سیرة الحسین علیه السلام فی الحدیث و التاریخ جلد 19

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

سيرة الحسين(عليه السلام)

في الحديث والتاريخ..

السيد جعفر مرتضى العاملي

الجزء الحادي والعشرون

المركز الاسلامي للدراسات

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

الطبعة الأولى

2016م - 1437هـ

حاد

المركز الاسلامي للدراسات

لبنان - بيروت - الضاحية الجنوبية - أوّل حي ماضي بناية حجازي - ط 1 - تلفاكس: 00961.1.274519

البريد الالكتروني : alhadi@alhadi.org

المنشورات بيروت - بئر العبد - سنتر الانماء 3 - 0096170995421

محرر الرقمي: محمد مهدي فصيحي

اشارة

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

الطبعة الأولى

2016 - 1437ه-

حاد

المركز الاسلامي للدراسات

لبنان - بيروت - الضاحية الجنوبية - أوّل حي ماضي بناية حجازي - ط 1 - تلفاكس: 00961.1.274519

البريد الالكتروني : alhadi@alhadi.org

المنشورات بيروت - بئر العبد - سنتر الانماء 3 - 0096170995421

سيرة الحسين «عليه السلام »

في الحديث والتاريخ..

السيد جعفر ونضى العمالي

الجزء التاسع عشر

المركز الاسلامي للدراسات

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ »

الفصل السادس: أثار ونتائج..

اشارة

المشاركون في قتل الإمام «علیه السلام» :

اختلفت النصوص في تحديد قاتل الإمام الحسين «عليه السلام» إلى أقوال عديدة، وواضح:أن السبب في كثرة الأقوال هو كثرة المشاركين في ارتكاب هذه الجريمة الهائلة...

ونحن نذكر نماذج من هذه الأقوال، مع الإشارة إلى بعض مصادرها، فلاحظ ما يلي:

قيل: إن الشمر بن ذي الجوشن هو الذي قتل الإمام «عليه السلام»، بعد أن جلس على صدره، وضربه بسيفه اثنتي عشرة ضربة .(1)

وذكر بلفظ قيل في :المختصر في أخبار البشر ج 1 ص 191 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 204 وعمدة القاري ج 16 ص 240 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج 1 ص 393 ونظم درر السمطين ص216 وكشف الغمة ج 2 ص 265 وأسد الغابة ج 2 ص 21 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2571 ومعارج الوصول ص 95 وعمدة الطالب ص 192 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 255 وحياة الحيوان الكبرى ج 1 ص 91 .


1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 36 وتاريخ خليفة بن خياط ص 179 وبحار الأنوار ج 45 ص 56 والعوالم، الإمام الحسين «عليه السلام»ج 17 ص300 وتسلية المجالس وزينة المجالس ج 2 ص 322 وإعلام الورى ج 1 ص 469 وإبصار العين ص 37 والثقات لابن حبان ج2 ص311 والإرشاد ج 2 ص 112 و تاج المواليد (المجموعة) للطبرسي ص31 وروضة الواعظين (منشورات الشريف الرضي) ص189 وجواهر المطالب ج 2 ص 289.

وقيل: قتله سنان بن أنس النخعي .(1).


1) الأمالي للصدوق ص 226 ح 239 والإعتقادات في دين الإمامية ص98 ومقاتل الطالبيين (ط المكتبة الحيدرية) ص 79 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 260 و 231 ومثير الأحزان (ط المكتبة الحيدرية ) ص 56 وشرح نهج البلاغة لابن ميثم ج 2 ص 96 وعمدة الطالب ص 192 وبحار الأنوار ج 44 ص 322 وج 27 ص 215 وج 34 ص 298 وج 41 ص 328 و ج 45 ص 55 و 74 و 1288 والعوالم ،328 وج الإمام الحسین «عليه السلام»ج 17 ص 171 و 428 والمصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 49 والمعجم الكبير ج 3 ص 112 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 2 ص 286 والثقات لابن حبان ج 2 ص 309 و ج 3 ص 69 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 231 و 249 و 255 وأسد الغابة ج 2 ص 21 وتوضيح المشتبه ج 4 ص 44 وأنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج 3 ص 203 و 205 و 410 والأنساب للسمعاني ج 5 ص 619 والمنتخب من ذيل المذيل ص25 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 453 و 454 و 468 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 346 و 358 و 535 والبرصان والعرجان ص 129 وتجارب الأمم ج 2 ص 80 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 341 وج6 ص58 والكامل في التاريخ ج 4 ص 78 و 92 و 243 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2659 و 2661 والمختصر في أخبار البشر ج 1 ص 103 ج6 و والبداية والنهاية ج 8 ص 188 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 204 205 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 302 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج3 ص 26 وحياة الحيوان الكبرى ج 1 ص 91 وصبح الأعشى ج 13 ص 234 وإعلام الورى ج 1 ص 469 وترجمة الإمام الحسين«عليه السلام» لابن عساكر ص368 و 438 والدر النظيم ص 551 والملهوف(نشر أنوار الهدى) ص74 وكشف الغمة ج 2 ص 265 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 827 و 842 ونهاية الأرب ج 20 ص 459 و ج 21 ص 32 والطبقات الكبرى( الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 473 وترجمة الإمام الحسين «عليه السلام»من طبقات ابن سعد ص 75 و 90 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 7 ص 620 وج 11 ص 525 وج 19 ص 388 و 408 وج27 ص 19 و 360 وج 33 ص 660 و 675 و 688 و 695 والصواعق المحرقة ص 193 وذخائر العقبى ص 250 و (ط مكتبة القدسي - القاهرة) ص 146 والمحن ص 150 والأمالي للشجري ص 170 ولباب الأنساب ج 1 ص 396 وتذكرة الخواص ص 254 .

وقيل: اشترك في قتله سنان بن أنس، وخولي بن يزيد الأصبحي،

وكان خولي هو الذي أجهز عليه، واحتز رأسه. (1).

وقيل: قتله سنان، واحتز رأسه خولي. (2).

وبعض النصوص يكتفي بالقول: بأن سنانا «لعنه الله» طعنه في ترقوته، ثم طعنه في صدره فخرَّ، واحتز رأسه خولي «لعنه الله»،


1) شرح الأخبار ج 3 ص 155 وراجع: مجمع الزوائد ج 9 ص 194 والمعجم الكبير ج 3 ص 117 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج 1 ص393 ونظم درر السمطين ص 216 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 252 وأسد الغابة ج 2 ص 21 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج6 ص 2571 و 2663 والوافي بالوفيات ج 12 ص 265 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص430 ومعارج الوصول ص 95 وجواهر المطالب ج 2 ص 270 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 19 و 458 و 464 عن مختصر تاريخ دمشق (ط دار الفكر) ج 7 ص 156 .

2) موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 4 ص 420 عن : المعجم الكبير ج3 ص117 والعقد الفريد ج 3 ص366 وتاريخ مدينة دمشق ج14 ص252 ويغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2663 وراجع: جواهر العقدين ص409 والإفادة لأبي طالب الزيدي ص 60 . وراجع :أنساب الأشراف ج3 ص 418 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 218 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 119 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 36 ومطالب السؤول ص 76 وكشف الغمة ج 2 ص 263 وفيها «نزل خولي بن يزيد الأصبحي «لعنه الله» فاحتز رأسه، فقط»، وبحار الأنوار ج 45 ص 56 وراجع :سير أعلام النبلاء ج 3 ص 299 والوافي بالوفيات ج 13 ص273

وجاء به إلى ابن زياد، فبعث به إلى يزيد مع محفز بن ثعلبة .(1)

وقيل: ضربه خولي، وقطعه( لعل الصحيح: قتله) شمر، وحز رأسه سنان.(2).

وقيل: قتله عمر بن سعد، وخولي بن يزيد .واحتز رأسه سنان بن أنس وشمر بن ذي الجوشن .(3).

والظاهر: أن ذكر عمر بن سعد هنا لأجل أنه كان هو قائد الجيش، وصاحب القرار.

وفي رواية الإمام الباقر« عليه السلام»: قتله رجل من مذحج ،


1) موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام»ج 4 ص 420 عن المصادر التالية: سير أعلام النبلاء ج3 ص299 302والطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من والصحابة )ج 1ص 473 وترجمة الإمام الحسين«عليه السلام» من طبقات ابن سعد ص 75 وشرح الأخبار ج 3 ص 155 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 13 والرد على المتعصب العنيد ص 39 كلها نحوه، والأمالي للشجري ج1 ص 168 وفيهما: «كان الذي احتز رأس الحسين بن علي «عليه السلام» هو خولي بن يزيد الأصبحي «لعنه الله»، والحدائق الوردية ج 1 ص123 والثقات ج 2 ص 311 .

2) لباب الأنساب ج 1 ص 396 والبرصان والعرجان ص 129.

3) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 77 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص231 وبحار الأنوار ج 44 ص 198 والعوالم، الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 326.

وحز رأسه وانطلق به إلى عبيد الله. (1)

وقيل: قتله حصين بن نمير (تميم).

وقيل: مهاجر بن أوس.

وقيل: كثير بن عبد الله.

وقيل : أبو الجنوب (زيادبن عبد الرحمان).

وقيل: شبل بن يزيد أخي خولي.

ونحن نرجح :أن يكون الشمر وسنان بن أنس قد تبادلا الأدوار، وأن كلا منهما قد فعل فعلاً أكمله الآخر.

أما خولي، فلعل الرواية التي تقول: إنه أمر بقتله، فأصابته


1) موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 4 ص 421 عن المصادر التالية :تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 390 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 293 وتهذيب الكمال ج 6 ص428 وتهذيب التهذيب ج 1 ص 592 و (ط دار الفكر) ج 2 ص 304 وسير أعلام النبلاء ج3 ص 309 ومروج الذهب ج3 ص70 و (منشورات دار الهجرة - إيران) ج 3 ص 61 والأمالي للشجري ج1 ص 192 وبحار الأنوار ج 45 ص 74 وراجع: البداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 214 و 204 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 521 وراجع: الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 1 ص 393 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص2571 ومعارج الوصول ص 95 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 19 و 521 وذخائر العقبى (ط مكتبة القدسي) ص 146 .

الرعدة هي الأقرب إلى القبول، ثم حمل الرأس إلى عمر بن سعد، ثم إلى ابن زياد، ثم إلى يزيد حسبما تقدم..

ولكن ذلك وسواه وإن كان يحل الاشكال بين بعض الروايات، ولكن لا يحل إشكال الاختلاف بينها جميعها..

وسبب كثير من هذه الاختلافات هو ما قلناه، من كثرة المشاركين فی قتله «صلوات الله وسلامه عليه»..

فبعداً للقوم الظالمين..

يقاتل ليحتز الرأس الشريف:

1 - عن أبي مخنف، عن جعفر بن محمّد بن عليّ [الصادق] «عليه السلام»: جَعَلَ سَنانُ بنُ أَنَسٍ لا يَدنو أحَدٌ مِنَ الحُسَين «عليه السلام» إلا شَدَّ عَليهِ مَخافة أن يُغلبَ عَلى رَأْسِهِ، حَتَّى أخذ رَأسَ الحُسَين «عليه السلام» فَدَفَعَهُ إِلى خَولِيٍّ .(1).

ما هذه الأكباد الغليظة؟! :

إن سنان بن أنس، وكذلك شمر، وعمر بن سعد، وسائر أفراد ذلك الجيش لم يكن بينهم وبين الحسين أي احتكاك قريب ومباشر، أو ما يوجب لوماً أو عتباً مهما كان ضئيلاً وتافها....

وإنما كانوا يسمعون باسم الحسين «عليه السلام»، وبحب النبي«صلی الله علیه وآله »


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 453 و (ط الأعلمي) ج4 ص346 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 688 .

«صلی الله علیه وآله »له ونزول الآيات القرآنية في الثناء عليه، وأنه سيد شباب أهل الجنة، وأنه إمام«عليه السلام» و.. و...

كما أنهم يسمعون عن علمه، وفضله، وفضائله، وتقواه، وكراماته، وما إلى ذلك ...

ولم يكن هناك أي تعامل معه، ولعل معظمهم لم يسمع له صوتاً، ولا رأى له قبل كربلاء شخصاً، ولو من بعيد، وليس لهم معه أية منافسة، لا في تجارة ولا على إمارة، وعلى أي شيء من الحطام ولا على مكسب، أو مطلب متوقع أو موهوم على الإطلاق.

فما هذه العداوة التي يظهرونها فجأة له، وما هذه الأكباد الغليظة، القلوب القاسية، التي هي أشد قسوة من الحجارة؟!

وأي مبرر لحرص سنان على أن يكون هو الذي يحتز رأس الحسين «عليه السلام» حتى إنه ليقاتل الناس من أجل ذلك، فهل غير الطمع بالمقام والجاه ،والجائزة، والإمعان في الخسة والنذالة وفي الخزي الذي كان يدعوه إلى ذلك؟!

والمفارقة العجيبة التي نشهدها هنا: أن هؤلاء يريدون قتل الحسين «عليه السلام »دون أن يكون لهم أي فائدة في قتله، بل هم يرتكبون جريمة لمصلحة غيرهم، بل إن قتل ابن بنت نبيهم، وأقدس البشر سيكون ثمناً لإبقاء أنفسهم تحت وطأة ظالميهم وجلاديهم، والذين لا يرقبون فيهم إلَّا ولا نمة .

فهم يشترون بأرواحهم وجراحهم ، وبجهدهم، وبدنياهم وآخرتهم - يشترون بهذا كله - السيف لعدوهم ليقتلهم به، فهل يمكن أن نتصور خذلانا وضياعاً، وخيبة أكثر، وأوضح ، وأبين وأصرح من هذا؟!

وكيف يرضى عاقل لنفسه أن يباشر هو قتل الأئمة، والعلماء، والأخيار الأبرار الذين ليس لهم همَّ سوى إسعاده، وإبعاده عن الأخطار، يفعل ذلك لمصلحة عدوه وعدوهم؟!

لو سمعك ابن زياد لقتلك:

2 - عن حميد بن مسلم :قالَ النّاسُ لِسنان بن أنس: قتَلتَ حُسَينَ بنَ عَلِيّ «عليه السلام» وَابنَ فاطِمَة ابنَةِ رَسول اللهِ «صلى الله عليه وآله»، قتلت أعظمَ العَرَبِ خَطراً ، جاءَ إلى هؤلاء يُريدُ أن يُزيلهُم عَن مُلكِهم، فَأَتِ أمَراءَكَ فاطلب ثوابَكَ مِنهُم، لو أعطوكَ بُيوتَ أموالهم في قتل الحُسَين «عليه السلام» كان قليلاً.

فَأَقبَلَ عَلى فَرَسِهِ - وكان شجاعاً شاعراً - وكانَت بِهِ لوثة، فَأَقْبَلَ حَتّى وَقَفَ عَلى بابِ قُسطاطِ عُمَرَ بن سَعدٍ، ثُمَّ نادى بأعلى صَوتِهِ:

أوقر ركابي فِضَّة وذهَبَاً*** أنا قتلت المَلِكَ المُحَجَّبَا

قتَلتُ خَيرَ النّاس أمّاً وأباً ***وخَيرَهُم إِذْ يُنْسَبونَ نَسَبًا

فقالَ عُمَرُ بنُ سَعدٍ: أشهَدُ أَنَّكَ لَمَجنونٌ ما صَحَحت قطٌّ! أدخِلوهُ

عَليَّ. فلمّا أُدخِلَ حَدَقَهُ بالقضيب، ثُمَّ قال: يا مجنون ! أَتَتَكَلَّمُ بهذا الكلام؟!

أما وَاللهِ لو سَمِعَكَ ابْنُ زِيادٍ لَضَرَبَ عُنُقِكَ .(1)

وراجع: الفصول المهمة لابن الصباغ ص 828 ومرآة الجنان ج 1 ص 108 وشذرات الذهب ج 1 ص 67 والأمالي للصدوق ص 227 وبحار الأنوار ج 44 ص 322 والعوالم الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص171 وروضة الواعظين (منشورات الشريف الرضي) ص 190 ومطالب السؤول ص 403 وكشف الغمة ج 2 ص 262 وفي وجواهر المطالب ج 2 ص270 والصواعق المحرقة ص 197 وفي هذه المصادر: أن عبيد الله بن زياد قتل سناناً ، كما سيأتي عن ابن أعثم ج 5 ص 120 .

ونقول:

علينا أن نشير هنا إلى ما يلي:


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 454و (ط الأعلمي )ج4 ص 347 والكامل في التاريخ ج 4 ص 79 و 80 وفيه «السيّد» بدل «الملك»، وأنساب الأشراف ج 3 ص 410 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 205 وفيه بزيادة «خيرهم في قومهم مركباً» بعد «نسبأ» وليس فيه صدره إلى «قليلاً». وراجع :المنتظم من تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 34وتذكرة الخواص ص 254 وموسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 4 ص 419 والبداية والنهاية ج 8 ص 189 و (ط دار إحياء التراث)ج 8 ص 205 ونهاية الأرب ج20 ص 460 و 461 وأسد الغابة ج 2 ص 21 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 360 وج 33 ص 660 عن التبر المذاب (نسخة مكتبة المرعشي) ص84.

إملأ ركابي فضة وذهباً :

قد رأينا: أن حامل رأس الحسين «عليه السلام» إلى عمر بن سعد، كان يريد من ابن سعد: أن يملأ ركابه فضة وذهباً، ثمنا لقتله السيد المحجب، وخير الناس أماً وأباً، وخيرهم إذ ينسبون نسباً، حسب تصريح نفس هذا الرجل المخذول والخائب في رجزه..

وهل يخطر على قلب عاقل :أن يُعطى ما يملأ ركابه فضة وذهباً، ثمناً لقتله خيار الناس وسادتهم، وأشرافهم، وأعظم العرب خطراً ؟!

إن هذه النقطة بالذات هي التي تذرع بها عمر بن سعد لحرمان سنان من الجائزة، فإن هذا الرجز قد حرم هذا المخذول مما سعى إليه وتوقعه..

ولعل ابن سعد قد خشي من أن يدرك من معه حجم الجريمة التي ارتكبوها بقيادته، وامتثالاً لأوامره، وأن يستفيقوا من غفلتهم، وينفلت الزمام من يده، ويقع في المحذور الكبير الذي لم يزل يخشاه. كما دل عليه قول ابن سعد السنان: «يا مجنون، أتتكلم بهذا الكلام؟ أما والله لوسمعك ابن زياد لضرب عنقك».

وهذا ما حصل بالفعل - كما في الفتوح لابن أعثم - وغيره..

وسيأتي المزيد من الكلام حول هذا الأمر حين الحديث عن وصول الرأس إلى ابن زياد، فإن هذه القصة - كما قالوا - قد حصلت مع ابن زياد، ولسوف نذكر هناك بعض ما لم نذكره هنا إن شاء الله..

عدد جراحات الإمام«علیه السلام»:

اختلفت الروايات في عدد جراحات الإمام الحسين «عليه السلام»، ولعل بعض هذه الاختلافات كان بسبب أن قائلها قد عد ما رآه في برهة معينة، ولم يشهد سواها. كما أن بعضهم كان يحضر ويشاهد، ثم يغيب عنه المشهد بسبب ازدحام الناس، أو بسبب تدحرج الحركة القتالية من مكان إلى آخر .. ولغير ذلك من أسباب..

ومهما كان من أمر ، فقد روي:

1 - عن بريد بن معاوية العجلي، عن أبي جعفر الباقر عليه « علیه السلام» قال: أصيبَ الحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ «عليه السلام» ووُجِدَ بِهِ ثلاثمِئَةٍ وبضعة وعِشرون طعنة برمح، أو ضَربَة بِسَيفِ، أو رَميَةٌ بِسَهم.

فرُويَ :أَنَّها كَانَت كُلُّها في مُقَدَّمِهِ؛ لِأَنَّهُ «عليه السلام» كانَ لا يُولي. (1).

ولم تذكر هذه الرواية الجراح الناشئة عن الرمي بالحجارة، والضرب بالعصي ،والخشب، وغير ذلك.


1) موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام»ج 4 ص 414 عن: الأمالي للصدوق ص228 ح 240 وروضة الواعظين ص 209 و (منشورات الشريف الرضي) ص189 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 110 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 258 نحوه، وبحار الأنوار ج 45 ص 52 وراجع ص 82 والعوالم، الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 330 وراجع :شرح الأخبار ج 3 ص 540.

2 - عن معاذ بن مسلم عن أبي عبد الله [الصادق]« عليه السلام» :وُجِدَ بِالحُسَين بن عَلِيٍّ « عليه السلام» نَيّفٌ وسَبعونَ ضَربَة بالسَّيفِ .(1).

وهذه الرواية لا تنافي سابقتها، لأن هذه اقتصرت على ذكر السيوف.. غير أنها إذا انضمت إلى سابقتها، فإنها بعد اختزال عدد ضربات السيوف من مجموع ما وجد به «عليه السلام» تدل على أن أكثر جراحاته « عليه السلام» كانت بسبب السهام، وطعن الرماح.

3 - عن أبي جعفر [الباقر] «عليه السلام»: قُتِلَ الحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ «عليه السلام» وعَليهِ جُبَّهُ خَرِّ دَكناءُ، فَوَجَدوا فيها ثلاثة وستّين؛ مِن بَين ضَربَةٍ بِالسَّيفِ، وطعنَةٍ بالرُّمح ، أو رَميَةٍ بالسَّهم .(2).


1) موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 4 ص 414 عن الأمالي للطوسي ص 677 ح 1431 وراجع الملهوف ص 172 و (نشر أنوار الهدى) ص76 ومثير الأحزان ص 73 و (ط المكتبة الحيدرية )ص58 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 34 وأنساب الأشراف ج 3 ص 409 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 203 وبحار الأنوار ج 45 ص 82 و 74 والعوالم، الإمام الحسين«عليه السلام» ص 330 و 341 ومروج الذهب ج 3 ص 62 وإمتاع الأسماع ج 5 ص 364 وشذرات الذهب ج 1 ص 67 وجواهر المطالب ج 2 ص 290 ونهاية الأرب ج 20 ص 460 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 526 .

2) موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 4 ص 415 عن: الكافي ج 6 ص 452 ح 9 وبحار الأنوار ج 45 ص 94 36 . وراجع :وسائل الشيعة (آل البيت) ج 4 ص364) و (الإسلامية) ج 3 ص 264 ومرآة العقول ج 22 ص 331 والعوالم، الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 329 و 330.

4 - قالَ أبو عَبدِ اللهِ جَعْفَرُ بنُ مُحَمَّدٍ [الصَّادِقُ] «عليه السلام»: وُجِدَ بالحُسَين «عليه السلام» ثلاث وثلاثون طعنَة، وأربَعٌ وأربعونَ ضَربَة، ووُجِدَ فِي جُبَّةِ خَرِّ دَكناءَ كَانَت عَليهِ مِنْهُ خَرِقٍ وَبَضْعَةٌ عَشَرَ خَرقاً ، ما بَينَ طعنَةٍ، وضَربَةٍ، ورَميَةٍ.

ورُويَ :مِئَةٌ وعِشرون. (1).

5 - وقال ابن طاووس: وُجِدَ في قميصهِ مِئَةٌ وبضعَ عَشْرَةَ، مَا بَينَ رَميَةٍ، وضَربَةٍ، وطعنَةٍ.(2).


1) موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام»ج 4 ص 415 عن: دلائل الإمامة ص178 والحدائق الورديّة ج 1 ص 123 والطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 474 والردّ على المتعصب العنيد ص39 كلاهما من دون إسنادٍ إلى أحدٍ من أهل البيت«عليهم السلام »نحوه .وراجع :الدر النظيم ص 572 ومدينة المعاجز ج 4 ص 77 وبحار الأنوار ج 45 ص 57 والعوالم، الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 301 ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 49 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 346 والكامل في التاريخ ج 4 ص 79 ومرآة الجنان ج 1 ص 107 وشرح إحقاق الحق(الملحقات) ج 33 ص 700 ج33

2) موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام»ج 4 ص 415 عن المصادرالتالية: الملهوف ص 178 و (نشر أنوار الهدى) ص 76 ومثير الأحزان ص 76 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 57 وشرح الأخبار ج 3 ص 164 الرقم 1093 والحدائق الورديّة ج 1 ص 123 كلاهما عن الشعبي نحوه؛ ومقتل الحسين «عليه السلام»للخوارزمي ج 2 ص 37 والطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 474 وترجمة الإمام الحسين «عليه السلام»من طبقات ابن سعد ص 75 وتذكرة الخواص ص 253 عن هشام بن محمد وفيه «مئة وعشرين» بدل «مئة وبضع عشرة»، وكلاهما نحوه. وراجع :مدينة المعاجز ج4 ص 77 وبحار الأنوار ج 45 ص 57 ،والعوالم ،الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 301.

6 - عن أبي مخنف، عن جعفر بن محمد بن عليّ [الصادق] «عليه السلام»: وُجِدَ بِالحُسَين «عليه السلام »حين قُتِلَ ،ثلاث وثلاثون طعنَةٌ، وأربَعٌ وثلاثونَ ضَربَة .(1).

7 - عن علي بن الحسين [زين العابدين] «عليه السلام»: أصيب الحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ «عليه السلام» وعَليهِ جُبَّهُ خَرِّ، حَسِبْنَا فِيها أَربَعِينَ جراحَة ما بَينَ ضَربَةٍ وطعنَةٍ .(2).


1) موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام»ج 4 ص 414 عن: تاريخ الأمم والملوك جه ص 453 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 346 وأنساب الأشراف ج 3 ص 409 الذهب ج 3 ص 71 والكامل في التاريخ ج 4 ص 79 كلها من دون إسنادٍ إلى أحدٍ من أهل البيت «عليهم السلام»، ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 37 والملهوف ص 178 و (نشر أنوار الهدى )ص 76 ومثير ص76 الأحزان ص 76 و (ط المكتبة الحيدرية)ص 58 وبحار الأنوار ج 45 ص 52 وراجع: العوالم الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 301 ومرآة الجنان ج1 ص 107 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 526 وج 33 ومروج ص 700 .

2) موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام»ج 4 ص 415 عن: دعائم الإسلام ج 2 ص 154 ح 547 .

8 - رُوِيَ عَن بَعضهم أنَّهُ قالَ: لم يُضرب أحَدٌ فِي الإسلام مُندُ كانَ، أكثرَ مِن ضَرب الحُسين «عليه السلام»؛ وُجِدَ بِهِ مِئَةٌ وعِشْرُونَ ضَربَةٌ بِسَيفِ، َورَميَةٍ، وحذفٍ بِحَجَر .(1).

9 - وقال ابن شهر آشوب :«وروي ثلاثمائة وستّون جراحة.

وقيل: ثلاثاً وثلاثين ضربة سوى السّهام.

وقيل: ألف وتسعمائة جراحة .

وكانت السّهام في درعه كالشوك في جلد القنفذ الخ..» (2).

سلب الإمام«علیه السلام»:

وحول سلب شخص الإمام «عليه السلام» نقرأ ما يلي:

1 - قال ابن أعثم:

وتقدم إليه رجل من بني تميم يقال له: الأسود بن حنظلة «لعنه الله» وأخذ سيفه.

وتقدم إليه جعفر بن الوبر الحضرمي «لعنه الله»، فأخذ قميصه فلبسه، فصار أبرص وأسقط شعره.

وأخذ سراويله يحيى بن عمرو الحرمي، فلبسه، فصار زمناً


1) موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 4 ص 415 عن : الحدائق الورديّة ج 1 ص213.

2) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 111 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 258 ص258 وبحار الأنوار ج 45 ص 52 والعوالم ، الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 295.

مقعداً من رجليه.

وأخذ عمامته جابر بن زيد الأزدي، فاعتم بها، فصار مجذوماً.

وأخذ درعه مالك بن بشر الكندي، فلبسه، فصار معتوهاً.(1).

2 - قال الطبري:

«وسلب الحسين «عليه السلام»ما كان عليه، فأخذ سراويله بحر بن كعب، وأخذ قيس بن الأشعث قطيفته، وكانت من خز، وكان يسمى بعد قيس قطيفة. وأخذ نعليه رجل من بني أود يقال له :الأسود بن خالد، وأخذ سيفه رجل من بنى نهشل بن دارم ،فوقع بعد ذلك إلى أهل حبيب بن بديل..

قال: ومال الناس على الورس (2)، والحلل والإبل فانتهبوها .(3)


1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 119 . وراجع :مقتل الحسين للخوارزمي ج2 ص 37 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 526 عنه.

2) ابن الأثير : الفرش.

3) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 453 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 346 والكامل في التاريخ ج 4 ص 78 وراجع: البداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج8 ص 205 والأخبار الطوال ص 258 وأنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج 3 ص 204 ونهاية الأرب ج 20 ص 459 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 688 وراجع بحار الأنوار ج 45 ص 60 والعوالم، الإمام الحسين «عليه السلام»ج 17 ص 305 وترجمة الإمام الحسين«عليه السلام» من طبقات ابن سعد ص78.

3 - قال ابن طاووس:

فأخذ قميصه إسحاق بن حوية (حوبة) الحضرميّ «لعنه الله»، فلبسه، فصار أبرص،وامتعط شعره...

وأخذ سراويله بحر (أو بحير) بن كعب التيميّ «لعنه الله».

فروي: أنّه صار زمنا مقعداً من رجليه «لعنه الله».

وأخذ عمامته أخنس بن مرثد بن علقمة الحضرميّ «لعنه الله»، وقيل :جابر بن يزيد الأودي (الأزدي) «لعنه الله»(1)، فاعتمّ بها فصار معتوهاً.

وأخذ نعليه الأسود بن خالد.

وأخذ خاتمه بجدل بن سليم الكلبيّ «لعنه الله»، فقطع إصبعه «عليه السلام»مع الخاتم، وهذا أخذه المختار فقطع يديه ورجليه، وتركه يتشحط في دمه حتّى هلك .

وأخذ قطيفة له «عليه السلام» كانت من خرّ (كان يجلس عليها) قيس بن الأشعث «لعنه الله».

وأخذ درعه البتراء عمر بن سعد «لعنه الله»، فلمّا قتل عمر بن سعد وهبها المختار لأبي عمرة قاتله.

وأخذ سيفه جميع بن الخلق الأودي «لعنه الله».

وقيل: رجل من بني تميم يقال له: الأسود بن حنظلة «لعنه الله».


1) في مناقب آل أبي طالب :بحير بن عمير الجرمي.

وفي رواية ابن سعد: أنه أخذ سيفه القلافس النّهشليّ.

وزاد محمد بن زكريا: أنه وقع بعد ذلك إلى بنت حبيب بن بديل.

وهذا السّيف المنهوب ليس بذي الفقار، فإنّ ذلك كان مذخوراً ومصوناً مع أمثاله من ذخائر النّبوّة والإمامة.

وقد نقل الرّواة تصديق ما قلناه وصورة ما حكيناه. (1)

4 - زاد ابن شهر آشوب قوله: «والقوس والحلل، الرحيل بن خيثمة الجعفي، وهاني بن شبيب الحضرمي، وجرير بن مسعود الحضرمي»(2).

ونقول:

لا نريد أن نتوقف عند بعض الاختلافات في تحديد الأسماء التي فعلت هذا الأمر أو ذاك، ولا أن نحدد مواضع التصحيف في الأسماء، أو


1) الملهوف ص 178 - 180 و( نشر أنوار الهدى )ص76 وراجع :نفس المهموم ص 372 و 373 وبحار الأنوار ج 45 ص 57 و 58 ومدينة المعاجز ج 4 ص 77 والعوالم، الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 301 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 120 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 258 و 259 وراجع: الإرشاد ج 2 ص 112 وتذكرة الخواص ص 228 والكامل في التاريخ ج 4 ص 78 .

2) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 120 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 258 و 259

في الكلمات، ولا أن نبحث في نسبة بعض الأشخاص إلى آبائهم، أو إلى أجدادهم، فإن ذلك كله ليس موضع اهتمامنا، بعد أن كان أصل وقوع هذه الحوادث متفقا عليه، أو مظنون الوقوع.

إبتلاءات المجرمين:

ثم إن ما يلفت نظرنا هو هذه البلايا التي حلت بهؤلاء المجرمين الذين سلبوا الإمام الحسين«عليه السلام» في كربلاء.

وقد أظهرت النصوص المتقدمة مدى التوافق بين ما فعلته أيديهم، وبين البلاءات التي حلَّت بهم، فمن يسلب السراويل يصبح زمنا عاجزاً عن المشي، مقعداً من رجليه.

ومن أخذ عمامته صار مجذوماً.

ومن اعتم بعمامته صار معتوها. وكذا الذي أخذ درعه «عليه السلام».

ومن أخذ قميصه ابتلي بالبرص وسقط شعره.

وقد أشرنا إلى ذلك فيما سبق.

رضٌّ الجسد الشريف بحوافر الخيل:

قال ابن طاووس :

«ثمّ نادى عمر بن سعد في أصحابه :من ينتدب للحسين فيواطئ الخيل ظهره (وصدره)؟

فانتدب منهم عشرة، وهم :إسحاق بن حوية، الذي سلب الحسين«عليه السلام»

قميصه، وأخنس بن مرثد ، وحكيم بن طفيل السنبسيّ، وعمر بن صبيح الصيداويّ، ورجاء بن منقذ العبديّ، وسالم بن خيثمة الجعفيّ، وصالح بن وهب الجعفيّ، وواحظ بن ناعم (غانم)، وهانئ بن ثبيت الحضرميّ، وأسيد بن مالك «لعنهم الله تعالى»، فداسو الحسين «عليه السلام» بحوافر خيلهم، حتّى رضوا صدره وظهره». (1).

وعند ابن شهر آشوب أنهم : إسحاق بن يحيى الحضرمي، وأدلم بن ناعم، وأسد بن مالك.. وبقية الأسماء هي نفسها التي ذكرها ابن طاووس .(2).


1) الملهوف ص 182 و (نشر أنوار الهدى) ص 79 و 80 وبحار الأنوار ج 45 ص 59 والعوالم، الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 303 .

2) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 112 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 259 وراجع :مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 44 و تاريخ الأمم والملوك جه ص 454 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 347 والكامل في التاريخ ج 4 ص 80 راجع: أسد الغابة ج 2 ص 21 وروضة الواعظين (منشورات الشريف الرضي) ص 189 والمنتظم من تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 341 ومروج الذهب ج 3 ص 72 والخطط للمقريزي ج 2 ص 288 وأنساب الأشراف ج 3 ص 409 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 204 ومقاتل الطالبيين ص 118 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 79 والبداية والنهاية ج8 ص 191 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 206 والمختصر في أخبار البشر ج 1 ص 266 و (ط دار المعرفة )ج 1 ص 191 وتاريخ الخميس ج 2 ص 298 ومثير الأحزان (ط المكتبة الحيدرية) ص59 والإرشاد ج 2 ص 113 وإعلام الورى ج 1 ص 470 والدر النظيم ص 558 ونهاية الأرب ج 20 ص 463 وصبح الأعشى ج 13 ص 234.

وقال ابن طاووس أيضاً : وجاء هؤلاء العشرة حتى وقفوا على ابن زياد، فقال: أسيد بن مالك أحد العشرة « عليهم لعائن الله»:

نحن رَضَضْنَا الصَّدْرَ بَعْدَ ***بِكُلِّ يَعْبُوب شَدِيدِ الأسر

فقال ابن زياد: من أنتم؟!

قالوا: نحن الذين وطأنا بخيولنا ظهر الحسين «عليه السلام»حتى طحنا جناجن صدره.

قال: فأمر لهم بجائزة يسيرة.

قال أبو عمر الزاهد: فنظرنا إلى هؤلاء العشرة، فوجدنا هم جميعا أولاد زنا.

وهؤلاء أخذهم المختار، فشد أيديهم وأرجلهم بسكك الحديد، وأوطأ الخيل ظهورهم حتى هلكوا. (1).

وكان ابن زياد قد كتب إلى عمر بن سعد يأمره برض صدر الحسين «عليه السلام»وظهره بحوافر الخيل .(2)، وقد تقدم ذكر ذلك.


1) الملهوف ص 183 و (نشر أنوار الهدى) ص 80 وبحار الأنوار ج 45 ص 59 و 60 ومثير الأحزان (ط المكتبة الحيدرية) ص 60 والعوالم، الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 303.

2) الإرشاد ج 2 ص 88 والفتوح لابن أعثم ج ص 93 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 246 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 414 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 314 وتاريخ مدينة دمشق ج 45 ص 51 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 97 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 247 وروضة الواعظين ص 201 و (منشورات الشريف الرضي) ص 183 وإعلام الورى ج 1 ص 453 وبحار الأنوار ج 44 ص 390 والعوالم، الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 241 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 337 ولواعج الأشجان ص 115 والكامل في التاريخ ج 4 ص 55 وأعيان الشيعة ج 1 ص 600 ونهاية الأرب ج 20 ص 431 وشجرة طوبى ج 2 ص 349 وراجع: تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 164.

والغريب في الأمر: أنه كان يدرك قبح هذا الفعل، حتى احتاج إلى تبريره أمام مجرم مثله، حيث كتب إلى عمر بن سعد: أن السبب الذي يدعوه إلى الإصرار عليه :أنه كان قد ألزم نفسه بفعل ذلك...

مع العلم :بأنه حتى لو أقسم الأيمان المغلظة على فعل المعاصي، فإنها لا تنعقد. إذ لا يطاع الله من حيث يعصى. كما لا يحق لابن سعد أن ينفذ أمر ابن زياد، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

هذا ،عدا عن أن ابن زياد كان يدرك أن هذا العمل لا ثمرة له، ولا فائدة فيه، ولا عائدة سوى العار، والعذاب الأليم في النار.

المجلسي يرفض رض الجسد:

روى الكليني «رحمه الله»، عن الحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّتْنِي أَبُو كَرَيْبٍ وأَبُو سَعِيدٍ الأَشجُ ،قَالَ: حَدَّتْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِيهِ

إدْرِيسَ بْن عَبْدِ اللَّهُ الْأَوْدِيِّ، قَالَ:

لمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ «عليه السلام» أرَادَ القَوْمُ أنْ يُوطِبُوهِ الْخَيْلَ، فَقَالت فِضَّهُ لِزَيْنَبَ : يَا سَيِّدَتِي، إِنَّ سَفِينَة (1)كُسِرَ به فِي الْبَحْرِ، فَخَرَجَ إِلى جَزِيرَةٍ، فإذا هُوَ بِأسَدٍ، فَقالَ: يَا أَبَا الْحَارِث ،أنَا مَوْلى رَسُولِ الله «صلى الله عليه وآله»، فَهَمْهَمَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى وَقفَه على الطَّريق.

والأَسَدُ رَابضٌ فِي نَاحِيَةٍ، فَدَعِينِي أَمْضِي إِلَيْهِ، وَأَعْلِمُه مَا هُمْ صَانِعُونَ غَداً.

قالَ: فَمَضَتْ إِلَيْه، فقالت: يَا أَبَا الْحَارِثِ! فَرَفَعَ رَأْسَه .

ثُمَّ قالت: أَتَدْرِي مَا يُرِيدُونَ أَنْ يَعْمَلُوا غَداً بِأَبِي عَبْدِ الله «عليه السلام»؟! يُريدُونَ أَنْ يُوطِئوا الخَيْلَ ظَهْرَه.

قالَ: فَمَتَى حَتَّى وَضَعَ يَدَيْهِ عَلى جَسَدِ الحُسَيْن «عليه السلام»، فَأَقْبَلَتِ الخَيْلُ، فَلمَّا نَظَرُوا إِلَيْه قَالَ لَهُمْ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ «لَعَنَهُ الله»: فِتْنَةٌ لا تُثِيرُوهَا، انْصَرِفُوا .فَانْصَرَفُوا .(2).

وأبو الحارث :من كنى الأسد.


1) سفينة : لقب لقيس مولى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ويكنى أبا ريحانة.

2) الكافي ج 1 ص 465 وبحار الأنوار ج 45 ص 169 وخاتمة المستدرك ج 8 ص 27 والثاقب في المناقب ص 336 ومرآة العقول ج 5 ص 368 والعوالم ، الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 488 .

وقد استدل العلامة المجلسي «رحمه الله» بهذه الرواية: على أن رض َّجسد الحسين «عليه السلام» بحوافر الخيل لم يحصل، لأن الأسد منعهم(1).

ونقول:

إن هذه الرواية وإن كانت ضعيفة السند، لمجهولية بعض رواتها، وعدم توثيق البعض الآخر، إلا أن مضمونها أيضاً يحتاج إلى بعض التأمل..

فأولاً :من الذي أخبر فضة وسائر النساء :بأن الأعداء عازمون على رض الجسد الشريف بحوافر الخيل في اليوم التالي.

ثانياً :بل ما الدليل على أن رض جسده الشريف لم يحصل في اليوم الأول؟!

وهل لانتظارهم إلى اليوم التالي سبب ومبرر؟! وهو يوجب برود الهمة ، وذهاب حالة التشنج، وتضاؤل الرغبة بهذا الفعل إلى حد كبير.

ثالثاً :من أين علمت فضة بوجود الأسد في ذلك المكان المعيَّن؟!

رابعاً: كيف لم تعلم زينب «عليها السلام» عن الأسد، ومكانه ما علمته فضة؟!

وكيف سمحت لفضة بأن تقترب من ذلك الأسد لمخاطبته؟!

ومن أين علمت أن الأسد سوف لا يقدم على افتراسها؟ وما


1) راجع: بحار الأنوار ج 45 ص 60 .

حصل لسفينة لا يدل على أن نظيره سوف يحصل لغيره؟!

وهل حصل ذلك لسفينة؟! أم أنه مجرد ادّعاء لا تثبته النصوص المعتبرة؟!

خامساً: كيف لم ير الأسد حين جاء إلى جسد الحسين «عليه السلام »أحد من ذلك الجيش المنتشر في حنايا الصحراء؟!

وأين كان الحرس الذين يحيطون بالأجساد ، وبخيم النساء عن رؤية هذا المخلوق المخيف؟!

ومع التغاضي عما ذكرناه، فإن صحت رواية الأسد، فلعل الجسد الشريف قد رض بعد الاستشهاد مباشرة، ثم كانوا يريدون إعادة الكرَّة عليه في اليوم التالي، فمنعهم الأسد.

الفصل السابع: هكذا بدأ القتال. وهكذا انتهى

اشارة

هكذا بدأ الحسين القتال «علیه السلام» :

ثُمَّ تَقدَّمَ الحُسَينُ «عليه السلام» حَتَّى وَقفَ قبالة القوم، وسَيفُهُ مُصلت في يَدِهِ، آيساً مِن نَفسهِ، عازماً عَلَى المَوتِ، وَهُوَ يَقولُ:

أَنَا ابْنُ عَلِيٍّ الطهر من آل*** كفاني بهذا مَفْخَرا حينَ أَفْخَرُ

وجَدّي رَسولُ اللهِ أَكرَمُ مَن ***ونحن سراجُ اللهِ فِي الخَلق

وفاطِمُ أمّي مِن سُلالة أحمدٍ***وعَمِّيَ يُدعى ذا الجَناحَينِ جَعَفْرُ

وفينا كتابُ اللهِ أنزلَ صادقاً ***وفينا الهُدى وَالوَحي بالخير

ونحن أمانُ اللهِ لِلنَّاسِ كُلّهمُ***نطولُ بهذا في الأنام ونجهَرُ

ونحن ولاة الحوض نسقي ***بكَأس رسول اللهِ ما ليس يُنكَرُ

وشيعثنا فِي النّاس أكرَمُ شِيعَةٍ ***ومُبغِضُنا يَومَ القِيامَةِ

يَخسَرُ (1)


1) موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 4 ص 387 عن : الإحتجاج ج 2 ص 103 ح 168 و (ط دار النعمان) ج 2 ص 26 ومناقب آل أبي طالب ج4 ص 80 و (ط المكتبة الحيدرية ) ج 3 ص 234 وفيه «ثم استوى على فرسه» بدل «ثمّ تقدم... «الموت» و «نسر» بدل «نطول»، وكشف الغمة ج 2 ص231 و(ط دار الأضواء) ص 229 وليس فيه من «ونحن أمان» إلى «نجهر»، وبحار الأنوار ج 45 ص 48 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 116 وفيه «نصول» بدل «نطول»، ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 32 نحوه، ومطالب السؤول ص 72 و (تحقيق ماجد العطية) ص383 وليس فيه من «نحن أمان» إلى «نجهر». وراجع :العوالم، الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 291 ونور الثقلين (تفسير ) ج 5 ص 166 وكنز الدقائق (تفسير) ج 12 ص 508 وينابيع المودة ج 3 ص 75 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 199.

قال ابن شهر آشوب: ثُمَّ حَمَلَ «عليه السلام» عَلَى الْمَيْمَنَةِ، وقَالَ:

المَوتُ خَيرٌ مِن رُكوب العار*** وَالعارُ أولى من دخول النّار

زاد في بعض المصادر:

واللهِ مَا هَذَا وَهَذَا جَارِي

ثُمَّ حَمَلَ عَلَى المَيْسَرَةِ، وقَالَ:

أنا الحُسَيْنُ بنُ عَلَيَّ «عليه السلام»***أَحْمِي عيالات أبي

آليتُ أن لا أنثنی*** أمْضِي عَلى دِيْن النَّبيّ

وجَعَلَ يُقاتِلُ حَتى قَتَلَ ألفاً وتِسعَمِئَةٍ َوخَمسين سوى المجروحين.

فقالَ عُمَرُ بنُ سَعدٍ لِقَومِهِ :الوَيلُ لكُم، أتَدرونَ مَن تبارزونَ؟ هذا ابنُ الأَنزَعِ البَطين، هذا ابنُ قتال العَرَبِ ، فاحملوا عَليهِ مِن كُلِّ جانِبِ.

فَحَمَلوا بالطعن مِئَة وثمانين، وأربعة آلاف بالسِّهام .(1).


1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 110 و 111 وراجع: ص 68و (ط المكتبة الحيدرية ) ج 3 ص 258 وراجع : إثبات الوصيّة ص178 ونزهة الناظر ص 88 وبحار الأنوار ج 45 ص 49 والعوالم، الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 292 وراجع ج 44 ص 192 و 196 وراجع: كشف الغمة ج 2 ص192 196 ص 207 و 208

وفي بحار الأنوار: «وكانت الرماة أربعة آلاف، فرموه بالسهام، فحالوا بينه وبين رحله» (1).

وعند اليعقوبي: «فقتل منهم خلقاً عظيماً ، وأتاه سهم فوقع في لبته (أي نحره)، فخرج من قفاه ،فسقط، وبادر القوم، فاحتزوا رأسه، وبعثوا به إلى عبيد الله بن زياد». (2)

وقال المسعودي: «وروي: أنه قتل بيده ذلك اليوم ألفا وثماني مئة مقاتل، وأنه دعاهم إلى البراز، وأخذ يتقدم الواحد ثم العشرة، ثم صاروا مئة على واحد، ثم اجتمع الجيش كله مع كثرتهم عليه، فأحاطوا به من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وشماله».

نحن وكلام المسعودي:

1 -إن كلام المسعودي المذكور آنفاً يؤيد ما ذكره ابن شهرآشوب، من أنه « عليه السلام» قتل ألفاً وتسع مئة وخمسين رجلا...

ويؤيده أيضاً :ما ذكره اليعقوبي، من أنه «عليه السلام» قتل


1) بحار الأنوار ج 45 ص 50 والعوالم ،الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 293.

2) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 245 .

منهم خلقاً عظيماً.

2 - قد يكون الألف والثمانمائة قد قتلوا في الحملات التي استمرت من الصباح إلى وقت العصر، ثم قتل «عليه السلام» المئة وخمسين الباقية بعد أن بدأت المبارزات، وحين صار وحيداً، فيتأكد بذلك قول ابن شهر آشوب «رحمه الله» .(1).

ونقول:

التشكيك في عدد القتلى:

هناك من يشكك في صحة ما ذكره ابن شهرآشوب «رحمه الله»، من أن الحسين «عليه السلام» قد قتل يوم عاشوراء ألفا وتسع مئة وخمسين رجلاً سوى المجروحين، ويقول:

إذا افترضنا أن قتل كل شخص يحتاج إلى دقيقة واحدة من الزمان، فإن قتل 1900 شخص يستغرق أكثر من 31 ساعة، ولذلك فإن قبول مثل هذه الروايات التي بالغت بشكل غير عادي في ذكر عدد القتلى على يد الإمام«عليه السلام»، أو أهل البيت «عليهم السلام» يبدو صعباً، نظراً إلى الزمان المحدود والتفوق العسكري للعدو، وأن الأمور جرت في كربلاء وفق المسار الطبيعي لها ، لا بالنحو الإعجازي .(2).

ونقول:


1) إثبات الوصية ص 143.

2) موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 4 هامش ص389.

أولاً: إن الإمام الحسين «عليه السلام »لم يكن مكلفا بالاستسلام إلى عدوه ليفعل به ما يشاء، بل كان مكلفاً بالدفاع عن نفسه، وعن أهل بيته وأصحابه ،والتصدي لهم بكل ما يقدر عليه.

كما كان مأموراً بالصبر على المصائب والبلايا، والشدائد التي يواجهها، والآلام التي يتعرض لها.

ولأجل ذلك نرى: أنه «عليه السلام» برغم العطش الشديد الذي يعاني منه، وبرغم استشهاد أصحابه، وأهل بيته وأطفاله، فإنه لم يدخر وسعاً في قتال المعتدين، والحاق أكبر الخسائر بهم..

وكان أعداؤه يشعرون بأنهم غير قادرين على كسر إرادته، ويدركون عجزهم عن مواجهته. فكانوا ينتظرون تلاشي قوته، واستبداد الوهن به، من خلال شدة العطش ،ونزف الجراح، وإرهاقه بالشدائد والبلايا، والمصائب والرزايا، بقتل أحب الناس إليه، وأعزهم عليه، حتى أطفاله الصغار، وإخوته ،وسائر أهل بيته وأصحابه..

وقد قال عمر بن سعد لأصحابه: «ويحكم ، اهجموا عليه ما دام مشغولاً بنفسه ،وحرمه، والله إن فرغ لكم لا تمتاز ميمنتكم عن ميسرتكم»(1).

وقالوا : إنه « عليه السلام» حمل عليهم «كالليث الغضبان، فلا يلحق


1) مقتل الحسين للمقرم ص 277 عن مثير الأحزان للشيخ شريف آل كاشف الغطاء

أحداً إلا بعجه بسيفه فقتله، والسهام تأخذه من كل ناحية» (1).

وتقدم قول ابن سعد لأصحابه أيضاً : «هذا ابن الأنزع البطين، هذا ابن قتال العرب».

وقال عبد الله بن عمار بن عبد يغوث: «ما رأيت مكثوراً قط، قد قتل ولده وأهل بيته ،وصحبه أربط جأشأ منه، ولا أمضى جناباً، ولا أجراً مقدماً، ولقد كانت الرجال تنكشف بين يديه إذا اشتد فيها. ولم يثبت له أحد» (2).

إلى غير ذلك من نصوص تدل على هذا المعنى بنحو أو بآخر، ومنها كلام ابن طاووس الذي يقول: «ولقد كان يحمل فيهم، ولقد تكملوا ثلاثين ألفاً، فينهزمون بين يديه كأنهم الجراد المنتشر» .(3).

ثانياً: إنه «عليه السلام» كان يقاتلهم، وهو على بصيرة من أمره،


1) مقتل الحسين للمقرم ص 277 عن مثير الأحزان للشيخ شريف آل كاشف الغطاء

2) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 38 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 452 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 345 . وراجع: شرح الأخبار ج3 ص 163 ومثير الأحزان (ط المكتبة الحيدرية) ص 54 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 427.

3) الملهوف ص 105 و (نشر أنوار الهدى )ص 70 وبحار الأنوار ج 45 ص 50 والعوالم ،الإمام الحسين «عليه السلام»ج 17 ص 293 ومستدرك سفينة البحار ج 5 ص 372

فلم يكن الموت يخيفه ،بل كان يستأنس بالموت استئناس الطفل إلى ثدي أمه، لعلمه بأنه يقدم على رب رحيم، وسيكون مقامه في جنات النعيم، مع النبي «صلی الله علیه وآله»وأهل بيته الطاهرين«عليه السلام»..

أما أعداؤه فإنما يقاتلونه من أجل حطام الدنيا، والبقاء فيها، فهم غير مستعدين لركوب الأهوال ومنازلة الأبطال، وإنما كانوا يتساندون في مواجهته، ويعتمدون على غيرهم ممن معهم.. رجاء أن يدفعوا عن أنفسهم الموت، ليقع في أعوانهم وإخوانهم.. ولكن إذا اطمأن الواحد منهم إلى ضعف خصمه، وضمن السلامة لنفسه، بادر للانغماس في الجريمة، وبالغ في تحمل مآثمها.

وهذا يعطي: أن من الأمور الطبيعية أن يكثر القتلى في طلاب الدنيا، وأن يعجل الله بأرواحهم إلى النار، وبئس القرار..

ثالثاً: إن ما قاله الأخ الكريم، من أن قتل كل رجل يحتاج إلى دقيقة واحدة غير دقيق، فإن الاشتباك مع هذه الجموع الغفيرة، سيكون مباشراً، فإذا توفرت الأعداد الهائلة لرجال العدو، وكان المقاتل ماهراً فی تسديد الضربات إلى المواقع الحساسة ،والقاتلة ،مع سرعة الحركة، فقد يقتل في الدقيقة الواحدة عشرة رجال، أو حتى عشرين رجلا، أو أكثر.. وقد قرأنا أن الإمام علياً «عليه السلام» كان يورد السيف ويصدره، ولا يرى الناظر فيه دماً (1)، بسبب السرعة الفائقة


1) الجمل للشيخ المفيد (نشر مكتبة الداوري - قم) ص192.

والعزم الشديد.

رابعاً: أن عليا «عليه السلام» قد هزم قريشاً في بدر، وقتل نصف السبعين، وشارك في قتل النصف الآخر، وهزم المشركين في أحد، واقتلع باب خيبر، وهزم الجيوش في موقعة حنين.. وهلم جرا... إلى أن انتهى الأمر إلى الجمل وصفين، وبلغ قتلاه من الكثرة حدا

جعل ابن سعد يصفه بقتال العرب، وهذه الحروب كلها - باستثناء حرب صفين - إنما كانت قصيرة الأمد، وتنتهي بساعات، أو في بياض يوم حتى حرب الجمل.

هذا ابن قتَال العرب:

وعن قول ابن سعد عن الإمام الحسين «عليه السلام»: «هذا ابن قتال العرب»، نقول:

1 -إنه يحرض الناس على الحسين «عليه السلام» بأسلوب إدانته بما فعله أبوه..

2 - ولقد تناسى حقيقة أن علياً «عليه السلام» لم يقتل أحداً إلا في حروب دفاعية عن الدين وعن الحق، ودفع الظلم والبغي الذي يتعرض له الحق وأهله.

فقد أراد عمر بن سعد تزوير الحقيقة، بإيهام الناس بأن ما هو من فضائل علي «عليه السلام»، ومن بركات جهاده الميمون هو من السيئات التي يستحق العقوبة عليها في نفسه، وفي ولده.

3 - مع غض النظر عن ذلك، فإن أيَّا كان من الناس لا يؤخذ بما

فعله غيره، حتى لو كان ذلك الغير أباً، أو ابناً، أو غير ذلك.

4 - أراد ابن سعد أن يحرّض الناس على قتل الإمام الحسين «عليه السلام» وهي جريمة هائلة في حد نفسها بالاستفادة من رذيلة يأباها العقل السليم، والشرع القويم، وترفضها الفطرة المستقيمة، وهي رذيلة إثارة المشاعر العنصرية التي تعطي وتمنع، وتقدم وتؤخر، وتخذل وتنصر على أساس الإنتماء العرقي، ولا تقيم وزنا للعلم والتقوى، والفضائل الأخلاقية، بل هي تعطي وتمنح، وتنصر أكفر، وأفجر الناس.. وتحرم، وتظلم، وتتحامل على من لا يشاركها في النصر، ولو كان من الأنبياء والأوصياء والعلماء الأبرار الأتقياء.

وهذا مخالف لصريح القرآن، في قوله: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أثقاكُمْ) (1).

وهو من موجبات هدم الحياة الإنسانية ،وسوق البشرية إلى البلاء والشقاء، ومن ثم إلى الهلاك والفناء.

وهذه السياسة في تفضيل العرب وتقديمهم على غيرهم قد بدأت في وقت مبكر بعد استشهاد رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ثم تشبث بها الأمويون وأشياعهم..

وقد ذكرنا جانباً من الممارسات الناتجة عن هذه السياسة في کتابنا: «سلمان الفارسي في مواجهة التحدي»، فراجع.


1) الآية 13 من سورة الحجرات.

5 - كأن ابن سعد يريد أن يقول لمن معه: إن إمعان الحسين «عليه السلام» في القتل، وتحقيق هذه النتائج الكبيرة التي فاجأتهم، إنما هو لأنهم عرب، والحسين «عليه السلام» يحب - كأبيه - قتل العرب.. وهذا هو سر شجاعته الفائقة التي حققت هذه النتائج المدهشة.

وهذا بالذات هو الذي اعتمد عليه عمر بن سعد لتمرير خدعته لهم ،حين أمرهم بالانتقال من حالة المبارزة إلى حالة الهجوم الشامل.. مع أنه لا ملازمة بين الشجاعة، وبين حب قتل الناس، فقد يحب شاذ نفسياً قتل الناس، مع كونه في غاية الضعف والجبن ....

سعي الملائكة لنصرة الحسين «علیه السلام»:

1 - عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله [الصادق «عليه السلام»] - في نُزول المَلائِكَةِ لِنُصرَةِ الإمام «عليه السلام» -: أربَعَهُ آلافٍ مُسَوِّمِينَ كانوا مَعَ رَسول اللهِ «صلى الله عليه وآله»، وثلاثمئة وثلاثة عَشَرَ مَلَكاً كانوا مَعَهُ يَومَ بَدر ، ومَعَهُم أربَعَةُ آلَافٍ صَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ يَستَأذِنونَ فِي القِتال مَعَ الحُسَين «عليه السلام»، فَهَبَطوا إلى الأرض وقد قُتِلَ، فَهُم عِندَ قبرهِ شُعتْ غُبرٌ يَبكونَهُ إِلى يَومِ القِيامَةِ، وهُم يَنتَظِرُونَ خُروج القائم« عليه السلام».(1).


1) الغيبة للنعماني ص310 و (نشر أنوار الهدى) ص322 وراجع: كمال الدين وتمام النعمة ص 671 و 672 وكامل الزيارات ص233 - 234 وراجع ص 354 والنجم الثاقب ج 1 ص 296 ومستدرك الوسائل ج10 ص 245 وبحار الأنوار ج 2 ص 328 و 329 والعوالم، الإمام الحسين «عليه السلام»52 ج 17 ص 479 وتاريخ الكوفة ص 117.

2 - وعن الريّان بن شبيب، عن الرضا «عليه السلام» - وقريب منه عن الصادق «عليه السلام» -: لقد نَزَلَ إلى الأرض مِنَ المَلائِكَةِ أربَعَهُ آلافٍ لِنَصرِهِ، فلم يُؤذن لهم، [وفي رواية الإمام الصادق «عليه السلام»: فصعدوا في الاستئذان، وهبطوا وقد قتل الحسين «عليه «السلام»] فَهُم عِندَ قبره شعتْ غُبرٌ إلى أن يقومَ القَائِمُ «عليه السلام»، فيكونون من أنصاره، وشعارُهُم :یا لثاراتِ الحُسَين «عليه السلام ».(1).

3 - ونقل عن أبي عبد الله «عليه السلام» في حديث ... فقالَ: إِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا صَحِيفَة فِيهَا مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ بهِ فِي مُدَّتِهِ، فَإِذَا انْقِضَى


1) موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام»ج 4 ص 382 عن المصادر التالية: عيون أخبار الرضا عليه السلام ج 1 ص 299 و (ط الأعلمي) ص 268 والأمالي للصدوق ص 192 وراجع ص 737 والإقبال ج 3 ص 29 وفيهما «فوجدوه قد قتل» بدل «فلم يؤذن لهم»، وبحار الأنوار ج 44 ص 286 وراجع ج 45 ص 220 وج 98، ص 103 وكمال الدين ص 671 والأمالي للصدوق ص 737 وكامل الزيارات ص 171 والغيبة للنعماني ص 311 وفيهما زيادة «ورئيسهم ملك يقال له:منصور» في آخره، ودلائل الإمامة ص458 نحوه، وراجع: العوالم، الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 539 ومسند الإمام الرضا«عليه السلام» ج 1 ص 147 ومرآة العقول ج 18 ص 308 .

مَا فِيهَا مِمَّا أُمِرَ به عَرَفَ أنَّ أجَله قدْ حَضَرَهُ، وَأَتَاهِ النَّبِيُّ «صلى الله عليه وآله »يَنْعَى إِلَيْه نَفْسَه ،وأَخْبَرَه بِمَا لَه عِنْدَ الله.

وإِنَّ الْحُسَيْنَ «صلوات الله عليه» قرأ صَحِيفَتَه الَّتِي أَعْطِيَهَا، وَفُسِّرَ له مَا يَأْتِي وَمَا يَبْقَى، وبَقِيَ فِيهَا أَشْيَاءُ لمْ تَنقَّض.

فَخَرَجَ إِلى القِتَالِ، وكَانَتْ تِلْكَ الْأُمُورُ الَّتِي بَقِيَتْ: أَنَّ المَلائِكَة سَأَلت الله فِي نُصْرَتِه، فَأذِنَ لَهَا، فَمَكَتَت تَسْتَعِدُّ لِلْقِتَالِ، وتَتَأَهَّبُ لِذلِكَ حَتَّى قُتِلَ، فَنَزَلَتْ وقدِ انْقطعَتْ مُدَّتُه وقُتِلَ «صلوات الله عليه».

فقالتِ المَلائِكَةُ: يَا رَبِّ، أَذِنْتَ لَنَا فِي الانْحِدَارِ، [وَأَذِنْتَ لَنَا فِي نُصْرَتِه]، فَانْحَدَرْنَا وقَدْ قَبَضَتَه.

فَأَوْحَى اللَّهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى إِلَيْهِمْ: أن الزمُوا قَبْرَهُ حَتَّى تَرَوْنَهُ وَقَدْ خَرَجَ فَائصُرُوه، وابْكُوا عَلَيْه وعَلى مَا فَاتَكُمْ مِنْ نُصْرَتِهِ، فَإِنَّكُمْ خُصصتُمْ بِنُصْرَتِهِ وَالبُكَاءِ عَلَيْهِ.

فَبَكَتِ المَلائِكَهُ حُزْناً وَجَزَعَا عَلى مَا فَاتَهُمْ مِنْ نُصْرَتِهِ، فَإِذَا خَرَجَ «صلوات الله عليه» يَكُونُونَ أنْصَارَه .(1)


1) كامل الزيارات ص 78 ح 17 باب 27 و (ط مؤسسة النشر الإسلامي) ص 178 ح 20 باب 27 والكافي ج 1 ص 283 و 284 ومختصر بصائر الدرجات ص 178 ومدينة المعاجز ج 4 ص 162 وبحار الأنوار ج 45 ص 225 و ج 53 ص 106 ومرآة العقول ج 3 ص 199 والعوالم ،الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 478 والإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة ص 287

ونقول:

هنا أمور نشير إليها باختصار، وهي:

قدرات الملائكة:

1 - علينا أن نعترف :بأننا لا نعرف من حقيقة الملائكة، ومن قدراتهم،ووسائلهم، وتجهيزاتهم، وحالاتهم إلا ما عرَّفنا الله إياه في كتابه، وعلى لسان نبيه الأعظم، والأئمة الطاهرين «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين».

2 - غير أننا نعلم: أنهم مخلوقات محكومة بالزمان والمكان، كما دل عليه قوله تعالى: (تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) (1). فدلنا ذلك على أن الملائكة تحتاج في قطعها المسافات إلى وقت وزمان.

وفي الروايات إشارات إلى أصناف الملائكة، واختلاف منازلهم، وتنوع مهماتهم، وتفاوت قدراتهم، وأحوالهم، ومقاماتهم، وحتى أحجامهم..

3 - إن الملائكة لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله تعالى إياه. كما أنه تعالى قد استأثر لنفسه بالعلم بآجال العباد، فلا يعلم الخلق ولا الجن ولا الملائكة إلا ما شاء الله لهم أن يعلموه.

4 - ما تقدم يعطي :أننا لا نملك دليلا يدل على معرفة الملائكة


1) الآية 4 من سورة المعارج.

بساعة استشهاد الإمام الحسين «عليه السلام»، ولو علموا ذلك لقدَّروا حركتهم، بحيث تحقق غرضهم في الوصول إليه «عليه السلام» في الوقت المناسب لنصرته..

5 - غير أن هذا التقدير إنما يصح، والنصرة إنما تتحقق في صورة اعتقادهم بحاكمية قانون البداء الإلهي في موضوع الأجل، حين يكون علمهم به يستند إلى لوح المحو والإثبات ،كما هو الظاهر من الخبر المتقدم لا إلى اللوح المحفوظ وأم الكتاب المطابق للعلم الإلهي..

لا بد من الإذن:

وحول استئذان الملائكة من رب العزة تعالى في نصرة الإمام الحسين«عليه السلام» نقول:

أولاً: يتحتم على الملائكة الحصول على الإذن الإلهى بالتدخل النصرته «عليه السلام»، فإنهم « عليهم السلام»: (عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسبقونهُ بالقول وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) (1)

وهذا النصر إنما هو تدخل منهم في محيط غير محيطهم، ومع من هم من غير جنسهم، وفيه مصادرة وتحديد لحرية واختيار مخلوقات أخرى لا تسانخهم، دون أن يكون لهذه المخلوقات القدرة على التصرف الموازي، أو القدرة على الدفاع عن أنفسهم، أو على

استرجاع ما يفقد منهم...


1) الآيتان 26 و 27 من سورة الأنبياء.

ثانياً : لعلهم حين طلبوا من رب العزة أن يأذن لهم بنصرة الحسين « عليه السلام »كان الأوان قد فات، وحضرت لحظة الشهادة، فاستشهد وانتهى الأمر. ولم يعلم الملائكة بالأمر..

أو أنه استشهد بعد حصولهم على الإذن في لحظة لا يستطيعون الحضور إليه فيها.

ثالثاً :ذكرت الرواية رقم [2] :أنهم نزلوا إلى الأرض لنصرته، فلم يؤذن لهم، فصعدوا إلى السماء بطلب الاستئذان، وهبطوا، وقد قتل الحسين «عليه السلام».

ولعل قوله: «فلم يؤذن لهم »يريد به: أنهم نزلوا دون أن يستأذنوا رب العزة، ليروا إن كان يحتاج إلى النصر أو لا، فلما وجدوا أن الأمر يحتاج إلى النصر، عادوا للاستئذان، فحصلوا عليه، فلما نزلوا إلى الأرض وجدوا أن الحسين «عليه السلام» قد قتل..

ويشهد لذلك: ما جاء في الرواية الثالثة المتقدمة، حيث قال لهم رب العزة: الزموا قبره.. إلى أن قال :وابكوا عليه، وعلى ما فاتكم من نصرته، فإنكم خصصتم بنصرته، والبكاء عليه .. فإن هذا قد يدل على أن الإذن لهم بالنصر قد صدر قبل استشهاد الإمام «عليه السلام»، ولكن أجله كان قد حضر ، حين كان الملائكة في طريقهم إليهم.. أو أنهم خصصوا بنصره في الوقت المأذون لهم فيه واقعاً، وهو زمان خروجه «عليه السلام» في الرجعة.

عدد الملائكة:

ظاهر الرواية المتقدمة عن الرضا «عليه السلام»: أن عدد الملائكة كان أربعة آلاف.لكن الرواية الأولى عن الإمام الصادق «عليه السلام» فيها شيء من الإبهام يصعب معه فهم المراد منها .

فهل الأربعة آلاف الذين كانوا مسومين هم غير الثلاث مئة، وثلاثة عشر الذين كانوا مع النبي «صلى الله عليه وآله» يوم بدر؟! أو أن هؤلاء هم بعض أولئك؟!

وهل هؤلاء الأربعة آلاف الذين معهم هم غيرهم. أو انهم هم أنفسهم، وقد أعاد ذكرهم للتوضيح والبيان؟!

قد يقال: إن الرواية برقم [2] عن الإمام الرضا «عليه السلام» تصلح قرينة على أن المراد :هو أربعة آلاف واحدة، وأن في الرواية المتقدمة رقم [1] تشويشاً يمنع من الاعتماد عليها في موضع التشويش.

للحسين «علیه السلام» رجعة، وجولة حرب :

1 - صرحت الرواية المتقدمة برقم [3]: أن الملائكة سوف ينصرون الإمام الحسين «عليه السلام» حين خروجه.. والظاهر :أن المراد بخروجه حين خروج الإمام الحجة « عليه السلام». بدليل أن خروج الحسين «عليه السلام »ليس مجرد خروج تأييد، بل هو خروج حرب وقتال ،كما صرحت به الرواية، وأنه سيكون قتالاً، مريراً وقاسياً، وسوف يحتاج فيه إلى نصرة الملائكة أيضاً.

2 - لكن ظاهر الرواية الثانية المتقدمة :أن الملائكة سيكونون من

الباب الثامن :ما زلنا في كربلاء.

اشارة

الفصل الأول : جواد الحسين«علیه السلام»..

اشارة

هذا جواد الحسين «علیه السلام» :

1 - قال ابن شهر آشوب:

روى أبو مخنف عن الجلودي: أنّه كان صرع الحسين «عليه السلام»، فجعل فرسه يحامي عنه، ويثب على الفارس، فيخبطه عن سرجه، ويدوسه ،حتى قتل الفرس أربعين رجلاً.

ثمّ تمرّغ في دم الحسين «عليه السلام »وقصد نحو الخيمة وله صهيل عال، ويضرب بيديه الأرض. (1).

2 - قال ابن أعثم: وأقبل بعد ذلك فرس الحسين«عليه السلام»، وكان قبل ذلك غار من بين أيديهم أن لا يؤخذ، فوضع رأسه في دم الحسين «رضي الله عنه» وأقبل يركض إلى خيمة النساء وهو يصهل.

قال: فلما نظرت أخوات الحسين وبناته وأهل بيته «رضوان الله


1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 58 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص215 ومدينة المعاجز ج 3 ص 505 و 506 وبحار الأنوار ج 45 ص 56 و 57 والعوالم ، الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 300 .

عليهم» إلى الفرس، وليس عليه أحد رفعوا أصواتهم بالصراخ والعويل.(1).

3 - وقال السيد عبد الرزاق المقرم :

«وأقبل الفرس يدور حوله ،ويلطخ ناصيته بدمه، فصاح ابن سعد: دونكم الفرس؛ فإنّه من جياد خيل رسول الله «صلى الله عليه وآله».

فأحاطت به الخيل، فجعل يرمح برجليه حتىّ قتل أربعين رجلاً وعشرة أفراس.

فقال ابن سعد: دعوه، لننظر ما يصنع.

فلمّا أمن الطلب أقبل نحو الحسين «عليه السلام» يمرّغ ناصيته بدمه، ويشمّه، ويصهل صهيلاً عالياً.

قال أبو جعفر الباقر «عليه السلام»: «كان يقول: الظليمة، الظليمة ،من أمّة قتلت ابن بنت نبيّها». وتوجّه نحو المخيّم بذلك الصهيل» .(2).

4 - لكن صاحب بحار الأنوار روى عن بعض الكتب المعتبرة، عن لوط بن يحيى، عند عبد الله بن قيس ،قال :كنت مع من غزا مع أمير المؤمنين «عليه السلام »في صقين، وقد أخذ أبو أيوب الأعور


1) الفتوح لابن أعثم ج ص119 وراجع: بحار الأنوار ج 45 ص60 جه والعوالم، الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 304.

2) مقتل الحسين للمقرم ص 283.

السلمي الماء وحرزه عن الناس، فشكا المسلمون العطش، فأرسل «عليه السلام »فوارس على كشفه، فانحرفوا (العلع الصحيح :فانصرفوا )خائبين، فضاق صدره، فقال له ولده الحسين «عليه السلام»: أمضي إليه يا أبتاه؟

فقال: امض يا ولدي.

فمضى مع فوارس، فهزم أبا أيوب عن الماء...

قال :فبكى علي «عليه السلام»، فقيل له: ما يبكيك يا أميرالمؤمنين، وهذا أول فتح ببركة الحسين «عليه السلام»؟!

فقال: ذكرت أنه سيقتل عطشاناً بطفَّ كربلا، حتى ينفر فرسه ويحمحم ويقول: «الظليمة الظليمة ،لأمة قتلت ابن بنت نبيَّها».

زاد في بعض المصادر قوله: «وهم يقرأون القرآن الذي جاء به إليهم» .(1).

خرجن من الخدور ناشرات الشعور:

5 - عن عبد الله بن منصور، عن جعفر بن محمد بن علىّ بن الحسين«عليه السلام»، عن أبيه، عن جدّه [زين العابدين] «عليهم السلام»: أقبَلَ


1) بحار الأنوار ج 44 ص 266 وراجع: أكسير العبادات ج3 ص100 ومقتل أبي مخنف المتداول، مع بعض الاختلاف. وراجع :العوالم ،الإمام الحسين «عليه السلام»ج 17 ص 19 و 150 ومدينة المعاجز ج 3 ص 139. 149

فَرَسُ الحُسَين «عليه السلام» حتّى لطَّخ عُرقهُ وَناصِيَتَهُ بِدَمِ الحُسَينِ «عليه السلام»، وجَعَلَ يَركْضُ ويَصهَلُ، فَسَمِعَ بَناتُ النَّبِيِّ «صلى الله عليه وآله» صَهيلهُ، فَخَرَجْنَ فَإِذا الفَرَسُ بلا راكِبٍ، فَعَرَفْنَ أَنَّ حُسَينا «عليه السلام» قد قُتِلَ.

وخَرَجَتْ أُمُّ كلثوم بنتُ الحُسين «عليه السلام»(1)، واضِعَةٌ يَدَها عَلَى رأسها، تَندُبُ وتَقولُ: وا مُحَمَّداهُ ! هذا الحُسَينُ بِالعَرَاءِ، قد سُلِبَ العِمامَة وَالرِّداءَ .(2).

6 - قال :الخوارزمي: أقبَلَ فَرَسُ الحُسَين «عليه السلام»، وقد عدا مِن بَين أيديهم أن لا يُؤخَدْ، فَوَضَعَ ناصِيَتَهُ فِي دَمِ الحُسَين «عليه السلام»، وذهَبَ يَركْضُ إِلى خَيمَةِ النِّساءِ، وهُوَ يَصهَلُ ويَضربُ برَأسِهِ الأَرضَ عِندَ الخَيمَةِ. [في بحار الأنوار حتى مات].

فلمّا نَظرَت أخَواتُ الحُسَين «عليه السلام» وبَناتُهُ وأهلهُ إِلى الفَرَس ليسَ عَلَيهِ أَحَدٌ، رَفَعن أصواتَهُنَّ بالصُّراخ والعويل، ووَضَعَت أَمُّ كلثوم يَدَها عَلى أُمِّ رَأسها ونادَت :وا مُحَمَّداه! وا جَدّاه! وا نَبِيَّاه! وا أَبَا


1) الصحيح «أخت الحسين» كما في روضة الواعظين.

2) موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام»ج 4 ص 421 و 422 عن: الأمالي للصدوق ص 226 ح 239 وروضة الواعظين ص 209 و (منشورات الشريف الرضي) ص 189 من دون إسنادٍ إلى أحدٍ من أهل البيت «عليهم السلام»، وبحار الأنوار ج 44 ص 322 وراجع: العوالم ،الإمام الحسين«عليه السلام» ج17 ص 171.

القاسماه !وا عَلِيّاه ! وا جَعفَراه و!احَمزتاه! واحَسَناه ! هذا حُسَينٌ بالعراء ،صَرِيعٌ بكَربَلا، مَحرُورُ الرَّأس مِنَ القفا، مسلوبُ العِمامَةِ وَالرِّداءِ! ثُمَّ غُشِيَ عَليها. (1).

7 - في زيارَةِ النَّاحِيَةِ -: وأسرَعَ فَرَسُكَ شارداً، وإلى خِيامَكَ قاصداً، مُحَمحِماً باكِياً. فلمّا رأينَ النِّسَاءُ جَوادَكَ مَخزيّاً، ونَظرنَ سَرجَكَ عَليهِ مَلوِيّا، بَرَزنَ مِنَ الخُدور، ناشراتِ الشٌّعور، عَلى الخُدُودِ لاطمات، لِلوُ ُجوهِ سافِرات .(2)، وبالعويل داعيات، وبَعدَ العِزَّ مُذلَّلات، وإلى مصرعِكَ مُبادرات، وَالشَّمرُ جَالِسٌ عَلى صَدركَ، مولِعٌ سَيْفَهُ عَلَى نَحرك، قابض عَلى شَيبَتِكَ بِيَدِهِ، ذابِحٌ لَكَ بِمُهَتَّدِهِ، قد سَكَنَت حَواسُكَ، وخَفِيَت أنفاسُكَ، ورُفِعَ عَلى القنا رَأسُكَ .(3).


1) موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام»ج 4 ص 422 عن مقتل الحسين للخوارزمي ج2 ص 37 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 119 نحوه، وليس فيه ذيله من ووضعت»؛ وبحار الأنوار ج 45 ص 60 والعوالم، الإمام الحسين«عليه السلام» ج17 ص304 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 260.

2) موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 4 ص 422 وقال: في المصدر: «الوجوه سافرات»، والظاهر أنّ الصواب ما أثبتناه كما في بحار الأنوار ج 101 ص 240 وقد قرأها بعضُهم :هكذا :«ناشرات الشعور على الخدود لاطمات الوجوه، سافرات»، ولكنّه بعيد. انتهى.

3) موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام»ج 4 ص 422 عن المزار الكبير لابن المشهدي ص 504 ح 9 وراجع : هذه الموسوعة ج 8 ص 230 ح 3575 . 62

ونقول:

لا بأس بملاحظة ما يلي:

للحيوانات أخلاق وكفر وإيمان:

لقد حفلت النصوص الإسلامية بدلالات صريحة على أن الحيوانات ليست كالجمادات والنباتات، بل هي مخلوقات لها مشاعر وإدراك، وأخلاق، وإيمان وكفر. ولها حساب، وعقاب، وغير ذلك، وإن كانت تختلف في خصائصها هذه، وفي مستويات شعورها وإدراكها، وأخلاقها، وغير ذلك.

فمنها ما فيه بعض من خصال الأنبياء كالديك الأبيض، الذي يعرف أوقات الصلاة، وهو غيور، وسخي، وشجاع .(1).


1) وسائل الشيعة (آل البيت) ج 4 ص 110 و 113 و 171 وج 20 ص 242 و 20 287 و 288 (ط الإسلامية )ج 3 ص 80 و 82 و 125 وج 8 ص 383 وج 14 ص 180 و 179 وبحار الأنوار ج 62 ص 3 و 4 وج 68 ص 342 و 352 وج 80 ص 22 وج 100 ص 219 وكنز العمال ج 12 ص 286 و والكافي ج 6 ص 550 والخصال للصدوق ص 298 وعيون أخبار الرضا ج 1 ص 250 ومن لا يحضره الفقيه ج 1 ص 482 ومستدرك الوسائل ج3 ص 97 ومكارم الأخلاق للطبرسي ص 130 و 293 ومرآة العقول ج 22 ص 473 وسنن النبي ص 137 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 398 ومسند الإمام الرضا «عليه السلام»ج 2 ص 378 .

وأيضاً الغراب : فيه طمع (1)وحذر ، وهو يستتر في السفاد، ويبكر في طلب الرزق (2)

ومنها ما وصفته الروايات: بأنه شيطان - كجمل عائشة المسمى


1) بحار الأنوار ج 65 ص 165 و 168 179 180 و وو 191 وج66 ص 401 و 402 وج 75 ص 28 و 363 والكافي ج 2 ص 238 والتمحيص للإسكافي ص 70 ودعائم الإسلام ج 1 ص 64 وصفات الشيعة ص18 وتحف العقول ص 378 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 15 ص 192 و (الإسلامية) ج 11 ص 150 وخاتمة المستدرك ج 3 ص 145 والغيبة 3 للنعماني ص 211 وكنز الفوائد ص 30 ومشكاة الأنوار ص 125 ومرآة العقول ج 9 ص 270 ومستدرك سفينة البحار ج 6 ص 119 و 559 وج9 ص 149 وتاريخ مدينة دمشق ج 62 ص 306 ومطالب السؤول ص 268 والدر النظيم ص 381 وينابيع المودة ج 3 ص 227.

2) بحار الأنوار ج 61 ص 262 وج 68 ص 339 وج 100 ص 41 و 285 . ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 248 وج 7 ص 558 وهداية الأمة ج6 ص 25 وج 7 ص 117 والخصال للصدوق ص 100 وعيون أخبار الرضا ج 1 ص 233 ومن لا يحضره الفقيه ج 1 ص 482وروضة الواعظين ص 456 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 17 ص 78 وج 20 ص 133 و 134) و (الإسلامية) ج 14 ص 94 و 95 ومكارم الأخلاق للطبرسي ص 293 ومسند الإمام الرضا«عليه السلام» ج 2 ص 299 و 489 وكشف الغمة ج 3ص85

بعسكر .(1)

نهج البلاغة للمعتزلي ج 1 ص 253 والمناقب للخوارزمي ص 188 ومستدرك سفينة بحار الأنوار ج 7 ص 220 والفتوح لابن أعثم ج2 ص 482 ونفس الرحمن ص 251

.

وروی هارون بن موسى: أنه كان مع الإمام الرضا «عليه «السلام» في مفازة، فحمحم فرس الإمام الرضا «علیه السلام»، فخلی عنه « عليه السلام» عنانه، فمر الفرس يتخطى إلى أن بال وراث ورجع، فنظر الي أبو الحسن، وقال: «إنه لم يعط داود شيئا إلا وأعطي محمد وآل محمد أكثر منه».(2).

وعن الحسين «عليه السلام»: أن البهائم «لم تبهم عن أربعة: معرفتها بالرب تبارك وتعالى. ومعرفتها بالموت. ومعرفتها بالأنثى


1) مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 2 ص 346 وشجرة طوبى ج 2 ص 324 ورسائل المرتضى ج 4 ص 63 والأمالي للمفيد ص59 والإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 240 وبحار الأنوار ج 32 ص 182 و 187 و 201 و 147 وج 60 ص 328 و ج 8، ص 302 و ج 22 ص 383 وإختيار معرفة الرجال (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث) ج 1 ص 58 وشرح

2) الإختصاص ص 299 وبصائر الدرجات ص370 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 447 ومسند الإمام الرضا«عليه السلام» للعطاردي ج 1 ص 205 وبحار الأنوار ج 49 ص 57 وج 48 ص 57 وج 27 ص 270 وج 50 ص 154 ومستدرك سفينة بحار الأنوار ج 8 ص 174 وراجع: مدينة المعاجز ج 6 ص 169

والذكر . ومعرفتها بالمرعى الخصب ».(1).

وفي الروايات: أن الحيوانات حين تحشر يوم القيامة، سوف يقتص للجماء من القرناء. (2)

ج 6 ص 420 و ج 19 ص 229 وتفسير القرآن العظيم ج 2 ص 136 وتفسير الجلالين ص 167 وفتح القدير ج 5 ص 388 والمستدرك للحاكم ج 2 ص 316.

وإنما يقتص من المعتدي المدرك

1) الكافي ج 6 ص 539 والخصال ص 260 وبحار الأنوار ج 61 ص50 و 51 و 3 والوافي ج 20 ص 875 ومرآة العقول ج 22 ص 457 ومنتقى الجمان ج 3 ص 104 وراجعمن لا يحضره الفقيه ج 2 ص 288 والأمالي للشيخ الطوسي ص 594 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 200 والخصال ص260 ومستدرك سفينة بحار الأنوار ج 1 ص 446 والفصول المهمة للحر العاملي ج 3 ص 401.

2) راجع: بحار الأنوار ج 61 ص 4 و 6 وج 7 ص 256 و 257 و 272 و 90 و 91 و 92 و 276 وج 46 ص 76 وج 58 ص 4 و 6 وراجع :تفسير المنار ج 7 ص 397 وجامع البيان ج 7 ص 120 وتفسير الثعالبي ج 1 ص 518 ونور الثقلين ج 1 ص 592 والدر المنثور ج 3 ص11 والتفسير الكبير للرازي ج 12 ص 218 والمجازات النبوية ص 99 وشرح أصول الكافي ج 10 ص 187 ومجمع الزوائد ج 10 ص 352 والرحلة في طلب الحديث ص 117 وشرح النهج للمعتزلي ج 9 ص 290 ومجلس في حديث جابر ص 41 وكشف الخفاء ج 2 ص 399 والتبيان ج 10 ص 250 ومجمع البيان ج 4 ص 49 وج 10 ص 249 و 277 و ج 3 ص 297 وتفسير القرآن للصنعاني ج 2 ص 206 وزاد المسير ج 3 ص 26 والجامع لأحكام القرآن

المختار.

وللحيوانات عباداتها:

فقد روي عن أمير المؤمنين علي «عليه السلام»، وعن الإمام الحسين «عليه السلام» أيضاً :«لا تضربوا الدواب على وجوهها، فإنها تسبح بحمد ربها» .(1).

ومن آثار ترك الطيور للتسبيح: أن تصبح في معرض الاصطياد، فعن الإمام الصادق «عليه السلام»: «ما يصاد من طير إلا ما ضيع التسبيح» (2).


1) راجع: المحاسن ج 2 ص 633 والكافي ج 6 ص 538 والخصال ص 618 وبحار الأنوار ج 10 ص 97 وج 14 ص 4 و ج 27 ص 273 وج57 ص 171 وج 61 ص 3 و 10 و 11 و 23 و 27 و 201 و 202 و 204 و 210 و 28 و 29 و 300 و 302 و 303 و 46 و 47 عن الكافي، والمحاسن والخصال، ومن لا يحضره الفقيه، والثاقب في المناقب ص 165 ومدينة المعاجز ج 5 ص 205 وفيض القدير ج 4 ص 673 وجه ص 576 والتبيان ج 7 ص 268 وتفسير مجمع البيان ج 7 ص 104 والبداية والنهاية ج 6 ص 317 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 11 ص 479 و 482 و (الإسلامية) ج 8 ص 351 و 353 والنوادر للراوندي ص121 ومرآة العقول ج 22 ص 455 ومستدرك سفينة البحار ج 5 ص 54 والبرهان (تفسير) ج3 ص538

2) راجع:قرب الإسناد ص 74 و (ط أخرى) ص 55 و (مؤسسة آل البيت لإحياء التراث) ص 117 والمحاسن ج 1 ص 294 والكافي ج 3 ص 505 ومن لا يحضره الفقيه ج 2 ص 12 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 9 ص 28 و 29 و (الإسلامية) ج 6 ص 15 و 16 والفصول المهمة للحر العاملي ج 2 ص 128 ومستدرك الوسائل ج 3 ص 65 وج 16 ص 129 وبحار الأنوار ج 61 ص24 و 25 و 46 وج 62 ص 275 وج 66 ص 293 و ج 90 ص 288 وج 93 ص 11 عن العياشي وتفسير القمي، وقرب الإسناد، والمحاسن، ومرآة العقول ج 16 ص 17 ومستدرك سفينة البحار ج 6 ص 435 و 484 والبرهان (تفسير) ج 4 ص 82 والمصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 146 وكنز العمال ج 2 ص 253 والدر المنثور ج 4 ص 184 وفتح القدير ج 3 ص232 وزاد المسير جه ص 30 والأصول الستة عشر ص 77 والوافي ج 10 ص 42 ودعائم الإسلام ج 2 ص 168 .

وعن الصادق «عليه السلام»: «أما يستحي أحدكم أن يغني على دابته، وهي تسبح»؟!(1).

وهي تدعو الله أيضاً، فقد روي عن الإمام الكاظم «عليه السلام»: ما من دابة يريد صاحبها أن يركبها إلا قالت: اللهم اجعله بی رحيما .(2)


1) المحاسن ص 627 و (ط دار الكتب الإسلامية) ج 2 ص 375 و 627 و 633 وبحار الأنوار ج 61 ص 204 و 206 و ج 73 ص 291 وج 76 وج ص 245 و 246 ومستدرك سفينة بحار الأنوار ج 2 ص 248 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 11 ص 419) و (ط الإسلامية) ج 8 ص 306

2) مسائل علي بن جعفر ص 349 والمحاسن للبرقي ص 626 وبحار الأنوار 307 ج 61 ص 205 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 11 ص 481 و (الإسلامية) ج 8 ص 352

وفي الروايات: الأمر بتنظيف مرابض الغنم، ومسح رعامهن (وهو - بالعين المهملة - ما يخرج من أنوفها) فإنهن من دواب الجنة .(1).

وروي: «ما من بعير يوقف عليه موقف عرفة سبع حجج إلا جعله الله من نعم الجنة، وبارك في نسله» .(2).

وقد روي: أن العصفور إذا قتله أحد عبثاً جاء يشكو إلى الله يوم القيامة، ويقول: «إن هذا قتلني عبثاً، لم ينتفع بي، ولم يدعني فأكل من حشارة الأرض» (3).


1) كشف الأستار عن مسند البزار ج 1 ص 22 و 113 و 114 ومجمع الزوائد ج 2 ص 27 وج 4 ص 69 وبحار الأنوار ج 61 ص 150 والمحاسن ص 641 و 642 والكافي ج 6 ص 544 والنهاية في اللغة ج 2 ص 92 و 93 و 95 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 11 ص 513 و (الإسلامية) ج8 ص 375 ومستدرك سفينة البحار ج 8 ص 23.

2) المحاسن للبرقي ص 635 وبحار الأنوار ج 61 ص 206 وراجع ص 204 و 212 و 215 وج 46 ص 70 و 71 وج 96 ص 386 وثواب الأعمال 70 ص 50 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 11 ص 541 و (الإسلامية) ج 8 ص 395 وشرح الأخبار ج 3 ص 554 ومستدرك سفينة البحار ج 1 ص 376 و ج 2 ص 114 وج 7 ص 193 و ج 10 ص188 ونور الثقلين وج 2 (تفسير) ج 1 ص 715 وكنز الدقائق (تفسير) ج4 ص324

3) راجع: بحار الأنوار ج 61 ص 4 و 306 و 270 و 8 وج 62 ص 15 و 328 ومستدرك الوسائل ج 16 ص 158 وسنن الدارمي ج 2 ص 84 والمصنف للصنعاني ج 4 ص 450 و 451 ونيل الأوطار ج 8 ص 295 وفقه السنة ج 3 ص 309 ودعائم الإسلام ج 2 ص 175 ومسند أحمد ج 4 ص 389 وسنن النسائي ج 7 ص 239 ومجمع الزوائد ج 4 ص30 والآحاد والمثاني ج 3 ص 214 وعن السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 73 وصحيح ابن حبان 3 ج 13 ص 214 والمعجم الكبير ج 7 ص 317 و ج 22 ص 245 ومسند الشهاب ج 1 ص 312 وموارد الظمآن ص 263 وكنز العمال ج 15 ص 37 4 وفيض القدير ج 6 ص 250 والتاريخ الكبير ج 4 ص 277 والكامل ج 3 ص 189 و ج 5 ص 82 وتاريخ بغداد ج 8 ص 11 وأسد الغابة جه ص 118 و تهذيب الكمال ج 8 ص 298 وتهذيب التهذيب ج 3 ص134 والإصابة ج 6 ص 532 والنهاية في غريب الحديث ج 3 ص 169 و 184.

وعن النبي «صلى الله عليه وآله» في حديث: «.. فرب مركوبة خير من راكبها ، وأكثر ذكرا الله تبارك وتعالى منه» .(1).


1) المجازات النبوية ص 437 وميزان الحكمة ج 1 ص 712 ومسند أحمد ج 3 ص 439 و 440 ومجمع الزوائد ج 8 ص 107 وج 10 ص 140 والجامع الصغير ج 1 ص 146 وفيض القدير ج 1 ص 161 وتفسير الميزان ج13 ص 122 وتفسير القرآن العظيم ج 3 ص 45 والدر المنثور ج 4 ص 111 و 183 وتاريخ مدينة دمشق ج 9، ص 388 و 387 وبغية الباحث ص270. وراجع :صحيح ابن خزيمة ج 4 ص 142 وصحيح ابن حبان ج 12 ص 437 والمعجم الكبير ج 20 ص 193 و موارد الظمآن ص491 وذيل تاريخ بغداد ج 5 ص 96 والإصابة ج 1 ص 282 وبحار الأنوار ج 61 ص 205 و 214 .

والحيوان - كالجمل - يبكي، وتدمع عيناه، ويشتكي صاحبه إلى رسول الله «صلی الله علیه وآله»، ويطالب النبي «صلى الله عليه وآله »صاحبه بالأمر. (1).

وفي مورد آخر: أن النبي «صلى الله عليه وآله» اشترى الجمل الشاكي من صاحبه، فكان الصحابة يستفيدون منه حين تعتل نواضحهم. (2).

وقد ورد النهي عن أكل القبرة ، وعن سبها، وعن تمكين الصبيان من اللعب بها، فإنها كثيرة التسبيح الله تعالى. وتسبيحها: لعن الله مبغضي


1) كنز العمال (ط الهند) ج 9 ص 37 و (ط سوریا) ج 13 ص 382 عن الطبراني، وبحار الأنوار ج 61 ص 111 وميزان الحكمة ج 1 ص712 ومسند أحمد ج1 ص 204 و 205 وسنن أبي داود ج 1 ص 574 والمستدرك للحاكم ج2 ص 100 والسنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 13 والمصنف لابن أبي شيبة ج7 ص 437 ومسند أبي يعلى ج 12 ص 159 ودلائل النبوة لأبي نعيم ص159 ورياض الصالحين للنووي ص 437 والعهود المحمدية ص 395 وتفسيرالإمام العسكري «عليه السلام» ص 639 وتفسير الثعالبي ج 3 ص 384 و ج 5 ص 176 وتاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 374 وأسد الغابة ج 3 ص 134 وتهذيب الكمال ج 1 ص237 وج 6 ص 165 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 457 والبداية والنهاية ج 6 ص151 وسبل الهدى والرشاد ج 9 ص 512 وج 12 ص 405.

2) راجع: بحار الأنوار ج 61 ص 112 و 137 وج 17 ص 402 عن الطبراني والثاقب في المناقب ص 78 والعهود المحمدية ص396 وسبل الهدى والرشاد ج 12 ص 405 وبصائر الدرجات ص 371 والإختصاص ص 300.

آل محمد .(1)

وعن أمير المؤمنين علي «عليه السلام»: «إذا عثرت الدابة تحت الرجل، فقال لها :تعست.تقول :تعس وانتكس أعصانا لربه».(2)

وقد ورد الأمر بإخفاء السكين عن الحيوان الذي يراد ذبحه. (3).


1) وسائل الشيعة (آل اليبت) ج 23 ص 396 و (ط الإسلامية) ج 16 ص 249 عن الكافي (الفروع) ج 6 ص 225 وتهذيب الأحكام ج 9 ص 19 وكشف اللثام (ط ق) ج 2 ص 264 ومستدرك سفينة بحار الأنوار ج 8 ص 609 ومسند الإمام الرضا«عليه السلام» ج 2 ص 317 وشرح اللمعة ج 1 ص 284 ومسالك الأفهام ج 12 ص 46 الفائدة ومجمع ج 11 ص 184 وجواهر الكلام ج 36 ص 313 وجامع المدارك ج 5 ص 155 ومستدرك الوسائل ج16 ص123 وبحار الأنوار ج 61 ص 303 ومرآة العقول ج 21 ص 372 .

2) المحاسن ج 2 ص 631 والكافي ج 6 ص 538 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 11 ص 487 و (ط الإسلامية )ج 8 ص 352 و356 وبحار الأنوار ج 61 ص 169 و 209 والتحفة السنية (مخطوط) ص 343 ومن لا يحضره الفقيه ج 2 ص 286 وتهذيب الأحكام ج 6 ص 164 ومكارم الأخلاق للطبرسي ص 263 ومرآة العقول ج 22 ص 456 . ج4

3) ميزان الحكمة ج 3 ص 2500 والمستدرك للحاكم ج 4 ص 231 و 233 ج3 والسنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 280 وتحفة الأحوذي ج 4 ص 553 والمصنف للصنعاني ج 4 ص 493 والمعجم الوسط ج 4 ص 53 والمعجم الكبير ج 11 ص 63 ونصب الراية ج 6 ص 46 والعهود المحمدية ص211 و 394 و 721 وكنز العمال ج 6 ص 265 وفيض القدير ج 6 ص 175 وسبل الهدى والرشاد ج 9 ص 77.

وورد عن النبي «صلى الله عليه وآله»: النهي عن أن تراه البهيمة، وهو يحد شفرته لذبحها.. وقال لمن فعل ذلك: أفلا قبل هذا ؟ أتريد أن تميتها ميتتين؟!(1).

وعن أمير المؤمنين علي «عليه السلام»: أنه كان لا يذبح الشاة عند الشاة، والجزور عند الجزور، وهو ينظر إليه .(2).


1) مستدرك الحاكم ج 4 ص 231 والمعجم الكبير ج 12 ص289 وكنز العمال (ط الهند) ج 6 ص 137 و 265 وبحار الأنوار ج 62 ص316 و 328 ومستدرك الوسائل ج 5 ص 63 والمعجم الصغير للطبراني ج 2 ص 105 والمصنف للصنعاني ج 4 ص 493 والسنن الكبرى للبيهقي ج9 ص280 تحفة الأحوذي ج 4 ص 553 وعون المعبود ج 8 ص وسنن ابن ماجة ج 2 ص 1058 والعهود المحمدية ص 394 وسبل الهدى والرشاد ج 9 ص 77 .

2) وسائل الشيعة (آل البيت) ج 24 ص 16) و (ط الإسلامية) ج 16 ص 258 والكافي ج 6 ص 230 وتهذيب الأحكام ج 9 ص 56 و 80 ومختلف الشيعة ج 8 ص 305 و 552 وإيضاح الفوائد ج 4 ص 138 والدروس ج2 ص416 والمهذب البارع ج 4 ص 174 ومسالك الأحكام ج 11 ص 490 ومجمع الفائدة ج 11 ص 133 وكشف اللثام (ط ق) ج 2 ص 260 والتحفة السنية ج2 ص 307 ورياض المسائل ج 2 ص 276 ومستند الشيعة ج 15 ص 451 وجواهر الكلام ج 36 ص 137 وجامع المدارك ج 5 ص 128 وعوالي اللآلي ج 2 ص 321 وج 3 ص 460 .

وقد خاطب النبي «صلى الله عليه وآله» شاة كان الجزار بصدد ذبحها قائلاً: إصبري لأمر الله. (1).

وعن أبي ذر «رحمه الله»: «تقول الدابة: ارزقني مليك صدق يرفق بي، ويحسن إلي، ويطعمني، ويسقيني، ولا يعنف علي» (2).

وبمعناه غيره.

حديث النملة والهدهد:

ويحسن بنا أن نورد هنا فقرة حول بعض الآيات المرتبطة بسليمان النبي «عليه السلام»، وما كان بينه وبين النملة، والهدهد ونأخذ هذه الفقرة من كتابنا :«حقوق الحيوان في الإسلام».

ونذكر في البداية: الآيات القرآنية التي ذكرت ذلك، وهي التالية:

قال تعالى حكاية عن الهدهد، والنملة، وما جرى لهما مع سليمان:(..قالت نملة يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ، فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي


1) دعائم الإسلام ج 2 ص 180 والمصنف للصنعاني ج 4 ص 493 والترغيب والترهيب ج 2 ص 159 و ج 3 ص 204 والعهود المحمدية ص394 وفيض القدير ج 6 ص 175 وكفاية الطالب ج 2 ص 60 .

2) المحاسن ج 2 ص 626 وبحار الأنوار ج 61 ص 205 وروضة المتقين ج 4 ص 245

أنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ..) (1).

وقال تعالى عن الهدهد:

(وَتَفقَدَ الطَّيْرَ فَقالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ، لاعَدْبَنَهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَدْبَحَنَّهُ أوْ ليَأْتِيَنَّى بِسُلطانٍ مُّبِينٍ،

فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ َأحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَةٍ يَقِينِ، إِنِّي وَجَدتُ امْرَأَةَ تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشُ عَظِيمٌ، وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَن السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ، أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ، اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ،

قالَ سَننظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، ادْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إليْهمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ،

قالت يَا أَيُّهَا المَلأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَريمٌ، إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَلَّا تَعْلُوا عَليَّ وَأتُونِي مُسْلِمِينَ) (2).

وقال تعالى:

(وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ


1) الآيتان 19 و 20 من سورة النمل.

2) الآيات 20 - 31 من سورة النمل.

يُوزَعُونَ) (1).

وفي هذه الآيات دلالات مهمة ،وكثيرة ،ومتنوعة. وهي تحتاج في بيان ما ظهر لنا منها إلى جهد فائق، بل إلى تأليف مستقل..

1 - ونكتفي هنا بالقول: بأن قصة الهدهد: تدل في جملة ما تدل عليه:

•

أن التكليف يتوجه للطير.

•

وأنه يصدق ويكذب.

•

ويطيع، ويعصي.

•

ويعاقب على المخالفة.

•

وهو يستدل ويحتج.

•

كما أنها تدل على أنه ينتقل من المجهول إلى المعلوم.

•

ويعرف أنواع العبادات.

•

ويميز بين صحيحهاو فاسدها .

•

ويكتشف ملكاً جديداً.

•

ويميز بين الملك والرعية.

•

ويدرك الفرق بين الذكر والأنثى.

•

ثم هو يعرف حجم وعظمة ما اكتشفه وعرفه، وأنه عرش، وأنه


1) الآية 17 من سورة النمل.

عظيم.

•

ثم هو يعرف الشمس، ويعرف أن عبادة أولئك الناس كانت لها ...

•

ثم هو يستدل على فساد عبادتهم، وبطلان أديانهم.

•

ويعرف السماء والأرض.

•

ويعرف أن الله تعالى يخرج الخبء في السموات والأرض.

2 - أما النملة، فقد أدركت أيضاً:

•

الخطر المتوجه إليها.

•

وعرفت بأن هناك جيشاً في منطقتها، وعرفت اسم قائد الجيش، وعرفت أن الجيش وكذلك القائد سوف لا يشعر بوجودها لو حطمها..

•

ثم هي أعطت لمثيلاتها الأوامر المناسبة، للتحرز من ذلك الخطر الداهم.

•

وسمع سليمان ما قالته، وتبسم ضاحكا من قولها .. (1).

خلاصة وبيان:

ونستخلص مما تقدم، وغيره من النصوص: أن الطيور والحيوانات والهوام تختلف وتتفاوت في قيمتها عند الله، لاسيما مع اختلاف أحوالها في أنفسها ..


1) حقوق الحيوان في الإسلام ص 15 - 17.

وتبعاً لذلك نلاحظ :أن أحكامها تختلف أيضاً ، فقد ورد ما دل على كراهة قتل بعضها، كالهدهد (1)، والعنكبوت (2)، والقبرة (3).

وورد استحباب اقتناء بعضها، والرفق به، كالحمام الراعبي (4)،


1) بحار الأنوار ج 61 ص 364 و ج 10 ص 271 وراجع :قرب الإسناد ص 294 والكافي ج 6 ص 224 وتهذيب الأحكام ج 1 ص19 ووسائل الشيعة( آل البيت) ج 23 ص 349 و (الإسلامية) ج 16 ص 248 ومستدرك الوسائل ج 16 ص 121 ومستدرك سفينة البحار ج 10 ص 493 ومسند الإمام الرضا«عليه السلام» 493 ج 2 ص 318.

2) بحار الأنوار ج 17 ص 392 وج 19 ص 77 و 40 ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 430 والدر المنثور ج 3 ص 240 وإمتاع الأسماع ج 5 ص 269 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 2 ص 209

3) الكافي ج 6 ص 225 وتهذيب الأحكام ج 9 ص 19 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 23 ص 396 و (الإسلامية) ج 16 ص 249 و 250 ومستدرك الوسائل ج 16 ص 123 والأمالي للطوسي ص 687 وبحار الأنوار ج27 ص 273 وج 61 ص 300 ومرآة العقول ج 21 ص 372 ومستدرك سفينة البحار ج 8 ص 608 و 609 وكشف اللثام ج 2 ص 264 وشرح اللمعة ج 7 ص 284 ومسالك الأفهام ج 12 ص 46 وغير ذلك..

4) بحار الأنوار ج 44 ص 305 و ج 45 ص 213 وج 62 ص 15 وكامل الزيارات ص 198 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 11 ص518 و (الإسلامية)ج 8 ص 379 ومستدرك الوسائل ج 8 ص 284 والعوالم، الإمام الحسين «عليه السلام»ص 491.

والورشان (1)، وغير ذلك ..

وبعضها ورد الذم له، كالوزغ (2)، وعسكر ، جمل عائشة، وبعضها ذوات أنفس شيطانية كالخيول التي رضت صدر الإمام الحسين «عليه السلام»، وبعضها ذات أنفس رضية، ولها تصرفات حميدة، مثل كلب أهل الكهف، وهدهد سليمان ،والنملة التي تكلمت، فتبسم سليمان ضاحكاً، ومثل فرس الحسين «عليه السلام »الذي عرفنا بعض تصرفاته.

وقد سمعنا من بعض أهل الخبرة، ممن كانوا يملكون مزارع لتربية الخيول أموراً تجعل تصديق ما ورد في هذه النصوص، وما ذكر عن


1) بحار الأنوار ج 62 ص 222 و 225 و 33 و 26 وج 61 ص263 وج 27 ص22 33 وج27 ص 268 و 267 و 269 وج 46 ص 263 وج 58 ص 53 وج 6 ص 235 وج 77 ص 67 وج 78 ص 10 والكافي ج 6 ص 550 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 11 ص 526) و (الإسلامية )ج 8 ص 385 ومستدرك الوسائل ج 8 ص 290

2) بحار الأنوار ج 62 ص 222 و 225 و 33 و 26 وج 61 ص263 وج 62 ص 33 وج 27 ص 268 و 267 و 269 وج 46 ص 263 وج58 ص53 وج 6 ص 235 وج 77 ص 67 وج 78 ص 10 وبصائر الدرجات ص373 و 374 ومستدرك الوسائل ج 16 ص 167 والإختصاص للمفيد ص301 والخرائج والجرائح ج 1 ص 284 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 322 وقاموس الرجال للتستري ج 9 ص 314 .

فرس الإمام الحسين «عليه السلام» أمراً مقبولاً ومعقولاً.. وليس فيه أية مبالغة.

وما ذكرناه هنا من شواهد ودلائل كاف لدفع أي ريب، وإبطال أية شبهة قد تعرض لمن كان لديه ما يكفي من الإيمان والتسليم، والتصديق للنبي «صلى الله عليه وآله »ولما جاء من عند الله. على أن بعض ما يذكر من ذلك عن فرس الحسين «عليه السلام»، وعن غيره من الحيوانات قد ورد في كتب غير الشيعة أيضاً، فليلاحظ ذلك..

متى جاء الفرس إلى الخيام؟! :

1 - يفهم من كلام ابن شهر آشوب المتقدم، ومن سياق كلام الآخرين: أنه بمجرد أن سقط الحسين «عليه السلام» عن ظهر جواده قامت قيامة ذلك الجواد، وجعل يحامي عن الحسين«عليه السلام»، ويخبط الفرسان ،ويسقطهم، ويدوسهم ويقتلهم، وقد حاول الأعداء أخذه فعجزوا، فتركوه، فلما أمن الطلب، جاء إلى الحسين «عليه السلام» ولطخ ناصيته بدمه، ثم اتجه نحو خيام النساء، فعلمن أن الحسين «عليه السلام» قد استشهد ،فخرجن من خيامهن باكيات.

فظهر :أن الجواد إنما أخبر عن سقوط الحسين« عليه السلام» عن ظهره إلى الأرض، لا عن قتل الإمام «عليه السلام».

2 - يستفاد من زيارة الناحية أيضا: أن النساء في هذه اللحظة قصدن الميدان إلى الموضع الذي صرع فيه الحسين «عليه السلام»، فوجدن شمر بن ذي الجوشن «لعنه الله» جالساً على صدر الحسين«عليه السلام»

ليحتز الرأس الشريف، وهو قابض على شيبة الحسين «عليه السلام».

وكان من المتوقع أن يمنعهن جيش بن سعد من الاقتراب، وأن يهجموا عليهن ويجبروهن على الرجوع إلى الموضع الذي كنَّ فيه.

وبعد أن انتهى المجرمون من حرّ الرأس الشريف، هاجموا خيام الحسين «عليه السلام» بهدف السلب والنهب.

ولا شك في أن هذه اللحظات هي من أشد ما مر على النساء إيلاماً لقلوبهن، فمحاولة البعض التشكيك بحضور النساء إلى الميدان، ومشاهدتهن بعض ما يجري فيه، ليست في محلها..

حضور النساء ما جرى:

وبذلك يظهر: أنه لا موضع للاعتراض على ما رواه الخوارزمي، من أن أم كلثوم قالت حين رأت الجواد :«هذا حسين بالعراء، صريع بكربلا، محزوز الرأس من القفا..» بأن يقال: من أين علمت أم كلثوم بأنه «عليه السلام» محزوز الرأس من القفا؟ وهي لم تر ما جرى، ولم

تذهب إلى الميدان..

فقد دلت القرائن :على أن النساء قد ذهبن إلى الميدان، ورأين الشمر« لعنه الله»، وهو يحرّ الرأس الشريف من القفا.. وكان المتوقع من جيش ابن سعد أن يبعد النساء عن ذلك المشهد بالقوة كما أشرنا .

أو يقال - كما ذكره بعض الإخوة الأكارم -: على أن مثل هذا

محكي عن زينب «عليها السلام»، وهي الفهمة غير المفهمة، والعالمة غير المعلمة، وعقيلة آل أبي طالب، وقصة قتل الحسين « عليه السلام» بتفاصيلها كانت متداولة بين النبي «صلى الله عليه وآله» وأهل بيته، فيجوز أنها تريد « عليها السلام »:هذا حسين«عليه السلام».. صريع بكربلا، محزوز الرأس من القفا... كما أخبرت يا رسول الله«صلى الله عليه وآله»، ويجوز أن تكون أم كلثوم قد سمعت ذلك من أختها، فقالت مثلها، كما يجوز أن تكون عارفة بالقصة من خلال..

خرجن من الخدور ناشرات الشعور:

وقد ورد في زيارة الناحية: أن النساء لما رأين حال الجواد: «خرجن من الخدور، ناشرات الشعور، للوجوه سافرات الخ..».

ونقول:

قد يقال: كيف يمكن أن تخرج نساء الحسين في تلك الصحراء المكشوفة من الخدور، ناشرات شعورهن ،سافرات عن وجوههن.. مع وجود جيش يعدّ بعشرات الألوف ينظر ويراقب؟!

ونجيب :

أولاً: إن النساء الحاضرات في كربلاء، لم يكن كلهن مثل زينب وأم كلثوم، وسكينة و... و.. في العقل، والحكمة، والوعي، وفي درجات التحمل للمصائب، فقد كانت هناك نساء كثيرات من قبائل شتى، قد جئن مع أزواجهن الذين استشهدوا في كربلاء. فلعل بعضهن قد دهشن

لهذا المصاب الجلل،وخرجن علی تلک الحال...

ثانياً : إن خروجهن على تلك الحال لا يعني أن يكون جيش ابن سعد قد رآهن مكشفات، فإن من الطبيعي أن يخرجن من الخدر إلى ما بين الخيام، ويتوقع في مثل هذه الحال :أن تبادر زينب ومن معها إلى ضبط الأمور، وإرجاعهن إلى خدرهن، وتأمرهن بالتستر، قبل أن يراهن أحد..

ثالثاً: إن الإمام الحسين «عليه السلام» كان قد أمر هن بلبس الأزر، والاستعداد للبلاء، ولا يتوقع أن تقدم زينب، أو أي من بناته، وأخواته « عليه السلام»، وكثيرات أخريات على مخالفة أمره «صلوات الله عليه»، بل لا بد أن يكن قد امتثلن أمره، ولبسن الأزر كما قال.. فإن حصلت مخالفة، فلا بد أن تكون استثناء له ظروفه الخاصة. ولا يصح إصدار أحكام عامة وشاملة على جميع النسوة في مثل هذه الحالات.

رابعاً: قلنا فيما سبق :إن زينب في خطبتها أمام يزيد في الشام قد قرَّعته، بشدة على هتك ستور النساء، وإبداء وجوههن، حتى تصفحها قريب والبعيد، والدني والشريف..

خامساً :بل قد يقول قائل: إن مجيء الفرس إلى الخيام، يبدو أنه كان قبل استشهاد الإمام«عليه السلام»، وبعد سقوطه «عليه السلام» عن ظهر فرسه، بعد أن أعياه نزف الجراح، وشدة العطش. وفي هذه اللحظات كانت أبصار جيش الأعداء شاخصة إلى مصرعه «عليه السلام»،

وهمتهم مصروفة إلى قتله، واحتزاز الرأس الشريف.

فلا شيء يدل على أن أحداً من ذلك الجيش كان بصدد النظر إلى النساء في لحظة خروجهن ليميز بين مكشوفة الرأس وبين من تلبس الإزار...

سادساً : إن ميدان القتال كان بعيداً عن خيام النساء، وكان جيش الأعداء في معظمه إلى الجهة الأخرى من الميدان. وقسم منه كانوا على المشرعة .فلا شيء يدل على أن ذلك الجيش كان قادراً على مشاهدة النساء، والتمييز بينهن ،وتحديد هذه من تلك، ورؤية ملامح وجوههن، لو كانت مكشوفة حقاً..

سابعاً: وحتى لو كان ذلك الجيش قادراً على الرؤية وعلى التمييز، فإن اللواتي خرجن ناشرات الشعور سافرات الوجوه قد كنَّ أعداداً قليلة، فلعلهن كنَّ وسط النسوة، لا في مقابل الأعداء، ومحط أنظارهم.

الفصل الثاني: الهجوم على العيال والأطفال.

اشارة

السلب والنهب:

قالوا:

1 - وأقبل القوم حتى أحدقوا بالخيمة ، وأقبل الشمر بن ذي الجوشن - لعنه الله - حتى وقف قريباً من خيمة النساء، فقال لقومه : ادخلوا فاسلبوا بزتهن!

قال: فدخل القوم، فأخذوا كل ما كان في الخيمة، حتى أفضوا إلى قرط كان في أذن أم كلثوم «رضي الله عنها»، فأخذوه، وخرموا أذنها، وخرج القوم من الخيمة، وأضرموها بالنار (1).

زاد في بحار الأنوار :

2 - حتى كانت المرأة لتنازع ثوبها على ظهرها حتَّى تغلب عليه.

[في الطبري: فيذهب به منها ] (2).


1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 119 وبحار الأنوار ج 45 ص 60 والعوالم، الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 304 عن المناقب، ومحمد بن أبي طالب.

2) بحار الأنوار ج 45 ص 60 عن المناقب، ومحمد بن أبي طالب. والعوالم، الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 305 وراجع تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 453 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 346 والكامل في التاريخ ج 4 ص 79 والإرشاد ج 2 بحار الأنوار ج 45 ص 60 عن المناقب، ومحمد بن أبي طالب. والعوالم، الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 305 وراجع تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 453 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 346 والكامل في التاريخ ج 4 ص 79 والإرشاد ج 2 ص 112 وإعلام الورى ج 1 ص 469 وتجارب الأمم ج 2 ص81 ونهاية الأرب ج 20 ص 460

وأخذ قيس بن الأشعث «لعنه الله» قطيفة للحسين «عليه السلام» كان يجلس عليها ، فسمّى لذلك قيس قطيفة.

وأخذ نعليه رجل من بني أود، يقال له: الأسود.

وعن الإمام الصادق «عليه السلام» :ثمّ مال النّاس إلى الورس والخيل والإبل (والحلي والحلل) فانتهبوها .(1)

3 - وأخذ الرحيل ابن زهير الجعفي، وجرير بن مسعود الحضرمي.

4 - وقال المجلسي «رحمه الله» أيضاً:

أقول: رأيت في بعض الكتب :أن فاطمة الصغرى قالت: كنت واقفة بباب الخيمة، وأنا أنظر إلى أبي وأصحابه مجزرين كالأضاحى على الرمال، والخيول على أجسادهم تجول، وأنا أفكر فيما يقع علينا بعد أبي من بني أمية، أيقتلوننا أو يأسروننا؟ فإذا برجل على ظهر

جواده يسوق النساء بكعب رمحه ،وهن يلذن بعضهن ببعض، وقد أخذ ما عليهن من أخمرة وأسورة، وهن يصحن :واجداه ،وا أبتاه ،وا علياه، واقلة ناصراه، وا حسناه.. أما من مجير يجيرنا؟ أما من ذائد


1) راجع الهامش السابق وراجع أنساب الأشراف ج3 ص409 و ط دار التعارف) ج 3 ص 204 .

يذود عنا؟

قالت :فطار فؤادي وارتعدت فرائصي ،فجعلت أجيل بطرفي يميناً وشمالاً على عمتي أم كلثوم خشية منه أن يأتيني.

فبينا أنا على هذه الحالة، وإذا به قد قصدني، ففررت منهزمة، وأنا أظن أني أسلم منه، وإذا به قد تبعني، فذهلت خشية منه، وإذا بكعب الرمح بين كتفي، فسقطت على وجهي، فخرم أذني، وأخذ قرطي ومقنعتي، وترك الدماء تسيل على خدي، ورأسي تصهره الشمس، وولى راجعاً إلى الخيم، وأنا مغشي علي.

وإذا أنا بعمتي عندي تبكي وهي تقول: قومي نمضي ما أعلم ما جرى على البنات وأخيك العليل.

فقمت وقلت :يا عمتاه، هل من خرقة أستر بها رأسي عن أعين النظار؟

فقالت: یا بنتاه ،وعمتك مثلك .

فرأيت رأسها مكشوفة، ومتنها قد اسود من الضرب، فما رجعنا إلى الخيمة إلا وهي قد نهبت وما فيها، وأخي علي بن الحسين مكبوب على وجهه، لا يطيق الجلوس من كثرة الجوع ،والعطش، والأسقام، فجعلنا نبكي عليه، ويبكي علينا .(1).


1) بحار الأنوار ج 45 ص 60 عن ابن شهر آشوب ومحمد بن أبي طالب. والعوالم، الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 305.

5 - ابن المتوكل، عن السعدآبادي، عن البراقي، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن أبي الجارود :زياد بن المنذر، عن عبد الله بن الحسن، عن أمه فاطمة بنت الحسين «عليه السلام »قال: دخلت الغانمة [العامة] علينا الفسطاط، وأنا جارية صغيرة، وفي رجلي خلخالان من ذهب، فجعل رجل يفضّ الخلخالين من رجلي وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك يا عدوّ الله ؟!

فقال :كيف لا أبكي وأنا أسلب ابنة رسول الله «صلى الله عليه وآله»!

فقلت: لا تسلبني.

قال: أخاف أن يجيء غيري فيأخذه.

قالت وانتهبوا ما في الأبنية حتَّى كانوا ينزعون الملاحف عن ظهورنا .(1).

6 - قال : وجاءت جارية من ناحية خيم الحسين «عليه السلام»، فقال لها رجل: يا أمّة الله، إنّ سيّدك قتل.

قالت الجارية: فأسرعت إلى سيّداتي وأنا أصيح، فقمن في وجهي وصحن.

قال :وتسابق القوم على نهب بيوت آل الرّسول، وقرة عين


1) الأمالي للصدوق ص 228 المجلس رقم 31 وبحار الأنوار ج 45 ص 82 والعوالم، الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 360 وراجع سير أعلام النبلاء ج3 ص 303 و الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 479 وترجمة الإمام الحسين«عليه السلام» من طبقات ابن سعد ص78.

الزهراء البتول، حتَّى جعلوا ينتزعون ملحفة المرأة عن ظهرها ،وخرجن بنات رسول الله «صلى الله عليه وآله» وحرمه يتساعدن على البكاء، ويندبن لفراق الحماة والأحبّاء. (1).

7 - وروى حميد بن مسلم قال: رأيت امرأة من بني بكر بن وائل، كانت مع زوجها في أصحاب عمر بن سعد، فلما رأت القوم قد اقتحموا على نساء الحسين «عليه السلام» في فسطاطهنّ وهم يسلبونهنّ ، أخذت سيفاً، وأقبلت نحو الفسطاط، وقالت: يا آل بكر بن

وائل، أتسلب بنات رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟! لا حكم إلا لله ، يا لثارات رسول الله«صلى الله عليه وآله».

فأخذها زوجها وردّها إلى رحله .(2).

قال ابن نما :«ثم اشتغلوا بنهب عيال الحسين ونسائه، حتى تسلب المرأة مقنعتها من رأسها، أو خاتمها من إصبعها، أو قرطها من أذنها وحجلها من رجلها.

وجاء رجل من سنبس إلى ابنة الحسين «عليه السلام»، وانتزع


1) بحار الأنوار ج 45 ص 58 والملهوف ص 180 و (نشر أنوار الهدى) ص 77 ومدينة المعاجز ج 4 ص 79 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 302

2) بحار الأنوار ج 45 ص 58 والملهوف ص 180 و (نشر أنوار الهدى( ص 77 ومثير الأحزان لابن نما ص 77 ،والعوالم الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 302 ومثير الأحزان ص 76 و (ط المكتبة الحيدرية) ص58

ملحفتها من رأسها ، وبقين عرايا الخ..» (1).

ونقول:

الفطرة السليمة:

رأينا: أن هذه المرأة التي كانت مع زوجها في جيش عمر بن سعد، لم تستطع أن تحتمل رؤية مشهد اقتحام أصحاب عمر بن سعد على نساء الحسين« عليه السلام» فسطاطهن ، وهم يسلبونهن.. فإنه مشهد يصدم الفطرة، وتشمئز منه النفوس، وترى فيه استكباراً قبيحاً، واغتراراً وقحاً بالقوة، واستغلالاً لضعف الضعيف. كما أنها ترى فيه خروجا على القيم، والمبادئ، ومخالفة لأحكام الدين، كما دل عليه قول هذه المرأة: «لا حكم إلا لله».

والأهم من هذا وذاك: أنها رأت فيه إهانة لرسول الله «صلى الله عليه وآله»، وعدواناً عليه، ولذلك قالت:« يا لثارات رسول الله«صلى الله عليه وآله».».

وهذا إن دل على شيء، فهو يدل على سلامة فطرة تلك المرأة، وعلى أنها انطلقت من يقظة ضميرها، وصحوة وجدانها، وأرادت أن تكون منسجمة مع قناعاتها الإيمانية، فإن حميتها لدينها، ولنبيها، وعاطفتها، وفطرتها هي التي حركتها إلى هذا التصرف.

ونجد في مقابل ذلك : نذالة وخسة لدى رجال ذلك الجيش، وموت


1) مثير الأحزان ص 76 و (ط المكتبة الحيدرية) ص58

ضمير، وخمود عاطفة، وفطرة موبوءة وملوثة بأقذار المعاصي، كما أن الضمير عندهم قد مات، والوجدان أصبح في خبر كان..

وقد تجلى ذلك في تسابق ذلك الجيش على سلب النساء، ونهب رحال أقدس الناس، وأفضلهم وأتقاهم وأعلمهم ..

ولم يعد للغيرة لديهم مفهوم ، ولا للشفقة طعم، ولا للإنسانية معنى، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون..

متى عرف النسوة باستشهاد الإمام«علیه السلام»، وكيف؟!:

قد يقال: إن ظاهر النص المتقدم برقم [1] :أن النسوة عرفن باستشهاد الإمام حين أخبرتهم الجارية بمقتله..

مع أن الروايات الأخرى التي ذكرناها أيضاً تذكر أنهن عرفن بالأمر حين جاء الفرس إلى الخيام بلا راكب، وهو يصهل صهيلاً عالياً. وقد ذُكِرَ ذلك أيضاً في زيارة الناحية، كما تقدم.

ويجاب :

بأنه لا منافاة بين الأمرين، حيث يمكن أن يكون أحد الخبرين مؤكداً للأخر، كما لو كان مجيء الفرس قد حصل بعد إخبار الجارية لهن بالأمر.

مع احتمال: أن يكون ذلك الرجل الذي أخبر الجارية بقتل سيدها قد كذب عليها.

أو أنه أخبرها بما ظنه حين رأى هجوم الجيش على الحسين «عليه

السلام»، بعد أن ضعف عن القتال.

فلما جاء الجواد إلى الخيام، وهو على تلك الحالة، تأكد الخبر لديهن، وكان له وقع عظيم عليهن..

ثم كان تسابق القوم على نهب بيوت آل الرسول«صلی الله علیه و آله وسلم»، وسلب النساء شاهداً آخر على ذلك.

لا غيرة ولا شهامة:

إن مما يلفت النظر: أن هؤلاء القوم يدَّعون أنهم عرب، وبناء على ذلك هم يدعون أموراً عديدة لأنفسهم، ويجعلونها من مفاخرهم.. وقد نقضوها مرة بعد أخرى في يوم عاشوراء، من هذه الأمور نذكر:

الأمر الأول: إنهم يدَّعون الغيرة على النساء، وها هم يغيرون حتى على نساء نبيَّهم، وينزعون عنهن ملاحفهن، ويخطفون أقراطهن من آذانهن ويخرمون تلك الآذان الشريفة.

وقد طلب النسوة من عمر بن سعد:أن يسترجع ما أخذ منهن ليستترن به، فلم يرد لهم أحد شيئا .(1).


1) الإرشاد للمفيد ج 2 ص 113 وبحار الأنوار ج 45 ص 61 والعوالم، الإمام الحسين«عليه السلام»ج 17 ص 306 وشجرة طوبى ج 2 ص 241 وإعلام الورى ج 1 ص 469 و 470 وروضة الواعظين( منشورات الشريف الرضي) ص 189 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 341 وراجع :البداية والنهاية (ط دار التراث العربي) ج 8 ص 205 .

الأمر الثاني: إنهم يدَّعون: أنه لا سبي على عربي حتى لو كان مشركاً ومحارباً. كما قال عمر بن الخطاب:« ليس على عربي ملك» (1).

وقال: «إني كرهت أن يصير السبي سنّة على العرب» (2).

وأعتق سبي اليمن وهن حبالى . وفرق بينهن وبين من اشتراهن .(3).

ولكنهم انتهبوا بيوت، وسلبوا نساء رأس العرب، بل سيد الخلق أجمعين من لدن آدم إلى قيام يوم الدين.

الأمر الثالث: إنهم يدَّعون الشهامة، والترفع عن صغائر الأمور،


1) الأموال ص197 و 198 و 199 والإيضاح ص 249 وقضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ص 264 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 2 ص 549 والسنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 74 والمصنف للصنعاني ج7 ص278 والفايق في غريب الحديث ج 3 ص 258 والمصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 580 ونيل الأوطار ج 8 ص 150 والمسترشد للطبري ص 115 و (ط سنة 1415ه-) ص 525 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 12 ص144 والمحلى لابن حزم ج 10 ص 39 وسبل السلام للكحلاني ج4 ص45 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 6 ص 545 وغريب الحديث لابن سلام ج3 ص 341 والنهاية في غريب الحديث ج 4 ص 361 والنظم الإسلامية لصبحي الصالح ص 463 ولسان العرب ج 11 ص 632 .

2) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 139 والأعلام للزركلي ج 5 ص 45.

3) راجع :الإيضاح لابن شاذان ص 249 والمثالب لابن شهرآشوب (مخطوط)ص108

وها هم يمارسون أحطّ وأقذر الأعمال، ويرضون لأنفسهم بالخزي العظيم، والعذاب الأليم.

الأمر الرابع: إنهم يدَّعون أن الإسلام دينهم، والقرآن كتابهم، ومحمداً نبيهم، فما بالهم يقتلون ذريته، حتى الأطفال والرضع منهم، ويسبون نساءه .وما بالهم لا يتورعون عن سلب نسائه وأطفاله كل ما وصلت إليه أيديهم؟!

الأمر الخامس: إنهم لم يلتزموا حتى بالأعراف الجاهلية في التعامل مع المرأة، وقد قال أمير المؤمنين «عليه السلام» في وصية العسكره: «ولا تُهَيِّجُوا امْرَأَةَ بأدّى، وإِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ، وَسَبَيْنَ أَمَرَاءَكُمْ، وصُلْحَاءَكُمْ، فَإِنَّهُنَّ ضِعَافُ القوى، والأنفُس، والعقول، وقدْ كُنَّا نُؤَمَرُ بِالْكَفِّ عَنْهُنَّ وهُنَّ مُشرِكَاتٌ وإِنْ كَانَ الرَّجُلُ ليَتَنَاوَلُ الْمَرْأَةَ فَيُعَيَّرُ بِهَا وعَقِبُه مِنْ بَعْدِهِ» .(1).


1) صفين للمنقري ص 203 و 204 ونهج البلاغة (بشرح عبده) ج3 ص 14 و 15 الكتاب رقم 14 وراجع: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 10 و 11 و (ط الأعلمي) ج 3 ص 544 وج 4 ص 6 وراجع: الكافي ج 5 ص 39 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 15 ص 95 و (الإسلامية) ج 11 ص 71 و 72 وراجع :بحار الأنوار ج 32 ص 213 و 562 وج 33 ص458 و 462 ومرآة العقول ج 18 ص 373 والفتوح لابن أعثم ج 3 ص 44 و 45 و (ط دار الأضواء) ج 3 ص 32 ومستدرك الوسائل ج 11 ص 86 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج 2 ص 277 ومستدرك سفينة البحار ج 10 ص 348 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 6 ص228 وج 15 ص 104 والوافي ج 15 ص 109 و الفتنة ووقعة الجمل للضبي ص 180 وتجارب الأمم ج 1 ص 505 و 518 والكامل في التاريخ ج 3 ص 257 والدر النظيم ص 347 ونهاية الأرب ج 20 ص 82 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 32 ص 439 وجمهرة خطب العرب ج 1 ص 305.

حديث الخلخالين:

ونحن نشك في صحة رواية أبي الجارود، زياد بن المنذر، من أن فاطمة بنت الحسين «عليه السلام» قد سلبت خلخالين من ذهب. فإن الإمام«عليه السلام» لا يجعل ابنته تلبس هذا الذهب، مع وجود بنات لا يجدن ما هو أدنى من ذلك بمراتب.

السلب قرار القادة:

قد يوهم الحديث عن سلب النساء، ونهب بيوت آل الرسول «صلى الله عليه وآله»: أن هذا كان عملا عشوائياً، وقراراً فردياً، من مجموعة أفراد من ذلك الجيش الكبير، وليس قراراً قيادياً، فإن الذين يطمعون بالأمور الصغيرة هم أراذل الناس، أما القادة فيترفعون عنها، ولو لأجل خوف التعيير بها...

ويشهد لذلك: أن بعض نصوص السلب تصرح: بأن عمر بن سعد أمر برد ما أخذ منهم إليهم..

ونقول:

إن هذا الكلام باطل، فإن من لا يخشى العار من قتل سيد شباب أهل الجنة، وإبادة ذرية النبى الأعظم «صلى الله عليه وآله»، وسبي ذريته، وذبح أطفاله، ومنع الماء عنهم من دون ذنب أتوه، سوى الحقد والبغي من قبل هؤلاء القادة عليهم، لاسيما وأنك تراهم يبالغون في التفنن في إيذائهم وقهرهم، لا يتورعون، حتى القادة منهم عن السلب

والنهب حتى لما هو تافه، وغير ذي قيمة.

بل إن عمر بن سعد نفسه قد شارك فى السلب. فقد سلب الحسين «عليه السلام» درعه، كما أن رجالاً معروفين، مثل قيس بن الأشعث، وغيره قد شاركوا في السلب والنهب.

بل إن شمر بن ذي الجوشن، وهو قائد كان مرشحاً لأن يكون البديل عن ابن سعد ،هو الذي قال لقومه :« ادخلوا فاسلبوا بزتهن».

وقد سجل لنا التاريخ أسماء طائفة من الذين شاركوا في النهب كما تقدم. فلو كانوا أشخاصاً مغمورين لم تذكر لنا أسماؤهم.

أما أمر عمر بن سعد للناس: بأن يرجعوا ما سلبوه، فلم يكن أمراً جدياً. ولذا تصرح الرواية نفسها :بأن أحداً لم يرجع شيئاً مما أخذ ..

ولو عرفوا منه الجد لأرجعوا بعض ما أخذوه على الأقل. لاسيما وأنهم يعرفون أن من لم يرحم حتى الأطفال والرضع، فإنه لن يرحم أحدا يخالف أمره، ويتمرد عليه.

فاطمة الصغرى وعمتها مكشوفتا الرأس :

بالنسبة لكشف رأس فاطمة الصغرى، نقول:

سيأتي: أن عمر فاطمة الصغرى في يوم عاشوراء، حين تعرضت لسلب مقنعتها ،من قبل ذلك الجاني، كان حوالي عشر سنوات، وكان الإمام الحسين «عليه السلام» قد زوجها من ابن عمها الحسن المثنى الذي كان حاضراً في كربلاء.. إلا إن ادعي أنها قد كانت دون سن

التكليف، ولكن كان لديها من الإدراك والحياء ما جعلها تبحث عن ساتر لرأسها عن الأنظار.

ويشهد على ذلك: الرواية المتقدمة عن أبي الجارود، فقد صرحت :بأنها كانت جارية صغيرة.

ولكن ما ينسب إليها ،من أنها رأت عمتها أم كلثوم مكشوفة الرأس لا مجال لقبوله، فإنها إذا كانت قد رأت عمتها ، وكانت عمتها مكشوفة الرأس، وفي حال لا يجوز أن يراها الأجانب عليه، فكيف تطلب منها خرقة لتستر بها رأسها؟! ألم تدرك أنها لو كان لديها خرقة من

هذا القبيل لتسترت بها ، ولم تكن بحاجة إلى أن تسمع قول عمتها لها «وعمتك مثلك»؟!

في كربلاء أو في المدينة؟! :

ونلاحظ: أن الرواية ذكرت ابنة للحسين باسم فاطمة الصغرى، كانت في كربلاء، وجرى عليها ما تقدم ذكره.

ومصادر أخرى تقول: إن فاطمة بنت الحسين «عليه السلام» بقيت في المدينة بسبب مرضها.

مع أن المصادر ذكرت له« عليه السلام» ابنة وحيدة باسم فاطمة: أمها أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التيمي، فلو سلم بوجود فاطمة الصغرى هذه في كربلاء، فمن هي فاطمة العليلة التي ادعي أنها بقيت في المدينة؟!

ابن سعد.. والسجاد والسبايا :

1 - قال المفيد «رحمه الله»:

قال حمید بن مسلم :فَانتَهينا إلى عَلِيٍّ بن الحُسَين «عليه السلام»، وهُوَ مُنبَسِطٌ عَلى فِراش، وهُوَ شَديدُ المَرَضِ، ومَعَ شمرٍ جَمَاعَةٌ مِنَ الرَّجَالِةِ، فقالوا له: ألا نَقْتُلُ هذا العَليلَ؟!

فقلتُ: سُبحانَ الله ! أَيُقتَلُ الصِّبيانُ؟ إِنَّمَا هُوَ صَبِيٌّ وإِنَّهُ لِمَا بِهِ، فلم أَزَل أَدْفَعُ عَنْهُ كُلَّ مَنْ جَاءَ حَتى رَدَدتُهُم عَنهُ.

وجاءَ عُمَرُ بنُ سَعدٍ، فَصاحَتِ النِّسَاءُ فِي وَجْهِهِ وَبَكَينَ، فَقَالَ لأصحابه: لا يَدخُل أحَدٌ مِنكُم بُيوتَ هؤلاء النّسوَةِ، ولا تَعَرَّضوا لهذا الغُلامِ المَريض.

وسألتهُ النِّسْوَهُ أَنْ يَستَرجِعَ ما أخذ مِنهُنَّ لِيَتَسَتَرنَ بِهِ، فَقَالَ: مَن أَخَدْ مِن مَتاعِهِنَّ شَيئاً فَلْيَرُدَّهُ عَليهِنَّ فَوَالله ، ما رَدَّ أَحَدٌ مِنهُم شَيئاً.

فَوَكَّلَ بِالقُسطاط، وبُيوتِ النِّساءِ ، وعَلِيٍّ بن الحُسَين «عليه السلام» جَمَاعَةٌ مِمَّن كانوا مَعَهُ، وقالَ : احفظوهُم لِئَلَّا يَخرُجَ مِنهُم أَحَدٌ، ولا

يُسَاءُ إليهم (1).

زاد في نص آخر: فقال علي بن الحسين «عليه السلام»: جزيت من رجل خيراً. فوالله لقد دفع الله عنى بمقالتك شراً.

2 - وقالوا عن ابن سعد : إنه «أمر بقتل علي بن الحسين «عليه «السلام»، فوقعت عليه زينب «عليها السلام» وقالت: والله لا يقتل حتى أقتل.

فرق لها وكف عنه» (2).

وقال القرماني: إن شمراً هو الذي أراد قتله(3).


1) بحار الأنوار ج 45 ص 61 والعوالم ، الإمام الحسين«عليه السلام» ج17 ص306 والإرشاد ج 2 ص 112 وإعلام الورى ج 1 ص 469 وروضة الواعظين ص 209 و (منشورات الشريف الرضي) ص 189 و تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 454 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 347 وموسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» جه ص 20 عنه وعن مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 38 نحوه وراجع الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 480 وتهذيب الكمال ج 20 ص 384 وسير أعلام النبلاء ج 4 ص 387 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 345 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 6 ص 432 وتاريخ مدينة دمشق ج 41 ص 366 و 367 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 9، ص 122 وتذكرة الخواص ص 258 .

2) المنتظم من تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 341 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 215 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 661

3) بحار الأنوار ج 45 ص 61 والعوالم ، الإمام الحسين«عليه السلام» ج17 ص306 والإرشاد ج 2 ص 112 وإعلام الورى ج 1 ص 469 وروضة الواعظين ص 209و (منشورات الشريف الرضي) ص 189 و تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 454 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 347 وموسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» جه ص 20 عنه وعن مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 38 نحوه وراجع الطبقات الكبرى الطبقة الخامسة من الصحابة ج 1 ص 480 وتهذيب الكمال ج 20 ص 384 وسير أعلام النبلاء ج 4 ص 387 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 345 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 6 ص 432 وتاريخ مدينة دمشق ج 41 ص 366 و 367 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 9، ص 122 وتذكرة الخواص ص 258

ونقول:

هنا أمور تحتاج إلى بيان، ونذكر منها :

السجاد «علیه السلام» لم يكن صبياً:

لا شك في أن عمر الإمام السجاد«عليه السلام» كان في يوم عاشوراء يزيد على عشرين سنة، فقد ولد على المشهور سنة 38 للهجرة .. فما معنى قول حميد بن مسلم للجيش اليزيدي: «أتقتل الصبيان؟! إنما هذا صبي»؟!

ابن سعد وحراسة السبايا:

وعن توكيل ابن سعد جماعة بحفظ السبايا، نقول:

إن هذا التوكيل لم يكن رغبة في دفع البلاء عنهن، بل لأن ابن سعد كان يعرف أنه مطالب من يزيد وابن زياد بأن يرسل إليه السبايا ،لكي يظهر للناس قوته، وبطشه بأعدائه.

ولكي يرى الناس ذلة بني هاشم، حتى تنقطع آمال الناس بهم، وينكفئوا عنهم. لأن ذلك هو الذي يجعل بني أمية يشعرون بالأمان.

كما أنهم يريدون أن يشفوا غليل صدورهم، وتنفيس حقدهم على النبي «صلی الله علیه وآله وسلم»وأهل بيته.

وهذا كله يدل على أنه لم يكن ابن سعد قادراً على التفريط بمن

هم في يديه من نساء وأطفال وسواهم..

ألا نقتل هذا العليل؟!

1 - من المعلوم: أن الإمام السجاد «عليه السلام» كان مريضاً في كربلاء، وقد اختلفوا في مرضه، وسيأتي كلام حول ذلك في هذا الكتاب.

2 - قد عرفنا :أن من جملة وصايا النبي وعلي «صلوات الله وسلامه عليهما »لجيوشهما وسراياهما :أن لا يتبعوا مدبراً ، ولا يجهزوا على جريح.

مع أن المدبر والجريح لم يكونا في معزل عن القتال، كما أن المدبر قد يعود للقتال.

ومع أن الجراحة قد لا تكون موجبة للعجز عن القتال أيضاً.

أما المريض المنهك القوي، فإن مرضه يمنعه من المشاركة في القتال الذي لم يدم إلا أقل من بياض يوم، ولا أمل باستعادة هذا المريض عافيته، إلا بعد أيام كثيرة ، يشفى فيها من مرضه.

فما معنى طلب هؤلاء القوم من الشمر بإلحاح: أن يسمح لهم بقتل الإمام زين العابدين « عليه السلام». كما يدل عليه قول حميد بن مسلم: «قلم أزل أدْفَعُ عَنْهُ كُلَّ مَنْ جَاءَ حَتَّى رَدَدْتُهُم عَنهُ»؟!

إلا إذا كان هدفهم من قتله «عليه السلام» هو الحصول على سلبه،من قميص، ونعل، وقطيفة، وإدواة، وقلنسوة، ونحو ذلك..

ابن سعد يريد قتل الإمام السجاد «علیه السلام» :

هناك من يقول: إن شمر بن ذي الجوشن وجماعة كانوا معه، أرادوا قتل الإمام السجاد « عليه السلام» يوم عاشوراء..

ولكن حميد بن مسلم اعترض على ذلك: بأنه كيف يقتل فتى حدث مريض لم يقاتل، ثم لما جاء ابن سعد، وصاحت النساء في وجهه وبكين، قال: لا يدخل أحد منكم بيوت هؤلاء النسوة، ولا تعرضوا لهذا الغلام المريض .(1).

زاد في نص :آخر أن ابن سعد« قال لشمر : وَيْحَكَ مَنْ لِلحُرَم» .(2).

غير أننا نقول:

أولاً: إن ما نسب إلى حميد بن مسلم غير قابل للتصديق لأكثر من سبب، ومن ذلك:

ألف: إنه وصف الإمام السجاد «عليه السلام» بقوله: «أتقتل فتى حدثاً»؟! ومن كان عمره ثلاثاً وعشرين سنة أو أكثر لا يقال عنه: فتى وحدث.


1) راجع :الإرشاد ج 2 ص 112 و 113 وراجع: تاريخ الأمم والملوك جه ص 454 و(ط الأعلمي) ج 4 ص 347 وترجمة الإمام «عليه السلام» من القسم غير المطبوع من طبقات ابن سعد ص78

2) تذكرة الخواص ج 2 ص 187 .

ب :إن حميد بن مسلم كان في جيش يزيد، وكان له مقام عند ابن سعد، وغيره، حتى لقد شارك خولي بن يزيد الأصبحي في حمل رأس الإمام الحسين «عليه السلام» من كربلاء إلى ابن زياد في الكوفة بأمر من عمر بن سعد.(1)

ج: إنه هو الذي يروي عن نفسه، هذا الأمر وسواه، مما يدل على تعاطفه مع الحسين، أو أو مع السجاد «عليهما السلام».. ولعله كان يروي هذه الروايات ليتجنب سوء معاملة الناس له، أو لكي لا ينظر الناس إليه نظرة ازدراء واحتقار، كما كانوا يعاملون وينظرون إلى عمر بن سعد، وأضرابه.. أو ليدفع عن نفسه أخطاراً أو أضراراً كان يتوقعها .

د :تقدم ما يدل على أن السجاد«عليه السلام» قد قاتل يوم عاشوراء وارتث .فما معنى نفي هذا الأمر عنه من قبل حميد بن مسلم؟!

ثانياً :روي أن السبب في انصراف شمر عن قتل الإمام السجاد «عليه السلام »هو : أنه لما هم شمر بقتله «عليه السلام» - وهو مريض - خرجت إليه زينب بنت علي، وقالت: «والله، لا يقتل حتى أقتل، فكف عنه» (2)

وقال ابن الجوزي عن عمر بن سعد: إنه أمر بقتل علي بن الحسين« عليه السلام»


1) الإرشاد للمفيد ج 2 ص 113.

2) أخبار الدول للقرماني ص 323.

، فوقعت عليه زينب «عليها السلام»، وقالت: والله لا يقتل حتى أقتل، فرق لها، وكف عنه (1). وهذا أقرب إلى الاعتبار، وأولى بالقبول لدى أهل العقول .

ثالثاً : ما زعموه، من أن ابن سعد قال الشمر: «ويحك من للحرم»؟! يعارضه ما سيأتي، من أن ابن سعد هو الذي أراد قتله «عليه السلام»، ولو أغمضنا عن ذلك، فإن قول ابن سعد الشمر: «ويحك، من للحرم»؟! لا يدل على أنه كان غيوراً على حرم الحسين «عليه السلام»، فإن معاملته لهن لا تشير إلى شيء من ذلك، ولكن إبقاء الإمام السجاد «عليه السلام» قد يكون لأجل أنه كان يتوقع أن يواجه مع الحرم صعوبات ومشكلات ،فكان يريد أن يتلافاها من خلال الإمام السجاد.

أو لأنه خاف أن يطالبه ابن زياد ويزيد بالإمام السجاد«عليه السلام»، فقد يحتاجون إلى الاحتفاظ به كوثيقة، أو وسيلة للضغط على بني هاشم وغيرهم، لكي لا يحركوا الناس ضد يزيد، أو ابن زياد، أو لغير ذلك من أهداف..

ما هو مرض الإمام السجاد«عليه السلام»؟! :

يقال: إن مرض الإمام السجاد «عليه السلام» كان هو الإسهال


1) المنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 341 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 661 .

الشديد. غير أن ابن شهر آشوب قال:« روی: کتاب المقتل، قال أحمد بن حنبل: كان سبب مرض زين العابدين «عليه السلام» في كربلاء: أنه كان ألبس درعاً ، ففضل عنه، فأخذ الفضلة بيده ومزقه» (1).

والظاهر: أن أحمد بن حنبل يريد أن يقول: إن عيناً أصابته بسبب ذلك .

وقد ذكروا نظير هذه القضية مع محمد بن علي (وهو ابن الحنفية)، لكنهم قالوا: إن العين أصابت يديه «رضوان الله تعالى عليه». وقد ذكرنا ذلك في كتابنا الصحيح من سيرة الإمام علي «عليه السلام»..

هل هذا رفق بالإمام، أو النسوة؟!:

وحول ما تقدم، من أنه لما جاء عمر بن سعد، صاحت النساء في وجهه، وبكين، فأمر أصحابه بأن لا يدخلوا بيوت النساء، ولا يتعرضوا لهذا الغلام المريض. فسألته النسوة أن يسترجع ما أخذ منهن. فأمر أصحابه برد ما أخذوه، فلم يرد أحد شيئاً.. نقول:

1 - قد يتوهم بعض الناس :أن هذا التصرف من ابن سعد يشير إلى أنه كان رقيقاً ورفيقاً ،بعيال الحسين«عليه السلام»، وبالإمام السجاد «عليه السلام» حين رأى مرضه، وضعفه، وأن لديه مشاعر إنسانية بدرجة


1) راجع :مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 142 و 143 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 284 ومدينة المعاجز ج 4 ص 381 وبحار الأنوار ج 46 ص 41. 108

..ما

ونجيب:

اولاً :بأن الرجل الرقيق والرفيق لا يرضى بذبح الأطفال، وقتل الرجال، وسبي عيال رسول الله «صلى الله عليه وآله» من أجل الحصول على ولاية بلد اسمه الري.

ثانياً : من قال إن سبب هذه المرونة والليونة هو الشفقة، والرفق، فلعل السبب :هو أنه بعد أن ارتكب جريمته العظمى أصبح مطالباً بإيصال ما في يديه من عيال وأطفال، ومرضى، ورؤوس مقطوعة، وغير ذلك إلى عبيد الله بن زياد، ويزيد بن معاوية، لأنهما يريدان الشماتة، والتشفي، وعرض ذلك كله على العباد، من خلال الطواف بالسبايا والرؤوس في البلاد. إمعاناً منهم في الإذلال والإيذاء...

2 - ويشهد لما قلناه: أن أصحاب ابن سعد، لم يجدوا في أمر ابن سعد لهم بردّ ما أخذوه أية جدية، إذ لو عرفوا أنه جاد لم يتجرأ أحد منهم على التخلف عن طاعة أمره.

لا خضوع ولا استجداء :

1 - صرحت الرواية المتقدمة: بأن مطالبة النساء ابن سعد بإرجاع ما أخذ منهن ليس فيه أي خضوع أو تنازل، ولا يدل على ثقتهن به أكثر من غيره، ولا على توقع رقته وشفقته، بل هن يطالبن بحقهن، ويردن تعريف الناس بوقاحة المعتدين، وقلة دينهم، وعدم مبالاتهم بأحكام الشرع والدين، وبعدهم عن رعاية الأخلاق والقيم،

وعن معاني الشهامة والكرم.

وقد صرحت الرواية المتقدمة نفسها: بأن الهدف من طلب الإرجاع هو الحفظ والصون.. والتستر الذي ألزم الشرع الناس برعايته، فقد قالت الرواية :«فسألته النسوة أن يسترجع ما أخذ منهن ليستترن به».

2 - إن النسوة لم يطالبن بما سلب منهن بغير ما يستترن به، فلم يطلبن إرجاع القرط والخلخال والحجل والخاتم وما كان في المضارب، وغير ذلك.

الفصل الثالث : .بكاء.. وأمطار.. ودماء..

اشارة

آيات ودلائل:

وقد تضافرت النصوص، وزخرت المصادر بذكر الآيات التي ظهرت يوم قتل الحسين «عليه السلام»..

ونذكر موارد منها مثل:

1 - الريح السوداء المظلمة.

2 - بكاء السماء، وإمطارها دما، وتراباً أحمر.

3 - ما رفع حجر في بيت المقدس والشام إلا وجد تحته دم عبيط .

4 - ظهور الحمرة في السماء عدة أيام، أو ستة أشهر، أو أكثر.

ونذكر بضعة نصوص هنا على سبيل المثال، وهي التالية:

كسوف الشمس، وآيات أخرى:

1 - عن أبي قبيل: « لمّا قُتِلَ الحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ «عليه السلام» كسِفَتِ الشمسُ كَسفَةٌ بَدَتِ الكَواكِبُ نِصفَ النَّهار، حتى ظننا أنَّها هِيَ» (1).


1) موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص 35 عن السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 268 الرقم 6352 و (ط دار الفکر) ج 3 ص 337 والمعجم الكبير ج 3 ص114 الرقم 2838 وتهذيب الكمال ج 6 ص 432 و 433 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 226 و 228 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 89 وكفاية الطالب ص 444 والصواعق المحرقة ص 194 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص54 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 212 نقلاً عن تاريخ النسوي، وبحار الأنوار ج 45 ص 216 و 305 الرقم 39 وراجع العوالم الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 467 والذكرى ص 247 . وراجع مجمع الزوائد ج9 ص 197 وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص 207 وينابيع المودة (ط إسلامبول) ص 321 وشرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 2 ص 212 وأسد الغابة ج1 ص 39 وعمدة القاري ج 2 ص 472 . وفتح العزيز للرافعي ج 5 ص83 وتلخيص الحبير ج 5 ص 84 والمحاضرات والمحاورات ص 405 وترجمة الإمام الحسين«عليه السلام» لابن عساكر ص 357 والدر النظيم ص 567 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 479 وج 19 ص 404 وج 27 ص 382 و 383

وفي زيارَةِ النَّاحِيَةِ المُقدَّسَةِ : لقد صُرِعَ بِمَصرعِكَ الإسلامُ، وتَعَطَّلتِ الحُدودُ وَالأحكام، وأظلمتِ الأَيّامُ، وَانكَسَفَتِ الشَّمس، وأظلمَ القَمَرُ، واحثيس الغَيتْ وَالمَطرُ، وَاهْتَزَّ العَرسُ وَالسَّماءُ، وَاقْشَعَرَتِ الأَرضُ وَالبَطحاء .(1).

ونقول:

قال بعض الإخوة: الظاهر: أنّ المراد من قوله: «حتّى ظننّا أنّها


1) مصباح الزائر ص 224 وبحار الأنوار ج 98 ص 233 .

هي»؛ أي القيامة. ويؤيّده ما في الصواعق المحرقة، حيث جاءت العباره هكذا:« وظنّ الناس أنّ القيامة قد قامت».

2 - من الواضح :أن القدرة الإلهية لا حدود لها، فلا مجال للريب في حصول هذا الأمر.

3 - وأما حديث :أن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد .فبالإضافة إلى الكلام في سنده لا يعارض هذا الحديث، لأنه يتحدث عن كسوف الشمس والقمر لمن يموت بصورة طبيعية.

أما إذا كان موته بجريمة هائلة تستدعي الغضب الإلهي، فلا يشمل حديث لا ينكسفان لموت أحد، فإنه إذا كان قتل ناقة قد أوجب نزول عذاب الاستئصال على قوم ثمود، فلماذا لا يوجب قتل أقدس أهل الأرض في زمانه، وأحبهم إلى الله كسوف الشمس؟!

وكيف نفسر بكاء السماء دماً، وظهور الدم تحت كل حجر في الدنيا، وغير ذلك من آيات كثيرة ، أظهرها الله تعالى عند قتل الإمام الحسين «عليه السلام»؟!

الكون كله يخبر بقتل الحسين «علیه السلام»:

1 - إن هذا الحدث الهائل، وهو قتل أشرف وأقدس المخلوقات، الهادف إلى استئصال جهود الأنبياء والعلماء، والأوصياء، والصلحاء، والشهداء، قد بلغ في حجم خطورته، حداً جعل من الضروري إفساح المجال أمامه، ليعبر هو عن نفسه من خلال آثاره، وتداعياته الواقعية، فإن تجلي بعض تلك الآثار مما كان يفترض أن يبقى محجوباً، ولو في

حدوده الدنيا للبشر ، هو الرد الأنسب والأبلغ ، والأصوب، القادر على إبطال كيد المجرمين والخائنين، وبوار أهدافهم من هذه الجريمة العظمى، واستبدالها وتحويلها إلى عوامل نهضة وبناء، وقوة، وتجديد لحياة هذا الدين.

وبدلاً من تحقق هدف الجناة بطمس دين الله، وتكريس الباطل، يصبح هذا الاستشهاد من أسباب انتعاش هذا الدين، وتجلي حقائقه، وترسيخ دعائمه، وبكلمة واحدة يكون للبشرية جمعاء «مصباح هدى وسفينة نجاة» (1). إلى يوم القيامة.

2 - فظهور الآيات الكونية ككسوف الشمس الشديد، إلى حد ظهور الكواكب نصف النهار ، وامتداده إلى ثلاثة أيام، وظهور الحمرة غير العادية فى السماء، وعلى الحيطان ،وإمطار السماء دماً، وبكاء جميع ما خلق الله على الإمام الحسين «عليه السلام »إلا ثلاثة أشياء: البصرة ودمشق، وآل عثمان. كما روي عن الإمام الصادق «عليه السلام »(2).


1) راجع: عيون أخبار الرضا ج 1 ص 62 و بحار الأنوار ج 36 ص205 وج 91 ص 184 وغاية المرام ج 1 ص 150 و 203 و ج 2 ص 170 و 265 وشرح إحقاق الحق(الملحقات) ج 13 ص 62 وكمال الدين وتمام النعمة ص 265 والصراط المستقيم ج 2 ص 161 ومدينة المعاجز ج4 ص 52 وإعلام الورى ج 2 ص 186 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج13 ص 62 .

2) كامل الزيارات ص 83 و (ط مؤسسة النشر الإسلامي) ص 166 و 167 و 363 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 14 ص 506 و (الإسلامية) ج10 ص 395 ومستدرك الوسائل ج 10 ص 313 والفصول المهمة للحر العاملي ج 3 ص 415 ومدينة المعاجز ج 4 ص 165 و 166 وبحار الأنوار ج 45 ص 206 وج 57 ص 211 ومرآة العقول ج 18 ص 298 والعوالم ، الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 461 و 462 والوافي ج 14 ص 1485 والكافي ج 4 ص 576

وإظلام القمر، واحتباس الغيث والمطر، وظهور الدم تحت كل حجر، في بيت المقدس والشام، وسائر البلاد، بل في الدنيا بأسرها، وسماع أهل الأقطار المختلفة في المدينة، ومكة والكوفة نوح الجن، أو الملائكة كما سيأتي.

وامتلاء قارورة أم سلمة دما عبيطاً وما سيأتي ذكره من نقمات جرت لكل من سلب الإمام أو عياله شيئاً .. وما حل بأولئك الأشرار من أحوال ومصائب، ورزايا ونوائب، وتحول لحم الجزور إلى نار، وتحول الذهب إلى حديد، وبرص من لبس قميص الحسين، وجنون

من لبس عمامته، وغير ذلك مما يعد بالمئات.

إن ذلك كله يؤكد على أن الكون كله كان ينعي الحسين للأمة، ولجميع الأجيال إلى يوم القيامة بصورة إعجازية قاهرة، لا يمكن إنكارها، ولا التلاعب فيها..

3 - اللافت هنا : أن قسماً كبيراً من هذه الآيات، قد ظهر في محيط الأعداء أنفسهم، أو كانوا هم الهدف له، ومن ابتلي به ،من قبيل

صيرورة الذهب الذي سلبه الشمر حديداً، وابتلاء من سلب الحسين «عليه السلام» قميصه ولبسه بالبرص، أو أن الجزور المسلوب تحول لحمه ،وعظمه إلى نار ، إلى غير ذلك مما تقدم وسيأتي بعضه..

وبذلك يصبح مرتكبو هذه الجريمة العظمى، وكل من سمع أو رأى أو عرف بهذه الحقائق هم وسائل ترويجها ونشرها، والإعلام لها. إما من خلال نقلهم للآخرين لما عاينوه ،من آيات، أو من خلال ظهور الآيات فيهم، حتى صاروا عبرة لمن اعتبر، ممن رأى، ومن غبر.

4 - إن ظهور هذه الآيات في كل الحواضر الإسلامية الكبرى ،ولاسيما في مكة والمدينة، وحولها، وفي الكوفة والشام ،وبيت المقدس، وخراسان، بل في الدنيا بأسرها، حتى لقد ثبت إمطار الدم في يوم عاشوراء في أقصى البلاد - كبريطانيا ، وكذلك ايداع قارورة تراب كربلاء لدى أم سلمة، وسماع الهواتف والبكاء والنواح من الجن والملائكة..

وإخبار رسول الله «صلى الله عليه وآله» ليلة قتل الحسين «عليه السلام» بذلك عبر الرؤى بالإضافة إلى الحالات الكثيرة، التي ذكرنا ،بعضها، وسنذكر بعضاً آخر منها - إن ذلك كله لم يحصل في طول التاريخ الإنساني - فيما نعلم، في أي حدث مهما كان عظيماً وهائلاً، من لدن آدم وإلى يومنا هذا. ولدينا طمأنينة عالية في أنه لن يحصل في أي حدث آخر إلى ظهور الحجة «عليه السلام».

وهذا - كما قلنا - يمثل إفساحاً في المجال للسنن لتكشف عن بعض مكنوناتها خارج الدائرة التي يتوقع الناس أن تكون مكشوفة لهم. مما يعني: أن آثار الأعمال على قسمين:

أحدهما :ما اعتاد الناس على رؤيته، وتلمس وجوده.

الثاني: ما يبقى مكنونا في عالم الغيب الإلهي الذي قد يخبر الله، أو النبي«صلی الله علیه وآله»، أو الإمام المعصوم عن حصوله.. كما هو الحال بالنسبة لما ورد في القرآن عن سليمان والهدهد ،والنملة، وتسخير الريح والجن والطير، وغير ذلك له «عليه السلام». وكما تحدث القرآن عن تسبيح كل شيء بحمده تعالى، وعن خشوع الجبال، وعن إشفاقها.. وغير ذلك كثير...

ولكن ذلك كله بقي خبراً من صادق لا يمكن الريب في صحة ووقوع ما أخبر به.

ولكن ما حصل في قضية الإمام الحسين «عليه السلام» هو أن مضمون هذه الإخبارات قد خرج إلى العلن، ليصبح مشهوداً لكل أحد، ويتمكن البشر أنفسهم من التعامل معه بصورة مباشرة وفعلية.

الريح المظلمة:

قال ابن أعثم:

1 - وارتفعت في السّماء في ذلك الوقت غبرة شديدة سوداء مظلمة، فيها ريح حمراء، لا يرى فيها عين ولا أثر ،حتّى ظنّ القوم

أنّ العذاب قد جاءهم، فلبثوا كذلك ساعة، ثمّ انجلت عنهم. (1).

2 - روي: أنه لم تبك السماء إلا على اثنين :يحيى بن زكريا، والحسين «عليه السلام»، وبكاء السماء أن تحمرَّ، وتصير وردة کالدهان .(2).

3 - وقد مطرت السماء دما يوم قتل الحسين «عليه السلام»، فأصبحنا وكل شيء لنا ملئ دما (وكان ذلك) (بخراسان، والشام)


1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 119 والملهوف ص 174 و (نشر أنوار الهدى) ص 154 وبحار الأنوار ج 45 ص 57 عن ابن طاووس، ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 37 والحدائق الوردية ج 1 ص 213 والعوالم، الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 300 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 526.

2) راجع: ينابيع المودة ص 322 وسير أعلام النبلاء (ط مصر) ج3 ص210 وكفاية الطالب ص 289 والصواعق المحرقة ص 192 وعن منتخب تاريخ دمشق (ط روضة الشام) ج 4 ص 339 وتذكرة الخواص (ط النجف) ص 283 وتفسير القرآن العظيم (ط بولاق مصر ) ج 9 ص 162 والعوالم، الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 460 و 464 و 465 ونظم درر السمطين ص220 ونور الأبصار ص123 وتفسير القمي ج 2 ص 291 وقرب الإسناد ص66 و 48 وبحار الأنوار ج 45 ص 201 - 219 و علل الشرائع ج 1 ص217 والأمالي للصدوق ص 189 المجلس 27 الحديث رقم 1 وكامل الزيارات ص 88 والباب 28 ص 89 و 90 و 91 و 92 و 93 و (ط موسسه النشرالإسلامي) ص 181 و 184 و 186 والدر المنثور ج 6 ص 31. 6

والكوفة والبصرة(1).


1) ينابيع المودة (ط إسلامبول) ص 356 و 220 وذخائر العقبى ص 144 و ص356 145 و 150 وعن ابن بنت منيع وفي منتخب تاريخ دمشق (ط روضة الشام) ج 4 ص 339 والصواعق المحرقة ص 192 و 116 و (ط) 2 سنة 1385ه- - (1965م ص 194 وكفاية الطالب ص 126 وتاريخ الإسلام للذهبي (ط مصر ) ج 2 ص 349 ونور الأبصار ص 123 والإتحاف بحب الأشراف ص 12 ونظم درر السمطين ص 220 و 222 وتذكرة الخواص (ط النجف) ص 284 ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 212 وج4 ص 54 ص284 ج3 وكامل الزيارات ص76 و و 90 وبحار الأنوار ج 45 ص 204 و 206 و 202 و 211 و 215 و 216 و 315 و 218 و 217 وعن الطرائف ص 203 عن الثعلبي، وعن الأمالي للطوسي، والأمالي للصدوق المجلس 24 حديث رقم 3) و (ط مؤسسة البعثة) ص 178 و 192 وشرح الأخبار ج 3 ص 166 والثقات لابن حبان ج 5 ص 487 وإعلام الورى ج 1 ص 431 وترجمة الإمام الحسين«عليه السلام» من طبقات ابن سعد (تحقيق السيد عبد العزيز الطباطبائي) ص 90 ومجلة تراثنا عدد 10 ص 199 ودلائل النبوة للبيهقي ج 6 ص 471 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 312 وترجمة الإمام الحسين«عليه السلام» لابن عساكر (بتحقيق المحمودي) ص 244 و (ط أخرى )ص244 ص 356 و 357 ومثير الأحزان ص 82 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 63 عن البلاذري، والعوالم الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 456 و 466 و 467 و 468 و 469 و 499 وعلل الشرائع ج 1 ص 227 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 227 و 229 وتهذيب الكمال ج 6 ص 433 - 435 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2638 والمحاضرات والمحاورات ص 79 والدر النظيم ص 568 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 458 و 462 وج 19 ص 404 و ج 2 ص 371 و 388 و 389 و 390 و 391

4 - وقالوا ما كشف (أو رفع) حجر يوم قتل الحسين لا ب- «بيت المقدس»، ولا ب- «الشام» إلا وجد تحته دم عبيط (1).


1) تاريخ الإسلام للذهبي ص 16 حوادث سنة 61 ه-. و (ط مصر) ج2 ص 349 و 348 وينابيع المودة ص 356 و (ط إسلامبول) ص320 و 321) و (ط دار الأسوة)ج 3 ص 20 وكفاية الطالب ص 295 و 294 والصواعق المحرقة ص 116 و 192 والإتحاف ص 12 وإسعاف الراغبين (بهامش نور الأبصار) ص 215 وتفسير ابن كثير (مطبوع بهامش فتح البيان) ج 9 ص 162 وذخائر العقبى ص 145 والأنس الجليل (ط القاهرة) ص 252 وتهذيب التهذيب ج 2 ص 353 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 314 والعقد الفريد (ط الشرقية) ج 2 ص 220 وكفاية الطالب ج 2 ص 126 ومجمع الزوائد ج 9 ص 196 وتاريخ الخلفاء (ط الميمنية) ص 80 ونور الأبصار ص 123 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 89 و 90 وتذكرة الخواص (ط النجف) ص 284 ونظم درر السمطين ص 220 و 221 وبحار الأنوار ج 45 ص 204 و 205 و 216 و 215 وكامل الزيارات ص 75 و 76 و 77 و 92 و 93 وإعلام الورى ج 1 ص 430 ودلائل النبوة للبيهقي ج 6 ص 471 والمعجم الكبير ج 3 ص127 والطبقات الكبرى لابن سعد (ترجمة الإمام الحسين«عليه السلام») ص 90 91 ومثير الأحزان لابن نما ص 82 عن البلاذري وغيره، والعوالم و ج 17 ص 456 و 466 و 472 و 473 ومناقب آل أبي طالب ج3 و 230 وبغية ص212 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 226 و 229 الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2636 وتهذيب الكمال ج 6 ص 433 435

ونختار أيضاً من موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» النصوص التالية:

ه - عن بشير بن حذلم عن عليّ بن الحسين [زين العابدين] «عليه السلام» - مِن خُطبَةٍ خَطْبَها عِندَ رُجوعِهِ بالنِّساءِ وَالأطفال من كَربَلاء، وذلِكَ قُربَ المَدينَةِ - :

أَيُّهَا النّاسُ، فأيُّ رجالاتٍ مِنكُم يُسَرِّونَ بَعدَ قتلِهِ؟ أَم أَيَّةٌ عَينٍ مِنكُم تَحبِسُ دَمَعَها وتَضَنُّ عَن انهمالِها؟ فلقد بَكَتِ السَّبْعُ الشَّدادُ لِقتلِهِ، وَبَكَتِ البحار بأمواجها ، والسَّماوات بأركانها، والأرض بأرجائها، والأشجار بأغصانها، والحيتان في لجج البحار، وَالمَلائِكَةُ المُقرَّبونَ، وأهلُ

السَّماواتِ أَجمعون!!(1).

6 - عن أبي حمزة الثمالي عن الصادق «عليه السلام» - في زيارَةِ الحُسَين «عليه السلام» -:

يا سَيِّدي، بَكَيْتُكَ يا خِيَرَةَ اللَّهِ وَابنَ خِيَرَتِهِ، وحُقَّ لي أن أبكِيَكَ، وقد بَكَتكَ السَّماوات، والأرضونَ، وَالجبالُ ، والبحارُ، فَمَا عُذري إن


1) الملهوف ص 229 و (نشر أنوار الهدى) ص 117 ومثير الأحزان ص 113 و (ط المكتبة الحيدرية )ص 91 نحوه، وبحار الأنوار ج 45 ص 148 والعوالم الإمام الحسين «عليه السلام»ج 17 ص448 و 459.

لم أبكِكَ وقد بَكَاكَ حَبيبُ رَبّي ، وبَكَتكَ الأَئِمَّة« عليهم السلام»، وبكاكَ مَن دونَ سِدرَةِ المُنتَهى (1)إلى الثرى جَزَعاً عَليكَ (2).

7 - عن الحسين بن ثوير، عن أبي عبد الله [الصادق] «عليه السلام»: إِنَّ أبا عَبدِ الله الحُسَينَ «عليه السلام» لَمَّا قضى بَكَتِ عَلَيهِ السَّماواتُ السَّبْعُ، وَالأَرَضونَ السَّبْعُ ، وما فيهنَّ وَمَا بَينَهُنَّ، وَمَن يَنقَلِبُ فِي الجَنَّةِ وَالنّارِ مِن خَلق رَبِّنا، وما يُرى وما لا يُرى (3).

8 -عن حسّان بن سدير، عن أبي عبد الله [الصادق] «عليه السلام»، قال: قلتُ لهُ: ما تَقولُ في زيارَةِ الحُسَين «عليه السلام»؟!

فقالَ: زُرهُ ولا تَجفُهُ (4)فَإِنَّهُ سَيِّدُ الشُّهَداءِ ، وسَيِّدُ شَبابِ أهل الجَنَّةِ، وشَبِيهُ يَحيَى بن زكريّا ، وعَليهِما بَكَتِ السَّمَاءُ وَالأَرض (5).


1) سدرة المنتهى: هي شجرة سدر في أعلى نقطة من الجنّة، وأقرب نقطة من العرش الإلهي.

2) كامل الزيارات ص 409 ح 639 وبحار الأنوار ج 98 ص 182 ح 30 .

3) الكافي ج 4 ص 575 وكامل الزيارات ص 166 والأمالي للطوسي ص54 73 عن الحسين بن أبي فاختة، وبحار الأنوار ج 45 ص 202 و 206 ومستدرك الوسائل ج 10 ص 313 ومرآة العقول ج 18 ص 297 والعوالم، الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 461

4) جَمُوتُ الرَّجلَ أجدُوهُ: أعرضت عنه راجع المصباح المنير ص104 مادة «جفا».

5) كامل الزيارات ص 486 ح 741 وص 184 ح 255 وقرب الإسناد ص99 ح 366 بزيادة «شباب» بعد «فإنّه سيّد»، وبحار الأنوار ج 45 ص 212 وج 98 ص 5 ومدينة المعاجز ج 4، ص 147 ،والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 465 والبرهان (تفسير) ج 3 ص 702.

9 - عن جبلة المكية: سَمِعتُ ميثمَ الرَّمّارَ يَقُولُ: وَاللَّهُ، لتَقْتُلُ هَذِهِ الأمَّهُ ابن نَبِيِّها فِي المُحَرَّمِ لِعَشر يمضينَ مِنهُ، وليَتَّخِذَنَّ أعداءُ الله ذلِكَ اليَومَ يَومَ بَرَكَةٍ، وإِنَّ ذلِكَ لَكائِنٌ قد سَبَقَ فِي عِلمِ الله تَعَالَى ذِكرُهُ.

أعلمُ ذلِكَ بِعَهْدٍ عَهْدَهُ إِليَّ مَولايَ أميرُ الْمُؤمِنينَ «عليه السلام»، ولقد أَخبَرَنِي أَنَّهُ يَبكي عَليهِ كُلُّ شَيْءٍ، حَتَّى الوحوش في الفلواتِ، وَالحيتان في البَحرِ، وَالطَّيرِ فِي السَّمَاءِ، ويَبكي عَليهِ الشَّمسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجومُ، وَالسَّماءُ وَالأَرضُ، ومُؤمِنُو الإنس والجنَّ، وجَميعُ مَلَائِكَةِ السَّمَاواتِ وَالأَرضين، ورضوانُ ومالِكٌ، وحَمَلة العرش، وتَمطرُ السَّماءُ دَماً ورماداً...

يا جَبَلَهُ، إذا نَظرتِ السَّماءَ حَمراء ، كَأَنَّها دَمٌ عَبِيدٌ، فاعلمي أَنَّ سَيِّدَ الشُّهَداءِ الحُسَينَ «عليه السلام» قد قُتِلَ.

قالت جَبَلَة :فَخَرَجتُ ذات يوم فرأيتُ الشمس على الحيطان كَأَنَّهَا المَلاحِفُ المُعَصفَرَهُ، فصحتُ حينَئِذٍ وبَكَيتُ، وقلتُ: قد - وَالله - قُتِلَ سَيِّدُنَا الحُسَينُ «عليه السلام »(1).


1) علل الشرائع ص 228 ح 3 والأمالي للصدوق ص 189 ح 198 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 54 وفيه «تمطر السماء دماً ورمادا »فقط، وبحار الأنوار ج 45 ص 202 ح4 والعوالم الإمام الحسين «عليه السلام»ج 17 ص 457.

10 - عن امرأة كعب: قيلَ لَهُ [أي لِكَعب]: قُتِلَ الْحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ «عليه السلام»!

قالَ: لا - وَالله - ما قُتِلَ، ولو قُتِلَ نَهاراً لما أمسيتُم حَتَّى تَرَوا لِذلِكَ عَلامَة، ولو قُتِلَ ليلا [لما] أصبَحتُم حَتَّى تَرَوا لِذلِكَ عَلامَة.

قالت: قلمّا أمسوا احمَرَّ أَفْقُ السَّمَاءِ، فَقَالَ:

أَلا إِنَّهُ قُتِلَ الْحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ «عليه السلام»؛ بَكَتِ السَّمَاءُ عَلَيهِ كَما بَكَت عَلى يَحْيَى بن زَكَريّا «عليه السلام» (1).

11 - عن محمد بن عمر بن عليّ: أرسَلَ عَبدُ الْمَلِكِ إلى ابن رَأس الجالوتِ، فَقالَ هَل كان في قتل الحُسَين «عليه السلام» عَلامَة؟!

فقالَ ابنُ رَأس الجالوت (2): ما كَثيفَ يَومَئِذٍ حَجَرٌ إِلَّا وُجِدَ تَحتَهُ دَمٌ عَبيط (3)


1) شرح الأخبار ج 3 ص 174 الرقم 1124

2) هو الشخصية المبرزة والمقدّمة عند اليهود في البلاد الإسلامية.

3) الطبقات الكبرى(الطبقة الخامسة من الصحابة )ج 1 ص 506 الرقم 473 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 90 و 91 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 16 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 230 وكفاية الطالب ص 443 والصواعق المحرقة ص 194 عن أبي سعيد، وفيه «ما رفع حجر من الدنيا إلا وتحته دم عبيط». وترجمة الإمام الحسين «عليه السلام»لابن عساکر ص364 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 482 وج 19 ص 406وج 27 ص 373 عن مختصر تاريخ دمشق ج 7 ص 150 .

12 - عن الزهري: لمّا قُتِلَ الْحُسَينُ بنُ عَلِيّ «عليه السلام»، لم يُرفع حَجَرٌ بِبَيتِ المَقدِس إِلَّا وُجِدَ تَحتَهُ دَمٌ عَبيط .(1).

13 - عن الزهري: قالَ لي عَبدُ المَلِكِ بنُ مَرْوانَ :أَيُّ وَاحِدٍ أَنتَ إِن أخبَر تَني أَيُّ عَلامَةٍ كانَت يَومَ قُتِلَ الحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ؟

قال: قلتُ: لم تُرفع حَصاهُ بِبَيتِ المَقدِس إِلَّا وُجِدَ تَحتَها دَمٌ عَبِيطٌ.

فَقالَ عَبدُ المَلِكِ: إنّي وإيّاكَ في هذا الحَديثِ لقرينان.(2)

وراجع شرح الأخبار ج 2 ص 446 ومدينة المعاجز ج4 ص 187 ومجمع الزوائد ج 9 ص 196 والمناقب للخوارزمي ص 388 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 1 ص 637 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 8 ص 763 وج 11 ص 485 وج 27 ص 407 وج 31 ص 417 .

.

1) المعجم الكبير ج 3 ص 113 الرقم 2834 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 314 2834 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2637 كلاهما نحوه؛ وإثبات الوصيّة ص178 والأمالي للشجري ج 1 ص 178 وليس فيهما «ببيت المقدس»، وروضة الواعظين ص 212 وإعلام الورى ج 1 ص 430 وبحار الأنوار ج 45 ص 216 ومدينة المعاجز ج 4 ص 151 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 472 والدر النظيم ص 568 وكفاية الطالب ج 2 ص 12 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 229 وتهذيب الكمال ج 6 ص 434 وإمتاع الأسماع ج 12 ص 241 و ج 14 ص 149 والمحاضرات ج14 والمحاورات ص 83 ودلائل النبوة ج 6 ص 471 وتهذيب التهذيب ج 2 ص 305 وترجمة الإمام الحسين«عليه السلام» لابن عساكر ص 362 وشرح احقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 485 و 406 و ج 27 ص 403 405 و 406 و الملاحم و الفتن لابن طاووس ص 336.

2) موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص 50 و 51 عن المصادر التالية: المعجم الكبير ج 3 ص 119 الرقم 2856والطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة )ج 1 ص 506 الرقم 472 وتهذيب الكمال ج 6 ص 434ودلائل و 404 النبوّة للبيهقي ج 6 ص 471 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 229 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 16 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 90 والمحن ص 153 و 154 وكامل الزيارات ص 161 الرقم 199 وص 188 الرقم 266 كلها نحوه، ومثير الأحزان ص 82 وكشف الغمة ج 2 ص 59 و 268 و (ط دار الأضواء) ج 2 ص61 و 268 وبحار الأنوار ج 45 ص 205 الرقم 7 .

14 - عن الزهري: خَرَجتْ مَعَ قُتَيبَة أريدُ المَصَّيصة (1)، فقدمنا على أمير المُؤمِنِينَ عَبدِ المَلِكِ بن مروان، وإذا هُوَ قاعِدٌ في إيوان لهُ، وإذا سماطان مِنَ النّاس عَلى باب الإيوان، فإذا أراد حاجَة قالها لِلذي يَلِيهِ، حَتى تَبلغَ المَسألة باب الإيوان، ولا يمشي أَحَدٌ بَينَ السَّمَاطين.

قالَ الزُّهْرِيُّ: فجئنا فقمنا على باب الإيوان.

فَقالَ عَبدُ الْمَلِكِ لِلذي عَن يَمينِهِ: هَل بَلغَكُم أَيُّ شَيْءٍ أَصْبَحَ فِي بَيْتِ المَقدِس ليلة قُتِلَ الحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ؟!

قالَ: فَسَأَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَهُ حَتَّى بَلغَتِ المَسأَلة البابَ، فلم يَرُدَّ أَحَدٌ فِيها شَيئاً.


1) المَصيصة : مدينة على شاطئ جيحان من ثغور الشام، بين إنطاكية وبلاد الروم. راجع معجم البلدان ج 5 ص 145

قالَ الزُّهْرِيُّ: فقلتُ: عِندي في هذا عِلْمٌ.

قالَ: فَرَجَعَتِ المَسأَلهُ رَجُلاً عَن رَجُلٍ حَتَّى انتَهَت إلى عَبدِ المَلِكِ.

قالَ: فَدُعِيتُ، فَمَشيتُ بَينَ السّماطين، فلمَّا انتَهَيتُ إِلَى عَبدِ الْمَلِكِ سَلَّمتُ عَلَيهِ.

فقال لي: مَن أنتَ؟!

قلتُ: أَنَا مُحَمَّدُ بنُ مُسلِمٍ بن عُبَيدِ الله بن شهاب الزٌّهري.

قالَ: فَعَرفني بالنَّسَبِ، وكانَ عَبدُ المَلِكِ طلابَة لِلحَدِيثِ، فَعَرَّفْتُهُ، فَقالَ: ما أصبَحَ بِبَيتِ الْمَقْدِسِ يَومَ قُتِلَ الحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ بن أبي طالب؟!

قالَ الزُّهْرِيُّ: ... إِنَّهُ لم يُرفع تِلكَ الليلة التي صَبِيحَتَها قُتِلَ الحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ بن أبي طالب «عليه السلام» حَجَرٌ في بَيْتِ الْمَقْدِس إِلَّا وُجِدَ تَحتَهُ دَمٌ عَبِيطٌ .(1).

ونقول:

لاحظ ما يلي:

لم تبك السماء إلا على اثنين:

ذكرت بعض الروايات: أن السماء بكت على الحسين بن علي،


1) العقد الفريد ج 3 ص 370) و (ط الشرقية بمصر) ج 2 ص 220 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 486.

ويحيى بن زكريا، ولم تبك على أحد غير هما .(1)

وهذا لا ينسجم مع ما ورد في روايات أخرى ،من أن السماء مطرت دما حين استشهاد علي «عليه السلام »(2)، وما رفع في تلك الليلة حجر في بيت المقدس وإيليا إلا وجد تحته دم عبيط (3).


1) تقدمت مصادر ذلك، وراجع :كامل الزيارات ص 167 و 185 و 182 و 184 وبحار الأنوار ج 45 ص 210 و 209 و 211 و 201 وموسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص 38 عن: مجمع البيان ج 6 ص 779 وج 9 ص 98 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 54 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 212 وجوامع الجامع ج 2 ص 387 وتأويل الآيات الظاهرة ج 1 ص 302 وقصص الأنبياء ص 220 وتفسير القمي.

2) مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 2 ص 170 وبحار الأنوار ج 2 ص 308 ومدينة المعاجز ج 3 ص 68 و 69 . 42

3) راجع على سبيل المثال :المستدركللحاكم، وتلخيصه للذهبي (مطبوع معه )ج 3 ص 113 و 144 والمناقب للخوارزمي ص270 وذخائر العقبى ص 115 ونظم درر السمطين ص 118 و 149 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 1 ص 637 و (ط النجف ص 122) وكفاية الطالب ج 2 ص 124 ط حيدر آباد الدكن والأنس الجليل، وينابيع المودة (ط اسلامبول) ص220 و ط دار الأسوة ج 3 ص 43 ونور الأبصار ص 100 وأرجح المطالب (ط لاهور ) ص 656 وفرائد السمطين، وكامل الزيارات ص 159 و مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 2 ص 170 ومدينة المعاجز ج 3 ص 69 وبحار الأنوار ج 42 ص 308 و 309 و ج 45 ص 203 و 204 وج 46 ص 306 عن المناقب، وعنأربعين الخطيب، وتاريخ الفسوي، والعوالم الإمام الحسين ص473 وشجرة طوبی ج 2 ص 391 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 345 وقصص الأنبياء للراوندي ص 146وقصص الأنبياء للجزائري ص473. أربعين الخطيب، وتاريخ الفسوي، والعوالم الإمام الحسين«عليه السلام» ص473 وشجرة طوبی ج 2 ص 391 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 345وقصص الأنبياء للراوندي ص 146 وقصص الأنبياء للجزائري ص473.

ونحو ذلك ذلك جرى جرى ليلة فقد هارون أخي موسى، وليلة قتل شمعون الصفا، ويوشع بن نون (1).

ويجاب:

أولاً : بأن المراد بالبكاء كما فسرته الروايات :هو احمرار الشمس حين طلوعها وغروبها، وفسرت أيضاً بنحو آخر...(2)وهو أمر يختلف عن إمطار الدماء، أو وجود الدم تحت كل حجر ..

ثانياً: عن محمّد بن عليّ الحلبي، عن أبي عبد الله [الصادق] «عليه السلام» - في قولِهِ تَعالى: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظرينَ) (3)- : لم تَبكِ السَّمَاءُ عَلَى أَحَدٍ مُندُ قُتِلَ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا «عليه السلام»، حَتَّى قُتِلَ الحُسَينُ «عليه السلام»، فَبَكَت عليه(4).


1) ستأتي الإشارة إلى المصادر عن قريب.

2) راجع المصادر المتقدمة للحديث، وراجع موسوعة الإمام الحسين ج 5 ص 37 فما بعدها.

3) الآية 29 من سورة الدخان.

4) كامل الزيارات ص 182 ح 248 وقصص الأنبياء ص221 ح293 وبحار الأنوار ج 45 ص 210 و 211 ح 20 وراجع: مدينة المعاجز ج4 ص 144 والعوالم ، الإمام الحسين « عليه السلام»ج 17 ص 470 والبرهان (تفسير) ج3 ص 701 و ج 5 ص 15 وغاية المرام ج 4 ص 374 .

وعن جابر ، عن أبي جعفر [الباقر] « عليه السلام»: ما بَكَتِ السَّماءُ عَلَى أَحَدٍ بَعدَ يَحيَى بن زَكَرِيّا «عليه السلام» إلا عَلَى الحُسَين بن عَلِيٍّ «عليه السلام»؛ فَإِنَّها بَكَت عَليهِ أَربَعِينَ يَوما (1).

وعن ابن سيرين: لم تَبكِ السَّمَاءُ عَلَى أَحَدٍ بَعدَ يَحْيَى بن زَكَرِيّا «عليه السلام» إلا على الحُسَين بن عَلِيّ «عليه السلام»(2).

فقد دلت هذه الروايات :على أن النفي في الرواية متوجه إلى الفترة ما بين يحيى والحسين «صلوات الله وسلامه عليهما». أما ما كان قبل ذلك فلم تتعرض له بنفي أو إثبات ...

ويمكن أن نضيف إليها، ما روي عن أبي عبد الله [الصادق] «عليه السلام» - في قولِهِ تَعالى: (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ


1) كامل الزيارات ص 183 ح 251 وص 186 ح 262 عن أبي سلمة، عن الإمام الصادق «عليه السلام» نحوه، وبحار الأنوار ج 45 ص 211 23. ومدينة المعاجز ج 4 ص 145 و 146 والعوالم، الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 469 والبرهان (تفسير) ج 3 ص 701.

2) تاریخ مدينة دمشق ج 14 ص 225 وسير أعلام النبلاء ج3 ص312 وكفاية الطالب ص 437 وشرح الأخبار ج 3 ص 546 الرقم 1123 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2634 وترجمة الإمام الحسين«عليه السلام» لابن عساكر ص 353 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 476 وج 19 ص 402 وج 27 ص 377 و 378 و عن مختصر تاريخ مدينة دمشق ج7 ص 149.

نجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ) (1)- : وكَذلِكَ الحُسَينُ «عليه السلام» لم يَكْن لهُ مِن قبلُ سَمِيٌّ، ولم تَبكِ السَّماءُ إِلَّا عَليهما أربعينَ صَباحاً.

قيلَ لَهُ: وما كانَ بُكَاؤُها ؟!

قالَ: كانت [أي الشمسُ] تَطْلُعُ حَمراء، وتَغيبُ حَمراء، وكَانَ قَاتِلُ يَحيى «عليه السلام» وَلدَ زنا، وقاتِلُ الحُسَين «عليه السلام» وَلَدَ زنا (2)

إذا كانت الرواية تجعل كلمة «أربعين صباحاً» قيدا لمدخول حرف النفي .أي أن البكاء على يحيى والحسين «عليهما السلام» كان هذا


1) الآية 7 من سورة مريم.

2) مجمع البيان ج 6 ص 779 و ج 9 ص 98 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 54 و (ط المكتبة الحيدرية )ج 3 ص 212 كلاهما عن زرارة نحوه، وجوامع الجامع (تفسير) ج 2 ص 387 و (ط جماعة المدرسين) ج 2 ص 444 وكامل الزيارات ص 182 ح 250 وليس فيه ذيله من «وكان»، وتأويل الآيات الظاهرة ج 1 ص 302 ح 3 و 4 والثلاثة الأخيرة عن عبد الخالق، وقصص الأنبياء ص 220 ح 291 عن جابر، عن الإمام الباقر «عليه السلام» نحوه، وبزيادة «كذلك بكت الشمس عليهما» بعد «صباحاً»، وبحار الأنوار ج 45 ص 211 ح 22 وج 14 ص 175 والعوالم، الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 470 وتفسير غريب القرآن ص 38 ونور الثقلين (تفسير) ج3 ص 324 ومجمع البحرين ج 1 ص 227 ومدينة المعاجز ج 3 ص 444 وج 4 ص 145 والبرهان (تفسیر) ج3 ص700

المقدار من الأيام. وأما البكاء على غيره، فلعله كان أقل من ذلك أو أكثر.. فقد بكت على أمير المؤمنين «عليه السلام» ثلاثة أيام، فليس المراد نفي أصل البكاء عن غير يحيى والحسين «عليهما السلام».

الإختلافات في النصوص:

وقد ذكرت النصوص مدداً مختلفة لظهور الحمرة - والمراد: هو اشتدادها غير المعهود ،والخارج عن المعروف والمألوف - فهل بقيت أياماً أو شهرا، أو سبعة أيام، أو شهرين، أو ثلاثة أو ستة أشهر، أو ...

إلى أن أرجع الإمام السجاد «عليه السلام» الرأس إلى كربلاء، أو سنة وتسعة أشهر، أو ثلاثة أسابيع، أو سنة واحدة ، أو أربعين صباحا، أو أربعة أشهر، أو أربعة عشر يوماً؟!

فلعل سبب هذا الاختلاف هو تفاوت بقاء الحمرة بحسب المناطق والبلاد، تبعاً لما يحتاج إليه الناس لأخذ العبرة وإقامة الحجة.

على أن أصل حدوث هذه الآيات مما لا ريب، ولا شبهة تعتريه، فإنه متواتر في النصوص والمصادر، ولا يضر في ثبوته تلاعب بعض المغرضين في خصوصياته، بهدف إثارة الريب فيه.

بكت السماء دماً:

أما فيما يرتبط بإمطار السماء دماً، فنقول:

ذكرنا في كتابنا الصحيح من سيرة الإمام علي «عليه السلام» ج44 نصوصاً كثيرة تدل على أن السماء أمطرت دما ليلة الهرير في صفين،

وفي ليلة استشهاد أمير المؤمنين «عليه السلام».

وأن ذلك قد استمر ثلاثة أيام.

وأنه ما رفع حينئذ حجر في بيت المقدس وفي إيليا إلا وجد تحته دم عبيط .

وقد حصل ذلك أيضاً في الليلة التي فقد هارون أخو موسى.

وفي الليلة التي قتل فيها يوشع بن نون (1).

وأضاف في نص آخر :الليلة التي قتل فيها شمعون بن حمون الصفا .

وكذلك في الليلة التي قتل فيها الحسين بن علي «عليه السلام»(2).

شهادة غير متوقعة:

ونحب أن نذكر هنا: أن لدينا دليلا على صحة هذه الحوادث، وهو التالي:


1) راجع: بحار الأنوار ج 42 ص 302 وج 46 ص 316 وج13 ص368 وج 14 ص 336 و ج 45 ص 203 و 204.

2) راجع :الهامش السابق، وكامل الزيارات ص 75 و 76 و (ط أخرى) ص158 و 159 والعوالم الإمام الحسين «عليه السلام»ج 17 ص 473 ومدينة المعاجز ج4 ص184 و 185

1 - إن الملك« ألفرد الكبير» الذي عاش بين سنتي 849 و 899 ميلادية قد أمر بكتابة الأحداث التاريخية. فتصدت مجموعة من الكهنة للقيام بهذه المهمة. وكان الذي كتب تاريخ الحقبة ما بين ميلاد السيد المسيح وإلى سنة 900 ميلادية شخصاً واحداً .بينما تصدى لكتابة الحقبة من سنة 900 إلى سنة 1000 ميلادية حوالي خمسة كهنة.

والكتاب الذي نتحدث عنه يعرف باسم «أنكلو ساكسون كرونيكال».

وهذا هو السبب في أنه لم يحدد إسم مؤلف الكتاب.

وقد تناول الكتاب الأحداث التي مرت على بريطانيا من ولادة المسيح إلى سنة 1154م.

2 - لعل السبب في تصدي الكهنة دون غيرهم لتنفيذ أمر الملك، هو أن العلم والكتابة كان محظوراً على العامة.

3 - نشرت جامعة فيينا في النمسا دراسة حول الكتاب المذكور للدكتورة مانويلا ماير بإشراف الدكتور أنطوان شيرر تؤكد على أن هذا الكتاب قد اعتمد من قبل الباحثين كمرجع تاريخي لتلك الحقبة من تاريخ بريطانيا. وعلى أنه لا يوجد أي شك في صحته، ولم يقل أحد بوجود دس أو اختلاف في مضامينه.

هذا هو الدليل:

وبيت القصيد في كتاب:« أنكلو ساكسون كرونيكال» هي العبارة

التالية: « . . في سنة 685 ميلادية أمطرت السماء دماً في بريطانيا، وعاد الحليب والزبد دماً».

وهذا إنما ينطبق على يوم استشهاد الإمام الحسين «عليه السلام» سنة 61 للهجرة.

هل هذا معقول؟!:

ولكن قد يقال: والمفروض : أن النبي« صلى الله عليه وآله» قد ولد عام الفيل الذي يصادف 571 ميلادية.

ثم هم يقولون : إن الحسين «عليه السلام» قد استشهد سنة 61، ای ما يعادل سنة 680 ، أو 681 ميلادية (1). وهذا لا يتوافق مع سنة 685م التي هي سنة إمطار الدم في بريطانيا.

ويجاب:

بأن التطابق ،حاصل، وتوضيح ذلك كما يلي:

1- صرح غريغوريوس الملطي، المعروف بابن العبري، المتوفى سنة 685 هجرية - وله عند النصارى رتبة قديس - صرح - بأن ولادة عيسى «عليه السلام »كانت سنة 309 من وفاة الأسكندر .(2)ثم جرت محاولة صلبه «عليه السلام»، فرفعه الله إليه


1) تاریخ دول الإسلام، تأليف رزق الله منقريوس الصرفي ج1 ص9 والوفيات لابن الخطيب ص 74.

2) تاريخ مختصر الدول ص 65.

في يوم الجمعة 23 آذار سنة 342 من تاريخ الإسكندر (1).

2 - ومن جهة أخرى هم يقولون : إن ولادة النبي «صلى الله عليه وآله» قد كانت سنة 882 من تاريخ الإسكندر (2).

أما قول ابن العبري: إنها كانت سنة 892 من تاريخ الإسكندر (3).. فهو سهو منه ، أو من نسَّاخ كتابه...

وعلى هذا، فيكون النبي« صلى الله عليه وآله» قد ولد سنة 573 للميلاد حسب قول المتقدمين من علماء المسيحيين..

وإذا كان الحسين «عليه السلام» قد استشهد سنة 61 ه-. فإذا أضيف إليها فترة ما بين سنة ولادة النبى «صلى الله عليه وآله»، وسنة 61 هجرية يصير المجموع مئة وأربع عشر سنة قمرية، تعادل مئة وأحد عشر سنة شمسية إلا ثلاثة أشهر تقريباً.

فيصير المجموع من ميلاد المسيح إلى يوم عاشوراء يعادل 684 ميلادية شمسية، فلا يبقى سوى سنة واحدة، بعد تحويل السنوات القمرية إلى شمسية. وتتلاشى هذه السنة الباقية بملاحظة الاختلافات في تاريخ


1) تاريخ مختصر الدول ص 66 و 67 .

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 198 . وراجع البداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 2 ص 320 والسيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 201 والعبر وديوان المبتدأ والخبر (تاریخ ابن خلدون) ج 2 ق 2 ص 4 وجامع الأصول لابن الأثير ج 12 ص 89.

3) تاريخ مختصر الدول ص 94.

ميلاد المسيح ،هل هو 25 كانون الأول، أو بعده بأيام، أو بعده بأشهر . ومع عدم إمكان الجزم واليقين بالمقارنات بين التقويم الشمسي والقمري، ومع عدم التأكد من أوائل الشهور القمرية. ومع وجود سنوات كبيسة وغير ذلك من أمور.

وأما القول :بأن الحسين «عليه السلام» قد استشهد سنة 681 ميلادية، فهو قول المتأخرين من النصارى الذين قالوا: إن المسيح قد ولد سنة 311 من تاريخ وفاة الإسكندر لا في سنة 309 .

وهذا بالذات هو السبب في قولهم: إن النبي «صلى الله عليه وآله »ولد سنة 569 أو سنة 570 أو سنة 571 .

مع أنه بناء على قول المتقدمين إنما ولد سنة 573 ميلادية، كما تقدم .

التاريخ الميلادي مستحدث :

ومهما يكن من أمر، فإن التاريخ الميلادي تاريخ مستحدث. ومن الشواهد على ذلك: أن ابن العبري (وهو غريغوريوس الملطي) المتوفى سنة 685 هجرية لم يؤرخ بالتاريخ الميلادي في كتابه، بل أرّخ بتاريخ الإسكندر. فلو كان التاريخ الميلادي متداولاً في زمانه لم يعدل عنه. وإنما استبعدوا تاريخ الإسكندر بعد شيوع التاريخ الميلادي.

أقوال أبي الفرج ابن الجوزي:

قال سبط ابن الجوزي حول ما رواه ابن سعد، من أن هذه الحمرة لم تر في السماء قبل أن يُقتل الحسين «عليه السلام»(1)

قال جدي أبو الفرج في كتاب التبصرة:

«لما كان الغضبان يحمر وجهه عند الغضب، فيستدل بذلك على غضبه، وأنه أمارة السخط ،والحق سبحانه وتعالى، ليس بجسم، فأظهر تأثير غضبه على من قتل الحسين« عليه السلام» بحمرة الأفق. وذلك دليل على عظم الجناية.


1) راجع: ترجمة الإمام الحسين «عليه السلام »(من طبقات ابن سعد) ص91 والمعجم الكبير ج 3 ص 114 و 113 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 358 و 359 وراجع ج 3 ص 493 والإرشاد للمفيد ج2 ص132 وأنساب الأشراف ج 3 ص 209وينابيع المودة ج 3 ص 21 و 102 والمجالس الفاخرة للسيد شرف الدين ص 83 وعن التذكرة لابن الجوزي (ط الغري) ص 283 . وراجع ترجمة الإمام الحسين«عليه السلام» من تاريخابن عساكر ص359 وشرح الأخبار ج 3 ص 166 و 167 وكشف الغمة ج 2 ص 218 والعمدة لابن البطريق ص 405 وغاية المرام ج 4 ص 375 ومثير الأحزان ص 62 وإعلام الورى ج 1 ص 429 والطرائف لابن طاووس ص 203 والدر النظيم ص 567 ومدينة المعاجز ج 4 ص 154 وبحار الأنوار ج 45 ص 217 و 219 والعوالم الإمام الحسين ص 468 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 13 ص 673 وتفسير الثعلبي ج 8 ص 353 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 472 وج 19 ص 404 وج 27 ص 377 و 378 و 379 و 380

وذكر جدي أيضاً في هذا الكتاب، وقال: لما أسر العباس يوم بدر سمع رسول الله «صلى الله عليه وآله» أنينه، فما نام تلك الليلة، فكيف لو سمع أنين الحسين «عليه السلام»؟!

قال :ولما أسلم وحشي قاتل حمزة ، قال له رسول الله «صلى الله عليه وآله»: غيب وجهك عني. فإني لا أحب من قتل الأحبة.

قال: هذا والإسلام يَجُبُّ ما قبله، فكيف يقدر الرسول «صلى الله عليه وآله» أن يرى من ذبح الحسين« عليه السلام» وأمر بقتله، وحمل أهله على أقتاب الجمال»؟!(1).

ثم ذكر أحاديث عديدة حول الكرامات التي أظهرها الله تعالى في السماء، وفي غيرها حين استشهد الإمام الحسين «عليه السلام»، فراجع..

أفعجبتم أن مطرت السماء دماً؟!:

وقد عرفنا :أن السيدة زينب «عليها السلام» قالت في خطبتها العصماء في مجلس يزيد :

«أفعجبتم أن مطرت السماء دما»؟!(2)فنلاحظ:


1) تذكرة الخواص ج 2 ص 229 - 231 ونظم درر السمطين ص222 ج2 ص229 وراجع: شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 441 عن التبر المذاب ص 95 .

2) راجع العوالم الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 378 وج 16 ص 372 والملهوف (نشر أنوار الهدى) ص 87 والأمالي للمفيد ص 323والأمالي للطوسي ص 93 وبلاغات النساء ص 24 وبحار الأنوار ج 45 ص 109 و 165 وتاريخ الكوفة للبراقي ص 294 وأعيان الشيعة ج 1 ص 613 وج3 ص 485 وج 7 ص 138 ومطالب السؤول لابن طلحة ص 221 وينابيع المودة ج 3 ص 102 وغاية المرام ج 4 ص 375 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 461 وقاموس الرجال ج 12 ص 269ومواقف الشيعة ج 2 ص 97 ولواعج الأشجان ص 201 والدر النظيم ص 560 .

1 - أنها «صلوات الله وسلامه عليها» قد أخبرت عن أمر حدث ومضى، فقالت: «أن مطرت السماء»، ولو أنها بدلت كلمة مطرت بكلمة «تمطر» لكان كلاماً افتراضياً ،على معنى أن ذلك لو حدث، فلا ينبغي أن يتعجب أحد منه.

بل لقد قال بعض الإخوة الأكارم: بل يبقى له حينئذٍ ظهور في الوقوع من جهة ظاهر «عجبتم» في حصول التعجب بالفعل، ويكون المضارع في «تمطر» بالنظر إلى حال التلبس.

نعم، لو أرادت الافتراض لكان المناسب تغيير فعل التعجب أيضاً، فتقول: أفتعجبون أن تمطر السماء، أو أن مطرت السماء ؟! بل لعل كون الكلام ب- «أن» المفتوحة الهمزة يجعله ظاهراً في الوقوع مطلقاً، ولو مع التعجب والإمطار،وتنحصر إرادة الإفتراض بجعل «إن» مكسورة الهمزة شرطية.

فكلامها « عليها السلام» متطابق مع النقول التاريخية عن إمطار

السماء دماً يوم عاشوراء .

ولم نجد أحداً شكك في هذا الخبر ، أو تساءل عن دلائله وشواهده، بل تضافرت ،بل تواترت النصوص في مختلف المصادر، سنيها وشيعيها على نقل هذا الحديث.

بكاء الموجودات:

1 - ثم إن هذا الكون الرحيب من أقصاه إلى أقصاه، وبكل ما فيه، كلٌّ مترابط، ومنظومة منسقة مكونة من الأجهزة الفاعلة، التي تتشارك في إدارة هذا الكون، ويتأثر بعضها بالبعض الآخر سلباً وإيجاباً! وعاطفياً، وحتى طبيعياً أيضاً..

وقد صرح القرآن الكريم بالربط العاطفي بين السماء والأرض، وبين البشر، فقال تعالى: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ ) (1).

2 - فلا عجب إذن إذا بكت السماء والأرض وسائر الموجودات التي سبق ذكرها على لسان الإمام السجاد ،وسائر الأئمة «عليهم السلام» - لا عجب - إذا بكت دما على أقدس موجود تقله الأرض، وتظله السماء.

وإنما العجب كل العجب أن لا تكون هذه الآيات التي كانت تظهر باستمرار رادعة لأهل البغي والطغيان عن بغيهم وإجرامهم، ولم تدفعهم إلى التوبة.. فأصبحوا بذلك مصداقا لقوله تعالى: (تُمَّ قَسَتْ


1) الآية 29 من سورة الدخان.

قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فهيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةَ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشْقَقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (1).

3 - فهل كان أولئك المجرمون يرون: أنهم في مأمن من نزول العذاب الإلهي، استناداً إلى قوله تعالى: (وَمَا تُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِنَّا تخويفا) (2). أو أنهم اتخذوا عند الله عهداً :أن لا يعذبهم؟! أم ماذا ؟!

وفي جميع الأحوال نقول:

إن هذه الأمة في مأمن من عذاب الاستئصال، ولكن لا دليل على أنها في مأمن من سائر أنواع العذاب، كما في إلقاء بأسهم بينهم، والابتلاء بالفتن ،وبالنقص في الأموال والأنفس والثمرات، وبغير ذلك من أمور.

لماذا بيت المقدس والشام؟! :

اشارة

وقد ذكرت الروايات: أنه ما رفع حجر في بيت المقدس ولا في الشام، بل ولا في الدنيا بأسرها إلا وجد تحته دم عبيط.. وذلك في ليلة استشهاد أمير المؤمنين «عليه السلام»، وليلة استشهاد الإمام الحسين «عليه السلام». وذكرت أسماء مواضع أخرى.. فلماذا اختص بيت


1) الآية 74 من سورة البقرة.

2) الآية 59 من سورة الإسراء.

المقدس بالذكر، وكذلك الشام، كما في بعض الروايات؟!

مع أن في الروايات ما دل على الشمول للدنيا بأسرها أيضا (1).

ونجيب :

1 - بالنسبة لبيت المقدس نقول:

إن بيت المقدس هو الموضع الذي تجتمع عليه قلوب أتباع الديانات السماوية الكبرى، ففيه بالنسبة لليهود «الصخرة» التي هي القبلة القديمة لهم ، وفيه معالم أخرى يقدسونها، ويهتمون بها..

وفي بيت المقدس، أو بالقرب منه أماكن يقدسها المسيحيون.

وبيت المقدس أيضا هو القبلة الأولى للمسلمين. وفيه قبر سليمان، ومحاريب الأنبياء، وغير ذلك.

فظهور هذه الآية في هذا الموضع بالذات حجة كبرى على جميع أتباع هذه الديانات إلى يوم القيامة. ولا تترك لهم مجالاً لتجاهل الإسلام ورموزه، بل تفرض عليهم النظر في دلائله، وآياته، وبيَّناته، ومعجزاته، وشرائعه، وجميع حقائقه.

2 - بالنسبة لظهور هذه الآيات في بلاد الشام، نقول:


1) راجع على سبيل المثال: الصواعق المحرقة ص 194 وتذكرة الخواص ج 2 ص 232 عن أبي سعيد وراجع :شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 462 و 481 و ج 2 ص 372 عن مرآة المؤمنين (ط لكنهو) ص 277

إن أهل الشام هم الذين حملوا راية الخلاف على أهل البيت «عليهم السلام»، وكانوا اليد التي كان أعداء أهل البيت من بني أمية وغيرهم يبطشون بها. وقد تربوا في مدرسة معاوية ويزيد، وآل مروان. فكان لا بد من إقامة الحجة عليهم، وسحب الذرائع الواهية منهم، بإظهار بعض الآيات لهم، لكي يعيدوا حساباتهم بواقعية وتجرد..

3 - ومن الواضح: أن أولئك المجرمين لم ينتفعوا بتلك الآيات، ولم تكن فيهم قابلية للهداية، فقد قال تعالى: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (1)، وإنما الهدف من هذه الآيات هو الهداية إلى الحق، وتحصينهم من الإعلام المسموم، الذي يجد له أرضا مستعدة ،لاسيما بالنسبة لمن يتعامل مع الأمور من منطلق مصالحه الدنيوية، وما يعطيه الأمن والراحة فيها، فيميل إلى من يظن أنه الأقوى، والمنتصر.. فتأتي هذه الدلائل والآيات لتقول له: هذا معيار خاطئ، فإن هؤلاء الذين تظنهم أقوياء، ليسوا كما تظن، وهذه الآيات تشهد.

الرجوع إلى علماء اليهود والنصارى:

وقد قرأنا في النصوص المتقدمة : أن عبد الملك بن مروان أرسل إلى ابن رأس الجالوت (2)يسأله :هل كان في قتل الحسين «عليهم السلام»


1) الآية 14 من سورة المطففين.

2) تقدم: أن رأس الجالوت :هو الشخص المبرز عند اليهود.

علامة؟!

فأجاب: ما كشف يومئذ حجر إلا وجد تحته دم عبيط (1).

ونلاحظ :

أولاً: أن عبد الملك - أو ابنه هشام - قد استقدم الإمام الباقر «عليه السلام» من المدينة، وسأله عن العبرة التي يريها الله للأمة التي تقتل إمامها.

فأجابه « عليه السلام»: بأنهم لا يرفعون حجراً إلا ويرون تحته دما عبيط (2).

وهذا إخبار غيبي تلقاه «عليه السلام» عن آبائه، عن جبريل، عن الله سبحانه .ولا يمكن إدراكه بالحس والمشاهدة، إلا بعد وقوعه. وهذا هو الفرق بين خبر الإمام «عليه السلام» وأخبار الناس الذين يخبرون عما يشاهدونه، وكالخبر المروي، من أنه سأل الزهري عن هذا الأمر، فأجابه بوقوع ذلك، ومشاهدته كما تقدم.

إلا أن يقال: لا دليل يدل على سبق أو تأخر سؤال عبد الملك لابن رأس الجالوت ،بالنسبة لسؤاله للزهري، أو للإمام الباقر «عليه


1) راجع :تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص230

2) راجع: الخرائج والجرائح ج 1 ص 292 ومدينة المعاجز ج 5 ص 183 وبحار الأنوار ج 10 ص 152 وراجع ج 2 ص 302 وج 46 ص 315 وقصص الأنبياء للراوندي ص 146 وراجع: العقد الفريد ج 3 ص 370 .

السلام».

ثانياً : إن نفس سؤال أهل الكتاب عن هذا الأمر يدلنا على صحة ما ذكرناه في كتابنا :«الصحيح من سيرة النبي الأعظم «صلى الله عليه وآله»» الجزء الأول ،من الانبهار الشديد للعرب باليهود، وأنهم كانوا يرجعون إليهم في كثير من أمورهم، وكانت لليهود هيمنة فكرية علىهم.. وهناك من المعروفين من صحابة النبي «صلى الله عليه وآله» من كان يدرس في مدارس «ماسكة» التي كانت لليهود في المدينة!!

وكان من نتائج هذا الانبهار الشديد: أن جعلوا علماء أهل الكتاب في مساجد المسلمين يقصَّون عليهم ترهات بني إسرائيل - تحت شعار اخترعوه لهم، ونسبوه إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، يقول: حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج.

وأما حديث رسول الله« صلى الله عليه وآله»، فقد منعوا من كتابته وروايته ،وكان من يفعل ذلك يعاقب بالجلد والنفي، وبغيره..

والحديث حول هذا الموضوع يطول.. والحر تكفيه الإشارة..

غير أن مما لا شك فيه :أن عبد الملك بن مروان قد حصل له اليقين بظهور هذه الآيات، وقامت عليه الحجة، ولو بمعونة أهل الكتاب.. فلا عذر له بعد هذا في مناوأته لأهل البيت «عليهم السلام»، والتجني عليهم، والإساءة لهم.

هل الجنة والنار مخلوقتان؟

وتقدم في الرواية رقم :[7]: قول الإمام الصادق «عليه السلام» عن الإمام الحسين« عليه السلام»: «وبكتك .. ومن ينقلب في الجنة والنار من خلق ربنا..».

وهذه الفقرة تدل أولاً :على أن الجنة والنار مخلوقتان، وأن فيهما من خلق الله من ينقلب (أي يتردد) فيهما.

ولكن هذه الفقرة لا تدل على وجود بشر يُنعمون في هذه، ويُعَذَّبون في تلك، لأن الخلق الذين أشير إليهم في كلامه «عليه السلام»، قد لا يكونون من أهل الدنيا. فلعل الملائكة الغلاظ الشداد، الموكلين بالنار، وكذلك مالكاً خازن النار . ورضواناً خازن الجنان، والحور

العين ،والولدان المخلدين ،وغيرهم من الملائكة الموكلين بالجنان -لعلهم -هم المقصودون بكلام الإمام الصادق «عليه السلام» هنا.

الأرض والجبال:

وقد ذكرت الرواية رقم [6] :بكاء الأرضين والجبال، مع أن الجبال جزء من الكرة الأرضية.

ويجاب: بأن الأرض قد تطلق ويراد بها الكرة الأرضية كلها، قد تطلق ويراد فيها القطعة من الأرض كقوله تعالى: (وَمَا تَدْرِي نفس بأيِّ أَرْضِ تَمُوتُ) (1).


1) الآية 34 من سورة لقمان

وقوله: (يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ) (1).

وقوله: (أو اطرَحُوهُ أَرْضًا ) (2).

وقد تطلق ويراد بها الأرض المنبسطة ، ولا تشمل الجبال كما في قوله تعالى: (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَألْقِيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ) (3).

ويؤكد ذلك قوله تعالى: (أفلا يَنْظُرُونَ إِلى الإِبل كَيْفَ خُلِقتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلى الجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ)(4).

وثمة آيات كثيرة تؤكد على الفرق بين الجبال وبين الأرض، نذكر منها قوله تعالى :

(وَلَوْ أَنَّ قُرْآنَا سُيِّرَتْ بهِ الْجِبَالُ أَوْ قَطَعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلَّمَ بِهِ المَوْتَى)(5)

و (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ) (6).


1) الآية 110 من سورة الأعراف.

2) الآية 9 من سورة يوسف.

3) الآية 19 من سورة الحجر.

4) من الآية 17 - 20 من سورة الغاشية.

5) الآية 31 من سورة الرعد

6) الآية 90 من سورة مريم.

و (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالجِبَالُ ) (1).

و (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَة عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا) (2).

و (إِذا رُبَّتِ الأَرْضُ رَبًّا وَبُستِ الْجِبَالُ بَسا) (3). بُسَّت: أي فتنت.

و (وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّة وَاحِدَةً)(4).

و( ألمْ نَجْعَل الأَرْضَ مِهَادًا وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا) (5).

و( يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا) (6).

وثمة آيات أخرى يجدها من أرادها.

فالمطلوب هنا :بيان أن الباكين على الحسين« عليه السلام» هم جميع المخلوقات «ما يرى وما لا يرى» كما في الرواية رقم [7].

ويريد بيان :أن هذا لم يحدث من المجموع مرة واحدة، بل هو


1) الآية 18 من سورة الحج.

2) الآية 72 من سورة الأحزاب.

3) الآية 4 و 5 من سورة الواقعة.

4) الآية 14 من سورة الحاقة.

5) الآية 6 و 7 من سورة النبأ .

6) الآية 14 من سورة المزمل.

تعدد وتكثر حتى شمل كل شيء يمكن أن يفعل ذلك على حدة.

الجزع على الحسين «علیه السلام» :

وقد ورد في الرواية رقم [6] عن الإمام الصادق «عليه السلام» في زيارة الحسين « عليه السلام»: «.. وبكاك مَنْ دون سدرة المنتهى إلى الثرى جزعاً عليك».

ومن الواضح:أنه تعالى خلق هذا الكون الرحيب، وأودع فيه أسراراً، ودقائق وأطواراً، وأهله بطاقات، وحقائق، وعرَّف بذلك بدرجات متفاوتة صفوة خلقه، وأفضل بريته، وهم الأنبياء المرسلون، والأئمة الطاهرون «صلوات الله عليهم».. لتتكامل نفوسهم بما عرفوه من قدرة الله وعظمته وجلاله من خلالها.

وبكاء المخلوقات كلها على الحسين «صلوات الله عليه» إلى حد الجزع هو من هذه الأسرار والدقائق والحقائق.

وقد عرفنا النبي«صلى الله عليه وآله »والأئمة الطاهرون ذلك رفقا منهم بنا ، ومحبة لنا، لكى نتعرف على بعض فضل أولئك الصفوة الأنجبين ،وتتعمق علاقتنا بهم، ومحبتنا لهم، وإن لم نعرف طبيعة ذلك البكاء، ومتى يصل إلى حد الجزع، ومتى لا يصل.

الفصل الرابع :العواقب : بلايا ومصائب.

اشارة

بداية :

إن الذين شاركوا في قتل الحسين «عليه السلام» قد ابتلاهم الله بأنواع من البلاءات ...وكانت بلاءات ظاهرة للناس.. وكان ظهورها هذا يزيد في ذل أولئك المجرمين، ويؤكد للناس على مدى سنوات أعمار أولئك القتلة :أنهم مجرمون ومبطلون، ويدل الناس على الحق وأهله بنحو أو بآخر.

وعن مينا أنه قال: «ما بقي من قتلة الحسين أحد لم يقتل إلا رمي بداء في جسده قبل أن يموت (1).

وعن الزهري أنه قال:« ما بقي أحد من قاتلي الحسين «عليه السلام» إلا وعوقب في الدنيا، إما بالقتل، أو العمى، أو سواد الوجه، أو زوال الملك في مدة يسيرة» (2).


1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 104 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص527 عنه.

2) تذكرة الخواص ج 2 ص 249 والصواعق المحرقة ص195 وينابيع المودةج 3 ص 23 ونور الأبصار ص 133 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 209 و ج 33 ص 638 عن جامع كرامات الأولياء (ط مصطفى البابي وشركاه بمصر) ج 1 ص 131 ومنهاج الكرامة ص 82.

وقال محمد بن سليمان الكوفي : « ولم يخرج أحد من ذلك [الوجه] إلا ابتلي في جسده أو في ولده» (1).

آثار وعواقب:

وقد روي: أن رجلاً رئي بلا يدين ولا رجلين، وهو أعمى يقول: ربّ نجني من النّار !

فقيل له: لم تبق عليك عقوبة وأنت تسأل التجاة من النّار؟!

قال : إنّي كنت في من قاتل الحسين بن عليّ في كربلاء، فلما قتل رأيت عليه سراويل وتكة حسنة، وذلك بعد ما سلبه النّاس، فأردت أن أنتزع التكة فرفع يده اليمنى ووضعها على التكة، فلم أقدر على دفعها، فقطعت يمينه !

ثمّ أردت انتزاع التكّة، فرفع شماله ووضعها على التكّة، فلم أقدر على دفعها فقطعت شماله.

ثمّ هممت بنزع السّراويل، فسمعت زلزلة، فخفت وتركته.

فألقى الله عليَّ النوم فنمت بين القتلى ،فرأيت كأن النّبي محمدا «صلى الله عليه وآله» أقبل ومعه عليّ، وفاطمة والحسن «عليهم


1) مناقب الإمام أمير المؤمنين ج 2 ص 264 .

السلام»، فأخذوا رأس الحسين «عليه السلام» فقبلته فاطمة وقالت: يا بنيّ قتلوك قتلهم الله.

وكأته يقول: ذبحني شمر ،وقطع يدي هذا النائم، وأشار إليَّ.

فقالت فاطمة: قطع الله يديك ورجليك، وأعمى بصرك، وأدخلك النّار.

فانتبهت وأنا لا أبصر شيئا، ثمّ سقطت يداي ورجلاي منّي ! فلم يبق من دعائها إلا النّار ! ( (1)) .

ونقول:

هل هذا عجيب؟!:

إن هذه الرواية، وإن تضمنت أمراً عجيباً ، يصعب على بعض الناس تصديقه، ولكن مراجعة تواريخ الأنبياء والأوصياء، والأخيار، تسهَّل على الإنسان تصديق ما هو أعظم مما ورد في هذه الرواية.

وحسب الإنسان من ذلك ما ورد في القرآن الكريم. ولا نريد أن نذكر أن في القرآن: حديث النملة، والهدهد مع سليمان، ومعرفة آل داود، وكثير من الأنبياء والأوصياء «عليهم السلام» بلغات الطيور، والحيوانات وسواها، وتسخير الريح والجن لسليمان..

ولا نريد أن نتحدث عن فلق البحر لموسى «عليه السلام»، ولا عن


1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 102 و 104 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 521 عنه.

إبراء عيسى «عليه السلام» الأكمه والأبرص، وإحيائه الموتى، ولا عن ارتداد يعقوب «عليه السلام» - بعد العمى - بصيراً لمجرد وضع قميص ولده يوسف «عليه السلام» على وجهه.. ولا عن مكث يونس «عليه السلام» في بطن الحوت ثم خروجه حياً، ولا عن أن النار كانت برداً وسلاماً على إبراهيم «عليه السلام»، ولا عن الطير الأبابيل التي قتلت أصحاب الفيل، وردتهم عن الكعبة.. ولا عن معراج الرسول «صلى الله عليه وآله»، ولا .. ولا...

بل يكفي أن نذكر:

1 - قصة أصحاب الكهف الذين لبثوا موتى في كهفهم ثلاث مئة سنين، وازدادوا تسعاً ، ثم أحياهم الله تعالى، ثم أماتهم..

2 - قصة الأخوين عزير وعزرة اللذين ولدا في يوم واحد، وماتا في يوم واحد ، لكن أحدهما عاش خمسين سنة، لأن الله تعالى أماته في وسطها مئة عام ثم أحياه، أما أخوه ، فقد بقي حيا مئة وخمسين سنة، ثم مات في نفس اليوم الذي مات فيه أخوه.

3 - ونذكر أيضاً :مثال البقرة التي ذبحت، ثم ضرب شخص مقتول ببعضها، فأحياه الله ، فدلهم على قاتله، ثم مات..

فإن ذلك كله، وسواه، وهو كثير جداً يشهد على أن قدرته تعالى لامتناهية، وهو يجعل تحريك الإمام الحسين «عليه السلام» يده ليمنع سالبه من سلبه ما يستر عورته، ليس بالأمر الغريب ولا العجيب .

ملاحظة هامة:

إن هذه الرواية تكذب أي زعم آخر يدعي: أن الحسين قد سلب جمیع ثيابه، حتى ما يستر عورته.

وهي تدل على أن الله قد تدخل للمنع من حصول ذلك..

لا بد من الجزاء في الدنيا:

والغريب في الأمر: أن ذلك الرجل المجرم يرى المعجزة بأم عينيه، ثم لا يرتدع عن غيه، ولا ينزجر عن قبيح فعله، فيرى مقتولاً يحرك يده، ويرفعها، ويضعها على التكة التي يسعى ذلك الخبيث لانتزاعها، وهذه الحركة من رجل ميت أمر مذهل ومخيف في حد ذاته، وموجب للوجل على أقل تقدير، ولا بد لمن يراه أن يدرك أن الله تعالى إذا كان قد تدخل لمنعه عن مواصلة فعله، الذي هو مجرد سلب القتيل تكته، فما الذي سوف يصنعه به إذا تعدى ذلك ليقطع يد ذلك الميت؟! أو يشارك في قتله، وإزهاق روحه؟!

ولكن هذا الرجل المخذول لم يأبه للأمر، بل إنه بذل محاولته الثانية لسلب الإمام التكة أو السراويل، وإذ به يواجه نفس الحالة التي حصلت له أولاً...

والمفترض: أن يكون تحريك الميت يده مرة أخرى أشد تأثيراً من سابقتها، من حيث دلالته على الإصرار الإلهي على منعه من بلوغ ما يريد...

ولكنه بادر مرة أخرى لارتكاب جريمة مماثلة لسابقتها، فقطع يده

الأخرى «عليه السلام».

ثم حاول في المرة الثالثة أن ينتزع التكة، فسمع الزلزلة، فخاف، وترك المحاولة..

وإنما بسطنا القول في بيان الحال للتنويه بأن هناك عقوبات شرعية دنيوية، مثل أحكام القصاص، والحدود، والتعزيرات في الدنيا، ويفترض بالحاكم العادل أن يقيمها.

وهناك عقوبات يكون الله تعالى هو الذي ينزلها بالعصاة، ليدل الناس على عظيم جرمهم، وشدة خبثهم، وبالغ خزيهم، وخذلانهم.. فلا يظنن أحد أن هذا النوع من الناس لا وجود له، وأن الحديث عنه يجري على سبيل التخيل والافتراض.

كما أن هذا النوع من الناس يجب أن ينالوا بعض جزائهم في الدنيا ليكونوا عبرة لمن اعتبر. ثم يكون في الآخرة مصيرهم النار، وبئس القرار.

وقد أراد الله تعالى : أن يُسْمِعَ الناس قصصهم منهم مباشرة، وأن يرووها للناس مرة بعد أخرى، وأن يرى الناس حالهم مباشرة، ويخبر بعضهم بعضا بهذه الكرامة الإلهية للإمام الحسين «عليه السلام».

الكرامة الإلهية للإمام «علیه السلام» :

إن هذا التدخل الإلهي لمنع هذا الخبيث من نزع التكة قد جرى على مراحل، ثم كانت عقوبة هذه الجريمة على مراحل في الدنيا

أيضاً، بالإضافة إلى عقوبة الآخرة. وهذا يشير إلى أن الله يريد أن يرى الناس مقام الإمام الحسين «عليه السلام »عنده تعالى. وأن قتله لا يعني أن الله تعالى يقدم أعداءه عليه، أو يساويه معهم. بل هو يدل على أن الله تعالى يمهل ولا يهمل.

وما تقدم يشهد لهذه الحقيقة، وهناك شواهد كثيرة أخرى على ذلك أيضاً ، قد يكون من أوضحها دلالة الحديث التالي:

الله يمهل ولا يهمل:

روي عن أبي عبد الله غلام الخليل «رحمه الله» قال: حدثنا يعقوب بن سليمان قال: كنت في ضيعتي فصلينا العتمة، وجعلنا نتذاكر قتل الحسين «عليه السلام»، فقال رجل من القوم: ما أحد أعان عليه إلا أصابه بلاء قبل أن يموت.

فقال شيخ كبير من القوم: أنا ممن شهدها، وما أصابني أمر کرهته إلى ساعتي هذه!

وخبا السراج، فقام ليصلحه، فأخذته النار !وخرج مبادراً إلى الفرات، وألقى نفسه فيه، فاشتعل، وصارفحمة (1)


1) إحقاق الحق (الملحقات)ج 11 ص 536 عن مقتل الحسين للخوارزمي (ط الغري) ص 62 ونظم درر السمطين ص 220 وتذكرة الخواص ج2 ص 253 وترجمة الإمام الحسين«عليه السلام» لابن عساكر ص372 وعن ذخائر العقبي ص 145 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2640 والصواعق المحرقة ص 193 وينابيع المودة (ط إسلامبول) ص322

وفي نص آخر: عن السدي، قال:

أتيت كربلاء أبيع البرّ بها، فعمل لنا شيخ من طيء طعاماً، فتعشينا [وبتنا ] عنده، فذكرنا قتل الحسين «عليه السلام»، فقلت: ما شرك في قتله أحد إلا مات بأسوأ ميتة.

فقال: ما أكذبكم يا أهل العراق، فأنا ممن شرك في دمه.

[في كفاية الطالب: قتله، وما أصابني شيء، قال: فلما كان آخر الليل إذا بصياح، قلنا: ما الخبر ؟!

قالوا: قام الرجل يصلح المصباح الخ..]

فلم نبرح حتى دنا من المصباح وهو يتقد بنفط، فذهب يخرج الفتيلة بإصبعه، فأخذت النار فيها، فذهب يطفئها بريقه، فأخذت النار في لحيته، فعدا فألقى نفسه في الماء، فرأيته كأته فحمة [حممة](1).


1) راجع: مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 98 وكفاية الطالب ص279 وترجمة الإمام الحسين«عليه السلام» لابن عساکر ص 371 و 372 وبحار الأنوار ج 45 ص 321 وتذكرة الخواص ج 2 ص 253 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2640 وثواب الأعمال وعقاب الأعمال ص 218 وراجع المحاسن والمساوي ج 1 ص 46 وفرائد السمطين ج 2 ص 167 وتهذيب التهذيب ج 2 ص 306 وعن سير أعلام النبلاء ج 3ص313والصواعق المحرقة ص 193 وينابيع المودة (ط إسلامبول) ص322 وإسعاف الراغبين للصبان (مطبوع بهامش نور الأبصار) ص 191 وراجع جواهر المطالب ج 2 ص 289 وبشارة المصطفى ص426 وذخائر العقبىج 2 ص 151 وتهذيب الكمال ج 6 ص 436 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 233 ومختصر تاريخ مدينة دمشق لابن منظور ج 7 ص 151

وفي نص آخر: كأنه حممة. وهو تصحيف فحمة.

والحممة: الرماد والفحم.

ونلاحظ:

1 - أن تكذيب هذا الرجل لأهل العراق فيما يذكرونه عن ميتة السوء لكل من شارك في قتل الإمام «عليه السلام». غير ذي قيمة، لأن ما يقوله أهل العراق إنما هو تعبير عن مشاهداتهم، واستقرائهم لحالات المشاركين في هذه الجريمة العظيمة..

ومن الواضح: أن هذا الشيخ المخذول لم يدركه الموت بعد لكي يدعي أنه سوف يشذ عن القاعدة التي يدعيها أهل العراق، ويكون ذلك من دلائل شدة أو كثرة كذبهم.

2 - إن ملاحظة ما جرى لهذا الشيخ الخبيث يدل على أن القضية لم تكن على سبيل الصدفة، وإن حركة النار بهذه الطريقة، ونيلها منه إلى حد أنها جعلته فحمة ،حتى بعد إلقاء نفسه بالماء، هى محض فعل إلهى مباشر، وخارق للعادة، حتى أنهم ليذكرون أنه حتى حين ألقى نفسه في الماء كان إذا انغمس في الماء تبقى النار ترفرف فوقه، فإذا أخرج رأسه أخذته النار من جديد. فراجع مصادر الرواية.

تكثير السواد على الحسين «علیه السلام»:

«وروی ابن رباح قال :لقيت رجلاً مكفوفاً، قد شهد قتل الحسين «علیه السلام»، فسئل عن ذهاب بصره؟

فقال: كنت شهدت قتله عاشر عشرة ، غير أني لم أطعن، ولم أضرب، ولم أرم .

فلّما قتل (وحمل رأسه ،وأنا صحيح، وعيناي كأنهما كوكبان) رجعت إلى منزلي ،وصليت العشاء الآخرة ونمت، فأتاني آت في منامي، فقال : أجب رسول الله «صلى الله عليه وآله».

فقلت: ما لي وله؟

فأخذ بتلابيبي، وجرّني إليه، فإذا النّبيّ «صلى الله عليه وآله» جالس في صحراء، حاسر عن ذراعيه ،أخذ بحربة. وملك قائم بين يديه، وفي يده سيف من نار، يقتل أصحابي التسعة، فلما [لعل الصحيح فكلما ]ضرب ضربة التهبت أنفسهم ناراً .

[في الخوارزمي :وكلما قتلهم عادوا أحياء، فيقتلهم مرة أخرى].

فدنوت منه ،وجثوت بين يديه، وقلت :السّلام عليك يا رسول الله«صلى الله عليه وآله».

فلم يردّ عليَّ، ومكث طويلاً. ثمّ رفع رأسه وقال: يا عدوّ الله، انتهكت حرمتي! وقتلت عترتي، ولم ترع حقي، وفعلت ما فعلت.

فقلت: يا رسول الله«صلى الله عليه وآله» ،والله ما ضربت بسيف، ولا طعنت برمح، ولا رميت بسهم.

فقال: صدقت، ولكن كثرت السواد، ادن مني.

فدنوت منه، فإذا طشت مملو دماً.

فقال لي :هذا دم ولدي الحسين «عليه السلام»، فَكَحَّلْنِي من ذلك الدم، فانتبهت حتّى السّاعة لا أبصر شيئاً» (1).

ونقول:

قد يظن ظان: أن الذين از دلفوا لقتال الإمام الحسين «عليه السلام» كانوا ثلاثين ألفاً، وليس بالضرورة أن يكونوا جميعاً قد شاركوا في إيصال الأذى إليه «عليه السلام».. فقد يكون الكثيرون منهم لم يتمكنوا من الوصول إليه بسبب الكثرة الكاثرة التي تهاجمه من كل جهة. كما أنه ربما كانت لكثير من جماعات، وأفراد ذلك الجيش مهمات أخرى ليست قتالية، ولعل كثيرين منهم أحجموا عنه خوفاً


1) الملهوف ص 183 و (نشر أنوار الهدى) ص 80 ورواه الخوارزمي أيضاً في المقتل ج 2 ص 104 و 105 وتذكرة الخواص ج 2 ص 251 و 252 ج2 ص104 105 وفيه ابن رماح بدلاً من ابن رباح، وقال الخوارزمي وأورد هذا الحديث مجد الأئمة السرخسكي، ورواه عن أبي عبد الله الحداد، عن الفقيه أبي جعفر الهنداوني وراجع مثير الأحزان (ط المكتبة الحيدرية) ص61 ومناقب الإمام علي بن أبي طالب لابن المغازلي ص 460 وترجمة الإمام الحسين«عليه السلام» لابن عساكر ص 448 وبحار الأنوار ج 45 ص 306 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 625 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11

وجبنا، أو لغير ذلك من أسباب.

وهذا يدل أنه ليس جميع الذين حضروا كربلاء يستحقون العقوبة ...

ونجيب:

1 - بأن هذه الرواية قد دحضت هذا التوهم ببيان :أن الحرب ليست باستعمال السيف والسنان ،وسائر آلاتها، وحسب، بل هي بكل ما يوجب وهن الطرف الآخر وإضعافه ،وتسهيل النيل منه.. فمنع الماء عنه حرب له، كما أن إثارة الشائعات الباطلة، وتسهيل اتخاذ الآخرين قرار المشاركة بالحرب، حرب له، كما أن تكثير السواد عليه حرب له أيضاً، وكذلك تصغير شأنه، وتبرير العدوان عليه، كل ذلك من مفردات الحرب عليه، وهو يشد القلوب، ويقوي العزائم على محاربته والنيل منه، والصمود في وجهه.

ولأجل ذلك اعتبر الرسول« صلى الله عليه وآله» من يكثر سواد العدو على الإمام الحسين «عليه السلام» قاتلاً للحسين أيضاً.

2 - يلاحظ أيضاً :أن الرواية تصرح :بأن انتهاك حرمة الحسين «عليه السلام»، انتهاك لحرمة رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وقتله قتل لعترته، وعدم رعاية لحقه..

وبذلك يظهر :أن ما كان يحاوله الأمويون وأتباعهم، من إظهار أن مشكلتهم هي مع الحسين «عليه السلام»، لا مع رسول الله «صلى الله عليه وآله» كلام باطل.. لاسيما وأن ما يعتبرونه سبباً لهذا القتل

والقتال هو الآخر باطل أيضاً من الأساس، بل هو اغتصاب لمقام جعله الله لغيرهم ،وحرمهم منه.

فمع غض النظر عن أي اعتبار ، فإنه لا يحق للحاكم المتغلب ،بل ولا لغيره قتل من لم يبايعه، فبأي حق أجاز بنو أمية لأنفسهم ارتكاب هذه الفظائع والفجائع ؟!

ومن الذي خولهم الإمرة على الناس، وأحل لهم سفك دمائهم؟!

من سنن العدل:

ومن جهة أخرى نجد: أن الذين سلبوا الحسين«عليه السلام» وعياله، ونهبوا رحله قد واجهوا مصائب ورزايا، وعقوبات عاجلة، ليعتبر بها من رأى ومن سمع، ولتكون دلالة لكل طالب هداية على الظالمين، وأهل الباطل، وتميزهم عن أهل الحق المظلومين وتظهر

فضلهم وكرامتهم عند الله تعالى. فتكون بذلك نبراس هداية، ومظهراً من مظاهر اللطف بالأمة.

ونختار عينات وردت أيضاً في كتاب موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام»، وهي التالية:

1 - عن عيسى بن الحارث الكندي، عن زكريّا بن يحيى بن عمر الطائي: سَمِعتُ غَيرَ واحِدٍ مِن مَشيخَةِ طيّ يَقولُ: وَجَدَ شِمرُ بنُ ذِي الجوشن في نقل الحُسَين «عليه السلام» ذهَباً ، فَدَفَعَ بَعضَهُ إِلَى ابْنَتِهِ، ودَفَعَتهُ إلى صائغ يصوغ لها مِنهُ حَليا، فلما أدخَلَهُ النَّارَ صَارَ هَبَاءً .

قالَ وَسَمِعتُ غَيرَ زَكَرِيّا يَقولُ: صارَ نُحاساً -

فأخبَرَت شمراً بذلك، فدعا بالصائغ، فدفع إليهِ باقِيَ الذَّهَبِ، وقالَ: أدخِلْهُ النّارَ بِحَضرَتي، فَفَعَلَ الصَّائِعُ ، فَعادَ الذَّهَبُ هَبَاءً - وَقَالَ غَيرُهُ: عَادَ نحاساً (1)

2 - عن سنان بن حكيم عن أبيه: «إنتَهَبَ النَّاسُ وَرَسا (2)في عَسكَر الحُسَين بن عَلِيٍّ « عليه السلام» يَومَ قُتِلَ، فَما تَطيَّبَت مِنهُ امْرَأَةٌ إِلا بَرصَت (3)» (4).


1) كشف الغمّة ج 2 ص 268 وراجع مثير الأحزان ص82 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 63 ولواعج الأشجان ص193.

2) قال في موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص 66 : الوَرس: نبت أصفر يكون باليَمَن، تتخذ منه الغمرة للوجه، وغمَّرت المرأة وجهها أي طلت به وجهها ليصفو لونها. راجع لسان العرب ج 6 ص 254 «ورس» وجه ص 32 «غمر».

3) قال في موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص 66 : البَرص: بياض يقع في الجسد راجع لسان العرب ج 7 ص 5 مادة «برص».

4) موسوعة الإمام الحسين ج 5 ص 66 عن عيون الأخبار لابن قتيبة ج1 ص 212 و (ط دار الكتب العلمية )ج 1 ص 311 والعقد الفريد ج3 ص 369 عن يسار بن عبد الحكيم، وفيه «طيب» بدل «ورسا»؛ والثاقب في المناقب ص 337 الرقم 281 عن سيّار بن الحكم، وشرح الأخبار ج3 ص 166 الرقم 1098 عن بشار بن حكم عن أمه، ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 56 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 214 عن محمد بن الحكم، عن أمه، وفيهما «استعملته» بدل «تطيّب»، وبحار الأنوار ج 45 ص 300 الرقم .1 :وراجع: مدينة المعاجز ج 4 ص 80 والعوالم ، الإمام الحسين«عليه السلام» ج17 ج4 ص 498 و 616 وشرح إحقاق الحق الملحقات) ج 11 ص 511 .

3 - عن سفيان: حَدَّثتني جَدَّتي قالت: لقد رأيتُ الوَرسَ عادَ رَماداً، ولقد رأيتُ اللحمَ كَأَنَّ فِيهِ النّار حينَ قُتِلَ الْحُسَينُ «عليه السلام»(1).

4 - عن يزيد بن أبي زياد قُتِلَ الحُسَينُ «عليه السلام» ولي أربَعَ عَشرَةَ سَنَةٌ، وصارَ الوَرَسُ الذي كانَ في عَسكَرِهِم رَماداً ، وَاحْمَرَّت آفاقُ السَّماءِ، ونَحَروا ناقةٌ في عَسكَرهم، فكانوا يَرَونَ في لحمِهَا


1) موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص 66 عن : دلائل النبوة للبيهقي ج 6 ص 472 وتهذيب التهذيب ج 1 ص 593 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 313 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 16 كلها عن ابن عيينة، عن جدته، وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 230 والمعجم الكبير ج 3 ص 119 الرقم 1858 وليس فيه ذيله من «ولقد»، ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 90 وفيه «المرار» بدل «النار» وبزيادة وذلك ورس وإبل كانت للحسين «عليه السلام» ونهبت لمّا قتل» في آخره؛ وبحار الأنوار ج 45 ص 310 الرقم 12 وراجع العوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 618 وتهذيب الكمال ج 6 ص 435 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2639 وإمتاع الأسماع ج 12 ص 243 وج 14 ص 151 وترجمة الإمام الحسين«عليه السلام» لابن عساكر ص 365 وكفاية الطالب ج 2 ص 126 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 503 وج 27 ص 421 و 422 .

التيران (1).

5 - عن أبي حميد الطحّان: كُنتُ في خُزاعَةَ، فَجَاؤُوا بِشَيْءٍ مِن تَرَكَةِ الحُسَين« عليه السلام»، فقيل لهُم: نَنحَرُ أَو نَبِيعُ فَنَقسِمُ؟

قالوا: اِنحَرُوا.

قالَ: فَجُعِلَ عَلى جَفْنَةٍ (2)، فلمّا وُضِعَت فَارَتْ نَارَا (3).


1) موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص 66 عن تهذيب الكمال ج 6 ص 434 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 313 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 15 عن زيد بن أبي زياد، وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 230 والمحاسن والمساوئ ص63 نحوه، وليس فيه صدره إلى «صار»، ومقتل الحسين للخوارزمي ج2 ص 91 عن زيد بن أبي الزناد، وفيه «المرار» بدل «النيران»؛ وبحار الأنوار ج 45 ص 310 الرقم 12 وراجع تاريخ أصبهان ج 2 ص 153 والمناقب للكوفي ج 2 ص 263 الرقم 728 وشرح الأخبار ج 3 ص 165 الرقم 1095 . وراجع شرح الأخبار ج 3 ص 541 والعوالم، الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص619 وتاريخ ابن معين ج 1 ص 361 وتهذيب التهذيب ج2 ص 305 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 364 و 365 والدر النظيم ص 568 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 19 ص 406 وج 27 ص 422 و 417 عن مختصر تاریخ دمشق (ط دمشق) ج 7 ص 150 .

2) الجفنة: معروفة، أعظم ما يكون من القصاع.راجع لسان العرب ج 13 ص 89 «جفن».

3) موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام»ج 5 ص 66 عن: تهذيب الكمال ج 6 ص 435 والمعجم الكبير ج 3 ص 121 الرقم 2863 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص231 وراجع شرح الأخبار ج 3 ص 165 الرقم 1096 . وراجع بغية الطلب في تاريخ حلب ج6 ص 2640 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 366 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 19 ص 407 وج 27 ص 384 .

6 - عن يزيد بن هارون: أخبرتني أمّي عَن جَدَّتِها، قالت: أدركتُ قتل الحُسَين بن عَلِيٍّ «عليه السلام»، فلمّا قُتِلَ خَرَجَ نَاسٌ إِلَى إِيلِ كانَت مَعَهُ، فَانتَهَبوها، فلمّا كانَ الليلُ رَأيتُ فيها التيرانَ تَلْتَهبُ، فَاحْتَرَقَ كُلُّ ما أُخِذَ مِن عَسكَرِهِ (1)

7 - عن جميل بن مرّة : أصابوا إبلاً في عَسكَر الحُسَين «عليه السلام» يَومَ قُتِلَ، فَنَحَروها وطبخوها ،قال :فصارَت مِثلَ العلقم، فَمَا استطاعوا أن يُسيغوا مِنها شَيئاً (2).


1) بغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2620 و 2640 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 416 .

2) موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص 67 عن :تهذيب الكمال ج 6 ص 435 ودلائل النبوة للبيهقي ج 6 ص 472 عن حميد بن مرة، وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 231 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 90 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 16 والصواعق المحرقة ص194 نحوه، وليس فيهما ذيله من «فما استطاعوا»؛ وإعلام الورى ج 1 ص 430 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 57 نحوه، وبحار الأنوار ج 45 ص 310 الرقم 11 وراجع الثاقب في المناقب ص 337 الرقم 283 . وراجع العوالم الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 618 وتهذيب التهذيب ج 2 ص 306 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج6 ص 2641 وإمتاع الأسماع ج 12 ص 243 وج 14 ص 151 وتاريخ الخلفاء ص 226 دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة ج6 ص 472 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص367 وكفاية الطالب ج 2 ص 126 وينابيع المودة ج 3 ص 19 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 508 و 509 و ج 19 ص 407 و 412 و 413 .

8 - نُحِرَتِ الإبلُ التي كانَت مَعَ الحُسَين «عليه السلام»، فلم يُؤكل لحمها ؛ لِأَنَّهُ كانَ أمَرَّ مِنَ الصَّبر (1).

وعَن عَبْدِ الكَريم بن يعفور الجُعفِيِّ: أَنَّهُ لمّا جُعِلَ اللحمُ فِي القِدر صارَناراً.

وكَانَ مَعَ الحُسَين «عليه السلام» وَرَس وطيبٌ، فَاقْتَسَموه، فلمّا صاروا إلى بيوتهم صارَ رَماداً (2).

9 - عن أبي مخنف في رواية: لمّا دُخِلَ بالرَّأْس عَلَى يَزِيدَ كَانَ لِلرَّأس طيبٌ قد فاحَ عَلى كُلِّ طيب، ولمّا نُحِرَ الجَمَلُ الَّذِي حُمِلَ عَلَيهِ


1) الصَّبرُ : عصارة شجر مرّ، واحدته ..صبيرة راجع لسان العرب ج 4 ص 442 راجع «صبر».

2) موسو عة الإمام الحسين«عليه السلام» ج ص 67 عن مثير الأحزان ص82 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 63 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 61 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 218 وفيه «لما نحر الجمل الذي حمل عليه رأس الحسين كان لحمه أمر من الصبر » فقط، وبحار الأنوار ج 45 ص 305 الرقم 3 وراجع :مدينة المعاجز ج 4 ص 116 والعوالم الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 618.

رَأْسُ الحُسَين «عليه السلام» كانَ لحمُهُ أَمَرَّ مِنَ الصَّبر (1).

10 - عن ناصح أبي عبد الله، عن قريبة جارية لهم : كانَ عِندَنا رَجُلٌ خَرَجَ عَلى الحُسَين«عليه السلام»، ثمَّ جَاءَ بِجَمَلٍ وزَعفران، قالت: فلمّا دَقُوا الزَّعْفَرانَ صَارَ ناراً.

قالت: فَجَعَلْتِ المرأةُ تَأخُدُ مِنهُ الشيءَ ، فَتَلطِخْهُ عَلَى يَدِهَا فَيَصِيرُ مِنهُ بَرَص.

قالت :ونَحَرُوا البَعيرَ ،قالت :فكلما حَزُّوا بالسِّكين صارَ مَكانَها ناراً.

قالت: فَجَعلوا يسلخونَهُ، فَيَصيرُ مَكَانَهُ ناراً .

قالت فقطعوه، فَخَرَجَت مِنهُ النَّارُ.

قالت: قطبخوه، فكلما أوقدُوا النّارَ فَارَتِ القِدر ناراً .

قالت: فَجَعَلُوهُ فِي الجَفْنَةِ فَصارَ ناراً.

قالت: وكُنتُ صَبيَّة يَومَئِذٍ، فَأَخَذتُ عَظْماً مِنهُ، فَطَيَّنتُ عَلَيهِ، فسقط وأنَا يَومَئِذٍ ،امرأة، فأخذناهُ نَصْنَعُ مِنهُ اللعبَ (2).


1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 61 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص218 وبحار الأنوار ج 45 ص 305 الرقم 3 ومدينة المعاجز ج4 ص 116 والعوالم، الإمام الحسين «عليه السلام»ج 17 ص 618.

2) قال في موسوعة الإمام الحسين ج 5 ص 68: الظاهر: أنّ في العبارة خللاً، ولعله من تصحيف النساخ، وأنّ الصواب ما في بحار الأنوار نقلاً عن المصدر حيث جاء فيه: «.. فطيّنتُ عليه، فوجدته بعد ،زمان، فلمّا حززناه بالسكين...».

قالت: فلما حَزَزِناهُ بِالسِّكين صارَ مَكانَه ناراً، فَعَرَقْنَا أَنَّهُ ذلِكَ العَظمُ، فَدَفَتاهُ (1).


1) موسوعة الإمام الحسين ج 5 ص 68 عن : الأمالي للطوسي ص727 الرقم 1528 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 57 عن أحاديث ابن الحاشر، وليس فيه ذيله من «قالت: فجعلوه»، وبحار الأنوار ج 45 ص 322.

الفصل الخامس :أحزان.. وأفراح...

اشارة

بداية:

تحدثت النصوص التاريخية: أن القتلة المجرمين قد أظهروا الفرح بقتلهم الحسين «عليه السلام»، وأهل بيته وأصحابه، وتبادلوا التهاني، وبذلوا العطايا والجوائز لبعضهم بعضاً..

وفي المقابل كان هناك حزن وبكاء، ومآتم عزاء، وغضب إلهي وتبدلات كونية ظاهرة، والعديد من الآيات الوافرة، وكان كثير منها على شكل عقوبات عوجل بها من استحقها.

ونحن نذكر في هذا الفصل عينات يسيرة جداً تشير إلى أفراحهم، نضيفها إلى عينات أخرى أسلفناها، وأخرى سوف نشير إليها في مطاوي كلامنا، فنقول:

أفراح وتهاني:

إن من غرائب الأمور والأحوال ما كان يحاول أولئك المجرمون إشاعته من أجواء الفرح والسرور من خلال منح الجوائز العظيمة، والجلوس للتهنئة بالنصر والفتح، وتزيين المحال والأسواق، والساحات والباحات، وما إلى ذلك.

مع أن هؤلاء المجرمين كانوا يرون بأم أعينهم مظاهر الغضب

الإلهي تتوالى، ويعاينون الآيات والدلالات تتجلى في مختلف المواضع، قبل ارتكاب جريمتهم وأثناءها، وبعدها، حتى إنهم في مسيرهم إلى الشام قد عاينوا من الرأس الشريف دلالات كثيرة، سيأتي ذكرها في موضعها إن شاء الله . بل كانوا يرون أن الكثير من الآيات كانت تظهر لهم في أنفسهم ،على شكل ابتلاءات واستجابة دعوات، أو ما إلى ذلك..

ولكننا نرى أنهم كانوا لا يعتبرون، ولا يرتدعون، بل كانوا يمعنون في غيهم، ويصرون على مواصلة إجرامهم...

وما ذلك إلا لأنهم قد قست قلوبهم، فهي كالحجارة أو أشد قسوة، وقد قال تعالى: (خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبهمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (1).

غير أن هذا لا يعني أن ظهور هذه الآيات كان بلا فائدة ولا عائدة. إذ ليس بالضرورة أن تكون الفائدة هي رجوع الضال عن ضلاله، وارتداع المجرم عن إجرامه.. بل الفائدة أيضاً تكون في نفس إقامة الحجة، وظهور مدى عناد وقسوة، واستكبار هؤلاء القوم، ليعلم أنهم يستحقون أقسى العقوبات.

وأنه لا مورد لاحتمال توبتهم أو ندمهم، أو أن يكونوا أهلا للتخفيف عنهم ، والرأفة بهم. فإن ما كان منهم لم يكن مجرد نزوة عارضة، أو نتيجة غفلة أو جهالة لم يحسبوا حسابعواقبها، ولا


1) الآية 7 من سورة البقرة.

ظنوا أن الأمور تنتهى إلى هذا الحد..

كما أن هذه الآيات تُعرف الأجيال على حجم الآثار التي تنشأ عن أمثال هذه الجرائم، وترسم حدوداً يفترض فيهم أن يحجزوا أنفسهم عن تجاوزها.

يضاف إلى ذلك :أن هذه الآيات تدل الناس على مدى انسجام وترابط الموجودات، وإلى أي حد تتأثر ببعضها البعض.

فضلا عن أن هذه الآيات تدل الناس على موقع أهل البيت، وأثرهم في هذا الوجود، فيسعى المؤمن العاقل إلى ترسيخ العلاقة بهم، وفتح الأبواب المختلفة للتعامل الإيجابي معهم.

وبعدما تقدم نقول:

إننا نشير أولاً إلى التهانى والأفراح بتقديم عينة أو أكثر عنها في جانب، ثم نشير إلى بعض مظاهر الحزن والألم، والغضب الإلهي الذي تجلى في مجالات كثيرة ، نختار خصوص ما ظهر منها في نطاق كيفية انتشار خبر الشهادة، وإلى بعض ما له من دلالات، فنقول:

التهاني.. والجوائز:

1 - عن عمّار الدهنيّ، عن أبي جعفر [الباقر] «عليه السلام» - في بَيان إرسال عُبَيدِ الله أهلَ البَيتِ إلى الشّام - قال «عليه السلام»: فلّما قدِموا عَليهِ [أي عَلى يَزِيدَ لعنة الله عَليهِ ]جَمَعَ مَن كانَ بِحَضرَتِهِ مِن

أهل الشّام، ثمَّ أدخلوهُم، فَهَدَّؤُوهُ بالفتح (1).

2 - إِنَّهُ [أي يَزِيدَ] اسْتَدعَى ابن زيادٍ إليهِ ، وأعطاه أموالاً كَثيرَةَ ، وتحفاً عَظيمَة، وقرَّبَ مَجْلِسَهُ، ورَفَعَ مَنزلتَهُ، وأدخَلَهُ عَلَى نِسَائِهِ، وَجَعَلَهُ نَديمَهُ، وسَكِرَ ليلة، وقالَ لِلمُغَنِّي غَنِّ، ثُمَّ قَالَ يَزِيدُ بَدِيهِيّا :

اسقِني شربَةٌ تُرَوَي فؤادي*** ثُمَّ مِل فاسق مِثْلها ابن زيادِ

صاحِبَ السِّرِّ وَالأمانةِ عِندي ***ولِتَسديد مَعْلَمي وجهادي

قاتِلَ الخارجي أعني حُسَيناً*** ومُبيدَ الأعداءِ وَالحُسّادِ (2)

3 - لمّا قُتِلَ الحُسَينُ « عليه السلام» استَوسَقَ العِراقان جَميعاً لِعُبَيدِ الله بن زياد، وكانَتِ الكوفة والبصرة لابن زيادٍ مِن قبلِهِ.

قالَ: وأوصَلَهُ يَزِيدُ بألفِ أَلْفِ دِرهَم جائِزَةَ .

فَدَعا عُبَيدُ الله بن زيادٍ بِعَمرو بن حُرَيثِ المَخرُومِي، فَاسْتَخلَفَهُ عَلَى الكوفة ، ثُمَّ صارَ إلى البَصَرَةِ، فَاشْتَرى دارَ عَبدِ الله بن عُثمانَ التَّقْفِيُّ، ودارَ سُليمان بن عَلِيٍّ الهاشمي، التي صارت لسليمان بن عَلِيٍّ بَعدَ ذلِكَ، فَهَدَمَهُما جَميعاً ، ثمَّ بَناهُما وأنفق عليهما مالاً جزيلاً، وسَمّاهُمَا الحمراء، وَالبَيضاءَ، فكانَ يُشتي فِي الحَمراء ويُصَيِّفُ فِي البَيضاء، قالَ:


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 390 وتهذيب الكمال ج6 ص429 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 309 ومثير الأحزان ص 100 نحوه.

2) تذكرة الخواص ص 278 وراجع مروج الذهب ج 3 ص 67 .

ثمَّ عَلا أمرُهُ، وَارتَفَعَ قدرُهُ، وَانتَشَرَ ذِكرُهُ، وبَدْلَ الأموال، واصطنَعَ الرِّجال، ومَدَحَتهُ الشُّعَراءُ (1).

ونقول:

عمى القلوب:

قال تعالى: (فإنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور) (2). والآيات بهذه المعاني كثيرة، فضلا عن كثير من الروايات بهذا المعنى أيضاً...

1 - والمراد بالعمى: هو أن يضل عن الحق ولا يراه حقاً، ويتيه في ظلمات الجهل والباطل، ولكن الأمر قد لا يقف عند هذا الحد، بل يتجاوزه ليصل إلى حد أن يرى الباطل حقا والحق باطلا وهذه هي ثالثة الأثافي ،والداء الذي لا دواء له، والمصيبة التي لا مناص منها

ولا خلاص.

وهو من تزيينات الشيطان، ومن أعظم الخذلان الذي تجلى في یزید، حيث ظهر أنه يرى أن قتل العلماء والأصفياء وأئمة الهدى، والأدلاء على الله، وسبي عيال وأطفال أشرف الخلق، - يراه - فتحاً ونصراً، بل هو يراه جهاداً، ويتقبل التهانى عليه، ويرصد له الجوائز


1) الفتوح لابن أعثم ج ص 135 وراجع: تاريخ مدينة دمشق ج37 ص 438 .

2) الآية 46 من سورة الحج.

والعطايا، ويمنح الأموال الكثيرة التي بلغت مليون درهم، والتحف العظيمة لمن أعانه على هذا الأمر، وحقق له أمنيته فيه..

2 - كما أن الأمر لا يقتصر على ذلك، بل هو يقربه مجلسه، ويرفع منزلته، ويمنحه ثقته ،ويدخله على نسائه، ويجعله نديمه..

مع أن من كان يداً ومعينا لأشر خلق الله، في قتل أقدس خلق الله، وأطهرهم وأعلمهم، وأتقاهم، وأفضلهم. وسيد شباب أهل الجنة، ومن يسبي نساء الأنبياء، هل يؤمن على نساء أي كان من الناس؟! أم أنه إذا وجد أية غفلة فإنه لا يتورع عن الوثبة، واقتناص الفرصة، والايغال في ارتكاب المآثم، حتى مع أحرم المحارم. فضلاً عمن عداذلك. لاسيما في حالات السكر، وفقدان العقل في مجالس المجون؟!

3 - ما أعجب قول يزيد في شعره المتقدم عن عبيد الله بن زياد «لعنهما الله»: «ولِتَسديدِ مَعْنَمي وجهادي». فإن من الغريب والعجيب:

ألف: أن يعتبر يزيد قتل ذرية رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وسبي نسائه مغنماً، ليكون قوله هذا تصديقا لقول السيدة زينب له في خطبتها المعروفة بالشام :« . . فلئن اتخذتنا مغنماً، لتجد بنا (لتجدنا) وشيكاً مغرماً، حين لا تجد إلا ما قدمت يداك، وما الله بظلام

للعبيد» (1)


1) راجع :الإحتجاج للطبرسي ج 2 ص 123و (ط دار النعمان) ج 2 ص37 والحدائق الوردية ص 125 وبحار الأنوار ج 45 ص 160 و 135 والملهوف ص 215 و (نشر أنوار الهدى) ص 107 وبلاغات النساء ص35 ومقتل ص7 الحسين للخوارزمي ج 2 ص 64 ومثير الأحزان ص 101 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 81 والعوالم الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 405 ووقاموس الرجال ج 12 ص 271 ولواعج الأشجان ص 230 . 435

ب :لكننا لم نعرف كيف صار قتل الأئمة الأتقياء، وأوصياء الأنبياء، وسيد شباب أهل الجنة جهاداً ، فإن الجهاد إنما يكون جهاداً إذا قصد به التقرب إلى الله، وكان في سبيل الله تبارك وتعالى، ولرفعة دينه، وصيانة أهدافه .

إلا إن كان يريد أن يعتبر ما يكون فى سبيل الشيطان أيضاً جهاداً، وهذه لغة يزيدية خاصة، لم نجد لها مبرراً ولا مثيلاً في قواميس لغات البشر !!

4 - وغني عن البيان: أن من يعطي الجوائز، ويكرم ويدني مجلس فاجر لا يؤمن بالله ،ويرفع شأنه، ويبذل هذه الأموال مكافأة له لامتثاله الأمر بقتل مثل الحسين «عليه السلام» لا يمكن تبرئته من هذه الجريمة، وإلقاء تبعتها على خصوص من باشرها، وحصر الملامة بالآلة التي حركها، والسكين التي قتل وذبح بها أولياء الله تبارك وتعالى..

مساجد جددت فرحاً:

عن سالم عن أبي جعفر [الباقر] « عليه السلام»: جُدِّدَت أَربَعَهُ

مَساجِدَ بالكوفة قرَحاً لِقتل الحُسَين «عليه السلام»: مَسجِدُ الأَشْعَثِ، ومَسجِدُ جرير ، ومَسجِدُ ،سماك ، ومَسجِدُ شَبَتْ بن ربعِي. (1)

والمراد بالأشعث: الأشعث بن قيس، وجرير هو ابن عبد الله البجلي، وسماك، هو ابن مخرمة.

ونقول:

1 - إن هذا التجديد لهذه المساجد الأربعة فرحاً بقتل الحسين لا يخرج عن السياق الذي ذكرناه من أن بعض الناس لشدة إيغالهم في متاهات الضلالات والجهالات، تتبدل المفاهيم لديهم، وتنعكس الحقائق بنظرهم فيرون الحق ضلالاً وباطلاً، والضلال حقا وصدقاً.

نقول هذا، لأن الكل يعلم:أن الإسلام إنما قام بجهد أبي طالب، وجهاده ،وتضحياته الجسام، وبجهد وجهاد ابنه أمير المؤمنين «عليه السلام» أيضاً، ولولا ذلك لم يصل الأمر إلى بناء المساجد، وإقامة الشعائر..

ولولا أبو طالب وابنه*** لما مثل الدين شخصاً وقاما


1) الكافي ج 3 ص 490 ح 2 وتهذيب الأحكام ج 3 ص 250 687 والمزار ح2 ج3 الكبير ص 118 ح 2 وبحار الأنوار ج 45 ص 189 35 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 5 ص 250 و (الإسلامية) ج 3 ص 520 والمزار لابن المشهدي ص 118 ومرآة العقول ج 15 ص 485 والعوالم الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 377.

هذا بمكة آوى وحامى*** وذاك بيثرب ذاق الحماما

فكيف يصير من هذا حاله، ممن يجدد الناس مساجدهم فرحاً لمقتله ؟!

2 - وسبب تجديد بناء هذه المساجد الأربعة هو أن أمير المؤمنين «عليه السلام »كان قد نهى بالكوفة عن الصلاة فيها، بالإضافة إلى مسجد التيم(1).

فلو لم يكن «عليه السلام »يرى أن هذه المساجد كانت مجمعاً لأهل النفاق ،من الخوارج وغيرهم من المنحرفين عن أهل بيت النبوة. لما نهى الناس عن الصلاة فيها..

فإن تاريخ الذين بنوها، أو فقل من كانت تنسب إليهم يشهد على ما نقول، إذ إنهم كانوا منحرفين عنه «عليه السلام»، معادين له، ولأهل بيته، ساعين في ابطال تدبيره، وعاملين على مؤازرة أعدائه ..

3 - بل إن نفس اعتبار هذه المساجد الأربعة مساجد ملعونة، يدل على أنها حين بنيت وأسست لم تؤسس على تقوى من الله، بل أسست لتكون مأوى لأهل النفاق، ولحياكة المؤامرات، وللسعي في إضعاف الدين وأهله.


1) الكافي ج 3 ص 490 وروضة الواعظين (منشورات الشريف الرضي) ص336 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 5 ص 250 و (الإسلامية) ج3 ص 520 ومرآة العقول ج 15 ص 486.

4 - ولم نجد ما يدل على أن أمير المؤمنين قد تعرض لهدم تلك المساجد، بل ورد أنه نهى الناس عن الصلاة فيها، وقول الحديث المتقدم عنها :إنها جددت لا يدل على الهدم ، فلعل المقصود بالتجديد الترميم.

أو لعلها إن كانت قد هدمت إنما هدمت بأسباب طبيعية، لا بقرار منه «عليه السلام»، فأعيد بناؤها، ولعل.. ولعل..

غير أن مما لا شك فيه :أن القائمين على هذه المساجد كانوا يظهرون السرور والفرح بقتل ابن الرسول، وقرة عين البتول، وسيد شباب أهل الجنة.

وحسبهم هذا خزيا وسقوطاً، وعاراً إلى يوم القيامة.

ابن زياد يخبر والي المدينة:

1 - عن عوانة بن الحكم: لمّا قَتَلَ عُبَيدُ الله بن زيادِ الْحُسَينَ بنَ عَلِيٍّ « عليه السلام» وجيءَ برَأْسِهِ إِليهِ، دَعا عَبدَ المَلِكِ بن أبي الحارِثِ السُّلَمِيُّ، فَقالَ: إنطلق حَتى تَقدَمَ المَدِينَة عَلى عَمرو بن سَعيد بن العاص، فَبَشِّره يقتل الحُسَين. وكانَ عَمرُو بنُ سَعِيدِ بن العاص أميرَ المَدِينَةِ يومئذ .

قالَ: فَذَهَبَ لِيَعتَلَّ لَهُ، فَزَجَرَهُ - وكانَ عُبَيدُ الله لا يُصطلى بناره - فقال: انطلق حَتى تَأْتِيَ المدينة، ولا يسبقكَ الخَبَرُ، وأعطاهُ دَنانير، وقالَ :لا تَعتَلَّ، وإن قامت بكَ َراحِلتُكَ فاشتر راحلة.

قالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: فَقدِمتُ المَدينَة، فلقيني رَجُلٌ مِن قُرَيشِ، فَقَالَ: مَا

الخَبَرُ؟

فقلتُ : الخَبَرُ عِندَ الأمير.

فقالَ: «إنّا لله وإنا إليه راجعون» ! قُتِلَ الحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ «عليه السلام».

فَدَخَلْتُ عَلى عَمرو بن سَعِيدٍ، فقال: ما وَرَاءَكَ؟

فقلتُ ما سَرَّ الأمير ، قُتِلَ الْحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ !

فقال: نادِ بقتلِهِ، فنادَيتُ بقتلِهِ، فلم أسمع - والله - واعِيَةٌ قَصُّ مِثْلَ وَاعِيَةٍ نِساءِ بَني هاشم في دورهِنَّ عَلى الحُسَين «عليه السلام»

فَقالَ عَمرُو بنُ سَعِيدٍ وضَحِكَ:

عَجَّت نِسَاءُ بَني زيادٍ عَجَّةٌ*** كَعَجيج نِسوَتِنا غداة الأرنب

وَالأرنب : وَقعَة كانَت لِبَني زُبَيدٍ عَلى بَني زيادٍ مِن بَنِي الحارث بن كَعبٍ، مِن رَهْطٍ عَبد المدان، وهذا البَيتُ لِعَمرو بن معد يكرب.

ثُمَّ قَالَ عَمرو : هذِهِ واعِيَة بواعِيَةِ عُثمان بن عَفّانَ، ثُمَّ صَعِدَ المِنبَرَ، فأعلمَ النّاس قتله (1).


1) موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج ه ص 24 عنک تاريخ الأمم والملوك جه ص 465 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 356 والإرشاد ج 2 ص 123 وفيه «عبد الملك بن أبي الحديث السلمي»، ومثير الأحزان ص94 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 74 وفيه « عبيد الله بن الحرث السلمي»، وكشف الغمّة ج 2 ص 280 وليس فيه صدره إلى «قتل الحسين بن عليّ «عليهما السلام»» وكلها نحوه وبحار الأنوار ج 45 ص 121 وراجع مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 76 وشرح الأخبار ج 3 ص 159 . وراجع: العوالم الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 389 ولواعج الأشجان ص215 وقاموس الرجال ج 11 ص 40 والكامل في التاريخ ج4 ص 88 ونهاية الأرب ج 20 ص 472 وترجمة الإمام الحسين«عليه السلام» من طبقات ابن سعد ص 84.

2 - لمّا كانَ الليلُ مِن ذلِكَ اليَوم الذي خَطَبَ فِيهِ عَمْرُو بنُ سَعِيدٍ يقتل الحُسَين بن عَلِيٍّ « عليه السلام» بالمَدينَةِ، سَمِعَ أَهْلُ المَدِينَةِ في جَوفِ الليل مُنادِياً يُنادِي، يَسمَعونَ صَوتَهُ ولا يَرَونَ شَحْصَهُ:

أيُّهَا القَاتِلُونَ جَهلاً حُسَيناً ***أبشروا بالعَذابِ وَالتَّنكيل

كُلُّ أهْل السَّمَاءِ يَدْعُو عَليكُم*** من نبي ومَلأك (1)وقبيل

قدْ لعِنْتُم عَلى لِسَان ابن دَاو ***د وموسى وصَاحِبِ الإنجيل (2)

3 - وعند الطبري: عن عمرو بن عكرمة : أصبحنا صَبيحة قتل الحُسَين «عليه السلام» بالمَدِينَةِ، فإذا مَولى لنا يُحَدِّثنا، قَالَ: سَمِعتُ


1) مَلأك أي ملك، والأصل فيه الهمز ، ثم حذفت همزته لكثرة الاستعمال. راجع: النهاية ج 4 ص359 مادة «ملك».

2) موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص 61 عن الإرشاد ج 2 ص 124 وكشف الغمّة ج 2 ص 280 والملهوف ص 208 و (نشر أنوار الهدى) ص99 نحوه وروضة الواعظين ص 213 وليس فيه صدره إلى «بالمدينة»، وبحار الأنوار ج 45 ص 123 وراجع مثير الأحزان (ط المكتبة الحيدرية) ص 86 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 391 و 486 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 296 .

البارحة مُنادِياً يُنادي، وهُوَ يَقولُ:

أيُّهَا القَاتِلُونَ جَهلاً حُسَيناً ***أبشروا بالعذاب الخ..(1)

ونقول:

لا ضرورة لبسط القول حول أعمال هذه الحثالة المخذولة، والمغضوب عليها من الله تعالى، ونكتفي هنا بلفت النظر إلى وقاحة والي المدينة الذي جعل واعية نساء بني هاشم، وصراخهن حين سمعن نداء الظالمين بقتل الحسين «عليه السلام» - جعلها - مقابل الواعية التى قامت على عثمان حين قتل...


1) موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام»ج 5 ص 60 عن تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 467 90 وص 393 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 358 والكامل في التاريخ ج 4 ص 90 بزيادة و«مكث الناس شهرين أو ثلاثة كأنما تلطخ الحوائط بالدماء ساعة تطلع الشمس حتى ترتفع» في آخره، وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص240 وكفاية الطالب ص 443 كلاهما عن أم سلمة وفيهما «تنوح الجنّ» بدل «منادياً ينادي»؛ وكامل الزيارات ص196 الرقم 276 ومثير الأحزان ص 108 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 86 وشرح الأخبار ج3 ص 168 الرقم 1109 عن أبي جرثومة الكلبي، ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 63 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 219 وفيه «سمع نوح الملائكة في أوّل منزل نزلوا قاصدين إلى الشام أيّها ...» وكلها نحوه، وبحار الأنوار ج 45 ص 238 الرقم 6 .وراجع :العوالم الإمام الحسين ج 17 ص 481 ونهاية الأرب ج 20 ص 474 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 581 .

وكأنه يريد أن يوهم الناس:

1 - أن عثمان يكافئ الحسين «عليه السلام »سيد شباب أهل الجنة، وريحانة رسول الله «صلى الله عليه وآله».

2 - يريد إيهام الناس: بأن لبني هاشم يدا في قتل عثمان. مع أن عليا والحسن والحسين«عليهم السلام» قد بذلوا قصارى جهدهم لمنع القتل عنه، وتبريد أجواء التشنج، وتنفيس الإحتقان.. الذي كان عثمان نفسه هو السبب فيه، فإنه كان يعد ، ثم ينكث الوعد مرة بعد أخرى - كما عرفه القريب والبعيد.

كما أنهم منعوا الماء عن عثمان، وكان الحسنان، وأبوهما «صلوات وسلامه عليهم »هم الذين أوصلوا إليه الماء، وأهل المدينة هم أعرف الناس بذلك كله.

فزعم ذلك الوقح :بأن لعلي وأبنائه «عليهم السلام »يداً في قتل عثمان. هو من الفضائح التي صنعوها لأنفسهم أمام عامة أهل المدينة.

إلا أن يكون عمرو بن سعيد يريد أن يخدع الشباب الذين ولدوا ونشأوا ، أو ترعرعوا وكبروا بعد قتل عثمان، ولعل الكثيرين منهم لم يطلعوا على تفاصيل هذه الأمور التي حصلت قبل أن يولد أكثرهم..

وعلى كل حال، فإن المثل يقول : إذا لم تستح فاصنع ما شئت..

ويقول الشاعر:

لي حِيْلة في مَنْ يَنْمُ ***وَليْسَ في الكَذَّابِ حِيْلة

مَنْ كَانَ يَخْلُقُ مَا يَقُولُ ***فحیلتی فیهِ قلِيل

النمل والعصافير:

عن المسطاح الوراق: أنه سمع الفتح بن سخرف (شرف) (شخرف) المتوفى ببغداد سنة 73 هجرية يقول: «كنت أفت للعصافير كل يوم، فكانت تأكل ، فلما كان يوم عاشوراء فتت لها فلم تأكل، فعلمت أنها امتنعت لقتل الحسين بن علي »(1).

وفي نص آخر :«كنت أفت للنمل الخبز كل يوم، فلما كان يوم عاشوراء لم يأكلوا» (2).

ونقول:

تقدمت في فصل جواد الحسين «عليه السلام» الإشارة إلى بعض ما يرتبط بإدراك الموجودات، ومنها الحيوانات وغيرها، وإن كانت درجات هذا الإدراك، وموارده متفاوتة، ومختلفة. كما أن للموجودات مشاعر، وبكاء وخشية، وتسبيحاً، واعترافاً ونكراناً وما إلى ذلك.

غير أن ما لفت نظرنا في هذا الحديث ونظائره: أن هذا الرجل لم


1) مقتل الحسين «عليه السلام» للخوارزمي ج 2 ص 91 وراجع بحار الأنوار ج 45 ص 310 والعوالم ، الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 495.

2) بغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2657 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 2 ص 361 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 428 .

يكن في كربلاء حين استشهد الإمام الحسين «عليه السلام»، وهو لم يعلم بقتله «عليه السلام»، ولا ساعة أو يوم قتله. وحتى لو علم به، فإنه لا يخبر العصافير ولا النمل بهذا الأمر، بل لا يخطر ذلك في باله. ولو خطر هذا الأمر في باله لعُدَّ سفها، وقلة عقل.

فيأتي السؤال: كيف علمت العصافير والنمل باستشهاد الإمام الحسين «عليه السلام» حتى امتنعت عن الأكل؟!

وهل تملك الطيور والنمل وسائل اتصال ونقل للأخبار فيما بينها، تكون قادرة على قطع المسافات في كل اتجاه، من دون حاجة إلى زمان يطير الموجات اللاسلكية، أو الذبذبات التي تقطع العالم من أقصاه إلى أقصاه، من دون حاجة إلى زمان، أو كما هو الحال في الموجات التي تحمل الصور والأصوات من أدنى الأرض إلى أقصاها في لحظات يسيرة؟!

أو أن التغيرات الكونية التي حصلت بسبب استشهاده «عليه السلام» مثل بكاء الأرض والسماء وكل شيء عليه، أو شعور الطيور والنمل بتلك التغيرات، قد أفهم المخلوقات من غير البشر :أن راعيها، وحافظها، ومصدر سكونها، وعنصر استقرارها وبقائها، والمحور،

وموضع الارتكاز، ومصدر الحيوية والحركة قد أصيب، فحزنت، ،وتألمت، وامتنعت من الأكل؟!

أو أن الإمام السجاد «عليه السلام» نفسه قد أرسل لتلك المخلوقات برسائل أخبرها فيها بالكارثة؟!

ولست أدري، ما هي المشاعر والانفعالات التي تنتاب من يكتب ويقرأ أمثال هذه الحوادث التي تعد بالعشرات والمئات، وقد أحاطت باستشهاد الإمام، وهيمنت على كل حركة وسكون في مسيرته؟!

وهل يمكن أن يجد أحد لنفسه عذراً في ابتعاده عن مسيرة الإمام ،أو يبقى لدى أحد ريب في سلامة نهجه، وصحة مواقفه، أو أنه في ظل الرعاية الإلهية، ومن ثمرات نهج النبوة، وعبق من أريج الرسالة؟

حديث الغراب:

روي عن الإمام الصادق، عن أبيه، عن جده «عليهم السلام» قال: لمّا قتل الحسين جاء غراب فوقع في دمه، ثمّ تمرّغ، ثمّ طار فوقع بالمدينة على جدار دار فاطمة بنت الحسين - وهي الصغرى - فرفعت رأسها إليه فنظرته، فبكت الخ..

وقد ذكرنا هذه الرواية، وناقشناها، وذكرنا ما فيها من إشكالات في نفس كتابنا هذا ج 11 ص 297 و 298 فما بعدها، فلا حاجة إلى الإعادة.

نوح الجن على الإمام الحسين «علیه السلام»:

إننا ننقل هنا طائفة من النصوص حول نوح الجن على الإمام الحسين« عليه السلام» - ننقلها مع المصادر والتعليقات من كتاب موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج ه ص 52 - 58، وقد نضيف إلى مصادره مصادر أخرى، إذا وجدنا فرصة، أو حاجة إلى

ذلك، والنصوص هي التالية:

1 - عن أم سلمة: ما سَمِعتُ نَوحَ الجِنِّ مُندُ قُبِضَ النَّبِيُّ «صلى الله عليه وآله» إلا الليلة، وما أرى ابني إلا قد قُتِلَ - تَعِنِي الْحُسَينَ «عليه السلام» ، فقالت لجاريتها: أخرجي فَسَلي.

فأخبرت أنه قد قُتِلَ، وإِذا حِنِّيَّة تَنوحُ:

ألا يَا عَينُ فَاحْتَفِلِي بِجَهدِ*** وَمَن يَبكِي عَلَى الشُّهَدَاءِ بَعدِي؟

عَلى رَهَطٍ تَقُودُهُم المَنايَا ***إلى مُتَحَيّر (1)في مُلكِ

عَبْدِ (2)


1) قال في موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص 52 : كذا في المصدر، والصواب «مُتجَبّر » كما في بعض نسخ المصدر الخطية وكثير من المصادر. وفي كامل الزيارات: «من نسل عَبدِ».

2) موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص 52 عن : المعجم الكبير ج 3 ص 122 الرقم 2869 وتهذيب الكمال ج 6 ص 441 وتاريخ مدينة دمشق ج14 ص 241 وتذكرة الخواص ج 2 ص 218 نحوه، ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 95 وكفاية الطالب ص 442 و (نشر دار الكتاب العربي) ج 2 ص 127 والأمالي للصدوق ص 202 الرقم 218 وكامل الزيارات ص 189 الرقم 268 وروضة الواعظين ص 188 ومثير الأحزان ص108 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 62 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 219 وفي الخمسة الأخيرة نحوه، وشرح الأخبار ج 3 ص 167 الرقم 1107 وبحار الأنوار ج 45 ص 238 الرقم 8 وراجع: الفتوح لابن أعثم جه ج ه ص 70 . وراجع مجمع الزوائد ج 9 ص 199 والهواتف لابن أبي الدنيا ص 87 وترجمة الإمام الحسين «عليه السلام»لابن عساكر ص 396 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 76 وينابيع المودة ج 3 ص 14 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 73 و ج 27 ص 497 و 525 ومدينة المعاجز ج4 ص 171.

2 - عن علي بن الحزوَّر: سَمِعتُ ليلى وهِيَ تَقُولُ: سَمِعتُ نَوحَ الحِنِّ عَلى الحُسَين بن عَلِيٍّ «عليه السلام» وهِيَ تَقولُ:

يَا عَينُ جُودِي بِالدُّمُوعِ فَإِنَّمَا*** يَبكِي الحَزينُ بحُرقةٍ وتَفَجُع

يَا عَينُ الهَاكِ الرُّقادُ بطيبه*** مِن ذِكر آل مُحَمَّدٍ وَتَوَجع

باتت ثلاثاً بالصَّعيدِ جٌسومُهُمُ*** بَينَ الوحوش وكُلُّهُم في

مَصَرَع (1)

عن داود الرقي، عن جدته:

إنَّ الجِنَّ لمّا قُتِلَ الحُسَينُ «عليه السلام »بَكَت عَليهِ بهِذِهِ الأبيات:

ياعَ-ين جودي بالعِبَر*** وابكي فقد حَقَّ الخَبَرْ

بكي ابن فاطِمَة الذي ***وَرَدَ الفرات فما صَدَرْ

الجن تبكي شجوَها *** لمّا أتى مِنهُ الخَبَرْ


1) كامل الزيارات ص 192 الرقم 272 وبحار الأنوار ج 45 ص 241 الرقم 13 ومدينة المعاجز ج4 ص 175 والعوالم الإمام الحسين «عليه السلام»ج 17 ص 485

قتِلَ الحُسَينُ ورَهطه*** ثعساً لِذلِكَ مِن خَبَرْ

فلأبكِيَنَكَ حُرقة***عِنْدَ العِشاء وبالسَّحَرْ

وَلأبكِيَنَّكَ ما جرى***عرق وما حمل

الشَّجَر (1)

عن الزهري : ناحَت عَليهِ [أي عَلى الحُسَين «عليه السلام» ]الجن، فقالت:

قَيرُ نِساءِ الجِنِّ (2)***يَبكن شجیات

ويَلطمن حدوداً ***کالدنانير نقيّات

ويلبسن ثِياب السو ***دِ بَع دَ القصَبيات (3)

عن إبانة ابن بطة: إِنَّهُ سُمِعَ مِن نَوحِهم:


1) كامل الزيارات ص 197 الرقم 277 وبحار الأنوار ج 45 ص 238 الرقم .. ومدينة المعاجز ج 4 ص 180 ،والعوالم الإمام الحسين«عليه السلام»ج 17 ص 482.

2) قال في موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص 54 كذا في المصدر، وهو غير مستقيم الوزن. وفي بعض المصادر: «لقد جئن نساء الجن».

3) القصَبُ: ثياب ناعمة. راجع مجمع البحرين ج 3 ص 1481 «قصب». موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج ص 54 عن: تذكرة الخواص ج 2 ص219 والتبصرة ج 2 ص 16 عن عليّ بن أخي شعيب بن حرب؛ ومثير الأحزان ص109 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 87 كلاهما نحوه، وبحار الأنوار ج 45 ص 235 الرقم 2 . وراجع الآحاد والمثاني ج 1 ص 106 وتاريخ مدينة دمشق ج 44 ص 480 .

أيا عَينُ جودي ولا تَجمُدي*** وجودي على الهالِكِ السَّيِّدِ

فبالطف أمسى صريعاً فقد*** رزينا الغداة بأمر بَدِي

ومِن نَوحِهم(1):

نساءُ الجِنِّ يَبكينَ*** مِنَ الحُزن شجيات

ويُسعِدن بنوح لِل- ***نّساء الهاشميات

ويَندُ بن حُسَيناً عَ ***ظمَت تِلكَ الرَّرْياتِ

ويلطمنَ حُدوداً كَال- ***دنانير نقيات

ويلبسن ثِياب السو*** دِ بَعدَ القصبيات

ومِن نَوحِهم:

اِحمَرَّتِ الأَرضُ مِن قتل الحُسَينِ*** احْضَرَّ عِندَ سُقوطِ الجَونَةِ

ومِن نَوحِهم:

أبكي ابن فاطِمَة الذي ***من قتله شابَ الشَّعَرْ

ولقتله زلزلتُمُ ***ولِقتلِهِ خُسِفَ القَمَرْ

وسُمِعَ نَوحُ حِنِّ قصَدوا لِمُوَازَرَتِهِ:

وَاللهُ ما جِئتُكُم حَتَّى بَصُرْتُ ***الطَّفٌ مُنعَفِرَ الخَدَّين


1) لعل الصحيح: يخضر عند سقوط الجونة العلق .

عن أبي مريد الفقيمي: كانَ الجَصّاصون (1)إِذا خَرَجوا فِي السَّحَرِ سَمِعوا نَوحَ الجِنِّ عَلى الحُسَين «عليه السلام»:

مَسَحَ الرَّسُولُ جَبينَهُ ***فلهُ بُروق في الخدود

أبواهُ مِنْ عَليا قريش ***جدُّهُ خَيرُ الجدود

زاد سبط ابن الجوزي:

قتَلوكَ يَا ابْنَ الرَّسول*** فاسْكُنُوا نَارَ الخُلُودِ (2)

قالَ: فَأَجَبتُهُم:

خرَجُوا بِهِ وَقدَاً إلي ***هِ فَهُمْ لَهُ شَرُّ الوُفُودِ

قتلوا ابن بنت نبيّهم ***سَكَنُوا بِهِ نَارَ الخُلُودِ (3)

وراجع :ترجمة الإمام الحسين«عليه السلام» لابن عساكر ص 400 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2652 والبداية والنهاية (دار إحياء التراث) ج 8 ص 218 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 297 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 75 و 76 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 585 وج 27 ص 502 .


1) رجُلٌ جَصَاصٌ : صانع للجص. والجص معروف؛ الذي يُطلى به راجع لسان العرب ج 7 ص 10 «جصص».

2) تذكرة الخواص ج 2 ص220.

3) موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام»ج 5 ص 54 عن: تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 242 والمعجم الكبير ج 3 ص 122 الرقم 2866 والبدء والتاريخ ص 13 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 96 وكفاية الطالب ص442 كلها عن أبي جناب الكلبي، وليس فيها ذيلها من «فأجبتهم»، وتذكرة الخواص ص 269 والملهوف ص 225 عن أبي جناب الكلبي، وكامل الزيارات ص 192 الرقم 270 عن أبي زياد القندي، ومثير الأحزان ص 108 عن أبي حباب، والأمالي للشجري ج 1 ص 165 عن أبي حياب الكلبي، وليس فى الأربعة الأخيرة ذيله من «فأجبتهم» وص173 عن ناجية العطار، والمناقب للكوفي ج 2 ص 229 الرقم 693 عن أبي سعيد الثعلبي وكلها نحوه، وبحار الأنوار ج 45 ص 241 الرقم 11 .

لكن البيهقي يقول : قال كعب بن زهير في الحسين بن علي «رحمة الله عليهما»:

مَسَحَ النَّبِيُّ يُّ جَبِينَهُ ***فلهُ بَيَاضُ فِي الحُدودِ

وبوجههِ دِيْبَاجَه***كَرَمُ النُّبُوَّةِ والجُدُودِ(1)

عن أبي جناب الكلبي: أتيتُ كَربَلاءَ ، فقلتُ لِرَجُلٍ مِن أَشرافِ العَرَبِ بها: بلغني أَنَّكُم تَسْمَعُونَ نَوحَ الحِنِّ؟

قال: ما تلقى حُراً ولا عَبداً إلا أخبَرَكَ أَنَّهُ سَمِعَ ذلِكَ.

قلت: فأخبرني ما سَمِعتَ أنتَ؟

قالَ: سَمِعتُهُم يَقُولُونَ:


1) المحاسن والمساوي ص 91 وأعيان الشيعة ج 9 ص29.

مَسَحَ الرَّسُولُ جَبينَهُ ***فلة بريق فِي الحُدودِ

أبواهُ مِنْ عَلَيَا قريش*** جَدُّهُ خَيْرُ الجُدُودِ (1)

عن محفوظ بن المنذر: حَدَّتْني شَيحٌ مِن بَنِي تَمِيمٍ كَانَ يَسكُنُ الرّابية (2)، قالَ: سَمِعتُ أبي يقولُ: ما شعرنا بقتل الحُسين «عليه السلام» حتى كانَ مَساءُ ليلة عاشوراء، فإنّي لجالس بالرّابِيَةِ، وَمَعي رَجُلٌ مِنَ


1) موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام»ج 5 ص 56 عن: تهذيب الكمال ج 6 ص 441 أعلام النبلاء ج 3 ص 316 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 17 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 241 والمعجم الكبير ج 3 ص 121 الرقم 2865 نحوه، والتبصرة ج 2 ص 16 وفيه الأبيات فقط، ونور القبس المختصر من المقتبس ص 263 ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص390 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 160 عن أبي حباب الكلبي، وكشف الغمة ج 2 ج2 ص 269 عن أبي خباب وكلاهما نحوه، وبحار الأنوار ج 45 ص 146 وراجع: البداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج8 ص 217 وتاريخ الخلفاء ص 227 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 399 والدر النظيم ص 569 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 297 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 499 و 500 و 525 وراجع العوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 446 ولواعج الأشجان ص 191 ومجمع الزوائد ج 9 ص 199 ونظم درر السمطين ص 223واللهوف (نشر أنوار الهدى) ص 114 ومثير الأحزان ص 107.

2) قال في موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص 56 : الرابية: هي المرتفع من الأرض، والسياق يحكي أنّه اسم مكان خاص.

الحَيِّ، فَسَمِعنا هاتفاً يَقولُ:

وَاللهُ ما جِئتُكُم حَتَّى بَصُرتُ بهِ ***بالطَّفٌ مُنعَفِرَ الخَدَّين

منحورا

وحَولَهُ فِتيَة تُدمى نُحُورُهُم*** مِثلَ المَصابيح يَعلونَ الدُّجى

نورا

وقد حثثتُ قلوصي (1)كَي أَصادِقُهُم ***من قبل أن يُلاقوا الخُرَّدَ(2)

الحورا

فعاقني قدَرٌ وَاللهُ بالِغهُ ***وكان أمراً قضاه الله مقدورا

كانَ الحُسَينُ سِراجاً يُستَضاءُ ***يَعلمُ أني لم أقل زورا

صَلَّى الإلهُ عَلى جسم تَضَمَّنْهُ ***قبرُ الحُسَين حَليفِ الخير

مُجاوراً لِرَسول الله في ***ولِلوَصي وللطَّيّار مسرورا

فقلنا :لهُ مَن أَنتَ يَرحَمُكَ اللهُ؟


1) قال في موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص 56 : القلوص: الناقة الشابة راجع: النهاية ج 4 ص 100 «قلص».

2) قال في موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص 56 : الخريدوالخريدة والخرود: البكر لم تمسس وجمعها خرائد وخُرُد وخُرَّد. راجع: القاموس المحيط ج 1 ص 291 «خرد».

قالَ: أَنَا وأبي مِن جِنّ نَصيبين (1)، أردنا مُؤازَرَةَ الحُسَين «عليه السلام» ومُؤاساتَهُ بأنفُسنا ، فانصَرَفنا مِنَ الحَجِّ فَأَصَبناه قتيلا (2).

عن محمد المصقلي: لمّا قُتِلَ الحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ «عليه السلام» سُمِعَ مُنادٍ يُنادي ليلا، يُسمَعُ صَوتُهُ ولم يُرَ شَخصُهُ:

عَقرَت ثمود ناقة فاستوصلوا ***وجَرَت سَوانِحُهُم بغير الأسعُدِ

فبنو رَسول الله أعظمُ حُرمة*** وأجَلُّ مِن أمِّ الفصيل (3)المُقصَدِ

عَجَباً لهم ولما أتوا لم*** وَاللهُ يُملي لِلطَّغَاةِ الجُحْدِ (4)


1) نصيبين: مدينة تقع شمال العراق وهي اليوم في جنوب تركيا.

2) موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص 56 عن : الأمالي للمفيد ص320 الرقم 7 والأمالي للطوسي ص 90 الرقم 141 وفيه «يطفون» بدل «يعلون»، وكامل الزيارات ص 190 الرقم 269 نحوه، ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 63 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 219 وفيه البيت الأول فقط، وبحار الأنوار ج 45 ص 239 الرقم 9 وراجع: ص 236 و 240 . وراجع العوالم الإمام الحسين «عليه السلام»ج 17 ص 483 و 484 و 488 ومدينة المعاجز ج 4 ص 172 وراجع ينابيع المودة ج 3 ص90 ونظم درر السمطين ص224 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 580 وج 33 ص 760

3) قال في موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام»ج 5 ص 57 : القصيلُ : ولد الناقة إذا فصل عن أمّه. راجع :الصحاح ج 5 ص 1791 مادة «فصل».

4) موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص 57 عن تهذيب الكمال ج 6 ص 442 وتهذيب التهذيب ج 1 ص 594 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 242 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2654 .

عن الشعبي: سَمِعَ أهلُ الكوفة قائلا يَقُولُ فِي اللَّيل:

ابکی قتيلاً بكَربَلاءَ ***مُضَرَّجَ الجسم بالدّماءِ

أبكى قتيل (1)الطغاة ظلماً ***بغير جُرم سوَى الوَفاءِ

أبكي قتيلاً بكى عَليهِ ***مَن ساكِنُ الأَرض وَالسَّمَاءِ

هُتِكَ أهلوه واستُحِلوا*** ما حَرَّمَ اللهُ فِي الإِمَاءِ

يا بأبي جسمُهُ المُعَرّى*** إلَّا مِنَ الدِّينِ وَالحَياءِ

كُلُّ الرَّزايا لها عَزاء ***وما لذا الرزءِ مِن

عزاء (2)

عن عبد الله بن زواق: سَمِعتُ رَجُلاً مِنَ الأنصار يُحَدِّتْ مُعَمَّراً قالَ: لمّا كانَ اليَومُ الذي قُتِلَ فِيهِ الحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ «عليه السلام»، (من رَجُلٍ فِي بَعض الليل في مِنيَّ، فَسَمِعَ) (3)صَوتاً عَلَى كَبِكَبٍ (4)كَأَنَّهُ


1) قال في موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص 57 : في المصدر: «قتيلاً»،والصواب ما أثبتناه كما في شرح إحقاق الحق ج 27 ص 501

2) تذكرة الخواص ج 2 ص 218 و 219 والتبصرة ج 2 ص 16 نحوه وشرح ص218 إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 501 عن التبر المذاب ص 92 .

3) كذا في المصدر.

4) كبكب - كجعفر - اسم جبل بمكة. راجع: تاج العروس ج 2 ص 350 مادة «كبب».

صَوتُ امْرَأَةٍ تَنوحُ:

ابكِ ابكِ حُسَينا أيَّما .

فأجابتها أخرى في تبير تَقولُ: ابكِ ابكِ ابنَ الرَّسولِ أَيَّما.

قالَ الرَّجُلُ: فَكَتَبتُ تِلْكَ الليلة، فإذا هي الليلة التي تتلو اليوم الذي قتِلَ الحُسَينُ« عليه السلام» (1)


1) شرح الأخبار ج 3 ص 168 و 169 .

الفصل السادس: خبر الاستشهاد حديث الدنيا ..

اشارة

بداية:

عرفنا :أن آيات كثيرة أظهرها الله تعالى قد أكدت على المقام العظيم للإمام الحسين «عليه السلام» عند الله، وبينت مظلوميته، وحقانية نهجه، ومساره.

كما أن هذه الآيات قد عرَّفت كل من اطلع عليها بالغضب الإلهي على قاتليه، ثم كان حلول كثير من البلاءات والكوارث بكثير من المجرمين، ولاسيما من سلبوا ونهبوا ثقل الإمام «عليه السلام»، فكانت دليلاً آخر على أن الله تعالى يمهل ولا يهمل. وأن العاقبة ستكون للمتقين، وأن مردّ المجرمين إلى النار.

وقد كانت هناك آيات كثيرة كان المعني بها عامة الناس، في الدنيا بأسرها .مثل كسوف الشمس، وظهور النجوم، وظهور الدم العبيط تحت كل حجر ومدر، وظهور الحمرة في السماء.

وقد رأينا: أن هناك بلاداً كانت السياسة الإلهية تقضي بأن تعرف بهذا الحدث الجلل من خلال رؤية هذه الآيات، ونخص بالذكر منها :مدينة الرسول، ومكة وبيت المقدس، والشام، والكوفة، وخراسان.. وربما

غيرها أيضاً وقد أشرنا فيما سبق إلى بعض من هذه الآيات، وسنشير هذا الفصل إلى ما يرتبط ببعض آخر، مثل بيت المقدس، وخصوصاً المدينة المنورة، التي كانت لها خصوصية تقتضي إيثارها بهذا النحو من التعامل..

فنقول:

الخبر في بيت المقدس:

1 - عن أمّ حيّان :يَومَ قُتِلَ الحُسَينُ «عليه السلام» أظلمت علينا ثلاثاً، ولم يَمَسَّ ُأحَدٌ مِن زَعفَرانِهم شَيْئًا، فَجَعَلهُ عَلَى وَجْهِهِ إِلَّا احْتَرَقَ ،ولم يقلب حَجَراً (1)بِبَيتِ المَقدِس إلا أصيبَ تَحتَهُ دَمٌ عَبيط (2).


1) قال في موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص 68: كذا في المصدر، وفي تاريخ مدينة دمشق :« ولم يُقلب حَجَرٌ» وهو الأنسب.

2) موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص 68 عن :تهذيب الكمال ج 6 ص 434 وتاريخ مدينة دمشق ج14 ص229 ومقتل الحسين للخوارزمي ج2 ص 90 عن أمّ حسان وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2637 وبحار الأنوار ج 45 ص 216 الرقم 39 وراجع: ترجمة الإمام الحسين«عليه السلام» لابن عساكر ص 362 وإمتاع الأسماع ج 12 ص 242 وكفاية الطالب ج 2 ص 126 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 219 وج 14 ص 150 و 151 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 489 وج 19 ص 405 وج 27ص 405 و 406 وعن مختصر تاریخ دمشق ج 7 ص 149.

2 - عن أبي نصر، عن رجل من أهل بيت المقدس: والله، لقد عرفنا - أهلَ بَيْتِ المَقدِس ونواحيها - عَشِيَّة قُتِلَ الحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ «عليه السلام».

قُلتُ: وَكَيفَ ذَاكَ؟

قال :ما رفعنا حَجَراً ولا مَدَراً ولا صَخراً إلا ورأينا تَحتَها دَماً عَبيطاً يَغلي.

وَاحْمَرَّتِ الحيطانُ كَالعَلق.

ومطرنا ثلاثة أيّامٍ دَما عَبيطاً .

وسَمِعنا مُنادِياً يُنادي في جوف اللَّيل، يَقولُ:

أتَرجُو أُمَّة قتلت حُسَيْناً*** شَفاعَة جَدِّهِ يَومَ الحِسَابِ

مَعَادُ الله لا نِلتُم يَقين ***شَفاعَة أحمد وأبي تُرَابٍ

قتلتُم خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطايا ***وخير الشيب طرّاً وَالشَّبَابِ

وَانكَسَفَتِ الشمسُ ثلاثة أيّامٍ ، ثمَّ تَجَلَّت عَنها، وَانشَبَكَتِ النُّجومُ.

فلمّا كانَ مِن غَدٍ أرجفنا بقتلِهِ ، فلم يَأْتِ عَلينا كَثِيرُ شَيْءٍ حَتَّى نُعِيَ إلينَا الحُسَينُ «عليه السلام» (1).

ونقول:


1) كامل الزيارات ص 160 الرقم 198 وبحار الأنوار ج 45 ص 204 الرقم 6 . ومدينة المعاجز ج 4 ص 186 والعوالم الإمام الحسين«عليه السلام» ص 456.

إيمان أهل الكتاب:

وقد قلنا في موضع سابق من هذا الكتاب: إن ظهور هذه الآيات في بيت المقدس، حتى إن أهلها قد عرفوا بسببها قتل الحسين «عليه السلام» عشية قتله.

إن ذلك إنما هو لأن بيت المقدس هو الموضع الذي تلتقي عليه قلوب أهل الديانات السماوية الكبرى.. فتمس الحاجة إلى إقامة الحجة عليهم جميعاً .

وإقامة الحجة هي التي أوجبت رفع الله تعالی عیسی «علیه السلام» إليه، لكي يعود للظهور في الأرض من جديد، ويصلي خلف الإمام المهدي «عليه السلام»، ويكون من أعوانه.

وليتحقق بذلك مضمون قوله تعالى عنه «عليه السلام»: (بَلْ رَفْعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِنَّا لَيُؤْمِنَنَّ بهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ) (1).

وعن شهر بن حوشب :أن الحجاج سأله عن هذه الآية، فقال له شهر بن حوشب «إن عيسى ينزل قبل يوم القيامة إلى الدنيا، فلا يبقى أهل ملة، يهودي ولا غيره إلا آمن به قبل موته ويصلي خلف المهدي.

قال: ويحك ، أنى لك هذا ؟! ومن أين جئت به؟!

فقلت: حدثني به محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب


1) الآية 158 و 159 من سورة النساء.

«عليهم السلام».

فقال: جئت بها - والله - من عين صافية»(1).

عوسجة أم معبد تخبر أيضاً:

عن هند بنت الجون: نَزَلَ رَسولُ الله «صلى الله عليه وآله» بِخَيمَةِ خالتي، ومَعَهُ أصحابٌ له، فكانَ مِن أمرهِ فِي الشَّاةِ ما قد عَرَفَهُ النَّاسُ، فقال (2)فِي الخَيمَةِ هُوَ وأصحابُهُ حَتَّى أبرَدَ، وَكَانَ اليَومُ قَائِظَا (3)شَديداً حَرُّهُ.

فلمّا قامَ مِن رَقدَتِهِ دَعا بماءٍ، فَغَسَلَ يَدَيهِ، فَأَنْقاهُما، ثُمَّ مَضَمَضَ فاهُ، ومَجَّهُ عَلى عَوسَجَةٍ (4)كانَت إِلى جَنبِ خَيمَةِ خالتي ثلاثَ


1) تفسير القمي ج 1 ص 309 و (نشر دار الكتاب للطباعة والنشر - قم) ج 1 ص 158 والبرهان (تفسير) ج 2 ص 351 و (ط مؤسسة البعثة) ج2 ص 197 وبحار الأنوار ج 9 ص 195 وج 14 ص 349 وج 53 ص 50 وتفسير أبي حمزة الثمالي ص 150 ومجمع البيان (تفسير) ج 3 ص 236 ونور الثقلين (تفسير) ج 1 ص 571 وكنز الدقائق (تفسير) ج 3 ص 583 والنور المبين في قصص الأنبياء والمرسلين للجزائري ص 422 .

2) في موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص :62 القيلولة نومة نصف النهار، من قال يقيل . راجع لسان العرب ج 11 ص577 مادة «قيل».

3) في موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام»ج 5 ص :62 القيظ شدّة الحرّ، والقيظ الفصل الذي يسمّيه الناس الصيف. راجع المصباح المنير ص521 مادة «قيظ».

4) في موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص :62 العوسج شجر له شوك، وله ثمر أحمر مدور كأنه خرز العقيق.

مرات...

ثُمَّ قَالَ: إِنَّ لِهذِهِ العَوسَجَةِ شَأناً .

ثمَّ فَعَلَ مَن كانَ مَعَهُ مِن أصحابهِ مِثلَ ذلِكَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلى رَكَعَتَين، فَعَجِبتُ أنَا وفتياتُ الحَيِّ مِن ذلِكَ، وما كانَ عَهدُنا بِالصَّلاةِ، ولا رَأينا مُصَلِّياً قبلهُ.

فلمّا كانَ مِنَ الغَدِ أصبحنا وقد َعَلتِ العَوسَجَهُ، حَتَّى صارت كَأعظم دَوحَةٍ عاليةٍ وأبهى ، وقد خَصَدَ(1)اللهُ شَوكَها، ووَشَجَت عُروقها ، وكَثرَت أفنائها (2)، وَاخضَرَّ ساقها ووَرَقُها، ثُمَّ أَتْمَرَت بَعدَ ذلِكَ، فأينَعَت بثمَرِ كَانَ كَأعظم ما يَكونُ مِنَ الكَمأة في لون الورس المسحوق ، ورائِحَةِ العَنبَر، وطعم الشَّهد.

والله، ما أكَلَ مِنها جائِعٌ إلا شبعَ، ولا ظمآنُ إِلا رَوي، ولا سَقِيمٌ إلا بَرَأ، ولا ذو حاجَةٍ وفاقةٍ إلا استَغنى، ولا أكَلَ مِن وَرَقِهَا بَعيرٌ ولا ناقة ولا شاه إلا سَمِنَت، ودَرَّ لَبَنُها .

فَرَأَينَا السَّمَاءَ وَالبَرَكَة فِي أموالنا مُندُ يَومَ نَزَلَ «صلى الله عليه


1) في موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام»ج 5 ص :62 الخضد: نزع الشوك عن الشجر. راجع: العين ص 228 مادة «خضد».

2) في موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص :62 الفنن الغصن، جمعه أفنان. راجع: القاموس المحيط ج4 ص256 «فنن».

وآله»، وأخصَبَت بلادنا وأمرَعَت، فكنّا نُسَمّي تِلْكَ الشَّجَرَةَ المُبارَكَة ،وكَانَ يَنتابنا مَن حولنا من أهل البوادي، يَستَظِلُّونَ بها، ويَتَزَوَّدُونَ مِن وَرَقِها في الأسفار ، ويَحمِلُونَ مَعَهُم لِلأرض القفار ، فيَقومُ لهُم مَقامَ الطَّعام والشَّراب...

فلم تَزَل كَذلِكَ وعَلى ذلِكَ حَتَّى أصبحنا ذات يوم، وقد تساقط ثِمارها، واصفَرَّ وَرَقُها، فأحزَنَنا ذلِكَ، وفزعنا مِن ذلِكَ، فما كانَ إِلَّا قليلٌ حَتَّى جَاءَ نَعيُّ رَسول الله «صلى الله عليه وآله»، فإذا هُوَ قد قبض ذلِكَ اليَومَ.

فكانَت بَعدَ ذلِكَ تُثمر ثمراً دونَ ذلِكَ فِي العِظم والطعم وَالرَّائِحَةِ، فأَقامَت عَلى ذلِكَ نَحوَ ثلاثينَ سَنَة، فلمّا كانَ ذاتَ يَومٍ أَصْبَحنا، وإذا بها قد شاكَت مِن أَوَّلِها إلى آخرها، وذهَبَت نَضارة عيدانها، وتساقطت جَميعُ ثَمَرَتِها.

فَما كَانَ إِلا يَسِيرٌ حَتَّى وافى خَبَرُ مَقتل أمير الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ بن أبي طالب «عليه السلام»، فما أتْمَرَت بَعدَ ذلِكَ ، لا قليلا ولا كَثيراً ، وانقطعَ ثَمَرُها.

ولم نَزَلَ نَحنُ ومَن حولنا نَأْخُذُ مِن وَرَقِها، وتداوي بِهِ مَرضانا، ونَستَشفي بهِ مِن أسقامنا . فأقامت عَلى ذلِكَ بُرهَة طويلة.

ثمَّ أصبَحنا ذاتَ يَومٍ، فإذا بها قدِ انبَعَتْ مِن ساقِها دَمٌ عَبيط، وإذا بأوراقها ذابلة تَقطرُ دَما كَماءِ اللَّحم.

فقلنا: قد حَدَثت حادِثة عَظيمَة، فبتنا ليلتنا فزعينَ مَهمومينَ نَتَوَقَّعُ

الحادثة.

فلمّا أظلم الليلُ عَلينا سَمِعنا بُكاءً وعويلاً مِن تَحتِ الأرض، وجَلبَة شديدَة ورَجَّة، وسَمِعنا صوت نائِحِ يَقولُ:

أَيَا ابْنَ النَّبِيِّ وَيَا ابنَ الوَصِيِّ*** بَقِيَّة ساداتنا الأكرمينا

وكَثرَ الرَّنينُ وَالأصواتُ، فلم نَفهم كثيراً مما كانوا يقولون، فأتانا بَعدَ ذلِكَ خَبَرُ قتل الحُسَين «عليه السلام»، ويَبسَتِ الشَّجَرَةُ وجَقَّت، وكَسَرَتها الأرياحُ والأمطارُ، فَذَهَبَت وَدَرَسَ أَتْرُها.

قالَ عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ الأَنصارِيُّ: فلقيتُ دِعبلَ بنَ عَلِيِّ الخُزاعِيَّ مَدينَةِ الرَّسول «صلى الله عليه وآله»، فَحَدَّتْتُهُ بِهذا الْحَدِيثِ، قلم يُنكِره (1)

ولهذه الرواية نص آخر لا يختلف كثيراً عن هذا النص، وإن لم يتضمن حديث صوت النائح (2)


1) موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص 62 عن: مقتل الحسين للخوارزمي ج2 ص 98 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2648 عن هند بنت النجود نحوه؛ وبحار الأنوار ج 45 ص 233 ح 1 . وراجع العوالم الإمام الحسين ج 17 ص 496 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 495

2) موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص 61 و 62 عن: ربيع الأبرار ج 1 ص 285 5 وكشف الغمّة ج 1 ص 25 وفيه «يستشفى» بدل «يستسقى»، والثاقب في المناقب ص 111 ح 107 والحدائق الورديّة ج 1 ص 111 كلاهما نحوه

نخلة أم معبد :

وقالوا: إنَّ النَّبِيَّ «صلى الله عليه وآله» لمَّا مرَّ فِي خَيمَة أُمِّ مَعبَدٍ، أكل ثمرة، وجَعَلَ نَواها فِي الأرض، فصارت في الحال نخلة، وقد تَهَدَّلَ الرُّطْبُ مِنها، وكانَ كَذلِكَ صَيفا وشتاءً، وأشارَ مِنَ الجَوانِبِ، فصارَ ما حولها مَراعِي، ورَحَلَ رَسولُ الله «صلى الله عليه وآله».

ولمّا تُوُقِّيَ «صلى الله عليه وآله» لم ترطب تِلْكَ النَّخله، وكانَت خضراء، فلمّا قُتِلَ عَلِيٌّ «عليه السلام» لم تَخضَرَّ، وكانت باقِيَة، فلمّا قتِلَ الحُسَينُ « عليه السلام» سالَ مِنْهَا الدَّمُ ويَيست (1).

ونقول:

لعل المراد بهذا الحديث الأخير: أن تلك النخلة لم تخضر عندما قتل أمير المؤمنين«عليه السلام»، ولكنها بقيت على حالها من الطرواة والنمو. فلما استشهد الحسين «عليه السلام» يبست، وأصبحت مجرد خشب ،معرض للتلف والتلاشي..

مكانة المدينة:

اشارة

1 - كانت المدينة المنورة هي المنطلق لدين الله، والحاضنة لرموز الإسلام والمدافعة والناصرة الله ولرسوله في وجه قريش، ومشركي العرب ،واليهود، وكل من حاول المساس بهذا الدين، من النصارى وغيرهم..

وحين توفي رسول الله «صلى الله عليه وآله» كان من الطبيعي أن تكون المدينة وأهلها هي محط الأنظار في سائر الأقطار، وهي الملاذ للناس في أمور دينهم، وفي كل ما يريدون معرفته عن نبيهم، وكان لأهلها التأثير الكبير والكلمة المسموعة، والكثير من الإجلال والاحترام.

غير أن ما حدث بعد استشهاد الرسول« صلى الله عليه وآله»، واستئثار قريش بأمر الخلافة بعد رسول الله «صلى الله عليه وآله»، والسياسات التي اتبعتها قريش لضمان بقائها في الحكم قد جعل الأمور تسير باتجاهات أخرى غير رشيدة ولا سديدة.

ومن هذه السياسات ما كان يقضي :بمنع الناس من رواية وكتابة حديث الرسول الأعظم «صلى الله عليه وآله» على قاعدة: حسبنا كتاب الله، ثم منعوا الناس من الفتوى، وحصروها بالأمراء والقادة. ومنعوا الناس من السؤال عن معاني آيات القرآن... واستقدموا أحبار ورهبان


1) الخرائج والجرائح ج 1 ص 146 ح234 وبحار الأنوار ج 19 ص 75 ح 26 ومستدرك سفينة البحار ج 10 ص 15 وتاريخ الخميس ج 1 ص 335 عن ربيع الأبرار.

أهل الكتاب، ووضعوهم في مساجد المسلمين ليقصوا عليهم ترهات بني إسرائيل..

وحبسوا علماء الصحابة في المدينة لكي لا يتفرقوا في البلاد، ويشيعوا من حديث رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ما يخشون من فة الناس به، ولاسيما ما يُظهر أخطاء بعضهم في فتاواهم، أو ما يفضح شخصيات مهمة فيهم، يريدون أن يظهروها للناس على غير حقيقتها، وأن يتستروا على تاريخها ،وعلى ما فيها من عاهات وآفات، في الدين والعلم، والأخلاق والمواقف،والسياسات، والممارسات بما في ذلك المؤامرات والخيانات، وما إلى ذلك...

كما أنهم يريدون طمس الحقائق المرتبطة بأهل البيت «عليهم السلام» فلا يتمكن أحد من معرفةفضلهم، وعلمهم، وأخلاقهم، وموقعهم عند الله ورسوله ،ومكانتهم، ودورهم في قيادة الأمة وهدايتها، ويريدون أن يجهل الناس حقهم المغتصب، وتضحياتهم، وميزاتهم ،وجهادهم ،وما يدل أو يشير إلى مظلوميتهم من عباده في بلاده...

2 - وحيث إن أهل المدينة هم أعرف الناس بمقام الإمام الحسين «عليه السلام».. وبحقيقة مناوئيه، ولأن كلمتهم مؤثرة ومسموعة، فقد لاحظنا:

أن معرفة أهل المدينة باستشهاد الإمام الحسين «عليه السلام» قد حصلت بطرق غير عادية، بل هي صادمة ومذهلة، وإعجازية قاهرة

للعقول.

وقد تكرر هذا الإخبار لهم - كلا أو بعضاً - بهذه الطريقة مرات كثيرة، لكي لا يبقى عذر لمعتذر ، ولا حيلة لمتطلب حيلة، ولكي يتحملوا مسؤولياتهم في هداية الأمة، واتخاذ الموقف الصريح والحازم في التعريف بالحق والدلالة على أهله.

إشارة توضيحية:

ونريد أن لا يغفل القارئ عن أن منزل أم معبد كان في قديد. وهي على طريق مكة والمدينة، ولكنها أقرب إلى مكة منها إلى

المدينة. وتقع بين الجحفة وعسفان.

نداء جبرئيل:

عن الحلبي: قال لي أبو عَبدِ الله «عليه السلام»: لمّا قُتِلَ الحُسَينُ « عليه السلام» سَمِعَ أهلنا قائلاً يَقولُ بالمَدِينَةِ:

اليَومَ نَزَلَ البَلاءُ عَلى هذِهِ الأُمَّةِ، فَلا تَرَونَ فَرَحَا حَتَّى يَقُومَ قائِمُكُم، فَيَشفِيَ صُدُورَكُم، ويَقتُلَ عَدُوَّكُم، وينال بالوتر أوتاراً.

قفزعوا مِنهُ وقالوا :إنَّ لهذا القول لحادِثاً قد حَدَتْ ما لا نَعرِفُهُ.

فأتاهُم خَبَرُ قتل الحُسَين «عليه السلام» بَعدَ ذلِكَ، فَحَسَبُوا ذلِكَ، فإِذا هِيَ تِلْكَ الليلة التي تَكَلَّمَ فِيهَا الْمُتَكَلِّمُ.

فقالَ لَهُ: جُعِلتُ فِداكَ، إلى متى أنتُم ونَحنُ في هذا القتل، وَالخَوفِ، وَالشَّدَّةِ؟

فقالَ: حَتى يَأْتِيَ سَبعون فرَجاً أجواب، ويَدخُلَ وَقتُ السَّبْعِينَ، فَإِذا دَخَلَ وَقتُ السَّبْعِينَ أَقْبَلَتِ الرّاياتُ (الآيات) تَترى كَأَنَّهَا نِظامٌ، فَمَن أدرَكَ ذلِكَ الوَقتَ قُرَّت عَينُهُ.

إِنَّ الحُسَينَ «عليه السلام» لمّا قُتِلَ أتاهم آتِ وَهُم فِي العَسكَر فَصَرَخَ، قَرُبرَ.

فقالَ لهُم :وكَيفَ لا أَصْرُحُ ورَسولُ الله «صلى الله عليه وآله» قائِمٌ يَنظُرُ إلى الأرض مَرَّةَ وإلى حِزيكُم (حربكم )مَرَّةَ، وأنا أخافُ أن يَدعُوَ الله عَلى أهل الأرض، فأهلك فيهم.

فقالَ بَعضُهُم لِبَعض: هذا إنسانٌ مَجنونٌ.

فقالَ التَّوَّابونَ: تَالله، ما صَنَعنا لِأَنفُسِنا، قتَلنا لابن سُمَيَّة سَيِّدَ شَبابِ أهل الجَنَّةِ، فَخَرَجوا عَلى عُبَيدِ الله بن زيادٍ، فَكانَ مِن أمرهم ما كانَ.

قالَ: فقلتُ لَهُ: جُعِلتُ فِداكَ، مَن هذا الصارحُ؟

قال: ما نَراهُ إلَّا جَبرئيل «عليه السلام».

أما إِنَّهُ لو أَذِنَ لَهُ فيهم لصاحَ بهم صَيحَةٌ يَخطِفُ بِهِ أَرواحَهُم مِن أبدانهم إلى النّار، ولكن أمهل لهم ليزدادوا إثماً ؛ ولَهُم عَذابٌ أَلِيمٌ (1).

ونقول:

لا شك في أن قتل سيد شباب أهل الجنة ، والإمام المنصوب من قبل الله للأمة كلها، له عواقبه الصعبة على الأمة، وهو من موجبات هیجان أهل الباطل ضد أهل الحق، وطمعهم في النيل منهم، وإذلالهم، ومصادرة دورهم، والاستئثار بكل شيء دونهم، ومنعهم من الدعوة إلى الله، وقد يمنعونهم من الالتزام بدينهم، ويعملون على تشكيكهم .

وهذا بلاء عظيم، وخطر جسيم على حياة الناس، وعلى أموالهم


1) كامل الزيارات ص 553 843 وبحار الأنوار ج 45 ص 172 ح21 والعوالم الإمام الحسين «عليه السلام»ج 17 ص 505.

وأعراضهم ، وعلى دينهم، وأخلاقهم، وعلى كل نبضات الحياة فيهم..

وهو يدخل أهل الدين والحق في صراع صعب ومرير، ويحتم عليهم بذل جهود جبارة، وتقديم تضحيات كبيرة لكي يدفعوا عن أنفسهم وعن دينهم، وأخلاقهم ،وقيمهم، وكل وجودهم هذا الاستضعاف القاسي، والخطر الداهم..

وسوف تتواصل هذه المعركة بين الحق والباطل، ولن يجد أهل الحق راحة، ولا يرون فرحاً إلى حين خروج الإمام الحجة «صلوات الله عليه». فيكون هو الذي يشفي صدور المؤمنين، ويقتل أعداءهم...

ينال بالوتر أوتاراً:

وتقدم :أن الإمام الحجة ينال بالوتر أوتاراً ، فما هو المقصود بهذه الكلمة؟!

ونجيب بما يلي:

1 - الوتر : هو الذحل والثأر، والإمام المهدي «عليه السلام »هو الذي يطلب بثأر الحسين « عليه السلام». ولكن لا على قاعدة اعتبار هذا ثأراً شخصياً له «عليه السلام»، ليدّعى: أن هذا لا يناسب مقام الإمامة للأمة، بل لأنه من مفردات إقامة القسط والعدل، ومجازاة

الظالم على ظلمه، وإقامة الحدود، وإنزال العقوبات بمستحقيها، ولذلك جاء التعبير هكذا : «وينال بالوتر أوتاراً» فلم ينسب الوتر إليه «عليه السلام».

2 - أما كيف يتصور أن ينال بالوتر أوتاراً ، فلعله ناظر إلى أنه

«عليه السلام» سوف يأخذ بثأر الإمام الحسين «عليه السلام» من ظالميه وقاتليه، إما بتقويض نهج الباطل، وإذلال أهله، أو من خلال الرجعة التي يثبتها القرآن، والحديث المتواتر.

وإذا أخذ « عليه السلام» بثأر الإمام الحسين، وبثأر النبي، والزهراء، وسائر الأئمة« صلوات الله عليهم أجمعين» من المعتدين والظالمين ،وذلك بسيف الإمامة الذي هو سيف النقمة الإلهية، فإنه يكون قد ثأر لكل من ظلمه من قتلة الإمام الحسين ،والحسن، وعلي، والنبي

والزهراء، والسجاد والباقر وسائر الأئمة «صلوات الله وسلامه عليهم».. وكل من ناله ظلم بسببهم ،ولو عبر وسائط قريبة كانت أو بعيدة ..

ولو أن غير الإمام قد قتل هؤلاء المجرمين، فإن ذلك لا يحقق الغرض المطلوب، ولا يكون ثأرا لكل مظلوم.

سبعون فرجاً أجواب:

وتقدم أن الحلبي «رحمه الله» قال للإمام الصادق «عليه السلام»: «إلى متى أنتم ونحن في هذا القتل والخوف والشدة؟

فقال: حتى يأتي سبعون فرجاً أجواب».

والظاهر:أن كلمة أجواب جمع جوب..

والمراد: أن هذا البلاء سوف يستمر عبر الأحقاب والأزمان إلى حين ظهور الإمام الحجة « عليه السلام»، ولكن ذلك لا يعنى أن لا

تتخلل هذه العصور والدهور فترات راحة وفرج، تصل إلى سبعين فترة، ولكنها فترات موزعة في طول الزمان، ولا تواصل فيما بينها.. كما دلت عليه كلمة «أجواب» الدالة على التقطيع والتفريق..

أو المراد: أن فرصاً عديدة تصل إلى سبعين تكون سانحة لظهور الإمام «عليه السلام»، وحصول الفرج، ولكنها تضيع لأسباب مختلفة، ومستجدات غير متوقعة، ولسوء رعاية لما يجب على أهل الحق رعايته، أو لغير ذلك من أسباب.

وفي المرة السبعين يكون الفرج الحقيقي، فإذا دخل وقتها أقبلت الرايات (أو الآيات) تترى كأنها نظام خرز يشبه بعضه بعضاً، ولا يكون بين حبة منه وحبة أخرى أي اختلاف أو تفاوت، أو تواصل غير طبيعي، وما إلى ذلك .

بدء حركة التوابين:

1 - وذكرت الرواية المتقدمة : أن إنساناً أنذر جيش ابن سعد بعد قتل الإمام الحسين « عليه السلام» أن يحذروا من أن يدعو النبي «صلى الله عليه وآله» عليهم.. وقد وصفه جيش ابن سعد بأنه إنسان مجنون. وهذا يشير إلى أنه جاءهم بصورة البشر...

غير أن مضمون صرخته يدل على أنه ليس إنساناً عادياً، فإنه ذكر لهم: أن سبب صرخته: أن النبي «صلى الله عليه وآله» ينظر إلى الأرض مرة، وإليهم في كربلاء مرة، فيخاف ذلك الصارخ من أن يدعو النبي «صلى الله عليه وآله» على أهل الأرض، فيهلك هو مع

من يهلك من أهلها ..

فيلاحظ :أنه يخبر عن أمر لا سبيل لاطَّلاع البشر عليه، فمن هو هذا الصارخ ، فهل هو ملك في صورة إنسان؟! أو هو إنسان أمره إمام، أو أمر آخر بأن يطلق هذه الصرخة؟!

إننا لا سبيل لنا إلى معرفة الحقيقة إلا بالرجوع إلى المعصوم، وهذا ما فعله الحلبي نفسه، فقد سأل الإمام الصادق «عليه السلام» عنه، فأجابه بقوله : ما نراه إلا جبرئيل «عليه السلام»..

2 - إن ذلك الصارخ لم يقل لجيش يزيد، أخاف أن يدعو الله عليكم، فأهلك فيكم.. ربما لأنه لم تكن له صلة بهم، أو لأنه كان يعرف سنة الله فيهم وفي أمثالهم..

3 - كما أنه قد ذكر لهم أن من الممكن أن يدعو الرسول «صلى الله عليه وآله» على أهل الأرض كلهم، فما هو المبرر للدعاء على سائر من لم يشارك في الحرب على الإمام الحسين «عليه السلام»؟!

ويجاب:

بأن تخاذل الأمة عن القيام بواجبها ورضاها بحكم المضلين والمبطلين، وتخاذلها عن نصرة الحق وأهله والدفاع عن إمامها المعصوم يجعلها مستحقة للهلاك والعذاب .

ولعلك تقول:

أليس يقال : إن هذه الأمة في أمان من عذاب الاستئصال؟!

فيجاب:

بأن الأمة إنما تكون في أمان من هذا ما دامت لم تبادر هي إلى قتل سبب استمرار هذا الأمان، فإذا فعلت ذلك تكون قد تقدمت خطوة كبيرة نحو تعريض نفسها لهذا الخطر العظيم، لو اجتمعت سائر الشروط..

حيث يكون تعالى - كما يستفاد من هذا النداء - قد علق إنزال العذاب عليها على شرط أخير، هو أن يدعو رسول الله «صلى الله عليه وآله» عليهم، ويكون قد أعطى الرسول «صلى الله عليه وآله» الخيار في ذلك.

4 - بقى أن نشير إلى أن ظاهر هذا النص أن قسماً وافراً من الذين عرفوا باسم التوابين قد شاركوا في الحرب ضد الإمام الحسين «عليه السلام» يوم عاشوراء، كما يدل عليه قولهم المتقدم: «قتلنا لابن سمية سيد شباب أهل الجنة، فخرجوا على عبيد الله بن زياد، فكان من أمرهم ما كان».

ما نراه إلا جبرئيل «علیه السلام» ، لماذا ؟!:

ويلاحظ :أنه « عليه السلام» لم يقل للحلبي عن ذلك الصارخ: هو جبرئيل .بل قال: ما نراه إلا جبرئيل «عليه السلام». ربما لأنه لو أجاب بقوله هو جبرئيل، لوجد من يشكك أو يعترض، أو ينم عليه لبني العباس مدَّعيا عليه :أنه بصدد جمع الأنصار، من خلال ادّعائه لنفسه علم الغيب، وإلا فمن أين علم أنه جبرئيل، وهو لم يره، ولو رآه فإنما

يرى رجلاً له صفات البشر ، كما صرحت به الرواية نفسها، فمن أين علم أنه ملك، أو جن؟! ولو علم أنه ملك، فمن أخبره أنه جبرئيل، فلعله ملك آخر؟!

ولأجل ذلك أضاف «عليه السلام» كلمة :«ما نراه»، مع أنه قد جزم بأنه جبرئيل، وهذا من روائع الأجوبة..

رؤيا ابن عباس:

1 - عن ابن عبّاس: رأيتُ النَّبيَّ «صلى الله عليه وآله» فيما يَرَى التائِمُ بنِصفِ النَّهار، وهُوَ قائِمٌ أَشْعَتْ أغبَرُ، بِيَدِهِ قارورَةٌ فِيها دَمٌ، فقلتُ :بأبي أنت وأمي يا رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ما هذا؟

قالَ: «هذا دَمُ الحُسَين وأصحابه، لم أزل ألتَقِطهُ مُندُ اليَوم».

فأحصينا ذلِكَ اليَومَ ، فَوَجَدوهُ قُتِلَ فِي ذلِكَ اليَوم (1).


1) موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص 34 عن مسند ابن حنبل ج 1 ص 606 ح 2553 وص 521 ح 2165 و (ط دار صادر) ج 1 ص283 نحوه، والمستدرك على الصحيحين ج 4 ص 439 ح 8201 و (بتحقيق المرعشلي) ج 4 ص 398 وفضائل الصحابة لابن حنبل ج 2 ص 779 ح 1381 وص778 1380 نحوه، والمعجم الكبير ج 3 ص 110 ح 2822 وج 12 ح ص 143 ح 12837 و الطبقات الكبرى( الطبقة الخامسة من الصحابة) ج1 ص 427 415 وتهذيب التهذيب ج 1 ص 594 و (ط دار الفكر) ج2 ص 306 ودلائل النبوة للبيهقي ج 6 ص 471 وج 7 ص 48 وتاريخ بغداد ج 1 ص 142 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 315 والتبصرة ج 2 ص14 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 17 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 237 وأسد الغابة ج 2 ص 29 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 94 وتذكرة الخواص ص 268 والمحن ص 153 والأمالي للشجري ج 1 ص 160 ومثير الأحزان ص 80 وشرح الأخبار ج 3 ص 168 ح 1110 وكشف الغمّة ج 2 ص 267 وإعلام الورى ج 1 ص 430 وبحار الأنوار ج 45 ص 231 ح 3 وراجع: مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي ص317 والبداية والنهاية (ط) دار إحياء التراث ج 6 ص 258 وج8 ص 218 وفيض القدير ج 1 ص 265 وتهذيب الكمال ج 6 ص 439 والإصابة ج2 ص 71 وتاريخ الخلفاء ص 227 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 385 وكفاية الطالب ج 2 ص 126 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 369 وج 33 ص 701 .

2 - وفي نص آخر: قالَ: فَكْتِبَ ذلِكَ اليَومُ الَّذِي قَالَ فيهِ، وتِلْكَ السّاعَهُ ،قالَ: فما لبثوا إلا أربَعَة وعِشرينَ يَوماً حَتَّى جَاءَهُمُ الْخَبَرُ بالمَدِينَةِ، أَنَّهُ قُتِلَ ذلِكَ اليَومَ ، وتِلْكَ السَّاعَة (1)


1) موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص 34 عن: تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 237 وكفاية الطالب ص 428 عن عليّ بن زيد بن جذعان، وجواهر المطالب ج 2 ص 298 والبداية والنهاية ج 8 ص 200 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 218. وراجع: مناقب آل أبي طالب ج4 ص 84 والأمالي للطوسي ص 315 وبحار الأنوار ج 45 ص231. وراجع: ترجمة الإمام الحسين «عليه السلام»لابن عساكر ص 387 والدر النظیم ص567 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 370 و ج 27 ص 325.

ونقول:

لماذا ابن عباس؟!:

لقد كانت أم سلمة، التي لم يكن يمكن لأحد إلا أن يذكرها بكل خير، وأن يثني على فضلها، وتقواها ،وعقلها ودينها. ولا يمكن أن يدَّعي أحد أنها قد أعملت سليقتها في أمر التربة التي فاضت دما عبيطاً، لاسيما وأن النبي «صلى الله عليه وآله» هو الذي أودعها إياها .وهو الذي أخبر قبل أكثر من نصف قرن من الزمن عن قتل الحسين «عليه السلام»، وأخبر أن هذه التربة ستفيض دما في يوم استشهاده.. وكان هذا الأمر معروفاً لدى الخاص والعام..

وكما كان حال أم سلمة هو هذا، كان ابن عباس أيضاً شخصية محترمة، ومبجلة، وموثوقة ، وكانت له مكانة متميزة عند عمر بن الخطاب، وسائر الصحابة، والكل يقر بفضله، وعلمه وعقله، واستقامته...

كما أنه كان في هذه الفترة - فترة قتل الحسين «عليه السلام» - قد أصيب بالعمى، ولا يمكن اتهامه بالمشاركة في نشاط الإمام الحسين «عليه السلام»، بل هو ممن نصحوا الإمام «عليه السلام» بعدم المسير إلى العراق كما تقدم..

فكانت رؤياه للنبي «صلى الله عليه وآله» في نفس ليلة استشهاد الإمام حجة دامغة، ولا مجال لاتهامه فيها بشيء. لاسيما وأنهم قد كتبوا اليوم الذي حصلت فيه الرؤيا، وكتبوا ساعتها أيضاً، فجاءهم

الخبر في المدينة بعد أربعة وعشرين يوماً، موافقا لليوم والساعة كما كتبوا.

الفصل السابع: حديث القارورة ..

اشارة

قارورة أم سلمة:

1 - تقول أم سلمة «رحمها الله»: خَرَجَ رَسولُ الله «صلى الله عليه وآله »مِن عِندِنا ذات ليلةٍ، فغابَ عَنا طويلاً، ثمَّ جَاءَنا وهُوَ أَشْعَتْ أعْبَرُ، ويَدُهُ مَضمومة، فقلت: يا رسول الله «صلى الله عليه وآله »! ما لي أراكَ شَعِثا مُغبَراً ؟

فقال: «أسْري بي في هذا الوَقتِ إِلى مَوضِع مِنَ العِراق يُقالُ لَهُ كَربَلاءُ، فَأُريتُ فِيهِ مَصَرَعَ الحُسَين ابني وجَمَاعَةٍ مِن وُلدي وأهل بَيتي، فلم أزل ألقط دِماءَهُم، فها هِيَ فِي يَدي، وبَسَطها إليَّ، فَقالَ: «خُذيها واحتفظي بها».

فَأَخَذْتُها ، فإذا هِيَ شبهُ تُراب أحمَرَ ، فَوَضَعتُهُ في قارورة، وسَدَدتُ رأسها، واحتفظتُ بِهَا.

فَلمّا خَرَجَ الحُسَينُ «عليه السلام» مِن مَكَةٌ مُتَوَجِّها نَحوَ العِراق، كُنتُ أُخْرِجُ تِلكَ القارورة في كُلِّ يَوم وليلةٍ، فَأَشمُّها، وأنظُرُ إليها، ثُمَّ أبكي لِمُصابه.

فلمّا كانَ [فِي] اليَوم العاشر مِنَ المُحَرَّمِ - وهُوَ اليَومُ الَّذي قُتِلَ فيهِ

«عليه السلام» - أخرَجتُها في أوَّل النَّهار ، وهِيَ بِحالِها، ثُمَّ عُدتُ إليها آخِرَ النَّهارِ، فَإِذَا هِيَ دَمٌ عَبِيط، فَصِحتُ في بَيتي وبَكَيتُ، وكَظمتُ غَيظي؛ مَخافة أن يَسمَعَ أعداؤُهُم بالمَدينَةِ، فيُسرعوا بالشمائةِ، فلم أزل حافظة لِلوَقتِ حَتَّى جَاءَ النَّاعِي يَنعَاهُ، فَحُقَّقَ مَا رَأَيتُ (1).

2 - عن أمّ سلمة: جاءَ جَبْرَئِيلُ إِلى النَّبِيِّ «صلى الله عليه وآله»، فقالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ تَقتُلُهُ - يَعنِي الحُسَينَ - بَعدَكَ.

ثُمَّ قال له: ألا أريكَ مِن تُربَةِ مَقْتَلِهِ؟

قالَ: نَعَم.

فجاءَ بِحَصَياتٍ، فَجَعَلَهُنَّ رَسُولُ اللهِ«صلى الله عليه وآله»في قارورة.

فلمّا كانت ليلة قتل الحُسَين «عليه السلام»، قالت أُمُّ سَلَمَة: سَمِعتُ قائلا يَقولُ:

أيُّهَا القَاتِلُونَ جَهْلاً حُسَيْناً ***أبْشِرُوا بِالعَذَابِ وَالتَّنْكِيل

قدْ لعِبْتُم عَلى لِسَان ابن دَاودَ*** وَمُوسَى وَصَاحِبِ الإنجيل


1) موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص 31 عن : الإرشاد ج 2 ص 130 وروضة الواعظين ص 213و (منشورات الشريف الرضي) ص193 وكشف الغمّة ج 2 ص 220 وإعلام الورى ج 1 ص 428 وبحار الأنوار ج 44 ص 239 ح 31 وراجع :تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 245 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 190 - 194 ح 3522 - 3532 وراجع :العوالم، الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص127.

قالت: فَبَكَيتُ ففَتَحتُ القارورة، فإذا قد حَدَتْ فِيها دَمٌ (1).

3 - عن الباقر «عليه السلام»: لمَّا أرادَ الحُسَينُ «عليه السلام» الخروج إلى العِراق بَعَنْت إِليهِ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنها - وهِيَ الَّتي كانَت رَبَّته، وكانَ أحَبَّ النّاس إليها، وكانت أرقَّ النّاس عَليهِ، وكانَت تُربَهُ الحُسَين «عليه السلام» عِندَها في قارورة دَفَعَها إليها رَسولُ الله «صلى الله عليه وآله» - فقالت: يا بُنَيَّ، أَتْرِيدُ أَن تَخرُجَ؟

فقال لها : يا أُمَّه، أريدُ أن أخرُجَ إِلى العِراق.

فقالت: إنّي أذكَّرُكَ الله تعالى أن تَخْرُجَ إِلى العِراق.

قالَ : ولِمَ ذَلِكَ يا أُمَّه؟

قالت: سَمِعتُ رَسولَ الله «صلى الله عليه وآله» يَقُولُ: «يُقْتَلُ ابنِيَ الحُسَينُ بِالعِراق»، وعِندي يا بُنَيَّ تُربَتْكَ في قارورةٍ مَحْتُومَةٍ دَفَعَها إِليَّ رَسولُ الله «صلى الله عليه وآله».

فقال: يا أماه، والله، إنّي لمقتول، وإنّي لا أفِرُّ مِنَ القَدَرِ وَالمَقدور


1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 95 والصواعق المحرقة ص193 نحوه؛ وبحار الأنوار ج 44 ص 241 ح 34 ونظم درر السمطين ص217 ج44 ص41 والعوالم ،الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 128 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 346 وفي المصادر التالية« سمعت الجن تنوح»، فراجع تاریخ مدينة دمشق ج 14 ص 240 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج6 ص2650 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 219 وترجمة الإمام الحسين«عليه السلام» لابن عساكر ص 396.

والقضاء المحتوم، والأمر الواجب مِنَ الله تَعالى.

فقالت: واعَجَباه! فأينَ تَذْهَبُ وأَنتَ مَقتول؟

ققالَ: يا أُمَّه، إن لم أذهَبِ اليَومَ ذَهَبتُ غَداً، وإن لم أذهَب غَداً لذهَبتُ بَعدَ غَدٍ، وما مِنَ المَوتِ - والله يا أُمَّه - بُدُّ، وإنِّي لأعرفُ اليَومَ وَالمَوضِعَ الذي أقتَلُ فيهِ، وَالسّاعَة التي أقتَلُ فيها، وَالحُفْرَةَ التي أدفنُ فيها، كما أعرفُكِ، وأنظر إليها كَما أَنظُرُ إليكِ.

قالت: قد رأيتها؟

قالَ: إن أحبَبت أن أريَكِ مَضجَعي، ومَكاني ومَكَانَ أصحابي فَعَلْتُ .

فقالت: قد شئتها.

فما زادَ أن تَكَلَّمَ : بسم الله ، فَخَفِضَت له الأرض حتى أراها مَضجَعَهُ، ومَكانَهُ ومَكانَ أصحابه، وأعطاها من تِلكَ التُربَةِ، فَخَلطتها مَعَ التُربَةِ التي كانَت عِندَها .

ثُمَّ خَرَجَ الحُسَينُ «عليه السلام»، وقد قال لها : إِنِّي مَقتول يَومَ عاشوراء.

فلمّا كانَت تِلْكَ الليلة التى صَبِيحَتَها قُتِلَ الحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ «عليه السلام» فيها، أتاها رسولُ الله «صلى الله عليه وآله» فِي المَنامِ أشعَث، باكِياً، مُغبَراً. فقالت :یا رسول الله«صلى الله عليه وآله» ، ما لي أراك باكِيا، مُغبَرًا، أَشْعَتْ؟

فَقالَ: «دَقنتُ ابنِيَ الحُسَينَ «عليه السلام» وأصحابَهُ السّاعَة».

فَانتَبَهَت أُمُّ سَلَمَة «رَضِيَ اللَّهُ عَنها»، فَصَرَخَت بأعلى صوتها، فقالت: وا إبناه !

فاجتَمَعَ أهلُ المَدينَةِ، وقالوا لها: مَا الَّذي دَهاكِ؟

فقالت: قُتِلَ ابْنِي الحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ «عليه السلام».

فقالوا :لها وما عِلْمُكِ بِذلِكِ؟

قالت :أتاني فِي المَنامِ رَسولُ الله «صلى الله عليه وآله» باكِياً أشعَتَ أغبَرَ ، فَأَخبَرَنِي أَنَّهُ دَفَنَ الحُسَينَ وأصحابَهُ السّاعَة.

فقالوا : أضغاث أحلام.

قالت: مَكانَكُم ! فَإِنَّ عِندي تُربَة الحُسَين«عليه السلام»، فأخرَجَت لهُمُ القارورةَ ، فَإِذَا هِيَ دَمٌ عَبيط (1)

العبيط: الطري.

4 - عن غياث بن إبراهيم، عن الصادق جعفر بن محمد «عليه السلام »:أصبَحَت يَوماً أُمُّ سَلَمَة تَبكي، فقيل لها: مِمَّ بُكَاؤُكِ؟

فقالت: لقد قُتِلَ ِابنِيَ الحُسَينُ «عليه السلام» اللَّيلة، وذلِكَ أنَّني ما


1) الثاقب في المناقب ص 330 272 ومدينة المعاجز ج 3 ص 489 عنه، وراجع :الخرائج والجرائح ج 1 ص 253 والصراط المستقيم ج 2 ص 179 وبحار الأنوار ج 45 ص 89 وعيون المعجزات ص 60 والهداية الكبرى ص 202.

رَأَيتُ رَسولَ الله «صلى الله عليه وآله» مُندُ قُبِضَ إِلا اللَّيلة، فرأيتُهُ شاحباً كئيباً.

قالت: فقلتُ: ما لي أراك يا رسولَ الله شاحِباً كَئيباً؟

قالَ: «ما زلتُ الليلة أحفِرُ قُبوراً لِلحُسَين وأصحابه «عليهم السلام»»(1)


1) موسوعةالإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص 27 و 73 عن الأمالي للمفيد ص319 ح 6والأمالي للطوسي ص 90 ح 140 والأمالي للصدوق ص 202 ح 217 عن أبي البختري وهب بن وهب عنالإمام الصادق، عن آبائه «عليهم السلام»، وروضة الواعظين ص 188ومنشورات الشريف الرضي ص 170 وفيه«روي : أصبحت...»، وبحار الأنوار ج 45 ص230 و س 232 و 227 وراجع شرح الأخبار ج 3 ص 167 وراجع: سنن الترمذي ج ه ص 657 ح 3771 و (ط دار الفكر ) ج 5 ص 323 ح 3860 والمستدرك على الصحيحين ج 4 ص 20 ح 6764 و (بتحقيق المرعشلي) ج 4 ص 19 عن سلمان، والمعجم الكبير ج 23 ص 373 ح 882 وتهذيب الكمال ج 6 ص 439 وج 9 ص 187 و تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 238 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 17 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 316 وأسد الغابة ج 2 ص 29 و (نشر دار الكتاب العربي) ج 2 ص 22 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 96 والعمدة ص 404 ح 830 عن أم سلمى، ص404 والصراط المستقيم ج 3 ص 124 كلاهما نحوه، وكشف الغمة ج 2 ص 223) و (ط دار الأضواء) ج 2 ص 220 وراجع :العوالم الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 509 و 507 وإبصار العين ص13 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 213 والعمدة لابن البطريق ص 404 ونظم درر السمطين ص 217 والتاريخ الكبير ج 3 ص 324 والجوهرة في نسب الإمام علي وآله ص 46 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص2644 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 218 وتاريخ الخلفاء ص 227 ودلائل النبوة ج 7 ص 48 وترجمة الإمام الحسين«عليه السلام» لابن عساكر ص 388 ومطالب السؤول ص 378 وجواهر المطالب ج 2 ص 298 وكفاية الطالب ج 2 ص 126 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 75 وينابيع المودة ج 3 ص 13 وذخائر العقبى ص148.

وفي نص آخر: «وَانتَبَهتُ، وقُمْتُ إلى القارُورَةِ، فَوَجَدتُها تَفُورُ دَمَا الخ..» (1)

ه - عن عبد الله بن عبّاس: بَينا أنا راقِدٌ في مَنزلي إذ سَمِعتُ صُراخا عَظيماً عالياً مِن بَيتِ أُمِّ سَلَمَة زَوج النَّبِيِّ «صلى الله عليه وآله»، فَخَرَجْتُ يَتَوَجَّهُ بي قائدي إلى منزلها ، وأقبَلَ أهْلُ الْمَدِينَةِ إليها الرِّجالُ وَالنّساءُ، فلمَّا انتَهَيتُ إليها قُلتُ: يا أمّ الْمُؤْمِنِينَ، مَا بِالْكِ

تَصِرُخِينَ وَتَغوثِينَ؟!

فلم تجبني.

وأقبلت عَلى النّسوَةِ الهاشمِيّاتِ وقالت: يا بَنَاتِ عَبدِ المُطَّلِبِ،


1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 96 وبحار الأنوار ج 45 ص 232 والعوالم، الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 508 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 240 .

أسعِدنَني، وابكينَ مَعي، فقد - والله - قُتِلَ سَيِّدُكُنَّ وسَيِّدُ شَبابِ أهل الجَنَّةِ، قد - وَالله - قُتِلَ سبط رَسول الله وريحانَتُهُ الحُسَينُ «عليه السلام».

فقيل : يا أُمَّ المُؤمِنينَ، ومِن أينَ عَلِمتِ ذلِكِ؟!

قالت: رَأَيْتُ رَسولَ الله« صلى الله عليه وآله» فِي المَنامِ السَّاعَةِ شَعِيًّا مَذعوراً، فَسَأَلْتُهُ عَن شَأْنِهِ ذلِكَ.

فَقالَ: «قُتِلَ ابْنِي الحُسَينُ وأهلُ بَيْتِهِ اليَومَ ، فَدَقْنتُهُم، وَالسَّاعَةَ فَرَعْتُ مِن دَفْنِهم».

قالت: فقمتُ حَتى دَخَلْتُ البَيت، وأنا لا أكاد أن أعقِلَ، فَنَظَرتُ فإذا بثربَةِ الحُسَين« عليه السلام» التي أتى بها جَبْرَئِيلُ مِن كَربَلاءَ، فقال: إذا صارت هذهِ التُربَة دَما فقد قُتِلَ ابنُكِ.

وأعطانيها النَّبِيُّ «صلى الله عليه وآله»، فقال: «اجْعَلي هَذِهِ التُربَة في زُجَاجَةٍ - أو قال: في قارورة - وَلتَكُن عِندَكِ، فإذا صارَت دَما عَبيطاً فقد قُتِلَ الحُسَينُ».

قرَأيتُ القارورة الآن وقد صارَت دَما عَبيطاً تَفُورُ.

قال: وأخذت أُمُّ سَلَمَة مِن ذلِكَ الدَّم، فلطخت بهِ وَجَهَهَا، وَجَعَلْت ذلِكَ اليَومَ مَأْتَماً ومَناحَة عَلى الحُسين «عليه السلام»، فَجَاءَتِ الرُّكبان بخَبَرِهِ، وأنَّهُ قد قُتِلَ فِي ذلِكَ الْيَومِ (1).


1) الأمالي للطوسي ص 315 ح 640 ومناقب آل أبي طالب ج4 ص55 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 213 نحوه، وبحار الأنوار ج 45 ص 230 وراجع ص 227 والعوالم الإمام الحسين «عليه السلام»ج 17 ص 508 وراجع ص 507

ونقول:

لا بأس بالنظر إلى الأمور التالية:

أم سلمة دون سواها:

إن أم سلمة من خيرة نساء رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وهي أفضلهن بعد خديجة «عليها السلام».. وقد اختارها رسول الله «صلی الله عليه وآله »ليستودعها التربة التي جاءه بها جبرئيل «عليه السلام »من كربلاء، أو التي أتى بها النبي بنفسه حين أسري به إلى

كربلاء..

ولم يودع التربة لدى ابنته فاطمة «عليها السلام»، وهي الأم الحقيقية للحسين، الذي تعنيه التربة وتعنيها من خلاله أكثر مما تعني أم سلمة، مع أن فاطمة كانت أصغر سناً من أم سلمة.

فمظنة بقائها على قيد الحياة إلى حين استشهاده «عليه السلام» أكبر وأكثر من أم سلمة.

فهل خص النبي أم سلمة بالتربة، لأنه كان على علم بأنها سوف تعيش إلى ما بعد سنة إحدى وستين هجرية، أما فاطمة فلن تعيش لهذه المدة؟!

فإن كان هذا هو السبب، فهو يعطي: أن الله تعالى يخبر نبيه

بالمباشرة، أو بالوسائل المؤدية إلى معرفة أعمار الناس..

وبذلك يعلم :أن اختيار أم سلمة قد جاء في صراط توفير أسباب الهداية للناس جيلاً بعد جيل إلى يوم القيامة.

وقد كانت «رحمها الله» هي الوسيلة القادرة على حفظ الأمانة، وتأديتها إلى أهلها، ولا يضعفها ترهيب ولا ترغيب..

كما أنه قد كان لها من المكانة في المسلمين.. ما يجعل التعرض لها أمراً غير ممكن لأي كان من الناس..

على أن كون هذه الوديعة عند أم سلمة، يقطع الطريق على ادّعاء اختراع هذا الأمر، أو التلاعب به، إذ لا مصلحة لها في الإقدام على أمر كهذا. أما لو وضعت عند أي شخص له صلة قربى بالإمام الحسين«عليه السلام». فإن هذه التهمة ستؤثر سلبا على كثير من ضعفاء النفوس. ولن تؤدي الغرض الذي أريد لها أن تؤديه.

اختلافات لا تضر:

1 - ونجد بعض الاختلافات في حديث التربة التي أودعها النبي «صلى الله عليه وآله »لدى أم سلمة، ولكنه اختلاف لا يضر في أصل حدوث هذا الأمر، فإن الروايات متفقة على حصول هذا الإيداع، وعلى أن التربة قد فاضت دما حين استشهد الإمام الحسين «عليه

السلام» .

فقول إحدى الروايات: إنه أسرى برسول الله «صلى الله عليه وآله »»إلى كربلاء، فلقط من دمائهم فلما عاد إلى المدينة أعطى ما

لقطه منها إلى أم سلمة، فإذا هو شبه تراب أحمر . وإن كان يخالف قول رواية أخرى أن جبرئيل قد جاءه بحصيات من كربلاء، أو جاءه بتراب منها.

فإن هذا الاختلاف قد يكون بسبب سوء حفظ الرواة، بصياغة الحدث كل على طريقته، وحسب سليقته.

ولعل بعض الخصوصيات بسبب تعاقب الدهور تفقد الكثير من تألقها في الذهن، ويتلاشى حضورها .لاسيما وأن الاعتماد على الذاكرة كان هو الوسيلة الوحيدة لحفظ المعلومات طيلة عشرات السنين، لعدم الاهتمام بالتدوين ،بسبب سياسات المنع عنه، مع شيوع الأمية في الناس، حتى أصبحت الكتابة تعد عيباً، لا بد من تحاشيه.

2 - كما أن قول بعض الروايات :إن أم سلمة حين رأت القارورة قد فاضت دما كتمت الأمر مخافة تعجيل الشماتة من الأعداء.. لا ينافي أنها صرخت حين رأتها فاضت دما ، فاجتمع عليها أهل المدينة.. إذ يمكن أن يكون المراد بأهل المدينة هم بنو هاشم، وقلة من الناس كانت بيوتهم بالقرب من بيت أم سلمة .. ممن يمكن أن يصل إليهم صوت صرختها، وتكون الضجة الكبيرة والواعية العظيمة قد حصلت حين إعلان والي المدينة الخبر. كما تقدم..

أهمية حديث القارورة :

إن لحديث قارورة أم سلمة أهمية بالغة في حادثة عاشوراء.. وذلك لما يلي:

ألف: إن التدبير الإلهي لاستثمار شهادة الإمام الحسين« عليه السلام» قد بدأ في عهود الأنبياء السابقين.. بل نجد له جذوراً من لدن آدم ونوح وإبراهيم، وإسماعيل، وموسى وسليمان، وعيسى «عليهم السلام»، إن لم نقل: قبل ذلك أيضا (1)

ب :وإذا اقتصرنا على عهد خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام، فسنجد أن الإشارات والإخبارات عن هذا الاستشهاد قد بدأت قبل أن يولد الإمام الحسين «عليه السلام».

ثم تواصلت في عهد الرسول «صلى الله عليه وآله»، ثم لهج بها أمير المؤمنين والإمام الحسن «عليهما السلام» ورواه الصحابة وتداولوه أيضاً بصورة مكثفة، غير أن قصة القارورة قد بدأت من عهد الرسول «صلى الله عليه وآله»، وتواصل حضورها طيلة ما

يزيد على نصف قرن من الزمن إلى حين استشهاده.

ج: إن وظيفة هذه القارورة المملؤة تراباً هي أن يفيض هذا التراب دما في لحظة الاستشهاد، لتكون آية إلهية تدين القتلة، وتعلن


1) راجع :بحار الأنوار ج 44 ص 242 - 245 و 308 و 237 و 238 و 230 و 227 و 226 و 225 و 224 و 223 والعوالم الإمام الحسين «عليه السلام»ج17 ص 101 - 110 وكامل الزيارات ص 64 و 137 و علل الشرايع ج 1 ص73 وعيون أخبار الرضا ج 1 ص 209 والخرائج والجرائح، والإحتجاج، ومصادر كثيرة أخرى.

الغضب الإلهي عليهم، وتميز بينهم وبين أهل الحق، ليحيا من حيي عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة.

د: إن الموضع الذي حفظت فيه هذه القارورة يبعد عن مكان الاستشهاد مئات الأميال، حيث يحتاج وصول الخبر من مكان الشهادة إلى مكان القارورة إلى أكثر من عشرين يوماً..

وتقدم في رؤيا ابن عباس : أنهم كتبوا يوم وساعة تلك الرؤيا. ثم انتظروا أربعة وعشرين يوماً، حتى وصل إليهم في المدينة خبر استشهاد الإمام الحسين «عليه السلام» في كربلاء.

ه :إن من المعلوم: أن وسائل الاتصال السريع لم تكن متوفرة في تلك الحقبة من الزمان، فلم يكن لدى الناس مذياع، ولا هاتف ،فضلاً عن ما يسمى باللاسلكي، أو التلفزيون أو ما إلى ذلك..

كما أنه لم يكن لدى الناس وسائل نقل سريعة ،كالسيارة، والقطار ،والطائرة، والدراجة النارية، أو الهوائية، ونحو ذلك..

و :لم يبق أحد من أهل بيت الحسين ،وصحبه ومحبيه المهتمين بأمره إلا قتل، أو أسر، أو سبي، فلا يوجد من يرغب بالسفر من كربلاء العراق إلى المدينة المنورة في الحجاز، ليخبر أهل الحجاز بما جرى، بل لم يكن هناك من يرغب في استئجار رسول لهذا الغرض، إما شحاً منه بالمال، أو خوفاً من بطش السلطة، أو عن غفلة، أو عدم اكتراث.

ز: لكن الله سبحانه قد أبلغ هذا الحدث الجلل، سائر الأقطار

الإسلامية في مختلف الأمصار ، كالكوفة، والمدينة، ومكة، وبيت المقدس، والشام، وخراسان. بل أبلغه الدنيا بأسرها، وذلك من خلال الآيات التي أظهرها مثل إمطار السماء دما، ومثل امتلاء قارورة أم سلمة دما عبيطاً، ومثل نوح الجن عليه في مختلف الأقطار، ومثل شجرة أم معبد، ورؤيا أم سلمة، وابن عباس بالإضافة إلى عشرات الآيات الأخرى التي أشرنا إلى شطر منها في كتابنا هذا.

الحسين ابني، وجماعة من ولدي وأهل بيتي«علیه السلام»:

1 - تقدم في النص رقم [1] لقارورة أم سلمة: «أنه «صلى الله عليه وآله» قال لها: فأريت فيه مصرع الحسين، ابني، وجماعة من ولدي، وأهل بيتي». فهو «صلى الله عليه وآله» ينسبهم إلى نفسه بصورة صريحة، فيقول: ابني، ولدي. أهل بيتي الأمر الذي يشير إلى أنه هو المصاب والمعزى بهم، والمعنى بأمرهم، والمهتم بحفظ دمائهم ،ومن ثم بالطلب بثأرهم.

2 - ولعل من أسباب اهتمام بني أمية بإنكار بنوة الحسن والحسين الرسول الله «صلى الله عليه وآله» هو التخفيف من حدة النفور منهم، والنقمة عليهم، بسبب ما فعلوه بالحسنين «صلوات الله عليهما»..

3 - لعل المراد بالتقاط دمائهم، هو أخذ عينات من مواضع نزف تلك الدماء الطاهرة، مع ملاحظة قول الرواية: «.. فإذا هي شبه تراب أحمر»، فإن لنا أن نحتمل أن هذه الحمرة للتراب هي بسبب امتزاحه بدمائهم فعلاً، وإن لم نستطع أن ندرك كيفية حصول ذلك.. لكن من ذا

الذي يحيط بالقدرة الإلهية، وبأسرار التكوين؟!

لا أفر من القدر، والقضاء، والواجب:

في الرواية المتقدمة برقم [3] نلاحظ :

ألف: أن الإمام الحسين «عليه السلام» يُقسم لأم سلمة، ويؤكد قسَمه باللام على أنه مقتول، ثم يقول: وإني لا أفر من القدر والمقدور، والقضاء المحتوم، والأمر الواجب من الله تعالى.

وقد تضمنت هذه الكلمات ثلاثة أمور تحتم كلها عليه أن يمضي إلى العراق، بالرغم من أنه على يقين بأنه سوف يقتل. وهذه الأمور هي:

1 - إن السفر إلى العراق، والتعرض للقتل، هو من القدر المقدور، الجاري وفق الحكمة، ومقتضيات الأحوال، وليس للإنسان أن يتهرب من العمل الموافق للتدبير الصحيح، والحكمة الإلهية، لأن التهرب معناه: أن تكون الأمور في معرض النقص والزوال، أو الاختلال والاعتلال.

2 - إن السفر إلى العراق والتعرض للقتل هو من القضاء البالغ درجة الحتم والإمضاء، فكيف يستسيغ« عليه السلام» العدول عنه، والتهرب منه.

3 - إنه واجب شرعي عليه من الله تعالى ،ولا يصح ترك امتثال الواجب الإلهي.

ب: إن هذه الفقرة الأخيرة بعد ضمها لما قبلها تنتج أن الواجب العقلي يجتمع مع الواجب الشرعي، ويؤكد أحدهما الآخر، من حيث

248

تعزيز تشديد الدعوة للامتثال .

ج: لقد أفهم الإمام الحسين «عليه السلام» أم سلمة: أنه إذا كان النبي «صلى الله عليه وآله» قد أخبرها بأنه «عليه السلام» يقتل بالعراق، فلا معنى لنهيها له عن المسير إلى العراق، فإن كلام الرسول واقع لا محالة.

إني مقتول يوم عاشوراء :

لقد أخبر الحسين «عليه السلام» أم سلمة بمكان قتله، وأراها إياه في كربلاء العراق، وأعطاها من تراب ذلك الموضع، مع أنها هي وإياه في المدينة، ثم أخبرها بيوم قتله أيضاً..

وهذا لا يتنافى مع قوله تعالى: (وَمَا تَدْري نفس بأيِّ أرْضِ تَمُوتُ) (1).

لأن المراد بالآية: أنها لا تدري ذلك بالذات، فلا مانع من أن تدريه بإخبار من الله تعالى، بواسطة نبيه، أو بأي سبب آخر.

وهكذا يقال بالنسبة للمعرفة بزمان الموت.

محاولة تزويرية فاشلة:

وكنا قد ذكرنا :أن حديث القارورة يدل على أن أم سلمة قد عاشت إلى ما بعد استشهاد الإمام الحسين «عليه السلام» سنة إحدى وستين..


1) الآية 34 من سورة لقمان

فما روي عن الواقدي، من أن وفاتها «رحمها الله» كانت سنة 59 للهجرة في شوال.. لا يصح.

وذكر الحاكم: أنها كانت تبكي على الحسين «عليه السلام» وتقول: رأيت الآن رسول الله «صلى الله عليه وآله»وعلى لحيته التراب، وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك يا رسول الله ؟!

قال: شهدت قتل الحسين آنفا (1).


1) المستدرك للحاكم ج 4 ص 194 و (بتحقيق يوسف عبد الرحمن المرعشلي) ص 19 ونظم درر السمطين ص 217 وسنن الترمذي ج 5 ص323 والمعجم الكبير ج 23 ص 373 والتاريخ الكبير للبخاري ج 3 ص324 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 238 وأسد الغابة ج 2 ص 22 وتهذيب الكمال ج 6 ص 439 وج 9 ص 187 وسير أعلام النبلاء ج3 ص 316 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2644 والجوهرة في نسب الإمام علي وآله ص 46 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 17 وتاريخ الخلفاء ص 227 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 388 ودلائل النبوة ج 7 ص 48 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج8 ص218 ومطالب السؤول ص 378 وينابيع المودة ج 3 ص 13 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 75 وكفاية الطالب ج 2 ص 126 وجواهر المطالب ج 2 ص 298 وراجع مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 213 والعمدة لابن البطريق ص 404 وبحار الأنوار ج 45 ص 232 و 227 ،والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 507 ومستدرك سفينة البحار ج 4 ص 24 وكشف الغمة ج 2 ص 220 .

وروي: أن الحارث بن عبد الله بن ربيعة، وعبد الله بن صفوان دخلا على أم سلمة في زمان ولاية يزيد بن معاوية، فسألاها عن الجيش الذي يخسف بهم ،وكانت ولاية يزيد أواخر سنة ستين (1).

وقد اعتبر ابن حجر: أن رواية مسلم هي الرد على ما ذكره الواقدي في سنة وفاتها (2).

ابن عباس كان أعمى:

تقدم في الرواية رقم [ه] :أن ابن عباس لما سمع الصراخ من بيت أم سلمة، قال: «فخرجت يتوجه بي قائدي إلى منزلها».

وهذا يدل: على أنه كان حين قتل الحسين «عليه السلام» قد ابتلي بالعمى حتى احتاج إلى قائد .وهذا يفسر لنا عدم حضوره كربلاء..


1) تهذيب التهذيب ج 12 ص 456 عن صحيح مسلم ج 8 ص 166 وراجع :مسند أحمد ج 6 ص 290 والمستدرك للحاكم ج 4 ص 429 والمعجم الكبير ج 23 ص 409 والإصابة ج 8 ص 344 .

2) تهذيب التهذيب ج 12 ص 405 عن صحيح مسلم، والإصابة ج 8 ص 344 .

القسم السادس :السبايا وما بعد يوم عاشوراء..

اشارة

الباب الأول: من كربلاء إلى الكوفة..

اشارة

الفصل الأول :أسرى.. وسبايا ..

اشارة

ابن سعد يدفن قتلاه:

قال الخوارزمي :«... وأقام عمر بن سعد يومه ذلك إلى الغد، فجمع قتلاه، فصلى عليهم، ودفنهم، وترك الحسين« عليه السلام»، وأهل بيته، وأصحابه»(1).

ونقول:

1 - إن جميع المسلمين يقرون :بأن الحسين «عليه السلام» سید شباب أهل الجنة، ويقرون أيضاً بأنه «عليه السلام» مطهر بنص القرآن الكريم، في قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطهِّرَكُمْ تَطهيرًا ) (2).

وهذا معناه :أن من ينكر أو يريد أن يثير الريب في إسلام الحسين« عليه السلام»، وإيمانه، وطهارته فهو مكذب للقرآن، راد على


1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 39 وبحار الأنوار ج 45 ص 62 والعوالم الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 306.

2) الآية 33 من سورة الأحزاب.

رسول الله «صلى الله عليه و آله»..

فإن كان عمر بن سعد يريد أن يصف الحسين بالكفر - والعياذ بالله - فلا يضر الإمام الحسين «عليه السلام»، بل هو يقر على نفسه بذلك، بعد أن حكم عليه الله ورسوله بذلك، سواء أقر أم لم يقر.

2 - إن الإمام الحسين«عليه السلام» هو إمام الأمة بنص رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ولاسيما في قوله: «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا». وبغير ذلك من نصوص، وباعتراف معاوية الذي أقر في كتاب صلحه مع الإمام الحسن «عليه السلام» بأن الأمر من بعده للحسن ثم للحسين «عليهما السلام».

ومن جهة أخرى، فإن النصوص تقول: إن الباغي المحارب لإمام زمانه كافر يقتل (1).والكافر بجميع أقسامه لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن. ودعوى الإجماع على هذا الحكم متواترة (2).

وقد رووا :أن معاوية قال للإمام الحسين «عليه السلام» عن حجر بن عدي وأصحابه، وسائر شيعة أمير المؤمنين: «قتلناهم،


1) راجع :تاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 3 ص 375 و 384 والفتنة ووقعة الجمل ص 47 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 6 ص 64 وأسد الغابة ج 3 ص 237 وتاريخ مدينة دمشق ج 39 ص 312 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 437 وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص 103.

2) جواهر الكلام ج 4 ص 80 .

وكفناهم، وصلينا عليهم».

فضحك الحسين «عليه السلام»، ثم قال: «خصمك القوم يا معاوية. لكننا لو قتلنا شيعتك ما كفناهم، ولا صلينا عليهم، ولا قبرناهم»(1).

وبما ذكرناه يظهر: أن عمر بن سعد قد عمل بعكس الأحكام الشرعية، فإنه هو وجيشه بغاة خارجون على إمام زمانهم، محكوم بكفرهم، فلماذا صلى على قتلاه ودفنهم، مع قيام الإجماع على أن من قتل منهم لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه ولا يدفن ؟!

ولماذا ترك إمام زمانه، وسيد شباب أهل الجنة، فلم يصل عليه، ولا على أهل بيته وأصحابه، ولم يدفنهم؟!

ومع ذلك نقول:

إنه لا يتوقع من عمر بن سعد، وأمثاله غير هذا الذي فعله، لاسيما وأنه هو الذي قتل الإمام ومن معه، وسبا عياله، وأطفاله..

أسر الحسن المثنى، ثم إطلاق سراحه :

قالوا:

وكان الحسن بن الحسن حضر مع عمه الحسين بن علي «عليهما


1) الإحتجاج للطبرسي ج 2 ص 19 وبحار الأنوار ج 44 ص 129 وج78 ص 298 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 515و (الإسلامية) ج2 ص 704 والدر النظيم ص 528.

السلام »الطف، فلما قتل الحسين وأسر الباقون من أهله، جاءه أسماء بن خارجة فانتزعه من بين الأسرى وقال :والله لا يوصل إلى ابن خولة أبداً.

فقال عمر بن سعد :دعوا لأبي حسان ابن أخته.

ويقال: إنه أسر ، وكان به جراح قد أشفي منها (1). أي أشرف على الموت.

ونقول:

لا نريد أن ندخل في بحوث حول أسماء الأسرى، والسبايا، ومن جرح ومن بقي منهم على قيد الحياة، فإن مراجعة الأجزاء المتقدمة من هذا الكتاب تظهر :أن هناك من قيل :أنه جرح وعاش، وقيل أيضاً: إنه استشهد، أو توجد قرائن على استشهاده.كما أن هناك من قيل :إنه استشهد .. وقيل: إنه بقى حيا ، أو أظهرت الدلائل أنه مات بعد عاشوراء

بزمان.

كما أن هناك من يُدَّعى : أنه جاهد مع الحسين« عليه السلام»، ثم تركه حين بلغ السيل الزبى

وهناك من يُدَّعى: أن الحسين «عليه السلام» قد أثنى عليه، بالرغم من أنه لم ينصره، أو أنه كان مع أعدائه..


1) الإرشاد ج 2 ص 25 وبحار الأنوار ج 44 ص 167 وقاموس الرجال ج11 ص 39 وعمدة الطالب ص 100 والحدائق الوردية ج 1 ص 134.

وهناك من ذكر اسمه بأشكال مختلفة نتيجة للتصحيف..

وهناك.. وهناك..

فلا حاجة إلى الدخول في متاهات الأقوال، التي لا مجال للوصول معها إلى نتائج حاسمة.

وبمراجعة ما ذكرناه في هذا الكتاب، وجمع الأقوال المختلفة التي ترتبط بالعديد من الأشخاص في موتهم وحياتهم نعرف أنها لا تفيد في اليقين بأن هؤلاء الذين يُدَّعى حضورهم كربلاء، أنهم قد حضروا بالفعل، كما لا تفيد في الحكم بأنهم بقوا على قيد الحياة، أو أنهم كانوا في جملة الأسرى الذين أخذوا إلى الشام، ولا يمكن اليقين أو الظن بأسر أحد منهم، باستثناء:

1 - الإمام السجاد «عليه السلام».

2 - الإمام الباقر «عليه السلام».

3 - الحسن المثنى الذي انتزعه أسماء بن خارجة من بين الأسارى.

ويمكن أن يذكر أسماء عدد من بني هاشم يُدَّعى أنهم أسروا، مع وجود أقوال ونصوص تدَّعي خلاف ذلك .

ونقتصر على ما ورد في موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام»، وأشير إلى بعض مصادره، فنقول:

1 - عمرو بن الحسن (1)

وراجع :العوالم، الإمام الحسين ج17 ص444 وتاريخ الأمم والملوك ج4 ص 353 . وورد اسمه في المصادر التالية بشكل «عمر» دون واو (راجع: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 462 و 469 ومقاتل الطالبيين ص 119 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 79 والأخبار الطوال ص 259 و 261 وسر السلسلة العلوية ص259 ص 31 وتذكرة الخواص ص 255 ومثير الأحزان ص 85 و 105 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 112 وذكره في أسماء الشهداء على قيل).

..

أو عمرو بن الحسين(2)


1) راجع موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام»ج 5 ص 185 عن الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة )ج 1 ص 479 وترجمة الإمام الحسين«عليه السلام» من طبقات ابن سعد ص 77 وفيه «ولا بقية له» وص489 والكامل في التاريخ ج 4 ص 93 و الثقات لابن حبّان ج 2 ص 310 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 303 وتاريخ مدينة دمشق ج 69 ص 177 والإرشاد ج 2 ص 26 وفيه «استشهد»، والملهوف ص 191 و 223 وفيه« كان عمرو صغيراً، يقال: إنّ عمره إحدىعشرة سنة». وراجع: هذه الموسوعة ج 5 ص 280 (الفصل الثامن / إقتراح يزيد المصارعة بين ابن الإمام الحسن «عليه السلام» وابنه خالد.)

2) راجع موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام»ج 5 ص 185 عن: شرح الأخبار ج3 ص 197 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 263 والأخبار الطوال ص 259 وفيهما «قد كان بلغ أربع سنين»، وص261 والمنتظم جه ص 344 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 212 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 663 والوافي بالوفيات ج12 ص 265 .

2 - عبد الله (أو عبيد الله )بن العباس بن علي (1).

3 - زيد بن الحسن (2).

4 - محمد بن الحسين (3).

5 - القاسم بن عبد الله بن جعفر (4).


1) راجع: موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام»ج 5 ص 185 عن: شرح الأخبار ج3 ص 196 وراجع: سر السلسلة العلوية ص 89 وأعيان الشيعة ج 1 ص 610.

2) راجع موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام»ج 5 ص 186 عن الملهوف ص 191 و (نشر أنوار الهدى) ص 86 ومثير الأحزان ص 85 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 66 ومقاتل الطالبيين ص 119 و (ط المكتبة الحيدرية) ص79 وفي سر السلسلةالعلوية ص 20 «تأخر عن نصرة عمه الحسين «عليه «السلام».

3) شرح الأخبار ج 3 ص 197 والعقد الفريد ج 3 ص 368 و 370 والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 2 ص 6 و (تحقيق الشيري) ج 2 ص 12 وفيهما قضية دخول مجلس يزيد وعلى الرغم من أنّ الإمام الحسين « عليه السلام» كان له ولد يدعى محمد، إلا أننا نحتمل أنه كان محمد بن علي بن الحسين وقد صحف (راجع: المحن ص 148 وتذكرة الخواص ص 277 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 113 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 260 ) . .

4) الطبقات الكبرى الطبقة الخامسة من الصحابة ج 1 ص 479 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص78 وسير أعلام النبلاء ج3 ص 303 وشرح الأخبار ج 3 ص 197 وتاريخ مدينة دمشق ج 49 ص 89 والوافي بالوفيات ج 12 ص 265 .

6 - القاسم بن محمد بن جعفر (1).

7 - محمد بن عقيل (2).

8 و 9 - طفلان لمسلم بن عقيل، كما في رواية الشيخ الصدوق، لعبد الله بن جعفر، كما قال غيره. وقد ذكرنا مصادر ذلك في هذا الكتاب، فراجع.

الناجون من الأصحاب :

وأما الناجون من أصحاب الإمام الحسين «عليه السلام»، فقد ذكروا أسماء سبعة منهم قد تقدم الحديث عنهم في ثنايا هذا الكتاب،

وهم:

1 - المرقع بن ثمامة. فقد ورد أنه جرح في كربلاء، وتوفي في


1) شرح الأخبار ج 3 ص 197 . زوجته أم كلثوم بنت عبد الله بن جعفر (جمهرة أنساب العرب ص 8(6).

2) الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 479 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 303 والوافي بالوفيات ج 12 ص 265 وشرح الأخبار ج3 ص 197 وقد عده ضمن الشهداء

الكوفة (1)

وقيل: نفي إلى زارة بعد كربلاء (2)..

وقيل: نفي إلى الربذة. فلما مات يزيد ،هرب إلى الشام وذهب إلى الكوفة (3).

2 - سوار بن عمير الجابري: جرح في كربلاء، وأسر، واستشهد بعد ستة أشهر (4). وقد ورد اسمه في زيارة الناحية. وعده ابن شهرآشوب من شهداء الحملة الأولى كما تقدم.

3 - عمرو بن عبد الله الجندعي: جرح في كربلاء، واستشهد بعد سنة(5). وورد اسمه في زيارة الناحية.


1) جمهرة النسب ص 181 والأنساب للسمعاني ج 1 ص369 وإكمال الكمال ج 1 ص 369 والأخبار الطوال ص 259 وخاتمة المستدرك ج 8 ص 204 وقاموس الرجال ج 10 ص 33 وأنساب الأشراف (ط دار الفكر) ج 11 ص 183 والأنساب للسمعاني ج 1 ص 504 وفي البداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 205 المرقع بن يمانة.

2) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 454 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 347 والكامل في التاريخ ج 4 ص 80وأنساب الأشراف ج 3 ص411 و (ط دارالتعارف) ج 3 ص 205 .

3) الأخبار الطوال ص 259 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2630 .

4) الحدائق الوردية ج 1 ص 122 .

5) الحدائق الوردية ج 1 ص 122 وإبصار العين ص 136.

4 - عقبة بن سمعان، أخذه عمر بن سعد، فسأله ما أنت؟!

قال: أنا عبد مملوك، فأطلق سراحه (1).

وورد السلام عليه في الزيارة الرجبية.

5 - الضحاك بن عبد الله المشرقي :وقد تحدثنا عنه .ولا نرى أنه مستقيم الطريقة، بل يشك فيما ادَّعاه لنفسه من الأساس. فراجع ما ذكرناه (2).

6 - مسلم بن رباح يقال : إنه حضر كربلاء، وقاتل، ولعله نجا من القتل لكونه كان مملوكا (3).

7 - غلام عبد الرحمان بن عبد ربه الأنصاري: حضر كربلاء، ويروى عنه قوله: «فلما رأيت القوم قد صرعوا أفلت وتركتهم» (4).

8 - غلام لزهير بن القين. اسمه ،شجرة حضر كربلاء، وأرسلته


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 454 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 347 والكامل في التاريخ ج 4 ص 80 وأنساب الأشراف ج 3 ص410 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 205 والأخبار الطوال ص 259 وخاتمة المستدرك ج8 ص 203 ونهاية الأرب ج 20 ص 462 .

2) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 444 و (ط الأعلمي) ج4 ص317 وأنساب الأشراف ج 3 ص 404 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 197 والكامل في التاريخ ج 4 ص 73.

3) تقدم الحديث عنه في هذا الكتاب.

4) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 423 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 321 .

زوجة زهير ليكفن مولاه، فرأى الحسين مجرداً فكفَّن الحسين، ثم عاد إليها، فأخبرها، فصوبت فعله، وأعطته كفنا آخر لزوجها، فكفنه به (1).

والظاهر: أن المراد بالتكفين: هو لفه بما يستر جسده، وليس المراد: التكفين الشرعي.. فإن الشهيد يدفن بثيابه.

سبايا بني هاشم :

ومن أسماء سبايا نساء بني هاشم نذكر:

1 - زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين «عليه السلام».

2 - أم كلثوم بنت أمير المؤمنين«عليه السلام». وتسمى زينب الصغرى.

والظاهر: أن هذه ليست بنت الزهراء، لأن بنت الزهراء، توفيت في حياة الإمام الحسن «عليه السلام» (2).


1) الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 485 وترجمة الإمام الحسين«عليه السلام» من طبقات ابن سعد ص 81 وتذكرة الخواص ج2 ص181 وفي هامشه عن مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي (مخطوط) ص 97.

2) الطبقات الكبرى ج 8 ص 464 وأنساب الأشراف ج 3 ص 412 وأسد الغابة ج 7 ص 378 و (ط دار الكتاب العربي) ج 5 ص 615 وبحار الأنوار ج 78 ص 382 ونصب الراية ج 2 ص 317 وذخائر العقبى ص 171والإستيعاب (ط دار الجيل) ج 4 ص 1956 والوافي بالوفيات ج 24 ص 272 والذرية الطاهرة ص 164 والدر المنثور في طبقات ربات الخدور ص 62 ونور الأبصار (ط سنة 1384ه-) ص 193 ومختصر تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 162 وتهذيب تاريخ مدينة دمشق ج 6 ص 30 وأخبار الزينبات ص 124 .

3 - فاطمة بنت علي «عليه السلام» زوجة الشهيد أبي سعيد بن عقيل، ويحتمل أن تكون هي نفس أم كلثوم المتقدم ذكرها.

4 - فاطمة بنت الإمام الحسن «عليه السلام». وهي زوجة الإمام زين العابدين، وأم الإمام الباقر «عليهما السلام». روي عن الإمام الصادق «عليه السلام»، أنه قال عنها :«كانت صديقة، لم تدرك في آل الحسن امرأة مثلها» (1).

ه - فاطمة بنت الإمام الحسين «عليه السلام».

6 - سكينة بنت الإمام الحسين «عليه السلام».

7 - الرباب زوجة الإمام الحسين «عليه السلام».

8 - ويحتمل أيضاً حضور ليلى أم علي الأكبر في كربلاء أيضاً، وقد تقدم الكلام حول ذلك.

9 - رقية بنت أمير المؤمنين « عليه السلام» زوجة مسلم بن عقيل، يبدو أنها هي الأخرى قد حضرت كربلاء، وسبيت إلى الشام.

كما تقدم بيانه أيضاً.


1) الكافي ج 1 ص 469 وبحار الأنوار ج 46 ص 366 ومرآة العقول ج6

10 - أم الحسن بنت علي «عليه السلام» (1)(أو أم الحسين) زوجة جعدة بن هبيرة، وبعده زوجة جعفر بن عقيل.

لماذا السبي للنساء؟!:

قد يطرح هنا سؤال يقول:

عرفنا فيما تقدم، وسنعرف الكثير عن معاناة النساء والأطفال، وآلامهم، وقد كان يمكن للإمام الحسين «عليه السلام» أن لا يعرض نساءه وأطفاله لهذه المحن والأهوال والمصائب .

وليس لمن يعتقد بالإمامة، أن يدَّعي :أن الحسين «عليه السلام» كان غافلاً عما سيحيق بالنساء اللواتي حملهنَّ معه.. إذ يفترض أن يكون الإمام عالماً بالغيب - كما هو معتقد الشيعة - بل إن علمه بنيله لمقام الشهادة في كربلاء يحتم أن يكون عالماً بأن الأخطار سوف تحيق بالنسوة والأطفال بعد استشهاده.

ونجيب:

أولاً: بأن علم الإمام بالغيب لا يمنعه من القيام بوظائفه الشرعية، والامتناع عن تأييد الظالميين والغاصبين، وعدم إعطاء الشرعية للمضلين، وأعداء الحق والدين..

ويشهد لذلك : أن علم إبراهيم «عليه السلام» بعواقب تحطيم الأصنام، لم يمنعه من تحطيمها. وهكذا الحال بالنسبة لسائر الأنبياء


1) شرح الأخبار ج3 ص198.

والصلحاء فيما يرتبط بالقيام بواجباتهم التي تثير غضب الجبارين والمستكبرين. ولأجل ذلك لم يتخلوا عن واجباتهم، ولم يجلسوا في زوايا بيوتهم.

يضاف إلى ذلك: أن المسلمين الملتزمين قد صبروا عبر العصور والدهور على أشد أنواع التعذيب والأذى، ولم يتخلوا عن دينهم وإيمانهم، ولا عن صلاتهم، وصيامهم.

ثانياً: إن حمل العيال والأطفال إلى كربلاء كان انصياعاً للإرادة الإلهية، عبَّر عنه الإمام الحسين «عليه السلام» بقوله قبل أن يخرج من مكة قاصداً العراق: «إن الله شاء أن يراهن سبايا».

وقد لا نستطيع نحن أن ندرك الكثير من حكم هذا التخطيط الإلهى الهادف إلى فضح أولئك المجرمين..

غير أننا نقول:

1 - إن ذلك يفيد في تعريف الناس بمدى جرأتهم ووقاحتهم، وبمدى بغضهم لأهل بيت النبوة، وسعيهم إلى النيل منه «صلى الله عليه وآله»، وإبادة ذريته وعترته.

2 - تعريف الناس: بأنهم لا يرعون حق رسول الله «صلى الله عليه وآله »حتى في نسائه وعياله وأطفاله، بل يتجرأون عليه حتى في هذا الأمر الذي يرفضه ويأبى حتى أهل الجاهلية أن ينسب إليهم.

وقد تقدم معنا :أن أمير المؤمنين «عليه السلام» قد أوصى أمراء عسكره قبل لقاء العدو بصفين، فقال:

«.. ولا تهيجوا النساء بأذى. وإن شتمن أعراضكم، وسبين أمراءكم، فإنهن ضعيفات القوى، والأنفس، والعقول.

إن كنا لنؤمر بالكف عنهن، وإنهن لمشركات، وإن كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية بالفهر أو الهراوة، فيعير بها وعقبه من بعده (1).

3 - إن هذا السبي للنساء وحملهن على أقتاب الجمال، والطواف بهن في البلاد، وقد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن لا ربط له بالحصول على الملك، ولم يكن لدفع شر يتهددهم، ولا لمنفعة يتوخون الحصول عليها.

بل هو مجرد استجابة لحقد دفين ،وقلة دين، وضحالة في الخلق، ونذالة وضآلة، وطغيان، وجهالة.. وهو دليل الانحطاط الأخلاقي إلى أحط الدركات.


1) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 3 ص 56 الكتاب رقم 14 وصفين للمنقري ص 302 ومن لا يحضره الفقيه ج 4 ص 392 وتحف العقول ص87 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج 4 ص 218 ومكارم الأخلاق للطبرسي ص 218 والكافي ج 5 ص 38 و 39 وبحار الأنوار ج 74 39 ص 233 وج 100 ص 352 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 16 ص 122 وينابيع المودة ج 3 ص 442 وتاريخ الأمم والملوك (ط ليدن) ج 6 ص 3282 والفتوح لابن أعثم ج 3 ص 44 وعن مروج الذهب ج2 ص 731 ومصادر نهج البلاغة ج 3 ص228 و 229

4 - إنه بقليل من التأمل والتدبر يدرك العالم والجاهل: أن هؤلاء إذا كانوا لا يراعون نبيهم حتى فى عياله وأطفاله، بل يقتلون الأطفال والرجال، ويسبون النساء ويحملونهن على أقتاب الجمال، فكيف ستكون معاملتهم لسائر الناس ؟ وما هو مستقبل الناس في ظل تسلطهم، وغياب أي رادع عن أي تصرف، سواء أكان رادعا دينيا، أو وجدانياً، أو عاطفياً، أو أخلاقياً، أو حتى عرفياً، حتى عند أهل الجاهلية؟!

5 - يضاف إلى هذا كله: أن وجود النساء سبايا في أيديهم، بالإضافة إلى سائر السياسات الحسينية في كل تعامله معهم، من قدرتهم على تشويه الحقائق، أو تزويرها، فلم يعد يمكنهم إنكار جرائمهم، ورميها على غيرهم.

كما أن ذلك قد حرمهم من ادّعاء أي شيء يخفف من بشاعة وقبح ما ارتكبوه.

وحرمهم أيضاً حتى من ادعاء التسرع في الإقدام عليه، ثم من القدرة على ادّعاء الندم والتوبة.

بل إن وجود السبايا قد أسهم في هروبهم إلى الأمام، من خلال الإمعان في التباهي بجريمتهم، وبذلك يكونون قد ساهموا في فضح أنفسهم.. وقد بقى صدى هذه الفضيحة وسيبقى يتردد عبر الأجيال والأحقاب إلى يوم القيامة.

طفلا مسلم، أو ابن جعفر :

1 - عن سعد بن عبيدة : فانطلق غُلامان مِنهُم لِعَبدِ اللهِ بن جَعفَرٍ - أو ابن ابن جَعفَرٍ - فَأَتَيا رَجُلاً مِن طيّئ، فلجَآ إليهِ فَضَرَبَ أعناقهُما وَجَاءَ برؤوسهما حَتى وَضَعَهُما بَينَ يَدَي ابن زيادٍ، قَالَ: فَهَمَّ بِضَرَب عُنْقِهِ، وَأَمَرَ بدارهِ فَهُدِّمَت (1).

2 - وقد كانَ ابنا عَبدِ الله بن جعفر لجآ إلى امرَأَةِ عَبدِ الله بن قُطْبَة الطَّائِيِّ ثُمَّ النَّبهاني، وكانا غُلامين لم يبلغا. وقد كانَ عُمَرُ بنُ سَعِدٍ أَمَرَ مُنادِياً قنادي: مَن جاءَ بِرَأس فلهُ أَلفُ دِرهَمٍ.

فجاءَ ابْنُ قُطْبَة إِلى مَنزِلِهِ، فقالت له امرأتُهُ: إِنَّ غُلامين لجا إلينا، فَهَل لكَ أن تَشرُفَ بهما ، فَتَبعَتْ بهما ،إلى أهلهما بالمَدينَةِ؟!

قالَ: نَعَم. أرنيهما.

فلمّا رَآهُما دَبَحَهُما وجاءَ برُؤوسهما إلى عُبَيدِ الله بن زيادٍ، فلم يُعطِهِ شَيئاً .

فَقالَ عُبَيدُ الله: وَدِدتُ أَنَّهُ كَانَ جاءَني بهما حَيَّين فَمَنَنتُ بهِما عَلَى


1) موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص 177 عن تاريخ الأمم والملوك جه ص 393 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 396 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2639 والبداية والنهاية ج 8 ص 185 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 185 وأنساب الأشراف ج 3 ص 424 و (ط دار التعارف) ج3

أَبي جَعْفَرٍ - يَعنِي عَبدَ اللَّهُ بنَ جَعْفَرٍ -

وبَلغَ ذلِكَ عَبدَ الله بن جَعفَرٍ، فَقالَ: وَدِدتُ أَنَّهُ كَانَ جاءَني بهما، فأعطيتُهُ ألفي ألفٍ (1).

قولها: تَشرف بهما : أي تنال الشرف.

3 - عَن حُمران بن أعين، عَن أبي مُحَمَّدٍ شَيخ لأهل الكوفة: لمّا قُتِلَ الحُسَينُ بنُ عَلِيّ«عليهما السلام» أسرَ مِن مُعَسكَرِهِ غُلامان صغيران، فأتي بهما عُبَيدُ الله بن زيادٍ.

قدَعا سجّانا له، فقالَ: خُذ هذين الغُلامين إليكَ، فَمِن طَيِّبِ الطعام فلا تُطعِمهما، ومِنَ البارد فلا تَسقِهما، وضيّق عليهما سجنَهُما .

وكانَ الغُلامان يصومان النَّهارَ ، فإذا جَنَّهُمَا الليلُ أتِيا بقرصين مِن شعير وگوز مِنَ الماءِ القراح.

فلمّا طالَ بالغُلامين المَكتْ حَتَّى صارا فِي السَّنَةِ، قَالَ أَحَدُهُما لِصاحِبِهِ: يا أخي، قد طال بنا مكثنا، ويوشك أن تفنى أعمارنا، وتبلى أبداننا، فإذا جاءَ الشيخ فأعلِمهُ مَكانَنا ، وتَقرَّب إِلَيهِ بِمُحَمَّدٍ «صلى الله عليه وآله»، لعَلَّهُ يُوسِّعُ عَلينا في طعامنا، ويَزِيدُ في شَرابنا.

فلمّا جَنَّهُمَا الليلُ أقْبَلَ الشيحُ إليهما بقرصين من شعير، وكوز مِنَ الماءِ


1) موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص 177 عن الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 478 وترجمة الإمام الحسين«عليه السلام» من طبقات ابن سعد ص 77.

القراح، فقالَ لَهُ الغُلامُ الصَّغيرُ يا شيخ، أَتَعرِفُ مُحَمَّداً ؟

قالَ :فَكَيفَ لا أعرفُ مُحَمَّدًا وهُوَ نَبِيّي !

قالَ: أفتَعرفُ جَعَفَرَ بنَ أَبِي طَالِبٍ؟

قالَ: َوكَيفَ لا أعرفُ جَعفَراً، وقد َأنبَتَ اللهُ لهُ جَناحَينِ يَطِيرُ بِهما مَعَ المَلائِكَةِ كَيفَ يَشَاءُ !

قالَ: أَفتَعرِفُ عَلِيَّ بن أبي طالِبٍ؟

قالَ: َوكَيفَ لا أعرفُ عَلِيّاً، وهُوَ ابنُ عَمِّ نَبِيِّي وأخو نَبِيّي!

قالَ لَهُ: يا شيخ، فَنَحنُ مِن عِتِرَةٍ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ «صلى الله عليه وآله»، ونَحنُ مِن وُلدِ مُسلِمٍ بن عَقيل بن أبي طالب، ِبيَدِكَ أسارى، نَسألُكَ مِن طيِّبِ الطعام فلا تُطعِمُنا ، ومِن باردِ الشَّرابِ فلا تسقينا، وقد ضَيَّقت عَلينا سجننا.

فَانكَبَّ الشَّيحُ عَلَى أَقدامهما يُقبِّلُهُما ويَقولُ: نَفسي لِنَفْسِكْمَا الفِدَاءُ، ووجهي لوجهكما الوقاءُ، يا عِتْرَةَ نَبِيِّ الله المُصطفى، هذا بابُ السجن بَينَ يَدَيكُما مَفتوح، فخُذا أيَّ طريق شئثما.

فلمّا جَنَّهُمَا الليلُ أتاهُما بقرصين من شعير، وكوز مِنَ الماءِ القراح، ووَقَفَهُما عَلى الطَّريق، وقالَ لهُما :سيرا - يا حَبِيبَيَّ - اللَّيلَ، وَاكْمُنَا النَّهارَ حَتى يَجعَلَ الله عز وجل لكما من أَمرِكْما قرَجا وَمَخْرَجًا.

فَفَعَلَ الغُلامان ذلِكَ.

فلمّا جَنَّهُمَا اللَّيلُ، انتَهيا إلى عَجوزٍ عَلى باب ،فقالا لها: يا عَجوز، إنّا

غُلامان صغيران ،غَریبان، حَدَثان، غَيرُ خَبِيرين بالطَّريق، وهذا الليلُ قد جَنَّنا، أضيفينا سَوادَ ليلتنا هذهِ، فإذا أصبحنا لزمنا الطَّريق.

فقالت لهُما :فَمَن أنتُما يا حَبِيبَيَّ؟ فقد شَمَمتُ الرَّوائِحَ كُلَّها، فما شَمَمتُ رائِحَة أطيب من رائِحَتِكْما.

فقالا لها: يا عَجوز، نَحنُ مِن عِتْرَةِ نَبِيِّكِ مُحَمَّدٍ «صلى الله عليه وآله»، هَرَبنا مِن سِجن عُبَيدِ الله بن زيادٍ مِنَ القتل.

قالتِ العَجوز :يا حَبيبَيَّ !إِنَّ لي ختنَا فَاسِقا، قد شَهِدَ الواقِعَة مَعَ عُبَيدِ الله بن زيادٍ، أَتَخَوَّفُ أن يُصيبكما هاهنا فيقتلكما.

قالا: سَوادَ ليلتنا هذِهِ، فإذا أصبحنا لزمنا الطَّريق.

فقالت: سآتيكما بطعام.

ثمَّ أَتَتهُما بطعام، فأكلا وشربا. فلمّا وَلجَا الفِراش قالَ الصَّغِيرُ لِلكَبير : يا أخي، إنَّا نَرجُو أن نكون قد أمنا ليلتَنا هَذِهِ، فَتَعَالَ حَتَّى أعانقكَ وتُعانقني، وأشم رائِحَتَكَ وتَثمَّ رائحتي قبلَ أَن يُفَرِّقَ المَوتُ بَينَنا. فَفَعَلَ الغُلامانِ ذلِكَ، وَاعتَنَقا وناما.

فلمّا كانَ في بَعض اللَّيل أقبَلَ خَتَنُ العجوز الفاسِقُ حَتَّى قِرَعَ البابَ قرعاً خفيفاً .

فقالت العجوزُ: مَن هذا؟

قالَ: أَنَا فُلانٌ

قالت :ما الَّذي أطرقكَ هذهِ السّاعَة، وليس هذا لكَ بوَقتِ؟

قالَ: وَيحَكِ افْتَحِي الباب قبل أن يطير عقلي، وتَنشَقَّ مَرَارَتي في جوفي، جَهدُ البَلاءِ قد نَزَلَ بي.

قالت: وَيْحَكَ مَا الَّذِي نَزَلَ بِكَ؟

قالَ :هَرَبَ غُلامان صَغيران مِن عَسكَر عُبَيدِ الله بن زيادٍ، فَنادَى الأميرُ في مُعَسكَرِهِ: مَن جاءَ برأس واحِدٍ مِنهُما فلهُ ألفُ دِرهم، ومَن جاءَ برَأسَيهما فله ألفا درهم، فقد أثعَبْتُ وتَعِبتُ ولم يصل في يدي شيء.

فَقالَتِ العَجوز :يا خَتَني ! احذر أن يكونَ مُحَمَّدٌ خَصَمَكَ في يَومٍ القِيامَةِ .

قال لها : وَيحَكِ إِنَّ الدُّنيا مُحَرَّصٌ عَليها .

فقالت: وما تَصنَعُ بالدُّنيا وليسَ مَعَها آخِرَةٌ؟

قال: إنّي لأراكِ تحامينَ عَنهُما ، كَأَنَّ عِندَكِ مِن طلب الأمير شيئا، ققومي فَإِنَّ الأَميرَ يَدعوكِ.

قالت :وما يَصنَعُ الأميرُ بي، وإنَّما أنا عَجورٌ في هذِهِ البَريَّةِ؟

قالَ: إِنَّما لِيَ الطلبُ ،اِفتَحي لِي الباب حتى أريح وأستريح، فإذا أصبَحتُ بَكَرتُ في أيّ الطَّريق أخُدُ في طلبهما.

فَفَتَحَت له الباب، وأتَتهُ بطعام وشراب، فأكل وشرب.

فلمّا كانَ في بَعض الليل سَمِعَ غَطيط الغُلامين في جَوفِ الْبَيتِ، فَأَقْبَلَ يَهِيجُ كَما يَهِيجُ البَعيرُ الهائِجُ، ويَخورُ كَما يَخورُ النُّورُ، وَيَلْمِسُ بِكَقّهِ

جدار البَيتِ حَتَّى وَقَعَت يَدُهُ عَلى جَنبِ الغُلامِ الصَّغير..

فَقالَ لَهُ: مَن هذا؟

قالَ: أمّا أَنَا فَصاحِبُ المنزل، فَمَن أنتما .

فَأَقْبَلَ الصَّغيرُ يُحَرِّكُ الكَبير ويَقولُ: قم يا حَبيبي، فقد وَاللَّهُ وَقعنا فيما كنّا تُحاذِرُهُ.

قالَ لهما : مَن أَنتُما؟

قالا لهُ:يا شَيحُ !إِن نَحنُ صَدَقْنَاكَ قَلْنَا الْأَمَانُ؟

قالَ: نَعَم.

قالا :أمانُ الله وأمانُ رَسولِهِ ، وذِمَّة الله وذِمَّهُ رَسُولِهِ؟

قالَ: نَعَم.

قالا : ومُحَمَّدُ بنُ عَبدِ اللهِ عَلى ذلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ؟

قالَ: نَعَم

قالا : وَاللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ وشَهِيدٌ؟

قالَ: نَعَم .

قالا :لَهُ يا شَيخ! فَنَحْنُ مِن عِتْرَةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ «صلى الله عليه وآله»، هَرَبنا من سجن عُبَيدِ الله بن زيادٍ مِنَ القتل.

فقالَ لهُما :مِنَ المَوتِ هَرَبْتُما، وإلى المَوتِ وقعثما، الحَمدُ لله الذي أظفرَني بكما.

فَقامَ إلى الغُلامين فشدَّ أكتافهما ، فبات الغُلامان ليلتَهُما مُكَتَفين.

فلمَّا انفَجَرَ عَمودُ الصُّبح ، دَعا غُلاماً لهُ أسودَ، يُقالُ لَهُ: فليحٌ، فَقَالَ: خُذ هذين الغُلامين، فانطلق بهما إلى شاطئ الفُراتِ، وَاضرب عُنْقيهما ، وَائَتِني برأسيهما، لأنطلق بهما إلى عُبَيدِ الله بن زيادٍ، وَآخُذُ جائِزَةَ ألفي درهم.

فَاخَدٌ [فَحَمَلَ] الغُلامُ السَّيف، ومشى أمامَ الغُلامين، فما مَضى إلا غَيرَ بَعِيدٍ حَتَّى قَالَ أَحَدُ الغُلامين :يا أسوَدُ، ما أَشبَهَ سَوادَكَ بِسَوادِ بِلالٍ مُؤَدِّن رسول الله« صلى الله عليه وآله»!

قالَ: إِنَّ مَولايَ قد أمَرَني يقتلِكْما ، فَمَن أنثما؟

قالا :لهُ يا أَسوَدُ، نَحنُ مِن عِتْرَةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ« صلى الله عليه وآله»، هَرَبْنَا مِن سجن عُبَيدِ الله بن زيادٍ مِنَ القتل: أضافتنا عَجوزُكُم هذِهِ، ويُريدُ مَولاكَ قتلنا .

فَانكَبَّ الأَسوَدُ عَلى أَقدامهما يُقبِّلُهُما ويقولُ: نَفْسِي لِنَفْسِكْمَا الْفِدَاءُ، ووجهي لِوَجهَكْمَا الوقاءُ، يا عِتْرَةَ نَبِيِّ الله المُصطفى، والله لا يَكونُ مُحَمَّدٌ «صلى الله عليه وآله» خَصمي فِي القِيامَةِ.

ثمَّ عَدا فَرَمَى بِالسَّيفِ مِن يَدِهِ ناحِيَةٌ، وطرَحَ نَفْسَهُ فِي القُراتِ، وعَبَرَ إلى الجانب الآخر ، فصاحَ بهِ مَولاهُ: يا غُلامُ عَصَيْتَني !

فقال: يا مولاي، إنَّما أطعتُكَ ما دمت لا تَعصِي اللَّهَ، فَإِذا عَصَيْتَ الله فأنَا مِنكَ بَرِيءٌ فِي الدُّنيا وَالْآخِرَةِ.

فَدَعَا ابنَهُ، فَقالَ: يا بُنَيَّ، إِنَّما أَجمَعُ الدُّنيا حَلالها وحَرامَها لَكَ، وَالدُّنيا

مُحَرَّصٌ عَليها، فَخُذ هذين الغُلامين إليكَ، فانطلق بهما إلى شاطئ الفرات، فاضرب عنقيهما ، وائتني برَأسَيهما، لأنطلِقَ بهما إلى عُبَيدِ الله بن زيادٍ وآخذ جائِزَةَ ألفي درهم.

فأخذ الغُلامُ السَّيفُ، ومشى أمامَ الغُلامين، فما مَضَى إِلَّا غَيرَ بَعِيدٍ حتى قالَ أحَدُ الغُلامين: يا شابٌّ، ما أخوقني عَلى شَبابِكَ هذا من نار جَهَنَّمَ !

فقال: يا حَبِيبَيَّ، فَمَن أَنتُما؟

قالا :مِن عِتْرَةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ «صلى الله عليه وآله» يُريدُ والِدُكَ قتلنا .

قانكَبَّ الغُلامُ عَلى أَقدامهما يُقبِّلُهُما ، وهُوَ يَقولُ لهُما مَقالة الأسود، ورَمَى بالسَّيفِ ناحِيَة وطرَحَ نَفْسَهُ فِي القُراتِ وعَبَرَ، قصاحَ بِهِ أَبوهُ: يا بُنَيَّ عَصَيْتَني !

قالَ: لأن أطيع الله وأعصِيكَ أَحَبُّ إليَّ من أن أعصي الله وأطيعك.

قال الشَّيخ: لا يلي قتلكُما أحَدٌ غَيري، وأخذ السَّيفَ ومَشى أمامَهُما ، فلمّا صار إلى شاطى ءِ القُراتِ سَلَّ السَّيْفَ مِن جَفْنِهِ، فَلَمّا نَظرَ الغُلامان إلى السَّيفِ مَسلولاً اغرورقت أعينهما، وقالا له: يا شيخ، انطلق بنا إلى السّوق واستمتع بأثمانِنا، ولا ترد أن يكون مُحَمَّدٌ خَصَمَكَ فِي القِيامَةِ غَداً.

فقالَ : لا ، ولكن أقتلكما، وأذهَبُ بِرَأسَيكُما إلى عُبَيدِ الله بن زيادٍ، وآخُدُ جائِزَةَ أَلفي درهم.

فقالا له: يا شيخ! أما تحفظ قرابتنا من رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟

فقال: ما لكما من رسول الله قرابة.

قالا له: يا شيخ !قائتِ بنا إلى عُبَيدِ الله بن زيادٍ حَتَّى يَحكُمَ فينا بأمره.

قال: ما إلى ذلِكَ سَبيلٌ إلا التَّقَرُّبُ إِلَيهِ بِدَمِكْما.

قالا :له يا شيخ !أما تَرحَمُ صِغَرَ سِيِّنا؟

قالَ : ما جَعَلَ اللهُ لكما في قلبي مِنَ الرَّحمَةِ شَيئاً .

قالا: يا شيخ! إن كان ولا بُدَّ، فَدَعنا نُصَلِّي رَكَعَاتٍ.

قالَ: فَصَلِّيا ما شئتُما إن نَفَعَتكْمَا الصَّلاةُ.

فصلى الغُلامان أربَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ رفعا طرفيهما إلى السَّمَاءِ قناديا :يا حَيُّ يا حَلِيمُ !يا أحكَم الحاكِمِينَ !أَحكُم بَينَنا وَبَينَهُ بِالْحَقِّ.

فقامَ إلى الأكبَر، فَضَرَبَ عُنُقهُ، وأخذ يرَأسِهِ وَوَضَعَهُ فِي المِحْلَاةِ، وأَقْبَلَ الغُلامُ الصَّغِيرُ يَتَمَرَّعُ في دَم أخيهِ، وَهُوَ يَقُولُ: حَتَّى ألقى رَسولَ الله «صلى الله عليه وآله »وأَنَا مُخْتَضِبٌ بِدَمٍ أخي.

فقالَ: لا عَليكَ سَوفَ الحِقْكَ بِأخيكَ.

ثُمَّ قام إلى الغُلامِ الصَّغير فَضَرَبَ عُنُقهُ، وَأَخَذْ رَأْسَهُ وَوَضَعَهُ فِي

المخلاة، ورمى يبَدَنَيهما فِي الماء، وهما يقطران دَماً .

ومَرَّ حتى أتى بهما عُبَيدَ الله بن زيادٍ وهُوَ قاعِدٌ عَلَى كُرْسِيِّ لَهُ، وَبِيَدِهِ قضيبُ خَيزران، فَوَضَعَ الرَّأْسَينِ بَينَ يَدَيهِ.

فلمّا نَظرَ إليهما قامَ ثُمَّ قعَدَ ، ثُمَّ قَامَ ثُمَّ قَعَدَ ثلاثا، ثُمَّ قَالَ: الوَيلُ لَكَ، أين ظفرت بهما؟

قالَ: أضافتهما عَجورٌ لنا.

قالَ: فما عَرَفتَ لَهُما حَقَّ الضّيافة؟

قال: لا.

قالَ: فَأَيُّ شَيْء قالا لكَ؟

قالَ :قالا: يا شيخ !اذهَب بنا إلى السوق فبعنا وانتفع بأثمانِنا، فلا ترد أن يَكونَ مُحَمَّدٌ «صلى الله عليه وآله» خَصَمَكَ فِي القِيامَةِ.

قالَ: فَأَيُّ شَيْءٍ قُلتَ لَهُما؟

قالَ: قُلتُ: لا، ولكن أقتلكما، وأنطلِقُ برَأسَيكُما إِلَى عُبَيدِ الله بن زيادٍ، وآخُدُ جائِزَةَ ألفي درهم.

قالَ: فَأَيُّ شَيْءٍ قَالا لكَ؟

قال: قالا: ايت بنا إلى عُبَيدِ الله بن زيادٍ حَتَّى يَحكُمَ فِينَا بِأَمرِهِ.

قالَ: فَأَيَّ شَيْءٍ قُلتَ؟

قالَ: قُلتُ: ليس إلى ذلِكَ سَبِيلٌ إلا التَقَرُّبُ إِلَيهِ بِدَمِكْما.

قال: أفلا جئتَنى بهما حَيَّين، فكنتُ أضعِفُ لكَ الجائِزَةَ، وأجعلها أربَعَة

284

آلاف درهم؟

قالَ: ما رأيتُ إلى ذلِكَ سَبيلاً إلا التَقرُّبَ إليكَ بِدَمِهما.

قالَ: فأيَّ شَيْءٍ قالا لكَ أيضاً؟

قال :قالا لي: يا شيخ! احفظ قرابَتَنا مِن رَسول الله.

قالَ: فَأَيَّ شيءٍ قُلتَ لَهُما؟

قالَ :قُلتُ ما لكُما مِن رَسول الله قرابة.

قالَ: وَيلكَ! فأيَّ شَيْءٍ قَالا لكَ أيضاً؟

قال :قالا: یا شیخ! ارحم صِغَرَ سِنّنا.

قالَ: فَما رَحِمتَهُما ؟!

قالَ: قُلتُ: ما جَعَلَ اللهُ لَكُما مِنَ الرَّحمَةِ في قلبي شَيئاً.

قالَ: وَيلكَ! فَأَيُّ شَيْءٍ قالا لكَ أيضا؟

قال: قالا : دَعنا نُصَلِّي رَكَعَاتٍ.

فقلتُ: فَصَليا ما شئتُما إن نَفَعَتكُمَا الصَّلاةُ، فَصَلَّى الغُلامان أربَعَ رَكَعات.

قال: فأيَّ شيءٍ قالا في آخر صلاتهما؟

قال: رفعا طرفيهما إلى السَّمَاءِ وقالا : يا حَيُّ يا حَلِيمُ! يا أحكَمَ الحَاكِمِينَ !أحكُم بَينَنا وَبَينَهُ بِالْحَقِّ.

قالَ عُبَيدُ الله بن زيادٍ :فَإِنَّ أحكَمَ الحاكِمِينَ قد حَكَمَ بَينَكُم، مَن للفاسق ؟

قالَ: فانتَدَبَ لَهُ رَجُلٌ مِن أهل الشّام، فَقالَ: أَنَا لَهُ.

قالَ: فانطلق بهِ إِلى المَوضِع الذي قتَلَ فيهِ الغُلامين، فاضرب عُنُقهُ، ولا تَترُك أن يَختَلِط دَمُهُ بِدَمِهما، وعَجِّل برَأْسِهِ.

فَفَعَلَ الرَّجُلُ ذلِكَ، وجاءَ بِرَأْسِهِ، فَنَصَبَهُ عَلى قناةٍ، فَجَعَلَ الصِّبيانُ يَرمونَهُ بالنَّبل وَالحِجَارَةِ وهُم يقولون: هذا قاتِلُ دُرِّيَّةِ رَسول الله «صلى الله عليه وآله »(1).

ونقول:

قال في موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام»: إنّ روايتي الصدوق والخوارزمى أشبه ما تكونان بالقصص، فضلاً عن ضعف سنديهما، وبناءً على ذلك، فإنّ النصّ الوارد فيهما محكوم عليه بالضعف (2).

ونقول:


1) موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام»ج 5 ص 178 - 184 عن الأمالي للصدوق ص 143 الرقم 145 وبحار الأنوار ج 45 ص 100 الرقم 1 والعوالم، الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 353 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 49 نحوه، وفيه «من ولد جعفر الطيار».

2) قال في موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص 184 : نقل الخوارزمي في مقتله ج 2 ص 49 القصة المروية في الأمالي للصدوق بشكل مقارب، إلا أنّه نَسَبَ الأطفال إلى جعفر الطيار، وبذلك فهو يوافق المشهور في هذه الناحية.

قولان لا أربعة :

اختلفت الروايات في هذين الطفلين، فقيل: هما ابنا مسلم بن عقيل...

وقيل: هما ابنا عبد الله بن جعفر ..

وقيل: هما من ولد جعفر الطيار ..

وقيل: هما من أحفاد عبد الله بن جعفر .

ونلاحظ:

1 - أن هذا القول الأخير يتفق مع سابقه، لأن المقصود بكونهم من ولد جعفر، أنهم أولاد جعفر ، أو أولاد أولاده، لتصريح الروايات بأنهما كانا غلامين صغيرين.. وإنما استشهد جعفر «عليه السلام» في مؤتة، في السنة الثامنة للهجرة، وعاشوراء كانت بعد ذلك بأكثر من خمسين سنة.

وواضح :أن هذين الطفلين ليسا أولاد عبد الله بن جعفر مباشرة، لأن الذين حضروا كربلاء من أولاده كانوا رجالاً، وقد استشهدوا...

ولو كان عند عبد الله أولاد غيرهم كانوا صغاراً، وحضروا كربلاء لذكرت أسماؤهم في جملة من حضرها.

علماً بأنه لا مبرر لذهاب الصغار إلى كربلاء.. إلا إن كان آباؤهم قد اصطحبوهم معهم إليها.

وبذلك يظهر :أن الراجح :أنهم من أحفاد عبد الله بن جعفر، لا من أولاده المباشرين..

ونتيجة لما ذكرنا نصبح أمام قولين في أمر هذين الغلامين لا ثالث لهما. وهما القول بإنهما من أولاد مسلم.. وقد رافقا أمهما رقية وأخاهما عبد الله إلى كربلاء، فاستشهد أخوهما ، ثم جرى عليهما بعد ذلك ما ذكرته الروايات المتقدمة.

والقول بأنهما من أحفاد جعفر، ومن ذريته من خلال ولده عبدالله.

اختلافات الروايات:

ومن الاختلافات بين الروايات المتقدمة، نكتفي بما يلي:

1 - ذكرت رواية الطبري :أن الغلامين لجآ إلى رجل من طي؟! لكن رواية الطبقات، ورواية الصدوق قالتا: إنهما لجأ إلى امرأة؟!

2 - إن الذي قتلهما هو زوج تلك المرأة كما في رواية الطبقات؟! أو أن من قتلهما هو ختن تلك المرأة كما تقول رواية الصدوق «رحمه الله»؟!

والختن هو الشخص الذي يكون من قبل المرأة، كالأب والأخ، ويطلق أيضاً على زوج البنت والابن أيضاً.

3 - هل قتل ابن زياد قاتل الغلامين كما في رواية الصدوق؟! أو أنه هم بقتله، ثم اكتفى بهدم داره؟! كما في رواية الطبري .أو أنه اكتفى بأن حرمه من المال الذي كان يتوقع الحصول عليه، ولم يعطه شيئاً؟!

وحيث إن الاختلافات تكاد تكون منحصرة بين رواية الصدوق

من جهة، ورواية الطبقات والطبري من جهة أخرى، فلا نرى أن البحث السندي يجدي في هذا المورد، فإن سند رواية الصدوق وإن كان ضعيفاً، لكن سند رواية الطبقات والطبري ليس أفضل حالاً.. فلا بد من النظر في المضمون..

رواية الصدوق في الميزان:

نلاحظ على رواية الصدوق: أن فيها العديد من الموارد التي تستوقف الباحث، إما لأنها تخالف السياق الطبيعى لمسار الأمور، أو لأنها تمثل نقطة ضعف حقيقية، لا مجال للقبول بها، لأنها تجعل الرواية أكثر وهناً، ونذكر من هذه المؤاخذات، أو المخالفات للسياق الطبيعي الأمور التالية:

1 - إن رواية أمالي الصدوق تبدو عليها آثار الأسلوب القصصي الهادف إلى إثارة أجواء من الغرابة، واستدراج تعجب السامعين، والفوز باهتمامهم.

2 - إن سؤال أصغر الغلامين للسجان: إن كان يعرف محمداً، وجواب السجان له :وكيف لا أعرف محمداً ؟! لا يخلو من مخالفة للسياق الطبيعي، حيث إنه لم يذكر ما يشير إلى أن مراده النبي محمداً «صلى الله عليه وآله»، فقد كان المتوقع أن يستفهم ذلك السجان عن المقصود بمحمد أولاً، فإذا حدده له أجابه بقوله: كيف لا أعرف محمداً وهو نبيي؟!

3 - إن رواية الصدوق هذه تقول : إن الغلامين من أولاد مسلم، فلماذا يسأل السجان عن جعفر بن أبي طالب، بعد السؤال عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» مباشرة ؟ ! ولماذا لم يسأله عن جده عقيل بن أبي طالب؟!

4 - إن هذا الذي رضي أن يكون سجاناً للظالمين، لا يتوقع أن يكون بهذه التقوى، وأن يكون محباً لعلي «عليه السلام» إلى هذا الحد الذي توحي به الرواية..

ه - إذا كان محباً حقاً لعلي «عليه السلام»، فالمتوقع منه أن لا يصرح بولائه هذا، بهذه الصورة الصريحة والفاقعة، وبلا أي مقدمات، لاسيما مع وجود طاغية مثل ابن زياد لا يصطلى له بنار، شديد البغض لعلي «عليه السلام»، ولكل من له به ،صلة، أو رابطة.

6 - حين أطلق ذلك السجان سراح الطفلين، كيف لم يخش من أن يطالبه ابن زیاد بهما؟!ولو طلبهما منه كيف يمكن أن يفلت من براثن ابن زياد إن لم يحضرهما له؟! وهو الذي فعل بمسلم وهاني، وابن يقطر، وقيس بن مسهر،ثم بالإمام الحسين «عليه السلام» وأهل بيته ،وأصحابه ما فعل؟!

7 - اللافت هنا: أن ختن تلك العجوز التي أضافتهما حين قتل الغلامين اللذين طلبا منها أن تضيفهما ، وأتى برأسيهما إلى عبيد الله بن زياد، وأخبره بأنه قتلهما قد وجد عند عبيد الله عكس ما توقعه، فقد بادر إلى قتل هذا القاتل، ولم نجد ابن زياد يذكر ذاك السجان ولو

بكلمة، ولو أنه أتى به وعاتبه أو قتله لكان ينبغي أن يذكر ذلك في الرواية، لأنه مما تتوفر الدواعي على قتله.

8 - لقد أوصاهما سجانهما: بأن يسيرا الليل، ويكمنا النهار، فلماذا خالفاه، وسارا نهاراً ، ثم طلبا المبيت ليلا؟

9 - إن ما جعلاه مبرراً لطلب المبيت من تلك العجوز لا يلائم قول الرواية : إن السجان «وقفهما على الطريق»، فلماذا يدعيان أنهما غير خبيرين بالطريق؟!

10 - لقد خاطبا تلك المرأة بأسلوب غير مألوف، بل هو ثقيل وممجوج، حيث قالا لها :يا عجوز، وتكرر ذلك في كلامهما أكثر من مرة، أنه كان يمكنهما أن يخاطباها بمثل: «أيتها المرأة» أو «يا أمة الله» أو نحو ذلك.

11 - إن ختن تلك العجوز قد ذكر لها :أن الأمير - وظاهر كلامه أنه يريد به ابن زياد - نادى في معسكره: «من جاء برأس واحد منهما فله ألف درهم ،ومن جاء برأسيهما فله ألفا درهم ».فلماذا إذن حين جاءه ختن العجوز برأسي الغلامين، بادر إلى قتله، ولم يعطه الجائزة التي تعهد بها لمن يأتيه برأسيهما؟!

12 - تقول الرواية: إن الغلامين قالا لختن تلك العجوز: «هربنا من سجن عبيد الله بن زياد من القتل» مع أنهما لم يسمعا من ابن زياد - فيما يظهر - أي كلام يفيد أنه يريد قتلهما، بل اكتفى بالأمر بسجنهما...

وها قد مضى على سجنهما سنة تقريباً ، فلو كان يريد قتلهما، فلماذا تركهما طيلة هذه المدة؟ وكيف استنتج الغلامان هذا المعنى؟!

13 - إن رواية الصدوق تقول: إنهما بقيا في ذلك السجن سنة تقريباً. مع أن الرواية التي ذكرت في الطبقات الكبرى تقول: إنه كان يود أن يؤتى بهما حيين ،لكي يمن بهما على عبد الله بن جعفر.

فلماذا لم يفعل ذلك طيلة تلك السنة التي أمضياها في السجن؟!

14 - إن ما زعمته الرواية، من أن ختن تلك العجوز أرسل غلامه أولاً لقتل الغلامين، فألقى نفسه بالفرات، ثم أرسل ولده ثانياً، ففعل مثل ما فعله الغلام، فبادر ختن العجوز إلى قتلهما بنفسه..

فلماذا لم يفعل ذلك من أول الأمر ؟ وما الحاجة إلى توكيل هذا تارة، وذاك أخرى؟!

15 - ما معنى أن يأخذهما ابن ذلك الرجل ليقتلهما، فلما طرحا عليه سؤالاً، قال لهما :يا حبيبي فمن أنتما؟!

مع أن المتوقع هو أن يكلمهما بجفاء، وخشونة، فلماذا يقول لهما: يا حبيبي؟!

16 - إن من الطبيعي أن لا يقدم غلام ذلك الرجل، ولا ولده على قتل غلامين صغيرين، لم يبلغا الحلم، فإن البشر يصعب عليهم قتل الأطفال، ويحاولون التملص منه والابتعاد عنه بكل حيلة ووسيلة. فلماذا لم يسألا ختن العجوز عن ذنب هذين الغلامين الذي اقتضى قتلهما؟!

ونرى :أن هذه النقاط تكفي لإثارة الريب في صحة هذا السياق، ولذلك

نقول:

إن الروايات الأخرى أقرب إلى القبول، وأولى بالاعتماد من هذه الرواية المطولة.

الفصل الثاني: على جناح السفر..

اشارة

سبي النساء:

1 - قال: ثُمَّ أَخرَجُوا النّساءَ مِنَ الخَيمَةِ وأشعَلُوا فِيهَا النَّارَ، فَخَرَجْنَ حَواسِرَ مُسَلَّباتٍ حافِياتِ باكِياتٍ، يَمشينَ سَبايا في أسر الدّلة، وقُلْنَ: بِحَقِّ الله إلا ما مَرَرتُم بنا عَلى مَصَرَعِ الحُسَين.

فَلمَّا نَظَرَتِ النِّسوة إلى القتلى صحنَ وضَرَبنَ وُجُوهَهُنَّ.

قالَ: فَوَالله لا أنسى زَيْنَبَ ابنَة عَلِيّ «عليها السلام» وهِيَ تَندُبُ الحُسَينَ «علیه السلام»، وثنادي بصوتٍ حَزين وقلبٍ كَئيب:

وا مُحَمَّداه، صلى عَليكَ مَليكُ السَّمَاءِ، هذا حُسَينٌ بِالعَراء، مُرَمَّلٌ [مزمَّل] بالدّماء، مُقطَّعُ الأعضاء، وا تكلاه، وبَناتُكَ سَبَابا، إلى الله المُشتَكَى، وإلى مُحَمَّدٍ المُصطفى، وإلى عَلِيٍّ المُرتَضى، وإلى فاطِمَة الزَّهراء، وإلى حَمْزَةَ سَيّدِ الشُّهَداءِ.

وا مُحَمَّداه، وهذا حُسَينٌ بِالعَراءِ، تَسفي عَليهِ ريحُ الصَّبا، قتيلُ أولادِ الْبَغايا.

وا حُزناه، وا گرباه عَليكَ يا أبا عَبدِ الله ، اليَومَ مَاتَ جَدّي رَسُولُ الله «صلى الله عليه وآله ».يا أصحابَ مُحَمَّدٍ، هؤلاء دُرِّيَّة المُصطفى يُساقونَ

سَوقَ السَّبايا (1)

2 - وفي بعض الرَّوايات :وا مُحَمَّداه ،بَناتُكَ سَبايا، وذُرِّيَّتُكَ مُقتَلة تَسفي عَليهم ريحُ الصَّبا ، وهذا حُسَينٌ مَحرُورُ الرَّأْس مِنَ القفا، مَسلُوبُ العِمَامَةِ وَالرِّدَاءِ.

بأبي مَن عَسكَرُهُ في يوم الإثنين نَهبا، بأبي مَن فسطاطهُ مُقطع العُرى، بأبي مَن لا هُوَ عَائِبٌ فَيُرتَجى، ولا جَرِيحٌ فَيُداوى، بأبي مَن نَفسي لَهُ الفِداءُ، بِأبي المهمومُ حَتى قضى، بأبي العَطشَانُ حَتَّى مَضَى، بأبي مَن شَيْبَتُهُ تَقطرُ بالدِّماء، بأبي مَن جَدُّهُ رَسولُ إِلهِ السَّمَاءِ، بأبي مَن هُوَ سِبطُ نَبِيِّ الهُدى.

بأبي مَحمّدٌ المُصطفى، بأبي خَدِيجَةُ الكَبْرَى، بأبي عَلِيُّ الْمُرْتَضَى، بأبي فَاطِمَهُ الزَّهْرَاء سَيدَةُ النِّسَاءِ، بأبي مَنْ رُدَّت عَلَيْهِ الشَّمْسُ حَتَّى صلَّى.

قالَ: قابكَت - والله - كُلَّ عَدُوٌّ وصَديق.

ثمَّ إِنَّ سُكَينَة اعتنقت جَسَدَ الحُسَين «عليه السلام»، فَاجْتَمَعَ عِدَّةٌ


1) بحار الأنوار ج 45 ص 58 و 59 والملهوف ص180 و 181 و (نشرأنوار الهدى) ص 78 ومثير الأحزان ص 77 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 59 وتسلية المجالس وزينة المجالس ج 2 ص 332 وراجع مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 113 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 260 والعوالم، الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 302 و 303

مِنَ الأعراب حَتَّى جَرَّوها عَنهُ (1)

3 - وعند الخوارزمي: وصاحَت زَيْنَبُ «عليها السلام»: يا محمَّداه، صَلّى عَليكَ مَليكُ السَّمَاءِ، هذا حُسَينٌ بالعراء، مُزَمَّلٌ (2)بِالدِّمَاءِ، مُعَقَرٌ بالتُراب، مُقطَّعُ الأعضاء.

يا مُحَمَّداه! بَناتُكَ فِي العَسكَر سَبايا، ودُرِّيَّتُكَ قتلى، تَسفي عَليهِمُ الصَّبا ، هذا ابنُكَ مَحرُورُ الرَّأْس مِنَ القفا، لا هُوَ عَائِبٌ فَيُرجى، ولا جريح فيُداوي.

وما زالت تَقولُ هذا القول، حَتَّى أبكَت - والله - كُلَّ صَديقٍ وعَدُوِّ، وحتى رأينا دُموع الخيل تَنحَدِرُ عَلَى حَوافِرِها (3).


1) الملهوف ص 181 و (نشر أنوار الهدى) ص 78 و 79 وبحار الأنوار ص78 ج 45 ص 59 وموسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج ه ص 138 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 456 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 348 وأنساب الأشراف ج 3 ص 411 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 206 والكامل في التاريخ ج 4 ص 81 والبداية والنهاية ج 8 ص 193 و ط دار إحياء التراث العربي ج 8 ص 210 كلها نحوه؛ ومثير الأحزان ص 83 و 84 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 65 والعوالم الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 303 وراجع الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 481 وتذكرة الخواص (ط النجف) ص 256 .

2) زمّلوهم بثيابهم وَدِمائِهم أي لقُوهم فيها. راجع النهاية ج 2 ص 313 «زمل».

3) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 39.

دناءة قرة بن قيس:

تقدم: أنهم أخرجوا النساء سبايا ،حواسر، مسلبات، حافيات، باكيات. ويقول قرة بن قيس التميمي: «نظرت إلى النسوة لما مررن بالحسين «عليه السلام» صحن ،ولطمن خدودهن، فاعترضتهن على فرس، فما رأيت منظراً من نسوة أحسن منهن» (1).

ونلاحظ :

1 - أن هذا الفعل من قرة، دناءة وقلة دين، واستهتار بعرض رسول الله «صلى الله عليه وآله». فهو ليس فقط لا يعترض على هتك ستر عيال الرسول «صلى الله عليه وآله»، ولم يظهر منه أي تأثر لحالهن، وهن محزونات مسبيات ،مسلبات باكيات، بل شغل باله حسن منظرهن..

وقد أشرنا في ما سبق إلى حال قرة بن قيس هذا، ويكفيه ما ذكره الطبري، من أن مسعود بن عمرو الأزدي أرسله على رأس مئة من الأزد لحماية عبيد الله بن زياد حين هرب إلى يزيد، لما ثار عليه أهل البصرة (2).

2 - إن هذه النصوص، ومنها ما فعله قرة بن قيس يضع علامة استفهام كبيرة حول قول الدينوري: «وأمر عمر بن سعد بحمل نساء


1) مثير الأحزان ص 83 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 64 .

2) تقدمت مصادر ذلك في هذا الكتاب.

الحسين «عليه السلام»، وأخواته ،ونسائه، وجواريه، وحشمه في المحامل المستورة على الإبل..» (1).

وقد يُدَّعى: أن مراد الدينوري أن نساء الحسين «عليه السلام» فقط هن اللواتي حملن في المحامل المستورة، دون سائر النساء..

ويجاب :

بأن هذا غير صحيح، ويكذبه أيضاً قول زينب ليزيد «أمن العدل يا ابن الطلقاء ،تخديرك حرائرك وإماءك، وسوقك بنات رسول الله «صلى الله عليه وآله» سبايا ،قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن، تحدوا بهن الأعداء من بلد إلى بلد، يستشرفهن أهل المناهل والمناقل ،ويتصفح وجوههن القريب والبعيد، والدني والشريف»؟!(2).

وسيأتي المزيد من الحديث عن قول الدينوري هذا في موضع


1) الأخبار الطوال ص 259 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج6 ص2630 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 677 . ص173

2) الإيقاد ص 173 و 174 والملهوف ص 76 و (نشر أنور الهدى )ص 106 ص6 وبلاغات النساء (ط دار النهضة سنة 1972) ص 35 و (ط مكتبة بصيرتي قم - إيران) ص 21 وإكسير العبادات ج 3 ص 531 والإحتجاج ج 2 ص 125 ج2 وبحار الأنوار ج 45 ص 134 و 185 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 64 وعوالم العلوم، الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 434 وجلاء العيون ج2 ص 256 ومقتل الحسين للمقرم ص 450 والمجالس السنية ج 1 ص 146 ومثير الأحزان ص 101 والحدائق الوردية ج 4 ص 125 .

آخر..

زينب تندب أخاها:

وقد تستوقف الباحث الاختلافات في النصوص الواردة لندبة السيدة زينب« عليها السلام» لأخيها، وربما ظن أن هذا يدعو إلى الارتياب في صحتها.

غير أن من الواضح :أن هذه الاختلافات لا تضر، فإن الناقل الفقرات متقاربة، قد يتعلق غرضه ببعض الفقرات دون بعض، فيقتصر على ذكر ما تعلق غرضه به .

كما أن بعض الرواة قد لا يحفظ النص بكامله، أو يحفظه يُنسيه طول المدة بعض فقراته.

وقد تكون زينب نفسها « عليها السلام» قد كررت ندبتها مرة بعد أخرى، فكانت تزيد عليها ، أو تنقص منها ، ويكون بعض الرواة قد سمع هذه الندبة، وبعضهم سمع الندبة الأخرى.

دليل جواز لطم الوجوه:

قد يستدل بعض الناس على جواز لطم الوجوه على الإمام الحسين «عليه السلام»: بما تقدم من أن النسوة لما نظرن إلى القتلى، صحن، وضربن وجوههن. وقد سكت الإمام السجاد «عليه السلام» عن نهيهن.

وهذا تقرير وقبول منه .وتقرير المعصوم حجة.

ويجاب :

أولاً: بأنه لا دليل على أنه « عليه السلام» كان في تلك اللحظة بالقرب من النساء، وأنه سمع أو رأى ذلك.

ثانياً: لعل مرضه الشديد كان يمنعه من رفع صوته بحيث تسمعه النساء، أو يسمعه من يمكن أن يروي ذلك...

فإن قيل: إن زينب كانت عالمة غير معلمة كما قال لها الإمام السجاد «عليه السلام»، فإذا كانت فعلت ذلك، فلا بد أن تكون ترى أنه جائز، فمن البعيد أن تجهل حكم ما تفعله .

ويجاب :

أولاً : من قال: إن اللواتي لطمن وجوههن كن من نساء بني هاشم؟!

ثانياً: كيف يمكن إحراز :أن تكون زينب قد فعلت ذلك أيضاً، لكي يستأنس بفعلها لترجيح جواز اللطم على الوجوه؟! ولو قلنا بجواز اللطم على الوجوه، فإن هذه العبارة لا تصلح أن تكون من الأدلة على ذلك.

قيمة هذه الندبة:

تضمنت هذه الندبة التي كانت تحت سمع وبصر المجرمين أموراً بالغة الأهمية في دلالاتها، وتأثيراتها. ويكفي أن نذكر:

1 - أن الخطاب والشكوى فيها كانت الله ولرسول الله «صلى الله عليه وآله»، ثم إلى علي، وحمزة وخديجة الكبرى، وفاطمة الزهراء.

وهؤلاء هم أعظم رموز الإسلام في زمن الرسول «صلى الله عليه وآله»، وإلى يوم القيامة.

وهذا ينقل اهتمام السامع إلى استحضار موقع الحسين «عليه السلام» وإخوته ،وأبنائه، وسائر من معه من أهل وأقارب، ونساء وأطفال، وقيمته لدى أعظم رموز الإسلام. ويقارن، وينظر في مصير من قتلهم، وآذاهم ،وسلبهم ، وسباهم ،وأسرهم، وما إلى ذلك.

2 - تصرح هذه الندبة : بأن المسبيات هن بنات النبي «صلى الله عليه وآله»، فقد قالت: «وبناتك سبايا».

3 - وقد صاحب ذلك وصف للحالة التي انتهت إليها الأمور، وأنها كما يلي:

ألف: إن الحسين «عليه السلام »مرمل [مزمل] بالدماء.

ب :مقطع الأعضاء

ج: إنه بالعراء.

د: تسفي عليه ريح الصبا.

ه : قتيل أولاد البغايا.

و :إن بنات النبي سبايا .. أو أن ذرية المصطفى يساقون سوق السبايا .

ز: إن ذرية النبي «صلى الله عليه وآله» مقتلة.

ح: إن الحسين «عليه السلام» :محزوز الرأس من القفا .

ط :مسلوب العمامة والردا.

ي: إن عسكره نهب يوم الإثنين.

ك: إن الحسين «عليه السلام» قضى مهموماً .

ل: إنه « عليه السلام» مضى عطشاناً.

م :إن شيبته«عليه السلام» تقطر بالدماء.

ن: إنه « عليه السلام» معفر بالتراب.

س: إن فسطاط الحسين «عليه السلام» مقطع العرى.

4 - إنها تصرح في ندبتها: بأن يوم قتل الحسين «عليه السلام» هو يوم موت رسول الله «صلى الله عليه وآله»، لأنه عليه السلام» هو الامتداد له «صلى الله عليه وآله »، والحافظ لنهجه ودينه وشرعه، فقتله «عليه السلام» بمثابة قتل الرسول في دينه ورسالته، وسائر أهدافه ...

قتيل أولاد البغايا:

ونحن نرتاب في صحة الفقرة التي تقول: إن الحسين «عليه «السلام» قتيل أولاد البغايا، لا لأننا نبرئ قتلته من ذلك، بل نصر على صحة هذا القول، لأن التفوه بهذه الكلمة التي هي كلمة حق وصدق ،من شأنه أن يثير غضب تلك الطغمة، ويدفعهم إلى الإصرار على إيذاء من قالها بأشد ما يقدرون عليه..

إلا أن يقال:

أولاً: إن هذا الأذى الذي نال عيال الإمام الحسين «عليه السلام» كان قد بلغ أعلى المراتب، فلم يجدوا سبيلاً إلى إضافة شيء ذي بال في هذا المجال.

ثانياً :لعلهم كانوا يخشون أن يؤدي ذلك إلى إعطاء ابن زياد ويزيد «لعنهما الله» ذريعة لمؤاخذتهم، فيما لو تسبب إيذاؤهم هذا بتضييع أهداف ذلك الطاغية من الاحتفاظ بالسبايا والأسرى، ليكونوا أداة إذلال، وإهانة لبني هاشم، ثم ليكونوا وسيلة للضغط على كل من يفكر بالإنتقام، أو بإثارة أجواء من الكراهية ضدهم، أو يسعى في زلزلة حكمهم.

الفسطاط المقطع بالسيوف:

ويبدو لنا :أن قولها « عليها السلام»: «بأبي من فسطاطه مقطع العرى»، يشير إلى أن هذه الندبة قد حصلت قبل إحراق الفسطاط الذي كان النساء والأطفال فيه.

ويشير أيضاً :إلى أن الفسطاط، قد هدم - بواسطة تقطيع عراه على مرأى ومسمع من العيال، قبل أو حين توجههن إلى مصرع الإمام الحسين «عليه السلام »ثم أحرق بعد ذلك، أي أن إحراق الفسطاط قد تأخر عن هذه الندبة، قليلاً أو كثيراً..

حرق الخيام لماذا ؟!

وقد ذكرت النصوص: أن جيش يزيد «أخرجوا النساء من الخيمة،

واشعلوا فيها النار» فيرد هنا سؤال يقول:

إذا كان الجشع والطمع، قد جعل ذلك الجيش يسلب العيال، والشهداء أبسط الأشياء، فلماذا آثر هؤلاء الأشرار إحراق الخيام على سلبها والاحتفاظ بها، والاستفادة منها؟!

ويمكن أن يجاب:

قد يكون من أسباب ذلك:

1 - أن حرق الخيام كان إمعاناً منهم فى إذلال وإيذاء السبايا، وكسر عنفوانهن.

2 - إنهم يريدون أن يظهروا قوتهم وشوكتهم، ويجسدوا استكبارهم بالتأكيد على ظفرهم، وقوتهم..

3 - وربما كان من أهدافهم أيضاً: إفهام كل من يفكر في منا وأتهم: أنه لن يجد عندهم ذرة من الرأفة والرحمة، بل سيكون سبيله الاقتلاع والإستئصال من الجذور بأبشع الأساليب وأقساها، ومنها :الإحراق بالنار.

متى كان حرق الخيام؟!

ويبقى هنا سؤال آخر عن وقت حرق الخيام، فقد يقال: إنه كان في اليوم العاشر، بعد استشهاد الإمام الحسين « عليه السلام» مباشرة، فيرد سؤال عن حالهن ليلة الحادي عشر من محرم، فهل بتن ليلتهن بالعراء، أو أن الخيام أحرقت ساعة مسيرهم من كربلاء إلى الكوفة؟!

ويجاب:

بأن الذي يبدو لنا من النص المتقدم برقم [1]: أن الخيمة التي كان النساء فيها قد بقيت إلى ظهر يوم الحادي عشر من محرم، أي إلى حين المسير من كربلاء نحو الكوفة، فقد أخرجن منها، ثم أحرقت الخيمة، فطلب النساء منهم، وأقسمن عليهم أن يمروا بهن على جثث الشهداء. فمروا بهن عليها (1)ولكن لا رأفة بهن ، ولا كرم أخلاق، فإن الوقائع والشواهد تأبى أن يوصفوا بشيء من ذلك.

بل إمعاناً منهم في إيذاء تلك النفوس البريئة، وإصراراً منهم على الإذلال، ورغبة بالتشفي والتلذذ بعذاب تلك الصفوة الطاهرة.

أما سائر المضارب والخيام، فيبدو :أنها قد أحرقت قبل ذلك، وقد روي عن الإمام الرضا «عليه السلام» قوله : «وأضرمت النيران في مضاربنا» (2).

ومما يدل على هدم الخيام قبل حرقها :ما ذكره أبو إسحاق


1) راجع: الملهوف ص 180 و( نشر أنوار الهدى) ص 78 ومثير الأحزان ص 77 وراجع الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 120 وبحار الأنوار ج 45 ص 58 والعوالم ، الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 302.

2) الأمالي للصدوق ص 190 وروضة الواعظين ص 169 وبحار الأنوار ج 44 ص 283 والعوالم الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 538 وإقبال الأعمال ج3 ص28 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص238 ومسند الإمام الرضا«عليه السلام» ج 2 ص 27 .

الإسفرايني (الأسواني)، من أن ابن سعد قال لجيشه «دونكم الخيام، انهبوها .

فدخلوا وجعلوا يسلبون ما على الحريم والأطفال من اللباس، ثم قطعوا الخيام بالسيوف.

فخرجت أم كلثوم وقالت :یا ابن سعد، الله يحكم بيننا وبينك، ويحرمك شفاعة جدنا، ولا يسقيك من حوضه ،كما فعلت بنا، وأمرت بقتل سبط الرسول، ولم ترحم صبيانه، ولم تشفق على نسائه.

فلم يلتفت إليها» (1).

دموع الخيل:

وقد ذكرت الروايات المتقدمة: أن ندبة السيدة زينب «عليها السلام» قد أبكت كل عدو وصديق..

أضاف الخوارزمي إلى ذلك قوله: «وحتى دموع الخيل تنحدر على حوافرها».

فيلاحظ هنا :

أولاً : أن حديث بكاء الخيل لأجل ندبة السيدة زينب «عليها السلام» لا ينبغي أن يكون موضع استغراب وارتياب.. فقد ذكرنا بعض ما يرتبط بهذا الموضوع في فصل :جواد الحسين «عليه السلام».


1) نور العين في مشهد الحسين ص 46.

ثانياً: إن هذا يدل على أن الأعداء - كما الأصدقاء - قد سمعوا كلام زينب «عليها السلام»..

وهذا إعلام ناجح، لاسيما وأن بكاء الأعداء لا يمكن الحصول عليه بسهولة، بل هو بعيد المنال في أغلب الأحوال..

ثالثاً : هو يدل على أن هذه الندبة وما صاحبها من أجواء حزينة، وزفرات، وحسرات قد أثر حتى في الأعداء، وفي الإنسان والحيوان بالرغم من قسوة الأعداء البالغة، حتى لقد قست قلوبهم، فهي كالحجارة أو أشد قسوة.

متى استشهد الحسين «علیه السلام» ونهب عسكره؟!

وعن قولها « عليها السلام»: «بأبي من عسكره يوم الإثنين نهباً »نقول:

إن من المعلوم: أن سلب الحسين «عليه السلام» قد حصل بمجرد استشهاده« عليه السلام»، لكن نهب رحله هل حصل بعد استشهاده «عليه السلام» مباشرة؟! أو أنه انتهب في اليوم التالي قبيل، أو حتى بعد إخراج النساء من الفسطاط، وتسيير هن نحو الكوفة؟!

هذا ما لانملك دليلاً قاطعاً عليه..

غير أن حصولنا على الإجابة على هذا السؤال لا يحل المشكلة، فإن أكثر المؤرخين، والرواة لم يأخذوا بقول الكليني، والطوسي، وابن جریر بن رستم الطبري الشيعي :بأن الحسين «عليه السلام» قد

استشهد يوم الإثنين (1)

ونضيف إلى ما تقدم ما يلي: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 245 وفي مقاتل الطالبيين ص84 نسبه إلى العامة، وبحار الأنوار ج 44 ص 199 عن مناقب آل أبي طالب، بلفظ قيل، وعن غيره، وص 201 عن ابن الخشاب بلفظ قيل أيضاً.

.

وأكثرهم ذهب إلى أنه استشهد يوم الجمعة (2)

ونضيف إلى ما تقدم: الفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 154 والإستيعاب ج 1 ص 393 وبغية الطالب في ذكر أولاد أبي طالب ج 6 ص 2571 و 2661 والطبقات الكبرى لابن سعد (ترجمة الإمام الحسين«عليه السلام» القسم المطبوع) ص 75 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 245 وبحار الأنوار ج 44 ص 199 عن مناقب آل أبي طالب بلفظ قيل، وعن مقاتل الطالبيين ص 201 عن ابن الخشاب.

.

1) موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 4 ص 12 عن المصادر التالية: الكافي ج 1 ص 463 وتهذيب الأحكام ج 6 ص 48 ودلائل الإمامة ص177 ومجموعة نفيسة (تاج المواليد) ص 106 وفيه «وروى» و (تاريخ مواليد الأئمّة ووفياتهم) ص 176 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 77 وإعلام الورى ج 1 ص 420 وكشف الغمّة ج 2 ص 252 وتهذيب الكمال ج 6 ص 446 وفي الخمسة الأخيرة «وقيل »، والتنبيه والإشراف ص 262 .

2) موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 4 ص 12 عن المصادر التالية: الإرشاد ج 2 ص 95 ومجموعة نفيسة (تاريخ مواليد الأئمة ووفياتهم) ص 176 وتهذيب الأحكام ج 6 ص 48 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 77 وإعلام الورى ج 1 ص 420 وفي الثلاثة الأخيرة «وقيل» وص458 وكشف الغمة ج 2 ص 252 والمستدرك على الصحيحين ج 3 ص 194 الرقم 4819 والمعجم الكبير ج 3 ص 117 الرقم 2852 وتهذيب الكمال ج 6 ص 445 عن الزبير بن بكار وقتادة، وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 422 والطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 474 وأسد الغابة ج 2 ص27 ومقاتل الطالبيين ص 84 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص116 والعقد الفريد ج 3 ص 366 والتنبيه والإشراف ص 262 وتذكرة الخواص ص 251 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 4 و 47 ومطالب السؤولص 76 والبداية والنهاية ج 8 ص 198.

وقلة منهم قالت: استشهد عليه السلام» يوم السبت(1).


1) موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 4 ص 12 عن المصادر التالية: الإرشاد ج2 ص 133 و 95 وتهذيب الأحكام ج 6 ص 48 وفيهما «قيل»، ومجموعة نفيسة (تاج المواليد) ص 106 ومناقب آل أبي طالب ج4 ص77 وعنه في بحار الأنوار ج 44 ص 198 و 199 عن مقاتل الطالبيين بلفظ قيل، وإعلام الورى ج 1 ص 420 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 422 وتهذيب الكمال ج 6 ص 446 والثقات لابن حبان ج 2 ص 309 ومقاتل الطالبيين ص84 وأسد الغابة ج 2 ص 27 وتذكرة الخواص ج 2 ص 160 وفي الأربعة الأخيرة «قيل»، ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 47 عن الليث بن سعد، وص4 في رواية. ونضيف إلى ذلك ترجمة الإمام الحسين«عليه السلام» لابن عساكر ص413 عن أبي نعيم، وص 417 عن الفضيل وص 18 و 419 عن أبي نعيم، والفضل بن دكين 419 وص 427 عن ليث بن سعد، ونسبه في تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 245 إلى القيل.

أو يوم الأربعاء (1)

وروي ذلك عن الصادق «عليه السلام» أيضا (2).

يوم استشهاد الإمام«علیه السلام» :

ويمكن أن يستدل على صحة القول بأن يوم عاشوراء، هو يوم الجمعة، بما يلي:

إنهم يقولون : إن الإمام الحسين «عليه السلام» قد نزل كربلاء يوم الخميس. وهو اليوم الثاني من المحرم سنة إحدى وستين (3)


1) تاريخ خليفه بن خياط ص 178 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 309 وراجع :تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 116 بلفظ قيل.

2) مصباح المتهجد ص 782 وبحار الأنوار ج 45 ص 64 وج 98 ص 304 والمزار لابن المشهدي ص 474 وإقبال الأعمال ج3 ص 66 والعوالم، الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 342 و 343 ومستدرك سفينة البحار ج 7 ص 237 .

3) بحار الأنوار ج 44 ص 381 و 383 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 84 وتاريخ 309 الأمم والملوك ج 5 ص 408 و 409 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 309 وروضة الواعظين ص 199 و (منشورات الشريف الرضي) ص 181 وإعلام الورى ج 1 ص 451 وأنساب الأشراف ج 3 ص385ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 97 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 247 وتجارب الأمم ج 2 ص 68 ومقاتل الطالبيين ص 185 والكامل في التاريخ ج4 ص 52 وإمتاع الأسماع ج 5 ص 364 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 231 و 234 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 83 ونهاية الأرب ج20 ص 425 ومستدرك سفينة البحار ج 9 ص 89 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج8 ص 189.

وقيل - كما في الفصول المهمة لابن الصباغ: استشهد «عليه «السلام» يوم الأربعاء الثامن من المحرم (1). وكلمة الثامن مصحفة - فيما يبدو - عن كلمة الثاني. كما في بعض نسخ المصدر.

وهناك من ردد في كلامه، وقال: «يوم الأربعاء، أو الخميس»(2).

فبناء على القول نلاحظ: أنه « عليه السلام» نزل أرض كربلاء يوم الأربعاء المصادف للأول من المحرم ، حيث قال الدينوري: «ثم أمر الحسين بأثقاله، فحطت بذلك المكان يوم الأربعاء ،غرَّة المحرم من سنة أحدى وستين» (3).

فبناء على هذا، وبناء على القول الآخر، من أن يوم نزوله كربلاء هو الأربعاء أو الخميس..

وبناء على الترديد في أن يكون يوم نزوله هو اليوم الثاني، أو اليوم


1) الفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 816 وينابيع المودة ج 3 ص63 والأخبار الطوال ص 253.

2) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 83 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص237 عن عقبة بن سمعان، وكشف الغمة ج 2 ص 259 ومطالب السؤول ص 75

3) الأخبار الطوال ص 251 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج6 ص2625 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 651 .

الأول من المحرم..

نعم، بناء على ذلك كله يكون يوم عاشوراء: إما يوم الجمعة، أو السبت، وليس يوم الإثنين...

وقد ذكر أبو الفرج الأصفهاني: أن أول المحرم الذي قتل فيه «عليه السلام كان يوم الأربعاء.. قال: «أخرجنا ذلك بالحساب الهندي من سائر الزيجات».

وبذلك يكون الأرجح:أن يوم عاشوراء هو يوم الجمعة ..

ويؤكد ذلك، بل يدل عليه : أن الإمام الحسين «عليه السلام» كما تقدم، يقول في رسالته لأهل الكوفة : إنه شخص من مكة إلى العراق يوم الثلاثاء في الثامن من ذي الحجة.

وعليه فإن كان شهر ذي الحجة 29 يوما، يكون أول شهر المحرم هو يوم الأربعاء، وإن كان ذو الحجة 30 يوماً، فيكون أول شهر المحرم هو يوم الخميس. فيكون يوم عاشوراء، هو الجمعة على الأول، والسبت على الثاني.. فلا يصح قولهم:إن اليوم الثاني من المحرم هو يوم الأربعاء، بل يوم الخميس هو الثاني من المحرم، بناء على أن ذا الحجة 29 يوماً.

سكينة تسمع هاتفاً أيضاً:

قالت سُكَينَة [ بنتُ الحُسَين «عليه السلام»] لمّا قُتِلَ الْحُسَينُ «عليه السلام»، اعتَنَقتُهُ فَأَعْمِيَ عَلَيَّ، فَسَمِعتُهُ يَقُولُ:

يعتي ما إن شربتُم ***رَيَّ عذب فاذكروني

أو سَمعتم بغريب***أو شهيد فانذبوني

فقامت مرعوبة قد قرحت مآقيها، وهِيَ تَلطِمُ عَلى خَدَّيها، وإذا بهاتف يَقولُ:

بَكَتِ الأرضُ وَالسَّمَاءُ عَلَيهِ*** بدُموع غزيرةٍ ودماء

تبكيان المقتول في كربلاء*** بَين غوغاءِ أُمَّةٍ أدعياء

مُنِعَ المَاءَ وَهُوَ عَنهُ قريب ***َينُ اِبكِ المَمنوعَ شُربَ

ونقول:

إننا نلاحظ ما يلي:

1 - إننا لا نعرف المصدر الذي نقل عنه الشيخ الكفعمي «رحمه الله» هذا الحديث عن سكينة «رضوان الله تعالى عليها». لكي ننظر في سنده ،إن كان له سند .وإن كان عدم وجود السند، لا يمنع من صحة النص وحصول مضمونه.

2 - قد يقول البعض: لعلها سمعت هاتفاً حال إغمائها، فظنت أنه الحسين «عليه السلام»، لاسيما وأن هذا الشعر قد جاء بصيغة المتكلم..

ويجاب:

بأن سكينة قد صرحت: بأنها سمعت أباها يقول ذلك، حيث يبدو أنها سمعت نفس صوته المعهود عندها لأبيها ، فعرفته بذلك.

وما المانع من حصول مكاشفات من هذا النوع في مثل هذه الحالات لأناس هم من دوحة الإمامة، وغرس الرسالة .تشريفا وتكريماً لهم، ولمصالح أخرى؟!

3 - أما الهاتف الذي سمعته سكينة بعد إفاقتها، فلعله من الجن، وربما كان أيضاً ملكاً.. فإن الروايات قد صرحت: بأن قسماً من الهواتف كان من الجن، وبعضه نسب ما سُمع منها إلى بعض الملائكة، مثل جبرئيل « عليه السلام» .. وقسم ثالث لم يصرح بحقيقة من هتف، فبقي الأمر مبهما..

الفصل الثالث: الرؤوس والسبايا إلى الكوفة..

اشارة

رأس الحسين «علیه السلام» إلى ابن زياد:

قلنا: إنه بمجرد استشهاد الإمام الحسين «عليه السلام »عصر يوم العاشر من شهر المحرم، احتز الشمر وسنان بن أنس رأسه الشريف، وبادر عمر بن سعد إلى إرساله إلى عبيد الله بن زياد «لعنه الله»، في الكوفة، في نفس ذلك اليوم مع خولي بن يزيد، وحميد بن مسلم أو غيرهما .

أما رؤوس سائر الشهداء، فقد قطعت، ولكنها لم ترسل في ذلك اليوم، بل بقيت إلى اليوم الحادي عشر كما سنرى.

وعن زر بن حبيش: «أَوَّلُ رَأس رُفِعَ عَلى خَشْبَةٍ، رَأْسُ الحُسَين «رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ»، وصَلَّى اللهُ عَلى روحِهِ..» (1).


1) موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص 89 عن تاريخ الأمم والملوك جه ص 394 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 297 و الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 483 الرقم 445 وترجمة الإمام الحسين «عليه السلام»من طبقات ابن سعد ص 80 والرد على المتعصب العنيد ص 40 والمعجم الكبير ج 3 ص 125 الرقم 2876 عن الشعبي، وعن الكامل في التاريخ ج 4 ص 83 ومثير الأحزان ص 79 وكشف الغمة ج 2 ص 267 والأمالي للشجري ج 1 ص 164 عن الشعبي، والخمسة الأخيرة .نحوه وراجع بغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2646

الرأس الشريف في الحنانة:

قال الشهيد الأول «رحمه الله»:

«فإذا بلغت العلم، وهي الحنانة فصل ركعتين، فقد روى محمد بن أبي عمير، عن المفضل بن عمر قال :جاز الصادق «عليه السلام» بالقائم المائل في طريق الغري، فصلى ركعتين.

فقيل له: ما هذه الصلاة؟!

فقال: هذا موضع رأس جدي الحسين بن علي «عليهما السلام». وضعوه ها هنا لما توجهوا من كربلاء، ثم حملوه إلى عبيد الله بن زياد لعنة الله عليه» (1).

لماذا سمي الموضع بالحنانة ؟!:

ونقل بعضهم عن الشيخ النوري« رحمه الله»: أن سبب تسمية ذلك الموضع بالحنانة :أنه كان في ذلك المكان ميل من الجص والآجر، ويقال له: القائم ،ويسمونه :بالعلم، فلما قبض علي «عليه السلام»، وجاؤوا به ليدفنوه في النجف مروا به من ذلك الموضع، فانحنى العلم تعظيماً له، فسمي بالحنانة.

ولما جيء برأس الحسين« عليه السلام» وضعوه في ذلك


1) المزار للشهيد الأول ص 69 وراجع جواهر الكلام ج 20 ص 93 والأمالي للطوسي ص 682 وبحار الأنوار ج 97 ص 281 و 454 و 455 و 100. 322

الموضع أيضاً.

وقيل: سمي بالحنانة، لأنه لما وضع رأس الحسين «عليه السلام» في ذلك الموضع سمع له حنين وأنين إلى الصباح(1).

ونقول:

إن ما نقل عن الشيخ النوري «رحمه الله»، من أن العلم قد انحنى لأمير المؤمنين «عليه السلام »حين جاؤوا به ليدفنوه لا يبرر - بمجرده - تسمية ذلك الموضع بالحنانة. إلا إن كان العوام من الناس قد فهموا أن هذا الإنحناء كان لأجل حنين العلم إليه، فسمي المكان بالحنانة لأجل ذلك، وتكون التسمية من قبل عوام الناس.

أما القول :بأن سبب تسميته بالحنانة :أن الرأس الشريف كان له حنين وأنين إلى الصباح، فهو أكثر معقولية، وأقرب إلى القبول، لأن حنين الرأس يناسب تسمية الموضع بالحنانة من حيث هو موضع الحنين الذي سمع من الرأس الشريف..

خولي وزوجته:

عن أبي مخنف قال: ما هُوَ إِلا أَن قُتِلَ الحُسَينُ «عليه السلام»، فَسُرِّحَ بِرَأْسِهِ مِن يَومِهِ ذلِكَ مَعَ خَولِيٍّ بن يَزِيدَ وحُمَيدِ بن مُسلِم الْأَرْدِيّ إلى عُبَيدِ الله بن زيادٍ.

فَأَقْبَلَ بِهِ خَولِيٌّ [ عند البلاذري :فأقبلا به ليلا]، فأرادَ القصرَ، فَوَجَدَ


1) معالي السبطين ج 2 ص 96 .

باب القصر مغلقاً [وعند ابن نما:لما قاربوا (أي حملة الرأس الشريف) الكوفة كان عبيد الله بن زياد بالنخيلة - وهي العباسية - ودخل ليلا].

فأتى منزلهُ، فَوَضَعَهُ تَحتَ إِجانَةٍ في منزلِهِ، وله امرأتان: امرأةٌ مِن أَسَدٍ، وَالأُخرى مِنَ الحَضِرَمِيِّينَ، يُقالُ لَهَا: التَّوارُ ابْنَهُ مَالِكِ بن عَقْرَبِ، وَكَانَت تِلْكَ اللَّيلة ليلة الحَضِرَمِيَّةِ.

قالَ هِشَامٌ: فَحَدَّثني أبي، عَن الدَّوار بنتِ مالِكٍ، قالت: أقبَلَ حَولِيٌّ برأس الحُسَين «عليه السلام»، فَوَضَعَهُ تَحتَ إِجانَةٍ فِي الدّارِ، ثُمّ دَخَلَ البيت، فأوى إلى فراشه، فقلتُ لهُ: مَا الْخَبَرُ؟ مَا عِندَكَ؟

قالَ: جِئتُكِ بِغِنَى الدَّهر، هذا رأسُ الحُسَينِ مَعَكِ في الدّارِ !!

قالت: فقلتُ: وَيلكَ !جَاءَ النَّاسُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وجئت برأس ابن رسول الله «صلى الله عليه وآله»! لا وَاللَّهِ، لَا يَجْمَعُ رَأْسِي ورَأسَكَ بَيتٌ أَبَداً.

قالت :فقمتُ من فراشي، فَخَرَجَتْ إلى الدّارِ، فَدَعَا الأَسَدِيَّة، فأدخلها إليهِ، وجَلستُ أنظُرُ [ وعند ابن نما :ووثبت من فراشي، وقعدت عند الإجانة ]قالت: فَوَاللهِ ما زلتُ أنظر إلى نور يَسطعُ مِثْلَ العَمودِ مِنَ السَّمَاءِ إِلى الإِجانَةِ، ورأيتُ طيراً (1)بيضاً تُرَفرفُ حولها.


1) كذا في المصدر، وفي مقتل الحسين للخوارزمي والبداية والنهاية «طيوراً».

قالَ: فلمّا أصبَحَ غَدا بالرأس إلى عُبَيدِ الله بن زيادٍ (1).

الإجانة: إناء يغسل فيه الثياب.

ونقول:

لا بأس بالنظر إلى ما يلي:

ملاحظة تفرض نفسها:

نحن نشير في البداية إلى أمر قلما يلتفت إليه، وهو أن امرأة خولي تقول لزوجها «جئت برأس ابن رسول الله»، فتنسب الحسين «عليه السلام »إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» مباشرة، فلم :تقل: «جئت برأس ابن بنت رسول الله».. مع أن سياسة بني أمية وأعوانهم تقضي بالعودة إلى المفهوم الجاهلي القاضي بإنكار بنوة الحسن والحسين «عليهما السلام» لرسول الله «صلى الله عليه وآله»،


1) موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص 85 عن تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 455 و(ط الأعلمي) ج 4 ص 348 والكامل في التاريخ ج 4 ص 80 و 81 ومقتل 80 الحسين للخوارزمي ج 2 ص 101 والبداية والنهاية ج 8 ص 189 كلها نحوه؛ وبحار الأنوار ج 45 ص 125 و 107 و 62. ونضيف راجع مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 60 . وراجع: أنساب الأشراف ج 2 ص 411 ومثير الأحزان ص 85 و 84 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 65 و 66 وجواهر المطالب ج 2 ص 290 وراجع الملهوف ص189 والإرشاد ج 2 ص 113 وإعلام الورى ج 1 ص 470 ونهاية الأرب ج 20 ص 463 و 464

وذلك انطلاقاً من المبدأ المزيف :

بنونا بنو أبنائنا وبناتنا*** بنوهن أبناء الرجال الأباعد

أين حميد بن مسلم؟!

عرفنا :أن حميد بن مسلم كان مع خولي بن يزيد الأصبحي، فكيف انفرد خولي بالرأس، فأخذه إلى بيته، ثم جاء به في اليوم التالي إلى ابن زیاد؟!

ويجاب:

بأنهما إن وجدا باب القصر مغلقا، فمن الطبيعي أن يبحثا عن موضع ینامان فيه، ويبقى الرأس في مأمن معهما.. فارتأوا أن يبيت كل منهما في بيته.

وربما كان خولي هو المقدم في أمر إيصال الرأس إلى ابن زياد، ويكون حميد بن مسلم مساعداً له، فمن الطبيعي أن يكون الرأس الشريف في عهدة خولي، إلا إذا حصل له أمر يمنعه من ذلك.

غنى الدهر: كيف؟! ولماذا؟!:

إن خولي بن يزيد كان يطمع بالحصول على غنى الدهر من خلال قتل الحسين «عليه السلام».. ولست أدري كيف نشأ لديه هذا الأمل؟!

ألم يكن يعلم: أن من يتعامل معهم، ليسوا من أهل الوفاء بالعهود والوعود؟

ألم يكن يعلم: أن الحسين «عليه السلام »حبيب الله وحبيب رسوله، وحبيب كل مؤمن ومؤمنة، وهو سيد شباب أهل الجنة؟!

فهل يتوقع أن يسهل الله تعالى له أسباب تحقق أمنيته هذه ثمناً لجريمته النكراء تلك؟!

ولو أنه حصل على شيء كان يتمناه، هل يتوقع أن يبارك الله له فيه؟ أو أنه سوف يهنأ به؟!

وماذا يفيده غنى الدهر، إذا كان سوف لا يعيش هذا الدهر ؟! كما لم يعشه أحد من البشر ؟! أم أنه قد اتخذ عند الله عهداً بأن يبقيه حيا إلى يوم القيامة؟!

وماذا يفيده هذا الغنى إذا كان سينقضي ويتلاشى، ثم يرد على الله ليواجه الغضب الإلهي، ولتحتوشه نيران الجحيم، ويخلد في العذاب الأليم؟!

وماذا يفيده، وكيف يهنأ بهذا الغنى، وهو يرى نفسه في موضع الغضب الإلهى، والطرد من رحمة الله ،والمقت من الله ومن كل مؤمن و عاقل؟!

ونقول أخيراً:

ألم يسمع خولي وأقرانه من جلاوزة يزيد ما قاله الإمام الحسين «عليه السلام »يوم عاشوراء، من أن الله تعالى سوف يهلك محاربيه وقاتليه؟!

فقيل له وكيف يهلكنا ؟

فقال: يلقي بأسكم بينكم؟!

وقد تقدم بيان ذلك في جزء سابق من هذا الكتاب

الفطرة السليمة:

هذا.. وقد ذكرت الرواية المتقدمة: أن زوجة خولي قد انتفضت ضده، ورفضت منطقه، وأقسمت على مفارقته مدى الدهر ، وقد كان هذا منها تلبية لنداء الفطرةالسليمة، واستجابة لوجدانها الحي، وتفاعلاً مع مشاعرها الإنسانية. واهتداء بهدى العقل وحباً منها لرسول الله، ووفاء له.

علما بأن محبة أهل البيت «عليهم السلام»، وموالاتهم جزء من هذا الدين، ولا يمكن لأي عاقل منصف أن ينكر ذلك، أو أن يتنكر له.. فحيا الله تعالى هذه المرأة ،وبياها ،وأعطاها من المثوبة على موقفها هذا ما تأمله وتتمناه.

دناءة هنا وشهامة هناك:

وقد غضبت زوجة خولي لنبيها ، ولأهل بيته الطاهرين، ورضيت بالتخلي عن حياتها الزوجية بملء إرادتها واختيارها، انسجاماً منها مع قناعاتها، ومع شهامتها ، وصدق عاطفتها.

ولكن ذلك الزوج المجرم عاملها بدناءة وخسة، حين حاول أن يغيرها، ويخدش كبرياءها، حين دعا زوجته الأخرى إليه، على مرأى منها ومسمع، مبدياً عدم الاكتراث بموقف الشهامة والكرامة، والوفاء،

والصدق الذي اتخذته زوجته الحضرمية..

وما ذلك إلا لأنه يتعامل مع الأمور بمنطق الأنانية والهوى، والخسة، واللعب على المشاعر ، لأنه ليس لديه أي منطق عقلاني، ولا يملك حتى ما يشبه الحجة، أو ما يوجب الشبهة على أقل تقدير..

نور الهدى:

وقد منَّ الله تعالى على هذه المرأة، فأراها طرفاً من الكرامة الإلهية للحسين «عليه السلام»، فما زالت ترى نوراً يسطع من السماء إلى الإجانة..

وأراها الطيور البيض التي كانت ترفرف حول الإجانة أيضاً..

ولعل هذه الطيور هي أفواج من الملائكة، أو من غيرهم من مخلوقات الله التي تحزن لقتل الحسين «عليه السلام»..

ختاماً أقول:

لست أدري إن كان الله تعالى قد ساق الأمور بحيث تنتهي إلى هذه النتيجة المهمة التي أظهرت فضل امرأة خولي، وصدقها وإخلاصها، ودناءة ورذالة خولي، وسقوطه في بؤر الخيبة والخسة والخذلان..

كما أننا نحسب :أن ثمة تدخلاً إلهيا اقتضى إظهار هذا النور ،وتلك الطيور، في بيت قاتل الحسين «عليه السلام»، وحامل رأسه إلى ذلك الطاغية الجبار .. ليتم إعلام الناس بهذه الأمور بلسان من لا يتوهم أحد أنهم من الموالين لبني هاشم، أو من الواقفين على الحياد...

رواية البحراني:

أما السيد هاشم البحراني، فيقول: «إنّ عبيد الله بن زياد «لعنه الله» بعد ما عرض عليه رأس الحسين« عليه السلام»، دعا بخولي بن يزيد الأصبحي وقال له: خذ هذا الرأس حتى أسألك عنه.

فقال: سمعاً وطاعة.

فأخذ الرأس، وانطلق به إلى منزله، وكان له امرأتان: إحداهما ثعلبيّة، والأخرى مضريّة، فدخل على المضريّة، فقالت: ما هذا؟!

فقال: هذا رأس الحسين بن علىّ، وفيه ملك الدنيا.

فقالت له: أبشر ، فإنّ خصمك غداً جدّه محمد المصطفى «صلى الله عليه وآله».

ثمّ قالت: والله! لا كنت لي ببعل، ولا أنا لك بأهل، ثم أخذت عموداً من حديد، وأوجعت به دماغه.

فانصرف من عندها، وأتى به إلى الثعلبيّة، فقالت: ما هذا الرأس الذي معك؟

قال: رأس خارجي خرج على عبيد الله بن زياد .

فقالت: وما اسمه؟

فأبى أن يخبرها ما اسمه، ثم تركه على التراب، وجعله على إجّانة.

قال :فخرجت امرأته في الليل، فرأت نوراً ساطعاً من الرأس إلى عنان السماء، فجاءت إلى الإجانة فسمعت أنيناً، وهو يقرأ إلى طلوع

الفجر، وكان آخر ما قرأ: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنقلب يَنقَلِبُونَ) (1).

وسمعت حول الرأس دويّا كدوي الرعد، فعلمت أنه تسبيح الملائكة .

فجاءت إلى بعلها، وقالت: رأيت كذا وكذا، فأي شيء تحت الإجانة ؟!

فقال: رأس خارجيّ، فقتله الأمير عبيد الله بن زياد، وأريد أن أذهب به إلى يزيد بن معاوية ليعطيني عليه مالاً كثيراً.

قالت: ومن هو ؟

قال الحسين بن علي.

فصاحت، وخرّت مغشيّة عليها، فلمّا أفاقت، قالت: يا ويلك، يا شرّ المجوس ! لقد آذيت محمداً في عترته، أما خفت من إله الأرض والسماء، حيث تطلب الجائزة على رأس ابن سيّدة نساء العالمين؟!

ثم خرجت من عنده باكية، فلمّا قامت رفعت الرأس وقبلته، ووضعته في حجرها، وجعلت تقّبله، وتقول : لعن الله قاتلك، وخصمه جدّك المصطفى.

فلمّا جنّ الليل غلب عليها النوم، فرأت كأن البيت قد انشق بنصفين، وغشيه نور، فجاءت سحابة بيضاء، فخرج منها امرأتان ،


1) الآية 227 من سورة الشعراء

فأخذتا الرأس من حجرها وبكتا.

قالت: فقلت لهما بالله، من أنتما ؟!

قالت إحداهما: أنا خديجة بنت خويلد، وهذه ابنتي فاطمة الزهراء، ولقد شكرناك، وشكر الله لك عملك، وأنت رفيقتنا في درجة القدس في الجنّة.

قال: فانتبهت من النوم والرأس في حجرها، فلما أصبح الصبح جاء بعلها، لأخذ الرأس، فلم تدفعه إليه، وقالت: ويلك طلقني، فوالله! لا جمعني وإياك بيت .

فقال: ادفعي لي الرأس، وافعلي ما شئت.

فقالت : لا والله ! لا أدفعه إليك.

فقتلها، وأخذ الرأس.

فعجّل الله بروحها إلى الجنّة جوار سيّدة النساء (1).

ونقول:

نحن وهذه الرواية:

1 - لم يذكر لنا العلامة البحراني من أين أخذ هذه الرواية، التي تختلف عن الرواية التي قدمناها، وذكرنا شطراً من مصادرها ..

2 - إن الله تعالى قد خيب أمل هذا المجرم، فقد أوصله إلى ابن


1) مدينة المعاجز ج 4 ص 124 .

زياد، ولم يعطه ملك الدنيا. بل لم يعطه حتى اليسير منها ؟!

3 - والأهم من ذلك :قول الرواية: إن زوجته أخذت عموداً من حديد، وأوجعت به دماغه.

فأولاً: كيف تجرأت على زوجها إلى حد أن تضربه بعمود من حديد، أوجعت به دماغه؟!

ثانياً :كيف ولماذا سكت زوجها عنها، ولم نجد له أية رد فعل تجاه هذا التصرف المهين والموجع ؟! مع أنه رجل مجرم، لا يعرف الله تعالى، ولا يحجزه دين ولا خلق عن أي فعل قبيح ومشين، فكيف أصبح حامل رأس الحسين، والمشارك في قتله « عليه السلام »جباناً إلى هذا الحد أمام امرأته التي هي في عصمته؟!

ثالثاً : وإذا كانت قد ضربته بعمود من حديد، فهل جرحته تلك الضربة، أو أنها لم تصنع شيئا؟ وهل الضرب على الرأس بعمود من حديد يبقى معه الإنسان متماسكاً، وقادراً على ان يحمل رأس الحسين إلى زوجته الأخرى؟!

رابعاً : لماذا قتل زوجته الثانية، وهي لم تضربه بعمود من حديد على رأسه، وإنما قتلها لمجرد أنها تمنعت عن تسليمه الرأس الشريف؟!

مع أنه قد كان بإمكانه أن يأخذه منها عنوة، دون أن يقتلها.

4 - ما معنى قوله لزوجته: إن هذا الخارجي - والعياذ بالله - قد خرج على عبيد الله بن زياد؟!

ونقول:

أولاً : لماذا لم يذكر لها أنه خرج على يزيد؟! فإنهم يرون أن الخروج على يزيد أعظم جرماً من الخروج على عبيد الله بن زياد؟!

ثانياً :وهل خرج الحسين «عليه السلام» على أي منهما فعلا؟! أم أنهم هم الذين حاصروه وقتلوه عطشاناً ظلماً وعدواناً؟!

ثالثاً: كيف يكون خروج الحسين «عليه السلام» على ابن زياد، ويريد هذا الرجل جائزته من يزيد؟!

5 - إن هذه الرواية تارة تقول: إن خولي قد وضع الرأس الشريف على الإجانة، ثم تقول: إنه تحت الإجانة.. فأي ذلك هو الصحيح؟!

الرؤوس والسبايا إلى الكوفة:

إن ابن سعد، ومن هم على شاكلته يفقدون الشهامة، والغيرة، ولا يشعرون بالخجل مما يخجل منه البشر، عالمهم وجاهلهم ، كبيرهم وصغيرهم.

ويفقدون القدرة على تلمس القيم، والتلذذ بمحاسن الأخلاق، وصالح الأعمال..

وهذا أمر طبيعي، فإن من لا يخجل من بيع دينه، ومن قتل أبناء الأنبياء، وأفضل وأكرم البشر ، وأقدس الخلق، لا يمكن أن نتوقع منه أن يخجل من سبي نساء النبي «صلى الله عليه وآله»، وأسر أطفاله، والإمعان في إذلالهم وإيذائهم.

قال ابن طاووس :وأقامَ ابْنُ سَعدٍ بَقِيَّة يَومِهِ وَاليَومَ الثانِيَ إلى زوال الشمس [في الطبري: ثُمَّ أَمَرَ حُمَيدَ بنَ بُكَيرِ الْأَحْمَرِيَّ فَأَدْنَ فِي الناس بالرَّحيل إلى الكوفة ]، ثُمَّ رَحَلَ بِمَن تَخَلَّفَ مِن عِيالَ الحُسَينِ «عليه السلام»، وحَمَلَ نِساءَهُ عَلى أحلاس أقتاب الجمال بغير وطاء ولا غِطَاء، مُكَتَّفَاتِ الوُجوهِ بَينَ الأَعداءِ، وهُنَّ وَدَائِعُ خَيرٍ الْأَنبِياءِ، وساقوهُنَّ كَما يُساقُ سَبيُّ التُركِ وَالرّوم، في أسر المَصَائِبِ وَالهُموم، واللَّهِ دَرٌّ القائل:

يُصَلَّى عَلى المَبعوث مِن آل هاشم*** ويُغزى بَن زى بنوهُ إِنَّ ذا

لعجيب (1)


1) موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص 136 عن الملهوف ص189 و (نشر أنوار الهدى) ص 170 وبحار الأنوار ج 45 ص 107 والعوالم الإمام الحسين «عليه السلام»ج 17 ص 367 :وراجع: تسلية المجالس وزينة المجالس ج 2 ص 332 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 455 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 348 وأنساب الأشراف ج 3 ص 411 و (ط دار التعارف) ج3 ص 206 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 39 نحوه وراجع تذكرة الخواص (ط النجف) ص 256 والأمالي للشجري ج 1 ص 192 والإرشاد ج 2 ص 114 وإعلام الورى ج 1 ص 470 ومثير الأحزان ص83 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 64 والكامل في التاريخ ج 4 ص81 ونور العين في مشهد الحسين ص 47.

شهربانو تغرق نفسها بالفرات:
اشارة

قال ابن شهر آشوب: «وجاؤا بالحرم أسارى، إلا شهربانويه، فإنها أتلفت نفسها في الفرات»(1).

ونقول:

أولاً: ليس المراد ب- «شهربانو» أم السجاد «عليه السلام»، فقد روى الصدوق «رحمه الله» عن الإمام الرضا :أنها ماتت أيام نفاسها به.(2)

ثانياً: لعل شهربانو المشار إليها هنا هي: أم فاطمة بنت الحسين «عليه السلام».

ثالثاً: ما معنى أن تقتل زوجة الحسين، أو أمته، أو أم ولده نفسها


1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 112و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 259 وبحار الأنوار ج 45 ص 62 والعوالم ، الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 307 ونفس المهموم للقمي ص 386 ومعالي السبطين ج 2 ص 93 ووسيلة الدارين ص 351.

2) الأنوار النعمانية ج 3 ص 87 - 89 وبحار الأنوار ج 46 ص 11 وأعيان الشيعة ج 1 ص 629 والخرائج والجرائح ج 2 ص 751 ومرآة العقول ج6 شرح صه وتاريخ الأئمة للكاتب البغداي (مجموعة نفيسة) ص24 وإثبات الوصية ص 170 و 171 وتواريخ النبي والآل ص88 و 89 ولباب الأنساب ج 1 ص 351 ورجال ابن داود (ط جامعةطهران) ص 372 وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 128 والوافي ج 14 ص 1247.

بهذه الطريقة؟! أليس قتل النفس ممنوعاً عنه في الشريعة؟!

واحتمال أن يكون قد صدر لها أمر أو رخصة من الإمام «عليه السلام» بقتل نفسها على هذا النحو، لا دليل عليه.

ولماذا يخصها « عليه السلام» بهذا الرخصة، دون سائر النساء؟! إلا أن يقال: إنها أرادت أن تفر من أيدي الأعداء، من خلال عبور الفرات، ظنا منها :أن ماءه ليس غزيراً أو جارفاً، فدخلت فيه لكى تصل إلى الجانب الآخر، فغرقت... فظن البعض أنها أغرقت نفسها.

لكن هذا يبقى مجرد احتمال ليس له ،شاهد فلا يمكن الاعتمادعليه.

ونقول:

السبايا مكشفات الوجوه:
اشارة

لكن زعم الدينوري: أن ابن سعد قد أمر بحمل النساء «في المحامل المستورة على الإبل» (1).

وقد تقدم بطلان هذا الزعم، وذكرنا هناك شطراً من خطبة زينب «عليها السلام» أمام يزيد، حيث أنبته على سوقه بنات رسول الله «صلى الله عليه وآله »سبايا قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن...


1) الأخبار الطوال ص 259 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج6 ص2630 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 677 .

فلا حاجة إلى الإعادة .

يضاف إلى ذلك: أن نفس النص المذكور آنفاً يصرح بضد ما ذكره الدينوري، فقد صرح:

بأن ابن سعد قد حمل نساء الحسين «عليه السلام» :

1 - على أحلاس أقتاب الجمال.

والقتب: رحل صغير، على قدر سنام الجمل.

والحلس: كساء رقيق يكون تحت البرذعة.

2 - لقد حملهن بغير وطاء . وهو - بكسر الواو - خلاف الغطاء .

فكيف يكون قد حملهن في المحامل المستورة على الإبل، كما يزعم الدينوري؟!

ولماذا يسعى هؤلاء إلى التستر على الفظاعات التي ارتكبها المجرمون في حق أهل البيت؟!

3 - وقد حملهن بغير غطاء يسترهن من حر الشمس، ويمنع من عسف الرياح.

4 - حملهن مكشفات الوجوه بين الأعداء.

فإِنَّا لله وإنا إليه راجعون..

هل أقام يوماً أو يومين؟!

لقد حدد النص المتقدم ساعة حركة ابن سعد بالسبايا والأسرى بصورة دقيقة .. وهي ساعة ما بعد زوال الشمس ظهر اليوم الحادي

عشر من المحرم

فيرد سؤال يقول:

لقد قال بعضهم: «أقام عمر بن سعد بكربلاء بعد قتل الحسين «عليه السلام» يومين، ثم أذن في الناس بالرحيل» (1).

فكيف نجمع بين هذا وذاك؟!

ونجيب:

بأنه يريد أنه حيث أقام بقية اليوم العاشر ، وأكثر من شطر اليوم الحادي عشر. فقد اعتبر بقية اليوم العاشر يوماً أولاً، وشطر اليوم الحادي عشر يوماً ثانياً.

الرؤوس إلى الكوفة أيضاً:

وبعد أن ذكروا : أن ابن سعد قد أرسل برأس الحسين« عليه السلام» إلى عبيد الله بن زياد في الكوفة ..

ذكروا أيضاً:

1 - أنه أمَرَ بِرُؤوس الباقين من أصحابه وأهل بَيْتِهِ فَقُطَّعَت، وسَرَّحَ بها مَعَ شمر بن ذي الجوشن «لَعَنَهُ اللهُ»، وقيس بن الأَشْعَثِ، وعمرو بن الحَجاج، فأقبلوا بها حتى قدِمُوا الكوفة (2).


1) الأخبار الطوال ص 259 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج6 ص2630 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 677 .

2) الملهوف ص 189 و نشر أنوار الهدى ص 84 وبحار الأنوار ج 45 ص 107 و 62 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 306 وإعلام الورى ج 1 ص 470 .

وسيأتي: أن عزرة بن قيس كان الرابع أيضاً .

وعند الدينوري: تقدم بها شمر بن ذي الجوشن أمام عمر بن سعد (1)

2 - وقال الدينوري: أقامَ عُمَرُ بنُ سَعدٍ بِكَر بَلاءَ بَعدَ مَقْتَل الحُسَين «عليه السلام» يومين، ثمَّ أدْنَ فِي النّاس بالرَّحيل، وحُمِلتِ الرُّؤوسُ عَلَى أطرافِ الرِّماح، وكانَتِ اثنين وسبعين رأساً.

جاءَت هَوازِنُ مِنها باثنين وعشرين رأساً. وجاءَت تَمِيمٌ بسَبعَة عَشَرَ رَأْسًا مَعَ الحُصَين بن نُمَيرٍ . وجاءَت عِندَةُ بثلاثة عَشَرَ رَأْسًا مَعَ قيس بن الأَشعَتْ. وجاءَت بنو أَسَدٍ بِسِتَّةِ رُؤوس مَعَ هِلالِ الأَعوَر. وجَاءَتِ الْأَرْدُ بِخَمْسَة رُؤوس مَعَ عَيهَمَة بن زُهَير. وجَاءَت ثَقِيفٌ بِاثْنَي عَشَرَ رَأْسًا مَعَ الوَلِيدِ بن عَمرو (2).


1) الأخبار الطوال ص 260 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2631.

2) موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص 87 عن : الأخبار الطوال ص 259 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2630 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 456 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 358 وأنساب الأشراف ج3 ص412 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 207 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 39 والإرشاد ج 2 ص 113 وراجع بحار الأنوار ج 45 ص 107 وجواهر المطالب ج 2 7ص 290

غير أننا نقول:

إن هذا التوزيع لعدد الرؤوس يزيد على الرقم الذي ذكره أولاً، فإن مجموع ما ذكر هو خمسة وسبعون رأسا، مع أنه قال قبل ذلك: إن الرؤوس كانت اثنين وسبعين رأساً.

3 - قال ابن طاووس: رُوِيَ أَنَّ رُؤوس أصحابِ الحُسَين «عليه السلام» كانَت ثَمَانِيَة وسَبْعِينَ رَأساً، فَاقْتَسَمَتها القبائِلُ؛ لِتَتَقَرَّبَ بِذلِكَ إلى عُبَيدِ الله بن زيادٍ، وإلى يَزِيدَ بن مُعاوِيَة.

فجاءَت كندَة بثلاثة عشر رأساً، وصاحِبُهُم قيس بن الأَشعَثِ. وجاءَت هَوازِنُ بِاتْنَي عَشرَ رَأساً، وصاحِبُهُم شمرُ بنُ ذِي الجوشن. وجاءَت تَميمٌ بِسَبْعَةِ عَشَرَ رَأْساً.

وجاءَت بَنو أسَدٍ بِسِتّة عَشَرَ رَأسا ، وجاءَت مَدْحِجٌ بِسَبعَةِ رُؤوس، وجاءَ سائرُ النّاس بثلاثة عَشَرَ رَأسا (1).

4 - لكن أبا مخنف يقول:

فجاءَت كِندَةُ بثلاثة عَشَرَ رَأساً، وصاحِبُهُم قيسُ بنُ الأَشْعَثِ. وجاءَت هَوازِنُ بعِشرين رأساً، وصاحِبُهُم شِمرُ بنُ ذِي الجوشن.

وجاءَت تَمِيمٌ بسَبعَة عَشَرَ رَأساً، وجاءَت بَنو أَسَدٍ بِسِئَةِ أرؤس،


1) موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص 87 عن : الملهوف ص190 و (نشر أنوار الهدى) ص 85 وبحار الأنوار ج 45 ص 62 والعوالم الإمام الحسين«عليه السلام» ج17 ص 306 وتسلية المجالس وزينة المجالس ج 2 ص 331 .

وجاءَت مَدْحِجٌ بِسَبعَةِ أرؤس، وجاءَ سائِرُ الجيش بِسَبعَةِ أَروس، قذلِكَ سبعون رأسا (1).

وهذا هو الرقم الذي ذكره زحر بن قيس ليزيد حين جاءه برؤوس الأصحاب، كما رواه سبط ابن الجوزي(2).

وذكر نحوه البلاذري، لكنه قال : إن قبيلة أسد جاءت بستة عشر رأساً، وجاء سائر قيس (لعل الصحيح: الجيش) بتسعة أرؤس. فإذا ضممنا هذه الأعداد إلى ما تقدم يصير المجموع ثلاثة وثمانين رأسا (3). على قول البلاذري.

وهذا هو الرقم الذي ذكره زحر بن قيس ليزيد، كما سيأتي.


1) موسوعة الإمام الحسين«عليه السلام» ج 5 ص 87 عن تاريخ الأمم والملوك جه ص 467 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 358 والكامل في التاريخ ج 4 ص 92 والمنتظم ج 5 ص 341 وليس فيه ذيله من وجاء سائر الجيش»، وأنساب الأشراف ج 3 ص 412 و (ط دار التعارف )ج 3 ص207 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 112 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 259 وفيه: «وجاءت بنو أسد بتسعة رؤوس» وفيهما «وجاء سائر الجيش بتسعة رؤوس»، وبحار الأنوار ج 45 ص 62 ونضيف العوالم الإمام الحسين«عليه السلام» ج17 ص 307 ونهاية الأرب ج 20 ص 461 والفصول المهمة لابن الصباغ ج2 ص 849

2) تذكرة الخواص ج 2 ص 193.

3) أنساب الأشراف ج 3 ص 412 و(ط دار التعارف) ج 3 ص 207 وراجع: المنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 341

وفي الطبري: إن الشهداء كانوا ثمانية عشر من أهل بيته، وستين من شیعته(1)

5 - وفي بعض المصادر: «وكان جميع من قتل معه سبعاً وثمانين»(2).

6 - وفي نص آخر:« كانت زيادة على سبعين رأساً» (3).

7 - وفي نص آخر: كانوا ثمانية عشر من أهل بيته وسبعين من شيعته (4).


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 459 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 358 وراجع: ص 351 وراجع الإرشاد ج 2 ص 118 ومثير الأحزان (ط المكتبة الحيدرية )ص 78 والعوالم الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص430 وبحار الأنوار ج 45 ص 129 والأخبار الطوال ص 260 وتاريخ مدينة دمشق ج 18 ص 445 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 341 والكامل في التاريخ ج 4 ص 83 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2631 و 3784 والوافي بالوفيات ج 14 ص 127 وحياة الحيوان الكبرى ج 1 ص 92 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 831 ونهاية الأرب ج 20 ص467 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 661 .

2) مروج الذهب ج 3 ص 63 و (منشورات دار الهجرة) ج 3 ص 61 وبحار الأنوار ج 45 ص 74 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 341

3) تذكرة الخواص ج 2 ص 189

4) موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام»ج 5 ص 227 عن: الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 471 وترجمة الإمام الحسين«عليه السلام» من طبقاتابن سعد ص 81 وعن مصادر كثيرة أخرى كما في موسوعة الإمام الحسين ج 5 ص 225

8 - عن قرة بن قيس التميمي: وقطف [في الإرشاد :قطعت] رُؤوسُ الباقين، فَسُرِّحَ باثنين وسبعينَ رَأساً مَعَ شمر بن ذي الجوشن، وقيس بن الأَشعَثِ، وعمرو بن الحَجّاج ، وعَزرَةَ بن قيس، فأقبلوا حتى قدِموا بها عَلى عُبَيدِ الله بن زيادٍ (1).

ونقول:

لماذا قطع الرؤوس؟!:

لعل الهدف من قطع الرؤوس جميعها، وإرسالها إلى عبيد الله بن زياد، في الكوفة، ثم إلى يزيد:

1 - التشفي، والتنفيس عن الحقد .

2 - إفهام الناس :أن هؤلاء الطغاة إذا شعروا، أو توهموا من أي كان من الناس أي صدودٍ، أو جفاء، فسيكون مصيره أعظم وأشد وأقسى من مصير أصحاب الرؤوس التي حملت على الرماح، وطيف بها في البلاد.


1) موسوعة الإمام الحسين ج 5 ص 89 عن تاريخ الأمم والملوك جه ص 456 و (ط الأعلمي )ج 4 ص 349 والكامل في التاريخ ج 4 ص 81 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 39 وأنساب الأشراف ج 3 ص 412 و ط دار التعارف) ج 3 ص 405 والإرشاد ج 2 ص 113 وإعلام الورى ج 1 ص 470 ومثير الأحزان ص 84 و (ط المكتبة الحيدرية) ص65 والأخبار الطوال ص 259 والدر النظيم ص 559 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2630 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 677

فإذا كان الحسين «عليه السلام» أقدس البشر، وعياله ونساءه هم عيال ونساء رسول الله «صلى الله عليه وآله ».وكان هذا هو مصيرهم، وقد عاملولهم بهذه الطريقة، فهل يمكن أن يرحموا غيره ممن لا يقيمون له وزناً، ولا يعيرون له بالا؟!

3 - إن الرهبة التي أوجدوها لدى الناس سوف تحمل الناس على الخضوع، والاستسلام، والخنوع ،والانسحاق ، والذل أمامهم، والتفاني في خدمتهم، والتسابق لتلبية رغباتهم ، حتى لو كانت من أعظم المآثم وأقبح الجرائم.

ولعل هذا ما مكنهم من هدم الكعبة بعد ذلك، ويسر لهم العدوان البشع والشنيع على المدينة فيما عرف بوقعة الحرة .

4 - إن هذا الحال بعد طول المدة يشيع الشعور بالضعف والذلة، واليأس والعزوف عن التفكير بالبحث عن المناص للخلاص مما هم فيه.. وتصبح الأمة بذلك خانعة خاضعة.

5 - إنهم يظنون :أن قطع الرؤوس - بزعمهم - سوف يوهن عزيمة مناوئيهم، ولاسيما أهل البيت منهم، ويجعلهم ييأسون من الحصول على حقهم، ويدعوهم ذلك إلى فقدان الجرأة على الجهر بحقهم، ويضعفهم عن التصدي لعمليات التزوير، وينتهي بهم الأمر إلى التخلي عن هذا الحق.

6 - إن هذا العمل، بزعم من مرتكبيه يزيد من شوكتهم ويظهر عنفوانهم ،وقوتهم. ويؤكد معنى الهيبة والعظمة لهم.

7 - إن ظهور هذا الأمر البشع والقبيح لعموم الناس في البلاد والعباد، وتكريس ذكراه في أذهانهم سوف يكون كافياً لردعهم عن التواصل مع أهل البيت «عليهم السلام»، ويفرض عزلة تامة على أهل البيت وقطيعة متواصلة لهم.

وبذلك يحرم الناس من التعرف على الحقائق التي يجهد أولئك الطغاة في طمسها، ويحرمهم أيضاً من تلمس معاني الخير في سلوكهم «عليهم السلام»، والاطلاع على واقع حياتهم، وتعاملهم، وأخلاقهم، ونهجهم، وتقواهم وسياساتهم.. كما أنه يحرمهم من الاستفادة من علومهم، والوقوف على فضائلهم وكراماتهم..

• إن هذه القطيعة بين الناس وبين أهل البيت من شأنها أن

تجعل الناس عاجزين عن استحضار صورة وحقيقة أهل البيت ،والمقارنة بينها وبين صورة وحقيقة أهل الباطل، لكي لا يروا البون الشاسع بينهما، فيزداد تعلقهم بالحق وأهله، ونفورهم من الباطل وأهله.

وقفة مع عدد الرؤوس:
اشارة

وقد لاحظنا وجود الاختلاف الكبير في عدد الرؤوس التي حملت من كربلاء إلى الكوفة، ثم إلى الشام.. ولعل سبب هذا الاختلاف: أن الذين ذكروا هذه الأعداد، إنما استنبطوها مما نقل لهم عن حصص القبائل منها.. حيث كانت كل قبيلة تتولى قطع رؤوس من قتلتهم،

وتتولى حملها إلى ابن زياد، لتنال العطايا والجوائز..

ولأن من القبائل ما هو كبير تتشعب منه قبائل متعددة، فقد تنسب

بعض الأمور إلى القبيلة الأم، وقد تنسب إلى القبيلة أو القبائل الأصغر منها ، والمتفرعة عنها.

وهذا يدلنا على السبب في الاختلاف في عدد الأرؤس التي جاءت بها هوازن بین 22

و 12 و 20 رأساً. والاختلاف في أسد أيضاً هل جاءت بستة رؤوس أو ستة عشر رأساً..

وفيما جاء به سائر الجيش هل هو 13 أو 7 أو 9 .

مع أن هناك روايات ذكرت أعداد الرؤوس التي جاءت بها القبائل، ولم تذكر حصة لسائر الجيش..

فدلنا ذلك :على أن هذه الحصة قد توزعت عندهم على قبائل معينة، يرجح أنها متفرعة عن قبيلة أخرى هي القبيلة الأم.

كما أن ذلك يعطينا السبب فى أن بعض الروايات كتلك المتقدمة برقم [2] قد أعطت قبيلتي الأزد وثقيف حصصاً من الأرؤس، لكن الرواية رقم [3] لم تذكرهما، بل ذكرتا حصصاً لمذحج، وسائر الناس.

إختلافات في سياقات أخرى:

1 - يلاحظ :وجود شيء من عدم الوضوح في النصوص المرتبطة بالرؤوس في جهات أخرى، حيث يقال مثلاً: إن عمر بن سعد قد أرسل رأس الحسين «عليه السلام» إلى عبيد الله بن زياد في الكوفة في اليوم العاشر، أما رؤوس الشهداء، فأرسلها مع شمر بن ذي الجوشن وغيره في اليوم الحادي عشر.

وظاهر كلام ابن طاووس والمفيد: أنه أرسل الرؤوس مع شمر، وابن الحجاج، وابن الأشعث في نفس اليوم العاشر (1).

وأخرى يقال: إنه أذن في الناس بالرحيل، وحملت الرؤوس على أطراف الرماح .فيظهر من هذا: أن حمل الرؤوس على الرماح، والمسير بها إلى الكوفة كان في لحظة مسير ابن سعد بالجيش، وهو إنما سار بالجيش في اليوم الحادي عشر.

2 - إننا لا نرى لهذا البحث كبير فائدة، إلا من حيث دلالة بعض كان مع العيال النصوص، ككلام الدينوري على أن مسير الرؤوس كان والأطفال، وهو يدل على مدى قسوة هؤلاء القوم، وفقدانهم للمشاعر الإنسانية، واستهتار هم بأحكام الشرع والدين.

وكذلك الحال بالنسبة إلى حملهم النساء والأطفال، على أقتاب الجمال: حفاة، مسأبين، ومكشفات الوجوه.. تقتحمهن عيون الفجار والأشرار ،


1) راجع : الملهوف ص 189 و (نشر أنوار الهدى) ص84 والإرشاد ج 2 ص 113 و 114 ومثير الأحزان (ط المكتبة الحيدرية) ص 65 وبحار الأنوار ج 45 ص 107 عن ابن طاووس، وص 62 عن محمد بن أبي طالب، وإعلام الورى ج 1 ص 470 والعوالم الإمام الحسين ج17 ص 367 والدر النظيم ص 559 . وزاد في المصادر التالية «عزرة بن قيس»: عمدة القاري ج 16 ص 241 وأنساب الأشراف (ط دارالتعارف) ج 3 ص 206 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 349 والكامل في التاريخ ج 4 ص 81 ونهاية الأرب ج 20 ص 464 .

ويُسمعونهن ما يؤذيهن من قوارع القول، وعوار الكلم، ويحاولون إشعار هن بالذل والمهانة .

الذين تولوا أمر الرؤوس:

ويلاحظ: أن الذين حمَّلهم ابن سعد مسؤولية إيصال الرؤوس إلى الكوفة كانوا أربعة رجال من قبائل مختلفة، وهم: شمر بن ذي الجوشن، وعمرو بن الحجاج، وقيس بن الأشعث، وزحر بن قيس..

وكلهم قادة في جيش الأشرار، وأصحاب نفوذ، ولديهم طموحات، وبينهم تنافس وتحاسد ،ويسعون لاقتناص الفرص والحصول على الامتيازات، ولو عن طريق تشويه صورة أقرانهم.

فإذا كان هؤلاء الأربعة من قبائل مختلفة، فذلك يعني: أن كل واحد منهم سيكون حاجزاً للآخرين عن عمل على حساب غيره، أو ادّعاء شيء لنفسه، يخوله الحصول على أي امتياز.

علما بأن ابن سعد لم يكن مخلصاً في نواياه تجاه بعض هؤلاء القادة، مثل الشمر، فإنه ثقيل عليه لأجل أنه كان هو الخيار الآخر المنافس له بنظر ابن زياد.

عدد رؤوس الشهداء:

وحول عدد رؤوس الشهداء في كربلاء نقول:

أولاً: تقدم من النصوص ما أظهر أن في عددها اختلافاً، فلاحظ ما يلي:

إنها كانت سبعين رأساً، كما في الروايات المتقدمة، وقد يرجح هذا القول بملاحظة: أن الحر لم يُقطع رأسه ،لأن عشيرته منعت من قطع رأسه، وكذلك الحال بالنسبة للطفل الرضيع عبد الله الذي دفنه الإمام الحسين «عليه السلام» نفسه. والطفل الذي ولد للحسين، وقتل يوم عاشوراء، وكذلك الحال بالنسبة لعبد الله بن الحسن، وسائر المقتولين من الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم، فإن قطع رؤوس هؤلاء ربما أوجب مشكلة ليزيد وأعوانه ومؤيديه.

2 - إن عدد الرؤوس هو اثنان وسبعون. وقد تقدم أيضاً.

3 - إنها ثلاثة وثمانون رأساً، كما يفهم من قول البلاذري المتقدم.

4 - وربما نسب إلى بعضهم :أن الرؤوس هي اثنان وتسعون رأسا (1)، - كما نقل عن سبط ابن الجوزي - ولعل كلمة «سبعين» قد صحفت، فصارت تسعين لتشابههما في رسم الخط، مع عدم الاهتمام بالنقط.

5 - إنها ثمانية وسبعون رأساً كما تقدم.

6 - إنها ثمانية وثمانون رأساً، كما تقدم.

7 - إن الذين قتلوا مع الحسين «عليه السلام» هم سبع وثمانون ،كما تقدم أيضاً. ولعل هؤلاء قد عدوا الأطفال الذين لم تحز رؤوسهم في جملة القتلى، مثل ذلك الطفل الذي حفر له الحسين «عليه السلام»، بجفن


1) راجع تذكرة الخواص (ط) سنة (1429ه- ص 534 .

سيفه ودفنه. وكذا الأمر بالنسبة للقتلى من النساء، مع العلم بأنهم قد صرحوا بأن ابن سعد قد قطع رؤوس جميع من قتل.

ولعل المقصود رؤوس الرجال والفتيان.

وقيل: إن عدد الشهداء هو :

8 - 155 كما في موسوعة الإمام الحسين ج, ج,4

9 - وقيل : 140

10 - وقيل: 145

11 - وقيل: 170

12 - وقيل 600 وهو ما يفهم من كلام المسعودي في مروج الذهب .

13 - وقيل: 1000 وهذا الأخير نقله سبط ابن الجوزي عن المسعودي.

ثانياً: إننا نلاحظ أن كثيراً من الأسماء التي ذكرت في عداد الشهداء إنما هي نتيجة التصحيف في الكلمات.

أو نتيجة النسبة إلى الأب تارة، وإلى الجد أخرى.

أو نتيجة نسبته إلى القبيلة الأم تارة، وإلى فرعها الأخص أخرى.

وهناك أسباب كثيرة أخرى، لا حاجة لاستقصائها.

ونذكر على سبيل المثال: عمر بن الحسن، فهل هو عمر، أو عمير، وهل هو ابن الحسن، أو الحسين؟

كما أن الكثيرين منهم ،ممن عدوهم في جملة الشهداء قد قيل: إنهم نجوا ، أو جرحوا، وماتوا بعد سنة، أو بعد ستة أشهر، بل قيل عن بعضهم: إنه لم ينصر الإمام« عليه السلام»، وبعضهم ترك الإمام «عليه السلام »فى نفس يوم عاشوراء، بعد أن صار وحيداً ..

كما أن بعضهم قد قتل بالكوفة قبل يوم عاشوراء بعشرات الأيام، مثل :مسلم بن عقيل، وهاني بن عروة، وقيس بن مسهر، وعبد الله بن يقطر وغيرهم.

وبعضهم قتل بالبصرة.

وقتل إبنا مسلم ،والأرجح: أنهما من ذرية عبد الله بن جعفر بالكوفة أيضاً ، بعد يوم عاشوراء بسنة.

فلا مجال لعد جميع هؤلاء في جملة شهداء يوم عاشوراء، لمجرد وجود قول باستشهادهم، مع أن الآخرين يروون، أو يرون خلاف ذلك، ويسجلون ما يوجب الريب بصحة هذه الأقوال.

وقد تقدم في هذا الكتاب ذكر ثلة كبيرة اختلف في استشهادها، أو أن ثمة ما يوجب الريب في حصول ذلك في يوم عاشوراء..

بل إن بعضهم كما أشرنا إليه قد استشهد قبل اليوم العاشر بشهر ، أو أقل، أو أكثر. أو استشهد بعد يوم العاشر ، بأقل أو أكثر من سنة. ولم يمت في كربلاء، بل في مصر آخر ..

ثالثاً: إن الذي نطمئن إليه هو : أن عدد الشهداء قد لا يزيد على اثنين وسبعين شهيداً .. وإن زاد على ذلك، فهي زيادة قليلة. ومما يدعونا

إلى ترجيح هذا القول، ما يلي:

1 - أقوال ثقات العلماء، والمؤرخين.

2 - إن زحر بن قيس، الذي تولى حمل الرؤوس من الكوفة إلى الشام، قال ليزيد: إنه جاءه برأس ثمانية عشر من أهل بيت الحسين، وستين من شيعته (1)

لكن مصادر أخرى قالت: «في ثمانية عشر من أهل بيته، وفي سبعين من شيعته».(2)


1) مثير الأحزان ص 98 و (ط المكتبة الحيدرية)ص 77 والأخبار الطوال ص 260 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 459 و 460 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 351 وتاريخ مدينة دمشق ج 18 ص 445 والكامل في التاريخ ج4 ص 83 والعقد الفريد ج 4 ص 348 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 127 وفيه: اثنان وثلاثون.. وفي مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 56 اثنان وثمانون. وراجع: بحار الأنوار ج 45 ص 129 والإرشاد ج 2 ص 118 وأنساب الأشراف ج 3 ص 212 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2631 وج 8 ص 3784 والوافي بالوفيات ج 14 ص 127 وجواهر المطالب ج2 ص 270 وتاريخ مدينة دمشق ج 18 ص 445 والعوالم الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 430 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 341 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 831 ونهاية الأرب ج 20 ص 467 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 661 .

2) موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 5 ص 227 عن الطبقات الكبری (الطبقة الخامسة من الصحابة ) ج 1 ص 485 وترجمة الإمام الحسين«عليه السلام» من طبقات ابن سعد ص 81 والأخبار الطوال ص 260 والمنتظم ج 5 ص 341 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2631

وفي بعض المصادر: «في سبعين راكباً من أهل بيته وشيعته» (1).

ونحن نرجح هذا النص الأخير، إذ يبعد أن يحملوا معهم من كربلاء إلى الكوفة، ثم إلى الشام رؤوس الرضع، مثل عبد الله الرضيع، والأطفال الصغار، مثل: علي الأصغر، وعبد الله بن الحسن، وكذلك الغلام الذي قتل بمجرد خروجه من الخيمة، وكذلك القاسم بن الحسن، وعمرو بن جنادة الأنصاري، وعبد الله بن الحسين الذي كان صغيراً، والفتى الذي قتل في المبارزة.. هذا عدا بعض النساء اللواتي قتلن في كربلاء، مثل أم وهب، وربما غيرها.. فإن هذا يثير الناس في مختلف الأقطار التي يريدون أن يطوفوا فيها بالرؤوس - يثيرهم - ضد يزيد وابن زياد، وسائر بن أمية، ويفضح هؤلاء الجناة، ويحدُّ من تأثير كيدهم الإعلامي المسموم ضد الحسين «عليه السلام» وصحبه .

ويشهد لذلك: قوله في سبعين راكباً، فإن النساء والصبيان والرضع لا يعدون في جملة الركبان المحاربين، بل إن ما قاله المسعودي، من أن أصحاب الحسين «عليه السلام »كانوا واحداً


1) تذكرة الخواص ج 2 ص 193 .

وستين رجلا يمكن أن يؤيد رواية السبعين المشار إليها بشرط أن يضم إلى هذا العدد أولئك الصغار الذين أشرنا إلى أسمائهم آنفاً، فيصير المجموع سبعين أو اثنين وسبعين شهيداً ، إن كانوا قد قطعوا رؤوس جميع القتلى كما سيأتي التصريح به..

3 - قال ابن كثير: ما قتل قتيل إلا احتز رأسه، وحملوه إلى ابن زياد، ثم بعث بها ابن زياد «لعنه الله» إلى يزيد بن معاوية إلى الشام (1).

ويؤيد ذلك: قول ابن طاووس عن عمر بن سعد :أمر برؤوس الباقيين من أصحابه وأهل بيته فقطعت.

وزاد في الإرشاد وغيره قوله : وكانت اثنين وسبعين رأساً. ونحوه في تاريخ الطبري وغيره (2)


1) البداية والنهاية ج 8 ص 190 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 206 ج8 إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 695 .

2) الملهوف ص 189 و (نشر أنوار الهدى) ص 84 وإعلام الورى ج1 ص 470 وبحار الأنوار ج 45 ص 62 و 107 والإرشاد ج 2 ص 113 ومثير الأحزان ص 84 وجواهر المطالب ج 2 ص290 والكامل في التاريخ ج 4 ص 80 والأخبار الطوال ص 259 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2630 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 456 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 358 وأنساب الأشراف ج 3 ص 412 و (ط دار التعارف) ج3 ص 207 ومقتل الحسين «عليه السلام»للخوارزمي ج 2 ص 39 والعوالم الإمام الحسين«عليه السلام» ج 17 ص 306.

4 - إن ذلك يظهر مدى الشطط الذي يظهر في الأقوال التي سيأتي ذكرها. فإن بعضهم ذكر المئات، بل إن بعضهم بلغ بالشهداء إلى الألف. ولعل من قال: إن من قتل مع الحسين« عليه السلام» كانوا ألفا، أو ست مئة، إنما ذكر الذين كانوا معه «عليه السلام» قبل أن يتفرقوا عنه في الطريق، حين جاءه خبر استشهاد مسلم بن عقيل.. أو الذين تفرقوا عنه بعد لقائه بجيش الحر بن يزيد الرياحي، وقبل محاصرته في كربلاء..

القتلى في صفوف الأعداء:

وعن عدد القتلى في صفوف أعداء الحسين «لعنهم الله» نقول: لقد نسب الدربندي إلى المسعودي في مروج الذهب : أنه قال: إن عدد قتلى جيش ابن سعد يوم عاشوراء كان ثمانية آلاف وثمانين رجلا (1)

لكن الموجود في المطبوع من مروج الذهب :أن المقتولين من جيش عمر بن سعد هو ثمانية وثمانون رجلا (2).


1) إكسير العبادات ج 3 ص 217 .

2) مروج الذهب ج 3 ص 63 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 302 و 303 وأنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج 3 ص 206 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 348 والكامل في التاريخ ج 4 ص 80 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 205 و 206 ونهايةالأرب ج 20 ص 463 وترجمة الإمام الحسين«عليه السلام» من طبقات ابن سعد ص75

فقد يقال: إن كلمة «آلاف» قد أقحمت سهوا، أو عمداً من النشاخ، وأن الصحيح :هو ما ورد في المطبوع.

وقد نرى كثيرين يحاولون التأكيد على قلة أعداد المقتولين من جيش يزيد، بالاستناد إلى ما يقوله الطبري والمسعودي وسواهما في ذلك. واعتبار ما زاد على ذلك من مبالغات الرواة، أو من تلاعب القصاصين، أو قراء العزاء الحسيني.

غير أننا نقول:

إننا نرجح القول: بأن المقتولين من جيش يزيد كانوا عدة آلاف، ولأجل توضيح ذلك علينا ملاحظة الأمور التالية:

1 - قال في كتاب مقتل الإمام الحسين «عليه السلام» من تاريخ الخلفاء: «ولم يبارزوا أحداً من أصحاب الحسين إلا وقتل عدة منهم. فقال عمرو بن الحجاج رافعاً صوته: «يا حَمقى! أتَدرُونَ مَن تُقَاتِلُونَ؟ فرسان المصر، قوماً مُستَميتين، لا يَبرُزَنَّ لَهُم مِنكُم أَحَدٌ إِلا قتل».. » (1).

وقد قلنا فيما سبق: إن ابن شهر آشوب قد ذكر أن عدد الذين قتلهم


1) مجلة تراثنا عدد 68 ص 240 عن كتاب مقتل الحسين من كتاب تاريخ الخلفاء

الإمام الحسين «عليه السلام »فقط، كان ألفا وتسع مئة وخمسين رجلاً.

كما أن المسعودي نفسه يقول في إثبات الوصية: إنه «عليه السلام» قتل بيده ألفاً وثمان مئة (1).

2 - إن معرفة عدد من يقتله كل رجل تحتاج إلى الحضور والرؤية المباشرة لكل ما يفعله المقاتل، من حين شروع المعركة إلى حين استشهاده.

ورصد حركة أكثر من سبعين رجلاً يحتاج إلى جهاز كبير يعد بالعشرات إن لم يكن أزيد من ذلك، ويحتاج إلى توفر القدرة على الحركة، والتنقل في الميدان بحرية وأمان في جميع الحالات والتقلبات.

3 - إن كثيرين من الأصحاب قد قتلوا في الحملات الكبرى ومنها الحملة الأولى التي قتل فيها خمسون رجلاً، كما يقال، وفي الحملات يختلط الناس فيها ببعضهم ، ولا يمكن للمراقبين الذين يريدون ضبط أعداد القتلى: أن يقتربوا من موضع الاشتباك، لشدة خطورته، بعد أن اختلط الحابل بالنابل.. ولم يعد بالإمكان مشاهدة المقتول والقاتل.

ولأجل ذلك تنحصر إمكانية حصر أعداد القتلى بما إذا قتلوا في المبارزات، لا في الحملات.

4 - ويشهد لذلك: أن الذين ذكرت الروايات أعداد قتلاهم قد لا


1) إثبات الوصية ص 143.

يصلون إلى نصف عدد الأصحاب.. مع أن الأعداد التي ذكرت لهؤلاء إنما هي لمن قتلوهم في جولات المبارزة التي كانت تتخلل الحملات الشاملة. ولم يعرف عدد قتلى هؤلاء أيضاً في الحملات.

أما باقي الأصحاب، ولعلهم أكثر من النصف، وفيهم فرسان مشهود لهم، وفيهم قادة معروفون، فقد قتلوا في الحملات، فلم يستطع أحد أن يسجل لهم رقماً بعينه. وبعضهم كمسلم بن عوسجة ذكر له عدد لا يمكن الاقتصار عليه.

5 - بملاحظة ذلك، طلبت من ولدي الفاضل السيد رضا مرتضى «حفظه الله» أن يستخرج لي لائحة بعدد القتلى من مصادر لا يصل عددها إلى عدد أصابع اليد الواحدة..

مع العلم: بأننا لو تتبعنا المصادر المختلفة الأخرى، فلربما جاءت النتائج مختلفة، حيث سنرى: أن عدد مجموع القتلى سوف يزيد عن الثمانية والثمانين بدرجة كبيرة..

وقد أردت أن أجمع الأرقام وأقارن بين مجموع الأدنى منها، ومجموع الأكثر ،من الكتب التي اخترناها ،وهي: مناقب آل أبي طالب، والأمالي للصدوق،ومقتل الحسين للخوارزمي.. وربما راجعنا بعض الكتب الأخرى بهدف إكمال اللائحة، مع العلم أن عددا من الأسماء التي وردت في اللائحة لم يذكرهم سوى ابن شهرآشوب مثلا ..أو الصدوق أحياناً، فجاءت النتيجة كما يلي:

رقم *اسم الشهيد *مناقب آل أبي طالب *مقتل الحسين للخوارزمي *أمالي الصدوق

1-علي الأكبر\70\200\44

2 -القاسم بن الحسن \ \35\3

3 -عمر بن علي «عليه \1\ \

4 -عبد الله بن الحسن \14\ \

5 -محمد بن عبد الله بن\10\ \

6 -عون بن عبد الله بن \21\ \

7 -عبد الله بن مسلم بن عقيل\98\ \3

8 -جعفر بن عقيل\ 2-15\ \

9 -عبد الرحمان بن عقيل\17\ \

10 -عبد الله بن عمير \ \ \

11 -أبو الشعثاء\ \ \ 9

12 -مسلم بن عوسجة\ \ \ 1

13 -الحر الرياحي \ \ 40\ 18

14 -وهب بن عبد الله\ 31\ 36\ 7

15 -برير بن حضير\1 \ \ 30

16 -نافع بن هلال\ 70 \ 13(بلاذری\ 31

17 -حبيب بن مظاهر\ 62 \ \

18 -أبو ثمامة \ 1\ \

19 -زهير بن القين \ 120\ 120\ 19

عبد الله الغفاري \ \ \ 20

قرة بن أبي قرة \ 68 \ \

مالك بن أنس الباهلي 14 \ \ \ 18

حنظلة الشبامي \ \ \ 60

يزيد بن الحصين \ 1 مبارزة \ \

أنس بن معقل\نيف وعشرون \ \

جون \25 \ \

جنادة الأنصاري \ 16 \ 16 \

عمرو بن جنادة \ \ 1 \

أم وهب \ (برأس\ \ (3) محمد بن أبي

الحجاج بن مسروق \ 25 \ \

مالك بن دودان \ \ \ 44

إبراهيم بن الحصين \ 84 \ \

غلام تركي للحر \ 70 \ \

هلال بن حجاج \ \ \ 13

غلام تركي للحسين \ \ \ (2ابن

امرأة قتل ولدها \ 1 \ 3\

وقد أظهر الجدول : أن الكثيرين لم يذكر أعداد قتلاهم، إلا في مصدر واحد، مثل المناقب، أو الأمالي، أو الخوارزمي، أو .. أو ...

فإذا أخذنا مجموع م مجموع ما قاله هؤلاء على النحو المذكور في الجدول المتقدم، فيكون المجموع في حده الأدنى هو 714 فإذا أضيف إليه الفوارق والزيادات التي وردت في هذه المصادر نفسها يصير المجموع في حده الأعلى هو 1214 .

فإذا أضفنا إلى هذا العدد (1950) الذي قيل: إن الحسين «عليه السلام» قد قتلهم في ذلك اليوم، فإن العدد يرقى عن العشرات والمئات إلى الألوف، فضلا عن ألوف أخرى، ولعلهم قتلوا على يد أصحاب الحسين نعليه السلام» الذين استشهدوا في الحملات.

الفهارس

اشارة

1 - الفهرس الإجمالي

2 - الفهرس التفصيلي

الفهرس الإجمالي:

الفصل السادس: آثار ونتائج...5

الفصل السابع: هكذا بدأ القتال.. وهكذا انتهى...34

الباب الثامن ما زلنا في كربلاء ....53

الفصل الأول: جواد الحسين«علیه السلام»...55

الفصل الثاني: الهجوم على العيال والأطفال....85

الفصل الثالث: بكاء.. وأمطار .. ودماء..111.

الفصل الرابع: العواقب بلايا ومصائب... 154

الفصل الخامس أحزان وأفراح....177

الفصل السادس: خبر الاستشهاد حديث الدنيا... 207

الفصل السابع: حديث القارورة... 231

القسم السادس : السبايا وما بعد يوم عاشوراء...252

الباب الأول من كربلاء إلى الكوفة.... 254

الفصل الأول: أسرى.. وسبايا....256

الفصل الثاني: على جناح السفر ....295

الفصل الثالث: الرؤوس والسبايا إلى الكوفة.... 318

الفهارس...362

الفهرس الإجمالي: ... 364

الفهرس التفصيلي: ...364

الفهرس التفصيلي:

الفصل السادس: آثار ونتائج....5

المشاركون في قتل الإمام«علیه السلام» : ...7

يقاتل ليحتز الرأس الشريف: ...13

ما هذه الأكباد الغليظة؟...13

لو سمعك ابن زياد لقتلك:...15

إملأ ركابي فضة وذهباً ...17

عدد جراحات الإمام ...18

سلب الإمام «علیه السلام»:....22

إبتلاءات المجرمين:... 26

رض الجسد الشريف بحوافر الخيل: ...26

المجلسي يرفض رض الجسد... 29

الفصل السابع: هكذا بدأ القتال.. وهكذا انتهى ...34

هكذا بدأ الحسين القتال«علیه السلام» :...36

نحن وكلام المسعودي ...38

التشكيك في عدد القتلى: ...39

هذا ابن قتّال العرب:...43

سعي الملائكة لنصرة الحسين «علیه السلام»:... 45

قدرات الملائكة:.... 48

لا بد من الإذن: ... 49

عدد الملائكة:... 51

للحسين «علیه السلام» رجعة، وجولة حربک:...51

الباب الثامن: ما زلنا في كربلاء ...53

الفصل الأول: جواد الحسين ...55

هذا جواد الحسين «علیه السلام»:... 57

خرجن من الخدور ناشرات الشعور :...59

للحيوانات أخلاق وكفر وإيمان:... 62

وللحيوانات عباداتها: ...66

حديث النملة والهدهد:...73

خلاصة وبيان :... 76

متى جاء الفرس إلى الخيام؟!:...79

حضور النساء ما جرى:...80

خرجن من الخدور ناشرات الشعور:...81

الفصل الثاني الهجوم على العيال والأطفال...85

السلب والنهب:... 87

الفطرة السليمة: ...92

متى عرف النسوة باستشهاد الإمام، وكيف؟! : ...93

لا غيرة ولا شهامة: ...94

حديث الخلخالين: ... 97

السلب قرار القادة: ...97

فاطمة الصغرى وعمتها مكشوفتا الرأس: ...98

في كربلاء أو في المدينة؟!:...99

ابن سعد .. والسجاد والسبايا : ...100

السجاد «علیه السلام»لم يكن صبياً : ... 102

ابن سعد وحراسة السبايا: ... 102

ألا نقتل هذا العليل؟: ...103

ابن سعد يريد قتل الإمام السجاد «علیه السلام»: ...104

ما هو مرض الإمام السجاد ؟ : ... 106

هل هذا رفق بالإمام، أو النسوة؟: ...107

لا خضوع ولا استجداء: ... 108

الفصل الثالث: بكاء.. وأمطار.. ودماء ...111

آیات ودلائل: ...113

كسوف الشمس، وآيات أخرى: ...113

الكون كله يخبر بقتل الحسين «علیه السلام» : ...115

الريح المظلمة: ...119

لم تبك السماء إلا على اثنين: ...129

الإختلافات في النصوص: ...134

بكت السماء دما : ...134

شهادة غير متوقعة: ... 135

هذا هو الدليل: ...136

هل هذا معقول ؟!: ..137

التاريخ الميلادي مستحدث : ...139

أقوال أبي الفرج ابن الجوزي : ...140

أفعجبتم أن مطرت السماء دما ؟ ! : ...141

بكاء الموجودات: ... 143

لماذا بيت المقدس والشام؟!: ...144

الرجوع إلى علماء اليهود والنصارى: ...146

هل الجنة والنار مخلوقتان؟!: ...149

الأرض والجبال : ...149

الجزع على الحسين «علیه السلام» : ...152

الفصل الرابع العواقب بلايا ومصائب : ...154

بداية : ..... 156

آثار و عواقب : ...157

هل هذا عجيب؟!: ...158

ملاحظة هامة.: ... 160

لا بد من الجزاء في الدنيا : ...160

الكرامة الإلهية للإمام «علیه السلام» : ...161

الله يمهل ولا يهمل: ... 162

تكثير السواد على الحسين «علیه السلام»: ... 165

من سنن العدل...168

الفصل الخامس أحزان وأفراح : ...177

بداية : ....179

أفراح وتهاني: ... 179

التهاني.. والجوائز : ...181

عمى القلوب: ...183

مساجد جددت فرحاً : ...185

ابن زياد يخبر والي المدينة: ...188

النمل والعصافير: ...193

حديث الغراب: ...195

نوح الجن على الإمام الحسين «علیه السلام» : ...195

الفصل السادس: خبر الاستشهاد حديث الدنيا... 207

بداية: ...209

الخبر في بيت المقدس: ...210

إيمان أهل الكتاب: ...212

عوسجة أم معبد تخبر أيضاً: ...213

نخلة أم معبد : ...217

إشارة توضيحية: ...217

مكانة المدينة: ...218

نداء جبرئيل: ...220

ينال بالوتر أوتاراً: ..222

سبعون فرجاً أجواب: ...223

بدء حركة التوابين... 224

ما نراه إلا جبرئيل «علیه السلام» ، لماذا ؟!: ... 226

رؤيا ابن عباس: ...227

لماذا ابن عباس؟! : ...229

الفصل السابع حديث القارورة...231

قارورة أم سلمة: ..233

أم سلمة دون سواها : ...241

اختلافات لا تضر: ...242

أهمية حديث القارورة: ...243

الحسين ابني، وجماعة من ولدي وأهل بيتي: ... 246

لا أفر من القدر والقضاء، والواجب : ...247

إنى مقتول يوم عاشوراء : ...248

محاولة تزويرية فاشلة: ... 248

ابن عباس كان أعمى: ...250

القسم السادس : السبايا وما بعد يوم عاشوراء : ...252

الباب الأول من كربلاء إلى الكوفة.: ...254

الفصل الأول أسرى وسبايا : ...256

ابن سعد يدفن قتلاه: ...258

أسر الحسن المثنى، ثم إطلاق سراحه : ...260

الناجون من الأصحاب : ...265

سبايا بني هاشم : ...268

لماذا السبي للنساء؟!: ...270

طفلا مسلم، أو ابن :جعفر: ...274

قولان لا أربعة : ...286

اختلافات الروايات : ...287

رواية الصدوق في الميزان: ...288

الفصل الثاني: على جناح السفر ...294

سبي النساء: ...296

دناءة قرة بن قيس: ...299

زينب تندب أخاها: ... 301

دلیل جواز لطم الوجوه: ...301

قيمة هذه الندبة: ...302

قتيل أولاد البغايا : ...304

الفسطاط المقطع بالسيوف : ...305

حرق الخيام لماذا ؟! : ...305

متى كان حرق الخيام؟! : ...306

دموع الخيل: ...308

متى استشهد الحسين «علیه السلام» ونهب عسكره؟! : ...309

يوم استشهاد الإمام «علیه السلام»: ...312

سكينة تسمع هاتفاً أيضا: ... 314

الفصل الثالث : الرؤوس والسبايا إلى الكوفة.... 318

رأس الحسين «علیه السلام» إلى ابن زياد: ...320

الرأس الشريف فى الحنانة : ... 321

لماذا سمي الموضع بالحنانة؟! : ...321

خولي وزوجته: ...322

ملاحظة تفرض نفسها : ...324

أين حميد بن مسلم؟!: ...325

غنى الدهر كيف؟! ولماذا ؟! : ...325

الفطرة السليمة: ...327

دناءة هنا وشهامة هناك: ...327

نور الهدى ...328

رواية البحراني: ...329

نحن وهذه الرواية: ...331

الرؤوس والسبايا إلى الكوفة: ...333

شهربانو تغرق نفسها بالفرات: ...335

السبايا مكشفات الوجوه : ...336

هل أقام يوماً أو يومين؟! : ...337

الرؤوس إلى الكوفة أيضاً: ...338

لماذا قطع الرؤوس؟!: ...343

وقفة مع عدد الرؤوس: ...345

إختلافات في سياقات أخرى: ...346

الذين تولوا أمر الرؤوس : ...348

عدد رؤوس الشهداء: ...348

القتلى في صفوف الأعداء: ...355

الفهارس ...362

الفهرس الإجمالي:...364

الفهرس التفصيلي:...366