ghaemiyeh.com
بحوث علميّةً في القضيّة المهدويّة ج2
دِرَاسَةُ تخليليَّةٌ جَديدةٌ
في موضوعاتٍ خاصَّةٍ بقضيَّةِ الإمام المهدي (عجّل الله تعالی فرجه الشریف)
الجزءُ الثَّاني عَصرُ الظُهور وإرهَاصَاتَهُ
تأليف : آية الله الشَيخ نَجم الدين الطبَسي
مَراجعَة: المُحقق الشَيخ صَفَاء الدّين الخَزرجي الشَيخ مُحسن المُحَقق
إصدارات مؤسسة الدليل للدراسات والبحوث العقدية 9
بحوث علميّةً في القضيّة المهدويّة ج2
دِرَاسَةُ تخليليَّةٌ جَديدةٌ
في موضوعاتٍ خاصَّةٍ بقضيَّةِ الإمام المهدي (عجّل الله تعالی فرجه الشریف)
الجزءُ الثَّاني عَصرُ الظُهور وإرهَاصَاتَهُ
تأليف : آية الله الشَيخ نَجم الدين الطبَسي
مَراجعَة: المُحقق الشَيخ صَفَاء الدّين الخَزرجي الشَيخ مُحسن المُحَقق
إصدارات مؤسسة الدليل للدراسات والبحوث العقدية 9
اسم الإصدار: بحوثٌ علميةٌ في القضيّة المهدوية ج2
المؤلّف: الشيخ نجم الدين الطبسيّ
المراجعة العلميّة: المجلس العلميّ في مؤسّسة الدليل
الدعم الفنّيّ: شعبة العلاقات العامّة والإعلام في مؤسّسة الدليل
0التقويم اللغويّ: علي گيم
0تصميم الغلاف: محمد حسن آزادگان
0الإخراج الفنّيّ: فاضل السوداني
0المطبعة: دار الوارث للطباعة والنشر / كربلاء المقدسة
الطبعة: الأولى
سنة النشر: 2019
الناشر: مؤسسة الدليل للدراسات والبحوث العقديّة
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق الوطنية العراقيّة 458 لسنة 2018
حقوق الطبع والنشر محفوظةٌ لدى مؤسسة الدليل
مؤسسة الدليل
للدراسات والبحوث العقدية
Al-Daleel Foundation for Doctrinal Studies
http://aldaleel-inst.com
www.facebook.com/aldaleel.ins
الفصل الأوّل: شخصيّة اليمانيّ...11
علاقة القميّيّن باليمانيّ...13
هل قضيّة اليمانيّ من المسائل الّتي اختصّ بها مفكّرو الشيعة؟...15
ما هي مسؤولية المجتمع الإسلاميّ قبال حركة اليمانيّ؟...16
دراسة سند الحديث...17
خروج اليمانيّ...20
ثلاث ملاحظات حول سيف بن عميرة...21
دراسة سند الرواية...23
دراسة السند...27
الروايات الّتي تشير إلى حركة اليمانيّ...29
اليمانيّ في مصادر العامّة...31
الفصل الثاني: خروج الحسنيّ...35
الرواية الأولى: عن السلميّ الشافعيّ...38
مصادر الرواية...39
الإشكالات الواردة على الرواية...42
آراء العلماء حول الخطبة...44
الرواية الثانية: عن أبي صالح السليليّ...46
الإشكالات على الرواية...47
الرواية الثالثة: عن الطوسيّ...49
المناقشة في الرواية...52
الرواية الرابعة : عن الكليني...53
المناقشة في الرواية...54
الرواية الخامسة : عن الخصيبيّ...55
المناقشة في الرواية...58
الرواية السادسة : عن الحسن بن محمّدٍ القمّيّ....58
المناقشة في الرواية...59
الرواية السابعة عن النيليّ النجفيّ...59
الرواية الثامنة : عن ابن مسكويه...60
كلام الشيخ المفيد...61
الفصل الثالث: خروج الدجّال...63
مقاطع من حديث الجسّاسة...65
من هي فاطمة بنت قيسٍ؟...66
من هو عامرٌ الشعبيّ؟ ...68
تميمٌ الداريّ...69
حديث الدجّال في كتب الشيعة...76
المحور الثاني : سند الحديث...79
المحور الثالث: دراسة سند الحديث عند أعلام الشيعة...80
النزال بن سبرة في كتب العامّة...80
من هو الدجّال؟ ...82
حقيقة الدجّال بين الشخصيّة والاتّجاه...98
الدجّال في الأديان الأخرى...105
هل الدجّال هو السفيانيّ؟...105
الفصل الرابع: دراسة حول واقعة قرقيسيا أو آرمغادون...107
المحور الأول: الموقع الجغرافي لقرقيسيا...110
دراسةٌ حول شخصية نعيم بن حمّاد...113
توضيحُ...119
تحقيقٌ رجاليٌ حول عبدالله بن لَهيعَة ...120
المحور الثالث : قرقيسيا في روايات الشيعة...126
نقاط البحث...127
تحقيق رجال السند...134
بحثٌ رجاليٌّ حول محمّد بن سنانٍ...136
طرق توثيق محمّد بن سنانٍ...138
تحقيق طرق الرواية...142
النتيجة النهائيّة...145
الفصل الخامس: دراسة روايات القتل وسفك الدماء في عصر الظهور...147
القسم الأوّل من الروايات...150
القسم الثاني من الروايات...151
سيرة الإمام المهديّ (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) مع الأعداء...162
أهمّ العناوين الحركة الإمام المهديّ (عجّل الله تعالی فرجه الشریف)...165
خاتمة البحث...203
الفصل السادس: عدالة الإمام المهديّ (عليه السلام) في عصر الظهور...205
إشراقات من العدل المهدويّ...210
فقه الحديث...217
القول الفصل...222
تفصيلٌ آخر ...223
رأي السيّد الخوئي(رحمه الله)...224
إشارةٌ فقهيّةٌ...226
النتيجة...227
الملاحق...229
البحث السنديّ لرواية سديرٍ...231
آراء أهل السنّة في كعب الأحبار ...255
رأي الإماميّة في كعبٍ...257
المصادر...261
يتعرّض لهذا الفصل لمجموعةٍ من الأبحاث الّتي تتمحور حول شخصيّة اليمانيّ، من قبيل: القيمة الرجاليّة لليمانيّ، وهل يندرج في عداد الممدوحين أو المذمومين؟ وما مسؤولية المجتمع الإسلامي وتكليفه قبال حركة اليمانيّ؟ وهل اليمانيّ هاشميٌّ أو لا؟ وهل اليمن موطن انطلاق حركته؟ وهل قضيّة اليمانيّ من المسائل الّتي اختصّ بها مفكّرو الشيعة، أو أنّ كتاب العامّة تعرّضوا لها أيضًا؟ وهل تواترت الأخبار بظهور اليمانيّ أو أنّ أخباره تندرج في عداد الآحاد؟ وهل اليماني من أتباع الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ويدعو الناس لاتّباعه؟ وغير ذلك.
بعد أن تعرّض ياقوتُ الحَمَويّ في (معجم البلدان) للحديث عن مدينة قمّ وبيئتها وطبيعة طقسها وفتحها من قبل المسلمين، نقل عن البلاذريّ قوله في (فتوح البلدان): «لمّا انصرف أبو موسى الأشعريّ من نهاوند إلى الأهواز، فاستقراها ثمّ أتى قمّ فأقام عليها أيامًا وافتتحها، وقيل وجَّه الأحنف بن قيس فافتتحها عنوةً، وذلك في سنة 23 للهجرة، وذكر بعضهم أنّ قمّ بين أصبهان وساوة، وهي كبيرةٌ حسنةٌ طيبةٌ، وأهلها كلّهم شيعة إماميّةٌ، وكان بدء
تمصيرها في أيّام الحجّاج بن يوسف سنة 83 ه» (1). وقد تعرّضنا لهذه القضيّة بالتفصيل في فصل (قمّ في عصر الغيبة) وتحدّثنا هناك بما تقتضيه الحاجة.
ثمّ تابع الحَمَوي حديثه قائلاً : وذلٰك أنّ عبدالرحمٰن بن محمّد بن الأشعث بن قيسٍ كان أمير سجستان من جهة الحجّاج ، ثم خرج عليه وكان في عسكره سبعة عشر نفسًا من علماء التابعين من العراقيّين، فلمّا انهزم ابن الأشعث، ورجع إلى كابُل منهزماً كان في جملته إخوةٍ يقال لهم: عبدالله والأحوص وعبدالرحمٰن وإسحاق ونُعَيم، وهم بنو سعد بن مالك بن عامر الأشعريّ وقعوا إلى ناحية قمّ، وكان هناك سبع قرىً اسم إحداها كُمندَان، فنزل هٰؤلاء الإخوة على هٰذه القرى حتّى افتتحوها، وقتلوا أهلها، واستولوا عليها وانتقلوا إليها
واستوطنوها، واجتمع إليهم بنو عمّهم وصارت السبع قرى سبع محالّ بها، وسمّيت باسم إحداها وهي كمندان فأسقطوا بعض حروفها، فسمّيت بتعريبهم قُمَّا، وكان متقدّم لهؤلاء الإخوة عبدالله بن سعد، وكان له ولدٌ قد رُبّي بالكوفة، فانتقل منها إلى قمٍّ وكان إماميًا، فهو الّذي نقل التشيّع إلى أهلها، فلا يوجد بها سُنّيٌّ قط» (2).
والأشعريّون يمانيّو الأصل(3). والجدير بالذكر أنّ الحمويّ ناصبيٌّ يمتّ
بجذوره إلى الخوارج(1)، ولعلّه بالغ في التعبير، إلّا أنّه ليس بمستبعدٍ أن يكون اليمانيّ قمّيًّا باعتبار أنّ أصول الأشعريّين يمانيّةٌ.
قال السيّد محمّد الصدر (رحمه الله) : «اختصّت به المصادر الإماميّة، ووصفت حركته بأنّها حقٌّ... باعتبار كونه داعياً إلى المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف)، وهي مستفيضةٌ، وصالحةٌ للإثبات التاريخيّ بالرغم من التشتّت السنديّ؛ إذ ليس في مقابلها قرينةٌ نافيةٌ. إلّا أنّ ما يثبت بها هو حركة اليمانيّ في الجملة، وأمّا سائر الصفات بما فيها كونه على حقٍّ ، فهو ممّا لا يكاد يثبت بالتشدّد السنديّ.... فإذا تمّ ذلٰك، أمكن حمله على بعض الحركات الّتي حدثت في اليمن. فيكون من العلامات الّتي حدثت في التاريخ. وهٰذا هو المطابق لمنهجنا في البحث . لٰكن لو افترضنا الاعتراف بكونه على حقٍّ، واحتملنا أن يكون قائد الحركة يمانيّاً وإن لم تكن الحركة في اليمن، أو كان منطلق الحركة اليمن ولم تقتصر عليها، فتكون من الأمور الموعودة الّتي لا دليل على سبق حدوثها... وأمّا على المستوى الرمزيّ، فهي تمثّل حركة أهل الحقّ في مقابل الانحراف والضلال الموجود في
عصر الغيبة» (2).
وسيتّضح جليّاً في الأبحاث اللاحقة بأنّ هٰذه القضيّة ليست من مختصّات التراث الشيعيّ بل ورد الحديث عنها في المصادر السنّيّة أيضًا، فقد ورد الحديث عن اليمانيّ في كلّ من (فِتَن السليليّ) و(فتن ابن حمّادٍ).
يمكن تصنيف الروايات الواردة إلى عدّة مجاميع، لعلّ من أبرزها ما رواه النعمانيّ قائلاً: «أخبرنا أحمد بن محمّد بن سعيد ابن عقدة قال: حدّثني أحمد بن يوسف بن يعقوب أبو الحسن الجعفيّ من كتابه، قال: حدّثنا إسماعيل بن مهران، قال: حدّثنا الحسن بن عليّ بن أبي حمزة عن أبيه ووهيب بن حفصٍ عن أبي بصيرٍ عن أبي جعفرٍ محمّد بن عليٍّ(علیه السّلام) أنّه قال: خروج السفيانيّ واليمانيّ والخراسانيّ في سنةٍ واحدةٍ في شهرٍ واحدٍ في يومٍ واحدٍ نظامٌ كنظام الخرز يتبع بعضه بعضاً، فيكون البأس من كلّ وجهٍ، ويلٌ لمن ناوأهم، وليس في الرايات رايةٌ أهدى من راية اليمانيّ، هي راية هدىً؛ لأنّه يدعو إلى صاحبكم، فإذا خرج اليمانيّ حَرَّمَ بيع السلاح على الناس وكلّ مسلمٍ، وإذا خرج اليمانيّ فانهض إليه؛ فإنّ رايته راية هدىً، ولا يحلّ لمسلمٍ أن يلتوي عليه، فمن فعل ذٰلك فهو من أهل النار؛ لأنّه يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم»(1).
1) الغيبة (للنعمانيّ) : ص 255 ، الباب 14 ؛ بحارالأنوار: ج 52 ، ص 232.
لا ريب في مكانة النعمانيّ في الوسط الإماميّ، فهو من أعلام الطائفة، ثقةٌ، جليل القدر، روى عن أحمد بن محمّد بن سعيدٍ أبي العبّاس الكوفيّ المعروف بابن عقدة، ولعلّه كان من أبرز مشايخ النعمانيّ، يقول النعمانيّ في حقّه: «لا ريب في وثاقته، لم يضعفه أحدٌ من أعلامنا».
وقال الشيخ الطوسيّ في حقّه: «أحمد بن محمّد بن سعيدٍ، جليل القدر عظيم المنزلة، له تصانيف كثيرةٌ، ذكرناها في كتاب (الفهرست)... وكان حفظةً، سمعت جماعةً يحكون أنّه قال: "أحفظ مئةً وعشرين ألف حديثٍ وأسانيدها، وأذاكر بثلاثمئة ألف حديث "»(1).
وقال الذهبيّ وهو من علماء أهل السنّة: «أحمد محمّد بن سعيد، أحد أعلام الحديث ونادرة الزمان وصاحب التصانيف على ضعفٍ فيه(2)... وكان آيةً في الحفظ، ، سمعت جماعةً يحكون أنّه قال: "أحفظ مئةً وعشرين ألف حديث بأسانيدها، وأذاكر بثلاثمئة ألف حديثٍ"» (3).
1- ترجم في (التنقيح) لأحمد بن يوسف بن يعقوب، أبي الحسن الجعفيّ، قائلًا : : «لم أقف في ترجمة الرجل إلّا على رواية أحمد (ابن عقدة) ومحمّد بن عبدالله الهاشميّ عنه، وروايته عن محمّد بن زيد النخعيّ» (1).
2- وقال البهبهانيّ: «أحمد بن يوسف، روى عن محمّد بن إسماعيل الزعفراني، وفيه إشعار بوثاقته» (2).
وقال النجاشيّ في حق الزعفرانيّ : «ثقة عينٌ روى عن الثقات ورووا عنه»(3)وفيه إشعارٌ بوثاقته، لٰكن لا دلالة لهٰذا الكلام على أنّ كلّ من روى عن محمّد بن إسماعيل ثقةٌ كما هو الظاهر، حيث ذكرت القضيّة على نحو الإهمال، وإنّما قال: «روى عنه الثقات» ولم يصرّح بوثاقة كلّ مَنْ روى عنه.
3-وجاء في ترجمة جميل بن درّاجٍ بخصوص أحمد بن يوسف: «له كتابٌ وأصل » (4)، وهذا أيضًا لا يدلّ صراحةً على وثاقته.
4- قالوا: «إنّه من مشايخ الحديث»(5). وهو كذٰلك، فلا يدلّ هٰذا المدح العام على وثاقته.
وخلص نجلُ المامقاني إلى القول في حقّ الرجل : «والإنصاف أنّ المعنون (أحمد بن يوسف) لما كان ذا كتابٍ وذا أصلٍ، وشيخ الرواية، ورواية الثقات الأجلّاء عنه إنْ لم يفد ذلك كلّه في وثاقته، فلا أقلّ من استفادة حُسنه
وجلالته»(1). لكنّنا لا نرى دلالة تلك القرائن على الوثاقة.
ذهب المامقاني إلى وثاقة إسماعيل بن مهران والركون إليه(2)، وقال ابن الغضائريّ في الحسن بن عليّ بن أبي حمزة البطائنيّ: «مولى الأنصار، أبو محمّدٍ، واقفٌ ابن واقفٍ، ضعيفٌ في نفسه، وأبوه أوثق منه. وقال الحسن بن علي بن فضالٍ: إنّي لأستحي من الله أن أروي عن الحسن بن عليٍّ، وحديث الرضا (علیه السّلام) فيه مشهورٌ» (3). إلّا أنّنا لا نرى صحّة نسبة الكتاب إلى الغضائريّ، من هنا نكتفي بما جاء عنه، وبالرغم من اعتماد صاحب (تنقيح المقال) عليه، لكنّه قال: «تَلَخَّصَ من ذلك كلّه : أنّ الرجل غير معدَّلٍ ولا موثَّقٍ ولا ممدوح، بل مطعونٌ فيه طعنًا قادحًا فيه، وقد ورد مثل هذه الطعون المذكورة في أبيه، وتوهّم بعضهم اختصاص الطعون بالأب، وهو كما ترى بعد عدم المنع من
الاجتماع بعد ورود الطعن في كلٍّ منهما، فاللازم ترك روايات الرجل؛ إذ لا أقلّ من كونه واقفيًّا غير موثَّقٍ فيكون في الضعاف (1).
والنتيجة عدم تماميّة سند الرواية.
لا ريب في أصل وجود اليمانيّ وكونه من العلامات الحتميّة لظهور الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ؛ فقد بلغت الروايات بحقّه على أقلّ تقديرٍ حدّ الاستفاضة، ويظهر أنّ العامّة رووها أيضًا في (فتن السليليّ) و(فتن ابن حمادٍ). لكنّ السؤال يبقى عن المسؤوليّة تجاه اليمانيّ؟ وهل رايته راية هدًى؟ وهل الرجل من الدعاة إلى الإمام المهديّ والمدافعين عنه(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ؟
المتعارف والظاهر في أوساطنا أنّنا ملزمون باتّباعه، ولكن هل لهذا المتعارف دليلٌ يعضده وبرهانٌ يؤيّده؟
يبدو أنّ هذا المعتقد لا يقوم على دليل قويٍّ ومستندٍ محكمٍ؛ وذلك لأنّ الروايات الّتي استند إليها في إثبات هذه العقيدة، غير ناهضةٍ ولا يمكن الاعتماد عليها من قبيل:
الرواية الأولى: الرواية الّتي نقلناها عن النعماني والّتي لم تحظ بسندٍ معتبرٍ، ولم نتمكن من تصحيح سندها.
1) تنقيح المقال : ج 20، ص 44.
الرواية الثانية : ما رواه الشيخ الطوسيّ في (الغيبة)، ونقلها عنه المجلسيّ وجاء فيها: «عن الفضل ، عن سيف بن عميرة، عن بكر بن محمدٍ، عن أبي عبدالله (علیه السّلام) قال: خروج الثلاثة، السفيانيّ والخراسانيّ واليمانيّ في سنةٍ واحدةٍ في شهرٍ واحدٍ في يومٍ واحدٍ ، وليس فيها رايةٌ بأهدى من راية اليمانيّ ؛ لأنّه يدعو إلى الحقّ»(1)
والرواية تواجه مشكلةً في السند أيضًا؛ إذ إنّ متابعة السند تكشف لنا أنّ بكر بن محمّدٍ الأزديّ «ثقةٌ، وجهٌ في هذه الطائفة، من بيت جليلٍ بالكوفة».
وأمّا سيف بن عميرة: فقد وثّقه النجاشيّ، ولم نعثر على ترجمته في كتاب النجاشيّ، وإنمّا نقل توثيق النجاشيّ في بعض نسخ کتاب ابن داود، و(مجمع الرجال) للقهبائيّ، وخلاصة العلّامة الحلّيّ، والنسخة الّتي نقلها الميرزا في كتابه (الرجال الكبير). كذلك وثّقه الكشّيّ في كتابه (اختيار معرفة الرجال)؛ ولكنّ الشيخ الطوسيّ لم يوثّقه، وقال ابن شهرآشوب: «من رجال الإمام الكاظم (علیه السّلام) ثقةٌ واقفيّ المذهب».
1- لا تصحّ نسبة الوقف إليه لعدم إدراكه إمامة الإمام الرضا (علیه السّلام).
2- لعلّ تضعيف الشهيد الثاني لسيف بن عميرة ناشئٌ من اتّهامه بالوقف، وقد أثبتنا عدم صحّة تلك النسبة.
1) الغيبة (للطوسيّ): ص 446 ، ح 443 ؛ بحار الأنوار: ج 52 ، ص 210.
3- وقع اسم سيف بن عميرة في 297 سندًا من أسانيد الكتب الأربعة،وشخصٌ كهذا لا يمكن القول بضعفه، فهو ثقةٌ عندنا.
نعم بقي الكلام في المراد من كلمة "عنه" الواردة في أوّل السند، حيث ذهب البعض إلى القول بأنّ الضمير يعود إلى ابن أبي عمير؛ وذلك:
أوّلاً : لأنّ سيف بن عميرة لم يكن من مشايخ الفضل بن شاذان ولم يرو عنه.
ثانيًا: ما ذهب إليه السيّد الخوئيّ من ضعف طريق الشيخ الطوسيّ إلى الفضل بن شاذان ، حيث قال: «كما أنّ كلا طريقي الشيخ ضعيفٌ، الأوّل بعليّ بن محمّدٍ والثاني بحمزة بن محمّدٍ ومن بعده (1)؛ فإنّ قيل بصحّة طريق الشيخ إلى الفضل كما قال السيّد الخوئيّ: «طريق الشيخ إليه في المشيخة صحيحٌ» (2)، قلنا:
1- لم ترد هذه الرواية في (التهذيب)، وإنّما وردت في كتاب (الغيبة)، وطريق المشيخة خاص بروايات (التهذيب)، إلّا على نحو تحويل السند.
2- لم ينحصر طريق روايات الشيخ الطوسيّ عن الفضل بن شاذان بالمشيخة؛ بل بعض روايات الشيخ جاءت عن هذا الطريق، كما صرّح الشيخ نفسه حيث قال: «ومن جملة ما ذكرته عن الفضل بن شاذان ما رويته بهذا
الإسناد : محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه ومحمّد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان»(1). وهذا الطريق صحيحٌ، لكنّه غير طريق رواية (الغيبة). ويظهر من خلال تتبّعنا لأخبار اليمانيّ أنّنا لا نملك حديثًا آخر يضارع هذا الحديث من حيث التفصيل، والروايات الأخرى المتعلّقة تواجه مشاكل في أسانيدها، فلابدّ من التأمّل.
الرواية الثالثة: ما ورد في (بحار الأنوار): «روى البُرسي في مشارق الأنوار) عن كعب بن الحارث، قال .... ثمّ يخرج ملكٌ من صنعاء اليمن، أبيض كالقطن، اسمه حسينٌ أو حسنٌ، فيذهب بخروجه غمر الفتن، فهناك يظهر مباركًا زكيًّا، وهاديًّا مهديًّا، وسيّدًا علويًّا، فيفرح الناس إذا أتاهم بمنّ الله الذي هداهم، فيكشف بنوره الظلماء، ويظهر به الحقّ بعد الخفاء، و...» (2).
لم ترد ترجمةٌ لراوي الحديث كعب بن حارثٍ في كتبنا الرجاليّة، فالرجل "مهملٌ" ، فضلًا عن كون الرجل لم يرو كلامَ المعصوم، وإنّما نقل بيانه هو للواقعة.
أمّا البرسيّ صاحب كتاب ( مشارق أنوار اليقين) الّذي ورد فيه الحديث، فقد قال عنه العلّامة المجلسيّ: «لا أعتمد على ما ينفرد به»(1).
نعم، قَبِلَهُ العلّامة الأمينيّ وأثنى عليه في موسوعة (الغدير)، فيما رفض السيّد محسن الأمين الاعتماد عليه والوثوق بمرويّاته كما جاء في (أعيان الشيعة) (2).
جاء في كتاب (نهج الخلاص) للفتلاويّ مجموعةٌ من الروايات عن أمير
المؤمنين (علیه السّلام) في خصوص المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، حيث جاء في الصفحة 496 من الكتاب ما يخصّ اليمانيّ، بعضها واضحة الدلالة والأخرى ظاهرةٌ في الحديث عنه؛ إلّا أنّها تواجه مشكلةً سنديّةً من جهةٍ، وتتحدّث عن أصل ظهور اليمانيّ وتتجاهل الحديث عن خصوصيّاته وصفاته ووجوب اتّباعه من جهة أخرى. ومن هنا يمكن القول إنّ أصل ظهور اليمانيّ من المتواترات.
الرواية الرابعة: روي عن ابن الحنفية أنّه قال: «إنّ عليّ بن أبي طالب (علیه السّلام) قال يومًا في مجلسه .... ويسير الجيش القحطانيّ (اليمانيّ) حتّى يستخرج الخليفة وهو كارهٌ خائفٌ فيسير معه تسعة آلافٍ من الملائكة، معه راية
النصر....». نقلت الرواية عن (ملاحم ابن (المنادي)(1)الّذي يعدّ من مصادر (ملاحم ابن طاووسٍ)، ونقلت عن (كنز العمّال) (2)أيضًا.
والجدير بالذكر أنّ الموضوعيّة تقتضي البحث عن مدى اعتبار كتاب (ملاحم ابن المنادي).
الرواية الخامسة : «روى مقاتلٌ عن عليٍّ (علیه السّلام) عن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قال:
رجلٌ منّا أهل البيت يبايع له بين زمزم والمقام، يركب إليه عصائب أهل العراق وأبدال الشام ونجباء أهل مصر، وتصير أهل اليمن، عدّتهم عدّة أهل بدر»(3). رواها في (دلائل الإمامة) للطبريّ، بطريقٍ ضعيفٍ لضعف مقاتلٍ وبعض رجال السند الآخرين.
الرواية السادسة : «عن أبي عبدالله(علیه السّلام) عن أميرالمؤمنين(علیه السّلام): ثمّ ينهض اليمانيّ لمحاربة السفيانيّ، ويقتل النصرانيّ، ثمّ يظهر أمير الأمرة، قاتل الكفرة، السلطان المأمول، الذي تحير في غيبته العقول، وهو التاسع من ولدك يا حسين» (4).
الرواية السابعة: «عن الأصبغ بن نباتة قال: خطب أميرالمؤمنين
عليٌّ(علیه السّلام) خطبةً فذكر المهديّ (علیه السّلام)، وخروج من يخرج معه وأسماءهم، فقال له أبو خالدٍ الكلبيّ (الكابليّ) صفه لنا يا أميرالمؤمنين؟ فقال عليٌّ (علیه السّلام) : ألا إنّه أشبه الناس خلقاً وخلقاً وحسنًا برسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ألا أدلّكم على رجاله وعددهم؟ ثمّ أخذ يعدِّ ويعيّن مناطقهم وبلدانهم... يفتح الله له خراسان ويطيعه أهل اليمن، وتقبِل الجيوش أمامه من اليمن، فرسان همدان وخولان»(1). ولا ريب في مقبوليّة الأصبغ عندنا، غير أنّ الرواية عاميّة الطريق (2).
الرواية الثامنة: «وبإسناده عن إسحاق يرفعه إلى الأصبغ بن نُباتة، قال: سمعت أميرالمؤمنين (علیه السّلام) يقول للناس: سلوني قبل أن تفقدوني... فبينما هم على ذلك إذ أقبلت خيل اليمانيّ والخراسانيّ يستبقان كأنّهما فرسا رهانٍ شعثُ غبرٌ جردٌ أصلاب نواصي ،وأقداحٌ ، إذا نظر إليهم أحدكم ضرب الأرض بباطن رجله... فيقول أحدهم لا خير في مجلسنا بعد يومنا هذا. اللّٰهمّ فإنّا التائبون وهم الأبدال الّذين وصفهم الله في كتابه العزيز: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرينَ » (3)ونظراؤهم من آل محمّدٍ» (4). ولكنّ الرواية مرسلةٌ.
وهذه الروايات تؤيّد أصل وجود اليمانيّ وظهور حركته.
الرواية التاسعة : روى الشيخ الطوسيّ في (الأمالي): «عن أبي عبدالله(علیه السّلام) ، قال : لمّا خرج طالب الحقّ، قيل لأبي عبدالله (علیه السّلام) : نرجو أن يكون هذا اليمانيّ، فقال : لا ، اليمانيّ يوالي عليًّا (علیه السّلام) ، وهذا يبرأ منه» (1). ويستفاد من هذه الرواية أنّ اليمانيّ شخصيّةً صالحةٌ.
وقد وردت الرواية في (البحار ) نقلا عن (مجالس الطوسيّ) باختلاف في التعبير، حيث ورد فيها: "يتوالى عليًّا"، أي يتظاهر بالولاء لعليٍّ (علیه السّلام).
وسند الحديث: «أخبرنا أبو عبدالله الحسين بن إبراهيم القزوينيّ، قال أخبرنا أبو عبدالله محمّد بن وهبان الهنائيّ البصريّ، قال حدّثني أحمد بن إبراهيم بن أحمد، قال أخبرني أبو محمّدٍ الحسن بن عليّ بن عبد الكريم الزعفرانيّ، قال حدّثني أحمد بن محمّد بن خالدٍ البرقيّ أبو جعفرٍ، قال حدّثني أبي، عن محمّد بن أبي عميرٍ، عن هشام بن سالمٍ، قال سمعت أبا عبدالله (علیه السّلام) يقول: ....».
أ- قال الشيخ الطوسيّ في ترجمة الحسين بن أبي غندر: «له أصل. أخبرنا به الحسين بن إبراهيم القزوينيّ عن.....»(2).
ب روى عنه الشيخ الطوسيّ في (الأمالي) أكثر من 50 روايةً.
ج- كونه من مشايخ الطوسيّ ؛ وهل كونه من المشايخ كافٍ للحكم بوثاقته؟ حاول نجلُ الشيخ المامقانيّ (1)توثيقه فقال: «يظهر من شيخوخته للشيخ الطوسيّ واعتماده عليه، ومن مضمون روايته، كون المعنون من علمائنا الأبرار ، فهو من علمائنا الأبرار. وروى أحاديث الأئمّة (علیهم السّلام) فهو عند من يرى وثاقة المشايخ لا بدّ من عدّه ثقةً، وإلّا في أعلى مراتب الحسن، ورواياته تعدّ من الحسان»(2). نعم، حكم البعض بحسن الرجل ولكنّنا نخالف ذلك.
2- محمّد بن وهبان وثقه النجاشيّ، وكذا العلّامة ناسبًا ذلك إلى الكشّيّ، وممّن ذهب إلى القول بوثاقته العلّامة المجلسيّ، ولا ولا ريب أنّ توثيقات المتأخّرين حدسيّةٌ غير حسّيّةٍ.
3- أحمد بن إبراهيم بن أحمد: مشتركٌ بين ثقتين، الأوّل ابن معلّى الثقة والثاني أبو العبّاس الحسينيّ، والمراد به هنا ابن معلّى الّذي وثقه الشيخ الطوسيّ، وقد ترجم له نجلُ المامقانيّ وحكم بوثاقته (3).
4- حسن بن عليّ الزعفرانيّ: ضبط في الكتب الرجاليّة باسم حسن بن
عليٍّ تارةً، وأخرى باسم حسين بن عليّ، وهما متّحدان، والمراد منهما شخص واحد، علمًا أنّه لم يذكر في الكتب الرجاليّة.
قال المحقّق المامقانيّ في ترجمته: «ليس للمعنون ذكرٌ في الكتب الرجاليّة، إلّا أنّ رواياته سديدةٌ، وقلنا سابقا بأنّه إماميٌّ حسنٌ»(1). ثمّ قال: «يظهر من رواياته أنّه من الشيعة الإماميّة، وإنّي أعدّه حسنًا لمضمون رواياته وكثرتها وكونها سديدةً وعمل بها، فينبغي الجزم بحسنه، وإن كان قد أهمل ذكره علماء الرجال» (2).
لكنّنا نرى الرجل مهملا ؛ لأن مجموع ما رواه الشيخ عنه خمس رواياتٍ، وما رواه الشيخ المفيد عنه ستّ عشرة روايةً، وعليه لا يندرج الرجال في عداد المكثرين بالرواية. ومع إهمال الزعفرانيّ لا إشكال في سائر السند، وعليه لا يمكن الاستناد إلى هذه الروايات في قضيّة اليمانيّ ؛ لأنّها لا تخلو من شائبةٍ سنديّة، بل أكثرها غير صريحةٍ، بل غير ظاهرة في تأييد اليمانيّ.
1- روى الكلينيّ(رحمه الله) عن أحمد بن مُحمَّدٍ، عنِ ابن محبوبٍ، عن يعقوب السَّرَّاج قال: «قلت لأبي عبدالله : متى فرج شيعتكم؟ قال: إذا اختلف ولد العبّاس، ووهى سلطانهم، وخلعت الأعراب أعنّتها، ورفع كلّ ذي
صيصيةٍ صيصيته، وظهر الشاميّ، وأقبل اليمانيّ، وخرج صاحب هذا الأمر من المدينة إلى مكّة بتراث رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وسلاحه»(1). وحكم العلّامة المجلسيّ بصحّة الحديث (2).
2- روى الصدوق(رحمه الله) عن محمّد بن مسلمٍ الثقفيّ الطحّان، قال: «دخلت حملة على أبي جعفرٍ محمّد بن عليٍّ الباقر(علیه السّلام) ، وأنا أريد أن أسأله ، عن القائم من آل محمّدٍ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فقال لي مبتدئاً .... وإنّ من علامات خروجه خروج السفيانيّ من الشام، وخروج اليمانيّ من اليمن وصيحةً من السماء في شهر رمضان، ومناديًا ينادي من السماء باسمه واسم أبيه»(3).
3-قال النعمانيّ: «أخبرنا محمّد بن همّام، حدّثني جعفر بن محمّد بن مالكٍ، حدّثني عليّ بن عاصمٍ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الرضا (علیه السّلام) أنّه قال : قبل هذا الأمر السفيانيّ واليمانيّ والمروانيّ وشعيب بن صالحٍ فكيف يقول هذا هذا(4).
4- روى الشيخ الطوسيّ في كتاب (الغيبة) عن محمّد بن مسلم، عن الإمام الصادق(علیه السّلام) ، أنّه قال: «يخرج قبل خروج القائم المصريّ واليمانيّ»(5).
5- روى الشيخ الطوسيّ أيضًا عن الإمام الصادق (علیه السّلام): «خروج الثلاثة الخراسانيّ والسفيانيّ واليمانيّ في سنةٍ واحدةٍ في شهر واحدٍ، في يوم واحدٍ، وليس فيها رايةٌ بأهدى من راية اليمانيّ يهدي إلى الحقّ»(1).
6- روى الشيخ الصدوق، عن ميمون ،البان عن أبي عبدالله (علیه السّلام) قال: «خمسٌ قبل قيام القائم: اليمانيّ، والسفيانيّ، والمنادي ينادي من السماء، وخسفٌ بالبيداء، وقتل النفس الزكيّة» (2).
عن يوسف بن يحيى المقدسيّ السلميّ (3)نقلًا عن (سنن الداني) ما يؤيّد خروج اليمانيّ في حديثٍ مفصّلٍ حول الفتن والملاحم نشير إلى موضع الحاجة منه «عن عمّار بن ياسر قال .... إذا انسابت عليكم الترك، وجهّزت الجيوش إليكم، ومات خليفتكم الّذي كان يجمع الأموال يستخلف من بعده رجلًا ضعيفًا فيخلع بعد سنتين، ويخالف الروم والترك، وتظهر الحروب في الأرض، وينادي منادٍ على سور دمشق: ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقترب. يخسف بغربيّ مسجدها حتّى يخرّ حائطها، ويخرج ثلاثة نفرٍ بالشام. كلّهم يطلب الملك: رجلٌ أبقع، ورجلٌ أصهب، ورجلٌ من أهل بيت أبي سفيان، يخرج ومعه كلبٌ
(قبيلة بني كلاب) ويحصر الناس بدمشق، ويخرج أهل المغرب ينحدرون إلى مصر، فإذا دخلوا فتلك أمارة السفيانيّ. ويخرج قبل ذلك من يدعو لآل محمّدٍ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وينزل الترك الجزيرة (شمال العراق)، وينزل الروم فلسطين...»(1).
ولم ترد هذه الرواية في المصادر الشيعيّة، فضلًا عن مجهوليّة عثمان بن سعيد الأمويّ الداني - المولود سنة 371 ه- والمتوفّى سنة 444 ه- - عندنا، أو كونه مهملًا ؛ لعدم تعرّض أعلام الرجال الشيعة لترجمته، بالرغم من ثناء العامّة عليه، وإجلالهم له، فقد وصفه الذهبيّ بالإمام... حافظ الأندلس.
وقال المغاميّ: «كان مجاب الدعوة مالكيّ المذهب»، ونعته الحميديّ ب- «المحدّت المُكثِر»، فيما قال ، ابن بشكوال : «أحد الأئمّة في علوم القرآن... كان ديّنًا فاضلا ورعًا سُنّيًّا»، ونقل عن عبيد الحجريّ عن بعضهم
أنّه قال : «لم يكن في عصره ولا بعد عصره أحدٌ يضاهيه»(2).
وقد كان بين أبي عمروٍ الداني، وبين أبي محمّدٍ بن حزمٍ وحشةٌ ومنافرةٌ شديدةٌ، أفضت بهما إلى التهاجي(3).
وجاء في (الفتن) لنعيم بن حمّادٍ: «صاحبُ روميّةٍ رجل من بني هاشمٍ اسمه الأصبغ بن زيدٍ». وقال في موضعٍ آخر: «اسمه أصبغ بن يزيد».
وقال نُعَيْمُ في (الفِتَن) أيضًا : «يخرج من قريةٍ يقال لها يكلى خلف صنعاء بمرحلة، أبوه قرشيٌّ وأمّه يمانيّةٌ»(1). وقيل قحطانيٌّ لأنّ اليمانيّين من القحطانيّة، ووطنه اليمن، ويفتح الروم ويقتل قريئًا، إذ ينقل نعيمٌ عن كعب: «على يد اليمانيّ الّذي يقتل قريشًا » (2).
1- يقف النواصب والأمويّون منهم خاصةً موقفًا رافضًا ومعاندًا لليمانيّ تمامًا.
2- تؤيد رواياتنا أصل خروج اليمانيّ؛ لكنّنا في ريبٍ منها، وإنّ أقصى ما يثبت بها هو حركة اليمانيّ في الجملة ؛ وعليه يمكن القول إنّ أصل ظهوره من المسلّمات، ولكن لا يوجد ما يدلّ على حقّانيّته أو وجوب اتّباعه جزمًا.
يعدّ البحث في علامات الظهور من أهمّ البحوث في العقيدة المهدويّة، وقد اعتنى به أئمّة أهل البيت (علیه السّلام) كثيرًا ، سيّما فيما يرتبط بشخصيّات الظهور. ومن العلامات الّتي تسبق الظهور خروج الحسنيّ، وفي هذا الفصل سنشير إلى شخصيّة الحسنيّ، ونطرح الأسئلة التالية ونقول:
أهو الحسنيّ أم الحسينيّ؟
وكم عدد الروايات فيه؟
ومن الّذي يرويها؟
وما مدى دلالة هذه الروايات؟
وهل تدلّ على أنّه عنصر إيجابيٌّ؟
وهل تدلّ على أنّ المسلمين مكلّفون تجاه الحسنيّ ونهضته؟
هذه هي الأسئلة الّتي لابدّ من الإجابة عنها، وأظنّ أنّها هي بيت القصيد.
فنقول: هناك خلافُ في أنّه حسنيٌّ أو حسينيٌّ، فبعض الروايات جمعت بين الحسنيّ والحسينيّ، وبعض الروايات ورد فيها الحسينيّ، وبعضها ورد فيها الحسنيّ.
ومجموع الروايات فيه لا تتجاوز الآحاد أي لا تواتر ولا استفاضة في إيجابيّة شخصيّته.
ثمّ إنّ هذه الروايات أكثرها ضعيفة السند، وبعبارة أخرى أنّ التامّ الدلالة ضعيف السند، والقويّ السند ضعيف الدلالة.
ثمّ بعد ذلك نجد في الروايات تعارضًا بغض النظر عن السند، ففي بعض الروايات يكون الحسنيّ في مكّة حينما يخرج المهديّ (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) حينما يظهر.
وفي بعض الروايات حينما يخرج الإمام(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) يوصل بعض الموالي الخبر للحسنيّ، فيخرج بمكّة فيأخذه أهل مكّة ويقتلونه.
وفي بعض الروايات أنّ الحسنيّ في إيران (1)، وفي مسيره إلى العراق يلتقي بالإمام المهديّ (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ويبايعه هناك. إذن لم تتّضح الصورة، ومن أيّ مكانٍ يكون خروجه وانطلاقه.
وقد استغلّ البعض هذه الروايات فلابدّ أن ننتبه، ولا نرسلها إرسال المسلّمات، وأمّا الروايات:
إنّ أوّل رواية في هذا المجال رواية أميرالمؤمنين(علیه السّلام) ، وهي روايةٌ مفصّلةٌ، ونشير لمختصرٍ منها على ما في كتابنا (معجم أحاديث الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ): «تختلف ثلاث راياتٍ... وتسير الجيوش حتّى تصير بوادي
1) بحار الأنوار: ج 53 ، ص 15؛ دراسةٌ في روايات الحسنيّ: ص 36.
القرى(1)في هدوءٍ ورفق، ويلحقه هناك ابن عمّه الحسنيّ في اثني عشر ألف فارس فيقول: يا بن عمّ ، أنا أحقّ بهذا الجيش منك، أنا ابن الحسن وأنا المهديّ. فيقول المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) : بل أنا المهديّ. فيقول الحسنيّ: هل لك من آيةٍ فنبايعك؟ فيومئ المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) إلى الطير فتسقط على يده، ويغرس قضيبًا في بقعة من الأرض فيخضر ويورق، فيقول له الحسنيّ: يا بن عمّ، هي لك. ويسلّم إليه جيشه ويكون على مقدّمته...» (2).
ومفاد هذه الرواية أنّ دور الحسنيّ الإيجابيّ يكون بعد الظهور، وأنّ الإمام قد اجتاز مكّة والحجاز متوجّهًا إلى العراق. وأمّا قبله فهو منحرفٌ؛ إذ يزعم أنّه هو المهديّ، وكذلك أصحابه فهم على هذه العقيدة الباطلة.
هذه هي الرواية المفصّلة، ولعلّ من يدّعي اعتبار الحسنيّ ووجاهته يكون دليله هذه الرواية ويعتمد عليها.
إنّ أوّل من نقل هذه الرواية بطولها وتفصيلها هو المقدسيّ الشافعيّ السلميّ صاحب كتاب (عقد الدرر)، وهو من علماء القرن السابع، أوردها
في كتابه بالتفصيل مرسلًا عن أميرالمؤمنين (علیه السّلام) (1)، ولا أثر لهذه الرواية إلى القرن السابع.
ثمّ بعد مئتي سنةٍ من وفاة السلميّ روى المتّقي الهنديّ بعض لهذه الرواية عن ( عقد الدرر) في كتابه (البرهان) (2).
هذا غاية ما في الباب بالنسبة إلى مصادر هذا الحديث بطوله وتفصيله في كتب العامّة.
أمّا في كتب الإماميّة، فحسب تحقيقنا المتواضع نقول إنّه لم يتعرّض لهذه الرواية أحد من علمائنا وأهملت إلى القرن الرابع عشر، وإلى زمان الحائريّ صاحب كتاب (إلزام الناصب) (3)المتوفّى سنة 1333 من الهجرة، إذ أوردها بسندٍ وربطها بخطبة أميرالمؤمنين (علیه السّلام) الّتي خطبها في البصرة، المعروفة بخطبة البيان.
1) عقد الدرر : ص 97 الباب 4 في أحاديث الدالّة على ولايته (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، الفصل الثاني، في الخسف بالبيداء وحديث السفيانيّ.
2) البرهان : ص 76 و 77 ، الباب 1: في الكرامات ، ح 15 .
3) سمعت من والدي المرحوم محمدرضا الطبسيّ النجفيّ طيّب الله شَرَاهُ أنّه التقى بالحائريّ أو بابنه، والترديد منّا، فقال له الحائريّ عندما طبع ونزل الكتاب إلى السوق: "وجدت فيه بعض ما لم أكتبه أنا".
وما أورده الحائريّ من النصّ هو: «حدّثنا محمّد بن أحمد الأنباريّ قال: حدّثنا محمّد بن أحمد الجرجانيّ قاضي الريّ قال: حدّثنا طوق بن مالك عن أبيه عن جدّه عن عبدالله بن مسعودٍ رفعه إلى عليّ بن أبي طالب(علیه السّلام) : لمّا تولّى الخلافة بعد الثلاثة أتى إلى البصرة فرقي جامعها وخطب الناس خطبةً تذهل منها العقول و تقشعّر منها الجلود... وهي آخر خطبة خطبها، فحمدالله وأثنى عليه، وذكر النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فقال : "... ثمّ يسير بالجيوش حتّى يصير إلى العراق، والناس خلفه، وأمامه على مقدّمته رجل اسمه عقيلٌ، وعلى ساقته رجلٌ اسمه الحارث، فيلحقه رجل من أولاد الحسن في اثني عشر ألف فارسٍ، ويقول: يا بن العمّ، أنا أحقّ منك بهذا الأمر؛ لأنّي من ولد الحسن، وهو أكبر من الحسين، فيقول المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) : إنّي أنا المهديّ، فيقول له : هل عندك آيةٌ أو معجزةٌ أو علامةٌ؟ فينظر المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) إلى طير في الهواء، فيومي إليه فيسقط في كفّه، فينطق بقدرة الله - تعالى - ويشهد له بالإمامة، ثمّ يغرس قضيبًا يابساً في بقعةٍ من الأرض ليس فيها ماءٌ، فيخضرّ ويورق، ويأخذ جلموداً كان في الأرض من الصخر، فيفركه بيده ويعجنه مثل الشمع، فيقول الحسنيّ: الأمر لك. فيسلم وتسلم جنوده ...»(1).
1) إلزام الناصب : ج 2، ص 148 و 168 ، الغصن الثامن في علامات ظهور القائم(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، الفرع الرابع، الرياحين في خطب عليٍّ (علیه السّلام) في علامات الظهور الريحان الأوّل، في الخطبة الّتي خطبها في البصرة المعروفة بخطبة البيان.
ثمّ إنّ النوريّ صاحب (المستدرك) يروي بعض هذه الرواية في كتابه (كشف الأستار )(1)، مع تصريحه بأنّه رواه عن (عقد الدرر).
ثمّ النجفيّ المرعشيّ ذكر الرواية عن (عقد الدرر) في (ملحقات الإحقاق) (2)، ولكن من المعلوم أنّ مبنى المرحوم النجفيّ في هذا الكتاب هو جمع كلّ ما ورد في كتب أهل السنّة فيما يتعلّق بأهل البيت (علیهم السّلام) ، من دون أن يتعرّض للمناقشة السنديّة، أضف إلى ذلك أنّه صرّح بأنّه عن (عقد الدرر).
والشيخ الوالد في (الشيعة والرجعة) (3)أيضًا يصرّح بأنّه عن (إلزام الناصب).
نرى أنّ المضمون واحد تقريبًا، وحيث إنّه يتّفق مع رواية (عقد الدرر) والحائريّ يعبّر عنها ب- "خطبة البيان" (4)، وهذه الخطبة ألقيت في البصرة بعد حرب الجمل، أي سنة 36 من الهجرة، ويرويها ابن مسعودٍ مع أنّ وفاته كانت
1) كشف الأستار : ص 358 و 359 الفصل الثاني، في ذكر الشبهات، الشبهة الأولى والجواب عليها.
2) ملحقات إحقاق الحقّ : ج 29 ، ص 567 - 574 و 580 ، فضائل الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، أحاديث وردت من طرق العامّة في المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف).
3) الشيعة والرجعة : ج 1، ص 135 ، المهديّ المنتظر والحسنيّ.
4) للوالد همه بيانٌ ذيل خطبة البيان وبدراسةٍ سنديّةٍ ودراسةٍ دلاليّةٍ تعرّضنا لقسمٍ من هذا الكلام في كتابنا ( في رحاب الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ).
سنة 32 من الهجرة؛ فالفاصلة الزمنيّة أربع سنواتٍ.
فلابدّ من حلّ هذا الإشكال السنديّ، وإنّما يتمّ ذلك فيما لو قالوا بتعدّد عبدالله بن مسعود، ولهذا لم يقل به أحدٌ، أو أن يقولوا هو نفسه الشخص المعروف، لكنّه قد توفّي بعد عام ستة وثلاثين من الهجرة، وهو خلاف
المعروف وما روى عن سنة وفاته.
لم يعهد رواية ابن مسعودٍ عن أميرالمؤمنين (علیه السّلام)، فلو راجعنا كتاب (تهذيب الكمال) للحافظ المزّيّ لا نجد أنّ عبدالله بن مسعودٍ يروي عن أمیرالمؤمنين (علیه السّلام) (1).
لم يثبت وثاقته عندنا، فإنّه لم يثبت موالاته لعليٍّ (علیه السّلام)، ولا قوله بالحقّ، وصحّ أنّه والى القوم ومال إليهم، واستدلّ المرتضى برواياته على المخالفين جدلًا، وصرّح التستريّ بأنّ استبصار ابن مسعودٍ غير معلومٍ(2)، وروى العلّامة الحلّي عن الكشّيّ عن الفضل بن شاذان أنّ ابن مسعود خلط (3).
1) تهذيب الكمال : ج 10، ص 533 ، ترجمة عبدالله بن مسعود، رقم 3547.
2) قاموس الرجال : ج 6 ، ص 600 ، ترجمة عبدالله بن مسعود، رقم 4527؛ معجم رجال الحديث: ج 10، ص 322 ، ترجمة عبدالله بن مسعود، رقم 7160.
3) خلاصة الأقوال : ص 369 القسم الثاني، ترجمة عبدالله بن مسعود، رقم 1455؛ انظر خلاف ذلك: عن المامقانيّ والنمازيّ في (تنقيح المقال) (الطبعة الحجريّة): ج 2، ص 215، ترجمة عبدالله بن مسعود، رقم 7072؛ مستدركات علم رجال الحديث : ج 5، ص 107، ترجمة عبدالله بن مسعود، رقم 8746.
يعدّ اليزدي الحائري صاحب (إلزام الناصب) من المعاصرين، فإن أخذها من كتب السنّة فالمصدر هو ( عقد الدرر)، ورواه مرسلًا عن أميرالمؤمنين (علیه السّلام) الّذي استشهد سنة 40 من الهجرة، والسلميّ بعد سنة 700 من الهجرة، والفاصل الزمنيّ 660 سنةً تقريبًا.
هذا بالنسبة إلى المصادر والسند في الرواية الأولى، ونقول : لا يمكن أن يعتمد على مثل هذه الرواية، من حيث السند ،اللّهمّ إلّا أن توجد قرائن (1)، وأنّى هي؟!
قال السيّد مهديٌّ الموسويّ من أعلام القرن الثالث عشر في كتابه (طوالع الأنوار) الّذي فرغ من تأليفه سنة 1250 ه (2). - بعد ذكر الخطبة التطنجيّة:
«هذه الخطبة وخطبة البيان وغيرهما من الخطب المذكورة في هذا الكتاب، المشتملة لتلك الفقرات الدالّة على الإلهيّة له (علیه السّلام) وعلى خالقيّته ورازقيّته وغيرها من الأفعال الإلهيّة، فهي من الفقرات المتشابهة، ظاهرها عند أهل الظاهر والمتشرّعين منافٍ لظاهر الشرع، ومشعرٌ بالكفر، وخلاف مذهب الاثني عشريّة وباطنها ومستورٌ عنّا مخزونٌ عند قائلها، فلك أن لا تنكر ظاهرها ولا باطنها، ولعلّها وردت كذلك عنهم، ونحن لا نعلم بأيّ وجهِ وردت، فيكون إنكارها ردًّا وهو كفرٌ. فلك السلامة والنجاة أن لا تعتقد بظاهرها، وتذر وتترك ظاهرها وباطنها وتأويلها على بيان قائلها، وإنّي قد ذكرتها لتعلمها وتعلم مخالفتها ظاهرًا بمذهب الاثني عشريّة، فظاهرها وباطنها عند أهلها ، وأهل البيت أدرى بما في البيت» (1).
وقال السيّد جعفر مرتضى العامليّ: إنّ في هذه الخطبة إشكالاتٍ عديدةً، سواءٌ فيما يرتبط بالناحية اللغويّة، أو الاشتقاقات المستعملة فيها، أو فيما تضمّنته من أخطاءٍ نحويّةٍ، أو تاريخيّةٍ أو تراكيب غير سليمةٍ، بالإضافة إلى
عدم وجود أسنادٍ لها، وما إلى ذلك. وكلّ ذلك يجعلنا نشكّ في صحّة نسبتها إلى الإمام أميرالمؤمنين (علیه السّلام).
1) طوالع الأنوار : ص 175، في الخطبة التطنجيّة.
وقد ذكرنا أنّ من المحتمل أن تكون هذه الخطبة قد تكوّنت وظهرت نتيجة مبادرةٍ من شخص لا يملك ثقافةً ولا معرفةً بالقواعد اللغويّة وغيرها، ولعلّه كان يجمع ما كان يقع تحت يده من أحاديث يجدها في كتب السنّة، أو الشيعة، أو الزيديّة، أو الإسماعيليّة، أو أيّ فرقةٍ من الفرق، ثمّ يصوغها على شكل خطبةٍ دون أن يمحص تلك الأحاديث، أو يميّز غثّها من سمينها، أو حقّها من باطلها، علمًا أنّ ما اطلعنا عليه من كتب المتقدّمين لم يورد هذه الخطبة، ولم يشر إليها» (1).
وهي روايةٌ مفصلةٌ أوردناها في كتابنا (معجم أحاديث الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ) ومحلّ الشاهد فيها هو: «... ويسير بالجيوش حتّى ينزل وادي الفتن، ويلحقه الحسنيّ في اثني عشر ألفًا، فيقول له: أنا أحق منك بهذا الأمر. فيقول له : هات علامةً هات دلالةً فيومئ إلى الطير فيسقط على كتفه، ويغرس القضيب الّذي بيده فيخضرّ ويعشوشب، فيسلّم إليه الحسنيّ الجيش، ويكون الحسنيّ على مقدّمته...»(2).
1) مختصرٌ مفيدٌ : ج 3، ص 248 و 249 ، القسم العاشر متفرّقاتُ، السؤال 180، حول خطبة البيان، انظر: الصحيح من سيرة الإمام عليٍّ : ج 22 ص 11 القسم الرابع، علمٌ وقضاءٌ، الباب الأوّل خطبة البيان لا تليق.
2) معجم أحاديث الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) : ج4 ، ص156 ، أصحاب الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، ح 7/650.
أوّل من روى هذه الرواية هو السيّد ابن طاووس في كتابه (الملاحم والفتن)(1)، ولهذا الكتاب مجموعة من كتبٍ ثلاثةٍ :
1- (الفتن) لابن حمّادٍ.
2- (الفتن) لأبي صالحٍ السليليّ.
3-(الفتن) لأبي يحيى البزّاز.
وقد نقل ابن طاووس هذه الرواية عن (فتن السليليّ).
فنقول : أين عصر السيّد ابن طاووسٍ من عصر السليليّ؟! فالسليليّ عصره قبل سنة 300 للهجرة، والنسخة الخطيّة عن كتابه مؤرّخةٌ بسنة 307 للهجرة، والسيّد ابن طاووسٍ في القرن السابع تقريبًا، فالفرق 400 سنة تقريبًا.
إن طريق السيّد ابن طاووس إلى كتاب السليليّ كما نصّ عليه(2)، وهل
1) الملاحم والفتن ص 254 القسم الثاني، ما نقل من كتاب (الفتن) للسليليّ، الباب 79: فيما ذكره من عدد رجال المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) بذكر بلاهم ، ح 417.
2) «تاريخ نسخة الأصل سنة 307 بخطّ مصنّفها - السليليّ - في المدرسة المعروفة بالتركيّ بجانب الغربيّ من واسط من نسخةٍ هي الأصل على ما حكاه من ذكر أنّه شاهدها» [الملاحم والفتن: ص 44، مقدّمة المؤلّف].
يوجد مرسلٌ أوضح من هذا؟ وإشكالنا على رجال ابن الغضائريّ أنّه لم يصل إلينا، وأوّل من أوصله لنا السيّد ابن طاووسٍ، وهنا كذلك لأنّه يقول: لا أضمن الصحّة. وإليك نصّ عبارته حول كتاب السليليّ: «فإنّني عازمٌ على أن أعلّق في هذه الأوراق ما وجدته على سبيل الاتفاق في كتاب (الفتن) تأليف السليليّ ابن أحمد بن عيسى بن شيخٍ الحسائيّ من رواة الجمهور. من نسخةٍ أصلها في المدرسة المعروفة بالتركيّ بالجانب الغربيّ من البلاد الواسطيّة تاريخ كتابها سنة سبعٍ وثلاثمئةٍ ، ودرك ما تضمّنته على الرواة، وأنا بريءٌ من خطره؛ لأنّني أحكي ما أجده بلفظه ومعناه» (1).
إذن الرواية ينسبها ابن طاووسٍ إلى السليليّ ولا طريق له إليه، دع عنك أنّها هي مضمون الرواية الأولى.
الإشكال الثاني
من هو السليلي؟ وما مدى اعتباره؟ لقد راجعنا كثيرًا من الكتب المعنيّة،
فلم نجد له شيئًا.
1) الملاحم والفتن : ص 197 و 198 ، القسم الثاني، ما نقل من كتاب (الفتن) للسليليّ.
لنفرض أنّ لابن طاووس سندًا إلى السليليّ والطريق صحيحٌ، فنراه تارةً يقول : "حدّثنا" وأخرى يقول : "عن" (1)، والفرق بينهما أنّ "عن" أعمّ من أن يكون هو الراوي أو غيره، وفيه شبهة الإرسال، وزيادةٌ على الإرسال التدليس فتأمّل.
وأمّا الأصبغ: فرأيي القاصر أنّي أُجُلُّ الأصبغ بن بن نباتة وهو ثقةٌ، وإن كان فيه كلام، لكنّ الباقي من رجال السند مجاهيل أو ضعفاء، مثل المالكيّ والرافعيّ وابن هيثمٍ البصريّ. ولم يتعرّض لهذا الحديث من علماء الطائفة غير ابن طاووسٍ لا قبله ولا بعده إلَّا الشيخ الصافي الگلپايگانيّ دام ظله في (المنتخب) ينقله عن ابن طاووس.
أخبرنا أبو محمّد المحمّديّ، عن محمّد بن عليّ بن الفضل، عن أبيه، عن محمّد بن إبراهيم بن مالك، عن إبراهيم بن بنان الخثعميّ، عن أحمد بن يحیي
1) حدثنا الحسن بن عليّ المالكيّ قال : حدّثنا أبو النضر عن ابن حميد الرافعيّ، قال: حدّثنا محمّد بن الهيثم البصريّ ، قال : حدّثنا سليمان بن عثمان النخعيّ، قال: حدّثنا سعيد بن طارق، عن سلمة بن أنس، عن الأصبغ بن نباتة قال: خطب أميرالمؤمنين علىٌّ(علیه السّلام) خطبةً، فذكر المهديّ وخروج من يخرج معه وأسماءهم...» [الملاحم والفتن: ص 254، القسم الثاني، ما نقل من كتاب (الفتن) للسليليّ، الباب 79 ، ح 417].
بن المعتمر، عن عمرو بن ثابتٍ، عن أبيه، عن أبي جعفر (علیه السّلام) في حديثٍ طويل قال : يدخل المهديّ الكوفة وبها ثلاث راياتٍ قد اضطربت بينها، فتصفو له، فيدخل حتّى يأتي المنبر ويخطب، ولا يدري الناس ما يقول من البكاء، وهو قول رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) كأنّي بالحسنيّ والحسينيّ وقد قاداها فيسلّمها إلى الحسينيّ فيبايعونه.
فإذا كانت الجمعة الثانية قال الناس يا بن رسول الله، الصلاة خلفك تضاهي الصلاة خلف رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) والمسجد لا يسعنا. فيقول : أنا مرتادُ لكم فيخرج إلى الغريّ فيخط مسجدًا له ألف بابِ يسع الناس، عليه أصيصٌ، ويبعث فيحفر من خلف قبر الحسين (علیه السّلام) لهم نهرًا يجري إلى الغريّين حتّى ينبذ في النجف، ويعمل على فوهته قناطر وأرحاءً في السبيل، وكأنّي بالعجوز وعلى رأسها مكتلٌ فيه برٌّ حتّى تطحنه بكربلاء»(1).
إنّ أوّل من أورد هذه الرواية بهذا النصّ هو الشيخ الطوسيّ في كتابه (الغيبة)، وأؤكّد على أنّ هذه الرواية بهذا النصّ، أي قوله : وهو قول رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «كأنّي بالحسنيّ والحسينيّ».
أمّا نفس هذا النصّ ولكن من دون فقرة «كأنّي بالحسنيّ والحسينيّ» مذكورٌ في (الإرشاد)(2)، عن عمرو بن شمرٍ عن أبي جعفرٍ، وقبل (الإرشاد)
مذكورٌ في كتاب الفضل بن شاذان على ما نقله عنه العلّامة المجلسيّ في (البحار) (1)عن السيّد عليّ بن عبدالحميد والكلام هنا في رواية الطوسيّ؛ لأنّ فيه هذه الفقرة: «كأنّي بالحسنيّ والحسينيّ». بعد ذلك أورد البياضيّ في كتابه (الصراط المستقيم ) (2)، عن (الغيبة) للطوسيّ.
ثمّ أورد للسيّد عليّ بن عبد الكريم النجفيّ النيليّ بعضه في (منتخب الأنوار المضيئة) (3)كما في (الغيبة).
ثمّ أورده الحر العاملي في (إثبات الهداة)(4)عن (الغيبة) مع اختلافٍ في السند؛ إذ إنّه يذكر في سنده أحمد بن يحيى بن المعتمد، بينما الطوسي يذكر في سنده أحمد بن يحيى بن المعتمر.
ثمّ أورده العلّامة المجلسيّ في (البحار)(5)عن (الغيبة) للطوسيّ.
1) بحار الأنوار: ج 97 ، ص ،385 كتاب المزار، أبواب زيارة أميرالمؤمنين، الباب 6: فضل الكوفة ومسجدها الأعظم وأعماله ، ح 4.
2) كأنّي بالحسنيّ وقد قادها فيسلّمها الحسينيّ فيبايعوه، ثمّ يأمر بعمارة جامعٍ له ألف بابٍ» [ الصراط المستقيم : ج 2، ص 264 ، الباب 11 فيما جاء في المهديّ وتملّكه وبقائه، الفصل الثالث عشر].
3) منتخب الأنوار المضيئة: ص 335 الفصل الثاني عشر: في ذكر ما يكون في أيّامه.
4) إثبات الهداة : ج 3، ص 515 و 516 ، الباب 32: في النصوص على إمامة المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، ح 364.
5) بحار الأنوار: ج 52 ، ص 340 و341 ، تاريخ الإمام الثاني عشر، الباب 27: سيرته وأخلاقه وخصائص زمانه، ح 53 .
ولم ترد هذه الرواية حسب تتّبعنا في غير هذه الكتب، ولم ترد في مصدرٍ من كتب العامة.
هذه الرواية من حيث السند فيها إشكالٌ بالنسبة إلى محمّد بن إبراهيم بن مالكٍ(1)،وإبراهيم بن بنان الخثعميّ (2)، وأحمد بن يحيى بن المعتمر (3)؛ إذ هم مهملون ولم يتعرّض لهم أحدٌ من علماء الرجال.
في هذه الرواية إشارةٌ إلى الحسنيّ والحسينيّ في قوله: «وهو قول رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : "كأنّي بالحسنيّ والحسينيّ وقد قاداها فيسلّمها إلى الحسينيّ"».
فهذه غير واضحة؛ فمن هو المشار إليه؟ هل هو الحسنيّ أو الحسينيّ؟ مع أنّ كليهما مذكوران في الرواية، وقد ذكرا معًا.
1) مستدركات علم رجال الحديث : ج 1 ، ص 367 ، ترجمة محمّد بن إبراهيم بن مالكٍ، رقم 12264.
2) المصدر السابق : ج 1، ص 130، ترجمة إبراهيم بن بنان الخثعميّ، رقم 140. أمّا نجل المامقاني يتحدّث عنه ويقول: «مهملٌ إلّا أنّ روايته سديدةٌ» [تنقيح المقال: ج 3، ص 323 و 324، الهامش، ترجمة إبراهيم بن بنان الخثعميّ، رقم 91/166].
3) مستدركات علم رجال الحديث: ج 1، ص 511، ترجمة أحمد بن يحيى بن المعتمر، رقم 1853.
ثمّ إنّ تسليم الحسنيّ الراية للحسينيّ في الكوفة بعد ظهور الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ودخوله في الكوفة مخالفٌ ومعارضٌ للرواية صحيحة السند الّتي تشير إلى قتل الحسنيّ في مكّة، ومخالفٌ للروايات التي تشير إلى أنّ تسليم الراية للمهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) يكون في الطريق إلى العراق، وفي الحجاز.
«عن يعقوب السرّاج، قال: قلت لأبي عبدالله : متى فرج شيعتكم؟ قال : فقال: إذا اختلف ولد العبّاس، ووهى سلطانهم، وطمع فيهم من لم يكن يطمع فيهم، وخلعت العرب أعنتها ورفع كلّ ذي صيصيةٍ صيصيته، وظهر الشاميّ وأقبل اليمانيّ وتحرّك الحسنيّ، وخرج صاحب هذا الأمر من المدينة إلى مكّة بتراث رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فقلت : ما تراث رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ؟ قال : سيف رسول
الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ودرعه وعمامته وبرده وقضيبه ورايته ولامته وسرجه، حتّى ينزل مكّة
فيخرج السيف من غمده، ويلبس الدرع وينشر الراية والبردة والعمامة، ويتناول القضيب بيده، ويستأذن الله في ظهوره، فيطّلع على ذلك بعض مواليه، فيأتي الحسنيّ فيخبره الخبر فيبتدر الحسنيّ إلى الخروج، فيثب عليه أهل مكّة فيقتلونه، ويبعثون برأسه إلى الشاميّ، فيظهر عند ذلك صاحب هذا الأمر فيبايعه الناس ويتبعونه ويبعث الشاميّ عند ذلك جيشًا إلى المدينة فيهلكهم الله عزّو جلّ دونها، ويهرب يومئذٍ من كان بالمدينة من ولد عليٍّ (علیه السّلام) إلى مكّة فيلحقون بصاحب هذا الأمر، ويقبل صاحب هذا الأمر نحو العراق
ويبعث جيشًا إلى المدينة فيأمن أهلها ويرجعون إليها» (1).
إنّ المجلسيّ يعبّر عن الرواية بالصحيحة (2)، والظاهر أنّ الرواية ليس فيها إشكالٌ بالنسبة إلى السند (3)، وإنّ الكلام في دلالة الرواية فنتعرّض للإشكالات الدلاليّة.
على فرض على أنّ الحسنيّ إنسانُ إيجابيٌّ، فإنّ دلالة هذه الرواية لا تخدم مصلحة المدّعي، فالمدّعي يقول إنّ الحسنيّ يهيّئ الأجواء لظهور المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، ثمّ يبايع المهديّ، مع أنّ هذه الرواية تبيّن أنّه لا يلتقي به ولا يراه ولا يؤيّده ولا يبايعه، بل يُقتل في مكّة على أيدى أهل مكّة. وبعبارة أخرى مفاد هذه الرواية أنّ الحسنيّ لا يصل دوره وأمره إلى البيعة، ولا يدرك ظهور صاحب الأمر، ويتحرّك بمجرّد
إخبار بعض الموالي، وبمجرّد تحرّكه فإنّه يُقتل، وبعد ذلك يظهر المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) . إذن هذه الرواية لا تدلّ على وجود أيّ تكليفٍ للناس تجاه الحسنيّ.
هذا النصّ يتعارض مع النصوص الّتي مفادها أنّ الحسنيّ يحاور المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) بعد الظهور فيقول له : «أنا المهديّ ، أنا ابن الحسن»، والإمام يقول له: «أنا المهديّ»، فيطالبه الحسنيّ بالمعجزات والأدلّة، كما أنّه يتعارض مع الرواية الّتي أوردها الطوسيّ في (الغيبة) من أنّ الحسنيّ في الكوفة.
قال الحسين بن حمدان الخصيبيّ : «حدّثني محمّد بن إسماعيل وعليّ بن عبدالله الحسنيان، عن أبي شعيب محمّد بن نصير، عن ابن الفرات، عن محمّد بن المفضّل، عن المفضّل بن عمر، قال: سألت سيّدي أباعبدالله الصادق (علیه السّلام) ... ثمّ يخرج الحسنيّ الفتى الصبيح من نحو الديلم، يصيح بصوتٍ فصيح يا آل أحمد ،أجيبوا الملهوف والمنادي من حول الضريح، فتجيبه كنوز الله بالطالقان، كنوزا وأيّ كنوز! ليست من فضّةٍ ولا من ذهبٍ، بل هي رجالٌ كزبر الحديد، كأنّي أنظر إليهم على البراذين الشهب في أيديهم الحراب، يتعاوون شوقًا للحرب كما تتعاوى الذئاب، أميرهم رجلٌ من تميمٍ يقال له شعيب بن صالحٍ، فيقبل الحسنيّ إليهم وجهه كدارة البدر يريع الناس جمالًا أنيقا، فيعفي على أثر الظلمة، فيأخذ بسيفه الكبير والصغير والعظيم والرضيع ، ثمّ يسير بتلك الرايات كلّها حتّى يرد الكوفة، وقد صفا أكثر الأرض، فيجعلها معقلاً ، ويتّصل به وبأصحابه خبر المهديّ
فيقولون : يا بن رسول الله من هذا الّذي نزل بساحتنا؟ فيقول: اخرجوا بنا إليه حتّى ننظره من هو وما يريد. والله ويعلم أنّه المهديّ، وأنّه يعرفه، وأنّه لم يرد بذلك الأمر إلّا له، فيخرج الحسنيّ في أمرٍ عظيمٍ بين يديه أربعة آلاف رجلٍ، وفي أعناقهم المصاحف، وعلى ظهورهم المسوح الشعر، يقال لهم الزيديّة، فيقبل الحسنيّ حتّى ينزل بالقرب من المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، ثمّ يقول الرجل لأصحابه : اسألوا عن هذا الرجل من هو؟ وما يريد؟ فيخرج بعض أصحاب الحسنيّ إلى عسكر المهديّ (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، ويقول : يا أيّها العسكر الجميل، من أنتم حياكم الله؟ ومن صاحبكم هذا؟ وما تريدون؟ فيقول له أصحاب المهديّ: هذا وليّ الله مهديّ آل محمّدٍ: ونحن أنصاره من الملائكة والإنس والجنّ. فيقول أصحاب الحسنيّ: يا سيّدنا، ما تسمع ما يقول هؤلاء في صاحبهم؟ فيقول الحسنيّ: خلّوا بيني وبين القوم، فأنا هل أتيت على هذا حتّى أنظر وينظروا فيخرج الحسنيّ من عسكره ويخرج المهديّ، ويقفان بين العسكرين فيقول له الحسنيّ إن كنت مهديّ محمّدٍ، فأين هراوة جدّك رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وخاتمه وبردته ودرعه الفاضل وعمامته السحاب وفرسه البرقوع وناقته العضباء وبغلته الدلدل وحماره اليعفور ونجيبه البراق وتاجه السنيّ والمصحف الذي جمعه أميرالمؤمنين(علیه السّلام) بغير تبديل ولا تغييرٍ؟
قال المفضّل يا سيّدي فهذا كلّه في السفط؟ قال: يا مفضّل، وتركات جميع النبّيين، حتّى عصاة آدم، وآلة نوحٍ، وتركة هودٍ وصالحٍ، ومجمع إبراهيم، وصاع يوسف ومكائيل شعيبٍ وميراثه، وعصا موسى وتابوته
الّذي فيه بقيّةٌ ممّا ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة، ودرع داود وعصاته، وخاتم سليمان وتاجه، وإنجيل عيسى وميراث النبيّين والمرسلين: في ذلك السفط. فيقول الحسنيّ: هذا بعض ما قد رأيت، وأنا أسألك أن تغرس هراوة جدّك رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في هذا الحجر الصفا، وتسأل الله أن ينبتها فيها. وهو لا يريد بذلك إلّا أن يري أصحابه فضل المهديّ إليه التسليم حتّى يطيعوه ويبايعوه، فيأخذ المهديّ الهراوة بيده ويغرسها في الحجر فتنبت فيه وتعلو وتفرّع وتورق حتّى تظلّ عسكر المهديّ والحسنيّ، فيقول الحسنيّ: الله أكبر، مدّ يدك يا بن رسول الله حتّى أبايعك. فيمدّ يده فيبايعه ويبايعه سائر عسكر الحسنيّ إلّا الأربعة آلافٍ (1)أصحاب المصاحف والمسوح الشعر المعروفين بالزيديّة، فيقولون ما هذا إلّا سحرٌ عظيمٌ، فتختلط العسكران، ويقبل المهديّ على الطائفة المنحرفة فيعظهم ويدعوهم ثلاثة أيامٍ، فلم
يزدادوا إلّا طغيانًا وكفرًا، فيأمر بقتلهم. كأنّي أنظر إليهم وقد ذبحوا على مصاحفهم، وتمرّغوا بدمائهم، فيقبل بعض أصحاب المهديّ لأخذ تلك المصاحف، فيقول لهم المهديّ : دعوها تكن عليهم حسرةً كما بدّلوها و غيّروها، ولم يعملوا بما فيها»(2).
قد أوردنا بعض هذه الرواية سابقًا، وناقشناها سندًا بما أنّها مرويّةً عن الحسين بن حمدان الخصيبيّ الجنبلائيّ، وهو رجلٌ كذّابٌ، فاسد المذهب، ورواياته ضعيفةٌ ومتروكةٌ (1)، وفي سندها أيضًا محمّد بن نصيرٍ النميريّ الّذي لعنه الإمام الهادي (علیه السّلام) (2)، وكذلك عمر بن فراتٍ وهو مختلفٌ فيه(3)، فلا نعيد النقاش فيهما، فليراجع الفصل الثامن من المجلّد الأوّل من هذا الكتاب.
قال المجلسيّ نقلًا عن (تاريخ قمٍّ) للحسن بن محمّد بن الحسن القمّيّ: «في خطبة الملاحم لأميرالمؤمنين (علیه السّلام) الّتي خطب بها بعد وقعة الجمل بالبصرة قال: يخرج الحسنيّ صاحب طبرستان مع جمٍّ كثيرٍ من خيله ورجله، حتّى يأتي نيسابور فيفتحها، ويقسّم أبوابها، ثم يأتي أصبهان، ثمّ إلى قمٍّ فيقع بينه وبين
1) رجال النجاشي: ص 67 ، ترجمة الحسين بن حمدان، رقم 159 ،تنقيح المقال : ج 22، ص 29، ترجمة الحسين بن حمدان، رقم 6060 ؛ قاموس الرجال : ج 3، ص 441، ترجمة الحسين بن حمدان، رقم 2142 ؛ وانظر: خلاصة الأقول : ص 339 القسم الثاني، الفصل السادس، ترجمة الحسين بن حمدان، رقم 1341.
2) اختيار معرفة الرجال : ص 520 و 521 ، الجزء السادس ، ح 1000؛ تنقيح المقال (الطبعة الحجريّة): ج 3، ص 195 ، ترجمة محمّد بن نصير النميريّ، رقم 11450.
3) معجم رجال الحديث : ج 13، ص 50 ، ترجمة عمر بن فراتٍ، رقم 8779؛ قاموس الرجال: ج 8 ،ص 219 ،ترجمة عمر بن فراتٍ، رقم 5634 .
أهل قم وقعةً عظيمةٌ يقتل فيها خلقٌ كثيرٌ ، فينهزم أهل قمٍّ، فينهب الحسنيّ أموالهم، ويسبي ذراريهم ونساءهم، ويخرب دورهم، فيفزع أهل قمٍّ إلى جبلٍ يقال لها وراردهار، فيقيم الحسنيّ ببلدهم أربعين يومًا، ويقتل منهم عشرين رجلًا، ويصلب منهم رجلين، ثمّ يرحل عنهم»(1).
أوّلًا: الرواية مرسلةً.
ثانيًا: مفاد الرواية أنّ الحسنيّ، يكون من الظلمة والسفاكين لا من الأخيار والموالين، لكنّها تتعارض مع كثيرٍ من الروايات التي مفادها أنّ قمَّ المقدّسة في آخر الزمان بلد أمنٍ، ولا يقصده جبّارٌ بسوءٍ إلّا قصمه قاصم الجبارين(2).
«عن عثمان بن عيسى، عن بكر بن محمّدٍ الأزديّ، عن سدير، قال: قال أبو عبدالله : يا سدير، الزم بيتك وكن حلسًا من أحلاسه، واسكن ما سكن الليل والنهار، فإذا بلغ أنّ السفيانيّ قد خرج فارحل إلينا ولو على رجلك.
قلت: جعلت فداك، هل قبل ذلك شيءٌ؟ قال: نعم، وأشار بيده بثلاث
أصابعه إلى الشام، وقال: ثلاث راياتٍ رايه حسنيّةً، ورايةٌ أمويةٌ، ورايةٌ قيسيّةٌ، فبينما هم على ذلك إذ قد خرج السفيانيّ فيحصدهم حصد الزرع ما رأيت مثله قطّ» (1).
أورد الكلينيّ هذه الرواية بالسند نفسه، لكن إلى قوله: «ولو على رجلك»(2).
وإنّ الوحيد الذي أورد تتمّة هذه الرواية هو السيّد عليّ بن عبد الكريم النيليّ النجفيّ الّذي كان حيًّا سنة 803 ه-، ولم يصل إلينا السند حتّى ننظر فيه ونقيّمه، كما لا تدلّ على مدحٍ للحسنيّ فضلًا عن لزوم تبعيّته والبيعة له.
وهي ممّا ذكره ابن مسكويه صاحب (التاريخ بحوادث الإسلام) في كتاب سمّاه (نديم الفريد)، ويقول فيه حيث ذكر كتابًا كتبه بنو هاشمٍ، يسألون المأمون أن يبايع لولده العبّاس بولاية العهد، ويعاتبونه على مبايعته لعليّ بن موسى الرضا، فكتب المأمون في جوابهم كتابًا طويلًا، وهذا بعضٌ من جوابه قال فيه: «فإذا أبيتم إلَّا كشف الغطاء وقشر العظاء، فالرشيد أخبرني عن آبائه وعمّا وجد في كتاب الدولة وغيرها، أنّ السابع من ولد العبّاس لا تقوم
1) سرور أهل الإيمان: ص 42 ، علامات ظهور القائم؛ بحار الأنوار: ج 52، ص 271، تاريخ الإمام الثاني عشر الباب 25: علامات ظهوره من السفيانيّ والدجّال، ذيل ح 161.
2) الكافي: ج 8، ص 264 و 265 ، ح 383 ؛ وقال المجلسيّ: «حسنٌ أو موثقٌ» [مرآة العقول: 383؛ ج 26، ص 259 ، ذيل ح 383] وأمّا تتمّة الحديث فلا نضمن صحّتها.
لبني العبّاس بعده قائمةٌ ولا تزال النعمة متعلّقةً عليهم بحياته، فإذا أودعت فودعها، فإذا أودع فودّعاها، وإذا فقدتم شخصي فاطلبوا لأنفسكم معقلا وهيهات، وما لكم إلّا السيف يأتيكم الحسنيّ الثائر البائر، فيحصدكم حصدًا، والسفيانيّ المرغم والقائم المهديّ لا يحقن دماءكم إلّا بحقّها»(1).
إنّ هذه ليست روايةً، بل كلامٌ للمأمون يسنده إلى أبيه، وأما ذكره بعنوان الرواية، وإن ير البعض أنّ المأمون كان يأخذ أمثال هذه الروايات الّتي فيها الملاحم من الإمام الرضا (علیه السّلام)، لكنّ هذا من باب الظنّ والتخرّص، أضف إلى ذلك أنّه لا دلالة فيها على لزوم تبعيّة الحسنيّ، أو أنّه شخصيّةٌ إيجابيّةٌ ويلزم بيعته.
«قد جاءت الأخبار بذكر علاماتٍ لزمان قيام القائم المهديّ، وحوادث تكون أمام قيامهّ وآيات ودلالاتٍّ فمنها خروج السفيانيّ وقتل الحسنيّ واختلاف بني العبّاس في الملك الدنياويّ، وكسوف الشمس في النصف من شهر رمضان، وخسوف القمر في آخره على خلاف العادات، وخسفٌ بالبيداء وخسفٌ بالمغرب وخسفٌ بالمشرق، وركود الشمس من عند الزوال إلى وسط أوقات العصر ، وطلوعها من المغرب، وقتل نفسٍ زكيّةٍ بظهر الكوفة في سبعين
1) الطرائف : ج 1، ص 394 - 398 ، كلام المأمون بفضل عليٍّ.
من الصالحين، وذبح رجلٍ هاشميٍّ بين الركن والمقام، وهدم سور الكوفة، وإقبال راياتٍ سودٍ من قبل خراسان، وخروج اليمانيّ وظهور المغربيّ بمصر، وتملّكه للشامات، ونزول الترك الجزيرة، ونزول الروم الرملة»(1).
فهذا إشارةٌ إلى الروايات الّتي ذكرناها، وقد عرفت الكلام فيها، وإنّ الحسنيّ من العلامات فقط، ولا دلالة فيها على أكثر من ذلك.
هذا غاية ما ورد في كتبنا حول الحسنيّ، وهي إمّا رواياتٌ مجهولة السند ، أو ضعيفةٌ ، أو مبتليةٌ بالمعارض، ثمّ على فرض أنّ هذه الروايات تفيد الاستفاضة - ورأيي القاصر أنّها آحادٌ وعرفنا المبنى في الاستفاضة- وأنّها تغني عن البحث السنديّ، فغاية الدلالة فيها هي وجود الحسنيّ لا أكثر ، كغيره من الشخصيّات المذكورة في هذا المجال، مثل السفيانيّ ومن الّذين يتواجدون في الساحة كالدجّال وهكذا (2)، فمن أين جاء القول بقداسة الحسنيّ ولزوم بيعته وتبعيّته؟!
1) الإرشاد : ج 2، ص 368 ، باب ذكر علامات قيام القائم.
2) وأسماؤهم قبل ظهور المهديّ أو أيّام ظهوره أكثر من ثلاثين شخصيّةً: مع قطع النظر عن اعتبار رواياتها مثل: اليمانيّ، النفس الزكيّة، الأعور الدجال، الخراسانيّ، شعيب بن صالح، الشيخ الكرديّ، الحائك الطويل، الشيصبانيّ، عاصي السلميّ، حسن الديلميّ، غدير القمّيّ، زندیق قزوين، الأشعر السيّد العلويّ، العبد الأوّل العبد الثاني، صاحب السفيانيّ، حاكم الحجاز، السيّد محمّد عبدالله بن سعيدٍ، المروانيّ، الملك الثلاثة، العمانيّ، حاكم الشام، المصريّ، كاسر عينه بصنعاء جهجاه، عبدالله بن الأحمر ، الرجل الأعرج، الحاكم الهاشميّ والكبش والخروف والثائر والكافر والسيّد الأكبر ، الرجل، سعيدٍ السوسيّ، الجرهميّ، قمر بن عابدٍ، خليفة العراق، الرجل الأعور، رجل من كلبٍ. إذن ما علينا إلّا أن نضيف إلى هذه القائمة اسمًا جديدًا فلا حاجة لهذه الضوضاء.
يرصد المتابع للتراث المرويّ والمدوّن لدى أبناء المذاهب الأخرى وجود أكثر من 1500 رواية تختصّ بالشأن المهدويّ، وهي موزّعةٌ في شتّى كتب العامّة، وسنحاول هنا تسليط الأضواء على نماذج منها لنرسم بذلك منهجًا بحثيًا يمكن أن يعتمده القارئ في رصد سائر الأحاديث الأخرى ومعالجتها، حيث يعتمد منهجنا التحقيقيّ على رصد المصادر الّتي تناولت تلك الأحاديث، ثمّ الخوض في سلسلة سند تلك المرويات.
والجدير بالذكر أنّ مصادرنا الروائيّة لامست قضيّة الدجّال ملامسةً طفيفةً، وتعرّضت لها في دائرةٍ محدودةٍ، على العكس من المصادر السنّيّة الّتي تعجّ بتلك الأحاديث، ومنها حديث الجسّاسة الّذي وصفت فيه بأنّها نمّامةُ تتجسّس للدجال الذي جاء فيه أنها الجسّاسة المذكورة في حديث الدجّال(1).
يعدّ حديث الجسّاسة من الأحاديث المفصّلة، وقد جاء في مستهلّه «قدم على رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) تميمٌ الداريّ فأخبر رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ....».
1) صحیح مسلمٍ : ج 4، ص 337.
والملاحظ أنّ أقدم مصدر تعرّض لهذا الحديث هو كتاب (المصنّف) لابن أبي شيبة المتوفّى سنة 235 ه-، وتبعه كلٌّ من مسند أحمد بن حنبلٍ المتوفّى سنة 240 ه-، ومسلم بن الحجاج المتوفّى سنة 256 ه- في صحيحه، وعنهم أخذ سائر الكتاب والباحثين (1).
والّذي يثير التعجب أنّ الحديث المذكور ينسب إلى النبيّ الأكرم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )،وأنه استند إلى حديث تميمٍ هذا وقال في آخره مخاطبًا الناس: ألا هل كنت حدثتكم ذلك؟ فقال الناس : نعم. ثمّ قال (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : فإنّه أعجبني حديث تميمٍ أنّه وافق الّذي كنت أحدّثكم عنه!
وقد علّق العلّامة التستريّ قال في معرض حديثه عن ترجمة تميمٍ قائلًا : «ومن المضحك أنّ العامّة قالوا : إنّ النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) روى عن هذا، لكونه من أهل الكتاب قصة الدجّال والجسّاسة» (2).
وأمّا بالنسبة إلى سند الحديث فيمكن القول إنّه من متفردات عامرٍ الشعبيّ عن فاطمة بنت قيسٍ، ولم يروه صحابيٌّ آخر غير فاطمة بنت قيس هذه.
ترجم لها الذهبيّ قائلًا: «وفي بيتها اجتمع أصحاب الشورى لمّا قتل عمر بن الخطّاب»(3). وقال المامقانيّ: «هي من المهاجرات الأوّل، لها عقلٌ وكمالٌ،
ولم أقف فيها على ما يدرجها في الحسان، وقد روت العامّة: أنّه لمّا قتل عمر، اجتمع أصحاب الشورى في بيتها، وكفى بذلك وَهْنًا لها»(1).
وجاء في ترجمة الخطيب البغداديّ لها : «طلّقها زوجها (2)ولم يجعل لها سكناً ولا نفقةً، فجاءت رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فذكرت ذلك له فقال لها: "ليس لك عليه نفقةً". وأمرها أن تعتدّ في بيت ابن أمّ مكتومٍ فإنّه رجلٌ أعمى، ولمّا كان في عهد عمر بن الخطّاب قال: لا نترك كتاب الله وسنّة نبيّنا (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) لقول امرأةٍ لا ندري لعلّها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة»(3). وقد علّق المحقّق التستريّ على موقف عمر هذا بقوله: «ولكنّ الرجل لم يفهم الكتاب وردّ السنّة ، والمرأة كانت أفقه من فاروقهم ومن أمّ مؤمنيهم»(4).
ووصفها ابن عبد البرّ بقوله : «لها عقلٌ وكمالٌ، وهي الّتي طلّقها أبو حفصٍ بن المغيرة، فخطبها معاوية وأبو جهمٍ بن حذيفة، فاستشارت رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فيهما ، فأشار النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بأن تتزوّج من أسامة بن زيدٍ فتزوّجته».
ولكن بالرغم من تلك الشواهد، ونظرًا لقواعد الرجال المعتمدة لدى علماء الشيعة؛ لا تخرج هذه المرأة عن كونها مجهولة الحال، فضلًا عن عدم اعتبار كلٍّ من ابن أبي شيبة وأحمد - اللذين رويا الحديث - عندنا.
تعرّض الذهبيّ في كتابه لترجمة الرجل مفصلًا مثنيًا عليه وواصفًا إيّاه بجميل الأوصاف، وأنّه "الإمام، علّامة العصر، ولد سنة 21 وقيل 28 وتوفّي سنة 96 ه» (1).
يحظى الشعبيّ بمكانةٍ مرموقةٍ وسط أعلام المدارس السنّيّة رغم انحرافه عن أميرالمؤمنين (علیه السّلام) حتّى أنّه ينقل عن علقمة أنّه قال: «أفرط أناسٌ في حبّ عليٍّ(علیه السّلام) كما أفرطت النصارى في حبّ المسيح»(2).
وفي المقابل تراه يعتبر حبّ الشيخين من السنّة مصرّحًا بأنّ: «حبّ أبي بكرٍ وعمر ومعرفة فضلهما من السنّة» (3).
وبلغ من كذبه أنّه قال: «لم يشهد الجمل من الصحابة إلّا أربعة»! وقد أجمع أهل السير أنّه شهد البصرة مع عليٍّ (علیه السّلام) أكثر من ألفين وتسعمئةٍ من الصحابة، منهم ثمانمئةٍ من أهل بيعة الرضوان، واستشهد منهم ثلاثةُ وستّون صحابيًّا والمئات من سائر الصحابة، وهذا ما أشار إليه المسعوديّ وغيره، وبلغ من عدائه وكذبه أنّه كان يحلف بالله لقد دخل عليّ بن أبي طالبٍ اللحد وما حفظ القرآن (4).
وقال السيّد المرتضى مؤشّرًا إلى مدى عداء الرجل لأميرالمؤمنين (علیه السّلام) ، قائلًا: «كان الشعبيّ يقول : "لم يشهد الجمل من الصحابة إلّا أربعةً، فإن جاءوا بخامس فأنا كذّاب"» (1). وهذا ليس بمستغربٍ من شخصٍ كالشعبيّ أدمن القمار وعاقر الخمر ، و«كان سكّيرًا خمّيرًا مُقامِرًا عيّارًا» (2).
ولا ينحصر ذلك بمواقف أعلام الطائفة منه، بل ممّا يدلّ على تدنّي قيمة الرجل موقف أبي حنيفة من مرويّاته حيث يقول: أتيت الشعبيّ أسأله عن مسألةٍ، فإذا بين يديه شطرنجٌ ونبيذُ ، وهو متوشّحٌ بملحفةٍ مصبوغةٍ بعصفرٍ فسألته عن مسألةٍ... إلى أن قال: وذهبت إلى كتبٍ لي كنت سمعتها منه؛ فخرقتها، ثمّ صار مصيري هذا أن أسمع عن رجل عنه(3).
ووصفه السيّد الخوئي (رحمه الله) بقوله : «هو الخبيث الفاجر المعلن بعدائه الأمير المؤمنين» (4).
قال ابن الأثير في ترجمته: «أوّل من قصّ، استأذن عمر في ذلك فأذن له، فقص قائمًا» (5).
وعن حميد بن عبد الرحمن أنّ تميمًا استأذن عمر في القصص سنين فأذن له (1). وقال السيّد العسكريّ (رحمه الله) : «وقد خصّص الخليفة له ساعةً في كلّ أسبوعين تحدّث فيها قبل صلاة الجمعة بمسجد الرسول، وجعلها عثمان على عهده ساعتين في يومين» (2). أما أميرالمؤمنين (علیه السّلام) فقد أخرجه من المسجد، روى صاحب (الوسائل) أنّ أميرالمؤمنين (علیه السّلام) رَأَى قَاصًا في المسجدِ فضربهُ وطردَهُ (3).
هكذا نرى الخلفاء يأذنون لمثل تميمٍ بالتصدّي لسرد قصصه في الوقت الَّذي يُضَيّقون فيه الخناق على شخصٍ كأبي ذرٍّ الغفاريّ (رضی الله عنه) الّذي أبعد عن مدينة الرسول في زمن عمر ، لا لشيءٍ إلّا لأنّه يروي حديث رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )، ويرحل قسرًا ليعيش خارج المدينة اثنتي عشرة سنة سنةً (4).
واسم الداريّ هو : أبو رقيّة تميم بن أوسٍ الداريّ الفلسطينيّ. كان نصرانيًّا وكان إسلامه في سنة تسعٍ من الهجرة، وقد حاول البعض تبرأته من تهمة سرقة جامٍ من فضّةٍ، يقول العسقلانيّ: «جزم الذهبيّ في (التجريد) بأنّ صاحب الجام الّذي نزل فيه وفي صاحبه: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ
أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ» (الآية) غير تميمٍ الداريّ، وعزاه لمقاتل بن حيّان، وليس بجيدٍ؛ لأنّ في الترمذيّ وغيره عن ابن عبّاس في قصّة الجام أنّه تميمٌ الداريّ»(1).
وروي أنّ أبا رقيّة تميماً الداريّ كان نصرانيًّا من علماء أهل الكتاب، وعابد فلسطين، قدم المدينة قبل تبوك، أظهر الإسلام بعد سرقةٍ ثبتت عليه، ليدفع بإسلامه ما أدين به»(2).
وكان عمر بن الخطّاب يعظّمه ويقول فيه: «خير أهل المدينة»، وألحقه بأهل بدرٍ في العطاء، ولمّا سنّ قيام شهر رمضان (صلاة التراويح) في العام الرابع عشر أمره وأُبَيًّا أن يصلّيا بالناس، وبعد قتل عثمان انتقل إلى الشام وعاش في كنف معاوية.
وكان ابن خلدون وابن كثيرٍ والشهرستانيّ مرتابين في أمر تميمٍ ومن على شاكلته، ويرون أنّ هؤلاء النفر قد أفسدوا التاريخ والتفسير والثقافة الإسلاميّة، وأنّ الإسرائيليّات دخلت التفسير الإسلاميّ عن طريق هؤلاء.
ولمّا انتهى بنا المطاف في دراسة سند حديث الجسّاسة إلى تميمٍ الداريّ نرى من الضروريّ هنا التعرّض لموضوعين :
1- التعرّف على شخصيّة تميمٍ.
2- دوره في الهجمة الفكريّة والثقافيّة الّتي قادها اليهود والنصارى تحت مظّلة التستّر بالدين.
وقد اعترف أعلام أهل السنّة بخطورة تلك الهجمة، ومدى تسرّب الإسرائيليّات إلى التراث الإسلاميّ.
وكان من أعلام الشيعة الّذين ترجموا لتميمٍ الداريّ كلُّ من المامقانيّ والتستريّ، قال المامقانيّ: «مذهب العامّة على الكذب والجعل والافتراء، وهو المذهب الّذي روّج له معاوية الّذي ما انفكّ يعاقر الخمر كما في رواية ابن بريدة(1)حتّى أخريات حياته، وكان يلبس الحرير ويسمع الغناء».
وقال في موضع آخر لم أعثر على شيءٍ عن تميمٍ سوى ما ذكره الشيخ الطوسيّ من أنّه من أصحاب النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )، وأنّه نزل الشام بعد مقتل عثمان(2).
وروى ابن الأثير عن ابن عمر أنّه قال: «كان نصرانيًّا، فأسلم سنة تسعٍ للهجرة، وكان كثير التهجّد و...» (3).
وقال المامقانيّ: «قلت: لا يبعد احتسابه من الحسان»(4).
وخلص صاحب (قاموس الرجال) العلّامة التستريّ إلى القول بأنّ: نزوله الشام بعد عثمان وعدم عدّه في أصحاب عليٍّ (علیه السّلام) دل انحرافه عنه (علیه السّلام) . والخوارج أيضًا كانوا متهجّدين! هذا ومن المضحك أنّ العامّة قالوا: إنّ النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) روى عن هذا - لكونه من أهل الكتاب - قصة الدجّال والجسّاسة (الدابّة التي تجسّس الأخبار للدجّال) (1).
وقال ابن المامقانيّ: «إنّ دراسة كلّ ما قيل وذكر عن المترجم من هجرته إلى فلسطين بعد قتل عثمان، وعدم عدّه أصحاب أميرالمؤمنين (علیه السّلام) ، ونكتٍ أخرى في ترجمته يكشف عن عامّيّته وانحرافه عن أميرالمؤمنين (علیه السّلام) ، فهو عندي ضعيفٌ. أمّا حديث تهجّده وقيامه بالليل فمع فقد الإيمان لا اعتداد بتلك العبادة، فكم ممّن حارب أميرالمؤمنين (علیه السّلام) كانوا من المتهجّدين وأصحاب الجباه السود، كأصحاب النهروان، فالرواية من جهته ساقطةٌ عن الاعتبار.
وروى العلّامة المجلسيّ أنّ تميماً الداريّ قال: «أدركني الليل في بعض طرقات الشام، فلمّا أخذت مضجعي قلت: أنا الليلة في جوار هذا الوادي، فإذا منادٍ يقول: عُذ بالله فإنّ الجنّ لا تجير أحدًا على الله، قد بُعث نبيّ الأميّين رسول الله، وقد صلّينا خلفه بالحجون وذهب كيد الشياطين ورميت بالشهب، فانطلق إلى محمّد رسول ربّ العالمين» (2).
والحديث على فرض التسليم بصحّته لا يكشف عن إيمان الرجل، فقد ورد في الحديث أنّه لمّا سرق قال له النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : « أسلم فإنّ الإسلام يجبّ ما قبله».
فما نراه أنّ تميمًا الداريّ فاقد الاعتبار عندنا، وإن ذهبت العامّة الى إضفاء الاعتبار على الرجل والاهتمام به كثيرًا؛ لكونه صحابيًّا من جهةٍ ولموقفه المؤيّد للخليفة الثاني. ومن الواضح أنّ اعتناق هذا الصنف علماء
من اليهود والنصارى الإسلام كان السبب وراء اختراق الساحة الإسلاميّة ومهاجمة الثقافة الإسلاميّة وتوجيه ضربات قاسيةٍ لثقافتنا الدينيّة.
وقال الشهرستانيّ : «وضع كثيرٌ من اليهود الّذين اعتنقوا الإسلام أحاديث متعدّدةً في مسائل التجسيم والتشبيه ، وهي كلّها مستمدّةٌ من التوراة»(1). ومن هنا نعرف أنّ التجسيم والتشبيه عند الوهّابيّة مستمدٌّ من اليهوديّة.
وفي معرض حديث ابن خلدون عن التفسير النقليّ، قال: «... وقد جمع المتقدّمون في ذلك - يعني التفسير النقليّ - وأوعوا، إلّا أنّ كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغثّ والسمين والمقبول والمردود. والسبب في ذلك أنّ العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علمٍ. وإنّما غلبت عليهم البداوة والأميّة، وإذا تشوّقوا إلى معرفةٍ ممّا تتشوق إليه النفوس البشريّة... يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدونه منهم وهم أهل التوراة من اليهود ومَن تبع دينهم من
1) الملل والنحل : ج 2، ص 117.
النصارى. وأهل التوراة الّذين بين العرب يومئذٍ باديةٌ مثلهم، ولا يعرفون من ذلك إلّا ما تعرفه العامّة من أهل الكتاب، ومعظمهم من "حِمْيَر" الّذين أخذوا بدين اليهوديّة،... مثل : كعب الأحبار، ووهب بن منبّهٍ، وعبدالله بن سلامٍ، وأمثالهم، فامتلأت التفاسير من المنقولات عنهم... وتساهل المفسِّرون في مثل ذلك، وملأوا الكتب بهذه المنقولات وأصلها - كما قلنا - عن أهل التوراة الّذين يسكنون البادية، ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك، إلّا أنّهم بَعُد صيتهم، وعظمت أقدارهم؛ لما كانوا عليه من المقامات في الدين والمِلَّة، فتلقيت بالقبول من يوميذٍ ...»(1).
والعجيب أنّ هذا النمط من الباحثين يتّهم التفاسير الشيعيّة بالضعف، في الوقت الذي يعترف هو بانتشار الإسرائيليّات في تراثه التفسيريّ ! يقول ابن كثيرٍ في تفسيره لسورة النمل: «والأقرب في مثل هذه السياقات أنّها متلقّاةٌ عن أهل الكتاب ممّا وجد في صحفهم كروايات كعبٍ ووهبٍ - سامحهما الله تعالى - فيما نقلاه إلى هذه الأمّة من أخبار
1) المقدّمة (لابن خلدون) ص 439. والجدير بالذكر أنّ هذا الرجل مردودٌ ومتّهمٌ بالنصب لدى الشيعة، قال المرحوم الوالد في هامش كتابه القيّم (الشيعة والرجعة) : ج 1، ص 98: «فإنّ له - ابن خلدون - مع آل محمّدٍ مواقف كثيرةً قال في مقدّمته المطبوعة ببيروت، ص 246 ما لفظه: وشدّ أهل البيت بمذاهب ابتدعوها وفقهٍ انفردوا به... وشدّ بمثلهم الخوارج ولم يحتفل الجمهور بمذاهبهم، بل أوسعوها جانبًا من الإنكار والقدح"! وقال: إنّه - ابن خلدون- وأمثاله على الهدى والسنّة وإنّ أهل البيت وشيعتهم أهل ضلالٍ وبدعةٍ! وقد احتجّ عليه شرف الدين بآياتٍ من الذكر الحكيم وأحاديث واردةٍ عن الرسول الأمين».
بني إسرائيل، من الأوابد والغرائب والعجائب ممّا كان وما لم يكن، وممّا حرّف وبدّل ونسخ، وقد أغنانا الله - سبحانه - عن ذلك بما هو أصحّ منه وأنفع وأوضح وأبلغ ، والله الحمد والمنّة »(1).
إلى هنا تمّ الكلام عن سند الحديث ورجاله كتميمٍ الداريّ راوي حديث الدجّال، ولنشرع بالحديث عن أصل الحديث ومتنه.
لم يحظ حديث الدجّال في مصادرنا بكثيرٍ من الاهتمام، وإنّما روي مجملًا على العكس من مصادر العامّة الّتي فصّلت الكلام في حديث الدجّال ، ولعلّ من أكثر المصادر الإماميّة تفصيلًا للخبر كتاب (كمال الدين) للشيخ الصدوق الذي خصّص لجميع ما روي عن الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، وأجاب عن إشكاليّة طول عمره الشريف، وقد روي الحديث عن النزل بن سَبُرة الّذي يعدّ من الرجال الموثّقين لدى أعلام المدرسة السنّيّة، إلّا أنّ كتبنا الرجاليّة لم تتعرّض له، فهو مهملٌ عندنا، غير أنّ الشيخ الصدوق روى عنه في كتاب (الأمالي) - باب فضل العلم - روايةً واحدةً، وروى عنه في (كمال الدين) الرواية المذكورة(2)بسندٍ مهمل أيضًا، في الوقت الّذي ذهب فيه العامّة إلى
إطراء الرجل والقول بوثاقته، وإن تردّد البعض في كونه صحابيًّا حيث قال: «النزال بن سَبُرة مختلفٌ في صحبته»(1).
وجاء في حديث النزال هذا: «قال: خطبنا علي بن أبي طالب(علیه السّلام) فقام صعصعة بن صوحان فقال: يا أميرالمؤمنين، متى يخرج من الدجّال؟ فقال (علیه السّلام) : اقعد فقد سمع الله كلامك وعلم ما أردت، والله ما المسؤول عنه بأعلم من السائل، ولكن لذلك علاماتٌ وهيئاتٌ يتبع بعضها بعضًا كحَذو النَّعل بالنَّعل، وإن شئت أنبأتك بها؟ قال: نعم يا أميرالمؤمنين. فقال (علیه السّلام): احفظ فإنّ علامة ذلك : إذا أمات الناس الصلاة وأضاعوا الأمانة واستحلّوا الكذب وأكلوا الربا وأخذوا الرشا وشيّدوا البنيان وباعوا الدين بالدنيا واستعملوا السفهاء وشاوروا النساء ... فقام إليه الأصبغ بن نباتة فقال: يا أميرالمؤمنين،من الدجّال؟ فقال: ألا إنّ الدجّال صائد ابن الصيد، فالشقيّ من صدّقه والسعيد من كذّبه، يخرج من بلدةٍ يقال لها أصفهان من قريةٍ تعرف باليهوديّة، عينه اليمنى ممسوحةٌ والعين الأخرى في جبهته تضيء كأنّها كوكب الصبح فيها علقةٌ كأنّها ممزوجة بالدم، بين عينيه مكتوبٌ كافرٌ، يقرؤه كلّ كاتبٍ وأميٍّ، يخوض البحار وتسير معه الشمس، بين يديه جبلٌ من دخانٍ،
وخلفه جبل أبيض يري الناس أنّه طعامٌ يخرج حين يخرج في قحطٍ شديدٍ تحته حمارٌ أقمر، خطوة حماره ميلٌ تطوى له الأرض منهلًا منهلًا، لا يمرّ بماءٍ إِلّا غار إلى يوم القيامة، ينادي بأعلى صوته يسمع ما بين الخافقين من الجنّ
1) تهذيب الكمال : ج 19 ، ص 54.
والإنس والشياطين يقول : إليّ ،أوليائي، أنا الّذي خلق فسوّى، وقدّر فهدى، أنا ربّكم الأعلى. وكذب عدوّ الله ! إنّه أعور يطعم الطعام ويمشي في الأسواق، وإنّ ربّكم عزّو جلّ ليس بأعور ولا يطعم ولا يمشي ولا يزول تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا ، ألا وإنّ أكثر أتباعه يومئذٍ أولاد الزنا وأصحاب الطيالسة الخضر، يقتله الله عزّو جلّ بالشام على عقبة تعرف بعقبة أفيق لثلاث ساعات مضت من يوم الجمعة على يد من يصلّي المسيح عيسى ابن مريم(علیه السّلام) خلفه»(1).
وما جاء في ذيل هذا المقطع من أنّ الدجّال يُقتل في الشام على يد الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) يتنافى مع رواية المُعلّى بين خُنَيسٍ عن الإمام الصادق (علیه السّلام) الّتي ورد فيها أنّه إذا قام قَائِمُنَا أَهل البيتِ يُظْفِرُهُ الله - تعالى - بالدجّال فَيَصْلِبُهُ على كُنَاسَةِ الكوفَة (2).
والأصبح بن نباتة كان من خاصّة أميرالمؤمنين (علیه السّلام)، وعَمّر بعده، وروى عهد مالك الأشتر الّذي عهده إليه أميرالمؤمنين (علیه السّلام) لمّا ولّاه مصر، وهو من أجلاء أصحاب الأمير (علیه السّلام) وثقاته، وكان شيخًا ناسكا عابدًا من ذخائر عليٍّ (علیه السّلام) وممّن بايعه على الموت، وكان عليٌّ (علیه السّلام) يضنّ به على الحرب والقتال، روى حادثة عاشوراء سنة 61 ه- ، وكان حينها مسجودنَّا (3).
روي الحديث في (كمال الدين) للشيخ الصدوق المتوفّى 381 ه، و(الخرائج والجرائح) للراونديّ المجلّد الثالث ص 1133 بسند الصدوق؛ وجاء أيضًا في كتاب (مختصر بصائر الدرجات) ص 30 بسند الصدوق نفسه؛ و(منتخب الأنوار المضيئة) ، ص 164؛ (وإثبات الهداة) ، ج 3، ص 523 للحرّ العامليّ المتوفّى سنة 1104 ه- ، نقلًا عن (مختصر بصائر الدرجات). ومن المصادر الّتي نقلت الحديث (الإيقاظ من الهجعة)، ص 322 للحرّ العامليّ ؛ و(بحار الأنوار) المجلّد الأوّل ص781 نقلًا عن (كمال الدين)، وفي المجلّد الرابع ص 98، والمجلّد الخامس ص 506 ؛ وروي في (مكيال المكارم) للسيّد الأصفهانيّ المجلّد الأوّل ؛ ومستدركات المحدّث النوريّ : ج 12، ص326 نقلًا عن (مختصر البصائر)؛ ونقله صاحب (بشارة الإسلام) ص 41؛ وكذلك كتاب (منتخب الأثر)، ص ص427، والجدير بالذكر أنّ الحديث نقل تامًا في كلَّ من كتاب (كمال الدين) و (بحار الأنوار).
أمّا الكتب السنّيّة الّتي نقلت الحديث فهي: (الملاحم) لابن المنادي البغداديّ المتوفّى 336 ه-، وبالرغم من أنّه متقدّمٌ على الصدوق في الطبقة إلّا أنّ الصدوق لم يرو عنه الحديث ؛ كذلك رواه الداني المتوفّى 404 ه- في (السنن)، ص 135 عن النزال بن سَبُرة ؛ ورواه في (عقد الدرر)، ص 291 نقلاً عن الداني قائلًا: «روى ابن منادى في الملاحم».
روى الحديث نزال بن سَبُرة، وهو شخصيّةً مهملةٌ في الكتب الرجاليّة الشيعيّة، ولم يذكره رجاليّو الشيعة، ولكنّ الشيخ الطوسيّ روى عنه في كتاب (الأمالي) (1)باب فضيلة تحصيل العلم، وروي عنه في توحيد الصدوق(2)حوار اليهوديّ مع أميرالمؤمنين (علیه السّلام).
وعدّه الشيخ النمازيّ(3)في أصحاب أميرالمؤمنين(علیه السّلام) ، وأضاف "لم يذكروه البتّة"، ولا ريب أنّ مراد النمازيّ من عبارة "لم يذكروه البتّة" الكتب الثلاثة التالية: (تنقيح المقال) للمامقانيّ، و(معجم رجال الحديث) للخوئيّ، و(جامع الرواة) للأردبيليّ ، لا أنّه لم يُذكر في جميع الكتب الرجاليّة.
بعد أن وضع المزّيّ في (تهذيب الكمال) مجموعةً من الحروف عند ترجمته له "خ د تم س» (4)أعقبها بقوله : «النزال بن سبرة الهلاليّ العامريّ الكوفيّ من
1) الأمالي : ج 2، ص 231.
2) توحيد الصدوق : ص 77 ، ح 33.
3) مستدركات علم رجال الحديث : ج 8، ص63.
4) تشير بعض علامات كتاب (التهذيب) إلى أنّ : خ إشارةٌ للبخاريّ، د لأبي داود، س للنسائيّ، ت للترمذيّ ، ق لابن ماجة، وعو للأربعة غير مسلم والبخاريّ، و م عو، الأربعة مع مسلمٍ غير البخاريّ، وع لكتب الصحاح الستّة. [ بالنسبة إلى تميم بن أوس الداريّ وحديث الجسّاسة انظر: التفسير والمفسّرون : ج 2، ص 85 - 91]
قيس عيلان، مختلفٌ في صحبته»، وخلص المزّيّ إلى القول إنّه من التابعين.
وقال عنه العجليّ: «تابعيٌّ ثقةٌ من كبار التابعين». وذكره ابن حبّان في (الثقات). روى له الترمذيّ في (الشمائل)، والباقون سوى مسلمٍ.
«أخبرنا أبو الحسن ابن البخاريّ، وزينب بنت مكّيٍّ، قالا: أخبرنا أبو حفصٍ بن طبرزد، قال: أخبرنا الحافظ أبو البركات الأنماطيّ، قال: أخبرنا أبو محمّدٍ الصريفينيّ ، قال : أخبرنا أبو القاسم بن حبابة ، قال: حدّثنا عبدالله بن محمّدٍ البغويّ، قال: حدّثنا عليّ بن الجعد، قال: أخبرنا شعبة، عن عبدالملك بن ميسرة، قال : سمعت النزال بن سبرة ، قال شهدت عليًّا (علیه السّلام) صلّى الظهر، ثمّ قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة، حتّى إذا حضرت العصر أتي بكوزٍ من ماءٍ فأخذ منه حفنةً، فمسح على وجهه ورأسه ويديه، ثمّ قام فشرب فضله، وقال : إنّ ناسًا يكرهون هذا - يعني الشرب قائماً - وإنّ رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) صنع كما صنعت أو مثل ما صنعت ، وقال: هذا وضوء من لم يحدث».
والمتحصّل أنّ النزال بن سَبرة شخصيّةٌ معتبرةٌ لدى أعلام رجال السنّة، فقد وثّقه العسقلانيّ، وقال عنه ابن عبد البرّ: «رأى النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وروى عن عليٍّ (علیه السّلام)» (1).
وقال المجلسيّ الأوّل: «وصرف كون الرجل صحابيًّا ليس بمهمٍّ؛ لوجود
1) تهذيب الكمال : ج 10، ص 378 .
البديل عن الصحابة، حيث روى الأئمّة المعصومون (علیهم السّلام)كلام النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وكلام أميرالمؤمنين (علیه السّلام) (1).
وعليه فإنّه لا يمكن الركون إلى النزال المذكور؛ إذ لم يثبت اعتباره عندنا وإنْ وثّقه أهل السنّة.
ذهب بعض العامّة إلى القول بأنّ الدجّال هو صائد بن صايدٍ. وقال العلّامة المجلسيّ في خصوص الدجّال : أقول اختلف العامّة في أنّ ابن الصيّاد هل هو الدجّال أو غيره؟ فذهب جماعةٌ منهم إلى أنّه غيره؛ لما روي
أنّه تاب عن ذلك ومات بالمدينة، وكشفوا عن وجهه حتى رأوه الناس ميّتًا، ورووا عن أبي سعيدٍ الخدريّ أيضًا ما يدلّ على أنّه ليس بدجّالٍ.
وذهب جماعةُ إلى أنّه هو الدجّال (2).
وهل أنّ الدجّال إشارة إلى شخصٍ معيّنٍ، أو أنّه إشارةٌ إلى فكرٍ وعقيدةٍ خاصّةٍ؟ وأين يظهر؟ وما مدى صحّة الروايات الّتي تنسبه إلى أصفهان وأنّه يظهر من هناك؟ وهل هناك مناطق أخرى نسب إليها الدجّال غير أصفهان، ولماذا؟ وما مدى اعتبار هذا النوع من الروايات؟
جاء في (القاموس ) (1): «دجل البعير دجلاً : طلاه به أو عمّ جسمه بالهناء، وقيل: ومنه اشتقاق الدجّال المسيح الكذّاب؛ لأنّه يعمّ الأرض، أو هو من دجل دجلًا : إذا كذب وأخرق، وقيل: هو من دجل الرجل: إذا قطع نواحي الأرض سيرًا».
وجاء في (مجمع البحرين) للطريحيّ: «لم يصل الدجّال مكّة ولا المدينة». وفي آخر: «الدجّال لا يبقي سهلًا من الأرض إلّا وطئه إلّا مكّة والمدينة». وفيه: «ليزرعنّ الزرع بعد خروج الدجّال». وخروجه عقيب ظهور المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) كما جاءت به الرواية. يقال سمّي دجّالًا لتمويهه من الدجل والتغطية، يقال دجل الحقّ أي غطّاه بالباطل. ودجل: إذا لبس وموّه. وفي الخبر: «إنّ أبا بكرٍ خطب فاطمة إلى النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فقال : وعدتها لعليٍّ، ولست بدجّالٍ» أي خدّاعٍ ولا ملبسٍ عليك أمرك (2).
وقد أفرد السيّد محمّد الصدر في (تاريخ الغيبة الكبرى) بحثًا حول الدجّال وبعد أن نقل اثني عشر رأيًا لعلماء العامّة في الدجّال، أشار هو إلى عددٍ من الآراء، ثمّ قال: «وإنّ أهمّ وأعمّ ما يواجهنا في هذا الصدد، مفهوم الدجّال، الّذي يمثّل الحركة أو الحركات المعادية للإسلام في عصر الغيبة عصر الفتن
والانحراف... بادئًا بالأسباب الرئيسيّة وهي الحضارة الأوربيّة بما فيها من بهارج وهيبةٍ وهيمنةٍ على الرأي العامّ العالميّ، ومخطّطاتٍ واسعةٍ... ومنتهيًا إلى النتائج وهو خروج عددٍ من المسلمين عن الإسلام واعتناقهم المذاهب المنحرفة، وما يعمّ الأفراد والمجتمعات من ظلمٍ وفسادٍ. فليس هناك ما بين خلق آدم إلى يوم القيامة خلقٌ منحرفُ أكبر من الدجّال؛ باعتبار هيبة الحضارة الأوربّيّة وعظمتها المادّيّة ومخترعاتها وأسلحتها الفتّاكة»(1). ويقول في موضع آخر: «الدجّال هو الحضارة» (2).
ولكنّ الفهم المتعارف والتقليديّ هو : أنّ الدجّال يمثّل شخصيّةً حقيقيّةً، وأنّ الروايات تدلّ على ذلك، فيما يذهب السيّد الصدر إلى أنّ الدجّال إشارةٌ رمزيّةٌ، وأنّ التعبير بالأمر واضحٌ في أنّ الدجّال ليس رجلًا بعينه، وإنّما هو اتّجاهٌ حضاري معادٍ للإسلام(3).
وبالرغم من قلّة رواياتنا في هذا المجال، إلّا أنّها تدعم الفهم الثاني القائل إنّ الدجّال رمز لا تّجاهٍ حضاريٍّ خاصٍّ.
ولمّا كان أكثر أتباعه من أصحاب الطيالسة (4)(المترفين) وأبناء الزنا،
يمكن حمل ذلك على المنقطعين عن آبائهم (والمتأثّرين بالثقافة الغربيّة)، والمنبهرين بالمادّيّة الغربيّة المتنصّلين عن حدود الشريعة وأحكامها ومحرّماتها... أو حمل الحديث على الظاهر والقول بأنّ المراد منهم: من ولدوا عن طريق السفاح حقيقةً.
وعلى كلّ حال الدجّال يعني مجموع الحضارة المادّيّة (ثقافة فرويد الّتي أسفت بالفكر الغربيّ ونخرته من الداخل).
والظاهر أنّ آية الله الشيخ مكارم الشيرازيّ يذهب إلى تفسير الدجّال بالكفر والثقافة الغربيّة، كما سمعت ذلك منه شفاهًا.
تشير بعض الروايات إلى خروجه من خراسان وهناك رواياتٌ جاء فيها أنّه «يخرج من بلدةٍ يقال لها أصبهان في قريةٍ تعرف باليهوديّة»(1). وفي روايةٍ أخرى يخرج من سيستان، وجاء في بعض المصادر: «يخرج من خلّة بين الشام والعراق»(2). وجاء أيضًا : «يخرج الدجّال من العراق»(3)، ومنها ما أشار إلى خروجه من المشرق(4)، وهذه الروايات إذا لم توجب اليقين فعلى أقلّ تقديرٍ
توجب الظنّ لدى الباحث بكون الدجّال رجلًا وشخصيّةً حقيقيّةً.
جاء في (معجم البلدان) لياقوت الحمويّ المتوفّى 666 ه- المجلّد الأوّل حول أصفهان بعد الحديث عن فتحها وانتقال اليهود من فلسطين إليها: «وكانت مدينة أصبهان بالموضع المعروف بجي، وهو الآن يعرف بشهرستان وبالمدينة».
ثمّ قال: «لمّا سار بُختَ نصر وأخذ بيت المقدس وسبى أهلها حمل معه يهودها وأنزلهم ، أصبهان، فبنَوا لهم في طرف مدينة جي محلّةً ونزلوها، وسُمّيت اليهوديّة، ومَضَتْ على ذلك الأيّام والأعوام، فخربت جَي وما بقي منها إلّا القليل، وعُمرت اليهوديّة، فمدينة أصبهان اليوم هي اليهوديّة... إنّك لو فتّشت نسب أجلّ من فيهم من الثناء(1)والتجّار لم يكن بدٌّ من أن تجد أصل نسبه حائكًا أو يهوديًّا... وخاصيّتها أنّها تبخل فلاتر بها كريمًا » (2).
أمّا اليوم بالمدينة تختلف تمامًا حيث قاطبة سكّانها يدينون بالولاء لأهل البيت (علیهم السّلام) ، ويغلب عليهم الطابع الدينيّ والالتزام المذهبيّ والحبّ لأهل البيت (علیهم السّلام).
ثمّ إنّ ظهور الدجّال إحدى علامات ظهور الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، وإن ذهب الطريحيّ إلى القول إنّ الدجّال يخرج بعد ظهور الإمام المهديّ، وهذا يؤشّر إلى عدّة أمور:
أ- وجودكمٍّ كبيرٍ من روايات الدجّال في مصادر العامّة ومن منقولاتهم، ولعلّها غير موجودة في مصادرنا. وبالرغم من أنّ مسألة الدجّال من المسلّمات، إِلّا أنّه لا يُعدّ من حتميّات علامات الظهور، وكذلك أصل قضيّة اليمانيّ من المسلّمات، وأمّا صفاته وحقّانيّته فلا تحظى بدليلٍ معتبرٍ. وإنّ الدراسة السنديّة في هذا المجال لن توصل الباحث إلى نتيجةٍ داعمةٍ للقضيّة؛ ولذلك لا بدّ من الاستعانة بالاستفاضة والتواتر الإجماليّ أو المعنويّ.
ب ذكرت كتب العامّة مجموعةً من الصفات للدجّال، لم يتّضح لنا بعد المراد منها ، وهل هي من قبيل الكناية أو نحملها على ظاهرها، من قبيل:
1-- أنّ النبيّ حذر أمّته منه، فقد روى البخاريّ: «ما بعث نبيٌّ إلّا حذّر أمّته من الأعور (الدجّال) الكذّاب.
2- أنّ النبيّ يستعيذ من فتنته، روى البخاريّ أيضًا: «سمعت رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يستعيذ في صلاته من فتنة الدجّال».
3-جاء في صفة الدجّال : «إنّ بين عينيه مكتوبٌ "كافر". يقرؤه كلّ مؤمنٍ كاتبٍ وغير كاتبٍ».
4- الدجّال يدّعي الربوبيّة والإلوهيّة، روى الشيخ الصدوق في (كمال الدين) أنّه: «يقول أنا ربّكم. ينادي بأعلى صوته يسمع ما بين الخافقين (الجنّ والإنس والشياطين): "إليّ عبادي، أنا الّذي خلق فسوّى وقدّر فهدى. أنا ربّكم الأعلى"، مكتوبٌ بين عينيه "كافرٌ » (1).
1) كمال الدين: ج 2، ص 526 .
وجاء في الحديث: «الدجّال يمشي في الأسواق ويطعم الطعام».
5- وردت الإشارة في كتب العامّة الى حياة الدجّال وعمره، ويستفاد من حديث الجسّاسة وصائد بن صيدٍ أنّ الدجّال حيٌّ يرزق، حيث جاء في مقطعٍ من الحديث: «أنا المسيح الدجّال وإنّي أوشك أن يؤذن لي بالخروج فأخرج فأسير في الأرض» (1)؛ فالعلاقة بينه وبين ابن الصيّاد مسلّمةً، فقد روي عن عبدالله أنّه قال: «كنّا مع رسول الله فمررنا بصبيان فيهم ابن صيّادٍ، ففّر الصبيان وجلس ابن صيّادٍ. فكان رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) کره ذلك، فقال له النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : تربت يداك، أتشهد أنّي رسول الله؟ فقال: لا، بل تشهد أنّي رسول الله. فقال عمر بن الخطّاب: ذرني يا رسول الله حتّى أقتله. فقال رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : إن يكن الّذي ترى فلن تستطيع قتله - يعني إن كان هو الدجّال فلا التسلّط تستطيع عليه - وإن لم يكن تستطع»(2). والرواية تكشف عن طول عمر الدجّال كما ذهب إلى ذلك البعض.
6- يحيي الموتى، روى مسلمٌ في صحيحه: «إنّه خارج خلّةٍ بين الشام والعراق... قلنا: يا رسول الله، وما لبثه في الأرض؟ قال : أربعون يومًا يومٌ كسنةٍ ويومٌ كشهرٍ ويومٌ كجمعة، وسائر أيّامه كأيّامكم، ويمرّ بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك. فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ثمّ يدعو رجلًا ممتلئًا
شبابًا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثمّ يدعوه فيقبل ويتهلّل وجهه يضحك» (1). أي يضربه بسيفه فيجعله نصفين ثمّ يحييه.
7-ورد في الحديث: «إنّ معه نارًا وماءً، فناره ماءٌ باردٌ ، وماؤه نارٌ فلا تهلكوا»(2). والحديث يكشف عن امتلاك الدجّال لشتّى وسائل المكر وأدوات الخداع والتحايل.
8-اختلاف الزمان، فبعض أيّامه كسنةٍ، ويومٌ منه كشهرٍ، ويومٌ منه كأسبوعٍ.
9- يشير إلى الأرض فتخضرّ وإلى السماء فتمطر، فقد ورد في الحديث: وإنّ من فتنته أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، فيمرّ بالحيّ من العرب فيكذّبونه ولا يبقى لهم سائمةٌ إلّا هلكت، ويمرّ بالحيّ فيصدّقونه فيأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت... ولا يبقى موضعٌ من الأرض إلّا وطئه وغلب عليه». والّذي يبدو لنا أنّها كناياتٌ ولطائف تشير إلى ما عليه العالم اليوم، إلّا أنّ الكلام في قيمة تلك الأحاديث من الناحية السنديّة ومدى اعتبارها، إذا ما وضعناها أمام قواعد علم الرجال والحديث.
10- أنّ أعظم فتنةٍ هي فتنة الدجّال.
11- الدجّال يقتل على يد عيسى (علیه السّلام) ، علماً أن روايات العامّة وخصوص هذا الحديث لم تربط بين قضيّة الدجّال وقضيّة الإمام المهديّ (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) .
مرّت الإشارة إلى ندرة أحاديث الدجّال في المصادر الشيعيّة خلافًا لمصادر العامّة الّتي توفّرت على كمٍّ وافر من تلك الأحاديث، ولعلّ ذلك يعود إلى إفساح الحكومة المجال للقصّاصين ورواة الإسرائيليّات أمثال كعب الأحبار و.... والتضييق على خلّص الصحابة كأبي ذرّ وسلمان وغيرهما، ولقد التفت إلى هذه الحقيقة بعض أعلام العامّة كابن كثيرٍ الذي قال في ذيل تفسير قوله تعالى «أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا...»: «والأقرب في مثل هذه السياقات أنّها متلقاةٌ عن أهل الكتاب ممّا وجد في صحفهم، كروايات كعبٍ ووهبٍ - سامحهما الله تعالى - فيما نقلاه إلى هذه الأمّة من أخبار بني إسرائيل من الأوابد والغرائب والعجائب، ممّا كان وما لم يكن، وممّا حرّف وبدّل ونسخ. وقد أغنانا الله - سبحانه عن ذلك بما هو أصحّ منه وأنفع وأوضح وأبلغ، ولله الحمد والمنّة»(1). وهذا يكشف عن عظم استياء علماء العامّة من هذه الظاهرة الّتي اخترقت التراث الإسلاميّ.
ولم يكن أمير المؤمنين (علیه السّلام) يستقبل أبا هريرة في مجلسه، ولم يرو عنه أبو هريرة حتّى روايةً واحدةً (2).
أمّا موسوعة (بحار الأنوار) الّتي تعدّ بمثابة مكتبةٍ كاملةٍ استقاها العلّامة المجلسيّ من 600 مصدرٍ، فيمكن تصنيف روايات الدجّال فيها إلى خمس عشرة مجموعةً :
1- جاء في خصوص رجعة الإمام الحسين (علیه السّلام) في ذيل قوله تعالى: «ثمّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا» : خروج الحسين (علیه السّلام) في الكرَّةِ في سبعين رجلًاً مِنْ أَصحابِه الَّذِينَ قتلُوا معهُ عليهمُ الْبِيضُ الْمُذَهَبُ ، لكُلِّ بِيضَةٍ وجهانِ ، والْمُؤَدِّي إِلى النَّاسِ أَنَّ الحسين قدْ خرجَ في أَصحابهِ حَتَّى لا يَشُكٌّ فيه الْمُؤْمِنُونَ، وأَنَّهُ ليس بدجّال ولا شيطانٍ، [بل] الإمام الّذي بينَ أَظْهُرِ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ، فإذَا اسْتَقَرُ عندَ الْمُؤْمِن أَنَّهُ الحُسَيْنُ لا يَشُكُونَ فِيه» (1)، (2).
2- وروي أنّ الكاذب على أهل البيت (علیهم السّلام) يؤمن بالدجّال إن أدركه: «من 2- كذب علينا أهل البيت حشره الله يوم القيامة أعمى يهوديًّا، وإن أدرك الدجّال آمن به وإن لم يدركه آمن به في قبره» (3). ولكن جاء في كتاب (اختيار معرفة
1) روى المجلسيّ الحديث عن تفسير العيّاشيّ: وقد جاء في مقدّمة تفسير العيّاشي للسيّد الطباطبائيّ ما يلي: «وكان العياشيّ عامّيّ المذهب ورث ثروةً طائلةً عن والده ثمّ اعتنق مذهب التشيّع، وجعل داره مركزا للعلم ونشر العلوم، وقد روى الحديث المذكور عن الإمام الصادق (علیه السّلام)».
2) تفسير العياشيّ : ج 2، ص 281؛ بحار الأنوار: ج 51 ، ص 65 ، ح 46.
3) المصدر السابق : ص 160، الحديث 7 نقلًا عن الكشّيّ.
الرجال) نقلًا عن الكشّيّ الحديث من دون كلمة يهوديًّا: «من كذب علينا أهل البيت حشره الله يوم القيامة أعمى، وإن أدرك الدجّال آمن به، وإن لم يدركه آمن به في قبره».
3- الروايات التي تؤكّد على ضرورة إصلاح العمل وتنظيم الأمور قبل حدوث ستِّ وقائع، وهي: «بادرُوا بالأعمالِ سِتَّا: طلوعَ الشَّمْسِ من مغربها، والدًّابَّةَ ،والدُّجّال ، والدُّخَانَ ، وخَرِيصَةَ أَحدِكمْ أَي مَوْتَهُ، وأَمرَ العامّة يعني القيامةَ»(1).
4- عشر وقائع تحدث قبل القيامة: «لا تقوم الساعة حتّى تكون عشر آياتٍ الدجّال والدخان وطلوع الشمس من مغربها، ودابّة الأرض ، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوفٍ : خسفٍ بالمشرق، وخسفٍ بالمغرب، وخسفٍ بجزيرة العرب ؛ ونارٌ تخرج من قعر عدن، تسوق الناس إلى المحشر» (2).
وفي حديثٍ آخر: «حدّثنا... عن أبي الفضيل عامر بن واثلة، عن حذيفة بن أسيد الغفاريّ قال: كنا جلوساً في المدينة في ظلّ حائط، قال: وكان رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في غرفةٍ فاطلع علينا فقال: فيم أنتم؟ فقلنا: نتحدّث. قال: عمّ ذا؟قلنا : عن الساعة. فقال: إنّكم لا ترون الساعة حتّى ترون قبلها عشر آياتٍ:
طلوع الشمس من مغربها ،والدجّال ودابّة الأرض، وثلاثة خسوفٍ في الأرض: خسفٍ بالمشرق، وخسفٍ بالمغرب، وخسفٍ بجزيرة العرب ؛ وخروج عيسى ابن مريم (علیه السّلام) وخروج يأجوج ومأجوج ، وتكون في آخر الزمان نارٌ تخرج من اليمن من قعر الأرض لا تدع خلفها أحدًا تسوق الناس إلى المحشر كلّما قاموا قامت لهم تسوقهم إلى المحشر»(1).
وأبو الطفيل عامر بن واثلة رأى النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وكان آخر من رآه موتًا، وشهد مع عليٍّ(علیه السّلام) المشاهد كلّها، وكان مع المختار صاحب رايته(2)، وإنّه من غلاة الروافض كما وصفوه، ولا أدري كيف ينسجم ذلك مع نظريّة عدالة الصحابة؟!
5- عدوّ أهل البيت (علیهم السّلام) يحشر مع الدجّال، فقد روى المجلسيّ عن مجالس الطوسيّ بطريق عامّيّ : عن أبي ذرّ قال : سمعت رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يقول : «من قاتلني في الأولى وقاتل أهل بيتي في الثانية، حشره الله - تعالى - في الثالثة مع الدجّال...»(3).
وروي في ( عيون أخبار الرضا(علیه السّلام) ) ، أنّه قال: «قال رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : من
قاتلنا آخر الزمان فكأنّما قاتلنا مع الدجّال»(4).
6- روى صاحب ( البحار) نقلا ًعن (المهذّب) لابن فهدٍ الحلّيّ: «روى الشيخُ أَحمدُ بن فهدٍ في كتاب (المهذَّب) وغيره في غَيْرِهِ بِأَسَانِيدِهِمْ عن المعلَّى بن خُنَيْسِ عن أَبي عبدِالله (علیه السّلام) قال: يومُ النَّيْرُوزِ هُوَ اليومُ الَّذِي يَظْهَرُ فيهِ قائمُنَا أَهْلَ البيت وولاةَ الأَمْرِ ويُظفِرُهُ الله - تعالّى - بالدجّال فَيَصْلِبُهُ على كُنَاسَةِ الْكُوفَة»(1).
هل الّذي يقتل الدجّال الإمام المهديّ أو السيّد المسيح (علیهما السّلام)؟
توجد روايات تؤكد أنّ قاتل الدجّال هو الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) لا السيّد المسيح (علیه السّلام)، روي عن المفضّل عن الصادق(علیه السّلام) : «إنّ الله خلق أربعة عشر نورًا قبل الخلق بأربعة عشر ألف عامٍ، فهي أرواحنا محمّدٍ وعليٍّ وفاطمة والحسن والحسين وتسعةٍ من ولد الحسين، آخرهم القائم بعد غيبته، يقتل الدجّال ويطهّر الأرض» (2).
ولكن روی روى المجلسيّ نقلًا عن تفسير عليّ بن إبراهيم عن الصادق (علیه السّلام) عن الإمام الحسن المجتبى (علیه السّلام) في لقائه مع ملك الروم : «.... أخرج إلينا صنماً فقال :... ثمّ عيسى بن مريم روح الله وكلمته، كان عمره في الدنيا ثلاثاً وثلاثين سنةً، ثمّ رفعه إلى السماء، ويهبط في الأرض بدمشق، وهو الّذي يقتل الدجّال (3).
7 - التعوّذ من فتنة الدجّال، روى المجلسيّ (رحمه الله) نقلًا عن (كشف الغمّة) للأربليّ عن (كفاية الطالب) للكنجيّ الشافعيّ، عن أبي أمامة قال: «خطبنَا رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وذكر الدجّال وقال فيه : إِنَّ المدينة لَتَنْفِي خَبَثَهَا كَما يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الحديدِ، ويُدْعَى ذلك اليوم يومَ الخلاص....»(1). . والجدير بالذكر أنّ أكثر مرويّات (كشف الغمّة) عن كتب العامّة لغايةٍ أشار إليها المؤلّف نفسه في مقدّمة كتابه حيث قال : «اعتمدت في الغالب النقل من كتب الجمهور ليكون أدعى إلى تلقّيه بالقبول»(2).
8- محلّ خروج الدجّال؛ روى صاحب (البحار) نقلًا عن (کمال الدين) حديثًا مفصلًا عن أميرالمؤمنين (علیه السّلام) في خصوص الدجّال أشار فيه إلى محلّ خروجه وأنّه يخرج من أصفهان «من بلدةٍ يقال لها أصبهان من قريةٍ تعرف باليهوديّة»(3).
وفي الخطبة الّتي قال فيها أميرالمؤمنين (علیه السّلام): «سلوني قبل أن تفقدوني» قام إليه صعصة بن صوحان فقال : «متى يخرج الدجّال؟ قال (علیه السّلام) : "... وقطعوا الأرحام، واتّبعوا الأهواء، واستخفّوا بالدماء، وكان الحلم ضعفًا، والظلم فخرًا، وكانت الأمراء فجرةً، والوزراء ظلمةً، والعرفاء خونةً، والقرّاء فسقةً،
وظهرت شهادة الزور، واستعلن الفجور وقول البهتان والإثمّ والطغيان .... ثمّ قال صعصة : يا أميرالمؤمنين، مَنْ الدجّال؟ فقال (علیه السّلام): ألا إنّ الدجّال صائد بن الصيد، فالشقيّ من صدّقه والسعيد من كذّبه، يخرج من بلدةٍ يقال لها أصفهان، من قريةٍ تعرف باليهوديّة". ثم أخذ أميرالمؤمنين ببيان صفات الدجّال وتحرّكه العسكريّ والتقنيّات الّتي يمتلكها وإمكاناته وقدراته التبليغيّة معرّجًا على أفوله وانتهاء حركته، وزمان هلاكه ومكانه، وتحديد قاتله الّذي أشرنا إليه في مقدمة البحث» (1).
ومن جملة الروايات الّتي تحدّثت عن مكان خروج الدجّال ما رواه العلّامة المجلسيّ نقلًا عن (بصائر الدرجات) لابن فروخ ،والّتي جاء فيها: «عن رجلٍ عن أبي جعفر (علیه السّلام) قال: دخل عليه رجلٌ من أهل بلخ فقال له: يا خراسانيّ، تعرف وادي كذا وكذا؟ قال: نعم. قال له : تعرف صدعًا في الوادي من صفته كذا وكذا؟ قال: نعم، من ذلك يخرج الدجّال»(2).
9- فتنة الدجّال والتعوّذ منه، روى المجلسيّ نقلًا عن (رسائل الشهيد الثاني) جاء فيها: «عن النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ): إنّ من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة فهو معصومٌ إلى ثلاثة أيامٍ، وإن خرج الدجّال عصم منه» (3).
كذلك روي في أعمال يوم الجمعة من (مصباح المتهجّد) للشيخ الطوسيّ و(البلد الأمين) للكفعميّ عن الإمام الصادق (علیه السّلام) أنه كان يقول: «أعوذ بك من شرّ المحيى وشرّ الممات، وأعوذ بك من فتنة الدجّال» (1).
وجاء في فضائل شهر رجبٍ أنّه: «من صام من رجب أربعة أيامٍ عوفي من البلايا كلّها، من الجنون والجذام والبرص وفتنة الدجّال» (2).
10- الزراعة بعد الدجّال ؛ قال الراوي عن الإمام الصادق (علیه السّلام) : «سأَلَهُ رجُلٌ وأنا عندهُ فقال: جُعلتُ فداك، أسمعُ قَوْمًا يقولونَ: إِنَّ الزّراعةَ مكروهةً؟ فقال: ازرعوا واغْرِسُوا والله ما عملَ النَّاسُ عَملًا أَجَلَّ ولا أَطْيَبَ مِنْهُ، واللهِ لَيُزْرَعَنَّ الزَّرْعُ ولَيُغْرَسَنَّ الْغَرْسُ بَعْدَ خُرُوجِ الدجّال» (3).
وعنه عن أبي جعفر (علیه السّلام) في قوله : «قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ»(4)، قال : هو الدجّال والصَّيحةُ ؛ «أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ» وهو الخسفُ «أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا» وهو اختلاف في الدِّينِ وطعنُ بعضكم على بعضٍ ؛ «ويذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ» وهو أَنْ يقتُلَ بعضُكم بعضًا، وكلُّ هذا في أَهل القبلة»(5).
12- جنوده من أعداء أهل البيت (علیهم السّلام) ، روي عن أبي عبدالله (علیه السّلام) قال : «قال رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : من أبغضنا أهل البيت بعثه الله يهوديًّا. قيل : يا رسول الله ، وإن شهد الشهادتين؟ قال : نعم، إنّما احتجب بهاتين الكلمتين عند سفك دمه، أو يؤدّي إليّ الجزية وهو صاغرٌ. ثمّ قال: من أبغضنا أهل البيت بعثه الله يهوديًّا. قيل : وكيف يا رسول الله؟ قال: إن أدرك الدجّال آمن به» (1).
وفي روايةٍ أخرى عن الإمام الرضا (علیه السّلام) تؤشّر إلى وجود من يتجلبب بحبّ آل البيت (علیهم السّلام) خداعًا، وهو أشدّ خطرًا من الدجّال ، روي عن الوشّاء عن الرضا (علیه السّلام) : «إنّ ممّن يتّخذ مودّتنا أهل البيت لمن هو أشدّ لعنةً على شيعتنا من الدجّال ! فقلت له : يا بن رسول الله بماذا؟ قال: بموالاة أعدائنا ومعاداة أوليائنا ، إنّه إذا كان كذلك اختلط الحقّ بالباطل، واشتبه الأمر فلم يعرف مؤمنٌ من منافقٍ»(2)
لم نعثر في كلمات القدماء على ما يؤشّر إلى هذه القضيّة، ولعلّ عدم تعرّضهم لها يعود إلى أنّهم يرون أنّ الدجّال شخصيّةٌ حقيقيةٌ لها سماته الشخصيّة.
نعم، ذهب بعض المعاصرين كالشيخ مكارم الشيرازيّ الّذي يرى الدجّال
عنوانًا لكلّ ماكرٍ محتالٍ ومخادعٍ حيث قال : لكنّ القدر المعلوم أنّ الدجّال رجلٌ خدّاعُ، أو رجالٌ خدّاعون ينشطون في آخر الزمان من أجل إضلال الناس عن أصل التوحيد والحقّ والعدالة، وسيقضي عليهم المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) بقدرته العظيمة (1). فيما ذهب السيّد محمّدٌ الصدر إلى القول بأنّ الدجّال يمثل اتّجاها فكريَّاً (2)، في قبال ذلك هناك مَنْ يرى أنّ الدجّال شخصيّةً حقيقيةٌ، وإنّ الاحتمال الأوّل - على أقلّ التقادير - ضعيفٌ لا يستند إلى دليلٍ واضحٍ.
والجدير بالذكر أنّ ما ورد في خصوص الدجّال لا ينسجم مع هذا الاتّجاه من قبيل ما روي من أنّ الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) - أو عيسى بن مريم (علیه السّلام) في أخرى-هو الّذي يقتل الدجّال، بل جاء في رواية (كمال الدين) - رغم ضعف سندها - الإشارة إلى تحديد اسمه وأنّه «صائد بن صيدٍ يخرج من بلدةٍ يقال لها أصبهان»، وفي حديثٍ آخر أنّه يخرج في مدينة بلخ، وغير ذلك من التعابير الّتي لا تنسجم مع حمل مفردة الدجّال على اتّجاه أو تيارٍ فكريٍّ معيّن، بل هي الأقرب والأنسب إلى الرأي الآخر الذي يرى الدجّال شخصيّةً حقيقيّةً محدّدة المعالم والخصال.
كذلك يمكن القول إنّ قرينة السياق تدعم ذلك، فقد ورد في الحديث: «خروج دابّة الأرض والدجّال ونزول عيسى (علیه السّلام) و طلوع الشمس من المغرب»
فهو شخصٌ معيّنٌ، كما أنّ عيسى (علیه السّلام) ودابّة الأرض شخصيّتان معيّنتان وليسا اتّجاها فكريًّا.
والّذي نميل إليه أنّ الرأي الأرجح كون الدجّال شخصيّةً حقيقيّةً، وإن كنا لا ننفي فكرة الاتّجاه الفكريّ والحركة السياسيّة، وتعقل ذلك بأن نقول: إنّ الدجّال شخصيّةٌ حقيقيّةٌ ذات توجّه سياسيٍّ وفكريٍّ خاصٍّ.
ذكر الشيخ مكارم الشيرازيّ في كتابه المذكور (1)عندما يدور الحديث عن الدجّال ، نرى ذهن البعض واستنادًا إلى تصوّراتٍ ومرتكزاتٍ سابقةٍ ينصرف إلى تصوّر الدجّال شخصيّةً حقيقيّةً ذات عينٍ واحدةٍ وجسمٍ عظيمٍ ومركبٍ أعظم، يضع برنامجًا خاصًا يظهر قبل قيام الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ؛ لكنّ المستفاد من الجذر اللغويّ للكلمة من جهةٍ وإلى المصادر الحديثيّة من جهةٍ أخرى يشرف الباحث على القول إنّ الدجّال ليس شخصيّةً حقيقيّةً خارجيّةً، وإنّما هو عنوانٌ مشيرٌ إلى رجلٍ خدّاعٍ، أو رجالٍ مخادعين في قمّة المكر والتحايل، ينشطون في آخر الزمان من أجل إضلال الناس عن أصل التوحيد والحقّ والعدالة، وجرهم للسير على نهجهم بشتّى السبل والأدوات، ليتصدّوا لأيّ ثورةٍ إصلاحيّةٍ، متلبّسين بأنواعٍ وأبعادٍ مختلفةٍ.
أمّا السيّد محمّدٌ الصدر(رحمه الله) فقد صرح بأنّ : الدجّال عبارةٌ عن مستوًى حضاريٍّ أيديولوجيٍّ معيّنٍ، معادٍ للإسلام. وأضاف(رحمه الله) : «وقد سبق هناك أنّ
1) حکومت جهانی حضرت مهدی: ص 192.
ناقشنا الأطروحة الأولى ودفعناها بالبرهان» (1).
«وإنّ أهمّ وأعمّ ما يواجهنا في هذا الصدد، مفهوم الدجّال، الّذي يمثّل الحركة أو الحركات المعادية للإسلام في عصر الغيبة عصر الفتن والانحراف... بادئًا بالأسباب الرئيسة وهي الحضارة الأوربّيّة بما فيها من بهارج وهيبةٍ وهيمنةٍ على الرأي العامّ العالميّ، ومخططاتٍ واسعةٍ... ومنتهيًا إلى النتائج، وهو خروج عددٍ من المسلمين عن الإسلام واعتناقهم المذاهب المنحرفة، وما يعمّ الأفراد والمجتمعات من ظلمٍ وفسادٍ، فليس هناك ما بين خلق آدم إلى يوم القيامة خلقٌ منحرفُ أكبر من الدجّال»(2).
في المقابل ذهب المحقّق علىٌّ الدوانيّ(3)إلى القول: «إنّ من المسلّم أنّ موضوع الدجّال وتصدّيه لدولة الحقّ في نهاية العالم قد ورد في المصادر الفارسيّة والعربيّة وغيرها، مع فارقٍ في الطرح، فهناك من يرى أنّ السيّد المسيح(علیه السّلام) هو الّذي يتصدّى له ويقضي عليه، فيما يذهب فريقٌ آخر إلى القول بأنّ ذلك من خصوصيّات الإمام المهدي (عجّل الله تعالی فرجه الشریف).
وعلى كلّ تقدير لا يمكن الذهاب إلى تطبيق مفهوم الدجّال وصفاته وعلاماته على الحضارة الحديثة وبعض المخترعات الحديثة والمستقبليّة، أو
تطبيقه على رئيس دولةٍ مادّيّةٍ صرفةٍ يمتلك من القدرات التقنيّة وشبكة علاقاتٍ إعلاميّةٍ وتبليغيّةٍ ضخمةٍ.
وهذا ما نؤمن به ونرى أنّ ما ذهب إليه المحقّق الدوانيّ هو الصحيح، ولا يمكن الركون إلى ما ذهب إليه العلمان الشيخ مكارم والسيّد محمّدٌ الصدر؛ وذلك لوجود الكثير من الشواهد الّتي تؤكّد أنّ الدجّال رجلٌ وشخصيّةٌ معيّنةٌ، لا أنّه رمزٌ يشار به إلى اتّجاه معيّنٍ، من تلك الشواهد:
1-- الإشارة إلى المدن الّتي يظهر الدجّال منها :
أ-خراسان: فقد ورد في مصادر العامّة عن ابن أبي شيبة بأنّه: «يخرج الدجّال من خراسان»، وفي رواية أخرى عن الإمام الباقر (علیه السّلام): «يخرج من بلدةٍ يقال لها بلخ»(1).
ب - مرو: روى ابن حمادٍ عن ابن أبي شيبة أنّه: «يخرج الدجّال من مرو يهوديتّها».
ج- أصفهان: عن عمران بن حصين قال: «يخرج من قبل أصبهان»(2)، وفي (كمال الدين) عن نزال بن سَبُرة قال : «يخرج من بلدة يقال لها أصبهان، من قريةٍ تعرف باليهوديّة».
د- العراق عن كعب الأحبار : «يظهر الدجّال من العراق»(1).
ه- بين الشام والعراق: روى أبو أمامة الباهليّ كما في النسخة الخطّيّة لابن حمّاد: «يخرج الدجّال من خلّةٍ بين العراق والشام».
و- سيستان : عن وهب بن منبّهٍ رفعه عن ابن عبّاسٍ قال : «وظهور الدجّال يخرج من المشرق من سجستان». والسؤال هنا ما هي العلاقة والنسبة بين كلٍّ من بلخ وسيستان ومرو وخراسان وبين الحضارة والثقافة الغربيّتين (2)؟! وهذا بحدّ ذاته يعدّ شاهدًا على أنّ الدجّال شخصٌ معيّنُ ورجلٌ أشارت إليه الروايات، لا أنّه كنايةٌ وإشارةً إلى فكرٍ وثقافةٍ خاصّةٍ، وعلى فرض كونه إشارةً إلى اتّجاه وثقافةٍ، فمن المنطقيّ جدًّا أن يكون الدجّال نفسه هو مبتكر ذلك الفكر الهدّام، وصاحب الثقافة الفاسدة المعادية للإسلام والخطٰ الإصلاحيٰ.
2 قاتل الدجٰال: «هناك الكثير من الروايات الٰتي تتحدّث عن قاتل الدجّال، وأنّه الإمام المهديّ (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) تارةً والسيّد المسيح (علیه السّلام) تارةً أخرى».
3- كيفية قتل الدجّال : هناك طائفةً من الروايات تشير إلى طريقة قتل الدجّال بالصلب حسب البعض منها أو بضربه بنوع من السلاح يؤدّي إلى صهره وإذابته كما في رواياتٍ أخرى.
نعم، يمكن القول إنّ الروايات الّتي تتحدّث عن تنوّع أنصاره وكثرتهم تؤيّد النظرية الأولى، من قبيل:
1 «ستّمئة ألفٍ من العرب يلبسون السيجان»(1).
2- «ليهبطنّ الدجّال بخوزٍ وكرمان في ثمّانين ألفاً، كأنّ وجوههم المجان المطرّقة، يلبسون الطيالسة (لباس يرتديه اليهود أخضر اللون)».
3- «يخرج الدجّال ومعه سبعون ألفًا من الحاكة، على مقدّمته أسعر(2)من فيهم يقول: بدو بدو، أي أكثرهم تسعيرًا للفتنة».
وهذه العبارات تدلّ على الكثرة لا العدد والحصر حقيقةً.
4- «يخرج الدجّال فيتبعه ناسٌ يقولون: نحن شهداء أنّه كافرٌ، إنّا نتّبعه للأكل من طعامه...(3)لو خرج الدجّال لآمن به قومٌ في قبورهم».
قد يستفاد من مجموع هذه الكلمات أنّ الدجّال رمزٌ وكنايةٌ عن اتّجاهٍ فكريٍّ منحرفٍ تبتلي به البلاد الإسلاميّة.
ذكر هاكس في كتاب (القاموس المقدّس) : أنّه لم يعثر على مفردة "الدجّال" إلّا في رسالة يوحنّا، والمراد منه ذلك الشخص الّذي يقف بوجه السيّد المسيح (علیه السّلام) ويعاديه ويدّعي أنّه المسيح الحقّ.
ففي الإصحاح الثاني من سفر رسالة القدّيس يوحنّا: «مَنْ الكذاب؟ إلّا الّذي ينكر أنّ يسوع هو المسيح. وهو الدجّال الّذي ينكر الأب والابن». وجاء في الآية 18: «وكما أنّكم سمعتم أنّ الدجّال يأتي، يوجد الآن دجالون كثيرون....».
وجاء في الإصحاح الرابع الآية الثالثة: «وكلُّ رُوحٍ لا يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ المسيح المجسّد، فليسَ منَ الله. وهذا هُوَ رُوحُ الدجّال الّذي سَمِعْتُمْ أَنَّهُ يَأْتِي، وَالآنَ هُوَ في العالم».
وفي الرسالة الثانية ليوحنّا الآية السابعة: «لأنَّه قد دخلَ إلى العالم مُضلُّونَ كثيرونَ ، لا يعترفُونَ بِيَسُوعَ المسيح آتِيًا في الجسد».
جميع من بحثوا في هذا المضمار ذهبوا إلى اختلاف الشخصيّتين، إلّا السيّد محمّد بن محمّد صادق الصدر الّذي احتمل اتّحادهما حيث قال: «وقد يخطر في الذهن اتّحاد شخصيّتي الدجّال والسفيانيّ في رجل واحدٍ. وخاصّةً بعد التشدّد السنديّ الّذي اتّخذناه، وإسقاط تفاصيل أوصافهما عن الاعتبار، وإنّ
كلا الاسمين عنوانٌ لرجلٍ منحرف خارج على تعاليم الإسلام، ومفسد في مجتمع المسلمين، فمن الممكن انطباقهما على رجلٍ واحدةٍ وحركةٍ واحدةٍ»(1).
إلّا أنّ هذا الاحتمال غير صحيحٍ؛ لاختلاف حقيقة الرجلين؛ وذلك:
1- يدرج السفيانيّ في قائمة النواصب خلافًا للدجّال؛ إذ لم يوصف بالنصب.
2- جاء في وصف الدجّال بأنّه من المعمّرين طويلًا دون السفيانيّ الّذي لم ترد الإشارة إلى ذلك بحقّه.
2- السفيانيّ منسوبٌ إلى عشيرةٍ وقبيلةٍ معيّنةٍ، وأنّه من نسل خالد بن يزيد أخي معاوية، دون الدجّال حيث بقي نسبه القبليّ مجهولًا.
4- يدّعي الدجّال الربوبيّة دون السفيانيّ الّذي لم تنسب له الأحاديث هذا الادّعاء.
5- تعرض الأديان الأخرى قبل الإسلام لقضيّة الدجّال، دون السفيانيّ الّذي انحصر ذكره في المصادر الإسلاميّة فقط ؛ وعليه لا يمكن اعتماد ما احتمله السيّد الصدر من اتّحاد الرجلين.
هذه إطلالةٌ تحقيقيّةٌ مختصرةٌ حول الدجّال، والله العالم بحقائق الأمور.
1) تاريخ الغيبة الكبرى : ص 523.
يعتقد البعض بأنَّ وقوع حادثةٍ تُعرف باسم «قرقيسيا» أو «آرمغادون» هي من علامات ظهور الإمام صاحب الزمان(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) .
إنَّ كلمة «قرقيسيا» ذُكرت في التوراة وذكرها اليهود والنصارى في كتبهم بأنّها حرب خطيرةٌ ومدمّرةٌ سوف تحدث في آخر الزمان. أما تعبير «آرمغادون» فهو مركّبٌ من كلمتين: «آر» و«مغادون»، أمّا «آر» فهي بمعنى الجبل، و«مغادون» بمعنى الوادي، أو بمعنى «الجبل الصغير» الّذي يقع في شمال فلسطين، وقد توهّم أهل الكتاب أنَّ سعة هذه الحرب سوف تشمل كلّ منطقة شمال فلسطين الّتي تحمل اسم «آرمغادون».
ثمّ إنَّ هذه الحرب تصل إلى جنوب فلسطين أيضًا، ويبلغ عديد المشاركين فيها نحو 400 مليون شخصٍ، أغلبهم من العراق وإيران وليبيا والقفقاز والسودان، وبناءً على ما يقوله أهل الكتاب فإنَّ جذور لهذه الحركة ومنبعها سيكون من جنوب روسيا، أي من إيران.
يقول عبد الكريم الزبيدي في مقالةٍ له نُشرت في مجلة (الفكر الجديد):
إنَّ هذه الحادثة العظيمة تقع قبل الظهور، وقد عُبّر عن هذه الحرب في رواياتنا باسم "قرقيسيا"، حيث يُشارك فيها الملايين من الأمريكان والأوربيّيّن والروس والترك والمصريّين ودول المغرب الغربيّ، هذا بالإضافة إلى مشاركة جيش الشام في هذه الحرب، ثمّ يظهر السفيانيّ(1).
يستفاد من مجموع البحوث المطروحة حول "قرقيسيا" أنَّ قضيّة السفيانيّ سوف تقع بعد أحداث قرقيسيا، وفي هذا الفصل سنبدأ بالبحث والتحقيق حول هذا الموضوع، مستعرضين روايات الفريقين (الشيعة والسنّة) الواردة حول هذه الوقعة.
1- الموقع الجغرافيّ لقرقيسيا.
2- قرقيسيا في أحاديث السنّة.
3- قرقيسيا في أحاديث الشيعة.
بعد المراجعة والسبر الدقيق في كتب المعاجم تبيَّن لنا وجود رأيَين مختلفين حول الموقع الجغرافيّ لقرقيسيا:
1) مجلّة الفكر الجديد: العددان 15 و 16.
يعتقد بعض علماء الجغرافيا أنَّ قرقيسيا تقع في شمال غرب العراق بالقرب من نهر الفرات، وإليك نماذج من بعض الأقوال:
يقول حول قرقيسيا: «وهي على الفرات وعلى الخابور والرحبة والدالية وعانات، وهيت والحديثة (والرب)»(1).
يقول: «مدن الفراتيّة، أكبرهنّ رحبة ابن طوق، قرقيسيا، عانة، الدالية والحديثة» (2).
يقول عن كميل بن زياد : «وكان كميلٌ عامل عليٍّ (علیه السّلام) على هيت، وكان ضعيفًا تمرُّ عليه سرايا معاوية تنهب أطراف العراق فلا يردّها، ويحاول أن يجبر ما عنده من الضعف بأن يغير على أطراف أعمال معاوية مثل قرقيسيا وما يجري مجراها من القرى الّتي على الفرات، فأنكر أميرالمؤمنين (علیه السّلام) ذلك من فعله وقال: إنّ من العجز الحاضر أن يهمل الوالي
ما وليه، ويتكلَّف ما ليس من تكليفه »(1).
يقول: «قرقيسياء بلدٌ على الخابور عند مصبّه، وهي على الفرات؛ جانبٌ منها على الخابور وجانبٌ على الفرات، فوق رحبة مالك بن طوق»(2).
سعى البعض إلى تبنّي قول آخر، حاصله : أنّ قرقيسيا منطقةٌ قريبةٌ من حَيْفا، والظاهر أنَّ هناك واديًا يحمل هذا الاسم ما زال يُتردّد إليه حتّى الآن.
قد ألف «كريس هال سل» الكاتب الأمريكيّ سنة 1989 كتابًا تناول فيه موضوع «تدارك الحرب الكبرى»، وأشار في هذا الكتاب إلى ما يسمّى بالاتّحاد الإسرائيليّ - المسيحيّ (3).
وكان هذا الكاتب يسعى لإثبات أنَّ محل وقوع هذه الحرب «حرب
1) شرح نهج البلاغة (لابن أبي الحديد) : ج 17، ص 149 و 150 ، من كتاب له(علیه السّلام) إلى كميل بن زياد النخعيّ، رقم 61 ؛ بحار الأنوار: ج 42 ، ص 163؛ تاريخ أمير المؤمنين(علیه السّلام) ، الباب 124: علام، أحوال سائر أصحابه(علیه السّلام) ، ذيل ح 33.
2) مراصد الاطّلاع: ج 3، ص 1080 ،كتاب القاف، القاف والراء؛ بحار الأنوار: ج 41، ص 173؛ تاريخ أميرالمؤمنين(علیه السّلام)، الباب :109 ردّ الشمس (علیه السّلام) وتكلّم الشمس معه (علیه السّلام) ، ح 10، الهامش 5.
3) انظر کتاب تدارک جنگ بزرگ: ص 2 - 5 ،جنگ آرمغادون. [المصدر باللغة الفارسيّة]
آرمغادون» سوف يكون في وادٍ شمال تل أبيب. وهناك آخرون أيضًا قالوا بأنَّ «قرقیسیيا» تنطبق على هذا المكان في شمال فلسطين.
يقول الحمويّ: «مجدّون... من قُرى بُخارى» (1)، وكذلك قيل بأنَّ مجدون من قرى نسف، ونسف تقع بين جيحون وسمرقند (2)، ومن المُسلَّم به أنَّ هناك واقعةً كبيرةً سوف تحدث في الشام، لكنّ البحث هو في تطبيق مجدّون على قرقيسيا وعلى هذه الواقعة.
بما أنَّ أكثر روايات العامّة الّتي تناولت حادثة قرقيسيا قد نُقلت عن كتاب (الفتن) لنُعيم بن حمادٍ ؛ لذا سنبدأ بتحقيقٍ في شخصيّة هذا المؤلّف.
اختلفت كلمات علماء العامّة في تقييم شخصيّة نُعيم بن حمّادٍ، وفي هذا المقام نحاول أن نستعرض أقوال بعض علمائهم حسب ما رواه الذهبيّ:
1- الذهبيّ، وفي بداية الحديث عن نُعيمٍ هذا يقول: «الإمام، العلّامة،
الحافظ»، لكن في الذيل ينقل كلامًا يفهم منه أنّه ضعيفٌ، فيقول: «... روى عنه البخاريّ مقرونا بآخر...» (1).
توضيحٌ: إِنَّ عبارة (مقرونًا بآخر) تفيد أنَّ البخاريّ لم يكن يعتمد على نقل نُعيم بن حمّادٍ منفردًا.
ويقول الذهبيّ عنه في محلّ آخر: «لا يجوز لأحدٍ أن يحتجّ به، وقد صنّف كتاب (الفتن) فأتى فيه بعجائب ومناكير»، وينقل عن البعض في الصفحة نفسها: «كان يضع الحديث في تقوية السنّة، وحكاياتٍ عن العلماء في ثلب أبي فلانٍ - أبي حنيفة - كذبٌ». ويقصد ب- (السنّة) الخطّ السلفيّ الّذي تبنّاه هو وابن حنبلٍ.
2- أحمد بن حنبلٍ ، «روى الميمونيّ عن أحمد، قال: أوّل مَن عرفناه يكتب المُسند نُعيم بن حمادٍ».
3- أبو داود، «قال أبو عبيدٍ الآجرّيّ عن أبي داود: عن نُعيم بن حمّادٍ نحو عشرين حديثًا عن النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ليس لها أصلٌ».
4 - النسائيّ ، قال النسائيّ : «ليس بثقةٍ». وقال مرّةً: ضعيفٌ».
5- أبو عليٍّ النيسابوريّ، «قال الحافظ أبو عليٍّ النيسابوريّ: سمعت أبا عبدالله النسائيّ يذكر فضل نُعيم بن حمّادٍ وتقدّمه في العلم والمعرفة والسُّنن،
1) سير أعلام النبلاء : ج 10، ص 595 و 596 ، ترجمة نعيم بن حمّاد بن معاوية، رقم 209.
ثمّ قيل له في قبول حديثه، فقال: قد كثر تفرّده عن الأئمّة المعروفين بأحاديث كثيرةٍ، فصار في حدَّ مَن لا يُحتجّ به».
6 - ابن حبّان، وذكره ابن حبّان في الثقات وقال: «ربما أخطأ ووَهَم».
7- الدولابيّ، قال ابن حمّادٍ يعني الدولابيّ: «نُعيمٌ، ضعيفُ».
8- ابن يونس، قال ابن يونس: «حُمِل فامتنع أن يجيبهم، فسجن، فمات ببغداد غداة يوم الأحد لثلاث عشرة خلت من جمادى الأولى، وكان يفهم الحديث، وروى مناكير عن الثقات» (1).
والنتيجة: يتّضح لنا من مجموع هذه الآراء أنَّ كتاب (الفتن) ورواياته - ونُعيما - لا يمكن الاعتماد عليه، ولا الاستدلال والاحتجاج برواياته، وأمّا عندنا فهو مهملٌ. وعلى الرغم من ضعف نُعيم بن حمادٍ هذا حسب كتب الرجال، ولكن بلحاظ أنّه من القدماء سنتعرّض للروايات الواردة عنه عن قرقيسيا في كتاب (الفتن).
«حدّثنا الحكم بن نافع عن جرّاحٍ، عن أرطاة قال: إذا اجتمع الترك والروم، وخُسف بقريةٍ بدمشق، وسقط طائفةٌ من غربيّ مسجدها، رفع
1) سير أعلام النبلاء : ج 10، ص 609 - 611 ، ترجمة نعيم بن حمّاد بن معاوية، رقم 209.
بالشام ثلاث رايات الأبقع والأصهب والسفيانيّ. ويُحصر بدمشق رجلٌ فيُقتل ومَن معه، ويخرج رجلان من بني أبي سفيان فيكون الظفر للثاني، فإذا أقبلت مادة الأبقع من مصر ظهر السفيانيّ بجيشه عليهم؛ فيقتل الترك والروم بقرقيسيا حتّى تشبع سباعُ الأرض من لحومهم» (1).
إذن طبقًا لهذه الرواية فالمعركة ستكون بين طرفين، هما: السفيانيّ من جهةٍ، والترك والروم من جهةٍ أخرى.
أوّلاً: أنَّ الحَكم بن نافع وجرّاحًا وأرطاة هم رجالٌ ثقاتُ عند أهل السنّة، في حين لم تثبت وثاقة نُعيم بن حمّادٍ في ما تقدّم معنا سابقًا، بل هو مختلفٌ فيه عندهم ومهملٌ عندنا.
ثانيًا: أنَّ سند الرواية لا ينتهي إلى النبيّ الاعظم(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).
ثالثًا: لم يثبت أنَّ أرطاة كان من الصحابة حتّى يقال: إنَّ مرفوعات الصحابة إلى النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) مقبولةٌ على مبنى أهل السنّة.
رابعًا: الرواية من ناحية الدلالة فيها شيء ٌالإبهام، ولكنّ غاية ما يمكن استفادته منها أنّ هناك طرفين، هما: السفيانيّ من جهةٍ، والروم والترك من جهةٍ أخرى.
1) الفتن (لنعيم بن حمّادٍ ): ص 227 ، الباب 31 في الرايات الثلاث، ح 839.
«حدّثنا الحكم بن نافعٍ، عن جرّاحٍ، عن أرطاة قال: يدخل السفيانيّ الكوفة فيسبيها ثلاثة أيّامٍ، ويقتل من أهلها ستّين ألفًا، ثمّ يمكث فيها ثماني عشرة ليلةً يقسّم أموالها. ودخوله الكوفة بعد ما يقاتل الترك والروم بقرقيسياء، ثمّ ينفتق عليهم خلفهم فتق، فترجع طائفةٌ منهم إلى خراسان، فتقبل خيل السفيانيّ ويهدم الحصون حتّى يدخل الكوفة ويطلب أهل خراسان. ويظهر بخراسان قومٌ يدعون إلى المهديّ، ثمّ يبعث السفيانيّ إلى المدينة فيأخذ قومًا من آل محمّدٍ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) حتَّى يَرِدَ بهم الكوفة، ثمّ يخرج المهديّ ومنصورٌ من الكوفة هاربين ويبعث السفيانيّ في طلبهما، فإذا بلغ المهديّ ومنصورٌ مكّة نزل جيش السفيانيّ البيداء فيخسف بهم، ثمّ يخرج المهديّ حتّى يمرّ بالمدينة فيستنقذ مَن كان فيها من بني هاشمٍ.
وتقبل الرايات السود حتّى تنزل على الماء، فيبلغ من بالكوفة من أصحاب السفيانيّ نزولهم فيهربون، ثمّ ينزل الكوفة حتّى يستنقذ مَن فيها من بني هاشمٍ، ويخرج قوم من سواد الكوفة يقال لهم: العُصَب، ليس معهم سلاحٌ إلّا قليلٌ، وفيهم نفرٌ من أهل البصرة، فيدركون أصحاب السفيانيّ فيستنقذون ما في أيديهم من سبي الكوفة، وتبعث الرايات السود بالبيعة إلى المهديّ» (1).
1) الفتن (لنعيم بن حمّادٍ) : ص 244 ، الباب :37: الرايات السود للمهديّ بعد رايات بني العبّاس ح 900؛ العرف الورديّ: ص 120 و121 ، ح 91.
إنَّ الرواية الأولى قد تفرّد ابن حمّادٍ بنقلها، لكنّ الرواية الثانية نقلها غيره من المحدّثين، منهم: السيوطيّ والمتّقي الهنديّ من علماء أهل السنّة،ومن علماء الشيعة أوردها السيّد ابن طاووس في (الملاحم). والملفت للنظر أنَّ هؤلاء العلماء وغيرهم قد نقلوا الرواية عن ابن حمّادٍ نفسه.
مع الالتفات إلى أنَّ السند هو نفسه في الروايتين؛ لذا فإنَّ جميع الإشكالات السنديّة على الرواية الأولى ترد على هذه الرواية أيضًا، وأهمّها:
1- أنَّ نُعيم بن حمّادٍ ضعيفٌ.
2 - أنَّ سند الرواية لا ينتهي إلى النبيّ الأعظم(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) .
3- لم يُعهد أنّ الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) بعد الظهور ودخوله الكوفة أن يهرب، ولا تفوّه به أحدٌ من الفريقين، ولا ورد في رواية حتّى ولو ضعيفةٌ. إذن لعلّ الرواية تحكي عن خروج بعض السفيانيّين على العبّاسيّين.
«حدّثنا الوليد ورشيدين، عن ابن لهيعة، عن أبي زرعة، عن عمّار بن ياسرٍ قال : فيتّبع عبدُالله عبدَالله، فتلتقي جنودهما بقرقيسياء على النهر، فيكون قتالٌ عظيمٌ، ويسير صاحب المغرب فيقتل الرجال ويسبي النساء،
ثمّ يرجع في قيسٍ حتّى ينزل الجزيرة إلى السفيانيّ، فيتبع اليمانيّ فيقتل قيسًا
بأريحا، ويحوز السفيانيّ ما جمعوا، ثمّ يسير إلى الكوفة فيقتل أعوان آل محمّدٍ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ثمّ يظهر السفيانيّ بالشام على الرايات الثلاث، ثمّ يكون لهم وقعةٌ بعد قرقيسياء عظيمةٌ، ثمّ ينفتق عليهم فتقٌ من خلفهم، فيقتل طائفةً منهم حتّى يدخلوا أرض خراسان، وتقبل خيل السفيانيّ كالليل والسيل، فلا تمرّ بشيءٍ إلّا أهلكته وهدّمته، حتّى يدخلوا الكوفة فيقتلون شيعة آل محمّدٍ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ثمّ يطلبون أهل خراسان في كلّ وجهٍ، ويخرج أهل خراسان في طلب المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) فيدعون له وينصرونه»(1).
يُفهم من هذه الرواية أنّ هناك حرباً ضروساً سوف تقع بين اتّجاهين، كلُّ منهما يحمل اسم (عبدالله).
أوّلاً: أنَّ هذه الرواية ضعيفةٌ كالروايتين السابقتين؛ فقد نُقلت عن نُعيم بن حمّادٍ أيضًا.
ثانياً : بالإضافة إلى ضعف نُعيم بن حمّادٍ هذا فإنَّ ابن لهيعة الواقع في السند قد ضعفه أهل السنّة أيضًا، وسنذكر تحقيقًا موجزا حول شخصيّته، وننقل بعض كلمات علمائهم في إثبات ضعفه.
1) الفتن (لنعيم بن حمّادٍ) : ص 240 ، الباب 34: ما يكون بين أهل الشام وبين مَلِكٍ من بني العبّاس ، ح 888 .
ثالثًا : لم يرد في كتب الرجال اسم عمّار بن ياسرٍ، ومن المحتمل أن يكون عمّار بن ياسر الصحابيّ الجليل المعروف، ولكن لم يقل بذلك أحدٌ.
رابعًا: أنَّ سند الرواية لا ينتهي إلى النبيّ الأكرم(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، إلّا أن يُدّعى أنَّ هذه الرواية من أقسام الروايات المرفوعة ، والمرفوع عند الإماميّة قسمٌ من المرسل، وعند العامّة من أقسام الرواية الصحيحة. ومعنى رفعه إلى النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أي أسنده إلى النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) إذا كان الراوي هو عمّار بن ياسر الصحابيّ الجليل (1).
اختلفت آراء علماء العامّة في ابن لهيعة (المتوفّى 95 ه)، والمشهور عندهم هو ضعفه، وسنشير إلى بعض كلماتهم حسب ما أورده الذهبيّ:
1- يقول عنه الذهبيّ : «القاضي، الإمام، العلّامة... وكان من بحور العلم على لينٍ في حديثه... لا ريب أنّ ابن لهيعة كان عالم الديار المصريّة... ولكن ابن لهيعة تهاون بالإتقان، وروى مناكير ، فانحطّ عن رتبة الاحتجاج به عندهم.
وبعض الحفّاظ يروي حديثه ويذكره في الشواهد (2)والاعتبارات (3)والزهد (4)
1) ومن العجب تفسيق بعضهم عمّار بن ياسر (نستجير بالله) حيث يقول عبدالله بن أبي جعفرٍ : «كان عمّار بن ياسرٍ فاسقًا» [تهذيب التهذيب : ج 5 ، ص 155، ترجمة عبدالله بن أبي جعفرٍ عيسى بن ماهان الرازيّ، رقم 300].
2) الشواهد: «الحديث الّذي يروى بمعنى حديثٍ آخر أو لفظه من طريق صحابيٍّ آخر» [معجم المصطلحات الحديثيّة : ص 416 ، حرف الشين الشاهد].
3) الاعتبارات تتبّع طرق حديث انفرد برواته راو ليعرف هل شاركه في رواية ذلك الحديث راوٍ غيره من الرواة...» [ معجم المصطلحات الحديثيّة : ص 134 ، حرف الألف، الاعتبار].
4) الزهد : ويقصد بالزهد هنا الإرشاد والمواعظ والنصائح المزهّدة في الدنيا.
والملاحم (1)لا في الأصول، وبعضهم يبالغ في وهنه، ولا ينبغي إهداره، وتُتجنّب تلك المناكير؛ فإنّه عدلٌ في نفسه، وقد وليّ قضاء الإقليم في دولة المنصور دون السنة، وصُرف، أعرض أصحاب الصحاح عن رواياته...». وفي موضع آخر يقول الذهبيّ: «قلتُ: لأنّه لم يكن بَعْدُ تساهل، وكان أمره مضبوطًا، فأفسد نفسه».
2- قال ابن سعدٍ : «ابن لهيعة حَضرميٌّ من أنفَسهم، كان ضعيفًا».
3-قال مسلم بن الحجّاج : «ابن لهيعة تركه وكيعٌ ويحي وابن مهديٍّ».
4- قال عنه النسائيّ: «ليس بثقةٍ».
5- قال أحمد بن حنبلٍ: «مَن كتب عن ابن لهيعة قديمًا فسماعه صحيح».
6- قال ابن خراش : «لا يُكتب حديثه».
7-قال أبو زرعة : «لا يُحتجّ به، قيل: فسماع القدماء؟ قال: أوّله وآخره سواءٌ».
8-قال يحيى بن معينٍ: «ابن لهيعة لا يُحتجّ به»(2).
9- يقول عنه ابن عديٍّ: «فإنّه شديد الإفراط في التشيّع، وقد تكلّم فيه الأئمّة ونسبوه إلى الضعف»(1).
أمّا عندنا فهو مهملٌ أو مجهولٌ (2).
رأَيْنا من الضروريّ بمكانٍ أن نذكر بعض النقاط المهمّة عن هذه الرواية :
1- لا توجد في هذه الرواية أيّ علاقة بين قرقيسيا والسفيانيّ.
2- أنَّ حرب السفيانيّ أوسع وأشمل من حرب قرقيسيا.
3- هناك إشكالاتٌ من الناحية السنديّة لا مفرّ منها كما تقدّم.
«حدّثنا الوليد بن مسلمٍ، قال: حدّثني أنَّ المهديّ والسفيانيّ وكلبًا يقتتلون في بيت المقدس حين يستقيله البيعة، فيؤتى بالسفيانيّ أسيرًا، فيأمر به فيُذْبح على باب الرحمة، ثمّ تباع نساؤهم وغنائمهم على درج دمشق»(3).
1- أنَّ هذه الرواية مرسلة ؛ ففي سندها «حدّثني محدِّث»، ولم يُعرف هذا المحدّث، وليس بمعلوم الهويّة.
2- ليست في هذه الرواية إشارةٌ إلى أنَّ حربًا ستقع بين الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) وبين السفيانيّ في خصوص قرقيسيا، غاية ما فيها أنَّ محور الحرب سيكون في بيت المقدس، وسيكون لهذه الحرب تأثير مهمٌّ في تقرير مصير أعداء الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف).
«حدّثنا الحكم بن نافعٍ عن جرّاحٍ، عن أرطاة بن المنذر قال: يجيء البربر (1)حتّى ينزلوا بين فلسطين والأردنّ، فتسير إليهم جموع المشرق والشام حتّى ينزلوا الجابية، ويخرج رجل من ولد صخرٍ(2)في ضعفٍ(3)فيلقى جيوش المغرب على ثنية بيسان فيردعهم عنها، ثمّ يلقاهم من الغد فيردعهم عنها، فينحازون وراءها، ثمّ يلقاها في اليوم الثالث فيردعهم إلى عين الريح، فيأتيهم موت رئيسهم، فيفترقون ثلاث فرقٍ: فرقةٍ ترتدّ على أعقابها، وفرقةٍ تلحق بالحجاز، وفرقةٍ تلحق بالصخريّ.
فيسير إلى بقيّة جموعهم حتّى يأتي ثنية (فيق)، فيلتقون عليها، فيدال عليهم الصخريّ، ثمّ تعطف إلى جموع المشرق والشام فتلقاهم فيدال عليهم ما بين الجابية والخربة حتّى تخوض الخيل في الدماء، ويقتل أهل الشام رئيسهم وينحازون إلى الصخريّ، فيدخل دمشق فيمثّل بها.
وتخرج راياتٌ من المشرق مسوّدةً فتنزل الكوفة، فيتوارى رئيسهم فيها فلا يُدرى موضعه، فيتحين ذلك الجيش، ثمّ يخرج رجلٌ كان مختفياً في بطن الوادي فَيَلى أمر ذلك الجيش، وأصل مخرجه غضب ممّا صنع الصخريّ بأهل بيته، فيسير بجنود المشرق نحو الشام، ويبلغ الصخريّ مسيره إليه فيتوجّه بجنود أهل المغرب إليه، فيلتقون بجبل الحصيّ فيهلك بينهما عالمٌ كثيرٌ، ويولّي المشرقيّ منصرفًا، ويتبعه الصخريّ فيدركه بقرقيسيا عند مجمع النهرين، فيلتقيان فيفرغ عليهما الصبر ، فيقتل من جنود المشرقيّ من كلِّ عشرة سبعةً، ثمّ يدخل الصخريّ الكوفة فيسوم أهلها الخسف.....»(1).
في هذه الرواية ثَمّة حربٌ تقع بين البربر والمشرق والشام، ثمّ تقع حربٌ ثانيةٌ بين السفيانيّ والمغرب والمشرق والشام، وتكون الحرب بين السفيانيّ والمشرق في قرقيسيا حربًا مصيريّةً، حيث يقتل من بين كلّ عشرةٍ سبعة أشخاصٍ.
1) الفتن ( لنعيم بن حمّادٍ): ص 219 ، الباب 28 : ما يكون من فساد البربر، ح 802.
1- لم تسند هذه الرواية ولم تنته إلى النبيّ الأكرم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ).
2-أنّ هذه الرواية مرسلةٌ، فأرطاة بن المنذر كان من التابعين، ووفاته كانت عام 163 ه، وعليه فلا يمكنه أن يروي عن النبيّ الأكرم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بلا واسطةٍ.
والجدير بالذكر أنّ هذه الرواية قد نقلها أيضًا ابن طاووس الحلّيّ عن ابن حمّادٍ.
«حدّثنا الوليد بن مسلمٍ، عن الجبار بن رشيدٍ الأزديّ، عن أمّه، عن ربيعة القيصر، عن تبيعٍ عن كعبٍ قال: تكون فتنٌ ثلاث كأمسكم الذاهب: فتنةُ تكون بالشام، ثمّ الشرقيّة هلاك الملوك، ثمّ تتبعها الغربيّة. وذكر الرايات الصفر، قال: والغربيّة هي العمياء»(1).
1- الإشكال الأصليّ هو ضعف مصدر الرواية، أي كتاب (الفتن) ومؤلّفه نُعيم بن حمّادٍ.
2- وردت في سند الحديث عبارة «عن أمّه» ، ولا نعلم مَن هي الشخصيّة المقصودة بها، وعليه يكون الراوي مجهولاً.
1) الفتن (لنعيم بن حمّادٍ): ص 53 ، الباب 2: تسمية الفتن الّتي هي كائنةٌ، رقم 96.
3-ينتهي سند الحديث إلى (كعب الأحبار)، وهو كعب بن ماتعٍ الحَميريّ، وهو لم يدرك النبيّ الأكرم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )، وعليه تكون الرواية مرسلةً. هذا بالإضافة إلى أنّ شخصيّته مختلفٌ فيها، فلم يرد له توثيقٌ عند العامّة، ولم يوثّق عندنا، بل ورد فيه الذمّ أيضًا.
والحاصل : أنَّ هناك خلافًا في آراء العلماء يدور بين قبول هذه الشخصيّة أو عدم قبولها، وتفصيل الكلام فيه وكلمات الأعلام حوله من الفريقين في الملحق الثالث من ملاحق الكتاب.
لقد وردت في كتبنا خمس رواياتٍ حول قرقيسيا: في (الكافي) الشريف ، و(الغَيْبة) للطوسيّ و (الغَيبة) للنعمانيّ.
«محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّدٍ، عن ابن فضّالٍ، عن عليّ بن عقبة، عن أبیه، عن ميسرٍ، عن أبي جعفرٍ (علیه السّلام) قال : يا ميسر، كم بينكم وبين قرقيسيا؟ قلتُ: هي قريبٌ على شاطئ الفرات فقال: أمّا إنّه سيكون بها وقعةٌ لم يكن مثلها منذ خلق الله - تبارك وتعالى - السماوات والأرض، ولا - يكون مثلها ما دامت السماوات والأرض؛ مأدبةٌ للطير، تشبع منها سباع الأرض وطيور السماء، يهلك فيها قيسٌ، ولا يُدعى لها داعيةٌ »(1).
1) الكافي : ج 8، ص 295، ح 451.
1- تحقيق مصدر الرواية : هل ( روضة الكافي) للكلينيّ نفسه أو لشخصٍ آخر؟
2- تحقيق سند الرواية.
3- تحقيق دلالة الرواية.
الظاهر أنّه لا كلام ولا نقاش في أنَّ مؤلّف الروضة هو ثقة الإسلام الكلينيّ(رحمه الله)، خاصةً وأنَّ كبار علمائنا كالنجاشيّ والطوسيّ وابن شهر آشوب قد صرّحوا بأنَّ للكلينيّ كتابًا باسم (الروضة).
1- النجاشيّ، في شرح حال الشيخ الكلينيّ يقول: «صنف الكتاب الكبير، المعروف بالكلينيّ، يسمّى الكافي، في عشرين سنةً، وشرح كتبه: كتاب العقل... كتاب الروضة...»(1).
2- الشيخ الطوسيّ، حينما ذكر أسماء كتب الشيخ الكلينيّ قال: «له كتب، منها: كتاب الكافي، وهو يشتمل على ثلاثين كتابًا: أوّله كتاب العقل وفضل العلم... وكتاب الروضة آخر كتاب الكافي» (2).
3- ابن شهرآشوب، عرّف كتاب (الروضة) على أنّه من كتب الشيخ الكلينيّ قائلًا: «له كتاب (الكافي) يشتمل على ثلاثين كتابًا، منها: العقل... الروضة...»(1).
إنَّ القدماء من علماء الرجال - كالنجاشيّ والشيخ الطوسيّ اللذين كانا في عصر قريب من عصر الكلينيّ - ينسبون كتاب (الروضة) إلى الكلينيّ بشكل قاطعٍ ومن دون أدنى تردّدٍ، وبناءً عليه يكون انتساب (الروضة) إلى الكلينيّ من الثوابت.
وقد اتفق جميع علماء الطائفة على أنَّ كتاب (الروضة) هو من مصنّفات الكلينيّ(رحمه الله) . نعم، إنَّ المولى خليل القزوينيّ هو الوحيد والمتفرّد الّذي ذهب إلى أنَّ الروضة ليست من مصنَّفات الكلينيّ.
لقد نسب العلّامة النوري(رحمه الله) نقلا عن (رياض العلماء) إلى المولى خليلٍ القزوينيّ نظرياتٍ وآراءً غريبةً، وسنورد جزءًا منها :
1- من أغرب ادّعاءاته قوله إنَّ (الكافي) بأجمعه قد شاهده الصاحب(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) واستحسنه.
2- أنّ كلّ ما وقع فيه بلفظ (روي) فهو مرويٌّ عن الصاحب(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) بلا واسطة.
1) معالم العلماء: ص 99 ، ترجمة محمّد بن يعقوب الكلينيّ، رقم 666 .
3- أنّ جميع أخباره حقٌّ واجب العمل بها.
4- ليس فيه خبر للتقيّة ونحوها.
5- أنّ (الروضة) ليست من تأليف الكلينيّ، بل هي من تأليف ابن إدريس.
ثمّ يقول صاحب (الرياض): «وإن ساعده في الأخير بعض الأصحاب، وربّما ينسب هذا القول الأخير إلى الشهيد الثاني، ولكن لم يثبت»(1).
الحقيقة أنَّ كلام المولى خليلٍ القزوينيّ عجيبٌ؛ إذ من المعلوم عند علماء الإماميّة أنَّ العمل بكلِّ روايات (الكافي) ليس واجبًا، كيف ذلك وفيه رواياتٌ لا يمكن قبولها أو العمل بها، بل إنَّ الاعتقاد والعمل عند الإماميّة على خلافها.
أمّا قوله: «ليس في (الكافي) روايةٌ بالتقيّة» فإنّه لا يمكن قبوله، خاصّةً وأنَّ زمانهم كان زمن تقيّةٍ، وأعجب ما في كلامه هو قوله إنَّ (الروضة) ليست من تأليف الكلينيّ!
وفيما يلي نحاول أن نلخص ردّ المحدّث النوريّ على آراء القزوينيّ في هذه النقاط :
1- تصريحه بأنَّ كتاب (الروضة) هو من تأليفات الكلينيّ.
1) خاتمة مستدرك الوسائل: ج 3، ص 536 ، الفائدة الرابعة، نبذةٌ ممّا يتعلّق بكتاب (الكافي)، نقلًا عن ( رياض العلماء)، ج 2، ص 261 و 262 ، ترجمة خليل بن الغازي القزوينيّ.
2- وحدة السياق.
3- عدم وجود ما يعارض النسبة إلى الكلينيّ (رحمه الله) .
4- عدم وجود المقتضي لنسبة (الروضة) إلى ابن إدريس (رحمه الله).
5- نقل العلماء المعوّل عليهم وتصريحاتهم بنسبة كتاب (الروضة) إلى الكلينيّ(1).
لم يورد المولى خليلٌ القزوينيّ أيَّ دليلٍ ناهضٍ لإثبات مدّعاه، واستنادًا إلى كلمات علماء الرجال القدامى نقول : «لا شكّ ولا ريب بنسبة كتاب (الروضة) إلى الكلينيّ (رحمه الله).
أمّا سند الرواية فهو: «محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّدٍ، عن ابن فضّالٍ، عن عليّ بن عقبة، عن أبيه، عن ميسر، عن أبي جعفرٍ(علیه السّلام) ...».
قال العلّامة المجلسيّ الثاني(رحمه الله) في ذيل هذا الحديث: «حَسنُ على الأظهر» (2).
إنَّ مجموع روايات (الكافي) يقرب من 16 ألف حديثٍ، ومن المعروف أنَّ العلّامة المجلسيّ الثاني(رحمه الله) قد عدّ ما يقرب من 5072 منها صحيحًا، و 144 حديثًا حَسَنًا ، و 178 حديثًا موثّقًا، و 300 حديثٍ قويٍّ واثنين، و9485 حديثًا ضعيفًا(1)، لكن مع التدقيق نعرف أنَّ للعلّامة المجلسيّ الثاني(رحمه الله) رأيًا خاصّا في الضعيف(2).
ومع أنّه خبير في علم الرجال، بل هو من المتشدّدين الّذين يصعب عليهم جدًّا قبول الراوي كيفما كان يقول عن هذا الحديث بأنّه: «حَسنُ على الأظهر».
الظاهر أنَّ المشكل في سند هذه الرواية هو ميسرٌ ، فهو مشتركٌ بين أربعة
1) الذريعة : ج 17، ص 245 ، الكافي في الحديث، رقم 96.
2) المقصود بالضعيف عند العلّامة المجلسيّ اصطلاحٌ خاصٌ وليس بالمعنى المعروف من أنّ الرواية ساقطةٌ عن الاعتبار، حيث قال: «خلاصة القول في ذلك - والحقّ عندي فيه - أنّ وجود الخبر في أمثال تلك الأصول المعتبرة ممّا يورث جواز العمل به، لكن لا بدَّ من الرجوع إلى الأسانيد لترجيح بعضها على بعضٍ عند التعارض؛ فإنَّ كون جميعها معتبرًا لا ينافي كون بعضها أقوى. وأما جزم بعض المجازفين بكون جميع الكافي معروضًا على القائم؛ لكونه في بلدة السفراء، فلا يخفى ما فيه على ذي لبٍّ. نعم ، عدم إنكار القائم(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) وآبائه (علیهم السّلام) عليه وعلى أمثاله في تأليفهم ورواياتهم ممّا يورث الظنَّ المتاخم للعلم بكونهم (علیهم السّلام) راضين بفعلهم ومجوّزين للعمل بأخبارهم» [مرآة العقول: ج 1، ص 22، مقدّمة المؤلّف؛ وهناك مبنىً آخر للمجلسيّ: رجال المجلسيّ (الوجيزة): ص 409 ، أسانيد الصدوق في الفقيه، ذيل طريقه إلى يونس بن يعقوب رقم 380].
أشخاصٍ، بعضهم ثقةٌ وبعضهم حسنٌ الحال، وهم:
1- ميسر بن أبي البلاد.
2 - ميسر بن حفصٍ.
3 ميسر بن عبد العزيز.
4- ميسر بيّاع الزطي.
وبسبب هذا الاشتراك لا يمكن التمييز، ولعلّ المجلسيّ (رحمه الله) استظهر أنّه هو ابن عبدالعزيز الّذي وثّقة ابن فضّال (1).
بناءً على ما تقدّم تكون الرواية مقبولةً من الناحية السنديّة.
إنَّ هذه الرواية تعدُّ عمدة الروايات في مصادر الإماميّة، فهي تحمل دلالةً واضحةً وتصرّح بأنَّ هناك حربًا لا مثيل لها لا في الماضي ولا في المستقبل، سوف تحدث ويقع فيها قتلٌ عظيم لا سابقة له ولا نظير.
وللعلّامة المجلسيّ الثانيّ (رحمه الله) بيانٌ ذيل هذه الرواية يقول فيه:
1) انظر: معجم رجال الحديث: ج 19، ص 103 - 109 ، ترجمة ميسرٍ، رقم 12918 إلى ترجمة ميسرٍ بيّاع الزطي، رقم 12922.
«قوله: "وبين قرقيسيا"، كذا في أكثر النسخ، والظاهر قرقيسا بياءٍ واحدةٍ قال الفيروزآبادي : قرقيسا - بالكسر - ويقصر: بلدٌ على الفرات، سمّي بقرقيسا بن طهمورث.
قوله: "مأدبة الطير"، المأدُبة - بضمّ الدال وكسرها - : الطعام الّذي يُدعى إليه القوم، أي تكون هذه البلدة لكثرة لحوم القتلى فيها مأدبةً للطيور. قوله: " يهلك فيها قيس"، أي قبيلة بني قيسٍ، وهي بطن من أسدٍ.
قوله : "ولا يُدعى لها داعيةٌ ، أي لا يدعو أحدٌ لنصر تلك القبيلة نفسًا، أو فئةً تدعو الناس إلى نصرهم، أو تشفع عند القاتلين، وتدعوهم إلى رفع القتل عنهم.
ويمكن أن يُقرأ بتشديد الدال على بناء المعلوم، أي لا تدّعي بعد قتلهم فئةُ تقوم وتطلب ثارهم وتدعو الناس إلى ذلك قوله: "هلمّوا"، نداءٌ للطيور والسباع» (1).
والجدير بالذكر أنَّ أصل قرقيسيا هو كركيسا ، بمعنى إرسال فرسان الجيش (2).
بعد هذا البحث توصّلنا إلى نتيجةٍ مهمّةٍ وهي أنّه لا تطابق أبدًا بين اسم قرقيسيا مع اسم آرمغادون؛ لأنَّ الموقع الجغرافيّ لقرقيسيا هو العراق، أمّا الموقع الجغرافيّ لآرمغادون فهو فلسطين.
«عبد الواحد بن عبدالله، قال: حدّثنا محمّد بن جعفر القرشيّ، قال: حدّثنا محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، قال: حدّثني محمّد بن سنان، عن حذيفة بن المنصور، عن أبي عبدالله (علیه السّلام) أنّه قال: إنّ لله مائدةً - وفي غير هذه الرواية (مأدُبةً) - بقرقيسياء، يطلع مطّلعٌ من السماء فينادي: يا طير السماء، ويا سباع الأرض، هلّموا إلى الشبع من لحوم الجبّارين»(1).
1- عبد الواحد بن عبدالله ثقةُ (2).
2- محمّد بن جعفرٍ القرشيّ الرزّاز (3)هو خال أبي غالبٍ الزراريّ(4)، وعن
1) الغَيبة (للنعمانيّ) ص 278 ، الباب 14: ما روي في العلامات الّتي تكون قبل قيامه (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ح 63 .
2) معجم رجال الحديث : ج 11، ص 36 ، ترجمة عبد الواحد بن عبدالله، رقم 7352.
3) قال أبو غالبٍ: «هو أحد رواة الحديث ومشايخ الشيعة، وكان مولده سنة 236 ه، ومات سنة 310 ه. وكان من محلّه في الشيعة أنّه كان الوافد عنهم إلى المدينة عند وقوع الغَيبة سنة 260 ه، وأقام بها سنةً ،وعاد ، وقد ظهر له من أمر الصاحب(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ما احتاج إليه» [قاموس الرجال: ج 9، ص 166، ترجمة محمّد بن جعفر الرزّاز، رقم 6528]؛ وفي تاريخ آل زرارة: «وكان مولد محمّد بن جعفرٍ سنة 233 ه، ومات 316 ه» [مكتبة أهل البيت، تاريخ آل زرارة، ص 225].
4) معجم رجال الحديث : ج 15، ص 171 ترجمة محمّد بن جعفر الرزّاز أبي العبّاس، رقم 10396.
البحرانيّ أنّه ثقةً، وأنّه من أجلّاء الشيعة، ومن مشايخ الكلينيّ. قال النمازيّ: «هو ثقةٌ جليلٌ»(1).
3- محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، هو من أكابر الأصحاب، قال عنه النجاشيّ: «جليلٌ من أصحابنا، عظيم القدر، كثير الرواية، ثقةٌ، عينٌ».
والشيخ الطوسيّ في (الفهرست) يقول عنه : «كوفيٌّ ، ثقةٌ» (2).
4- حذيفة بن المنصور، قال عنه النجاشيّ: قيل: الخزاعيّ، أبو محمّدٍ، ثقةٌ ...» (3). وقال العلّامة: «وَثَّقَهُ شيخنا المفيد» (4).
والحاصل: أنَّ رجال هذا السند غير محمّد بن سنانٍ كلُّهم ثقاتٌ، ولكن يبقى الإشكال الأساس في محمّد بن سنانٍ، فقد اختلف في وثاقته، فالمشهور يذهب إلى ضعفه، ولكنّنا نذهب إلى وثاقته.
1) مستدركات علم رجال الحديث : ج 6، ص 496 ، ترجمة محمّد بن جعفرٍ الرزّاز القرشيّ الكوفيّ أبي العبّاس، رقم 12863.
2) قاموس الرجال : ج 9، ص 217 ،ترجمة محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، رقم 6622 ؛ انظر: خلاصة الأقوال: ص 240، القسم الأوّل، الفصل 23 في الميم، ترجمة محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، الرقم 818 .
3) رجال النجاشيّ، ص 146 ، ترجمة حذيفة بن منصورٍ، رقم 383.
4) خلاصة الأقوال : ص 131، ترجمة حذيفة بن منصورٍ، رقم 350.
لقد قال عنه آية الله السيّد الخوئي(رحمه الله) : «وقع بهذا العنوان في أسناد كثيرٍ من الروايات، تبلغ سبعمئةٍ وسبعةٍ وتسعين مورداً»(1). ثمّ أورد السيّد الخوئيّ(رحمه الله) الروايات المتعارضة فيه؛ إذ وردت في ذَمِّهِ أربعٌ أو خمس رواياتٍ، وفي مدحه وردت ثمان رواياتٍ أيضًا (2).
ثمّ يقول السيّد الخوئيّ (رحمه الله): «المتحصّل من الروايات أنَّ محمّد بن سنانٍ كان من الموالين، وممّن يدين الله بموالاة أهل بيت نبيّه(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فهو ممدوحٌ، فإن ثبت فيه شيءٌ من المخالفة فقد زال ذلك، وقد رضي عنه المعصوم (علیه السّلام) ؛ ولأجل ذلك عدّه الشيخ ممّن كان ممدوحًا، حسن الطريقة»(3).
لكن بعض كبار علماء الرجال أمثال: ابن عقدة، والنجاشيّ، والشيخ الطوسيّ، والشيخ المفيد وابن الغضائريّ ضعّفوا محمّد بن سنانٍ هذا، وإليك أقوالهم فيه:
أ- قال ابن الغضائريّ: «محمّد بن سنان أبو جعفرٍ الهمدانيّ... ضعيفٌ، غالٍ، يضع، لا يُلتفت إليه» (4).
ولكن تقدم رأينا سابقًا أنّه لا يُعتنى بتضعيف ابن الغضائريّ هذا؛ لأنّنا لا نقبل أصل انتساب الكتاب إليه.
ب- الشيخ الطوسيّ يقول : «محمّد بن سنانٍ مطعونٌ عليه، ضعيفٌ جدًّا، وما يختصّ بروايته ولا يشاركه فيه غيرُه لا يُعمل عليه» (1).
لكنّ هذا التضعيف من قِبل الشيخ الطوسيّ(رحمه الله) يتعارض مع المدح الّذي أورده له فيتساقطان.
ج -ابن عقدة قال عنه : «... وله مسائل عنه - عن الرضا (علیه السّلام) - معروفةٌ ، وهو رجلٌ ضعيفٌ جدًّا ، لا يعوَّل عليه ، ولا يُلتفت إلى ما تفرّد به» (2).
لكن بما أنَّ ابن عقدة هذا زيديّ المذهب، فقد ذهب البعض إلى عدم اعتبار تضعيفاته.
د- الشيخ الشيخ المفيد ضعّفه أيضًا في (الرسالة العدديّة)، حيث قال(رحمه الله) : «و محمّد بن سنانٍ مطعونٌ فيه، لا تختلف العصابة في تهمته وضعفه، وما كان هذا سبيله لا يعمل عليه في الدين» (3).
لكنّه في (الإرشاد) عاد ووثَّقه قائلًا : «... من أهل الورع والعلم والفقه، من خاصّة الإمام وثقاته»(1).
وبما أنَّ تضعيف الشيخ المفيد (رحمه الله) يتعارض مع توثيقه، فيتساقطان.
ه- الفضل بن شاذان يقول : «إنّ محمّد بن سنانٍ من الكذّابين المشهورين»(2).
إنَّ السيّد الخوئيّ(رحمه الله) همه يختم بحثه حول محمّد بن سنان قائلا: «ولولا أنَّ ابن عقدة، والنجاشيّ، والشيخ، والشيخ المفيد، وابن الغضائريّ ضعّفوه، وأنَّ الفضل بن شاذان عدَّه من الكذَّابين ، لَتَعيَّن العمل برواياته؛ ولكنّ تضعيف هؤلاء الأعلام يسدُّنا عن الاعتماد عليه والعمل برواياته؛ ولأجل ذلك لا يمكن الاعتماد على توثيق الشيخ المفيد إيّاه، حيث عدَّه ممّن روى النصّ على الرضا (علیه السّلام) من أبيه، من خاصّته وثقاته، وأهل الورع والعلم والفقه من شيعته....»(3).
الأوّل: صدر هذا التوثيق من الشيخ المفيد (رحمه الله) إذ قال في (الإرشاد): «من أهل الورع والعلم والفقه، من خاصّة الإمام وثقاته»(4).
1) الإرشاد : ج 2، ص 248 ، باب ذكر الإمام القائم بعد أبي الحسن(علیه السّلام) من ولده، فصلٌ في النصّ على إمامة الرضا (علیه السّلام).
2) معجم رجال الحديث : ج 16، ص 159 ، ترجمة محمّد بن سنان، رقم 10911.
3) معجم رجال الحديث : ج 16، ص 159 ، ترجمة محمّد بن سنان، رقم 10911.
4) الإرشاد : ج 2، ص 248 ، فصلٌ في النصّ على إمامة الرضا (علیه السّلام) ؛ معجم رجال الحديث : ج 16،ص 160، ترجمة محمّد بن سنانٍ، رقم 10911.
الثاني: أنَّ محمّد بن سنانٍ أحد رواة (كامل الزيارات)، وابن قولوَيه له توثيقٌ عامٌ لرواة (كامل الزيارات).
الثالث : أنَّ محمّد بن سنانٍ من رواة تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ، والقمّيّ له توثيقٌ عامٌّ لرواته أيضًا.
الرابع: صدر لهذا التوثيق من الحُرّ العامِليّ (رحمه الله) صاحب (وسائل الشيعة)(1).
بناءً على مبنى المشهور فمحمّد بن سنانٍ هذا ضعيفٌ، لكنّ الحقِّ يُقال: إنّه لا بدَّ من إعادة النظر بشأنه، فنقول: أمّا تضعيفه من بعض علماء الرجال كابن الغضائريّ والشيخ الطوسيّ وابن عقدة والشيخ المفيد، فقد بيّنّا أنّه يتعارض مع توثيقاتهم، وبالتالي يسقط عن الاعتبار، هذا من جهةٍ.
ومن جهةٍ أخرى نحن نستطيع أن نثبت وثاقته عن طريق كثرة الرواية، فقد نقل ابن سنانٍ رواياتٍ كثيرةً، ففي الكتب الأربعة لوحدها بلغت 800 موردٍ، هذا مضافًا إلى كثرة روايته في مصنّفاتٍ معتبرةٍ يقول عنها مؤلّفوها الأعلام: إنّها حجّةٌ بينهم وبين الله تعالى، ولا معنى لهذه الحجّيّة لو كان راوي هذه الروايات ضعيفاً !
1) معجم رجال الحديث : ج 16، ص 160 - 161 ، ترجمة محمّد بن سنانٍ، رقم 10911.
وعليه فما ذكرناه من وجوه التوثيق، بالإضافة إلى كثرة الرواية هي أمارةٌ على وثاقته، وبهذا البيان الّذي تقدّم فنحن نذهب إلى توثيق محمّد بن سنان.
أمّا بالنسبة لرمي البعض إيّاه بالغلوّ، فهذا صلح أمره بواسطة الإمام الرضا(علیه السّلام) الّذي قال عنه: «كان من الطيّارة فقصصناه» (1).
زد على ذلك أنَّ مثل هذه الاعتقادات الّتي كانت سببًا لرمي ابن سنانٍ بالغلوّ قديماً تعدّ اليوم من ضروريّات عقائد الشيعة ومُسلّماتهم الّتي لا نقاش فيها.
وبناءً على ما تقدّم فإنّ الرواية ستكون - ظاهرًا - روايةً موثقةً لا إشكال في سندها، ولا أقلّ في مقام العمل يتوجّب الاحتياط في الفتوى.
«أخبرنا أحمد بن محمّد بن سعيدٍ عن هؤلاء الرجال الأربعة، عن ابن محبوبٍ، وأخبرنا محمّد بن يعقوب الكلينيّ أبو جعفرٍ، قال: حدّثني عليّ بن إبراهيم بن هاشمٍ عن أبيه ، قال : وحدّثني محمّد بن عمران، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن عيسى، قال: وحدّثني عليّ بن محمّدٍ وغيره، عن سهل بن زيادٍ جميعًا عن الحسن بن محبوبٍ، وحدّثنا عبد الواحد بن عبدالله الموصليّ، عن أبي عليٍّ أحمد بن أبي ناشرٍ، عن أحمد بن هلالٍ، عن الحسن بن محبوب، عن
1) اختيار معرفة الرجال : ص 507 ، ما روي في محمّد بن سنانٍ، رقم 978 .
عمرو بن أبي المقدام، عن جابر بن يزيد الجعفيّ قال: قال أبو جعفرٍ محمّد بن علىٍّ الباقر (علیه السّلام): يا جابر، الزم الأرض ولا تحرّك يدًا ولا رجلًا حتّى ترى علاماتٍ أذكرها لك إن أدركتها: أوّلها اختلاف بني العبّاس - و ما أراك تدرك ذلك، ولكنّ حدّث به من بعدي عنّي - ومنادٍ ينادي من السماء، ويجيئكم الصوت من ناحية دمشق بالفتح، وتُخسف قريةٌ من قرى الشام تسمّى الجابية... ثمّ يختلفون عند ذلك على ثلاث راياتٍ: راية الأصهب، وراية الأبقع، وراية السفيانيّ، فيلتقي السفيانيّ بالأبقع فيقتتلون فيقتله السفيانيّ ومن تبعه، ثمّ يقتل الأصهب، ثمّ لا يكون له همّةٌ إِلّا الإقبال نحو العراق، يمرّ جيشه بقرقيسا فيقتتلون بها، فيقتل بها من الجبّارين مئة ألفٍ...»(1).
إنّ الطرق إلى هذه الرواية مختلفةٌ ومتعدّدة، فهي جاءت عن:
1- أحمد بن محمّد بن سعيدٍ ، عن محمّد بن مفضّل، عن ابن محبوبٍ.
2- أحمد بن محمد بن سعيدٍ ، عن سعدان بن إسحاق، عن ابن محبوب.
3- أحمد بن محمّد بن سعيدٍ ، عن أحمد بن حسين، عن ابن محبوبٍ.
4 - أحمد بن محمّد بن سعيدٍ ، عن محمّد بن أحمد، عن ابن محبوبٍ.
5- محمّد بن يعقوب الكلينيّ، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوبٍ.
1) (الغَيْبة للنعماني): ص 279، الباب 14 : ما روي في العلامات الّتي تكون قبل قيامه(عجّل الله تعالی فرجه الشریف).
6- محمّد بن عمران، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، وعليّ بن محمّدٍ وغيره، عن سهل بن زيادٍ، عن الحسن بن محبوبٍ.
7- عبد الواحد بن عبدالله الموصليّ، عن أبي عليٍّ أحمد بن محمّد بن أبي ياسرٍ، عن أحمد بن هلالٍ، عن الحسن بن محبوبٍ، عن عمرو بن أبي المقدام، عن جابرٍ.
أمّا الطرق الّتي يوجد فيها سهل بن زيادٍ فهي طرقُ ضعيفةٌ؛ لأنَّ سهلًا هذا - طبقًا لمبنى المشهور - مجهول الحال (1)، أمّا الطريق السابع فهو صحيحٌ؛ لأنّ سهلًا لم يرد فيه. ولكن عندنا سهلٌ معتبرٌ فيعمل برواياته، وقد أسهبنا القول في أبحاثنا الفقهيّة والرجاليّة (2).
«أخبرنا أحمد بن هوذة الباهليّ، قال: حدّثنا إبراهيم بن إسحاق النهاونديّ، عن عبدالله بن حمّاد الأنصاريّ، عن الحسين بن أبي العلاء، عن عبد الله بن أبي يعفور، قال: قال لي أبو جعفر الباقر(علیه السّلام) : إنّ لوُلد العبّاس والمروانيّ لَوقعةً
بقرقيسيا، يشيب فيها الغلام الحزور، ويرفع الله عنهم النصر، ويوحي إلى طير السماء وسباع الأرض: اشبعي من لحوم الجبّارين، ثمّ يخرج السفيانيّ(1).
قال العلّامة المجلسيّ الثاني (رحمه الله) في ذيل هذه الرواية: «الخَرور، بالخاء المعجمة، ولعلَّ المعنى الّذي يخرّ ويسقط في المشي لصغره، أو بالمهملة: أي الحارّ المزاج، فإنّه أبعد عن الشيب» (2).
ويقول المعلَّق على ( بحار الأنوار): «كلمة حَزْوَر فإنّها بالحاء المهملة، والزاي كَعَمْلَس : الغلام القويّ القوي والرجل القويّ كما في (القاموس) أو الغلام إذا اشتدّ وقويّ وخدم كما في (الصحاح) ، وقد يقال بالتخفيف» (3).
وفي السند أحمد بن هوذة وهو مجهولٌ (4)، وكذلك فيه إبراهيم بن إسحاق النهاونديّ وهو ضعيفٌ (5)، لكنّ الاستفاضة لعلّها تغنينا عن الدراسة السنديّة.
1) الغَيْبة (للنعمانيّ): ص 303 و 304 ، الباب 18 ما روي في خروج السفيانيّ، ح 12؛ بحار الأنوار: ج 52 ص 251 ،تاريخ الإمام الثاني عشر ،الباب 35 : علامات ظهوره(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) من السفيانيّ والدجّال ، ح 140 .
2) بحار الأنوار: ج 52 ، ص ،251 ، تاريخ الإمام الثاني عشر الباب 35: علامات ظهوره(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) من السفيانيّ والدجّال، ذيل ح140.
3) المصدر السابق.
4) معجم رجال الحديث: ج 2، ص 360 ، ترجمة أحمد بن هوذة، رقم 1006 و ص 348، ترجمة أحمد بن النضر، رقم 990؛ انظر: ج 1، ص 206، ترجمة إبراهيم بن إسحاق أبي إسحاق، رقم 102.
5) معجم رجال الحديث : ج 1، ص 206، ترجمة إبراهيم بن إسحاق أبي إسحاق، رقم 102.
«قرارة، عن نصر بن الليث المروزيّ ، عن ابن طلحة الجحدريّ، قال: حدّثنا عبدالله بن لهيعة، عن أبي زرعة، عن عبدالله بن رزين، عن عمّار بن ياسرٍ أنّه قال: إنَّ دولة أهل بيت نبيّكم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في آخر الزمان، ولها أماراتٌ، فإذا رأيتم فالزموا الأرض وكفّوا حتّى تجيء أماراتها. فإذا استثارت عليكم الروم والترك، وجُهّزت الجيوش، ومات خليفتكم الّذي يجمع الأموال، واستخلف بعده رجلٌ صحيحٌ، فيُخلع بعد سنين من بيعته، ويأتي هلاك ملكهم من حيث بدأ، ويتخالف الترك والروم، وتكثر الحروب في الأرض، وينادي منادٍ من سور دمشق : ويلٌ لأهل الأرض من شرٍّ قد اقترب، ويُخسف بغربيّ مسجدها حتّى يخرّ حائطها، ويظهر ثلاثة نفرٍ بالشام كلُّهم يطلب المُلك : رجلٌ أبقع ، ورجلٌ أصهب، ورجلٌ من أهل بيت أبي سفيان، يخرج في کَلَب، ويحضر الناس بدمشق، ويخرج أهل الغرب إلى مصر، فإذا دخلوا فتلك أمارة السفيانيّ، ويخرج قبل ذلك من يدعو لآل محمّدٍ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) . وتنزل الترك الحيرة، وتنزل الروم فلسطين، ويسبق عبدُالله عبدَالله حتّى يلتقي جنودهما بقرقيساء على النهر ويكون قتالٌ عظيمٌ»(1).
في هذه الرواية إشارةٌ إلى معارك وأحداثٍ قرقيسيا، ومحور هذه المعارك في روايات الشيعة سوف يكون في العراق.
1) الغَيبة (للطوسيّ) : ص 463 ، الفصل السابع، علائم ظهور الحجّة(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، ح 479.
وفي السند مجاهيل كنصر بن الليث المروزيّ (1)، وعبدالله بن لهيعة (2)،وعبدالله بن رزین (3)، لكن قلنا في السابق إنّ الاستفاضة تغنينا عن الدراسة السنديّة.
يُستفاد من هذه الروايات أنَّ قرقيسيا هي معركةٌ عظيمةٌ وحربٌ شاملةٌ، لكن لا علاقة لها بأيِّ وجهٍ بآر مغادون ؛ وعليه فلا معنى لسعي البعض إلى تطبیق آر مغادون على قرقيسيا.
وأمّا من الناحية الجغرافيّة فإنَّ هذين المكانين منفصلان تمامًا عن بعضهما ؛ فقرقيسيا في شمال غرب العراق ومن مدن الفرات، أمّا آرمغادون فتقع في شمال فلسطين؛ ولذا لا رابط جغرافيًا بين الاسمين، وأمّا بالنسبة إلى حوادث قرقيسيا، فنقول : يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب.
يحاول البعض تشويه العقيدة المهدويّة بإضفاء صفة الدمويّة والخشونة على شخصيّة الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ونهضته المباركة.
إنَّ موضوع القتل وسفك الدماء في عصر الظهور هو من المواضيع المهمّة ضمن سلسلة أحداث عصر الظهور المبارك. وقد وقع البعض في جانب الإفراط فيما يرتبط بهذا الموضوع؛ إذ اعتقد هؤلاء بأنَّ عصر الظهور هو عصر القتل وسفك الدماء؛ مستدلّين لذلك بروايات مفادها أنَّ ثلثي الناس تُقتل، أو من كلّ تسعة أنفارٍ يُقتل سبعةٌ، أو من بين سبعةٍ يُقتل خمسةٌ أو أكثر من ذلك.
وقد أشارت تلك الروايات إلى أنَّ عدد القتلى يكثر ويكبر إلى أن تشكّل مرتفعًا أو تلًّا، وتسيل الدماء في المجاري والقنوات من كثرة سفك الدماء!
والحاصل: أنَّ هذا الاتّجاه الإفراطيّ - التطرّفيّ - قد أعطى صورةً دمويّةً ومشهدًا قاسيًا وعنيفًا عن الإمام صاحب الزمان(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، وثورته العالميّة وجنوده وأنصاره.
لكن في قبال هذا الاتّجاه وقع بعض الباحثين والدارسين في الجانب التفريطيّ، فذهب إلى أنَّ الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) لا يهرق في ثورته وحركته المباركة دمًا ، حتّى ولو كانت بقدر محجمة دمٍ.
في هذا الفصل نحاول أن نقوم بدراسةٍ مستوعبةٍ وتحقيقٍ ونقدٍ روائيٍّ ودلاليٍّ في الأحاديث الواردة المتعلّقة بموضوع القتل وسفك الدماء في عصر الظهور؛ حتّى تتّضح الآراء الإفراطيّة والتفريطيّة بشكل جليٍّ.
و هنا تساؤلاتٌ لا بدَّ منها :
أ-هل يقع القتل وسفك الدماء قبل الظهور أو بعده؟
ب - كيف تكون سيرة الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) مع الأعداء؟
ج- ما الحجم الحقيقيّ والمقدار الواقعيّ للقتل وسفك الدماء؟
د - مَن هؤلاء القتلى؟
ه-- هل الروايات الناظرة إلى موضوع القتل هي بنحو الموجبة الكلّية أو الموجبة الجزئيّة؟ مثلًا في منطقةٍ ما، أو حيٍّ من الأحياء أو قبيلةٍ من القبائل، وما شابه ذلك.
فنقول: إنَّ الروايات والأخبار الّتي ورد فيها أنَّ ورد فيها أنَّ عدد القتلى كثيرٌ، بل وكبيرٌ جدًّا يمكن تقسيمها إلى قسمين:
الروايات المرتبطة بالملاحم والفِتَن قبل الظهور، والّتي لا علاقة لها أبدًا بعصر الظهور، وإنّما هي ناظرةٌ إلى الأوضاع المأساويّة الّتي يعيشها العالم في عصر ما قبل الظهور فقط. وهذا القسم من الروايات كان أغلبها من مراسيل العامّة، بل حتّى لو كان بعضها مسندًا فلا علاقة له بمحلّ بحثنا، ألا وهو
القتل وسفك الدماء قبل عصر حكومة الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، وعلى يد الظالمين
والحكومات الجائرة.
الروايات المرتبطة بوقت الظهور، ويتحدّث بعضها عن عصر حكومة الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) بالتحديد ، وهذا القسم من الروايات على طائفتين:
ثمّة روايات وردت من طرق العامّة أغلبها مبتلًى بالإشكال السنديّ؛ فبعضها لم يوثّق ، والبعض الآخر لا ينتهي إلى النبيّ الكريم(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، بل إنَّ بعضها قد نُقل عن أفرادٍ من أمثال كعب الأحبار الّذي لم يُسلم في حياة النبيّ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وأسلم على عهد الخليفة الثاني. وعمدة هذه الروايات من الإسرائيليّات الّتي تمّ إدراجها في الكتب الروائيّة من أجل أهدافٍ ومقاصد شتّى.
حتّى أنّ بعض علماء أهل السنّة أمثال ابن كثيرٍ حينما ينقل هذه الروايات ويصل إلى أمثال كعب الأحبار ، يقول : «والأقرب في مثل هذه السياقات أنّها متلقّاة عن أهل الكتاب ممّا وُجد في صحفهم، كروايات كعبٍ ووهبٍ... فيما نقلاه إلى هذه الأمّة من أخبار بني إسرائيل من الأوابد والغرائب والعجائب، ممّا كان وما لم يكن ، وممّا حُرِّف وبُدّل ونُسخ. وقد أغنانا الله - سبحانه – عن ذلك بما هو أصحّ منه وأنفع وأوضح وأبلغ، ولله الحمد والمنّة»(1).
1) تفسير القرآن العظيم (لابن كثيرٍ) : ج 3، ص 379.
وهي روايات نُقلت من طرق أهل البيت (علیهم السّلام)، أو الّتي ذكرت في كتب الإماميّة ومصادرهم المعتبرة، فقد ورد فيها أخبارٌ عن الأئمة المعصومين (علیهم السّلام)، كما نُقلت فيها روايات لا تنتهي إلى أهل البيت (علیهم السّلام) ، مثل أخبار المُعمّرين الّتي نقلها الشيخ الصدوق(رحمه الله) في كتاب (كمال الدين) عن أهل السنّة أنفسهم (1).
يعتقد البعض بأنَّ الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) حينما يظهر سوف يسخّر عن طريق
الولاية التكوينيّة جميع المخلوقات ويجعلها مطيعةً له، وأنّه سيقوم بأعماله وينجزها من خلال طريق الإعجاز والأمور الخارقة للعادة. وعلى هذا الأساس يرى هؤلاء أنَّ حجم القتل وسفك الدماء سوف يكون قليلًا جدًّا.
ومن أجل توضيح هذا المطلب، ومعرفة مدى دقّة هذا الرأي وصدقه؛ لا بدَّ من الرجوع إلى أحاديث الإمامين الباقر والصادق (علیهما السّلام) لنرى كيف طُرحت هذه المسألة في كلمات أهل البيت (علیهم السّلام) .
«... عَن بشير بن أبي أراكَةَ النَبّالِ - ولفظ الحديث على رواية ابن عقدة - قال: لَمّا قَدِمْتُ المدينة انْتَهَيْتُ إلى مَنزِلَ أبي جعفرٍ الباقر (علیه السّلام)... قُلتُ : (إِنَّهُمْ)
1) كمال الدين : ج 2، ص 555 ، الباب 54 : ذكر المعمّرين.
يقولون: إنَّهُ إذا كان ذلك اسْتَقامَتْ لَهُ الأمُورُ فَلا يُهْرِيقُ مِحْجَمَةَ دَمٍ. فَقَالَ: كَلَّا والَّذي نَفسي بِيَدِهِ حَتَّى نَمسَحَ وأنتُم العَرَقَ والعَلَقَ. وأَوْماً بِيَدِهِ إِلى جَبْهَتِهِ» (1).
«... عن موسى بن بَكرٍ الواسطيّ، عن بشَيرِ النَبَّال، قال: قَدِمْتُ المَدينَة - وذَكَر مِثل الحديثِ الْمُتَقَدِّمِ، إِلّا أَنَّهُ قال: - لَمَا قَدِمْتُ الْمَدينَةَ قُلتُ لأبي جعفرٍ (علیه السّلام) : إِنَّهُم يَقُولُونَ : إِنَّ الْمَهْدِيَّ لَوْ قامَ لَاسْتَقامَتْ له الأمورُ عفوًا ، ولا يُهرِيق مِحجَمَةَ دمٍ. فقال: كلا والذي نفسي بيده، لو استقامت لأحدٍ عفواً لاستقامت لِرَسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) حينَ أَدْمِيَتْ رُباعِيتُهُ، وشُجَّ فِي وَجْهِهِ، كَلَّا والَّذِي نَفسي بِيَدِهِ حَتَّى نَمْسَحَ نَحنُ وأَنْتُم العَرَق والْعَلَقَ، ثم مسَحَ جَبْهَته» (2).
«... عن المفضّل بن عمر، قال: سمعتُ أبا عبدالله (علیه السّلام) وقد ذُكِرَ القائم، فقلت: إنّي لأرجُو أن يَكونَ أمرُهُ في سُهُولَةٍ. فقال : لا يَكُونُ ذُلك حتّى تَمْسَحُوا العَلَقَ والْعَرَقَ» (3).
1) الغَيْبة (للنعمانيّ): ص 283 و 284 ، الباب 15: ما جاء في الشدّة الّتي تكون قبل ظهور صاحب الحقّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، ح 1 ؛ إثبات الهداة : ج 3، ص 543 ، الباب 32: في النصوص على إمامة المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، الفصل 27، ح 525 ؛ بحار الأنوار: ج 52 ، ص 356 - 358 ، 358 ، تاريخ الإمام الثاني عشر، الباب 27 : سيرته وأخلاقه وخصائص زمانه(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، ح 122.
2) الغَيبة (للنعمانيّ) ص 284 ، الباب 15: ما جاء في الشدّة الّتي تكون قبل ظهور صاحب الحقّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف)، ح2.
3) المصدر السابق : ح 3.
الملاحَظ في هذه الأحاديث الثلاثة أنَّ الأمر ليس كما يدَّعون بأنَّ جميع الأعمال سوف ينجزها الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) بنفسه - حين قيامه المبارك - عبر طريق الإعجاز والتصرّف التكوينيّ. فنحن وإن كنا نعتقد بأنَّ الولاية والتصرّف التكوينيّ للإمام المهديّ وسائر الأئمّة (علیهم السّلام) شأن ثابتٌ لهم، إلّا أنَّ الأمر أشكل ممّا يعتقده هؤلاء.
وبالنظر إلى هذه الروايات الشريفة وغيرها ثبت عكس مدّعاهم، وحينئذٍ لا يمكننا أن نقبل دعوى عدم حصول عمليّات قتلٍ وسفك دماءٍ في عصر ظهوره المبارك(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ؛ لأنَّ ذلك العصر سوف يكون عصر الانتقام وإجراء الحدود الإلهيّة وإقامة حكومة العدل الإلهيّ العالميّ. ومن المسلّم به أنّه لا يمكن إنجاز هذا الأمر المهمّ، بل لن يتحقّق أو يتيسّر إقامة هذه الحكومة العالميّة إلّا بإزالة العوائق والأشواك من طريق حضرته المقدّسة، وهل هذا ممكنٌ من دون خوض حروبٍ وسفك دماءٍ؟!
من جهةٍ أخرى فالتاريخ يُحدّثنا عن معارك وحروب وتضحياتٍ وجراحاتٍ قد واجهها النبيّ الأكرم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) والأئمّة الأطهار (علیهم السّلام) في سعيهم من أجل نشر الإسلام وحفظه؛ إذ كانت الأمور تسير بشكلٍ عاديٍّ وبأسبابها الطبيعيّة، ونقرأ أنَّ النبيّ الكريم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) قد تعرّض إلى إصاباتٍ وجراحاتٍ وكسورٍ عديدةٍ كما هو الحال في معركة أحدٍ وغيرها (1)، كما أنَّ
1) بحار الأنوار: ج 20 ، ص 54 ، تاريخ نبيّنا (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )، الباب 11: غزوة أحدٍ وغزوة حمراء الأسد، ذيل ح3 ؛ وفي صحيح مسلمٍ : «سمع سهل بن سعدٍ يسأل عن جرح رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يوم أحدٍ، فقال: جُرح وجه رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وكسرت رباعيّته، وهشمت البيضة على رأسه، فكانت فاطمة بنت رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) تغسل الدم، وكان عليّ بن أبي طالب (علیه السّلام) يسكب عليها بالمجن...» [صحیح مسلمٍ : ص 850، كتاب الجهاد والسير ، باب 39/37 غزوة أحد، ح 4618 – 101/1790].
الإمام أميرالمؤمنين (علیه السّلام) هو الآخر قد أصيب في معركة أحدٍ نفسها تسعين إصابةً وجراحةً(1).
ونحن لا ننكر أنَّ لدى أهل بيت العصمة والطهارة (علیهم السّلام) - وخصوصاً بقيّة الله الأعظم(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) - القدرة والولاية التكوينيّة، وهم دائمًا مُؤَيَّدون بالمعجزات والإمدادات الإلهيّة، كما أنَّ هذه العنايات والتأييدات الإلهيّة الغيبيّة تشمل حال بعض المؤمنين المخلصين والمضحّين والمستضعفين أيضًا، وهذا هو صريح القرآن الكريم والروايات الشريفة، حيث يقول الإمام الصادق (علیه السّلام) : «... يؤيّده بثلاثة أجنادٍ
بالملائكة، والمؤمنين، والرعب» (2)، وفي رواية أخرى: «يؤيّده الله بالملائكة والجنّ وشيعتنا المخلصين» (3).
1) سفينة البحار : ج 1، ص 565 و 566 ، باب الجيم بعده الراء جراحات أميرالمؤمنين (علیه السّلام)، ففي الرواية: فلم يزل أميرالمؤمنين (علیه السّلام) يقاتلهم حتّى أصابه في وجهه ورأسه وصدره وبطنه ويديه ورجليه تسعون جراحةً، فتحاموه، وسمعوا مناديًا من السماء: لا سيف إلّا ذو الفقار، ولا فتى إلّا عليٌّ» [تفسير القمّيّ، ج 1، ص 116 سورة آل عمران، ذيل آية 122].
2) الغيبة (للنعمانيّ): ص 198، الباب 11: ما روي في الصبر وانتظار الفرج، ح 9؛ في رحاب حكومة الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) : ص 160 ، الباب :2 ثورة الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، الفصل الخامس، المدد الغيبيّ.
3) إرشاد القلوب : ج 2، ص 126 ، في إخباره(علیه السّلام) بقتل عمر، وحوادث آخر الزمان.
ولكن لا حاجة لنا أن ندّعي بأنَّ الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) سوف يقوم في كلّ أعماله بطرقٍ غيبيّةٍ غير عاديّةٍ، وأنّه سوف ينجز مهامّه جميعها بنحو الإعجاز؛ لنستنتج من ذلك بأنّه لن يحتاج أبدًا لإهراق أيٍّ قطرة دمٍ.
في قبال هذا الاتّجاه (التفريطيّ) اتّجاهٌ آخر (إفراطيٌّ) يدّعي بأنَّ عصر الظهور هو عصر القتل والفتك وسفك الدماء! ويستند في دعواه لهذه إلى بعض الروايات والأحاديث الّتي وردت عن طريق أهل السنّة، وهي تتحدّث عن مجازر رهيبةٍ سوف تقع في عصر الظهور؛ لذا لا بدَّ لنا من وقفةٍ لنعرض بعض تلك الروايات ونعالجها بالنقد والتحليل.
نقل يوسف بن يحيى المقدسيّ الشافعيّ في كتاب (عقد الدرر) روايةً مرسلةً عن أميرالمؤمنين (علیه السّلام) في حوادث روميا(1)، حيث يقول: «... فَيُكَبِّرُ الْمُسْلِمُونَ ثَلاثَ تكبيراتٍ، فَتَكون كَالرَّملَةِ عَلى نشز، فَيَدْخُلُونَهَا، فَيَقْتُلُونَ بِها خَمْسَمِئَةِ أَلْفِ مُقاتِل، ويَقْتَسِمُونَ الأموال، حتّى يَكُونَ النَّاسُ في الفَيْءِ شَيئًا واحِدًا، لِكُلِّ إنسان مِنْهُم مِنه ألف دينار، ومِنه رَأس، ما بَيْنَ جَارِيَةٍ وغُلامٍ»(2).
1) روميا: مدينة تقع في شمال غرب القسطنطينيّة. يقول الحَمَوي: «روما اليوم بيد الأوربيّيّن، ويسكن فيها البابا» [انظر: معجم البلدان ج 3، ص 100، روميّة].
2) عقد الدرر في أخبار المنتظر: ص 191، الباب التاسع، في فتوحاته وسيرته، الفصل الأوّل في فتح قسطنطنيّة، العلل المتناهية في الأحاديث الواهية ج 2، ص 855، حديث في فتح قسطنطينيّة، ح 1430.
إنَّ هذه الرواية مرسلةٌ ومبتليةٌ بالإشكال السنديّ، ومن ناحية المحتوى والمضمون لا يمكن الاعتماد عليها، خاصةً وأنّها بحسب الظاهر تتحدّث عن مرحلة ما قبل الظهور.
والجدير بالذكر أنَّ واضعي مثل هذه الأحاديث كانوا من مرتزقة الحكومات الظالمة، وهؤلاء إنّما قاموا بوضع مثل هذه الأحاديث بهدف تبرير الظلم والمجازر التي وقعت في الحروب بعد رحيل النبيّ الأكرم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، وما تلا تلك المرحلة من قتل جماعيٍّ وسفكٍ للدماء، ثمّ فيما بعد وجدت هذه الروايات الموضوعة طريقها إلى الكتب الروائيّة. وأمثال ذلك كثيرٌ، منها تلك الرواية الّتي نسبوها إلى الإمام أميرالمؤمنين (علیه السّلام) : «... فيُقتل من الروم حتّى يتغيّر ماء الفرات بالدم»(1).
يقول ابن كثيرٍ عن معركة القادسيّة: «وانهزمت الفرس - ولله الحمد والمنّة - عن بكرة أبيهم، ولحقهم المسلمون في أقفائهم، فقُتل يومئذٍ المسلسلون بكمالهم، وكانوا ثلاثين ألفاً، وقُتل في المعركة عشرة آلافٍ، وقتلوا قبل ذلك قريبًا من ذلك...» (2).
وحينما نرجع إلى كتب التاريخ أمثال: (البدء والتاريخ) و(البداية والنهاية) وغيرهما من الكتب الّتي تحدّثت عن الفتوحات، فإنَّنا نقرأ العجب
العجاب عن قادة وجنود قد ارتكبوا جناياتٍ وجرائم كبيرةً ومهُولة بحقَّ الناس الآمنين والسكّان العُزّل القاطنين في تلك البلدان.
أمّا الروايات الّتي تحدّثت عن مقتل سبعةٍ من بين كلِّ تسعة أنفارٍ، أو مقتل خمسةٍ من بين كلِّ سبعة أنفارٍ، أو تُخبر عن مصرع ثلث الناس؛ إنّما هي رواياتٌ تخبر عن حروب ومعارك تقع قبل الظهور، لا في زمن الظهور؛ فلا
مجال للاستدلال بها على زمن الظهور، ولا علاقة لها بتفاصيل حركة الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، هذا من جهةٍ.
ومن جهةٍ أخرى فنحن نرى أنَّ ازدياد عدد القتلى يمكن أن يرجع إلى عوامل وأسبابٍ مختلفةٍ، من جملتها: اختلاف المناطق ومحاور الصراع والمعارك، أو أنَّ هذا العدد يقع في مراحل مختلفةٍ من الحروب المشتعلة.
وعند النظر إلى الأحاديث الآتية والتدقيق في دلالتها نعرف بأنَّ هذه الأحداث تشير إلى واقع العالم ما قبل الظهور ، وهو عالمٌ يسوده الظلم والاضطهاد والقتل، وتعمّه الفوضى والحروب الدمويّة الرهيبة. وهذا ما جاء في كلماتهم (علیهم السّلام) :
«... عن أبي بصير ومحمّد بن مسلمٍ، قالا : سمعنا أبا عبدالله (علیه السّلام) يقول: لا يَكونُ هذا الأمرُ حتّى يَذهَبَ ثُلث الناسِ فَقِيلَ لَهُ: إِذا ذَهَبَ ثُلثُ النَّاسِ فَما يَبقى؟ فقال (علیه السّلام) : أما تَرْضَوْنَ أنْ تكونوا القُلثَ الْباقي؟» (1).
1) کمال الدين : ج 2، ص 655 و 656 ، باب 57 ما روي في علامات خروج القائم(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، ح 29 .
«... عن زرارة، قال: قلتُ لأبي عبدالله (علیه السّلام) : النّداء حقٌّ ؟ قال : إِي وَاللهِ حتَّى يَسْمَعهُ كُلُّ قَوْمٍ بلسانهم. وقال (علیه السّلام) : لا يَكُونَ هذا الأمرُ حتَّى يَذْهَبَ تسعة أعشار الناسَ» (1).
«... عن سليمان بن خالدٍ، قال: سمعتُ أبا عبدالله (علیه السّلام) يَقُول : قُدَّامُ القائِمِ مَوْتَتانِ : مَوْتُ أَحْمَرُ ومَوْتُ أَبْيَضُ حَتَّى يَذْهَبَ مِنْ كُلِّ سَبْعَةٍ خَمْسَةُ.
اَلْمَوْتُ الأَحْمَرُ: السيف، والمَوْتُ الأَبْيَضُ : الطاعُونُ» (2).
إذن ومن خلال هذه الأحاديث وغيرها من الروايات الصحيحة أصبح واضحًا وجليًّا أنَّ هذا الحجم الواسع من الموت والقتل وسفك الدماء إنّما هو مرتبطٌ بمرحلة ما قبل ظهور الإمام صاحب الزمان(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، وقبل الصيحة من السماء.
كما ورد في رواية عن يونس بن رِباطٍ قال : «سَمِعْتُ أبا عبدالله (علیه السّلام) يقول : إِنَّ أهلَ الحقِّ لَمْ يَزالوا مُنْذُ كانُوا في شِدَّة، أما إِنَّ ذاكَ إلى مدّةٍ قَرِيبَةٍ وعافِيَةٍ طويلةٍ» (3).
1) الغَيبة (للنعمانيّ) : ص 274 ، الباب 14 : ما روي في العلامات الّتي تكون قبل قيامه(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، ح54.
2) كمال الدين : ج 2 ص 655 ، الباب 57 : ما روي في علامات خروج القائم(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، ح 27.
3) الغَيْبة (للنعمانيّ) : ص 285 ، الباب 15: في ما جاء في الشدّة التي تكون قبل قيامه(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، ح 4.
وكيف كان فإنَّ الفرج لا بدَّ أن يأتي بعد مرحلة اليأس واستنفاذ الطاقات، قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا » (1).
وهناك الكثير من الأخبار والروايات الّتي تحدثت عن القتل وسفك الدماء الّتي تقع قبل ظهور الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف)، علمًا أنَّ بعض هذه الروايات هي من الروايات المجهولة، بل والإسرائيليّات الّتي وُضعت واختُلقت من أجل أهدافٍ ودوافع مختلفةٍ، كتشويه سمعة هذه النهضة المهدويّة العالميّة، وتشويه صورة حكومة الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، أو من أجل تبرير أعمال القتل وسفك الدماء والتصرفات غير المشروعة الّتي حصلت أثناء الفتوحات، وغيرها من الأهداف، لكن - وللأسف- وجدت هذه الروايات طريقها بشكلٍ ما وتسرّبت إلى الكتب الروائيّة.
إِنَّ بعض هذه الروايات مرسلٌ، والآخر مرفوعٌ، وكلُّها تعاني من الإشكال السنديّ، منها : مرفوعة الفضل بن شاذان عن الإمام الصادق (علیه السّلام): «يَقْتُلُ القائم حتّى يَبلُغَ السُّوقَ ، قال : فيقولُ لَهُ رجلٌ مِنْ وُلد أبيهِ: إِنَّكَ لَتُجْفِلُ النَّاسَ إجفالَ النَّعَم ! فَبِعَهدٍ مِن رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أو بماذا؟ قال: ولَيسَ في النَّاسِ رَجُلٌ أشدُّ منه بَأْسًا. فَيَقُوم إليهِ رجُلٌ مِنَ المَوالي فَيَقول لَهُ: لَتَسْكُتَن أَوْ لَأَضْرِبنَّ عُنُقَكَ. فَعِنْدَ ذلك يُخرِجُ القائم عَهْدًا مِن رَسُول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) . (2)
وهذا الحديث كما قلنا: فيه إشكالٌ سنديٌّ، فهو مرفوعٌ. أمّا من الناحية الدلاليّة، فإنَّ محتواه ومضمونه ناقصٌ وغير تامٍّ؛ لأنَّ كلمة السوق - جمع ساق - كما تُطلق على ما بين القدم والركبة، تُطلق على اسم منطقةٍ أو مدينةٍ أو المكان الّذي يباع فيه كسوق الأهواز ، وسوق الحَكَمَة، وسوق أسدٍ في أطراف الكوفة، وسوق الثلاثاء (1).
وبناءً عليه لا يمكننا القول إنَّ عبارة «حتّى يبلغ السوق» معناها وصول الدم إلى الساق، خاصّةً مع الالتفات إلى أنّه لم تَرد في الحديث إشارةٌ إلى الدم ولا الحديث عنه. والّذي نعتقده أنَّ مفردة السوق هنا بمعنى الوصول إلى مكانٍ أو منطقةٍ خاصّةٍ، لعلّها من ضواحى الكوفة وأحيائها.
نعم، نحن وعلى أساس رواياتٍ صحيحةٍ نقبل بأنّه في عصر الظهور سوف تقع معارك وحروبٌ وسفك دماء وقتلٌ وانتقامٌ من الظالمين، لكن ليس بهذا الحجم الواسع والكبير؛ فقد وردت رواياتٌ صحيحةٌ عن أهل البيت (علیهم السّلام) وهي تتحدّث عن عدد القتلى، بل وتُفصح عن الشخصيّات المستهدفة والهويّات الفردية لهؤلاء القتلى، وأسماء الجماعات الّتي ينتمون إليها؛ لذا من المناسب في المقام أن نعرّج لذكر بعض النماذج في سيرة الإمام المهديّ (عجّل الله تعالی فرجه الشریف)وسلوكه مع الأعداء والمعاندين.
1) سوق الحَكَمَةِ : اسمٌ لإحدى المناطق في أطراف الكوفة، سوق الثلاثاء: منطقةٌ في بغداد كانت قبل بناء المدينة. انظر: معجم البلدان ج 3، ص 283 ، باب السين والواو وما يليها؛ موارد السجن في النصوص والفتاوى : ص 367 ، الباب 12 ، الفصل الأوّل، الروايات، ح1، الهامش؛ مجمع البحرين : ج 5 ، ص ،188 ، كتاب القاف، باب ما أوّله السين.
من القضايا المسلَّم بها أنَّ الظالمين والمستكبرين قد أحكموا سيطرتهم على الشعوب المستضعفة والمظلومة، وساندهم في ذلك أصحاب المال والثروات، فتسلّطوا على رقاب الناس في كلِّ بقعةٍ من العالم، وقاموا بصناعة ثقافةٍ خاصةٍ بهم، وروَّجوا لها، مستفيدين من كلّ الإمكانات المتاحة لهم في إضلال البشريّة
واستعبادها وإذلالها.
وقد تلقّت المجتمعات الإسلاميّة ضرباتٍ كبيرةً وموجعةً وخساراتٍ فادحةً جرّاء ظلم أعداء الإسلام واستكبارهم وتصرّفاتهم الاستعلائيّة، وترويجهم لأفكارٍ غريبةٍ وبعيدةٍ عن قيم الإسلام الأصيل ومبادئه، وإشاعة ثقافة الانحطاط والتحلّل الأخلاقيّ، وممارسة الرذيلة بشتّى أشكالها وأنواعها، وغيرها من المصائب الّتي ابتليت بها هذه المجتمعات الإسلاميّة.
وهذا ليس غريبًا أو جديدًا على تاريخنا؛ ففي الانطلاقة الأولى للرسالة النبويّة وظهور الإسلام قام المستكبرون والظالمون والمشركون باستهداف النبيّ الكريم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وتعذيب أصحابه وأتباعه بأشدّ ألوان العذاب، ولكنّ الله - تعالى - ربط على قلوبهم فنجح النبيّ الكريم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) بعد تحمّل هذه المشقّات الكبيرة في إخراج الناس من ظلمات الجهل والشرك إلى نور الإيمان، وأقام الحكومة الإسلاميّة في هذه الأرض.
لكن وللأسف الشديد لم تمض فترةٌ طويلةٌ على رحيل النبيّ الكريم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )
عن هذه الدنيا حتّى جاء - وعلى حدّ تعبير الغزاليّ - الطامعون بالسلطة، وقاموا بخداع المسلمين بطرقٍ وحيلٍ مختلفةٍ، وعملوا على تنحية مَن نصّبه الله - تعالى - خليفةً للأمّة بعد رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )، علمًا أنَّ هؤلاء هم أنفسهم قد بايعوا الإمام عليًّا (علیه السّلام) في حادثة الغدير المشهورة، وأقرُّوا له بالإمامة والقيادة، وقدَّموا له التهاني وباركوا له هذا المنصب الإلهيّ، لكنّهم نقضوا العهد والبيعة فيما بعد، واستولوا على كرسيّ الخلافة والسياسة(1)
وقال أبو ريحان البيرونيّ: «اليوم العاشر ... اتّفق فيه قتل الحسين بن عليّ بن أبي طالب بالطفّ، مع أهل بيت رسول الله من آل أبي طالبٍ، وفعل به وبهم ما لم يفعل في جميع الأمم بأشرار الخلق، من القتل بالعطش والسيف والإحراق بالنار، وصلب الرؤوس، وإجراء الخيول على الأجساد المؤرّبة، وهتك الستر بسبي النساء والأطفال، وحملهم مشهّرين على الجمال، فتشاءموا به. فأمّا بنو أميّة، فقد لبسوا فيه ما تجدّد، وتزيّنوا، واكتحلوا، وعيّدوا، وأقاموا الولائم والضيافات، وطعموا الحلاوى والطيّبات؛ وجرى الرسم في العامّة على ذلك أيّام ملكهم، وبقي فيهم بعد زواله عنهم» [الآثار الباقية : ج 1 ، القول على ما يستعله المسلمون، في شهور العرب].أقول ومن العجب أن عبارة «بالطفّ، مع أهل بيت رسول الله من آل أبي طالبٍ» وعبارة «المؤرّبة، وهتك الستر بسبي النساء والأطفال، وحملهم مشهّرين على الجمال محذوفةٌ من بعض الطبعات. انظر: الآثار الباقية، طبع دار العرّاب ودار نور حوران، سوريّا، ص 423.
.1) انظر: مجموعة رسائل الإمام الغزاليّ: ص 483 ، سرّ العالمين وكشف ما في الدارين، بابٌ في ترتيب الخلافة على السياسة؛ تذكرة الخواصّ: ج 1، ص 356، الباب 3: خلافة أميرالمؤمنين(علیه السّلام) ؛ سير أعلام النبلاء: ج 19، ص 328 ،ترجمة الغزالي، رقم 204، حيث قال الذهبيّ: «فقال في حديثٍ: مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه، إنّ عمر قال لعليٍّ: بخٍ بخٍ! أصبحت مولى كلّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ. قال أبو حامد وهذا تسليمٌ ورضًى، ثمّ بعد هذا غلب عليه الهوى حبًّا للرياسة، وعقد البنود ، وأمر الخلافة ونهيها، فحملهم على الخلاف، فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنًا قليلا فبئس ما يشترون...».
هذه الخيانة للولاية وهذا الغدر كان بذرة الجنايات الكبرى والفجائع المهولة في المجتمع الإسلاميّ؛ لذا فإنَّ هذه السلالة من الظالمين والمفسدين وحكّام الجور لن يتوانوا عن سفك أيّ دمٍ قبل عصر الظهور أو ما يقرب منه، ولن يتورَّعوا عن ارتكاب أيِّ جريمة وجناية بحقِّ المسلمين.
وهنا يأتي هذا السؤال: بعد قيام الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، كيف سيتعاطى هذا القائد الإلهيّ مع الظالمين؟ وكيف سيواجه كلَّ هذه الانحرافات والمظالم، وماذا سيفعل ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً؟
الجواب: ممّا لا شكّ فيه أنَّ هذه المجموعات المعاندة الّتي تلوَّثَتْ أيديها بدماء البشريّة البريئة، وغصبت حقوقَ الناس بكلِّ طوائفهم ومذاهبهم ونحِلهم، وترى في حركة الإمام المهديّ الإصلاحيّة خطرًا يتهدّد مصالحها ويزلزل مقاماتها وعروشها ؛ سوف تقف أمام هذه النهضة المهدويّة العالميّة بكلِّ ما أوتيت من قدرات وإمكانات.
لذا من الطبيعيّ جدًّا أن يقوم الإمام المهدي(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) - من أجل تشكيل حكومة العدل الإلهيّ وتطبيق أحكام الإسلام - باستئصال تلك الجذور الفاسدة، وإزالة كل الموانع الّتي تقف في طريق هذا الهدف، ضمن خطّةٍ وبرنامجٍ محدّدٍ ومدروسٍ من قِبَلِهِ (عجّل الله تعالی فرجه الشریف).
ويمكن لنا أن نلخّص أهم العناوين لحركة الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف):
إنَّ الإمام صاحب الزمان(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) سوف يضطرّ إلى خوض الحروب والمعارك الطاحنة ضدّ أعداء ثورته الإصلاحيّة العالميّة ؛ وذلك من أجل القضاء على أعداء الإسلام والثأر لدماء المظلومين والأبرياء، وكذلك من أجل إيصال ثورته العالميّة إلى شاطئ النصر، وتطبيق أحكام الإسلام، وإجراء الحدود الإلهيّة وإقرار حكومة العدل الإلهيّ في العالم.
ولا يخفى أنَّ هؤلاء الأعداء بعضهم مدجّجٌ بالسلاح والعتاد، وبعضهم الآخر علماء منحرفون، وقسمٌ ثالثُ منهم يمتلكون إمكانيّاتٍ كبيرةً ويمسكون بمفاصل الاقتصاد العالميّ، بالإضافة إلى التطوّر في الوسائل والقدرات، وهذا ما يجعلهم يمتلكون جيوشًا منظمةً وقادرةً على رفع راية العداء والخصومة للإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ولمشروعه الإصلاحيّ، وعرقلة المسار والمسير.
ولكن في الوقت نفسه هناك جنودٌ وأنصارٌ للإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) يتهيّئون قبل قيامه المبارك، فيتربّي هؤلاء بفضل عناياته وهدايته الخاصّة والعامّة، بحيث يصل عدد الأنصار - كما تشير بعض الروايات - إلى 313 شخصًا، وفي رواياتٍ أخرى يصل عددهم إلى 10 آلافٍ أو 100 ألفٍ، وفي بعضها الآخر ورد أنّه يصل عددهم إلى مئات الآلاف.
هناك روايةٌ وردت عن الإمام الصادق (علیه السّلام) تبيّن أنَّ تجهيزات أصحاب الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) هي عبارةٌ عن سيوفٍ حديديّةٍ، لكن ليس من نوع الحديد المعروف اليوم، فقد ورد في نصّ الرواية: «لهم سيوفٌ من حديدٍ غير هذا الحديد، لو ضرب أحدهم بسيفه جبلاً لقدَّه»(1).
أمّا معدّاتهم الدفاعيّة - طبقًا لرواية عن الإمام الصادق (علیه السّلام) - فهي عبارةٌ عن أسلحةٍ نادرةٍ ومتطوّرةٍ جدًّا، بحيث تصبح جميع أسلحة العدوّ أمامهم عاجزةً ولا فائدة منها (2).
قال الإمام عليٌّ (علیه السّلام) : «لا يُقيمُ أَمْرَ اللهِ - سُبحانَهُ - إِلَّا مَنْ لا يُصانِعُ، ولا يُضارعُ، ولا يَتَّبِعُ الْمَطامِع»((3).
إنَّ ثورة الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) - وكما بيّنا - هي من أجل إقامة الحدود
1) بصائر الدرجات: ج 1 ص ،492 ، الجزء العاشر ،الباب 14: في الأئمّة أنّ الخلق الّذي خلف المشرق والمغرب يعرفونهم ويؤتونهم ويبرؤون من أعدائهم، ح 4 ؛ انظر: إثبات الهداة : ج 3، ص 522 ، الباب :32: في النصوص على إمامة المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، الفصل السادس عشر، ح 406.
2) بصائر الدرجات: ج 1 ص 492، الجزء العاشر ، الباب 14: في الأئمّة أنّ الخلق الّذي خلف المشرق والمغرب يعرفونهم ويؤتونهم ويبرؤون من أعدائهم ، ح 4.
3) نهج البلاغة: الحكمة 110.
والقوانين الإلهيّة، والقضاء على كلّ أنواع الظلم والقهر والاضطهاد؛ لذا فإنَّ هذا الإمام الهمام وفي تعاطيه مع الأعداء لا يستعمل نوعًا واحدًا من العقوبة والمجازاة، بل له سيرة خاصةٌ مع كلّ جماعةٍ أو أفراد، بحيث يجازيهم ويعاقبهم بما يتناسب مع جرائمهم وجناياتهم؛ فيبيد بعضهم في معارك وحروبٍ، وله الحقُّ في ملاحقة الفارّين والجرحى واللحاق بهم ما يناسبهم، بل له أن يعدم بعضهم وينفي بعضهم الآخر ويبعده عن البلاد، أو يقطع أيديهم، ففي رواية عن أبي عبدالله (علیه السّلام) أنّه قال: «... والقائم له أن يقتل المولِّي ويُجهز على الجريح»(1).
وفي رواية عن الإمام الباقر (علیه السّلام) : «... يَقُومُ القائِمُ... ولا تَأخُذُهُ فِي اللهِ لَومَةٌ لائِم»(2).
وفي رواية أخرى عن أبي عبدالله الصادق(علیه السّلام) أَنّه قال: «إذا تَمَنَّى أَحَدُكُمْ للْقائِم فَلْيَتَمَنَّهُ في عافِيَةٍ ؛ فَإِنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) رَحمَةً ، ويَبْعَثُ القائِمَ نِقْمَةً» (3). وقال (علیه السّلام) في رواية أخرى: «فيتمُّ حُجَّةُ اللهِ عَلَى الْخَلْقِ حَتَّى لا يَبقى أحدٌ عَلَى الأَرْضِ لَمْ يَبْلُغ إلَيهِ الدينُ والعِلمُ، ثمّ يَظْهَرُ القائم ويَسيرُ ( وَيَصيرُ)
1) الغَيبة (للنعمانيّ): ص 232 ، الباب 13: ما روي في صفة الإمام المنتظر ، ح 15؛ مستدرك الوسائل: ج 11، ص 54، كتاب الجهاد، أبواب جهاد العدوّ وما يناسبه، الباب 22: أنّ من كان فئةٌ من أهل البغي وجب أن يتبع مدبرهم و...، ح 4.
2) الغيبة (للنعمانيّ): ص 255 ، الباب 14 : ما روي في العلامات الّتي تكون قبل قيام القائم(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، ح 13.
3) ولذلك عُرف عن الإمام المهديّ (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) بأنّه نِقمةٌ وعذابٌ على المجرمين. انظر: الكافي: ج 8، ص233، كتاب الروضة ، ح 306.
سَبَبًا لِنِقْمَةِ اللهِ وسُخطِهِ عَلَى العِبادِ ؛ لأنَّ اللهَ لا يَنْتَقِمُ مِنَ العِبادِ إِلَّا بَعدَ إنكارِهِمْ حجّةً» (1).
يُفهم من هذه الكلمات وغيرها أنَّ هؤلاء المعاندين أصبحوا أهدافًا لثأر الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) وغضبِه ؛ لأنّهم قد أقيمت حجّة الله عليهم بتمامها فلم يقبلوها، بل أنكروها.
وفي حديث محمّد بن مسلمٍ، عن الإمام الباقر (علیه السّلام) أنّه قال: «أَمَّا شَبَهُهُ مِنْ جَدِّهِ المُصْطَفى (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فَخُرُوجهُ بِالسَّيْفِ، وقَتْلُهُ أعداء الله وأعداء رسوله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )
والجَبَّارينَ والطواغيت، وأنَّهُ يُنْصَرُ بِالسَّيْفِ والرُّعْبِ ، وأَنَّهُ لا تُرَدُّ لَهُ رايَةٌ» (2).
إنَّ التعاطي مع الأعداء والمخالفين يختلف ويتنوّع باختلاف الزمان والمكان، ففي زمن النبيّ الكريم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) مثلاً كانت الرحمة هي السيرة السائدة؛ وذلك بسبب هدف الترويج للدين آنذاك، وفي زمن الإمام أميرالمؤمنين عليٍّ (علیه السّلام) كانت الرحمة والمنّة على المخالفين هي السائدة أيضًا، لكن يأتي السؤال هنا عن السيرة الّتي سوف يتّبعها الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) في عصر الظهور،
وكيف سيكون تعاطيه مع الأعداء والمخالفين؟
وللإجابة عن هذا السؤال لا بدَّ من التعرّض إلى بعض الروايات في هذا المقام:
عن زرارة، عن أبي جعفر (علیه السّلام) ، قال : قُلتُ له... فقال: اسمُهُ اسْمي. قلتُ : أَيسَيرُ بِسيرةِ مُحَمَّدٍ ؟ قال : هَيْهاتَ هَيْهاتَ يا زرارة! ما يَسيرُ بِسيرَتِهِ قُلْتُ: جُعِلْتُ فِداكَ! لِمَ؟ قال: إنَّ رسول الله سار في أمَتَّهِ بِالْمَنِّ، كانَ يَتَأَلَّفُ النَّاسَ، والقائِمُ يَسيرُ بِالقَتْلِ. بذاكَ أَمِرَ فِي الْكِتابِ الَّذِي مَعَهُ أَن يَسير بالقتل ولا يَسْتَتيب أحدًا وَيْلٌ لِمَنْ ناواه»(1).
عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرّار، عن يونس، عن أبي بكر الحضرميّ ، قال : سَمِعْتُ أبا عبدالله (علیه السّلام) يقول: لَسيرَةُ عليٍّ (علیه السّلام) في أهلِ الْبَصْرَةِ كَانَتْ خَيْرًا لِشيعَتِهِ مِمَّا طَلَعَت عَلَيْهِ الشَّمْسُ. إِنَّهُ عَلِمَ أَنَّ الْقَوْمِ دَوْلَةً، فَلَوْ سَباهُم لَسُبِيَتْ شيعته. قال: قُلتُ: فَأَخْبِرْنِي عَن الْقائِمِ، يَسيرُ بسيرَتِهِ؟ قال: لا ؛ لأنَّ عَلِيًّا (علیه السّلام) سارَ فِيهِمْ بِالْمَنَّ لِما عَلِمَ مِنْ دَوْلَتِهِم، وإِنَّ الْقائم يَسِيرُ فيهِم بِخَلافِ تِلْكَ السِّيرَةَ؛ لأَنَّهُ لَا دَوْلَةَ لَهُم»(2).
1) الغَيبة (للنعمانيّ): ص 231، الباب 13 : ما روي في صفة الإمام المنتظر(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، ح 14؛ عقد الدرر: ص 226 ، الباب 9: في فتوحاته وسيرته، الفصل الثالث، في ما يجري من الملاحم ؛ إثبات الهداة: ج 3، ص 539 ، الباب 32 في النصوص على إمامة المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، فصل 27، ح 500 ؛ بحار الأنوار: ج 52 ، ص 353، تاريخ الإمام الثاني عشر، الباب 27، سيره وأخلاقه وخصائص زمانه، ح 109.
2) الكافي : ج 5 ، ص 33 ، كتاب الجهاد، الباب 10، ح 4 ؛ المحاسن : ص 320، كتاب العلل، ح 55.
إنَّ في هذا الحديث إشكالا من الناحية السنديّة(1)لأنّ إسماعيل بن مَرّار الوارد في سنده مجهولٌ، وقد صرّح بجهالته كلُّ من الأردبيليّ في (مجمع الفائدة)، والسيّد العامليّ في (مدارك الأحكام)، والعلّامة المجلسيّ، وإن مال المامقانيّ إلى وثاقته، ومال نجله إلى حسنه (2).
«أحمد بن إدريس، عن عليّ بن الفضل، عن أحمد بن عثمان، عن أحمد بن رزق، عن يحيى بن العلاء الرازيّ، قال: سمعت أبا عبدالله (علیه السّلام) يقول: ينتج الله - تعالى - في هذه الأمّة رجلًا منّي وأنا مِنهُ، يسوق اللهُ- - به بركاتِ السماوات والأرض، فَتُنْزِلُ السماء قطرها، ويخرج الأرض بذرَها، وتأمَنُ وحوشُها وسباعُها ، ويملأ الأرضَ قسطا وعدلاً كما مُلئت ظلما وجورًا، ويَقْتُل حتّى يقول الجاهل : لو كان هذا من ذريَّة محمّدٍ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) رَحِمَ (3).
إنَّ في هذه الرواية ملاحظةً جديرةً بالذكر، وهي أنَّ إقامة القسط والعدل
1) مرآة العقول : ج 18 ، ص ،361 ، كتاب الجهاد، الباب 10 ، ذيل ح 4.
2) تنقيح المقال : ج 10، ص 381 – 383 ، ترجمة إسماعيل بن مرّار، رقم 2438.
3) الغَيْبة (للطوسيّ) : ص 188 ، الفصل الأوّل: الكلام في الغيبة، الروايات الدالّة على خروج المهديّ (عجّل الله تعالی فرجه الشریف)، ح 149 ؛ إثبات الهداة : ج 3، ص 503 ، الباب :32 في النصوص على إمامة المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، الفصل الثاني عشر، ح 305.
ونشر الأمن وشمول البركات مرتبطٌ بشكل وثيقٍ بزوال الجور والجائرين وإبادتهم، وأمّا الاعتراض على عمليات
القتل والفتك بالظَّلَمة إنّما هو ناتجٌ عن عدم الوعي والاطّلاع على حقائق الأمور وواقع الحال.
ولكن نقول: إنَّ في هذا الحديث إشكالاً من الناحية السنديّة؛ لأنَّ في سنده أحمد بن عثمان الآدميّ، وهو مجهولٌ(1).
«حدّثنا أبو هارون، عن عمرو بن قيسٍ الملائيّ، عن المنهال، عن زرّ بن حبيش، سَمِعَ عليًّا (علیه السّلام) يقول : يُفَرِّجُ اللهُ الفِتَنَ بِرَجُل مِنًا، يَسومُهُم خَسفًا، لايُعطيهم إلّا السيف، يَضَعُ السيفَ عَلى عاتِقِه ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ هَرْجًا حَتَّى يَقولُوا: وَاللهِ ما هذا مِنْ وُلدِ فاطِمَةَ ، لَوْ كان مِنْ وُلْدِها لَرَحِمَنا يغريه الله ببني العبّاس وبني أمية» (2).
1) مستدركات علم رجال الحديث ج 1، ص 365، ترجمة أحمد بن عثمان الآدميّ، رقم 1179؛ تنقيح المقال : ج 6 ، ص 316 ، ترجمة أحمد بن عثمان الآدميّ، رقم 1145.
2) الملاحم والفتن : ص 126 ، الباب 135 : فيما ذكره نعيمٌ أنّ الفتن تفرج برجلٍ من ولد فاطمة، ح 163؛ الفتن ( لنعيم بن حمّادٍ): ص 274، ج 5 ، الباب 45: خروج المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) من مكّة إلى بيت المقدس والشام، ح 1019 .
«عن عيسى بن الخَشّاب، قال: قُلتُ لِلْحُسَيْنِ بن عليٍّ (علیه السّلام) : أَنتَ صاحِبُ هذا الأمر؟ قال: لا، ولكن صاحِبُ الأمْرِ الطريد الشريد، المَوتُورُ بأبيه ، الْمُكَنَّى بِعَمِّهِ، يَضَعُ سَيفَهُ على عاتِقِهِ ثمانِيَةَ أَشْهُر»(1).
«عن أبي بصير، قال: سمعتَ أبا جعفرٍ الباقر (علیه السّلام) يقول: ... ويضعُ السيف على عاتقه ثمانية أشهر هَرجًا هَرجًا (2)حتَّى رَضَى الله. قلتُ: فكيف يعلم رضى الله؟ قال : يُلقي الله في قلبه الرحمة»(3).
ولعلَّ المقصود هو أنَّ مدّة العمليات الهجوميّة لجيش الإمام القائم(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) من أجل كسر شوكة الظالمين وتضعيف قواهم وتلاشيها هي ثمانية أشهرٍ، ثمّ تعقبها عملياتٌ إيذائيةٌ وموضعيّةٌ تتمّ عبر مراحل؛ لتكون نتيجتها النهائيّة استئصال جذور الفساد والظلم نهائيًّا وإلى الأبد.
1) كمال الدين : ج 1، ص 318 ، الباب 30: ما أخبر به الحسين (علیه السّلام) من وقوع الغيبة، ح 5 ، وقد تمّ شرح هذا الحديث بطريقةٍ أُخرى. انظر: الفصل الثاني من هذا الكتاب تحت عنوان (حكم التسمية).
2) الهَرْج : قتالٌ واختلاطٌ ، النهاية في غريب الحديث والأثر: ج 5، ص 257، باب الهاء مع الراء.
3) الغَيْبة (للنعمانيّ): ص 164 و 165 ، الباب 10: ما روي في غيبة الإمام المنتظر(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، الفصل 3، ح 5 .
إنَّ الروايات الثلاث التي ذكر فيها الهرج هي رواياتٌ ضعيفةٌ من الناحية السنديّة، فعمر بن قيسٍ وعيسى بن خشّابٍ في سند الرواية الأولى والثانية مجهولان، وفي سند الرواية الثالثة هناك ابن أبي حمزة الّذي وقع الخلاف فيه وفي تضعيفه أو توثيقه، فتأمّل.
إنَّ الأئمة الأطهار من آل محمّد(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) كلُّهم رحماء، بل هم منشأ الرحمة والبركات الحقيقيّة من الله تعالى، يقول الإمام الرضا (علیه السّلام) : «الإمام: الأنيس الرَّفيقُ ، الوالد الشفيقُ، والأخُ الشَّقيقُ ، والأمُّ البَرَّةُ بالوَلدِ الصَّغيرِ ، ومَفزَعُ العِبادِ في الداهية النادِ» (1).
وفي رواية أبي ربيع الشاميّ قال: «قلت لأبي عبدالله(علیه السّلام) : بلغني عن عمرو بن إسحاق حديثُ ، فقال : اعرضه. قال: دخل على أميرالمؤمنين (علیه السّلام) فرأى صفرةً في وجهه، قال: ما هذه الصفرة؟ فذكر وجعًا به، فقال له عليٌّ (علیه السّلام): إنّا لنفرح لفرحكم، ونحزن لحزنكم، ونمرض لمرضكم، وندعو لكم فتدعون فَنُؤَمِّنُ. قال عمرٌو : قد عرفتُ ما قلتَ، ولكن كيف ندعو فتؤمِّن؟ فقال: إنا سواءٌ علينا البادي والحاضر. فقال أبو عبدالله (علیه السّلام) : صدق عمرٌو » (2).
1) الكافي : ج 1، ص 200 ، كتاب الحجّة باب نادرُ جامعٌ في فضل الإمام وصفاته، ح 1.
2) بصائر الدرجات : ج 1، ص 260 ، الجزء الخامس، الباب 16: في الأئمّة أنّهم يعرفون من يمرض من شيعتهم ويحزنون ويدعون ويؤمّنون على دعاء شيعتهم، ح 2؛ بحار الأنوار: ج 26، ص 140 ، كتاب الإمامة الباب 9: أنّه لا يحجب منهم شيءٌ، ح 12.
ونظير هذه الرواية أيضًا ما وقع مع رميلة، فقد قال: «وعكتُ وعكاً شديدًا في زمان أميرالمؤمنين(علیه السّلام) ، فوجدت من نفسي خفّةً في يوم الجمعة، وقلتُ: لا أعرف شيئًا أفضل من أن أفيض على نفسي من الماء، وأصلّي خلف أمير المؤمنين (علیه السّلام) ففعلتُ، ثمّ جئت إلى المسجد، فلمّا صعد أمیرالمؤمنين (علیه السّلام) المنبرَ عاد عليَّ ذلك الوعك، فلمّا انصرف أميرالمؤمنين (علیه السّلام) ودخل القصر دخلتُ معه، فقال: يا رميلة، رأيتُك وأنت مُتشبّكٌ بعضك في بعضٍ؟ فقلتُ : نعم. وقصصتُ عليه القصّة الّتي كنتُ فيها، والّذي حملني على الرغبة في الصلاة خلفه، فقال: يا رميلة، ليس من مؤمن يمرض إلّا مرضنا بمرضه، ولا يحزن إلّا حَزنًا بحزنه، ولا يدعو إلّا أمّنّا لدعائه، ولا يسكت إلّا دعونا له. فقلت له: يا أميرالمؤمنين، جعلني الله فداك! هذا لِمَنْ معك في القصر، أرأيتَ من كان في أطراف الأرض؟ قال : يا رميلة، ليس يغيب عنّا مؤمنٌ في شرق الأرض ولا في غربها»(1).
وفي رسالة بعثها الإمام المهديّ (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) إلى الشيخ المفيد(رحمه الله) جاء فيها: «... إنا غَيْرُ مُهملينَ لِمُراعاتِكُم، ولا ناسينَ لِذِكرِكُم، ولولا ذلك لَنَزَلَ بِكُم اللأواءُ، واصْطَلَمَكمُ الأَعداءُ »(2).
1) بصائر الدرجات: ج 1، ص 259 و 260، الجزء الخامس، الباب 16: في الأئمّة أنّهم يعرفون من يمرض من شيعتهم ويحزنون ويدعون ويؤمّنون على دعاء شيعتهم، ح 1؛ بحار الأنوار: ج 26 ، ص 140 ، كتاب الإمامة الباب 9 :أنّه لا يحجب منهم شيءٌ، ح 11.
2) الاحتجاج : ج 2، ص 323 ، توقيعات الناحية المقدّسة، ذكر كتابٍ ورد على الشيخ المفيد.
وهناك أحاديث كثيرةٌ جدًّا مفادها أنَّ الأئمّة الأطهار (علیهم السّلام) هم معدن الرحمة، وبمقتضى رحمتهم هذه يستلزم عليهم ومنهم رفع الموانع والعقبات عن طريق هداية البشريّة والمواجهة الصارمة والحاسمة مع الظالمين والمخالفين الأحكام الإسلام وحاكميّته، وهذا الأمر هو أحد مصاديق رأفة الإمام ورحمته بالمؤمنين والرحمة بعالم الوجود. هذا مع الالتفات إلى أنَّ الظروف والوقائع في عصر الظهور لا تسمح بأيِّ تساهلٍ أو غضّ نظرٍ عن فعلٍ من الأفعال الصادرة من المعاندين والمستكبرين، بل لا تجيز أدنى مداراةٍ لهم أو مراعاتهم.
وبالتالي فصرامة الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) وأنصاره الأوفياء المقتدرين وطلّاب الشهادة وعشّاقها تجعل الأعداء يتهاوَون الواحد تلو الآخر.
والجدير بالذكر أنَّ هذه الحالات الجهاديّة والاستشهاديّة تُوجِد في قلوب الأعداء شدَّة الرعب والخوف والانكسار، الأمر الذي يؤدّي إلى استسلام كلّ مخالفٍ ومعاندٍ، وإرعاب كلٍّ عدوٍّ وظالمٍ، حتّى يفقدوا السيطرة على أنفسهم، فلا يستطيعون حمل السلاح في أيديهم، فضلًا عن استعماله ومواجهة الإمام وأصحابه به ؛ ولهذا السبب تضيق دائرة المواجهة العسكريّة، وتقلّ الحاجة إلى سفك الدماء، وبالنتيجة تتناقص أعداد القتلى أو الجرحى.
وبعد هذه العمليّات الضروريّة تنتفي أسباب المعصية على وجه الأرض، فلا يعود هناك مكانٌ آمنٌ للطغاة والعصاة كي يروّجوا للمعصية والفساد، وبناءً عليه يصبح المظلومون والمستضعفون وطالبو الخير والصلاح مشمولين بلطف الإمام المهدي(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، وتبقى فرقةٌ قليلةٌ جدًّا معاندةٌ تصرُّ على موقفها الضالّ؛ ولذا فلا معنى للمفاوضة أو الصلح أو التقيّة أو الرحمة والرأفة في التعاطي مع
هؤلاء، فلا تبقى حلولٌ وخياراتٌ مقابل الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) غير السيف وإعمال القوّة القهريّة والحكم الداوديّ والسليمانيّ(1)على هؤلاء الأفراد والجماعات المعاندة للحقّ.
بعد هذا البيان يتّضح لنا أنَّ الأشخاص والجماعات الّتي تقف مانعًا في طريق الهداية، وسدًّا في طريق إصلاح البشريّة، وتصد عن سبيل الله تعالى، هي الّتي تقع موردًا لنقمة الإمام المهديّ (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) وغضبه؛ ولهذا وردَ في الرواية: «والقائِمُ يَسيرُ بِالقَتْلِ... ولاَيَسْتَتيب أحدًا ، وَيْلٌ لِمَنْ ناواهُ» (2)
عنوان قبول التوبة في زمان المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف).
.1) عن أبي عبيدة الحذّاء قال: ... فقلت لأبي عبدالله (علیه السّلام) : إنّ سالمًا قال لي كذا وكذا، قال. فقال (علیه السّلام) : يا أبا عبيدة إنّه لا يموت منّا ميّتٌ حتّى يخلف من بعده من يعمل بمثل عمله، ويسير بسيرته ويدعو إلى ما دعا إليه. يا أبا عبيدة، إنّه لم يمنع ما أُعطي داود أن أُعطي سليمان. ثمّ قال: يا أبا عبيدة إذا قام قائم آل محمّدٍ حكم بحكم داود وسليمان (علیهما السّلام) لا يسأل بينةً» [ الكافي : ج 1، ص 397 ، كتاب الحجّة، باب في الأئمّة (علیهم السّلام) أنّهم إذا ظهر أمرهم حكموا بحكم داود وآل داود، ولا يسألون البيّنة، ح 1]. «عن أبان بن تغلب قال: قال أبو عبدالله (علیه السّلام) ... فيبعث الله - تبارك وتعالى - ريحًا فتنادي بكلّ وادٍ هذا المهديّ يقضي بقضاء داود وسليمان (علیهما السّلام) ولا يريد عليه بيّنةً» [ كمال الدين: ج 2، ص 671، الباب 58: نوادر الكتاب، ح 19].
2) الغَيْبة (للنعمانيّ) ص 231، الباب 13: ما روي في صفة الإمام المنتظر(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، ح 14؛ عقد الدرر : ص 226 ، الباب 9: في فتوحاته وسيرته الفصل الثالث: في ما يجري من الملاحم ؛ إثبات الهداة: ج 3، ص 539 ،الباب 32: في النصوص على إمامة المهديّ (عجّل الله تعالی فرجه الشریف)، الفصل 27، ح 500 ، وتعرّضنا لهذه الرواية سندًا ودلالةً في دروسنا في بحث الخارج في المهدويّة عام 1437 ه- تحت
إنّ بعض معارضي الإمام صاحب الزمان(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ينتمون إلى أقوامٍ بعينها ويحملون جنسيّاتٍ خاصّةً، والبعض الآخر يتّبعون أديانًا متفرّقةً، كما أنَّ هناك بعضًا من الفرق والمجموعات تعتقد بالإسلام ظاهراً، لكنّهم في الحقيقة منافقون، أو أنّهم من أصحاب القداسة المنحرفة والمظاهر الكاذبة.
أمّا الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) فسوف يكون له تعاملٌ خاصٌّ مع كلِّ فريقٍ، وسيرةٌ محدّدةٌ
مع كلّ قومٍ على حدةٍ، وفي الروايات الآتية سنعرض أقسامًا من تلك القوميّات وكيفيّة تعاطي الإمام (عجّل الله تعالی فرجه الشریف):
ورد في الروايات الشريفة إشاراتٌ إلى أقوامٍ من العرب، ولعلَّ المقصود بهم أهل مكّة وقبيلة قريش، خصوصًا بني أميّة (1)
ويعرف ذلك من خلال كلمات أميرالمومنين (علیه السّلام) في رسالته الجوابيّة لمعاوية إذ قال: وليس الصريح كاللصيق» [نهج البلاغة قسم الكتب، الرسالة 17].
والجدير بالذكر أن شارح النهج ابن أبي الحديد المعتزليّ (المتوفّى سنة 656 ه) تعرّض لهذا الأمر من خلال تساؤله : «هل كان في نسب معاوية شبهةٌ؟» ممّا يدلّ على أنّ هذا البحث الّذي أثاره ابن أبي الحديد له امتدادٌ وجذورٌ تاريخيةٌ. [انظر شرح نهج البلاغة : ج 15، ص 119، ذيل الرسالة 17] وهو كذلك ؛ إذ أشار بعض المؤلّفين والعلماء في القرن الثالث والرابع وما بعدها إلى هذا الأمر، ونفوا ارتباط الأمويّين بالعرب وقريش، وإليك شواهد على ذلك:
1- يقول أبو القاسم الكوفيّ (المتوفّى سنة 352 ه) : «بنو أمية ؛ ذكروا أنّهم من قريش وليسوا من قريش، وإنّ أصلهم من الروم، وفيهم تأويل هذه الآية «غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ» معناه أنّهم غلبوا على الملك، وسيغلبهم على ذلك بنو العبّاس، وذلك أنّ العرب في الجاهليّة إذا كان لأحدٍ عبدٌ فأراد أن ينسبه ويلحقه بنسبه فعل ذلك وجاز وكان عبدهم...و کان شمسٍ بن عبد منافٍ،أخا هاشم بن عبد منافٍ، قد تبنّي عبدًا له روميًّا يقال له: أميّة، فنسبه عبد شمسٍ إلى نفسه، فنسب أميّة بن عبد شمسٍ، فدرج نسبه كذلك إلى هذه الغاية. فأصل بني أميّة من الروم» [الاستغاثة في بدع الثلاثة:ص 121-123، الجزء الثاني قضيّة تزويج عمر من أمّ كلثوم والجواب عن ذلك].
2- وقال الشيخ مفلح بن الحسن ابن صلاح البحرانيّ من أعلام القرن التاسع: «القول في نسب أميّة بن عبد الشمس : شأن العوّام، فإنّه لم يكن من صلب عبد الشمس بن عبد منافٍ، وإنّما هو عبدٌ من الروم، فاستخلفه عبد الشمس فنسب إليه، كما نسب العوّام إلى خويلدٍ، فبنو أميّة جميعهم ليسوا من صلب قريش، وإنّما هم ملحقون بهم، وتصديق ذلك جواب أميرالمؤمنين لمعاوية...» [إلزام النواصب : 102 و 103، بابٌ في بعض ما ورد في أنسابهم، القول في نسب أميّة بن عبد شمس].
3- وفي ( حديقة الشيعة) المنسوب للمقدّس الأردبيليّ: «المشهور أنّ أميّة كان غلامًا رومياً لعبد الشمس، وبما أنّه كان ذكيًّا وذا استعدادٍ تبنّاه عبد الشمس بعد أن حرّره [حديقة الشيعة: ص 349 ، فصل في مطاعن معاوية وبني أميّة].
4- ونقل عماد الدين الطبريّ، عن محمّد بن عبد الرحمن بن محمّد الأصفهانيّ في كتابه المسمّى ب- (البديع): «إن أميّة كان روميًّا ومملوكًا لعبد الشمس فتبنّاه؛ فلذا أطلق عليه بابن عبدالشمس» [كامل بهايي : ج 1، ص 269، الباب 9: في بيان أنّ أميّة كان غلامًا روميًّا].
5- قال العلّامة المجلسيّ ذيل رسالة أميرالمومنين (علیه السّلام) إلى معاوية: «الظاهر أنّ قوله كاللصيق إشارةٌ إلى ما هو المشهور في نسب معاوية كما سيأتي، وقد بسط الكلام في ذلك في موضعٍ آخر من هذا الشرح، وتجاهل هنا حفظًا لناموس معاوية. وقد ذكر بعض علمائنا في رسالة في الإمامة أنّ أميّة لم يكن من صلب عبد شمسٍ، وإنّما هو عبدٌ من الروم، فاستلحقه عبد شمس ونسبه إلى نفسه، وكانت العرب في الجاهليّة إذا كان لأحدهم عبدٌ وأراد أن ينسبه إلى نفسه أعتقه وزوّجه كريمةً من العرب فيلحق بنسبه. قال : وبمثل ذلك نسب العوّام أبو الزبير إلى خويلدٍ. فبنو أميّة قاطبةً ليسوا من قريش، وإنّما لحقوا ولصقوا بهم. قال: ويصدق ذلك قول أميرالمؤمنين (علیه السّلام) جوابًا عن كتابه وادّعائه "إنّا بنو عبد منافٍ": "ليس المهاجر كالطليق، ولا الصريح كاللصيق، ولم يستطع معاوية إنكار ذلك» [بحار الأنوار: ج 33، ص 107، الباب 16: كتبه(علیه السّلام) إلى معاوية، ح 407].
وأمّا حدود الروم: فعن ياقوت الحمويّ في (معجم البلدان): «أمّا حدود الروم فمشارقهم وشمالهم الترك والخزر، ورس وهم الروس، وجنوبهم الشام والإسكندريّة، ومغاربهم البحر والأندلس، وكانت الرقّة والشامات كلّها تعدّ في حدود الروم أيّام الأكاسرة» [معجم البلدان: ج 3، ص 98 الروم]. وعن السيّد محمّدٍ الصدر(رحمه الله) : «الصحيح تاريخياً أنّ الروم هم شعب دولة روما الّتي هي الآن عاصمة إيطاليا [تاريخ الغيبة الصغرى: القسم الأوّل، تاريخ الإمامين العسكريّين، الفصل الرابع تاريخ الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) في حياة أبيه(علیه السّلام) ، ص 257].
وبني العبّاس وبني1) على الرغم من أنّنا وبحسب تحقيقنا وتتبّعنا نرى بأنّ الأمويِّين لم يكونوا عربًا أصلاً، وان كانوا بحسب المعروف أنّهم منهم، وكذلك نسلهم الموجود زمن الظهور يعدّون منهم أيضًا، ولكن بحسب البحث التاريخيّ ليسوا كذلك، بل أتوا من الروم، وهم منهم تحديدًا، وقد أسرهم العرب وجلبوهم إلى المنطقة العربيّة، فادّعوا بعد ذلك أنّهم من العرب.
شيبة، أو الحكومات العربية المتسلّطة.
هذه الفرق والجماعات المذكورة كانت لديهم مواقف سلبيةٌ من أهل البيت (علیهم السّلام) ، وعمدة هذه المواقف بدأت في معركة بدرٍ الّتي ملأت قلوبَهم حقدًا وبغضًا لأميرالمؤمنين عليٍّ (علیه السّلام)؛ وذلك بسبب قتله لآبائهم وأجدادهم المشركين.
ذكر الواقدي في كتابه (المغازي) أنّه كان في مكّة 25 قبيلةً، منها 23 قبيلةً كانت متحدةً ضدّ الرسول الأكرم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وضدّ المسلمين، وأنّهم أعدُّوا لمعركة بدرٍ، وقد أورد أسماء المقتولين في هذه المعركة هناك(1)لذلك فإنَّ عمدة أسباب مخالفة قريش ومعاندتهم لأهل البيت (علیهم السّلام) تكمن في موضوعٍ أساسٍ، وهو: قتل الإمام عليٍّ (علیه السّلام) لعددٍ من هؤلاء المشركين والمنافقين خلال المعارك والحروب الّتي خاضها مع رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) في الصدر الأوّل للإسلام، الأمر الّذي ملأ قلوبهم غيظًا وحقدًا عليه. وهذا المضمون قد ورد في دعاء الندبة: «... قَدْ وَتَرَ فِيهِ صَنادِيدَ الْعَرَبِ، وقَتَلَ أَبْطَالَهُمْ، وناوَشَ ذُؤْبانَهُمْ، فَأَوْدَعَ قُلُوبَهُمْ أَحْقادًا بَدْرِيَّةً وخَيْبَرِيَّةً وحُنَيْنِيَّةً وغَيْرَهُنَّ، فَأَضَبَّتْ عَلَى عَداوَتِهِ وأكَبَّتْ عَلى مُنابَذَتِهِ...» (2).
ثمّ بعد وفاة النبيّ الكريم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) سعى الغاصبون والحاقدون إلى إثارة مشاعر الناس، وتحريك عواطفهم وتحريضهم على أميرالمؤمنين (علیه السّلام)عبر التذکیر بفتك الإمام (علیه السّلام) بأجدادهم وآبائهم (3)، ونحن هنا نحاول أن نشير إلى بعض الروايات الّتي تذكر قريئًا وأهل مكّة ضمن هذه العناوين:
روى أبو بصيرٍ عن الإمام الباقر (علیه السّلام) في حديث مفصّل وطويل، قال (علیه السّلام): «يقولُ القائم لأصحابه : يا قوم، إنَّ أهلَ مكَّةَ لا يُريدُونَني، ولكنّي مُرسِلُ إِلَيهِم لأحتجّ عَلَيْهِم بِما يَنْبَغِي لِمِثلي أَنْ يَحتَجَّ عَلَيْهِم. فَيَدْعُو رَجُلًا مِن أصحابِهِ فَيَقُولُ لَه: امض إلى أهلِ مَكَّةَ، فَقُل: يا أهلَ مَكَّةَ، أنا رسولُ فُلان إليكم، وهُو يَقولُ لَكُم : إنا أهلُ بيتِ الرَّحمَةِ، ومَعدِنُ الرِّسالَةِ والخِلافَةِ، ونَحنُ ذُرِّيَّة محمّدٍ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) و سُلالَة النَّبِيِّينَ (علیهم السّلام) ، وإنّا قَدْ ظُلِمنا واضطهدنا وقُهرنا وابْتُنَّ مِنَا حَقُنا، مُنْذُ قُبِضَ نَبِيُّنا إلى يومنا هذا، فَنَحْنُ نستنصركم فانصرونا. فإذا تكلّم هذا الفَتى بهذا الكلامِ أتَوْا إِلَيهِ فَذَبَحُوهُ بينَ الرُّكن والمقام، وهي النفسُ الزَّكية. فإِذا بَلغَ ذلك الإمام قال لأصحابِهِ : ألا أخبرتُكم أنَّ أهلَ مَكَّةَ لا يُريدُونَنا...»(1).
روى أبو بصيرٍ أيضًا عن الإمام الباقر (علیه السّلام) حديثاً طويلًا ومفصّلًا جاء فيه: «... إِذا خَرَجَ يَقُومُ بِأَمرٍ جَدِيدٍ ، وكِتابٍ جديدٍ، وسُنَّةٍ جَديدَةٍ، وقَضاءِ جَديدٍ، عَلَى العَرَبِ شَديدٌ، ولَيْسَ شَأْنُهُ إِلَّا الْقَتْلَ، لا يَسْتَبْقِي أَحَدًا، ولا تَأْخُذُهُ في الله لومةٌ لائمٍ»(2).
1) بحار الأنوار: ج 52 ، ص 307 تاريخ الإمام الثاني عشر، الباب 26: يوم خروجه وما يحدث عنده، ح 81؛ إثبات الهداة: ج 3، ص 582 و 583 ، الباب 32: في النصوص على إمامة المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، الفصل 59 ، ح 773.
2) الغَيبة (للنعمانيّ): ص 253 - 255 ، الباب 14 : ما روي في العلامات الّتي تكون قبل قيام القائم(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، ح 13؛ بحار الأنوار: ج 52 ، ص 230 - 233، تاريخ الإمام الثاني عشر، الباب 25: علامات ظهوره(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، ح 96.
إنَّ فى هذه الرواية صراحةً واضحةً جدًّا ؛ فمحور الحديث يدور حول العرب الّذين يجعلهم الإمام (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) تحت الضغط والشدّة، وقد أشرنا سابقًا أنَّ المقصود من هؤلاء العرب الحكوماتٌ العربيةُ المتسلّطة، أو قريش، أو بقايا بني أميّة... وليس المقصود من العرب هنا العرب أجمعهم، كيف وأنّ هناك
جمعًا كثيرًا من أنصار الإمام المهديّ (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) من العرب أنفسهم؟!
وكذلك ليس المقصود من عبارة «كِتابٍ جديدٍ، وسُنَّةٍ جَديدَةٍ» قرآنًا آخر أو سنَّة غير سنّة رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، معاذ الله! بل يكون على المجتمع أمرٌ جديدٌ وغريبٌ ؛ وذلك لابتعادهم عن الإسلام الحقيقيّ والسنّة الصحيحة، فيرونه كتابًا جديدًا وسنّةً جديدةً.
أخبرنا أحمد بن محمّد بن سعيد، قال: حدّثنا أبو عبدالله يحيى بن زكريّا بن شيبان، عن يونس بن كليبٍ، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن أبيه، عن أبي بصيرٍ قال : قال أبو عبدالله (علیه السّلام) .... يُجَرِّدُ السَيفَ على عاتِقِهِ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، يَقْتُلُ هَرْجًا، فأوّلُ ما يَبدَأَ بِبَنِي شَيْبَةَ(1)، فَيَقْطَعُ أَيدِيَهُم ويُعَلِّقُها في
1) «هم أولاد شيبة بن عثمان الحجيّ الّذين كانوا حجبة الكعبة في الجاهليّة والإسلام ومفتاح الكعبة في أيديهم، وفي يوم فتح مكّة كان الحاجب عثمان بن طلحة، وأخذ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) منه مفتاح الكعبة، ففتحت له فدخلها فوجد فيها حمامةً من عيدان فكسرها بيده ثمّ طرحها،ثم وقف على باب الكعبة فقال: لا إلٰه إلّا الله وحده وحده، صدق وعده، ونصر عبده - إلى آخر خطبته المشهورة - فقال: أين عثمان بن طلحة؟ فدعي له، فقال: هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم برّ ووفاء، فالمراد ببني شيبة حجّاب الكعبة» [الغيبة (للنعمانيّ): ص 308، الباب 19: في أنّ راية رسول الله الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يكون مع القائم(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، ح 2 ، الهامش.
الكعبَةِ، ويُنادي مُنادِيهِ : هؤلاء سُرَاقُ اللهِ. ثمّ يتناوَلُ قُرِيشًا فَلا يَأْخُذُ مِنها إِلَّا السَّيف، ولا يُعطيها إلّا السَّيْفَ، ولا يَخْرُجُ القائم(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) حتّى يُقْرَأُ كِتابانِ: كِتابُ بِالْبَصْرَةِ، وكِتابُ بالكوفة بالبراءة مِنْ عَليٍّ(علیه السّلام)»(1).
إنَّ في هذه الرواية إشكالا سنديًا؛ لأنَّ يونس بن كليبٍ المذكور في سندها هو شخصٌ مجهول الحال، كما أن ابن أبي حمزة هو الآخر محلُّ للتأمّل والبحث عندنا.
«... عن سديرٍ الصيرفيّ، عن رجل من أهل الجزيرة كان قد جعل على نفسه نذرًا في جاريةٍ وجاء بها إلى مكّة، قال: فلقيتُ الحَجَبة فأخبرتهم بخبرها، وجعلت لا أذكر لأحدٍ منهم أمرها إلّا قال: جئني بها، وقد وفى الله نذرك. فدخلني من ذلك وحشةٌ شديدةٌ، فذكرت ذلك لرجلٍ من أصحابنا من أهل مكّة، فقال لي: تأخذ عنّي؟ فقلت: نعم. فقال: انظر الرجل الّذي يجلس بحذاء
1) الغَيبة (للنعمانيّ): ص 307 و 308، الباب 19: في أنّ راية رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) يكون مع القائم(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، ح 2 ؛ إثبات الهداة : ج 3، ص 545 ،الباب 32: في النصوص على إمامة المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، ح 533.
الحجر الأسود، وحوله الناس، وهو أبو جعفرٍ محمّد بن عليّ بن الحسين (علیه السّلام)، فأته، فأخبرهُ بهذا الأمر ، فانْظُر ما يقول لك فاعمل به. فأتيته فقلتُ: رحمك الله، إنّي رجلٌ من أهل الجزيرة، ومعي جاريةٌ جعلتها عليَّ نذرًا لبيت الله في يمينٍ كانت عليّ، وقد أتيت بها ، وذكرتُ ذلك للحَجَبة، وأقبلتُ لا ألقى منهم أحدًا إلّا قال: جئني بها وقد وفّى الله نذرك. فدخلني من ذلك وحشةٌ شديدةٌ.
فقال: يا عبدالله، إنَّ البيت لا يأكل ولا يشرب، فبع جاريتك، واستقص وانظر أهل بلادك ممّن حجّ هذا البيت، فمَن عجز منهم عن نفقةٍ فأعطه حتّى يقوى على العَود إلى بلاده. ففعلتُ ذلك، ثمّ أقبلتُ لا ألقى أحدًا الحَجَبة إلّا قال: ما فعلتَ بالجارية؟ فأخبرتهم بالّذي قال أبو جعفرِ (علیه السّلام) ، فيقولون: هو كذّابٌ جاهلٌ لا يدري ما يقول! فذكرت مقالتهم لأبي جعفرٍ (علیه السّلام) ، فقال : قد بلَّغتني تبلِّغ عني؟ فقلتُ: نعم. فقال: قل لهم: قال لكم أبو جعفرٍ: كيف بكم لو قد قُطّعت أيديكم وأرجلكم، وعُلّقت في الكعبة ثمّ يُقال لكم: نادوا نحن سرّاق الكعبة؟! فلمّا ذهبتُ لأقوم قال: إنّني لستُ أنا أفعل ذلك، وإنّما يفعله رجلٌ منّي » (1).
لقد ذكرنا في العنوان الأوّل أنَّ أهل مكّة لا يكتفون بقتل مبعوث الإمام
1) الغَيْبة (للنعمانيّ) : ص 236 و 237 ، الباب 13: ما روي في صفة الإمام المنتظر(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، ح 25.
المهديّ (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) فحسب، بل إنّهم يقتلون نائبه ووليَّه على مكّة أيضًا. هكذا روى أبو خالدٍ عن الإمام الباقر(علیه السّلام) : «يُبايَعُ القائمُ بِمَكَّةَ عَلَى كِتابِ اللهِ وسُنّة رَسُولِهِ، ويَسْتَعْمِلُ عَلى مَكَّةَ، ثمّ يَسير نَحْوَ الْمَدِينَةِ فَيَبْلُغُهُ أَنّ عامَلَهُ قُتِلَ، فَيَرجِعُ إليهمْ فَيقْتُلُ المُقاتلة ولا يَزيدُ على ذلك ...»(1).
وفي خبر آخر رواه أبو خالدٍ الكابليّ عن الإمام الباقر (علیه السّلام): «... يَخْرجُ إلَى المَدينةِ فَيُقيمُ بِها ما شاء، ثمّ يَخْرُجُ إلى الكوفَةِ ويَسْتَعْمِلُ عَلَيْها رَجُلًا مِنْ أصحابِهِ. فَإِذا نَزَلَ الشَّفْرَةَ جَاءهُمْ كِتابُ السُّفْيانيّ: إِنْ لَمْ تَقْتُلُوهُ لَأَقْتُلَنَّ مُقاتليكم، ولأَسْبِيَنَّ ذَراريَكُم فَيُقْبِلُونَ عَلى عامِلِهِ فَيَقْتُلُونَه، فَيَأْتِيهِ الخبرُ، فَيَرْجِعُ إلَيْهِمْ، فَيَقْتُلُهُم ويَقتُلُ قُرَيْشًا حتى لا يبقي مِنْهُم إلّا أكلة كَبْش. ثمّ يَخْرُجُ إلَى الكُوفَةِ ويَسْتَعْمِلُ رَجُلًا مِنْ أصْحابهِ، فَيُقبل وينزل النجف» (2).
وعلى فرض صحّة سند هذه الرواية فإنّنا نلاحظ أنَّ محور الصراع والقتال فيها هو مع قريشٍ وليس مع الناس جميعًا ؛ فالإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) حينما يعاقب قريشًا ويقتصّ منها إنّما هو جزاء على ما ارتكبته من أعمال وحشيّةٍ واعتداءاتٍ وقتل وسفك دماءٍ.
«عَن محمّد بن مُسلِمٍ، قال: سمعت أبا جعفر (علیه السّلام): لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ ما يَصنَعُ القائمُ إِذا خَرَجَ لَأَحَبَّ أَكْثَرُهُمْ أَلَّا يَرَوْهُ مِمّا يَقْتُلُ مِنَ النَّاسِ. أمّا إِنَّهُ لا يَبْدَأ إلّا بِقُريش، فَلا يَأْخُذُ مِنها إلّا السَّيف، ولا يعطيها إلّا السّيف حتّى يَقُولَ كَثيرٌ مِنَ النَّاسِ : لَيْسَ هذا مِن آلِ مُحَمَدٍ ، ولوْ كانَ من آلِ محمّدٍ لَرَحِمَ» (1).
إنَّ كلمة الناس الواردة في هذه الرواية هي بمعنى المخالفين لأهل البيت (علیهم السّلام) ، وكلّ مَن نصب العداوة دائمًا للعترة الطاهرة من آل محمّدٍ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) .
«روى عبدالله بن المغيرة، عن أبي عبدالله (علیه السّلام): إذا قامَ القائِمُ مِنْ آلِ مُحَمّد أَقامَ خمسمئةٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَضَربَ أَعْناقَهُمْ، ثمّ أَقامَ خمسمئةٍ فَضَرَبَ أعْناقَهُمْ، ثمّ خمسمئةٍ أخرى حتَّى يَفعَلَ ذلك سِتّ مَرّات. قُلتُ: ويَبْلُغُ عَدَدُ هؤلاء هذا؟! قال: نَعَمْ، مِنْهُمُ ومِنْ مَواليهِمْ» (2).
1) الغَيْبة (للنعمانيّ): ص 233، الباب 13: ما روي في صفة المنتظر(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، ح 18؛ عقد الدرر : ص 227 ، الباب 9 ، الفصل الثالث، فيما يجري من الملاحم.
2) الإرشاد : ج 2، ص 383 باب تاريخ الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ،فصل سيرة القائم ؛ (عجّل الله تعالی فرجه الشریف)كشف الغمّة : ج 4، ص 173 و 174 ، ترجمة الإمام المنتظر، فصل سيرة القائم (عجّل الله تعالی فرجه الشریف).
وفي رواياتٍ أخرى عُبّر عن موالي قريشٍ بتعبير الأحابيش، والمراد بهم كما قال الشيخ الطريحيّ: «حبش بالضمّ: جبلٌ بأسفل مكّة، ومنه أحابيش قريش ؛ لأنّهم تحالفوا بالله أنّهم لَيدٌ على غيرهم ما سجى ليلٌ»(1).
«عن أبي الجارود، عَنْ أبي جعفر (علیه السّلام) قال .... فَيَقْتُل أَلْفًا وخمسمئة قريشي، لَيس فيهم إلّا فرخُ زَنْيَّة»(2).
في هذه الرواية صراحةٌ ووضوحٌ وتفصيلٌ دقيقٌ عن عدد القتلى وهويّتهم، وحدود هذا القتل.
«... عَن الْحَارِثِ الأعْوَر الْهَمْدانيّ، قال: قال أميرالمؤمنين (علیه السّلام): بأبي ابن خِيَرَةِ الإماء - يعني القائِمَ مِنْ وُلْدِهِ (علیه السّلام) - يسُومُهُم خَسفًا، ويَسْقِيهِم بِكَأْسِ مُصْبِرَة، ولا يُعْطِيهِمْ إِلّا السَّيفَ هَرْجًا، فعند ذلك تَتَمَنِّى فَجَرَةُ قُرَيْشٍ لَوْ أَنْ لَهَا مُفاداةً مِن الدُّنيا وما فيها لِيُغْفَرَ لَهَا. لا نَكْفُ عَنْهُم حتّى يرضَى الله» (3).
1) مجمع البحرين: ج 1، ص 133، كتاب الشين، باب ما أوّله الحاء.
2) دلائل الإمامة: ص 241 و 242 ، الإمام صاحب الزمان (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) هو معرفة وجوب القائم(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ؛ معجم أحاديث الإمام المهدي(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) : ج 4 ، ص 478 ، سيرته في أعدائه، ح 848 / 6.
3) الغَيْبة (للنعمانيّ) : ص 229 ، الباب :13 : ما روي في صفة القائم(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، ح 11.
إنَّ هذه الروايات وشبهها من الأحاديث الشريفة لعلّها حاكمةٌ على الروايات الأخرى، بل ومُفسّرةً لها؛ لأنّها توضّح وتُبيّن بشكلٍ دقيقٍ حدود القتل وسفك الدماء، وتذكر تفاصيل مهمّةً، كما أنّها تشير إلى هويّة القتلى، ومصير أهل السوء من قريش، والجزاء الّذي يستحقّونه.
«... عن رُفيد مولى أبي هُبَيْرَةَ، قال: قُلْتُ لأبي عبدالله (علیه السّلام): جُعلت فداكَ يا بن رسول الله ! يسير القائمُ بسيرَةِ عَليّ بن أبي طالب(علیه السّلام) في أهل السَّوادِ؟ فَقال: لا يا رُفيدُ ، إِنَّ عَليَّ بن أبي طالبٍ (علیه السّلام) سارَ في أهلِ السَّوادِ يما في الجَفْرِ الأَبيضِ ، وإنَّ القائم يَسيرُ في العَرَبِ بما في الجَفْرِ الأحمر. قال: قُلتُ لَهُ: جُعِلتُ فِداكَ! ومَا الجَفْرُ الْأَحْمَرُ؟ قال : فَأَمَرَ إِصْبَعَهُ إلى حَلْقِهِ، فقال: هكذا، يعني الذَّبْحَ. ثمّ قال : يا رُفيدُ ، إِنَّ لِكُلِّ أَهلِ بَيت نجيبًا شاهِدًا عَلَيْهِمْ شافِعًا لأمثالهم» (1).
ولا بدَّ هنا من دراسة السند والدلالة:
أمّا السند: في السند رفيدٌ ، فمَن هو هذا الرجل؟
1) بصائر الدرجات : ج 1، ص 152 - 153 ، الجزء الثالث، الباب 14: في الأئمّة(علیه السّلام) أنّهم أعطوا الجفر والجامعة ومصحف فاطمة ، ح 4.
لقد سكت السيّد الخوئي (رحمه الله) عنه، لكن العلّامة المامقانيّ قال: الظاهر من هذه الرواية أنّه حَسن العقيدة (1)، وهو لا يلازم الوثاقة والاعتبار.
وأمّا الدلالة : ففي هذه الرواية نرى أنَّ الحدّ معيّن بشكلٍ واضح لا لَبْس فيه، كما اتّضح معلومًا أنَّ المراد هنا من أهل العراق ليس كلّ العراق بتمامه، ولا العرب بأجمعهم، بل سوف يكون الكثير منهم من أنصاره وأعوانه وفي جيشه، ويستشهد جمعٌ كثيرٌ منهم تحت رايته الكريمة.
وعليه سوف تكون حرب الإمام المهديّ (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) مع خصوص المخالفين لنهضته وحركته العالميّة فقط، أمّا مع غيرهم فلا شأن له معهم غير الإصلاح والدعوة إلى الإسلام المحمديّ الأصيل، أو الإبادة إن لم يرضخوا للدعوة إلى الإسلام.
«...عن عبد الرحمن بن الحَجّاج، عن الصادق (علیه السّلام) قال : إذا قام القائم وأتى رَحبةَ الكوفة، فقال برجِلهِ هٰكذا، أوْ أوْماً بيده إلى موضع ثمّ قال : احفروا ها هنا. فَيَحفِرونَ، فَيَستخرجون اثني عَشَرَ ألف دِرْعِ وَاثْنَي عَشَرَ أَلف سَيف واثْنَي عَشَرَ ألف بِيضَةٍ، لِكُلِّ بَيْضَةٍ وَجْهَانِ، ثمّ يَدْعو اثني عَشَرَ أَلف رَجُلٍ مِن المَوالِي ، من العَرَب والعَجَمِ ، فَيُلْبِسُهُم ذلك، ثمّ يَقولُ: مَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيهِ مِثْلُ ما عَلَيْكُمْ فَاقْتُلُوهُ»(2).
1) تنقيح المقال : ج 27 ، ص 347 ، ترجمة رفيدٍ مولى بني هبيرة، رقم 8275؛ معجم الرجال الحديث : ج 7، ص 200 ، ترجمة رفيدٍ مولى بني هبيرة، رقم 4612.
2) الاختصاص : ص 334، من جحد حق الأئمة هلا كان بمنزلة إبليس؛ بحار الأنوار: ج 52 ، ص 377 ،تاريخ الإمام الثاني عشر، الباب 27 : سيره وأخلاقه وخصائص زمانه(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، ح 179.
إنّ هذه الرواية من الناحية السنديّة مرفوعةٌ وضعيفةٌ، وأمّا من الناحية الدلاليّة فلعلّ هذا الإقدام متعلّقٌ بمكان وحيٍ معيّنٍ وأشخاصٍ معيّنين بالكوفة -أي الرحبة - ولا يعني أنّ كلَّ الأفراد ما عدا هؤلاء مهدور الدم.
وهل معنى ذلك : أنَّ كُلَّ مَن لا يرتدي هذا اللباس الخاصّ يُقتل؟!
قطعًا ليس هذا هو المراد هنا، وإلّا لكان المعنى أن يُقتل ويُباد كلُّ سكّان الكرة الأرضيّة إلّا مَن كان عليه هذا اللباس الخاصّ.
وبهذا البيان اتّضح أنَّ هذا الأمر من الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) لجنوده بارتداء هذا اللباس الخاصّ، وقتل مَن ليس عليه مثل لباسهم، هو مجرّد تكتيكٍ حربيٍّ يُتَّبَع في معركةٍ معينةٍ ومنطقةٍ خاصّةٍ لا أكثر.
لقد وردت رواية أشارت إلى معركة الإمام المهديّ (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) وحربه ضدّ السفيانيّ في الكوفة، فقد نقل السيّد عليّ بن عبد الحميد في كتاب (الغَيبة) حديثًا مرفوعًا - أو مرسلًا - إلى الإمام أبي عبدالله الصادق (علیه السّلام) أنّه قال: «يقدم القائم حتّى يأتي النجف، فيخرج إليه من الكوفة جيش السفيانيّ وأصحابه، والناس معه، وذلك يوم الأربعاء، فيدعوهم ويناشدهم حقَّه، ويُخبرهم أنّه مظلومٌ مقهورٌ ، ويقول : مَن حاجنّي في الله فأنا أولى الناس بالله- إلى آخر ما تقدّم من هذه - فيقولون : ارجع من حيث جئت، لا حاجة لنا فيك، قد خبرناكم واختبرناكم. فيتفرّقون من غير قتالٍ. فإذا كان يوم الجمعة يعاود، فيجيء سهمٌ فيصيب رَجُلًا من المسلمين فيقتله، فيقال: إنَّ فلانًا قد
قُتل. فعند ذلك ينشر راية رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فإذا نشرها انحطّت عليه ملائكةُ بدر، فإذا زالت الشمس هبَّت الريح له، فيحمل عليهم هو وأصحابه فيمنحهم الله أكتافهم ويولّون، فيقتلهم حتّى يدخلهم أبيات الكوفة، وينادي مناديه: ألا لا تتبعوا مولّيًا، ولا تجهزوا على جريحٍ، ويسير بهم كما سار عليٌّ (علیه السّلام) يوم البصرة » (1).
إنَّ هذه الرواية مع قطع النظر عن صحّة سندها قد تحدّثت عن محورٍ خاصٍّ يكون ميدانًا للهجوم والقتال، إذ تقوم جيوش السفيانيّ بهجوم واسعٍ على العراق والبلاد الإسلاميّة، ويبادرون بالأعمال الإجراميّة من قتلٍ ونهبٍ وغاراتٍ وسفك للدماء وانتهاكاتٍ، فيَهزم الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) السفيانيّ بعد معارك وحروبٍ، ويكسر جيشه فيفرُّون من الميدان ويختبئون في بيوت الكوفة، فيلاحقهم الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ويُجهز عليهم.
والحاصل : أنَّ هذه الرواية تتنافى بشكلٍ تامٍّ وقاطع مع ما نسبوه إلى الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ؛ وذلك لأنّنا نرى فيها أنَّ الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) يأمر جيشه في هذه
المعركة وبعد وبعد الانتصار بعدم الإجهاز على الجرحى أو اتباع الفارين، وهذا في الحقيقة تعبيرٌ عن الرحمة والإشفاق والعفو، فكان من حقّه الإجهاز على جريحهم وملاحقة أفرارهم ، ولكنّه لم يستعمل هذا الحقّ في هذا المورد.
1) بحار الأنوار: ج 52 ، ص 387 و 388 ،تاريخ الإمام الثاني عشر، الباب 27: سيره وأخلاقه وخصائص زمانه(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، ح 205؛ إثبات الهداة : ج 3، ص 585 الباب 32: في النصوص على إمامة المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، الفصل 59 ، ح 794 .
في حديث أبي بصيرٍ عن أبي عبدالله الإمام الصادق (علیه السّلام) أنّه قال: «يا أبا محمّدٍ، كأنّي أرى نزول القائم في مسجد السهلة بأهله وعياله. قلتُ: يكون منزله جُعلت فداك ؟ قال : نعم... والمقيم فيه كالمقيم في فسطاط رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )، وما من مؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إلّا وقلبه يحنُّ إليه... قلتُ: جعلت فداك! لا يزال القائم فيه أبدًا؟ قال: نعم. قلتُ : فمَن بعده؟ قال : هكذا من بعده إلى انقضاء الخلق. قلتُ: فما يكون من أهل الذمّة عنده؟ قال: يسالمهم كما سالمهم رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، ويؤدّون الجزية عن يد وهم صاغرون»(1).
إذن على أساس هذه الرواية نستنتج أنَّ سيرة الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) سوف تكون سياسةً مَرنةً مع أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فيطالبهم بدفع الجزية لا أنّه يشرع مباشرةً في قتلهم ومحاربتهم وإبادتهم.
عن الإمام الصادق (علیه السّلام) : «وإِنَّ القائمَ يَخْرُجُونَ عَلَيْهِ فَيَتَأَوَّلُونَ عَلَيْهِ كتابَ اللهِ، ويُقاتِلُونَهُ عَلَيْهِ» (2).
1) المزار الكبير: ص 134 و 135 ، القسم الثالث، في فضل الكوفة وأعمال مساجدها وزيارة أميرالمؤمنين (علیه السّلام) الباب 5: ذكر ما ورد من الفضل في مسجد السهلة، ح 7؛ بحار الأنوار: ج 52، ص 376، تاريخ الإمام الثاني عشر، الباب 27 : سيره وأخلاقه وخصائص زمانه(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، ح 177.
2) الغَيْبة (للنعمانيّ): ص 297 ، الباب 17 : ما روي فيما يلقى القائم(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) من جهال الناس ، ح3 .
ضمن حديثٍ مفصّلٍ قال الإمام الصادق (علیه السّلام): «ثمّ يخرج الحَسنيّ الفتى الصبيح الّذي نحو الديلم(1)، يصيح بصوتٍ له فصيحٍ: يا آل أحمد، أجيبوا الملهوف، والمنادي من حول الضريح. فتجيبه كنوز الله بالطالقان، كنوزٌ وأيُّ كنوزٍ! ليست من فضّةٍ ولا ذهبٍ، بل هي رجالٌ كزبر الحديد، على البراذين الشهب، بأيديهم الحراب، ولم يزل يقتل الظلمة حتّى يرد الكوفة، وقد صفا أكثر الأرض، فيجعلها له معقلًا. فيتّصل به وبأصحابه خبر المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ويقولون : يا بن رسول الله مَن هذا الّذي قد نزل بساحتنا؟ فيقول: اخرجوا بنا إليه حتّى ننظر من هو، وما يريد؟ وهو والله يعلم أنّه المهديّ، وأنّه ليعرفه ولم يرد بذلك الأمر إلّا ليعرّف أصحابه من هو فيخرج الحسنيّ فيقول: إن كنت مهديّ آل محمّد فأين هراوة جدك رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )، وخاتمه ، وبردتُه ، ودرعُه الفاضل، وعمامتُه السحاب، وفرسُه اليربوع، وناقتُه العضباء، وبغلتُه الدلدل، وحمارُه اليعفور، ونجيبُه البراق، ومصحف أميرالمؤمنين (علیه السّلام)؟ فيُخرج له ذلك، ثمّ يأخذ الهراوة فيغرسها في الحجر الصلد وتورق، ولم يرد ذلك إلّا أن يُري أصحابه فضل المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) و حتّى يبايعوه. فيقول الحسنيّ: الله أكبر ! مدَّ يدك يا بن رسول الله حتّى نبايعك. فيمدّ يده فيبايعه ويبايعه سائر العسكر الّذي مع الحسنيّ، إلّا أربعين ألفًا أصحاب المصاحف المعروفون بالزيدية، فإنّهم يقولون : ما هذا إلّا سحرٌ عظيمٌ ! فيختلط العسكران، فيقبل
1) الديلم: منطقة تقع بين شمال قزوين وجيلان. انظر: المنجد في الأعلام: ص 227، الديلم.
المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) على الطائفة المنحرفة فيعظهم ويدعوهم ثلاثة أيامٍ، فلا يزدادون إلّا طغيانًا وكفرًا، فيأمر بقتلهم، فيُقتلون جميعًا» (1).
ب - البُتريّة (2)
«... عن أبي الجارود، عَن أبي جعفر(علیه السّلام) : ... يَسيرُ إلَى الكُوفَةِ فَيَخْرُجُ منها سلام ستَّة عَشَر ألفًا مِنَ البتريّة، شاكينَ في السّلاحِ ، قُرّاء القُرآن، فُقَهاء في الدين، قد فرحوا أجباههم» (3).
هذه الرواية مع قطع النظر عن صحّة سندها قد تحدّثت عن محورٍ خاصٍّ وعن معركةٍ مع أشخاصٍ معروفين، ألا وهم الفرقة الضالّة المسماة بالبتريّة.
1) بحار الأنوار: ج 53 ، ص 15 و 16 ، تاريخ الإمام الثاني عشر، الباب 25: ما يكون عند ظهوره(عجّل الله تعالی فرجه الشریف)، برواية المفضّل بن عمر؛ الهداية الكبرى: ص 403 ، الباب 14: باب الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، مع اختلاف يسيرٍ.
2) البُتريّة (بالضمّ) من طوائف الزيديّة، تنسب إلى المغيرة بن سعدٍ الّذي كان يلقّب بالأبتر. إنَّ عقائدهم مشابهةٌ لعقائد السلمانيّة الّتي هي من فرق الزيديّة أيضًا. كانوا يتوقّفون في إسلام عثمان أو كفره. معتزلةٌ في الاعتقاد، وأغلبهم من الناحية الفقهيّة أتباع أبي حنيفة، والبعض منهم أتباع الشافعيّ أو مذهب الشيعة. انظر: الملل والنحل: ج 1، ص 142 و143، الباب 6: في الشيعة واعتقادهم وكبار فرقهم، الصالحيّة والبتريّة؛ بهجة الآمال: ج 1، ص 95 ، الفصل الثامن في بيان جملة من الفرق الباطلة.
3) دلائل الإمامة : ص 241 و 242 ، الإمام صاحب الزمان (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) هو معرفة وجوب القائم(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، معجم أحاديث الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) : ج 4، ص 478، سيرته في سيرته في أعدائه ، ح 848 / 6.
وهذا ما يوضح لنا جواب الشبهة القائلة بأنَّ القتل والفتك والإعدام وسفك الدماء يعمُّ جميع أنحاء العالم، كلّا فالأمر ليس كذلك، إنّما القتل وسفك الدماء هو فقط للفرق الضالة والمُفسدة في الأرض الّتي ترفض قبول الموعظة وتصرّ على ضلالها وغوايتها، وتأبى العودة إلى الحقِّ الواضح الصريح.
ذكر المسعوديّ حديثًا مرسلًا عن الإمام أميرالمؤمنين (علیه السّلام)، حيث قال: «ثمّ ركب ومرَّ بهم وهم صرعى، فقال : لقد صرعكم مَن غرّكم. قيل : ومَن غرّهم؟ قال: الشيطان، وأنفسُ السوء. فقال أصحابه: قد قطع الله دابرهم إلى آخر الدهر. فقال: كلّا والّذي نفسي بيده، وإنّهم لفي أصلاب الرجال وأرحام النساء، لاتخرج خارجةٌ إلّا خرجت بعدها مثلها، حتّى تخرج خارجةٌ بين الفرات ودجلة مع رجلٍ يقال له الأشمط، يخرج إليه رجلٌ منّا أهل البيت فيقتله، ولا تخرج بعدها خارجةٌ إلى يوم القيامة»(1).
في هذه الرواية المرسلة لا نرى الإمام (علیه السّلام) يتحدّث عن القتال، بل إنَّ محور الحديث كان يدور حول قتل قائد الخوارج بيده (عجّل الله تعالی فرجه الشریف)، ثمّ لا يقوم الخوارج بعد ذلك بأيِّ تحرّك آخر ، فلعلّهم يتوبون ويرجعون إلى الحقّ.
1) مروج الذهب : ج 2، ص 452، مرسلًا عن أميرالمؤمنين(علیه السّلام) ، ذكر حروبه(علیه السّلام) مع أهل النهروان؛ معجم أحاديث الإمام المهدي(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) : ج4 ، ص 169 ، الخوارج على الإمام المهديّ، ح 657 / 1.
د - المُرجئة (1)
روى بشير بن أراكة النبّال عن الإمام الباقر (علیه السّلام) أنّه قال: «ويحَ هذه المُرجئة إلى مَنْ يلجؤونَ غدًا إذا قام قائمنا ؟ قلتُ: إِنّهم يقولونَ: لو قد كان ذلك كُنَّا وأنتم في العدلِ سواءً. فقال: مَنْ تابَ تابَ اللهُ عليهِ، ومَنْ أَسَرَّ نفاقًا فَلا يُبْعِدُ اللهُ غيرَهُ، ومَنْ أَظْهَرَ شَيئًا أَهْرَقَ اللهُ دَمَهُ. ثمّ قال: يَذْبَحُهُمْ - وَالَّذِي نفسي بِيَدِهِ - كَما يَذبَح القَصَّابُ شاتَهُ. وأَوْمَا بَيَدِهِ إلى حَلْقِهِ» (2).
نقل محمّد بن أبي حمزة عن أحد أصحابه، عن الإمام الصادق (علیه السّلام) أنّه قال: «القائم يلقَى في حَربِهِ ما لَمْ يَلقَ رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) إنَّ رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أتاهم
وهم يعبدون حجارَةً مَنقُورَةً وخُشُبًا مَنْحوتَةً، وإِنَّ القائمَ يَخْرُجُونَ عَلَيهِ فَيَتَأوَّلُونَ عَلَيْهِ كتابَ اللهِ ، ويقاتلونه عَلَيْهِ» (3).
يفهم من هذه الرواية أنَّ الإمام المهدي(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) يتعرّض إلى الظلم والتهكم من
1) هم فرقةٌ من فرق الإسلام، كانوا يعتقدون أنّه لا يضرّ مع الإيمان معصيةٌ كما لا ينفع مع الكفر طاعةٌ. سُمّوا بالمرجئة لاعتقادهم أنّ الله - تعالى - أرجأ تعذيبهم عن المعاصي، أي أخّره عنهم [ مجمع البحرين: ج 1، ص 177، كتاب الألف، باب ما أوّله الراء].
2) الغَيبة (للنعمانيّ): ص 283 ،و 284 ، الباب 15: فيما جاء في الشدّة الّتي تكون للناس قبل قيامه(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، ح 1؛ بحار الأنوار: ج 52 ، ص 356 - 358 ، 358 ، تاريخ الإمام الثاني عشر، الباب 27 :سيره وأخلاقه وخصائص زمانه، ح 122.
3) الغَيْبة (للنعمانيّ) : ص 297 ، الباب 17: ما روي فيما يلقى القائم (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) من جمال الناس ، ح3 .
قِبل بعض الناس؛ ولذلك فإنَّ أي موقفٍ نراه من الإمام(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) مع هؤلاء الأعداء والمخالفين هو نتيجةً طبيعيّةٌ لتصرّفاتهم وأفعالهم، وجزاءٌ عادلٌ لأعمالهم وجرائمهم؛ لذا ومن هذه الجهة فإنّه من المناسب جدًّا أن يُجرى - إلى جانب التحقيق والبحث في روايات القتل وسفك الدماء - تحقيقٌ ودراسةٌ في الروايات الّتي تتحدّث عن مظلوميّة الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) وسوء تصرّف الناس تجاه
حضرته المقدّسة.
روي في كتاب (المزار) عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (علیه السّلام) أنّه «يا أبا محمّد، كأنّي أرى نزول القائم في مسجد السهلة بأهله وعياله. قلتُ: يكون منزله جُعلت فداك ؟ قال : نعم... والمقيم فيه كالمقيم في فسطاط رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وما من مؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إلّا وقلبُه يحنُّ إليه... قلتُ: جعلت فداك! لا يزال القائم فيه أبدًا؟ قال: نعم. قلتُ : فمَن بعده؟ قال : هكذا من بعده إلى انقضاء الخلق. قلتُ فما يكون من أهل الذمّة عنده؟ قال : يسالمهم كما سالمهم رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ويؤدون الجزية عن يدٍ وهم صاغرون. قلتُ: فمَن نصب لكم عداوةً؟ فقال: لا يا أبا محمّدٍ، ما لِمَنْ خالَفَنا في دَوْلَتِنا مِنْ نَصِيبٍ؛ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَلَّ لَنا دِماءَهم عِنْدَ قِيامِ قائمِنا ، فَاليَوم مُحَرَّمُ عَلَيْنا وعَلَيْكُم ذلك، فَلا يَغُرَنَّكَ أحَدٌ ، إذا قام قائمنا إنْتَقَمَ اللهِ وَلِرَسُولِهِ ولَنا أَجْمَعينَ»(1).
1) المزار الكبير : ص 134 و 135 ، القسم الثالث، في فضل الكوفة وأعمال مساجدها وزيارة أميرالمؤمنين (علیه السّلام) البابه ذكر ما ورد من الفضل في مسجد السهلة، ح 7؛ بحار الأنوار: ج 52 ، ص 376 ، تاريخ الإمام الثاني عشر ،الباب 27: سيره وأخلاقه وخصائص زمانه (علیه السّلام) ح 177.
إنَّ مراد الإمام (علیه السّلام) من هذا الكلام هو أنَّ هؤلاء النواصب هم أعداء أئمّة أهل البيت (علیه السّلام)، وهذا هو ديدَنُهم ودينُهم الّذي يدينون به؛ لذا فإنَّ الإمام (علیه السّلام) أجاز إراقة دمائهم بسبب تلك العقيدة الفاسدة الّتي انطوت عليها قلوبهم، وهي عقيدة النصب والعداء لأهل البيت (علیهم السّلام) ، وهم شرذمةٌ قليلةٌ، لكن هذا لا يعني أنَّ الإمام (علیه السّلام) قد أجاز لأيِّ فردٍ من الأفراد قتلَ مَن كان مهدور الدم، كيف وبعض الأئمة الأطهار (علیهم السّلام)، لم يقم بذلك على الرغم من أنّهم كانوا ممّن يتمتّعون ببعض السلطة الظاهريّة كما لم يقصد بالناصبيّ أهل السنّة ؛ فإنّهم من محبّي أهل البيت (علیهم السّلام) قطعًا.
وفي خبر ابن المستنير سمعت أبا جعفر (علیه السّلام) يقول : «إِذَا قَامَ الْقَائِمُ عَرَضَ الإِيمَانَ عَلَى كُلِّ نَاصِبٍ، فَإِنْ دَخَلَ فِيه بِحَقِيقَةٍ وإِلَّا ضَرَبَ عُنُقَهُ، أَوْ يُؤَدِّيَ الْجِزْيَةَ كَمَا يُؤَدِّيهَا الْيَوْمَ أَهْلُ الذَّمَّةِ».
قال العلّامة المجلسيّ الثاني (رحمه الله) في ذيل هذا الحديث: «قوله (علیه السّلام): "ويؤدّي الجزية" لعلَّ هذا في أوائل زمانه (علیه السّلام) ، وإلّا فالظاهر من الأخبار أنّه لا يقبل منهم إلّا الإيمان أو القتل»(1).
1) مرآة العقول : ج 26 ، ص 160 ، كتاب الروضة، ذيل حديث بعض علائم الظهور، ح 288 .
عن أبي حمزة الثماليّ قال : قال أبو عبدالله (علیه السّلام): «لن تبقى الأرض إلّا وفيها منّا عالمٌ يعرف الحقَّ من الباطل. قال : إنّما جُعلت التقيّة ليُحقن بها الدم... ولؤ قد قامَ القائم ما احتاجَ إلى مسائلتِكُمْ عَنْ ذلك، ولأَقامَ في كثير مِنكُمْ مِن أهل النفاقِ حَدَّ الله» (1).
في هذه الرواية نرى أنَّ محور الحديث هو عن المنافقين، فالإمام(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) سوف يجري عليهم الحدِّ الإلهيّ، وهذا الأمر هو من ضرورات حكومة العدل الإلهيّ ولوازمها.
عن الإمام الحسين (علیه السّلام) في حديثه مع ولده الإمام زين العابدين (علیه السّلام) : «...يا ولدي يا عليّ، والله لا يسكن دمي حتّى يبعث الله المهديّ فيقتل على دمي من المنافقين الكفرة الفسقة سبعين
ألفا » (2).
1) تهذيب الأحكام: ج 6 ، ص 172، كتاب الجهاد وسيرة الأمام(علیه السّلام) ، الباب 79: النوادر، ح 13/335؛ وسائل الشيعة : ج 16، ص 235، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي، الباب 31 :عدم جواز التقيّة في الدم، ح 2/21446؛ ملاذ الأخيار : ج 9، ص 422، كتاب الجهاد، باب النوادر، ح13.
2) مناقب آل أبي طالبٍ : ج 4 ، ص 85 ، باب في إمامة أبي عبد الله الحسين(علیه السّلام) ، فصلٌ في مقتله.
في هذه الرواية عدّة إشكالاتٍ:
أوّلًا: أنّها مرسلةُ.
ثانيًا : أنَّ محور الموضوع والحديث فيها هو عن المنافق والفاسق والكافر.
ثالثًا: بقرينة رواياتٍ أخرى فإنّنا نحمل هذه الرواية على موردٍ خاصٍّ، وهو فيما لو أصرَّ الأعداء على نفاقهم وخصومتهم وعنادهم، وأصرّوا على عدم قبول الحقّ وعدم الإذعان له.
عن الإمام أبي جعفر الباقر (علیه السّلام) في حديثٍ طويل أنّه قال: «إذا قام القائم سار إلى الكوفة، فيخرج منها بضعة عشر ألف نفسِ يدعون البتريّة، عليهم السلاح، فيقولون له ارجع من حيث جئت، فلا حاجة
لنا في بني فاطمة. فيضع فيهم السيف حتّى يأتي على آخرهم، ويدخل الكوفة فيقتل بها كلَّ منافقٍ مرتابٍ، ويهدم قصورها، ويقتل مقاتلتها حتّى يرضي الله عزّ وعلا» (1).
هذه الرواية هي الرواية نفسها الّتي ذكرناها عن البتريّة فيما سبق، وهي من حيث السند مرسلة.
1) الإرشاد : ج 2، ص 384 ، باب ذکر علامات قیام القائم (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، فصلٌ سيرة الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) .
في رواية سعدان بن مسلمٍ... عن الإمام الصادق (علیه السّلام) أنّه قال: «بَينا الرَّجُلُ عَلى رأسِ القائِمِ يَأْمُرُهُ وينهاه إِذْ قال : أديرُوهُ. فَيُديرونَهُ إِلى قُدّامِهِ، فَيَأْمُرُ بِضَرْبِ عُنُقِهِ، فَلا يَبقى في الخافقين شَيءٌ إِلّا خافَهُ» (1).
إنَّ هذه الرواية من حيث السند مرسلةٌ، ومن حيث الدلالة فهي تدلّ على أنَّ الإمام (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) في مقام القضاء وإجراء الحدود، وأنّه إنّما يعمل ويقضي وفق علمه الواقعيّ لا وفق الظاهر.
بعد هذا التحقيق الروائيّ نصل إلى أنَّ البحث عن حجم القتل وعدد القتلى وعمليّات الانتقام قد وقع بين جانبي الإفراط تارةً والتفريط أخرى، وأنَّ الحقيقة والواقع أمرٌ آخر. وتوضيح ذلك: أنَّ سياسة الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) هي سياسة الرسول الأكرم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فتارةً ومن أجل تحقيق الرحمة وبسط العدالة في المجتمع يستوجب الأمر إزالة بعض العوائق والموانع من طريقه، فيقتضي الأمر عمليّات استئصال وقتلٍ لبعض الأعداء من أهل العناد والتضليل والإلحاد، المُصرِّين على رفض الحقِّ والتمسّك بالباطل، الّذين لا يُسلمون ولا يرتدعون عن غيِّهم، بل ويقفون بوجه حكومة العدل الإلهيّ الّتي يقيمها الإمام المهديّ (عجّل الله تعالی فرجه الشریف).
1) الغَيبة (للنعمانيّ): ص 239 ، الباب 13: فيما روي في صفة الإمام المنتظر(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، ح32 .
أمّا أعداد هؤلاء الأعداء فإنّها ليست بالكبيرة الهائلة كما يحلو للبعض تضخيمها والمبالغة فيها، وقد اتّضحت من خلال الروايات الّتي استعرضناها حقيقة موضوع القتل وسفك الدماء وحجمه في زمن الظهور. هذا من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى فإنَّ حجم هذا القتل والإبادة سوف يكون أمرًا طبيعيًا لا غرابة فيه ؛ نظرًا لحجم الهدف السامي من قِبل الإمام(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، وهو إقامة الحكومة الإلهيّة في كل أرجاء العالم ونقاط الكرة الأرضيّة، وخاصّةً بعد ملاحظة كثافة سكّان العالم الكبير حين الظهور.
قال أميرالمؤمنين (علیه السّلام) ضمن خطبةٍ له عن الإمام المهدي(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) : «ويسير الصدِّيقُ الأكبر براية الهدى، والسيف ذي الفقار والمخصرة، حتّى ينزل أرض الهجرة مرّتين، وهي الكوفة، فيهدم مسجدها ويبنيه على بنائه الأوّل، ويهدم ما دونه من دور الجبابرة، ويسير إلى البصرة حتّى يشرف على بحرها، ومعه التابوت وعصا موسى»(1).
وقال رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «فيجتمع الناس إليه كالطير الواردة المتفرّقة، حتّى يجتمع إليه ثلاثمئةٍ وأربعة عشر رجلًا، فيهم نسوةٌ، فيظهر على كلّ جبّارٍ وابن جبّارٍ، ويظهر من العدل ما يتمنّى له الأحياء أمواتهم» (2).
في ختام هذا الفصل نرى أن نذكر كلامًا لبعض العلماء الأعلام، أشيرَ فيه إلى بعض الروايات: «ثمّ إنَّ الإمام الحجّة يظهر على أخلاق جدّه رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وسيرته، أمّا ما يتصوّره البعض من كثرة إراقة الدماء وما أشبه فلا دليل عليه، فعن جابر بن يزيد الجعفيّ، عن جابر بن عبدالله الأنصاريّ قال : قال رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : "المهديّ من ولدي... أشبه الناس بي خلقًا وخلقًا". وعن الإمام الباقر (علیه السّلام) : "... وأمّا من محمّدٍ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فالقيام بسيرته وتبيين آثاره". وعن الإمام الصادق (علیه السّلام) : "... وأمّا سنّة من محمّدٍ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) فيهتدي بهداه
ويسير بسيرته»(1).
1) الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) (للشيرازيّ): ص 50. ولقد تعرّضنا لهذا البحث بالتفصيل ضمن أكثر من أربعين درسًا في مبحثنا في دروس البحث الخارج في المهدويّة عام 1436 ه-، وهذه الأبحاث قيد التحقيق والطبع إن شاء الله تعالى.
لا ريب في أنّ إزاحة الظلم والقضاء على الجور والاستبداد، وبسط العدل وإقامة موازينه في الوسط الاجتماعيّ يُعدّان في طليعة أهداف حكومة الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، كما صرّحت بذلك الكثير من الروايات والأحاديث المبشّرة بعدله: «يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلما وجورًا».
وقد أشارت الروايات إلى عمل الإمام(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) الشريف بسيرة جدّه النبي الأكرم(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : «يسير بسيرة جدّه» الّتي قوام محورها إقامة العدل وعمادها القسط، شأنه شأن سائر الأنبياء، وكما قال أميرالمؤمنين (علیه السّلام): «سيرته بالعدل، وحكمه الحقّ»(1).
نعم، إنّ العدل هو الحقيقة الّتي تشرئب إليها أعناق البشريّة وتتلهّف إليها الضمائر الواعية، وتسعى إلى تحقيقها، وتبذل في الحصول عليها باهظ الأثمان، وتراق في سبيلها أزكى الدماء، ويضحّى من أجلها بأعزّ النفوس، كيف لا؟! وهي الزلال الّذي يتوق له الظمآن حسبَ تعبير الإمام
1) بحار الأنوار: ج 4، ص 223.
الصادق (علیه السّلام): «العدل أحلى من الماء يصيبه الظمآن...»(1)، وفي روايةٍ أخرى: «العدل أحلى من الشهد...»(2).
بل عدّ الدين الإسلاميّ إمامة القائد العادل بدرجةٍ من الأهمّيّة بحيث أصبح الولاء لغير الإمام العادل بمثابة انتفاء أصل الدين، وأنّه لا قيمة للتديّن إذا تجرّد عن التبعيّة للإمام العادل: «لا دين لمن دان الله بغير إمامٍ عادلٍ»(3).
وفي المقابل أكّدت التعاليم الإسلاميّة على أنّ العفو سيكون من نصيب الأمّة الّتي تهتدي بهدي إمام عادلٍ، كما ورد ذلك في الحديث القدسيّ المرويّ عن الإمام الباقر (علیه السّلام): «ولأعفون عن كلّ رعيةٍ أطاعت كلَّ إمامٍ عادلٍ من الله، وإن كانت ظالمةً مسيئةً»(4). وقال في روايةٍ أخرى: «إنّ الإيمان بُني على... العدل»(5). ولشدّة ارتباط حكومة الإمام(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) بهذا الهدف السامي صار المؤمنون يردّدون دائمًا الدعاء التالي: «أظهر به العدل وأيّده بالنصر » (6).
وفي رواية أخرى وبعد أن تعرّض الإمام أميرالمؤمنين (علیه السّلام) لبيان خصائص المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، قال : «القائم بالحقّ... الباسط للعدل» (1).
وجاء في خطبة أخرى له(علیه السّلام) : «... وليعْزِلَنَّ عنكم وليعْزِلَنَّ عنكمْ أُمراء الجور، وليُطَهِّرَنَّ الأَرض من كلِّ غَاشِّ، وليعملَنَّ بِالعدل، وليقومَنَّ فيكم بالقسطاس الْمُستقيم، ولَيَتَمَنَّيَنَّ أَحْيَاؤُكُمْ رجعة الكرةِ عمَّا قليل،
فَتَعَيَّشُوا إِذَنْ فَإِنَّ ذلك كَائِنُ» (2).
وورد في حديث آخر عن النبيّ الأكرم (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) أنّه قال في وصف المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) : «فهو إمام، تَفِيُّ، نَقِيُّ ، سَارٌّ، مَرْضِيٌّ ، هَادٍ، مَهْدِيُّ، يحكمُ بالعدلِ ويأمرُ بِه» (3).
ولعلّ الحكمة في تأخير حكومة الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) - بل قد يكون ذلك إحدى علل تأخيرها - كثرة المدّعين لإقامة العدل وبسط القسط في المجتمع، ممّن تصدّوا للحكم، والّذين لم يتمكّنوا من السير في هذا المضمار إلّا يسيرًا، ولم يتحرّكوا سوى خطواتٍ محدودةٍ، فإذا قام صاحب العدل الحقيقيّ ونشر الخير والقسط، فحينئذٍ لم يبق لمدّعٍ مجالٌ بأن يقول: لو حكمت لأقمت العدل وبسطت القسط، فعن الإمام الصادق (علیه السّلام) : «ما يكون هذا الأمر حتّى لا يبقى صنفٌ من الناس إلّا وقد ولّوا على الناس،
حتّى لا يقول قائلٌ: إنّا لو ولّينا لعدلنا، ثمّ يقوم القائم بالحقّ والعدل» (1).
وفي روايةٍ أخرى عن الإمام الصادق(علیه السّلام) أيضًا في معرض حديثه عن صفات الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) قال : «... والله إنّي لأعرفه باسمه واسم أبيه، القائم العادل، الحافظ لما استودع، يملأها قسطًا وعدلاً كما ملأها الفجار جورًا وظلمًا» (2).
وعن الإمام الرضا (علیه السّلام) في بيان خصائص حكومة الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) : فإذا خرج أشرقت الأرض بنور ربّها، ووضع ميزان العدل بين الناس، فلا يظلم أحدٌ أحدًا...» (3).
قال رسول الله(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) : ... فيجتمع الناس إليه كالطير الواردة المتفرّقة، حتّى يجتمع إليه ثلاثمئةٍ وأربعة عشر رجلًا منهم نسوةٌ، فيظهر على كلّ جبّارٍ وابن جبّارٍ، ويظهر من العدل ما يتمنّى له الأحياء أمواتهم......(4).
بالرغم من نقل الفريقين الشيعة والسنّة لمضون هذه الروايات، والّذي يغنينا عن البحث في أسانيدها؛ إلّا أنّ الصناعة الفنّيّة تقتضي القول: إنّ ليث بن أبي سليمٍ الواقع في طريق الرواية، وصف بالتخليط تارةً وبالضعف أخرى(1).
أمّا سائر أفراد السند فهم ثقاتُ عند أعلام الرجاليّين السنّة، علمًا أنّ "التدليس" لا يمثّل نقطة ضعفٍ كبيرةً وفقًا لقواعد رجال العامّة، كما ذكر ذلك ابن العماد الحنبليّ في ذيل ترجمته لسليمان بن مهران الأعمش(2).
يضاف إلى ذلك كونه من رجال كتاب البخاريّ يمثّل - حسب مباني العامّة - نقطة قوّة للرجل، فلا يبعد ارتفاع المشكلة السنديّة هنا؛ إلّا أنّ العدد 314 «حتّى يجتمع إليه ثلاثمئةٍ وأربعة عشر رجلًا» في متن الحديث لا ينسجم مع متون الروايات الأخرى، يضاف إلى ذلك الرجل عندنا مجهولٌ، كما يظهر من عبارة الشيخ الطوسيّ (3). نعم، ارتضاه المرحوم الوحيد البهبهانيّ وحكم بقوّته (4).
أ- روي عن الإمام الباقر (علیه السّلام) أنّه قال : «ويخرج المهديّ... فلا يترك... ولا مظلمةً لأحد من الناس إلّا ردّها»(1).
وردت الرواية في تفسير محمّد بن مسعود العيّاشيّ، وبالرغم من معروفيّة مؤلّف الكتاب وكونه من مشايخ الكشّيّ وأساتذته، ومن المعاصرين للكلينيّ، وقد أجمع على وثاقته، غير أنّ الكتاب تعرّض لمشكلةٍ كبيرةٍ، حيث عمد بعض النسّاخين إلى حذف أسانيده رعايةً للاختصار، ممّا جعل التفسير يعاني مشكلةً كبيرةً من الناحية السنديّة (2)، بيد أنّ قوّة مضامينه وكونها قطعيّةً ومسلّماً بها جعلنا في غنىً عن البحث السنديّ.
ب- عن جعفر بن يسار الشاميّ ، قال : «يبلغ من ردّ المهديّ المظالم حتّى لو كان تحت ضرس إنسانٍ شيءٌ انتزعه حتّى يَرُدّه... (3)، (4).
والجدير بالذكر أنّ قضاءً عادلًا كٰهذا يقف بوجه المتجاوزين ويعيد الحقّ إلى نصابه لا يكون إلّا من شؤون حكومةٍ يتسنّم مسند الصدارة فيها أمامٌ
معصوم كالمهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، ويساعده قضاةٌ على درجةٍ عاليةٍ جدًّا من الورع والتقوى والمهنيّة الدقيقة كسلمان ومالكٍ الأشتر... ومن الطبيعيّ حينئذٍ أن يعاد الحقّ إلى أهله، ولا يقلق المظلومون، ولا يخشى أحدٌ هدر حقوقه.
الملاحظ أنّ النصّ المذكور لا يعكس كلامَ المعصوم (علیه السّلام)، وإنّما يمثّل فهم الراوي جعفر بن يسار الشاميّ، ومن جهةٍ أخرى لم تتعرّض الكتب الرجاليّة للفريقين الشيعة والسنّة لترجمة الرجل، فهو مهملٌ
مصطلح علم الرجال، يضاف إلى ذلك أنّ النصّ المذكور روي عن کتاب (الفتن) لنُعيم بن حمّادٍ المتوفّى سنة 228 ه-، وبالرغم من وثاقة نُعيمٍ هذا لدى أعلام أهل السنّة، إلّا أنّه متهمٌ بالرواية عن غير الثقات(1)، وقال الذهبيّ : «لا تركن النفس إلى رواياته» (2).
ولم نعثر على ترجمةٍ له في كتبنا الرجاليّة؛ إلّا أنّ بعض علمائنا ذهب إلى القول بأنّ كثرة نقل ابن طاووسٍ عنه في كتاب (الملاحم) يؤشّر إلى مقبوليّته لديه واعتماده عليه(3)، وعلاوةً على ذلك فإنّ ما نقله ابن حمّادٍ إقرار ونقل فضائل يؤخذ به.
ج - روى عليّ بن عقبة، عن أبيه، قال: «إذا قام القائم(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) حكم بالعدل، وارتفع في أيّامه الجور، وأمنت به السبل، وأخرجت الأرض بركاتها، وردّ كلّ حقّ إلى أهله... ثمّ قال: إنّ دولتنا آخر الدول، ولم يبق أهل بيتٍ لهم دولةٌ إلّا ملكوا قبلنا ؛ لئلّا يقولوا إذا رأوا سيرتنا إذا ملكنا سرنا بمثل سيرة هؤلاء...»(1).
قد يظهر للمتأمّل أنّ النصّ المذكور هو من كلام عقبة، وليس روايةً عن المعصوم؛ إلّا أنّ المستفاد من ذيل الرواية أنّه مفاد كلام المعصوم (علیه السّلام) بقرينة قوله: «إنّ دولتنا آخر الدول»، ولكن تبقى مشكلة الإضمار، حيث لم يتّضح لنا عن أيّ إمامٍ روى ذلك؛ ولكن يمكن استظهار كون الرواية المذكورة من كلام الإمام الصادق(علیه السّلام) ؛ وذلك نظرًا لوثاقة عليّ بن عقبة وكثرة مرويّاته في الكتب الأربعة، وأنّه من أصحاب ثلاثةٍ أو أربعةٍ من المعصومين هم: الإمام الباقر والإمام الصادق والإمام الكاظم (علیهم السّلام) ،وأنّ له كتابًا أثبت فيه روايات المعصومين، يضاف إلى ذلك نقله هذه الرواية عن أبيه عقبة بن خالدٍ الّذي يُعدّ من أصحاب الإمام الصادق(علیه السّلام) ، وله كتابٌ يشتمل على أحاديث الأئمّة(علیه السّلام)(2)، ولكن يبقى الكلام في وثاقة عقبة بن خالدٍ نفسه؛ إذ لم يرد توثيقه في الكتب الرجاليّة.
نعم، ورد عن الإمام الصادق (علیه السّلام) أحاديث في مدحه، من قبيل:
1-«رحمكم الله من أهل بيتٍ».
2- «مرحباً مرحباً بكم».
3- «يا عقبة ، لا يقبل الله من العباد يوم القيامة، إلّا هذا الأمر الّذي أنتم عليه...»(1).
إلّا أنّ الروايتين الأولى والثانية ضعيفتان، وأمّا الثالثة فلا تدلّ على الوثاقة، وإنّ أقصى ما تدلّ عليه المدح، من هنا ذهب البعض إلى القول بمجهوليّة عقبة بن خالدٍ.
وعدّه البعض كالمامقانيّ من الحسان ؛ بل الثقات(2). نعم، وقوعه في أسناد كثيرٍ من الروايات تبلغ خمسةً وخمسين مورداً(3)، يشهد على حسنه، ولكن مع ذلك تبقى الراوية تعاني من مشكلة الإرسال ؛ لعدم اتّضاح طريق الشيخ المفيد إلى عليّ بن عقبة.
إلّا أنّ قوّة متنها ومضمونها بحدٍّ يمكن معه القطع بصدورها عن المعصوم(علیه السّلام) وفي ذلك غنّىً وكفايةٌ عن البحث في الإسناد.
روى الشيخ الطوسيّ عن محمّد بن الحسن، عن محمَّد بن الحسين بن أبي الخطَّاب، عن جعفر بن بَشِيرٍ ومحمَّد بن عبدالله بن هلالٍ، عن العلاءِ بن رَزِين القلّاءِ، عن محمَّد بن مسلم، قال: «سألت أبا جعفرٍ (علیه السّلام) عن القائم إذا قام بأيّ سيرةٍ يسيرٍ في الناس؟ فقال: بسيرة ما سار به رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) حتّى يظهر الإسلام، قلت: وما كانت سيرة رسول الله (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ؟ قال : أبطل ما كان في الجاهليّة واستقبل الناس بالعدل، وكذلك القائم إذا قام يبطل ما كان في الهدنة ممّا كان في أيدي الناس ويستقبل بهم العدل»(1).
روى الشيخ الطوسيّ الرواية بطريقين عن محمّد بن الحسن الصفّار :
أ-الشيخ أبو عبدالله، والحسين بن عبيد الله وأحمد بن عبدون كلّهم، عن أحمد بن محمّد بن الحسن بن الوليد عن أبيه.
ب- أبو الحسين بن أبي جيدٍ، عن محمّد بن الحسن بن الوليد...(2).
وطريقا الشيخ صحيحان كما صرح بذلك السيّد الخوئيّ(3)، وإنّما الكلام في رجال السند ما بين محمّد بن الحسن الصفّار وبين الإمام.
أشار العلّامة المجلسيّ إلى بعض ما يستنبط من الرواية المذكورة، من قبيل:
أ- يدلّ الحديث على أنّ الإيمان يجبّ ما قبله كالإسلام طبقًا لما ورد في قاعدة "الإسلام يجبّ ما قبله".
ب- من كان مؤمنًا ووقع منه ما يوجب الحدّ أو التعزير قبل خروجه لا يحدّه ولا يعزّره هذا بالنظر إلى حقوق الله تعالى. وأمّا حقوق الناس، فالعدل يقتضي إعطاءهم، إلّا أن يكون الإمام المهديّ يعطيهم من ماله صلوات الله عليه(1).
ج- الهدنة تعني الصلح والموادعة بين المسلمين والكفّار وبين كلّ المتحاربين، وإن لم يكونوا كفّارًا.
روى الكلينيّ في الكافي عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عميرٍ، عن حمّاد، عن الحلبيّ، قال: سئل أبو عبدالله (علیه السّلام) عن المساجد المظلّلة، أتكره الصلاة فيها؟ فقال: نعم، ولكن لا يضرّكم اليوم، ولو قد كان العدل لرأيتم كيف يصنع في ذلك(2).
الملاحظ أنّ سند هذا الحديث سالمٌ من أيّ خدشةٍ، إلّا ما قيل في إبراهيم بن هاشمٍ الّذي قيل عنه : إنّه لم يرد فيه توثيقٌ خاصٌّ، وإن كان ممدوحًا، فتندرج روايته في الحديث الحَسَن، بل صرّح العلّامة المجلسيّ بأنّ إبراهيم بن هاشم خَبَرُه فوق الحسن، ولا يقصر عن الصحيح(1). بل لا نرى إشكالاً في إبراهيم بن هاشمٍ ؛ وذلك ، أوّلاً : أنّه فوق الوثاقة، وعدم ورود التوثيق الخاصّ به لكونه في درجةٍ رفيعةٍ ومنزلةٍ عاليةٍ يكون معهما فوق أن يقال له "ثقةٌ".
ثانيًا : ورد في حقّه توثيق عامٌّ، فقد صرّح عليّ بن إبراهيم القمّيّ في مقدّمة تفسيره بوثاقة مشايخه حينما قال: «نحن ذاكرون ومخبرون بما ينتهي إلينا، ورواه مشايخنا وثقاتنا...» (2).
وهذا التوثيق العامّ ينتهي بتحليله إلى توثيقاتٍ خاصةٍ لجميع رواة التفسير، ومنهم إبراهيم بن هاشمٍ ؛ وعليه لا شائبة في سند الحديث.
يظهر من الحديث أن تسقيف المساجد خلاف الشرع ومخالفٌ للسنّة، وأنّه مكروهٌ شرعًا، إلّا أنّ الظروف الحاليّة لا تسمح بالتصدّي باتّخاذ موقفٍ عمليٍّ من هذه القضيّة في الراهن، وعليه لا إشكال في صلاة المؤمنين اليوم في
تلك المساجد، ولكنّ الإمام (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) عندما يقيم دولة العدل يواجه تلك الانحرافات عن السنّة، ويتّخذ موقفاً خاصًّا حينها.
ونظير هذه الرواية حديثٌ صحيحٌ آخر عن الإمام الباقر (علیه السّلام) جاء فيه: «أوّل ما يبدأ به قائمنا سقوف المساجد فيكسرها، ويأمر بها فيجعل عريشًا كعريش موسی» (1).
والعريش، ما يستظلّ به من الحرّ والبرد.
وقال الطريحيّ والعريش، ما يستظلّ به يبنى من سعف النخل مثل الكوخ، فيقيمون فيه مدةً إلى أن يصرم النخل (2).
ولعلّ المراد من تخريب الإمام المهديّ لها هو أنّ المساجد قبيل ظهوره تخرج من حالة البساطة وتكتسب صبغةً تجمّليّةً.
حُمِلت الرواية ونظائرها على الاستحباب، حيث يستحبّ للمصلّي الصلاة تحت السماء ومن دون حائل يحول بينه وبينها، وإنّ الصلاة بلا حاجبٍ من دواعي قبول الأعمال.
روى الكلينيّ عن الحسن بن عليٍّ العلويّ عن سهل بن جمهورٍ، عن عبد العظيم بن عبدالله العلويّ، عن الحسن بن الحسين الْعُرَنِي، عن عمرو بن جميع قال: «سألت أبا جعفر (علیه السّلام) عن الصلاة في المساجد المصوّرة؟ فقال: أكره ذلك، ولكن لا يضرّكم اليوم، ولو قد قام العدل لرأيتم كيف يصنع في ذلك»(1).
ضعف العلّامة المجلسيّ في شرحه لكلٍّ من (الكافي) و(التهذيب)(2)، ولعلّ ذلك يرجع إلى وجود غير موثّقين في رجال السند ولإهمالهم وعدم ذكرهم في الكتاب الرجاليّة.
وهناك من حُكم بضعفه كعمرو بن جميع الأزديّ، وإذا اتّحد مع عمرو بن جميعٍ العبديّ فهو مجهولٌ (3)غير أنّه يمكن القول إنّ الرواية مقبولةٌ لدى الفقهاء، إذ اعتمدوها في الحكم بكراهة تزيين المساجد. نعم، يمكن القول أيضًا بأنّ عمل الفقهاء الشيعة بها والاستناد إليها قائمٌ على أساس التسامح في أدلّة السنن على القول بشمول القاعدة للمكروهات أيضًا.
روى الكلينيّ عن محمّد بن يحيى وغيره، عن أحمد بن هلال، عن أحمد بن محمّدٍ، عن رجلٍ، عن أبي عبدالله (علیه السّلام) قال: «أوّل ما يظهر القائم من العدل أن ينادي مناديه : أن يسلّم صاحب النافلة لصاحب الفريضة
الحجر الأسود والطواف»(1).
يواجه الحديث مشكلتين سنديّتين :
1- كونه مرسلًا: "عن رجلٍ".
2- وقع في الطريق أحمد بن هلال العبرتائيّ، وفيه تأمّلٌ وكلام كثيرٌ؛ فقد نقل النجاشيّ روايةً عن الإمام الحسن العسكري (علیه السّلام) في ذمّ أحمد بن هلالٍ، وقال الطوسيّ في كتاب (اختيار معرفة الرجال) : «كان غاليًا متّهماً في دينه».
وفي كتاب (التهذيب) باب (الوصيّة لأهل الضلال): «مشهورٌ بالغلوّ واللعنة، وما يختصّ بروايته لا نعمل عليه» (2).
وجاء في (الاستبصار) باب (ما يجوز شهادة النساء فيه): «ضعيف فاسد المذهب لا يلتفت إلى حديثه فيما يختصّ بنقله» (1).
وقال النجاشيّ في ترجمة محمّد بن أحمد بن يحيى: واستثنى محمّد بن الحسن بن الوليد في جملة ما استثناه ممّا يرويه محمّد بن أحمد بن يحيى، ما يرويه عن أحمد بن هلالٍ، وتبعه على ذلك أبو جعفرٍ بن بابويه الصدوق»(2).
وذكره العلّامة الحلّي في القسم الثاني من كتابه - ممّا يدل على إدراجه في عداد الضعفاء - وقال: وعندي: أنّ روايته غير مقبولةٍ (3).
وقال الشيخ الصدوق في (كمال (الدين) في الردّ على شبهات الزيديّة، نقلًا عن سعد بن عبدالله الأشعريّ أنّه قال: «ما رأينا ولا سمعنا بمتشيّع رجع عن تشيّعه إلى النصب، إلّا أحمد بن هلال، وكانوا يقولون : إنّ ما تفرّد بروايته أحمد بن هلالٍ، فلا يجوز استعماله»(4).
في مقابل هذه الأقوال الذامّة والمواقف الرافضة لروايات العبرتائيّ،هناك من ذهب إلى التفصيل بين مرحلتين من حياة الرجل، والتفريق بين
ما روي عنه قبل الاستقامة وما بعدها، وممّن ذهب إلى هذا الرأي الشيخ الطوسيّ في كتاب (عدّة الأصول) (فصلٌ، في ذكر القرائن الّتي تدلّ على صحّة أخبار الآحاد) قال : «ولأجل ذلك عملت الطائفة بما رواه أبو الخطّاب في حال استقامته، وتركوا ما رواه في حال تخليطه، وكذلك القول في أحمد بن هلال العبرتائيّ ....»((1).
وذهب السيّد الخوئي إلى القول بأنّ التفصيل المذكور يكشف عن التزام الشيخ الطوسيّ بوثاقة الرجل حيث قال: «وممّا يؤيّد ذلك، تفصيل الشيخ: بين ما رواه حال الاستقامة، وما رواه ،بعدها، فإنّه لا يبعد أن يكون فيه شهادةٌ بوثاقته، فإنّه إن لم يكن ثقةً لم يجز العمل برواياته حال الاستقامة أيضًا».
نقل العلّامة الحلّيّ تفصيلاً آخر ذهب إليه ابن الغضائريّ حيث قال: «وتوقّف ابن الغضائريّ في حديثه، إلّا فيما يرويه عن الحسن بن محبوبٍ، من كتاب (المشيخة)، ومحمّد بن أبي عميرٍ، من نوادره، وقد سمع هذين الكتابين، جلّ أصحاب الحديث، واعتمدوه فيها»(2).
ولم يعدّ السيّد الخوئيّ (رحمه الله) هذا تفصيلًا جديدًا، بل يرجع إلى تفصيل همه الشيخ الطوسيّ بين رواياته حال استقامته وحال خطئه. حيث قال: «وأمّا
تفصيل ابن الغضائريّ، فالظاهر أنّه يرجع إلى تفصيل الشيخ(قدّس سرّه) ، وإلّا فلو كان الرجل ثقةً أو غير ثقةٍ، فكيف يفرّق بين رواياته عن كتاب ابن محبوبٍ ونوادر ابن أبي عمير، وبين غيرها؟» (1).
خلص السيّد الخوئيّ إلى أنّ فساد عقيدة أحمد بن هلالٍ العبرتائيّ لا يضرّ بوثاقته وبصحّة رواياته حيث قال: «لا ينبغي الإشكال في فساد الرجل من جهة عقيدته، بل لا يبعد استفادة أنّه لم يكن يتديّن بشيءٍ، ومن ثمّ كان يظهر الغلوّ مرّةً، والنصب أخرى، ومع ذلك لا يهمّنا إثبات ذلك؛ إذ لا أثر لفساد العقيدة أو العمل في سقوط الرواية عن الحجّيّة، بعد وثاقة الراوي، والّذي يظهر من كلام النجاشيّ: "صالح الراوية" أنّه في نفسه ثقةٌ.
فالمتحصّل : الظاهر أنّ أحمد بن هلال ثقةٌ، غاية الأمر أنّه كان فاسد العقيدة، وفساد العقيدة لا يضرّ بصحّة رواياته، على ما نراه من حجّيّة خبر الثقة مطلقًا» (2).
غير أنّ كلام السيّد الخوئيّ لا يخلو من المناقشة؛ وذلك لأنّ الرواية الّتي أثبتت فساد عقيدة الرجل إن كانت صحيحةً عند السيّد الخوئيّ فلا ريب في
أنّ مضمونها يفيد سلب الاعتبار عن أحمد بن هلال العبرتائيّ، ولا يمكن بحال من الأحوال التفكيك بين فساد عقيدته وسلب الاعتبار عن روايته ، فقد ورد فيها: «احذورا الصوفيّ المُتصنّع»، وقول الإمام (علیه السّلام): «لا غفر الله له ذنبه، ولا أقاله عثرته، يداخل في أمرنا بلا إذنٍ منا ولا رضًى، يستبدّ برأيه... لايمضي من أمرنا إيّاه إلّا بما يهواه ويريده، أرداه الله بذلك في نار جهنّم...»، وقال في موضع آخر: «لا رحمه الله ... » . (1)
ومع كلّ هذا الذمّ واللعن والتحذير والتقبيح لا يبقى مجالٌ للقول بوثاقة الرجل وقبول رواياته، وعليه يكون طريق الرواية ضعيفاً وسندها ساقطًا عن الاعتبار.
أمّا طريق الشيخ الصدوق في كتاب (من لا يحضره الفقيه)، فقد جاء مرسلًا وبلا ذكرٍ لرجاله، واكتفى بقوله: «قال الصادق (علیه السّلام)»(2).
ولكن على القول بقبول مراسل الصدوق كما ذهب إليه بعض أعلامنا كالفاضل التفرشيّ والشيخ البهائيّ والشيخ سليمان الماحوزيّ في (بلغة المحدثين)(3)والعلّامة الحلّيّ في (مختلف الشيعة)، والشهيد الأوّل في (شرح
الإرشاد)، والمحقّق الداماد والحكم بأنّ مراسيل الصدوق في كتاب (من لا يحضره الفقيه) الّتي تتجاوز ثلث مرويّات الكتاب، كمراسيل ابن أبي عميرٍ في الحجّيّة والاعتبار (1)؛ وعليه تكون الرواية حينئذٍ سالمةً من الإشكال السنديّ، فلا ريب في اعتبارها ونسبتها إلى المعصوم (علیه السّلام) ؛ إذ الشيخ الصدوق من أجلّاء شيوخ الطائفة ومن عيون أعلامها، والإرسال لا يضرّ حسب الفرض.
استفيد من الرواية بعض النتائج الفقهيّة من قبيل استحباب عدم مزاحمة من يطوف نافلةً لمن يطوف واجبًا.
أ- قال المجلسيّ الأوّل: «ويدلّ على استحباب عدم مزاحمة من يطوف مستحبًا لمن يطوف واجبًا في استلام الحجر، وفي أصل الطواف إذا كان الطائف كثيرًا» (2).
ب- وعلّق المجلسيّ الثاني على الحديث قائلا: «أي سائر آداب الطواف أو المطاف إذا ضاق عن الطائفين»(3). يعني يستحبّ إخلاء محلّ الطواف لمن يطوف واجبًا مع كثرة الطائفين وضيق المكان.
وفي ختام البحث نكرّر القول إنّه لا يوجد أدنى شكٍّ وترديد بأنّ حكومة بقيّة الله الأعظم تمثل التجسيد الحقيقيّ للعدل وبسط القسط والتصدّي للظلم والقضاء على المستبدّين، وقد أشارت - بل صرّحت - الروايات الكثيرة إلى هذه الحقيقة.
وقد تعرّضنا هنا لنماذج قليلةٍ من تلك الروايات الّتي تعكس طبيعة حكومة العدل المهدويّة، وأخضعناها للدراسة والتحليل على المستويين السندي والمتنيّ المضمونيّ؛ لغرض إيصاد الباب - إن شاء الله - أمام المتحذلقين الّذين خاضوا في هذا الموضوع، وتعرّضوا لنقد تلك المرويّات من دون أن يمتلكوا أدنى مقوّمات الباحث المتخصّص بشؤون الحديث والرجال.
وآخر دعوانا أن الحمدُلله ربّ العالمين
والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين محمّد وآله الطاهرين
نجم الدين الطبسيّ - قمّ المقدّسة
«حدّثنا المظفّر بنُ جعفر بن المظفّر العَلَويّ ، قال : حدّثنا جَعْفَرُ بنُ مَسعودٍ وحَيْدَرُ بن محمّدٍ السَّمَرقَندي، جميعًا، قالا : حدّثنا محمّد بن مسعودٍ، قال: حدّثنا جَبرئيل بنُ أحمدَ ، عن موسَى بن جعفرٍ البغداديّ، قال: حدّثني الحَسَنُ بنُ محمّدٍ الصَّيَرَفِيُّ، عَنْ حَنان بنِ سَديرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي عبدالله (علیه السّلام) قال : إِنَّ لِلقائِمِ مِنَا غَيْبةً يطولُ أمَدُها. فقلتُ لَه : ولِمَ ذاكَ يا بن رسولِ الله؟ قال: إِنَّ الله عزّوجلّ أبى إلّا أنْ يَجري فيه سُنَنُ الأنبياء في غَيّباتِهِم، وإِنَّهُ لا بدَّ لَهُ - يا سَدِيرُ- مِن استيفاء مُدَدِ غَيباتِهِم. قال اللهُ عزّو جلّ : «لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ »(1)، أي سُنَنًا عَلَى مَنْ كَانَ قَبلَكُم».
إنَّ مظفّرًا هذا هو من أساتذة الشيخ الصدوق(رحمه الله) ، وقد سكت العلمان السيّد الخوئيّ (2)والمحقِّق التستريّ(3)عنه، واكتفيا بذكر اسمه فقط، لكنّ
العلّامة المامقانيّ وثّقه بقوله: «لا شبهة في كونه إماميًّا، وكونه شيخَ إجازة يغنيه عن التوثيق، فهو بحكم الثقة» (1).
لقد بيّن المامقانيّ مذهب هذا الراوي (مظفّرٍ) مدعيًا كونه إماميًّا؛ ليُثبت حسنه، ثمّ وضّح مبناه حول وثاقة الراوي بالقول بأنّه كان شيخ إجازة الصدوق (رحمه الله) ، وهذه الرتبة يعتبرها دليلًا واضحًا - بل وكافيًا - على الوثاقة أو الحسن. وعليه فالمسألة قائمةٌ على المبنى، فلو قَبلنا هذا المبنى فإنَّ هذا الراوي ( مظفّرًا) يكون ثقةً، ويكون سند الحديث من ناحية هذا الراوي ممّا لا إشكال فيه، وإن كان لدينا في تعبير المامقاني «بحكم الثقة» تأملٌ.
لقد ورد هذا الاسم في سند كتاب (علل الشرائع)، لكن لم يرد لٰهذا الرجل اسمٌ ولا ذِكْرُ في الكتب الرجاليّة، وعليه ففي السند إشكالٌ. لكن - كما ذكرنا - في سند كتاب (كمال الدين) بعد اسم "جعفرٍ" ورد ابن محمّدٍ. يقول الشيخ الطوسيّ (رحمه الله) : إنَّ هذا الشخص جعفر بن محمّد بن مسعودٍ، فاضلٌ. وفي رجال المجلسيّ ( الوجيزة) (2)و(البلغة)(3)قالوا إنّه ممدوحٌ.
و مع ملاحظة هذه الشهادات الثلاث السابقة يقول العلّامة المامقانيّ: «فيكون من الحسان»(1).
أمّا السيّد الخوئي (رحمه الله) فإنّه يُرجع جعفر بن محمّد بن مسعود إلى جعفر بن معروفٍ (2)؛ وعليه لا بدّ من تحقيق حال هذا الرجل.
وكيف كان فعلى بعض المباني الرجاليّة فإنّه لا إشكال في السند، ولو لم نستطع إثبات وثاقة جعفر بن محمّد بن مسعودٍ أو عدالته؛ إذ في السند راوٍ آخر وفي عرض جعفرٍ هذا، وهو حيدر بن محمّدٍ السمرقنديّ، والرواية نُقلت عن كليهما. وبعبارة أخرى: إنَّ للرواية طريقين؛ فلا بدّ من تحقيق حال السمرقنديّ هذا أيضًا.
وصف الشيخ الطوسيّ (رحمه الله) هذا الرجل بالفضل وجلالة القدر، وقد ذكر اسمه في موردين:
الأوّل في فهرسته، حيث قال عنه : فاضلٌ وجليل القدر » (3).
الثاني: في رجاله، حيث قال عنه: «عالمٌ وجليل القدر»(1).
وقال عنه العلّامة الحلّيّ (رحمه الله) في (خلاصة الأقوال) : «عالمٌ وجليل القدر وثقةٌ »(2).
أمّا العلّامة المامقانيّ (رحمه الله) فإنّه قد جمع بين هذين القولين بقوله: «هذا الشخص ثقةٌ» (3).
وإذا ما وقفنا عند السيّد الخوئيّ (رحمه الله) في معجمه فإنّنا نجده يطرح رأيه بحذرٍ واحتياطٍ قائلًا: «لا إشكال في حسن الرجل وجلالته، ويكفي في ذلك قول الشيخ: إنّه فاضلٌ، جليل القدر، وقوله : عالمٌ جليلٌ، وأمّا توثيقه فلم نعثر عليه في مَن تقدَّم على العلّامة وتبعه على ذلك ابن داود، ولعلّهما استفادا ذلك من قول الشيخ: "جليل القدر"، وهي غير بعيدة»(4).
محمّد بن مسعود بن محمّد بن عيّاشٍ السلميّ السمرقنديّ، أبو النضر المعروف بالعيّاشيّ، ثقةٌ، صدوقٌ، عينٌ من عيون هذه الطائفة وكبيرها، جليل
1) رجال الطوسيّ : ص 463 ، باب ذكر أسماء من لم يرو عن واحدٍ من الأئمّة (علیهم السّلام) ، باب الحاء، ترجمة حيدر بن محمّد بن نعيم، رقم 8 .
2) خلاصة الأقوال: ص 127 ، القسم الأوّل في من اعتمد عليه، الفصل السادس، الباب 7: ترجمة حيدر بن نعيم بن محمّدٍ السمرقنديّ، رقم 331.
3) تنقیح المقال : ج 24 ، ص 463 ، ترجمة حيدر بن محمّد بن نعيم السمرقنديّ، رقم 7264.
4) معجم رجال الحديث : ج 6 ، ص 315 ، ترجمة حيدر بن محمّد بن نعيمٍ، رقم 4135.
القدر، واسع الأخبار، بصيرٌ بالرواية ومضطلعٌ بها(1)، وهو صاحب تفسير العيّاشي. كان في بداية أمره من علماء أهل السنّة، ثم استبصر وتشيّع وقدّم خدماتٍ كثيرةً لمذهب الشيعة (أعلى الله كلمتهم). يقول النجاشيّ عنه: «ثقةٌ، صدوقٌ، عينٌ من عيون هذه الطائفة، وكان يروي عن الضعفاء كثيرًا. وكان في أوّل أمره عامّيّ المذهب، وسمع حديث العامّة فأكثر منه، ثمّ تبصَّر وعاد إلينا»(2).
ويقول عنه الشيخ الطوسيّ (رحمه الله) في (الفهرست): «جليل القدر، واسع الأخبار، بصيرٌ بالروايات، مطلّعٌ عليها» (3). وفي رجاله يقول عنه: «محمّد بن مسعود بن محمّد بن عيّاش السمرقنديّ، يُكنّى أبا النضر، أكثر أهل الشرق - أي نواحي خراسان - علمًا وفضلاً ، وأدبًا وفهماً ونبلًا في زمانه، صنّف أكثر من مئتي مصنّفٍ»(4).
ويقول السيّد الخوئيّ (رحمه الله) : «وطريق الصدوق إليه : المظفّر بن جعفر بن المظفّر العلويّ العمريّ، عن جعفر بن محمّد بن مسعودٍ، عن أبيه أبي النضر، عن محمّد بن مسعودٍ العيّاشيّ. والطريق كطريق الشيخ إليه ضعيفٌ» (5).
1) وسائل الشيعة : ج 30 (الخاتمة) ، ص 485، الفائدة الثانية عشرة، أحوال الرجال، ترجمة محمّد بن مسعود بن محمّد بن عيّاشٍ.
2) رجال النجاشيّ: ص 350 ، ترجمة محمّد بن مسعودٍ، رقم 944.
3) الفهرست ص 212، ترجمة محمّد بن مسعودٍ العيّاشيّ، رقم 19/604.
4) رجال الطوسيّ : ص 497 ، باب ذكر أسماء من لم يرو عن واحدٍ من الأئمّة (علیهم السّلام) ، باب الميم، ترجمة محمّد بن مسعود بن محمّد بن عيّاشٍ السمرقنديّ، رقم 32 .
5) معجم رجال الحديث : ج 17، ص 224، ترجمة محمّد بن مسعود بن محمّدٍ، رقم 11768.
لكنّنا - وبكلّ تواضعٍ واحترامٍ - نجيب السيّد الخوئيّ (رحمه الله) بالقول: لو سلّمنا وقبلنا بأنّ طريق الشيخ إلى سديرٍ ضعيفٌ؛ لوجود جعفر بن محمّدٍ في سلسلة الرواة، لكنّ للشيخ الصدوق طريقًا آخر فيه، وهو حيدر بن محمّد السمرقنديّ، وأنتم قبلتموه بمقامه العالي وجلالته، وارتضاه غيركم أيضًا؛ فالشيخ الطوسيّ مدَحه، والعلّامة الحلّيّ وثّقه، وبناءً عليه نقول: لا يوجد أيّ إشكالٍ في سند هذا الحديث.
يقول عنه الشيخ الطوسيّ (رحمه الله) في رجاله : «كان مقيمًا بكشّ، كثير الرواية عن العلماء بالعراق وقمٍّ وخراسان» (1).
وأمّا العلّامة المامقانيّ فإنّه ينقل عن (الوجيزة) للعلّامة المجلسيّ، وعن (بلغة المحدّثين) لسليمان بن عبدالله الماحوزيّ أنّ جبريل بن أحمد هذا ممدوحٌ، ويضيف قائلًا: «وقال الوحيد البهبهانيّ في (التعليقة): عدّه خالي [أي العلّامة المجلسيّ] ممدوحًا، والظاهر أنّه لقوله [أي الطوسيّ]: كثير الرواية».
وكذلك كان جبريل هذا معتمَدًا عند العلّامة الكشّيّ؛ إذ كان يعتمد على ما وجد من خطّه، وفيه إشعارٌ بجلالته بل بوثاقته أيضًا. وعن حواشي المجمع
1) رجال الطوسيّ : ص 458 ، باب ذكر أسماء من لم يرو عن واحدٍ من الأئمّة (علیهم السّلام) ، باب الجيم، ترجمة جبريل بن أحمد الفاريابيّ، رقم 9.
من مصنّفه القهبائيّ أنّه يظهر من ذكر الكشّيّ له والنقل عنه اعتباره والاعتماد عليه وعلى خطّه وكتابه.
وبناءً على ما تقدّم فإنَّ العلّامة المامقانيّ يبدي رأيه فيه قائلًا: «وهو في محلّه، فرواياته من الحسان أقلًّا إن لم نعدّه من الثقات»(1).
وقال السيد الخوئيّ(رحمه الله) في ترجمة هذا الرجل : «كان مقيمًا بكشّ، كثير الرواية عن العلماء بالعراق وقمٍّ وخراسان... والكشّيّ يروي عنه كثيرًا ويعتمد عليه، ويروي ما وجده بخطّه، ولكنّك عرفت غير مرّة أنّ اعتماد القدماء على رجل لا يدلّ على وثاقته ولا على حُسنه؛ لاحتمال أن يكون ذلك من جهة بنائهم على أصالة العدالة» (2).
ويقول المحقٍّق التستريّ وهو عالم نقاد ومعروفٌ عنه تشدّده وصعوبة قبوله للراوي عن هذا الرجل : «والتحقيق أنّه جبريل بن أحمد كان شيخ العيّاشيّ [أي أُستاذه]، وأنّ الكشّيّ روى عنه أو نقل عن خطّه...»(3).
وفي الحقيقة أنَّ العلّامة التستريّ قد أشار في تحقيقه إلى قضيّتين هما في الواقع إشارةٌ إلى مبانٍ في علم الرجال:
الأُولى: كونه شيخ العيّاشيّ.
الثانية: اعتماد الكَشّيّ عليه.
أمّا البحث بأنّ كونَ الرجل شيخَ إجازة يُعدُّ توثيقاً له، أم أنّه أمارةٌ على التوثيق فقط؟ وكذلك البحث بأنّ اعتماد الكشّيّ في هذا الخصوص يكفي للتوثيق أم لا؟ فهذا ما يتطلّب دراسةً مفصّلةً تبحث في محلّها، لكنّ الإنصاف أنّ المقام السامي لهذا الرجل أمرُ مُخْرَزُ ؛ لذا فإنّه من هذه الناحية - ظاهراً - لا يوجد فيه إشكالٌ.
لقد طرح العلّامة المامقانيّ صاحب (النظر الثاقب) رأيه حول هذا الشخص بتأمّل وتردّدٍ، حيث يقول: ظاهره كونه إماميًا إلّا أنّ حاله مجهولٌ، إلّا أن يُجعل عدُّ ابن داود إيّاه في باب المعتمدين مدحًا مُدرجًا له في الحسان، ويمكن اتّحاده مع موسى بن جعفرٍ البغداديّ المتقدّم، وحينئذٍ يكون عدم استثناء القمّيّين إيّاه ممّا رواه محمّد بن أحمد بن يحيي في كتاب (نوادر الحكمة) دالًّا على وثاقته؛ ولذا قال في (الذخيرة) عقيب رواية أوردها: إنَّ في طريقها موسى بن جعفرٍ البغداديّ، وهو غير موثَقٍ موثَّقٍ، لكن لم يُستثنَ فيما استثني من (نوادر الحكمة)، ولعل في ذلك إشعارًا بحسن حاله».
وقال المولى الوحيد البهبهانيّ: في رواية محمّد بن أحمد بن يحيي صاحب (نوادر الحكمة) عنه، و عدم استثنائه دلالةٌ على عدالته» (1).
1) تنقيح المقال (الطبعة الحجريّة ) : ج 3، ص 255 ، ترجمة موسى بن وهب البغداديّ، رقم 12231.
وبناءً على ذلك يكون ابن وهبٍ ضمن الرواة المُعتمَدين عند ابن داود، لكن من جهةٍ أُخرى، وفي حال اتّحاده مع موسى بن جعفرٍ البغداديّ لا يكون ضمن مستثنيات (نوادر الحكمة)، وبالتالي يكون توثيقه محلَّ إشكالٍ، لكنّ القدر المتيقّن أنّه من الرواة الحسان.
أبو محمّدٍ، الكنديّ، الصيرفيّ، الكوفيّ، واقفيّ المذهب، إلّا أنّه جيّد التصانيف، نقيّ الفقه، حسن الانتقاء، كثير الحديث.
هذا ما قاله العلّامة والشيخ، وقال النجاشيّ والعلّامة: «إنّه فقيهٌ ثقةٌ»، وذكر النجاشيّ فيه الوقف أيضًا (1).
يقول السيّد الخوئيّ (رحمه الله) : «قال النجاشيّ: الحسن بن محمّد بن سَماعة أبو محمّدٍ الكنديّ الصيرفيّ، من شيوخ الواقفة، كثير الحديث، فقيهٌ، ثقةٌ، وكان يعاند في الوقف ويتعصّب» (2).
1) تفصيل وسائل الشيعة : ج 30 (الخاتمة)، ص 347 الفائدة الثانية عشرة، أحوال الرجال، ترجمة الحسن بن محمّد بن سماعة ؛ انظر : خلاصة الأقوال : ص 333، القسم الثاني، في ذكر الضعفاء ومن أردّ قوله أو أقف فيه، الفصل السادس، الباب الأوّل، رقم 1315؛ الفهرست : ص 103، ترجمة الحسن بن محمّد بن سماعة، رقم 33/193؛ رجال ابن داود: ص 442، القسم الثاني، باب الحاء، ترجمة الحسن بن محمّد بن سماعة، رقم 128 .
2) معجم رجال الحديث : ج 5 ، ص 116، ترجمة الحسن بن محمّد بن سماعة، رقم 3105.
وبناءً على ذلك نقول : إنَّ لدى هذا الشخص إشكالًا في مذهبه؛ فهو منحرفُ عقديًا، لكن لا إشكال في وثاقته، فإنّه صدوق في الكلام، ويتجنّب الكذب، والله العالم.
قال العلّامة المامقانيّ: «وتلخيص المقال وتنقيح الحال أنّ في الرجل أقوالًا :
أحدها: أنّه ثقةً، وهو صريح كلام الشيخ في (الفهرست) ويؤيّده:
1- رواية الحسن بن محبوبٍ المجمع على تصحيح ما يصحّ عنه وغيره من الأجلّاء عنه.
2- كونه كثير الرواية.
3- سديد الرواية.
4 مقبول الرواية.
ثانيها: أنّه موثّق، وهو خيرة الوجيزة والبُلغة والحاوي.
ثالثها: أنّه ضعيفٌ، وهو صريح التنقيح؛ حيث قال: «حنانٌ ضعيفٌ لأنّه كيسانيٌّ».
ثمّ يقول المامقانيّ: «وهو خطأٌ قطعًا؛ لأنّه على فرض انحرافه فهو واقفيٌ يقول بالإمامة إلى موسى بن جعفرٍ (علیه السّلام)، لا كيسانيٌّ، وهو الّذي يقول بإمامة محمّد بن الحنفيّة وكونه قائمًا غائبًا».
ثمّ يختم بحثه قائلًا: «فتسميته ضعيفًا مع توثيق مثل الشيخ (رحمه الله) إيّاه
المؤيَّد بتوثيق من سمعتَ لا وجه له... فالحقّ أنّ الرجل إن ثبت وقفه فهو موثَّقُ ، وإن كان في النفس من وقفه شيءٌ ؛ لاحتمال اشتباهه بحيّان الآتي المعلوم وقفه، فتدبَّر»(1).
أقول: إنَّ هذا الرجل كان واقفيّ المذهب وليس كيسانيًّا، هذا فضلاً عن أنّ الانحراف العقديّ لا يتنافى مع الوثاقة؛ فهناك أشخاصٌ كثيرون أمثال: غياث بن إبراهيم، وحفص بن غياتٍ، والسكونيّ، بل والعشرات من الرواة كانوا على مذهب العامّة، وعلى الرغم من ذلك فقد اعتمد على أحاديثهم وأخبارهم، وكانت تُنقل عنهم الروايات بلا إشكالٍ.
قال السيّد الخوئيّ (رحمه الله) : «إنَّ طريق الصدوق إلى حنان بن سديرٍ صحيحٌ».
ثمّ نقل(رحمه الله) ، طرقًا ثلاثةً واصفًا إيّاها بأنّها صحيحةٌ (2).
إنَّ سديرًا هذا كان من أصحاب الإمام السجّاد والإمام الباقر والإمام الصادق (علیهم السّلام) ، وإنَّ مجموع الروايات الّتي نُقلت عنه 21 روايةً، من جملتها روايته في ثواب الذهاب مشيًا أو ركوبًا لزيارة قبر أبي عبدالله الحسين (علیه السّلام).
وقد عدّه ابن شهرآشوب في مناقبه (1)من جملة الأصحاب الخواصّ للإمام جعفر الصادق(علیه السّلام) ، لكنّ السؤال الّذي يمكن أن يُطرح هنا: هل كون الشخص من جملة الأصحاب الخواصّ للإمام المعصوم يكفي في توثيقه أو لا ؟ هناك بحث خاصٌّ حول هذا الموضوع، لكن قد يقال: كونه كذلك لا يكفي في التوثيق.
أما حول مكانته ومقام سديرٍ فقد وردت طائفتان من الروايات؛ طائفةٌ من الأخبار تمدحه، وطائفة أخرى تذمّه، وإليك الروايات:
1- رواية حسين بن علوان عن الإمام الصادق (علیه السّلام) أنّه قال وعنده سدير: «إنّ الله إذا أحبَّ عبدًا غَتَهُ بالبلاء غتًا، وأنا وإيّاكم يا سدير لنُصبح به ونُمسي»(2).
أقول: لقد وردت في الرواية هذه العبارة: «إنّ الله إذا أحبَّ عبدًا غَتَهُ بالبلاء غتًا»، فتُجعل ككبرى وتطبّق على سديرٍ هذا، وعليه تكون هذه الرواية واردةً في مدحه وفضله.
لكنّ السيّد الخوئيّ(رحمه الله) يقول إنّ هذه الرواية مبتلاةٌ بالإشكال السنديّ؛ وذلك لأنّ في طريقها أحمد بن عُبيد الّذي لم يوثّق(1).
2- رواية زيدٍ الشحّام عن الإمام الصادق (علیه السّلام)، حيث قال: «إنّي لأطوف حول الكعبة وكفّي في كفّ أبي عبدالله (علیه السّلام)، فقال: ودموعه تجري على خدّيه، فقال: يا شحّام ما رأيتَ ما صنع ربّي إليَّ؟ ثمّ بكى ودعا ، ثمّ قال لي : يا شحّام، إنّي طلبتُ إلى إلهي في سدير وعبد السلام بن عبد الرحمن وكانا في السجن ، فوهبهما لي وخلّى سبيلهما» (2).
فإنّنا نراها ظاهرةً في مدح سديرٍ بشكلٍ واضحٍ.
ويري العلّامة الحلّيّ (رحمه الله) هذه الرواية معتبرةً ولا إشكال فيها(3)، لكنّ السيّد الخوئيّ (رحمه الله) يُضعفها ويقول إنّ فيها إشكالاً سنديًا؛ وذلك لأنَّ في طريقها علي بن محمّد القتيبيّ، وهذا الشخص وإن كان من شيوخ الكشّيّ وأساتذته لكنّه لم يوثَّق.
أما الإشكال الثاني الذي أورده السيّد الخوئيّ (رحمه الله) على هذه الرواية فحاصله:
أنّه إن غضضنا النظر عن الإشكال السنديّ، فهذا الحديث لا دلالة فيه على وثاقة سدير أو حُسنه، غاية ما في هذه الرواية أنّ الإمام (علیه السّلام) كان يحبّه ويعطف عليه، والإمام بطبيعته يحبُّ كُلَّ شيعته وأصحابه ويرأف بهم ويرحمهم، ولا خصوصيّة لسديرٍ ولا لعبد السلام، وبناءً عليه فليست في الرواية المذكورة أيّ دلالةٍ على الوثاقة أو الحُسن لهما (1).
أقول: لا نستطيع أن نقبل جواب السيّد الخوئيّ (رحمه الله) هذا؛ لأنّه على تقدير ثبوت هذه العبارة «كان يحبّه» (2)وورودها في الرواية يستفاد أنّ محبّة الإمام المعصوم (علیه السّلام) لشخصٍ هي غير رأفته ورحمته على شخصٍ ما؛ لأنَّ الإمام لن يعتني كلَّ هذا الاعتناء ويُظهر كلَّ تلك المحبّة والتعاطي الخاصّ لشخصٍ ليس تابعًا مخلصًا مُواليًا له (علیه السّلام).
وبناءً عليه نقول: نحن وإن لم نستطع إثبات وثاقة سديرٍ من خلال هذه الرواية، لكن يُمكن إثبات دلالتها لا أقلّ على حسنه. أمّا العلّامة الحلّيّ (رحمه الله) فيقول بعد ذكر الحديث المزبور : «وهذا حديثٌ معتبرٌ يدلّ على علوّ مرتبتهما» (3).
1) معجم رجال الحديث : ج 8، ص 35 ، ترجمة سدير بن حكيم، رقم 4982.
2) لكنّ الظاهر أنّ هذه العبارة لم ترد في الرواية، والإمام (علیه السّلام) دعا لهما بالتخلّص من السجن؛ لأنّهما كانا من شيعته، وهذا لا يثبت الوثاقة.
3) خلاصة الأقوال : ص 165 القسم الأوّل: الفصل الحادي عشر، الباب 10: ترجمة سدير بن حكيمٍ، رقم 479.
فتلخّص أنّا إذا ما غضضنا النظر عن الإشكال السنديّ في كلا الروايتين، فإنَّ الرواية الأولى والثانية خاليةٌ عن الإشكال الدلاليّ.
1- رواية محمّد بن عذافر عن الإمام الصادق (علیه السّلام)؛ حيث ذُكر عنده سديرٌ، فقال: «سديرٌ عصيدةٌ (1)بكلّ لونٍ» (2).
قال الطريحيّ في توضيح هذه العبارة: «عصيدةٌ بكلِّ لونٍ» يعني أنّه يمشي ويجلس مع أيٍّ كان (3).
وقال السيّد الخوئي (رحمه الله) : هذه الرواية مبتليةٌ بالإشكال السنديّ؛ لأنّ في سندها عليّ بن محمّد الّذي لم يوثَّق. وكذلك لا دلالة فيها على ذمّ سدير، فيحتمل أن يكون مقصود الإمام (علیه السّلام) من هذه العبارة هو عدم تغيّر حقيقة سدير وجوهره على الرغم من تغيّر لونه من حينٍ إلى حينٍ. وبعبارة أُخرى: إنّ حقيقة سدير هذا ثابتةٌ، وهو مثل العصيدة، حقيقته وجوهره ثابتٌ، لكنّ لونه وظاهره يتغيّر أحيانًا (4).
1) «هو دقيقٌ يلت بالسمن ويطبخ» [لسان العرب : ج 3، ص 291، فصل العين المهملة].
2) اختیار معرفة الرجال: ص 210 ، الجزء الثالث، في أبي الفضل سدير بن حكيمٍ وعبد السلام بن عبد الرحمن، ح 371.
3) مجمع البحرين : ج 3، ص 102 ، كتاب الدال ، باب ما أوّله العين.
4) معجم رجال الحديث : ج 8، ص 36 ، ترجمة سدير بن حكيمٍ، رقم 4982.
2- رواية المعلّى بن خنيسٍ قال: «ذهبتُ بكتاب عبد السلام بن نعيمٍ و سدیرٍ وكتب غير واحدٍ إلى أبي عبدالله (علیه السّلام) حين ظهرت المسوِّدة قبل أن يظهر ولد العبّاس: بأنّا قد قدّرنا أن يؤول هذا الأمر إليك فما ترى؟ قال: فضرب بالكتب الأرضَ ثمّ قال : أَنَّ أُفّ! أُفّ! ما أنا لٰهؤلاء بإمامٍ؛ أما يعلمون أنّه إنّما يَقتل السفيانيّ؟»(1).
قالوا إنّ هذه الرواية تدلّ على ذمّ سديرٍ؛ لأنّ الإمام (علیه السّلام) قال: «أُفَّ أُفٍّ ما أنا لهؤلاء بإمام» (2).
قال السيّد الخوئيّ(رحمه الله) : إنَّ الرواية ضعيفةٌ، ولا أقلّ من جهة صباح بن سيّابة، على أنّه لا دلالة فيها على ذمّ سديرٍ ولا على من كتب مثل كتابه إلى أبي عبدالله (علیه السّلام)، غير أنّهم قدّروا أن يؤول هذا الأمر (الخلافة) إلى الإمام الصادق (علیه السّلام) من جهة جهلهم بأنَّ مَن ينتهي الأمر إليه هو قاتل السفيانيّ، وقد بيَّن (علیه السّلام) لهم ذلك وعرَّفهم به (3).
3- رواية سدير عن أبي عبدالله (علیه السّلام) أنّه قال له: «يا سدير، الزم بيتك وكنْ حِلسًا من أحلاسه، واسكن ما سكن الليل والنهار، فإذا بلغك أنَّ السفيانيّ قد خرج فارحل إلينا ولو على رجلك» (4).
والحلس بالكسر : كساءٌ يوضع على ظهر البعير تحت البرذعة، هذا هو الأصل، والمعنى: الزموا بيوتكم لزوم الأحلاس، ولا تخرجوا منها فتقعوا في الفتنة(1).
إِنَّ التكاليف الّتي تصدر عن الأئمة الأطهار (علیهم السّلام) تتناسب مع سعة فهم الشخص المكلَّف وقدرته ، ومن جملتها هذا الحديث المذكور حول سديرٍ، فقد كلَّفه الإمام المعصوم (علیه السّلام) بأن يجلس في بيته، وأن لا يتدخّل في شؤون الأحداث والمجريات من حوله، لكن في المقابل نجد أنَّ الإمام الصادق (علیه السّلام)
نفسه يأمر شابًّا حدثًا كهشام بن الحَكم بمحاورة الرجل الشاميّ، ويُناظر ويتصدّى للأوضاع الثقافيّة والإجابة عن الشبهات، ثمّ يمدحه الإمام (علیه السّلام) على طريقة محاججته وأسلوب حواره (2).
ففي روايةٍ عن أبي خالدٍ الكابليّ قال: «رأيت أبا جعفرٍ صاحب الطاق وهو قاعدٌ في الروضة قد قطع أهل المدينة أزراره، وهو دائبٌ يجيبهم ويسألونه، فدنوت منه فقلتُ: إنّ أبا عبدالله (علیهم السّلام) ينهانا عن الكلام.
فقال: أمرك أن تقول لي؟ فقلتُ: لا والله، ولكن أمرني أن لا أُكلّم أحدًا.
قال : فاذهب وأطعه في ما أمرك. فدخلت على أبي عبدالله (علیه السّلام) فأخبرته بقصّة صاحب الطاق وما قلتُ له، وقوله لي : اذهب وأطعه في ما أمرك.
فتبسّم أبو عبدالله(علیه السّلام) وقال : يا أبا خالدٍ، إنّ صاحب الطاق يكلّمُ الناسَ فيطير وينقضّ وأنتَ إن قصّوك لن تطير» (1).
والمعنى: أنَّ لمؤمن الطاق تكليفاً خاصًا به، وأنت لك تكليفٌ خاص بك، وما يمكن أن ينجزه هو لا يمكنك أن تنجزه أنت.
يقول السيّد الخوئيّ (رحمه الله) في ترجمة سديرٍ: «فتحصّل ممّا مرّ أنّه لا يمكن الاستدلال بشيءٍ من الروايات على مدح سدير ولا على قدحه، لكنّه مع ذلك يُحكم بأنّه ثقةً من جهة شهادة جعفر بن محمّد بن قولويه وعليّ بن إبراهيم في تفسيره بوثاقته على ما يأتي. ولا يعارض ذلك بما رواه العلّامة (رحمه الله) من قوله: وقال السيّد عليّ بن أحمد العقيقيّ: سدير بن الصيرفيّ، وكان اسمه سلمة كان مخلّطاً»(2).
ثمّ أضاف السيّد الخوئيّ (رحمه الله) قائلا : «وذكر ابن داود نحوه في رقم 663 من
القسم الأوّل ؛ فإنَّ العقيقيّ لم تثبت وثاقته على أنَّ التخليط بمعنى رواية المعروف والمنكر، وهذا لا ينافي وثاقة الراوي.
ثمّ إنَّ ما نقله العلّامة عن العقيقيّ من أنَّ اسم سديرٍ سلمة لا محصِّل له؛ فإِنَّ سديرًا من الأسماء، ، ولا معنى لأن يقال : اسمه سلمة، ولعلّ في العبارة تحريفاً والله العالم»(1).
1) معجم رجال الحديث : ج 8، ص 37، ترجمة سدير بن حكيمٍ، رقم 4982.
1- يقول الشيخ السماويّ: «ثمّ شاده معزُّ الدولة البويهيّ؛ فأسّس الدعائم، وعمّر القبة والسرداب، ورتّب القُوّام والحجّاب، ورفع الضريح بالأخشاب، وملأ الحوض بالتراب إذ صار كالبئر ؛ إذ كان الناس يأخذون التراب منه للبركة؛ وذلك لأنّ العسكريّ (علیه السّلام) كان يتوضّأ به أحيانًا»(1).
2 - قال الشيخ المحلّاتي: العمارة الثالثة، عمارة الملك... أحمد بن بويه... الملقب بمعزّ الدولة ... وعمّر القبّة وكان في السرداب حوض يجري فيه الماء فأمر بإملاء الحوض من التراب، وجعل ضريحًا للعسكريّين من الخشب» (2).
وقال في موضع آخر : «العمارة السابعة للإمام الناصر العبّاسي، وذكر ما نظمه المرحوم العلّامة السماويّ في (وشائح السرّاء) مشيرًا إلى عمارة أحمد الناصر الّذي كان في سنة 606 ه-:
ثمّ أتاها الناصر العبّاسي*** بفيض جودٍ وضرام باسِ
فعمّر القبّة والمآذنا *** وزاد في تشييدها المحاسنا
وزيّن الروض بما قد ابتهج*** وعقد السرداب في صنع الأزج
ومنع الحوض بذاك الروض*** أن يأخذ امرؤٌ تراب الحوض
وزبّر الأئمّة الاثني عشر*** على نطاق العقد فيما قد زبر
لى يد الشريف بدر البعد *** معدٍ فتى محمّد بن معد
وجعل الألواح فيه منبئة*** عن وقته في الستّ والستّمئة
فنظروا ما قد زها في الدائر *** وأرّخوا صبح سعد الناصر»
ثمّ ذكر الشيخ المحلّاتي صفة بناء سرداب الغيبة فقال: «ليس اشتهار هذا السرداب بسرداب الغيبة لأنّ الحجّة (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) غاب فيه - كما زعمه من يجهل التاريخ - بل لأنّ بعض الأولياء تشرّف بخدمته(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ... وحيث إنّه مبيت الثلاثة من الأئمة (علیهم السّلام) ومعبدهم في طول المدة، وحظى فيه عدّةٌ من الصلحاء بلقاء الحجّة(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) صار من البقاع المتبرّكة»(1). ثمّ ذكر ما جرى على السرداب من تعميرٍ وتطويرٍ لسنا بصدده.
3-قال الشيخ المحدّث النوري(رحمه الله) : «الناصر لدين الله أحمد بن المستضيء بنور الله من خلفاء العبّاسيّة، وهو الّذي أمر بعمارة السرداب الشريف، وجعل
1) المصدر السابق : ص 350 ، صفة بناء سرداب الغيبة.
الصفة الّتي فيه شبّاعًا من خشب ساجٍ منقوش عليه : "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ «قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفُ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورُ» ، هذا ما أمر بعمله سيّدنا ومولانا الإمام المفترض الطاعة على جميع الأنام أبو العبّاس أحمد الناصر لدين الله أميرالمؤمنين وخليفة ربّ العالمين، الّذي طبق البلاد إحسانه وعدله، وعمّ البلاد رأفته وفضله، قرّب الله أوامره الشريفة باستمرار النجح والنشر، وناطها بالتأييد والنصر، وجعل لأيّامه المخلّدة حدًّا لا يكبو جواده ولآرائه الممجّدة سعدًا لا يخبو زناده، في عزّ تخضع له الأقدار فيطيعه عوامّها، وملكٍ خشع له الملوك فيملّكه نواصيها، يتولّى المملوك معد بن الحسين بن معد الموسويّ الّذي يرجو الحياة في أيّامه المخلّدة، ويتمنّى إنفاق عمره في الدعاء لدولته المؤبّدة، استجاب الله أدعيته، وبلّغه في أيّامه الشريفة أمنيته، من سنة ستٍّ وستّمئةٍ الهلاليّة، وحسبنا الله ونِعم الوكيل وصلّى الله على سيّدنا محمّدٍ خاتم النبيّين وعلى آله الطاهرين وعترته وسلّم تسليمًا".
ونقش أيضًا في الخشب الساج داخل الصفة في دائر الحائط: "بسم الله الرحمن الرحيم، محمّدٌ رسول الله، أميرالمؤمنين عليٌّ وليّ الله، فاطمة، الحسن بن عليٍّ، الحسين بن عليٍّ، عليّ بن الحسين، محمّد بن عليٍّ، جعفر بن محمّدٍ، موسى بن جعفرٍ، عليّ بن موسى، محمّد بن عليٍّ، عليّ بن محمّدٍ، الحسن بن عليّ، القائم بالحقّ(علیهم السّلام) ، هذا عمل عليّ بن محمّدٍ وليّ آل محمّدٍ".
ثمّ قال الشيخ المحدّث النوريّ (رحمه الله) : «ولولا اعتقاد الناصر بانتساب السرداب إلى المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) بكونه محلّ ولادته أو موضع غيبته أو مقام بروز
کرامته - لا مكان إقامته في طول غيبته كما نسبه بعضُ من لا خبرة له إلى الإماميّة، وليس في كتبهم قديمًا وحديثًا منه أثر أصلًا - لما أمر بعمارته وتزيينه، ولو كانت كلمات عصره متفقةً على نفيه وعدم ولادته لكان إقدامه عليه بحسب العادة صعبًا أو ممتنعًا، فلا محالة فيهم من وافقه في معتقده الموافق لمعتقد جملةٍ ممّن سبقت إليهم الإشارة وهو المطلوب. وإنّما أدخلنا الناصر في سلك هؤلاء لامتيازه عن أقرانه بالفضل والعلم، وعداده من المحدّثين، فقد روى عنه ابن سكينة وابن الأخضر وابن النجّار وابن الدامغانيّ (1).
أقول: وهذا راجعٌ إلى اعتقاد الناصر العبّاسيّ وقناعته بذلك، ولا يعكس رأي الشيعة الاثني عشريّة وعقيدتهم.
1) كشف الأستار : ص 192 - 195، الفصل الأوّل، ذكر من اعترف بالولادة من علماء أهل السنّة، التاسع عشر.
إنَّ معاوية بن أبي سفيان قال بوثاقة كعب هذا، وذلك «من طريق حميد بن عبدالرحمن أنّه سمع معاوية يُحدّث رهطاً من قريش بالمدينة، وذكر كعب الأحبار فقال: إن [إنّه] كان من أصدق هؤلاء المحدّثين الّذين يحدّثون عن أهل الكتاب ، وإن كنّا لنبلو مع ذلك عليه الكذب» (1).
قال الذهبي: «... العلّامة الحبر الّذي كان يهوديًّا فأسلم بعد وفاة النبيّ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ،
وقدم المدينة من اليمن في أيّام عمر، فجالس أصحاب محمّدٍ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) ، فكان
يحدّثهم عن الكتب الإسرائيليّة، ويحفظ عجائب، ويأخذ السنن عن الصحابة، وكان حسن الإسلام.... وكان خبيرًا بكتب اليهود، له ذوقُ في معرفة صحيحها من باطلها في الجملة» (2).
إلى أن يقول عن التوراة الّتي كانت عنده: «فقال كعبٌ: إنّها التوراة كما أنزله الله على موسى ما غُيّرت ولا بُدّلت، ولكن خشيتُ أن يُتَّكَل على ما فيها، ولكن قولوا : لا إله إلّا الله ولقّنوها موتاكم»(1).
ثمّ بعد نقل كلام كعب هذا يقول الذهبيّ: «وهذا القول من كعب دالٌّ على أنّ تيك النسخة ما غُيّرت ولا بُدّلت، وأنّ ما عداها بخلاف ذلك، فمن الّذي يستحلّ أن يورد اليوم من التوراة شيئًا على وجه الاحتجاج معتقدًا أنّها التوراة المنزّلة؟ كلّا والله (2).
إنّ ابن كثير في تفسير سورة النمل، وبعد أن ينقل قصّة ملكة سبإٍ مع النبيّ سليمان (علیه السّلام) ، يقول : «والأقرب في مثل هذه السياقات أنّها متلقاةٌ عن أهل الكتاب ممّا وُجد في صُحفهم، كروايات كعبٍ ووهبٍ - سامحهما الله تعالى - فيما نقلاه إلى هذه الأمّة من أخبار بني إسرائيل من الأوابد والغرائب والعجائب، ممّا كان وممّا لم يكن ، وممّا حُرّف وبُدّل ونُسخ، وقد أغنانا الله بما هو أصحّ منه وأنفع وأوضح وأبلغ، والله الحمد والمنّة (3).
أمّا المعلّق على (سير أعلام النبلاء)، وبعد أن ينقل كلام ابن كثيرٍ
يقول: «وما يحكيه كعبٌ عن الكتب القديمة فليس بحجّةٍ عند أحدٍ من أهل العلم» (1).
على الرغم من محاولة بعض علماء الرجال تقييمه على أنّه رجلٌ شيعيٌ، ولكنّه يُعدُّ من الشخصيّات غير المقبولة عند علماء الشيعة، وإليك بعض أقوال الطائفة فيه:
1 و 2 - رأي العلامة المامقانيّ(2)والمحقق التستري
قالا : قال ابن أبي الحديد: روى جماعةٌ من أهل السير أنَّ عليًّا(علیه السّلام) كان يقول في كعبٍ: إنّه الكذّاب. وكان منحرفًا عن عليٍّ(علیه السّلام) ». إلى أن يقول: «وله في مجلس عثمان مع أبي ذرٍّ مخاصمةٌ ، فقال له أبو ذرٍّ: يا بن اليهوديّة، تعلّمنا ديننا؟!». ثمّ ينقل المحقِّق التستريّ كلامًا عن الإمام الباقر (علیه السّلام) قائلًا: «ومرّ في عاصم بن عمر - خبر عن أبي جعفر(علیه السّلام) : كِذبَ كعب الأحبار»(3).
1) سير أعلام النبلاء : ج 3، ص 490 ، ترجمة كعب الأحبار، رقم 111، الهامش.
2) الجدير بالذكر أنّ العلّامة المامقانيّ قد استظهر تشيّع كعب هذا.
3) قاموس الرجال : ج 8، ص 576 ، ترجمة كعب الأحبار، رقم 6135؛ تنقيح المقال (الطبعة الحجريّة): ج 2، ص 39، باب الكاف، ترجمة كعب الأحبار ، رقم 9882 نقلاً عن شرح نهج البلاغة (لابن أبي الحديد): ج 4، ص 77، فصلٌ في ذكر المنحرفين عن عليٍّ (علیه السّلام) ؛ج 3، ص 54، ذكر المطاعن الّتي طعن بها عثمان والردّ عليها الطعن التاسع، وفيه «يا بن اليهوديّين أتعلّمنا».
ولكن عن (المناقب)، عن محمّد بن مسعودٍ أنّ عمر قال لكعبٍ: حدّثنا شيءٍ من التوراة في هذه الأمّة. فقال كعبٌ: لا يدخل الجنّة من أُمّة محمّدٍ (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) إلّا القليل الّذي أتوا بعده. فقال له عليٌّ(علیه السّلام) : ويحك يا كعب! أتدري ما قلت؟ قال: نعم. قال: ولم لا يدخلون الجنّة وهم يشهدون أن لا إله إلّا الله وأن محمّدًا (صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ )، رسوله، ويصومون ويصلّون؟ فقال: يا عليّ، إنّك لتعلم ذلك، وهو أنَّهم سيظلمون صدّيقَ هذه الأمّة وعالمَها الأكبر وخليفةَ نبيّه من بعده حقَّه، وركب حماره منطلقًا إلى قبا، فقال عمر: عهدُاللهِ عليَّ إن لم يخرج ممّا قال لأضربنَّ عنقه! إيتوني به الساعة. فلمّا جيء به وجلس عنده قال له في ذلك، فقال: كنتُ على أن أكتمه ولا أذكره، وإن أردتَ صدقتُكَ وبحتُ به. فقال: أصدقني وبُح به بيني و بينك. فقال: هو والله عليّ بن أبي طالب(علیه السّلام) . فقال عمر: كذلك، لقد ضلّت أمّة محمّدٍ(صلّی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ ) وعموا من بعده، وما حفظوا وصيّته» (1).
وقد أجاب المحقِّق التستريّ بعد نقل كلام العلّامة المامقانيّ قائلًا: «أقول :
1) قاموس الرجال : ج 8، ص 576 ، ترجمة كعب الأحبار، رقم 6135؛ تنقيح المقال (الطبعة الحجريّة) : ج 2، ص 39 ، باب الكاف، ترجمة كعب الأحبار، رقم 9882؛ العقد النضيد: ص 127 ، الحديث التسعون.
على فرض صحّة الخبر، ليس فيه أثرٌ لدفع الطعن عنه؛ لأنَّ نطقه في موضعٍ بالحقِّ - كنطق عمر بالحقِّ - بلا ثمرٍ بعد كون قوله وعمله في سائر المواضع على خلافه، وإنّما صدور مثله من مثلهما من إتمام الحجّة من الله على الناس»(1).
ولا بدَّ من الإشارة هنا إلى أنَّ هذا المطلب لم يوجد في كتاب (المناقب) الّذي بين أيدينا، والظاهر أنّ فيه نقصًا وسقطاً وحذفًا، وقد أشار العلّامة آقا بزرگ الطهراني إلى ذلك في (الذريعة) أيضًا(2).
القرآن الكريم.
نهج البلاغة.
الصحيفة السجّاديّة.
1.إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات الحرّ العامليّ، محمّد بن الحسن، (المتوفّى 1104 ه)، المطبعة العلميّة، قمّ المقدّسة.
2.الاحتجاج، الطبرسيّ، أحمد بن عليّ بن أبي طالب (المتوفّى 588 ه)، منشورات النعمان، النجف الأشرف، 1386 ه.
3.أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم المقدسيّ( المعروف بالبشاريّ المتوفّى 380 ه)، دار إحياء التراث العربيّ، بيروت، لبنان، 1408 ه.
4.الأخبار الدخيلة التستريّ، محمدتقي (المتوفّى 1416 ه)، مكتبة الصدوق، طهران، إيران، الطبعة الثانية، 1401 ه.
5.أخبار الدول وآثار الأول في التاريخ، القرمانيّ، أحمد بن يوسف (المتوفّى 1019 ه)، عالم الكتب، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1412 ه.
6.الاختصاص، المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان (المتوفّى 413 ه)، منشورات جماعة المدرّسين في الحوزة العلميّة بقمٍّ المقدّسة.
7.اختیار معرفة الرجال (المعروف برجال الكشّيّ)، الطوسيّ، محمّد بن الحسن بن عليّ (المتوفّى 460 ه)، جامعة مشهد، 1348 ه. ش.
8-إرشاد القلوب الى الصواب المنجي مَن عمل به مِن أليم العقاب، الديلميّ، الحسن بن محمّد ( المتوفّى 841 ه)، دار الأسوة للطباعة والنشر، طهران، إيران، الطبعة الثالثة، 1426ه.
9-الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، المفيد، محمّد بن محمّد بن النعمان (المتوفّى 413 ه)، مؤسّسة آل البيت (علیهم السّلام) لإحياء التراث، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1439 ه
10.الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، الطوسيّ، محمّد بن الحسن بن عليٍّ (المتوفّى 460 ه)، دار الكتب الإسلاميّة، طهران، إيران، 1390 ه.
الاستغاثة في بدع الثلاثة، الكوفيّ، أبو القاسم عليّ بن أحمد بن موسى ابن الإمام الجواد(علیه السّلام) (المتوفّى 352 ه)، منشورات الأعلميّ، طهران، إيران، 1373 ه. ش. (مكتبة النور الإلكترونيّة).
أضواءٌ على السنّة المحمّديّة أو دفاعٌ عن الحديث، أبو ريّة، محمود (المتوفّى 1385 ه)، دار الكتاب الإسلاميّ، قمّ المقدسة، الطبعة الثانية، 1428 ه.
إعلام الورى بأعلام الهدى، الطبرسيّ، الفضل بن الحسن (المتوفّى 548 ه)، مؤسسة آل البيت (علیهم السّلام) لإحياء التراث، قمّ المقدّسة، الطبعة الأولى، 1417 ه.
أعيان الشيعة، الأمين، محسنُ (المتوفّى 1371 ه)، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، لبنان.
إلزام الناصب في إثبات الحجّة الغائب الحائريّ اليزديّ، عليٌّ (المتوفّى 1333 ه)، مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات، بيروت، لبنان، 1422 ه- (تطبيق جامع الأحاديث).
إلزام النواصب بإمامة عليّ بن أبي طالب، ابن صلاحٍ البحرانيّ، مفلح بن الحسين بن راشد (من أعلام القرن التاسع الهجريّ)، تحقيق السيّد محمود الغريفيّ، دار حفظ التراث البحرانيّ، النجف الأشرف، 1424 ه.
الإمامة والتبصرة من الحيرة ابن بابويه، عليّ بن الحسين بن موسى (المتوفّى 329 ه)، مؤسّسة آل البيت (علیهم السّلام) لإحياء التراث، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1412 ه.
الانتصار، المرتضى علم الهدى، عليّ بن الحسين (المتوفّى 436 ه)، منشورات الشريف الرضيّ، قمّ المقدّسة، 1391 ه.
أنساب القرشيّين، المقدسيّ، موفّق الدين (المتوفّى 620 ه) ، عالم الكتب، مكتبة النهضة العربيّة، بيروت، لبنان.
الأنساب السمعانيّ، عبدالكريم بن محمّد (المتوفّى 562 ه)، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1408ه.
الأيام المكّيّة، الطبسيّ، نجم الدين، دار الولاء للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1423 ه.
22.الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة، الحرّ العامليّ، محمّد بن الحسن (المتوفّى 1104 ه)، دار الكتب العلميّة، قمّ المقدّسة.
الآثار الباقية عن القرون الخالية، البيرونيّ، أبو ريحان، محمّد بن أحمد (المتوفّى 440 ه)،تحقیق أحمد أيوب وطلال سالم الحديثي وغسان داود الناصير، دار العرّاب و دار نور حوران، دمشق، سوريّا، 2013 م.
الآثار الباقية عن القرون الخالية، البيروني، أبو ريحان، محمّد بن أحمد (المتوفّى 440 ه-)، تحقیق پرويز الأذكايي، منشورات ميراث مكتوب، طهران، إيران، 1380 ش.
آثار البلاد وأخبار العباد، القزوينيّ، زكريّا بن محمّدٍ (المتوفّى 682 ه)، دار صادر، بيروت، لبنان ( مكتبة النور الإلكترونيّة).
26.بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار، المجلسيّ، محمدباقر (المتوفّى 1110 ه)، مؤسّسة الوفاء، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1403 ه.
27.البداية والنهاية، ابن كثير الدمشقيّ، إسماعيل (المتوفّى 774 ه)، دار الكتب العلميّة، بیروت، لبنان، الطبعة الخامسة، 1409 ه.
28.البرهان على وجود صاحب الزمان الأمين، محسنُ (المتوفّى 1371 ه)، مكتبة نينوى الحديثة، طهران، إيران.
29.البرهان في تفسير القرآن، البحرانيّ هاشمٌ (المتوفّى 1107 ه)، مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات ،بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1427 ه.
30.البرهان في علامات مهديّ آخر الزمان، المتّقي الهنديّ، عليّ بن حسام الدين (المتوفّى 975 ه) ، منشورات شركة الرضوان، إيران، طهران.
33 -بعض مثالب النواصب في نقض بعض فضائح الروافض، الرازيّ القزوينيّ، عبد الجليل (حيُّ في 560 ه)، مؤسّسة دار الحديث، قمّ المقدّسة، الطبعة الأولى، 1391 ه-. ش.
بهجة الآمال في شرح زبدة المقال، العلياريّ ،التبريزيّ، الملّاعلي (المتوفّى 1327 ه)، مؤسّسه ی فرهنگ اسلامی کوشان پور.
البيان في أخبار صاحب الزمان، الكنجيّ الشافعيّ، محمّد بن يوسف بن محمّدٍ (المستشهد 658 ه ) ، مؤسّسة الهادي للمطبوعات، قمّ المقدّسة، 1399 ه.
تا ظهور ،طبسی نجم الدین بنیاد فرهنگی حضرت مهدی موعود(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، قمّ المقدّسة، الطبعة الأولى، 1388 ه. ش.
تاج العروس من جواهر القاموس ،الحسينيّ الزبيديّ، محمد مرتضى (المتوفّى 1305 ه)، دار الفكر ، بيروت، لبنان، 1414 ه.
38.تاج المواليد في مواليد الأئمّة ووفياتهم، الطبرسيّ، فضل بن حسن (المتوفّى 548 ه)، طبع ضمن مجموعةٍ نفيسةٍ حاويةٍ لرسائل ،شريفةٍ، منشورات مكتبة بصيرتي ، قمّ المقدّسة.
40.تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، الذهبيّ، محمّد بن أحمد بن عثمان (المتوفّى 748 ه) ، دار الكتاب العربيّ، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1422 ه.
تاريخ الأمم و الملوك (تاريخ الطبريّ)، الطبريّ، محمّد بن جريرٍ (المتوفّى 310 ه)، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1408 ه.
تاريخ الأئمّة ابن أبي الثلج البغداديّ، محمّد بن أحمد، (المتوفّى 325 ه)، طبع ضمن مجموعةٍ نفيسةٍ حاويةٍ لرسائل شريفةٍ، منشورات مكتبة بصيرتي، قمّ المقدّسة.
43.تاريخ الخلفاء، السيوطيّ ، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكرٍ (المتوفّى 911 ه)، عالم الكتب للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1423 ه.
تاريخ الغيبة الصغرى، الصدر، محمّد (الشهيد في سنة 1377 ه)، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، لبنان، 1412 ه.
تاریخ سیاسی غیبت امام دوازدهم، جاسم حسين، منشورات أمير كبير، طهران، إيران، الطبعة الثانية، 1377 ه.
تاريخ ما بعد الظهور الصدر، محمّد (الشهيد في سنة 1377 ه)، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، لبنان، 1412 ه.
تبصرة الوليّ في من رأى القائم المهديّ، البحرانيّ، هاشمٌ (المتوفّى 1107 ه)، مؤسّسة المعارف الإسلاميّة، قمّ المقدّسة، الطبعة الأولى، 1411 ه.
تدارک جنگ بزرگ (آرمگادون)، گریس هال سل، ترجمه ی خسرو اسدی.
تذكرة الخواص سبط ابن الجوزيّ (المتوفّى 654ه) ، مؤسّسة أهل البيت (علیهم السّلام) ، بيروت، لبنان، 1401 ه.
50.تذكرة الفقهاء الحلّي، الحسن بن يوسف بن المطهّر (المتوفّى 726 ه)، مؤسّسة آل البيت (علیهم السّلام) لإحياء التراث، قمّ المقدّسة، الطبعة الأولى، 1414ه.
التشريف بالمنن في التعريف بالفتن (المشتهر بالملاحم والفتن)، ابن طاووسٍ، عليّ بن موسى (المتوفّى 664 ه)، منشورات ذوي القربى، قمّ المقدّسة، الطبعة الأولى، 1435 ه.
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير الدمشقيّ، إسماعيل (المتوفّى 774 ه)، دار المعرفة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1406ه.
تفسير القمّيّ، القمّيّ، عليّ بن إبراهيم ( من أعلام القرنين الثالث والرابع)، منشورات مكتبة المهديّ، مطبعة النجف.
54.تفسير فرات الكوفي الكوفيّ، فرات بن إبراهيم بن فراتٍ (كان حيًّا سنة 307 ه)، مؤسّسة الطباعة والنشر وزارة الثقافة والإرشاد الإسلاميّ، طهران، إيران، الطبعة الثانية، 1416ه.
55.تفسير نور الثقلين، العروسيّ، عبد عليٍّ بن جمعة (المتوفّى 1112 ه ) ، دار الكتب العلميّة، قمّ المقدّسة، الطبعة الثانية.
تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، الحرّ العامليّ، محمّد بن الحسن (المتوفّى 1104 ه)، مؤسّسة آل البيت (علیهم السّلام) لإحياء التراث، قمّ المقدّسة، الطبعة الثانية، 1414 ه.
تنزيه الأنبياء، المرتضى علم الهدى، عليّ بن الحسين (المتوفّى 436 ه)، منشورات الشريف الرضيّ، قمّ المقدّسة، الطبعة الأولى، 1376 ه.
تنقيح المقال في علم الرجال المامقانيّ، عبدالله (المتوفّى 1351 ه)، الطبعة الحجريّة.
تنقيح المقال في علم الرجال، المامقانيّ، عبدالله (المتوفّى 1351 ه)، تحقيق الشيخ محيي الدين المامقانيّ، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، قمّ المقدّسة، الطبعة الأولى، 1423 ه.
تهذيب الأحكام في شرح المقنعة للشيخ المفيد، الطوسيّ، محمّد بن الحسن (المتوفّى 460 ه)، دار
الكتب الإسلاميّة طهران إيران، الطبعة الثالثة، 1364 ه- ش.
تهذيب التهذيب، ابن حجرٍ العسقلانيّ، أحمد بن عليّ (المتوفّى 582 ه)، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1404 ه.
تهذيب الكمال في أسماء الرجال، المزّيّ، أبو الحجّاج يوسف (المتوفّى 742 ه)، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1414 ه.
الثاقب في المناقب، ابن حمزة الطوسيّ، محمّد بن عليّ (الحيّ في سنة 566 ه)، منشورات أنصاريان، قمّ المقدّسة، 1419 ه.
الجزيرة الخضراء... عرضٌ ونقدٌ، الطبسيّ ، نجم الدين، مؤسّسة الإمام المهديّ الموعود (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) الثقافيّة، قمّ المقدّسة، الطبعة الأولى، 1389 ه. ش.
65.جلوه های پنهانی امام عصر علی پور، حسين، منشورات سلمان فارسی، قم، چاپ يكم، 1376 ه. ش.
جمال الأسبوع بكمال العمل المشروع، ابن طاووسٍ، عليّ بن موسى (المتوفّى 664 ه)، منشورات الرضيّ، قمّ المقدّسة، 1330 ه.
جنّات الخلود (الطبعة الحجريّة) إمامي خاتون آبادي، محمدرضا ( كان حيًّا سنة 1128 ه) مطبوعات ميرزاحسن، 1314 ه.
جنّة المأوى في ذكر من فاز بلقاء الحجّة(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، طبع في آخر الجزء 53 من (بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار) ، النوريّ، ميرزا حسين (المتوفّى 1320 ه)،
جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، النجفيّ، محمد حسن (المتوفّى 1266 ه)، دار إحياء التراث العربيّ، بيروت، لبنان، الطبعة السابعة، 1981 م.
70.حديقة الشيعة، المقدّس الأردبيليّ، أحمد بن محمّدٍ (المتوفّى 993 ه)، منشورات معارف اسلامي، طهران، إيران.
71.الحقّ المبين في تصويب المجتهدين وتخطئة الأخباريين، كاشف الغطاء، جعفر بن خضر (المتوفّى 1328 ه) ، نشر أحمد الشيرازي، طهران، إيران.
حلية الأبرار في أحوال محمّدٍ وآله الأطهار، البحرانيّ، هاشمٌ (المتوفّى 1107 ه)، مؤسّسة المعارف الإسلاميّة، قمّ المقدّسة، الطبعة الأولى، 1411 ه.
خاتمة مستدرك الوسائل، النوريّ، ميرزا حسين (المتوفّى 1320 ه)، مؤسّسة آل البيت (علیهم السّلام)
لإحياء التراث، قمّ المقدّسة، الطبعة الأولى، 1415ه.
75.خلاصة الأقوال في معرفة الرجال، العلّامة الحلّيّ، الحسن بن يوسف بن المطهّر (المتوفّى 726ه) ، نشر الفقاهة، الطبعة الأولى، 1417 ه.
76.دادگستر جهان إبراهيم الأمينيّ، منشورات الشفق، قمّ المقدّسة، الطبعة 23، 1380 ه- ش.
الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور، السيوطيّ ، جلال الدين عبدالله بن أبي بكر (المتوفّى 911 ه)، منشورات محمّد أمين دمج، بيروت، لبنان.
دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلاميّة، منتظري، حسين علي (المتوفّى 1388 ه- ش.)،
المركز العالميّ للدراسات الإسلاميّة، قمّ المقدّسة، الطبعة الأولى، 1408ه.
80.الدعوات (سلوة الحزين)، قطب الدين الراونديّ، سعيد بن هبة الله (المتوفّى 573 ه)، منشورات مدرسة الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، قمّ المقدّسة، 1407 ه.
دلائل الإمامة، الطبريّ، محمّد بن جرير بن رستم (من أعلام القرن الخامس)، منشورات الرضيّ، قمّ المقدّسة، الطبعة الثالثة، 1363 ه.
الذريعة إلى تصانيف الشيعة آقا بزرگ الطهرانيّ، محمد محسن، (المتوفّى 1389 ه)، مؤسّسة إسماعيليان للطباعة والنشر، قمّ المقدّسة.
رأس الحسين، ابن تيميّة، تقيّ الدين أحمد بن تيميّة (المتوفى 728 ه)، دار الكتاب العربيّ، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1406 ه.
رجال الطوسيّ، الطوسيّ، محمّد بن الحسن (المتوفّى 460 ه)، منشورات الحيدريّة، النجف الأشرف، الطبعة الأولى، 1381 ه.
رجال المجلسيّ ( الوجيزة في علم الرجال) المجلسيّ، محمّدباقر بن محمّدتقيّ (المتوفّى 1111 ه)،
مؤسسة الأعلميّ للمطبوعات، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1415ه.
رجال النجاشيّ، أحمد بن عليّ بن أحمد بن العبّاس (المتوفّى 450 ه)، مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين، قمّ المقدّسة، الطبعة السادسة، 1418 ه.
الرجال ابن الغضائريّ، أحمد بن الحسين بن عبيدالله (من أعلام القرن الرابع) ، مؤسّسة دار الحديث، قمّ المقدّسة، الطبعة الأولى، 1422 ه.
88.الرجال، ابن داود الحلّي، الحسن بن عليّ (المتوفّى 740 ه)، منشورات جامعة طهران، الطبعة الثانية، 1383 ه-. ش.
90 رسالة في آل أعين، الزراريّ، أبو غالب أحمد بم محمّد (المتوفّى 368 ه)، مطبعة ربّاني، 1399 ه.
91.رسالة في تواريخ النبيّ وآله التستريّ، محمّدتقي مؤسسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين، قمّ المقدّسة، الطبعة الأولى، 1423 ه- ، طبع في آخر الجزء الثاني عشر من (قاموس الرجال).
الرسائل الرجاليّة، الكلباسيّ ، محمّد بن محمّد بن إبراهيم (المتوفّى 1315 ه)، مؤسّسة دار الحديث، قمّ المقدّسة، الطبعة الأولى، 1422ه.
روضة المتّقين في شرح من لا يحضره الفقيه المجلسيّ، محمّدتقي (المتوفّى 1070 ه)، مؤسّسه ی فرهنگ اسلامی کوشان پور، المطبعة العلميّة، قمّ المقدّسة، 1399 ه.
94.روضة الواعظين، النيسابوريّ، محمّد بن الفعّال (الشهيد في سنة 508 ه)، منشورات الرضيّ، قمّ المقدّسة.
رياض العلماء وحياض الفضلاء، الأصبهانيّ، الميرزا عبدالله أفندي (من أعلام القرن الثاني عشر) ، مؤسّسة التاريخ العربيّ، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1431 ه.
السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي، ابن إدريس الحلّي، محمّد بن منصور بن أحمد (المتوفّى 598 ه)، مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين، قمّ المقدسة، الطبعة السادسة ، 1430ه.
97.سرور أهل الإيمان في علامات ظهور صاحب الزمان(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، النيليّ النجفيّ الحسينيّ، عليّ بن عبد الكريم ، (كان حيًّا سنة 803 ه)، منشورات دليل ما، قمّ المقدّسة، الطبعة الأولى، 1426 ه.
99.السلف والسلفيّون، الطبسيّ، نجم الدين منشورات الذكرى، قمّ المقدّسة، الطبعة الثالثة ، 1430ه.
سماء المقال في علم الرجال، الكلباسيّ، أبو الهدى (المتوفّى 1356 ه)، مؤسّسة وليّ العصر(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) للدراسات الإسلاميّة، قمّ المقدّسة، الطبعة الأولى، 1419 ه.
سنن ابن ماجة، القزويني، أبو عبدالله محمّد بن يزيد (المتوفّى 273 ه)، دار ابن الجوزيّ، جمهوريّة مصر العربيّة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2011 م.
سنن الترمذيّ، الترمذيّ، أبو عيسى محمّد بن عيسى بن سورة (المتوفّى 279 ه)، دار ابن الجوزيّ، جمهوريّة مصر العربيّة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2011 م.
سير أعلام النبلاء، الذهبيّ، محمّد بن أحمد بن عثمان (المتوفّى 748 ه)، مؤسّسة الرسالة، بيروت، لبنان، الطبعة الحادية عشرة، 1417 ه.
سيرة أهل البيت(علیهم السّلام) ، القرشيّ، باقر شريف، موسوعة دار المعروف للطباعة والنشر، قمّ المقدّسة، الطبعة الأولى، 1430 ه.
شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، عبد الحميد (المتوفّى 656 ه)، دار إحياء الكتب العربيّة، الطبعة الثانية، 1385 ه.
الشيعة والرجعة الطبسيّ النجفيّ، محمدرضا (المتوفّى 1405 ه)، دار الكتب العلمية، قمّ المقدّسة، الطبعة الثانية، 1395 ه.
صحيح البخاريّ، البخاريّ، محمّد بن إسماعيل (المتوفّى 256ه)، دار الآفاق العربيّة، القاهرة، الطبعة الثانية ، 1430ه.
صحیح مسلم، النيسابوريّ، مسلم بن الحجّاج (المتوفّى 261 ه)، دار المعرفة، بيروت، ،لبنان، الطبعة الثانية، 1428 ه.
الصحيح من سيرة الإمام عليٍّ (علیه السّلام)، العامليّ، جعفر مرتضى، المركز الإسلاميّ للدراسات ،بيروت، لبنان، الطبعة الثانية 1431 ه.
110.الصراط المستقيم إلى مستحقّي التقديم، العامليّ النباطيّ، عليّ بن يونس (المتوفّى 877 ه)، المكتبة الرضويّة لإحياء آثار الجعفريّة، الطبعة الأولى، 1384ه.
صراط النجاة في أجوبة الاستفتاءات (تعليق الميرزا التبريزيّ)، الخوئيّ، أبو القاسم (المتوفّى 1413ه) ، منشورات برگزیده، الطبعة الأولى، 1416 ه.
الصراع بين الإسلام والوثنيّة القصيميّ، عبدالله (المتوفّى 1416 ه)، الطبعة الثالثة، 1427ه.
الصواعق المحرقة في الردّ على أهل البدع والزندقة، ابن حجر الهيتميّ، أحمد (المتوفّى 974ه)، المكتبة العصريّة ، صيدا ، بيروت، لبنان، 1428 ه.
الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف، ابن طاووس، عليّ (المتوفّى 664 ه)، مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1420 ه.
طوالع الأنوار، الموسويّ، مهدي (من أعلام القرن الثالث عشر)، مطبعة الرشيديّة، طهران، إيران، طبع أوفسيت 1237 ه. ش.
العرف الورديّ في أخبار المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، السيوطيّ ، جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكرٍ (المتوفّى 911 ه)، المجمع العالميّ لتقريب المذاهب الإسلاميّة، طهران، إيران، الطبعة الأولى، 1427 ه.
عقد الدرر في أخبار المنتظر، المقدسيّ، يوسف بن يحيى بن عليّ بن عبد العزيز (المتوفّى في القرن السابع)، مكتبة عالم الفكر، القاهرة، الطبعة الأولى، 1399 ه.
العقد النضيد والدرّ ،الفريد القمّيّ، محمّد بن الحسن (المتوفّى في القرن السابع)، دار الحديث للطباعة والنشر، قمّ المقدّسة، الطبعة الأولى، 1423 ه.
علل الشرائع، الصدوق، محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّيّ (المتوفّى 381ه) مكتبة الداوريّ، قمّ المقدّسة.
العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، ابن الجوزيّ، عبدالرحمن بن عليّ (المتوفّى 597 ه)، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1424 ه.
عيون أخبار الرضا الصدوق، محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّيّ (المتوفّى 381ه) ، منشورات رضا مشهدي، قمّ المقدّسة، الطبعة الثانية 1363 ه. ش.
الغدير في الكتاب والسنّة والأدب، الأمينيّ، عبد الحسين أحمد (المتوفّى 1390 ه)، دار الكتاب العربيّ، بيروت، لبنان، الطبعة الرابعة، 1397 ه.
الغيبة، الطوسيّ، محمّد بن الحسن (المتوفّى 460 ه)، مؤسّسة المعارف الإسلاميّة، قمّ المقدّسة، الطبعة الأولى، 1411 ه.
الغيبة النعمانيّ، محمّد بن إبراهيم ( المتوفّى 360 ه)، مكتبة الصدوق، طهران، إيران.
الفتن، ابن حمّاد، نعيم (المتوفّى 229 ه)، منشورات مكتبة الحيدريّة، الطبعة الأولى، 1424 ه.
الفتوح، الكوفيّ، أحمد بن أعثم (المتوفّى 314 ه) ، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1406 ه.
فلاح السائل، ابن طاووسٍ، عليّ بن موسى (المتوفّى 664 ه)، منشورات مركز الإعلام الإسلاميّ، قمّ، الحوزة العلميّة.
فوائد الأصول (تقرير أبحاث آية الله النائينيّ المتوفّى 1355 ه)، الكاظميّ الخراسانيّ، محمّد عليّ (المتوفّى 1365 ه) ، منشورات مكتبة المصطفويّ، طهران، إيران.
الفوائد الحائريّة، الوحيد البهبهانيّ، محمّدباقر بن محمّد أكمل (المتوفّى 1206 ه)، مجمع الفكر الإسلاميّ، قمّ المقدّسة، الطبعة الثالثة، 1436 ه.
الفهرست، الطوسيّ، محمّد بن الحسن (المتوفّى 460 ه)، مؤسّسة نشر الفقاهة، الطبعة الثانية، 1422 ه.
في رحاب حكومة الإمام المهديّ، الطبسيّ، نجم الدين، بيروت، دار الولاية.
قاموس الرجال، التستريّ محمّدتقيّ (المتوفّى 1415ه)، مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين، قمّ المقدّسة، الطبعة الثانية، 1410 ه.
القاموس المحيط، الفيروزآباديّ، محمّد بن يعقوب (المتوفّى 817 ه)، دار الجيل، بيروت، لبنان.
قصص الأنبياء، قطب الدين الراونديّ، سعيد بن هبة الله (المتوفّى 573 ه)، مركز التحقيقات الإسلاميّة ، مشهد المقدّسة، 1409 ه.
القواعد الفقهيّة مكارم الشيرازي، ناصر ، منشورات مدرسة الإمام عليّ بن أبي طالبٍ، قمّ المقدّسة، الطبعة الخامسة، 1379 ه. ش.
الكافي في الفقه الحلبيّ، أبو الصلاح عليّ بن حسن (المتوفّى 447)، منشورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين(علیه السّلام) ، أصفهان، إيران.
الكافي، الكلينيّ، محمّد بن يعقوب (المتوفّى 329 ه)، دار الكتب الإسلاميّة، طهران، إيران، الطبعة الثالثة، 1388 ه.
كامل الزيارات، ابن قولویه، جعفر بن محمّد (المتوفّى 368 ه)، نشر الفقاهة، قمّ المقدّسة، الطبعة الخامسة، 1429ه.
كامل بهايي، الطبريّ، عماد الدين الحسن بن عليّ، مكتب مرتضوي، طهران، إيران.
الكامل في ضعفاء الرجال الجرجانيّ عبدالله بن عديٍّ (المتوفّى 365 ه)، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة 1409 ه.
كشف الأستار عن وجه الغائب عن الأبصار، النوريّ، الميرزا حسين بن محمّدتقيّ (المتوفّى 1320)، مكتبة العتبة العبّاسيّة المقدّسة، كربلاء المقدّسة، الطبعة الأولى، 1431ه.
كشف الغمّة في معرفة الأئمّة، الإربليّ، عليّ بن عيسى بن أبي الفتح (المتوفّى 692 ه)، مركز الطباعة والنشر للمجمع العلميّ لأهل البيت (علیهم السّلام)، 1426 ه.
كشف المحجّة لثمرة المهجة، ابن طاووسٍ، عليّ بن موسى (المتوفّى 664 ه)، منشورات بوستان کتاب، قمّ المقدّسة، 1375 ه. ش.
الكشف والبيان المعروف ب- "تفسير الثعلبيّ"، الثعلبيّ، أبو إسحاق أحمد (المتوفّى 427 ه)، دار إحياء التراث العربيّ، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1422 ه.
كفاية الأصول، الآخوند، محمّدكاظم الخراسانيّ (المتوفّى 1329 ه)، مؤسّسة آل البيت (علیهم السّلام) لإحياء التراث، قمّ المقدّسة، الطبعة الثانية، 1417 ه.
146 .كليّاتُ في علم الرجال، سبحاني، جعفر، مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين، قمّ المقدّسة، الطبعة الثالثة، 1416 ه.
كمال الدين وتمام النعمة، الصدوق، محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّيّ (المتوفّى 381ه)، مكتبة الصدوق، طهران، إيران، 1390 ه.
الكنى والألقاب، القمّيّ، عبّاس (المتوفّى 1359 ه) ، منشورات مكتبة الصدر، طهران، إيران، الطبعة الخامسة، 1368 ه. ش.
لسان العرب، ابن منظورٍ، محمّد بن مكرم (المتوفّى 711 ه)، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة، 1414 ه.
لسان الميزان، ابن حجر العسقلانيّ، أحمد بن عليّ (المتوفّى 852 ه)، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1416 ه.
لوامع الأنوار العرشيّة في شرح الصحيفة السجّاديّة، الموسويّ الحسينيّ، محمّدباقر (المتوفّى 1240ه)، مؤسّسة الزهراء (علیها السّلام) الثقافيّة الدراسيّة، أصفهان، إيران، الطبعة الأولى، 1425 ق.
مآثر الكبراء في تاريخ سامرّاء، المحلّاتي، ذبيح الله (المتوفّى 1406 ه)، المكتبة الحيدريّة، قمّ المقدّسة، 1384 ه. ش.
مجلة الانتظار، العدد 2، شعبان المعظّم، 1436 ه، المشرف العامّ: السيّد محمّد القبانجي، مركز الدراسات التخصّصيّة للإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، النجف الأشرف.
مجلّة الفكر الجديد، العددان 15 و 16.
155 مجلّه ى خُلُق، العددان 4 و5 ، مسئول : عبدالعلي حجتیان زاده، فروردین تا تیر، 1387 ه. ش. مؤسّسة دار المهديّ الثقافيّة، قمّ المقدّسة.
مجمع البحرين، الطريحيّ، فخر الدين (المتوفّى 1085 ه ) ، منشورات المرتضويّ، طهران، إيران، 1362 ه. ش.
مجمع البيان في تفسير القرآن، الطبرسيّ، الفضل بن الحسن (المتوفّى 548 ه)، المكتبة المرتضويّة لإحياء آثار الجعفريّة، طهران إيران، الطبعة الأولى، 1431 ه.
158.مجمع الزوائد و منبع الفوائد، الهيثميّ، عليّ بن أبي بكر (المتوفّى 807 ه)، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، 1408 ه.
مجموعة الرسائل، الصافي الگلپايگاني، لطف الله، (تطبيق مكتبة أهل البيت (علیهم السّلام) ).
مجموعة الفتاوى، ابن تيمية، أحمد (المتوفّى 728 ه)، دار الوفاء للطباعة والنشر، الطبعة الثانية، 1421ه.
مجموعة رسائل الغزاليّ، الغزاليّ، أبو حامد (المتوفّى 505 ه)، المكتبة التوفيقيّة، القاهرة، مصر.
المحاسن، البرقيّ، أحمد بن محمّد بن خالدٍ (المتوفّى 274ه)، دار الكتب الإسلاميّة، قمّ المقدّسة، الطبعة الثانية.
محاضرات بحث الخارج وتقريراته (السفيانيّ)، الطبسيّ، نجم الدين، مركز الدراسات التخصّصيّة المهدويّة، قمّ المقدّسة، الطبعة الأولى، 1394 ه. ش.
المحلّى ابن حزمٍ، عليّ بن أحمد بن سعيد (المتوفّى 456 ه)، دار الآفاق الجديدة، بيروت، لبنان
المحيط في اللغة، ابن عبادٍ، الصاحب إسماعيل (المتوفّى 385 ه)، عالم الكتب، بيروت، لبنان، 1414ه.
المختصر النافع في فقه الإماميّة، الحلّي، جعفر بن الحسن (المتوفّى 676 ه)، مكتبة المصطفويّ، قمّ المقدّسة.
مختصر بصائر الدرجات الحلّيّ، الحسن بن سليمان بن محمّد بن خالدٍ (من أعلام القرن الثامن)، دار المفيد للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1423 ه.
مختصرٌ مفيدٌ، أسئلةٌ وأجوبةٌ في الدين والعقيدة، العاملي، جعفر مرتضى، المركز الإسلاميّ للدراسات ،بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1423 ه.
مختلف الشيعة في أحكام الشريعة، الحلّي، حسن بن يوسف بن مطهّر (المتوفّى 726 ه)، مركز الأبحاث والدراسات الإسلاميّة، قمّ المقدّسة، الطبعة الأولى، 1412 ه.
مدينة معاجز الأئمّة الاثني عشر ودلائل الحجج على البشر، البحرانيّ، هاشم (المتوفّى 1107 ه)، مؤسّسة المعارف الإسلاميّة، قمّ المقدّسة، الطبعة الأولى، 1413 ه.
مراصد الاطّلاع على أسماء الأمكنة والبقاع، البغداديّ، ابن عبد الحقّ (المتوفّى 739 ه)، دار الجيل، بيروت، لبنان، 1412ه.
172.مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، المجلسيّ، محمّدباقر (المتوفّى 1111 ه)، دار الكتب الإسلاميّة، طهران، إيران، الطبعة الأولى، 1406 ه.
مروج الذهب ومعادن الجوهر، المسعوديّ، عليّ بن الحسين بن عليٍّ (المتوفّى 346 ه)، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى.
المزار الكبير ابن المشهديّ، محمّد بن جعفر (المتوفّى 610 ه)، منشورات جماعة المدرّسين، قمّ المقدّسة، 1419 ه.
المسالك ،والممالك، ابن خرداذبة، عبيدالله بن عبدالله (المتوفّى 300 ه)، دار إحياء التراث العربيّ، بيروت ،لبنان، الطبعة الأولى، 1408 ه.
مسائل وردودٌ، طبقًا لفتاوى المرجع الدينيّ السيّد أبي القاسم الخوئيّ (المتوفّى 1413 ه)، تحقيق: محمّد جواد رضي الشهابي وعبد الواحد محمّد النجار، مؤسسة العروة الوثقى، الطبعة الرابعة، 1412ه.
مؤسّسة آل البيت (علیهم السّلام) لإحياء التراث، قمّ المقدّسة، الطبعة الأولى، 1407 ه.
مستدركات علم رجال الحديث، النمازيّ الشاهروديّ، عليٌّ (المتوفّى 1405 ه)، نشر الأدب، قمّ المقدّسة، الطبعة الأولى، 1414 ه.
المسعوديّ، عليّ بن الحسين بن عليٍّ (المتوفّى 346 ه)، إثبات الوصيّة للإمام عليّ بن أبي طالب (علیه السّلام)، منشورات الرضيّ، قمّ المقدّسة، الطبعة الثانية، 1404 ه.
مسند أبي داود الطيالسيّ، سليمان بن داود بن الجارود الفارسيّ البصريّ (المتوفّى 204 ه)، دار
المعرفة، بيروت، لبنان.
مسند أحمد، ابن حنبل ، أحمد (المتوفّى 241 ه) ، دار صادر، بيروت، لبنان.
مشاهیر دانشمندان اسلام ،الرازي، محمّد، منشورات المكتبة الإسلاميّة، طهران، إيران، 1351 ه- ش.
مصباح الزائر، ابن طاووسٍ، عليّ بن موسى (المتوفّى 664 ه)، مؤسّسة آل البيت(علیهم السّلام)
لإحياء التراث، قمّ المقدّسة، الطبعة الأولى، 1417 ه.
مصباح المتهجّد، الطوسيّ، محمّد بن الحسن (المتوفّى 460 ه)، دار المرتضى، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1430 ه.
معادن الحكمة في مكاتيب الأئمّة (علیهم السّلام) ، الفيض الكاشانيّ، محمّد بن المحسن بن المرتضى مكتبة الصدوق، طهران، إيران، 1388 ه.
معالم العلماء في فهرست كتب الشيعة وأسماء المصنّفين منهم قديمًا وحديثًا، ابن شهر آشوب، محمد بن عليٍّ المتوفّى (588 ه)، منشورات مكتبة الحيدريّة، النجف الأشرف، 1380 ه.
187.معجم أحاديث الإمام المهديّ، الهيئة العلميّة في مؤسّسة المعارف الإسلاميّة، منشورات مؤسّسة المعارف الإسلاميّة، مسجد جمكران، قمّ المقدّسة، الطبعة الثانية، 1428 ه.
190.معجم المصطلحات الحديثيّة، الغوريّ، عبدالماجد ، دار ابن كثيرٍ للطباعة والنشر ، دمشق وبيروت، الطبعة الأولى، 1428ه.
معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة، الخوئيّ، أبو القاسم (المتوفّى 1413 ه)، منشورات مدينة العلم، قمّ المقدّسة.
معجم لغة الفقهاء، القلعجيّ، محمّد، دار النفائس للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1408ه-.
المغازي، الواقديّ، محمّد بن عمر بن واقدٍ، (المتوفّى 207ه)، منشورات عالم الكتب، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة، 1404 ه.
مفردات الراغب، الراغب الأصفهانيّ، حسين بن محمّدٍ (المتوفّى في حدود 425 ه)، دار المعروف للطباعة والنشر.
المقنع والغيبة، المرتضى علم الهدى، عليّ بن الحسين (المتوفّى 436 ه)، مؤسّسة آل البيت (علیهم السّلام) لإحياء التراث، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1416ه.
ملحقات إحقاق الحقّ، المرعشيّ النجفيّ، شهاب الدين (المتوفّى 1411 ه)، مكتبة آية الله المرعشيّ النجفيّ، قمّ المقدّسة، الطبعة الأولى، 1415 ه.
الملل والنحل، الشهرستانيّ، محمّد بن عبدالكريم ( المتوفّى 548 ه)، منشورات الشريف الرضيّ، قمّ المقدّسة، الطبعة الثالثة، 1364 ه. ش.
من لا يحضره الفقيه، الصدوق، محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه (المتوفّى 381ه)، دار الكتب الإسلاميّة طهران ،إيران، الطبعة الخامسة، 1390 ه.
المنار المنيف في الصحيح والضعيف، ابن قيّمٍ الجوزيّة، محمّد بن أبي بكرٍ (المتوفّى 751 ه)،
المطبوعات الإسلامية بجلب الطبعة السادسة، دار البشائر الإسلاميّة، بيروت، 1414 ه.
منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر، الصافي الگلپايگاني، لطف الله، منشورات مكتبة المرجع الدينيّ آية الله الصافي الگلپايگاني، الطبعة الثانية، 1428 ه.
منتخب الأنوار المضيئة، النيليّ، عليّ بن عبد الكريم بن عبد الحميد (حيٌّ سنة 803 ه)، مؤسّسة الإمام الهادي(علیه السّلام) ، قمّ المقدّسة، الطبعة الأولى، 1420 ه.
منتهى المقال في أحوال الرجال الحائريّ، أبو عليٍّ محمّد بن إسماعيل (المتوفّى 1216 ه)، مؤسّسة آل البيت (علیهم السّلام) لإحياء التراث، قمّ المقدّسة، الطبعة الأولى، 1416 ه.
204.منهاج السنّة النبويّة في نقض كلام الشيعة القدريّة، ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم (المتوفّى 728 ه)، مؤسّسة الريّان للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، ونشر دار الفضيلة، المملكة العربيّة السعوديّة، الرياض، 1424 ه.
منهاج الصالحين، الخوئيّ، أبو القاسم (المتوفّى 1413 ه)، المطبعة العلميّة، قمّ المقدسة، الطبعة الخامسة، 1395 ه
منهج المقال في تحقيق أحوال الرجال، الأسترآباديّ، محمّد بن عليٍّ (المتوفّى 1028 ه)، مؤسّسة آل البيت (علیهم السّلام) لإحياء التراث، قمّ المقدّسة، الطبعة الأولى، 1422 ه.
منية السائل، مجموعة فتاوى هامةٍ لآية الله السيّد أبي القاسم الخوئيّ (المتوفّى 1413 ه)، دار المجتبى، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1412 ه.
موارد السجن في النصوص والفتاوى، الطبسيّ، نجم الدين، منشورات مكتب الإعلام الإسلاميّ، قمّ المقدّسة، الطبعة الثانية، 1416ه.
موسوعة العتبات المقدّسة، الخليليّ، جعفرٌ (المتوفّى 1405 ه)، مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1407 ه.
المهذّب، الطرابلسيّ، عبد العزيز بن البرّاج (المتوفّى 481 ه)، مؤسّسة النشر الإسلاميّ لجماعة المدرّسين، قمّ المقدّسة، 1406 ه.
الميزان في تفسير القرآن، الطباطبائيّ، محمّد حسين (المتوفّى 1402 ه)، مؤسّسة الأعلميّ
للمطبوعات، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1422 ه.
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، الأتابكيّ، يوسف بن تغري بردي (المتوفّى 847 ه)، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1413 ه.
نهاية الإرب في فنون الأدب، النويريّ، أحمد بن عبد الوهّاب (المتوفّى 733 ه)، وزارة الثقافة والإرشاد القوميّ، المؤسّسة المصريّة العامّة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، القاهرة.
النهاية في الفتن والملاحم، ابن كثير الدمشقيّ، إسماعيل (المتوفّى 774 ه)، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1408 ه.
النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير الجزريّ، المبارك بن محمّد (المتوفّى 606 ه)، مؤسّسة إسماعيليان للطباعة والنشر، قمّ المقدّسة، الطبعة الرابعة، 1364 ه. ش.
النهاية في غريب الحديث والأثر ابن الأثير ، علىّ بن أبي الكرم الشيبانيّ (المتوفّى 630 ه)، دار
إحياء التراث العربيّ، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1408 ه.
النهاية في مجرّد الفقه والفتاوى، الطوسيّ، محمّد بن الحسن (المتوفّى 460 ه)، منشورات قدس محمدي، قمّ المقدّسة.
الوافي، الفيض الكاشانيّ، محسنُ (المتوفّى 1091 ه)، مكتبة الإمام أميرالمؤمنين (علیه السّلام)،
أصفهان، إيران، الطبعة الأولى، 1415 ه.
مكتبة آية الله المرعشيّ النجفيّ، قمّ المقدّسة، الطبعة الأولى، 1408 ه.
وظيفة الأنام في زمن غيبة الإمام (عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، الموسويّ الأصفهانيّ، محمّدتقيّ (المتوفّى 1348 ه)، منشورات مدرسة الإمام المهديّ(عجّل الله تعالی فرجه الشریف) ، قمّ المقدّسة، الطبعة الأولى، 1407 ه.
وفيّات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، ابن خلّكان أحمد بن محمّد بن أبي بكر (المتوفّى 681 ه، دار صادر، بیروت، لبنان، 1397 ه.
الهداية الكبرى، الخصيبيّ، الحسين بن حمدان (المتوفّى 334 ه)، مؤسّسة البلاغ للطباعة والنشر، 1419 ه.
ينابيع المودّة لذوي القربى، القندوزيّ الحنفيّ، سليمان بن إبراهيم (المتوفّى 1294 ه)، دار الأسوة للطباعة والنشر، قمّ المقدّسة، الطبعة الثانية، 1422 ه.