. فكتب ابن عمر إلى يزيد في إطلاق سراحه، فأطلق.

الفصل التاسع: أحداث لا بد من التوقف عندها.

اشارة

إخفاء الأدلة:

قال ابن الأثير الجزري: «ثم إن ابن زياد قال لعمر بن سعد بعد عوده من قتل الحسين يا عمر، ائتني بالكتاب الذي كتبته إليك في قتل الحسين.

قال: مضيت لأمرك وضاع الكتاب !

قال: لتجئني به.

قال: ضاع!

قال: لتجنني به.

قال: تُرك واللّه يُقرأ على عجائز قريش بالمدينة اعتذاراً إليهن! أما واللّه لقد نصحتك فى الحسين نصيحة لو نصحتها أبي سعد بن أبي وقاص لكنت قد أديت حقه!

فقال عثمان بن زياد أخو عبيد اللّه : صدق ! واللّه، لوددت أنه ليس من بني زياد رجل إلا وفي أنفه خزامة إلى يوم القيامة، وأن الحسين لم يقتل.

فما أنكر ذلك عبيد اللّه بن زياد (1).

ونقول:

1 - يبدو لنا أن ابن زياد أراد استرجاع كتاب الأمر الذي أصدره لابن سعد بقتل الحسين «علیه السلام»، لأنه يريد إخفاء الأدلة، أو التخلص منها، لكي يتسنى له إلقاء التبعة على عمر بن سعد، فيدعي أنه لم يأمره بقتل الحسين، بل أمره بأخذه، لكي لا يصل الأمر إلى ما لا تحمد عقباه، أو ليكرمه ويعظمه.. ولكن ابن سعد قد انقاد لهواه من دون علم، أو موافقة، أو رضا ابن زياد..

2 - بل قد يكون الهدف أبعد من ذلك، وهو: أن يجعل ابن سعد قرباناً لهذه القضية، ويتخلص منه إن تفاقمت الأمور، واحتاج إلى إرضاء العامة، وتسكينهم، فيأتي بابن سعد، ويقتله جزاء على فعلته بزعمه.

وبذلك يكون قد حصل على الثناء والرضا من الناس، وتخلص من الحسين، وتخلص أيضاً ممن قد تكون له مطامع كبيرة، وهو ابن سعد،


1) الكامل في التاريخ ج 4 ص 93 و 94 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 357 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 227 ونهاية الأرب ج 20 ص 472 والمنتظم ج 5 ص 98 ومثير الأحزان (ط المكتبة الحيدرية) ص 88 وبحار الأنوار ج 45 ص 118 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 385.

فيكون قد حقق أمانيه دون أن يخسر شيئا سوى رجل واحد، وهو ابن سعد، الذي كان يرى فيه منافساً محتملاً، أو حاسداً، أو حاقداً، أو متوقعاً لأمر لا يريد ابن زياد أن يعطيه إياه...

والظاهر: أن ابن سعد قد أدرك طرفا من نوايا ابن زیاد، فادَّعى ضياع الكتاب، حتى لا يكون هو لقمة سائغة تسحقها أنياب ذلك الوحش الكاسر.

ولأجل ذلك عاد وقال له بما يشبه التهديد بإفشاء أمر هذا الكتاب بصورة واضحة وفاضحة، بعد أن خيّب ابن زياد مسعاه، ولم يعطه ما تمناه، ونقض عهده، وخاس بوعده وخسر الآخرة كما خسر الدنيا.. فيقول النص التاريخي:

وخرج عمر بن سعد من مجلس ابن زياد يريد منزله، وهو يقول في طريقه: «ما رجع أحد إلى أهله بشر مما رجعت به!!! أطعت الفاجر الظالم ابن زياد، وعصيت الحكم العدل، وقطعت القرابة الشريفة» ! (1).


1) تذكرة الخواص ج 2 ص 188 و 189 وراجع أنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج 3 ص 211 وبغية الطلب ج 6 ص 2631 ومثير الأحزان ج3 ص 110 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 88 وبحار الأنوار ج 45 ص 118 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 386 والطبقات الكبرى (القسم غير المطبوع) ص 81 وراجع سير أعلام النبلاء ج 3 ص 303.

موقف أبي برزة:

روى الخوارزمي بسند إلى أبي العالية البراء، قال: لما قتل الحسين «علیه السلام» أتي عبيد اللّه بن زياد برأسه، فأرسل إلى أبي برزة، فقال له عبيد اللّه بن زياد: كيف شأنى وشأن الحسين ابن فاطمة يوم القيامة؟!

قال: اللّه أعلم، فما علمى بذلك؟!

قال: إنما أسألك عن علمك.

قال: أما إذا سألتني عن رأيي، فإن علمي أن الحسين «علیه السلام» يشفع له جده محمد «صلی اللّه علیه وآله»، ويشفع لك زياد.

فقال اخرج! لولا ما جعلت لك لضربت واللّه عنقك! فلما بلغ باب الدار، قال : لئن لم تغدُ علي وترح الأضر بن عنقك !! (1).

موقف قيس بن عباد:

وينقل سبط ابن الجوزي عن الشعبي: أنه كان عند ابن زياد: قيس بن عباد، فقال له ابن :زياد ما تقول فيَّ وفي حسين؟!

فقال: يأتي يوم القيامة جدّه وأبوه وأمه فيشفعون فيه، ويأتي جدّك وأبوك وأمك فيشفعون فيك ! فغضب ابن زياد وأقامه من المجلس (2)


1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 49 و 50 وراجع: الحدائق الوردية ج 1 ص 123.

2) تذكرة الخواص ج 2 ص 186 وعيون الأخبار لابن قتيبة ج 2 ص197.

وروي: أن حارثة بن بدر أجاب ابن زياد بنفس هذا الجواب، فراجع (1).

رجل من بكر بن وائل:

وقال المدائني: كان ممن حضر الواقعة رجل من بكر بن وائل يقال له جابر، أو جبير، فلما رأى ما صنع ابن زياد، قال في نفسه: للّه ألا أصيب عشرة من المسلمين خرجوا على ابن زياد إلا خرجت معهم.

فلما طلب المختار بثأر الحسين «علیه السلام» والتقى العسكران برز هذا الرجل وهو يقول:

وَكُلُّ شيءٍ قَدْ أَرَاهُ فَاسِدَاً***إِلَّا مَقامَ الرُّمْحِ فِي ظِلَّ الفرس

ثم حمل على صفوف ابن زیاد وصاح: يا ملعون، یا ابن ملعون یا خليفة الملعون. فتفرق الناس عن ابن زياد، فالتقيا بطعنتين فوقعا قتيلين.

وقيل: إنما قتل ابن زياد إبراهيم بن الأشتر لما نذكر (2).

ونقول:


1) وفيات الأعيان ج 5 ص 395.

2) تذكرة الخواص ج 2 ص 186 وراجع: حياة الإمام الحسين للقرشي ج 3 ص 343 عن مرآة الزمان في تواريخ الأعيان ص 98.

مع حديث أبي برزة:

قد يقال: إن النص الذي ذكر أن أبا برزة قد وقف هذا الموقف من ابن زیاد قد يكون موضع ريب، فقد ذكرت رواية أخرى أنه كان بالشام، وكان له موقف قوي من يزيد حين صار ينكت ثغر الحسين «عليه السلام» بالقضيب (1).

إلا أن يقال: لا مانع من أن يكون أبو برزة بعد أن حضر مجلس ابن زیاد، قد سافر إلى الشام ودخل على يزيد، فصادف وصول الرؤوس إليه، فكان ما كان بينه وبين يزيد..

كما أن من المحتمل أن يكون الراوي هو الذي وهم وخلط بين الكوفة والشام، وبين يزيد وابن زياد.

ويردّ هذا الاحتمال: أن ما حصل في الشام يختلف كثيراً عما حصل فى الكوفة، وإن كانت رواية الطبري لما جرى في الشام لا


1) الكامل في التاريخ ج 4 ص 85 وعمدة القاري ج 16 ص 241 وتحفة الأحوذي ج 10 ص 193 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج 1 ص 397 وذوب النضار ص 142 والكنى والألقاب ج 1 ص 305 وتاريخ مدينة دمشق ج 37 ص 459 وأنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج6 ص287 و 288 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 259 والأغاني ج 18 ص446 والمختصر في أخبار البشر ج 1 ص 195 وتاريخ الكوفة ص 273 والفتوح لابن أعثم ج 6 ص 282 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 643.

تبعد كثيراً عن رواية ما جرى في الكوفة (1)فراجع وقارن.

ابن زياد جاهل أو يتجاهل:

يستوقفنا في قصة أبي برزة، وقيس بن عباد هذا السؤال الذي طرحه ابن زياد عليهما. بل هو يرسل إلى أبي برزة ليسأله إياه، وهو ما حقيقة رأيه فيه وفي الإمام الحسين «علیه السلام».

ونحن نعلم: أن ابن زياد كان يعرف الجواب مسبقاً، ولكنه يريد:

أولاً: أن يعرف إن كان ثمة من يجرؤ على إبداء رأي يخالف هواه، أو يكون لصالح الحسين «علیه السلام»، أو لا يوجد أحد يجرؤ على ذلك..

ثانياً : إنه كان يعرف أن الدعي، والعدو اللّه ولرسوله، وقاتل الأولياء والأصفياء وأهل الإيمان لا يمكن أن يكون إلا في درك الجحيم، وأن من يكون سيد شباب أهل الجنة، وإمام الأمة، وريحانة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» لا يكون إلا في عليين، مع الأنبياء والمرسلين، ومع محمد وآله الطاهرين.

ولكنه يتجاهل على الناس، ربما ليتمكن من ترويج مقولته


1) راجع: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 465 و (ط الأعلمي) ج 4 ص356 وراجع: أنساب الأشراف (ترجمة الإمام الحسين) ج 3 ص 215 والكامل في التاريخ ج 4 ص 85.

الباطلة : أن المقتول المغلوب هو الذليل المهان، وأن القاتل المجرم هو المكرم والمعظم، والمقدم على الأقران، وهو الذي يستحق الجنان.

وهذا تشويه للحقائق، وعبث بالمفاهيم، وتقويض للقيم والمثل العليا.

ومما يؤكد النوايا السيئة لدى ابن زياد: تكراره طرح نفس سؤاله هذا على عدة أشخاص لهم مكانتهم وموقعهم في الناس.. ظناً منه: أنه سوف يظفر ولو لدى واحد منهم بجواب هزيل فيه تملق الطامع، ورعشات قلب الخائف الخانع، والجبان، فينفخ جوابه هذا ببوق العنجهية والبغي الذي أعده للمواقف الحرجة، وكأنه قميص عثمان، ولو بعد أن أخلقه مرور الأزمان.

الجواب الصريح والفاضح :

وكان جواب أبي برزة، وقيس بن عباد، وحارثة بن بدر، متوافق المضمون والمآل وان لم يكن عن اتفاق وتواطؤ بينهم كما دلت عليه ظواهر الأحوال.

والناظر في هذا الجواب يدرك : أنه قد وضع ابن زياد بين فكي كماشة، فهو لا يستطيع أن يتبرأ من أبيه، ولا أن يرضى بالتذكير بقبائح أفعاله، أو حتى بتعريف الناس بها.. بل يفترض فيه إذا كان يدعي لأبيه الإسلام والإيمان والاستقامة أن يعتز بانتسابه إليه، وبأن يكون معه في الدنيا، وأن يشاركه مصيره في الآخرة.

ولكن ابن زياد كان يعلم: أن الأمر ليس بهذه البساطة، لأن أمر

أبيه في الدنيا، ومصيره في الآخرة كان لا يخفى على أحد.. فلم يكن قادراً على البراءة منه في الدنيا، وكان أيضاً عاجزاً عن قبول مشاركته في المصير والمآل في الآخرة.

والذي زاد من غيظه وتنمره: أنه لا يجد سبيلا لإنكار موقع الحسين من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، أو الغض من مقامه عنده وحظوته لديه، فإن ذلك مؤيد ومسدد بالآيات الكثيرة، وبالأقوال والمواقف النبوية الغزيرة المنتشرة في الأمة، والمستقرة في وجدانها، ولا يمكن مواجهتها بقوة السيف، ولا بالبرهان والحجة، فإنها هي عين الحجة عليه، والإدانة له.

إن لم تعد ضربت عنقك:

وهذا يفسر لنا تغيظه على أبي برزة، وقيس بن عباد، وسواه، فطرد أبا برزة من مجلسه، ثم استدرك على هذا الطرد، بتهديده الصارم لأبي برزة بأنه وإن لم يغد عليه ويرح، فسيضرب عنقه..

وذلك لأنه يريد أن يستثمر حضور أبي برزة لتمرير مخططاته الجهنمية، والتغطية على جرائمه وتهوين أمرها، إن لم يكن تحويلها إلى انجازات وكرامات.

حيطان دار الإمارة تسيل دماً :

1 - روی ابن عساکر بسنده عن «بواب عبيد اللّه بن زياد: أنه لما جيء برأس الحسين، فوضع بين يديه، رأيت حيطان الإمارة تسايل

دما» (1).

2 - قال سبط ابن الجوزي: «..إن الرباب بنت امرئ القيس، زوجة الحسين أخذت الرأس، ووضعته في حجرها، وقبلته، وقالت:

وَا حُسَيْناً فلا نَسِيْتُ حُسَيْناً***أقصَدَتْهُ أسئَهُ الأعْدَاءِ

عَادَرُوْهُ بِكَرْبَلاء صَرِيْعَاً***لا سَقى اللّه جَانِبَي كَرْبَلاءِ»(2)

وكان من رثائها «رحمها اللّه» في أبي عبد اللّه «علیه السلام»:

إنَّ الذي كَانَ ثوراً يُسْتَضَاءُ***بَكَرْبَلاءَ قَتِيلٌ غَيْرُ مَدفون

سبط النَّبِيِّ جَزَاكَ اللّه صَالِحَة***عَنَا وَجَنَّبْتَ خُسْرَانَ المَوَازِين

قدْ كُنْتَ لِي جَبَلَا صَعْبَاً أَلودُ***وَكُنْتَ تَصْحَبُنَا بِالرَّحْمِ والدِّيْنِ

مَنْ لِلْيَتَامَى وَمَن للسَّائِلِينَ***يُغنِي وَيُؤْوِي إِلَيْهِ كُلَّ مِسْكِيْن

وَاللّه لا أَبْتَغِي صِهْرَاً بصِهْرَكُمُ***حتى أغيَّبُ بَيْنَ الرَّمْل (3)


1) تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 229 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر (بتحقيق المحمودي) ص 361 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2636 وتهذيب الكمال ج 6 ص 434 وراجع: الصواعق المحرقة ص 194 وذخائر العقبى ص 10 و (نشر مكتبة القدسي) ص 145 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 463 وج 27 ص 362.

2) تذكرة الخواص ج 2 ص 192.

3) الأغاني ج 2 ص 158 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 16 ص 362 والوافي بالوفيات ج 14 ص 53 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 762.

ونقول:

إن الرواية الأولى: مروية عن حاجب عبيد اللّه بن زياد، والمفروض، والمتوقع أيضاً : أن يكون هذا الرجل قد اختير بعناية وتدقيق، وقد روعيت فيه مواصفات بعينها.

منها: أن يكون شديد الإخلاص لابن زياد ويزيد خاصة، وللنهج الأموي على وجه العموم..

ومنها: أن يكون مبغضاً لأهل البيت، وعلى رأسهم علي أمير المؤمنين، والحسن والحسين «علیهم السلام»..

ومنها: أن يكون منغمساً في المآثم، والموبقات، التي ينغمس فيها أسياده، ومن يراهم أولياء نعمته.

ومنها: أن يكون ممن لا يتورع عن ارتكاب أية جريمة، والاتيان بأية عظيمة يطلبها منه أسياده.

ومنها: أن يكون بالغ القسوة، شحيح العاطفة، ضعيف الدين والاعتقاد، وغير ذلك.

ومن كان هذا حاله، كيف يروي: أنه لما جيء برأس الحسين «علیه السلام»، فوضع بين يدي ابن زياد رأى حيطان دار الإمارة تسایل دما ؟!

ونجيب :

إن جميع هذه المواصفات لا تمنع من هي فيه من رواية ما يشاهده من غرائب و عجائب، فإن أمثال هذه الأمور تفرض نفسها عليه. لاسيما إذا كان يرى نفسه شريكا فيما يجري، ولو بالتأييد والمعونة. فإن الحدث المعجز يثير لدى الإنسان الفضول، فيسعى لاستكناه ما يجري، وتلمّس مدى تأثيره على مستقبله، أو لأجل التباهي، والظهور بأنه رأى ما لم يره أحد غيره.

أو لأجل أن ظهور الأمر العجيب أمام ناظريه، يجعله يشعر بأن ثمة قوة لا يقدر على رؤيتها، ولا يعرف أحوالها، ولم يكتشف حجمها، وخصوصياتها، ولا يعرف وسائلها، وهو عاجز عن مواجهتها ومقاومتها.

أو لأجل أن ما رأه أوجب بلبالاً، وقلقاً متواصلاً على مصيره وسلامة مسيره، فهو يريد أن يعيد النظر في أموره، ويصحح مسيره، ويستدرج الآراء، ليأخذ بأيسرها عليه. إذا كان يحفظ له الحال التي هو عليها، ويعطيه الشعور بالسلام والسلامة ويبقى هنا سؤال، عن السبب في عدم تواتر رواية هذا الحدث الغريب والعجيب، مع توفر الدواعي على نقله، وتداوله.

ويمكن أن يجاب:

أولاً : بأن السلطة الغاشمة لم تكن تسمح بشيوع الروايات المظهرة لفضل، وحقانية ما عليه أهل البيت «علیهم السلام»، أو التي

تدين سياسات وممارسات أعدائهم..

ثانياً: إن معاوية نفسه هو الذي أصدر أوامره لمن حوله من وعاظ السلاطين بالمنع من رواية أي شيء في عليّ وأهل بيته، وطلب أن لا تبقى فضيلة له «علیه السلام» إلا ويأتوه بمثلها في أعدائه ومناوئيه (1).

ثالثاً : هناك أمور كثيرة تتوفر الدواعي على نقلها، ولم تنقل لنا بأكثر من هذا فلم تتجاوز أخبار الآحاد، بل هناك من العجائب والغرائب لم تصل أخبارها إلينا أصلا.. ربما لأنها تعثرت في هذا الطريق الطويل، المملوء بالموانع والمهالك، بسبب الكوارث والمآسي، والنكبات التي تعرض لها حملة الآثار عبر الدهور والأعصار، فإنهم كثيرا ما أحرقت مكتباتهم، ونهبت مدخراتهم، ولا نريد أن نقول أكثر من ذلك.

قطرة من دم الحسين «علیه السلام» :

قال خواند أمير المتوفى في القرن العاشر الهجري، وابن أعثم الكوفي المتوفى سنة 314 ه ما ترجمته.. والنص لابن أعثم:

«.. لما وضع رأس الحسين عند ابن زياد أخذه بيده، وجعل ينظر إلى وجهه وشعره، فارتعش اللعين ارتعدت يداه ارتعاشاً شديداً.

فوضع الرأس على فخذه فسال من حلقه (فقطرت قطرة من نحره


1) راجع : النصائح الكافية لمن يتولى معاوية من ص 72 حتى ص 74.

الشريف على ثوبه) فنفذت منه إلى فخذه فجرحه جرحاً منكراً، وأصبح متعفنا، فكلما عالجه لم ينفع، وصار يزداد عفونة ونتنا، فكان يحمل معه المسك لاخفاء ذلك النتن، حتى هلك لعنه اللّه» (1).

ونقول:

لعل من فوائد هذا الذي جرى لابن زياد ما يلي:

ألف: إن الجبابرة ينسون عادة أو يتناسون جرائمهم السابقة، فلا يتذكرونها إلا قليلاً، وذلك حيث لا يضرهم ولا يزعجهم تذكرهم لها ولعل انشغالهم بجرائم حاضرة، يساعد على استغراقهم في هذا النسيان، وعدم الاهتمام بها ولها، لأنهم يرونها أمراً عادياً، لا يستحق التفكير فيه، ولا ينبغي أن يشغلوا بالهم به..

ولكن بما أن تلك القطرة الشريفة قد تركت أثراً ظاهراً في جسد ذلك الطاغية، وهو الجرح المتعفن، فلا بد أن يشعر باستمرار بالمعاناة منه، لأنه جرح لا يشفى، وتبقى آلامه ملازمة له، وبذلك يصبح مضطراً لتذكر الحدث الذي أدى إلى ذلك الجرح.

ب: إن نفس شعور ابن زياد بالعجز عن معالجة هذا الجرح،


1) حبيب السير ج 2 ص 59 والفتوح لابن أعثم (الترجمة الفارسية)، وروضة الأحباب كما في ناسخ التواريخ (قسم سيد الشهداء) ج 30 ص 59 و 60 ومعالي السبطين ج 2 ص 109 والإمام الحسين وأصحابه (للشيخ فضل علي القزويني) ج 1 ص 393 ووسيلة الدارين ص363.

والتخلص من آلامه وتبعاته المختلفة، سيكون من أسباب ذله، وصغر نفسه، وسيصبح شعوره بهذا العجز عذابا له فوق العذاب الجسدي الملازم له.

وقد قال المنصور العباسي للصادق «علیه السلام»: لأي شيء خلق اللّه الذباب؟!

قال «علیه السلام»: ليذل به الجبارين (1).

ج: ومما يزيد في ذل وانكسار ابن زياد خشيته الدائمة من ظهور تلك الرائحة النتنة لجلسائه، فإن هذا يشعره بالهوان والصغار،


1) علل الشرائع ج 2 ص 496 وبحار الأنوار ج 47 ص 166 وج 61 ص 311 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 424 وتاريخ مدينة دمشق ج 60 ص 113 وتهذيب الكمال ج 5 ص 92 و 93 وج 28 ص 439 وسير أعلام النبلاء ج 6 ص 264 وج 7 ص 201 و 202 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 9 ص 639 وتاريخ الخلفاء ص 294 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 375 والوافي بالوفيات ج 11 ص 100 ومطالب السؤول ص 440 و (ط طهران) ص 82 وكشف الغمة ج 2 ص 370 ومعارج الوصول ص 136 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 915 و (ط الغري) ص 206 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 12 ص 275 عن: حلية الأولياء (ط السعادة بمصر) ج 3 ص 198 والتذكرة لابن الجوزي (ط الغري) ص 353 والمختار في مناقب الأخيار للشيباني (نسخة مكتبة الظاهرية بدمشق) ص 17 ونور الأبصار للشبلنجي (ط العثمانية بمصر) ص200 وأخبار الدول وآثار الأول للقرماني (ط بغداد) ص 112.

ولاسيما إذا بدا الضيق على أولئك الجلساء، وصاروا يختلقون الأعذار للابتعاد عنه، تحاشياً منهم لرائحته الكريهة.

د: إن ذلك الطاغية لا بد أن يبقى في حيرة من أمره، فإنه لم يعهد أن ادَّعى أحد أن قطرة دم تحدث جرحا له هذا الأثر، ثم يكون هذا الجرح مستعصيا على العلاج.. ثم يصبح ذلك الجرح مصدر إزعاج للجلساء، وإحراج للطواغيت.

ويتفاقم انزعاج ابن زياد أنه لو ذكر ذلك لأي كان من الناس، فإنه سوف لا يتردد في وضع هذا الأمر في خانة الكرامة الإلهية للحسين «علیه السلام»، والمعجزة الربانية التي تهدف إلى اظهار الغضب الإلهي الدائم على قاتله.

ه: إن نفس أن يعيش ابن زياد حالة الإرباك الدائم، والانشغال المستمر بنفسه، سيضعضع كيانه ويهزمه نفسياً، ويحد من قدرته على مواصلة ارتكاب الجرائم والعظائم.

العدوان على الرأس الشريف:

1 - ذكر عبد اللّه بن عمر الوراق في كتاب (المقتل)، أنّه لمّا حضر الرأس بين يدي ابن زياد أمر حجاماً، فقال له: قوّره

فقوَّره وأخرج لغاديده ونخاعه، وما حوله من اللحم - واللغاديد ما بين الحنك وصفحة العنق من اللحم - فقام عمرو بن حريث المخزومی فقال یا ابن زیاد قد بلغت حاجتك من هذا الرأس فهب لي ما ألقيت منه.

فقال: ما تصنع به؟!

فقال: أواريه.

فقال: خُذه.

فجمعه في مطرف خرّ كان عليه، وحمله إلى داره، فغسله، وطيّبه، وكقنه، ودفنه عنده في داره، وهي بالكوفة تعرف بدار الخز، دار عمرو بن حريث المخزومي (1).

2 - قال الخوارزمي: «.. ولما جيء برأس الحسين إلى عبيد اللّه، طلب من يقوّره، ويصلحه، فلم يجرؤ أحد على ذلك، ولم يحر جواباً.

فقام طارق بن المبارك، فأجابه إلى ذلك.

فقام به، فأصلحه، وقوَّره.

فنصبه (يعني ابن زیاد) بباب داره»(2).

3 - قال اليافعي: وذكروا مع ذلك ما يعظم من الزندقة والفجور ؛ وهو أن عبيد اللّه بن زياد أمر أن يقوَّر الرأس المشرف المكرم، حتى ينصب في الرمح، فتحاشى الناس عن ذلك.

فقام من بين الناس رجل يقال له طارق بن المبارك، بل هو ابن


1) تذكرة الخواص ج 2 ص 191 و 192 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 52.

2) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 58 و 59.

المشؤم المذموم، فقوَّره، ونصبه بباب المسجد الجامع.

وخطب خطبة لا يحل ذكرها» (1).

ونقول:

توضیحات:

قوَّر الشيء : قطعه من وسطه خرقاً مستديراً.

فنصبه بباب داره أي أن ابن زياد فعل ذلك.

ونصبه بباب المسجد أي أن ابن زياد فعل ذلك.

فخطب خطبة لا يحل ذكرها المقصود ابن زياد أيضاً.

التشويه للتمويه:

وقد رأينا: أن رواية الخوارزمي حاولت بقولها: طلب من يقوره، ويصلحه، ثم قولها: «فقام به، فأصلحه، وقوره».

• حاولت - تلطيف هذا العمل الإجرامي، والتخفيف من قبح هذا التجويف الذي كان في غاية القبح، حتى لقد اعتبر اليافعي الإقدام عليه أعظم من الزندقة والفجور.

ويشهد لصحة قول اليافعي هذا: قول رواية الخوارزمي بالذات: فلم يجسر أحد على ذلك»، وقول اليافعي: «فتحاشى الناس عن ذلك»، فلولا أن هذا الأمر كان جريمة عظيمة بنظر الناس، فلماذا


1) مرآة الجنان ج 1 ص 135.

يتحاشونه؟! بل لماذا لا يجسرون على الاقدام عليه؟!

ابن حريث يستدرك بعض الأمر:

ويبدو: أن عمرو بن حريث قد لاحظ: استعظام الناس ما فعله ابن زیاد وخوفهم من عواقبه فحاول أن يهدئ من روعهم، فطلب من ابن زياد أن يسمح له بأخذ ما استخرجه ذلك المجرم من الرأس الشريف، لكي يدفنه.

فسمح له به فحمله إلى بيته وفعل ما ينبغي أن يفعل حسب قول الراوي.

ونحن وإن كنا نعلم أن عمرو بن حريث كان من المنحرفين عن خط السلامة والاستقامة، ومن أعوان الظلمة، ولم نطلع على حقيقة نيته، ودوافعه لإقدامه على هذا الأمر.

ولكننا نرى: أنه عمل مرضي في حد نفسه، وإن كنا نتمنى أن لو كان ابن حريث قد تدخل لإقناع ابن زياد بعدم التصرف بالرأس الشريف بالتقوير الذي تحدثت عنه النصوص المتقدمة.

أو لو أنه ردعه عن ضرب ثنايا الحسين «علیه السلام» بالقضيب.

أو لو أنه منعه من وضع رجله على الرأس الشريف، حين جيء به إليه.

بل هو ابن المشؤوم:

وقد لفت نظرنا قول اليافعي عن ذلك الحجام المشؤوم: طارق بن المبارك، «بل هو ابن المشؤوم».

فوجَّه شتيمة إلى أب ذلك الحجام، ووصفه بالمشؤوم، فإن كان يعرف والد ذلك الحجام، ويعرف أنه مشؤوم، فلا اعتراض، وإن كان لا يعرف عنه شيئاً، فلم يكن ينبغي توجيه الشتيمة إليه، فإن المذنب هو ابنه طارق، وأما المبارك، فلا دليل على تورطه في شيء يوجب شتمه..

الباب الثالث: إلى كربلاء من جديد..

اشارة

الفصل الأول : دفن الأجساد ..

اشارة

الرسول.. ودفن الأجساد

عن غياث بن إبراهيم، عن الصادق جعفر بن محمد «عليه السلام»:

أصبَحَت يَوماً أُمُّ سَلَمَة تَبكي، فقيل لها : مِمَّ بُكَاؤُكَ؟

فقالت: لقد قُتِلَ ابْنِي الحُسَينُ «علیه السلام» الليلة، وذلِكَ أنَّني ما رَأَيتُ رَسولَ اللّه «صلی اللّه علیه وآله» مُندُ قبض إلا الليلة، فرأيتُهُ شاحباً كَئيباً.

قالت: فقلتُ: ما لي أراكَ - يا رسول اللّه - شاحِباً كَئيباً؟

قالَ: «ما زلتُ الليلة أحفِرُ قُبوراً لِلحُسَين وأصحابهِ عَليهِ وعَليهِمُ السلام» (1).


1) موسوعة الإمام الحسين ج 5 ص 73 عن الأمالي للمفيد ص 319 والأمالي للطوسي ص90 والأمالي للصدوق ص 202 عن أبي البختري وهب بن وهب، عن الإمام الصادق، عن آبائه «علیهم السلام»، عن أم سلمة، وروضة الواعظين ص 188 وفيه «روي : أصبحت...»، وبحار الأنوار ج 45 ص 230 و (منشورات الشريف الرضي) ص 170 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 509 وإبصار العين ص 13 ومستدرك سفينة البحار ج 6 ص 185.

2 - عن أم سلمة رأيتُ رَسولَ اللّه «صلی اللّه علیه وآله» فِي المَنامِ السَّاعَة شَعِثاً مذعوراً، فَسَأَلْتُهُ عَن شَأْنِهِ ذَلِكَ.

فَقالَ: «قُتِلَ ابْنِي الحُسَينُ وأهلُ بَيْتِهِ اليَومَ، فَدَقْنتُهُم، وَالسَّاعَةِ فَرَغتُ مِن دَفْنِهم» (1).

مشاركة الملائكة في دفن المعصوم:

1 - في بعض الروايات عن الإمام الصادق «علیه السلام»: أن عليا «علیه السلام» رأى الملائكة في مُنتَهَى السَّماواتِ إلى الأرض يُغَسِلُونَ النَّبِيَّ «صلی اللّه علیه وآله» مَعَهُ، وَيُصَلُّونَ مَعَهُ عَلِيهِ، ويَحفِرُونَ لهُ، وَاللّه ما حَفْرَ لَهُ غَيْرُهُم، حَتَّى إذا وُضِعَ فِي قبرِهِ نَزَلُوا مَعَ مَن نَزَلَ، فَوَضَعوه، فتَكَلَّمَ، وفُتِحَ لِأمير المُؤْمِنِينَ «علیه السلام» سَمَعُهُ، فَسَمِعَهُ يوصيهم بِهِ، فَبَكي.

وَسَمِعَهُم يَقُولُونَ: لا نَأْلُوهُ جُهداً، وإنَّما هُوَ صَاحِبُنا بَعدَكَ، إِلَّا أَنَّهُ ليس يُعايتنا ببَصَرِهِ بَعدَ مَرَّتِنا هَذِهِ.

حتى إذا مات أميرُ المُؤمِنينَ «علیه السلام» رَأَى الْحَسَنُ وَالْحُسَينُ


1) موسوعة الإمام الحسين ج 5 ص 73 عن الأمالي للطوسي ص315 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 55 وليس فيه ذيله، والثاقب في المناقب ص 331 نحوه، وبحار الأنوار ج 45 ص 231.

«علیهما السلام» مِثلَ ذلِكَ الَّذي رَأى، ورأيَا النَّبِيَّ «صلی اللّه علیه وآله» أيضاً يُعينُ المَلائِكَة مِثلَ الَّذي صَنَعوهُ بالنَّبِيِّ.

حَتَّى إذا مات الحَسَنُ «علیه السلام» رأى مِنْهُ الحُسَينُ «عليه السلام» مِثلَ ذلِكَ، ورأى النَّبِيَّ «صلی اللّه علیه وآله» وعَلِيّا «علیه السلام» يُعينان المَلائِكَة.

حَتَّى إذا مات الحُسَينُ عليه السلام» رأى عَلِيُّ بنُ الْحُسَين «علیه السلام» مِنهُ مِثْلَ ذلِكَ، ورأى النَّبِيَّ «صلی اللّه علیه وآله» وعَلِيّا وَالحَسَنَ «علیهما السلام» يُعينونَ المَلائِكَة.

حَتَّى إِذا مات عَلِيُّ بنُ الحُسين «علیه السلام» رَأَى مُحَمَّدُ بنُ عَلِيٍّ «علیه السلام» مِثلَ ذلِكَ، ورأى النَّبيَّ «صلی اللّه علیه وآله» وعَلِيّا «عليه السلام» وَالحَسَنَ وَالحُسَينَ «علیهما السلام» يُعينونَ المَلائِكَة.

حَتى إذا مات مُحَمَّدُ بنُ عَلِيٍّ رَأَى جَعَفَرٌ مِثلَ ذلِكَ، وَرَأَى النَّبِيَّ «صلی اللّه علیه وآله» وعَلِيّاً «علیه السلام» وَالحَسَنَ وَالْحُسَينَ وَعَلِيَّ بنَ الحُسَين «علیهم السلام» يُعينونَ المَلائِكَة، حتى إذا مات جَعَفَرٌ رَأى موسى «علیه السلام» مِنهُ مِثْلَ ذلِكَ، هكذا يَجري إلى آخِرِنا (1).


1) موسوعة الإمام الحسين ج 5 ص 75 عن بصائر الدرجات ص 225 و (منشورات الأعلمي) ص 245 والخرائج و الجرائح ج 2 ص 778 عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي الحسن «علیه السلام»، وبحار الأنوار ج 22 ص 513 ح 13 و ج 27 ص 289 و 290 ومدينة المعاجز ج 3 ص 47 و 380 وج 4 ص 218 و 434 وينابيع المعاجز ص 158 ونور الثقلين (تفسير) ج 5 ص 640.

2 - جاء في حديث ذكره بعض تلامذة ابن قولويه، عن الإمام السجاد «علیه السلام»: أنه لما استشهد الإمام الحسين «علیه السلام» وأصحابه هبطت إلى الأرض ملائكة من السماء السابعة، معهم آنية من الياقوت والزمرد، مملوءة من ماء الحياة، وحلل من حلل الجنة، وطيب من طيب الجنة، فغسلوا جثثهم بذلك الماء، وألبسوها الحلل، وحنطوها بذلك الطيب، وصلى الملائكة صفا صفا عليهم الخ.. (1).

ونقول:

لاحظ ما يلي:

رؤيا أم سلمة: فوائد وعوائد:

1 - إن من المعلوم: أن أم سلمة كانت تعرف رسول اللّه «صلی اللّه عليه وآله» معرفة حقيقية وحسية، فإذا رأته في المنام، فلا مجال للشبهة ولا للالتباس. فتكون قد رأته على الحقيقة.

وقد ورد في الرواية: أن من رأى النبي «صلی اللّه علیه وآله» والأئمة في المنام فقد رآهم، فإن الشيطان لا يتمثل بهم (2).


1) كامل الزيارات (نشر صدوق) ص 277 و (ط مؤسسة النشر الإسلامي) هامش ص 444 وبحار الأنوار ج 28 ص 59 و ج 45 ص 182 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 364 ومستدرك سفينة البحار ج 6 ص 183.

2) الأمالي للصدوق ص 121 وكمال الدين ص 70 ومن لا يحضره الفقيه ج 2 ص 585 وروضة الواعظين (منشورات الشريف الرضي) ص234 وعيون أخبار الرضا ج 2 ص288 وكتاب سلیم بن قيس ص350 والفرج بعد الشدة ج 1 ص 179 وبحار الأنوار ج 49 ص 283 وج 58 ص 176 و 216 و 234 و 235 و 236 و 241 وج 99 ص 32 وكشف الغمة ج3 ص 120 وإعلام الورى ج 2 ص 71 وإرشاد القلوب ج 2 ص 393 والفوائد الرجالية ج 1 ص 32 والصراط المستقيم ج 3 ص 155 ومدينة المعاجز ج 2 ص 93 و ج 7 ص 183 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 1 ص 229 ومستدرك سفينة البحار ج 5 ص 405 وراجع: مسند أحمد ج 1 ص 400 و 440 و ج 2 ص 232 و 342 و 411 و 463 وج3 ص 269 وسنن الدارمي ج 2 ص 124 وصحيح البخاري ج 1 ص36 وج 7 ص 118 وج 8 ص 71 وصحيح مسلم ج 7 ص 54 وسنن ابن ماجة ج 2 ص 1284 و 1285 وسنن الترمذي ج 3 ص 365 والمستدرك للحاكم ج 4 ص 393 ومجمع الزوائد ج 7 ص 173 و 181 ومسند ابن راهويه ص173 ج 1 ص 287 والشمائل المحمدية ص 211 ومسند أبي يعلى ج6 ص 41 وج 9 ص 162 وج 11 ص 372 وسبل الهدى والرشاد ج 10 ص 460 وكفاية الطالب ج 2 ص 258 والحد الفاصل ص 503 والمعجم الأوسط ج 1 ص 192 و 291 و ج 2 ص 56 وج 3 ص 238 وج 4 ص 115 والمعجم الصغير ج 1 ص 100 والمعجم الكبير ج 12 ص 31 و 165 ومسند الشاميين ج 3 ص 397 وكنز العمال ج 15 ص 381 و 382 و 383 384 وكشف الخفاء ج 2 ص 250 وعلل الدارقطني ج 3 ص 170 وج 5 ص 12 وتاريخ بغداد ج 10 ص 37 وطبقات الحنابلة ج 2 ص 218 وتاريخ مدينة دمشق ج 46 ص 322 وفتوح الشام ج 1 ص 227 وربيع الأبرار ج 5 ص 294 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 14 ص 60 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 8 ص 509 ومرآة الجنان ج 1 ص 53 وإمتاع الأسماع ج 10 ص 291 والمستطرف ج 2 ص 555.

أما مضمون هذه الرؤية، فهو يطابق الواقع الخارجي، حيث يتطابق وقت الرؤيا مع وقت الاستشهاد، وهذا يظهر صحة مضمون الرؤيا أيضاً من دون أن تشوبها شائبة توجب وهنها..

2 - إن هذه الرؤيا تستبطن التكريم العظيم للإمام الحسين «عليه السلام»، وتدل على جليل مقامه، وعظيم منزلته عند اللّه وعند رسوله.

3 - إن هذه الرؤيا حين يتجلى صدقها تكون جزءاً من سبعين، أو من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، كما ورد في الرواية (1). وهي بشارة من اللّه للمؤمن (2)تحدد لكل البشر وإلى يوم القيامة نبراس الهدى، وسفينة النجاة لهم، وتؤكد صحة وسلامة النهج الحسيني


1) راجع حول كونها جزءاً من ستة وأربعين جزءاً : بحار الأنوار ج 58 ص 178 و 191 و ج 3 7 ص 220 وهي روايات واردة من غير طرق الشيعة. وروايات الشيعة التي تقول إنها جزء من سبعين جزءاً، فهي في بحار الأنوار ج 58 ص 234 و 167 و 176 و 177 وج 49 ص 283 وج64 ص 66 وج 99 ص 32. وفي بعض الروايات عن النبي «صلی اللّه علیه وآله»: إنها جزء من سبعة وسبعين جزءاً من البنوة.

2) راجع: بحار الأنوار ج 58 ص 180 وراجع ص 191 و 192.

الأصيل، وأنه وحده النهج الذي يرضاه اللّه ويريده من عباده، ولا تبقي عذراً لمعتذر، ولا حيلة لمتطلب حيلة.

4 - إن هذه الرؤيا أيضاً تحدد المعتدي والظالم، وتميزه عن المظلوم والمعتدى عليه.

5 - وهي أيضاً ليست رؤيا عادية، بل هي واحدة من المفردات الخارقة للعادة، التي تجعلها فعلاً إلهيا إعجازياً، قاهرا للعقول. فما أجلها من رؤيا، وما أعظم بركاتها، وأسنى عطاءاتها لمن تفكر وتدبر، واتعظ و تبصرَّ..

اليوم قتلوا، والساعة دفنتهم:

وقد يتساءل المرء عما ذكرته الرواية الثانية المتقدمة عن أم سلمة من أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» قال لها في عالم الرؤيا قتل ابني الحسين وأهل بيته اليوم، والساعة فرغت من دفنهم». فإنه:

أولاً: اقتصر على ذكر الحسين «علیه السلام» وأهل بيته، ولم يذكر أصحابه.

ثانياً : إن الإمام الحسين «علیه السلام» لم يدفن في نفس اليوم الذي استشهد فيه، بل بقي إلى اليوم الثاني عشر، أو الثالث عشر من المحرم، فلا تطابق بين ما ذكر في منام أم سلمة، وبين ما جرى في كربلاء.

ونجيب على السؤال الأول:

بأن من المعلوم: أن ما كان يريده بنو أمية من تلك الحرب هو

إبادة أهل البيت «علیهم السلام» على بكرة أبيهم، وقد فعلوا ذلك يوم عاشوراء، حيث لم يفلت منهم إلا من يسر اللّه تعالى له ذلك.

وأما الأصحاب، فلو أنهم لم يتصدوا لإفشال هذا المخطط، بمحاماتهم عن الحسين وأهل بيته، فإنهم لم يكونوا جزءاً من مشروع وأهداف بني أمية، ولكنهم حين أرادوا منعهم من قتل الحسين «عليه السلام» وأهل بيته عمدوا إليهم، وقتلوهم.

وهذا يدلنا على أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» بذكره خصوص الحسين «علیه السلام» وأهل بيته أراد أن يدل الناس على أهداف بني أمية، وأن الإنتقام منه «صلی اللّه علیه وآله» هو الهدف الأقصى لهؤلاء الأشرار. وقد صرحوا بأن مرادهم الأخذ بثار من قتلهم «صلی اللّه علیه وآله» من المشركين في بدر، وكان علي «علیه السلام» هو صاحب النصيب الأوفر في قتل أئمة الكفر في بدر.

قال بعض الإخوة الأكارم:

من المحتمل أيضاً: أن خصوصية كون الشخص من أهل البيت «علیهم السلام»، كالحسين وأهل بيته هي التي تقتضي مباشرة النبي «صلی اللّه علیه وآله» للدفن، كما جاء في الرواية، فجاء المنام على ما تقتضيه هذه الخصوصية.

ويحتمل: أن يكون «صلی اللّه علیه وآله» جعل الأصحاب من أهل بيت الحسين «علیه السلام» على قاعدة: «سلمان منا أهل البيت»، فيكون اقتصاره على ذكر أهل بيته لشموله للجميع، كما أن

اقتصاره في الرواية الأولى على ذكر «أصحابه»، لشموله للجميع، وإن كان الشمول في الثاني صحيحاً على كل حال.. واللّه أعلم.

ونجيب على السؤال الثاني:

بأن ما يجري في العالم الآخر لا يجب أن يتطابق مع ما يجري في الدنيا، لما يلي:

إنه بغض النظر عن الحديث عن أنه هل يبقى للزمان أثر وموقع مسار الأمور في ذلك العالم أو لا، فإن النبي «صلی اللّه علیه وآله» في ذلك العالم يتعامل مع الأمور وفق ما يجب أن يكون، وما رسمه اللّه تعالى.

أما ما يجري في الدنيا، فيبقى خاضعاً لإرادات الناس، وظروفهم، والدوافع والموانع، والأحوال المختلفة التي تفرض نفسها، ومنها أهواء الناس، وقدراتهم، وما إلى ذلك.

فإذا كان الحسين «علیه السلام» قد استشهد في يوم بعينه هذا اليوم فإن إجراء مراسم الدفن في ذلك العالم يجري وفق ما يجب. ولا يجب أن يتطابق مع ما يجري في الدنيا.

والخلاصة:

إنه إذا كان الواجب هو المبادرة إلى هذه المراسم وعدم انتظار ما يفعله أهل الدنيا بالأجساد الطاهرة، فإنهم قد يبادرون إلى فعل ما يجب، وقد يقصرون، وقد يتعمدون الخلاف، وقد يغفلون، أو ينسون، وقد.. وقد..

فلا يجب تطابق ما يجري في ذلك العالم مع ما يجري في الدنيا.. فذاك عالم الحقائق والعصمة، وعالم الكاملين المعصومين، وعالم الدنيا عالم الخطأ والعصيان، والخطائين، والعاصين، والمقصرين والقاصرين.

ما زلت أحفر قبوراً:

وذكرت الرواية المتقدمة برقم :[1] أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» هو الذي حفر القبور للحسين «علیه السلام» وأصحابه.

وذلك يعني: أن دفنهم ينبغي أن يكون في قبور مستقلة، لا في حفرة واحدة، كما ورد في بعض النصوص.

وفي الرواية الأخرى برقم [2]: إنه «صلی اللّه علیه وآله» هو الذي دفن الحسين «علیه السلام»، وأهل بيته وهذا يدل على مزيد كرامة، وجليل مقام للحسين «علیه السلام» وأهل بيته.

يضاف إلى ذلك : أنه «صلی اللّه علیه وآله» ذكر لأم سلمة أنه هو الذي حفر قبور الأصحاب كما في الرواية الأولى..

لكن الرواية الثانية ذكرت: أنه هو الذي دفن أهل بيت الحسين «علیه السلام». لمزيد خصوصيتهم في الحرب حسبما أشرنا إليه.

رواية المشاركة:

ويجب لفت نظر القارئ الكريم إلى أن رواية مشاركة الملائكة دفن المعصومين قد دلت على حضور الإمام السجاد «علیه السلام»

دفن الأجساد، وأن الملائكة قد أعانته على دفنهم.

وسيأتي المزيد من الكلام حول هذا الموضوع إن شاء اللّه.

دفن الأصحاب:

1 - دَفَنَ الحُسَينَ «علیه السلام» وأصحابَهُ «رحمهم اللّه» أهلُ الغاضريَّةِ (1)مِن بَني أسَدٍ بَعدَمَا قُتِلُوا بِيَومٍ (2).

زاد في بعض المصادر قوله : وكانوا يجدونَ لِأكثرهم قبوراً، ويَرَونَ طيورا بيضا (3).

2 - لمَّا انفَصَلَ ابنُ سَعْدٍ عَن کَربَلاءَ خَرَجَ قومٌ مِن بَنِي أَسَدٍ


1) الغاضرية : هي قرية من نواحي الكوفة قريبة من كربلاء، منسوبة إلى غاضرة من بني أسد. راجع: معجم البلدان ج 4 ص 183.

2) جمل من أنساب الأشراف ج 3 ص 411 وأنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج 3 ص 205 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 455 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 348 والكامل في التاريخ ج 4 ص 80 والبداية والنهاية ج 8 ج4 ص 189 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 205 والإرشاد ج 2 ص 114 وإعلام الورى ج 1 ص 470 كلها نحوه، ومروج الذهب ج 3 ص 72 والأخبار الطوال ص 260 ونهاية الأرب ج 20 ص 463 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2631 وشرح إحقاق الحق (المحقات) ج 33 ص 677.

3) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 112 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 259 وبحار الأنوار ج 45 ص 62 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 306.

فَصَلُّوا عَلَى تِلْكَ الجُنَّثِ الطُّواهر، المُرَمَّلةِ (1)بالدِّماءِ، ودَقنوها عَلى ما هِيَ الآنَ عَليهِ (2).

3 - فَلمَّا ارتَحَلوا [أي عُمَرُ بنُ سَعدٍ وأصحابه] إلى الكوفة وتَرَكُوهُم عَلى تِلكَ الحالةِ، عَمَدَ أهلُ الغاضريَّةِ مِن بَنِي أَسَدٍ، فَكَفَّنوا أصحابَ الحُسَين «علیه السلام»، وصلوا عليهم ودفنوهم، وكانُوا اثنين وسَبعينَ رَجُلاً (3).

4 - قال الشيخ المفيد «رحمه اللّه»:

لمّا رَحَلَ ابنُ سَعدٍ خَرَجَ قومٌ مِن بَني أَسَدٍ، كانوا نُزولاً بالغاضريَّةِ إلى الحُسَين «علیه السلام» وأصحابهِ رَحمَهُ اللّه عَليهم، فصلوا عليهم،


1) رَمَّلُهُ بالدم فترمّل: أي تلطخ راجع: الصحاح ج4 ص 1713 مادة «رمل».

2) الملهوف ص 190 و (نشر أنوار الهدى) ص 85 ومثير الأحزان ص 85 نحوه، وبحار الأنوار ج 45 ص 107 و 62 وأشار إلى ذلك أيضاً في: تسلية المجالس ج 2 ص 326 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 367 و 306 وراجع: التتمة لتاج الدين العاملي ص 80 ومدينة المعاجز ج 4 ص 121.

3) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 39 وبحار الأنوار ج 45 ص 62 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 306 والإرشاد ج 2 ص 126 وإعلام الورى ج 1 ص 476 وتاج المواليد (مجموعة نفيسة) ص 107 كلاهما نحوه، وراجع: إثبات الوصيّة ص 178 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 77 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 259 وينابيع المودة ج 3 ص 86.

ودَفنُوا الحُسَينَ «علیه السلام» حيث قبرُهُ الآن، ودَفنُوا ابْنَهُ عَلِيَّ بنَ الحُسَين الأصغَرَ «علیه السلام» (1)عِندَ رجليهِ، وحَفَرُوا لِلشُّهَدَاءِ مِن أهل بَيْتِهِ وأصحابهِ الَّذينَ صُرعوا حولهُ مِمّا يلي رجلي الحُسَين «علیه السلام»، وجَمَعوهُم، فَدَفنوهُم جَميعاً مَعاً، ودَفَنُوا العَبّاسَ بنَ عَلِيٍّ «علیهما السلام» في مَوضِعِهِ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ عَلى طريق الغاضريَّة، حَيثُ قبرُهُ الْآنَ (2).

5 - قال الشيخ المفيد «رحمه اللّه» أيضاً:

فأما أصحابُ الحُسَين رَحمَهُ اللّه عَليهِمُ الَّذِينَ قُتِلُوا مَعَهُ، فَإِنَّهُم دُفِنوا حوله، ولسنا تُحَصِّلُ لهم أجداثا عَلى التحقيق والتفصيل، إلا أنّا لا نَشْكُ أَنَّ الحائِرَ مُحيط بهم، رَضِيَ اللّه عَنهُم وأرضاهم، وأَسكَنَهُم جَنَّاتِ النعيم (3).


1) المراد: عليّ الأكبر.

2) الإرشاد ج 2 ص 114 وإعلام الورى ج 1 ص 470 وبحار الأنوار ج 45 ص108 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 367 وإعلام الورى ج 1 ص 470 والدر النظيم ص 559 وإبصار العين ص219.

3) راجع: الإرشاد ج 2 ص 126 والأنوار النعمانية ج 3 ص 263 وإعلام الورى ج 1 ص 477 وتاج المواليد (مجموعة نفيسة) ص108 و 109 و (ط سنة 1406ه) ص 33 كلاهما نحوه. وراجع: إثبات الوصية ص178 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 77 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 231 وبحار الأنوار ج 44 ص 199 والعوالم، الإمام الحسين ج17 ص 327.

6 - جاء في حديث ذكره أحد تلامذة ابن قولویه، صاحب کتاب كامل الزيارات: «ثم يبعث اللّه قوماً من أمتك، لا يعرفهم الكفار، لم يشركوا في تلك الدماء بقول ولا فعل ولا نية، فيوارون أجسامهم، ويقيمون رسماً لقبر سيد الشهداء بتلك البطحاء، يكون علماً لأهل الحق، وسبباً للمؤمنين إلى الفوز الخ..(1).

7 - إن مما يؤيد مشاركة بني أسد في دفن الشهداء من الأصحاب قول ابي نعيم الأصبهاني المتوفى سنة خمس وثلاثين وأربع مئة: «ودفن بنو أسد حبيبا عند رأس الحسين، حيث قبره الآن اعتناء بشأنه، لأنه منهم ورئيسهم» (2).

ونقول:

1 - لا ريب في أن حضور الإمام زين العابدين إلى كربلاء من الكوفة ومشاركته في دفن الأجساد الطاهرة من دون أن يشعر به أحد، من سجانيه وغيرهم، يعد أمراً إعجازياً. يصعب تصديقه على ضعفاء الإيمان بالغيب وسيحرص على إنكاره، والتشكيك به من يعادي أهل البيت «علیهم السلام»، ويقاتلهم ويقتلهم. ويمالئ عدوهم. وسينكر ما


1) كامل الزيارات (نشر صدوق) ص 277 و (ط مؤسسة النشر الإسلامي) هامش ص 444 ومستدرك الوسائل ج 10 ص 216 وبحار الأنوار ج 28 ص 59 و ج 45 ص 182 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 365.

2) الإمام الحسين «علیه السلام» وأصحابه للقزويني ج 1 ص 374 و 375 عن حلية الأولياء.

ورد، من أن الحجة لا يتولى أمره إلا الحجة.

والأكثر غرابة، وصعوبة على هؤلاء الأعداء أن يكون النبي، وعلي، والإمام الحسن والملائكة عليهم جميعاً الصلاة والسلام، قد شاركوا وأعانوا الإمام السجاد على حفر قبور الشهداء في كربلاء، والصلاة عليهم، وتحنيطهم، وغير ذلك من مراسم دفنهم. كما تقدم في الروايات.

وسوف يصعب عليهم تصور ذلك، فما بالك بقبوله والاقتناع بوقوعه؟!

2 - إننا لا نجد حرجاً بإطلاق القول: بأنه ليس ضرورياً أنه إذا حضرت الملائكة، وكذلك النبي «صلی اللّه علیه وآله» وعلي والحسن «علیهما السلام»، وشاركوا في مراسم دفن الإمام الحسين «علیه السلام» أن يكون بنو أسد قد رأوهم، فإن رؤية الملائكة ليست ميسورة للبشر في الظروف العادية - إلا إذا أذن اللّه تعالى لهم بذلك - بل إن البشر لا يرون الجن أيضاً، إلا في حالات معينة، فما بالك بالملائكة..

كما أن البشر العاديين وهم في الدنيا لا يرون من انتقلوا إلى عالم البرزخ والآخرة، لأن هناك تفاوتاً أساسياً في الحياة بين هذا العالم وذلك العالم.

ولكن اللّه سبحانه قد يُري بعض عباده الذين انتجبهم بعلمه، واختارهم لدينه بعض أهل ذلك العالم حين تمس الحاجة إلى ذلك..

متى دفن الشهداء؟!

تقدم في النصوص: أن بني أسد قد دفنوا الأجساد الطاهرة بعد ما قتلوا بيوم.

وفي نص آخر: أنهم دفنوهم لما انفصل ابن سعد عن كربلاء.. أو لما ارتحلوا إلى الكوفة (يعني عمر بن سعد وجيشه).

وهذا يدل على أن دفن الشهداء قد حصل بعد ظهر اليوم الحادي عشر من المحرم، لأن ابن سعد قد ارتحل من كربلاء بعد الزوال، كما صرحت به النصوص.

وقد احتمل بعضهم: أن يكون الدفن قد حصل بعد يوم من رحيل ابن سعد من كربلاء. أي في اليوم الثاني عشر من المحرم، إن لم يكن في الثالث عشر.

إلا أن يقال: إن الرواية الآتية تحت عنوان: «حضور السجاد دفن أبيه» تدل على أن مجيئه «علیه السلام» إلى كربلاء لدفن الأجساد كان بعد وصوله أسيراً إلى الكوفة.

ولكننا سوف نناقش في دلالة الرواية على هذا إن شاء اللّه.

هل كان الشهداء في حفرة واحدة؟!

تقدم في النص رقم [1] تحت عنوان: «مراسم دفن الأجساد»، قوله عن بني أسد : «وكانوا يجدون لأكثرهم قبوراً، ويرون طيوراً بيضا».

والنص المتقدم برقم [5] يقول عن أصحاب الحسين «عليه السلام»: «فإنهم دفنوا حوله» ولسنا نحصل لهم اجداثاً على التحقيق والتفصيل، إلا انا لا نشك أن الحائر محيط بهم.

وتقدم تحت عنوان: «الرسول ودفن الأجساد»: ما زلت الليلة أحفر قبوراً للحسين وأصحابه.

وكل ذلك يدل على أن كل شهيد حفر له قبر خاص، فما ورد في النص المتقدم برقم [4] تحت عنوان مراسم دفن الأجساد، حيث :يقول : «وحَفَرُوا لِلشُّهَداءِ مِن أهل بَيتِهِ وأصحابهِ الَّذِينَ صُرِعوا حوله مِمَّا يَلى رجلى الحُسَين «علیه السلام»، وجَمَعوهُم، فَدَقنوهُم جَميعاً مَعاً...». ليس هو ما حصل بالفعل، ولا يُطْمَأنُ إليه، ولا يعتمد عليه.

يرون طيوراً بيضاً:

ورد في النص المتقدم برقم [1] تحت عنوان: «مراسم دفن الأجساد» قوله: «وكانوا يجدونَ لِأكثرهم قبوراً، ويَرَونَ طيوراً بيضاً..».

وهذا صريح في أمرين:

أحدهما: أنهم قد دفنوهم أفراداً متفرقين في قبور حفروها لهم.

الثاني: أن لهذه القبور المعدة سلفاً شأناً فيما يرتبط بإعزاز اللّه تعالى لهم، ورعايته لأمرهم، وللدلالة على عظيم منزلتهم عنده، فإن هذه القبور من صنع اللّه تعالى لهم، ومن احتفائه بهم.

والطيور البيض ربما تكون للدلالة على اليمن والرضا، والصفاء

والنقاء، والسلام والسلامة، إن لم نقل إنها مرسلة بهدى من اللّه للتبشير بما أعده اللّه لهم في الدار الآخرة.

إختلافات في الروايات:

صرح النص المتقدم برقم [1]، وكذلك النص المتقدم برقم [4]:

بأن بني أسد أسد هم الذين دفنوا الحسين «علیه السلام»، وأصحابه.. وذلك بعدما قتلوا بيوم واحد..

وفي النص المتقدم برقم [4] : أنهم صلوا على تلك الجثث، ودفنوا الحسين «علیه السلام»، ومقتضى هذا البيان: أنهم هم الذين صلوا على جثة الإمام «علیه السلام» أيضاً.

ونقول:

إن النص المتقدم برقم [3] يصرح: بأن بني أسد إنما تولوا أمر أصحاب الحسين «علیه السلام» فقط. ولا يشير إلى الإمام الحسين نفسه بشيء.

كما أن النص المتقدم برقم [2] ذكر دفن بني أسد للجثث الطواهر، ولم يفصل الكلام في ذلك، فيحتمل أن يكون جسد الإمام مشمولاً لهذا القول ويحتمل أن لا يكون كذلك.

يضاف إلى ذلك: أن الرواية رقم [6] اكتفت بالحديث عن مواراة الأجساد، ولم تشر إلى أي شيء سوى ذلك، ولم تشر إلى جثمان الإمام الحسين «علیه السلام» أيضاً، فهي تشبه النص المتقدم برقم [2].

من غرائب الروايات:

الأغرب والأعجب: أن يروي لنا بعضهم أن ذكوان (أبا خالد) قال لابن زیاد: «خل بيني وبين هذه الرؤوس، فأدفنها. ففعل.

فكفنها، ودفنها بالجبانة، وركب إلى أجسادهم، فكفنهم، ودفنهم» (1).

ولا حاجة إلى مناقشة هذه الرواية، فإنها ظاهرة الخطل، وتكذبها:

1 - روايات دفن بني أسد للأجساد الطاهرة، وروايات دفن الإمام السجاد الأجساد أهل بيته وجسد الحسين «علیه السلام».

2 - إذا كان الشهيد لا يكفن إلا إذا خرج من ساحة المعركة، أو مات بعد انتهاء المعركة، أو وجد عارياً، فإن تكفين الرؤوس التي وصلت إلى الكوفة يصبح مفهوماً - لو صحت الرواية - لأنها أخرجت من المعركة، وأما تكفيين الأجساد في كربلاء، فلا معنى ولا مورد له، إلا إذا سلبت ثيابها ووجدت عارية.

فلماذا كفن مبعوث ابن زياد تلك الأجساد ؟!

وسيأتي تصريح أبي إسحاق الشيباني: بأنه «علیه السلام» دفن في ثيابه، مما يعني أنه لم يسلب جميع ثيابه.

3 - إن رأس الحسين «علیه السلام»، ورؤوس أهل بيته قد


1) الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 484 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 81.

أرسلت إلى الشام مع زحر بن قيس، ألم تكن تستحق أن تكفن وتدفن؟!

4 - إن ذكوان - حسب نص الرواية - قد استأذن ابن زياد بدفن الرؤوس بالكوفة، فكيف سار إلى كربلاء، وكفن الأجساد، ودفنها بدون إذن؟!

5 - وأخيرا.. هل صحيح أن ابن زياد يأذن لأحد بدفن الأجساد ؟! أم أنه لو طلب أحد منه ذلك، فسوف يتهمه، ويبطش به؟!

6 - يضاف إلى ما تقدم أن الروايات التي ذكرت أن بني أسد قد شاركوا في دفن أجساد أصحاب الحسين «علیه السلام». أو أنهم قد حضروا دفنها الذي تم على يد الإمام السجاد «علیه السلام» تكفي لرد هذه الإدعاءات.

ملاحظة : إن لنا الحق في أن نظن السوء في نوايا أصحاب أمثال هذه الترهات والأباطيل، فإن هدفهم منها هو التخفيف من حدة النقد الموجه لابن زياد ومن أعانه على هذه الجريمة، وإنما هي شنشنة أعرفها من أخزم.

وقد قلنا في بحثنا هذا: إن الإمام لا يلي أمره إلا إمام مثله. فلا يمكن أن يكون ذكوان قد تولى أمر الإمام الحسين في أي حال.

الشهيد يدفن في ثيابه:

مما لا ريب فيه أن أصحاب الحسين «علیه السلام» قد دفنوا في نفس الموضع الذي قتلوا فيه.. كما أننا لا نملك أي نص - مهما كان حاله - يقول: إن هؤلاء الأصحاب، وكذلك أهل البيت قد جردوا من ثيابهم

حتى أصبحوا عراة، ولم يمت أحد منهم بعد انتهاء القتال..

فلا مبرر للقول: بأنهم قد غسلوا أو كفنوا ثم دفنوا.. فلماذا يدعي بعض الناس ذلك؟

هل المقصود التشكيك في كونهم «علیهم السلام» شهداء؟! ويكون دليله أنهم قد كفنوا ثم دفنوا ؟!

الحسين دفن في ثيابه :

1 - روى ابن العديم أن رجلاً من آل حوشب بن يزيد، قال لأبي إسحاق الشيباني: إن مالك بن حوشب بن يزيد قتل وعليه جبة خز.

فقال له أبو إسحق الشيباني: وإن الحسين بن علي «رضوان اللّه عليهما» قتل وعليه جبة خز، وقد نصل خضابه، وكان يخضب بالسواد فدفن في ثيابه(1).

2 - كَانَ زُهَيرُ بنُ القين قد قُتِلَ مَعَ الحُسَين «علیه السلام»، فقالت امْرَأَتُهُ لِغُلامٍ لَهُ يُقالُ لَهُ شَجَرَةُ: انطلق فَكَفَّن مَولاكَ.

قالَ: فَجِئتُ فَرَأَيتُ حُسَينا «علیه السلام» مُلقى، فَقُلْتُ: أَكَفِّنُ مَولايَ وأَدَعُ حُسَينا؟! فَكَفَّنتُ حُسَينا «علیه السلام»، ثمَّ رَجَعَتْ، فَقُلتُ ذلِكَ لها.

فقالت : أحسنت، وأعطتني كفنا آخَرَ، وقالت: انطلق فَكَفَّن مَولاكَ،


1) بغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2617 و 2618.

ففَعَلتُ (1).

ونقول:

أولاً: بالنسبة لما ذكرته الرواية المتقدمة برقم [1] من أن الحسين «علیه السلام» دفن في ثيابه لا تلتقي مع الرواية التي بعدها، والتي تذكر: أنه «علیه السلام» كفن بكفن أرسلته زوجة زهير بن القين مع غلام اسمه «شجرة».

ثانياً : قد يقال: إن الشهيد إذا كان يدفن في ثيابه، فإن تكفين الشهيد من قبل من يجهل هذا الحكم، لا يعني نقض الحكم الشرعي الثابت. بل يكون عملاً بغير علم، كما أن تصدي من ليس بإمام لأمر الإمامة، لا يسقط وجوب التصدي عن الإمام الذي أوجب اللّه عليه ذلك.

ومع غض النظر عن هذا نقول:

إن الإمام - كما ورد - لا يغسله إلا إمام والحجة يتولى أمره حجة مثله، فتولي غيره له - كغلام زهير بن القين - قد لا يكون محققاً للغرض، فلا جرم أن يكون فعله كعدمه، فلا بد من تولى الإمام للإمام، ربما لأن له آثاراً تقصر أفهامنا عن إدراكها، والوصول إلى كنهها.


1) تذكرة الخواص ج 2 ص 181 والطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 485 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 81 عن مرآة الزمان لابن الجوزي (مخطوط) ص 97.

ثالثاً: إن هذا التبرع بالتكفين فيه تجاوز آخر للمقررات الشرعية، لأنه لم يستأذن ممن ولاه اللّه تعالى أمر الميت، وهو هنا الإمام زين العابدين «علیه السلام»..

رابعاً : ذكرنا فيما سبق: أن من الجائز أن يكون المقصود بتكفين الغلام المسمى ب«شجرة» للإمام «علیه السلام»: أنه رآه بعد أن سلب الأعداء بعض ثيابه، وظهرت بعض الأجزاء من جسده، فغطاه بالثوب الذي أعطته إياه زوجة زهير. فسمي ذلك تكفينا، على سبيل التوسع.

هذا.. وقد رضيت زوجة زهير بما فعله شجرة هذا، وسرها ذلك، ثم أعطته ثوباً آخر ليغطي به ما ظهر من جسد زوجها.

إشارة لا بد منها:

ونحب لفت نظر القارئ الكريم إلى أن السياق الذي ورد فيه كلام أبي إسحاق الشيباني هو سياق عفوي، وطبيعي، حيث أراد أبو إسحاق أن يستدل على عدم وجود ما يمنع من أن يقتل الإنسان وعليه جبة خز بأمر مسلم ومعروف، ومقبول، وهو: أن الحسين «علیه السلام» قد استشهد وعليه جبة خز.

بل هو قد دفن حيث دفن وهو يلبس تلك الجبة، وهذا دليل قوي على أن دفنه «علیه السلام» في ثيابه كان شائعاً ومعروفاً منذ العصور الأولى، فإن أبا إسحاق الشيباني، وهو سليمان بن أبي سليمان

قد توفي في سنة 142 ه(1). ولو لم يكن هذا الأمر معروفاً عن الإمام الحسين «علیه السلام» لما جعله الشيباني نقضاً على من استعظم أن يقتل شخص وعليه جبة خز..

الشهيد لا يغسل ولا يكفن:

أجمع المسلمون - باستثناء الحسن البصري، وسعيد بن المسيب - : على أن الشهيد لا يغسل ولا يكفن، ولا يحنط، بل يدفن بثيابه (2)، بشروط ثلاثة :

الأول: أن يكون الجهاد واجباً عليه، فإن كان صغيراً مثلاً يشمله هذا الحكم؟!

إلا أن يقال: إن الجهاد إذا كان لحفظ الإمام، ولو لدقيقة واحدة، فهو واجب على البالغ وغيره

الثاني: أن يكون لباسه عليه، فإن كان مسلوب اللباس، عارياً وجب تغسيله وتكفينه، وتحنيطه، وشهداء كربلاء قد سلبوا ثيابهم، أو بعضها.

إلا أن يقال: إن سلب بعض ثيابهم لا يعني صيرورتهم عراة.


1) التاريخ الكبير ج 4 ص 16 والثقات لابن حبان ج 4 ص 301 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 9 ص 160.

2) راجع: جواهر الكلام ج 4 ص 91.

الثالث: أن لا يدركه المسلمون وبه رمق بل تزهق روحه أثناء الحرب، فإن خرجت روحه بعد انتهائها غسل وكفن، وحنط.

هل كفن ابن المطاع وغسل؟!:

قالوا: وبذلك يكون سويد بن المطاع الذي أثخن بالجراح، فظنوا أنه قتل، فسمعهم يقولون قتل الحسين، فوجد إفاقة، فإذا معه سكين، فقاتلهم بسكينه ساعة، فقتل، فكان آخر قتيل، فيجب تكفينه.

غير أننا نتحفظ على هذه النتيجة:

أولاً : لأن لحظة قتل الحسين «علیه السلام» لا تعني انتهاء الحرب، فإن الحرب تبقى قائمة ما دام هناك من أصحابه من يواصل القتال.. بل قد يتواصل القتال بعد قتل قيادات الجيش لساعات، ولو بصورة ضعيفة..

ثانياً : إذا كان الإمام السجاد «علیه السلام» قد حضر إلى كربلاء لدفن الأجساد الطاهرة، وقد جرى دفن هذه الأجساد بأمره وتوجيهه، وتدبيره وإشرافه، وقد دفنهم جميعاً من دون تغسيل ولا تكفين، فما معنى القول بلزوم تكفينهم، وتغسيلهم ؟ فهل نقول : إنه خالف «علیه السلام» الأمر الإلهي؟!

هل سلبوا الحسين ثيابه؟!:

ورد في بعض النصوص : أن الحسين «علیه السلام» قد سلب ثيابه حين قتل.. ولكننا نرتاب فى صحة ذلك، وقد تقدم معنا: أنه

«علیه السلام» حين حان وقت الشهادة طلب ثوباً يلبسه تحت ثيابه، فجاؤه بتبان، فرفضه، لأنه من لباس أهل الذلة، فجاؤوه بثوب آخر، فخرقه وفرق بين خيوطه ونقضها، حتى أصبح ذلك الثوب غير قابل للاستفادة، وجعله تحت ثيابه..

ولو كان ثوب كهذا سوف يسلب منه أيضاً، لكان فعل الإمام الحسين هذا بلا معنى..

وهذا يجعلنا نرجح عدم صحة العبارة التي تقول: إنهم سلبوه حتى هذا الثوب أيضاً.

ولعلها زيادة من الرواة الذين يحبون المبالغة في ذكر ما يثير العاطفة، ويؤجج الانفعالات.

على أنه لا دليل على أنه «علیه السلام» قد صار عارياً بصورة تجعل تكفينه واجباً..

الذي صلى على الحسين:

ورد في الروايات: أن الإمام لا يلي أمره إلا الإمام، والحجة لا يلي أمره إلا الحجة.

وهذا يعطي: أن الذي صلى على الإمام الحسين «علیه السلام» هو الإمام السجاد «علیه السلام»، لا بنو أسد

وقد فاجأنا قول ابن فندق: «مشهده و مرقده بكربلاء حيث قتل. صلى عليه زين العابدين «علیه السلام».

وقيل: جابر بن عبد اللّه.

وقيل: أنس بن مالك» (1).

ونقول:

ألف: من المعلوم: أن جابر بن عبد اللّه لم يكن في كربلاء في يوم عاشوراء، لا مع الإمام الحسين «علیه السلام»، ولا في جيش يزيد، وإنما جاء إلى كربلاء بعد أربعين يوماً من يوم عاشوراء. والتقاه الإمام السجاد «علیه السلام» وعيال الحسين هناك بعد رجوعهم من الشام.

كما أن أنس بن مالك لم يكن في كربلاء.

ب: إن جابر بن عبد اللّه كان أعمى حينئذ.. فلماذا يكون يوم العاشر في كربلاء؟!

ج: إن النصوص تقول : إن الإمام السجاد «علیه السلام» هو الذي صلى على أبيه.

ويؤكد ذلك: ما ورد في النصوص من أنه لا يلي أمر الإمام إلا الإمام.

تغسيل الإمام:

لا ريب في أن الإمام لا يغسله إلا الإمام، ويدل على ذلك ما يلي:

ألف: روي عن أحمد بن عمر الحلال أو غيره، عن الرضا «علیه السلام» قال: قلت له - أي للرضا «علیه السلام» -: إنهم يحاجوننا


1) لباب الأنساب ج 1 ص 396.

يقولون: إن الإمام لا يغسله إلا الإمام.

قال «علیه السلام»: ما يدريهم من غسله؟! فما قلت لهم؟! الخ...(1).

ب: عن الكاظم «علیه السلام»: فيما أوصاني أبي «علیه السلام»: أن قال: يا بني إذا أنا مت، فلا يغسلني غيرك، فإن الإمام لا يغسله إلا الإمام (2).

ج: عن الإمام الجواد «علیه السلام» كان فيما أوصى أبي إلي الخ..

وذكر نحو ما تقدم عن الكاظم «علیه السلام» (3).

د: عن الكاظم «علیه السلام»: إن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» جاء بوصيته، وفيها:

«فإذا أردت، فادع عليا، فليغسلك وليكفنك، فإنه طهر لك، ولا


1) الكافي ج 1 ص 384 وبحار الأنوار ج 2 ص 290 ومرآة العقول ج4 ص 256 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج 1 ص 92.

2) مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 351 وبحار الأنوار ج 27 ص 290 وج 47 ص 127.

3) كشف الغمة ج 2 ص 349 و 350 وبحار الأنوار ج 46 ص 269 والخرائج والجرائح ج 1 ص 264 والمحجة البيضاء ج 4 ص 246.

يستقيم إلا ذلك، وذلك ستة قد مضت» (1).

ه: عن هرثمة بن أعين إن الرضا «علیه السلام» قال له: إن المأمون سيقول لك وأنت تغسلني : أليس زعمتم: أن الإمام لا يغسله إلا إمام؟!

فأجبه وقل له: إن الإمام لا يجب أن يغسله إلا إمام الخ.. (2).

الظاهر: أن المراد بهذا الجواب أمران:

أحدهما: أن يتحاشى التصريح بحضور الإمام الجواد من المدينة لتغسيله «علیه السلام».

الثاني: أراد أن يصرف ذهن المأمون عن لزوم تولي الإمام اللاحق تغسيل الإمام السابق بصورة فعلية وخارجية، ليقول له: إن الموضوع


1) الكافي ج 1 ص 315 ومدينة المعاجز ج 6 ص 255 ومرآة العقول ج3 ص 354 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج 1 ص 23. وراجع: إعلام الورى ج 2 ص 50.

2) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 375 و 376 و (ط الأعلمي) ج 2 ص 276 و 277 ودلائل الامامة ص 352 و 354 وعيون المعجزات ص 102 و 104 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 481 ومدينة المعاجز ج 7 ص 166 و 170 و 334 وبحار الأنوار ج 2 ص 288 وج 49 ص 294 و 296 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج 1 ص 197 و 199 وقاموس الرجال ج 10 ص 503 والدر النظيم ص 694 و 696.

لا يتعدى كونه حكماً تكليفيا، يكون امتثاله مرهونا بقدرة المكلف، وعدم وجود مانع.

ولم يشر إلى أن الإمام قادر على الحضور من المدينة بصورة إعجازية، للقيام بهذا الأمر من دون أن يعلم المأمون وغيره.

وقد حضر الإمام علي «علیه السلام» دفن سلمان الفارسي في المدائن، قرب بغداد أنه مع «علیه السلام» كان في المدينة.

ملاحظة : إن هرثمة بن أعين قد قتل قبل استشهاد الإمام الرضا «علیه السلام»، فلا يمكن أن يكون هو المقصود هنا، فلعله هرثمة آخر (1).

و: عن أبي معمر: سألت الإمام الرضا «علیه السلام» عن الإمام يغسله الإمام؟

قال: ستة موسى بن عمران(2).

فإن موسى «علیه السلام» غسل أخاه هارون، فصارت ستة مستمرة في الأنبياء والأوصياء.

ز: عن أبي بصير: سمعت العبد الصالح «علیه السلام» يقول:


1) راجع الحياة السياسية للإمام الرضا «علیه السلام» هامش ص431.

2) الكافي ج 1 ص 385 وبحار الأنوار ج 13 ص 364 وج 27 ص 291 ومرآة العقول ج 4 ص 257.

لما حضر أبي الموت قال: يا بني، لا يلي غسلي غيرك، فإني غسلت أبى، وغسل أبي أباه، والحجة يغسل الحجة.

قال: فكنت أنا الذي غمضت أبي، وكفنته، ودفنته بيدي(1).

ح: وفي حديث رجعة الإمام الحسين «علیه السلام» في آخر الزمان قال: «فإذا استقرت المعرفة في قلوب المؤمنين أنه الحسين «علیه السلام» جاء الحجة الموت، فيكون الذي يغسله ويكفنه، ويحنطه، ويلحده في حفرته الحسين بن علي «علیه السلام» ولا يلي الوصي إلا وصي»(2).

ط: عن أبي بصير عن الإمام الكاظم «علیه السلام»، قال: «لما وقع أبو عبد اللّه «علیه السلام» في مرضه الذي مضى فيه قال لي: يا بني، لا يلي غسلي غيرك، فإني غسلت أبي، والأئمة يغسل بعضهم بعضاً» (3).


1) دلائل الامامة ص 328 و 329 ومدينة المعاجز ج 6 ص 28.

2) الكافي ج 8 ص 206 ومختصر بصائر الدرجات ص 164 و 165 و (منشورات المطبعة الحيدرية) ص 48 وتفسير العياشي ج 2 ص 281 وبحار الأنوار ج 53 ص 94 ومرآة العقول ج 26 ص 123 والبرهان (تفسير) ج 3 ص 503 ونور الثقلين (تفسير) ج 3 ص 138 وكنز الدقائق (تفسير) ج 7 ص 361 ومجمع البحرين ج 3 ص 471 والإيقاظ من الهجعة ص 288.

3) إثبات الوصية ص 198 و (ط أخرى) ص 161 وراجع: دلائل الامامة ص 328 ومدينة المعاجز ج6 ص 28 و 232.

ي: وقد أجاب الإمام الصادق «علیه السلام» عن استغراب المفضل بن عمر أن يكون علي «علیه السلام» هو الذي غسل فاطمة الزهراء «علیها السلام» بقوله لا تضيقن فإنها صديقة، ولم يكن يغسلها إلا صديق. أما علمت أن مريم لم يغسلها إلا عيسى بن مريم «علیه السلام»؟!(1).

وحسب نص آخر: «غسلها أمير المؤمنين، لأنها كانت صديقة لم يكن ليغسلها إلا صديق» (2).


1) الكافي ج 1 ص 459 و ج 3 ص 159 و علل الشرائع 218 و 219 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 1 ص 184 والاستبصار ج 1 ص200 وتهذيب الأحكام ج 1 ص 440 والدعوات للراوندي ص254 و 255 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 530 و (الإسلامية) ج 2 ص 714 وبحار الأنوار ج 14 ص 197 وج 27 ص 291 وج 43 ص206 وج78 ص 299 ومرآة العقول ج 5 ص 342 و ج 13 ص 339 وقاموس الرجال ج 12 ص 331 واللمعة البيضاء ص880.

2) من لا يحضره الفقيه (ط جماعة المدرسين) ج 1 ص 142 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 533 و (الإسلامية) ج 2 ص 717 ومستدرك الوسائل ج2 ص 185 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 138 وبحار الأنوار ج 43 ص 184 واللمعة البيضاء ص880.

هي اغتسلت أو غسلها علي؟!:

أما ما روي من أنها «عليها السلام» هي التي اغتسلت ولبست ثيابها الجدد، ثم قالت «إني قد فرغت من نفسي فلا أكشفن، إني مقبوضة الآن، ثم قضت..

ولما جاء على «علیه السلام» أخبروه بما جرى، فقال: إذن واللّه لا تكشف. فاحتملت في ثيابها فغيبت» (1).

فنقول:

أولاً : هذا الحديث روته لنا سلمى بنت أبي رافع، ولم يرو عن المعصوم.


1) كشف الغمة ج 2 ص 127 و (ط دار الأضواء) ص 124 والأمالي للطوسي ص 400 والعمدة لابن البطريق ص 389 ومستدرك الوسائل ج 2 ص 202 و 203 وراجع: بحار الأنوار ج 43 ص 172 و 187 و 188 وج 78 ص 246 واللمعة البيضاء ص 881 و 882 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ص 465 عن ذخائر العقبى (ط مكتبة القدسي) ص53 وراجع: مسند أحمد ج 6 ص 461 و 462 ومجمع الزوائد ج9 ص211 والذرية الطاهرة النبوية ص 155 وناسخ الحديث ومنسوخه لابن شاهين ص 587 ونصب الراية ج 2 ص 296 وأسد الغابة ج ه ص 590 وتاريخ المدينة ج 1 ص 108 و 109 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 5 ص 350 والسيرة النبوية لابن كثير ج4 ص 648 وسبل ج 5الهدى والرشاد ج 11 ص 49 وينابيع المودة ج 2 ص 141.

ثانياً : هل حضرت سلمى هذه دفن الزهراء، ورأت إن كان علي «علیه السلام» قد غسلها أم لا؟!

إن الروايات لا تؤيد ذلك، فلعل عليا «علیه السلام» قال ذلك لكي يقلل من حضور الناس لما يجري، وحين خلا له الجو، وحضر من لا مانع من حضوره غسلها، وكفنها الخ..

فيكون معنى قوله «علیه السلام»: «لا تكشف»: أنها لا تكشف هذه الساعة، أو الفترة الوجيزة الحساسة، حيث لا بد من دفنها ليلا، لكي لا يعرف من ظلمها بدفنها..

ثالثاً: إنها «علیها السلام» طلبت أن لا تكشف، وهي لم تكشف، بل غسلت من خلف الثياب.. كما أن من الممكن أن تكون الثياب التي لبستها وكانت جديدة هي نفس أكفانها التي يفترض أن تكفن بها..

لا يلى أمر الإمام إلا الإمام:

وفي حديث دفن الإمام الحسين للإمام المهدي «علیهما السلام»، قال في آخره: «فيكون الذي يغسله، ويكفنه، ويحنطه، ويلحده في حفرته الحسين بن علي، ولا يلي الوصي إلا الوصي» (1).


1) الكافي ج 8 ص 206 ومختصر بصائر الدرجات ص 164 و 165 و (منشورات المطبعة الحيدرية) ص 48 وتفسير العياشي ج 2 ص281 وبحار الأنوار ج 53 ص 94 ومرآة العقول ج 26 ص 123 والبرهان (تفسير) ج 3 ص 503 ونور الثقلين (تفسير) ج 3 ص138 وكنز الدقائق (تفسير) ج 7 ص 361 ومجمع البحرين ج 3 ص 471 والإيقاظ من الهجعة ص 288.

ومن روايات الواقفة عن الإمام الصادق «علیه السلام»: إن لأبي الحسن «علیه السلام» :غيبتين إحداهما تقل، والأخرى تطول، حتى يجيئكم من يزعم أنه مات، وصلى عليه ودفنه، وينفض تراب القبر من يده، فهو في ذلك كاذب ليس يموت وصي حتى يقيم وصياً، ولا يلي الوصي إلا الوصي، فإن وليه غير وصي عمي (1).

والشاهد هنا: ما جاء في ذيل الرواية، أما صدرها فقد أراد الواقفة تأیید مذهبهم به، لأنهم يدَّعون الوقف على الإمام الكاظم «عليه السلام».

حضور السجاد دفن أبيه:

هناك روايات قليلة صرحت: بأن الإمام السجاد «علیه السلام» هو الذي تولى دفن أبيه في كربلاء، وهي ثلاث روايات..

1 - الأولى تقدمت برقم [1] تحت عنوان مشاركة الملائكة في دفن المعصوم، فيمكن مراجعتها هناك.

2 - الثانية: ما روي عن جعفر بن محمد عن أبيه في حديث، قال: «كان علي بن الحسين بن علي «علیه السلام» يضع قتلاه بعضهم إلى


1) الغيبة للطوسي ص 43 و 57 عن كتاب في نصرة الواقفة لعلي بن أحمد العلوي الموسوي.

بعض، ثم يقول: قتلانا قتلى النبيين» (1).

ومن المعلوم: أن ذلك إنما كان حين دفن الأجساد الطاهرة.. ولم يكن الإمام السجاد «علیه السلام» يتصدى لأمر القتلى قبل ذلك.

3 - الثالثة: عن إسماعيل بن سهل، عن بعض أصحابنا: كُنتُ عِندَ الرّضا «علیه السلام»، فَدَخَلَ عَليهِ عَلِيُّ بنُ أَبي حَمْزَةَ، وَابْنُ السَّرَاج، وَابْنُ المُكاري... إلى أن قال:

قالَ لَهُ عَلِيُّ [بنُ أَبي حَمْزَةَ]: إِنَّا رُوِّينَا عَن آبائِكَ أَنَّ الإمامَ لا يَلي أمره إلا إمامٌ مِثْلُهُ.

فَقالَ لهُ أبُو الحَسَن «علیه السلام»: فأخبرني عَن الحُسَين بن عَلِيٍّ «علیه السلام» كانَ إماماً أو كانَ غَيرَ إمام؟!

قالَ: كان إماماً.

قالَ: فَمَن وَلِيَ أَمْرَهُ؟!

قالَ: عَلِيُّ بنُ الحُسَين «علیه السلام».

قالَ: وأين كان عَلِيُّ بنُ الحُسين «علیه السلام»؟!

قالَ: كانَ مَحبوساً بالكوفَةِ فِي يَدِ عُبَيدِ اللّه بن زيادٍ، قَالَ: خَرَجَ


1) الغيبة للنعماني ص 308 و (نشر أنوار الهدى) ص219 وبحار الأنوار ج 45 ص 80 وج 52 ص 117 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 346.

وهُم لا يعلمونَ حَتَّى وَلِيَ أمر أبيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ.

فَقالَ لهُ أَبُو الحَسَن «علیه السلام»: إنَّ هذا [الَّذِي] أَمْكَنَ عَلِيَّ بنَ الحُسَين «علیه السلام» أن يَأْتِيَ كَربَلاءَ، فَيَلِيَ أَمرَ أَبِيهِ، فَهُوَ يُمَكِّنُ صاحِبَ هذا الأمر أن يَأْتِيَ بَعْدادَ، فَيَلِي أمر أبيهِ، ثُمَّ يَنصَرِفَ، وليس في حَبس، ولا في إسار (1).

وبعدما تقدم نقول:

بنو أسد في كربلاء:

قلنا فيما سبق: إنه لا مانع من أن يكون بنو أسد قد حضروا إلى كربلاء، وشاركوا في دفن أجساد الشهداء.. كما دلت عليه النصوص.

وأما الحسين، فتولى أمره الإمام زين العابدين «علیه السلام»، ولذا قالت الرواية المتقدمة عن الإمام الرضا «علیه السلام»: «ولي أمر أبيه ثم انصرف».

أين هي الروايات؟!:

رأينا أن القليل من الروايات تصرح بحضور الإمام زين العابدين


1) وإختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ج 2 ص 763 و 764 وإثبات الوصيّة ص 175 وبحار الأنوار ج 45 ص 169 وج 48 ص 269 و 270 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 366 و 367 ومسند الإمام الرضا ج 17 للعطاردي ج 2 ص 440.

«علیه السلام» إلى كربلاء.

ولعل سبب ذلك: أن قدومه «علیه السلام» إلى كربلاء قد حدث بالخفاء، وبصورة إعجازية، ولم يشعر به أقرب الناس إليه.

والناس إنما ينقلون الأحداث التي يشاهدونها، فحضور بني أسد إلى كربلاء أمر يراه الناس ويتناقلونه..

أما حضور السجاد «علیه السلام»، فقد حصل بطريق غير عادي، فهو كحضور علي «علیه السلام» من المدينة إلى المدائن لدفن سلمان (1)، ولم يكن بمقدور بني أسد أن يشيعوا حضور الإمام ومشاركته في دفن الأجساد، فإن ذلك يشكل خطرا عليهم.

دليل آخر على حضور الإمام:

ومما يدل على حضور الإمام إلى كربلاء : أن بني أسد لا يقدرون على التمييز بين الجثث، لكونها مقطوعة الرؤوس، فكيف عرفوا حبیب بن مظاهر مثلاً، وعلي بن الحسين الشهيد، وكذلك الحسين، حتى أفردوهم بقبور خاصة ؟ وكيف ميزوا أجساد الأصحاب عن أجساد بني !هاشم؟ كما أشير إليه في الروايات.

فإن قيل: إن الإمام الحسين «علیه السلام» كان يضع الشهداء من


1) راجع: الخرائج والجرائح ج 2 ص 562 ومدينة المعاجز للبحراني ج2 ص 14 وبحار الأنوار ج 22 ص 368 وج 39 ص 142 ونفس الرحمن في فضائل سلمان ص 605 وطرائف المقال للبروجردي ج 2 ص 604.

أهل بيته في مكان خاص، فلعل هذا الأمر قد ساعد على التمييز بين الشهداء.

يجاب:

أولاً: من أين عرف بنو أسد أن الإمام الحسين «علیه السلام» قد أفرد أهل بيته عن أصحابه، فإنهم لم يحضروا كربلاء ؟!

ولكننا لا نمنع من أن يخطر في بالهم على سبيل الحدس والتخمين: أن تكون هذه الجماعة هي جماعة أهل بيته، وأولئك أصحابه، لكثرة أولئك، وقلة هؤلاء.

ولكن كيف عرفوا عليا الشهيد وحبيب بن مظاهر، وحددوا أن هذا هو جسد الحسين «علیه السلام»؟! ولماذا دفنوا العباس في موضعه، ولم يحملوه ليدفنوه مع بني هاشم مثلاً؟!

الأدلة العامة على حضور الإمام:

إن الأحاديث المتقدمة القائلة: إنه لا يلي أمر الإمام إلا الإمام، قد جاءت مطلقة عن أي قيد، أو استثناء، مما يعني: أن وجود الموانع لا أثر له في تغيير هذا الأمر، لأن اللّه تعالى قادر على رفعها، مهما كانت، فإنه لا يعجزه شيء.. وقد جعل اللّه للأولياء والأوصياء طي الأرض، وسخر الجن والريح لسليمان، والإتيان بعرش بلقيس على يد رجل ليس من الأنبياء، إلى غير ذلك من الخصوصيات الكثيرة الأخرى.

أي أن تولي أمر المعصوم للمعصوم ليس على نحو الحكم التكليفي الذي تسقطه الموانع، بل هو أمر لا بد من حصوله، ولو بطريق غير عادي..

وقد يشهد لذلك ما ورد من أن من يرى المعصوم على تلك الحالة يصاب بالعمى، إلا أن يكون معصوماً مثله، ولأجل ذلك عصب علي «علیه السلام» عيني الفضل بن العباس حين أراد منه أن يناوله الماء لغسل النبي «صلی اللّه علیه وآله».

كما أن هناك أموراً يجب مراعاتها في تجهيز المعصوم: كأن يحنطه بالحنوط الذي تأتي به الملائكة، أو غير ذلك من أمور يحددها الأئمة لمن يتولى أمر تجهيزهم بعد موتهم، فراجع على سبيل المثال وصية الإمام الباقر لولده الإمام الصادق «علیهما السلام» فيما يريد منه أن يفعله حين موته (1).

وراجع ما ورد عن دفن الزهراء «علیها السلام»، وأن يداً خرجت وتناولتها من يد علي، وغير ذلك (2).


1) الكافي ج 1 ص 307 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 181.

2) راجع: مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 365 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 139 وبحار الأنوار ج 43 ص 184 واللمعة البيضاء ص 864.

موجز عما جرى في كربلاء:

ويمكن أن نوجز حديث دفن الأجساد الطاهرة على النحو التالي:

1 - تقدم: أنه لا يتولى أمر الإمام إلا الإمام، واستظهرنا: أن هذه القاعدة تتحدث عن أمر واقعي يحصل ويتحقق خارجاً بصورة قاطعة وجازمة، وليس مجرد تقرير لحكم تكليفي.

2 - إن هذا يحتم حصول ذلك، ولو بطريقة إعجازية.

3 - الروايات تقول: إن دفن الأجساد قد حصل في اليوم الحادي عشر بعد مسير عمر بن سعد بجيشه من كربلاء..

لكن رواية إسماعيل بن سهل المتقدمة تحت عنوان: «حضور السجاد دفن أبيه» قد استدل بها على أن ذلك قد حصل بعد وصول السبايا إلى الكوفة، ووضعهم في السجن.

إلا أن يقال: إن الإمام «علیه السلام» لم يذكر ذلك مباشرة، بل قرر الرجل الذي استنطقه، فذكر أن السجاد كان في السجن في الكوفة، فخرج منه إلى كربلاء ليلي أمر أبيه، ثم عاد إلى سجنه، ولم يشعروا به، فألزمه الإمام «علیه السلام» بما ألزم به نفسه، فلا يدل ذلك على أنه يقبل منه كل ما دل عليه كلامه بل يدل على موافقة ما قاله من أن ذلك قد حصل بطريقة إعجازية، يمكن أن تحصل نظائرها لغيره من الأئمة.

4 - إن بني أسد حين جاؤا إلى كربلاء جاؤا بأعداد كبيرة، فربما

كانوا مئة أو مئتي رجل، أو أكثر أو أقل..

5 - إن القتلى إذا كانوا سبعين أو اثنين وسبعين رجلا، فإذا تولى كل رجلين أو ثلاثة من بني أسد دفن شهيد واحد، فحفر قبره وصلی عليه ودفنه، فإن ذلك معناه: أن دفن جميع الشهداء قد يحتاج إلى أقل من ساعة.

6 - إذا كان حضور الإمام السجاد «علیه السلام» هذا الدفن قد حصل بطريقة إعجازية، فما الذي يمنع من خروجه من الركب وعودته إلى كربلاء، لدفن أبيه، ثم عودته إلى الركب المتجه نحو الكوفة بعد إنجاز مهمته.

هذا إن كان ذلك قد حصل في اليوم التالي للاستشهاد، وإن كان قد حصل في اليوم الثاني عشر، أو الثالث عشر، فإن الأمر لا يختلف عما لو حصل في اليوم الحادي عشر.

7 - بل إن بعض الروايات المتقدمة قد صرحت بأن بني أسد كانوا يجدون لأكثر الشهداء قبوراً محفورة سلفاً.. وعليه فلا يحتاجون لأكثر من الصلاة على الشهيد ووضعه في قبره، وفق ما رسمه الشارع، وهذا لا يحتاج إلى أكثر من دقائق معدودة قد لا تزيد على مقدار ربع ساعة..

8 - ويؤكد ذلك أن بعض النصوص تصرح بأن بني أسد تولوا دفن الأصحاب. وبعضها يصرح: بأن الإمام السجاد تولى أمر الإمام الحسين «صلوات اللّه عليهما»..

9 - تقدم: أن الشهداء في كربلاء لم يغسلوا، ولم يكفنوا. وهذا يؤيد ما ذكرناه.

لا رواية عن حضور السجاد «علیه السلام» دفن أبيه:

قال السيد محسن الأمين رحمه اللّه»: «إن مجيء الإمام السجاد «علیه السلام» لدفن أبيه مع بني أسد، لم يرد في كتاب، ولم يرد في رواية»(1).

ونقول:

تقدمت عدة روايات حول هذا الأمر، منها: رواية الكشي، ورواية مشاركة الملائكة للإمام السجاد «علیه السلام» في دفن أبيه، ورواية: أن الإمام السجاد كان يضع قتلى أهل بيته بنحو خاص..

إلا إن كان مراده «رحمه اللّه»: أنه لم ترد رواية صحيحة السند تدل على ذلك.. ولكن هذا خلاف ظاهر كلامه مع ملاحظة أن عدم صحة سند الرواية لا يعني أنها مكذوبة.

رواية في مصادر متأخرة:

ونحن نذكر هنا رواية أخرى لم نجدها في كتب المتقدمين التي اطلعنا عليها، ولا نتهم من ذكرها في كتابه باختراعها، فلعلها نقلت له شفاها، ولعلها وردت في كتب لم تصل إلينا، والرواية هي التالية:


1) أعيان الشيعة ج 1 ص 376.

«لمّا ارتحل عسكر ابن سعد من كربلاء عصر يوم الحادي عشر من المحرم، وساروا بالسبايا والرؤوس إلى الكوفة، نزلت طائفة من بني أسد في مكانهم إلى جنب نهر العلقمي، وبنوا بيوتهم هناك.

فخرجت نساؤهم يستقين من الفرات في اليوم الثالث بعد قتل الحسين «علیه السلام»، فمروا في طريقهم على المعركة، وإذا هن يرين جثثاً حول المسناة، وأخرى نائية عن الفرات، وبينها جثة قد جللتهم بأنوارها، وعطرتهم بطيبها، وهي مطروحة على وجه الصعيد، تشخب دماؤهم، كأنهم قد قتلوا ليومهم. فتصارخن النساء، وقلن: هذا واللّه الحسين وأهل بيته، وصحبه..

فرجعن إلى رجالهن صارخات، وقلن لهم يا بني أسد أنتم جلوس في بيوتكم، وهذا الحسين وأهل بيته، وأصحابه مجزرون كالأضاحي على الرمال، تسفي عليهم الرياح. فبماذا تعتذرون من رسول اللّه، وأمير المؤمنين، وفاطمة الزهراء إذا وردتم عليهم، حيث إِنَّكم لم تنصروا أولادهم، ولا دفعتم عنهم بضربة سيف، ولا بطعنة رمح، ولا بجذبة سهم؟!

فقالوا : إنّا نخاف من بني أمية.

فقلن لهم: إن فاتكم نصرة تلك العصابة، فقوموا الآن إلى مواراة أجسادهم، فإن لم تدفنوها نتولى دفنها بأنفسنا.

فجاء الرجال إلى المعركة - وقد وضعوا لهم عيناً ينظر إلى طريق الكوفة - فصارت همتهم أولاً مواراة جثة الحسين «عليه

السلام»، فجاؤا إلى الجسد الطاهر، وقد عرفوه بملامح الإمامة، وأنوار النبوة، وصار لهم حوله بكاء وعويل، وحاولوا تحريك عضو من اعضائه، فلم يتمكنوا..

فقال كبيرهم - وقد أقروا رأيه -: نجتهد أولاً في دفن أهل بيته وأصحابه، وبعد ذلك نرى رأينا فيه.

فقال أحدهم: كيف يكون دفنكم له وما فيكم من يعرف من هذا، ومن هذا، وهم - كما ترون - جثث بلا رؤوس، قد غيرت معالمهم الشمس والتراب فلربما نسأل عنهم، فما الجواب؟!

فبينما هم كذلك إذا بفارس قد طلع عليهم من جانب الكوفة، وقد ضيق لثامه. فلما رأوه انكشفوا عن الجثث الزواكي، فأقبل الفارس ونزل عن ظهر جواده، وجعل يتخطى القتلى واحداً بعد واحد - وهو منحني الظهر - حتى إذا وقع نظره على جسد الحسين «علیه السلام» رمى بنفسه عليه، واحتضنه، وجعل يشمه تارة، ويقبله أخرى، وهو يبكي، وقد بل لثامه من دموع عينيه، وهو يقول: «يا أبتاه بقتلك قرت عيون الشامتين يا أبتاه بقتلك فرحت بنو أمية، يا أبتاه بعدك طال حزننا، يا أبتاه بعدك طال كربنا».

ثم التفت إلى بني أسد وقال لهم: لم كان وقوفكم حول هذه الجثث؟

قالوا: أتينا للتفرّج عليها.

قال: ما كان هذا قصدكم.

فقالوا: اعلم يا أخا العرب الآن نطلعك على ما في ضمائرنا، إنَّا أتينا

لنواري جسد الحسين وأجساد أهل بيته وأصحابه، فلما طلعت علينا خشينا أن تكون من أصحاب ابن زياد، فانكشفنا عن تلك الجثث.

فعند ذلك خطّ الأعرابي لبني أسد خطا في الأرض وقال لهم: احفروا هاهنا.

ففعلوا، فأمرهم أن يضعوا فيها سبعة عشرة جثة.

ثمّ خط لهم خطأ آخر في الأرض قريباً من الأول، وقال لهم احفروا هاهنا. ففعلوا، فأمرهم أن يضعوا باقي الجثث فيها.

واستثنى جثة واحدة، وأمرهم أن يشقوا لها ضريحاً ممّا يلي الرأس الشريف، ففعلوا.

فأمرهم أن ينزلوا تلك الجثة في ذلك المكان.

ثم إنه «علیه السلام» تخطى قريباً من جثة الحسين «علیه السلام»، وأهال يسيراً من التراب، فبان قبر محفور، ولحد مشقوق، حفره رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» - كما في رواية أم سلمة «رحمها اللّه» رؤيا رأتها - فتقرّب الرجال ليعينوه على دفن تلك الجثة الطاهرة، فإذا هو يقول لهم بخضوع وخشوع: أنا أكفيكم أمره

فقالوا :له يا أخا العرب، كيف تكفينا أمره، وكلنا اجتهدنا على تحريك عضو من أعضائه فلم نتمكن.

فبكى «علیه السلام» وقال: إن معي من يعينني عليه.

ثم إنه بسط كقيه تحت ظهره الشريف، وقال: «بسم اللّه وباللّه، وفي

سبيل اللّه وعلى ملة رسول اللّه هذا ما وعد اللّه ورسوله، وصدق اللّه ورسوله، ما شاء اللّه لا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم».

ثم أنزله وحده ولم يشرك معه أحداً.

ولما أقره في لحده وضع خده على نحره الشريف، وهو يبكي ويقول: «طوبى لأرض تضمّنت جسدك الطاهر، فإنّ الدنيا بعدك مظلمة، وأما الآخرة فبنورك مشرقة. أما الحزن فسرمد، وأمّا الليل فَمُسهّد، حتى يختار اللّه لأهل بيتك دارك التي فيها أنت مقيم، وعليك متي السلام يا ابن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» ورحمة اللّه وبركاته».

ثم خط بإصبعه على الأرض:

«هذا قبر الحسين بن عليّ بن أبي طالب الذي قتلوه عطشاناً غريباً».

ثم التفت إلى بني أسد، وقال انظروا هل بقي أحد؟!

فقالوا: نعم يا أخا العرب، بقي بطل مطروح حول المستاة - وحوله جثتان -، كلما حملنا منه جانبا سقط الآخر، لكثرة ضرب السيوف، وطعن الرماح، ورشق السهام.

فقال: امضوا بنا إليه.

فمضينا إليه، فلمّا رآه انكبّ عليه يقبله، ويقول: «على الدنيا بعدك العفا - يا قمر بني هاشم - وعليك مني السلام من شهيد محتسب ورحمة اللّه وبركاته».

ثمّ أمرهم أن يشقوا له ضريحاً، فأنزله فيه وحده، ولم يشرك معه أحدا. وأشرج عليه اللبن.

ثم أمرهم بدفن الجثتين حوله، ففعلوا.

ثمّ مضى الأعرابي إلى جواده فداروا حوله، وسألوه عن نفسه، وعن تلك الأجساد الزواكي، فقال لهم: أما ضريح الحسين «عليه السلام» فقد علمتموه.

وأمّا الحفيرة الأولى، ففيها أهل بيته والأقرب إليه منهم ولده علي الأكبر.

وأمّا الحفيرة الثانية، ففيها أصحابه.

وأمّا القبر المنفرد، ممّا يلي الرأس الشريف، فهو حامل راية الحسين «علیه السلام» حبيب بن مظاهر الأسدي.

وأما البطل المطروح حول المسناة، فهو العباس بن علي بن أبي طالب «علیه السلام».

وأما الجثتان، فهما أولاد أمير المؤمنين «علیه السلام».

فإذا سألكم سائل بعدي، فأعلموا بذلك.

فقالوا له: يا أخا العرب، نسألك بحق الجسد الذي واريته بنفسك ولم تشرك معك أحدا منا من أنت؟!

فبكى بكاءاً شديداً، وقال: أنا إمامكم على بن الحسين.

فقالوا : أنت علي بن الحسين؟!

قال: نعم، ثم غاب عن أبصارهم (1).

ونقول:

أولاً: لم نجد في قائمة مؤلفات السيد الجزائري كتاباً باسم «مدينة العلم لكن ذكر الطهراني: أن كتاباً بهذا الاسم من تأليفات الحاج محمد مؤمن الجزائري أصلا، والشيرازي مولداً ومسكناً. وهو معاصر للعلامة المجلسي «رحمه اللّه» (2)فقد يكون هو المراد.

لكن للسيد نعمة اللّه الجزائري كتاب آخر باسم: «مدينة الحديث». فقد يحتمل البعض أن يكون هو المراد(3). واللّه هو العالم بالحقائق.

ثانياً : الحديث عن معرفتهم الإمام الحسين «علیه السلام» بأنوار النبوة، وملامح الإمامة كلام مبهم، وغير كاف في الإقناع، لاسيما مع قول أحدهم في الرواية نفسها : كيف يكون دفنكم له، وما فيكم من يعرف من هذا ومن هذا، وهم كما ترون جثث بلا رؤوس؟

ثالثاً: هذه الرواية تقول : إنهم أرادوا تحريك عضو من أعضائه،


1) مقتل الحسين للسيد محمد تقي بحر العلوم ص 466 - 470 وعن السيد اللّه الجزائري في كتاب «مدينة العلم»، وأسرار الشهادة للدربندي، والإيقاد، والكبريت الأحمر للتستري. وراجع: وسيلة الدارين للزنجاني ص 345 - 347 والدمعة الساكبة ج 5 ص 11 - 14.

2) الذريعة ج 20 ص 252.

3) الذريعة ج 5 ص 273.

فلم يتمكنوا، فهي لا تلتقي مع بعض الروايات الأخرى التي تقدمت، فقد ذكرت: أنهم صلوا عليه ودفنوه.

رابعاً : تقول الرواية: إن الإمام لما وصل إلى كربلاء، رمى بنفسه على جسد أبيه، وصار يقول: «يا أبتاه بقتلك قرت عيون الشامتين يا أبتاه بقتلك فرحت بنو أمية الخ...».

وقد كرر كلمة يا أبتاه أربع مرات، فكيف لم يعرفه بنو أسد بذلك، حتى أقسموا عليه ليعرفهم بنفسه؟!

الفصل الثاني: هل الحسين «علیه السلام» في قبره؟!.

اشارة

المتوكل ينبش قبر الحسين:

عن إبراهيم الديزج : بَعَثْنِي المُتَوَكَّلُ إلى كَربَلاءَ لِتَغيير قبر الحُسَين «علیه السلام»، وكَتَبَ مَعي إلى جَعفر بن مُحَمَّدِ بن عَمَّارٍ القاضي، أعلِمُكَ أنّي قد بَعَثْتُ إبراهيمَ الدّيزَجَ إِلى كَربَلاءَ؛ لِنَبش قبر الحُسَين «علیه السلام»، فإذا قرأت كِتابي فقف على الأمر حتى تَعرِفَ فَعَلَ أو لم يَفعَل.

قالَ الدِّيزج: فَعَرَّفني جَعَفْرُ بنُ مُحَمَّدِ بن عَمَّارٍ مَا كَتَبَ بِهِ إِلَيهِ، ففَعَلتُ ما أَمَرَني بهِ جَعفَرُ بنُ مُحَمَّدِ بن عَمَّارٍ ثُمَّ أَتَيتُهُ، فقال لي: ما صنعت؟!

فقلت: قد فعلتُ ما أمرت بهِ، فلم أرَ شَيئاً، ولم أجد شيئاً.

فقال لي: أَفَلا عَمَّقْتَهُ؟

قلتُ: قد فعلتُ وما رأيتُ فَكَتَبَ إلى السلطان: إنَّ إبراهيم الديرج قد نَبَش، فلم يجد شيئاً، وأمَرتُهُ فَمَخَرَهُ (1)بِالمَاءِ، وَكَرَبَهُ بِالبَقر.


1) مَخَرْتُ الأرض: أي أرسلت فيها الماء. راجع الصحاح ج 2 ص 812 مادة «مخر».

قالَ أبو عَلِيٍّ العَمَارِيُّ : فَحَدَّثني إبراهيمُ الدِّيزَجُ، وَسَأَلْتُهُ عَن صورَةِ الأمر، فقال لي: أتَيتُ في خاصةِ غِلماني فقط، وإنِّي نَبَشْتُ، فَوَجَدتُ باريَةٌ جَديدَةَ وعَليها بَدَنُ الحُسَين بن عَلِيٍّ «علیه السلام»، وَوَجَدتُ مِنهُ رائِحَة المِسكِ، فَتَرَكتُ البارية على حالتِها وبَدَنُ الحُسَين «علیه السلام» عَلَى البارية، وأمَرتُ بطرح الثراب عَليهِ، وأطلقتُ عَليهِ الماءَ.

وأمَرتُ بالبَقر لِتَمخَرَهُ وتَحرُثهُ، قلم تطأه البقر، وكانت إذا جاءَت إلى المَوضِعِ رَجَعَت عَنهُ، فَحَلفتُ لِغلماني باللّه وبالأيمان المُغلظة لئِن ذكَرَ أَحَدٌ هذا لأقْتُلْتَهُ (1).

ونقول:

مصباح هدى وسفينة نجاة:

لقد حورب الإمام الحسين «علیه السلام» فى حياته، وبعد موته، ولا تزال الحرب مستمرة عليه، وستبقى.. لأن اسمه يلهم الناس رفض الطغاة، والصمود في وجه الجبارين، وعدم الاستجابة لمطامعهم، ورفض الخضوع لأهوائهم، مهما كان الثمن.

الواقع العملي يؤكد على أنه «علیه السلام» مصباح هدى، وسفينة


1) الأمالي للطوسي ص 326 وبحار الأنوار ج 45 ص 394 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 724.

نجاة.. وهو نذير للطغاة بعذاب أليم، وبشارة لهم ببوار أحلامهم، وخيبة آمالهم حيث سيبقى ذكر الحسين «علیه السلام»، واسمه ونهجه نقمة على الجبارين، وخزياً للظالمين.

ومن جملة مظاهر الحرب عليه، ليس مجرد وضع القوى المسلحة على الطرقات المؤدية إلى كربلاء، والتشدد في المنع من زيارة قبره الشريف، والتفنن في التنكيل بزواره، وملاحقتهم، وجعل ثمن السماح بزيارته «علیه السلام» قطع الأيدي والأرجل، فضلا عن أخذهم للناس بدفع مبالغ طائلة تكاد تكون خيالية بالنسبة إليهم.. وما إلى ذلك.

نبش قبر الحسين:

فلما لم يجدوا إلا المزيد من التعلق به، والإصرار على اتباع نهجه، وزيارة قبره عمدوا إلى نبش القبر الشريف.. ليعرفوا الناس على مستوى تصميمهم على القضاء على هذا التعلق بالحسين «علیه السلام»، وليكون فعلهم من أسباب تصغير شأنه، وتوهين أمره.

ويلاحظ: أن إبراهيم الديزج قال: «بعثني المتوكل إلى كربلاء لتغيير قبر الحسين».

ولكن رسالة المتوكل إلى جعفر بن عمار القاضي، تقول: «إني قد بعثت إبراهيم الديزج إلى كربلاء لنبش قبر الحسين».

فيلاحظ: أن الديزج يتعمد استعمال كلمات ملائمة، وغير مثيرة، فيقول: لتغيير القبر الشريف، مما يعني أن المطلوب هو مجرد تخريب ظاهر القبر، والتعمية على آثاره، لكي لا يهتدي إليه الناس.

مع أن المتوكل يصرح: بأنه أمر بنبش القبر.

وهذا يعني: أن المطلوب هو حفر باطنه، واستخراج ما فيه..

لعل الغاية من ذلك : هو إخراج الجسد الشريف، إما لإحراقة، كما فعل الأمويون بجسد زيد بن علي، أو لنقله إلى جهة مجهولة.

ويدل على أن المطلوب هو الجسد الشريف بالذات: قول الديزج لابن عمار القاضي «فلم أر شيئاً، ولم أجد شيئاً..».

ثم صرح لابن عمار: بأنه قد عمَّق في حفر القبر..

وصرح أيضاً : بأنه قد نبش حتى بلغ البدن الشريف، وأنه رآه على بارية، وبأنه قد أجرى الماء على القبر الشريف.

وتذكر الرواية أيضاً: أن ابن عمار كتب للمتوكل: أن الديزج قد نبش القبر، فلم يجد شيئاً.

فلماذا يريد الديزج إذن، تلطيف العبارات، والتعمية على الوقائع بقوله: «بعثني المتوكل لتغيير قبر الحسين»؟!

هل يريد الحفاظ على ماء وجه المتوكل ؟ ! أو أنه يريد أن يخفف من قبح الذنب الذي ارتكبه في حق القبر وصاحبه؟!

مخره بالماء وكربه بالبقر:

والأقبح من ذلك : أن جعفر بن محمد بن عمار القاضي قد أمر إبراهيم الديزج بأن يمخر القبر بالماء، أي أن يرسل الماء فيه. وأن يكربه. أي يحرثه بالبقر.. ففعل ذلك..

فلماذا يتبرع هذا الرجل الخبيث بهذه الأوامر القبيحة؟ ولماذا يطيعه الديزج، وينفذ أوامره؟!

واللافت هنا: أن المتوكل لم يكن يثق بإبراهيم الديزج، فوضع عليه ابن عمار رقيباً ليضمن حصول مراده..

وهذا يدل أيضا على مدى حرص المتوكل على حصول هذا الأمر.

وقد أظهر اللّه الكرامة للقبر وصاحبه بامتناع البقر من التقدم نحو القبر الشريف.

هل كان الحسين «علیه السلام» في القبر؟!:

تقول رواية الديزج المتقدمة : أنه رأى جسد الحسين في قبره على بارئه جديدة، وفي الروايات أن أجساد الأنبياء والأوصياء لا تفنى، لأن اللّه تعالى حرَّم لحومهم على الأرض (1).

ولكن هناك ما يدل على رفع الأجساد الشريفة إلى السماء، فقد ذكر الشيخ المفيد، والكراجكي، والفيض الكاشاني وغيرهم: أن فقهاءنا وعلماءنا متفقون على أن أجساد الأنبياء والأئمة ترفع بعد دفنها إلى


1) راجع: بصائر الدرجات ص 463 و 464 ومن لا يحضره الفقيه ج1 ص 191 وبحار الأنوار ج 22 ص 550 و ج 27 ص299 ومستدرك سفينة البحار ج 1 ص 122 ونور الثقلين (تفسير) ج 4 ص 394 وكنز الدقائق (تفسير) ج 11 ص 99 والوافي ج 3 ص 546.

السماء.

وأما أحاديث تحريم لحومهم على الأرض، فهي ساكتة عن أمر الرفع وعدمه، فيمكن أن يكون عدم أكل الأرض للحومهم، لأجل عدم بقائهم، ويمكن أن يكون مع بقائهم فيها، وعدم فناء أجسادهم.

ونذكر من روايات رفعهم إلى السماء ما يلي:

1 - روي عن الإمام الصادق «علیه السلام» حديث مطول ذكر فيه أن اللّه تعالى صوّر للملائكة صورة لعلي «علیه السلام»، فلما ضربه ابن ملجم صارت تلك الضربة في صورته التي في السماء.

ولما قتل الحسين «علیه السلام» هبطت الملائكة، فحملته حتى أوقفته مع صورة علي في السماء الخامسة (1).

2 - وفي حديث آخر عن أم كلثوم بنت علي، تروي فيه حديث دفن أبيها الإمام علي «علیه السلام»، وتقول:

«فانشق القبر، فلا أدري أغار سيدي في الأرض، أم أسري به إلى السماء..» (2).


1) المحتضر ص 146 عن الصدوق، وبحار الأنوار ج 45 ص 228 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 475.

2) فرحة الغري ص 35 و (نشر مركز الغدير للدراسات الإسلامية) ص64 وبحار الأنوار ج 42 ص 216 والغارات للثقفي ج 2 ص 846 والدر النظيم ص 421 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 348 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 2 ص 172.

3 - وروي عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، أنه قال: أنا أكرم على اللّه من أن يدعني في الأرض أكثر من ثلاث...(1).

4 - عن الإمام الصادق «علیه السلام»: ما من نبي ولا وصي يبقى في الأرض بعد موته أكثر من ثلاثة أيام حتى ترفع روحه وعظمه ولحمه إلى السماء. وإنما تؤتى مواضع آثارهم، ويبلغهم السلام من بعيد، ويسمعونه في مواضع آثارهم من قريب (2).

5 - عن أبي عبد اللّه «علیه السلام»: لا تمكث جثة نبي ولا


1) بحار الأنوار ج 18 ص 298 وج 26 ص 303 وج 97 ص131 وكنز الفوائد للكراجكي ص 258 ومستدرك سفينة البحار ج 9 ص 517.

2) الكافي ج 4 ص 567 والمزار للمفيد ص 189 و (ط دار المفيد) ص220 وبصائر الدرجات ص 465 وكامل الزيارات ص 329 و 330 و (نشر مؤسسة نشر الفقاهة) ص 544 ومن لا يحضره الفقيه ج 2 ص 345 و (ط أخرى) ص 577 وتهذيب الأحكام ج 6 ص 106 وتفسير نور الثقلين ج 5ص 119 وكنز الدقائق (تفسير) ج 12 ص 402 ومنتقى الجمان ج 1 ص318 والدر النظيم ص 422 وجامع أحاديث الشيعة ج 12 ص 259 وبحار الأنوار ج 11 ص 67 وج 22 ص 550 وج 27 ص 299 و 300 وج 97 ص 129 و 130 ومرآة العقول ج 18 ص 284 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 14 ص 323 و (ط الإسلامية) ج 10 ص 254 ومستدرك الوسائل ج 10 ص 188 والدرر النجفية ج 3 ص158 والوافي ج 14 ص 1339.

وصي في الأرض، أكثر من أربعين يوماً.. (1).

6 - عن عبد اللّه بن بكير، بعدما سأل الإمام الصادق «علیه السلام» عن مسائل عديدة، قال : قلت: جعلت فداك، أخبرني عن الحسين «عليه السلام»، لو نبش كانوا يجدون في قبره شيئاً ؟!.

قال: يا ابن بكير، ما أعظم مسائلك، إن الحسين مع أبيه، وأمه، وأخيه الحسن، في منزل رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، يحيون كما يحيى، ويرزقون كما يرزق، فلو نبش في أيامه، لوجدوا. وأما اليوم فهو حي عند ربه يرزق، وإنه لينظر إلى.. الخ..(2).

نقل جسد الوصي إلى موضع دفن النبي:

وثمة روايات أخرى تحدثت عن نقل جسد الوصى، ليكون إلى جنب النبي، مثل:


1) بحار الأنوار ج 97 ص 130 وتهذيب الأحكام ج6 ص106 والمزار ص 189 و (ط دار المفيد) ص 220 ونور الثقلين (تفسیر) ج 5 ص119 وكنز الدقائق (تفسير) ج 12 ص 401 ومستدرك سفينة البحار ج 1 ص 121 والدرر النجفية ج 3 ص 158 والوافي ج 14 ص 1339.

2) كامل الزيارات ص 103 و 438 و 201 وبحار الأنوار ج 27 ص300 وج 44 ص 292 ومقاتل الطالبيين ص 428 والوسائل (ط دار الإسلامية) ج 10 ص 397 ومستدرك الوسائل ج 10 ص 230 ومدينة المعاجز ج4 ص 217 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 533 و 534 وجامع أحاديث 533 الشيعة ج 12 ص 261 و 555.

1 - ما روي عن حذيفة بن اليمان، أنه قال: قال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: «الأوصياء مع الأنبياء حيث كانوا. لو أن نبياً مات بالمغرب، ومات وصيه بالمشرق، لأمر اللّه تعالى الأرض أن تنقله إليه» (1).

قد يستدل بهذا: على أن الوصي مع النبي، حتى في العالم الآخر إذا كان النبي ينقل بجسده وروحه إلى السماء، والرواية التالية صريحة في ذلك.

2 - روي: أن مما أوصى به الإمام علي ولده الإمام الحسن «علیهما السلام»، قوله: «فإذا أردت الخروج من قبري، فافتقدني فإنك لا تجدني، وإني لاحق بجدك رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».

واعلم يا بني ما من نبي وإن كان مدفونا بالمشرق، ويموت وصيه بالمغرب، إلا ويجمع اللّه عز وجل بين روحيهما، وجسديهما، ثم يفرقان فيرجع كل واحد منهما إلى موضع قبره، إلى موضعه الذي حط فيه، الخ..» (2).

وهذه الرواية تفيد: أن هذا الجمع والاجتماع ليس مستمرا، بل


1) المزار للمفيد ص 193 و (ط دار المفيد) ص 224 وعن كنز الفوائد للكراجكي ص 258 حديث 16 وبحار الأنوار ج 97 ص 131 وج 18 ص 298.

2) بحار الأنوار ج 42 ص 292.

يحصل لفترة، ثم يعاد الوصي إلى الموضع الذي دفن فيه، ويرجع النبي إلى قبره.

3 - عن سعد الإسكاف، عن الإمام الصادق «علیه السلام»، قال: لما أصيب أمير المؤمنين «علیه السلام»، قال للحسن والحسين «عليهما السلام»: غسلاني، وكفناني، وحنطاني، واحملاني على سريري، واحملا مؤخره تكفيا مقدمه، فإنكما ستنتهيان إلى قبر محفور، ولحد ملحود، ولبن موضوع، فالحداني، واشرجا اللبن علي، وارفعا لبنة مما يلي رأسي، فانظرا ما تسمعان..

فأخذا اللبنة من عند رأسه، بعدما أشرجا عليه اللبن، فإذا ليس في القبر شيء، وإذا هاتف يهتف: أمير المؤمنين كان عبدا صالحا، فألحقه اللّه بنبيه «صلی اللّه علیه وآله»، وكذلك يفعل بالأوصياء بعد الأنبياء، حتى لو أن نبياً مات في المشرق، ومات وصيه في المغرب، لألحق اللّه الوصي بالنبي (1).

4 - وفي نص آخر لوصية الإمام علي لولده «علیهما السلام»:


1) المزار للمفيد ص192 و (ط دار المفيد) ص 223 وبحار الأنوار ج 42 ص 214 و 236 وتهذيب الأحكام ج 6 ص 106 وإثبات الهداة ج 5 ص 2 وفرحة الغري (منشورات الرضي - قم – إيران) ص 30 و (نشر مركز الغدير للدراسات الإسلامية) ص 60 ومدينة المعاجز ج 3 ص62 ومناقب آل أبي طالب ج 1 ص 482 و 483 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 2 ص 172.

«ثم ضع علي سبع لبنات كبار، ثم انظر، فإنك لن تراني في لحدي..» (1).

ونقول:

لاحظ ما يلي:

للتأييد فقط:

إنما ذكرنا هذه الروايات عن لحوق الوصي بالنبي «صلی اللّه علیه وآله» بعد موته، فلو أن نبيا مات في المشرق، ومات وصيه بالمغرب لأمر اللّه الأرض أن تنقله إليه.. لمجرد الدلالة على انتقال الأجساد من مكان إلى مكان، لتكون مؤيدة للروايات التي سبقتها حول انتقال الأجساد إلى السماء.

بل رأينا: أن بعضها يصلح لأن ينضم إلى الروايات السابقة لدلالته على نفس المضمون.

ونريد أن نذكر هنا مؤيداً آخر لهذا الأمر، وهو: أن اللّه تعالى يقول عن النبي إدريس «علیه السلام»: «وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا» (2).


1) فرحة الغري (منشورات الرضي - قم - إيران) ص 34 و (نشر مركز الغدير للدراسات الإسلامية) ص 62 وبحار الأنوار ج 42 ص 215 وجامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 403 والغارات للثقفي ج 2 ص 846 ومستدرك الوسائل ج 2 ص 332.

2) الآية 57 من سورة مريم.

وقد صرحت الروايات: بأن اللّه تعالى قد قبض روح إدريس «عليه السلام» في السماء، وكان ذلك بواسطة عزرائيل (1).

وهذا يدل على أنه كان في السماء بروحه وجسده

وقال تعالى عن النبي عيسى «علیه السلام»: «إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إليَّ» (2).

وقال عز وجل: «بَلْ رَفَعَهُ اللّه إِلَيْهِ» (3).

ففي الروايات: أنه رفع حيا، وقبض روحه بين السماء والأرض، ثم رفع إلى السماء، ورد عليه روحه (4).

بين الثلاثة أيام والأربعين:

هناك حديثان نحتاج إلى الجمع بينهما، وهما: ما روي عن النبي


1) راجع : الكافي ج 3 ص 257 والوافي ج 24 ص 273 وبحار الأنوار ج11 ص 278 ومرآة العقول ج 14 ص 255 والبرهان (تفسير) ج 5 ص 130 و 131 و (ط مؤسسة البعثة) ج 3 ص 721 ونور الثقلين (تفسير) ج3 ص 349 وكنز الدقائق (تفسير) ج 8 ص 244 وتفسير القمي ج 2 ص 25 ومستدرك سفينة البحار ج 9 ص 438.

2) الآية 58 من سورة النساء.

3) الآية 55 من سورة آل عمران.

4) راجع: عيون أخبار الرضا ج 2 ص 193 والخصال للصدوق ص528 و 529 وبحار الأنوار ج 14 ص 338 و ج 25 ص 118 ومسند الإمام الرضا ج 1 ص 103 وينابيع المعاجز ص 195 والبرهان (تفسير) ج 1 ص 628.

«صلی اللّه علیه وآله»، من أنه قال: «أنا أكرم على اللّه من أن يدعني في الأرض أكثر من ثلاث.

وحديث: «لا تمكث جثة نبي ولا وصي في الأرض أكثر من أربعين».

ويبدو لنا: أن ظاهر كلمة في الأرض هو : أن تكون الأرض ظرفاً له، وهو في باطنها، ويبعد أن تكون هذه الكلمة واردة على طريقة: «وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَةً وَفِي الْأَرْضِ إِلهُ» (1). ليُدَّعى: أنها لا يُقصد بها معنى الظرفية.

وبعدما تقدم نقول:

إننا وإن لم نجد في النصوص ما يصلح قرينة على وجه الجمع بين هذين النصين، ولكن نفس قول النبى «صلی اللّه علیه وآله»: «أنا أكرم على اللّه من أن يدعني في الأرض أكثر من ثلاث». قد دلنا على أن المعيار في مدة البقاء للنبي في الأرض طولاً، وقصراً هو مقدار كرامته «علیه السلام» على اللّه.

ولأن نبينا الأعظم كان هو الأكرم على اللّه من جميع الأنبياء كانت مدة بقائه في الأرض لا تزيد على ثلاثة أيام، فيكون التحديد بالثلاثة خاصاً برسول اللّه، والتحديد بالأربعين إنما هو بالنسبة لمن عدا نبينا «صلی اللّه علیه وآله».


1) الآية 84 من سورة الزخرف.

وبعبارة أخرى: إذا غضضنا النظر عن مسألة الكرامة، فظاهر الثاني العموم لكل نبي ووصي، ووجه الجمع ظاهر

وإذا اعتبرنا اختصاصه «صَلَّى اللّه عَليهِ وآلِهِ» بالثلاث من جهة كرامته ولاحظنا مسألة الكرامة، وأمكن بلحاظه التنزيل على مراتب الكرامة، فأكرمهم، وهو نبينا (صَلَّى اللّه عَليهِ وآلِهِ» لا يبقى أكثر من ثلاث، فأدناهم منزلة لا يبقى أكثر من أربعين وما بين هذا وذاك كل على حسب منزلته..

ولعل إبراهيم الخليل يرفع من الأرض قبل أقل من أربعين، أو أقل من نصفها أيضاً، لأنه «صلی اللّه علیه وعلى نبينا وآله» أفضل الأنبياء بعد نبينا «صلی اللّه علیه وآله».

أليس رفع الروح هو الأسبق؟!:

وقد صرحت إحدى الروايات المتقدمة: برفع روح النبي، ولحمه وعظمه إلى السماء، فقد يقال: إن ذلك لا يستقيم، لأن الروح تتحرر من الجسد وتصعد إلى بارئها قبل الجسد والعظم واللحم الذي يبقى ثلاثة أيام.

ونجيب:

أولاً: الرواية لم تقل : إن رفع اللحم والعظم، والروح إلى السماء سيكون في لحظة واحدة، بل ذكرت أصل حصول الرفع لهذه الثلاثة، فيحتمل أن يكون ذلك دفعة واحدة، ويحتمل التفريق.

ثانياً : إن خروج الروح من الجسد لا يعني صعودها إلى السماء مباشرة، فقد تبقى قريبة منه، وتبقى لها علاقة - ولو ضعيفة - به، وإن لم تكون حالة فيه.

إبهامات مقصودة في رواية ابن بكير:

ويلاحظ الناظر في رواية ابن بكير عن الإمام الصادق «علیه السلام» حول بقاء الحسين «علیه السلام» في قبره، أو رفعه منه: أنها :

ألف: لم تصرح برفع الجسد الشريف للإمام الحسين «عليه السلام» إلى السماء، ربما لأن المطلوب هو التحفظ في البيان لهذا الأمر، تحاشياً لبعض السلبيات أو التشكيكات، أو الاتهامات.

ب: إن سؤال ابن بكير لم يكن عن رفع جسد الحسين «عليه السلام» إلى السماء، بل هو عن فناء جسده «علیه السلام» كسائر الأجساد وعدمه. فأجابه الإمام «علیه السلام»: بأنه في الأيام الأولى كان على حاله، وبعد مضي هذه المدة هو حي عند ربه يرزق.

ج: إن كونه حيا عند ربه يرزق لا يعني رفع الجسد إلى السماء ولا يعني عدمه، بل يبقى هذا الأمر مبهما بدرجة ما.

د: إن كونه حيا عند ربه لا يثبت فناء الجسد ولا ينفيه.

ه: تقدم: أن الأخبار تقول: إن اللّه حرم لحوم الأنبياء والأئمة على الأرض. ولكن الإمام لم يتحدث في جوابه عن هذا الأمر بصورة

صريحة، فأبقى الأمر غامضاً أيضاً.

روايات: أن الأجساد في القبور:

هناك من يرفض الأخذ بروايات رفع أجساد الأنبياء والأئمة إلى السماء، ويستند في ذلك: إلى عدد من الروايات، ونذكر منها ما يلي:

1 - روي: أن الناس قحطوا في سر من رأى، فأمر الخليفة بصلاة الإستسقاء، فخرجوا ثلاثة أيام متتالية يستسقون، فما سقوا..

فخرج الجاثليق في اليوم الرابع إلى الصحراء، ومعه النصارى والرهبان، وكان فيهم راهب، فلما مد يده إلى السماء، هطلت السماء بالمطر، وفعل مثل ذلك في اليوم الثاني..

فشك أكثر الناس، وتعجبوا، ومالوا إلى النصرانية، فبعث الخليفة إلى الإمام الحسن العسكري - وكان محبوساً - فاستخرجه من حبسه، وطلب منه الأمر..

فخرج الجاثليق في اليوم الثالث، والرهبان معه، وخرج الإمام «علیه السلام» في نفر من أصحابه..

«فلما بصر بالراهب، وقد مد يده، أمر بعض مماليكه أن يقبض على يده اليمنى، ويأخذ ما بين أصبعيه.

ففعل، وأخذ من بين سبابته والوسطى عظماً أسود. فأخذه الإمام الحسن العسكري «علیه السلام» بيده ثم قال له: استسق الآن،

فاستسقى - وكانت السماء متغيمة - فانقشعت وطلعت الشمس بيضاء..

فقال الخليفة: ما هذا العظم يا أبا محمد؟!...

فقال «علیه السلام»: هذا رجل مر بقبر نبي من أنبياء اللّه، فوقع بيده هذا العظم، وما كشف عن عظم نبي إلا هطلت السماء بالمطر..» (1).

2 - روي أن الإمام الصادق «علیه السلام»، قال للمفضل بن عمر: «إذا أردت زيارة أمير المؤمنين، فاعلم أنك زائر عظام آدم، وبدن نوح، وجسم علي بن أبي طالب..».

ثم يذكر أن اللّه تعالى أوحى إلى نوح «علیه السلام»، أن استخرج من الماء تابوتاً فيه عظام آدم، وأن نوحا قد فعل ذلك، وكانت عظام آدم مع نوح في السفينة، فلما خرج منها صير قبره تحت المنارة


1) الخرائج والجرائح ج 1 ص 441 و 442 وأشار في هامشه إلى المصادر التالية : كشف الغمة ج 2 ص 429 وإثبات الهداة ج 6 ص 319 وبحار الأنوار ج 50 ص 270 وحلية الأبرار ج 2 ص 502 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص 526 ومدينة المعاجز (ط حجرية) ص 574 والصراط المستقيم ج 2 ص 207 و 208 والفصول المهمة ص 269 ونور الأبصار ص 184 والصواعق المحرقة ص 124 ومفتاح النجا ص 189 ورشفة الصادي ص 196 وجواهر العقدين ص 396. وراجع: الثاقب في المناقب ص575 وينابيع المودة ج 3 ص 131 و 190 و 306 ووفيات الأئمة ص 405 وإحقاق الحق ج 12 ص 264 - 266 عن بعض المصادر المتقدمة.

التي بمسجد الكوفة.

إلى أن قال: «.. فإذا أردت جانب النجف، فزر عظام آدم، وبدن نوح، وجسم علي بن أبي طالب (1).

3 - روي: أن اللّه سبحانه أوحى إلى النبي موسى بن عمران «علیه السلام»، أن أخرج عظام يوسف بن يعقوب من مصر، فأخرجه في صندوق من مرمر إلى الشام.. (2).


1) المزار للمفيد ص 32 و 33 والمزار لابن المشهدي ص 36 و 37 وكامل الزيارات ص 38 و 90 وفرحة الغري ص 73 و 74 و (نشر مؤسسة الوفاء) 101 و 102 وتهذيب الأحكام ج 6 ص 23 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 14 ص 385 و (الإسلامية) ج 10 ص 299 و 300 والغارات ج 2 ص 854 والجواهر السنية ص 46 وبحار الأنوار ج 11 ص 268 و 333 وج 13 ص 127 و 129 و 130 وج22 ص 293 وج 55 ص 171 وج 57 ص 208 وج 79 ص 66 و 67 وج 97 ص 131 و 258 ومستدرك سفينة البحار ج 7 ص 102 ومسند الإمام الرضا ج 1 ص 63 و 64 ومستند الشيعة ج 3 ص 286 وجواهر الكلام ج 4 ص 344 ومستدرك الوسائل ج2 ص 310 وتفسير العياشي ج 2 ص 145 و 146 وقصص الأنبياء للجزائري ص 93.

2) الخصال ص 205 وعلل الشرائع للصدوق ج 1 ص 296 وعيون أخبار الرضا ج 1 ص 235 ومن لا يحضره الفقيه ج 1 ص 193 وقصص الأنبياء للراوندي ص 138 وقصص الأنبياء للجزائري ص 291 والنور المبين ص 255 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 3 ص 162 و (الإسلامية) ج 2 ص834 وبحار الأنوار ج 13 ص 127 و ج 55 ص 171 و 172 وج 79 ص 67 ومستدرك سفينة البحار ج 7 ص 102 ومسند الإمام الرضا ج1 ص 63 ونور الثقلين (تفسير) ج 2 ص 474 وكنز الدقائق (تفسير) ج 6 ص 388 والدرر النجفية ج 3 ص 155 و 161 وراجع جامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 394 والذكرى ص 65 وأمل الآمل ج 1 ص 12 وجامع المقاصد ج 1 ص 401 وروض الجنان ص220 ومجمع الفائدة والبرهان ج3 ص 504 والمزار للمفيد ص 221 ومصباح الفقيه (ط.ق) ج 1 ق 2 ص 430 والتفسير الصافي ج 3 ص 51 وجواهر الكلام ج 4 ص 344 والوافي ج 14 ص 1596.

4 – تقدم: أن إبراهيم الديزج قد نبش قبر الإمام الحسين «عليه السلام»، بأمر من المتوكل، فوجده طرياً، على بارية جديدة.. (1).

5 - إنهم يقولون أن هشام بن عبد الملك أمر بحفر بئر في الرصافة، وأنّه بدت لهم جمجمة رجل عليه ثياب بيض، وفي ثوبه مكتوب أنا شعيب بن صالح رسول رسول اللّه شعيب النبي «عليه السلام» إلى قومه، فضربوني وأضروا بي، وطرحوني في هذا الجبّ (2).


1) الأمالي للطوسي ص 326 وبحار الأنوار ج 45 ص 394 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 724 ومستدرك سفينة البحار ج 8 ص 386 وراجع: مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني ص 396.

2) الخرائج والجرائح ج 2 ص 552 و ج 3 ص 1167 وقصص الأنبياء للراوندي ص 145 والنور المبين ص 212 وبحار الأنوار ج 97 ص 131 وج 12 ص 383 عن قصص الأنبياء، والخرائج والجرائح، ومستدرك سفينة البحار ج 1 ص 272.

ويروى: أن أبا هارون العبدي «المكفوف» دخل على الإمام الصادق «علیه السلام» وأنشده قوله في رثاء الإمام الحسين «عليه السلام»:

أمرر على جدث الحسين***وقل لأعظمه الزكية

يا أعظماً لا زلت من***وطفاء ساكبة روية(1)

ولم يعترض عليه الإمام «علیه السلام» في ذلك، ولم يقل له:

إن جسد الحسين ليس موجوداً في ذلك الجدث، بل هو في السماء.

مع ملاحظة: أن الحديث عن الأعظم الزكية من قبل الشاعر يراد به الحديث عن الجسد كله، ولا يراد به الإشارة إلى فنائه.

فذلك كله يدل على أن أجساد الأنبياء والأوصياء موجودة في القبور، ولم ترفع إلى السماء.


1) كامل الزيارات ص 208 و 210 وثواب الأعمال ص 83 وبحار الأنوار ج 44 ص 287 و 288 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 541 و 542، والغدير ج 2 ص 235 و 236 والجوهرة في نسب الإمام علي وآله للبري ص 48 ومثير الأحزان لابن نما الحلي ص 64 والمجالس الفاخرة للسيد شرف الدين ص 146.

وهناك أحاديث أخرى إستدلوا بها، لا نرى حاجة للتعرض لها لظهور الجواب عنها، نذكر منها هنا روايتين:

الأولى: استدلالهم بوصية أمير المؤمنين «علیه السلام»: بأن يضيعوا قبره، خوفا من طغاة بني أمية.. فلو لم يكن الجسد موجوداً في القبر، فلا داعي للخوف من نبشه.

ويجاب:

بأن نفس هتك حرمة القبر أمر عظيم ومرفوض في نفسه.

الثاني: استدلوا أيضاً: بما ورد في الاستشفاء بالتربة الحسينية.

ويجاب عنه:

بأنه يكفي لحصول الشفاء أخذ التراب من موضع دفنه، وإن لم يلبث فيه سوى لحظات

قال بعض الإخوة الأكارم:

في حالة سيدنا الحسين «علیه السلام» من المحتمل أن تكون الخصوصية للاستشهاد في هذه الأرض، وجريان دمه «علیه السلام» فيها، بغض النظر عن أصل الدفن، ولو للحظات.

نظرة في الروايات المتقدمة:

ومهما يكن من أمر، فإننا بالنسبة للروايات المتقدمة نذكر الأمور التالية:

ألف: بالنسبة لحديث الإستسقاء بعظم أحد الأنبياء، نقول:

أولاً: إذا كان اللّه تعالى قد حرم لحوم الأنبياء على الأرض، كما تقدم، فذلك يعني: عدم فناء أجسادهم ليتمكن هذا الراهب من الحصول على شيء من عظامه. بل إن أجساد بعض المؤمنين، تبقى مئات السنين طرية وغضة، كما هو مشاهد، ومنهم: الحر الرياحي وغيره (1). فما بالك بالأنبياء؟!

ثانياً: ذكرت الرواية المشار إليها: أن العظم الذي استسقى به الراهب كان أسود، وكان حجمه صغيراً، بحيث كان الراهب يضعه بين السبابة والوسطى.

والقول بسواد ذلك العظم يلقي شبهة في أن يكون من عظام نبي أو لا يكون..

إلا أن يقال: لعله كان ضرساً أو سناً، أو ظفراً كان منفصلاً عن جسد النبي، وقد دفن معه عملاً بالاستحباب وليس بالضرورة أن يكون جسد ذلك النبي قد بلي.

ويؤيد هذه الاحتمالات: تصريح الرواية بصغر ذلك العظم بشكل لافت كما تقدم.

وربما يحتمل البعض: أن يكون الطغاة قد قتلوا بعض الأنبياء، وقطعوا أعضاءهم بالمناشير، أو السيوف، فانفصلت قطعة صغيرة من بعض المواضع، حين حصل ذلك، فعثر عليها ذلك الراهب.


1) راجع: شجرة طوبى ج 2 ص 285.

ونحن لا نستطيع أن ندفع هذا الاحتمال، لأن بني إسرائيل كانوا مولعين بقتل أنبيائهم.

ب: بالنسبة لزيارة عظام آدم، و بدن نوح، وجسم علي عليه و«علیهم السلام» نقول:

أولاً : إن الحديث لم يصرح بمكان وجود العظام والبدن، والجسم.. بل صرح بموضع زيارتها.. وهو الموضع الذي دفنت فيه حين الموت.. فلعلها رفعت إلى السماء، أو نقل جسد الإمام إلى قرب النبي «صلی اللّه علیه وآله». ولكن يبقى لزيارته في موضع دفنه نفس فوائد زيارته عند النبي أيضاً لخصوصية في موضع الدفن.

وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في بعض الروايات التي ذكرناها.

وقد رأينا: أن النصوص ذكرت استحباب الزيارة عن بعد، وذكرت أنه لا مانع من أن يزور الزائر الإمام، أو النبي من دون أن يتوجه إلى جهته، بل يزوره على أي حال كان: قائماً، وقاعداً وراكعاً، وساجداً.. و.. و.. الخ..

ثانياً: لعل المراد بقوله: زُرْ عظام آدم و بدن نوح وجسم علي: أن يقول الزائر: السلام على عظام آدم، وبدن نوح الخ..

ثالثاً: إن رفع الأجساد إلى السماء، لا يعني لزوم بقائها في السماء، فلعل اللّه تعالى يعيد تلك الأجساد إلى القبور، ويعيد أجساد بعض الأنبياء، أو الأئمة لمصالح وأسرار هو يعلمها.

وقد تقدمت الإشارة إلى هذا الأمر في بعض الروايات أيضاً.

لكن المهم : هو أن التكريم قد حصل برفع الجسد إلى السماء ولو لمدة وجيزة، أو مديدة، أو ليبقى في السماء على الدوام

ج: بالنسبة لنقل عظام النبي آدم، التي كانت في تابوت تحت الماء، وكذلك الحال بالنسبة لعظام يوسف التي كانت في صندوق من مرمر في النيل نقول:

أولاً: ما الدليل على صحة أو اعتبار الرواية التي ذكرت ذلك؟!

ثانياً: إن وجود عظام النبي آدم ويوسف في صندوق تحت الماء قد يشير إلى أن تلك الجثث الطاهرة لم تكن قد دفنت بعد، وفق ما قرره الشرع الشريف.

فيكون جعلها في هذه الصناديق تحت الماء من قبيل إيداعها بهذا النحو في ذلك الموضع.. ربما ليتولى دفنها نبي أو وصي تشريفا وتكريماً لهما «علیهما السلام».

بل لعل سبب الإيداع: هو انتظار الفرصة لنقله «علیه السلام» إلى التربة التي خلق منها، كما ورد في صحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما «علیهما السلام» قال: «من خلق من تربة دفن فيها» (1).

وعن الصادق «علیه السلام»: إن النطفة إذا وقعت في الرحم


1) الكافي ج 3 ص 202 ومرآة العقول ج 14 ص 120 ونور الثقلين (تفسير) ج 3 ص 383 وكنز الدقائق (تفسير) ج 8 ص 323 والدرر النجفية ج 3 ص 166.

بعث اللّه ملكا يأخذ من التربة التي يدفن فيها، فماتها في النطفة، فلا يزال قلبه يحن أي يشتاق إليها، حتى يدفن فيها (1).

ولعل كلمة : «عظام» قد جاءت وفق ما يتوقعه الناس العاديون من تعابير عن الأموات الذين ماتوا من زمن بعيد، فلا دلالة فيها على فناء الأجساد، حتى لم يبق منها إلا العظام بسبب توالي العصور والدهور.

ويشهد لما نقول: ما دل على أن لحوم الأنبياء محرمة على الأرض.

بل المراد بالعظام: هو جثة النبي، لأن الناس قد يعبرون بالعظام، لأنها قوام البدن، فحملها ونقلها حمل ونقل للبدن كله.

د: بالنسبة لرواية إبراهيم الديزج نقول :

تقدم بعض الكلام حولها، ونضيف هنا :

أولاً: إن ما ذكر في هذه الرواية مستنده إبراهيم الديزج نفسه، وكذلك جعفر بن محمد بن عمار القاضي. ولا يوثق بكلام هؤلاء الفجرة، ولاسيما مع اعترافه بما فعله بقبر الحسين «علیه السلام». حتى إنه بالرغم من ادَّعائه أنه رأى بدن الحسين «علیه السلام» على


1) الكافي ج 3 ص 203 والوافي ج 2 ص 590 وبحار الأنوار ج57 ص338 ومرآة العقول ج 14 ص 120 ونور الثقلين (تفسير) ج3 ص 384 و 534 وج 4 ص 220 وكنز الدقائق (تفسير) ج8 ص323 وج 10 ص 276 والدرر النجفية ج 3 ص 166.

بارية عاد فأجرى عليه الماء، وكربه أي حرثه بالبقر.

فليس من البعيد: أن يحاول هؤلاء المجرمون تقديم صورة ملطفة عن جرائمهم خوفاً من إثارة الناس ضدهم، ونبذهم لهم.

ثانياً: من الذي قال إن إبراهيم الديزج قد شاهد جسداً أصلا، وإذا كان قد شاهد جسداً فمن الذي قال: إنه شاهد جسد الحسين «علیه السلام»، وهو إنما ولد بعد استشهاد الحسين «علیه السلام» بعشرات السنين، فلعله شاهد جسد أحد الشهداء الآخرين، أو غيرهم، أو أن اللّه تعالى أراه جسداً ما لحكمة يراها.

ه: بالنسبة للحديث القائل: إنهم حفروا بئراً، فوجدوا فيه جثة شعيب بن صالح نقول:

أولاً: ما أدراهم أن تلك الجثة التي وجدوها هي جثة شعيب بن صالح، أو جثة شخص آخر، وهم لم يروا شعيباً هذا؟!

ثانياً : من الذي حدد لهم مكان دفن شعيب بن صالح؟ وما مدى صدق من أخبرهم بمكان دفنه، إن كان هناك مخبر؟!

ثالثاً: كيف ثبت لهم: أن شعيب بن صالح من الأنبياء، أو الأوصياء، فإن الحديث يقول : إنه رسول رسول اللّه شعيب النبي إلى قومه، فليس هو من الأنبياء ولا الأوصياء.. ورسول الرسول لا يجب أن يكون نبيا ولا رسولاً.

رابعاً: ذكرت رواية شعيب بن صالح أنهم حفروا ماءتي قامة حتى وصلوا إليه فوجدوه لابساً ثياباً بيضاً، مكتوباً عليها: أنا شعيب بن

صالح الخ..

فإذا كان هذا الرجل قد قتل من عهد شعيب النبي «علیه السلام»، وموسى «علیه السلام»، فكيف بقيت ثيابه هذه المئات والآلاف من السنين، ولم يبلها التراب ولا تغيرت الكتابة؟! إلا إن كان اللّه تعالى قد صنع له هذه الكرامة.

خامساً: إننا لم نعرف السبب في حفر قوم شعيب بن صالح بئراً بعمق مئتي قامة ليجعلوه فيه، فإن حفر ما يقرب من ثلاث مئة وخمسين متراً يحتاج إلى جهد كبير، وفيه صعوبات ومخاطرات كبيرة، ويحتاج إلى وسائل وأدوات تناسبه، فهل كان هناك موجب لهذا الأمر؟! وهل يقدم عليه من لديه ذرة من فهم وعقل ؟!

أين هو قبر الحسين؟!:

قال ابن جرير بن رستم الطبري: «قبره في البقعة المباركة، والربوة التي هي ذات قرار ومعين، بطف كربلاء، بين نينوى والغاضرية من قرى النهرين» (1).

وعن أبي الجارود قال: حفر عند قبر الحسين «علیه السلام»، عند


1) دلائل الإمامة ص 73 و (نشر مؤسسة البعثة) ص 180 وراجع الهداية الكبرى للخصيبي ص 202.

رأسه، وعند رجليه أول ما حفر، فأخرج مسك أذفر، لم يشكوا فيه(1).

قبر الحسين «علیه السلام» غير معروف؟!:

روى الخطيب البغدادي، عن أحمد بن سعيد الحمال [الجمال] قال: سألت أبا نعيم عن زيارة قبر الحسين، فكأنه أنكر أن يعلم أين قبره (2).

وذكر بعض تلامذة ابن قولويه: أن جميع أحاديث الباب الثامن والثمانين من كتاب كامل الزيارات وغيرها مما يجري مجراها يستدل بها على صحة قبر مولانا الحسين «علیه السلام» بكربلاء، لأن كثيراً من المخالفين ينكرون أن قبره بكربلاء، كما ينكرون أن قبر مولانا أمير المؤمنين علي «علیه السلام» بالغري بظهر نجف الكوفة» (3).

وذكر ابن جرير وغيره: أن موضع قتله عفي أثره، حتى لم يطلع


1) الأمالي للطوسي ص 317 وبحار الأنوار ج 22 ص 553 وج 97 ص 191.

2) تاريخ بغداد ج 1 ص 143 و 144 و (ط دار الكتب العلمية) ص154 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 245 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 411 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2657 وتهذيب الكمال ج 6 ص 444 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 527.

3) راجع: كامل الزيارات (ط سنة 1375 ه- نشر صدوق) ص272 و 273.

أحد على تعيينه بخبر (1).

وقد كان أبو نعيم الفضل بن دكين ينكر على من زعم أنه يعرف قبر الحسين.

وذكر هشام بن الكلبي : أن الماء لما أجري على قبر الحسين لِيُمْحَى أثره نضب الماء بعد أربعين يوما، فجاء أعرابي من بني أسد، فجعل يأخذ قبضة، قبضة، ويشمها حتى وقع على قبر الحسين، فبكى، وقال بأبي أنت وأمي ما كان أطيبك، وأطيب تربتك، ثم أنشأ يقول:

أرادوا ليخفوا قبره عن محبه***فطيب تراب القبر دل على القبر (2)

وقال الزبيدي مشيراً إلى وجود خلاف في موضع دفنه «عليه


1) البداية والنهاية ج 8 ص 189 و 203 و (ط دار إحياء التراث) العربي) ج 8 ص 221 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 299.

2) البداية والنهاية ج 8 ص 189 و 203 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 221 و 222 وراجع تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 245 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 408 وتهذيب الكمال ج 6 ص 444 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 317 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2657 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 300 والدر النظيم ص572 ومستدرك سفينة البحار ج ص 387 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 363 و 526.

السلام»: «وهناك دفن على الصحيح» (1). أي في كربلاء.

ونقول:

إن قبر الإمام الحسين «علیه السلام» لم يزل مقصداً للناس، ليس فقط من شيعة الحسين وأهل البيت «علیهم السلام»، بل من كل مسلم، بالإضافة إلى ما نراه من توافد غير المسلمين عليه في المناسبات المختلفة..

وبالرغم من هذا الإقبال الهائل على زيارته «علیه السلام» عبر العصور والدهور، فإنك تجد مئات الشواهد والأدلة، والبيانات والتصريحات: بأنه «علیه السلام» دفن في كربلاء.

وقد كان هذا الإقبال الهائل على زيارته، والتعاهد المتواصل لقبره الشريف ظاهراً للعيان في كل يوم، وكل شهر، وكل سنة على مدى المئات من السنين - كان - يكفي أي إنسان لديه ذرة من عقل وإنصاف وتجرد، ليردعه عن إطلاق ادّعاءات فارغة، بل مضحكة تهدف إلى تضليل الناس وإثارة الشكوك لدى العامة لكي تفقدهم بعض الرغبة والحماس لزيارة قبره الشريف.

فصار حتى بعض من يدَّعي لنفسه العلم، أو يدَّعيه المغرضون له، يطلقون الشائعات السخيفة التي تشي بتعصبهم، وبأنهم ألعوبة بيد الحكام،


1) تاج العروس ج 8 ص 97 و (ط دار الفكر) ج 15 ص 654.

ويريدون تقديم خدمة لهم بإسهامهم القذر والمهين والمشين في كبح الرغبة في إظهار الولاء لأهل البيت بزيارة قبر شهيدهم المظلوم.

ولو فرضنا: أن قبره غير معلوم، فلماذا أقام الظالمون والحاقدون الموانع التي تحجز الناس عن الوصول إلى كربلاء ؟!

ولماذا قطعوا السدرة التي كان زوار الحسين «علیه السلام» يستظلون بها؟!

ولماذا يأمر المتوكل إبراهيم الديزج بنبش قبر الحسين «عليه السلام» في كربلاء ؟!

ولماذا أجرى عليه الماء، وكربه بالبقر ؟!

ولماذا جعلوا قطع اليد ثمناً للسماح بزيارة ذلك القبر الشريف؟! وكيف استطاع ذلك الأسدي أن يهتدي إلى القبر الشريف بعد أكثر من أربعين يوماً من حرث القبر، وإجراء الماء عليه، وقد اهتدى إليه من خلال شم التراب في ذلك الموضع قبضة قبضة، حتى وقع على القبر الشريف؟!

إن عمل هؤلاء الناس، بالرغم من خطورته، لأنه يزرع الشك والريب في النفوس، وتتضاءل الرغبة في قصد القبر الشريف لزيارته والتبرك به، وقد يتواصل هذا الشك، وينتقل من جيل إلى جيل.

ولكن المدهش والمثير: أن نتائج جهدهم كانت سرابا، وما بنوه

وأملوه، وتوقعوه أصبح يبابا.. وها هو القبر الشريف لم يزل، وسوف يبقى إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها محجة للراغبين، وقبلة للطالبين ومنار هدى للمدلجين، وأماناً للخائفين.

وهنا ينتهي الجزء العشرون من سيرة الحسين «علیه السلام». وقد حصل الفراغ من كتابة هذا الجزء بتاريخ 23 شهر ربيع الأول سنة 1437ه.ق الموافق 4 كانون الثاني سنة 2016 م. ش.

والحمد للّه، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله الطاهرين..

الفهارس

إشارة:

1 - الفهرس الإجمالي

2 - الفهرس التفصيلي

الفهرس الإجمالي

الباب الثاني: أحداث جرت في الكوفة...5

الفصل الأول: الكوفة تستقبل السبايا...7

الفصل الثاني: خطبة زينب، وأم كلثوم، وفاطمة في الكوفة... 37

الفصل الثالث: خطبة السجاد «علیه السلام» في الكوفة...80

الفصل الرابع: املأ ركابي فضة وذهباً...98

الفصل الخامس: زينب والسجاد في مواجهة ابن زياد... 132

الفصل السادس: إلى السجن من جديد...159

الفصل السابع: الرؤوس تطوف في الطرقات...189

الفصل الثامن: نهضة ابن عفيف وتداعياتها...213

الفصل التاسع: أحداث لا بد من التوقف عندها...239

الباب الثالث: إلى كربلاء من جديد...241

الفصل الأول: دفن الأجساد...263

الفصل الثاني: هل الحسين «علیه السلام» في قبره؟!...291

الفهارس...323

الفهرس الإجمالي... 353

الفهرس التفصيلي... 355

الفهرس التفصيلي

الباب الثاني: أحداث جرت في الكوفة...5

الفصل الأول: الكوفة تستقبل السبايا... 7

ابن سعد دخل الكوفة نهاراً: ...9

هؤلاء يبكين علينا، فمن قتلنا؟!: ...9

السؤال المحرج والصريح: ...11

أسارى آل محمد: ...13

من هم الأسرى؟!: ...15

إستقبال السبايا في مصادر متأخرة: ...16

هل كان هناك عسكران؟!: ...24

ظهور النار في القصر : ...25

تدابير احترازية في الكوفة: ...26

الشعر الذي قاله السجاد «علیه السلام» : ...28

الصدقة علينا حرام: ...33

زينب نطحت رأسها بمقدم المحمل: ...34

رأس الحسين «علیه السلام» في شوارع الكوفة: ...34

مئة ألف إنسان في شوارع الكوفة: ...34

الفصل الثاني: خطبة زينب، وأم كلثوم، وفاطمة في الكوفة... 37

هكذا جرت الأحداث في الكوفة: ...39

خطبة زينب «علیها السلام» في أهل الكوفة: ... 41

توضیحات: ...44

راوي خطبة زينب: ...46

أين كانت هذه الخطبة؟!: ...47

الكوفيون بنظر زينب «علیها السلام»:... 49

ثمرات ونتائج: ...52

المقصود هو رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»:...58

هول الجريمة: ...60

أنتِ بحمد اللّه عالمة غير معلمة: ...61

خطبة أم كلثوم: ...65

هل هذه زينب؟!: ...67

خطبت من وراء كلتها: ... 69

نشرن شعورهن: ...69

الشعر المنسوب لأم كلثوم: ...70

خطبة فاطمة الصغرى: ...70

إيضاحات: ...74

للتذكير.. والبيان: ...75

فكذبتمونا وكفّرتمونا: ...75

كأننا أولاد ترك أو كابل: ...76

نحن قتلنا عليا وبني علي: ...76

قتلتم جدنا بالأمس: ...77

الفصل الثالث: خطبة السجاد «علیه السلام» في الكوفة...80

السجاد «علیه السلام» يخاطب أهل الكوفة: ...82

إيضاحات: ... 84

الإغراء بالإصغاء والإنتباه ...85

هكذا عرفهم نفسه «علیه السلام»: ...85

الفخر بقتل الصبر!!: ... 89

السجاد «علیه السلام» يستنطق أهل الكوفة: ... 90

هلكتم وما تعلمون: ...92

هل هذا استدراج؟!:... 92

ورب الراقصات !!: ...94

ثكل رسول اللّه وثكل أبي: ...95

لا تكونوا لنا ولا علينا: ...96

هذا الشعر لا يستقيم: ... 96

الفصل الرابع: املأ ركابي فضة وذهباً... 98

الرأس الشريف عند ابن زياد: ...100

فقدان المعايير: ...103

غضب ابن زیاد : ...105

إملأ ركابي فضة وذهباً:... 105

مصيبة - واللّه - ما أعظمها: ...106

جبروت واستكبار: ... 107

سماجة ووقاحة ابن زياد: ...109

طشت من ذهب ! لماذا ؟: ...111

هل أسرع الشيب إلى الحسين؟!: ...112

يوم بيوم بدر: ...113

كانوا أعق وأظلما: ...114

هل خرف زيد بن أرقم؟!: ...115

إيضاحات: ...119

هكذا يتصرف الوضيع: ... 119

الخرف المزعوم: ...120

هل كان زيد بن أرقم أعمى؟!:... 120

أتبكي لفتح اللّه ؟!:... 123

يفلقن هاماً من رجال أعزة: ... 124

يقتل خياركم، ويستعبد شرراكم: ...124

أنس.. وابن زياد: ...125

الفصل الخامس: زينب والسجاد في مواجهة ابن زياد... 132

زينب وابن زیاد: ...134

لماذا تنكرت زينب؟!: ...136

إنما يفتضح الفاسق: ...140

هل هذا صنع اللّه ؟! : ...142

رد زينب والسجاد «علیه السلام»: ...143

تشقي ابن زياد: ...145

هل اختطف السجاد «علیه السلام»؟! ...146

الإمام السجاد «علیه السلام» وابن زياد: ...153

الكشف عن السجاد: هل أدرك: ...156

الجبر الإلهي عند بني أمية: ...157

موقف زینب سدید ورشید: ...158

القتل لنا عادة وكرامتنا من اللّه الشهادة: ...160

وبك جرأة لجوابي:...162

دعوه، فإني أراه لما به: ...164

كيف سلم هذا؟! اقتلوه: ...165

ابن زياد، وأم كلثوم: ...166

بنت الحسين، أو أخته: ...167

هل أحضر ابن زياد أم كلثوم مرة أخرى؟!... 169

الفصل السادس: إلى السجن من جديد: ...171

إلى السجن مرة بعد أخرى: ...173

لماذا هذه الإهانات؟!: ...176

البشائر إلى النواحي: ...177

لا يدخلن علينا عربية: ...178

أجرى عليهن رزقاً: ...184

الحجر الذي سقط عليهم في السجن: ...185

الفصل السابع: الرؤوس تطوف في الطرقات: ...189

الرؤوس في أزقة الكوفة: ...191

الرؤوس نصبت في الكوفة: ...194

أول رأس حمل:...195

أصحاب الكهف والرقيم: ...199

ايضاحات: ...200

لماذا أصحاب الكهف والرقيم؟: ...200

رجعة أهل الكهف ورجعة الحسين: ... 205

ملاحظة أخيرة: ...206

حديث البساط: ... 207

الفصل الثامن: نهضة ابن عفيف وتداعياتها.. ... 213

ابن عفيف يتصدى للطاغية: ...215

ما جرى على مؤيدي ابن عفيف: ...221

ابن عفيف الرجل العابد: ...223

شدَّ يدك بساداتهم: ...224

الحمد للّه الذي أخزاك: ...227

ما تقول في عثمان؟!: ...229

تداعيات قتل ابن عفيف: ... 231

المختار يتصدى لابن زياد: ...234

لماذا غضب يزيد؟! ...236

ابن عمر يهدد ابن زياد بجيش:... 237

إطلاق سراح المختار: ... 238

الفصل التاسع: أحداث لا بد من التوقف عندها... 239

إخفاء الأدلة:. ...241

موقف أبي برزة:.... 244

موقف قيس بن عباد: ...244

رجل من بكر بن وائل: ...245

مع حديث أبي برزة: ...246

ابن زیاد جاهل أو يتجاهل: ... 247

الجواب الصريح والفاضح: ...248

إن لم تعد ضربت عنقك : ...249

حيطان دار الإمارة تسيل دماً : ...249

قطرة من دم الحسين «علیه السلام» : ...253

العدوان على الرأس الشريف: ...256

توضیحات: ...258

التشويه للتمويه: ...258

ابن حريث يستدرك بعض الأمر: ... 259

بل هو ابن المشؤوم: ... 260

الباب الثالث: إلى كربلاء من جديد: ... 261

الفصل الأول: دفن الأجساد.. ... 263

الرسول.. ودفن الأجساد: ...265

مشاركة الملائكة في دفن المعصوم: ...266

رؤيا أم سلمة: فوائد وعوائد: ... 268

اليوم قتلوا، والساعة دفنتهم: ... 271

ما زلت أحفر قبوراً: ... 274

رواية المشاركة: ... 274

دفن الأصحاب: ...275

متى دفن الشهداء؟: ...280

هل كان الشهداء في حفرة واحدة؟!:... 280

يرون طيوراً بيضاً : ...281

إختلافات في الروايات: ...282

من غرائب الروايات: ...283

الشهيد يدفن في ثيابه: ... 284

الحسين دفن في ثيابه: ...285

إشارة لا بد منها: ... 287

الشهيد لا يغسل ولا يكفن: ... 288

هل كفن ابن المطاع و غسل ؟!: ...289

هل سلبوا الحسين ثيابه؟!: ...289

الذي صلى على الحسين: ...290

تغسيل الإمام: ...291

هي اغتسلت أو غسلها علي ؟!:...297

لا يلي أمر الإمام إلا الإمام: ... 298

حضور السجاد دفن أبيه: ... 299

بنو أسد في كربلاء: ...301

أين هي الروايات؟!: ...301

دليل آخر على حضور الإمام: ...302

الأدلة العامة على حضور الإمام: ...303

موجز عما جرى في كربلاء: ...305

لا رواية عن حضور السجاد «علیه السلام» دفن أبيه: ...307

رواية فى مصادر متأخرة : ...307

الفصل الثاني: هل الحسين «علیه السلام» في قبره؟! ...316

المتوكل ينبش قبر الحسين: ...318

مصباح هدى وسفينة نجاة: ...319

نبش قبر الحسين: ...320

مخره بالماء وكربه بالبقر: ...321

هل كان الحسين «علیه السلام» في القبر؟!: ...322

نقل جسد الوصي إلى موضع دفن النبي: ...325

للتأييد فقط: ...328

بين الثلاثة أيام والأربعين: ...329

أليس رفع الروح هو الأسبق ؟!: ...331

إبهامات مقصودة في رواية ابن بكير : ...332

روايات: أن الأجساد في القبور: ...333

نظرة في الروايات المتقدمة: ...338

أين هو قبر الحسين؟!: ...344

قبر الحسين «علیه السلام» غير معروف؟!: ...345

الفهارس... 351

الفهرس الإجمالي...353

الفهرس التفصيلي... 355

كتب مطبوعة للمؤلف..

كتب مطبوعة للمؤلف

1 - الآداب الطبية في الإسلام

2 - ابن عباس وأموال البصرة

3 - ابن عربي سني متعصب

4 - أبو ذر لا إشتراكية.. ولا مزدكية

5 - أحيوا أمرنا

6 - إدارة الحرمين الشريفين في القرآن الكريم

7 - إسرائيل.. في آيات سورة بني إسرائيل.. تفسير ثمان آيات..

8 - الإسلام ومبدأ المقابلة بالمثل

9 - الإعتماد في مسائل التقليد والإجتهاد (صدر منه جزء واحد)

10 - أفلا تذكرون «حوارات في الدين والعقيدة:

11 - أكذوبتان حول الشريف الرضي

12 - الإمام علي والنبي يوشع «علیه السلام»

13 - أهل البيت «علیهم السلام» في آية التطهير

14 - أين الإنجيل؟!

15 - بحث حول الشفاعة

16 - براءة آدم «علیه السلام» حقيقة قرآنية

17 - البنات ربائب.. قل هاتوا برهانكم

18 - بنات النبي «صلی اللّه علیه وآله» أم ربائبه ؟!

19 - بيان الأئمة وخطبة البيان في الميزان

20 - تحقیقی درباره تاریخ هجري

21 - تخطيط المدن في الإسلام

22 - تفسير سورة ألم نشرح

23 - تفسير سورة الضحى

24 - تفسير سورة الفاتحة

25 - تفسير سورة الكوثر

26 - تفسير سورة الماعون

27 - تفسير سورة الناس

28 - تفسير سورة هل أتى (جزءان)

29 - توضيح الواضحات من أشكل المشكلات

30 - الحاخام المهزوم

31 - حديث الإفك

32 - حقائق هامة حول القرآن الكريم

33 - حقوق الحيوان في الإسلام

34 - الحياة السياسية للإمام الجواد «علیه السلام»

35 - الحياة السياسية للإمام الحسن «علیه السلام»

36 - الحياة السياسية للإمام الرضا «علیه السلام»

37 - خسائر الحرب وتعويضاتها

38 - خلفيات كتاب مأساة الزهراء «علیها السلام» (ستة أجزاء)

39 - دراسات وبحوث في التاريخ والإسلام (أربعة أجزاء)

40 - دراسة فى علامات الظهور

41 - دليل المناسبات في الشعر

42 - ربائب الرسول «صلی اللّه علیه وآله» «شبهات وردود»

43 - رد الشمس لعلى «علیه السلام»

44 - زواج المتعة (تحقيق ودراسة) (ثلاثة أجزاء)

45 - الزواج المؤقت في الإسلام (المتعة)

46 - زينب ورقية في الشام !!

47 - سلمان الفارسي في مواجهة التحدي

48 - سنابل المجد (قصيدة مهداة إلى روح الإمام الخميني وإلى الشهداء الأبرار)

49 - السوق في ظل الدولة الإسلامية

50 - سياسة الحرب في دعاء أهل الثغور

51 - سيرة الحسين «علیه السلام» في الحديث والتاريخ في الحديث والتاريخ (أنجز منه 20 جزءاً)

52 - شبهات يهودي

53 - الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة

54 - الصحيح من سيرة الإمام علي «علیه السلام» (ثلاثة وخمسون جزءاً)

55 - الصحيح من سيرة النبي الأعظم «صلی اللّه علیه وآله» (خمسة وثلاثون)

56 - صراع الحرية في عصر الشيخ المفيد

57 - طريق الحق (حوار مع عالم جليل من أهل السنة والجماعة)

58 - ظاهرة القارونية من أين؟! وإلى أين؟!

59 - ظلامة أبي طالب «علیه السلام»

60 - ظلامة أم كلثوم

61 - عاشوراء بين الصلح الحسني والكيد السفياني

62 - عصمة الملائكة بين فطرس.. وهاروت وماروت

63 - علي «علیه السلام» والخوارج (جزءان)

64 - الغدير والمعارضون

65 - فصل الخطاب في الميزان

66 - القول الصائب في إثبات الربائب

67 - كربلاء فوق الشبهات

68 - لست بفوق أن أخطىء من كلام علي «علیه السلام»

69 - لماذا كتاب مأساة الزهراء «علیها السلام» ؟!

67 - ماذا عن الجزيرة الخضراء ومثلث برمودا ؟!

71 - مأساة الزهراء «علیها السلام» (جزءان)

72 - مختصر مفيد (أسئلة وأجوبة في الدين والعقيدة)، (ثمانية عشر جزءاً).

73 - مراسم عاشوراء «شبهات وردود»

74 - المسجد الأقصى أين؟!

75 - مقالات ودراسات

76 - منطلقات البحث العلمي في السيرة النبوية

77 - المواسم والمراسم

78 - موقع ولاية الفقيه من نظرية الحكم في الإسلام

79 - موقف الإمام علي «علیه السلام» في الحديبية

80 - میزان الحق شبهات وردود (أربعة أجزاء)

81 - نقش الخواتيم لدى الأئمة «علیهم السلام»

82 - وقفات مع ناقد

83 - الولاية التشريعية

84 - ولاية الفقيه في صحيحة عمر بن حنظلة

مؤلفات قيد الإعداد..

قيد الإعداد

1 - الإعتماد في مسائل التقليد والإجتهاد (الجزء الثاني)

2 - تفسير سورة الفلق

3 - تفسير سورة التوحيد (الإخلاص)

4 - تفسير سورة المسد

5 - تفسير سورة النصر

6 - تفسير سورة التكاثر

7 - تفسير سورة العاديات

8 - مختصر مفيد (المجموعة 19)