سیرة الحسین علیه السلام فی الحدیث و التاریخ جلد 16

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

سيرة الحسين(عليه السلام)

في الحديث والتاريخ..

السيد جعفر مرتضى العاملي

الجزء الحادي والعشرون

المركز الاسلامي للدراسات

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

الطبعة الأولى

2016م - 1437هـ

حاد

المركز الاسلامي للدراسات

لبنان - بيروت - الضاحية الجنوبية - أوّل حي ماضي بناية حجازي - ط 1 - تلفاكس: 00961.1.274519

البريد الالكتروني : alhadi@alhadi.org

المنشورات بيروت - بئر العبد - سنتر الانماء 3 - 0096170995421

اشارة

جميع الحقوق محفوظة للمولف

الطبعة الأولى

2016 م - 1437ه

المركز الاسلامي للدراسات

لبنان - بيروت - الضاحية الجنوبية - أوّل حي ماضي بناية حجازي - ط 1 - تلفاكس: 274519. 1. 00961

البريد الالكتروني: alhadi@alhadi.org

المنشورات بيروت - بئر العبد - سنتر الانماء 3 - 0096170995421

محرر الرقمي: محمّد رادمرد

سِيرة الحُسَين «علیه السلام»

في الحديث والتاريخ..

السيد جعفر مرتضى العاملي

الجزء السادس عشر

المركز الاسلامي للدراسات

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الفصل الرابع: إجراءت وتوجيهات

اشارة

جولة تفقدية للإمام «علیه السلام»:

قالوا:

وخَرجَ «علیه السلام» في جَوفِ الليل إلى خارج الخيام، يتفقد التلاغ والعقبات فَتَبعَهُ نافِعُ، فسأله الحسين «علیه السلام» عمّا أخرجَهُ؟ فقال: يَا ابن رسول اللّه، أفزعني خروجُكَ إلى جهة مُعسكر هذا الطاغي.

فقال الحسين «علیه السلام»: إني خرجتُ أتفقد التلاع والروابي، مخافة أن تكونَ مَكمَناً لِهجُوم الخيل يوم تحملون ويحملون.

ثم رجع «علیه السلام» وهو قابض على يد نافع، وَيَقُولُ: هيَ هِيَ - واللّهِ - وَعدٌ لا خُلفَ فيه.

ثم قال له: ألا تَسلك بَين هَذين الجبلين في جَوفِ الليل، وتنجو بنفسك؟

قوقعَ نَافِعُ على قدميهِ يُقبلهما ويقولُ تكلتني أمي، إن سيفي بألفٍ، وَفرسي مثله، فواللّهِ الذي مَنَّ بِكَ عليَّ لا فارقتُكَ حتى يَكلا عن فري وجري.

ثم دَخلَ الحسين «علیه السلام» خيمة زينب، ووقف نافع بإزاء

الخيمة ينتظره، قسمعَ زينب تقولُ له هَل استعلمت من أصحابك نياتهم ؟ فإني أخشى أن يُسلموك عند الوثبة.

فقال لها: واللّه لقد بلوتُهم، فما وجدتُ فيهم إلا الأشوس الأقعس يَستأنسون بالمنية دوني استيناس الطفل إلى محَالِبَ أُمِّهِ.

قال نافع: فلما سمعتُ هذا منه بكيتُ، وأتيتُ حبيب بن مظاهر، وَحكيتُ ما سمعتُ منه ومن أخته زينب.

قال حبيب: واللّه لولا انتظار أمره لعاجلتهم بسيفي هذه الليلة.

قلت : إني خَلْفتُه عندَ أخته وأظنُ النساءَ أفقنَ، وَشاركنها في الحسرة، فهل لك أن تجمع أصحابك وتواجهوهُنَّ بكلامٍ يُطيِّبُ قلوبَهُنَّ.

فقام حبيب ونادى: يا أصحاب الحمية، وليوث الكريهة.

فتطالعوا من مضاربهم كالأسود الضارية.

فقال لبني هاشم: ارجعوا إلى مقركم، لا سهرت عُيونُكُمْ.

التفت إلى أصحابه، وحكى لهم ما شاهدَهُ وسمعَهُ نافع.

فقالوا بأجمعهم: واللّه الذي مَنَّ عَلينا بهذا الموقف، لولا انتظار أمره لعاجلناهم بسيوفنا الساعة! قطب نفساً، وقرَّ عَيْنا، فجزاهُمْ خيراً وَقال: هَلمّوا معي لنواجه النسوة، ونُطِيبَ خَاطِرَهُنَّ.

فجاءَ حبيب، ومعه أصحابه وَصاحَ يا معشر حرائر رسول اللّهِ، هذه صوارمُ فتيانِكُمْ، آلوا ألا يغمدوها إلا في رقابِ مَنْ يُرِيدُ السوء فيكُمْ، وهذهِ أسنة علمانِكُمْ أَقسَموا ألا يركزوها إلا في صُدُورِ مَنْ يُفرّق ناديكم.

فخرجن النساء إليهم ببكاء وعويل، وقلن: أيها الطيبون، حاموا عن

بناتِ رسول اللّهِ «صلی اللّه علیه وآله»، وحرائر أمير المؤمنين «عليه

السلام».

فضجّ القومُ بالبكاء، حتى كأنَّ الأرض تميد بهم (1).

ونقول:

تصحيح خطأ:

1 - إن هذه الرواية، وإن لم تذكر في مصدر يمكن الاعتماد عليه، ولكننا أحببنا ذكرها، لأن صاحب كتاب الدمعة الساكبة نسبها إلى المفيد «رحمه اللّه»، بالرغم من أننا لم نجدها في كتبه، ولا في غيرها من المصادر المعتبرة.

2 - تكرر في هذه الرواية في مصادرها اسم هلال بن نافع. والصحيح هو: نافع بن هلال، وليس العكس، وقد تم تصحيح النص وفق ما يقتضيه هذا الأمر، فما ورد في هذه الرواية هو من اشتباهات الرواة. وقد تقدم نفس هذا الخطأ في هذا الاسم بالذات في موضع آخر من أحداث كربلاء، وقد نبهنا عليه أيضاً في مورده..

ونافع بن هلال هو من شهداء كربلاء، واسمه مذكور في زيارة الناحية، فراجع.


1) مقتل الحسين للمقرم ص 218 - 219 ومعالي السبطين ج 1 ص344 - 346 والدمعة الساكبة ج 4 ص 273 - 274 بتفاوت.

أهمية هذه الجولة:

فيما يرتبط بأهمية هذا التحرك الحسيني نشير إلى ما يلي:

1 - إن يقين الإمام «علیه السلام»، ويقين من معه، بأنهم سينالون درجة الشهادة في كربلاء بعد ساعات أو أقل أو أكثر، لا يبرر الانكفاء والاستكانة، وعدم التصدي، وبذل الجهد.. فإن ذلك لو حصل لكان من أسباب استسهال المجرمين الإقدام على جرائمهم، لأنهم يتوقعون ممن يظنون أنهم ضعفاء : أن لا تكون لديهم رغبة في المقاومة، وبذلك تصبح الجريمة نهج وطريقة عيش، وتكثر الضحايا، وتشيع الفواحش، وينهار النظام العام.

2 - إن هذا اليقين إذا كان مستنداً إلى أمور غير عادية كالإخبارات الغيبية، أو الرؤيا، أو علم الشاهدية للنبي والإمام. فإن الإمام والنبي لا يتعامل مع الناس انطلاقا من هذه الأمور، بل هو يعاملهم وفقا لمقتضيات الأسباب الظاهرية، المتوفرة له ولهم.

3 - إن هذا الاستسلام، قد يجر ويلات ومصائب لم تكن في نطاق اهتمامات الأعداء، فيزين لهم الشيطان العدوان على الأطفال والسبايا إذا وجدوا أن ذلك سيكون مأمون العواقب.

ولأجل هذا بادر «علیه السلام» إلى تفقد المنطقة كما صرحت به الرواية.

4 - ولو أنه «علیه السلام» وجد أن تلك الروابي والتلاع تصلح مكمنا لهجوم الخيل عليهم، حين انشغاله، وأصحابه بقتال الجيش

العرمرم الذي يواجههم، فقد كان عليه أن يضع من الرقباء، والموانع والعراقيل ما يفشل هجوم تلك الكمائن. وإلا لكان الهجوم من تلك الكمائن قد وقع، واختلط الحابل بالنابل، الأمر الذي من شأنه أن يلحق أضراراً هائلة بأصحابه وأهل بيته وعوائلهم من الأطفال والنساء..

والأهم من ذلك أن هذه البلبلة من شأنها أن تضيع معالم الجريمة التي كان «علیه السلام» يحرص على إظهارها للأجيال بكل دقائقها وجزئياتها، وتفاصيلها.

وقد تأتي هذه الحركة في لحظة خطيرة يتم بها حسم الأمر، وتضيع على الإمام الحسين فرصة الاحتجاج على الأعداء، وتجعله عاجزاً عن التحكم بمسار القتال. فلا يتمكن من نشر الجزئيات والتفاصيل على بساط الزمان الممتد من صلاة الفجر إلى ما بعد العصر.

الشعور بالمسؤولية هو الدافع:

وقد لفت نظرنا: جواب نافع بن هلال للحسين «علیه السلام»، حين سأله عن سبب خروجه في أثره حيث قال أفزعني خروجك إلى جهة معسكر هذا الطاغي.. حيث نفهم :

أولاً: إن هذا يدل على عمق شعور نافع بالمسؤولية عن حفظ حياة إمامه.

ثانياً: إن خروجه هذا وعودته إلى الخيام لم يصادف فيه أحداً من الأعداء في ذهابه وإيابه، مع أن تلك الليلة كانت شديدة الحساسية

بالنسبة للأعداء. وكانوا قد وضعوا جماعات زعموا أنها لحراسة معسكر الحسين «علیه السلام»، وهي في الحقيقة جماعات رصد ومراقبة من قبيل حراسة السجان.سجينه. فكيف لم يفطنوا لخروج الحسين «علیه السلام» وجولته في التلاع والروابي ثم عودته؟! ألا يدل هذا على وجود ثغرات في رصدهم ومراقبتهم؟!

ولا يمكن أن يقدم الحسين «علیه السلام» على ما أقدم عليه لو لم يكن قد كشف مواضع الخلل، واستفاد منها على النحو الأفضل والأمثل.

هي واللّه وعد لا خلف فيه:

وعن قوله «علیه السلام» النافع هي هي - واللّه - وعد لا خلف فيه.

نقول:

1 - الظاهر أن المشار إليه بقوله هي، هو تلك الليلة، وأنها الليلة يستشهد «علیه السلام» في اليوم الذي يليها.

2 - إنه «علیه السلام» يقول هذا الكلام لنافع، وهو يعلم أنه سينقله لأصحابه، من أجل إعداده وإعدادهم إلى هذا الحدث، الذي سيكونون شركاء فيه. لأنه «علیه السلام» يريد أن لا يظن نافع ولا يظن غيره: أن هذا التحرك الذي يقوم به الحسين «علیه السلام» يشير إلى تحول في الأمور، وتبدل في النتائج، وزيادة احتمالات السلامة لهم. وإنما يقوم بما يقوم به «علیه السلام» لمصالح أخرى، وتلبية

لنداء واجب فرضه اللّه تعالى عليه حتى في حال يقينه بالنتائج والنهايات.

ألا تنجو بنفسك؟!:

وبعد أن أكد «علیه السلام» لنافع بن هلال أن هذه هي آخر ليلة، وأن الأمر واقع بعدها لا محالة عرض على نافع: أن يستغل ظلمة الليل، ويسلك بين الجبلين، وينجو بنفسه.

ولعل سبب هذا العرض : أنه «علیه السلام» يريد أن لا يظن من يأتي بعده، أو أن يتوهم أنه «علیه السلام» حين أحل الناس من بيعته حين بلغه خبر استشهاد مسلم بن عقيل، فتفرق عنه جماعة منهم. وكذلك حين عرض على أهل بيته وأصحابه في ليلة العاشر أن يتخذوا ذلك الليل جملا، ويتفرقوا في البلاد، ورغبهم في ذلك وأحلهم من بيعته، فقد كان رفضهم لما عرضه عليهم عن سابق علم، وتصميم، ورضا بالقتل معه، بل كانوا يرون هذا القتل شرفاً لهم، وكرامة.. وقد قالوا بأجمعهم: «واللّه الذي مَنَّ عَلينا بهذا الموقف..» وكانوا مشتاقين إلى هذه الشهادة، حتى إنهم ليستأنسون بالموت دونه استئناس الطفل إلى محالب أمه، كما قال الإمام الحسين «علیه السلام» لأخته زينب «عليها السلام».

هذا هو حالهم في سرهم وفي علانيتهم، ولم يكن أحد منهم قد رضي بالبقاء معه «علیه السلام» حياءً منه، أو حياء من سائر إخوانه، أو خوفاً من أن يتهم بالخوف من الموت، والجبن عن لقاء

الأعداء، أو نسبته إلى مخالفة معنى الرجولة، وتخليه عن منازل الإباء والكرامة.

فها هو «علیه السلام» يعرض على شخص واحد منهم وهو نافع النجاة بنفسه، مع أنه كان هو وإياه، في قلب فلاة من الأرض، وتحت جنح الظلام. ولم يكن معهما من البشر ثالث يراهما أو يسمع كلامهما، أو يمكن أن يراعي نافع جانبه، أو يحاذر من خطرات يمكن أن تعرض له.

فترى أن نافعاً ما استجاب إلى طلبه «علیه السلام»، ولا بادر إلى النجاة، بل وقع على قدمي الإمام، يقبلهما، ويقول: ثكلتني أمي، الخ..

بل لقد صرح نافع في هذه اللحظة بالذات بأنه يعتبر أن وجوده إلى جانبه «علیه السلام» منّة إلهية تستوجب الشكر، وتلزمه بالوفاء.

هذا هو القائد المسؤول:

ويلاحظ أنه «علیه السلام» قد تولى مهمة تفقد التلال والروابي بنفسه، ولم يرسل مبعوثين من قبله للقيام بها. لكي يقدم نموذجاً عن القائد المسؤول، الذي يحتاط لأي احتمال، وإن كان موهوناً.

وربما كان مثل هذا المورد مما تحتشد فيه الاحتمالات التي قد يكون منها: أن أي بعثة في هذا الليل، قد يصيبها نوع من الوهم، يدفعها للاقتصار على ما لا يسمن ولا يغني من جوع، وترجع إليه بما لا يفيده يقينا ولا ظناً، وتبقى الهواجس لديه أو لدى بعض أصحابه قائمة. أما إذا تولى هو نفسه استبراء المنطقة فإنه سيحصل على اليقين،

وسيعيش أصحابه أيضاً حالة السكينة والطمأنينة معه.

الجبلان في كربلاء:

وقد يدور بخلد البعض أن يسأل عن حقيقة وجود جبال في تلك المنطقة. فإذا لم يكن ثمة جبال تصبح الرواية موضع ریب..

ويجاب:

بأن الجبل كما يطلق على أوتاد الأرض، كذلك هو يطلق ويراد به ما يقابل الساحل فيشمل الجبال المتواضعة.. وفي تلك المناطق روابي وتلال، ومنها التل المعروف بتل الزينبية.

فلا يمكن رد الرواية مع وجود هذه الروابي وسواها.

ولو لم يصح إطلاق الجبل عليها على نحو الحقيقة، فإنه يصبح إطلاقه مجازاً على رابيتين بينهما منخفض أمراً مقبولاً، يشعر السالك فيه بالأمن، ويرجو السلامة، لستره بالحاجز الطبيعي، وهو الجبلان أو الربوتان، ولخفائه عن الأنظار بظلام الليل.

لقد بلوتهم:

وقد وصف «علیه السلام» في جوابه لأخته زينب «علیها السلام» عن أصحابه «رحمهم اللّه» بقوله: واللّه، لقد بلوتهم فما وجدت فيهم إلا الأشوس الأقعس، يستأنسون بالمنية دوني استئناس الطفل إلى محالب أمه.

فقد تضمنت هذه الكلمات ما يلي:

1 - إنه «علیه السلام» قد اختبر أصحابه، فنجحوا في الاختبار.

2 - إنه قد اختبرهم فرداً فرداً، كما دل عليه قوله: فما وجدت فيهم إلا الأشوس الخ.. فإنه إنما تحدث عنهم بما هم أفراد، ولم يتحدث عن المجموع بما هو مجموع.

3 - إنه قد رضيهم له أصحاباً بناء على ذلك الاختبار

4 - إن اختباره لهم قد تجاوز أمر الوقوف على حقيقة نياتهم، ليضيف إلى ذلك ثلاثة أمور هي:

الأول: أن كل فرد فرد منهم منحصر أمره وحاله في أنه «أشوس». أي جريء على القتال الشديد، فلا مجال للاستثناء في أحواله، بحيث يمكن أن يخرج عن صفة «الأشوسية» في لحظة ما، أو في حالة من حالاته. وهذه الأشوسية ترجع إلى قوة الجنان، الجرأة القلبية..

الثاني: إن كل فرد منهم متمحض في الأقعسية، وهي متأصلة فيه، وملازمة له في جميع أحواله أيضاً، فلا يصح سلبها عنه في أي حال..

والأقعس: هو الرجل المنيع وذو العز الثابت. وهي صفة تطلق عليه بالاستناد إلى موقعه في الناس، ونظرتهم إليه..

الثالث : إن كل فرد منهم له تعلق خاص بالإمام الحسين «علیه السلام»، ومحبة لا تجارى، وقد بلغ حبهم له حداً: أنهم يستأنسون بالمنية دونه، استئناس الطفل إلى محالب أمه...

5 - فترى أنه «علیه السلام» قد اختبر أصحابه في نواياهم.

واختبرهم في صفاتهم القلبية الكامنة في عمق ذواتهم.

واختبرهم في موقعهم الاجتماعي، الكاشف عن طريقتهم ونهجهم في الحياة.

واختبرهم أيضاً في مشاعرهم، وفي حالاتهم العاطفية.

حفر الخندق ليلة عاشوراء:

1 - قال ابن أعثم والخوارزمي

فلمّا أَيسَ الحُسَينُ «علیه السلام» من القوم، وعَلِمَ أَنَّهُم قاتِلوه، أَقْبَلَ على أَصْحَابِهِ، فَقالَ لأصحابه : قوموا فاحفروا لنا حَفِيرَةً حَوْلَ عَسْكَرِنَا هَذا شبة الخندق، وأججوا فيها ناراً، حَتَّى يَكُونَ قِتالُ هَؤُلاءِ القوم مِن وَجهِ واحِدٍ ؛ فَإِنَّهُم لو قاتلونا وشُغِلْنَا بحربهم لضاعَتِ الحُرَمُ.

قال: فَوَتَبَ القَوْمُ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ، وتَعاونوا وَاحْتَفَرُوا خَندَقًا، ثُمَّ جَمَعُوا التَّوكَ وَالْحَطب، وألقوه في الخندق، وأججوا فيها النّارَ (1).


1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 96 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 248 و 249 وراجع: الأمالي للصدوق ص133 و 134 و (ط مؤسسة البعثة) ص 221 وراجع مطالب السؤول ص 76 وكشف الغمة ج 2 ص 262 وموسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 85 عنهم وراجع: الثاقب في المناقب ص 340 ومدينة المعاجز ج 3 ص 473 وبحار الأنوار ج 44 ص 316 و 317 و ج 45 ص 3 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 166 والدمعة الساكبة ج 4 ص 275 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج8 ص193 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 686 والأخبار الطوال ص256 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2627 و 2628 وأنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج 3 ص 186 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 320 وتجارب الأمم ج 2 ص 76 والكامل في التاريخ ج 4 ص 59 وأعيان الشيعة ج 1 ص 601 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص113.

وأقبل رجل من معسكر عمر بن سعد، يقال له: مالك بن حوزة [جريرة] على فرس له حتى وقف عند الخندق، وجعل ينادي: أبشر يا حسين فقد تلفحك النار في الدنيا قبل الآخرة.

فقال له الحسين «علیه السلام»: كَذِبْتَ يا عَدُوَّ اللَّهِ! إِنِّي قَادِمٌ عَلَى رَبِّ رَحيم، وشفيع مُطاع، وَذَلِكَ جَدّي رَسُولُ اللّهِ «صلی اللّه علیه وآله».

ثمّ قال الحسين : مَنْ هذا الرَّجُلُ؟

فقالوا: هذا مالك بن حوزة.

فقال الحسين «علیه السلام»: اللّهُمَّ حُزْهُ إلى النّار، وأذقهُ حَرَّها في الدُّنْيا قَبْلَ مَصِيرِهِ إِلَى الْآخِرَةِ!

قال: فلم يكن بأسرع أن شبّت به الفرس، فألقته في النار، فاحترق.

قال: فخر الحسين «علیه السلام» اللّه ساجدا مطيعاً، ثمّ رفع رأسه وقال: يا لها مِنْ دَعْوَة ما كانَ أَسْرَعَ إجابتها !

قال: ثمّ رفع الحسين صوته ونادى: اللّهُمُ! إِنَّا أَهْلُ نَبِيِّكَ، وَذُرِّيَّتُهُ

وقرابَتُهُ، فَاقْصِمْ مَنْ ظَلَمَنَا، وَغَصَبَنا حَقْنا، إِنَّكَ سَمِيعٌ مُجيبٌ (1).

2 - وقد صرحت رواية أبي مخنف: بأن حفر الخندق قد حصل ليلة عاشوراء، فقد قال:

وكانَ الحُسَينُ «علیه السلام» أتى بقصَبٍ وحَطب، إلى مَكَانٍ مِن وَرَائِهِم مُنخَفِضْ كَأَنَّهُ ساقِيَة، فَحَفَرُوهُ في ساعَةٍ مِنَ اللَّيلِ، فَجَعَلُوهُ كَالخَندَق، ثُمَّ أَلْقُوا فِيهِ ذلِكَ الحَطَبَ وَالقَصَبَ، وقالوا: إِذا عَدَوا عَلينا فقائلونا ألقينا فيه التار؛ كي لا تُؤتى من ورائنا، وقاتَلنَا القومَ مِن وَجهِ واحِدٍ. ففعلوا. وكانَ لَهُم نافِعا (2).

3 - تقدم في حديث إنشاده «علیه السلام» الأبيات في ليلة العاشر :

يا دَهرُ أفٍّ لكَ مِن خليل***الخ..

فأغمي على السيدة زينب «علیها السلام»، ثم أفاقت، فأعادها إلى المكان الذي كان فيه السجاد «علیه السلام» - تقدم قوله -: فَأَمَرَهُم أَن


1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 96 و 97 وعن نور العين في مشهد الحسين ص43 وراجع مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص214 و 215 ومدينة المعاجز ج 3 ص 478 و 476 وبحار الأنوار ج 45 ص 301 و 302 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 613 و 615 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 518.

2) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 422 و (ط الأعلمي) ج 4 ص320 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 113 وراجع: الكامل في التاريخ ج4 ص 59 و 60 ونهاية الأرب ج 20 ص 438.

يُقرِّبوا بَعض بُيوتِهم مِن بَعض.

وأن يُدخِلُوا الأطناب بَعضَها في بَعض.

وأن يكونوا هُم بَينَ البُيوتِ [في الأخبار الطوال: أمام البيوت] إلا الوَجةَ الَّذي يَأْتيهم مِنهُ عَدُوُّهُم (1).

زاد الدينوري قوله: «وأن يَحفِرُوا مِن وَرَاءِ البُيوتِ أخدوداً، وأن يُضرموا فِيهِ حَطبا وقصَباً كَثِيراً؛ لِئَلا يُؤتَوا مِن أدبار البُيوتِ، فيَدخُلوها»(2).

وذكر هذا المعنى ابن شهر آشوب أيضا (3).

4 - زاد في نص آخر قوله «علیه السلام»: وأمر بحفر الخندق من وراء البيوت، يوضع فيه الحطب، ويلقى عليه النار إذا قاتلهم العدو، كيلا تقتحمه الخيل، فيكون القتال من وجه واحد (4).


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 421 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 319 والكامل في التاريخ ج 4 ص 59 والأخبار الطوال ص 256 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2627 وراجع أنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج3 ص 185 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 111 ونهاية الأرب ج20 ص 436 و 437.

2) الأخبار الطوال ص 256 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2627 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 686.

3) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 99 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 249.

4) راجع: عن تاريخ الأمم والملوك ج 6 ص 240.

ونقول:

حفر الخندق ليلاً:

1 - إن حفر الخندق حول مخيم الإمام الحسين «علیه السلام» قد حصل في ليلة العاشر من المحرم كما دل عليه

أولاً: ما ورد في الرواية عن الإمام زين العابدين «علیه السلام» عن إنشاد الإمام «علیه السلام» الشعر الذي أوله يا دهر أف لك من خليل... وأغمي على السيدة زينب، فإنه «علیه السلام» خرج بعد ذلك مباشرة إلى أصحابه، وأمرهم بحفر الخندق.. وهذا إنما حصل في ليلة العاشر.

ثانياً: تقدم: أن الطبري يروي عن أبي مخنف: بأن حفر الخندق كان في ساعة من الليل.

2 - صرحت رواية الطبري عن أبي مخنف: بأن الهدف من حفر الخندق هو :

أولاً : حفظ النساء من أن تضيع بسبب مهاجمة العدو لهم.

ثانياً : ليكون قتالهم العدو من وجه واحد فلا يتمكن العدو من تطويق المعسكر الحسيني، وتختلط الأمور، ويفقد القائد سيطرته عليها، فيورد العدو ضربته خلال وقت يسير جداً وينتهي الأمر، وتضيع معظم معالم الجريمة.

كما أن ذلك من شأنه أن يضعف من قدرة معسكر أهل الإيمان على النكاية في عدوهم، والحاق الخسائر به فإن مهاجمة العدو لهم

من كل اتجاه، سوف يشتتهم وسيتمكن عدوهم الذي يعد بعشرات الألوف، من أن يفرد لكل فرد منهم مئات من مقاتليه، ليتولوا حصاره، ومهاجمته، وقتله بأسرع ما يمكن.

3 - إن الموضع الذي اختاره الحسين «علیه السلام» للنزول كان إلى جنب منخفض، كأنه ساقية. وأمر أصحابه، فحفروا في ذلك المنخفض بالذات ليصبح شبه الخندق.

4 - إن ذلك المنخفض كان إلى جنب قصباء، أي منبت قصب كثير، فكأن اللّه تعالى قد أنعم عليهم ويسرَّ لهم الأمور بوجود هذا القصب، الذي حشوا به ذلك الخندق، بالإضافة إلى حطب كثير جمعوه من تلك المنطقة..

5 - يلاحظ: أن جماعات العدو التي كانت تتواجد حول بيوت الحسين «علیه السلام» في تلك الليلة لم تعرف بأن أصحاب الحسين «علیه السلام» يحفرون خندقا خلف بيوتهم، ولعل سبب ذلك: أنهم كانوا يترددون في المواضع التي يمكنهم الوصول إليها، ولا يتوغلون بين القصب، ربما خوفا من الكمائن.. أو لأن ظلمة الليل تجعلهم غير قادرين على الدخول إليها، بل إن الخيل لن تستطيع اختراقها بسهولة، بل هي سترتبك في حركتها، إذا صار القصب يضرب وجوهها ويحف بمواضع من جسدها من كل جهة.

فكيف إذا كان ذلك القصب في أرض رخوة، وفيها نزيز المياه الذي يغذي ذلك القصب وغيره من نباتات تحتاج إليه؟!

خلاصة جامعة، أو تكاد:

إذا هناك موانع عديدة استند إليها التخطيط الحسيني.. فهو قد اختار:

ألف: النزول إلى جانب منخفض هو شبه ساقية.

ب: في محيط هذا المنخفض يوجد حقل قصب، وحطب، وشوك، وغير ذلك.

ج: يبدو أن الأرض في هذه المنطقة رخوة، وفيها نزيز ماء.

د: إنه «علیه السلام» قد تصرف في ذلك المنخفض حتى جعله شبه الخندق، وذلك ليلة العاشر ولم يشعر بذلك الأعداء، فاتخذ من الظلمة ساترا لأصحابه، لينجزوا هذا العمل..

ه: إن حفر الخندق كان بسرعة قياسية، هي ساعة من الليل.

و: إنه «علیه السلام» حشا ذلك الخندق بالقصب والحطب، ليضرم فيه النار، حين تبدأ الحرب، لكي لا تقتحمه الخيل.

ز: أمر الأصحاب بتقريب البيوت بعضها إلى بعض.

ح: أمر بجعل أطناب الخيام متشابكة ومتداخلة.

ط: أمر أصحابه بأن يكونوا بين البيوت، أو أمامها.

ي: أبقى «علیه السلام» وجهاً واحداً يكون لقاء العدو فيه إذا هاجمهم.

ك: إنه «علیه السلام» أمر بجعل الشوك في الخندق أيضاً، لأنه

يمنع من تحرك الرجالة بحرية، ويبطئ حركتهم.

اللّهم حرّه (جرّه) إلى النار:

1 - يبقى أن نشير إلى الكرامة التي أظهرها اللّه تعالى للإمام الحسين «علیه السلام»، باستجابة دعائه على الذي تجرأ علىه، واعتبره من أهل النار، مكذبا بذلك ومناقضاً كلمات وأقوال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» في حقه «علیه السلام»، وأنه سيد شباب أهل الجنة.. فتجلى كفر هذا الرجل للعيان، وأصبح مستحقاً لهذا العقاب الأليم، ليكون عبرة لغيره.

2 - هل الحديث الذي ذكره صاحب عيون المعجزات عن عبد اللّه بن جويرة هو نفسه الحديث عن مالك بن حوزة، أو هو حديث آخر؟!

ونجيب:

بأنه لا يمكن الجزم بأنهما حديث واحد، فإن الاختلاف الشديد المضامين، وحتى في الاسم لا يشجع على اعتبار هما قصة واحدة..

على أن من المعلوم: أن هذا النوع من سوء الأدب، قد تكرر مرة ثالثة من قبل الشمر، الذي تجرأ بكلماته الشنيعة على مقام الإمام الحسين نفسه، حين فوجئ بالخندق والنار المشتعلة فيه.. وسيأتي إن شاء اللّه ذكر ذلك عن قريب حين الكلام عما جرى يوم عاشوراء.

3 - إننا لا نبعد إذا قلنا إن ثمة غضباً كان قد هيمن على هؤلاء الطغاة حين واجهوا هذا الأمر، وأدركوا أن خططهم التي وضعوها قد

فشلت حيث كان كل همهم هو أن يحسموا أمر القتال في أسرع وقت ممكن، ربما لأنهم كانوا يخشون من حدوث مفاجآت لا حيلة لهم في دفعها..

فقد اعتادوا على رؤية العجائب والغرائب من البيت الهاشمي ففي حرب بدر كان علي «علیه السلام» هو الفاتح فيها، وكذلك في أحد، وفي حنين مثلا، بالرغم من فرار المسلمين عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» حتى لم يبق معه سوى علي «علیه السلام»، فإنه «علیه السلام» هو الذي جاء بالنصر وحده على المئات والألوف من جيش الأعداء، وإن كان يدعي البعض بقاء بضعة أفراد آخرين مع رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» - ولكن التحقيق أثبت أن أحداً ممن بقي - لو صح أنه قد بقي أحد - لم يكن له أثر قتالي يذكر، بل كانوا يلوذون بالنبي «صلی اللّه علیه وآله»، ويحتمون به، وربما حاول بعضهم منع السيوف من أن تصل إليه «صلی اللّه علیه وآله»..

وقصة قريظة، وذات السلاسل والخندق. والأهم من ذلك ما جرى في خيبر حيث قلع «علیه السلام» باب الحصن، وألقاه بعيداً بعد أن تترس به تشهد على هذه العجائب.. فلعل جيش يزيد كان يتخوف من مفاجآت من هذا القبيل، فكان يريد حسم المعركة في أقصر زمان ممكن.. فلما رأوا الموانع التي هيأها لهم الإمام الحسين «علیه السلام» ثارت ثائرتهم، وصاروا يرشقون الحسين «علیه السلام» وأصحابه بسهام حقدهم وأذاهم.

جواب الحسين لابن حوزة:

إن ما قاله ابن حوزة للإمام الحسين «علیه السلام» لا يعدو كونه كلمات مؤذية أراد أن تكون مستوحاة من الواقع الذي رآه. لكن جواب الحسين «علیه السلام» كان وفق المنطق السليم، الذي لا يحمل معه غير الحق، والهدى، والصدق.

فحين قال «علیه السلام»: كذبت كان صادقاً فيما يقول. فإن الحسين هو سيد شباب أهل الجنة بنص رسول اللّه «صلی اللّه علیه آله»، فكيف تلفحه النار ؟!

وحين قال له: يا عدو اللّه كان صادقاً أيضاً في ذلك، فإنه جاء ليقتل إمامه المنصوص على إمامته من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، معاداة منه للحق الذي جاء من عند اللّه، وكيداً وبغضاً لأهل الحق، ولطالبي الإصلاح في الأمة، ويريد بذلك تكريس حكومة المبطلين، والضالين، والأشرار على الأخيار..

وحين تحدث عن العذاب الأخروي، الذي لا يكون إلا بإذن اللّه، فقد أجابه الحسين «علیه السلام» بأن اللّه تعالى رحيم بمربوبيه، ولا يعذب بالنار من لا ذنب له.. فما بالك بأحبائه وأوليائه؟!

وعلى قاعدة المجاراة مع الطرف الآخر في منطقه يقول «عليه السلام»:

لو فرض أن ما عليه الحسين «علیه السلام» من طهر وطاعة للّه، إن كان لا يكفي لدخوله الجنة والنجاة من النار، وكان بحاجة للشفيع،

فإنه معه شفيعاً مطاعاً، وهو رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».. فهو «علیه السلام» ناج على كل حال إما لاستحقاقه النجاة بنفسه، أو لوجود أعظم الشفعاء له، وهو رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله». هذا عدا أنه يقدم على رحيم يدخله الجنة برحمته وعفوه.

فإن تكلم هؤلاء الأشرار بمنطق العصبيات، فإن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» جد الحسين «علیه السلام»، وليس جداً لأحد منهم..

وإن تكلموا بمنطق الاستحقاق، فإن الحسين «علیه السلام» ليس فقط لا يستحق عذاباً، وإنما هو على رأس أهل الطاعة والانقياد اللّه تعالى والتضحية في سبيله سبحانه

أنا من خير إلى خير:

وقد أضاف في رواية عيون المعجزات قوله: وأنا من خير إلى خير.. والهدف من هذا البيان هو : أن يعرف الأعداء أن الموت قتلا لا يفت في عضده «علیه السلام»، لأنه لا يرى فيه خسارة له، بل هو ينتقل من خير إلى خير، فإن كانوا يريدون تهديده بالموت، فذلك لا يفيدهم شيئاً.

وهذه الحقيقة لا بد أن تخفف من وهج ما يعدونه نصراً لهم على الحسين، وتحرمهم من الفرح بجريمتهم، ومن التشفي بها.

يا لها من دعوة!!:

1 - إن السؤال عن اسم شخص لا يعني أن السائل لا يعرف

اسمه، ولاسيما إذا كان المسؤول عنه معروفاً عند الكثيرين. وعلى هذا، فقد يكون السؤال تقريرياً، وقد يكون توطئة وتمهيداً لأمر آخر له ارتباط بالاسم. كما لو أراد السائل أن يستحضر الاسم ليجعله موضوعاً لحكم يصدره عليه، أو مورداً لدعاء يخصه به، لاستحقاقه له.

والظاهر: أنه «علیه السلام» قد نحى هذا المنحى هنا لكي يوجد لدى سامعيه نحواً من الربط الذهني، والمناسبة بين الاسم، وبين دعائه عليه، فحين قيل :له مالك بن حوزة، أو عبد اللّه بن جويرة قال: اللّهم حزه (أو جره) إلى النار.

2 - إنه «علیه السلام» حسب رواية عيون المعجزات قد رفع يديه نحو السماء حتى رأى الناس بياض إبطيه.. وذلك لتكون حركته هذه دالة دلالة حسية، لا يمكن الريب فيها على أنه «علیه السلام» يدعو على ذلك الرجل.

3 - إن ابن جويرة بدل أن يكف عن بغيه، ويتراجع.. قد تمادى في غيه، وحمل على الإمام «علیه السلام».. وهذا غاية الحمق والخذلان، فقد كان عليه أن يعتبر بمن كانوا يتعرضون لدعاء الأئمة والأولياء والأنبياء، فكان العذاب ينزل عليهم مباشرة.

4 - ثم جاءت استجابة الدعاء المباشرة، لتكون عبرة لذلك الجيش الباغي كله، وحجة عليه، وجعله أمام تناقض وجداني فيما يقدم عليه. ولتكون كرامة إلهية للإمام الحسين «علیه السلام»، ولتزيد في بصيرة

أهل بيته، وأصحابه، وسائر من معه..

ولتدرك الأجيال المتوالية بعدهم الفوارق العميقة بين أهل الحق، وأهل الباطل، وبين أولياء اللّه، وأولياء الشيطان...

5 - وقد جاء سجود الإمام الحسين «علیه السلام» شكراً اللّه، وطاعة وخضوعاً له أمام ذلك الجيش كله ليكون التعبير العملي عن التلذذ بمحبة اللّه سبحانه، وعن الشكر لمواهبه، والامتنان لألطافه الظاهرة والباطنة، ولترسيخ هذا الحدث في أذهانهم.

أما قوله «علیه السلام»: «يا لها من دعوة ما كان أسرع إجابتها» فهو من أجل أن لا يتلهى الناس بما يجري على ذلك الرجل المجرم من مكاره يستحقها. ويعود بهم إلى المسار الطبيعي للأمور، إذ إن ما يجب التركيز عليه، والتأمل فيه، وأخذ العبرة منه، والتفاعل مع مقتضياته هو:

ألف: هذه الاستجابة السريعة لدعاء الإمام الحسين «علیه السلام» على من آذاه...

ب: أن يفكروا بمصيرهم هم أنفسهم، حين يقدمون على ما هو أعظم من الأذى اللساني لهذا الإمام الذي له هذا المقام عند اللّه تعالى. حيث كانوا بصدد قتله، وسبي عياله، والتنكيل، والإجرام في حقه، مما لا يخفى على ذي عينين.

7 - ثم إن الإمام الحسين «علیه السلام» رفع صوته ونادى..

«اللّهم إنَّا أهل نبيك، وذريته، وقرابته، فاقصم من ظلمنا، وغصبنا

حقنا، إنك سميع مجيب».

فهذا دعاء صريح منه «علیه السلام» على من ظلمهم، يورده «علیه السلام» على مسامع كل من حضر بعد استجابة دعائه «علیه السلام» على من آذوه، ولكن لم يؤثر هذا وذاك في ذلك الجيش الذي يعد بعشرات الألوف، ولا حتى في بعض أفراده، لأن اللّه طبع على قلوبهم، حين اختاروا طاعة الشيطان..

خواتیم حاسمة لليلة العاشرة:

ونصل هنا إلى نهايات ما جرى ليلة العاشر، فنجد ما يلي:

روى الصدوق، عن عبد اللّه بن منصور، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده زين العابدين «علیهم السلام»:

إن الحسين «علیه السلام» أمر بحفيرة، فحفرت حول عسكره شبه الخندق.

وأمر فحشيت حطباً.

وأرسل عليا ابنه «علیه السلام» في ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً ليستقوا الماء، وهم على وجل شديد.

وأنشأ الحسين «علیه السلام» يقول:

يا دَهرُ أفٍّ لكَ مِن خليل***كَم لَكَ في الإشراق والأصيل

من طالب وصاحب قتيل***وَالدَّهرُ لا يَقنعُ بالبديل

وإِنَّمَا الأمرُ إلى الجليل***وكُلُّ حَيٍّ سالِكُ السَّبِيل

ثم قال لأصحابه: قوموا فاشربوا من الماء يكن آخر زادكم.

وتوضؤوا.

واغتسلوا.

واغسلوا ثيابكم لتكون أكفانكم.

ثم صلى بهم الفجر.

وعبأهم تعبئة الحرب.

وأمر بحفيرته التي حول عسكره فأضرمت بالنار، ليقاتل القوم من وجه واحد (1).

ونقول:

دلنا هذا النص على أمور مهمة وحل لنا مشكلات، نحتاج إلى حلها، لكي تتضح الصورة، ويسفر الصبح لذي عينين، فلاحظ ما يلي:

الإستسقاء ليلة العاشر:

تقدم: أن العباس رضوان اللّه تعالی علیه» كان في ليلة سابقة قد هاجم الذين وضعهم عمر بن سعد على المشرعة، وكان معه «رضوان اللّه تعالى عليه» جماعة فيهم نافع بن هلال، فجاؤوا


1) الأمالي للصدوق ص 133 و 134 و (ط مؤسسة البعثة) 220 و 221 وبحار الأنوار ج 44 ص 316 و 317 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 165 و 166 ومدينة المعاجز ج 3 ص 473 وعن الدمعة الساكبة ج 4 ص 275.

بالماء..

وهذا النص المروي عن الإمام السجاد «علیه السلام» يصرح: بأن الإمام «علیه السلام» قد أرسل ولده عليا الأكبر، في ثلاثين فارساً، وعشرين راجلاً ليأتوا بالماء. وذلك قبيل الفجر من ليلة العاشر.

ولعل إرسال العشرين من الرجالة مع الفرسان ليتولى الفرسان حماية الرجالة الذين يتولون ملء القرب، لقدرتهم على التحرك في كل اتجاه، ولأن الفرسان هم الأقدر على صد عدوان الذين وضعهم ابن سعد على المشرعة، ويمكنهم مشاغلتهم في لحظة ملئهم للقرب.

لا بد من الحصول على الماء:

وكان الحصول على هذا الماء ضرورياً، لأنهم كانوا بأمس الحاجة إليه، ليتهيأ الأصحاب للمواجهة الحاسمة، وللاستشهاد، الذي أراده «علیه السلام» أن يكون مستوفيا لأعلى المواصفات الشرعية، وأفضل الحالات الإيمانية والنفسية، مع مزيد من الشعور، بالطهر، والصفاء، ومع إقبال مفعم بالرضا والشوق للقاء اللّه سبحانه.. حيث يلاحظ:

1 - أنه «علیه السلام» بهذه الحركة القوية يكون قد وضع أصحابه في أشد اللحظات خطورة في امتحان عملي حاسم وبالغ التأثير، يظهر قدرتهم، وتتجلى فيه جرأتهم على المواجهة لعدوهم الباغي عليهم، والظالم لهم...

2 - يلاحظ أيضاً: أنه «علیه السلام» يعيد ربما للمرة الثالثة، أو

أكثر إنشاد الأبيات التي تذكّر بحال الدهر، وبالسنن الجارية في الناس. وأن الإنسان المؤمن يسلم أمره إلى اللّه تعالى، فيقوم بما يجب عليه، واضعاً الأمور في مواضعها، ويتعامل معها، ويرصد مسارها بوعي، وتدبر وتأمل، مستفيدا من مقارنة الأمور بعضها ببعض، ويضع كل شيء في موضعه الطبيعي، ويتلقاه على ما هو عليه، ومن دون تضخيم أو انتقاص.

ويستفيد من مقارنته المشار إليها الفكرة والعبرة، ولا يتعامل مع الأمور بالانفعال أو بالهوى، أو ما إلى ذلك..

3 - إنه «علیه السلام» قد أمر أصحابه :

أولاً : بالشرب من الماء.

ثانياً : بالوضوء.

ثالثاً : بالغسل .

رابعاً: بغسل ثيابهم، لتكون أكفانهم.

خامساً : إن الحسين «علیه السلام» تحنط هو وجميع أصحابه..

سادساً : إنه «علیه السلام» حين اطلى بالنورة، وكذلك أصحابه قد استفاد من المسك الكثير.. وهذا أمر له آثاره الإيجابية على الجسد وعلى الروح، كما أن له تأثيراته النفسية على كل من يقترب من هؤلاء الصفوة ويشم رائحتهم، وهم أحياء، ولاسيما بعد أن تتناهبهم السيوف، ويتسربلوا بدمائهم، فإن لروائح المسك في هذه الساعات تأثيرها العميق في حين أن من يقترب من أعدائهم وهم أحياء، أو

يقترب من جثث قتلاهم لا يجد إلا روائح جيف، ونتنا يثير الغثيان.

سابعاً: سيأتي أنه «علیه السلام» قد استفاد من الماء ليس فقط في الوضوء والغسل، وغير ذلك، وإنما في عملية الاطلاء بالنورة أيضاً، التي هي زيادة في التطهير، وإزالة للشعر الذي لا حاجة له، ولا يحتاج البدن للاحتفاظ به.

وإن كان يمكن أن يكون الغسل والاطلاء قد حصلا في وقت واحد لأنه «علیه السلام» أراد تطهير أبدانهم، وأرواحهم بهذا الماء الذي حصلوا عليه بجهد جهيد - وعلى وجل شديد - كما صرحت به الرواية...

فظهر: أن هذا التطهير العملي، والإعداد الروحي هو الوظيفة العملية الأهم والمستعجلة لهذا الماء، ولم يكن يريده لمجرد إزالة العطش أو أي حاجة أخرى..

ومن الواضح:

أولاً : إن الوضوء هو إزالة للحدث، الذي هو حالة معنوية، لها ارتباط بالنفس والروح.

ثانياً : إن الغسل المقدم على الموت قتلا أو استشهادا واستعدادا له، واعتباره بديلاً عن غسل الميت له أثره العميق في ترويض النفس على المواجهة العملية لهذا الاستشهاد والتقرب منه خطوة خطوة، وإزالة حالة الخوف والوجل منه.

ولاسيما إذا انضم إلى ذلك التحنط أيضاً، وهو لا يكون إلا

للميت..

ثالثاً : إن توليهم غسل ثيابهم بأيديهم بنية أنها البديل عن أكفانهم، بل لتكون هي الكفن لهم، واهتمامهم بأن تكون نظيفة وطاهرة حين نيلهم درجة الشهادة هو خطوة أخرى على طريق التصفية والتزكية، التي يحصلون عليها بجهدهم هذا..

رابعاً: ونلفت النظر أخيراً: بأن أمر الحسين «علیه السلام» أصحابه بشرب الماء، وأنه سيكون آخر زادهم. يشير إلى نفاد الماء من الخيام منذ تلك اللحظة، أي منذ آخر ليلة العاشر..

ومن الواضح: أن من يبذل جهداً في جو حار كبلاد العراق سرعان ما يجد نفسه بحاجة إلى الماء، ويواجه العطش الذي سيشتد عليه ساعة بعد ساعة.

الإطلاء بالنورة:

1 - قال البلاذري : أمَرَ الحُسَينُ «علیه السلام» بقسطاطٍ فَضُرِبَ، فاطلى فِيهِ بِالتّورَةِ، ثمَّ أَتِيَ بِجَفْنَةٍ أو صَحفَةٍ، فميتَ فيها مِسك، وتَطيَّبَ مِنهُ، ودَخَلَ بُرَيرُ بنُ خُضَير الهمدانِيُّ فاطلى بَعدَهُ، وَمَسَّ مِن ذَلِكَ المِسكِ، وتَحَلَّط الحُسَينُ «علیه السلام» وجَميعُ أصحابه (1).

2 - عن غلام لعبد الرحمن بن عبد ربّه الأنصاري: كُنتُ مَعَ مولاي، فلمّا حَضَرَ النّاسُ وأَقْبَلُوا إلى الحُسَين «علیه السلام»، أَمَرَ


1) أنساب الأشراف ج 3 ص 395 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 187.

الحُسَينُ «علیه السلام» يقسطاطٍ فَضُرِبَ، ثمَّ أَمَرَ بِمِسَكٍ فَمِيتَ فِي جَفْنَةٍ عَظِيمَةٍ أو صَحفَةٍ، قالَ: ثُمَّ دَخَلَ الحُسَينُ «علیه السلام» ذلِكَ الفسطاط، فتطلى بالدّورة.

قالَ: وَمَولايَ عَبدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبدِ رَبِّهِ وَبُرَيرُ بنُ حُضَيْرٍ الهَمَدَانِيُّ عَلَى بَابِ الفُسطاطِ تَحتَكُ مَناكِبُهُما، فَارْدَحَما أَيُّهُما يَطلي عَلى أَتْرِهِ، فَجَعَلَ بُريرٌ يُهازِلُ عَبدَ الرَّحمن، فقالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمنِ: دَعنا، فَوَاللّهِ، ما هذِهِ بساعَةِ باطِلٍ.

فَقَالَ لَهُ بُرَيرٌ : وَاللَّهِ، لقد عَلِمَ قومي أنّي ما أحببتُ الباطِلَ شاباً ولا کهلا، ولكِن - وَاللّهِ - إنِّي لمُستَبشر بما نَحنُ لاقون، وَاللَّهِ، إِنْ بَينَنَا وَبَينَ الحور العين إلا أن يَميلَ هؤلاء عَلينا بأسيافهم، ولوَدِدتُ أنَّهُم قد مالوا عَلينا بأسيافهم.

قال: فلمّا فَرَغَ الحُسَينُ «علیه السلام» دَخَلْنا.فاطلينا.

ثُمَّ إِنَّ الحُسَينَ «علیه السلام» رَكِبَ دابَّتَهُ، ودَعَا بِمُصْحَفٍ، فَوَضَعَهُ أَمامَهُ قالَ: فَاقْتَتَلَ أصحابُهُ بَينَ يَدَيهِ قِتالاً شديداً، فلمّا رَأَيتُ القَوْمَ قد صُر عوا أقلتُ وتَرَكْتُهُم (1).


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 423 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 321وموسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 91 عنه، وعن الكامل في التاريخ ج4 ص 60 والبداية والنهاية ج 8 ص 178 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 193 وفيه يزيد بن حصين وكلاهما نحوه وراجع: الملهوف ص 154 ومثير الأحزان ص 54 و (ط المكتبة الحيدرية) ص39 وأنساب الأشراف ج 3 ص 395 و 396 مع بعض الاختلاف. وأعيان الشيعة ج 3 ص 561 وج 1 ص 601 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص115 وإبصار العين ص 121 ولواعج الأشجان ص 122.

وعند ابن طاووس: «وأمَرَ بِجَفْنَةٍ فيها مِسكٌ كَثِيرٌ، وَجُعِلَ فيها نورَةٌ، ثُمَّ دَخَلَ لِيَطْلِيَ. فَرُوِيَ أَنَّ بُرَيرَ بنَ حُصَين الهمدانِيَّ الخ..» (1). ثم ذكر قصة الممازحة السابقة.

وفي رجال الكشي للشيخ الطوسي: ولقد مَزَحَ حَبِيبُ بنُ مُظَاهِرٍ الأَسَدِيُّ، فَقالَ لَهُ يَزِيدُ بنُ خُضَيرِ الهَمدَانِيُّ (- وكانَ يُقالُ لَهُ: سَيِّدُ القُرّاءِ -:) يا أخي، ليسَ هَذِهِ بِسَاعَةِ ضِحك!

قالَ: فَأَيُّ مَوضع أحَقُّ من هذا بالسُّرور ؟ وَاللَّهِ، مَا هُوَ إِلا أَن تَميلَ عَلينا هذه الطغامُ بسيوفهم، فتُعانِق الحور العين (2).

ونقول:

تذكير:

أولاً : إن برير بن حضير هو سيد القراء في الكوفة، ولا حاجة إلى التذكير بالتصحيف الذي نشهده في كلمتي برير ويزيد، وفي كلمتي


1) الملهوف ص 154 و نشر أنوار الهدى ص 57 وبحار الأنوار ج 45 ص 1 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 245.

2) إختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ج 1 ص 293 وبحار الأنوار ج 45 ص 93 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 334 وقاموس الرجال ج11 ص 98.

حصين وحضير:

ثانياً: لعل حبيب بن مظاهر مازح برير أولاً. ثم مازح برير عبد الرحمان بن عبد ربه.

ثالثاً: قد يقال: إن ظاهر عبارة الرواية المروية عن غلام عبد الرحمان بن عبد ربه أن الإطلاء بالنورة قد حصل في اليوم العاشر، بعد حضور الناس وإقبالهم إلى الحسين «علیه السلام»، إذا كان المراد بالناس هو جيش الأعداء.

غير أننا نستبعد كثيراً أن يأتيه الأعداء لمهاجمته، فيتشاغل بعد مجيئهم بضرب الفسطاط، ثم الإطلاء بالنورة، إذ لو أن الأعداء هاجموه في هذه اللحظات لوقع اللوم عليه، واتهم بالتقصير، بل إن هذه التهمة تلحقه، لو لم يهاجمه الأعداء. ولذا فنحن نرجح أن يكون قد فعل ذلك قبيل الفجر، وقبل مجيء عسكر الأعداء للّهجوم عليه وعلى أصحابه.

الإطلاء بالنورة يحتاج إلى الماء:

قالوا: لا يمكن الاطلاء بالنورة من دون ماء.. والمفروض أن الماء قد منع عن الحسين وأصحابه منذ اليوم السابع من المحرم

وأجابوا :

أولاً : بأن من الممكن التصرف بالنورة بحيث تزيل الشعر من دون أن تحرق موضعها.. فمثلاً: إن خلط الملح بالزاج يولد رطوبة بحيث يصير كالخمير، مع أنهما يابسان في الأصل، كما أن مزج الروح بالنشادر والسليماني يصير الأرض ذائبة مائعة، من دون

حاجة إلى ماء..

كما أن مزج بعض الأجسام ببعضها يولد ناراً..

فلعل مزج المسك بالنورة يجعل النورة تزيل الشعر من دون أن تحرق موضعها (أو لعله أضاف للنورة، أو للمسك شيئاً يؤدي إلى هذه النتيجة).

ثانياً: أجابوا أيضاً: بأن من الممكن أن يكون لدى الحسين وأصحابه مياه آبار تصلح للغسل، والوضوء، وغير ذلك، ولا تصلح للشرب (1).

ثالثاً : قلنا تحت عنوان: «خواتيم حاسمة لليلة العاشر»: إن الرواية عن الشيخ الصدوق، عن الإمام السجاد «علیه السلام» تقول: إنه «علیه السلام» قال لأصحابه قبيل الفجر من ليلة العاشر: قوموا فاشربوا من الماء يكن آخر زادكم.. وهذا يدل على وجود الماء بمقدار ما يشربون، ويتوضأون، و.. و..

رابعاً : إن نفس تلك الرواية عن الإمام السجاد تقول: إنه «علیه السلام» أرسل ولده عليا في ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً ليستقوا الماء، وهم على وجل شديد.

ولا نرى أن المقصود بالوجل هنا هو الخوف من الموت، لمجرد كونه موتاً أو قتلا، بل المراد به الحذر الشديد من انكشاف أمرهم.


1) راجع: كتاب الإمام الحسين وأصحابه ج 1 ص 260.

خامساً: قد يقال: ليس في هذه الرواية أن جميع أصحاب الإمام الحسين «علیه السلام» قد أطلوا ليحتاج إلى ماء كثير..

ونجيب:

بأن العبارة في آخر الرواية تدل على أن الجميع قد أطلى.. ولذا قال ذلك الغلام: «فلما فَرَغَ الحُسَينُ «علیه السلام» دَخَلنا فاطلينا».

إلا أن يكون مراده اطلينا نحن الثلاثة الغلام الذي يروي الحديث، وسيده عبد الرحمان بن عبد ربه، وبرير.

وفي جميع الأحوال نقول:

إن الرواية عن الإمام السجاد أيضاً قد ذكرت أنه «علیه السلام» أمر أصحابه بالوضوء والغسل، وغسل ثيابهم. وهذا يشير إلى أن الماء كان متوفراً بحيث يكفيهم جميعاً.

القسم الخامس: أحداث عاشوراء.

اشارة

الباب الأول: من أحداث يوم عاشوراء..

اشارة

الفصل الأول : في المواجهة.

اشارة

دعاء الحسين صبيحة يوم عاشوراء:

عن علي بن الحسين زين العابدين «علیه السلام» قال: لمّا صَبَّحَتِ الخَيلُ الحُسَينَ «علیه السلام»، [وعند ابن الأثير : فَاقْتَتَلَ أَصحابُهُ بَينَ يَدَيهِ بدل: لمّا صَبَّحَتِ الخَيلُ الحُسَينَ «علیه السلام»] رَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللّهُمَّ أَنتَ ثِقتي في كُلِّ كَرْبٍ، وَرَجائِي فِي كُلِّ شِدَّة، وَأَنْتَ لي في كُلِّ أَمْرِ نَزَلَ بِي ثِقَةٌ وَعُدَّة.

كُمْ مِن هَم يَضْعُفُ مِنهُ الفُؤاد، وَتَقِلُّ فِيهِ الحِيلة، وَيَخْدُلُ فِيهِ الصَّديقِ، وَيَسْمَتُ فِيهِ العَدوُّ، أَنْزَلْتُهُ بك، وشكوتُهُ إِلَيْكَ، رَعْبَةٌ مِنِّي إِلَيْكَ عَمَّنْ سِواكَ، فَفَرَّجْتَهُ وَكَشَفْتَهُ، وَأَنْتَ وَليُّ كُلِّ نِعْمَةٍ، وَصَاحِبُ كُلِّ حَسَنَةٍ، وَمُنْتَهى كُلِّ رَغبَة (1). [ في تاريخ مدينة دمشق : كُلِّ غَايَةٍ].


1) الإرشاد ج 2 ص 96 وبحار الأنوار ج 45 ص 4 وتاريخ الأمم والملوك جه ص 423 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 321 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص217 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص313 ونهاية الأرب ج 20 ص 439 والوافي بالوفيات ج 12 ص 265 والطبقات الكبرى الطبقة الخامسة من الصحابة ج 1 ص 468 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص71 والكامل في التاريخ ج 4 ص 60 وراجع سير أعلام النبلاء ج 3 ص 301 ونظم درر السمطين ص 216 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 115 وإبصار العين ص 32 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 613 وج 12 ص 293 وج 19 ص 415 وج 27 ص 209.

ونقول:

نظرتان ونهجان:

1 - هناك فريق من الناس - وهم الأكثر - يعتمدون في مواجهة الشدائد والأهوال على قدراتهم الذاتية وما يمكن أن يقدموه من جهد، وما أعدوه لها من عتاد وسلاح ومال ورجال، وما إلى ذلك.. وهنا يبرز عامل المقارنة بين ذلك كله، وبين ما يملكه الطرف الآخر للتحدي، وتتبلور لديهم احتمالات الربح والخسارة على هذا الأساس، حيث يكون الحجم المادي المتوفر للقدرات والإمكانات هو الذي يفرض نفسه عليهم، ويكون منطلقهم لبناء تصوراتهم وتقييماتهم، وكثرة الاحتمالات لديهم.

وتبعاً لهذا وذاك، تتبلور لديهم الانفعالات والمشاعر، وتنطلق في مخيلتهم الأوهام، وتعرض لهم الخواطر..

وهناك فريق آخر من الناس، وهم ثلة من الأولين وقليل من الآخرين، ينظرون إلى الأمور بصورة مختلفة، فهم يضعون كل

شؤون الحياة وحالاتها، وتقلباتها، وشدائدها وانفراجاتها، ضمن رؤيتهم للسياق الكوني في مساره العام الذي يجب أن يكون خاضعاً للتدبير الإلهي، فيجعل هؤلاء كل حركتهم ومواقفهم، بل كل وجودهم في دائرة رضاه سبحانه، وفيما ينسجم مع السنن التي وضعها اللّه تعالى، وباتجاه الأهداف التي رسمها. فكان كل همهم هو الوصول إلى

هذه الأهداف في نطاق أوامره وزواجره، ودلالاته، وما يحقق رضاه، فهم على هدى من ربهم، وأولئك هم المفحلون..

2 - ظهر بما أشرنا إليه أن مسار الفريق الأول، قد اختزل كل ما هيأه اللّه تعالى له، ومكنه منه، في شخصه هو كفرد، واختصره وصغره، ووضعه في قمقم أهوائه الذاتية الصغيرة، والمحدودة، والتافهة فكانت أهواؤه، ومصالحه الشخصية هي المحور والمنطلق، وهي الهدف الأقصى، الذي يريد من أجله أن يلج الجمل والجبل في سم الخياط (1).

أما هذا الفريق الثاني، فقد نظر إلى ما سخره اللّه له في هذا الوجود نظرة رحيبة، تضع كل شيء في مواضعه، وفق السنن الإلهية، والهدايات الربانية من دون أن تهمل الجهد الفردي للأشخاص، كما سنرى، بل هي تتبنى هذا الجهد، وتحرص عليه، وتعطيه دوره، وتعترف بقيمته، وحيويته.

وعلى هذا الأساس، ولأجل تأكيد هذه الحقيقة: جاء هذا الدعاء الحسيني في هذه اللحظات بالذات..

مرتكزات النهج الإيماني:

وقد تضمن هذا الدعاء، إشارات إلى مرتكزات نهج أهل الإيمان في نطاق الجهد الإنساني في الدائرة الفردية، والعناصر التي يجب أن


1) سم الخياط: هو خرم الإبرة.

تتوفر له ليكون عملاً مؤثراً ومنتجاً، ومرضياً له تعالى. فنجد أنه «علیه السلام» قد أشار إلى الأمور التالية:

1 - الثقة المطلقة باللّه، ولاسيما في الشدائد والأهوال، واليقين بقدرته على كشف كل كرب، وهذا التعميم غير قابل للتجزئة، ولا يسمح بتخير الحالات ولا أن تقصر عن مداها المطلوب في أية حالة منها. فقد قال «علیه السلام» أنت ثقتي في كل كرب.

حصر الرجاء باللّه تعالى والأمل بتدخله بصورة مباشرة وفعلية، مع امتداد هذا الرجاء وشموله لكل شدة تواجه الإنسان دون استثناء.

مع الإدراك العميق بأن هذا التدخل لا يمكن أن يكون إلا في نطاق التكامل الانساني، وفي الدائرة التي تضمن فيها السعادة للإنسان المؤمن في الدنيا والآخرة.. ولذلك قال «علیه السلام»: ورجائي في كل شدة.

3 - شعور الإنسان المؤمن بأن اللّه سبحانه هو العدة التي يعتمد عليها، فليست عدته هي قدراته الذاتية، وما لديه من قوة في الجسد، وغزارة في العلم، وكثرة في الأموال، والرجال، وحصافة في الرأي، ونشاط في العقل، وما له من نفوذ، أو جاه، أو قدرة على المكر، أو الغدر، وما إلى ذلك مما يتوسل به بعض الناس أو أكثرهم إلى مقاصدهم. ولذلك قال «علیه السلام»: «وَأَنْتَ لي في كُلِّ أَمْرٍ نَزَلَ بي ثِقَةٌ وَعُدَّة».

ثم ذكر «علیه السلام» شواهد مستلة من الواقع العملي، تدلل على هذه الحقيقة وتؤكدها في عمق الوجدان، فقال: «كَمْ مِن هَم يَضعُفُ مِنهُ الفُؤاد، وَتَقِلُّ فِيهِ الحيلة، وَيَخْذُلُ فِيهِ الصَّديقِ، وَيَسْمَتُ فِيهِ العدوُّ، أَنْزَلْتُهُ بِك وَشَكَوتُهُ إِلَيْكَ رَعْبَةٌ مِنِّي إِلَيْكَ عَمَّنْ سِواكَ، فَفَرَّجْتَهُ وَكَشَفْتَهُ».

فترى أنه «علیه السلام»، قد أشار في كلماته هذه إلى أمور ثلاثة، هي:

1 - الضعف الذاتي الكامن في وجود الإنسان، حيث إنه ليس فقط لا يجد لديه ما يقاوم به ذلك الهم، بل يكون هذا الهم من موجبات زيادة الضعف، ويؤكد الشعور بالفشل، وبالهزيمة النفسية أمامه فقال «عليه السلام»: «كَمْ مِن هَم يَصْعُفُ مِنهُ الفُؤاد».

2 - فقدان الوسائل، وغموض الحلول التي تعين على التخلص من ذلك الهم، أو التغلب عليه حتى ما يأتي منها من خارج، بل هو لا يكاد يهتدي إلى تلك الوسائل، حتى لو كان يملك شيئا منها، ولذا قال «علیه السلام»: «وَتَقِلُ فِيهِ الحيلة».

3 - حتى إذا أراد أن يستفيد من قدرات الغير لدفع ذلك الهم، فإنه لا يجد لدى الغير من يبذل له هذه المعونة. بل يجد منهم الصدود والنأي بأنفسهم عن ذلك.. ولا يقتصر هذا الأمر على عامة الناس، بل هو ينسحب على أخص الناس به، وأقربهم منه، وإليه، وهم أصدقاؤه، الذين يرى فيهم مصدر أنس، ويشعر معهم بالرضا والسلام والسلامة.

ولذا قال «علیه السلام» ويخذل فيه الصديق.

ولكنه حين صرف نفسه عن كل ذلك، ولجأ إلى اللّه سبحانه وجعل أمر كشف هذا الهم إليه تعالى، فإن اللّه قد فرجه، وكشفه عنه..

ثم ألمح «علیه السلام» إلى خصوصية كانت هي السبيل، والمحور والسبب لهذه الاستجابة، وذلك حين قال: رغبة مني إليك عمن سواك. فإن هذه الكلمة تعبير عن قطع الأمل، وفقدان الميل إلى التعامل مع كل من عدا اللّه تعالى، بل والعزوف والرغبة عنه، وتبديله بميل وانقطاع إليه سبحانه، ورغبة فيما عنده وهذا إنما يتحقق لدى الخلص من المؤمنين.

ثم ذكر ما يصلح تعليلاً لهذا التحول، وهي الأمور الثلاثة التالية:

1 - إنه تعالى ولي كل نعمة، فإذا كانت جميع النعم تنتهي إليه، فلا معنى لطلب النعم من فاقدها والنعم هي تعين على حل الشدائد ودفع الكربات.

2 - إنه تعالى صاحب كل حسنة، ومعنى انحصار مصدر الحسنات به تعالى أن يكون ما يأتي من غيره ليست له هذه الصفة، أعني صفة الحسن.. إن لم يكن مما يؤذي ويسيء ! وهل يدفع الهم بما يسيء ويؤذي؟!

3 - إنه تعالى منتهى كل رغبة، أو غاية فما معنى الاستعانة بما ومن لا يوصل إلى شيء، ولا يحقق رغبة، ولا ينتهي إلى غاية؟!

تعبئة المعسكرين:

قال الخوارزمي: لما أصبح الحسين «علیه السلام» يوم الجمعة - عاشر محرم - وفي رواية يوم السبت - عبأ أصحابه (1).

عن أبي مخنف، عن عبد اللّه بن عاصم عن الضحاك بن عبد اللّه المشرقي: عَبَّاً الحُسَينُ «علیه السلام» أصحابَهُ، وصلى بهم صَلاة الغَداة، وكانَ مَعَهُ اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلا [وفي تذكرة الخواص : وقال قوم: كانوا سَبْعِينَ فارسا ومِنَة رَاحِلٍ. وقيل: كَانَ مَعَهُ ثلاثونَ فارسا] [وعند الخوارزمي: وفي روايَةٍ: اثنان وثمانونَ راجلا]، فَجَعَلَ زُهَيرَ بنَ القين في مَيْمَنَةِ أَصحابِهِ، وحَبِيبَ بنَ مُظاهِرٍ في مَيسَرَةِ أصحابهِ، وأعطى رايَتَهُ العَبّاسَ بنَ عَلِيٍّ أَخاهُ «عليه السلام»...

[زاد الخوارزمي قوله : وثَبَتَ مَعْ أَهْل بَيْتِهِ فِي القلب]. [وعند ابن نما وغيره: وعَبَّأ [الإمامُ الحُسَينُ «علیه السلام» ] أصحابَهُ لِلقِتال، وكانوا خمسة وأربعين فارساً ومئة راجل] (وهي رواية عن الباقر «علیه السلام»).

قالَ أبو مخنف: حَدَّثْني فَضَيلُ بنُ خَديج الكِندِيُّ، عَن مُحَمَّدِ بن بِشَرٍ، عَن عَمرو الحَضِرَمِيِّ، قَالَ: لَمّا خَرَجَ عُمَرُ بنُ سَعدٍ بِالنَّاسِ، كَانَ عَلَى رَبع أهل المَدِينَةِ يَومَئِذٍ عَبدُ اللَّهِ بنُ زُهَير بن سُلِيمٍ الْأَرْدِيُّ، وَعَلَى رَبعِ


1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 4 وبحار الأنوار ج 45 ص4.

مَدْحِج وأَسَدٍ: عَبدُ الرَّحمن بنُ أَبي سَبَرَةَ الجُعْفِيُّ، وَعَلَى رَبَعٍ رَبِيعَة وكِندَةَ : قيسُ بنُ الأَشْعَثِ بن قيس، وعَلى رَبع تَمِيمٍ وهَمدانَ: الحُرُّ بنُ يَزِيدَ الرِّياحِيُّ.

فشهدَ هؤلاء كُلُّهُم مَقتَلَ الحُسَين، إلا الحُرَّ بن يَزِيدَ؛ فَإِنَّهُ عَدَلَ إِلَى الحُسَين «علیه السلام» وقُتِلَ مَعَهُ.

وجَعَلَ عُمَرُ عَلَى مَيمَنَتِهِ: عَمرو بنَ الحَجاجِ الزُّبَيدِيَّ، وعَلى مَيسَرَتِهِ: شمر بن ذي الجوشن بن شرحبيل بن الأَعور بن عُمَرَ بن مُعاوِيَة - وهُوَ الصّبابُ بنُ كِلاب – [وعند الخوارزمي: وثبَتَ هُوَ فِي القلب، وكانَ جُندُهُ اثنين وعِشرين ألفا، يَزيدُ أو يَنقُصُ] وَعَلَى الخَيل: عَزرَةَ بن قيس الأَحْمَسِيَّ [في الإرشاد وغيره: عُروهُ بنُ قيس]، وعَلى الرِّجالِ: شَبَثْ بنَ ربعِيِّ الرِّياحِيَّ، وأعطى الرّايَة دُويدا [في الإرشاد وغيره: دُرَيْدَاً، أو زيداً] مَولاهُ (1).


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 422 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 320 وراجع : الإرشاد ج 2 ص 95 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص4 وموسوعة الإمام الحسين عنهم، وعن الكامل في التاريخ ج 4 ص 59 وراجع: أنساب الأشراف ج 3 ص 395 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 187 ومثير الأحزان ص53 و 54 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 338 وراجع: بحار الأنوار ج 45 ص 4 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 248 والأخبار الطوال ص 256 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج6 ص 2628 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 100 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 249 والملهوف ص 158 وعن تذكرة الخواص ص 251 وراجع: إعلام الورى ج 1 ص 457 وروضة الواعظين ص 203 و (منشورات الشريف الرضي) ص 184 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 113.

زاد المجلسي قوله: وقال محمد بن أبي طالب وكانوا نيفا على اثنين وعشرين ألفاً. وفي رواية عن الصادق «علیه السلام» ثلاثين ألفا (1).

ونقول:

1 - تقدم في الجزء السابق ذكر الأقوال في أعداد جيش ابن سعد، وقد رجحنا أن الذين از دلفوا إليه «علیه السلام» وقاتلوه بصورة مباشرة كانوا ثلاثين ألفاً أو أكثر.. هذا عدا الجيوش التي كانت حول الكوفة. والتي كانت تمسك بمفاصل الطرق، وتهيمن على الحركة في المنطقة كلها، فإنهم كانوا ألوفا أيضاً.

كما أننا قد ذكرنا الأقوال في عدد أصحاب الحسين «عليه السلام»، فلا حاجة إلى الإعادة.

2 - قال خالد محمد :خالد ومن عجب أنهم - كما يحدثنا التاريخ - خرجوا لجريمتهم تلك بعد أن صلى بهم قائدهم صلاة الصبح:

صحيح أنهم صلوا وقرأوا في آخر صلاتهم: اللّهم صل على محمد وآل محمد؟!

إذن ما بالهم ينفتلون من صلاتهم ليحصدوا بسيوفهم الأئمة من


1) بحار الأنوار ج 45 ص 4 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 248.

آل محمد ؟ ! (1).

الشمر.. ونار الخندق:

1 - قال أبو مِخنَفٍ: عَن عَبدِ اللّهِ بن عَاصِمٍ، عَنِ الصَّحَاكِ بن عَبدِ اللّهِ المَشرقِيِّ قَالَ - وهو يتحدث عما جرى في غداة عاشوراء -: وجَعَلُوا البُيوت في ظهورهم، وأمَرَ بِحَطب وقَصَبٍ كَانَ مِن وَرَاءِ البُيوتِ يُحرَقُ بالنار؛ مَخافة أن يَأْتُوهُم مِن وَرَائِهم (2).

2 - قال أبو مِخنَفٍ: فَحَدَّثْني عَبْدُ اللّهِ بنُ عَاصِمٍ قَالَ: حَدَّثْنِي الضَّحَاكُ المَشْرَقِيُّ قالَ: لمّا أقْبَلُوا نَحوَنا، فَنَظروا إلى النار تَضطرمُ فِي الحَطَّبِ وَالقَصَبِ، الذي كُنّا ألهبنا فيهِ النَّارَ مِن وَرَائِنَا لِئَلا يَأْتُونَا مِن خَلْفِنا، إذ أقبل إلينا مِنهُم رَجُلٌ يَركْضُ عَلَى فَرَس كامل الأداة، فلم يُكلِّمنا حَتى مَرَّ عَلى أبياتنا، فَنَظرَ إلى أبياتِنا، فإذا هُوَ لا يَرَى إِلَّا حَطْبًا تَلْتَهِبُ النَّارُ فِيهِ، فَرَجَعَ راجعاً، فنادى بأعلى صَوتِهِ: يا حُسَينُ، اسْتَعْجَلْتَ النَّارَ فِي الدُّنيا قبلَ يَومِ القِيامَةِ!

فَقالَ الحُسَينُ «علیه السلام»: مَن هذا ؟ كَأَنَّهُ شِمِرُ بنُ ذِي الجوشن.

فقالوا : نَعَم أصلحَكَ اللّهُ، هُوَ هُوَ.


1) أبناء الرسول في كربلاء ص120.

2) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 422 و (ط الأعلمي) ج 4 ص320 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 113 وراجع: الكامل في التاريخ ج 4 ص 59.

فقالَ: يَا ابنَ رَاعِيَةِ المِعزى! أنت أولى بها صليّاً.

فقالَ لَهُ مُسلِمُ بنُ عَوسَجَة: يَا ابنَ رَسول اللّهِ، جُعِلْتُ فِدَاكَ، ألا أرميهِ بسَهم؟ فإنَّه قد أمكنني، وليسَ يَسقط مِنّي سَهم، فالفاسِقُ مِن أعظم الجَبّارين.

فَقالَ لهُ الحُسَينُ «علیه السلام»: لا تَرمِهِ؛ فإنّي أكرَهُ أن أبدَأَهُم (1).

ونقول:

قد تحدثنا عن أكثر الفقرات المذكورة آنفاً: باستثناء قصة الشمر فنحن نشير هنا إلى بعض ما يرتبط بها، فلاحظ ما يلي:

الشمر تحت وقع المفاجأة:

1 - لقد أظهر هذا النص : أن الشمر فوجئ بالخندق، والحطب والنار، بل إن هذا الأمر قد فاجأ عموم جيش الطغاة أيضاً.

2 - ويظهر النص المتقدم أيضاً : أن الشمر حين جاء على فرسه، يركض، وهو كامل العدة وقد مر على أبيات الحسين وأصحابه كان يريد استطلاع المكان ليجعل منه منطلق هجوم آخر من الجهة الأخرى، من شأنه أن يسقط مقاومة أنصار الحسين، ويضيع جهدهم، ويشل حركتهم، ويوزع اهتماماتهم، ويفرقهم أيدي سبا.


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 423 و 424 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 321 و 322 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 116.

فلما رأى النار والحطب أسقط في يده، ومني بالخيبة والحسرة.

3 - إن مما زاد في حسرة الشمر، وفي خيبته: أنه رأى حطبا كثيراً لا يتوقع خمود ناره في وقت قريب.

ويدل على هذه الكثرة قول النص المذكور آنفاً: «فنظر إلى أبياتنا، فإذا هو لا يرى إلا حطبا تلتهب النار فيه».

ولا ندري إن كان ذلك الحطب قد رصف بطريقة فنية، مع فواصل معينة، من شأنها أن تطيل اشتعال النار، أو تبطئ خمودها..

كأنه شمر بن ذي الجوشن:

وقد رأينا: أن شمر بن ذي الجوشن الذي استفزه هذا المشهد، قد فعل نفس ما فعله غيره، مثل: مالك بن حوزة، وعبد اللّه بن جويرة (أو جريرة). وخاطب الإمام الحسين «علیه السلام» بنفس ذلك الخطاب الوقح الذي خاطباه به، والذي لا مبرر له إلا الجحود والتكذيب لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» فيما قاله في حق الإمام الحسين «علیه السلام»، من أنه سيد شباب أهل الجنة، بل هو تكذيب للآيات القرآنية التي صرحت بتطهير الحسين «علیه السلام»، من حيث إنه أحد أصحاب الكساء، فضلاً عن أمر اللّه تعالى بمودة أهل البيت، وهو منهم، وما ورد في سورة هل أتى في حقهم، وغير ذلك

فأراد «علیه السلام» أن يقول له قولا له مغزاه ودلالاته، وأن يعرف الناس بشخص من يقصده «علیه السلام» به، فسأل الناس من

هذا؟! ثم صرح لهم هو نفسه باسمه، ولكن على سبيل التساؤل، والتظني كأنه شمر بن ذي الجوشن، فصدقوا كلامه وقالوا: «هو، هو».

وهذه طريقة رائعة في جلب الانتباه، وتحديد المعني بالكلام الذي يراد إبلاغه.

یا ابن راعية المعزى!!:

ثم كانت الكلمة التي وجهها «علیه السلام» إلى الشمر هي قوله:

«يَا ابنَ َراعِيَةِ المِعزى ! أنت أولى بها صيّا».

وقد تضمنت هذه الكلمة أمرين:

أحدهما: قوله: «يَا ابنَ َراعِيَةِ المِعزى».

ونحن نعلم: أن الإمام «علیه السلام» لم يكن بصدد شتم شمر بن ذي الجوشن، لأن الإمام «علیه السلام» لا يمكن أن يكون سباباً، وإنما هو يريد التوطئة لمقارنة واقعية تكشف الحقيقة، وتنير الطريق، وذلك على أساس أن رعي المواشي ليس فيه مشكلة في حد نفسه، ولكن أن تكون المرأة هي ترعى، وأن تكون الماشية هي المعزى، السريعة الحركة والتفرق، والانتشار، ويصعب السيطرة عليها حتى على الرجال.

وأن يكون هذا الرعي يستغرق معظم الوقت، ويكون في أماكن بعيدة عن بيوت السكني، فإن ذلك يرهق المرأة، ويستنفد قواها، ولا يعود لديها القدرة الكافية للقيام بمهماتها تجاه أبنائها الذين يفترض فيها

أن ترعاهم، وتهتم بشؤونهم، وتدبر أمورهم من موقع المحبة، وتربيهم وفق ما يريده اللّه سبحانه وبما ينسجم مع أحكام شرعه، وأخلاق أنبيائه وأوليائه.

ومن أين لراعية المعزى هذه المعارف بالدين، والقيم، والالتزام بالأخلاق، والتمييز بين الأخلاق الرحمانية الحميدة، وبين الأخلاق الشيطانية الخبيثة؟!

وهل يقاس ابن امرأة لا تعرف اليسير من ذلك كله بابن فاطمة الزهراء «علیها السلام»، سيدة نساء العالمين، وبنت أفضل الأنبياء، وأعز المرسلين؟!

الثاني: قوله «علیه السلام» للشمر :«أنت أولى بها صليّا» قد اتخذ هو الآخر مسار تنشيط الفكر، وتحكيم العقل، من خلال التحليل العقلاني للأمور، فإن ابن راعية المعزى لا يملك من الدين، والأخلاق والقيم، والمعارف، والطهر، والالتزام والسلوك الرضي والمتوازن ما يملكه من نشأ في بيت النبوة، ومهبط الوحي، ومعدن الرسالة، ومصدر المعارف، وبيئة الطهر في الوجدان والضمير، وصفاء الروح، وسلامة القلب.

أكره أن أبدأهم بقتال:

وقد رأينا : أن مسلم بن عوسجة، وهو الرجل المتمرس في القتال، والذي لا يخيب له سهم، لم يحتمل جرأة الشمر على الإمام، فاستأذن

الحسين «علیه السلام» بأن يرميه بسهم، فلم يأذن له.

وما أروع هذا الرجل الأبي والوفي، وهو يجسد الالتزام التام بالتوجيهات، ويمارس ضبط النفس، والانضباط ضمن دائرة الطاعة، والتطبيق الحرفي الدقيق لمرادات إمامه، والرعاية لمقاصده.

مع أنه حين طلب من الحسين «علیه السلام» أن يأذن له برمي الشمر، قد ضمَّن كلامه استدلالاً على مشروعية فعله هذا، حيث قال: «فالفاسِقُ مِن أعظم الجَبّارينَ».

ولكن جواب الإمام قد جاء جازماً، وحاسماً، وحازماً: «لا تَرمِهِ؛ فَإِنِّي أَكرَهُ أن أبدَأَهُم» فما كان من مسلم بن عوسجة إلا الطاعة والإنقياد، دون أي اعتراض أو جدال..

لماذا يكره «علیه السلام» بدأهم بالقتال؟!

وإذا كان هؤلاء جبابرة، بل إن بعضهم من أعظم الجبارين.

وكانوا يكذبون على اللّه ورسوله فيما ورد من آيات قرآنية، وبيانات نبوية.

وكانوا خارجين على إمامهم المنصوب من قبل اللّه ورسوله، وقد جمعوا الجيوش التي تعد بعشرات الألوف من أجل قتله، وقتل أصحابه وذريته وسبي نسائه، وإذا كانوا قد باشروا عدوانهم عليه بالجعجعة به وبمنع الماء عنه، وبادروا إلى الهجوم عليه في اليوم التاسع. وقد اصطفت جيوشهم استعداداً للبطش به. فلماذا يكره الإمام

الحسين «علیه السلام» أن يبدأهم ولو برمي سهم واحد على رجل قد أعلن في كلامه ما يدل على كفره واستحقاقه للقتل؟!

ونجيب:

أولاً: لا ريب في وجوب الدفاع عن النفس، إذا تعرض الإنسان لهجوم من عدو باغ وظالم، وإذا جاء العدو بجيوشه، وأعد وتهيأ لبدء القتال، ولم يبدأ العدو عدوانه بعد، فيكون للأمور منحى آخر، ونحن نبين ذلك في المورد الذي نحن بصدده على النحو التالي:

إن الذين جعجعوا بالإمام «علیه السلام» وأصحابه كانوا أقل القليل من ذلك الجيش المحتشد في كربلاء.. وهم الألف فارس الذين جاؤوا مع الحر الرياحي.. في حين أن الذين از دلفوا إلى الإمام «علیه السلام»، يريدون قتله كانوا ثلاثين ألفاً، فضلا عن الألوف الكثيرة الأخرى التي قد تصل إلى العشرات التي كانت تأخذ بمفارق الطرق، ومداخل مدينة الكوفة، وترصد الحركة، وتهيمن على المنطقة كلها..

ومن المعلوم: أن الجبارين في ذلك الجيش الهائل، أو أعظم الجبابرة منهم كانوا أفراداً قد يعدون بالعشرات أو المئات.. والباقون مرتزقة واتباع، يفعلون ما يطلبه منهم أسيادهم وقادتهم..

ومن جهة أخرى، فإن من المعلوم: أن الإمام «علیه السلام» لا بد أن يراعي أحوال الناس، وأن يكون ناصحاً لهم، رفيقاً بهم، معلماً ومرشداً لهم.. ولا يكون قاسياً عليهم ولا جافياً.

وهذا يحتم عليه: أن يقيم الحجة على جميع ذلك الجيش الذي جاء

لحربه، ويعرفهم فرداً فرداً بعواقب أفعالهم، وسيئات أعمالهم، ويخرجهم من ظلمات الجهالة والضلالة، ويدعوهم إلى التوبة والكون في مواقع رضا اللّه تعالى.. وعليه أن يفعل ذلك، رجاء أن يهتدي ولو فرداً منهم.

ومن المعلوم: أن الحرب ما دامت لم تقع، فإن فرصة التوبة والإنابة، حتى لفرد من ذلك الجيش تبقى قائمة.. وليس للحسين «علیه السلام» أن يفرط ولو بشخص واحد..

وحتى لو لم يستجب أحد، فإن نفس أن يضعهم وجها لوجه أمام الحقيقة، ولا تبقى لديه أية شبهة أو إبهام، أمر ضروري، ومطلوب.

هذا مع غض النظر عن حق الأجيال اللاحقة أن تعرف الحقيقة، حتى لا تصبح عرضة للتضليل، بادعاء أن الذنب في هذه الجريمة يقع على القادة، دون الأتباع، الذين يكون جهلهم عذراً لهم، أو من موجبات التخفيف من قبح ما صدر منهم..

ثانياً: إننا نزيد في توضيح ما ذكرناه، على النحو التالي:

إن دعاة الباطل، ليست لديهم حجة يعتمدون عليها، أو يركنون إليها، أو يمكنهم عرضها والمباهاة بها، لأن دعوة الباطل دعوة خراب ودمار، وتقويض للأسس الصحيحة، والراسخة للحياة السعيدة والرغيدة لجميع البشر، في الدنيا والآخرة.

وقد أظهرت نتائج حركة أهل الباطل: أن باطلهم يسهل عليهم السطو على جهد الآخرين، ليكون طعمة لأهوائهم، ووقوداً لشهواتهم،

ومرتعاً للتنفيس عن غرائزهم. فإن بقي لدى الآخرين أية قدرات، فإن هؤلاء الطغاة إذا عجزوا عن مصادرته فإنهم يعملون على تدميره، أو شل حركته..

فعدوانية أهل الباطل هي عنوان وجودهم، وبها قوامه، وهي ونظامه، وشرائعه وأحكامه..

أما أهل الحق، فهم يقولون: لا تستقيم حياة الناس من دون نظام يهيمن عليها، ولا بد أن تخضع كل الأمور فيها للمبادئ والقيم، والمنطق والحكمة والعقل، وللتدبير السليم:

لأن للمبادئ والقيم ثباتاً، ووضوحاً، ورسوخاً في وجدان الناس، يمنح السكينة والطمأنينة للجميع، ويهيئ الإنسان للتخطيط الواعي، للاستفادة المشروعة من القدرات التي هيأها اللّه تعالى له في نفسه، وفي محيطه الذي يعيش فيه، وضمن نطاق السياسات الإلهية الهادية.

وأما إذا استبعدت القيم والمبادئ، والحكمة والعقل، ومنعت من فرض هيمنتها على حركة الحياة، فإن الإنسان سوف يضيع في متاهات مخيفة، ويسقط في مهاوي سحيقة، لا خلاص له منها.

كما أنه يفقد بذلك القدرة على رصد حركة الواقع، أو التحكم في مسار الأمور، ويصبح كأنه يعيش في ظلمات بعضها فوق بعض.

وتهيمن العشوائية على كثير من مجالات الحركة في الحياة، ويأكل القوي الضعيف، وتتبخر المنجزات في حمى صراعات هدامة. وتعود لأهل الباطل السطوة القائمة على فلسفة القتل والعدوان،

وخنق نبضات الحياة، واقتلاع شجرة الخير والسعادة، والصلاح من واقع المجتمع الإنساني، ليحل محلها الخراب والدمار، والشقاء والبوار..

وفي هذه الحالة تمس الحاجة إلى عمل إصلاحي، يعيد الأمور إلى نصابها، ويكون به خلاص الأمة، وإعادتها إلى بر الأمان، والسلام والسعادة، حيث الخير العميم، في كنف رب كريم رحيم، لتصبح الحياة هنية، ورضية، وتتحول في الآخرة إلى دائمة وأبدية، ضاربة جذورها في أعماق هذا الوجود الرحيب، لتكون الأصالة للبقاء لا للفناء، وللسعادة لا للشقاء، ولتنطلق مسيرة الحياة بعين اللّه، وبرعايته وهداه. لتنتهي إلى رحاب رضوانه، حيث الكرامة الإلهية التي لا تحول ولا تزول.

من أجل ذلك نقول:

إن أهم سبيل يؤدي إلى هذه النتيجة هو اعتماد البيِّنة والدليل، والركون إلى الحجة القاطعة للعذر، وتكون هي المرجع والمآل في كل إقدام وإحجام، سواء في الحرب أو في السلام. «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ» (1).

وهذا هو السبب الأقوى لبعثة الأنبياء، وهو فحوى أطروحتهم، وغاية جهد العلماء، ودعاة الخير والأصفياء..

وهو السلاح الأمضى الذي يؤدي إلى بوار الباطل، وينبغي أن يشهر في وجه المبطلين، والطغاة والجباريين..


1) الآية 42 من سورة الأنفال.

وعلى هذا الأساس نلاحظ: أن الأنبياء والأوصياء، والمصلحين هم دعاة بقاء لا فناء. حتى إنهم حين يتعرضون للبغي والعدوان لا يبدأون عدوهم بقتال، وهذا ما جرى في صفين فإنه «علیه السلام» قال: «لا تقاتلوا القوم حتى يبدؤوكم» وهذا ما أوصى «علیه السلام» به جیشه يوم الجمل أيضا (1).

وهذه كانت وصية الإمام الحسين «علیه السلام» أيضاً، فقد قال «علیه السلام» لزهير بن القين في قضية الحر الرياحي: «ما كنت لأبدأهم بالقتال» (2).

وقال أيضاً لمسلم بن عوسجة وهو ينهاه عن رمي الشمر: «لا،


1) السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 180 وحياة الصحابة ج 2 ص 503 وراجع: تذكرة الخواص ص 72 و 91 وكنز العمال ج 11 ص 338 والفتوح لابن أعثم ج 3 ص 45 و ج 2 ص 490 و (ط دار الأضواء) ج3 ص32 والمناقب للخوارزمي ج 1 ص 183 وأنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج 2 ص 240 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 9 ص 110 و 111 والإمامة والسياسة ج 1 ص 67.

2) الإرشاد للمفيد ج 2 ص 84 وروضة الواعظين ص 181 ومستدرك الوسائل ج 11 ص 80 وبحار الأنوار ج 44 ص 380 والعوالم، الإمام الحسين ص 231 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 309 والكامل في التاريخ ج 4 ص 52 وإعلام الورى ج 1 ص 451. وراجع: الفتوح لابن أعثم ج ه ص 43 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص234 والأخبار الطوال ص 252.

فإني أكره أن أبدأهم» (1).

وقد صار هذا من سمات الشيعة على مر الأزمان، فقد قال الجاحظ عن كردويه - الأقطع الأيسر - وكان لا يضرب أحداً إلا حطمه، وكان إذا ضرب قتل: كان كردويه مع فتكه وإقدامه يتشيع، فكان لا يبدأ أحداً بقتال حتى يُبتدأ (2).

ووقائع التاريخ تثبت الدموية الفتاكة والتدميرية لحكومات أهل الباطل في المجتمع البشري والرفق والعدل، والاكتفاء بدفع الأذى وصد العدوان والعفو، ولملمة الواقع وتضميد الجراح، وإعادة اللحمة هي سمات أهل الحق في حكوماتهم، وفي مجمل حركتهم في الحياة..

قصة الشمر بنحو آخر:

لكن البلاذري بعد أن ذكر ما يأتي مما جرى لمحمد بن الأشعث قد ذكر قصة الشمر بنحو آخر، فقال:

ثم جاء رجل آخر فقال: أين الحسين؟!

فقال: ها أنا ذا.

قال: أبشر بالنار تردها الساعة.


1) الإرشاد ج 2 ص 96 ومستدرك الوسائل ج 11 ص 80 وبحار الأنوار ج 45 ص 5 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 249.

2) البرصان والعرجان والعميان والحولان ص333 و (ط دار الجيل) ص 525.

قال: بل أبشر برب رحيم وشفيع مطاع، فمن أنت؟

قال: شمر بن ذي الجوشن.

فقال الحسين: اللّه أكبر، قال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: إني رأيت كلباً أبقع يلغ في دماء أهل بيتي (1).

فهل كرر الشمر تحرشه بالإمام، فسمع في كل مرة منه «علیه السلام» جواباً يناسب حال الشمر، ويزيد في خزيه، وكشف حقيقته؟! أم هي قصة واحدة ذكر كل راو شطراً من الجواب؟!

قد يكون الاحتمال الأول أقرب إلى الاعتبار، فإن سياق الكلام في الروايتين مختلف بصورة ظاهرة.

قصة ابن حوزة بنحو آخر أيضاً:

وقد ذكرنا في الجزء السابق قصة مالك بن حوزة وما جرى له برواية ابن أعثم، ولكن البلاذري ذكر قصة مغايرة لها، ونسبها إلى رجل اسمه عبد اللّه بن حوزة، فقد قال:

إن رجلا من بني تميم يقال له: عبد اللّه بن حوزة، وجاء حتى وقف بحيال الحسين «علیه السلام»، فقال: أبشر يا حسين بالنار.

فقال: كلا، إني أقدم على رب رحيم، وشفيع مطاع.

ثُمَّ قَالَ: من هَذَا؟

قالوا: ابن حوزة.


1) أنساب الأشراف ج 3 ص 401 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 193.

قالَ: حازه اللّه إلى النار.

فاضطربت به فرسه في جدول، فعلقت رجله بالركاب، ووقع رأسه في الأرض، ونقر في الفرس، فجعل يمر برأسه على كل حجر وأصل شجرة حَتَّى مات.

ويقال : بقيت رجله اليسرى في الركاب، فشد عَلَيْهِ مسلم بن عوسجة الأسدي، فضرب رجله اليمنى فطارت، ونفر به فرسه يضرب بهِ كُلّ شي حَتَّى مات (1).

ونقول:

لاحظ ما يلي:

1 - قال البلاذري: إن اسم ابن حوزة هو عبد اللّه بن حوزة.

وسماه الخوارزمي: مالك بن جريرة.

وسماه ابن أعثم: مالك بن حوزة.

وعند الصدوق: ابن أبي جويرية (2).


1) أنساب الأشراف ج 3 ص 399 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 191 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 102 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 257 وأعيان الشيعة ج 1 ص 604 وإعلام الورى ج 1 ص 462.

2) أنساب الأشراف ج 3 ص 399 و (ط دار التعارف) ج3 ص191 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 248 و (تحقيق الشيخ محمد السماوي - نشر أنوار الهدى) ج 1 ص 352 والفتوح لابن أعثم ج ص 96 والأمالي للصدوق ص 134 المجلس 30 و (ط مؤسسة البعثة) ص221.

وعند المسعودي: ابن جريرة (1)، فهل هما - أعني: مالك وعبد اللّه ابنا حوزة - أخوان؟! أو هما شخص واحد اختلف الرواة في اسمه، أو شخصان غير أخوين؟!

إن الاختلاف في حقيقة ما جرى لكل منهما يؤيد تعددهما..

2 – يلاحظ: أن أصحاب الإمام «علیه السلام» لا يقدمون على أمر - ولاسيما في أمر القتال - إلا بعد الإستئذان من الإمام «عليه السلام»، وسماع الإذن الصريح منه.

وقد عرض زهير بن القين على الإمام الحسين «علیه السلام» حين صار الحر يضيق عليهم - عرض عليه - : أن يقاتلوهم، فأبى «علیه السلام»، وقال: ما كنت لأبدأهم بقتال حتى يبدأوني.

كما أنه «علیه السلام» قد نهى مسلم بن عوسجة نفسه عن رمي الشمر لنفس هذا السبب.

فإن كان نهيه له قبل قصة ابن حوزة، فكيف بادر ابن عوسجة إلى الهجوم على ابن حوزة وقطع رجله؟ وكيف لم يعترض عليه الإمام «علیه السلام»، ولم يلمه على فعله هذا الذي أقدم عليه بغير إذنه؟! مع علمه بأنه «علیه السلام» يكره بدأهم بالقتال.

وإن كانت القصة مع الشمر قد حصلت بعد قصة ابن حوزة، فكيف يستأذن ابن عوسجة الإمام بأن يرمي الشمر ؟! فإن عدم


1) إثبات الوصية ص 177.

اعتراضه «علیه السلام» حين قطع رجل ابن حوزة يثير الريب في صحة ذلك، ولاسيما إذا كان قد قال له عن الشمر: لا ترمه، فإني أكره أن أبدأهم.

ومحمد بن الأشعث أيضاً:

وروى البلاذري: أن محمد بن الأشعث جاء فقال: أين حسين؟

قال: ها أنا ذا.

قال: أبشر بالنار تردها الساعة!

قال: بل أبشر بربِّ رحيم، وشفيع مطاع، فمَن أنت؟

قال: محمد بن الأشعث (1).

زاد ابن نما قوله: قال: اللّهم إن كان عبدك كاذباً فخذه إلى التّار، واجعله اليوم آية لأصحابه.

فما هو إلا أن ثنا عنان فرسه فرمی به و ثبتت رجله في الركاب، فضربه حتى وقعت مذاكيره في الأرض، فواللّه، لقد عجبنا من سرعة إجابة دعائه «علیه السلام» (2).


1) أنساب الأشراف ج 3 ص 401 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 193 وراجع: مثير الأحزان ص 64 و (ط المكتبة الحيدرية) ص47 وبحار الأنوار ج 45 ص 31 والعوالم الإمام الحسيين، ج 17 ص 274.

2) مثير الأحزان ص 64 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 47 وبحار الأنوار ج 45 ص 31 والعوالم الإمام الحسيين، ج 17 ص 274 ولواعج الأشجان ص 151 وراجع: مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 352 و 353.

موت محمد بن الأشعث:

ذكرت الرواية المتقدمة: أن اللّه تعالى استجاب دعاء الحسين «علیه السلام» في محمد بن الأشعث، فقد قتل في نفس يوم عاشوراء، لأن فرسه رمى به وثبتت رجله في الركاب الخ..

وهذا موضع ريب، حيث يرد عليه:

أولاً : يذكر المؤرخون: أن محمد بن الأشعث قد بقي بعد عاشوراء، إلى ما بعد ثورة المختار، وانضم إلى مصعب بن الزبير، وقتل في المواجهة بين مصعب وبين المختار (1).

ثانياً : قالوا: إن محمد بن الأشعث كان قائداً للقوات التي واجهت عبد اللّه بن عفيف والذين دافعوا عنه من الأزد (2).


1) راجع: الأخبار الطوال ص 306 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 576 و 564 والكامل في التاريخ ج 4 ص 277 ونهاية الأرب ج 21 ص 51 وذوب النضار ص 149 والمعارف ص 401 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 543 وأنساب الأشراف ج 6 ص 438 ومروج الذهب ج3 ص98 وتجارب الأمم ج 2 ص 205 و 206 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج6 ص 65 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 57 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 317.

2) مثير الأحزان لابن نما ص 93 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 73 والملهوف ص 72 و (نشر أنوار الهدى) ص 97 وبحار الأنوار ج 45 ص 119 و 120 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 387 ولواعج الأشجان ص212 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 124 و 125.

ثالثاً: قال الشيخ الصدوق «رحمه اللّه»: ثمّ أقبل آخر من عسكر عمر بن سعد يقال :له محمد بن أشعث بن قيس الكندي، فقال: يا حسين بن فاطمة، أيّة حرمة لك من رسول اللّه ليست لغيرك؟!

قال الحسين «علیه السلام» هذه الآية: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّة..» (1).

ثمّ قال: واللّه إنّ محمّداً لمن آل إبراهيم، وإنَّ العترة الهادية لمن آل محمد، من الرجل؟

فقيل: محمد بن أشعث بن قيس الكندي، فرفع الحسين «علیه السلام» رأسه إلى السماء، فقال: اللّهم أر محمد بن الأشعث دُلا في هذا اليوم، لا تُعزّه بعد هذا اليوم أبداً.

فعرض له عارض، فخرج من العسكر يتبرّز، فسلط اللّه عليه عقربا فلدغة، فمات بادي العورة (2).

رابعاً: نلاحظ التوافق الشديد بين ما ينقل عن محمد بن الأشعث هنا وبين ما ينقل عن شمر، حتى كأنهما رواية واحدة، باستثناء الكلام


1) الآية 33 من سورة آل عمران.

2) الأمالي للصدوق ص 134 المجلس الثلاثون و (ط مؤسسة البعثة) ص221 وروضة الواعظين (منشورات الشريف الرضي) ص 185 ومدينة المعاجز ج 3 ص 475 وبحار الأنوار ج 44 ص 317 والعوالم، الإمام الحسين ج17 ص 166.

الأخير المنسوب للإمام «علیه السلام». فلعل هناك من اشتبه عليه الأمر، فركب شطراً من قصة الشمر مع شطر آخر من قصة عبد اللّه بن حوزة، فجعلهما قصة واحدة واقتصر تصرفه في الرواية على استبدال إسمي شمر، وابن حوزة باسم ابن الأشعث لحاجة في نفسه قضاها.

ويجاب:

بأن تبرئة ابن الأشعث بهذه الطريقة فيها مجازفة وجرأة على رد النصوص بالاستحسان، والآراء الاقتراحية، فلا يصح نفي أن يكون ابن الأشعث قد ارتكب هذه الإساءة القبيحة بحق الإمام «علیه السلام»، وإن لم نتأكد من تفاصيل ما جرى.

تميم بن حصين أيضاً:

وتقول الرواية عن الإمام السجاد «علیه السلام»:

ثمّ برز من عسكر عمر بن سعد رجل آخر، يقال له: تميم بن الحصين الفزاري، فنادى يا حسين ويا أصحاب الحسين! أما ترون إلى ماء الفرات يلوح كأنه بطون الحيّات [الحيتان]، واللّه ! لا ذقتم منه قطرة حتى تذوقوا الموت جرعاً.

فقال الحسين «علیه السلام»: مَن الرَّجُلُ؟

فقیل: تميم بن حصين.

فقال الحسين «علیه السلام»: هذا وَأبُوهُ مِنْ أهْل النار، أَللّهُمَّ اقْتُلْ هذا عَطشا في هذا الْيَوْمِ.

قال: فخنقه العطش حتى سقط عن فرسه فوطأته الخيل بسنابكها، فمات (1).

ونقول:

1 - إن معرفة الناس الحاضرين في ذلك الموقف باسم من يدعو عليه الإمام، ليذكر في التاريخ باسمه، ويعرفه الناس بشخصه كان مطلوباً.

إذ لعل الكثيرين في كلا الجيشين لا يعرفون اسم ذلك الرجل.

كما أن ذكر الاسم يعطي مصداقية قوية للحديث في نفس سامعه، ولا يبقى هناك مبرر لتوهم أن يكون الذين ماتوا بهذه المناسبة وما يشبهها كانوا شخصاً واحداً عرف اسمه هذا، وجهله ذاك.

2 - ما هذا التلذذ المقيت بأذى وعذاب سيد شباب أهل الجنة، ومن معه من الأخيار والأبرار، ومن النساء والأطفال؟!

3 - إن الحسين «علیه السلام» قد أخبر عن هذا الرجل وعن أبيه بأنهما من أهل النار وهذا - فيما يظهر - من علم الغيب الذي انتهى إليه «علیه السلام».


1) الأمالي للصدوق ص134 و (ط مؤسسة البعثة) 221 وبحار الأنوار ج 44 ص 317 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 166 وروضة الواعظين ص 204 و (منشورات الشريف الرضي) ص 185 والثاقب في المناقب ص 340 و 341 ومدينة المعاجز ج 3 ص 474.

واحتمال أن يكون «علیه السلام» مطلعاً بالطرق العادية على أحوال هذا الرجل وأحوال أبيه لا شاهد له.

4 - إن جيش ابن سعد قد عاين استجابة اللّه دعاء الإمام «عليه السلام» في هذا الرجل وفي ابن حوزة، وفي غيرهما، ولكن اللّه طبع على قلوبهم، فلم يعتبروا ولم يتراجعوا.

مسروق بن وائل يتراجع:

غير أن الطبري روى لنا قضية تفيد: أن أحد الطامعين بالدنيا، وهو مسروق بن وائل الحضرمي، قد انتفع، ولو جزئياً بما صنعه اللّه بعبد اللّه بن حوزة، بسبب دعاء الإمام الحسين «علیه السلام».

فقد روى عبد الجبار بن وائل الحضرمي: أن مسروقا - أخاه – قال: كنت في أوائل الخيل ممن سار إلى الحسين «علیه السلام»، فقلت : أكون في أوائلها لعلي أصيب رأس الحسين، فأصيب به منزلة عند عبيد اللّه بن زياد (ثم ذكر ما جرى لابن حوزة)

ثم قال عبد الجبار: فرجع مسروق، وترك الخيل من ورائه، فسألته عن ذلك، فقال : لقد رأيت من أهل هذا البيت شيئا، لا أقاتلهم أبداً.

قال : ونشب القتال (1).


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 431 و (ط الأعلمي) ج4 ص328 وقاموس الرجال ج 10 ص 53 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 126 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 516.

فنرى أن مسروقاً اكتفى بتجنب قتال أهل البيت «علیهم السلام»، وقد كان الأحرى به أن يؤثر الالتحاق بالحسين «علیه السلام»، ليفوز معه بالشهادة والسعادة..

غير أن ظاهر الأمور هو : أن هذا الرجل إنما غادر الصف الأول، خوفا على نفسه من أن يصيبه ما أصاب ابن حوزة، وربما غيره أيضاً..

فهذا الخوف قد جعله غير قادر على إصابة رأس الحسين «عليه السلام»، - على حد تعبيره - ليحصل على المقام الذي كان يتمناه عند الطواغيت والجبابرة.

الخطة العسكرية: خلاصة جامعة:

تقدم: أن الإمام «علیه السلام» كان قد اتخذ إجراءات عدة تؤدي إلى تعجيز العدو عن أن يأتيه إلا من وجه واحد. وذلك بالاستفادة من الموانع الطبيعية، واستحداث العديد من الموانع الأخرى التي عززتها..

وكان من هذه الموانع :

1 - نزوله «علیه السلام» في جنب قصباء وحلفا. فإن الأرض القصباء يصعب على الخيل الجولان فيها.

2 - كان خلفهم أيضاً منخفض من الأرض كأنه ساقية، وقد أمر

«علیه السلام» أصحابه ليلة العاشر، فحفروا ذلك المنخفض حتى صار كالخندق.

3 - ثم جعل «علیه السلام» فيه حطبا وشوكاً كثيراً.. وذلك لكي يضرم فيه النار التي سوف تمنع العدو من الوصول إليه وإلى أصحابه من ورائهم.

وهذا ما حصل بالفعل، كما أظهرته النصوص السابقة، حتى إن الشمر حين أقبل يركض نظر فإذا هو لا يرى إلا حطبا تلتهب النار فيه، فرجع راجعا (1).

وقد أثار ذلك حفيظة الأعداء، وبادروا إلى الأذى اللساني، كما تقدم

4 - أما الجانبان الأيمن والأيسر فقد أمر الإمام «علیه السلام» بتقريب البيوت بعضها إلى بعض.

5 - وأمر أيضاً بتشبيك أطنابها، فإن البيوت والأطناب معا سيكونان بمثابة موانع تمنع العدو من الاقتحام، وتربك حركته، وتعيق حركة خيله.

6 - يضاف إلى ذلك: أنه «علیه السلام» قد سيَّر بين تلك البيوت : مجموعات كانت ترصد وتكافح كل من يحاول أن يتسلل إليها،


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 423 و 424 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 321 و 322 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 116.

فيقتلونه..

ولأجل ذلك لم يتمكن الأعداء من أن يأتوهم إلا من وجه واحد، بل سيأتي أن الأمر قد استمر على هذا النحو إلى أن انتصف النهار.

فلما عجزوا عن الوصول إلى ما يريدون أمر عمر بن سعد أصحابه بأن لا يدخلوا البيوت، ولا يقوضوها، بل عليهم أن يحرقوها بالنار، فأحرقوها.

فيبدو: أن أصحابه «علیه السلام» قد تضايقوا من هذا الإجراء، فقال لهم «علیه السلام»: دعوهم فليحرقوها، فإنهم لو قد حرقوها، لم يستطيعوا أن يجوزوا إليكم منها. وكان ذلك كذلك (1).

فظهر بذلك كله، وبما قدمناه في مواضع أخرى: كيف أنه «علیه السلام» قد أخضع ذلك الجيش كله لإرادته، ليجري القتال حسب خطته هو «علیه السلام» في وضح النهار، حيث يرى الجميع كل كبيرة وصغيرة، وليكون لهم دورهم في نقل مظلوميته، وأهل بيته


1) راجع: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 437 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 333 والكامل في التاريخ ج 4 ص 69 وراجع: المنتظم من تاريخ الأمم والملوك جه ص 339 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 141 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 197 وأعيان الشيعة ج 1 ص 606 ونهاية الأرب ج 20 ص 450 وبحار الأنوار ج 45 ص 21 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 264 ولواعج الأشجان ص 154 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 16.

ويصفوا للأجيال كل حركاته، وكل الإجرام الذي ارتكب في حقهم.

الفصل الثاني : احتجاجات الأصحاب في الميدان..

اشارة

ماذا تريدون؟!

قالَ مُحَمَّدُ بن أبي طالِبٍ:

ورَكِبَ أصحابُ عُمَرَ بنَ سَعدٍ، فَقُرِّبَ إلى الحُسَينِ فَرَسُهُ، فَاسْتَوى عَليهِ، وتَقَدَّمَ نَحوَ القوم في نَفَرٍ مِن أصحابهِ، وَبَينَ يَدَيهِ بُرَيرُ بنُ خُصَير، فقالَ لهُ الحُسَينُ «علیه السلام»: كلّم القوم.

فَتَقدَّمَ بُريرٌ فَقالَ: يا قوم اتَّقُوا اللّهَ ؛ فَإِنَّ تَقلَ مُحَمَّدٍ «صلی اللّه علیه وآله» قد أصبَحَ بَينَ أظهركُم، هؤلاء دُرِّيَّتُهُ، وعِتَرَتْهُ، وَبَناتُهُ وَحَرَمُهُ، فهاتوا ما عِندَكُم، وما الذي تريدون أن تَصنَعوه بهم؟!

فقالوا: تُريدُ أن نُمَكّنَ مِنهُمُ الأمير ابنَ زِيادٍ، فَيَرِى رَأْيَهُ فِيهِم.

فقالَ بُريرٌ: أَفَلا تَقْبَلُونَ مِنهُم أن يرجعوا إلى المكان الذي جاؤوا منه؟

وَيلكُم يا أهل الكوفة ! أنَسيتُم كتبَكُم وعُهودَكُمُ التي أعطيتُموها، وأشهَدتُّمُ اللّه عَليها؟

يَا وَيْلكُم دَعَوتُم أهلَ بَيتِ نَبِيِّكُم، وزَعَمتُم أَنَّكُم تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُم دونَهُم، حتى إذا أتَوكُم أسلمتُموهُم إلى ابن زيادٍ وحَلاتُموهُم عَن ماءِ القُراتِ؟! بئس ما خلفتُم نَبِيِّكُم فِي ذُرِّيَّتِهِ ما لَكُم؟! لا سَقَاكُمُ اللّهُ يوم القِيامَةِ ! فَبِئْسَ

القومُ أَنتُم.

فقالَ لَهُ نَفْرٌ مِنهُم: يا هذا ! ما ندري ما تَقولُ؟!

فَقالَ بُرَيرٌ : الحَمدُ لِلهِ الذي زادَني فيكُم بَصيرة، اللّهُمَّ إنِّي أبرأ إليكَ مِن فِعال هؤلاء القوم.

اللّهُمَّ ألق بَأسَهُم بَينَهُم حَتَّى يَلْقُوكَ وأنتَ عَليهِم غَضبانُ.

فَجَعَلَ القومُ يَرمونَهُ بالسّهامِ، فَرَجَعَ بُرَيرٌ إِلى وَرَائِهِ (1).

ونقول:

لماذا برير؟!

يلاحظ هنا : أن الإمام «علیه السلام» قد أمر برير بن خضير بأن يكلم جيش عمر بن سعد الذي كان أكثره من أهل الكوفة.. فلماذا اختار «علیه السلام» بريراً ليكون هو البادئ بالكلام معهم دون سائر أصحابه ؟!

ويمكن أن يجاب:

بأن برير بن خضير كان من قراء أهل الكوفة، بل كان شيخ، أو سيد القراء فيها.. والقراء كانوا يعلمون الناس القرآن في المساجد، فكان الناس


1) بحار الأنوار ج 45 ص 5 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 249 وأعيان الشيعة ج 3 ص 561. وراجع: مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 252 و (تحقيق الشيخ محمد السماوي - نشر أنوار الهدى) ج1 ص356 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 100 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 249.

يعرفونهم، ويحترمونهم لما يرون من فضل لهم عليهم.. فكيف إذا كان هذا القارئ معروفاً عند الناس بالإخلاص والصدق والاستقامة، كما هو حال برير؟!

ونكتفي هنا بذكر المثال التالي:

روى الطبري ما ملخصه:

أن يزيد بن معقل قال لبرير - حين أقسم برير له على أن اللّه قد صنع ببرير خيراً، وصنع بيزيد بن معقل شرا -: كذبت وقبل اليوم لم تكن كذاباً.

ثم ذكر له اعتقاده بأن عليا «علیه السلام» إمام الهدى والحق، وأن معاوية ضال مضل، وغير ذلك.

ثم باهله على أن يقتل المحق منهما المبطل في ذلك، فقتل برير ابن معقل بناء على هذا.

فأراد كعب بن جابر أن يحمل على برير، فقال له عفيف بن زهير: إن هذا برير بن خضير القارئ الذي كان يقرئنا القرآن في المسجد !!

ولكنه لم يرتدع، فقتله، فلما رجع كعب، قالت له امرأته - أو أخته - النوار بنت جابر: أعنت على ابن فاطمة، وقتلت سيد القراء. لقد أتيت عظيماً من الأمر، واللّه لا أكلمك من رأسي كلمة أبدا (1).


1) تاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 329 والكامل في التاريخ ج 4 ص 67 وأنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج 3 ص 191 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 129 وإبصار العين ص 124.

السؤال الأول: المعتدون يعترفون:

إن الطريقة التي بدأ بها برير كلامه مع جيش ابن سعد قد مكنته من أن يستل منهم إقراراً: بأنهم هم المعتدون على الإمام «علیه السلام»، والساعون إلى قهره وأسره، لكي يمكنوا ابن زياد منه.

كما أن نفس سؤاله هذا، وجوابهم له قد أكد على أنه ليس لدى الإمام «علیه السلام» أي نوايا قتال، أو ميل إلى تصرف عنيف تجاههم.

فقد فهم من كلامه:

1 - أن ثقل آل محمد، وهم أهل بيته وأبناؤه، وعترته، وبناته، وذريته «صلوات اللّه عليهم». قد أصبحوا بين أظهرهم، فهم المسؤولون عن الدفاع عنهم أمام كل من يريدهم بسوء، وحفظهم وسلامتهم، عن إلحاق الأذى بهم، فضلا عن قتلهم وسبيهم. وبذلك يكون قد حملهم المسؤولية عن كل ما يحدث لهذه العترة.

2 - إنه «رحمه اللّه» قد أوضح أنه لا قرار لدى الحسين «علیه السلام» بأخذ أي موقف تجاههم، فإنهم هم الذين جمعوا الجيوش، وجاؤوا بعشرات الألوف من العساكر.

مما يعني: أن لديهم قراراً من نوع ما تجاه العترة والذرية، فهم

مطالبون بالإفصاح عن نواياهم.

3 - وكان جوابهم بمثابة الإقرار بكلا هذين الأمرين، حيث قالوا: بأنهم يريدون أن يمكنوا منهم عبيد اللّه بن زياد، ليرى فيهم رأيه..

فهذا الجواب قد تضمن:

أولاً : إعترافهم بأنهم جاؤوا بنية عدوانية تتمثل بفرض قرارهم على إمام مطهر معصوم، وأخذه أسيراً إلى ظالم جبار حاقد.

وتضمن ثانياً : أنهم لن يكونوا حافظين لسلامة ولا لكرامة عترة النبي «صلی اللّه علیه وآله»، وبناته وذريته، وحرمه من كيد ذلك الجبار المتغلب..

مع أن اللّه تعالى يقول: «مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبيل»(1). ويقول: «اللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَقْتَرُون»(2)، فبأي حق، وأية حجة تفعلون ذلك، وما الذي جعل لكم هذا السبيل والسلطة على هذه الثلة الطاهرة؟!

والحال، أن فيهم من له الفضل والتميز والتفضيل على سائر البشر؟!

السؤال الثاني: الغدر، والتناقض:

ثم جاء السؤال الثاني لهم من برير ليقول : أفلا تقبلون منهم أن يرجعوا إلى المكان الذي جاؤوا منه؟! ويلكم يا أهل الكوفة، أنسيتم كتبكم


1) الآية 91 من سورة التوبة.

2) الآية 59 من سورة يونس.

وعهودكم؟! الخ..

وقد تضمن هذا السؤال أيضاً:

أولاً : إن رفضهم لما عرضه عليهم برير يظهر إصرارهم على العدوان..

ثانياً: إن عملهم هذا يظهر أنهم غادرون، ومصرون على المضي في غدرهم إلى النهاية، فإنهم - كما ذكر برير في كلامه لهم - هم الذين كتبوا إلى الإمام الحسين «علیه السلام» ليغيثهم، ودعوه إلى المجيء إليهم لينظر فيما يصلح أمرهم متعهدين له بالتأييد والمعونة والطاعة.. فما معنى أن يصروا على اعتقاله، وتسليمه إلى عدوه الجبار العاتي، ليرى فيه رأيه؟!

ثالثاً : إنه «رحمه اللّه» قد وضعهم أمام هذا التناقض الذي لا يرضاه الرجال لأنفسهم. فرضاهم به وإصرارهم عليه يدل على اختلال خطير في سماتهم وصفاتهم الإنسانية والأخلاقية..

والدليل على هذا السقوط الأخلاقي المريع : هو قسوتهم البالغة، التي تدلل على فقدانهم للمشاعر الإنسانية..

ما ندري ما تقول:

وحين بيَّن لهم برير بإسهاب مدى الغي والسقوط الذي كانوا فيه، لم يجدوا جواباً له، إلا قولهم:

«يَا هَدًا ! ما نَدري ما تَقولُ».

وسيأتي أن الشمر قال للإمام الحسين «علیه السلام»: «هُوَ يَعبُدُ اللّه عَلى حَرفٍ إِن كَانَ يَدري ما يَقولُ»!.

وقد حكى اللّه تعالى ذلك عن قوم شعيب، حين دعاهم شعيب «علیه السلام» إلى التوبة والاستغفار فقال: «قَالُوا يَاشْعَيْبُ مَا تَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزيز» (1).

والآيات الدالة على أن أهل الضلال: «لهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلَّ» (2). وأن اللّه قد «خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَهُ» (3). وقال تعالى: «وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا» (4).

وهذه الآيات كثيرة..

ولعل خبث نوايا أهل الضلال، وسوء أعمالهم، وظلمات نفوسهم يؤدي بهم إلى أن يفقدوا لذة الطاعة، ويتحول حب الخير إلى كراهة له


1) الآية 91 من سورة هود.

2) الآية 179 من سورة الأعراف.

3) الآية 7 من سورة البقرة.

4) الآية 46 من سورة الإسراء، والآية 25 من سورة الأنعام وراجع: الآية 57 من سورة الكهف. والآيات في ذلك كثيرة.

ونفور من كل ما هو خير وصلاح وفلاح ونجاح، وتصير حتى الكلمات المعبرة عنه ممجوجة في أسماعهم، وكل ما يدعو إليه، ويدل عليه مبغوض لهم، وترفضه أسماعهم، ولا تراه أعينهم.

موقف آخر لبرير:

وذكرت الرواية التي رواها الصدوق «رحمه اللّه» بسنده عن عبد اللّه بن منصور، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده [زين العابدين] «علیهم السلام» - في ذكر أحداث يَومٍ عاشوراء - موقفاً آخر لبرير، فقد قال «علیه السلام»: بَلغَ العَطشُ مِنَ الحُسَين «علیه السلام» وأصحابهِ، فَدَخَلَ عَليهِ رَجُلٌ مِن شِيعَتِهِ يُقَالُ لهُ بُرَيرُ بنُ خُضَير الهمدانِيُّ (1)- قالَ إبراهيمُ بنُ عَبدِ اللَّهِ راوي الحَديثِ: هُوَ خالُ أبي إسحاق الهمداني - فقالَ : يَا ابْنَ رَسُولُ اللَّهِ، أَتَأْدْنُ لي فأخرج إليهم، فأكَلمَهُم؟

فَأَذِنَ لَهُ، فَخَرَجَ إليهم، فقال : يا معشر النّاسِ إِنَّ اللَّهَ عز وجل بَعَثَ مُحَمَّداً بالحَقِّ بَشيراً ونذيراً، وداعِياً إلى اللّهِ بإِذنِهِ، وسراجاً منيراً، وهذا ماءُ الفُراتِ تَقعُ فِيهِ خَنازيرُ السَّوادِ وكِلابُها، وقد حِيلَ بَينَهُ وَبَينَ ابنه!


1) في بحار الأنوار ج 44 ص 318 وروضة الواعظين ص204 و (منشورات الشريف الرضي) ص 185 والعوالم، الإمام الحسين ص167: يزيد بن حصين الهمداني.

فقالوا: يا بُرَيرُ، قد أكثرت الكَلامَ فَاكْفُف، فَوَاللَّهِ، ليَعطشُ الحُسَينُ كَما عَطِشَ مَن كانَ قبلهُ. (يعني: عثمان بن عفان).

فقالَ الحُسَينُ «علیه السلام»: أقعد يا يُريرُ (1).

ونقول:

نلاحظ:

أولاً: هذا الانضباط الشديد الظاهر في الأصحاب في موارد عديدة، ومنها هذا المورد، ضمن دائرة أوامر ورغبات إمامهم، فإن بريراً لم يبادر إلى مخاطبة جيش الظالمين إلا بعد أن استأذن من الإمام «علیه السلام».

ثانياً: أن هذه المبادرة قد جاءت استجابة لعاطفة جياشة حركت بريرا الذي كان يعاني هو الآخر.. وكذلك سائر الأصحاب من العطش كما كان يعاني منه الإمام الحسين «علیه السلام» أيضاً.

ثالثاً :عرفنا أن الحسين «علیه السلام» كان هو وأخوه الإمام الحسن «علیه السلام»، قد أوصلا الماء إلى عثمان. فكيف يريد هؤلاء أن يجازوا الحسين بحرمانه من الماء، لأن عثمان كان قد عطش حين


1) الأمالي للصدوق ص 222 وبحار الأنوار ج 44 ص 318 وروضة الواعظين ص 204 و (منشورات الشريف الرضي) ص 185 والعوالم، الإمام الحسين ص 167 من دون نسبته إلى الإمام، وموسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 105 و 106 عنهم.

حاصره طلحة والزبير، وأبناؤهما، وسائر من كان معهما ؟!

وهل هذا إلا منطق أعوج، وساقط، لا مبرر له إلا عمى قلوبهم، الذي بلغ إلى حد قلب الحقائق ؟!

ولأجل هذا قال الإمام «علیه السلام» لبرير: ارجع يا برير، فإن جوابهم أظهر أنه لا فائدة من الكلام مع هؤلاء.

زهير ينصح ويحتج:

عن كثير بن عبد اللّه الشعبي: لمّا زَحَفْنا قِبَلَ الحُسَينِ، خَرَجَ إلينا زُهَيرُ بنُ القين عَلى فَرَس له ذنوب شاكٍ فِي السّلاح، فقال:

يا أهل الكوفة، نَذار لكُم مِن عَذَابِ اللّهِ نَذار! إِنَّ حَقًّا عَلَى المُسلِمِ نَصيحة أخيهِ المُسلِم، ونَحنُ حَتَّى الآن إخوَةٌ، وَعَلى دين واحِدٍ ومِلةٍ واحِدَةٍ، ما لم يقع بَينَنا وبَينَكُمُ السَّيفُ، وأنتُم لِلنَّصيحَةِ مِنّا أهلٌ، فَإِذا وَقَعَ السَّيفُ انقطعَتِ العِصمَة، وكنّا أمة وأنتُم أُمَّة.

إنَّ اللّه قدِ ابتلانا وإيَّاكُم بِدُرِّيَّةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ «صلی اللّه علیه وآله»، لِيَنظُرَ ما نَحنُ وأَنتُم عامِلُونَ.

إِنَّا نَدعُوكُم إِلى نَصرهم وخذلان الطاغِيَةِ عُبَيدِ اللّهِ بن زيادٍ؛ فَإِنَّكُم لا تُدركونَ مِنهُما (1)إلا بسوءٍ عُمُرِ سُلطانِهما كُلِّهِ، ليَسمُلانٌ أَعيُنَكُم، ويَقطعانٌ أَيدِيَكُم وأرجُلُكُم، ويُمَتِّلانٌ بِكُم، ويَرْفَعَانَّكُم عَلَى


1) لعل الضمير هنا وما يأتي بعده يرجع إلى يزيد وابن زياد معاً، ولذلك استعمل ضمير التثنية.

جُذوع النخل، ويُقتلان أماثِلَكُم وقُراءَكُم أَمثالَ حُجْرٍ بن عَدِيٍّ وأصحابه، وهانئ بن عُروَةَ وأشباهه.

قالَ: فَسَبّوه، وأثنوا عَلى عُبَيدِ اللّهِ بن زيادٍ، ودَعَوا له، وقالوا : وَاللَّهِ، لا نَبْرَحُ حَتَّى نَقْتُلَ صَاحِبَكَ ومَن مَعَهُ، أو نَبعَتْ بِهِ وبِأَصحابِهِ إلى الأمير عُبَيدِ اللّهِ سِلما.

فَقالَ لَهُم: عِبادَ اللّهِ ! إِنَّ وَلَدَ فَاطِمَة «رضوانُ اللَّهِ عَلَيها» أَحَقُّ بِالوُدِّ وَالنَّصر من ابن سُميَّة، فإن لم تَنصُرُوهُم فأعيدُكُم بِاللّهِ أَن تَقْتُلُوهُم، فَخَلُّوا بَينَ الرَّجُلِ وبَينَ ابن عَمِّهِ يَزيدَ بن مُعاوية، فلعمري إِنَّ يَزِيدَ ليَرضى من طاعَتِكُم بدون قتل الحُسين «علیه السلام».

قالَ: فَرَمَاهُ شِمرُ بنُ ذِي الجوشن بسَهم، وقال: أسكت أسكَتَ اللّهُ نَأَمَتَكَ (1)، أبرَمتَنا (2)بِكَثْرَةِ كَلامِكَ !

فقالَ لهُ زُهَيرٌ: يَا ابنَ البَوّال عَلى عَقِبَيهِ، ما إِيَّاكَ أَخَاطِبُ، إِنَّمَا أنتَ بَهِيمَة، وَاللّهِ ما أظنُّكَ تُحكِمُ مِن كِتابِ اللّهِ آيَتَين! فأبشر بالخزي يوم القِيامَةِ، وَالعَذاب الأليم.

قالَ لَهُ شِمرٌ: إِنَّ اللّهَ قاتِلكَ وصاحِبَكَ عَن سَاعَةٍ.

قالَ: أَفَبِالمَوتِ تُخَوِّفُني؟ فَوَاللَّهِ، للمَوتُ مَعَهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْخُلْدِ


1) النَّأمة: الصوت. راجع الصحاح للجوهري ج 5 ص 2038 «نأم».

2) بَرَمَ بِهِ - بالكسر - يبرَمُ بَرَمَاً - بالتحريك - : إذا سئمه ومله. راجع: النهاية في غريب الحديث ج 1 ص 121 «بَرَم».

مَعَكُم.

قالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ عَلى النّاس رافعاً صَوتَهُ، فَقالَ:

عِبادَ اللَّهِ ! لا يَغُرَّتَكُم مِن دينِكُم هذا الجلفُ (1)الجافي (2)وأشباهه! فَوَاللّهِ لا تَنالُ شَفاعَهُ مُحَمَّدٍ «صلی اللّه علیه وآله» قوما هراقوا(3)دِماءَ دُرِّيَّتِهِ وأهل بَيتِهِ، وقتَلُوا مَن نَصَرَهُم وَذَبَّ عَن حَرِيمِهِم. قالَ: فناداهُ رَجُلٌ، فَقالَ لَهُ: إِنَّ أَبا عَبدِ اللّهِ «علیه السلام» يَقولُ لكَ: أقبل، فلعمري لئِن كَانَ مُؤمِنُ آلِ فِرعَونَ نَصَحَ لِقومِهِ، وأبلغَ فِي الدُّعاءِ، لقد نَصَحت لِهؤُلاء وأبلغت لو نَفَعَ النُّصحُ وَالإبلاغ (4).

2 - خَرَجَ زُهَيرُ بنُ القين عَلى فَرَس له، فنادى: يا أهل الكوفة! نَذار لكُم مِن عَذَابِ اللّهِ نَذار ! عِبادَ اللّهِ، وَلدُ فَاطِمَة «عليها السلام»


1) الجلفُ الأحمق. راجع: النهاية في غريب الحديث ج 1 ص 287 «جلف».

2) الجافي: الغليظ الخلقة والطبع. راجع : لسان العرب ج 14 ص 148 «جفا».

3) هراق الماء يهريقه صبَّه، وأصله : أراقه يريقه راجع: القاموس المحيط ج3 ص 290 مادة «هراق».

4) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 103 - 105 عن: تاريخ الأمم والملوك جه ص426 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 323 والكامل في التاريخ ج4 ص63 والبداية والنهاية ج 8 ص 180 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 194 كلاهما نحوه وراجع: أنساب الأشراف ج 3 ص 397 ونهاية الأرب ج 20 ص 442 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 244 وأعيان الشيعة ج 7 ص 72 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 120 وإبصار العين ص165 وجمهرة خطب العرب ج 2 ص 54.

أَحَقُّ بِالوُدِّ وَالنَّصر مِن وَلدِ سُميَّة، فإن لم تَنصُرُوهُم فلا تقاتلوهم.

أَيُّهَا النّاسُ إِنَّهُ ما أصبَحَ عَلى ظهر الأرض ابنُ بِنتِ نَبِيٍّ إلا الحُسَينُ «علیه السلام»، فلا يُعِينُ أَحَدٌ عَلى قتلِهِ ولو بِكَلِمَةٍ إِلَّا نَغَّصَهُ (1)اللّهُ الدُّنيا، وعَدْبَهُ أَشَدَّ عَذَابِ الآخِرَةِ (2).

ونقول:

يستفاد من هذا النص أمور، نذكر منها:

1 - أن الذي ذكر أن يزيد بن معاوية يرضى من أهل العراق بطاعتهم بدون قتل الحسين «علیه السلام» هو زهير بن القين. وليس الحسين «علیه السلام».

2 - إن زهيراً لم يطلب منهم أن يَدَعُوا الحسين «علیه السلام» يذهب إلى يزيد - ابن عمه على حد تعبيره - ليضع يده في يده، بل تحدث عن أن ما يريده يزيد منهم هو طاعتهم له. فإن تيقن من حصولها، صرف النظر عما عداها.

3 - إن ما يدعيه بعض محبي الفريق الأموي، من أن الحسين قد عرض على جيش بني أمية أن يذهب إلى يزيد ليضع يده في يده، هو من مخترعات خصوم أهل البيت «علیهم السلام».. ولعل من أهدافهم


1) نغَّص اللّه عليه عيشه: أي كدره راجع: الصحاح ج 3 ص 1059 مادة «نغص».

2) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 244.

من إشاعة هذه الأباطيل إلقاء التبعة في هذه الجريمة النكراء على عاتق ابن زياد وأعوانه، كالشمر وعمر بن سعد، وغيرها..

4 - إن هذه النصوص تظهر أن قتل الحسين «علیه السلام» - إن لم يستأسر لهم - كان قراراً متخذا، فإذا أسروه، فإن ابن زياد لن يبقي عليه أيضاً.. فإن هذا هو مضمون الأمر الصريح الذي أصدره إليه یزید.

وحينئذٍ، فإن أسر عبيد اللّه بن زياد للحسين «علیه السلام»، يجعله قادراً على ارتكاب جريمته وفق خطته هو، من دون أن يعطي أي شاهد عليها، ويضيع بذلك دمه، إن لم نقل إنه سوف يحاول أن يرمي بالتهمة على مجهول، ثم يتولى هو تشييع جنازته «علیه السلام»، وربما قبض على بعض الناس، وقتلهم بعنوان الإقتصاص منهم.

وبذلك يصبح هؤلاء القتلة المجرمون أبطالاً أوفياء لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، محبين لأهل بيته، آخذين بثأرهم.

5 - غير أن مواقف الحسين وأصحابه في كربلاء، ومنها هذا الموقف من زهير بن القين، كانت تدفع أعداءهم للتصريح بما في قلوبهم، والجهر بما عقدوا العزم عليه.

فلم يعد هذا الأمر مجرد استنتاج من قرائن الأحوال، التي قد يمكن التلاعب بها، أو التشكيك بصوابيتها، أو اعتبارها مجرد ظنون وحدسيات.

6 - إن تصريح زهير «رحمه اللّه» في هذا الخطاب بأنهم ما زالوا

يعتبرونهم على ملة الإسلام، وأنهم يرونهم إخوة لهم، تجب عليهم نصيحتهم يظهر التفاوت بين منطق أهل الحق، ومنطق الظالمين المبطلين فهذا يلتزم بالعمل وفق ما يأمر به اللّه، وهذا يخضع لأهوائه، وينقاد الشهواته ونزواته.

7 - إذا وقع السيف بين هذين الفريقين، فمن الواضح: أن مبيري عترة الأنبياء، وقتلة الأوصياء والأخيار والصلحاء، والخارجين على أمام زمانهم، لن يكونوا مع أولئك المظلومين بمنزلة واحدة، بل سيساق القتلة والمجرمون إلى النار، ويكون الأئمة الأطهار، والصالحون الأخيار في أعلى عليين في جنات النعيم.

الفصل الثالث : إحتجاجات ومناشدات الحسين «علیه السلام»..

اشارة

مناشدات الحسين «علیه السلام» في اليوم العاشر :

1 - عن عبد اللّه بن منصور، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده [زين العابدين] «علیهم السلام» - في ذكر وَقائِعِ يَوم عاشوراء - قال:

وَثَبَ الحُسَينُ «علیه السلام» مُتَوَكَّنَا عَلَى سَيفِهِ، فنادى بأعلى صَوتِهِ، فقال: أنشدُكُمُ اللّهَ، هَل تَعرفُوتي؟

قالوا: نَعَم أنتَ ابنُ رَسول اللّهِ، وسبطة.

قالَ أَنشُدُكُمُ اللّه هَل تَعلمونَ أَنَّ جَدّي رَسولُ اللّهِ «صلی اللّه علیه وآله»؟

قالوا: اللّهُمَّ نَعَم.

قالَ: أَنشُدُكُمُ اللّهَ، هَل تَعلمون أنَّ أمّي فاطِمَهُ بِنتُ مُحَمَّدٍ «صلى اللّه عليه وآله»؟

قالوا: اللّهُمَّ نَعَم.

قالَ: أَنشُدُكُمُ اللّهَ، هَل تَعلَمونَ أَنَّ أَبي عَلِيُّ بنُ أَبي طَالِبٍ «عليه السلام»؟

قالوا : اللّهُمَّ نَعَم.

قالَ: أَنشُدُكْمُ اللّهَ، هَل تَعلمونَ أَنَّ جَدَّتي خَديجَةٌ بِنتُ خُوَيلِدٍ أَوَّلُ نساء هذه الأُمَّةِ إسلاماً؟

قالوا: اللّهُمَّ نَعَم.

قالَ: أَنشُدُكُمُ اللّه هَل تَعلَمونَ أَنَّ سَيِّدَ الشُّهَدَاءِ حَمَزَةُ عَمُّ أَبي؟

قالوا : اللّهُمَّ نَعَم.

قالَ: فَأَنشُدُكُمُ اللّهَ، هَل تَعلمونَ أَنَّ جَعفَرا الطيّارَ فِي الجَنَّةِ عَمّي؟

قالوا: اللّهُمَّ نَعَم.

قالَ: فَأَنشُدُكْمُ اللّهَ، هَل تَعلَمونَ أَنَّ هذا سَيفُ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَا مُتَقلّده؟

قالوا: اللّهُمَّ نَعَم.

قالَ: فَأَنشُدُكُمُ اللّه هَل تَعلمون أنَّ هذهِ عِمامَهُ رَسول اللّهِ «صلى اللّه عليه وآله» أنَا لايسها؟

قالوا: اللّهُمَّ نَعَم.

قالَ: فَأَنشُدُكْمُ اللّهَ، هَل تَعلَمونَ أَنَّ عَلِيًا كَانَ أَوَّلُهُم إسلاماً، وأعلمَهُم عِلماً، وأعظمهُم حِلماً، وأنَّهُ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ؟

قالوا: اللّهُمَّ نَعَم.

قالَ: فبمَ تَستَحِلُونَ دَمي، وأبي الدَّائِدُ عَن الحَوضِ غَدًا، يَذُودُ عَنهُ رجالاً كَما يُذادُ البَعيرُ الصَّادِي عَن الماء، ولواءُ الحَمدِ فِي يَدَي جَدّي

يَومَ القِيامَةِ؟

قالوا : قد عَلِمنا ذلِكَ كُلهُ، ونَحنُ غَيرُ تاركيكَ حَتَّى تَذوقَ المَوتَ عَطشاً.

فأخذ الحُسَينُ «علیه السلام» بطرَفِ لِحيَتِهِ، وَهُوَ يَومَئِذٍ ابنُ سَبع وخَمسينَ سَنَةً، ثُمَّ قَالَ: اِشتَدَّ غَضَبُ اللّهِ عَلَى الْيَهُودِ حين قالوا: عُزَيرٌ ابنُ اللَّهِ، وَاشْتَدَّ غَضَبُ اللّهِ عَلى النَّصارى حين قالوا : المَسيحُ ابْنُ اللّهِ، وَاشْتَدَّ غَضَبُ اللّهِ عَلى المَجوس حينَ عَبَدُوا النّارَ مِن دونِ اللّهِ، وَاشْتَدَّ غَضَبُ اللّهِ عَلى قومٍ قَتَلُوا نَبِيَّهُم، وَاشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ العِصَابَةِ الذين يُريدون قتل ابن نَبِيِّهم (1).

2 - لمّا أصبحوا قالَ الحُسَينُ «علیه السلام»: اللَّهُمَّ أَنتَ ثِقتي في كُلِّ كَربٍ، وَرَجائي في كُلِّ شَدَّةٍ، وأنتَ فيما نَزَلَ بِي ثِقَةٌ، وأَنتَ وَلِيُّ كُلّ نِعْمَةٍ، وصاحِبُ كُلِّ حَسَنَةٍ.

وقالَ لِعُمَرَ وجُندِهِ: لا تَعجَلُوا وَاللّهِ ما أَتَيْتُكُم حَتَّى أَتَتنى كُتُبُ أماتلكم بأنَّ السُّئَة قد أميتَت وَالنّفاق قد نَجَمَ، وَالحُدود قد عُطّلت، فاقدَم


1) الأمالي للصدوق ص 222 وموسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 106 - 108 عنه، وعن الملهوف ص 145 - 158 و (نشر أنوار الهدى) ص52 وروضة الواعظين ص205 و (منشورات الشريف الرضي) ص185 من دون إسناد إلى أحد من أهل البيت، وكلاهما نحوه، وبحار الأنوار ج44 ص 318 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 167 ولواعج الأشجان ص 111 والمجالس الفاخرة ص 240.

لعَلَّ اللَّهَ يَصلحُ بك الأمَّة، فأتَيتُ، فإذ كرهتُم ذلِكَ، فأنا راجع، فارجعوا إِلَى أَنفُسِكُم، هَلْ يَصلُحُ لَكُم قتلي، أو يَحِلُّ دَمي؟

ألستُ ابنَ بنتِ نَبِيِّكُم وَابنَ ابن عَمِّهِ؟ أَولِيسَ حَمَزَهُ وَالعَبّاسُ وَجَعَفَرٌ عُمومتي؟ ألم يبلغكُم قولُ رَسول اللّهِ «صلی اللّه علیه وآله» فِيَّ وفي أخي: «هذان سَيِّدا شَبَابِ أهل الجَنَّةِ»؟

فقالَ شمرٌ: هُوَ يَعبُدُ اللَّهَ عَلى حَرفٍ إِن كَانَ يَدري ما يَقُولُ!

فَقالَ عُمَرُ : لو كان أمرُكَ إِليَّ لأجَبتُ.

وقالَ الحُسَينُ «علیه السلام»: يا عُمَرُ لَيَكونَنَّ لِما تَرى يَومٌ يَسوؤُكَ.

اللّهُمَّ إِنَّ أهلَ العِراق غَرّوني، وخَدَعوني، وصنعوا بأخي ما صَنَعوا، اللّهُمَّ شَنّت عَليهم أمرَهُم، وأحصهم عَدَداً (1).

ونقول:

طريقة المناشدة:

إن أسلوب مناشدة الطرف الآخر، هو في حقيقته أسلوب استدراجي، يعتمد على حالة الإبهام والغموض في الهدف من الأسئلة التي تطرح، ثم يفاجئ الطرف الآخر بالنتيجة التي لم يكن يتوقعها،


1) سير أعلام النبلاء ج 3 ص 301 والطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 468 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 72 وراجع تذكرة الخواص ص227.

وهي طريقة تثير لدى الطرف المشارك فيها حالة من الترقب، والفضول لمعرفة الغايات والنهايات والنتائج التي سوف يخلص إليها من خلال تمهید مقدمات تفرض نفسها على الطرف الآخر، ويلزمه بها استناداً إلى إقراره أو إنكاره..

وإنما يلجأ إليها أهل الحق، باعتبار أنهم يعتمدون على مسلمات ويقينيات لا مجال لإنكارها ممن يلتزم أمام اللّه تعالى بالإقرار بما هو حق وصدق، فيكون وجدانه الديني شاهدا عليه، ويعضده تحرجه من الكذب الواضح والفاضح، لو أراد أن ينكر المسلمات التي لا يجهلها أحد.

وقد تضمنت المناشدة الأولى ثلاث مراحل، نذكرها على النحو التالي:

المرحلة الأولى: مرحلة تعريف الإمام بنفسه:

ونستطيع أن نبين بعض ما يرتبط بهذه المرحلة كما يلي:

حشد الدلالات:

يلاحظ: أنه «علیه السلام» قد طرح في البداية عليهم سؤالاً عن نفسه، فأجابوه بما كان يمكنه الاكتفاء به عن طرح بعض الأسئلة بعده لو كان المطلوب هو مجرد الإقرار بقرباه من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».. فقد أقروا بمعرفتهم به، وبأنه ابن رسول اللّه وسبطه..

ولكنه «علیه السلام» قد عقب ذلك بالسؤال عن معرفتهم بأن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» جده، فأجابوه بالإيجاب مع أن

كونه سبط رسول اللّه معناه أن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» جده..

ثم سألهم عن معرفتهم بأن أمه هي فاطمة بنت محمد.. فأقروا له بذلك، مع أن السؤال والجواب الأول قد تضمن: أنه ابن الرسول، وأنه سبطه، والسبط هو ابن البنت..

وهكذا يقال: بالنسبة للسؤال عن جدته خديجة، وعن الحمزة عم أبيه، وعن عمه جعفر الطيار، وعن أبيه..

ولعل الغرض من ذلك كله: هو التأثير النفسي عليهم، من خلال تراكم وتزاحم الدلالات أمام أعينهم، وهي تحمل لهم المزيد من الخصوصيات المعبرة عن كمال الاندماج إلى حد الذوبان في بيئة الطهر، والإيمان والخلوص، والصدق، والتقوى.. كما أنها بيئة تضحية وجهاد، وعلم ورشاد، ومروءة وإباء، وشجاعة وسداد..

إن هؤلاء هم أعلام الإسلام ورموزه، وأقماره، وشموسه، الذين لا يمكن لأحد أن ينكر فضلهم، أو موقعهم وأثرهم في هذا الدين، وإعلاء شأنه، ونشر أعلامه..

وتبقى المسؤولية عليهم في المقارنة بينه «علیه السلام» وبين أولئك الناس الذين هم نتاج بيئة الأهواء والعصبيات، ومحيط الغوايات والضلالات، ويعيشون في حمأة الشهوات، ويعتمدون سبيل الظلم والعدوان والإبتزاز والإذلال للحق وأهله.

فكيف يستسيغون قتل وإبادة عترة الرسول، وأبنائه، وذريته،

وسبي حرمه، ومن هم على خطه ونهجه في طاعة أولئك العتاة والجبارين، الذين لا يدينون دين الحق، وهم في الآخرة من الخاسرين؟!

ملاحظات في التعابير المختارة:

والناظر في كلماته «علیه السلام»، التي اختارها للتعريف بنفسه، وبأمه، وأبيه يجد أموراً لافتة:

1 - فهو في بداية كلامه اكتفى بنسبة نفسه إلى جده، وذكره بعنوان رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وذلك بعد إقرارهم بأنه «علیه السلام» ابن هذا الرسول.

ولكنه حين أراد أن يتحدث عن أمه «عليها السلام» ذكرها وذكر أباها باسميهما، فقال: أمي فاطمة بنت محمد «صلی اللّه علیه وآله».

فلو أنه «علیه السلام» قال: أمي فاطمة. فلربما ظن أعرابي جاهل، بإن المراد فاطمة أخرى، كما أنه لم يذكر «علیه السلام» لها وصفاً ولا سمة، ككونها سيدة نساء العالمين مثلاً..

2 - وهكذا فعل بالنسبة لانتسابه لأبيه في أول الأمر، ربما لأنه يعلم مدى بغض كثير من ذلك الجيش لأبيه، فلم يرد أن يحركهم، ويثير حفظيتهم في البداية لكي لا يلجأوا إلى الشغب والتشويش عليه، ومنعه بذلك من إتمام كلامه وبلوغ مقاصده.

3 - ولكنه «علیه السلام» قد وصف عم أبيه حمزة، وجعفراً، وجدته خديجة بأوصاف جليلة، شاعت وذاعت، وعرفت عنهم،

ويعترف الناس كلهم لهم بها.

4 - إنه «علیه السلام» قد تخير من أوصاف وسمات هؤلاء ما لا يجد مناوئوه حرجاً في سماعه، والإقرار به..

فقد وصف حمزة مثلاً : بأنه سيد الشهداء، وهو وصف أنيس، ورضي، يتناغم مع العاطفة، ولم يصفه بأنه أسد اللّه وأسد رسوله مثلا، لأن هذا الوصف الأخير قد يثير حفيظة الكثيرين من بني أمية وغيرهم، لأن حمزة إنما حارب أهل الشرك، وقد كان أسلافهم قادة المشركين ورموزهم، وشارك في قتل فراعنتهم، وقد قال عثمان بن عفان لعلي «علیه السلام»: ما ذبني إذا لم تحبك قريش وقد قتلت منهم سبعين رجلا كأن وجوههم سيوف (أو شنوف) الذهب (1).

وقد صرح يزيد بكفره، حين وضع رأس الحسين «علیه السلام» بين يديه، وصار ينكت ثنايا الإمام الحسين «علیه السلام»، بمخصرته ويقول:

ليت أشياخي ببدر شهدوا***جزع الخزرج من وقع الأسل

إلى أن قال:


1) معرفة الصحابة لأبي نعيم الورق 22 (مخطوط في مكتبة طوپ (قپوسراي) رقم 497/1 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 9 ص 22 والتحفة العسجدية ص 131 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 202 وبحار الأنوار ج 31 ص 461 وحياة الإمام الحسين «علیه السلام» للقرشي ج 1 ص 235 ومناقب أهل البيت «علیه السلام» للشيرواني ص 375.

لست من خندف إن لم انتقم***من بني أحمد ما كان فعل

كما أنه «علیه السلام» قد وصف عمه جعفر بن أبي طالب بأنه «الطيار في الجنة» وهو - كوصف حمزة بسيد الشهداء - في مقبوليته وفي طراوته، وكونه من دواعي تحرك العاطفة، وفيه معنى التضحية، ومن دلائل الشجاعة ومن موجبات الإكبار والإجلال، وما إلى ذلك..

كما أنه قد وصف خديجة : بأنها أول نساء هذه الأمة إسلاماً، ولم يذكر شيئاً عن أنها كانت في كمالها، كمريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم، وفاطمة بنت محمد ولم يذكر مقاماتها وتضحياتها. لكي لا يفهم ذلك على أنه تعريض ببعض نساء النبي «صلی اللّه علیه وآله»، وما كان يعانيه النبي منهن، حتى إنه «صلی اللّه علیه وآله» أراد أن يطلقهن لكي يتخلص من أذاهن. وقد نزلت سورة الطلاق في حقهن.

لأن توهم أعدائه أنه «علیه السلام» يريد الإلماح إلى ذلك سوف يوجب اعتراضهم، وهيجانهم، وعدم تمكينه من بلوغ مقاصده.

المرحلة الثانية: للتدليل والإثبات:

وذلك من خلال عرضه «علیه السلام»..

سيف وعمامة الرسول «صلی اللّه علیه و آله وسلم» في ذلك الجمع:

1 - فإن المقطع الثاني من المناشدة قد جاء، ليكون استثماراً للمناشدات التي وردت في المقطع الأول، بل هي شاهد لها، ودليل

عليها، فقد سألهم عن عمامة الرسول وسيفه اللذين كانا في حوزته، لأن تقلده لسيف رسول اللّه، ولبسه لعمامته شاهد علی ور اثته واستحواذه على هذا الإرث بصورة عملية وفعلية.

هذا.. فضلاً عن أنه «علیه السلام» وارث العلم، والمقام والموقع أيضاً، إذا أردنا أن نعتبر البسه «علیه السلام» لهذه العمامة الخاصة، وتقلده خصوص هذا السيف، في هذا المقام بالذات، تكريسا للمعنى الإيحائي الذي أراد «علیه السلام» أن يفرضه على مناوئيه في ذلك الموقف الذي هو موقف التحدي والتصدي..

2 - إن مناشدته لهم في أمر السيف والعمامة، وإقرارهم بأنهما الرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وأنه «علیه السلام» يلبس تلك ويتقلد هذا يدل على أن عمامة وسيف رسول اللّه كانا معروفين لدى عامة الناس، لأنهم كانوا قد رأوا هذا السيف وتلك العمامة مع أمير المؤمنين «علیه السلام» حين كان في الكوفة، وكان علي «علیه السلام» يتقلد السيف ويلبس العمامة باستمرار، ولاسيما في حروبه مع أعدائه، وقد يقال : إن معرفة العمامة والسيف إنما يكون ممكنا وميسوراً إذا كانت في العمامة والسيف علامة فارقة، يعرفها الناس إذا رأوها، وهي علامة لا مجال لتزويرها أو التلاعب فيها. وإن لم نجد فيما بين أيدينا ما يدلنا على هذه العلامة..

3 - إن هذه المناشدة وما تضمنته من إقرارت متتالية، تدل أيضاً على أن ذلك الجيش الباغي أو أكثره، أو كباره وأعيانه، كانوا على

دراية تامة بحقيقة ما يقدمون عليه، وأنهم ما كانوا جهلاء ولا أغبياء، وإنما كانوا جاحدين متعمدين للباطل عن معرفة ويقين.

المرحلة الثالثة: البغض.. لماذا؟!

ثم انتقل «علیه السلام» إلى مرحلة ثالثة يمكن أن نعتبرها مرحلة تقويض الأسس والمنطلقات للبغض الشديد، الذي كان يحمله أولئك الأعداء لعلي «علیه السلام»، وذلك وفق البيان التالي:

1 - قد يزين هؤلاء القوم لأنفسهم أن بغضهم لعلي «علیه السلام» يبرر لهم قتل ذريته، وأهل بيته، وسبي نسائه ولعل ما يستدلون به على هذا المنطق هو ما أشرنا إليه عن قريب وهو قول عثمان لعلي «علیه السلام»: إن سبب عدم حب قريش له هو قتله رجالاتهم على الشرك، بالإضافة إلى الشعر الذي قاله يزيد «لعنه اللّه» حين جيء بالسبايا وبرأس الحسين إليه، فصار ينكت ثناياه «علیه السلام» بمخصرته.

2 - إن إقرارهم بالأمور الأربعة التالية قد جاء ليجعل أوهامهم هذه كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف:

فقد أقروا في المناشدة المتقدمة بأن علياً «علیه السلام»:

ألف : أول الناس إسلاماً..

ب: إنه «علیه السلام» أعلم الناس علماً.

ج: إنه أعظم الناس حلماً.

د: إنه ولي كل مؤمن ومؤمنة.

3 - نلفت نظر القارئ الكريم : أن كلمة «علما» الورادة في فقرة «ب» يراد بها إفادة معنى الشمول لجميع أنواع العلوم وأقسامها، ومن دون اختصاص بشيء دون شيء.

4 – يلاحظ: أن هذه الأمور الأربعة، كانت معرفتها ميسورة للناس بأنفسهم من خلال المعاينة، أو التجربة أو المعاملة، وما يرونه من سلوك، وما يظهر لهم من معارف من خلال الاحتكاك به «عليه السلام»، وسماع كلامه ومقارنة ما يظهره من غزارة وتبحر وتبصر في العلوم المختلفة بما لدى غيره من قصور علمي ظاهر في مختلف المجالات.

5 - إن العلم الصحيح والغزير والشامل هو من أعظم الركائز التي يقوم عليها بناء الحياة، ولا يستقيم بدونها.. وهو العنصر الأهم والأقوى الذي يحتاج إليه مقام الإمامة.

6 - فإذا انضم هذا العلم إلى الملكات الأخلاقية الراقية، والكمال والتوازن بين هذه الملكات، وفق ما يريده سبحانه، فإن ذلك يجعل النفوس مستعدة لتقبل جعل اللّه تعالى له «علیه السلام» وليا لكل مؤمن ومؤمنة. فإن إدراك الناس لهذا التميز في العلم، وفي السلوك، فهو أعلم البشر، وهو أعظم الناس حلماً وسجاحة خلق، وسلامة تعامل - إن إدراك هذا الأمر، من شأنه أن يهيء النفوس والعقول لتقبل ولايته «علیه السلام»، ويجعله على الصعيد النظري أمراً لا محيص عنه، ولا مجال للجدال في صوابيته، وضرورته.

أما في المجال العملي، فإنه إذا طغت الأهواء على بعض الناس، وساروا في طريق الغي، والجحود، فإنهم لا يعذرون في ذلك، كما أن من يجاريهم، وينقاد لهم، ويرضى بما يسخط اللّه منهم لا يكون معذوراً أيضاً لقيام الحجة عليه، ووضوح الأمر لديه.

المرحلة الرابعة: السؤال المحرج:

وهنا جاء السؤال التقريري الذي لن يجد الظالمون له جواباً، وهو قوله «علیه السلام»: فبم تستحلون دمي، وأبي الدائد عن الحوض الخ..؟!

فإنه إذا كانت هذه هي مواصفات أبيه علي «علیه السلام»، وهذا هو الموقع الذي وضعه اللّه فيه، حيث جعله ولياً لكل مؤمن ومؤمنة، فإما أن يقر قتلة ذريته - بغضاً منهم - له «علیه السلام» على أنفسهم: بأنهم ليسوا من أهل الإيمان، ليكون علي «علیه السلام» وليهم، وإما أن يتراجعوا عن إقرارهم هذا المستند إلى هذا البغض الذي يحركهم...

وهم يرفضون الخضوع لكلا الخيارين، وبذلك يكونون قد رضوا بأن يذادوا في الآخرة عن حوض الكوثر، لأنه ليس لعلي أن يسقي مبغضيه من ذلك الحوض.. وبالتالي، فإنه ليس لهم طريق للوصول إلى ظلال لواء الحمد الذي هو في يد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» لكي يكونوا في ظل هذا اللواء.

وهذا يدل على بوار التخيلات التي تراهن على الفصل بين علي والنبي «صلوات اللّه عليهما وعلى آلهما» لا في الدنيا، ولا في يوم

القيامة. فإن من المستحيل أن يصل إلى النبي أحد لم يشرب من يد علي من حوض الكوثر..

وهنا جاءه جواب من لا يملك جواباً ولا خطابا بالإصرار الوقح على الضلال. والجحود للحق، واللامبالاة بالنجاة في الآخرة. واستبدلوا الجنة بالنار، والسعادة بالشقاء، فبئس للظالمين بدلاً.

فاشتد غضب اللّه عليهم حين أرادوا قتل ابن نبيهم، وكان حالهم حال الأمم الضالة التي جعلت اللّه ولدا كاليهود والنصارى، وحال الأمة التي عبدت غير اللّه كالمجوس، وحال الأمة التي قتلت نبيها..

أقدم لعل اللّه يصلح بك الأمة:

إن ما نقله الإمام الحسين «علیه السلام» - وفق ما جاء في النص الثاني المتقدم - من أن أهل العراق كتبوا إليه يدعونه للقدوم عليهم، ليس فيه أية إشارة إلى أنهم قد دعوه لقتال الحكام، والقيام على السلطان، وأنه قد قبل دعوتهم، وقدم عليهم على هذا الأساس. لكي يقال إن ذلك هو السبب في استحلال بني أمية سفك دمه.

ونجيب:

أولاً: إن هذا ليس فقط لا يتضمن أية إدانة له «علیه السلام». بل فيه ما يدل على براءته من هذه التهمة أيضاً، فإن الذين كاتبوه قد ذكروا له ما دل على أن الناس قد أصيبوا في دينهم، فقد أميتت السنة، ونجم النفاق، وعطلت الحدود.

وهذا أمر خطير يحتاج إلى اجتراح الحلول له. فقد يكون الحل

هو المبادرة إلى نشاط ثقافي وتربوي واسع، يعيد الأمور إلى نصابها.

وقد تكون الإصلاحات الإجتماعية والعناية بالناحية المعيشية للناس جزءاً من هذا الحل...

وقد يكون الحل هو تفعيل النشاط المتعلق بمسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو تصويب وإصلاح الأساليب المعتمدة في ذلك، وقد يكون الحل غير ذلك..

وقد صرح النص المتقدم: بأن الدعوة التي تلقاها الإمام الحسين «علیه السلام» من أهل الكوفة لم تكن لأجل القتال، ومواجهة النظام، وإنما هي دعوة للإصلاح حيث قالوا :له فأقدم لعل اللّه يصلح بك الأمة.

ثانياً: إن بني أمية هم الذين أخافوا الإمام الحسين «علیه السلام»، وأزعجوه، وأرادوا قتله، حتى خرج من المدينة، ثم زاد تصميمهم، وإصرارهم على قتله حين أصبح في مكة، حتى خاف أن تنتهك به حرمة الحرم..

ولم يزل «علیه السلام» يصرح بأن بني أمية لن يقر لهم قرار، ولن يهنأ لهم عيش حتى يصلوا إلى غايتهم هذه. فلم يكن استحلالهم لدمه «علیه السلام» بسبب قبوله دعوة أهل العراق، وقدومه عليهم كما يزعمون.

ثالثاً: إنه «علیه السلام» قد عرض عليهم أن يدعوه يرجع من

حيث أتى، أو إلى مأمنه من الأرض، إذا كانوا قد كرهوا قدومه، بعد دعوتهم إياه.

واللافت أن الذين دعوه للقدوم ليسوا أشخاصاً مغمورين، ولا شأن لهم، بل هم الأماثل والكبار، والنخبة، والطبقة ذات المكانة والنفوذ الاجتماعي فإن كان ثمة من سبب يوجب كراهتهم لمجيئه، فإنه لم يأت من قبله «علیه السلام»، ولم تكن له يد فيه، بل كان أماثلهم هم السبب.

فما معنى أن يجلب عليه نفس هؤلاء بخيلهم ورجلهم؟ ولماذا تداعوا لقتله وسفك دمه، ودماء ذريته وأصحابه، وسبي حرمه؟!

رابعاً : هناك بينة أخرى، تدل على أنه لم يرتكب أي شيء يوجب منهم هذا الموقف العنيف، وهي أنه بنص رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» سيد شباب أهل الجنة. فإن سيد شباب أهل الجنة لا يمكن إلا أن يكون معصوماً عن الخطأ مبرءاً من الزلل فكيف وبماذا يستحل هؤلاء قتله ؟!

هل خدع الإمام «علیه السلام»؟!:

وذكر النص الثاني المتقدم: أن الإمام الحسين «علیه السلام» قال اللّهم إن أهل العراق غروني، وخدعوني، وصنعوا بأخي ما صنعوا.

فيرد هنا سؤال يقول:

هل يمكن أن يخدع ويغر الإمام «علیه السلام»؟! وألا يعد هذا نقصاً، أو عيبا في سياسته، وفي إحاطته بالأمور؟!

ونجيب: بإن الإمام «علیه السلام»، وإن كان - بحكم إمامته - يعلم بمآل الأمور، وبدقائقها، وتقلباتها، ويعرف طبائع الناس، وأحوالهم، وكان يخبر الناس أحياناً ببعض من ذلك، ولكنه بحكم موقعه من هذا الدين، وإمامته للأمة، وكونه الراعي والمرشد، والهادي والحافظ لها، إنما يتعامل مع الناس وفق ما علمه عنهم بالوسائل الظاهرية المتوفرة له كما هي متوفرة لغيره، لا من خلال علم خاص حصل عليه بطريقة غير عادية لا سبيل للناس إليها، ولا قدرة لهم عليها، لكونها من الغيب الإلهي المحجوب عنهم، وإنما يختص اللّه تعالى الأنبياء وأوصياءهم بهذه العلوم الخاصة لمصالح وشؤون أخرى، تحتاج إلى تلك العلوم.

والخلاصة: إن الإمام «علیه السلام» يتعامل مع الناس وفق ظواهر أحوالهم، أو ما يظهرونه له، ويصرحون به، مما يكون إدراكه ميسوراً للإمام ولغيره من الناس، ولا يتعامل معهم بالعلم الخاص الذي اختصه اللّه به، وأطلعه عليه.

إذن، فحتى لو كان الإمام «علیه السلام» يعلم بأن أهل العراق يغدرون ويخدعون، لكنهم إذا ادعوا أنهم قد تابوا وأقلعوا عن هذه العادة، وادعوا أنهم سوف يكونون أوفياء وأتقياء، فليس له أن يكذبهم، ولا أن يطردهم، ويمنع عنهم معونته، ويحجب عنهم نصيحته، وعلمه، وهداه.

ولو أنه فعل ذلك لكانت لهم الحجة عليه أمام اللّه، وأمام الناس، وكان لهم أن يقولوا له إنك تتهمنا بأمر لم يصدر منا، فلماذا لم

تختبرنا.

دعاء الإمام على أهل العراق:

ويقول النص المتقدم: إن الإمام «علیه السلام» دعا على أهل العراق، فقال: اللّهم شتت عليهم أمرهم، واحصهم عدداً.

والحقيقة هي: أنه «علیه السلام» لم يدع على جميع أهل العراق، في زمانه، ولا بعد زمانه، وإنما دعا على الذين غدروا به منهم، ولم يدع على غيرهم ممن لم يشاركوهم في جريمتهم، ولاسيما إذا كانوا معذورين في عدم نصرة إمامهم. ويمكن أن يعتبر قوله «علیه السلام» واحصهم عدداً شاهداً أو مساعداً على فهم هذا المعنى.

المناشدة في نصين آخرين:

1 - عن الضحاك المشرقي: كانَ مَعَ الحُسَين «علیه السلام» فَرَس لَهُ يُدعى لاحقا، حَمَلَ عَليهِ ابْنَهُ عَلِيَّ بنَ الحُسين «علیه السلام»، قالَ: فَلمّا دَنا مِنهُ القومُ عادَ براحِلتِهِ فَرَكِبَها، ثمَّ نادى بأعلى صَوتِهِ دُعاءً يُسْمِعُ جُلَّ النّاس:

أَيُّهَا النّاسُ! اِسمَعوا قولي، ولا تُعجلوني حتى أَعِظُكُم بما لِحَقِّ [في الإرشاد: يحق] لكُم عَليَّ، وحتى أعتَذِرَ إِلَيكُم مِن مَقْدَمي عَلِيكُم، فَإِن قبلتُم عُذري، وصَدَّقْتُم قولي، وأعطيتُمونِي النَّصَفَ، كُنتُم بِذلِكَ أَسعَدَ، ولم يكن لكُم عَليَّ سَبيلٌ، وإن لم تَقبَلُوا مِنّي العُذر، ولم تُعطوا النَّصَفَ

مِن أَنفُسِكُم «فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ عُمَّة ثُمَّ اقضُوا إلى ولا تُنظِرُون» (1)، «إِنَّ وَلِيّيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ» (2).

قالَ: فَلَمّا سَمِعَ أَخَواتُهُ كَلامَهُ هذا صحنَ وبَكَينَ، وَبَكَى بَنَاتُهُ، فارتفعت أصواتُهُنَّ، فأرسل إليهِنَّ أَخاهُ العَبّاس بنَ عَلِيٍّ وعَلِيّاً «علیهما السلام» ابنَهُ، وقالَ لهُما أسكِتاهُنَّ فَلعَمري ليَكثرَنَّ بُكَاؤُهُنَّ.. (إلى أن قال:)

فلمّا سَكَتنَ حَمِدَ اللّه وأثنى عَليهِ، وذكَرَ اللّه بما هُوَ أهله، وصلى عَلَى مُحَمَّدٍ «صلی اللّه علیه وآله» وعَلى مَلائِكَتِهِ وَأَنبِيائِهِ، فَذَكَرَ مِن ذلِكَ مَا اللّهُ أعلمُ، وما لا يُحصى ذِكرُهُ.

قالَ: فَوَاللّهِ، ما سَمِعتُ مُتَكَلّما قط قبلهُ ولا بَعدَهُ أبلغ في مَنطِقٍ مِنهُ.

ثُمَّ قَالَ: أمّا بَعدُ، فَانسُبوني فانظروا مَن أنَا، ثُمَّ ارجعوا إلى أَنفُسِكُم وعاتبوها، فانظروا هَل يَحِلُّ لَكُم قتلي، وانتهاك حُرمتي؟

ألستُ ابْنَ بِنتِ نَبِيِّكُم «صلی اللّه علیه وآله» وَابنَ وَصِيِّهِ وَابْن عَمِّهِ، وأوَّل المُؤمِنِينَ باللّهِ، وَالمُصَدِّقِ لِرَسُولِهِ بما جاءَ بِهِ مِن عِندِ رَبِّهِ؟

أوَليسَ حَمرَهُ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ عَمَّ أبي؟

أوليس جَعفر الشهيدُ الطَّيّارُ ذُو الْجَناحَينِ عَمِّي؟


1) الآية 71 من سورة يونس.

2) الآية 196 من سورة الأعراف.

أولم يبلغكُم قول مُستَفيض فيكُم إِنَّ رَسولَ اللّهِ «صلی اللّه علیه وآله» قالَ لي ولِأخي: «هذان سَيِّدا شَبابِ أهل الجَنَّةِ»؟

فإن صَدَّقَتُموني بما أقولُ، وهُوَ الحَقُّ، فَوَاللَّهِ، مَا تَعَمَّدتُ كَذِبا مذ عَلِمتُ أَنَّ اللّهَ يَقْتُ عَليهِ أهله، ويَضُرُّ بِهِ مَن اختَلقَهُ.

وإن كَذَّبتُموني فَإِنَّ فِيكُم مَن إِن سَأَلْتُموهُ عَن ذلِكَ أَخبَرَكُم، سَلوا جابِرَ بنَ عَبْدِ اللّهِ الأنصاري، أو أبا سعيدٍ الخُدري، أو سَهْلَ بنَ سَعدٍ السَّاعِدِيَّ، أو زيد بن أرقم، أو أنس بن مالِكٍ، يُخبروكُم أَنَّهُم سَمِعوا هَذِهِ المقالة مِن رَسولِ اللّهِ «صلی اللّه علیه وآله» لي ولأخي. أفما في هذا حاجرٌ لَكُم عَن سَفَكِ دَمي؟

فَقالَ لَهُ شِمرُ بنُ ذِي الجوشن: هُوَ يَعبُدُ اللّهَ عَلَى حَرفٍ إِن كَانَ يَدري ما يَقولُ [في البداية والنهاية: إن كنت أدري ما يقول].

فَقالَ لَهُ حَبيبُ بنُ مُظاهِرٍ : وَاللّهِ، إِنِّي لأراكَ تَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى سَبْعِينَ حرفا، وأنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ صادِق ما تَدري ما يَقولُ، قد طَبَعَ اللّهُ عَلى قلبكَ.

ثُمَّ قَالَ لَهُمُ الحُسَينُ «علیه السلام»: فإن كُنتُم فِي شَكٍّ مِن هذا القول أفتَشكُونَ أثراً ما أنّي في الكامل [في التاريخ أفتشكون في أني] ابنُ بِنتِ نَبِيِّكُم فَوَاللَّهِ ما بَينَ المَشْرِقِ وَالمَغرِب ابنُ بِنتِ نَبِيٍّ غَيرِي مِنكُم ولا مِن غَيركُم، أنَا ابْنُ بِنتِ نَبِيِّكُم خاصة.

أخبروني، أتَطلبُوتي يقتيل مِنكُم قتلته، أو مالٍ لَكُمُ استهلكته، أو بقصاص مِن جراحَةٍ؟

قالَ: فَأَخَذوا لا يُكَلِّمُونَهُ.

قالَ: فنادی یا شَبَثْ بنَ ربعِي، ويا حَجّارَ بنَ أَبجَرَ، ويا قيسَ بنَ الأَشْعَثِ، ويا يَزيدَ بن الحارث، ألم تكتبوا إليَّ أن قد أَينَعَتِ الثَّمَارُ،

وَاخضَرَّ الجَنابُ، وطمَّتِ الحِمامُ، وإِنَّما تَقدَمُ عَلَى جُندٍ لَكَ مُجَنَّدٍ، فأقبل ؟

قالوا له: لم نَفعَل.

فقالَ: سُبحانَ اللّهِ! بَلَى وَاللّهِ، لقد فَعَلْتُم.

ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النّاسُ! إذ كَرهتموني قدَعوني أنصَرِف عَنكُم إلى مَأْمَنِي مِنَ الأرض.

قالَ: فَقالَ لَهُ قيسُ بنُ الأَشْعَثِ أَوَلا تَنزِلُ عَلى حُكم بَنِي عَمِّكَ؟ فَإِنَّهُم لن يُروكَ إِلا ما تُحِبُّ، ولن يَصلَ إِليكَ مِنهُم مَكروه.

فقالَ الحُسَينُ «علیه السلام»: أنت أخو أخيكَ، أتْرِيدُ أن يَطلُبَكَ بَنو هاشيم بأكثرَ مِن دَم مُسلِم بن عَقِيلٍ؟ لا واللّهِ، لا أعطيهم [أعطيكم] بيدي إعطاءَ الدَّليل، ولا أقرُّ [لكم] إقرار العبيد.

[ثم نادى].

عِبادَ اللّهِ! إِنِّي عُذتُ بِرَبِّي ورَبِّكُم أن تَرجُمون، أعودُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِن كُلِّ مُتَكَبِّر لا يُؤْمِنُ بِيَومِ الحِسابِ.

قالَ: ثُمَّ إِنَّهُ أناخ راحِلْتَهُ، وأمَرَ عُقبة بن سمعان، فعقلها، وأقبلوا يَرْحَمُونَ نَحوَهُ (1).


1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 108 - 110 عن بعض المصادر التالية: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 424 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 321 والكامل في التاريخ ج 4 ص 62 والبداية والنهاية ج 8 ص 178 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 193 والإرشاد ج 2 ص 97 وإعلام الورى ج 1 ص 458 وفيهما : «لا أفر فرار» بدل «أقر إقرار» وكلها نحوه، وبحار الأنوار ج 45 ص 6 و 7 وراجع الأسطر الأربعة الأخيرة في ج 44 ص 191 و 192 وراجع: أنساب الأشراف ج 3 ص 396 و (ط دار التعارف) ج3 ص 188 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 339 وتذكرة الخواص ص 251. وراجع مقتل الحسين لأبي مخنف ص 116 ونهاية الأرب ج 20 ص 439 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 603 وج 11 ص 615 و 621 وج 27 ص 142 وجمهرة خطب العرب ج 2 ص 52.

لفت نظر:

ألف: الجمام: الأمكنة التي يجتمع ماؤها.

ب: قوله «علیه السلام» أنت أخو أخيك: إشارة إلى محمد بن الأشعث ودوره في قتل مسلم بن عقيل «رحمه اللّه».

كما أن ما عرضه ابن الأشعث على الحسين «علیه السلام»، وادّعاءه أن بني عمه - يعني: بني أمية - لن يروه إلا ما يحب هو نفس ما كان قد عرضه أخوه على مسلم بن عقيل، فقد قال له: «إنك لا تكذب، ولا ولا تخدع ولا تغر إن القوم بنو عمك، وليسوا بقاتليك ولا ضاربيك» (1).


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 374 و (ط الأعلمي) ج4 ص280 ومقاتل الطالبيين ص 69 والكامل في التاريخ ج 4 ص 33 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 49 ونهاية الأرب ج 20 ص 400 وإبصار العين ص82 وموسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 162.

2 - قَالَ هِشَامُ بنُ مُحَمَّدٍ: لَمّا رَآهُمُ الحُسَينُ «علیه السلام» مُصِرِّينَ عَلَى قتلِهِ، أَخَذَ المُصْحَفَ ونَشَرَهُ وجَعَلَهُ عَلى رَأْسِهِ، ونادى: بَيني وَبَينَكُم كِتابُ اللّهِ وجَدّي مُحَمَّدٌ رَسولُ اللّهِ.

يا قوم، بمَ تَسْتَحِلُونَ دَمي؟ ألستُ ابن بِنتِ نَبِيِّكُم؟ أَلم يَبْلُغكُم قُولُ جَدِّي فِيَّ وفي أخي: «هذان سيّدا شباب أهل الجَنَّةِ»؟ إن لم تُصَدِّقوني فاسألوا جابرا، وزيد بن أرقم، وأبا سَعيد الخدري.

أليس جَعَفَر الطَّيَارُ عَمّي؟

فناداه شمر : السّاعَة تَرِدُ الهاوية.

فَقالَ الحُسَينُ «علیه السلام»: اللَّهُ أَكْبَرُ أَخبَرَنِي جَدّي رَسُولُ اللَّهِ «صلی اللّه علیه وآله»، فقالَ رَأيتُ كَأَنَّ كَلباً وَلغَ فِي دِماء أهل بَيتي، وما أخالك إلا إيَّاهُ.

فقال شمر : أنَا أَعْبُدُ اللّهَ عَلى حَرفٍ إِن كُنتُ أدري ما تَقولُ (1).

3 - تَقدَّمَ الحُسَينُ «علیه السلام» حَتَّى وَقفَ قبالة القوم، وجَعَلَ يَنظُرُ إلى صفوفهم كَأَنَّهَا السَّيلُ، ونَظرَ إلى ابن سَعدٍ واقفاً في صَنادِيدِ الكوفة، فقال:


1) تذكرة الخواص ج 2 ص 163 و 164 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 199 عن التبر المذاب ص 81.

الحَمدُ للّهِ الَّذي خَلَقَ الدُّنيا فَجَعَلها دار فناء وزَوالِ، مُتَصَرِّقة بأهلها حالاً بَعدَ حال، فالمَغرُورُ مَن غَرَّتَهُ، وَالشَّقِيُّ مَن فَتَنَتهُ، فَلا تَغُرَّنَّكُم هذِهِ الدُّنيا؛ فإنَّها تَقطعُ رَجَاءَ مَن رَكَنَ إليها، وتُخَيِّبُ طَمَعَ مَن طَمِعَ فيها، وأراكُم قدِ اجتَمَعتُم عَلى أمر قد أسخَطتُمُ اللَّهَ فِيهِ عَلِيكُم، فَأَعْرَضَ بوَجهِهِ الكَريمِ عَنكُم، وأحَلَّ بكُم نَقِمَتَهُ، وجَنَّبَكُم رَحْمَتَهُ؛ فَنِعْمَ الرَّبُّ رَبُّنا، وبئسَ العَبيدُ أنتُم، أقررثم بالطاعَةِ، وآمَنتُم بِالرَّسول مُحَمَّدٍ، ثُمَّ إِنَّكُم زَحَفْتُم إلى دُرِّيَّتِهِ تُريدون قتلهم ! لقدِ استَحوَد عَلِيكُمُ الشَّيطانُ، فأنساكُم ذِكرَ اللَّهِ العَظيم، فَتَبا لكم ولماتريدون؛ إِنَّا للّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ راجعون، هؤلاء قومٌ كَفَرُوا بَعدَ إِيمانِهم؛ فبعداً للقوم الظالِمينَ.

فقالَ عُمَرُ بنُ سَعدٍ: وَيلكُم كَلّموهُ فَإِنَّهُ ابنُ أبيهِ، وَاللَّهِ، لو وَقَفَ فِيكُم هكذا يوماً جديداً لما قُطِعَ ولما حُصِرَ، فَكَلَّموه.

فَتَقَدَّمَ إِلَيهِ شِمِرُ بنُ ذِي الجوشن، فَقالَ: يا حُسَينُ، ما هذا الذي تَقولُ؟ أفهمنا حَتَّى نَفهم؟

فقالَ «علیه السلام»: أقولُ لكُم: اِتَّقُوا اللّهَ رَبَّكُم ولا تَقْتُلُون؛ فإنَّهُ لا يَحِلُّ لَكُم قتلي، ولا انتِهاكُ حُرمَتي، فَإِنِّي ابنُ بنتِ نَبِيِّكُم، وجَدَّتي خَديجَهُ زَوجَهُ نَبِيِّكُم؛ ولعله قد بلغكم قولُ نَبِيِّكُم مُحَمَّدٍ «صلی اللّه علیه وآله»: الحَسَنُ وَالحُسَينُ سَيِّدا شباب أهل الجَنَّةِ ما خَلا النَّبِيِّينَ وَالمُرسَلينَ.

فإن صَدَّقْتُموني بما أقولُ، وهُوَ الحَقُّ، فَوَاللّهِ ما تَعَمَّدتُ كَذِباً مُندُ عَلِمتُ أنَّ اللّهَ يَقْتُ عَليهِ أهله.

وإِن كَذَّبتُموني فَإِنَّ فيكُم مِنَ الصَّحابَةِ. مِثلَ: جابر بن عَبدِ اللَّهِ،

وسهل بن سعدٍ، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالِكٍ، فاسألوهُم عَن هذا؛ فإِنَّهُم يُخبرونَكُم أَنَّهُم سَمِعوهُ مِن رَسول اللّه.

فإن كُنتُم في شَكٍّ من أمري أفتَشكُونَ أنّي ابنُ بِنتِ نَبِيِّكُم، فَوَاللَّهِ، ما بَينَ المَشرقين والمغربين ابنُ بِنتِ نَبِيٍّ غَيري.

وَيلكُم ! أتَطلُبُوتى بدَمٍ أَحَدٍ مِنكُم قتَلتُهُ، أو بمال استملكته، أو بقصاص من جراحات استهلكته؟

فسكتوا عَنهُ لا يُجيبونَهُ.

ثُمَّ َقالَ «علیه السلام»: وَاللَّهِ لا أعطيهم يدي إعطاء الدليل، ولا أفِرُّ فِرارَ العَبِيدِ.

عِبادَ اللّهِ! إِنِّي عُذتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم أن تَرجُمون، وأعودُ برَبّي ورَبِّكُم مِن كُلِّ مُتَكَبِّر لا يُؤْمِنُ بِيَومِ الحِسابِ.

فَقَالَ لَهُ شِمرُ بنُ ذِي الجوشن يا حُسَينَ بنَ عَلِيٍّ، أَنَا أَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ إِن كُنتُ أدري ما تَقولُ.

فَسَكَتَ الحُسَينُ «علیه السلام».

فَقالَ حَبِيبُ بنُ مُظاهِرٍ لِلشمر : يا عَدُوَّ اللّهِ وعَدُوَّ رَسولُ اللّهِ، إِنِّي لأظُنُّكَ تَعبُدُ اللّهَ عَلى سَبْعِينَ حَرفا، وأنا أشهَدُ َأنَّكَ لا تَدري ما يَقولُ؛ فَإِنَّ اللّهَ تَبارَكَ وَتَعالى قد َطبَعَ عَلى قلبكَ.

فَقالَ لَهُ الحُسَينُ «علیه السلام»: حَسبُكَ يا أخا بَني أَسَدٍ، فقد قُضِيَ القضاء، وجَفَّ القلمُ، وَاللّهُ بالِغ أمرَهُ، وَاللّهِ، إِنِّي لأشوقُ إِلى جَدّي، وأبي وأمّي، وأخي، وأسلافي مِن يَعقُوبَ إلى يوسُفَ وأخيهِ، ولي مَصَرَع

أنَا لاقيه (1).

ونقول:

الصناديد الأشراف والرؤساء، والعظماء.

صوت الحسين يسمعه جلَّ الناس:

ويلاحظ:

1 - إن أول ما يطالعنا في النص الذي رواه الضحاك المشرقي قوله: إن الحسين «علیه السلام» في يوم عاشوراء «نادى بأعلى صَوتِهِ دُعاءً يُسْمِعُ جُلَّ النّاس».

وهذا أمر لافت، فإن الحسين «علیه السلام» لا يخالط الأعداء، ولا يقترب منهم في مثل هذا الموقف، لاحتمال أن يغدروا به، ويتعرض لحملة مباغتة من قبلهم مع احتمال تعرضه لرشقات من سهام حقدهم، وغدرهم.

كما أنه إذا كان عدد الجيش الذي يقاتله «علیه السلام» ثلاثين ألفاً، فإن جلبة هذا الجيش، وقعقعة سلاحه، والأحاديث التي يتداولها


1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 111 - 113 عن: مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 252 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص620 عنه، وراجع: مثير الأحزان ص 51 وكشف الغمة ج 2 ص 225 و 267 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 100 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 249 وبحار الأنوار ج 45 ص 5 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 249 ولواعج الأشجان ص 125 وأعيان الشيعة ج 1 ص 602.

عناصره فيما بينهم، وصهيل خيولهم، وانتشار تلك الألوف في طول تلك الصحراء وعرضها - إن ذلك كله - يجعل أقوى الأصوات تضيع وتتلاشى قبل أن تصل إلى بعض الصفوف التي تتشكل منها بعض كتائبه...

فوصول صوته «علیه السلام» إلى جلّ إن لم يكن كل ذلك الجيش ليس أمراً عادياً، بل هو من خوارق العادات، التي ينبغي أن تكون محط نظر أكثر ذلك الجيش العرمرم، وأن يأخذوا منها العبرة، وأن توقظ فيهم الوجدان والفكرة. ولكن قد طبع على قلوبهم فهم لا يفقهون.

2 - إن النص يقول : إنه «علیه السلام» قد ركب راحلته، وخطبهم، وهذا إجراء لافت أيضاً، حيث إنه لو خطبهم، وهو بين أصحابه، فقد يسمع الكثيرون الصوت، ولا يهتدون إلى الشخص، ولا يعرفون أن مخاطبهم هو الإمام الحسين «علیه السلام»، فإذا ركب راحلته، فذلك يجعله بمرأى من الأعداء، لاسيما وأن من يركب الراحلة لا يكون بصدد القتال.

مما سبق:

تضمنت هذه النصوص الثلاثة أموراً عديدة، تحدثنا عنها حين ذكرنا قبلها نصين آخرين للمناشدة لاشتراكهما مع هذه النصوص في كثير من المضامين.

ولذا، فإننا سوف نقتصر على التعرض لعدد من الفقرات

والإشارات التي لم نذكرها هناك..

فما نريد التوقف عنده نجمله في ضمن ما يلي من عناوين، فنقول:

أعظكم بما يحق لكم:

لقد قرر «علیه السلام»: أن للناس حقاً عليه في أمرين:

أولهما: الحصول منه على الموعظة التي يحتاجونها، وهو من حقوق الرعية على الراعي، وحق المأموم على الإمام، وحق الجاهل على العالم، وحق المحتاج إلى الرعاية والإصلاح، والتأديب، والتربية على مؤدبه ومربيه، وراعيه..

والثاني: أن يعرفهم بسبب مقدمه عليهم، لكي تزول شكوكهم، وتحصل لهم السكينة والطمأنينة، من أنه لم يهدف بقدومه هذا إلى الإخلال بأمنهم، وإلحاق الضرر بهم، بل كان الهدف هو إصلاح شأنهم، والنظر في أمرهم بعد أن كانوا هم الذين دعوه للقدوم.

وابن وصيه:

وتقدم: أن الإمام الحسين «علیه السلام» قد ناشدهم اللّه، إن كانوا يعلمون أنه ابن علي بن أبي طالب، فأقروا له بذلك.. وقد جاء في النص الذي ذكرناه هنا برقم [1] نفس هذا المعنى، ولكن أضاف عليه قوله: «وَابنَ وَصِيِّهِ».

وهو «علیه السلام»، وإن لم ينتظر جوابهم، إلا أنه يورد كلامه بنحو يظهر أنه يحتج عليهم بالمسلمات التي لا يمكنهم إنكارها، كما أن

أحداً منهم لم يعترض عليه فيها.

وهذا يؤكد ما ذكرناه غير مرة، من أن كونه «علیه السلام» وصي رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» كان له من الذيوع والشيوع ما يجعله كالنار على المنار، وكالشمس في رائعة النهار.

وقد ذكرنا في كتابنا علي «علیه السلام» والخوارج، وفي كتابنا الصحيح من سيرة الإمام علي «علیه السلام» أشعاراً كثيرة تدل على هذا الذيوع والشيوع لأمر الوصية، الأمر الذي لا مجال لإنكاره.

إن صدقتموني، وإن كذبتموني:

وبعد أن ذكر «علیه السلام» لهم: ما يحتم عليهم الإنصراف عما عقدوا العزم عليه، افترض أنهم أمام احتمالين أن يصدقوه فيما قال، أو يكذبوه. وقد عالج هاتين الحالتين بطريقة منطقية هادئة ومنصفة.. مع أن من كان في مثل موقفه يتوقع منه أن يكلمهم بطريقة أخرى، هجومية، وحادة، وعدائية، ولا يلومه الناس لو فعل ذلك.

لكن الإمام «علیه السلام» لا يريد أن يتعامل معهم من موقعه كشخص يواجه خطرا على حياته، ويريد أن يثأر لنفسه منهم، حتى مع علمه بأنهم بصدد قتله، بل هو يتعامل معهم حتى في هذه اللحظات الحرجة والحساسة من موقع الإمام المعلم والهادي، والمرشد، الذي يريد أن يبلغهم رسالات ربه ويعرفهم بما يجب عليهم بالأسلوب المرغب لهم بالأوبة والتوبة من دون أي انفعال يصدهم عن الحق.

ويلاحظ هنا:

أنه «علیه السلام» حين ذكر احتمال تصديقهم إياه فيما يرويه لهم من حديث رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» فيه وفي أخيه الإمام الحسن «علیه السلام» قدمهد لذلك بما دلهم على صحة هذا الخيار، وأن تصديقهم هذا قد وقع في محله، فإن صدقه يثبت لهم من خلال تربيته ونشأته في بيت النبوة والإمامة، وفي بيئة الطهر والتقوى، والعلم والهدى، حتى إن النبي «صلی اللّه علیه وآله» جعله سید شباب أهل الجنة، وهذا دليل على عصمته عن الكذب، وعن كل سوء وذنب، مذ علم أن اللّه يمقت عليه.

وأيضاً مذ علم أنه يَضُرُّ به من اختلقه.

ثم ذكر احتمال تكذيبهم إياه، فقدم لهم مقترحاً يزيل هذا الاحتمال من الأساس، وذلك بأن يسألوا الصحابة الذين سمعوا هذا الحديث، وسمى لهم خمسة منهم، وفي الرواية الأخيرة أربعة، ولم يذكر أبا سعيد الخدري.

اين بنو هاشم؟!

ويلاحظ هنا:

أولاً: ليس من بينهم رجل واحد من بني هاشم، بل فيهم - كأنس بن مالك - من أظهرت تصرفاته أنه لم يكن من حزب علي «علیه السلام». ولا من الأوفياء له، والصادقين معه فهو لم يشهد له «علیه السلام» بحديث الغدير ولا بغيره حين استشهده علي «علیه السلام» به في مسجد الكوفة، وقال كبرت ونسيت فدعا عليه على «عليه

السلام» بأن يرميه اللّه بداء لا تواريه العمامة، فأصيب بالبرص (1)

وراجع: إختيار معرفة الرجال ص 45 و (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث) ج 1 ص 246 وأنساب الأشراف (ط الأعلمي - بتحقيق المحمودي) ج 2 ص 156 و 157 و (ط دار الفكر) ج 2 ص 386 وراجع مسند أحمد ج1 ص119 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 13 ص 131 حديث رقم 36417 والبداية والنهاية ج 5 ص 211 وج 7 ص 347 ولطائف المعارف ص 105 وحلية الأولياء ج 5 ص 26 و 27 وراجع ترجمة الإمام علي «علیه السلام» من تاريخ مدينة دمشق (بتحقيق المحمودي) ج 2 ص 12 و 13 وراجع: المطالب ص 579 والمناشدة والاحتجاج بحديث الغدير ص64 تحت عنوان: نظرة في حديث إصابة الدعوة.

.

1) المعارف لابن قتيبة (ط أصلان أفندي بمصر) ص194 و (ط دار المعارف - مصر) ص 580 والخصال ج 1 ص 219 والأمالي للصدوق ص 106 و 521 و 522 وبحار الأنوار ج 32 ص 96 وج 34 ص 287 وج 37 ص 197 و 200 وج 41 ص 204 و ج 42 ص 148 ونهج البلاغة (بشرح عبده) ج 4 ص 74 الباب الثالث رقم 311 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 19 ص217 وج4 ص 74 والطرائف لابن طاووس ص214 والإرشاد للمفيد ج 1 ص 351 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 6 ص 338 و 308 و ج 1 ص 741 و 746 وج 16 ص 562 وعيون الحكم 2 وج 8 والمواعظ ص 164 والمسترشد للطبري ص 674 والخرائج والجرائح ج 1 ص 208 وإرشاد القلوب ج 2 ص 228 ومناقب علي بن أبي طالب وما نزل من القرآن في علي ص 176 وكشف الغمة ج 1 ص 286 وكشف اليقين ص 110 وشرح الأخبار ج 1 ص 232.

ويلاحظ ثانياً : أن الذين خطبوا في جيش يزيد، واحتجوا هم الحسين «علیه السلام»، وأشخاص ليسوا من بني هاشم، بل هم من وجهاء وقراء أهل الكوفة، مثل زهير بن القين، وبرير، وحبيب بن مظاهر وغيرهم. ولعل سبب ذلك هو : أن لا يتوهم أحد أن دفاع بني هاشم ناشئ عن الحمية والعصبية لشيخهم وسيدهم، فيفقد الكثير من تأثيره كما أنه لا يريد أن يتوهم أحد أن الصراع بين قبيلتين، وليس بين الحق والباطل.

هل تطلبوني بقتيل، أو مال أو جراحة؟!:

ويلاحظ: أنه «علیه السلام» قد استدل لذلك الجيش على عدم جواز قتله بنحو آخر، لم يستند فيه إلى حشد الشواهد والدلالات الدينية، التي تعتمد على العنصر الإيماني، والالتزام الديني، وذلك بالقول: بأن ما يدَّعونه عليه، من أنه جاء محارباً، ليس لديهم ما يثبته، أو يشير إليه، ثم ضم إلى ذلك أن نوايا قتله غيلة، أو بأية وسيلة أخرى كانت متوفرة لدى بني أمية من زمن سابق.

وقد أفصحوا عن هذه النوايا له منذ مات معاوية.

وعلى هذا، لا يبقى أمامهم مبرر لقتله، أو إلحاق الأذى به، إلا أحد أمور ثلاثة هي:

1 - أن يكون «علیه السلام»، قد قتل أحداً منهم.. فهم يرون قتله به.

2 - أن يكون قد استولى على مال لهم، أو أتلف لهم منه ما لا

يحق له إتلافه.. (ولو أغمضنا النظر عن أن ذلك لا يبرر قتله، فإنه يبرر ملاحقته لانتزاع الحق منه).

3 - أن يكون قد جرح أحدا منهم، فهم يريدون قتله به، وإن كان ذلك لا يكفى مبررا للقتل.

فترى أنه تدرج بذكر الأشد وطأة أولاً، وهو قتل أحدهم، سواء قتله بحق أو بباطل، ثم عقبه بذكر الأخف منه، وهو استهلاك أموال لهم، فيريدون استرداد أموالهم منه بحد السيف، ولو أدى ذلك إلى قتله، ثم انتقل إلى الأخف منهما أيضاً، وهو القصاص منه لجراحة أوقعها على البعض منهم، فيريدون بهذه العساكر: أن يخضعوه لذلك القصاص، ولا يريدون قتله.

وحيث إنه لا يستطيع أحد منهم أن يدعي عليه شيئا من ذلك، فما المبرر إذن لجمع هذه الجيوش، التي تبلغ عشرات الألوف؟! وما معنى إعلان الحرب وسل السيوف؟

إختلاف نصوص المناشدة:

إن من يرجع ويقارن بين النصوص التي تضمنت المناشدة لهم، وتقريرهم بمضامين معينة يجد : أنها شديدة الاختلاف، فهل هذا يدل على تكررها منه «علیه السلام» لهم عدة مرات؟ أم أن الاختلاف قد جاء من قبل الرواة؟! فهناك من ذكر النصوص بالمعنى، وهناك من اقتصر على المناشدات فقط مع أجوبتهم عليها، ولم يذكر ثناءه «علیه السلام» على اللّه، وغير ذلك. وهناك من ذكر تقريره إياهم ولم يذكر

أجوبتهم، وهناك من اختصر واقتصر على ما رأى أنه مهم بالنسبة إليه.

فإن لكل واحد من هذه الاحتمالات من يؤيده.

وقد يمكن الالتزام بجميع هذه الفروض والاحتمالات، فإنها ليست متباينة، ولا شيء يشجع على نفي أي منها. ولذا فنحن وإن رجحنا الاحتمالات الأخرى على احتمال تكرر المناشدة، لكن احتمال تكررها أيضا، ولو لمرة واحدة على الأقل. لا مجال لاستبعاده بصورة نهائية، فلعله «علیه السلام» قد ذكر المناشدة لجماعة من الأعداء بصورة مختصرة، ثم أعادها على مسامع الجميع بصورة مفصلة، فتفاوت نقل الرواة لمضامينها حسب تفاوت اهتماماتهم.

هل كانوا مؤمنين بالرسول؟!:

وفي النص الأخير المتقدم برقم [2] قال الإمام «علیه السلام» لهؤلاء الأعداء: إنهم أقروا اللّه بالطاعة، وآمنوا بالرسول «صلی اللّه علیه وآله»، فكيف يصفهم «علیه السلام» بذلك، وهم خارجون على إمامهم، وقد وصفهم «علیه السلام» في كلماته بصفات تؤكد كفرهم. بل هو قد صرح بكفرهم في النص المتقدم برقم [3] فقال: «هؤلاء قومٌ كَفروا بَعدَ إِيمانِهم ؛ قبُعدا للقومِ الظَّالِمينَ».

ويجاب:

بأنه «علیه السلام» كان بصدد إقامة الحجة عليهم، وإزاحة الشبهة - التي قد يدَّعونها - عنهم فيفترض أن يعطيهم الفرصة للتأمل

في حجته، فلعل فيهم من يوفق للتوبة، والأوبة.. وإذا صرح لهم بكفرهم في بداية كلامه، فإن ذلك سوف يثير حفيظتهم، ويصدهم عن سماع باقي كلامه.

فكان المطلوب هو : أن يذكرهم بربهم، ويأخذهم بما يدَّعونه لأنفسهم، ويبيِّن لهم: أن محاولات الفصل بين النبي وعترته وأوصيائه خطأ فاضح، وفادح، ومهلك لهم..

ولأجل ذلك كان «علیه السلام» يصرح: بأن نصيحته لهم، واحتجاجه عليهم، وإيضاح المبهم، ودفع الشبهة عنهم حق لهم عليه، لا يمكنه التفريط به، ولا صرف النظر عنه..

وأما تصريحه بكفرهم، فلعله جاء على سبيل التحذير لهم من بلوغ هذا الحد إذا أصروا على العصيان والجحود.

أو لعله بعد أن بيّن لهم ما يزيح كل ريب وشبهة، ولم يجد منهم آذانا صاغية واجههم بالحقيقة، وعرفهم بعاقبة جحودهم هذا

المشرقان والمغربان:

وتقدم: أنه «علیه السلام» قال لهم: «فَوَاللَّهِ، مَا بَينَ المَشْرِقين وَالمَعْرِبَين ابنُ بِنتِ نَبِيٍّ غَيري».

وفي نص آخر: أنه ذكر لهم المشرق والمغرب، بصيغة المفرد، فكيف يمكن أن نفهم ذلك.

ونقول:

إننا نلاحظ: أن القرآن الكريم قد ذكر المشرق والمغرب بثلاث صيغ،

هي.

ألف: المشرق والمغرب - بصيغة المفرد - كما في قوله تعالى «وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ» (1).

ب: المشرقان، والمغربان - بصيغة المثنى -: كما في قوله تعالى: «رَبِّ المشرقين وَرَبِّ الْمَغْرِبَيْن» (2).

ج: المشارق والمغارب - بصيغة الجمع -: كما في قوله تعالى: «فلا أقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ وَالمَغارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ» (3).

ولعل السبب في ذلك: أن المطلوب قد يكون الإشارة إلى جهتي المشرق والمغرب، دون أن يكون ثمة غرض بتحديد نقطة بعينها، فيأتي بالمشرق والمغرب بصيغة الإفراد.

وقد يكون المطلوب الدلالة على الإحاطة والاستيعاب، فيذكر الطرفين المتباعدين اللذين يمثلان الحد الأقصى من هذه الجهة وتلك، فإن للشمس من جهة المشرق مشرقين بهذه الصفة. وهما أقصى نقطة تشرق منها من جهة الشرق الشمالي في أحد أيام السنة، ثم تشرق في كل يوم من موضع أدنى منه، ويزداد دنوها في مشرقها إلى أن تنتهي إلى أقصى نقطة تشرق منها إلى جهة الشرق الجنوبي. وذلك في يوم آخر من أيام السنة.


1) الآية 115 من سورة البقرة.

2) الآية 17 من سورة الرحمن.

3) الآية 40 من سورة المعارج.

وقد يكون المطلوب هو الإشارة إلى تعدد وكثرة آحاد المشارق، فإن للشمس كل يوم مشرقاً يختلف عن مشرقها في الذي سبقه.

وحيث إن المطلوب للإمام الحسين «علیه السلام» هو الإشارة إلى سعة واستيعاب، فقد عبر بالمشرقين والمغربين كما هو ظاهر

ولعله كان له غرض ببيان هذا الاستيعاب والامتداد الذي بين المشرق والمغرب، فعبر بصيغة المفرد.

إعطاء الذليل، وإقرار العبيد:

وتقدم: أنه «علیه السلام» قال: «لا وَاللّهِ لا أعطيهم بيدي إعطاء الدليل، ولا أقرُّ إقرار [أفر فرار] العبيد».. فقد تضمن هذا النص فقرتين:

الفقرة الأولى، هي قوله «علیه السلام»: «لا أعطيهم بيدي إعطاء الدَّليل»، فنرجئ الكلام عنها إلى الفصل التالي حين الحديث عن قوله «علیه السلام»: «ألا وإنَّ الدَّعِيَّ ابنَ الدَّعِي قد رَكَزَ بَينَ اثْنَتَينِ، بَينَ السَّلةِ وَالدّلة». لكي لا نقع في محذور تكرار المطالب.

الفقرة الثانية هي قوله «علیه السلام»: «ولا أقر إقرار العبيد».

فقد روي أيضاً بصيغة: ولا أفر فرار العبيد.

وحصول التصحيف بين الفقرتين بسبب تقارب رسم الكلمات، واختلاف النقط واضح. مما يعني: أن مرجعهما إلى فقرة واحدة.

غير أننا نرجح رواية: الإقرار على رواية الفرار، لأن المناسب لقوله : «لا أعطيهم بيدي إعطاءَ الدَّليل». هو أن يقول: «ولا أُقِرُّ إقرار

العبيد». بالقاف المثناة، لأن ما يريدونه منه أمران:

أولهما: أن يذلوه.

ثانيهما: أن يسلبوا منه خياره، بل اختياره بالكلية، فهم يريدونه كالعبد الذي لا اختيار له بل هو خاضع لإرادة غيره، مقر له بالطاعة مأخوذ بالانقياد.. وهذا بالذات هو ما يريده يزيد بن معاوية وعبيد اللّه بن زياد «لعنهما اللّه تعالى من الحسين «علیه السلام».

وأما رواية فرار العبيد، فلا مبرر لها - فيما يظهر - سوى القول: بأن العبد معروف بالإباق، وهو الفرار من سيده، فالحسين «علیه السلام» أيضاً لا يفر منهم كما يفر العبد، ولا يعطيهم بيده إعطاء الذليل.

غير أننا نقول:

إن الفرار لا يختص بالعبد، وليس للعبيد فرار خاص بهم، أو يمتازون به عن فرار غيرهم، فلا معنى إلى نسبة الفرار إلى العبيد دون سواهم.

إلا أن يكون المراد: أن العبد يكون ذليلا خائفاً، ولا يحصل على الأمن، حتى في حالة فراره، فهو فرار غير مجدٍ في دفع الأذى عنه، بل ربما كان من أسباب زيادته.

سكوت الحسين «علیه السلام» وجواب حبيب:

وتقدم: أن الشمر «لعنه اللّه» أراد أن يفرغ كلام الحسين «عليه السلام» من محتواه بتحويله إلى مهاترات ومماحكات، لا معنى لها..

ولم يكن الحسين ليمنحه هذه الفرصة، فسكت عن جوابه، فتولى ذلك حبیب بن مظاهر. لكي يقايس الناس بين كلام الشمر وكلام حبيب ويبقى كلام الحسين «علیه السلام» على رونقه، وعظمته وقوته، وتأثيره في الأذهان، ووقعه في القلوب.

قضى القضاء وجف القلم:

وتقدم أنه لما بلغ الأمر إلى هذا الحد، قال الإمام الحسين «علیه السلام» لحبيب «حَسبُكَ يا أخا بَني أَسَدٍ، فقد قُضِيَ القضاءُ، وَجَنَّ القلمُ، وَاللّهُ بالِغ أمرَهُ».

فهل يريد «علیه السلام» أن يقرر أن ما يجري عليه «علیه السلام» هو من مظاهر الجبر الإلهي، وأنه لا مفر منه، ولا محيص عنه ؟! ولا خيار للحسين «علیه السلام» فيه.

ويجاب:

بأن اللّه سبحانه وتعالى إنما يجري الأمور بأسبابها. وإرادة الإنسان واختياره قد تكون من جملة هذه الأسباب، فإذا قضى بأن الحسين «علیه السلام» سوف يستشهد في سبيل هذا الدين، وتسبى عياله وأطفاله، فإن إراداة القتلة المجرمين لها مدخلية في تحقق هذا القضاء.

كما أن إرادة الحسين «علیه السلام» أن يكون عمله موافقا لأوامر اللّه سبحانه لها مدخلية أيضاً في تحقق هذا القضاء، فإذا تضافرت الأسباب، وتمت العلة حصل المعلول، الذي قضي حصوله وفق أسبابه..

فالمقصود بقوله «علیه السلام»: «قُضي القضاءُ» هو تسجيل

الفصل الرابع خطبة الإمام الحسين «علیه السلام» في كربلاء..

اشارة

تباً لكم أيتها الجماعة وترحاً:

رَكِبَ أَصْحَابُ عُمَرَ بن سَعِدٍ، فَبَعَثَ الحُسَينُ «علیه السلام» بُرَيرَ بنَ حُصَينٍ، فَوَعَظهُم فلم يَسمَعوا، وذكَرَهُم فلم يَنتَفِعوا.

فَرَكِبَ الحُسَينُ «علیه السلام» ناقته - وقيلَ فَرَسَهُ - فَاستَنصَتَهُم فأنصتوا، فَحَمِدَ اللّه وأثنى عَليهِ، وذكَرَهُ بما هُوَ أَهْلَهُ، وَصَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ «صلی اللّه علیه وآله» وعَلى المَلائِكَةِ وَالأنبياءِ وَالرُّسُلِ، وأبلغ فِي المَقال، ثُمَّ قَالَ:

تَبَّأ لكُم أَيَّتُهَا الجَمَاعَهُ وَتَرَحاً حِينَ اسْتَصرَختمونا والهين، فأصرخناكُم موجفينَ، سَلتُم عَلينا سَيفاً لنا في أيمَانِكُم، وحَشَشْتُم عَلينا ناراً اقْتَدَحناها عَلى عَدُوّنا وعَدُوِّكُم، فَأَصبَحتُم أُولِياءَ لِأَعدَائِكُم عَلَى أولِيائِكُم بِغَير عَدلٍ أفشوهُ فِيكُم، ولا أمَلِ أصْبَحَ لكُم فيهم.

فَهَلْا لكُمُ الوَيلاتُ تَرَكتُمونا وَالسَّيفُ مَشيمٌ، وَالجَأَشُ ضَامِرٌ، وَالرَّأيُ لمّا يَستَحصف، ولكن أسرعتُم إليها كَطير الدَّبا، وتَداعَيتُم إِليها كَتَهافت الفراش؛ فَسُحقاً لكُم يا عَبيدَ الأُمَّةِ، وشرار الأحزاب، ونَبَذَةَ الكِتابِ، ومُحَرِّفِي الكَلِم، وعُصْبَة الآثام، ونَقتَة الشيطان، ومُطْفِئِي السُّنَن.

أهؤُلاءِ تَعضُدُونَ وعَنا تَتَّخاذلون؟!

أَجَلٍ، وَاللّهِ غَدرٌ فِيكُم قديمٌ، وَشَجَت عَليهِ أصولكُم، وتَأَزَّرَت عَلَيهِ فُروعُكُم، فكنتُم أخبَتْ شَجاً للناظر، وأكلة للغاصب.

ألا وإنَّ الدَّعِيَّ ابنَ الدَّعِي قد رَكَزَ بَينَ اثْنَتَين، بَينَ السَّلَةِ وَالذِّلة، وهيهات مِنّا الذّلهُ، يَأْبَى اللّه لنا ذلِكَ ورَسولهُ وَالمُؤمِنونَ، وحُجورٌ طابت، وحُجورٌ طهرت، وأنوفٌ حَمِيَّة، ونُفوس أبيَّة، مِن أَن تُوَثْرَ طَاعَهُ اللئامِ عَلَى مَصارع الكِرام.

ألا وإنّي زاحِفٌ بهذِهِ الأُسرَةِ مَعَ قِلَّةِ العَدَدِ وخِذلان النّاصِر. ثُمَّ أَوصَلَ كَلامَهُ «علیه السلام» بأبياتِ فروَةَ بن مُسَيكِ المُرادِيٍّ:

فإن نهزم فهَرْامون قدماً***وإن تغلب فغيرُ مُعْلَبينا

وما إن طِبُّنا جبنٌ ولكِن***مَنايَانا ودولة آخرينا

إذا مَا المَوتُ رَقَعَ عَن أناس***كَلاكِله أناخ بآخرينا

فأفنى ذلِكُم سَرَواتِ قومي***كَما أفنى القرون الأولينا

فلو خلدَ المُلوكُ إذا خلدنا***ولو بَقِيَ الكِرامُ إذا بقينا

فقل للشامتين بنا أفيقوا***سيلقى الشامِتُونَ كَما لقينا

ثُمَّ قَالَ: أما وَاللَّهِ لا تَلْبَتُونَ بَعدَها إِلا كَريثِ مَا يُرِكَبَ الْفَرَسُ حَتَّى يَدورَ بِكُم دَورَ الرَّحى، ويقلقَ بِكُم قلقَ المحور، عَهْدٌ عَهِدَهُ إِليَّ أَبي عَن جَدّي «فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ عُمَّةَ ثُمَّ اقضوا

إليَّ وَلا تُنْظِرُون» (1)، «إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (2).

اللّهُمَّ احبس عَنهُم قطرَ السَّمَاءِ، وَابعَتْ عَليهِم سِنِينَ كَسِني يُوسُفَ، وسَلّط عَليهِم غُلامَ ثَقِيفٍ، يَسومُهُم كَأْساً مُصَبَّرَةَ؛ فَإِنَّهُم كَذَّبُونَا وخَدْلُونا، وأنتَ رَبُّنا عَليكَ تَوَكَّلْنا، وإليك أنبنا، وإليكَ الْمَصِيرُ (3).

ونقول:

إيضاحات:

التباب: الاستمرار في الخسران.

الترح: الهلاك والانقطاع.


1) الآية 71 من سورة يونس.

2) الآية 56 من سورة هود.

3) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 114 - 116 وقال في هامشه ما يلي: الملهوف ص 155 و (نشر أنوار الهدى) ص 58 والإحتجاج ج 2 ص 97 ح167 ح 167 و (ط دار النعمان) ج 2 ص 24 عن مصعب بن عبد اللّه، وليس فيه ذيله من «ثم قال: أما واللّه»، وتحف العقول ص 240 بزيادة: «كتابه «علیه السلام» إلى أهل الكوفة لما ساروا رأى خذلانهم إياه» في صدره، وليس فيه الأبيات، ومثير الأحزان ص 54 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 39 كلها نحوه، وراجع: إثبات الوصية ص 177 وبحار الأنوار ج 45 ص 83 و 10 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 252 ولواعج الأشجان ص 129 وأعيان الشيعة ج 1 ص 602 وإبصار العين ص 34.

الوله: ذهاب العقل.

موجف: مسرع.

حش النار: أوقدها.

الإلب: الجمع والتألب: التجمع على عداوة شخص.

الجأش : النفس. وقيل: القلب.

استحصف: استحكم.

الشذاذ: المتفرقون.

شام السيف: سله، وأغمده. فهو من الأضداد. وهو هنا بمعنى الإغماد.

الدبا: الجراد الصغير، قبل أن يطير، والنمل.

وشجت: الوشيجة: عرق الشجرة وأصولها.

تأزر: التف واشتد وقوي.

الشجا: ما اعترض في الحلق، والحزن.

الكلكل: الصدر، وما بين الترقوتين.

السري: النفيس والشريف.

ركز الرمح: أثبته.

الحجور: البيوت.

حمي الأنف: تأنف من أن يضام.

نصان آخران للخطبة

ونذكر لهذه الخطبة نصين آخرين.. وسوف نأخذهما من موسوعة الإمام الحسين «علیه السلام»، مع ما لهما من توضيحات، وما أشار إليه من مصادر، والنصان هما

النص الأول:

تاريخ مدينة دمشق: عن أبي بكر بن دريد : لمَّا اسْتَكَفَّ (1)النَّاسُ بالحُسَين «علیه السلام»، رَكِبَ فَرَسَهُ، ثُمَّ استَنصَتَ النّاس، فأنصتوا لهُ، فَحَمِدَ اللّه وأثنى عَليهِ، وصلى عَلى النَّبيِّ «صلی اللّه علیه وآله»، ثُمَّ قَالَ:

تَباً لَكُم أَيَّتُهَا الجَمَاعَهُ وتَرَحاً! أحينَ اسْتَصرَختمونا وَلِهِينَ، فأصرخناكُم موجفينَ، شَحَدَتُم عَلينا سَيفا كان في أيمانِنا، وحَشَشْتُم عَلينا نارا قدَحناها (2)عَلى عَدُوِّكُم وعَدُوّنا، فأصبَحتُم إلبا عَلى أُولِيائِكُم، ويَداً عَليهِم لِأَعدائِكُم، بِغَير عَدلٍ رَأَيْتُمُوهُ بَتْوهُ فيكم، ولا أصل (3)أصبَحَ لَكُم


1) استكفوا به: أي أحاطوا به واجتمعوا حوله راجع: النهاية في غريب الحديث ج 4 ص 190 «كفف».

2) في الطبعة المعتمدة: «فقد حناها»، والتصويب من الترجمة المطبوعة بتحقيق الشيخ المحمودي.

3) كذا في الطبعة المعتمدة، وفي الترجمة المطبوعة بتحقيق الشيخ المحمودي «ولا أمل»؛ وهو الأنسب للسياق، وكما في الرواية اللاحقة.

فيهم، ومِن غَير حَدَثٍ َكانَ مِنّا، ولا رَأي يُفيّلُ (1)فينا

فَهَا لَكْمُ الوَيلاتُ إِذ كَرهتموها، تَرَكتُمونا والسَّيفُ مَشيمٌ، وَالجَأْشُ طَامِنٌ، وَالرَّأْيُ لم يَستَخْفِ، ولكِن اسْتَصرَعتُم إِلينا كَطيرَةِ الدَّبى، وتَداعَيتُم إليها كَتَداعِي الفراش، قيْحاً وحِكة، وهُلعَة وذلة، لِطَّوَاغِيْتِ الأُمَّةِ، وشدّاذِ الأحزاب، ونَبَدَةِ الكِتابِ، وعَصَبَةِ (2)الآثام، وبَقِيَّةِ الشيطان، ومُحَرِّفِي الكِتاب، ومُطْفِئِي السُّنَن، ومُلحِقِي العَهَرَةِ بِالنَّسَبِ، وأَسفِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمِزَاجِ المُستَهزِئينَ «الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ» (3)، «لبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ» (4).

فَهَؤُلاءِ تَعْضُدُونَ، وعَنَّا تَتَخَادَلُونَ؟!

أجَلُ وَاللّهِ، الخَذلُ فِيكُم مَعروفٌ وشَبَحَتْ (5)عَليهِ عُروقُكُم، وَاستَأَزَرَتْ عَلَيْهِ أصولكُم فَاقْرَعَكُم، فكنتُم أخبَتْ ثَمَرَةَ شَجَرَةٍ لِلنَاظِرِ، وأكلة


1) فال الرجل في رأيه وفيَّل: إذا لم يُصب فيه راجع: النهاية في غريب الحديث ج 3 ص 486 «فيل».

2) في الطبعة المعتمدة: «وعضبة»، والتصويب من الترجمة المطبوعة بتحقيق المحمودي.

3) الآية 91 من سورة الحجر.

4) الآية 80 من سورة المائدة.

5) كذا في المصدر، والظاهر أن الصواب: «وشجت»، كما في نقل مقتل الحسين «علیه السلام» للخوارزمي الذي سوف يأتي لاحقاً.

لِلغاصِب (1)ألا فلعنَهُ اللّهِ عَلى النَّاكِثِينَ، الَّذِينَ يَنقُصُونَ الْأَيمانَ بَعدَ توكيدِها، وقد جَعَلُوا اللّهَ عَليهِم كَفيلا.

أَلا وَإِنَّ البَغِيُّ ابنَ النَّغِيِّ قد رَكَزَ بَينَ اثْنَتَين، بَينَ السِّلةِ وَالذّلة، وهَيهات مِنّا الدَّنِيَّةِ، أبَى اللّهُ ذلِكَ ورَسولهُ، والمُؤْمِنُونَ، وحُجُورٌ طَابَت، وبُطُونٌ طَهُرَت، وأنوفٌ حَمِيَّة، ونُفوس أبيَّة، أنْ تُؤثِرُ مَصارع الكِرام على ظئار (2)اللئام (3).

ألا وإنّي زاحِفٌ بهذِهِ الأُسرَةِ عَلى قِلَةِ العَدَدِ، وَكَتْرَةِ العَدُوِّ، وخَدَلة الناصر. ثُمَّ تَمَثَّلَ «علیه السلام» يقول الشاعر:

فإن نهزم فهرامون قدماً***وإن تهزم فغيرُ مُهَزَمِينا

وما إن طِبُّنا جُبنٌ ولكِن***مَنايانا وطعمة آخرينا

ألا ثم لا يلبثوا إلا ريث ما يُركَبُ فرس، حَتَّى تُدارَ بِكُم دَورَ


1) كذا في المصدر، وفي نقل مقتل الحسين «علیه السلام» للخوارزمي الذي سوف يأتي لاحقا «وشجَت عَليهِ عُروقكم، وتوارثته أصولكم وفُروعُكُم، ونَبَتت عَليهِ قُلوبُكُم، وغشيت بهِ صُدورُكُم، فَكُنتُم أُخبَتْ شَيءٍ، سنخا للنّاصِب، وأكلة للغاصب».

2) يَظارُ: أي يَعْطِفُهُم على الصلح راجع القاموس المحيط: ج 2 ص80 «ظئر».

3) كذا في المصدر، وفيه تأخير وتقديم، والصواب: «أن تُوَتْرَ ظِيَّارِ اللئامِ عَلَى مَصَارِع الكرام» راجع: ترجمة الإمام الحسين (المطبوعة بتحقيق المحمودي) ص 217 الهامش 7.

الرَّحى، ويُفقَ بِكُم فلقَ المحور، عَهداً عَهْدَهُ النَّبِيُّ إلى أبي: «فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ تُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكُمْ عَليْكُمْ عُمَّةٌ ثُمَّ اقْضُوا إِليَّ وَلا تُنظِرُون» (1)، «إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِدٌ بناصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (2)» (3).

النص الثاني:

مقتل الحسين «علیه السلام» للخوارزمي وغيره، عن عبد اللّه بن الحسن [وأحاطوا بالحسين من كل جانب حتى جعلوه في مثل الحلقة، فخرج الخ..] خَرَجَ الحُسَينُ «علیه السلام» من أصحابهِ حَتَّى أتَى النّاس، فاستَنصَتَهُم، فأبوا أن يُنصتوا.

فَقالَ لَهُم وَيْلَكُم ! ما عَليكُم أن تُنصتوا إليَّ، فتَسمعوا قولي، وإِنَّما أدعوكم إلى سَبيل الرَّشادِ، فَمَن أطاعَني كَانَ مِنَ المُرشدينَ، ومَن عَصاني كانَ مِنَ المُهلكين، وكلُّكُم عاص لأمري، غَيرُ مُستَمِع لقولي، قدِ انْخَزَلْت عَطِيَّاتُكُم مِنَ الحَرام، ومُلِئَت بُطُونُكُم مِنَ الحَرامِ، فَطَبَعَ اللّهُ على قلوبكم، ويلكم ألا تُنصتون؟ ألا تَسمعونَ؟


1) الآية 71 من سورة يونس.

2) الآية 56 من سورة هود.

3) راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 218 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 317 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2587 نحوه، وراجع الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 116 ومطالب السؤول ص72 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 626 وج 19 ص 416.

فتَلاوَمَ أَصحابُ عُمَرَ بن سَعدٍ، وقالوا: أنصتوا له.

فَقالَ الحُسَينُ «علیه السلام» تَبّاً لكُم أَيَّتُهَا الجَمَاعَهُ وَتَرَحاً! أَفْحَينَ استَصرَختمونا ولهين مُتَحَيِّرين، فأصرخناكُم مُؤَدِّينَ مُستَعِدِّينَ، سَلَلْتُم عَلينا سَيفاً في رقابنا، وحَشَشتُم عَلينا نارَ الفِتَن التي جَناها عَدُوُّكُم وعَدُوُّنا، فَأَصْبَحتُم إلبا عَلى أُولِيائِكُم، ويَداً عَليهِم لِأَعدائِكُم بِغَير عَدلٍ أَفشَوهُ فيكُم، ولا أمَلِ أَصْبَحَ لَكُم فيهم، إلا الحَرامَ مِنَ الدُّنيا أَنالُوكُم، وخَسِيسَ عَيش طمِعتُم فِيهِ، مِن غَير حَدَثٍ كانَ مِنّا، ولا رَأي تَفيَّلَ لنا.

فهَلا - لكُمُ الوَيلاتُ - إذ كرهتمونا تَرَكتُمونا، فَتَجَهَّزتُموها وَالسَّيفُ لم يُشْهَر وَالجَأَسُ طَامِنٌ، وَالرَّأيُ لم يَستَحصف، ولكن أسرعتُم عَلينا كَطيرَةِ الدَّبا، وتَداعَيتُم إِليها كَتَداعِي الفراش.

فقبحاً لكُم، فَإِنَّما أنتُم من طواغيت الأُمَّةِ، وشدّاذِ الأحزاب، ونَبَدَةِ الكِتابِ، ونَفَتْةِ الشيطان، وعَصَبَةِ الآثام، ومُحَرِّفِي الكِتابِ، ومُطْفِئِي السُّنَن، وقتلة أولاد الأنبياء، ومُبيري عترة الأوصياء، ومُلحِقِي العُمّار بالنَّسَبِ، ومُؤذِي المُؤمِنينَ، وصُراخ أئِمَّةِ المُسْتَهْزِئينَ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرآنَ عِضين، وأنتُمُ ابن حَربٍ وأشياعَهُ تَعتَمِدُونَ، وإيَّانا تَخدُلُونَ؟!

أجَلُ وَاللّهِ، الخَدْلُ فِيكُم مَعروفٌ وشَجَت عَلَيهِ عُروقُكُم، وتَوارَثْتهُ أصولكم وفُروعُكُم، ونَبَتَت [ثبتت] عَليهِ قُلوبُكُم، وغُشِيَت بِهِ صُدوركُم، فكنتُم أخبَثْ شَيءٍ، سنخا (1)للناصب، وأكلة للغاصب؛ ألا لعنَهُ اللَّهِ عَلَى


1) السنخ - بالكسر - من كل شيء أصله، والجمع أسناخ، مثل حمل أحمال. راجع: مجمع البحرين ج 2 ص 435 «سنخ».

الناكِثينَ الَّذِينَ يَنقُضون الأيمانَ بَعدَ تَوكيدها، وقد جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلِيكُم كَفيلا؛ فَأَنتُم - وَاللّهِ - هُم.

أَلا إِنَّ الدَّعِيَّ ابنَ الدَّعِي قد رَكَزَ بَينَ اثْنَتَين، بَينَ القتلة [القلة] وَالدّلة، وهَيهاتَ مِنّا أخدُ الدَّنِيَّةِ، أَبَى اللّهُ ذلِكَ ورسوله، وجُدودٌ طابت، وحُجورٌ طَهُرَت، وأنوفٌ حَمِيَّة، ونُفوس أبيَّة، لا تُؤثِرُ [مصارع] طَاعَة اللئامِ عَلى مَصارع الكِرام.

ألا إنّي قد أعذرتُ و أنذرتُ.. (1).

وبقية هذا النص يكاد يكون مطابقاً لما جاء في النص المتقدم برقم [1]. فراجع.

ونقول:

في هذه الخطبة مواضع كثيرة تحتاج إلى بسط في القول، وتوسع في البيان. ونحن نعترف بقصورنا عن القيام بهذه المهمة. ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله، ولا كله.. فنحن نقتصر على بيان بعض الأمور المتصلة ببعض فقرات هذه الخطبة الشريفة، فنقول:


1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 6 وبحار الأنوار ج 45 ص 8 - 10 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 251 - 253 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 624.

اختلاف النصوص المتقدمة:

إن اختلاف النصوص المتقدمة فيما بينها في الزيادة وفي النقيصة، وفي السياق البياني للنص، وفي التقديم والتأخير، وفي الإسهاب والاختصار، وغير ذلك لا يكاد يخفى على الناظر الخبير، والمتأمل البصير..

وقد ذكرنا في الفصل السابق في سياق حديثنا عن المناشدات بعض ما له ارتباط بهذا الأمر.. والذي قلناه هناك هو بعينه يقال هنا، فنحن نحيل القارئ الكريم عليه، مع اعتذارنا له عن تكرار نفس المطالب، لأن قربها وسهولة الرجوع إليها، والاطلاع عليها يغنينا عن الإعادة..

غاية الخذلان والخسران :

1 - ثم ذكر «علیه السلام» أن هؤلاء القوم قد أصبحوا أولياء لأعدائهم على أوليائهم.

وهذا الأمر، وإن كان قبيحاً، بل هو في غاية القبح في حد نفسه، إلا أن ما يزيده قبحاً وشناعة ألا تكون له أية إيجابية ولو موهومة لهم، أو أي نفع مهما كان ضئيلاً وتافها.. بل محض ضرر، وسقوط وضياع وإلقاء للنفس في الهاوية، فهو كمن يضع نفسه بين فكي الأسد، أو في متناول براثن وأنياب، ومخالب الوحوش المفترسة، والجوارح الكاسرة..

وهذا ما ألمح إليه «علیه السلام» بقوله: «بِغَير عَدلٍ أَفشَوهُ فِيكُم»

لكي تتوهموا أن فعلكم الشنيع هذا كان طمعاً في استمرار هذا العدل..

2 - ومع أنكم لم تروا منهم عدلاً، فقد يتوهم متوهم أن من الجائز أن يقدم الإنسان على أمر لصالح شخص آخر، أو فئة أخرى، برجاء أن تحصل انعطافة إيجابية لدى ذلك الشخص، أو تلك الفئة، فيكون هذا الأمل هو العزاء والسلوة. ولكن الغريب في الأمر هنا: أن هؤلاء الأشرار ليس لديهم حتى توهم وجود أمل من هذا القبيل، فضلا عن توقعه أو رجائه. وهذا ما أشار إليه «علیه السلام» بقوله:

«ولا أمَلِ أَصْبَحَ لَكُم فيهم».

مضامين خطب الإمام «علیه السلام»:

وما نريد لفت النظر إليه: أن الإمام «علیه السلام» قد تطرق - تصريحاً أو تلويحا - إلى مضامين وحقائق ولطائف ودقائق عديدة، ومهمة، نرى أن استيعابها وعرضها بدقة متعسر، بل متعذر علينا، لاحتياجه إلى تبصر، وتأمل، وتدقيق، لا نرى أن لدينا الأهلية لادّعائه لأنفسنا.

ونذكر - على سبيل المثال - نموذجاً من النقاط التي أشير إليها في سياق خطبه ومناشداته «علیه السلام»، فنقول:

تضمنت كلماته «علیه السلام»:

1 - دعوة ذلك الجيش الباغي والطاغي إلى التوبة والتراجع عما عقد العزم عليه.

2 - عرض عليهم أن يدعوه يرجع من حيث أتى، أو يختار

المكان الذي يرى أنه موضع أمن له.

3 - هو يذكرهم بكتبهم إليه، واستغاثتهم.به.

4 - يبين لهم جانباً من المسيرة العملية المخزية، والظلم للناس الذي يمارسه يزيد، وبنو أمية، ومن يدور في فلكهم.

5 - التأكيد على طهر أهل البيت «علیه السلام»، وفضلهم وعلمهم، ومكانتهم، وموقعهم من هذا الدين.

6 - التذكير بأنهم عترة الرسول، وذريته، وأهله..

7 - الشكوى من عدوان هؤلاء الحكام المتغلبين على حقوق أهل البيت عليه، واغتصابها منهم، وعدم رعاية حرمة الرسول، ورفض الإذعان للأوامر الإلهية الصريحة، وعدم قبول التوجيهات والأوامر النبوية الشريفة فيهم.

8 - تخويفهم من أخطار سياسات بني أمية فيهم في المستقبل.

9 - تحذيرهم من عواقب ما يقدمون عليه، وما ينتظرهم من انتقام إلهي منهم في الدنيا والآخرة.

10 - تأكيده على أن بني أمية، وسائر أعدائه لا يملكون أي مبرر، أو ذريعة، مهما كانت تافهة على ما عقدوا العزم عليه، سوى الإصرار على البغي والعدوان وإيثار طاعة الشيطان على طاعة الرحمان والخروج من دائرة الإيمان إلى دائرة الكفر والطغيان.

وغير ذلك مما ربما مرت أو سوف تمر الإشارة إليه، أو إلى بعض منه.

دعوات الإمام «علیه السلام» على أعدائه:

يلاحظ: أن هذه الخطبة للإمام «علیه السلام» يوم عاشوراء قد جاءت قوية وحادة، وربما اعتبرت قاسية وجارحة. إلا أن واقع الأمر هو: أن صراحة هذه الخطبة ووضوحها وحساسية مضامينها وخطورتها هو الذي جعلنا نشعر بقسوتها ومرارتها. فالمرارة هي للحقيقة نفسها.

فمثلاً: إنه «علیه السلام» حين يدعو عليهم بالتباب والترح والخسران المستمر، والهلاك، ويقول: «تَبّاً لكُم أيَّتُهَا الجَمَاعَهُ وتَرَحاً»، ويدعو عليهم بالسحق والتمزق، فيقول: «فسُحقاً لكُم..»، وإنما يفعل ذلك، لأنهم يستحقون هذا المصير الأسود، لأنهم يقدمون على أعظم الموبقات من دون سبب، أو مبرر ولو موهوم، سوى البغي والظلم، وطاعة الشيطان.. مع وضوح الأمور لهم، وقيام الحجة عليهم، ومع كثرة المواعظ التي سمعوها، والنصائح التي أسديت إليهم.

ثم هو «علیه السلام» يدعو عليهم بعدة أمور، فيقول:

1 - «اللَّهُمَّ احبس عَنهُم قطرَ السَّماءِ»، لأن هذا يحرمهم من أهم العناصر التي تحتاجها الحياة البشرية، والحياة والبقاء لكل المخلوقات، حتى النبات والشجر.

2 - ثم قال: «وَابعَتْ عَليهم سنينَ كَسني يوسفَ» فإن سنوات القحط إذا اشتدت بقوم، فذلك يدفعهم إلى أن يستفيدوا فيها مما ادَّخروه، وجمعوه، أو اجتمع عندهم، حتى المياه التي اختزنتها الأرض في

جوفها، أو خزنت في الآبار والمستوعبات المستحدثة.

فإذا استهلكت، ولم يكن هناك ما يعوضها، فإن الأمر سب بأولئك القوم إلى الهلاك.

3 - ثم قال : وسَلّط عَليهم غُلامَ ثقيفٍ، يَسومُهُم كَأْسًا مُصَبَّرَةَ» قتل الصبر : هو حبس الإنسان ليقتل ؛ فإذا ابتلي هؤلاء القوم، إضافة إلى ما تقدم، بمن يستحل سفك دمائهم ومن يحبسهم ليقتلهم صبراً بالسيف، وهم واعون ومدركون لما يراد بهم، ويجري عليهم.. فذلك يعني أنهم سيواجهون آلاماً نفسية صعبة، وعذاباً روحياً شديداً، حيث يرون أنه لا نجاة لهم من الموت وتتلاشى أحلامهم، وتتبخر آمالهم، وتزول أوهامهم.

لماذا دعا عليهم؟!:

ثم ذكر «علیه السلام» ما دعاه إلى الدعاء عليهم، فقال: «فَإِنَّهُم كَذَّبونا وخَدَلونا». فتكذيبهم لهم «علیهم السلام» وخذلانهم إياهم من موجبات استحقاق هذه العقوبات الثلاث، ربما لأن التكذيب معناه: إسقاط دعوة الحق عن الاعتبار، وتعطيل دور الأئمة والقادة، وسلب قدرتهم على التأثير في المجتمعات: تربية، وتعليماً، وإصلاحاً، وهداية، وهذا يؤدي إلى بطلان جهود الأنبياء، وإهدار دماء الشهداء، وإرجاع الأمة إلى حالة مزرية من الجهل والتوحش..

فمن الطبيعي أن تكون عقوبة هذه الجريمة متناسبة مع واقع وآثار الجريمة نفسها، والأمور الثلاثة التي ذكرها «علیه السلام» في

دعائه عليهم تحمل هذه الخصوصية أيضاً.

أما الخذلان فيكون حين يحتاج الإمام والهادي والمصلح إلى النصر والمعونة في عمله الذي لا يعود نفعه إليه، بل هم عمل إصلاحي يهدف إلى إنقاذ الأمة من براثن الضلال، وتحريرها من أسر الجبارين، والمضلين والمبطلين، والمفسدين.

فالعقل والشرع والوجدان، يحكم ويفرض على كل قادر أن يمد يد العون والنصر لذلك المصلح والهادي.

وإن لم يفعل القادرون ذلك، وخذلوا إمامهم وقائدهم، فإن النتيجة الطبيعية ستكون هي نفس الأمور الثلاثة المتقدمة التي ذكرها «علیه السلام» في دعائه عليهم.

فإن اللّه سوف يحجب عن هؤلاء الخاذلين معونته، وألطافه، وفضله، ومدده، فيمنع عنهم قطر السماء

وستكون نتيجة ذلك : أن تواجههم سنوات قحط، وعدم وحاجة.

فإذا استنفد الناس ما عندهم ولم يبق لديهم شيء مما ادَّخروه، واستخرجوا ما في الخبايا والخزائن، ولم يبق منه لديهم شيء يحفظ لهم رمق الحياة.. فإن من الطبيعي أن يحاول من لديه فضل قوة أن يفرض سلطانه على من هم دونه ويجعلهم في خدمة مصالحه، ويتخذهم عبيدا لأهوائه، وربما رأى أنهم لا يستحقون الحياة، وأن ذلك بسبب ما ارتكبوه من جرائم ومآثم، وإذا كان ذلك القوي من أهل الإيمان والالتزام بالأحكام، فلا بد أن يعتبرهم بسبب جرائمهم

مهدوري الدم.. فيسقيهم كأساً مُصَبَّرَةَ، كما تقدم بيانه.

استصرختمونا فأصرخناكم:

ثم إن أول ما يلفت النظر في هذه الخطبة: أنه «علیه السلام»:

1 - قد بدأ كلامه بالدعاء على أولئك الغدرة الفجرة بالتباب، وهو الهلاك والخسران المستمر، وبالترح، وهو أيضا الهلاك والانقطاع والحزن.. فإن هذا المصير إنما صنعوه هم لأنفسهم بأيديهم، من خلال إصرارهم على ارتكاب هذه الجريمة الهائلة في حق الإسلام والإيمان والإنسانية بأسرها.

إنه «علیه السلام» واجههم بهذه الحقيقة، وهي: أنهم بملء اختيارهم قد بدأوا بصنع فصول وجزئيات جريمتهم من ألفها إلى يائها.. فكانت صرختهم المدوية في البداية هي صرخة الواله الذي ذهب عقله، وفقد رشده من شدة الألم. وقد طلبوا منه «علیه السلام» أن يسمع صرختهم، ويغيثهم، فإن كلمة استصرخه لها معنيان:

أحدهما : استغاثه.

والآخر: حمله على الصراخ.

وهذه الاستغاثة تعني: أن المغيث يضع أمله بالمستغاث به.

2 - فكان لا بد من إغاثة هذا الواله الملهوف بأقصى سرعة، وهذا ما فعله «علیه السلام»، وإذ به يجد نفس من استغاث به قد أخذ عليه السبل، وجمع الجيوش لقتله، وقتل أهل بيته، وأصحابه، وسبي

حرمه!!

فسلوا عليه سيفا يفترض أن يكون له «علیه السلام» في أيمانهم.

وأضرموا نارا عليه لتحرقه، كان يفترض أن تضرم على عدوه وعدوهم.

ما حدث للحسين «علیه السلام» لم يحدث لأحد:

وكلمات الإمام «علیه السلام» في هذه الخطبة طافحة بالشواهد على مدى الألم والأسى الذي كان يعتمل في صدره. ربما لأن ما جرى له «علیه السلام» مع أهل الكوفة الذين جاؤوا لحربه ليس له نظير في تاريخ الأمم.. ومن البعيد جداً حصول نظير له في الآتي من الزمان. فإنه لم يحدث أبداً أن استغاثت أمة بأسرها بأقدس، وأفضل، وأكمل، وأعلم مخلوق على وجه الأرض، ومن هو بقية أهل بيت النبوة، الذين طهرهم اللّه، وأمر البشر بمحبتهم ومودتهم.. - استغاثت به - لينقذها من بلاء هي فيه، ثم انقلبت عليه مرتين:

إحداهما: حين صارت قلوبهم معه وسيوفهم عليه.

والثانية: حين أصبحت السيوف والقلوب معاً عليه.

وقد كان هذا الانقلاب مستوعبا وشاملاً، باستثناء بضعة أفراد. ثم جاءت إليه بقضها وقضيضها لتتولى أسره وتسليمه لأعدائه، فلما عجزت عن ذلك بادرت إلى قتله هو وأهل بيته وأصحابه، وأسر حرمه بأبشع صور وأقبحها.

واللافت: أن الذين والاهم هؤلاء المخذولون، هم أشر وأضر، وأسوأ خلق اللّه، وأشدهم بغيا وظلماً وعتوا، ولم يغيروا شيئاً مما كانوا عليه، كما قال «علیه السلام»: «يغَير عَدلٍ أَفشَوهُ فِيكُم، ولا أَمَلِ أصبَحَ لكم فيهم»، فإنهم الشجرة الملعونة في القرآن.

وكان الخوف والطمع، وفقدان الشعور بالكرامة، ونسيان ذكر اللّه هو السبب في هذا التبدل الخطير، فمنهم من باع نفسه بالمال، ومنهم من أرهقه الخوف من بطش الأمويين، وفي كلتا الحالتين، فإن من يخضع لعامل الخوف، فإنه يبتلى بالجبن والخنوع، ويرضى بالهوان والذل، إذ «إنه لم يكره قوم قط حر السيوف (السيف) إلا ذلوا» (1).

ومن خضع للطمع، فإنه هو الآخر يصير مصداقا لقوله «عليه السلام»: ما أقبح بالمؤمن أن تكون له رغبة تذله (2).


1) روضة الواعظين منشورات الشريف الرضي ص 270 والإرشاد ج 2 ص 173 وعمدة الطالب ص 256 وسر السلسلة العلوية ص 58 وإعلام الورى ج 1 ص 494 وكشف الغمة ج 2 ص 342 وبحار الأنوار ج 46 ص 187.

2) الكافي ج 2 ص 320 وصفات الشيعة ص 32 وتحف العقول ص 489 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 16 ص 24 و (الإسلامية) ج 11 ص 321 ومستدرك الوسائل ج 12 ص 68 وبحار الأنوار ج 70 ص 170 و 171 وج 75 ص 374 وج 64 ص 303 ومرآة العقول ج10 ص258 والأنوار البهية ص 318 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 450.

ومن ينسى ذكر اللّه، فإن اللّه ينسيه نفسه، ويفقد المعايير التي تضبط حركته.

ولا تقتصر الآثار السلبية لما جرى على فريق دون فريق، بل هي جريمة بحق الأمة بأسرها، فقد حرموها من نعمة العيش الآمن والرغيد، في ظل الهدايات الربانية، والألطاف الإلهية، وباعوا دنياهم وآخرتهم بالأبخس الأدنى.

ولا تقتصر سلبيات ذلك على جيل دون جيل، بل هي تصيب المجتمعات البشرية عبر الأجيال، وإلى يوم القيامة.

ولأجل ذلك نجد كلمات الإمام الحسين «علیه السلام» في هذه الخطبة تنضح بالأسى والألم، والتوجع والشكوى.. لا أسفاً، ولا إشفاقاً منه على شخصه، ولا خوفاً من القتل، وإلا لكان قد وجد السبيل للنجاة منه.

ولكنه لم يفعل ذلك لعلمه بأن لو فكر بنفسه، وعمل على نجاتها بأي نحو كان سوف يكون ثمن ذلك تكريس نهج الباطل، واستحكام الشبهات، وإذلال أهل الحق، وتعمية السبل إليه.

سللتم سيفاً لنا في أيمانكم :

وقد خاطب «علیه السلام» ذلك الجيش الذي اجتمع لحربه في كربلاء - وكانوا كما هو الراجح ثلاثين ألفاً -: بأنهم قد سلوا على أهل البيت سيفاً لهم في أيمانهم، فكيف نفهم ذلك؟

ويجاب:

بأن من الواضح: أن اللّه سبحانه قد بعث نبيه محمدا «صلی اللّه علیه وآله» رحمة للعالمين، وقد أصبحوا بفضل هذا الدين، وبجهوده «صلی اللّه علیه وآله» وجهود أوصيائه، والأبرار الأخيار من صحابته - أصبحوا - وصحابتهم أمة ذات شوكة وعظمة وقوة وسلطان، لديها طاقات وإمكانيات متنوعة، وتملك ثروة مالية وبشرية عظيمة. فضلاً عما سوى ذلك.

وقد جاءهم «صلی اللّه علیه وآله» من عند اللّه بشريعة جامعة وسن لهم سننا، وأوجب عليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل اللّه تحت راية إمام عادل، وحرم عليهم ارتكاب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وحرم قتل الأبرياء، وإيذاءهم، والبغي عليهم.

وبمقتضى ذلك: يجب أن تكون سيوف جميع المسلمين كلها بتصرف النبي والإمام، أو من نصبه أحدهما «صلوات اللّه وسلامه عليهما». هذا ما قضت به أحكام الشرع الشريف.

وقد جعل اللّه سبحانه وتعالى من خلال ما ورد من آيات، وما صدر عن النبي «صلی اللّه علیه وآله» من نصوص أناساً مخصوصين، أئمة أوصياء، وعترة لأفضل الأنبياء لخصائص حازوها، ليست في غيرهم، فكانوا أعلم الناس، وأتقاهم، وأفضلهم، وأطهرهم، وأشجعهم... بالإضافة إلى سائر الصفات الجليلة والجميلة والكريمة التي تجسدت فيهم.

وقد جعل لهم الإمامة والزعامة والولاية على الناس. بل جعلهم

أولى بالمؤمنين من أنفسهم. فأمور الناس كلها إليهم «علیهم السلام»، والسيوف التي في أيدي الناس لهم «علیهم السلام». فما معنى أن تسلّ عليهم، وأن تقطع بها أوصالهم، وأن تبار بها عترتهم، ويقتل بها صحابتهم، وفي ظلها تسبى حرمهم؟!

هذا ما اقتضته أحكام الشرع والدين..

يضاف إلىه : أن هؤلاء القوم هم الذين استغاثوا بالحسين، وهم في حالة من اللّهفة، بلغت حد الوله، وذهاب العقل.

والمفروض بمن يستغيث، ويكون هذا حاله أن يوظف جميع ما لديه من قدرات في خدمة المستغاث به، وأن يمكنه من إغاثته، أو على الأقل أن لا يجعل العوائق والعراقيل أمام تحقق تلك الإغاثة.. فما بالك بمن ينقلب على عقبيه، ويشهر سيفه على من جاء لنصرته، ثم يقطعه إرباً إرباً، ويبيد عترته، ويسبي حرمه؟!

هلا تركتمونا والسيف مشيم:

وقال «علیه السلام»: «فَهَلْ لَكُمُ الوَيلاتُ إذ كرهتموها، تَرَكتُمونا وَالسَّيْفُ مَشيمٌ»، أي مغمد. «وَالجَأَشُ طَامِنٌ» والجأش: النفس وقيل: جأش النفس : رواع القلب إذا اضطرب عند الفزع. وقيل: «الجأش»: القلب.

و «طامن»: أي ساكن.

«وَالرَّأيُ لمّا يَستَحصِف» أي والرأي يقترب من الاستحكام ولكن ذلك لم يحصل بعد.

فهو «علیه السلام» يدعو عليهم بأن تصيبهم الويلات والحسرات

لأنهم لم يتركوا أهل البيت «علیهم السلام» يعيشون في راحة ودعة، وهدوء بال، حيث كانت السيوف لا تزال في أغمادها، والنفس مطمئنة ساكنة.. إلى أن يستحكم الرأي، وتظهر دلائل قوته وصحته وصوابيته..

فاستغاثتهم بأهل البيت «علیهم السلام»، قد قلبت الأمور، وكرست الشعور بضرورة المبادرة للاستجابة والإغاثة، وإذا بالذين استغاثوا يبدلون موقفهم، وينقلبون على الذين استغاثوا بهم مرتين:

مرة: حين صارت قلوبهم معهم وسيوفهم عليهم.

ومرة أخرى: حين سلوا سيوفهم، وجاؤوا إلى قتالهم وقتلهم.

هل الإمام يعمل بالظنون؟!:

ولكن يبقى هنا سؤال عن المراد بقوله «علیه السلام»: «وَالرَّأيُ لَمّا يَستَحصف»، فهل كان الإمام «علیه السلام» يتعامل مع الناس بالآراء، التي تنضج أحياناً، ولا تنضج أخرى؟! أم أن الأمور مكشوفة له، وهو يعرف الداء والدواء على سبيل القطع واليقين، ولا يعمل بالظنون؟!

ويجاب:

بأن الإمام يعرف أحكام الوقائع، وعلاجات المشكلات على سبيل القطع واليقين. ولكنه فيما يرتبط بتحديد موضوعات وموارد تلك الوقائع، وكشف حقيقة تلك المشكلات وظروفها، وحالاتها ليس له أن يعمل بالواقع المكشوف له بطرق غير عادية كعلم الغيب الذي اختصه اللّه به، بل عليه أن يتعامل مع ما تقتضيه، وتوصل إليه الوسائل

المتوفرة لجميع الناس وهي قد تقصر عن ملامسة الواقع بجميع خصوصياته وتفاصيله، كما أنها قد لا ترقى إلى درجة اليقين به، بل تبقى في حدود الظن والإطمينان، وإن كانت حجيتها ثابتة على سبيل القطع - كما هو الحال في ظواهر الكتاب والسنة، وغيرها من الأمارات التي يعتمد عليها.

وعلى هذا، فقد يحتاج استحكام الرأي إلى توفر شرائط، وحصول تحولات لم تكن متوفرة، ولكن العمل على إيجاد مناخات، وتهيئة ظروف موضوعية تفرض مقتضياتها، وتنشأ عنها واجبات، وتستجد لها أحكام تحتم التحرك نحو تسجيل موقف جديد. تبعاً للموضوع المستجد.

وهذا ما حصل بالفعل، فقد كان الحسين «علیه السلام» قبل استغاثة أهل الكوفة به في حل من أمرهم ولاسيما مع علمه «علیه السلام» بما فعلوه مع أبيه وأخيه، حيث تخلى الكثيرون منهم عنهما في ساعات الشدة، بل مال شطر منهم إلى عدوه وعدوهم معاوية بن أبي سفيان!!

ولكن استغاثة أهل الكوفة به «علیه السلام» قد حملته مسؤولية الاستجابة لهم، ولم يكن يحق له أن يتخلف عن ذلك بالرغم من علمه بتاريخهم غير المشجع مع أبيه وأخيه.. لاحتمال أن يكونوا قد غيّروا وبدلوا، وتابوا. وبذلك يصبح «علیه السلام» مطالبا برفع ضرهم، والمبادرة إلى معونتهم مع أن الوقائع قد أظهرت أنهم ليس فقط لا

يزالون على حالهم، وإنما هم قد سقطوا إلى قعر الهاوية، ونكسوا على رؤوسهم بصورة لم يسبق لها مثيل، وربما لن يكون لها مثيل في المستقبل أيضاً.

إسراع طيرة الدبي، وتهافت الفراش:

وتقدم: أنه «علیه السلام» قال: «ولكِن أَسرَعتُم عَلَينا كَطيرَةِ الدَّبى، وتَداعَيتُم إليها كَتَداعِي الفراش»، ونقول:

1 - الضمير في «إليها» يرجع إلى الفتنة، أو إلى الجريمة التي هم بصدد ارتكابها في حقه «علیه السلام».

2 - إن صغار الجراد حين تريد شيئاً، فإنها تسرع إليه، مع تكلف وظهور عجز وبذل جهد للحصول علىه.

وهؤلاء الأشرار كذلك، فإن لديهم الرغبة في ارتكاب هذا الأمر الشنيع، ويتكلفون الوصول إليه، وليسوا مقهورين عليه رغم معرفتهم بعواقبه في الدنيا والآخرة، وبأنهم سيصبحون لعنة على مدى التاريخ. ومن المفروض أن يكون هذا من موجبات ضعفهم، وصعوبة الأمر عليهم. ولكنهم يصرون عليه، ويتكلفون السعي إليه. وهذا يزيد في بشاعة وقبح فعلهم.

3 - إن تشبيههم بطيرة الدبى فيه إلماح إلى صغر شأنهم، وحقارة نفوسهم، وأن كل فرد فرد منهم يريد أن ينال من الحسين وأهل بيته وصحبه، ما يختص به لنفسه، ويرى أنه له، وبدافع حرص شخصي منه، ويرى أنه من ملذاته وحاجاته هو كفرد. ولا يفعل ذلك ليرضي

الآخرين وحسب.

4 - وفي قوله «علیه السلام»: «وتَداعَيتُم» دلالة على أنهم ليس فقط يحاول كل منهم أن يحصل على ما يريد، بل هم يتداعون إلى ذلك أي يدعو بعضهم بعضاً إلى هذا الأمر، وكأنهم بصدد تناول طعام لذيذ في وليمة دسمة، ويريد كل منهم أن لا يحرم صاحبه منها..

5 - إنهم ضعفاء البصيرة قصيروا النظر، فهم كالفراش الذي يتهافت على النار ليلا، فإن النور يعشي بصرها، ويعطله، فيحترق فيها.

أوصافهم أردتهم:

وبعد أن دعا «علیه السلام» عليهم بأن يبعدهم اللّه من رحمته، فقال: «فَسُحقا لكُم». - أي بعداً لكم - ذكر ما يصلح سبباً ومنشأ لرغبتهم في ارتكاب هذه الجريمة النكراء، فأشار إلى أمور عديدة، هي التالية:

1 - لقد وصفهم «علیه السلام»: بأنهم «عَبِيدُ الأُمَّةِ».

2 - ثم وصفهم: بأنهم «شرارُ [شذاذ] الأحزاب».

3 - وصفهم ثالثاً: بأنهم «نَبَذَةُ الكِتاب».

4 - وصفهم رابعاً: بأنهم «مُحَرِّفِو الكَلِمِ».

5 - ثم وصفهم خامساً: بأنهم «عُصْبَة الآثام».

6 - ثم وصفهم: بأنهم «نَفْثَهُ [بقية] الشيطان».

7 - ثم وصفهم: بأنهم «مُطْفِيُوا السُّنَن».

زاد في النصين الآخرين المنقولين عن ابن عساكر والخوارزمي ما يلي:

8 - أنهم قد ذلوا لطواغيت الأمة (أو أنهم من طواغيت الأمة).

9 - أنهم مُلحِقُو العُمّار [العهرة] بالنَّسَبِ.

10 - أنهم أسفُ المُؤمِنِينَ.

11 - أنهم مزاح [صُراخ أَئِمَّةِ] المُستهزئينَ، الَّذِينَ جَعَلُوا القُرآنَ عِضين.

12 - أنهم قتله أولاد الأنبياء.

13 - أنهم مُؤدُو المُؤمِنِينَ.

فمن كانت هذه صفاته وحالاته فلا غرابة في ارتكابه لهذه الجريمة؛ فإنه يكون هو مقتضى سجيته، ونظرته، وخلقه، ومجمل أحواله.

كما أن هذه الأوصاف والحالات تكشف لنا عن سبب ما كان يمارسونه من غدر قديم، تجدر فيهم، ومازج عروقهم، والتفت عليهم أصولهم.

وقد ورثه عنهم أبناؤهم، فكانوا ثمرة يرقبها الناظر إليها فيمتلي أسى وحزناً، وهناك من يبادر إلى أخذها من دون ثمن، كما هو حال الغاصب.

ويحكم، أهؤلاء تعضدون؟!:

إن الأسباب التي أشار إليها «علیه السلام» وفق ما عرضناه قد عرفتنا: أن هؤلاء المجرمين بانقلابهم على أوليائهم وأحبابهم، وأصدقائهم، واعتبارهم أعداء لهم، ومبادرتهم إلى حربهم وقتلهم.

واتخاذهم أعداءهم أولياء، كان على معرفة تامة منهم. كما أنهم في موقفهم من الحسين وأهل البيت «علیهم السلام» كانوا يفعلون ذلك عن سابق معرفة وإدراك، وتصميم، وبحرص، وشوق، ورغبة. ولم يقدموا أي سبب أو مبرر لهذا الانقلاب، ولأجل ذلك قال «عليه السلام» متعجباً: «أهؤُلاء تَعصُدُونَ؟! وعَنا تَتَّخاذلونَ»؟!

وقد أشار «علیه السلام» إلى أن من أسباب ذلك ما يلي:

1 - استحواذ الشيطان عليهم : قال «علیه السلام» في يوم عاشوراء أيضاً: «لقدِ استَحوَذَ عَليكُمُ الشَّيطانُ، فَأَنساكُم ذِكرَ اللَّهِ العظيم، فتَباً لكُم ولِما تُريدونَ؛ إنّا للّه وإنا إليه راجعون، هؤلاء قومٌ کفروا بَعدَ إِيمانِهم؛ فبُعداً للقوم الظالمين» (1).


1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 252 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 100 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 249 وبحار الأنوار ج 45 ص 6 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 250 ولواعج الأشجان ص 125 ونور الثقلين (تفسير) ج 5 ص 266 و 267 وكنز الدقائق (تفسير) ج 13 ص 146 وأعيان الشيعة ج 1 ص 602.

فإذا نسي الإنسان ذكر اللّه عاقبه اللّه بإنسائه نفسه، قال تعالى: «نسوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُم» (1). فيقع في التيه، والضياع، لأن زمام نفسه لم يعد بيده، لأنه لم يعد يعرفها، ويصير خاضعاً لشهواته وغرائزه، ويفقد الضوابط والمنطلقات في حبه وبغضه، وفي ولائه وعداوته، لأنه لا يعرف نفسه ليعرف ما، ومن تحب وتبغض، ومن توالي وتعادي وبذلك يتمهد السبيل عمليا لاستبدال الأولياء بالأعداء.

2 - إنهم اختاروا طريق العبودية على طريق الحرية، عكس الحر الرياحي، الذي اختار طريق الحرية، فقال له الإمام «علیه السلام»: «أنت حرّ كما سمتك أمك: حر في الدنيا، وسعيد في الآخرة» (2)كماسيأتي.

ومن الواضح: أن العبد لا يملك قراره، ولا يملك حريته، بل قراره بيد سيده، وهو يسير وفق رغباته وأهوائه التي تختلف وتتفاوت بين سيد وآخر، وبين وقت وآخر.

كما أن ولاء العبد يكون متقلباً أيضاً، حين ينتقل من سيد إلى


1) الآية 19 من سورة الحشر.

2) راجع: تاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 325 والملهوف ص104 و (ط سنة 1417ه) ص 62 وبحار الأنوار ج 45 ص 14 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 11 و الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 102 والعوالم الإمام الحسين ج17 ص 257 وأعيان الشيعة ج 1 ص 604 وج 4 ص 614 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 122 وينابيع المودة ج 3 ص 77 وإبصار العين ص210.

آخر.

أما درجة حبه وبغضه لسيده، فهي تتبع طبيعة تعامل هذا السيد أو ذاك معه.

وهذا ما أشار إليه «علیه السلام» هنا، موضحاً: أن حال هؤلاء الذين جاؤوا لحربه هو نفس حال العبيد الأدلاء في تنقل ولاءاتهم، وحبهم وبغضهم، ودرجات خضوعهم وانقيادهم تبعاً لقوة وعنف السوط الذي يتهافت على رؤوسهم، وأجسادهم..

والخلاصة : أن العبيد لا شخصية ولا إرادة ولا قرار لهم، بل هم يعيشون - في الأكثر - حياة الذل والخضوع لهيمنة أسيادهم..

3 - إنهم شذاذ الأحزاب والحزب هو الطائفة ذات الهوى الواحد: عقيديا، أو سياسيا، وتكون شعاراتها عامة، وبنبرة ولغة إصلاحية بحسب الظاهر.. وهم يتعاونون ويسعون للوصول إلى ذلك الهدف.

أما شذاذ الأحزاب، فقد يكون المراد بهم الجماعات التي تتشكل وفق مصالحها، وتعيد تشكلها، وربما تندمج في غيرها في تقلبات مختلفة وفق تقلبات الأحوال، فهم مع القوي والمنتصر دائماً. سواء أكان محقاً عادلاً، أو مبطلا ظالما..

فهؤلاء هم عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درت معايشهم، فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون، على حد تعبير الإمام الحسين «علیه السلام».

ولا يثبت هؤلاء على قرار بل قرارهم تابع لأهوائهم ومصالحهم

الدنيوية الآنية. وقد ينقسمون على أنفسهم، ويحارب بعضهم بعضاً، فليس لهؤلاء عهد، ولا يرجعون إلى دين، ولا يلتزمون بقيم، أو مبادئ أخلاقية، أو اجتماعية، بل هم أتباع كل ناعق، وفي خدمة القوي المنتصر. ليست لهم شخصية، ولا شعور بالكرامة والأصالة..

فلا غرابة إذا نبذوا كتاب اللّه وراء ظهورهم، وحرفوا الكلم عن مواضعه ليوافق أهواءهم، ولأجل ذلك كانوا عصبة الآثام، ونفثة الشيطان، ومطفئي السنن. كما قال «علیه السلام».

4 - لقد ذم اللّه تعالى الأحزاب في كتابه الكريم، لأنهم تخلوا عن طاعة اللّه، وعن نهجه، واتبعوا أهواءهم، وتكتلوا وتعاونوا حتى على الإثم والعدوان، لنيل تلك الأهواء، ولم يراعوا أحكام اللّه وشرائعه، ولا اهتموا بنيل رضاه تبارك وتعالى.

وهؤلاء إن كانت مصالحهم تفرض عليهم التزامات معينة، أو أن يفوا بوعودهم أو عهودهم، فإنهم يفعلون ذلك ولو في بعض الأحيان.

5 - لكن شذاذ الأحزاب، أشد خطرا، وأعظم ضررا لأنهم لا يفكرون حتى فيما ينفعهم ويوصلهم إلى غاياتهم، بل هم لقصر نظرهم، وقلة تدبرهم، ولأنهم أسرى شهواتهم، وتبع لانفعالاتهم الآنية، لا يخضعون لأية ضابطة أو معيار، فإن الغدر ونكث العهود، وخلف الوعود يصير في طبائعهم، وهو الصفة الطاغية على حياتهم وسلوكهم ومعاملاتهم.

وقد اشتبكت أصولهم عليه، ونشأت فروعهم عليه، فهم أخبث

ثمرة لأخبث شجرة، وعليه ينشأ أبناؤهم، ويتوارثونه جيلا بعد جيل.

بل الغدر والخيانة تصبح من مفاخرهم وهم يتباهون بها، وبسائر الجرائم التي يرتكبونها. وتكمن خطورتهم القصوى حين يتخذون الدين، وسيلة لهم، ومطية لمآربهم، فيخدعون الناس بمظاهرهم، وبدعاواهم الباطلة، ويحرفون الكلم عن مواضعه وينبذون الكتاب، ويطفئون السنن.

الشجرة الخبيثة:

وقد قال «علیه السلام»: «أجل واللّه غدر فيكم قديم، وشجت عليه أصولكم، وتأزرت عليه فروعكم، فكنتم أخبث شجأ للناظر، وأكلة للغاصب».

ففي هذه الكلمات إشارات إلى أمور عديدة:

ألف: أن سمات الغدر والشر، والعدوانية، والقسوة، والطغيان، والاستكبار، وسائر الصفات الذميمة ليست أمراً عارضاً يمر على الإنسان في حالات معينة، ثم يعود إلى سابق عهده، وصفاء طبعه، وسلامة مساره، بل هي سمات حقيقية، فيها قابلية الرسوخ والتجذر في طبع الإنسان، وفي كيانه.ووجوده وتؤثر فيه، وتحوله إلى كيان غدار، وشرير وقاس وطاغ وغير ذلك من الصفات الذميمة. وذلك لأن الخير كما يتجذر ويترسخ في وجود الإنسان المؤمن، فإن الشر أيضاً يتجذر في وجود الأشرار..

ب: كما أن صفات الخير والصلاح قابلة للانتقال وراثياً إلى

الأبناء ومن جيل إلى جيل، فإن صفات الشر أيضاً تنتقل بالوراثة من السلف إلى الخلف. بعد أن تتجذر وتترسخ..

ج: أن هذا التجذر والرسوخ للموروث من الخير والشر لا يصل إلى حد صيرورته حركة عفوية وجبرية لا مجال للسيطرة عليها، أو الوقوف في وجهها في مقام العمل والممارسة، بل يبقى الإنسان قادراً على الإقدام والإحجام والرفض والقبول.

د: إذا ترسخت جذور الخير أو الشر في أعماق الإنسان، فإنها إذا كانت شرا تصيب القلب والروح، والعقل والضمير، والفطرة بأضرار فادحة قد تجفف منابع وعوامل الخير فيها، أو تشل أو تضعف حركتها على أقل تقدير، أو تعطيها رونقاً، وانتعاشاً وسلامة وقوة إذا كانت خيراً، ثم هي تضعف من تأثير عوامل الشر، وتؤدي بها إلى الضمور، ثم إلى التلاشي.. والبوار

ه: إن ظاهر كلامه «علیه السلام»: أنه يشبه هؤلاء الذين ظهر منهم الغدر - الذي هو من المزايا الخبيثة - من قديم الأيام، بالشجرة الخبيثة التي لها جذور وفروع وثمار.

وقد تحدث القرآن الكريم عن الشجرة الخبيثة، وقال: «وَالشَّجَرَة المَلعُونة فِي القُرآن» (1). ويقابلها الشجرة الطيبة التي «أصلها ثابت


1) الآية 60 من سورة الإسراء.

وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ» (1).

و: وذلك لأن جذور الشجرة تجتذب الخصائص التي تحف بها، وتبثها إلى فروعها إلى أن تصل إلى الثمرة فتستقر فيها، فإن كانت تلك الخصائص خصائص خير، فإن هذه الثمار التي احتوتها، ستكون هنيئة للآخرين الذين يتناولون منها ويتعاملون معها، وسيجدون فيها البركة والخير والصلاح، وإن كان خصائص شر كانت النتيجة بلاء وشقاء، وشراً وضرراً..

ز: إذا كان الشر والغدر متأصلاً في النفوس، وراسخاً فيها وراثة من الخلف عن السلف فإنهم يكونون من أخبث ثمرة لشجرة ملعونة وخبيثة ويكون النظر إلى هذه الثمرة من موجبات الحزن والشجا، والغصة للناظر لإدراكه أنها ثمرة لا تفيد إلا فى نشر الشر والضرر والبلاء والبوار.

هذا إذا صحت الرواية التي تقول: «فكنتم أخبث شجأ للناظر». غير أننا نرى: أن تصحيفاً قد حصل لكلمة «شجا» عن كلمة «شجر» كما جاء في كتاب الإحتجاج، وفي كتاب بحار الأنوار عنه أيضاً. ففيه: «فكنتم أخبث شجر للناظر»، وأكلة للغاصب. أي وأخبث أكلة للغاصب.

ح: لعل الحديث عن أخبث أكلة للغاصب هنا، قد جاء انطلاقا من


1) الآية 24 من سورة إبراهيم.

أن من يحاول أن يسخر هذا النوع من الناس هم - في الأكثر - غاصبوا الحقوق، وأهل العدوان.

وبالرغم من مسانختهم لهم في السلوك، وفي العدوان، وفي خبث الأفعال والنوايا، فإنهم أيضاً أخبث أكلة بالنسبة إليهم، ولا يشعرون معهم بغير الخباثة والمساءة.

الدعي ابن الدعي:

وتقدم قوله «علیه السلام»: «ألا وإنَّ الدَّعِيَّ ابنَ الدَّعِيِّ قَد رَكَزَ بَينَ اثْنَتَين، بَينَ السَّلةِ وَالذّلة، وهيهات منا الذّلة الخ..».

ونقول:

الدعي: هو من ينسب إلى غير أبيه، أو إلى من لا يقين بأبوته له..

والسَّلة: هي سل السيوف من أغمادها. أي إخراجها منها.

ويلاحظ:

أنه «علیه السلام» قد بدأ كلامه بالتصريح: بأن ابن زياد كان دعياً، وكان أبوه زياد دعياً أيضاً، لأن أبا سفيان قد زنى بأمه، وكانت محصنة، فادعى معاوية أنه أخوه، مع أن الشرع يقول : الولد للفراش وللعاهر الحجر.

فلماذا هذه الحدة منه «علیه السلام» على عبيد اللّه بن زياد في خصوص هذا المورد، وهل من اللائق بالإمام الحديث عن الأشخاص بهذه الطريقة، مهما بلغت عداوتهم له؟!

ونجيب بما يلي:

إن عبيد اللّه بن زياد قد أعطى لنفسه الحق في أن يذل أقدس البشر والإمام المنصوب من قبل اللّه وعلى لسان رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فيأتي السؤال البديهي والطبيعي من هو ابن زياد هذا؟! ومن أبوه؟! ومن أمه؟ وما هو موقعه في الأمة ؟ وما هي مكانته في العلم، وفي الدين، وفي المجتمع الإنساني الكريم، والفاضل ؟ ليعطي لنفسه الحق في إذلال أعلم وأفضل وأطهر الناس، وسليل الأنبياء، وابن سيد الأوصياء، وابن فاطمة الزهراء، وسيد شباب أهل الجنة، وخامس أصحاب الكساء.

فإذا جاء الجواب: بأن ابن زياد دعى وابن دعي، فلا بد أن يتساءل المرء مرة أخرى عمن مكنه وجرَّأه على إذلال وه نبيهم، وسبطه؟

فإن قيل: إن الذي مكنه هو من نصب نفسه للخلافة والإمامة، وهو الذي أمره بقتله، أو اذلاله.

وهنا لا بد أن يسأل كل عاقل أبي، ورجل سري نفسه، كيف يتحكم بهذه الأمة الأدعياء وأبناؤهم؟!

وكيف يأمر من يسمي نفسه خليفة المسلمين بقتل خير أهل الأرض، وأقدس البشر، أو بإذلاله؟!

وكيف يطيع الناس، ولاسيما أهل الكرامة والزعامة والشهامة، والرياسة، والكياسة، والسياسة دعياً وابن دعي في مثل هذا الأمر الشنيع ؟!

ثم تتوالى الأسئلة عن قتل هذا الإمام الذي لم يأتِ محارباً، ولا مقاتلا، بل جاء مسالما بدليل أن قد جاء بأهل بيته وحُرَمِه، وبضعة رجال معهم..

فلماذا إذن يزدلف إليه ثلاثون ألفاً ليقتلوه أو ليذلوه؟!

وهذا الجمع كله أو أكثره، الذي جاء لتنفيذ هذه المهمة، كان هو الذي استغاث بالحسين «علیه السلام» استغاثة الواله، وذاهب العقل، وقد جاءهم «علیه السلام» لينظر في شأنهم، وليساعدهم على دفع الضرر والبلاء عنهم، وإسداء النصيحة إليهم على قاعدة: «خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي»، ولم يأتهم للحرب والقتال، بل للمواساة والمعونة، وإسداء المعروف وعلى القاعدة الأخرى التي أرساها هو نفسه «علیه السلام» أيضاً حين قال: «نَفْسي مَعَ أَنفُسِكُمْ، وَأهْلي مَعْ أَهْلِيكُمْ، فَلَكُمْ فِي أَسْوَةٌ» (1). فالأحرى بهم أن يشكروه ويحفظوه، لا أن يخيروه بين أن يذلوه أو يقتلوه.

وكيف لا ينظر ذلك الجمع كله إلى هذا الأمر بعين الإنصاف؟!

ولماذا لم يقارنوا بين النهج الحسينى الرامى لإنقاذ الأمة وإسعادها ولم يقارنوا بين أهدافه وشعاراته، ورموزه، وبين نهج أعدائه من


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 403 و (ط الأعلمي) ج 4 ص304 والكامل في التاريخ ج 4 ص 48 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص86 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 609 وج 27 ص 138.

بني أمية ومن معهم، الذي هو نهج عدوان وإجرام، وإذلال للعباد، وإفساد في البلاد حتى إن كل ذي كرامة وصلاح كان مع بني أمية أمام خيارين إما القتل، أو الإذلال. وشعاراتهم وأهدافهم كانت شعارات فساد وإفساد، ورموزهم وشخصياتهم كانوا أشر وأحط الناس.

السلة بالكسر أو بالفتح؟! :

وقد ذكر «علیه السلام»: أنهم خيروه بين السلة - بفتح السين المشددة - لا بكسرها كما هو شائع، لأن الفتح يشير إلى الإفراد في المعنى، أي سلة أعداء الحسين «علیه السلام» السيوف لأجل القتل الحاسم، وينتهي الأمر، وبين أن يذل ويستكين لإرادتهم.

أما إذا قرئت بالكسر، فتشير إلى كيفية سل السيوف، فقد قال ابن مالك:

وفعلة لمرّةٍ کَجَلسَة***وفعلة لهيئة كجلسة

وليس المقصود المقابلة بين هيئة ذله «علیه السلام»، وهيئة سل أعدائه السيوف عليه لقتله، بل المراد سلها لمرة واحدة للقتل والإجرام الحاسم، وينتهي الأمر، كما هو واضح.

كما أنه ليس المراد المقابلة بين وقوف الحسين «علیه السلام» ذليلا، وبين سله السيف بوجه الظالمين. فكما أن السيوف تسل عليه لمرة واحدة، ثم يقتل ويحسم الأمر، كذلك فإن الذلة التي يريدونها منه هي ذلة واحدة تبقى إلى آخر العمر.

هيهات منا الذلة:

وقد قال «علیه السلام»: «وهَيهاتَ مِنّا الدّلة».

ونقول:

قال تعالى: «وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ» (1).

وروي عن الإمام الصادق «علیه السلام»، أنه قال في هذه الآية: إن اللّه عز وجل فوض إلى المؤمن أموره كلها، ولم يفوض إليه أن يذل نفسه (أن يكون ذليلا) (2).

فالإمام الحسين «علیه السلام» لا يمكن أن يخالف هذا الأمر الإلهي، لأن الأمر فيه لا يرجع إليه.

ويلاحظ هنا:

أولاً : أن تصرفات الخلق في أمورهم إذا كانت تحتاج إلى تفويض إلهي، فما بالك بتصرفاتهم تجاه غيرهم، إذا أرادوا أن يتصرفوا في


1) الآية 8 من سورة المنافقون.

2) الكافي ج 5 ص 63 و 64 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 16 ص 156 و 157 و (الإسلامية) ج 11) ص 424 ومشكاة الأنوار ص 430 والفصول المهمة ج 2 ص 229 والبرهان (تفسير) ج 5 ص 388 و 389 ونور الثقلين (تفسير) ج 5 ص 335 و 336 وكنز الدقائق (تفسير) ج13 ص 269 وروضة المتقين ج 11 ص 49 والوافي ج 5 ص 749 و 750 وهداية الأمة ج 5 ص 578 وتحفة السنية ص 59 وتهذيب الأحكام ج6 ص 179 ومرآة العقول ج 18 ص 411 و 412 و 413 وبحار الأنوار ج 64 ص 72.

أمور الغير من البشر، أو من غيرهم؟!

ثانياً : إن هذا يدل على أن قراره «علیه السلام» بعدم القبول بالذلة لم يكن استجابة لمشاعره الشخصية، بل كان استجابة للأمر الإلهي المتوافق مع حالة الإباء والشعور بالقوة والعزة. وهي أمور فطرية في الإنسان.

ويشهد لذلك : قوله «علیه السلام» هيهات منا» مستفيداً من ضمير المتكلم ومعه غيره، لا من ضمير المتكلم المفرد، حيث قال: «منا» ولم يقل: «مني»

ثالثاً: إن هذا يشير إلى أن الخلق، وكل ما في الوجود ملك اللّه تعالى على نحو الحقيقة، لأنه هو الخالق، وهو الإله، وأن البشر إن ملكوا شيئا، فإنما يملكونه من خلاله تعالى ولكن ملكيتهم ليست حقيقية، وإنما هي نحو من أنحاء الإذن بالتصرف، كما يأذن السيد لعبده بالتصرف في بعض ما يعود إلى السيد، ولأجل ذلك قال «علیه السلام»: فوض للمؤمن أمره كله، ولم يقل ملك المؤمن أمره كله..

وهذا البيان يلقي لنا بعض الضوء على قوله تعالى: «فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ» (1). فحتى المشي في مناكب الأرض جعل هذه الآية مورداً للإذن المستفاد منها.


1) الآية 15 من سورة الملك.

موانع قبول الذلة:

ثم إنه «علیه السلام» ذكر عدة أمور تمنع من قبول الذلة، مع ملاحظة : أنه «علیه السلام» لم يحصر رفض الذلة به كشخص، فلم يقل : هيهات مني، بل أطلقها لتكون عامة لكل من هو على نهجه، وفي خطه، ويعتبره قدوته، وأسوته، وله ولاؤه ومحبته وهم المؤمنون الحقيقيون الملتزمون بالخط الإلهي الذي رسمه القرآن، وبينه الأئمة الطاهرون فيما يرتبط بما يعنيه العز والذل للإنسان المؤمن..

والأمور التي أشار «علیه السلام» إلى أنها تمنع من قبول الذلة، هي:

ألف: أن اللّه تعالى ورسوله والمؤمنين يأبون لهم ذلك.. وهذا يشير إلى أن الذلة ليست عدواناً على الفرد المعني بها وحسب، ولا تنحصر آثارها به بل هي تتعداه لتكون عدواناً على خالق ذلك الفرد، وهو اللّه سبحانه، وعلى من حمله اللّه تعالى مسؤولية حفظ، وتربية، وتنشئة ذلك الفرد وهو الرسول.

وهذا ما يشير إليه الحديث المتقدم وإن عزة المؤمن ليست بيده، بل هي من عزة اللّه ورسوله، وكذلك بينته الآية: «فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا» (1). وفي بعض الأخبار : أن المؤمن أعز عند اللّه من الكعبة (2).


1) الآية 139 من سورة النساء.

2) راجع : بحار الأنوار ج 64 ص 71 وج 65 ص 16 وج 68 ص 16 وج 7 ص 323 و ج 50 ص 225 وج 98 ص 112 والخصال للصدوق ص 27 وروضة الواعظين ص 386 ومسند الرضا لداود بن سليمان الغازي ص 109 ومشكاة الأنوار ص 155 وكامل الزيارات ص 273 وكتاب الأربعين للماحوزي ص 377 ومستدرك سفينة البحار ج 1 ص 204 وج 2 ص 271 وراجع وفيات الأعيان لابن خلكان ج3 ص288 وفوات الوفيات ج 2 ص 642 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 1 ص 267 وألف حديث في المؤمن ص170.

ثم هي عدوان على بيئة ذلك الفرد، التي يحمل هو همومها، ويسعى في إسعادها، وحفظ السلامة والأمن لها، وهم المؤمنون..

فطبيعي إذن : أن يأبى اللّه ورسوله إذلال أي مؤمن، فما بالك إذا كان هذا المؤمن هو الأقدس، وهو إمام الناس، وسيد شباب أهل الجنة؟ وهو المطهر المعصوم، والأتقى والأعلم، والأبر والأوفى؟

ب: إن البيئة الطيبة، والمحيط الطاهر، والتربية الصالحة ترفض إسقاط عزة الإنسان المؤمن، ودخول الذل عليه، لأن ذلك يقوض الأساس الذي قام عليه وجوده ويسقط الهدف الأقصى الذي يرصده، ويسعى إليه، حيث لا يمكن العيش بلا هدف.. فيصبح إدخال الذل عليه وعلى بيئته، كإدخال جرعة السم القاتل إلى الجسد الصحيح، فإنه يودي به إلى الدمار والبوار.

ولذا قال «علیه السلام»: «وحُجورٌ طابَت، و [حُجُورٌ] طَهُرَت» أي أن تلك الحجور طيبة العنصر في ذاتها، كما أنها لم يلحق بها دنس

من خارج ذاتها، فطابت وطهرت في آن..

ج: والمانع الآخر هو الذي أشار إليه «علیه السلام» بقوله: «وأنوفٌ حَمِيَّة، ونُفوس أبيَّة». للدلالة على أن الإنسان بحسب فطرته السليمة، وطبعه الصحيح، يرفض الذل ويأباه، ولا يقيم على ضيم، وقد قال الشاعر:

ولن يُقيم على خَسف يُرادُ به***إلا الأذلان عَيْر الحي والوتد

ومعنى هذا: أن الرضا بالذل لا يكون إلا بعد الإضرار بالفطرة، وإفساد طبائع الناس..

ولكم في أسوة:

تقدم أن الإمام الحسين «علیه السلام» قال: «نَفْسِي مَعَ أَنْفُسِكُمْ، وَأهْلي مَعْ أهْلِيكُمْ، فَلَكُمْ فِي أَسْوَةٌ».

وهو يقول يوم عاشوراء: ألا وإنّي زاحِفٌ بِهِذِهِ الأَسرَةِ مَعَ قِلَةِ العَدَدِ وخذلان التاصر.

وقد عرفنا في سيرة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: أنه كان يقدم أهل بيته في الحروب، وأنه كان يقذف أخاه عليا في لهواتها.. وكان النبي «صلی اللّه علیه وآله» في ساحات الحرب في أول الصفوف، وكان أصحابه إذا ضاقت عليهم الأمور، واشتدت وطأة الحرب يلوذون به، وكانوا يفرون عنه، ويبقى هو وعلي «علیه السلام» ثابتين كالجبال الراسخة، والقمم الشامخة.

وهذا يعطي: أن النبي «صلی اللّه علیه وآله»، وعليا وسائر الأئمة

الطاهرين «علیهم السلام» الذين هم القادة، وهم الأسوة والقدوة للجميع، وأنهم لا يكتفون بالأمر والنهي من بعيد، ثم على الناس أن ينفذوا الأوامر، بل هم يمارسون قبل الناس ما يأمرون به الناس..

وهذا هو معنى كونهم صلوات اللّه عليهم» الأسوة والقدوة للبشر.. وقد قلنا في بعض ما كتبناه في مؤلفاتنا : إن اللّه تعالى والنبي «صلی اللّه علیه وآله»، والأئمة «علیهم السلام» حين يبينون للناس حقائق الدين في عقائده، وشرائعه وقيمه وأخلاقه، فإنهم لا يكتفون بتقديمها لهم كصور ذهنية تجريدية، يتلذذ الناس بها من خلال التصور، وإطلاق العنان للخيال الذهني، ليبتدع لها النظائر، والأشباه في استغراقاته التحليلية التخيُّليَّة.

بل يقدمها في حركته ومواقفه وسلوكه، كواقع حي متحرك وفاعل، يلمسه ويراه، ويحس به، ويشعر أنه معه، وفيه..

وهذا هو معنى كونه «صلوات اللّه عليه» أسوة وقدوة.

بل نجد: أنه تعالى حتى العقائد، وسائر القضايا الإيمانية يخرجها من صفتها الذهنية والتجريدية، ويجعلها تعيش مع الناس كشأن حياتي حي، ومؤثر في مختلف نواحي الحياة، ولها إسهاماتها في حل المشاكل التي تواجههم وتربك حركتهم.

والخلاصة : أنه إذا تحدث النبي والإمام عن الجهاد والتضحية كان هو «صلوات اللّه وسلامه عليه» في طليعة المضحين والمجاهدين، وإذا تحدث عن الإيثار، والبذل والعطاء كان أسوة

للمؤثرين والباذلين. وإذا تحدث عن العز والإباء كان الرائد والقائد للناس في ذلك، وإذا ذكر لهم العلم والفضل، والطهر، والتقوى كان منارة لهم في ذلك كله..

هذا هو معنى الأسوة والقدوة، وهو السبب في تقديم النبي «صلی اللّه علیه وآله» عليا وأهل بيته في الحروب، وهو السبب في تضحية الحسين «علیه السلام» بنفسه وبأهل بيته في يوم عاشوراء، حين احتاجت الأمة إلى هزة ضمير تفضح أهل الزيف، ويميز الناس بها بين الحق وأهله، وبين الباطل وأهله وتقوم بها الحجة، ولا يبقى عذر لمعتذر، ولا حيلة لمتطلب حيلة..

وقد طبق الحسين «علیه السلام» ما قاله لهم حرفياً، فقد واساهم بنفسه - كما أن ما يصيب أهلهم من أذى وسبي قد أصاب أهله وحرمه..

وهو بنفسه قد كان الأمثولة الرائعة لهم، ولكل هاد ومصلح، فكان الأسوة على مر العصور والدهور.

وهو الأمثولة والأسوة والقدوة حين قال: ألا وإنّي زاحِفٌ بهذِهِ الأسرَةِ مَعَ قِلَّةِ العَدَدِ وخِذلان الناصر.

ومن طريف ما ينقل هنا: ما رواه الطبري عن مصعب بن الزبير حين خذله أهل الكوفة، وحاصره جيش أهل الشام، فقد نادى أحد أصحابه، ويدعى عروة، فقال له:

أخبرني عن الحسين بن علي، كيف صنع بإبائه النزول على حكم

ابن زياد وعزمه على الحرب؟!

فأخبره، فأنشد يقول:

فإنّ الأولى بالطف من آل***تَأْسَوْا وَسَنُّوا لِلْكِرَامِ التَّأْسِيَا

قال الراوي: فعلمت أنه لا يريم حتى يقتل (1).

قلة العدد، وخذلان الناصر:

وقد علم الإمام «علیه السلام» الأجيال أن الإصلاح في الأمة، وتصحيح مفاهيم الدين، وحفظ المعتقدات الحقة إذا أصبح واجباً، ووجبت التضحية في سبيله، ووجب خوض اللجج وبذل المهج، فلا ينظر المصلح إلى كثرة عدد الناس وقلتهم معه، لأن المطلوب هو التضحية والفداء، وإحداث الصدمة التي توقظ المشاعر، وتشحذ الهمم، وتثير دفائن العقول..

كما لا ينظر إلى من خذل وخان، ومن صدق ووفي، فإن ذلك لا ينظر إليه بعنوان أن له دوراً في الإقدام والإحجام من قبل قائد الحركة الإصلاحية، فعليه أن يقوم بواجبه واللّه هو الذي يحاسب الخائن، ويطالب المتخاذل، وهذا الأمر موكول إلى يوم الحساب في الآخرة.

التحذير المستند إلى الغيب:

ثم إنه «علیه السلام» قد أخبر عن عاقبة ذلك الجيش الباغي


1) تاريخ الأمم والملوك ج 6 ص 156 و (ط الأعلمي) ج ص 6 ولسان العرب «أسى».

والطاغي، لأن رؤية الأجيال صحة وصدق ما أخبر به تكون علامة ودليلاً لهم على حقانية موقفه، ويكون ذلك من العلامات التي يميز الناس بها عبر الأجيال المحق من المبطل، والصادق من الكاذب، والمجرم من البريء، فقال:

«أما واللّهِ لا تَلْبَثُونَ بَعدَها إِلا كَريثِ ما يُركَبُ الْفَرَسُ حَتَّى يَدورَ بِكُم دَورَ الرَّحي، ويَقلَقَ بِكُم قلق المحور، عَهْدٌ عَهِدَهُ إِلَيَّ أَبِي عَن جَدّي».

ونقول:

1 - المحور: هو الحديدة التي تجمع بين الخطاف والبكرة.. فإنها بسبب حساسية موقعها لا تكاد تستقر، بل تبقى في حالة اهتزاز متواصل تقريباً، ولاسيما إذا حرك أي شيء متصل أو معلق بها...

2 - لقد أخبرهم «علیه السلام» بأمر محوري بالنسبة إليهم، وهو: أن ارتكابهم هذه الجريمة النكراء لا يعني أنها سوف تنتهي بانتهاء المعركة، وكأن شيئاً لم يكن، بل سوف تلاحقهم مصائب وبلايا، وكوارث ورزايا، لا طاقة لهم بها، سوف تزعزع وجودهم، وتقوض حياتهم، وتجعلها في مهب الريح، فلا يقر لهم قرار، ولا يهنأون بعيش.

مع أنهم يمنون أنفسهم بأن ينعموا بعد ارتكابهم هذه الجريمة بالراحة والسلام، ورغد العيش.. وهيهات!! هيهات!!

3 - اللافت هو: قصر المدة التي حددها «علیه السلام» لهم، فقد قال: إنها «كَريثِ ما يُركَبَ الفَرَسُ».. وهي مدة يسيرة جداً، في حياة

الأمم، وقد لا تتجاوز الأشهر إلى السنوات. وهذا ما حصل لهم فعلا، فقد حكم فيهم الأشقياء، وساموهم شتى أنواع الذل والهوان، ولم يقر لهم قرار، وسحقتهم البلايا، ومحقتهم المصائب.

4 - وقد صرح لهم، وهو المطهر المعصوم بنص القرآن بأنه لا يخبرهم بما يجري لهم على سبيل التمني، أو التوقع، وقراءة الأحوال وظواهرها.. بل هو يخبرهم، عن أبيه سيد الأوصياء، وعن جده أفضل الأنبياء، الذي «لا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى» (1).

فهو خبر صادق، عن صادق، عن صادق، عن جبرئيل، وهو صادق أيضاً عن اللّه تعالى وهو أصدق القائلين وأحكم الحاكمين. فلا مجال للمراء في صحة ما يخبرهم به، ولا لإثارة الشبهات في حصول مضمونه..

وقفات سريعة مع النصين الآخرين:

وقد ذكرنا فيما سبق نصين آخرين لخطبة الإمام «علیه السلام» يوم عاشوراء :

أحدهما: عن ابن عساكر في كتابه تاريخ مدينة دمشق.

والآخر: عن الخوراز مي في كتابه مقتل الحسين «علیه السلام».

ومن يلاحظ هذين النصين يدرك حجم التصحيفات التي تعرضت لها كلمات هذه الخطبة، وكيف حصل التصرف من النساخ، أو الرواة


1) الآيتان 3 و 4 من سورة النجم.

في عباراتها، بهدف تقويم النصوص التي أخفقوا في قراءتها، أو في حفظها على حال السلامة والاستقامة. ولا نريد أن نقول أكثر من ذلك.

وقد كان يمكننا الإكتفاء بما ذكرناه في شرح النص الأول، ولكننا آثرنا أن نعطف الكلام إلى تسجيل أمور لعلها تفيد في إيضاح بعض الموارد في هذين النصين أيضا، فنقول:

لا مبررات لانقلابهم:

إنه «علیه السلام» حين قرَّعَهم على انقلابهم على أوليائهم، وأصبحوا مع أعدائهم قال - حسب نص رواية ابن عساكر - وقريب منه ما ذكرته رواية الخوارزمي أيضاً:

«بغَير عَدلٍ رَأيتُموه بثوه فيكم، ولا أصل [الصحيح: أمل، كما في رواية الخوارزمي وغيره أصبَحَ لكُم فيهم، ومن غَير حَدَثٍ كَانَ مِنّا، ولا رَأي يُقيَّلُ فينا».

فنلاحظ:

أنه قد ذكر أموراً أربعة تبرر تغيير المسار، وتخفف من بشاعة وقبح هذا التحول، ولو في مرحلة الظاهر، الذي يمكن إيهام الناس وتزينه لهم بما لا يسمن ولا يغني من جوع. وهذه الأمور هي:

ألف: أن يكون أولئك الناس قد أقلعوا عن الظلم والتزموا بالعدل، وبثوه في الناس.

ب: أن يكون قد تجدد لديكم أمل فيهم، ظهرت لكم بوادره في

أفعالهم، ولاحت علائمه، وهبت نسائمه.

ج: أن يظهر من الذين كنتم توالونهم، حدث سوغ لكم الانقلاب عليهم، وموالاة أعدائهم.

د: أن تكون الأحداث قد أظهرت لكم أن حسن الرأي في أوليائكم لم يكن في محله، بل ظهر بواره، وتأكد بطلانه أو ظهر لكم أنهم ليسوا من أهل الرأي السديد أو الفعل الرشيد، بل يخبطون خبط عشواء في الليلة الظلماء.

الضلال وأكل الحرام:

ونلاحظ: أن هذه الأمور الأربعة قد ذكرت في النص الأخير المتقدم للخطبة أيضاً، ولكنه بعد قوله : ولا أملٍ أَصْبَحَ لَكُم فيهم، أضاف قوله: «إلا الحَرامَ مِنَ الدُّنيا أنالوكُم، وخَسِيسَ عَيش طمِعتُم فيه»، ثم قال: مِن غَيرِ حَدَثٍ كَانَ مِنّا، ولا رَأي تَفَيَّلَ لنا».

فأكل الحرام إذن، يوجب الضلال، وبغض الحق، ومعاداة أهله، وارتكاب أبشع الجرائم في حقهم، التي تصل بالإنسان إلى حد قتل إمامه، وذرية نبيه، وسبي حرمه بل والخروج من الدين، وقد قال تعالى مشيراً إلى الآثار الوضعية للذنوب : «ثُمَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ أَسَاءُوا السوأى أنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللّهِ» (1).

وقال تعالى: «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرَبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي


1) الآية 10 من سورة الروم.

يَتَخَبّطهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسّ» (1).

وقال تعالى عن بني إسرائيل : «وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَهُ وَالمَسْكَنة وَبَاؤُوْا بَعْضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ» (2).

والآيات الدالة على أن للذنوب آثاراً وضعية، كثيرة. وهذا ما أشار إليه الإمام «علیه السلام» بقوله لجيش يزيد يوم عاشوراء كما في نص الخوارزمي:

«قدِ انخَزَلْت عَطِيَّاتُكُم مِنَ الحَرام، ومُلِئَت بُطُونُكُم مِنَ الحَرامِ، فَطَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِكُم».

وقوله: «.. ولا أمَلِ أصْبَحَ لكُم فيهم، إلا الحَرامَ مِنَ الدُّنيا أنالوكُم، وخَسِيسَ عَيش طمِعتُم فِيهِ».

ولكنه «علیه السلام» بالرغم من هذا البيان الصريح والإعلان عما آل إليه حالهم في السوء والهوان يصر علىهم بالإنصات له، وسماع قوله لكي لا يدَّعي أي منهم الجهل بحقيقة الأمور، أو الغفلة، أو النسيان بسبب تسميم الأجواء، والغوغاء التي فرضت ذلك عليه، أو بسبب حالة الشحن والعداء الناشئ عن التحريض، والهياج المفتعل الذي هيمن على ذلك الجمع..


1) الآية 275 من سورة البقرة.

2) الآية 61 من سورة البقرة.

ويمكن أن نستفيد من كلامه «علیه السلام» هنا أموراً:

أحدها: أن للأمور المادية آثاراً وضعية على الروح، والنفس، والعقل، والفكر.

الثاني: طمعهم بالحصول على خسيس عيش، فهم يقتلون ذرية نبيهم انطلاقا من هذا الطمع، الذي لا شيء يضمن لهم حصولهم عليه..

الثالث: إن ما يطمعون به ليس مما يستحق أن يحفل به، أو أن يهتم له أي رجل عاقل ومتوازن، لأنه ليس عيشاً كريماً، أو طيباً، بل هم يطمعون بشي خسيس، ليس فيه لذة تستحق أن يرغب فيها أحد.

الرابع : يلاحظ: أنه «علیه السلام» وصف العيش الذي يطمعون فيه بأنه خسيس، ثم أورد كلمة عيش بصيغة التنكير، ليدل أيضاً على صفة أخرى فيه، وهي الضالة والقلة.

للتوضيح والبيان:

1 - وجاء في النص المنقول عن ابن عساكر قوله «علیه السلام»: «وتَداعَيتُم إِليها كَتَداعِي الفراش، قيْحاً وحكة، وهلوعَاً، وذِلَّةٌ لِطَّوَاغِيْتِ الأمَّة، وشدّاذِ الأحزاب الخ..».

فقد تضمنت هذه الفقرة ما يلي:

ألف: أن الفراش يتداعى إلى ما يتوهم أن فيه بغيته، والتداعي هو: أن يدعو بعضها بعضاً.. وهذا ما لا سبيل لنا لإدراكه، إلا أننا نأمل أن يتطور العلم، وتجرى الأبحاث بنحو سليم وهادف، فلعله يتحفنا ببعض المعلومات عن هذا الأمر.

ب: قوله «علیه السلام»: «قيْحَاً وحِكة» لم نفهم له معنى واضحاً، فإن القيح هو الدم حين يتحول إلى مادة صفراء لزجة.. ولا نعلم أن الفراش يفرز مثل هذه المادة.. إلا أن تكون هذه الكلمة مصحفة عن كلمة قبحاً بالباء الموحدة، لا بالياء المثناة..

ويؤيد ذلك : قوله في النص الأخير المتقدم: «ققبحاً لكُم» إذ يحتمل أن تكون مصحفة عن «قبحاً وحكة واللّه هو العالم..

والمراد بالحكة - بكسر الحاء - اسم مصدر: الجرب، الذي يدعو إلى حك الموضع الذي يظهر فيه، وهو إمرار شيء على الموضع بهدف إسكانه.

ج: أما كلمة «وهلوعاً» فلم أجد ما يناسبها بالمعنى، بحسب سياق الكلام ولا في رسم الخط لكي نحتمل أن تكون مصحفة عنها.. إلا أن تكون في الأصل وخنوعاً» لمناسبتها لقوله: «وذلة، لِطَّوَاغِيْتِ الأمَّة».

2 - أما قوله «علیه السلام»: «و مُلحِقِي العَهَرَةِ بِالنَّسَبِ»، فهو إشارة إلى معاوية، حيث استلحق زياد ابن أبيه بنسبه، مدعياً أنه أخوه، استناداً أن أبا سفيان كان قد زنى بأم زياد، وهي زوجة عبيد الرومي. مع أن الإسلام يقول : الولد للفراش وللعاهر الحجر. والقضية معروفة (1).


1) راجع قاموس الرجال ج 4 ترجمة زياد بن عبيد.

3 - وقال «علیه السلام» حسب رواية ابن عساكر «و أسف المُؤمِنِينَ، ومزاح المُستهزئين».

وفي رواية الخوارزمي: «ومُؤذِي المُؤمِنِينَ، وصُراخ أَئِمَّةِ المُستَهزئين».

فأما أنهم يؤذون المؤمنين فواضح، وأما أنهم أسف المؤمنين، فلعل المراد: أنهم في أفعالهم الشريرة والمؤذية، يكونون من موجبات الأسى والحزن للمؤمنين، لما يلحقونه بهم من آذايا.

وأما قوله : «ومِزاج المُستهزئين» حسب رواية ابن عساكر، فإن كلمة مزاح تشبه كلمة صراخ في رسم الخط، ولاسيما مع إهمال النقط، فلا بد أن تكون إحدى الكلمتين تصحيفاً للأخرى.

كما أننا نحتمل أن تكون كلمة «أئمة» بالهمزة مصحفة عن كلمة «أثمة» بالثاء، لا بالهمزة.

الفصل الخامس : مواقف حسينية أخرى يوم العاشر.

اشارة

إحراج عمر بن سعد

1 - عن عبد اللّه بن الحسن ثم قالَ [الحُسَينُ] «علیه السلام»: أينَ عُمَرُ بنُ سَعدٍ؟! أدعوا لي عُمَرَ.

فدْعِيَ له، وكان كارها لا يُحِبُّ أَن يَأْتِيَهُ، فَقالَ: يا عُمَرُ، أنتَ تَقْتُلُني وتَزعُمُ أَن يُوَلْيَكَ الدَّعِيُّ بنُ الدَّعِيِّ بِلادَ الرَّيِّ وجُرجان؟

وَاللّهِ، لا تَتَهَنَّا بِذلِكَ أبدًا، عَهدٌ مَعهودٌ، فاصنع ما أنتَ صَانِعٌ ؛ فَإِنَّكَ لا تَفْرَحُ بَعدِي بِدُنيا ولا آخِرَةٍ.

وكَأَنِّي بِرَأْسِكَ عَلى قَصَبَةٍ قد نُصِبَ بالكوفة، يَتَرامَاهُ الصِّبيانُ، ويَتَّخِذُونَهُ غَرَضاً بَينَهُم.

فَغَضِبَ عُمَرُ بنُ سَعدٍ مِن كَلامِهِ، ثُمَّ صَرَفَ وَجْهَهُ عَنهُ، ونادى بأصحابه: ما تَنتَظِرُونَ بهِ؟ اِحمِلوا بأجمَعِكْم، إنَّما هي أكلة واحِدَةٌ (1).

2 - أَمَرَ [الحُسَينُ «علیه السلام» ] أصحابَهُ بِالقِتالِ، فَقالَ عُمَرُ


1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 121 عن مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 8 والحدائق الوردية ج 1 ص 119 وبحار الأنوار ج 45 ص 10 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 253 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 626.

بنُ سَعدِ بن أبي وقاص «لَعَنَهُ اللَّهُ»: يا أبا عَبدِ اللَّهِ، لِمَ لَا تَنزِلُ عَلَى حكم الأمير عُبَيدِ اللّهِ بن زياد؟

فَقالَ لَهُ: يا شَقِيُّ! إِنَّكَ لا تَأْكُلُ مِن بُرِّ العِراق بعدي إِنَّا قليلا، فَشَأْنَكَ ومَا اختَرتَهُ لِنَفْسِكَ (1).

ونقول:

1 - لا شك في أن هذا النص الثاني مزور، لأنه يريد أن يتهم الحسين «علیه السلام»: بأنه كان راغباً في القتال، بل كان هو السابق بأمر أصحابه به، وكان عمر بن سعد مضطراً للدفاع عن نفسه.. حتى إنه بعد أن أمر الحسين أصحابه بالقتال حاول ابن سعد أن يتلافى القتال للمرة الأخيرة بقوله : «لِمَ لا تَنزِلُ عَلى حُكمِ الأمير عُبَيدِ اللّهِ بن زيادٍ»؟! فجاءه جواب قاس ومرير من الحسين «علیه السلام». وهذا كله تزوير للحقائق، وإيهام للناس. فقد علمنا أن الحسين «علیه السلام» كان يمنع أصحابه من بدء أعدائه بالقتال بل كان يمنعهم حتى من مواصلة الكلام معهم، إذا وجد أن وتيرة الكلام قد بدأت تعلو.

كما أن دعوته ودعوة أصحابه كانت باستمرار، إلى مراجعة حساباتهم، وتشجيعهم على العدول عما عقدوا العزم عليه، وبيان عواقب فعلهم هذا عليهم في الدنيا والآخرة.

وخطبته «علیه السلام»، ومناشداته وسائر كلماته تشهد على ما


1) إثبات الوصية ص 177.

نقول.

2 - بعد أن ناشد الإمام الحسين «علیه السلام» جيش يزيد «لعنه اللّه» بأمور كثيرة، وأقروا له بها ووعظهم واحتج عليهم بما لم يجدوا منه محيصاً. ولم يبق «علیه السلام» لهم عذراً، وظهر منهم اللجاج والعناد والجحود كان لا بد من دعوة قائدهم العام ليخبره بما يؤول إليه أمره بعد ارتكاب جريمته هذه، فطلب من الناس أن يدعوا له عمر بن سعد.

فدعي له، وكان عمر كارها لا يحب أن يأتيه، لأنه يعلم أنه لا يملك معه حجة، ولن يرى معه إلا المذلة التي تصيب كل طاغوت أمام منطق الحق، وأهل الحق.

3 - إنه حين دعي له عمر بن سعد كلمه «علیه السلام» بالأمر المصيري الأكثر أهمية وحساسية بالنسبة لابن سعد نفسه وأخبره، وأخبر ذلك الجمع العظيم كله ببوار آمال قائدهم، وعدم حصوله على ما وعده به أسياده، وهو ملك الري وجرجان. وعلى هذا، فقد كان من الطبيعي أن يبادر ذلك الجيش الذي يعد بعشرات الألوف إلى إعادة حساباته فيما يرتبط بالربح والخسارة الدنيوية على الأقل، بعد أن فرط بالآخرة وصرف نظره عنها.

فإنه إذا كان قائد الجيوش سوف يرجع خائبا، ولن ينال ملك الري وجرجان، بالرغم من أنهم أعطوه العهود، وكتبوا له كتاباً، وأشهدوا على أنفسهم بالوفاء له.

وبالرغم من أنه «لعنه اللّه» ينيلهم غاية أمنياتهم، ويحقق لهم أقصى آمالهم، وهو قتل ذرية نبيهم، وإمام الأمة، وسيد شباب أهل الجنة، وأقدس، وأفضل، وأعلم الناس، فإذا كان قائد هذا الجمع سوف يرجع خائباً خاسراً لدنياه وآخرته، فهل يمكن أن يأمل الأتباع، والأذناب بأن ينالوا شيئاً مما يطمعون به، أو أن يحصلوا على ما وعدوهم به؟!

وهل سيجرؤ أي منهم على المطالبة بشيء من ذلك؟!

ألا يكون مجرد توهم أولئك الجبابرة: أن هذا وذاك عاتب عليهم في ذلك بمثابة إصدار حكم الإعدام عليه، وربما على كل من يلوذ به؟

4 - إنه «علیه السلام» قد أخبر الناس، وعمر بن سعد نفسه بمصيره بعد ارتكابه جريمته، وأنه مصير مهين، لا يرضاه أحد لنفسه، مهما كان ساقطاً ومرذولاً..

فإن رأسه سوف ينصب على قصبة في الكوفة، ويتراماه الصبيان، فكيف سيكون مصير الناس العاديين الذين ليس لهم شوكة وصولة ومكانة هذا القائد ؟!

وهل سينال القائد وحده جزاء فعله، أم أن للأتباع والأذناب نصيبهم أيضاً ؟

5 - وإذا كان هذا الجيش قد ارتاب في صدقية هذا الخبر، واعتبره كلاما جرى على لسان الإمام الحسين «علیه السلام» على سبيل الحدس والظن، والتخمين، فإن رؤية الأجيال اللاحقة تحقق ما

أخبر به «علیه السلام» ستكون من وسائل هداية الناس للحق، ودفع الأضاليل والأباطيل عن هذه الحركة الحسينية الإصلاحية المباركة.

6 - قد عرفنا: أن الإمام «علیه السلام» كان قد كرر إخباره عمر بن سعد بهذا المصير، لعله يرجع إلى رشده، ويتراجع عن غيه، ولكن اللّه قد ختم على قلبه، وحب الدنيا قد أعشى بصره، فكان هو الخاسر في الدنيا والآخرة.

الحسين «علیه السلام» يرجع إلى مصافه:

عن سعد بن عبيدة: أقبَلَ الحُسَينُ «علیه السلام» يُكَلِّمُ مَن بَعَثَ إليهِ ابْنُ زيادٍ، قالَ: وإنّي لأنظُرُ إليهِ، وعَليهِ جُبَّةٌ مِن بُرودٍ، فَلَمّا كَلَّمَهُمُ انصَرَفَ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ مِن بَني تَمِيمٍ - يُقالُ لَهُ: عُمَرُ الطُّهَوِيُّ - بسَهم، فإنّي لأَنظُرُ إِلى السَّهِم بَينَ كَتِفَيهِ مُتَعَلَّقاً في جُبَّتِهِ، فَلَمَّا أَبُوا عَليهِ رَجَعَ إِلى مَصَاقِّهِ.

وإِنِّي لأنظر إليهم وإِنَّهُم لقريبٌ مِن مِئَةِ رَجُلٍ، فِيهِم لِصُلْبِ عَلِيٍّ بن أبي طالب «علیه السلام» خَمْسَةٌ ومِن بَني هَاشِمٍ سِئَةٌ عَشَرَ، ورَجُلٌ مِن بَني سُلِيمٍ حَلِيفٌ لَهُم، ورَجُلٌ مِن بَني كِنانَةٌ حَلِيفٌ لَهُم، وَابْنُ عُمَرَ بن زيادٍ (1).


1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 120 عن المصادر التالية تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 392 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 295 والبداية والنهاية ج 8 ص 171 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 184 عن هلال بن يساف، وتاريخ مدينة دمشق ج 45 ص 53 وفيه ذيله من «وإني لأنظر» نحوه، وراجع ج 14 ص 221 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 311 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2638.

ونقول:

1 - قلنا: إن الإمام الحسين «علیه السلام» قد بذل جهدا لإقناع أولئك المخذولين بأن لا يمضوا في تنفيذ ما عقدوا العزم عليه. وقد ناشدهم واحتج عليهم هو وأعيان أصحابه أكثر من مرة، من حين وصل عمر بن سعد بجيوشه إلى كربلاء. وقد اجتمع «علیه السلام» به، وحاول «علیه السلام» إقناعه عدة مرات حتى جاء كتاب عبيد اللّه بن زياد في تأنيب ابن سعد على ذلك..

2 - ولكن هؤلاء القوم قد استكبروا وتجبروا، بعد أن غدروا ومكروا حين استغاثوا به ثم تركوه، ومالوا إلى عدوه، ثم جاؤا ليقتلوه.

3 - لكن ما فعله عمر الطهوي كان غدراً آخر ينم عن مزيد من نذالة وحقارة، فإن المفروض أن عمر بن سعد لم يأمرهم بعد بالقتال.

كما أن المفروض أن الإمام الحسين «علیه السلام» قد فرض على ذلك العدو أن يفسح له المجال للمناشدة، والوعظ والإحتجاج. فهو إذن، لا يزال معهم في هدنة وفسحة، فلماذا يرمي هذا النذل الإمام بسهمه، وهو عائد إلى مصافه؟!

أذن اللّه في قتلكم:

عن الحلبي، قال: سمعت أبا عبد اللّه «علیه السلام» يقول: إنّ

الحسين «علیه السلام» صلى بأصحابه الغداة، ثم التفت إليهم، فقال: إِنَّ اللّهَ قَدْ أَذِنَ في قتلِكُمْ فَعَليْكُمْ بِالصَّبْر.

وراجع: ما رواه الحسين بن أبي العلاء عن الإمام الصادق أيضا (1).

بالإضافة إلى ما قاله المسعودي و غيره (2).

إنصرفوا فأنتم في حلّ:

قال اليعقوبي: لمّا كانَ مِنَ الغَدِ (أي غد ليلة التاسع، وهو اليوم العاشر) خَرَجَ [الحُسَينُ «علیه السلام»] فَكَلَّمَ القوم، وعَظُمَ عَليهِم حَقَّهُ، وذَكَرَهُمُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ ورَسولهُ وسَألهُم أَن يُخَلُوا بَينَهُ وبَينَ الرُّجوع، فأبوا إلا قتاله، أو أخذهُ حَتَّى يَأْتُوا بِهِ عُبَيدَ اللَّهِ بنَ زِيادٍ.

فَجَعَلَ يُكَلِّمُ القومَ بَعدَ القومِ وَالرَّجُلَ بَعدَ الرَّجُلِ، فَيَقُولُونَ: ما نَدري ما تَقولُ.

فَأَقْبَلَ عَلى أصحابهِ، فَقالَ: إنَّ القوم ليسوا يقصدونَ غَيري، وقد قضَيتُم ما عَليكُم، فانصرفوا، فأنتُم في حِلٌ.

فقالوا: لا وَاللّهِ يَا ابنَ رَسول اللّهِ، حَتَّى تَكونَ أَنفُسُنا قبلَ نَفسِكَ،


1) كامل الزيارات ص 152 حديث 187 وحدیث 185 وص 153 حديث 189 وبحار الأنوار ج 45 ص 86 حدیث 20 و 19 وص 87 حدیث 22 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 319.

2) إثبات الوصية ص 176.

فَجَزاهُمُ الخَيرَ (1).

ونقول:

لاحظ الأمور التالية:

الإذن الإلهي في القتل:

تقدم: أن الإمام «علیه السلام»: أخبر أصحابه بعد صلاة صبح اليوم العاشر بأن اللّه تعالى أذن بقتلهم.

وليس المراد بالإذن هنا هو تشريع جواز قتلهم، فإن قتل الإنسان المؤمن حرام.. ولو أنه أصبح جائزاً في حال دون حال، لم يكن على القاتل جناح، لأنه قد فعل أمراً جائزاً ومأذونا به.

بل المراد: أن اللّه سبحانه قد وضع سننا، وجعل للأمور أسباباً.. ومن الواضح أن تأثير السنن والأسباب والعلل في وجود المسببات والمعلولات مرهون بالإذن الإلهي، فالزرع لا ينبت، والنار لا تحرق، والسيوف لا تقطع، و.. و..، إلا إذا أذن اللّه تعالى لها بذلك، وقد ألقى نمرود إبراهيم الخليل «علیه السلام» بالنار، فلم تحرقه، بل كانت عليه برداً وسلاماً كما أن السكين لم تقطع أوداج اسماعيل «علیه السلام» عندما أراد أبوه إبراهيم «علیه السلام» أن يذبحه.

ونحن نعلم: أن الإنسان قادر على مخالفة النهي التشريعي، ولو لم يكن قادراً لكان مجبراً على امتثال النهي، وهذا هو الجبر الذي لا


1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 244.

يجوز الاعتقاد به ولا يصح نسبته إلى اللّه تعالى، لأنه ظلم، وما كان ربك ليظلم أحداً..

فكأن الحسين «علیه السلام» يقول لأصحابه هنا : إن اللّه تعالى قد قدر أن يستشهد الحسين «علیه السلام» وجميع أصحابه في كربلاء، من أجل حفظ الدين، فلا بد لهم من أن يصبروا على هذه المحنة، لأن هذا الصبر يرضي اللّه سبحانه..

عروض الحسين «علیه السلام» مرة أخرى:

وقد تقدم أن اليعقوبي يقول: إنه «علیه السلام» قد عاد وعرض في العاشر على ذلك الجيش الباغي أن يخلوا بينه وبين الرجوع، فأبوا إلا قتاله، أو أخذه حتى يأتوا به عبید اللّه بن زیاد..

وهذا يؤكد ما ذكرناه مراراً، من أنه «علیه السلام» لم يأتِ مقاتلاً، وإنما جاء لينظر في شؤون الذين استغاثوا به. وإذ بهم ينقلبون عليه، فعرض عليهم أن يرجع، فلم يقبلوا منه.

ولكن اليعقوبي أضاف أمراً بالغ الأهمية هنا، وهو أنه «علیه السلام»: «جعل يكلم القوم بعد القوم، والرجل بعد الرجل، فيقولون: ما ندري ما تقول..».

فإن هذا يدل على أنه «علیه السلام» لم يكتف بالخطابات العامة التي سبقت في اليوم العاشر وقبله، لأن من الممكن أن يعتبر كثير من الأشخاص : أنهم غير معنيين بذلك الخطاب، ولا بسماعه بل هو يعرف أن ذلك الجيش مؤلف من جماعات كل جماعة على حدة، ومن

رؤساء، وكل رئيس، وكل ذي نفوذ بمفرده. فإذا كلمهم جماعة جماعة، ورجلاً رجلاً، فإن هذه الطريقة من شأنها أن تلزمهم بسماع ما يقول، وأن يتدبروا فيه، ويتخذوا قرارهم بشأنه.. وبذلك تكون الحجة قد قامت على جميع ذلك الجيش من دون استثناء.

كما أن هذه الطريقة تبعد شبح سيطرة العقل الجماعي على ذلك الجمع، وتمنع من تدني مستوى تفكيرهم إلى الدرجات الدنيا، ولا تسمح بالخضوع للمشاعر والإثارات الحماسية والاستسلام للتوترات والتشنجات، والعصبيات، وما إلى ذلك. ولا يبقى للاعتذار بمثل هذه الأمور مورد، ولا معنى.

ولكن هؤلاء القوم كانوا مصداقا لقوله تعالى: «فَلمَّا رَاعُوا أَزَاعُ اللّهُ قُلُوبَهُمْ» (1). ولقوله تعالى: «نَسُوا اللّه فنسِيَهُمْ» (2). وقوله: «نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ» (3).. كما ظهر من جوابهم للإمام «علیه السلام»..

إنصرفوا فأنتم في حلّ:

ثم إنه «علیه السلام» زاد على تلك الحجة حجة أخرى حين أذن لأصحابه بالإنصراف ليواجه هو وحده مصيره مع هؤلاء القوم، فجاء رفض أصحابه لذلك ليكون درساً لجيش الأعداء في الوفاء لرسول اللّه


1) الآية 5 من سورة الصف.

2) الآية 67 من سورة التوبة.

3) الآية 19 من سورة الحشر.

«صلی اللّه علیه وآله» ولأهل بيته الطاهرين ونصرة الحق والدين، ليقارن ذلك الجيش الغادر بين حاله وحال هؤلاء الصفوة من أصحابه «علیه السلام».

خطبة الإمام صباح العاشر :

عن بشر بن طانحة عن رجل من همدان خطبنا الحسين بن عليّ «علیهما السلام» غداة اليوم الذي استشهد فيه، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال:

عِبادَ اللّهِ ! اتَّقُوا اللّهَ وَكُونُوا مِنَ الدُّنْيا عَلى حَدْر، فَإِنَّ الدُّنْيا لَوْ بَقِيَتْ لأحد أوْ بَقي عَليْها أحَدٌ، كانَتِ الأنبياءُ أحَقَّ بِالْبَقَاءِ، وَأَوْلى بالرضى وَأَرْضى بالقضاءِ، غَيْرَ أَنَّ اللّه تَعالى خَلَقَ الدُّنْيا لِلبَلاءِ، وَخَلَقَ أَهْلها لِلْفَناءِ، فَجَديدُها بال، وَنَعيمها مُضمَحِلٌ، وَسُرُورُها مُكْفَهرٌ، وَالْمَنْزِلُ بُلغَةٌ، وَالدَّارُ قُلعَةٌ، فَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقوى، فَاتَّقُوا اللّه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (1).

البلاء : الإختبار.


1) تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 218 وكفاية الطالب ص 429 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2586 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 316 وزهر الآداب وثمر الألباب للقيرواني ج 1 ص 100 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 614 وج 19 ص 416 وجمهرة خطب العرب ج 2 ص 51.

مكفهر: عابس.

البلغة: ما يحفظ به الحياة، ويتبلغ به العيش ولا يفضل

قلعة: تحول وارتحال.

كلمات وخطب أخرى يوم العاشر :

1 - عن جابر، عن أبي جعفر الباقر «علیه السلام»: قال الحسين بن علي «علیهما السلام» لأصحابه قبل أن يقتل: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ «صلی اللّه علیه وآله» قال لي: يا بني ! إنك ستساق إلى العراق، وهي أرض قد التقى بها النبيّون وأوصياء النبيّين، وهي أرض تدعى «عمورا»..

وإنّك تستشهد بها، ويستشهد معك جماعة من أصحابك لا يجدون ألم مس الحديد، وتلا: «قُلْنا يَانارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ» (1)، تكون الحرب عليك وعليهم برداً وسلاماً.

فأبْشِرُوا، فَوَاللَّهِ! لَئِنْ قَتَلُونا فَإِنَّا نَردُ عَلى نَبِيِّنا «صلى اللّه عليه وآله»(2).

2 - عن حسين بن زيد بن علي، عن آبائه «علیهم السلام»: إنَّ


1) الآية 69 من سورة الأنبياء.

2) الخرائج والجرائح ج 2 ص 848 ح63 ومختصر بصائر الدرجات ص36 وص 50 وبحار الأنوار ج 45 ص 80 ح 6 وج 53 ص 61 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 344 ومدينة المعاجز ج 3 ص 504.

الحُسَينَ بنَ عَلِيٍّ «علیه السلام» خَطبَ يَومَ أصيبَ، فَحَمِدَ اللّه وأثنى عَليهِ، وقال:

الحَمدُ للّهِ الَّذِي جَعَلَ الآخِرَةَ لِلمُتَّقِينَ، وَالنَّارَ وَالعِقَابَ عَلَى الكافرين، وإنّا - وَاللّهِ - ما طلبنا في وجهنا هذا الدُّنيا، فَنَكونَ الشَّاكِينَ في رضوان رَبِّنا، فاصبروا فَإِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقوا، ودارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لكُم.

فقالوا: بأنفُسِنا نَفديكَ.

فَقالَ الحُسَينُ بنُ زَيدِ بن عَلِيٍّ: فكانوا - وَاللّهِ - يُبادِرونَهُ إِلى القِتال، حَتَّى مَضَوا بَينَ يَدَيهِ، فَيَحتَسِبُهُم، ويَستَغفِرُ لَهُم (1).

ونقول:

إننا هنا سوف نقتصر على ما يلي:

الأنبياء أحق بالبقاء:

إن الأنبياء هم خيرة الخلق، وصفوتهم. وكل همهم هو رضا اللّه، وكل همتهم هي في العمل النافع، وإسعاد البشر، وإشاعة الفضائل والكمالات، ونشر الخير والصلاح في كل اتجاه، وهم الذين يحبهم اللّه ويحبونه، فلو كان البقاء في الدنيا خيراً لهم لحباهم اللّه به، واختاره لهم..

ولكانت أعمالهم الصالحة تؤهلهم إلى هذا الأمر، أكثر من أي إنسان


1) الأمالي للشجري ج 1 ص 160.

آخر ممن يرتكبون المآثم، ويفسدون في الأرض، أو ممن يخلطون العمل الصالح بغيره. فإن اللّه تعالى لا يحب الفاسدين والمفسدين، فكيف يحبوهم بما يحبو به أنبياءه وعباده الصالحين؟!

كما أن سيئات أعمالهم تفسد حياتهم، وحياة غيرهم، وتدخل عليها النقائص والآفات، فكيف يساوي تعالى بين المصلح والمفسد، والضار والنافع، والسعيد والشقي؟

ولأجل ذلك قال «علیه السلام»: «فإنَّ الدُّنْيا لَوْ بَقِيَتْ لأَحَدٍ أَوْ بَقي عَليْها أَحَدٌ، كانَتِ الأنبياءُ أَحَقَّ بِالْبَقاءِ، وَأوْلى بالرضى، وَأَرْضى بالقضاء».

وإنما ذكر «علیه السلام» هذه الفقرة الأخيرة، لأن غير الأنبياء لا يرضون بالقضاء، لأنهم يريدون الإستزادة من حطام الدنيا، والحصول على الملذات والشهوات ولو بالطرق غير المشروعة، فيصيرون من وسائل الهدم والتدمير لكل ما يفيد في بناء الحياة، وإشاعة الخير والسعادة فيها..

أما الأنبياء الذين يرضون بالقضاء، فهم من أهم وسائل البناء، والإعمار، والرقي، والخير والسعادة للبشر.

البشارة في اللحظات الأخيرة:

وفي النص الثاني المتقدم، الذي ذكر أن «عموراء» من أسماء كربلاء، نلاحظ:

أولاً: بأن لمكان استشهاد الإمام الحسين «علیه السلام» وأصحابه

قداسة خاصة، لأنها أرض التقى بها النبيون، وأوصياء النبيين.

وثانياً : إنه «علیه السلام» قد أخبر أصحابه نقلا عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» أن الذين يستشهدون معه في كربلاء يوم عاشوراء - أو جماعة منهم - لا يجدون ألم مسَّ الحديد.

ولأن هذا الأمر يصعب تصديقه للوهلة الأولى، فإنه «علیه السلام» قدم لهم شاهداً قرآنياً، يقرر وقوع نظير لهذا الأمر في الملأ العام، حيث احتشدت أمم كثيرة حين أراد النمرود «لعنه اللّه» إحراق نبي اللّه إبراهيم الخليل «علیه السلام»، احتشدوا ليشاركوا في صنع هذه الجريمة، وليلقوا نبي اللّه إبراهيم في تلك النار العظيمة التي أوقدوها، وإذ بها تكون برداً وسلاماً على إبراهيم.

ولأجل ذلك تلا «صلی اللّه علیه وآله» قوله تعالى: «قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلى إِبْرَاهِيمَ» (1)، ثم قال للحسين «علیه السلام»: تكون الحرب عليك وعليهم برداً وسلاماً فأبشروا الخ..


1) الآية 69 من سورة الأنبياء.

الفصل السادس : توبة الحر الرياحي.

اشارة

هل من توبة؟!:

1 - روى الخوارزمي عن أبي مخنف قال: صاحَ [الحُسَينُ «عليه السلام»: أما مِن مُغيث يُغيثُنا لِوَجهِ اللّهِ تَعَالَى.

أَما مِن ذابٌ يَدُبُّ عَن حُرَمِ رَسولِ اللّهِ !

فلمّا سَمِعَ الحُرُّ بنُ يَزِيدَ هذا الكَلامَ، اضطَرَبَ قَلْبُهُ، ودَمَعَت عَيْناهُ، فَخَرَجَ بِاكِيا مُتَضَرِّعًا مَعَ غُلامٍ لَهُ تُركِي.

وكَانَ كَيفِيَّة انتقالِهِ إلى الحُسين «علیه السلام»: أنَّهُ لَمّا سَمِعَ هذا الكَلامَ مِنَ الحُسَين «علیه السلام» أتى إلى عُمَرَ بن سَعدٍ، فَقَالَ لَهُ (والنص لأبي مخنف، وعدي بن حرملة وغيرهما):

أَصْلَحَكَ اللّهُ، مُقاتِلُ أنتَ هذا الرَّجُلَ؟

قالَ: إِي وَاللّهِ! قِتالاً أَيسَرُهُ أَن تَسقُط الرُّؤوسُ، وتَطيح الأيدي. فقالَ: أَفَمَا لَكُم في واحِدَةٍ مِنَ الخِصال التي عَرَضَ عَلِيكُم رضی؟

قالَ عُمَرَ بن سَعدٍ: أما واللّهِ لو كانَ الأمرُ إِليَّ لفَعَلْتُ، وَلَكِنَّ أميرَكَ قد أبى ذلِكَ.

قال: فَأَقْبَلَ الحُرُّ حَتى وَقَفَ عَن النّاس مَوْقِفا، ومَعَهُ رَجُلٌ مِن قومِهِ يُقالُ لَهُ: قُرَّةَ بن قيس.

فَقالَ: يا قُرَّةُ! هَل سَقِيتَ فَرَسَكَ اليَومَ؟

قال: لا !

قال: إنما [أما] تُريدُ أن تَسقِيَهُ؟

قالَ قُرَّةُ: فَظَنَنتُ وَاللّهِ أَنَّهُ يُريدُ أن يَتَنَحّى فلا يَشْهَدَ القِتال، ويَكْرَهُ أن أراهُ يَصنَعُ ذلِكَ مَخافة أن أرفعَ عَليهِ.

فقلتُ له: لم أسقِهِ، وأنَا مُنطَلِقُ فَأسقيه.

قالَ: فَاعتَزَلْتُ ذلِكَ المَكَانَ الَّذي كَانَ فِيهِ.

قال: فَوَاللّهِ لو أنَّه أطلعني عَلى الذي يُريدُ لخَرَجَتْ مَعَهُ إِلَى الحُسَينِ «عليه السلام».

قال: فأخذ يدنو قليلا، قليلاً.

فقالَ لَهُ رَجُلٌ مِن قومه، يقال له: المُهاجرُ بنُ أوس: مَا تُرِيْدُ يا ابن يَزِيْد؟ أَتْرِيْدُ أَنْ تَحْمِلَ؟

فَسَكَتَ، وَأَخَدَهُ مِثلُ العُرَوَاءِ (1).

قال له: يا ابن يَزِيدَ إِنَّ أمرك لمُريب، واللّه ما رأيتُ مِنْكَ مَوْقِف قط مِثلَ شَيْءٍ أَرَاهُ الآنَ، وَلَوْ قِيْلَ ِلي: مَنْ أَشْجَعُ أَهْلِ الكُوفَةِ رَجُلا؟ مَا عَدَوْتُكَ! فَمَا هَذَا الذي أرَى مِنْكَ؟!

قال: إنّي - واللّه ! - أخَيِّرُ نَفسي بَينَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَوَاللَّهِ لَا أَحْتارُ


1) العرواء الرعدة؛ وهي في الأصل برد الحمى راجع: النهاية في اللغة ج 3 ص 226.

عَلى الجَنَّةِ شَيئاً، ولو قطعتُ وحُرِّقتُ. ثمَّ ضَرَبَ فَرَسَهُ، وَلحِقَ بِحُسَين «علیه السلام» [مَعَ غُلامِهِ التُركِي].

فقالَ: جَعَلْنِي اللّهُ فِداكَ يَا ابنَ رَسول اللّهِ ! أَنَا صَاحِبُكَ الَّذِي حَبَسَتْكَ عَن الرُّجوع، وسايَرتُكَ فِي الطريق، وجَعجَعتُ بِكَ في هذا المكان، وَاللّهِ الَّذي لا إلهَ إِلا هُوَ، ما ظنَنتُ القومَ يَرُدُّونَ عَليكَ ما عَرَضِتَ عَلَيْهِم أَبَداً، ولا يبلغونَ مِنْكَ هذِهِ المنزلة، فقلتُ في نَفْسِي:

لا أبالي أن أطيع القومَ في بعض أَمْرِهِم، ولا يَرَوْنَ أَنِّي خَرَجْتُ مِن طاعَتِهم، وأمّا هم فسيقبلون من حُسَين هذه الخصال التي يَعْرِضُ عَليْهم.

وَوَاللَّهِ ! لَوْ ظَنَنتُ أنّهم لا يقبلُونَها مِنْكَ ما رَكِبْتُهَا مِنكَ.

وإِنِّي قَدْ جِئْتُكَ تَائِباً ممّا كانَ منّي إلى ربّي، ومواسياً بنفسي أموت بَينَ يَدَيكَ، أفْتَرى ذلِكَ لي تَوبَةٌ؟

قالَ: نَعَم ! يَتُوبُ اللّهُ عَليكَ، ويَغْفِرُ لَكَ، مَا اسْمُكَ؟

قالَ: أَنَا الحُرُّ.

قالَ: أَنتَ الحُرُّ كَما سَمَّتكَ أُمُّكَ، أنتَ الحُرُّ إِنْ شَاءَ اللّهُ فِي الدُّنيا وَالْآخِرَةِ؛ انزل.

فقالَ: أَنَا لَكَ فارساً خَيْرٌ مِنّي لكَ راجلا، أقاتِلُهُم عَلَى فَرَسَى سَاعَةً، وإلى النُّزول ما يَصيرُ آخِر أمري.

قال الحسين «علیه السلام»: قاصنَع يَرْحَمُكَ اللّهُ ما بدا لك.

[وعند الخوارزمي ثُمَّ قَالَ: يَا ابنَ رَسول اللّهِ ! كُنتُ أَوَّلَ خارج

عَليكَ، فائذن لي أن أكونَ أَوَّلَ قَتيلِ بَينَ يَدَيكَ، فلعلي أن أكونَ مِمَّن يُصافِحُ جَدَّكَ مُحَمَّداً غَداً فِي القِيامَةِ.

فَقالَ لَهُ الحُسَينُ «علیه السلام»: إن شئت ففَأَنتَ مِمَّن تابَ اللّهُ عَلِيهِ وهُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ الخ..]

فاستَقدَمَ أمام أصحابهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا القومُ أَلا تَقْبَلُونَ مِن حُسَينِ خَصلة من هذه الخصال التي عَرَضَ عَلَيكُم فَيُعافِيَكْمُ اللّهُ مِن حَرِيهِ وقِتالِهِ؟

قالوا: هذا الأميرُ عُمَرُ بنُ سَعدٍ فَكَلمهُ.

فكلمَهُ بمثل ما كلمَهُ بهِ قبلُ، وبمثل ما كَلَّمَ بهِ أصحابَهُ.

قالَ عُمَرُ : قد حَرَصَتُ لو وَجَدتُ إلى ذلِكَ سَبيلا فَعَلتُ.

فقالَ: يا أهل الكوفة! لِأُمِّكُمُ الهَبَلُ (1)وَالعُبرُ (2)، إِذ دَعَوتُمُوهُ حَتَّى إذا أتاكم أسلمثموه، وزَعَمتُم أَنَّكُم قاتِلو أنفُسِكُم دونَهُ، ثُمَّ عَدَوتُم عَلَيهِ لِتَقْتُلُوهُ، أَمْسَكَتُم بِنَفْسِهِ، وأَخَذْتُم بكَظمِهِ، وأَحَطتُم بِهِ مِن كُلِّ جَانِبِ، فَمَنَعتُموهُ التَوَكَّةَ في بلادِ اللّهِ العَرِيضَةِ حَتَّى يَأْمَنَ وَيَأْمَنَ أَهْلُ بَيْتِهِ، وأصبَحَ في أيديكُم كَالأَسير، لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعاً، ولا يَدفعُ ضَرًا.


1) الهَبَل : التثّكل ؛ وهو الموت، والهلاك، وفقدان الحبيب. راجع: لسان العرب ج 11 ص 686 «هبل» وص 88 «ثكل».

2) العُبر: البكاء بالحُزن؛ يقال : لأمّه العُبْر والعَبَر راجع: لسان العرب ج 4 ص 532 مادة «عبر».

وحَلاتُموه، ونِساءَهُ، وأصَيبيَتَهُ، وأصحابَهُ عَن ماء القُراتِ الجاري، الَّذِي يَشْرَبُهُ اليَهُودِيُّ، وَالمَجوسِيُّ وَالنَّصرانِيُّ، وَتَمَرَّعُ فِيهِ خَنازِيرُ السَّوادِ وكِلابُهُ، وها هم أولاء قد صَرَعَهُمُ العَطش.

بئسَمَا خَلفتُم مُحَمَّداً في دُرِّيَّتِهِ، لا سَقاكُمُ اللّهُ يَومَ الظَّمَةِ إِن لم تَتوبوا وتَنزَعوا عَمّا أنتُم عَليهِ مِن يَومِكم هذا في ساعَتِكُم هذِهِ.

فَحَمَلْت عَليهِ رَبّالة لهم ترميه بالنَّبل، فأَقْبَلَ حَتَّى وَقَفَ أمَامَ الحُسَين «علیه السلام» (1).

2 - عن عبد اللّه بن منصور، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه عن جده [زين العابدين] «علیهم السلام»:

ضَرَبَ الحُرُّ بنُ يَزِيدَ فَرَسَهُ، وجازَ عَسكَرَ عُمَرَ بن سَعِدٍ الْعَنَهُ اللَّهُ»


1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 189 - 191 عن تاريخ الأمم والملوك جه ص 427 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 324 والكامل في التاريخ ج4 ص64 وليس فيه من «فأقبل حتى وقف» إلى «لخرجت معه إلى الحسين «عليه السلام»»، والإرشاد ج 2 ص 99 وإعلام الورى ج 1 ص 460 ومثير الأحزان ص 58 كلها نحوه، وبحار الأنوار ج 45 ص 10 وراجع أنساب الأشراف ج 3 ص 397 و (ط دار التعارف) ج 3 ص189 والأخبار الطوال ص 256 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 99 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 249 وروضة الواعظين ص 204 وراجع الملهوف ص 159 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 254 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص120 وإبصار العين ص 209 والدر النظيم ص 553.

إِلى عَسكَر الحُسَين «علیه السلام»، واضعاً يَدَهُ عَلى رَأْسِهِ، وَهُوَ يَقولُ:

اللّهُمَّ إِليكَ أنيبُ، فتُب عَليَّ؛ فقد أرعَبتُ قُلوبَ أُولِيائِكَ وأولادِ نَبِيِّكَ.

يَا ابنَ رَسولُ اللّهِ، هَل لي مِن تَوبَةٍ؟

قالَ: نَعَم، تابَ اللّهُ عَليكَ.

قالَ: يَا ابنَ رَسول اللّهِ ! أَتَأْذَنُ لِي فَأَقَاتِلَ عَنكَ؟

قأَذِنَ لَهُ، فَبَرَزَ وَهُوَ يَقُولُ:

أضربُ في أعناقِكُم بِالسِّيفِ***عَن خَيرٍ مَن حَلَّ بلادَ الخَيفِ (1)

3 - عن هلال بن يساف: كان فيمن بُعث إليه [أي إلى الحسين «علیه السلام»]: الحر بن يزيد الحنظلي، ثم النهشلي على خيل، فلما سمع ما يقول الحسين «علیه السلام» قال لهم: ألا تقبلون من هؤلاء ما يعرضون عليكم؟! واللّه لو سألكم هذا الترك والديلم ما حل لكم أن تردوه.

فأبوا إلا على حكم ابن زياد.

فصرف الحر وجه فرسه، وانطلق إلى الحسين وأصحابه، فظنوا أنه إنما جاء ليقاتلهم، فلما دنا منهم قلب ترسه وسلم عليهم.


1) الأمالي للصدوق ص 223 وبحار الأنوار ج 44 ص 319 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 168 وراجع : الملهوف ص 159 و (نشر أنوار الهدى) ص 62.

ثم كر على أصحاب ابن زیاد، فقاتلهم فقتل منهم رجلين، ثم قتل رحمة اللّه عليه(1).

4 - قال سبط بن الجوزي:

وفي رواية أنه نادى يا شبَثْ بن ربعي، ويا حَجَّارَ بنَ أَبجَرَ، ويا قيس بن الأشعَثِ، ويا زيدَ بنَ الحَارِثِ، ويا فُلانُ، ويا فلانُ ! ألم تَكتبوا إليَّ ؟!

فقالوا : ما نَدري ما تَقولُ.

وكانَ الحُرُّ بنُ يَزِيدَ اليَربوعِيُّ من ساداتهم، فَقَالَ لَهُ: بَلَى وَاللَّهِ لقد كاتبناكَ ونَحنُ الذين أقدمناك، فأبعدَ اللّهُ الباطل وأهلهُ. وَاللّهِ لا أختارُ الدُّنيا عَلى الآخِرَةِ، ثُمَّ ضَرَبَ رَأسَ فَرَسِهِ، ودَخَلَ فِي عَسكَرِ الحُسَين «علیه السلام».

فَقالَ لَهُ الحُسَينُ «علیه السلام»: أهلا بك وسهلا، أنتَ وَاللّهِ الحُرُّ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ.

ثُمَّ ناداهُمُ الحُرُّ : وَيحَكُم لا أُمَّ لكُم أنتُمُ الَّذِينَ أَقدَمتُموهُ، فلما أتاكم أسلمثموه، قصار كالأسير، ومَنَعتُموه وأهله الماء الجاري، الذي


1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 191 و 192 عن تاريخ الأمم والملوك ج4 ج ه ص 392 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 296 وأنساب الأشراف ج3 ص 383 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 173 وراجع شرح الأخبار ج3 ص 151.

تَشْرَبُ مِنهُ اليَهودُ وَالنَّصارى، والمجوسُ ويَتَمَرَّعُ فِيهِ خَنازِيرُ أَهْلِ السَّوادِ، بئسَ ما خَلفتُم مُحَمَّداً في أهلِهِ ودُرِّيَّتِه، وإذا لم تَنصُرُوهُ وتَفوا لَهُ بما حلفتُم عَليهِ، فَدَعوهُ يَمضي حَيثُ شَاءَ مِن بِلادِ اللّهِ.

أما أَنتُم بِاللّهِ مُؤمِنونَ؟ وبِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ جَدِّهِ مُصَدِّقُونَ؟ وَبِالْمَعَادِ موقنون؟ ثُمَّ حَمَلَ وقَالَ:

أضرب في أعناقِكُم بالسَّيفِ***عَن خَيرٍ مَن حَلَّ مِنيَّ وَالْخَيفِ

وقتل منهم جماعة.

ثم تكاثروا عليه، فقتلوه (1).

ونقول:

إن لنا مع الحر «رضوان اللّه تعالى عليه» ومع هذا الموقف الرائع، وقفات عديدة، يمكن تلخيصها فيما يلي من عناوين.

آثار استغاثة الحسين «علیه السلام»:

تقدم أن الحر «رحمه اللّه» لما صاح الحسين «علیه السلام»: أما من مغيث يغيثنا لوجه اللّه تعالى!!

أما من ذاب يذب عن حرم رسول اللّه !!

اضطرب قلبه ودمعت عيناه فخرج باكياً متضرعاً، مع غلام له


1) تذكرة الخواص ص 251 و (تحقيق الدكتور عامر النجار سنة 1429ه) ص 529.

تركي، ثم أتى إلى عمر بن سعد، فقال: الخ.

ونقول ما يلي:

1 - إن هذه الاستغاثة لم تكن جزعاً أو خوفاً من القتل، ولو كان الأمر كذلك، لكان بإمكانه أن يتخلص من المواجهة، ولو بإخلاء الساحة تحت جنح الظلام أو بتقديم بعض التنازلات المغرية للأعداء، كأن يعدهم بقبول البيعة ليزيد أو بغير ذلك من الوسائل التي يستسيغها الناس لأنفسهم في أمثال هذه الحالات.

2 - إن هذه الاستغاثة إنما جاءت بعد المناشدات والاحتجاجات، والمواعظ، التي توالت على ذلك الجيش، من قبله «علیه السلام»، ومن أصحابه كبرير بن خضير وحبيب بن مظاهر، ومسلم بن عوسجة، وزهير بن القين، ونافع بن هلال، و.. و..

وحتى الرجز الذي كان يقال في المبارزات كان احتجاجياً، زاخراً بالقيم والمشاعر، والأخلاق والإثارات العاطفية، والمعاني الإيمانية، والإنسانية.

3 - لعل من أهداف هذه الاستغاثة وما يشبهها: إضافة العنصر المشاعري والعاطفي إلى الجوانب الأخرى، لكي تتعاضد على درء الشر الذي يريد هذا الجيش الظالم أن يثيره، مثل الجانب الإنساني، والعقلاني، والإيماني، والتحذيري، والمواعظي، وما إلى ذلك. وبذلك يكون «علیه السلام» قد استكمل مختلف الوسائل الرادعة والمؤثرة، وعلى الطرف الآخر أن يستجيب إلى نداء الشرع والدين، والعقل،

والإيمان والعاطفة، والإنسانية، وغير ذلك.

4 - يكفي أن يكون من فوائد هذه الاستغاثة تحريكها مشاعر الحر الرياحي، وهو من القادة الشجعان الذي كان لهم نصيب في تطور هذا الحدث الهائل الذي هم بصدد صنعه.

5 - يلاحظ أنه «علیه السلام» قد طلب ممن يغيثه أن تكون إغاثته له، لوجه اللّه تعالى. وهذا الطلب من شأنه أن يعيد الأمور، ولو في سياق تقديم الأسوة والقدوة إلى مسارها الطبيعي، ويخرجها عن حالة

الانحراف والشذوذ التي كانت مهيمنة على كثير من الناس، حيث نسوا اللّه فنسيهم، وأنساهم أنفسهم باستغراقهم في الدنيا، إلى حد أنهم يسفكون دماء أئمتهم، وذرية نبيهم، وأشرف الخلق، ويسعون لتهشيم جهود الأنبياء، وتضييع تضحيات الشهداء من زمن آدم، وإلى الأبد..

6 - تضمنت استغاثته «علیه السلام» التنويه بالخطر الذي يتهدد حُرَمَ ونساء رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، حيث إنه «عليه السلام».

أولاً : لم يقل هل من ذاب يذب عن حرمي. بل قال: عن حرم رسول اللّه «صلی اللّه علیه و آله».

وثانياً: تحدث «علیه السلام» عن حاجته الذب عن الحرم، أي إبعاد الخطر عنهن ولم يتحدث، بل لم يشر إلى لزوم أو رجحان قتل أو جرح أو إيذاء من يهاجمهن، بل بيَّن أن المطلوب هو إبعاد الأذى عنهن، ولو بالوسائل غير العنفية.

وهذا التأثر الذي ظهر في كلمات الحر، يعطي إشارة إلى بعض جوانب الحكمة في استصحاب النساء والأطفال معه «علیه السلام» في مسيره ذاك. وستأتي إشارة أخرى في كلام الحر إلى هذا الأمر أيضاً..

أمقاتل أنت هذا الرجل؟!:

تقدم قول الحر «عليه الرحمة والرضوان» لعمر بن سعد «مُقاتِلُ أنتَ هذا الرَّجُلُ»؟!

فأقسم له ابن سعد: أنه سيقاتله قتالاً أيسَرُهُ أَن تَسقط الرُّؤوس، وتطيح الأيدي.

ونقول:

يظهر من كلام بن أعثم: أن تحول الحر الرياحي إلى الحسين «علیه السلام» قد حصل بعد الحملة الأولى التي قتل فيها نيف وخمسون رجلا من أصحاب الإمام «علیه السلام»، فعندها قال الإمام الحسين «علیه السلام»: أما من مغيث يغيثنا. أما من ذاب يذب عن حرم رسول اللّه؟

قال : فإذا الحر بن يزيد أقبل يركض فرسه حتى وقف بين يدي الحسين، فقال: يا ابن بنت رسول اللّه، كنت أول من خرج عليك، أفتأذن لي أن أكون أول مقتول بين يديك، لعلي أبلغ بذلك درجة الشهداء، فألحق بجدك «صلی اللّه علیه وآله»؟!

فقال الحسين: يا أخي، إن تبت كنت ممن تاب اللّه عليهم، إن اللّه هو التواب الرحيم.

قال: فأول من تقدم إلى قتال القوم الحر بن يزيد الرياحي (1).

ونقول:

أولاً : إن قول الحر لابن سعد أمقاتل أنت هذا الرجل؟! لا بد أن يكون قد حصل قبل الحملة الأولى لا.بعدها لأنه بعد هذه الحملة وحصول القتال، لا معنى لطرح هذا السؤال على عمر بن سعد.

ثانياً : يمكن أن لا يكون هناك تناف بين ما قلناه من أن توبة وتحول الحر كان قبل الحملة الأولى، وبين ما قاله ابن أعثم، إذ ليس کلام ابن أعثم صريحاً في كون توبة الحر قد حصلت بعد الحملة الأولى، لإمكان أن يكون مراده: أن الحر بعد توبته قبل بدء القتال، قد بقي في صفوف أصحاب الحسين «علیه السلام» إلى أن استشهد بعد حبيب بن مظاهر قبيل الظهر.

ثم إنه بعد أن بدأت الحرب، وبعد أن أسفرت الحملة الأولى عن مصرع هذا العدد الكبير من أصحابه «علیه السلام»، كان لا بد من التحول إلى المبارزة.

فلما سمع الحر استغاثة الإمام «علیه السلام» جاء مسرعاً ليستأذن الإمام «علیه السلام» بأن يكون أول المبارزين والمستشهدين بين يديه «علیه السلام»، لعله يحصل على قبول التوبة، وينيله اللّه تعالى درجة الشهادة..


1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 101.

ثالثاً: يلاحظ هنا أن الإمام «علیه السلام» خاطب الحر بقوله: «يا أخي». فلو لم يكن «علیه السلام» يعرف صدق الحر في توبته وتحوله، لما كان خطاب الإمام «علیه السلام» له بهذا الخطاب، وإسباغ صفة الأخوة عليه مستساغا.. وقد كان يمكن أن يقول له: يا أخا العرب، أو يا أيها الرجل.. مثلاً..

هل هو الحر، أم برير؟!:

ويلاحظ: أن المضامين المتقدمة التى تقول بعض المصادر :كالطبري إنها من أقوال الحر بن يزيد، قد ذكر ابن أعثم ما يقرب منها، ونسبها إلى برير بن حضير (1).

ونرى: أن تشابه المضامين لا يعني اتحاد الواقعة في مثل هذه الموارد التي يراد فيها إقامة الحجة، والتأثير على العزائم التي عقدت على ارتكاب جريمة هائلة كهذه الجريمة.. مع العلم بأن مفردات الاحتجاجات كانت متداولة، ومعروفة للجميع..

فالكل يعلم موقع الحسين من رسول اللّه، وأنه سيد شباب أهل الجنة، وأن معه حرمه وأطفاله وأهل بيته وبعض الأصحاب، وأن الماء منع عنه وعنهم.. وأن أهل الكوفة هم الذين استغاثوا به، فلباهم، فانقلبوا عليه، وحاصروه، ورفضوا إفساح المجال له ليرجع إلى موضع أمنه، وأنهم يصرون على سفك دمه إلى آخر ما ذكر في


1) راجع: الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 100.

الاحتجاجات التي احتج بها الحسين «علیه السلام» وأصحابه على جيش بني أمية، فتكرر هذه المضامين والمواعظ المناسبة لها على ألسنة المحتجين والساعين إلى درء الخطر الداهم، أمر طبيعي، ولا محذور فيه.

أميرك أبى ذلك:

ادَّعى ابن سعد: أن الأمر لو كان إليه لقبل من الحسين ما عرضه..

وهذا كلام باطل، لما يلي:

1 - لو كان ابن سعد صادقاً فيما يقول، لما أقسم على أنه مصمم على قتال الحسين «علیه السلام»، قتالاً أيسره أن تسقط الرؤوس، وتطيح الأيدي. فإن هذا الكلام يدل على أنه يكاد ينفجر غيظاً وحقداً على الإمام.

2 - إن حجة ابن سعد داحضة، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فإذا لم يكن الأمر إليه، فلماذا يجعل نفسه أداة بيد الجبارين، ويقتل ذرية سيد الأنبياء المرسلين؟!

ولو كان يطاع المخلوق في مثل هذا لشمل الأمر حتى الأنبياء، ولقتل ابن سعد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، لو أمره مخلوق جبار بذلك، كيزيد، أو عبيد اللّه بن زياد.

3 - إذا كان للأمير أن يأبى، وأن يرضى، فلماذا لا يكون من حق الناس وابن سعد منهم أن يأبوا طاعته في معصية اللّه، وأن يرضوا

بها، إن كانت في طاعته سبحانه؟!

قرة بن قيس يكذب:

وقد ادَّعى قرة بن قيس: أن الحر لو أخبره بعزمه على الالتحاق بالحسين «علیه السلام» لخرج معه إليه.

وقد قلنا فيما سبق:

إن قرة كاذب فيما يدَّعيه، فقد كان الحسين «علیه السلام» بالقرب منه وأمام ناظريه، فلماذا لم يهمز فرسه، ليثور به نحو الحسين «علیه السلام»، فيصير إليه في لحظات؟! كما فعل الحر الرياحي «رحمه اللّه»، فإنه لم يكن بحاجة إلى مرافقة الحر ولا إلى غيره. ولا يريد أن يسافر سفراً بعيداً، يحتاج فيه إلى الرفيق في الطريق.

ولو لم يجرؤ على ذلك، فقد كان بإمكانه أن يعتزل الحرب، ويخفي نفسه عن الأنظار إلى أن تنجلي الأمور، وتهدأ الأحوال.

على أن قرة بن قيس قد انتهت به الأمور إلى أن بعثه مسعود بن عمرو الأزدي على رأس مئة من الأزد لحماية عبيد اللّه بن زياد في مسيره إلى الشام، بعد أن طرده أهل البصرة منها (1).

ويبدو لنا: أن الحامل لقرة على هذا القول هو الحسد للحر، الذي


1) راجع: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 521 و 522 وراجع ص525 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 402 وتاريخ مدينة دمشق ج 49 ص310 والكامل في التاريخ ج 4 ص 139 و 140.

أقدم على أمر عظيم، لا يجرؤ عليه فحول الرجال، فرغب قرة هنا بالمباهاة بما لا حقيقة له، فهو قد رأى هذا الموقف الرائد، والشجاعة الفائقة من الحر، فادعى أنه قادر على مضاهاته في موقفه هذا، فلا ميزة للحر فيه عليه.. غير أن الوقائع - كما قلنا - قد أظهرت كذب قرة فيما زعم، وقد قال الشاعر:

كُلّ من يدَّعِي بِمَا لَيْسَ فِيهِ***كَذَّبَتْهُ شَوَاهِدُ الامْتِحَانِ

أخيّر نفسي بين الجنة والنار:

وتقدم: أن الحر حين واجه هذا الموقف الصعب أخذته الرعدة، أو الأفكل، أو العرواء. فخيّر نفسه بين الجنة والنار ثم اختار الجنة. واقسم أنه لا يختار على الجنة شيئاً، ولو قطع وحرق، والتحريق هو الحرق بتمهل وأناة.

ونقول:

لاحظ ما يلي:

1 - إن الحر بن يزيد الرياحي أمثولة رائعة ومهمة جدا، وأسوة، وقدوة لكل إنسان سوي، ولكل مؤمن تقي يعيش أجواء الغربة في محيطه الغارق بالمآثم، والمتخم بالمظالم، ويريد هذا المؤمن أن يحفظ إيمانه، ويعصم نفسه في ذلك الجو الضاغط الذي ينيخ في ساحات حركته بكلكله الحافل بالمغريات والأهواء، والشهوات، وأنواع العصبيات.

وربما بلغ ثقل هذه الكلاكل حدا يجعل بعض الناس يتوهمون أن الانحراف بها، والانجراف معها أصبح قدراً لا مفر منه، ولا محيص عنه.

غير أن الحقيقة هي: أن للمحيط أثراً في الإغراء والإغواء، ولكن تأثيره لا يتعدى حدود التهيئة والإعداد، فهو دور اقتضائي إعدادي، كمن يشم روائح الطعام، فيتهيأ ويشتهي وليس له دور العلية والجبرية، حيث لا تنفك العلة عن معلولها.

2 - إذا نظرنا إلى واقع الحر الرياحي، فإننا نجد: أنه قد عاش في مثل هذه البيئات السيئة، الغارقة والمستغرقة في حب الدنيا، وطلب ملذاتها بأي ثمن من حلال وحرام، بل إن من كان الحر يتعامل معهم هم من الأشرار والطواغيت والفجار، ومن أعلام الضلال والباطل من أمثال شمر بن ذي الجوشن، وعمر بن سعد، وحرملة، وعبيد اللّه بن زياد، وأضرابهم..

كما أن هذه البيئة التي يعيش فيها لم تكن تحجر عليه، بل كانت تنيله ما يريد، وتعده بالمزيد ما دام في خدمتها، ويسعى في أغراضها.

والحر قائد مبجل مطاع، مسموع الكلمة عند أسياده، وهو رجل باسل شجاع، يقول له المهاجر بن أوس لو قيل لي من أشجع أهل الكوفة رجلا ما عدوتك.

وهذا الإطراء، وهذه المكانة التي يرى الحر نفسه فيها تشده إلى هذا المحيط، وتحببه له، وتأنس نفسه فيه.

كما أن الأبطال والشجعان يكونون في العادة، من أهل الإباء والعزة، الأمر الذي قد يبلغ لدى البعض منهم حد العنجهية والتكبر ولم يكن الحر من هؤلاء.

بل كان على درجة كبيرة من الانضباط والتوازن، كما أظهرته معاملته للإمام الحسين «علیه السلام» في الطريق.

وهو سيد مطاع في قومه، وهو وجيه عند السلطان. وربما كان يطمع في وجاهة أعظم، ويرغب في ولايات ومناصب، وامتيازات ومراتب أهم مما هو فيه..

3 - لم يكن الحر قد عاش مع الحسين، ولا نشأ في بيئته، ولا تلمس آفاق علمه وفضله، وتقواه، وأخلاقه، ولا عرف شيئا عن مزاياه الروحية، والأخلاقية، ودرايته، ولا عاين طرفا من سياساته، ولا اطلع على القيم التي يؤمن بها ويعيشها «علیه السلام» في سيرته ومواقفه ولا تلذذ بممارسة الفضائل، ولا ذاق طعمها في ظل توجيهه ورعايته.

4 - لو أراد الحر أن يعيش في بيئة الحسين «علیه السلام»، فلعله كان سيشعر أنه محاصر بقيود وحدود تضبط حركته، وتنظمها في خط السلامة والاستقامة.. وسيجد: أن نفسه الأمارة تدعوه إلى العودة إلى أجواء الانفلات والبحث عن الملذات والشهوات، فإن كان لا يستسيغ منها ما ينقص قدره، ويخلّ بمكانته ولا يليق به فهناك شهوات يكون سوؤها مخفياً عن أنظار كثير من العامة، كشهوة جمع الأموال، والوجاهة والزلفى عند السلطان، وشهوة إظهار البطولة، والشجاعة،

وشهوة الأمر والنهي، وصنع الانتصارات والأمجاد الدنيوية، والتلهي والتباهي بالكثرات. بالإضافة إلى شهوة تسنم المناصب، وظهور المكانة والعظمة والسؤدد وغير ذلك.

5 - قلنا: إن دعوة الحسين «علیه السلام» تنطلق من المبادئ والقيم والأخلاق الكريمة، وتلتزم بها، وتوجب التحلي بالكمالات والصفات الفاضلة، والتزام العمل بما يرضي اللّه، واعتماد أحكام الشريعة نهجاً، وطريقة وسلوكاً، وإن احتاج الأمر إلى التضحية في سبيلها، فعلى الإنسان المؤمن أن يبادر إلى ذلك.

ولكن دعوة أهل الدنيا ما هى إلا دعوة للملذات، والشهوات، وإلى حياة اللّهو، وانعدام المسؤولية، ولا يرون أمامهم أية قيود أو حدود، إلا حدود العجز والصد من قبل الأقوى شوكة، والأشد بغيا، وظلماً وعتوا..

القرار الصعب:

وقد وجد الحر بن يزيد الرياحي نفسه في كربلاء أمام خيارين، لا ثالث لهما، وقد لخصهما «رحمه اللّه» بقوله: «إني - واللّه - أخير نفسي بين الجنة والنار وواللّه لا أختار على الجنة شيئا، ولو قطعت وحرقت».

وقد اتخذ قراره هذا «رحمه اللّه» في ظروف ضاغطة ومريرة. بل هي في غاية المرارة. إنها لحظات حساسة وقاسية، بل في منتهى الحساسية والقسوة، وذلك بملاحظة ما يلي:

أولاً : هناك أمور ومؤثرات كثيرة كانت تشدُّ الحر «رحمه اللّه» ليخلد إلى الأرض واضعة كل ثقلها في تصوراته، وآماله، وخططه، وأحلامه، ونظراته إلى المستقبل.

وكانت هناك قيود وأغلال كثيرة، لا يمكنه اتخاذ القرار الصائب، إلا بعد أن يتحرر منها، ولأنها كانت قيوداً وأغلالاً من النوع الثقيل، والثقيل جداً، ولأن أفضل الأعمال أحمزها وأشدها، ولأنه لا يقدر على تحطيمها إلا الرجال الرجال في وعيهم، وصبرهم وحزمهم، وقوة إرادتهم، ولأن من يفعل ذلك سيكون مستحقاً لمنازل الكرامة عند اللّه تعالى مع الشهداء والصديقين، وفي كنف الأولياء والأنبياء، ومع الصالحين «صلوات اللّه عليهم أجمعين».

لذلك كله: إن الحر قد بادر إلى تجاوز تلك القيود، وحطم تلك الأغلال، واتخذ قراره القوي والحازم.

ونستطيع أن نذكر نموذجاً لهذه الأمور التي تشد الإنسان إلى الأرض، وتقيد حركته، ما يلي:

ألف: إن الحر «رحمه اللّه» الذي جعجع بالحسين «علیه السلام»، كما بيناه في فصول هذا الكتاب كان في قيادة جيش ابن زياد وابن سعد إلى آخر لحظة. وقد جعل ابن سعد يوم عاشوراء الحر الرياحي على ربع تمیم و همدان (1).


1) راجع: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 422 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 320 و 321 والكامل في التاريخ ج 4 ص 60 وأعيان الشيعة ج 4 ص 612 و 613 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص113 و 177 ونهاية الأرب ج20 ص 438 وإبصار العين ص 60 و 207 ولواعج الأشجان ص 122.

وكانت للحر «رحمه اللّه» الكلمة النافذة والموقع المرموق في المحيط الذي يعيش فيه، وله المنزلة والوجاهة عند السلطان، ويقر له الأبطال، والقادة بالشجاعة التي قل نظيرها، حتى ليقال إنه أشجع أهل الكوفة، التي كانت تحتضن عشرات الألوف من الفرسان، وفيهم الألوف من الأبطال، والشجعان..

وهو وجيه أيضاً في قومه، وفي بلده. وربما كان من أهل اليسار أيضاً.. فإن كل ذلك يجعله يألف المحيط الذي يعيش فيه، ولا يفكر في الخروج منه إلى محيط لا تاريخ له فيه، ولا مآثر ومفاخر، بل له فيه ما يخجل منه، وما هو نادم عليه.

ب: إن للإنسان علاقة بالزوجة والأبناء، وألفة وأنسا ومحبة للأهل والعشيرة والأصحاب، والأحباب، وارتباطا بهم، ورغبة في معونتهم، وفي البقاء معهم، وإلى جانبهم.

ج: والإنسان يحب البقاء، ويكره الموت وفراق الأحبة، حتى لو لم يصاحب هذا الموت أي ألم، أو تعب أو نصب، فكيف إذا كان موتاً بحد السيوف، وطعن الرماح، وفيه قطع الأيدي، وشدخ الرؤوس، وما إلى ذلك؟! فإن كراهة الإنسان للموت بهذه الطريقة ستكون أشد.

وكيف إذا كان هذا الموت باباً إلى عالم لا يعلم موقعه ومصيره فيه. بل هو يعلم أنه لم يمهد له شيئاً نافعاً، ما يكون للبلاء عنه دافعاً.

وأشد من ذلك عليه: أن يكون قد مهد ما يوجب له البلاء والشقاء، والعذاب الأليم والدائم من خلال ما فعله بسيد شباب أهل الجنة، امتثالاً لأمر جبار آثم حرضه عليه، وزين له عدواته، والبطش به؟!

د: كما أن الحر هو الرجل الذائع الصيت في الشجاعة، والعزة والإباء، وهو قائد ناجح، يأنف لنفسه أي شيء يضر بسمعته هذه، ويأبى أشد الإباء، أن يلحقه العار بين الأقران والشجعان، ولاسيما إذا كان سيختار لنفسه ميتة فيها تنكيل وانتقام وتحقير، وتنفيس عن حقد بارتكاب أعمال شنيعة، مثل قطع الأطراف، وقطع الرؤوس، والوطء بحوافر الخيل، وسبي النساء، وغير ذلك.

ه- كما أن مما يزيد في الألم والأسى: أن ينتشر هذا الأمر بين العشائر والقبائل في طول البلاد وعرضها، وأن يتندروا به على طريقة الملامة، والإتهام، أو على نحو التشفي والشماتة.

و: ثم يتضاعف هذا الألم، وتزيد الغصة إذا كان يعرف أنه سوف يلاحق باتهامات وافتراءات قد يكون أهونها رميه بالسفه، واختلاط العقل، وسقم التفكير، وسوء التقدير، وبوار التدبير.

ز: هذا عدا ما يتوقعه من مصائب وبلايا، وكوارث ورزايا تحيق بأهله وابنائه، وعشيرته وأحبابه، وأصدقائه، فقد تهدم بيوتهم، وتصادر ممتلكاتهم، وقد يقتل البعض منهم، ويزج بعض آخر في

السجون، ويتعرض فريق ثالث للنفي، أو للتشريد في البلاد خوفا من انتقام أعداء اللّه منهم.

ح: بل ربما كان ما يتوقعه من مصائب بعد موته أشد عليه من الموت والقتل، وسائر ما يجري عليه من مصائب ورزايا. فإن سبي حرمه، والتنكيل بأبنائه، والسطو على كل ما يملكون وتجويعهم، وإخافتهم وتشريدهم في البلاد، وغير ذلك يراه أشد عليه من أية مصيبة أخرى تنزل عليه، ولو كانت ضرب السيوف و ورود الحتوف.

وقد رأينا في كلمات الأئمة «علیهم السلام» ما يدل على عظيم الألم الذي أوجبه سبي زينب، وسائر الحرم في كربلاء. وربما تأتي الإشارة إليه في موقعه إن شاء اللّه تعالى.

ط: إن اللحظة التي وجد الحر نفسه فيها أمام خيارين هي لحظة التحدي الصارم، ولحظة الهياج في المشاعر، والتوتر في الأعصاب.

وهي لحظة يتدنى فيها مستوى التفكير إلى أحط المراتب، بسبب سيطرة العقل الجماعي على الإنسان، حيث إن الهياج الجماهيري يوجب انحدار مستوى التفكير لدى تلك الجماهير. فتفكر الجماهير كما يفكر أقل أفرادها..

ي: وفي لحظة التحدي والهياج هذه وبين تلك الجماهير الغفيرة، التي تعد بعشرات الألوف يغيب الإنسان عن أجواء الاستجابة لمنطق العقل، ولقضاء الوجدان، وتقوى لديه حالة العناد والتصلب في الموقف، ويبتعد عن الإنصاف، ويصعب عليه الاعتراف بالحق لغيره، ويتضاءل

فيها دور الفكر والعقل ويتجه نحو القرارات الإنفعالية والعاطفية، وفرض الرأي، وحماية الذات وإثبات الوجود، ولو بقوة السيف.

ك: كما أن هذا الجو يسوق الإنسان إلى محاولة إظهار الشجاعة والبطولة، وكسب الأوسمة ولو كانت موهومة.

ويضعف تأثير النفس اللوامة، ليصبح أسير نفسه الأمارة، التي تطلب منه المزيد، وتطمعه بالطارف والتليد فيوغل في متاهات الانفعالات، ويتيه في حنايا الظلمات، والجهالات، والشبهات والضلالات.

ل: لقد كان خيار الحر بن يزيد الرياحي دائراً بين الموت والحياة، وحيث يتنازعه حب الدنيا، وحب البقاء فيها، ليتمتع بما فيها من مغريات وملذات وزبارج، وبهارج، وأموال، وما يراه فيها من أمجاد، يتوارثها عنه الأبناء والأحفاد. وما تركه لهم من مآثر ومفاخر، وما يتوقعه لنفسه من المزيد من المناصب، والعطايا، والهبات والهدايا...

وإذ بالحر يختار الآخرة على الدنيا، والموت على هذه الحياة، ويختار مصافحة السيوف، وملاقات الحتوف على الأوسمة والجوائز، والعطايا، والمناصب والولايات التي يتوقعها قادة ذلك الجيش، من أسيادهم بعد ارتكاب جريمتهم في حق أهل بيت نبيهم.

مع أن أمر الآخرة كان بالنسبة إليه غير محسوس ولا ملموس، بل هو يشبه حالة التخيل والافتراض، فإنه «رحمه اللّه» لم ير الآخرة،

ولم يجرب من لذائذها شيئا، بل هو قد سمع بها، وغاية ما في الأمر أن يقيس لذاتها على ما مارسه أو عاينه وأحس به فى هذه الدنيا. فهو يرضى بكل هذه المصائب والبلايا من أجل أمر لم يره، ولم يجربه إلا أنه سمع به وكذلك الحال بالنسبة لخوفه من نار الآخرة..

فكأنه يقول حين يختار الجنة والآخرة: لا أريد كل ملذات الدنيا، وأموالها وكثراتها وإنما أريد أن تأكل السيوف من لحمي، وأن تنغرس الرماح في جسمي، ولا مانع لدي من سبي حريمي ومن التنكيل بأهلي وعشيرتي، وإخواني وأبنائي، وأن يقتلوا، أو يشردوا، وأن يسجنوا، وتهدم بيوتهم، وتصادر أموالهم كل ذلك من أجل الجنة، والفوز برضى اللّه تعالى

إنه يتخذ قراره هذا في لحظات إنفعالية حرجة، تفرض عليه عكس هذا القرار.

م: وهنا تتجلى عظمة هذا الرجل، فإن لم يكترث بكل تلك المؤثرات، وحكم عقله في مصيره، فأيقظ فطرته ووجدانه، واستحضرهما إلى ساحة الصراع ليشاركاه في حلو العيش ومره، وفي آلامه وأحلامه.

وبهذا تعرف أقدار الرجال، وتتجلى مكانتهم، وقدراتهم النفسية، والعقلية والفطرية، لتكون هى التى تتحكم بمشاعره، والمهيمنة على عواطفه، ولو كانت في أقصى درجات التوتر والهيجان.

ن: ولأجل تحرر الحر من نير العبودية للشهوات ومن العبودية

للدنيا، وللأنا، ومن العبودية للأشخاص، ومن العبودية للعصبيات العشائرية، ومن العبودية لكل ما يشده إلى الأرض. إستحق أن يمنحه الحسين «علیه السلام» أعظم وأشرف وسام، وهو وسام الحرية، فقال

له أنت حر كما سمتك أمك، حر في الدنيا، وسعيد في الآخرة»(1).

وبعد أن كان من أعوان الظالمين وفي مصاف أعداء الحق والدين، كشف اللّه عن بصيرته، وصار وليا للمؤمنين، ومدافعاً وناصراً، ومجاهداً ومضحياً بنفسه في سبيل الحق والدين، وشريعة سيد المرسلين محمد وآله الطاهرين..

جعجعت بك في هذا المكان:

وتقدم: أن الحر حين جاء إلى الحسين «علیه السلام» تائباً، قال للإمام «علیه السلام»: أنا الذي جعجعت بك في هذا المكان.

وهذا شاهد على أن الجعجعة ليست هي مطلق التضييق بل هي التضييق في المكان.

وقد صرح الحر بأنه قد أساء للحسين «علیه السلام» في أمرين:


1) راجع: تاريخ الأمم والملوك ج 3 ص 325 والملهوف ص104 و (ط سنة 1417ه) ص 62 وبحار الأنوار ج 45 ص 14 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 11 وكتاب الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 102 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 257 وأعيان الشيعة ج 1 ص 604 وج4 ص614 ومقتل الحسين «علیه السلام» لأبي مخنف الأزدي ص 122.

أولهما: أنه حبسه عن الرجوع. كما قال الحر «رحمه اللّه»: أنا الذي حبستك عن الرجوع وهذا شاهد آخر على أن الحسين «علیه السلام» لم يأت إلى العراق محاربا، بل جاء مغيثاً لمن استغاث به، لمساعدتهم على الصلاح والإصلاح، وليس بالضرورة أن يحصل ذلك بالحرب والقتال إلا إن كان هناك عدد مهاجم، لا بد من التصدي له، ولا محيص عن رده..

ثانيهما: أنه قد ضيق عليه في المكان، وهذا إنما حصل بعد وصول الإمام إلى كربلاء، فضيق عليه الحر حتى اضطره للنزول فيها !!

ما اسمك؟! :

وبعد لحوق الحر «رحمه اللّه» تعالى بالحسين «علیه السلام»، يوم العاشر من المحرم، وأخبره: بأنه هو الذي حبسه عن الرجوع، وبأنه هو الذي جعجع به في كربلاء، وأنه قد جاءه تائبا، ويريد أن يستشهد بين يديه فهل له من توبة؟!

قال الحسين «علیه السلام» للحر: ما اسمك؟!

فلماذا سأله عن اسمه، مع أنه قد أخبره بأنه هو الذي حبسه، وجعجع به؟! ومع أنه كان حين يسايره تحصل له معه حوارات، وأسئلة وأجوبة، وكان الحر يصلي في جماعته «علیه السلام» وغير ذلك.

ويجاب:

بأنه «علیه السلام» يريد بسؤاله هذا: أن يعلم ذلك الجيش كله بتوبة

الحر «رحمه اللّه»، لتكون هذه التوبة حجة عليهم..

ولعل الكثيرين في ذلك الجيش لا يعرفون الحر، أو لا يعرفون أنه هو الذي حبسه عن الرجوع، وجعجع به في كربلاء.

كما أن في سؤاله «علیه السلام» إياه عن اسمه، وتصريحه به توطئة لمنحه ذلك الوسام الشريف على لسان الإمام «علیه السلام» أنت حر كما سمتك أمك، حر في الدنيا وسعيد في الآخرة.

أو قال : أنت حر إن شاء اللّه في الدنيا والآخرة.

وفي هذا تعريض واضح بأن سائر ذلك الجيش الذي يعد بعشرات الألوف كانوا عبيدا للدنيا، ولشهواتهم وأهوائهم، وللمال، والسلطان والجاه، وإلخ..

إنزل!! :

وحين أعلن الحر «رحمه اللّه» توبته قال له الإمام الحسين: إنزل.

فيحتمل أن يكون مراده «علیه السلام» بنزوله: مجرد الإنضمام إلى صفوفهم، وقد أصبح منهم، ومقامه فيهم، ولم تكن الحرب قد بدأت بعد، ولا أذن الحسين لأصحابه بالقتال.

ومن البعيد جداً: أن يكون مراده «علیه السلام» ما ذكره البعض، من أنه يريد بقوله «إنزل»: أن يترك فرسه ويحارب راجلاً.

فإنه «علیه السلام» لم يطلب من أحد من أصحابه مثل هذا الأمر، وما الفائدة من أن يترك أي منهم فرسه، ليحارب راجلا، مع أنه قد كان

في أصحابه إثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلا، كما في النصوص التي تقدمت؟!

فلا يعقل أن يغيب هذا الأمر عن بال الإمام المطهر المعصوم.

ولكن اللافت هنا أن الحر قد فهم من قوله «علیه السلام»: إنزل. نفس هذا الإحتمال الثانى البعيد، وهو ترك القتال على الفرس، ولذا قال «رحمه اللّه»: أنا لك فارساً خير مني راجلاً الخ..

إلا أن يكون المراد: أن الحر قد فهم من كلمة «إنزل»: أنه «علیه السلام» يريد أن يجعله في الرجالة، لأن الحاجة فيهم إلى أمثال الحر كانت أظهر. ولكن الحر كان يريد أن يفوز بالشهادة قبل كل أحد ليكفّر بذلك عن ذنبه الذي اقترفه في حقه «علیه السلام».

هذا الأمير، فكلِّمه:

وتقدم: أن الحر لما كلم ذلك الجيش، وعرض عليهم أن يقبلوا بما عرضه عليهم الإمام الحسين «علیه السلام» قالوا: هذا الأمير عمر بن سعد فكلمه.

وهذا مظهر من مظاهر العبودية بمعناها الأسوأ، والأشر والأضر فإنهم هم الذين أخذوا القرار بمكاتبة الحسين «علیه السلام»، والاستغاثة به كما أنهم هم الذين تخلوا طوعاً عن قرارهم، وعقدوا العزم على طاعة أسيادهم، وقرروا محاربته، وتسليمه إلى أعدائه، أو قتله، بل لو أن أسيادهم أمروهم بقتل الأنبياء، وهدم الكعبة والكفر باللّه العظيم لما توانوا في ذلك.

فما معنى أن يمتنعوا هنا عن اتخاذ القرار بقبول ما عرضه الحسين «علیه السلام» عليهم، وأوكلوا الأمر إلى أعدائه «علیه السلام»؟! أليس هذا هو منتهى الذل والهوان. وألا يدل على اختلال عظيم في شخصيتهم لو كانوا يعقلون؟!

كلمات الحر مع الظالمين:

وإذا راجعنا كلمات الحر مع جيش البغي والعدوان، فإننا نلاحظ مدى الانسجام والتوافق والتشابه بينه وبين ما كان يقوله الإمام الحسين «علیه السلام» وأصحابه في احتجاجاتهم ومناشداتهم، ومحاوراتهم مع أولئك العتاة الظالمين.

ومن ذلك: حديث الحر عن محاصرتهم الحسين «علیه السلام»، وقطع الماء عنه، حتى عطش النساء والأطفال، ومن ذلك دعوتهم إياه، ثم انقلابهم عليه، وقوله «رحمه اللّه» لهم: «فمنعتموه التوجه في بلاد اللّه العريضة، حتى يأمن، ويأمن أهل بيته».

فإنه «علیه السلام» كان قد عرض عليهم ذلك، فأبوه عليه. وهذا يدل على أنهم هم الذين يلاحقونه ليقتلوه.

أما هو فلم يأت إلى تلك البلاد مقاتلا..

هل قتل الحر رجلين فقط؟!

جاء في رواية هلال بن يساف المتقدمة: أن الحر «رحمه اللّه» قتل من جيش ابن سعد رجلين، ثم قتل.

غير هذا الكلام غير دقيق، وقد صرحت رواية سبط ابن الجوزي

المتقدمة : بأنه قتل جماعة (1).

وفي رواية الصدوق عن الإمام الصادق «علیه السلام» عن آبائه: أنه قتل ثمانية عشر رجلا (2).

وفي نص آخر أنه قتل أربعين فارساً وراجلا(3).

وعند ابن شهرآشوب: قتل نيفا وأربعين رجلا (4). والنيف من واحد إلى ثلاثة.

وهل أشجع أهل الكوفة كان عاجزاً وضعيفاً إلى هذا الحد؟!


1) تذكرة الخواص ص 251 و (تحقيق الدكتور عامر النجار سنة 1429ه) ص 529 والملهوف ص 159.

2) بحار الأنوار ج 44 ص 319 والأمالي للصدوق ص223 وروضة الواعظين ص 205 و (منشورات الشريف الرضي - قم) ص 186 وبحار الأنوار ج 44 ص319 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 168.

3) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 9 و 10 و موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 4 ص 197 عنه، وعن الفتوح لابن أعثم ج ص 105 وبحار الأنوار ج 45 ص 14 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 257 ولواعج الأشجان ص 146.

4) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 100 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 250 وبحار الأنوار ج 45 ص 14 و 15 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 258 ولواعج الأشجان ص 146 وأعيان الشيعة ج 1 ص 604 وج4 ص 614.

الحر للحسين «علیه السلام» : لقد كاتبناك:

وفي النص المتقدم عن ابن الجوزي: أنه لما سأل الحسين «عليه السلام» قادة من جيش ابن سعد، وقال: ألم تكتبوا إليَّ؟!

قالوا : ما ندري ما تَقولُ.

فقالَ الحُرُّ : بَلَى وَاللّهِ لقد كاتبناكَ.

مع أن الحر قد قال للحسين «علیه السلام» حين لقيه في الطريق: إنه ليس ممن كاتبه، فكيف نوفق بين القولين؟!

ويجاب:

بأن الحر إنما يتكلم هنا بلسان أهل الكوفة. وبلسان القادة الذين ناداهم «علیه السلام» بأسمائهم، فزعموا أنهم لا يدرون ما يقول. فإن الحر كان يعرف أن هؤلاء قد كتبوا إلى الحسين «علیه السلام» فعلا، لأن الحسين «علیه السلام» كان قد أطلع الحر وأصحابه على الكتب التي جاءته من أهل الكوفة، وقلبوها، وعرفوا أسماء مرسليها. وذلك حين التقى به، قبل الوصول إلى كربلاء..

الباب الثاني: القتال يوم العاشر

اشارة

الفصل الأول : حتى ظهر يوم العاشر.. هكذا بدأ القتال.

اشارة

إشهدوا لي عند الأمير:

ونادى عُمَرُ بنُ سَعدٍ يا دُوَيدُ، أدن رايَتَكَ، فأدناها، ثُمَّ وَضَعَ سَهمَهُ فِي كَبِدِ قوسِهِ، ثُمَّ رَمَى، وقالَ: اشْهَدُوا أَنِّي أَوَّلُ مَن رَمَى!

ثُمَّ ارتَمَى النّاسُ وتَبارَزوا (1).

وعند الخورازمي: فرمى أصحابُهُ كُلُّهُم بِأجْمَعِهم في أَتْرِهِ رَشْقة واحِدَةَ، فما بَقِيَ مِن أصحابِ الحُسَين «علیه السلام» أَحَدٌ إِلا أَصابَهُ مِن رَميَتِهم سَهُمْ.

فلمّا رَمَوهُم هذِهِ الرَّميَة قُلَّ أصحابُ الحُسَين «علیه السلام»، فَبَقِي في هؤلاء القوم الَّذينَ يُذكَرُونَ فِي المُبارَزَةِ، وقد قُتِلَ مِنهُم مَا يُنيفُ عَلَى


1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 121 عن المصادر التالية: الإرشاد ج 2 ص 101 وإعلام الورى ج 1 ص 461 وليس فيه صدره إلى «قوسه»، وأنساب الأشراف ج 3 ص 398 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 190 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 429 عن حميد بن مسلم، والكامل في التاريخ ج 4 ص 65.نحوه وراجع بحار الأنوار ج 45 ص 12 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 255 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج8 ص 195 وأعيان الشيعة ج 1 ص 603.

خَمسينَ رَجُلا (1).

وقال ابن أعثم:

تَقدَّمَ عُمَرُ بنُ سَعِدٍ حَتَّى وَقفَ قبالة الحُسَين «علیه السلام» عَلَى فَرَس لهُ، فَاستَخرَجَ سَهما، فَوَضَعَهُ في كَبدِ القوس، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! اشهَدوا لي عِندَ الأمير عُبَيدِ اللّهِ بن زيادٍ أَنِّي أَوَّلُ مَن رَمَى بِسَهُم إِلى عَسكَر الحُسَين بن عَلِيٍّ.

قالَ: فَوَقَعَ السَّهُمُ بَينَ يَدَي الحُسَين «علیه السلام»، فَتَنَحَّى عَنهُ راجعاً إلى وَرائِهِ، وأقبلت السّهامُ كَأَنَّهَا المَطرُ.

فَقالَ الحُسَينُ «علیه السلام» لأصحابه: أيُّهَا النَّاسُ! هَذِهِ رُسُلُ القوم إليكم، فقوموا إلى المَوتِ الذي لا بُدَّ مِنهُ.

قالَ: فَوَثبَ أصحابُ الحُسَين «علیه السلام»، فَخَرَجوا مِن بَابِ خَندَقِهم، وهُم يَومَئِذٍ اثنان وثلاثون فارساً وأربعونَ راجلا، والقومُ اثنان وعِشرون ألفا، لا يَزيدُونَ ولا يَنقُصُونَ.

فَحَمَلَ بَعضُهُم عَلى بَعضٍ، فَاقْتَتَلُوا سَاعَةٌ مِنَ النَّهارِ، حَملة واحِدَةَ، [في الملهوف: حملة حملة] حتى قُتِلَ مِن أصحابِ الحُسَين «عليه السلام» نَيِّفٌ وخَمسونَ رَجُلاً.

[في الملهوف حتى قتل من أصحاب الحسين جماعة] (2).


1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 8 وتسلية المجالس ج 2 ص 278.

2) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 100 و 101 وموسوعة الإمام الحسين ج4 ص 123 عنه، وقال وراجع مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 100 وكشف الغمة ج 2 ص 261 و 262 ومطالب السؤول ص 76 ولخص هذا النص في الملهوف ص 158 و (نشر أنوار الهدى) ص 60 وبحار الأنوار ج 45 ص 12 وراجع: مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 8 و 9.

قال: فعندها ضرب الحسين «علیه السلام» بيده إلى لحيته، وجعل يقول : اشْتَدَّ غَضَبُ اللّهِ تعالى عَلَى الْيَهُودِ إِدْ جَعَلُوا لَهُ وَلداً، وَاشْتَدَّ غَضَبُ اللّهِ تَعالى عَلَى النَّصارى إِذْ جَعَلُوهُ ثالِث ثلاثة، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلى المَجُوسِ إِدْ عَبدُوا الشَّمْسَ وَالْقَمَر دُونَهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلَى قَوْمٍ اتفقت كَلِمَتُهُمْ عَلى قتل ابْنِ بِنْتِ نَبِيِّهِمْ.

أما وَاللّهِ ! لا أجيبُهُمْ إلى شيء مِمّا يُريدُونَ حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَأَنَا مُخَضَّبٌ بِدَمي (1).

أضاف الخوارزمي قوله: وقال في آخره أما مِن مُغِيثٍ يُغيثنا؟!

أما مِن دَابٌ يَدُبُّ عَن حُرَمِ رَسول اللّهِ ؟! (2).

وعند ابن نما: أنه «علیه السلام» لما قال لأصحابه: قوموا إلى المَوتِ الذي لا بُدَّ مِنهُ «نهضوا جميعاً والتقى العسكران، امتاز


1) الملهوف ص 158 و (نشر أنوار الهدى) ص 60 ويقرب منه ما في مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 11 و 12 وراجع: ج 45 ص 12 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 255 ولواعج الأشجان ص 136 ومثير الأحزان ص 43.

2) مقتل الحسين للخوارزمي ج2 ص 12.

الرجالة من الفرسان واشتد الصراع، وخفي لإثارة العثير الشعاع، والسمهرية ترعف نجيعاً، والمشرفية يسمع لها في الهام رقيعاً» (1).

وقال ابن شهر آشوب عن أصحاب الحسين «علیه السلام»: «ولم يكن لهم من السلاح إلا السيف والرمح» (2).

العثير: التراب.

والشعاع: ضوء الشمس.

والسمهرية: القناة الصلبة.

النجيع: من الدم ما يميل إلى السواد، أو دم الجوف.

المشرفية : يقال سيف مشرفى نسبة إلى مشارف الشام.

ونقول:

لاحظ الأمور التالية:

شعار القتال يوم العاشر :

حيث إن الحرب قد بدأت في اليوم العاشر على النحو الذي تقدم، فمن المناسب أن نذكر هنا شعار الحسين «علیه السلام» في هذا القتال، فعن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه «علیه السلام»:


1) مثير الأحزان ص 56 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 41.

2) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 107 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 248.

شعارنا: یا محمد، یا محمد.

وشعارنا يوم بدر: یا نصر اللّه اقترب، اقترب.

وشعار المسلمين يوم أحد: يا نصر اللّه اقترب.

ويوم بني النضير : يا روح القدس أرح.

و يوم بني قينقاع: يا ربنا لا يغلبنك.

ويوم الطائف: يا رضوان.

وشعار يوم حنين: يا بني عبد اللّه [ يا بني عبد اللّه].

ويوم الأحزاب: حم. لا يبصرون.

ويوم بني قريظة: يا سلام أسلمهم.

ويوم المريسيع - وهو يوم بني المصطلق : ألا إلى اللّه الأمر.

ويوم الحديبية: ألا لعنة اللّه على الظالمين.

ويوم خيبر يوم القموص: يا علي آتهم من عَل.

ويوم الفتح: نحن عباد اللّه حقا حقا.

ويوم تبوك: يا أحد يا صمد.

ويوم بني الملوح: أمت، أمت.

ويوم صفین: یا نصر اللّه.

وشعار الحسين «علیه السلام»: يا محمد.

وشعارنا: یا محمد (1).


1) الكافي ج 5 ص 47 وبحار الأنوار ج 19 ص 163 وج 33 ص 453 وراجع: الجعفريات ص 84 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 15 ص 138 و (الإسلامية) ج 11 ص 105 والوافي ج 15 ص 117 ومرآة العقول ج 18 ج 18 ص 385 ومستدرك سفينة البحار ج 5 ص 417.

وسند هذه الرواية صحيح.

وروى السكوني، عن أبي عبد اللّه «علیه السلام»: أنه قدم أناس من مزينة على النبي «صلی اللّه علیه وآله»، فقال: ما شعاركم؟

قالوا: حرام.

قال: بل شعاركم «حلال» (1).

وروي أن شعار المسلمين يوم بدر: يا منصور أمت.

وشعار يوم أحد للمهاجرين: يا بني عبد اللّه.

وللخزرج: يا بني عبد الرحمان.

وللأوس : يا بني عبد اللّه (2).


1) الكافي ج 5 ص 47 ودعائم الإسلام ج 1 ص 370 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 15 ص 138) و الإسلامية ج 11 ص 106 ومستدرك الوسائل ج11 ص 113 والنوادر للراوندي ص 171 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 1 ص 148 وبحار الأنوار ج 16 ص 111 وج 19 ص 164 1 ج 16 وج 97 ص 35 ومرآة العقول ج 18 ص 387 والجعفريات ص84 والوافي ج 15 ص 118.

2) الكافي ج ص 47 وراجع سبل الهدى والرشاد ج 4 ص 44 وج5 ص 228 عن ابن هشام و 331 وراجع ص 320 عن الواقدي، والسيرة الحلبية ج3 ص 85 و 111 وإمتاع الأسماع ج 2 ص 15 وج 1 ص106 والمغازي للواقدي ج 1 ص 71 وغزوات الرسول وسراياه لابن سعد ص 14 وراجع بحار الأنوار ج 19 ص 335 و 164 وج 97 ص 35 وج 16 ص 111 ومرآة العقول ج 18 ص 387 وراجع الدرر لابن عبد البر ص 219 والسيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 867 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 562 وج 2 ص 416 وراجع تاريخ الخميس ج 2 ص 102 والسيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 111 والجعفريات ص 84 ووسائل الشيعة آل البيت ج 15 ص 138 و (الإسلامية) ج 11 ص 106 والوافي ج 15 ص 118 ومستدرك الوسائل ج 11 ص 113 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 1 ص 148 وشرح السير الكبير ج 1 ص 74 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص14 والثقات لابن حبان ج 2 ص 70 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج3 ص 106 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 91 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 3 ص 335 وج 4 ص 340 ودلائل النبوة للبيهقي ج3 ص71.

ونقول:

لا بأس بالنظر إلى ما يلي:

أولاً: إن من الممكن أن يكون شعار المسلمين في الفترة الأولى من حرب بدر :هو يا منصور أمت، ثم لما ظهرت بوادر النصر، أطلقوا شعار، یا نصر اللّه اقترب

ثانياً: ربما كان من جملة أهداف شعار: يا محمد، هو التوسل به «صلی اللّه علیه وآله» فى مثل هذه المواقف الصعبة والحساسة.

ثالثاً: الشعار في الحرب كلمة - أو كلمات يتعارف بها الأشخاص في الاشتباك مع العدو، ويميزون بها العدو من الصديق.. وهي أيضاً تحمل معاني تناسب أغراض مطلقيها، وأحوالهم، ولأجل ذلك اختلفت مضامين الشعارات باختلاف الغزوات، كما أظهرته الراوية المطولة المتقدمة، التي نحن بصدد الحديث عنها، ويكون في مضمون الشعار تشجيع، وشحذ لعزائم أصحابه، أو يكون فيه تهويل على العدو، وهدم وتقويض لعزيمته، وتضييق لآفاق السلامة في وجهه، وغير ذلك من أغراض.

أهداف شعار الإمام في كربلاء:

ويلاحظ هنا: أن شعار الحسين «علیه السلام» كما ذكرته رواية الإمام الصادق «علیه السلام» كان يا محمد وهو شعار الأئمة من أهل البيت «علیهم السلام»..

وربما كان من أهداف إطلاق هذا الشعار:

ألف: التذكير المستمر بأن هدف الحسين «علیه السلام» من تقبل آثار ونتائج هذه الحرب التي تشن عليه، وإنعاش الأمل برعايته «صلی اللّه عليه وآله»، بالإضافة إلى نيل شفاعته، ومحبته ورضاه: امتياز الحق الذي جاء به محمد «صلی اللّه علیه وآله» عن الأضاليل والأباطيل، التي يلقيها أهل الريب والباطل، ونصرة الحق وأهله، وإحياء دين محمد «صلی اللّه علیه وآله».

ب: إفهام هؤلاء المجرمين بأنهم إنما يقتلون أقرب الناس إلى

محمد، وأخص الناس به، وهم أهله وذريته، ويسبون نساءه، ويبيرون عترته. فإن الحر وغيره كان بين ذلك الجمع غافل، فهذا الشعار يوقظه من غفلته، ولعل بعضهم يكون ممن تتداركه رحمة من ربه، ويفعل كما فعل، ويتراجع عن غيه، ويتوب عن ذنبه. ولعل بعضاً آخر منهم تثور الشكوك في نفسه حول صوابية مشاركته في هذه الحرب، وتتضاءل رغبته في القتال.. فينصرف عن المشاركة على أقل تقدير.

ج: إن هذا الشعار يربط على قلوب أصحابه، ويزيد في وضوح الرؤية لديهم، باستحضارهم عظمة وقداسة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ويقوي من عزيمتهم في الدفع عن دينه، ويعطيهم جر عة من الإقدام والبسالة لأن من كان على بينة من ربه وفي موقع رضاه، ويرجو شفاعة نبيه «صلی اللّه علیه وآله».. لا يبالي أوقع على الموت أم وقع الموت عليه..

وبعدما تقدم نقول:

لاحظ الأمور التالية:

الحسين يتنحى راجعاً :

تقدم قول ابن أعثم: إن السهم الذي أطلقه عمر بن سعد قد وقع بين يدي الحسين «علیه السلام»، فتنحى عنه راجعاً إلى ورائه.

ومن المعلوم: أنه ليس في تنحي الإمام الحسين «علیه السلام» راجعاً إلى ورائه عن ذلك السهم أية حزازة أو اشكال، فإن تنحيه

«علیه السلام» ما هو إلا ابتعاد إلى مسافة لا تصل إليها السهام، وليس هذا فراراً من الزحف، كما ربما يحاول بعض المرضى عقلياً، والموبوئين نفسياً أن يوهموا به بعض المغفلين، ولا عزوفاً عن التصدي للظالمين، بل هو مصداق لقوله تعالى: «إِلَّا مُتَحَرِّقًا لِقِتَالِ»(1).. فإن على المقاتل أن يتحرز من أن يناله عدوه بسوء، وأن يحتاط لنفسه ليتمكن من مواصلة جهاده، وتسديد الضربات إليه.

الخروج من باب الخندق:

وقول النص المتقدم عن أصحاب الحسين «علیه السلام»: فخرجوا من باب خندقهم يدل على أن خندقا آخر قد استحدثوه ليلة العاشر غير الخندق الذي كان خلف بيوتهم، فكان هناك خندق من ورائهم، والبيوت المتشابكة كانت في الجوانب، ثم كان - فيما يبدو - هناك خندق آخر قد استحدث في مقابل العدو، وكان له باب.

فخرج أصحاب الحسين «علیه السلام» من باب الخندق، وأصبحوا في ساحة القتال في مواجهة العدو مباشرة.. أي أن القتال قد جرى على مسافة من البيوت، وخارج دائرتها..

ومحاولات الأعداء الالتفاف لمهاجمة البيوت من الخلف قد اصطدمت بالخندق وبالنار المضطرمة فيه، فحاولوا تخريق البيوت والنفوذ إلى الداخل فواجههم أصحاب الإمام بالكمائن، فتمكنوا من


1) الآية 16 من سورة الأنفال.

قتل جماعة منهم، واحداً بعد الآخر.

وحين أمر ابن سعد أصحابه بالكف عن تخريق البيوت، وعن محاولات النفوذ إلى داخلها، وأمرهم بإضرام النار فيها، أمر الإمام الحسين «علیه السلام» أصحابه بأن يدعوهم، فإنهم إذا أحرقوها منعتهم النار من الوصول إلى ما يريدون.

وهذا يدل على أن تلك البيوت كانت من النوع الذي يحترق ببطء مثل الجلود، والأخشاب وغيرها.

اشتد غضب اللّه:

وتقدم: أن الإمام الحسين «علیه السلام» حين رماه ابن سعد وجيشه كله بسهامهم التي كانت كأنها المطر قال: «اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلى اليَهودِ إِذْ جَعَلُوا لَهُ وَلداً.. إلى أن قال: وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلَى قَوْمٍ اتَّفقت كَلِمَتُهُمْ عَلى قتل ابْن بنتِ نَبِيِّهِمْ الخ..» (1). «أو اِشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلى اليَهُودِ حين قالوا: عُزَيرٌ ابْنُ اللّهِ إلى أن قال: يُريدون قتل ابن نَبِيِّهم».

ونلاحظ هنا أمرين:


1) الملهوف ص 43 و نشر أنوار الهدى ص 60 وبحار الأنوار ج 45 ص 12 ومثير الأحزان ص 58 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 43 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 255 ولواعج الأشجان ص136 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 101.

أولاً : إنه «علیه السلام» لا يورد كلامه هذا على سبيل الدعاء عليهم، بل يورده على سبيل الإخبار عن أن الغضب الإلهي قد وقع فعلاً..

ثانياً يلاحظ أن ما أوجب غضب اللّه على اليهود والنصارى، والمجوس هو أمور ترجع إلى الإيمان والاعتقاد باللّه تعالى، وعبادته.. وهي أمور هائلة وخطيرة جدا في نفسها.

لكن ما أوجب غضبه تعالى على هؤلاء القوم، هو اتفاق كلمتهم على قتل ابن بنت نبيهم، وهذا ليس من الإعتقاديات - كما هو الحال في الطوائف التي غضب اللّه تعالى عليها في الأمم السالفة..

ولكنه لا يقلُّ خطورة عنها، بل ربما كان أخطر منها، أو أشر، وأضر، لسببين:

أولهما: أن نفس اتفاق كلمة قوم يعدون بعشرات الألوف مع اعترافهم بالنبوة، ومع إقرارهم بالتوحيد بأنهم يقتلون ابن بنت نبيهم يدل على أنهم في غاية الخباثة والسوء، وأن اليهود والنصارى والمجوس، لم يصلوا في ذلك إلى هذا الحد لأن الكثيرين منهم، وربما أكثرهم يكون قد أخذ على حين غفلة منه لشبهة انطلت عليه، أو أنه انساق وراء حسن ظنه بمن ادَّعوا أنهم علماء بالدين، أمناء على الحقيقة.

الثاني: إنه لا مبرر لقتل ابن بنت النبي «صلی اللّه علیه وآله» والإمام المنصوب لهم من قبله سوى السعي لإطفاء نور اللّه، وإبطال

جهود الأنبياء، وتضييع دماء الشهداء عبر التاريخ البشري كله..

وهذا هو السبب في أن الحسين «علیه السلام» المكلف من اللّه بحفظ الدين يقسم على أن لا يجيبهم إلى شيء مما يريدون، لأن إجابته لهم لا يمكن إلا أن تكون تحقيقاً لأهدافهم الشريرة، وخيانة للأمانة الإلهية، وتفريطاً بحقوق البشر كلهم، وهدماً لسعادتهم ولمستقبلهم في الدنيا والآخرة..

الأعداد تحتاج إلى تدقيق:

تقدم في النص الذي نقلناه عن الفتوح: أن أصحاب الحسين «علیه السلام» كانوا اثنين وثلاثين فارساً، وأربعين راجلاً. وأن أعداءهم كانوا اثنين وعشرين ألفاً، لا يزيدون ولا ينقصون.

مع أننا ذكرنا فيما سبق: أن الاختلافات بين المؤرخين في أعداد الفريقين كثيرة، وقد رجحنا: أن يكون الذين ازدلفوا لحرب الحسين «علیه السلام» وتولوا قتله كانوا ثلاثين ألفاً. هذا عدا الذين كانوا مع عبيد اللّه بن زياد بالقرب من كربلاء، وكانوا أيضاً ألوفا كثيرة.

ولعله كان قد أعدَّهم ليمد بهم عمر بن سعد، إن احتاج إلى المدد، يضاف إلى هؤلاء وأولئك أعداد كثيرة وجموع غفيرة كانت منتشرة طول المنطقة وعرضها، وقد أخذت مفارق الطرق لفرض الهيبة، ولضبط حركة القبائل والأشخاص في المنطقة، وهيمنت على مداخل الكوفة، لكي لا يخرج منها أحد إلا إلى كربلاء، ولا يهرب إليها أحد من كربلاء.

سلاح أصحاب الحسين «علیه السلام»:

إن آلات الحرب في ذلك الزمان كثيرة، ومنها: الأترسة، والحراب، والأقواس التي ترمى عنها السهام، ومنها: الدروع، وما يستفاد منه لوقاية الخيل من أن تتعرض للأذى، ومنها الدبابات، والمنجنيقات، وغير ذلك كثير.

وقد كان جيش ابن زياد ثلاثين ألفا، وهو مجهز بمختلف أنواع الأسلحة. أما أصحاب الحسين «علیه السلام» الذين كان عدد أفرادهم لا يزيد على العشرات، فلم يكن لديهم من أنواع الأسلحة الكثيرة سوى نوعين، هما السيوف والرماح، كما قال ابن شهر آشوب (1). بالإضافة إلى سلاح الإيمان والتقوى والبصيرة في الدين والإخلاص للّه تعالى، ولنبيه وأهل بيته الطاهرين، ونحو ذلك

حملة، حملة، أم حملة واحدة:

وتقدم قول ابن أعثم: اقتتلوا ساعة من النهار حملة واحدة.

ولكن ابن طاووس في الملهوف يقول: حملة حملة.

فهل حصل تصحيف لكلمة واحدة بكلمة حملة، أو العكس، وكلمة جملة ككلمة حملة، أم أن للكلام منحى آخر؟!

وقد عد ابن شهرآشوب ثمانية وعشرين رجلاً، وذكر أسماءهم،


1) مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 4 ص 107 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 248.

وقال: إنهم قتلوا في الحملة الأولى، ثم قال: وعشرة من موالي الحسين وموليان من موالي أمير المؤمنين (1). فيصل العدد عنده إلى أربعين.

ونجيب:

إننا وإن كنا لا نستبعد احتمال التصحيف المشار إليه في هذا المورد أيضاً، ولكننا قد نرجّح على احتمال التصحيف احتمالاً آخر، مفاده أن من الجائز أن يكون المراد أن هناك حملة حصلت من الأعداء على الحسين «علیه السلام» وأصحابه، وقد استمرت ساعة، ولكنها كانت على شكل موجات بشرية متتالية كان جيش الأعداء قد اعتمدها حربه على أمل التخلص من هؤلاء الصفوة في ساعة واحدة.. أو على أمل أن يتم إنهاك هذه القلة القليلة، وإسقاط مقاومتها، وقتل أكبر عدد منها، ثم التخلص من البقية، إن بقيت هناك بقية في هجوم لاحق. فلعله قد قتل في هذه الهجمات المتتالية: نيف وخمسون رجلا، كما قال ابن أعثم، شريطة أن تتخلل هذه الهجمات المبارزات المعروفة بين الفرسان، والتي سيأتي الحديث عنها إن شاء اللّه تعالى.

إمتياز الرجالة على الفرسان:

وتقدم قول ابن نما: والتقى العسكران، وامتاز الرجالة من الفرسان وفى هذا إشارة إلى أن الهجمات العامة، والاشتباك الشامل


1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 113 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 260 وبحار الأنوار ج 45 ص 64 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 341.

يفرض امتياز الفارس من الراجل، لإفساح المجال للمقاتلين ليتحركوا بحرية، وبسر وبسرعة. فإن اختلاط الفرسان بالرجالة يربك كلا الفريقين، ويعيق كلا منهما الآخر، وخصوصاً إذا ما لوحظ اختلاف طبيعة مهمة الراجل، ومهمة الفارس، تبعاً لاختلاف التجهيزات المتوفرة، وربما تختلط على المقاتلين الأمور، فلا يميز العدو من الصديق، حين يتم الإلتحام في ساحة القتال.

عدد المقتولين في الحملة الأولى:

وتقدم قول ابن أعثم: حتى قتل من أصحاب الحسين اثنان وخمسون رجلاً.

أما ابن طاووس، فقال: حتى قتل من أصحاب الحسين جماعة.

ونقول:

إذا اعتمدنا قول ابن أعثم، من أن عدد أصحاب الحسين «علیه السلام» كانوا اثنين وسبعين رجلاً، بما فيهم أهل بيته «علیه السلام»، الذين قد يصل عددهم إلى ثمانية عشر أو أكثر، فلا بد أن نستبعد أن يكون المقتولون في الحملة الأولى اثنين وخمسين رجلا، لأن معنى ذلك : أن لا يبقى معه سوى أهل بيته مع أن المصادر والنصوص تذكر: أن مبارزات قد حصلت بين جماعة كثيرة من أصحابه «عليه السلام» تعد بالعشرات، وبين فرسان من جيش العدو. وقد استشهد كثير من أصحاب الحسين «علیه السلام» في هذه المبارزات، قد يصل عددهم إلى أربعين.

مسار القتال يوم العاشر:

ونستطيع بملاحظة النصوص : أن نتصور المعركة قد سارت على النحو التالي:

صرح الطبري في تاريخه، والمفيد في كتاب الإرشاد: بأن الحملة الأولى قد بدأت برمي عمر بن سعد «لعنه اللّه» بسهم نحو الحسين، ثم رمى أصحابه كلهم رشقة واحدة، فما بقي أحد من أصحاب الحسين «علیه السلام» إلا أصيب بسهم.

وقالوا: إن السهام قد انهالت على الإمام الحسين «علیه السلام» وأصحابه كأنها المطر.

ثم حصلت بعض المبارزات بعد هذه الرمية، كما تقدم عن الإرشاد، والطبري، وابن أعثم، وإعلام الورى والبلاذري، وابن الأثير، و.. و.. كان الفلج فيها لأصحاب الحسين «علیه السلام».

فأشار بعض قادة الأعداء على عمر بن سعد - كما سيأتي - بالكف عن المبارزات والعدول إلى الهجوم الشامل، فأمر ابن سعد بالهجوم الشامل أيضاً. فحملوا على الحسين وأصحابه من كل جانب، واشتد القتال، وكان أشد قتال خلقه اللّه على تعبير بعض النصوص.

فهاجم عمرو بن الحجاج بميمنة عمر بن سعد ميسرة الحسين «علیه السلام»، فلم يصنع شيئاً، ثم صار عمرو بن الحجاج يحرض على الحسين «علیه السلام»، وينسب إليه المروق من الدين.

ثم حمل ابن الحجاج مرة أخرى بميمنة ابن سعد على الحسين

«علیه السلام» وأصحابه من جهة الفرات، فصرع مسلم بن عوسجة.

ثم حمل شمر بن ذي الجوشن بميسرته على الحسين وأصحابه، فباء بالفشل أيضاً. وقد تصدى زهير بن القين في عشرة من أصحابه للشمر، وكشفه عن الخيام.

فلم يفلح الأعداء في هجماتهم تلك، ووجدوا أصحاب الإمام الحسين «علیه السلام» كأنهم في حصن حصين، أو كجبال الحديد. فأمر عمر بن سعد الرماة بعقر خيول أصحاب الإمام «عليه السلام»، وتقويض بيوتهم وتخريقها، علهم ينفذون منها إليهم، ففشلوا في ذلك أيضاً.

فأمر بتحريق البيوت بالنار، فكانت النار أيضاً مانعاً لجيش ابن سعد من التقدم. واستشهد في هذه الأثناء عمير بن عبد اللّه الكلبي، وزوجته أم وهب.

واستمر الأمر على هذه الحال حتى انتصف النهار، فصلى «عليه السلام» بهم صلاة الخوف.

ثم عادت المبارزات حتى لم يبق أحد من أصحاب الحسين «عليه السلام»، إلا قتل.

وقد قتل في المبارزات ما يقرب من أربعين رجلا، ثم استمرت حتى لم يبق أحد من بني هاشم..

وبقي الحسين «علیه السلام» وحيداً فريداً غريباً، عطشاناً، مظلوماً. فواجه الأعداء، بما لم يخطر لهم على بال حتى أثخن

بالجراح.. وكانت الفاجعة الكبرى بمقتله «صلوات اللّه وسلامه عليه».

الفصل الثاني: فشل هجمات ومبارزات الأعداء..

اشارة

الكلبي القتيل الثاني:

1 - عن أبي مخنف، عن أبي جناب: كانَ مِنّا رَجُلٌ يُدعى عَبدَ اللَّهِ بنَ عُمَير [أو تميم] مِن بَني عُليمٍ، كان قد نَزَلَ الكوفة، وَاتَّخَدْ عِندَ بئر الجَعْدِ مِن هَمدان داراً، وكانت مَعَهُ امْرَأَةٌ لهُ مِنَ النَّمِر بن قاسِطٍ، يُقالُ لها: أمُّ وَهب بنتُ عَبدٍ، فَرَأى القومَ بالتَّخَيلَةِ يُعرَضُونَ لِيُسَرَّحوا إلى الحُسَين «علیه السلام».

قالَ فَسَأَلَ عَنهُم، فَقِيلَ لَهُ: يُسَرَّحُونَ إِلى حُسَين بن فاطِمَة بِنتِ رسول اللّهِ «صلی اللّه علیه وآله».

فَقالَ: وَاللَّهِ لقد كُنتُ عَلى جهادِ أهل الشركِ حَريصاً، وإنّي لأرجو ألا يكون جهادُ هؤلاء الذينَ يَغزون ابن بنت نَبِيِّهِم أَيسَر ثواباً عِندَ اللَّهِ مِن ثوابهِ إِيّايَ في جهادِ المُشركين.

فَدَخَلَ إلى امْرَأَتِهِ فَأَحْبَرَها بما سَمِعَ، وأعلمها بما يُرِيدُ.

فقالت: أصبت أصابَ اللّهُ بكَ أرشد أمورك، افعل، وأخرجني مَعَكَ.

قالَ: فَخَرَجَ بها ليلا حتى أتى حُسَينا «علیه السلام»، فَأَقامَ مَعَهُ،

فلمّا دَنا مِنهُ عُمَرُ بنُ سَعدٍ ورَمَى بِسَهم ارتَمَى النَّاسُ.

فَلَمَّا ارتَمَوا خَرَجَ يَسارٌ مَولى زياد بن أبي سفيان، وسالِمٌ مَولى عُبَيدِ اللّهِ بن زيادٍ، فقالا : مَن يُبارز؟ لِيَخرُج إِلينا بَعضُكُم.

قالَ: فَوَتَبَ حَبيبُ بنُ مُظاهِرٍ، وبُرَيرُ بنُ حُضَير.

فَقالَ لَهُما حُسَينٌ «علیه السلام»: اجلسا.

فَقامَ عَبدُ اللّهِ بنُ عُمَيرِ الكَلبِيُّ، فَقالَ: أبا عَبدِ اللَّهِ، رَحِمَكَ اللَّهُ، ائذَنِ لي فلأخرج إليهما.

فرَأى حُسَينٌ «علیه السلام» رَجُلاً آدَمَ طويلاً، شَديدَ السَّاعِدَين، بَعيدَ ما بَينَ المَنكِبَين.

فقالَ حُسَينٌ «علیه السلام»: إنّي لأحسَبُهُ لِلأقران قتالاً، اخرج إن شئت.

قالَ: فَخَرَجَ إليهما، فقالا لهُ: مَن أنتَ؟

فَانتَسَبَ لَهُما.

فقالا : لا نَعرِفُكَ، لِيَخرُج إِلينا زُهَيْرُ بنُ القين، أو حَبِيبُ بنُ مظاهر، أو بُرَيرُ بنُ حُضَير، ويَسارٌ مُستَنتِلٌ أَمامَ سَالِمٍ.

فَقالَ لَهُ الكَلْبِيُّ: يَا ابنَ الزَّانِيَةِ، وبكَ رَعْبَةٌ عَن مُبارَزَةِ أَحَدٍ مِنَ التاس؟ وما يَخرُجُ إِليكَ أحَدٌ مِنَ النّاس إلا وهُوَ خَيْرٌ مِنكَ!! ثُمَّ شَدَّ عَلَيهِ فَضَرَبَهُ بِسَيفِهِ حَتَّى بَرَدَ، فَإِنَّهُ لمُشْتَغِلْ بَهَ يَضربُهُ بِسَيفِهِ إِذ شَدَّ عَلَيهِ سالِمٌ، قصاحَ [أي النّاسُ] بِهِ: قد رَهِقكَ الْعَبْدُ.

قالَ: فلم يَأْبَه لَهُ حَتَّى غَشِيَهُ فَبَدَرَهُ الضَّرِبَة، فَاتَّقَاهُ الكَلْبِيُّ بِيَدِهِ

اليُسرى، فأطارَ أصابعَ كَلِّهِ اليُسرى، ثمَّ مالَ عَليهِ الكَلْبِيُّ فَضَرَبَهُ حَتَّى قتَلهُ.

وأقبَلَ الكَلبِيُّ مُرتَجزا وهُوَ يَقولُ، وقد قتَلهُما جَميعاً :

إن تُنكِروني فأنا ابنُ كَلبٍ***حَسبي بَيتي في عُليمٍ حَسبي

إنّي امرؤٌ ذو مِرَّةٍ وعَصْبٍ***ولستُ بالخَوّار عِندَ النَّكْبِ

إِنِّي زَعَيمٌ لَكِ أُمَّ وَهَبٍ***بالطعن فيهم مُقدِماً وَالضَّرب

ضَرب غلامٍ مُؤْمِنِ بِالرَّبِّ

فأخَذت أمُّ وَهَب امرَأتْهُ عَموداً، ثُمَّ أقبلت نَحوَ زَوجها تَقولُ لَهُ: فِداك أبي وأمّي ! قاتِل دونَ الطَّيِّبِينَ، دُرِّيَّةِ مُحَمَّدٍ «صلی اللّه علیه وآله».

فأَقبَلَ إليها يَرُدُّها نَحوَ النِّساءِ، فَأَخَذت تُجاذِبُ ثوبَهُ، ثُمَّ قالت: إنّي لن أدَعَكَ دون أن أموت مَعَكَ.

فناداها حُسَينٌ «علیه السلام»، فقالَ: جُزيتُم مِن أهل بَيتٍ خَيْراً، ارجعي رَحِمَكِ اللّهُ إِلى النِّساءِ فاجلسي مَعَهُنَّ فَإِنَّهُ ليسَ عَلَى النِّسَاءِ قتال.

فانصرفت إليهنَّ.. (1)

واختصره البلاذري في أنساب الأشراف ج 3 ص 398 - 401 و (ط دار التعارف) ج 3 ص190 وكذا في الإرشاد للمفيد ج 2 ص 101 وإعلام الورى ج 1 ص 461 وبحار الأنوار ج 45 ص 16 والعوالم، الإمام الحسين ج17 ص 260 وراجع أيضاً: الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 470 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 302 ومثير الأحزان ص 56 ونهاية الأرب ج 20 ص 446.

.

1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 226 و 229 عن: تاريخ الأمم والملوك جه ص 429 - 430 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 326 - 333 والكامل في التاريخ ج 4 ص 65 - 69 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 8 وفيه من «فلما دنا» إلى «فضربه حتى قتله» وكلاهما نحوه وراجع البداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 196 و 197 وقاموس الرجال ج 12 ص222 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 123.

2 - قال أبو مِخنَفٍ: حَدَّثنِي الْحُسَينُ بنُ عُقْبَةَ المُرادِيُّ: قَالَ الزُّبَيدِيُّ:.. وحَمَلَ شمرُ بنُ ذِي الجوشن فِي المَيسَرَةِ عَلى أهل المَيسَرَةِ، فَتَبَتوا له قطاعنوهُ وأصحابَهُ.

وحُمِلَ عَلى حُسَين «علیه السلام» وأصحابهِ مِن كُلِّ جَانِبِ، فَقُتِلَ الكَلبِيُّ، وقد قتَلَ رَجُلين بَعدَ الرَّجُلين الأولين.

وقاتَلَ قِتالاً شديداً، فَحَمَلَ عَليهِ هَانِيُّ بنُ تُبَيتِ الحَضِرَمِيُّ، وَبُكَيرُ بنُ حَيِّ التَيمِيُّ، مِن تَيمِ اللّهِ بن ثعلبة فقتَلاهُ، وكانَ القتيل الثانِيَ مِن أصحابِ الحُسَين «علیه السلام».. (1). أي بعد قتل مسلم بن عوسجة.

عن أبي مخنف، عن ثمَيرُ بنُ وَعلة قال : وخَرَجَتِ امْرَأَهُ الكَلْبِيِّ تمشي إلى زوجها حَتى جَلسَت عِندَ رَأسِهِ تَمسَحُ عَنهُ التُرابَ وتَقولُ:


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 436 و (ط الأعلمي) ج 4 ص332 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 138 وراجع الإرشاد ج 2 ص 104.

هَنيئاً لكَ الجَنَّهُ.

فَقالَ شِمرُ بنُ ذِي الجوشن لِغُلامٍ يُسَمّى رُستَمَ: إِضرب رَأْسَها بالعمودِ، فَضَرَبَ رَأسَها فَشَدَخَهُ، فماتت مَكانَها (1).

ونقول:

استنتل: تقدم واستعد.

المرة - بكسر الميم -: القوة.

العصبة: الأقارب.

الخوار: الضعيف.

لفت نظر:

قول النص المتقدم : وحَمَلَ شِمرُ بنُ ذِي الجَوشَن فِي المَيسَرَةِ على أهل الميسَرَةِ». لعله سهو من الراوي، فإن ميسرة العدو تقابل ميمنة الإمام الحسين «علیه السلام»، فيفترض أن تكون حملتها على هذه الميمنة.

إلا أن تكون كثرة جيش العدو جعلتهم يحاولون أن يحسموا الأمر بهجوم تلك الأعداد الكثيرة على هذه الجماعة القليلة العدد، ظناً منهم: أنهم قادرون على حسم الأمر، فخاب فألهم، وطاش سهمهم.


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 438 و (ط الأعلمي) ج4 ص334 وقاموس الرجال ج 12 ص 223 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 141 ونهاية الأرب ج 20 ص 450 وإبصار العين ص 181.

الإنسان المتوازن:

رأينا في كربلاء نموذجين من الناس:

النموذج الأول:

ذلك الفريق الذي يمثل الإنسان المجرم، والحقير، والتافه، والشره، والطامع والضعيف، والفاقد للإيمان، والميت الوجدان، والمشلول الضمير، والغارق في بحر الخيانات، والجنايات، والرذائل والضلالات، والغوايات، ولا يبالي بسحق الأطفال والنساء، والعجزة بحوافر الخيل والتلذذ بآلامهم، والشعور بالزهو والسعادة، وهو يراهم يموتون عطشاً.

يضاف إلى ذلك كله: أنه يقصد كربلاء من مسافات بعيدة لكي يسفك دماء الأبرياء، والأئمة والأولياء، وأبناء الأنبياء، على أمل أن يحصل على رأس أقدس، وأشرف، وأعلم، وأفضل البشر، وأحبهم إلى اللّه ورسوله.. ليقدمه هدية لجبار خبيث، رجاء أن يحصل منه على حفنة دراهم مغموسة بالسم القاتل للإنسانية، ومغمورة باللعنات، والخزايات في الدنيا والآخرة.

فالحق - بنظرهم - هو ما تأمرهم به أنفسهم الأمارة بالسوء، وتدعوهم إليه غرائزهم وشهواتهم، ولو كان هو الإبادة لجميع الأحياء، وقتل الأنبياء والأوصياء.

والباطل - عندهم - هو كل ما عدا ذلك

فهؤلاء ليسوا بشراً، وإن كانوا على صورة البشر، وليسوا أنعاماً،

بل هم أضل، وليسوا سباعاً ووحوشاً، بل أشر وأضر، فقد خرجوا عن فطرتهم، وعن إنسانيتهم، وتخلوا عن سائر سماتها وصفاتها، وراحو يسعون في الأرض فساداً، في حين أن الفساد والإفساد ليس من مقاصد الحيوان، بل هو يتحرك ويتصرف بمقتضى فطرته وجبلته، وبحسب طبعه وغريزته.

وهذا الفريق تجده في الجيش الأموي الذي جاء ليسفك دماء الحسين وأصحابه في كربلاء، بعد خيانة ظاهرة وخزاية سافرة، من دون أن يقدم سبباً لخيانته، ولا لإصراره الصارم على ارتكاب جريمته، ومن دون أن يستجيب لنداء العقل أو العاطفة أو الوجدان، أو الشرع، أو أي نداء آخر..

النموذج الثاني:

أناس ليس لهم هم، ولا مأرب، ولا مطلب لأنفسهم، بل هم يسعون لإحقاق الحق وإبطال الباطل من خلال ما يريده اللّه تعالى، ويحقق رضاه وما يفرضه عليهم حب اللّه ورسوله، وحب الحق من تضحية وفداء، وإيثار ثم ما يدعو إليه الشرع والدين، والقيم الإلهية، والأخلاق والفضائل الإنسانية، ويحقق لهم الفوز في الدنيا، ومرافقة الأولياء والصالحين، والأوصياء، والنبيين، في جنات النعيم يوم الدين.

ثم ما تحكم به عقولهم ويرضاه لهم ضميرهم ويقنع به وجدانهم، وينسجم مع الفطرة التي فطر اللّه الناس عليها، وتجد هؤلاء هم الحسين «علیه السلام»، وجميع شهداء كربلاء..

وكلماتهم رضوان اللّه تعالى عليهم طافحة بهذه المعاني وزاخرة بهذه الدلالات فلسنا بحاجة إلى إيراد الشواهد، بعد ما سبق وما سيأتي في هذا الكتاب منها، فراجع كلمات زهير بن القين وحبيب بن مظاهر ومسلم بن عوسجة وبرير، ونافع بن هلال، والحر الرياحي، وكثيرين غيرهم..

وهنا يجب لفت النظر إلى ظاهرة تجلت لنا على النحو التالي:

1 - تقدم: أن عبد اللّه بن عمير الكلبي «رضوان اللّه تعالى عليه» حين رأى الناس يعرضون للمسير لقتال الحسين «علیه السلام» لم يفكر في اغتنام الفرصة للحصول على حفنة من المال، أو كسب جاه، أو منصب ومقام لدى الطغاة والجبارين، ولم يرغب في قتل الحسين «علیه السلام» ليأتي برأسه إلى ابن زياد طمعاً بالجائزة.

بل فكر فيما يمنحه اللّه تعالى إياه من ثواب على نصرة الحق، وأهله والجهاد في سبيله، ولم يحفل بما يمكن أن يناله من أذى قد يصل إلى حد القتل، وبما يترتب على ذلك من احتمال أذى السلطان لأهل بيته وعشيرته، وأبنائه، وأحبائه. بل رأيناه لا يمانع في أن تصحبه زوجته في هذا الوجه، وهو يعلم أن ذلك يجعلها في معرض السبي أو القتل، أو غير ذلك من الشدائد التي يمارسها الأعداء في مثل هذه الحالات..

2 - إن زوجة عبد اللّه بن عمير الكلبي، لم تتأفف من هذا القرار الخطر، ولم تمانع، بل شجعته عليه، وصوبت رأيه، ودعت له. ولم تهتم باحتمال ترملها، ولا ما يمكن أن يواجهها من مصائب، وبلايا،

ومشقات، وأذايا.

ويذكرنا هذا بموقف الحر الرياحي الذي كان من قادة جيش الظالمين، ثم ساقه حسن التوفيق، وهداه عقله، ووجدانه، وضميره إلى الحق، وإلى سبيل النجاة..

كما أن هذا الموقف يذكرنا بموقف الرجلين الذين كانا من الخوارج، وقد جاءا إلى كربلاء ليحاربا الحسين بن علي «علیهما السلام» الذي كان أبغض الناس إلى الخوارج، وإذ بهما يهتديان في اللحظات الأخيرة، التي هي الأشد حراجة إلى الحق ويميلان إلى الحسين، ليستشهدا معه..

الحسين بن فاطمة بنت الرسول «صلی اللّه علیه وآله»:

وفي النص المتقدم: أن الكلبي لما رأى الناس يعرضون، وسأل عن السبب، قيل له: «يُسَرَّحون إلى الحسين بن فاطمة بنت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»...». فنسب الحسين إلى فاطمة «عليهما السلام».

ثم رأيناهم في كربلاء أيضاً يخاطبون الحسين «علیه السلام» بنسبته إلى أمه أو يقولون له يا حسين من دون نسبة، فقد قالوا له: ما تقول يا ابن فاطمة ؟! الخ..

وكأن بغضهم لعلي «علیه السلام»، أو خوفهم من السلطان يمنعهم من إيراد اسم علي «علیه السلام» على ألسنتهم.. مع أن نسبته إلى فاطمة، ثم إلى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» تدينهم، وتثبط الناس

عن المشاركة في حربه. وبه تقوم الحجة على الغافل، وعلى العالم والجاهل، ويبوء المعاند الجاحد بالخيبة، والذل الشامل، والخسران في العاجل والآجل..

أول من طلب المبارزة:

1 - لقد رأينا أن طلب المبارزة الأول قد جاء من قبل جيش الطغاة، وبالتحديد من موليي زياد وابنه عبيد اللّه، وكأنهما يريدان المباهاة بقتل الأبرار، والحصول على الزلفي، والمقام الرفيع عند الأشرار، فخاب فألهما، وكان الموت الذليل مصيرهما، وإلى الجحيم مسيرهما...

2 - رأينا أيضاً: أن أول من طلب المبارزة هما رجلان من الموالي، وأن أحدهما كان مولى لزياد، والآخر مولى لعبيد اللّه بن زیاد..

وهذا يشير إلى أن للعيش في أجواء الظلم والفساد، والانحراف أثراً في النفوس، ولاسيما إذا صاحب ذلك إعلام مسموم وإشاعات للأباطيل والأضاليل وأكثر من يتأثر ويتضرر في هذه الأجواء هم الموالي الذين يكونون في العادة في أيدي الظالمين مجرد دمى، يحركها صاحبها كيفما يشاء، ويلقيها حيث أراد.. ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً..

3 – يلاحظ: أن النص المتقدم يقول: «خرج يسار مولى زياد بن أبي سفيان». وهذا تعبير خبيث، وفيه جرأة على اللّه ورسوله «صلى اللّه

عليه وآله»، فإن المعيار في نسبة الأشخاص هو القاعدة الثابتة في دين الإسلام عن النبي «صلی اللّه علیه وآله»، والتي تقول: «الولد للفراش وللعاهر الحجر».

ومن المعلوم: أن أم زياد كانت زوجة لعبيد الرومي. وقد ولدت زياداً على فراشه..

ومجرد أن يكون أبو سفيان قد زنى بأم زياد لا يعني جواز نسبة مولودها إليه، بل يجب أن ينسب إلى عبيد الذي هو صاحب الفراش، فإن هذا يعد نقضاً للحكم الثابت عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» في هذه الموراد..

منع الحسين «علیه السلام» رجلين، وأذن لواحد:

وقد رأينا في النص المتقدم: أن الإمام الحسين «علیه السلام» منع بريراً وحبيباً من مبارزة الرجلين، وسمح لعبد اللّه بن عمير الكلبي بأن يبارزهما معاً وحده، بعد أن نظر إليه نظرة المتفحص، ثم أعلن رأيه فيه، حيث قال: «إنّي لأحسَبُهُ لِلأقران قتالاً».

ويمكن هنا تسجيل الملاحظات التالية:

ألف: إن منع حبيب وبرير من مبارزة الرجلين لا يدل على عجزهما عن ملاقاتهما، فلعلهما لو برزا لهما يقتلانهما.

إلا أن يقال: لعل بريراً كان يريد مبارزة الرجلين معاً، وكذلك الحال بالنسبة لحبيب «رحمه اللّه». وقد أظهرت الروايات: شدة بأس حبيب وبرير من الأعداد الكثيرة التي قتلوها في يوم عاشوراء.

ب: إن منعه لحبيب وبرير من مبارزة الرجلين واستبدالهما برجل واحد، ثم تكون النتيجة هي: أن يقتلهما معاً وحده، لعله من أجل أن يظهر من بدايات المعركة أن لديه رجالاً غير عاديين.

فإن كان بروز سالم ويسار إلى وسط الميدان، وطلبهما المبارزة، يشير إلى مزيد من الثقة لديهما بأنفسهما، كما أنه يدل على الشعور بالقوة، وبالاعتزاز بما يجيدانه من فنون الحرب، حتى إنهما يريدان عرض بعض من ذلك أمام عشرات الألوف.

وهذا هدف استعراضي دنيوي، يدل على مزيد من الأنانية، وحب الذات، والتعلق بالشهوات ويشير إلى أن هذين الرجلين لا يقيمان وزناً لأرواح الناس حتى لو كانوا أقدس البشر في سبيل انتفاخ موهوم، وغير ذي قيمة في نفسه.

ويؤكد لنا وجود الهدف الاستعراضي لدى هذين الرجلين: أنهما كانا يضعان أنفسهما في مصاف الكبار من الفرسان، وأن مبارزة من هم أقل من هذا المستوى لا تليق بهما.. كما أظهرته محاولة رفض مبارزة الكلبي، وطلب مبارزة من هو أعلى كعباً، وأشرف موقفاً.

ج: إن تفرسه «علیه السلام» في ذلك الرجل، وملاحظة حالته وملامحه وتكوينه الجسدي قد جعله يتخذ قراره بأن يكون هذا الرجل هو المبارز لهما معاً.

وليكن من حق الناظر أن يقول : إن الإمام الحسين «علیه السلام» لا يمكن أن يخاطر بحياة رجل مسلم إذا لم يكن يعتقد جازماً بصحة ما

يجده فيه.

وبعبارة أوضح: إن الحسين «علیه السلام» لا يقدم على أمر من هذا القبيل، إلا إذا كانت النتائج واضحة لديه، ولا تكون كذلك إلا إذا كانت لديه دلالات حاسمة عليها، وتخوله استبدال شخصين بواحد في موقف كهذا، فإن هذه مجازفة لا يقدم عليها أحد من أهل الفضل والدين والتقوى، إذا لم يتيقن بصوابيتها، وحصول ما يتوخاه منها.

د: والأهم من ذلك قوله «علیه السلام»: «إنِّي لأحسَبُهُ لِلأقران «قتالا» فقد أكد مضمون كلامه بإن وباللام.. واستفاد من صيغة المبالغة، وهي كلمة «قتال الدالة على أنه «علیه السلام» ليس فقط يرجح أن يتمكن من قتل قرنه، بل هو يرى أنه قادر على إكثار القتل في أقرانه، وإن تعددوا، وتعاوروا عليه في ساحة القتال..

ه: إن هذا يؤكد مضمون الحديث المروي عن النبي «صلی اللّه علیه وآله»: اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور اللّه (1). ويمكن تأييد


1) بحار الأنوار ج 24 ص 123 و 128 و 131 وج 25 ص 134 وج38 ص 79 وج 64 ص 61 و 74 و 75 والدر المنثور، في تفسير آية سورة الحجر عن البخاري في تاريخه والترمذي وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن السني، وابن مردويه، والخطيب عن أبي سعيد الخدري، عن النبي «صلی اللّه علیه وآله». وراجع: موسوعة الإمام الحسين «علیه السلام» ج 20 ص 532 ومعاني الأخبار ص 350 وعلل الشرايع ج 1 ص 206 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 1 ص 174 وغاية المرام ج 4 ص 312 وج6 ص 282 والأربعون حديثا للشهيد الأول ص 70 والبرهان (تفسير) ج 4 ص 408 باب 139 و (ط مؤسسة البعثة) ج 3 ص 576 - 578 وج 5ص 85 وينابيع المودة ج 1 ص 423. وروضة المتقين ج 13 ص 94 والوافي ج 3 ص 540 وبصائر الدرجات ص 375 والكافي ج 1 ص218 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 12 ص 38 و الإسلامية) ج 8 ص 424 ومستدرك الوسائل ج 1 ص 341 والإختصاص للشيخ المفيد ص 143 و 307 والمسائل العكبرية ص 133 ومدينة المعاجز ج 6 ص 156 وج 7 ص 150 وينابيع المعاجز ص 83 و 89 و 92 و 169 ومرآة العقول ج3 ص 2.

هذا المعنى بقوله تعالى: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ» (1).

و: إن هذا يؤكد على ضرورة أن يكون القائد قادراً على فهم الشخصيات التي يتعامل معها، وأن يكون قادراً على تلمس الصفات التي يمتاز بها هذا الجندي عن ذاك، وأن يكون لديه إلمام بكل ما يشير إلى الصفات التي يريد أن تتوفر في من هم بإمرته..

فقد ورد في تفسير آية: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَاتِ لِلْمُتَوَسِّمِينَ»: إنهم المتفرسون (2).

ز: إن كلمة «الأقران» جمع قرن، فهل يريد «علیه السلام»: أنه يقتل قرنه إذا برز إليه وحده، ثم يقتل القرن الآخر إذا برز إليه بعد


1) الآية 75 من سورة الحجر.

2) زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي ج 4 ص 299 وميزان الحكمة ج 3 ص 239 وتفسير الميزان ج 12 ص 186 والدر المنثور ج 4 ص 103 وأضواء البيان ج 2 ص 287 وإرشاد القلوب ج 1 ص130.

الانتهاء من الأول.. أو أن مراده أنه يقتلهم، ولو اجتمعوا على حربه؟!

ونجيب:

بأن قرينة الحال تشهد على أنه «علیه السلام» يريد أنه قتال للأقران سواء أكانوا أفراداً أو متفرقين، انضم بعضهم إلى بعض، كما هو الحال في انضمام هذين الرجلين إلى بعضهما في منازلته.

لا يخرج إليك أحد إلا وهو خير منك:

وتقدم: أن عبد اللّه بن عمير، تعجب من استنكاف ذلك المجرم الذي جاء لحرب أقدس الناس، وأبان بذلك عن كفره وطغيانه، فإنه لا يحق له أن يستنكف عن مبارزة من هو خير منه، والخيرية هنا هي لمن ينصر الحق، وأهله، ويعمل بما يرضي ربه، وليست الخيرية لمن ينتصر في الحرب، ولا لمن يملك الأموال، ولا هي لصاحب النسب العريق، كأبي لهب الذي كان عم الرسول ولديه الأموال الطائلة، والجاه العريض، وقد أنزل اللّه تعالى سورة بذمه في القرآن الكريم..

كما أن الشجاعة والفروسية لا تعني الخيرية، ولا الأفضلية والتقدم إذا لم يكن معها تقوى وعلم، وخلق، ومزايا إنسانية، ودين، وجهاد في سبيل اللّه وما إلى ذلك. ولذلك قال عبد اللّه بن عمير الكلبي لذلك العتل الزنيم: «وما يَخرُجُ إِليكَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا وَهُوَ خَيرٌ منك».

وهذا هو السمو في التفكير، والوعي الرائد، ووضع الأمور في نصابها.

طاعة أم وهب لإمامها:

وما ينبغي أن تؤخذ منه الفكرة الصائبة، والعبرة المؤثرة هو هذا التأثير القوي لكلمات الإمام الحسين «علیه السلام» في أم وهب التي لم تستجب لطلب زوجها منها : أن ترجع إلى النساء، وجاذبته ثوبه، وأخذت تحثه على القتال، وتقوله له : إنّى لن أدَعَكَ دون أن أموت مَعَكَ.

وإذ بها بمجرد سماعها قول الإمام «علیه السلام» لها: «ارجعي رَحِمَكِ اللّهُ إِلى النِّساءِ، فاجلسي مَعَهُنَّ، فَإِنَّهُ ليسَ عَلَى النِّساءِ قِتال».

«فانصرفت إليهنَّ..».

فهذه الطاعة تدلنا على أنها لا تتصرف استجابة لانفعال عاطفي، بل هي ممن يزن الأمور بموازين الحق والعدل، ويضعها في مواضعها.. فهي حين كانت تجاذب زوجها ثوبه، وتأبى الرجوع كانت ترى أنها تفعل ما يجب عليها في الشرع، والعقل والدين.

وحين يأمرها الحسين «علیه السلام» بالرجوع تعرف أن الوجوب قد سقط عنها، فما عليها إذا رجعت جناح. بل هو ما يجب أن يحصل لما فيه من حسن الأدب مع إمامها، مع ما فيه من الثواب على حسن طاعته «علیه السلام»، ومن تقديم النموذج الأمثل لأهل الحق والخير..

ويلاحظ: أن الإمام الحسين «علیه السلام» لم يكتف بإصدار الأمر لها، انطلاقا من موقع الرئاسة والإمامة، بل خاطبها كما

يخاطب أهل الإيمان الصادق، وأهل الفكر والمعرفة، حيث ذكر لها سبب أمره لها بالرجوع، فقال : فَإِنَّهُ ليسَ عَلى النِّسَاءِ قِتَالُ. فهو إذن، يسقط الواجب عنها، بل أخبرها بسقوطه من الأساس.

نذالة الشمر:

وما أشد نذالة الشمر لعنه اللّه» حين يأمر الغلام بضرب رأس هذه المرأة المجاهدة بالعمود، مع أن الناس كانوا حتى في أيام الجاهلية يكفون عن النساء، ولا يقتلونهن. وأم وهب لم تزد على أن جاءت إلى زوجها الشهيد وهنأته بالجنة، فبماذا استساغ الشمر قتلها إن لم يكن ذلك بدافع من حقده ونذالته ورذالته؟

هجوم فاشل للميمنة:

1 - عن أبي جناب حَمَلَ عَمرُو بنُ الحَجّاج - وهُوَ عَلى مَيْمَنَةِ النّاس - فِي المَيمَنَةِ، فلمّا أن دَنا مِن حُسَين «علیه السلام» جَنَّوا لَهُ عَلَى الرُّكَبِ، وَأَشْرَعُوا الرِّماحَ نَحوَهُم، قلم تُقدِم خَيلُهُم عَلَى الرِّمَاحِ، فَذَهَبَتِ الخَيلُ لِتَرجِعَ، فَرَشقوهُم بِالنَّبل، فَصَرَعوا مِنهُم رجالاً، وَجَرَحوا مِنهُم آخرین (1).


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 430 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 327 والكامل في التاريخ ج 4 ص 66 والإرشاد ج 2 ص 102 وإعلام الورى ج1 ص 461 وبحار الأنوار ج 45 ص 13 والعوالم، الإمام الحسين ج17 ص 256 ولواعج الأشجان ص 140 وأنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج 3 ص 190 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 125 ونهاية الأرب ج20 ص 447 و 448.

2 - عن أبي جناب حَمَلَ عَمرُو بنُ الحَجّاج أميرُ مَيْمَنَةِ جَيش ابن زيادٍ، وجَعَلَ يَقولُ: قَاتِلُوا مَن مَرَقَ مِنَ الدِّين، وفارَقَ الجَمَاعَة.

فَقالَ لَهُ الحُسَينُ «علیه السلام»: وَيْحَكَ يا حَجَّاجُ أَعَلِيَّ تُحَرِّضُ النّاس أَنَحْنُ مَرَقنا مِنَ الدِّين وأنتَ تُقِيمُ عَليهِ؟ سَتَعلَمونَ إِذا فارقت أرواحنا أجسادنا من أولى بصلي النّار (1).

ونقول:

1 - يظهر هذا النص أن لدى أصحاب الإمام الحسين «علیه السلام» خبرة قتالية عالية، وأنهم بخبرتهم هذه، وشجاعتهم، وعدم اكتراثهم بكثرة عدوهم قد سجلوا على قلة عددهم أروع الانتصارات، التي لا يتوقعها، بل لا يحتمل أحد من البشر حصولها على يد أفراد قد لا يصل عددهم إلى بضع عشرات على جيش يعد بعشرات الألوف، التي تصل إلى الثلاثين ألفاً، أو تزيد.

2 - إنه حين يجثوا المقاتلون على الركب لصد المهاجمين، فذلك إشارة إلى التصميم الأكيد والشديد على عدم التراجع عن مواقفهم قيد


1) البداية والنهاية ج 8 ص 182 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 197 وراجع: بحار الأنوار ج 45 ص 19 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 263 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص331 والكامل في التاريخ ج 4 ص 67 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 136.

أنملة، ما دام فيهم عرق ينبض، أو نفس يتردد.

وهذا يرعب العدو، ويكسر شوكته وإرادته، ويكبح جماحه، ويقيد حركته، ويضعها بالرغم عنه في دائرة محدودة.

أضاف بعض الإخوة الأكارم قوله:

الظاهر: أن الجثو على الركب هنا هو من ضرورات هذه الخطوة الحربية، فإن مواجهة الفرسان بغابة ثابتة من الرماح تؤدي إلى إعطاب خيله، أو إلى تراجع الخيل، كما حصل في مفروض الواقعة.

3 - إن أصحاب الإمام لم يكونوا من الكثرة بحيث يقسمون الوظائف والمهات فيما بينهم، ليكون منهم الرماة، ومنهم المقاتلون بالأسلحة الأخرى بل كان الرماة هم أنفسهم الذين أشرعوا الرماح وانتقلوا من الوضعية القتالية للرماحة إلى الوضع القتالي للرماة، فالموقف حرج جداً يحتاج إلى سرعة حركة بالغة..

كما أنه يحتاج إلى صمود، وإلى تخطيط دقيق، وإعداد صحيح للأسلحة التي يراد استعمالها، وتيسير الوصول إليها بسرعة وسهولة..

4 - إن نتيجة هجوم ميمنة جيش ابن سعد على أصحاب الحسين «علیه السلام»، حيث قتل من المهاجمين رجال، وجرح آخرون تدل على مدى وعي أصحاب الحسين «علیه السلام» للواقع الذي يتعاملون معه، وأن قلة عددهم، وتوقعهم نيل درجة الشهادة، وسبي حرمهم وأطفالهم بعد ذلك، لم يربك حركتهم، ولم يؤثر على هدوء أعصابهم، ودقتهم في رسم الخطط، وفي تنفيذها على أحسن وجه

وأتمه.

5 - إن عمرو بن الحجاج قد أعطى لنفسه صفة الحكم، الذي يعرف أقدار الناس، ويضعهم في المواقع اللائقة بهم.. وقد حكم على سيد شباب أهل الجنة بنص الرسول، والمطهر المعصوم بنص آية التطهير حكم عليه -: بأنه قد مرق من الدين.

وبذلك يكون عمرو بن الحجاج قد حكم على نفسه بالمروق من الدين، لتكذيبه القرآن والرسول «صلی اللّه علیه وآله».

ولذلك قال له الإمام «علیه السلام» - متعجباً -: «أَنَحْنُ مَرَقْنا مِنَ الدّين وأنتَ تُقِيمُ عَليهِ»؟!

6 - إن الإمام عدل عن خطاب عمرو بن الحجاج ليخاطب ذلك الجمع كله، بأن العيان ليس كالخبر، فإذا فارقت أرواحهم أجسادهم، فإنهم سيعلمون - علم اليقين - من هو الأولى بصلي النار كما قال تعالى: «لتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَن النَّعِيم» (1).. والنعيم هو ولاية علي «علیه السلام» كما ورد (2).


1) الآيات 6 - 8 من سورة التكاثر.

2) راجع: بحار الأنوار ج 35 ص 426 وج 24 ص 56 و 58 والتبيان في تفسير القرآن ج 10 ص 403 والبرهان (تفسير) ج 5 ص 748 وكنز الدقائق (تفسير) ج 14 ص 424 ونور الثقلين (تفسير) ج 5 ص 662 وتفسير فرات الكوفي ص 606 وشواهد التنزيل ج 2 ص 476 و 477 وتأويل الآيات الظاهرة ج 2 ص 850 و 851 وغاية المرام ج 3 ص 81 و 85 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 404 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 14 ص 462.

7 - يلاحظ: أن الذي كان يقود الميمنة المهاجمة، ويحرض أصحابه على الإمام «علیه السلام» ناسباً إياه إلى المروق من الدين.. هو عمرو بن الحجاج، وليس الحجاج. وهذا يدل على أن ما ورد في الرواية، من أن الإمام «علیه السلام» قال له: «ويحك يا حجاج»!! قد تعرض لسقط، فليلاحظ ذلك.

حملة أخرى لعمرو بن الحجاج:

وحين فشلت حملة عمرو بن الحجاج المتقدم ذكرها، حاول أن يحمل على الحسين «علیه السلام» وأصحابه مرة أخرى من ناحية الفرات، ففشلت هذه الحملة أيضاً.

وإليك ما جرى حسبما ذكرته النصوص:

ابن عوسجة أول الشهداء:

عن الزبيدي: إِنَّ عَمرو بن الحَجّاج حَمَلَ عَلى الحُسَين «علیه السلام» في مَيمَنَةِ عُمَرَ بن سَعدٍ مِن نَحو الفُراتِ، فاضطربوا ساعة، [في الملهوف: خرج مسلم بن عوسجة، فبالغ في قتال الأعداء، وصبر على أهوال البلاء] قصُرعَ مُسلِمُ بنُ عَوسَجَة الأَسَدِيُّ أَوَّلَ أَصحابِ الحُسَين «علیه السلام».

ثُمَّ انصَرَفَ عَمرُو بنُ الحَجّاج وأصحابُهُ، وَارتَفَعَتِ الغَبَرَةُ، فَإِذا

هُم بِهِ صَرِيعٌ، فَمَشى إليهِ الحُسَينُ «علیه السلام» [في الملهوف: ومعه حبیب بن مظاهر] فإذا بهِ رَمَقٌ، فَقالَ: رَحِمَكَ رَبُّكَ يا مُسلِمَ بنَ عَوسَجَة «فمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا» (1)..

ودَنا مِنهُ حَبيبُ بنُ مُظاهِرٍ، فَقالَ: عَزَّ عَليَّ مَصَرَعُكَ يا مُسلِمُ، أبشير بالجَنَّةِ.

فقالَ لهُ مُسلِمٌ قولاً ضعيفاً : بَشْرَكَ اللَّهُ بِخَيرٍ.

فقالَ لهُ حَبيبٌ: لولا أنّي أعلمُ أنّي في أثركَ لاحِقِّ بِكَ مِن سَاعَتي هذِهِ، لأحبَبتُ أن توصيني بكلِّ ما أهَمَّكَ، حَتى أحفظكَ فِي كُلِّ ذلِكَ بما أنتَ أهلٌ لَهُ فِي القِرابَةِ وَالدِّين.

قالَ: بَل أنا أوصيك بهذا رَحِمَكَ اللّهُ - وأهوى بِيَدِهِ إِلَى الحُسَين «علیه السلام» - أن تَموتَ دونَهُ.

قالَ: أَفعَلُ ورَبِّ الكَعْبَةِ. [ في الملهوف قال: لأنعمنك عيناً].

قال: فما كانَ بأسرَعَ من أن مات في أيديهم، وصاحَت جارية لهُ فقالت: يَا ابنَ عَوسَجَتاه، يا سَيِّداه!

فتَنادى أصحابُ عَمرو بن الحَجّاج: قتَلنا مُسلِمَ بنَ عَوسَجَة الأَسَدِيَّ.

فقالَ شَبَثْ لِبَعض مَن حَولهُ مِن أَصحابه تَكِلْتُكُم أُمَّهَاتُكُم إِنَّما تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُم بأيديكم، وتُذللون أنفُسَكُم لِغَيركُم، تَفْرَحُونَ أَن يُقْتَلُ مِثْلُ


1) الآية 23 من سورة الأحزاب.

مُسلِم بن عَوسَجَة!

أما وَالَّذي أسلمتُ لهُ، لرُبَّ مَوقِف لَهُ قد رَأَيْتُهُ فِي المُسلِمِينَ كَرِيمٍ، لقد رأيتُهُ يَومَ سَلق أذربيجان قتَلَ سِئَةٌ مِنَ المُشْرِكِينَ قَبلَ تَتام خُيول المُسلِمينَ، أفيُقتَلُ مِنكُم مِثلهُ وتَفرَحونَ؟!

قالَ: وكانَ الذي قَتَلَ مُسلِمَ بنَ عَوسَجَة مُسلِمُ بنُ عَبدِ اللَّهِ الضَّبَابِيُّ وعَبْدُ الرَّحمن بنُ أبي خُشكارَةَ البَجَلِيُّ (1).

وقال ابن شهر آشوب: بَرَزَ مُسلِمُ بنُ عَوسَجَة مُرتَجزا :

إن تَسألوا عَنِّي فَإِنِّي ذُو لِبَدٍ***من فرع قوم في ذرى بَني أَسَدٍ

فَمَن بَغانا حايدٌ عَن الرَّشْدِ***وكافر بدين جَبَّارٍ صَمَدٍ


1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 242 - 244 عن المصادر التالية: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 435 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 331 والكامل في التاريخ ج4 ص 67 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 15 والإرشاد ج 2 ص 103 وليس فيه ذيله من «حتى أحفظك» وكلها نحوه، والأمالي للشجري ج 1 ص172 وفيه «مسلم بن عوسجة السعدي من بني سعد بن ثعلبة، قتله مسلم بن عبد اللّه وعبيد اللّه بن أبي خشكارة» فقط، وبحار الأنوار ج 45 ص 19 وراجع أنساب الأشراف ج 3 ص 400 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 193 وراجع الملهوف ص 161 و نشر أنوار الهدى ص64 والبداية والنهاية ج8 ص182 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 197 والعوالم، الإمام الحسين ج17 ص263 ولواعج الأشجان ص 152 وقاموس الرجال ج 10 ص 69 وأعيان الشيعة ج 1 ص 605 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 136 وإعلام الورى ج1 ص 462 ونهاية الأرب ج 20 ص 448.

فقاتَلَ حَتى قَتَلَهُ مُسلِمٌ الضبابي، وعَبدُ الرَّحمنِ البَجَلِيُّ (1).

وفى جواهر المطالب: حَمَلَ ابنُ سَعدٍ وحَمَلَ النَّاسُ مِن كُلِّ جَانِبِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَن قُتِلَ مِن أصحاب الحُسين «علیه السلام» مُسلِمُ بنُ عَوسَجَة «رَحِمَهُ اللّهُ» (2).

وفي زيارة الناحية:

وكنت أوّل من شرى نفسه، وأوّل شهيد من شهداء اللّه قضى نحبه، ففزت ورب الكعبة، شكر اللّه استقدامك، ومواساتك إمامك، إذ مشى إليك وأنت صريع، فقال: يرحمك اللّه يا مسلم بن عوسجة وقرأ: «فمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلً» (3).. لعن اللّه المشتركين في قتلك، عبد اللّه الضبابي، وعبد اللّه بن خشكارة البجلي (4).


1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 102 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 251 وبحار الأنوار ج 45 ص 19 والعوالم، الإمام الحسين ج17 ص 262 ولواعج الأشجان ص 152 وأعيان الشيعة ج 1 ص 605 والفتوح لابن 152 أعثم ج 5 ص 105 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 14 وليس فيه ذيله «فقاتل الخ...». وراجع: إبصار العين ص110.

2) جواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 286 وأخبار الدول ج 1 ص 322.

3) الآية 23 من سورة الأحزاب.

4) إقبال الأعمال ج3 ص 76 والمزار لابن المشهدي ص492 وبحار الأنوار ج 45 ص 69 وج 98 ص 272 وقاموس الرجال ج 10 ص 68 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 337 وموسوعة الإمام الحسين ج 8 ص 230.

ونقول:

نود التذكير هنا ببضعة نقاط، هي التالية:

الإمام «علیه السلام» يتلو الآية ويدعو لمسلم:

إن دعاء الإمام «علیه السلام» لمسلم يُنظر إليه من أكثر من زاوية، فهو :

1 - دعاء له، من إمام مطهر معصوم، مستجاب الدعوة بلا ريب..

2 - إن دعاءه له بالرحمة ليس مجاملة له ولا لغيره، فليس الوقت وقت مجاملات ولا يجامل الإمام بما لا حقيقة له عنده فيكون هذا الدعاء منه «علیه السلام» له دليلاً على رضى الإمام «علیه السلام» عنه، ومحبته له «رحمه اللّه».

3 - إن هذا الدعاء يدخل السرور على قلب مسلم بن عوسجة ويؤنسه.

أما تلاوته «علیه السلام» للآية المباركة، فهي:

1 - من أسباب طمأنينة قلب مسلم بن عوسجة إلى أن إخوانه سوف يواصلون المسير على نهج الاستشهاد في سبيل الحق والدين.. وأنه لا تردد ولا تراجع عن هذا الأمر، مهما غلت التضحيات..

2 - إن الإمام قد تلا هذه الآية ليسمعها القاصي والداني، ليعرفوا أن الثبات على المبدأ من شيم وسمات وخصائص أهل الإيمان..

3 - إنه تلا هذه الآية ليعرف العدو والصديق: أن قتل الأخيار،

وكبار القادة الأبرار لن يفت في عضد المؤمنين، ولن يغيّر من قرارهم شيئا، ولن يوهن عزيمتهم، ولن يغير من أسلوب قتالهم، بل سيزداد حدة وشدة، وضراوة، تبعاً للممارسات البشعة التي يواجههم بها عدوهم.

أوصيك بهذا:

تقدم أن مسلم بن عوسجة قال لحبيب بن مظاهر: «أوصيك بهذا»، وأشار إلى الإمام الحسين «علیه السلام» ثم مات مسلم «رحمه اللّه».

ونحن.. لا نجد الكلمات التي تليق بهذا الموقف النبيل والجليل من مسلم بن عوسجة في آخر لحظات حياته، فهو لم يكن قلقاً على مصير أهله وأبنائه، وأحبائه، وعشيرته، مع أن الأخطار الجسام كانت تحيق بهم، ولاسيما من قبل العتاة والجباريين، والمجرمين والظالمين.

كما أنه لم يكن مهتماً لمصير أمواله وبساتينه وأراضيه، إن كان لديه منها شيء معتد به، ولم يهتم لما قيل، أو ما قد يقال عنه من ترهات وأباطيل وما يثار من شائعات، بل كان يفكر في شيء واحد، هو : حفظ الإمام الحسين «علیه السلام»، والوفاء له، وخدمة أهدافه الجليلة، وتأييد دعوته الجميلة.

إن هذه الوصية من مسلم لحبيب تدل على مدى إخلاص ابن أهدافه عوسجة للحسين «علیه السلام»، ودرجة تفاعله وانسجامه مع التي سعى إليها، ومع القيم التي آمن وبشر بها، وعوّل عليها..

فرح الأعداء بمقتل ابن عوسجة:

إن تنادي أصحاب عمرو بن الحجاج: قتلنا مسلم بن عوسجة الأسدي،

على سبيل الفرح والاستبشار بقتله، ثم اعتراض شبث بن ربعي على ذلك، يدل على:

ألف: إن مسلما كان شخصية معروفة ومتميزة، ويُحسب لها حساب، حتى لدى الأعداء.

ب: إن هذا الاستبشار يدل على أنهم كانوا يخشون سطوته، وصولته في الحرب.

ج: إن اعتراض شبث بن ربعي على استبشارهم بقتل مسلم لا يدل على حبه بقاء مسلم من أجل قناعته بآرائه، أو حبه لدين مسلم وتقواه، بل هو يحب بقاءه من أجل الدنيا، وانطلاقاً من مفاهيم غبية وبغيضة عند أهل الدين والمحبين للحق وأهله بل ليكون من مفاخر العرب بشجعانهم، وأبطالهم، ولو كانوا أكفر الناس، وأسوأهم أدباً وأخلاقاً، وسلوكاً، أو كانوا من فراعنة هذه الأمة، وعتاتها وطغاتها.

فإن شبثاً كان بصدد قتل أقدس البشر، ومن يدافع عن الحسين «علیه السلام» ويقتل معه لا يمكن أن يحبه شبث لدينه، أو لفضله، وتقواه، بل يريده ليفتخر به في نطاق الاهتمامات التي يرتضيها أمثاله، من الفسقة الفجرة، وأهل الباطل لأنفسهم.

قتلة مسلم بن عوسجة:

وقد رأينا في النصوص المتقدمة : أن ثمة اختلافا في أسماء الذين شاركوا في قتل مسلم، ففي بعضها: أن الذي قتله رجلان هما مسلم بن عبد اللّه الضبابي، وعبد الرحمان بن أبي خشكارة البجلي.

وفي زيارة الناحية: قتله : عبد اللّه الضبابي، وعبد اللّه بن خشكارة البجلي.

مسلم أول شهيد:

تقدم: أن مسلم بن عوسجة أول شهيد في أصحاب الإمام الحسين «علیه السلام» وقد ورد ذلك في العديد من المصادر. بل في زيارة الناحية قوله وكنت أول من شرى نفسه، وأول شهيد من شهداء اللّه قضى نحبه.

ثم كان الشهيد الثاني - كما ذكره الطبري - هو: عبد اللّه بن عمير الكلبي. كما سيأتي.

أما الحر الرياحي «رحمه اللّه»، فإن النصوص وإن ذكرت أنه طلب من الإمام أن يكون أول شهيد بين يديه كما سيأتي.. ولكن سيأتي أيضاً : أنه استشهد بعد حبيب بن مظاهر الأسدي «رضوان اللّه تعالى عليهما»، وذلك قبيل صلاة الظهر.

كلام الباعوني:

وتقدم قول الباعوني في كتابه جواهر المطالب: حمل ابن سعد، وحمل الناس من كل جانب، فكان أول من قتل من أصحاب الحسين مسلم بن عوسجة.

ونقول:

إن مسلما، إنما قتل في حملة الميمنة بقيادة عمرو بن الحجاج،

ولكن بما أن عمر بن سعد كان قائد الجيش كله، فيصح أن يقال عن حملة ميمنة جيشه بأنها حملته والمراد بالناس الذين حملوا، هم: الميمنة. كما قلنا

كما أن من الواضح: أن قتل مسلم بن عوسجة كان في الهجوم الثاني للميمنة، بقيادة عمرو بن الحجاج، والتي حصلت من جهة الفرات..

الميسرة تهاجم أيضاً :

قالوا: وحَمَلَ شمرٌ فِي المَيسَرَةِ حَتَّى طَعَنَ فسطاط الحُسَين «علیه السلام» برمحِهِ ونادى عَليَّ بالنار حتى أحرق هذا البيتَ عَلى أهْلِهِ، قصحنَ النّساءُ ووَلوَلنَ، وخَرَجْنَ مِنَ الفُسطاط.

قالَ: وصاحَ بهِ الحُسَينُ «علیه السلام» يا ابنَ ذِي الْجَوشَن! أَنتَ تدعو بالنّار لِتُحَرِّقَ بَيتي عَلى أهلي؟ حَرَّكَ اللّهُ بِالنّار !

قالَ أبو مِخنَفٍ: حَدَّثني سُليمانُ بنُ أَبي راشدٍ، عَن حُمَيدِ بن مُسلِمٍ، قَالَ: قلتُ لِشمر بن ذي الجوشن سُبحانَ اللّهِ! إِنَّ هذا لا يصلح لكَ، أَتُريدُ أن تَجْمَعَ عَلَى نَفْسِكَ خَصلتين، تُعَذِّبُ بِعَذَابِ اللّهِ، وتَقْتُلُ الولدانَ وَالنِّسَاءَ؟! وَاللّهِ، إِنَّ في قتلِكَ الرِّجالَ لما ترضي بهِ أميرَكَ.

قالَ: فَقَالَ: مَن أنتَ؟

قالَ: قلتُ: لا أُخبِرُكَ مَن أنَا

قالَ: وخَشِيتُ وَاللّهِ، أن لو عَرَقني أن يَضُرَّني عِندَ السُّلطان.

قالَ: فَجَاءَهُ رَجُلٌ كانَ أطْوَعَ لَهُ مِنّي، شَبَثُ بنُ ربعِيِّ، فَقَالَ: ما رأيتُ مَقالاً أسوأ من قولك، ولا مَوقِفا أقبَحَ مِن مَوقِفِكَ، أَمُرعِباً لِلنِّساءِ

صرت؟

قالَ: فَأَشْهَدُ أَنَّهُ استَحيا، قذهَبَ لِيَنصَرفَ، وحَمَلَ عَلَيهِ زُهَيرُ بنُ القين في رجالٍ مِن أصحابِهِ عَشَرَةٍ، فَشَدَّ عَلى شمر بن ذي الجوشن وأصحابهِ، فَكَشَفَهُم عَن البُيوتِ حَتَّى ارتفعوا عَنها، فَصَرَعوا أَبا عَزَّةَ الضبابي فقتَلوهُ، فَكانَ من أصحاب شمر (1).

زاد المفيد هنا قوله:

وعطف عليهم شمر بن ذي الجوشن فقتل من القوم ورد الباقين إلى مواضعهم، وأنشأ زهير بن القين يقول مخاطباً للحسين عليه السلام»:

اليوم نلقى جدك النبيا***وحسنا والمرتضى عليا


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 438 و (ط الأعلمي) ج 4 ص334 والإرشاد ج 2 ص 104 والكامل في التاريخ ج 4 ص 69 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 141 وراجع: الملهوف ص173 و (نشر أنورا الهدى) ص72 وبحار الأنوار ج 45 ص 54 وإعلام الورى ج 1 ص 463 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 16 وإبصار العين ص 166 وأنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج3 ص 194 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 340 وراجع: موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 135 و 136.

وذا الجناحين الفتى الكميا (1).

الكمي: الرجل الشجاع، أو لابس السلاح.

ونقول:

هذه هي المرحلة الخامسة:

عرفنا: أن الحركة القتالية قد سارت وفق المراحل التالية:

1 - مرحلة رمي ابن سعد وجيشه سهام حقدهم وبغيهم على الإمام الحسين «علیه السلام» وأصحابه

2 - بعض المبارزات التي صرح المؤرخون بحصولها فور انتهاء الرمي، مثل: مبارزة عبد اللّه بن عمير الكلبي ليسار وسالم موليي زیاد، وابنه عبيد اللّه.

3 - هجوم ميمنة ابن سعد بقيادة عمرو بن الحجاج على ميسرة الحسين «علیه السلام»، أو على جميع أصحاب الحسين «صلوات اللّه وسلامه عليه».

4 - هجوم ثان لميمنة ابن سعد، بقيادة عمرو بن الحجاج على الحسين وأصحابه من ناحية الفرات، فقتل مسلم بن عوسجة. وهو أول شهيد من الأصحاب «رضوان اللّه عليهم».

5 - ثم هجوم ميسرة ابن سعد بقيادة شمر بن ذي الجوشن على


1) الإرشاد ج 2 ص 104 و 105 ولواعج الأشجان ص155 وأعيان الشيعة ج 1 ص 6 ص 606.

ميمنة الحسين «علیه السلام»، أو على جميع أصحابه و وهي هذه الحملة التي ذكرت في هذا النص المتقدم.

زهير.. في عشرة أشخاص:

وتقدم: أن زهير بن القين في عشرة أشخاص فقط قد كشفوا شمر بن ذي الجوشن، ومعه ميسرة جيش ابن سعد، التي قد لا يقل عددها عن عشرة آلاف مقاتل - كشفوهم - عن بيوت الحسين «علیه السلام»، وأعادوا إلى النساء والولدان الأمن والسكينة.

وهذا إنجاز عظيم، بل لعلنا لا نجد له نظيراً في الحروب في طول التاريخ. بل إن نفس أن يفكر هؤلاء العشرة بالتصدي للألف والألفين يعد من الغرائب والعجائب، فما بالك إذا كان عدد المهاجمين يناهز العشرة آلاف؟!

وكيف يمكن أن نتصور غلبة هذه العدة اليسيرة على تلك الجموع الغفيرة؟!

وكيف وعلى أي حال تمت هزيمة هذه الألوف؟!

وهل يمكن رسم صورة للحظة حصول هذه الهزيمة؟

وما هي الخطة الحربية التي مكنت عشرة أشخاص من هذا الإنجاز الهائل؟! والعجيب؟!

وسؤال آخر محير أيضاً يطرح هنا، عن أعداد القتلى في صفوف الأعداء المهاجمين، ولماذا لم يذكر في عداد قتلى أصحاب الشمر، سوى أبي عزة الضبابي؟ فإن المفروض أن لا يتحقق إنجاز كهذا إلا بقتل

مئات أو على الأقل عشرات من المهاجمين؟

ولماذا لم يذكر أن أحداً من جماعة زهير قد أصيب بمكروه؟! ولماذا ؟! ولماذا ؟!

وقاحة وبغي.. مقابل نبل وأدب:

رأينا فيما سبق: أن شمر بن ذي الجوشن لا يتورع عن طلب إتيانه بنار ليحرق بيت الحسين على أهله، مع أن الجميع يعلم: أن فيه حرم أهل بيت النبوة، وأن فيه أطفالاً ونساءً وليس على هؤلاء جناح.. وكان الناس حتى في الجاهلية يرون التعرض للنساء مجلبة للعار. والكل يعلم :أيضاً أن حرب جيش يزيد ضد الحسين «علیه السلام» مبنية على الخيانة والغدر.. وأنها قائمة على مقابلة الجميل بالقبيح، والإحسان بالإساءة.

وأنها إساءة إلى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وتوجب غضب اللّه وانتقامه، ولعنته، ولعنة الملائكة والناس أجمعين.

هذا في جانب.. وفي الجانب الآخر نجد الإمام الحسين «علیه السلام» يقابل هذه الإساءة الوقحة من الشمر «لعنه اللّه»، بمجرد الدعاء عليه بأن يبتليه اللّه تعالى بمثل ما يريد فعله بأهل بيت النبي «صلی اللّه علیه وآله»، ولم نره قد شتمه، أو وصفه بوصف قد يقال: إنه جارح، ولم ينسب إليه أي أمر يشعر بأنه «علیه السلام» يقصد التشفي به. وهذا هو الأدب الجميل من رجل نبيل تربى في مهبط الوحي والتنزيل..

منطق شبث أولى بالقبول عند الشمر:

وقد لاحظنا: أن حميد بن مسلم حين كلم الشمر لم يؤثر كلامه فيه، ربما لأنه لم يكلمه بمنطق أهل الطغيان. بل لعل كلامه ربما كان قد شجع الشمر على مواصلة الفعل القبيح الذي كان بصدده، فقد احتج عليه :حميد بأنه ليس له أن يعذب بعذاب اللّه.. مع أن الشمر لا يرى في هذا الأمر محذوراً، بل هو يفرح إن فهم الناس أنه يتشبه باللّه تعالى..

كما أن قول حميد له: «إن في قتلك الرجال ما يرضي أميرك». لا يعني أن قتل النساء والولدان لا يرضي أميره، بل هو يعلم: أن ذلك سوف يفرح ذلك الأمير المجرم والفاجر، الذي هو من الشجرة الملعونة في القرآن..

أما منطق شبث بن ربعي، فلا يختلف عن منطق الشمر وعبيد اللّه، ويزيد «لعنهم اللّه». ولذا نرى أنه قد اقتصر على تذكيره: بأن ما يفعله أمر معيب عند الناس الذين كان شمر وأضرابه يخطبون ودّهم، ويهمهم أمرهم، ورأيهم، حقاً كان أو باطلاً..

رجز زهير:

ونلاحظ: هنا أن مضمون رجز زهير بن القين، ما هو إلا التعبير الصادق عن الأمنيات القلبية لهذا الرجل التقي والمخلص في حبه وولائه للنبي وأهل بيته.. فهو لم يذكر اشتياقه إلى الجنة ونعيمها، وما فيها من حور وقصور، وملذات. بل كانت أمنيته الأغلى، ونعيمه الأعلى هو لقاء

النبي «صلی اللّه علیه وآله» وعلي والحسن وجعفر ذي الجناحين «صلوات اللّه عليهم».

من شهداء أول القتال:

1 - قال ابن طاووس : بَرَزَ عَمرُو بنُ خَالِدٍ الصَّيداوي، فقال لِلحُسَين «علیه السلام» يا أبا عَبدِ اللّهِ، جُعِلتُ فِداكَ! قد هَمَمتُ أَن الحَق بأصحابي، وكرهت أن أتَخَلَّفَ فأراك وحيدا فريدا بَينَ أهْلِكَ قتيلا.

فَقالَ لهُ الحُسَينُ «علیه السلام»: تَقدَّم، فإنّا لاحِقُونَ بِكَ عَن ساعَةٍ. فَتَقَدَّمَ، فَقاتَلَ حَتَّى قُتِلَ «رضوانُ اللّهِ عَلِيهِ» (1).

2 - عن فضيل بن خديج الكندي: فأمَّا الصَّيداوِيُّ عُمَرُ بنُ خَالِدٍ، وجابرُ بنُ الحارِثِ السَّلمانِيُّ، وسَعدٌ مَولى عُمَرَ بن خالِدٍ، وَمُجَمِّعُ بنُ عَبْدِ اللّهِ العائِذِيُّ، فَإِنَّهُم قاتَلُوا في أوَّل القِتال، فشدّوا مُقْدِمِينَ بِأَسِيافِهِم عَلَى الناس.

فلمّا وَغَلُوا عَطَفَ عَليهِمُ النّاسُ، فأخذوا يحوزونَهُم، وقطعوهُم مِن أصحابهم غَيرَ بَعِيدٍ.

فَحَمَلَ عَليهِمُ العَبّاسُ بنُ عَلِيٍّ فاستنقذهم، فجاؤوا قد جُرحوا.


1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 236 عن: الملهوف ص 163 ومثير الأحزان ص 64 نحوه، وبحار الأنوار ج 45 ص 23 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 24 وفيه «عمر بن خالد الصيداوي».

فلمّا دَنا مِنهُم عَدُوُّهُم شدّوا بأسيافهم فقاتلوا في أوَّل الأمر، حتى قتلوا في مكان واحدٍ (1).

ونقول:

المدهشات في عاشوراء:

1 - إن مما يحار فيه اللبيب، ويدهش فيه العاقل والعارف الأريب: أن ترى جيشاً هو كالبحر المتلاطم، وقد غصت به الصحراء المترامية الأطراف يواجه أربعة رجال، ولا يتمكن من السيطرة عليهم، أو إيصال الأذى إليهم، إلا ببعض الجراح التي نالتهم، حتى مع كونهم قد غاصوا في أوساط ذلك الجيش، وانقطعت صلتهم بأصحابهم..

2 - ولكن الأغرب والأعجب من ذلك كله أن نرى رجلاً واحداً، وواحداً فقط يبادر إلى مهاجمة ذلك الجيش، ويفك الحصار عن أولئك الأربعة، ويستنقذهم.

3 - وأهم وأعجب من هذا وذاك أن نجد بعض المتحذلقين يحاول التشكيك، وإثارة الشبهة حول ما يقال عن أعداد الذين سقطوا من الأعداء بسيوف أصحاب الحسين «علیه السلام» في كربلاء، بادعاء


1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 236 عن: تاريخ الأمم والملوك ج 5ص 446 والكامل في التاريخ ج 2 ص 569 وفيه: «جبّار بن الحارث السلماني» و «مجمع عبيد اللّه العائذي».

أنها من المبالغات التي أنشأها القصاصون أو قراء العزاء، أو غيرهم، لأهداف غير سليمة ولا حكيمة.

بل إنه بالرغم من وجود نصوص كثيرة تذكر أعدادا كبيرة قتلهم فرسان الهيجا من أصحاب الإمام «علیه السلام» يوم عاشوراء، نجد أن بعض الرواة يستبدل هذه الأرقام العالية التي تعد بالعشرات لبعض حماة أصحاب الحسين «علیه السلام» بأعداد زهيدة، فيدعي أنه إنما قتل رجلا، أو رجلين مثلا، أو أكثر بقليل.

4 - ثم نرى هؤلاء النوادر، والأفذاذ من البشر، الذين ذاقوا لتوهم من أهوال الحرب المرارات الشديدة والأكيدة، وقد تركت في أجسادهم جراحاً، تضج بالألم، وتزيد في المعاناة - نراهم - بمجرد أن دنا منهم عدوهم يشدون عليه بأسيافهم من جديد، ولا يبرحون حتى ينالوا درجة الشهادة والسعادة في مكان واحد.

الفصل الثالث: الهجوم الشامل. واستشهاد حبيب والحر..

اشارة

عقر الخيول وإحراق البيوت:

وبعد فشل هجومي الميمنة، وهجوم، أو هجومي الميسرة بادر ابن سعد إلى الهجوم الشامل، فلاحظ ما يلي:

1 - قال الشيخ المفيد «رحمه اللّه»:

وقاتَلَ أصحابُ الحُسَين بن عَلِيٍّ «علیه السلام» القومَ أَشَدَّ قِتالِ حَتَّى انتَصَفَ النَّهارُ، فلمّا رَأى الحُصَينُ بنُ نُمَيرٍ - وَكَانَ عَلَى الرُّمَاةِ - صَبرَ أَصحابِ الحُسَين «علیه السلام»، تَقدَّمَ إلى أصحابه - وكانوا خَمسَمِئَةِ نابل الخ..(1).

2 - وفي الطبري عن الزبيدي : وقاتَلهُم أصحابُ الحُسَين «علیه السلام» قتالاً شديداً، وأخَذت خَيْلُهُم تَحمِلُ، وإِنَّما هُمُ اثنان وثلاثونَ فارساً، وأخذت لا تَحمِلُ عَلى جَانِبِ مِن خَيلٍ أهل الكوفة إلا كَشَفْتهُ (2).


1) الإرشاد ج 2 ص 104 وإعلام الورى ج 1 ص 463 وراجع: نهاية الأرب ج 20 ص 449.

2) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 436 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 332 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 139 وإعلام الورى ج 1 ص463 والكامل في التاريخ ج 4 ص 68 والإرشاد ج 2 ص 104.

فلمّا رَأى ذلِكَ عَزرَة [ في الإرشاد عروة] بن قيس - وهُوَ عَلَى خَيلٍ أهل الكوفة - أَنَّ خَيلَهُ تَنكَشِفُ مِن كُلِّ جَانِبِ، بَعَثَ إِلَى عُمَرَ بن سَعدٍ عَبدَ الرَّحمن بن حِصن، فقال: أما تَرى ما تلقى خَيلي مُدُ اليَومِ مِن هَذِهِ العِدَّةِ اليَسيرَةِ؟ اِبعَتْ إِلَيهِمُ الرِّجَالَ وَالرُّمَاةَ.

فَبَعَثْ إليهم بالرُّماةِ، فَعُقِرَ بِالحُرِّ بن يَزِيدَ فَرَسُهُ، فَنَزَلَ عَنهُ وجَعَلَ يَقولُ:

إن تَعقِروا بي فأنا ابنُ الحُرِّ***أشجَعُ مِن ذي لِبَدٍ هِزبر

ويَضربُهُم بِسَيفِهِ، وتَكاثروا عَليهِ، فَاشْتَرَكَ فِي قَتْلِهِ أَيُّوبُ بنُ مُسَرَّحٍ ورَجُلٌ آخَرُ مِن فرسان أهل الكوفة.

[في الإرشاد وجرحوا الرجال، وأرجلوهم. واشتد القتال بينهم ساعة] (1).

ثم ذكر المفيد هنا: هجوم الشمر، ورده من قبل زهير بن القين وجماعته، حسبما قدمناه.

الهزبر: من أسماء الأسد.


1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 134 و 135 عن تاريخ الأمم والملوك جه ص 436 (ط الأعلمي) ج 4 ص332 والكامل في التاريخ ج 4 ص68 و 69 نحوه، وفيه الحصين بن نمير وراجع: المنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 339 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص139 وراجع: الإرشاد ج 2 ص 104 وإعلام الورى ج 1 ص 463 ومثير الأحزان ص 59 و 60.

اللبدة: الشعر المتراكب بين كتفي الأسد.

3 - قالوا أيضاً: رَكِبَ الحُسَينُ «علیه السلام» دابَّةٌ لهُ، وَوَضَعَ المُصحَفَ في حجرهِ بَينَ يَدَيهِ، فما زادَهُم ذلِكَ إلا إقداماً عَليهِ.

في مقتل الخوارزمي وتاريخ الطبري: «فاقتَتَلَ أَصْحَابُهُ بَينَ يَدَيهِ قِتالاً شديداً» (1).

4 - وقالوا أيضاً: ودَعا عُمَرُ بنُ سَعدٍ الحُصَينَ بنَ تَمِيمٍ، فَبَعَثَ مَعَهُ المُجَهَّفَة، وخَمَسَمِئَةٍ مِنَ المُرامِيَةِ، فَرَشقُوا الحُسَينَ «علیه السلام» وأصحابَهُ بالنَّبل حَتى عَقروا خُيولهم، فصاروا رَجّالة كُلُّهُم.

وَاقْتَتَلُوا نِصفَ النَّهَارِ أَشَدَّ قِتالِ وَأَبْرَحَهُ، وفي الطبري والخوارزمي: أشَدَّ قِتالِ خَلَقَهُ اللّهُ وجَعَلُوا لا يَقدِرُونَ عَلى إتيانهم إلا مِن وَجهِ واحدٍ ؛ لِاجتماع أبنيتهم وتقاربها، ولِمَكان النار التي أوقدوها خَلفَهُم.

وأَمَرَ عُمَرُ بِتَخريق أبنيتهم وبيوتهم، فأخَذوا يُخرقونَها برماحهم وسيوفهم، [في الخوارزمي: فَأَرسَلَ عُمَرُ بنُ سَعدٍ الرِّجَالَ لِيُقوِّضُوا الأَبنِيَة مِن عَن شَمائِلهم وأيمانهم، ليُحيطوا] بها.

وأخذ الثلاثهُ وَالأَربَعَة من أصحاب الحُسَين «علیه السلام» يَتَخَلَّلُونَ


1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 16 وراجع: تاريخ الأمم والملوك جه ص 423 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 321 وتجارب الأمم ج 2 ص 76 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 115.

بَينَها، فَيَشْدُّونَ عَلَى الرَّجُلِ وهُوَ يُقوِّضُ، ويَنهَبُ فَيَرمُونَهُ عَن قريبٍ، فَيَصْرَعُونَهُ ويَقْتُلُونَهُ.

فَأَمَرَ عُمَرُ بنُ سَعدٍ أن يُحرقوها بالنار، [في الطبري قال لهم: ولا تَدخُلُوا بَيتا ولا تُقوِّضوهُ].

فقالَ الحُسَينُ «علیه السلام» لأصحابه : دَعوهُم فَليُحرقوها، فَإِنَّهُم لو فعلوا لم يَجوزوا إليكم منها، فأحرقوها، وكانَ ذلِكَ كَذلِكَ (1).

وبعد أن ذكروا هجوم الشمر في الميسرة، وقتل أبي عزة الضبابي «لعنه اللّه»، قالوا : وتَعَطَّفَ النّاسُ عَليهم فَكَثروهُم، فَلا يَزالُ الرَّجُلُ مِن أصحاب الحُسَين «علیه السلام» قد قُتِلَ، فإذا قُتِلَ مِنهُمُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلان تَبَيَّن فيهم، وأولئِكَ كَثيرٌ لا يَتَبَيَّنُ فيهم مَنْ يُقتَلُ مِنهُم (2).


1) راجع المصادر التالية: أنساب الأشراف ج 3 ص 401 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 194 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 437 و 438 و (ط الأعلمي) 194 ج 4 ص 332 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 141 وراجع: المنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 340 والكامل في التاريخ ج 4 ص 69 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 16 ونهاية الأرب ج 20 ص 449.

2) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 135 و 136 عن تاريخ الأمم والملوك ج ص 438 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 334 والكامل في التاريخ ج4 ص 69 و 70 نحوه وراجع : الملهوف ص 173 و نشر أنوار الهدى ص 72 وبحار الأنوار ج 45 ص 54 والإرشاد ج 2 ص 104 وإعلام الورى ج 1 ص 463 وراجع مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص16 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 142.

ويتابع المفيد، فيقول:

«وَاشْتَدَّ القِتالُ وَالتَحَمَ، وكَثرَ القتلُ وَالحِراحُ في أصحاب أبي عَبْدِ اللَّهِ الحُسَين «علیه السلام» إلى أن زالتِ الشمسُ، فَصَلَّى الحُسَينُ «علیه السلام» بأصحابهِ صَلاةَ الخَوفِ» (1).

ونقول:

لنا مع ما تقدم وقفات هي التالية:

لا يخفى أن هذه هي المرحلة، أو فقل : التدبير السابع لجيش الظالمين ضد أهل الحق والدين.

وهي مرحلة صعبة، ولكنها تظهر كيف أن هذا الصمود الهائل للحسين وأصحابه يعطي: أن المراد من النص المروي عن الأئمة الطاهرين، من أن النصر قد رفرف فوق رأس الحسين «علیه السلام»، فاختار «علیه السلام» لقاء اللّه على النصر، شوقاً له تعالى واختياراً لأفضل الأعمال.. هو أن كل هذا الصبر، وهذا الجهاد لا يأتي بالنصر بنفسه، بل يحتاج إلى تدخل إلهي، ولكنه قد جعل النصر بحيث لو اختاره الإمام «علیه السلام» لمنحه اللّه إياه، ولو عن طريق الإمداد بالملائكة، والمعجزة، أو غير ذلك. ولكنه أراد «علیه السلام» أن ينال


1) الإرشاد ج 2 ص 104 و 105 وراجع: إعلام الورى ج 1 ص464 والدر النظيم ص 554.

المزيد من درجات القربى المرهونة بلقاء اللّه، الذي يزيد الدين قوة وصلابة في مواجهة الباطل.

من عقر فرس الحر ؟!:

عن نمير بن وعلة: إِنَّ أيّوبَ بنَ مِشرَح الخيوانِيِّ كَانَ يَقُولُ: أَنَا وَاللَّهِ عقرتُ بالحُرِّ بن يَزِيدَ فَرَسَهُ، حَشَأَتُهُ سَهما، فما لبث أن أرعِدَ الفَرَسُ، وَاضْطَرَبَ وكَبا، فَوَتْبَ عَنهُ الحُرُّ كَأَنَّهُ ليتٌ، وَالسَّيفُ فِي يَدِهِ، وَهُوَ يَقولُ:

إِن تَعْقِرُوا بي فأنا ابنُ الحُرّ***أشجَعُ مِنْ ذِي لِبَدِ هِزَبْرِ

قالَ: فما رأيتُ أحَدا قصُّ يَفري فريَهُ.

قالَ: فقال له أشياحٌ مِنَ الْحَيِّ: أَنتَ قَتَلْتَهُ؟

قالَ: لا وَاللّهِ ما أنَا قتلتُهُ، ولكِن قتَلهُ غَيري، وما أحِبُّ أنّي قتَلتُهُ.

فقال له أبو الوَدَاكِ: ولِمَ؟

قالَ: إِنَّهُ كَانَ - زَعَمُوا - مِنَ الصَّالِحِينَ، فَوَاللَّهِ لَئِن كَانَ ذلِكَ إِثْمًا، لأن ألقى اللّه بإثم الجراحَةِ وَالمَوقِفِ أَحَبُّ إِليَّ مِن أن ألْقَاهُ بِإِثْم قتل أَحَدٍ مِنْهُم.

فَقالَ لهُ أَبُو الوَدّاكِ: ما أراكَ إلا ستلقى اللّه بِإِثْم قتلهم أجمَعينَ، أرأيت لو أنَّكَ رَمَيتَ ذا فَعَقرت ذا، ورَمَيتَ آخَرَ، ووقفت مَوقِفا، وكَرَرت عَليهم، وحَرَّضت أصحابَكَ، وكثرت أصحابَكَ، وحُمِلَ عَليكَ، فكَرهت أن تَفِرَّ، وقعَلَ آخَرُ مِن أصحابكَ كَفِعلِكَ، وَآخَرُ، وَآخَرُ، كَانَ هذا وأصحابُهُ يُقْتَلُونَ؟

أنتُم شُرَكَاءُ كُلُّكُم في دمائهم.

فَقالَ لَهُ: يا أَبَا الوَدّاكِ، إِنَّكَ لتقطنا مِن رَحمَةِ اللَّهِ! إِن كُنتَ وَلِيَّ حِسابنا يَومَ القِيامَةِ فَلا غَفَرَ اللّهُ لَكَ إِن غَفَرتَ لنا !

قالَ: هُوَ ما أقولُ لكَ (1).

حشأته سهما : إذا أدخلته جوفه.

ونقول:

1 - إن قول أيوب بن مشرح الخيواني: فما رأيت أحداً قط يفري فريه يدل على كثرة من أرداهم الحر «رحمه اللّه» بسيفه، فمحاولة تقليل أعدادهم تصبح غير ذات جدوى، ويشهد لذلك: ما روي عن الإمام الصادق «علیه السلام»، من أنه قتل أربعين فارساً وراجلاً كما سيأتي.

2 – رأينا: أن الخيواني يكره قتل الحر، وغيره من الأصحاب. وذكر أن سبب ذلك أنه سمع أنه من الصالحين. بل ظاهر كلامه: أن صلاح أصحاب الحسين «علیه السلام» كان متداولاً بين الناس، ولذلك هو لا يريد أن يلقى اللّه بإثم قتل أحد منهم، وهذه حجة أخرى على هذا الرجل، تضاف إلى مثيلاتها.. مما يوجب له الإثم العظيم، والعذاب الأليم..


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 437 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 333 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 140.

ومما يشهد على ما نقول:

1 - أنه وجميع أفراد ذلك الجيش كانوا يعلمون أنهم إنما يشاركون في قتل مسلمين، وقد رأوهم بأم العين يصلون صلاة الظهر - صلاة الخوف - وسط ميدان القتال..

2 - أنهم يعلمون أن بينهم أهل بيت نبيهم، وأقدس الناس على وجه الأرض، وسيد شباب أهل الجنة..

ومناشدات واحتجاجات الإمام الحسين وأصحابه عليهم لم تدع لأي منهم سبيلا لادعاء الجهل، أو الشبهة في أمرهم، أو أي شيء يمكن أن يكون سبيل نجاة من الحساب والعقاب يوم القيامة..

3 - إن ما ذكره أبو الوداك كان من الوضوح والبداهة بحيث لم يستطع الخيواني أن يقابله بشيء سوى الإصرار الغبي، الذي لا مبرر له.. لاسيما وأنهم يحاربون الإمام المنصوب من قبل رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» في قوله : الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا، بالإضافة إلى نصوص أخرى.

ومناوأة الإمام المنصوب، والسعي في قتله، والمساعدة على ذلك يخرج الإنسان من دائرة الإيمان والإسلام.

وقد تقدم أن الإمام الحسين «علیه السلام» ألمح إلى كفر هؤلاء الذين جاؤوا لحربه.. وربما سيأتي بعض من ذلك أيضاً.

4 - وقد كان الجيش يعلم أن الحسين «علیه السلام» لم يأت لحرب أحد، وإنما جاء استجابة لاستغاثة طائفة كبيرة من الناس، فلما

لبَّاها انقلبت عليه، وأرادت أسره وتسليمه إلى عدوه، أو قتله.

كما أن الجميع يعلمون أنه «علیه السلام»، وكذلك أصحابه لم يقترفوا أي جرم يبيح قتلهم، فهم لم يقتلوا أحداً، ولم يستولوا على مال أحد، كما أنهم لم يفسدوا في الأرض، ولا ابتدعوا في الدين، ولا.. ولا.. الخ...

ولنفترض أنهم فعلوا شيئاً من ذلك - على سبيل فرض المحال، وهو ليس بمحال-، فإن اللّه لم يخوّل يزيد ولا ابن زياد، ولا عمر بن سعد، ولا الشمر، ولا أحداً من ذلك الجيش كله أن يحاسب ويعاقب أحداً من الناس. وادّعاء الحاكمية لهؤلاء لا مبرر له، بل هم ظلمة جبارون، ومتغلبون على أهل الحق، وغاصبون، ولا تجوز لهم الإمرة على أحد.

وهل يوكل اللّه حساب عباده وعقابهم إلى الفجار والأشرار، الذين لم يدعوا مأثماً إلا فعلوه، ولا جرماً أو قبحاً إلا ارتكبوه..

من بطولات الحر الرياحي:

عن النضر بن صالح أبي زهير العبسي: إنَّ الحُرَّ بن يَزِيدَ لَمّا لَحِقَ بحُسين «علیه السلام»، قالَ رَجُلٌ مِن بَني تَمِيمٍ مِن بَنِي شَقِرَةَ، وهُم بَنُو الحارث بن تميمٍ، يُقالُ لَهُ: يَزِيدُ بنُ سُفيان أما وَاللَّهِ، لو أنّي رَأَيتُ الحُرَّ بن يَزِيدَ حينَ خَرَجَ لأتبعتُهُ السِّنانَ.

قالَ: فَبَينَا النَّاسُ يَتَجاوَلُونَ ويَقْتَتِلُونَ، وَالحُرُّ بنُ يَزِيدَ يَحمِلُ عَلَى القوم مُقدِما، ويَتَمَثَلُ قول عَنتَرَةَ:

ما زلتُ أرميهم بثغرة نحره***ولبائِهِ حَتَّى تَسَربَلَ بالدَّمِ

قال : وإِنَّ فَرَسَهُ لمَضروبٌ عَلى أدْنَيهِ وحاجيه، وإِنَّ دِمَاءَهُ لتَسيلُ، فقالَ الحُصَينُ بنُ تَميمٍ - وكانَ عَلى شُرطةٍ عَبِيدِ اللَّهِ، فَبَعَتْهُ إِلَى الحُسَينِ «علیه السلام» وكانَ مَعَ عُمَرَ بن سَعدٍ، فَوَلاهُ عُمَرُ مَعَ الشرطة المُجَقَّفَةِ - لِيَزِيدَ بن سُفيان: هذا الحُرُّ بنُ يَزِيدَ الَّذي كُنتَ تَتَمَتى.

قالَ: نَعَمْ، فَخَرَجَ إِليهِ، فَقالَ لَهُ هَل لَكَ يا حُرَّ بِنَ يَزِيدَ فِي المُبارَزَةِ؟

قالَ: نَعَم، قد شئتُ.

فَبَرَزَ لَهُ.

قالَ: فَأَنَا سَمِعتُ الحُصَينَ بنَ تَمِيمٍ يَقولُ: وَاللَّهِ لأَبرُزُ لَهُ فَكَأَنَّما كانَت نَفسُهُ فِي يَدِهِ، فَما لَبَّثهُ الحُرُّ حينَ خَرَجَ إِليهِ أن قتَلهُ (1).

زاد في رواية عن الإمام الصادق «علیه السلام» قوله: «فَمَا لَبِثَ الحرُّ أن قتَلهُ وَقتَلَ أَرْبَعِيْنَ فارساً ورَاجِلا» (2).


1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 192 و 193 و تاريخ الأمم والملوك جه ص 434 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 330 والكامل في التاريخ ج 4 ص 69 وراجع: أنساب الأشراف ج3 ص400 و (ط دار التعارف) ج3 ص192 والإرشاد ج 2 ص 102 و 103 وإعلام الورى ج 1 ص 462 و 463 وراجع: مثير الأحزان ص 59 و 60 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 132.

2) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 9 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص101 وبحار الأنوار ج 45 ص 13 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 257 وأعيان الشيعة ج 1 ص 614 ولواعج الأشجان ص146.

ونقول:

1 - إن نفس طلب هذا الشقي يزيد بن سفيان المبارزة من الحر هو من البغي الممقوت عند اللّه تعالى.

وقد عرفنا فيما سبق: أن القرار الذي كان يلتزم به النبي «صلی اللّه علیه وآله» وعلي والحسين «علیهما السلام»، وكذلك شيعتهم حتى أصبح ذلك من صفاتهم، وسماتهم، - إن هذا القرار - هو أن لا يبدأوا أحداً بقتال..

وقد لقي هذا الشقي جزاء بغيه على يد الحر نفسه، كما ذكرته الرواية..

2 - وكلام الحصين بن تميم في آخر الرواية لا يخلو من إبهام، واضطراب.

ويبدو لنا: أن الحصين كان بصدد إكمال كلام يزيد بن سفيان، وأن يزيد كان يقول: وَاللّهِ لأبرُزُ لهُ.

فبرز يزيد للحر، فقتله الحر، حتى لكأنما كانت نفس يزيد بيد الحر..

متى استشهد الحر «رَحمهُ اللّه» ؟!

يفهم من النص المتقدم برقم [2] أن الحر بن يزيد الرياحي «رحمه اللّه» قد استشهد بعد عقر خيول أصحاب الحسين «عليه

السلام».

فإذا كان عقر خيولهم قد حصل قبل صلاة الظهر كما قد يستظهر أيضاً من النصوص.. وإذا كان حبيب بن مظاهر «رحمه اللّه» قد صلی صلاة الظهر مع الحسين «علیه السلام»، وقد استشهد «رحمه اللّه» بعد هذه الصلاة. وإذا كان الحر قد استشهد بعد استشهاد حبيب كما سنرى. فذلك كله يدلنا على أن القول باستشهاد الحر قبل الظهر غير سديد.

ولكن سيأتي:

أولاً: إنه لا دليل على أن حبيبا قد صلى صلاة الظهر مع الحسين..

ثانياً: يصرح الطبري: بأنه قتل قبيل الظهر.

ثالثاً: سيأتي في رثاء الحر قول الإمام الحسين، أو علي بن الحسين «علیهما السلام» عن الحر : إنه قتل صباح يوم عاشوراء :

ونِعمَ الحُرُّ إذ نادى حُسَيناً***فجادَ بنفسهِ عِندَ الصَّباح

أما رواية ابن أعثم والخوارزمي التي تقول: «الصياح» بالياء المثناة، فالظاهر أنها من تصحيفاتهم، لا خصوصية لقتله عند الصياح.. بل هو يريد أن يقول: إنه قد بكر في الخروج لنصرة الحسين «علیه السلام»، فقتل في صباح اليوم العاشر قبل كثيرين آخرين.

الخطة الحكيمة:

وهي مرحلة صعبة، ولكنها تظهر كيف أن الوصف المتقدم لما

جرى يظهر مدى صحة وإحكام وصلابة الخطة التي اعتمدها الإمام الحسين «علیه السلام» في حربه، فإنها كانت متوافقة مع عزيمة وروحية، وشجاعة، وصبر واندفاع أصحابه «علیه السلام»، ومع المهارات القتالية لتلك الثلة المجاهدة، والمؤمنة بربها وبدينها، والمحبة للأنبياء والأوصياء والصلحاء والأبرار.. حيث لم يقدر الأعداء أن يأتوهم إلا من وجه واحد بسبب اجتماع أبنيتهم، وتقاربها، ولمكان النار التي أوقدوها خلفهم..

وحتى حين حاولوا تخريق أبنيتهم وبيوتهم ليأتوهم عن أيمانهم، وعن شمائلهم، فإن الكمائن كانت بانتظارهم وأحبطت مسعاهم.

ثم كان إحراقهم لتلك البيوت من أسباب زيادة البلاء على من أحرقها، ومن موجبات انقطاع أملهم بالوصول إليها، تماما كما أخبر الإمام «علیه السلام» أصحابه..

إستشهاد حبيب بن مظاهر:

وجاء في موسوعة الإمام الحسين «علیه السلام» ج 4 ص 182 و : 183

1 - عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم قال: قال [الحسين «علیه السلام» في ظهر عاشوراء] سلوهُم أن يَكْفوا عَنا حَتَّى تُصَلِّيَ.

فقالَ لَهُمُ الحُصَينُ بنُ تَميمٍ: إنَّها لا تُقبَلُ.

فقالَ لهُ حَبيبُ بنُ مُظاهِر : لا تُقبَلُ ! زَعَمتَ الصَّلاة مِن آل رسول

اللّهِ «صلی اللّه علیه و آله لا تُقبَلُ، وتُقبَلُ مِنكَ يا حِمارُ؟!

قالَ: فَحَمَلَ عَليهِم حُصَينُ بنُ تَمِيمٍ، وخَرَجَ إِلَيهِ حَبِيبُ بنُ مَظَاهِرٍ، قضَرَبَ وَجْهَ فَرَسِهِ بالسَّيفِ، فَشَبَّ ووَقَعَ عَنْهُ، وَحَمَلَهُ أَصحابُهُ فاستنقذوه، وأَخَدْ حَبِيبٌ يَقولُ:

أقسمُ لو كُنّا لكُم أعداداً***أو شطرَكُم وَلَيتُمُ أكتادا (1)

وقيل: أكتاد: جمع كتد، وهو ما بين الكاهل إلى الظهر «منه».

يا شرَّ قوم حَسَباً وآدا(2)

كأنه أراد أنّ أصلاب آبائهم التي خرجت منها نطفهم خبيثة.

قالَ : وجَعَلَ يَقولُ يَومَئِذٍ :

أنا حَبيبٌ وأبي مُظاهِرُ***فارسُ هَيجاءَ وحَربٍ تُسعَرُ

أنتُم أعَدُّ عُدَّةٌ وأكثرُ***ونحنُ أوفى مِنْكُمُ وأَصبَرُ

ونَحْنُ أَعْلى حُجَّةً وأظْهَرُ***حقاً وأتقى مِنكُمُ وأغدْرُ

وقاتَلَ قِتالاً شديداً، فَحَمَلَ عَليهِ رَجُلٌ مِن بَني تَمِيمٍ فَضَرَبَهُ بِالسَّيفِ عَلَى رَأْسِهِ فَقَتَلهُ - وكانَ يُقالُ لَهُ: بُدَيلُ بنُ صُرَيمٍ مِن بَنِي عُقْفَانَ-.

وَحَمَلَ عَلَيهِ آخَرُ مِن بَني تَمِيمٍ، فَطَعَنَهُ، فَوَقعَ، فَذَهَبَ لِيَقُومَ، فَضَرَبَهُ الحُصَينُ بنُ تَمِيمٍ عَلى رَأْسِهِ بِالسَّيفِ، فَوَقَعَ، وَنَزَلَ إِلَيهِ التَمِيمِيُّ فَاحْتَر رَأسَهُ.


1) أكتاد: أي جماعات. راجع القاموس المحيط ج 1 ص332 مادة «كتد».

2) الآد: الصُّلب. راجع: القاموس المحيط ج 1 ص 275 «آد».

فَقالَ لَهُ الحُصَينُ: إنّي لشريككَ في قتلِهِ.

فقالَ الآخَرُ: وَاللَّهِ مَا قَتَلْهُ غَيرِي.

فقالَ الحُصَينُ: أعطنيهِ أعَلَّقَهُ في عُنُق فَرَسي كَيمَا يَرَى النَّاسُ ويعلموا أنّي شركتُ في قتلِهِ، ثُمَّ خُذهُ أنتَ بَعدُ فامض بِهِ إِلَى عُبَيدِ اللَّهِ بن زيادٍ، فلا حاجة لي فيما تُعطاهُ عَلى قتلِكَ ِإيَّاهُ.

قال: فأبى عَليهِ، فأصلح قومُهُ فيما بَينَهُما عَلى هذا.

فَدَفَعَ إِلَيهِ رَأسَ حَبيبِ بن مُظاهِرٍ، فَجالَ بِهِ فِي العَسكَر قد عَلَقَهُ فِي عُنُق فَرَسِهِ، ثُمَّ دَفَعَهُ بَعدَ ذلِكَ إِليهِ.

فَلَمّا رَجَعوا إلى الكوفة أخَذَ الْآخَرُ رَأسَ حَبيبٍ، فَعَلَّقَهُ في لبان(1)فَرَسِهِ، ثُمَّ أَقبَلَ بِهِ إلى ابن زيادٍ فِي القصر، فبَصُرَ بِهِ ابْنُهُ القَاسِمُ بنُ حَبِيبٍ، وهُوَ يَومَئِذٍ قد راهَقَ، فَأَقْبَلَ مَعَ الفارس لا يُفارقه، كلما دَخَلَ القصرَ دَخَلَ مَعَهُ، وإِذا خَرَجَ خَرَجَ مَعَهُ.

فارتابَ ِبهِ، فقال: ما لكَ يا بُنَيَّ تَتبَعُني؟

قالَ: لا شيء.

قالَ: بَلى، يا بُنَيَّ أخبرني.

قالَ لَهُ: إِنَّ هذا الرَّأْسَ الَّذِي مَعَكَ رَأْسُ أبي، أفتُعطينيهِ حَتَّى أدفنَهُ؟


1) اللبان: الصدر من ذي الحافر خاصة. راجع: لسان العرب ج 13 ص 377 مادة «لبن».

قالَ: يا بُنَيَّ، لا يَرضَى الأميرُ أن يُدفن، وأَنَا أُريدُ أَن يُثيبَنِي الأميرُ عَلى قتلِهِ ثواباً حَسَناً.

قالَ لَهُ الغُلامُ: لَكِنَّ اللّهَ لا يُنْيبُكَ عَلى ذلِكَ إِلا أَسوأ الثوابِ، أما وَاللّهِ لقد قتَلتَ خَيْراً مِنكَ، وبكى.

فَمَكَثَ الغُلامُ حَتَّى إذا أدركَ لم يكن لهُ هِمَّة إِلَّا اتَّبَاعُ أَتْرِ قَاتِل أَبِيهِ لِيَجِدَ مِنهُ غِرَّةَ (1)فيَقتُلهُ بِأَبِيهِ.

فلمّا كانَ زَمانُ مُصْعَب بن الزبير، وغَزا مُصعَبٌ باجمیری (2)، دَخَلَ عَسكَرَ مُصْعَبٍ، فَإِذا قاتِلُ أبيهِ في فسطاطهِ(3)، فَأَقْبَلَ يَخْتَلِفُ فِي طلبهِ، وَالتِماس غِرَّتِهِ، فَدَخَلَ عَليهِ وهُوَ قَائِلٌ نِصفَ النَّهارِ، فَضَرَبَهُ بِسَيفِهِ حَتَّى بَرَدَ.

قالَ أبو مِخنَفٍ: حَدَّثنِي مُحَمَّدُ بنُ قيس.

قالَ: لمّا قُتِلَ حَبِيبُ بنُ مُظاهِرٍ هَدَّ ذلِكَ حُسَينا «علیه السلام» وقالَ عِندَ ذلِكَ: أحتَسِبُ نَفسي وحُماةَ أصحابي (4)

وراجع: الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 107 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 103 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 252 وبحار الأنوار ج 5 ص 26 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 197 و 198 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 142.

.

1) الغِرَّة: الغفلة راجع : المصباح المنير ص 444 مادة «غرّة».

2) باجمیری: موضع دون تكريت راجع: معجم البلدان ج 1 ص 314.

3) الفسطاط بيت من الشعر راجع: الصحاح ج 3 ص 115 مادة «فسط».

4) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 182 عن تاريخ الأمم والملوك جه ص 439 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 334 والكامل في التاريخ ج 4 ص 70 نحوه، وليس فيه من «أقسم» إلى «أعذر» وراجع: أنساب الأشراف ج3 ص 402 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 195 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 17 - 19 ومثير الأحزان ص 62 و 65.

2 - وعند ابن شهر آشوب: أن حبيب بن مظاهر قتل اثنين وستين رجلاً، فقتله الحصين بن تميم، وعلق رأسه في عنق فرسه(1).

3 - عن عبد اللّه بن منصور، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده [زين العابدين] «علیهم السلام»: ثُمَّ بَرَزَ حَبِيبُ بنُ مُظهر الأَسَدِيُّ رضوانُ اللّهِ عَليهِ»، وَهُوَ يَقُولُ:

أَنَا حَبيبٌ وأبي مُظْهَرُ***لنحنُ أزكى مِنكُمُ وأَطْهَرُ

تَنصُرُ خَيرَ النَّاسِ حِينَ يُذْكَرُ

فَقتَلَ مِنهُم أحداً وثلاثينَ رَجُلاً، ثُمَّ قُتِلَ «رضوانُ اللّهِ عَليهِ» (2).

ونقول:


1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 107 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 252.

2) الأمالي للصدوق ص 224 وبحار الأنوار ج 45 ص 26 و 319 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 169 وروضة الواعظين ص 206 و (منشورات الشريف الرضي) ص 186 و 187 ولم يسنده إلى أحد من أهل البيت وراجع : أنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج 3 ص 195 وإبصار العين ص 105.

متى استشهد حبيب؟!:

قد يقال: إن الشجار الذي حصل بين حبيب بن مظاهر والحصين بن تميم من أجل الصلاة، وقول حبيب للحصين إنه حمار، أو خمار - كما تقدم - يدل على أن قتل حبيب كان بعد صلاة الخوف، لا قبلها.

ويمكن أن يناقش في ذلك بما يلي:

أولاً: إن هذا لا يكفي للدلالة على بقاء حبيب إلى ما بعد الصلاة.. ولعل سياق الرواية يشير إلى أنه بمجرد أن حصل الحوار العالي النبرة بين حبيب وبين الحصين حصل الإشتباك بينهما، وتمكن حبيب من إسقاط الحصين عن فرسه، فبادر أصحاب الحصين إلى مساعدة صاحبهم، فاستنقذوه..

ثم استمر القتال بين حبيب، وبين جيش عمر بن سعد، حتى استشهد «رضوان اللّه تعالى عليه»..

إلا أن يُدَّعى: أن من الممكن أن تكون قد فصلت بين مواجهته مع الحصين وبين استشهاد حبيب «رحمه اللّه» جولة أخرى من القتال، حصلت بين صلاتي الظهر والعصر. فقد ذكروا : أن قتالاً حصل في هذه الفترة، وكان قتالاً شديداً كما تقدم.

ثانياً: صرح الطبري: بأن قتل حبيب كان قبيل الظهر (1). وهذا


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 440 و (ط الأعلمي) ج4 ص335 و 336 والكامل في التاريخ ج 4 ص 71 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 198 و 199 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 147 و 148.

كاف في المطلوب.

ثالثاً: سيأتي أن الحر الرياحي قد قتل بعد حبيب، وقد رثاه الإمام الحسين «علیه السلام»، أو علي بن الحسين «علیه السلام»، فقال:

ونِعمَ الحُرُّ إذ نادى حُسَيناً***فجادَ بنفسهِ عِندَ الصَّباح

فإذا كان الحر قد قتل عند الصباح، فذلك يعني أن حبيباً الذي قتل قبل الحر، قد قتل عند الصباح أيضاً مما يعني أنه قتل قبل صلاة الخوف، سواء أكانت الظهر أو العصر، أو كلتيهما.

إلا أن يؤخذ برواية ابن أعثم والخوارزمي وبحار الأنوار، من أنه قال عند الصياح بالياء المثناة، لا بالباء الموحدة، لكن الرواية في كثير من المصادر هي بالموحدة، والتصحيف في مثل هذه الموارد متوقع.

وقد ذكرنا فيما سبق: أن الأقرب والأنسب، بالمعنى: هو أن تكون بالباء الموحدة.

الذين قتلهم حبيب بن مظاهر:

اختلفت النصوص حول عدد الذين قتلهم حبيب بن مظاهر يوم عاشوراء. ولكنها تتفق على أنه قد قتل عدداً كبيراً من ذلك الجيش الغادر

والباغي، فقد تقدم قول ابن شهر آشوب : إنه «رحمه اللّه» قتل اثنين وستين رجلاً.

لكن الرواية التي رواها الصدوق «رضوان اللّه تعالى عليه» عن الإمام الصادق «علیه السلام» تقول: إنه «رحمه اللّه» قتل أحدا وثلاثين رجلاً.

وقد يدور بخلد البعض أن يقول: ربما كان الذين قتلهم حبيب في مبارزاته قد بلغوا أحداً وثلاثين.رجلا. ولما اشتد القتال، واختلطت الرجال بالرجال، قتل أحداً وثلاثين رجلا مرة أخرى، فصار المجموع اثنين وستين رجلاً، ثم استشهد «رضوان اللّه تعالى عليه»..

وكثرة قتلى حبيب تعطينا السبب في أن مصرعه «رحمه اللّه» قد هد الحسين «علیه السلام». كما أنه يؤكد المعنى الذي يرمي إليه اعتباره «علیه السلام» أنه من حماة أصحابه.

ثقافة وسلوك أصحاب الأئمة:

وقالوا :

عن فضيل بن الزبير: مَرَّ ميثم التّمَّارُ عَلَى فَرَسِ لَهُ، فَاسْتَقْبَلَ حَبِيبَ بنَ مُظاهِرٍ الأَسَدِيَّ عِندَ مَجلِس بَني أَسَدٍ، فَتَحَدَّثَا حَتَّى اختَلَفَ أعناق فرسيهما.

ثُمَّ َقالَ حَبيبٌ: لكَأتي بشيخ أصلعَ، ضَخم البَطنِ، يَبيعُ البطيخ عِندَ دار الرّزق، قد صُلِبَ فى حُبِّ أهل بَيتِ نَبِيِّهِ «صلی اللّه علیه وآله»،

ويُبقرُ بَطْنُّهُ عَلَى بَطْنُّهُ عَلَى الخَشَبِ.

فقالَ ميثم: وإنّي لأعرفُ رَجُلا أَحمَرَ لَهُ صَفِيرَتانِ، يَخْرُجُ لِيَنصُرَ ابن بنتِ نَبِيِّهِ، فيُقتَلُ ويُجالُ برَأسِهِ بالكوفة.

ثُمَّ افْتَرَقا، فقالَ أهلُ المجلس: ما رأينا أحدا أكذبَ مِن هذين!

قالَ: فلم يَفْتَرِق أهلُ المَجلِس حَتَّى أَقْبَلَ رُشيدُ الهَجَريُّ، فطلبَهُما فَسَأَلَ أهلَ المَجلِس عَنهُما، فقالوا : إفترقا، وسَمِعناهُما يَقولان كَذا وكذا.

فَقالَ رُشَيدٌ: رَحِمَ اللّهُ ميثما ! نَسِيَ ويُزادُ في عَطاءِ الَّذِي يَجِيءُ بالرأس مِنْهُ دِرهَم، ثُمَّ أَدبَرَ.

فقال القومُ : هذا وَاللّهِ أكذِّبُهُم !!

فقالَ القومُ: وَاللّهِ ما ذَهَبَتِ الأَيّامُ وَالليالي حَتَّى رَأَيْنَاهُ مَصلوبا على باب دار عَمرو بن حريث، وجيء برأس حَبِيبٍ بن مُظاهِرٍ قد قُتِلَ مَعَ الحُسَين «علیه السلام»، ورأينا كُلَّ ما قالوا.

وكانَ حَبِيبٌ مِنَ السَّبِعِينَ الرِّجالِ الَّذِينَ نَصَرُوا الحُسَينَ «عليه السلام»، ولقوا حبالَ الحَديدِ، وَاستَقْبَلُوا الرِّماحَ بِصُدورِهِم وَالسُّيوفَ بوجوههم، وهُم يُعرَضُ عَليهِمُ الأمانُ وَالأموالُ فَيَأْبونَ، ويَقولونَ: لا عُذْرَ لنا عِندَ رَسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» إن قُتِلَ الْحُسَينُ «عليه السلام» ومِنّا عَينٌ تَطرفُ، حَتّى قُتِلُوا حَوله (1).


1) إختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ج 1 ص 292 الرقم 133 و (نشر مؤسسة آل البيت لإحياء التراث) ج 1 ص 292 وبحار الأنوار ج 45 ص 92 الرقم 33 ومدينة المعاجز ج 3 ص 186 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 334 وشجرة طوبى ج 1 ص 81 وإبصار العين ص101.

ونقول:

لكل مأموم إمام يقتدي به:

من المعلوم: أن الصاحب يأخذ من صاحبه، والصديق يتأثر بصديقه، حتى قيل: قل لي من تعاشر، أقل لك من أنت. فكيف لو تجاوز الأمر موضوع الصحبة والصداقة لتكون العلاقة هي علاقة الإنسان بنبيه، أو بإمامه، الذي يرى وجوب طاعته، والأخذ منه، ويراه أعلم الناس، وأفضلهم، وأتقاهم، وأطهرهم، ويرى أنه معلمه ومربيه، ومؤدبه وحلال مشاكله والساعي في حاجاته، وعليه أن يمحضه حبه، وولاءه، وعهده، ووفاءه..

ومن المعلوم أيضاً أن هناك أئمة كفر وضلالة، وهناك أئمة إيمان وهدى، وقد أشار القرآن إلى هذين الصنفين أيضاً..

وقد ألمح الإمام أمير المؤمنين علي «علیه السلام» إلى هذا التأثر بالقائد، وبالإمام بقوله: «ألا وإن لكل مأموم إماماً يقتدي به، ويستضيء بنور علمه الخ..» (1).


1) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 3 ص 70 ومختصر بصائر الدرجات ج3 ص 154 ومستدرك الوسائل ج 12 ص 54 وج 16 ص 300 والخرائج والجرائح ج 2 ص 542 وبحار الأنوار ج 33 ص 474 وج 40 ص 318 و 340 وج 67 ص 320 وجامع أحاديث الشيعة ج 14 ص 34 وج 23 ص 272 ونهج السعادة ج 4 ص 32 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 16 ص 20 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 139 وينابيع المودة ج 1 ص 439.

ومن كان يرى في الأنبياء، وأوصيائهم، أنهم مثله الأعلى، وقدوته وأسوته، فيتوقع أن يأخذ من صفاتهم وميزاتهم، ومن علمهم، وأدبهم، وفضلهم، وتقواهم، وأخلاقهم ما يقدر عليه، ويحتاج إليه.

ومن كان يرى في الظالمين والجبارين والمنحرفين، والضالين: أنهم أسوته وقدوته، ومثله الأعلى، فيتوقع أن يتشبه بهم، ويمارس أعمالهم، ويقع في المحاذير التي وقعوا فيها..

وهذا يفسر لنا ما نراه من تميز الشيعة «رضوان اللّه تعالى عليهم» بالاجتهاد في العبادة، والفقه في الدين والشجاعة في الحرب، والوعي والتقوى، والوفاء، والعاطفة الصادقة، والرقة وحب الفقراء، ومعونة الضعفاء، والمعرفة بكثير من الأسرار والغيوب التي سمعوها من أئمتهم، ومنها علوم المنايا والبلايا، وما إلى ذلك..

وامتاز خصومهم وأتباع الظلمة بالمكر والغدر، وقسوة القلوب، وقلة التدبر، وقصور النظر، وسوء الخلق، والغلظة، والانكباب على

المحرمات والشهوات والعصبيات القبلية، والعزوف عن العبادة، والاستغراق في حب الدنيا، والظلم، وجمع الأموال، وعدم المبالاة بكونها من حل أو حرام، وما إلى ذلك..

وهذه الأخبار بالغيوب التي سمعناها من ميثم، وحبيب، ورشيد،

هي من الأمثلة الحية على هذا التأسي، والتأثر، والأخذ للعلوم حتى الغيبية منها، واكتساب التقوى والإخلاص، والظهر، والفضائل وسواها من الأحوال والأخلاق، والصفات والسمات..

عرض الأمان والأموال:

غير أن هذا النص قد تضمن كذبة ودعوى:

فالكذبة هي ادّعاء: أن الأمان كان يعرض على أصحاب الحسين «علیه السلام» فيأبون قبوله.

وكأنهم يريدون أن ينسبوا لهؤلاء الصفوة: أنهم كانوا متعطشين لسفك الدماء، وأنهم هم الذين أوقدوا نار الحرب.

بل يريدون أن يظهروهم في صورة أناس متوحشين، لا عقول ولا ألباب لهم، بل هم - بناء على هذا - من أشد الناس حمقا، وخسرانا، وضلالاً، ما بعده ضلال.

إلا أن يكون المقصود: هو ما يشبه عرض الشمر الأمان على العباس وإخوته. فكانوا يعرضون الأمان على الأشخاص ليفرقوهم عن الإمام الحسين «علیه السلام»، وليتلاقوا سلبيات استعداء القبائل بقتل أفراد منها يعرفهم الناس بالصلاح والعبادة..

فكان أصحاب الحسين «علیه السلام» يرفضون هذه العروض المسمومة، ويصرون على نصرة إمامهم. وهذا ما أشار إليه بعض الإخوة الأكارم.

وأما الدعوى، فهي زعمهم: أن ابن سعد وأصحابه كانوا

يحاولون بذل الأموال لأصحاب الحسين «علیه السلام» ليتلافوا الحرب وويلاتها، ولكن أصحاب الحسين «علیه السلام» كانوا يرفضون ذلك، ويقولون: لا عذر لنا عند رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» إن قتل الحسين «علیه السلام» ومنا عين تطرف.

ويفهم من هذا الكلام: أن أصحاب ابن سعد كانوا يحاولون إبعاد أصحاب الحسين «علیه السلام» عن الحسين «علیه السلام»، عن طريق إغرائهم بالعطايا والأموال، فكانوا يرفضون ذلك، ويصرون على الوفاء للرسول «صلی اللّه علیه وآله»، وعدم خيانة العهد للإمام.

وهذا الأسلوب في الإغواء والإغراء متوقع من الجيش اليزيدي الذي يخون ويغدر، ويمكر ويفجر، ويأمر الناس بفعل ذلك. ولكن ثبوت وقوع هذا يحتاج إلى التأييد بالنصوص الحاكية للأحداث العملية، والشواهد في الممارسات الفعلية.

أنت الحر كما سمتك أمك:

1 - وفي الرواية عن الإمام الصادق «علیه السلام»: أن الحر قال للحسين «علیه السلام» :

يَا ابنَ رَسولُ اللّهِ! أَتَأْذَنُ لي فَأَقَاتِلَ عَنكَ؟

فَأذِنَ لَهُ، فَبَرَزَ وَهُوَ يَقُولُ:

أضرب في أعناقِكُم بالسيف***عَن خَير مَن حَلَّ بِلادَ الخَيفِ

فقتَلَ مِنهُم ثمانِيَة عَشَرَ رَجُلًا ثُمَّ قُتِلَ.

فأتاه الحُسَينُ «علیه السلام» و دَمُهُ يَشْخَبُ، فَقَالَ: بَخْ بَخْ يا حُرُّ، أنتَ حُرٌّ كَما سُمِّيت فِى الدُّنيا وَالآخِرَةِ، ثمَّ أنشأ الحُسَينُ «علیه السلام» يَقولُ:

لنِعمَ الحُرُّ حُرُّ بَني رياح***ونِعمَ الحُرُّ مُختَلَفُ الرِّماح

ونِعمَ الحُرُّ إذ نادى حُسَيناً***فجادَ بنفسهِ عِندَ الصَّباح (1)

2 - عن محمد بن قيس: لمّا قُتِلَ حَبِيبُ بنُ مُظاهِرٍ هَدَّ ذلِكَ حُسَينا «علیه السلام»، وقالَ عِندَ ذلِكَ: أحتَسِبُ نَفسي، وحُماةَ أصحابي.

قالَ: فَأخَذ الحُرُّ يَرتَجِرُ ويَقولُ:

آليتُ لا أقتَلُ حَتَّى أقتلا***ولن أصابَ اليَومَ إِلا مُقبلا

أضربُهُم بِالسَّيفِ ضرباً***لا ناكِلاً عَنهُم ولا مُهَلّلا

وأَخَذَ يَقولُ أيضاً:

أضربُ في أعراضهم بالسَّيفِ***عَن خَيرٍ مَن حَلَّ مِنى وَالخَيفِ

فقاتَلَ هُوَ وِزُهَيرُ بنُ القين قتالاً شديداً، فكانَ إِذا شَدَّ أَحَدُهُمَا، فَإِن


1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 194 و 195 عن الأمالي للصدوق ص 223 ح 239 وروضة الواعظين ص 205 و (منشورات الشريف الرضي) ص 186 من دون إسنادٍ إلى أحدٍ من أهل البيت «علیهم السلام» وليس فيه صدره إلى «تاب اللّه عليك»، وبحار الأنوار ج 44 ص 319 ح 1 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 168.

استُلحِمَ شَدَّ الْآخَرُ حَتَّى يُخَلِّصَهُ، فَفَعَلا ذلِكَ سَاعَةً، ثُمَّ إِنَّ رَجَالَة شَدَّت عَلى الحُرِّ بن يَزِيدَ، فَقُتِل (1).

3 - قال الخوارزمي فكانَ أَوَّلَ مَن تَقدَّمَ إلى براز القومِ الحُرُّ بنُ يَزِيدَ الرِّياحِيُّ، فَأَنشَدَ في برازه:

إنِّى أنا الحُرُّ وَمَأْوِيَ الصَّيفِ***أضربُ في أعناقِكُم ِبالسَّيفِ

عَن خَير مَن حَلَّ بوادِي***أضربُكُم ولا أرى مِن حَيفِ

ولم يَزَلْ يُقاتِلُ حَتَّى عُرقِبَ فَرَسُهُ، وبَقِيَ راجلا، فَجَعَلَ يُقاتِلُ وهُوَ يَقولُ:

إن تعقروا بي فأنا ابنُ الحُرَّ***أشجَعُ مِن ذي لِبدَةٍ هِزبر

ولستُ بالخَوّارِ عِندَ الكَر***لكِنَّنِي الثَّابِتُ عِندَ القرّ

ثمَّ لم يَزَلْ يُقاتِلُ حَتَّى قُتِلَ، فَاحْتَمَلَهُ أصحابُ الحُسَين «علیه السلام» حَتى وَضَعُوهُ بَينَ يَدَي الحُسَين «علیه السلام» و بِهِ رَمَقٌ، فَجَعَلَ الحُسَينُ «علیه السلام» يَمسَحُ التُرابَ عَن وَجهِهِ، وَهُوَ يَقُولُ لَهُ: أَنتَ الحُرُّ كَما سَمَّتكَ بِهِ أُمُّكَ، أنتَ الحُرُّ فِي الدُّنيا، وأنتَ الحُرُّ فِي الآخِرَةِ.


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 440 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 335 و 336 والكامل في التاريخ ج 4 ص 71 وليس فيه قال: نأخذ، إلى «الخيف» والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج8 ص 198 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 147 وإبصار العين ص210 وراجع أنساب الأشراف ج 3 ص 403 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 195.

ثُمَّ رَثاهُ بعض أصحاب الحُسين «علیه السلام» - وقال الحاكِمُ الجُسْمِيُّ: بَل رَبَّاهُ عَلِيُّ بنُ الحُسَين «علیه السلام» - بقوله:

لنِعمَ الحُرُّ حُرُّ بَني رياح***صَبورٌ عِندَ مُشتَبَكِ الرِّماح

ونِعمَ الحُرُّ إِذْ نَادَى حُسَينٌ***فجَادَ بنفسِهِ عِنْدَ الصِّيَاح

ورُوِيَ أَنَّهُ كانَ يُنشِدُ عِندَ مُكافَحَتِهِ:

آليتُ لا أقتَلُ حَتَّى أقتُلا***ولا أصابُ اليَومَ إِلَّا مُقبلا.

أضربُهُم بِالسَّيفِ ضرباً***لا ناكِلاً فيهم ولا مُهلا (1)

5 - قال ابن شهر آشوب عن الحر: «فقتل نيفا وأربعين رجلا» (2).

6 - وقال ابن طاووس

ثُمَّ قَالَ: فإذا كُنتُ أَوَّلَ مَن خَرَجَ عَليكَ، فأذن لي أن أكونَ أَوَّلَ قتيل بَينَ يَدَيْكَ، لعَلي أكونُ مِمَّن يُصافِحُ جَدَّكَ مُحَمَّداً «صلی اللّه علیه وآله» غَداً فِي القِيامَةِ.


1) موسوعة الإمام الحسين ج 4 ص 196 و 197 عن: مقتل الحسين ج4 ص196 للخوارزمي ج 2 ص 9 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 101 وفيه: «الصباح» بدل «الصياح»، ومثله في بحار الأنوار ج 45 ص 14 وراجع: مطالب السؤول ص 76 و كشف الغمّة ج 2 ص 262.

2) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 100 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 250 وبحار الأنوار ج 45 ص 15.

فأذِنَ لَهُ، فَجَعَلَ يُقاتِلُ أحسَنَ قِتالِ، حَتّى َقتَلَ جَمَاعَةٌ مِن شجعان وأبطال، ثُمَّ استشهدَ، فَحُمِلُ إلى الحُسَين «علیه السلام»، فَجَعَلَ يَمسَحُ التُرابَ عَن وَجهِهِ، ويَقولُ: أَنتَ الحُرُّ كَما سَمَّتكَ أُمُّكَ، حُرِّ فِي الدُّنيا وحُرِّ [فِي] الآخِرَةِ (1).

ونقول:

الحسين «علیه السلام» يرثي الحر:

1 - ذكرت بعض النصوص المتقدمة أن علي بن الحسين «عليه السلام» رثى الحر الرياحي، فقال:

لنِعمَ الحُرُّ حُرُّ بَني رياح***صَبورٌ عِندَ مُشتَبَكِ الرِّماح

ونِعمُ الحُرُّ إذ نادى حُسَينٌ***فجادَ بنفسِهِ عِندَ الصَّباح

وهذا ما ذكره ابن أعثم والخوارزمي والمجلسي، وغيرهم.

لكن رواية الأمالي للصدوق عن الإمام الصادق «علیه السلام» قد نسبت هذين البيتين مع بعض الإختلاف في الألفاظ إلى الإمام نفسه..

وهذا يشبه مدح أمير المؤمنين «علیه السلام» لحضين بن المنذر في صفين بقصيدة أولها:

لِمَنْ رايَة بَيْضَاءَ يَخْفِقُ ظِلُها***إذا قِيلَ قدّمها حُصَينُ تَقدَّمَا


1) الملهوف ص 159 و (نشر أنوار الهدى) ص 62 ولواعج الأشجان ص 144 وأعيان الشيعة ج 1 ص 604 وج4 ص 613.

ومدح الرئيس لمرؤوسه بقصائد الشعر أمر نادر، والمعروف المألوف من ذلك هو العكس.

وبناءً على هذا : يكون هذا أيضاً من أدلة استشهاد الحر «رحمه اللّه» قبل ظهر يوم عاشوراء.

الذين قتلهم الحر:

تقدم في فصل «توبة الحر»: أن الروايات اختلفت في عدد الذين الحر «رحمه اللّه» من جيش يزيد، ففي رواية الصدوق المتقدمة عن الإمام الصادق «علیه السلام»: أنه «رحمه اللّه» قتل ثمانية عشر رجلاً.

وعند ابن أعثم وآخرين: قتل منهم أربعين رجلاً.

وعند شهرآشوب: أنه قتل نيفا وأربعين رجلاً.

أما ابن طاووس وسبط ابن الجوزي: فلا يحددان عدداً، بل اكتفيا بالقول: إنه قتل جماعة من شجعان وأبطال، ثم استشهد..

والأغرب والأعجب هنا هو قول هلال بن يساف: إن الحر قتل رجلين فقط.

وأيا كان عدد المقتولين بسيف الحر، فمن الواضح أن هذا يدل على مزيد شجاعة فيه، امتاز بها عن أقرانه

كما أن قتل هذا العدد من الجيش الذي كان الحر من قادته يشهد بصدق نية الحر، وصحة بصيرته في دينه، وأنه قد تحرر من كل ما يشده إلى الأرض، وتمحض في العبودية اللّه تعالى، ورفض العبودية

لكل ما في هذه الدنيا من ملذات ومغريات، فاستحق من الإمام وسام الحرية، الذي هو الأعلى، والأغلى من أي وسام، فقال له: «أنت حر كما سمتك أمك، حر في الدنيا والآخرة»، أو نحو ذلك..

ثم إنه «علیه السلام» قد استحق ممن هو خير من حلّ منى والخيف، أن يكون هو أو ولده أول من يرثيه، ويبين مزاياه.

وقد تحدثنا عن موقف الحر، وعن قول الإمام الحسين «عليه السلام» فيه في فصل سابق بعنوان: «توبة الحر» ذكرنا فيه كيفية توبته والتحاقه بالحسين «صلوات اللّه وسلامه عليه»، وغير ذلك، فلا حاجة للإعادة..

الفصل الرابع: صلاة الخوف..

اشارة

صلاة الخوف يوم العاشر :

وقالوا :

1 - فلمّا رَأى ذلِكَ أبو ثمامَة، عَمرُو بنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّائِدِيُّ، قَالَ لِلحُسَين «علیه السلام»: يا أبا عَبدِ اللّهِ! نَفسي لَكَ الْفِداءُ، إِنِّي أرى هؤلاء قدِ اقْتَرَبوا مِنكَ، ولا واللّهِ لا تُقتَلُ حَتى أقتَلَ دُونَكَ إِن شَاءَ اللّهُ، وأحِبُّ أن ألقى رَبِّي وقد صليتُ هذهِ الصَّلاةَ الَّتِي دَنا وَقتُها !!

قالَ: فَرَفَعَ الْحُسَينُ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ:

ذكَرتَ الصَّلاةَ، جَعَلَكَ اللَّهُ مِنَ المُصَلِّينَ الذَّاكِرِينَ، نَعَم هذا أَوَّلُ وَقتِها.

ثُمَّ قَالَ: سَلوهُم أن يَكْقُوا عَنّا حَتَّى تُصَلِّيَ.

فقالَ لَهُمُ الحُصَينُ بنُ تَمِيمٍ إِنَّهَا لا تُقبَلُ !!

فقالَ لَهُ حَبِيبُ بنُ مُظاهِر: لا تُقبَلُ؟! زَعَمتَ الصَّلَاةُ مِن آلِ رَسولِ اللّهِ «صلی اللّه علیه وآله» لا تقبل، وتُقبَلُ مِنكَ يَا حِمَارِ.

وفي نص ابن نما: [وتقبل منك وأنت شارب الخمر].

وقتل أبو تمامة الصائدي ابن عم له كان عدواً له، ثم صلوا الظهر، صلى بهم الحسين «علیه السلام» صلاة الخوف، ثم اقتتلوا بعد الظهر،

فاشتد قتالهم (1).

قال ابن نما :وقيل صلى الحسين «علیه السلام» وأصحابه فرادى بالإيماء (2).

2 - وقال ابن طاووس «رحمه اللّه»:

حَضَرَت صَلاة الظهر، فأمَرَ الحُسَينُ «علیه السلام» زُهَيرَ بنَ القِين وسَعيدَ بنَ عَبدِ اللّهِ الحَنَفِيَّ أَن يَتَقدَّما أمامَهُ بنِصفِ مَن تَخَلَّفَ مَعَهُ، ثُمَّ صلى بهم صَلاةَ الخَوفِ.

فَوَصَلَ إلى الحُسَين «علیه السلام» سَهُمْ، فَتَقَدَّمَ سَعِيدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ الحَنَفِيُّ، ووَقفَ يَقِيهِ بِنَفسِهِ، ما زالَ ولا تَخَطى حَتى سَقط إلى الأرض، وهُوَ يَقولُ:

اللّهُمَّ العَنهُم لعنَ عادٍ وثمود، اللّهُمَّ أبلغ نَبِيَّكَ عَنِّي السَّلامَ، وَأَبْلِعْهُ


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 439 - 441 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 334 - 336 والكامل في التاريخ ج 4 ص 70 و 71 بزيادة «ففعلوا» بعد «حتى نصلي»، مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 16 نحوه، وليس فيه ذيله من «وقتل»، وبحار الأنوار ج 45 ص 21 و 22 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 264 وراجع مثير الأحزان ص 65 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 48 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 142 وعن الدمعة الساكبة ج 4 ص 301.

2) مثير الأحزان ص 65 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 49 وبحار الأنوار ج 45 ص 22 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 265 ولواعج الأشجان ص 156 وأعيان الشيعة ج 1 ص 606.

ما لقيتُ من ألم الجراح؛ فإنِّي أردتُ ثوابَكَ فِي نَصرٍ دُرِّيَّةِ نَبِيِّكَ، [وعند ابن نما : اللّهم لا يعجزك شيء تريده، فأبلغ محمدا «صلی اللّه علیه وآله» نصرتي، ودفعي عن الحسين، وارزقني مرافقته في دار الخلود].

ويتابع ابن طاووس كلامه فيقول: ثمّ قضى نَحْبَهُ «رضوانُ اللّهِ عَليهِ»، فَوُجِدَ بِهِ ثَلاثَةٌ عَشَرَ سَهما سوى ما بهِ مِن ضَربَ السُّيوفِ وطعن الرماح (1).

كيفية صلاة الخوف:

ويحسن بنا هنا: أن نبين للقارئ الكريم كيفية صلاة الخوف، فنقول:

إن صلاة الخوف تكون قصراً إذا كانت رباعية، وصورتها: أن يقوم الإمام فيصلي ببعض أصحابه ركعة، ثم يقوم ويقومون معه، ليمثل قائماً، ويصلون هم الركعة الثانية، ويخففون، ثم يسلمون، وينصرفون.

ويأتي أصحابهم الباقون، فيصلون معه الركعة الثانية له، وتكون


1) الملهوف ص 165 و (نشر أنوار الهدى) ص 66 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 17 و 20 و 21 وتسلية المجالس ص 291 وبحار الأنوار ج 45 ص 21 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 264 و 265 وراجع: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 441 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 336 والكامل في التاريخ ج 4 ص 71 ومثير الأحزان ص 66 و (ط المكتبة الحيدرية) ص48 وعن الدمعة الساكبة ج 4 ص 302.

الركعة الأولى لهم، فإذا قعد في التشهد، قاموا فصلوا الثانية لأنفسهم، ثم يقعدون، فيتشهدون معه، ثم يسلم، وينصرفون

وإذا كانت الصلاة هي المغرب، فإنه يصلي بالطائفة الأولى ركعة، ثم يمثل الإمام قائماً، ثم يصلون الركعتين. ثم تأتي الطائفة الثانية، فيصلون معه الركعة التي يقرأ فيها، ثم يجلس فيتشهد، ثم يقوم ويقومون معه، ويصلي بهم ركعة أخرى ثم يجلس وينتظرهم، ويقومون، فيتمون ركعة أخرى، ثم يسلم عليهم..

الصلاة بالإيماء:

إن ابن نما يقول: وقيل: صلى الحسين «علیه السلام»، وأصحابه فرادى بالإيماء (1).

ولكن أكثر المؤرخين يقولون: إنه «علیه السلام» قد صلى بأصحابه صلاة الخوف (2).


1) مثير الأحزان ص 65 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 49 وبحار الأنوار ج 45 ص 22 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 265 ولواعج الأشجان ص 156 وأعيان الشيعة ج 1 ص 606.

2) راجع: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 439 و 441 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 336 والكامل في التاريخ ج 4 ص 71 ومقتل الحسين للخوراز مي ج 2 ص 16 و 17 والملهوف ص 165 و (ط أنوار الهدى) ص66 وأنساب الأشراف ج 3 ص 104 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 195 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 340 وإعلام الورى ج 1 ص464 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 103 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 252 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 199 والعوالم ج 17 ص 265 ومثير الأحزان ص 65 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 48 والإرشاد ج 2 ص 105 والدر النظيم ص 555 ونهاية الأرب ج 20 ص 451 وبحار الأنوار ج 45 ص 21 والمختصر في أخبار البشر ج 1 ص 191 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 148 والدر النظيم ص 555.

ومع ذلك نقول:

إن من الممكن أن يكون الأعداء قد شددوا من هجومهم على المصلين، صلاة الخوف إلى الحد الذي اضطروا معه أحيانا إلى الإيماء إلى الركوع والسجود، فإن ذلك مما يجوز في صلاة الخوف عند اشتداد الأمور، ولعل هذا هو ما ألمح إليه ابن شهر آشوب بقوله: صلى بهم صلاة شدة الخوف (1).

صلاة الخوف تكون قصراً:

قال السيد عبد الرزاق المقرم «رحمه اللّه»:..والذي أراه صلاة الحسين قصرا، لأنه نزل كربلاء في الثاني من المحرم، ومن أخبار جده الرسول «صلی اللّه علیه وآله»، مضافاً إلى علمه بأنه يقتل يوم عاشوراء لم يستطع أن ينوي الإقامة إذا لم تكمل له عشرة أيام. وتخيل


1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص103 و (ط دار الأضواء) ج 4 ص 112 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 252.

من لا معرفة له بذلك أنه صلى صلاة الخوف (1).

ونقول:

353هل نفهم من كلامه «رحمه اللّه» أن صلاة الخوف لا تصح من المسافر، باعتبار أنه يرى أن هذه الصلاة لا بد فيها من قصر الصلاة الرباعية، ولا يتحقق ذلك في صلاة المسافر، لأنها ثنائية لوجوب القصر في السفر..

فإن كان هو مراده، كما هو مقتضى حديثه عن أن الحسين يستطع أن ينوي الإقامة في كربلاء، لعلمه بأنه مقتول فيها - كما أخبر النبي «صلی اللّه علیه وآله» - ولا يدري متى يحصل ذلك، هل يحصل بعد يوم، أو خمسة، أو أكثر أو أقل؟!

فنقول:

إن صلاة الخوف هي من موارد قصر الصلاة، فقد روى زرارة «رحمه اللّه»، قال: قلت له: صلاة الخوف وصلاة السفر، تقصران جميعاً ؟!

قال: نعم، وصلاة الخوف أن تقصر من صلاة السفر، لأن فيها خوفا (2).


1) مقتل الحسين هامش ص 223 (نشر مؤسسة التاريخ العربي – بيروت) سنة 1429 ه. ق.

2) من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 294 و (ط جماعة المدرسين) ج 1 ص464 وتهذيب الأحكام ج 3 ص 302 ووسائل الشيعة آل البيت ج 8 ص 433 و 517 و (الإسلامية) ج 5 ص 478 و 538 والبرهان (تفسير) ج2 ص 162 ومنتقى الجمان ج 2 ص 204.

وعن الإمام الصادق «علیه السلام» في قول اللّه عز وجل: «وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَليْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَقْتِنكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا» (1)، فقال هذا تقصير ثان، وهو أن يرد الرجل الركعتين إلى الركعة (2).

وفي نص آخر قال «علیه السلام» عن الآية: في الركعتين تنقص منهما واحدة (3).

وعن أبي عبد اللّه «علیه السلام» قال فرض اللّه على المقيم أربع ركعات وفرض على المسافر ركعتين تمام وفرض على الخائف ركعة، وهو قول اللّه عز وجل : «فليسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا» (4)يقول : من الركعتين


1) الآية 101 من سورة النساء.

2) من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 295 و (ط جماعة المدرسين) ج 1 ص464 وهداية الأمة ج 3 ص 403 وملاذ الأخيار ج 5 ص 574 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج 8 ص 433 و (الإسلامية) ج 5 ص 478.

3) الكافي ج 3 ص 458 وتهذيب الأحكام ج 3 ص 300 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 8 ص 434 و الإسلامية) ج 5 ص 478 ومرآة العقول ج 15 ص 428 و 429 والبرهان (تفسير) ج 2 ص 162.

4) الآية 101 من سورة النساء.

فتصير ركعة (1).

قال الشيخ الحر العاملي «رحمه اللّه»: لا يخفى أن رد الركعتين إلى ركعة يراد به رد الأربع إلى ركعتين لما يلي.. (2).

ومراده بما يلي: هو الأخبار التي ذكرت كيفية صلاة الخوف، وفق ما شرحناه آنفا.

وهناك نصوص أخرى تدل على ذلك، فراجع (3).

الهدفية في صلاة الخوف:

وقد كان يمكن للإمام الحسين «علیه السلام» أن يصلي فرادى في مكان بعيد عن أنظار الأعداء، وكذلك أصحابه، ولو بصورة تدريجية، لا توجب الإخلال بحالة المنعة والتصدي السائدة في ساحة القتال..


1) تفسير العياشي ج 1 ص 271 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 8 ص 434 و (الإسلامية) ج 5 ص 479 وهداية الأمة ج 3 ص 404 وبحار الأنوار ج 86 ص 114 والبرهان (تفسير) ج 2 ص 164.

2) وسائل الشيعة (آل البيت) ج 8 ص 434 و (الإسلامية) ج 5 ص 479.

3) راجع: وسائل الشيعة (آل البيت) ج 8 ص 435 - 439 و (الإسلامية) جه ص 479 - 482 عن المصادر التالية : الكافي ج 3 ص 456 و 455 ومن لا يحضره الفقيه ج 1 ص 293 وتهذيب الأحكام ج 3 ص 171 و 172 و 301 وتفسير العياشي ج 1 ص 272 والمقنع ص 39 ومسائل علي بن جعفر ص 107 وقرب الإسناد ص 99 والاستبصار ج 1 ص 451.

ولكنه «علیه السلام» أراد أن يراه جيش الأعداء كله، وهو يصلي صلاة الخوف في وسط الميدان لأسباب كثيرة..

1 - أن يعلن لهم ولغيرهم بصورة عملية عن أن هدف هذه الحرب، هو إقامة الصلاة، وحفظ دين اللّه وإبقاء مفهوم التوحيد الإلهي حيا في وجدان الناس وعدم قبول العبودية لسواه سبحانه..

2 - إن هذه الصلاة تذكر الأعداء باللّه القادر القاهر، الذي يحب أولياءه، ويعادي أعداءهم ويمقتهم، وينتقم منهم. ليكونوا على بينة من أمرهم فيما يرتبط بعاقبة ما يقدمون عليه.

3 - أن يعطي شحنة روحية عملية لأصحابه، تجعلهم أكثر رضا بما يرضي اللّه، وأشد اندفاعاً للقائه، ومرافقة انبيائه، وأوصيائهم، وأوليائه الأبرار، وأهل بيته الأطهار.

4 - أراد «علیه السلام» للأجيال أن لا تنساق مع الشائعات المغرضة، ولا تنطلي عليها الأباطيل والأضاليل والترهات التي سوف يتذرع بها المجرمون، وينتحلها لهم محبوهم..

5 - إن الكيفية التي تؤدى بها هذه الصلاة لم يكن أكثر الناس قد رأوها، فضلا عن أن يكونوا قد مارسوها، أو شاركوا فيها. ولذا فهي ستكون جاذبة للأنظار، مثيرة للاهتمام، وموجبة لبلبلة الأفكار.. فكيف إذا صاحب ذلك أحداث غير عادية، كما سنوضحه إن شاء اللّه تعالى؟!

6 - وضع الأهداف السامية التي ترمز إليها الصلاة، وتدعو إليها،

نصب أعين المجاهدين. وهذا من شأنه أن يقيهم من الانسياق وراء المشاعر الثائرة، والأحاسيس الملتهبة، والعصبيات القبلية والإستجابة لدواعي الغرور والعنجهية، والاعتزاز بالشجاعة والإقدام، وحب الظهور في ميدان الحرب.

كما أنه يعيد الإنسان المؤمن إلى أجواء الطهر، والنقاء، والصدق والوفاء، والإخلاص والخوف من رب الأرض والسماء..

المقارنة والإستنتاج:

عرفنا فيما تقدم أن الحصين بن تميم (نمير) زعم أن صلاة الحسين وأصحابه لا تقبل. فقال له حبيب بن مظاهر : لا تقبل - زعمت - الصلاة من آل الرسول «صلی اللّه علیه وآله» وتقبل منك يا حمار ؟!

ونلاحظ:

ألف: إن الحصين بن تميم (أو نمير) لا يعلم الغيب، فما معنى أن يدعي أن صلاة سيد شباب أهل الجنة لا تقبل ؟! وقد قال تعالى: «اللّه أذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ» (1).

ب: إن حبيب بن مظاهر قد أجرى مقارنة بين أمرين مختلفين، إلى حد التناقض لتأتي النتيجة على درجة من الوضوح تصل إلى حد البداهة، ولا يقصر عن إدراكها كبير أو صغير، عالم أو جاهل، امرأة أو رجل، مسلم أو كافر.. الخ..

وهذه المقارنة هي: أنه إذا كان هناك شخصان: أحدهما مؤمن


1) الآية 59 من سورة يونس.

يخبر اللّه ورسوله عنه بأنه سيد شباب أهل الجنة، ويجعل له الرسول الأعظم - بأمر من اللّه - مقام الإمامة.. وهناك آخر: كافر خارج على إمامه، أو منافق ومجرم غادر، جامع لمختلف الموبقات.

فإذا صلى هذان الرجلان، فلا يعقل أن يتقبل اللّه من هذا المنافق المجرم، والفاسق، والغادر والكافر، ويرد صلاة سليل النبي «صلی اللّه علیه وآله»، والإمام المطهر المعصوم، وسيد شباب أهل الجنة!!

ج: يقول النص المذكور في تاريخ الطبري: أن حبيب بن مظاهر قال للحصين عن الصلاة وتقبل منك يا حمار ؟! بالحاء المهملة، وتخفيف الميم.

ولكن مصادر أخرى ذكرتها بالخاء المعجمة، مع تشديد الميم: يا خمّار.

والظاهر: أن هذه هي الرواية الصحيحة، بقرينة النص الذي ذكره ابن نما «رحمه اللّه»، فهو يقول : وتقبل منك وأنت شارب الخمر !! مما يعني: أن كلمة يا خمار صحفت فصارت یا حمار!!

موقف سعيد بن عبد اللّه الحنفي:

وتقدم: أن سعيد بن عبد اللّه الحنفي قد وقف يقي الحسين «علیه السلام» بنفسه وجسده - فما أخذ الحسين يميناً وشمالاً إلا قام بين يديه كما يقول الخوارزمي - يقيه سهام الأعداء، وضرب السيوف، وطعن الرماح، فوجد به ثلاثة عشر سهما..

ويفهم من هذا :

1 - إنه بالرغم من أن الحسين «علیه السلام» قد طلب من الأعداء أن يكفوا عنهم حين أداء الصلاة، إلا أن ذلك لم يحصل، بل واصل ذلك العدو الغادر الحرب، ورمي السهام، وطعن الرماح، وضرب السيوف، حتى سقط سعيد بن عبد اللّه الحنفي شهيداً بسبب ما أصابه منها.

2 - لعل سبب إصرارهم على مواصلة الحرب: أنهم أدركوا حجم الضرر الذي سيلحق بهم من إقامتها وسط الميدان، حيث سيقف الجيش لينظر ابن بنت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وهو يصلي، وهو ينتظره ليفرغ من صلاته فيقطعه إربا إرباً. فقد يؤدي هذا إلى انتقاض عزيمة قسم من ذلك الجيش على قادتهم، ثم إلى رفضهم مواصلة الحرب.

3 - إن رمي الحنفي بالسهام، وسائر الوسائل الحربية، وصبره على آلام الجراح من شأنه أن يثير الإعجاب لدى أعدائه «رحمه اللّه». فإن الصبر إلى هذا الحد أمر نادر الحصول، ولا يتوقعه أحد من أحد خارج دائرة الندرة.

4 - لا ريب في أن مما يثير عجبهم وإعجابهم هو رؤيتهم لهذا الحب العارم منه «رحمه اللّه» لإمامه «علیه السلام»، وهذا الإخلاص، والإيمان، والصبر.

5 - والأهم من ذلك: أنه لا يتحمل هذه الآلام المبرحة مكرها، ولا مضطراً، بل هو مختار لذلك كله، مدرك لعاقبته، متوقع لنتيجته.

وما ورد، من أنهم لم يجدوا ألم مس الحديد لا بد من تأويله، ولو بأن يكون المراد: أنه تعالى يخفف عنهم مقداراً من الآلام لكرامتهم عليه، ومقامهم عنده.

6 - يلاحظ: أن ثمة تصحيفات تعرض لها الحنفي، في اسمه، بين سعيد، كما في المصادر، وبين سعد، كما في زيارة الناحية، وفي نسبته ثانياً، فهل هو الحنفي، كما في أكثر المصادر، أو الثقفي، أو الخثعمي ؟! (1)

متى قتل الحنفي؟!:

وظاهر بعض النصوص: أن قتل سعيد بن عبد اللّه الحنفي كان في صلاة العصر..

وقد قال الطبري وغيره:

عن محمد بن قيس: صلوا الظهر، صلى بهم الحسين «عليه السلام» صلاة الخوف.

ثم اقتتلوا بعد الظهر، فاشتد قتالهم، ووصل إلى الحسين «علیه السلام»، فاستقدم الحنفي أمامه، فاستهدف لهم يرمونه بالنبل، يميناً وشمالاً قائماً بين يديه، فما زال يرمى حتى سقط (2).


1) راجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 242 والأخبار الطوال ص 229.

2) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 441 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 336 والكامل في التاريخ ج 4 ص 71 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 149 وأنساب الأشراف ج 3 ص 403 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 195 و 196 وقال: يقال : إنه استهدف دونه رجل من بني حنيفة غير سعيد بن عبد اللّه.

ومعنى هذا: أن الإمام «علیه السلام» قد صلى صلاة الخوف مرتين: صلاة الظهر مرة، وصلاة العصر أخرى. وقد فصل بين الصلاتين قتال شديد.. وأن الحنفي إنما حمى الإمام الحسين «علیه السلام» بجسده في صلاة العصر فقط.

إشكال.. وجوابه:

لعلك تقول: إذا كان سعيد قد قتل بهذه الطريقة، فما نصنع بما رواه ابن أعثم والخوارزمي وأشار إليه ابن شهر آشوب، حيث قالوا:

خرج.. سعيد بن عبد اللّه الحنفي، وهو يقول:

أقدم حسين اليوم تلقى أحْمَدا***وشيخك الخير عليّاً ذا النَّدَى

وَحَسَناً كالبدر وافى الأسْعَدَا***وَعَمَّكَ القِرْن الهجَانَ الأَصْيَدا

وَحَمْزَةَ لَيْتَ الإِلَهِ الأَسَدَا***في جَنَّةِ الفِرْدَوْس نَعْلُو صُعُدا

فحمل وقاتل حتى قتل.

وروي أن هذه الأبيات لسويد بن عمرو بن أبي المطاع (1).


1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 20 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 109 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 103 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 252 وليس فيه من قوله: «وعمك القرن الخ..». وراجع: بحار الأنوار ج 45 ص 26 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 269 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 109.

توضیح:

القرم: المقدم في الرأي.

الهجان: الرجل الحسيب

الأصيد: الذي يرفع رأسه كبراً.

ونجيب:

بأن استشهاد الحنفي في محاماته عن الإمام، وهو في صلاة الخوف لا ينافي أن يكون قد قاتل وارتجز الأبيات المذكورة، وبقي يقاتل حتى حضر وقت صلاة العصر، فحول قتاله إلى الدفاع عن شخص الإمام «علیه السلام» بهذه الطريقة حتى استشهد.

أو يقال: إنه بعد أن دافع عن الإمام حتى أثخن بالجراح حمل على الأعداء، فقاتل حتى قتل. كما قاله ابن شهر آشوب.

وهذا الاحتمال لا شاهد له، كما أنه يجعل الباحث أمام اختلاف بين النصوص تكون معالجته صعبة عليه، بدرجة صعوبة الرضا به..

هذا إن لم نأخذ بالرواية التي تنسب هذا الرجز إلى غيره، فراجع المصادر في الهامش..

وبهذا ننهي الجزء السادس عشر من :كتاب سيرة الحسين «علیه السلام» في الحديث والتاريخ.. ويليه الجزء السابع عشر.. إن شاء اللّه تعالى.

حرر بتاريخ 1436/10/22ه.ق.

2015/8/8م.ش.

والحمد للّه، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله الطاهرين.

الفهارس

إشارة:

1 - الفهرس الإجمالي

2 - الفهرس التفصيلي

الفهرس الإجمالي:

الفصل الرابع: إجراءات وتوجيهات...5

القسم الخامس: الفاجعة.. وما تلاها... 42

الباب الأول: من أحداث يوم عاشوراء...44

الفصل الأول: في المواجهة...46

الفصل الثاني: إحتجاجات الأصحاب في الميدان...83

الفصل الثالث: إحتجاجات ومناشدات الحسين «علیه السلام»...100

الفصل الرابع: خطبة الإمام الحسين «علیه السلام» في كربلاء... 141

الفصل الخامس: مواقف حسينية أخرى يوم العاشر...198

الفصل السادس: توبة الحر الرياحي...215

الباب الثاني: القتال يوم العاشر...249

الفصل الأول : حتى ظهر يوم العاشر.. هكذا بدأ القتال...251

الفصل الثاني: فشل هجمات ومبارزات الأعداء...273

الفصل الثالث: الهجوم الشامل، واستشهاد حبيب والحر...312

الفصل الرابع: صلاة الخوف...346

الفهارس...363

الفهرس التفصيلي:

الفصل الرابع: إجراءات وتوجيهات ...5

جولة تفقدية للإمام «علیه السلام»: ...7

تصحيح خطأ: ...9

أهمية هذه الجولة: ...10

الشعور بالمسؤولية هو الدافع: ...11

هي واللّه وعد لا خلف فيه: ...12

ألا تنجو بنفسك؟!: ...13

هذا هو القائد المسؤول: ...14

الجبلان في كربلاء: ...15

لقد بلوتهم: ...15

حفر الخندق ليلة عاشوراء : ...17

حفر الخندق ليلا: ...21

خلاصة جامعة، أو تكاد: ...23

اللّهم حزه (جره) إلى النار: ...24

جواب الحسين لابن حوزة: ...26

أنا من خير إلى خير: ...27

يا لها من دعوة !!: ...27

خواتیم حاسمة لليلة العاشرة: ...30

الإستسقاء ليلة العاشر: ...31

لا بد من الحصول على الماء: ...32

الإطلاء بالنورة:... 35

تذكير: ...37

الإطلاء بالنورة يحتاج إلى الماء: ...38

القسم الخامس: الفاجعة.. وما تلاها.. ...42

الباب الأول: من أحداث يوم عاشوراء...44

الفصل الأول: في المواجهة ...46

دعاء الحسين صبيحة يوم عاشوراء: ...48

نظرتان ونهجان: ...49

مرتكزات النهج الإيماني: ...50

تعبئة المعسكرين: ...54

الشمر.. ونار الخندق: ...57

الشمر تحت وقع المفاجأة: ...58

كأنه شمر بن ذي الجوشن: ...59

يا ابن راعية المعزى!!: ...60

أكره أن أبدأهم بقتال: ...61

لماذا يكره «علیه السلام» بدأهم بالقتال؟!: ...62

قصة الشمر بنحو آخر: ...68

قصة ابن حوزة بنحو آخر أيضاً : ...69

ومحمد بن الأشعث أيضاً: ...72

موت محمد بن الأشعث: ...73

تميم بن حصين أيضاً: ...75

مسروق بن وائل يتراجع: ...77

الخطة العسكرية خلاصة جامعة: ...78

الفصل الثاني: إحتجاجات الأصحاب في الميدان... 83

ماذا تريدون؟!: ...85

لماذا برير؟: ...86

السؤال الأول: المعتدون يعترفون:... 88

السؤال الثاني: الغدر، والتناقض: ...89

ما ندري ما تقول!: ...90

موقف آخر لبرير: ... 90

زهير ينصح ويحتج: ... 94

الفصل الثالث: إحتجاجات ومناشدات الحسين «علیه السلام»... 100

مناشدات الحسين «علیه السلام» في اليوم العاشر:...102

طريقة المناشدة: ...105

المرحلة الأولى: مرحلة تعريف الإمام بنفسه: ...106

حشد الدلالات: ...106

ملاحظات في التعابير المختارة: ...108

المرحلة الثانية: للتدليل والإثبات: ...110

سيف وعمامة الرسول «صلی اللّه علیه وآله» في ذلك الجمع: ...110

المرحلة الثالثة: البغض لماذا؟!: ...112

المرحلة الرابعة : السؤال المحرج: ...1114

أقدم لعل اللّه يصلح بك الأمة: ...1115

هل خدع الإمام «علیه السلام»؟! : ...117

دعاء الإمام على أهل العراق: ...119

المناشدة في نصين آخرين: ...119

لفت نظر: ...123

صوت الحسين يسمعه جل الناس: ...127

مما سبق:... 128

أعظكم بما يحق لكم: ...129

وابن وصيه: ...129

إن صدقتموني، وإن كذبتموني: ...130

أين بنو هاشم؟!: ...131

هل تطلبوني بقتيل، أو مال، أو جراحة ؟: ...133

إختلاف نصوص المناشدة: ...134

هل كانوا مؤمنين بالرسول؟!: ...135

المشرقان والمغربان: ...136

إعطاء الذليل، وإقرار العبيد: ...138

سكوت الحسين «علیه السلام» وجواب حبيب: ...139

قضي القضاء وجف القلم: ...140

الفصل الرابع: خطبة الإمام الحسين «علیه السلام» في كربلاء...141

تبا لكم أيتها الجماعة وترحاً : ...143

إيضاحات: ...145

نصان آخران للخطبة: ...147

النص الأول: ...147

النص الثاني: ...150

اختلاف النصوص المتقدمة: ...153

غاية الخذلان والخسران: ...154

مضامین خطب الإمام «علیه السلام»: ... 154

دعوات الإمام «علیه السلام» على أعدائه: ... 156

لماذا دعا عليهم؟!:...157

استصرختمونا فأصرخناكم: ...159

ما حدث للحسين «علیه السلام» لم يحدث لأحد: ...160

سللتم سيفاً لنا في أيمانكم: ...162

هلا تركتمونا والسيف مشيم: ...164

هل الإمام يعمل بالظنون؟! : ...165

إسراع طيرة الدبي، وتهافت الفراش: ...167

أوصافهم أردتهم: ...168

ويحكم، أهؤلاء تعضدون؟!: ...170

الشجرة الخبيثة: ...174

الدعي ابن الدعي: ...177

السلة بالكسر أو بالفتح ؟! ...180

هيهات منا الذلة:... 181

موانع قبول الذلة:... 183

ولكم فيَّ أسوة: ...185

قلة العدد، وخذلان الناصر: ...188

التحذير المستند إلى الغيب: ...188

وقفات سريعة مع النصين الآخرين: ...190

لا مبررات لانقلابهم: ...191

الضلال وأكل الحرام: ...192

للتوضيح والبيان: ...194

الفصل الخامس: مواقف حسينية أخرى يوم العاشر... 198

إحراج عمر بن سعد: ...200

الحسين يرجع إلى مصافه: ...204

أذن اللّه في قتلكم: ...205

إنصرفوا فأنتم في حلّ: ...206

الإذن الإلهي في القتل: ...207

عروض الحسين «علیه السلام» مرة أخرى: ...208

إنصرفوا فأنتم في حلّ: ...209

خطبة الإمام صباح العاشر : ...210

كلمات وخطب أخرى يوم العاشر: ...211

الأنبياء أحق بالبقاء: ...212

البشارة في اللحظات الأخيرة : ...213

الفصل السادس: توبة الحر الرياحي ...215

هل من توبة؟!:...217

آثار استغاثة الحسين «علیه السلام» : ...224

أمقاتل أنت هذا الرجل؟! ...227

هل هو الحر، أم برير؟!: ...229

أميرك أبى ذلك: ...230

قرة بن قيس يكذب: ...231

أخير نفسي بين الجنة والنار: ...232

القرار الصعب: ...235

جعجعت بك في هذا المكان: ...242

ما اسمك؟! ...243

إنزل !!: ...244

هذا الأمير، فكلمه: ...245

كلمات الحر مع الظالمين: ...246

هل قتل الحر رجلين فقط؟! ...246

الحر للحسين «علیه السلام» : لقد كاتبناك: ...248

الباب الثاني: القتال يوم العاشر...249

الفصل الأول: حتى ظهر يوم العاشر.. هكذا بدأ القتال...251

إشهدوا لي عند الأمير: ...253

شعار القتال يوم العاشر: ...256

أهداف شعار الإمام في كربلاء: ...260

الحسين يتنحى راجعاً : ...261

الخروج من باب الخندق: ...262

اشتد غضب اللّه: ...263

الأعداد تحتاج إلى تدقيق: ...265

سلاح أصحاب الحسين «علیه السلام» : ...266

حملة، حملة، أم حملة واحدة: ...266

إمتياز الرجالة على الفرسان: ...267

عدد المقتولين في الحملة الأولى: ...268

مسار القتال يوم العاشر: ...269

الفصل الثاني: فشل هجمات ومبارزات الأعداء...273

الكلبي القتيل الثاني: ...275

لفت نظر: ...279

الإنسان المتوازن: ...280

النموذج الأول: ...280

النموذج الثاني: ...281

الحسين بن فاطمة بنت الرسول «صلی اللّه علیه وآله»:...283

أول من طلب المبارزة: ...284

منع الحسين «علیه السلام» رجلين، وأذن لواحد: ...285

لا يخرج إليك أحد إلا وهو خير منك: ...289

طاعة أم وهب الإمامها: ...290

نذالة الشمر: ...291

هجوم فاشل للميمنة: ... 291

حملة أخرى لعمرو بن الحجاج: ...295

ابن عوسجة أول الشهداء: ...295

الإمام «علیه السلام» يتلو الآية ويدعو لمسلم: ...299

أوصيك بهذا : ...300

فرح الأعداء بمقتل ابن عوسجة: ...300

قتلة مسلم بن عوسجة: ...301

مسلم أول شهيد: ...302

كلام الباعوني: ...302

الميسرة تهاجم أيضاً: ...303

هذه هي المرحلة الخامسة: ...305

زهير.. في عشرة أشخاص: ...306

وقاحة وبغي.. مقابل نبل وأدب: ...307

منطق شبث أولى بالقبول عند الشمر: ...308

رجز زهیر: ...308

من شهداء أول القتال: ...309

المدهشات في عاشوراء: ...310

الفصل الثالث: الهجوم الشامل، واستشهاد حبيب والحر... 312

عقر الخيول وإحراق البيوت: ...314

من عقر فرس الحر ؟!: ...319

من بطولات الحر الرياحي: ...322

متى استشهد الحر ؟! : ... 324

الخطة الحكيمة: 325

إستشهاد حبيب بن مظاهر: ...326

متى استشهد حبيب؟! : ...331

الذين قتلهم حبيب بن مظاهر: ... 332

ثقافة وسلوك أصحاب الأئمة: ...333

لكل مأموم إمام يقتدي به: ...3335

عرض الأمان والأموال: ...337

أنت الحر كما سمتك أمك: ...338

الحسين «علیه السلام» يرثي الحر: ...342

الذين قتلهم الحر: ...343

الفصل الرابع: صلاة الخوف: ...346

صلاة الخوف يوم العاشر: ...348

كيفية صلاة الخوف: ... 350

الصلاة بالإيماء: ... 351

صلاة الخوف تكون قصراً : ... 352

الهدفية في صلاة الخوف: ... 355

المقارنة.. والإستنتاج:... 357

موقف سعيد بن عبد اللّه الحنفي: ... 358

متى قتل الحنفي؟!:... 361

إشكال.. وجوابه:... 362

توضیح:

الفهارس.. ..363

الفهرس الإجمالي:...365

الفهرس التفصيلي:...368