ghaemiyeh.com
سيرة الحسين(عليه السلام)
في الحديث والتاريخ..
السيد جعفر مرتضى العاملي
الجزء الحادي والعشرون
المركز الاسلامي للدراسات
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى
2016م - 1437هـ
حاد
المركز الاسلامي للدراسات
لبنان - بيروت - الضاحية الجنوبية - أوّل حي ماضي بناية حجازي - ط 1 - تلفاكس: 00961.1.274519
البريد الالكتروني : alhadi@alhadi.org
المنشورات بيروت - بئر العبد - سنتر الانماء 3 - 0096170995421
محرر الرقمي: بسم الله قرباني
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى
2016م - 1437هـ
المركز الاسلامي للدراسات
لبنان - بيروت - الضاحية الجنوبية - أوّل حي ماضي
بناية حجازي - ط 1 - تلفاكس: 00961.1.274519
البريد الالكتروني: alhadi@alhadi.org
المنشورات بيروت - بئر العبد - سنتر الانماء 3 - 70995421 00961
سیرة الحُسَينَ (علیه السلام)
في الحديث والتاريخ..
السيد جعفر ونضى العمالي
الجزء الثامن عشر
المركز الاسلامي للدراسات
بسم الله الرحمن الرحیم
ونذكر بعد شهداء بني عبد المطلب، وبني عقيل، وبني جعفر، شهداء بني الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب «عليهم السلام».
ونبدأ بذكر الشهيد القاسم بن الحسن «صلوات الله وسلامه عليه»،
فنقول:
1 - عن الخوارزمي: خَرَجَ مِن بَعدِهِ أَي بَعدِ عَون بن عَبْدِ اللَّهِ بن جَعفَرٍ عَبدُ اللهِ بنُ الحَسَن بن عَلِيٍّ بن أبي طالب في بعض الرواياتِ، وفي بعض الروايات: القاسمُ بنُ الحَسَن - وهُوَ غُلامٌ صَغِيرٌ لم يبلغ الحُلم - فلمّا نَظرَ إِليهِ الحُسَينُ «عليه السلام» اعتَنَقَهُ، وَجَعَلا يَبكِيان حَتّى غُشِيَ عَليهما.
ثُمَّ استَأذنَ الغُلامُ لِلحَرب ، فأبى عَمُّهُ الحُسَينُ «عليه السلام» أن يَأْذَنَ له، فلم يَزَل الغُلامُ يُقبِّلُ يَدَيهِ ورجليهِ، ويَسأَلهُ الإِذنَ حَتَّى أَذِنَ لَهُ، فَخَرَجَ ودُموعُهُ عَلى خَدَّيهِ وهُوَ يَقولُ:
إن تُنكِروني فأنا فرعُ الحَسَن *** سبط النبي المصطفى
هذا حُسَينٌ كَالأسير المُرتَهَنْ **** بَينَ أناس لا سُقوا صَوبَ
وحَمَلَ وكَأَنَّ وَجْهَهُ فِلقَهُ قمَر، وقاتَلَ فَقتَلَ - عَلى صِغَرِ سِنّهِ - خَمْسَةٌ وثلاثين رَجُلاً.
قالَ حُمَيدُ بنُ مُسلِمٍ: كُنتُ في عَسكَر ابن سَعدٍ [في الإرشاد فإنا لكذلك إذ خرج علينا غلام كأن وجهه شقة ،قمر في يده سيف]، فكنتُ أنظُرُ إِلى الغُلامِ وعَليهِ قميص وإزار، ونَعلان قدِ انقطعَ شسعُ إحداهما - ما أنسى أنَّهُ كانَ شسعَ اليُسرى - فَقالَ عَمرُو بنُ سَعدٍ الْأَزْدِيُّ: وَاللَّهِ لأشدَّنَّ عَليهِ!
فقلتُ: سُبحانَ اللهِ! ما تُريدُ بِذلِكَ؟ فَوَاللهِ لو ضَرَبَني ما بَسَطَتُ لَهُ یدي، يَكفِيكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَراهُم قدِ احتَوَشوه.
قالَ: وَاللَّهِ لأَفعَلَنَّ! وشَدَّ عَليهِ، فما وَلّى حَتَّى ضَرَبَ رَأْسَهُ بِالسَّيفِ، قوقعَ الغُلامُ لِوَجهِهِ وَصاحَ يَا عَمَّاه !
فانقض عَليهِ الحُسَينُ «عليه السلام» كالصَّقر، وتخلّل الصُفوفَ، وشَدَّ شِدَّةَ الليثِ الحَرِبِ، فَضَرَبَ عَمراً بالسَّيفِ، فَاتَّقاهُ بِيَدِهِ، فَأَطنَّها مِنَ المرفق. قصاحَ.
ثُمَّ تَنَحّى عَنْهُ، فَحَمَلْت خَيلُ أهل الكوفةِ لِيَسْتَنقِذُوهُ، فَاسْتَقْبَلْتهُ بصدورها، ووَطِئَتهُ بِحَوافِرِها، فمات.
وَانجَلتِ الغَبرَة فإذا بالحُسين «عليه السلام» قَائِمٌ عَلَى رَأس الغُلامِ وهُوَ يَفْحَصُ برجليهِ، وَالحُسَينُ يَقُولُ: عَزَّ وَاللهِ عَلى عَمِّكَ أَن تَدْعُوهُ فَلا يُجيبَكَ، أو يُجيبُكَ فَلا يُعينَكَ، أو يُعينُكَ فَلا يُعْنِي عَنكَ، بُعداً لِقومٍ قَتَلُوكَ، الوَيلُ لِقَاتِلِكَ !
ثُمَّ احْتَمَلَهُ، فَكَأَتي أنظُرُ إلى رجلي الغُلامِ تَخُطان الأرض، وقد وَضَعَ صَدرَهُ إلى صَدرِهِ، فقُلتُ في نَفسي: ماذا يَصْنَعُ بِهِ؟!
فَجَاءَ بِهِ حَتَّى أَلْقَاهُ مَعَ القتلى مِن أهل بَيتِهِ، ثُمَّ رَفَعَ طَرفهُ إِلى السَّماءِ وقال:
اللهُمَّ أَحصهم عَدَداً، ولا تُغادِر مِنهُم أحداً، ولا تَغفِر لهُم أَبَداً!
صَبراً يا بَني عُمومتي، صَبراً يا أهل بيتي، لا رَأَيْتُم هَوانا بَعدَ هذا اليَوم أبَداً.
زاد في بعض المصادر قوله: فسألت عن الغلام، فقيل: هو القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب(1)
وراجع الدر النظيم ص 556 وتذكرة الخواص ص 230 ومآثر الإنافة ج 1 ص 107.
.1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 348 - 351 عن المصادر التالية: مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 27 وبحار الأنوار ج 45 ص34 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 278 وراجع: الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 112 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 106 و 107 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 254 و 255 وراجع تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 447 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 341 و الكامل في التاريخ ج 4 ص 75 والطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 471 ومقاتل الطالبيين ص93 ومثير الأحزان ص 69 و (ط المكتبة الحيدرية) ص52 وفي الثلاثة الأخيرة «عمرو بن سعيد بن نفيل الأزدي»، والإرشاد ج 2 ص 107 وفيه «عمر بن سعيد بن نفيل الأزدي»، والملهوف ص 167 و (نشر أنوار الهدى) ص 68 وفيه «ابن فضيل الأزدي» بدل «عمرو بن سعد بن نفيل الأزدي» وكلها نحوه، وراجع: أنساب الأشراف ج3 ص 406 وبحار الأنوار ج 45 ص 34 وإعلام الورى ج 1 ص 465.
2 - عن عبد الله بن منصور، عن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جدّه [زين العابدين] «عليه السلام»: بَرَزَ مِن بَعْدِهِ [أَي بَعدَ عَلِيٍّ بن الحُسَين] القاسِمُ بنُ الحَسَنِ بن عَلِيٍّ بن أبي طَالِبٍ وَهُوَ يَقُولُ:
لا تَجزَعي نفسي فكُلُّ فان *** اليَومَ تَلقين دُرَى الجنان
فقتَلَ مِنهُم ثلاثة، ثُمَّ رُمِيَ عَن فَرَسِهِ(1).
ثُمَّ قُتِلَ القَاسِمُ بنُ الحَسَن بن عَلِيٍّ بن أبي طالِبٍ، ضَرَبَهُ عَمرُو بنُ سَعدِ بن مُقبلِ الأَسَدِيُّ(2).
عن هشام: قُتِلَ القاسمُ بنُ الحَسَن بن عَلِيٍّ - وأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ - قَتَلَهُ
1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 351 و 352 عن: الأمالي للصدوق ص 226 ح 239 وروضة الواعظين ص 208 من دون إسنادٍ إلى أحدٍ من أهل البيت «عليهم السلام»، وبحار الأنوار ج 44 ص 321 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 170 و 171.
2) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 352 عن: الأخبار الطوال ص 257 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2628 وراجع جمهرة أنساب العرب ص 39.
سَعدُ بنُ عَمرو بن نُفيل الأزدي(1).
وقد ورد اسم القاسم بن الحسن في الزيارتين: الناحية والرجبية.
وقد وصفته زيارة الناحية بالقول: «المضروب على هامته، المسلوب لامته». (واللامة هي الدرع).
وفيها: أن قاتله عمر بن سعد بن عروة بن نفيل.
ويقال: إن عمر القاسم حين استشهد كان ست عشرة سنة(2).
لكن مصادر أخرى تقول: إنه لم يكن حينئذٍ قد بلغ سن البلوغ(3).
وروي أن القاسم «عليه السلام» كان يقول: «لا يقتل عمى وأنا
1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 352 عن تاريخ الأمم والملوك جه ص 468 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 359 والمعجم الكبير ج 3 ص 103 الرقم 2803 عن الليث بن سعد، والثقات لابن حبّان ج 2 ص 311 وليس فيهما ذيله، والكامل في التاريخ ج 4 ص 75 و 92 والطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 476 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص76 وفيه «سعيد بن عمرو الأزدي»، وليس فيهما «أم ولد»؛ والأمالي للشجري ج 1 ص 171 وفيه «عمر بن سعيد بن نفيل الأزدي»، وشرح الأخبار ج 3 ص 179 وفيه «عمرو بن سعيد بن عمرو بن نفيل الأزدي»، ونهاية الأرب ج 20 ص 456.
2) لباب الأنساب ج 1 ص 401.
3) كامل البهائي ج 2 ص 27 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 27 وبحار الأنوار ج 45 ص 34 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص278.
أحمل السيف»(1).
وعند ابن شهر آشوب: أن القاسم برز وأنشأ يقول:
إنّي أنا القاسمُ مِنْ نَسْل عَلَيَّ *** نَحْنُ وَبَيْتُ اللَّهِ أَوْلَى بِالنَّبِيِّ
مِن شَمِرٍ وعُمَرِ وَابن الدَّعِي(2)
وذكرت بعض المصادر نفس قصة مقتل القاسم، لكنها نسبت وقائعها إلى عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
فعن أبي معشر عن بعض مشیخته: رَأى رَجُلٌ مِن أهل الكوفَةِ عَبدَ اللهِ بنَ الحَسَن بن عَلِيٍّ عَلى فَرَس، وكانَ عَبدُ اللهِ أَجْمَلَ خَلَقَ اللَّهِ، فَقَالَ الكوفِيُّ: لأقتلنَّ هذا الفتى.
فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: وَيحَكَ ما تَصنَعُ بهذا؟ دَعَهُ.
قأبي، فَحَمَلَ عَليهِ فَضَرَبَهُ فَقْتَلهُ.
قالَ: ولمّا أصابتهُ الضَّرِبَهُ، قَالَ: يا عَمَّاه !
فَأَجَابَهُ الحُسَينُ «عليه السلام» قال: لبيك، صوتٌ قُلَّ ناصِرُهُ، وَكَثرَ واتره!
وحَمَلَ الحُسَينُ «عليه السلام» على قاتلهِ ، فَضَرَبَهُ فَقَطعَ يَدَهُ، ثُمَّ
ذكرنا فيما سبق بعض ما يُظهر حجم التصحيف في الأسماء، والتحريف في الكلمات، وأحياناً قد يحصل الوهم في نسبة الأحداث إلى صانعيها، أو المؤثرين الحقيقيين فيها، وتحصل أيضا بعض الاختصارات أحياناً، وغير ذلك.
ولكن ذلك لا يضر في المسار العام للأحداث، ولا يخدش في درجة الوثوق بأصل الحدث، ولاسيما فيما كثر التعرض له من قبل العلماء والمؤلفين على اختلاف مشاربهم وأهوائهم ، ومذاهبهم، واعتقاداتهم.
خصوصاً، وأن هذه الاختلافات إنما تكون في الأكثر في النصوص التي ذكرت في كتب لم تحظ من العلماء بالاهتمام الكافي لصيانة نصوصها ، ومراقبة ما تتعرض له من آفات وغير ذلك.
1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 351 عن المحن ص 147 وجواهر المطالب ج 2 ص 269 عن أبي عبيدة، وفيه «الشام» بدل «الكوفة»، وراجع: الإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 2 ص 6 و (تحقيق الشيري) ج 2 ص 12.
1 - لاحظنا: أن القاسم بن الحسن «سلام الله عليه» وهو غلام مراهق، يصر على عمه الحسين إصراراً بالغاً ليأذن له بالمشاركة في جهاد المعتدين والظالمين.. والحال أن الغلام في بداية شبابه يحلم - عادة - بالحياة السعيدة والعيش الهني والرغيد. وتكون له طموحات وآمال وأفكار، واهتمامات، وأحوال تختلف عما يكون لدى ذوي الأعمار العالية، فما بال هذا الشاب المراهق يسبق عقلاء الناس إلى التفكير بالقضايا الكبرى، وإلى التضحية في سبيلها.
2 - وإذا كان الشاب يستجيب للأجواء الحماسية، فيندفع إلى المجازفة وركوب الأخطار. فإن القاسم كان يواجه محاولات الصد عن الإندفاع في هذا الاتجاه..
يضاف إلى ذلك: أن الاستجابة للتحريض، والتفاعل مع الأجواء الحماسية، إنما ينتج - في العادة - اندفاعاً نحو خطر محتمل عنده، لا نحو موت محقق، ومصير محتوم.
والأمر هنا ليس كذلك، فإن ثمة يقيناً لدى القاسم ونظرائه بالاستشهاد ، واندفاعاً منهم لملاقاة الحتوف مع محاولات منع وصد، تأتي من أقوى الجهات تأثيراً في القاسم، وفي سائر شهداء كربلاء، فهي تأتي من صاحب القرار الأول والأخير، ومن إمام معصوم، مفترض الطاعة، ومن عمّ رحيم ،ورؤوف، وحنون وعطوف، لا مجال لجرح عواطفه، ولا سبيل لإيذائه في مشاعره.
ويواصل القاسم إصراره على عمه، ويقبل يديه ورجليه، ويلتمس الإذن منه .. حتى أذن له..
إن إذن الإمام الحسين «عليه السلام» للقاسم «رضوان الله تعالى عليه»، بعد إصراره بمباشرة القتال، يمكن تفسيره في أكثر من اتجاه.
كما أن ما جرى للقاسم في الميدان يحمل معه العديد من الدلالات، ونحن نذكر فيما يلي بعضاً من ذلك فنقول:
ألف: بالنسبة لعدم إذن الإمام للقاسم بالخروج إلى الميدان في بداية الأمر، ثم الإذن له لاحقاً.. قد يكون سببه: أنه «عليه السلام» أراد أن لا يتوهم أحد من الناس أنه «عليه السلام» يستسهل موت الناس وغير مهتم لحياة الآخرين وموتهم بل هو ذو عاطفة جياشة، ومشاعر متوهجة، وهو يذوب حناناً على أهل بيته، وعلى أصحابه. ولكن لديه واجب لا بد له من إنجازه على النحو الأمثل والأفضل..
ب: قد يقول قائل: إنه «عليه السلام» يرسل إلى الميدان بالمقاتلين، المراهقين الغافلين، مع علمه بمصيرهم، وقد كان يمكنه أن يسهل لهم سبل النجاة، ويرشدهم إليها. ويترك لهم الفرصة للاستمتاع بهذه الحياة..
ولم يكن قتل هذا الجمع كله ضرورياً، ولن تتغير النتيجة إذا نجا بعض الشباب من الموت.
فكان هذا المشهد العاطفي المثير، وهذا الإصرار، من قبل
16
القاسم، إلى حد أنه يقبل يدي ورجلي عمه مع بكاء والتماس.. شاهداً على أنهم كانوا هم الطالبين للشهادة، ويرون أن دفاعهم عن دينهم، وعن قرآنهم فرض لازم عليهم.
ج: على أنه «عليه السلام» قد جرب مع أهل بيته أن يقنعهم بالخروج إلى مواضع الأمن، وسلوك سبيل النجاة من القتل، فرفضوا، وأبوا الانصياع إليه أشد الإباء..
وكذلك فعل أصحابه الذين استشهدوا معه أيضاً..
د: إن الإمام قد أذن للقاسم بعد إصراره حسبما تقدم..
فدلنا ذلك: على أن القاسم كان مؤهلاً لنيل درجة الشهادة، ومستحقاً لها. وأن هذا الأمر ليس خاضعاً لسن البلوغ، بل هو رهن بالمعرفة والوعي، والشعور بالواجب.
ولأجل ذلك نجد: أن القاسم هو الذي اختار الشهادة بملء إرادته، ولم تفرض عليه، ولم يحرضه أحد عليها.
هـ: إن إصرار القاسم على عمه، يدل على أنه يملك درجة عالية جداً من الوعي الصحيح والصافي، ومن القناعة بسلوك طريق الشهادة، ولم يكن بدوافع عصبية للقريب أو حرصاً على حبيب، أو تحت تأثير أي اعتبار آخر غير ما يفرضه الواجب العقلي والديني، والشعور بالمسؤولية..
و: إن عدد القتلى بسيف القاسم إذا كانوا خمسة وثلاثين رجلاً، كما تقول الرواية المتقدمة، فذلك يدل على أنه لم يكن مجرد غلام لم يبلغ
الحلم، بل هو لا يقلُّ في وعيه ودقة ملاحظته، ورصده لكل ما يحيط به، واستيعابه للأمور، ومهاراته المكتسبة، لا يقل عن أعظم الرجال تجربة، وأكثرهم تيقظاً. وقد أظهرت أحداث الميدان أن درايته بفنون الحرب، لا تقل عن دراية الرجال الكبار الكبار، الذين مارسوا فنونها، وخاضوا غمارها، وواجهوا أخطارها.
ز: إن نفس عدم رضاه بأن يواصل الحرب بعد أن قطع شسع نعله، وإصراره على إصلاحه في وسط الميدان، وقد كان بإمكانه أن يتراجع إلى موضع آمن - إن هذا - يشير إلى عدم مبالاته بكل هؤلاء الأعداء، الذين يدَّعون لأنفسهم الشجاعة، والبطولة، ويتباهون بفروسيتهم وتجربتهم..
ولعله حين برز «رضوان الله تعالى عليه» إليهم، كان يخطر في بالهم أنهم أمام غلام يافع، لا حول له ولا قوة، ولا تجربة ولا شجاعة، ولا مهارات قتالية وإذ به يذيقهم مرارات، ما توهموه، ويوقعهم في مهالك ما تخيلوه.
لاسيما وأنه - بحسب الظاهر - كان يحمل سيفا فقط، ولم يكن يلبس درعاً، بل كان يلبس قميصاً وإزاراً وحسب.
ح: يفهم من سياق الرواية المتقدمة : أن ذلك المجرم الذي قتل القاسم، لم يواجه القاسم بن الحسن بل انتظر إلى أن تجاوزه القاسم، وولى، فلحقه، وضرب رأسه بالسيف، كما يدل عليه قول الرواية: «وشد عليه، فما ولى حتى ضرب رأسه بالسيف». فيكون هذا المجرم
قد قتل القاسم غدراً، أو بما يشبه الغدر.
ظاهر سياق الرواية المتقدمة: أن الذي وطأته خيل الأعداء بحوافرها، فمات هو قاتل القاسم.
أما القاسم «عليه السلام»، فلم تطأه الخيول بحوافرها، وإن قال المجلسي ذلك، فقد قال «رحمه الله»: «وحملت خيل أهل الكوفة ليستنقذوا عَمْراً(1)من الحسين، فاستقبلته بصدورها، وجرحته بحوافرها، ووطأته حتى مات الغلام فانجلت الغبرة، فإذا بالحسين قائم على رأس الغلام وهو يفحص برجله»(2).
بل إن قول المجلسي هنا: فانجلت الغبرة الخ.. يدل على أن الغلام لم يمت حين وطأته الخيل، مع أنه قال قبلها: ووطأته حتى مات.
ونظن: أن كلمة «الغلام» مقحمة سهواً في كلام المجلسي «رحمه الله».
أما ما يدَّعى، من أن الإمام الحسين «عليه السلام» قد عقد يوم
عاشوراء لابن أخيه القاسم على سكينة بنت الحسين «عليه السلام»، فنحن وإن كنا لم نجد في ذلك رواية، أو نقلاً يمكن التشبث به.
غير أننا نرى: أنه لا يصح أن يكون سبب هذا الحكم الجازم على هذا القول بالكذب، استناداً إلى استبعاد حصول أمر كهذا، في وقت تهيمن على الحسين ومن معه فيه حالة الحزن والغم، بسبب ما يرتكب فيه من مجزرة هائلة، وما يزهق فيه أرواح طاهرة لثلة من الأخيار الأبرار، ويوشك أن يسفك فيها دم سيد شباب أهل الجنة، وأقدس البشر، وإمام مطهر معصوم.
وكيف يمكن الجمع بين هذه الكارثة الهائلة وبين أفراح الزواج؟! وهذه الرؤوس تندر، والبطون تبقر، والأيدي تطيح؟!
نعود فنقول: إن مستند هذا الحكم الجازم لا اعتبار به، لأن إجراء عقد زواج لمجرد إحداث العلقة الزوجية، رجاء أن تكون هذه الفتاة زوجة شهيد في الدنيا، على أمل أن تكون زوجة له في الآخرة، لتنال بذلك شرفاً ومثوبة ليس بالأمر الغريب ولا مما يستهجن، لأنه عمل عبادي ديني يقصد به وجه الله، ولا يتنافى مع الحزن على الشهداء، ولا مع أجواء الحرب التي فرضها المعتدون والظالمون، وهو عمل يرغب فيه المؤمن.
غير أن المهم هو أن توجد رواية في ذلك في مصدر يمكن الاعتماد عليه في النقل والرواية.
1 - قال الطبري: عن أبي مخنف: إِنَّ شمرَ بنَ ذِي الجَوشَن أَقْبَلَ فِي الرَّجَالِةِ نَحوَ الحُسَينِ «عليه السلام»؛ فأخذ الحُسَينُ «عليه السلام» يَشْدُّ عليهم، فَيَنكَشِفونَ عَنهُ، ثُمَّ إِنَّهُم أحاطوا به إحاطة.
ويتابع هذا النص الموجود في العديد من المصادر، ونختار نص ابن طاووس، فيقول:
خَرَجَ عَبْدُ اللهِ بنُ الحُسَين «عليه السلام» بن علي - وهو غُلامٌ لَمْ يُرَاهِق - مِنْ عِنْدِ النِسَاءِ، فَشَدَّ حَتَّى وَقَفَ إِلى جَنْبِ الحُسَين «عليه السلام»، فلحقتهُ أختُهُ زَيْنَبُ ابنَهُ عَلِيٍّ لِتَحبِسَهُ، فَأَبَى وَامْتَنَعَ امْتِنَاعاً شَدِيْدَا وَقالَ: واللهِ لا أَفَارِقُ عَمِّي، فَأَهْوَى بَحرُ [في الإرشاد: أبجر] بنُ كَعبٍ بن عُبَيدِ اللَّهِ - وَقِيْلَ: حَرْمَلَهُ بنُ الكَاهِل - إلى الحُسَين «عليه السلام» بالسَّيفِ، َفقالَ الغُلامُ يَا ابنَ الخَبِيثَةِ أَتَقْتُلُ عَمّي؟
فَضَرَبَهُ بِالسَّيفِ، فَاتَّقاهَا الغُلامُ بيَدِهِ، فأطئها إلى الجلدَةِ، فإذا هي مُعلقة.
قنادَى الغُلامُ: يا عَمَّاه [في الطبري والإرشاد: يَا أمَّتاه].
فَأَخَذَهُ الحُسَينُ «عليه السلام» قضَمَّهُ إِلى صَدرِهِ، وَقَالَ: يَا ابْنَ أخي، اصبر عَلى ما نَزَلَ بِكَ، وَاحتسب في ذلِكَ الْخَيرَ، فَإِنَّ اللَّهَ يُلْحِقْكَ بآبائِكَ الصَّالِحينَ.
[في الطبري وغيره برسول اللهِ «صلى الله عليه وآله»، وعَلِيٍّ بن أبي طالِب، وحَمزَةً وجَعفَرٍ، وَالحَسَن بن عَلِيٍّ «صَلَّى اللهُ عَلَيهِم
أجمَعينَ»].
[زاد ابن نما قوله ثُمَّ رَفَعَ الحُسَينُ «عليه السلام» يَدَهُ وقالَ اللهُمَّ إن مَتَعتَهُم إلى حين، ففرقهُم فِرقا، وَاجعَلَهُم طرائق قدَدا(1)، ولا تُرض الوِلاةَ عَنهُم أَبَداً ؛ فَإِنَّهُم دَعَونا لِيَنصُرُونا ، ثُمَّ عَدَوا عَلَينا فَقَتَلُونا ].
وعن ابن طاووس: قال: فرماهُ حَرمَلَهُ بنُ الكاهل - لَعَنَهُ اللهُ - بِسَهم، فَدَبَحَهُ وهُوَ فِي حِجر عَمِّهِ الحُسَين «عليه السلام»(2).
2 - عَبدُ اللهِ بنُ الحَسَن بن عَلِيٍّ بن أبي طالب، وأُمُّهُ بنتُ السَّليل بن عَبدِ اللهِ، أخي جرير بن عَبدِ اللهِ البَجَلِي، وقيل: إنَّ أُمَّهُ أُمُّ وَلَدٍ.
1) طرائِقَ قِدَدَاً: أي فرقاً مختلفة أهواؤها. راجع: القاموس المحيط ج1 ص 326.
2) راجع: موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 357 عن الملهوف ص 173 و (نشر أنوار الهدى) ص 72 وعن المصادر التالية: الإرشاد ج 2 ص110 وإعلام الورى ج 2 ص 467 وبحار الأنوار ج 45 ص 53 ومثير الأحزان ص 73 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 56 وراجع: روضة الواعظين ص 208 و (منشورات الشريف الرضي) ص 188 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 451 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 344 والكامل في التاريخ ج 4 ص 77 ومقاتل الطالبيين ص 116 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 77 وفيه «أبجر بن كعب» بدل «بحر بن كعب بن عبيد الله من بني تميم بن ثعلبة بن عكابة»، وكلاهما نحوه. وراجع: أنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج 3 ص 202 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2618 والدر النظيم ص 557 ونهاية الأرب ج 20 ص 458.
وكان أبو جَعفَرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيٍّ - فيما رَوَيناهُ عَنهُ - يَذْكُرُ أَنَّ حَرمَلة بن كاهِلِ الْأَسَدِيَّ قَتَلَهُ.
وذكر المدائني في إسناده عن جناب بن موسى، عن حمزة بن بيض، عن هاني بن ثبيت القابضي أن رجلاً منهم قتلة(1).
3 - وعن هشام: أن حرملة بن الكاهل رمى عبد الله بن الحسن بن علي بسهم فقتله(2).
نقول:
لا بد من التوقف عند الأمور التالية:
تقدم: أن الإمام الحسين «عليه السلام» حين استشهد القاسم بن
1) مقاتل الطالبيين ص 93 و (ط المكتبة الحيدرية) ص58 وبحار الأنوار ج 45 ص 36 وراجع: الأغاني ج 16 ص 366.
2) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 358 عن تاريخ الأمم والملوك جه ص 468 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 359 والطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 476 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 76 وفيه «عبد الله بن الحسن قتله ابن حرملة الكاهلي من بني أسد» فقط. وتذكرة الخواص ص 254 عن هشام بن محمد وفيه «سعد بن عمر بن نفيل الأزدي» والأمالي للشجري ج 1 ص 171. وفيه «حرملة بن الكاهل الأسدي»، وراجع: جمهرة أنساب العرب ص 39 والكامل في التاريخ ج 4 ص 92 وإبصار العين ص 55.
الحسن، دعا الله وقال:
اللهم أحصهم عدداً ، ولا تغادر منهم أحدا، ولا تغفر لهم أبداً».
وحين استشهد عبد الله بن الحسن، دعا الله تعالى، وقال:
«اللهم إن متعتهم إلى حين ففرقهم فرقا، واجعلهم طرائق قدداً، ولا ترضي الولاة عنهم أبداً ، فإنهم دعونا لينصرونا، ثم عدوا علينا فقتلونا».
ويلاحظ: أن هذه الأدعية لم تغادر سنن العدل، والموازنة بين العمل والجزاء عليه، ولو بمقدار حرف واحد فإن من الطبيعي أن يكون جزاء من يسعى إطفاء نور الله وطمس معالم الحق والدين، ويحارب ويقتل الأخيار والأولياء، والأنبياء، والأوصياء - أن يكون جزاؤه - أن لا يغفر الله تعالى له، لأنه لا يستحق هذه المغفرة.
بل قد تكون هذه المغفرة سبباً في زيادة الرغبة بالجريمة، والانكباب على ممارستها.
كما أن من الطبيعي أن يحصي الله تعالى جميع من يشارك في الجريمة، لكي لا يفلت أحد من العقاب..
وكما اجتمع هؤلاء المجرمون على حرب أولياء الله، وهدم دين الله، فمن الطبيعي أن يكون جزاؤهم هو تفريقهم، وتمزيقهم، وجعلهم طرائق قدداً.
كما أن من المعلوم: أن من يفعل ذلك تقرباً وتزلفاً إلى السلاطين والجبارين، ومن هم على شاكلتهم من أعداء الله أن يجازيهم الله تعالى
بخيبة آمالهم، وبوار أعمالهم، وسخط الولاة عليهم دائماً وأبداً.
ولهذا لا ترى في هذه الأدعية أي حيف، أو مبالغة، أو تجاوز، أو خروج عن دائرة المقبول، والمعقول.
وبعد، فقد ظهرت الإختلافات في هذا المورد أيضاً، ولكن بصورة أضعف إذا قيست بسائر المواضع، فهل الذي قطع يد عبد الله بن الحسن هو حرملة، أو بحر [أو أبجر] بن كعب؟!
وهل أمه أم ولد؟! أو هي بنت السليل، أو الشليل بن عبد الله البجلي؟!
وقد لاحظنا: أن النص يصرح بأن عبد الله بن الحسن كان يوم عاشوراء غلاماً لم يراهق حين قطعت يمينه وقد أمره الحسين «عليه السلام» بالصبر والاحتساب، فإن الله يلحقه بآبائه، وبجده الرسول وعلي، وجعفر، وحمزة ، والحسن «صلى الله عليهم أجمعين»..
وذلك يعطي: أن للأطفال غير البالغين مثوبات، وأنهم ينالون مقامات ودرجات جزاء على صبرهم وأعمالهم ، وعبد الله بن الحسن قد نال من هذه المثوبات والمقامات ما هو عظيم وجليل.
واستشهد يوم عاشوراء أبو بكر بن الحسن(1)بن علي «عليه «السلام»، وأمه أم ولد قتله عبد الله بن عقبة الغنوي بسهم رماه به(2)
وراجع أيضاً: مآثر الإنافة ج 1 ص 107 وتسمية من قتل مع الحسين ص 150.
وراجع: الإرشاد ج 2 ص 109 ومثير الأحزان ص 68 وإعلام الورى ج1 ص 466 والأخبار الطوال ص 257 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج6 ص 2628 وأنساب الأشراف ج 3 ص 406 و (ط دار التعارف) ج3 ص 201 وزاد فيه: «ففي ذلك يقول ابن أبي عقب: وعند غني قطرة من دمائنا، وفي أسد تعد وتذكر».
وراجع: شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 687 وقاموس الرجال ج11 ص 232 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 203 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص73.
.1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 354 عن تاريخ الأمم والملوك جه ص 448 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 359 والمعجم الكبير ج 3 ص 103 الرقم 2803 والطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 470 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 76 والكامل في التاريخ ج 4 ص 92 ومقاتل الطالبيين ص 92 و (ط المكتبة الحيدرية) ص57 وتذكرة الخواص ص 254 وشرح الأخبار ج 3 ص 178 «أبو بكر بن الحسين». وراجع: قاموس الرجال ج 11 ص 232 والأخبار الطوال ص 257 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 845 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج33 ص687 وإبصار العين ص71.
2) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 354 عن تاريخ الأمم والملوك جه ص 468) و (ط الأعلمي) ج 4 ص 359 والكامل في التاريخ ج 4 ص 75 وفيه «حرملة بن الكاهل رماه بسهم» بدل «عبد الله بن عقبة الغنوي»، ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 47 و 48 عدّه فيهما من المقتولين فقط، والأمالي للشجري ج 1 ص 171 وراجع: جمهرة أنساب العرب ص39.
وروى عمرو بن شمر، عن جابر ، عن أبي جعفر «عليه السلام»: أن عقبة الغنوي قتله(1).
وقد طلب المختار عبد الله بن عقبة الغنوي هذا، فوجده قد هرب ولحق بالجزيرة، فهدم داره.
وفي هذا الغنوي، وفي حرملة بن كاهل الأسدي، يقول ابن أبي عقب الليثي:
وعندَ عَنِيٌّ قطرَةً مِن دِمَائِنا *** وفي أسد أخرى تُعَدُّ وتُذكر(2)
1) مقاتل الطالبيين ص 92 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 57 وبحار الأنوار ج 45 ص 36 والعوالم ، الإمام الحسين ج17 ص279.
2) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 355 عن تاريخ الأمم والملوك ج 6 ص 65 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 535 والكامل في التاريخ ج4 ص 75 وليس فيه ذيله من «فيهما»، وبحار الأنوار ج 45 ص 375 ،نحوه وراجع: أنساب الأشراف ج 6 ص 410 والأمالي للشجري ج 1 ص 171 ومقاتل الطالبتين ص 92 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 57 وإبصار العين ص71 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 473 و 528 وقاموس الرجال ج11 ص232 وراجع: أنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج 3 ص 201 و 410 وج 13 ص 256 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص73 وذوب النضار ص120 وبحار الأنوار ج 45 ص 375 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 696.
ونقول:
هناك العديد من الاختلافات هنا، نذكر منها:
هل أبو بكر هذا هو ابن الحسن، أو ابن الحسين؟!(1).
وهل قتله عبد الله بن عقبة؟! أو قتله عقبة الغنوي؟!
ذكر العلامة المامقاني: أحمد بن الحسن وأمه أم بشر بنت مسعود الأنصاري في جملة شهداء الطف. وكان له من العمر ست عشرة سنة، وقتل بعد صلاة الظهر، وحمل على الأعداء وهو يرتجز، ويقال إنه قتل ثمانين فارساً. وأثخن بالجراح، فتعطفوا عليه جماعة كثيرة، فقتلوه(2).
ونقول:
هل يعقل أن لا نجد لشاب كهذا يقتل ثمانين فارساً من الأعداء،
شيئاً يذكر إلا هذا الخبر؟!
قال ابن شهر آشوب قيل إنه من شهداء الطف(1).
ونذكر ممن اختلفت الأقوال فيهم من بني الحسن:
عدَّ الخوارزمي: عمر بن الحسن في جملة المقتولين في كربلاء. قال: وكان صغيراً(2).
ولكن سبط ابن الجوزي قال: واستصغروا أيضا عمر بن الحسن بن علي «عليه السلام»، فلم يقتلوه، وتركوه(3).
وعن الحسن بن الحسن المثنى نقول:
1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 112 و (ط المكتبة الحيدرية) ج4 ص 259 وبحار الأنوار ج 45 ص 63 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 343.
2) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 53 ومثير الأحزان (ط المكتبة الحيدرية) ص84 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 112 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 4 ص 259 بلفظ قيل. وراجع إعلام الورى ج 1 ص 416.
3) تذكرة الخواص ص 229 وراجع: سير أعلام النبلاء ج 3 ص 303.
قال ابن طاووس: إنه قتل يوم الطف سبعة عشر رجلا، وأصابته ثماني عشرة جراحة، فأخذه خاله أسماء بن خارجة، فحمله إلى الكوفة، فداواه، فبرئ، وحمله إلى المدينة(1).
وقال المقرم: أصابته ثماني عشرة جراحة، وقطعت يده اليمنى ولم يستشهد(2).
وبعد أن ذكرنا شهداء آل عبد المطلب، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل الحسن لم يبق إلا الحديث عن الشهداء من إخوة الإمام الحسين لأبيه «صلوات الله وسلامه عليهم» ..
ونذكر في هذا الفصل من ذكر في المصادر المعروفة، والمعتمدة عند الأكثرين ونضم إليهم من ذكر في مصادر أخرى: أنه من شهداء كربلاء ولم يناقش في أمره أحد. ثم نتبعه بفصل آخر نذكر فيه شهادة العباس - وهو أكبرهم وأفضلهم. ونذكر معه من نوقش في صحة خبر استشهاده، أو لم يمكن تحديد شخصيته، وتمييزها، فنقول:
1 - قال ابن شهر آشوب: ثُمَّ بَرَزَ أخوهُ جَعَفَرٌ مُنشئا:
إنّي أنا جَعْفَرُ ذُو المَعالي *** ابنُ عَلِيِّ الخير ذو النَّوال
ذاكَ الوَصِيُّ ذُو السَّنا *** حَسبي بِعَمَي جَعفر والخال
أحمي حسيناً ذا(1)النَّدَى المِفْضال
1) في المصدر: «ذي»، وهو تصحيف.
رَمَاهُ خَولِيُّ الأَصْبَحِيُّ ، فأصابَ شَقِيقتَهُ أو عَيْنَهُ(1).
والمراد: أنه أصاب موضع الشقيقة، وهي الوجع الذي يأخذ في نصف الرأس والوجه.
وعند المفيد: أنه «رحمه الله» برز بعد عبد الله، فقتله هاني(2).
2 - قال :الخوارزمي: ثُمَّ خَرَجَ مِن بَعدِهِ [أَي بَعدِ عُثمانَ] أخوه جَعْفَرُ بنُ عَلِيٍّ - وأمُّهُ أُمُّ البنين أيضا - فَحَمَلَ وهُوَ يَقولُ:
إنِّي أنا جَعْفَرُ ذُو المَعَالِي *** نجلُ عَلِيَّ الخير ذو النَّوال
أحمي حُسَيناً بالقنا العَالِ *** وبالحُسام الواضح الصقال
ثمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ(3).
1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 317 عن مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 107 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 255 وبحار الأنوار ج 45 ص 38 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 281 وإبصار العين ص 70.
2) الإرشاد ج 2 ص 109 والدر النظيم ص 755 وبحار الأنوار ج 45 ص 38 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 281 وراجع إعلام الورى ج 1 ص 466 ومقاتل الطالبيين (ط المكتبة الحيدرية) ص 54 وأنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج 3 ص 201 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 449 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 4 ص 342 والكامل في التاريخ ج 4 ص 76.
3) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 318 عن: مقتل الحسين للخوارزمي: ج 2 ص 29 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 113 وفيه «أخي حسين ذو الندى المفضال» بدل «أحمي حسيناً بالقنا العسال ... وبالحسام الواضح الصقال».
لفت نظر: إن كانت «ذو النوال» صفة لكلمة نجل، فهي ذو، وإن كانت صفة لعلي، فيجب أن تكون ذي.
وقال بعض الإخوة الأكارم: ويحتمل أيضاً أن تكون خبراً لمبتدأ محذوف التقدير، وهو ذو النوال. والضمير لعلي «عليه السلام».
3 - قالوا : في تَسمِيَةِ المَقتولين -: جَعفَرُ بنُ عَلِيٍّ بن أبي طَالِبٍ الْأَكْبَرُ، قَتَلَهُ هَانِيُّ بنُ تُبَيتِ الحَضرَمِيُ(1)
وراجع تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 449 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 4 ص 342 والكامل في التاريخ ج 4 ص 76.
.4 - عن عبيد الله بن الحسن وعبد الله بن العبّاس: قُتِلَ جَعَفَرُ بنُ عَلِيّ بن أبي طالب وهُوَ ابْنُ تِسعَ عَشْرَةَ سَنَةٌ.
قال أبو مخنف في حَدِيثِ الصَّحَاكِ المِشْرَفِيِّ: إِنَّ العَبّاسَ بنَ عَلِيٍّ قدَّمَ أَخاهُ جَعفَراً بَينَ يَدَيهِ... فَشَدَّ عَليهِ هَانِيُّ بنُ تُبَيتِ الَّذِي قَتَلَ أَخاهُ
1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 318 عن: الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 475 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 76 والتنبيه والإشراف ص 263 وفيه «وقتل معه من ولد أبيه ... وجعفر» فقط؛ والأمالي للشجري ج 1 ص 170 عن زيد بن عليّ بن الحسين، ويحيى بن أمّ طويل، وعبد الله بن شريك العامري، وغيرهم. وفيه «هاني بن نبيت الحضرمي» وراجع: تاريخ خليفة بن خياط ص178.
فقتَلهُ
هكَذا قال الضحاك.
وقال نصرُ بنُ مُزاحِمٍ: حَدَّتْني عَمرُو بنُ ،شمر، عَن جابر، عَن أبي جَعفَرٍ مُحَمَّدِ بن عَلِيٍّ: إِنَّ خَوَلي بنَ يَزِيدَ الأَصبَحِيَّ - لَعَنَهُ اللهُ - قَتَلَ جَعَفَرَ بنَ عَلِيٍّ(1).
ونقول:
أولاً: رأينا وسنرى أن أبناء علي «عليه السلام» عموماً، ومنهم: ابنه جعفر قد التزموا نمطا من الرجز متشابه المضامين، يعتمد على إظهار الإعتزاز بالانتساب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وإلى النبي الأعظم «صلى الله عليه وآله»، وسائر الكبار الأخيار من بني هاشم «رضوان الله تعالى عليهم».
وهذا جعفر بن علي يفتخر في رجزه بأبيه علي، وبعمه جعفر، وبخاله.
1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 318 عن: مقاتل الطالبيين ص88 و (ط المكتبة الحيدرية» ص 54 والفصول المهمة لابن الصباغ ص 195 و (ط دار الحديث) ص 843 وفيه «وقتل جعفر بن على، وأمه أمّ البنين أيضا، رماه خولي بن يزيد بسهم فقتله» فقط؛ وإعلام الورى ج 1 ص 395 وفيه «وقتل جعفر بن عليّ وله تسع عشرة سنة » فقط، وبحار الأنوار ج 45 ص 38 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 281.
وأمير المؤمنين «عليه السلام» هو الشخص الذي لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق، وهو الذي يقول ذلك الجيش الباغي: إنه إنما يقاتل الحسين «عليه السلام» بغضاً بعلي «عليه السلام» - ربما لأنهم يرون أن عليا «عليه السلام» كما قررته آية المباهلة هو نفس رسول الله «صلى الله عليه وآله». وحيث إنه لا يمكنهم الجهر ببغض رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فإنهم يعمدون إلى أخيه، ونظيره، وشبيهه، ووزيره .. فيصبون عليه وعلى ولده جام حقدهم وغيظهم.
وواضح: أن افتخار جعفر بكونه إبنا لعلي «عليه السلام» يكبت هذا العدو، ويثير كوامن حقده وحسده البغيض والمقيت..
ثانياً: نرى في رجز جعفر أيضاً بيانا للصفات التي تعطي لهذا الاعتزاز المزيد من القوة والتأثير الإيجابي المحبب في قلوب أهل الإيمان، والمثير لحفيظة المنحرفين ،والمنافقين وأعداء الخير والدين..
ومن المعلوم: أن الأشرار يحقدون على الأبرار، ويبغضونهم، ويبغون لهم الغوائل حتى لو كانوا آباءهم، أو أبناءهم وإخوانهم، ولا يثنيهم عن ذلك شيء مهما حاول الأخيار الإحسان إليهم، أو أفاضوا من أفضالهم عليهم.
بل ربما كان هذا الإحسان من موجبات زيادة حقد أولئك الأشرار، وحرصهم على إيصال الأذى لهم، لأنهم يرون في نفس الصلاح والخيرية ذنباً، فما بالك إذا تجلى هذا الصلاح في السلوك، وظهرت آثاره وتألقت محاسنه، وانتشرت أخباره..
ثالثاً: ها هو جعفر بن علي يعتز ويفتخر بانتسابه لعلي «عليه السلام»، ويصفه بأنه علي الخير، وحقيقته، فهو كما تقول: زيد عدل، ثم يصفه بثلاثة أوصاف، هي من أجل الأوصاف وأسناها، وأشرفها وأبهاها، وهي: أنه «عليه السلام»:
1 - الوصي. وأي مقام بعد مقام النبوة الخاتمة أعظم من مقام الوصي للنبي الخاتم..
2 - ذو السنا، وهو الشرف والرفعة وأهل الدنيا، والأشرار لا يطيقون رفعة الأخيار ..
وقد عرفنا: أن معاوية لم يزل يجهد في دفن ذكر رسول الله، ولا يطيق ذكره لا في الأذان ولا في غيره.. كما نقل المغيرة بن شعبة عنه(1).
وهناك شواهد كثيرة على شيوع هذا الاتجاه الخبيث لدى بني أمية وأشياعهم، فراجع كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم «صلى الله عليه وآله»، الجزء الأول، الفصل الأول..
1) الموفقيات ص577 ومروج الذهب ج 3 ص454 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 5 ص 129 و 130 وكشف الغمة للأربلي ج 2 ص 45 وبحار الأنوار ج 33 ص 169 عنه، وكشف اليقين فى فضائل أمير المؤمنين «عليه السلام» ص 474 وكتاب الأربعين للماحوزي ص 88 والغدير ج 10 ص 283 وقاموس الرجال ج 10 ص 110 والنصائح الكافية ص 123 وبهج الصباغة ج 3 ص 193.
الوصف الثالث: الوالي.. وهذه الصفة أقسى وأمر على الأشرار وأهل ..الضلال.. خصوصاً وأن ولايته «عليه السلام» آتية من قبل الله تعالى، ولا يمكن لأحد أن يتعامل معها بأي منطق، حيث ينحصر الأمر بنحوين من التعامل هما: إما منطق التمرد والعصيان أو منطق الطاعة والانقياد . فلا سبيل إلى التكذيب، أو المناقشة.
4 - ثم تحدث جعفر «رضوان الله تعالى عليه» عن تصميمه على المحاماة عن الإمام الحسين «عليه السلام»، ووصفه أيضاً بأوصاف الأخيار، وأهل الفضل، وهي أوصاف تزعج الأشرار، وتقض مضاجعهم وتثير ،حسدهم، كما قلنا.
5 - وقرر جعفر «رضوان الله عليه» في رجزه المتقدم أيضاً: أنه قد حوى الشرف والفضل والسؤدد من جميع الأطراف: من الآباء، والأعمام والأخوال، والإخوة، فمن ذا الذي يمكن أن يساميه، في شيء
من ذلك؟!
1 - وعن سبب الاختلاف فى الأرجاز زيادة ونقيصة، أو بتبديل بعض الكلمات أو الفقرات فيها، نقول:
ربما كان سبب ذلكک أن صاحب الرجز حين يبرز إلى الميدان، ويواجه التحديات قد يكرر رجزه مرات عديدة، بحسب المواقف المختلفة في صولاته وجولاته مع الأقران وليس بالضرورة أن يكرر رجزه بعين ألفاظه، وبنفس النسق. فقد يبدل في الكلمات، أو يقدم شطراً
على آخر، وقد يقتصر على قسم من الرجز، وهكذا..
2 - اختلفت النصوص في من قتل جعفر بن علي، هل هو خولي الأصبحي؟ أو هاني بن ثبيت الحضرمي؟
1 - وقالوا: إن من جملة شهداء كربلاء عَبْدُ اللَّهِ مِنْ عَلِيٍّ بن أبي طالِب، قتَلهُ هانِيُّ بنُ تُبَيتِ الحَضرَمِيُّ(1)
وراجع: الإرشاد ج 2 ص 109 والدر النظيم ص 755 وبحار الأنوار ج 45 ص38 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 281 وراجع إعلام الورى ج 1 ص 466 ومقاتل الطالبيين (ط المكتبة الحيدرية) ص54 و ط دار التعارف ج 3 ص 201 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 449 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 4 ص 342 والكامل في التاريخ ج 4 ص 76.
.وقد صرح القاضي النعمان وغيره: بأن عبد الله قتل هو وعثمان، وجعفر، والعباس أيضاً في المعركة على الماء(2).
1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 319 و 320 عن الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة ) ج 1 ص 475 وأنساب الأشراف ج3 ص 407 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 201 ،نحوه، والتنبيه والإشراف ج3 ص 263 وفيه «قتل معه من ولد أبيه ستة ... وعبد الله» فقط؛ ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 107 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 255 وفيه «هاني بن شبيب الحضرمي».
2) شرح الأخبار ج 3 ص 182 و 191 ونسب قریش ص41 ومقتل أمير المؤمنين لابن أبي الدنيا ص 120.
2 - ثُمَّ خَرَجَ مِن بَعدِهِ [أَي بَعدِ جَعَفَرٍ] أخوهُ عَبدُ اللَّهِ بنُ عَلِيٍّ وَهُوَ يَرْتَجِرُ ويَقولُ:
أنا ابنُ ذِي النَّجِدَةِ وَالإفضال *** ذاكَ عَلِيُّ الخير ذو الفعال
سَيفُ رَسولُ اللهِ ذُو النَّكال *** في كُلّ يوم ظاهر الأهوال
ثمَّ حَمَلَ فقاتَلَ حَتَّى قُتِلَ «رَحِمَهُ اللهُ»، قتله هاني بن ثبيت الحضرمي(1).
3 - عن زيد بن علي بن الحسين، ويحيى بن أمّ طويل، وعبد الله بن شريك العامري وغيرهم - في ذكر تَسمِيَةِ المَقتولين -: عَبدُ اللهِ بنُ عَلِيّ. وأُمُّهُ أيضاً أُمُّ البَنينَ.
رَمَاهُ خَولِيُّ بنُ يَزِيدَ الأَصْبَحِيُّ بسَهم، وأَجْهَزَ عَلِيهِ رَجُلٌ مِن بَنِي تميم بن أبان بن دارم(2).
4 - عن علي بن إبراهيم: حَدَّثني عُبَيدُ اللهِ بنُ الحَسَنِ، وعَبْدُ اللهِ بنُ
1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 320 و 321 عن: الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 113 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 29 وفيه «وكاشف الخطوب» بدل «في كلّ يوم ظاهر»؛ ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 107 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 255 نحوه، وبحار الأنوار ج 45 ص 38 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 281 والدمعة الساكبة ج 4 ص320 وإبصار العين ص 68.
2) الأمالي للشجري ج 1 ص 170.
العَبّاسِ، قالا: قُتِلَ عَبدُ اللهِ بنُ عَلِيٍّ بن أبي طالِبِ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وعِشرينَ سَنَةٌ، ولا عَقِبَ لَهُ.
حَدَّثني أَحمدُ بنُ عيسى، قال: حَدَّثني حُسَينُ بنُ نَصرِ، قَالَ: حَدَّثنا أَبي عَن عُمَرَ بن سَعدٍ، عن أبي مِخنَفٍ، عن عَبدِ اللَّهِ بن عَاصِمٍ، عَن الصَّحَاكِ المِشْرَفِيِّ، قالَ: قالَ العَبّاسُ بنُ عَلِيٍّ لِأَخِيهِ مِن أبِيهِ وَأُمِّهِ عَبْدِ اللهِ بن عَلِيٍّ: تَقدَّمَ بَينَ يَدَيَّ حَتَّى أراك وأحتَسِبُكَ؛ فَإِنَّهُ لا وَلَدَ لَكَ.
فَتَقَدَّمَ بَينَ يَدَيهِ، وشَدَّ عَليهِ هَانِيُّ بنُ تُبَيتِ الحَضرَمِيُّ فَقتَلهُ(1).
5 - قال الشيخ المفيد «رحمه الله»: فلما رأى العباس «رحمة الله عليه» كثرة القتلى في أهله، قال لأخوته من أمه، وهم: عبد الله، وجعفر، وعثمان يا بني أمي تقدّموا حتى أراكم قد نصحتم الله ولرسوله، فإنه لا ولد لكم، فتقدم عبد الله ، فقاتل قتالاً شديداً، فاختلف هو وهاني بن ثبيت الحضرمي ضربتين، فقتله هانئ «لعنه الله»(2).
1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 320 عن: مقاتل الطالبيين ص88 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 54 وشرح الأخبار ج 3 ص 194 وإعلام الورى ج 1 ص 395 وفيهما «قتل عبد الله وله خمس وعشرون سنة» فقط، وبحار الأنوار ج 45 ص 38 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 282.
2) الإرشاد ج 2 ص 109 وإعلام الورى ج 1 ص 466 وراجع: مقاتل الطالبيين ص 88 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 54 وعن مقتل الحسين للطبراني ص 38 ونظم درر السمطين ص 218 وعن كفاية الطالب ص 298 وعن الدر النظيم ص 557 وإبصار العين ص 67 وأعيان الشيعة ج1 ص499.
6 - قال الشجري: فأرادَ العَبّاسُ أن يَنزِلَ فَقَالَ لَهُ الحُسَينُ: قدّم أَخَوَيكَ بَينَ يَدَيْكَ، وهُما عَبدُ اللهِ وجَعفَرٌ ؛ فَإِنَّهُما ليس لهما وَلدٌ، ولكَ وَلدٌ، حتى تَرتْهُما وتَحتَسِبَهُما.
فَأَمَرَ أَخَوَيهِ، فَنَزَلا، فقائلا حتى قُتِلا، ثُمَّ نَزَلَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ.
قالَ الحَسَنُ: قالَ أبي: وهؤلاء الثلاثة بنو أمّ جَعفَرٍ، وَهِيَ الكِلابيَّة، وهِيَ أُمُّ البَنينَ(1).
عن المفضل بن عمر، عن الإمام الصادق «عليه السلام» - في حديث له عن العباس - قال: ومضى شهيداً ، ووَرَتْ إخوَتَهُ مِن أُمِّهِ، ووَرَتْهُ ابنُهُ عُبَيدُ اللهِ بنُ العَبّاس(2).
7 - ثم قتل العباس بن علي بعد إخوته مع الحسين «عليه السلام»، فورث العباس إخوته ولم يكن لهم ولد وورث العباس ابنه عبيد الله بن العباس.
وكان محمد بن علي ابن الحنفية، وعمر بن علي حيَّيْن، فسلم محمد لعبيد الله بن العباس ميراث عمومته، وامتنع عمر حتى صولح، وأرضي
من حقه(1).
ونقول:
وتظهر الإختلافات للعيان فيما تقدم من نصوص، وتقدم بعضها في الهوامش. ونذكر منها هنا أيضاً ما يلي:
1 - هل قاتِلُ عبد الله بن علي هو هاني بن ثبيت الحضرمي ؟! أو رماه خولي الأصبحي، وأجهز عليه رجل من بني تميم بن أبان بن دارم؟!
2 - هل استشهد للعباس عليه السلام أخوان لأبيه وأمه، وهما: عبد الله وجعفر، كما قال الشجري؟! أو استشهد ثلاثة بإضافة عثمان، كما في سائر المصادر ؟!
3 - هل قاتَلَ إخوة العباس بصورة المبارزة؟! أو أن الخيل تلقتهم وهم في طريقهم إلى الفرات، فاشتبكوا معها، فقتلوا؟!
إن رجز عبد الله بن علي عليه السلام يشبه رجز أخيه جعفر «رضوان الله تعالى عليه». ولكن رجز جعفر تضمن تنويها بما له أي لجعفر - من امتياز في نفسه، حيث وصف نفسه بأنه ذو المعالي.
1) نسب قريش ص 41 ومقتل أمير المؤمنين لابن أبي الدنيا ص 120.
ولكنه وافق رجز عبد الله في وصف علي بالخير، ووصفه بالوصي..
ولكنه یدلِ وصفه بذي النوال بوصفه بذي الفعال، التي هي أشمل وأتم وأكمل وبدَّل وصفي «ذي السنا، والوالي» بأنه «عليه السلام»: سيف رسول الله ذو النكال.
أشارت النصوص المتقدمة إلى أن العباس «رحمه الله»، قال لأخيه عبد الله: تقدم بين يدي حتى أراك، وأحتسبك، فإنه لا ولد لك فتقدم، فاستشهد.
إن العباس قدَّم أخاه جعفراً بين يديه، لأنه لم يكن له ولد، ليحوز ولد العباس بن علي من ميراثه، فتقدم، فاستشهد(1).
وقال أبو الفرج عن العباس بن علي «عليه السلام»: وهو آخر من قتل من إخوته لأمه وأبيه، لأنه كان له عقب، ولم يكن لهم..
فقدمهم بين يديه، فقتلوا جميعاً، فحاز مواريثهم، ثم تقدم فقتل، فورثهم وإياه عبيد الله ونازعه في ذلك عمه عمر بن علي، فصولح على شيء رضي به(2).
وتقدم: أن الشجري يقول: إن الحسين «عليه السلام» هو الذي أمر العباس بذلك لأجل الميراث.
ونقول:
إننا نرتاب في صحة هذه النصوص، مع اعتقادنا: بأن الإمام لا يفوته تدبير الأمور، وإدارة الشؤون بالنحو الأمثل والأفضل، ولا تشغله المصائب والبلايا، والأهوال والرزايا، عن اختيار أنجع الوسائل التي تحفظ حقوق الناس ومصالحهم، وتوصل المواريث إلى من هو أولى، وأحق بها.
وبعدما تقدم نقول:
إن شكنا في هذه النصوص يعود إلى ما يلي:
أولاً: إذا كان إخوة العباس قد استشهدوا وورثهم العباس، لأنه أخوهم للأب والأم معاً، ثم استشهد العباس فورثه ولده عبيد الله، فإنه لا حق لعمر بن علي «عليه السلام» في شيء من ميراث إخوة العباس، لأن العباس هو الذي يرثهم، لأنهم ماتوا قبله. كما أنه لا حق لعمر بما يتركه العباس من ميراث مع وجود أولاد للعباس، بل يكون المال كله لأولاد العباس، فلماذا ينازع عمر بن علي أولاد العباس في إرث أبيهم؟! ولماذا صالحوه على شيء رضي به؟!
وما معنى قول النص المتقدم: فسلم محمد لعبيد الله میراث عمومته، وامتنع عمر، حتى صولح، وأرضي من حقه؟!
فأي حق لعمر في أموال العباس وإخوته؟! لنحتاج إلى رضاه؟!
ثانياً: لماذا اقتصر النزاع ثم إرضاء صاحب الحق على عمر بن علي، مع أن محمد بن الحنفية كان لا يزال حياً، كما أن عدداً من بنات علي عليه السلام كُنّ على قيد الحياة؟ فلماذا لم ينازعن في ذلك الميراث أيضاً ، لكي يتم استرضاء هن بإعطائهن حقهن؟!
ثالثاً: من أين علم هؤلاء الرواة: أن قول العباس لأخيه أو لإخوته: فإنه لا ولد لك، أو لا ولد لكم.. كان لأجل أن يكون هو الوارث لهم، فلعله لأجل تسهيل إقدامهم على الاستشهاد، لأن وجود الولد، يدفع الوالد إلى التشبث بالحياة، رغبة في رعاية أولاده فتخصيص الكلام بالإرث فيه تحكم ظاهر..
رابعاً: قالوا: إن العباس وإخوته قد استشهدوا حين ذهبوا للإتيان بالماء، للحسين «عليه السلام»، فاعترضتهم خيل الأعداء، وجرى القنال، واستشهدوا قبل العباس، ثم استشهد العباس بعدهم فإن كان العباس قد طلب من إخوته أن يتقدموا للحرب، قائلاً لهم فإنكم لا ولد لكم، فتقدموا، فقاتلوا، فاستشهدوا ، ثم استشهد هو أيضاً.
فكيف اطلع هؤلاء الرواة على نوايا العباس حين قال لأخويه هذه الكلمات؟ ومن الذي قال لهم: إن نيته هي الحصول على إرثهم لولده؟! فإن زعموا أن العباس هو الذي أخبرهم بذلك، فيقال لهم: كيف ذلك، وهو قد بقي في ساحة الحرب والقتال، حتى استشهد؟!
خامساً: لعل هدف العباس من تقديم إخوته، هو الاطمئنان عليهم، وإحراز أنهم قد نالوا شرف الجهاد والشهادة ، وهو ما تمنوه لأنفسهم، وما
تمناه هو لهم.
ولعله أراد أيضاً : أن يتأخر هو عن إخوته، لأنه هو صاحب لواء الحسين «عليه السلام» والمطلوب هو إبقاء هذا اللواء العزيز خفاقاً عزيزاً إلى آخر لحظة ممكنة..
فلم يبق إلا ما قاله الشجري، من أن الحسين «عليه السلام» هو الذي صرح للعباس بموضوع الإرث.. ولا ندري من أين أخذ الشجري هذه الرواية؟! وإن كنا لا نمنع من أن يكون الحسين «عليه السلام» قد اراد حرمان أخيه عمر من هذا الإرث لما يعلمه عنه، من أنه غير مستقيم السلوك، وغير سليم النهج، والاعتقاد..
وذكروا في جملة شهداء يوم عاشوراء عثمان بن علي «عليه السلام»:
1 - قال ابن شهر آشوب: ثُمَّ بَرَزَ أخوهُ عُثمَانُ وَهُوَ يُنشد:
إنّي أنا عُثمانُ ذُو المَفاخِر *** شَيخي عَلِيٌّ ذُو الفعال الطاهر
هذا حُسَينٌ سَيِّدُ الأخاير *** وسَيّدُ الصغار والأكابر
بَعدَ النَّبيِّ وَالوَصِيِّ النَّاصِر
رَمَاهُ خَولِيُّ بنُ يَزِيدَ الْأَصْبَحِيُّ عَلى جَنبِهِ، فَسَقَط عَن فَرَسِهِ،
وجَزَّ رَأسَهُ رَجُلٌ مِن بَني أبان بن حازم(1).
(لعل الصحيح بن دارم).
2 - خَرَجَ مِن بَعْدِهِ(2)أخوهُ عُثمانُ بنُ عَلِيٍّ «عليه السلام» - وأمُّهُ أُمُّ البَنينَ بِنتُ حِزام بن خالِدِ بن ربيعة بن الوحيدِ بن كِلابِ العامِريَّة - وهُوَ يَقولُ:
إنِّي أنا عُثْمَانُ ذُو المَفاخِرِ *** شَيخي عَلِيٌّ ذو الفعال الطاهر
وَابْنُ عَمَّ لِلنَّبِيِّ(3)الطَّاهِرِ *** أخو حُسَينِ خَيرَةُ الأخائِر
وسَيِّدُ الكِبار والأصاغر *** بَعدَ الرَّسول وَالوَصِيُّ النَّاصِر
فقاتَلَ حَتَّى قُتِلَ «رحمه الله»(4).
1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 107 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 255 وراجع: مقاتل الطالبيين ص 89) و (ط) المكتبة الحيدرية) ص55 وبحار الأنوار ج 45 ص 37 ،والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 280 ولواعج الأشجان ص 178 ومعجم رجال الحديث ج 12 ص 127.
2) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 322 فقد قال: أي بعد عمر بن علي بن أبي طالب «عليه السلام» كما في المصدر، ولكن عمر بن علي لم يكن حاضراً في كربلاء، وهو ليس من شهداء كربلاء. كما سنرى.
3) في المصدر: «النبي»، والتصويب من المصادر الأخرى.
4) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 113 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 29 وبحار الأنوار ج 45 ص 37 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 281 وعن الدمعة الساكبة ج 4 ص 319.
3 - ورَمَى يَزِيدُ الأَصْبَحِيُّ عُثمانَ بنَ عَلِيٍّ بِسَهِم فَقَتَلهُ، ثُمَّ خَرَجَ إليهِ فاحتَر رَأْسَهُ ، فأتى عُمَرَ بنَ سَعدٍ، فَقَالَ لَهُ: أَثِبني.
فَقالَ عُمَرُ: عَليكَ بأميركَ - يعني عُبَيدَ اللهِ بنَ زِيادٍ - فَسَلَهُ أَن يُثيبَك(1).
4 - عُثمانُ بنُ عَلِيٍّ بن أبي طالب «عليه السلام» - وأمُّهُ أُمُّ البَنينَ أيضاً - قالَ يَحيَى بنُ الحَسَن عَن عَلِيٍّ بن إبراهيمَ، عَن عُبَيدِ اللَّهِ بن الحَسَن و عَبدِ اللهِ بن العبّاس قالا : ُقتِلَ عُثمانُ بنُ عَلِيٍّ وَهُوَ ابْنُ إحدى وعِشرينَ سَنَةٌ.
وقالَ الضَّحَاكُ المِشْرَفِيُّ فِي الإِسنادِ الأَوَّل الذي ذكرناه آنفاً:
إِنَّ خَوَلي بنَ يَزِيدٍ رَمَى عُثمانَ بنَ عَلِيٍّ بِسَهم فَأُوهَطه(2)، وشَدَّ عَلِيهِ رَجُلٌ مِن بَني أبان بن دارم فقتَلهُ وأَخَدْ رَأسَهُ.
وعُثمانُ بنُ عَلِيٍّ الَّذي رُوِيَ عَن عَلِيٍّ «عليه السلام» أَنَّهُ قالَ: إنَّما سَمَّيتُهُ باسم أخي عُثمان بن مظعون(3)
وراجع: شرح الأخبار ج 3 ص 194 وجمهرة النسب ج 1 ص18.
.1) الأخبار الطوال ص 257 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2629 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 687.
2) وَهَط: ضَعُفَ ووَهَنَ راجع القاموس المحيط ج 2 ص392 مادة «وهط».
3) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 323 عن: مقاتل الطالبيين ص89 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 55 والتنبيه والإشراف ص 263 وفيه «وقتل معه من ولد أبيه ستة ... وعثمان» فقط؛ وبحار الأنوار ج 45 ص 37 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 281.
5 - وتَعَمَّدَ خَولِيُّ بنُ يَزِيدَ الأَصْبَحِيُّ عُثمانَ بنَ عَلِيٍّ - وقد قامَ مَقامَ إخوَتِهِ - فَرَمَاهُ بِسَهُم فَصَرَعَهُ، وشَدَّ عَليهِ رَجُلٌ مِن بَني دارم فَاحْتَنَّ رَأسَهُ(1).
ونقول:
إن الرجز الذي قاله عثمان هنا يحمل نفس المضامين تقريباً، التي حملها لنا رجز أخويه عبد الله، وجعفر .. فراجع وقارن.
كما أنه لم يتضمن أي تلميح، أو تصريح بهجاء الأعداء، وليس فيه أثر للكلمات الجارحة .. وليس فيه تهويل، وادّعاء، أو أي شيء مما قد يوضع في خانة الانتفاخات، كما لا أثر فيه للخيالات، ولا
للمبالغات..
1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 323 عن: الإرشاد ج 2 ص 109 وإعلام الورى ج 1 ص 466 والطبقات الكبرى الطبقة الخامسة من الصحابة ج 1 ص 476 وأنساب الأشراف ج 3 ص 407 وكلاهما نحوه، وتاريخ ج3 خليفة بن خيّاط ص178 عن أبي الحسن، وفيه «قتل معه عثمان بن عليّ أمّه أمّ البنين» فقط. وراجع: الدر النظيم ص 557 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 343 والكامل في التاريخ ج 4 ص 76.
ومن الاختلافات في النصوص المتقدمة: تحديد الشخص الذي قتل عثمان بن علي، هل هو خولي بن يزيد الأصبحي؟! أو يزيد الأصبحي ؟!
وهل الذي احتز رأسه هو رجل من بني أبان بن دارم؟! أو حازم؟! أو أن الذي فعل ذلك هو يزيد الأصبحي؟!
تقدم: أن الأصبحي بعد أن احتر رأس الشهيد عثمان بن علي: طلب من عمر بن سعد الجائزة، فقال له: ابن سعد: عليك بأميرك الخ..
وفي هذا النص دلالة على:
1 - أن كل همّ هذا الخبيث هو الحصول على حطام الدنيا. ولو كان ثمن ذلك قتل أولاد الأنبياء والأوصياء، وخيار الأمة، وهداتها..
2 - إن هذا الرجل كان في عجلة من أمره، فيما يرتبط بالحصول على المال.
3 - لعل عمر بن سعد خشي إن أعطاه شيئاً من المال أن يأتيه المئات أو الألوف من المجرمين من جيشه ليطالبوه بأثمان جرائمهم..
ولم يكن يثق بعبيد الله بن زياد أن يعترف له، ويعوّض عليه شيئاً من هذه العطايا هذا إن لم يتعرض للمؤاخذة أو التأنيب على الأقل، لأنه فتح باباً على الطغاة سوف يكلفهم أثماناً باهظة، ويفتح عليهم أبواباً لا
يريدون فتحها..
4 - من المفترض أن يكون هذا الخذلان الإلهي لهذا المجرم عبرة لغيره من شركائه، ومن هم على شاكلته، وأن يعيدوا النظر بمجمل هذه المواقف المخزية، وأن يعرفوا أنهم لا يملكون أي ضمانة لأنفسهم لدى هؤلاء الحكام الجبابرة، بل هم معهم في خطر شديد، وأكيد..
وتقدم: أنه روي عن علي «عليه السلام» أنه قال عن ولده عثمان: إنما سميته باسم أخي عثمان بن مظعون(1).
ونقول:
قد يقول قائل: من المعلوم: أن أبا بكر وعمر وعثمان قد اغتصبوا الخلافة من علي «عليه السلام»، مع أنهم وعشرات الألوف من الصحابة كانوا قد بايعوه بالخلافة والولاية يوم غدير خم قبل استشهاد النبى «صلى الله عليه وآله» بحوالي سبعين يوماً..
وإذا كانوا قد هاجموا بيت الزهراء «عليها السلام»، وهي بنت
1) مقاتل الطالبيين ص 89 و (ط المكتبة الحيدرية سنة 1385هـ) ص55 وقاموس الرجال ج 6 ص 287 عنه ، وبحار الأنوار ج 31 ص 307 و ج 45 ص 37 وتقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي ص294 وإبصار العين في أنصار الحسين «عليه السلام» ص 68 والتنبيه والإشراف ص263 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 281.
النبي «صلى الله عليه وآله» وزوجة الوصي «عليه السلام»، وضربوها. واسقطوا جنينها، وحاولوا إحراق بيتها بمن فيه، واغتصبوا فدكاً منها إلى غير ذلك بما لا مجال للتذكير به..
فكيف يسمي علي «عليه السلام» أبناءه بأسماء هؤلاء المعتدين عليه وعلى زوجته، والمغتصبين لحقه؟!
ألا يدل هذا على محبته لهم، وعلى أن ما يدعى من ظلم صدر منهم في حقه، وفي حق الزهراء غير حقيق بالتصديق؟!
ونجيب:
أولاً: إن تسمية شخص باسم شخص آخر لا يدل على محبته لنفس ذلك الآخر، بل قد يكون ذلك الآخر مكروها لديه، كما لو كان اسم أحد الجباريين عليا أو محمداً، فإن تسمي الجبار به لا يزيل لطافة وعذوبة ذلك الاسم، ولا يحدّ من الرغبة في التسمية به.
فلعله سماه به تبركاً، أو لما له من رنة ووقع محبب ناشئ عن تناسق حروفه، وانسجام حركاته وسهولة النطق به وعذوبة لفظه، وما إلى ذلك.
ثانياً: قد يسمي بعض الناس أولادهم بأسماء بعض ذوي النفوذ والسلطان، أو بعض المتمولين لأجل تفادي بعض المشكلات معهم، او لدفع بعض التهم عن نفسه، أو لاكتساب نفوذ، وموقعية عندهم، أو طمعاً في مال، أو مقام، أو ما إلى ذلك.
ثالثاً: إن هذه الأسماء، وهى: أبو بكر وعمر وعثمان كانت
متداولة وشائعة بين الصحابة ، فلعل تسمية علي «عليه السلام» ولده بعمر كان حباً منه بعمر بن أبي سلمة، الذي كان من خيرة المخلصين له «عليه السلام»، وكان علي يحبه، وكان عامله على البحرين، وعلى فارس..
رابعاً: قال ابن شبة: إن عليا «عليه السلام» قال: ولد لي غلام يوم قام ،عمر، فغدوت عليه، فقلت له ولد لي غلام هذه الليلة.
قال: ممن؟
قلت: من التغلبية.
قال: فهب لي اسمه
قلت: نعم..
قال: فقد سميته باسمي ونحلته غلامي موركاً.
قال: فأعتقه عمر بن علي بعد ذلك، فولده اليوم مواليه(1).
خامساً: بالنسبة لاسم عثمان نقول: تقدم قول علي «عليه السلام» إنه سماه باسم عثمان بن مظعون..
سادساً: بالنسبة لأبي بكر ابن أمير المؤمنين نقول:
1 - قيل: إنها كنية لمحمد الأصغر ، ابن أمير المؤمنين(2).
1) تاريخ المدينة لابن شيبة ج 2 ص 755 وراجع تاريخ مدينة دمشق ج 45 ص 304 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 6 ص 164 وراجع: كتاب الأغاني.
2) الإرشاد ج 1 ص 354 والعمدة لابن البطريق ص30 وتاج المواليد (المجموعة ) ج 1 ص 95 والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص139 وبحار الأنوار ج 42 ص 89 والتنبيه والإشراف ص 258 وإعلام الورى ج 1 ص 396 وكشف الغمة للأربلي ج 2 ص 67 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 1 ص 643.
2 - وقيل: هو كنية لعبيد الله، أو لعبد الله ابن أمير المؤمنين «عليه السلام»(1).
3 - قال أبو الفرج: أبو بكر بن علي بن أبي طالب، لم يعرف اسمه(2).
4 - ليس ثمة ما يدل على أن عليا «عليه السلام» هو الذي كنى ولده بهذه الكنية، فلعله هو الذي أطلق هذه الكنية على نفسه، أو أن غيره كناه ،بها، لسبب أو لآخر..
5 - هذا كله عدا ما قلناه في كتابنا الصحيح من سيرة الإمام علي «عليه السلام»، الجزء الأول، فصل: «الأسماء والألقاب والكنى»، من أن النساء في تلك الحقبة من الزمن كنّ يسمين أبناءهن. وقد ذكرنا شواهد كثيرة لهذا الأمر ، ومنها قول علي «عليه السلام»:
أنا الذي سمتْنِي أُمِّي حَيْدَرَة *** الـخ..
والظاهر: أن الأم كانت تسمي ولدها فور ولادته، وقد يوافق الأب بعد ذلك على تسميتها، وقد يختار له اسماً آخر، برضاها أو بدونه.
فراجع ذلك الكتاب ج 1 ص 143 - 150.
ذكروا العباس الأصغر في جملة شهداء الطف، وقالوا: إن أمه هي لبابة بنت عبيد الله بن العباس(1).
وقد روى القاسم بن الأصبغ المجاشعي، ما ملخصه لما أتي بالرؤوس إلى الكوفة، إذ بفارس من أحسن الناس قد علق لبب فرسه رأس غلام أمرد ، كأنّه القمر ليلة تمامه، فقلت له: رأس من هذا؟
فقال هذا رأس العبّاس بن علي.
قلت: ومن أنت؟
قال: حرملة ..
قال: فلبثت أياماً، وإذا بحرملة ووجهه أشدّ سواداً من القار، فسألته
1) تاريخ خليفة بن خياط ص 179 وتهذيب الكمال ج 20 ص 479 ومستدركات علم رجال الحديث ج 4 ص 351 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 32 ص 679.
عن سبب ذلك، فبكى وقال:
والله منذ حملت الرأس وإلى اليوم ما تمرّ عليَّ ليلة إلا واثنان يأخذان بضبعي، ثمّ ينتهيان بي إلى نار تأجج، فيدفعاني فيها وأنا أنكص ، فتسفعني كما ترى ثم مات على أقبح حال(1).
ونقول:
1 - إن وصف العباس هذا بأنه غلام أمرد، يدل على أنه ليس العباس الأكبر، لأنه لم يكن أمرد، وكان عمره حين استشهد اثنتين، أو أربعا وثلاثين سنة.
2 - إن أمثال هذه الأمور كثيرة الحصول بالنسبة للجبابرة والمجرمين، ويتعذر حصرها والإحاطة بها. فلئن شككنا في بعضها، أو استغربناه، واستبعدناه، فإن تكذيبها جميعها، أمر غير منطقي، ولا مستساغ عند أي عاقل.
ولو أراد أحد ذلك، فإنه يفتح باب التكذيب والإنكار العشوائي، حتى لأبده البديهيات، وأوضح الواضحات.
ولو فتح هذا الباب لم يتيسر لأحد اليقين بشيء من الكرامات للأخيار، والشدائد والبلايا للأشرار في هذه الحياة، بل إن تسويغ ذلك
1) تذكرة الخواص ص 253 وينابيع المودة ج 3 ص 43 و 24 و (ط إسلامبول) ص 330 والصواعق المحرقة ص 195 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 531 و ج 27 ص 399 عن تذكرة الخواص (ط الغري) ص 291 وعن التبر المذاب (نسخة مكتبة المرعشي) ص 100.
ينتهي إلى تشكيك الإنسان بوجود نفسه، وبسلامة عقله.. وبذلك يفقد الناس المعايير والضوابط واليقينيات، ليصير الناس بعد هذا كالأنعام، بل أضل سبيلا..
وذكر: أن إبراهيم بن علي استشهد في الطف أيضاً(1).
لكن أبا الفرج قال: وذكر محمد بن علي بن حمزة: أنه قتل يومئذ إبراهيم بن علي بن أبي طالب، وأمه أم ولد ..
وما سمعت بهذا من غيره. ولا رأيت لإبراهيم في شيء من كتب الأنساب ذكراً(2).
ونقول:
1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 112 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 259 والعقد الفريد ج 5 ص 134 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 53 و (طبعة أخرى) ص 47 ولباب الأنساب ج 1 ص 400 والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 2 ص 6) و (تحقيق الشيري) ج 2 ص 12 ومستدركات علم رجال الحديث ج 1 ص 177 وبحار الأنوار ج 45 ص 63 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 343 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 277.
2) مقاتل الطالبيين ص 91 و (ط المكتبة الحيدرية) ص57 وبحار الأنوار ج 45 ص 39 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 282 وراجع: ينابيع المودة ج3 ص 153.
إن كلام أبي الفرج لا يدل على أن هذا الشخص مخترع، وأن شهادته في كربلاء غير صحيحة.
فإن أبا الفرج لم يطلع على جميع الكتب والمصنفات، ولا رأى أو سمع جميع الروايات.
أمه أم ولد. عد أيضاً في جملة شهداء كربلاء(1).
عد أيضاً في جملة شهداء كربلاء(2).
عده ابن شهر آشوب في جملة قتلى يوم عاشوراء(3).
1) راجع شذرات الذهب ج 1 ص 66 وتاريخ الخميس ج 2 ص 298 ومرآة الزمان ج 1 ص 131 وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 61 هـ) ج 5 ص 21 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 320.
2) تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 61 هـ) ص 61 ومستدركات علم رجال الحديث ج 6 ص 142 وعن معالي السبطين ج 1 ص 429 وعن ناسخ التواريخ ج 2 ص 339 وروضة الأخبار [الأحباب]، وبحر اللآلي.
3) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 112 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 259 وبحار الأنوار ج 45 ص 62.
والمفروض: أن يكون هذا غير جعفر الذي تقدم ذكره، فإن أم هذا كما يقول ابن حبان: هي: ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود، وأم ذاك هي: أم البنين(1).
إلا إذا فرض أنه شخص واحد ، لكنهم اختلفوا في اسم أمه.
عبد الله الأكبر بن علي (علیه السلام):
والكلام في هذا هو عين الكلام في سابقه، ونسجل نحن هنا نفس الملاحظة التي سجلناها حول ذاك(2).
ذكره ابن شهر آشوب أيضاً في جملة شهداء الطف(3).
ولكنه - يعني ابن شهر آشوب - لم يذكر عبد الله المتقدم ذكره، وهو ابن أم البنين كما أنه لم يذكر لنا من هي أم الأصغر هذا. وإنما
1) الثقات لابن حبان ج 2 ص 310 و 311 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 3 ص 676 عن السيرة النبوية وأخبار الخلفاء (ط مؤسسة الكتب الثقافية ودار الفكر في بيروت) ص558.
2) الثقات لابن حبان ج 2 ص 310 و 311 وتهذيب الكمال ج 20 ص 479 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 676 عن السيرة النبوية وأخبار الخلفاء (ط مؤسسة الكتب الثقافية ودار الفكر في بيروت) ص 558 .
3) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 112 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 259.
اكتفى بوصف هذا بالأصغر ، فهل هو يرى أن هذا هو ذاك؟!
ذكر ابن شهر آشوب قاسم بن علي: أنه من شهداء واقعة الطف أيضاً ولكنه ذكره بلفظ: قيل(1).
1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 112 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 259 ومستدركات علم رجال الحديث ج 6 ص 251.
1 - في حديث عن الإمام السجاد «عليه السلام» أنه قالَ: رَحِمَ اللهُ العبّاس! فلقد آثر، وأبلى، وقدى أخاهُ بِنَفسِهِ، حَتَّى قُطِعَت يَداهُ، فَأَبدَلَهُ الله عز وجل بهما جَناحَين يَطِيرُ بِهِما مَعَ المَلائِكَةِ فِي الْجَنَّةِ، كَمَا جَعَلَ لِجَعفر بن أبي طالب، وإنَّ لِلعَبّاسِ عِندَ اللهِ تَبارَكَ وَتَعَالَى مَنزِلةٌ يَعْبِطُهُ بها جَميعُ الشُّهَداءِ يَومَ القِيامَةِ(1).
2 - عن المفضل بن عمر: َقالَ الصَّادِقُ «عليه السلام»: كانَ عَمُّنَا العَبّاسُ نافذ البَصِيرَةِ، صَلبَ الإيمان، جاهَدَ مَعَ أبي عَبدِ اللَّهِ الْحُسَينِ «عليه السلام»، وأبلى بلاءً حَسَناً، وَمَضَى شَهيداً ..
إلى أن قال «عليه السلام»: وَدَمُ العَبَّاس «عليه السلام» فِي بَنِي حَنِيْقَة، وقُتِلَ وَلَهُ أربع وثلاثونَ سَنَة(2).
3 - وكانَ العَبّاسُ يُكنّى أبا قِربَة؛ لِحَملِهِ الماءَ لِأخيهِ الحُسَين «عليه السلام»، ويُقالُ لَهُ السَّقاءُ، وقُتِلَ ولَهُ أربَعٌ وثلاثونَ سَنَةٌ، ولهُ قضائِلُ(1).
4 - العَبّاسُ «عليه السلام» يُقالُ لَهُ السَّقاءُ؛ لِأَنَّ الْحُسَينَ «عليه السلام» طلبَ الماءَ في عَطشِهِ وهُوَ يُقاتِلُ، فَخَرَجَ الْعَبَّاسُ وأخوه(2)، واحتالَ حَمَلَ إِداوَةِ(3)ماءٍ ودَفَعَها إلى الحُسَين «عليه السلام»، فلما أراد الحُسَينُ عليه السلام أن يَشْرَبَ مِن تِلْكَ الإِداوَةِ، جَاءَ سَهُمْ فَدَخَلَ حلقه، فحالَ بَينَهُ وبَينَ ما أرادَ مِنَ الشرب، فاحتَوَشتهُ السُّيوفُ حَتَّى قُتِلَ فَسُمِّيَ العَبّاسُ بنُ عَلِيٍّ «عليه السلام» «السَّقاءَ» لهذا السَّبَبِ(4).
5 - وسُمِّيَ العَبّاسُ «عليه السلام»: السَّقاء، لِأَنَّ الْحُسَينَ «عليه
1) إعلام الورى ج 1 ص 395 وراجع أنساب الأشراف ج2 ص413 و (ط الأعلمي) ج 2 ص 192 وتهذيب الكمال ج 20 ص 479 وفيه «والعباس الأكبر، أبو الفضل، قتل بالطف، ويقال له: السقاء، أو قربة» فقط. وراجع: مقاتل الطالبيين (ط المكتبة الحيدرية) ص 55 وإبصار العين ص58 و 62 وأعيان الشيعة ج 7 ص 429 والمخصص لابن سيده ج4 ق1 ص174.
2) لعل المقصود به الإمام الحسين «عليه السلام نفسه».
3) الإدَاوَة: إناء صغير من جلد يتخذ للماء. راجع النهاية ج 1 ص 33 مادة «أدا».
4) الثقات لابن حبّان ج 2 ص 310 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 676 عن السيرة النبوية وأخبار الخلفاء (ط مؤسسة الكتب الثقافية ودار الفكر في بيروت) ص 558
السلام» عَطِشَ وقد مَنَعوهُ الماء، وأخذ العبّاسُ قِربَةٌ ومَضَى نَحْوَ المَاءِ، وَاتَّبَعَهُ إِحْوَتُهُ مِن وُلدِ عَلِيّ «عليه السلام»: عُثمانُ، وَجَعَفَرٌ ، وعَبدُ اللَّهِ، فَكَشفوا أصحابَ عُبَيدِ اللهِ عَن الماء، ومَلأَ العَبّاسُ «عليه السلام» القِربَة، وجاءَ بها فَحَمَلها على ظهره إلى الحُسين «عليه السلام» وَحدَهُ. وقد قُتِلَ إخوَتْهُ: عُثمانٌ، وجَعفَرٌ ، وعَبدُ اللهِ فِي المَعْرَكَةِ عَلَى المَاءِ(1).
6 - العَبّاسُ بنُ عَلِيٍّ «عليه السلام»، وَلدُهُ [أي الإمام عَلِيٍّ «عليه السلام»] يُسَمّونَهُ السَّقاءَ، ويُكَنّونَهُ أبا قِربَة؛ شَهِدَ مَعَ الحُسَين «عليه السلام» کَربَلاءَ فَعَطش الحُسَينُ «عليه السلام»، فَأَخَذَ قِربَةٌ وَاتَّبَعَهُ إخوَتْهُ لِأَبِيهِ وأُمِّهِ، بَنو عَلِيٍّ وهُم عُثمانُ، وجَعفَرٌ، وعَبدُ اللَّهِ، فَقُتِلَ إخوَتْهُ قبله، وجاءَ بِالقِربَةِ يَحمِلُها إلى الحُسَين «عليه السلام» مملوءة، فشرب منها الحسين «عليه السلام»(2).
7 - لمّا رَأى ذلِكَ العَبّاسُ بنُ عَلِيٍّ «عليه السلام»، قالَ لِإِخْوَتِهِ عَبدِ اللهِ، وجَعفَرٍ، وعُثمانَ بَني عَلِيٍّ «عَليهِ وعَليهِمُ السَّلامُ» - وأُمُّهُم جَميعاً أمُّ البَنينَ العامِرِيَّة مِن آل الوَحيدِ -: تَقدَّموا، ينَفسي أَنتُم فحاموا عَن سَيِّدِكُم حَتى تَموتوا دونَهُ.
فتَقدَّموا جميعاً ، فصاروا أمامَ الحُسَين «عليه السلام»، يَقُونَهُ
بوجوههم ونحورهم.
فَحَمَلَ هانِيُّ بنُ تُوَيب(1)الْحَضِرَمِيُّ عَلى عَبدِ اللَّهِ بن عَلِيٍّ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ حَمَلَ عَلى أخيهِ جَعفر بن عَلِيٍّ، فقتله أيضاً.
ورَمَى يَزِيدُ الأَصْبَحِيُّ عُثمانَ بنَ عَلِيٍّ بِسَهِم فَقَتَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيهِ فاحتَر رَأْسَهُ، فأتى عُمَرَ بنَ سَعدٍ، فَقَالَ لَهُ: أَثِيني.
فقالَ عُمَرُ: عَليكَ بأميركَ - يعني عُبَيدَ اللهِ بنَ زِيادٍ - فَسَلَهُ أَن يُثيبَكَ.
وبَقِيَ العَبّاسُ بنُ عَلِيٍّ «عليه السلام» قائِماً أمامَ الحُسَين «عليه السلام» يُقاتِلُ دونَهُ، ويَميلُ مَعَهُ حَيثُ مالَ، حَتَّى قُتِلَ رَحِمَهُ اللَّهِ عَليهِ(2).
8 - حَمَلْتِ الجَمَاعَة عَلى الحُسَين «عليه السلام» فَغَلَبُوهُ عَلَى عَسْكَرِهِ، وَاشتَدَّ بِهِ العَطش، فَرَكِبَ المُسَاةَ(3)، يُريدُ الفُرات، وبَينَ يَدَيهِ
1) الظاهر أن الصحيح هو ثبيت وثويب تصحيف.
2) الأخبار الطوال ص 257 وراجع تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 448 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 342 والكامل في التاريخ ج 4 ص76 كلاهما نحوه، وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2628 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 687 وراجع: الإرشاد ج 2 ص 109 وإعلام الورى ج 1 ص 466 والدر النظيم ص 556 و 557.
3) المستاة: ظفيرة تبنى للسيل لترد الماء؛ سُمّيت مستاة لأن فيها مفاتح للماء بقدر ما تحتاج إليه ممّا يغلب. راجع: لسان العرب ج 14 ص 406 مادة «سنا».
العبّاسُ ُأخوهُ، فَاعتَرَضَهُ خَيلُ ابن سَعدٍ، وفيهم رَجُلٌ مِن بَني دارم، فَقَالَ لهُم وَيلكُم، حولوا بَينَهُ وبَينَ القُراتِ، ولا تُمَكَّنوهُ مِنَ الماءِ.
فقالَ الحُسَينُ «عليه السلام»: اللهُمَّ أَظْمِئه.
فَغَضِبَ الدّارِمِيُّ ورَمَاهُ بِسَهم فَأَتْبَتَهُ في حَنَكِهِ، فَانتَزَعَ الْحُسَينُ «عليه السلام» السَّهم، وبَسَط يَدَهُ تَحتَ حَنَكِهِ فامتلأت راحَتاهُ بِالدَّمِ، فَرَمَى بِهِ، ثُمَّ قال: اللهُمَّ إنِّي أشكو إليكَ ما يُفعَلُ بابن بنت نَبِيِّكَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلى مَكَانِهِ، وقدِ اشْتَدَّ بِهِ العَطش.
وأحاط القومُ بالعبّاس «عليه السلام» فاقتطعوه عَنهُ، فَجَعَلَ يُقاتِلُهُم وَحدَهُ حَتَّى قُتِلَ «رضوانُ اللهِ عَليهِ».
وكَانَ المُتَوَليَ لِقتلِهِ زَيدُ بنُ وَرَقَاءَ الحَنَفِيُّ، وحَكِيمُ بنُ الطفيل السِّنبسِيُّ، بَعدَ أن أُنْخِنَ بالجراح، فلم يَستَطِع حَراكا.
ونحو ذلك روى ابن طاووس، وقال في آخر كلامه فَبَكَى الحُسَيْنُ «عليه السلام» بُكَاءً شَدِيْدَا(1).
1) الإرشاد ج 2 ص 109 وإعلام الورى ج 1 ص 466 وليس فيه «ذيله من وكان المتولي»، وبحار الأنوار ج 45 ص 50 وراجع مثير الأحزان ص 170 والملهوف ص 170) و نشر أنوار الهدى ص 69 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 292 وروضة الواعظين (منشورات الشريف الرضي) ص188 والدر النظيم ص 557 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 212 عن التبر المذاب ص83.
9 - قال الخوارزمي: ثُمَّ خَرَجَ مِن بَعدِهِ [أي بَعدِ عَبدِ اللَّهِ بن عَلِيٍّ] العَبّاسُ بنُ عَلِيٍّ «عليه السلام»، وأمُّهُ أُمُّ البنين أيضا، وهُوَ السَّقاء، فَحَمَلَ وهُوَ يَقولُ:
أقسمتُ باللهِ الأَعَزّ الأعظم *** وبالحجون(1)صادِقاً وزمزم
وبالحَطيم(2)وَالفنا المُحَرَّمِ *** ليُحْضَبَنَّ اليَومَ جسمي بدمي
دونَ الحُسَين ذِي الفخار *** إمام أهل الفضل وَالتَّكَرُّم
فلم يَزَلْ يُقاتِلُ حَتَّى قَتَلَ جَمَاعَةٌ مِنَ القومِ، ثُمَّ قُتِلَ.
فقالَ الحُسَينُ «عليه السلام»: الآن انكَسَرَ ظهري وقلت حيلتي(3).
10 - قال أبو حنيفة النعمان المغربي: كانَ العَبّاسُ بنُ عَلِيٍّ «عليه «السلام» لمّا مُنِعَ الحُسَينُ «عليه السلام» الماءَ، جَعَلَ يَحمِلُ عَلَى النَّاسِ فيُفرجونَ حَتَّى يَأْتِي الفُرات ويَأْتي بالماء، فيَسقِي الحُسَينَ «عليه السلام»
وأصحابَهُ، فَسُمِّيَ «السَّقاءَ» يَومَئِذٍ.
وقُتِلَ بَينَ الفُراتِ ومَصَرَعِ الحُسين «عليه السلام»، فَتَمَّ قبره، وقطعوا يَومَئِذٍ يَدَيهِ ورجليهِ(1).
11 - قال ابن شهرآشوب وكانَ عَبّاس السَّقاءُ قَمَرُ بَني هاشم، صاحِبَ لِواءِ الحُسَين «عليه السلام»، وهُوَ أكبَرُ الإخوان. مَضى بطلب المَاءِ فَحَمَلُوا عَليهِ، وَحَمَلَ هُوَ عَلَيهِم، وجَعَلَ يَقُولُ:
لا أَرْهَبُ المَوْتَ إِذِ المَوْتُ رَقَى *** حَتَّى أَوَارَى فِي المَصَالِيْتِ(2)لِقا
نفسي لنفس المُصطفى الطهر وقا *** إنّي أنا العَبَّاسُ أعْدُو بالسقا
ولا أخافُ الشَّرَّ يَوْمَ المُلْتَقِى
فَفَرَّقَهُم، فَكَمَنَ لَهُ زِيدُ بنُ وَرقاءَ الجُهَنِيُّ مِن وَرَاءِ نَحْلَةٍ، وعاوَنَهُ حَكِيمُ بنُ طفيلِ السِّنبِسِيُّ، فَضَرَبَهُ عَلَى يَمِينِهِ، فَأَخَذَ السَّيْفَ بِشِمَالِهِ، وَحَمَلَ عَليهِم وَهُوَ يَرْتَجِزُ:
وَاللَّهِ إِنْ قطعْتُمُ يَمِينِي *** إِنِّي أَحَامِي أَبَداً عَنْ دِينِي
وعَنْ إِمَامٍ صَادِقِ اليَقِيْن *** نَجْلُ النَّبيِّ الطاهر الأمين
ققاتَلَ حَتَّى ضَعُفَ، فَكَمَنَ لَهُ الحَكِيمُ بنُ الطَّفَيلِ الطَّائِيُّ مِن وَرَاءِ نَحْلَةٍ، فَضَرَبَهُ عَلَى شِمَالِهِ، فَقَالَ:
يا نفس لا تَخْشَى مِنَ الكُفَّارِ *** وَأبْشري برَحمَةِ الجَبّار
مَعَ النَّبيِّ السَّيِّدِ المُختار *** قد قطعُوا بِبَغيهم يَسَاري
فأصْلِهِم يَا رَبِّ حَرَّ النَّارِ
فقتله الملعونُ بِعَمودٍ مِن حَدِيدٍ.
فلمّا رَآهُ الحُسَينُ «عليه السلام» مصروعاً عَلى شَكٍّ القُراتِ، بَكى وأنشأ يَقولُ:
تَعَدِّيتُمُ يا شَرَّ قومٍ بِفِعَلِكُمْ *** وخالفتُمُ قول النَّبيِّ مُحَمَّدِ
أما كانَ خَيرُ الرُّسُلِ وَصَاكُم *** أما نَحنُ مِن نسل النَّبِيِّ المُسَدَّدِ
أما كانتِ الزَّهرَاءُ أُمِّي دونكُمْ *** أما كانَ مِن خير البرية أحمد
لعنتُم وأخزيتُم بما قد جَنيتُمُ *** فسوف تُلاقوا حَرَّ نار تَوَقَدِ(1)
12 - كانَ الذي وَلِيَ قتل العبّاس بن عَلِيٍّ «عليه السلام» يَومَئِذٍ يَزِيدُ بنُ زِيادٍ الْحَنَفِيُّ، وأخذ سَلْبَهُ حَكِيمُ بنُ َطفَيلِ الطَّائِيُّ، وَقِيلَ: إِنَّهُ شَرِكَ في قتلِهِ يَزيد.
1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 108 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 256 وبحار الأنوار ج 45 ص 40 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 283.
وكانَ بَعدَ أن قُتِلَ إخوَتُهُ عَبدُ اللهِ وعُثمانُ وجَعفَرٌ مَعَهُ قاصِدِينَ المَاءَ. ويَرجِعُ وَحدَهُ بِالقِربَةِ، فَيَحمِلُ عَلى أصحاب عُبَيدِ اللهِ بن زيادٍ الحَائِلِينَ دونَ الماءِ، فَيَقتُلُ مِنهُم، ويضرب فيهم حَتَّى يَتَفَرَّجوا(1)عَن المَاءِ، فَيَأْتِيَ الفرات فيملأ القِربَة ويَحمِلها، ويَأْتِي بِهَا الحُسَينَ «عليه السلام» وأصحابَهُ، فَيَسقِيَهُم حتى تكاثروا عَليهِ، وأوهَنَته الجراحُ مِن النَّبل، فقتلوه كَذلِكَ بَينَ الفُراتِ والسُّرادِق(2)وهُوَ يَحمِلُ الماء، وثَمَّ قبرُهُ رَحِمَهُ اللهُ.
وقطعوا يَدَيهِ ورجليهِ حَنَقا عَليهِ، ولما أبلى فيهم وقتَلَ مِنهُم، فَلِذلِكَ سُمِّيَ السَّقاءَ.
وفيهِ يَقولُ الفَضلُ بنُ مُحَمَّدِ بن الحَسَن بن عُبَيدِ اللهِ بن العَبّاس بن عَلِيٍّ:
أَحَقُّ النَّاسِ أَن يُبكى عَليهِ *** إذ أبكَى الحُسَينَ بِكَربَلاءِ(3).
أخوهُ وَابْنُ وَالِدِهِ عَلِيٌّ *** أبو الفضل المُضَرَّ بالدّماءِ
ومَن واساه لا يَتْنيهِ شَيْءٌ *** وجاءَ لهُ عَلى عَطش بماء(4)
13 - قال أبو الفرج الأصفهاني
وكانَ العَبّاسُ «عليه السلام» رَجُلاً وسيماً جَمِيلًا، يَرِكَبُ الْفَرَسَ المُطهَّمَ(1)ورجلاه تَخُطان في الأرض، وكان يُقالُ لَهُ: قَمَرُ بَني هاشم.
وكانَ لِواء الحُسَين بن عَلِيٍّ «عليه السلام» مَعَهُ يَومَ قُتِلَ.
حَدَّثني أَحمدُ بنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثني يَحيَى بنُ الحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثنا بَكْرُ بنُ عَبدِ الوَهّابِ، قَالَ: حَدَّتْنِي ابْنُ أبي أويس، عَن أَبِيهِ، عَن جَعفَرٍ بن مُحَمَّدٍ، قَالَ: عَبَّا الحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ «عليه السلام» أصحابه، فأعطى
رايَتَهُ أَخاهُ العَبّاسَ بنَ عَلِيٍّ «عليه السلام».
حَدَّثني أَحمَدُ بنُ عيسى، قالَ: حَدَّثني حُسَينُ بنُ نَصِرٍ، قَالَ: حَدَّثنا أَبِي، قالَ: حَدَّثنا عَمرُو بنُ ،شمر، عَن جابر، عَن أبي جعفر «عليه السلام»: أنَّ زيدَ بنَ رُقادِ الجَنبِيَّ، وحَكيم بن الطفيل الطائي قتلا العبّاسَ بنَ عَلِيٍّ «عليه السلام»(2).
14 - عن هشام: قتلهُ [أي العبّاسَ بنَ عَلِيٍّ «عليه السلام»] زَيْدُ بنُ رقادٍ الجَنبِيُّ، وحَكِيمُ بنُ الطفيل السِّنبسى(3).
1) المطهّم: التام كلّ شيء منه على حدته، فهو بارع الجمال. راجع: الصحاح ج 5 ص 1977 مادة «طهم».
2) مقاتل الطالبتين ص 89 و (ط المكتبة الحيدرية) ص56 وبحار الأنوار ج 45 ص 39 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 282.
3) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 336 عن المصادر التالية: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 468 و (ط الأعلمي) ص 358 ومن الغريب أنّ الطبري لم ينقل كيفية شهادة العبّاس في تاريخه وتبعه في ذلك ابن الأثير في الكامل، والطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 475 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 75 وفيه «حكيم السنبسي من طي»، والكامل في التاريخ ج 4 ص 92 وفيه «زيد بن داوود الجنبي»، وتذكرة الخواصّ ص 254 عن هشام بن محمد، والفصول المهمة ص 195 وفيهما قتله زيد بن رقاد الجني» فقط؛ والإختصاص ص 82 وفيه «العبّاس بن عليّ بن أبي طالب، وهو السقاء، قتله حكم بن الطفيل»، والأمالي للشجري ج 1 ص 170 عن زيد بن عليّ بن الحسين، ويحيى بن أمّ طويل، وعبد الله بن شريك العامري، وغيرهم، وفيه «زيد بن رفاد الجني، وحكيم بن الطفيل الطائي السيسي» وراجع مقاتل الطالبيين ص 89 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 56 وبحار الأنوار ج 45 ص 40 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 283.
15 - قالَ بَعضُهُم: قتَلَ حَرمَلة بنُ كاهِلِ الأَسَدِيُّ ثُمَّ الوالِبِيُّ العَبّاسَ بنَ عَلِيٍّ بن أبي طالب «عليه السلام» مَعَ جَمَاعَةٍ، وتَعاوَرُوهُ(1)، وسَلبَ ثِيابَهُ حَكِيمُ بنُ َطفَيلِ الطَّائِيُّ، وَرَمَى الحُسَينَ «عليه السلام» بسَهم فَتَعَلَّقَ بِسر بالِهِ(2).
ورَمَى حَرمَلَهُ بنُ كاهِلِ الوالِبِيُّ عَبدَ اللهِ بن حُسَينِ بِسَهم قَدْبَحَهُ(1).
16 - الْأَسَدِيُّ حَرمَلهُ بنُ الكاهل، الذي جاءَ بِرَأسِ عَبّاس بن عَلِيٍّ بن أبي طالب، وهُوَ قَتَلهُ مَعَ الحُسَين عليه السلام» بالطف(2).
17 - وقال حميد بن أحمد المحلى (الزيدي) عن العباس: «ورموه حتى لم يبق قدر الدرهم من جسده إلا وفيه سهم..»(3).
18 - عن موسى بن عامر: إنَّ المُختار بَعَثَ عَبدَ اللهِ بنَ كَامِل إلى حكيم بن طفيلِ الطَّائِيِّ السِّنبسي، وقد كان أصابَ سَلبَ(4)العباس بن عَلِيّ «عليه السلام»، ورمى حُسَينا «عليه السلام» بسَهم، فكانَ يَقُولُ: تَعَلقَ سَهمي بسربالِهِ وما ضَرَّهُ، فأتاهُ عَبدُ اللهِ بنُ كَامِلٍ فَأَخَدَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ بهِ(5).
19 - قال في عمدة الطالب:
1) أنساب الأشراف ج 3 ص 406 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 201.
2) أنساب الأشراف ج 13 ص 256.
3) الحدائق الوردية ج 1 ص 120.
4) في المصدر: «صلب» بدل «سلب» وهو تصحيف.
5) تاريخ الأمم والملوك ج 6 ص 62 و (ط الأعلمي) ج4 ص533 وأنساب الأشراف ج 6 ص 407 والكامل في التاريخ ج 4 ص 242 كلاهما نحوه؛ وبحار الأنوار ج 45 ص 375 ونهاية الأرب ج 21 ص 31 وأصدق الأخبار ص 66 والبداية والنهاية (ط) دار إحياء التراث ج 8 ص 300 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 3 ص 25 ومدينة المعاجز ج 4 ص 91.
وقد رُوي: أنَّ أميرَ المُؤمِنِينَ عَلِيّا «عليه السلام» قالَ لِأخيهِ عَقِيلٍ - وكانَ نَسّابة عالِماً بأنساب العَرَبِ وأخبارهم -: أنظر إلى امرأةٍ قد وَلدَتهَا الفُحولة مِنَ العَرَبِ، لِأَتَزَوَّجَهَا فَتَلِدَ لي غُلاماً فارساً.
فَقالَ لَهُ: تَزَوَّج أمَّ البَنينَ الكِلابيَّة، فَإِنَّهُ ليسَ فِي العَرَبِ أَشْجَعُ مِن آبائِها فَتَزَوَّجَها.
إلى أن قال: وَاختُلِفَ فِى العبّاس «عليه السلام» وأخيهِ عُمَرَ أَيُّهُما أَكْبَرُ، وَكَانَ ابْنُ شِهَابِ العُكبَرِيُّ، وأبُو الحَسَن الأَشْنَانِيُّ، وَابْنُ خِداع يَروونَ: أَنَّ عُمَرَ أَكْبَرُ.
وشَيحُ الشَّرَفِ العُبيدِلي وَالبَعْدادِيّونَ، وأبُو الغَنَائِمِ العَمْرِيُّ يَروونَ أَنَّ عُمَرَ أَصْغَرُ مِنَ العَبّاس «عليه السلام»، ويُقدِّمونَ وُلدَ العَبّاس عَلَى وُلدِهِ.
وعَقِبُ العَبّاس «عليه السلام» قليل، وأعقببَ مِن ابنِهِ عُبَيدِ اللهِ(1).
عن أبي حمزة الثمالي: قالَ الصَّادِقُ «عليه السلام»: إذا أردتَ زِيارَةَ قبر العباس بن عَلِيٍّ «عليه السلام» - وهُوَ عَلى شَطَ القُراتِ ِبحِذاء الحائر - فَقِف عَلى بابِ السَّقِيفَةِ ... ثُمَّ ادخل وَانكَبَّ عَلَى القبر، وقُل:
السَّلامُ عَليكَ أَيُّهَا العَبدُ الصَّالِحُ المُطيعُ اللَّهِ، وَلِرَسولِهِ، ولأمير المُؤمِنِينَ، وَالحَسَن وَالحُسَين «عليهم السلام»، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَهُ اللهِ
1) عمدة الطالب ص 357.
وبَرَكاتُهُ، ومَغفِرَتْهُ ورضوانه، عَلى روحِكَ وبَدَنِكَ.
أشْهَدُ وأشهدُ اللهَ أَنَّكَ مَضَيتَ عَلى ما مَضَى عَليهِ البَدريونَ وَالمُجاهِدونَ في سَبيل اللهِ ، المُناصِحون له في جهادِ أعدائِهِ، المُبالِغونَ في نُصرَةِ أَولِيائِهِ، الدّابّونَ عَن أحِبّائِهِ، فَجَزَاكَ اللهُ أَفضَلَ الجَزاءِ وأكثرَ الجَزاءِ، وأوفر الجزاء وأوفى جَزاءِ أَحَدٍ مِمَّن وَفِي بِبَيعَتِهِ، وَاسْتَجَابَ لَهُ دَعوَتَهُ، وَأَطاعَ وُلاةَ أُمرِهِ.
وأَشْهَدُ أَنَّكَ قد بالغت فِي النَّصيحَةِ، وأعطيت غايَة المَجهودِ، فَبَعَتَكَ اللهُ فِي الشُّهَدَاءِ ، وجَعَلَ روحَكَ مَعَ أرواح السُّعَداء، وأعطاكَ مِن جنانِهِ أَفْسَحَها مَنزِلاً ، وأفضلها غُرَفاً، ورَفَعَ ذِكرَكَ فِي عِليِّينَ(1)، وحَشَرَكَ مع النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحينَ، وَحَسُنَ أُولئِكَ رفيقا.
أشْهَدُ أَنَّكَ لم تَهن ولم تَنكَّل(2)، وأنَّكَ مَضَيتَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِن أمركَ، مُقتَدِياً بالصَّالِحينَ ومُتَّبعاً لِلنَّبِيِّينَ، جَمَعَ اللَّهُ بَينَنا وَبَينَكَ، وَبَينَ رَسولِهِ وأوليائِهِ في مَنازِل المُحسِنِينَ؛ فَإِنَّهُ أَرحَمُ الرّاحِمِينَ(3).
1) العليّون تعني المنزلة الرفيعة، وتطلق على المكان السامي الذي يحضره المقربون عند الله عز و جل في الجنّة.
2) نكل جبن راجع: الصحاح ج 5 ص 1835 «نكل».
3) كامل الزيارات ص 440 ح 671 ومصباح المتهجد ص725 عن صفوان، وتهذيب الأحكام ج 6 ص 66 والمزار للمفيد ص 122 وفيه «المخبتين» بدل «المحسنين»، والمصباح للكفعمي ص 669 والبلد الأمين ص290 كلاهما نحوه، والأربعة الأخيرة من دون إسنادٍ إلى أحدٍ من أهل البيت «عليهم السلام»، وبحار الأنوار ج 101 ص 277 ح 1 وراجع: المزار لابن المشهدي ص 178 و 389 والمزار للشهيد الأول ص 132 و 279.
ونقول:
في النصوص المتقدمة أمور كثيرة تحتاج إلى بحث وبيان، ونحن نقتصر من ذلك على يسير منها، فلاحظ ما يلي:
قد تحدثنا في كلامنا حول استشهاد عثمان بن علي «رضوان الله تعالى عليه» عن قول عمر بن سعد ليزيد الأصبحي: عليك بأميرك، فسله يثيبك فلا حاجة إلى الإعادة.
يلاحظ: أن الحديث المتقدم عن الإمام السجاد «عليه السلام» يقول عن العباس «رحمه الله»: فلقد آثر وأبلى وفدى أخاه بنفسه، حتى قطعت يداه، فأبدله الله عز وجل جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة، كما جعل لجعفر بن أبي طالب.
ونقول:
في هذا النص إشارات إلى عدة أمور، فلاحظ ما يلي:
1 - إن أول صفة ذكرها عليه السلام» للعباس :هي: أنه قد آثر والإيثار إنما هو إذا كان لدى الشخص شيء هو بحاجة إلىه، فإذا رأى غيره بحاجة إلى ذلك الشيء، فإنه يقدّمه على نفسه، ويبذله له
بطواعية، وطيب خاطر، ورضا ..
فإذا كان العباس «عليه السلام» عطشاناً عطشاً شديداً، ووجد الماء، فإنه إذا بذله إلى عطشان آخر ، وحرم نفسه منه، فهذا إيثار ...
وكذلك الحال فيما لو حرم نفسه من الماء، واحتفظ به ليوصله إلى عطشان آخر، ثم جاهد وقاتل في هذا السبيل حتى قطعت يداه، وتمكن عدوه من تضييع ذلك الماء، ولم يمكّنه من إيصاله إلى من يحب إيصاله إليه، حتى انتهى به الأمر إلى الاستشهاد ، فهذا أيضا من الإيثار، بل هو أعظم مظاهره وأعلى وأجل تجلياته.
وهذا يفسر لنا مغزى وصف الإمام السجاد «عليه السلام» للعباس بثلاث صفات متتابعة فقال:
1 - فلقد آثر.
2 - ثم قال: وأبلى.
3 - ثم قال : ثم فدى أخاه بنفسه.
4 - ثم ذكر عليه السلام ما دل على أن الأمر لم يكن مجرد فورة عارضة، ثم تلاشت بل هو « عليه السلام» قد واصل بذل الجهد حتى قطعت يداه.. ثم انتهى الأمر به إلى الاستشهاد.
ه - إن الإمام السجاد «عليه السلام» ذكر: أن الجناحين اللذين نالهما العباس «رحمه الله» في الجنة كانا بدلاً عن يديه اللتين قطعتا. فجعل الله الجناحين بديلا عن اليدين.. يشير إلى أن ثمة مسانخة، أو مشابهة من نوع ما قد روعيت في هذا العطاء الإلهي.. فإن للجناحين
شبها ما باليدين. ولاسيما من جهة التمكين من الوصول إلى الغايات والحصول على الحاجات، ولعله لهذا السبب تشابهت هذه العطية الإلهية للعباس، مع العطية الإلهية لجعفر بن أبي طالب.
6 - يلاحظ أنه تعالى قد حباه بهذه العطية ليطير مع الملائكة في الجنة، فهو إن أحب الطيران فسيكون رفقاؤه ومؤنسوه هم الملائكة الأبرار، الذين يجد فيهم الخلوص والطهر والصفاء، وكل صفات الخير والرضا والسلامة والسعادة وهم يسبحون في ملكوت الله، وينعمون برضوانه.
وإن أراد أن يستقر في قصور الجنة، مع سكانها، فإن مقامه سيكون في أسمى المراتب مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.
7 - ومن الأمور الجديرة بالملاحظة هنا أن الإمام السجاد «عليه السلام» الذي يعيش في هذه الدنيا، إنما يخبر عما ناله العباس «عليه السلام» من مكافأة ، وما جرى له في ذلك العالم، أعني عالم الآخرة ..
فهو «عليه السلام» يخبر عن يقين، وهو من الصادقين، الذين أمر الله الخلق بأن يكونوا معهم، فقال: (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)(1). فهل قد تلقى علم ذلك عن أبيه، عن جده، عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» عن الله تعالى؟! أو أن الله تعالى قد منحه طريقا للاطلاع على
1) الآية 119 من سورة التوبة.
أمثال هذه الأمور ، ولو في العالم الآخر؟! لا نريد أن ندعي أننا ندري، ولعل الفطن الذكي يدري..
8 - وآخر ما نشير إليه هنا في ما يرتبط بهذا الحديث الشريف عن الإمام السجاد: أنه «عليه السلام» قد قرر:
أن للشهداء منازل في الجنة، تختلف وتتفاوت، ولعل ما ينضم إليها من عناوين مثل الإيثار والبلاء الحسن، والفداء بالنفس، والأهوال التي يواجهها، والآلام التي يتعرض لها، مع نفاذ البصيرة، ودرجة الصلابة الإيمانية، كما في الرواية المتقدمة عن الإمام الصادق «عليه السلام». لعل لهذه الضمائم تأثيراً في إجزال العطايا، ونيل المقامات، والدرجات، والحصول على المزايا.
ذكرت الرواية المتقدمة برقم [4]: أن العباس «عليه السلام» قد جاء بالماء إلى الحسين «عليه السلام»، في إداوة، فلما أراد «عليه السلام» أن يشرب جاءه سهم دخل في حلقه، فحال بينه وبين ما أراد
من الشرب(1).
وراجع الرواية برقم [8]، وثمة نصوص أخرى تفيد ذلك أيضاً.
1) الثقات لابن حبان ج 2 ص 310 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 676 عن السيرة النبوية وأخبار الخلفاء (ط مؤسسة الكتب الثقافية ودار الفكر في بيروت) ص 558.
ولكن رواية أخرى تقدمت برقم [6] تقول: إن الحسين «عليه السلام» قد شرب من الماء الذي جاء به إليه العباس «رحمه الله»(1).
ويبدو لنا: أن الرواية الأخيرة قد خلطت الأمور ببعضها، فهي تتحدث عما قبل يوم عاشوراء، وأن العباس كان قد جاء بالماء إلى الإمام الحسين «عليه السلام» وشرب منه، وقد حمل له الماء على ظهره كما في شرح الأخبار للقاضي النعمان.
ولكنها حين قالت إن إخوة العباس قد استشهدوا، وأن العباس قد جاء بالماء إلى الحسين بعد استشهاد إخوته، فإنها قد خلطت بين أمرين حصلا في وقتين مختلفين، فتكون قد خالفت أكثر النصوص التاريخية فإنها تصرح بأن الحسين ( عليه السلام مات عطشاناً.
وقد بذلت محاولات للإتيان بالماء في نفس يوم عاشوراء، فلم يتم لهم ذلک.
وفي بعض الروايات المتقدمة: أن الحسين «عليه السلام» كان مع العباس ،وإخوته وهم جعفر، وعثمان وعبد الله في محاولتهم هذه، وإن كان الشجري يقتصر على اثنين منهم، هما: عبد الله وجعفر.
فقتل إخوة العباس، ثم قتل العباس، وبقي الحسين وحيداً ..
ولا نرى حاجة إلى التذكير بالاختلافات بين النصوص، الناشئة
1) نسب قريش ص 41 ومقتل أمير المؤمنين لابن أبي الدنيا ص 120.
عن التصحيف أو التحريف، فقد ذكرنا بعض ذلك في الهوامش المتقدمة، والبعض الآخر يظهر للباحث بالمقارنة بين النصوص.
وتقدم: أنه لما قتل العباس «عليه السلام» قال الإمام الحسين «صلوات الله عليه»: «الآن انكسر ظهري، وقلت حيلتي».
ونقول:
1 - هل قوله «عليه السلام»: «الآن انكسر ظهري» للإشارة إلى مقام العباس المتميز من بين سائر إخوته المستشهدين معه في كربلاء، وللتأكيد على ما له من أثر في حفظ المسار الذي رسمه الإمام الحسين «عليه السلام» لحركته الإلهية، لكي يؤدي إلى النتائج المتوخاة منه في دحر الضلال، وتقويض دعائمه، ونشر أعلام الهداية عزيزة خفاقة أبية إلى يوم القيامة؟!
2 - أو أنه يريد أن يشير إلى الأخ الوفي، والشهم الأبي، والسند القوي، الذي يشبه العمود الفقري، الموجب لتماسك سائر الأعضاء، والمعين لها على القيام بوظائفها.
3 - أو أنه يريد أن يشير إلى أن استشهاد العباس «عليه السلام» قد هد حيله، وأفقده القدرة على الحركة، وأشاع الشلل والخمود في أكثر المجالات حيوية ونشاطاً ويشهد لهذا المعنى قوله «عليه السلام»: «وقلت حيلتي». أي أن فقد العباس قلل من فرص ابتكار الخطط القابلة للإجراء، وما من
شأنه أن يفيد في خلق فرص تفيد في ترسيخ نهج الهداية، وفي تقويض نهج الباطل، وتجفيف منابعه.
فالخيار الوحيد المتبقي هو خيار مباشرة الإمام الحسين «عليه السلام» نفسه للقتال الذي لا بد أن ينتهي بالاستشهاد. وفق الخطة التي رسمها «عليه السلام»، وفي الأجواء والمناخات القادرة على رصد جميع الحركات، وتسجيل كل التصرفات، وعرضها أمام كل ناظر وتهيئة الأجواء لانتقالها إلى جميع الأجيال إلى یوم القیامة.
وتقدم في النص رقم [8] : أنه « عليه السلام» حين أصيب بالسهم فى حنكه ، قال: «اللهُمَّ إنِّى أشكو إليكَ ما يُفعَلُ بابن بنتِ نَبِيِّكَ».
فترى أنه « عليه السلام»: لم يقل : أشكو إليك ما يفعل بي. فإن أعداءه قد يوهمون الناس: بأنه « عليه السلام» هو الذي منح السبيل على نفسه، فهم إنما يعاملونه بما يستحق..
كما أنه لو قال ذلك لفهم: أن القضية شخصية بحتة، وليست قضية نهج ودين، وإيمان وكفر.
كما أنه «عليه السلام» لم يقل: ما يفعل بابن علي «عليه السلام». فإن أعداءه قد يوهمون الناس: بأن أباه يستحق العقوبة، ولو بإبادة ذريته، لأنه قتل آباءهم وإخوانهم ومحبيهم في الحروب في عهد رسول الله «صلى الله عليه وآله»، هذا فضلاً عن قتلى حربي الجمل وصفين بعد ذلك.. والعرب يرون: أن لهم الحق بالثأر لأنفسهم من كل
من قتل أحباءهم.
وقد يبررون هذا الانتقام من الحسين «عليه السلام»: بأنه لم يزل على نهج وفكر ورأي أبيه، ولم يزل راضياً ، ومؤيداً له، ومدافعا عنه في كل ما فعل.
وهذا.. وإن لم يقنع أهل الدين والعقل والإنصاف، فإنه يقنع أهل الدنيا، ومن لم يزل يحنّ إلى الجاهلية، ويعيش أجواءها ومفاهيمها، ويحن إلى ما فيها من انفلات، ومن انقياد للأهواء والشهوات..
ويجب أن لا ننسى: أنه «عليه السلام» قد ذكر جده بوصف النبوة، التي تعني الارتباط مع الله سبحانه والإخبار عنه. ولهذه الكلمة تأثيراتها في النفوس، ولاسيما مع إضافة كاف الخطاب إلى كلمة النبي، حيث قال مخاطباً ربه: «ابن بنت نبيك». ولم يقل: ابن بنت النبي.
وقد رأينا: أن أرجاز العباس لا تختلف عن أرجاز إخوته إلا بالتأكيد الشديد على إصراره على ملاقاة الحتوف، دفاعاً عن سيده وأخيه، وإمامه.. بل إمام كل صاحب فضل وكرم..
كما أنها تضمنت ما دل على أنه يرى أن الحرب التي يخوضها إنما تهدف إلى قتل الرسول المصطفى «صلى الله عليه وآله» ورواد نهجه، ودينه من خلال قتل الحسين «عليه السلام» الذي يمثل مبادئه «صلى الله عليه وآله»، ويعمل على حفظها، ونشرها، وهذا ما أشار
إليه «عليه السلام» بقوله:
نفس لنفس المُصطفى
وهو يصرح أيضاً: بأنه إنما يحامي عن دينه، وعن إمام صادق اليقين، وعن ابن النبي الطاهر الأمين، فهو لا يحارب عصبية للقبيلة، ولا حمية لعشيرة، ولا حياء، أو وفاء للأخ بما هو أخ..
هذا كله، عدا تصريحه بكفر أولئك القوم كما تقدم.
وأما الأبيات المنسوبة للإمام الحسين «عليه السلام» التي قالها في مناسبة قتل أخيه العباس، مخاطباً أعداءه كما جاء في النص المتقدم برقم ،[11] فهي إما منحولة له، أو أنها قد تعرضت للتزييف والتحريف في البيتين الثالث والرابع.. وذلك لما فيهما من الإخلال في الناحية الإعرابية في القافية في الشطرين الأخيرين في كلا البيتين.
كما لا معنى لحذف النون من كلمة تلاقون، التي هي من الأفعال الخمسة، مع عدم وجود ما يقتضى حذفها، مثل كلمة لم الجازمة ونحوها..
كما لا معنى لكسر الفعل المضارع، وهو قوله توقد، من دون وجود جازم له، ومن دون حاجة لتحريكه.. إلا على سبيل الإقواء في الشعر، وهو وإن كان جائزاً، إلا أنه يخفف من قيمة ورونق الكلام على الأقل، ويتحاشى الفصحاء الوقوع فيه.
وتقدم أن ثمة اختلافاً في: هل أن العباس «عليه السلام» كان أكبر من أخيه عمر ، أو العكس؟
فقال ابن شهاب العكبري، وأبو الحسن الأشناني، وابن خداع: إن عمر أكبر من العباس..
ونقول:
هذا هو الصحيح، وذلك لما قدمناه من أن بعض النصوص تصرح بأن عمر بن الخطاب هو الذي سمى عمر بن علي، وأعطاه غلامه موركاً.. والعباس «عليه السلام» إنما ولد في عهد عثمان..
وتقدم أن عليا أمير المؤمنين «عليه السلام» قد طلب من أخيه عقيل: أن يختار له امرأة يتزوجها، قد ولدتها الفحول، فتلد له غلاما فارساً. فاختار له أم البنين بنت حزام، أم العباس..
ونقول:
إن لنا مع هذا النص بيانات هي التالية:
1 - ما دمنا نعلم أن علياً عليه السلام لم يكن بحاجة لعلم عقيل بالأنساب، ولا إلى علم غيره، فلماذا إذن طلب منه ذلك؟!
وقد يجاب:
أولاً: إنه «عليه السلام» أراد التنويه بعلم عقيل بالأنساب. وهو
العلم الذي أوجب له عداوات ظالمة من قبل الأمويين وحزبهم. واتهامات باطلة. لأنه عارف بمثالبهم، واقف على نقائصهم.
ثانياً: هذا تعليم هدفه الدلالة على أن على الإنسان العاقل والمتوازن أن يرجع في أموره إلى أهل الخبرة، كما أن على أهل الفضل أن يظهروا فضل أهل الفضل، وأن يكرموهم ويعززوهم. وهذا لا يتعارض مع كون علي عليه السلام كان أعلم من عقيل فيما وكله به، ثم جاء اختيار عقيل مرضياً ،للإمام، وموافقاً لغرضه «عليه السلام».
2 - إن هذا الطلب من عقيل من شأنه أن يؤكد عمليا ما روي عنهم «عليهم السلام» من أن لعامل الوراثة تأثيرا في انتقال الخصائص، والصفات الجسدية والنفسية وسواها من الأسلاف إلى الأخلاف.
3 - هو يشير إلى أن الإمام «عليه السلام» يريد أن يشارك هو الآخر في صنع يوم عاشوراء، بتهيئة عوامل تحقيق الغايات المتواخاة منها.
4 - إنه يدل على أن التهيئة لعاشوراء قد بدأت قبل ولادة يزيد وابن زياد، وقد دلت الروايات المتواترة على أنهم «عليهم السلام» كانوا على علم بها وتفاصيلها.
قال المجلسي «رحمه الله»:
«وفى بعض تأليفات أصحابنا: أن العباس لما رأى وحدته «عليه السلام» أتى أخاه، وقال: يا أخي، هل من رخصة؟!
فبكى الحسين «عليه السلام» بكاءً شديداً ، ثم قال: يا أخي أنت صاحب لوائي، وإذا مضيت تفرق عسكري.
فقال العباس: قد ضاق صدري، وسئمت من الحياة. وأريد أن أطلب ثأري من هؤلاء المنافقين.
فقال الحسين «عليه السلام»: فاطلب لهؤلاء الأطفال قليلا من الماء.
فذهب العباس، ووعظهم ، وحذرهم فلم ينفعهم.
فرجع إلى أخيه، فأخبره، فسمع الأطفال ينادون: العطش، العطش. فركب فرسه، وأخذ رمحه والقربة، وقصد نحو الفرات، فأحاط به أربعة آلاف ممن كانوا موكلين بالفرات. ورموه بالنبال فكشفهم، وقتل منهم - على ما روي - ثمانين رجلاً حتى دخل الماء فلما أراد أن يشرب غرفة من الماء ذكر عطش الحسين وأهل بیته فرمى الماء، وملأ القربة، وقال على ما روي:
يَا نَفْسُ مِنْ بَعْدِ الحُسَيْنِ *** وَبَعْدَهُ لا كُنْتِ أَنْ تَكُونِي
هَذا الحُسَيْنُ وَاردُ المَثون *** وَتَشْرَبَيْنَ بَارِدَ المَعِيْن
تاللهِ مَا هَذَا فِعَالُ دِيْنِي
وحملها على كتفه الأيمن، وتوجه نحو الخيمة، فقطعوا عليه
الطريق، وأحاطوا به من كل جانب، فحاربهم حتى ضربه نوفل الأزرق على يده اليمنى فقطعها، فحمل القربة على كتفه الأيسر، فضربه نوفل فقطع يده اليسرى من الزند.
فحمل القربة بأسنانه، فجاءه سهم، فأصاب القربة، وأريق ماؤها. ثم جاءه سهم فأصاب صدره، فانقلب عن فرسه، وصاح إلى أخيه الحسين أدركني.
فلما آتاه رأه صريعاً، فبكى، وحمله إلى الخيمة»(1).
ونقول:
إن هذه الرواية غير مقبولة، ولا معقولة، لأسباب عديدة:
أولاً: يبدو لنا: أن المؤلف الذي نقل منه العلامة المجلسي «رحمه الله» هذه الرواية كان قد تعرض للتلف الجزئي في بعض أوراقه، ولاسيما في أوله، أو في آخره، أو في كليهما. فلم يستطع هذا العلامة
الجليل تحديد اسم هذا الكتاب ولا اسم مؤلفه.
كما أن الظاهر: أن هذا الحديث قد ذكر في ذلك المؤلف مرسلاً، ولو كان له سند لنقله المجلسي لنا.
وبذلك يظهر: أن الحديث عن سندٍ لهذا الحديث لا مجال له.
ثانياً: إذا كان الإمام الحسين «عليه السلام» - حسب نص الرواية - قد أصبح وحيداً، بعد استشهاد أصحابه وأهل بيته، فكيف يقول الإمام
1) بحار الأنوار ج 45 ص 41 و 42.
الحسين لأخيه العباس: «إذا مضيت تفرق عسكري»، فإنه لا عسكر له، ليصح الحديث عن تفرقه وعدمه!!
ثالثاً: إذا كان العباس راكباً على فرسه كما هو صريح الرواية، فلما لا يجعل القربة على الفرس بين يديه، وما الداعي لحملها على كتفه ؟! ألا يجعلها هذا هدفا للسهام من كل جانب؟!
رابعاً: حين قطعت يمين العباس، فلنا أن نحتمل أنه قد تمكن من تلقي القربة بيده اليسرى، وجعلها على كتفه الأيسر، ولكنه حين قطعت يده اليسرى من الزند، فالمفروض أن تقع القربة والكف معا على الأرض، حيث لم يعد للعباس يد يتمكن من إمساك القربة بها.
على أن النصوص الأخرى تقول: إنهم قطعوا يمينه، فأخذ السيف بشماله، فقطعت أيضاً ، ثم ضربه حكيم بن الطفيل بعمود من حديد(1).
إلا إذا كانت القربة قد سقطت على ظهر الفرس بين يديه، فاحتضنها بهما. ورفعها وأمسكها بأسنانه، ثم ضم اللواء إلى صدره وهو يقول:
ألا تَرَوْنَ مَعْشَرَ القُجَّار *** قد قطعوا بِبَعْيهم يَساري(2)
خامساً: تقول الرواية: إن الحسين «عليه السلام» حمل جسد أخيه إلى
الخيمة، فيرد هنا سؤال: لماذا إذن دفن العباس إلى جانب نهر العلقمي، وفصل عن أخيه، وعن سائر الشهداء بهذه المسافة؟!
وبعدما تقدم نقول:
1 - لا أدري لماذا لم يصب هذا السهم القربة، ويهرق ماءها إلا بعد أن أخذها العباس بأسنانه؟!
2 - نخشى من أن يكون ما نسب إلى العباس، من أنه سئم الحياة وضاق صدره قد أريد به:
أولاً: الإنتقاص من قيمة جهاده، وتضحياته الجسام «صلوات الله وسلامه عليه» من خلال الإيحاء بأن قتاله «عليه السلام» لم يكن بهدف نصرة الدين، بل استجابة لحالة نفسية ألمت به انتهت به إلى السأم من الحياة، والرغبة في الموت، وقد تهيأت الفرصة له لتحقيق مبتغاه.
ثانياً: إن تصريحه بأنه يطلب بقتاله هذا ثأره، قد أريد به الإيحاء بأن القضية بالنسبة إليه شخصية وليست دفاعاً عن إمام.. ومحاماة عن الدين والحق.
3 - وأخيرا.. فإن ما في هذه الرواية، من أن الذي قطع يدي العباس هو نوفل .الأزرق. مخالف لما ورد في سائر المصادر، حيث قالوا: إن الذي قطعهما هو زيد بن ورقاء، وحكيم بن الطفيل(1).
1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 108 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 256 وبحار الأنوار ج 45 ص 40 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 283.
وقال بعضهم: قطعهما حرملة مع جماعة تعاوروه(1).
من اختلف في استشهادهم في كربلاء:
وهناك أشخاص ذكرت بعض المصادر أنهم استشهدوا في كربلاء أيضاً. لكن نصوصاً أخرى نفت ذلك، أو شككت فيه، ومن هؤلاء:
يقال: إن أمه هي أسماء بنت عميس، وقد عدَّه البعض في جملة شهداء كربلاء(2).
لكن أبا الفرج قال: إنه توفي في حياة أبيه أمير المؤمنين «عليه السلام»(3).
وفي بعض المصادر «عبد الله»، بدل عبيد الله. وقد اختلف في حضور كربلاء واستشهاده فيها. وقد ورد السلام عليه في الزيارة الرجبية.
وقال الطبري: إن هشام بن محمد هو الذي قال: إن عبيد الله ابن
النهشلية قد استشهد في كربلاء. وتبعه الشيخ المفيد وآخرون(1).
ولكن هناك آخرون يقولون:
إن عبيد الله ابن النهشلية كان في جيش مصعب بن الزبير، ومن جملة أصحابه. وقد قتله أصحاب المختار بن عبيد الله بالمذار(2).
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 154 و (ط الأعلمي) ج 4 ص118 والإرشاد للمفيد ج 1 ص 355 و ج 2 ص 125 فيه «عبد الله». وقاموس الرجال ج 11 ص 236 وراجع: السرائر لابن إدريس ج 1 ص 656 والكامل في التاريخ ج 3 ص 397 ونهاية الأرب ج 20 ص 221. قال في موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 4 ص 425: لكن في نسختين منه عبيد الله. والتصحيف في مثل هذه الموارد مألوف ومعروف. وتاج المواليد (مطبوع مع مجموعة نفيسة) ص 95 و 108 والمزار للشهيد الأول ص 149 ص95 وإعلام الورى ج 1 ص 396 وعن كشف الغمة ج 2 ص 66 وتهذيب الكمال ج 20 ص 479 والفصول المهمة لابن الصباغ (ط النجف) ص139 وفيه: «عبد الله» وراجع مآثر الإنافة ج 1 ص 118 وتاريخ خليفة بن خياط ص 145 ومناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي ج 2 ص 48 والأبواب (رجال الطوسي) ص 106 ورجال ابن داود ص215.
2) راجع: تاريخ الأمم والملوك ج 6 ص 115 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 118 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 19 و ج 5 ص 118 وأنساب الأشراف ج 2 ص 412) و (ط الأعلمي) ج 2 ص 290 وج6 ص 439 وجمهرة أنساب العرب ص 38 ونسب قريش ص 44 ومقاتل الطالبيين ص 99 و (ط المكتبة الحيدرية) ص84 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 174 وصفة الصفوة ج 1 ص 130 والمجدي ص 17 وإثبات الوصية ص131 والمعارف لابن قتيبة ص 401 وأنساب الطالبيين ص 57 وشذرات الذهب ج 1 ص 75 وتاريخ أهل البيت ص 98 وتاريخ الأئمة (المجموعة) ص 35 وتاريخ مولد العلماء ووفياتهم ج 1 ص 172 و تاريخ مدينة دمشق ج52 ص 132 والأعلام للزركلي ج 4 ص 195 وبحار الأنوار ج 45 ص 39 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 282.
وقد أصر بعضهم على هذا، ورد كلام الشيخ المفيد بشدة(1)، مع أن غيره ممن سبقه ولحقه قد ذهب إلى هذا القول أيضاً، فراجع المصادر التي ذكرناها.
وقال ابن فندق: إن عبيد الله بن علي قتل وهو قريب خمسين سنة، وقتله ابن حريث(2).
1 - قال الخوارزمي: ثُمَّ تَقدَّمَ إخوة الحُسَين «عليه السلام» عازمينَ عَلى أن يُقتلوا من دونِهِ. فَأَوَّلُ مَن تَقَدَّمَ مِنهُم أبو بكر بنُ عَلِيٍّ - وَاسمُهُ عَبدُ اللهِ ، وأُمُّهُ ليلى بنتُ مَسعودِ بن خالِدِ بن ربعي بن مُسلِمٍ بن جَندَل بن نَهشل بن دارم التميمِيَّة - فَبَرَزَ أبو بكر وهُوَ يَقُولُ:
شيخي عَلِيُّ ذو الفخار *** من هاشم الصدق الكريم
هذا الحُسَينُ ابنُ النَّبِيِّ المُرسل *** نذودُ عَنه بالحُسام الفيصل(1).
تفديه نقسِي مِن أخ مُبَجَّل *** يا رَبِّ فَامنحني ثوابَ المُجزَل
فَحَمَلَ عَليهِ زَحْرُ بنُ قيس النَّخَعِيُّ فقتله، وقيلَ: بَل رَمَاهُ عَبدُ اللهِ بن عُقْبَةَ الغَنَوِيُّ فَقتَلهُ(2).
2 - وذكر الطبري وغيره قتل أبي بكر بنُ عَلِيٍّ بن أبي طالِبِ «عليه السلام»، ثم قال: وقد شكٍّ في قتلِهِ(3).
1) فيصل: ماض، وطعنة فيصل: تفصل بين القرنين راجع لسان العرب ج 11 ص522 «فصل».
2) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 314 عن: مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 28 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 112 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 107 و (ط المكتبة الحيدرية ) ج 3 ص 255 كلاهما نحوه، وبحار الأنوار ج 45 ص 36 وراجع: تسمية من قتل مع الحسين ص149 والإمامة والسياسة ج 2 ص 6 والمجدي ص 12 وجمهرة أنساب العرب ص 230 ونظم درر السمطين ص 218 وتاريخ العلماء ووفياتهم ج 1 ص 172 وشذرات الذهب ج 1 ص 66 وتاريخ الخميس ج 2 ص 298 وراجع العوالم الإمام الحسين ج 17 ص 280.
3) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 314 و 315 عن: تاريخ الأمم والملوك جه ص 468 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 358 وراجع ص 153 والكامل في التاريخ ج 4 ص 92 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 112 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 259 وفيه «وأبو بكر شك في قتله» فقط. وبحار الأنوار ج 45 ص 63 والعوالم ، الإمام الحسين ص 343.
3 - ذكر أبو الفرج الأصفهاني أبا بكر بن علي، وأفاض في ذكر أنساب أمهاته، ثم قال:
ذكَرَ أبو جَعفَرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيٍّ بن الحُسَين، وفي الإسنادِ الَّذي تَقدَّمَ: أَنَّ رَجُلاً مِن هَمدان قتَلهُ.
وذكَرَ المَدائِنِيُّ: أَنَّهُ وُجِدَ في ساقِيَةٍ مقتولاً ، لا يُدرى مَن قتله(1).
1 - ذُكِرَ في أولاد أمير المُؤمِنينَ «عليه السلام»: مُحَمَّدٌ الأَصْغَرُ - المُكَنِّى بأبي بكر - وعُبَيدُ اللهِ، الشهيدان مَعَ أَخِيهِمَا الحُسَين «عليه السلام» بالطَّفِّ، أُمُّهُما ليلى بنتُ مَسعودٍ الدّارمِيَّة(2).
2 - عن هشام: قُتِلَ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيٍّ بن أبي طالب «عليه السلام» -
1) مقاتل الطالبيين ص 91 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 57 والطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 476 وفيه «أبو بكر بن عليّ بن أبي طالب، يقال: إنّه قتل في ساقية» فقط، وبحار الأنوار ج 45 ص 37 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 280 وقاموس الرجال ج 11 ص 236.
2) الإرشاد ج 1 ص 354 والعمدة لابن البطريق ص 30 وكشف الغمّة ج 2 ص 67 وإعلام الورى ج 1 ص 396 وراجع: العدد القوية ص 242 ومروج الذهب ج 3 ص 73 ومطالب السؤول ص 62 وتاج المواليد (المجموعة) ص 19 والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص139 وبحار الأنوار ج 2 ص 89 و 90 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 1 ص 643.
وأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ - قَتَلَهُ رَجُلٌ مِن بَني أبان بن دارم(1).
3 - وتَزَوَّجَ [أميرُ الْمُؤمِنِينَ الإمامُ عَلِيٍّ «عليه السلام»] أسماءَ ابنَة عُميس الخَتْعَمِيَّة، فَوَلدَت لَهُ - فيما حُدِّنْتُ عَن هِشَامٍ بن مُحَمَّدٍ - يَحيى ومُحَمَّداً الأصغَرَ ، وقال: لا عَقِبَ لَهُما ...
ويَقولُ بَعضُهُم: مُحَمَّدٌ الأَصْغَرُ لِأُمِّ وَلدٍ وكَذلِكَ قَالَ الواقِدِيُّ في ذلِكَ، وقالَ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ الأَصْغَرُ مَعَ الحُسَين عليه السلام»(2).
4 - عن أبي عبيدة وأبي الحسن: وقُتِلَ مَعَهُ [أي مَعَ الحُسَين بن عَلِيٍّ «عليه السلام»] العَبّاسُ الْأَصْغَرُ ومُحَمَّدُ بنُ عَلِيٍّ الْأَصْغَرُ ابنا عَلِيِّ
1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 342 عن تاريخ الأمم والملوك جه ص 468 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 358 والطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 476 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 76 والكامل في التاريخ ج 4 ص 92 و 76 والمناقب للكوفي ج2 ص 49 وفيه «محمد الأصغر بن علي - أمه أم ولد - قتل مع الحسين «عليه السلام» فقط، وبحار الأنوار ج 45 ص 39 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 282 وراجع مقاتل الطالبيين (ط المكتبة الحيدرية) ص 56.
2) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 154) و (ط الأعلمي) ج 4 ص118 والكامل في التاريخ ج 3 ص 397 وج 4 ص 92 و مناقب آل أبي طالب ج3 ص 304 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 89 وليس فيه ذيله. والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 7 ص 367 وجواهر المطالب ج 2 ص 122 وشرح إحقاق الحق الملحقات) ج 32 ص 676.
بن أبي طالب، أُمُّهُما لبابَة بنتُ عُبَيدِ اللهِ بن العباس.
وقالَ أَبُو الحَسَن: أُمُّهُ أُمُّ وَلدٍ(1). وقيل : أُمُّهُ لُبَابَة بِنْتُ عُبِيدِ اللهِ بنُ العباس.
ولكننا نجد في مقابل ذلك قولهم عن ابن شهر آشوب : يُقالُ: لم يُقتل مُحَمَّدُ الأَصْغَرُ بنُ عَلِيٍّ بن أبي طالِبٍ لِمَرَضِهِ، ويُقَالُ: رَمَاهُ رَجُلٌ مِن بَنِي دارم فقتله(2).
قال ابن أعثم وغيره:
إن عمر بن علي خرج بعد أخيه أبي بكر، فجعل يقول:
أضْرِبُكُمْ ولا أرَى فِيْكُم زُحَرٍ *** ذاكَ الشَّقِيُّ بالنَّبيِّ من كفر
يَا زُخْرُ يا رُحْرُ تَدَانَ مِنْ عُمَر *** لعَلَّكَ اليَوْمَ تَبُوءُ بِسَقر
شرُّ مَكَانِ فِي حَرِيْقِ وَسَعَرٍ *** فإِنَّكَ الجَاحِدُ يَا شَرَ البَشر
ثم حمل على قاتل أخيه (وهو زحر بن بدر النخعي) فقتله.
واستقبل القوم، فجعل يضرب فيهم بسيفه ضرباً منكراً، وهو يرتجز ويقول:
خلُوا عِدَاة اللهِ خَلُوا عَنْ عُمَر *** خلُوا عَن الليْثِ العَبُوس
يَضْرِبُكُم بِسَيْفِهِ وَلا يَفِر *** وَليْسَ فِيْهَا كَالجَبَان المستَجَر
ثم حمل، فلم يزل يقاتل حتى قتل، بعدما عقر فرسه(1).
وعند ابن شهر آشوب: جاء الشطر الأخير هكذا:
يَا زَجْرُ يَا زَجْرُ تَدَانَ مِنْ
ولعل هذا أولى بالاعتماد، لأنه الأنسب بوزن الشعر(2).
غير أن هناك من يقول: إن عمر هذا لم يحضر كربلاء، بل بقي حياً إلى سنة 75 أو 77 للهجرة. ومات بينبع(3).
ويؤيد هذا: ما روي من أنه وفد على الوليد بن عبد الملك ليوليه صدقة أبيه، فلم يعطه الوليد ذلك(4).
1) بحار الأنوار ج 45 ص 37 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 280 وراجع: مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 28 والفتوح لابن أعثم ج ص 112 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 107 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 255. وراجع: تسلية المجالس ج 2 ص 306.
2) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 107 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 255 وسفينة البحار ج 2 ص 272 وراجع عمدة الطالب ص 361.
3) عمدة الطالب ص 362 وراجع سر السلسلة العلوية ص96 وسفينة البحار ج 2 ص 272 وراجع تاريخ الأمم والملوك (ط) الأعلمي ج 4 ص 118 والكامل في التاريخ ج 3 ص 397. والمختصر في أخبار البشر ج1 ص 181.
4) شرح الأخبار ج 3 ص 187 وتاريخ مدينة دمشق ج 45 ص 303 . وراجع: عمدة الطالب ص 99 و 362 وكشف الغمة ج 2 ص 201 والإرشاد للمفيد ص 196 و (ط دار المفيد) ص 23 وبحار الأنوار ج 44 ص 166 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 748 وأعيان الشيعة ج 5 ص 45 والدر النظيم ص 518 والعدد القوية ص354.
ولذلك احتمل بعضهم: أن يكون المقتول مع مصعب هو أخوه عبيد الله.
وزعموا أنه كان آخر من ولد لأبيه من الذكور(1).
غير أننا نقول:
إن هذا لا يتلاءم مع القول بأن عمر هو الذي سماه(2).
وقال غيره: إنه قتل في وقعة المذار مع مصعب بن الزبير سنة سبع وستين(3).
ونلاحظ:
1 - إن هذا القول الأخير لا يتلاءم مع الأقوال في مدة عمره
1) تهذيب الكمال ج 21 ص 469 وعمدة الطالب ص 361 وتاريخ مدينة دمشق ج 6 ص 149 و 150 وج 45 ص 305 وتهذيب التهذيب ج 7 ص 426 و 427.
2) تهذيب الكمال ج 21 ص 469 وتاريخ المدينة لابن شيبة ج 2 ص 755 وراجع: تاريخ مدينة دمشق ج 45 ص 304 وتاريخ الإسلام للذهبي ج6 ص 164 وراجع: كتاب الأغاني (ط دار إحياء التراث العربي) ج 9 ص 181.
3) تاريخ خليفة بن خياط ص203.
2 - قيل: إنه لما بلغه قتل أخيه الحسين «عليه السلام» خرج في معصفرات له، وجلس بفناء داره وقال : أنا الغلام الحازم، ولو خرجت معهم لذهبت في المعركة. وكان أول من بايع عبد الله بن الزبير، ثم بايع بعده الحجاج(1).
وخاصم الإمام السجاد «عليه السلام» في صدقات النبي صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين «عليه السلام» مدعياً أنه أولى منه «عليه السلام» بولايتها فحكم عبد الملك بها للسجاد. فلما خرجا تناول عمر الإمام ،وآذاه، فسكت عنه «عليه السلام» ولم يرد عليه شيئاً(2).
وهذا يدل على أنه كان لا يزال حيا في عهد عبد الملك. كما أن وفادته على الوليد بن عبد الملك تدل على بقائه حياً إلى زمانه.
1) عمدة الطالب ص362 وسر السلسلة العلوية ص 96 وأعيان الشيعة ج 5 ص 45 وتنقيح المقال (ط) حجرية ) ج 2 ص 346.
2) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 343 عن: الإرشاد للمفيد ص 259 و (ط دار المفيد) ص 150 والمجدي في أنساب الطالبيين ص16 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 172 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص308 وإعلام الورى ج3 ج 1 ص 417 وكشف الغمة ج 2 ص 300 والأصيلي ص319 والعقد الفريد ج 3 ص 382 وسير أعلام النبلاء ج 4 ص 485 وتاريخ الإسلام ج 6 ص329 وراجع نسب قريش لمصعب ص 42 وبحار الأنوار ج 46 ص 113 و 121 وج 42 ص 93 و 91 ومستدرك الوسائل ج 14 ص 61.
وقيل: إنه أتى المختار من الحجاز، فطرده المختار، فسار إلى مصعب بن الزبير، فاستقبله في بعض الطريق، فوصله بمئة ألف درهم، فحضر الوقعة، ومات فيها(1).
وذكر هنا شخصان قيل: إنهما من شهداء واقعة الطف، لم نستطع تحديد هويتهما، وهما:
فقد نقل عنه رجز في عاشوراء، ولم يصرح بأنه قتل(2).
عن هشام حَدَّتْني أبو الهُذيل - رَجُلٌ مِنَ السَّكون - عَن هَانِيُّ بن ثبَيتٍ (القابضي) الحَضِرَمِيِّ، قَالَ:
رأيتُهُ جالسا في مجلس الحَضرَمِيِّينَ في زَمَانٍ خَالِدِ بن عَبدِ اللَّهِ -وهُوَ شَيحٌ كَبِيرٌ - قالَ: فَسَمِعتُهُ وَهُوَ يَقُولُ:
كُنتُ مِمَّن شَهدَ قتل الحُسَين.
قالَ: فَوَاللَّهِ إِنِّي ِلواقِفٌ عاشِرَ عَشَرَةٍ، ليسَ مِنّا رَجُلٌ إِلَّا عَلَى
فرَس، وقد حالتِ الخَيلُ وتَصَعصَعَت(1)، إذ خَرَجَ غُلامٌ مِن آل الحُسَين وهُوَ مُمسكٌ يعودٍ مِن تِلكَ الأَبنِيَةِ، عَليهِ إزار وقميص، وهُوَ مَذعور، يَلْتَفِتُ يَمِيناً وشمالاً، فَكَأَتي أنظُرُ إِلى دُرِّتَين في أدُنَيهِ تَذبذبان كُلمَا التَفت، إذ أَقْبَلَ رَجُلٌ يَركْضُ، حَتَّى إِذا دَنا مِنهُ مالَ عَن فَرَسِهِ، ثم اقْتَصَدَ الغُلامَ فَقَطعَهُ بِالسَّيفِ.
قالَ هِشَامٌ: َقالَ السَّكونِيُّ: هَانِيُّ بنُ تُبَيتٍ هُوَ صاحِبُ الغُلامِ، فَلَمّا عُتِبَ عَليهِ كَنِّي عَن نَفْسِهِ(2).
ونقول:
1 - لعل سبب هذا التصرف والتخفى الذي مارسه هاني بن ثبيت هنا، هو: خوفه من التعرض لما حاق بالمجرمين الذين قتلوا الحسين، أهل بيته وأصحابه في كربلاء على يد المختار.
2 - إن المصادر قد عجزت عن الإفصاح عن اسم هذا الغلام
1) تصَعصَعَت: تفرقت. وقيل: تحركت و اضطربت راجع: النهاية ج3 ص 31 مادة (صَعصع».
2) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 449 و (ط الأعلمي) ج4 ص343 ومقاتل الطالبيين ص 118 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 79 والبداية والنهاية ج8 ص 186 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 202 كلاهما نحوه وراجع الكامل في التاريخ ج 4 ص 76 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص31 وبحار الأنوار ج 45 ص 45 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص288.
الذي يستفاد من النص: أنه كان دون البلوغ على أقل تقدير. كما أنها عجزت عن الدلالة على أبيه، أو أحد قرابته القريبة. سوى أنه من آل الحسين.
3 - إن هانئ بن ثبيت الحضرمي مجرم قاس، وخبيث قد قتل يوم عاشوراء عدداً من أصحاب الحسين «عليه السلام» وأهل بيته، وكان أحد الذين رضوا جسد الحسين «عليه السلام» بحوافر خيولهم(1). فلماذا لم يقتله المختار، فبقي حتى صار شيخاً كبيراً، وعاصر خالداً القسري في ولايته التي بدأت سنة .72 وتولى مكة سنة 89 للهجرة. وقيل سنة 91؟!(2).
فهل تمكن من التواري عن عيون المختار طيلة فترة حكمه؟! أو أن أبا الهذيل قد تعمد تحريف الواقعة، فصارت على النحو الذي نقلناه عنه؟!
فإن كان أبو الهذيل قد فعل هذا، فلنا أن نسأله عن السبب في هذا التزوير. مع أن موسى بن عامر يقول عن المختار: «أول من بدأ به الذين وطأوا الحسين «عليه السلام» بخيلهم وأنامهم على ظهورهم، وضرب سكك الحديد فى أيديهم وأرجلهم، وأجرى الخيل عليهم حتى قطعتهم،
وحرقهم بالنار»(1).
4 - قد يكون ما قاله السكوني عن هاني بن ثبيت، من أنه يتحدث عن نفسه، وينسب ذلك إلى رجل مجهول قد استند فيه إلى حدسه، ويحتمل أن يكون اعتمد على دليل خوّله إصدار هذا الحكم الجازم على هانئ بن ثبيت، كأن يكون قد سمع هذا الكلام من هانئ نفسه، أو ممن حضر ما جرى في عاشوراء، وحدَّثه عما جرى للغلام، وسمى له ،قاتله، وهو هانئ بن ثبيت نفسه؟!
1) ذوب النضار ص 118 وبحار الأنوار ج 45 ص 374 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 695 ومدينة المعاجز ج 4 ص 90 وأصدق الأخبار ص 64.
عن زين العابدين «عليه السلام» قال: ضَمَّني والدي «عليه السلام» إلى صَدرهِ يَومَ قُتِلَ وَالدّماءُ تَغلي، وهُوَ يَقُولُ: يا بُنَيَّ، احفظ عَنِّي دُعاءً عَلَّمَتنيهِ فَاطِمَة «عليها السلام»، وعَلَّمَها رَسُولُ اللهِ «صلى الله عليه وآله»، وعَلَمَهُ جَبرَئيلُ «عليه السلام» فِي الحَاجَةِ، وَالمُهمّ، وَالغَمِّ، والنازلة إذا نَزَلت، والأمر العظيم الفادح.
قال: أدعُ بِحَقِّ يس والقرآن الحكيم، وبحَقِّ طَةَ وَالقُرآن العظيم، يا مَن يَقدِرُ عَلَى حَوائِجِ السَّائِلِينَ، يا مَن يَعلَمُ ما فِي الضَّمِيرِ، يا مُنَكِّسُ عَن المكروبينَ، يا مُفَرِّجٌ عَن المَعْمومينَ، يا راحِمَ الشيخ الكبير، يا رازق الطفل الصَّغير، يا مَن لا يَحتاجُ إلى التفسير، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ، وَافِعَل بي كَذا وكذا(1).
ونقول:
1 - لا ضير في تعليم فاطمة (عليها السلام» ولدها الإمام
1) الدعوات للراوندي ص 54 وبحار الأنوار ج 95 ص 196.
المطهر المعصوم هذا الدعاء، كما لا ضير في تعليم الإمام الحسين «عليه السلام» ولده الإمام السجاد «عليه السلام»، ما تعلمه هو من أمه صلوات الله عليها.. ولا ينبغي أن يعد هذا نقصاً في علم الإمام «عليه السلام».
والسبب في ذلك: أن الإمام يتعلم من النبي، أو من معصوم آخر مثله، والإمام الحسين «عليه السلام» قد تعلم هذا الدعاء من أمه في زمن النبي «صلى الله عليه وآله» أو بعد وفاته «صلى الله عليه وآله» في عهد إمامة أبيه علي «عليه السلام». ولم تكن إمامة الإمام الحسين آنئذ قد بلغت درجة الفعلية، لأن فعلية إمامة الحسين «عليه السلام» إنما كانت بعد استشهاد أخيه الإمام الحسن «عليه السلام»، كما أن فعلية إمامة الإمام السجاد تكون من حين استشهاد أبيه الحسين «عليه السلام».
وقد قلنا تحت عنوان: «الإمام السجاد يريد القتال». إن ثمة ما يدل على أن من العلوم ما يعطى للإمام اللاحق حين حضور أجل الإمام السابق كما أنه يتسلم في هذا الوقت بالذات من الإمام السابق مواريث الأنبياء، ومختصاتهم كما رأينا فيما جرى بين الحسين «عليه السلام» وولده السجاد «عليه السلام».
بل يظهر من بعض النصوص: أن الإمام اللاحق إنما يعلم بأنه الإمام في هذه اللحظة أيضاً - أي لحظة حضور أجل الإمام السابق بالذات..
وقد قلنا: إنه ربما كان المقصود بذلك أنه يعلم في هذه اللحظة عدم وجود بداء في هذا الأمر.. وأنه من العلم المخزون في اللوح المحفوظ، أو أم الكتاب.
أي أن علم الإمام اللاحق بإمامته في حال حياة أبيه يكون مأخوذاً من لوح المحو والإثبات. وإنما يعرف أنه هو الثابت في اللوح المحفوظ حين حضور أجل الإمام السابق عليه.
2 - إنه «عليه السلام» أراد أن يهيئ الإمام السجاد لمواجهة اللحظة الأشد والأقسى وهي لحظة نزول الأمر العظيم الفادح، حيث يواجه المعضلات. ويكون عليه هو أن يتولى حلها. فيكون هذا الدعاء هو الكنز والذخر الذي يستفيد منه في مواجهة تلك المصائب والمصاعب، وبه يحل المشكلات.
وتعليم هذا الدعاء على هذا يكون من وسائل إعلام الآخرين: أنه هو المرجع لهم في كل ما ينوبهم، فإن من يكون مرجعا للعترة وأهل البيت، فهو مرجع لسائر الناس بطريق أولى.
وقد ورد في هذا الدعاء قوله «عليه السلام»: يا من لا يحتاج إلى التفسير. فإنه بالرغم من عجز البشر عن إدراك كنه الذات الإلهية، إلا أن هؤلاء البشر العاجزين لا يحتاجون إلى تفسير هذه الحقيقة لهم لتأكيد تعلقهم بها، وترسيخ شعورهم بالحاجة إليها، والطلب منها، إنطلاقاً من
يقينهم بقدرتها المطلقة، وعلمها وغناها المطلق واللامتناهي..
وأنه أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين، وناصر المستضعفين، ومبير الظالمين. وهذا الإدراك العقلي والفطري، والشعور الوجداني، اليقيني الراسخ، مما لا يمكن أن تجده في غير الذات الإلهية. وكفى بهذا آية من آیات عظمته سبحانه لمن ألقى السمع وهو شهيد..
1 - ثُمَّ أَحضَرَ (أي الإمام الحسين «عليه السلام») عَلِيَّ بنَ الحُسَين «عليه السلام»، وكانَ عَليلا، فأوصى إليه بالاسم الأعظم، ومَوَارِيثِ الأنبياء عليهم السلام»، وعَرَّقَهُ: أنَّهُ قد دَفعَ العُلومَ، وَالصُّحُفَ، وَالمَصَاحِفَ، وَالسّلاحَ إِلى أُمِّ سَلَمَةَ «رَضِيَ اللَّهُ عَنها»، وأمَرَها أَن تَدفَعَ جَميعَ ذلِكَ إِليهِ(1).
2 - عن أبي الجارود، عن أبي جعفر [الباقر] «عليه السلام»: إنَّ الحُسَينَ بنَ عَلِيٍّ «عليهما السلام» لمّا حَضَرَهُ الذِي حَضَرَهُ، دَعَا ابْنَتَهُ الكبرى فاطِمَة بنتَ الحُسَين ، فَدَفَعَ إليها كِتاباً ملفوفاً، ووَصِيَّةٌ ظَاهِرَةً - وكانَ عَلِيُّ بنُ الحُسَين «عليه السلام» مبطوناً مَعَهُم، لا يَرَونَ إِلَّا أَنَّهُ لِما بهِ - فَدَفَعَت فاطِمَهُ الكِتابَ إلى عَلِيٍّ بن الحُسَين «عليه السلام»، ثمَّ صارَ - وَاللَّهِ - ذلِكَ الْكِتابُ إلينا يا زياد.
1) إثبات الوصيّة ص177. وراجع : إثبات الهداة ج 5 ص181. وراجع نفس المهموم ص 347.
قالَ: قُلتُ: ما في ذلِكَ الكِتابِ جَعَلْنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ؟
قالَ: فِيهِ - وَاللَّهِ - ما يَحتاجُ إليهِ وُلدُ آدَمَ مُندُ خَلْقَ اللَّهُ آدَمَ إِلى أَن تَفْنَى الدُّنيا، وَاللهِ إِنَّ فِيهِ الحُدودَ، حَتَّى إِنَّ فِيهِ أَرشَ الخَدش(1).
3 - عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر [الباقر] «عليه السلام»: لمَّا حَضَرَ عَلِيَّ بنَ الحُسَين «عليه السلام» الوَفاةُ ضَمَّني إلى صَدرِهِ، ثمَّ قَالَ:
يا بُنَيَّ! أوصيك بما أوصاني به أبي «عليه السلام» حينَ حَضَرَتْهُ الوفاة، وبما ذكَرَ أنَّ أباه «عليه السلام» أوصاه بِهِ، قَالَ: يَا بُنَيَّ، إِيَّاكَ وظلمَ مَن لا يَجِدُ عَليكَ ناصِراً إلا الله(2).
1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 380 عن المصادر التالية: الكافي ج 1 ص 303 ح 1 والإمامة والتبصرة ص 197 وبصائر الدرجات ص 148 و (ط الأعلمي) ص 183 وإعلام الورى ج 1 ص 482 وليس فيه ذيله من «قال: قلت» وفيها بزيادة «ووصيّة باطنة» بعد «ظاهرة»، ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 172 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص308 وليس فيه من وكان علي بن الحسين وراجع: إثبات الهداة ج 5 ص 215 وبحار الأنوار ج 26 ص 35 وج 46 ص 17 والوافي ج 2 ص 342 ومرآة العقول ج 3 ص 320 وقاموس الرجال ج 12 ص 313.
2) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 380 عن المصادر التالية: الكافي ج 2 ص 331 ج 5 والخصال ص 16 ح 59 والأمالي للصدوق ص 249 ح 272 وروضة الواعظين ص 510 و (منشورات الشريف الرضي) ص 465 وتحف العقول ص 246 عن الإمام الحسين «عليه السلام»، وفيه ذيله من «يا بني»، وبحار الأنوار ج 46 ص 153 ح 16 والوافي ج 5 ص 966 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 16 ص 48) و (الإسلامية) ج 11 ص 339 ومرآة العقول ج 10 ص 298 ومستدرك سفينة البحار ج 7 ص 29 وتنبيه الخواطر ج 2 ص 482.
وفي نص آخر: قال يا بُنَيَّ اصبر عَلى الحَقِّ وإن كانَ مُرا(1).
ونقول:
لا بأس بملاحظة ما يلي:
قوله لايرون إلا أنه لما به تعبير عن شدة المرض الذي ألم به.
تقول الروايات المتقدمة: إنه «عليه السلام» أحضر الإمام السجاد - وكان عليلا - فأوصى إليه بالإسم الأعظم، ومواريث الأنبياء.
ونقول باختصار شديد:
المراد: أنه «عليه السلام» صرح له بالإسم الأعظم، وأودعه إياه، وأصبح في عهدته، وفي الروايات ما يدل على أن الاسم الأعظم ثلاثة
1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 380 و 381 عن المصادر التالية: الكافي ج 2 ص 91 ح 13 ومشكاة الأنوار ص 58 67 وكتاب من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 410 ح 5891 عن أبي حمزة الثمالي، وبزيادة «يوف إليك أجرك بغير حساب» في آخره، وليس فيه من «يا بني أوصيك» إلى «أوصاه به». وراجع: بحار الأنوار ج 70 ص 184 ح 52 وج 68 ص 76 ح 10 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 15 ص 237) و (الإسلامية) ج 11 ص 187 ومرآة العقول ج 8 ص 137 ومستدرك سفينة البحار ج 10 ص 352 والعوالم ج 18 ص 297.
وسبعون حرفا، استأثر الله تعالى لنفسه بحرف منها، وأعطى عددا من الأنبياء من حروفه كلا حسب حاجته وربما كان لكل حرف منها خصوصية تأثيرية تميزه عما عداه وأعطى الأئمة الإسم الأعظم أيضاً(1)
بل في بعض الروايات: أن غير الأنبياء أيضا قد يعلمون الإسم الأعظم(2).
1) بحار الأنوار ج 4 ص 210 و ج 9، ص 200 وج 14 ص 114 وج 27 ص 25 و 26 وج 50 ص 176 ومرآة العقول ج 3 ص 35 وينابيع المعاجز ص28 و 30 و 31 وراجع خصائص الأئمة ص 46 و 47 والبرهان (تفسير) ج 6 ص 26 و 27) و (ط مؤسسة البعثة) ج 3 ص 677 وج 4 ص 216 و 217 و 218 و ج 5 ص 127 ونور الثقلين (تفسير) ج4 ص 88 و 89 وكنز الدقائق (تفسير) ج 9 ص 564 و 565 و 566 وكشف الغمة ج 2 ص 408 و ج 3 ص 178 وتأويل الآيات الظاهرة ج 2 ص 489 والعقد النضيد والدر الفريد ص 40 - 42 ومدينة المعاجز ج 1 ص 554 و 555 وج 7 ص 445 وراجع بصائر الدرجات ج 1 ص 408 و 400 و 412 و ط الأعلمي ص 228 و 229 و 230) و (ط أخرى) (ص 203 و 204 و 20 والكافي ج 1 ص 230) و (ط) أخرى) ص 179 و 180 والبرهان (تفسير) ج 6 ص 23 - 27 والإختصاص ص 207 ودلائل الامامة ص 414 و 415 وخصائص الأئمة للشريف الرضي ص 46.
2) راجع: بحار الأنوار ج 22 ص346 وعدة الداعي ص51 وراجع: تاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 1 ص 310 والكامل في التاريخ ج1 ص 202 ،والعبر، وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 1 ص 87 والسنن الكبرى للنسائي ج 6 ص 288 وقصص الأنبياء للراوندي ص176 وتفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 1 ص 139 وج 3 ص 376 والعجاب في بيان الأسباب ج 1 ص 310 والدر المنثور ج 1 ص 95 وفتح القدير ج 1 ص 122 وج4 ص 140 وجامع البيان ج 19 ص 199 وتفسير ابن أبي حاتم ج ص 2886 و 2887 وتفسير الثعلبي ج 7 ص 210 وتفسير الرازي ج 24 ص 197 والدر المنثور ج 1 ص 95 و ج 5 ص 109 وتفسير الآلوسي ج19 ص 203 والنور المبين ص 313 والعجاب في بيان الأسباب ج 1 ج1 ص 310.
ويفهم من الروايات أيضاً: أن هذا الإسم مقطع في أم الكتاب(1)
الدعوات ص316.
. وفي: بسم الله الرحمن الرحيم بل هي أقرب إليه من سواد العين إلى بياضها(2). وهو أيضاً في العديد من السور والآيات الأخرى(3).1) راجع بحار الأنوار ج 89 ص 234 و 381 وج 90 ص 223 و 224 - 232 وثواب الأعمال ص 104 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 6 ص 39 و (الإسلامية) ج 4 ص 733 ومستدرك الوسائل ج4 ص 158 ومهج
2) الوافي ج 8 ص 648 والأمالي للصدوق ص 740 وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 8 وتحف العقول ص 487 وتهذيب الأحكام ج 2 ص 289 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 6 ص 57 و (الإسلامية) ج 4 ص 745 وعدة الداعي ص 49 ومهج الدعوات ص 317 وبحار الأنوار ج 10 ص 395 وج 75 ص 371 و ج 3 ص 162 وج 89 ص 233 و 257 وج 90 ص 223 و 224 و 232 ومستدرك سفينة البحار ج 9 ص 75 ومسند الإمام الرضا ج 1 ص 310 و ج 2 ص 30 وشعب الإيمان ج 2 ص 437 وتفسير العياشي ج 1 ص 21 ومجمع البيان ج 1 ص 50 والبرهان (تفسير) ج 1 ص 95 و 96 و 99 ونور الثقلين (تفسير) ج 1 ص 7 و 8 وكنز الدقائق (تفسير) ج1 ص 17 و 27 وكشف الغمة ج 3 ص 216 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 1083 والنور المبين ص9.
3) بحار الأنوار ج 90 ص 223 و 224 و 231 وراجع: مستدرك سفينة البحار ص223 ج 5 ص 168 والمستدرك للحاكم ج 1 ص 505 و 506 ومهج الدعوات ص 317 وسنن ابن ماجة ج 2 ص 1267 وفتح الباري ج 11 ص 191 وعون المعبود ج4 ص255 والمعجم الأوسط ج 8 ص 192 والمعجم الكبير ج8 ص 183 و 237 ومسند الشاميين ج 1 ص 442 والجامع الصغير ج1 ص 156 وكنز العمال ج 1 ص 451 والفتح السماوي ج 1 ص 343 وفيض القدير ج 1 ص 652.
ويفهم منها: أن للإسم الأعظم ارتباطاً بقضايا التكوين، والتصرفات التي يحتاجها الإمام «عليه السلام» في شؤون الإمامة ومهماتها(1).
أما مواريث الأنبياء، فهي من قبيل عصا موسى وخاتم سليمان،
1) راجع مستدرك سفينة البحار ج 5 ص 167 - 170 وبحار الأنوار ج90 ص 223 فما بعدها وج 41 ص 227 و ج 2 ص 241 ومهج الدعوات 92 ص 316.
وغير ذلك مما له رمزية خاصة، تفيد في تأكيد الدلالة على وراثتهم «عليهم السلام»، الأنبياء السابقين، وامتلاكهم أسرارهم، واضطلاعهم بمهماتهم، وحفظ جهودهم.
وربما كان لهذه المواريث أثر من نوع ما في مجالات بعينها، وربما كان من هذه المواريث كتب الأنبياء وصحفهم، وكل ما هو من مختصاتهم، وذخائرهم التي اختصهم الله تعالى بها.
وعن سبب إيداع الكتب ومواريث الأنبياء عند أم سلمة نقول:
1 - من الواضح أن حمل هذه الذخائر إلى كربلاء لم يكن راجحاً، لاسيما وأن الإمام «عليه السلام» فيما يرتبط بشؤونه الخاصة، لا يتعامل بالوسائل التي تؤدي إلى خرق العادة، وما يصل إلى حد الإعجاز ..
نعم، هو يستفيد من تلك الوسائل إذا احتاج إليها لتأكيد إمامته، أو لأجل القيام بوظائفه، شرط أن يأذن الله تعالى به، حين تمس الحاجة إلى حفظ الدين. ولم يكن في هذه الاستفادة أي نوع من أنواع المصادرة لاختيار الناس، أو فرض الرأي عليهم.
فإذا جاء «عليه السلام» بتلك الذخائر إلى ميدان القتال، فليس له يتصرف في إرادة الأعداء، ولا في أبصارهم، ولا أن يؤثر على حركتهم لمنعهم من نهبها أو إتلافها..
وبذلك يظهر: أن المطلوب هو إبقاء هذه الذخائر بعيدة عن أنظار
الأعداء، وبعيدة عن متناول أيديهم.
2 - كما أن إبقاء الإمام السجاد «عليه السلام» في المدينة، لتكون تلك الذخائر في حوزته يحمل أخطاراً أعظم، وأدهى، لأن هذا ليس فقط يعرض هذه الذخائر للخطر، بل هو يعرض حياة السجاد نفسه للخطر الشديد والأكيد ، ولن يسلم «عليه السلام» بعد خروج أبيه من المدينة من عدوان بني أمية، ومن تنكيلهم، وبغيهم، وربما اتخذوا منه «عليه السلام» رهينة في أيديهم، وقد تصل أيديهم إلى تلك الذخائر، وتتعرض للخطر الشديد والأكيد، وسيحاولون إجبار الإمام الحسين «عليه السلام» على التسليم لهم من خلال تهديد حياة ولده، والإمام من بعده، وسيقتلونه لو لم يسلم الحسين عليه السلام نفسه، ولو سلم الحسين نفسه، فإنهم لن يقتلوا الحسين «عليه السلام»، ويدعوا ولده. بل أظهرت الوقائع أنهم - بسبب شدة حقدهم - سوف يقتلونهما معاً.
3 - ولو أنه «عليه السلام» أودع تلك الذخائر عند أخيه محمد بن علي ابن الحنفية، فإنها تبقى أيضاً في دائرة الخطر، ولاسيما بعد استشهاد الإمام الحسين «عليه السلام» بأيديهم، لأن قتله «عليه السلام» سوف يجعل بني أمية وأشياعهم وسائر رموز الضلال أكثر جرأة على الدماء، وعلى انتهاك الحرمات، وربما بادروا إلى البطش والتنكيل بكل هاشمي، ولاسيما إخوة الحسين «عليه السلام»، وأقاربه.
وهذا ما حدث بالفعل، فقد حدثنا التاريخ عن أنهم سلبوا الحسين «عليه السلام» قبل أن يستشهد وحاولوا نهب رحله، وهو حي،
وهدموا بيوت بني هاشم(1)، ولاحقوهم بكل وقاحة وشراسة في كل اتجاه.
4 - فلم يبق إلا أن يودع هذه الذخائر لدى شخص موثوق، ممن يتحاشون هتك حرمته، لأن ذلك يثير الرأي العام ضدهم، ويوجب انكفاء الناس عنهم، وإضعاف أمرهم. فكانت أم سلمة «رضوان الله تعالى عليها»، التي هي أفضل نساء النبي «صلى الله عليه وآله» بعد خديجة «عليها السلام» هي الخيار الأمثل والأفضل. فهي زوجة رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وهي امرأة مسنة، عاقلة، ولبيبة، وهي من أهل الدين والاستقامة والتقوى، ولها موقعها المميز ومكانتها في الأمة، حيث لم يصدر منها طيلة حياتها بعد الرسول «صلى الله عليه وآله»، أي أمر يمكن أن يؤخذ عليها، كما أن نفس إيداع هذه الأمور لديها يعد تكريماً لها، وإعلاماً بالوثوق التام بها أيضاً..
وقد ورد في الرواية المتقدمة: أن الإمام الحسين «عليه السلام» قد دفع العلوم والصحف والمصاحف، والسلاح إلى أم سلمة.
والمراد بالمصاحف:
1) وإنما أعاد الإمام السجاد «عليه السلام» بيوت بني هاشم حين أرسل إليه المختار الثقفي عشرين ألف دينار لهذا الغرض.
1 - المُصحف الذي كان خلف فراش رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد أخذه علي «عليه السلام»، وربَّبه، وجمعه، وقد كتب التنزيل والتأويل، والناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، وأين نزلت الآية، وفى من نزلت، وغير ذلك.
2 - مصحف فاطمة «عليها السلام»، وفيه وصيتها، وما يجري على ولدها، وغير ذلك.
والمراد بالصحف: صحف إبراهيم وموسى وغيرهما من الأنبياء.
ولعل المراد بالعلوم: هو الجفر الذي فيه كتب العلوم - ومن جملتها: الجامعه وكتاب علي، وقضاء علي عليه السلام»، والتوراة والإنجيل، وصحف إبراهيم وموسى وزبور داود، وغير ذلك..
والمراد بالسلاح: سلاح رسول الله «صلى الله عليه وآله»..
أما رواية أبي الجارود عن أبي جعفر الباقر «عليه السلام»، فلا تعارض رواية إثبات الوصية التي سبقتها، فإن الوصية الظاهرة لا تتعارض مع إيداع العلوم والصحف والمصاحف والسلاح عند أم سلمة.
ولعل المراد بالعلوم هو الجفر والجامعة، وكتب علي «عليه السلام»، وغير ذلك.
أما رواية أبي الجارود، فهي تتحدث عن وصية الإمام، ولعلها
الوصية التي ترتبط بالأموال، والصدقات، والوقوف، والأمانات والديون، وغيرها من الأمور الخاصة، كما أنه قد كان من الضروري أن يرى الناس كل الناس أنه عليه السلام» لم يمت بغير وصية، حتى في مثل هذا الظرف العصيب، الحافل بالمصائب والبلايا.
وأما الكتاب الملفوف، فلم تحدده لنا الرواية، غير أننا نقول:
ليس بالضرورة أن يكون هو نفس الكتاب الذي يفترض أن يودعه عند أم سلمة، فلعله نسخة أخرى عن كتاب الجامعة، أو الجفر، أو أي كتاب آخر، أراد «عليه السلام»: أن يعرف الناس من أهل بيته:
أولاً: بأن له علوماً خاصة به، لم يطلع عليها سائر الناس.
وثانياً لعله أراد للناس أن يعرفوا أن موضع سره، والمؤتمن على الأمور بعده هو ولده السجاد «عليه السلام».
ويأتي هنا سؤال عن سبب اختياره ابنته فاطمة لحمل هذه الأمانة، دون أخته زينب، مع أن زينب «عليها السلام» الأفضل والأعلم، والأكمل في سائر ميزاتها وهي صاحبة المكانة الأرفع والأولى بالرعاية..
ويمكن أن يجاب:
بأن لزينب مكانة وموقعاً ودراية، وفضلاً وقيمة عظيمة، فهي بنت علي والزهراء «عليهما السلام»، غير أنها تبقى محط الأنظار، وإليها تشخص الأبصار، ويراقب الأعداء وغيرهم كل حركة منها، وأية لفتة
تصدر عنها، ويتوقعون أن تكون هي حافظة الأسرار، والمؤتمنة على كل ما جرى ودار.
وتبقى فاطمة بنت الحسين أبعد عن خطرات الأوهام، وأقل تعرضاً لمراقبة العيون وإن كانت هي الأخرى تواجه الخطر، واحتمالات الضرر، ولكن بصورة أقل.
وهنا سؤال آخر يقول:
إن الإمام السجاد «عليه السلام» كان حاضراً بنفسه في كربلاء، فلماذا لم يسلم أبوه الكتاب والوصية إليه مباشرة؟! وما الحاجة إلى توسيط الآخرين.
ويجاب:
بأن العادة تقضي بأن تتوجه أنظار الأعداء بعد استشهاد الإمام الحسين «عليه السلام» إلى الإمام السجاد «عليه السلام»، لأنه رجل وليس امرأة، ولأن الجرأة عليه أقوى وأشد ، ولأنه الوحيد الذي سَلِمَ من القتل.
أما النساء، فهناك حاجز من الأعراف والعادات وسواها يمنع الأعداء من الإمعان في استقصاء البحث في الخفايا، وكشف الكثير من ما هو مستور..
عن محمد بن مسلم، قال: سألت الإمام الصادق جعفر بن محمد «عليهما السلام» عن خاتم الحسين بن عليّ «عليهما السلام» إلى من
صار؟ وذكرت له أنّي سمعت أنّه أخذ من إصبعه فيما أخذ.
قال «عليه السلام»: ليس كما قالوا إنّ الحسين «عليه السلام» أَوْصَى إِلَى ابْنِهِ عَلِيّ بْن الحُسَيْن «عليهما السلام»، وَجَعَلَ خاتَمَهُ في إصْبَعِهِ، وَفَوَّضَ إِلَيْهِ أَمْرَهُ، كما فعله رسول الله «صلى الله عليه وآله» بأمير المؤمنين «عليه السلام»، وفعله أمير المؤمنين بالحسن، وفعله الحسن بالحسين «عليهم السلام».
ثمّ صار ذلك الخاتم إلى أبي «عليه السلام» بعد أبيه، ومنه صار إليّ، فهو عندي، وإنّي ألبسه كل جمعة وأصلي فيه.
قال محمد بن مسلم فدخلت إليه يوم الجمعة وهو يصلي، فلمّا فرغ من الصلاة مدّ إليّ يده، فرأيت في إصبعه خاتماً نقشه: لا إله إلا الله عدّة للقاء الله ، فقال: هذا خاتم جدّي أبي عبد الله الحسين بن عليّ
«عليهما السلام»(1).
ونقول:
1 - يبدو من سياق الرواية : أن الإمام «عليه السلام» كان يريد تكذيب الزعم الذي يقول: إن الذي سُلِبَ من الإمام «عليه السلام» يوم عاشوراء هو خاتم الإمامة، وهو الخاتم الذي يكون انتقاله إلى الإمام اللاحق حين حضور أجل الإمام السابق، فمن حاز هذا الخاتم عُلِمَ أنه
1) بحار الأنوار ج 43 ص 247 و 248 وج 46 ص17 والأمالي للصدوق ص 207 و 208 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 30 و 31.
امام.
فإذا كان خاتم الإمامة قد سلب من الإمام الحسين يوم عاشوراء، فادّعاء الإمام السجاد والإمام الباقر، والصادق «عليهم السلام»، والذين من بعده يكون بغير وجه حق.
فأراد الإمام الصادق «علیه السلام» بيان بطلان هذا الزعم، موضحاً أن الخاتم الذي استولى عليه ذلك المجرم، وهو بجدل بن سليم الكلبي، وقطع أصبعه «عليه السلام»، وهو يحاول استخراجه منها(1)ليس هو خاتم الإمامة، بل هو خاتم آخر كان «عليه السلام» يتختم به بالإضافة إلى عدد آخر من الخواتيم.
2 - رأينا: أن محمد بن مسلم لم يزد على طلب معرفة الشخص الذي أصبح ذلك الخاتم بحوزته وكان الإمام الصادق «عليه السلام» هو الذي توسع في الجواب، مصرحاً بأن ثمة من يزعم أن ذلك الخاتم
1) راجع: مثير الأحزان ص 76 و 177 و (المطبعة الحيدرية سنة 1369هـ) ص 58 وبحار الأنوار ج 45 ص 57 و 58 و 376 ومدينة المعاجز ج 4 ص 78 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 301 وذوب النضار ص123 وشجرة طوبى ج 2 ص 423 والملهوف (نشر أنوار الهدى) ص76 ولواعج الأشجان ص 193 وأصدق الأخبار للسيد محسن الأمين ص77 وموسوعة الإمام الحسين ج 5 ص 11 و 12 وراجع شرح الأخبار ج3 ص 164 وعن تذكرة الخواص ص 253 وفي الفتوح لابن أعثم ج 6 ص 244 بحر بن سليم الكلبي.
هو خاتم الإمامة، والحال أن هذا الزعم باطل. ولذا قال «عليه السلام»: «ليس كما قالوا».
3 - كان بإمكان الإمام «عليه السلام» أن يريه ذلك الخاتم في نفس تلك الجلسة، ولكنه اكتفى بالإلماح إلى أنه «عليه السلام» يلبسه كل يوم جمعة. وكأنه لم يرد أن يفتح باباً على نفسه وعلى الأئمة بأن يطالبهم الناس بإظهار ذخائر الإمامة لهم، وإرائتهم إياها، فإن ذلك يحمل معه محاذير لا يريدون أن يتعرضوا ، أو يعرضوا شيعتهم لها.
4 - فلما حضر يوم الجمعة أراه «عليه السلام» ذلك الخاتم، ونسبه إلى الإمام الحسين «عليه السلام»، ولم ينسبه إلى أي من آبائه الطاهرين «عليهم السلام»، ولا إلى النبي «صلى الله عليه وآله».. كل ذلك من أجل أن يبطل زعم المبطلين، ويؤكد على أن الإمامة لم تنقطع باستشهاده «عليه السلام» بسبب الخاتم المسلوب.
وتقدم أن الوصية الشفهية عن الحسين للسجاد «عليهما السلام» تمثلت بأمرين، وكلاهما يكون الحسين والسجاد «عليهما السلام» معاً من أوضح مصاديقهما:
الأول: قوله: إياك وظلم من لا يجد عليك ناصراً إلا الله .. والحسين «عليه السلام» قد ظلم، ولم يجد ناصراً على ظالمه إلا الله تعالى، بالرغم من أنه قد كرر نداءاته في تلك الجموع: ألا هل من
ناصر ينصرنا؟! ألا هل من مغيث يغيثنا؟!
وها هو السجاد «عليه السلام» يواجه هذا الظلم الشديد، ولا يجد ناصراً على ظالميه إلا الله تعالى.
الثاني: أنه أمره بالصبر على الحق، وإن كان مرا.. والحسين «عليه السلام» قد جسد هذا الصبر الذي لا شيء أمر منه، بسبب كل هذه المآسي، وواجه كل تلك الأهوال محتسباً أجره على الله، ولم يهن،
ولم ينكل، ولم يزده ذلك إلا إصراراً على موقفه، وتعلقاً بمبادئه، ووفاء للحق وأهله، وصدقاً لما عاهد الله تعالى عليه.
وهذا بالذات ما كان من الإمام السجاد، حرفاً بحرف، وكلمة بكلمة.
عن الإمام زين العابدين «عليه السلام»: «نظر الحسين «عليه السلام» يميناً وشمالاً ولا يرى أحداً، فرفع رأسه إلى السماء، فقال: أللهُمَّ إِنَّكَ تَرى ما يُصْنَعُ بِوَلدِ نَبِيِّكَ»(1).
ونقول:
1 - لم يقل الإمام الحسين «عليه السلام»: «إنك ترى ما يصنع بي»، أو «بنا»، لكي لا يفهم الناس أنه غاضب لنفسه كشخص، بسبب الآلام التي يواجهها بل هو غاضب لأن المستهدف هو ولد النبي، لأنهم ولد النبي وخصوصاً النبي محمد، الذي يرون أن مشكلتهم كانت ولا تزال معه وبسببه.
ولكن بما أنهم يدركون أنهم لا يستطيعون الجهر بهذا الأمر، فقد راحوا ينتحلون الذرائع والأسباب، وربما بدونها لينتقموا منه «صلى
1) الأمالي للصدوق ص 226 وبحار الأنوار ج 44 ص 321 وروضة الواعظين (منشورات الشريف الرضي) ص 189 والعوالم الإمام الحسین ج 17 ص 171.
الله عليه وآله» بالإساءة إلى ولده والسعي في إبادتهم، واستئصالهم. فكانت فجائع عاشوراء هي ذروة هذه المساعي الحثيثة، والخبيثة، التي لم تتوقف إلى يومنا هذا..
2 - إن رفع رأس الإمام الحسين «عليه السلام» إلى السماء، ليناجي ربه بهذه الكلمات لا يعني أنه يرى أن الله تعالى في مكان.. بل هو على سبيل إظهار التعظيم لمقام العزة الإلهية، وإظهار رفعة شأنها
بمثل هذا التصرف الذي يمارسه كل عابد وداع، وطالب حاجة.
3 - إنه «عليه السلام» قد اكتفى بهذا الخطاب مع الله تعالى، ولم يطلب منه شيئاً محدداً ، وكأنه يريد أن يقول: إن أمر هؤلاء القوم في بغيهم وخبثهم، وبشاعة جرائمهم أظهر من الشمس، وأبين من الأمس.
وإذا كان الهدف هو النبي الأعظم في ولده، فإن نبوته تعني: أن صلته بالله هي صلة الرضا والمحبة والاعتماد، والصدق، والوفاء، وكل المعاني الحميدة.
ولأجل ذلك نلاحظ أنه «عليه السلام» قال: «بولد نبيك» مع کاف الخطاب، ولم يقل: «بولد النبي».. ربما ليشير إلى أن من الطبيعي أن يكون الله تعالى هو الذي يتولى عقوبة هؤلاء المجرمين المعتدين على نبيه..
كما أن هذا يشير إلى الوجه في أنه لم يقل هنا: «ولد رسولك»، لأن النبوة، كما قلنا تستبطن القريبية والحبيبية له تعالى..
أما كلمة «الرسول»، فربما يفهم منها: مجرد معنى الاعتماد، والأمانة في الإبلاغ أما سائر المزايا فربما يغفل عنها، بل ربما ينكرها، أو يناقش فيها، أو يتغافل عنها بعض من لا يروق له تعظيم النبي «صلى الله عليه وآله» ورفعة شأنه عند الله، وعند الناس..
1 - لمّا رَأى الحُسَينُ «عليه السلام» مَصارِعَ فِتِيانِهِ وَأَحِبَّتِهِ، عَزَمَ على لِقاء القوم بمُهجَتِهِ ونادى هَل مِن ذابٌ يَدُلُّ عَن حُرَمِ رَسُولُ اللَّهِ؟ هَل مِن مُوَحّدٍ يَخافُ الله فينا؟ هَل مِن مُغِيثٍ يَرجو الله بإغاثتِنا؟ هَل
مِن مُعين يرجو ما عِندَ اللهِ في إعانَتِنا؟
فارتفعت أصواتُ النّساءِ بالعويل(1).
2 - أما ابن نما، فيقول:
عن حميد بن مسلم فلمّا رأى الحُسَينُ «عليه السلام» أَنَّهُ لم يَبقَ مِن عَشيرَتِهِ وأصحابهِ إِلا القليلُ، فَقامَ ونادى هَل مِن ذَابٌ عَن حُرَمٍ رسول اللهِ ؟ هَل مِن مُوَحّدٍ ؟ هَل مِن مُغيث؟ هَل مِن مُعين؟
فَضَجَّ النَّاسُ بِالبُكاءِ(2).
ونقول:
قد تكلمنا في هذا الكتاب عن مضامين ومرامي هذه الاستغاثة، ولذا فنحن نكتفي هنا بما يلي:
1 - قلنا أكثر من مرة: إن هذه الاستغاثات المتكررة التي صدرت من الإمام الحسين «عليه السلام» لا تعني الانهزام أو الضعف، بدليل: أنه «عليه السلام» بالرغم من الأهوال التي مرت به، والفجائع التي عاينها، وتفاعل معها، والآلام والشدائد التي يعاني منها، فإنه لم يتراجع عن موقفه، ولا حاد عن النهج الذي رسمه لنفسه، بل إن ما جرى ويجري قد زاده بصيرة في أمر عدوه، وأوضح لكل أحد صوابية موقفه هذا ، الذي أصر عليه إلى النهاية بل ظهر بما لا يقبل الشك أن أي تراخ أو تراجع عن الموقف، سيعود بأعظم الضرر على الدين وأهله وسيمكّن أعداء الدين من تحقيق ما يصبون إليه، والوصول إلى ما عقدوا العزم عليه ..
2 - قد يقال : إن النص الثاني المنقول عن ابن نما لا يتوافق مع سابقه، لأنه يقول: إن هذه الاستغاثة قد حصلت في وقت كان قد بقي معه القليل من أصحابه وعشيرته، وظاهر النص الأول: أنها قد حصلت بعد أن رأى مصارع فتيانه وأحبته.
ويجاب:
أولاً: بأن النص الأول لا يتعارض مع الثاني، لأن أكثر أصحابه وأهل بيته وعشيرته قد قتلوا، ورأى «عليه السلام» مصارعهم.. وليس في النص الأول ما يفيد أنه يقصد مصارع جميعهم..
ثانياً: لعله «عليه السلام» قد استغاث وهو يرى مصارع أصحابه وأهل بيته مرتين فكل واحد من النصين يتحدث عما لم يتعرض له الآخر، وقد يستشهد لصحة هذا الاحتمال بالاختلاف الظاهر بين النصين في كلمات الاستغاثة، وفيما اكتنفها من حالات..
أضاف بعض الإخوة الأكارم هنا قوله:
ويؤيد ذلك: أن الراوي قال في الأولى: «ارتفعت أصوات النساء»، وفي الثانية: «ضجّ الناس». فلعل الأولى كانت قرب الخيم وبكى لها النساء خاصة، أو هنَّ وبعض عسكر العدو، بحيث لا يكون أمراً ملفتاً، ولم ينقله الراوي، بينما الثانية كانت الأخيرة الوداعية، وكان لها ظروف خاصة، ولعلها خرجت منه « عليه السلام بلحن خاص فضح له كل الناس عامة بالبكاء.
التَفَتَ الحُسَينُ «عليه السلام» عَن يَمينِهِ وشِمَالِهِ، فلم يَرَ أَحَداً مِنَ الرِّجالِ، فَخَرَجَ عَلِيُّ بنُ الحُسَين «عليه السلام»، وهُوَ زَينٌ العابدين «عليه السلام» - وهُوَ أَصْغَرُ مِن أخِيهِ عَلِيٍّ القتيل - وكان
مَريضاً، وهُوَ الذي نَسلُ آلِ مُحَمَّدٍ «عليهم السلام» [منه](1)، فكان لا يَقدِرُ عَلَى حَملٍ سَيفِهِ، وأمُّ كلثوم ثنادي خَلفَهُ: يا بُنَيَّ ارجع!
فقالَ: يا عَمَّتاه، ذريني أقاتِل بَينَ يَدَي ابن رَسول اللهِ.
فَقالَ الْحُسَينُ «عليه السلام» يا أم كلثوم خُذيهِ ورُدّيهِ، لِئَنَا تَبقَى
الأرض خالِيَة مِن نَسلِ آلِ مُحَمَّدٍ «صلى الله عليه وآله»(2).
ونقول:
في هذا النص عدة أمور يحسن التوقف عندها، نذكر منها ما یلي:
قوله عن الإمام السجاد «عليه السلام»: «وهو أصغر من أخيه القتيل» لعله استفاده من وصف أخيه علي الشهيد بـ «الأكبر»، فقد قلنا فيما سبق: إن هذا لا يكفي للدلالة على ذلك، فلعل وصف الشهيد بـ«الأكبر» إنما هو بالإضافة لعلي الأصغر الذي قتل أيضا يوم عاشوراء. ويكون الإمام السجاد هو على على الإطلاق..
وقلنا أيضاً: إن الأقوال في عُمُر الإمام السجاد وفي عُمُر علي
الأكبر، لا تفي بالدلالة على دعوى أن علياً الشهيد كان أكبر سنا من الإمام...
وحول قتال السجاد «عليه السلام» في كربلاء نقول:
أولاً: إن هذا النص يقول : إن شدة مرضه كانت إلى حد أنه لم يكن قادراً على حمل سيفه. وهذا يثير علامة استفهام حول قول الفضيل بن الزبير الأسدي الرسان المعاصر للإمام الباقر والصادق «عليهما السلام»، وكان من محدثي الزيدية:
«.. وكان علي بن الحسين عليلا، وارتث يومئذ. وقد حضر بعض القتال، فدفع الله عنه، وأخذ مع النساء»(1).
وكلمة ارتث (بالبناء للمجهول)، إنما تقال لمن قاتل، وحمل من المعركة وبه رمق، وقد أثخن بالجراح(2).
ونحن لا نمنع من أن يكون «عليه السلام» قد قاتل ولو دفاعاً عن
نفسه في الحملة الأولى مثلا فجرح، ثم أراد أن يعود للقتال بعد ذلك فمنعه أبوه..
ثانياً: لقد كان الإمام الحسين «عليه السلام» يدبر الأمر، ويدير المعركة على أساس أنه هو الذي يملك الحق في أن يأذن لكل من يرغب بالقتال، أو لا يأذن وإذا كان أبوه قد أمر أم كلثوم برده إلى الخيمة، ولا تمكنه من الوصول إلى ميدان الحرب، فإن هذا يحتم عليه أن ينصاع لأمر أبيه، ويستجيب لرغبته.
مع ملاحظة لافتة للنظر، وهي: أن الإمام الحسين «عليه السلام» لم يوجه كلامه إلى الإمام السجاد عليه السلام»، بل خاطب أم كلثوم. أي أنه لم يأمره بالرجوع، ولا نهاه عن القتال، بل عبر عن رغبته «عليه السلام» لشخص ثالث.
ثالثاً: إذا كانت الحكمة في منعه من القتال هو حفظ مقام الإمامة فيه، فإن هذه الحكمة لا تخفى على الإمام زين العابدين. وحينئذٍ فإنه يكون مطالباً بمراعاتها، حفظاً لمصلحة الإسلام العليا ..
إلا أن يقال: إن علمه «عليه السلام» بهذه الحكمة لا يمنع من ضرورة خروجه إلى الميدان على هيئة المقاتل، بالرغم من شدة مرضه للدلالة على أن الدفاع عن الإمام واجب عقلا على كل قادر على حمل السلاح.. فإذا منعه الإمام القائم بالأمر من ذلك لمصلحة يراها وجب عليه أن يطيع...
يضاف إلى ذلك: أن الإمام السجاد «عليه السلام» لم يكن مضطلعاً
بالإمامة بصورة فعلية، ما دام الإمام الذي قبله على قيد الحياة..
كما أن الكرامات، وإن كان الله تعالى يظهرها له، لكنه لا يتصرف، ولا يستفيد من علوم الإمامة وقدراتها ما دام لم يعط هذا المقام بصورة فعلية، وهذا هو حال الإمام السجاد عليه السلام» إلى تلك اللحظة، لأن أباه كان لا يزال حياً، والمقام الفعلي له دونه..
بل ورد في بعض الروايات: أن الإمام لا يعرف أنه الإمام إلا حين حضور أجل الإمام السابق، وفي رواية صفوان عن الإمام الرضا «عليه السلام» قالَ: قُلتُ لِلرِّضا «عليه السلام»: أخبرنِي عَنِ الْإِمَامِ، مَتَى يَعْلَمُ أَنَّهُ إِمَامٌ حِينَ يَبْلُغُه أَنَّ صَاحِبَه قَدْ مَضَى أَوْ حِينَ يَمْضِي، مِثْلَ أَبِي الحَسَن قبض بِبَعْدَادَ وأَنْتَ هَاهُنَا؟!
قالَ: يَعْلَمُ ذَلِكَ حِينَ يَمْضِي صَاحِبُهِ.
قلتُ بِأَيِّ شَيْءٍ ؟!
قالَ: يُلهمه الله(1).
والمراد: أن للإمامة الفعلية حالات تناسب الوظائف، أو المسؤوليات المستجدة التي تلقى على عاتق الإمام اللاحق عند وفاة
1) الكافي ج 1 ص 381 والوافي ج 3 ص 662 وبصائر الدرجات ص486 ومختصر بصائر الدرجات ص4 ومدينة المعاجز ج7 ص33 وبحار الأنوار ج 2 ص 291 و ج 48 ص 247 و ج 108 ص 397 ومرآة العقول ج 4 ص 240 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج 1 ص 152.
الإمام السابق، فإذا حضر أجل الإمام السابق يشعر بهذه الحالات بصورة فعلية.
وليس المراد أنه لا يعرف إمامة نفسه من الأساس، فقد أخبر النبي «صلى الله عليه وآله» بأسماء جميع الأئمة «عليهم السلام» قبل موته، وكثير من خواص الشيعة كانوا يعرفونهم بأسمائهم.
وعلى كل حال، فإن هذا النوع من البيان، وإبقاء اسم الإمام اللاحق في دائرة الإبهام، يفيد في حفظ الأئمة «عليهم السلام» من كيد الحكام الذين يتربصون بالأئمة الدوائر باستمرار.
وبذلك يظهر: عدم صحة ما يدعى من أن هذه الروايات تتناقض مع الروايات الأخرى التي لا مجال لحصرها لكثرتها، وتنوعها والتي كانت تصدر عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» في التأكيد على إمامة وولاية أمير المؤمنين عليه السلام من بعده.. وهذا يدل على أن عليا «عليه السلام» كان يعرف أنه هو الإمام بعد الرسول في حياة الرسول «صلى الله عليه وآله».
كما أن هذه الروايات لا تتلاءم مع روايات نص الإمام السابق على إمامة الذي يليه، إذ لا مجال لدعوى أن تكون جميع هذه النصوص قد صدرت ولم يعرف بها الإمام المنصوص عليه.
إلا إذا قلنا بأن الإمام الذي يعرف بجريان البداء في جميع الأمور، إلا ما هو من قبيل الوعد الإلهي، ويعرف النص على خصوص الإمام ليس من هذا القبيل، كما تدل عليه قصة إسماعيل ابن
الإمام الصادق «عليه السلام»، فإنه سوف يبقى يرى أن البداء قد يجري في شخصه، ولكن عند موت الإمام السابق، وانتقال مقاليد الإمامة إليه يتيقن بعدم حصول البداء فيه، ويتأكد وقوع ما كان يعلمه
من إمامته المنصوص عليها.
وهذا كلام باطل، فإن أسماء الأئمة مبينة من قبل رسول الله «صلى الله عليه وآله» قبل أن يخلقوا في الحياة الدنيا، وأحاديث خلقهم، أو جعلهم أنواراً مطيفين بالعرش، وغير ذلك من أحاديث لا يبقي مجالاً للحديث عن البداء، إلا إن كان على قاعدة البداء في المحتوم الذي معناه أن الله لا يعجز عن شيء، وهو يفعل ما يشاء، إلا إذا كان منافيا لمقام الألوهية، ككونه من الميعاد، والله لا يخلف الميعاد.
إن النص الذي ذكرناه آنفاً يقول: إن الإمام الحسين «عليه «السلام» قد قال لأم كلثوم: خذيه وردّيه لئلا تبقى الأرض خالية من نسل آل محمد.
ونقول:
يحتمل أن يكون قوله: «لئلا تبقى الأرض الخ ..» من كلام الراوي تبرعاً منه لتفسير كلام الإمام.. ولكنه احتمال ضعيف، ولذلك نقول:
قد يقال:
أولاً: إن هذا الكلام غير سليم، فإن قتل الإمام زين العابدين «عليه السلام» لا يوجب انقطاع نسل آل محمد، إذ يبقى على قيد الحياة الإمام الباقر «عليه السلام»، ومحمد بن الحنفية، وعمر بن علي، وبعض أبناء الإمام الحسن «عليه السلام».
ثانياً: إن المضمون الذي ذكرته الرواية المتقدمة قد رواه ابن عقدة بنحو آخر، وليس فيه ذكر لخلو الأرض من نسل آل محمد «صلى الله عليه وآله». فقد روي عن الإمام الصادق «عليه السلام»: أن الإمام السجاد «عليه السلام» حين كان في كربلاء طلب السيف والعصا من عمته زينب «عليها السلام»، فقال له أبوه وما تصنع بهما؟
فقال: «أما العصا فأتوكاً عليها ، وأما السيف فأذب به بين يدي ابن رسول الله صلى الله عليه وآله»، فإنه لا خير في الحياة بعده».
فمنعه الإمام الحسين «عليه السلام» من ذلك، وضمه إلى صدره، وقال له: «يَا وَلدي! أنتَ أطْيَبُ ذُرِّيَّتي».. ثم ذكر بقية وصيته له «عليه السلام»(1).
ويلاحظ هنا: أن الإمام السجاد «عليه السلام» لم يقل لأبيه: أذب به عنك، فإنه تعبير قد يفهم منه أن القضية شخصية، وأنها
1) الدمعة الساكبة ج 4 ص 351 ومعالي السبطين ج 2 ص 22 وذريعة النجاة ص 39 عن ابن عقدة.
حرب بدافع الحمية والعصبية للأب. أما قوله «أذب به بين يدي ابن رسول الله»، ففيه تعظيم للإمام الحسين وإشعار بلزوم الدفاع عن العترة، الذين يمثلون أقدس البشر، وأتقاهم، وأبقاهم، وأخلصهم، وأنقاهم.
ثالثاً: قد يمكن القول بأن قتل الإمام السجاد «عليه السلام» قد ينتهي إلى خلو الأرض من نسل آل محمد .. وذلك بملاحظة ما يلي: ألف: إنه «عليه السلام» لم يقل: «من نسلي، أو من نسل علي، أو نحو ذلك»، بل قال: «من نسل آل محمد» وآل محمد هم جماعة مخصوصون حددتهم، وذكرت أسماءهم الروايات عن النبي «صلى الله عليه وآله»، وعن الأئمة «عليهم السلام»، وهم المعصومون الأربعة عشر عليهم «السلام»، وهم سلسلة متصلة نسباً، فهم ،ابن ابن ابن بدءاً بالإمام الحجة عليه السلام إلى أن ينتهي الأمر إلى رأس الهرم المقدس، وهو النبي الأعظم «صلى الله عليه وآله».
ومن دلائل ذلك: آية التطهير، وحديث الكساء، وغير ذلك.
ب: إن كلمة «تخلو الأرض» تشير إلى أن المقصود بنسل آل محمد، نسل مخصوص له ميزة تجعل له ارتباطاً بالأرض كلها في حقيقة وجودها، حيث لا يصح أن تخلو الأرض من واحد من هؤلاء..
وقد ورد في الروايات: لولا الحجة لساخت الأرض بأهلها(1)، وهو إما
1) راجع نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 4 ص 37 رقم الحديث 147 والإرشاد ج 1 ص 228 والخصال ص 187 والأمالي للصدوق ص 253 والأمالي للطوسي ص 21 وكمال الدين ص 139 و 207 و 291 و 292 و 293 و 294 والأمالي للمفيد ص 250 وبصائر الدرجات ص506 ورسائل في الغيبة للمفيد ج 2 ص 12 والإحتجاج للطبرسي ج 2 ص 48 و 49 وج 1 ص 3 ومناقب آل أبي طالب ج 1 ص 211 وبحار الأنوار ج 23 ص6 و ج1 ص1 48 و 49 و ج 52 ص 92 ونهج السعادة ج 1 ص 495 وج 8 ص 21 وعيون الحكم والمواعظ ص 541 ودستور معالم الحكم لابن سلامة ص 84 وكنز العمال (ط)مؤسسة الرسالة) ج 10 ص 263 وتاريخ مدينة دمشق ج 50 ص 255 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 206 والمعيار والموازنة ص 81 ونزهة الناظر للحلواني ص 57 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 18 ص 347 وإعلام الورى ج 2 ص 228 وينابيع المودة ج 1 ص 75 وج 3 ص 360 ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 205 والغيبة للنعماني ص 32 و 136 وتفسير القمي ج 1 ص 359 ونور الثقلين (تفسير) ج2 ص 484.
ظاهر مشهور ، أو غائب مستور. وهذه الميزة هي ميزة الإمامة. وقد صرحت الروايات بأسماء هؤلاء الأئمة أيضاً(1).
1) راجع: الكافي ج 1 ص 525 باب ما جاء في الاثني عشر والنص عليهم «عليهم السلام»، وبحار الأنوار ج 36 ص 192 باب نصوص الله عليهم من خبر اللوح والخواتيم، وما نص به عليهم في الكتب السالفة وغيرها، وراجع ج 23 ص 289 و ج 2 ص 6 و ج 27 ص 119 وج 53 ص 142 25 وج 27 وراجع: عيون أخبار الرضا ج 2 ص 47 و 48 و 58 وكمال الدين ص308 - 311 و 253 و 258 و 337 والإختصاص للمفيد ص 210 - 212 والغيبة للطوسي ص 143 - 146 والإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 84 - 86 والجواهر السنية ص 282 - 283 و 202 - 204 وكفاية الأثر للقمي ص 144 و 145 و 177 ودلائل الإمامة للطبري ص 449 ومقتضب 177 الأثر ص 7 و 13 - 14 والإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 87 و 88 ومناقب آل أبي طالب ج 1 ص 22 والمحتضر للحلي ص 266 - 269 والصراط المستقيم ج 2 ص 142 - 151 وغوالي اللآلي ج 4 ص 90.
ج: وإذا قتل الإمام السجاد، فإن لم يصبح قتل الإمام الباقر أيضاً محتملاً، لكي يكون سقوط مقام الإمامة، وتلاشيه محتملاً أيضاً، فإن مقام الإمامة يبقى في موقع الإهتزاز أيضاً، لأن الإمامة الحافظة للأرض هي تلك التي يتوالى فيها الأئمة بحسب الترتيب الذي أخبر عنه الرسول والأئمة من بعده، فلا يصبح الإمام الباقر حافظاً للأرض إلا إذا تولى الإمامة الفعلية السجاد «عليه السلام» من قبله، ولا يكون الإمام السجاد حافظاً إلا إذا تولى الإمامة الحسين قبله.
فإذا اختل التسلسل، بأن قتل من يفترض أن يتولى الإمامة لاحقا، كالإمام السجاد قبل أبيه، فإن الإمامة الحافظة للأرض لا تنتقل من الإمام الحسين «عليه السلام» إلى الإمام الباقر «عليه السلام». بل إن قتله يثير الريب في صدقية هذا التعيين النبوي. ثم تسري الشبهة حتى إلى مقام النبوة أيضاً.
وهذا لا ينافي حتمية تسلسل الأئمة وفق النص النبوي الثابت، لأن
هذا التسلسل قد جاء وفق ما في المحفوظ، المطابق لعلمه تعالى وهو الحتمي الذي لا يعرض له البداء.. وهذا يتيح حتمية أخرى في مقام الإجراء العملي، حيث يحتاج إلى أن يتسلم الإمام اللاحق من أبيه أو أخيه - كما هو الحال بين الحسين والحسن «عليهما السلام» -، لا من جده بعد قتل أو موت أبيه، وهذا حاصل حتماً بأسبابه الواقعية، لأنه أيضاً مأخوذ من اللوح المحفوظ، المطابق لعلمه تعالى، لا من لوح
المحو والإثبات.
د: بناء على ما تقدم، فإن على الإمام إذا حضرته الوفاة: أن يسلم مواريث الأنبياء، وكتبهم، وعصا موسى وخاتم سليمان، وغير ذلك للإمام المنصوص عليه من بعده مباشرة ، وليس له أن يعطيها لحفيده بدون توسط أبيه.
هـ: إن إعطاء تلك المواريث، وتفويض أمر الإمامة إلى اللاحق إنما هو في لحظة حضور أجل الإمام السابق، فقد روى ابن عقدة عن جعفر بن عبد الله المحمدي، عن التفليسي، عن السمندي، عن الإمام الصادق «عليه السلام»، (وهي الرواية المتقدمة، التي قلنا: إنها لم تشر إلى خلو الأرض من نسل آل محمد)، قال بعد أن ذكر منع الإمام الحسين «عليه السلام» للإمام زين العابدين من القتال: «ثم لزمه من يده، وصاح بأعلى صوته:
يا زينب، ويا أمّ كلثوم، ويا رقيّة، ويا فاطمة، اسمعن كلامي، واعلمن أنّ ابني هذا خليفتي عليكم، وهو إمام مفترض الطاعة.
ثم قال له: يا ولدي بلغ شيعتي عنّي السّلام، وقل لهم: إنّ أبي مات غريباً ،فاندبوه ومضى شهيداً فابكوه»(1).
فهو «عليه السلام» يعلن إمامة الإمام السجاد «عليه السلام» في اللحظة الحساسة الفاصلة، حيث أصبح «عليه السلام» وحيداً، ولم يبق أمامه إلا القتال والاستشهاد.
وربما يشير إلى هذا أيضاً: قول المعتزلي عن علي «عليه السلام» والخلافة وعهد بها إلى الحسن «عليه السلام» عند موته(2).
وكتب الإمام الحسن «عليه السلام» لمعاوية: «وبعد.. فإن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لما نزل به الموت، وثاني هذا الأمر بعده»(3).
1) الدمعة الساكبة ج 4 ص 351 ومعالي السبطين ج 2 ص 22 وذريعة النجاة ص 139.
2) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 1 ص 57.
3) راجع مقاتل الطالبيين ص 55 و 56 والفتوح لابن أعثم ج 4 ص 151 و (ط دار الأضواء) ج 4 ص 285 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 31 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 16 ص 24 و 34 وكشف الغمة ج 2 ص 192 وبحار الأنوار ج 44 ص 64 عنه، وص44 وحياة الحسن بن علي «عليه السلام» للقرشي ج 2 ص 29 ومطالب السؤول ص 356 وراجع: هامش أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج 3 ص 30 وفي بعض المصادر «ولّاني المسلمون الأمر». وراجع: شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 229 وج 33 ص 527 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 181.
وكان أصحاب الأئمة يعرفون: أن الإمام إذا حدد الإمام من بعده، وأوصى إليه فذلك يعني قرب أجله، وأنه ينعى إليهم نفسه(1). والأحاديث والنصوص في ذلك كثيرة.
ونذكر أخيراً: أن الإمام الرضا «عليه السلام» حين حضرته الوفاة، وحضر ولده الإمام الجواد «عليه السلام» من المدينة إلى خراسان بصورة إعجازية ضمه الإمام الرضا «عليه السلام» إلى صدره، وأخرج شيئاً كان معه، فابتلعه أبو جعفر(2).
ولعل هذا كناية عن علم الإمامة، أو هو تعبير عن الحالات أو الخصوصيات التي يحتاج إليها الإمام «عليه السلام» في ممارسة إمامته.
1) راجع: عيون أخبار الرضا ج 1 ص 21 و 20 و الغیبة للطوسي ص27 و 31 والكافي ج 1 ص 311 والإرشاد للمفيد ص 285 وبحار الأنوار ج 49 باب النصوص على الخصوص عليه «صلوات الله عليه».
2) راجع: عيون أخبار الرضا ج 2 ص 242 - 245 و (ط الأعلمي) 271 . 274 والأمالي للصدوق ص 759 - 762 وروضة الواعظين ص229 - 232 و مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 482 وإعلام الورى ج 2 ص 80 - 85 وكشف الغمة ج 3 ص 120 - 123 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج 1 ص 193 - 196 وبحار الأنوار ج 49 ص 300 - 303.
1 - ويقول ابن أعثم:
ثمَّ حَمَلَ عَليهمُ [الحُسَينُ «عليه السلام»] كَالليثِ المُغضَبِ، فَجَعَلَ لا يَلْحَقُ أَحَدًا إِلا لَفَحَهُ بِسَيفِهِ لفحة الحقهُ بالأرض [في بعض المصادر: بالحضيض]، وَالسّهامُ تَقصِدُهُ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ، وهُوَ يَتَلقاها بِصَدرِهِ ونَحرِهِ، وهُوَ يَقولُ: [في الطبري: أعلى قتلي تَحادُّونَ؟ أما وَاللَّهِ لَا تَقْتُلُونَ بَعدِي عَبداً مِن عِبادِ اللهِ الخ..] يا أُمَّة السَّوءِ! فبئس ما أخلفتُم مُحَمَّداً في أُمَّتِهِ وعِترَتِهِ. أما إِنَّكُم لن تَقْتُلُوا بَعدي عَبداً مِن عِبادِ اللهِ في الطبري: الله أسخَطُ عَلَيْكُم لِقتلِهِ مِنِّي فَتَهابون قتلهُ، بَل يَهونُ عَليكُمُ عِندَ قتلِكُم إِيَّايَ وَأَيمُ اللهِ، إنّي لأرجو أن يُكرمَنِي اللهُ بِهَوانِكُم، ثمَّ يَنتَقِمُ لِي مِنكُم مِن حَيتُ لا تَشْعُرُونَ.
قالَ: فَصاحَ بِهِ الحُصَينُ بنُ نُمَيرِ السَّكونِيُّ في الخوارزمي: حُصَينُ بنُ مَالِكِ السَّكونِيُّ فَقالَ: يَا ابنَ فاطِمَة! وبماذا يَنتَقِمُ لَكَ مِنّا؟
فقالَ: يُلْقِي بَأْسَكُم بَينَكُم، ويَسفِكُ دِماءَكُم ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلِيكُمُ العَذَابَ صبا(1).
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 117 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص34 وبحار الأنوار ج 45 ص 52 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 294 ولا بأس بمراجعة: مطالب السؤول ص 72 وكشف الغمة ج 2 ص 232 ونزهة الناظر ص 44 وراجع تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 452) و (ط الأعلمي) ج 4 ص 346 والكامل في التاريخ ج 4 ص 78 والبداية والنهاية (ط دار إحیاء التراث) ج8 ص204.
2 - لمّا لم يبقَ مَعَ الحُسَين عليه السلام» أحَدٌ إِلا ثلاثهُ رَهْطٍ مِن أهلِهِ، أَقبَلَ عَلى القوم يَدفعُهُم عَن نَفْسِهِ وَالثلاثهُ يَحمونَهُ، حَتَّى قُتِلَ الثلاثة وبَقِيَ وَحدَهُ، وقد أتْخِنَ بالجراح في رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ، فَجَعَلَ
يُضاربُهُم بِسَيفِهِ، وهُم يَتَفَرَّقُونَ عَنهُ يَمينا وشمالا(1).
ونقول:
لاحظ ما يلى:
وقد ذكر هذا النص الثاني: أنه قد بقي مع الحسين «عليه السلام» رهط من أهله، كانوا يحمونه من الأعداء. وقد عرفنا فيما تقدم: أن هؤلاء الثلاثة هم إخوته «عليه السلام» لأبيه، وهم: العباس، وعثمان، وجعفر، مع أنهم يقولون : إن إخوة العباس لأبيه وأمه كانوا ثلاثة بالإضافة إلى عبد الله الذي هو من شهداء كربلاء أيضاً.
وقد جاء في كثير من المصادر: أن العباس وإخوته الثلاثة كانوا قد قصدوا المشرعة ، والحسين عليه السلام معهم، فقتل إخوة العباس، ثم اقتطع الأعداء العباس عن الحسين وقتلوه.
ويبدو: أن ذلك قد حصل حين كانوا في طريق عودتهم من المشرعة.
1) الإرشاد ج 2 ص 111 وإعلام الورى ج 1 ص 468.
تضمن النص الأول المتقدم: قوله مخاطباً أعداءه: «بئس ما أخلفتم محمداً في أمته وعترته».. حيث يتوقع من مَن يدَّعي: أنه يقر بنبوة رسول الله «صلى الله عليه وآله» أن يظهر التقديس والتعظيم، والطاعة له في كل ما يأمر به، وينهى عنه وأن يسعى في حفظ أهداف هذا النبي، وعدم تضييع جهاده وجهوده. لاسيما إذا كان يعرف ويسمع ويرى كيف أن هذا النبي قد أخرج الناس من الظلمات إلى النور، وكشف عنهم الكثير من المصائب والبلايا، وأنجاهم من الرزايا. وانهمرت عليهم النعم، واستسلم لزعامتهم وهيمنتهم العرب والعجم. وفتحوا البلاد، وملكوا نواصي العباد.
فهذا كله يحتم على أتباع النبي العظيم: أن يوقروه، ويعظموه، وأن يحفظوه في أمته، وفي عترته، فلا يعتدوا عليها وعليهم، ولا يسلبوا منها ومنهم معنى السعادة والأمان وراحة البال ولا يحولوا بين الأمة
وبين الاستفادة من هداه ،وتعاليمه وشرائعه ومفاهيمه «صلى الله عليه وآله» لتتمكن من مواصلة تكاملها واطراد نموها الحضاري والعلمي، والأخلاقي، والاقتصادي، وسائر المجالات الحيوية.
ولكن هؤلاء القوم قد أساؤا إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» في أمته، حيث ضيَّعوا جهوده، حين أبعدوها عن نهجه، وجهلوها بما جاء به، وأعادوها إلى جاهليتها، وقتلوا من جعلهم الله هداة لها، وحماة وكفاة لأمورها، أو صدّوا الناس عنهم. كما أنهم قد انتهكوا حرمته «صلى الله
عليه وآله» حين قتلوا عترته والقادة الهداة من بعده، وحفظة شرعه ودينه..
1 - وفي نفس السياق الذي ذكرناه آنفا جاء قوله «عليه السلام» لأولئك الأعداء المخذولين: «إنكم لن تقتلوا بعدي عبداً من عباد الله فتهابون قتله، بل يهون عليكم عند قتلكم إياي».
فإن هذا يعني: أنهم بقتلهم الحسين «عليه السلام» ليس فقط يسيئون للحسين نفسه، بل هم يسيئون لعترة النبي كلها، كما أنهم يسيئون للأمة بأسرها، حيث لا تبقى حرمة لأحد فيها، بعد أن أصبح من السهل عليهم سفك دم أي شخص كان فيها، حتى لو كان أباهم، أو أخاهم، أو ولدهم، أو نبيهم أيضاً..
وقتل العترة واستسهال قتل أي كان من الأمة فيه إساءة عظيمة لرسول الله، واستهتار به «صلى الله عليه وآله» وبأهدافه..
2 - إن هذا الكلام يدخل في نطاق التحليل لتأثيرات الأفعال على نفس الفاعل، فللفعل الحميد أثر ،حميد، وللقبائح آثارها التشويهية على النفس.
فقتل عترة رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وعلى رأسهم أقدس أهل الأرض، وسيد شباب أهل الجنة، وأطهر الخلق وأعلمهم، وأفضلهم، وأزكاهم، وأتقاهم، وأنقاهم، ولاسيما مع هذا الإصرار منهم على ذلك، وبالصورة الغادرة التي أشرنا إليها ، ومع كل هذه الفظائع
والقبائح التي ارتكبوها شاهد صدق على مدى قسوتهم وغلظتهم، وخذلانهم، وخزيهم، لأنهم لا يهابون قتل أي إنسان كان..
ثم إنه «عليه السلام» قد أقسم على أنه يرجو أن يكرمه الله بهوان أعدائه. وهذا القسم يشير إلى أنه «عليه السلام» واثق كل الثقة من حصول ما يرجوه ويتوقعه.
ويبدو: أن سبب ذلك: أنه «عليه السلام» يعرف بأن الله سبحانه عدل حكيم، وأنه يجري الأمور بأسبابها، ووفق السنن التي أراد لها تعالى أن تهيمن على مسار الحياة في المجال العام، لتكون ضمانة لاستمرارها وبقائها بهذه السنن التي هي نعمة ورحمة تعطي الإنسان سكينة وطمأنينة، وقدرة على التخطيط وتذكي طموحه لخوض غمار الحياة بإيجابية ،وتفاؤل وانفتاح.. من حيث إنها تعطيه القدرة على توقع النتائج التي يتوخاها، وفقاً لما بذله من جهد، ومدى استفادته من تلك السنن.
2 - وفي هذا المورد بالذات نقول: لا شك في أن الإمام الحسين «عليه السلام» كان أعرف الناس بأن قوانين العدل تفرض أن يثاب المحسن ويعاقب المسىء، وأن يكون حجم العقوبة مناسباً لحجم الإساءة وربما كانت المناسبة ظاهرة أيضا لسنخها ونوعها فلاحظ مثلا قوله: «السن بالسن والعين بالعين والجروح قصاص».
وإذا كنا نعلم: أن المستهدف بالقتل هو أقدس رجل على وجه
الأرض، وأفضل، وأتقى، وأنقى، وأطهر، وأعلم البشر.
ونعلم أيضاً: أنه يقتل من دون أن يكون هناك أي مبرر - مهما كان هزيلا وضئيلاً، وشكليا - سوى البغي والظلم.
ونعلم أن هذا القتل قد جاء على سبيل الغدر الوقح في أبشع صوره.
ونعلم كذلك : أنهم لم يكتفوا بالقتل، بل مارسوا من الفظائع والفجائع، ومن القسوة والشراسة الحاقدة، ما لا يوصف.
ونعلم أخيراً: أن الهدف هو النيل من مقام النبوة الأقدس، وتوهين بل إسقاط هيبة، وتحقير، وتصغير شأن أعظم الأنبياء، وأفضل الرسل، وأكرمهم على الله سبحانه.
نعم.. إننا إذا كنا نعلم ذلك كله، فلا بد أن يتضح لنا: أن الجزاء العادل لهؤلاء لا يمكن أن يكون هو مبادلة القتل بالقتل، والجرح بالجرح، فإن الجريمة أعظم من ذلك وأكثر هولا، وأشد مضاضة، وخطرا وألما..
ولأجل ذلك نرى الإمام الحسين «عليه السلام» يشير هنا إلى أن من الطبيعي أن يكون من جملة مفردات الجزاء العادل أن يقابل الهوان الذي ألحقوه بالإمام الحسين بما يظهر للمجرمين كرامة له
عليه السلام على الله وجليل مقامه عند الله..
3 - وهذا كما قلنا: ليس هو كل عقوبة هؤلاء، لأن عقوبتهم ستكون متنوعة ومختلفة باختلاف وتنوع جرائمهم، ويزداد وضوح
بعض ما نرمي إليه في الفقرة التالية..
عرفنا آنفاً أن الحسين «عليه السلام» رجا، أو فقل: توقع لأعدائه أمرين، ربما لم يكن الأعداء، ولا غيرهم يتوقعونهما، وهما:
الأول: أن يكرم الله الحسين «عليه السلام» بهوان أعدائه. وقد تحدثنا آنفا عن هذا الأمر.
الثاني: أن ينتقم الله له من أعدائه من حيث لا يشعرون الأمر الذي فاجأ أولئك الأعداء وارتجفت له قلوبهم، فبادر أحد أكابر مجرميهم إلى سؤال الإمام «عليه السلام» عن طبيعة ومفردات ووسائل هذا الانتقام، قائلاً له، وبماذا ينتقم لك منا؟
فقال الإمام «عليه السلام»: إن ذلك يكون بثلاثة أمور ، هي:
1 - إنه يلقي بأسهم بينهم.
2 - إنه يسفك دماءهم.
3 - يصب عليهم العذاب صباً.
فنرى أنه «عليه السلام»: اختار أن يسلك طريق الإخبارات الغيبية ليسجل التاريخ ذلك كإحدى الوثائق الكثيرة التي تؤكد معنى الإمامة في وجدان الناس من خلال تلمس الناس الحقائق الغيبية، التي يخبرهم «عليه السلام» عنها بأنفسهم..
وحيث إن العنصر الغيبي يرتبط بالمستقبل الذي يلامس حياة
الناس، وله تأثيره على سعادتهم وشقائهم وراحتهم وبلائهم.. فإن الإنسان يصبح شديد الحساسية تجاه أي خبر غيبي، لخشيته على نفسه ومصيره ومستقبله وكل ما له ارتباط فيه، ويلاحق حتى الأوهام التي تحوم حوله.. لأن ثمة حاجزا من العجز والجهل مضروباً عليه، ولا يجد سبيلا إليه.
والخلاصة: أن الإنسان بطبيعته يخاف من المجهول ويضعف أمامه، ويحسب له ألف حساب وهذه الخشية، والضعف منضمة إلى ما كان قد ملأ الآفاق من إخبارات غيبية كثيرة جدا صدرت عن النبي وعلي، وأهل بيته «عليهم السلام». وقد رأى الناس ،صدقها، وعرفوا أن مصدرها هو الوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه.
نعم، إن هذا وذاك.. قد دعا ذلك المجرم الحصين بن نمير إلى سؤال الإمام عن طبيعة الانتقام الذي يتوقعه ويرجوه لهم.
فأجابه الإمام بالأمور الثلاثة المتقدمة.
فالأمر الأول: أنه تعالى يلقي بأسهم بينهم.
ونحن نعلم أن ذلك الجمع الطاغي والباغي الذي جاء لحرب الإمام الحسين «عليه السلام» قد اعتمد وسيلة القسوة والبأس، والقوة، والشدة في الوقت الذي يفترض أن يكونوا له «عليه السلام» أولياء، ،ورحماء، وأعواناً، وأنصاراً وإخواناً.
فأخبرهم «عليه السلام» أن الله تعالى سوف يعاقبهم بنفس ما كان
منهم تجاهه «عليه السلام»، فيجعل من كانوا لهم - بنظرهم أعواناً وأنصاراً وإخواناً الخ.. - أعداء لهم يعاملونهم بالقسوة والشدة، ويقهرونهم ببأسهم وقوتهم، ولا يجدون في صدورهم أي رفق أو رحمة.
الأمر الثاني: إنه تعالى سوف يسفك دماءهم.. فإن الإنسان قد يرتكب جريمته، وهو واحد بين عشرات الألوف الذين شاركوا في ذلك الفعل الشنيع. فيمني نفسه بعد أن يرتكب جريمته بالسلامة، والنجاة، وعودة الحياة إلى طبيعتها، لأنه سيكون في حزب الممسكين بالأمور، ومن أعوانهم وأنصارهم، وسيجد الأمن في كنفهم..
وحتى لو تقلبت الأمور والأحوال فإنه قد يتمكن من التخفي، إلى أن يزول الخطر، أو يجد وسيلة لحماية نفسه من الانتقام، ولو باللجوء إلى من يجيره، ويدفع عنه، من زعيم، أو عشيرة، أو حليف، وربما تمكن من الهجرة إلى بلاد بعيدة وآمنة.
وإذا كانت جريمته هي أن يشن حرب إبادة لفريق بكامله بكل رموزه ،وأتباعه وأهله وأشياعه، واستئصال الكبار والصغار، وقتل الرجال، وحتى الرضع من الأطفال.. إذا كانت الجريمة هي هذه، فمن الطبيعي أن يتوهم أفراد ذلك الجيش المجرم أنه ما دام قد حصل هذا الاستئصال ، فلم يبق أحد بعد هذا يمكن أن يلاحقه، ويطلب بثأره منه.
ولكن الإمام الحسين «عليه السلام» بشرهم بأنهم سوف تسفك دماؤهم، وسينالهم القتل والجرح، بنحو أو بآخر. كل بحسب ما قدمت
یداه.
وهم يعلمون أن الحسين لا يخبرهم بشيء من عند نفسه، بل هو علم من ذي علم. وهذا ما يزيد في حيرتهم، ويثير البلبال في صدورهم.
الأمر الثالث: أن الله بعد هذه العقوبة وتلك سوف يصب عليهم العذاب صبا في الدنيا، وفي الآخرة، التي لن ينجو أحد منهم من العذاب فيها..
فليست عقوبتهم هي مجرد إلقاء بأسهم بينهم وسفك دمائهم، وإكرام عدوهم بهوانهم بل أعد الله تعالى لهم وراء ذلك عذابا أليما، وناراً وجحيماً، وخزياً مقيماً .. وحميماً، وغساقاً، جزاء وفاقاً..
1 - قالَ الحُسَينُ «عليه السلام»: إيتوني بثوبِ لَا يُرغَبُ فِيهِ؛ أَجِعَلَهُ تَحتَ ثِيابي لِئَنَا أَجَرَّدَ مِنهُ، فَأْتِيَ بِثبّان، فقالَ: لا، ذاكَ لِباسُ مَن ضُرِبَت عَليهِ الدِّلهُ.
فَأَخَذ ثوباً خِلْقاً، فَخَرَقَهُ وجَعَلَهُ تَحتَ ثِيابه. فلمّا قُتِلَ جَرَّدُوهُ مِنهُ «عليه السلام»(1).
وعن الإمام الباقر (عليه السلام»: ثمّ أمَرَ بِحِبَرَةٍ، فَشَقَّهَا، ثُمّ لبِسَهَا(2).
1) الملهوف ص174 و (نشر أنوار الهدى) ص 73 وبحار الأنوار ج 45 ص 54 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 297 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 109 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 257 ولواعج الأشجان ص 184 والمعجم الكبير ج 3 ص 117 ومجمع الزوائد ج9 ص193 و تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 221 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2617 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 324 وإبصار العين ص 36.
2) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 389) و (ط الأعلمي) ج 4 ص 293 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 214.
وعند ابن شهرآشوب ثم أتوه بشيء أوسع منه أي من التبان دون السراويل، وفوق التبان، فلبسه(1).
2 - وقال المفيد: وَحَمَلتِ الرَّجّالة يميناً وشمالاً عَلى مَن كانَ بَقِيَ مَعَ الحُسَين «عليه السلام»، فقتَلُوهُم، حَتَّى لم يبقَ مَعَهُ إِلَّا ثلاثهُ نَفْرٍ أو أربَعَة، فلمّا رَأى ذلِكَ الحُسَينُ «عليه السلام» دَعَا بِسَراوِيلَ [في الطبري مُحققة] [وفي الملهوف مِن حِبَرَةٍ يَمَانِيَّةٍ يُطْمَعُ فِيهَا الْبَصَرُ، فَفَزَرَها في الطبري فَفَزَرَهُ ونَكَتْهُ لِكَي لا يُسلبَهُ، فَقَالَ لَهُ بَعضُ أصحابه لو لبست تَحتَهُ ثبانا ؟!
قالَ: ذلِكَ تَوبُ مَدَلَّةٍ، ولا يَنبَغِي لي أن ألبَسَهُ ، ثُمَّ ليسَها، وإِنَّما فَزَرَها لِكَي لا يُسلبَها بَعدَ قتلِهِ.
فلمّا قُتِلَ، عَمَدَ أَبجَرُ بنُ كَعْبٍ إِليهِ فَسَلْبَهُ السَّراويل، وتَرَكَهُ مُجَرَّداً.
فَكانَت يَدا أبجَرَ بن كَعبٍ بَعْدَ ذلِكَ تَيبَسان فِي الصَّيفِ كَأَنَّهُما عُوْدَانِ، وتَتَرَطبان فِي الشتاءِ فَتَنصَحان دَماً وقيحاً في الطبري تَنضَحان الماءَ] إلى أن أهلكَهُ اللهُ(2).
1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 109) و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 257.
2) الإرشاد ج 2 ص 111 وإعلام الورى ج 1 ص 468 وليس فيه «يمانيّة»، ومثير الأحزان ص 74 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 451 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 345 وأنساب الأشراف ج 3 ص 408 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 202 مختصراً، والكامل في التاريخ ج 4 ص 77 وتذكرة الخواص ص 253 وراجع بحار الأنوار ج 45 ص 54 ومثير الأحزان (ط المكتبة الحيدرية) ص 56 والدر النظيم ص 558.
ونقول:
ثوبٌ مُحقَّق : محكم النسج، أو عليه وشي على صورة الحقق.
رهط الرجل: عشيرته وأهله والرهط من الرجال ما دون العشرة.
وفي القرآن الكريم: (تِسْعَة رَهْطٍ)(1).
التبان سراويل صغيرة، يستر العورة فقط.
خلق: بال.
الحبرة: ثوب مخطط يصنع باليمن، من كتان أو قطن.
وبعد..
فهل الذي سلب الحسين ثيابه هو بحر بن كعب، أو أبجر بن كعب؟!
وهل الصحيح: فزرها أي شقها كما في الرواية عن الإمام الباقر «عليه السلام»، أو فرزها أي فرَّق بعضها عن بعض، ونكث خيوطها، كما في رواية الطبري عن حميد بن مسلم؟!
1) الآية 48 من سورة النمل.
وهل قال «عليه السلام» هذا لباس أهل الذمة، وهم الكفار الذين حاربوا المسلمين فغلبوا ، وسمح لهم بالعيش في كنف المسلمين ضمن شروط معينة؟!
أو قال: لباس أهل الذلة؟! أو قال لباس من ضربت عليه الذلة؟!
تقدم: أن الإمام الحسين «عليه السلام» طلب ثوباً لا يُرغب فيه، فأتي بتبان، فرفضه لأنه لباس أهل الذلة الخ..
ونقول:
إن هذا النص تضمن دلالات مهمة، نذكر منها ما يلي:
1 - أظهر مدى نذالة أعدائه، فإنه «عليه السلام» تعمد اختيار لبس ثوب تحت ثيابه تكون له المواصفات التالية:
ألف: أن يكون خلقاً بالياً، لا يرغب فيه الناس..
ب: إنه أضاف إلى ذلك إحداث صفةٍ تزيد من درجة الزهد في ذلك الثوب، فقد خرقه، وشققه.
وفي نص آخر فزره - أي خرقه -.
ج: إنه قد نكث ذلك الثوب. أي فرق خيوطه عن بعضها، بالرغم
من أنه يعد من الثياب المحققة. أي المحكمة النسج.
وإذ بأولئك الأعداء يسلبونه حتى من ذلك الثوب بعد قتله.
2 - إن من يسلب أقدس رجل على وجه الأرض ثوباً خلقا لا يرغب
فيه أحد، وهو مخرق ومشقق، وقد نكثت خيوطه، وفرّقت عن بعضها، فإنه يكون في غاية النذالة، والانحطاط ولا يملك ذرة من الكرامة والإباء، والشمم والشرف.
3 - إن نفس أن يختار الحسين «عليه السلام» الثوب الخلق، ثم يخرقه، وينكث خيوطه، لكي لا يجرد منه بعد قتله. ثم يجرده الأعداء، حتى من هذا الثوب بالذات، من شأنه أن يدفع الناس إلى مراقبة ما يحدث - من أمر السلب وسائر الحركات - بدقة وانتباه، لكي يقارنوا بين ما توقعه «عليه السلام»، وفعله لتحاشي هذا الأمر، وبين ما يفعله الأعداء ليكون ذلك وصمة عار لهم، ومثاراً لاهتمامات الناس بتداول هذا الأمر، ولفت الأنظار إلى مدى رذالة ونذالة، وإسفاف أولئك الأعداء.
4 - إن ما فعله الإمام الحسين «عليه السلام»، من رفضه للتبان، لأنه من لباس أهل الذلة يدل على مدى ما يوليه من اهتمام لحفظ الكرامة وإظهار الإباء والشهامة، والالتزام بالحدود الأخلاقية، والقيم الإنسانية في مختلف الظروف والاحوال.
5 - إنه لا يرضى بالذل والمهانة انطلاقاً من المفهوم القرآني الذي تقرره الآية الكريمة التي تقول: (وَلِلهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)(1).
6 - كما أن هذا يشير إلى أنه «عليه السلام» لم ير في القتل في
1) الآية 8 من سورة المنافقون.
سبيل الله، ودفاعاً عن الدين والحق والشرف ذلاً ولا مهانة، بل فيه تأكيد لمعنى العزة والشموخ والسؤدد. وقد رسخ هذا المعنى إصراره «عليه السلام» على الالتزام بقناعاته ومبادئه، ولم يهن ولم يتراجع عن شيء من ذلك.
7 - ونشير أخيراً .. إلى أن الله سبحانه قد ابتلى ذلك الذي سلبه ثوبه الخلق بما يلي:
ألف: ابتلاه بعاهة ظاهرة تحكي للناس جريمته، وتشيعها بين الناس، وتدفعهم لتداولها، ليزيد شعور هذا المجرم بالغربة، ويتعاظم إحساسه باحتقار الناس له.
ب: كما أنها عقوبة تنغص عليه عيشه، وتربك حركته، وتزيد غصته.
ج: وهي أيضاً نذير له بين يدي عذاب شديد في الآخرة.
د: والأهم من ذلك أنها برهان على قداسة الإمام الحسين «عليه السلام»، وعلى عظيم مقامه عند الله. وعلى أنه هو الذي ينتقم له من ظالميه.
هـ: كما أنها ستبقى من الأدلة والشواهد على مظلوميته «عليه «السلام».
و يلاحظ أن العضو الذي حلت فيه تلك العقوبة، وهو يداه، هو نفسه الذي استفاد منه ذلك المجرم في سلب الإمام الحسين «عليه السلام» ذلك الثوب البالى. ولهذا التطابق دلالاته، وتأثيراته النفسية على
كل من يطلع على تفاصيل ما جرى.
8 - قد فهم من النص المتقدم: أن الإمام «عليه السلام» قد لبس ذلك الثوب الخلق في وقت كان لا يزال العباس وإخوته لأمه وأبيه على قيد الحياة، وبعد ذلك ذهب «عليه السلام» مع العباس وإخوته نحو المشرعة فقتل إخوة العباس، ثم اقتطع الأعداء العباس، وقتلوه، ثم توالت الأحداث الأليمة على الإمام الحسين «عليه السلام»، حتى استشهد «صلوات الله وسلامه عليه»، ثم سلب..
وهذا يعطي: أن الإمام الحسين «عليه السلام» كان يتوقع هذا التتابع الذي لا انقطاع له في النشاط الحربي، فاستدعى هذا الثوب ولبسه، لعلمه بأن تواصل القتال سوف لن يسمح له بالتواصل مع أهل
بيته، لطلب الثوب المشار إليه.
1 - قال ابن أعثم:
ثُمَّ إِنَّهُ [أي الحُسَينَ «عليه السلام»] دَعا إلى البراز، فلم يَزَلْ يَقتُلُ كُلَّ مَن خَرَجَ إِليهِ مِن عُيون الرِّجالِ، حَتى قَتَلَ مِنهُم مَقتَلة عَظِيمَة. قال ابن طاووس : وهُوَ فِي ذلِكَ يَقولُ:
القتْلُ أُولَى مِنْ رُكُوبِ العَارِ *** وَالعَارُ أَوْلى مِنْ دُخُول النّار
(ثم ذكر كلام حميد بن مسلم في وصف شجاعته «عليه
السلام»)](1).
قالَ: وتَقَدَّمَ الشِّمرُ بنُ ذِي الجوشن «لَعَنَهُ اللهُ» في قبيلةٍ عَظِيمَةٍ [في الطبري: أقبَلَ في نَفَرٍ، نَحوِ مِن عَشَرَةٍ مِن رَجّالة أهل الكوفة، قِبَلَ مَنزل الحُسَين «عليه السلام» الذي فيه ثقلهُ وعِيالَهُ، فَمَشى نَحوَهُ، فحالوا بَينَهُ وَبَينَ رَحِلِهِ ، فَقاتَلَهُمُ الحُسَينُ «عليه السلام» بأجمَعِهم وقاتلوه، حتى حالوا بَينَهُ وبَينَ رَحلِهِ.
قالَ: قصاحَ بِهِمُ الحُسَينُ «عليه السلام»: وَيحَكُم يا شيعَة آل أبي سُفيانَ إِن لم يَكُن [لَّكُم] دينٌ وكُنتُم لا تَخافُونَ المَعاد، فكونوا أحراراً في دُنياكُم هذِهِ، وَارجعوا إلى أحسايكُم [إن كُنتُم عُرُبًا] إِن كُنتُم أَعْوَانَا
[في مصادر أخرى أَعْرَاباً] كَما تَزِعُمُونَ.
قالَ: قناداهُ الشَّمرُ بنُ ذِي الجَوشن «لَعَنَهُ اللَّهُ»: ماذا تَقولُ يا حُسَينُ؟!
قالَ: أقولُ أنَا الذي أقاتِلكُم وثقاتِلوني، والنّساءُ ليسَ عَلَيهِنَّ جُنَاحٌ، قامنَعوا عُتاتَكُم، وطغاتَكُم، وجُهّالكُم عَن التَّعَرُّض لِحَرَمي ما دُمتُ حیاً.
1) الملهوف ص 170 و (نشر أنوار الهدى) ص 70 وموسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 384 عنه، وعن مثير الأحزان ص 72 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 54 وبحار الأنوار ج 45 ص 50 والعوالم الإمام الحسين ص 293 وراجع: شرح الأخبار ج 3 ص 163.
فَقالَ الشَّمرُ: لَكَ ذلِكَ يَا ابنَ فاطِمَة، ثمَّ صاحَ الشِّمرُ بأصحابه: إليكم عَن حَريم الرَّجُل، واقصدوهُ في نَفسِهِ، فَلعَمري إِنَّهُ لَكُفْوٌ كَرِيمٌ وعند ابن نما قال: رَحلي لكُم عَن سَاعَةٍ مُبَاحٌ، فامنَعوهُ جُهّالكُم، وطغاتَكُم الخ..]
[ وعند ابن الصباغ: حالَ الشَّمرُ بنُ ذِي الجوشن - لَعَنَهُ اللَّهُ - بَينَهُ وبَينَ الحَرِيمِ وَالمَرجعِ إليهم في جَمَاعَةٍ مِن أبطالهم وشجعانهم، وأحدَقوا بهِ، ثُمَّ جَمَاعَةٌ مِنهُم تَبادَروا إلى الحَريم والأطفال يُريدونَ سَلْبَهُم فَصاحَ الحُسَينُ «عليه السلام»: وَيحَكُم يا شيعة الشيطان، كقوا سُفهاءَكُم عَن التَّعَرُّض لِلنّساءِ وَالأطفال، فَإِنَّهُم لم يُقاتِلُوا.
فقالَ الشَّمرُ «لْعَنَهُ اللَّهُ»: كقوا عَنهُم، وَاقْصِدُوا الرَّجُلَ بِنَفْسِهِ ] .
قال: فَحَمَلَ عَليهِ القومُ بالحَرب، فلم يَزَلْ يَحمِلُ عَلَيهِم وَيَحْمِلُونَ عَليهِ وهُوَ فِي ذلِكَ يَطلبُ الماءَ لِيَشْرَبَ مِنهُ شَربَةٌ .
فكلما حَمَلَ [الحُسَينُ «عليه السلام»] بِنَفْسِهِ عَلَى القُراتِ حَمَلُوا عَليهِ حتى أحالوهُ عَن الماء. ثُمَّ رَمَى رَجُلٌ مِنهُم بِسَهم - يُكَنِّى أَبَا الجنُوبِ (الحُتوفِ) الجُعِفِيَّ - فَوَقَعَ السَّهُمُ في جَبْهَتِهِ، فَنَزَعَ الْحُسَينُ «عليه السلام» السهم قرمى بهِ، فسالت الدّماءُ عَلَى وَجْهِهِ وَلِحَيَتِهِ.
فَقالَ الحُسَينُ «عليه السلام»: اللهُمَّ إِنَّكَ تَرى ما أَنَا فِيهِ مِن عِبَادِكَ هؤلاء العُصاةِ الطغاة، اللهُمَّ فأحصهم عَدَداً، وَاقْتُلهُم بَدَدا، ولا تَذر
عَلَى وَجهِ الأَرض مِنهُم أحداً، ولا تَغفِر لَهُم أَبَدا(1).
وقبل أن نذكر النص التالي نشير إلى بعض الاختلافات في هذا النص، مثل:
ألف: قيل: بدل أبو الجنوب أبو الحتوف، واسمه عبد الرحمان الجعفي.
ب: في الطبري: أن السهم وقع في فمه(2).
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 117 وراجع مقتل الحسين للخوارزمي ج2 ص 33 و 34 وبحار الأنوار ج 45 ص 51 و 52 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 111 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 258 ومطالب السؤول ص 76 و (بتحقيق ماجد العطية) ص 402 وكشف الغمة ج 2 ص 262 وراجع: الملهوف ص 171 و (نشر أنوار الهدى) ص71 وراجع: الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 473 ومثير الأحزان ص 72 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 55 ومقاتل الطالبيين ص118 وراجع تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 450) و (ط الأعلمي) ج 4 ص 344 وأنساب الأشراف ج 3 ص 307 و (ط دار التعارف) ج3 ص 202 والكامل في التاريخ ج 4 ص 76 والفصول المهمة لابن الصباغ ص 190 و (ط دار الحديث) ج 2 ص 827 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 293 وإبصار العين ص 37 وتجارب الأمم ج 2 ص 79 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 203 ونهاية الأرب ج20 ص 458.
2) تاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 343 والكامل في التاريخ ج4 ص72 و المختصر فی أخبار البشر ج1 ص191.
ج: في الطبري وابن الأثير وغيرهما قال: إنه «عليه السلام» حين أصابه هذا السهم قال اللهُمَّ إنّي أشكو إلَيْكَ ما يُفْعَلُ بِابْنِ بِنْتِ نَبِيِّكَ(1).
د: قالوا: إن الذي رماه بالسهم في حنكه هو حصين بن نمیر(2).
وقال ابن الأثير: وقيل: إن الذي رماه رجل من بني أبان بن دارم(3). وسيأتي ذلك في موضعه.
1) تاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 343 وأنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج 3 ص 201 وتجارب الأمم ج 2 ص 79 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 340 وجواهر المطالب ج 2 ص 288 والكامل في التاريخ ج 4 ص 76 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص660. وفي: سير أعلام النبلاء ج 3 ص 302 والبداية والنهاية ج 8 ص 203 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 74 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 204 حصين بن تميم.
2) الإرشاد ج 2 ص 109 وبحار الأنوار ج 45 ص 50 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 292 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 343 وإعلام الورى ج 1 ص 467 والدر النظيم ص 557 والملهوف (نشر أنوار الهدى) (ص 70 ونهاية الأرب ج 20 ص 457 وإبصار العين ص36 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 212.
3) الكامل في التاريخ ج 4 ص 76 ومثير الأحزان (ط المكتبة الحيدرية) ص 53 وراجع: سير أعلام النبلاء ج 3 ص 311 وأنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج 3 ص 201 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج6 ص2620 وإعلام الورى ج 1 ص 466 وروضة الواعظين ص 188 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 109 والثاقب في المناقب ص 341 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 214 ومدينة المعاجز ج 3 ص 477 وبحار الأنوار ج 45 ص 50 و 301 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 292 و ، 613 و 615 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 223 وتهذيب الكمال ج 6 ص 430 والدر النظيم ص 557 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 346 والملهوف (نشر أنوار الهدى) ص 69 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 74 وإبصار العين ص36.
2 - عن أبي مخنف، عن الحجاج، عن عبد الله بن عمار بن عبد يغوث البارقي: عُتِبَ عَلى عَبدِ اللهِ بن عَمَّارٍ بَعدَ ذلِكَ مَشْهَدُهُ قتل الحُسَين «عليه السلام»، فَقالَ عَبدُ اللهِ بنُ عَمّار: إِنَّ لي عِندَ بَني هَاشِمٍ ليَداً.
قلنا له: وما يَدُكَ عِندَهُم؟!
قالَ: حَمَلتُ عَلى حُسَين بالرُّمح فانتَهَيتُ إليهِ، فَوَاللَّهِ لو شئتُ لطعَنتُهُ، ثُمَّ َانصَرَفتُ عَنهُ غَيرَ بَعِيدٍ، وقُلتُ: ما أصنَعُ بأن أتَولى قتله؟ يَقتُلُهُ غَيري.
قالَ: فَشَدَّ عَليهِ رَجّالةٌ مِمَّن عَن يَمينِهِ وشمالِهِ، فَحَمَلَ عَلَى مَن عَن يَمِينِهِ حَتَّى ابدَعَرِّوا ، وعَلى مَن عَن شِمالِهِ حَتَّى ابدَعَرَّوا، وعَليهِ قميص لهُ من خز وهو معلم.
قالَ: فَوَاللَّهِ ما رأيتُ مَكسوراً قط قد قُتِلَ وُلدُهُ، وأهلُ بَيْتِهِ
وأصحابُهُ، أربط جاشا، ولا أمضى جنانا، ولا أجرًا مَقدَماً مِنهُ.
وَاللهِ ما رأيتُ قبلهُ ولا بَعدَهُ مِثْلَهُ، إن كانَتِ الرَّجَالَهُ لَتَنكَشِفُ مَن عَن يَمِينِهِ وشمالِهِ انكِشاف المعزى إذا شَدَّ فِيهَا الذِّئبُ [في بعض المصادر الأسد] ...
قال: فَوَاللَّهِ، إِنَّهُ لكَذلِكَ، إِذْ خَرَجَت زَيْنَبُ ابنَهُ فَاطِمَة أَحَتُهُ، وَكَأَنِّي أنظُرُ إِلى قُرْطِهَا يَجُولُ بَيْنَ أُدُنِهَا وَعَاتِقِهَا وهِيَ تَقُولُ: ليتَ السَّماءَ تَطابَقت عَلى الأرض.
وقد دَنا عُمَرُ بنُ سَعدٍ مِن حُسَين «عليه السلام»، فقالت: يَا عُمَرَ بنَ سَعدٍ، أَيُقتَلُ أبو عَبدِ اللهِ وأَنتَ تَنظُرُ إِلَيهِ؟
قالَ: فَكَأَنِّي أَنظُرُ إِلى دُموعٍ عُمَرَ وهِيَ تَسيلُ عَلَى خَدَّيهِ وَلِحَيَتِهِ.
قال: وصَرَفَ بِوَجهِهِ عَنها.
قال: أبو مخنف: حَدَّتْنِي الصَّلْعَبُ بنُ زُهَيرٍ، عَن حُمَيدِ بن مُسلِمٍ، قَالَ: كانَت عَليهِ جُبَّةٌ مِن خَرِّ، وكانَ مُعتَماً، وكان مخضوباً بالوَسمَةِ.
قال: وسَمِعتُهُ يَقولُ قبل أن يُقتَلَ، وهُوَ يُقاتِلُ عَلَى رجليهِ قِتَالَ الفارس الشجاع، يَتَّقِي الرَّمِيَّة، ويَفْتَرِصُ العَورَةَ، ويَشْدُّ عَلى الخَيل وهُوَ يَقُولُ: أعلى قتلي تَحالون؟! الخ..»(1).
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 452 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 345 والكامل في التاريخ ج 4 ص 78 نحوه، وراجع أنساب الأشراف ج3 ص 408 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 202 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 38 والبداية والنهاية ج 8 ص 187 و 188 وبحار الأنوار ج 45 ص 55 وروضة ج8 ص187 الواعظين ص 189 والإرشاد ج 2 ص 111 وتجارب الأمم ج 2 ص80 وإعلام الورى ج 1 ص 468.
افترص: اغتنم الفرصة.
ابذعروا: تفرقوا.
تحاثون: يحث بعضهم بعضاً على الفعل.
وبعدما تقدم نقول:
لا حاجة إلى الإشارة إلى التصحيفات والتحريفات والاختصارات فى النصوص، ما دامت لا تلامس الجوهر والمضمون. أو ما دامت على درجة من الوضوح للقارئ، بحيث لا يحتاج إلى توضيح، لا
بالتصريح ولا بالتلميح.
تقدم أن الإمام الحسين «عليه السلام» بعد أن أصبح وحيداً، دعا أعداءه إلى البراز، فيرد هنا سؤال:
ألم يكن أمير المؤمنين علي «عليه السلام» يمنع أصحابه من طلب المبارزة من أحد من الناس؟!
فكيف يدعو ولده الحسين «عليه السلام» إلى البراز هنا؟!
ونجيب:
أولاً: لعله «عليه السلام» كان يمنع أصحابه من طلب المبارزة لشخص بعينه، لكي لا يتحقق مفهوم البغي عليه، فلعل المطلوب منه ذلك، يريد أن يتحاشى القتل والقتال، ولعله إذا سنحت له الفرصة
يترك ساحة القتال، وينجو بنفسه.
ثانياً: لعله كان أيضاً يمنع أصحابه من ذلك قبل حصول الاشتباك، فإنه لا يبدأ أحدأ بقتال حتى يُبتدأ.
ثالثاً: إن الكلام عن تحقق مفهوم البغي بالنسبة للإمام الحسين عليه السلام» يوم عاشوراء لا معنى له، فقد تحقق البغي عليه منذ الساعات الأولى، حيث بدأه الأعداء بالقتال وقتلوا جميع أصحابه، وجميع أهل بيته حتى الأطفال والرضع. وقد هاجموه وحاربهم في عدة حملات.
وبذلك يظهر: أن طلبه «عليه السلام» البراز بعد أن لم يبق معه أحد لا يعدو كونه اختياراً موفقاً لأسلوب القتال الذي كان لابد من تحويله من هجومات متتالية عليه من قبل كتائب الأعداء، فلا يستطيع أن يري الناس إلا أقل القليل مما يجري عليه، ويضيع الكثير من جهاده وجهوده، حيث إن هذه الهجومات من شأنها أن تمكن تلك الجماهير الغفيرة من إخفائه وإخفاء ما يجري عليه، وما يكون منه في أحشائها، ثم تمزقه بسيوفها، وتنهكه برماحها وحجارتها وسهامها، ثم ينجلي الموقف عنه، وهو صريع مقطع ، ومبضع دون أن يعرف أو أن يرى
أكثر الناس كيف حصل ذلك.
وهذا يتنافى مع خطة الحسين «عليه السلام»، التي تقضي بأن ترى تلك الجموع كل حركة ، وتسمع كل كلمة، لتحتفظ بها الأسماع والقلوب، وتكون هي بعض حديثها في مجالسها، لكي تتناقلها الأجيال، لتكون لها منار هداية، وسبيل نجاة.
وتقدم: أنه «عليه السلام» حين شرع في المبارزات التي قتل فيها من عيون الرجال مقتلة عظيمة.. كان يردد:
المَوْتُ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِ العَارِ *** وَالعَارُ أولى مِنْ دُخُول النّار
ونقول:
1 - تحدثنا فيما سبق عن مضمون هذا الشعر، وأنه بمثابة تصحيح لمعيار خاطئ يعتمده أهل الدنيا، من منطلق الأهواء والشهوات، والعصبيات، والمفاهيم الجاهلية، لتكون هذه هي المبرر لاعتبار هذا
عاراً، وذاك مجداً وفخاراً.
فالإمام الحسين «عليه السلام» يقول هذا، ليؤكد على أن الصحيح هو الانطلاق من الهدى الإلهي، ليكون المجد والفخار لمن يعمل بما يرضى الله، والعار والشنار فيما يسخطه..
2 - لو سألت جميع الناس بما فيهم أهل الدنيا، ومنهم هذا الجيش الباغي والطاغي: أليس القتل أحياناً أولى من ركوب العار؟!
لجاءك الجواب على البديهة بالإيجاب مع مزيد من الإصرار والتأكيد..
ولو سألتهم أليس العار أولى من التعرض للغضب الإلهي؟!
لجاءك الجواب بالإيجاب . وبمزيد من الإصرار والتأكيد أيضاً.
ولكن المشكلة ليست هنا، وإنما هي في تفسير العار، وفي المعيار الذي يجعلهم يعتبرون هذا عاراً ، أو ليس بعار.
فكيف عالج الإمام الحسين «عليه السلام» هذه المشكلة؟!
فنقول في الجواب:
لو سألت ذلك الجمع المنغمس في الجرائم والموبقات مرة ثالثة هل ترى في موقف الإمام الحسين عليه السلام وتضحيته بولده، وإخوته، وأبنائهم، وبسائر من معه من أهل بيته حتى انتهى الأمر إلى سبي نسائه، وتضحيته أيضاً بأصحابه الأبرار الأخيار، والعباد الزهاد، وفيهم العلماء، وتعريضهم للموت بهذه الطريقة المفجعة، - لو سألتهم - هل ترونه عليه السلام مصيباً في موقفه هذا؟!
وهل تعدون هذا الموقف من مآثره ومفاخره؟!
لأجابوك: بأن هذا خطأ فادح، وعار واضح، وقد كان يجب عليه أن يبايع ليزيد، ويأتمر بأمره، وينتهي إلى نهيه.
وبعدما تقدم نقول:
3 - إنهم إذا رأوه «عليه السلام» يردد هذا الشعر على مسامعهم،
في نفس لحظات قتاله المرير، الذي قتل فيه من عيون الرجال جماعة عظيمة.. فإن ذلك سوف يحيرهم، فمن جهة من أين يأتيه العار بعد هذا الإنجاز الذي يلامس حدّ الإعجاز ؟!
ومن جهة ثانية: إن العار بنظر هؤلاء ليس هو الإصرار على رفض الظلم والظالمين، وعدم الخضوع للمستكبرين والجبارين، ومواجهة الغدرة الفجرة وإدانة غدرهم ،وفجورهم، وبغيهم وعدوانهم، وإذلالهم للآخرين بغير وجه حق بل العار عندهم هو أن يموت ويخسر حياته في الدنيا.
ومن جهة ثالثة: فإن هؤلاء المخذولين لا يرون أن ما يرتكبونه حقه «عليه السلام» من الفجائع والفظائع من موجبات العار لهم، مع أنهم قد لجأوا إلى الغدر، وارتكاب الفظائع انطلاقا من خبث نفوسهم، وسقم أرواحهم، ورذالة أخلاقهم.. فتكاثروا عليه، وازدلفوا إليه، وقد تكاملوا ثلاثين ألفاً، وهو رجل واحد قد تجرع مرارات قتل أهله وولده وأصحابه، وأنهكه العطش، ونزف الجراح..
أي أنهم يعتبرون من يصر على حقه، وعلى رفض الذل، ويدفع عن نفسه وعن دينه ونبيه وحرمه وأهله، ويواجه ثلاثين ألفاً بمفرده، ويقتل منهم حوالي ألفي فارس وراجل من عيون رجالهم يكون
قد فعل ما هو عار عليه.
أما الغادر الفاجر، والمجرم، المصر على العدوان، وعلى إذلال الأحرار، وعلى ارتكاب أبشع الأفعال، فيكتسب المجد والفخار بنفس
عدوانه وظلمه وسائر أفعاله الرذلة والخبيثة؟!
نعود لنقول:
إن تكراره «عليه السلام» لهذا البيت على مسامع ثلاثين ألفاً، مرة بعد أخرى في نفس اللحظات التي يخطف فيها أرواح أبطالهم، وأعيان .رجالهم لا بد أن يثير انتباههم، ويطرح لديهم تساؤلات عن المناسبة بين مضمون شعره هذا، وهو أعقل العقلاء، وأحكم الحكماء، وبين فعله ذاك المرعب لهم.. والذي لو ظهر عُشر معشاره من أي كان من الناس، لأصبح حديث المحافل والنوادي، وتداوله الأصحاب
والأعادي ولنسجت حوله الأساطير ، وألفت الكتب، وألقيت الخطب..
وحسبك عنترة بن شداد مثالاً على ما نقول، قد قالوا عنه: «كان رجل من بني عبس يسمى عنترة يلقى الفارس أو الفارسين».
وقد أصبح عنترة هذا مضرب المثل في الفروسية والشجاعة. وقد بذكره الركبان، وذاع صيته في مختلف البلدان عبر الأحقاب سار والأزمان..
وفي الأغاني: قيل لعنترة : أنت أشجع العرب وأشدّها؟!
قال لا.
قيل: فبماذا شاع لك هذا في الناس؟!
قال: كنت أقدم إذا رأيت الإقدام عزماً، وأحجم إذا رأيت الإحجام حزماً، ولا أدخل إلا موضعا أرى لي منه مخرجاً، وكنت أعتمد الضعيف الجبان، فأضربه الضربة الهائلة يطير لها قلب الشجاع،
فأتتي عليه فأقتله(1)
ولكن حين يصل الأمر إلى علي «عليه السلام» وأهل بيته، ولاسيما الحسين «عليه السلام» الذي يقال: إنه قتل من أعدائه في يوم عاشوراء ألفاً وتسع مئة وخمسين فارساً وراجلا، بالرغم من كل المصائب التي ألمت به في ذلك اليوم، فإننا نجدهم يحاولون تجاهل هذا الإنجاز العظيم الرائع والرائد، ويوهمون الناس أنه قد مات موتة ذل، وأنه هو الذي أوقع نفسه في هذه الورطة .. وما إلى ذلك.
وتقدم أن ابن أعثم يقول عن الشمر بن ذي الجوشن «لَعَنَهُ اللهُ»: إنه تَقدَّمَ في قبيلةٍ عَظِيمَةٍ، فَقاتَلَهُمُ الحُسَينُ «عليه السلام» بأجمَعِهم وقاتلوه، حتى حالوا بَينَهُ وَبَينَ رَحلِهِ..
لكن الطبري، يقول عن الشمر «لعنه الله»: أَقْبَلَ في نَفْرٍ، نَحو مِن عَشَرَةٍ مِن رَجّالة أهل الكوفة، قِبَلَ مَنزل الحُسَين «عليه السلام» الذي فِيهِ ثقله وعِياله، قمَشى (أي الحسين «عليه السلام») نَحوَهُ، فَحالوا بَينَهُ وَبَينَ رَحلِهِ.
ونقول:
إن راوي رواية الطبري قد حاول - فيما يظهر - تزوير الحقيقة،
1) الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص390. والتذكرة الحمدونية ج 2 ص 452.
والتذاكي في تحوير الكلام، فإن ما نقرؤه من نصوص عما جرى في كربلاء يدل على أن النص الذي ذكره ابن أعثم هو الأوفق بما سجله الرواة عما حصل، بما فيهم رواة كانوا مشاركين للجيش اليزيدي الباغي في جريمته التي اقترفتها الأيدي الأثيمة في يوم عاشوراء، فقد ذكروا من شجاعته «عليه السلام» في ذلك اليوم، ووصفوا من شدة بأسه، ومدى رعب وخوف ذلك الجيش - وهو عشرات الألوف - في مواجهته ما يذهل الألباب، ويبهر العقول، فكيف يتمكن شمر «لعنه الله» وعشرة أشخاص معه أن يحولوا بينه «عليه السلام» وبين رحله وعياله؟! وقد كان «عليه السلام» - كما قالوا - يهجم على ميمنة ذلك الجيش العرمرم تارة فيشتتها، ثم يهجم على ميسرة ذلك الجيش أيضاً فيشتتها. وسيمر معنا بعض النصوص التي تصف ما جرى..
فهل يجرؤ شمر على مثل هذا الأمر، حتى لو كان معه المئات؟!
فظهر: أن النص الأقرب إلى الاعتبار هو ذلك الذي ذكره ابن أعثم. كما قلنا.
1 - وقد يسأل المرء عن السبب في هذا الهدوء وهذه المرونة التي أظهرها «عليه السلام» مع الذين حالوا بينه وبين رحله وعياله، في وقت يفترض أن تثور فيه الحمية، ويتفجر فيها الغضب، وتهيج دواعي
الغيرة على الكرامة والعرض.
ويجاب:
بأنه «عليه السلام» لم يرد أن يعطيهم ذريعة، أو مبرراً لأية إساءة يمكن أن تصدر تجاه ،حرمه وقد تجلت هذه السياسة في كل كلمة قالها في هذه المناسبة، فلاحظ ما يلي:
2 - إنه لم يصفهم بأي وصف يثير حنقهم، فلم يقل لهم: يا فسقة، أو يا كفرة، أو يا فجرة . ولم يلعنهم، ولم يوجه لهم أي تهمة، أو كلمة جارحة بل اكتفى بنسبتهم إلى آل أبي سفيان.. وهي نسبة لا يتعيبون بها، ولا ينفرون منها، بل هي قد تؤنسهم، إذا كانت توجب لهم أرجحية، واعتباراً لدى أسيادهم الذين يهمهم التزلف إليهم، والتقرب منهم طمعاً في دنياهم.
3 - ثم قال «عليه السلام»: إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحراراً في دنياكم، فنرى أنه لم ينف عنهم الدين أو الخوف من المعاد بصورة جازمة، ولكنه لوح لهم بأن ممارساتهم هذه من شأنها أن تعطي عنهم هذا الانطباع وهذا هو السبب في أنه «عليه السلام» قد استفاد من كلمة «إن» الشرطية التي تستعمل في مقام الشك في حصول الشرط.
ولو استفاد من كلمة «إذا» لدلت على أنه متيقن من حصول الشرط، فإنك إن قلت إن جاءك فلان، فأعطه المفتاح، فمعنى ذلك أنك تشك في مجيئه.. ولكنك إن قلت: إذا جاءك فلان فأعطه المفتاح، فذلك يعني أنك متيقن من مجيئه.
4 - ثم إنه «عليه السلام» قدَّم لهم إغراءً يبعث فيهم حالة من
الزهو، والرضا بالشعار، حيث قال لهم: «فكونوا أحراراً في دُنياكم». مع العلم بأنه كان قد أفرغ هذا الشعار من محتواه، إذ ما جدوى الحرية في الدنيا لمن ليس له دين ولا يخاف المعاد؟!. ولاسيما وهو يذبح الأطفال، ويسبي العيال ويقتل الرجال من دون ذنب أتوه، فضلا عن قتله أبناء الأنبياء، والعلماء والصلحاء، ويسعى في إطفاء نور الله، ويرتكب أبشع الجرائم، والفظائع والعظائم، وليس للحرية التي يدَّعيها لنفسه، أي دور سوى أنها شاهد زور على أفاعيله المخزية..
5 - ثم قال لهم: «وَارجعوا إلى أحسابكُم إِن كُنتُم عُرُبًا كَما تَزِعُمُونَ». وهذا إغراء آخر مشوب بالشك والريب أيضاً.. فإن كل أمة من الأمم أيا كان دينها، ومستواها قد تظهر لها حالات أو ميزات تعتبرها أمجاداً ومفاخر لها. حتى لو كانت تلك الحالة، أو الميزة قد تجلت في قلة من أفرادها بل حتى في فرد واحد، كما لو أن الله تعالى بعث أحدهم نبيا ، وقد آمن بنبوته كلهم أو بعضهم، فإنك تجد قومه، مؤمنهم وكافرهم يفاخرون به الأمم الأخرى في مواقع التباهي والتفاخر والتكاثر.
والعرب.. بالرغم من أنهم كانوا على شر دين، وفي شر دار، فقد كانوا يفخرون ببعض الأمور التي ينسبونها لأنفسهم ، فهم يعتدون مثلا بالكرم والشجاعة، وإكرام الضيف، وحفظ الجوار، والغيرة، وما إلى ذلك.
فطالب «عليه السلام» أعداءه أن يتعاملوا معه فيما يرتبط برحله ونسائه بما كان العرب يعدونه من خصالهم وميزاتهم، وهو عدم التعرض لحرم ونساء وعيال عدوهم ما دام حيا، ثم أكد ذلك بتذكيرهم: بأن النساء لا ذنب لهم.
ولكنه «عليه السلام» قد سجل تحفظا على عروبة مقاتليه، وأعرب عن شكه بما يدعونه لأنفسهم من ميزات من خلال ذلك.
أولاً: لأنه استفاد من كلمة «إن» التي تفيد الشك في حصول فعل الشرط.
وثانياً: من خلال اعتبار دعواهم هذه زعماً منهم.
ثالثاً: إن نفس هجومهم هذا على رحله يدل على أن شيمهم ليست هي الشيم العربية.
6 - وحين لم يفهم الشمر مغزى كلام الحسين «عليه السلام»، أوضحه له «عليه السلام» بقوله : «أنَا» الذي أقاتِلكُم وثقاتِلُوتي، وَالنِّسَاءُ ليسَ عَليهِنَّ جُناحٌ، فامنعوا عُتاتَكُم، وطغائكُم، وجُهّالكُم عَن التَّعَرُّض لِحُرَمي ما دُمتُ حَيّا».
فترى أنه «عليه السلام» يواصل كلامه معهم، على نفس الوتيرة المنطقية الهادئة، وبنفس الأسلوب، فقد ظهر من كلامه للشمر: أنه يرى أن في أعدائه الجهَّال والعتاة ،والطغاة وسكت عن توصيف الباقين، مع أن ظاهر ما فعله الشمر يشير إلى أن هذه الصفات، صفات: الجهل والعتو والطغيان موجودة في جميع ذلك الجيش، أو في
الأكثرية الساحقة فيه على الأقل، فإن الشمر - كما يقول ابن أعثم - قد تقدم في قبيلة عظيمة من جيشه لحرب الحسين «عليه السلام»، وهؤلاء هم الذين حالوا بينه وبين رحله..
وإنما تحدثنا عن الأكثرية الساحقة، لأننا لا نمنع من أن يكون هناك أفراد قليلون لم يكونوا راغبين في المشاركة، لكنهم شاركوا خوفاً من ابن زياد .. وإن كنا لا نراهم معذورين في عدم التحاقهم بالإمام الحسين «عليه السلام» لنصرته، ودفع أعدائه، مع أن جماعة من ذلك الجيش كانت قد فعلت ذلك.
ولعل هذا الإيحاء الذي ظهر في كلام الحسين «عليه السلام»، قد دعا الشمر «لعنه الله» ليصنف نفسه في خانة غير الجهال، والعتاة، والطغاة.
كما أنه أراد أن يظهر نفسه بصورة من يتحلى ولو للحظة بالشيم العربية، ليدفع عن نفسه الطعن في نسبه على الأقل. كما أن الرغبة في هذين الأمرين قد تكون هي التي شجعت
الشمر على وصف الإمام الحسين «عليه السلام» بالكفؤ الكريم!!
7 - تقدم أن رواية ابن الصباغ تقول: إن الإمام الحسين «عليه السلام» قال: «قوا سُفهاءَكُم عَن التَعَرُّض لِلنّساءِ وَالأطفال».
ومن الطبيعي: أن يرغب الشمر وأمثاله في أن يعد في جملة العقلاء، لا السفهاء بعد أن كان قد رضي بأن يشك في عربيته، وأنه ليس له دين ولا يخاف المعاد، وغير ذلك.
فيا سبحان الله ، ما هذه المفارقة وألا يحق لنا أن نحتمل أن يكون من جملة مقاصد الإمام عليه السلام هو أن يفضح هؤلاء القوم، ويبين للبشر كلهم أنهم يرضون بمثل هذه الأمور القبيحة لأنفسهم، ولا يهتمون لنسبة الكفر إليهم، وعدم خوفهم من المعاد.. ولكنهم لا يرضون بأن ينسبوا إلى مخالفة الأعراف العربية؟!
وتقدم: أن ابا الجنوب، أو أبا الحتوف الجعفي (واسمه عبد الرحمان الجعفي) قد رمى الإمام «عليه السلام» بسهم، فأصاب جبهته، فنزع «عليه السلام» السهم ورمى به الخ..
ونقول:
1 - إن الإمام «عليه السلام» كان يريد تسجيل كل حرف وكلمة، وكل حركة بمختلف أشكالها، وما اكتنفها من حالات وظروف، لكي تبقى ماثلة في ذاكرة التاريخ، لتجد الأجيال - إلى يوم القيامة - الفرصة سانحة لقراءتها، وأخذ العبرة منها.
2 - بالنسبة لقوله «عليه السلام» حين أصابه السهم: اللهمَّ إنِّي أشكو إليكَ ما يُفعَلُ بابن بنتِ نَبِيِّكَ نقول:
قد شرحنا هذه الكلمات، وذكرنا بعض ما يرتبط بهذه الشكوى في فصل متقدم من هذا الكتاب، فلا حاجة إلى الإعادة.
بالنسبة لدعائه «عليه السلام» على أعدائه اللهُمَّ فَأَحْصِهِم عَدَداً، وَاقْتُلهُم بَدَداً، ولا تَدْر عَلى وَجهِ الأَرض مِنهُم أَحَدًا، ولا تَغفِر لَهُم أَبَداً نقول:
أولاً: هل استجاب الله تعالى دعاءه «عليه السلام»: بأن لا يدع على وجه الأرض منهم أحداً ؟!
ونجيب:
1 - بأن تحديد الأعمار يأتي وفق ضابطة، قد لا نعرف الكثير عنها، ويدخل فيها إمكانات الجسد، والمكان الذي يعيش فيه، والمناخ المفروض عليه، وخصائص الأطعمة الميسورة له، والمياه التي يشربها،
وخصوصيات الهواء الذي يستنشقه، وعوامل الوراثة التي تبلورت فيه، وغير ذلك من أمور كثيرة يتعذر إحصاؤها.
فإذا كتب في لوح المحو والإثبات - مثلاً - أن عمر فلان كذا وكذا، فإن ذلك لا يعتبر قراراً حتمي الحصول، وإنما هو إخبار عما اقتضته السنن المؤثرة في تحديد المدة التي يعيش إليها الإنسان حين
يكون بهذه المواصفات، وله هذه الخصوصيات والحالات.
كما أن للأمور والأعمال المعنوية والروحية تأثيراتها في الأعمار، فقد ورد - مثلاً - أن قطيعة الرحم تنقص من عمر الإنسان ثلاثين سنة، وصلتها تزيد في عمره ثلاثين سنة.
2 - فإذا تمكن الإنسان من إحداث تغيير في تلك العناصر التي
أثرت في تحديد مدة عمره، كما لو اختار الهجرة إلى بلاد تختلف في مناخها، وفي مكونات ثمارها وسائر أطعمتها وفي درجات نقاء أو تلوث هوائها، والعناصر المتوفرة في مياهها ، وغير ذلك مما له أثر في صحة وسقم الأجساد، فإن ذلك يؤثر في الأعمار أيضاً...
ويؤثر في الأعمار أيضاً ما يفعله الإنسان بنفسه، أو يفعله غيره، فقد يشرب السم، أو يرمى نفسه من شاهق أو يدمن على تناول بعض ما يهدم الجسد، أو أن إنساناً أو حيواناً يعتدي على حياته، أو يموت في حادث سيارة، أو يرتكب جريمة تعرضه للقصاص، أو نحو ذلك..
3 - غير أن الإنسان يبقى يتوقع لنفسه البقاء على قيد الحياة إلى أقصى مدى. ولا يدخل أيَّا من هذه المؤثرات في حساباته.
4 - هذا الجيش الذي فعل ما فعل يوم عاشوراء لا يعرف أفراده بالتحديد مقادير أعمارهم.
فإذا رأينا: أن جميع هؤلاء قد انقرضوا في فترة وجيزة لا يتوقع انقراضهم فيها: بالسيف تارة، وبالمصائب والبلايا المختلفة أخرى، كالأمراض والجوع، والتيه في الصحارى، أو بنهش السباع، ولدغ الحيات، وما إلى ذلك، فإننا ندرك أن الله تعالى قد استجاب دعاء الإمام «عليه السلام» فيهم..
نقول هذا، لأن الكل يعلم: أن أمة كبيرة من الناس تعد بعشرات الألوف إذا اجتمعوا على أمر ، ثم انفضوا عنه، فإنهم لا يموتون جميعاً فترة وجيزة، بل يموتون بصورة تدريجية، وربما امتدت حياة
بعضهم إلى ثمانين عاماً. وقد عاش بعض الصحابة إلى ما بعد سنة مئة للهجرة، فانقراض جيش يعد بعشرات الألوف خلال سنوات يسيرة لا تصل إلى عدد أصابع اليد الواحدة أو اليدين مثلاً ليس أمراً طبيعياً، بل هو يؤكد أن السبب أمر غير عادي، وهو هنا دعاء الإمام الحسين «عليه السلام»..
وزعمت بعض الروايات: أن خبيب بن عدي أسر، وبيع إلى أهل مكة، فلما أرادوا قتله قال: «اللهُمَّ فأحصهم عَدَداً، واقتلهُم بَدَدا، ولا تُغادِر مِنهُم أحدا»(1).
قالوا: فلم يحل الحول، ومنهم أحد حي الخ..(2).
فهذه الكلمة ليست لخبيب، وإنما هي للإمام الحسين «عليه السلام».
وقد تعودنا من أعداء أهل البيت «عليهم السلام» أنهم يغيرون(3)
1) راجع الصحيح من سيرة النبي الأعظم «صلى الله عليه وآله» ج8 ص 174 ففيه مصادر كثيرة، ومنها: تاريخ الخميس ج 1 ص 456 والإشتقاق ص 442.
2) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 256 وتاريخ الخميس ج 1 ص 456 والمواهب اللدنية ج 1 ص 101 وفتح الباري ج 7 ص 295 وعمدة القاري ج 17 ص 169 . وإمتاع الأسماع ج 13 ص 280.
3) مأخوذة من أغار یغیر..
على مواقفهم وأدعيتهم ، وكلماتهم، فيستولون عليها، وينسبونها إلى غيرهم.
وقد ذكرنا في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم «صلى الله عليه وآله» ج 8، ص178 مناقشات كثيرة لمجمل قصة خبيب وعاصم بن الأقلح ، فلا بأس بمراجعته.
ويكفي أن نذكر هنا: أن من الحاضرين عند خبيب، ويفترض شمول الدعوة لهم أبا سفيان. وقد عاش أبو سفيان عشرات السنين من بعد قتل خبیب.
ومن الحاضرين أيضاً: أهل مكة، وهم أيضاً قد بقوا يعيشون حياتهم الطبيعية إلى عشرات السنين بعد قتل خبيب..
بالنسبة لدعائه «عليه السلام» على أعدائه بأن يقتلهم الله تعالى بدداً، أي متفرقين نقول:
إنه «عليه السلام» يريد أن يذيق الله عدوه نفس المرارات التي أذاقوه إياها، ومنها مرارة الشعور بالغربة والوحشة والضعف، وإذا تبدد جمع هذا العدو ، وواجهوا خطر القتل، فإن رؤيتهم للواقع الذي انتهوا إليه سيزيد من ألمهم، ويضاعف حسراتهم ، وسيكون خوفهم أعظم، ومرارتهم وسوف يشعرون بالوحدة والوحشة، والغربة، والضعف لمعرفتهم بأنهم موضع سخط الله تعالى بسبب ما كسبته أيديهم، فلا أمل لهم بنصره، بل هم يعلمون أنه هو الذي سوف يصب عليهم هذا العذاب صبا أشد،
عقوبة لهم. ويعلمون أيضاً أن ما ينتظرهم في الآخرة أدهى وأمر.
أما الإمام الحسين «عليه السلام»، فإنه وإن عاش الغربة وفقد الناصر من الناس لكن ثقته برحمة الله لا تتزعزع، ومعرفته برضاه، وبأنه معه لا تشوبها شائبة. وهذا يسهل عليه العسير، ويصغر الكبير،
ويهون الخطب الجليل والخطير..
إن طلب إحصاء أولئك المجرمين بطريقة العدّ لهم فرداً فرداً، إنما هو للتأكيد على شمول البلاء لكل فرد منهم حتى لا يفلت منهم أحد.
ولكي لا يتوهم أحد: أن الدعاء إنما هو على المجموع بما هو مجموع، فإذا حل البلاء في طائفة منه، وانفرط عقد ذلك الجمع، فلا مانع من أن يسلم من بقي منهم ، إذا كان أكثر هم قد أصابته الدعوة.
فإن هذا من الخيال الباطل والوهم الزائل.
وربما توهم متوهم: أن إصابة الدعوة لهم، وحلول العقوبة بهم في الدنيا، تدفع عقوبة الآخرة عنهم .. فجاء قوله «عليه السلام»: «ولا تغفر لهم أبدا». ليزيل أمثال هذه التوهمات، ويبث اليأس في نفوسهم، ويشيع الخوف في قلوبهم لأن حجم الجريمة التي ارتكبوها، وآثارها العميقة على الحق وأهله، وتنوع فصولها ومناحيها، وتراكماتها يحتم أن تكون المجازاة عليها متناسبة معها على قاعدة: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ
وذكرت الرواية المتقدمة: أنه قد عُتِبَ على عبد الله بن عمار البارقي مشهده قتل الحسين «عليه السلام»، فقال: «إِنَّ لي عِندَ بَني هاشم ليدا»، ثم ذكر انه حمل على الحسين «عليه السلام» بالرمح، ثم انصرف عنه ليقتله غيره..
ونقول:
1 - حقاً إن هذا لهو الإسفاف القاتل والداء الذي لا دواء له، والجهل الذريع، وصغر العقل، والسفه المريع، أو أنه الاستخفاف بعقول الناس أن يعتبر هذا الرجل إحجامه عن طعن الإمام «عليه السلام» يدأ، بل يدا عظيمة عند بني هاشم، كما دل عليه التأكيد باللام حيث قال: «ليَداً». أي ليَداً جليلة وعظيمة.
ولماذا اعتبرها يداً عند بني هاشم، ولم تكن يداً له عند نفسه، حيث جنّبها درجة من العذاب الأليم، والخزي المقيم في نار جهنم، الذي ينتظره - ولن ينجو منه - في الآخرة؟!
وكنا نحسب: أنه حين ذكر أن له يدا عند بني هاشم سيقول: إنه انحاز إلى الحسين «عليه السلام» ونصره، وقاتل أعداءه !! وأنجاه من
القتل، أو أنه منع من سبي عياله وقتل أطفاله، أو أنه هيأ له شربة من ماء، أو ما إلى ذلك.
2 - بل لا شيء يثبت لنا أن تراجعه عن طعن الإمام «عليه السلام» لم يكن جبنا وخوفاً، لاسيما وأنه هو الذي وصف لنا ما فعله عليه السلام بمهاجميه بالرغم من كل عطشه، وجراحه، وألمه، وجهده القتالي، وحزنه على القتلى من أهل بيته وأصحابه..
وهذا البارقي نفسه هو الذي رأى - كما رأى غيره - كيف كانت الرجالة تنكشف عنه «عليه السلام» إذا حمل عليها، انكشاف المعزى إذا شد فيها الذئب، أو الأسد.
والبارقي هذا زعم: أنه رأى زينب بنت علي وفاطمة «عليهما السلام» قد خرجت قال: «وَكَأَنِّي أَنظُرُ إِلى قُرْطِهَا يَجُولُ بَيْنَ أُدُنِهَا وَعَاتِقِهَا وَهِيَ تَقولُ: ليت السَّماءَ تَطابَقت على الأرض الخ..».
فأخزى الله هذا الرجل الكذاب المفتري على حرم الرسول الأعظم «صلى الله عليه وآله» وعلى أطهر وأنقى وأعف، وأتقى النساء.
ويكفي في الدلالة على كذب هذا الرجل أن زينب «عليها السلام» نفسها هي التي تقرّع يزيد فتقول: «أمن العدل يا ابن الطلقاء، تخديرك حرائرك وإماءك، وسوقك بنات رسول الله سبايا، قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن، تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد، ويستشرفهن أهل المناهل والمعاقل، ويتصفح وجوههن القريب
والبعيد، والدني والشريف..
وفي الإحتجاج: ويستشرفهن أهل المناقل ويُبْرزن لأهل المناهل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد، والغائب والشهيد، والشريف والوضيع ، والدني والرفيع الخ..»(1).
وزعم البارقي أيضاً - كما في الرواية المتقدمة برقم [2] -: أن زينب «عليها السلام» قالت حين خرجت «ليت السَّمَاءَ تَطابَقَت عَلَى الأرض». ثم كلمت عمر بن سعد حول قتل الحسين «عليه السلام».
مع أن خروجها «عليها السلام» إلى ميدان القتال، وكلامها مع ابن سعد إنما حصل في آخر لحظات حياة الإمام الحسين «عليه السلام»، وذلك قبيل حز رأسه الشريف. وهذا هو الأنسب بقولها: «ليتَ السَّماءَ تطابقت على الأرض، وليت الجبال تدكدكت على السهل».
مع أن رواية ابن نما، وابن طاووس - والنص له - تقول: إن زينب «عليها السلام» خرجت من باب الفسطاط وقالت هذه الكلمات: وا أخاه، وا ،سيّداه وا أهل بيتاه ليت السّماء انطبقت على الأرض، وليت
1) الإيقاد ص 173 و 174 والملهوف (نشر أنوار الهدى) ص106 وبلاغات النساء (ط سنة 1972) ص 35 والإحتجاج للطبرسي ج 2 ص 125 وبحار الأنوار ج 45 ص 134 و 185 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 64 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ج 17 ص 434.
الجبال تدكدكت على السهل. وأنها قد قالت ذلك بعد أن أثخن الحسين بالجراح، وبقي كالقنفذ (1).
وتقدم قول البارقي أيضاً : إن زينب «عليها السلام» حين خرجت دَنا عُمَرُ بنُ سَعدٍ، فقالت: يَا عُمَرَ بنَ سَعدٍ، أَيُقتَلُ أَبو عَبدِ اللَّهِ وَأَنتَ تَنظُرُ إِلَيهِ؟!
قالَ: فَكَأنّي أنظُرُ إلى دُموعٍ عُمَرَ وهِيَ تَسيلُ عَلَى حَدَّيهِ ولِحَيَتِهِ.
قالَ: َوصَرَفَ بوَجهِهِ عَنها.
ونقول:
1 - ألم تكن زينب «عليها السلام» تعلم: أن عمر بن سعد هو القائد لذلك الجيش، والآمر الناهي فيه، الذي لم يرض إلا أن يقتل الحسين «عليه السلام» مقابل ولاية الري؟! ولم يستجب لأي من عروض الإمام الحسين «عليه السلام» عليه، وهي عروض من شأنها: أن تحفظه، وتقر عينه في الدنيا والآخرة.
2 - إن بكاء ابن سعد المزعوم يشبه قضية صياد كان يعاني من مشكلة في عينيه، حيث كانتا تدمعان باستمرار، وقد اصطاد ذلك
الصياد عصفوراً، وشرع في ذبحه وعيناه تدمعان، فرآه عصفوران آخران على هذه الحالة، فقال أحدهما للآخر انظر إلى هذا الصياد ما أرق قلبه، فهو يذبح العصفور ويبكي عليه.
فقال له: لا تنظر إلى دموع عينيه، وانظر إلى فعل يديه.
3 - إن آخرين قد رووا نفس هذه الرواية، ولم يشيروا إلى بكاء ابن سعد، بل قالوا إن زينب خاطبته بهذا الخطاب، فلم يجبها عمر بشيء، وإنما انصرف بوجهه عنها ، كما في بعض النصوص، فقالت: ويحكم، أما فيكم مسلم ؟! فلم يجبها أحد بشيء(1).
1) الإرشاد ج 2 ص 112 وأنساب الأشراف ج 3 ص 409 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 203 وبحار الأنوار ج 45 ص 55 ،والعوالم، الإمام الحسين ج17 ص 299 وتاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 345 والكامل في التاريخ ج4 ص 78 والبداية والنهاية دار إحياء التراث ج 8 ص 204 ونهاية الأرب ج 20 ص 459.
ذكرنا أكثر من مرة أن أرجاز بني هاشم وأشعارهم التي قيل:
إنهم قالوها يوم عاشوراء، تختلف في صياغتها ومضامينها، وفي هدفيتها، وفي هدوئها عن مضامين أشعار وأرجاز الأصحاب..
ونريد أن نقول هنا:
إن ما ينسب إلى الإمام الحسين «عليه السلام» من ذلك فيه العديد من الميزات والخصوصيات التي ينبغي التوقف عندها.
ونذكر من ذلك على سبيل المثال ما يلي:
تضمنت القصيدة النونية المتقدمة حكماً صريحاً بكفر ذلك الفريق المناوئ، الذي أوغل في حرب الدين وأهله، واستئصال رموزه والهداة إليه.
وذكر «عليه السلام» شواهد على هذا الكفر في نفس هذه القصيدة. وبعض ما ذكره عليه السلام مثير وحساس، فمن ذلك:
قوله «عليه السلام»: قتلوا قدماً عليا، وابنه حسن الخير ..
ومن المعلوم:
أولاً: أن الله ورسوله قد نصبا عليا، وكذلك الحسن والحسين «عليهم السلام» أئمة هداة، وقادة كفاة للأمة. يتبّرون أمورها، ويرعون شؤونها بالعلم والهدى، والرحمة والرشاد والسداد.
وقد قتل هؤلاء القوم هؤلاء الأئمة، وسعوا في طمس معالم الدين..
ومن يقتل إمامه المعصوم، المنصوب من قبل الله ورسوله، لا يكون مؤمناً، وإن ادَّعى ذلك.
ثانياً: إنه «عليه السلام» قد نسب إليهم قتل علي «عليه السلام»، مع أن قاتله هو عبد الرحمن بن ملجم الخارجي، فهل هذا اتهام منه «عليه السلام» للأمويين وأشياعهم بأنهم قد دبَّروا هذه المكيدة، وأغروا، وحرضوا ، أو تأمروا مع ابن ملجم على قتله «صلوات الله وسلامه عليه»؟!
الجواب: نعم.
وربما يشهد لذلك: ما أشارت إليه بعض النصوص، من أن للأشعث بن قيس يدا في هذا الأمر، وقد سُمع في ليلة تنفيذ هذه
المؤامرة الخبيثة يقول لابن ملجم: «فضحك الصبح»(1).
وقد بقي ابن ملجم في بيت الأشعث شهراً يستحد سيفه(2).
وكان ليلة قتله عليا في بيت الأشعث أيضا(3).
بل لا مجال لاستبعاد معاوية عن الشراكة في هذه المؤامرة، لاسيما وأن أبا الأسود الدؤلي المعاصر لهذا الحدث قد وجه أصابع الاتهام لمعاوية، فقال:
1) مروج الذهب ج 2 ص 412 والإرشاد ج 1 ص 19 وروضة الواعظين ص 149 و (منشورات الشريف الرضي) ص 133 وإعلام الورى ج 1 ص 390 وكشف الغمة ج 2 ص 64 ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 312 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 95 ومقاتل الطالبيين (ط المكتبة الحيدرية) ص 20 وبحار الأنوار ج 42 ص 230 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 6 ص 117 والدرجات الرفيعة ص 425 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص 36 وتاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 559 وأسد الغابة ج 4 ص 37 وأنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج 2 ص 493 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 608 وتاريخ الكوفة ص 312 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 32 ص 633 والعدد القوية ص240.
2) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 212.
3) مجلة تراثنا عدد 3 سنة 3 وأنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج 2 ص 493 وتاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 559 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 35 - 39 وأسد الغابة ج 4 ص 37 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص 608 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 32 ص 633.
ألا أبلغ مُعاوية بن حَرْبٍ *** فلا قرّتْ عُيُونُ الشَّامِتِيْنَا
أفي شهر الصيام فجَعْتُمُونا *** بخَيْر النَّاس طراً أجْمَعِيْنَا
قتلتُم خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطَايَا *** وَأَكْرَمَهُمْ وَمَنْ رَكِبَ السَّفِينَا
إلى أن قال:
إذا اسْتَقْبَلت وجْهَ أبي حُسَيْن *** رَأَيْتَ البَدْرَ رَاقَ النَّاظِرِيْنَا(1)
1 - ذكر «عليه السلام» أن هذا الجيش قد سار إلى كربلاء بهدف قتله «عليه السلام»، إرضاءً للملحدين، والمراد بهما - فيما يظهر - يزيد بن معاوية، وعبيد الله بن زياد «لعنهما الله تعالى». وقد
1) روضة الواعظين منشورات الشريف الرضي ص137 والأربعون حديثاً لابن بابويه ص 92 ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 315 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 98 وقضايا في التاريخ الإسلامي ص85 وتاريخ الدولة العربية ص 98 و 99 وبحار الأنوار ج 42 ص 120 و 299 وشجرة طوبى ج 1 ص 104 ونهج السعادة ج8 ص 511 ومجمع الزوائد ج9 ص144 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج 3 ص 1132 وأسد الغابة ج 4 ص 39 و 40 وأنساب الأشراف (ط الأعلمي) ص 508 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 116 والكامل في التاريخ ج3 ص 395 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 1 ص 636 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 106.
تواصى هذا الجمع كله باجتياحه وقتله «عليه السلام».
مع أن هؤلاء المجرمين يعلمون أن الحسين «عليه السلام» وأهل بيته هم أهل الحرمين مكة والمدينة. فما معنى أن يجمعوا كل هذه الجموع التي تعد بعشرات الألوف لقتل أهل الحرمين وسدنتهما، وعُمَّار بيوت الله فيهما؟! وهم المتقون الذين جعل الله تعالى لهم الولاية على بيت الله، فقد قال تعالى عن أعداء أهل البيت من هؤلاء الكفرة الفجرة: (وَمَا كَانُوا َأوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ)(1).
2 - بيّن «عليه السلام» أن السبب في كل ما يجري على يد هؤلاء المجرمين من مصائب وبلايا يعود إلى أسباب، منها:
ألف: كفر هؤلاء القوم.
ب: زهدهم بثواب الله، إلى حد الرغبة عن هذا الثواب.
ج: الحنق والغيظ الذي يتلظى في قلوبهم وصدورهم على المؤمنين وأهل الدين وعلى أهل بيت النبوة الطاهرين.
د: الإنحطاط الأخلاقي المريع، الذي جعلهم رُدُّلاً.
هـ: عدم خوفهم من الله سبحانه.
3 - بيّن «عليه السلام»: أنه لم يصدر منه تجاههم، ولا تجاه أي كان من الناس إلا كل خير سوى أنه لم يزل يعتز بانتسابه إلى علي
1) الآية 34 من سورة الأنفال.
هل الدين أن يفرحهم ذلك، لا أن يغضبهم، ويوجب حقدهم.
وقد اعترف نفس أولئك الحاقدين والحانقين بأن هذا الاعتزاز هو سبب إصرارهم على قتله «عليه السلام»، حيث قالوا له: «إنما نقاتلك بغضاً منا لأبيك . . »(1).
4 - ثم يستمر في بيان فضائل أبيه وأمه، وجده الرسول الأعظم، وعمه جعفر، ويذكر ميزاتهم الفريدة التي لا يجاريهم فيها أحد الأمر الذي يزيد في حقدهم عليه، ويعزز إصرارهم على اجتياحه.
وأما الشعر الآخر الذي أنشده «عليه السلام» وهو على فرسه، حين واجه الأعداء، عازماً على الموت، فيتضمن أيضاً أموراً يحسن النظر إليها أيضاً.
أولها: أنه «عليه السلام» قد ضمَّن هذا الشعر مقارنة بين فريقين وطريقين، ونهجين:
1) ينابيع المودة ص 416 و (ط دار الأسوة سنة 1416هـ) ج 3 ص 80 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 647 وعن مقتل الحسين «عليه السلام» ومصرع أهل بيته ص 132 وعن معالي السبطين ج 2 ص 12.
فهو «عليه السلام» يفخر بأنه ابن أطهر الخلق بنص القرآن في آية التطهير، بل هو الطهر كله، كما قال «عليه السلام».. وقد دلت سیرته والنصوص التي لا تحصى على أنه «عليه السلام» العدل كله، والإخلاص كله، وهو من قام الإسلام بسيفه، وإنما بقي هذا الإسلام بحسن تقديره، وتدبيره، وبجهاده وتضحياته، ثم بعلمه، وسياساته.
ويفخر أيضاً برسول الله «صلى الله عليه وآله»، أكرم الخلق.
ويفخر أيضاً بالزهراء «عليها السلام» سيدة نساء العالمين.
ثم هو يفخر بعمه جعفر، ذي الجناحين اللذين يطير بهما في الجنة مع الملائكة.
وإذا سألنا الفريق الآخر: بمن يفخر، وإلى من ينتسب، وبمن يعتز، فلن يجد إلا من حارب النبي صلى الله عليه وآله»، ومن سعى في تقويض دعائم الدين وطمس معالمه ولم يزل يمارس الفواحش، ويقتل الأبرياء، ويحارب الأبرار ،والصلحاء، والأئمة الأصفياء. ويرتكب أعظم الموبقات.
الثاني: إن كتاب الله قد أنزل في أهل البيت.. وهم موضع الوحي. وفيهم الهدى للناس، وهم أهل الخير والبركات.
الثالث: إنهم «عليهم السلام» في الدنيا أمان الله تعالى لأهل
1) راجع: الأمالي للصدوق ص 253 وعلل الشرائع ج 1 ص 123 وكمال الدين ص 207 وكفاية الأثر ص 29 وروضة الواعظين ص199 وخاتمة المستدرك ج 3 ص 93 وشرح الأخبار ج 2 ص 502 وج 3 ص 516 والإحتجاج ج 2 ص 48 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 305 وعيون الحكم والمواعظ ص 165 والطرائف ص131 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 377 وبحار الأنوار ج 10 ص 393 وج 23 ص 6 و 19 وج 26 ص 262 وج 27 ص308 و 309 وج 36 ص 291 وج57 ص 380 وخلاصة عبقات الأنوار ج 4 ص 312 - 317 وج 4 ص 326 ومستدرك سفينة البحار ج 1 ص 224 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 12 ص 101 و 102 والبرهان (تفسير) ج 2 ص 108 ونور الثقلين (تفسير) ج 1 ص 501 و ج 2 ص 152 وكنز الدقائق (تفسير) ج 3 ص 446 وج ه ص 334 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 6 و 7 وينابيع المودة ج 1 ص 71 و 72 و 75 و ج 2 ص 442 وج 3 ص 360 والنجم الثاقب ج 2 وج 2 ص 497 وغاية المرام ج 1 ص 105 و 110 وج3 ص112 و 137 و 138 و 139 و 140.
2) راجع نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 4 ص 37 رقم الحديث 147 والإرشاد ج 1 ص 228 والخصال ص 187 والأمالي للصدوق ص 253 والأمالي للطوسي ص 21 وكمال الدين ص 139 و 207 و 291 و 292 و 293 و ص139 294 والأمالي للمفيد ص 250 وبصائر الدرجات ص506 ورسائل في الغيبة للمفيد ج 2 ص 12 والإحتجاج للطبرسي ج 2 ص 48 و 49 وج1 ص 3 ومناقب آل أبي طالب ج 1 ص 211 وبحار الأنوار ج23 ص 6 و 48 و 49 و ج 52 ص 92 ونهج السعادة ج 1 ص 495 وج 8 ص 21 وعيون الحكم والمواعظ ص 541 و دستور معالم الحكم لابن سلامة ص 84 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 10 ص 263 وتاريخ مدينة دمشق ج 50 ص 255 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 206 والمعيار والموازنة ص 81 ونزهة الناظر للحلواني ص 57 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 18 ص 347 وإعلام الورى ج 2 ص 228 وينابيع المودة ج 1 ص 75 وج 3 ص 360 ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 205 والغيبة للنعماني ص 32 و 136 وتفسير القمي ج 1 ص 359 وتفسير نور الثقلين ج2 ص 484.
وذكر: أن هذا الأمان للناس منحة إلهية، فقال:
«ونحن أمان الله للناس كلهم»(1).
وهذا مقام عظيم لهم. وهو يجعل لهم الفضل والمنة على جميع البشر ، لأن مصير البشر كلهم مرتبط بهم، و هم سبب بقائهم، ولولا ذلك لكان الناس في معرض الهلاك والبوار.
كما أن الجهر بهذا الأمر، وتعريف الناس به، وإشاعته أمر مطلوب، إذ لعله يسهم في توفيقهم إلى الهداية، ويدعوهم للبحث والتقصي عن أهل البيت وموقعهم، ومكانتهم الخ.. ثم محبتهم، والتعلق
1) الإحتجاج للطبرسي ج 2 ص 101 و (ط دار النعمان) ج2 ص26 وبحار ص1 الأنوار ج 45 ص 49 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 291 و مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 234.
بهم، والاهتداء بهديهم.
الرابع: إن لهم «عليهم السلام» مقاماً أعلى وأسمى في الآخرة، وهو المقام المحمود، فإنهم هم أصحاب حوض الكوثر في الآخرة، والذي من شرب منه دخل الجنة، ومن منع عنه دخل النار..
ويلاحظ: أنه «عليه السلام» قال: ونسقي ولاتنا بكأس رسول الله «صلى الله عليه وآله».
فهو «عليه السلام» لا يدعي لنفسه شيئاً خاصاً به، بل هو يثبت لنفسه منزلته ، التي نالها من خلال رسول الله «صلى الله عليه وآله».
فمن يعادي الحسين «عليه السلام»، ويسعى في قتله لا يمكن أن تكون له مكانة وموقع وشأن لدى رسول الله «صلى الله عليه وآله» ولو بمقدار ذرة...
ويلاحظ: أنه «عليه السلام» بالرغم من أنه سوف يسقي الناس في الآخرة بكأس رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فإنه يقول في رجزه:
آلیت أمْضِي أن لا انتني *** أمضي عَلى دِينِ النَّبِيِّ
حيث اكتفى في الإعراب عن نهجه بأنه على دين النبي. وكان قد أوضح في قصيدته النونية أن القوم الذين يواجههم قد كفروا وخرجوا من هذا الدين، وذكر دلائل ذلك.
وقد قال «عليه السلام» يوم عاشوراء:
المَوْتُ خَيْرٌ مِنْ رُكُوْبِ العَارِ *** وَالعَارُ أَوْلى مِنْ دُخُول النّار
وهذا تصحيح للمفهوم الشائع على شكل مثل سائر يقول: «النار ولا العار».. فالإمام الحسين يقول لهؤلاء: إن هذا المثل ومرفوض، وما هو إلا نتاج أنانية إنسان ليس لديه من الإيمان بالله، ومن الاعتقاد بالآخرة ما يفتح عقله وقلبه على الحقائق، لكي يتفاعل ويتعامل معها بما تقتضيه من موضوعية، وصدق، ومسؤولية..
نقول هذا لأننا نستشف من هذا المثل: أن المعيار فيه هو تكريس حالة الإشباع للميول والرغبات الشخصية للأفراد، مما يشعرون معه ،بالضآلة ولو كانت موهونة وغير واقعية وما يواجهونه من إزراء وازدراء في حياتهم الاجتماعية التي يكون المهيمن عليها هو النهج الشيطاني في هذه الدنيا، فإن هذا الشعور يقض مضجعهم، وينغص عيشهم، ويذهب بسعادتهم.. لأنهم يرون أن السعادة والشقاء مرهونان بمدى تلبية الرغبات، والحصول على المناصب والوجاهات، والإمعان في الانغماس بالملذات والشهوات..
في حين أن المعيار عند الإمام الحسين وجميع الأنبياء والأوصياء، والأولياء والصلحاء والعقلاء، هو رضا الله تبارك وتعالى، من خلال العمل بأوامره، وامتثال زواجره، حيث يكون نيل رضوانه تعالى هو غاية الغايات ومن أعظم السعادات، كما قال تعالى: (وَرِضْوَانٌ مِنَ
اللهِ أَكْبَر )(1).
ونحن نعلم: أن أهل الدنيا يرون أن من العار على الرجل أن لا يشاركهم فيما تدعوهم إليه شهواتهم و غرائزهم وعصبياتهم، حتى حين تدعوهم إلى هتك الأعراض، وظلم الضعفاء والتعدي على الحقوق، وممارسة الرذائل.
أما العار عند أهل الحق والدين، فهو في عكس ذلك، أي في العمل بما يسخط الله، والتفريط بمرضاته، فمن يرى أن تحمل الأذى في جنب الله، والتضحية بالغالي والنفيس سوف ينيله أسمى مقام عنده تعالى، فإذا فرط، وتلكأ عن تحمل الأذى، ونكل عن تقديم التضحيات، فإنه يكون قد ارتكب ما هو عار وشنار.. ومن ضحى وبذل نفسه وروحه وماله، وضحى في سبيل الله بأهله، وبكل ما في الدنيا، فإنه يكون هو السعيد. وهو الرابح العتيد وإن لامه أهل الدنيا، وعيروه، وأدانوه وخطأوه..
ذكر ابن أعثم: أنه حين لم يبق مع الإمام الحسين «عليه السلام» أحد، قال: فبقي الحسين «عليه السلام» فريداً وحيداً ليس معه ثان إلا ابنه علي، وهو يومئذٍ ابن سبع سنين، وله ابن آخر في الرضاع اسمه أيضاً علي، فطلب أن يأتوه به ليودعه، فرموه بسهم في لبته، فقتل.
1) الآية 72 من سورة التوبة.
فحفر له «عليه السلام» بطرف السيف، ودفنه، ثم وثب قائماً وهو يقول:
وقال ابن شهر آشوب: أنشأ [الحُسَينُ «عليه السلام»] يَومَ الطَّفٌ:
كَفَرَ القومُ وقدماً رَغِبوا *** عَن ثواب اللهِ رَبِّ التَّقلين
قتلوا قدماً عَلِيّاً وَابْنَهُ الـ *** حَسَنَ الخَيرَ الكَرِيمَ الطَّرَفين
حنقاً مِنهُم وقالوا أجمعوا *** نَفْتِكُ الآنَ جَميعا بالحُسَين
يا لقوم من أناس رُدَّلِ *** جَمَعُوا الجَمعَ لِأهل الحَرَمَينِ
ثم ساروا وتَواصَوا كُلُهُم *** باجتياحي لرضاءِ المُلحِدَين
لم يَخافُوا اللهَ فِي سَفْكِ دَمي *** لِعُبَيدِ اللهِ نسل الكافرين
وَابْنُ سَعدٍ قد رَمانِي عَنوَةً *** بجنودٍ كَوكوف الهاطلين
لا لِشَيءٍ كانَ مِني قبل ذا *** غير فخري بضياء الفرقدين
بعَلِيِّ الخير مِن بَعدِ النَّبِيِّ *** وَالنَّبيِّ القُرَشِيّ الوالدين
خَيرَةُ اللهِ مِنَ الخَلق أبي *** ثم أمّي فأنا ابنُ الخَيرَتَين
فضة قد خلصت مِن ذهَبٍ *** فأنا الفِضَّة وَابْنُ الذَّهَبَين
فاطِمُ الزَّهراءُ أمي وأبي *** وارث الرُّسل ومَولى الثقلين
طحَنَ الأبطال لما برزوا *** يَومَ بَدر وبأحد وحنين
ولة في يوم أحدٍ وَقعَة *** شقتِ الغِلَّ بقضُ العَسكَرين
تم بالأحزاب والفتح معا *** كانَ فيها حَتفُ أهل الفيلقين
وأخو خَيْبَرَ إِذ بارَزَهُم *** بحُسام صارم ذي شفرتين
وَالَّذي أردى جيوشاً أقبلوا *** يَطلبون الوتر في يوم حنين
في سبيل اللهِ مَاذَا صَنْعَت *** أمَّهُ السَّوءِ مَعاً بالعِترَتَين
عِترَةُ البَرِّ التَّقِيُّ المُصطفى *** وعلي القرم يومَ الجَحفلين
مَن لَهُ عَمِّ كَعَمّي جَعَفَر *** وَهَبَ اللهُ لهُ أجْنِحَتَين
مَن لَهُ جَدُّ كَجَدِّي فِي الوَرى *** وكَشيخي فأنا ابنُ العَلَمين
والدي شمس وأمّي قَمَرٌ *** فأنا الكَوكَبُ وابنُ القمرين
جَدِّيَ المُرسَلُ مِصباحُ الهُدى *** وأبي الموفي له بالبيعتين
بَطلُّ قرم هزبرٌ ضَيغم *** ماجِدٌ سَمح قويُّ السَّاعِدَين
في سَبِيلِ اللَّهِ مَادًا صَنَعَت *** أمَّة السّوءِ مَعاً بالعِترَتَين
عُروَةُ الدّين عَلِيٌّ ذاكُمُ *** صاحِبُ الحَوض مُصَلِّي
مَعَ رَسول اللهِ سَبعاً كاملاً *** ما على الأرض مُصَلَّ غيرُ ذين
تَرَكَ الأوثان لم يسجد لها *** مَعْ قَرَيشِ مُذْ نشا طرفة عَينِ
عَبَدَ الله غلاماً يافع *** وقريش يَعبُدونَ الوثنين
يَعبُدونَ اللاتَ وَالعُزَّى مَعاً *** وعَلِيٌّ كانَ صَلَّى القبلتين(1)
وقد ذكروا: أن الحُسَينَ «عليه السلام» قدْ تَمَثَلَ يَومَ الطَّفْ بأبياتِ قالها ضرارُ بنُ الخَطَّابِ الفِهرِيُّ يَومَ عَبَرَ الخَندَقَ عَلَى رَسُولُ اللهِ «صلى الله عليه وآله» -:
مَهلاً بَني عَمِّنا ظلامَتَنا *** إنَّ بنا سَورَةَ(2)مِنَ الغلق(3)
لِمِثْلِكُم تُحمَلُ السُّيوفُ ولا *** تَعْمَرُ أحسابنا مِنَ الرَّقق
إنّي لأنمى إذا انتَمَيتُ إلى *** عِزَّ عَزِيزِ وَمَعْشَرَ صُدُق
بيض سباطِ(4)كَأَنَّ أَعْيُنَهُم *** تُكحَلُ يَومَ الهياج بالعلق(5)
1) في المصدر: «وعلي قائم بالحُسنيين»، وما أثبتناه من بحار الأنوار. راجع: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 79) و (ط)پ المكتبة الحيدرية) ج3 ص233 وراجع الإحتجاج للطبرسي ج 2 ص 101 و (ط دار النعمان) ج 2 ص 25 وكشف الغمة ج 2 ص 237 وبحار الأنوار ج 45 ص 47 و 92 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص290 و 298 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 115 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 33 ومطالب السؤول ص73 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 772 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 644 وج 19 ص 424.
2) سورة أي ثورة من حدّة راجع: النهاية ج 2 ص 420 مادة «سور».
3) علق الرجل غلقاً مثل ضَحِرَ وغَضِبَ وزناً ومعنى راجع: المصباح المنير ص 451 مادة «غلق».
4) سَبْطُ الجسم إذا كان حسن القد والاستواء. راجع الصحاح ج 3 ص 1129 مادة «سبط».
5) العلقُ: الدم الغليظ. راجع: مجمع البحرين ج 2 ص 1255 مادة «علق». راجع: مقاتل الطالبيين ص320 والأغاني ج 19 ص 204 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج3 ص 309.
وبعد أن ذكر ابن أعثم القصيدة النونية المتقدمة، قال:
ثم استوى الحسين على فرسه وتقدم حتى واجه القوم وقال:
يا أهل الكوفة، قبحاً لكم وترحاً، وبؤساً لكم وتعساً، استصرختمونا والهين فأتيناكم ،موجبين، فشحذتم علينا سيفا كان في أيماننا، وجئتم علينا ناراً نحن أضر مناها على عدوكم وعدونا، فأصبحتم وقد آثرتم العداوة على الصلح من غير ذنب كان منا إليكم، وقد أسرعتم إلينا بالعناد، وتركتم بيعتنا رغبة في الفساد، ثم نقضتموها سفها وضلة لطواغيت الأمة، وبقية الأحزاب، ونبذة الكتاب.
ثم أنتم هؤلاء تتخاذلون عنا وتقتلونا، ألا لعنة الله على الظالمين(1).
ونقول:
إننا نشير هنا إلى الأمور التالية:
لا: بالنسبة للقصيدة النونية المتقدمة، نقول: سنتحدث عن الأرجاز، والأشعار الحسينية بعد الفقرة التالية، التي ذكرت أرجازه
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 116.
وأشعاره حين بدأ القتال، وذكرت عدد من قتلهم من الأعداء.
ثانياً: ذكر النص المتقدم أن عمر الابن الوحيد للإمام الحسين «عليه السلام»، الذي بقي معه في عاشوراء، واسمه علي، وقد أخذ مع الأسرى - إن عمر ابنه هذا - كان سبع سنين..
وقد عرفنا: أنه إنما يتحدث عن الإمام السجاد، وهذا المقدار في عمره غير صحيح، بل كان عمره حوالي ثلاث وعشرين سنة، فلا حاجة إلى الإعادة.
ثالثاً: إن التمثل بشعر الغير أمر معروف ومتداول، ولا غضاضة فيه. وإنما ينظر إلى مضمون ومعنى الشعر ومناسبته للمورد الذي يراد ربطه به وربما كان القائل الحقيقي للشعر مسلما، وربما كان
غير مسلم..
وقد تمثل أمير المؤمنين عليه السلام ببعض الشعر، فراجع نهج البلاغة، وغيره من المصادر
1 - أما بالنسبة لما قاله «عليه السلام» لأهل الكوفة - كما ذكره ابن أعثم - فقد تقدم أنه «عليه السلام» قال نفس العبارات بما لها من مضامين شاكية، وما فيها من ملامة وتقريع قبل أيام، وقبل أن يقتل أصحابه وأهل بيته.
2 - لا مانع من أن يكون «عليه السلام» قد أعاد نفس هذا الكلام
على مسامع ذلك الجيش الطاغي والباغي أكثر من مرة، لتأكيد الحجة عليهم، وسد منافذ التملص والتخلص أمامهم.
3 - غير أن ملاحظة النص الذي نقلناه آنفا عن ابن أعثم تعطي: أنه قد تعرض لبعض التصحيف، أو التحريف اليسير من قبل النشاخ الذين كانوا - فيما يظهر - يفتقرون إلى المهارة والدقة.
فلاحظ على سبيل المثال:
ألف: قوله: موجفين الذي صار موجبين.
ب: قوله: وحششتم علينا ناراً صار: جئتم علينا ناراً.
4 - وقد رأينا أن أول كلمة قالها «عليه السلام» لأهل الكوفة هي قوله: «قبحاً لكم» لأن عملهم معه قد انطلق من الغدر في أقبح صوره، وأخزاها، فقد استغاثوا به، فلما أتاهم ليغيثهم غدروا به، وأرادوا تسليمه إلى عدوه، أو قتله، ومنعوه حتى من الرجوع من حيث جاء. ولذلك دعا عليهم بمزيد من الظهور والانتشار لقبائحهم، وفضائحهم.
ثم كان الأمر الثاني الذي دعا عليهم بالابتلاء به هو الترح والحزن وهذا هو نفس ما أدخله أهل الكوفة على الحسين «عليه السلام» وأهل بيته وأصحابه.
وهكذا يقال بالنسبة لقوله «عليه السلام»: «وبؤساً لكم وتعساً».
وقد ذكرنا فيما تقدم من أجزاء هذا الكتاب بعض ما يرتبط بهذه الخطبة، فلا بأس بمراجعته.
قال العلامة المجلسي «رحمه الله»:
أقول: وفي بعض الكتب: أن الحسين «عليه السلام» لما نظر إلى اثنين وسبعين رجلا من أهل بيته صرعى التفت إلى الخيمة ونادى يا سكينة يا فاطمة يا زينب يا أم كلثوم عليكن مني السلام.
فنادته سكينة: يا أبه، أستسلمت للموت؟!
فقال: كيف لا يستسلم من لا ناصر له ولا معين؟!
فقالت: يا أبه ردنا إلى حرم جدنا.
فقال: هیهات، لو ترك القطا لنام.
فتصارخن النساء، فسكتهن ،الحسين، وحمل على القوم(1).
ونقول:
1 - لم يذكر المجلسي اسم الكتاب الذي نقل عنه، ولا اسم مؤلفه، ولعله كانت في حوزته قطعة من كتاب، سقطت بعض الأوراق من أوله
1) بحار الأنوار ج 45 ص 47.
وآخره، فلم يستطع «رحمه الله» اكتشاف هوية الكتاب ومؤلفه.
2 - إن تحديد عدد الشهداء باثنين وسبعين موضع مناقشة، كما أشير إليه فيما سبق.
3 - إن السلام في مثل هذه الحالات يقال له: سلام الوداع.
4 - يبدو أنه «عليه السلام» أراد أن يكون سلامه هذا بمثابة إنذار للنساء بالاستعداد للحظات الحاسمة، فيراعين الضوابط الشرعية في لباسهن، ويبادرن إلى جمع العيال والأطفال، وضبط حركتهم، وإصدار التعليمات التي تفيد في حفظ الجميع، وتحذيرهم من التفرق، ومن الانتشار العشوائي حين تهجم عليهم الأعداء للسلب والنهب، والإيذاء، والتزام ضبط النفس، فلا تصدر منهن تصرفات انفعالية من شأنها أن تعطي الأعداء ذريعة لأي عمل يمكن أن يفاقم الأمور.
5 - ونلاحظ هنا: أن قوله «عليه السلام»: لو ترك القطا لنام، صريح في أن قرار الحرب كان أمويا ، لاحسينيا، والقرار الحسيني كان هو الإقناع بالحق، وبالدليل، وفضح الباطل، وكشف الزيف، والزيغ، وتقريب الناس إلى الإيمان، وتزيينه في قلوبهم.
6 - كما أنه «عليه السلام» حين قال لسكينة: كيف لا يستسلم للموت من لا ناصر له، ولا معين؟! قد أفهم الناس كلهم أيضاً: أنه «عليه السلام» كان يرى نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما، وهما: الموت أو النصر، الذي يؤدي إلى إقامة الدين، وإعزاز المؤمنين.
ولا مكان أبداً لمداهنة الباطل، والقبول به، والارتهان له، والسكوت
عنه.
وحين جاء «عليه السلام» ليودع عياله قال عمر بن سعد: ويحكم، اهجموا عليه ما دام مشغولاً بنفسه وحرمه.
والله إن فرغ لكم لا تمتاز ميمنتكم عن ميسرتكم.
فحملوا عليه يرمونه بالسهام حتى تخالفت السهام بين أطناب المخيم وشك سهم بعض أزر النساء، فدهشن، وأرعبن، وصحن ودخلن الخيمة، ينظرن إلى الحسين كيف يصنع.
فحمل عليهم كالليث الغضبان، فلا يلحق أحداً إلا بعجه بسيفه، فقتله، والسهام تأخذه من كل ناحية، وهو يتقيها بصدره ونحره»(1).
ونقول:
1 - ظاهر هذا الكلام أن هذا قد حصل بعد هجمات حسينية قوية، ولعله قد أثخن «عليه السلام» بالجراح، كما يدل عليه قول ابن سعد ما دام مشغولاً بنفسه وحرمه.
2 - ويبدو أيضاً أنه «عليه السلام» كان قد وقف ليستريح، ثم اقترب من عياله، وصار يكلمهم ويكلمونه بما يناسب الحالة التي انتهت إليها الأمور، فأراد عمر بن سعد أن يغتنم فرصة تعبه الشديد وجراحه لكي يتلافى هجمات أخرى منه «عليه السلام»، كان ابن
1) مقتل الحسين للمقرم ص 277 و 278.
سعد يتوقع أن تكون صاعقة ومرعبة، فأمر جيشه بالاقتراب منه، والهجوم عليه.
3 - فهجموا عليه هجوم الجبناء، حيث لم يجرؤا على الالتحام المباشر معه، بل صاروا يرشقونه بسهامهم، ظناً منهم أنه سيحاول تحاشي سهامهم، ويبتعد عنهم، فتصبح المبادرة من الناحية القتالية بأيديهم.
4 - ولكن فألهم قد خاب فقد استقبل سهامهم التي كانت تأخذه من كل جانب بصدره ونحره، وهاجمهم كالليث الغضبان، فما لحق أحداً إلا بعجه بسيفه، فقتله.
5 - وأحب أن أصارح القارئ أخيراً: بأنني حاولت أن أجد هذا النص بحرفيته، فلم أجده فيما هو حاضر لدي من مؤلفات علمائنا
المتقدمين.
ودأبي في كتابي هذا: أن لا أتعرض لما تفردت به المؤلفات التي كتبت في القرنين الأخيرين إلا في موارد قليلة، ومنها هذا المورد.
وأنا لا أتهم علماءنا بشيء يسيء إلى نزاهتهم، وكرامتهم، وإنما سبب اتخاذي هذا المنحى هو اعتقادي - وقد أكون مخطئا فيه -: أن بعض ما ورد في هذه المؤلفات قد ورد على سبيل الوصف لحالة متوقعة ومفترضة على طريقة « وكأني به..»، أو على طريقة لسان حاله كذا..
ولعل بعض ما كتبوه لم يأخذوه من كتاب قد سمعوه من علماء
تناقلوه، وإن لم يدونوه، فهو من علم الصدور ، لا من علم السطور، أو وجدوه في مكتوبات لم تلتزم النصوص الحرفية للروايات، فحشرت بين سطورها بعض التصورات لحوادث افتراضية، أو ما إلى ذلك..
قالوا: ثُمَّ وَدَّعَ [الحُسَينُ «عليه السلام»] النِّسَاءَ، وَكَانَت سُكَينَهُ تَصيحُ، فَضَمَّها إلى صَدرِهِ وقَالَ:
سَيَطولُ بَعدي يا سُكَينة *** مِنكِ البُكَاءُ إِذا الحِمامُ دَهَاني
لا تُحرقي قلبي بدَمعِكِ *** ما دامَ مِنّي الرّوحُ فِي جُثماني
وإذا قتلتُ فأنتِ أولى بالذي *** تأتينه يا خيرَة النَّسوان(1)
ونقول:
الحمام: الموت.
1 - لقد ودَّع الإمام الحسين «عليه السلام» النساء. وخص ابنته سكينة بلفتة حملت معها رسالة، أراد «عليه السلام» أن يبلغها عبر سكينة لمن ألقى السمع وهو شهيد..
1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 109 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 257 وينابيع المودة 346 و (ط دار الأسوة) ج 3 ص 79 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 633.
ومضمون هذه الرسالة: هو أن قتله «عليه السلام» سيكون بداية لابتلاءات واسعة وممتدة إلى أزمنة طويلة .. ولعل ما عاينه من آلام قبل استشهاده «عليه السلام»، ومن مصائب ورزايا لا يوازي ما
سيكون بعده. فلا صحة للمزاعم التي تحاول تهوين الخطب من أجل تكريس الإدانة، وحصر المشكلة بالإمام الحسين «عليه السلام»، ليكون هو السبب في وقوع فاجعة كربلاء.
2 - إنه «عليه السلام» أضفى على ابنته بعد إبلاغها هذه الرسالة، فيضاً عاطفياً زاخراً بالحنو والرقة عليها، حين قال لها: «لا تحرقي قلبي بدمعك حسرة الخ..».
ويبدو لنا: أنه «عليه السلام» أراد أن يوظف هذا الفيض العاطفي في صالح قضية الإسلام الكبرى، من خلال إعادة حالة السكينة والتوازن والتماسك في موقف سكينة، وسائر النساء، لكي لا يظهر الضعف والانكسار عليهن، ولا يتصرفن بعشوائية وانفعال، فيشمت بهم عدوهم.
وليقف التاريخ منهن موقف المكبر والمنبهر ، بما يراه من معنى العزة والإباء، والشهامة والكرامة، وإعطاء الانطباع اللائق بمقام من ضحى بنفسه وأهل بيته وأصحابه، لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الباطل هي السفلى، ولتكون الشهادة نصراً، والجريمة ذلة وهزيمة لمن ارتكبها..
3 - قد لاحظنا أنه «عليه السلام» استفاد لإخماد فورة العاطفة لدى سكينة من نفس هذا الفيض العاطفي الذي أغدقه عليها.
4 - ويلاحظ أيضاً أنه «عليه السلام» لم يرد لها أن تكبت عاطفتها، فأفسح لها المجال وأعطاها الحق بالتنفيس عن كربتها في الموقع المناسب الذي يصبح التماسك فيه أمراً مستهجنا، ودليل قسوة، ونذير خواء عاطفي ،خطير، قد يجعل منه الأعداء ذريعة للانتقاص، والعيب.. فأعطاها الحق بالبكاء في لحظة وقوع الفاجعة، فقال: وإذا قتلت فأنت أولى بالذي تأتينه..
قال المجلسي «رحمه الله»:
«ثمّ ودّع «عليه السلام» أهلَ بَيْتِهِ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّبْرِ، وَوَعَدَهُمْ بالدَّوَابِ وَالأجْرِ ، وَأَمَرَهُمْ بلبس أزرهم، وقال لهم:
اسْتَعِدُّوا لِلبَلاءِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ تَعالى حافِظكُمْ وَحاميكُم، وَسَيُنجيكُمْ مِنْ شَرِّ الأَعْداءِ، وَيَجْعَلُ عاقِبَة أَمْرِكُمْ إِلَى خَيْرٍ، وَيُعَدِّبُ أعاديكُمْ بأَنواعٍ الْبَلاءِ، وَيُعَوِّضُكُمُ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ البَلِيَّةِ بِأَنواع النِّعَمِ وَالكَرامَةِ .
فَلا تَشكُوا ، وَلا تَقُولُوا بِأَلْسِنَتِكُمْ ما يُنقِصُ قَدْرَكُمْ»(1).
1) جلاء العيون ص 201 و (ط أخرى) ص 576 ونفس المهموم ص 355 عنه، والدمعة الساكبة ج 4 ص 346 وإكسير العبادات ج 3 ص 18 و عن مناقب آل أبي طالب، وعن ناسخ التواريخ ج 2 ص 380.
ونقول:
يبدو أن المجلسي «رحمه الله» قد اعتبر الوداع الأول هو ما تقدم من أنه «عليه السلام» ودّع أهل بيته حين ناداهم يا سكينة يا فاطمة يا زينب يا أم كلثوم عليكن مني السلام فنادته سكينة: يا أبه، أستسلمت للموت؟
فقال: كيف لا يستسلم من لا ناصر له ولا معين؟
فقالت: يا أبه ردنا إلى حرم جدنا
فقال: هيهات لو ترك القطا لنام أو (لغفا ونام).
الأجل ذلك اعتبر هذه الوصايا والتوجيهات لهن وداعاً ثانياً.
قد يظن بعض الناس - أو يدّعي بهدف التشويش على الحقائق الواضحة: أن الحسين «عليه السلام» قد قطع مسافات طويلة تعد بمئات الأميال سيراً على الأقدم، أو على الخيل والإبل، وحمل معه أحب الخلق إليه، وأغلاهم علىه، وأعزهم على قلبه، وألصقهم به، وكان معه «عليه السلام» جماعة هم صفوة الأصحاب، وجاء بهم إلى صحراء قاحلة، وكأنه رضي بأن يموتوا معه عطشاً، ويفتك الهم والغم
بقلوبهم وأرواحهم، وتعرضوا للذبح، وأشد أنواع التنكيل، والاستئصال، حتى للرضع والأطفال.
مع أنه كان بإمكانه أن يتلافى ذلك كله، ويحفظ نفسه، وأرواح جميع الذين كانوا معه بتنازل يسير، لا يزيد على إعلان الرضا بهذا الحاكم المتغلب، وإعطاء البيعة له.
ألا يعدُّ الإصرار على رفض هذا التنازل، الذي انتهى إلى هذه الكوارث والبلايا قسوة بالغة، وصلابة قل نظيرها؟!
ونجيب:
اولاً: بأن الأمر ليس بهذه البساطة، فإن التنازل اليسير هو الأشد خطراً، والأعظم ضرراً من القتل وذبح الأطفال، وأسر النساء، لأنه تنازل عن الإسلام، وعن الدين كله، وعن الكرامة والحرية، وعن الدنيا، والآخرة.
والتضحيات التي قدمت لا توازي هذه الخسائر الهائلة بلا ريب. على أن التضحيات التي قدمت إنما هي تنازل عن باقي العمر، الذي اقتضته السنن الطبيعية بحسب حالات الأفراد، وطبائع أجسامهم، وغير ذلك.. وهو العمر الذي سجله الله لهم في لوح المحو والإثبات.
ثانياً: إن الإمام الحسين «عليه السلام» قد قدَّم في عشرات المناسبات صوراً رائعة للعاطفة الإنسانية الجياشة التي تعتمل في
صدره تجاه هؤلاء الأحبة، وقد مر معنا الكثير منها.
رابعاً: إن العاطفة ليست هي التي تتحكم بمسار وقرار الرجل الذي هو في موقع الإمامة للأمة، والهادي والراعي لها، والحافظ لدينها وكرامتها ومستقبلها في الدنيا والآخرة .. بل هي مصلحة الأمة، وحفظ الدين، والكون في موقع رضا رب العالمين.
ولو كانت العاطفة هي الحاكمة لم يكن ثمة جهاد، ولا تضحيات، ولا استشهاد ، ولكان الباطل وأهله هم الحكام على الناس إلى يوم القيامة.
مضمون وصايا الإمام:
وإذا نظرنا إلى النص المذكور آنفاً نجد أنه تضمن توجيهات وأوامر، ومطالب عديدة هي:
قد كان الأمر بالصبر هو أول مطالبه «عليه السلام» من العيال. لأن الذي يحل محل الصبر هو الجزع، واستعظام المصاب.. ولهذا الأمر في مثل تلك اللحظات الحرجة سلبياته.
فأولاً: هو قد يمنح الأعداء الفرصة للتلذذ بآلام هؤلاء النسوة، بالشماتة بهن، ربما بأسماعهن، أو بالقيام بحركات وتصرفات تزيد في آلامهن، وتذكي الشجا والحزن في قلوبهن.
ثانياً: إن الجزع إذا لم يكن منطلقاً من الوعي الصحيح لحدوده
وغاياته، والمراقبة للنتائج والآثار التي تنشأ عنه، قد يخرج الجازع الغافل عن دائرة التوازن والانضباط ليقع حتى في شرك الشيطان، حين يتحول إلى تبرم وتضجّر من وطأة المسؤوليات التي يفرضها الالتزام بالحق.
وقد يحرض على الاعتراض الذي قد ينتهي إلى التشكيك بالعدل الإلهي، والرحمة الربانية والعياذ بالله، ثم يمعن بالانحراف عن خط السلامة والحق، ويستغرق في الباطل، إلى حد الاستسلام للأوهام والترهات.
وبذلك يتضح أن المطلوب في هذه المرحلة هو التمازج بين الصبر، وبين الأسى والحزن، بوضع الحزن في دائرة الانضباط والتوازن، والحيلولة دون تأثيره في النظرة الاعتقادية، أو استثماره من قبل المضلين، والأعداء المبطلين، ومراقبة الحالات والآثار والنتائج المترتبة عليه بوعي وبدقة.
وعلى هذا الأساس يأتي وعده «عليه السلام» لعياله بالثواب والأجر، فإن النتيجة الطبيعية للصبر الذي هو حصانة وصون عن أي شطط، أو اندفاع غير مسؤول، بدءاً من الناحية الإيمانية القلبية، وانتهاء بالتصرفات والحركة الجوارحية العملية.. وقد جاء في خطبة الوسيلة قوله «عليه السلام»: «من كنوز الإيمان الصبر على
المصائب»(1).
وفي الخطبة العلوية: «الإيمان على أربع دعائم على الصبر واليقين، والعدل والجهاد (والتوحيد)»(2).
وعن الإمام الصادق «عليه السلام»: الصبر رأس الإيمان(3).
1) بحار الأنوار ج 74 ص 289 و 237 و ج 79 ص 136 وتحف العقول ص 89 و 100 وكنز الفوائد ص 58 وعيون الحكم والمواعظ ص 468 ومستدرك سفينة البحار ج 6 ص 155.
2) الكافي ج 2 ص 50 والخصال للصدوق ص 231 وبحار الأنوار ج 67 ص 181 و ج 65 ص 351 و 348 و 383 ونهج البلاغة (بشرح عبده) ج 4 ص 7 وروضة الواعظين ص 43 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 15 ص 186 و (الإسلامية) ج 11 ص 144 وكتاب سليم بن قيس ص175 والغارات للثقفي ج 1 ص 135 وشرح نهج البلاغة لابن ميثم ج 5 ص 252 ومشكاة الأنوار للطبرسي ص 43 . ومرآة العقول ج 7 ص 314 ومستدرك ص314 سفينة البحار ج 1 ص 206 و 207 وج 6 ص 155 وشعب الإيمان ج1 ص 71 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 18 ص 142 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة ) ج 1 ص 285 وج 16 ص 189 والدر المنثور ج 1 ص 66 وتاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 515 وميزان الإعتدال ج 2 ص 199 ولسان الميزان ج 3 ص 82 والمناقب للخوارزمي ص 372.
3) الكافي ج 2 ص 87 وبحار الأنوار ج 67 ص 183 وج 68 ص67 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 3 ص 257) و (الإسلامية) ج 2 ص 903 وعيون الحكم والمواعظ ص 27 ومشكاة الأنوار ص 57 ومرآة العقول ج8 ص121 و مستدرک سفینة البحار ج6 ص150.
وعنه «عليه السلام»: «الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا ذهب الرأس ذهب الجسد، كذلك إذا ذهب الصبر ذهب الإيمان»(1)
وروي ذلك عن علي «عليه السلام» في المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 156 ونظم درر السمطين ص 151 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج16 ص 241 وتاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 510 والبيان والتبيين ص251 وعيون الأخبار لابن قتيبة ج 2 ص 135 وتاريخ الخلفاء ص204 والمناقب للخوارزمي ص 374.
.ويلاحظ أن الوعد بالثواب إنما هو على نفس الصبر والتحمل، وضبط النفس، والالتزام بالحدود والضوابط، لا على المعاناة الجسدية،
وما يرتبط بها.
وقد لاحظنا : أنه «عليه السلام» حين أراد الانتقال في توجيهاته
1) الكافي ج 2 ص 87 و 89 وبحار الأنوار ج 67 ص 183 وج 68 ص 81 و 92 وج 42 ص 188 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 3 ص 257 و 258 و (الإسلامية) ج 2 ص 903 و 904 ومستدرك الوسائل ج 11 ص 284 ومشكاة الأنوار ص 57 و 484 ومرآة العقول ج 8 ص 122 ومستدرك سفينة البحار ج 6 ص 150 ونور الثقلين (تفسير) ج 4 ص 206 وكنز الدقائق (تفسير) ج 10 ص 256.
إلى الناحية العملية، بدأ بأمر النساء، بلبس الأزر، وهذا معناه أنه يعلمهم بأن اللحظة الأخيرة قد اقتربت، وهو يعلم أن جيشاً يستحل قتل الرضع والأطفال، وأبناء النبيين لا يتورع عن الهجوم على أخبية النساء، والدخول عليهن بصورة مفاجئة، وقسرية، بهدف السلب والنهب.
وهذا يدعو إلى أخذ الحيطة والحذر، ولاسيما فيما يرتبط بالستر، ولزوم الاستعداد لمواجهة البلاء برباطة جأش، والعمل على تضييع الفرص على الأعداء، وتجنب أي عمل يمكن أن يتخذه الظالمون ذريعة لأي عمل يمكن أن يقدموا عليه.
وقد أخبر الإمام الحسين «عليه السلام» العيال بالأمور التالية:
1 - إنه تعالى حافظ لهم من أي سوء يمكن أن يصيبهم من قبل هؤلاء الأعداء، أو من أي جهة أخرى.
2 - إنه تعالى حاميهم من عدوان أعدائهم عليهم.
ولعل الفرق بين الحفظ والحماية هنا: أن الحفظ يكون من كل سوء يمكن أن يتوجه إليهم من أي جهة، وفي أي زمان ومكان، وظرف كان وإن لم يكونوا قد حسبوا له حساباً، ولا خطر لهم على بال.
أما الحماية فهي من العدو الظاهر المعلن بعداوته المباشر للعدوان بنحو أو بآخر، كما هو حالهم مع هؤلاء المجرمين الذين سيصبحون
في أيديهم.
3 - قد يفهم: أن الحماية الإلهية من أذى عدوهم، لا يعني أن يد ذلك العدو سترفع عنهن، فجاء الخبر الآخر ليقول لهم: إنه تعالى سوف ينجيهم من شر هؤلاء الأعداء، وسيرفع هذا التسلط الظالم
عليهم، وسوف ينتهي وينقطع إلى غير رجعة.
4 - إن البشارة بهذه الراحة من تسلط هذا العدو الغاشم لا تعني النجاة من جميع المصائب والابتلاءات، ولذا نراه قد أتبع ذلك بخبر آخر مفاده أن الله سبحانه سوف يجعل عاقبة أمرهم تنتهى إلى خير.. وهذه بشارة جليلة وجميلة لهم.
5 - ثم أخبرهم بأمر غيبي آخر ، يحدد لهم مصير أعدائهم، فقال: - إن الله تعالى «سوف يعذب عدوكم بأنواع البلاء..» وهذا يؤكد لهم سنة العدل الإلهي، لتكون هذه البلاءات عقوبة لهم على ما اقترفته أيديهم من جرائم مختلفة في حق أهل بيت الرسول «صلى الله عليه وآله»..
ويقابل هذا العذاب والبلاءات للأعداء: أن الله تعالى سوف يعوض العيال عن بليتهم هذه التي اختلفت وتعددت أنواع الأذى التي لحقت بهم - يعوضهم - بأنواع النعم والكرامة ..
6 - ولم يكتف في هذا التعويض بأن يكون بأنواع النعم لكي توازن أنواع الأذايا التي تعرضوا لها، بل ضم إليها «الكرامة» أيضاً ، لأن من أهم مقاصد أعدائهم من سبيهم هو إذلالهم، وإهانتهم، وتصغير
شأنهم، وتحقيرهم وهتك حرمتهم، وإسقاط محلهم، بالإضافة إلى الأذايا اللسانية، والعطش، والتجويع، والسلب وربما الضرب، والأسر، ومعاناة الحر، والبرد، والمشقات التي يواجهونها في قطع المسافات
على مراكب غير صالحة، بل مؤذية..
ثم طلب منهم أمرين:
الأول: أن لا يشكوا إلى أحد من أعدائهم حالهم، وقد روي عن الصادق «عليه السلام»: «إذا نزلت بك نازلة، فلا تشكها إلى أحد من أهل الخلاف، ولكن اذكرها لبعض إخوانك، فإنك لن تعدم خصلة من أربع خصال: إما كفاية، وإما معونة بجاه، أو دعوة مستجابة، أو مشورة برأي»(1).
وعنه «عليه السلام»: «من شكا إلى مؤمن، فقد شكا إلى الله عز وجل، ومن شكا إلى ،مخالف، فقد شكا الله عز وجل». وبمعناه
1) الكافي ج 8 ص 170 وبحار الأنوار ج 75 ص 265 وج 78 ص 207 والوافي ج 5 ص 707 وتحف العقول ص 379 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 412) و (الإسلامية) ج 2 ص 631 والفصول المهمة للحر العاملي ج 3 ص 296 ومرآة العقول ج 26 ص 44 ومستدرك سفينة البحار ج6 ص 36.
غیره(1).
على أن من الواضح: أن الشكوى إذا عرف العدو مضمونها، فإنه سيفرح بها ويشمت، ويعين على المشتكي بكل ما يستطيع، حتى بجاهه، ويدعو عليه بالمزيد من البلاء والمعاناة، وقد يحاول ابتكار أساليب أذى جديدة تزيد الوطأة، لاسيما إذا لم يعد للعيال كافل ولا ناصر..
الثاني: أن لا يقولوا بألسنتهم ما ينقص من قدرهم..
1) راجع: فقه الرضا لابن بابويه ص 341 وقرب الإسناد ص78 ومعاني الأخبار ص 407 ومستدرك الوسائل ج 2 ص 72 وبحار الأنوار ج 69 ص 325 ومستدرك سفينة البحار ج 6 ص 37 وكنز الدقائق (تفسير) ج6 ص 362.
1 - عن عبيد الله بن عمارة بن عبد يغوث البارقي أنه قال:
«مَا رَأَيْتُ قط أَرْبَط جاشا مِنَ الحُسَيْن، قُتِلَ وَلدُهُ وَجَمِيْعُ أَصْحَابِهِ حَوْلَهُ، وَأَحَاطَتْ بهِ الكَتَائِبُ، فَوَاللَّهِ لَكَانَ يَشْدُّ عَلَيْهِم، فَيَنْكَشِفُوا عَنْهُ انْكِشَافَ المِعْزَى إِذا شَدَّ فِيْهَا الأَسَدُ.
فَمَكَتَ مَلِيًّا مِنَ النَّهَارِ والنَّاسُ يُدَافِعُونَهُ، وَيَكْرَهُونَ الإقدَامَ عَلَيْهِ(1).
2 - قال بعض الرواة: فواللهِ مَا رَأَيْتُ مَكْنُوراً قط قدْ قُتِلَ ولدُهُ وأَهْلُ بَيْتِهِ وَصَحْبُهُ أَرْبَط جاشا مِنْهُ، وَإِنْ الرِّجَالَ كَانَت لَتَسْدُّ عَلَيْهِ فَيَشَدُّ عَلَيْهَا بِسَيْفِهِ، فَتَنْكَشِفُ عَنْهُ انْكِشَافَ المِعْزَى إذا شَدَّ فِيْهَا الذِّئبُ.
1) شرح الأخبار ج 3 ص 163 وسعد السعود ص 136 وأنساب الأشراف ج3 ص 408 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 202 وراجع ترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 74 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 302 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 630.
وَلقد كَانَ يَحْمِلُ فِيهِمْ وقَدْ تَكَمَّلُوا ثلاثين ألفاً، فَيُهْزَمُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ كَأَنَّهُمُ الجَرَادُ المُنتَشِرُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلى مَرْكَزِهِ وَهُوَ يَقُولُ: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلا باللهِ العَلِيِّ العَظيم(1).
ونقول:
هناك نصوص كثيرة تؤكد هذه المعاني التي أشير إليها في النصين السابقين، وقد مرت بنا ، وستمر لمحات أخرى تؤكدها.
وثمة نصوص أخرى كثيرة تدخل في هذا السياق لا نرى حاجة لتتبعها ، فإن هذا الأمر كالنار على المنار وكالشمس في رائعة النهار..
وإنما ذكرنا ذلك هنا لنجعل منه فرصة لنؤكد للقارئ على أن الموضوع ليس مجرد شجاعة قلب ، وقوة جنان، فقد يكون هناك من يفضل الموت إذا يئس من الحياة، وسعى إلى التخلص منها بالانتحار أو بقذف نفسه في النار، أو أنه يرمي بها من شاهق، أو يقتحم غابة من السيوف والرماح لتقطعه إربا إرباً. فهذا تهور مبعثه اليأس، وليس شجاعة، وقوة جنان.
وقد تجد رجلاً قوي الجنان، شجاع القلب يهاجم الألوف،
1) الملهوف ص 170 و (نشر أنوار الهدى) ص 71 ومثير الأحزان ص 72 و ط المكتبة الحيدرية) ص 54 وبحار الأنوار ج 45 ص 50 وشرح الأخبار ج 3 ص 163 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 293 ومستدرك سفينة البحار ج 5 ص 372.
وسرعان ما يذهب طعمة للرماح والسيوف، ولا يتمكن من إحداث أي أثر ذي بال في جموع أعدائه.
ولكن الإمام الحسين «عليه السلام» لم يكن من هذا الصنف من الناس، ولا من ذاك.
والسبب في ذلك : أنه «عليه السلام» لم يكن يرى جواز التفريط بحياته مهما كانت الظروف، ولو استطاع أن يحصل على لحظة حياة أكثر مما حصل عليه، لما تردد في ذلك.
بل كان يرى أن وظيفته هي الدفاع عن نفسه إلى آخر رمق، وقد قام بهذا الواجب على أتم وجه ، ومارس من فنون القتال، واغتنام الفرص والحذر، والمراقبة الشديدة، وطبق الخطة الدفاعبة التي وضعها بدقة واقتدار. الأمر الذي فاجأ الأعداء وحيرهم، وبهرهم.
وقد كانت حصيلة الجهد الذي بذله «عليه السلام» هي - كما يقول ابن شهر آشوب - أنه أهلك ألفا وتسع مئة وخمسين رجلا من عيون الرجال، من فرسان ورجالة ذلك الجيش الذي كان ثلاثين ألف مقاتل.. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا إذا كان «عليه السلام» قد بلغ في مهاراته، وفي شجاعته وفروسيته حدّ الإعجاز ، لكي يأتي بهذا الإنجاز.
1 - تقدم عن ابن أعثم: أن القوم حملوا على الحسين «عليه السلام» بالحرب، فلم يزل يحمل عليهم ، ويحملون عليه، وهو مع ذلك يطلب الماء، ليشرب منه شربة، وكلما حمل بنفسه على الفرات، حملوا عليه حتى
أحالوه عن الماء(1).
وقد أشار إلى هذا أيضاً ابن طاووس، وابن نما وسواهم(2)
(الملحقات) ج 27 ص 212 عن التبر المذاب ص 83.
.2 - وقال الدينوري:
وَعَطِشَ الحُسَيْنُ «عليه السلام»، فَدَعَا بقدَح مِنْ مَاءٍ ، فَلمَّا وَضَعَهُ فِي فِيْهِ رَمَاهُ الحُصَيْنُ بنُ نُمَيْرِ بِسَهْمٍ، فَدَخَلَ فَمَهُ، وَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شُرْبِ المَاءِ، فَوَضَعَ الْقَدَحَ مِنْ يَدِهِ.
ولما رأى القوْمَ قدْ أَحْجَمُوا عَنْهُ، قامَ يَتَمَتَى عَلَى المُسَنَّاةِ نَحْوَ الفُرَاتِ، فَحَالُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ المَاءِ، فَانْصَرَفَ إلى مُوْضِعِهِ الَّذِي كَانَ فِيْهِ(3).
1) لفتوح لابن أعثم ج 5 ص 117 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص34 وبحار الأنوار ج 45 ص 51 ،والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 293.
2) الملهوف ص 171 و (نشر أنوار الهدى) ص 69 ومثير الأحزان ص 73 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 53 وبحار الأنوار ج 45 ص 50 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 292 والإرشاد ج 2 ص 109 وروضة الواعظين منشورات الشريف الرضي ص188 والثاقب في المناقب ص341 ومدينة المعاجز ج 3 ص 477 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 302 وتاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 343 وإعلام الورى ج 1 ص 466 والدر النظيم ص 557 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 74 وشرح إحقاق الحق
3) الأخبار الطوال ص 258 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج6 ص 2629 وراجع: أخبار الدول وآثار الأول للقرماني ج 1 ص 322 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 688.
3 - قال ابن شهرآشوب وروى أبو مخنف، عن الجلودي: أنَّ الحُسَيْنُ «عليه السلام» حَمَلَ عَلَى الأَعْوَر السَّلمِي، وعَمْرُو بنُ الحَجَّاج الزُّبَيْدِي وكَانَا في أَرْبَعَةِ آلافٍ رَجُلٍ عَلَى الشَّرِيعَةِ، وَأَقحَمَ الفَرَسَ عَلى الفُرَاتِ، فَلمَّا أَوْلغَ الفَرَسُ بِرَأْسِهِ لِيَشْرَبَ قَالَ «عليه السلام»: أنتَ عَطشانٌ، وَأَنَا عَطشَانٌ، وَاللهِ لا أَدُوقُ المَاءَ حَتَّى تَشرَبَ.
فَلمَّا سَمِعَ الفَرَسُ كَلامَ الحُسَيْن «عليه السلام» شَالَ رَأْسَهُ وَلَمْ
يَشْرَب، كَأَنَّهُ فَهمَ الكَلامَ.
فقالَ الحُسَيْنُ «عليه السلام»: فَأَنَا أَشْرَبُ.
فَمَدَّ الحُسَيْنُ «عليه السلام» يَدَهُ فَغَرَفَ مِنَ المَاءِ، فَقَالَ فارس: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ! تَتَلدِّدُ بِشُرْبِ المَاءِ وَقَدْ هُتِكَتْ حُرَمُكَ؟!
فَنَقْضَ المَاءَ مِنْ يَدِهِ، وَحَمَلَ عَلَى الْقَوْمِ، فَكَشَفَهُمْ، فَإِذَا الْخَيْمَهُ سَالِمَةٌ(1).
4 - في نص آخر: أن الإمام عليه السلام» دعا على زرعة بعد رمي زرعة له «عليه السلام» بالسهم في حنكه، فحال بينه وبين شرب
1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 58 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 215 ومدينة المعاجز ج 3 ص 505 وبحار الأنوار ج 45 ص51 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 294 كلها عنه، وعن الدمعة الساكبة ج 4 ص344 ومقتل الحسين ومصرع أهل بيته ص138.
الماء، وأضاف: فَحَدَّتْنِي مَنْ شَهدَهُ وَهُوَ يَجُودُ، أَنَّهُ يَصِيْحُ مِنَ الحَرِّ فِي بَطْنِهِ، وَالْبَرْدِ فِي ظَهْرِهِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ المَرَاوِحُ وَالتَّلْجُ ! وَخَلْفَهُ الْكَانُونُ، وَهُوَ يَقُولُ: اسْقُونِي، أَهْلكَنِي العَطش. إلى آخر ما تقدم(1).
5 - قال سبط ابن الجوزي عن الحسين «عليه السلام» بعد إصابته بالسهم: «فَجَعَلَ الدَمُ يَسِيْلُ مِنْ شَفَتَيْهِ، وَهُوَ يَبْكِي وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ مَا يُفْعَلُ بي، وَبِإِخْوَتِي، وَوُلدِي، وَأَهْلِي ثُمَّ اشْتَدَّ بِهِ
العَطش»(2).
6 - عن القاسم بن الأصبغ بن نباتة، قال: حَدَّتْنِي مَنْ شَهِدَ الحُسَيْنَ
1) راجع مجابوا الدعوة لابن أبي الدنيا ص 51 58 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 91 وذخائر العقبى ص 246 و (نشر مكتبة القدسي سنة 1356هـ) ص 144 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 223 وكفاية الطلب ص 434 وفيه «المرج» بدل «المراوح» وتهذيب الكمال ج 6 ص 430 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2620 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 311 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص346 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 79 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص514 و 515 و 530 و ج 27 ص 212 و 522 وراجع: مثير الأحزان ص 71 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 53 وبحار الأنوار ج 45 ص 311 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 615 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 56 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 214 وموسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 399 و 400 عن بعض المصادر المتقدمة.
2) تذكرة الخواص ص 252 و (ط أخرى) ص 227.
«عليه السلام» فِي عَسْكَرِهِ، أَنَّ حُسَيْنَا حِيْنَ غُلِبَ عَلَى عَسْكَرِهِ، رَكِبَ المُسَيَّاةَ يُرِيْدُ الفُرَات قَالَ: فَقالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَبَان بن دَارم (اسمه زرعة): وَيْلَكُمْ حُولُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ المَاءَ لا تَتَامَّ إِلَيْهِ شِيْعَتُهُ.
قالَ: وَضَرَبَ فَرَسَهُ وَأَتْبَعَهُ النَّاسُ حَتَّى حَالُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفُرَاتِ، فقالَ «عليه السلام»: اللَّهُمَّ اظْمِنْهُ.
قالَ: وَيَنتَزِعُ الأَبَانِيُّ بِسَهُم ، فَأَتْبَتَهُ فِي حَنَكِ الحُسَيْن.
قالَ: فَانْتَزَعَ الحُسَيْنُ السَّهْمَ، ثُمَّ بَسَطَ كَفَّيْهِ فَامْتَلأت دَمَا، ثُمَّ قَالَ الحُسَيْنُ «عليه السلام»: اللهُمَّ إنِّي أَشكُو إِلَيْكَ مَا يُفْعَلُ بِابْنِ بِئْتِ نَبِيِّكَ.
قالَ: فَوَاللَّهِ إِنْ مَكَتَ الرَّجُلُ إِلا يَسِيرًا حَتَّى صَبَّ اللَّهُ عَلَيْهِ الظُّمَأ، فَجَعَلَ لا يَرْوَي(1).
7 - قالَ القَاسِمُ بنُ الأَصْبَعْ: لقد رأيتني فيمَن يُرَوِّحُ عَنهُ، وَالماء يُبَرِّدُ لَهُ، فيهِ السُّكَرُ ، وعِساس(2)فيها اللبَنُ ، وقِلال(3)فيها الماء، وإِنَّهُ
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 449) و (ط الأعلمي) ج 4 ص 343 والكامل في التاريخ ج 4 ص 76 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 203 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص189 و 190 ونهاية الأرب ج 20 ص 457.
2) العُس: القدَحُ العظيم. راجع: الصحاح ج 3 ص 949 مادة «عسس».
3) القلة: الجرّة العظيمة، وقيل: الجرّة عامة. راجع: لسان العرب ج 11 ص 565 مادة «قلل».
لْيَقولُ: وَيلكُم اِسقوني قتَلنِي الظُّمَا ! فيُعطى القلة أو العُسُّ كَانَ مُرويا أهلَ البَيتِ فَيَشْرَبُهُ، فَإِذا نَزَعَهُ مِن فِيهِ اصْطَجَعَ الهُنَيهَة، ثُمَّ يَقُولُ: وَيلكُمُ اسقوني قتَلنِي الظُّما!
قالَ: فَوَاللهِ ما لبث إلا يسيراً ، حَتَّى انقدَّ َ بَطنُّهُ انقدادَ بَطن البعير(1)
وراجع: الرد على المتعصب العنيد ص 39 وراجع مناقب آل أبي طالب ج4 ص 56 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 214 وبحار الأنوار ج 45 ص 51 و 300 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 294 و 628 و 613 وبغية 294 الطلب في تاريخ حلب ج6 ص 2621 وذخائر العقبى ص246 و (ط مكتبة القدسي) ص 144 والمعجم الكبير ج 3 ص 114 ومجمع الزوائد ج 9 ص 193 وكفاية الطالب ص 435 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 94 ومقاتل الطالبيين (ط المكتبة الحيدرية) ص 78 وترجمة الإمام الحسين
لابن عساكر ص 375 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 79.
.ونقول:
لاحظ الأمور التالية:
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 449) و (ط الأعلمي) ج 4 ص 343 والطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 472 والثاقب في المناقب ص 341 ح287 كلاهما نحوه وراجع: أنساب الأشراف ج3 ص 407 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 302 والكامل في التاريخ ج4 ص76 ومدينة المعاجز ج 3 ص 477 و 480 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج8 ص 203 ونهاية الأرب ج 20 ص 458 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 204 وج 11 ص 534 و 529.
ذكر الدينوري وغيره: أن الحسين «عليه السلام» دعا بقدح ماء ليشرب، فلما وضعه في فيه رمي بسهم في فمه منعه من الشرب.
وهذا كلام لا مجال للأخذ به، لأن ذلك يفرض تأويل عشرات النصوص والأخبار الدالة على أنه «عليه السلام» قد مات عطشاناً.
إلا أن يقال: لا غبار على كلام الدينوري لأن مراده أن موته «عليه السلام» عطشاناً لا ينافي كلامه، لأن ما قاله أيضاً يدل على ذلك.
غاية الأمر: أنه قد سنحت الفرصة في لحظة ما لتوفر شربة من ماء، ولو بأن يكون أحد أفراد ذلك الجيش قد بذلها له، في غفلة عن رقابة الآخرين له، ففطن الحصين بن نمير لما يجري، فرماه بسهم وقع في حلقه، فمنعه منها.
ولكنه تأويل غير سديد، كما قال بعض الإخوة الأكارم، فإن ظاهر التعبير بأنه «عليه السلام» «دعا بقدح» أن القدح متوفر له، كما يدعو الرجل بمثل ذلك في بيته وبين أهله وغلمانه، والمناسب لو كان ذلك قد بذل من بعض أفراد الجيش: أن يعبّر بمثل «طلب الماء»، فبذل له، أو نحو ذلك.
وأما حديث وروده «عليه السلام» المشرعة عنوة، وما خاطب به الفرس، ثم لما أراد أن يشرب ناداه بعضهم بأن حرمه قد هتكت، فلا بد
من أن يلاحظ فيه ما يلي:
ألف: عرفنا أن حملاته «عليه السلام» نحو المشرعة قد تكررت، ولكن كثرة أعدائه عندها، والموجات البشرية التي كانت تتوالى عليه لصده «عليه السلام» عنها كانت تحول دون وصوله إليها، وتمكينه من الاستفادة من مائها.
وقد صرحت الروايات بأنهم كانوا يفعلون ذلك، لمعرفتهم بأنه لو تمكن من شرب الماء، فسيكون أمرهم معه عصيباً، ومخيفاً جداً.
فما ذكرته الرواية، من أنه «عليه السلام» تمكن من الوصول إلى المشرعة، وأقحم الفرس الفرات، وجرى بينه وبين الفرس ما جرى، ثم أخذ غرفة من الماء، فقيل له الخ.. لا يلائم تشدد ذلك الجمع العظيم في منع وصول أية قطرة من الماء إليه، لأن هذا الذي يقوله الجلودي معناه: أن الأربعة آلاف الذين كانوا على المشرعة، قد انكشفوا هم وغيرهم عنها، فوجد عليه السلام فسحة ابتعد فيها أعداؤه عنه، فمارس حريته في مخاطبة الفرس وفي الاستفادة من الماء، بكل هدوء وراحة بال.. حتى انتهى الأمر إلى ما انتهى إليه. وهذا غير معقول بحسب ظواهر الأمور..
ب: ويزيد الأمر تعقيداً وبعداً أن الرواية تصرح: بأنه «عليه السلام» قد أقسم لفرسه: أن لا يذوق «عليه السلام» الماء حتى يشرب ذلك الفرس.
وإذ به سرعان ما يحنث بيمينه بمجرد رفع الفرس رأسه، وقال: فأنا
أشرب.
وهذا ما لا تجوز نسبته إلى إمام معصوم، مطهر من الذنب، وعن كل ما هو مرجوح.
إلا أن يكون المراد أنه «عليه السلام» لا يشرب حتى ينتهي فرسه مما هم به، ويرفع رأسه أي أنه « عليه السلام» أعطى فرسه حق التقدم، وقد تحقق ذلك فعلاً، حيث رفع الفرس رأسه وأسقط هذا
الحق، فلا تكون مبادرته «عليه السلام» إلى الشرب مخالفة لمضمون القسم، ليكون ذلك من الحنث الذي لا يصدر عن المعصوم.
وتقدم: أنه «عليه السلام» حين قيل له: تتلذذ بشرب الماء، وقد هتكت حُرَمُك.. رمى الماء من يده وحمل عليهم، فكشفهم، فإذا الخيمة سالمة..
فقد يقال: إن هذا غير سديد، لأن المفروض أنه «عليه السلام» يعلم بكذب ما قاله ذلك الفارس ، لأن الشمر قد منع من مهاجمة رحل الحسين وعياله ما دام حياً.
ويجاب:
ألف: بأنه لا شيء يضمن عدم إخلاف هؤلاء بوعودهم، ونكثهم لعهودهم، بل إن نفس هذه الحرب إنما قامت على الغدر وإخلاف الوعود، ونكث العهود كما أوضحناه.
ب: لعل الذين هاجموا رحل الحسين كانوا جماعة أخرى غير تلك التي أمرها الشمر بعدم التعرض لحرم الإمام الحسين «عليه السلام».
ج: إنه حتى لو فرضنا أنه «عليه السلام» كان يعلم بكذب ذلك الفارس، فإن ذلك لا يعفي الإمام «عليه السلام» من لزوم التحرك السريع لحماية أهله وعياله، ولو لأجل مراعاة احتمال ضئيل جداً، ولو بمقدار واحد بالألف، لكي لا يتخذ ذلك أعداؤه ذريعة للطعن عليه، بنسبة عدم الاكتراث باحتمالات هتك عرضه، من قبل أعدائه.
د: إن هذا هو السبب في أنه «عليه السلام» لم يعط نفسه فرصة تناول تلك الغرفة من الماء التي أخذها بيده وآثر مكابدة العطش الشديد، ليعرف الناس قيمة الشرف والكرامة والإباء، والشهامة،
وأن الشرف أغلى من الحياة، وأجلّ من الدنيا وما فيها.
ه- والظاهر أن وصول الحسين «عليه السلام» إلى الماء، ونداء ذلك الفارس له بأن عائلته قد هتكت قد حصل قبل محاولة الشمر «لعنه الله» مهاجمة العيال، ثم تقرر أن لا يهاجموا عياله ما دام حياً.
ولا يهمنا كثيراً تحديد اسم ذلك الذي رمى الحسين «عليه السلام» في حنكه، حتى منعه من شرب الماء، هل هو الحصين بن نمير؟! أو هو رجل اسمه زرعة الدارمى؟! أو شخص آخر؟!
أو أن السهم أصاب الحسين «عليه السلام» في شفته، أو في
حنكه، أو في حلقه؟! فإن معرفة الاسم، وتحديد موضع إصابة السهم لا تقدم ولا تؤخر في المضمون الذي نحتاج إلى أخذ العبرة منه.
تقدم: أن الحسين «عليه السلام» قد دعا على زرعة الذي أشار على الناس بأن لا يمكنوا الحسين «عليه السلام» من الوصول إلى الماء - دعا عليه - بأن يظمئه الله تعالى.
فاستجاب الله دعاءه «عليه السلام»، وابتلي بأمر عجيب من اجتماع الحر والبرد عليه، وطفق يشرب من الماء حتى بلغ حدا أوجب أن تنقد بطنه، ويموت على ذلك النحو الذليل والبشع..
والغريب في الأمر أن ظهور هذه الكرامات، وخوارق العادات له «عليه السلام»، وكذلك تحقق المغيبات التي كان يخبر عنها هو وأبوه وأخوه «عليهم السلام»، وإن كان ينتهي إلى حصول اليقين لدى الناس بما لهم «عليهم السلام» من كرامة، ومكانة ومقام عند الله .. لكن أثره العملي في حياة أكثر الناس كان ضئيلاً، حيث كانوا يؤثرون الحياة الدنيا الحاضرة على النجاة والفوز في الآخرة. كما وصفهم الله تعالى (بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى)(1).
1) الآيتان 16 و 17 من سورة الأعلى.
وتقدم: أن زرعة الدارمي قال لأصحابه عن الإمام الحسين «عليه السلام»: «وَيْلَكُمْ! حُولُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءَ لا تَتَامَّ إِلَيْهِ شَيْعَتْهُ». فيبدو أن کلامه هذا كان له أكبر الأثر في تحريك جيش يزيد بأن يضع كل ثقله وقوته لمنع الإمام من الوصول إلى المشرعة .
وسبب ذلك: هو خوفهم من أن يعطيه وصوله «عليه السلام» إلى الماء، فضل قوة، ونشاط وأن ذلك سوف ينعش أمل الذين خمدت هممهم من شيعته، وتستيقظ رغبتهم بالالتحاق به..
ولعلهم كانوا يخشون أيضاً من أن يلتحق به «علیه السلام» الكثيرون من عناصر نفس هذا الجيش الذي جاء لحربه.. فإن ظهور النشاط والقوة في مركز القرار يشجع ويرغب الناس في التعامل معها، فما بالك إذا انضم إلى ذلك سائر الميزات التي اجتمعت في أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة؟!
فتأثير كلمة هذا الدارمي في صد الناس عن الحق، هي التي دعت الإمام الحسين «عليه السلام» إلى الدعاء عليه بأن يبتليه الله بنفس ما سعى ليعاني منه الإمام الحسين وعياله، وهو الظمأ الشديد
والناظر في سياق الروايات المتقدمة يرى كيف أن الإمام الحسين «عليه السلام» يقدم للناس فى كل لحظة صورة جديدة، يرغب الناس بالتأمل فيها، وفهم دلالاتها، ورصد إشاراتها واستكناه إيحاءاتها،
لتحتل مكانها الطبيعي في وجدانهم، وتسهم في إغناء مشاعرهم، وإثراء ضمائرهم بالمعاني الرشيدة، والآثار الفريدة.
وعن بكاء الحسين «عليه السلام» حين أصاب السهم شفته - كما ذكره سبط ابن الجوزي - نقول:
إن صح أنه «عليه السلام» قد بكي، فإننا لا نشك في أن سبب بكائه ليس هو شدة الألم الجسدي، ولا خوفاً من الموت، ولا من توقعه لجراح السيوف والرماح، ولا .. ولا .. وإنما بكى لما يراه من شدة وطأة البغي على الحق، وعلى ما يواجهه الدين وأهله من أخطار، وما يلحق به من أضرار..
عن محمد بن سنان، قال: سئل علي بن موسى الرضا «عليهما السلام» عن الحسين بن علي «عليهما السلام»، وأنه قتل عطشاناً، قال: «مه، من أين ذلك؟! وقد بعث الله تعالى إليه أربعة أملاك من
عظماء الملائكة، هبطوا إليه وقالوا له:
الله ورسوله يقرءان عليك السلام، ويقولان: اختر إن شئت إما تختار الدنيا بأسرها وما فيها ونمكنك من كل عدو لك، أو الرفع إلينا.
فقال الحسين «عليه السلام»: [على الله ] وعلى رسول الله السلام بل الرفع إليه . ودفعوا إليه شربة من الماء فشربها.
فقالوا له: أما إنك لا تظماً بعدها أبدا(1).
ونقول:
1 - إن هذه الرواية لا تنافي الروايات المتواترة، والنصوص المتضافرة، المصرحة بموته «عليه السلام» عطشاناً، لأن هذه الرواية لا تتحدث عن أنه «عليه السلام» قد شرب ماء في حياته الدنيا قبل استشهاده، بل هي تتحدث عن شراب هيأه الله تعالى له، وأكرمه به من عالم آخر. ولم يذق من ماء هذه الدنيا قطرة واحدة.
إن هذه الرواية لم تحدد لحظة حضور الملائكة إليه. والظاهر: أنهم حضروا في آخر لحظات حياته، وهي لحظة ارتفاع روحه إلى بارئها.. ولأجل ذلك خيَّروه بين الدنيا، وبين الرفع إلى الله، فاختار الرفع إلى الله.
ولو اختار «عليه السلام» الدنيا لمنحه الله القوة، وألقى على أعدائه الخذلان إلى الحد الذي يتحقق له النصر على أعدائه.. ولكن هذا النصر الدنيوي ستضيع معه -عه مصالح لو حفظت.. ولا تحفظ إلا بالاستشهاد لينال «عليه السلام» مقاماً عظيماً سيكون أسعد به من ملك الدنيا بما فيها، فاختار عليه السلام الرفع، وهو حالة ارتفاع الروح إلى بارئها، وهو اختيار لما اختاره الله تعالى له.
ويشهد لما نقول:
1) الثاقب في المناقب ص 327 ومدينة المعاجز ج 3 ص 495 ح 1008.
ما سبق من أن عليا الأكبر حين دخل الميدان، وأضر به العطش، شكى ذلك إلى أبيه، فوعده أبوه بأن يسقيه جده النبي «صلى الله عليه وآله» بكأس لا يظمأ بعدها أبداً، فلما أثخنته الجراح بالسيوف والرماح، وحضره الأجل نادى أباه قائلاً: «يا أبتاه! هذا جَدّي رَسولُ اللهِ ، قد سقاني بكَأْسِهِ الأوفى شربَة لا أظمأ بَعدَها أَبَداً، وهُوَ يَقُولُ لَكَ:
العَجَلَ فَإِنَّ لَكَ كَأْساً مَدْخورَةً»(1).
فظهر مصداق ما قاله علي الأكبر لأبيه، وصدَّق الخَبَرَ الخُبْرُ..
وقد حاول بعض من يناوئ التشيع وأهله أن يسجل هنا مؤاخذة مفادها:
أن الأئمة إذا كانوا يعلمون الغيب كما يقول الشيعة، فلماذا لم يدَّخر الحسين الماء لنفسه وعياله قبل منع الماء عنه؟! فمن يعلم بأنه مقدم على حرب لا بد أن يستعد لها..
ونجيب:
أولاً: إن الحسين «عليه السلام» لم يأتِ إلى العراق لأجل
1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 34 - 36 والفتوح لابن أعثم جه ص 114 وبحار الأنوار ج 45 ص 44 والعوالم الإمام الحسين ج17 ص 287.
الحرب، بل جاء لأمرين:
أحدهما: أنه كان ملاحقا من قبل بني أمية، وقد رصدوا ثلاثين من شياطينهم ليغتالوه ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة، ولم يكن يريد أن تهتك حرمة الحرم والكعبة بقتله.
الثاني: إن أهل العراق قد استغاثوا به، فأراد أن يغيثهم، وينظر في أوضاعهم، ويعالج ما أمكن معالجته من مشكلاتهم. وقد أرسل إليهم مسلم بن عقيل ليطلع على الأمور ويخبره بواقع الحال، ليدرس أحوالهم، ويخبره بما يظهر له، وليس للإمام أن يتخلف عن إغاثة المحتاجين إليه، وهو إمام الأمة بنص رسول الله «صلى الله عليه وآله».
فهو إذن، لم يأتِ محارباً، ولا اصطحب معه جيوشا، وكان مجموع من معه من عياله وأطفاله، وأهل بيته، وأصحابه لا يتجاوز بضع عشرات.
وإذ به يواجَهُ - وهو في الطريق - بألف فارس جاؤا بقيادة الحر الرياحي للقبض عليه، لتسليمه إلى أميرهم ليملي عليه إرادته، ويحكم عليه بما شاء.. فضيقوا عليه، وألجأوه إلى كربلاء، فاجتمعت عليه جيوش بني أمية هناك كما تقدم في هذا الكتاب.
ثانياً: إن علم الإمام بالغيب مكتسب من رسول الله «صلى الله عليه وآله»، والهدف منه تأكيد كمالات ومعارف النبي، أو الإمام لنيل المزيد من درجات القرب منه تعالى.. وليس لهم أن يوظفوا هذا العلم
في شؤونهم الخاصة، أو في أمور معيشتهم، أو حياتهم وموتهم، وصحتهم وبلائهم، وما إلى ذلك، فلا يستفيدون من علم الغيب إلا بالمقدار الذي يأذن الله تعالى لهم ،به حين تقتضي مصلحة الدين ذلك.
كما في تأكيد معنى الإمامة في الإمام، والنبوة في النبي، وإزالة الأوهام والشكوك التي قد تراود أذهان الناس في ذلك.
ثالثاً: حين فرض عليه عدوه الحرب، بذل «عليه السلام» جهده ليهيئ الماء لنفسه ولأصحابه، فأرسل أخاه العباس إلى المشرعة تارة، وأرسل غيره أخرى.. وحاول أن يحفر في الأرض ويستنبط الماء ثالثة، ولكن أعداءه حالوا بينه وبين ما أراد في ذلك كله.
رابعاً: إن الذي طرح هذا السؤال هو ممن يعتقد بأن القدر هو الذي يسيّر العباد ويحركهم كما يريد.. وحينئذ نقول له:
1 - إن الأجوبة المتقدمة والآتية تكفي لتفنيد هذا الادعاء بناء على مذهب العدلية، كالشيعة وغيرهم.
2 - إن كلامه لا معنى له بناء على مذهبه، لأنه إذا كان القدر يريد للحسين أن يقتل وهو عطشان، فلا يفيده الإعداد والاستعداد أو ادخار الماء، أو جمع الجيوش، أو غير ذلك.
خامساً: لا دليل على أن علم الغيب الذي منحه الله للأئمة يشمل حتى الآجال، وأزمنتها ، وأمكنتها، ويشمل على الساعة، وأوقات تنزيل الغيث، وماذا يكسب الناس في مستقبل أيامهم، باستثناء الموارد التي يكون هناك مصلحة في تعريف نبيه، أو وصيه بها، مثل إثبات
الإمامة، أو تقويمها في وجدان الناس، أو ما إلى ذلك..
ومهما يكن من أمر ، فإنه تعالى يقول : وليس للإمام أو النبي: أن يوظف الغيوب التي أعلمه الله بها في مصالحه الخاصة، وغيرها.. ما ليس هو من مصالح الإسلام العليا. فهو تعالى يقول: (وَمَا تَدْرِي نفس بأيِّ أَرْضِ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(1). ثم هو يقول: (فلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أحَدًا إِلَّا مَن ارْتَضَى مِنْ رَسُول)(2).
ويطرح هنا سؤال آخر يقول: ورد فى بعض المؤلفات: أن الإمام الحسين «عليه السلام» قال لأعدائه: «الآن اسقوني قطرة من الماء، فقد تفتت كبدي»(3).
فألا يعدّ هذا استجداء من الحسين «عليه السلام» للماء من أعدائه؟! وألا يتنافى هذا مع إباء الضيم، والأنفة والعزة التي عرف بها الإمام الحسين «عليه السلام»؟!
ونجيب:
بأننا لا نريد أن نتساءل عن سند هذه النصوص ومصادرها، فإن
ضعف السند ، أو ضعف مصدره لا يكفي للحكم على النص بالوضع، فلعله أخذ من مصادر لم تصل إلينا، أو لم يتسنّ لنا الاطلاع عليها.
ولكننا نريد أن ننظر إلى هذا النص من ناحية المضمون، فنجد:
أولاً: ليس فى النص المذكور أنه «عليه السلام» قد طلب قطرة الماء من أعدائه.
ثانياً: لا ضير في أن يكون قد طلب الماء من أعدائه، حتى مع علمه بأنهم سيرفضون هذا الطلب، ويكون هدفه من ذلك هو:
ألف: أن تعرف الأمة أن هؤلاء القوم يأتون ما يأتونه عن سابق علم وتصميم، وأنه لا عذر لهم فيه سوى أنهم باغون، وحاقدون وقساة ..
وليس لأحد أن يحتمل، أو يدعي غفلتهم، أو ذهولهم عن عطش الحسين «عليه السلام» في زحمة الأحداث المتتابعة.
ب: أن يعرفنا مدى قسوة وحقد ونذالة أناس كانوا هم الذين طلبوا منه أن ينجدهم، فلما أجاب طلبهم غدروا به، وعاملوه بهذا النحو البشع والمريع.
ثالثاً: إن شرب الماء هو حقه الطبيعي والإنساني، والإيماني، وتؤكده الأعراف والشرائع، وليست المطالبة بالحق استجداءً، ولا منافية للعزة والكرامة والإباء. هذا فضلاً عن كونه «عليه السلام» له حق الإمامة عليهم وعلى البشر كلهم بمقتضى قول النبي «صلى الله عليه وآله»: الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا.
رابعاً: لعل هذا الطلب المتوافق مع الشرع والدين، ومع الفطرة، ومع الأخلاق والقيم الإنسانية، والمنسجم مع العاطفة البشرية السليمة - لعل هذا الطلب - يحرك المشاعر، ويثير التساؤلات لدى بعض من لديه ذرة من شعور، ومن إنصاف، فيكون ذلك من أسباب هدايته إلى الحق والحسين مهتم جداً بفتح أبواب الهداية لجميع البشر، ومنهم أعداؤه..
إننا لا نبعد عن الحقيقة إذا قلنا: إن استعمال السهام إنما يكون في الغالب في حالات صيد الوحوش والبهائم الشاردة، والطيور التي لا سبيل للوصول إليها، والاستيلاء عليها إلا بهذه الوسيلة ونظائرها.
والسهام أيضاً من وسائل الغدر بالآخرين، حيث يراد القتل من دون تحمل المسؤولية عنه خوفا من الانتقام.
أما حرب الشجعان ومنازلة الأقران، فلا مكان فيها عادة للسهام، إلا للعاجز الجبان. وربما احتاج الأمر إلى استعمال السهام في صورة هرب من يراد منعه من ذلك، ومن لا بد من قتله قبل إفلاته.
أما الإمام الحسين «عليه السلام»، فكان محاصراً بجيوش الأعداء، ولم يكن هارباً ، بل كان يحمل عليهم، ويحملون عليه، ويقاتلهم وجها لوجه، فما معنى أن تستعمل السهام ضده، بهذه الكثافة،
وبصورة متواصلة؟! ، وحتى حين لم يعد فيه حراك؟!
ألا يدلنا ذلك على أن خوفهم من الاقتراب منه، وجبنهم عن مواجهته هو الذي يجعلهم يلجأون إلى السهام التي تصده عنهم، وتحد من قدرته على الوصول إليهم ؟! ولاسيما حين تكثر الجراح، ويزيد نزف الدماء،
ويستحكم الضعف والوهن بسبب ذلك، وبسبب شدة العطش ؟!
إن النصوص الكثيرة تدلنا على أن السهام هي السلاح الأكثر استعمالاً ضد الإمام يوم عاشوراء.
يضاف إليها: الرمي بالحجارة، الذي هو سلاح العاجزين أيضاً. وحتى الرماح والعصي والخشب، فإنها تستعمل حين يستحكم الخوف من الاقتراب، لأن بها يتم تحاشي التعرض لضرب السيوف، ولقاء
الحتوف.
ولم نر ولم نسمع أن الحسين وأصحابه استفادوا من السهام أو الحجارة .. إلا فى مورد أو موردين كان لدى بعضهم سهام يسير رمى فيهما بعض أصحابه «عليه السلام» العدو. أما الحجارة فلم نر أنهم قد استفادوا منها .. وقد تقدم الكلام حول ذلك، وكان عمدة سلاحهم سيوفهم..
1 - قال المفيد، ونحوه في الطبري:
«لَمّا رَجَعَ الحُسَينُ «عليه السلام» مِنَ المُسَاةِ إِلى مُسطَاطِهِ، تَقَدَّمَ إليهِ شِمرُ بنُ ذِي الجوشن في جَمَاعَةٍ مِن أصحابه فأحاط بهِ، فَأسْرَعَ مِنهُم رَجُلٌ يُقالُ لَهُ: مالِكُ بنُ النَّسر الكِندِيُّ، فَشَتَمَ الْحُسَينَ «عليه السلام» وضَرَبَهُ عَلى رَأْسِهِ بِالسَّيفِ، وكانَ عَليهِ قلنسُوَةٌ، فَقَطعَها حَتَّى وَصَلَ إلى رَأْسِهِ فَأدماه، قامتلأت القلنسوة دَماً .
فقالَ لهُ الحُسَينُ «عليه السلام»: لا أكلت بيمينك، ولا شربت بها،
وحَشَرَكَ اللهُ مَعَ الظَّالِمِينَ.
ثمَّ ألقى القلنسوة، ودَعا بخِرقةٍ فشَدَّ بها رأسَهُ، وَاسْتَدعى قلنسُوَةَ أخرى فليسها واعتَمَّ عَليها، وقد أعيا وبلد»(1).
2 - ويتابع الطبري كلامه، فيقول:
وجاءَ الكِندِيُّ حَتَّى أخذ البُرئُسَ - وكانَ مِن خَزٌ - فَلَمّا قَدِمَ بِهِ بَعدَ ذلِكَ عَلَى امْرَأَتِهِ أُمِّ عَبدِ اللهِ ِابنَةِ الحُرِّ، أختِ حُسَين بن الحُرِّ البَدِّيِّ، أَقْبَلَ يَعْسِلُ البُرئُسَ مِنَ الدَّم، فقالت له امرأتُهُ أسَلبَ ابن بنتِ رَسول اللهِ صلى الله عليه وآله تُدخِلُ بَيْتِي؟! أخرجهُ عَنِّي! فذكَرَ أصحابُهُ أنَّهُ لم يَزَل فقيراً بشَرِّ حَتى مات(2)
وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص523.
.1) الإرشاد ج 2 ص 110 وروضة الواعظين ص 208 و (منشورات الشريف الرضي) ص 188 وفيه «مالك بن أنس»، والملهوف ص172 و (نشر أنوار الهدى) ص 72 نحوه، وتاريخ الأمم والملوك ج ص 448 وراجع الدر النظيم ص 557 والمصادر التي في الهامش التالي.
2) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 448) و (ط الأعلمي) ج 4 ص 342 وأنساب 5 الأشراف ج 3 ص 408 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 203 ومقتل الحسين ج3 للخوارزمي ج 2 ص 35 وفيه «مالك بن نسر»؛ ومثير الأحزان ص73 -76 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 55 وإعلام الورى ج 1 ص 467 وليس فيه ذيله من «وقد أعيا»، وشرح الأخبار ج 3 ص 163 ح 1090 عن المدائني وص 165 ح 1094 عن أبي مخنف، وفيها «مالك بن بشير»، ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 57 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 215 وفيه «مالك بن اليسر» وكلها نحوه، وبحار الأنوار ج 45 ص 53 و 302 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 296 و 614 ومدينة المعاجز ج3 ص 481 والكامل في التاريخ ج 4 ص 75 ونهاية الأرب ج 20 ص 457
ونقول:
بلد الرجل: إذا ضعف، وثقلت حركته.
ومن الواضح: أن شتم الآخرين يتصور على أنحاء:
أولها: أن يكون الهدف منه هو مجرد تحقير الطرف الآخر، وكسر هيبته وتحطيم كبريائه، وهزيمته نفسيا، ولو بالافتراء عليه، ونسبة القبائح إليه.. وهذا عمل ،مدان وليس من شيم أهل الدين والكرامة.
الثاني: أن تكون الشتيمة مجرد بيان حقيقة، إذا ظهرت وعرفت، أبطلت ما يدعيه الطرف الآخر لنفسه، وما يتذرع به، ويتخذ منه حجة لعدوانه وبغيه، فمن يدَّعي الإمامة زوراً مستندا إلى نص زعم أنه صادر عن المعصوم فى حقه، أو مستند إلى معرفته بعلوم وغرائب وعجائب، لا يعرفها .غيره أو إلى دعوى معرفته بالغيب، فلا مانع من وصفه بالكذاب والجاهل، ونحو ذلك من الأوصاف المنطبقة عليه، مما يظهر بطلان ما يدعيه.
وهذا النوع من الشتائم لا ضير فيه، ولا شبهة تعتريه..
ولكن مالك بن النسر هنا يشتم أطهر الخلق، وأعلمهم، وأتقاهم، وأفضلهم، وأكرمهم على الله ، وأعقلهم ، وأحكمهم، وأقدسهم، فأية شتيمته يمكن أن يوجهها مالك بن النسر إلى من هذا حاله؟!
ألف: وقد دعا الإمام «عليه السلام» على ذلك الكندي بما يوافق الفعل الذي صدر عنه، حيث خص دعوته بنفس الجارحة التي استعملها في عدوانه. ولم يدع عليه بكسر ولا بقطع، بل بأن يصبح غير قادر على الاستفادة منها، في قضاء حاجاته والحصول على مراداته، فقد قال له: «لا أكلت بيمينك ولا شربت».
ب: أضاف «عليه السلام» أمراً آخر، وهو أن يحشر الله ظالمه مع الظالمين. وبذلك يكون قد راعى عليه السلام سنن القسط والعدل في أدق التفاصيل حتى مع ،أعدائه، وأعداء الله ورسوله.
ج: إن مبادرة ذلك الكندي إلى سلب الإمام الحسين «عليه السلام» البرنس. وكان «عليه السلام» لا يزال حيا هو الغاية في الخسة والنذالة وسقوط الهمة مع أن نفس سلب القتلى ثيابهم أمر معيب، يترفع عنه أهل الشهامة والكرامة.
وقد عرفنا أنه لما قتل الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» عمرو بن عبدود في حرب الخندق قيل له: كيف تركت سلبه وهو أنفس سلب؟!
فقال: كرهت أن أبز السبي ثيابه(1).
د: وقد كانت زوجة مالك بن النسر الكندي خيراً من زوجها حين رفضت إدخال سلب الإمام عليه السلام إلى بيتها. مذكرة زوجها بأن هذا السلب له صلة بالرسول، حيث قالت: سلب ابن بنت رسول الله، ولم تقل له سلب الحسين «عليه السلام».
هـ: يلاحظ هنا: أن طمع ذلك الرجل بالبرنس هو الذي دعاه - بحسب الظاهر - إلى فعل ما فعل، فكان عاقبة أمره هو حرمانه الدائم من نفس هذا الذي طمع فيه، حيث تقول الرواية: «.. فذكر أصحابه أنه لم يزل فقيراً بشر حتى مات».
1 - عن مسلم بن رباح مولى عليّ بن أبي طالب «عليه السلام»: كُنتُ مَعَ الحُسَين بن عَلِيّ «عليه السلام» يَومَ قُتِلَ، فَرُمِيَ فِي وَجْهِهِ بنشابة، فقال لي: يا مُسلِمُ، أدن يَدَيكَ مِنَ الدَّم، فأدنَيتُهُما، فلمَّا امتلأتا قالَ: أسكْبهُ في يدي، فَسَكَبَتْهُ فِي يَدِهِ، فَنَفَحَ بهما إلى السَّمَاءِ، وقال:
اللهُمَّ اطلب بِدَمٍ ابن بنتِ نَبِيِّكَ.
قالَ مُسلِمٌ: فَما وَقَعَ مِنهُ إلى الأرض قطرة(2).
2 - قال ابن شهرآشوب: فَحَمَلُوا عَليهِ مِن كُلِّ جانِبِ، فَرَمَاهُ أَبُو الحنوق الجُعفِيُّ في جَبينِهِ(1).
يبدو لنا: أن أبا الحنوق تصحيف عن أبي الحتوف.
3 - وقالوا : فَوَقفَ الحُسَينُ «عليه السلام»] يَستَريحُ، وقد ضَعُفَ عَن القِتالِ، فَبَينَما هُوَ واقِفٌ إذ أتاهُ حَجَرٌ فَوَقعَ عَلَى جَبِهَتِهِ، فَسالتِ الدّماءُ مِن جَبْهَتِهِ، فَأَخَذَ التّوبَ لِيَمسَحَ عَن جَبِهَتِهِ، فَأَتاهُ سَهُمْ مُحَدَّدٌ مَسمومٌ، لَهُ ثلاث شُعَبِ، فَوَقعَ في قلبهِ.
فقالَ الحُسَينُ «عليه السلام»: بسم الله وباللهِ، وعَلى مِلةِ رَسول الله. ورَفَعَ رَأْسَهُ إِلى السَّمَاءِ، وقال: إلهي ! إِنَّكَ تَعلَمُ أَنَّهُم يَقْتُلُونَ رَجُلاً ليسَ عَلَى وَجهِ الأَرض ابنُ نَبِيٍّ غَيْرُهُ.
ثُمَّ أخذ السَّهم وأخرَجَهُ مِن وَرَاءِ ظهرهِ، فَانبَعَتَ الدَّمُ كَالميزاب فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى الجُرج، فلمَّا امتلأت دَما رَمى بها إلى السَّمَاءِ، قما رَجَعَ مِن ذلِكَ الدَّم قطرَةٌ، وَمَا عُرِفتِ الحُمْرَةُ فِي السَّمَاءِ حَتَّى رَمَى الحُسَيْنُ «عليه السلام» بدَمِهِ إِلى السَّمَاءِ.
ثمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلى الجُرج ثانيا، فلمَّا امتلأت لطخ بها رَأسَهُ ولِحيتَهُ، وقالَ: هكذا واللهِ أكونُ حَتَّى ألقى جَدّي مُحَمَّداً وأَنَا مَخصُوبٌ
1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 111 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 258.
بدَمي، وأقولُ: يا رَسولَ اللهِ، قتَلني فلانٌ وفُلانٌ(1)
واختصره ابن نما فى مثير الحزان ص 73 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 55 وأشار إليه ابن شهر آشوب في المناقب ج 4 ص111 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 258.
.ونقول:
لقد شكك بعض الإخوة الأكارم في صحة العبارة التي تقول: إن السهم وقع في قلبه «علیه السلام»، وقال:
«لو فرضت صحة هذا المقطع من الرواية، فإنّ المراد منه هو إصابة السهم ناحية القلب، لا القلب نفسه، كما ورد في رواية المناقب: أنّ موضع الإصابة كان صدر ،الإمام ، فمن البديهي أنّ القلب لو كان هو المصاب، لما سنحت الفرصة للأعمال التالية التي ذكرتها الرواية»!(2).
4 - ذكر في نص آخر نحواً مما تقدم عن الخوارزمي لكنه قال: وحالَ بَنو كِلابِ بَينَهُ وبَينَ الماءِ، ورُمِي بِسَهِم فَوَقَعَ فِي نَحرِهِ «عليه السلام»، وخَرَّ عَن فَرَسِهِ فَأَخَذَ السَّهمَ فَرَمى بهِ، وجَعَلَ يَتَلقَى الدَّمَ
يكَلِّهِ، فلمَّا امتلأت لطخ بها رَأسَهُ ولِحيتَهُ وهُوَ يَقُولُ: أَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وأَنَا مَظْلُومٌ مُتَلطَّح بدَمي.
ونحو ذلك في الملهوف والفتوح، وفيهما هكذا ألقى الله مُخَضَباً بِدَمي مَغصوباً عَليَّ حَقي.
وفيهما: أن رامي السهم هو سنانُ بنُ أَنَسِ النَّخَعِيُّ(1).
5 - قال ابن نما «رحمه الله»: ثُمَّ قصَدوهُ [أي الحُسَينَ «عليه السلام»] بالحَرب، وجَعَلوه شلوا (أي قطعة من لحم) من كَثرَةِ الطعن وَالضَّرب، وهُوَ يَستَقي شربَةٌ مِن ماءٍ فلا يَجِدُ، وقد أصابته اثنتان وسَبعونَ حِراحَة(2).
6 - وقال أيضاً لمّا أتْخِنَ [الحُسَينُ «عليه السلام»] بالجراح ولم يَبقَ فِيهِ حَراكٌ، أَمَرَ شِمرٌ أن يَرموه بالسِّهام(3).
7 - وقال المفيد رحمه الله»: فلمّا رأى ذلِكَ [أَي شَجَاعَة الحُسَين
1) الأمالي للصدوق ص 226 وبحار الأنوار ج 44 ص 321 وج 45 ص 55 وراجع: الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 118 والملهوف ص 175 و (نشر أنوار الهدى) ص 74 ومثير الأحزان (ط المكتبة الحيدرية) ص 43 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 171 و 298 وإبصار العين ص 37.
2) مثير الأحزان ص 73 و (ط المكتبة الحيدرية) ص55.
3) مثير الأحزان ص 74 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 56.
«عليه السلام»] شمرُ بنُ ذِي الجوشن استَدعَى الفرسان، فصاروا في ظهور الرَّجّالةِ، وأمَرَ الرُّماةَ أن يرموه، فرشقوه بالسّهام حتى صارَ كَالقنفذ، فأحجَمَ عَنهُم، فوقفوا بإزائِهِ(1).
8 - وقال ابن شهر آشوب كانَتِ السّهامُ في دِرعِهِ كَالسُّوكِ في جِلْدِ القنفذ. ورُويَ أَنَّها كانت كلها في مُقَدَّمِهِ(2).
9 - وتقدم قول ابن أعثم: وَالسّهامُ تَقصِدُهُ [أي الحُسَينَ «عليه السلام»] مِنْ كُلِّ ناحِيَةٍ، وهُوَ يَتَلقاها بِصَدرِهِ ونَحرِهِ وهُوَ يَقولُ: يا أُمَّة السَّوءِ الخ.. ء الخ..(3).
10 - تقدم أن الحُسَينُ «عليه السلام» رَكِبَ المُسَاةَ - وهي ضفيرة تبنى لترد الماء، ولها مفاتح إليه بقدر الحاجة - يُريدُ الفُرات وبَينَ يَدَيهِ العَبّاسُ أخوهُ، فَاعتَرَضَتهُ خَيلُ ابن سَعدٍ، وفيهم رَجُلٌ مِن
1) الإرشاد ج 2 ص 111 وروضة الواعظين ص 208 و (منشورات الشريف الرضي) ص189 وليس فيه قوله: «فأحجم الخ ..» وراجع إعلام الورى ج 1 ص 468 وليس فيه: «استدعى... الرجالة» والدر النظيم ص558 وينابيع المودة ج 3 ص 67 و 73.
2) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 111 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص258 وبحار الأنوار ج 45 ص 52 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 295 وراجع: شجرة طوبى ج 2 ص331 و 403.
3) الفتوح لابن أعثم ج5 ص118 و مقتل الحسین الخوارزمي ج2 ص34 و بحار الانوار ج45 ص52 و العوالم، الإمام الحسین ص294.
بني دارم... ورماهُ بسَهم فَأَتْبَتَهُ فِي حَنَكِهِ، فَانتَزَعَ الحُسَينُ «عليه السلام» السَّهم، وبَسَطْ يَدَهُ تَحتَ حَنَكِهِ فامتلأت راحتاهُ بالدَّم، فرمى بهِ ثمَّ َقالَ: اللهُمَّ إنّي أشكو إليكَ ما يُفعَلُ بابن بنتِ نَبِيِّكَ(1).
11 - عن سعد بن عبيدة: فَأَقبَلَ الحُسَينُ «عليه السلام» يُكَلِّمُ مَن بَعَثَ إِلَيهِ ابْنُ ِزيادٍ، قَالَ: وإنّي لأنظُرُ إِليهِ وعَليهِ جُبَّةٌ مِن بُرودٍ، فَلمّا كَلَّمَهُمُ انْصَرَفَ، فرماهُ رَجُلٌ مِن بَنِي تَمِيمٍ - يُقَالُ لَهُ: عُمَرُ الطُّهَوِيُّ - بسهم، فإنّي لأنظُرُ إلى السَّهم بَينَ كَتِفَيهِ مُتَعَلَّقاً في جُبَّتِهِ(2)
وراجع ترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص324 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 688.
.12 - فرماهُ [أي الإمامَ الحُسَينَ «عليه السلام»]... أبو أيوب
1) الإرشاد ج 2 ص 109 وإعلام الورى ج 1 ص 466 وبحار الأنوار ج 45 ص 50 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 292 وراجع: تاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 343 والكامل في التاريخ ج 4 ص 76 وراجع: الملهوف ص 170 و (نشر أنوار الهدى) ص70 وروضة الواعظين منشورات الشريف الرضي ص 188 والدر النظيم ص 557 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 212 عن التبر المذاب ص83.
2) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 392 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 295 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 221 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 14 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 311 وفيه «في جنبه»، وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2638 و 2617 والبداية والنهاية ج 8 ص 170 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 184 وفيه: «عمرو بن خالد الطهوي».
الغَنَوِيُّ بِسَهم مَسموم في حَلْقِهِ. فَقالَ «عليه السلام»: بسم اللهِ، ولا حَولَ ولا قُوَّةَ إلا باللهِ، وهذا قتيل في رضى اللهِ(1).
وقالوا أيضاً: أصاب الحسين «عليه السلام» جرح في حلقه، وهو يضع يده عليه، فإذا امتلأت بالدم، قال: اللهم إنك ترى. ثم يعيدها، فإذا امتلأت قال: اللهم إن هذا فيك قليل(2).
غير أن الروايات الأخرى ذكرت أن سهما قد أصابه «عليه السلام» في حلقه فيبدو أن هذه الرواية تتحدث عن نفس ما تحدثت عنه تلك.
ونقول:
إن هذا النص الأخير، وإن لم يصرح بأن الجرح كان بواسطة سهم، غير أننا ذكرنا هذا النص هنا، للإشارة إلى أن الجراح في جسده «عليه السلام» كانت كثيرة. وكانت تصيبه بصورة تدريجية، فكان «عليه السلام» يتعامل مع كل واحد منها بطريقة تختلف عن تعامله مع غيره، وكان يتكلم بكلمات ذات معنى ومغزى، كل ذلك من أجل أن يثير رغبة الناس بتناقله، ويدعو المؤلفين إلى تسجيله.
وهذا هدف جليل يخدم القضية الكبرى، ويشيع الحق، ويعرف
الناس بأهله، ويكبت الباطل، ويؤكد لزوم رفضه ومناوأته في كل زمان.
وعن حديث مسلم بن رباح المتقدم برقم [1] نقول:
1 - يبدو من هذا الحديث أنه قد كان ثمة مانع من تحريكه «عليه السلام» يديه ليتلقى بهما الدم النازف من وجهه، فاستعان بمسلم بن رباح ليتلقى هو الدم، ويسكبه في يده.
2 - بناء على ما تقدم، فإن هذه الحادثة تدل على أنه «عليه السلام» لم يرد أن يضيع الفرصة ، حتى حين أصبح غير قادر على استعمال يديه، ولعله لأن عمر بن طلحة، أو القشعم بن عمرو ضربه على حبل عاتقه من ورائه ضربة منكرة - كما سيأتي - فقدم صورة جديدة للإصرار على إبلاغ الناس بما يلي:
ألف: إبلاغهم بمظلوميته، وبأنه يتعرض لعدوان.
ب: إن هذا الذي يتعرض له يغضب الله سبحانه..
ج إن عدم وقوع قطرة من ذلك الدم إلى الأرض، بعد نفخه إلى السماء كرامة جليلة له كان ينبغي أن يأخذ الظالمون منها الفكرة والعبرة.
3 - إنه «عليه السلام» لم يقل: «اللهم اطلب بدمي»، لأنه يريد أن يذكرهم: بأنهم إنما يعتدون على هيكل القداسة، وسبط سيد المرسلين،
وإمام المسلمين.
ويريد أيضاً أن يبقى رسول الله «صلى الله عليه وآله» حاضراً، منهم الغفلة يتمثلونه، ويتذكرون موقعه منه باستمرار، لكي لا يدعي أحد منهم أو الذهول، بسبب طغيان الحوادث المتلاحقة.
4 - إنه «عليه السلام» قد طلب من الله تعالى أن يتولى هو الطلب بدمه، وكأنه «عليه السلام» بقوله بدم ابن بنت نبيك» يقدّم المبرر لهذا الطلب، وهو أن هذه الحرب إنما هي حرب عليه، من خلال استهداف نبيه «صلى الله عليه وآله» في سبطه.
فليس أي شخص هو عدوهم، بل عدوهم الأكبر هو جده، من حيث إن مضمون النبوة الذي جاء به من عند الله، قد حال بينهم وبين شهواتهم، وأهوائهم، وعصبياتهم ، وممارساتهم الجاهلية.
وفي النص المتقدم برقم [4] عن ابن نما «رحمه الله»: أنه لما لم يبق في الحسين حراك من كثرة الطعن والضرب «أمر شمر أن يرموه بالسهام».
وعن المفيد «رحمه الله»: أنه جعل الفرسان خلف الرجالة، ثم أمر الرماة بأن يرموه، فرشقوه بالسهام حتى صار كالقنفذ وهذا أمر عجيب.. إذ أية حاجة لرميه بالسهام بعد أن أصبح بهذه الحال، وغير قادر على الحركة، إذ لم يعد هناك خوف من الاقتراب منه.
والظاهر: أن شمراً جعل الفرسان في ظهر الرجالة لكي تمنعهم الخيل التي في ظهورهم من الفرار، أو النكول عنه «عليه السلام». إلا أن تكون أوهام شمر، وخوفه من الحسين قد بلغ حداً أفقده التعقل والإتزان. أنه أراد أن يبالغ في إيذاء الإمام، ويتفنن في تعذيبه.. وكلاهما ليس من شيم الرجال.
وتقدم: أن السهام كانت تقصده من كل ناحية، وهو يتلقاها بصدره ونحره وكانت في درعه كالشوك في جلد القنفذ. وكانت كلها في مقدمه..
وهذا يعطى:
1 - أن مطلوبهم من السهام هو صده عن أنفسهم، وعرقلة حركته نحوهم.
2 - أنه «عليه السلام» لم يعطهم الفرصة ليكونوا خلفه، بل جعلهم جميعاً أمامه، أو عن جانبيه.
3 - إن خوفهم العظيم منه هو الذي جعلهم يؤثرون الابتعاد عنه.
4 - تظهر النصوص المتقدمة: أن بعض الذين رموه بسهامهم، قد مارسوا طريقة الغدر به كما تقدم عن عمر الطهوي في الرواية رقم [9] ، الذي رماه بعد أن كلمهم، وانصرف، فوقع السهم بين كتفيه..
وتقدم: في الحديث رقم [3]: «وما عرفت الحمرة في السماء، حتى رمى الحسين بدمه إلى السماء».
وسيأتي الحديث عن: أن السماء قد أمطرت دما يوم قتل الحسين «عليه السلام»، ويوم قتل أمير المؤمنين «عليه السلام»، وفي صفين. وسنتحدث عن هذا الأمر بشيء من التفصيل، بعد الانتهاء من
الحديث عن استشهاده «عليه السلام».
تقدم: أن الإمام «عليه السلام» قد أخذ الدم بكفه، فلطخ به رأسه ولحيته، وهو يقول: «ألقى الله وأنا مظلوم، متلطخ بدمي». أو قال: هكذا والله أكون حتى ألقى جدي محمداً، وأنا مخضوب بدمي، وأقول: يا رسول الله، قتلني فلان وفلان.
ولما أصابه السهم قال: «إلهي إنك تعلم أنهم يقتلون رجلا ليس على وجه الأرض ابن نبي غيره»، فهو «عليه السلام» يريد أن يقدّم أمام الخلائق يوم القيامة الشواهد الحية المدركة بالحس، والشاهدة على ما جرى له، لكي تكون المطالبة بالحق لا تستند إلى الأقوال وحسب، بل إلى الوقائع المحسوسة التي تجسد المظلومية، وتمنحها حيوية في التأثير، لأن هذين الأمرين يعطيانها قوة في الإقناع، وتوهجاً في المشاعر، واحتضاناً في القلوب، وقناعة في الوجدان.
1 - وقالوا: بَقِيَ الحُسَينُ «عليه السلام» مَلِيّاً جالساً، ولو شاؤوا أن يَقْتُلُوهُ قتَلوهُ، غَيرَ أنَّ كُلَّ قبيلةٍ كانَت تَتَّكِلُ عَلَى غَيرها، وتَكرَهُ الإقدام على قتلِهِ(1).
2 - عن أبي مخنف : أقدَمَ [شمرٌ] عَليهِ [أي عَلى الحُسَين «عليه السلام»] بالرَّجّالةِ مِنهُم أَبُو الجَنوبِ وَاسمُهُ عَبدُ الرَّحمن الجُعفِيُّ، وَالقِشْعَمُ بنُ عَمرو بن يَزِيدَ الجُعفِيُّ، وصالِحُ بنُ وَهْبِ الْيَزَنِيُّ، وَسِنانُ بنُ أَنَسِ النَّخَعِيُّ، وحَولِيُّ بنُ يَزِيدَ الْأَصْبَحِيُّ.
فَجَعَلَ شِمرُ بنُ ذِي الجوشن يُحَرِّضُهُم، فَمَرَّ بِأَبِي الجَنوبِ وَهُوَ شاكٍ فِي السّلاح، فقالَ لَهُ: أَقدِم عَليهِ.
قالَ: وما يَمْنَعُكَ أَن تُقدِمَ عَلَيهِ أَنتَ؟
1) الأخبار الطوال ص 258 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج6 ص2629 والمنتظم من تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 340 والطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 473 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 298 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 13 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 452 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 346 والكامل في التاريخ ج4 ص78 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 35 والملهوف ص172 و (نشر أنوار الهدى) ص71 ومثير الأحزان ص 73 و (ط المكتبة الحيدرية) ص55 وبحار الأنوار ج 45 ص 53 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 204 ونهاية الأرب ج 20 ص 459 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 687.
فقالَ لهُ شمرٌ إِلى تَقولُ ذا!
قالَ: وأنتَ لي تَقولُ ذا فَاستَبًا، فقالَ لهُ أَبُو الجَنوب - وكانَ شجاعاً -: وَاللهِ لَهَمَمتُ أن أخضخِضَ السِّنانَ في عَينِكَ.
قال: فَانصَرَفَ عَنْهُ شِمرٌ وقالَ: وَاللهِ لَئِن قدَرتُ عَلَى أَن أَضْرَّكَ لأضرتك(1).
3 - قال : قنادی شمرٌ فِي النّاس ويحكم، ماذا تَنظُرُونَ بِالرَّجُل؟
أقتلوه تكلتكُم أُمَّهَاتُكُم!
قالَ: فَحُمِلَ عَليهِ مِن كُلِّ ،جانِبِ فَضُرِبَت كَفَّهُ اليُسرى ضَربَة ضَرَبَها زُرعَهُ بنُ شَريكَ التّميمِيُّ [في الإرشاد ضربه زرعة بن شريك على كفه فقطعها] وضُرِبَ عَلى عاتِقِهِ في الإرشاد وطعنه سنان بن أنس
بالرمح فصرعه] ثُمَّ انصرفوا وهُوَ يَنوءُ ويَكبو(2).
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 450) و (ط الأعلمي) ج 4 ص344 وأنساب الأشراف ج 3 ص 407 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 202 والكامل في التاريخ ج 4 ص 76 و 77 وليس فيه ذيله من «فمر»، والبداية والنهاية ج 8 ص 187 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 203 وليس فيه صدره إلى «خولي بن يزيد الأصبحي» وكلها .نحوه ونهاية الأرب ج 20 ص 458.
2) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 406 عن: تاريخ الأمم والملوك جه ص 452 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 346 وأنساب الأشراف ج3 ص 409 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 203 والمنتظم من تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 340 والكامل في التاريخ ج 4 ص 78 والإرشاد ج 2 ص 112 وروضة الواعظين ص 208 وإعلام الورى ج 1 ص 469 وفيهما «كتفه» بدل «كقه». وراجع: بحار الأنوار ج 45 ص 55 والعوالم، الإمام الحسين ج17 ص 299 ونهاية الأرب ج 20 ص 459.
4 - ونص آخر يقول: قصاحَ بهم شمرُ بنُ ذِي الجَوشَن تَكِلْتُكُم أمَّهَاتُكُم ! ماذا تَنتَظِرُونَ بِهِ؟ أقدِموا عَليهِ.
فَكَانَ أَوَّلَ مَن انتَهى إليهِ زُرعَهُ بنُ شَرِيكَ التَمِيمِيُّ، فَضَرَبَ كَتِفَهُ اليُسرى، وضَرَبَهُ حُسَينٌ «عليه السلام» عَلى عاتِقِهِ فَصَرَعَهُ وَبَرَزَ لَهُ سِنانُ بنُ أَنَسٍ النَّخَعِيُّ فَطَعَنَهُ في تَرقُوتِهِ، ثُمَّ انتَزَعَ الرُّمحَ فَطَعَنَهُ فِي بواني صَدرهِ، فَخَرَّ الحُسَينُ ( عليه السلام صَريعاً(1).
5 - وصاحَ شمر بأصحابه: ما تَنتَظِرُونَ بِالرَّجُل؟!
قالَ: فَحَمَلُوا عَليهِ مِن كُلِّ جانِبِ، فَضَرَبَهُ زُرعَهُ بنُ شَرِيكَ عَلَى كَتِفِهِ اليُسرى، فَضَرَبَ الحُسَينُ «عليه السلام» زُرِعَةٌ فَصَرَعَهُ، وضَرَبَهُ آخَرُ عَلَى عَاتِقِهِ المُقدَّس بِالسَّيفِ ضَربَةٌ كَبا «عليه السلام» بها عَلى وَجْهِهِ.
1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 406 عن: الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 473 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 75 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 302 و 298 و تاریخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 13 كلها ،نحوه وليس فيها ذيله من «ثمّ أتى». وراجع: بحار الأنوار ج 45 ص 54.
وكان قد أعيا فَجَعَلَ يَنوءُ ويكبو، قطعَنَهُ سِنانُ بنُ أَنَسِ النَّخَعِيُّ «لعَنَهُ اللهُ» في تَرقْوَتِهِ، ثُمَّ انتَزَعَ الرُّمح قطعَنَهُ في بَواني صَدرِهِ، ثُمَّ رَمَاهُ سِنانٌ أيضاً بسَهم فوقعَ السَّهمُ في نَحره، فسقط عليه السلام» وجَلسَ ،قاعِداً، فَنَزَعَ السَّهم مِن نَحرِهِ ، وقرنَ كَفَّيهِ جَميعاً وكلما امتلأتا مِن دِمائِهِ خَضَبَ بها رَأسَهُ ولِحيتَهُ، وهُوَ يَقولُ: هكذا ألقى الله مُخَصَّبا يدَمي، مغصوباً عَليَّ حَقي(1).
6 - عن هشام بن محمد صاحَ شمرٌ ما تَنتَظِرُونَ بِهِ؟ اِحمِلُوا علیه.
فَتَشَدَّدَ الحُسَينُ «عليه السلام» ولبس سراويلا ضيّقاً، فأعجلوه فَضَرَبَهُ الحُصَينُ بنُ تَمِيمٍ عَلى رَأْسِهِ بِالسَّيفِ فسقط، وضَرَبَهُ زُرْعَهُ بنُ شَريكَ التَمِيمِيُّ عَلى كَتِفِهِ اليُسرى فأبانَها فَجَعَلَ يَبكي، وَحَمَلَ عَلَيهِ سِنانُ بنُ أَنَسِ النَّخَعِيُّ فَطَعَنَهُ برمح في تَرقُوَتِهِ، ثُمَّ نَزَلَ فَحَزَّ رَأْسَهُ بَعدَ أن دَبَحَهُ(2).
1) الملهوف ص 174 و (نشر أنوار الهدى) ص 73 ومثير الأحزان ص 75 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 56 وبحار الأنوار ج 45 ص 54 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 297 وإبصار العين ص37.
2) تذكرة الخواص ص 253 وراجع: شرح الأخبار ج 3 ص 164 ح1092. وراجع: ترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص75 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 340 وجواهر المطالب ج 2 ص 289 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 660.
7 - قال ابن شهر آشوب قال شمر ما وقوفُكُم؟ وما تَنتَظِرُونَ بالرَّجُل وقد أَتْخَنَتهُ السّهامُ؟ احملوا عَلَيْهِ تَكِلْتَكُم أُمَّهَاتُكُم !
فَحَمَلُوا عَليهِ مِن كُلِّ جانب فرماهُ أَبُو الحنوق الجُعِفِيُّ في جَبينِهِ، وَالحُصَينُ بنُ نُمَيرٍ في فيهِ، وأبو أيّوبَ الغَنَوِيُّ بِسَهم مسموم في حَلْقِهِ. فَقالَ [الحُسَينُ] «عليه السلام»: بسم اللهِ ، ولا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، وهذا قتيل في رضى اللهِ.
وكانَ ضَرَبَهُ زُرْعَهُ بنُ شَريكَ التَمِيمِيُّ عَلى كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ، وَعَمرُو بنُ الخَليفَةِ الجُعفِيُّ عَلى حَبل عاتِقِهِ، وكانَ طَعَنَهُ صالِحُ بنُ وَهَبِ المُزَنِيُّ عَلى جَنبِهِ، وَكَانَ رَمَاهُ سِنانُ بنُ أَنَسٍ النَّخَعِيُّ فِي صَدْرِهِ، فَوَقَعَ عَلَى الأرض، وأخذ دَمَهُ بِكَفَّيهِ وصَبَّهُ عَلى رَأْسِهِ مِرارا(1).
8 - وقالوا : لمّا أُتْخِنَ الحُسَينُ «عليه السلام» بالجراح وبَقِيَ گالقنفذ، طَعَنَهُ صَالِحُ بنُ وَهْبٍ الْمُزَنِيُّ لَعَنَهُ اللهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ طَعَنَةٌ، فَسَقط الحُسَينُ «عليه السلام عَن فَرَسِهِ إِلى الأَرض عَلَى خَدِّهِ الْأَيمَن،
ثُمَّ قام «عليه السلام»(2).
1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 111 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 258 وبحار الأنوار ج 45 ص 55 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 297.
2) الملهوف ص 174) و نشر أنوار الهدى ص 73 ومثير الأحزان ص 75 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 56 نحوه، وبحار الأنوار ج 45 ص 54 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 297 وراجع مروج الذهب ج 3 ص 71 وشجرة طوبى ج 2 ص 331.
9 - ويقول ابن أعثم:
قصاحَ الشِّمرُ بنُ ذِي الجوشن - لَعَنَهُ اللهُ - بأصحابه، فقال: ما وقوفُكُم؟ وماذا تَنتَظِرُونَ بِالرَّجُل وقد كان مكث برهة من النهار، وكان الناس يتحاشون الإقدام على قتله، ويحب كل منهم أن يكفيه غيره أمره وقد أوثقتهُ السّهامُ؟ احملوا عَليهِ، تَكِلتكُم أُمَّهَاتُكُم !
قالَ: فَحَمَلُوا عَليهِ مِن كُلِّ جانِبِ.
قال: وأوثقته الجراح بالسُّيوفِ، فَضَرَبَهُ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ: زُرعَهُ بنُ شَرِيكَ التّمِيمِيُّ - لَعَنَهُ اللهُ - ضَربَةٌ عَلَى يَدِهِ اليُسرى، وَضَرَبَهُ عَمرُو بن طلحة الجُعْفِيُّ - لَعَنَهُ اللهُ - عَلى حَبل عاتِقِهِ مِن وَرَائِهِ ضَربَةٌ مُنكَرَةَ ورَمَاهُ سِنانُ بنُ ُأنَسِ النَّخَعِيُّ - لَعَنَهُ اللهُ - بِسَهم، فَوَقَعَ السَّهمُ في نَحره، وطعَنَهُ صالِحُ بنُ وَهْبِ الْيَزَنِيُّ - لَعَنَهُ اللهُ - طعنَة في خاصِرَتِهِ. فسقط الحُسَينُ «عليه السلام» عَن فَرَسِهِ إلى الأرض، وَاستَوى قاعِداً، ونَزَعَ السَّهم مِن نَحرِهِ، وأقرَنَ كَفَّيهِ، فَكُلْمَا امْتَلأتا من دَمِهِ خَصَّبَ بِهِ رَأسَهُ ولِحيَتَهُ، وهُوَ يَقولُ: هكذا حتى ألقى رَبِّي بِدَمي، مَعْصُوبَا عَليَّ حَقي(1).
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 118 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 35 نحوه، وبحار الأنوار ج 45 ص 54 و 55 ،والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 297 وإبصار العين ص 37 والملهوف ص 174 و (نشر أنوار الهدى) ص 73.
ونقول:
قيل: إن الذي ضرب الإمام «عليه السلام» على حبل عاتقه هو عمرو بن طلحة الجعفي.
وقيل: القشعم بن عمرو بن يزيد الجعفي.
ولا يهمنا تحقيق ذلك.
تقدم: في النص رقم [1]: أن القبائل كانت تتحاشى أن تبادر إلى قتل الإمام ، فكانت تتكل في ذلك على غيرها .. كما دل عليه إصرارهم على البقاء في ساحة القتال، ليشاركوا في هذه الجريمة، وفي تكثير السواد بهدف الحصول على العطاءات والجوائز والإمتيازات وعلى غيرها.
فليس هذا ورعاً وتقوى منهم، ولا خوفاً من العقوبة الإلهية في الآخرة، بل هو الحسابات دنيوية.. فإن هؤلاء كانوا يخشون من تعيير الناس لهم، ومن حرمانهم من الامتيازات عند السلطة.. ويخشون من انكفاء الناس عن التعامل معهم في كثير من المجالات.
كما أن من أسباب ذلك: الخوف من أن تصيبهم البلايا، والرزايا والكوارث، فلطالما رأوا بأم أعينهم بعضها وهي تحل بمن تعرض لدعاء الإمام «عليه السلام»، أو اعتدى عليه عدوانا مؤذياً بلسانه، أو يده حين يكون الأمر بالغ الحساسية والخطورة. ومن أمثلة ذلك ما جرى لابن حوزة الذي احترق بالنار، بالإضافة إلى ما تعرض له غيره، حسبما تقدم.
1 - تقدم: أن زرعة بن شريك ضرب الحسين «عليه السلام» على كفه فقطعها، كما في الإرشاد، لكن نصاً آخر يقول: ضربه على عاتقه، وطائفة ثالثة من النصوص تقول: ضربه على كتفه وربما كانت كفه ، فصحفت إلى كتفه، أو العكس.
ويمكن تأييد صحة رواية ضربه على كتفه، بجعل النص الذي ذكر العاتق مؤيداً لها كما تقدم في النص رقم [3]. غير أن هذا التأييد لا يتم، لأن الرواية رقم [3] تذكر هذين الأمرين معا. أي أن زرعة ضربه على كتفه، وأنه «عليه السلام»، ضُرب مرة أخرى على عاتقه.
ويشهد لذلك هنا: النص المتقدم برقم [9] عن ابن أعثم، وما تقدم في النص رقم [7] عن ابن شهر آشوب، فراجع.
إلا أن يقال: إن الذي صرح بضربه على عاتقه لم يذكر أن ضاربه هو ،زرعة، ولا أنه ضربه على الجانب الأيسر .. فلعلها رواية أخرى تنضم إلى رواية قطع الكف أيضاً.
2 - تقدم: في الرواية رقم [6] أنه «عليه السلام» جعل يبكي.
ونحسب أن كلمة يبكي مصحفة عن كلمة «يكبو»، التي وردت في سائر النصوص..
وقد عرفنا فيما تقدم: أن مسلم بن عقيل حين أخذ في الكوفة، وكان يراد قتله دمعت عيناه، فقيل له: إنَّ مَن يَطلبُ مِثْلَ الَّذِي تَطلبُ،
إِذا نَزَلَ بِهِ مِثْلُ الَّذِي نَزَلَ بِكَ، لَم يَبكِ!
قالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا لِنَفسي أبكي، ولا لها مِنَ القتل أرثي، وإن كنتُ لم أحِبَّ لها طرفة عين تلفاً، ولكن أبكي لِأهلِي المُقبلين إليَّ، أَبكي لِحُسَينِ وَآلِ حُسَين(1).
إن ما جرى بين ذينك الرجلين المجرمين، أعني أبا الجنوب والشمر بن ذي الجوشن «لعنهما الله تعالى» يقدم للناس كلهم مصداقاً حيا وواضحاً لقوله تعالى عن جماعات أهل الباطل: (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى)(2).
ويبدو: أنهم كلما أوغلوا في متاهات الضلالة والإجرام، كلما زاد تشتتهم وتمزقهم، وسرعان ما تظهر العداوات بينهم لأتفه الأسباب، ثم
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 374 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 280 والكامل في التاريخ ج 4 ص 33 ومقاتل الطالبيين ص 107 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 66 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 210 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 59 وروضة الواعظين ص 195 و (منشورات الشريف الرضي) ص 176 وبحار الأنوار ج 44 ص 353 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 202 وراجع إعلام الورى ج 1 ص 443 ولواعج الأشجان ص 60 و 61 وراجع: البداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج8 ص 171 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 50 وإبصار العين ص 82.
2) الآية 14 من سورة الحشر.
تتفاقم الأمور إلى أن تبلغ حد سفك دماء بعضهم بعضا، كما هو حال الخوارج..
2 - يبدو لنا أن شمر بن ذي الجوشن كان يخاف من الاقتراب من الإمام الحسين «عليه السلام»، ما دام في الحسين «عليه السلام» جفن يرف، وعرق ينبض. ولأجل ذلك نرى أنه بالرغم من الضعف الشديد الذي هيمن على الإمام الحسين «عليه السلام»، بسبب الجهد، ونزف الدماء، وشدة وطأة العطش، ولغير ذلك من أسباب - نرى - أن الشمر وغيره لا يجرؤن على الاقتراب، ولأجل ذلك كانوا يرمونه من بعيد بالسهام، والحجارة، حتى حين لم يعد فيه «عليه السلام» حراك.
3 - إن هذا هو السبب في كثرة المهاجمين للإمام «عليه السلام»، وقد سجل لنا التاريخ أسماء عدد كثير منهم، وذكر لنا كيف ضربه، وبأي آلة، وما نتج عن ضربته، وغير ذلك..
ويظهر: أن كل واحد منهم كان يسدد ضربته وينصرف ليأتي غيره، ويفعل مثل فعله، وهكذا .. والنصوص التي ذكرناها فيما تقدم تشهد على ما نقول.
4 - إن الشمر كان يبالغ في حث غيره على الهجوم على الحسين «عليه السلام» وقتله إلى حد يعطي الانطباع بأنه يريد اتهامهم بالجبن، أو بالتخاذل.
ولأجل ذلك جرى بينه وبين أبي الجنوب ما جرى حتى انتهى الأمر بهما إلى السباب، ثم التهديد والوعيد
وتقدم في الرواية رقم [5] ورقم [9] أنه «عليه السلام» صار يتلقى الدم من نحره بكفيه، فإذا امتلأتا خضب به رأسه ولحيته، ويقول: «هكذا ألقى اللهَ مُخَصَّباً بِدَمِي، مَعْصُوبَا عَليَّ حَقي».
وقد أشرنا فيما سبق إلى دلالة خضاب رأسه ولحيته بدمه.. بقى أن نشير هنا إلى قوله: «مَعْصُوبَاً عَليَّ حَقي». حيث يبدو لنا: أن المراد بهذا الحق المغصوب عليه هو نفس الحق الذي أشار إليه النبي «صلى الله عليه وآله»، في قوله عن أبيه علي «عليه السلام»: حق علي بن أبي طالب على هذه الأمة أو على كل مسلم، حق (كحق) الوالد على ولده(1).
1) فرائد السمطين ج 1 ص 397 والأمالي للطوسي ج 2 ص 277 و ط دار الثقافة ص 45 و 334 ومناقب آل أبي طالب ج 2 ص 300 والعمدة لابن البطريق ص 280 و 345 والروضة فى فضائل أمير المؤمنين ص131 والمناقب للخوارزمي ص 219 و 230 و (ط مركز النشر الإسلامي) ص310 ومناقب الإمام علي «عليه السلام» لابن المغازلي ص 48 وترجمة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» لابن عساكر (بتحقيق المحمودي) ج 2 ص 271 و 272 وغاية المرام ص 544 ولسان الميزان ج 4 ص 399 وميزان الإعتدال ج 3 ص 316 والصراط المستقيم ج 1 ص 242 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 73 وبحار الأنوار ج 36 صه و 11 والغدير ج7 ص 243 ومستدركات علم رجال الحديث ج 8 ص 72 وكتاب المجروحين لابن حبان ج 2 ص 122 والكامل لابن عدي ج 5 ص 243 وتاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 307 و 308 ومناقب علي بن أبي طالب «عليه السلام» لابن مردويه الأصفهاني ص 180 وفضائل أمير المؤمنين «عليه السلام» لابن عقدة ص 77 وبشارة المصطفى ص 414 ونهج الإيمان ص629 وكشف اليقين ص 300 وينابيع المودة ج 1 ص 369 و 370 وج 2 ص 76 و 238 ومعارج اليقين ص 53 وغاية المرام ج 5 ص 296 و 298 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 6 ص 488 و 491 و 492 وج 17 ص 25 و 26 و27 وج 21 ص 577 و ج 23 ص 272 والبرهان (تفسير) ج 3 ص244 و 245 و 294.
وهذا يستند إلى القول الآخر لرسول الله «صلى الله عليه وآله»: أنا وعلي أبوا هذه الأمة(1)، وينطلق منه.
1) (1) راجع: البرهان (تفسير) ج 1 ص 369 ومعاني الأخبار 52 و 118 وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 85 و (ط الأعلمي) ج 1 ص 91 وعلل الشرائع ص 127 وكمال الدين ص 261 والأمالي للصدوق ص65 و 411 و 755 والميزان (تفسير) ج 4 ص 357 وبحار الأنوار ج 16 ص 95 و 364 و ج 2 ص 128 و 259 وج 26 ص 264 و 342 وج 36 ص 6 و 9 و 11 و 14 و 255 وج 38 ص 92 و 152 و ج 39 ص 93 وج40 ص 45 152 وج 66 ص 343 وكتاب الأربعين للماحوزي ص 238 والمراجعات ص 286 وجامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 149 وج 18 ص 311 و 312 ومستدرك سفينة البحار ج 9 ص 264 وج 10 ص 455 ومناقب آل أبي طالب ج 2 ص 300 وروضة الواعظين ص 322 وخاتمة المستدرك ج 5 ص 14 والغارات للثقفي ج 2 ص 717 و 745 وكنز الفوائد ص 186 والعمدة لابن البطريق ص 345 والروضة في فضائل أمير المؤمنين ص 133 وسعد السعود ص 275 والعقد النضيد والدر الفريد ص70 والمحتضر للحلي ص73 والصراط المستقيم ج 1 ص 242 و 243 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 47 و 74 والإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» للهمداني ص 76 و 787 ومسند الإمام الرضا «عليه السلام» للعطاردي ج 1 ص 80 و 221 وموسوعة أحاديث أهل البيت عليهم «السلام» للنجفي ج 7 ص 243 وتفسير أبي حمزة الثمالي ص 159 والتفسير المنسوب للإمام العسكري «عليه السلام» ص 330 والصافي (تفسير) ج 1 ص 150 وج 4 ص 165 و 166 وج 5 ص 52 وج 6 ص 12 و 13 و 520 ونور الثقلين ج 4 ص 237 و 238 وكنز الدقائق ج 1 ص 286 وج 2 ص 440 ومفردات غريب القرآن للراغب ص 7 وتفسير الآلوسي ج 22 ص 31 وبشارة المصطفى ص 97 و 254 ونهج الإيمان ص625 و 629 وتأويل الآيات لشرف الدين الحسيني ج 1 ص74 و 128 وينابيع المودة ج 1 ص 370 واللمعة البيضاء ص81 و 123 ومشارق أنوار اليقين ص 43 و 289 وغاية المرام ج1 ص177 و 250 و ج 2 ص 179 و 211 و ج 3 ص 70 و ج 5 ص 118 و 122 و 299 و 301 و 303 وج 6 ص 66 و 155 و 166 و 167 وج 7 ص 128 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 4 ص 100 و 227 و 366 وج 5 ص 95 وج 7 ص 216 و ج 13 ص 77 و ج 15 ص 518 و 519 وج 20 ص 230 وج 22 ص 280 و 282 و 346 وج 23 ص 580 و 621.
ولما اشتد الحال، رفع الحسين «عليه السلام» طرفه إلى السماء يدعو الله، قائلاً:
«اللَّهُمَّ مُتَعالِيَ المكان، عَظيمَ الجَبَرُوتِ، شَدِيدَ المحال، غَنيّا عَن الخَلائِقِ، عَريض الكِبْرِيَاءِ، قادِراً عَلى مَا تَشَاءُ، قريبَ الرَّحْمَةِ، صَادِقَ الوَعْدِ، سابعَ النِّعْمَةِ، حَسَن البَلاءِ، قريباً إذا دُعِيت، مُحِيطاً بما خَلقت، قابلَ التَّوْبَةِ لِمَنْ تابَ إِلَيْكَ، قادِراً عَلى ما أَرَدْتَ، وَمُدْرِكاً ما طلبت ، وَشَكُوراً إذا شُكِرْتَ، وَذكُوراً إِذا دُكِرْتَ.
أَدْعُوكَ مُحْتاجاً، وَأَرْغَبُ إِلَيْكَ فَقِيرًا، وَأَقْرَعُ إِلَيْكَ حَائِفاً، وَأَبْكي إِلَيْكَ مَكْرُوباً، وَأَسْتَعِينُ بكَ ضَعِيفاً، وَأَتَوَكَّلُ عَلَيْكَ كَافِيًا.
اللهُمَّ احْكُمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنا ، فإِنَّهُمْ غَرُّونا، وَخَدَعُونَا، وَخَدَلُونا، وَغَدَرُوا بنا، وَقتَلُونا.
وَنَحْنُ عِتْرَة نَبِيِّكَ، وَوُلْدُ حَبِيبِكَ مُحَمَّدِ بْن عَبْدِ اللَّهِ الَّذِي اصْطَفَيْتَهُ بالرِّسالةِ، وَائْتَمَنْتَهُ عَلى وَحْيِكَ، فَاجْعَلْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا فَرَجا وَمَخْرَجًا بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
صَبْراً عَلى قَضائِكَ يا رَبِّ، لا إلهَ ِسواكَ، يا غِياتَ الْمُسْتَغِيثِينَ، ما
لي رَبِّ سِواكَ، وَلَا مَعْبُودٌ غَيْرُكَ.
صَبْراً عَلى حُكْمِكَ، يا غِياثَ مَنْ لا غِياتَ لَهُ، يا دائِماً لا نَفادَ لَهُ، يا مُحْيِيَ المَوْتى، يا قائماً عَلى كُلِّ نَفْس بما كَسَبَتْ، أَحْكُمْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، وَأَنتَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ»(1).
ونقول:
إن شرح مضامين هذا الدعاء يحتاج إلى توفر تام، ووقت طويل، وهدوء بال، للتأمل في مراميه، واستكناه معانيه، مع الإقرار بالعجز عن نيل أكثر مقاصده، والقصور عن استخراج الجم من فوائده.
غير أن ما لا يدرك كله، لا يترك جله..
ولذلك نقول:
1 - تضمن هذا الدعاء ثناءً على الله بما هو أهله، مع التركيز على ما له مساس بالواقع الذي يعيشه الإمام الحسين «عليه السلام» في تلك اللحظات الصعبة، فهو تعالى:
1) مقتل الحسين للمقرم ص 282 ومصباح المتهجد ص 829 و (نشر مؤسسة فقه الشيعة سنة 1411هـ) ص 827 و (ط الأعلمي سنة 1418هـ) ص 572 والإقبال ج 1 ص 315 و (ونشر مكتب الإعلام الإسلامي سنة 1416هـ) ج 3 ص 304 وينابيع المودة ص 418 وراجع المزار لابن المشهدي ص 399 والبلد الأمين ص 186 والمصباح للكفعمي ص544 وبحار الأنوار ج 98 ص 348 ومفاتيح الجنان ص 271.
الف: عَظِيمُ الجَبَرُوتِ، شَدِيدُ المحال - وما أشد الحاجة إلى تجليات هذا الجبروت وشدة المحال في وجه هؤلاء الطغاة، والجبارين الذين يريدون تقويض جهود أنبياء الله، وتضييع الأهداف الإلهية الرامية إلى إيصال الكون والبشر إلى الكمال والسعادة.
والمحال - بكسر الميم - هو التدبير، والكيد، والقدرة، والعذاب، والعقاب والشدة، والإهلاك، وهذه كلها أمور مطلوبة في تحطيم جبروت الظالمين، وإبطال كيدهم.
ب: إنه تعالى مُتَعالِي المكان، وليس المراد بالمكان المحل الذي تحتاج إليه الأجسام، فإنه تعالى يجل عن ذلك، بل المراد التعالي عن أن يكون في متناول الأفهام القاصرة والمحدودة، التي لا تستطيع أن تخرج من حدود الزمان والمكان، وسائر صفات المحدثات، فيطبقون صفات أنفسهم على ذات الباري تبارك وتعالى.. فإذا كان الجبارون يظنون أنهم أحاطوا بالعظمة الإلهية، وعرفوا حدودها وأبعادها، وأصبحوا قادرين على السيطرة عليها، وإبطال آثارها، بمحاصرتها وتضييع أفعالها، فذلك من الغرور المردي لأصحابه، وسيكون من أهم عوامل بوارهم ودمارهم.
ج: إنه تعالى أيضاً غني عن الخلائق فهو لا يحابي أحدا لحاجته إليه، ولا يضره ولا ينفعه في ملكه حياة أو موت، أو قوة أو ضعف، أو حب أو بغض، أو ولاء أو عداء أي كان إنه تعالى عريض الكبرياء والمراد بالكبرياء العظمة والملك.
وقيل: هي عبارة عن كمال الذات، وكمال الوجود، ولا يوصف بها إلا
الله تعالى(1).
فلا محدودية في عظمته ولا في ملكه، ولا في كمال ذاته وكمال وجوده.
وهذا من موجبات خيبة المستكبرين والجبابرة، ويصغر شأنهم عند أنفسهم ويحد من جموحهم وطغيانهم، ويكبتهم.
هـ: إنه تعالى قادر على ما يشاء.. وهذا ما يزعج المجرمين، والظالمين والمعتدين فإنهم لا يطيقون أن يكون هناك من يقدر على قهرهم، وكسر شوكتهم ، ولا يرضون بأن يكون مصيرهم مرتهنا بإرادة قاهر آخر، حتى لو كان هذا القاهر هو الله تعالى. وهذا تعبير مبطن وخفي عن إنكار هم قدرة الله عليهم.
و: إنه تعالى قريب الرحمة وهذا معناه أنه حين لا يتدخل لنصرة المظلوم، ودفع الظالم، فذلك لا يعني أنه لا يرحم المظلوم، فإنه تعالى رؤوف رحيم، بل هو قريب الرحمة ولكن الحكمة والتدبير، وسنة العدل وعدم مصادرة عنصر الاختيار الذي منحه الله لجميع البشر. هي التي اقتضت تأخير الانتقام للمظلوم من ظالميه..
ز: فإذا كانت هذه هي سنة الله في خلقه، فلا موضع لشعور المجرم بالأمن، وبالنصر والفوز.. لاسيما مع التصريحات الكثيرة: بأنه تعالى لا بد أن ينصر أهل الحق ، ويقتص للمظلوم ممن ظلمه.
1) أقرب الموارد ج 2 ص 1061.
وما إلى ذلك. ولأجل ذلك خاطب الإمام الحسين «عليه السلام» ربه هذه اللحظات بالذات بأنه «صادق الوعد»، ليدل على أنه تعالى يمهل ولا يهمل.
ح: إنه «عليه السلام» ذكر أنه تعالى سابغ النعمة، لكي لا يتوهم المعتدون أن الله تعالى قد تخلى عن أوليائه، وحجب نعمه، وألطافه عنهم، بل نعمه سابغة وتامة وشاملة، حتى في مثل هذا الحال..
ط: ثم جاءت الفقرة التالية لتوضح ما أجملته ،سابقتها، فقد قال «عليه السلام»: إنه تعالى حسن البلاء ليدل على أن الحال الذي كان الحسين عليه السلام فيه، لا يعني أن الله قد حجب عنه نعمه، لأن البلاء قد يكون حسناً جميلاً، كما إذا جاء نتيجة التصدي للعمل بما جبه الله عليه كهذا العمل الذي به يحفظ الدين، ويزهق الباطل، وكالجهاد الذي يتعرض فيه المجاهد للقتل أو للجرح، فينال مقام الشهادة ، أو يتحفه الله بأجر الجريح في سبيل الله.
ولأجل ذلك نجد السيدة زينب «عليها السلام»، حين قال لها عبيد الله بن زياد: كيف رأيت فعل الله بأهل بيتك؟
قالت: ما رأيت إلا جميلاً، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم، فتحاج وتخاصم، فانظر لمن الفلج يومئذ، هبلتك أمك يا ابن مرجانة ..(1).
1) الملهوف ص 201 و نشر أنوار الهدى ص 94 و (ط أخرى) ص 67 ومثير الأحزان (ط المكتبة الحيدرية) ص 71 وبحار الأنوار ج 45 ص 115 و 116 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 383 ولواعج الأشجان ص 209 وقاموس الرجال ج 12 ص 272 والمجالس الفاخرة ص 343 وراجع: شجرة طوبى ج 2 ص 349.
وهذا البلاء الذي ينتهي إلى إعزاز الدين والحق وأهله في الدنيا، والفوز في الآخرة يسمى بالبلاء الحسن الجميل.
وهناك بلاء عظيم، وخطر جسيم و خسران مبين، وخيبة وخذلان، وهو البلاء الذي يأتي على سبيل العقوبة، ومن تجليات الغضب الإلهي - والعياذ بالله - والحرمان من الرحمات، ومن الألطاف، والبركات، والتوفيقات، ولأجل ذلك قال «عليه السلام» عن الله تبارك وتعالى: «حسن البلاء».
ي: ثم قال عليه السلام» قريب إذا دعيت». وهو يدعو ربه، ولكنه لم يطلب منه السلامة من هذا البلاء، وأن ينجيه من أعدائه، لأنه يريد أن تجري الأمور بحيث تتحقق الأهداف الإلهية، ولو بقيمة قتله مع أهل بيته وأصحابه، وسبى نسائه..
وهذا يفسر لنا السبب في أننا لم نجده «عليه السلام» دعا الله بأن يدفع العطش وآلام الجراح عنه، بل ترك الأمور تجري وفق السنن. وكان كل جهده منصباً على إقناع الأعداء بالكف عن طغيانهم على الله وعصيانهم لأوامره مع أنه «عليه السلام» لو دعا الله، لاستجاب له، ولكن ذلك لا يحقق تمام الأغراض الإلهية.
مع أنه لو دعا الله بذلك، ولم يستجب له لاختل يقين كثير من الناس بمعنى الإمامة ، وحالاتها، وشؤونها.
ك: إنه «عليه السلام» قال: «محيط بما خلقت». وهذا يشير إلى أنه تعالى ليس بغافل عما يعمل الظالمون. فلا يمكن أن يخفى عليه شيء من أمر مخلوقاته، فلا معنى لأن يقيسه الطغاة على أنفسهم، ظانين أنه جل وعلا يعلم شيئاً وتغيب وتخفى عنه أشياء.
وهذا معناه : أنهم سوف يحاسبون على كل فعل مهما حاولوا التستر عليه وإخفاءه.
ل: إنه تعالى: «قابل التوبة لمن تاب إليه».. وهذا يعطي الأمل لمن يرغب بالاستفادة من الفرصة، فلا ييأس أحد من روح الله..
ولو تلكأوا فى التوبة، وارتكبوا جريمتهم، فلا يبقى أمامهم سوى العقوبة، فإنها حق للمظلوم.. والمظلوم هنا هو البشرية، بما فيهم الأنبياء والأوصياء، والمظلوم أيضاً هو الحق، وأهل الحق والعدوان هو على الله ورسوله.
م: إنه تعالى قادر على ما أراده، فلا مجال لظنهم خلاف ذلك، لكي يأملوا بالنجاة، فقد قال تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرْض)(1). والآيات في هذا المعنى كثيرة.
1) الآية 44 من سورة فاطر.
ن: إنه تعالى يدرك ما طلبه، فلا يظنن أحد أنه قادر على الهرب بواسطة ما لديه من قدرات ووسائل وأن الله تعالى سيعجز عن الوصول إليه، وقد اعترف الجن بهذه الحقيقة، حين قالوا: (وأنا ظننا أن لَنْ تُعْجِرُ اللهَ فِي الأَرْض وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا)(1).
س: إنه تعالى شكور إذا شكره أي كان من خلقه وهذا ترغيب - لمن يرغب - في العودة إلى الله تعالى وشكور من صيغ المبالغة. أي كثير الشكر..
وشكر الإنسان الله هو بالعمل الصالح، فإذا عمل صالحاً مرة، فإن الله تعالى سوف يغدق عليه من النعم مرة بعد مرة ، حتى يتحقق مفهوم الشكور التي هي من صيغ التكثير والمبالغة كما قلنا.. والعاقل يرغب بمعاملة فيها هذا الربح الكثير .
ع: إنه تعالى ذكور إذا ذُكِرَ. فإنه إذا كان العبد ذاكراً لله، مراقباً له فيما يقول ويفعل، فلا يقول إلا ما يرضيه، ويلتزم في عمله بالحدود الشرعية، فلا يتجاوزها فسيجد من ألطاف الله تعالى به، وحفظه له، وتسديده إياه، ورعايته له أضعاف أضعاف ما يتوقعه..
1 - وبعد أن انتهى من الثناء على الله تعالى بما هو أهله، توجه نحو
1) الآية 12 من سورة الجن.
طلب حاجاته. وإذ بها لا تتضمن - كما قلنا - طلب السلامة من هذه الحرب، ولا طلب إهلاك أعدائه، بل تضمنت طلب أن يحكم الله تعالى بينه وبين جماعة لم يصفهم بالأعداء، ولا بأي وصف آخر يثيرهم، بل وصفهم بأنهم قومه.
2 - وكانت شكواه تتضمن أربعة أمور هي: أنه تعرض لعملية خداع، وخذلان وغدر، وقتل.. من قومه هؤلاء.
3 - ثم بيّن موقعه «عليه السلام» في هذه الأمة، ومن هذا الدين، فبيَّن أنه من عترة نبيه تعالى، وولد حبيبه الذي اصطفاه بالرسالة، واء تمنه على الوحي.
وهذا الأمر يفترض أن يكون حاجزاً لهم عن الإقدام على أي عمل سلبي تجاه من هم عترة النبي «صلى الله عليه وآله» بصورة عامة، فلا يقدم أحد حتى على مجرد الإقلال من التواصل معهم عليهم الصلاة والسلام، فما بالك بما هو أشد من ذلك. كالإعراض عنهم، أو قطع الصلة بهم، أو توهين أمرهم، وتصغير قدرهم، أو الإضرار بمصالحهم، ومنعهم حقوقهم فما بالك بالخداع والخذلان
والغدر والقتل؟!
4 - أما ما طلبه «عليه السلام» فلم يزد على طلب الحل لهذه المعضلة، وإيجاد مخرج منها يكون به الفرج ، فلم يطلب حتى إدانة أعدائه، فضلاً عما عدا ذلك...
5 - ثم طلب منه تعالى أن يمنحه الصبر على القضاء، وأكد على
وحدانيته تعالى.. وعلى الالتزام بفروض العبودية..
قال بعض الإخوة الأعلام أعزهم الله تعالى:
اشتهرت بعض العبارات على أنّها آخر ما تكلم به الإمام الحسين «علیه السلام»، نظیر «رضا برضائك، وتسليماً لأمرك». إلا أننا لم نعثر على هذه العبارة وشبيهاتها في شيء من النصوص المعتبرة، بل
لم نعثر على التعبير المذكور في شيء من المصادر الضعيفة فضلا عن القوية.
وأساس هذه الكلمات هو النص المنقول عن كتاب مقتل الحسين عليه السلام» المنسوب لأبي مخنف، وهو كتاب ضعيف، حيث ورد فیه:
«بقي الحسين ثلاث ساعات من النهار ملطخاً بدمه، رافعاً بطرفه الى السماء، وينادي: يا إلهي صبراً على قضائك، لا معبود سواك، يا غياث المستغيثين»، فهذا النصّ مضافاً لعدم وروده في مصدر معتبر، لا يخلو من الإشكال؛ إذ كيف يبقى الإمام مطروحاً على الأرض ثلاث ساعات عصر عاشوراء، ومع ذلك لا يقوم العدوّ بأي شيء ؟! راجع: ص 689) (الفصل الثاني / آخر دعاء للحسين عليه السلام يوم عاشوراء)(1).
1) الصحيح من مقتل الإمام الحسين ج 1 ص 911 وموسوعة الإمام الحسين ج4 هامش ص413 و 414.
غير أننا نقول:
تقدم: أن في هذا الدعاء المنسوب إلى الإمام الحسين «عليه السلام» حين اشتد عليه الحال قوله: «صبراً على قضائك يا رب، لا إله سواك، يا غياث المستغيثين».
وقد نقل هذا الدعاء الشيخ الطوسي في كتابه مصباح المتهجد(1). بالإضافة إلى علماء آخرين جاؤا بعده.
2 - تقدم في النصوص: أنه «عليه السلام» بعد أن ضعف عن القتال، بقي برهة لا تقدم القبائل على قتله، وكانت كل قبيلة تتكل على غيرها في ذلك.
فلعله بقي على هذا الحال ساعة، أو أقل، أو أكثر. ولكن مؤلف كتاب مقتل أبي مخنف قد تصرف في مقدار الوقت، فأضاف إليه ساعتين أو أكثر ، أو أقل من عند نفسه.
وقد عرفنا: أن ما رواه الطبري عن أبي مخنف هو المعتمد، ونجد نصوصه معقولة ومقبولة، باستثناء بعض الموارد اليسيرة.
وأما مقتل أبي مخنف الذي بين أيدي الناس، فيبدو: أنه ليس لأبي مخنف، حيث يلاحظ أنه يختلف عما رواه الطبري عنه. مع أن
1) مصباح المتهجد (ط الأعلمي) ص 572.
النسخة المخطوطة فيها الكثير من الإختلاف فيما بينها.
واحتمال أن يكون لأبي مخنف كتابان حول مقتل الحسين بعيد، ولم يشر إلى ذلك أحد، فاحتمال أن يكون هذا المقتل المتداول كتاباً موضوعاً أقرب إلى الاعتبار.
عن شعيب بن عبد الرحمن الخزاعي قال: وُجد على ظهر الحسين بن علي «عليه السلام» يوم الطف أثر [آثاراً سودا، فسألوا عنها، فقيل:]، فسألوا زين العابدين «عليه السلام» عن ذلك، فقال: هذا مما
كان ينقل الجراب على ظهره إلى منازل الأرامل واليتامى والمساكين(1).
ونقول:
لاحظ ما يلي:
قد يقال: ألم يكن يمكن للإمام الحسين «عليه السلام» أن يكلف من يكفيه هذه المهمة، من قريب أو صديق، أو خادم؟!
1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 66 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 222 وبحار الأنوار ج 44 ص 190 و 191 ،والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 63 و 64 ومستدرك سفينة البحار ج 4 ص 514 وتذكرة الخواص ج 2 ص 170.
فإن تعذر عليه ذلك، فلماذا لم يطلب من أصحاب الحاجة أن يأتوا إلى بيته ليتسلموا الحصص التي رصدها لهم.
وينصرف هو إلى ما هو أهم من العبادات، وإدارة الشؤون المهمة، ونحو ذلك.
ويمكن أن يجاب:
1 - بأنه لو فعل ذلك، لشاع هذا الأمر في الناس، فيأتيه المحتاجون وما أكثرهم، ويتحول بيته إلى سوق يموج بأصحاب الحاجات، وهذا سيكون موجباً لاتهام السلطة إياه بأنه يشتري الناس بالأموال، ويهيئ الأمر للقيام ضد النظام، فتعمل على منع الناس من الاتصال به وتقوم بملاحقة الفقراء، وربما ،آذتهم، واتهمتهم وعاقبتهم أيضاً.. إن عجزت عن ملاحقته وإيذائه.
كما أن هذا الإجراء يفسح المجال للطامعين، وغير المستحقين ليمارسوا ضغوطهم للحصول على حصص لا حق لهم بها، وتضيع الأموال، ولا يصل إلا القليل منها إلى مستحقيها.
2 - إنه «عليه السلام» يريد أن يحصل على ثواب العطاء، وثواب حمله إلى أهله وعلى ثواب حفظ ماء وجه أهل الحاجة، الذين قد يتحرج بعضهم من معرفة الناس بأحواله المادية. ويحجزهم ذلک عن السعي للحصول على ما هم أحق به من غيرهم.
3 - من قال بأن الأموال المتوفرة كانت تكفي لجميع الفقراء، فلعله كان يختار منهم من هو أكثر حاجة.
4 - إن المبرر لشيوع الفقر في تلك المجتمعات هو استئثار الحكام بالأموال العامة، وتخصيصهم أقاربهم، وأعوانهم بها، وتبذيرها، وصرفها على شهواتهم وأهوائهم، وإشباع غرائزهم، أو اكتنازها وتكديسها في خزائنهم لهم ولأبنائهم من بعدهم.
مع أن الأموال كانت قد فاضت في الناس، وظهر الثراء الفاحش، على كثير من أهل النفوذ والوجاهة، وأصحاب المناصب.
وظهرت أرقام ثروات تفوق حد التصور، وذلك بسبب الفتوحات، وكثرة التجارات، وظهور أبواب كثيرة للمكاسب لم تكن متوفرة في السابق.
ويشهد على ما نقول: أن الإمام عليا «عليه السلام» بالرغم من أن حكمه لم يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة من السنين. وكانت سنوات حروب كبرى لم يشهد لها تاريخ تلك الحقبة مثيلا ، - إنه «عليه السلام» بالرغم من ذلك - يقول عن أهل الكوفة، وهي أكبر المدن الإسلامية في زمانها، ويعد سكانها بمئات الألوف يقول «عليه السلام» ما أصبح بالكوفة أحد إلا ناعماً، إن أدناهم منزلة ليأكل من
البر، ويجلس في الظل، ويشرب من ماء الفرات(1).
1) فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لأحمد بن حنبل ص30 والمستدرك على الصحيحين للحاكم (تحقيق يوسف عبد الرحمن المرعشلي) ج 2 ص 445 و (ط دار الكتب العلمية) ج 2 ص 482 وعن فضائل علي للخوارزمي ج 1 ص 368. وراجع: مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 368 وبحار الأنوار ج 40 ص 327 والمصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 157 وكنز العمال ج 14 ص 172 وجامع المسانيد والمراسيل ج 16 ص 361 وفضائل الصحابة للنسائي (ط دار الكتب العلمية) ج 1 ص 531.
وعن الإمام الصادق «عليه السلام» أنه: «لمَّا ضُرِبَ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيّ «عليه السلام» بالسَّيْفِ، ثُمَّ ابْتُدِرَ لِيُقطَّعَ رَأْسُه.. نَادَى مُنَادٍ مِنْ بطنان العَرْش: ألا أَيَّتُهَا الأمَّة المُتَحَيّرَةُ الظالمة بَعْدَ نَبِيِّهَا، لا وَفَقَكُمُ اللهُ لأضحى ولا لِفِطر.
قالَ ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ الله «عليه السلام» جَرَمَ والله مَا وُقُقُوا ولا فلا يُوَفَّقُونَ أَبَدَا حَتَّى يَقُوْمَ تَائِرُ الْحُسَيْنِ».
ونحوه عن الإمام أبي جعفر الثاني «عليه السلام».. وفي بعض النصوص الصوم ولا لفطر(1).
1) راجع: الكافي ج 4 ص 170 والأمالي للصدوق حديث رقم 5 ص 142 و (نشر مؤسسة البعثة) ص 232 وروضة الواعظين ص 193 وعلل الشرايع ج 2 ص 389 باب 125 ح 2 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 175 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 10 ص 295) و (الإسلامية) ج 7 ص 213 ومرآة العقول ج 16 ص 412 ومستدرك الوسائل ج 6 ص 152 وبحار الأنوار ج 45 ص 217 و 218 وج 88 ص 134 ومستدرك سفينة البحار ج 8 ص 240 والنجم الثاقب ج 2 ص 527.
ويبقى السؤال عن السبب في اختيار الحديث عن حرمان هؤلاء الناس وهم قتلة الحسين «عليه السلام» من التوفيق للصوم والفطر.
ويجاب:
بأن المطلوب هو الإلماح إلى رمزية معينة، وهي: أن هذا الابتعاد عن معنى الإمامة، وعن الإمام، وعن التسليم للنبي، وللإرادة الإلهية في ممارسة الأمة فيما يرتبط بقيادتها وهدايتها من خلال مقام الإمامة، فإن التنكر لذلك سوف يدخل النقص والخلل إلى كل مفاصل الحياة وشؤونها، وسوف لا يقتصر على الشؤون العامة، بل سيسري حتى يصل إلى العبادات الشخصية، فضلاً عما عداها وسيدخل إلى أعماق حياة الناس.
وهذا مخيف للناس بصورة مباشرة، لأن الناس يهتمون بسلامة حياتهم الفردية، وأي خلل يشعرون به فيها سوف ينغص عليهم حياتهم، وسيكون شعورهم به أقوى من شعورهم به في المجالات العامة..
ونقول:
ما المراد بالأمة؟!:
لقد وجه المنادي من السماء خطابه إلى الأمة المتحيرة بعد نبيها فهل المقصود بالأمة هم خصوص الذين جاؤا لحرب الإمام الحسين
«عليه السلام»، أو كل من كان على خطهم ونهجهم؟! أو الأعم من ذلك؟!
قد يقال : هناك قرائن تدل على أن المقصود هو خصوص من اجتمعوا لحرب الحسين «عليه السلام»:
الأولى: أن وصف الأمة بالظالمة يجعل الخطاب متوجها لمن كان منشغلاً بممارسة الظلم والعدوان، أو أنه تلبس بالظلم في وقت سابق، فاستحق أن يوجه الخطاب إليه...
الثانية: الكلام جاء يصيغة الخطاب، الذي يقتضي الحضور، فيكون خاصاً لحظة الخطاب بالذين اجتمعوا لحرب الإمام وقتله.
الثالثة: إن عامة الناس قبل وبعد، وحتى في زمان فاجعة كربلاء لم يكونوا مشاركين في هذا الظلم، فلماذا يدعو عليهم؟! إذ ليس المقصود بالظلم أي ظلم كان ، وإلا لكان دعا على جميع البشر قبل ذلك، ولم تختص الدعوة بالفريق المناوئ للإمام الحسين «عليه السلام».
ويجاب:
أولاً: إن المخاطب قد اختار كلمة الأمة ليجعلها عنواناً لمخاطبيه، ولو كان المقصود خصوص الحاضرين في كربلاء لقال: أيتها الجماعة، كما قال الإمام الحسين «عليه السلام» مخاطباً إياهم: «تباً لكم أيتها الجماعة وترحاً».
ثانياً: إن ما عقب به الإمام الصادق «عليه السلام» على هذا النداء من قبل رب العزة يقطع الشك باليقين بأن المراد بالأمة هو
كل من التزم بالنهج البعيد عن خط أهل البيت «عليهم السلام»، والذي أمسك بأزمة الأمور عملياً منذ وفاة النبي نصلى الله عليه وآله»..
فقول الإمام الصادق « عليه السلام» - مقسما على ذلك بالله -: والله مَا وُفِّقوا ولا يُوَفَّقُونَ أَبَدَا حَتَّى يَقُوْمَ تَائِرُ الْحُسَيْنِ «عليه السلام»، يدل على أن الخطاب شامل لكل من هم على هذا النهج إلى آخر الدهر.
ولا يختص بمن اجتمعوا في كربلاء لقتل الإمام الحسين عليه السلام» مما يعني أن الخطاب إنما هو على نحو القضية الحقيقية التي تشمل من مضى ومن غبر ومن غاب ومن حضر، فهو على حد الخطابات القرآنية، مثل أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ونحو ذلك. وليس
الخطاب على نحو القضية الخارجية.
وتقدم في الرواية رقم [6]: أن الذي حزّ رأس الحسين «عليه السلام» هو سنان بن أنس النخعي
وستأتي الأقوال في ذلك إن شاء الله تعالى..
1 - عن شهاب بن عبد ربّه عن أبي عبد الله [الصادق] «عليه السلام»: «لمّا صَعِدَ الحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ «عليه السلام» عَقِبَة البَطْن، قالَ لأصحابه: ما أراني إلا مقتولاً.
قالوا: وما ذاكَ يا أبا عَبدِ اللَّهِ؟
قالَ: رُؤيا رَأَيْتُها فِي المَنامِ.
قالوا: وما هِيَ؟
قال: رأيتُ كِلاباً تَنهَشني، أشدُّها عَليَّ كَلْبٌ أبقعُ(1)»(2).
2 - عن محمد بن عمرو بن حسن كُنَّا مَعَ الحُسَين «عليه السلام» بِنَهرَي كَربَلاءَ، فَنَظرَ إلى شمر بن ذي الجوشن، فَقَالَ: صَدَقَ اللهُ ورَسولهُ قالَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله»: «كَأَتي أنظر إلى
كَلبٍ أبْقَعَ يَلعُ في دِماء أهل بيتي». وكان شمرٌ أَبْرَصَ(1).
3 - وقال في نص آخر : ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقالَ: أَينَ الحُسَينُ؟!
فقال: ها أنا ذا.
قال: أبشر بالتار.
قالَ: أَبْشِرُ بِرَبِّ رَحيمٍ، وشفيع مُطَاعٍ، مَن أنتَ؟
قالَ: أَنَا شِمرُ بنُ ذِي الجوشن.
قالَ الحُسَينُ «عليه السلام»: اللهُ أَكْبَرُ َقالَ رَسولُ اللهِ «صلى الله عليه
1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 416 عن المصادر التالية: تاريخ مدينة دمشق ج 23 ص 190 ح 5031 وج 55 ص 16 ح 11583 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 36 عن عمرو بن الحسن، وكنز العمال ج 13 ص 672 ح 37714 وبحار الأنوار ج 45 ص 56 وراجع تذكرة الخواص ص 252. وراجع: البداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 205 والوافي بالوفيات ج 16 ص 105 وكفاية الطالب (طبع في حيدرآباد الدكن - الهند) ج 2 ص 125 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 415 عن: منتخب کنز العمال (مطبوع بهامش المسند - ط الميمنية بمصر) ج 5 ص 112 ومفتاح النجا) (مخطوط) ص 126.
وآله» رَأيتُ كَأَنَّ كَلباً أبقعَ يَلغُ في دِماء أهل بيتي.
وقالَ الحُسَينُ «عليه السلام»: رَأيتُ كَأنَّ كِلابا تَنهَشني، وكَأَنَّ فيها كلباً أبقع كانَ أَشَدَّهُم عَليَّ، وهُوَ أَنتَ، وكان أبرص(1).
4 - ونَقلتُ عَن التّرمذي: قيلَ لِلصَّادِق «عليه السلام»: كَم تَتَأَخَّرُ الرُّؤْيا؟
فَذَكَرَ مَنامَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله»، فَكانَ التَّأْوِيلُ بَعدَ سِتِّينَ سَنَةٌ(2).
ونقول:
1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 416 و 417 عن المصادر التالية مثير الأحزان ص 64 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 48 وبحار الأنوار ج 45 ص 31 وأنساب الأشراف ج 3 ص 401 و (ط دار التعارف) ج3 ص193 وليس فيه ذيله من وقال الحسين «عليه السلام» وراجع الفتوح لابن أعثم جه ص 99 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 251. وراجع: العوالم الإمام الحسين ج 17 ص 274.
2) راجع: مثير الأحزان ص 64 و (ط المكتبة الحيدرية) ص48 وبحار الأنوار ج 45 ص 31 وراجع ج 62 ص 60 وراجع العوالم الإمام الحسين ص274 ومستدرك سفينة البحار ج 4 ص 39 ووفيات الأعيان ج 7 ص 68 وحياة الحيوان الكبرى ج 1 ص 93 و ج 2 ص 382 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 1 ص 380 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 28 ص 422.
عرفنا في بعض الأجزاء المتقدمة من هذا الكتاب: أن رؤيا النبي «صلى الله عليه وآله» والإمام «عليه السلام» صادقة دائماً، ويشهد لذلك: قول إسماعيل لأبيه «عليهما السلام»: (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ). بعد أن قال له إبراهيم «عليه السلام»: يَا بُنيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنامِ أَنِّي أدْبَحُكَ فانْظُرْ مَاذَا تَرَى)(1)فإحالة إبراهيم القرار إلى إسماعيل يشير إلى أن الأمر محسوم وقطعي لدى إبراهيم «عليه السلام».
كما أن قول إسماعيل «عليه السلام»: (افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ). حيث لم يقل إفعل ما تحب، ولم يقل أيضاً: إن المنامات قد تكون أضغاث أحلام، فلا حجية فيها.. - إن ذلك - يدل على أن إسماعيل عليه «السلام يعتبر منام أبيه أمراً إلهيا ، لا مناص من امتثاله..
ويشهد لذلك أيضاً: نفس هذه النصوص التي ذكرناها آنفاً؛ فإن النص الذي رواه شهاب بن عبد ربه يدل على أن الحسين «عليه السلام» يستدل برؤياه على حصول القتل له.
فإن قيل: لعل الحسين «عليه السلام» أخذ ذلك من إخبارات رسول الله «صلى الله عليه وآله» المتعددة عن استشهاد الحسين «عليه السلام» في كربلاء، ولم يستند في ذلك إلى رؤياه.
فيجاب:
1) الآية 102 من سورة الصافات.
أولاً: بأن الإمام الحسين «عليه السلام» قد استدل بالرؤيا على حضور وقت الإستشهاد، ولم يستدل بها على أصل نيله درجة الشهادة.
ثانياً : إنه «عليه السلام» قد حدد صفات قاتليه، وأنهم سيكونون جماعة يتشاركون في هذه الجريمة. كما أنه قد حدد صفة شخص بعينه سيكون الأشد حرصا على إيذائه وقتله، وهي أنه سيكون أبقع. أي أبرص.
أما النص الثاني المتقدم، المروي عن محمد بن عمرو بن حسن، فلم يشر إلى رؤيا، بل هو قد نقل لنا أن الحسين «عليه السلام» قد طبق الخبر الغيبي الوارد عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» في صفة من يلغ في دماء أهل بيته على شمر بن ذي الجوشن.
لكن الرواية الثالثة توضح المراد بالثانية بصورة أجلى وأتم. بل هي قد حملت معها شاهداً آخر على صدق رؤيا النبي صلى الله عليه وآله والإمام عليه السلام، حيث ذكرت أن مضمون رؤيا النبي
«صلى الله عليه وآله» يتحقق، ولو بعد ستين سنة.
وقد واجه الإمام الحسين «عليه السلام» شمر بن ذي الجوشن بحقيقة أنه هو الكلب الأبقع الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله أنه يلغ في دماء أهل بيته، ثم زاد على ذلك: أنه أخبره بخصوصية استلها من تأويل رؤيا رآها عن أن الشمر - الأبقع:
الأبرص - سيكون الأشد عليه.
وهذا خبر غيبي آخر كان يفترض بالشمر أن يعيد النظر في حاله ومآله، وأن يحذر من أن يكون هو المقصود بكلام النبي «صلى الله عليه وآله»، أو برؤيا الإمام «عليه السلام».
كما أن من يسمع هذا الكلام، ويعاين تحقق مضمونه في الواقع الخارجي، فلا بد أن يأكل الندم قلبه على ما فرط منه، إن كان من اهل اللجاج والعناد ويصبح إصراره على موقفه ضربا من الخيبة والخذلان الإلهي.
وإن كان ممن لم يشارك في شيء من تلك الجرائم والمآثم، فلا بد أن يكون هذا وسواه من أسباب التمييز لديه بين المحق والمبطل، فلا بد أن يسعى لأن يكون مع الحق وأهله، ضد الباطل وأهله.
1 - ذكر النص المتقدم برقم [3]: أن الشمر يبشر الحسين «عليه السلام» بالنار ..
والحقيقة: أن هذه البشارة الخبيثة هي الدليل القاطع على أنه هو الجدير بهذه البشارة، بل هي نفسها ستكون من موجبات دخول الشمر النار، لأنها تتضمن تكذيباً لرسول الله «صلى الله عليه وآله» فيما أخبر به عن أن الإمام الحسين «عليه السلام» سيد شباب أهل الجنة، فضلاً عن أنه يكذِّب كلام الرسول عن أن الحسين «عليه السلام» هو
الباقي من أهل بيت النبي، الذين نزلت في حقهم الآية الكريمة: (إنَّمَا يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)(1).
2 - يلاحظ أنه «عليه السلام» لم يجب شمراً بأنك أنت ستكون من أهل النار، بل اكتفى بالحديث عن نفسه من جهتين:
أولاهما: من جهة علاقته الله تعالى ونظرته إليه، باعتبار أنه مع رب ،رحيم، وأنه «عليه السلام» سوف يكون في ظل رعايته، ولن يرى منه غير الرحمة والرضوان، فقد قال: «أَبْشِرُ بِرَبِّ رَحيم».
الثانية: من جهة علاقته بعالم الآخرة، وموقعه فيه، فذكر «عليه السلام» أنه سيكون أيضاً في كنف جده «صلى الله عليه وآله» ومع ملاحظة ما له صلى الله عليه وآله من كرامة، ومقام عند الله، فإنه لن يجد عنده إلا الخير العميم والفوز العظيم، والسعادة الغامرة، لأنه «صلى الله عليه وآله» سيكون هو الشفيع للحسين «عليه السلام»، وهو المطاع عند الله.
وسينال الحسين «عليه السلام» بهذه الشفاعة، من البركات، والألطاف، والنعم والعطايا، والمقامات، والرضوان الإلهي ما تكون البشارة به خيراً من الدنيا وما فيها، فما بالك بالحصول على مضمون تلك البشارة، والفوز العظيم الذي يناله؟!
1) الآية 33 من سورة المائدة.
1 - جَاءَ في زيارَةِ التَّاحِيَةِ : الشَّمرُ َجالِسٌ عَلى صَدرِكَ، مولعٌ سَيْفَهُ عَلَى نَحرِكَ، قابض عَلَى شَيْبَتِكَ بِيَدِهِ، ذابِحٌ لَكَ بِمُهَنَّدِهِ(1)، قد سَكَنَت حَواسكَ ، وخَفِيَت أنفاسُكَ، ورُفِعَ عَلى القنا رَأسُكَ(2).
2 - روى الصدوق عن الإمام الصادق عن أبيه، عن جده، الإمام [زين العابدين] «عليهم السلام» ، فقال : ثُمَّ خَرَّ [الحُسَينُ «عليه السلام»] عَلى خَدّهِ الأَيسَر صَريعاً، وأقبَلَ - عَدُوُّ اللهِ - سَنانُ بنُ أَنَسٍ الإيادِيُّ، وَشِمرُ بنُ ذِي الجوشن العامِرِيُّ «لعَنَهُمَا اللَّهُ»، في رجالٍ مِن أهل الشام حَتَّى وقفوا عَلى رَأس الحُسين «عليه السلام».
فقالَ بَعضُهُم لِبَعضٍ ما تَنتَظِرُونَ؟ أريحُوا الرَّجُلَ.
فَنَزَلَ سِنانُ بنُ أَنَسِ الإِيادِيُّ «لَعَنَهُ اللهُ» وأخَذ بِلِحيَةِ الحُسَين «عليه «السلام»، وجَعَلَ يَضْرِبُ بِالسَّيفِ فِي حَلْقِهِ، وهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَحتَزُّ رَأسَكَ، وأنا أعلمُ أنَّكَ ابْنُ رَسول اللهِ، وخَيرُ النَّاس أبا وأمّا!!(3).
3 - يقول ابن أعثم:
قالَ : وأَقبَلَ عُمَرُ بنُ سَعدٍ حَتَّى وَقفَ عَليهِ، وقال لأصحابه: انزلوا إِليهِ فَخُذُوا رَأْسَهُ !
قالَ: فَنَزَلَ إِليهِ نَصرُ بنُ خَرشَبَة الضَّبابي - لَعَنَهُ اللهُ - وَكَانَ أَبرَصَ، قضَرَبَهُ برجلِهِ فَأَلْقَاهُ عَلى قفاهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِلِحَيَتِهِ.
فَقالَ لهُ الحُسَينُ ( عليه السلام»: أنت الأبقعُ الَّذي رَأَيْتُكَ في مَنامي.
قالَ: أَوَتُشبِّهُني بالكِلابِ يَا ابنَ فاطِمَة؟
قالَ: ثُمَّ جَعَلَ يَضربُ بِسَيْفِهِ - لَعَنَهُ اللهُ - عَلى مَذبَحِ الحُسَين «عليه السلام» وهُوَ يَقولُ:
أقتُلُكَ اليَومَ ونفسِي تَعلَمُ *** عِلماً يقيناً ليسَ فِيهِ مَرْعَمُ
ولا مَحالٌ لا ولا تَأتُمُ *** إِنَّ أَباكَ خَيرَ مَن يُكَلِّمُ
قالَ: فَغَضِبَ عُمَرُ بنُ سَعدٍ ثُمَّ قَالَ لِرَجُلٍ: انزل أنتَ إِلَى الحُسَينِ فأرحة!
قالَ: فَنَزَلَ إِلَيهِ خَولِيُّ بنُ يَزِيدَ الْأَصْبَحِيُّ - لَعَنَهُ اللَّهُ - فَاحْتَنَّ رَأسَهُ(1).
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 118 و 119 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 35 وراجع مطالب السؤول ص 76 و (بتحقيق ماجد العطية) ص402 وكشف الغمّة ج 2 ص 262 وبحار الأنوار ج 45 ص 55 و 56 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 111 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 258 وراجع: العوالم الإمام الحسين ج 17 ص 299.
ونقول:
ستأتي الأقوال المختلفة في من احتز رأس الحسين «عليه السلام».
وقيل: احتز رأسه شبل بن يزيد الأصبحي، أخو خولي(1).
4 - قال الخوارزمي عن عمرو بن الحسن، عن أبيه: غَضِبَ عُمَرُ بنُ سَعِدٍ، فَقَالَ لِرَجُلٍ كَانَ عَن يَمِينِهِ: إِنزِل وَيْحَكَ إِلَى الْحُسَينِ فأرحة!
فَنَزَلَ إِلَيهِ - قيلَ: هُوَ خَولِيّ بنُ يَزِيدَ الأَصْبَحِيُّ - فَاحْتَنَّ رَأْسَهُ، وقِيلَ: بَل هُوَ شِمرٌ.
ورُويَ: أنَّهُ جَاءَ إِليهِ شِمرُ بنُ ذِي الجَوشَن وَسِنانُ بنُ أَنَسٍ وَالحُسَينُ «عليه السلام» بآخِرِ رَمَقِ يَلوكُ بِلِسانِهِ مِنَ العَطش - فَرَفَسَهُ شمرٌ برجلِهِ، وقالَ: يَا ابن أبي ثراب، ألستَ تَزِعُمُ أَنَّ أَبَاكَ عَلَى حوض النَّبِيِّ يَسقي مَن أحَبَّهُ؟ فاصبر حَتَّى تَأْخُذُ الماءَ مِن يَدِهِ.
1) الأخبار الطوال ص 258 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 2 ص 2629 وحياة الحيوان الكبرى ج 1 ص 92.
ثمَّ قَالَ لِسِنان بن أنس: اِحتَر رَأْسَهُ مِن قفاهُ!
فقالَ: وَاللهِ لا أَفعَلُ ذلِكَ فيَكونَ جَدُّهُ مُحَمَّدٌ خَصمي.
فَغَضِبَ شِمرٌ مِنهُ، وجَلسَ عَلى صَدر الحُسَين «عليه السلام»، وقبَضَ عَلى لِحَيَتِهِ، وهَمَّ بقتلِهِ ، فَضَحِكَ الحُسَينُ «عليه السلام» وقالَ لهُ أتَقتلني؟! أَوَلَا تَعلَمُ مَن أَنَا؟!
قال: أعرفُكَ حَقَّ المعرفة.
أمُّكُ فاطمة الزهراء، وأبوكَ عَلِيٌّ المُرتَضى، وجَدُّكَ مُحَمَّدٌ المُصطفى، وخصمُكَ اللهُ العَلِيُّ الأعلى، وأقتلك ولا أبالي.
وضَرَبَهُ بِسَيفِهِ اثْنَتَي عَشْرَةَ ضَربَةً، ثُمَّ حَزَّ رَأسَهُ(1).
6 - وقالوا عن سنان بن أنس: ثُمَّ نَزَلَ إِلَيهِ لِيَحتَر رَأْسَهُ، وَنَزَلَ مَعَهُ خولِيُّ بنُ يَزِيدَ الْأَصْبَحِي فَاحْتَر رَأسَهُ، ثم أتى بِهِ عُبَيدَ اللهِ بنَ زِيادٍ فقال:
أوقر ركابي فِضَّة وذهَبا *** أنَا َقتَلْتُ المَلِكَ المُحَجَّبا
قتَلتُ خَيرَ النَّاس أمّاً وأبا *** وخَيْرَهُم إِذْ يُنسبونَ نَسَبًا
قالَ: فلم يُعطِهِ عُبَيدُ اللَّهِ شَيئا(2)
وراجع: مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 260 وبحار الأنوار ج 45 ص 128 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 428 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 341 والكامل في التاريخ ج 4 ص 79 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 205 ونهاية الأرب ج20 ص 460 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 458 وج 33 ص 660 وراجع مجمع الزوائد ج9 ص 194 والمعجم الكبير ج 3 ص 117 وأنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج 3 ص 205.
.1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 36 وبحار الأنوار ج 45 ص 56 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 300 وتسلية المجالس وزينة المجالس ج 2 ص 322.
2) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 407 عن : الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 473 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 75 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 302 و 298 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 13 كلها نحوه، وليس فيها ذيله من «ثمّ أتى». وعن تذكرة الخواص ص 256.
7 - قالَ: وحَمَلَ عَليهِ في تِلْكَ الحال سنانُ بنُ أَنَس بن عَمرو النَّخَعِيُّ، فَطَعَنَهُ بالرُّمح فوقعَ ، ثُمَّ قَالَ لِخَولِيٍّ بن يَزِيدَ الْأَصْبَحِي: احتَرَ
رَأسَهُ !
فأراد أن يَفعَلَ فَضَعُفَ فأرعِدَ.
فَقالَ لَهُ سِنانُ بنُ أَنَسٍ: فَتَ اللهُ عَضُدَيكَ في الإرشاد: ما لكَ
تَرعِدُ؟ وأبانَ يَدَيكَ.
فَنَزَلَ إِليهِ [في الإرشاد: شمرٌ] فَدَبَحَهُ وَاحْتَر رَأْسَهُ، ثُمَّ دُفِعَ إِلى خولِيٍّ بن يَزِيدَ، [في الإرشاد: فقال: احمله إلى الأمير عبيد الله ] وقد
ضُرب قبلَ ذلِكَ بالسُّيوف(1).
8 - ونَزَلَ إِلَيهِ حَولِيُّ بنُ يَزِيدَ الأَصْبَحِيُّ لِيَحُزُّ رَأْسَهُ، فَأُرِعِدَت يَدَاهُ فَنَزَلَ أَخوهُ شَبلُ بنُ يَزِيدَ فَاحْتَزَّ رَأسَهُ، فَدَفَعَهُ إلى أخيه خولي(2).
9 - فَقالَ عُمَرُ بنُ سَعِدٍ لِرَجُلٍ عَن يَمينِهِ: اِنزِل - وَيْحَكَ - إلى الحُسَين فأرحه!
قبَدَرَ إِليهِ خَولِيُّ بنُ يَزِيدَ الْأَصْبَحِيُّ لِيَحتَنَّ رَأْسَهُ فَارِعِدَ، فَنَزَلَ إِلَيهِ سنانُ بنُ أَنَسِ النَّخَعِيُّ «لَعَنَهُ اللهُ» ، فَضَرَبَهُ بِالسَّيفِ فِي حَلْقِهِ الشَّرِيفِ،
1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 406 و 407 عن: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 452 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 346 وأنساب الأشراف ج3 ص 409 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 203 وليس فيه صدره إلى هؤلاء»، والكامل في التاريخ ج 4 ص 78 وليس فيه ذيله، والمنتظم من تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 340 نحوه والإرشاد ج 2 ص 112 وروضة الواعظين ص 208 و (منشورات الشريف الرضى) ص 189 وإعلام الورى ج 1 ص 469 وليس فيه من «ضربه» إلى «لوجهه» وفيهما «كتفه» بدل «كقه». وراجع: مجموعة نفيسة (تاج المواليد) ص170 والدر النظيم ص 558 وبحار الأنوار ج 45 ص 56 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 299 ونهاية الأرب ج 20 ص 459 و عمدة القاري ج 16 ص 241 وراجع: البداية والنهاية ج 8 ص 204) و (ط أخرى) ج 8، ص188 ومروج الذهب ج 3 ولباب الأنساب ج 1 ص 396.
2) الأخبار الطوال ص 258 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج6 ص 2629 وحياة الحيوان الكبرى ج 1 ص 91 و 92.
وهُوَ يَقولُ: وَاللَّهِ إِنِّي لأحتَزُّ رَأْسَكَ وَأَعلَمُ أَنَّكَ ابْنُ رَسولُ اللَّهِ، وَخَيرُ النّاس أباً وأمّا، ثمَّ احتَر رَأسَهُ الشريف»(1).
10 - ورَوَى هِلالُ بنُ نافِع قالَ: إنّي لواقِفٌ مَعَ أَصحابِ عُمَرَ بن سَعدٍ، إِذ صَرَخَ صارخ أبشر أيُّهَا الأمير فهذا شمر قد قَتَلَ الحُسَينَ.
قالَ: فَخَرَجْتُ بَينَ الصَّقَين، فوقفتُ عَليهِ، فَإِنَّهُ لَيَجودُ بِنَفْسِهِ، فَوَاللَّهِ ما رأيتُ قتيلاً مُضَمَّخا بدَمِهِ أحسَنَ مِنهُ، ولا أنوَرَ وَجها، ولقد شَغَلني نورُ وَجهِهِ وجَمَالُ هَياتِهِ عَن الفكر في قتلِهِ.
قاستسقى في تِلْكَ الحال ماءً فَسَمِعتُ رَجُلاً يَقُولُ لَهُ: وَاللهِ لا تَذوقُ الماءَ حَتَّى تَردَ الحامية فتَشرَبَ مِن حَميمها.
فقالَ لهُ الحُسَينُ «عليه السلام»: لا ، بَل أردُ عَلى جَدّي رَسول اللهِ «صلى الله عليه وآله»، وأَسْكُنُ مَعَهُ في دارهِ، فِي مَقعَدِ صِدقٍ عِندَ مَليك مُقتَدِر، وأشرَبُ مِن ماءٍ غَير ،آسن، وأشكو إليهِ مَا ارتَكَبتُم مِنِّي، وفعلتُم بي.
قالَ: فَغَضبوا بأجمَعِهم ، حَتَّى كَأَنَّ اللهَ لم يَجْعَل في قلب أحَدٍ مِنهُم مِنَ الرَّحْمَةِ شَيئا، فاحتَروا رَأسَهُ وإِنَّهُ لَيُكَلِّمُهُم.
فَعَجِبتُ مِن قِلَةٍ رَحمَتِهم!! وقلتُ: وَاللهِ لا أَجَامِعُكُم عَلَى أَمرٍ
1) الملهوف ص 174 و (نشر أنوار الهدى) ص 74 ومثير الأحزان ص 75 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 56 وبحار الأنوار ج 45 ص 55 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 298 وراجع الأمالي للصدوق ص 226.
أَبَداً(1).
11 - لمّا أُنْخِنَ [الحُسَينُ «عليه السلام»] بالجراح، ولم يبقَ فِيهِ حَراكٌ، أَمَرَ شمرٌ أن يَرموهُ بِالسّهام، وناداهُم عُمَرُ بنُ سَعِدٍ: ما تَنتَظِرُونَ بِالرَّجُل؟ وأمَرَ سِنان بن أنس أن يَحتَر رَأْسَهُ، فَنَزَلَ يَمشي إِليهِ وهُوَ يَقولُ: أمشي إليكَ وأعلمُ أَنَّكَ سَيِّدُ القوم، وأنَّكَ خَيرُ النّاسِ أَبَا وأمّا فاحتَزَّ رَأْسَهُ، ورَفَعَهُ إِلَى عُمَرَ بن سَعدٍ، فَأَخَذَهُ فَعَلَّقَهُ فِي لْبَبِ فَرَسِهِ(2).
ونقول:
تقول الرواية المتقدمة برقم [2] عن الإمام زين العابدين، عن الإمام الحسين «صلوات الله وسلامه عليهما»: «ثُمَّ خَرَّ عَلَى خَدِّهِ الأيسر صَريعاً».
مع أن ثمة نصاً آخر يقول: إن صالح بن وهب المزني «لعنه الله» طعن الحسين «عليه السلام» في خاصرته، فسقط «عليه السلام»
عن فرسه إلى الأرض على خده الأيمن، ثم قام «عليه السلام»(1).
ونرى : أنه لا منافاة بين هذه الرواية وتلك، فإن الإمام زين العابدين «عليه السلام» إنما يتحدث عن سقوطه «عليه السلام» إلى الأرض آخر مرة، حيث بادروا إليه، فاحتزوا رأسه الشريف.
أما الرواية الأخرى، فهي تتحدث عن سقوطه «عليه السلام» عن فرسه إلى الأرض قبل ذلك، بسبب طعنة صالح المزني إياه على خاصرته، ثم بادر إلى القيام حيث يبدو أنه حين يبادر «عليه السلام»
إلى القيام، فإنهم لا يجرؤون على الاقتراب منه ما داموا يرونه قادراً على المواجهة.
وقد تقدم: أن سهامهم قد جعلته كالقنفذ، وأنه صار شلوا، قبل أن يحتزوا رأسه الشريف
ويلاحظ هنا أن زيارة الناحية تصف المشهد، وصفا مشجياً وأليماً، وتقدم صوراً حزينة.. الأمر الذي يشير إلى أن ثمة تعمداً لإثارة
1) بحار الأنوار ج 45 ص 54 و 55 ،والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 297 299 وشجرة طوبى ج 2 ص 331 والملهوف ص174) و (نشر أنوار الهدى) ص 73 وإبصار العين ص37. وراجع: الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 118 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 35.
المشاعر، وتحريك العاطفة بشدة، وتهييج الرغبة في البكاء ..
وهذا ما نلاحظه أيضاً في كثير من الكلمات المنقولة عن الأئمة «عليهم السلام»، والنصوص التي تصف أحوالهم، ومدى حزنهم، وتعبر عن شدة رغبتهم في إشاعة مظاهر الأسى والألم في الناس في أيام عاشوراء.
ونحن وإن كنا نرى أن نسبة زيارة الناحية إلى الإمام الحجة «صلوات الله وسلامه عليه» غير سديدة، لأن النص يتحدث عن أنها خرجت من الناحية سنة اثنتين وخمسين وماءتين(1). أي قبل ولادة الإمام الحجة بثلاث سنوات..
ولكننا نعرف أيضاً: أن احتجاب الأئمة «عليهم السلام» عن الناس تمهيداً لغيبة الإمام «عليه السلام» قد بدأ قبل ذلك بسنوات كثيرة، فقد كان الأئمة «عليهم السلام» يقللون من الالتقاء المباشر بالناس ويخاطبونهم عبر الوسائط.
فلتكن هذه الزيارة قد خرجت عن الإمام العسكري «صلوات الله وسلامه عليه»، وقد توهم بعض الناس فنسبها إلى الإمام الحجة، ذاهلاً عما ذكرناه، ظانا أن التعبير بـ «الناحية» خاص به «صلوات
1) الإقبال لابن طاووس ص 73 وبحار الأنوار ج 45 ص 65 وج 98 ص 369 عنه، والمزار لابن المشهدي ص 486 والنجم الثاقب للطبرسي ج 1 ص19.
الله وسلامه عليه»، مع أن الأمر ليس كذلك..
وبعد ما تقدم نقول:
إن هذه الزيارة تعطي:
ألف: أن ثمة رغبة في إثارة مشاعر الحزن على الإمام الحسين «عليه السلام»، وسائر الشهداء في كربلاء، وأن تبقى هذه الحالة وتستمر، وتنتقل من جيل إلى جيل.
ب: إنها تتعمد توصيف المشهد العاشورائي بتفاصيله وجزئياته، مع مراعاة خصوصية الدقة في التوصيف.
ج: إنها لم تخرج عن طريقة عرض الوقائع إلى أي نوع من أنواع العرض لأمور مفترضة، أو تفسيرات، أو حالات متوقعة، أو ما يسميه بعض الناس لسان الحال، أو على قاعدة «كأني به..»، ونحو ذلك.
د: لم تحاول أن تستعمل ما يدخل في دائرة الخيال الشعري، الذي يتجاوز الواقع إلى المبالغات والتصويرات الخيالية..
وقد تقدم: أن الشمر هو الكلب الأبقع الذي يلغ في دماء أهل بيت رسول الله «صلى الله عليه وآله». وكان الشمر أبرص.. وهو الذي ذبح الحسين «عليه السلام» كما في العديد من الروايات والمصادر ..
غير أن ابن أعثم يذكر أيضاً: أن نصر بن خرشبة أيضاً - كان
أبرص - وأنه أخذ بلحية الحسين «عليه السلام» وجعل يضرب بسيفه «لعنه الله» على مذبح الحسين.. وأن الإمام قال له: أنت الأبقع الذي رأيتك في منامي..
وهذا ما ينقل عن شمر أنه فعله بالإمام «عليه السلام» أيضاً.
ويمكن أن يقال: إنه لا مانع من أن يكون نصر بن خرشبة قد فعل ذلك، ثم فعله شمر أيضاً. فإن القلوب متشابهة، أو تعلمه منه، أو أخذه عنه.
كما لا مانع من أن يكون البرص عاهة في كل من الشمر، ونصر أیضاً.
ولا مانع ثالثاً من أن يكون «عليه السلام» قد رآهما معاً في منام واحد، أو رأى كلا منهما في منام مختلف عن المنام الذي رأى فيه الآخر..
وتقدم: أن سنان بن أنس أخذ بلحية الحسين «عليه السلام»، وجعل يضرب بالسيف في حلقه وهو يقول: وَاللَّهِ إِنِّي لأَحتَزُّ رَأْسَكَ، وأنا أعلمُ أَنَّكَ ابنُ رَسول اللهِ، وخَيرُ النّاس أبا وأمّا..
أما نصر بن خرشبة، فيقول - وهو يضرب بسيفه على مذبح الحسين -:
أقتُلكَ اليَومَ ونفسِي تَعلَمُ *** عِلماً يَقيناً ليسَ فِيهِ مَزعَمُ
ولا مَحالٌ لا ولا تَأتُمُ*** إِنَّ أَباكَ خَيرَ مَن يُكَلَّمُ
وقال له الشمر حين جلس على صدره الشريف: أعرفُكَ حَقَّ المعرفة: أمُّكَ فاطِمَة الزَّهراءُ، وأبوكَ عَلِيٌّ المُرتَضى، وجَدُّكَ مُحَمَّدٌ المُصطفى..
كما أن الذي جاء برأس الحسين «عليه السلام» إلى عبيد الله بن زياد، كان يقول:
قتلتُ خَيرَ النَّاس أمّاً وأبا*** وخَيْرَهُم إِذْ يُنسبونَ نَسَبًا
فحرمه ابن زياد من العطاء كما سنرى.
ونقول:
إن خلاصة هذه النصوص هي:
1 - تشابه قلوب المجرمين، وتوافق أعمالهم الإجرامية.
2 - اعتراف هؤلاء العتاة بفضل الحسين «عليه السلام»، وبأنه خير الناس نفساً، وخيرهم أبا وأماً وجداً.
ومع هذا، هم يعلنون إصرارهم وحرصهم على قتله، ويبالغون في إظهار الحقد عليه والبغض له، ويتفننون بالتلذذ في اختيار أشد أنواع العذاب ،وأقساها، ليوردوها عليه، ليقاسي حرها، ويكتوي بآلامها.
وهذا إن دل على شيء، فإنه يدل على:
ألف : الاستكبار والطغيان الراسخ في نفوسهم.
ب يدل على شدة كفرهم، حتى كأنهم يريدون الانتقام من الله
الذي خلقه، وفضَّله، وشرَّفه، وبعث جده نبيأ وهاديأ، وجعل أباه وصياً وواليأ، وأمه صدَّيقة شهيدة، وسيدة لنساء العالمين من الأولين والآخرين، إلى قيام يوم الدين..
غير أن ما يثير الدهشة والعجب: ما رواه الخوارزمي من أن شمراً «لعنه الله» قال لِسِنان بن أنس: اِحتَر رَأْسَهُ مِن قفاه!
فقال له سنان: واللهِ لا أَفعَلُ ذلِكَ! فَيَكونَ جَدُّهُ مُحَمَّدٌ خَصمي.
فهل ترى سناناً هذا يظن أو يتوهم: أن جد الحسين محمداً «صلى الله عليه وآله» سيكون شفيعه، وسيدخله الجنة، بعد كل ما كان منه تجاه سید شباب أهل الجنة؟!
أو أنه قال ذلك على سبيل التندر والمزاح والعبث بالشمر ؟!.
أو أنه قال ذلك على سبيل الاستهزاء برسول الله «صلى الله عليه وآله»، وبشرعه الذي جاء من عند الله؟!..
وذكر الخوارزمي أن الشمر، خاطب الإمام الحسين «عليه السلام» وهو بآخر رمق، وقال:
«يَا ابنَ أبي تُراب ألستَ تَزِعُمُ أنَّ أباكَ عَلَى حَوضِ النَّبِيِّ يَسقي
مَن أحَبَّهُ؟ قاصبر حَتى تَأخُذ الماءَ مِن يَدِهِ»(1).
فيلاحظ:
ألف: إن الشمر بكلامه هذا إنما يستهتر ويسخر بالعقائد الإيمانية الثابتة، ويحاول التخفيف من وهجها، وإشاعة الشك فيها من خلال نسبتها إلى الزعم، الظاهر في عدم وجود دليل يثبته.
ب: إن الشمر أراد بنسبة الحسين إلى أبي تراب: أن يحط من مقام الإمام «عليه السلام»، مع أن هذه الكنية كانت أحب الكنى إلى أمير المؤمنين «عليه السلام»، وهي من مفاخره «صلوات الله عليه»(2).
1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 36 وبحار الأنوار ج 45 ص 56 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 300 وتسلية المجالس وزينة المجالس ج 2 ص 322.
2) راجع: المعجم الكبير ج 6 ص 167 و 168 و 149 وتاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 17 و 18 ومناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي ص28 وصحيح ابن حبان ج 15 ص 368 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج3 ص 1118 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 1 ص 11 والرياض النضرة ج 3 ص 105 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 13 ص 107 وأنساب الأشراف (ط الأعلمي) ج 2 ص 89 وربيع الأبرار ج 2 ص 483 والتذكرة الحمدونية ج 8 ص 278 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 622 والعمدة لابن البطريق ص26 والصراط المستقيم ج 2 ص 223 وتاريخ الخلفاء ص 184 و 185 والمستطرف في كل فن مستظرف ج 2 ص 470 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 409 وتذكرة الخواص ج 1 ص 127 وكشف الغمة ج 1 ص 136 وبحار الأنوار ج 35 ص 60 وج 51 ص 103 والأدب المفرد للبخاري ص 183 ومناقب علي بن أبي طالب وما نزل من القرآن في علي لابن مردويه الأصفهاني ص 53 ومناقب آل أبي طالب ج 2 ص305 وجواهر المطالب ج 1 ص30 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 15 ص 597 وج30 ص 138 ومقاتل الطالبيين ص25 و 26 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 14 وعن البخاري، ومسلم، والسنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 625 وغير ذلك.
وسبب هذه الكنية: أن النبي «صلى الله عليه وآله» وجده راقداً، وقد علا جبينه التراب، فقال له ملاطفاً: قم يا أبا تراب(1).
وأما السبب في كون هذه الكنية كانت أحب كنى علي «عليه السلام» إليه، فهو الأمور التالية:
1ـ إنها تذكره بمحبة النبي صلى الله عليه وآله له، وبتودده إليه، بإطلاق هذه الكنية عليه على سبيل الملاطفة والمودة.
1) محاضرات الأوائل ص 113 والغدير ج 6 ص 337 والإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» للهمداني ص 56 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 15 ص 592 و ج 30 ص 140 وراجع: علل الشرائع ج 1 ص 155 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 1 هامش ص 223.
2 - إنها تذكره: بأن عليه أن يبقى ترابياً متواضعاً، لا تغره الدنيا بما فيها من زبارج وبهارج.
3 - ربما يكون لهذه الكنية صلة بالكرامة التي حبا الله بها أمير المؤمنين علياً «عليه السلام»، فقد قالوا: «كان يعد ذلك له كرامة، ببركة النفس المحمدي كان التراب يحدثه بما يجري عليه إلى يوم القيامة، وبما جرى فافهم سرا جليلا»(1).
4 - ولعله «عليه السلام» يرى في هذه الكنية معاني جليلة، وأسراراً جميلة، تؤكد قيمتها، وعمق مغزاها لديه، وقد قال عبد الباقي العمري، مشيراً إلى هذه الكنية:
يا أبا الأوصياء أنت لِطه*** صهره وابن عمه وأخوه
إن الله في معانيك سراً*** أكثر العالمين ما علموه
أنت ثاني الآباء في منتهى*** ر، وآباؤه تعد بنوه
خلق الله آدماً من تراب***وهو ابن له وأنت أبوه(2)
وتقدم: أن عمر بن سعد غضب (أي من فعل وقول نصر بن وهب) فقال لأحد أعوانه: انزل أنتَ إلى الحُسَين قأرحه كما ذكره ابن أعثم، والخوارزمي، وغيرهما.
وفي نص آخر: أن سنانا وشمراً «لَعَنَهُمَا اللَّهُ» في رجالٍ مِن أهل الشّامِ جَاؤُا حَتَّى وقفوا عَلى رَأس الحُسين «عليه السلام».
فقالَ بَعضُهُم لِبَعضٍ ما تَنتَظِرُونَ؟ أَرِيحُوا الرَّجُلَ.
ونقول:
1 - لعل ما يزعمه بعض الناس من تجويز ارتكاب جرائم الموت الرحيم، قد استوحوه من قول عمر بن سعد، وسنان بن أنس، وشمر بن ذي الجوشن ومعهم ثلة من مجرمي أهل الشام أريحُوا الرَّجُلَ. فكأنهم ادَّعوا لأنفسهم: أن أعمار الخلق بيدهم، فهم يحيون هذا، ويميتون ذاك. حسبما يحلو لهم. وهم يجيزون لأنفسهم أن يجعلوا جسد الحسين شلوا - أي كالقنفذ، ثم قطعة من لحم - من كثرة الطعن والضرب، وأن يصبح يأمرون أعوانهم بأن يريحوا ضحيتهم. أليس هذا هو أحد مظاهر الموت الرحيم، الذي هو جريمة قتل واضحة فاضحة؟!
3 - أليس من مهازل العقل البشري أن يعتبر قتل النفس المحترمة
والألقاب ج 2 ص 98 وشجرة طوبى ج 2 ص 220.
رحمة، وإحساناً، وربما يتطور الأمر إلى أن يصبح من أهم أسباب دخول الجنة، وسكنى عليين؟!
4 - الأهم من ذلك: أن ينسى هؤلاء أن الإنسان لو خلي وطبعه، فإنه يتشبث بالحياة، ولا يتخلى حتى عن نفس واحد منها، على أمل أن يجد الدواء الشافي له من آلامه..
ولو يئس من الدواء، فإنه - وخصوصاً المؤمن بالله - لا ييأس من أن يتداركه الله برحمة منه، ويستجيب دعاءه ورجاءه، أو يستجيب لدعوة صالحة فيه..
فلماذا يوصد هؤلاء أبواب الرحمة الإلهية؟
ولماذا يمنحون أنفسهم صلاحيات ليست لهم؟
ولماذا يصادرون قرار غيرهم؟ بل يصادرون حياة ذلك الغير رغما عنه، وبغياً منهم عليه..
5 - أما غضب عمر بن سعد من نصر بن وهب، فلم يكن شفقة منه على الإمام الحسين «عليه السلام» من الضربات المتوالية التي كان ذلك الخبيث يوردها عليه، بل غضب من ثنائه على الإمام، الذي يخشى أن يؤثر على معنويات وموقف فئات من جيشه.
وتقدم في الرواية رقم [5]: أنه حين جَلسَ الشمر عَلى صَدر الحُسَين «عليه السلام»، وقبَضَ عَلَى لِحيَتِهِ، ضَحِكَ الْحُسَينُ «عليه السلام» وقالَ لَهُ: أَتَقتلني؟! أَوَلَا تَعلَمُ مَن أَنَا؟!
قالَ: أعرفُكَ حَقَّ المَعرِفةِ الخ...».
ونقول:
ألف: قلنا: إن الحسين «عليه السلام» كان يستفيد من كل لفتة ولمحة،وكلمة، وحركة، فيضم إليها، ما يثري معناها، ويحفظ مضمونها، ويجعلها جديرة بالنقل والتداول عبر الأحقاب..
وهذا ما فعله «عليه السلام» هنا، فإنه حتى في اللحظة التي يراد بها قطع رأسه الشريف، وحيث يكون المستهدف بالقتل - عادة - في زلزال وبلبال فكري ومشاعري هائل، ويتقاذفه طوفان من الأحاسيس التي لا تستقر على شيء، فإن الحسين «عليه السلام» في هذه اللحظة بالذات، يفاجئ ذلك الكلب الأبقع بضحكة بددت كل أوهام وأحلام ذلك المجرم الخبيث.
ثم طرح عليه سؤالاً غريباً وعجيباً، فقال: أَتَقْتُلُني؟! أَوَلَا تَعلَمُ مَن أنا؟!
وقد أراد «عليه السلام»: أن يكون سؤاله هذا خفيف الوطأة على الشمر، بحيث لا يجد أي حرج في الإجابة عنه، ولاسيما في لحظة النهاية هذه، التي يظن الشمر، ومن هم على شاكلته أنهم حققوا
إنجازا، ونالوا ما تمنوا، فلم يعودوا يخشون أحدا من الجهر بما تكنه صدورهم، ولا يجدون حرجاً بالذهاب في الصراحة إلى أقصى الحدود..
إن الحسين «عليه السلام» كان يعرف: أن الشمر «لعنه الله»
يعرفه، وكيف لا يعرفه، وقد أمضى معه أياماً كثيرة بانتظار هذه الساعة، وكانت له معه لقاءات كثيرة في ميدان القتال، وجرت بينهما مساجلات كلامية وعملية عديدة.
فأجابه الشمر على سؤاله هذا بالتفصيل الصريح والواضح. وختم كلامه بقوله: «وأقتلك ولا أبالي». ثم باشر ضرباته له بالسيف التي بلغت اثنتي عشرة ضربة، ثم حز رأسه، وهذا بيت القصيد..
ومعنى هذا الجواب: أنه لا يجهل شيئاً عن حقيقته، وموقعه عند الله وعند رسوله، وخاصة أوليائه.. ويعرف أنه أقدس البشر، ويعرف.. ويعرف.. فهو يقدم على ما يقدم عليه عن علم وبصيرة، وعزيمة راسخة، وأنه لا يجهل شيئاً مما يقوله له. فإن كان هذا كفراً، فهو راض به، وإن كان فسقاً فيا حبذا هذا الفسق، وإن كان يوجب العذاب حرج فيه، وإن كان استهزاءً بالله ورسوله، فهو يعترف به،
راض بنسبته إليه.
وقد ذكرت الرواية الأخيرة المتقدمة: أنه لما أثخن الحسين «عليه السلام» بالجراح، ولم يبق فيه حراك، أمر الشمر أن يرموه بالسهام. وهذا يدلل على ما تقدم ذكره، من أن خوفهم من الحسين «عليه السلام» هو الذي دعاهم إلى استعمال السهام. وقد قلنا: إنها سلاح الجبناء..
1 - الفهرس الإجمالي
2 - الفهرس التفصيلي
الفصل الخامس: شهداء آل الحسن ... 5
الفصل السادس: إخوة الحسين (علیه السلام) ... 31
الفصل السابع: العباس الأكبر .. والإخوة المختلف في استشهادهم ... 63
الباب السادس الحسين (علیه السلام) في الميدان... 108
الفصل الأول: ذخائر الإمامة وعلومها... 110
الفصل الثاني: بعد أن صار وحيداً ... 132
الفصل الثالث: هكذا قاتل الحسين (علیه السلام) ... 163
الفصل الرابع: أشعار وأرجاز ... 202
الباب السابع: الإمام الشهيد ... 224
الفصل الأول: وداع الأحبة... 226
الفصل الثاني: سلاح العطشر ... 227
الفصل الثالث: سهام الحقد ... 247
الفصل الرابع: آخر دعاء للحسين (علیه السلام) ...279
الفصل الخامس الكلب الأبقع ... 299
الفصل الخامس: شهداء آل الحسن ... 5
الشهداء من بني الحسن (علیه السلام): .... 7
القاسم بن الحسن (علیه السلام): ... 7
لا حاجة إلى الإعادة: ... 13
إصرار القاسم لماذا ؟! ... 14
لمحات يحسن التوقف عندها: ... 15
من الذي وطأته الخيل ؟!: ... 18
عرس القائم: ... 18
عبد الله بن الحسن (علیه السلام: ... 20
دعاء الحسين (علیه السلام) على أعدائه: ... 22
إختلافات: ... 24
اصبر، واحتسب: ... 24
أبو بكر بن الحسن: ... 25
اختلافات: ... 27
أحمد بن الحسن: ... 27
بشر بن الحسن: ... 28
من اختلفت الأقوال فيهم: ... 28
عمر بن الحسن (علیه السلام) : ... 28
الحسن بن الحسن المثنى: ... 28
الفصل السادس: إخوة الحسين (علیه السلام): ... 33
للتمهيد والبيان... 33
جعفر بن علي (علیه السلام) : ... 33
رجز جعفر بن علي: ... 36
الإختلاف في الأرجاز وسواها: ... 39
عبد الله بن علي (علیه السلام) : ... 40
إختلافات: ... 44
رجز عبد الله: ... 44
العباس، وارث أخويه: ... 45
عثمان بن علي (علیه السلام): ... 48
ماذا عن الرجز أيضاً ؟!: ... 51
نماذج من الاختلافات: .... 52
عليك بأميرك: ... 52
سميته باسم عثمان بن مظعون: ... 53
العباس الأصغر بن علي: ... 57
إبراهيم بن علي (علیه السلام) : ... 59
عتيق بن علي (علیه السلام) : ... 60
عون بن علي (علیه السلام) : ... 60
محمد بن العباس: ... 60
جعفر بن علي (علیه السلام) : ... 61
عبد الله الأكبر بن علي (علیه السلام) : ... 61
عبد الله الأصغر بن علي (علیه السلام) : ... 61
قاسم بن علي (علیه السلام) : ... 62
الفصل السابع: العباس الأكبر .. والإخوة المختلف في استشهادهم ... 63
العباس بن علي (علیه السلام): ... 65
زيارة العباس بن علي: ... 77
أميرك يثيبك: ... 79
جناحا العباس: ... 79
هل شرب الحسين الماء؟: ... 82
اختلافات لا حاجة للتذكير بها: ... 83
الآن انكسر ظهري، وقلت حيلتي: ... 84
شكوى الحسين (علیه السلام) :... 85
أرجاز العباس (علیه السلام) : ... 86
الأبيات المنسوبة للإمام الحسين (علیه السلام) : ... 87
أيهما أكبر ؟!: ... 88
أم البنين ولدتها الشجعان: ... 88
رواية تحتاج إلى تأم: ... 89
من اختلف في استشهادهم في كربلاء: ... 94
1 - يحيى بن علي (علیه السلام) : ... 94
2 - عبيد الله بن علي (علیه السلام) : ... 94
3 - أبو بكر بن علي (علیه السلام) : ... 96
4 - محمد الأصغر بن علي (علیه السلام) : ... 98
5 - عمر بن علي: ... 100
من لم يعرف بالتحديد: ... 104
1 - أحمد بن محمد الهاشمي: ... 104
2 - غلام من أهل البيت: ... 104
ملاحظات وتساؤلات: ... 105
الباب السادس الحسين (علیه السلام) في الميدان ... 108
الفصل الأول: ذخائر الإمامة وعلومها ... 110
الحسين (علیه السلام) يعلم السجاد (علیه السلام) دعاء الزهراء : ... 112
الإمام يتعلم من المعصوم: ... 112
يا من لا يحتاج إلى التفسير: ... 114
مقاليد الإمامة للسجاد (علیه السلام) : ... 115
أوصى إليه بالإسم الأعظم: ... 117
مواريث الأنبياء: ... 120
لماذا أم سلمة ؟!: ... 121
العلوم والصحف والمصاحف، والسلاح: ... 123
كتاب ملفوف، ووصية ظاهرة: ... 124
لماذا فاطمة لا زينب ؟!: ... 125
الخاتم المسلوب ليس خاتم الإمامة: ... 126
الصبر على الحق، وظلم من لا ناصر له: ... 129
الفصل الثاني: بعد أن صار وحيداً: ... 132
الحسين (علیه السلام) حين صار وحيداً: ... 134
هل هي الاستغاثة الأخيرة؟!: ... 136
السجاد (علیه السالام) يريد القتال: ... 138
هل علي الشهيد أكبر من السجاد؟!: ... 139
هل قاتل السجاد ؟!: ... 140
ما المراد بنسل آل محمد ؟!: ... 144
بماذا ينتقم الله منا ؟!: ... 152
من الثلاثة الذين كانوا معه؟!: ... 153
بئس ما أخلفتم محمداً: ... 154
بعد قتلي لا تهابون قتل أحد: ... 155
إكرامه (علیه السلام) بهوان أعدائه: ... 156
الإنتقام الخفي: ... 158
الفصل الثالث: هكذا قاتل الحسين(علیه السلام): ... 163
لباس من ضربت عليه الذلة: ... 165
إيضاحات: ... 167
تصحیفات: ... 167
إيتوني بثوب لا يرغب فيه: ... 168
جهاد الحسين (علیه السلام): ... 171
بيان: ... 178
دعوة الحسين (علیه السلام) إلى البراز: ... 178
الموت أولى من ركوب العار ... 180
بين الطبري وابن أعثم: ... 184
یا شيعة آل أبي سفيان: ... 185
سهم في الجبهة: ... 190
اللهم اقتلهم بدداً: ... 191
هل هذا من كلام خبيب؟!: ... 193
لماذا بدداً ؟!: ... 194
اللهم أحصهم عدداً: ... 195
ولا تغفر لهم أبداً: ... 195
لي يد عند بني هاشم: ... 196
أكذوبة البارقي على زينب (علیها السلام): ... 197
كذبة ثانية للبارقي: ... 198
وللبارقي كذبة ثالثة: ... 199
الفصل الرابع: أشعار وأرجاز: ... 202
الأرجاز والأشعار الحسينية: ... 204
الحكم بكفر الفريق الآخر: ... 204
ألف: قتل علي والحسن: ... 205
الملحدان : ... 207
الهدى والوحي: ... 209
من المعايير الصحيحة: .. 213
من الشعر الحسيني يوم عاشوراء: ... 215
أهل الكوفة في كلام الإمام (علیه السلام): ... 220
الباب السابع: الإمام الشهيد ... 224
الفصل الأول: وداع الأحبة ... 226
عليكنَّ مني السلام: ... 228
الوداع الأول: ... 230
الحسين (علیه السلام) يودع سكينة برسالة إعلامية: ... 232
ميزات هذا الوداع: ... 232
الوداع الثاني والوصية: ... 234
قسوة القرار والتوهج العاطفي: ... 235
مضمون وصايا الإمام: ... 237
الأمر بالصبر: ... 237
الوعد بالثواب والأجر: ... 238
لبس الأزر والاستعداد للبلاء: ... 240
الإخبار عن المستقبل: ... 241
فلا تَشكُوا، ولا تقولوا ما ينقص من قدركم: ... 243
الفصل الثاني: سلاح العطش ... 246
شجاعة الحسين (علیه السلام): ... 248
عطش الحسين (علیه السلام): ... 250
قدح ماء للحسين (علیه السلام): ... 256
أنت عطشان، وأنا عطشان: ... 256
رمى الماء من يده: ... 258
إختلافات مألوفة:...259
ظهور الكرامة للحسين (علیه السلام) في عدوه:... 260
لا تتام إليه شيعته: ...261
صورة جديدة كل لحظة!!:...261
بكاء الحسين (علیه السلام): ...262
لم يمت الحسين (علیه السلام) عطشاناً:...262
لماذا لم يدَّخر الحسين (علیه السلام)الماء ؟!:...264
استجداء الماء لا يناسب عزة الحسين:...267
الفصل الثالث: سهام الحقد.. ...270
سلاح الجبناء:...270
سلبوه (علیه السلام)وهو حي:...273
الشتائم لماذا؟!:...275
دعاء الحسين على مالك:...276
ألقى الله وأنا مخضوب:...277
هذا ما فعلته السهام:...280
حدیث مسلم بن رباح:...284
السهام لماذا؟!:...285
يتلقى السهام بصدره ونحره:...286
الحمرة في السماء:...287
الشاهد والدليل: ... 287
أعياه النزف والعطش:...288
القبائل تتكل على غيرها:...294
تصحیفات و اختلافات:...295
تحسبهم جميعاً:...296
مغصوباً عليَّ حقي:...298
الفصل الرابع: آخر دعاء للحسين (علیه السلام)... 301
دعاء الحسين (علیه السلام)حين اشتداد الحال:...303
ما الذي طلبه (علیه السلام)في دعائه؟!:...310
كلمات يشك في صحتها:...312
آثار سواد على ظهر الحسين (علیه السلام):... 314
لا وفقكم الله لصوم ولا لفطر:...317
لماذا هذا الدعاء؟!:...318
ما المراد بالأمة؟!:...318
الفصل الخامس: الكلب الأبقع.. ...322
من الذي حزَّ رأس الحسين (علیه السلام)؟!:...324
أنت الكلب الأبقع:...324
رؤيا النبي والإمام صادقة:...327
أنت أشدهم عليَّ:...328
أبشر بالنار!:...329
ليت السماء انطبقت على الأرض:...331
سقط على خذه الأيمن، أو الأيسر:...338
المشهد في زيارة الناحية:...339
من هو الأبقع والأبرص؟!:...341
خير الناس أبأ وأماً:...342
هل هذا مزاح؟!:...344
سخرية الشمر بحقائق الدين:...344
لماذا كانت أحب الكني؟!:...346
انزل إليه فأرحه:...348
أولا تعلم من أنا؟!:...349
لماذا السهام؟!:...351
الفهرس الإجمالي:...354
الفهرس التفصيلي:...356
كتب مطبوعة للمؤلف
1 - الآداب الطبية في الإسلام
2 - ابن عباس وأموال البصرة
3 - ابن عربي سني متعصب
4 - أبو ذر لا إشتراكية.. ولا مزدكية
5 - أحيوا أمرنا
6 - إدارة الحرمين الشريفين في القرآن الكريم
7 - إسرائيل.. في آيات سورة بني إسرائيل.. تفسير ثمان آيات..
8 - الإسلام ومبدأ المقابلة بالمثل
9 - الإعتماد في مسائل التقليد والإجتهاد (صدر منه جزء واحد)
10 - أفلا تذكرون «حوارات في الدين والعقيدة»
11 - أكذوبتان حول الشريف الرضي
12 - الإمام علي والنبي يوشع
13 - أهل البيت ^ في آية التطهير
14 - أين الإنجيل؟!
15 - بحث حول الشفاعة
16 - براءة آدم (علیه السلام) حقيقة قرآنية
17 - البنات ربائب .. قل: هاتوا برهانكم
18 - بنات النبي (صلی الله علیه وآله) أم ربائبه؟!
19 - بيان الأئمة وخطبة البيان في الميزان
20 - تحقيقي درباره تاریخ هجري
21 - تخطيط المدن في الإسلام
22 - تفسير سورة ألم نشرح
23 - تفسير سورة الضحى
24 - تفسير سورة الفاتحة
25 - تفسير سورة الكوثر
26 - تفسير سورة الماعون
27 - تفسير سورة الناس
28 - تفسير سورة هل أتى (جزءان)
29 - توضيح الواضحات من أشكل المشكلات
30 - الحاخام المهزوم
31 - حديث الإفك
32 - حقائق هامة حول القرآن الكريم
33 - حقوق الحيوان في الإسلام
34 - الحياة السياسية للإمام الجواد (علیه السلام)
35 - الحياة السياسية للإمام الحسن (علیه السلام)
36 - الحياة السياسية للإمام الرضا (علیه السلام)
37 - خسائر الحرب وتعويضاتها
38 - خلفيات كتاب مأساة الزهراء (ستة أجزاء)
39 - دراسات وبحوث في التاريخ والإسلام (أربعة أجزاء)
40 - دراسة في علامات الظهور
41 - دليل المناسبات في الشعر
42 - ربائب الرسول (صلّی الله عليه وآله) «شبهات وردود»
43 - رد الشمس لعلي (علیه السلام)
44 - زواج المتعة (تحقيق ودراسة) (ثلاثة أجزاء)
45 - الزواج المؤقت في الإسلام (المتعة)
46 - زينب ورقية في الشام!!
47 - سلمان الفارسي في مواجهة التحدي
48 - سنابل المجد (قصيدة مهداة إلى روح الإمام الخميني وإلى الشهداء الأبرار)
49 - السوق فى ظل الدولة الإسلامية
50 - سياسة الحرب في دعاء أهل الثغور
51 - سيرة الحسين (علیه السلام) في الحديث والتاريخ (أنجز منه 20 جزءاً)
52 - شبهات يهودي
53 - الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة
54 - الصحيح من سيرة الإمام علي (علیه السلام) (ثلاثة وخمسون جزءاً)
55 - الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلّی الله علیه وآله وسلّم) (خمسة وثلاثون)
56 - صراع الحرية في عصر الشيخ المفيد
57- طريق الحق (حوار مع عالم جليل من أهل السنة والجماعة)
58 - ظاهرة القارونية من أين؟! وإلى أين؟!
59 - ظلامة أبي طالب (علیه السلام)
60 - ظلامة أم كلثوم
61 - عاشوراء بين الصلح الحسني والكيد السفياني
62 - عصمة الملائكة بين فطرس.. وهاروت وماروت
63 - على (علیه السلام) والخوارج (جزءان)
64 - الغدير والمعارضون
65 - فصل الخطاب في الميزان
66 - القول الصائب في إثبات الربائب
67 - كربلاء فوق الشبهات
68 - لست بفوق أن أخطىء من كلام علي (علیه السلام)
69 - لماذا كتاب مأساة الزهراء (علیها السلام)؟!
67 - ماذا عن الجزيرة الخضراء ومثلث برمودا؟!
71 - مأساة الزهراء (علیها السلام) (جزءان)
72 - مختصر مفيد أسئلة وأجوبة في الدين والعقيدة)، (ثمانية عشر جزءاً)
73 - مراسم عاشوراء «شبهات وردود»
74 - المسجد الأقصى أين؟!
75 - مقالات ودراسات
76 - منطلقات البحث العلمي في السيرة النبوية
77 - المواسم والمراسم
78 - موقع ولاية الفقيه من نظرية الحكم في الإسلام
79 - موقف الإمام علي (علیه السلام) في الحديبية
80 - ميزان الحق «شبهات وردود» (أربعة أجزاء)
81 - نقش الخواتيم لدى الأئمة ^
82 - وقفات مع ناقد
83 - الولاية التشريعية
84 - ولاية الفقيه في صحيحة عمر بن حنظلة