سیرة الحسین علیه السلام فی الحدیث و التاریخ جلد 17

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

سيرة الحسين(عليه السلام)

في الحديث والتاريخ..

السيد جعفر مرتضى العاملي

الجزء الحادي والعشرون

المركز الاسلامي للدراسات

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

الطبعة الأولى

2016م - 1437هـ

حاد

المركز الاسلامي للدراسات

لبنان - بيروت - الضاحية الجنوبية - أوّل حي ماضي بناية حجازي - ط 1 - تلفاكس: 00961.1.274519

البريد الالكتروني : alhadi@alhadi.org

المنشورات بيروت - بئر العبد - سنتر الانماء 3 - 0096170995421

محرر الرقمي: محمدرضا دهقانزاد

اشارة

جميْع الحقوق محفوظة للمؤلف

الطبعَةُ الأُوْلى

2016 م- 1437ه

المَرْكَز الإسْلامِي للدِّرَاسَات

لبنان - بيروت - الضاحية الجنوبية - أوّل حي ماضي

بناية حجازي - ط 1 - تلفاكس: 00961.1.274519

البريد الالكتروني: alhadi@alhadi.org

المنشورات: بيروت - بئر العبد - سنتر الانماء 3 - 0096170995421

سَيرَةُ الحُسَين عَلَيه السَّلام

في الحَديْث وَالتّاريخ..

السَّيّد جَعفَر مُرتَضى العَامِلي

الجزْء السَّابع عَشر

المَرْكَز الإسْلامِي للدِّرَاسَات

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

القسم الخامس:

الباب الثالث:

الحملة الأولى، والمبارزات قبلها..

الفصل الأول:

للتمهيد والبيان..

المبارزات: بأس وإقدام:

1 - عن محمّد بن قيس: لمّا رَأى أصحابُ الحُسَين «عليه السلام» أَنَّهُم قد كَثِروا، - أي أن الكثرة غلبت عليهم، وأرهقتهم - وأنَّهُم لا يَقْدِرُونَ عَلى أَن يَمنَعوا حُسَينا عليه السلام ولا أَنفُسَهُم، تَنافَسوا في أن يُقْتَلُوا بَينَ يَدَيهِ (1).

2 - عن أبي جناب: وكَثرَتِ المُبارَزَهُ يَومَئِذٍ بَينَ الفَريقين، وَالنَّصَرُ في ذلِكَ لِأصحابِ الحُسَين «عليه السلام» لِقُوَّةِ بَأْسِهِم، وأَنَّهُم مُستَميتون، لا عاصِمَ لهُم إلا سُيوفُهُم، فأشارَ بَعضُ الْأَمَراءِ عَلَى عُمَرَ بن سَعدٍ بِعَدَمِ المُبارَزَةِ (2).

وهذا المشير هو عمرو بن الحجاج «لعنه الله»، كما قرره النص التالي:


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 442 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 337 والكامل في التاريخ ج 4 ص 72 وموسوعة الإمام الحسين ج 4 ص131 عنهما، وعن: أنساب الأشراف ج 3 ص 404 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 197 والبداية والنهاية ج 8 ص 184 و (ط دار إحياء التراث) ج8 ص 200

2) البداية والنهاية ج 8 ص 182 و (ط دار إحياء التراث) ج8 ص197

3 - عن يحيى بن هاني بن عروة: صاحَ عَمرُو بنُ الحَجّاج بالنّاس [لمَّا اسْتَحَرَّ القتلُ بِجَيش عُمَرَ بن سَعدٍ]: يا حَمقى أَتَدرُونَ مَن ثقاتِلُونَ؟ فرسان المصر ، قوماً مُستَميتين، لا يَبرُزَنَّ لَهُم مِنكُم أَحَدٌ، فَإِنَّهُم قليلٌ وقلما يَبقُونَ، وَاللهِ، لو لم تَرموهم إلا بالحِجَارَةِ لقتَلتُموهُم.

فقالَ عُمَرُ بنُ سَعدٍ: صَدَقتَ، الرَّأيُّ ما رَأيتَ.

وأرسَلَ إلى النّاس يَعزِمُ عَليهِم أَلا يُبارزَ رَجُلٌ مِنكُم رَجُلاً مِنهُم (1).

4 - قِيلَ لِرَجُلٍ شَهِدَ يَومَ الطَّفِّ مَعَ عُمَرَ بن سَعدٍ: وَيْحَكَ! أَقْتَلْتُم دُرِّيَّة رَسول اللهِ «صلى الله عليه وآله»؟


1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 133 عن تاريخ الأمم والملوك جه ص 435 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 331 وأنساب الأشراف ج 3 ص 400 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 192 بزيادة «تقاتلون» والكامل في التاريخ ج 4 ص 67 وليس فيه ذيله من «فقال عمر بن سعد»، ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 15 نحوه، وبزيادة «وأهل البصائر» بعد «المصر»، والإرشاد ج 2 ص 103 وإعلام الورى ج 1 ص 462 وبحار الأنوار ج 45 ص 19 وراجع: المنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 339 وراجع مثير الأحزان ص 60 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 45 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 262 وقاموس الرجال ج 10 ص339 ونهاية الأرب ج 20 ص 448 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 286

فَقالَ: عَضَضَتُ بالجَندَل (1)إِنَّكَ لو شهدت ما شهدنا لفَعَلْتَ ما فَعَلنا، ثارَت عَلينا عِصابَة، أيديها في مقابض سيوفها، كَالأسودِ الضّارِيَةِ، تَحطِمُ الفرسان يمينا وشمالاً، وتُلقي أنفُسَها عَلى المَوتِ؛ لا تَقْبَلُ الأمان، ولا تَرغَبُ فِي المال، ولا يحولُ حَائِلٌ بَينَها وبَينَ الْوُرُودِ عَلَى حِياض المَنِيَّةِ، أو الاستيلاء عَلى المُلْكِ ؛ فلو كَفَفنا عَنها رويداً لأَتَت عَلَى نُفوس العَسكَرِ بحَذافيرِها (2)فما كُنّا فَاعِلِينَ لا أُمَّ لَكَ؟! (3).

من أسباب قوة بأس الأصحاب:

وذكر أبو جناب: أن من أسباب قوة بأس الأصحاب: أنهم أناس مستميتون، لا عاصم لهم إلا سيوفهم.

ونقول:

أولاً: هذا تعليل باطل، فإنهم يعلمون أن سيوفهم لن تمنع القتل عنهم، وقد أخبرهم الإمام الحسين «عليه السلام»: بأن الله قد أذن في قتلهم، وأنهم شهداء مكرمون..

ثانياً: إن الجمع بين قوله: إنهم مستميتون، وقوله: لا عاصم لهم إلا سيوفهم جمع بين المتناقضين فإن المستميت هو من يطلب الموت،


1) الجندل: الحجارة. راجع: لسان العرب ج 11 ص128 مادة «جندل»

2) حذافير الشيء: أعاليه ونواحيه، بحذافيره: أي بجميعه. راجع: لسان العرب ج 4 ص 177 مادة «حذفر»

3) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 3 ص 263

والذي يعتصم بسيفه ليس مستميتاً، بل هو يطلب الحياة، ويدفع الموت عن نفسه بسيفه، أو فقل: يعتمد على سيفه للحصول عليها..

ولذلك نقول:

إن سبب قوة بأسهم هو: قوة وعمق إيمانهم، وصحة يقينهم، وعدم مبالاتهم بالموت، وثقتهم بصدق وعد الله ورسوله لهم..

بالإضافة إلى شدة شوقهم إلى لقاء الله.. وحبهم لرسوله وأوصيائه، وأهل بيته، ورغبتهم في إنجاز ما يجب عليهم من جهاد في سبيل الله على أتم وجه وأوفاه..

وأين هذا مما ذكره أبو جناب؟!..

التنافس على الموت:

وليس غريباً: أن يشعر محمد بن قيس وغيره بهذا التنافس بين أصحاب الحسين «عليه السلام» على أن يقتلوا بين يديه، فإنهم يرون أن فى هذا الموت الخير العميم، والفوز العظيم، وفيه بر ومودة لنبيهم، ووفاء لإمامهم وإخلاص لأهل بيت نبيهم، وفيه حفظ للدين، وفضح للمضلين، والمبطلين، وبوار لجهد وكيد الطغاة والجبارين.

فهم يرون الحياة تتبلور في هذا الموت سعادة، وأمناً، وسلاماً وخلوداً في جنات النعيم، مع الأنبياء والمرسلين، والشهداء، والصديقين، وعباد الله الصالحين.

فلا غرو إذن: أن يبذلوا أرواحهم لنيل هذه الخيرات الحسان، وأن

يتسابقوا إليها كما قال تعالى: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) (1).

ثارت علينا عصابة:

وما ذكر في النص الأخير المتقدم، من قول ذلك الرجل: «ثارت علينا عصابة الخ..». نقول فيه:

إنه مجانب للصواب، إذ إن مسار كلامه يعطي: أنه يريد أن يخرج من دائرة الملامة والنبذ العام الذي كان يواجه به من ارتكب هذه الجريمة النكراء بأسلوب تزوير الحقائق، ما وجد إلى ذلك سبيلاً.

فهو لم يقتصر في كلامه على تبرئة نفسه، أو التخفيف من مستوى الإجرام الذي مورس في حق الإمام الحسين «عليه السلام» وأهل بيته وأصحابه بل هو يرى:

أولاً: أن الجيش كله كان معذوراً في جميع ما فعله من قبائح في حق الإمام »عليه السلام». فهو يقول لذلك الرجل: «لو شهدت ما شهدنا لفعلت ما فعلنا».

ويرى ثانياً: أن المعتدي هو الحسين «عليه السلام»، وأهل بيته وأصحابه، بل هو يشير إلى أنهم «عليهم السلام: هم الذين بدأوا الحرب على جيش عمر بن سعد، فهو يقول:

«ثارت علينا عصابة، أيديها في مقابض سيوفها كالأسود الضارية، تحطم الفرسان يميناً وشمالاً الخ..»


1) الآية 148 من سورة البقرة

ويدعي ثالثاً: أن هذه العصابة كانت ترفض الأمان الذي يعطيها إياه عمر بن سعد وجيشه وهذا كذب واضح، وتزوير فاضح، فإن ذلك الجيش كان عن بكرة أبيه مصراً على أمرين لا ثالث لهما، هما:

الأول: أسر الحسين «عليه السلام»، وتسليمه إلى عدوه ليفعل به ما يشاء.

الثاني: قتله «عليه السلام»، إن لم يستأسر لهم، وقد عرض عليهم الإمام «عليه السلام» أن يدعوه يرجع إلى محل يأمن فيه، وكرر هذا العرض، فأبوا ذلك أشد الأباء.

رابعاً: هو يدعي: أن هذه العصابة لا ترغب في المال، ليوهم الناس أنهم قد عرضوا على الحسين «عليه السلام» أموالاً ليكف ويتراجع عن مرامه، فأبى ذلك. وهذا كذب صريح، وافتراء قبيح..

خامساً: والكذبة الأخرى - وهي الأقبح - أنه يوهم الناس أن هذا الذي يفعله الحسين «عليه السلام» وأصحابه إنما يهدف إلى أحد أمرين:

•

إما الموت.

•

أو الإستيلاء على الملك.

وهذا ما لم يتفوه به الإمام الحسين «عليه السلام»، ولا أحد من أصحابه، فهو كلام مفترى جملة وتفصيلاً. وقد خاب وخسئ من نسبه إليهم، وخسر خسراناً مبيناً، وضل ضلالاً بعيداً.

ثم هو يعطي خلاصة أخيرة، فيقول: «فلو كَفَفْنا عَنْهَا رُوَيدَا لَأَتَت

عَلى نُفوس العَسكر بحذافيرها؛ فما كنّا فَاعِلِينَ لا أُمَّ لَكَ»؟!

حال الحسين «عليه السلام» وحال بعض أصحابه:

المفسر، عن أحمد بن الحسن الحسيني، عن الحسن بن علي الناصري، عن أبيه، عن أبي جعفر الثاني، عن آبائه «عليهم السلام» قال:

قال عليّ بن الحسين زين العابدين] «عليه السلام»: لمَّا اشتَدَّ الأمرُ بالحُسَين بن عَلِيٍّ بن أبي طالب «عليهما السلام»، نَظرَ إِليهِ مَن كَانَ مَعَهُ، فَإِذا هُوَ بِخِلافِهم؛ لِأَنَّهُم كُلما اشتَدَّ الأمرُ، تَغَيَّرَت ألوانُهُم، وَارتَعَدَت فَرائِصُهُم، ووَجَلت قُلُوبُهُم.

وكانَ الحُسَينُ «عليه السلام» وبَعضُ مَن مَعَهُ مِن خَصَائِصِهِ: تُشْرِقُ ألوانُهُم، وتهدأ جوارحهم، وتَسكُنُ نُفوسُهُم.

فقالَ بَعضُهُم لِبَعض: أنظروا، لا يُبالي بالمَوتِ!

فَقالَ لَهُمُ الحُسَينُ «عليه السلام»: صَبراً بَنِي الكِرامِ، فَمَا المَوتُ إلا قنطرَةٌ تَعبُرُ بِكُم عَن البُؤس وَالضَّرَّاءِ إلى الجنان الواسِعَةِ، وَالنَّعيم الدّائِمَةِ، فَأَيُّكُم يَكرَهُ أَن يَنتَقِلَ مِن سجن إلى قصرٍ؟ وما هُوَ لِأعدائِكُم إلّا كَمَن يَنتَقِلُ مِن قصر إلى سِجنٍ وعَذَابٍ.

إِنَّ أبي حَدَّتْني عَن رسول اللهِ «صلى الله عليه وآله»: إنَّ الدُّنيا سِجنُ المُؤمِن وَجَنَّهُ الكافِرِ، وَالمَوتُ حِسرُ هَؤُلاء إلى جَنَّاتِهم، وحِسرُ هؤُلاءِ

إلى جَحيمِهم. ما كَذبتُ ولا كَذِبتُ (1).

ونقول:

المفسر الإسترآبادي:

قد يقال: إن هذه الرواية ضعيفة بمحمد بن القاسم المفسر الإسترآبادي، الذي ضعفه ابن الغضائري، وتابعه العلامة الحلي، واعتبره السيد الخوئي مجهول الحال (2).

لكننا ذكرنا في الجزء الأول من كتابنا: «الإعتماد، في مسائل التقليد والاجتهاد» ص 207 و 208: أن الشهيد الثاني في إجازته الكبيرة للشيخ حسين بن عبد الصمد، إختار السند الذي ينتهي إلى المفسر الإسترابادي، معتبراً إياه أعلى ما اشتملت عليه الطرق (3).

وذكر نحو هذا أيضاً: المحقق الكركي في إجازته للقاضي صفي الدين عيسى (4).


1) راجع: بحار الأنوار ج 44 ص 297 وج 6 ص 154 ومعاني الأخبار ص 288 وعلل الشرايع ج 1 ص229 والإعتقادات في دين الإمامية ص 52

2) معجم رجال الحديث ج 17 ص 155

3) مستدرك الوسائل (ط حجرية) الخاتمة ج 3 ص 622 و (ط سنة 1416هـ) ج 5 ص190 وبحار الأنوار ج 105 ص 169 ورسائل الشهيد الثاني (ط.ج) ج 2 ص 1138 وحقائق الإيمان ص 266

4) راجع: بحار الأنوار ج 5 ص 78 و 79 ومستدرك الوسائل (ط حجرية) الخاتمة ج 3 ص 262 و (ط سنة 1416هـ) ج 5 ص 190

وقال المحدث النوري: إن هذا التفسير (أعني تفسير العسكري) عنده في غاية الاعتبار (1)، مع أن المفسر الإسترآبادي واقع في السند إليه.

وهناك نصوص أخرى تفيد في إيضاح هذا الأمر ، فراجع (2).

رهبة الموت:

وقد يقال أيضاً: إنه يفهم من هذه الرواية: أن قسماً من أصحاب الحسين «عليه السلام» كانت ترتعد فرائصهم خوفاً من العدو، وهذا من الجبن الذي لا ينسجم مع النصوص التي تظهر أنهم كانوا في غاية الشجاعة، ورباطة الجأش.

ويمكن أن يجاب:

أولاً: بأن ما ورد فى حق أصحابه «عليه السلام» مما دل على شجاعتهم الفائقة يقتصر فيه على مورده، وعلى الأشخاص المعنيين به، فلا يمنع ذلك من أن يكون في جملة الباقين من أصحابه شخص أو بضعة أشخاص كانوا خائفين وجلين من الموت، فإن للموت رهبته، فكيف إذا اكتنفته هذه الأهوال، وكان بهذه الطرق الصعبة؟!


1) مستدرك الوسائل (ط حجرية) الخاتمة ج 3 ص 262 و (ط سنة 1416هـ) ج 5 ص 190 و 192

2) راجع: روضة المتقين ج 14 ص 250 وشرح من لا يحضره الفقيه (فارسي) ج 5 ص 142 و 213 وبحار الأنوار ج 1 ص28

والخلاصة: أن هذا الوجل، وتغير الألوان لا يعني أن ثمة خللاً في قرارهم، ووهناض في عزيمتهم، وجبنا عن مواصلة الحرب، نشأ عن هذا الخوف.. بل هم على ما هم عليه من القوة والشجاعة والعزيمة.

أما القول: بأن من الممكن أن يكون بعض الخدم والموالي، الذين لم يكن في نيتهم القتال هم الذين خافوا. فهو احتمال لا شاهد له ولا دليل عليه لأن الحديث كان عن أصحاب الحسين الذين كانوا بصدد القتال..

ثانياً: قد يكون قوله «عليه السلام»: «صَبراً بَنِي الكِرامِ، فَمَا المَوتُ إلا قنطرة». موجهاً إلى خصوص أصحابه الذين هم على بصيرة من أمرهم، وذلك يعني: أن للحديث المذكور معنى معقولاً، لا يتنافى مع الشجاعة، إذ لا يرتاب أحد فى ثبات وشجاعة الخلَّص من أصحاب الحسين «عليه السلام». فكأنه قال لهم: واصلوا صبركم هذا، ولا تهنوا، ولا تنكلوا وأنتم الأعلون.

فتكون هذه الكلمة منه لهم بمثابة طلب الاستمرار على الطريقة التي هم عليها، وعدم التراخي، أو السماح لأي وجل بأن يتسرب إلى قلوبهم ويخل بعزائمهم، ويزعزع قرارهم..

كما أن هذا الخطاب صالح لأن يوجه للفريق الذي ظهرت عليه آثار الوجل، فهو يطلب منهم مواصلة الصبر الذي ظهر منهم، وأن لا يدعوا الوجل يؤثر عليهم..

انظروا لا يبالي بالموت:

يبدو: أن قول بعض أصحاب الإمام «عليه السلام»: انظروا لا يبالي بالموت. لو اقتصر الأمر عليه، لأوهم أمراً لا يريد الإمام «عليه السلام» لأحد أن يتوهمه، حيث قد يفهم منه:

1 - أن عدم المبالاة بالموت يختص به «عليه السلام».

2 - أن هذا الأمر قد يكون لأجل خصوصية بالإمام، اقتضاها مقام الإمامة.

وهذا يعني: أن ما يفترض أنه شجاعة فيه «عليه السلام»، أو في أصحابه ليس دقيقاً، أو ليس صحيحاً.

فجاء تعقيب الإمام «عليه السلام» على كلام هذا البعض من أصحابه، ليدل على خطأ هذا الفهم من جهتين:

أولاهما: أن نفس الرواية قد صرحت بما يدل على أن عدم المبالاة بالموت لا يختص بالإمام «عليه السلام»، بل ظهر لهم هذا الأمر فيه وفي بعض أصحابه. ومن المعلوم: أن أياً من أصحابه ليست له صفة الإمامة، ليقال: إنها هي التي اقتضت هذه الخصوصية فيه.

الثانية: أن هذا الذي قاله الإمام «عليه السلام» لهم قد أوضح أن الأمر لا يستند إلى خصوصية اقتضاها مقام الإمامة، بل هو نتيجة الفهم الصحيح للأمور، وإعطاء هذا الفهم مجاله في مقام العمل والممارسة.

وهذا الفهم يقوم على أسس إيمانية متينة وراسخة، لاعتماده على

التصديق العميق لآيات القرآن، ولما جاء به الرسول، والتفاعل معه بإخلاص وصدق، فإن آيات الكتاب وكلمات الرسول، قد أوضحت دور وحقيقة الدنيا وأثرها في الحياة الآخرة.. وأن الدنيا بالنسبة للمؤمن الصادق، والعامل بما يرضى الله، والمصدق لما أخبر به الله ورسوله يدرك أنه بالموت ينتقل من البؤس والضراء إلى الجنان الواسعة والنعم الدائمة، وليس في البشر أحد يكره بأن ينتقل من سجن إلى قصر. وهذا دليل على أن ما يرونه ليس نتيجة خصوصية اقتضاها مقام الإمامة..

ولأجل ذلك كان الموت بالنسبة لبعضهم فوزا، أو أحلى من العسل..

أما غير المؤمن، فإنه بسبب الاختلال في هذه النظرة، وفقدان هذا الفهم، وبسبب فقده التصديق بما قاله الله ورسوله، أصبح يرى أن غاية ما لديه، ويتحتم عليه السعي إليه، والحصول عليه، هو هذه الدنيا المليئة بالشرور والأوبئة، وبالآلام والكوارث والأحزان، ويرى أن الخروج منها خروج من قصر إلى سجن، كما قال «عليه السلام».. ولا أحد من الناس يختار السجن على القصر.

فظهر: أن نظرة المؤمنين الصحيحة، والراسخة، تدعوهم إلى الصبر على بعض الآلام التي تصيبهم في عملية خروجهم من هذا السجن للحصول على الجنان الواسعة، والنعم الدائمة.

فليس ما يرونه فيه «عليه السلام» وفي بعض أصحابه عدم مبالاة

بالموت - بل هو صبر وثبات في مكابدة الآلام - ينتهي أمد الحاجة إليه حين يتم اجتياز القنطرة التي هي الموت.

ثم طبق «عليه السلام» لهم حديث رسول الله «صلى الله عليه وآله»: «الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر» على المورد، فزاد الأمر به وضوحاً.

ومن شأن هذا البيان الحسيني: أن يزيد في وعي أولئك الأصحاب، وأن ينيلهم مثوبة صبرهم على الآلام، وعلى البؤس والضراء بصورة أتم وأوفى، وأعذب ، وأصفى . حيث يزداد شوقهم إلى جنات النعيم، ويتضاعف صبرهم وإصرارهم على الحصول على الزلفي عند الرب العظيم والرحيم، وعلى المقام الكريم..

أكلتني السباع حياً إن فارقتك:

1 - عن الأسود بن قيس العَبْدِي: قيلَ لِمُحَمَّدِ بن بَشير الحَضْرَمِي: قد أُسِرَ ابنُكَ بثغرِ الرَّيِّ.

قالَ: عِندَ اللهِ أَحتَسِبُهُ ونَفسي، ما كُنتُ ُأحِبُّ أن يُؤسَرَ، ولا أن أبقى بَعدَهُ.

فَسَمِعَ الحُسَينُ «عليه السلام» قوله، فقالَ لَهُ: رَحِمَكَ اللَّهُ أَنتَ فِي حِلٌّ مِن بَيعَتي، فاعمَل فِي فِكاكِ ابنِكَ.

قالَ: أكلتني السِّباعُ حَيّا إن فارقتُكَ.

قالَ: فَأَعطِ ابنَكَ هَذِهِ الأثوابَ البُرودَ ، يَستَعينُ بها في فِدَاء أَخِيهِ..

فأعطاهُ خَمسة أثواب، ثمنُها ألف دينار (1).

2 - وعند أبي الفرج: فَقالَ لهُ الحُسَينُ «عليه السلام»: إُنصَرِف وأنتَ في حِلٌّ مِن بَيعَتي، وأنَا أعطيكَ فِداءَ ابنِكَ.

فَقالَ: هَيهاتَ أن أفارقِكَ، ثُمَّ أسألَ الرُّكبانَ عَن خَبَرِكَ! لا يَكونُ وَاللَّهِ هذا أبَدأ، ولا أُفارِقُكَ.

ثُمَّ حَمَلَ عَلى القَومِ، فَقاتَلَ حَتَّى قُتِلَ رَحمَهُ اللهِ عَليهِ ورضوانه (2).

ونقول:

قد يقول قائل: كيف يقول الإمام الحسين «عليه السلام» للحضرمي انصرف، فأنت في حل من بيعتي، مع أنه كان في ليلة العاشر قد أخبر الذين كانوا معه بأنهم سوف يقتلون كلهم في اليوم


1) الملهوف ص 153 و 154 و (نشر أنوار الهدى) ص57 ومثير الأحزان ص 53 و 54 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2529 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 244 وبحار الأنوار ج 45 ص 70 وج 98 ص 272 وج 44 ص 394 والطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 468 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 71 وتهذيب الكمال ج 6 ص 407 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 182 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 221 وراجع: مقاتل الطالبيين ص 116 و (ط أخرى) ص 78 وإبصار العين ص173 وشرح إحقاق الحق (الملحقتات) ج 27 ص 125

2) مقاتل الطالبيين ص 116 و (ط أخرى) ص 78

التالي، والمفروض: أن الحضرمي كان في جملة الحاضرين، والمشمولين لهذا الكلام، فلماذا تدخل الإمام الحسين «عليه السلام» هنا على هذا النحو، ألا يثير تدخله هذا الشبهة؟!

ونجيب:

بأن كلام محمد بن بشير الحضرمي قد يوهم: أنه بعد أن عرف بأسر ولده قد يئس من الحياة، فهو يريد أن يقاتل، أو فقل: هو يسعى ليقتل، لأنه لا يريد البقاء بعد موت ولده فلم يعد جهاده في سبيل الله، ودفاعاً عن الإمام الحسين «عليه السلام»، أو لحفظ الدين..

فلكي يزيل الإمام الحسين هذا التوهم كان لا بد أن يتدخل، وبالطريقة التي حصلت بالذات، فهو:

أولاً: أراد أن يسمع الناس من فم محمد بن بشير الحضرمي نفسه ما يدل على أن هذا التوهم باطل في حقه، جملة وتفصيلاً.

ويلاحظ: أنه «عليه السلام» قد قدم له عرضاً يرضي وجدانه، وعرضاً آخر يلبي نداء عاطفته.

فأما الذي يرضي وجدانه، فهو أنه قد أحله من بيعته، لكي لا يتوهم متوهم أيضاً: أن الحضرمي لم يرض بمفارقته لأن في عنقه بيعة له، وذمته مشغولة بها.

وأما الذي يلبي نداء عاطفته، فهو أن مفارقته للحسين «عليه السلام» تجعله قادراً على فكاك ابنه من الأسر ، وقد ظهر أنه كان يحبه إلى حد أنه لا يحب البقاء بعده، لكن جوابه الحاسم والحازم:

«أكلتني السباع حياً إن فارقتك». قد أزال كل ريب وشبهة، وأعاد الأمور إلى نصابها.

ثانياً: قد يظن ظان: أن من الجائز أن يكون إصراره على البقاء ليقتل، كان لأجل أن إحلاله من البيعة، وسعيه في فكاك ولده لا يبدد حالة اليأس التي هيمنت عليه، فلعله كان يعلم أنه غير قادر على فكاك ولده، لعدم توفر الأموال اللازمة لذلك..

فبادر الإمام إلى بذل الأموال التي يحتاجها لإنجاز هذا الأمر.. ولكن قد بقي الإصرار والالتزام بالقرار، لأنه من الأبرار الأخيار.

آخر أدعية الإمام «عليه السلام»:

عن أبي عبد الله الحسين بن علي بن سفيان البزوفري: آخِرُ دُعاءٍ دَعا بِهِ [الإمامُ الحُسَينُ] «عليه السلام» يَومَ كوثِرَ:

اللهُمَّ [أنتَ] مُتَعالِي المَكان عَظيمُ الجَبَرُوتِ، شَديدُ المِحال، غَنِيٌّ عَن الخَلائِقِ ، عَرِيضُ الكِبرياء، قادِرٌ عَلى ما تَشاءُ، قريبُ الرَّحمَةِ، صادِقُ الوَعدِ، سابعُ النّعمَةِ، حَسَنُ البَلاءِ، قريبٌ إِذا دُعيت، مُحِيطٌ بِما خَلقت، قابِلُ التّوبَةِ لِمَن تَابَ إِليكَ، قادِرٌ عَلى ما أردت، ومُدرك ما طلبت ، وشكورٌ إذا شكرت، وذكورٌ إذا ذُكِرت.

أدعوكَ مُحتاجاً، وأرغَبُ إِليكَ فقيراً، وأفزَعْ إِليكَ خائِفاً، وأبكي إليك مكروباً، وأستَعينُ بكَ ضعيفاً، وأتَوَكَّلُ عَليكَ كافياً.

أحكُم بَينَنا وبَينَ قومنا، فَإِنَّهُم غَرَّونا، وخَدَعونا، وخَدَلونا، وغَدَروا بنا وقتلونا.

ونَحنُ عِتْرَة نَبِيِّكَ، ووُلدُ حَبِيبِكَ مُحَمَّدِ بن عَبدِ اللَّهِ «صلى الله عليه وآله» الَّذِي اصطفَيتَهُ بالرِّسالةِ، وَائتَمَنتَهُ عَلى وَحيكَ، فَاجعَل لنا مِن أمرِنا فَرَجاً ومَخرَجاً ، برَحمَتِكَ يا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ (1).

ونقول:

المحال: الكيد ، وقيل: المكر، وقيل: القوة والشدة.

كوثر: - بالبناء للمجهول -: تكاثر عليه الناس.

نظرة عامة في هذا الدعاء:

1 – يلاحظ: أن هذا الدعاء ذا لغة سهلة ومفهومة لكل من قرأه. ويمتاز أيضا بقصر جمله، وبأنها قابلة للحفظ والاحتفاظ بما فيها من إشارات ودلالات مختلفة ومطلوبة..

2 - يلاحظ أيضاً: أن الأوصاف التي خاطب الإمام «عليه السلام» بها ربه، وأسبغها عليه، ونسب مضامينها إليه قد جاءت متوافقة مع الحالة التي يعيشها الإمام «عليه السلام» في تلك اللحظات..

ويمكن تقسيمها إلى قسمين:

أولهما: الصفات التي تناسب ما يتوخاه «عليه السلام» من أنواع التصرفات العقابية الإلهية لمن يرتكب أمثال هذه الجرائم الكبيرة


1) مصباح المتهجد ص 827 والمزار الكبير ص 399 والإقبال ج3 ص 304 والمصباح للكفعمي ص 720 والبلد الأمين ص 185 وبحار الأنوار ج 98 ص 348

والخطيرة. وذلك من قبيل ما يختزن معاني العلو والعظمة، والقدرة، والجبروت، والهيمنة، والشدة، والغنى، والكبرياء، والعلم، والإحاطة، وأنه مريد، ومدرك لما طلب الخ..

الثاني: الصفات التي تناسب حال المظلوم والخائف، والباكي، والمستعين، والضعيف، والداعي، والمحتاج، كوصفه تعالى: بأنه قريب الرحمة، صادق الوعد، سابغ النعم، قريب إذا دعي، شكور لمن شكره، ذكور لمن ذكره.

3 - إنه «عليه السلام» حتى في هذه اللحظة الأخيرة، ومن خلال دعائه هذا، يحاول أن يلوّح لهؤلاء العاصين: بأن الفرصة لا تزال سانحة أمامهم للتوبة. وهذا يدل على أنه «عليه السلام» يريد أن يستنفذ جميع الوسائل والفرص التي لو استفاد منها أولئك الطغاة لكانت لهم السعادة في الدنيا والآخرة، وبدون ذلك يكونون قد باؤوا بغضب من الله، ولهم عذاب أليم.

4 - بالنسبة لقوله «عليه السلام»: «اللهم أنت متعالي المكان» نقول:

إن هذه الكلمة لا تعني: أن لله تعالى مكاناً، كما هو الحال بالنسبة للأجسام. ليعترض عليه بأن هذا من التجسيم الباطل، بل المراد: أن عظمته ومنزلته وموقعه تعالى في القدرة والجبروت، والعلم، والرحمة، والعظمة، والإحاطة، والغنى، في كل جميل وجليل و.. و.. و.. أنه تعالى في ذلك كله في موقع لا تدركه العقول، ولا تبلغه الأوهام، بل كلما انتهى الخلق إلى شيء من عظمته، ومن علو شأنه

ومنزلته يتناءى عنهم، ويتباعد عن إدراك أفهامهم، حيث تنكشف لهم آفاق أرحب، ويظهر لهم مدى لا يتناهى، ولا يبارى ولا يجارى، فهو في تعالٍ مستمر. كما قال الإمام الحسين «عليه السلام»..

وبذلك يظهر: أنه لا حاجة للقول بأن كلمة «عن» قد سقطت من العبارة سهواً من النشاخ، أو الرواة، وأن الأصل هو «متعال عن المكان».

ويشهد لما نقول: أن التعبير الوارد هنا في هذا الدعاء قد ورد في دعاء آخر، يذكر في القنوتات المطوّلة، ويعرف بدعاء السامري، فقد وردت فيه عبارة «متعالي المكان» أيضاً، فراجع (1).

يبكون، ويدْعُون، ولا ينصرون:

عن سعد بن عبيدة: إن أشياخاً من أهل الكوفة لوقوفٌ على التل يبكون، ويقولون: اللهم أنزل نصرك.

قال: قلت: يا أعداء الله! ألا تنزلون فتنصرونه (2).

ونقول:

قد لا يصدق كثير من الناس هذا النص، لأنه مما تمجه الأسماع، وتأباه الطباع، ويأنف منه كل من يملك ذرة من عقل، أو أثارة من


1) مهج الدعوات ص 329 وبحار الأنوار ج 82 ص 272

2) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 392 و (ط الأعلمي) ج4 ص295 وأنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج 3 ص 225

وجدان وضمير. بل إن الكثيرين من الناس قد يعتبرونه من المزاح السمج والممجوج، الرامي إلى تسخيف عقول الأشياخ من أهل الكوفة، وهم يكونون في العادة أهل السن والتجربة كما هو المفروض، فإذا كان هذا حال هؤلاء، فما بالك بعقول الناشئة، والشباب المتهور فيها.

بل قد يرى البعض من الذين يزعمون - خطأ -: أن شيعة أهل الكوفة هم قتلة الحسين «عليه السلام»: أن الهدف من إشاعة أمثال هذه الأمور هو السخرية بالشيعة، وبيان مدى الإسفاف والتفاهة التي تهيمن على تفكيرهم. وبهذه العقلية، وهذا التفكير اختاروا مذهبهم.

على أن البعض قد يظن: بأن هذا النص مستوحى من الكلمة الشهيرة التي تنسب إلى أبي هريرة، حين سئل عن علي ومعاوية، فقال: الصلاة خلف علي «عليه السلام» أقوم (أو أتم) والطعام عند معاوية أدسم، والجلوس على التل (الرابية) أسلم (1).


1) راجع: السيرة الحلبية ص 397 و (ط دار المعرفة) ج 3 ص 367 والإيضاح لابن شاذان ص 537 وربيع الأبرار للزمخشري، وروض الأخيار (المنتخب من ربيع الأبرار) ص 122 ومستدرك سفينة البحار ج 10 ص 530 وأبو هريرة للسيد شرف الدين ص 207 والكنى والألقاب ج 1 ص 180 وشذرات الذهب ج 1 ص 64 وثمار القلوب في المضاف والمنسوب (ط سنة 1326 هـ) ص 86 و 87 و (ط سنة 1384هـ) ص 111 و 112

أما نحن، فنقول:

إننا لا نظن أن هؤلاء الأشياخ كانوا يبكون على الحسين، ويدعون الله تعالى بأن ينزل نصره عليه، فإنهم إذا كانوا ممن كتب إليه يستغيثه، فلماذا تركوه، وجاؤا في جيش عمر بن سعد الحربه.. وإذا كانوا قد جاؤوا لحربه، ويريدون المشاركة في قتله، فلماذا يبكون ويدعون له؟!

وإذا كانوا على التل، فكيف رآهم سعد بن عبيدة، ولم يرهم سائر الجيش؟! ولماذا لم يصل الخبر إلى ابن سعد، ويرسل إليهم من يأتي بهم إليه ليحاسبهم ويعاقبهم؟!

وإذا كان سعد بن عبيدة يعتبر هؤلاء الأشياخ أعداء له، لعدم نصرهم الحسين، فلماذا لم نر سعد بن عبيدة نفسه في جملة أنصاره «عليه السلام» ومن المستشهدين بين يديه «صلوات الله وسلامه عليه»؟!

النصر رفرف على رأس الحسين «عليه السلام»:

عن الإمام الباقر «عليه السلام»، قال: أنزل الله تعالى النصر على الحسين «عليه السلام»، حتى كان ما بين السماء والأرض، ثم خيّر النصر، أو لقاء الله، فاختار لقاء الله (1).


1) الكافي ج 1 ص 260 و 465 ومرآة العقول ج 3 ص 128 و 368 والوافي ج 3 ص 59 وروضة المتقين ج 5 ص 384 والدرر النجفية للبحراني ج 1 ص 412 و تاريخ آل زرارة ص 124

وقال السيد ابن طاووس: لما التقى الحسين «عليه السلام»، وعمر بن سعد «لعنه الله»، وقامت الحرب، أنزل النصر حتى رفرف على رأس الحسين «عليه السلام»، ثم خُيّر بين النصر على أعدائه، وبين لقاء الله تعالى، فاختار لقاء الله تعالى (1).

ونقول:

1 - إن أول ما تدل عليه هذه الروايات :هو : أن الحسين «عليه السلام» لم يكن مكرهاً على هذا الموقف، بل هو الذي اختار مواصلة الحرب حتى الشهادة.

2 - إن هذا التخيير ليس فيه المساواة بين المعصية، والطاعة، بل هو من الرفق الإلهي به «عليه السلام»، وليظهر فضله «عليه السلام» على سائر الشهداء في سعيه إلى الشهادة مختاراً. وقد رفع عنه الإلزام، وأبدله الله تعالى بالرخصة.

3 - إنه «عليه السلام» لو اختار النصر لحصل عليه، وغاية ما هناك: أن لا يكون هو «عليه السلام» سيد الشهداء، وأن لا يصل أصحابه إلى درجة السيادة بين سائر الشهداء أيضاً..


1) الملهوف ص 44 و (نشر أنوار الهدى) ص 61 عن معالم الدين للنرسي، وبحار الأنوار ج 45 ص 12 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 256 ولواعج الأشجان ص 137 والمجالس الفاخرة ص234

أما العقوبة على ترك الجهاد، فهي مرفوعة بتبديل الإلزام إلى الرخصة امتناناً من الله تعالى عليه، وحباً له، وليظهر فضله «عليه السلام» في هذه الأمة.

4 - إن هذا ربما دل أيضاً على أن إنزال النصر، أو التخيير بينه وبين لقاء الله إنما يكون بعد شروع الحرب، فلعلهم استحقوا هذا التخفيف من الإلزام بالقتال حتى الاستشهاد، مكافأة لهم على ذلك الإقدام الذي لا نظير له.

يضاف إلى ذلك: أن الله تعالى أراد أن ينيلهم ثواب اختيارهم الخيار الأصعب وترجيحه على الأخف.

5 - إن هذا التخيير يدل على أن هناك صلة للأئمة مع الله تعالى، يتمكنون من خلالها أن يعرفوا ما يريده الله تعالى منهم، مما هو من قبيل الأمور التي لم يسبق أن أظهرها الله تعالى.. ويتم ذلك من دون أن توجب هذه الصلة لهم «عليهم السلام» درجة النبوة مثلا، ولو بأن تتحقق الصلة من خلال حديث الملائكة لهم «عليهم السلام» عما يجدونه في لوح المحو الإثبات. أي من دون أن يكون على نحو إرسال الله تعالى الملك له «عليه السلام» برسالة منه تعالى.. لأن هذا ربما كان من الوحي الذي يعطي صفة النبوة التي لا تكون لأحد من الناس بعد نبينا «صلى الله عليه وآله»، فإنه خاتم النبيين.

6 - لا تناقض بين الرواية الأولى المتقدمة التي تقول: إن الله أنزل النصر حتى كان بين السماء والأرض، وبين قول الرواية

الثانية: أنزل النصر حتى رفرف على رأس الحسين «عليه السلام»، فإن النصر حين رفرف على رأس الحسين، إنما كان بين السماء والأرض أيضاً.. على أن هذه الكلمة ليست بصدد بيان القرب والبعد المكاني، بل هي كناية عن بلوغه درجة التحقق والحصول.

7 – الظاهر: أن المراد بإنزال النصر هو إنزال قضائه الإلهي، الذي ينتج عنه تبديل الحكم الإلزامي بالرخصة، ثم تهيئة الوسائل والأدوات التي تصنع النصر..

سلام الوداع

1 - قال ابن شهر آشوب: كان كل من أراد الخروج ودع الحسين «عليه السلام»، وقال: السلام عليك يا ابن رسول الله. فيجيبه: وعليك السلام، ونحن خلفك، ويقرأ: (فمِنْهُمْ مَنْ َقضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ) (1)..

أضاف الخورازمي قوله: ثم يحمل فيقتل، حتى قتلوا عن آخرهم «رضوان الله عليهم». ولم يبق مع الحسين إلا أهل بيته (2).


1) الآية 23 من سورة الأحزاب

2) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 25 وبحار الأنوار ج 45 ص 31 و 15 وراجع ص 15 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 275 وراجع ص258 ولواعج الأشجان ص 168 وأعيان الشيعة ج 1 ص 607 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 100 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 250

2 - عن محمد بن قيس: أنه «عليه السلام» أتاه أصحابه مثنى وفرادى يقاتلون بين يديه وهو يدعو لهم، ويقول: جزاكم الله أحسن جزاء المتقين.

فجعلوا يسلمون على الحسين عليه السلام»، ويقاتلون، حتى يقتلوا (1).

ونقول:

1 - ما أروع أن يغمر الإنسان شعور بالسلام والأمن في اللحظات التي يواجه فيها الموت المحتم، لأن هذه اللحظة هي أصعب ما يواجهه الإنسان، لأنه لم يختبر ما بعد تلك اللحظة، ولا عرف بوسائله الحسية شيئاً عن حاله ومآله فيها ، فهو بحاجة ماسة إلى السلام في هذه اللحظة، لحظة الموت.

ولأجل ذلك أيضاً وجدنا أن الإنسان يحتاج إلى هذا السلام في لحظة ولادته، وخروجه من عالم الأرحام إلى عالم جديد، لا يعرف شيئاً عنه، ولا يستطيع أن يحدد فيه مسيره ومصيره.

ويحتاج إليه أيضاً يوم يبعث حياً، حيث تقوم الساعة، ويخرج من قبره يحمل ثقله الذي جمعه في حياته الدنيا على ظهره.

ولذلك قال عيسى «عليه السلام» حين ولادته: (وَالسَّلامُ عَليَّ يَوْمَ


1) البداية والنهاية ج 8 ص 185 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 200

وُلِدْتُ وَيَوْمَ أمُوتُ وَيَوْمَ أبْعَثُ حَيًّا) (1).

2 - إن جواب الإمام «عليه السلام» على سلام الوداع له من أصحابه قد تضمن قراءة الآية الشريفة: فمِنْهُمْ) مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنتَظِرُ) (2).

وهذا يشير إلى أن ما يجري عليه وعلى أصحابه ليس فقط يضعف عزيمتهم، بل هو قد قوَّاها ورسَّخها ، ومنحها من الشواهد والدلائل والمحفزات ما جعل مواصلة الجهاد فرضاً محتماً، وبنحو آكد، وأشد، فليطمئنوا.

ولأجل ذلك نشهد لكل فرد فردٍ من هؤلاء الصفوة، ونقول: أشهَدُ أَنَّكَ لَمْ تَهِلْ وَلَمْ تَنكُلْ .. ونقول : لمْ تُؤثِرْ عَمَّى عَلَى هُدًى وَلَمْ تَمِلْ مِنْ حَقِّ إِلى بَاطِلٍ.

بنو هاشم تأخروا في المبارزات:

سيأتي: أن قسماً من أصحاب الإمام «عليه السلام» قد قتلوا في الحملات، وأن حوالي أربعين منهم قد استشهدوا بالمبارزات.. أما بنو هاشم، فقد قال الخورازمي وغيره عن الأصحاب: «قتلوا عن آخرهم «رضوان الله عليهم»، ولم يبق مع الحسين إلا أهل بيته» (3). فهذه


1) الآية 33 من سورة مريم

2) الآية 23 من سورة الأحزاب

3) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 25 وبحار الأنوار ج 45 ص 31 وراجع ص 15 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 275 وراجع ص258 ولواعج الأشجان ص 168 وأعيان الشيعة ج 1 ص 607 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 100 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 250

الكلمة تدل على أن مشاركتهم في المبارزات قد تأخرت إلى ما بعد مبارزات الأصحاب، ربما لأن كل همهم «رضوان الله تعالى عليهم» كان منصبا على حفظ وحراسة شخص الإمام «عليه السلام» من أن يناله أحد بسوء في وقت مبكر، فتفشل الخطة التي كان «عليه السلام» يريد أن يفرضها على الأعداء في مسار المعركة.

فيرد هنا سؤال هو: أننا نعلم: أن النبي «صلى الله عليه وآله» كان يقدِّم أهل بيته في الحروب، ويعرِّضهم للأخطار، ليحفظ غيرهم بهم، ويكفي أن نذكر من دلائل ذلك:

1 - أنه قد برز يوم بدر ثلاثة من المشركين، هم: عتبة، وشيبة، والوليد، وطلبوا المبارزة، فبرز إليهم ثلاثة من الأنصار، فأرجعهم النبي «صلى الله عليه وآله»، لأنه كره أن تكون البدأة بالأنصار (1)، وندب إليهم: عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وحمزة، وعلياً «عليهم السلام».

2 - قال علي أمير المؤمنين «عليه السلام» عن النبي «صلى الله


1) تفسير القمي ج 1 ص 264 وبحار الأنوار ج 19 ص313 و 253 وسعد السعود ص 102 والتفسير الصافي ج 2 ص 280 ونور الثقلين (تفسير) ج 2 ص 130

عليه وآله»: إنه »كان إذا حضر البأس، ودعيت نزال، قدَّم أهل بيته، فوقى بهم أصحابه، فقتل عبيدة يوم بدر، وحمزة يوم أحد، وجعفر يوم مؤتة الخ..» (1).

3 - كان المسلمون قد اتقوا المشركين يوم بدر برسول الله «صلی الله عليه وآله» وكان أشد الناس بأساً، وما كان أحد أقرب إلى المشركين منه (2).

4 - تقول السيدة الزهراء «عليهاالسلام» في خطبتها الاحتجاجية على أبي بكر، وجمع من المهاجرين والأنصار وغيرهم - تقول - عن


1) راجع: أنساب الأشراف ج 2 ص 81 و (ط الأعلمي) ص 281 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 15 ص 77 وصفين للمنقري ص 90 والعقد الفريد ج4 ص 336 والمناقب للخوارزمي ص 176 ونهج البلاغة ج3 ص10 و 11 وراجع مصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج 4 ص 31 وبحار الأنوار ج 33 ص 112 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 1 ص 360 ونهج السعادة ج 4 ص 180

2) راجع: تاريخ الأمم والملوك (ط الإعلمي) ج 2 ص 135 والسيرة الحلبية ج 2 ص 123 و (ط دار المعرفة) ج 2 ص 342 و 412 والبداية والنهاية ج 6 ص 37 و (ط دار إحياء التراث العربي - بيروت) ج 6 ص 42 وتاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 14 وسبل الهدى والرشاد ج 7 ص 46 وحياة الصحابة ج 2 ص 677 عن البيهقي وأحمد وراجع مكارم الأخلاق للطبرسي ص 18 وبحار الأنوار ج 16 ص 232 ونظم درر السمطين ص 62 والمحجة البيضاء ج 4 ص 150

رسول الله «صلى الله عليه وآله»:

كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله، أو نجم قرن للشيطان، وفغرت فاغرة للمشركين قذف أخاه في لهواتها، فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه، ويخمد لهبها بسيفه.

(إلى أن تقول:) وأنتم في رفاهية من العيش، وادعون، فاكهون، آمنون، تتربصون بنا الدوائر، وتتوكفون الأخبار، وتنكصون عند النزال، وتفرون عند القتال (1).

5 - استمرت سياسة تقديم بني هاشم في الحروب في عهد أمير المؤمنين «عليه السلام» أيضاً ، فقد شارك الحسنان في حرب الجمل، فكانا قائدين للميمنة والميسرة. وكان أخوهما محمد هو حامل الراية في تلك الحرب. وقد أمره أبوه: أن يتقدم على الأسنة كما هو معلوم (2).


1) بحار الأنوار (ط دار التراث العربي سنة 1429 هـ ق) ج 29 ص 74 و 75 و 79) و (ط دار الرضا) ج 29 ص 224 والإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 262 و 263 و (ط دار النعمان) ج 1 ص 136 وبلاغات النساء ص 13 - 20 واللمعة البيضاء للتبريزي ص 622 ودلائل الإمامة ص 114 و 115 والطرائف لابن طاووس ص 264 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 16 ص 249 وقاموس الرجال ج 12 ص 316 و 317 ومناقب علي بن أبي طالب لابن مردويه ص 201 وكشف الغمة ج 2 ص 111 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 1 ص 155

2) راجع: الصحيح من سيرة الإمام علي ج 31 ص 259 و 261 و 293 وج 32 ص 103 و 104. وراجع: الجمل للمفيد ص 360 و (ط الداوري) ص 191 وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب ج5 ص234 وقال في هامشه: وراجع تاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 514 والكامل في التاريخ ج 2 ص 339 والبداية والنهاية ج 7 ص 243 والأخبار الطوال ص 149 ومروج الذهب ج 2 ص 375

وفي حرب صفين، كان أبناء علي «عليه السلام» وأهل بيته قادة لأكثر الكتائب تعرضاً للأخطار، فقد ذكر ابن أعثم الكوفي: أن الحسن والحسين «عليهما السلام»، وهما سبطا النبي «صلى الله عليه وآله» كانا على خيل الميمنة.

وكان على رجالتها عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ومسلم بن عقيل بن أبي طالب.

وعلى خيل الميسرة محمد ابن الحنفية، ومحمد بن أبي بكر.

وعلى خيل القلب عبد الله بن العباس، والعباس بن ربيعة بن الحارث (1).

وعند المنقري: أن ابن عباس كان على ميسرة علي «عليه السلام» في صفين (2).


1) الفتوح لابن أعثم ج 3 ص 31 - 33 و (ط دار الأضواء) ج 3 ص 24 و 25 وبحار الأنوار ج 32 ص 573 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج2 ص 352 عنه

2) صفين للمنقري ص 204 - 208

إذن!! فلماذا كانت سياسة الحسين «عليه السلام» يوم عاشوراء هي: أن يتقدم أصحابه للاستشهاد بين يديه، وأن يبقى أهل بيته إلى ما بعد استشهاد الأصحاب؟ ثم يحتفظ هو بنفسه إلى ما بعد استشهاد أصحابه وأهل بيته، ليكون ويكونوا آخر من يستشهد؟!

ويمكن أن يجاب بما يلي:

1 - إن لحركة الإمام الحسين «عليه السلام» خصوصية فريدة تمتاز بها، وهي: أنها ستبقى مشعل هداية للحق وللخير للبشرية كلها، عبر الأجيال إلى يوم القيامة، فكان لا بد من رسم فصولها الهادية بأناة ودقة، لكي تعكس المعاني التي يريد الأعداء طمسها، ويريد الحسين «عليه السلام» إشهارها وتسليط الأضواء عليها، لتستفاد منها الفكرة والعبرة بسهولة ووضوح يصل بها إلى حدّ البداهة، والضرورة، فلا تحتاج إلى أية مقدمات اعتقادية، ولا إيمانية، ولا غيرها، لتيسير فهمها، والتفاعل معها، لتلج إلى القلوب والعقول، وتنفذ إلى أعماق المشاعر والأحاسيس.

بل هي كالماء الزلال الذي يستسيغه كل متعطش للحق، وينتعش به كل محب للحياة الكريمة: عالماً كان أو جاهلاً كبيراً أو صغيراً، غنياً أو فقيراً، مؤمناً أو كافراً، عربي اللغة والأصل والانتماء أو غير عربي، ذكراً كان أم أنثى، وغير ذلك.

وهذا يحتم: أن تبقى العناصر التي تحفظ مسار هذه الحركة المباركة، وتشد الأنظار إليها لحظة بلحظة، ومن ألفها إلى يائها على

ما هي عليه من الفاعلية والحيوية .. التأثير ..

2 - لو أن الإمام «عليه السلام» سمح لأهل بيته بالمشاركة بالمبارزات، وقتلوا فيها، في وقت مبكر، وفي خضم الهيجان والعشوائية، لضاعت معظم المعاني، واللمحات المؤثرة.

يضاف إلى ذلك أن كونهم ذرية رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وأقرب الناس إليه، هو من العوامل المهمة التي من شأنها أن تثير الاهتمام لدى جميع الناس، ليعرف المؤمن وغير المؤمن، والمسلم والكافر، والقريب والبعيد كيف عامل هؤلاء القوم ذرية نبيهم.

وليروا لدى هؤلاء الصفوة السلوك الصحيح والدقيق، والمتوافق مع الأخلاق والقيم، ومع الشرع والدين، ويثير لديهم الأسئلة الكثيرة، عن أسباب هذا الحقد الذي يطفح على سلوك هذا الجيش الذي جاء لحربهم، وعن الأهداف القصوى من ارتكاب هذه الجرائم، وعن التكوين العاطفي لهذا الجيش الحاقد، وعن سلامة مشاعر عناصره، وحقيقة أخلاقهم، وعن صدق إيمانهم، وصحة إسلامهم، وعن مستقبل الأمة معهم، وعن آثار أفعالهم وغير ذلك مما يعجز القلم عن تتبعه، واستحضاره.

كما أنهم سوف يطرحون الأسئلة الكثيرة حول كل كلمة يقولها الحسين «عليه السلام» وأصحابه وأهل بيته، وعن كل حركة، وكل موقف، وعما ترمي إليه احتجاجاتهم، وعن مضامين أشعارهم وأرجازهم، وعن مستوى إخلاصهم وحبهم الله ولرسوله ولأهل بيته، وعن كل لفتة، وبسمة، وعن سبب تصديقهم العميق لكل ما جاءهم عن الله ورسوله،

وما يقوله الأئمة الطاهرون، وعن هذا اليقين الذي يسكن قلوبهم بالآخرة ونعيمها، وعن دوافع تخليهم عن هذه الدنيا ولذاتها، واشتياقهم إلى دار لم يروها، ولم يجربوها، وعن وضوح الرؤية لديهم، وعن التربية التي أوصلتهم إلى هذه المستويات الرفيعة في الأخلاق، والمشاعر الصافية، والعواطف الصادقة، والملكات الرضية، وعما لديهم من المعارف، وعن هذا الوعي الرائد، والشعور بالمسؤولية، والتنكر للذات، والفناء في حب الله، وحب رسوله، وحب الخير، إلى غير ذلك مما لا مجال لجمع أطرافه، وإحصاء أحواله وأوصافه..

3 - كما أن بقاء الرمز الأعظم والأقدس، وهو الإمام الحسين «عليه السلام» إلى اللحظات الأخيرة من شأنه أن يضبط إيقاع حركة الحرب، وفق ما يريده «عليه السلام»، ولو أنه «عليه السلام» تعرض المكروه في وسط المعمعة، لقتل باقي أصحابه وأهل بيته بصورة ستكون غامضة، حيث سيختلط الحابل بالنابل وتضييع الحقيقة، أو تكون كإبرة سقطت في أكوام من التبن.

ولكانت الفرصة مؤاتية للعدو لإطلاق الشائعات، وتشويه الحقائق، وإفراغ حركته «عليه السلام» من مضمونها التغييري والإصلاحي. ويحولها إلى مجرد جهد ضائع كالبرق اللامع، والخادع..

وقال بعض الإخوة الأكارم:

ليس من البعيد: أن يكون أحد أسباب تأخر بني هاشم إصرار الأصحاب والأنصار على أن يكونوا هم المتقدمين، حتى يعذروا إلى الله

ورسوله في الدفاع عن آل محمد «عليهم السلام»، ولكي يتموا الحجة على الجيش المقابل في أدائهم مهمتهم على أكمل وجه، أنه لم يصل إلى آل البيت حتى صرع الأصحاب جميعاً. ولعل المتتبع في الكلمات يجد ما يدل على ذلك.

ولعل أحاديث «بلوت أصحابك» - إن صحت - وتداعي الأصحاب الطمأنة بنات الوحي، ونحو ذلك مما يشهد لهذا المعنى.. انتهى.

الفصل الثاني:

مبارزات في الحملة الأولى..

مالك أو أنس الكاهلي:

قالوا :

1 - ثمَّ خَرَجَ أَنَسُ بنُ الحارِثِ الكاهِلِيُّ وَهُوَ يَقُولُ:

قد عَلِمَت كاهِلنا وذودان *** وَالخِندِفِيّونَ وقيسُ غَيلان

بأنَّ قومي آفة لِلأقرانِ *** يا قومِ كونوا كَاسودِ خَقان (1)

وَاستَقبلُوا القومَ بضَربِ الآن *** آلُ عَلِيٌّ شيعَة الرَّحمان

وآلُ حَربٍ شيعة الشيطان (2)

2- عن عبد الله بن منصور، عن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين، عن أبيه، عن جدّه [زين العابدين] «عليهم السلام»: بَرَزَ ... مالِكُ بنُ أنَسِ الكاهِلِيُّ، وهُوَ يَقولُ:


1) خفان: موضع قرب الكوفة. وهو مأسدة. أي مكان تصادف فيه الأسود

2) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 159 و 160 عن مثير الأحزان ص63 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 46 و 47 وبحار الأنوار ج 45 ص24 نحوه، وفيه «مالك بن أنس المالكي»؛ والفتوح لابن أعثم ج ص 107 وفيه «مالك بن أنس الباهلي»، ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 18 وفيه «مالك بن أنس الكاهلي»، وكلاهما نحوه

قد عَلِمَت كاهِلُها ودودان *** وَالخِندِفِيّون وقيسُ عَيلان

بأنَّ قومى قصَمُ (1)الأقران *** يا قوم كونوا كَأسودِ الجانِ

آلُ عَلِيٌّ شيعَة الرَّحمان *** وآلُ حَربٍ شيعَة الشَّيطان

فَقَتَلَ مِنهُم ثَمَانِيَة عَشَرَ رَجُلاً، ثمَّ قُتِلَ رضوانُ اللهِ عَليهِ (2).

ونقول:

الإختلاف في الأسماء:

اختلفوا في اسم هذا الرجل، فهل هو: أنس بن الحارث الكاهلي، كما في كثير من المصادر، أو أنس بن كاهل الأسدي (3)، أو أنس بن هزلة (4)، أو مالك بن أنس الكاهلي، كما في الرواية عن الإمام الصادق «عليه السلام».


1) القَسَمُ: الذي يحطّم ما لقي. راجع: الصحاح ج 5 ص 2013 مادة «قصم»

2) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 160 عن الأمالي للصدوق ص224 ح 239 وروضة الواعظين ص 206 من دون إسنادٍ إلى أحدٍ من أهل البيت «عليهم السلام»، ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 102 وليس فيه من «قد علمت إلى «الجان»، وفيه «أربعة عشر» بدل «ثمانية عشر»، وبحار الأنوار ج 44 ص 320 ح 1 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 169

3) راجع زيارة الناحية، والزيارة الرجبية

4) أسد الغابة ج 1 ص 288 و 301 و (ط دار الكتاب العربي) ج 1 ص123 و 132 والإصابة ج 1 ص 281

وهل هو المالكي، أو الكاهلي، أو الأسدي؟!

الذين قتلهم الكاهلي:

1 - اختلفت الكلمات في عدد من قتلهم أنس بن الحارث الكاهلي.. فقد ذكرت الرواية عن الإمام الصادق «عليه السلام»: أنه قتل ثمانية عشر رجلا (1).

لكن ابن شهر آشوب يقول: إنه قتل أربعة عشر رجلاً (2).

2 - وكان مسناً، بدليل أنهم يذكرون أنه كان صحابياً (3)، وقد روى حديثاً عن رسول الله «صلى الله عليه وآله»، يذكر فيه استشهاد الإمام الحسين «عليه السلام» في كربلاء (4).


1) الأمالي للصدوق ص 225 المجلس رقم 30 وفي روضة الواعظين ص187 وبحار الأنوار ج 44 ص 320 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 169: مالك بن أنس الكاهلي

2) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 202 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 251

3) ذكر في جملة الصحابة في الإصابة ج 1 ص 270 و 693 وأسد الغابة ج1 ص 288 و 301 و (ط دار الكتاب العربي) ج 1 ص 123 و 132 ورجال الطوسي ص 21 والأمالي للشجري ج 1 ص 171 والحدائق الوردية ج1 ص 121 ومستدركات علم رجال الحديث ج 1 ص 701 وإبصار العين ص 99. وراجع مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 159 وذخائر العقبي ص 146

4) تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 223 و 224 والإصابة ج 1 ص 270 و وأسد الغابة ج 1 ص 123 والبداية والنهاية ج 8 ص 199 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 217 وإمتاع الأسماع ج 12 ص 240 وج 14 ص 148 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 348 و 349 والخصائص ص348 الكبرى ج 2 ص 125 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 75 وينابيع المودة ج 3 ص 8 و 52 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص122 ص8 وبحار الأنوار ج 18 ص 141

للتصحيح والترجيح:

ونشير هنا أيضاً إلى ما يلي:

1 - عيلان، في قوله: قيس عيلان بالعين المهملة، لا بالغين المعجمة.

2 – خفان: موضع قرب الكوفة، مأسدة، أي تكون فيه الأسود. وهي المقصود في الشعر. وأما أسود الجان، فيبعد أن تكون مرادة هنا، إلا إذا كان رحمه الله» قد كرر هذا الرجز أكثر من مرة في حالة القتال. فكان مرة يقول: خفان، وأخرى يقول الجان، ليدل على سرعة حركتهم، وعدم القدرة على الظفر بهم، وعلى شدة بأسهم، وخطورة بطشهم في الحرب.

الكاهلي يمدح قومه، لا نفسه:

وقد رأينا: أن الكاهلي قد أثنى في هذا الشعر على قومه، ونوه بما عرف عنهم، من شدة ومهارة الحروب.. ولم يشر إلى نفسه بشيء..

فقد يقال في توجيه ذلك:

1 - إنه لم يشأ أن يصف نفسه بشيء، تحاشياً لأي شعور ولو بذرة من غرور غير محبب قد يراود نفسه.

2 - إنه أراد أن يهول على الأعداء بما هو معلوم لديهم، وشجاعة قومه إذا كانت أمراً مفروغاً عنه، فإن الأثر المطلوب لكلامه هذا سوف يتحقق.

3 - لو أنه أثنى على نفسه، فإن من الجائز:

أولاً: أن ينكر الأعداء عليه ذلك، ولا يعترفون له به.

ثانياً: لو صدقوه فيما يقول عن نفسه - مع أنه قد لا يكون معروفاً بهذا الأمر عندهم - فلعلهم لا يهتمون له كثيراً ، استناداً إلى أن الكثرة الكاثرة تغلب الشجاعة عادة.

4 - والأهم من هذا وذاك أن كلامه عن عشيرته وقومه بهذه الطريقة التي استشهد فيها على صحة ما يقوله بعلم سائر القبائل، وتسليمهم به، كأنه يريد به تحذيرهم من أن قتل أبنائهم سيجر إلى تلك القبائل، وهذا سوف يكلف من يتسبب به الكثير من العداوة مع العناء والبلاء..

ولعل هذا ما رمى إليه بقوله: يا قوم كونوا كأسود خفان. فإن قومه لم يكونوا حاضرين في واقعة كربلاء ليثير حماسهم بكلامه هذا.. وإن وجود بضعة أفراد منهم فيها لا يبرر هذا الخطاب لقومه كلهم..

إلا أن يقال: إنه لا يريد بقومه خصوص عشيرة كاهل، بل يريد بهم جميع أصحاب الإمام الحسين «عليه السلام» من أي عشيرة كانوا.

ويمكن تأييد هذا الاحتمال بقوله: واستقبلوا القوم بضرب الآن. حسب رواية ابن نما فى مثير الأحزان.

آل علي «عليه السلام» وآل حرب:

وقد ذكر الكاهلي في رجزه: أن آل علي شيعة الرحمان، وآل حرب شيعة الشيطان، فدل بذلك على:

1 - أن الكثرة الكاثرة من آل علي «عليه السلام» كانوا أهل دين، والتزام بالأحكام، وبالهدى الإلهي، وهم أنصار الله، وشيعته وحزبه المفلحون. والشاذ منهم عن سبيل الرشاد، وعن هذا النهج، إما لا يوجد، أو هو في غاية الندرة.

وعلى العكس من ذلك كان بنو حرب، فإن الكثرة الكاثرة منهم كانوا أنصار الباطل، وحزب الشيطان، والشاذ منهم عن سبيل الغي، إما غير موجود، أو هو في غاية الندرة، ولذلك كانوا الشجرة الملعونة في القرآن.

2 - إن هذا يدل على أن هذا الأمر كان شائعاً وظاهراً لكل أحد، ويعرفه ولا ينكره القريب ولا البعيد، فكل تجاهل له يشبه ما تفعله النعامة التي تدفن رأسها في الرمال لكي لا يراها الصياد..

أبو الشعثاء الكندي:

وذكروا أبا الشعثاء الكندي في أول من قتل يوم عاشوراء.

1 - فعن فضيل بن خديج الكندي: أنَّ يَزِيدَ بنَ زِيادٍ وهُوَ أَبُو الشعثاءِ الكِندِيُّ مِن بَني بَهدَلة، جَنَّا عَلى رُكَبَتَيهِ بَينَ يَدَيِ الحُسَين «عليه السلام»، قرمى بمِئَةِ سَهمٍ ما سقط مِنها خَمسَهُ أسهُمٍ، وكانَ رامِياً، فَكانَ كُلما رَمَى قَالَ:

أنَا ابْنُ بَهدَلة *** فرسَان العَرجَلة

ويَقولُ حُسَينٌ «عليه السلام»: اللهُمَّ سَدّد رَميَتَهُ، وَاجْعَل ثوابَهُ الجَنَّة.

فَلمّا رَمى بها قامَ، فَقالَ : ما سَقط مِنها إِلَّا خَمْسَةٌ أَسهُم، وَلَقَد تَبَيَّنَ لي أنّي قد قتَلتُ خَمسَة نَفَرٍ، وكانِ في أوَّل مَن قُتِلَ..

وَكَانَ رَجَزْهُ يَومَئِذٍ:

أَنَا يَزيدُ وأبي مُهَاصِرُ *** أشْجَعُ مِنْ لَيْثٍ بِغيلِ خَادِرُ

يَا رَبِّ إِنِّي لِلحُسَينِ نَاصِرُ *** ولِابْن سَعدٍ تَارِكٌ وهَاجِرُ

وكَانَ يَزيدُ بنُ زيادِ بن المُهاصِرٍ مِمَّن خَرَجَ مَعَ عُمَرَ بن سَعِدٍ إِلَى الحُسَين «عليه السلام».

فلمّا رَدُّوا الشروط عَلى الحُسَين «عليه السلام»، مالَ إِليهِ فَقاتَلَ

مَعَهُ حَتَّى قُتِلَ (1).

2 - ذكر البلاذري نحو ما تقدم، لكنه قال: إنه رمى ثمانية أسهم، أصاب بهم خمسة نفر، فقتلهم (2).

3 - ذكر ابن أعثم الرجز المتقدم، وزاد فيه قوله:

وابْنُ زِيَادٍ خَاذِلٌ وَغادِرُ *** وللأعَادِي مُبْغِضُ وَنَافِرُ

وكُلُّهُمْ إلى الجَحِيْم صَائِر (3).

4 - ذكر في رواية الشيخ الصدوق عن الإمام الصادق «عليه السلام» بيتي الرجز المتقدمين، ثم قال: فقتل منهم تسعة، ثم قتل رضوان


1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 256 عن تاريخ الأمم والملوك ج5 ص 445 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 339 و 340 والكامل في التاريخ ج 4 ص 73 نحوه وفيه يزيد بن أبي زياد»، وليس فيه الأبيات، والبداية والنهاية ج 8 ص 185 و (ط دار إحياء التراث العربي ج8 ص 201 نحوه، وليس فيه ذيله من «وكان يزيد بن زياد». وراجع الرجز في: مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 25 و 19 و راجع: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 103 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 252 وقاموس الرجال ج 11 ص 101 وإبصار العين ص 172

2) أنساب الأشراف ج 3 ص 405 و (ط دار التعارف للمطبوعات) ج3 ص 197

3) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص108

الله تعالى عليه (1).

5 - وقال ابن نما: خرج يزيد بن المهاجر، فقتل خمسة من أصحاب عمر بالنشاب، وصار مع الحسين وهو يقول:

أَنا يَزيدُ وَأبى المُهَاجِرُ *** الخ..

ثم قال: وكان يكنى أبا الشعثاء، من بني بهدلة من كندة (2).

العرجلة: القطيع من الخيل.

الغيل: شجر ملتف يستتر به.

الأسد الخادر: إذا كان في خدره.

ونقول:

إختلاف الأسماء:

لا حاجة إلى ذكر الاختلاف في الإسم هل هو يزيد بن زياد بن المهاجر، أو ابن أبي زياد، أو ابن المهاجر، أو يزيد بن زيد بن المهاصر، أو يزيد بن مهاجر الجعفي، أو زائدة بن مهاجر، أو زياد بن المهاصر، أو أبو الشعثاء الكندي، أو زائدة بن المهاجر، أو ابن المظاهر؟!


1) الأمالي للصدوق، المجلس 30 ص 225 وبحار الأنوار ج 44 ص 320 وروضة الواعظين ص 206 و منشورات الشريف الرضي ص 186 والعوالم الإمام الحسين ص 170

2) مثير الأحزان ص 61 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 46 وبحار الأنوار ج 45 ص30 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 274

وهل هو الكندي، أو الكناني، أو الجعفي، وغير ذلك؟!

ويلاحظ: أنه تارة ينسب إلى أبيه، وينسب تارة أخرى إلى جده، وتارة يذكر باسمه، وأخرى بكنيته.

هذا، فضلاً عن كثرة التصحيف في الأسماء.

هل التحق بالحسين يوم العاشر؟!:

ذكر الطبري في النص المتقدم: أن يزيد بن زياد التحق بعسكر الحسين «عليه السلام» في اليوم العاشر من المحرم.

وقال ابن الأثير : .. وكان في من خرج مع ابن سعد (1).

وقد نوقش ذلك بما يلي:

قال العلامة التستري: إن هذا الكلام ينافي قول الطبري نفسه: إنه قد تصدى بالمحاججة لرسول عبيد الله بن زياد الذي أرسله إلى الحر، حيث قال له: عصيت ربك، وأطعت إمامك فيما جئت به.. إلى أن قال له: قال عز وجل: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ) (2)، فهو إمامك (3).

فإن قيل: إن مما يؤيد القول بأنه كان مع ابن سعد، ثم تركه والتحق بالحسين «عليه السلام» قوله في رجزه المتقدم:


1) الكامل في التاريخ ج 4 ص 73

2) الآية 41 من سورة القصص

3) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 408 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 309

يَا رَبِّ إِنِّي لِلْحُسَيْنِ نَاصِرُ *** ولابْن سَعْدٍ تَارِكٌ وَهَاجِرُ

فإنه يجاب: بأن هذا الكلام يصدق على جميع أصحاب الحسين «عليه السلام» أيضاً ، فإنهم كلهم للحسين ناصرون، ولابن سعد تاركون، وهاجرون، فلا دلالة فيه على أنه كان مع ابن سعد إلى اليوم العاشر، ثم التحق بالحسين «عليه السلام». انتهى كلام التستري بتصرف وتلخيص (1).

في أول من قتل؟!:

تقدم قول الطبري عن يزيد بن زياد: «وكان في أول من قتل».

وقال ابن الأثير: «كان أول من قتل» (2).

وذكرت رواية الصدوق عن الإمام الصادق «عليه السلام» مبارزة يزيد هذا بعد مبارزة أنس بن الحارث الكاهلي (3). أما ابن شهر آشوب، فقد ذكر مبارزته بعد مبارزة أنيس بن معقل الأصبحي (4).


1) راجع: كلام التستري في قاموس الرجال ج 11 ص 102

2) الكامل في التاريخ ج 4 ص 73. وراجع: قاموس الرجال ج 11 ص 101

3) الأمالي للصدوق، المجلس 30 ص 224 وبحار الأنوار ج 44 ص 320 وروضة الواعظين ص 206 و منشورات الشريف الرضي ص187 والعوالم الإمام الحسين ص 169 وراجع مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 23

4) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 103 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 252

رد الشروط على الحسين «عليه السلام»:

وتقدم: أن أبا الشعثاء كان في جيش ابن سعد، فلما ردوا الشروط على الإمام، ترك جيش ابن سعد والتحق بالإمام..

والمقصود برد الشروط: أنهم لم يرضوا منه «عليه السلام» بأن يرجع، بل أصروا على قتله أو أسره، وتسليمه إلى ابن سعد.. وليس المقصود بالشروط : أنه عرض عليهم أن يضع يده بيد يزيد، فإن ذلك كذب بلا ريب.

اللهم سدد رميته:

وتقدم: أن الإمام «عليه السلام» كان كلما رمى أبو الشعثاء سهما، قال: اللهم سدد رميته فرمى بمئة سهم ما سقط منهم خمسة..

ونقول:

1 - قد يشك الباحث في صحة قولهم: إن بعض أسهم أبي الشعثاء لم تصب هدفها، غير أننا لا نقنع هنا بهذا المقدار، بل نقول:

إن ذلك مرفوض جملة وتفصيلاً، حتى بالنسبة لسهم واحد. لأن دعاء الإمام مستجاب بلا ريب. ولا يصح أي كلام بخلاف هذا. ولو تبين للناس أن بعض أدعيته «عليه السلام» تكون بلا ثمرة لشكوا في ثبوت مقام الإمامة له «عليه السلام».

وقد يقال في تقريب هذا الأمر: إن الإمام لا يدعو ولا يطلب من الله إلا ما يعرف أنه تعالى يحب أن يعطيه لعبده.. ولكن هذا العطاء مرهون

بأسبابه، التي منها الدعاء.

إلا أن يُدَّعى: أن الإمام «عليه السلام» قد أخطأ في ذلك، فتوهم رضا الله في شيء، وهو في الحقيقة ليس مرضياً له تعالى، وهذا أمر لا يجوز أن يُتوهم في حق الأنبياء والأوصياء..

وإما أن يكون مرضياً لله تعالى ولكن الله تعالى أراد إظهار فشل هذا الداعي في دعائه. مع أن هذا الداعي هو أحب الخلق إليه، فيكون دعاؤه «عليه السلام» من موجبات الحرمان من المطلوب، وبدل أن يكون من أسباب حصوله يصير من أسباب الحرمان منه، وبدل أن يكون الإمام رحمة للناس، ومن أسباب قضاء حاجاتهم، يصبح سبباً في خيبة آمالهم، وفي تعبهم وشقائهم، وحرمانهم مما كان الله يريد أن يمنحهم إياه، وهذا غير معقول، ولا مقبول.

إلا أن يكون المراد: أن أبا الشعثاء «رحمه الله» كان يسدد سهمه، ويكون تسديده صحيحاً، ولكن الخلل يأتي من غير جهة التسديد، إذ ربما كانت بعض السهام غير محكمة الصنع، أو ربما عرضت لها ريح أمالتها عن هدفها، أو أن الهدف تحرك من مكانه حين إطلاق السهم، أو نحو ذلك فكانت تطيش السهام عن مرماها، لأجل هذه الأسباب الخارجة عن إرادة الرامي، وهو أمر لا ينافي دعاء الإمام الحسين «عليه السلام»، لأن مضمون الدعاء قد تحقق، والتسديد قد حصل.. لولا عروض المانع في بعض الرميات اليسيرة جداً.

إلا أن يقال: إن الله تعالى إذا استجاب دعاء الإمام، فلا بد من إصابة السهم للهدف، ولا يمنعه شيء عن ذلك، لا ريح، ولا غيرها.

وهذا يبقى موضع نقاش، ويحتاج إلى تأمل..

ولولا ظهور النص : بأنه «عليه السلام» كان كلما رمى يقول: اللهم سدد رميته، لقلنا: إنه ليس بالضرورة أن يكون الإمام الحسين «عليه «السلام» قد أتبع جميع رميات أبي الشعثاء بدعائه، فلعل السهام التي أصابت الهدف هي التي صاحبها دعاؤه «عليه السلام»، والتي تخلفت هي التي لم يدع له فيها. وهذا من موجبات تجلي الكرامة الإلهية للإمام «عليه السلام» أيضاً على أتم وجه وأوضحه.

أنيس بن معقل الأصبحي:

ومن الشهداء الأوائل: أنيس بن معقل الأصبحي، فقد ذكر ابن شهر آشوب: أن أبا الشعثاء المتقدم ذكره قد استشهد بعد الأصبحي هذا (1)، فتكون شهادته في أوائل القتال.

وقد خرج الأصبحي هذا إلى الميدان، فجعل يقول:

أنَا أنيس وَأَنَا ابْنُ مَعْقِل ** وَفِي يَمِيْنِي نَصْلُ سَيْفِ مُصْقل

أعلو بهِ الهَامَاتِ بَيْنَ القَسْطل *** حَتَّى أزِيلَ خَطْبُهُ فَيَنْجَلِي

عَن الحُسَيْن الفاضل المفضّل *** ابْنُ رَسُولُ اللَّهِ خَيْرُ مُرْسَل


1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 103 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 252

ثم حمل ولم يزل يقاتل حتى قتل (1).

وذكر نحو ذلك: ابن أعثم في كتاب الفتوح، مع بعض الاختلاف في أبيات الرجز (2).

وكذا ذكر ابن شهر آشوب، وفيه: فقتل نيفاً وعشرين رجلاً (3).

ونسب المرزباني في معجمه الرجز المتقدم إلى يزيد بن مفضل الجعفي، وقال: فقاتل قتالاً لم يُرَ ،مثله، حتى قتل جماعة، ثم قتل «رضي الله عنه» (4).

ونقول:

القسطل: الغبار

ومن يقتل جماعة من العدو، يبلغ عددها نيفاً وعشرين رجلاً، لا بد أن يكون من فحول الرجال، ومن نخب الأبطال..

وقد رأينا أن ذكر عنترة بن شداد قد سار في البلاد، مع أن ما قيل فيه : هو أنه رجل من بني عبس، كان يلقى الفارس، أو الفارسين. ولو أنه واجه عشرة رجال، فلا يثبت في الميدان، فما بالك بمن يقتل نيفاً


1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 19 وراجع مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 103 و (ط المكتبة الحيدرية ج 3 ص 252 والفتوح لابن أعثم ج5 ص 108

2) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 108

3) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 103 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 252

4) إبصار العين للسماوي ص 153 و 154 عنه

وعشرين رجلاً من جيش يعد بعشرات الألوف، وليس له ظهير ولا نصیر سوى بضع عشرات من الرجال، وفيهم الفتى اليافع، والشيخ الطاعن في السن، وما إلى ذلك؟!

وهب بن وهب

1 - ومن شهداء الحملة الأولى: وهب بن وهب، فعن عبد الله بن منصور، عن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين، عن أبيه، عن جده [زين العابدين] «عليهم السلام» قال وبَرَزَ من بعده (أي من بعد يزيد بن زياد بن المهاصر الكندي) وَهبُ بنُ وَهَبٍ، وكانَ نَصَرَانِيًا أُسلَّمَ عَلَى يَدَيِ الحُسَين «عليه السلام» هُوَ وَأُمُّهُ، فَاتَّبَعوه إلى كَربَلاءَ، فَرَكِبَ فَرَساً وتَناوَلَ بِيَدِهِ عودَ (لعل الصحيح: عمود) الفُسطاطِ، فَقاتَلَ، وقتَلَ مِنَ القَومِ سَبعَة أو ثِمَانِيَةً، ثُمَّ استَوسِرَ.

فَأْتِيَ بِهِ عُمَرَ بنَ سَعِدٍ «لَعَنَهُ اللهُ»، فَأَمَرَ بِضَرْبٍ عُنُقِهِ، فَضُرِبَت عُنْقهُ، ورُمِي بِهِ إِلى عَسكَر الحُسين «عليه السلام».

وأخَذَت أُمُّهُ سَيْفَهُ وَبَرَزَت.

فقالَ لَهَا الحُسَينُ «عليه السلام» يا أمَّ وَهب! اجلسي فقد وَضَعَ اللَّهُ الجهادَ عَن النّساءِ، إِنَّكِ وَابنَكِ مَعَ جَدّي مُحَمَّدٍ «صلى الله عليه وآله» فِي الجَنَّةِ (1).


1) الأمالي للصدوق ص 225 ح 239 وروضة الواعظين ص207 و (منشورات الشريف الرضي) ص 187 من دون إسناد إلى أحد من أهل البيت، وفيه «وهب بن وهب»، وبحار الأنوار ج 44 ص 320 والعوالم، الإمام الحسين ص170

2 - خَرَجَ وَهَبٌ بنُ عَبْدِ اللهِ بن جَنابِ الكَلبِيُّ، وكانَت مَعَهُ أُمُّهُ، ققالت له : قم يا بُنَيَّ قانصُر ابنَ بِنتِ رسول اللهِ.

فَقالَ: أفعَلُ يا أمّاه، ولا أقصِّرُ إِن شاءَ اللهُ، ثُمَّ بَرَزَ وهُوَ يَقُولُ:

إن تُنكِروني فأنَا ابنُ الكَلْبي *** سَوفَ تَرَوني وتَرَونَ َضربي

وحَملتي وصَوْلتي فِي الحَرْبِ *** أدركُ ثَأري بَعدَ ثار صَحْبي

وأدفعُ الكَربَ بيَومِ الكَرْبِ *** فمَا جِلادي فِي الوَعْى باللَّعِبِ

ثُمَّ حَمَلَ، فلم يَزَلْ يُقاتِلُ حَتَّى قَتَلَ جَمَاعَةٌ، فَرَجَعَ إِلى أُمِّهِ وَامْرَأَتِهِ، فَوَقفَ عَليهما، فقالَ: يا أَمّاه! أَرَضِيتِ عَنِّي؟

فقالت: ما رَضيتُ، أو تُقتَلَ بَينَ يَدَي ابنِ بنتِ رَسول اللهِ «صلى الله عليه وآله».

فقالت له امرأتُهُ: أسألُكَ باللهِ أَن لا تَفْجَعْني بنَفسِكَ.

فقالت لهُ أُمُّهُ: لا تَسمَع قولها، وَارجع فقاتِلُ بَينَ يَدَي ابن بِنتِ رَسولِ اللهِ «صلى الله عليه وآله»؛ لِيَكون غَدًا شَفِيعَكَ عِندَ رَبِّكَ.

فَتَقدَّمَ وَهُوَ يَقُولُ:

إِنِّي زَعيمٌ لَكِ أَمَّ وَهبِ *** بالطَعنِ فيهِم تارَةَ وَالضَّربِ

فِعلَ غُلامٍ مُؤمِن بِالرَّبِّ *** حَتَّى يُذيق القومَ مُرَّ الحَربِ

إنِّي امْرُؤٌ دُو مِرَّةٍ وعَصْبٍ *** ولستُ بالخَوَارِ عِنْدَ النَّكْبِ

حَسبي بنفسي مِنْ عُليمٍ *** إذَا انتَمَيتُ فِي كِرام العُرْبِ

ولم يَزَلْ يُقاتِلُ حَتَّى قُطِعَت يَمينُهُ، فلم يُبال، وجَعَلَ يُقاتِلُ حَتَّى قُطِعَت شِمالهُ، ثُمَّ قُتِلَ.

فَجاءَت إليهِ أُمُّهُ تَمسَحُ الدَّمَ عَن وَجهِهِ، فَأَبْصَرَها شَمرُ بنُ ذِي الجَوشَنِ، فَأَمَرَ غُلاماً لَهُ فَضَرَبَها بالعَمودِ حَتى شَدَخَها وقَتَلها، فهيَ أوَّلُ امْرَأَةٍ قُتِلت في حَربِ الحُسَين «عليه السلام».

ذكَرَ مَجدُ الأَئِمَّةِ السرخسكيُّ عَن أبي عَبدِ اللَّهِ الْحَدَادِ: أَنَّ وَهَبَ بِنَ عَبدِ اللهِ هذا كانَ نَصرانِيّا، فَأسلمَ هُوَ وأُمُّهُ عَلى يَدِ الحُسَين «عليه السلام»، وأنَّهُ َقتَلَ فِي المُبارَزَةِ أَربَعَةٌ وعِشرينَ رَجُلا (1)وَاتْنَي عَشَرَ فارساً، فأخذ أسيراً وأتِيَ بِهِ عُمَرَ بنَ سَعدٍ، فَقالَ لَهُ: ما أَشَدَّ صَولتَكَ؟ ثُمَّ أَمَرَ فَضُرِبَ عُنْقَهُ وَرُمِيَ بِرَأْسِهِ إِلى عَسكَرِ الحُسَين «عليه السلام».

فَأَخَذت أُمُّهُ الرَّأْسَ فَقَبَّلْته؛ ثُمَّ شَدَّت بعَمودِ الفُسطاط، فقتلت بهِ رَجُلين.

فقالَ لهَا الحُسَينُ «عليه السلام»: ارجعي أُمَّ وَهَبٍ، فَإِنَّ الجهادَ مَرفوع عَنِ النّساءِ.

فَرَجَعَت وهِيَ تَقولُ: إلهي لا تقطع رجائي.

فَقالَ لَهَا الحُسَينُ «عليه السلام»: لا يقطعُ اللَّهُ رَجَاءَكَ يا أُمَّ وَهَبٍ، أَنتِ


1) هكذا في المصدر، والظاهر أنّ الصواب: «راجلاً»

ووَلَدُكِ مَعَ رَسول الله ودُرِّيَّتِهِ فِي الجَنَّةِ (1).

3 - خَرَجَ وَهَبُ بنُ حُبَابِ الكَلبِيُّ، فَأَحسَنَ فِي الجِلادِ، وبالغ فِي الجهادِ، وَكَانَ مَعَهُ زَوجَتْهُ ووالِدَتْهُ، فَرَجَعَ إليهما وقالَ: يا أمّاه، أَرَضِيتِ أم لا؟

قالت: لا ما رَضيتُ حَتَّى تُقتَلَ بَينَ يَدَيِ الحُسين «عليه السلام».

وقالتِ امْرَأَتُهُ: بِاللهِ عَليكَ لا تَفْجَعَني في نَفْسِكَ.

فقالت لهُ أُمُّهُ: يا بُنَيَّ! اعزب عَن قولها، وارجع فَقَاتِلُ بَينَ يَدَي ابنِ ينتِ نَبِيِّكَ تَنَل شَفاعَة جَدِّهِ يَومَ القِيامَةِ.

فَرَجَعَ ولم يَزَل يُقاتِلُ حَتَّى قُطِعَت يَداهُ، فَأَخَذَتِ امْرَأَتُهُ عَموداً فأقبلت نَحوَهُ وهِيَ تَقُولُ: فِداك أبي وأمّي قاتِل دونَ الطَّيِّبِينَ، حَرَم رَسول اللهِ «صلى الله عليه وآله».

فَأَقْبَلَ لِيَرُدَّها إلى النِّساءِ، فَأخَذت بتَوبهِ وقالت: لن أعودَ دونَ أن أموت مَعَكَ.

فقالَ الحُسَينُ «عليه السلام»: جُزيتُم مِن أهل بَيتٍ خَيْرًا، ارجِعي إلى النّساءِ يَرحَمُكِ الله.


1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 12 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 104 نحوه، وفيه «وهب بن عبد الله بن عمير الكلبى»، وليس فيه ذيله من «فجاءت» مع اختلاف في الأرجاز المذكورة. وراجع: بحار الأنوار ج 45 ص 16 و 17

فَانصَرَفت إليهنَّ، ولم يَزَلْ الكَلبِيُّ يُقاتِلُ حَتَّى قُتِلَ «رضوانُ الله عَليهِ» (1).

4 - وذكر ابن شهر آشوب رجز وهب بن عبد الكلبي:

إن تُنكروني فأنا ابن الكلبي *** الخ..

ثم قال: فلم يزل يقاتل حتى قتل منهم جماعة، ثم قال لأمه: يا أماه، أرضيت أم لا ؟

فقالت: ما أرضى أو تقتل بين يدي الحسين، فرجع قائلاً:

إنِّي زَعيمٌ لَكِ أَمَّ وَهَبٍ ... الخ..

ثم قال: فلم يزل يقاتل حتى قتل تسعة عشر فارساً واثني عشر راجلا، ثم قطعت يمينه وأخذ أسيرا (2).

ونقول:

لا نوافق العلامة التستري الرأي:

يبدو من كلام المحقق التستري «رحمه الله»: أنه يرى أن وهب بن وهب غير موجود، وأن الرواة قد خلطوا الروايات، وأدخلوا بعضها


1) الملهوف ص 161 و (نشر أنوار الهدى) ص 63 ومثير الأحزان ص 62 و ط المكتبة الحيدرية ص 46 وراجع: بحار الأنوار ج 45 ص 16 و 17 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 260 وقاموس الرجال ج 10 ص 448

2) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 101 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 250 وبحار الأنوار ج 45 ص 16 و 17

ببعض، فظن بعضهم بوجود شخص بهذا الاسم (1).

لكن ما ذكره «رحمه الله»، إن كان كافيا لإثارة احتمال أن يكون الأمر كما قال ولكنه لا يكفي للجزم بالنتيجة التي توصل إليها، والحكم الذي أطلقه.

وإنما هي مجرد احتمالات لا شاهد لأكثرها، فلا يمكن البناء عليها..

ابن وهب، أو ابن عبد الله:

نلاحظ: أن بعض الروايات المتقدمة يقول: إن الكلام إنما هو عن وهب بن وهب، وبعضها يقول: هو وهب بن عبد الله، فهل هما رجلان، أم رجل واحد؟!

ونقول:

يبدو لنا من التشابه الظاهر والشديد بين الروايات في نقل ما حدث: أن وهب بن وهب هو نفسه ابن عبد الله، ولعله نسب تارة إلى جده، ونسب أخرى إلى أبيه، وهذا أمر شائع عند الرواة، ونقلة الأخبار..

الذين قتلهم وهب:

اختلفت الروايات في عدد الذين قتلهم وهب، فهل قتل تسعة عشر


1) قاموس الرجال ج 10 ص 448 و 450 و 456 وكتاب «سخنان حسین بن 10 علي»، للنجمي ص195

فارساً، واثني عشر راجلا؟!

أو قتل في المبارزة أربعة وعشرين راجلاً، واثني عشر فارساً؟!

أو قتل سبعة، أو ثمانية؟! لا مجال لتأكيد واحد منها، ونفي ما عداه..

التوفيق الإلهي:

من المعلوم: أن من يكون على دين بعينه، ثم ينتقل إلى دين جديد، يحتاج إلى وقت طويل للتعرف على خصائص وميزات دينه الجديد، ويحتاج إلى معلمين ومرشدين ومربين، وإلى جهاد نفس، ومغالبة هوى، وتلمس الفوائد والعوائد في نفسه، وفي محيطه في حياته كلها.

وإذا كان وهب قد أسلم على يد الحسين «عليه السلام» في طريق سفره إلى العراق، فذلك يعني: أن الفاصل بين يوم تشرفه بدين الإسلام وبين يوم استشهاده لعله كان أقل من ثلاثة أسابيع، وهل تكفي هذه الأيام اليسيرة للانتقال بوهب وزوجته من ظلمات الغواية إلى نور الهداية، وبلوغ هذه الدرجة من الإخلاص لدينه ، ولإمامه، والاستعداد لبذل روحه في هذا السبيل؟!

ولنفترض أن وهبا قد يسرت له الأحوال أن يكون بقرب الإمام «عليه السلام»، ويرى عن كتب الكثير من أفعاله، ويسمع الكثير من أقواله. فإن أمه لم تر الإمام في الغالب، إلا في لمحات يسيرة عابرة، ولم توفق لما وفق له ولدها.

أما زوجة وهب، فهي الأخرى لم تتربَّ في بيئة الحسين «عليه السلام»، بل تربت في بيئة بعيدة عنه، وعن رؤية أحواله. وعن الاهتمام بما يهمه أو بما يقوله، ويفعله..

إلا أن هذه الأم وتلك الزوجة قد وفقتا للعيش في هذه الأيام اليسيرة بقرب زينب أخت الحسين، ومع سائر أخواته، وبناته «رضوان الله تعالى عليهن»، وقد تأثرتا بلا ريب بالأجواء الإيمانية، والأخلاق الرضية، والصفات الحميدة، وعاينتا من حالات الإخلاص والتقوى، والعبادة والصلاة، والاستقامة على طريق الحق والخير، والهدى ما بهرهما، وغير أحوالهما، وما جعلهما يتذوقان لذة الهداية، ويشعران بقيمة هذا الدين، وعظمة هذه التضحيات، وما لها من جليل الأثر، وعظيم الفائدة في الدنيا والآخرة...

أم تأمر ابنها بالاستشهاد:

يهتز الناس إعجاباً إذا رأوا أما صابرة لفقدان ولدها.. ويزيد إعجابهم بها إذا رأوها راضية بهذا الفقدان.

أما إذا رأوها تسعى ليحصل هذا الفقدان، وتصر عليه، وتريد من ولدها أن يسعى بنفسه إلى هذا الأمر ولا ترضى من ولدها إذا لم يحقق هذه النتيجة. فلا شك فى أن هذا سيثير التساؤلات الكبيرة حول سلامة هذه الأم من الاختلالات العقلية والنفسية..

وقد رأينا أم وهب «رحمها الله» تفعل ذلك مع أنها إنما تشرفت بدين الإسلام قبل أيام، وها هي تجاهد بنفسها وبفلذة كبدها في سبيل هذا

الإسلام، ولم تتعرف على الإمام الحسين «عليه السلام» وعلى نساء الحسين إلا في هذه الأيام اليسيرة، وها هي تقدم نفسها وولدها، فداء لهم، ودفاعاً عنهم..

رجاء الشفاعة هو الدافع:

وقد كانت أم وهب هي المبادرة للطلب من ابنها: أن يقوم بنصر الحسين عليه السلام»، فامتثل أمرها.

وقد أظهرت كلمات أم وهب لولدها وهي بصدد التأكيد عليه ليواصل جهاده: أنها لا تنطلق في موقفها هذا من هيجان عاطفي، أو للوفاء ببيعة أعطتها، أو بعهد قطعته أمام الله على نفسها، أو لغير ذلك من أمور ودوافع، محدودة الأثر والنتيجة.

بل انطلقت من رؤية واقعية مستلة عناصرها من وعيها الديني، ومن تقييمها الموضوعي والصادق للأمور. وهي رؤية متناغمة مع الحالة الإيمانية، والوعي المتنامي من خلال هذا الإيمان، والاستفادة من سلامة فهم هذا الولد البار ، ومن حسن تقييمه، وصحة ادراكه، وصدقه، حيث وضعت ولدها أمام الخيار الأعلى والأغلى الذي يمنحه السعادة والسلام والسلامة الأبدية وهو خيار شفاعة الحسين «عليه السلام» له يوم القيامة..

وضع الجهاد عن النساء:

يلاحظ هنا: أن أم وهب قد بادرت إلى الجهاد دون أن تستأذن الإمام في ذلك، في حين أن أصحاب الحسين «عليه السلام» كانوا

يستأذنونه «عليه السلام»، فهل فعلت ذلك:

أولاً: لاعتقادها بأن دفع الأعداء عن عدوانهم، ولاسيما إذا كان هدفهم هو قتل الإمام المعصوم، هو مما يوجبه العقل على كل قادر، ولو كان امرأة، إذا ظهر أن الذين يتصدون للأعداء لن يتمكنوا من تحقيق الغرض المطلوب منهم.

ثانياً: أو أنها فعلت ذلك غفلة، لأن الحماس هيمن عليها.

ثالثاً: يلاحظ أنه «عليه السلام» بعد أن أمر أم وهب بالرجوع، بين لها حيثية أمره هذا، وهي أن الجهاد قد وضع عن النساء.

وهذه الكلمة لا تفيد تحريم الجهاد على النساء، بل غاية ما تدل عليه هو عدم وجوبه عليهن.. ولعله لأجل ذلك أصدر لها «عليه السلام» أمراً يلزمها بالرجوع، ربما لأن قيادة الحرب مع الأعداء قد تفرض الإلزام بعدم إشراك النساء، وعدم الاكتفاء بالرخصة لهن بتركه. وهذا كما إذا رأى «عليه السلام« أن هذه المشاركة قد تعطي الأعداء ذريعة لتصعيد عدوانهم على حرائر الرسالة والرسول، وهتك حرماتهن والتشفي من الرسول وأهل بيته بأساليب بشعة ومؤلمة.

فللإمام في هذه الصورة: أن يحتم على النساء أن لا يشاركوا في الحرب صيانة لحرم الرسول «صلى الله عليه وآله»، وأهل بيته عليهم السلام..

وقد امتثلت أم وهب لهذا الأمر، ورجعت، ولم تلتمس منه «عليه السلام» أن يتراجع عن قراره، ربما لأنها أدركت بعضا من مقاصده

«عليه السلام».

أم وهب وابنها مع النبي «صلى الله عليه وآله» في الجنة:

وقد عقب الإمام الحسين «عليه السلام» على أمره لأم وهب بالرجوع بقوله: فإنك وابنك مع جدي محمد «صلى الله عليه وآله» في الجنة.

ونقول:

1 - إن هذه بشارة عظيمة لأم وهب، قد وافقت ما كانت ترجوه لولدها وهي تحثه على الحرب.. وهي بشارة تمنحها الطمأنينة على مصير ولدها ومصيرها، وتخفف من وجدها، وتزيد في رضاها وسكينتها.

2 - إن الكون مع رسول الله «صلى الله عليه وآله» في الجنة فوز عظيم، ونعمة جليلة، ولكن ذلك لا يعني أن يكون النعيم الذي اختص الله تعالی به نبيه «صلى الله عليه وآله»، سوف يحصل عليه غير النبي أيضاً بنفس النسبة والمستوى.

ويمكن تقريب هذا الأمر إلى الأذهان بمثال هو: أنه إذا دخل جماعة إلى روضة غناء، هي من أرقى الرياض، وأسناها، وأجملها.. وكان في هذه الجماعة: العالم، والجاهل، والشيخ، والشاب، والفنان والرسام المبدع، والتاجر، وسائر فئات البشر الذين يتفاوتون في الفهم، والعقل والمعرفة، وتختلف ميولهم وأذواقهم وإدراكاتهم، واستعدادهم..

فإنك تجد كل فرد من هذه الجماعة يتلذذ بمناظر هذه الروضة، ويدرك من جمالياتها، ويأنس بأزهارها، وأشجارها، وأطيارها، وسائر مكوناتها بمقدار ما لديه من وعي وفهم، ورهافة حس، وتوهج مشاعر، وما لديه من ميول، وما يحسنه من حرف ومعارف، ويملكه من قوى وملكات، وغير ذلك.

ولا تكون لذتهم بتلك الروضة في مستوى واحد، بل كل منهم يستفيد منها بحسب ما لديه من قدرات إدراكية، ومن إمكانات، واستعدادات، وملكات، وما إلى ذلك.

أدرك ثاري:

وقد ورد في الرجز الذي قاله وهب قوله:

وحَملتي وصَولتي فِي الحَربِ *** أدركُ ثَاري بَعدَ ثأر صَحبي

فيرد سؤال: أي ثأر له ولصحبه عند عمر بن سعد وجيشه لكي يسعى وهب لإدراكه؟!..

ويمكن أن يجاب:

بأن للثأر معنى خاصاً، حين يكون رداً على عدوان على قريب، أو حبيب لصيق، ظاهر الانتساب إلى طالب الثأر، وله معنى أوسع، حين يكون رداً على عدوان أي ما يرى الإنسان أنه يعنيه، وأن على الآخرين أن يحفظوه فيه، سواء أكان هذا الأمر المعتدى عليه نفساً أو مقدساً دينياً، أو غير ذلك.

وبذلك يتضح: أن وهباً كان يرى أن العدوان على الحسين «عليه السلام»، عدوان على أقدس الناس، وعلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وعلى القيم الإنسانية، والإيمانية، والأخلاق الفاضلة، وعلى العلم والتقوى، وعلى الخير كله. فهو بالتالي عدوان على وهب نفسه كإنسان، ومؤمن وتقي، وعلى مقدساته، وعلى إيمانه، وقيمه، وعلى نبيه وإمامه، وعلى كل ماهو خير وبركة، وصلاح له.

وهو عدوان على أصحابه، وإخوانه في الدين وفي الإنسانية، وشركائه في السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء. ولذلك يريد وهب بقتاله أن يدرك ثاره وثار أصحابه من المعتدين الظالمين.

إختلافات في الروايات:

وفي الروايات المتقدمة اختلافات في عدة مواضع، مثل:

1 - أن إحداها تقول: إن وهباً قد أسر وقتل.

وأخرى تقول: إن يمينه قطعت في القتال، فواصل جهاده، ثم قطعت يساره، ثم قتل. ولم تشر إلى أسره، وضرب عنقه.

وثالثة تذكر: أن يمينه قد قطعت، ثم استشهد.

إلا أن يقال: لعل ذلك نشأ عن التصرف والاختصار للرواية..

2 - إحدى الروايات تقول: إنه قتل سبعة أو ثمانية، ثم قتل، وأخرى تقول: إنه قتل أربعة وعشرين راجلاً، واثني عشر فارساً.

إلا أن يقال: لعل ذلك قد حصل بصورة تدريجية في أكثر من

جولة له مع الأعداء. وقد قتل في الأخيرة منها سبعة أو ثمانية.

3 - هل كان وهب هو الذي أخذ عمود الفسطاط، وقاتل به؟! أم أن أمه هي التي أخذته وقاتلت به وقتلت به رجلين؟! أو أن أمرأته هي التي أخذت عموداً لتقاتل، فأمرها الحسين «عليه السلام» بالرجوع فرجعت؟!

قد يقال: لا مانع من أن يحصل جميع ذلك من الجميع..

هل قتلت أم وهب؟!:

1 - تقول بعض الروايات المتقدمة: إن أم وهب حين قتل ولدها وألقي به إلى عسكر الحسين، أخذت سيفاً وبرزت، فأمرها الحسين «عليه السلام» بالرجوع فرجعت.

وفي رواية أخرى: إنها حين أسر ولدها وقتل، شدت بعمود الفسطاط فقتلت به رجلين، ثم أمرها الحسين «عليه السلام» بالرجوع، فرجعت.

وفي ثالثة: أن التي أمرها الحسين بالرجوع فرجعت هي أمرأة وهب.

وقد يقال: إنه لا مانع من أن يكون الإمام «عليه السلام»، قد أمر بالرجوع كلا من الأم والزوجة. فلعل زوجته بعد أن مانعت من خروج وهب، وقالت له: لا تفجعني بنفسك. قد حصلت لها يقظة وجدان فندمت، وأرادت أن تجبر ذلك الذي اعتبرته تقصيراً، أو خللاً، بهذه

الطريقة، فأرجعها الحسين «عليه السلام».

2 - ولكن يبقى أن نشير هنا إلى الرواية التي تقول: إنه حين قتل وهب، جاءت أمه إليه تمسح الدم عن وجهه، فأبصرها الشمر، فأمر غلاماً له، فضربها بالعمود على رأسها فقتلها، فهي أول أمرأة قتلت في حرب الحسين «عليه السلام».. فكيف نوفق بين هذا النص، وبين ما تقدم؟!

ويمكن أن يجاب: بأن من الممكن أن تكون «رحمها الله» بعد أن أرجعها الإمام، وامتثلت أمره.. وجدت فرصة للعودة إلى الميدان لتلقي نظرة على ولدها الشهيد، وصارت تمسح الدم عن وجهه، فرآها الشمر لعنه الله ، فأمر غلامه بقتلها، فاستشهدت..

الفصل الثالث :

ابن قرظة، ونافع، وبرير..

عمرو بن قرظة الأنصاري:

وقد قتل عمرو بن قرظة الأنصاري قبل نافع بن هلال المرادي.

1 - فعن أبي مخنف، عن عبد الرحمن بن جندب: خَرَجَ عَمرُو بنُ قرَظة الأنصاريُّ يُقاتِلُ دونَ حُسَين «عليه السلام»، وهُوَ يَقولُ:

قدْ عَلِمَتْ كَتِيبَة الأَنْصَارِ *** أنّي سَأَحْمِي حَوْرَة الدِّمَارِ

ضَرْبَ غلامٍ غير نِكسِ شَاري *** دُوْنَ حُسَينِ مُهْجَتِي وَدَارِي

قالَ أبو مِختَفِ عِن ثابت بن هُبَيرَة: فَقُتِلَ عَمرُو بنُ قَرَظَة بن كَعبٍ وكَانَ مَعَ الحُسَين «عليه السلام»، وكانَ عَلِيٌّ أَخوهُ مَعَ عُمَرَ بن سَعدٍ، فنادى عَلِيُّ بن قرظة يا حُسَينُ یا كَذَّابَ ابْنَ الكَذَّابِ، أضللت أخي وغَرَرتَهُ حَتَّى قَتَلْتَهُ.

قالَ: إِنَّ اللهَ لم يُضِلَّ أخاك، ولكِنَّهُ هَدى أخاكَ وأَضَلكَ.

قالَ: قَتَلَنِي اللهُ إن لم أقتلك أو أموت دونَكَ. فَحَمَلَ عَلَيْهِ، فَاعْتَرَضَهُ نافِعُ بنُ هِلالِ المُرادِيُّ فَطَعَنَهُ فَصَرَعَهُ، فَحَمَلَهُ أصحابُهُ فَاستَنقذوهُ، فَدُووِيَ بَعدُ فَبَرَأ (1).


1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 240 عن تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 434 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 330 وأنساب الأشراف ج 3 ص 399 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 192 والكامل في التاريخ ج 4 ص 67 وليس فيه من «قد علمت» إلى «وداري» وكلاهما نحوه ومقتل الحسين للخوارزمي ج2 ص 22 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 105 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 253 وليس فيهما ذيله من «قال أبو مخنف...»، وبحار الأنوار ج 45، ص 22

2 - خَرَجَ عَمرُو بن قرظة الأنصاريُّ، فَاسْتَأَدْنَ الحُسَينَ «عليه «السلام» فَأذِنَ لَهُ، فَقاتَلَ قِتالَ المُشتاقين إلى الجزاء، وبالغ في خِدمَةِ سُلطان السَّماءِ، حَتَّى قتل جمعاً كَثيراً مِن حِزبِ ابن زيادٍ، وَجَمَعَ بَينَ سَدادٍ وچهادٍ.

وكانَ لا يَأْتي إلى الحُسَين «عليه السلام» سَهُمْ إِلَّا اتَّقَاهُ بِيَدِهِ، ولا سَيفٌ إِلا تَلْقاهُ بِمُهجَتِهِ، فلم يَكُن يَصِلُ إلى الحُسَين «عليه السلام» سوء حَتَّى أُتَّخِنَ بالجراج، فالتَفتَ إلى الحُسين «عليه السلام» وقالَ: يَا ابنَ رَسول اللهِ، أَوَفِيتُ؟

قالَ: نَعَم. أنتَ أمامي فِي الجَنَّةِ، فاقرأ رَسولَ اللهِ «صلى الله عليه وآله» عَنّي السَّلامَ، وأعلِمهُ أنّي فِي الأثر. فقاتَلَ حَتَّى قُتِلَ «رضوانُ اللهِ عَلِيهِ» (1).

وراجع ما ذكره ابن نما الحلي، فإنه قريب من هذا النص المنقول


1) الملهوف ص 162 و (نشر أنوار الهدى) ص 46 وبحار الأنوار ج 45 ص 22 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 265

عن الملهوف، وذكر فيه بيتي الرجز المتقدم أيضا (1).

ونقول:

تصحیفات:

فهل هو عمر، أو عمرو؟!

وهل هو ابن قرظة، أو قرطة، أو ابن أبي قرظة؟!

دون حسين مهجتي وداري:

تقدم قول عمرو بن قرظة الأنصاري في رجزه:

ضَربَ غلامٍ غَيرِ نِكسِ شَاري *** دونَ حُسَينِ مُهْجَتِي ودَاري

فقد يحتمل البعض: أنه بكلامه هذا إنما يعرِّض بعمر بن سعد، الذي تعلل للإمام الحسين «عليه السلام» لعدم نصرته له بأنه لو فعل ذلك تهدم داره.

فقال له «عليه السلام»: لو حصل ذلك فهو يبنيها له.

ويحتمل أن يكون الشاعر قد ذكر الدار لتستقيم له القافية..

ولا يمكننا تأكيد أو نفي أي من هذين الاحتمالين..

الدفاع عن الحسين بالأجساد:

تقدم: أن سعيد بن عبد الله الحنفي قد جعل يقي الحسين من النبال، والسيوف والرماح بجسده.. حين صلى «عليه السلام» وسط


1) مثير الأحزان ص 60 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 45

الميدان.

وتقدم: أن حنظلة بن أسعد الشبامي وقف بين يدي الحسين «عليه السلام» يقيه السهام والسيوف بوجهه ونحره..

وهذا أيضاً: عمرو بن قرظة الأنصاري يفعل مثل ذلك، فكان لا يأتي إلى الحسين «عليه السلام» سهم إلا اتقاه بيده، ولا سيف إلا تلقاه بمهجته، فلم يكن يصل إلى الحسين «عليه السلام» سوء، حتى أثخن بالجراح..

عنوان الوفاء:

وتقدم: أنه حين أثخن عمرو بن قرظة الأنصاري بالجراح، وهو يتلقى السيوف والسهام بجسده التفت إلى الحسين «عليه السلام»، وقال: يا ابن رسول الله، أوفيت؟!

قال: نعم. أنت أمامي في الجنة.

فيلاحظ: أن الإمام «عليه السلام» لم يمنحه سوى صفة الوفاء، التي تعني أنه قد جاء بالمقدار المطلوب منه، فدل بذلك على أن الوفاء لا يتحقق بمجرد قتال العدو، واقتحام المخاطر حتى الاستشهاد، بل يحتاج إلى تجسيد حقيقة أن الإمام أحب إليه من كل شيء حتى من نفسه بصورة عملية، كما أنه لا يكفي مجرد إطلاق الشعار.

ولكن ذلك لا يعني أن من لم ينقل عنه أنه قد فعل ذلك أنه لم يف بما يفترض وفاؤه به، إذ لا شيء يدل على أن أيا منهم كان يتردد في فعل ما فعله سعيد، وحنظلة وعمرو، فإن إنجاز المهمات التي يوكلها

الإمام إلى كل واحد منهم هي التي تجسد الوفاء العملي منهم. وليس المطلوب هو مشاكلة الأفعال، بل المطلوب هو إنجاز المهمات على أتم وجه.

فاقرأ رسول الله السلام:

ويلاحظ: أنه «عليه السلام» أضاف إلى وسام الوفاء قوله: فاقرأ رسول الله «صلى الله عليه وآله» عني السلام، واعلمه أني في الأثر.

وهذا يعطي:

1 - إنه «عليه السلام» يريد أن يقر عين هذا الشهيد بهذه البشارة له: بأنه سيصير إلى الجنة..

2 - إنه سوف يلتقي رسول الله «صلى الله عليه وآله» في الجنة..

3 - إنه يريد أن يطمئنه إلى أن ما استشهد هو وأصحابه من أجله سوف يبقى هو الهدف والغاية، وانه لا تردد ولا تراجع عن نهج الحق بالغاً ما بلغت التضحيات، ولن يثنيهم شيء عن نيل درجة الشهادة، حين تكون هي رمز النصر، والمدخل لتحقيق الأهداف، وحفظ المسيرة.

4 - إن فوزه بالجنة، وبلقاء الرسول سيكون قبل استشهاد الإمام الحسين «عليه السلام» الذي أخبرهم أنه أصبح وشيكاً، فإنه حصل في نفس يوم عاشوراء أيضاً..

5 - إن رسول الله «صلى الله عليه وآله» كان يعلم أن الحسين «عليه السلام» في الأثر، وهو أعرف بالدقائق والتفاصيل ممن شهدها

وعاينها، وممن يطلب الحسين «عليه السلام» منه أن يوصل إليه هذه الرسالة، فرُبَّ حامل فقه أو خبر إلى من هو أفقه منه، أو أعلم منه بذلك الخبر..

ولكن الحسين «عليه السلام» يريد أن ينيله لذة توقع مشافهة الرسول «صلى الله عليه وآله»، وأن يعرفه أنه سيراه قبل استشهاد الحسين «عليه السلام».

جرأة وسوء أدب:

ومن المعلوم: أن سوء الأدب والسباب، والتوسل بالتهم الباطلة، وبالأكاذيب ليس من المفاخر والمآثر، ولا يصح الإعتزاز ولا التبجح به. وقد رأينا علي بن قرظة يصف من طهرهم الله من كل رجس - والكذب من أعظم الرجس، وأقبحه - يصفهم بالكذابين، مكذباً بذلك القرآن الكريم، الذي نص على طهارتهم، ووصفهم بالصادقين..

كما أن هذا الرجل المخذول يتهم الحسين «عليهم السلام» بإضلال أخيه والتغرير به، والضلال، والإضلال والتغرير بالناس من أعظم الرجس الذي طهَّر الله الحسين منه، ونزهه عنه.

ويلاحظ هنا: أن جواب الإمام الحسين «عليه السلام» قد اقتصر على رد خطابه إليه، وتطبيق كلامه عليه، فجاء كلامه تعبيراً عن الواقع، وتوصيفاً له، فليس هو من السباب، ولا هو من الشتائم..

فلا يصح مساواته بكلام علي بن قرظة، الذي هو محض تجنّ وافتراء لا مبرر له، بل هو تكذيب لنص القرآن الكريم، كما ألمحنا

إليه، ودللنا عليه..

نافع بن هلال

ذكرت الرواية التي أوردها الصدوق في أماليه، المجلس رقم 30: أن نافع بن هلال قد استشهد بعد وهب بن وهب (أو ابن عبد الله لكن الخوارزمي ذكر: أنه استشهد بعد استشهاد سعيد بن عبد الله الحنفي، بعد أداء صلاة الخوف، وأنه بعد شروع المبارزات من جديد برز زهير بن القين، ثم برز نافع بن هلال، ونذكر من النصوص التي ذكرت ذلك ما يلي:

1 - قالوا: خَرَجَ ... نافِعُ بنُ هِلال الجَمَلِيُّ، وقيل: هلالُ بنُ نَافِعٍ، وجَعَلَ يرميهم بالسِّهام فلا يُخطِئُ، وكان خاضباً يَدَهُ، وَكَانَ يَرمي ويَقولُ:

أرمي بها مُعلمَة أفواقُها *** وَالنَّفْسُ لا يَنفَعُها إشفاقُها

مَسمُومَة يَجري بها أخفاقُها *** لتَملأنَّ أرضَها رشاقُها

فلم يَزَلْ يَرميهم حَتَّى فَنِيَت سهامُهُ، ثُمَّ ضَرَبَ إِلَى قَائِمٍ سَيفِهِ فاستَلهُ، وحَمَلَ وَهُوَ يَقُولُ:

أَنَا الغُلامُ اليَمَنِيُّ الجَمَلِي *** ديني عَلى دين حُسَينِ وعَلِي

إن أقتَلِ اليَومَ فهذا أمَلي *** وذاكَ رَأيي وألاقي عَمَلي

فقتَلَ ثلاثة عَشَرَ رَجُلاً حَتى كَسَرَ القومُ عَصْدَيهِ، وأَخَذوه أسيراً، فَقامَ شمرُ بنُ ذِي الجوشن فَضَرَبَ عُنُقهُ (1).

2 - عن محمد بن قيس كانَ نافِعُ بنُ هِلالِ الجَمَلِيُّ قد كَتَبَ اسْمَهُ عَلى أفواقِ نَبلِهِ، فَجَعَلَ يَرمي بها مُسَوَّمَةٌ، وهُوَ يَقُولُ:

أنا الجَمَلِيُّ *** أنا على دين عَلِيٌّ

فَقَتَلَ اثْنَي عَشَرَ مِن أصحابِ عُمَرَ بن سَعدٍ سوى مَن جَرَحَ.

قالَ: فَضُرِبَ حَتَّى كَسِرَت عَضُداهُ وأخذ أسيراً.

قالَ: فَأَخَذَهُ شِمرُ بنُ ذِي الجوشن ومَعَهُ أصحابٌ لَهُ يَسوقونَ نَافِعاً حتى أتى بِهِ عُمَرَ بنَ سَعدٍ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ بنُ سَعْدٍ: وَيْحَكَ يا نافِعُ، ما حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعتَ بِنَفْسِكَ؟

قالَ: إِنَّ رَبِّي يَعلمُ ما أَرَدتُ.

قالَ: وَالدّماءُ تَسيلُ عَلى لِحَيَتِهِ، وهُوَ يَقولُ: وَاللَّهِ لَقَد قَتَلْتُ مِنكُمُ اثْنَي عَشْرَ سِوى مَن جَرَحتُ، وما ألومُ نَفسي عَلَى الْجَهْدِ، ولو بَقِيَت لي عَضْدٌ وساعِدٌ ما أَسَرْتُموني.

فقالَ لَهُ شمر : أقتله أصلحَكَ اللهُ.

قال: أنت جئتَ بِهِ، فإن شئت فاقتُلهُ.


1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 20 وراجع الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 109 وليس فيه ذيله من «فقتل ثلاثة الخ...»

قالَ: فَانتَضى شمرٌ سَيفَهُ، فَقالَ لهُ نافِعٌ: أما وَاللَّهِ أَن لو كُنتَ مِنَ المُسلِمِينَ لعَظمَ عَليكَ أن تلقى الله بدمائنا ، فالحَمدُ لِلهِ الَّذِي جَعَلَ مَنايانا عَلى يَدَي شرار خَلْقِهِ. فَقتَلهُ (1).

3 - وذكر الخوارزمي: أَنَّ نافِعُ بن هِلالِ الجَمَلِيُّ بَرَزَ بَعْدَ مُسْلِمُ بنُ عَوْسَجَة، وهو يقول:

أنا على دين عَلِيٌّ *** ابنُ هِلال الجَمَلِي

أضْرِبُكُم بِمَنْصَلي *** تَحْتَ عَجَاج القسْطل

فَخَرَجَ لِنافِعِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي قَطِيعَة [في الطبري: يقال له: مزاحم بن حریث]، فقالَ لِنافِع: أَنَا عَلَى دِينِ عُثمَانَ.

قال نافِعٌ: إذن أنتَ على دِيْن الشَّيْطَان، وحَمَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ؛ فَأَخَذَ نَافِعٌ وَمُسْلِمٌ يَجُولان في مَيْمَنَةِ ابن سَعْدٍ (2).


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 441 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 336 و 337 والكامل في التاريخ ج 4 ص 71 و 72 والبداية والنهاية ج8 ص 184 كلاهما .نحوه وقاموس الرجال ج 10 ص 338

2) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 14 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 435 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 331 وبحار الأنوار ج 45 ص 19 والإرشاد ج 2 ص 103 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 262 وإعلام الورى ج 1 ص 462 والكامل في التاريخ ج 4 ص 67 وسماه في مثير الأحزان ص 60 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 45 واجم بن حريث

وقال ابن شهر آشوب:

أنا الغلامُ اليَمَنِيُّ البَجَلِي *** ديني عَلى دين حُسَين بن عَلِي

أضربُكُم ضَربَ غُلامٍ بَطلِ *** ويَحْتِمُ اللهُ بخَيرِ عَمَلي

فقتَلَ اثنى عَشَرَ رَجُلاً، وَرُويَ سَبْعِينَ رَجُلا (1).

وعند البلاذري: أن نافِعًا كان قد سَوَّمَ نَبلهُ (2). أي أعلمها بجعل سمة لها تدل عليها.

ونقول:

الإختلاف في الأسماء:

يظهر في الروايات والنصوص هنا أيضاً الإختلاف في الأسماء وسواها، فهل هو نافع بن هلال؟ أم هلال بن نافع؟ أو هلال بن رافع؟ أو هلال بن الحجاج؟!

وهل هو الجملي، أو البجلي، أو المرادي؟! اختلفت الروايات في ذلك.


1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 104 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 253

2) أنساب الأشراف ج 3 ص 404 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 197 والأمالي للصدوق ص 225 ح 239 عن عبد الله بن منصور عن الإمام الصادق، عن أبيه عن جده «عليهم السلام»، وروضة الواعظين ص 207 كلاهما نحوه، وفيهما «هلال بن حجاج»، وبحار الأنوار ج 44 ص 321

ويبدو - كما يقول بعض الإخوة الأكارم -: أن ثمة خلطاً بين نافع بن هلال المجاهد الصابر والصادق، الذي كان مع الحسين «عليه السلام»، وبين هلال بن نافع الذي كان في كربلاء في جيش عمر بن سعد «لعنه الله».. وله ذكر في روايات بعض ما جرى في كربلاء (1)، فراجع..

ديني على دين حسين وعلي:

تقدم: أن نافع بن هلال قال في رجزه:

أنا الغلامُ اليَمَنِيُّ الجَمَلِي *** ديني عَلى دينِ حُسَينِ وَعَلِي (2)

أو: «بن علي».

وتقدم: أنه حكم على شمر بن ذي الجوشن بأنه ليس من المسلمين.

وقد تكرر التمييز بين دين علي وأهل البيت، ودين مناوئيهم، في الأرجاز التي كانت تقال في الحروب مع البغاة على إمامهم، فقد قال عبد الرحمان بن عبد الله اليزني، وهو من شهداء كربلاء:

أنَا ابنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ آلِ يَزَنْ *** ديني على دين ى دين حسين

ويقول كعب بن جابر قاتل بریر بن خضير مخاطباً زوجته - أو


1) راجع: الملهوف ص 177 و نشر أنوار الهدى ص 48 و 75

2) مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 4 ص 110 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 251 وبحار الأنوار ج 45 ص 22 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 265 والفتوح لابن أعثم ص 106

أخته، حين حلفت أن لا تكلمه من رأسها كلمة أبدا - يقول في وصف رمحه الذي طعن به بريراً «رحمه الله»:

فجَرَّدْتُهُ في عُصْبَةٍ لَيْسَ *** بدِيْنِي، وَإِنّي بابن حَرْبٍ (1)

وقال نافع بن هلال:

أنا على دين عَلِيٌّ *** ابنُ هِلالِ الجَمَلِ الجَمَلِي (2)

ومما ينسب إلى الحسين «عليه السلام» في يوم عاشوراء قوله:

كَفَرَ القَوْمُ وَقِدْماً رَغِبُوا *** عَنْ ثَوابِ اللهِ رَبِّ الثَّقليْن

قتَلوا قِدماً عَلِيّاً وَابْنَهُ *** حَسَنَ الخير كريم الأبَوَيْن

حَسَدَاً مِنْهُمُ وَقَالُوا أجْمِعُوا *** نقتُل الآن جَمِيْعًا لِلحُسَيْن

يَا لِقَوْمٍ مِنْ أَناسِ رُدَّلِ *** الخ.. (3)

وقال زهير بن القين رحمه الله» في كربلاء: ونحن حتى الآن


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 431 و (ط الأعلمي) ج 4 ص329 وهناك مصادر كثيرة لهذه القصيدة ستأتي إن شاء الله حين الحديث عما جرى لبرير

2) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 15

3) الفتوح لابن أعثم ج ص 115 و 116 وكشف الغمة ج 2 ص 469 ومطالب السؤول ج 2 ص 28 - 30 وبعض هذه القصيدة ذكره الخوارزمي في مقتل الحسين ج 2 ص 33 وعن جلاء الأبصار للحاكم الجشمي (مخطوط) ص 29

إخوة على دين واحد، وملة واحدة ما لم يقع بيننا وبينكم السيف. وأنتم للنصيحة منا أهل، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة، وكنا نحن أمة وأنتم أمة (1).

أما إذا قتل أحد إمامه، وسبى أطفال ونساء أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، فأمره أظهر من الشمس، وأبين من الأمس..

وبذلك يظهر: الوجه في أن نافع بن هلال، وعبد الله اليزني اعتبرا أن دين علي والحسن والحسين «عليهم السلام» غير دين يزيد وابن زياد، ومن هم على شاكلتهم..

ويظهر أيضاً: السبب في أنهم لم يقولوا نحن مع علي أو الحسن أو الحسين «عليهم السلام»، أو نحن من أنصارهم ومؤيديهم، فليلاحظ ذلك.

السهام المعلمة:

وتقدم قولهم: إن نافع بن هلال كان قد أعلم أسهمه، وكتب اسمه على تلك الأسهم.

والمراد بإعلامها: جعل العلامة لها، لكي تعرف وتدل على راميها،


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 426 و (ط الأعلمي) ج 4 ص324 والكامل في التاريخ ج 4 ص 63 والبداية والنهاية ج 8 ص 180 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 194 ونهاية الأرب ج 20 ص 442 وإبصار العين ص 165 ووقعة الطف لأبي مخنف (تحقيق محمد هادي اليوسفي) ص 210 وأعيان الشيعة ج 7 ص 71 ولواعج الأشجان ص133

وهذا من دلائل شجاعة صاحب الأسهم، وشدة ثقته بنفسه.

وكان من عادتهم في الحروب: أن يعلم البطل الشجاع نفسه أي يجعل لنفسه علامة يعرف ويمتاز بها عن غيره، بهدف إرهاب الأعداء، ورغبة منه في إظهار الاعتزاز بشجاعته، وللدلالة على أنه غير هياب، ولا يحسب لغيره حساباً، ولا يبالي بأن يصبح هدفاً لمن قتل أعزاءهم، وأبناءهم وإخوانهم ، وأنهم يترصدونه للفتك به، والانتقام منه.

ابن سعد يوكل الأمر إلى شمر:

ولعل هدف ابن سعد من إيكال أمر قتل نافع بن هلال إلى مشيئة الشمر هو أن يخفف من حدة النقمة عليه، التي يرى أنها تتعاظم باستمرار، لاسيما وأن نافعاً كان من الأخيار المشهود لهم بالدين والإستقامة، والصلاح، مع اطمئنانه إلى أن الشمر سوف يقتل نافعاً، انطلاقاً من معرفته بمدى حقده، وخبث سريرته.

التفاوت في عدد قتلى نافع:

ومما يثير التساؤل والعجب التفاوت الظاهر والشاسع في عدد من قتلهم، نافع، فهناك نصوص تقول: إنه قتل اثني عشر رجلاً، ونجد رواية تقول: إنه قتل سبعين رجلاً - كما تقدم.

وهذا الإختلاف الكبير نجده في العديد من الموارد - كما تقدم وسيأتي - فهل كان ثمة تعمد من بعض الرواة لاخفاء بطولات أصحاب الحسين «عليه السلام»، تصغيراً لشأنهم، وتوهيناً وتحقيراً

لأمرهم؟!

أم أن السياسة الغبية كانت تقضي بتضخيم أعداد القتلى، للتخفيف من ذنب من ارتكبوا جريمة قتل ذرية الرسول، وابن البتول، وسيد شباب أهل الجنة، وذلك بأن يزيدوا في أعداد من قتلوهم، ليظهروا أنهم كانوا محقين في استئصالهم للتخلص من خطرهم؟!

أو أن بعض القصاصين المولعين بالغرائب والعجائب هم الذين ضخموا بعض الأعداد، بهدف اجتذاب المستمعين إلى مجالسهم، وتكثير الناس حولهم؟!

أو أن ثمة يداً خبيثة تريد بلبلة الأفكار، وإثارة الريب والشبهة حول هذه الحركة الحسينية المباركة، وتضييع أهدافها، وإبطال آثارها في صناعة الوعي، وبناء الأخلاق، وحفظ القيم، وتكوين المشاعر الصادقة، والأحاسيس الطيبة والنبيلة؟!

إننا نكل أمر ترجيح أي من هذه الاحتمالات إلى القارئ الكريم..

برير بن حضير:

1 - ذكروا: أن برير بن حضير الهمداني - وكان أقرأ أهل زمانه - برز بعد عبد الله بن أبي عروة الغفاري الذي كان من شهداء الحملة الأولى، وهو يقول:

أَنَا بُرَيْرٌ وَأَبِي خُضَيْرُ *** لا خَيْرَ فِيمَنْ لَيْسَ فِيهِ خَيْرُ (1)


1) الأمالي للصدوق ص 224 وروضة الواعظين ص 187 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 169 ولواعج الأشجان ص 141 وأعيان الشيعة ج1 ص 604 وإبصار العين ص 72

فقتل ثلاثين رجلا ، ثم قتل «رضوان الله عليه».

2 - عن أبي مخنف، عن يوسف بن يزيد عن عفيف بن زهير بن أبي الأخنس - وكان قد شَهِدَ مَقتَلَ الحُسَين «عليه السلام» - قال: خَرَجَ يَزِيدُ بنُ مَعقِلٍ مِن بَني عَمِيرَةَ بن رَبيعَة، وهُوَ حَلِيفٌ لِبَني سَليمَة مِن عَبدِ القيس، فقالَ: يا بُرَيرَ بنَ حُضَيرٍ كَيْفَ تَرَى الله صَنَعَ بِكَ؟

قالَ: صَنَعَ اللهُ - وَاللهِ - بي خيراً، وصَنَعَ اللهُ بِكَ شَرّاً .

قالَ: كَذبت، وقبلَ اليَوم ما كُنتَ كَذَّاباً ، هَل تَذكَّرُ وأَنَا أُماشيكَ في بَني لوذان، وأنتَ تَقولُ: إِنَّ عُثمانَ بنَ عَقَانَ كَانَ عَلَى نَفْسِهِ مُشْرِفاً، وإِنَّ مُعاوية بن أبي سفيان ضال مضل، وإِنَّ إِمَامَ الهُدَى وَالْحَقِّ عَلِيُّ بن أبي طالب؟

فَقالَ لَهُ بُرَيرٌ: أَشهَدُ أنَّ هذا رأيي وقولي.

فَقالَ لَهُ يَزِيدُ بنُ مَعقِلِ: فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ مِنَ الصَّالِينَ.

فَقَالَ لَهُ بُرَيرُ بنُ حُضَير: هَل لَكَ فَلأُباهِلكَ؟ وَلَنَدعُ اللَّهَ أَن يَلْعَنَ الكاذِبَ، وأن يَقتُلَ المُبطل، ثُمَّ اخرج فلأبارزكَ.

قالَ: فَخَرَجا فَرَفعا أيدِيَهُما إِلى اللهِ يَدعُوانِهِ أَن يَلْعَنَ الْكَاذِبَ، وأن يَقتُلَ المُحِقُّ المُبطِلَ، ثُمَّ بَرَزَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما لِصاحِبِهِ، فَاخْتَلفا ضَربَتين، فَضَرَبَ يَزيدُ بنُ مَعقِلٍ بُرَيرَ بنَ حُضَيْرٍ ضَربَةٌ خَفِيفَةٌ لم

تَضُرَّهُ شَيئاً، وضَرَبَهُ بُرَيرُ بنُ حُضَير ضَربَة قدَّتِ المِعْفَرَ (1)، وبَلغَتِ الدّماعُ، فَخَرَّ كَأَنَّما هَوى مِن حالِقِ، وإنَّ سَيفَ ابن حُضَيْرٍ لثابِتٌ في رَأْسِهِ، فَكَأَنِّي أَنظُرُ إِليهِ يُنَصْنِصُهُ (2)مِن رَأْسِهِ.

وحَمَلَ عَليهِ رَضِيُّ بنُ مُنقِذٍ العَبدِيُّ، فَاعتَنَقَ بُرَيراً، فَاعتَرَكا ساعَةً، ثُمَّ إِنَّ بُرَيراً فَعَدَ عَلى صَدرِهِ.

فقالَ رَضِيٌّ: أينَ أهلُ المِصاعِ (3)وَالدّفاعِ؟

قالَ: فَذَهَبَ كَعِبُ بنُ جابر بن عَمرو الْأَرْدِيُّ لِيَحْمِلَ عَليهِ.

فقلتُ: إِنَّ هذا يُريرُ بنُ حُضَير القارى، الذي كانَ يُقرنُنَا القُرآنَ فِي المَسجِدِ.

فَحَمَلَ عَليهِ بِالرُّمح حَتى وَضَعَهُ في ظهرهِ، فَلَمّا وَجَدَ مَسَّ الرُّمح بَرَكَ عَليهِ فَعَضَّ بوجهه، وقطعَ طَرَفَ أنفِهِ، فَطَعَنَهُ كَعَبُ بنُ جَابِرٍ حتى ألقاهُ عَنهُ، وقد غَيَّبَ السِّنانَ في ظهرهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيهِ يَصْرِبُهُ بِسَيْفِهِ حَتَّى قَتَلَهُ.

قالَ عَفِيفٌ: كَأَنِّي أَنظُرُ إِلى العَبدِي الصَّريع قامَ يَنقُصُ التُرابَ عَن قبائِهِ، ويَقولُ: أَنعَمتَ عَلَيَّ يا أخا الأزدِ نِعمة لن أنساها أبَداً.


1) المغفر: زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس، يُلبس تحت القلنسوة. راجع: الصحاح ج 2 ص 771 مادة «غفر»

2) يُنصْنِصُهُ : أي يُحرِّكه. راجع: النهاية ج 5 ص 72 «نضنض»

3) المِصاغ: المجالدة والمضاربة بالسيف. راجع: النهاية ج 4 ص 337 مادة «مصع»

قال: فقلتُ: أَنتَ رَأيت هذا؟

قالَ: نَعَمْ، رَأيَ عَيني، وسَمْعَ أدني.

فَلمّا رَجَعَ كَعبُ بنُ جابرِ، قالت له امرَأتُهُ - أو أختُهُ - التَّوارُ بنتُ جابرِ: أعَنتَ عَلى ابن فاطِمَة، وقتَلتَ سَيِّدَ القُرّاء! لقد أَتَيتَ عَظِيمًا مِنَ الأمر، وَاللهِ لا أَكَلِّمُكَ مِن رَأسى كَلِمَةٌ أَبَداً.. وقالَ كَعبُ بنُ جابِرِ:

سَلي تُخبري عَنّي وأنتِ *** غداة حُسَينِ وَالرِّماحُ شَوارِعُ

ألم آتِ أقصى ما كرهت ولم *** عَليَّ غداة الروع ما أنا صانِعُ

مَعي يَزَنِيٌّ لم تَخْنهُ كُعوبُهُ *** وأبيضُ مَحْشُوبُ الفِرارَين (1)

والمخشوب: الشحيذ. راجع: تاج العروس ج 1 ص 460 «خشب».

والغراران: شفرتا السيف. راجع: الصحاح ج 2 ص 768 مادة «غرر»

قاطع

فجَرَّدتُهُ في عُصبَةٍ ليسَ *** بديني وإنّي بابنِ حَربٍ لقانِعُ

ولم تَرَ عَيني مِثلَهُم في *** ولا قبلهُم فِي النّاس إذ أنَا

(2) أيفع الغلام فهو يافع: إذا شارف الاحتلام. راجع النهاية ج 5 ص 29 مادة «يفع»


1) رمح يزنيّ: أي منسوب إلى ذي يزن. قال الجوهري: ذو يزن ملك من ملوك حِميَر، تنسب إليه الرماح اليزنيّة. راجع الصحاح ج6 ص 2219 مادة «يزن»

أشَدَّ قِراعاً بالسُّيوفِ لدَى *** ألا كُلُّ مَن يَحمِي الدِّمار (1)

وقد صَبَرُوا لِلطَّعن وَالضَّربِ *** وقد نازَلوا لو أنَّ ذلِكَ نافِعُ

فأبلِغ عُبَيدَ اللهِ إِمّا لقيتَهُ *** بأنّي مُطيعٌ لِلخليفة سامعُ

قتلتُ بُرَيراً ثُمَّ حَمَلتُ نِعمَة *** أبا مُنقِذٍ لَمَا دَعَا مَن يُماصِعُ؟

قالَ أبو مِخنَفٍ: حَدَّثْني عَبدُ الرَّحمن بنُ جُندَبِ، قَالَ: سَمِعتُهُ في إِمَارَةِ مُصْعَبِ بن الزُّبَيرِ وهُوَ يَقولُ: يا رَبِّ إِنَّا قد وفينا، فَلا تَجْعَلْنا يا رَبِّ كَمَن قد غَدَرَ.

فَقالَ لهُ أبي: صَدَقَ، ولقد وَفى وكَرُمَ، وكَسَبْتَ لِنَفْسِكَ شَرًا.

قالَ: كَلّا! إني لم أكسِب لِنَفسي شَرّاً، ولكِنِّي كَسَبتُ لها خَيراً.

قالَ: وزَعَمُوا: أَنَّ رَضِيَّ بنَ مُنقِدٍ العَبدِيَّ رَدَّ بَعْدُ عَلَى كَعِبٍ بن جابر جَوابَ قولِهِ، فَقالَ:

لو شاءَ رَبِّي ما شَهدتُ *** ولا جَعَلَ النَّعْمَاءَ عِندِي ابْنُ

لقد كانَ ذاكَ اليَومُ عاراً *** يُعَيِّرُهُ الأبْناءُ بَعدَ المَعاشِر

فيا ليت أنّي كُنتُ مِن قبل قتلِهِ *** ويَومَ حُسَينِ كُنتُ في رَمس


1) الدّمار: ما لزمك حفظه ممّا وراءك وتعلق بك. راجع: النهاية ج 2 ص 167 «ذمر»

فيَا سَوْءَتَا مَاذَا أَقولُ لخَالِقِي *** وَمَا حُجَّتِي يَوْمَ الحِسَابِ القَمَاطِر (1)

3 - قال ابن شهر آشوب: برز بریر بن خضير الهمداني بعد الحر، وهو يقول:

أَنَا بُرَيْرٌ وَأَبي خَضَيْرُ *** ليْثّ يُروعُ الأَسدَ عِندَ الزار

يَعْرِفُ فِيْنَا الخير أهْلُ الخَيْر *** أَضْرِبُكُمْ وَلَا أَرَى مِنْ ضَيْر

كَذاكَ فِعْلُ الخَيْرِ مِنْ بُرَيْر

قتله بحير بن أوس الضبي (2).

4 - وقال محمد بن أبي طالب الحسيني الموسوي الكركي (وهو من أعلام القرن العاشر):

كان يحمل على القوم وهو يقول:

اقتربوا منى يا قتلة المؤمنین، اقتربوا منی یا قتلة أولاد البدريين، اقتربوا مني يا قتلة أولاد رسول رب العالمين، وذريته الباقين (3).


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 431 والكامل في التاريخ ج4 ص66 و 67 وأنساب الأشراف ج 3 ص 399 وأشار ابن طاووس إلى مباهلته ليزيد بن معقل، وقتله له، فراجع الملهوف ص 160 وكذا في مثير الأحزان ص61 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 102 و 103

2) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 100 وبحار الأنوار ج 45 ص 15

3) تسلية المجالس ج 2 ص 283 وبحار الأنوار ج 45 ص15 والفتوح لابن أعثم ج ص 102

ونقول:

متى قتل برير ومن قتله؟!:

1 - فيما يرتبط بقتل ،برير، فإن ابن شهر آشوب يقول: إنه برز بعد الحر كما تقدم. والحر قتل قبل الظهر بعد حبيب بن مظاهر..

أما رواية الشيخ الصدوق عن الإمام الصادق «عليه السلام»، فتقول:

إن بريراً رحمه الله» برز بعد عبد الله بن عروة الغفاري - الذي هو من شهداء الحملة الأولى (1). أيضاً كما قاله ابن شهر آشوب..

2 - أما الذي قتل بريراً، فرواية الطبري تقول: إن قاتله هو كعب بن جابر بن عمرو الأزدي، لكن ابن شهر آشوب وابن أعثم يقولان: قتله بحير بن أوس الضبي.

التصحيفات والتحريفات:

الإختلافات في اسم برير واسم أبيه، وغير ذلك كثيرة، فهل هو، أو يزيد، أو زيد، أو بدير، أو بريد؟!

وهل هو ابن حضير أو خضير أو حصين، أو عبد الله، أو


1) الأمالي للصدوق ص 224 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 100 وبحار الأنوار ج 45 ص 15 وروضة الواعظين ص 187 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 169

حفير؟!

كل ذلك تجده في النصوص والمصادر، ولا نرى ثمرة معتداً بها صرف عنان البحث بهذا الاتجاه.

توضحیات:

القماطر: القمطر بالضم: الشديد.

الكعوب: كعوب الرمح: النواشر في أطراف الأنابيب.

يماصع: يجالد، ويضرب بالسيف.

المصير مرهون بالمعايير:

تقدم: أن يزيد بن معقل قال لبرير: كيف ترى الله صنع بك؟

فقال له برير: صنع الله - والله - بي خيراً، وصنع الله بك شراً الخ..

ونقول:

إن طرح يزيد بن معقل سؤاله المذكور على برير ينبئ عن أنه يرى أن بريراً يواجه مشكلة، بسوء اختياره، ويريد منه أن يعترف له بأنه لم يحسن الاختيار.

فهو إذن يرى: أن البلاء في الدنيا، ولاسيما إذا كان هذا البلاء هو القتل، أو توقعه خسارة ما بعدها خسارة للإنسان. ولا بد أن يندم على اختياره المسار الذي انتهى به إلى هذا المصير..

ولكن جواب برير قد فاجأ ابن معقل، وأخرجه عن حالة التوازن،

إلى حد أنه بادر إلى اتهام ذلك الرجل الفاضل، والتقى الكامل، بالكذب..

والسبب في ذلك: أن جواب برير قد جاء دقيقاً وواضحاً، ومؤيداً بالقسم بالله حيث أكد فيه «رحمه الله» على أن المعايير والمنطلقات والنظرة إلى الكون وإلى الحياة، هي التي تحدد المصيب من المخطئ، والناجي من الهالك، والشقى من السعيد.

وليس لما يجري على الإنسان في الحياة الدنيا من غنى وفقر، وصحة ومرض، وشدائد وانفراجات، وقوة وضعف، أي أثر في ذلك.

والسبب في ذلك: أنه إذا كان المعيار هو نيل رضى الله تعالى من خلال طاعته، وطاعة أنبيائه وأوصيائهم، وان يكون هدفه، وأمله هو النجاة من النار، والفوز بالجنة في الآخرة، فإذا عمل في هذا السبيل، فلا يهتم بالجوع والعطش، وبالمرض والألم، والموت والحياة، والتعب والراحة، وفقد الأموال، أو الحصول عليها، وفقد الأقارب، والإخوة والآباء والأبناء، والسجن والتشريد وغير ذلك.. أو العيش في القصور، واكتناز الأموال، والملك والسلطان كل ذلك لا يقدم ولا يؤخر، ولا أهمية ولا قيمة له، في مقابل الحصول على الهدف الكبير، الذي رصده لنفسه.

أما من كان يرى أن الدنيا هي كل شيء بالنسبة إليه، فإن كل ما يؤثر على دنياه، ويحرمه من بعض ملذاته فيها، سيراه خسراناً عظيماً، وخيبة، وهلاكاً، وفشلا، ونقمة إلهية.

ولأجل ذلك اعتبر يزيد بن معقل برير بن حضير كذاباً فيما قاله. أي لأنه لا يتوافق مع معايير ابن معقل في حب الدنيا والإستغراق فيها، ونسيان الآخرة، بل هو مناقض لها. كما أنه اعتبر أن رأي برير في معاوية وعثمان وعلي ضلالاً.. ولعل هذه النظرة بالذات هي السبب في ذلك، كما يظهر لمن تفكر وتدبر، وتأمل وتبصّر.

المباهلة هي الجواب:

وقد ظهر لبرير: أن منطق ابن معقل لا يقوم على أسس صحيحة. ولا يتسم بالصراحة والصدق، بل هو ينحو منحى المهاترة والسباب، والاتهام الباطل. ولم يكن الوقت يسمح لبرير للتفصيل في الاستدلال، والتوسع في البيان، فكانت المباهلة هي الحل الأسرع والأنجع، فإنها ستكون بمرأى وبمسمع من ذلك الجيش كله، وهى حدث متميز وفريد، ومثير ونادر الحصول

ويجد كل من عاينه، أو سمع به الرغبة في نقله إلى جلسائه. مع مزيد من التعجب، والإعجاب بالنتيجة التي تمخضت عنها تلك المباهلة. فإنها نتيجة تثير المشاعر، وتستفز الوجدان، وتوقظ الضمير، إلا من ختم الله على سمعه وقلبه، وجعل على سمعه غشاوة.

الفصل الرابع:

من شهداء الحملة الأولى..

برير الرجل الجليل:

رأينا فيما سبق: أن يزيد بن معقل بالرغم من أنه وصف بريراً بالكذب، لكنه عاد ليقول بصورة جازمة: وقبل اليوم ما كنت كذاباً. فترى أن لم يقل له: ولم أعهدك كذاباً قبل اليوم، بل هو قد نفى عن برير هذه الصفة من أساسها. وهذه شهادة من عدو كاشح «والفضل ما شهدت به الأعداء».

ويقول عفيف بن زهير بن أبي الأخنس، حين أراد كعب بن جابر أن يطعن بريراً: إن هذا برير بن حضير القارئ الذي كان يقرئنا القرآن في المسجد.

كما أن زوجة أو أخت كعب بن جابر حلفت أن لا تكلم كعباً من رأسها كلمة أبداً، لأنه قتل بريراً، الرجل الصالح التقي..

وهذا كله يدل على جلالة قدر برير، وعلى أن من أصحاب الحسين «عليه السلام» من كانت شهرته في الخير والدين، والإستقامة من موجبات إحراج حتى ذلك الجيش المجرم، وقد وجد طغاته، وعناصره أنفسهم في موضع المهانة والاحتقار حتى مع أهلهم وذويهم في كثير من الأحيان..

جنادة بن الحارث:

قال بعض الإخوة الأكارم ما مضمونه:

اعتبر ابن الكلبي: حيان بن الحارث من شهداء كربلاء، وعدّت بعض المصادر جنادة بن الحارث الأنصاري وابنه عمرواً ضمن شهداء كربلاء.

ونحن نحتمل: أن يكون هو جنادة بن الحارث السلماني نفسه. وقد هجم على صفوف الأعداء، وهو يرتجز هذه الأبيات، وقاتل حتى استشهد:

أنَا جُنادَةُ أَنَا ابْنُ الْحَارِثِ *** لستُ بِخَوَّار (1)ولا بِنَاكِثِ

عَنْ بَيْعَتِي حَتَّى يَقُوْمَ وَارِثِي *** مِنْ فوق شِلو (2)في الصَعِيدِ مَاكِثِ

فحمل، ولم يزل يقاتل حتى قتل.

قال ابن شهر آشوب: وكان قد قتل من الأعداء ستة عشر رجلا (3).


1) الخَوَّار: الضعيف كالخائر. راجع: القاموس المحيط ج 2 ص 25 مادة «خور»

2) الشّلو: العضو، وقيل: شِلو الإنسان جسده بعد بلاه. راجع: المصباح المنير ص 322 مادة «شلو»

3) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 104 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 253

ثم خرج من بعده ابنه عمرو بن جنادة، وهو ينشد ويقول:

أصْقَ الخِناقَ مِن ابن هِندٍ وَارمِهِ *** في عُقرهِ بقوارسِ الأنصار

ومُهاجرينَ مُخَصِّبِينَ رماحَهُم *** تَحتَ العَجَاجَةِ مِن دَمِ الكُفَّار

خُضِبَت عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ *** فَاليَومَ تُحْضَبُ مِن دَمِ الفجّار

وَاليَومَ تُحْضَبُ مِن دِمَاءِ مَعاشِرٍ *** رَفضُوا القرآنَ لِنُصرَةِ الأشرار

طلبوا بثأرهِم ببَدرِ وَانثنَوا *** بالمُرهَقات و بالققَنَا (1)الخَطَارِ

وَاللَّهِ رَبِّي لا أزالُ مُضارباً *** لِلفاسقين بمُرهَفٍ بَثَّار

هذا عَليَّ اليَومَ حَقٌّ وَاجِبٌ *** في كُلِّ يَومٍ تَعائق وحوار (2)

ثمّ حمل فقاتل حتى قتل (3). انتهى كلامه مع بعض التقليم


1) رهفت السيف فهو مُرْهَف: أي رققت حواشيه. راجع: النهاية ج 2 ص 283 مادة «رهف». والقنا: جمع قناة وهي الرمح راجع: الصحاح ج6 ص 2468 مادة «قنا»

2) الحِوار: الرجوع. يقال: حارَ بعدما كار. راجع: لسان العرب ج 4 ص 217 مادة «حور» وفي الفتوح وبحار الأنوار «وكرار»

3) موسوعة الحسين ج 4 ص 174 عن مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 21 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 110 نحوه، ومناقب آل أبي طالب ج4 ص 104 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 253 وليس فيه أشعار لابنه، وبحار الأنوار ج 45 ص 28 والعوالم الإمام الحسین ج 17 ص 271 و 272

والتطعيم.

وعدَّ ابن شهر آشوب حباب بن الحارث من شهداء الحملة الأولى (1)، فيحتمل أن يكون مصحفاً عن جنادة بن الحارث.

ونقول:

التصحيفات في الأسماء:

إن الروايات والمصادر قد ذكرت أسماء مختلفة ومتقاربة يحتمل أن تكون اسماً واحداً ، وقد صحف.

فهل هو جنادة بن الحارث السلماني، أو الأنصاري، أو السلماني الأزدي ؟!

هو جابر بن الحارث، أو جبار، أو حيان، أو حباب، أو حسان؟! (2).


1) مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 4 ص 111 و (ط أخرى ص 113) و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 260 وبحار الأنوار ج 45 ص 64 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 341

2) راجع: موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 174 فما بعدها

إن ذلك كله يشير إلى أن التصحيف في الكلمات والأسماء كله لا يمكن لمن أراد تحديد الأسماء بدقة تجاهله في مثل هذه الموارد..

ماذا في شعر عمرو بن جنادة؟!

تضمن شعر عمرو بن جنادة أموراً لافتة، نذكر منها ما يلي:

1 - أشار الشعر المنسوب إلى عمرو بن جنادة الأنصاري إلى حضور للمهاجرين والأنصار في كربلاء لينصروا الحسين «عليه السلام» على أعدائه.

وأن فوارس الأنصار والمهاجرين قد خضبوا رماحهم بدم الكفار..

وعبارته هذه قد يستفاد منها: أن جمعاً من الأنصار والمهاجرين قد حضروا وحاربوا.. ولاسيما بملاحظة الاستفادة من صيغ الجمع.

إنه يعتبر أن الجيش الذي جاء لحرب الحسين كان جيش فجار لا جيش أخيار، ويشبههم بجيش المشركين الذي جاء لحرب النبي «صلى الله عليه وآله» في بدر.

3 - إنه يجعل محط نظره بالنسبة للجيش المحارب لهم هو ابن هند، ولا يلتفت إلى أدواته كعبيد الله بن زياد وعمر بن سعد، وشمر وغيرهم.

4 - إنه يصرح بأن هذه الحرب على الحسين «عليه السلام» هي حرب ثأرية هدفها الثأر لقتلاهم في بدر، وليست نزاعاً على سلطان

أو على غيره، الأمر الذي يعني:

ألف: ان دوافعها هي الأحقاد والضغائن.

ب: أن هؤلاء الناس يريدون بحربهم الانتقام من رسول الله، والنيل من دينه..

ج: أن أهدافهم ومسارهم متناغم مع أهداف المشركين ومسارهم.

د: أنهم يعتبرون أن ما جرى في بدر كان نيلا منهم، ونكبة لهم.

شاب قتل أبوه:

ثم قال الخوارزمي ثم خَرَجَ مِن بَعدِهِ (أي بَعدَ عَمرُو بنُ جُنادَةَ)؛ شابٌ قُتِلَ أبوهُ فِي المَعرَكَةِ، وكانَت أُمُّهُ عِندَهُ، فقالت: يا بُنَيَّ اخرج فَقَاتِل بَينَ يَدَي ابن رَسولِ اللهِ حَتَّى تُقتَلُ، فَقالَ: أَفعَلُ!

فَقالَ الحُسَينُ «عليه السلام»: هذا شابٌ قُتِلَ أَبوهُ، ولَعَلَّ أُمَّهُ تَكْرَهُ خُروجَهُ.

فقالَ الشّابُّ: أمّي أمَرَتني يَا ابنَ رَسول اللهِ.

فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ:

أميري حُسَينٌ ونِعمَ الأمير *** سُرور فؤادِ البَشير النَذير

عَلِيٌّ وفاطِمَة والِداُه *** فهَل تَعلمونَ لهُ مِن نظير؟

لهُ طلعَة مِثْلُ شَمْسِ الضُّحَى *** لهُ غرَّةٌ مِثلُ بَدْرٍ مُنيرْ

ثُمَّ قاتَلَ فَقُتِلَ، وحُرَّ رَأْسُهُ ورُمِيَ بِهِ إِلى عَسكَرِ الْحُسَين «عليه

السلام».

فأخذت أُمُّهُ رَأسَهُ وقالت : أحسنت يا بُنَيَّ! يا قُرَّةَ عَيني وَسُرور قلبي! ثُمَّ رَمَت برأس ابنها رَجُلا فقتلته، وأخَذت عمودَ خَيمَةٍ وحَمَلت على القوم، وهِيَ تَقولُ:

أنَا عَجوزٌ فِي النّسا ضعيفة *** بالِيَة خاويَة نحيفة

أضربُكُم بِصْرِبَةٍ عَنيفةٍ *** دونَ بَني فاطِمَة الشَّريفةِ

فَضَرَبَت رَجُلين فقتلتهما ، فأمَرَ الحُسَينُ «عليه السلام» بصرفها، ودَعا لها (1).

ونقول:

ملاحظات مهمة:

إن هذه القصة ليست هي قصة أم وهب المتقدمة. بل هي قصة أخرى، تحتاج إلى شيء من الإيضاح والبيان، فنقول:

أولاً : قد يحاول بعض الناس تسجيل بعض التحفظات على هذا النص، فيقول:

قد يقال: بأي حق ترمي هذه الأم برأس ولدها رجلا فتقلته، أليس هذا الشهيد السعيد - وهو ولدها - له حرمة عند الله ؟! أو مقام رفيع في


1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 22 وراجع مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 104 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 253 وبحار الأنوار ج 45 ص 27 عن محمد بن أبي طالب، والعوالم الإمام الحسين ج17ص271 وأعيان الشيعة ج 1 ص 607

الإسلام؟!

وأي مشاعر انتابت هذه المرأة حين أقدمت على أمر لا يتوقع صدوره من أم، ولا ينسجم مع علاقتها العاطفية بولدها؟!

وأي قلب ذاك الذي رضي بهذا الفعل الذي لا يستسيغه الكثير من الناس، ولا يقدم عليه الأمهات عادة.

ويمكن أن يجاب:

بأن حمية الدين أقوى من حمية النسب، وحب الله ورسوله وجهاد في سبيله يجب أن يفوق كل حب وهذا هو الكمال والجمال في الإنسان، وسواه نقص، وتفريط، وخذلان وسقوط.

قال تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالُ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (1).

ثانياً: إن الرجز الذي نسب إلى هذا الشاب الذي قتل أبوه، ولم يذكر لنا التاريخ اسمه، ولا نسبته، قد نسبت أيضا إلى أسلم بن عمرو التركي، حيث قال بعض أهل السير والمقاتل: إنه خرج إلى القتال، وهو يقول:

أميري حُسَينٌ ونِعمَ الأمير *** سُرورُ فُؤَادِ البَشير النذير


1) الآية 24 من سورة التوبة

فقاتل حتى قتل، فلما صرع مشى إليه الحسين «علیه السلام»، فرآه وبه رمق يومي إلى الحسين عليه السلام فاعتنقه الحسين، ووضع خده على خده. فتبسم وقال: من مثلي وابن رسول الله واضع خده على خدي؟! ثم فاضت نفسه رضوان الله عليه (1).

ونسبت هذه الحادثة - دون الرجز المذكور - إلى واضح التركي أيضا (2).

ونسبت من دون الرجز المشار إليه إلى غلام تركي من موالي الحسين، قارئ للقرآن، عارف بالعربية (3).

ثالثاً: إن قول هذا الشاب في رجزه عن الإمام الحسين «عليه السلام»: فهل تعلمون له من نظير. يؤكد على أن الناس كانوا يرون أن الحسين «عليه السلام» هو أقدس رجل على وجه الأرض. فهم إذن يقدمون على جريمة فظيعة وهائلة عن سابق معرفة وتصميم، ولا عذر لهم في ذلك.

ولو فرض أن بعض مقاتلي جيش ابن سعد كان على درجة كبيرة من الجهل، والسذاجة والغفلة، فإن نفس هذا الرجز، وكثير من الأرجاز الأخرى التي ذكرت نسبة الحسين «عليه السلام» إلى رسول الله، وبينت


1) إبصار العين للسماوي ص 95 و 96 وراجع: ذخيرة الدارين ص366

2) إبصار العين ص 145 وراجع ص 226

3) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص28

موقعه منه، ومن هذا الدين.. وابطلت كل ذريعة، وكل دعوى تخالف هذه الحقيقة.

نعم، إن هذه النصوص الكثيرة لا تبقي عذراً لمعتذر، ولا حيلة لمتطلب حيلة.

رابعاً: يلاحظ: أن هذه الأم قد أمرت ولدها بأن يقاتل بين يدي الحسين «عليه السلام» حتى يقتل، مع أن الأم تسعى عادة إلى حفظ حياة ولدها، وإن أمرته بالجهاد في سبيل الله، فإنها تحب أن يكون جهاداً فيه درجة عالية من الاحتياط والحذر، والحفاظ على الحياة، أما أن تأمره بأن يسعى لأن يقتل فذاك ما امتازت به كربلاء، ولم نجد له أثراً يذكر في غيرها.

خامساً: وأخيراً.. إن هذه الأم حتى بعد استشهاد ولدها، فإنها حين هاجمت الأعداء لم تقل: أريد أن أنتقم لولدي، بل قالت:

أضربُكُم بِصْرِبَةٍ عَنيفةٍ *** دونَ بَني فاطِمَة الشَّريفةِ

وهذه هي أقصى درجات الوفاء والسمو الروحي، والوعي الرسالي الرائد، والنظرة المتعالية على الجراح، وسعة الأفق.

الغفاريان:

عن محمّد بن قيس: فَلمّا رَأى أصحابُ الحُسَين «عليه السلام» أَنَّهُم قد كثروا، وأنّهُم لا يَقدِرُونَ عَلى أَن يَمنَعوا حُسَينا ولا أَنفُسَهُم، تَنافَسُوا في أن يُقتَلُوا بَينَ يَدَيهِ، فَجَاءَهُ عَبدُ اللهِ وعَبْدُ الرَّحمن ابنا عَزرَةَ الغفاريان، فقالا: يا أبا عَبدِ اللهِ عَليكَ السَّلامُ، حازَنَا الْعُدُو إِليكَ، فَأَحبَبنا

أن نُقتَلَ بَينَ يَدَيكَ، نَمنَعُكَ ونَدفَعُ عَنكَ.

قالَ مَرحبا بكْمَا! ادنُوا مِنِّي، فَدَنَوا مِنهُ، فَجَعَلا يُقاتِلان قريباً مِنهُ، وأَحَدُهُما يَقولُ:

قد عَلِمَت حَقَّاً بَنو غِفار *** وخِندِفٌ بَعدَ بَني نِزار

لنضربَنَّ مَعْشَرَ الفجار *** بكُلَّ عَضبٍ صارمٍ بَتّار

يا قوم ذودوا عَن بَنِي الأحرار *** بالمَشرَفِيٌّ وَالقَنَا الخطار (1)

ثُمَّ خَرَجَ من بعده (أي من بعد يحيى بن سليم المازني) قرَةَ بن أبي قُرَةَ الغَفاري، وهو يقول:

قد عَلِمَت حَقَّاً بَنو غِفار *** وخِندِفٌ بَعدَ بَني نِزار

بأنَّنِي الليْثُ لدَى الغُبار *** لأضربَنَّ مَعشَرَ الفجَّار

بِكُلِّ عَصْبٍ ذكَرِ بَنَّار *** ضَرَباً وحَتفاً عنْ بَني الأخيَار


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 442 و (ط الأعلمي) ج 4 ص337 والكامل في التاريخ ج 4 ص 72 وراجع البداية والنهاية ج 8 ص 201 وراجع مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 23 وبحار الأنوار ج 45 ص 28 و 29 وج44 ص 320 وراجع أيضاً: مثير الأحزان ص 85 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 43 وراجع: الأمالي للصدوق، المجلس رقم 30 وروضة الواعظين ص 206 و (منشورات الشريف الرضي) ص 187 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 169 و 272

رَهطِ النبي السادةِ الأبْرَارِ

ثُمَّ حَمَلَ فَقاتَلَ حَتَّى قُتِلَ (1).

3 - قال ابن شهر آشوب: إن قرة هذا قد قتل ثمانية وستين رجلا (2).

وقد نسب الخورازمي هذا الرجز إلى عبد الرحمان بن عروة، فراجع.

أما رواية أمالي الصدوق المجلس [30] فقد نسبت الرجز إلى عبد الله بن أبي عروة الغفاري وقالت: إنه قتل عشرين رجلاً.

وذكر ابن شهرآشوب: أن عبد الله قد قتل في الحملة الأولى (3).

ويفهم من كلام السماوي: أن أخاه عبد الرحمان أيضاً قد قتل في الحملة الأولى، فراجع (4).


1) راجع: الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 106 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 102 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 251 وبحار الأنوار ج 45 ص 24 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 268

2) مناقب آل أبي طالب (ط إيران) ج 4 ص 102) و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 251

3) مناقب آل أبي طالب ط دار الأضواء ج 4 ص 111 و (ط أخرى) ص 113 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 260 وبحار الأنوار ج 45 ص 64 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 341

4) إبصار العين ص 175 و 176 ص175

الإختلاف في الأسماء:

لا خلاف في اسم الغفاريين، ولكن الخلاف في اسم أبيهما، فهل هما ابنا عزرة، أو ابنا عرزة بن قيس بن أبي غرزة، أو هما ابنا عرزة، أو عروة، أو ابنا قيس بن أبي عروة. أو ابنا عروة الحراق أو ابنا عروة بن حراق؟!

لا مجال لترجيح أي من ذلك إلا بعد البحث والتمحيص.

تشابه أرجاز بعض المقاتلين:

ويلاحظ: أن أرجاز بعض المقاتلين تتشابه كثيراً.. بل إن الرجز الواحد ينسب تارة إلى هذا، وينسب أخرى إلى ذاك..

ولعل سبب ذلك: هو أن المقاتلين قد يأخذون أرجاز بعضهم، وينشدونها في الحرب، لأنها وافقت طموح المحارب، ونالت استحساناً لديه، وعبرت عن مشاعره، وربما استعاروا بعضها، وغيروا وبدلوا في بعض ألفاظها، وفقاً لظروفهم وحالاتهم..

إبن الكدن الأرحبي:

وعدّ عبد الرحمان بن عبد الله بن الكدن الأرحبى من شهداء الحملة الأولى (1). ونقل عنه هذا الرجز:


1) راجع: مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 4 ص 111 و (ط أخرى) ص 113 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 260 وبحار الأنوار ج 45 ص 64 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 341

إنِي لِمَن يُنْكِرُنِي إِبْنُ الكَدِن *** إنّي على دين حسين وَحَسَنْ

وقاتل حتى قتل (1).

وقال ابن أعثم:

خرج... عبد الرحمن بن عبد الله اليزني وهو يقول:

أنا ابنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ آل يَزَنْ *** ديني على دين حسين وَحَسَنْ

أضربُكُمْ ضَرْبَ فَتَى مِنَ الْيَمَنْ *** أرْجُو بذاك الفوز عِنْدَ المُؤْتَمَنْ

ثم حم- حمل فقاتل حتى قتل «رحمه الله» (2).

ونقول:

قد أشرنا فيما سبق إلى أن ثمة تعمداً لدى أصحاب الإمام «عليه السلام» لإعلان أنهم يختلفون في الدين مع من حاربوا إمامهم، وأصبحوا بذلك أمة أخرى، ومن دين آخر، فراجع.

إختلاف الأسماء:

والإختلافات في الأسماء تفرض نفسها هنا أيضاً، فهل هو عبد الرحمان بن عبد الله، أو ابن عبيد؟!

وهل هو ابن الكدن، أو ابن الكدر ؟!


1) أنساب الأشراف ج 3 ص 404 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 196

2) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 106 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص17 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 102 وبحار الأنوار ج 45 ص 22 وتسلية المجالس ج 2 ص292

وهل هو الأرحبي، أو الأرْجي، أو الأزدي؟!

لا مجال للجزم بأي من هذه الأقوال، ولا نرى ضرورة للبحث في ذلك في هذا الكتاب.

جبلة بن عبد الله (علي) الشيباني:

وعد من شهداء الحملة الأولى جبلة بن عبد الله (أو بن علي) الشيباني (1).

وهل هو جبلة بن علي أو هو عامر، وهو ابن أبي عبد الله، أو ابن علي اختلفت الروايات في ذلك، فراجع (2).

عمرو بن عبد الله الجندعي:

وعدَّ ابن شهر آشوب عمرو بن عبد الله الجندعي في جملة شهداء الحملة الأولى (3).


1) راجع: مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 4 ص 111 و (ط أخرى) ص 113) و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 260 وبحار الأنوار ج 45 ص 64 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 341

2) راجع الأمالي للشجري ج 1 ص 172 والحدائق الوردية ج 1 ص122 وبحار الأنوار ج 45 ص 72

3) راجع: مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 4 ص 111 و (ط أخرى) ص113 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 260 وبحار الأنوار ج 45 ص 64 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 341

ولكن هناك من يقول: إنه جرح، واستشهد بعد سنة من يوم عاشوراء (1).

وقد جاء في زيارة الناحية قوله: السلام على المرتث معه (أي مع سوار) عمرو بن عبد الله الجندعي.

أبو عمر النهشلي:

عن مهران مولى بني كاهل: شهدتُ کَربَلاءَ مَعَ الحُسَين «عليه السلام»، فَرَأَيتُ رَجُلاً يُقاتِلُ قِتالاً شديداً، لا يَحمِلُ عَلَى قومٍ إِلَّا كَشَفَهُم، ثُمَّ يَرجِعُ إلى الحُسَين «عليه السلام» ويَرتَحِرُ ويَقولُ:

أبشر هديتَ الرُّشْدَ تَلقى *** في جَنَّةِ الفِردَوس تَعلو صُعُدا

فقلتُ: مَن هذا؟

فقالوا: أبو عُمَرَ النَّهْشَلِيُّ - وقيلَ: الخَثْعَمِيُّ -.

فَاعتَرَضَهُ عَامِرُ بنُ نَهْشَلٍ أَحَدُ بَنِي الثاتِ مِن تَعَلبَة، فَقَتَلَهُ وَاجِتَزَ رَأسَهُ.

وكان أبو عُمَرَ هذا مُتَهَجِّداً كَثيرَ الصَّلاةِ (2).


1) الأمالي للشجري ج 1 ص 173 والحدائق الوردية ج 1 ص 122 وراجع: المزار لابن المشهدي ص 495 وإقبال الأعمال ج3 ص 80

2) مثير الأحزان ص 57 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 42 وبحار الأنوار ج 45 ص 30 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 273 وقاموس الرجال ج11 ص 446 وإبصار العين ص 135

وقد ورد اسم شبيب النهشلي - وهو أبو عمر - في زيارة الناحية أيضاً.

ونقول:

إختلاف الأسماء:

هل اسم هذا الرجل هو شبيب، أو حبيب، أو زياد بن عريب الصائدي؟!

واسم والده هل هو عبد الله، كما في رجال الشيخ ص74، أو عريب؟!

وقد نسب إلى النهشلي تارة، وإلى الخثعمي أخرى، وإلى الهمداني، أو الصائدي ثالثة وقتل في الحملة الأولى، وقيل: قتل مبارزة (1).

وقالوا أيضاً: إنه التحق بالإمام الحسين «عليه السلام» ليلة العاشر.

يزيد بن نبيط وولداه:

وقد صرح ابن شهر آشوب: أن عبد الله، وعبيد الله ابني زيد قد استشهدا في الحملة الأولى (2).


1) ذخيرة الدارين ص 219 ووسيلة الدارين ص 156 وأعيان الشيعة ج 4 ص 564

2) مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 4 ص 111 و (ط أخرى) ص113 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 260 وبحار الأنوار ج 45 ص 64 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 341

أما أبوهما فاستشهد في المبارزة.

التصحيفات:

بالنسبة لوالد عبد الله وعبيد الله، فقد قيل: إن اسمه يزيد، أو بدر، أو زيد بن نبيط أو بنيط، أو ثبيت، أو رقيط، القيسي، أو البصري.

ولا نرى ضرورة لتحقيق ذلك في كتابنا هذا..

قعنب بن عمر النمري:

وذكر في جملة من استشهد في الحملة الأولى: قعنب بن عمر النمري (1). وقد ورد السلام عليه في زيارة الناحية: السلام على قعنب بن عمرو النمري.

مسلم بن كثير:

ومن شهداء الحملة الأولى مسلم بن كثير الأزدي الأعرج (2).


1) وسيلة الدارين ص184

2) مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 4 ص 111 و (ط أخرى) ص113 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 260 وبحار الأنوار ج 45 ص 64 ج3 والعوالم، الإمام الحسين ج17 ص 341

سالم بن عمرو:

وذكروا في شهداء الحملة الأولى سالم بن عمرو، مولى بني المدنية (1)، وهم بطن من كلب، وكان قد التحق بالإمام الحسين «عليه السلام» أيام المهادنة، واستشهد معه.

ربيعة بن خوط:

وذكر أيضاً: أن ربيعة بن خوط قد استشهد في الحملة الأولى (2).

عمرو بن ضبيعة:

ولعله هو عمرو بن مشيعة، الذي ذكره ابن شهرآشوب في جملة شهداء الحملة الأولى (3).

ولعله هو نفس عمر بن ضبيعة المذكور في زيارتي الناحية والرجبية. ولكن الزيارة الرجبية ذكرته باسم ضبيعة بن عمرو.

أدهم بن أمية:

ذكره الفضيل بن الزبير المعاصر للإمام الباقر «عليه السلام» (4).


1) نسب ذلك السماوي في إبصار العين إلى ابن شهر آشوب، ولا ندري مدى صحة النسبة

2) ذخيرة الدارين ص188

3) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 113 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 260

4) راجع: مجلة تراثنا رقم 2 ص 127 والأمالي للشجري ج 1 ص172 والحدائق الوردية لحسام الدين حميد بن أحمد المحلي (من علماء الزيدية) ج 1 ص 121

وعده بعض العلماء من شهداء الحملة الأولى (1).

جلاس أو حلاس بن عمرو:

وقد عدّ جلاس [حلاس] بن عمرو من شهداء الحملة الأولى (2).

نعمان بن عمرو:

أما نعمان بن عمرو، فلعله أخو حلاس بن عمرو. فقد عد من شهداء الحملة الأولى أيضا (3).

زاهر:

أما زاهر صاحب عمرو بن الحمق، فقد عد من شهداء الحملة الأولى أيضا (4).

زهير بن بشر الخثعمي:

عد من شهداء الحملة الأولى زهير بن بشير الخثعمي (5).


1) تنقيح المقال ج 1 ص 106

2) مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 4 ص 111 و (ط أخرى) ص113 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 260 وبحار الأنوار ج 45 ص 64 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 341

3) راجع الهامش السابق

4) راجع الهامش السابق

5) راجع الهامش السابق

زهير بن سليم الأزدي:

وممن استشهد في كربلاء في الحملة الأولى زهير بن سليم الأزدي (1).

سوار بن أبي حمير:

أما سوار بن أبي حمْير، فقد جرح وأسر يوم عاشوراء، واستشهد بعد ستة أشهر متأثراً بجراحه (2).

ولكن ابن شهر آشوب عدَّه من شهداء الحملة الأولى (3).

سيف بن مالك:

عدَّ في جملة شهداء الحملة الأولى سيف بن مالك أيضاً (4).


1) مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 4 ص 111 و (ط أخرى) ص 113 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 260 وبحار الأنوار ج 45 ص 64 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 341. وراجع: الأمالي للشجري ج 1 ص 173 والحدائق الوردية ج 1 ص 122

2) راجع: أنساب الأشراف ج 3 ص 405 والأمالي للشجري ج1 ص173 والحدائق الوردية ج 1 ص 122، وفيهما سوار بن حمير

3) مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 4 ص 111 و (ط أخرى) ص 113 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 260 وبحار الأنوار ج 45 ص 64 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 341

4) راجع الهامش السابق

ضرغامة بن مالك:

وأما ضرغامة بن مالك، فقد عده ابن شهر آشوب في جملة شهداء الحملة الأولى أيضا (1).

عامر بن مسلم، ومولاه سالم أو (مسلم):

وأما عامر بن مسلم، ومولاه سالم أو مسلم، فقد استشهدا في كربلاء (2). وعدَّ عامر من شهداء الحملة الأولى (3).

وعند ابن حزم: إن عامراً قتل مع الحسين بالطف هو وابنه (4).

عمار بن أبي سلامة الدالاني:

أما عمار بن أبي سلامة الدالاني، الذي حاول الفتك بعبيد الله بن زياد في معسكره بالنخيلة. ثم تمكن من اللحاق بالإمام الحسين «عليه


1) مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 4 ص 111 و (ط أخرى) ص113 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 260 وبحار الأنوار ج 45 ص 64 العوالم الإمام الحسين ج 17 ص 341

2) جمهرة أنساب العرب ص 293 ونسب حمد ج1 ص113

3) مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 4 ص 111 و (ط أخرى) ص113 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 260 وبحار الأنوار ج 45 ص 64 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 341

4) جمهرة النسب ص 595

السلام»، فقد استشهد معه «عليه السلام» في الحملة الأولى (1).

عمار بن حسان الطائي:

وعمار بن حسان الطائي، عدَّه ابن شهر آشوب من شهداء الحملة الأولى (2).

عمران بن كعب الأنصاري:

عمران بن كعب الأنصاري، أو الأشجعي، أو عمر بن أبي كعب الأنصاري.

ويقال: إنه هو عمرو بن قرظة نفسه، عده ابن شهر آشوب في شهداء الحملة الأولى (3).

قاسط بن زهير:

وعن قاسط بن زهير، أو ابن ظهير التغلبي.. نقول: إنه عد من


1) مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 4 ص 111 و (ط أخرى) ص 113 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 260 وبحار الأنوار ج 45 ص 64 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 341

2) مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 4 ص 111 و (ط أخرى) ص113 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 260 وبحار الأنوار ج 45 ص 64 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 341

3) راجع الهامش السابق

شهداء الحملة الأولى (1).

كنانة بن عتيق التغلبي:

قال ابن شهر آشوب عن كنانة بن عتيق التغلبي: إنه استشهد في الحملة الأولى (2).

مجمع بن عبد الله العائذي:

عدَّه ابن شهر آشوب فى جملة شهداء الحملة الأولى (3). وهو أحد الأربعة الذين غاصوا في أوساط الأعداء، فاستنقذهم العباس، ثم استشهدوا بعد ذلك.

مسعود بن الحجاج:

وأما بالنسبة لمسعود بن الحجاج، فقد عده ابن شهرآشوب في جملة شهداء الحملة الأولى (4).


1) راجع الهامش السابق

2) مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 4 ص 111 و (ط أخرى) ص 113 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 260 وبحار الأنوار ج 45 ص 64 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 341

3) مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 4 ص 111 و (ط أخرى) ص 113 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 260 وبحار الأنوار ج 45 ص 64 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 341

4) راجع الهامش السابق

نعيم بن عجلان:

وأما نعيم بن عجلان، فقد عدَّ من شهداء الحملة الأولى (1).


1) راجع الهامش السابق

الباب الرابع:

من لم تحدد ساعة استشهادهم..

الفصل الأول:

الشبامي، والجابريان، وابن مسروق..

بداية:

تقدم في الفصل السابق، وبعض الفصول قبله ذكر طائفة كبيرة ممن استشهدوا فيما عرف بالحملة الأولى.

وقسم منهم استشهد قبل ظهر يوم عاشوراء.

كما أن بعض من استشهد في يوم عاشوراء، ولم يحدد وقت استشهاده قد وردت أسماؤهم في الفصل السابق مثل قرة بن أبي قرة، وربما غيره أيضاً لمناسبة اقتضت ذلك، ككونه أخا أو ابنا لبعض شهداء الحملة الأولى، أو لغير ذلك.

ونريد أن نذكر في هذا الفصل الذين استشهدوا في اليوم العاشر، وليس لدينا ما يدل على أن استشهادهم قد حصل قبل ظهر يوم العاشر، أو بعده، وفي الحملة الأولى، أو فيما تلاها، فنقول:

حنظلة الشبامي:

عن محمد بن قيس قال: جاءَ حَنظلة بنُ ُأسعَدَ الشَّبامِيُّ، فَقامَ بَينَ يَدَي حُسَين «عليه السلام» فَأَخَذَ يُنادي:

(يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ * مِثْلَ دَابِ قَوْمِ نوح وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُريدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ * وَيَا قَوْمِ

إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ * يَوْمَ تُوَلُونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) (1).

يَا قَوْمِ [لا] تَقْتُلُوا حُسَينا فَيُسحِتَكُمُ اللهُ بِعَذَابٍ (وَقَدْ خَابَ مَنِ اقْتَرَى) (2).

فقالَ لَهُ حُسَينٌ «عليه السلام»: يَا ابنَ أسعَدَ! رَحِمَكَ اللَّهُ إِنَّهُم قَدِ استَوجَبُوا العَذابَ حينَ رَدُّوا عَليكَ ما دَعَوتَهُم إِليهِ مِنَ الحَقِّ، ونَهَضوا إليكَ لِيَستَبيحوك وأصحابَكَ، فَكَيفَ بهِمُ الآنَ وقد قتَلُوا إخوانَكَ الصالحين؟!

قالَ: صَدَقت جُعِلْتُ فِداكَ أنتَ أفقهُ مِنّي وأحَقُّ بِذلِكَ، أَفَلا نَروحُ إِلى الآخِرَةِ، ونَلْحَقُ بإخواننا؟

فقالَ: رُح إلى خَيرِ مِنَ الدُّنيا وما فيها، وإلى مُلْكِ لا يَبلى.

فقالَ: السَّلامُ عَليكَ أبا عَبدِ اللَّهِ ! صَلَّى اللهُ عَليكَ وعلى أهل بَيتِكَ، وعَرَّفَ بَينَنا وَبَينَكَ فِي جَنَّتِهِ.

فقالَ آمين آمينَ فَاستَقدَمَ فَقاتَلَ حَتَّى قُتِلَ (3).

وعند ابن طاووس وابن نما: أنَّ حَنظلة بن أسعَدَ الشَّبَامِيُّ وَقَفَ بَينَ


1) الآيات 30 - 33 من سورة غافر

2) الآية 61 من سورة طه

3) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 443 و (ط الأعلمي) ج 4 ص337 والكامل في التاريخ ج 4 ص 72 و 73 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص24 وبحار الأنوار ج 45 ص 23 ونهاية الأرب ج 20 ص 453

يَدَيِ الحُسَين «عليه السلام»، يقيهِ السِّهام والسُّيوفَ بِوَجهِهِ ونَحرِهِ، وأَخَذَ يُنادي: (يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ... الخ.. (1).

ونقول:

التصحيفات:

فيما يرتبط بتصحيف الأسماء نقول:

اختلفت الروايات في حنظلة، فهل هو حنظلة بن سعد، أو أسعد، أو ابن عبد الله، أو ابن عمرو؟!

وهل هو شبامي، أو شامي؟!

ولا مجال لبحث هذا الموضوع في هذا الكتاب.

الحسين «عليه السلام» لم يقتل، بل شبه لهم:

جاء في رواية مطولة سأل فيها عبد الله بن الفضل الهاشمي الإمام الصادق «عليه السلام» عن بعض الأمور، وهي كما يلي:

قال عبد الله بن الفضل الهاشمي فقلت له: يا ابن رسول الله، فكيف سمّت العامة يوم عاشوراء يوم بركة؟!

فبكى «عليه السلام» ثمّ قال : لما قتل الحسين «عليه السلام» تقرب النّاس بالشام إلى يزيد فوضعوا له الأخبار، وأخذوا عليها الجوائز من


1) راجع: الملهوف ص 164 و (نشر أنوار الهدى) ص 65 والإرشاد ج 2 ص 105 ص164 وإعلام الورى ج 1 ص 464 ومثير الأحزان ص 65 و (ط المكتبة الحيدرية) ص48

الأموال، فكان ممّا وضعوا له أمر هذا اليوم، وأنّه يوم بركة، ليعدل الناس فيه من الجزع والبكاء، والمصيبة والحزن، إلى الفرح والسّرور، والتبرك والاستعداد فيه حكم الله ممّا بيننا وبينهم.

قال: ثمّ قال «عليه السلام»: يا ابن عمّ، وإنّ ذلك لأقل ضرراً على الإسلام وأهله مما وضعه قوم انتحلوا مودّتنا، وزعموا: أنّهم يدينون بموالاتنا، ويقولون بإمامتنا، زعموا: أنّ الحسين «عليه السلام» لم يقتل، وأنّه شبه للناس أمره، كعيسى بن مريم، فلا لائمة إذن على بني أميّة، ولا عتب على زعمهم.

يا ابن عمّ، من زعم أنّ الحسين «عليه السلام» لم يقتل فقد كتب رسول الله «صلى الله عليه وآله» وعليّاً، وكتب من بعده الأئمة «عليهم السلام» في إخبارهم بقتله، ومن كدبهم فهو كافر بالله العظيم، ودمه مباح لكلّ من سمع ذلك منه.

قال عبد الله بن الفضل: فقلت له: يا ابن رسول الله، فما تقول في قوم من شيعتك يقولون به؟!

فقال «عليه السلام»: ما هؤلاء من شيعتي، وإنى بريء منهم (1).

حنظلة الشبامي شبيه الحسين «عليه السلام»:

وروى تميم القرشي، عن أبيه، عن أحمد بن علي الأنصاري، عن


1) راجع: بحار الأنوار ج 44 ص 270 و 271 و علل الشرايع ج 1 ص 226 و 227 والعوالم، الإمام الحسين ص 517

أبي الصلت الهروي، قال: قلت للرضا «عليه السلام»: يا ابن رسول الله إن في سواد الكوفة قوماً يزعمون أن النبي «صلى الله عليه وآله» لم يقع عليه السهو في صلاته.

فقال: كذبوا لعنهم الله إن الذي لا يسهو هو الله الذي لا إله إلا هو.

قال: قلت: يا ابن رسول الله، وفيهم قوم يزعمون: أن الحسين بن علي «عليه السلام» لم يقتل، وأنه ألقي شبهه على حنظلة بن أسعد الشامي، وأنه رفع إلى السماء كما رفع عيسى بن مريم «عليه السلام»، ويحتجون بهذه الآية: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) (1).

فقال: كذبوا عليهم غضب الله ولعنته وكفروا بتكذيبهم لنبي الله «صلى الله عليه وآله» في إخباره بأن الحسين بن علي «عليه السلام» سيقتل.

والله لقد قتل الحسين «عليه السلام»، وقتل من كان خيراً من الحسين: أمير المؤمنين، والحسن بن علي، وما منا إلا مقتول.

وإني والله لمقتول بالسم، باغتيال من يغتالني. أعرف ذلك بعهد معهود إلي من رسول الله «صلى الله عليه وآله» أخبره به جبرئيل، عن رب العالمين.

وأما قول الله عز وجل: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ


1) الآية 141 من سورة النساء

سَبيلا)، فإنه يقول: ولن يجعل الله لكافر على مؤمن حجة، ولقد أخبر الله عز وجل عن كفار قتلوا النبيين بغير الحق، ومع قتلهم إياهم لم يجعل الله لهم على أنبيائه سبيلا من طريق الحجة (1).

ونقول:

أنت أفقه مني:

تقدم: أن الإمام الحسين «عليه السلام» قد سجل على الشبامي فيما خاطب به جيش الأعداء: أنه لم يكن دقيقاً في اختيار مفردات موعظته لهم، فقد اختار آيات يفهم منها: أنهم لا زالوا في دائرة الأمان والإيمان، وكأنه يبرئهم من ارتكاب أية جريمة إلى تلك اللحظة، وأنهم لم يستحقوا المؤاخذة والعذاب من الله تعالى بعد، وأنه يخشى عليهم ذلك، إذا فاتتهم الفرصة التي لا تزال مؤاتية لهم.

وهذا خطأ من ناحيتين:

أولاهما: إنهم استحقوا العذاب بنفس مجيئهم لحرب أهل الحق،


1) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 203 و 204 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 1 ص 220 ومسند الإمام الرضا «عليه السلام» للعطاردي ج 1 ص 86 وج 2 ص 503 والتفسير الصافي ج 1 ص 513 وتفسير كنز الدقائق ج 3 ص 569 وتفسير نور الثقلين ج 1 ص 564 وبحار الأنوار ج 44 ص 271 و 272 وج 49 ص 285 ومدينة المعاجز ج 7 ص 155 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 517

وسيد شباب أهل الجنة، وردوا على الإمام «عليه السلام» ما طلبه منهم، من أن يدعوه يرجع.. فهم ما داموا على هذه الحال، فإنهم خارجون على إمام زمانهم، واستحقاقهم العذاب بهذا ثابت إلا إذا حصلت التوبة.

ثانيهما: إنهم استحقوه أيضاً حين ارتكبوا هذه المجزرة الواسعة في حق هؤلاء الأخيار وقتلوا من قتلوا منهم، وقطعوا الرؤوس، وأحرقوا البيوت، ومنعوهم من الماء، وأخذوا عليهم أقطار الأرض وآفاق السماء. فما معنى أن يطمئنهم حنظلة بما تلاه عليهم من آيات كانوا هم قد تجاوزوها إلى ما هو أفظع وأبشع، بل والبالغ أقصى الحدود في الفظاعة والبشاعة؟!

ولأجل ذلك رأينا حنظلة حين أدرك خطأه بادر إلى الاعتراف به، وقال للحسين «عليه السلام» معتذراً بالقول: أنت أفقه مني.

ثم بادر إلى الاستئذان بالدخول في الحرب إلى حد الاستشهاد، بعد أن اتضح له أن صفحة هذا العدو الغاشم قد طويت، وإنه سوف يمعن في إجرامه، وهو سادر فى غيّه. وأن الحياة معه ستكون على حساب دينه، وأنها لا تعني سوى خسران الآخرة..

ولأجل ذلك قال له الإمام «عليه السلام»: رُح إلى خَيرٍ مِنَ الدُّنيا وما فيها، وإلى مُلْكِ لا يبلى.

وهذا ما خسره أولئك المجرمون الظالمون إذ لا نصيب لهم في نعيم الآخرة، بل هم في العذاب خالدون.

ولو أنه جاراهم، وركن إليهم، فغاية ما يحصل عليه لو حصل على شيء من حطام الدنيا، فإنما هو شيء باطل، وملك زائل. وبديهي أن

نصرته للحق وأهله ستجعله يفوز بما هو خير من الدنيا وما فيها، وينال ملكاً لا يبلى..

هل الجواب مطابق للسؤال؟!

قد يقال: إن جواب الإمام الرضا «عليه السلام» لا يطابق سؤال الهروي، لأن سؤاله هو عن عدم وقوع السهو على النبي «صلى الله عليه وآله» في حياته.

وإنما أجاب الإمام «عليه السلام» على قول من يدعي أن النبي لا يمكن أن يسهو، وهذا غير القول: بأنه «صلى الله عليه وآله» لم يسه في حياته، فإن كلمة «لا» تنفي إمكان أن يقع منه ذلك، وكلمة «لم» تنفي وقوع ذلك خارجاً، لعدم توفر أسبابه ، وإن كان ممكن الوقوع في نفسه، فإن زيداً لا يمكن أن يطير مثلاً، فلنا أن نقول : زيدٌ لا يطير، ولكن إذا :قلت: زيد لم يطر، أو لم يقتل فلاناً، فأنت تنفي وقوع ذلك منه، وإن كان يمكن أن يفعل ذلك.

ويجاب:

بأن جواب الإمام «عليه السلام» مطابق للسؤال جزماً، فإن من يقول بعدم وقوع السهو منه صلى الله عليه وآله لا بد أن يدلنا على ما استند إليه في حكمه الجازم هذا .. ونحن نعلم أن الله قادر على أن يسهي البشر كلهم بما فيهم الأنبياء والأوصياء، وهو قادر أيضاً على أن يعصمهم عن السهو والنسيان..

ويصير الفرق بين عصمة الله سبحانه عن ذلك، وعصمة البشر: أن

عصمة الله عن السهو ذاتية، وعصمتهم عنه مرهونة بإرادة الله تعالى، فهي عصمة بالغير لا بالذات.

فالحكم بأن الله تعالى قد شاء أن يعصم نبيه عن السهو في جميع لحظات حياته يحتاج إلى دليل قاطع.

وادّعاء أن عصمة النبي عن السهو ذاتية كالعصمة الإلهية ادّعاء باطل لا يصدر إلا عن جاهل غافل، لأن السهو حالة جوانحية تعرض للإنسان، ولا يمكن للآخرين اكتشافها إلا بآثارها الجوارحية. ولكن السهو قد يحصل للإنسان، ولا تكون له آثار جوارحية مظهرة له، كما لو مسها حين كان مختلياً بنفسه، أو كان بين الناس، لكنه سها فيما لا يظهر لهم السهو فيه، كأن توهم ولو للحظة أن هذا الجالس، مثلاً ليس هو فلان، ثم انتبه، دون أن يلتفت أحد. وكذا لو سها في حركة تظهر لهم، لكنهم لم يدركوا حصول السهو فيها لسبب من الأسباب. كما لو أراد أن يضع يده على خده، فوضعها على ركبته مثلاً.

وقد ذهب الصدوق «رحمه الله» إلى أنه قد تتبلور مصلحة في لحظة ما تقتضي تأكيد بشرية الرسول، حتى لا يعبد من دون الله مثلا،ً حين يظهر المعجزات، أو تظهر له الكرامات، فيسهيه الله سبحانه، ونحن لم نوافق الصدوق على قوله هذا، كما بيناه في كتاب الصحيح من سيرة النبي الأعظم «صلى الله عليه وآله» ج6.

على أن النفي القاطع لوقوع السهو منه «صلى الله عليه وآله» مع وجود أخبار تصرح بوقوعه، يعتبر مجازفة ظاهرة لا يمكن الركون

إليها، إن لم يقم عليها دليل قاطع..

وخلاصة الكلام: أننا نعلم: أن النافين لوقوع السهو عنه «صلى الله عليه وآله» لا يعلمون الغيب، ولم يأخذوا نفيهم هذا من مصدر الوحي القادر على معرفة جميع أحوال الشخص في جميع الآنات، طيلة حياة رسول الله «صلى الله عليه وآله». وهو الذي يستطيع أن يخبر عن حصول هذا الأمر، أو عدم حصوله في أي من تلك الآنات.

فإخبار هؤلاء غير المطلعين على الغيب، ولا الآخذين من المعصوم المتصل بالوحي عن عدم وقوع السهو منه «صلى الله عليه وآله» في جميع لحظات حياته إخبار عن أمر لا سبيل لهم للعلم به، وإخبارهم به كاذب بلا ريب لأن من يخبر به لا يعلم الغيب، ولا أخذ خبره عمن يعلمه...

وإن كان إخباراً عن عدم الإمكان، أي أن النبي «صلى الله عليه وآله» لا يمكن أن يسهو. ليكون نفي الإمكان دليلاً على عدم الوقوع، فذلك يعني: أنهم يعطون صفات الله تعالى لبعض مخلوقاته، وهم يطلقون قاعدة ليس عليها دليل، بل الدليل قائم على خلافها، ولأجل ذلك أجاب الإمام «عليه السلام»: بأن الذي لا يصح في حقه السهو هو الله سبحانه، وليس في النبي عنصر إلهي لكي يقال: إن صفات الله تثبت له «صلى الله عليه وآله»..

ولأجل ذلك قال «عليه السلام»: «كذبوا».

كما أن سعي هؤلاء للارتفاع بالنبي إلى حد إثبات صفات الله تعالى له، غلو وضلال، يستحقون عليه اللعن، والدعاء عليهم بالطرد من

رحمة الله تعالى.

حكم الله بيننا وبينهم:

وتقدم أن الإمام الصادق «عليه السلام» بعد أن ذكر لعبد الله بن الفضل الهاشمي، أن الناس تقربوا ليزيد بوضع الأخبار حول أن يوم عاشوراء يوم بركة، عقب على ذلك بقوله: حكم الله بيننا وبينهم..

ونقول:

1 - لا ريب في أن من أعظم الجرائم وضع الحديث على لسان رسول الله «صلى الله عليه وآله». فقد قال أمير المؤمنين «عليه السلام»: ولقد كذب على رسول الله «صلى الله عليه وآله» على عهده، حتى قام خطيباً، فقال: من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار (1).


1) راجع المصادر التالية: الكافي ج 1 ص 62 الإعتقادات في دين الإمامية للصدوق ص 118 والخصال ص 255 وتحف العقول ص 193 وشرح أصول الكافي ج 2 ص 305 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج27 ص207 و (الإسلامية) ج 18 ص 153 ومستدرك الوسائل ج 9 ص91 و 92 و 93 وج 17 ص 288 و 340 وكتاب سليم بن قيس ص 181 وشرح الأخبار ج 1 ص 28 و ج 2 ص 277 وكتاب الغيبة للنعماني ص81 والمسترشد ص 232 والإستنصار للكراجكي ص 11 والإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 393 و ج 2 ص 246 والعمدة لابن البطريق ص 224 والطرائف ص 454 والصراط المستقيم ج 3 ص 156 و 258 وغوالي اللآلي ج 1 ص 186 ووصول الأخيار إلى أصول الأخبار ص 167 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 309 وبحار الأنوار ج 2 ص 161 و 225 و 229 وج34 ص 169 وج 36 ص 273 و ج 37 ص 223 و ج 50 ص 80 وكتاب الأربعين للماحوزي ص 41 والنص والإجتهاد ص 521 وجامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 15 و 142 و ج 13 ص 579 ومستدرك سفينة البحار ج 9 ص 80 ومكاتيب الرسول ج 2 ص 76 ومسند أحمد ج4 ص 252 وجه ص 412 وصحيح مسلم ج 1 ص 8 وسنن الترمذي ج 4 ص 268 والسنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 72 وشرح مسلم للنووي ج 1 ص 65 ومجمع الزوائد ج 1 ص 148 والمصنف للصنعاني ج 2 ص 109 والمصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 204 و 205 والآحاد والمثاني للضحاك ج 5 ص 344 و 352 والسنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 444 والمعجم الكبير للطبراني ج3 ص 18 والجامع الصغير ج 1 ص 26 و 357 وكنز العمال ج 3 ص 625 1 وج ص 126 و ج 10 ص 222 و 231 وتذكرة الموضوعات للفتن- ص 6 وفيض القدير ج 1 ص 171 و ج 2 ص 604 والجامع لأحكام القرآن ج 1 ص 32 وتفسير الثعالبي ج 1 ص 139 والإحكام لابن حزم ج2 ص197 وطبقات المحدثين بأصبهان ج 3 ص 234 وتاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 222 وج 64 ص 37 والموضوعات لابن الجوزي ج 1 ص 81 و 87 و 88 وذكر أخبار إصبهان ج 2 ص 6 وأعيان الشيعة ج 1 ص 114 وج 8 ص 128 وكشف الغمة ج 1 ص 344

فكيف إذا كان الغرض من هذا الكذب: هو خدمة الظالمين، وتأييد حكمهم، وتثبيت دعائم بغيهم وضلالهم؟!

وكيف إذا كان الهدف منه أيضاً: تضليل الناس عن الحقائق، وتعمية السبل إليها، والصد عن الحق وأهله. ليبقى الناس يتيهون في ظلمات الأضاليل

والشبهات، والترهات والأباطيل؟!

بل كيف إذا كان الهدف الأهم هو تضييع جهود وجهاد وتضحيات الأنبياء والأوصياء، والأخيار والصلحاء، ودماء الشهداء، من لدن آدم وإلى يوم القيامة؟! وتكريس الباطل، وإلباسه لباس ،الحق، وجعل الضلال هدى، والمحاسن ،مساوئ ، وقلب المفاهيم وإسقاط ومحق القيم والمثل العليا، وذلك بالعمل على إجهاض الحركة الجهادية للحسين وأهل بيته وصحبه، وإفراغها من محتواها، ومحو معالمها؟!

2 - إن هذا التضييع لتضحيات أهل البيت، والعمل على هدر دمائهم، وإبطال جهود الأنبياء والأوصياء يجعل من يفعل ذلك في موقع العدو الجاني والمجرم، بل يكون فعله أقبح، وأعظم شراً على الدين والأمة، وعلى القيم والأخلاق، وعلى الإنسانية كلها إلى يوم القيامة من أي شيء آخر..

ولأجل ذلك لم يقل «عليه السلام» حكم الله بين الحسين وبينهم، بل قال: حكم الله بيننا وبينهم، فجعل نفسه، وسائر من معه، وعلى خطه ونهجه، في جملة المستهدفين بهذا الفعل الإجرامي الشنيع.

3 - إن تنشئة الناس، بما فيهم الناشئة منهم على نزع صفة المأتم والحزن عن كثير من الناس يوم عاشوراء ، واعتباره من أيام المرح والفرح، والتنعم بالملذات لهو جريمة عظيمة، من شأنها أن تحرم الناس من فوائد وعوائد هذا اليوم على صعيد الوعي الديني، والتمييز بين الحق والباطل، والتربية الإيمانية والأخلاقية، وربط الناس بأهل

البيت وتعريفهم بقيمهم وسياساتهم، ومبادئهم، ومواقفهم، واتخاذهم أسوة وقدوة، ومعلمين، ومربين وقادة وشفعاء، وما إلى ذلك.

الأشر والأضر:

وقد صرح «عليه السلام»: بأن هذا العمل الإجرامي والقبيح بالرغم من فداحة نتائجه وآثاره أقل ضرراً على الإسلام وأهله، من فعل قوم انتحلوا مودة أهل البيت، وقالوا بإمامتهم، ثم زعموا: أن الحسين «عليه السلام» لم يقتل، وأنه شُبِّه للناس أمره، كعيسى بن مريم «عليه السلام»..

ونقول:

أولاً: إن صدور هذا الكلام ممن ينتحل مودة أهل البيت «عليهم السلام»، ويقول بإمامتهم أشد وقعاً، وأبعد أثراً في نفوس الناس من قول أي فريق آخر. حيث إنه يوهمهم: بأن هذا القول مأخوذ من أئمة أهل البيت أنفسهم. ومن المعلوم: أن أهل البيت أدرى بما فيه، فيتسرب إلى أعماق قلوب الناس بيسر وسهولة، ويصير اقتلاعه من أذهانهم أصعب وأتعب..

ومن الواضح أن الريب والشك إذا تسرب إلى قتل الإمام الحسين «عليه السلام»، فإنه يكفي لإفراغ عاشوراء من محتواها. وهو ينعش النهج الأموي، ويمنحه دفعاً قوياً باتجاه التغلغل في الواقع الإجتماعي العام، ويمحو - بأيسر سبيل - صورة أهل البيت، وكل رموز الإسلام من الأذهان، وتتلاشى قداستهم، وينسى كثير من الناس ذكرهم، وينتهي

أمرهم.

ثانياً: بل إن الريب والشك في قتل الإمام الحسين «عليه السلام»، سيجعل الجرأة تزداد لتصل إلى النيل من مقام رسول الله «صلى الله عليه وآله» والأئمة الطاهرين، لأن هذه الدعوى تتضمن تكذيباً له ولهم «صلوات الله وسلامه عليه وعليهم». في إخبارهم بقتله «عليه السلام» ومن كذب النبي صلى الله عليه وآله» والأئمة «عليهم السلام»، فهو كافر بالله العظيم الذي اصطفاهم واختارهم، وأخبر بعصمتهم وطهارتهم، وتقواهم، وعلمهم وفضلهم..

ودم من يكذِّب هؤلاء مباح لكل من سمع ذلك منه.

ثالثاً: إن من يدَّعي التشيع لأهل البيت «عليهم السلام» إذا ادَّعى أن الحسين «عليه السلام» لم يقتل، فإنه ينقض تشيعه بذلك، لأن قوله هذا يتضمن التكذيب للنبي والأئمة «عليهم السلام»، ومن يكذب هؤلاء لا يكون من شيعتهم.

من أين علموا بأن الشبه ألقي على الشبامي؟!

وقد زعموا أن شبه الحسين «عليه السلام» ألقي على حنظلة الشبامي، فقتل حنظلة هذا، ونجا الحسين «عليه السلام».

ولنا أن نسأل هؤلاء: من أين وكيف عرفوا أن الشبه قد وقع على حنظلة الشبامي؟ ولماذا لم يعرف بهذا الأمر إلا هؤلاء الناس الذين لم يحضروا كربلاء؟!

وكيف خفى ذلك عن ذلك الجيش الذي يعد بعشرات الألوف، وقد

حضر كربلاء، وحارب الإمام وأصحابه وأهل بيته وقتلهم، وأخذ النساء والأطفال أسرى؟!

ولماذا سكت الإمام السجاد والإمام الباقر، وسائر أئمة أهل البيت «عليهم السلام» عن التنويه بهذا الأمر؟!

وإذا كان الإمام الحسين «عليه السلام» لم يقتل، فلماذا طلب الأئمة «عليهم السلام» من محبيهم إقامة مجالس العزاء له في كل عام؟! ولماذا كانوا هم أنفسهم «عليهم السلام» يشاركون في هذه المجالس ؟!

ومن الذي أخبر هؤلاء الناس بأن الحسين «عليه السلام» قد رفع إلى السماء؟! فإن كان أحد من ذلك الجيش الحاضر في كربلاء قد رآه، فلماذا لا يذكرون اسمه لنا؟! وإذا كان قد رآه أناس آخرون، فلماذا لم يذكروا للناس أسماءهم؟!

ونحن نعلم: أن الوحي قد انقطع بموت خاتم الأنبياء، ومن لا نبي بعده، وهو سيدنا محمد «صلى الله عليه وآله»، فلم يبق أمامنا إلا أن نقول: إن هذه الأباطيل هي من إيحاءات الشيطان.

إلى غير ذلك من الأسئلة الكثيرة التي لن تجد لها جواباً مقنعاً ولا معقولاً.

الإستدلال الباطل:

وقد استدلوا على عدم قتل الحسين بقوله تعالى: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ

لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ) (1). فأبطل الإمام الرضا «عليه السلام» استدلالهم هذا:

أولاً: بأن المراد: أن لا سبيل للكافر على المؤمن بأن يقهره بالحجة والدليل. وليس المراد: أنه لا يستطيع قتله.

ثانياً: لقد حكى الله عن كفار من بني إسرائيل: أنهم قتلوا النبيين بغير الحق. ومع أنهم قتلوهم، فإن الله لم يجعل لأولئك القتلة سبيلا على هذا النبي المقتول لإبطال دعوته بالحجة.

ثالثاً: لقد قتل الإمام علي والإمام الحسن «عليهماالسلام» قبل يوم عاشوراء، ولم يجعل قتلهم هذا سبيلاً للقاتل لإبطال دعوتهم ونهجهم، بل كانت حجتهم، وكلمتهم هي العليا، وكلمة الباطل هي السفلى.

رابعاً: إن الإمام الرضا «عليه السلام» قدَّم حجة قاطعة، مشاهدة وملموسة، هي إخبار غيبي يمكن لسائله وسامعه، ولكل أحد أن يجعل منه حجة قاطعة ودليلا على بطلان دعوى هؤلاء الضالين.. فقد أخبر «عليه السلام» عن نفسه:

أولاً: بأنه مقتول .. وأقسم على ذلك.

وأخبر ثانياً: عن الوسيلة التي يقتل بها، وهي السم.

وصرح ثالثاً: بأنه «عليه السلام» يعرف ذلك بعهد معهود إليه من رسول الله «صلى الله عليه وآله»، أخبره به جبرئيل «عليه السلام»


1) الآية 141 من سورة النساء

عن رب العالمين.

الجابريان:

وبعد استشهاد حنظلة الشبامي خرج الجابريان للقتال، فقد قال محمّد بن قيس جاءَ الفتيان الجابريّان سَيفُ بن الحارث بن سُرَيعِ، وَمَالِكُ بْنُ عَبْدِ بن سُريع، وهُمَا ابنا عَمّ وأخوان لِأُمِّ، فأتيا حُسَينا عليه السلام» فَدَنَوا مِنهُ وهُما يَبكيان.

فقالَ: أي ابنَي أخي، ما يُبكيكُما؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لأرجو أن تَكونا عَن ساعَةٍ قَرِيرَي عَينٍ.

قالا: جَعَلْنَا اللهُ فِدَاكَ لا وَاللهِ ما عَلَى أَنفُسِنا نَبكي، ولكِنّا نَبكي عَليكَ، نَراكَ قد أحيط بك ولا نَقدِرُ عَلى أَن نَمنَعَكَ.

فَقالَ: جَزَاكْمَا اللهُ يا بَني أخي بوَجدِكُما مِن ذَلِكَ، وَمُواسَاتِكُما إِيَّايَ بأنفُسِكْما أحسَنَ جَزاءِ المُتَّقِينَ...

ثُمَّ استَقدَمَ الفتيان الجابريّان يَلْتَفِتان إلى حُسَين «عليه السلام» ويقولان: السّلامُ عَليكَ يَا ابنَ رَسول اللهِ.

فقال: وعَليكُمَا السَّلامُ وَرَحمَهُ اللهِ.

فقائلا حَتَّى قُتِلا (1).


1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 172 عن المصادر التالية تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 442 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 337 و 338 والكامل في التاريخ ج 4 ص 72 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص23 وفيه «عبد الله وعبد الرحمن الغفاريّان» وص 24 ومثير الأحزان ص 66 و (ط المكبة الحيدرية) ص 49 وفيه سيف بن أبي الحارث بن سريع» وليس فيهما من «وهما» إلى «المتقين»، وبحار الأنوار ج 45 ص31 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 274 و 275 وراجع أنساب الأشراف ج3 ص 405 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 198 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 105 وتسلية المجالس ج 2 ص 105 ونهاية الأرب ج 20 ص 453

ونقول:

الإختلاف في الأسماء:

وقد اختلفت الروايات في الأسماء، فهل اسم الأول منهما: سيف؟ أو شبيب، أو سفيان؟

وهل هو ابن الحارث؟ أو ابن سريع، أو أبي الحارث؟

وهل الثاني منهما: ابن عبد الله بن سريع، أو ابن سريع، أو هو ابن عبد بن سريع؟ وهل هو الحائري، أو الهمداني؟!

هذا ما لا مجال للبت فيه إلا بعد البحث والتمحيص، ولا نرى ضرورة لبحث هذا الأمر في هذا الكتاب.

أي ابني أخي، ما يبكيكما؟!

قد يظن ظان: أن الجابريين كانا يبكيان على أنفسهما، أو خوفاً من المصير الذي ينتظرهما، كما تشهد له قرائن المشهد القائم..

ولكن الإمام «عليه السلام» كان يعلم أن في عاشوراء مفاجآت،

وأن عليه أن يثيرها ليستفيد منها الناس عبراً ، ودروساً في الوعي، والإخلاص، والوفاء، ونكران الذات في مقابل القضايا الكبرى.

فسألهما بطريقة فيها الكثير من اللطف والرفق بهما، والحنو عليهما، والتودد لهما، حيث وصفهما ببني أخويه، وسألهما ما يبكيكما؟!

ثم أشار إلى أن بكاءهما على أنفسهما لا يتوقع منهما، فهما يعلمان أنهما يكونان بعد ساعة قريري عين، ويسوق الكلام بطريقة تشير إلى أنه يربأ بهما عن أن يكونا يعانيان من ضمور أو اختلال في درجة الوعي، وصدق الرؤية، وصحة اليقين، وقوة الثبات.

فجاء جوابهما مطابقاً لما توقعه:

«لا وَاللهِ ما عَلَى أَنفُسِنا نَبكي».

للوجد ثوابه أيضاً:

وقد دعا الإمام للجابريين: بأن يجزيهما الله بوجدهما من ذلك أحسن جزاء المتقين، فدل بذلك:

أولاً: على أن الثواب لا يقتصر على الجهد الجوارحي، ولا على الاعتقادات والنوايا القلبية، بل يشمل الوجد والانفعالات العاطفية، فإن لها ثوابها أيضاً.

ثانياً: اعتبر الإمام «عليه السلام» هذا الوجد من مظاهر التقوى، وليس مجرد فورة عاطفية، وتوهج مشاعري قد يتحرك في داخل

الإنسان بصورة لاشعورية، بحيث يفرض نفسه على الإنسان خارج دائرة الإختيار، بل هو من أعمال النفس الإختيارية، ومن تقواها التي تثاب عليها. ولذلك قال «عليه السلام»: «أحسَنَ جَزَاءِ المُتَّقِينَ».

ويشهد لما نقول:

أنه يصح النهي عن هذه المشاعر، والأمر بلزوم مكافحتها، ومنعها من الظهور، كما في قوله تعالى في جلد الزانيين: (وَلَا تَأْخُذْكُمْ بهِمَا رَأفة) (1).

نبكي عليك لا على أنفسنا:

إن هذين الفتيين قد أصبحا مصداقا للمؤمن الصادق، الكامل الإيمان، الذي يكون نبيه، وإمامه أحب إليه حتى من نفسه، وقد قال عمر بن الخطاب لرسول الله «صلى الله عليه وآله»: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي.

فقال «صلى الله عليه وآله» له: لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك.

فقال عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي.

فقال «صلى الله عليه وآله»: الآن يا عمر؟! (2).


1) الآية 2 من سورة النور

2) راجع: مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 226 والطرائف لابن طاووس ص 174 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 355 وبحار الأنوار ج 43 ص 295 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص38 و 73 وغاية المرام ج 2 ص 269 وج6 ص 175

الحجاج بن مسروق:

قالوا : وَخَرَجَ الحَجَّاجُ بنُ مَسروق بَعْدَ أبي الشَعْتَاء وجَعَلَ يَقولُ:

أقدِم هُديتَ هادِياً مَهدِيّا *** فاليَومَ تَلقى جَدَّكَ النَّبيّا

ثمَّ أباكَ ذا النَّدَى عَلِيّا *** ذاكَ الذي نَعْرِفُهُ وَصِيّا

وَالحَسَنَ الخَيرَ التَّقِيَ الوَفِيّا *** وذا الجناحين الفتى الكميّا

وأسَدَ اللهِ الشَّهِيدَ الحَيّا

ثُمَّ حَمَلَ فَقاتَلَ، حَتَّى قُتِلَ (1).

ويلاحظ: أن قوله:

وَالحَسَنَ الخَيرَ التَّقِيَ الوَفِيَا

غير مستقيم الوزن، والصحيح ما في مقتل الحسين للخوارزمي: وَالحَسَنَ الخَيرَ الرِّضَى الوَلِيّا

وذكر ابن شهرآشوب: أن الحجاج هذا قتل خمساً وعشرين رجلاً (2).


1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 109 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 103 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 252 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص20 وبحار الأنوار ج 45 ص 25 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 269

2) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 103 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 252

وفي بعض المصادر: الحجاج بن مسرور (1). بدل: مسروق. ذاك الذي نعرفه وصيا:

قلنا فيما سبق، ونعود فنقول: إن كون علي «عليه السلام» هو وصي رسول الله «صلى الله عليه وآله» مما لا مجال للمراء فيه إلا ممن يتعمد الباطل، ولا يبالي بفضيحة نفسه بإلقائه الكلام على عواهنه.

ويكفي أن نذكر: أن ابن أبي الحديد المعتزلي قد ذكر عشرات الأرجاز والأشعار، التي قالها فئات من الناس الذين اختلفت انتماءاتهم، وطبقاتهم، وعشائرهم ممن هم منتشرون في طول بلاد الإسلام وعرضها، وكلها تصرح بأن علياً «عليه السلام» وصي النبي «صلى الله عليه وآله»..

وقد أوردنا شطراً كبيراً من هذه الأرجاز في كتابنا: «علي «عليه السلام» والخوارج» ج 1 ص 127 – 136.

ونحن نكتفي هنا بذكر أسماء قائلي خصوص الأرجاز التي أوردناها في كتابنا المشار إليه، وهي التالية:

1 - عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب. (له أرجاز في أكثر من مناسبة).

2 - عبد الرحمن بن جعيل.


1) الإرشاد للمفيد ج 2 ص 78

3 - أبو الهيثم بن التيهان.

4 - عمر بن حارثة الأنصاري.

5 - رجل من الأزد في يوم الجمل.

6 - غلام من بني ضبة (في يوم الجمل أيضاً).

7 - سعيد بن قيس الهمداني.

8 - زياد بن لبيد الأنصاري

9 - حجر بن عدي. (له أرجاز في أكثر من مناسبة).

10 - خزيمة بن ثابت الأنصاري. (له أرجاز في يوم الجمل أكثر من مرة، وفي غيرها أيضاً).

11 - عبد الله بن بدیل بن ورقاء الخزاعي.

12 - عمرو بن أحيحة.

13 - زحر بن قيس الجعفي. (في يوم الجمل، وكذلك في صفين).

14 - الأشعث بن قيس. (في أكثر من مرة).

15 - أمير المؤمنين علي ع«ليه السلام».

16 - جرير بن عبد الله البجلي.

17 - النعمان بن عجلان الأنصاري. (أكثر من مرة).

18 - عبد الرحمن بن ذؤيب الأسلمي.

19 - المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب

20 - عبد الله بن العباس بن عبد المطلب.

21 - زفر بن يزيد بن حذيفة الأسدي.

22 - حسان بن ثابت.

23 - المنذر بن أبي خميصة الوداعي.

ولو أردنا استقصاء ذلك في مصادره لاحتجنا إلى وقت طويل، وتأليف مستقل، والحر تكفيه الإشارة.

وأما ذكر الوصية له «عليه السلام» في غير الأرجاز والأشعار، فذلك ما يتعذر الإحاطة به، وفي هذا بلاغ وكفاية، لمن أراد الرشد والهداية.

من مات بغير وصية:

ومن زعم أن النبي صلى الله عليه وآله» قد مات بغير وصية، فقد طعن بالنبوة، ورمى النبي «صلى الله عليه وآله» - والعياذ بالله - بالكفر، فإنه «صلى الله عليه وآله» هو القائل: من مات بغير وصية مات ميتة جاهلية.

ولا يستطيع أحد لديه ذرة من وجدان أو أثارة من علم وإنصاف أن يدَّعي أنه «صلى الله عليه وآله» قد أوصى إلى أبي بكر، أو لغيره سوى علي «عليه السلام».

الفصل الثاني:

ابن القين وأربعة آخرون..

شهادة زهير بن القين:

ثم خَرَجَ زُهَيْرُ بنُ القين «رحمه الله» بعد الحَجَّاجُ بنُ مَسروق.

1 - قالوا: خَرَجَ ... زُهَيرُ بنُ القين البَجَلِيُّ، وهُوَ يَقولُ:

أَنَا زُهَيرٌ وأنا ابن القين *** أذودُكُم بِالسَّيفِ عَن حُسَين

إِنَّ حُسَيْناً أحَدُ السّبْطينْ *** مِنْ عِتْرَةِ البَرِّ التَّقِيِّ الزَّيْنِ

ذاكَ رَسُولُ اللهِ غيرُ المَين *** أضربُكُم ولا أرَى مِن شَيْن

ورُويَ أَنَّ زُهَيراً لمّا أرادَ الحَملة وقفَ عَلى الحُسَين «عليه السلام» وضَرَبَ عَلَى كَتِفِهِ، وَقَالَ:

أقدم حُسَينُ هَادِيَا مَهْدِيًا

ثُمَّ قاتَلَ قِتالاً شديداً، فَشَدَّ عَلِيْهِ كَثِيرُ بنُ عَبدِ اللهِ الشَّعبِيُّ، ومُهاجِرُ بنُ أوس التّميمِيُّ فقتَلاهُ.

فَقالَ الحُسَينُ «عليه السلام» حينَ صُرِعَ زُهَيرٌ: لَا يُبعِدَنَّكَ اللَّهُ يَا زُهَيرُ، ولعَنَ اللهُ قاتِلكَ، لعَنَ الَّذِينَ مَسَخَهُم قِرَدَةً وَخَنازِيرَ!

وكان خروج زهير بعد خروج الحجاج بن مسروق (1).


1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 210 عن: مقتل الحسين للخوارزمي ج2 ص 20 والكامل في التاريخ ج 4 ص 71 وفيه من «ثمّ قاتل» إلى «فقتلاه»، والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 109 وفيه صدره إلى «شين»؛ ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 103 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 252 وفيه «فقتل مئة وعشرين رجلا» بدل قتالاً شديداً وكلاهما نحوه، وبحار الأنوار ج 45 ص 25 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 269 وإبصار العين ص 166 و 167

2 - وقال ابن نما: تَقدَّمَ زُهَيرُ بنُ القين فَقاتَلَ بَينَ يَدَيِ الحُسَين «عليه السلام» وهُوَ يَقولُ:

أنَا زُهَيرٌ وأنا ابنُ القين *** أذودُهُم بِالسَّيفِ عَن حُسَين

قالَ: وحَضَرَت صَلاة الظهر، فأمَرَ «عليه السلام» زُهير بن القين وسَعِيدِ بن عَبدِ اللهِ الحَنَفِيِّ أن يَتَقدَّما أمامَهُ بنِصفِ مَن تَخَلَّفَ مَعَهُ، وصلى بهم صَلاةَ الخَوفِ... (إلى أن قال:) وقاتَلَ زُهَيْرٌ قِتالاً شديداً حتى قُتِل (1).

3 - بَعْدَ أَنْ ردَّ زُهَيرُ بنُ القين «رَحِمَهُ اللهُ في عَشَرَةِ رِجالٍ مِن أصحاب الحُسَين «عليه السلام»، هُجُومَ الشمرُ فِي مَيْسَرَةِ عُمَرَ بْن سَعْدٍ، قَالَ «رحمه الله» مُخاطباً لِلحُسَين «عليه السلام»:

اليَومَ تلقى جَدَّكَ النَّبيّا *** وحَسَناً وَالمُرتَضى عَلِيّا


1) مثير الأحزان ص 65 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 48 وراجع: الملهوف ص 165 و (نشر أنوار الهدى) ص 66

وذا الجَناحَين الفتَى الكَمِيّا (1)

4 - عن عبد الله بن منصور، عن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين، عن أبيه، عن جدّه [زين العابدين] «عليهم السلام»: ثُمَّ بَرَزَ ... زُهَيْرُ بنُ القين البَجَلِيُّ ، وهُوَ يَقُولُ مُخاطباً لِلحُسين «عليه السلام»:

اليومَ تلقى جَدَّكَ النَّبيّا *** وحَسَناً وَالمُرتَضى عَلِيّا

فقتَلَ مِنهُم تِسعَة عَشَرَ رَجُلاً، ثُمَّ صُرِعَ وهُوَ يَقُولُ:

أنا رُهَيرٌ وأنا ابن القين *** أدُبُّكُم بالسَّيفِ عَن حُسَين (2)

5 - عن محمّد بن قيس: قاتَلَ زُهَيرُ بنُ القين قتالاً شديداً، وأخَدَ يَقولُ:

أَنَا زُهَيرٌ وأنا ابن القين *** أدُودُهُم بالسِّيفِ عَن حُسَين

قالَ: وأَخَدَ يَضرِبُ عَلَى مَنكِبٍ حُسَين «عليه السلام» ويَقولُ:

أقدم هديت هادِياً مَهدِيّا *** فاليَومَ تَلقى جَدَّكَ النَّبيّا

وحَسَناً وَالمُرتَضى عَلِيّا *** وذا الجناحين الفتَى الكَمِيّا


1) الإرشاد للمفيد (ط دار المفيد) ج 2 ص 105

2) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 209 عن: الأمالي للصدوق ص 224 ح 239 وروضة الواعظين ص 206 و منشورات الشريف الرضي ص186 من دون إسناد إلى أحدٍ من أهل البيت «عليهم السلام»، وبحار الأنوار ج 44 ص319

وأسَدَ اللهِ الشَّهِيدَ الحَيّا

قالَ: فَشَدَّ عَلَيهِ كَثِيرُ بنُ عَبدِ اللهِ الشَّعبِيُّ ومُهاجِرُ بنُ أوس فقتَلاهُ (1)).

ونقول:

تحدثنا فيما سبق عن موضوع عثمانية زهير بن القين الذي كان قائداً لميمنة عسكر الإمام الحسين «عليه السلام»، وقلنا إن ما استدلوا به على نفيها غير قابل للاعتماد، لاسيما مع مناداة جيش الشمر إياه ليلة التاسع من محرم قائلين له: يا زهير، ما كنت عندنا من شيعة أهل البيت، إنما كنت عثمانياً. وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم.

الذين قتلهم زهير:

في رواية الشيخ الصدوق باب [30]: أن زهيراً «رحمه الله» قتل تسعة عشر رجلاً.

لكن ابن شهر آشوب، ومحمد بن أبي طالب ذكرا : أنه قتل مئة وعشرين فارساً (2).


1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 209 عن تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 441 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 336 وأنساب الأشراف ج 3 ص 403 و ط دار التعارف) ج 3 ص 196 وتذكرة الخواص ص 253 نحوه، وليس فيها من وذا الجناحين» إلى «الحيّا»، والبداية والنهاية ج 8 ص 184 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 199 ونهاية الأرب ج 20 ص 452

2) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 104 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 252 وتسلية المجالس ج 2 ص 277 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 269 وبحار الأنوار ج 45 ص 25

فليلاحظ هذا الفرق الشاسع بين العددين.. وربما أمكن أن يقال في دفع هذا الأمر المستغرب، باحتمال أن يكون قتله للتسعة عشر قد حصل في مبارزته الأخيرة التي انتهت باستشهاده، بعد ظهر يوم العاشر، وذلك لا يمنع من أن يكون قد قتل عشرات آخرين في الحملات السابقة، التي بدأت من صباح يوم العاشر..

ولا ريب في حصول قتال مرير في عدة جولات منذ الصباح وإلى حين مبارزات الأصحاب، بعد أن قلّ عددهم. والنصوص التي ذكرناها في الفصول المتقدمة تشهد على ذلك.

هيبة الحسين:

تقدم: أن زهير بن القين أخذ يضرب على منكب الحسين «عليه السلام»، ويقول:

أقدِم هديتَ هَادِيَا مَهْدِيَّا *** فاليَومَ تَلقى جَدَّكَ النَّبِيَّا

ونحن نشك في صحة هذا الكلام لما يلي:

أولاً: لأن الذي يفترض فيه أن يبرز ويقدم في تلك اللحظة على الأعداء هو زهير، وليس الحسين «عليه السلام»..

إلا أن يقال: إن المقصود ليس هو الإقدام على القتال، بل المراد التشجيع على الثبات على الموقف إلى أن يلاقي «عليه السلام» جده

النبيَّا.

وهذا الاحتمال ليس فقط ليس بالقوي، بل هو مردود، ولا يصح القول: إنه أحس من الحسين تلكُأ، أو تردداً سوَّغ له أن يأمره بالإقدام!

وهل يمكن أن يصدر مثل هذا من الحسين «عليه السلام»؟! أو هل يمكن أن يتوهم هذا الأمر في حقه «صلوات الله وسلامه عليه»؟!

ثانياً: إن للنبي «صلى الله عليه وآله» وأهل البيت «عليهم السلام» هيبة مشهودة، يعرفها، ويعترف لهم بها الخاص والعام، وقد بلغ من هيبة رسول الله «صلى الله عليه وآله»: أن فاطمة تقول ما استطعت أن أكلم رسول الله «صلى الله عليه وآله» من هيبته (1).

كما أن أمير المؤمنين «عليه السلام» يقول: دخلت على رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وكان لرسول الله جلالة وهيبة. فلما قعدت بين يديه أفحمت الخ.. (2).


1) مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص120 بحار الأنوار ج 43 ص 85 ومستدرك سفينة البحار ج 10 ص574 ومجمع الزوائد ج 10 ص 327 و نظم درر السمطين ص 189 وشرح إحقاق الحق الملحقات) ج 25 ص 326

2) بحار الأنوار ج 43 ص 118 و 136 ومستدرك سفينة البحار ج 10 والذرية الطاهرة النبوية ص 94 وأسد الغابة ج 5 ص 520 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 13 ص 683 البداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 3 ص 418 وسيرة ابن إسحاق ج 5 ص 230 ودلائل النبوة ج 3 ص 160 و وكشف الغمة ج 1 ص 358 والسيرة النبوية لابن كثير ج2 ص 544 والخصائص الكبری ج 2 ص 102 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ص 341 وج 25 ص 401 و 403 و 406 وج 33 ص 329 وذخائر العقبى ص 27

وكانت لأمير المؤمنين مهابة وشجاعة (1).

وقد نحل «صلى الله عليه وآله على الحسن «عليه السلام» هيبته (2). حتى إنه كان إذا جلس على باب داره انقطع الطريق، فما مرّ أحد إجلالاً له (3).

وهيبة السجاد «عليه السلام» مشهودة أيضاً، وقضيته مع هشام الأموي حيث كان الناس في الطواف يتنحون له «عليه السلام» حتى يستلم الحجر (4)ولا يفعلون ذلك مع هشام الأموي، قضية معروفة ومشهورة .

وقد روي: أن من صفات كل إمام هيبته، لأن رسول الله «صلى الله


1) راجع بحار الأنوار ج 41 ص 59 باب مهابته وشجاعته

2) بحار الأنوار ج 43 ص 263 و 264 و 293 ومستدرك سفينة البحار ج 10 ج43 ص263 ص 574

3) بحار الأنوار ج 43 ص 338 ومستدرك سفينة البحار ج 10 ص 574

4) راجع: إختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ج 1 ص 343 وروضة الواعظين ص 199 ومستدرك الوسائل ج 10 ص 395. ومصادر كثيرة أخرى

عليه وآله» هكذا كان، وكذلك يكون الإمام (1).

وهناك شواهد كثيرة حول هيبة الأئمة «عليهم السلام»، فراجع (2).

أضربكم ولا أرى من شين:

تقدم قول زهير مخاطباً جيش يزيد:

ذاكَ رَسولُ اللهِ غيرُ المَين *** أضربُكُم ولا أرى مِن شَين

وهو يدل على أن الأمور كانت لدى أصحاب الحسين «عليه السلام» في غاية الوضوح، فهم على بصيرة من أمرهم، بخلاف جيش الأعداء، فإنه كان في حيرة ووجل، وكأنه يخبط خبط عشواء، في الليلة الظلماء.

وقد تكررت لمحات هذا المعنى في كلمات آخرين من أصحاب الإمام الحسين «عليه السلام» في عاشوراء.

ولعل السبب في ذلك:

أولاً : أن زهير بن القين - كما تقدم بيانه - قد خاطب جيش يزيد يوم عاشوراء قائلاً: إنه إذا وقع بيننا وبينكم السيف كنا أمة وأنتم أمة.


1) بحار الأنوار ج 46 ص 244

2) راجع: بحار الأنوار ج 44 ص 119 وج 36 ص 250 وج 48 ص 193 وج 47 ص 217 وج 50 ص 106 و 314 وج 51 ص 369. وهناك شواهد أخرى، فراجع المصادر

وهذا يدل على أن أصحاب الإمام كانوا يملكون معايير اعتقادية، تخولهم الحكم على الأمور، والتعامل معها بيقين.

ثانياً: قد أعلن زهير أنه إنما جاء ليذود عن حسين، أحد السبطين، وأحد عترة رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وفي هذا المجد، والفخار والزلفى لدى النبي المختار، فهو من موجبات الاعتزاز، واستحقاق الثناء.

والذي لا بد أن يخجل من نفسه، ومن الناس، هو من يعرف أن فعله شین وعار، وهو من يقدم على قتل سبط الرسول «صلى الله عليه وآله»، وابن علي والبتول «صلوات الله عليهما».

أبو ثمامة الصائدي:

وبعد استشهاد عدد من أصحاب ابي عبد الله «عليه السلام» هاجم أبو ثمامة الصائدي الأعداء وهو يرتجز ويقول:

عَرَاء لِآل المُصطفى وبَناتِهِ *** عَلى حَبْسٍ خَيْر النَّاسِ سِبْطِ

عَزَاءً لِزَهْرَاءِ النَّبِيِّ وَزَوْجِهَا *** خَزَانَة عِلمِ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ أَحْمَدِ

عَزَاءً لِأهْلِ الشَّرْق والغرب كُلّهمُ *** وحُزْناً عَلَى حَبْس الحُسَيْنِ

فَمَنْ مُبْلِغْ عَنِّي النَّبِيَّ وَبَنْتَهُ *** بأنَّ ابْنكُمْ فِي مَجْهَدِ أَيَّ

(1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 104 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 253

فقاتَلَ، حَتَّى قُتِلَ. قتَلهُ قَيْسُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ (1).

ونقول:

التصحيفات والإختلافات:

هل اسم أبي ثمامة الصائدي عمر، أو عمرو، أو زياد؟!

وهل هو أبو ثمامة أو أبو عامر، أو أبو همامة، أو أبو تمامة؟!

وهل هو عبد الله، أو ابن عمرو بن عريب، أو ابن عمر، أو ابن عريب؟!

وهل هو الصائدي، أو الصيداوي، أو الأنصاري؟! كل ذلك قد ورد في النصوص والمصادر..

متى قتل أبو ثمامة؟!:

وقد ذكر الطبري: أن أبا ثمامة قتل ابن عم له كان عدواً له، «ثم صلوا الظهر» (2).

وهذا يشير إلى أن استشهاد أبي ثمامة «رحمه الله» كان بعد صلاة الظهر.


1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 157 عن الأمالي للشجري ج 1 ص 173 والحدائق الوردية ج 1 ص 122

2) تاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 336 والكامل في التاريخ ج4 ص71

ماذا في شعر أبي ثمامة؟!

وقد رأينا في الشعر الذي أنشده أبو ثمامة وهو يهاجم الأعداء إشارات إلى أمور عديدة تحتاج إلى بيان، ونذكر منها ما يلي:

1 - إن المقصود ببنات المصطفى «صلى الله عليه وآله» ليس هو بناته المباشرين، بل ما يشمل زينب «عليها السلام»، وسائر بنات الزهراء، سواء في ذلك من حضر منهن كربلاء وغيرهن.

فلا مورد للقول: بأن كلمة «وبناته» تدل على أن النبي «صلى الله عليه وآله» له بنات غير الزهراء.

كما أن المقصود بآل المصطفى هنا هو سائر من ورد ذكرهم في حديث الكساء، ومعهم سائر المعصومين من ذرية الحسين «عليه السلام»، ومنهم الإمام السجاد والإمام الباقر «عليهما السلام» اللذان حضرا كربلاء. أو جميع آل المصطفى الذين يحزنون أشد الحزن على الإمام الحسين «عليه السلام».

2 - إن أبا ثمامة لم يشر في شعره إلى ما يُجمعُ عليه، ويسعى إليه جيش يزيد من قتل الحسين «عليه السلام»، بل ذكر حبسهم إياه، وما يلقاه «عليه السلام» من ،شدائد فهل هو لم يشر إلى سعيهم لقتله عليه السلام» تأدباً معه، ولكي لا يؤذي مشاعره، أو مشاعر محبيه، الذين يسمعون هذا الشعر؟! أو هناك سبب آخر يضاف إلى ذلك؟!

3 - قد يقال: إن تعزيته للزهراء، ولعلي «عليهما السلام»، وبحثه عمن يبلغ النبي والزهراء بما يواجهه الحسين «عليه السلام» من جهد

وشدة، يشير إلى أنه يرى أنهم في عداد الأحياء، ليس لأجل أنهم من الشهداء الذين هم أحياء عند ربهم يرزقون وحسب، بل أيضاً على قاعدة : أشهد أنك ترى مقامي، وتسمع كلامي، وترد سلامي.. وهذا هو الصحيح المعتمد بالإضافة إلى صحة ما ذكر أيضاً عن الشهداء، وهم «عليهم السلام» منهم.

4 - إنه يصرح: بأنه يرى أن الحسين «عليه السلام» خير الناس، حيث قال على حبس خير الناس.

5 - إنه يرى أن ما يجري على الحسين مصيبة عظيمة تنال البشر كلهم في شرق الأرض وغربها.. وهذا يدل على الوعي التام، لعواقب الجريمة التي يرتكبها الظالمون في حق الإمام الحسين «عليه السلام». وإدراك أن ارتداداتها ستنال جميع البشر.

6 - لعلنا لا نبعد إذا قلنا: إن وصفه الإمام بالمسدد يشير فيه إلى عصمته «صلوات الله وسلامه عليه».

7 - لا ننسى أيضاً تصريحه: بأن علياً «عليه السلام» خزانة علم الله من بعد أحمد مما يعني أنه عليه السلام أعلم البشر، وأن علمه منحة إلهية تتجاوز موضوع التعلم إلا من رسول الله «صلى الله عليه وآله». وما اختصه الله تعالى به إلى سبل أخرى تفرضها الوقائع والأحوال على النحو المناسب.

شوذب وعابس:

وعن حديث شوذب وعابس نقول:

1 - أما بالنسبة لشوذب، فنقول:

عن محمد بن قيس: جاءَ عابسُ بنُ أبي شَبِيبٍ الشَّاكِرِيُّ، وَمَعَهُ شَودَبٌ مَولى شاكِرِ فَقالَ یا شوذبُ ما في نَفْسِكَ أَن تَصنَعَ؟

قال: ما أَصنَعُ؟ أقاتِلُ مَعَكَ ُدونَ ابن بنت رسول اللهِ «صلى الله عليه وآله» حَتَّى أَقْتَلَ؟!

قالَ: ذلِكَ الظَّنُّ ُبكَ. أمّا لا فَتَقَدَّم بَينَ يَدَي أبي عَبْدِ اللَّهِ حَتَّى يَحْتَسِبَكَ كَمَا احتَسَبَ غَيرَكَ مِن أصحابه، وحتى أحتَسبَكَ أَنَا، فَإِنَّهُ لَو كَانَ مَعِي السَّاعَة أَحَدٌ أَنَا أولى بهِ مِنّي بِكَ لَسَرَّني أَن يَتَقَدَّمَ بَينَ يَدَيَّ حَتَّى أَحتَسِبَهُ، فإِنَّ هذا يَومٌ يَنبَغِي لنا أن نطلب الأجر فيهِ بكُلِّ ما قدَرنا عَليهِ، فَإِنَّهُ لاعَمَلَ بَعدَ اليَوم، وإِنَّما هُوَ الحِسابُ.

قالَ: فَتَقَدَّمَ، فَسَلَّمَ عَلى الحُسين «عليه السلام»، ثُمَّ مَضى فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِل (1).

ونقول:


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 443 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 4 ص 338 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 22 نحوه؛ وبحار الأنوار ج 45 ص28 وراجع : الكامل في التاريخ ج 4 ص 73 ومثير الأحزان ص 66 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 49 والإرشاد ج 2 ص 105 وإعلام الورى ج 1 ص464 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 272 وإبصار العين ص127 ولواعج الأشجان ص158

هل هو شوذب، أو سويد؟! اختلفت الروايات في ذلك، ولعله بسبب التصحيف.

2 - وأما بالنسبة لعابس، فنقول:

ألف: عن أبي مخنف، عن محمّد بن قيس: ثُمَّ قَالَ عَابِسُ بنُ أَبي شبيب: يا أبا عَبدِ اللهِ، أما واللهِ ما أمسى عَلى ظهر الأرض قريب ولا بَعِيدٌ أَعَزَّ عَليَّ ولا أَحَبَّ إِليَّ مِنكَ، ولو قدرتُ عَلَى أَن أَدفَعَ عَنكَ الصَّيمَ وَالقتلَ بِشَيْءٍ أَعَزَّ عَلَيَّ مِن نَفسي ودَمي لفَعَلْتُهُ.

السَّلامُ عَليكَ يا أبا عَبدِ اللَّهِ، أشهدُ اللهَ أنّي عَلى هَديكَ، وهَدي أبيكَ.

مَشى بِالسَّيفِ مُصلِتاً نَحوَهُم، وبهِ ضَربَةٌ عَلى جَبينِهِ.

قال أبو مِخنَفٍ حَدَّتْني نُمَيرُ بنُ وَعَلة، عَن رَجُلٍ مِن بَنِي عَبْدٍ مِن هَمدان، يُقالُ لَهُ رَبيعُ بنُ تَميمٍ - شهدَ ذلِكَ اليَومَ - قَالَ: لمّا رَأيتُهُ مُقبلا عَرَفْتُهُ وقد شاهَدتُهُ فِي المَغازي، وكانَ أشجَعَ النَّاسِ، فقلتُ: أَيُّهَا التاس، هذا الأسَدُ الأَسوَدُ هذا ابنُ أبي شَبِيبٍ، لَا يَخرُجَنَّ إِلَيهِ أَحَدٌ مِنكُم.

فأخذ يُنَادِي: أَلا رَجُلٌ لِرَجُلٍ!

فقالَ عُمَرُ بنُ سعدٍ: ارضخوه بالحِجارَةِ.

قالَ: فَرُمِيَ بِالحِجارَةِ مِن كُلِّ جانِبِ.

فلمّا رَأى ذلِكَ ألقى دِرعَهُ ومِغفَرَهُ ثُمَّ شَدَّ عَلى النّاس، فَوَاللَّهِ لرَأَيْتُهُ يَكرُدُ أُكثرَ مِن مِئَتَين مِنَ النّاس، ثُمَّ إِنَّهُم تَعَطَّفُوا عَليهِ مِن كُلِّ جَانِبِ،

فَقُتِلَ.

قالَ: فَرَأَيتُ رَأْسَهُ في أيدي رجال ذوي عُدَّةٍ، هذا يَقُولُ: أَنَا قَتَلْتُهُ، وهذا يَقولُ: أَنَا قَتَلْتُهُ، فأتوا عُمَرَ بنَ سَعدٍ، فَقالَ: لا تَختَصِمُوا، هذا لم يَقْتُله سنان واحِدٌ، فَفَرَّقَ بَينَهُم بهذا القول (1).

یكرد: يطرد.

هذا.. وفي الروايات: عابسُ بنُ شَبيبٍ. وفيها أيضاً عابسُ بنُ أبي شَبيبٍ.

ب: جاءَ عابسُ بنُ أبي شَبِيبٍ الشَّاكِرِيُّ مَولى بَني شَاكِرِ، فَقَالَ لَهُ الحُسَينُ «عليه السلام» يا أبا شوذب ما في نَفْسِكَ؟

قالَ: ُأقاتِلُ مَعَكَ، فَدَنا مِنَ الحُسَين عليه السلام» وقال: لو قدَرتُ أن أرفعَ عَنكَ بِشَيْءٍ هُوَ أَعَزُّ مِن نَفسي لَفَعَلْتُ. ثُمَّ تَقدَّمَ فلم يُقدِم عَليهِ أَحَدٌ.

فَقالَ زيادُ بنُ الرَّبيع بن أبي تميم الحارثي هذا ابنُ أَبي شَبِيبٍ الشَّاكِرِيُّ


1) موسوعة الإمام الحسين ج 14 ص 223 و 224 عن تاريخ الأمم والملوك جه ص 444 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 338 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 23 والبداية والنهاية ج 8 ص 185 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 200 كلاهما نحوه وراجع الكامل في التاريخ ج 4 ص 73 والإرشاد ج 2 ص 106 . وراجع أنساب الأشراف ج 3 ص 404 وتسلية المجالس ج2 ص 298 وبحار الأنوار ج 45 ص 29 ،والعوالم الإمام الحسين ج17 ص 272 ومقتل الحسين ج 17 ص 153

القويُّ، لا يَخرُجَنَّ إِليهِ أَحَدٌ، ارموه بالحِجَارَةِ. فَرَمَوهُ حَتَّى قُتِلَ (1).

ونقول:

هناك العديد من الأمور التي نود لفت النظر إليها، نذكر منها ما يلي:

أمّا لا فتَقدَّم:

ذكر النص المتقدم: أن عابساً قال الشوذب بعد أن سمع جوابه: «أما لا فتَقدَّم بَينَ يَدَي أَبي عَبْدِ اللهِ الخ..». فكلمة «أمّا لا» إما مقحمة سهوا من النساخ.

أو هي مصحفة عن كلمة أخرى.

أو يكون المراد بها إنك إذا كنت مصراً على موقفك هذا، ولا ترضى بسواه، فتقدم.

ولعل هذا الوجه الأخير أقرب إلى الاعتبار.

توضيحات للمحدّث القمي:

يقول المحدث القمي «رحمه الله»:

شاكر قبيلة في اليمن من همدان ينتهي نسبهم إلى شاكر بن ربيعة بن مالك، وعابس كان من هذه القبيلة، وشوذب كان مولاهم أي نزيلهم، أو حليفهم، لا أنه كان غلاماً لعابس أو معتقه، أو عبده كما رسخ في الأذهان.


1) مثير الأحزان ص 66 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 49

بل قال شيخنا الأجل المحدث النوري، صاحب المستدرك عليه الرحمة: ولعل كان مقامه أعلى من مقام عابس، لما قالوا في حقه: وكان - أي شوذب - متقدماً في الشيعة (1).

وقول عابس له: تقدم حتى احتسبك لا يدل على تقدم مقام عابس عليه، إذ لعل عابساً كان أسن منه، فأجاز لنفسه أن يقول لشوذب ذلك بسبب تقدمه عليه من هذه الجهة..

تقدم حتى يحتسبك:

وقد قال عابس لشوذب: فَتَقَدَّم بَينَ يَدَي أبي عَبْدِ اللَّهِ حَتَّى يَحْتَسِبَكَ كَمَا احتَسَبَ غَيْرَكَ مِن أصحابِه، وحَتى أحتَسِبَكَ أنَا الخ..».

فترى في هذا النص ما يلي:

1 - المراد بالاحتساب هنا: أن يعتبر الشخص استشهاد فلان من الناس ذخراً له عند الله، بسبب شدة وقع مصيبة فقده عليه، فإنه إذا صبر عليها صبراً جميلاً، واحتسبها عند الله، رغبة منه في ثوابه، فإن الله تعالى لا يضيع عمل عامل من ذكر أو أنثى.

2 - إن كلام عابس يدل على عمق العلاقة، وخلوص المحبة بين الحسين «عليه السلام» وبين أصحابه، ثم بين الأصحاب مع بعضهم، حتى إنه «عليه السلام» يرى أن فقده أي واحد منهم مصيبة له، كما لو أصيب بولد أو أخ، أو أي قريب وحبيب. ويحتسب الصبر على هذه


1) نفس المهموم ص 254

المصيبة من أعماله الصالحة التي يرجو المثوبة عليها عند الله تعالى..

وكذلك الحال بالنسبة للأصحاب تجاه بعضهم البعض..

3 - إن توقع المثوبة والمكافأة من الله تعالى على هذه المشاعر الصادقة لمما يزيد من حميمية العلاقة، ويجذرها، ويرسخها بين أهل الإيمان.. ويزيد من مستوى التكافل الإجتماعي، والتعاون في مواجهة مصاعب الحياة، ومتاعبها.

4 - إن العلاقة بين الأفراد والفئات إذا خرجت من دائرة الفردية، التي تهيمن عليها الأنانية وحب الذات، لتصبح صلة الإنسان بالمطلق، واللامتناهي، الذي هو مصدر الرحمات، وغاية الغايات، فإنها تصبح هي الأخرى جزءاً من النظرة العامة المطلقة واللامحدودة للكون وللحياة أيضاً.

5 - إذا أصبحت هذه المشاعر وسيلة لنيل الثواب من الله، فإنها تكتسب قداسة وقيمة معنوية عالية، ويصبح الالتذاذ بها، والتفاعل الروحي معها بصدق وصفاء، وطهر ونقاء هو الصفة المميزة لها، ويطهرها من رجس الأنانيات، ويرتفع بها عن دنس المادة، والماديات، وقذارات الدنيا..

ما على وجه الأرض أحب إليَّ منك:

وقال عابس بن أبي شبيب للحسين «عليه السلام»: أما والله، ما أمسى على ظهر الأرض قريب ولا بعيد أعز علي، ولا أحب إلي منك.. وهذا تجسيد لما ذكرناه عن قريب من أن رسول الله «صلى الله

عليه وآله» قال لعمر بن الخطاب: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه.

وبذلك يكون عابس قد بلغ درجة الإيمان الحقيقي بكل ما لهذه الكلمة من معنى، وهو الذي يريده الله تعالى من البشر، ويكون هذا الرجل المجاهد قد تجلبب بجلباب الإسلام، حين اهتدى بهدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، والحسين بن علي «عليه السلام» سيد شباب أهل الجنة..

جون مولى أبي ذر:

1 - قالوا:

بَرَزَ جَونٌ مَولى أبي ذرّ، وكانَ عَبداً أسوداً، فَقَالَ لَهُ الْحُسَينُ «عليه السلام»: أنتَ في إذن مِنّي ؛ فإنَّما تَبعتَنا طلباً لِلعافِيَةِ، فلا تَبتَل بطريقِنا.

فَقَالَ: يَا ابنَ رَسولُ اللهِ، أَنَا فِي الرَّخاءِ أَلْحَسُ قِصَاعَكُم، وفِي الشَّدَّةِ أخدُلُكم؟!

وَاللهِ إنَّ ريحي لمُنتِنٌ، وإِنَّ حَسَبي للئيم، ولوني لأسوَدُ، فَتَنفُسُ عَلَيَّ بالجَنَّةِ، فَيَطيب ريحي، ويَشْرُفَ حَسَبي، ويَبيَضَّ وَجْهِي، لا وَاللَّهِ لا أفارقكم حَتَّى يَختَلِط هذا الدَّمُ الأَسوَدُ مَعَ دِمائِكُم.

ثُمَّ َقاتَلَ حَتَّى قُتِلَ «رضوانُ اللهِ عَليهِ» (1).


1) الملهوف ص 163 و نشر أنوار الهدى ص 65 ومثير الأحزان ص 63 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 47 وبحار الأنوار ج 45 ص 23 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 266 وإبصار العين ص 176

2 - قال في الفتوح: إن حوي مولى أبي ذر، خرج وهو يرتجز ويقول:

كَيفَ تَرَى الفَجَارُ ضَرَبَ الأَسْوَدِ *** بالمَشرَفِيِّ القاطع المُهَنَّدِ

بالسَّيفِ صَلنَا عَن بَني مُحَمَّدِ *** أدْبُّ عَنهُم باللسان وَاليَدِ

أرجو بذاك الفوز يَومَ المَوردِ *** مِنَ الإِله الواحِدِ الْمُوَحَدِ

إذ لا شفيعَ عِندَهُ كَأَحمَدِ

وقاتل حتى استشهد (1).

3 - روي: أنّ الإمام «عليه السلام» وقف على جنازة جون ودعا له بما يلي:

اللهُمَّ بَيِّض وَجهَهُ، وطيب ريحه، واحشرهُ مَعَ الْأَبْرارِ، وَعَرَّفَ بَينَهُ وبَينَ مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ (2).


1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 108 وأنساب الأشراف ج 3 ص 403 و (ط درا التعارف) ج 3 ص 96 ومقتل الحسين «عليه السلام» للخوارزمي ج2 ص 19 وفيه جون) مولى أبي ذر الغفاري ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 103 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 252 وفيه «جوين بن أبي مالك مولى أبي ذر» وكلها نحوه، وبحار الأنوار ج 45 ص 23 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 266 والملهوف ص163 و (نشر أنوار الهدى) ص65 وتسلية المجالس ج 2 ص 293

2) تسلية المجالس ج 2 ص 293 وبحار الأنوار ج 45 ص 23

4 - وروي عن الإمام زين العابدين «عليه السلام»: أنّه عندما جاء الناس لدفن الشهداء بعد عشرة أيّام، كان عطر المسك يستشمّ من جنازته (1).

ونقول:

إختلاف الأسماء:

اختلفت الروايات في اسمه، فهل هو جون، أو جوين، أو حوي؟!

وهل هو ابن حوي، أو ابن حري، أو ابن عون؟!

اللون، والحسب والرائحة:

1 - إن كلمة (جون) تقال للأسود والأبيض، فهي من الأضداد. ويبدو: أن سواد اللون الذي اتصف به هذا الرجل، يرجّح أن يكون المقصود بكلمة جون حين سمي بها هو معنى السواد.

والناس عادة لا يحبون اللون الأسود ، ولاسيما في وجوههم، وإن أتى بحسب الخلقة. وقد يجد البعض في قوله تعالى: (يَوْمَ تَبْيَضَّ وُجُوهٌ وَتَوَدُّ وُجُوهٌ) (2). إشارة إلى هذا التفضيل.

كما أن نفس دعاء الحسين لجون هنا: «اللَّهُمَّ بَيِّضٍ وَجْهَهُ». لا يخلو من تأييد لهذا الشعور.

ولكن علينا أن نعلم: أن ما تفرضه سنن الخلق من ألوان وسواها


1) راجع المصدر السابق

2) الآية 106 من سورة آل عمران

ليس هو المعيار في التفاضل، لأنه أمر غير اختياري. بل المعيار هو قوله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ) (1). فليس للون البشرة في الدنيا أي دور في الآخرة، وإنما القيمة للعمل، وهو الذي يستطيع أن يبدل الألوان، فتبيض وجوه وتسود وجوه..

وهذا هو ما يرمي إليه دعاء الإمام الحسين «عليه السلام» لجون بأن يبيض الله وجهه.

2 – المعروف: أن الأجساد السود رائحة كريهة، وقد أشار إلى ذلك هنا جون نفسه بقوله: والله إن ريحي لنتن (أو لمنتن). ولم نجد الإمام «عليه السلام» أنكر عليه قوله هذا، بل هو قد دعا له الله تعالى أن يطيب ريحه، وفي هذا إشارة ضمنية إلى تصديق حديث جون عن نتن ريحه..

وقد استجاب الله دعاء الإمام، فجاء الناس بعد عشرة أيام لدفن الأجساد الطاهرة، فكان عطر المسك يستشم من جنازته، كما تقدم..

وهذه كرامة عظيمة للإمام الحسين «عليه السلام»، ودلالة قاطعة على المقام الرفيع لجون «رحمه الله» عند الله تعالى.

3 - أما بالنسبة للحسب اللئيم، فنشير:

أولاً : إلى أن الحسب الكريم هو ما تعده من مفاخر آبائك، وأنه شرف ومجد. أو ما ينشئه الرجل لنفسه من رفعة وشرف والمجد ما


1) الآية 13 من سورة الحجرات

يرثه من آبائه.

وثانياً: اللئيم: من كان دنيء الأصل، شحيح النفس، مهيناً.

4 - وكان جون «رضوان الله تعالى عليه» مدركاً لحقيقة: أن لون البشرة ونتن الريح، ولؤم الحسب الذي فيه المهانة، وفقد الأمجاد في الدنيا ليس هو المعيار فى الهلاك والفوز، بل المعيار هو الآخرة، لقوله تعالى: (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَة لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (1).

فكان يبحث عن اللحظة المصيرية التي تبدل الأحوال، وتحيل الشقاء إلى سعادة والمهانة واللؤم إلى شرف وعز ومجد، والريح النتن إلى أريج وطيب، فيسرَّها الله تعالى له، ووفقه لنيلها، حين اختار هو «رحمه الله» السعي إليها، والحصول عليها..

جون نموذج الوفاء:

1 - لقد جسّد جون في كلماته معنى (الأوفائية) بأجلى مظاهرها، حيث كان أول ما تكلم به قوله: أنا في الرخاء ألحس قصاعكم، وفي الشدة أخذ لكم؟! فكان مصداقا لقول الإمام «عليه السلام» في وصف أصحابه: «فإنّي لا أعلمُ أصحاباً أولى [أوفى] ولا خَيراً مِن أصحابي، ولا أهلَ بَيتٍ أَبَرَّ ولا أوصَلَ مِن أهل بَيتي». أو نحو ذلك..

علينا أن لا ننسى: أن جوناً هو الذي بادر بالنزول إلى الميدان، وقد كان يمكن للإمام الحسين «عليه السلام» أن يتعامل معه


1) الآية 64 من سورة العنكبوت

كما تعامل مع سائر من استأذنه لقتال الأعداء، فيأذن له، ومن دون أي تعليق.

ولكنه «عليه السلام» لم يفعل ذلك، بل بادر إلى الإذن له بالانصراف، وقال له: أنتَ في إذن مِنّي؛ فإنَّما تَبعتَنا طلبا لِلعافِيَةِ، فلا تبتل بطريقنا.

فبادر جون إلى الاستعطاف والإلتماس والإلحاح بطلب الإذن..

ونلاحظ هنا:

1 - أنه «عليه السلام» لم يصرح له بالإذن بمباشرة الحرب، بل عمل على صرفه عنها، حيث أذن بالانصراف...

2 - إنه كلمه بمفردات تراود أذهان عامة الناس. ولاسيما بالنسبة للموالي الذين هم الطبقة الإجتماعية الأضعف، وتنصب اهتماماتهم في الأغلب على الحصول على مقومات الحياة، ولو في حدها الأدنى.

ولو كان جون من موالي الحسين، أو مولى لغيره ممن كان معه «عليه السلام»، فقد يضيق المجال على المرتابين والمشككين لإثارة الشبهة، لأن المجتمع يطالب مولى الشخص بنصر سيده، والدفع عنه..

ولكن إذا كان لا مولى له بين ذلك الجمع المستهدف بالقتال، فإن مطالبته بالانتصار لأي كان منهم، وتكليفه بالدفاع عنه إلى حد الاستشهاد يصبح موضع تساؤل..

ولكن جوناً كان يدرك أن هذه مفاهيم خاطئة، بل هي مهلكة أيضاً، فإن موقع الحسين «عليه السلام بالنسبة إليه أعظم من موقع السيد،

فإنه إمامه، وهاديه، وأولى به من نفسه وشفيعه. وجده هو المصطفى، وأبوه علي المرتضى، وأمه فاطمة الزهراء..

فهو إذا نصر الحسين واستشهد بين يديه إنما ينصر الله ورسوله، ويصون دينه ويحفظ مستقبله ويحصل على السعادة والفوز في الدنيا والآخرة.

3 - إنه «عليه السلام» يريد أن يسمع الناس هذه الحقيقة من فم جون نفسه، ليعرفوا أنه هو الذي يفرض نفسه على الحسين، ويصر على مباشرة ،القتال، وفاء منه، وطلباً للنجاة في الآخرة، وليس خجلاً، ولا تأثراً بعاطفة، ولا وفاء ببيعة. بل استجابة لوعي رائد، وانسجاماً مع آماله مفاهيمه وقيمه، وفي خدمة أهدافه وانسياقاً مع آماله..

الغلام التركي:

قال الخوارزمي: خَرَجَ غُلامٌ تُرْكِيٌّ مُبَارِنٌ، قارى لِلقرآن، عَارِفٌ بالعربيّة، وهو من مَوَالي الحسين «عليه السلام»، فجعل يُقاتِلُ ويَقُولُ:

البَحرُ مِن طعني وضَربي *** وَالجَوُّ مِن سَهمي ونَبلي يَمتَلي

إذا حُسامي في يَميني يَنجَلي *** يَنشَقُ قلب الحاسِدِ المُبَجَّل

فقتل جماعة، فتحاوشوه فصر عوه، فجاءه الحسين «عليه السلام» وبكى، ووضع خدّه على خده، ففتح عينيه ورآه فتبسّم، ثمّ صار إلى

ربّه (1).

ولكن ابن شهر آشوب قال: إنّ هذا هو غلام الحرّ، وإنه قتل سبعين رجلاً (2).

ويؤيده قول الخوارزمي عن الحر: إنّه التحق معه «غلام له تركي»(3).

الإختلاف في الاسم والنسبة:

واختلفوا في اسم الغلام التركي، وفي نسبته، وغير ذلك..

فهل اسمه أسلم، أو واضح، أو موسى، أو علامة؟!

وهل اسم أبيه عمرو، أو الحارث، أو واضح؟!

وهل هو: تركي، أو ديلمي، أو دولي، أو رومي؟

الإفتخار لحظة الموت:

ويذكر هنا أن هذا الغلام هو الذي قال حين وضع الحسين «عليه السلام» خده على خده من مثلي وابن رسول الله «صلى الله عليه وآله»


1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 24 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 104 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 253 وبحار الأنوار ج 45 ص 30 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 273

2) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 104 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 253

3) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 10

واضع خده على خدي، ثم فاضت نفسه (1).

وتقدم معنا: أن عبيد الله بن زياد قد تعجَّب من افتخار مسلم بن عقيل حين أرادوا قتله، وقال: أو فخراً عند الموت؟! (2).

وهذا العجب هو المتوقع ممن لا يؤمن بالآخرة، ويرى أن الموت نهاية الحياة. وهذا هو حال ابن زياد.

أما مسلم بن عقيل، وكل مؤمن مصدق بما جاء من عند الله ورسوله، فهو يؤمن بأن حياته الحقيقية تبدأ بالموت، فيحق له أن يفتخر لحظة موته بما يزيد تلك الحياة التي يقدم عليها بهجة وسعادة، ورونقاً وإشراقاً..

أما عبيد الله بن زياد وأضرابه، فإنما يقدمون على البلاء العظيم، والعذاب المقيم والأليم..


1) راجع: إبصار العين للسماوي ص 145 و95 و 96 وذخيرة الدارين ص 366

2) راجع: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 378 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 284 والكامل في التاريخ ج 4 ص 36 وراجع مروج الذهب ج 3 ص 60 وإبصار العين ص 86 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 207 وبحار الأنوار ج 44 ص 358

الفصل الثالث:

سائر شهداء الأصحاب، وأسماء مشكوكة..

الذين حضروا كربلاء:
الذين حضروا كربلاء:

هناك أشخاص ذكرت أسماؤهم على أنهم حضروا كربلاء، واستشهدوا فيها ، وكان لبعضهم أرجاز...

ونذكر من هؤلاء:

1 - زيد بن معقل:

ذكر زيد بن معقل في جملة من استشهد في كربلاء (1). ولعله هو نفسه بدر بن معقل، ولكن زيداً قد صُحّف إلى بدر (2).

وذكر أنه ارتجز يوم عاشوراء قائلاً:


1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 78 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص232 وراجع: بحار الأنوار ج 45 ص 72 وج 44 ص 199 والعوالم الإمام الحسين ص333 وراجع الدر النظيم ص 549 وخزانة الأدب ج 2 ص139

2) بحار الأنوار ج 98 ص 273 وراجع: المزار لابن المشهدي ص494 وقاموس الرجال ج 11 ص 115 ومستدركات علم رجال الحديث ج 2 ص 9 و 263

أنا بْنُ جُعَفِي وَأبي الكِلاعُ *** وفي يَمِينِي مُرْهَفٌ فَرَّاعُ

ومَازن ثعلبه لمَّاعُ (1)

2 و 3 - عمرو بن خالد الأزدي وابنه:

قال ابن أعثم: ثم برز عمرو بن خالد الأزدي، وهو يقول:

اليَومَ يا نفسُ إلى الرَّحمان *** تَمْضِيْنَ بِالرَوْحَ وَبِالرَيْحَانِ

اليَومَ تُجْزَينَ عَلى الإحسان *** قد كانَ مِنكِ غابِرَ الزَّمانِ

ما خُطَ فِي النُّوحٍ لَدَى الدَّيَّانِ *** لا تَجزَعي فكلُّ حَيٍّ فان

وَالصَّبرُ أحظى لكِ بالأمان *** يا مَعشَرَ الأَرْدِ بَني قحطان

كونوا لدَى الحَرب كَأْسدِ خِفان

ثم حمل فقاتل حتى قتل.

ثم تقدم ابنه، وهو يقول:

صَبراً عَلى المَوتِ بَني *** كَيما تَكونوا في رضَا الرَّحمان

ذِي المَجدِ وَالعِزَّةِ وَالبُرهان *** وذِي العُلى وَالطُّول والإحسان


1) أنساب الأشراف ج 3 ص 405 و (ط دار التعارف) ج 3 ص198 ونسب معد ج 1 ص 316 وفيهما بدر بن المغفل». وتقدم نحو هذا عن أنيس بن معقل. وراجع بحار الأنوار ج 45 ص 25 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 268 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 107

يَا أَبَتَا قد صِرتُ فِي الجِنان *** في قصر دُرّ حَسَن البُنيان

ثم حمل ولم يزل يقاتل حتى قتل (1).

وقد أصلحنا البيت الأخير من مناقب ابن شهر آشوب.

ويلاحظ هنا: أن أبا خالد ليس أزدياً، بل هو أسدي صيداوي.

أسماء أخرى:

وهناك أسماء عديدة أخرى ذكرت في عداد شهداء كربلاء، مثل:

4 - عمرو بن جندب الحضرمي.

• شبيب بن جراد الكلابي الوحيدي.

6 - جابر بن عروة الكلابي، وما ينسب إليه هو نفسه ينسب إلى أنس بن الحارث الأسدي الكاهلي.

7 - جعبة (جفينة) بن قيس بن مسلمة، قال ابن الكلبي: إنه قتل مع الحسين بن علي (2).

8 - يحيى بن سليم المازني خرج وهو يقول:


1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 105 وراجع: بحار الأنوار ج 45 ص 18 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 101 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 250 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 261 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص14

2) الإصابة ج 3 ص 285 رقم 4236 و (ط دار الكتب العلمية) ج 3 ص420

لأضربَنَّ القومَ ضرباً فيْصَلاً *** ضَرْبًا شديداً فِي الغدَاةِ مُعجِلا

لا عَاجزاً فيهَا ولا مَوَلولاً *** ولا أخَافُ اليَوْمَ مَوْتَاً مُقبلا

لكِنَّني كَاللَّيثِ أَحمي أَشبُلا

ثم حمل فقاتل حتى قتل رحمه الله (1).

9 - سعد بن حنظلة التميمي، وقيل: هو نفسه حنظلة بن سعد (أو أسعد) الشبامي (2).

وقيل : شعبة، بدل سعد.

قال الخوارزمي: إنه خرج بعد عمرو بن خالد، وهو يقول:

صَبْرَاً عَلَى الْأَسْيَافِ والأَسِنَّةِ *** صَبْرَاً عَلَيْهِ لِدُخُول الجَنَّة

وَحُوْرُ عِيْنِ نَاعِمَاتِ هِنَّه *** لِمَنْ يُريدُ الفوز لا بالظَّنَّة

يَا نَفسَ لِلرَاحَةِ فَاطِرَحنَه *** وَفِي طلابِ الخَيْر فاطلبَنَه

ثم حمل فقاتل قتالاً شديداً، فقتل (3).


1) راجع: الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 106 ومقتل الحسين للخوارزمي ج2 ص 17 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 102 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 251 وبحار الأنوار ج 45 ص 24 والعوالم، الإمام الحسين ج17 ص 267

2) قاموس الرجال ج 5 ص 31 وأعيان الشيعة ج 3 ص 296 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 101 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 251 وبحار الأنوار ج 45 ص 18 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 262

3) الفتوح لابن الأعثم ج 5 ص 105 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 14

10 - عمير بن عبد الله المذحجي، ذكر ابن أعثم، والخوارزمي: أنه خرج وهو يقول:

قد عَلِمَتْ سَعْدٌ وحَيُّ مَدْحِجٍ *** أنّيَ لَيْتُ الغَابِ لم أهَجْهَج (1)

أعْلُو بِسَيْفِي هَامَة المُدَجَّج *** وأثرُكَ القِرْنَ لدَى التَّعَرُّج

فريْسَة الصّبْعِ الأَزَلَ الأَعْرَج *** فمَنْ تَرَاهُ واقِفاً بِمَنْهَج

ولم يزل يقاتل قتالاً شديداً حتى قتله مسلم الضبابي وعبد الله البجلي، واشتركا في قتله (2).

11 - ابن أخ حذيفة بن أسيد الغفاري. روى الصفار: أنه قرأ في ديوان كان عند الإمام المجتبى فيه أسماء الشيعة: أن ابن أخيه يستشهد فيما بعد في ركاب الإمام الحسين «عليه السلام» (3).

(3) بصائر الدرجات ص172 و (منشورات الأعلمي) ص192 و 193 وبحار الأنوار ج 26 ص 124 و 122 ومدينة المعاجز ج 3 ص 337 وينابيع


1) هجهجت بالسبع: أي صحت به وزجرته ليكف. راجع: الصحاح ج1 ص 349

2) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 14 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 105 وفيه «عمرو بن عبد الله المذحجى». وراجع: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 101 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 251 وبحار الأنوار ج 45 ص 18 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 262

3)

12 - دارم بن عبد الله الصائدي ذكر اسمه في جملة شهداء كربلاء (1).

13 - جابر بن الحجاج. ذكره الفضيل بن الزبير (2).

14 - جندب بن حجير، ورد اسمه في زيارة الناحية، والزيارة الرجبية.

15 - الحارث بن امرئ القيس. ذكره الفضيل بن الزبير (3).

16 - الحارث بن بنهان مولى الحمزة بن عبد المطلب (4).

17 - الحجاج بن زيد. ورد اسمه في الزيارة الرجبية، وزيارة الناحية.

18 - رميث بن عمرو (أو) (عمر) ورد اسمه في الزيارة الرجبية.

المعاجز ص134


1) جمهرة أنساب العرب ص 395 والنسب لأبي عبيد ص 337

2) الأمالي للشجري ج 1 ص 172 والحدائق الوردية ج 1 ص 122 وراجع: مستدركات علم رجال الحديث ج 2 ص 97 وإبصار العين ص193

3) الأمالي للشجري ج 1 ص 172 والحدائق الوردية ج 1 ص 122 وإبصار العين ص173 عنه، ومستدركات علم رجال الحديث ج 2 ص 260 وأعيان الشيعة ج 4 ص 302

4) الأمالي للشجري ج 1 ص 172 والحدائق الوردية ج 1 ص 121 وراجع: كفاية الأثر ص 322 ومستدركات علم رجال الحديث ج 2 ص 281 وأعيان الشيعة ج 4 ص 375

19 - سعید بن کردم (1).

20 - سليمان بن ربيعة (2).

21 - الضباب بن عامر (3).

22 - عمرو بن الأحدوث الحضرمي، ورد اسمه في زيارة الناحية. وهل هو عمر، أو عمرو. وهل هو ابن الأحدوث، أو ابن الأحدث، أو ابن جندب اختلفت الروايات في ذلك.

23 - قارب، مولى الحسين «عليه السلام». وعند الفضيل بن الزبير: قارب الدولي أو الديلمي مولى الحسين «عليه السلام». ورد ذكره في زيارة الناحية أيضاً.

24 - قاسم بن حبيب الأزدي. ورد اسمه في زيارتي الناحية والرجبية.

25 - مجمع بن زياد (4).

26 - منجح، مولى الحسين (5).


1) تاريخ مدينة دمشق ج 34 ص 206

2) الأمالي للشجري ج 1 ص 172 والحدائق الوردية ج 1 ص 121

3) الحدائق الوردية ج 1 ص 122 والأمالي للشجري ج 1 ص 172. وراجع: تسمية من قتل مع الحسين ص 154

4) الأمالي للشجري ج 1 ص 172 والحدائق الوردية ج 1 ص 122 وراجع: مستدركات علم رجال الحديث ج 6 ص 350 وإبصار العين ص 201

5) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 469 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 359 والكامل في التاريخ ج 4 ص 93 والطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 478 والثقات لابن حبان ج 2 ص 310 والكامل في التاريخ ج4 ص 93 ورجال الطوسي ص 105 ورجال ابن داود ص 192 والإختصاص ص83 ومستدركات علم رجال الحديث ج 7 ص 495 وقاموس الرجال ج 10 ص239 وإبصار العين ص 96

يقال: إن قاتله هو حسان بن بكر الحنظلي (1). ورد اسمه في زيارتي الناحية والرجبية.

27 - همام بن سلمة القانصي، أو القابضي (2).

28 - سليمان بن مضارب البجلي.

قالوا إن سليمان (أو سلمان) بن مضارب البجلي، استشهد بعد صلاة الظهر (3).

الجهنيون الثلاثة:

وذكروا في جملة شهداء يوم عاشوراء:

29 - مجمع بن زياد بن عمرو الجهني. ذكره الفضل بن الزبير


1) الأمالي للشجري ج 1 ص 172 والحدائق الوردية ج1 ص 121 وإبصار العين ص 96 عنه

2) الأمالي للشجري ج 1 ص 173 والحدائق الوردية ج 1 ص 122

3) الحدائق الوردية ص 122 وعن مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص20 وأعيان الشيعة ج 1 ص 611

في جملة شهداء كربلاء (1).

30 - عباد (أو عياد) بن المهاجر (أو بن أبي المهاجر) (2)الجهني.

وذكر الطوسي: عياض بن أبي المهاجر في أصحاب الحسين «عليه السلام» (3). ولعلهما واحد.

31 - عقبة بن الصلت (4).

32 - رافع بن عبد الله:

استشهد في المبارزات بعد صلاة الظهر يوم عاشوراء رافع بن عبد الله مولى مسلم بن كثير (5). ولعله هو رافع مولى لأهل شندة الذي ذكره الفضل بن الزبير (6).


1) الأمالي للشجري ج 1 ص 172 والحدائق الوردية ج 1 ص 122 وراجع: مستدركات علم رجال الحديث ج 6 ص 350 وإبصار العين ص201

2) الأمالي للشجري ج 1 ص 172 والحدائق الوردية ج 1 ص122 وإبصار العين ص 201

3) رجال الشيخ ص 103 ومستدركات علم رجال الحديث ج 6 ص 148

4) الأمالي للشجري ج 1 ص 172 والحدائق الوردية ص 122 ومستدركات علم رجال الحديث ج 5 ص 249 وأعيان الشيعة ج 1 ص611 وإبصار العين ص 201

5) راجع: تنقيح المقال ج 3 ص 422 . وراجع مستدركات علم رجال الحديث ج 3 ص 382 وأعيان الشيعة ج 6 ص 448

6) الحدائق الوردية ج 1 ص 122 والأمالي للشجري ج 1 ص173

33 - بكر بن حي التميمي:

كان بكر بن حي التميمي مع ابن سعد، فلما بدأت الحرب مال مع الحسين «عليه السلام»، فقتل بين يديه بعد الحملة الأولى (1).

34 - عبد الرحمان بن مسعود بن الحجاج:

وتقدم: أن مسعود بن الحجاج قد استشهد في الحملة الأولى يوم عاشوراء.

وأما ولده عبد الرحمان، فهو من شهداء اليوم العاشر، لكننا لم نجد ما يحدد لنا وقت استشهاده.

وقد ورد اسمه واسم أبيه في زيارة الناحية.

35 - سعد الأنصاري.

36 - أبو الفتوح الأنصاري. -

ذكروا: أن سعداً وأبا الفتوح الأنصاريين كانا من المحكّمة. أي من الخوارج.

يقول صاحب الحدائق الوردية: إنهما بعد أن قتل أنصار الحسين «عليه السلام» سمعاه وهو ينادي: ألا من ناصر فينصرنا؟!

فسمعته النساء والأطفال، فتصار خن. فمالا بسيفهما مع الحسين


1) الحدائق الوردية ج 1 ص 122 ومستدركات علم رجال الحديث ج 2 ص 51 وأعيان الشيعة ج 3 ص 592 وإبصار العين ص194

على أعدائه، فقتلا بعد أن أصابا في أصحاب عمر بن سعد ثلاثة نفر (1).

37 - مالك بن ذودان.

وذكر ابن شهرآشوب: أن مالك بن ذودان أيضاً، استشهد في كربلاء، وأنه برز وهو يقول:

إلَيْكُمُ مِنْ مَالِكِ الضِرْغَامِ *** ضَرْبُ فَتَى يَحْمِي عَنِ الكِرَامِ

يَرْجُو ثوَابَ اللهِ ذِي الإِنْعَام (2)

38 - كردوس، أو كرس ابن زهير .

ومن جملة شهداء كربلاء كردوس أو كرس بن زهير، أو ابن ظهير التغلبي، وهو أخو قاسط لكن كيفية شهادته لم نعثر عليها. وقد ورد اسمه في زيارتي الناحية والرجبية.

39 - عائذ بن مجمع بن عبد الله العائذي.

وعن عائذ بن مجمع العائذي نقول : ذكره الفضيل بن الزبير في عداد الشهداء يوم عاشوراء (3).


1) الحدائق الوردية ص 122 وراجع: تسمية من قتل مع الحسين «عليه السلام» (الفضل بن الزبير) ص 154 والأمالي للشجري ج 1 ص172

2) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 104 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 253 ولواعج الأشجان ص 167 و 168 وراجع: ينابيع المودة ج 3 ص 74

3) الأمالي للشجري ج 1 ص 173 والحدائق الوردية ج 1 ص122 وفيه: عايد. وراجع: وإبصار العين ص146

40 - بشير بن عمرو الحضرمي، الذي ذكرنا في فصل سابق: أنه قتل في الحملة الأولى، وهو الذي قال للحسين «عليه السلام»: أكلتني السِّباعُ حَيّا إن فارقتُكَ.

كان أيضاً آخر من قتل هو وسويد بن أبي المطاع (1).

وقد قتل قبل سويد الآتي..

41 - سويد بن أبي المطاع الخثعمي، وهو:

آخر قتيل من الأصحاب:

1 - عن زهير بن عبد الرحمن الخثعميّ: إنَّ سُوَيدَ بنَ عَمرو بن أبي المُطاعِ كانَ صُرِعَ فَأَنْخِنَ، فَوَقعَ بَينَ القتلى مُتْخَنَا، فَسَمِعَهُم يَقُولُونَ: قُتِلَ الحُسَينُ « عليه السلام»، فَوَجَدَ إفاقة، فإِذا مَعَهُ سِكِينٌ وقد أُخِذَ سَيفهُ، فَقاتَلهُم بِسِكِينِهِ سَاعَةً، ثُمَّ إِنَّهُ قُتِلَ، قتلهُ عُروهُ بنُ بِطارِ التَّعْلِبِيُّ، وزَيدُ بنُ


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 444 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 339 ومثير الأحزان (ط المكتبة الحيدرية) ص 39 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 182 وتهذيب الكمال ج 6 ص 407 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج6 ص 2592 وبحار الأنوار ج 44 ص 394 والعوالم، الإمام الحسين ج17 ص 244 وأعيان الشيعة ج 1 ص 601 و ج 3 ص 575 ولواعج الأشجان ص 120 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 221 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 71 والملهوف نشر أنوار الهدى ص57 وراجع: المزار لابن المشهدي ص 493 و إقبال الأعمال ج 3 ص 77

رقادِ الجَنبِيُّ، وكانَ آخِرَ قتيل (1).

2 - عن زهير بن عبد الرحمن بن زهير الخثعمي: كانَ آخِرَ مِن بَقِيَ مَعَ الحُسَين «عليه السلام» من أصحابهِ سُوَيدُ بنُ عَمرو بن أَبي المُطاعِ الخَتْعَمِيُّ.

قالَ: وكانَ أوَّلَ قتيل مِن بَني أبي طالِبِ يَومَئِذٍ عَلِيُّ الْأَكْبَرُ بنُ الحُسَين بن عَلِيّ عليه السلام (2).

قال ابن طاووس عن سويد: وكان شريفاً كثير الصلاة» (3).


1) موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 4 ص 216 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 435 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 346 وأنساب الأشراف ج 3 ص 409 و ط دار التعارف ج 3 ص 204 وفيه «عرزة بن بطان التغلبي»، والكامل في التاريخ ج 4 ص 79 و 74 وفيه سويد بن أبي المطاع الخثعمي»، وكلاهما نحوه ونهاية الأرب ج 20 ص 460. وراجع: الملهوف ص 165 و (نشر أنوار الهدى) ص 66 ومثير الأحزان ص 67 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 49 وبحار الأنوار ج 45 ص 24

2) راجع: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 446 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 340 ونهاية الأرب ج 20 ص 455 والكامل في التاريخ ج 4 ص 74 و 79 وفيه سويد بن أبي المطاع. وأعيان الشيعة ج 7 ص 324 ومعجم رجال الحديث ج 9 ص 340

3) الملهوف (نشر أنوار الهدى) ص 66 بحار الأنوار ج 45 ص 24 وخاتمة المستدرك ج 8 ص 60 وأعيان الشيعة ج 7 ص 324 والمجالس الفاخرة ص 238 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 252 ومستدركات علم رجال الحديث ج 4 ص 168

3 - وفي نسب معدٍ: أن سُوَيدَ بنُ عَمرو بن أبي المُطاعِ الخَتْعَمِيُّ هو الذي يقول:

أَنَا سُوَيْدٌ وأبي المُطاعُ

لكن صاحب الفتوح والخوارزمي قالا:

إن هذا الرجز هو لعمرو بن مطاع الجعفي، والرجز عنده كما يلي:

أنَا ابنُ جُعفِيٌّ وأبي مُطاعُ *** وفي يميني مُرهَفٌ قطاعُ

وأسمَرٌ سِنانُهُ لَمَاعُ *** يُرى لهُ مِن ضَوئِهِ شُعاعُ

قد طاب لي في يَومِيَ القِراعُ *** دونَ حُسَينِ ولهُ الدّفاعُ

ثُمَّ حَمَلَ فَقاتَلَ حَتَّى قُتِلَ.

زاد في الفتوح:

تُرْجِي بذاكَ الفوزَ والرفاع *** عَنْ حَرَّ نَارِ حِيْنَ لا

الظاهر: أن الصحيح: نرجو.

والرجز عند ابن شهر آشوب يختلف مع هذا الذي ذكرناه، فليراجع وليقارن.

(1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 107 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 18 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 102 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 251 وبحار الأنوار ج 45 ص 25 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 268 ولواعج الأشجان ص 163

ونقول:

الإختلاف في الأسماء:

والإختلاف في الأسماء هنا لا يختلف عن سائر الموارد، فلاحظ ما يلي:

هل اسم هذا الرجل هو سويد، أو اسمه عمر، أو عمرو؟!

وهل هو ابن مطاع، أو ابن عمرو، أو ابن مطاوع، أو ابن أبي مطاوع، أو ابن عمر؟!

وهل هو الخثعمي، أو الجعفي؟!

هذا ما لا نرى ضرورة للبحث فيه في هذا الكتاب.

أسماء يرتاب الباحث فيها:
أسماء يرتاب الباحث فيها:

وذكرت أسماء أخرى نرتاب في صحة ما يقال فيها ، وعنها، وهي التالية:

1 - إبراهيم بن الحصين الأسدي:

قال ابن شهرآشوب: ثم برز إبراهيم بن الحصين الأسدي، يرتجز:

أضربُ مِنْكُمُ مِقْصَلَاً وَسَاقًا *** لِيهْرَقَ اليَوْمَ دَمِي إِهْرَاقاً

وَيَرْزُقَ الموت أبو إسْحَاقا *** أعْنِي بَنِي الفاجِرَةِ الفسَّاقا

فقتل منهم أربعة وثمانين رجلاً (1).

ولكن من يقتل هذا العدد الكثير، لا بد أن يتداول الناس اسمه، بالتعجب والإعجاب، فكيف لم يذكر هذا الرجل سوى ابن شهرآشوب؟!

2 - يحيى بن هاني بن عروة:

وذكر في جملة شهداء كربلاء يحيى بن هاني بن عروة، وقالو: إنه قتل من القوم رجالاً كثيرة ثم استشهد (2).

لكن هذا لا يتلاءم مع رواية الطبري عن أبي مخنف، عن يحيى بن هاني بن عروة: أن نافع بن هلال كان يقاتل يوم عاشوراء، ويقول:

أنَا نافِعُ الجَمَلِي *** أنا عَلى دين عَلِي (3)

فإن روايته هذه تشير إلى أنه قد بقي حيا، ولم يستشهد يوم عاشوراء.

إلا أن يقال: لعله روى ذلك لبعض من بقى حياً، ثم استشهد هو «رحمه


1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 105 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 253

2) تنقيح المقال ج 3 ص 322. وراجع: مستدركات علم رجال الحديث ج 8 ص 239 وقاموس الرجال ج 11 ص 84

3) عبرات المصطفين للمحمودي ص 32 وراجع تاريخ الأمم والملوك جه ص 435 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 336 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 20 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 109

الله».

وإذا كان قد بقي حياً، يعلم أنه لم يكن حاضراً ليلة العاشر حين أخبر الحسين «عليه السلام» أصحابه بأنهم سوف يقتلون كلهم، ولعل هذا يساعد على القول بأنه قد روى هذه الرواية عن غيره..

3 - الموقع (المرقع) بن ثمامة:

قال الطبري: إن المرقع بن ثمامة الأسدي كان قد نثر نبله، وجثا على ركبتيه، فقاتل.

فجاءه نفر من قومه، فقالوا له: أنت آمن أخرج إلينا. فخرج إليهم.

فلما قدم بهم عمر بن سعد على ابن زياد، وأخبره خبره سيره إلى الزارة (1). (موضع بعمان).

وعند العسقلاني: أن اسمه الموقع بالواو.

وفي الطبري: المرقع بالراء.

ونلاحظ: أن الإمام الحسين «عليه السلام» كان قد أخبر أصحابه ليلة العاشر بأنهم سوف يقتلون كلهم، فإن كان المرقع معهم، فرواية استجابته لقومه، ونفيه إلى الزارة تكون غير صحيحة.

إلا أن يكون قد التحق بالحسين «عليه السلام» بعد إخباره لأصحابه بأنهم سوف يقتلون كلهم.


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 454 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 347

4 - الهفهاف بن المهند:

قال الفضيل بن الزبير:

وخرجَ الهفهاف بن المهتد الراسبي من البصرة، حين سمعَ بخروج الحسين «عليه السلام»، فسار حتّى انتهى إلى العسكر بعد قتله، فدخلَ عسكر عمر بن سعد، ثمّ انتضى سيفه وقال: أيها الجند المجنّد أنا الهفهاف، أبغي عيال محم،د، ثم شدّ فيهم.. (1).

قال علي بن الحسين «عليه السلام»: فما رأى الناس منذ بعث الله محمداً «صلى الله عليه وآله» فارساً بعد علي بن أبي طالب «عليه السلام» قتل بيده ما قتل، فتداعوا عليه خمسة عشر نفراً فاحتوشوه حتى قتلوه رحمه الله تعالى (2).

ورواية حميد بن أحمد - كما في وسيلة الدارين - كما يلي:

دخلَ على عمر بن سعد، فسأل القوم ما الخبر؟ أين الحسين بن علي؟

فقالوا له: مَن أنت؟!

فقال: أنا الهفهاف الراسبي البصري، جئت لنصرة الحسين «عليه


1) تسمية من قتل مع الحسين «عليه السلام» ص 156 وراجع: الحدائق الوردية ج 1 ص 122 ووسيلة الدارين ص 203 و 204 ومستدركات علم رجال الحديث ج 8 ص 162

2) راجع الهامش السابق

السلام» حين سمعت خروجه من مكة إلى العراق.

فقالوا له: وقد قتلنا الحسين وأصحابه وأنصاره، وكلّ مَن لحقَ به، وانضمّ إليه . ولم يبقَ غير النساء والأطفال، وابنه العليل علي بن الحسين. أَمَا ترى هجوم القوم على المخيّم، وسلبهم بنات رسول الله «صلى الله عليه وآله».

فلمّا سمع الهفهاف بقتل الحسين «عليه السلام»، وهجوم الناس انتضى سيفه، وهو يرتجز ويقول:

يَا أَيُّهَا الجُنْدُ المُجَنَّد *** أنَا الهَقْهَافُ بْنَ المُهَنَّد

أحْمِي عَيَالاتِ مُحَمَّد

ثمّ شدّ عليهم كليث العرين يقتلهم بسيفه، فلم يزل يقتل كُلَّ مَن دَنا منه، من عيون الرجال، حتّى قتلَ من القوم جماعة كثيرة، سوى مَن جرح. وقد كانت الرجال تشدّ عليه، فيشدّ عليها، فتنكشف انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذئب. وهو في ذلك يرتجز بالشعر المتقدم، وقد أثخن بالجراح.

فصاح عمر بن سعد بقومه : الويل لكم، احملوا عليه من كلّ جانب.

ثمّ قال علي بن الحسين في ذلك اليوم: فلما رأى الناس منذ بعث الله محمداً فارساً بعد علي بن أبي طالب قتلَ ما قتلَ بعده كهذا الرجل، فتداعَوا عليه، فأقبلَ خمسة عشر نفرا، فاحتوشوه حتى قتلوه في حومة

الحرب، بعدما عقروا فرسه رضوان الله عليه (1).

ونقول:

1 - لا ندري لماذا لا نجد ذكراً للهفهاف هذا في أي من المقاتل المعتبرة، أو في أي من كتب الحديث وغيرها من المصادر الموثوقة..

2 - لماذا لم نسمع لهذا الفارس العجيب الغريب ذكراً في الوقائع والحروب، ولا نعرف شيئاً عن حياته وتاريخه، ونشأته، وانتماءاته السياسية، ومكانته في محيطه، ومجتمعه، وما إلى ذلك..

3 – يلاحظ: أنهم قد وصفوه بعين الكلمات التي وصف بها الإمام الحسين «عليه السلام»، حيث قالوا

وقد كانت الرجال تشدّ عليه، فيشدّ عليها، فتنكشف انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذئب (2).


1) الحدائق الوردية ج 1 ص 122 ووسيلة الدارين ص 203 و 204 ومستدركات علم رجال الحديث ج 8 ص 162 و ذخيرة الدارين ص257 ومجلة تراثنا ج 2 ص 157 عن الأمالي الخميسية للمرشد بالله (ط عالم الكتب - بيروت) ج 1 ص 170 - 173

2) راجع: قولهم هذه الكلمة في وصف الإمام الحسين «عليه السلام» في يوم العاشر في: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 452 والإرشاد ج 2 ص111 ومثير الأحزان (ط المكتبة الحيدرية) ص 54 وبحار الأنوار ج 45 ص 50 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 293 ومستدرك سفينة البحار ج 5 ص 372 وإعلام الورى ج 1 ص 468 والملهوف (نشر أنوار الهدى) ص70

ويلاحظ أيضاً: تشبيههم إياه بعلي بن أبي طالب «عليه السلام»، ولم يجعلوا نصيباً حتى لمثل ابن الحنفية، والأشتر ، والإمام الحسن والحسين، وجندب بن زهير، وغيرهم.

4 - إن قول جيش ابن سعد له: أما ترى هجوم القوم على المخيم، وسلبهم بنات رسول الله ؟! يدل على أنه قد حضر وشاهد بعينه ما يجري على العيال، وإذا كان الأمر كذلك فمن الطبيعي أن يكون قد رأى الشهداء على أرض كربلاء.. ورأى مئات وآلاف القتلى من جيش عمر بن سعد.. فما الحاجة للسؤال عن الحسين «عليه السلام» بعد هذا ؟!

5 - مع غض النظر عن ذلك، فإن قولهم: إنه دخل على عمر بن سعد يشير إلى أن ابن سعد لم يكن في ميدان القتال، بل كان في مقر اقامته مع أنه هو المسؤول عن إدارة المعركة، وضبط حركتها وفق رغبات يزيد وابن زياد.

6- لا ندري كيف يدخل رجل غريب على قائد جيش يعدّ بعشرات الألوف - يدخل عليه - بسلاحه، ولا يسأله أحد عن حاله، ولا ينزع سلاحه منه، وكأن المطلوب هو إظهار ابن سعد بمظهر الآمن على نفسه المطمئن إلى أن أحداً لا يقصده بسوء.

7 – يلاحظ: أن جيش ابن سعد قال لابن المهند: أما ترى.. سلبهم

بنات رسول الله «صلى الله عليه وآله»، مع أن المتوقع أن ينأوا بأنفسهم عن مثل هذه التعابير التي تتضمن إدانة لهم، وأن يقولوا مثلاً: سلبهم عياله، أو نحو ذلك.

8 - إذا كان الهفهاف بهذه الفروسية النادرة، حتى إنه ليقاس بعلي بن أبي طالب «عليه السلام» فقط، في عدد قتلاه، فكيف تمكن خمسة عشر رجلا فقط من قتل الهفهاف هذا بعد أن أثخن بالجراح؟!

وكيف أثخن بالجراح بهذه السرعة، في حين أن الإمام الحسين «عليه السلام» قد قتل أكثر من ألف وتسع مائة رجل قبل أن يثخن بالجراح، ثم تكاثروا عليه وصرعوه، في حين أن علياً «عليه السلام» كان يهاجم الكتائب والجيوش، وتهاجمه، فترتد عنه مدحورة مذعورة، وخائبة وعاجزة؟!

5 - الضحاك المشرقي:

تقدم: أن الضحاك بن عبد الله المشرقي التقى الإمام الحسين «عليه السلام» في قصر بني مقاتل (1)، وعرض الإمام «عليه السلام» عليه نصرته، فاعتذر بالدين والعيال ثم قال لكنك إن جعلتني في حل من


1) ثواب الأعمال وعقاب العمال ص 232 و (منشورات الشريف الرضي) ص 259 وبحار الأنوار ج 2 ص 204 وج 45 ص 84 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 314 وإختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ج 1 ص 330

الانصراف إذا لم أجد مقاتلاً قاتلت عنك ما كان لك نافعاً، وعنك دافعاً.

فقال: فأنت في حل، فأقمت معه (1).

وروى الطبري عن الضحاك بن عبد الله المشرقي قال: لما رأيت أصحاب الحسين قد أصيبوا، وقد خُلِص إليه وإلى أهل بيته، ولم يبق معه غير سويد بن عمرو بن أبي المطاع الخثعمي، وبشير بن عمرو الحضرمي قلت له: يا ابن رسول الله، قد علمت ما كان بيني وبينك قلت لك: أقاتل عنك ما رأيت مقاتلا، فإذا لم أر مقاتلاً، فأنا في حل من الانصراف، فقلت لي: نعم.

قال: فقال: صدقت. وكيف لك بالنجاء؟! إن قدرت على ذلك فأنت في حل.

قال: فأقبلت إلى فرسي، وقد كنت حيث رأيت خيل أصحابنا تعقر أقبلت بها حتى أدخلتها فسطاطاً لأصحابنا بين البيوت، وأقبلت أقاتل معهم راجلاً، فقتلت يومئذ بين يدي الحسين رجلين، وقطعت يد آخر.

وقال لي الحسين يومئذ مراراً لا تشلل، لا يقطع الله يدك، جزاك الله خيراً عن أهل بيت نبيك «صلى الله عليه وآله».

فلما أذن لي استخرجت الفرس من الفسطاط، ثم استويت على متنها، ثم ضربتها حتى إذا قامت على السنابك رميت بها عرض القوم، فأفرجوا لي.


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 418 و 419 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 317

وأتبعني منهم خمسة عشر رجلاً، حتى انتهيت إلى - شفية - قرية قريبة من شاطئ الفرات، فلما لحقوني عطفت عليهم.

فعرفني كثير بن عبد الله الشعبي، وأيوب بن مشرح الخيواني، وقيس بن عبد الله الصائدي، فقالوا: هذا الضحاك بن عبد الله المشرقي، هذا ابن عمنا ننشدكم الله لما كففتم عنه.

فقال ثلاثة نفر من بني تميم كانوا معهم: بلى والله، لنجيبن إخواننا وأهل دعوتنا إلى ما أحبوا من الكف عن صاحبهم.

قال: فلما تابع التميميون أصحابي كف الآخرون.

قال: فنجانی الله (1).

ونقول:

لاحظ ما يلي:

حديث المشرقي مشكوك:

ونحن نشك في حديث المشرقي هذا، وسبب شكنا أمور عديدة، هي التالية:

أولاً: تقدم: أن الإمام الحسين «عليه السلام» قد أرسل من ينادي في الناس أن لا يقاتل معنا من عليه دين..

وقد عرفنا: أن المشرقي قد اعتذر للإمام الحسين «عليه السلام»


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 444 و 445 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 339

عن عدم نصرته إلى حد الاستشهاد، بقوله: «إن علي ديناً، وإن لي عيالاً، ولكنك إن جعلتني في حل من الانصراف إذا لم أجد مقاتلاً، قاتلت عنك ما كان لك نافعاً، وعنك دافعاً».

قال: فقال: «فأنت في حل. فأقمت معه».

فكيف ينسجم ذاك النداء مع هذا الرضا الذي منحه «عليه السلام» للمشرقي؟!

ثانياً: تقول الرواية: إن الضحاك حين رأى خيل الأصحاب تعقر أقبل بفرسه حتى أدخلها فسطاطاً لأصحابه بين البيوت. مع أن النصوص تقول: إن ابن سعد حين رأى بأس أصحاب الحسين «عليه السلام» أمر بتخريب بيوت الحسين، ثم أمر بإحراقها، فأمر الحسين «عليه السلام» أصحابه بأن يدعوهم يحرقونها، فإنهم إذا فعلوا ذلك لم يتمكنوا من الوصول إليهم بسبب النار.

ثالثاً: لماذا انتظر المشرقى إلى أن لم يبق مع الحسين من أصحابه سوى رجلين، هما: سويد وبشير؟! فهل قتاله حين بقي ثلاثة أو أربعة رجال مثلا مع الحسين «عليه السلام» كان نافعاً للحسين وعنه دافعاً؟!..

رابعاً: إذا كان المشرقي قد قتل رجلين وقطع يد آخر حين كان راجلاً، ألم يكن قتاله على ظهر فرسه أجدى وأنفع للحسين، وأكثر دفعاً عنه؟!

خامساً: كيف لم يره أحد من أصحاب الحسين وهو يخبئ فرسه في أحد البيوت؟! إلا أن يكون قد لبس قبعة الإخفاء؟!

وإذا كان ثمة من رآه، فلماذا لم يخبر الحسين «عليه السلام» عن تصرفه هذا؟

ولماذا لم يطالبه أحد أو يسأله عن سبب عدم قتاله على ظهر فرسه؟!

إلا أن يكونوا قد رأوه وسكتوا عنه، ولعلمهم بالشرط الذي كان بينه وبين الحسين «عليه السلام»، ولكن إذا كان الأمر كذلك، فلا حاجة إلى تخبئة الفرس من الأساس.

سادساً: هناك أيضاً حرص المشرقى على حشد الأدعية التي ينسبها إلى الإمام «عليه السلام» في حقه، لتعطيه صدقية عند الناس.

فضلاً عن أن هذا الحديث إنما ورد على لسان صاحب العلاقة، وهو الضحاك المشرقي نفسه، مع أنه يجر فيه النار إلى قرصه، وهو حادث لافت للانتباه يرغب الناس في تداوله..

قتلانا قتلى النبيين، لماذا؟!

عن الإمام الباقر «عليه السلام»: إن الإمام الحسين «عليه السلام»، حينما كان يجعل الشهداء من أصحابه إلى جانب بعضهم البعض، يقول:

قتلانا قتلى النبيين (1).

كما أن أصحاب الإمام الحسين «عليه السلام» من سادة الشهداء بنص رسول الله «صلى الله عليه وآله»، حيث قال في كلام له عما يجري على الإمام الحسين «عليه السلام» تنصره عصابة من المسلمين، أولئك من سادة شهداء أمتي يوم القيامة (2).

وقد ذكرت الروايات أن الإمام الحسين «عليه السلام» هو سيد الشهداء من الأولين والآخرين (3).

وعن الإمام السجاد «عليه السلام»: وإن للعباس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة (4).


1) الغيبة للنعماني ص 211 و (نشر أنوار الهدى) ص 219 وبحار الأنوار ج 45 ص 80 وج 52 ص 117 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 346

2) الأمالي للصدوق ص 177 وذوب النضار ص11 وبشارة المصطفى ص 199 والفضائل لابن شاذان ص 10 ومثير الأحزان ص 22 و (ط المكتبة الحيدرية ص 12 وبحار الأنوار ج 28 ص 39 وشجرة طوبى ج 2 ص 420 وإرشاد القلوب ج 2 ص 296 وغاية المرام ج 1 ص 172

3) كامل الزيارات ص 147 و 148 وبحار الأنوار ج 44 ص 238 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 132

4) الأمالي للصدوق ص 547 و 548 والخصال ص 68 وبحار الأنوار ج 22 ص 274 وج 44 ص 298 والعوالم الإمام الحسين ص 349 ونور الثقلين (تفسير) ج 4 ص 346 وكنز الدقائق (تفسير) ج 10 ص531 وإبصار العين ص 57 و 58

وقال ميثم التمار لامرأة تدعى جبلة: إعلمي أن الحسين بن علي «عليهماالسلام» سيد الشهداء يوم القيامة، ولأصحابه على سائر الشهداء درجة (1).

ونقول:

إن كل ذلك يؤكد على أن لشهداء كربلاء «رضوان الله تعالى عليهم»، امتيازاً على سائر الشهداء، فهم الذين اختاروا هذه الشهادة، ورسموا معالمها وسعوا إليها عن وعي وإدراك، واندفاع، ورضى ورغبة.

ولأنهم حفظوا بذلك جهود الأنبياء، من لدن آدم وإلى النبي الخاتم كان قتلاهم قتلى النبيين..

ولأنهم حفظو دماء الشهداء من لدن آدم إلى يوم الدين كانوا سادة لهم إلى يوم القيامة، وكانت لهم عليهم درجة.


1) علل الشرايع ج 1 ص 228 والأمالي للصدوق ص190 وبحار الأنوار ج 45 ص 203 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 457 ومستدرك سفينة البحار ج 6 ص 185

الباب الخامس:

إستشهاد بني هاشم..

الفصل الأول:

علي الأكبر وليلى في كربلاء..

بداية:

تقدم معنا: أن خطة الإمام الحسين «عليه السلام» كانت تقضي باستشهاد الأصحاب، قبل استشهاد بني هاشم، مع أن النبي «صلى الله عليه وآله» وعلياً «عليه السلام» كانا يقدمان بني هاشم على سائر الناس في الحروب.

وذكرنا بعض ما كان «عليه السلام» يتوخاه من هذا الإجراء في يوم عاشوراء بالذات. ولا حاجة إلى إعادة ذلك.

فكانت الغصص التي يتجرعها الحسين «عليه السلام»، والأهوال التي يواجهها هو وولده وأهل بيته، وبنو هاشم تتعاظم، وتكبر، وتتوالى لحظة بلحظة، وكانت كل لحظة أشد عليه وعليهم من سابقتها، لأن آلامها تجتمع وتتراكم، وتفعل فعلها بصورة تصاعدية.

واللافت: أن ذلك ليس فقط لم يفتَّ في عضده «صلوات الله وسلامه عليه»، بل هو قد زاده عزماً وصلابة وتصميماً على مواصلة هذا الجهاد، ونيل مثوباته، وتحقيق غاياته.

وما ذلك إلا لأن هذه التراكمات والشدائد، وما رافقها من أحوال موقفه وتصرفات كانت تؤكد لكل ذي بصر وبصيرة صوابية مو «صلوات الله وسلامه عليه».

والأهم من ذلك: أن ثبات وصبر أصحابه وأهل بيته كان يتضاعف، ويتعاظم، ويقينهم يترسخ، ورضاهم بالاستشهاد، وشوقهم إلى لقاء الله يشتد.

ومهما يكن من أمر، فإننا نبدأ في هذا الفصل بما جرى لعلي الأكبر «صلوات الله وسلامه عليه»، حيث يقال: أنه أول من استشهد من بني هاشم.. وستأتي الأقوال الأخرى في موقعها إن شاء الله تعالى، فنقول:

إستشهاد علي الأكبر في النصوص:

قال الطبري:

1 - وكانَ أَوَّلَ قتيل مِن بَني أبي طالِب يَوْمَئِذٍ عَلِيٍّ الْأَكْبَرُ بنُ الحُسَين بن عَلِيٍّ «عليه السلام» ..» (1).

وقال المفيد «رحمه الله» في الإرشاد، وقريب منه في الطبري:

ولم يَزَلْ يَتَقدَّمُ رَجُلٌ رَجُلٌ مِن أصحابهِ فَيُقتَلُ، حَتَّى لم يبقَ مَعَ الحُسَين «عليه السلام» إلا أهلُ بَيْتِهِ خاصَّة.

فَتَقَدَّمَ ابْنُهُ عَلِيُّ بنُ الحُسَين «عليه السلام» - وأُمُّهُ ليلى بنت أبي مُرَّةَ بن عُروَةَ بن مَسعود الثقفي - وكان من أصبَح النَّاسِ وَجها، ولهُ يَومَئِذٍ بضعَ عَشْرَةَ سَنَةٌ ، فَشَدَّ عَلى النّاس، وهُوَ يَقولُ:


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 446 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 340 والكامل في التاريخ ج 4 ص 74 ونهاية الأرب ج 20 ص 455

أنا عَلِيُّ بنُ الحُسَين بنُ عَلِيٍّ *** نَحنُ وبَيتِ اللهِ أولى بالنَّبيّ

تَاللهِ لا يَحكُمُ فينا ابنُ الدَّعِي *** أضربُ بالسَّيفِ أحامي عَن أبي

ضربَ غلام هاشمي قُرَشِيَ

فَفَعَلَ ذلِكَ مِراراً، وأهلُ الكوفة يتقون قتله، قبَصُرَ بِهِ مُرَّةٌ بنُ مُنقِدٍ العَبدِيُّ، فَقالَ: عَليَّ آثامُ العَرَبِ، إن مَرَّ بي يَفعَلُ مِثلَ ذلِكَ إِن لم أَتْكِله أباهُ.

فَمَرَّ يَشْتَدُّ عَلَى النّاس كَما مَرَّ فِي الأَوَّل، فاعتَرَضَهُ مُرَّةٌ بنُ مُنقِدٍ، قطعَنَهُ فَصُرِعَ ، وَاحتَواهُ القومُ فقطعوه بأسيافهم.

فجاءَ الحُسَينُ «عليه السلام» حَتَّى وَقفَ عَليهِ، فَقالَ: قَتَلَ اللهُ قوماً قتلوكَ يا بُنَيَّ، ما أجرأهُم عَلى الرَّحمن وعلى انتِهاكِ حُرمَةِ الرَّسول! وَانهَمَلْت عَيناه بالدموع، ثمَّ قَالَ: عَلى الدُّنيا بَعدَكَ العَفَاءُ.

وخَرَجَت زَيْنَبُ أختُ الحُسَين مُسرعَة [في الطبري وغيره: كأنها الشمس الطالعة] ثنادي يا أخيّاه وابن أخيّاه، وجاءَت حَتَّى أَكَبَّت عَلَيهِ.

فَأَخَذَ الحُسَينُ «عليه السلام» برَأسِها [في مقاتل الطالبيين: بيدها]، فَرَدَّها إلى الفسطاط، وأمَرَ فِتيانَهُ، فَقالَ: إِحمِلوا أخاكُم.

فَحَمَلُوهُ حَتَّى وَضَعوهُ بَينَ يَدَي الفُسطاط الذي كانوا يُقاتِلُونَ أمامَهُ (1).


1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 293 - 295 عن: الإرشاد ج 2 ص 106 ومثير الأحزان ص 68 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 51 وإعلام الورى ج 1 ص 464 كلاهما نحوه، وليس فيهما من «اضرب» إلى «قرشي». وراجع: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 446 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 340 والكامل في التاريخ ج 4 ص 74 نحوه. وراجع: تاريخ مدينة دمشق ج 69 ص 169 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص340 ومقاتل الطالبيين ص 115 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 76 وبحار الأنوار ج 45 ص 43 و 66 وراجع مروج الذهب ج 3 ص 71 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 302 وشرح الأخبار ج 3 ص 153 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص170 و 286 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج8 ص 200 و 201

2 - فلمّا لم يَبقَ مَعَهُ إِلَّا أَهلُ بَيْتِهِ، خَرَجَ عَلِيُّ بنُ الْحُسَين «عليه السلام» - وكانَ مِن أصبَح النّاس وجها، وأحسَنِهم خُلقا - فاستَأذنَ أباهُ في القِتالِ، فَأَذِنَ لَهُ؛ ثُمَّ نَظرَ إِلَيهِ نَظرَةَ آيسِ مِنهُ، وأرخى «عليه السلام» عَينَيهِ وبَكى.

ثُمَّ َقالَ: اللهُمَّ اشْهَد، فقد بَرَزَ إِليهم غُلامٌ أشبَهُ النّاس خَلْقاً وخُلْقاً ومَنطِقاً برَسولِكَ «صلى الله عليه وآله»، وكنا إذا اشتقنا إلى نَبِيِّكَ نَظرنا إِلَيهِ.. فَصاحَ وقالَ: يَا ابْنَ سَعدٍ، قطعَ اللهُ رَحِمَكَ كَما قطعت رَحِمي.

فَتَقَدَّمَ نَحوَ القوم، فقاتَلَ قِتالاً شديداً، وقتَلَ جَمعاً كَثِيراً، ثُمَّ رَجَعَ إلى أبيه وقالَ: يا أَبَتِ العَطش قد قتلني، وثقلُ الحَديدِ قد أجهَدَني، فَهَلْ إلى شَربَةِ مَاءٍ مِن سَبِيلٍ؟

فَبَكَى الْحُسَينُ «عليه السلام» وقال واغوثاه يا بُنَيَّ مِن أينَ آتي

بالماء؟! قاتل قليلاً، فما أسرَعَ ما تَلْقَى جَدَّكَ مُحَمَّداً «صلى الله عليه وآله»، فَيَسقيك بكَأسِهِ الأوفى شَربَةٌ لا تَظمَأُ بَعدَها.

فَرَجَعَ إِلى مَوقِفِ النّزال، وقاتَلَ أعظم القِتال، فرماهُ مُنقِدُ بنُ مُرَّةَ العَبدِيُّ بِسَهم فَصَرَعَهُ، قنادى: يا أبتاه، عَليكَ مِنِّي السَّلَامُ، هذا جَدّي يُقرئُكَ السَّلامَ، ويَقولُ لكَ: عَجِّل القدومَ عَلينا، ثُمَّ شَهِقَ شَهقة فماتَ.

فجاءَ الحُسَينُ «عليه السلام» حَتَّى وَقفَ عَليهِ، وَوَضَعَ خَدَّهُ عَلَى خَدِّهِ، وقالَ: قَتَلَ اللهُ قوما قتلوكَ ما أجرَاهُم عَلَى اللهِ ! وعَلى انتِهَاكِ حُرمَةِ رسول اللهِ «صلى الله عليه وآله»! عَلى الدُّنيا بَعدَكَ العَفاء.

قالَ الرّاوي: وخَرَجَت زَيْنَبُ بنتُ عَلِيٍّ «عليه السلام» ثنادي يا حَبيباهِ، يَا ابن أخاه وجاءَت فأكَبَّت عَليهِ، فجاءَ الحُسَينُ «عليه السلام» فأخَذها ورَدَّها إِلى النِّسَاءِ.

ثُمَّ جَعَلَ أَهْلُ بَيْتِهِ يَخرُجُ مِنهُمُ الرَّجُلُ بَعدَ الرَّجُلِ، حَتى قتل القومُ مِنهُم جَمَاعَةٌ، فَصاحَ الحُسَينُ عليه السلام» في تِلْكَ الحال: صَبراً يا بَنِي عُمومتي، صَبراً يا أهلَ بَيتى صَبراً فَوَاللهِ لا رَأَيْتُم هَوانَا بَعدَ هذا اليَوم أبدا (1).

3 - عن عبد الله بن منصور، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده [زين العابدين] عليهم السلام»: لَمّا بَرَزَ


1) الملهوف ص 166 و نشر أنوار الهدى ص 68 ومثير الأحزان (ط المكتبة الحيدرية) ص 51

[عَلِيُّ بنُ الحُسَين] إليهم دَمَعَت عَينُ الحُسَين «عليه السلام»، فقالَ: اللهُمَّ كن أنت الشهيدَ عَليهم، فقد بَرَزَ إِليهِمُ ابنُ رَسولِكَ، وأشبَهُ النّاس وَجهاً وسَمتاً بِهِ، فَجَعَلَ يَرْتَجِزُ وَهُوَ يَقُولُ:

أنا عَلِيُّ بنُ الحُسَين بنُ عَلِيٍّ *** نحنُ وبَيتِ اللهِ أولى بالنَّبيّ

أما تَرَونَ كَيفَ أحمي عَن أبي

فقتَلَ مِنهُم عَشَرَةَ ثُمَّ رَجَعَ إلى أبيهِ، فَقالَ: يا أَبَه العَطش.

فَقالَ الحُسَينُ «عليه السلام»: صَبراً يا بُنَيَّ، يَسقِيكَ جَدُّكَ بِالْكَأْسِ الأوفى، فَرَجَعَ فَقاتَلَ حَتَّى قَتَلَ مِنهُم أربَعَة وأربعينَ رَجُلا، ثُمَّ قُتِلَ صَلَّى اللهُ عَلِيهِ (1).

4 - وفي الطبقات الكبرى: دَعا رَجُلٌ مِن أهل السّامِ عَلِيَّ بنَ الحُسَين الأكبَرَ - وأُمُّهُ آمِنَهُ بنتُ أبي مُرَّةَ بن عُروَةَ بن مسعودٍ التَّقْفِيُّ، وأُمُّها بنتُ أبي سُفيان بن حَربٍ - فَقالَ: إِنَّ لكَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ قرابَة ورَحِماً، فإن شئت ،آمَتاكَ، وَامضِ حَيثَما أحبَبتَ!.

ققال: أما وَاللهِ لقرابَهُ رَسول اللهِ «صلى الله عليه وآله» كانت أولى أن تُرعى مِن قرابَةِ أبي سُفيانَ، ثُمَّ كَرَّ عَليهِ وهُوَ يَقُولُ:


1) الأمالي للصدوق ص 226 ح 239 وروضة الواعظين ص 207 و (منشورات الشريف الرضي) ص 188 من دون إسناد إلى أحد من أهل البيت «عليهم السلام»، وبحار الأنوار ج 44 ص 321 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 170

أنَا عَلِيُّ بنُ الحُسَين بنُ عَلِيٍّ *** نحنُ وبَيتِ اللهِ أولى بالنَّبيّ

مِن شَمِر وعُمَر وَابن الدَّعِي

قالَ: وأقبَلَ عَليهِ رَجُلٌ مِن عَبدِ القيس، يُقالُ لَهُ: مُرَّةُ بنُ مُنقِذ بن النُّعمان فَطَعَنَهُ، فَحُمِلَ فَوُضِعَ قريباً من أبيهِ، فقال له: قتَلُوكَ يا بُنَيَّ؟!

عَلى الدُّنيا بَعدَكَ العَفاءُ، وضَمَّهُ أبوهُ إليهِ حَتَّى ماتَ.

فَجَعَلَ الحُسَينُ «عليه السلام» يقولُ: اللهُمَّ دَعَونا لِيَنصُرونا، فَخَدّلُونا وقتلونا، اللهُمَّ فاحبس عَنهُم قطرَ السَّمَاءِ، وَامنَعهُم بَرَكاتِ الأَرض، فَإن مَتَعتَهُم إلى حينِ فَفَرِّقهُم شيعاً، وَاجْعَلهُم طرائق ِقدَداً، ولا تُرض الولاةَ عَنهُم أَبَدا (1).

5 - قال أبو الفرج: قالَ المَدائِنِيّ: عَن العَبّاس بن مُحَمَّدِ بن رزين، عن عَلِيٍّ بن طلحة، وعَن أبي مِخنَفٍ، عن عَبدِ الرَّحمن بن يَزِيدَ بن جابر، عَن حُمَيدِ بن مُسلِمٍ، وقالَ عُمَرُ بنُ سَعدٍ البَصْرِيُّ، عَن أَبي مِخنَفٍ، عن زُهَير بن عَبدِ اللهِ الخَتْعَمِيِّ، وحَدَّتْنيهِ أَحمدُ بنُ سَعِيدٍ، عَن يَحْيَى بن الحَسَنِ العَلوّيّ، عَن بَكرِ بن عَبدِ الوَهّابِ، عَن إسماعيل بن أبي إدريسَ، عَن أبيهِ


1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 292 عن المصادر التالية: الطبقات الكبرى لابن سعد (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 470 ونسب قريش ص57 نحوه، وليس فيه ذيله من «وضمه». وراجع: أنساب الأشراف ج 3 ص 361 والشجرة المباركة ص 72 والرد على المتعصب العنيد ص 39 وتذكرة الخواص ص 255 والأمالي للشجري ج1 ص171

عَن جَعفَرٍ بن مُحَمَّدٍ، عَن أبيهِ، دَخَلَ حَديثُ بَعضِهِم فِي حَدِيثِ الْآخَرِينَ إِنَّ أَوَّلَ قتيل قُتِلَ مِن وُلْدِ أَبي طَالِبٍ مَعَ الحُسَين «عليه السلام» ابنُهُ عَلِيٍّ، قَالَ: فَأَخَذَ يَشْدُّ عَلى النّاس وهُوَ يَقولُ:

أنا عَلِيُّ بنُ الحُسَين بنُ عَلِيٍّ *** نحنُ وبَيتِ اللهِ أولى بالنَّبِيِّ

مِن شَبَتْ ذاكَ ومِن شِمر *** أضربُكُم بِالسَّيفِ حَتَّى يَلتَوي

ضَرَبَ غلامٍ هاشِمِيٍّ عَلويّ *** ولا أزالُ اليَومَ أحمي عَن أبي

وَاللَّهِ لا يَحْكُمُ فِينَا ابْنُ الدَّعِي

إلى أن قال أبو الفرج:

حَدَّثني أَحمَدُ بنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّتْني يَحيَى ْبنُ الحَسَن العَلوِيُّ، قَالَ: حَدَّتْنَا غَيْرُ وَاحِدٍ، عَن مُحَمَّدِ بن عُمَيرٍ، عَن أحمدَ بن عَبدِ الرَّحْمنِ البَصَرِيِّ، عَن عَبدِ الرَّحمن بن مَهْدِيٍّ، عَن حَمَّادِ بن سَلَمَةَ، عَن سَعِيدِ بن ثابِتٍ، قَالَ: لَمّا بَرَزَ عَلِيُّ بنُ الحُسَين «عليه السلام» إليهم، أرى الحُسَينُ «صَلَواتُ اللهِ عَليهِ وسَلامُهُ» عَينَيهِ فَبَكي، ثمَّ َقالَ: اللهُمَّ كُن أنتَ الشَّهِيدَ عَليهم، فَبَرَزَ إليهم غُلامٌ أَشبَهُ الخَلْقَ برَسول اللهِ «صلى الله عليه وآله».

فَجَعَلَ يَشْدُّ عَليهم، ثمَّ يَرجِعُ إلى أبيهِ فَيَقُولُ: يا أَبَه العَطشُ!

فَيَقُولُ لهُ الحُسَينُ «عليه السلام»: إصبر حَبيبي؛ فَإِنَّكَ لا تُمسي حَتَّى يَسْقِيَكَ رَسولُ اللهِ «صلى الله عليه وآله» بكأسه.

وجَعَلَ يَكْرُّ كَرَّةَ بَعدَ كَرَّةٍ، حَتَّى رُمي بسَهمٍ فوقعَ في حَلْقِهِ فَخَرَقَهُ، وأَقْبَلَ يَنقَلِبُ فِي دَمِهِ، ثُمَّ نادى يا أبتاه عَليكَ السَّلامُ هذا جَدّي رَسُولُ اللَّهِ «صلى الله عليه وآله» يُقرئُكَ السَّلامَ، ويَقولُ: عَجِّل القدوم إلينا، وشهق شهقة

فارق الدُّنيا (1).

6 - تَقدَّمَ عَلِيُّ بنُ الحُسَين الأكبَرُ «عليه السلام»، وهُوَ ابنُ ثماني عَشْرَةَ سَنَة، ويُقالُ: اِبنُ خَمس وعشرين، وكانَ يُشبَّهُ برَسول اللهِ «صلى الله عليه وآله» خلقا وخُلقاً ونُطقا ، وجَعَلَ يَرْتَجِرُ ويَقُولُ:

أنا عَلِيُّ بنُ الحُسَين بنُ عَلِيٍّ *** مِن عُصبَةٍ جَدُّ أبيهمُ النَّبيِّ

نحْنُ وبَيتِ اللهِ أولى بالوَصِيّ *** وَاللهِ لا يَحكُمُ فينا ابنُ الدَّعِيَ

أضربُكُم بِالسَّيْفِ أَحْمِي عَن *** أطعَنَكُم بالرُّمْح حَتَّى يَنثني

طعنَ غلامٍ هاشمِيٌّ عَلويّ

فقَتَلَ سَبعينَ مُبارزاً، ثُمَّ رَجَعَ إلى أبيه وقد أصابته جراحاتٌ، فقالَ: يا أَبَه العَطش.

فَقالَ الْحُسَينُ «عليه السلام»: يَسقيكَ جَدُّكَ، فَكَرَّ أَيضاً عَلَيهِم وَهُوَ يَقولُ:

الحَربُ قد بانَت لها حَقَائِقُ *** وظهَرَت مِن بَعدِها مَصادِقُ

وَاللهِ رَبِّ العَرش لا تُفارِقُ جُموعَكُم أو تُعْمَدُ البَوارقُ

فَطَعَنَهُ مُرَّةً بنُ مُنقِذٍ العَبدِيُّ عَلَى ظهرهِ غَدراً، فَضَرَبُوهُ بِالسَّيفِ.


1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 296 - 298 عن: مقاتل الطالبيين ص 115 وبحار الأنوار ج 45 ص 45 وراجع: مروج الذهب ج3 ص 71 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 302 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص288

فقالَ الحُسَينُ «عليه السلام»: عَلى الدُّنيا بَعدَكَ العَفا، وضَمَّهُ إلى صَدرِهِ وأتى بهِ إلى بابِ الفُسطاط، فصارت أُمُّهُ شَهرَبانَوَيهِ وَلهى، تَنظُرُ إِليهِ ولا تَتَكَلَّمُ، فَبَقِيَ الحُسَينُ «عليه السلام» وحيدا (1).

7 - فَتَقَدَّمَ عَلِيُّ بنُ الحُسَين - وأُمُّهُ ليلى بنتُ أَبِي مُرَّةَ بن عُرِوَةَ بن مَسعودٍ التَّقْفِي - وهُوَ يَومَئِذٍ ابنُ ثمان عَشرَةَ سَنَة، فلمّا رَآهُ الحُسَينُ «عليه السلام» رَفَعَ شَيْبَتَهُ نَحوَ السَّماءِ، وقالَ: اللهُمَّ اشهَد عَلَى هؤلاء القوم، فقد بَرَزَ إِليهم غُلامٌ أَشبَهُ النّاس خَلْقاً وخُلْقاً ومنطقا برسولِكَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله»، كنا إذا اشتقنا إلى وَجهِ رَسولِكَ نَظرنا إلى وَجهِهِ، اللهُمَّ فامنَعهُم بَرَكاتِ الأرض، وإن مَنَعتَهُم فَفَرِّقهُم تَفريقا، ومَزَّقَهُم تمزيقا، وَاجْعَلهُم طرائِقَ قِدَداً، ولا أرض الولاةَ عَنهُم أَبَداً ؛ فَإِنَّهُم دَعَونَا لِيَنصُرُونا ثُمَّ عَدَوا عَلينا يُقاتِلُونَا ويَقْتُلُونّا.

ثُمَّ صاحَ الحُسَينُ «عليه السلام» بعُمَرَ بن سَعدٍ: مَا لَكَ؟! قطعَ اللهُ رَحِمَكَ، ولا بارَكَ لكَ في أمرك، وسلط عَليكَ مَن يَذْبَحُكَ عَلَى فِرَاشِكَ، كَما قطعتَ رَحِمي، ولم تحفظ قرابتي مِن رَسول الله!

ثُمَّ رَفَعَ «عليه السلام» صَوتَهُ وقرأ: (إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * دُرِّيَّة بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (2).


1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 298 - 299 :عن مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 109 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 257

2) الآيتان 33 و 34 من سورة آل عمران

ثُمَّ حَمَلَ عَلِيُّ بنُ الحُسَين وهُوَ يَقُولُ:

أنا عَلِيُّ بنُ الحُسَين بنُ عَلِيٍّ *** نحنُ وبَيتِ اللهِ أولى بالنَّبيِّ

وَاللهِ لا يَحكُمُ فينا ابنُ الدَّعِيَ *** أطعَلكُم بالرُّمح حَتَّى يَنثني

أضربُكُم بِالسِّيفِ حَتَّى يَلتَوي *** ضَربَ غلامٍ هاشِمِيٍّ عَلويّ

فلم يَزَلْ يُقاتِلُ حَتَّى صَجَّ أهلُ الكوفَةِ لِكَثرَةِ مَن قَتَلَ مِنهُم، حَتَّى أَنَّهُ رُويَ: أَنَّهُ عَلَى عَطشهِ قَتَلَ مِنْةٌ وعِشْرِينَ رَجُلا، ثُمَّ رَجَعَ إِلى أَبِيهِ وقد أصابته جراحات كثيرة، فقال: يا أَبَه العَطش قد قتلني، وثِقَلُ الحَديدِ قد أجهَدَني، فهل إلى شربَةٍ مِن ماءٍ سَبِيلٌ، أتَقوى بها عَلى الأعداء؟

فَبَكَى الْحُسَينُ «عليه السلام» وقالَ: يا بُنَيَّ عَزَّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى عَلِيٍّ، وعَلى أبيكَ أن تَدعُوَهُم فَلا يُجيبونَكَ، فلا يُجيبونَكَ، وتَستَغيث بهم فلا يُغيثونَكَ.

يا بُنَيَّ! هاتِ لِسانَكَ.

فَأَخَذَ لِسانَهُ، فَمَصَّهُ، ودَفَعَ إِليهِ خاتَمَهُ، وقالَ لَهُ: خُذ هذا الخاتَمَ في فيكَ، وَارجع إلى قِتال عَدُوِّكَ، فإنّي أرجو أن لا تُمسِيَ حَتَّى يَسقِيَكَ جَدُّكَ بكَأْسِهِ الأوفى شربَةً لا تَطْمَا بَعدَها أَبَداً.

فَرَجَعَ عَلِيُّ بنُ الحُسَين عليه السلام» إلى القِتال، وحَمَلَ وهُوَ يَقولُ:

الحَرب قد بانت لها حَقائِقُ *** وظهَرَت مِن بَعدِها مَصادِقُ

وَاللهِ رَبِّ العَرش لا تُفارِقُ *** جُموعَكُم أو تُعْمَدُ البَوارقُ

وجَعَلَ يُقاتِلُ حَتى قَتَلَ تَمامَ المِئَتَين، ثمَّ ضَرَبَهُ مُنقِدُ بنُ مُرَّةَ العَبدِيُّ عَلَى

مَفرق رَأْسِهِ ضَربَةٌ صَرَعَهُ فيها، وضَرَبَهُ النّاسُ بأسيافهم، فَاعتَنَقَ الفَرَسُ فَحَمَلَهُ الفَرَسُ إلى عَسكَر عَدُوِّهِ، فَقطعوه بأسيافهم إرباً إرباً.

فلمّا بَلغَت روحُهُ التّراقِي، نادى بأعلى صَوتِهِ: يا أبتاه! هذا جَدّي رَسولُ اللهِ، قد سقانى بِكَأْسِهِ الأوفى شَربَة لا أظمأ بَعدَها أَبَداً، وهُوَ يَقولُ لكَ العَجَلَ فَإِنَّ لَكَ كَأساً مَذخورة الخ.. (1).

ونقول:

هناك أمور عديدة ينبغي التوقف عندها، نذكر منها ما يلي:

أول شهيد من بني هاشم

هناك خلاف في تحديد أول الشهداء من بني هاشم..

ففي عدد من المصادر والنصوص: أن أول شهيد من بني هاشم هو علي بن الحسين (المعروف بعلي الأكبر) (2). وكان عمره حين استشهد


1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 299 - 301 عن: مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 30 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 114 نحوه، وليس فيه ذيله من «وجعل يقاتل» وفيه «من عصبة جدّ أبيهم النبيّ» بدل «نحن وبيت الله أولى بالنبيّ»، وبحار الأنوار ج 45 ص 42

2) راجع: الأخبار الطوال ص 256 ومثير الأحزان ص 68 والكامل في التاريخ ج 4 ص 74 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 106 ومقاتل الطالبيين ص 52 وجمهرة أنساب العرب ص 267 والملهوف ص 166 و نشر أنوار الهدى ص 67 وأنساب الأشراف ج 3 ص 406 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 200 وإعلام الورى ج 2 ص 462 وتاريخ الأمم والملوك ج5 ص 446 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 340 ونهاية الأرب ج 20 ص 455 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 200 وراجع النصوص التي ذكرناها مع مصادرها

ستا وعشرين سنة، كما ذكره ابن فندق (1).

وقد ورد في زيارة الناحية المقدسة: السلام عليك يا أول قتيل من نسل خير سليل، من سلالة إبراهيم الخليل (2).

وفي عدد آخر من المصادر: أن أولهم هو عبد الله بن مسلم بن عقيل (3).

وهناك من يقول: إن الشهيد الأول هو العباس بن علي بن أبي طالب، كما عن الشعبي (4). وسنرى: أنه «رضوان الله تعالى عليه» كان آخر من استشهد من رجال وشباب بني هاشم، ثم استشهد بعده الطفل الرضيع، ثم الإمام الحسين «عليه السلام».


1) راجع: لباب الأنساب ج 1 ص 399

2) راجع: بحار الأنوار ج 45 ص 65 وج 98 ص 269 و 339 والمزار لابن المشهدي ص487 وإقبال الأعمال ج 3 ص 343 والمزار للشهيد الأول ص 148 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 335

3) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 105 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص254 وبحار الأنوار ج 45 ص 32 والعوالم الإمام الحسين ج17 ص 275 والأمالي للصدوق ص 226 وروضة الواعظين ص118 وتسلية المجالس للحائري ج 2 ص 302 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 110 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 26

4) تذكرة الخواص ص 145

ما المراد بالأكبر؟!:

قد يقال: إن المراد بوصف «الأكبر»: أنه أكبر أولاد الإمام الحسين «عليه السلام»، فيكون أكبر سناً من الإمام السجاد «عليه السلام».

واستدلوا على ذلك بما يلي:

أولاً: أن الواقدي يقول: إن عليا الأكبر قد ولد سنة ثلاث وثلاثين من الهجرة (1). أي في عهد عثمان (2)، ولعلهم أخذوا هذا من الواقدي أيضاً، في حين أن ولادة الإمام السجاد «عليه السلام» كانت سنة ثماني وثلاثين.

ثانياً: ذكر المؤرخون: أن يزيد «لعنه الله» سأل الإمام السجاد «عليه السلام» عن اسمه، فقال: على بن الحسين.

قال: أولم يقتل الله علي بن الحسين؟!

قال «عليه السلام»: قد كان لي أخ أكبر مني يسمى علياً، (قتله


1) عمدة الطالب ص 193 وراجع مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص34 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 106 وإعلام الورى ج 1 ص464 وتسلية المجالس ج 2 ص 31 وشرح الأخبار ج 3 ص 265

2) السرائر ج 1 ص 654 و 655 ومقاتل الطالبيين ص53 وبحار الأنوار ج 45 ص 45 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص288 والأعلام للزركلي ج 4 ص 277 وإبصار العين ص 49

الناس) فقتلتموه (1).

ثالثاً: إن أكثر المصادر والنصوص تصف عليا الشهيد «عليه السلام» بـ «الأكبر»، فما معنى ادّعاء خلاف ذلك، مع أنه لا غضاضة على الشيعة في أن يكون الإمام السجاد أصغر سناً؟! وقد كان الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» أصغر إخوته سناً، وكان هو الإمام المعصوم دونهم (2).

ونجيب:

أولاً: بالنسبة لقول الواقدي ومن بعده أبو الفرج، وابن إدريس


1) نسب قريش ص 58 ومقاتل الطالبيين ص 119 و 120 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 80 والمنتخب من ذيل المذيل للطبري، ملحق بالمجلد الأخير ص 630 والبداية والنهاية ج 9 ص 103 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 211 والإرشاد ج 2 ص 116 وشرح الأخبار ج 3 ص 251 ومثير الأحزان (ط المكتبة الحيدرية) ص 71 ونور الثقلين (تفسير) ج 4 ص 487 وكنز الدقائق (تفسير) ج 11 ص 307 وإعلام الورى ج 1 ص 472 والدر النظيم ص 561 وكشف الغمة ج 2 ص 278 وبحار الأنوار ج 45 ص 117 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 384 والتمهيد لابن عبد البر ج9 ص 157 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 5 ص212 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 350 وتجارب الأمم ج 2 ص 81 والكامل في التاريخ ج 4 ص 82 والملهوف نشر أنوار الهدى ص 94 ونهاية الأرب ج20 ص 465 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص79

2) راجع: السرائر ج 1 ص 655 و 656

«رحمه الله»، فإننا نحتمل أن يكونا قد أخذا من الواقدي أيضاً. على أن الأمر في ولادة السجاد لا ينحصر بالقول بولادته سنة ثمان وثلاثين، فقد قيل: إنه ولد سنة ست وثلاثين، وبقي مع جده أمير المؤمنين أربع سنين (1).

بل يقال - كما عند المفيد وغيره: بقي مع جده سنتين، ومع عمه -: اثنتي عشرة سنة، ومع أبيه ثلاث عشرة سنة (2).

وهذا الكلام، وإن كان فيه غلط واشتباه، ولكننا إذا جمعنا عدد هذه السنوات يصير مجموعها سبعاً وعشرين سنة، فتكون ولادة الإمام «عليه السلام» سنة 33 للهجرة. ولهذا القول مصادر كثيرة، ذكرناها فيما سبق، في الجزء الرابع، فصل: «أيهما الأكبر». فكيف يمكن التحقق من أكبرية أخيه الشهيد؟!

وقيل : ولد «عليه السلام» قبل وفاة جده بست سنين.

والإشتباه إنما هو في تقسيمات السنوات على العهود، ويكون الصحيح أنه أقام مع أبيه وعمه عشرين سنة، وأقام مع جده سبع سنين.


1) مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص310 وبحار الأنوار ج3 ج 46 ص 12 و 13 و 14 و 15 عن المناقب، وعن الروضة، وإعلام الورى ص 15. وراجع: مصباح الكفعمي ص 511 والإقبال ص 95

2) الإرشاد (ط النجف) ص 269 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 311 وبحار الأنوار ج 46 ص 12

وفي بعض الروايات: أن عمر السجاد في كربلاء كان ثلاثين سنة. راجع فصل: «أيهما الأكبر»؟! ج 4 من هذا الكتاب.

وفي بعض الروايات: ولد «عليه السلام» قبل وفاة جده بست سنين (1).

ومع وجود هذه الاختلافات، فلا يمكن الاطمئنان إلى صحة ما زعموه من أن الإمام السجاد «عليه السلام» كان أصغر من على الأكبر، حتى لو قبلنا بما قاله الواقدي ومن تابعه في سنة ولادة علي الأكبر «عليه السلام».

يضاف إلى ما تقدم: أن هناك من يقول عن علي الأكبر: أنه استشهد وله يومئذ أكثر من عشر سنين (2).

ويقول ابن فندق: استشهد وعمره ست وعشرون سنة. مما يعني: أنه ولد سنة 35 هجرية. وقيل: كان عمره 25 سنة ، وقيل 28 سنة (3).

ويقول الطريحي: كان عمر علي الأكبر سبع عشرة سنة (4).


1) بحار الأنوار ج 46 ص 15 و 14 وج 95 ص 192 عن كتاب العدد القوية ص 55 و 56 عن كتاب الدر

2) مثير الأحزان ص 68 و (ط المكتبة الحيدرية) ص51

3) راجع ما تقدم وسواه في نفس كتابنا هذا، المجلد الرابع، فصل: «أيهما الأكبر»؟!

4) المنتخب للطريحي ص 443 وراجع ج 4 من كتابنا هذا، فصل: أيهما الأكبر؟! وراجع: مصباح الكفعمي ص 511 والإقبال ص 95

ولعل هذا يتوافق مع قول السيد محسن الأمين العاملي: إن عمره يوم ذاك كان تسع عشرة سنة (1). مع ملاحظة كثرة التصحيف بين كلمتي سبع وتسع، بسبب تشابه الرسم.

وقيل: كان له من العمر 18 سنة.

وقيل: بضع عشرة سنة.

وقيل: عشر سنين.

وقيل: 12 سنة.

وقيل: 27 سنة.

وقيل: 23 سنة.

ثانياً: بالنسبة لقول الإمام السجاد ليزيد «لعنه الله»: قد كان لي أخ أكبر مني يسمى عليا، فقتلتموه نقول:

ذكر هذا الحديث تارة بين الإمام «عليه السلام» ويزيد، وأخرى له «عليه السلام» مع عبيد الله بن زياد وأكثر المصادر لم تذكر كلمة «أكبر مني»، بل قالت: كان لي أخ يقال له: علي بن الحسين، فقتله الناس. (راجع هذا الكتاب ج 4 ، فصل: «أيهما الأكبر ؟!»).

ثالثاً: بالنسبة لوصف الإمام السجاد بالأصغر - كما في المنتخب من ذيل المذيل - ووصف على الشهيد في كربلاء بالأكبر، نقول:


1) لواعج الأشجان ص 150 ومصادر كثيرة أخرى تقدمت في فصل: أيهما الأكبر؟! ج 4 من هذا الكتاب

إنه لا يدل على ما يريدون إثباته، فقد قال القندوزي الحنفي إن الإمام السجاد «عليه السلام» لقب بالأصغر، لأنه ولد في حياة جده، وعند وفاة جده كان ابن سنتين. فجده أمير المؤمنين علي الأكبر، وهو الأصغر (1).

معنى هذا وذاك: أن علياً الشهيد في كربلاء قد ولد بعد وفاة جده علي «عليه السلام». ولو أنه ولد في حياته لم يلقب بالأكبر..

على أنه سيأتي حين الحديث عن استشهاد الصغار من أبناء الحسين أن أحد أبناء الحسين الصغار كان اسمه علياً، وقد استشهد في كربلاء أيضاً..

6- وقد قلنا: إن من القريب جداً: أنه إذا قيل علي - على الاطلاق -، فالمراد به الإمام السجاد «عليه السلام». وإذا قيل علي الأكبر، فيراد به: الذي استشهد في كربلاء - وكان رجلاً -، فهو يقابل علياً الأصغر، الذي استشهد وهو طفل فى كربلاء، أيضاً.

ويمكن للقارئ الكريم مراجعة ج 4 فصل: «أيهما الأكبر؟!»، ففيه أمور أخرى يحسن الاطلاع عليها.

ليلى أُمُّ من؟!:

فإذا كان هناك ثلاثة أبناء للإمام الحسين «عليه السلام» كلهم اسمه علي: السجاد، والأكبر، والأصغر، فيأتي السؤال هنا عن ليلى: هل هي


1) ينابيع المودة ج 3 ص 151 و 152

أم علي الأكبر الشهيد؟ أم هي أم علي الأصغر الشهيد؟!

ونقول في الإجابة على السؤال الأول:

إن أكثر المصادر، وإن ذكرت أن أم علي الأكبر، الشهيد في كربلاء هي ليلى بنت أبي مرة، أو عروة بن مسعود الثقفي، وأم ليلى ميمونة بنت أبي سفيان، إلا أن هناك من يقول: إن اسم أم على الأكبر هو آمنة (1).

وسماها ابن شهر آشوب في موضع: شهربانويه (2).

ويقول في موضع آخر: إن اسمها «برَّة بنت عروة بن مسعود»، وأن «شهربانويه» هي أم السجاد، وعلي الأصغر كليهما (3).

وربما كان ما ذكره ابن شهر آشوب - وهو شهربانويه - لقباً لليلى، أو لآمنة. وربما كانت ليلى هي أم أحدهما، وآمنة أم الآخر..


1) نسب قريش لعبد الله بن مصعب الزبيري ص 57 وترجمة الإمام الحسين «عليه السلام» في القسم غير المطبوع من طبقات ابن سعد. وقد حققه العلامة السيد عبد العزيز الطباطبائي رحمه الله» وطبعه، فراجع ص73 و 17 منه والمنتخب من ذيل المذيل من تاريخ الصحابة والتابعين للطبري ص 24

2) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 109 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 257

3) مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 4 ص 85 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 231 وبحار الأنوار ج 45 ص والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 637

نقول هذا، مع اعترافنا: بأننا لا نملك ما يؤيد أياً من هذه الاحتمالات.

هل حضرت لیلی کربلاء؟!

ويبقى سؤال عن حضور ليلى كربلاء وعدمه.. فهناك من ينكر حضورها، ويعتبر أن ما يقال عن ذلك لا يمكن الأخذ به (1).. بل ادَّعى أنها ماتت قبل ذلك (2).

ومستند هؤلاء وأولئك أمور، هي التالية:

لم يذكر المؤلفون حضورها:

قالوا:

إن أحداً من المؤلفين والمؤرخين لم يذكر حضور ليلى أم علي الأكبر في كربلاء.

ونجيب:

أولاً: سيأتي: أن ثمة من ذكر حضور أمّ علي الأكبر فيها..

ثانياً: إن هذا النفي القاطع يحتاج إلى الاطلاع على جميع كتب التراث على اختلاف موضوعاتها، بل يحتاج إلى الاطلاع على التالف منها أيضاً عبر التاريخ، وهو أضعاف ما وصل إلينا منها، ولا يستطيع أحد أن يدَّعي ذلك لنفسه.. بل لا يستطيع أن يدعي أنه اطلع


1) راجع: الملحمة الحسينية ج 1 ص 18 ونفس المهموم ص167

2) راجع: قاموس الرجال للتستري ج 7 ص 422

على مضامين المطبوع ،والمتداول، منها ، فضلاً عن المخطوط، والتالف..

هذا مع غض النظر عما في كثير من المؤلفات من التصحيفات والتحريفات، والنصوص المتعارضة والأغلاط وخلط الحقائق بالأباطيل والمكذوبات، وما أكثر ذلك فيها. فهل ذكر هذه الأمور في الكتب يسوغ الأخذ بها، واعتبارها حقائق؟!

يضاف إلى ذلك: أننا إذا وجدنا نصاً في أحد المؤلفات، ولم نجده في غيره، فلا يصح اعتباره مكذوباً، إذ لعله مأخوذ من مصادر لم نطلع عليها، أو من مؤلفات أبادها الدهر، أو أتلفها الظالمون، أو الجاهلون..

منطق تضحية لا منطق دعاء:

قالوا:

إن ما يذكر، من أنه لما برز بكر بن غانم لعلي الأكبر، أمر الحسين «عليه السلام» ليلى بأن تدخل الخيمة، وتنشر شعرها، وتدعو الله بأن يرد عليها ولدها، ففعلت فاستجاب الله دعاءها، ونصر ولدها على قرنه، لا يصح الأخذ به.

فأولاً: إن ليلى لم تكن في كربلاء.

ثانياً: إن هذا ليس منطق الحسين «عليه السلام» يوم عاشوراء، بل كان منطقة الجهاد والتضحية، ولذا لم يتردد «عليه السلام» في

الإذن لعلي الأكبر في المبارزة (1).

ونجيب بما يلي:

1 - إن هذا النفي القاطع لوجود ليلى في كربلاء مجازفة يحتاج مطلقها إلى دليل.

2 - ليس في الرواية: أن الحسين «عليه السلام» طلب من ليلى أن تدخل الفسطاط، وتنشر شعرها، وتدعو .. بل فيها: أنه «عليه السلام» أمرها بالدعاء استناداً إلى ما سمعه من النبي «صلى الله عليه وآله».. فجردت رأسها وهي في الفسطاط ودعت له (2).

علما بأن الزهراء «عليها السلام» قد هددت الذين أرادوا إجبار علي «عليه السلام» على البيعة لهم بأن تكشف رأسها وتدعو عليهم (3).

فكشف رأسها لم يكن أمام الرجال الأجانب، بل في بيتها، ومحل سترها.


1) راجع الملحمة الحسينية ج 1 ص 18 و 19

2) إكسير العبادات ج 2 ص 641

3) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 126 وبحار الأنوار ج 28 ص 206 وج 43 ص 47 والإحتجاج (ط دار النعمان) ج 1 ص 113 والمسترشد ص 67 و (ط لكوشانبور سنة 1415هـ) ص 381 وخاتمة المستدرك ج 3 ص288 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 118 وغاية المرام ج 5 ص 339

3 - إن استجابة الله تعالى دعاء ليلى لم يمنع من الفداء والتضحية، بل لعله زاد من الرغبة والاندفاع إلى ذلك، بدليل أن علياً الأكبر بعد أن عاد إلى أمه ببركة دعائها قد عاد إلى الميدان، وجاهد حتى استشهد.

وطبيعي أن يكون من ثمرات استجابة هذا الدعاء:

ألف: هلاك طاغوت ظالم بسيف ولدها «رضوان الله تعالى عليه» (1).

ب: إظهار كرامة لأهل البيت هي حجة لهم على أعدائهم.

ج: تثبيت يقين ليلى وسواها ممن شهد وعاين ما جرى بأنهم على الحق، وبأنهم مرعيون بعين الله سبحانه، وموضع عناياته وألطافه. الأمر الذي يمنحهم الشعور بالرضا والسكينة، وهو بمثابة نفحة روحية تعطي المزيد من العزم، وتدفع إلى المزيد من الصبر.

د: تجسيد صدق رسول الله «صلى الله عليه وآله» فيما أخبر به...

وبذلك يظهر: أن الإمام الحسين «عليه السلام» حين أمرها بالدعاء لم يصرف النظر عن التضحية والجهاد، بل أراد تأخير استشهاد ولده ساعة من نهار، لكي يفرح قلب والدته، ويصبح استشهاده بعد ذلك أهون عليها، ومن موجبات زيادة يقينها ورضاها بقضاء الله سبحانه.


1) راجع: إكسير العبادات ج 2 ص 641

زراعة طريق التفت ريحاناً:

واستدلوا أيضاً بأن قولهم على لسان ليلى:

نَدْرٌ عَلَيَّ لَئِنْ عادُوا وَإِنْ *** لأَزْرَعَنَّ طريقَ التَفْتِ (الطفِّ)

غير مقبول.

فأولاً: كيف تزرع طريقاً طوله ثلاث مئة فرسخ - من كربلاء إلى المدينة - بالريحان؟! أليس هذا النذر من دلائل الحمق؟!

ثانياً: إن التفت منطقة غير كربلاء (وقد حُرّفت هذه الكلمة، على لسان قراء العزاء، فصارت: الطّف).

ثالثاً: هذا البيت هو لمجنون ليلى العامري، قاله وهو ينتظر ليلاه التي كانت تقيم في هذه الناحية المسماة بـ «التفت» (1).

ونجيب بما يلي:

1 - إن الشعر مبني على المبالغات والتشبيهات، والمجازات، والاستعارات، وما إلى ذلك. فإذا شبه الشاعر رجلاً بالأسد في قوته وشجاعته، فإنه يفعل ذلك دون أن يخطر على باله ما للأسد من أنياب، ومن رائحة كريهة لفمه، وما له من البد، وذنب، وغير ذلك. ولا يبحث عن وجود هذه الأمور في الذي يريد مدحه بهذا التشبيه..

وكذا إذا شبهه بالجبل في ثباته، وشموخه، وعظمته، فلا يخطر على باله ما في الجبل من صخور، وأشجار ونباتات وتراب،


1) راجع: الملحمة الحسينية ج 1 ص 19 و 20 بتصرف وتلخيص

ومسارب وشعاب. ولا يفكر في أنها موجودة في ذلك الرجل أيضاً.

2 - ليس المقصود: هو إنشاء نذر شرعي يوجب عليها زراعة هذا الطريق بالريحان. بل المقصود: هو إظهار لهفتها لعودة ولدها إليها، وحقيقة الأسى الذي تعاني منه جراء فراقه..

3 - لم نعرف أين هو «التفت» الذي كان بنو عامر بن صعصعة يقيمون فيه، فقد ذكروا: أنهم كلهم كانوا بنجد، ثم نزلوا ناحية من الطائف (1).

وفي نص آخر: كانوا بذي سلم، على طريق البصرة إلى مكة (2).

وقيل: إن ليلى كانت تنزل بجبلي نعمان، قرب مكة (3).

إلا إن كان المراد بالتفت: «التوباد»، وهو جبل بنجد (4). وتكون هذه الكلمة قد أخذت من تلك على سبيل النحت والإدماج، انطلاقا من اللغة الفارسية، فإن «التو» تلفظ في الفارسية: «التفت» وكلمة «تو» معناها: داخل. والتفت بالفارسية الحرارة. وباد: هي الهواء، فيصير المعنى: الهواء الحار.


1) راجع: معجم قبائل العرب ج 2 ص 708 و 709

2) معجم البلدان ج 3 ص 8 وراجع: الأغاني ج 2 ص 27 وسير أعلام النبلاء ج 4 ص 6 و 7 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 6 ص 104 وتاريخ الإسلام الذهبي (حوادث سنة 61 - 80) ص217

3) الأغاني ج 2 ص 26

4) راجع: الأغاني ج 2 ص 49 وراجع ص 48 ومعجم البلدان ج 2 ص 64

وهذه تكلفات لا تسمن ولا تغني من جوع، وهي أشبه بألاعيب الأطفال.

4 – لنفترض: أن هذا البيت لمجنون بني عامر ، فما المانع من أن تكون ليلى أم علي الأكبر قد تمثلت به لانسجامه مع الفكرة والمشاعر التي تريد التعبير عنها؟!

وما عليها إذا بدلت كلمة التفت بالطف لو صح ما قيل في هذا؟!

أو لماذا لا يكون مجنون ليلى هو الذي استعار هذا البيت من ليلى، وبدَّل الطف بالتفت ليلائم حاله، وأدخله في شعره على سبيل الاستعانة، أو الإيداع (1).

ومن المعلوم: أن قيس بن الملوح كان معاصراً ليزيد وابن الزبير (2).

وقد توفي سنة سبعين للهجرة (3). أو في حدود سنة خمس وستين، وقيل: سنة 68 للهجرة (4). فهو معاصر لليلى أيضاً.


1) خزانة الأدب لابن حجة الحموي ص377 وما بعدها

2) راجع: سير أعلام النبلاء ج 4 ص 7 وراجع: تاريخ الإسلام للذهبي ج5 (حوادث سنة 61 - 80) وراجع ص 218 ونشوار المحاضرة ج 5 ص108 وذم الهوى ص388 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 6 ص 106 وشذرات الذهب ج 1 ص 277

3) المنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 6 ص 101

4) النجوم الزاهرة ج 1 ص170 و 171

5 - ما الذي يمنع من أن يكون بعض قراء العزاء قد أورد هذا البيت على طريقة لسان حال ليلى «رحمها الله»، فتوهم بعض سامعيه أنه ينسبه إليها على الحقيقة.

لا حقيقة لمجنون بني عامر وشعره:

هناك نصوص كثيرة تصرح: بأن أصل وجود مجنون لبني عامر موضع شك، كما أن الشك يسري إلى شعره كله..

ونذكر من دلائل ذلك ما يلي، ونختاره من كتاب الأغاني لأبي الفرج:

1 - قال أيوب بن عباية: سألت بني عامر، بطنا بطنا عن مجنون بني عامر، فما وجدت أحداً يعرفه (1).

2 - وقال أيوب أيضاً: إن فتى من بني مروان كان يهوى امرأة منهم، فيقول فيها الشعر، وينسبه إلى المجنون، وأنه عمل له أخباراً، وأضاف إليها ذلك الشعر، فحمله الناس، وزادوا فيه (2).

3 - قال الأصمعي: رجلان ما عرفا في الدنيا قط إلا بالاسم: مجنون بني عامر، وابن القرية، وإنما وضعهما الرواة (3).

4 - وعن الأصمعي: الذي ألقي على المجنون من الشعر،


1) الأغاني ج 2 ص 4 و 10 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 2 ص 333

2) الأغاني ج 2 ص 9 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 2 ص 333

3) الأغاني ج 2 ص 4 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 2 ص330

وأضيف إليه أكثر مما قاله هو (1).

5 - سأل ابن داب أحد بني عامر عن المجنون، فأنكر وجوده، وقال: هيهات، بنو عامر أغلظ أكباداً من ذاك، إنما يكون هذا في هذه اليمانية، الضعاف قلوبها الخ .. (2).

6 - عن عوانة: المجنون اسم مستعار لا حقيقة له. وليس له في بني عامر أصل ولا نسب. فسئل: من قال هذه الأشعار؟!

قال: فتى من بني أمية (3).

7 - ونحو ذلك روي عن ابن الكلبي أيضا (4).

8 - وعن عوانة أيضاً: ثلاثة لم يكونوا قط، ولا عرفوا: ابن أبي العقب، صاحب قصيدة الملاحم، وابن القرية، ومجنون بني عامر (5).

9 - وعن الجاحظ: ما ترك الناس شعراً مجهول القائل في ليلى إلا نسبوه إلى المجنون (6).

10 - عن ابن الأعرابي: أنه ذكر عن جماعة من بني عامر: أنهم


1) الأغاني ج 2 ص 11 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 2 ص 334

2) الأغاني ج 2 ص 4 و 10 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 2 ص 330

3) الأغاني ج 2 ص 10 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 2 ص 333

4) الأغاني ج 2 ص 5 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 2 ص330

5) الأغاني ج 2 ص 10 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 2 ص 334

6) الأغاني ج 2 ص 10 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 2 ص 333

سئلوا عن المجنون، فلم يعرفوه، وذكروا: أن هذا الشعر كله مولد عليه (1).

11 - وقال أبو الفرج: إن الأشعار المذكورة في أخباره نسبها بعض الرواة إلى غيره، وينسبها من حكيت عنه إليه. وإذا قدمت هذه الشريطة برئت من عيب طاعن، ومتتبع للعيوب (2).

12 - وهناك اختلاف كثير في اسم المجنون ونسبته، فراجع (3).

وكل ذلك يجعلنا نرجح: أن تكون نسبة هذا البيت إلى مجنون ليلى لا تملك دليلاً، ولا مبرراً، وأن البيت هو إما من قول ليلى أم علي الأكبر ، أو من قول شخص آخر، وقد تمثلت هي به.

أم علي الأكبر في كربلاء:
أم علي الأكبر في كربلاء:

ولدينا بعض النصوص التي تصرح أو تلمح إلى حضور أم علي الأكبر في كربلاء يوم عاشوراء، وهي:

النص الأول:

نورد هذا النص على سبيل التأييد لا الاستدلال، لأنه لا صراحة فيه بما نقول، وهو التالي:


1) الأغاني ج 2 ص 10 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 2 ص 333

2) الأغاني ج 2 ص 11 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 2 ص 335

3) الأغاني ج 2 ص 5 و 6 و 7 و 8 و 9 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج2 ص 330 - 333

قال أبو الفرج الأصبهاني، وهو يتحدث عن علي بن الحسين الأكبر: «وقال يحيى بن الحسن العلوي: وأصحابنا الطالبيون يذكرون: أن المقتول لأم ولد، وأن الذي أمه ليلى هو جدهم حدثني بذلك أحمد بن سعيد عنه» (1).. فالمدَّعى: أن ليلى لم تحضر كربلاء، فلو سلمنا بهذه الدعوى، فإن ذلك لا يعني عدم حضور أم علي الأكبر، (الشهيد في كربلاء) التي هي أم ولد وهي غير ليلى.. فسواء قلنا: إن أم علي الأكبر هي ليلى، أو قلنا: هي آمنة، أو قلنا: إنها أم ولد. فإن هذا الاختلاف لا يوجب الجزم بنفي حضورها في كربلاء.

النص الثاني:

قول ابن شهرآشوب: ثم تقدم علي بن الحسين الأكبر، وهو ابن ثماني عشرة سنة، ثم ذكر تفاصيل ما جرى، ثم قال:

«وأتى به إلى باب الفسطاط، فصارت أمه شهربانويه ولهى، تنظر إليه لا تتكلم، فبقي الحسين وحيداً. وفي حجره علي الأصغر، فرمي إليه بسهم، إليه بسهم، فأصاب حلقه (2).

وقد تقدم: أن من الجائز: أن يكون الاختلاف في اسم أمّ علي الأكبر قد نشأ من الخلط بين الاسم واللقب، أو الوصف الذي عرفت


1) مقاتل الطالبيين ص 80 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 53 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 637 وبحار الأنوار ج 45 ص 45

2) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 118 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 257

به، أو الذي كان لها قديماً، ثم أبدل بغيره. ولذا تعددت الأقوال في تسميتها بين ليلى وبرة وآمنة، وشهربانويه..

ومن الجائز أيضاً: أن يكون الراوي قد أخطأ في اسم أم على الأكبر.

يا ثمرة فؤاداه!!:

ورووا عن حميد بن مسلم: أنه لما قتل علي الأكبر خرجت امرأة مسرعة، وهي تنادي: يا حبيباه! يا ثمرة فؤاداه! يا نور عيناه!.

فسألت عنها، فقيل: هي زينب بنت علي.

وجاءت وانكبت عليه الخ.. (1).

وفي بعض الكتب : أنها كانت تقول: وا ولداه (2).

ونلاحظ:

1 - أن كلمة «وا ثمرة فؤاداه» تعطي: أن تلك المرأة كانت تندب ولدها، لا ابن أخيها، لأن هذا التعبير إنما يستعمل للتعبير عن النسل.

قال الزبيدي: «ومن المجاز (الولد) ثمرة القلب.

وفي الحديث: إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: «قبضتم ثمرة


1) راجع: بحار الأنوار ج 45 ص 44 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 287

2) المنتخب للطريحي ص 444 وسيلة الدارين ص 293 و 294 والإيقاد ص44 ص 117 وإكسير العبادات ج 2 ص 644

فؤاده»؟!

فيقولون: نعم.

قيل للولد: ثمرة، لأن الثمرة ما ينتجه الشجر، والولد نتيجة الأب الخ.. (1).

2 - ويؤيد ذلك: ما ورد في كتب أخرى: أنها كانت تقول وا ولداه.. فلا مانع من أن تكون قد قالت هذه الكلمة وتلك أيضاً..

3 - وإذا أخذنا بهذا المعنى، فلا بد أن نقول: إن ذكر زينب بدلاً عن أم علي الأكبر كان من اشتباه الناس في أمرها، لأن زينب لم تكن ممن تظهر للرجال ليعرفوها، فيكون قول ذلك الرجل هي زينب قد جاء على سبيل التخمين والقول بغير علم.. خصوصاً إذا لوحظ ما في بعض النصوص من تشبيهها «عليهاالسلام» بالشمس الطالعة، الدال على رؤية أكثر من خيالها وأثوابها، ليتعداه إلى رؤية الوجه، ولو بمعنى رؤية نوره وبهائه الشاغلين عن التحديق في تفاصيل الملامح.

4 - إننا وإن كنا نحتمل أن تكون قد أطلقت عليه كلمة الولد على سبيل التنزيل له بمنزلته.. فيكون استعمالاً مجازيا، غير أنه بعد أن أصبح احتمال حضور ليلى في كربلاء قائماً.. فإن حمل الكلام على معناه الحقيقي هو الأولى.


1) تاج العروس ج 3 ص 77 و 78

كالشمس الطالعة:

صرحت الروايات: بأن التي خرجت من الخيمة مكشوفة الوجه وهي تنادي واثمرة فؤاداه، وقصدت مصرع علي الأكبر - وكانت كالشمس الطالعة، أو كالبدر الطالع - هي زينب العقيلة.

ونعتقد: أن هذا التوصيف إن صح، فهو يدل على أن التي خرجت لم تكن زينب بنت علي، بل هي إما ليلى، أو أم ولد، أو شهربانويه، وقالوا: إنها أم علي الأكبر.. وهذا هو المتوقع، فإن جيش يزيد لم يكن يعرف نساء الحسين، ولا يميز هذه عن تلك كما قلنا.

وإن كانت التي خرجت هي زينب، فإنها لم تكن مكشوفة الوجه. فإنها هي التى تقول ليزيد: أمن العدل يا ابن الطلقاء، تخديرك حرائرك وإماءك، وسوقك بنات رسول الله سبايا قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن، تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد، ويستشرفهن أهل المناهل والمعاقل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد، والدني والشريف (1). فمن تقول هذا، هل تخرج من خيمتها مكشوفة الوجه؟!

كما أن ابن الجوزي قد تعجب من قبائح يزيد، مثل ضربه ثنايا


1) الإيقاد ص 173 و 174 والملهوف (نشر أنوار الهدى) ص106 وبلاغات النساء (ط سنة 1972) ص 35 والاحتجاج ج 2 ص 125 وبحار الأنوار ج 45 ص 134 و 185 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 64 والعوالم ج 17 ص 434

أبي عبد الله «عليه السلام» بالقضيب، وحمله آل الرسول سبايا على أقتاب الجمال، موثقين بالحبال، والنساء مكشفات الوجوه والرؤوس، وذكر أشياء من أقبح ما اشتهر عنه (1).

ولعلك تقول: إن القول: بأن المرأة التي خرجت هي زينب لا معنى له، لأن زينب هي أخت الحسين، فلا يعقل أن تكون هي التي تقول عن علي الأكبر: وا ولداه، وا ثمرة فؤاده، فكيف اقتنع حميد بن مسلم بإجابة ذلك الرجل؟!

ونجيب:

أولاً: ليس في الكلام ما يدل على اقتناعه بذلك الجواب..

غاية الأمر: أنه سكت، ولم يشأ الاعتراض، فلعله سكت لإدراكه: أن المجيب جاهل بالأمور ، وبالأحكام وبالأشخاص أيضاً. ولم يكن المقام مقام جدال وأخذ ورد.

ثانياً: لعل المجيب لم يسمع ما كانت تلك المرأة تقوله في رثائها لعلي الأكبر.

ولعله أيضاً كان يجهل أن السيدة زينب ليست من النساء اللواتي يكشفن وجوههن. ولعله كان يقيس الأمور على أمثاله من الفسقة الفجرة، الذين لا يرجعون إلى دين، ولا يلتزمون بشرع.


1) نزل الأبرار للبدخشاني ص 160

ملاحظة أخيرة:

قد يقال: لا مانع من أن تكون زينب قد خرجت وهي تقول: وا ابن أخاه.. وأمه أيضاً قد خرجت وهي تقول: واثمرة فؤداه، وا ولداه. كما لا مانع من أن تكون زينب قد قالت: وا ولداه، فإن ابن الأخ کالابن

ولعل أمه قد كشفت وجهها عن غير قصد لهول الصدمة، كما قال ابن شهر آشوب: فصارت أمه شهربانويه ولهى تنظر إليه ولا تتكلم.

ولعل الراوي قد خلط بين المرأتين، فنسب كشف الوجه لزينب على سبيل الخطأ، أو الاشتباه، وعدم التمييز بينهما. مع أن ابن شهر آشوب قد ذكر: أن أم علي الأكبر كانت واقفة بباب الخيمة حين استشهاد ولدها.

ليلى على قيد الحياة:

ولعل جميع ما تقدم يكفي للإجابة على قول من يقول: إن أم علي الأكبر لم تكن على قيد الحياة (1).

كما أن مما يدل على حياتها بعد عاشوراء، ما يلي:

1 - قال بعض الرواة: كنت أطوف في سكك المدينة، وأنا على ناقة لي، حتى أتيت دور بني هاشم فسمعت من دار رنة شجية، وبكاء


1) جلاء العيون (فارسي) للمجلسي ص 406 وراجع قاموس الرجال ج7 ص 422

حنين، فعرفت أنها إمرأة..

ثم يذكر: أنه سأل جارية عن الدار وصاحبها، فأخبرته أنها دار الحسين «عليه السلام»، وأن الباكية هي ليلى أم علي الأكبر، لم تزل تبكي ابنها ليلا ونهاراً (1).

2 - قال ابن قولویه «رحمه الله»: حدثني حكيم بن داود عن سلمة قال: حدثني أيوب بن سليمان بن أيوب الفزاري، عن علي بن الحزور، قال: سمعت ليلى وهي تقول: سمعت نوح الجن على الحسين بن علي «عليه السلام»، وهي تقول:

يا عين جودي بالدموع فإنّما *** يبكي الحزين بحرقة وتفجّع

يا عين ألهاك الرّقاد بطيبه *** من ذكر آل محمّد وتوجّع

باتت ثلاثاً بالصّعيد جسومهم *** بين الوحوش وكلّهم في

وهذا شاهد آخر على أنها كانت يوم عاشوراء، وبعده على قيد الحياة.

3 - إذا كانت على قيد الحياة يوم عاشوراء، فهل يمكن لمن ينفي

(2) كامل الزيارات ص 195 و (ط مؤسسة النشر الإسلامي) ص192 وبحار الأنوار ج 45 ص 241


1) وسيلة الدارين في أنصار الحسين ص194

حضورها إلى كربلاء أن يجيب على السؤال عن سبب إبقائها في المدينة، مع أن هذا الإبقاء لا يخلو من احتمالات الإساءة إليها من قبل بني أمية، فهل كانت مريضة مثلاً؟! أو أنها منعت عن السفر؟! أو أنها كرهت ذلك ورفضته؟! أم ماذا؟!

4 - هناك كثيرون حضروا الوقائع، وقتلوا فيها، ومنها كربلاء، ولم يذكر لهم اسم، ولا دور في التاريخ..

ونجد أسماء كثيرين يقال: إنهم حضروا كربلاء ولم يعلم دورهم، وبعضهم لم يعلم مصيره فيها أيضاً.

5 - إن الترجمة العربية لجلاء العيون - والتي هي بقلم العلامة الجليل السيد عبد الله شبر «رحمه الله» - خالية عن ترجمة العبارة التي يقرر فيها المجلسي موت ليلى قبل عاشوراء. مع أن المترجم «رحمه الله» علامة جليل، ويقول عن هذه الترجمة: «ناقلاً لتحقيقاته الشافية، وتنبيهاته اللطيفة الوافية».

على أنه لو كان قد تعمد استثناء هذه الفقرة من كتاب المجلسي لكان عليه أن ينبه إلى ذلك، ويذكر سببه ولم نجده فعل ذلك.

6 - اللافت هنا: أن العبارة في الطبعة الفارسية تقول على لسان المجلسي: إن كون أم علي الأكبر لم تكن على قيد الحياة يوم عاشوراء قد ظهر له «رحمه الله» من الروايات المعتبرة (1).


1) راجع: جلاء العيون (فارسي) ص406

والحال: أننا لم نجد أثراً لتلك الروايات المعتبرة التي أظهرت له ذلك، في أي من مؤلفاته «رحمه الله»، ولا في موسوعاته الحديثية، كبحار الأنوار، وغيره.

هل لعلي الأكبر عقب؟!:

قالوا: إن علياً الأكبر قد استشهد قبل أن يتزوج، وقد استشهد ولا عقب له، قال أبو نصر البخاري: «لم يعقب بالإجماع» (1).

ولا يقصد هنا الإجماع الذي هو حجة عند الفقهاء، بل يقصد به إجماع علماء الأنساب وقد ذكرنا بعض ما يرتبط بهذا الموضوع في أواخر فصل أيهما الأكبر؟! في الجزء الرابع من هذا الكتاب، فراجع.

ونضيف هنا إلى ما ذكرناه هناك ما يلي:

1 - هناك من استدل على أن علياً الأكبر قد ولد له، وقد أعقب بما ورد في زيارته التي رواها أبو حمزة الثمالي عن الصادق «عليه السلام»، فقد قال: «ضع خدك على القبر، وقل: السلام عليك يا أباالحسن».

حيث يحتمل أن يكون ذلك لأجل أنه كان له ولد اسمه الحسن، وإن كان يحتمل أن يكون ذلك لمجرد التفأل بالاسم الحسن أيضاً.

ونقول:


1) ذكرنا مصادر ذلك في الجزء الرابع من كتابنا هذا، أواخر فصل: أيهما الأكبر؟!

إن من الأمور التي ورد الحث عليها في الشريعة هو تكنية المولود في صغره، ويشهد لذلك:

ألف: ما روي عن أبي جعفر ( عليه السلام»، من أنه سأل مَعْمَر بْنِ خُتَيْمٍ قالَ: قالَ لِي أبُو جَعْفَرٍ «عليه السلام»: مَا تُكَنَّى؟!

قالَ: قُلتُ: مَا اكْتَنَيْتُ بَعْدُ، ومَا لِى مِنْ وَلَدٍ، ولا امْرَأَةٍ، ولا جَارِيَةٍ.

قالَ: فَمَا يَمْنَعُكَ مِنْ ذَلِكَ؟!

قالَ: قُلْتُ: حَدِيث بَلغَنَا عَنْ عَلِيٍّ «عليه السلام».

قالَ: َومَا هُوَ؟!

قُلتُ: بَلغَنَا عَنْ عَلِيٍّ «عليه السلام» أنّه قالَ: مَنِ اكْتَنَى وَليْسَ لَه أَهْلٌ فَهُوَ أَبُو جَعْرٍ (1).

فقالَ أَبُو جَعْفَرٍ «عليه السلام»: شَوْه َليْسَ هَذَا مِنْ حَدِيثٍ عَلِيٍّ «عليه السلام». إِنَّا لنُكَنِّي أَوْلادَنَا فِي صِغَرِهِمْ مَخَافَة النَّبَزِ أَنْ يَلْحَقَ بِهِمْ (2).

ب: عن الإمام الرضا «عليه السلام» قال: ... لمَّا وُلِدَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ هَبَطَ جَبْرَئِيلُ بِالتَهْنِئَةِ عَلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله» فِي الْيَوْمِ


1) الجعر: نجو كل ذي مخلب من السباع أو ما يبس من الثفل في الدبر

2) الكافي ج 6 ص 19 وتهذيب الأحكام ج 7 ص 438 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 21 ص 397 و (الإسلامية) ج 15 ص 129 ومرآة العقول ج 21 ص 34

السَّابِعِ، وأمَرَه أَن يُسَمِّيه، ويُكَفِّيه، ويَحْلِقَ رَأْسَه، ويَعُقَّ عَنْهُ، ويَنْقَبَ أدْنَه، وَكَذَلِكَ كَانَ حِينَ وُلِدَ الحُسَيْنُ الخ.. (1).

ج: عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبي جَعْفَرٍ عليه السلام» في حديث أنه قالَ لابْنِ صَغِيرٍ : مَا اسْمُكَ؟!

قالَ: مُحَمَّدٌ.

قالَ: فيما تُكَنَّى؟!

قالَ: بِعَلِيِّ.

فقالَ له أبُو جَعْفَرٍ «عليه السلام»: لقد احتَظرْت مِنَ الشَّيْطان احْتِظَاراً شَدِيداً الخ.. (2).

وبعدما تقدم نقول:

إن هذا يجعل التكنية بأبي الحسن غير قادرة على إثبات وجود الولد لعلي الأكبر ، فلعلها هي الكنية التي كني بها حين ولادته، عملاً بهذا الاستحباب.


1) الكافي ج 6 ص 34 وتهذيب الأحكام ج 7 ص 444 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 21 ص 432 و (الإسلامية) ج 15 ص 160 ومرآة العقول ج 21 ص 59

2) الكافي ج 6 ص 20 وتهذيب الأحكام ج 7 ص 493 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 21 ص 393 و (الإسلامية) ج 15 ص 126 ومرآة العقول ج 21 ص 35

الفصل الثاني:

لا سبيل إلى الماء..

فوارق بين الأرجاز والأشعار:
فوارق بين الأرجاز والأشعار:

ونود أن نشير إلى حقيقة يمكن تلمُّسها بالمراجعة للأرجاز والأشعار والمقارنة بينها .. فإن أرجاز أصحاب الحسين «عليه السلام» لها طابع ونكهة، ومنحى، ومضامين، تختلف عن طابع، ونكهة، ومنحى، ومضامين ما صدر من بني هاشم من أرجاز وأشعار في يوم عاشوراء.

ونستطيع أن نلخص ما نرمي إليه على النحو التالي:

ألف: أشعار بني هاشم وأرجازهم:

1 - تمتاز أشعار بني هاشم بالواقعية والهدوء، ومراعاة الالتزام والدقة في بيان مقاصدهم، والابتعاد عن المبالغات.

2 - كما أنهم «رضوان الله عليهم» ملتزمون بالتنويه بالمعايير والضوابط الإيمانية التي تفرض عليهم رد العدوان، والدفاع عن الدين والحق، وعن الإمام، وعن النبي وأهل بيته، وذريته..

3 - يظهر فيها الاعتزاز بالانتساب إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وأنهم آله وعترته.

4 - فيها بيانات للمظلومية، وتصريح بعدم الخضوع للظالمين،

وبتوطين النفس على الموت، وعدم الخوف، والإصرار على الموقف، والإباء، وعدم القبول بالذل والهوان، مهما كان الثمن.

5 - نجد فيها أيضاً الدعاء على أولئك الأعداء القساة، الذين ينتهكون الحرمات، ويرتكبون الجرائم والموبقات.

6 - إن على تلك الأشعار مسحة الإيمان واليقين، والطاعة لله، والرضا بما يرضاه، وفيها رقة ووداعة وطهر ومحبة، وإصرار على الطاعة لأوليائه وأصفيائه، والكون معهم، والدفاع عنهم.

7 - فيها أيضاً النظرة الثاقبة، والترفع عن سفاسف الكلام، والالتزام بالكلمة العذبة والصافية، والتنويه بطهر القلوب، ونبل المقاصد.. بالإضافة إلى لمحات أخرى يجدها المتتبع الراصد.

ومن النادر أن نجد فيها تهويلاً على الأعداء، أو مبالغة في إظهار القوة ونحو ذلك.

ب: أشعار وأرجاز الأصحاب:

أما أرجاز الأصحاب، فتظهر فيها:

1 - معاني الوفاء للنبي «صلى الله عليه وآله» وأهل بيته «عليهم السلام»، والإصرار الشديد والأكيد على هذا الوفاء..

2 - إظهار المزيد من القوة والفروسية، وشدة البطش، وترهيب العدو.

3 - تنويه بالبيعة، والالتزام بالوفاء بها، والأنفة من الخيانة، ونقض

العهد.

4 - نفحات من الاعتزاز بالقبيلة، والقوم، والجغرافيا.

5 - نجد فيها بعض الكلمات الجارحة والقاسية، مثل وصف الأعداء، بكونهم أرذال، ونحو ذلك

6 - فيها اهتمام ظاهر بما للمجاهد من مثوبات أخروية، وطمع بالشفاعة، والكون مع الرسول «صلى الله عليه وآله»، وأهل بيته الطاهرين.

7 - تبدو على بعض تلك الأرجاز السمة الإستعراضية، ورغبة في شيوع الذكر الحسن في البلاد والعباد..

8 - هناك أيضاً مقارنات بين أخلاق فريقين.. وتمييز بين سلوكين، وبين نهجين، فهنا وفاء وهناك غدر، وهناك كثرة عدد وعدة، وهنا حجة ظاهرة، وحقائق باهرة، وهنا صبر، وهناك تخاذل وهروب وانكفاء..

إلى غير ذلك من سمات لا تخفى على الباحث الخبير، والناقد البصير.

اختلافات في الأسماء والأعداد:

ونذكر من الاختلافات فيما بين النصوص ما يلي:

1 – يلاحظ: أن ثمة اختلافاً في اسم قاتل علي الأكبر، هل هو مرة بن منقذ، أو منقذ بن مرة؟! ولا نرى ضرورة إلى تحقيق ذلك، إذ لا ثمرة

لبحث كهذا.

2 - النصوص المتقدمة تظهر تفاوتاً شديداً في أعداد الذين قتلهم علي الأكبر، فبعضها كما في الملهوف يقول: إنه قتل جمعاً كثيراً.

وبعضها يقول: إنه قتل في هجومه الأول عشرة، ثم رجع إلى أبيه، فكلمه. ثم عاد إلى الميدان، وجعل يقاتل حتى قتل تمام المئتين.

وهذا كله يشير إلى كثرة من قتلوا بسيف علي الأكبر، ولكن لا سبيل لنا إلى تحديد عددهم بدقة، ولعل بعض الأرقام قد قيلت على سبيل الحدس والتخمين. حيث قد يصعب الإحصاء الدقيق لعدد القتلى في ميدان تكثر فيه الجولات والتحركات السريعة والمباغتة، التي تمنع من متابعة الجزئيات والتفاصيل.

3 - تقدم الاختلاف في مقدار عمر علي الأكبر، هل هو ثمانية عشر سنة، أو خمس وعشرون، أو ثمان وعشرون أو سبع عشرة سنة.. إلى كثير من الأقوال التي ذكرناها في الجزء الرابع من هذا الكتاب في فصل: أيهما الأكبر؟!

4 - وأخيراً .. هل طعنه مرة بن منقذ، فصرع، أو أنه رماه بسهم في حلقه، أو ضربه منقذ بن مرة على مفرق رأسه، أو طعنه في ظهره غدراً؟!

أو أن الذي رمي في حلقه هو أخوه على الأصغر؟!

إن ذلك وسواه مما لم نذكره يجعلنا نصرف النظر عن صرف الوقت

في التتبع والتمحيص، لاسيما وأننا ندرك أن فائدة ذلك ستكون قليلة، وضئيلة.

العطش قد قتلني:

تقدم: أن علياً الأكبر، بعد أن قاتل الأعداء ، وقتل منهم جمعاً كثيراً رجع إلى أبيه، وقال: العطش قد قتلني، وثقل الحديد قد أجهدني، فهل إلى شربة من سبيل، أتقوى بها على الأعداء؟!

فبكى الإمام «عليه السلام»، وقال: وا غوثاه يا بني، من أين آتي بالماء؟! قاتل قليلا، فما أسرع ما تلقى جدك، فيسقيك بكأسه الأوفى الخ..

وفي نص الخوارزمي وغيره: فَبَكَى الحُسَينُ «عليه السلام» وقالَ: يا بُنَيَّ! عَزَّ عَلَى مُحَمَّدٍ وعَلى عَلِيٍّ، وعَلى أبيكَ أَن تَدعُوَهُم فَلا يُجيبونَكَ ، وتَستَغيث بهم فلا يُغيثونَكَ.

يا بُنَيَّ! هاتِ لِسَانَكَ.

فَأَخَذَ لِسانَهُ، فَمَصَّهُ، ودَفَعَ إِليه خاتَمَهُ، وقالَ لَهُ: خُذ هذا الخاتم في فيكَ، وَارجع إلى قِتال عَدُوِّكَ، فإنّي أرجو أن لا تُمسِيَ حَتَّى يَسقِيَكَ جَدُّكَ بكَأْسِهِ الأوفى شربَة لا تَظمَأُ بَعدَها أَبَداً .

لى أن قال: فلمّا بَلغَت روحُهُ التّراقِي نادى بأعلى صَوتِهِ يا أَبَتاه! هذا جَدّي رَسولُ اللهِ، قد سقاني بكَأْسِهِ الأوفى شربَةٌ لا أظمَأُ بَعدَها أَبَداً، وهُوَ يَقُولُ لَكَ: العَجَلَ! فَإِنَّ لَكَ كَأْساً مَدْخورَةَ الخ..

ونقول:

إن لنا مع هذه النصوص وقفات هي التالية:

على الأكبر يعلم بعدم وجود ماء:

إن علياً الأكبر كان رجلاً كاملاً وعاقلاً، ويعيش في متن الحدث العاشورائي، ويعرف حقائق ودقائق، وتفاصيل ما يجري..

ولم يكن ليخفى عليه: أن الماء كان ممنوعاً عنهم منذ اليوم السابع، وأن هناك كتائب من الأعداء مهمتها منع وصول قطرة منه إلى الحسين «عليه السلام» وأصحابه.

وتقدم: أنه بذل هو محاولة بطولية تمكن فيها من إحضار بعض الماء في خطة محكمة وناجحة.

وكان يعلم أيضاً: بأن ذلك الماء القليل قد استهلك، وهيمن العطش على الركب الحسيني بصورة حادة، ومؤذية.

كما أنه كان يسمع الشمر، وغيره من المجرمين من أولئك الأعداء وهم يعلنون للحسين وأصحابه: أنهم لن يمكنوه من الوصول إلى قطرة ماء واحدة، وأنهم مصممون على قتله على حال الظمأ الشديد الذي كان «عليه السلام» يعاني منه هو وأهل بيته وأصحابه..

إذن، فما معنى عودته من الميدان إلى أبيه ليخبره بشدة عطشه، وليطلب منه شربة من الماء يتقوى بها على قتال الأعداء؟!

ونجيب:

بأننا إذا قرأنا تفاصيل وجزئيات هذا الحدث، فإننا نجد فيه ما يلي:

1 - إن علياً الأكبر لا يدَّعي أن لدى أبيه شيئاً من الماء يخفيه عنه.. بل هو يفترض أن يكون لدى أبيه «عليه السلام» القدرة على معرفة مكامن المياه، ويعرف سبل الوصول إليه. ولعله إذا وجد أن ثمة ضرورة للكشف عنها ، ووجد أن من الضروري تيسير الوصول إلى الماء، فإنه يفعل ذلك..

2 - قد يمكن تأييد هذا المنحى في تفسير ما يجري أننا وجدنا علياً الأكبر يبرر هذا الطلب: بأن تلبيته سيكون لها أثر كبير في خدمة القضية الكبرى التي يواجهونها، والهدف الأقصى، الذي هم بصدد إنجازه، وهو التقوي على قتال الأعداء..

فليس الغرض من الحصول على الماء، أو الاهتداء إلى السبيل الموصل إليه، هو الاستفادة الشخصية برفع العطش المرهق الذي قد يودي به إلى الهلاك.

3 - بل قد يكون هذا الطلب قد جاء تعويلاً على حوادث مرت في حياة النبي «صلى الله عليه وآله» وعلي والحسن والحسين «عليهم السلام» تدل على أن الله تعالى قد منحهم - بما لهم من مقام النبوة والإمامة - القدرة على اجتراح المعجزة، وإظهار الكرامة حين يحتاج الدين، ونصرة الحق إلى إظهارها.

4 - وما أكثر الشواهد على هذا الأمر، فقد نبع الماء من بين

أصابع النبي «صلى الله عليه وآله» (1).

كما أن عليا «عليه السلام» قد أظهر لجيشه عين ماء استفاد جيشه منها وهو في طريقه إلى صفين (2).

كما أن الحسين «عليه السلام» حين نزل كربلاء، ومنعه جيش يزيد من الوصول إلى الماء، قد استخرج لأصحابه الماء بطريقة الكرامة والإعجاز.

وهذا ما أزعج عبيد الله بن زياد، ودعاه إلى الكتابة إلى عمر بن سعد يأمره بمنع الحسين «عليه السلام» من حفر الآبار واستنباط الماء بهذه الطريقة (3).

ولعل ابن زياد قد أدرك: أن من شأن هذا الأمر - إذا تكرر - أن يؤثر على الإرادة القتالية لجيشه الذي أرسله ليقتل الحسين «عليه السلام» وأهله وأصحابه.


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 9 وعيون الأثر (ط سنة 1406 هـ) ج 2 ص 114

2) راجع: صفين للمنقري ص 145 وبحار الأنوار ج 32 ص 425 و 426 وج 41 ص 347 و 348 والغارات للثقفي ج 2 ص 781 ومناقب أهل ص781 البيت للشيرواني ص 205 وينابيع المودة ج 3 ص 405 و 406 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 8 ص 724 وج 31 ص 430

3) مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 244 وراجع: الفتوح لابن أعثم جه ص 91 وراجع: بحار الأنوار ج 44 ص 387 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص238

كما أن مما يدخل في هذا السياق، سائر المعاجز والكرامات التي ظهرت للنبي «صلى الله عليه وآله» وأوصيائه في كثير من المناسبات، كما في إطعامه «صلى الله عليه وآله» جيشه كله من كف من تمر (1).

وكذلك إطعامه جيشه كله من شاة عجفاء (2).


1) راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 228 و 229 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 521 و 522 والإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 160 و 161 و تاريخ ابن 521 الوردي ج 1 ص 160 و 161 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص235، والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 190 و 191 والبداية والنهاية ج 4 ص 99 ص90 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 4 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 235 وجوامع السيرة النبوية ص 148 والسيرة الحلبية ج 2 ص 329 ودلائل النبوة للبيهقي ج3 ص 427 ودلائل النبوة لأبي نعيم ص 433 والمختصر في أخبار البشر ج 1 ص 134 وعيون الأثر ج 2 ص 57 والمغازي للواقدي ج 2 ص 476 وبحار الأنوار ج 20 ص 247 والخرائج والجرائح ج 1 ص110 و 123 وفيه: أنها أخت عبد الله بن رواحة، وكذا في مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 102

2) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 452 والسيرة النبوية لابن كثير ج3 ص186 - 190 وتفسير القمي ج 2 ص 178 و 179 وبحار الأنوار ج 20 ص 219 و 220 و 198 و 199 وج 18 ص 26 وج7 ص 32 حدیث 25 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 416 و 415 و 427 ومستدرك الحاكم ج3 ص 31 وراجع : تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 234 و 235 والسيرة الحلبية ج 2 ص 329 و 330 وصحيح البخاري ج 3 ص 21 والبداية والنهاية ج 4 ص 97 - 99 عن البخاري، وأحمد، والبيهقي، وابن أبي شيبة، ومسلم، وابن إسحاق، وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 520 و 521 عمن تقدم، وعن الحاكم والطبراني، وحدائق الأنوار ج 1 ص 212 و ج 2 ص 592 وشرح الشفاء للقاري (ط سنة 1264) ج 1 ص 245 و 246 وعيون الأثر ج 2 ص 57 و 58 ودلائل النبوة لابن نعيم ص 358 و 360 والشفاء ج 1 ص 291 وإعلام الورى (ط دار المعرفة) ص 36 وصحيح مسلم، کتاب الأشربة باب جواز استتباعه غيره والخرائج والجرايح ج 1 ص 27 و 152 - 154 وإثبات الهداة ج 2 ص 88

وكذلك تفتيته الصخرة التي اعترضت حفر الخندق، وعجز الجيش كله عن إحداث أي أثر فيها، فلما استهدفها بضربات جعلها كثيباً مهيلاً (1)..


1) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 482 و 483 وراجع ص484 وعيون الأثر ج 2 ص 58 ووفاء الوفاء ج 4 ص 1207 وفتح الباري ج 7 ص 350 والسيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 3 و 4 و 5 والأمالي للشيخ الصدوق ص 258 وحبيب السير ج 1 ص 360 والسيرة الحلبية ج 2 ص 313 و 314 و 318 وبحار الأنوار ج 20 ص 253 و 219 ص189 و 190 وج 18 ص 32 ومجمع البيان ج 2 ص 427 و 328 وج 8 ص 341 ودلائل النبوة للبيهقي ج 3 ص 399 و 400 وراجع ص 417 و 419 - 421 والكامل في التاريخ ج 2 ص 179 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 235 و 236 وسبل الهدى والرشاد ج 4 ص 519 و 520، عن أحمد، والشيخين وابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم ، وأبي نعيم، والطبراني والبيهقي، وتاريخ ابن الوردي ج 1 ص 161 والسيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 230 و 228 وحدائق الأنوار ج 1 ص 53 والخصال ج 1 ص 162 والإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 162 و 160 وإعلام الورى ص90 وكنز العمال ج 10 ص 281 والروض الأنف ج 3 ص 277 وصحيح البخاري ج 3 ص 21 والخصائص الكبرى للسيوطي (ط الهند) ج 1 ص228 والوفاء ص 693 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص246 و 234 والبداية والنهاية ج 4 ص 99 و 97 و 98 و 100 و 101 و 102 والمختصر في أخبار البشر ج 1 ص 135 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 598 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 191 - 195 والمغازي للواقدي ج 2 ص 452 والمواهب اللدنية ج 1 ص 111 - 112 ودلائل النبوة لأبي نعيم ص 432 وعن سنن النسائي ج 2 ص 65 وعن ابن إسحاق وراجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 51 وشرح بهجة المحافل ج 1 ص265 وتفسير القمي ج 2 ص 178 والخرايج والجرايح ج 1 ص 152 وفيه أن المسلمين هم الذين رأوا تلك البلاد

وغير ذلك كثير لا مجال لتتبعه وإحصائه..

ولكنهم «صلوات الله عليهم» كانوا يظهرون المعجزة الموجبة لليقين بالحق، وبالرعاية الإلهية، لكن على الناس أن يتحملوا عبء حفر الخندق، ودفع الأعداء، وسائر الواجبات مع ما في ذلك من أخطار الجرح والقتل وغير ذلك.

فكأن علياً الأكبر «رضوان الله تعالى عليه» يريد من أبيه أن يظهر المعجزة بإيجاد السبيل إلى الماء.

جواب الحسين «عليه السلام»:

فأجاب الحسين «عليه السلام» ولده بعدة أجوبة، هي:

أولاً: التصريح الحسيني برفض إجابة طلب ولده، مصرحاً: بأن أحدا لا يستطيع إجابة هذا الطلب أيضاً، فقد قال له: عز على محمد، وعلى علي، وعلى أبيك أن تدعوهم فلا يجيبونك. وتَستَغيثَ بهم فلا يُغيثونَكَ. وسنوضح فيما يأتي سبب هذا الرفض

ثانياً: إن الحسين «عليه السلام» لا يبادر إلى فعل معجزة، أو إلى إحداث كرامة إلا بإذن من الله تعالى. ولأجل ذلك قال لولده علي الأكبر: وا غَوثاه يا بُنَيَّ مِن أينَ آتي بالماء؟

أي أن الماء ليس في حوزة الإمام بالفعل، وقد اختار الاحتفاظ به، ومنع أبنائه وأهل بيته، وأصحابه عنه.

بل الله تعالى هو الذي يوجد الماء حين يطلب الإمام ذلك منه تعالى. ولا يطلب الإمام ذلك إلا فيما يأذن الله تعالى له به..

ولو أن الله قد أذن له بهذا الطلب لبادر إليه، ولحصل هو ومن معه على الماء، من دون حاجة إلى الطلب، بل ربما حصل ذلك من دون أن يكون أحد منهم قد ابتلى بهذا العطش الشديد.

ثالثاً: إن النبي والإمام كما أظهرته الأمثلة التي ذكرناها آنفا كان يُري أصحابه وجيشه الكرامة، ويصنع لهم المعجزة التي تفيدهم في ترسيخ يقينهم بحقانية دينهم ونهجهم، ومزيد محبة الله لهم، وعنايته بهم، ولكنه لا يحارب أعداءه بوسائل لا تقع تحت اختيار أولئك الأعداء.

كما أنه لا يعفى أصحابه وأهل بيته والمؤمنين معه من مسؤولياتهم وواجباتهم، ويوكل أمر إنجاز تلك الواجبات إلى الفعل الإلهي المباشر على شكل كرامة أو معجزة.

ولا يمنحهم وسائل قتال أو مواجهة أو قدرات خارقة للعادة لا يملكها سائر البشر . فإن ذلك يؤدي إلى أن يرى الناس أنفسهم مجبرين

على الإيمان مقهورين على الاستسلام لإرادة مفروضة عليهم من ضمير الغيب، وهذا من مفردات الظلم والحال، أنه تعالى قد أخذ على نفسه أن لا يظلم أحداً، ولا يصادر اختيار أحد، أو يكره أحداً على أي أمر، وأن يجرى الأمور بأسبابها.

رابعاً: إنه «عليه السلام» قال لولده: قاتِل قليلاً، فما أسرَعَ ما تَلقى جَدَّكَ مُحَمَّداً «صلى الله عليه وآله»، فَيَسقيكَ بِكَأْسِهِ الأوفى شَرِبَة لا تَظمَأُ بَعدَها الخ..

فقد دلنا هذا التوجيه على العديد من الأمور، فلاحظ ما يلي:

1 - إنه «عليه السلام» كان في منتهى التوهج العاطفي تجاه ولده علي الأكبر، فقد كانت له معزة خاصة، ومكانة جليلة في نفسه «عليه السلام»، كما دلت كلماته، ومخاطباته لابن سعد، ودعاؤه: بأن يقطع الله رحم ابن سعد كما قطع رحمه «عليه السلام».

وكما دل عليه طلبه من الله: أن يشهد على أولئك القوم فيما هم مصممون عليه تجاه ولده..

وكما دلت عليه توصيفاته لولده: بأنه أشبه الناس خَلقاً، وخُلقاً ومنطقاً برسول الله «صلى الله عليه وآله» وكانوا إذا اشتاقوا إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» نظروا إليه.

وكما دل عليه أيضا قوله «عليه السلام» مخاطباً علياً الأكبر على الدنيا بعدك العفا.. وغير ذلك مما تقدم..

2 - ولكن بالرغم من كل هذا الأسى، وكل هذا التوهج العاطفي..

وبالرغم من الشدائد العظيمة التي يعاني منها ولده، حتى إن العطش قد قتله، وثقل الحديد قد أجهده.

نعم، إنه بالرغم من كل هذا وسواه، فإنه ليس فقط لا يعفي ولده من مواصلة القتال، فإنه لم يرشده ولو إلى أخذ قسط من الراحة، ولو للحظات يلتقط فيها أنفاسه. بل هو يأمره بصورة حاسمة وحازمة: بأن يواصل القتال، موضحاً له: أن عليه أن ينال في قتاله هذا درجة الشهادة، ليكون رسول الله «صلى الله عليه وآله» هو الذي يسقيه، ويروي ظمأه...

3 - إنه «عليه السلام» بكلامه هذا قد قرر أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» حي في العالم الآخر، ويراقب ما يحصل في هذا العالم أيضاً، ويتفاعل معه. ويتعاطى بإيجابية ومن موقع المسؤولية، التي تحل المشكلات، وتدفع الأذايا والمساءات.

4 - لقد أخبر ولده أن لدى الرسول كأساً لو شرب منها لزال عنه الظمأ إلى الأبد..

5 – يلاحظ: أنه «عليه السلام» قد وصف الكأس التي يسقي بها رسول الله «صلى الله عليه وآله» أحباءه وأولياءه بأنها الأوفى. فهل ذلك يعني أن كل ما عداها إن حقق شيئاً من الارتواء فإنما يكون لوقت قصير جداً. ولا يستمر إلى الأبد، وبصورة منقوصة، لأنه ليس وافياً، ولا جامعاً للعناصر التي تحقق الارتواء الحقيقي والأبدي.

وهنا لا بد من أن يتساءل المرء عن هذه العناصر والمكونات التي إذا

امتلأت الكأس بها ترفع ظمأ الشارب إلى الأبد، وهي ليست سوى الكأس الذي يكون لدى رسول الله «صلى الله عليه وآله»..

6 - يلاحظ هنا أيضاً: أنه عليه السلام قد عبر بالكأس، لأنها إذا كانت ممتلئة يقال لها كأس. قال تعالى: (وَكَأْسًا دِهَاقاً) (1). أي مملوءة ومدهوقة. فإن لم تكن كذلك، فهي: قدح.

خامساً: إنه «عليه السلام» قال لولده: هاتِ لِسَانَكَ. فَأَخَذَ لِسانَهُ، فَمَصَيَّهُ.

فهل هذا من قبيل إظهار المواساة له بصورة عملية، وحسية، بمعنى: أنه أراد أن يعرفه ليس بمجرد القول بأنه لا يقل عطشاً عنه، فلو كان هناك سبيل لمعالجة هذا العطش بالوسائل المتعارفة التى يتداولها الناس، فلا داعي لإبقاء هذه المعاناة؟!

يضاف إلى ذلك: أن نفس الشعور بوجود الأسوة في مثل هذه الحالات الصعبة والحادة يخفف من مرارتها، ويمنح النفس بعض الرضا، ويدعوها إلى الصبر على الشدائد..

سادساً: إنه «عليه السلام» منح ولده خاتمه، وقال: خذ هذا الخاتم في فيك، وارجع إلى قتال عدوك . ولعل السبب في فعله هذا أن وضع الخاتم في الفم له أثر من جهتين:

إحداهما: أنه يستثير الخلايا ويستدر الريق، ولو بصورة جزئية.


1) الآية 34 من سورة النبأ

الثانية: إنه يستأثر بنصيب من المشاعر، ويشد إليه قسطاً من النشاط الإدراكي، فلا يبقى الاهتمام منصباً على تلمس آثار العطش، والعوارض التي تنشأ عنه، وخصوصياته، وحالاته، وما إلى ذلك..

ما يرجوه الحسين «عليه السلام» لولده:

ولا شك في أن لعلي الأكبر «رضوان الله تعالى عليه» مقاماً عظيماً، ومحبة فائقة لدى أبيه «صلوات الله وسلامه عليه»، ولا يمكن أن يأمره ولا أن يرجو له إلا ما فيه خير وفلاح، ورشاد وصلاح، وفوز ونجاح في الدنيا والآخرة.

وقد أمره «عليه السلام»: بأن يرجع إلى قنال عدوه، فإنه يرجو أن يمسي حتى يسقيه جده بكأسه الأوفى..

وبتعبير أوضح: هو يأمره بقتال عدوه، الذي لا يرحم، فإنه ظالم غاشم، وماكر وغادر.

وهو أيضاً : يرجو لولده - ليس أن ينتصر على عدوه، أو أن ينجو من براثنه ويرجع سالماً بل - أن يقتل، ليلاقي جده ليسقيه بكأسه الأوفى..

وهذا يدل على أن الحسين «عليه السلام» يرى الفوز والفلاح والرشاد والنجاح هو فى نيل درجة الشهادة، تماما كما قال أمير المؤمنين «عليه السلام»، حين ضربه ابن ملجم «فزت ورب الكعبة».

بشارة علي الأكبر لأبيه:

وقد رأينا أن علي الأكبر «رضوان الله تعالى عليه» حين بلغت روحه التراقي قد بشر أباه بما يلي:

1 - أنه قد عاين جده الرسول فعلاً..

2 - أنه «صلى الله عليه وآله» قد سقاه بكأسه الأوفى..

3 - أنه «صلى الله عليه وآله» قد حمل عليا الأكبر رسالة لأبيه، مفادها: أن له كأساً مذخورة تعالج عطشه، وتزيله إلى أبد الأبدين..

4 - إن في هذا دلالة على صدق ما أخبر الحسين «عليه السلام» ولده عما سيجري له في ذلك العالم الأرقى، والأبقى، والأنقى..

5 - فيه دلالة على أن النبي في عالمه الآخر يلامس عالم الدنيا عن قرب أيضاً، ولأجل ذلك التقاه علي الأكبر، وسقاه هو بكأسه الأوفى، وحمله رسالة إلى أبيه ليبلغه إياها قبل أن تخرج روح علي الأكبر من جسده.

6 - فيه دلالة على أنه «صلى الله عليه وآله» مشرف، أو فقل متصل بالعالمين: الدنيا والآخرة معاً.. كما أنه يدل على أنه يتعامل مع هذين العالمين من موقع المسؤول والراعي، والمؤثر والفاعل..

الحسين يبدأ بأبنائه، ويختم بهم:

وقد لاحظنا: أن الحسين «عليه السلام» حين استشهد أصحابه وفق الخطة التي رسمها، وأراد بنو هاشم أن يلبوا نداء الواجب، قد بدأ بأبنائه..

وختم بهم.

وقد بدأ بأعز أبنائه «عليه السلام» وأسماهم مقاماً عنده، وأخصهم زلفة لديه، بعد الإمام السجاد « عليه السلام». وقد بدأ بمن هو عنده أغلى من الدنيا وما فيها، حتى إنه ليقول له: على الدنيا بعدك العفا.

وبمن هو أشبه الناس خلقا وخُلقاً، ومنطقا برسول الله «صلى الله عليه وآله». وبمن كانوا إذا اشتاقوا إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» نظروا إليه.

وختم برمز الرقة والبراءة، وموضع الرحمة، وعنوان المظلومية، ومظهر الوداعة، وموئل العاطفة الجياشة..

ختم بالطفولة الممعنة في براءتها، وفي طهرها، وفي عفويتها.

نعم، لقد بدأ بالأكبر.. وختم بالأصغر.. فكان أفضل بدء.. وأروع ختام.. فـ «صلوات الله عليه وعليهم».. و «عليه وعليهم السلام»..

قطع الله رحمك:

وتقدم: أنه لما برز علي الأكبر إلى الميدان بكى الإمام «عليه السلام» وصاح یا ابن سعد قطع الله رحمك كما قطعت رحمي.

فبالرغم من هول المصائب التي واجهها الإمام «عليه السلام» نرى: أنه لم يسب عمر بن سعد ولا غيره من الأعداء، مع هول جرائمهم، وقبح وبشاعة ممارساتهم، بل كان كلامه معهم في غاية الالتزام والانضباط، وكأنه قد وزن بميزان الذهب.

فهو هنا قد دعا على عمر بن سعد: بأن يكافئه الله على أعماله بمثلها.. فيقول له: قطع الله رحمك. ولا يكتفي بهذه العبارة، بل يضيف إليها قوله: كما قطعت رحمي.

مع أن ما فعله ابن سعد مع الإمام هو أعظم من مجرد قطع رحمه «عليه السلام». ولكنه «عليه السلام» صرح بالمقارنة بين الجزاء وبين العمل الذي اقتضاه، لكي لا يدَّعي أحد الغفلة عن الحقيقة، فيبيح لنفسه أن يتوهم أن الحسين «عليه السلام» لم يقتصر على المطالبة بحقه، بل تجاوز ذلك إلى ما لا حق له فيه.

واقتصر على أدنى الأحوال، لأنه أوكل بلوغ أقصاها، أو أي مدى منها إلى الناس، ليكونوا هم الذين يفكرون ويحكمون..

قرابة الرسول أولى بالرعاية:

وقد تعودنا من أهل البغي والعدوان، والظلم: أنهم يقعون في المتناقضات الفاحشة بسبب انحرافاتهم، ونسيانهم وتضييعهم المعايير والمنطلقات الصحيحة.

ومن موارد ذلك: ما قدمناه، من أنهم عرضوا الأمان على علي الأكبر بحجة قرابته من يزيد، لأن جدته لأمه هي بنت أبي سفيان.

ققال: أما واللهِ لقرابَهُ رَسول اللهِ «صلى الله عليه وآله» كانت أولى أن تُرعى مِن قرابَةِ أبي سُفيانَ، ثُمَّ كَرَّ عَلَيهِ وَهُوَ يَقُولُ:

أنا عَلِيُّ بنُ الحُسَين بنُ عَلِيَّ *** نحنُ وبَيتِ اللهِ أولى بالنَّبيّ

مِن شَمِرِ وعُمَرِ وَابنِ الدَّعِيّ

فهم مصداق لقوله تعالى: (فلمَّا رَاعُوا أَزَاغ اللهُ قُلُوبَهُمْ) (1). وقوله تعالى: (لهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بهَا) (2).

لا يحكم فينا ابن الدعي:

ومن الموارد التي تدخل في هذا السياق قول علي الأكبر في رجزه:

وَاللَّهِ لا يَحكُمُ فِينَا ابْنُ الدَّعِيّ

فإن هؤلاء الذين جاؤوا لقتل ذرية الرسول، ومن معهم قد وقعوا في تناقض قبيح وشنيع آخر، وهو: أنهم يريدون أن يفرضوا حكم الأدعياء وأبناء الأدعياء على أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة الذين شهد الله لهم بالطهارة من الأرجاس والأدناس، فقال: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطْهِّرَكُمْ تَطهيرًا) (3).

أبناء الحسين شهداء كربلاء:

وذكرت بعض المصادر أسماء عديدة لأبناء آخرين للإمام الحسين «عليه السلام»، وقالوا: إنهم من شهداء يوم عاشوراء، وهم:

1 - أبو بكر بن الحسين «عليه السلام» وقد ذكر بعض الإخوة


1) الآية 5 من سورة الصف

2) الآية 179 من سورة الأعراف

3) الآية 33 من سورة الأحزاب

الأكارم (1). ما يقوي احتمال التصحيف في اسم الحسين «عليه السلام»، وأن الراجح: أنه ابن الحسن لا الحسين.

كما أن أبا نصر البخاري قال عن أبي بكر هذا: إنه مات صغيراً قبل أبيه (2).

وقال ابن شهرآشوب، وهو يعدد شهداء يوم عاشوراء: وستة من بني الحسين. مع اختلاف فيهم، (ثم عدهم، وذكر فيهم عليا الأكبر، الذي تقدم ذكره، وهم:)

1 - إبراهيم.

2 - وعبد الله.

3 - ومحمد.

4 - وحمزة.

5 - وعلي.

6 - وجعفر.

7 - وعمر.

8 - وزيد.

9 - وذبح عبد الله في حجره (3).


1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 352 - 355

2) سر السلسلة العلوية ص 30

3) راجع: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 113 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 259

ونلاحظ هنا: أن ابن شهر آشوب، وإن ذكر: أن أبناء الحسين «عليه السلام» ستة.

إلا أنه عد تسعة، بل عشرة.

ولعل ستة مصحفة عن تسعة لتقارب الرسم، إذا استثنينا أبا بكر، باعتبار احتمال التصحيف في اسم أبيه، وأنه ابن الحسن لا الحسين «عليهماالسلام».

ونلاحظ أيضاً: أن هناك من يقول: إن محمد بن الحسين «عليه السلام» لم يقتل، بل أسر (1).

ويبقى الكلام عن الطفل الصغير، أو الرضيع الذي استشهد مع الحسين «عليه السلام» بعد أن أصبح «عليه السلام» وحيداً.. وهو عبد الله، أو علي، أو غيرهما.


1) الإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 2 ص 6 و (تحقيق الشيري) ج2 ص12 والعقد الفريد ج 5 ص 134 والمحن للتميمي ص134

الفصل الثالث:

الأطفال.. الشهداء..

الصغار من أبناء الحسين «عليه السلام»:

1 - عن حميد بن مُسلِم لمّا رَأى الحُسَينُ «عليه السلام» أنه لم يَبقَ مِنْ عَشِيرَتِهِ وأَصْحَابِهِ إِلَّا القليل، فقامَ، فَنَادَى الخ.. (1).

وعند ابن طاووس:

لمّا رَأى الحُسَينُ «عليه السلام» مَصارِعَ فِتيانِهِ وَأَحِبَّتِهِ، عَزَمَ عَلَى لِقاءِ القوم بِمُهجَتِهِ، ونادى هَل مِن ذابٌ يَدُلُّ عَن حُرَمِ رَسول اللهِ؟

هَلْ مِن مُوَرِّدٍ يَخافُ اللَّهَ فينا؟

هَل مِن مُغيث يَرْجُو اللَّهَ بِإغاثتِنا؟

هَل مِن مُعين يَرجو ما عِندَ اللهِ في إعانَتِنا؟

فارتَفَعَت أصواتُ النِّساءِ بالعَويل [وعند ابن نما: فَضَجَ النَّاسُ بِالْبُكَاءِ]، فَتَقَدَّمَ إِلى بَابِ الْخَيمَةِ، وقالَ لِزَيْنَبَ: ناوليني وَلدِي الصَّغيرَ حَتَّى أَوَدِّعَهُ ، فَأخَدَهُ وأومَاً إليهِ لِيُقبِّله، فرماهُ حَرملة بنُ الكاهِل بِسَهِم فَوَقعَ في


1) مثير الأحزان ص 70 و (ط المكتبة الحيدرية) ص52

نَحرِهِ فَدْبَحَهُ.

فقالَ لِزِينَبَ: خُذيهِ، ثُمَّ تَلقَّى الدَّمَ بِكَفَّيهِ حَتَّى امتَلأتا، ورمى بالدَّمِ نَحوَ السَّمَاءِ وَقالَ: هَوْنَ عَليَّ ما نَزَلَ بي أنَّهُ بِعَين اللهِ. [وعند ابن نما ورمى بالدَّمِ نَحوَ السَّماءِ، ثُمَّ قال: رَبِّ، إن كُنتَ حَبَستَ عَنَّا النَّصَرَ مِنَ السَّمَاءِ، فاجعل ذلِكَ لِما هُوَ خَيرٌ، وَانتَقِم لنا من هؤلاء الظَّالِمينَ].

قالَ الباقِرُ «عليه السلام»: فلم يَسقُط من ذلِكَ الدَّمِ قطرة إلى الأرض (1).

2 - عن أبي مخنف: حدّثني سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مُسْلِم لمّا قعَدَ الحُسَينُ «عليه السلام»، أتِي بِصَبِيِّ لَهُ فَأَجلسَهُ في حِجرِهِ، زَعَمُوا أَنَّهُ عَبدُ اللَّهِ بنُ الحُسَينِ.

قالَ أبو مِخنفٍ: قالَ عُقْبَةُ بنُ بَشير الأَسَدِيُّ: قالَ لي أبو جَعفَرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيٍّ بن الحُسَين «عليه السلام»: إنَّ لنا فِيكُم يا بَنِي أَسَدٍ دَمَا.

قالَ: قلتُ: فما ذنبي أنَا فِي ذلِكَ رَحِمَكَ اللهُ يا أَبا جَعفَرٍ! وما ذلِكَ؟

قالَ: أَتِيَ الحُسَينُ «عليه السلام» بصَبيٍّ لهُ [في الطبري بابْنِهِ عَبدُ اللهِ بنُ الحُسَين]، فَهُوَ فِي حِجره، إذ رَمَاهُ أَحَدُكُم يا بَنِي أَسَدٍ بِسَهم فَدَبَحَهُ، فَتَلقَى الحُسَينُ «عليه السلام» دَمَهُ، فلمّا مَلَأُ كَفَّيهِ صَبَّهُ فِي


1) الملهوف ص 168 و (نشر أنوار الهدى) ص 69 وبحار الأنوار ج 45 ص 46 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 289 ومثير الأحزان ص70 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 52

الأرض، ثمَّ قَالَ: رَبِّ، إن تَكُ حَبَستَ عَنَّا النَّصرَ مِنَ السَّمَاءِ، فَاجعَل ذلِكَ لِما هُوَ خَيرٌ، وَانتَقِم لنا من هؤلاء الظالِمينَ [في الطبري: ثُمَّ حَمَلَهُ حَتَّى وَضَعَهُ مَعْ قتلى أَهْلِهِ] (1).

3 - بَقِيَ الحُسَينُ «عليه السلام» وَحدَهُ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ مَالِكُ بْنُ بِشْرٍ الكِندِيُّ، فَضَرَبَهُ بِالسَّيفِ عَلى رَأْسِهِ، وعَليهِ بُرئْسُ خَرِّ فَقَطعَهُ، وأَفضَى السَّيفُ إِلى رَأْسِهِ فَجَرَحَهُ، فَأَلقى الحُسَينُ «عليه السلام» البُرنُس، ودَعا يقلنسُوَةٍ فلبسها ، ثُمَّ اعتَمَّ بِعِمامَةٍ وجَلسَ ، فَدَعَا بِصَبِيٍّ لَهُ صَغيرِ [في الطبري: بِابْنِهِ عَبدُ اللهِ]، فأجلسَهُ في حِجرهِ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ مِن بَني أسَدٍ - وهُوَ فِي حِجر الحُسَين عليه السلام» - بمِشنَقصِ (2)، فقتَلهُ (3).


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 448 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 342 وراجع: الإرشاد ج 2 ص 108 وإعلام الورى ج 1 ص 466 وروضة الواعظين ص 208 و (منشورات الشريف الرضي) ص 188 وفيه: «عبد الله بن الحسن» بدل «عبد الله بن الحسين»؛ والكامل في التاريخ ج 4 ص 75 كلاهما نحوه والدر النظيم ص 556 ونهاية الأرب ج 20 ص 457

2) المشقص: نصلُ عريض من نصال السّهام، أو هو سهم فيه نصلّ عريض. وقيل: النَّصلُ الطويل وليس بالعريض. راجع: تاج العروس ج 9 ص298 مادة «شقص»

3) الأخبار الطوال ص 258 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج6 ص 2629 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 448 و (ط الأعلمي) ج 4 ص342 عن أبي مخنف نحوه، وفيه «مالك بن النسير». وراجع: شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 687 والكامل في التاريخ ج 4 ص 75

وعن أبي جعفر [الباقر] «عليه السلام»: جاءَ سَهُمْ فَأَصابَ ابنا له [أي لِلإمامِ الحُسَين «عليه السلام»] مَعَهُ في حِجرهِ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنهُ ويَقولُ: اللهُمَّ احكُم بَينَنا وبَينَ قومٍ دَعَونا لِيَنصُرُونا فقتلونا (1).

وجاءَ صَبِيٌّ مِن صبيان الحُسَين «عليه السلام» يَشْتَدُّ حَتَّى جَلْسَ فِي حِجر الحُسَين «عليه السلام»، قرماهُ رَجَلٌ بِسَهم، فأصابَ تُعْرَةَ نَحرِهِ فَقَتَلَهُ (2).


1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 306 عن تاريخ الأمم والملوك ج5 ص 389 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 293 وتهذيب الكمال ج 6 ص 428 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 309 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك جه ص 340 ومروج الذهب ج 3 ص 70 وفيه الدعاء فقط، وأنساب الأشراف ج 3 ص 407 وفيه «ورمى حرملة بن كاهل الوالبي عبد الله بن حسين بسهم، فذبحه» فقط. وراجع: تهذيب التهذيب ج 2 ص 304 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 214 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 521 وج 33 ص 660

2) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 311 عن الطبقات الكبرى الطبقة) الخامسة من (الصحابة ج 1 ص 470 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 302 و (نشر مؤسسة الرسالة) ج 3 ص 309 وفيه «فوقعت نبلة في ولد له ابن ثلاث سنين» وليس فيه «فرماه عقبة بن بشر الأسدي» وراجع: الردّ على المتعصّب العنيد ص 39. وراجع: المجدي ص 91 وسر السلسلة العلوية ص 30 والشجرة المباركة ص 93 وتاريخ قم ص 497 ومعارج الوصول ص 77 والتذكرة في الأنساب المطهرة ص 66 والأصيلي ص143 وفيه «علي الأصغر» بدل «عبد الله»، ومقاتل الطالبيين ص 94 والإرشاد ج 2 ص 135 وإعلام الورى ج 1 ص 478 وتاج المواليد (مطبوع مع مجموعة نفيسة) ص 35 وبحار الأنوار ج 45 ص 47

4 - كانَ لهُ [أي لِلإمام الحُسَين عليه السلام»] وَلدٌ صَغِيرٌ، فَجاءَهُ مِنهُم سَهم فقتلهُ، فَرَمَّلَهُ عليه السلام»، وحَفَرَ لَهُ بِسَيفِهِ، وصَلى عَليهِ ودَفَنَهُ، وقال هذِهِ الأبيات:

غدَرَ القومُ وقدماً رَغِبوا *** عَن ثواب اللهِ رَبِّ التَّقلينِ

وأمّا عَلِيُّ الْأَصْغَرُ جَاءَهُ سَهِمٌ - وهُوَ طِفلٌ - فَقتَلهُ، وقد تَقَدَّمَ ذِكرُهُ عِندَ ذِكرِ الأبياتِ لمّا قُتِلَ.

وقيلَ: إِنَّ عَبدَ اللهِ - أيضاً - قُتِلَ مَعَ أَبِيهِ شَهيداً (1).

5 - عن مورغ بنُ سُوَيدِ بن قيس، قالَ: حَدَّتْنا مَن شَهِدَ الحُسَينَ «عليه السلام»، قالَ: َكانَ مَعَهُ ابنُهُ الصَّغيرُ ، فَجَاءَ سَهُمْ فَوَقَعَ فِي نَحرِهِ.

قالَ: فَجَعَلَ الحُسَينُ «عليه السلام» يَأْخُدُ الدَّمَ مِن نَحرِهِ ولبَّتِهِ (2)، فَيَرمي بهِ إِلى السَّمَاءِ فَما يَرجِعُ مِنهُ شَيْءٌ، ويَقُولُ: اللَّهُمَّ لَا يَكونُ أهْوَنَ عَلَيْكَ مِن فصيل (3)» (4).


1) مطالب السؤول ص 73 و (تحقيق ماجد العطية) ص 389 وكشف الغمّة ج 2 ص 237 وبحار الأنوار ج 45 ص 331 ح 5 والفصول المهمة ج2 ص 772

2) اللبة وسط الصدر والمنحر. راجع: لسان العرب ج 1 ص733 مادة «لبب»

3) الفَصِيل: ولد الناقة إذا فصل عن أمّه. راجع: الصحاح جه ص 1791 مادة «فصل». أي فصيل ناقة صالح «عليه السلام»

4) مقاتل الطالبيّين ص 94 و 95 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 59 و 60 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 109 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص257 نحوه، وفيه «عليّ الأصغر» بدل «ابنه الصغير»، وبحار الأنوار ج 45 ص47 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 290 . وراجع: الإرشاد ج 2 ص 135 وإعلام الورى ج 1 ص 478

6 - الحُسَينُ «عليه السلام» جالِسٌ، عَليهِ جُبَّهُ خَرِّ دَكناءُ، وقد وَقعَتِ النّبالُ عَن يَمِينِهِ وعَن شِمالِهِ وَابْنٌ لَهُ - ابنُ ثَلاثِ سِنِينَ - بَينَ يَدَيهِ، فَرَمَاهُ عُقْبَهُ بن بشر الأَسَدِيُّ فَقتَلهُ ... (1).

7 - عن هشام: قُتِلَ عَبدُ اللهِ بنُ الحُسَين بن عَلِيٍّ «عليه السلام» - وأُمُّهُ الرَّبابُ ابنَة امرئ القَيسِ بنِ عَدِيٍّ بنِ أوسِ بنِ جابرِ بن كَعبِ بنِ عُلِيمٍ مِن كَلبٍ - قتَلهُ هانِيُّ بنُ تُبَيتِ الحَضرَمِيُّ (2).


1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 312 و 310 عن الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 470 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 72 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 302 ولم يذكر له اسم قاتله، والرد على المتعصب العنيد ص 39. وراجع مقاتل الطالبيين ص59 وبحار الأنوار ج 45 ص 47 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 290

2) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 312 عن تاريخ الأمم والملوك جه ص 268 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 359 والكامل في التاريخ ج4 ص92 وفيه «امرئ القيس الكلبي»، ومقاتل الطالبيين ص 96 بزيادة «ابن جناب بن كلب، وأمّها هند الهنود بنت الربيع بن مسعود بن مصاد بن حصن بن كعب بن عليم بن جناب، وأمّها ميسون بنت عمرو بن ثعلبة بن حصين بن ضمضم ، وأمّها بنت أوس بن حارثة» بعد «عليم»، والثقات لابن حبّان ج 2 ص 311 وفيه الرباب بنت القاسم بن أوس بن عدي بن أوس بن جابر بن كعب» وكلاهما نحوه، وتذكرة الخواصّ ص 254 عن هشام بن محمّد، وفيه «هانئ بن ثابت الحضرمي»، والطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 476 وليس فيه «أمه»؛ والإختصاص ص 83 وليس فيه قاتله، وشرح الأخبار ج 3 ص 177 وليس فيه «ابن عدي بن أوس». والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 845

8 - عن أبي مخنف إنَّ الحُسَينَ «عليه السلام» أعيا، فَقَعَدَ عَلى بابِ فسطاطِهِ، وأتِيَ بِصَبيٍّ صَغيرِ مِن أولادِهِ اسمُهُ عَبدُ اللَّهِ، فَأَجَلْسَهُ فِي حجرهِ، ثُمَّ جَعَلَ يُقبِّلُهُ ويَشمُّهُ ويُوَدِّعُهُ ، ويوصي أهله.

قرَمَاهُ رَجُلٌ مِن بَني أَسَدٍ - يُقالُ لَهُ ابنُ ُموقِدِ النَّار - بسَهم فَدَبَحَ ذلِكَ الغُلامَ، فَتَلقى حُسَينٌ «عليه السلام» دَمَهُ فِي يَدِهِ، وأَلْقَاهُ نَحوَ السَّمَاءِ، وقالَ رَبِّ إِن تَكُ قد حَبَستَ عَنَّا النَّصرَ مِنَ السَّمَاءِ، فَاجعَلهُ لِما هُوَ خَيْرٌ، وَانتَقِم لنا مِنَ الظَّالِمِينَ (1).


1) البداية والنهاية ج 8 ص 168 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 202 و 203 وجواهر المطالب ج 2 ص 288 وإعلام الورى ج1 ص 466 والدر النظيم ص 556 ونهاية الأرب ج 20 ص 457 وراجع الإرشاد ج 2 ص 108 ومثير الأحزان (ط المكتبة الحيدرية) ص 52 وبحار الأنوار ج 45 ص 47 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 289 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 342 والكامل في التاريخ ج 4 ص 75 وينابيع المودة ج 3 ص 77 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 73 وإبصار العين ص 54

9 - عن هشام بن محمّد : لمّا رَآهُمُ الحُسَينُ «عليه السلام» مُصِرِّينَ عَلَى قتلِهِ، أخذ المُصحَفَ ونَشْرَهُ، وجَعَلَهُ عَلَى رَأْسِهِ، ونادى: بَيني وَبَينَكُم كِتابُ اللهِ، وجَدّي مُحَمَّدٌ رَسولُ اللهِ «صلى الله عليه وآله»، يا قوم! بِمَ تَستَحِلُونَ دَمي؟!

فالْتَفَتَ الحُسَينُ «عليه السلام» فإذا بطفل لهُ يَبكي عَطشا، فَأَخَذَهُ عَلَى يَدِهِ، وقالَ: يا قوم إن لم تَرحَموني فارحموا هذا الطفل، فَرَمَاهُ رَجُلٌ مِنهُم بِسَهم فَدَبَحَهُ، فَجَعَلَ الحُسَينُ «عليه السلام» يَبكي ويَقولُ: اللهُمَّ احكُم بَينَنا وبَينَ قومٍ دَعَونا لِيَنصُرُونا فقتَلونا.

فَنودِيَ مِنَ الهَوا: دَعَهُ يا حُسَينُ؛ فإنَّ لهُ مُرضِعاً فِي الجَنَّةِ (1).

10 - عن زيد بن علي بن الحسين، ويحيى بن أمّ طويل، وعبدالله بن شريك العامريّ وغيرهم - في ذكر تَسمِيَةِ المَقتولين -: وعَبدُ اللَّهِ بنُ الحُسَين «عليه السلام»، وأُمُّهُ الرَّبابُ بنتُ امرئ القيس بن عَدِيٍّ بن أوس بن جابر بن كَعب بن حَكِيمٍ الكَلبِيِّ، قتَلهُ حَرمَلَهُ بنُ الكاهل الأَسَدِيُّ الوالِبِيُّ.

وكانَ وُلِدَ لِلحُسَين (2)بن عَليّ «عليهما السلام» فِي الحَربِ، فَأتِيَ بِهِ


1) تذكرة الخواص (ط النجف) ص 252 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 199

2) في المصدر: «الحسين»، وهو تصحيف

وهُوَ قاعِدٌ، وأخَدَهُ في حِجره، ولبّاهُ (1)بريقِهِ، وسَمَّاهُ عَبدَ اللَّهِ، فَبَينَما هُوَ كَذلِكَ، إذ رَمَاهُ حَرمَلَهُ بنُ الكاهل بسَهم فَنَحَرَهُ، فَأَخَذَ الْحُسَينُ «عليه السلام» دَمَهُ (2)، فَجَمَعَهُ ورَمَى بهِ نَحوَ السَّماءِ، فَما وَقَعَت مِنهُ قطرَةٌ إلى الأرضِ.

قالَ فُضَيلٌ: وحَدَّثني أبو الوَردِ أَنَّهُ سَمِعَ أبا جعفر «عليه السلام» يَقولُ: لو وَقعَت مِنهُ إلى الأرضِ قطرَةٌ لنَزَلَ العَذابُ.

وهُوَ الذي يَقولُ الشَّاعِرُ فيهِ:

وعِندَ عَنِيٌّ قطرَةً مِن دِمَائِنا *** وفي أسَدٍ أخرى تُعَدُّ وَتُذكَرُ (3)

11 - قيلَ: إِنَّهُ لَمّا قُتِلَ أصحابُ الحُسَين «عليه السلام» وأقاربه، وبَقِيَ وحيداً فريداً ليسَ مَعَهُ إِلَّا ابْنُهُ عَلِيٌّ زين العابدين «عليه السلام»، وَابِنٌ آخَرُ فِي الرِّضَاعِ اسمُهُ عَبدُ اللَّهِ.

[في الخوارزمي: ولم يَبقَ غَيرُهُ وغَيرُ النِّساءِ وَالْأَطفال وغَيرُ وَلَدِهِ المَريض، نادى: هَل مِن ذابٌ يَدُبُّ عَن حَرَم رَسول اللهِ؟ هَل مِن مُوَحّدٍ يَخافُ اللَّهَ فينا؟ هَل مِن مُغيثٍ يَرْجُو اللَّهَ في إغاثتِنا؟ هَل مِن مُعِينٍ يَرجو ما عِندَ اللهِ فى إعانتنا؟ فارتفعت أصواتُ النِّساءِ بالعويل].

فَتَقَدَّمَ الحُسَينُ «عليه السلام» إلى بابِ الخَيمَةِ فَقالَ: ناولوني ذلِكَ


1) اللَّبأ: أوّل ما يحلب حين الولادة، وألبأه بريقه: صَبَّ ريقه في فيه كما يصبُّ اللّبأ في فم الصبيّ. راجع: النهاية ج 4 ص 221 مادة «لبأ»

2) في المصدر: «دمعه»، وهو تصحيف

3) الأمالي للشجري ج 1 ص 171 والحدائق الورديّة ج 1 ص 120 نحوه

الطفل [وعند الخوارزمي: ناولوني عَلِيّا الطِّفل] حَتَّى أَوَدِّعَهُ! فَناوَلُوهُ الصَّبِيَّ، فَجَعَلَ يُقبِّلُهُ وهُوَ يَقولُ: يا بُنَيَّ، وَيلٌ لِهؤُلاء القوم إذا كَانَ خَصَمَهُم [في الخوارزمي: جَدُّكَ] مُحَمَّدٌ «صلى الله عليه وآله».

قيلَ: فَإِذا بِسَهم قد أَقْبَلَ حَتَّى وَقَعَ فِي لَبَّةِ الصَّبِيِّ فَقتَلهُ، [في الخوارزمي: فتَلقَّى الحُسَينُ «عليه السلام» دَمَهُ حَتَّى امْتَلأت كَقُهُ، ثُمَّ رَمَى بِهِ نَحوَ السَّماءِ، وقالَ اللهُمَّ إِن حَبَستَ عَنَّا النَّصرَ، فَاجعَل ذلِكَ لِما هُوَ خَيْرٌ لَنا فَنَزَلَ الحُسَينُ «عليه السلام» عَن فرسه، وحَفَرَ لِلصَّبِيِّ بجَفن سَيفِهِ، ورَمَّلَهُ (1)بدَمِهِ [في الخوارزمي: وزَمَّلَهُ بِدَمِهِ، وصَلى عَليهِ] ودَفَنَهُ (2).

12 - تَقدَّموا رَجُلاً رَجُلاً، حَتَّى بَقِيَ وَحدَهُ ما مَعَهُ أَحَدٌ مِن أَهْلِهِ، ولا وُلدِهِ ولا أقاربه، فإنَّهُ لواقِفٌ عَلى فَرَسِهِ، إذ أُتِيَ بِمَولُودٍ قد وُلِدَ لَهُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، فَأَدْنَ فى أدْنِهِ، وجَعَلَ يُحَنِّكَهُ إذ أتاهُ سَهُمْ فَوَقَعَ فِي حَلق الصَّبِيِّ فَدْبَحَهُ.

فَنَزَعَ الحُسَينُ «عليه السلام» السَّهمَ مِن حَلْقِهِ، وَجَعَلَ يُلطَّخُهُ بِدَمِهِ ويَقولُ: وَاللَّهِ لأَنتَ أكْرَمُ عَلَى اللهِ مِنَ النّاقة، ولمُحَمَّدٌ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِن


1) رمّله بالدّم، فترمَّل: أي تلطُخ . راجع: الصحاح ج 4 ص 1713 «رمل». وزمله بثيابه ودمه لفوه فيها

2) الإحتجاج للطبرسي ج 2 ص 101 ح 168 وبحار الأنوار ج 45 ص 49 وراجع ص 46. وراجع: مقتل الحسين للخوارزمي ج2 ص32 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 115 نحوه

صالِحِ! ثُمَّ أتى فَوَضَعَهُ مَعَ وُلدِهِ وبَني أخيهِ (1).

ونقول:

إنا لنا مع النصوص المتقدمة وقفات، نذكر منها ما يلي:

الإستغاثة الأخيرة، مغزاها ومعناها:

ذكرت النصوص المتقدمة: أن الحسين «عليه السلام» بعد أن صار وحيداً، ولم يبق غيره، وغير النساء والأطفال، والإمام السجاد الذي كان مريضاً ، أطلق استغاثته الأخيرة، فقال:

«هَل مِن ذابٌ يَدُبُّ عَن حُرَم رَسولِ اللهِ؟!

هَل مِن مُوَرِّدٍ يَخافُ اللَّهَ فينا؟!

هَل مِن مُغِيثٍ يَرْجُو الله بإغاثتِنا؟!

هَل مِن مُعين يَرجو ما عِندَ اللهِ في إعانَتِنا؟!».

ونقول:

لقد تضمنت هذه الكلمات اليسيرة دقائق وحقائق كثيرة، فلاحظ ما يلي:

ألف: بالنسبة لقوله «عليه السلام»: «هَل مِن ذَابٌ يَدُبُّ عَن حُرَمٍ رَسول الله»؟! نقول:

1 - إن كلمة «هَل مِن ذابٌ يَدُبُّ» تشير إلى أن ثمة عدواناً


1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 245

يستهدف حُرَمَ رَسول اللهِ «صلى الله عليه وآله».

2 - إن هذا يستبطن حقيقة يحاول أنصار الظالمين التلاعب والتشكيك بها، وهي: أن الحسين «عليه السلام» كان يمارس حرباً دفاعية، ورد عدوان. ولم يكن بصدد جمع الجيوش، والقيام بعمل مسلح..

3 - إنه عليه السلام» يطلق استغاثته هذه مع أن جميع أصحابه وأهل بيته قد استشهدوا وجثثهم من حوله، ولم يبق غيره وغير النساء والأطفال، والإمام السجاد «عليه السلام».

4 - يطلب من الناس: أن يهبُّوا ليس لحمايته، والذب عنه هو کشخص، بل يطلبها للذب عن حُرَمِ ونساء.

5 - إنه «عليه السلام» لم ينسب هؤلاء الحُرم إلى نفسه، ولا إلى أبيه، بل نسبهم إلى النبي «صلى الله عليه وآله».

6 - إنه نسبهم إليه «صلى الله عليه وآله»، لكنه لم يذكر اسمه الصريح.. إذ لعل أحمقَ يقول: ما لنا شأن بمحمد، فإن لمحمد قبيلة دافعت عنه، وخسرت الحرب..

بل ذكره بعنوان رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وهو عنوان يتجاوز القبائل، والأوطان والألوان، ليصبح واجب النصرة على البشر كلهم مهما كان جنسهم أو لونهم، أو بلدهم، أو عشيرتهم.

وهذا يسقط مقولة بعض أهل الأهواء، من أن الصراع لم يكن دينياً، ولا سياسياً. بل هو صراع عشائري، وتنافس وصراع قبلي..

بدأ في الجاهلية بين بني أمية وبني هاشم، وتواصل في الإسلام، فكانت عاشوراء من ثمراته.

وهذه الفقرة، وهى أولى فقرات هذه الاستغاثة، قد مازجت بين استنهاض المشاعر الإنسانية، من خلال إظهار المظلومية.. وقسوة وعدوانية الأعداء، وبين استثارة الحمية الدينية، وتحفيز الشعور بالواجب والتكليف الشرعي.

ب: وعن قوله «عليه السلام»: «هَلْ مِن مُوَحّدٍ يَخافُ الله فينا»؟! نقول:

1 - إنه «عليه السلام» يقرر هنا قاعدة توحيدية حاسمة، تقول: إن من يخاف الله تعالى، ويراقبه في أوامره ونواهيه هو الإنسان المعتقد بالتوحيد. أما المشرك، فإنه إنما يلجأ إلى الشرك للتملص من المسؤولية، ويأمن من المساءلة، لأنه اختار أن يتخذ لنفسه آلهة عاجزة وجاهلة، وفقيرة وضعيفة، وما لا يضر ولا ينفع، ولا يعقل، ولا يملك شيئاً من الشعور والإحساس، بل يكون فاقداً لمختلف الكمالات التي لا يكاد يخلو بشر عن بعضها، فهو يختار عبادة الحجر، أو الخشب، أو الشجر، أو التمر، أو الشمس، أو القمر، أو ما إلى ذلك.

إنه يريد إلهاً يكون طوع إرادته هو، أي أن يأتمر ذلك الإله بأمره، ويلبي حاجاته، فإذا أخفق في ذلك بادر إلى تحطيمه، وتهميشه، أو إحراقه، أو إلى أكله، إذا جاع، وكان إلهه من التمر.. ثم استبداله

بما يتوقع منه بعضاً من ذلك. ولا يريد إلها عالماً بالخفايا، مطلعا على السرائر، قوياً قاهراً، مدبراً قادراً، يكون هو الرازق والخالق، والمدبر والمهيمن، والأمر والناهي والمحاسب والمثيب والمعاقب..

وفكرة الإله العاجز والضعيف، والمسخَّر لخدمة مألوهه قد تبناها اليهود بقوة، حتى قالوا: (وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَعْلُولة غلتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) (1). كما أنهم تبنوا فكرة أن يكون الله أسير إرادتهم ، ورهن إشارتهم، وفي خدمتهم، فقد زعموا أنهم شعب الله المختار. وقد حكى الله ذلك عنهم في كتابه الكريم، وردَّ عليهم فقال : (وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) (2).

فهم يدَّعون هذه الخصوصية لأنفسهم، لكي يصلوا إلى مقولة: أنهم لا يحاسبون، ولا يعاقبون، فجاء الرد الحاسم عليهم: بأن الله يعذبهم بذنوبهم، وهذا يبطل زعمهم: أنهم أبناء الله وأحباؤه..

وهم يدَّعون: أن الله غير قادر على التصرف، لأنه مغلول اليد،


1) الآية 64 من سورة المائدة

2) الآية 18 من سورة المائدة

ممنوع من ذلك، فجاء الرد عليهم: بأنهم هم المغلولة أيديهم، والمطرودون من رحمة الله.

ويدَّعون: أن كل شيء لهم ومن أجلهم.. فجاءهم الجواب: بأن لا شيء في الوجود لغير الله، بل الله ملك السموات والأرض وما بينهما.

ويدَّعون: أنه لا حساب ولا عقاب ولا عتاب عليهم، فقد جاءهم الرد: أن الحساب لم يفت وقته بعد، وهو ينتظرهم، لأن مصيرهم إلى الله سبحانه كسائر البشر، وهو الذي يحاسب ويثيب ويعاقب..

2 - قد أظهرت كلمة الإمام الحسين «عليه السلام»: أن من لم يكن موحداً، أو كان في توحيده شائبة الشرك، ولو من قبيل عبادة الهوى، أو الأشخاص أو المال، فلا يخاف الله تعالى في أهل البيت «عليهم السلام»، بل هو يذهب إلى أبعد مدى في إجرامه، وفي عدوانه، وفتكه، وعدم رعاية الحرمات، وما إلى ذلك.

3 - إن هذه الإستغاثة وعدم الحصول على إجابة لها، ولو في أدنى الدرجات تدل على عدم وجود موحد بين ذلك الجمع كله، وإنه ليُعَدُّ بعشرات الألوف.

4 – ويلاحظ: أنه «عليه السلام» قيَّد خوف الله بأن يكون فيهم، وقد كان يمكن أن يقول: «يَخافُ «الله» ولا يضيف كلمة «فينا».

ولعل سبب ذلك: أنه «عليه السلام» أراد أن يقدّم النموذج الأتم والأعلى، الذي يحتّم على كل ذي شعور أن يتعامل بحذر، وخوف لأن جميع الحرمات قد اجتمعت وتراكمت وتضافرت فيهم «عليهم

السلام» على التحذير من الإقدام على أية مخالفة، فهم أقدس البشر، وهم مطهرون بنص القرآن وهم عترة الرسول، وهم حُرم الرسول، وهم لا يريدون لأحد إلا الخير والصلاح والفلاح، وهم العلماء الأبرار، والمتقون الأخيار، وهم الأئمة المعصومون من أي ذنب، وهم الهداة والولاة، والقادة والذادة.

وهم قد جاؤا لإغاثة الملهوفين، وهم أهل القيم الرشيدة، والأخلاق الحميدة، والمآثر المجيدة، وهم.. وهم..

فالإقدام على أية إساءة لهذا النوع من الناس، لمما يدرك جميع البشر ،قبحه وسوء عاقبته، وأنه من المهالك الكبرى، ومن الذنوب التي تجعل مرتكبها في مواجهة أعظم الأخطار.

ولأجل ذلك قال «عليه السلام»: «يَخافُ الله فينا».

5 - إن هذه الفقرة جاءت بلسان التحذير من خطر - هو الأعظم - وهو خطر الخروج من الدين بالانتهاء إلى الشرك.

ج: ثم قال «عليه السلام»: هَل مِن مُغيثٍ يَرجو الله بإغاثتِنا؟!.

ونقول:

1 - إن هذه الفقرة، قد اعتمدت أسلوب الرجاء والأمل في مساره الإيجابي، ولو في أدنى مستوياته، وأضعف حالاته، فتحدث عن أي إنسان كان، فإنه إذا رأى مظلوماً، ولاسيما الأطفال والنساء يتعرض لعدوان فاحش من وحوش بشرية، فإنه سيتحرك لنجدتهم، حتى لو كان في توحيده شائبة الشرك - إذا كانت في نطاق عبادة الهوى، أو

المال، أو الأنا، أو الاستسلام لإرادة أنواع من البشر، كالنساء، أو السلاطين، أو الأغنياء، أو أصحاب المناصب، وما إلى ذلك.. فإن وجود هذه الشائبة في توحيده، لا تمنع من توظيف الاحتمالات المقلقة لديه، في سياق إغاثة أولئك المظلومين.

ولأجل ذلك قال «عليه السلام»: «يَرجو الله»، فإن هذا الرجاء إنما يتبلور، حين يكون حبه لذاته، وخشيته من تعرضه لأية نكسة دافعاً له إلى رعاية الاحتمالات والتحسب للطوارئ والمفاجآت، فيغيث الملهوف، رجاء أن يغيثه الله تعالى حين يحتاج إلى المغيث..

وذلك استجابة لاحتمال: أن يكون لهذا الملهوف شأن عند الله، فتكون إغاثته سبباً في انتعاش الأمل بإغاثة الله تعالى له، ودفع الشر عنه..

2- يلاحظ: أنه «عليه السلام» إنما ركز كلامه على خصوص من يرى نفسه موحداً، أو يريد من الناس أن يعتبروه كذلك، ولكنه لا يغيث المستغيث بدافع إنساني، أو لأجل نيل محبة، والفوز برضاه.. بل يكون دافعه إلى ذلك طغيان الأنا، أو حب الدنيا، أو دواعي الهوى، أو الانبهار بأشخاص، أو غير ذلك.. فهو من أجل ذلك يرجو: أن يبادله الله الفعل بمثله، فيتدخل لنصرة المظلوم، ويعطي نفسه الحق بأن يتوقع تدخل الله تعالى بقدرته وعلمه لرفع أو لدفع ما يريد التخلص منه..

د: أما قوله «عليه السلام»: «هَل مِن مُعين يَرجو ما عِندَ اللَّهِ فِي

إعانتنا»، فهو:

1 - يتحدث عن ذلك الذي يعتقد بالله تعالى، وأنه غني وقادر، فهو يتعامل معه سبحانه كما يتعامل التاجر، فهو يعطي شيئا ليأخذ عوضه...

2 - وهذا يشير إلى اختلال حاصل في فهم هذا الشخص لموقعه، ولدوره، فكأنه يرى أن ما لديه من عقل ورأي، وفكر وبصيرة، ومن مال وجاه ومقام، ومن قوة وصحة وشجاعة وإقدام.. ومن.. ومن.. هو ملك له، وقد حصل عليه بجهده وعلمه، ومعرفته، وحسن تدبيره، كما قال قارون: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي) (1).

من أجل ذلك يريد أن يبادل هذا الذي عنده، بذلك الذي عند الله. ولذلك قال «عليه السلام»: «يَرجو ما عِندَ اللهِ».

الحصيلة الأخيرة:

وبذلك يكون «عليه السلام» قد خاطب مختلف الفئات، بمنطق رضى ومقبول لكل الفئات، وإن اختلفت بحسب ما تملكه من تصورات وفرض عليها بحسب منطقها .. إنطلاقاً من قاعدة: ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم، أن تنحاز إليه، وتنصره، وتدفع عنه..

كما أنه «عليه السلام» قد بيَّن أن هذا التحول، وهذه الإغاثة مطلوبة ومحبوبة بجميع المعايير، ووفق مختلف التوجهات، حتى مع وجود


1) الآية 78 من سورة القصص

اختلالات كبيرة في المنطلقات، فإن الخطأ في مورد لا يبرر إنتاج خطأ آخر بصورة متعمدة وبلا مبرر.

الصغار أكثر من واحد:

يبدو لنا من ملاحظة النصوص: أن أكثر من طفل للحسين «عليه السلام» قد استشهد في كربلاء واختلاف النصوص في الأسماء والأوصاف والحالات، يؤيد هذا المعنى.

ونذكر على سبيل المثال:

1 - أننا إذا أخذنا بظاهر كلام ابن نما في الرواية، فإنه يعطي: أن أحد أولاده الصغار - قتله حرملة - قبل أن يصبح الحسين «عليه السلام» وحيداً فريداً.. بل كان قد بقي معه القليل من عشيرته وأصحابه.

بينما نجد العديد من النصوص المصرحة بأن قتل ابنه عبد الله، كان بعد أن بقي «عليه السلام» وحده، فراجع الرواية رقم [3] و [11] و [12].

2 - إن عدداً من الروايات يتحدث عن قتل طفل رضيع.. وبعضها يذكر طفلاً ولد للحسين في نفس ذلك اليوم، وأنه أتى به ليجري حوله مراسم الولادة كتسميته، وتحنيكه، ونحو ذلك. فراجع الرواية رقم [10] و [12]. ولكن بعضاً آخر كالرواية رقم [6] عن طفل ابن ثلاث سنين، ويؤيد ذلك: قول بعض النصوص المتقدمة برقم [3] وجاء صبي من صبيان الحسين «عليه السلام» يشتد حتى جلس في

حجر أبيه.

3 - بعض الروايات سمت هذا الطفل الشهيد «عبد الله، كما في الرواية رقم [2] و [3] و [4] و [7] و [8] و [10] و [11] وصرحت هذه الرواية بأنه ولد في ذلك اليوم وبعضها سماه عليا الأصغر كما في الرواية رقم [4] و [11] و [12].

4 - أما الذين تولوا قتل هؤلاء، فنجد بعض الروايات تقول: إن قاتله هو حرملة بن كاهل الأسدي فراجع الرواية رقم [1] و [11] وفيها: أنه ولد للحسين «عليه السلام» في ذلك اليوم.

وبعضها يذكر: أن قاتله أسدي، ولا تسمّيه كالرواية رقم [2] و [3].

وبعضها يقول: إن القاتل هو عقبة بن بشر الأسدي وعمر ذلك الطفل ثلاث سنوات.

وبعضها يقول: إن قاتله هو هاني بن ثبيت الحضرمي، فراجع الرواية: رقم [7].

وذكر: أن اسمه هو عبد الله، واسم أمه هو الرباب بنت امرئ القيس بن عدي.

وبعضها يقول: إن قاتل عبد الله (الصبي الصغير) رجل من بني أسد يقال له: ابن موقد النار، فراجع الرواية رقم [8].

5 - ومن جهة أخرى، فقد اختلفت الروايات في الدم الذي تلقاه «عليه السلام» من نحر، أو من جرح ولده، ففي بعضها: أنه «عليه

السلام» ألقى ذلك الدم إلى السماء، فلم تنزل منه قطرة إلى الأرض، فراجع الرواية المتقدمة برقم [1] ورقم [5] وراجع رقم [8] و [10].

وفي بعضها: أنه «عليه السلام» لما ملأ كفه صب ذلك الدم في الأرض ، فراجع الرواية رقم [2].

6 - وهل كان «عليه السلام» حين أخذ ولده الصغير، فرمي بسهم فقتل - هل - كان راكباً على فرسه كما في الرواية رقم [3] و [11] و [12]، أو أنه «عليه السلام» كان قاعداً على باب فسطاطه كما في الرواية رقم [2] و [6] و [8] و [10]؟!

7 - وهل حمل طفله الشهيد حتى وضعه مع قتلى أهله، أو أنه حفر له بسيفه وصلى عليه ودفنه؟!

وهذا كله يجعلنا نميل إلى القول: بأن الذين قتلوا من أطفال الإمام الحسين «عليه السلام» أكثر من طفل، وذكر اسم علي الأصغر، وعبد الله الذي وصف في عدد من الروايات بأنه كان رضيعاً، وذكر أسماء مختلفة لقاتلي الصغار يؤيد ما نقول..

فمنهم من كان عمره ثلاث سنوات، وقد سعى بنفسه إلى أبيه، وجلس في حجره.

ومنهم من ولد في نفس يوم عاشوراء.

ومنهم من قيل إنه كان صغيراً، أو رضيعاً.

ويظهر من ابن طلحة في مطالب السؤول: ص 28 و 29 و 30:

أنه يذهب إلى أن اثنين من الأطفال قد استشهدا يوم عاشوراء، هما: عبد الله، وعلى الأصغر..

غير أن ما ذكر من تباينات واختلافات يرجح أن يكونوا أكثر من اثنين أيضاً كما قلنا..

الحسين «عليه السلام» يرمي الدماء نحو السماء:

وقد ذكرت النصوص المتقدمة: أن الإمام الحسين «عليه السلام» قد تلقى دماء ولده بكفيه حتى امتلأتا، ثم ألقى بالدم نحو السماء، فما نزلت منه قطرة واحدة..

وقال الإمام الباقر «عليه السلام»: لو وقعت منه إلى الأرض قطرة لنزل العذاب..

ونقول:

إن رمي الدماء نحو السماء له رمزيته وإيحاءاته المؤثرة القلوب، فهو:

1 - بمثابة التعبير العملي عن المظلومية، والشكوى إلى الله سبحانه.

2 - وهو يشير إلى أن بذل هذه الأثمان الغالية إنما بعين الله. وهذا من شأنه: أن يهون الخطب لأن هذا البذل والرضا به رغبة في نيل رضا الله، يخفف من وقع المصاب، لأن رضا الله تعالى هو أعظم الجوائز، وأجل المكافات.. فما خسر من ناله وما ذل من عز بالله تعالى.

3 - إن هذا الدم والأهل والولد والمال وكل شيء هو من الله تعالى وإليه.

4 - إنه يطلب من الله أن يتولى هو مساءلة هؤلاء المجرمين عن سبب إقدامهم على سفك هذه الدماء البريئة.

5 - إنه يتوقع أن يكون الله تعالى هو الذي ينتقم ممن سفك هذه الدماء.

6 - إن عدم عودة هذا الدم إلى الأرض، كما هو المتوقع من كل ذي حجم وثقل حين يقذف إلى الأعلى، فإن شدة الجاذبية تعيده إلى الأرض هو من الأمور الغريبة والعجيبة الموجبة للحيرة والدهشة.

7 - لعل عدم عودة ذلك الدم إلى الأرض يشير إلى أنه تجاوز الجاذبية، واخترق الموانع والحجب، لكي يكون نذيراً قوياً لأولئك الطغاة من جهة.. وليكون أيضاً دليلاً على أن للحسين «عليه السلام» حالات ومقامات، وكرامات عند الله تجعل هؤلاء المجرمين يتوقعون الانتقام الإلهي، وأن إمهالهم لا يعني إهمالهم..

بل هو يعني: أنه تعالى ينتظر بهم يوماً يأتي بعد أن تتجلى آثار جريمتهم لعموم الخلائق، وتظهر سيئاتها في جميع الأرض والسماء، وفي الهواء، والماء، والحجر، والمدر، والشجر، وجميع الكائنات، ليأتى يوم الحساب والعقاب حافلاً بالشكاوى والمطالبات لهؤلاء المجرمين من كل ما خلقه الله لينالوا جزاءهم العادل، والوافي والكامل..

8 - أما بالنسبة لنزول العذاب، لو أن الدم أرتد إلى الأرض، فنقول:

أولاً: هو من الأسرار فيما يرتبط بالسياسة الإلهية في التعامل مع البشر في مثل هذه الحالة.. ولم نكن لنعلمها، لو لم يكشفها لنا الإمام المطهر والمعصوم، باقر علوم الأولين والآخرين، «صلوات الله وسلامه عليه وعلى آبائه وأبنائه الطاهرين»..

ثانياً: إن الله تعالى لا ينزل العذاب على قوم فيهم نبيهم، فقد قال تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) (1).

وهذا ثابت للإمام أيضاً، بدليل ما ورد عن رسول الله «صلى الله عليه وآله»، من أنه قال: جعل الله النجوم أماناً لأهل السماء، وجعل أهل بيتي أماناً لأهل الأرض (2).


1) الآية 33 من سورة الأنفال

2) راجع: ذخائر العقبى ص 17 ونظم درر السمطين ص234 ومنتخب كنز العمال بهامش مسند (أحمد) ج 5 ص 92 و 93 والصواعق المحرقة ص 185 ومجمع الزوائد ج 9 ص 174 والمعجم الكبير ج 7 ص 22 والجامع الصغير ج 2 ص 680 وكنز العمال ج 12 ص 96 و 101 و 102 والمستدرك للحاكم ج 2 ص 448 وج 3 ص 149 و 457 وتلخيصه للذهبي (مطبوع بهامشه)، ومقتل الحسين للخوارزمي ص 19 وكشف الخفاء ج 2 ص 135 و 327 وفيض القدير ج 6 ص 386 ومسند زيد بن علي ص 463 وعيون أخبار الرضا ج 1 ص 30 وكمال الدين ص205 ومناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي ج 2 ص 133 و 142 و 174 وشرح الأخبار ج 3 ص 13 والتفسير المنسوب للإمام العسكري ص 546 ونور الثقلين (تفسير) ج 4 ص 542 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص6 و 7 وينابيع المودة ج 1 ص 71 و 72 وج 2 ص 104 و 114 و 442 و 443 و 474 وج 3 ص 142 وكتاب المجروحين لابن حبان ج 2 ص 236 وتاريخ بغداد ج 3 ص 281 وتاريخ مدينة دمشق ج 40 ص 20 وتنبيه الغافلين لابن كرامة ص 44 والنصائح الكافية ص 45 والدر النظيم ص 771 والتعجب للكراجكي ص 151 والأمالي للطوسي ص 259 و 379 وبحار الأنوار ج 23 ص 122 و ج 27 ص 308 و 309 وكتاب الأربعين للماحوزي ص 353 وخلاصة عبقات الأنوار ج 4 ص 116 و 315 و 316 و 317 و 318 والمراجعات ص 76 و 384 وجامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 19 والغدير ج 3 ص 81 ومستدرك سفينة البحار ج 9 ص 561

فوجود الإمام «عليه السلام» هو المانع من سقوط الدم..

فإذا كانت السياسة الإلهية تقضي بنزول العذاب إذا رجع الدم إلى الأرض، فهو نقض لهذه السياسة، أو أنه شاهد على أنه لا يوجد إمام في كربلاء، وكلاهما باطل.

الحسين «عليه السلام» يصب الدم في الأرض:

وفي بعض النصوص المتقدمة: أن الإمام الحسين «عليه السلام» لما قتل ولده ملأ كفيه من دمه، ثم صبه في الأرض.

ونقول:

1 - إذا كان «عليه السلام» قد فعل هذا في حق ابن صغير آخر له، فقد يقال أيضاً: إنها حركة تهدف إلى تجسيد قسوة أولئك القوم بصورة حية أمام أعينهم، لتعرف البشرية كلها أن هؤلاء القوم قد قست قلوبهم، فهي كالحجارة أو أشد قسوة وأنهم لم يبق لديهم ذرة من إيمان، أو خوف من الله ومن عذابه وعقابه، أو محبة للحق وللخير وأهله.

2 - إنه «عليه السلام» يريد التنويع في الحركات، والأشكال والصور، لكي يتم تداول جميع ذلك، ونشره لدى جميع الفئات. أي أنه يريد أن يستفيد من كل حركة في خدمة القضية الكبرى، وهذا التنويع يساعد على ذلك.

3 - ربما كان «عليه السلام» يريد الإيحاء بأنه على الاستعداد لتقديم دم ولده ليراق، ويسقي به الأرض في سبيل الحق ونشر الهدى في الخلق، وأن سفك دماء أهل بيته وأصحابه لن يدفعه للتراجع والتخلي عن دينه. ولن يرضى بالمذلة.

فهو إذن، يقدم دم ولده، ولا يقدم أي تنازل للمجرمين والظالمين.

ولعل في هذا الفعل منه «عليه السلام» حِكَمًا، ومقاصد أخرى، لم ندركها، فإننا نعترف بقصور أفهامنا عن ذلك

حبس النصر من السماء:

وتقدم: أن الإمام حين قتل ولده الصغير :قال رب إن كنت حبست عنا النصر من السماء، فاجعل ذلك لما هو خير وانتقم لنا من هؤلاء الظالمين». راجع الرواية المتقدمة برقم [1] و [2] و [8].

وفي النص المتقدم برقم [3]: أنه «عليه السلام» قال: «اللهم احكم بيننا وبين قوم دعونا لينصرونا فقتلونا». وهذه حقيقة أخرى قرآنية، وقد قال تعالى: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قليلةٍ غلبَتْ فِئَة كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابرين) (1).

ونقول:

لا بأس بالنظر إلى ما يلي:

1 - إنه يشير إلى أن النصر يأتي من عند الله. وهي حقيقة قرآنية أيضاً، قال تعالى: (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ العَزيزِ الْحَكِيمِ) (2).

2 - إذا كان الأمر كذلك فلا عبرة بالأعداد، ولا قيمة للكثرات..

3 - إنه «عليه السلام» أشار إلى أن النصر الإلهي تشريف منه تعالى، ودليل محبة ورضى لعباده الصالحين، وهو رحمة ورعاية، وسبيل هداية.

ولذا أشار إلى أنه يأتي من جهة العلو، لكونها هي جهة السماء.

4 - إن حبس النصر، ربما كان بلاء واختباراً للأمة لتحفيزها لإصلاح أمورها، وإزاحة الغشاوة عن أبصارها وهدايتها إلى سبيل الرشاد والسداد.

وتكون غلبة الأشرار نذير سوء، وشؤم لهم، وتقويض لعزهم، وبوار


1) الآية 249 من سورة البقرة

2) الآية 126 من سورة آل عمران

لآمالهم.

5 - إنه «عليه السلام» قد عبَّر بحبس النصر المشعر: بأنه كان يتهيأ للانطلاق إليهم، ولكن الله سبحانه هو الذي يحبسه، ويطلقه. فتهيؤ النصر للتحرك نحوهم دليل على أنهم هم الذين يستحقونه، وهو مصلحة لهم، ونفعه يعود إليهم ولكن الله تعالى يحبسه لمصلحة أهم وأقوى، أو مساوية عائدة إليهم أيضاً..

ولذلك قال «عليه السلام»: «فاجعل ذلك لما هو خير». أي أنه يريد أن يكون الخيار الآخر ليس مساوياً لمصلحة النصر، بل يزيد عليها..

6 - ولكن هذا التعويض عن النصر إنما يرتبط بأهل الحق والدين.. ويعود نفعه إليهم، أما الأشرار، فليس المطلوب هو صرف النظر عنهم، ليعودوا إلى الأمان والسلام والدعة، بل لا بد أن ينالوا جزاء أعمالهم. ولذا قال «عليه السلام»: واختم لنا من هؤلاء الظالمين.

7 - الفقرة الأخيرة التي تطلب من الله تعالى أن يحكم بين الحسين «عليه السلام» وأهل بيته وأصحابه، وبين قوم قد دعوهم ليكونوا أنصاراً لهم ، فغدروا بهم وقتلوهم..

وهذا.. من أقبح الغدر وأرذله، فإن الحسين وأهل بيته لم يكونوا أعداء هؤلاء القوم، ثم أعطوهم الأمان، ثم غدروا بهم.

نعم، ليس الأمر كذلك، لأن المفروض: أن المبادرة قد جاءت من أولئك الغادرين، لمن يفترض أن تكون علاقتهم بهم أقوى من علاقة

المحبة والمودة والولاء، لتصل إلى درجة التقديس، والاستسلام المطلق لإرادتهم، والتفاني في خدمتهم.. فما بالهم يغدرون بهم، ويبادرون إلى قتلهم؟!

8 - يلاحظ أنه «عليه السلام» لم يصفهم هنا بالغدر، لكي لا يُدَّعَى أن هذا من مفردات الشتيمة، ولكنه وصف عملهم، الذي لا ينطبق عليه غير وصف الغدر بأبشع وأقبح وجوهه وحالاته.

9 - ويلاحظ هنا أيضاً: أنه «عليه السلام» لم يسم أحداً، ولم يشر بصورة مباشرة إلى جماعة بعينها ، بل استفاد من كلمة «قوم» بصيغة التنكير، فلم يقل مثلا : «هؤلاء القوم»، أو نحو ذلك.

لنا فيكم دم يا بني أسد:

وتقدم في الرواية رقم [2]: أن الإمام الباقر «عليه السلام» قال لعقبة بن بشير الأسدي: إن لنا فيكم يا بني أسد دماً..

فاستغرب عقبة هذا، قائلاً: فما ذنبي أنا في ذلك؟! الخ..

ونقول:

1 - إن الإمام الباقر «عليه السلام» إنما كلم عقبة بهذه الطريقة ليثير اهتمامه بالأمر، وليصغي بكل جوارحه وأحاسيسه إلى ما سيقوله «عليه السلام» له.. مع أن اللافت هنا أن كلمة الإمام لعقبة ليس فيها أي اتهام له، أو أي إشعار بأنه يعتبره مذنباً.

ولكن عقبة قد تجاوز الحد في فهم كلام الإمام، وفي ردة فعله عليه.. إذ يصح لكل أحد أن يقول لشخص قتل أحد أفراد قبيلته رجلاً:

إن لنا فيكم دماً، وله أن يسمي تلك العشيرة أيضاً..

وهذا لا يعني: أن المخاطب هو المسؤول عن ذلك الدم.

2 - إنه «عليه السلام» لم يحفل باستهجان عقبة بن بشير، بل واصل شرح ما جرى بنفس الأسلوب، فقال: «فهو في حجره، إذ رماه أحدكم يا بني أسد بسهم الخ..» لكي يبقى عقبة في حالة ترقب، وانتباه لكل ما سيقوله له «عليه السلام».

الصلاة على الأطفال:

وجاء في النص المتقدم برقم [4] و [11]: أن الإمام «عليه السلام» قد صلى على طفله الذي استشهد بسهم من الأعداء.

وتصرح الرواية الحادية عشرة : بأن الطفل كان في الرضاع.. وبأن اسمه عبد الله..

فإن صحت هذه الرواية، فإنها تكون من أدلة الصلاة على الميت، حتى لو كان طفلاً في الرضاع.. وهي مسألة موضع بحث وأخذ ورد. وليس هنا موضع بحثها..

لا يكن أهون من فصيل:

وتقدم في الرواية رقم [5]: أنه لما أصاب السهم نحر الطفل، صار الحسين «عليه السلام» يلقي بدمه نحو السماء، ويقول: اللهم لا يكون أهون عليك من فصيل..

وفي رواية اليعقوبي رقم [12]: أنه «عليه السلام» جعل يلطخ

الطفل بدمه ويقول: والله لأنت أكرم على الله من الناقة، ولمحمد أكرم على الله من صالح.

ونقول:

أولاً: بالنسبة لاعتبار عدوان هؤلاء على الرضيع عدواناً على رسول الله «صلى الله عليه وآله» نقول:

لقد كان هدف قوم ثمود من قتل الناقة هو تكذيب صالح، وإسقاط دعوته، فقتلها جرأة عليه، وعلى دينه، وهتك لحرمته، وإبطال لدينه، واقتلاع للخير من جذوره في ذلك المحيط، ليبقى الضلال هو المهيمن، فكان لا بد من مبادلة هذا الفعل بمثله، ومقابلة الشيء بنظيره، جزاءً وفاقاً، فاقتلع الله تبارك وتعالى قوم ثمود من جذورهم، بإنزال العذاب عليهم..

وهؤلاء القوم إنما يريدون قتل الحسين وأهل بيته، وذريته وأصحابه بهدف إبطال ما جاء رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وتقويض نهجة ودينه، ومحو ذكره، وتكذيبه.. فإذا كان العدوان على صالح النبي المبعوث لقوم ثمود، وتكذيبه وإسقاط نهجه ودينه موجباً لنزول العذاب على أولئك القوم جزاء لهم على فعلهم هذا .. مع أن صالحاً إنما كان مكلفاً بإبلاغ الدين إلى قوم ثمود فقط، فإن النبي محمداً «صلى الله عليه وآله»، قد اضطلع بمهمات جميع الأنبياء من لدن آدم «عليه السلام»، وأصبح أمينا على جهودهم، وحافظاً لتضحياتهم، فمقامه عند الله أعظم من مقام صالح، ومهماته أجل وأخطر وأكثر

وأكبر، لأنها تعني للبشرية كلها، لأنه متكفل للأطروحة الإلهية بكل ثقلها وعظمتها واتساعها منذ خلق آدم إلى يوم القيامة..

ثانياً: أما بالنسبة للطفل الشهيد، وأنه أكرم على الله من الناقة، أو لا يكون أهون، فنقول:

1 - إنه «عليه السلام» حين يلطخ الطفل بدمه إنما يريد تجسيد المظلومية بأمور حسّية، لأن الإدراك بواسطة الحواس أعمق، وأظهر من تخيل المعنى من خلال الإخبار عنه بألفاظ تحتاج أكثر من عملية ذهنية لتحويل المعنى من قالب إلى آخر.. ليستقر في الذهن في نهاية المطاف على شكل صورة افتراضية تخيلية، لا تملك إلا القليل من عناصر التأثير المنشود.

2 - إن الناقة بنظر قوم ثمود كانت مجرد حيوان كان يمكن أن يستفيدوا منه، لولا صدور النهي الإلهي عنه، والنهي لا يزيل الرغبة في ذلك، ولكنه يكبح جماح الراغب بمقدار ما يملك من إيمان وتقوى وخشية، فإذا تضاءل هذا الإيمان، وانكمش، فإن الرغبات والشهوات تنطلق لتسرح وتمرح، من دون مراعاة للحدود الشرعية، التي لا ترى لها عصا تحميها بصورة فعليه ومباشرة وإنما هي تؤجل الحساب والمثوبة والعقاب إلى أمد غير واضح المعالم بالنسبة لمن يضعف إيمانه، وتختل تقواه وتهيمن عليه نوازع الشهوات..

3 - أما الطفل، فشأنه أعظم من ذلك، فهو إنسان له جميع الحقوق الإنسانية، وهو محقون كالكبار أيضاً. ولا يمكن قتل الأطفال بدوافع

شهوية، لأن هذا العمل ليس للشهوات فيه مأرب أو مطلب.. وقتلهم مخالف للفطرة، مصادم لمشاعر الرأفة والرحمة الإنسانية.

4 - فإذا كان الأمر كذلك، فإن الطفل لا يمكن أن يكون عند الله أهون من فصيل، وهو أكرم على الله من الناقة بلا ريب، فما معنى أن يطلب الإمام الحسين هذا وذاك في دعائه؟!..

ويمكن أن يجاب:

بأن المطلوب هو تقرير هذا الأمر، والتصريح به على مسامع أولئك القوم، في محاولة لإيقاظ فطرتهم، وإنعاش مشاعرهم، وتحفيز شعورهم الديني، وإثارة المخاوف لديهم من عواقب أعمالهم، ولو على سبيل الاحتمال لأن أضعف الإيمان بالله والخضوع لهيمنة الشهوات، لا يعني انعدام الإيمان. فقرر «عليه السلام» هذه الحقائق، ليعرف الأجيال كلها: بأن التماس هؤلاء للأعذار لا يجديهم، لأن البديهيات والواضحات والأمور الفطرية لا يعذر فيها أحد..

وادّعاء: أن ضعف إيمانهم، وشهواتهم دفعتهم إلى هذه الجرائم مردود عليهم، لأن ذلك ليس من سنخ ما تشتهيه النفوس البشرية، كما أن ضعف الإيمان لا يمكن أن يكون عذرا الأحد، بل هو إدانة صريحة وفاضحة له..

بيني وبينكم كتاب الله:

وتقدم في الحديث رقم [9]: أنه «عليه السلام» أخذ المصحف، ونشره، وجعله على رأسه ونادى: «بيني وبينكم كتاب الله. وجدي

محمد رسول الله «صلى الله عليه وآله» یا قوم بم تستحلون دمي»؟!..

ونقول:

في هذه الفقرة مواضع عديدة لافتة للنظر، نذكر منها:

1 - إنه «عليه السلام» يضع الحدث بطريقة مثيرة، تستوقف الناظر، وتجعله يترقب بعد كل خطوة وحركة ما يليها من خطوات. وأول شيء بدأ به: هو أنه أخذ القرآن، وهذا الأمر لافت في ساحة حرب محتدمة، لا تثمر سوى الجراح، وإزهاق الأرواح. يدعو كل ناظر لهذا المشهد أن يتريث، ويتوقف عن أي نشاط، ويستشرف الحدث، ويدقق فيه.

نعم، هو أمر لافت إذا ما ربط المصحف بالحرب والطعن والضرب، والمصحف له حرمته، وفي الحرب تهتك الحرمات. والمصحف مقدس، وفي الحرب لا تراعي القداسات..

2 - فكانت الخطوة الثانية: أنه «عليه السلام» نشر المصحف، فكان ذلك إيذانا بحدث يأتي بعده، وأن ثمة غرضاً يراد الانتهاء إليه من خلال المصحف بالذات. وإنما يتحقق ذلك بنشره، وتصفح آياته.

3 - ثم وضع المصحف على رأسه في إشارة إلى شرفه وقداسته، وإجلاله وحاكميته والخضوع لأحكامه.

4 - ثم أطلق «عليه السلام» النداء الحافل بالدلالات.. ليقول: بيني وبينكم كتاب الله، فإن هذا النداء:

ألف: يدل على أنه «عليه السلام» واثق من أن كتاب الله يحكم له، ويظهر أنه محق، ومخالفه مبطل، وأنه مظلوم، ومناوئوه ظالمون له.

ب: يدل أيضا على أنه «عليه السلام» يريد أن يستثمر جميع ما يتوفر لديه من وسائل وأدوات إقناعية، ومن القواسم المشتركة بينه وبينهم، ولو كانت موهومة بالنسبة إليهم، فلا أقل من الاستفادة من خلال قاعدة: ألزموهم بما يلزمون به أنفسهم، فهم يدعون أنهم مسلمون، وكتابهم القرآن فهذا القرآن، وقد نشره «عليه السلام» بالفعل، فليرجعوا إليه وليرضوا بحكمه إن كانوا صادقين..

ج: وهناك قسم آخر يزعمون أن لهم صلة به، وهو: أن محمداً «صلى الله عليه وآله» نبيهم، وأن لهم صلة به من حيث هو رسول الله إلى جميع البشر. وهم لا ينكرون أنه رسول إلينا وإليهم أيضاً، ونزيد عليهم أن هذا الرسول هو جدنا ، ونحن أسرته.. فنحن لا نخالف أمره وحكمه، ويفترض أن لا يخالفوا هم أيضاً أمره وحكمه..

د: وتحكيم القرآن والرسول إنما هو للإجابة على سؤال واحد يقول: إن المسلم محقون الدم، فلا يحل قتله إلا بأسباب حددها الله في كتابه ورسوله في كلامه وأحكامه فالسؤال هو عن السبب الذي جعل أولئك القوم يستحلون دم ابن رسول الله «صلى الله عليه وآله»..

هـ: فيلاحظ أنه «عليه السلام» لم يتجاوز في سؤاله هذا المقدار فلم يسأل عن جزاء قتله المسلمين والأبرياء، وأوصياء الأنبياء..

ليقال: إن هذا الكلام فيه تحريض وإثارة لهم بل هو «عليه السلام» لم يسجل عليهم حتى مباشرة القتل بالفعل، بل اكتفى بالسؤال عن سبب استحلالهم، وتجويز هم قتله «عليه السلام»..

وهذا أسلوب فريد ومتميز وهادئ في مواقف حساسة، ومثيرة كهذه، من شأنه أن يعيد التوازن والهدوء إلى الإنسان في مثل هذه الحالات التي يكون فيها في أقصى درجات الهيجان والتوتر..

الفصل الرابع:

شهداء آل عقيل، وآل جعفر..

توطئة وتمهيد:

وبعد أن ذكرنا الشهداء من أبناء الإمام الحسين «عليه السلام» أصبح من الطبيعي ذكر سائر الشهداء من بني هاشم «صلوات الله وسلامه عليهم»..

وهم بحسب وشيجة القرابة خمسة أقسام، وذلك كما يلي:

1 - من هو من ذرية عبد المطلب، وهو خصوص أبي هياج الآتي ذكره.

2 - ذرية عقيل بن أبي طالب.

3 - ذرية جعفر بن أبي طالب.

4 - ذرية الإمام الحسن «عليه السلام».

5 - أبناء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليه السلام»..

وسنبدأ هذا الفصل حديثنا عمن هو من ذرية عبد المطلب، ثم نشرع في ذكر آل عقيل، فنقول:

أبو هياج:

من شهداء يوم عاشوراء (1): أبو هياج، واسمه عبد الله، أو علي بن أبي سفيان بن حارث بن عبد المطلب، وهو صحابي كما ذكر ابن عبد البر والعسقلاني (2). وإن كان ابن مندة قد أنكر ذلك، وقال: لا يصح له صحبة، ولا رؤية (3). وكان قد تزوج رملة بنت أمير المؤمنين «عليه السلام» (4)، وتولى بعض الأعمال في حكومة علي «عليه السلام» (5)، وكان أيضاً قاضياً في بلاد السواد (6).


1) راجع: الطبقات الكبرى الطبقة الخامسة من الصحابة ج 1 ص 477 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 77 والإصابة ج 4 ص 101 وتاريخ مدينة دمشق ج 29 ص 75 وذخائر العقبى ص404. وعن الواقدي في مقتل الحسين

2) الإستيعاب ج 3 ص 59 و (ط دار الجيل) ج 3 ص 885 والإصابة ج 4 ص 101 و 102 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 49 وتاريخ مدينة دمشق ج 29 ص 72 وراجع أنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج 4 ص 302

3) الإصابة ج 4 ص 101 و 102

4) المحبر للبغدادي ص 56 ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 305 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 90 وبحار الأنوار ج 42 ص 92 ومستدرك سفينة البحار ج 4 ص 198 وجمهرة أنساب العرب ص 87 والمجدي في أنساب الطالبيين ص 18 و عن نسب قريش ص 45

5) سنن الترمذي ج 3 ص 366 ح 1049 وسنن أبي داود ج3 ص215 ص366 ح49 ح3218

6) المحلى لابن حزم ج 9 ص 385 والمصنف لابن أبي شيبة ج 5 ص 45

وقد أورد هذه الترجمة صاحب كتاب موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 262. والمصادر الموجودة في الهامش مأخوذة عنه.

لماذا تقدم آل عقيل؟!

وها نحن نبدأ بذكر آل عقيل، ونقدمهم على سائر آل أبي طالب «صلوات الله وسلامه عليهم»، لأن الإمام السجاد - كما ورد في الرواية - قد أظهر ميله إليهم، ومحبته لهم، ورقته عليهم، فظهر أن تقديمهم أمر راجح ، لما فيه من التأسي به «عليه السلام»، والمواساة له ولهم «رضوان الله تعالى عليهم».

فقد روي: أنه قيل للإمام زين العابدين «عليه السلام»:

«ما بالك تميل إلى بني عمك هؤلاء دون آل جعفر»؟!

فأجاب: «إنّي أذكر يومهم مع أبي عبد الله الحسين بن عليّ «عليهما السلام» فأرقّ لهم» (1).

فنجد في الحديث:

1 - أن الإمام «عليه السلام» لم يكن يخفي رقته بآل عقيل، وعطفه عليهم، أكثر مما يظهره عليه السلام» لآل جعفر، بالرغم من أن


1) كامل الزيارات ص 214 ح 307 وبحار الأنوار ج 46 ص 110 ح 4 ومستدرك الوسائل ج 2 ص 466

لأبناء جعفر مقاماً عظيماً عنده «عليه السلام» أيضاً .

2 - إن هذا السلوك لا يمثل بخسأ لحق غيرهم، بل هو وفاء لحقهم، وعمل بالواجب تجاههم.

3 - إن لحن كلام السائل للإمام «عليه السلام» قد يشي بأن هذا منه «عليه السلام» يمثل حيفا على آل جعفر، وانتقاصاً من حقهم وأن ذلك أثار تساؤلات غير محببة لدى بعض الناس..

4 - فجاء جواب الإمام «عليه السلام» يبدد هذه الأوهام المفترضة، بكلمة واحدة، قرر فيها: أن ما يرونه منه تجاه أبناء عقيل ليس تفضلاً، بل هو شعور منطلق من الرقة والرحمة التي يفرضها حجم التي حاقت بهم، ونشأت من وطأة المعاناة والآلام التي أنتجتها تلك المصائب. وهذه مشاعر طبيعية ومشروعة ، وحق مشروع للضحية، فإن من حقه أن يجد من الرحمة والرقة، ما يجبر النقص، ويزيل الألم الذي يعاني منه.

فلا مجال للخلط بين المفاهيم، وتكريس مسارات خاطئة في فهم الأمور.

ونذكر من آل عقيل:

عبد الله بن مسلم بن عقيل:

1 - لمّا قُتِلَ أَصحابُ الحُسَين «عليه السلام» ولم يَبقَ إِلَّا أَهلُ بَيتِهِ، وهُم وُلدُ عَلِيٍّ ووُلدُ جَعفَرٍ، ووُلدُ عَقِيلٍ ووُلدُ الحَسَن، ووُلدُهُ، اجْتَمَعوا ووَدَّعَ بَعضُهُم بَعضاً وعَزَمُوا عَلى الحَربِ. فَأَوَّلُ مَن خَرَجَ مِن أهل بَيْتِهِ عَبدُ اللَّهِ بنُ مُسلِمٍ بن عَقِيلٍ، فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ:

اليَومَ أُلقى مُسلِماً وَهوَ أبي *** وَفِتيَة بادوا عَلى دين النَّبيّ

ليسَ كَقومِ عُرفوا بالكَذبِ *** لكِن خِيارٌ وكِرامُ النَّسَبِ

ثُمَّ حَمَلَ فَقاتَلَ وقتَلَ جَمَاعَة، ثمَّ قُتِلَ (1).

وأم عبد الله هي رقية بنت أمير المؤمنين «عليه السلام».

2 - عن عبد الله بن منصور، عن جعفر بن محمد بن عليّ الحسين، عن أبيه، عن جده [زين العابدين] «عليهم السلام»: بَرَزَ مِن بَعْدِهِ [أَي بَعدِ هِلال بن حَجَاجٍ] عَبدُ اللهِ بنُ مُسلِمٍ بن عَقِيل بن أبي طالِب، وأنشأ يَقولُ:

أقسمتُ لا أقتَلُ إِلَّا حُرًا *** وقد وَجَدتُ المَوتَ شيئاً مُرًا

أكرَهُ أن أدعى جَباناً فرّا *** إنَّ الجَبَانَ مَن عَصى وفرًا

فقتَلَ مِنهُم ثلاثة، ثُمَّ قُتِلَ - رضوانُ اللهِ عَليهِ ورَحمَتُهُ (2).

3 - ثمَّ رَمَى رَجُلٌ مِن أصحابِ عُمَرَ بن سَعدٍ يُقَالُ لَهُ: عَمرُو بنُ صَبِيحٍ عَبدَ اللهِ بنَ مُسلِم بن عَقِيلٍ «رَحِمَهُ اللهُ» بِسَهم، فَوَضَعَ عَبدُ اللَّهِ


1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 26 والفتوح لابن أعثم ج ص 110 وراجع: بحار الأنوار ج 45 ص 32

2) الأمالي للصدوق ص 137 و 138 و (ط مؤسسة البعثة) ص 225 المجلس رقم 30 وروضة الواعظين ص 207 و (منشورات الشريف الرضي) ص 188 من دون إسنادٍ إلى أحدٍ من أهل البيت «عليهم السلام»، وبحار الأنوار ج 44 ص 321 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 170

يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ يَتَّقِيهِ، فأصابَ السَّهمُ كَقَهُ ونَقد إلى جَبِهَتِهِ، فَسَمَّرَهَا بِهِ، فلم يَستَطِع تَحريكها ، ثُمَّ انتَحى عَليهِ آخَرُ بِرُمحِهِ، فَطَعَنَهُ في قلبهِ فَقتَلهُ (1).

وفي نص آخر: إِنَّ عَمرو بن صَبيح الصُّدائِيَّ بَعْدَ أَنْ رَمَى عَبدَ اللَّهِ بنَ مُسلِمٍ بن عَقِيلٍ بِسَهم، فَسَمَّرَ كَفَّهُ بِجَبْهَتِهِ، عَادَ فَرَمَاهُ بِسَهم آخَرَ، فَفَلْقَ قَلْبَهُ (2).

وقيل قتله أسيد [أسد] بن مالك الحضرمي (3).


1) الإرشاد ج 2 ص 107 وإعلام الوری ج 1 ص 265 و (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث) ج 1 ص 465 وراجع: بحار الأنوار ج 45 ص 44 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 287

2) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 366 و 367 عن المصادر التالية تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 447 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 341 والكامل في التاريخ ج 4 ص 74 وفيه «فقتله» بدل «ففلق قلبه»، والأخبار الطوال ص 257 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2628 وفيهما «قتل عبد الله بن مسلم بن عقیل، رماه عمرو بن صبح الصيداوي فصرعه» فقط، والفصول المهمة ص 195 و (ط دار الحديث) ج 2 ص 847 وفيه «عمر بن صبيح الصدامي»، والإرشاد ج 2 ص 107 وإبصار العين ص 90 ونهاية الأرب ج 20 ص 456

3) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 367 عن المصادر التالية تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 469 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 359 والكامل في التاريخ ج 4 ص 93 وفيه «عمرو بن صبيح الصيداوي. وقيل: قتله مالك بن أسيد الحضرمي»، ومقاتل الطالبيين ص 98 والإختصاص ص83 وفيه صدره، وشرح الأخبار ج 3 ص 195 وفيه «عمرو بن الصبيح [الصداني] ويقال: أسد بن مالك»، وبحار الأنوار ج 45 ص32 وتسمية من قتل مع الحسين ص 151 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص76

4 - عن أبي مخنف: بَعَثَ المُختارُ أيضاً عَبدَ اللَّهِ الشَّاكِرِيَّ إِلَى رَجُلٍ مِن جُنَّبِ يُقالُ لَهُ: زيدُ بنُ رُقادٍ [في البلاذري: رقاد الجبني] كانَ يَقولُ: لقد رَمَيتُ فتىً مِنهُم بِسَهم وإنَّهُ لواضِعٌ كَفَّهُ عَلَى جَبْهَتِهِ يَتَّقِي النَّبلَ، فَأَتْبَتُ كَقَهُ في جَبْهَتِهِ، فَمَا اسْتَطَاعَ أن يُزيلَ كَفَّهُ عَن جَبِهَتِهِ.

قالَ أبو مِخنفٍ: فَحَدَّثني أبو عَبْدِ الأعلى الزُّبَيدِيُّ: أَنَّ ذلِكَ الفَتى عَبدُ اللهِ بنُ مُسلِم بن عَقِيلٍ، وأنَّهُ قالَ حَيث أثبت كَفَّهُ فِي جَبْهَتِهِ: اللهُمَّ إِنَّهُم استَقَلونا وَاستَذلُونا، اللهُمَّ فاقتُلهُم كَما قتلونا، وأذِلُّهُم كَمَا اسْتَدَلونا.

ثُمَّ إِنَّهُ رَمَى العُلامَ بِسَهم آخَرَ فَقتَلهُ، فكانَ يَقولُ: جِئْتُهُ مَيِّنَا فَنَزَعتُ سَهمِي الَّذي الذي قتلتُهُ بِهِ مِن جَوفِهِ، فلم أزل أَنَصْنِضْ (1)السَّهم مِن جَبِهَتِهِ حَتَّى نَزَعَتُهُ، وَبَقِيَ النَّصْلُ فِي جَبْهَتِهِ مُثبَتاً ما قدَرتُ عَلى نَزِعِهِ (2).

وقال ابن شهر آشوب: إنه قتل ثمانية وتسعين رجلاً، بثلاث


1) ينضنضه يحركه راجع : النهاية ج 5 ص 72 «نضنض»

2) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 368 عن: تاريخ الأمم والملوك ج6 ص 64 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 535 وأنساب الأشراف ج6 ص406 و 407 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 200 والكامل في التاريخ ج4 ص 243 كلاهما نحوه، وراجع: بحار الأنوار ج 45 ص 375

حملات، ثم قتله عمرو بن صبيح الصيداوي، وأسد بن مالك (1).

ونقول:

لاحظ ما يلى:

1 - إن عمرو بن صبيح كان أحد الذين وطأوا جسد الحسين «عليه السلام» بخيولهم.

2 – تقدم: أن أول من برز بعد الأصحاب من بني هاشم هو علي الأكبر.

3 – يلاحظ: وجود اختلافات وتصحيفات في الأسماء، فراجع المصادر وقارن بينها.

4 - يلاحظ أيضاً: وجود اختلافات بين النصوص المتقدمة، فهل رماه عمرو بن صبيح بسهم فتسمر يده على جبهته، ثم طعنه رجل آخر في قلبه فقتله؟!

أن نفس عمرو بن صبيح عاد فرماه بسهم آخر ففلق قلبه؟! وهل قتله أسيد بن مالك، أو عمرو بن صبيح أو اشتركا معاً في قتله، أو أن الذي قتله هو قادر الجنبي، أو زيد بن رقاد؟!


1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 105 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 254 وراجع: بحار الأنوار ج 45 ص 32 والعوالم الإمام الحسين ص276

وهل قتل من الأعداء ثلاثة ، أو جماعة، أو ثمانية وتسعين رجلا بثلاث حملات؟! وهل..؟! وهل..؟!

جعفر بن عقيل:

عن ابن شهر آشوب: ثُمَّ بَرَزَ جَعْفَرُ بنُ عَقِيلٍ قَائِلاً:

أنَا الغُلامُ الأبطحِيُّ الطّالِبي *** مِن مَعشَر فى هاشِمٍ مِن غالِبِ

ونَحنُ حَقّاً سادَةُ الدَّوائِبِ *** هذا حُسَينُ أطْيَبُ الأطايبِ

فقتَلَ رَجُلينِ، وفي قولٍ: خَمْسَة عَشَرَ فارساً.

قتَلَهُ بِشرُ بنُ سَوْطِ [حَوْطِ] الهَمَدَانِيُّ.

وعند ابن أعثم: أنه خرج بعد عبد الله بن مسلم (1).

وعند أبي الفرج: أن قاتله هو عروة بن عبد الله الخثعمي (2).


1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 105 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 254 وبحار الأنوار ج 45 ص 32 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 276 . وراجع: الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 111 وتسلية المجالس ج2 ص302 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 26 وراجع تاريخ الأمم والملوك جه ص 469 والكامل في التاريخ ج 4 ص 92 وتذكرة الخواص ص 255 والطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 477 وراجع تجارب الأمم ج 2 ص 78

2) مقاتل الطالبيين ص 97 والأمالي للشجري ج 1 ص 171 وبحار الأنوار ج 45 ص 33 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 276 وراجع: الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 477 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 76

وعن حميد بن مسلم: أن قاتله هو عبد الله بن عزرة الخثعمي (1).

أو عبد الله بن عمرو الخثعمي (2).

وفي مصادر أخرى: عبد الله بن عروة الخثعمي (3).

ولعل عزرة مصحف عن عروة، بسبب تشابه رسم الخط. وكان عمره حين استشهد 23 سنة (4).

وورد اسمه في زيارتى الناحية والرجبية.

وهو زوج إحدى بنات أمير المؤمنين «عليه السلام».

عبد الرحمان بن عقيل:

ورد اسمه في زيارتي الناحية والرجبية، وجاء في زيارة الناحية: أن قاتله وراميه هو عمر [أو عمير] بن خالد بن أسد [أسير] الجهني لكن مصادر أخرى تقول: قتله عثمان بن خالد الجهني.

لكن مصادر أخري تقول: قتله عثمان بن خالد الجهني الهمداني (5).


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 447 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 341 ونهاية الأرب ج 20 ص 456 وتذكرة الخواص ص 229

2) تسمية من قتل مع الحسين ص 151

3) الكامل في التاريخ ج 4 ص 75 وأنساب الأشراف ج3 ص406 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 200 والأخبار الطوال ص 257

4) لباب الأنساب ج 1 ص 401

5) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 469 و 447 و (ط الأعلمي) ج4 ص341 والكامل في التاريخ ج 4 ص 74 والفصول المهمة لابن الصباغ (ط النجف) ص 195 و (ط دار الحديث) ج 2 ص 847 وشرح الأخبار ج3 ص 195 وراجع جمهرة أنساب العرب ص 69 والإرشاد ج 2 ص 107 وبحار الأنوار ج 45 ص 44 و 68 وج 98 ص 271 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص287 ومثير الأحزان ص 67 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 50 ومقاتل الطالبيين ص 61 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 254

ويحتمل حصول تصحيف بين عمر، وعثمان.

وفي نص آخر: أن عثمان بن خالد بن أسير الجهني قد اشترك في قتله مع [بشير] بشر [نسر] بن حوط [حرب] [شوط] الهمداني، ثم القابضي (1).

وعند الدينوري: أن قاتله هو عبد الله بن عروة الخثعمي (2).

وقالوا: إن عمره حين استشهاده كان خمسة وثلاثين سنة (3).


1) الأمالي للشجري ج 1 ص 171 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 447 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 341 و 530 والكامل في التاريخ ج 4 ص 74 و 240 وأنساب الأشراف ج 3 ص 406 وج 6 ص 409 و (ط دار التعارف) ج3 ص 200 ومقاتل الطالبيين ص 96 والطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة ن الصحابة) ص 477 وتسمية من قتل مع الحسين ص151 والعبر، وديوان المبتدأ والخبر ج 3 ص 25

2) الأخبار الطوال ص 257 وبغية الطلب ج 6 ص 2628 وفي تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 447 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 341 «عبد الله بن عزرة الخثعمي»

3) لباب الأنساب ج 1 ص 401

وكان متزوجاً خديجة بنت أمير المؤمنين علي «عليه السلام» (1).

وقال ابن شهرآشوب: ثُمَّ بَرَزَ عَبدُ الرَّحمن بنُ عَقِيلٍ وهُوَ يَرْتَجِزُ:

أبي عَقِيلٌ فاعرفوا مَكاني *** مِن هاشِمٍ وهاشِمٌ إخواني

كُهولُ صِدق سادَة الأقرانِ *** هذا حُسَينٌ شامِحُ البُنيان

وسَيِّدُ الشَّيبِ مَعَ الشُّبّان

فَقَتَلَ سَبعَة عَشَرَ فارساً، قتلهُ عُثمانُ بنُ خَالِدٍ الجُهَنِيُّ (2).

عبد الله الأكبر بن عقيل:

وذكروا في جملة شهداء كربلاء: عبد الله الأكبر بن عقيل، ذكر اسمه في الزيارة الرجبية.


1) نسب قريش ص 45 وأنساب الأشراف ج 2 ص 328 و 415 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 2 ص 71 و 194 والمعارف لابن قتيبة ص 205 وفي إعلام الورى ج1 ص397 وبحار الأنوار ج 42 ص 93 ومستدرك سفينة البحار ج 4 ص 316 وج 7 ص 387 «زينب الصغرى»

2) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 105 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص254 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 111 وبحار الأنوار ج 45 ص 33 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 276 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 26 وتسلية المجالس ج 2 ص 303

قالوا: كان عمره حين استشهد ثلاثة وثلاثين عاما (1). قتله عمر بن صبيح (2).

وتسميته بالأكبر تشعر بأن لعقيل عبد الله الأصغر أيضاً.

وكان أيضا زوجاً لإحدى بنات أمير المؤمنين علي «عليه السلام»، واسمها أم هاني (3).

محمد بن أبي سعيد بن عقيل:

وممن استشهد في كربلاء: محمد بن أبي سعيد بن عقيل [أو محمد بن سعيد [الأحول] بن عقيل] وأمه أم ولد. وكان عمره حين


1) ترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد (تحقيق الطباطبائي) ص 76 والطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 477 ومقاتل الطالبيين ص 97 وبحار الأنوار ج 45 ص 33 والمعارف ص204 وراجع: تسمية من قتل مع الحسين ص 151 ولباب الأنساب ج1 ص399 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 469 وجمهرة أنساب العرب ص69 والثقات لابن حبان ج 2 ص 309 ومروج الذهب ج 3 ص 71 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 48 وتذكرة الخواص ص 255 والإرشاد ج 2 ص 125 وشرح الأخبار ج 2 ص 195

2) تذكرة الخواص ص 229

3) نسب قريش ص 45 وراجع إعلام الورى ج 1 ص397 وبحار الأنوار ج 2 ص 93 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 277 ومستدرك سفينة البحار ج 10 ص 120 والمجدي في أنساب الطالبيين ص 18 وراجع مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 254

استشهاده خمسة وعشرين عاما (1). وورد اسمه في زيارتي الناحية والرجبية.

وقد عد البعض أباه من شهداء كربلاء أيضا (2).

ويقال: إن الذي قتل محمد بن أبي سعيد بن عقيل هو لقيط بن ياسر [أو لقيب بن ياسر الجهني] أو ابن ناشر. قتله بنبل في جنبه.

وفي بعض المصادر كالأمالي للشجري: بأن ابن زهير الأزدي شارك لقيطا «لعنه الله» في قتله (3).


1) لباب الأنساب ج 1 ص 402 وراجع مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 106 و 112 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 259 والإختصاص ص 83 وبحار الأنوار ج 45 ص 62 العوالم الإمام الحسين ص 343 ومستدركات علم رجال الحديث ج 5 ص 254 وأنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج3 ص 224 والتنبيه والإشراف ص 263 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك جه ص 340 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 660

2) المجدي في أنساب الطالبيين ص18

3) راجع: المزار الكبير ص 491 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 469 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 359 والكامل في التاريخ ج 4 ص93 والطبقات الكبرى الطبقة الخامسة من الصحابة ) ج 1 ص 477 والأمالي للشجري ج1 ص 171 والفصول المهمة (ط النجف) ص 195 و (ط دار الحديث) ج 2 ص 847 ومقاتل الطالبيين ص 98 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 62 وبحار الأنوار ج 45 ص 33 والإرشاد ج 2 ص 125 وإعلام الورى ج 1 ص476 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 106 و 112 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 254 والإختصاص ص 83 والثقات لابن حبان ج 2 ص 309 وبحار الأنوار ج 45 ص 33 وقاموس الرجال ج 9 ص 29 وإبصار العين ص 91

وقال ابن سعد قتله لقيط الجهني، ورجل من آل أبي لهب لم يسم لنا (1).

وقيل: إنه كان زوجاً لإحدى بنات أمير المؤمنين «عليه السلام» (2).

وقيل: بل كان أبوه زوجاً لإحدى بنات علي عليه السلام (3).

ومن آل عقيل أيضاً:
ومن آل عقيل أيضاً:

وذكر في بعض المصادر أشخاص آخرون من آل عقيل، نذكر منهم:

أحمد بن محمد بن عقيل:

قال العلامة المامقاني «رحمه الله»: «أحمد بن محمد بن عقيل بن أبي طالب «عليه السلام»، وأمه أم ولد، برز يوم الطف وهو


1) راجع: ترجمة الإمام الحسين «عليه السلام» من طبقات ابن سعد ص77 وتاج المواليد ص 108 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 112 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 254

2) نسب قريش ص 46 والمحبر لابن حبيب ص 56 والطبقات الكبرى لابن ص46 سعد ج 8 ص 465 وقاموس الرجال ج 12 ص 336 وتاريخ مدينة دمشق ج 70 ص 37 وإعلام الورى ج 1 ص 397

3) المجدي في أنساب الطالبيين ص 18

يرتجز ويقول:

اليَوْمَ أَتْلُو حَسَبِي وَدِيْنِي *** بصَارم تَحْمِلُهُ يَمِيْنِي

وقتل من القوم جمعاً كثيراً، وجرح آخرين، ثم إنهم تعطفوا عليه من كل جانب فقتلوه، بعدما عقروا فرسه «رضوان الله تعالى عليه» (1).

ولكننا لا ندري لماذا لم نجد له ذكراً في سائر المصادر.

عبد الله بن عقيل:

وذكر ابن قتيبة في جملة من قتل مع الحسين: عبد الله بن عقيل، أحد أولاد مسلم بن عقيل.

قيل: أمه هي الخوصاء بنت حفصة (2).

بقية آل عقيل:

وذكروا أيضاً في شهداء كربلاء:

1 - عون بن عقيل (3).


1) تنقيح المقال ج 1 ص 103 رقم 589 ومستدركات علم رجال الحديث ج 1 ص 459 عنه

2) المعارف لابن قتيبة ص 204

3) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 112 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 259 وتذكرة الخواص ص 255 وأنساب الأشراف ج 3 ص 422 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 224 ونظم درر السمطين ص 218 ومروج الذهب ج3 ص 62

2 - علي بن عقيل (1).

وقالوا: إن عمره كان 38 سنة.

3 - موسى بن عقيل (2).

4 - محمد بن مسلم بن عقيل: قتله أبو مرهم الأزدي، ولقيط بن أياس [ناشر] [ياسر] الجهني (3).

5 - حمزة بن عقيل (4).

6 - جعفر بن محمد بن عقيل (5).


1) ذخيرة الدارين ص 162. وراجع مقاتل الطالبيين ص 98 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 62 وراجع لباب الأنساب ج 1 ص 402 وبحار الأنوار ج 45 ص 33 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 277

2) ذخيرة الدارين 162 وينابيع المودة ج 3 ص 74 ومستدركات علم رجال الحديث ج 8 ص 23 وقاموس الرجال ج 10 ص 288

3) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 428 عن: مقاتل الطالبيين ص97 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 62 وتذكرة الخواص (ط النجف) ص 255 ومقتل الحسين «عليه السلام» للخوارزمي ج 2 ص 48 وكفاية الطالب ص447 والأمالي للصدوق ص 143 الرقم 145 ولباب الأنساب ج 1 ص 335 و 402 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 106 و 112 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 259 وراجع قاموس الرجال ج 9 ص 585 وإبصار العين ص90 وبحار الأنوار ج 45 ص 62 والعوالم الإمام الحسين ص343 ومستدركات علم رجال الحديث ج 5 ص 254

4) المجدي في أنساب الطالبيين ص308

5) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 48 ومقاتل الطالبيين ص 98 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 62 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص112 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 259 وبحار الأنوار ج 45 ص 33 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 277

7 - أبو سعيد بن عقيل (1).

8 - إبراهيم بن مسلم بن عقيل (2).

9 - علي بن مسلم بن عقيل (3).

10 - عبد الرحمن بن مسلم بن عقيل (4).

11 - عبيد الله بن مسلم بن عقيل (5).


1) المجدي في أنساب الطالبيين ص308

2) الأمالي للصدوق ص 143 رقم 145 ومستدركات علم رجال الحديث ج 1 ص 209

3) لباب الأنساب ج 1 ص 335

4) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 428 عن: تاريخ خليفة بن خياط ص179 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 320 ونسب قريش ص 84 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 47 وأنساب الأشراف ج 3 ص 422 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 224 والتنبيه والإشراف ص 263

5) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 428 عن : الإقبال ص 76 وبحار الأنوار ج 45 ص 68 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 337 وفيهما «أبو عبيد الله بن مسلم بن عقيل». وراجع: مثير الأحزان (ط المكتبة الحيدرية) ص 50

12 - أبو عبد الله بن مسلم بن عقيل (1).

ويحتمل أن يكون هذا الأخير كنية لأحد من ذكر باسمه آنفاً. وهذا الاحتمال أت في أبي سعيد بن عقيل المتقدم.

من اختلف فيهم:
من اختلف فيهم:

وممن اختلفت الكلمات حول شهادتهم في كربلاء، وهم من غير إخوة الإمام الحسين «عليه السلام»، نذكر:

محمد بن عقيل:

وقالوا: إن محمد بن عقيل الذي كان متزوجاً إحدى بنات أمير المؤمنين «عليه السلام» (2). قد استشهد في كربلاء (3). رماه لقيط بن ناشر الجهني بسهم، فقتله (4).

ويحتمل: أن يكون ابن عبد الله الأكبر بن عقيل (5).


1) مصباح الزائر ص 281 وبحار الأنوار ج 98، ص 271 وج 45 ص 68

2) بحار الأنوار ج 45 ص 62

3) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 112 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 259 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 343 وتاج المواليد (المجموعة) ص 32. وراجع: أنساب الأشراف ج 2 ص 328 و 414 والأخبار الطوال ص257 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 48

4) الأخبار الطوال ص 257

5) راجع: نسب قريش ص 45 وراجع مقتل الإمام علي لابن أبي الدنيا ص 122 ولباب الأنساب ج 1 ص 334

وقال الذهبي: إن محمد بن عقيل لم يقتل في كربلاء (1).

شهداء آل جعفر:
شهداء آل جعفر:

ونذكر هنا شهداء آل جعفر بن أبي طالب «رضوان الله تعالى عليهم».

غير أننا نشير أولاً إلى ما يلي:

عبد الله بن جعفر في عزاء أولاده:

عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكنود: لمّا بَلَغَ عَبدَ اللَّهِ بنَ جَعْفَرٍ بن أبي طَالِبٍ مَقتَلُ ابنَيهِ مَعَ الحُسَين عليه السلام»، دَخَلَ عَلَيْهِ بَعضُ مَواليهِ وَالنَّاسُ يُعَزُّونَهُ - قال: ولا أظنُّ مَولاهُ ذلِكَ إِلا أَبَا اللّسلاس [في بقية المصادر أبو السلاس] - فقال: هذا ما لقينا، ودَخَلَ عَلينا مِنَ الحُسَينِ!

قالَ: فَحَدَفَهُ عَبدُ اللهِ بنُ جَعفَر بِنَعِلِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا ابْنَ اللخناءِ، أللحُسَين تَقولُ هذا ؟!

وَاللهِ لو شهدتُهُ لأحببتُ ألا أفارقهُ حَتَّى أقتَلَ مَعَهُ.

وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمِمّا يُسَخّي بنَفسي عَنهُما ، ويُهَوِّنُ عَلَيَّ المُصابَ بهما، أَنَّهُما أصيبا مَعَ أخي وابن عَمِّي مُواسِيَين له، صابرين مَعَهُ.

ثُمَّ أَقْبَلَ عَلى جُلسائِهِ، فَقالَ: الحَمدُ للهِ عَلى مَصَرَعِ الحُسَينِ، إِلَّا تَكْن


1) سير أعلام النبلاء ج 3 ص 303

آسَت حُسَينا يَدي، فقد آساهُ وَلدي (1).

لا بد من التذكير:
لا بد من التذكير:

وبعد ذكر هؤلاء الأبرار نود أن نشير إلى أن بعض الأسماء ربما كانت مصحفة عن أسماء أخرى بسبب تشابه الرسم، مع عدم وجود النقط. وربما نسب بعض الرواة الرجل إلى أبيه تارة، وإلى جده الأكثر شهرة أخرى.

فذكرنا للأسماء لا يعني أننا نرى أنها سليمة عن هذا وأمثاله، فليلاحظ ذلك.

ونود هنا أن نذكر بالأسماء التي ذكرتها بعض المصادر القليلة، أو يحتاج اعتمادها إلى المزيد من البحث والتقصي والتمحيص، وهي باختصار شديد كما يلي:

1 - القاسم بن محمد بن جعفر بن أبي طالب

ذكر العلامة المامقاني: أنه خرج إلى الميدان بعد عون بن عبد الله بن جعفر، وقاتل فقتل منهم جمعاً كثيراً، عد بعضهم فارسهم


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 466 و (ط الأعلمي) ص357 والكامل في التاريخ ج 4 ص 89 وجواهر المطالب ج 2 ص 296 والإرشاد ج 2 ص 124 وعن كشف الغمة ج 2 ص 280 والحدائق الوردية ج 1 ص 121 وبحارالأنوار ج 45 ص 122 وموسوعة الإمام الحسين ج4 ص363 و 364 عنهم. والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 390 والغارات للثقفي ج 2 ص 695 والدرجات الرفيعة ص 175

بثمانين، وراجلهم اثني عشر، وأثخن بالجراح، فتعطفوا عليه من كل جانب، فقتلوه (1).

2 - عبيد الله بن عبد الله بن جعفر:

قال أبو الفرج: أمه الخوصاء بنت حفصة، ذكر يحيى بن الحسن العلوي، فيما حدثني به أحمد بن سعيد عنه: أنه قتل بالطف «رضوان الله عليه وصلواته على الحسين وآله» (2).

3 - عبد الله بن عبد الله بن جعفر:

قالوا: إنه من شهداء يوم عاشوراء (3). ويحتمل أن يكون هذا هو نفس سابقه، وقد صحف أحدهما بالآخر بسبب تشابه الرسم بين كلمتي عبد الله، وعبيد الله.

4 - إبراهيم بن جعفر:

قالوا: إنه استشهد يوم عاشوراء (4).


1) تنقيح المقال ج 2 ص 24 رقم 9610 . وراجع: أعيان الشيعة ج 3 ص 216

2) مقاتل الطالبيين ص 96 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 61 وكفاية الطالب ص 446 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 48

3) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 106 و 112 و (ط الأعلمي) ج 3 ص 254 و 259 ومستدركات علم رجال الحديث ج 5 ص 50

4) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 49

5 - الحسين بن عبد الله بن جعفر:

قالوا عنه: إنه استشهد يوم عاشوراء (1).

وبعدما تقدم نقول: إن ما ذكرناه آنفاً يبقى بعضه موضع أخذ ورد، وبعضه الآخر، يحتمل فيه الغلط، والتصحيف، وموارد كهذه قد لا يتيسر تحصيل اليقين بصحتها إلا في القليل منها.

وحيث لا تتوفر لنا معلومات تفصيلية يمكن الاستفادة منها في أخذ العبرة، واقتناص الفكرة، فإننا نصرف النظر عن التصدي للبحث والتقصي عنها في هذا الكتاب على الأقل..

6 - محمد بن عبد الله بن جعفر:

قالوا: ثم برز محمد بن عبد الله بن جعفر، وهو ينشد:

أشكو إلى اللهِ مِنْ العُدْوَانِ *** فِعَالَ قَوْمٍ في الرَدَى عُمْيَان

قدْ بَدَّلُوا مَعَالِمَ القُرْآن *** وَمُحْكَمَ التنزيل والتَّبْيَان

وأظهَرُوا الكُفْرَ مَعَ الطُغْيَانِ

فقتل عشرة أنفس. قتله عامر بن نهشل التميمي (2).


1) نسب قريش ص 83 وجمهرة أنساب العرب ص 68

2) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 106 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 254 وبحار الأنوار ج 45 ص 34 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص277 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 111 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 26 ج5 وإبصار العين ص77 وفي تسلية المجالس ج 2 ص 303: أنه قتل عشرة أنفس وراجع مروج الذهب ج 3 ص 62 والعبر في خبر من غبر ج1 ص 66 ومرآة الجنان ج 1 ص 106

وقد ورد اسمه في زيارتي الناحية والرجبية. وجاء في زيارة الناحية:

«السلام على محمد بن عبد الله بن جعفر الشاهد مكان أبيه، والتالي لأخيه وواقيه ببدنه. لعن الله قاتله عامر بن نهشل التميمي» (1).

وقد ذكر استشهاده «رحمه الله» في العديد من المصادر (2).


1) راجع: المزار لابن المشهدي ص 491 وإقبال الأعمال لابن طاووس ج3 ص 76 وبحار الأنوار ج 45 ص 68 و ج 8 9 ص 271 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 337 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 200

2) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 469 و 447 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 341 وأنساب الأشراف ج 3 ص 406 والطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 477 والإرشاد ج 2 ص 107 وإعلام الورى ج 1 ص 465 وبحار الأنوار ج 45 ص 44 و 34 و 62 والعوالم، الإمام الحسين ص44 ج17 ص 277 و 343. وراجع: جمهرة أنساب العرب ص 68 والكامل في التاريخ ج 4 ص 92 و مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 112 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 259 وقاموس الرجال ج 9 ص 366 والأبواب (رجال الطوسي) ص 105 ورجال ابن داود ص 175 وقاموس الرجال ج9 ص 366 وتجارب الأمم ج 2 ص 78 و الفصول المهمة ج 2 ص 846

الرجز عميق في مضمونه ومغزاه:

ونلاحظ هنا:

أن الرجز الذي أنشده محمد بن عبد الله بن جعفر يستحق البحث والتأمل، لأخذ العبرة والفكرة، فنلاحظ:

1 - إنه «رحمه الله» أشار إلى أهم العوامل التي أفرزت هذا العدوان، وشجعت المعتدين على هذه الممارسات القبيحة والبشعة، وهي ثلاثة عوامل:

الأول: أن معالم القرآن كانت قد بدلت وحصل التلاعب فيها.. وتبع ذلك تبديل ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله» في إيضاح وترسيخ تلك المعالم.

ونتيجة لذلك، فقد كثير من الناس منطلقاتهم الفكرية، واختلط الحق بالباطل، وتمكن أصحاب الأهواء، والمآرب الدنيئة من التسلل إلى مختلف جهات ومناحي حياة الناس، والعبث بضوابطها وبمكوناتها، وتبديد إمكاناتها.

ولذلك قال محمد بن جعفر في رجزه:

قدْ بَدَّلُوا مَعَالِمَ القُرآن *** وَمُحْكَمَ التَّنْزيل والتّبْيَان

الثاني: إن ذلك قد جعل الكثيرين أيضاً يألفون الانحرافات ويسعون للتفلت من مختلف الالتزامات، والتجاهر بأعظم الموبقات والمنكرات، بعد أن تتلاشى بشاعته وقباحته في نظرهم. فلم يعد بنظرهم حتى الكفر الصريح والقبيح من الأعمال المشينة المهينة،

فتظاهروا به وربما اعتبره بعضهم من مفاخره ومآثره..

وطبيعي: أن يبادر ضعفاء الدين إلى ترويج الكفر، والمبالغة في الانكباب على القبائح، وترويج سوق الانحرافات والموبقات، لكي يكثر روادها، والراغبون فيها، والعاكفون عليها. ولذلك قال محمد بن جعفر رجزه: «وأظهروا الكفر».

الثالث: أشار «رحمه الله» إلى التبدل النفسي العميق الذي يحدثه الشعور بالتحرر من السلطة الإلهية، والتخلي عن الالتزامات الدينية والأخلاقية، لتكون الأنانية، والأهواء، والتزيينات الشيطانية هي البديل.

وفي مثل هذا الحال ستكون العواقب وخيمة إلى أبعد الحدود، وسوف لا تقتصر الأضرار على شخص، أو على جهة، أو في دائرة محدودة، بل قد يعم البلاء، وتتوالى الكوارث، وربما تنال آثارها البشرية جمعاء. حين يدفع طغيان النفوس، والاستكبار، إلى استئصال الأخلاق والقيم، وكل معاني الخير باستئصال الهداة إليها من العلماء الأتقياء، والأئمة والأولياء، وحتى الأنبياء.

وهذا ما أشار إليه محمد بن عبد الله بن جعفر بقوله: «وأظهروا الكفر مع الطغيان».

الشاهد مكان أبيه:

1 - وقد ورد في زيارة الناحية المروية - فيما يبدو - عن الإمام العسكري «عليه السلام»، لا عن الإمام الحجة «عليه السلام»، لأنها حددت لنفسها تاريخ صدور يسبق سنة ولادة الإمام المهدي «عليه

السلام» بثلاث سنوات وهو سنة 252 هـ (1). وإنما ولد «عليه السلام» سنة 255 هـ.

وقد بدأ الأئمة «عليهم السلام» بتعويد الناس وتهيئتهم لغيبة الإمام المهدي «عليه السلام» في عهود الأئمة الذين سبقوه، ومنهم الإمامان الهادي والعسكري «عليهماالسلام».

2 - ورد فيها - أي في زيارة الناحية - قوله: «السلام علی محمد بن عبد الله بن جعفر الشاهد مكان أبيه». وهذا كما تقدم في بعض أجزاء هذا الكتاب يدلنا على أن عبد الله بن جعفر معذور في عدم حضوره مع الحسين «عليه السلام» إلى كربلاء، وأنه قد انتدب ولده ليذهب إلى كربلاء عوضاً عنه.

3 - وجاء في زيارة الناحية قوله عن محمد بن عبد الله بن جعفر: التالي لأخيه، وواقيه ببدنه. والمراد به أخوه عون - حسب الظاهر - وكان محمد يقي أخاه أو يقي الحسين عليه السلام» ببدنه.. وهذا غاية التضحية والبذل، ومن أعظم الجهاد في سبيل الله.

7 - عون بن عبد الله بن جعفر

1 - وقالوا: خرج من بعده أي من بعد محمد بن عبد الله بن جعفر، عون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، فحمل وهو يقول:

إنْ تُنْكِرُونِي فَأَنَا ابْنُ جَعْفَر *** شَهيدِ صِدْق في الجِنَان أزْهَر


1) راجع: بحار الأنوار ج 98 ص 269

يَطِيرُ فيها بجَناح أخْضَر *** كَفى بهذا شَرَفاً في المحشَر

فقاتل حتى قتل قيل: قتله عبد الله بن قطبة الطائي [وعند ابن شهرآشوب وأبي الفرج: قطنة] الطائي، ثم النبهاني (1).

2 - عند ابن شهر آشوب: فقتل ثلاثة فوارس، وثمانية عشر ر اجلاً (2).


1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 27 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص111 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 106 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص254 وبحار الأنوار ج 45 ص 34 و 44 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 277 و 287 وراجع أيضاً المصادر التالية : مقاتل الطالبيين ص 95 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 60 و 83 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 447 و 468 والإرشاد ج 2 ص 107 ومثير الأحزان ص 67 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 50 والأمالي للشجري ج 1 ص 171 والفصول المهمة ص 195 والكامل في التاريخ ج 4 ص 92 و 74 والطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 477 وإبصار العين ص 76 والأبواب (رجال الطوسي) ص 102 وخلاصة الأقوال ص 223 ورجال ابن داود ص148 وأنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج 3 ص 200 وإعلام الورى ج 1 ص 465 و 476 والدر النظيم ص 555 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 846 ونهاية الأرب ج 20 ص 456 ومروج الذهب ج 3 ص62 والعبر في خبر من غبر ج 1 ص 66 ومرآة الجنان ج 1 ص 106 والمحاضرات والمحاورات ص 404

2) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 106 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 254 وبحار الأنوار ج 45 ص 34 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص277 وراجع تسلية المجالس ج 2 ص 302 ففيه : أنه قتل ثمانية عشر رجلاً

3 - وعند أبي الفرج أمه زينب العقيلة بنت علي بنت أبي طالب، وأمها فاطمة بنت رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وإياه عنى سليمان بن قتة بقوله:

وانْدُبي إِنْ بَكَيْتِ عَوْناً أَخَاهُ *** ليْسَ فِيمَا يَنْوْبُهُم بِخَدُول

فلعَمْري لقدْ أصَبْتَ ذوي القُرْ *** بَى فَبَكَى عَلَى المُصَابِ

وذكر الفضيل بن الزبير: أن أم عون هي جمانة بنت المسيب بن نجبة الفزاري (1).

وتقدم: أنها أم عون الأصغر.

هل استشهد هؤلاء في عاشوراء؟!:
هل استشهد هؤلاء في عاشوراء؟!:

ومن آل جعفر الذين اختلف في استشهادهم في عاشوراء نذكر:

(1) مقاتل الطالبيين ص 95 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 60


1) تسمية من قتل مع الحسين «عليه السلام» ص 150. وراجع: مقاتل الطالبيين (ط المكتبة الحيدرية) ص 60 والثقات لابن حبان ج 2 ص 311 والكامل في التاريخ ج 4 ص 92 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 359 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 846 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 676

1 - أبو بكر بن عبد الله بن جعفر:

1 - أبو بكر بن عبد الله بن جعفر (1):

وفي بعض المصادر أن أبا بكر هذا قتل يوم الحرة (2).. ويحتمل أن يكون أبو بكر كنية لأحد من تقدم أو سيأتي ذكره..

وسنرى: أن عوناً الأصغر، ابن عبد الله بن جعفر قد استشهد في واقعة الحرة أيضاً - فهل يكون هو نفسه أبا بكر هذا؟!

2 - عون الأصغر، ابن عبد الله بن جعفر:

2 - عون الأصغر، ابن عبد الله بن جعفر (3):

وأمه جمانة بنت المسيب بن نجبة الفزاري. وقد قيل: إن الأصغر قتل يوم الحرة (4). أما عون الأكبر ابن عبد الله بن جعفر، وأمه زينب بنت أمير المؤمنين وفاطمة، فهو الذي استشهد مع الحسين «عليه السلام» يوم عاشوراء.


1) أنساب الأشراف ج 2 ص 325 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 200 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 15 ص 237 والنزاع والتخاصم ص 39

2) مقاتل الطالبيين ص 122 و (ط المكتبة الحيدرية) ص82 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج 3 ص 1431 وجمهرة أنساب العرب ص 68 وأسد الغابة ج 4 ص 398 ونهاية الأرب ج 20 ص 494

3) نسب قريش ص 83 وجمهرة أنساب العرب ص 68 وتسمية من قتل مع الحسين ص 150

4) أنساب الأشراف ج 2 ص 68 و (ط دار التعارف) ج 2 ص 68 والمجدي في أنساب الطالبيين ص 297 ومقاتل الطالبيين (ط المكتبة الحيدرية) ص83 ومستدركات علم رجال الحديث ج 4 ص 502 وج 6 ص 143

3 - عون بن جعفر:

3 - عون بن جعفر (1):

قيل: إنه قتل بتستر (2). ويقال: إنه قتل بصفين (3).

4 - محمد بن جعفر (4):

عدّ في شهداء يوم عاشوراء.

وفي بعض المصادر: محمد الأصغر (5).

وقيل: قتل بتستر (6).


1) المجدي في أنساب الطالبيين ص 296 ولباب الأنساب ج 1 ص 361 وعمدة الطالب ص 36 والدرجات الرفيعة ص 184 ومستدركات علم رجال الحديث ج 6 ص142 وأنساب الأشراف ج 2 ص 299 و (ط الأعلمي) ج2 ص322 بلفظ: قيل

2) أنساب الأشراف ج 2 ص 299 و (ط الأعلمي) ج 2 ص 322 و 44 والإصابة ج 4 ص 419 و (ط دار الكتب العلمية) ج 4 ص 619 وذخائر العقبي ص367 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج 3 ص 1247 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 106 والمعارف لابن قنيية ص 206 والتحفة اللطيفة ج 2 ص 363 وفي الدرجات الرفيعة ص 184 بشوشتر

3) أنساب الأشراف ج 2 ص 299 و (ط الأعلمي) ج 2 ص 322

4) أنساب الأشراف ج 2 ص 299 و (ط الأعلمي) ج 2 ص 322 وراجع: رجال ابن داود ص167

5) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 49 والمجدي في أنساب الطالبيين ص296 وعمدة الطالب ص 36 ومروج الذهب ج 2 ص 300 وأعيان الشيعة ج 4 ص 119

6) أنساب الأشراف ج 2 ص 299 و (ط الأعلمي) ج 2 ص 322 والمعارف لابن قتيبة ص 206 والإصابة ج 6 ص 7 وذخائر العقبى ص 367

وقيل أيضاً : قتل بصفين (1).

تم الجزء السابع عشر، ويليه الجزء الثامن عشر.

وقد وقع الفراغ من كتابة هذا الجزء في يوم عرفة سنة 1436هـ

والحمد لله، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين..


1) أنساب الأشراف ج 2 ص 299 و (ط الأعلمي) ج 2 ص 322 ولباب الأنساب ج 1 ص 361

الفهارس

الفهارس

1 - الفهرس الإجمالي

2 - الفهرس التفصيلي

الفهرس الإجمالي:

الباب الثالث: الحملة الأولى، والمبارزات قبلها.. ... 5

الفصل الأول: للتمهيد والبيان.. ... 7

الفصل الثاني: مبارزات في الحملة الأولى.. ... 44

الفصل الثالث: ابن قرظة، ونافع، وبرير الفصل الرابع من شهداء الحملة الأولى.. ... 77

الباب الرابع: من لم تحدد ساعة استشهادهم.. ... 103

الفصل الأول: الشبامي والجابريان، وابن مسروق.. ... 132

الفصل الثاني: ابن القين وأربعة آخرون.. ... 160

الفصل الثالث: سائر شهداء الأصحاب، وأسماء مشكوكة.. ... 190

الباب الخامس: استشهاد بني هاشم.. ... 220

الفصل الأول: علي الأكبر، وليلى في كربلاء.. ... 222

الفصل الثاني: لا سبيل إلى الماء.. ... 265

الفصل الثالث: الأطفال.. الشهداء.. ... 289

الفصل الرابع: شهداء آل عقيل، وآل جعفر.. ... 328

الفهرس الإجمالي: ... 364

الفهرس التفصيلي: ... 366

الفهرس التفصيلي:

الباب الثالث: الحملة الأولى، والمبارزات قبلها.. ... 5

الفصل الأول: للتمهيد والبيان.. ... 7

المبارزات: بأس وإقدام ... 9

من أسباب قوة بأس الأصحاب: ... 11

التنافس على الموت: ... 12

ثارت علينا عصابة: ... 13

حال الحسين «عليه السلام» وحال بعض أصحابه: ... 15

المفسر الإسترآبادي: ... 16

رهبة الموت: ... 17

انظروا لا يبالي بالموت: ... 19

أكلتني السباع حياً إن فارقتك: ... 21

آخر أدعية الإمام «عليه السلام»: ... 24

نظرة عامة في هذا الدعاء: ... 25

يبكون، ويدْعُون، ولا ينصُرون: ... 27

النصر رفرف على رأس الحسين «عليه السلام»: ... 29

سلام الوداع: ... 32

بنو هاشم تأخروا في المبارزات: ... 34

الفصل الثاني: مبارزات في الحملة الأولى.. ... 44

مالك أو أنس الكاهلي: ... 46

الإختلاف فى الأسماء: ... 48

الذين قتلهم الكاهلي: ... 48

للتصحيح والترجيح: ... 49

الكاهلي يمدح قومه، لا نفسه: ... 49

آل علي «عليه السلام» وآل حرب: ... 51

أبو الشعثاء الكندي: ... 52

إختلاف الأسماء: ... 54

هل التحق بالحسين يوم العاشر؟! ... 55

في أول من قتل؟!: ... 56

رد الشروط على الحسين «عليه السلام»: ... 57

اللهم سدد رميته: ... 57

أنيس بن معقل الأصبحي: ... 59

وهب بن وهب: ... 61

لا نوافق العلامة التستري الرأي: ... 65

ابن وهب، أو ابن عبد الله: ... 66

الذين قتلهم وهب: ... 66

التوفيق الإلهي: ... 67

أم تأمر ابنها بالاستشهاد: ... 68

رجاء الشفاعة هو الدافع: ... 69

وضع الجهاد عن النساء: ... 69

أم وهب وابنها مع النبي صلّي الله عليه و آله في الجنة: ... 71

أدرك ثاري: ... 72

إختلافات في الروايات: ... 73

هل قتلت أم وهب؟! ... 74

الفصل الثالث: ابن قرظة، ونافع، وبرير.. ... 77

عمرو بن قرظة الأنصاري: ... 79

تصحیفات: ... 81

دون حسين مهجتي وداري: ... 81

الدفاع عن الحسين بالأجساد: ... 81

عنوان الوفاء: ... 82

فاقرأ رسول الله السلام: ... 83

جرأة وسوء أدب: ... 84

نافع بن هلال: ... 85

الإختلاف في الأسماء: ... 88

ديني على دين حسين وعلي: ... 89

السهام المعلمة: ... 91

ابن سعد يوكل الأمر إلى شمر: ... 92

التفاوت في عدد قتلى نافع: ... 92

بریر بن حضير: ... 93

متى قتل برير ومن قتله؟!: ... 99

التصحيفات والتحريفات: ... 99

توضحیات: ... 100

المصير مرهون بالمعايير: ... 100

المباهلة هي الجواب: ... 102

الفصل الرابع من شهداء الحملة الأولى.. ... 103

برير الرجل الجليل: ... 105

جنادة بن الحارث: ... 106

التصحيفات في الأسماء: ... 108

ماذا في شعر عمرو بن جنادة؟!: ... 109

شاب قتل أبوه: ... 110

ملاحظات مهمة: ... 111

الغفاريان: ... 114

الإختلاف في الأسماء: ... 117

تشابه أرجاز بعض المقاتلين: ... 117

ابن الكدن الأرحبى: ... 117

اختلاف الأسماء: ... 118

جبلة بن عبد الله (علي) الشيباني: ... 119

عمرو بن عبد الله الجندعي: ... 119

أبو عمر النهشلي: ... 120

إختلاف الأسماء: ... 121

يزيد بن نبيط وولداه: ... 121

التصحيفات: ... 122

قعنب بن عمر النمري: ... 122

مسلم بن كثير: ... 122

سالم بن عمرو: ... 123

ربيعة بن خوط: ... 123

عمرو بن ضبيعة: ... 123

أدهم بن أمية: ... 123

جلاس أو حلاس بن عمرو: ... 124

نعمان بن عمرو: ... 124

زاهر: ... 124

زهير بن بشر الخثعمي: ... 124

زهير بن سليم الأزدي: ... 125

سوار بن أبي حمير: ... 125

سيف بن مالك: ... 125

ضرغامة بن مالك: ... 126

عامر بن مسلم ومولاه سالم أو (مسلم): ... 126

عمار بن أبي سلامة الدالاني: ... 126

عمار بن حسان الطائي: ... 127

عمران بن كعب الأنصاري: ... 127

قاسط بن زهير: ... 127

كنانة بن عتيق التغلبي: ... 128

مجمع بن عبد الله العائذي: ... 128

مسعود بن الحجاج: ... 128

نعيم بن عجلان: ... 129

الباب الرابع: من لم تحدد ساعة استشهادهم.. ... 130

الفصل الأول: الشبامي والجابريان، وابن مسروق.. ... 132

بداية: ... 134

حنظلة الشبامي: ... 134

التصحيفات: ... 136

الحسين «عليه السلام» لم يقتل، بل شبه لهم: ... 136

حنظلة الشبامي شبيه الحسين «عليه السلام»: ... 137

أنت أفقه مني: ... 139

هل الجواب مطابق للسؤال؟!: ... 141

حكم الله بيننا وبينهم: ... 144

الأشر والأضر: ... 147

من أين علموا بأن الشبه ألقي على الشبامي؟!: ... 148

الإستدلال الباطل:... 149

الجابريان: ... 151

الإختلاف في الأسماء: ... 152

أي ابني أخي، ما يبكيكما؟!: ... 152

للوجد ثوابه أيضاً: ... 153

نبكي عليك لا على أنفسنا: ... 154

الحجاج بن مسروق: ... 155

ذاك الذي نعرفه وصيا: ... 156

من مات بغير وصية: ... 158

الفصل الثاني: ابن القين وأربعة آخرون.. ... 160

شهادة زهير بن القين: ... 162

الذين قتلهم زهير: ... 165

هيبة الحسين: ... 166

أضربكم ولا أرى من شين: ... 169

أبو ثمامة الصائدي: ... 170

التصحيفات والإختلافات: ... 171

متى قتل أبو ثمامة؟!: ... 172

ماذا في شعر أبي ثمامة؟!: ... 172

شوذب وعابس: ... 173

أمّا لا فَتَقدَّم: ... 177

توضيحات للمحدّث القمي: ... 177

تقدم حتى يحتسبك: ... 178

ما على وجه الأرض أحب إليَّ منك: ... 179

جون مولى أبي ذر: ... 180

إختلاف الأسماء: ... 182

اللون، والحسب، والرائحة: ... 182

جون نموذج الوفاء: ... 184

الغلام التركي: ... 186

الإختلاف في الاسم والنسبة: ... 187

الإفتخار لحظة الموت: ... 187

الفصل الثالث: سائر شهداء الأصحاب، وأسماء مشكوكة ... 190

الذين حضروا كربلاء: ... 192

1 - زيد بن معقل: ... 192

2 و 3 - عمرو بن خالد الأزدي وابنه: ... 193

أسماء أخرى: ... 194

الجهنيون الثلاثة: ... 199

آخر قتيل من الأصحاب: ... 203

الإختلاف في الأسماء: ... 206

أسماء يرتاب الباحث فيها: ... 206

1 - إبراهيم بن الحصين الأسدي: ... 206

2 - يحيى بن هاني بن عروة: ... 207

3 - الموقع (المرقع) بن ثمامة: ... 208

4 - الهفهاف بن المهند: ... 209

5 - الضحاك المشرقي: ... 213

حديث المشرقي مشكوك: ... 215

قتلانا قتلى النبيين، لماذا؟!: ... 217

الباب الخامس: استشهاد بني هاشم.. ... 22

الفصل الأول: علي الأكبر، وليلى في كربلاء.. ... 222

بداية: ... 224

إستشهاد علي الأكبر في النصوص: ... 225

أول شهيد من بني هاشم: ... 235

ما المراد بالأكبر؟!: ... 237

ليلى أمُّ من؟!: ... 242

هل حضرت ليلى كربلاء؟!: ... 244

لم يذكر المؤلفون حضورها: ... 244

منطق تضحية لا منطق دعاء: ... 245

زراعة طريق التفت ريحاناً: ... 248

لا حقيقة لمجنون بني عامر وشعره: ... 251

أم علي الأكبر في كربلاء: ... 253

النص الأول: ... 253

النص الثاني: ... 254

يا ثمرة فؤاداه!!: ... 255

كالشمس الطالعة: ... 257

ملاحظة أخيرة: ... 259

ليلى على قيد الحياة: ... 259

هل لعلي الأكبر عقب؟!: ... 262

الفصل الثاني: لا سبيل إلى الماء.. ... 265

فوارق بين الأرجاز والأشعار: ... 267

ألف: أشعار بني هاشم وأرجازهم: ... 267

ب: أشعار وأرجاز الأصحاب: ... 268

اختلافات في الأسماء والأعداد: ... 269

العطش قد قتلني: ... 271

على الأكبر يعلم بعدم وجود ماء: ... 272

جواب الحسين «عليه السلام»: ... 277

ما يرجوه الحسين «عليه السلام» لولده: ... 282

بشارة علي الأكبر لأبيه: ... 283

الحسين يبدأ بأبنائه، ويختم بهم: ... 283

قطع الله رحمك: ... 284

قرابة الرسول أولى بالرعاية: ... 285

لا يحكم فينا ابن الدعي: ... 286

أبناء الحسين شهداء كربلاء: ... 286

الفصل الثالث: الأطفال.. الشهداء.. ... 289

الصغار من أبناء الحسين «عليه السلام»: ... 291

الإستغاثة الأخيرة، مغزاها ومعناها: ... 301

الحصيلة الأخيرة: ... 308

الصغار أكثر من واحد: ... 309

الحسين «عليه السلام» يرمي الدماء نحو السماء: ... 312

الحسين «عليه السلام» يصب الدم في الأرض: ... 315

حبس النصر من السماء: ... 316

لنا فيكم دم يا بني أسد: ... 319

الصلاة على الأطفال: ... 320

لا يكن أهون من فصيل: ... 320

بيني وبينكم كتاب الله: ... 323

الفصل الرابع: شهداء آل عقيل، وآل جعفر.. ... 328

توطئة وتمهيد: ... 330

أبو هياج: ... 331

لماذا تقدم آل عقيل؟!: ... 332

عبد الله بن مسلم بن عقيل: ... 333

جعفر بن عقيل: ... 338

عبد الرحمان بن عقيل: ... 339

عبد الله الأكبر بن عقيل: ... 341

محمد بن أبي سعيد بن عقيل: ...342

و من آل عقيل أيضاً: ... 344

أحمد بن محمد بن عقيل: ... 344

عبد الله بن عقيل: ... 345

بقية آل عقيل: ... 345

من اختلف فيهم: ... 348

محمد بن عقيل: ... 348

شهداء آل جعفر: ... 349

عبد الله بن جعفر في عزاء أولاده: ... 349

لا بد من التذكير: ... 350

1 - القاسم بن محمد بن جعفر بن أبي طالب: ... 350

2 - عبيد الله بن عبد الله بن جعفر: ...351

3 - عبد الله بن عبد الله بن جعفر: ... 351

4 - إبراهيم بن جعفر: ... 351

5 - الحسين بن عبد الله بن جعفر: ... 352

6 - محمد بن عبد الله بن جعفر ... 352

الرجز عميق في مضمونه ومغزاه: ... 354

الشاهد مكان أبيه: ... 355

7 - عون بن عبد الله بن جعفر: ...356

هل استشهد هؤلاء في عاشوراء؟!: ... 358

1 - أبو بكر بن عبد الله بن جعفر: ... 359

2 - عون الأصغر، ابن عبد الله بن جعفر: ... 359

• عون بن جعفر: ... 360

4 - محمد بن جعفر: ... 360

الفهرس الإجمالي: ... 364

الفهرس التفصيلي: ... 366