ghaemiyeh.com
سيرة الحسين(عليه السلام)
في الحديث والتاريخ..
السيد جعفر مرتضى العاملي
الجزء الحادي والعشرون
المركز الاسلامي للدراسات
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى
2016م - 1437هـ
حاد
المركز الاسلامي للدراسات
لبنان - بيروت - الضاحية الجنوبية - أوّل حي ماضي بناية حجازي - ط 1 - تلفاكس: 00961.1.274519
البريد الالكتروني : alhadi@alhadi.org
المنشورات بيروت - بئر العبد - سنتر الانماء 3 - 0096170995421
محرر الرقمي: مرتضی حاتمی فرد
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى 1436ه - 2015
المركز الاسلامي للدراسات
لبنان - بيروت - الضاحية الجنوبية - أوّل حي ماضي بناية حجازي - ط 1 - تلفاكس: 274519. 1. 00961
البريد الالكتروني: alhadi@alhadi.org
المنشورات بيروت - بئر العبد - سنتر الانماء 3 - 0096170995421
سِيرة الحُسَين «علیه السلام»
في الحديث والتاريخ..
السيد جعفر مرتضی العاملى
الجزء الرابع عشر
المركز الاسلامي للدراسات
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
عن الأوزاعي أنه قال : بلغني خروج الحسين بن علي «عليهما السلام» إلى العراق، فقصدت مكة، فصادفته بها.
فلما رآني رحب بي، وقال مرحباً بك يا أوزاعي، جئت تنهاني عن المسير، وأبى اللّه عز وجل إلا ذلك !! إن من هاهنا إلى يوم الإثنين مبعثي [في دلائل الإمامة منيتي].
فنظرت في عدد الأيام، فكان كما قال (1).
ونقول:
أولاً : ليس المراد بالأوزاعي عبد الرحمان بن عمرو بن بحمد الشامي، المولود في سنة 88 هجرية. فلعل المراد به: أبو أيوب الأوزاعي، وهو مغيث بن سمي، الذي يقال: إنه أدرك حوالي ألف من
1) الدر النظيم ص 532 ودلائل الإمامة ص 75 و (ط مؤسسة البعثة) ص 184 رقم 102 ونوادر المعجزات ص 108 وإثبات الهداة ج 5 ص 207 ومدينة المعاجز (ط حجرية) ص 238 و (ط مؤسسة المعارف الإسلامية) ج 3 ص 454.
الصحابة (1).
ثانياً: ليس في هذا النص: أن الأوزاعي قصد مكة لأجل ثني الحسين «علیه السلام» عن السفر، فلعله قصد مكة لغرض آخر كما قد يشعر به قوله فصادفته بها. فأراد أن يغتنم الفرصة وينهى الحسين، فبادره «علیه السلام» بما أسكته.
ثالثاً: إنه «علیه السلام» قد حدد للأوزاعي مدة بقائه في مكة، وأنه باق إلى يوم الإثنين، حيث سيبعث رواحله بعده، وبعده يتحرك نحو مقصده واليوم الذي بعد يوم الإثنين هو يوم الثلاثاء، فيتوافق هذا التاريخ مع ما ورد في رسالته «علیه السلام» لأهل الكوفة، فقد قال لهم وقد شخصت إليكم من مكة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة، يوم التروية..» (2).
1) الأنساب للسمعاني ج 1 ص 227 وراجع: الثقات لابن حبان ج 5 ص 447 وتهذيب الكمال ج 2 ص 350 وتاج العروس ج 11 ص 509.
2) تاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 297 الإرشاد ج 2 ص70 ومثير الأحزان (ط المكتبة الحيدرية) ص 30 وبحار الأنوار ج 44 ص 369 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 220 ولواعج الأشجان ص 79 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج8 ص181 وأعيان الشيعة ج 1 ص 594 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص72 ونهاية الأرب ج 20 ص 412 وإبصار العين ص 113 والمجالس الفاخرة للسيد شرف الدين ص 217 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 604 وج 27 ص 158 و 160 و 163.
رابعاً ظاهر كلام الأوزاعي أيضاً، ولاسيما قوله - كما في دلائل الإمامة - فسهدت في عدد الأيام أن الزمن كان طويلاً نسبياً، فإن السهاد هو السهر : فكأنه يريد أن يعبر عن طول الأيام بهذه الطريقة. إما لأنها طويلة وكثيرة حقا، أو لأجل أن الإنتظار يجعل الإنسان يحس بطول الزمن.
خامساً : إن قوله للأوزاعي: أبى اللّه إلا ذلك، من شأنه أن يفهمه أن الحسين «علیه السلام» مصمم على العمل بما أوجبه اللّه عليه، فلا مجال لنهيه عما أمره اللّه به، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وإذا كان الأوزاعي جبرياً، فله أن يفهم من هذه الكلمة: أنه لا يحق له بحسب مذهبه أيضاً، ولو كان مذهبه فاسداً أن يعترض على اللّه فيما يريد ويفعل، أو فيما يقضى ويقدر..
دَخَلَ أبو بكر بن عبد الرحمان بن الحارث بن هِشَامٍ عَلَى الحُسَينِ «علیه السلام»، ققالَ: يَا ابنَ عَمِّ، إِنَّ الرَّحِمَ يُظائِرُني [تضارني] عَليكَ، ولا أدري كَيفَ أنَا فِي النَّصِيحَةِ لَكَ؟!
فقال: يا أبا بكر، ما أنتَ مِمَّن يُستَغَش ولا يُتَهَمُ، فقل.
فقال أبو بكر : كان أبوك أقدَمَ سابقة، وأحسَنَ فِي الإسلام أثراً، وأشدَّ بَأْساً، وَالناسُ له أرجى، ومِنهُ أسمع، وعَليهِ أَجْمَعَ، فسار إلى مُعاوِيَة وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَليهِ، إلا أهل الشام، وهُوَ أَعَزُّ مِنهُ، فَخَدَلُوهُ وتثاقلوا عَنهُ، حرصاً عَلى الدُّنيا وضنّاً بها، فَجَرَّعوه الغَيظ، وخالفوه،
حتى صار إلى ما صار إليهِ مِن كَرامَةِ اللّه ورضوانِهِ. ثُمَّ صَنَعوا بأخيك بعد أبيكَ ما صَنَعوا.
وقد شهدت ذلِكَ كُله ورأيتَهُ، ثمَّ أنتَ تُريدُ أن تَسِيرَ إلى الَّذِينَ عَدَوا عَلى أبيكَ وأخيكَ، ثقاتِلُ بهم أهل الشام وأهلَ العِراق، ومن هُوَ أَعَدُّ مِنكَ وأقوى، وَالنّاسُ مِنهُ أخوَفُ ولهُ أرجى؟!
فلو بَلغَهُم مَسيرُكَ إِليهم لاستَطغَوُا النّاس بالأموال، وهُم عَبِيدُ الدُّنيا، فيُقاتِلْكَ مَن وَعَدَكَ أن يَنصُرَكَ، ويَخدُلُكَ مَن أَنتَ أَحَبُّ إِلَيهِ مِمَّن يَنصُرُهُ، فاذكر اللّه في نَفسِكَ.
فَقالَ الحُسَينُ «علیه السلام»: جزاك اللّه خيراً يَا ابْنَ عَمِّ، فقد أَجْهَدَكَ رَأيُكَ، ومهما يقض اللّه يَكْن.
فقالَ: إِنَّا للّه ! وعِندَ اللّه نَحتَسِبُ يَا أَبا عَبدِ اللّه.
ثُمَّ دَخَلَ عَلَى الحارث بن خالِدِ بن العاص بن هشام المخزومي - والى مَكَة - وهُوَ يَقُولُ:
کم تری ناصحاً يَقولُ فيُعصى***وظنين المغيب يُلفى نصيحا
فقالَ: وما ذاكَ؟ فَأَخْبَرَهُ بما قالَ لِلحُسَين «علیه السلام».
فَقالَ: نَصَحتَ لهُ ورَبِّ الكَعْبَةِ (1).
1) مروج الذهب ج 3 ص 66 و (منشورات دار الهجرة) ص 56 وراجع مثير الأحزان ص 39 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 27 والطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 447 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 58 وتهذيب الكمال ج 6 ص 418 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 209 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2609 والبداية والنهاية ج 8 ص 163 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 176 وجمهرة خطب العرب ج 2 ص 44 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 295.
الرحم تضائرني: تعطفني
عن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي: لمّا قدِمَت كُتُبُ أهل العراق إلى الحُسَين «علیه السلام»، وتَهَيَّأ للمسير إلى العراق، أتَيتُهُ فَدَخَلْتُ عَليهِ وهُوَ بِمَكَة فَحَمِدتُ اللّه وأَتْنَيتُ عَلَيهِ، ثُمَّ قلت:
أمّا بَعدُ، فإنّي أتَيتُكَ يَا ابنَ عَمِّ لِحَاجَةٍ أُريدُ ذِكْرَهَا لَكَ نَصِيحَةٌ، فَإِن كُنتَ تَرى أَنَّكَ تَستَنصِحُني، وإلا كَفَفْتُ عَمّا أريدُ أن أقول. فقالَ: قُل فَوَاللّه ما أَظُنُّكَ بسَيِّئ الرأي، ولا هو للقبيح مِنَ الأمر والفعل.
قالَ: قُلتُ لَهُ: إِنَّهُ قد بَلغَني أَنَّكَ تُريدُ المَسيرَر إلى العِراق، وإنِّي مُشفِقٌ عَلَيكَ مِن مَسيركَ؛ إِنَّكَ تَأْتي بَلدا فِيهِ عُمّاله وأمَرَاؤُهُ، ومَعَهُم بُيوتُ الأموال، وإنَّمَا النّاسُ عَبِيدٌ لهذا الدّرهَم وَالدّينار، ولا آمَنُ عَلَيكَ أن يُقاتِلْكَ مَن وَعَدَكَ نَصَرَهُ، ومَن أنتَ أحَبُّ إِليهِ مِمَّن يُقاتِلكَ مَعَهُ.
فقالَ الحُسَينُ «علیه السلام»: جزاك اللّه خَيراً يَا ابْنَ عَمِّ! فقد وَاللّه عَلِمتُ أَنَّكَ مَشيتَ بِنُصح، وتكلمت بعقل، ومهما يُقضَ مِن أَمرٍ يَكُن، أخَذتُ برَأَيكَ أو تَرَكتْهُ، فأنتَ عِندي أحمدُ مُشير، وأنصَحُ ناصح.
قالَ: فَانصَرَفتُ مِن عِندِهِ، فَدَخَلْتُ عَلى الحارث بن خالد بن العاص بن هشام، فسألني: هَل لقيت حُسَينا؟
فقلتُ لَهُ: نَعَم.
قالَ: فما قالَ لكَ؟ وما قُلتَ لَهُ؟
قال: فقلتُ له : قلتُ كَذا وكذا، وقالَ: كَذا وكذا.
فَقالَ: نَصَحَتَهُ ورَبِّ المَروَةِ الشهباء، أما ورَبِّ البَنِيَّةِ، إِنَّ الرَّأْيَ لما رأيتَهُ، قبلهُ أو تَرَكَهُ، ثُمَّ قَالَ:
رُبَّ مُستَنصَح يَعْشُ وَيُردي***وظنين المغيب يُلفى نصيحا (1)
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 382 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 286 والكامل في التاريخ ج 4 ص 37 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 796 وراجع أنساب الأشراف ج 3 ص 373 والفتوح لابن أعثم ج ص 64 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 215 و مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 94 و (ط دار إحياء التراث) ج 3 ص 245 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 259 - 261 عنهم، ومقتل الحسين لأبي مخنف ص63 ومثير الأحزان ص 27 ومروج الذهب ج 3 ص 56 وجمهرة خطب العرب ج2 ص 44 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 185 وتجارب الأمم ج 2 ص 55.
ونقول:
قد تحدثنا فيما سبق عن مضامين هذه النصيحة وسابقتها، فلا حاجة إلى الإعادة، غير أننا نشير إلى ما يلي:
ذكر النص الأول: أن أبا بكر بن عبد الرحمان، وأخاه عمر بن عبد الرحمان بعد أن فارقا الحسين «علیه السلام» دخلا على الحارث بن خالد بن العاص بن هشام المخزومي «والي مكة».
مع أن والي مكة كان آنئذ هو عمرو بن سعيد «الأشدق».
ويمكن أن يجاب:
بأن الأشدق كان والياً على مكة والمدينة معاً، فكان إذا ترك مكة إلى المدينة جعل على مكة نائباً عنه، وإذا ترك المدينة إلى مكة جعل على المدينة نائباً عنه، فلعل الحارث بن خالد بن العاص كان نائباً عن الأشدق في مكة في تلك الفترة.
وقد ذكرنا آنفاً نصين:
أحدهما يذكر: أن عمر بن عبد الرحمان قد نصح الإمام الحسين «علیه السلام».
والآخر يذكر: أن أبا بكر بن عبد الرحمان بن الحارث قد نصح الإمام أيضاً.
ومن الواضح: أن أبا بكر هو غير عمر بن عبد الرحمان، فإن أبا بكر ليس له اسم بل كنيته هي اسمه (1).
ويعد أهل السنة أبا بكر هذا من الفقهاء السبعة في المدينة. وله عندهم مكانة كبيرة، وقد استصغر يوم الجمل هو وعروة بن الزبير، فلم يشتركا فيها تحت قيادة عائشة، كما أن لأبي بكر هذا مكانة عظيمة عند خلفاء بني أمية(2).
أما عمر بن عبد الرحمان، فقد استعمله عبد اللّه بن الزبير على الكوفة، قالوا : فخدعه المختار، فانصرف عنه، ثم صار مع الحجاج (3).
وقد لاحظنا: أن النصين المتقدمين متقاربين جدا، فيحتمل أن يكونا لواحد، وقد اشتبه اسمه على الرواة ويحتمل تعدد الواقعة..
1) مختصر تاريخ مدينة دمشق ج 28 ص 150 وراجع الحد الفاصل للرامهرمزي ص 297 وتقريب التهذيب ج 2 ص 365 والمعارف لابن قتيبة ص 599 ووفيات الأعيان ج 1 ص 282 والوافي بالوفيات ج10 ص 148.
2) مختصر تاريخ مدينة دمشق ج 28 ص 154 و 195 وتذكرة الحفاظ ج 1 ص 63 وشذرات الذهب ج 1 ص 104 وسير أعلام النبلاء ج4 ص416 وتهذيب التهذيب ج 12 ص 28 والعبر في خبر من غبر ج 1 ص 111.
3) تهذيب التهذيب ج 7 ص 415 و 416 والتحفة اللطيفة ج 2 ص 344 ج7 وراجع الثقات لابن حبان ج 5 ص 147 وتهذيب الكمال ج 21 ص424 وتقريب التهذيب ص 723.
وفي كلتا الحالتين نقول:
إن من الغريب جداً: أن نجد الإمام الحسين «علیه السلام» يعاملهما بهذه الثقة والمودة والحميمية، ويثني عليهما، ويمنحهما الأوسمة الرفيعة التي لم يفز بمثلها حتى ابن عباس، حتى إنه ليقول لأحدهما : «أنت عندي أحمد مشير، وانصح ناصح».
وقال: «ما أظُنُّكَ بسَيِّئ الرأي، ولا هو لِلقبيح مِنَ الأمر وَالفِعل».
وقال: «ما أنتَ مِمَّن يُستَغَش ولا يُتَهَمُ».
أو قال: «ولم تنطق عن هوى».
فلماذا هذا الإطراء لمن لم يكن في خط أهل البيت «عليهم السلام»؟!
إلا أن يكون «صلوات اللّه وسلامه علیه» قد تحدث عن صدقهما وإخلاصهما فيما يشيران به بغض النظر عن خطأهما في مسارات أخرى لهما، سواء في أمور الشريعة، أو في الإعتقادات، أو في المنحى الفكري العام، أو غير ذلك.. فإن المخالف في النهج، والمخطئ فيه قد يكون صادقا أيضاً، في سلوكه، وتعامله مع غيره ممن يخالفه أو يوافقه ولم يكن «علیه السلام» يريد تصويب نهجهما وفكرهما، وسياستهما، واعتقاداتهما السابقة، أو اللاحقة.
مع ملاحظة أخيرة نذكرها، وهي: أن الراوي لهذه الأجواء الودودة هو أحد هذين نفسه، فهو يجر النار إلى قرصه، ويسطر الفضائل لنفسه.
ويلاحظ: أنه «علیه السلام» اقتصر في جوابه على القول: «مهما يقض اللّه يكن». فحسم الأمر لهما على طريقته، حين قرر أنه إنما يفعل ما أمره اللّه تعالى ولا يهمه النتائج، بل هو ينفذ وينجز المطلوب منه، وليس هو المسؤول عن النتائج والآثار، فإنه مهما يقض اللّه يكن. فلا حاجة إلى اعتبار كل ما ذكروه صالحاً لأن يسقط التكليف الإلهي بالإصلاح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل لا يصح ذلك.
ومن جهة أخرى، فإنه إذا كان هذان الرجلان يذهبان إلى الجبر الإلهي الذي كان سائداً في الجاهلية، ثم اعتمده أكثر الحكام، ولاسيما بنو أمية منهم، فيمكن لهما أن يعتبرا هذا الكلام جواباً إسكاتيا لهما أيضاً.
1 - جاءَهُ [أي الإمامَ الحُسَينَ «علیه السلام»] أبو سَعِيدٍ الخُدري، فقالَ: يا أبا عَبدِ اللّه، إنّي لكُم ناصح، وإنِّي عَليكُم مُشفِقٌ، وقد بَلغَنِي أَنَّهُ كاتبَكَ قومٌ من شيعَتِكُم بالكوفة، يَدعونَكَ إلى الخروج إليهم، فلا تَخرج فَإِنِّي سَمِعتُ أَباكَ رَحِمَهُ اللّه يَقولُ بالكوفة: واللّه لقد مللتُهُم وأَبغَضتُهُم، وَمَلوني وأبغضوني، وما بَلُوتُ مِنهُم وفاءً، ومَن فَازَ بِهِم فَازَ بِالسَّهم الأخيَبِ، وَاللّه ما لهُم نِيّات، ولا عَزْمُ أمر، ولا صَبَرٌ عَلى السَّيفِ (1).
1) الطبقات الكبرى الطبقة الخامسة من الصحابة ج 1 ص 439 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 54 وتهذيب الكمال ج 6 ص 413 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 5 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص294 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 205 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج6 ص 2606 والبداية والنهاية ج 8 ص 161 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 174 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 288 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 236 و 237 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 168 و 515.
2 - عن أبي سعيد الخدري:
غَلَبَنِي الْحُسَينُ «علیه السلام» على الخروج، وقد قُلتُ لَهُ: اِتَّقِ اللّه في نَفْسِكَ، وَالزَم بَيتَكَ، [زاد في بعض المصادر قوله: ولا تَخْرُج على إِمَامِكَ ] (1).
ونقول:
عن أبي محمد الواقدي وزرارة بن جلح:
1) الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 445 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 57 وتهذيب الكمال ج 6 ص 417 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 8 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 286 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 208 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2609 والبداية والنهاية ج 8 ص 163 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 176 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 236 عنهم. وخلاصة عبقات الأنوار ج 4 ص 244 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص294.
لقِينَا الْحُسَينَ بنَ عَلِيٍّ «علیه السلام» قبلَ أَن يَخرُجَ إِلى العِراق بِثَلاثِ ليالٍ، فَأَخبَرناهُ بِضَعفِ النّاسِ فِي الكوفة، وأنَّ قُلُوبَهُم مَعَهُ وسيوفهُم عَليهِ.
فأومأ بِيَدِهِ نَحوَ السَّماءِ، فَفُتِحَت أبوابُ السَّماءِ، وَنَزَلَ مِنَ المَلائِكَةِ عَدَدٌ لا يُحصيهم إلا اللّه، وقال:
لولا تَقارُبُ الأشياء، وحُبوط الأجر، لقاتلتهم بهؤلاء، ولكن أعلمُ عِلماً أَنَّ مِن هُناكَ مَصعَدي، وهناكَ مَصارع أصحابي، لا يَنجو مِنهُم إِلَّا وَلدي عَلِيٌّ (1).
1 - إن النص المتقدم برقم [1] لنصيحة الخدري، والذي روى فيه عن أمير المؤمنين «علیه السلام» ما قاله عن أهل الكوفة قد جاء قاسياً، ويحتاج إلى بعض التفسير والتأويل..
2 - مع غض النظر عن ذلك، فقد قلنا فيما تقدم:
إنه لا يمكن أن يؤخذ الأبناء بذنوب آبائهم، إذا لم يكونوا بفعال أولئك الآباء. كانوا يرون فيهم القدوة والأسوة. ومن الواضح أن عليا «عليه
1) دلائل الإمامة ص 182 والملهوف ص 125 و (نشر أنوار الهدى) ص 38 وبحار الأنوار ج 44 ص 364 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 213 والدر النظيم ص 530 ونوادر المعجزات ص 107 ومدينة المعاجز ج3 ص 450 وإثبات الهداة ج 5 ص 206 وقاموس الرجال ج 11 ص 504 ولواعج الأشجان ص 73.
السلام» إنما يتحدث عن حال من عاشوا وتعاملوا معه، وقد مضى على كلامه هذا ما يقرب من ربع قرن، ونشأ جيل، وهلكت جماعات..
3 - إن البشر تتبدل أحوالهم، وتتغير أفكارهم، ومواقفهم، فقد يسيئون يوماً، ثم تعود إليهم عوازب أحلامهم، ويستيقظون من غفوتهم، ويتوبون إلى اللّه توبة نصوحاً، فيحسنون العمل، ويطردون الفشل، ويحفظون أنفسهم من الخطل والزلل.
4 - يلاحظ تعبير الخدري كاتبك قوم من شيعتكم»، مميزاً نفسه عن شيعة أهل البيت «علیهم السلام». فإن هذا لا يتلاءم مع ما روي بسند حسن عن الإمام الصادق «علیه السلام» في حقه: «رزق هذا الأمر، وكان مستقيما» (1).
وقد عده الإمام الرضا «علیه السلام» في من لم يغيروا ولم يبدلوا (2).
1) راجع: مرآة العقول ج 13 ص 281 وإختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ص 38 و نشر مؤسسة آل البيت لإحياء التراث ج 1 ص203 وبحار الأنوار ج 1 ص 237 والدرجات الرفيعة ص 399 ومستدركات علم رجال الحديث ج 4 ص 20 والكنى والألقاب ج 1 ص83 ومعجم رجال الحديث ج 9 ص 50 وأعيان الشيعة ج 7 ص 227.
2) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 125 وتفسير نور الثقلين ج4 ص 259 وتفسير كنز الدقائق ج 10 ص 354 ومستدركات علم رجال الحديث ج 1 ص 25 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 38.
5 - إن نصيحة أبي سعيد الخدري هذه تصب في نفس الإتجاه الذي ظهر في نصيحة ابن عباس وابن الحنفية، وأبي بكر بن عبد
الرحمان، وعمر بن عبد الرحمان، وعمرو بن لوذان، والفرزدق. وغيرهم ممن تقدم وسيأتي.
وأما النصيحة الثانية للخدري، المتقدمة برقم [2]، فهي الأغرب.والأعجب إلا إذا كان هناك من ينسب إلى الخدري كلام غيره، ونسب كلام الخدري إلى غيره، وفي جميع الأحوال نقول:
أولاً: إن أبا سعيد يخاطب الإمام «علیه السلام» بأسلوب الولي المتصرف، والآمر الناهي، الذي لا يليق بمقام إمام حكم اللّه تعالى بطهارته وبعصمته، فقد قال له: «الزم» بيتك».
وقال له أيضاً: «اتق اللّه في نفسك».
وكأنه يفترض أن الحسين «علیه السلام» المطهر المعصوم بنص القرآن، والإمام بنص من النبي «صلی اللّه علیه وآله» - يفترض - أنه قد جانب التقوى، وابتعد عن خط الإعتدال !!
ثانياً : إنه يجعل نفسه في موقع المعلم والمرشد للإمام، وقد نهى النبي «صلی اللّه علیه وآله» الناس عن أن يعلموا أهل بيته، فإنهم أعلم منهم..
ثالثاً: إنه يقول له: «ولا تخرج على إمامك»، فهل كان أبو سعيد يرى أن يزيد بن معاوية إمام الحسين «علیه السلام» أو إمام الأمة؟!
وهو يعلم: أن يزيد لا يملك شيئاً من مقومات الإمامة، فإنه فاسق فاجر قاتل للنفس المحترمة.
ثم ألم يكن يعلم أن الإمامة لا تكون للطلقاء، ولا لأبناء الطلقاء؟!
وألم يسمع أقوال النبي «صلی اللّه علیه وآله» في الحسين «عليه السلام»، وأنه إمام قام أو قعد؟!
وألم يسمع بأن من شروط الصلح بين معاوية والإمام الحسن «علیه السلام» أن يكون الأمر من بعد للحسن، ثم للحسين؟!
وإلا يعد هذا إغراء لبني أمية بالحسين «علیه السلام»، وتسهيلا لقتله، وسفك دمه، بادعاء أنه خرج على إمامه، وشق عصا الطاعة؟!
وأليس شيوع هذا المعنى على لسان أمثال الخدري سيؤدي إلى هذه النتيجة؟!
إلى غير ذلك من الأسئلة التي لن تجد لها جواباً مقنعاً ولا مقبولاً لدى الذين يدَّعون الإمامة ليزيد.
1 - ليس المراد بالواقدي محمد بن عمر بن واقد، المولود في سنة مئة وعشرين، ولا هو واقد بن عبد اللّه (عمرو) التميمي الحنظلي، فإنه توفي في خلافة عمر (1).
1) الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 4 ص 1550 والطبقات الكبرى لابن سعد ج3 ص 390 ومستدركات علم الرجال ج 8 ص 98 والوافي بالوفيات ج27 ص 248.
فلعله من أبناء واقد التميمي الحنظلي هذا، كما يشعر به نسبته إلى واقد بواسطة ياء النسبة.
كما أن زرارة بن جلح (أو خلج) أو نحوها، لم نجد فيما بين أيدينا من مصادر ما يدلنا عليه..
وقد رأينا: أن النصيحة التي ذكرها الواقدي وزرارة تصب في نفس الإتجاه الذي تصب فيه النصائح التي تكلمنا عنها، وسيأتي شطر وافر منها.
وقد رأينا أن الإمام الحسين «علیه السلام»، قد أجاب على هذه النصيحة، نصيحة الواقدي وزرارة بجواب جديد، ومثير جداً. فقد أشار إلى السماء، فظهرت الملائكة بأعداد هائلة، ربما ليفهم الناس: أنه «علیه السلام» لا يقدم على هذا الأمر استنادا إلى تقديرات أو رغبات شخصية، وفهم سطحي للأمور، فإن الأمر لو كان كذلك، فإن ما قاله له الناصحون لم يكن خافياً عليه، بل كان يرى ما يرون. ولو كان غافلا عنه، فقد حصل تذکیره به مرات كثيرة، كما مر و وسيأتي..
لقد أراد «علیه السلام» أن يقول:
1 - إن ما عرفه الناصحون قد عرفوه بوسائل عادية، يتلمسون
بها ظواهر الأمور القريبة، ولا تكشف لهم بواطنها، وهو «عليه السلام» يشاركهم في وسائلهم هذه، ويزيد عليهم بعمق إدراكه ورهافة حسه، ودقة ملاحظته، وبما تلقاه من أسرار، ودقائق وحقائق من مصدر الوحي والتنزيل. مما لم يتيسر لهم الاطلاع عليه، إما لعدم أهليتهم لنيله، أو لكونهم غير قادرين على حفظه وصيانته، والنهوض بأعبائه وتحمل ثقل مسؤولياته، أو لغير ذلك من أسباب.
2 - إن الأمر لا يقتصر على المدركات للظواهر بالوسائل العادية المشار إليها، ولا على المعارف والأسرار التي يسرها اللّه تعالى له من خلال صلته الخاصة برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».. بل يتعدى ذلك إلى ما منحه اللّه إياه من قدرات اقتضاها موقعه ومسؤولياته في هذا العالم الرحيب والعجيب. فإن مقام الإمامة يحتاج إلى أدوات ووسائل تتناسب مع معنى الإمامة، ومع شؤونها، وما يطلب ويرجى منها في الهداية والرعاية في مختلف الشؤون، وفي توفير القدرة على التأثير فيها، ولو بالاستفادة من الأسباب الأرقى والتي تهيمن على ما سواها من أسباب عادية وقريبة.
مع التذكير: بأن مهمات الإمام لا تنحصر برعاية البشر، بل هي تعنى بكل ما في هذا العالم من مخلوقات، ولاسيما ما له ارتباط بحياتهم، ومعاشهم ومعادهم وكل ما يمر في خيالهم من قريب، أو من بعيد.
فإذا كان للملائكة دور في تدبير الأمور، وتأثير في صلاحها
وإصلاحها، فلا بد أن يكون الإمام قادراً على التعامل معها والاستفادة منها..
وإذا كان للجن أيضاً تأثير في الصلاح، أو في الفساد، فلا بد أن يكون له «علیه السلام» طريق إليهم، وسبيل عليهم..
3 - ولأجل أن يظهر للناس ما يدلهم على هذا المعنى، ويضعهم أمام مسؤولياتهم. ولكي لا يخدعوا أنفسهم في شأنه، ولا يتوهموا أنهم بنصائحهم هذه قد أدوا قسطهم للعلى، وأصبحوا معذورين في ترك نصرته. فقد بيّن لهم بالمعجزة القاهرة للعقول: أن الأمر إلهي، لا خيار له ولا لهم فيه، ولا بد من إنجازه، ولا عذر فيه لأحد. ولكن المفارقة التي تفاجئ المرء أنهم لم يكترثوا للأمر، وانصرفوا عنه «عليه السلام» كلّ إلى حال سبيله.
4 - إنه «علیه السلام» لم يقل لهم: لو شئت لانتصرت على عدوي بالملائكة، بل هو قد أظهر لهم الملائكة ليروهم بجوارحهم العادية، لتكون دعواه مدعمة بالدليل القاطع، والبرهان الساطع. فلا معنى للتذاكي عليه، فإن من يتذاكى على إمامه إنما يخدع نفسه.
5 - ثم بين لهم: أن السياسة الإلهية تقضي بأن لا تتولى الملائكة أمثال هذه الأمور، لأن اللّه تعالى يريد للبشر أن يتولوا شؤونهم بأنفسهم، من خلال تحريك السنن والأسباب، وأن يحصل ذلك بمحض اختيارهم، ليعرف المطيع من العاصي، ليكون للمثوبة والعقوبة معنى وليهلك من هلك عن بينة، ويحيي من حيي عن بينة.
ولأجل ذلك نلاحظ: أن النبي الأعظم «صلی اللّه علیه وآله» في نفس الوقت الذي يطعم الجيش كله من كف من تمر، أو من فخذ شاة، وهذه معجزة عظيمة، فإنه يترك للناس أنفسهم أمر حفر الخندق، وأن يتولوا حرب العدو، ودفعه عن أنفسهم، وعن بلادهم.
وقد روي: أن مؤمني الجن عرضوا نصرتهم على الإمام الحسين «علیه السلام» وهو في طريق المدينة، وقالوا: يا مولانا، نحن شيعتك، فمرنا بما تشاء، فلو أمرتنا بقتل كل عدو لك، وأنت بمكانك لكفيناك ذلك.
فجزاهم خيراً، وكان مما قاله لهم: «فإذا أقمت في مكاني، فبم يمتحن هذا الخلق المتعوس وبماذا يختبرون؟!
ومن ذا يكون ساكن حفرتي بكربلا ؟ وقد اختارها اللّه تعالى لي يوم دحا الأرض، وجعلها معقلاً لشيعتنا ومحبينا، تقبل أعمالهم وصلواتهم، ويجاب دعاؤهم، وتسكن إليها شيعتنا، فتكون لهم أماناً في الدنيا والآخرة (1).
6 - المراد بحبوط الأجر، هو تفويته بسبب عدم التسبب بحصوله، لأن اللجوء إلى الملائكة، أو إلى الجن يحرمه «عليه
1) راجع: الملهوف هامش ص 128 و (نشر أنوار الهدى) ص42 ومستدرك الوسائل ج 10 ص 217 وبحار الأنوار ج 44 ص 331 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 180 ولواعج الأشجان ص 75 والمجالس الفاخرة ص 210.
السلام» من مقاساة المحن، وبلوغ درجة الشهادة التي وعد اللّه تعالى بها.. والتي لها تلك الآثار العظيمة في الأمة إلى يوم القيامة.
1 - عن محمد بن داود القمي بالإسناد عن أبي عبد اللّه [الصادق] «علیه السلام» قال:
جاءَ مُحَمَّدُ بنُ الحَنَفِيَّةِ إِلى الحُسين «علیه السلام» في الليلة التي أرادَ الحُسَينُ «علیه السلام» الخروج في صَبِيحَتِها عَن مَكَة، فَقَالَ لَهُ: يا أخي، إنَّ أهل الكوفة مَن قد عَرَفتَ غَدرَهُم بِأَبيكَ وأخيكَ، وقد خِفْتُ أن يَكونَ حالكَ كَحال مَن مَضى، فإن رأيت أن تقِيمَ؛ فَإِنَّكَ أَعَزُّ مَن بالحَرَمِ وأمنَعُهُ.
فقالَ: يا أخي، قد خِفْتُ أَن يَغتالني يَزِيدُ بنُ مُعَاوِيَة بِالحَرَمِ، فَأَكُونَ الذي يُستَباحُ بهِ حُرمَة هذا البَيتِ.
فَقالَ لَهُ ابنُ الحَنَفِيَّةِ: فَإِن خِفْتَ ذلِكَ قصر إلى اليَمَن أو بعض نَواحِي الْبَرِّ، فَإِنَّكَ أَمنَعُ النّاس بهِ، ولا يَقدِرُ عَليكَ أَحَدٌ.
فقال: أنظر فيما قُلتَ.
فلمّا كانَ السَّحَرُ ارتَحَلَ الحُسَينُ «علیه السلام»، فَبَلغَ ذلِكَ ابنَ الحَنَفِيَّةِ، فأتاهُ فَأَخَذ زمام ناقته وقد رَكِبَها، فقال: يا أخي، ألم تَعِدُنِي النظر فيما سَأَلْتُكَ؟
قالَ: بَلى.
قالَ: فما حَداكَ عَلى الخروج عاجلا؟
فَقالَ: أَتاني رَسُولُ اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بَعدَما فارقتُكَ، فقالَ: يا حُسَينُ اخرُج، فَإِنَّ اللّه قد شاءَ أن يراك قتيلا.
فقالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: «إِنَّا للّه وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ»، فما معنى حَملِكَ هؤلاء النِّسَاءَ مَعَكَ وأنتَ تَخْرُجُ عَلى مِثل هذا الحال؟
قالَ: فَقالَ لَهُ: قد قال لي: إنَّ اللّه قد شاءَ أن يَرَاهُنَّ سَبِايا. وَسَلَّمَ عَلَيهِ ومَضى (1).
2 - خَرَجَ مُحَمَّدُ بنُ الحَنَفِيَّةِ يُشيِّعُهُ [أي الإمامَ الحُسَينَ «علیه السلام»] [في عيون المعجزات: عند توجهه إلى العراق] فَقالَ لهُ عِندَ الوَداع: يا أبا عَبدِ اللّه، اللّه اللّه فِي حُرَمِ رَسولُ اللّه !
فقالَ لَهُ: أَبَى اللّه إِلا أَن يَكُنَّ سَبايا (2)..
3 - بَعَثَ حُسَينٌ «علیه السلام» إلى المَدينَةِ، فَقَدِمَ عَلَيهِ مَن خَفَّ مَعَهُ مِن بَني عَبدِ المُطَّلِبِ، وهُم تِسعَة عَشَرَ رَجُلاً، ونِساء وصبيانٌ مِن أخَواتِهِ [في بغية الطلب أخوانه] وبَناتِهِ ونِسائِهم.
وتَبعَهُم مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ، فأدركَ حُسَينا «علیه السلام» بمَكَّة، وأعلمَهُ أنَّ الخُروج ليسَ لهُ بِرَأي يَومَهُ هذا، فَأَبَى الحُسَينُ «عليه
السلام» أن يَقبَل (1).
ونقول:
1 - لقد أخرنا الكلام عن نصيحة محمد بن علي «علیه السلام» (ابن الحنفية) إلى هنا لأنها تصرح بأنه «رحمه اللّه» قد كلم أخاه الحسين «علیه السلام» في لحظة خروجه وبعد ركوبه ناقته.. فأحببنا أن نذكرها في نفس موقعها.
2 - إن هذه النصيحة أيضاً لا تختلف في مضمونها العام عن سابقاتها، فلا حاجة إلى إعادة المطالب.
تقدم: أن الإمام الحسين «علیه السلام» قال لأخيه محمد «رحمه «اللّه» عن سبب حمله النساء معه: «إن اللّه قد شاء أن يراهن سبايا»... عطفا على ما أخبره به من أن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» أخبره في تلك الليلة بأن اللّه شاء أن يراه قتيلاً..
1) الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 451 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 61 وتهذيب الكمال ج 6 ص 421 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 9 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 304 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 211 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2612 والبداية والنهاية ج 8 ص 165 و (ط دار إحياء التراث العربي) ص 178 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 267 عنهم وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 298.
وقال له ابن عباس: جعلت فداك يا حسين إن كنت لا بد سائراً إلى الكوفة، فلا تسير بأهلك ونسائك.
فقال له: يا ابن العم، إني رأيت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» في منامي، وقد أمر بأمر لا أقدر على خلافه، وإنه أمرني بأخذهم معي، إنهن ودائع رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ولا آمن عليهن أحداً، وهن أيضاً لا يفارقني.
ثم ذكر موقف زينب، وتأنيبها ابن عباس على مبادرته هذه (1).
وقال «علیه السلام» لأم سلمة في المدينة: «يا أماه، قد شاء اللّه عز وجل أن يراني مقتولاً مذبوحاً، ظلماً وعدواناً.
وقد شاء أن يرى حرمي ورهطي ونسائي مشردين، وأطفالي مذبوحين مظلومين، مأسورين مقيدين، وهم يستغيثون فلا يجدون ناصراً ولا معينا» (2).
ونقول
1 - ربما يكون معنى ذلك : أن اللّه سبحانه قد خلق الإنسان وأراده أن يكون مختاراً فيما يقول ويفعل، وجعل قانون السببية هو الحاكم والمهيمن، ليس على كل ما يحيط به وحسب، وإنما على كل ما في هذا
الكون الرحيب والعجيب. وزود الإنسان بكل ما يحتاج إليه في بلوغ درجة السعادة في الدنيا والآخرة، كالعقل، والقوة، والفطرة الصحيحة، وما إلى ذلك.. وأنعم عليه بالغرائز والشهوات، ليستفيد منها في بناء الحياة، وفق ما رسمه له، لتكون من أسباب سعادته وراحته..
ثم أرسل إليه الأنبياء بالهدايات التي يحتاج إليها، ورسم له منهج حياة، وهداه إلى سبيل النجاة، وحدَّره من الزيغ والضلال، والتمرد والطغيان، وجعل له الدنيا دار عمل، وبناء، والآخرة دار مثوبة وجزاء...
ومن مباني المنهج الإلهي: أنه جعل على عاتق الأنبياء والأوصياء مهمة الهداية والإصلاح، والرعاية وحفظ الدين، وأوجب عليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأخذ على نفسه عدم المساس باختيار البشر، وعدم سلبهم القدرة على التأثير في الأشياء، وعدم تعطيل قانون السببية حين يريدون تحريكه في الإتجاه الذي يختارونه..
وبذلك يتضح أن المراد من قوله: إن اللّه شاء أن يراه قتيلاً وأن يرى النساء سبايا. أن اللّه سبحانه يريد للإمام الحسين «علیه السلام» أن يقوم بما يجب عليه من طلب الإصلاح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما دل عليه قوله «علیه السلام» لم أخرج أشرا ولا بطراً، ولا مفسداً، ولا ظالماً، ولكن خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر.
فهو يريد أن يقوم بهذا الواجب، حتى مع علمه بأنه سيتعرض
للقتل هو وأصحابه، وستتعرض نساؤه للسبي، ولن يتدخل اللّه سبحانه لمنع ذلك عنه لأن هذا المنع معناه مصادرة إرادة من يقدم على ذلك، وهذا خلاف ما أخذه سبحانه على نفسه.
كما أنه لن يواجه أولئك المجرمين بما يخرج عن نطاق قدراتهم كأن يحاربهم بالملائكة أو الجن مثلا.. ولن يتولى هو سبحانه البطش بهم، قبل أن يتمكنوا من إيراد ضربتهم، وارتكاب جريمتهم.
ولكن اللّه سبحانه سوف يعوض الحسين وأصحابه ما هو أعظم وأفخم من حفظ حياته «علیه السلام» وحياتهم لبضع سنوات في هذه الدنيا، ثم الارتحال عنها. بأن منحه بشهادته، ومنح أصحابه ونساءه أجر بقاء الدين، وأعطاهم النصيب الأكبر، والحظ الأوفر من مثوبات أهل الإيمان في كل جيل إلى يوم القيامة، لأن الحسين «علیه السلام» وأصحابه ونساءه بسبب ما جرى عليهم سوف يبقون على مر الأيام والدهور شعلة الإيمان المتوقدة والمتوهجة بأنوار الهدايات والتزكيات لأرواح المؤمنين والموجبة لقبول أعمالهم.
كما أنهم بالنسبة للضالين الكافرين والمستكبرين عن قبول الحق، سيبقون الحجة البالغة التي لن يجدوا عنها محيصاً.
فيكون الحسين وأصحابه ونساؤه «علیه السلام» هم البينة التي أشار اللّه تعالى إليها، ودل عليها بقوله : «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ
وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنةٍ» (1).
2 - وفي سياق آخر، وخصوصاً بالنسبة لسبي النساء نقول:
إذا أردنا تبسيط الأمور، فإن الوقائع قد أظهرت: أن بني أمية كانوا يدركون أن ما يقدمون عليه في حق سيد شباب أهل الجنة، وأقدس مخلوق كان على وجه الأرض، سيكون بمثابة زلزال هائل، لن يمكنهم التخلص من تبعاته وارتداداته، فكان كل همهم منصرفاً إلى التخفيف من آثاره بأي ثمن.
فلو أن الحسين «علیه السلام» لم يحمل النساء معه، فقد يحاول أعداؤه أن يسيئوا إليهن، بهدف إرباكه في حركته «علیه السلام» حتى إذا استشهد «علیه السلام»، فقد يتخذون منهن وسيلة إذلال، وأذى لبني هاشم بعد مماته.
قال السيد ابن طاووس رحمه اللّه»: «مِمّا يُمكِنُ أَن يَكُونَ سَبَباً لِحَمل الحُسَين «علیه السلام» لِحَرَمِهِ مَعَهُ ولِعِيالِهِ: أَنَّهُ لَو تَرَكَهُنَّ بالحجاز أو غيرها من البلاد، كانَ يَزيدُ بنُ مُعاوِيَة «لَعَنَهُ اللّه» أَرسَلَ مَن أَخَذَهُنَّ إِلَيهِ، وصَنَعَ بهنَّ مِنَ الاستيصال وسوء الأعمال ما يَمنَعُ الحُسَينَ «علیه السلام» مِنَ الجِهادِ وَالشَّهادَةِ، ويَمتَنِعُ «علیه السلام» - بِأَخذ يَزِيدَ بن مُعاوِيَة لَهُنَّ - عَن مَقامِ السَّعادَةِ» (2).
كما أن استبعادهم من الركب الحسيني يفسح المجال لمرتكبي الجريمة لادعاء أنه «علیه السلام» قد ضل في الصحراء، وهلك هو ومن معه جوعاً أو عطشاً، أو أن لصوصاً محترفين اعترضوا طريقهم، وفتكوا بهم، أو أن وحوشاً مفترسة عدت عليهم في الليل البهيم، و افترست من افترست، وتاه في الصحراء من تاه، فلا يعلم ما جرى له..
وقد يأتي نفس قتلته «علیه السلام»، وقتلة أصحابه ببعض الأشلاء ويشيعونها باحترام وتبجيل، وتظاهر بمزيد من الحزن والأسى، وينالون بذلك المدح والثناء، ويكون لهم به من الناس الدعاء.
ثم ينصرفون إلى متابعة نهجهم التضليلي بهدوء بال..
وأما إذا كان هذا الإيذاء للنساء والأطفال قد نالهن من حيث أنهن جزء من الحركة الحسينية، حيث يكون الإعتداء عليهن في سياق الإعتداء على الحسين نفسه، فإن ارتدادات هذا العدوان ستكون في صالح الحركة الحسينية المباركة، وفي خدمة أهدافها.
ويلاحظ: أنه «علیه السلام» قد أخبر عن استشهاده وعن سبي نسائه، في سفره إلى العراق في أقدس مكان وهو مكة، وحيث الناس مجتمعون فيه، وهم من مختلف بقاع الأرض ليقيموا شعيرة من أعظم الشعائر، وهي شعيرة الحج.
وقد اختار «علیه السلام» أكثر الأيام حساسية، وهو يوم التروية،
ليعلن للناس أنهم إذا كانوا يسيرون باتجاه عرفة، فإنه يسير باتجاه آخر معاكس لعرفة، وسيمعن بالابتعاد عنها مع أن الحسين «علیه السلام» هو الذي يعنى بإقامة الحج أكثر من أي إنسان آخر، وهو الذي يفترض فيه أن يكون القائد والرائد والمرجع لكل من وفد إلى مكة.
وهو الرمز والمثل الأعلى لهم، وهو بقية أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة ويعتبره الناس مسؤولاً عن حفظ الدين، وشرائعه وشعائره، ويتمنون أن يروه في مدة عمرهم ولو مرة واحدة، فضلاً عن سعادة الناس الغامرة بالتحدث إليه، والجلوس بقربه.
إنه «علیه السلام» يخرج من مكة، قلب الإسلام النابض، ومن بلد يحتضن المقدسات إلى بلد لا مقدسات فيه تضاهيها.
وقوله «علیه السلام»: إن اللّه قد شاء أن يراه قتيلا، ويرى نساءه سبايا خبر مرعب للناس وهائل، لأن القتل سيكون لأقدس إنسان على وجه الأرض، ولأن المخبر به هو الرسول الأعظم محمد «صلی اللّه علیه وآله». وقد أخبرهم به عنه من صرح القرآن بتطهيره وعصمته، وها هو يتعامل مع الخبر بجدية تامة، ويلتزم بمقتضياته..
كما أن سبي النساء يشير إلى أن الذين يحاربونه ويقتلونه سيكونون في غاية الانحطاط والسقوط الأخلاقي، وسيكونون أعظم الناس شرا، وأشدهم ضلالاً وكفراً، كما يدل عليه سبيهم لنساء أهل بيت النبوة، وأشرف الخلق، وأكرمهم على اللّه.
فالحسين إذن، لم يخرج لأجل النزهة والإستجمام، ولا لأجل نيل
حكم وسلطان ولا فراراً من خطر بل خرج لملاقاة الخطر بأعظم مراتبه، وأشد تحدياته، وأقسى مظاهره وحالاته.
وإذا ما شاعت بين الناس كلمته «علیه السلام» هذه عن قتله، وعن سبي نسائه، فإن كل من يسمعها سوف يترقب الأخبار بفارغ الصبر، ليعرف من هو ذلك المجرم الذي سيرتكب هذا الأمر العظيم وماذا سيحل بالأمة نتيجة لذلك؟!
وإذا رجع الحجاج إلى بلادهم، فسيكون خروج الحسين «علیه السلام»، وما أخبرهم به هو حديثهم الذي لا ينسى ولا يمل، والذي سوف يصل إلى كل أهل الإسلام، وكل قرية وحي، لأن الحجاج هم خلاصة العالم الإسلامي.
وقد أتحفهم «علیه السلام» بذكريات تلامس مشاعرهم وتثير أحاسيسهم، وتتصل بإيمانهم وعقيدتهم، وتهز ضمائرهم، وتوقظ وجدانهم، وستكون هي حديثهم المفضل لهم ولزوارهم.
وهذا ما سوف يضعف قدرة سلطات الغدر والجريمة على تزوير الحقيقة أو تشويهها، وستبقى الشكوك وحالات الريب تلاحق أولئك المجرمين، وتقض مضاجعهم.
عن هشام بن الوليد، عمّن شهد ذلك قال:
أَقبَلَ الحُسَينُ بنُ عَلِيّ «علیه السلام» بأهلِهِ مِن مَكَة، ومُحَمَّدُ بنُ
الحَنَفِيَّةِ بِالمَدينَةِ، قَالَ: فَبَلغَهُ خَبَرُهُ وهُوَ يَتَوَضَّأُ في طست؛ قالَ: فَبَكَى حَتَّى سَمِعتُ وَكَفَ دُموعِهِ فِي الطَّسَتِ.
[في تذكرة الخواص حتى ملأه من دموعه، ولم يبق بمكة إلا من حزن لمسيره، ولما أكثروا عليه أنشد أبيات أخي الأوس:].
سأمضي فما فِي المَوتِ عارٌ***إذا ما نوى خيراً وجاهَدَ مُغْرَما
وآسَى الرّجالَ الصَّالِحِينَ***وفارَقَ مَثبوراً وخالف مَحرَما
وإن عِشتُ لم أَدْمَم وإِن مِتُّ***كَفى بك ذلاً أن تعيش وترغما
ثُمَّ قِرَأَ : «وَكَانَ أَمْرُ اللّه قَدَرًا مَّعْدُورًا» (1)» (2).
ونقول:
أولاً : قال الشيخ حسين تقي زاده في سائر المصادر أنه «عليه السلام» أنشد هذه الأبيات عند لقائه بالحر الرياحي (3).
ونقول:
إنه لا مانع من أن يكون «علیه السلام» قد تمثل بهذه الأبيات مرتين:
إحداهما : في مكة لما أكثروا عليه.
والأخرى : حين لقائه بالحر الرياحي «رحمه اللّه».
ثانياً: إن الروايات التي تقدمت تصرح بأن ابن الحنفية كان في مكة، حين تحرك الحسين «علیه السلام» نحو العراق، وهذه الرواية تقول : إنه كان فى المدينة. فهل يعقل أن يكون ابن الحنفية قد بادر إلى الخروج من مكة وجد في السير حتى قدمها قبل أن يصل الحسين «علیه السلام» إلى مسامتها. باعتبار أن الحسين «علیه السلام» لم يكن يجد السير، بل كان يسير متمهلاً رفقاً بالنساء، ولأن الذين ساروا معه، أو التحقوا به حين مر بهم في مياههم كانوا كثيرين، والجماعة إذا كثرت ثقلت حركتها في السفر.
وعلى كل حال، فإن هذا يبقى مجرد احتمال. ولا ضير في ترجيح أن يكون الراوي قد وهم هنا أيضاً، فذكر المدينة في حين أنه كان يريد مكة.
1 - روي بسند مرسل : أن جابر بن عبد اللّه الأنصاري التقى الحسين «علیه السلام» قال :جابر كلمت حسینا، فقلت: اتق اللّه ولا تضرب الناس بعضهم ببعض، فواللّه ما حمدتم ما صنعتم. فعصاني (1).
1) البداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 176 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 208 وتهذيب الكمال ج 6 ص 417 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2609 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص294 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 58.
2 - عن جابر بن عبد اللّه «رحمه اللّه» قال:
لما عزم الحسين بن عليّ «علیهما السلام» على الخروج إلى العراق أتيته فقلت له: أنت ولد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وأحد سبطيه، لا أرى إلا أنّك تصالح كما صالح أخوك الحسن، فإنّه كان موققاً راشداً.
فقال لي: يا جابر ! قَدْ فَعَلَ أخي ذلِكَ بِأَمْرِ اللّه تَعَالَى وَأَمْرِ رَسُولِهِ «صلی اللّه علیه وآله»، وَإِنِّي أَيْضاً أَفْعَلُ بِأَمْرِ اللّه تَعَالَى وَأَمْرِ رَسُولِهِ، أثريدُ أنْ اسْتَشْهَدَ لَكَ رَسُولَ اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وَعَليّا، وأخي الحَسنَ «علیهما السلام» بذلِكَ الْآنَ؟!
ثمّ نظرت، فإذا السماء قد انفتح بابها، وإذا رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله» وعلي والحسن وحمزة وجعفر وزيد نازلين عنها حتى استقرّوا على الأرض، فوثبت فزعاً مذعوراً.
فقال لي رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: يا جابر! ألم أقل لك في أمر الحسن قبل الحسين، لا تكون مؤمناً حتى تكون لأئمتك مسلما، ولا تكن [تكون] معترضاً، أتريد أن ترى مقعد معاوية، ومقعد الحسين، ابني ومقعد يزيد قاتله «لعنه اللّه»؟!
قلت: بلى يا رسول اللّه!
فضرب برجله الأرض، فانشقت وظهر بحر فانفلق، ثمّ ضرب فانشقت هكذا حتى انشقت سبع أرضين وانفلقت سبعة أبحر، ورأيت من تحت ذلك كله النار فيها سلسلة قرن فيها الوليد بن مغيرة، وأبو جهل، ومعاوية الطاغية، ويزيد، وقرن بهم مردة الشياطين، فهم أشدّ أهل النار عذاباً.
ثمّ قال «صلی اللّه علیه وآله»: ارفع رأسك، فرفعت، فإذا أبواب السماء متفتحة، وإذا الجنّة أعلاها
ثمّ صعد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» ومن معه إلى السماء فلمّا صار في الهواء صاح بالحسين: يا بني الحقني.
فلحقه الحسين «علیه السلام»، وصعدوا حتى رأيتهم دخلوا الجنّة من أعلاها، ثمّ نظر إليّ من هناك رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وقبض على يد الحسين «علیه السلام» وقال: يا جابر! هذا ولدي معي هاهنا، فسلم له أمره، ولا تشك لتكون مؤمناً.
قال جابر: فعميت عيناي إن لم أكن رأيتُ ما قلت من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» ! (1).
ونقول:
1) راجع: الثاقب في المناقب ص322 و 323 ومدينة المعاجز ج 3 ص 74 و 382 و 487 عنه، ونفس المهموم ص 77.
بالنسبة للنصيحة الواردة في الرواية المتقدمة برقم [1] نقول:
إنها ساقطة عن الاعتبار ليس فقط من حيث السند، بل من حيث المضمون أيضاً فإن ولاء جابر لأهل البيت «علیهم السلام»، وتعظيمه وخضوعه لهم، ومعرفته بحقهم وبمقاماتهم، والتزامه بإمامتهم وروايته لفضائلهم كالنار على المنار وكالشمس فى رائعة النهار.
ولم نعرف عنه أي موقف خارج هذا السياق وهذا الذي يدل على أن الرواية المذكورة آنفاً برقم [1] لا تصح، مع أن فيها أيضاً:
أولاً: إنه يقول للإمام «علیه السلام»: اتق اللّه، وكأنه يريد أن يفهمه بأن ما يقدم عليه لا ينسجم مع التقوى وفروضها. والحال أنه يعلم بأن الإمام الحسين «علیه السلام» مطهر معصوم بنص آية التطهير، وبنصوص أخرى صرحت بعصمته «علیه السلام»، وقد ذكرنا بعضها في ثنايا هذا الكتاب.
ثانياً: إنه يتهم الحسين «علیه السلام» بأنه بصدد أن يضرب الناس بعضهم ببعض. أي أنه بنظره يريد إثارة الفتنة وهذا هو نفس ما اتهمه به یزید وعبيد اللّه بن زياد «لعنهما اللّه» وهو ما اتهمه به الذين أرسلهم الأشدق لمنعه «علیه السلام» من الخروج من مكة..
مع أنه «علیه السلام» لم يقل : إنه يريد حرباً أو قتالاً لأحد بل غاية ما فعله هو :
1 - إنه يرفض البيعة ليزيد، لأنه رجل متغلب غاصب لهذا المقام من
صاحبه الشرعي، وهو الحسين «علیه السلام» نفسه.
ألف: مع أن يزيد من أبناء الطلقاء الذين ليس لهم في هذا الأمر نصيب.
ب: إن النبي «صلی اللّه علیه وآله» نفسه قد نص على أن مقام الإمامة هو للحسين «علیه السلام» دون كل أحد.
ج: إن معاوية نفسه قد صرح في وثيقة عهده مع الإمام الحسن بأنه ليس له أن يعهد لأحد وأن الأمر من بعده للحسن ثم للحسين «علیهما السلام». وهذا يحتم على الإمام الحسين «علیه السلام» أن يرفض البيعة له، حتى لا تكون بيعته سبباً في تضليل الناس وخداعهم، ولو بادعاء أن الحسين «علیه السلام» قد تنازل عن حقه ببيعته.
2 - إنه «علیه السلام» لم يزل يعلن: أنه ملاحق من قبل يزيد وبني أمية ليقتلوه، وأنه إنما يخرج من مكة خوفاً من أن تنتهك حرمتها بقتله. مع تصريحه بأنه مقتول على أيديهم لا محالة.
3 - إن غاية ما أعلنه «علیه السلام»: هو أن حاله كحال سائر المكلفين، من حيث وجوب العمل لإصلاح حال الأمة، من خلال احياء سنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وليس في هذا ما يشير إلى نية حرب أو قتال مع أحد.
فكيف يتهم طالب الإصلاح في أمة جده، من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأنه يريد أن يثير الفتنة، وأن يضرب الناس بعضهم ببعض ؟!
ثالثاً : تضمنت هذه الرواية أيضاً تخطئة لعلي وللإمام الحسن «علیهما السلام» فهي تقول: «فواللّه ما حمدتم ما صنعتم».
فهو:
1 - يقسم أن بني هاشم كانوا مستائين من نتائج سياساتهم السابقة وهذا رجم بالغيب، وقول بغير علم، ولم يطلع اللّه تعالى أحداً على ما في القلوب والضمائر، إلا إذا كان نبياً أو وصياً، وليس جابر منهم.
كما أن عصمتهم الثابتة بالنص القرآني، وبالأدلة الكثيرة تمنع من صحة هذا الإدعاء، فقد عمل أهل البيت «علیهم السلام» بتكليفهم الشرعي، الذي هو غاية جهدهم ومنتهى سعيهم وبما يرضي اللّه ويرضيهم «علیهم السلام»، فقد قال الحسين «علیه السلام» في خطبته في مكة: «رضى اللّه رضانا أهلَ البَيتِ» (1).
2 - إن هذه الكلمة تتضمن أن الأئمة «علیهم السلام» هم الذين صنعوا ما ظهر بواره وفشله. وهذا كلام غير دقيق، فإن أعقل البشر وهم الأنبياء والأوصياء، وهم موفقون ومسددون للصواب يهيئون أسباب النصر أو النجاح في هذا العمل أو ذاك، ويكون على العاملين من
1) راجع: بحار الأنوار ج 44 ص 367 والملهوف لابن طاووس ص38 وكشف الغمة ج 2 ص 239 ومعارج الوصول ص 94 ومثير الأحزان ص 29 ولواعج الأشجان ص 239 و 70 ونزهة الناظر وتنبيه الخاطر ص 86 والمجالس الفاخرة للسيد شرف الدین ص 207 ومقتل الخوارزمي ج 1 ص 186.
سائر المكلفين أن يستثمروا جهد ذلك النبي أو الوصي، فإذا تخاذل الناس، أو نكثوا، أو عصوا وتمردوا، فيكون الفشل والسقوط منهم دون أن يكون للنبي أو الإمام ذنب في ذلك.
وقد عرفنا ما جرى في غزوة أحد، وغزوة حنين وخيبر، وقريظة، وذات السلاسل وسواها، فإن النبي «صلی اللّه علیه وآله» قد أنجز كل ما عليه، ورسم لهم الخطط الصحيحة. وهيأ أسباب النجاح، ولكن الناس هم الذين خالفوا ما رسم فوقعوا في الخلل الكبير، والمحذور الخطير.
3 - ويلاحظ هنا: قوله في آخر تلك الرواية مشيراً إلى الإمام الحسين «علیه السلام»: «فعصاني». وكأنه يتوقع أن يكون الإمام المنصوب من قبل اللّه سبحانه، والمعصوم عن الذنب والخطأ وغيرهما رهن إشارته، وطوع بنانه، وينزجر بزجره، وينتهي إلى أمره..
وحين نصل إلى الرواية الثانية، فإننا نجد: أنها تختلف عن سابقتها، فهي تظهر أن جابرا يريد من الإمام الحسين «علیه السلام» أن يتصرف مع يزيد بنفس الطريقة التي تصرف بها أخوه الإمام الحسن «علیه السلام» مع معاوية، فيصالح يزيد كما صالح الحسن «عليه السلام» معاوية.
وكأنه يظن أن هذا التصرف سوف يحفظ الحسين «علیه السلام»، ويحفظ شيعته ومحبيه رضوان اللّه تعالى عليهم من القتل، ولا ضير
في أن يوافق الحسين أخاه. وهو أحد سبطي الرسول.. ومشكلة الحسين «علیه السلام» مع يزيد الابن هي نفسها المشكلة التي كانت للحسن «علیه السلام»، مع معاوية الأب. فلماذا لا يعتمد الحسين «علیه السلام» نفس الحل الذي اعتمده الحسن «علیه السلام»؟! فإن الحسن كان موفقا راشداً، فتجب موافقته فيما اختاره، لأن مخالفته تعني الخروج من حالة الرشد والتوفيق إلى حالة الغي والخيبة.
فأجاب الحسين «علیه السلام» على هذا المنطق بأمر ظاهر البداهة، وشديد الوضوح، وهو:
أنه لا ريب في أن الإمام الحسن «علیه السلام» كان موفقا راشداً. لكن ذلك لا يعني أن من يختار طريقاً يختلف عن الطريق الذي سلكه «علیه السلام» يكون غير راشد، أو أنه سوف يقع في الخيبة والغي..
أولاً : لأن المشكلة الواحدة قد يكون لها أكثر من حل، وقد تكون كلها مرضية عند اللّه تعالى وفي الأحكام الشرعية ما يصلح شاهداً على مثل ذلك التخيير بين خصال الكفارة بين عتق رقبة، أو إطعام ستين مسكينا أو صيام شهرين متتابعين.
والتخيير في الدية بين ألف دينار، وعشرة آلاف درهم، ومئتي حلة يمانية، ومئة ناقة، وألف شاة، ومئتي بقرة..
والتخيير بين الإتمام والقصر في مكة، والمدينة، والكوفة، أو في خصوص مساجد هذه البلاد، وفي حرم الحسين «علیه السلام» فيما
يحيط بالقبر بمقدار خمسة وعشرين ذراعاً من كل جانب.
ثانياً: إن المشكلة الواحدة قد تكون لها جهات مختلفة، وآثار متفاوتة، ويكون على هذا الإمام أن يعالجها من هذه الجهة، وعلى الإمام الآخر أن يعالجها من جهة أخرى، إذا أصبحت الحاجة ماسة إلى معالجتها.
ثالثاً: إن ادعاء اتحاد الظروف التي واجهها الإمام الحسن «عليه السلام» مع معاوية مع الظروف التي واجهها الحسين «علیه السلام» مع يزيد غير ظاهر الوجه.. بل الأمر لا يشبه بعضه بعضاً بينهما، ولأجل ذلك اختلف تكليف الإمام الحسين «علیه السلام» عن تكليف أخيه كما هو صرح في جوابه لجابر حيث قال له عن الإمام الحسن «علیه السلام»:
«قد فعل ذلك بأمر اللّه وأمر رسوله، وإني أيضا أفعل بأمر اللّه وأمر رسوله».
ويكفي أن نذكر كشاهد على وجود تفاوت واختلاف: أنه قد كان من شروط عهد معاوية مع الإمام الحسن «علیه السلام»: أن لا يعهد معاوية لأحد بعده، بل يكون الأمر للحسن ثم للحسين «علیهما السلام»، فإن هذا الشرط قد أوجد واقعاً جديداً لم يعد يمكن للحسين «علیه السلام» معه أن يبايع يزيد بن معاوية «لعنه اللّه». لأن هذه البيعة سوف تبطل مضمون هذا الأمر، وربما استفيد منها في إثارة الشبهات والأضاليل حول الإمامة وشؤونها ومعانيها، وسائر ما يرتبط بها.
يضاف إلى ذلك: أن قرار قتل الحسين «علیه السلام» على يد جلاوزة بني أمية قد بات أمراً محسوماً، ولا رجوع عنه. فإذا بايع ثم قتل «علیه السلام»، فإنه يكون قد رسخ حاكمية يزيد وبني أمية ببيعته، وأقر بها، ثم لم تنتفع الأمة منه «علیه السلام» في جلاء الحقائق، ودفع الشبهات والضلالات التي يثيرها بنو أمية، بعد البيعة لهم، والموافقة على حكومتهم.
إلى أمور كثيرة ولوازم فاسدة لا يمكن تجاهلها في هذا الأمر الكبير والخطير.
وذكرت الرواية : أن الإمام الحسين «علیه السلام» بعد أن بيَّن لجابر أن تكليفه يختلف عن تكليف أخيه، وكلا التكليفين صادر عن اللّه تعالى ورسوله «صلی اللّه علیه وآله». الأمر الذي ينفي أن تكون الظروف التي واجهت الأخوين «علیهما السلام» متوافقة. فإذا اختلفت كان اختلاف الحكم طبيعياً. إنه «علیه السلام» بعد أن بيَّن ذلك - قدم لجابر شاهداً حسيا يرقى إلى مستوى الإعجاز الذي لا يكون إلا لنبي أو وصي وهو أنه أراه رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وعليا وحمزة وجعفر وزيداً ينزلون من باب السماء إلى الأرض. وكلمه رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله» بما ذكرته الرواية.
وهذا يشير إلى ما يلي:
1 - إن الإمام الحسين «علیه السلام» لم يظهر هذا الأمر
الإعجازي والمثير لأي من ناصحيه، إلا لجابر وأمثاله من المخلصين، كأم سلمة مثلا.. ربما لأن أمثال هذه الأمور إنما يظهرها الأئمة والأنبياء «علیهم السلام» الخصوص الصفوة الذين يتمكنون بإيمانهم وصفاء نفوسهم من تحملها، إذا وثقوا من عدم تسببها بأية ارتدادات سلبية عليهم، وقد كان جابر من هؤلاء.
2 - إنه «علیه السلام» أراد أن تكون هذه المعجزة أو الكرامة هي التي تعطى جابراً السكينة والطمأنينة التي هي درجة أرقى من مجرد قناعة ويقين عقلي، ينتجه دليل نظري قاطع. كما هو الحال فيما جرى لإبراهيم «علیه السلام» فيما حكاه اللّه عنه بقوله: «وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قلبي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَة مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلَّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً» (1).
3 - إنه «علیه السلام» لم يقتصر على استحضار رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» لجابر، بل أحضر له خمسة أشخاص معه، وقد رأينا أن فيهم النبي، والوصي، وفيهم الهاشمي الإمام، وغير الإمام وفيهم غير الهاشمي، وفيهم المسن والأسن، وفيهم الإمام الحسن الذي طلب جابر من الإمام الحسين أن يلتزم بقراره ومساره حرفياً، مع أنه قرار كان قد مضى عليه ما يقرب من عشرين عاماً.
1) الآية 260 من سورة البقرة.
4 - ثم إن النبي «صلی اللّه علیه وآله» يصدر أمره لجابر بالتسليم لإمامة الحسين «علیه السلام» بحضور هؤلاء جميعاً بما فيهم الإمام الحسن «علیه السلام» مذكراً إياه بأنه «صلی اللّه علیه وآله» كان في حال حياته قد أمر جابرا نفسه أيضا بالتسليم للإمام الحسن «عليه السلام».
5 - إن تذكير النبي «صلی اللّه علیه وآله» جابرأ الآن وهو يراه في عالم التمثل، وذلك بعد حوالي خمسين عاماً من موته «صلی اللّه علیه وآله» بشيء كان قد قاله له في حال حياته «صلی اللّه علیه وآله»، وأمره في عالم المشاهدة الحقيقية من أقوى الأدلة الإقناعية التي تمنح جابراً السكينة وطمأنينة القلب وتثبت له أن الحسين «علیه السلام» متصل بالغيب الإلهي، ويعمل بأمر اللّه وأمر رسوله.
6 - إنه «علیه السلام» قد عطف أمر رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» على أمر اللّه، مع أن أمر الرسول ينتهي إلى اللّه، فإنه «صلی اللّه علیه وآله» لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى ربما ليبعد عن ذهن بعض الضعفاء، وأهل الريب توهم أن الوحي ينزل عليه، ومحاولة إثارة الشبهات والأضاليل من خلال ذلك.
وقد ذكرت الرواية زيداً في جملة من رآهم جابر، فهل المراد زيد بن صوحان الذي استشهد في حرب الجمل، كما أخبر به النبي «صلی اللّه علیه وآله».
أو هو زيد بن حارثة شهيد مؤتة؟!
إننا نرجح أن يكون المقصود هو ابن حارثة، فإنه استشهد بعد جعفر بن أبي طالب في غزوة مؤتة، وكان رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله» قد جعل له القيادة بعد جعفر رضوان اللّه تعالى عليهما. فالمناسب أن يكون هو المقصود بالذكر هنا بعد ذكر جعفر الطيار.
ورأينا في الرواية: أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» لم يقل لجابر: اتبع الحسين، فإنه محق في ما يقول ويفعل بل قرر له قاعدة كلية تحفظ له سلامة الاعتقاد بالإمامة في جميع الظروف والأحوال. وهي أن يكون مسلماً لإمامه، ولا يكون معترضاً..
ولم يحدد له إماماً بعينه، لتشمل هذه القاعدة كل إمام في كل زمان، وفي أي مرحلة عمرية كان ذلك الإمام، حتى لو كان في الطفولة، كما هو الحال بالنسبة للإمام الباقر مع جابر نفسه.
ذكرت الرواية إنشقاق سبع أرضين، أو سبعة أبحر، فرأى النار من تحت ذلك كله، ورأى فيها معاوية، ويزيد، وأبا جهل والوليد بن المغيرة ومردة الشياطين..
ثم رأى أبواب السماء مفتحة، والجنة في أعلاها، فصعد «صلى اللّه عليه وآله» ومن معه فلما صار في الهواء صاح بالحسين فلحقه،
ودخل الجنة معه، ثم نظر «صلی اللّه علیه وآله» إلى جابر من هناك وقال له: هذا ولدي معي ها هنا فسلم له أمره، ولا تشك لتكون مؤمناً.
ونحن لا نستطيع أن ندعي أننا نعرف ونتعقل حقيقة هذه الأمور التي ذكرتها هذه الرواية. ولكننا لا نكذبها، بل نرجع علمها إلى أهلها، ونسلم إلى أئمتنا، ولا نشك في ديننا.
قالت أمُّ سَلَمَة [لِلحُسين «علیه السلام»]: لا تَخرج إلى العِراق! إِنِّي سَمِعتُ جَدَّكَ يَقُولُ: إِنَّكَ مَقتول بهِ وعِندي تُربَةٌ دَفَعَها إِليَّ في قارورة.
فَقالَ «علیه السلام» وإن لم أخرج قُتِلتُ. ثُمَّ مَسَحَ بِيَدِهِ عَلَى وجهها، فَرَأت مَصَرَعَهُ ومَصَرَعَ أصحابهِ.
وأعطاها تُربة أخرى في قارورة، وقال: إذا فاضَتا دَماً فاعلمي أتي قد قُتِلتُ. ففاضتا دَماً بَعدَ الظهر في يوم عاشوراء (1).
ونقول:
1 - ليس في هذا النص ما يدل زمان ومكان هذه النصيحة، فربما كانت في المدينة، موضع سكنى أم سلمة. وربما كانت في مكة إذا
1) راجع: الصراط المستقيم ج 2 ص 179 والخرائج والجرائح ج 1 ص 253 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 157 وراجع ص181 وبحار الأنوار ج 45 ص 89 وراجع ج 44 ص 332.
كانت أم سلمة قد سارت إليها لأجل العمرة، أو لأي غرض آخر.
2 - إنه «علیه السلام» قد أخبر أم سلمة أنه لو أطاعها ولم يذهب إلى العراق، فإن ذلك لا ينجيه من القتل، وإنما يفوت عليه مثوبة بذل نفسه في سبيل اللّه، ويحرم الإسلام والمسلمين من فضح الباطل وأهله، وإسقاط أقنعته، وتقويض هيمنته.
ويكون مجرد قتيل مظلوم، لا ينال تلك الدرجة العظمى التي رصدها اللّه تعالى له لو رضي بأن يستشهد حيث أراد اللّه تعالى له أن يستشهد.. وهذا ما ألمح إليه «علیه السلام» بقوله: «وإن لم أخرج قتلت».
3 - إنه «علیه السلام» حين مسح بيده على وجه أم سلمة، وأراها مصرعه ومصرع أصحابه، يكون قد عرفها أنه لا يقدم على هذا الأمر استناداً إلى رغبة شخصية، بل هو يتحرك في نطاق الرعاية والتدبير الإلهي، ومن موقع مقام الإمامة، بمعناه الدقيق العميق، وبما له من حالات وشؤون، وقدرة على كشف الحقائق، والتصرف فيها.
4 - إنه «علیه السلام» حين أضاف إلى القارورة التي كان فيها تراب كربلاء، وكان النبي «صلی اللّه علیه وآله» قد أودعها أم سلمة، قارورة أخرى فيها تربة أخرى، يكون قد وضع بين يديها ضمانة تؤكد يقينها، وتبعد شبح التخيلات والشكوك عنها، وتجعلها أمام حقيقة راهنة ملموسة، لا بد لها من الخضوع لها، والالتزام بدلالاتها اليقينية التي ستكون مفيدة جداً في إحقاق الحق وزهوق الباطل، وهداية
الناس إلى يوم القيامة.
عن العامري، بالإسناد عن هبيرة بن مريم عن ابن عباس قال: رأيت الحسين «علیه السلام» قبل أن يتوجه إلى العراق على باب الكعبة، وكف جبرئيل في كفه، وجبرئيل ينادي: هلموا إلى بيعة اللّه عز وجل (1).
ونقول:
1 - لا ندري من أين عرف ابن عباس: أن الذي كان مع الحسين «علیه السلام» على باب الكعبة، وينادي بذلك النداء هو جبرئيل «علیه السلام»، وليس ملكاً آخر، أو مخلوقا آخر...
إلا أن يكون قد سأل الحسين نفسه عنه، فأخبره أنه جبرئيل..
2 - إذا كان ابن عباس قد ضعف بصره جداً، أو فقد بصره في تلك
1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 52 و 53 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 211 عن كتاب التخريج، وبحار الأنوار ج 44 ص 185 ومدينة المعاجز ج 3 ص 503 والعوالم، الإمام الحسين ص41 ومستدرك سفينة البحار ج 1 ص 460.
الفترة، فكيف رأى جبرئيل، والحسين على باب الكعبة؟!
إلا أن يكون اللّه تعالى قد كشف عن بصره ليرى هذه الكرامة للإمام الحسين «علیه السلام»، أو يكون ذلك في وقت كانت شحة بصره لا تمنعه من رؤية الأشياء، ولو بصورة ضعيفة..
3 - وإذا كان جبرئيل ينادي الناس، ويطلب منهم البيعة للحسين «علیه السلام» فالمفروض أن يراه غير ابن عباس. إلا أن يكون اللّه قد حجب رؤيته عنهم، واختص بها ابن عباس ليكون هو المبلغ لهم لأنهم يقبلون منه، وهو صادق عندهم.
4 - بصرف النظر عن موضوع الرؤية، فالسؤال هو: هل سمع الناس نداء جبريل على أقل تقدير ؟!
إلا أن يجاب بنفس ما أجبنا به عن موضوع الرؤية.
5 - ووصف البيعة للحسين «علیه السلام» بأنها بيعة اللّه، يتوافق مع قوله تعالى: «إنّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللّه يَدُ اللّه فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثْ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أوْقَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللّه فسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيماً» (1). ومنه الشهادة بأن بيعة الحسين بيعة حق كبيعة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».
وقد تقدم: أن الإمام الحسين «علیه السلام» حين عزم على الرحيل إلى العراق كتب إلى أخيه ابن الحنفية يستقدم إليه من خف من
1) الآية 10 من سورة الفتح.
بني هاشم.
وعن الإمام الباقر «علیه السلام»: أنه كتب إليه ما يلي:
بسم اللّه الرحمن الرحيم
من الحسين بن علي، إلى محمد بن علي، ومن قبله من بني هاشم:
أما بعد، فإن من لحق بي استشهد، ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح والسلام. وروي نحوه عن الإمام الصادق أيضا (1).
لكن ظاهر الرواية عن الإمام الصادق «علیه السلام»: أنه كتب هذه الرسالة بعد خروجه من مكة ففيها : أنه «علیه السلام» قال لحمزة بن حمران: «إن الحسين لما فصل متوجها دعا بقرطاس وكتب
1) راجع: كامل الزيارات ص 75 و (مؤسسة النشر الإسلامي) ص 157 باب 24 وبصائر الدرجات ص 481 و (ط الأعلمي) ص 502 ومختصر بصائر الدرجات ص 6 ودلائل الإمامة ص 188 ونوادر المعجزات ص 109 و 110 والخرائج والجرائح ج 2 ص 771 والمحتضر للحلي ص 82 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 76 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص230 وذوب النضار ص 29 ومثير الأحزان ص 27 و 39 ومدينة المعاجز ج3 ص461 وبحار الأنوار ج 42 ص 81 وج 44 ص 330 و ج 45 ص 85 و 87 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 155 و 179 و 317 و 318 ولواعج الأشجان ص256 ومستدرك سفينة البحار ج ص 46 وأعيان الشيعة ج 1 ص 620 والدر النظيم ص 532 والملهوف ص41.
إلخ..» (1).
قالوا: فخف إليه جماعة منهم، وتبعهم محمد ابن الحنفية.. وهم تسعة عشر رجلاً، ونساء وصبيان من إخوانه وبناته، ونسائهم(2).
لكن صاحب الحدائق الوردية يقول: «فلما نَزَلَ الْحُسَينُ «عليه السلام» بُستان بَني عامر (3)، كَتَبَ إِلى مُحَمَّدٍ أخيهِ وأهل بَيْتِهِ:
مِنَ الحُسَين بن عَلِيٍّ إِلى مُحَمَّدِ بن عَلِيٍّ وأهل بَيْتِهِ.
أمّا بَعدُ، فَإِنَّكُم إن لحقثم بي استشهدتم، وإن تَخَلَّفْتُم عَنِّي لم تَلْحَقُوا
1) راجع: بصائر الدرجات ص 481 و (ط الأعلمي) ص 502 ودلائل الإمامة ص 188 ونوادر المعجزات ص 109 ومدينة المعاجز ج 3 ص 461 وبحار الأنوار ج 42 ص 81 وج 44 ص 330 و ج 45 ص 85 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 179 و 318 والملهوف ص 40.
2) راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 211 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2612 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص298 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 61 والبداية والنهاية ج 8 ص 178 وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 61 هجرية) ص 9 ومختصر تاريخ دمشق ج 7 ص 143.
3) قالوا: الصحيح هو: بستان ابن معمر راجع معجم البلدان ج 1 ص 14 وج 5 ص 125 وفتوح البلدان ج 1 ص 59 والصحاح للجوهري ج 2 ص 486 وج 3 ص 835.
النَّصرَ، وَالسَّلامُ» (1).
وقد فسر المجلسي «رحمه اللّه» كلمة الإمام «علیه السلام» الواردة في رسالته بقوله:
«قوله: لم يبلغ الفتح: أي لم يبلغ ما يتمناه من فتوح الدنيا، والتمتع بها» (2).
ثم فسرها «رحمه اللّه» بتفسير آخر فقال: «أي لا يتيسر له فتح وفلاح في الدنيا، أو في الآخرة، أو الأعم».
وهذا تعليل: بأن ابن الحنفية إنما لم يلحق لأنه علم أنه يقتل إن ذهب بإخباره «علیه السلام».
أو بيان لحرمانه عن تلك السعادة.
أو لأنه لا عذر له في ذلك، لأنه أعلمه وأمثاله بذلك» (3).
ونقول:
1 - ليس في نص الرسالة حديث عن معذورية ولا عن غيرها.. وليس فيها إشارة إلى مدح أو ذم لمن يتخلف.
2 - إنها تحدثت عن أن من لم يلحق فإن الفتح يفوته، ولا يحصل على ثمراته..
3 - إن ابن الحنفية كما تقدم بيانه في هذا الكتاب كان معذوراً في تخلفه عن حضور كربلاء، فلماذا يعرض به أخوه «علیهما السلام» بهذا النحو القاسي الذي أشار إليه المجلسي «رحمه اللّه»؟!
4 - إن بعض من لحق به «علیه السلام» لم يستشهد.. فلعل الكلام وارد مورد التغليب.
أو أنه حتى لو نجا من القتل، فإن لحوقه به قد تحقق، مما يعني: أنه سوف ينال أجر الشهيد أيضاً.
يبدو: أن المراد بالفتح الذي سوف يحرم المتخلف من ثمراته، وهي ثمرات عظيمة، سيكون فواتها خسارة كبرى لكل من تيسرت له، ثم تقاعس عنها. وإن لم يكن هناك عقوبة على خسارتها فيما لو كان معذوراً في تخلفه لسبب أو لآخر، ليس هو الفتح الدنيوي، فإن الإمام «علیه السلام» لا يهتم للمكاسب والفتوح الدنيوية، ولا يشجع الناس على التعلق بها والسعي إليها إلى حد التضحية بأرواحهم في سبيلها.
وليس المراد أيضاً: تخيير بني هاشم بين الإلتحاق به وبين التخلف عنه، وإخبارهم بأن المتخلف لا يأثم.. فإن نصرة الإمام والدفع عنه واجب عقلي على كل مكلف، لاسيما وهو يكافح طلباً للإصلاح في الأمة، من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..
بل المراد: هو فتح حصون الباطل، وكسر شوكة الضلال، وسقوط هيمنة قوى الشر والظلام في أهدافها وخططها وطموحاتها باستشهاده «علیه السلام»، فيصير الباطل مفضوحاً، ظاهر السوء، ويصبح الحق عصياً على التزوير، ويفرض نفسه على العقول والنفوس، وبذلك يحيى من حيي عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة، وهذا هو الفتح العظيم، الذي يتحقق باستشهاده «صلوات اللّه علیه».
وقد قيل للإمام السجاد «علیه السلام» بعد رجوعه من كربلاء: من الغالب ؟!
فقال «علیه السلام»: «إذا أردت أن تعلم من غلب، ودخل وقت الصلاة، فأذن ثم أقم» (1).
وبهذا الاستشهاد الحسيني في كربلاء تم إحباط مشروع معاوية الرامي إلى دفن ذكر رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله». فقد حدث مطرف بن مغيرة : أن معاوية ذكر ملك أبي بكر، وعمر، وعثمان، وأنهم قد حكموا الناس، ثم هلكوا فهلك ذكرهم. فقال معاوية للمغيرة:
«وإن أخا هاشم يصرخ به في كل يوم خمس مرات: أشهد أن محمداً رسول اللّه. فأي عمل يبقى مع هذا لا أم لك!!
1) الأمالي للطوسي ص 677 وبحار الأنوار ج 45 ص 177 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 414 ومقتل الحسين للمقرم ص 66 ومستدركات علم رجال الحديث ج 1 ص 160.
لا واللّه إلا دفنا دفنا» (1).
قال المفيد «رحمه اللّه»: لمّا أرادَ الحُسَينُ «علیه السلام» التَوَجَّهَ إلى العِراق، طافَ ِبالبَيتِ وسَعى بَينَ الصَّفا وَالمَروَةِ، وأَحَلَّ مِن إحرامِهِ وجَعَلها عُمرَةَ؛ لِأَنَّهُ لم يَتَمَكَّن مِن تَمامِ الحَجِّ؛ مَخافة أن يُقبَضَ عَلَيهِ بِمَكَة فيُنفذ إلى يَزِيدَ بن مُعاوِيَة.
فَخَرَجَ «علیه السلام» مُبادِراً بِأَهلِهِ ووُلدِهِ وَمَن أَنضَمَّ إِلَيهِ مِن شيعَتِهِ، ولم يَكن خَبَرُ مُسلِمٍ قد بَلغَهُ؛ لِخُروجهِ يَومَ خُرُوجِهِ عَلَى مَا ذكرناه (2).
ونقول:
لا شك في أن للإنسان تعلقات قوية وراسخة بمقدساته التي ترفده
1) الموفقيات ص 577 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 5 ص 129 و 130 ومروج الذهب ج 2 ص 341 و (منشورات دار الهجرة - إيران) ج3 ص 454 وكشف الغمة ج 2 ص 45 وكشف اليقين ص474 وبحار الأنوار ج 3 ص 169 وكتاب الأربعين للماحوزي ص 88 وقاموس الرجال ج10 ص 110 والنصائح الكافية ص 123 وبهج الصباغة ج 3 ص 193.
2) الإرشاد ج 2 ص 67 وإعلام الورى ص 230 وروضة الواعظين ص177 وفيهما «من إتمام الحج» لا «تمام». وبحار الأنوار ج 44 ص 363 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 213 والمجالس الفاخرة ص 212.
بالدفء والسكينة، ويعيش معها السلام والرضا، فإذا فرض عليه أن يتحامل على نفسه، ويبتعد عن مواقع ورموز هذه التعلقات، فإن ألمه الروحي سيكون عظيماً، والمشقة النفسية عليه ستكون جسيمة. فما بالك إذا كان حبه لتلك المواقع، واندماجه فيها راسخاً، ومتجذراً في عمق روحه، وفي حنايا كل كيانه؟!
فلنا بعد هذا أن نتصور حدة الألم الذي عاناه الإمام الحسين «علیه السلام»، والأسى الذي قاساه حين ذهب ليودع بيت اللّه الحرام، ويطوف ويسعى ويسرح نظره في تلك المشاعر الطاهرة، ويلقي عليها آخر نظرة في هذه الحياة الدنيا !! ولا نريد أن نقول أكثر من ذلك.
تقول العبارة المتقدمة: إنه «علیه السلام» طاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، وأحل من إحرامه وجعلها عمرة، لأنه لم يتمكن من تمام الحج..
فهنا السؤال يقول:
هل أحل من إحرام الحج ؟! أو من إحرام عمرة التمتع ؟! أو من إحرام العمرة المفردة؟
ويجاب بما يلي:
1 - تدل بعض الروايات المعتبرة على أنه «علیه السلام» كان محرماً بالعمرة المفردة، لا بإحرام عمرة التمتع، ولا بإحرام الحج.
ففي رواية إبراهيم بن عمر اليماني عن الصادق «علیه السلام» قال: «فإن الحسين بن علي «علیهما السلام» خرج قبل التروية بيوم إلى العراق، وقد كان دخل معتمراً..» (1).
أي أن الحسين قد دخل مكة معتمرا، ثم خرج قبل يوم التروية من مكة ولم يكن محرماً..
وقد روى الشيخ الطوسي هذا الحديث عن الكليني، غير أن فيه: «أن الحسين خرج يوم التروية» (2).
ويدل على ما قلناه من أنه «علیه السلام» لم يكن محرماً بالحج، ولا بعمرة التمتع ما روي بسند صحيح عن معاوية بن عمار، قلت لأبي عبد اللّه «علیه السلام»: من أين افترق المتمتع والمعتمر؟
فقال: إن المتمتع مرتبط بالحج والمعتمر إذا فرغ منها ذهب حيث شاء. وقد اعتمر الحسين بن علي «علیهما السلام» في ذي الحجة، ثم راح يوم التروية إلى العراق والناس يروحون إلى منى، ولا بأس
1) الكافي ج 4 ص 535 وبحار الأنوار ج 45 ص 85 وراجع ص 86 ومرآة العقول ج 18 ص 234 والاستبصار ج2 ص327 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 155 وراجع ص 318 ومنتقى الجمان ج 3 ص 439. وراجع: كامل الزيارات ص 152.
2) تهذيب الأحكام ج 5 ص 436 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 14 ص 311 و (الإسلامية) ج 10 ص 246 ومنتقى الجمان ج 3 ص 439.
بالعمرة في ذي الحجة لمن لا يريد الحج (1).
وظاهر الرواية : أنه «علیه السلام» قد اعتمر في ذي الحجة عمرة مفردة. ربما لعلمه بأنهم يريدون قتله غيلة. فلما كان يوم التروية خرج إلى العراق، وكان قد أتم عمرته المفردة قبل ذلك.
«رُويَ : أَنَّهُ «صلوات اللّه علیه» لمّا عَزَمَ عَلى الخُروج إِلى العِراق قام خَطيباً، فقالَ: الحَمدُ للّه، ما شاءَ اللّه ولا قُوَّةَ إِلَّا بِاللّه، وَصَلَّى اللّه عَلَى رَسُولِهِ وَسَلَّمَ.
خُطُ المَوتُ عَلى وُلدِ آدَمَ، مَخَط القِلادَةِ عَلى جيدِ الفَتاةِ.
وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يَعقُوبَ إِلى يُوسُفَ.
وخير لي مَصَرَعٌ أَنَا لاقيهِ.
كأتي بأوصالي ثقطَّعُها ذِئابُ [عسلان] القلواتِ بَينَ النَّواويس وكَربَلاء، فيملأن متي أكراشا جوفا، وأجربة سُعْباً.
لا مَحيص عَن يَومٍ خُط بالقلم.
[زاد في عدد من المصادر قوله رضى اللّه رضانا أهلَ البَيتِ،
1) الكافي ج 4 ص 535 والإستبصار ج 2 ص 328 وتهذيب الأحكام جه ص 437 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 14 ص 311 و (الإسلامية) ج 10 ص 246 وبحار الأنوار ج 45 ص 85 ومرآة العقول ج18 ص 234 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 318.
نَصبرُ عَلَى بَلائِهِ، ويُوَقينا أجور الصابرين.
لَن تَشْدُّ عَن رَسُولُ اللّه «صلی اللّه علیه وآله» لحمَتُهُ، بَل هِيَ مجموعة لهُ في حَظيرَةِ القدس، تَقرُّ بهم عَينُهُ، ويُنجَرُ بهم وَعِدُهُ ].
مَن كانَ باذِلاً فينا مُهجَتَهُ، ومُوَفِّنا عَلى لِقاءِ اللّه نَفْسَهُ، فَلْيَرحَل مَعَنا ؛ فإنّي راحِلٌ مُصبحاً إن شاءَ اللّه (1).
ونقول:
علينا ملاحظة ما يلي:
لقد بدأ الحسين «علیه السلام» خطبته هذه بقوله: «خُطُ المَوتُ عَلَى وُلدِ آدَمَ، مَخَط القِلادَةِ عَلى جيدِ الفتاة». وإذا أردنا استنطاق هذه الكلمة المباركة، فسنجد أنها تضمنت أموراً كثيرة، ولفتات رائعة، وإشارات جامعة، فلاحظ ما يلي:
1 - لقد قرر «علیه السلام» أن الموت ليس أمراً سيئاً في حد نفسه،
1) راجع: المسائل العكبرية للمفيد ج 6 ص 69 وبحار الأنوار ج 44 ص 366 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 216 والملهوف ص 126 و (نشر أنوار الهدى) ص 38 ومثير الأحزان ص 41 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 29 وكشف الغمة ج 2 ص 239 وراجع الحدائق الوردية ج 1 ص114 وتيسيير الوصول ص 199 ونزهة الناظر ص 86 ومقتل الحسين للخوارزمي ح 1 ص 5 ولواعج الأشجان ص 70 وإبصار العين ص27 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 599.
ولا هو خسارة للإنسان، بل هو سبيل رقي، ومبعث بهجة، وسبيل أنس لمن وعى وتدبر، وتأمل وتفكر.
فكما أن الزينة على جيد الفتاة تزيدها بهجة ورونقاً وجمالاً، وتشد الأنظار إليها، وتزداد الرغبة، ويتأكد تعلق النفوس بها. كذلك الموت، فإنه يعطي حياة الإنسان المؤمن بهجة ورونقا وجمالاً، ويزيده طموحاً، ويدفعه إلى أن يجيد العمل، وبحسن الأداء، ويكون التسابق بينه وبين إخوانه للخيرات، والتنافس لنيل المقامات، وتحقيق الإنجازات، وقد قال تعالى: «الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالحَيَاةِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» (1).
2 - إنه «علیه السلام» لم يقل : على عنق الفتاة، بل قال: «على جيدِ الفتاة»، والجيد مأخوذ من الجودة، ليشير إلى التوافق والانسجام بين الزينة، ومواضعها، وأن لموضعها أيضاً حظا من الجاذبية، وهو يزيد في راحة النفس، ويثير الكثير من المعاني اللذيذة في أعماقها، ومن شأنه أن يسهم في تجلي الحالة الجمالية بصورة أتم وأفضل.
3 – يلاحظ: أنه «علیه السلام» تكلم عن خصوص الزينة التي تكون على النقطة المركزية في الشخصية الأنثوية للمرأة، وفي الموضع الأكثر ظهوراً منها، والأشد إثارة وحساسية وإغراء وجاذبية في إغراءات جسدها.
4 - وقال «علیه السلام» أيضاً: «جيدِ الفَتاةِ»، ولم يقل: «المرأة».
1) الآية 64 من سورة العنكبوت.
فإن الأنظار تنشد إلى الفتاة، بصورة أقوى، والرغبة بها تكون أشد.
5 - إن الموت يذكي الطموح لدى الإنسان المؤمن، ليبذل أعظم الجهد للحصول على ما هو أعلى وأغلى وأتم وأفضل، ليجعل منه ذخيرته ليوم معاده، وليمنحه المقام المحمود في منازل الأبرار والأخيار، مع الأنبياء والأئمة الأطهار.
كما أنه يفتح أمامه الآفاق الرحبة، ويتحفز لملاحقة أسرار الحياة، وكشف ما يمكنه كشفه من حقائق الكائنات، وما فيها من خفايا ودقائق ومزايا، وعلائق على أمل أن يتمكن من تسخير كل ما تصل إلىه يده في مجالات السعادة والنجاح، والفوز والفلاح، وبلوغ أعلى درجات الكمال ونيل الفضائل والسلامة من الموبقات والآثام والرذائل.
كما أن الموت يمنح الإنسان المزيد من القدرة على كبح جماح شهواته، والهيمنة على غرائزه، لأنه يعمق من فهم الإنسان المؤمن الحقيقة الحياة، ومدى واقعيتها، ويعرفه بما لها من قيمة ودور، وأن قيمتها تكمن فيما لها من أثر في الإعداد والاستعداد للحياة الحقيقية الباقية، التي يكون الموت هو البوابة الموصلة إليها: «وَإِنّ الدّار الآخِرَةِ لَهيَ الْحَيَوَانُ» (1).
وسوف يدرك الإنسان المؤمن : أن الموت هو الذي يخلصه من مخاطر الوقوع في شرك الشيطان، ومن دواعي الشهوات، وطغيان
1) الآية 64 من سورة العنكبوت.
الأهواء التي تضعف قدراته الروحية، وتوجب ضعف إدراكه للحقائق، وتعيقه عن التفاعل معها بعمق ذاته ووجوده، وبكنه مواهبه الربانية، والموت يمنحه الراحة من مكافحة النفس الأمارة بالسوء..
ولأجل ذلك ورد:
إن الدنيا سجن المؤمن، والقبر حصنه، والجنة مأواه (1).
وما أحلى أن يحصل الإنسان على نعمة الخروج من سجن، ويصبح حراً، ويكون سيد نفسه، ويواصل انطلاقته وكدحه إلى اللّه، ويسرح في رحاب ملكوته.
أما الكافر، فهو يرى الموت شراً، وخسراناً، وضياعاً، وكارثة حقيقية بالنسبة إليه، لأنه يخسر به التقلب في نعيم الدنيا والدنيا جنة الكافر، والقبر سجنه، والنار مأواه (2).
5 - وبالموت تتساقط الحجب، ويترسخ، ويتعمق الإحساس بالأشياء، ويصبح اتصاله بها من دون وسائط، وقد كان في الدنيا ينالها
1) راجع: بحار الأنوار ج 70 ص 91 و ج 75 ص 246 والخصال للصدوق ج 1 ص 108 وتحف العقول ص 363 ومستدرك سفينة البحار ج 4 ص495 وألف حديث في المؤمن ص207.
2) الخصال للصدوق ص 108 وتحف العقول ص 363 وبحار الأنوار ج 70 ص 91 وج 6 ص 169 وج 75 ص 246 و 347 وفقه الرضا ص 339 والدعوات للراوندي ص 280 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 370 وج 4 ص 495 وألف حديث في المؤمن ص 207.
بواسطة الجوارح التي تريه إياها على شكل صورة تثير خياله.
وبالموت يصبح إحساس الإنسان أرقى، وأشد وأقوى، وأصفى ويصل إلى كنهها، ويتلمس حقائقها، وقد قال تعالى: «فَكَشَقْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ» (1).
6 - وكل ذلك يجعلنا نفهم بعض ما يشير إليه قول أمير المؤمنين «علیه السلام» حين أحس بضربة ابن ملجم فزت ورب الكعبة (2). وما يشير إليه اعتبار الموت أحلى من العسل (3).
1) الآية 22 من سورة ق.
2) راجع : خصائص الأئمة ص 63 وشرح الأخبار ج 2 ص442 والمسترشد ص 4 ومناقب آل أبي طالب ج 1 ص 385 وج 3 ص 95 والطرائف ص 519 وحلية الأبرار ج 2 ص 63 و 391 ومدينة المعاجز ج 3 ص 40 وبحار الأنوار ج 41 ص 2 و ج 42 ص 239 وشجرة طوبى ج 1 ص 64 ونهج السعادة ج 7 ص 111 و 124 و 125 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج 3 ص 1125 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 9 ص 207 وتاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 561 وأسد الغابة ج 4 ص 38 وأنساب الأشراف ص488 و 499 والجوهرة في نسب الإمام علي وآله ص 114 والوافي بالوفيات ج18 ص173 والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج1 ص138 و(تحقيق الشيري) ج 1 ص 180 والدر النظيم ص 271 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 96 و 97 وقصص الأنبياء للجزائري ص 396 وينابيع المودة ج 1 ص 203 و ج 2 ص 32 وج 3 ص 145.
3) راجع: وسيلة الدارين في انصار الحسين ص 253 ومدينة المعاجز ج4 ص 215 و 228 والهداية الكبرى ص 204.
كما أن الإمام الحسين «علیه السلام» قد وصف أصحابه بقوله: «يستأنسون بالمنية دوني استئناس الطفل إلى محالب أمه»(1).
وعن أمير المؤمنين «علیه السلام» أنه قال: «واللّه لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه» (2).
7 - ومن خلال ما تقدم نستطيع أن نقول: إنه تعالى قد ذكر خلق الموت قبل ذكره خلق الحياة: «الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالْحَيَاةِ» (3). ربما لأن الموت هو سر الحياة، الذي يعطيها معناها وقيمتها، وهو سر الطموح، والحركة والجهد، والبناء، واستكناه الأسرار، والعمل الهادف والمنتج، وهو سر سعي الإنسان لنيل الكمالات والفضائل.
1) راجع: مقتل الحسين للمقرم ص 262 والدمعة الساكبة ص 325.
2) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 1 ص 41 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج 4 ص 115 والإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 128 وبحار الأنوار ج 2 ص 234 وج 29 ص 141 وج 71 ص 57 وج 74 ص 332 ومنهاج البراعة ج 1 ص 144 وشرح نهج البلاغة لابن میثم ج 1 ص 276 ومستدرك سفينة البحار ج 1 ص 503 ونهج السعادة ج 1 ص 42 وج 7 ص 134 ونزهة الناظر وتنبيه الخاطر ص 56 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 1 ص 213 والدرجات الرفيعة ص 86 ومطالب السؤول ص 288 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 1 ص 306 والتذكرة الحمدونية ج 1 ص 91 وكشف اليقين ص 180 والنور المبين للجزائري ص 352.
3) الآية 2 من سورة الملك.
وبالموت تتساقط الحجب والموانع التي تحد من مستوى الإدراك ومن رهافة الحس، ومن درجة الشعور والتفاعل مع الواقع...
8 - فما بالك إذا كان الموت في سبيل اللّه، وإعلاء لكلمة الحق، فإنه سيكون طوق عز وكرامة، وسؤدد وشهامة، وسيكون مصدر ألطاف وهبات، وسمو وعلو في الدرجات إلى يوم القيامة.
وقد ذكر «علیه السلام» شدة ولهه - أي شوقه - إلى لقاء أسلافه، الذين يأنس بهم، وتسكن روحه إليهم، فإن شدة شوقه للقائهم، والكون معهم تزيد على شوق يعقوب ليوسف، فليفهم هؤلاء الناس الذين يسدون له النصائح أن الموت الذي يواجهه الناس ويرون أنه يمثل خسارة لهم، وفقداناً وعدماً هو الذي يكرهونه.
ولكن الموت إذا كان تكاملاً ورقياً، ورفعة مقام، ولقاء مع الأحبة،
وبلوغ أهداف سامية وفيه رضى اللّه، فلا ينبغي الفرار أو الانزعاج منه. وهذا هو الفرق بينه «علیه السلام» وبين سائر الناس من حوله من الناصحين وغيرهم.
ثم قال «علیه السلام»: «وخيرَ لي مَصرَعٌ أَنا لاقيهِ» ربما ليفهمنا أمرين:
أحدهما: أن مصارع الناس مختلفة، فبعضها يفرض على
الإنسان من خارج ذاته، وبنحو يفقد معه الإنسان الاختيار فيه، وهذا هو حال أكثر الناس الذين يموتون بالأمراض والحوادث، وما إلى ذلك.
وهناك موت يحب اللّه تعالى للإنسان المؤمن أن يختاره لينيله مثوبته، وليكون سبباً في رفع درجته وعلو مقامه كرامة منه تعالى له، وحباً به. وهذا هو ما أراده «علیه السلام» بكلامه هنا، وليس المراد: أن اللّه تعالى سيفرض عليه بالجبر والقهر مصرعاً لا يريده، ولا رغبة له فيه.
الثاني: قال «علیه السلام»: «أنا لاقيه»، ولم يقل: سوف ألاقيه ليدل على أنه هو الذي يقدم على ما اختار اللّه له، بقرار ورغبة منه «علیه السلام». ولو قال: سألاقيه، فلربما فهم منه: أنه مصرع مفروض عليه، شاء أم أبى.
ثم أشار إلى أن أعداءه بمثابة ذئاب الفلوات المفترسة، التي تفتك بفريستها برغبة حقيقية لديها في الفتك، لا أنها تحتاج لهذا الفتك دفاعاً عن نفسها، ودرءاً للخطر الذي يتهددها.
وقد أكد على وجود رغبة حقيقية لديهم بالفتك به بنحو يستبطن الكثير من البشاعة والحدة بإشارته إلى أن الجوع الساكن في الأجواف الواسعة، والشغب الطاغي على بطونهم - والسغب هو شدة الجوع - يجعلها تتصرف بصورة غريزية، ومن دون أي شعور. بل هو الجوع إلى الدنيا الذيب لا يعرف معنى الشبع، فهو جوع جشع لا حدود له.
ومن معاني السغب العطش (1). فيكون إشارة إلى تعطشهم للولوغ في دمائه ودماء أصحابه «علیه السلام».
فالكلام يجري مجرى التشبيه، لإبراز هذه المعاني والحالات لدى قاتليه، وإظهار بشاعة الأساليب التي يمارسونها في حقه «صلوات اللّه عليه».
وقد ذكر «علیه السلام»: أن هذا الحدث الهائل سيكون بين النواويس، وهي قبور للنصارى، يبدو أنها كانت بالقرب من كربلاء.
وأن الجيوش التي ستحاربه سوف تملأ ذلك السهل الفسيح الواقع بين تلك المقبرة التي كانت لإحدى القرى النصرانية، وبين كربلاء.
ثم قال «علیه السلام»: «لا مَحيصٍ عَن يَومٍ خُط بالقلم رضى اللّه رضانا أهلَ البَيتِ».
وفيه دلالة :
1 - على أن هذا المصرع قد اجتمعت أسبابه، وتمت عللّه، فهو - واقع لا محالة، لأن اللّه تعالى لا يتدخل لمنع الناس من ارتكاب جرائمهم، حتى ولو قتلوا الأنبياء، كما فعل بنو إسرائيل، أو
1) راجع: أقرب الموارد، ج 1 مادة سغب.
الأوصياء، كما هو حال يزيد وبني أمية ومن تابعهم في هذه الأمة.
2 - إن ملاقاة الإمام «علیه السلام» لهذا اليوم الذي لا بد منه لا تعني كراهته ما سوف يلاقيه فيه، لأن الحسين «علیه السلام» نفسه راغب في نيل رضا اللّه سبحانه، ويريد إعزاز هذا الدين، وإسقاط هيمنة الباطل وتقويض أركانه.
وحيث إن الناس يتعاملون مع الأمور على أساس الربح والخسارة، ويرون أن الموت هو الخسارة العظمى بالنسبة للإنسان، فكيف إذا صاحبه هذا البلاء العظيم من الفتك والتلذذ بتقطيع الأوصال، وسبي النساء والأطفال؟! فإنه «علیه السلام» ذكر أن استحقاق الأجر إنما يكون بالصبر على البلاء فلا يمنعه عظيم البلاء، ومواجهة الموت، والتعرض حتى لأقسى أنواع التنكيل والفتك، عن الإعتصام بالصبر، ونيل الثواب والأجر.
واللّه تعالى ليس فقط يثيب الصابر، بل هو يعطيه أجره وافياً، بحيث لا يبقى مجال للشعور بالخسارة.
هذا بالإضافة إلى المزيد من التفضلات الإلهية، والألطاف الغامرة التي تصل بهؤلاء الصابرين الباذلين أنفسهم في سبيل اللّه إلى درجات يغبطهم عليها الخلائق من الأولين والآخرين.
ثم ذكر «علیه السلام»: أنه لن تشذ عن رسول اللّه «صلى اللّه
عليه وآله» لحمته إلخ.. فإن مسارهم لا يختلف عن مسار الرسول، بل هو جزء منه، وحافظ لأهدافه.
وشهادته «علیه السلام» على هذا النحو الفجيع والفظيع لا تعني الإختلاف في المصير، فإنه بضعة من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، والبضعة لا تشذ عن صاحبها، وسوف يجمع اللّه بين هذه البضعة وبين رسول اللّه في حظيرة القدس.
وفي هذا دفع لتوهمات، وتقويض لأباطيل يتوقع «علیه السلام» أن يثيرها أعداؤه بادعاء أن الحسين «علیه السلام» قد اختار لنفسه طريقاً لا يرضاه رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله». بل هم سيقولون: إن الحسين «علیه السلام» قتل بسيف جده (1).
وقد حدد «علیه السلام» أوصافاً عالية لمن يريدون أن يشاركوه في إنجاز هذا الأمر الإلهي، وأن يحملوا وسام الشهادة الكربلائية معه. فقال: «مَن كانَ باذِلاً فينا مُهجَتَهُ، ومُوَطَّناً عَلى لِقاءِ اللّه نَفْسَهُ، فَلْيَرحَل مَعَنا».
1) الضوء اللامع (ط دار الجيل) ج 4 ص 147 وخلاصة عبقات الأنوار ج 4 ص 239 وفيض القدير ج 1 ص 265 و ج 5 ص 213 ولكنهم قالوا : إن ذلك لم يوجد في تاريخ ابن خلدون، فلعله كان في النسخة الأولى لذلك الكتاب، ثم حذفها منه في النسخة الثانية.
فيلاحظ أنه «علیه السلام» كان يتعامل مع من يلحق به بمنطق الصراحة التامة، ووضعهم مسبقاً أمام الواقع الذي سيواجهونه، ليتخذوا قرارهم على بصيرة من أمرهم.
وبذلك يكون «علیه السلام» قد عزل الفاقدين للصفات المطلوبة عن المشاركة في أمر لم يكونوا أهلا له، وقام بتصفية أصحابه بهذه الطريقة، وصانهم عن اختلاط من لا يشبههم بهم، فهو يخبرهم بأنه مقتول، فعلى من يرغب في الغنائم والمناصب أن يعرف أنه لن يحصل على ما يريد، وأن مصيره «علیه السلام» وكل من يكون معه هو الإستشهاد، وقد كتب إلى محمد ابن الحنفية: «من لحق بنا استشهد».
وقد واصل هذا النهج القائم على تصفية أصحابه من الشوائب إلى ليلة عاشوراء، حيث جمع أصحابه، وقال لهم: «هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا الخ..».
وهذا هو نفس ما فعله طالوت، حين صفًّى أصحابه من أهل الأطماع، وطلاب اللبانات من خلال الإبتلاء بالنهر، وشربهم منه، فقد قال تعالى: «فلما فصَلَ طالوتُ بالجُنُودِ َقالَ إِنَّ اللّه مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فمَنْ شَربَ مِنْهُ فَليْسَ مِنّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اعْتَرَفَ غرفة بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إلَّا قَلِيلا مِنْهُمْ فَلمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالوا لا طاقة لنا الْيَوْمَ بجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللّه كَمْ مِنْ فِئَةٍ قليلةٍ غلبَتْ فِئَة كَثِيرَةَ بِإِذْنِ اللّه وَاللّه مَعَ
الصابرين» (1).
القائد لا يبشر أتباعه بالفشل:
ويبقى هنا سؤال يقول : كيف يصح أن يقول «علیه السلام» للناس: قوموا معي على يزيد ويقول لهم في نفس الوقت: إنكم سوف تقتلون، وأقتل معكم ؟! فإن القائد لا يبشر أتباعه بالقتل والفشل.
ونجيب:
أولاً : إن الإمام لم يقل للناس: قوموا معي على يزيد وبني أمية، بل قال: إن بني أمية بصدد قتلي حتى لو كنت في جوف الكعبة، ولن يقر لهم قرار بدون ذلك. وإذا عرف الناس أن مثل الحسين «علیه السلام» مهدد بالقتل فيجب عليه نصرته.
ثانياً: من قال: إنه «علیه السلام» قد أخبر عامة الناس بأن مصير من ينصره هو القتل، بل كان يذكر ذلك لخاصته، الذين سوف يستشهدون معه لإعدادهم لهذا الحدث الجلل، وكان يذكر لهم ما أخبر به رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»...
ثالثاً: لا دليل يثبت أن الناس قد تركوه استنادا لأقواله هذه لهم، أو أنهم سمعوا منه شيئاً منها، بل تركوه طمعاً، بالدنيا، وزهداً بالدين، ولو أن الناس آزروه و نصروه، وعملوا بما يجب عليهم، فإن اللّه على
1) الآية 249 من سورة البقرة.
نصرهم لقدير. «إنْ تَنصُرُوا اللّه يَنْصُرْكُمْ» (1).
رابعاً: إن النبي «صلی اللّه علیه وآله» وإن كان قد أخبر الناس في أكثر من مناسبة، وكذلك أمير المؤمنين والحسن «علیهما السلام» باستشهاد الإمام الحسين.. وقد ذكر لهم الحسين ذلك، لكن هذا لا يعني أنه يقول لهم: إنه سوف يقتل في نفس مسيره هذا !!
على أن للقائد أن يزهد الناس بالدنيا، ويهون على أتباعه أمر الموت، ويرغبهم بالتضحية، حتى الشهادة، لأن ذلك يزيدهم حماسة في الحرب، ويعجل لهم بالنصر، ولا يبقى ما يحجزهم عن نيله.
خامساً: إذا مست الحاجة للقيام بعمل جهادي يعلم بأن من يتصدى له لن يخرج سالماً منه. فيصح لهذا المقدم عليه أن يقول للناس: إنه سوف يقدم على هذا الأمر؛ من أجل تحريك الأمة، وتعريفها بحجم الخطر الذي يتهددها، فكيف إذا كان من يفعل ذلك هو أعظم، وأقدس، وأفضل، وأعلم البشر، وهو سيد شباب أهل الجنة؟! فيكون إعلام الحسين الناس بما يجري عليه وعلى أصحابه، ليس إعلاماً لهم بفشل حركته الجهادية، بل إعلام لهم بمستوى الخطر الذي يتهددهم..
ومن المعلوم: أنه إذا كان هؤلاء الطغاة والجبارون يقتلون من هو مثل الحسين وأصحابه، وأهل بيته بتلك الأساليب الفظيعة
1) الآية 7 من سورة محمد.
والفجيعة، ويسبون نساءه، و.. و.. فليفكر جميع الناس بمصيرهم ومصير ذويهم، وكل الناس من حولهم، وما سيؤول إليه أمرهم.
سادساً: إن إيداع هذه الأخبار والأقوال لدى الخلص من أهل بيته وشيعته، لكي ينشروها من بعده ويوصلوها للأجيال اللاحقة كان ضرورياً، لكي لا يرميه الحاقدون والجاهلون بالتسرع، والطيش وعدم تقدير الأمور.
فإن هذه الشبهات والأباطيل ستلحق الضرر البالغ ليس بقضية الإمام الحسين وحسب، وإنما بمعنى الإمامة أيضاً، حيث يتم تشويهه وإسقاطه، والتشكيك بمقامات الأئمة وبسياساتهم، وعلمهم، وفضلهم، وتقواهم..
فهذه الأخبار منه «علیه السلام» تحمي إيمان الناس، خصوصاً في الأجيال التي سيرعف بها الزمان من أن يتعرض لأي اهتزاز أو اختلال وليس إعلاناً بموت حركته الجهادية قبل أن تولد.
سابعاً: إن على الإمام أن يدعو الناس إلى القيام بواجبهم الشرعي، وإن كان يعلم بعلم الإمامة والغيب أنهم سوف يتلكأون، ويعصون اللّه بتخاذلهم، وفشلهم، أو أنهم هم الذين سيتولون قتله، وقتل أهل بيته وأصحابه.
ولا يجب على النبي والإمام أن يجري الأمور وفق علم الإمامة، إلا في الحدود التي رسمها اللّه تعالى له، وأذن له بها.. بل يجب عليه يدعوهم إلى نصرة الحق، ومحاربة الباطل، ورفضه وإدانته،
وصد الناس عنه.
1 - عن سالم بن عبد اللّه بن عمر:
قيلَ لِأبي - عَبدِ اللّه بن عُمَرَ : إِنَّ الحُسَينَ «علیه السلام» تَوَجَّهَ إِلى العِراق فلحِقهُ عَلى ثَلاثِ مَراحِلَ مِنَ المَدينَةِ - وكانَ غائِباً عِندَ خُروجهِ - فقال: أين تُرِيدُ؟
فقال: أريدُ العِراق، وأخرَجَ إِليهِ كُتُبَ القوم، ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ بَيعَتُهُم وكْتُبُهُم.
فناشَدَهُ اللّه أَن يَرجِعَ، فأبى.
فقالَ: ُأحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ ما حَدَّثْتُ بهِ أَحَدًا قبلكَ إِنَّ جبريلَ أَتَى النَّبِيَّ «صلی اللّه علیه وآله» يُخَيِّرُهُ بَينَ الدُّنيا وَالآخِرَةِ، فاختارَ الْآخِرَةَ، وَإِنَّكُم بَضْعَةٌ مِنهُ، فَوَاللّه لا يَليها أحَدٌ من أهل بَيْتِهِ أبَداً، وما صَرَفهَا اللّه عَنكُم إِلَّا لِما هُوَ خَيْرٌ لَكُم.
فارجع ؛ فأنتَ تَعرفُ غَدرَ أهل العِراق، وما كانَ يَلْقى أبوكَ مِنهُم. فأبى، فَاعتَنَقهُ وقالَ: اِستَودَعتكَ اللّه مِن قتيل ! (1).
1) العقد الفريد ج 3 ص 319 وعيون الأخبار لابن قتيبة (نشر دار الكتب العلمية سنة 1424ه) ج 1 ص 310 و 311 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 275 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 248 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 292 وتهذيب التهذيب ج 1 ص 594 و ج 2 ص 307 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2604 والأمالي للصدوق ص 217 وبحار الأنوار ج 44 ص 313 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 201 و 202 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 221 وأنساب الأشراف ج3 ص 375 و 374 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 163 وذخائر العقبى ص256 والبداية والنهاية ج 8 ص 160 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 6 ص 259 وج8 ص 173 وإمتاع الأسماع ج 12 ص 240 وج 14 ص 148 ودلائل النبوة للبيهقي ج 6 ص 470 ومناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي ج 2 ص 726 و (نشر مجمع إحياء الثقافة الإسلامية) ج 2 ص 261 وراجع الجوهرة في نسب الإمام علي وآله ص 42 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص280 و 281 و 282 والدر النظيم ص 546 والخصائص الكبرى للسيوطي ج 2 ص 126 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص78.
2 - قال الواقِدِيُّ:
ولمّا بَلغَ عَبدَ اللّه بنَ عُمَرَ ما عَزَمَ عَليهِ الحُسَينُ «علیه السلام»، دَخَلَ عَليهِ سفری [بنفر]، قلامَهُ، ووَبَّخَهُ، ونَهَاهُ عَن المَسير.
وقالَ لَهُ: يا أبا عَبدِ اللّه! سَمِعتُ جَدَّكَ رَسولَ اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يَقولُ: «ما لي ولِلدُّنيا، وما لِلدُّنيا وما لي».
وأنت بَضعَةٌ مِنهُ. وذكَرَ لَهُ نَحوَ ما ذَكَرَ ابنُ عَبّاسِ، فَلَمّا رَآهُ مُصِراً عَلى المَسير، قبَّلَ ما بَينَ عَينَيهِ وبَكي، وقالَ: أَستَودِعُكَ اللّه مِن
قتيل (1).
ونقول:
اختلفت الروايات في المكان الذي لقي فيه ابن عمر الحسين «علیه السلام»، هل لقيه في مكة ؟ أم لقيه قرب المدينة، أو في الأبواء، أو في غير ذلك؟! أو في هذه المواضع كلها ؟!
ولا نستبعد أن يكون قد لقيه أكثر من مرة. بعضها حين خرج من المدينة إلى مكة، فلقيه قرب المدينة، وبعضها في مكة، فقد أقام الحسين «علیه السلام» بمكة أكثر من أربعة أشهر، فلا مانع من أن يكون ابن عمر قد ذهب في هذه المدة إلى مكة، فلقيه فيها بعد أن عرف أنه عازم على قصد العراق.
ولعله عاد إلى المدينة، فلما علم أنه «علیه السلام» قد خرج من مكة قاصداً العراق حاول أن يلقاه حين قرب من المدينة. فلحقه على عدة مراحل أو يومين أو ثلاثة حسب اختلاف الروايات.
ويقول النص المتقدم: إن ابن عمر حين أبى الحسين «عليه السلام» أن يرجع عن قصد العراق، وأراه ما معه من كتب العراقيين
1) تذكرة الخواص ج 2 ص 138.
إليه، روى له حديثا عن النبي «صلی اللّه علیه وآله»، قال: إنه لم يحدث به أحداً قبله وفيه أن اللّه خيَّر نبيه بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة، ثم قال: إنكم بضعة منه، لا يليها أحد منكم أبداً..
فأصر الحسين «علیه السلام» على المضى فيما عقد العزم عليه..
ونقول:
إن سبب عدم استجابة الإمام الحسين «علیه السلام» لطلب ابن عمر يعرف بملاحظة الأمور التالية:
1 - إنه «علیه السلام» حين أخرج كتب أهل العراق ليراها ابن عمر لم يقل له: إنه يذهب إلى العراق ليطلب الحكم والسلطان، اعتماداً على مراسلات هؤلاء، بل أراد أن يقول له إن حجة أهل العراق قد تمت عليه، ولا بد له من النظر فيما يهمهم، وأن يصغي لشكواهم، ثم يتدبر الأمر وفق ما تفرضه المصلحة العامة وما يرضاه اللّه ويأمر به.
2 - إن الحديث الذي ذكره ابن عمر عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» لا يمنع من العمل بالواجب الشرعي مهما كان، فإن الواجب هو اسقاط حكم الظالمين، فإن امتثال هذا الواجب لا يكون من طلب الدنيا، بل هو من طلب الآخرة، الذي هو رضا اللّه سبحانه.
ويشهد لذلك : أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» كان هو الحاكم في الناس بما أراه اللّه طيلة سنوات، وأن علياً «علیه السلام» قد حكم
الناس بما أراه اللّه عدة سنوات أيضاً.. كما أن الإمام المهدي «عليه السلام» وهو بضعة من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» سوف يملأ الأرض قسطا وعدلاً، ويكون هو الحاكم المتصرف فيها.. ولا يعني ذلك أن النبي وعليا والمهدي «صلوات اللّه علیهم» قد حصلوا على الدنيا، وأصبحوا من طلابها ولا يتناقض هذا الواقع مع التخيير الوارد في الحديث الذي رواه ابن عمر عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».
ولا يدل الحديث على أن النبي ومن يكون بضعة منه لا يلي أمر الناس.
هذا وقد قال بعض الإخوة الأكارم ما يلي:
إن ولاية الناس بما تشتمل على إقامة العدل منهم والانتصاف للمظلوم، ومحاسبة الظالم ورده عن ظلمه، وإشاعة المعروف، وإزاحة المنكر، ونحو ذلك لهي من أعظم القربات التي يطلب بها الآخرة ويقصد بها وجهه سبحانه عقلاً وشرعاً، وإنما يكون من طلب الدنيا طلب السلطان لذاته، وما يستلزمه من التسلط على الناس، والتمتع بالأموال ونحوه مما كان من سلاطين الجور الذين هدموا الدين، وأبطلوا أحكامه، وغيروا وبدلوا بحكمهم الناس، وأين هذا من ذاك؟! وكان من وضع هذا الحديث - إن كان له واضع - أو كان ابن عمر نفسه قد تصرف فيه، وفسره بما يتوافق مع مقولة أبي بكر التي صدقها أبوه، من أنه سمع رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يقول: أبى
اللّه أن يجمع لنا أهل البيت النبوة والخلافة (1).
3 - إن استجابة الحسين إلى أهل العراق لا يعني: أنه سوف يثير حرباً على أحد، بل هو يعني أنه سوف يسعى لطلب الإصلاح في أمة جده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا استجاب الحكام لدعوته، فقد تنتفى الحاجة إلى الحروب وسفك الدماء، وإن أصروا على مناوأته، فيكون الوزر عليهم، وعلى المصلحين أن يعظوهم، ويردعوهم عن هذا البغي الظاهر على من لا ذنب له سوى أنه يعمل بما أوجبه اللّه عليه.
4 - إن بيعة الناس للحسين «علیه السلام» وكتبهم له لا تعني إعلان الحرب لاسقاط السلطة، وإنما تعني تعهد المبايع بالمؤازرة والمعونة، والطاعة للمبايع له فلا معنى لاعتبار ذلك من موجبات الإدانة للحسين «علیه السلام»، ولا لجعله مسؤولاً عن كل ما يحدث، ولا يوجب ذلك اعطاء الحق للظالمين بأن يعتدوا عليه، وعلى من معه، ومن هم في طاعته، وعلى رأيه.
5 - وهذه النصيحة ليست هي الوحيدة لابن عمر، بل سبقتها نصيحة وحوار أوسع له مع الإمام الحسين «علیه السلام» وكان يسعى لإقناع الإمام «علیه السلام» بالبيعة ليزيد، وقد تقدمت هذه النصيحة في الجزء الثاني عشر من هذا الكتاب
1) الإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 218 وبحار الأنوار ج 31 ص 416.
ثم أضاف ابن عمر هنا قوله : فأنت تعرف غدر أهل العراق، وما كان يلقى أبوك منهم.
وقد تقدم: أن هذا الكلام لا قيمة له ولا يسمن ولا يغني من جوع لأسباب كثيرة ذكرناها فيما سبق، فلا داعي لإعادتها.
ومما ذكرناه آنفا يظهر لنا عدم صوابية نصيحة بعثر الفقعسي الشاعر، فقد روي: أنه لقي الحسين بن علي «علیه السلام» قبل أن يصل إلى الكوفة، فسأله عن أهل الكوفة فقال: إن أهل العراق أهل غدر (1).
وهذه الكلمة تستبطن النصيحة له «علیه السلام»، وبأن عليه أن يكون حذرا من غدرهم قدر الإمكان..
فإن هذا الكلام أيضاً لا يصغى إليه، ولا مجال لترتيب الأثر عليه من وجهة نظر الإسلام والدين كما أوضحناه فيما سبق.
تقدم: أن الإمام الحسين «علیه السلام» قد أظهر لابن عمر وغيره كتب أهل الكوفة إليه، فإنه «علیه السلام» إنما فعل ذلك لكي يبعد عن أذهانهم شبح الاتهام له في تصوير الأمور رغبة منه في
1) أنساب الأشراف (ط دار الفكر) ج 11 ص 204.
الوصول إلى ما يريد، ولكي يبين لهم أن هذه الكتب قد جعلته ملزماً بإغاثة هؤلاء الناس، والنظر فيما يصلحهم، ولم يعد يحق له التأجيل والتراخي، أو صرف النظر عن السفر إليهم.
ولم يظهر تلك الكتب لابن عمر ليؤكد على أنه يسعى للسلطة، أو على أن مسعاه في طلب السلطة سيكون ناجحاً، وأن الأمور قد تمهدت له.
ومما يدخل في هذا السياق، ما جرى له «علیه السلام» في الثعلبية مع بحير وزهير، فقد روي عن بُحَيْرِ بن شداد الأسدي قال:
مَرَّ بِنَا الحُسَينُ «علیه السلام» بالثعلبيَّةِ فَخَرَجَتْ إِلَيهِ مَعَ أخي، فإذا عَليهِ جُبَّةٌ صَفْراءُ، لها جيبٌ في صدرها، فقالَ لَهُ أخي: إِنِّي أَخافُ عَليكَ.
فَضَرَبَ بالسَّوطِ عَلى عَيبَةٍ قد حَقَبَها خَلْفَهُ، وقال: هذِهِ كُتُبُ وُجوهِ أهل المصر (1).
2 - قال ابن عيينة : حدثني بحير من أهل الثعلبية، قلت له: أين كنت حين مر الحسين؟!
1) الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج1 ص 447 و 457 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 64 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 216 و 214 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 239 و 344 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 306.
قال: غلام قد أيفعت.
قال: كان في قلة من الناس، وكان أخي أسن مني [في تاريخ مدينة دمشق: اسمه زهير].
فقال له: يا ابن بنت رسول اللّه، أراك في قلة من الناس.
فقال بالسوط، وأشار إلى حقيبة الرحل: هذه خلفي مملوءة كتبا (1).
ونقول:
إن هذا الذي جرى للحسين مع بحير وزهير، وإن كان لم يصرح بأن ثمة نصيحة منهما أو من أحدهما أسديت له «علیه السلام».. ولكن نفس قول أحد الأخوين له «علیه السلام»: إني أخاف عليك، يتضمن تخطئة له «علیه السلام» في مسيره ذاك، باعتبار أنه يقدم على بلد يحكمه أعداؤه، ولم يكن معه قوة تحميه.
فأخبرهم أن له «علیه السلام» في ذلك المصر من يؤيده، ويطلب منه القدوم عليه ليتدبروا الأمور معه.. وقد كان عليه أن يلبي طلبهم، لأن اللّه تعالى يوجب على أمثاله ذلك.
1) تاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 10 وتاريخ مدينة دمشق ج14 ص214 و 215 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2614 و 2615 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 305 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 305.
1 - عن عبد اللّه بن سليمان والمنذر بن المُشمَعِل الأسديّين، قالا:
فلمّا كانَ السَّحَرُ أمَرَ [الحُسَينُ «علیه السلام»] أصحابَهُ فَاستَقوا ماءً وأكثروا، ثُمَّ سارَ حَتى مَرَّ يبَطن العَقَبَةِ فَنَزَلَ عَليها، فَلَقِيَهُ شَيحٌ مِن بَني عِكرمة يُقالُ لَهُ: عَمرُو بنُ لوذانَ، فَسَأَلَهُ: أَينَ تُرِيدُ؟!
فقالَ لَهُ الحُسَينُ «علیه السلام»: الكوفة.
فقال الشيخ: أنشُدُكَ اللّه لمَّا انصَرَفت؛ فَوَاللّه مَا تَقدَمُ إِلَّا عَلَى الأسيَّة وحَدّ السُّيوفِ، وإِنَّ هؤلاء الَّذِينَ بَعَثُوا إِليكَ لو كانوا كَفَوكَ مَؤونَة القِتال، ووَطَّؤوا لكَ الأشياءَ، فَقدِمت عليهم كانَ ذلِكَ رَأياً، فأمّا عَلى هذهِ الحال التي تَذكَّرُ، فإنّي لا أرى لَكَ أَن تَفعَلَ!
فَقالَ لَهُ: يا عَبْدَ اللّه، ليس يخفى عَليَّ الرَّأْيُّ، ولكِنَّ اللّه تَعَالى لا يُعَلِّبُ على أمره.
ثُمَّ قَالَ «علیه السلام»: وَاللّه لا يَدَعوتي حَتَّى يَستَخرجوا هذِهِ العَلقة مِن جوفي، فإذا فعلوا، سلط اللّه عَليهِم مَن يُذِلُّهُم، حَتَّى يَكونوا أَذلَّ فِرَق (1)الأمم (2).
1) يحتمل أن تكون العبارة: أذل من فرام الأمة، ثم صُدِّقت.
2) موسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 263 وإعلام الورى ج 1 ص 447 والإرشاد ج 2 ص 76 وبحار الأنور ج 44 ص 375 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 225 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 399 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 301 والكامل في التاريخ ج 4 ص 39 ولواعج الأشجان ص 87 وأعيان الشيعة ج 1 ص 595 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص79. ويحتمل أن تكون العبارة: «أذل من فرام الأمة» ثم صحفت.
سارَ [الحُسَينُ «علیه السلام»] حَتَّى انتهى إلى بَطْن العقيق، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ مِن بَني عِكرمة فَسَلَّمَ عَليهِ، وأخبَرَهُ بتوطيد ابن زيادٍ الخَيلَ ما بَينَ القادِسِيَّةِ إلى العُذيبِ رَصَداً لَهُ.
ثمَّ قَالَ لَهُ: اِنصَرِفَ بنَفسي أَنتَ فَوَاللّه ما تَسِيرُ إِلَّا إِلَى الْأُسِنَّةِ وَالسُّيوفِ، ولا تَتَكِلُنَّ عَلَى الَّذِينَ كَتَبوا لكَ؛ فَإِنَّ أُولئِكَ أَوَّلُ النّاس مُبادَرَةً إِلى حَرِيكَ.
فقالَ لهُ الحُسَينُ «علیه السلام»: قد ناصحت وبالغت، فَجُزِيتَ خَيرًا. ثُمَّ سَلَّمَ عَليهِ، ومَضى حَتَّى نَزَلَ بشراة بات بها، ثُمَّ ارتَحَلَ وسار (1).
ونقول:
قد تقدمت مضامين نصيحة عمرو بن لوذان، ولكن المهم هنا هو جواب الإمام له، وأن ما قاله لم يكن ليخفى على الإمام، ولكن القضية عنده «علیه السلام» ليست قضية الحصول على السلطة، ليقال له: إن الواقع لا يحمل دلالات على إمكان نجاح ذلك..
بل للقضية منحى آخر، ومسار آخر، فهي:
1) الأخبار الطوال ص 248 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج6 ص2622 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 246.
أولاً: قضية القيام بالواجب الشرعي، والخضوع لإرادة اللّه، والرضا بقضائه، وهو ما أشار إليه «علیه السلام» بقوله: ليس يخفى علي الرأي، ولكن اللّه تعالى لا يغلب على أمره.
وثانياً: هو «علیه السلام» لا يريد حرباً لأحد، ولكن بني أمية مصممون على قتله بكل صورة، وحيثما وجد مع أن ذلك لن يفيدهم، بل هو سيكون سبباً في بوار عزهم وظهور ذلهم، حتى يكونوا أذل فرق الأمم، أو من فرام الأمة.
عن أبي واقد الليثي قال:
بَلغَني خُروجُ حُسَين «علیه السلام» فأدركتُهُ بِمَالٍ، فناشدتُهُ اللّه ألا يَخرُجَ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ فِي غَيرِ وَجهِ خُروج، وإِنَّما يَقْتُلُ نَفْسَهُ.
فقال: لا أرجع (1).
ونقول:
ملل موضع في طريق مكة بين الحرمين (2).
1) الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 445 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص57 وتهذيب الكمال ج6 ص417 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 208 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2609 والبداية والنهاية ج 8 ص 163 و (ط دار إحياء التراث) العربي ج 8 ص 176 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 294 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 237.
2) معجم البلدان ج 5 ص 194.
1 - لعلَّ أبا واقد الليثي هو الحارث بن عوف بن أسيد، وهو وإن كان قد حضر صفين مع علي «علیه السلام». ولكن لغة خطابه مع الحسين «علیه السلام» هنا ليست رصينة، ولا مرضية، فإما أن يكون هذا الكلام مدسوساً عليه، ولا نرى داعيا للأخذ بهذا الاحتمال، إلا إذا أريد تكثير المعترضين على الإمام «علیه السلام»، أو أن هذا هو مستوى تفكيره، وهذه هي حدود إدراكه للأمور، فهو يلقي الكلام على عواهنه، من دون تدبر في دلالاته وإيحاءاته. وهذا الإحتمال بعيد، ولا شاهد له..
أو أنه لم يكن يعتقد في الإمام الحسين «علیه السلام» أنه أمام مطهر معصوم، بل هو رجل كسائر الناس، غير أنه من أهل بيت النبي «صلی اللّه علیه وآله»..
وهذا الإحتمال هو الظاهر من سياق كلامه هنا، كما سنشير إليه.
2 - إن هذا الرجل يرى أنه لا مبرر لخروج الإمام الحسين «علیه السلام» والظاهر أن مراده بالخروج هو الخروج على السلطان، وأن الظروف لم تكن مواتية للنجاح في هذا المسعى.
مع أن الحسين «علیه السلام» لم يخرج على السلطان، بل السلطان هو الذي صمم على قتل الحسين «علیه السلام»، وهو يلاحقه من المدينة إلى مكة، ثم إلى كل مكان يقصده، أو يحل فيه.
3 - إن أبا واقد يرى أن هذا الخروج من مفردات إلقاء النفس في التهلكة، وأن فاعل ذلك هو المطالب والمحاسب، لأنه يقتل نفسه بخروجه.
4 - إن كلامه يدل على أن الحسين ليس بمعصوم بنظره، بل هو مخطئ في تقديره للأمور، ومخطئ في خروجه على السلطان. وهو قاتل لنفسه، ومن يقتل نفسه فهو آثم، ومعاقب عند اللّه.
5 - إن الحسين «علیه السلام» لم يزد في جوابه لأبي واقد على قوله: لا أرجع. فهل حذف الرواة تفاصيل جوابه له، وأوجزوه على هذا النحو أو أن الإمام لم ير أن جوابه سيكون مرضيا وذا أثر على أبي واقد.. إما لأنه سوف لا يتعقله، أو لأنه يرى حرمة الخروج على أمثال يزيد في أي حال.
قالوا :
ثُمَّ أَقْبَلَ الحُسَينُ «علیه السلام» مِنَ الحاجز [الحاجر] يَسِيرُ نَحوَ الكوفة، فانتَهى إلى ماءٍ مِن مِياهِ الْعَرَبِ، فَإِذا عَلَيهِ عَبدُ اللّه بنُ مُطِيعِ العَدَوِيُّ، [في الأخبار الطوال : سارَ الحُسَينُ «علیه السلام» مِن بَطن الرُّمَّةِ، فَلَقِيَهُ عَبدُ اللّه بنُ مُطيع، وهُوَ مُنصَرِفٌ مِنَ العِراق] وهُوَ نازِلٌ بهِ، فلمّا رأى الحُسَينَ «علیه السلام» قامَ إليه، فقال: بأبي أنت وأمّي يَا ابنَ رَسولِ اللّه، ما أقدَمَكَ؟ وَاحْتَمَلَهُ وأَنزَلَهُ.
فقالَ لهُ الحُسَينُ «علیه السلام»: كانَ مِن مَوتِ مُعاوِيَة ما قد بَلغَكَ،
فَكَتَبَ إلى أهلُ العِراق يَدعونَني إلى أنفُسهم.
فَقالَ لهُ عَبدُ اللّه بنُ مُطيع أذكَّرُكَ اللّه - يا ابنَ رَسولِ اللّه - وحُرمَةٌ الإسلام أن تُنتَهَكَ، أنشدُكَ اللّه في حُرمَةِ قريش، أَنشُدُكَ اللّه فِي حُرمَةِ العَرَب ! فَوَاللّه لَئِن طلبت ما في أيدي بني أميَّة ليَقْتُلُنَّكَ، ولئِن قَتَلُوكَ لا يَهابُوا بَعدَكَ أحَدًا أبداً، وَاللّه إنَّها لحُرمة الإسلام تُنتَهَكُ، وحُرمَهُ قريش، وحُرمَة العَرَبِ، فَلا تَفعل، ولا تَأْتِ الكوفة، ولا تُعَرِّض نَفْسَكَ لِبَنِي أمَيَّة.
فَأَبَى الحُسَينُ «علیه السلام» إلا أن يَمضي (1).
وقال الخوارزمي:
وأقبَلَ إليهِ [أي إلى الحُسَين «علیه السلام»] عَبدُ اللّه بنُ مُطِيعِ العَدَوِيُّ، فَقالَ: جُعِلْتُ فِداكَ يَا ابنَ رَسول اللّه، لا تَخرج إلى العِراق، فإِنَّ حُرمَتَكَ مِنَ اللّه حُرمة، وقرابَتَكَ مِن رسول اللّه قرابة، وقد قُتِلَ ابنُ عَمِّكَ بالكوفة، وإنَّ بَني أُمَيَّة إن قتلوك لم يرتَدِعوا عَن حُرِمَةِ اللّه أَن يَنتَهكوها، ولم يهابوا أحَداً بَعدَكَ أن يقتلوه، فاللّه اللّه أَن تَفْجَعَنَا بِنَفْسِكَ!
1) الإرشاد ج 2 ص 71 وبحار الأنوار ج 44 ص 370 والعوالم، الإمام الحسين ص 221 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 395 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 298 والكامل في التاريخ ج 4 ص 41 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 804 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 256 - 258 عنهم. وراجع الأخبار الطوال ص 246 ونهاية الأرب ج 20 ص 413 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 73 و المجالس الفاخرة ص 111.
فلم يَلْتَفِتِ الحُسَينُ «علیه السلام» إلى كَلامِهِ (1).
ونقول:
تقدمت في ثنايا هذا الكتاب نصيحة أخرى لابن مطيع، وذلك حين التقى بالحسين «علیه السلام» بين مكة والمدينة، وقد تكلمنا حولها هناك بما لا حاجة لإعادته.
وأما فيما يرتبط بنصيحته هذه، فإننا نذكر بما يلي:
1 - إن دعوة أهل العراق للحسين لا تعني أنهم يدعونه ليقود الحرب ضد بني أمية. كما أن تلبية الإمام دعوة العراقيين، ومسيره إليهم لا يعني ذلك، ولا دلالة على أنه يريد أن يستفيد منهم في أمر كهذا، وقد قلنا: إن هذه الاستجابة قد تكون لوضع خطة عمل لا تخرج عن نطاق طلب الإصلاح في الأمة، وحل المشكلات من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو من الواجبات الشرعية على كل مكلف.
2 - ما معنى الاهتمام الشديد من ابن مطيع بحرمة العرب، والخشية من انتهاكها، وهل حرمة العرب وقريش يجب أن تحفظ حتى لو كان ثمن ذلك هو أن يعم الفساد الناس وأن يذل الحكام الجبارون المسلمين، وأن تمحق أحكام الدين، وتهيمن الضلالات على الناس؟!
ولماذا تفوح من هذا الكلام الروائح الكريهة للعنصرية، والعصبية
1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 216 وراجع: الحدائق الوردية ج 1 ص 114 والأمالي الشجرية ج 1 ص 167.
للعرق، لا للحق؟!
3 - هل يكون طلب الحسين «علیه السلام» الاصلاح في أمة جده والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تفريطاً منه بحرمة الإسلام، أو أنه إعزاز للدين، وقوة للمسلمين، سواء أكانوا من قريش، أو من غيرها.
وسواء كانوا من العرب أو من غيرهم؟!
4 - من الذي قال لابن مطيع: إن الإمام الحسين جاء إلى العراق طالباً ما في يد بني أمية؟!
5 - وحتى لو طلب «علیه السلام» ما في يد بني أمية، فإن ما في أيديهم هو حقه الثابت له بالنصوص عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله» وقد اغتصب الأمويون هذا الأمر منه بالقهر والقوة..
وبالرغم من أن معاوية قد أعطى عهداً بإعادة الأمر إليه، فإنه عاد ونكث عهده، وغدر وفجر، وتجبر واستكبر..
فهل من يطالب بحقه يكون هو الذي الذي ينتهك حرمة الإسلام، وحرمة المسلمين أو يكون من يبطش بأهل الحق، ويلاحقهم تحت كل حجر ومدر، وفي كل سهل وجبل ليغتالهم، وينكل بهم هو الذي ينتهك الحرمات، ويجب التصدي له بكل الوسائل المشروعة لردعه عن غيِّه؟!
حقاً إن الضوابط قد فقدت والمعايير قد بدلت، وصار الباطل يصور على أنه الحق والحق كأنه الباطل..
1 - عن جميل بن مرثد من بني معن عن الطرماح بن عدي قال: إِنَّهُ دَنا مِنَ الحُسَين «علیه السلام»، فَقالَ لهُ: وَاللّه، إِنِّي لأَنظُرُ فَما أرى مَعَكَ أحَداً، ولو لم يُقاتِلكَ إِلَّا هؤلاء الذين أراهُم مُلازِميكَ لكَانَ كَفى بهم.
وقد رأيتُ - قبلَ خُروجي مِنَ الكوفة إليكَ بيَوم - ظهر الكوفة، وفيهِ مِنَ النّاس ما لم تَرَ عَيْنايَ في صَعِيدٍ وَاحِدٍ جَمعا أكثرَ مِنهُ، فَسَأَلْتُ عَنهُم، فَقِيلَ : اِجتَمَعوا لِيُعرَضوا، ثُمَّ يُسَرَّحُونَ إلى الحُسَين.
فأنشدُكَ اللّه إن قدَرتَ عَلى أَلا تَقدَمَ عَليهم شبرا إلا فعلت.
فإن أردتَ أن تَنزِلَ بَلدا يَمْنَعُكَ اللّه بِهِ حَتَّى تَرى مِن رَأيكَ، ويَستَبِينَ لَكَ ما أنتَ صانع، فسر حَتَّى أنزلكَ مَناعَ؛ جَبَلِنَا الَّذِي يُدعى أجَأ، امتَنَعنا - وَاللّه - بهِ مِن مُلوكِ غَسَّانَ وحِمير، ومِنَ النُّعمان بن المُنذِر، ومِنَ الأَسْوَدِ وَالأحمر، وَاللّه إِن دَخَلَ عَلينا دُلُّ قط، فَأسِيرُ مَعَكَ حَتَّى أُنزلكَ القرية، ثُمَّ نَبعَتْ إِلى الرِّجالِ مِمَّن بأجا وسلمى من طيّئ، فَوَاللّه لا يَأْتِي عَليكَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ حَتَّى يَأْتِيَكَ طَيِّيٌّ رجالاً و رُكباناً.
ثُمَّ أقم فينا ما بَدا لكَ، فإن هاجَكَ هَيجٌ، فأنا زَعِيمٌ لَكَ بِعِشْرِينَ أَلْفَ طائِي يَضربونَ بَينَ يَدَيكَ بأسيافهم، وَاللّه لا ُيوصَلُ إِلَيْكَ أَبَداً وَمِنهُم عَينٌ تَطرف.
فَقالَ لَهُ: جَزاكَ اللّه وقومَكَ خَيرا، إنَّهُ قد كانَ بَينَنا وَبَينَ هؤلاء القوم قولُ لسنا نَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى الإِنصِرافِ، ولا ندري عَلامَ تَنصَرِفُ بنا
وبهمُ الأمور في عاقبة، (أو في عافية).
قالَ الطَّرمّاحُ بنُ عَدِيٍّ : فَوَدَّعتُهُ وقُلتُ لَهُ: دَفَعَ اللّه عَنكَ شَرَّ الْجِنِّ وَالإِنس، إنّي َقدِ امتَرتُ لِأهلي مِنَ الكوفة ميرةَ، وَمَعي نَفْقَةٌ لهُم، فَآتيهم فَأَضَعُ ذلِكَ فيهم، ثم أقبلُ إِليكَ إِن شاءَ اللّه، فإن الْحَقَّكَ فَوَاللّه لأكونَنَّ مِن أنصارك.
قالَ: فإن كُنتَ فاعِلاً فَعَجِّلْ رَحِمَكَ اللّه !
قالَ: فَعَلِمتُ أَنَّهُ مُستَوحِش إلى الرّجال حَتى يَسألنِي التعجيل.
قالَ: فَلمّا بَلغتُ أهلي وَضَعتُ عِندَهُم ما يُصلِحُهُم، وأوصَيتُ، فَأَخَذ أهلي يَقولونَ: إِنَّكَ لَتَصْنَعُ مَرَّتُكَ هَذِهِ شَيئاً ما كُنتَ تَصنَعُهُ قبلَ اليَوم !
فَأَخبَرْتُهُم بما أريدُ.
وأقبَلتُ في طريق بَني تُعَلٍ، حَتَّى إذا دَنَوتُ مِن عُذيب الهجاناتِ اسْتَقْبَلْنِي سَماعَهُ بنُ بَدرِ، فَنَعَاهُ إِلَيَّ، فَرَجَعَتْ(1).
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 406 و 407 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 307 والبداية والنهاية ج 8 ص 174 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 188 ومثير الأحزان ص 43 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 28 وبحار الأنوار ج 44 ص 369 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 240 و 241 عنهم. والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 219. وراجع: أنساب الأشراف ج 3 ص 382 والكامل في التاريخ ج 4 ص 50 وتجارب الأمم ج 2 ص 65 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 228 ونهاية الأرب ج 20 ص 421 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 89.
2 - رُوِّيتُ أَنَّ الطَّرِمّاح بن حَكَم [حكيم] قَالَ: لَقِيتُ حُسَينا «علیه السلام» وقدِ امتَرتُ لِأهلي ميرة، فقلتُ: أذكَّرُكَ فِي نَفْسِكَ، لا يَغُرَّنَّكَ أهلُ الكوفة، فَوَاللّه لئِن دَخَلْتَها لتقتَلنَّ، وإنِّي لأخافُ أَلا تَصِلَ إليها، فإن كُنتَ مُجمِعاً عَلى الحَرب فأنزل أجأ، فَإِنَّهُ جَبَلٌ مَنيعٌ، وَاللّه ما نالنا فِيهِ ذُلُّ قط، وعَشِيرَتي يَرَونَ جَمِيعًا نَصرَكَ، فَهُم يَمنَعونَكَ ما أقمت فيهم.
فَقالَ: إِنَّ بَيني وَبَينَ القوم مَوعِداً أكرَهُ أن أخلفَهُم، فَإِن يَدفعِ اللّه عنا، فقديماً ما أنعَمَ عَلينا وكَفى، وإن يَكن ما لا بُدَّ مِنهُ، فَقَوزٌ وشَهَادَةٌ إِن شاءَ اللّه (1).
ونقول:
علينا ملاحظة ما يلي:
1 - إن ما استند إليه الطرماح في مشورته، لا يبتعد عما قاله الفرزدق، وبشر بن غالب وغيرهما. وقد قال عدد من الناصحين: إن قلوب أهل الكوفة معه، وسيوفهم عليه.
وذكروا : أن الحكام يستميلون الناس بالأموال، ويغرونهم بالمناصب، ويخوفونهم بالبطش والإنتقام..
2 - ولكن الإمام «علیه السلام» يبقى مصراً على دخول الكوفة،
1) مثير الأحزان ص 39 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 28 وبحار الأنوار ج 44 ص 369 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 219.
وحجته في ذلك : أنه «علیه السلام» قد أعطى أهل الكوفة قولاً «لسنا نَقدِرُ مَعَهُ عَلى الإنصراف» (1).
ويقول: «إنَّ بَيني وَبَينَ القوم مَوعِداً أكرَهُ أن أخلفَهُم»(2).
وقد صرح الإمام الحسين «علیه السلام» نفسه كما عن يزيد الرشك، لأحد الناس حين قال له: ما أنزلك هذه البلاد والقلاةَ التي ليسَ بها أحَدٌ؟
قالَ «علیه السلام»: هذِهِ كُتُبُ أهل الكوفة إليَّ ولا أراهُم إلا قاتِلِيَّ (3).
فالإمام «علیه السلام» يعلم بأن أهل الكوفة يقتلونه، ولكنه يصر على دخول الكوفة.
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 407 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 307 ولواعج الأشجان ص 96 وتجارب الأمم ج 2 ص 66 والكامل في التاريخ ج 4 ص 50 وأعيان الشيعة ج 1 ص 597 وج 7 ص 396 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 89 ونهاية الأرب ج 20 ص 422.
2) مثير الأحزان ص 39 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 28 وبحار الأنوار ج 44 ص 369 والعوالم، الإمام الحسين ص 219.
3) راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 216 وسير أعلام النبلاء ج3 ص 305 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 11 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 183 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 307 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 64.
3 - لعل سبب إصراره هذا أن الإمام الحسين «علیه السلام» كان يريد كسر قرار السلطة الجائرة بمنعه من الإتصال بأهل الكوفة، وتصميمها على أن يكون دخوله إلى الكوفة وهو في قبضتها.. مع أنه لا يحق لأحد مصادرة حريات الناس، ومنعهم من الإتصال بإخوانهم، وتلبية حاجاتهم، والسعي في إصلاح أمورهم، وتعليمهم شرائع دينهم، وتربيتهم، وتزكية نفوسهم، وتهذيب أخلاقهم.
فإن هذا المنع هو من مفردات التجبر والظلم الذي لا ينبغي الخضوع له، والمرور عليه مرور الكرام.
4 - كما أن إصرار الإمام على الوفاء بوعده لأهل الكوفة، حتى بعد أن وقعت الخيانة، واستشهد مسلم بن عقيل، وهاني بن عروة، وعبد اللّه بن يقطر، وقيس بن مسهر الصيداوي وسواهم يدعو كل صاحب ضمير حي، ووجدان مستيقظ لمراجعة حساباته، وإجراء مقارنة بين هذا الموقف الحسيني، وبين موقف أهل الكوفة..
5 - ربما يكون «علیه السلام» أراد أن لا يفسح المجال، ولو لادعاء أن الحسين «علیه السلام» لو وصل إلى أهل الكوفة لعادوا إليه، وانضووا تحت جناحه وتغيّر مسار الأحداث.
وحين ذكر الطرماح: أنه يريد أن يوصل الميرة (أي الطعام) إلى أهله، ثم يلتحق به ليكون من أنصاره، قال له الحسين «علیه السلام» فإن كُنتَ فاعِلاً فَعَجِّل رَحِمَكَ اللّه !
قالَ الطرماح : فَعَلِمتُ أنَّهُ مُستَوحِش إلى الرِّجال (1).
ولكن قد فات الطرماح: أن ما فهمه قد لا يكون دقيقا ولا مقصوداً، إلا على معنى أنه «علیه السلام» يريد أن يرى إقبالاً لدى الناس على العمل بما أوجبه اللّه عليهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
كما أن من الممكن أن يكون الحسين «علیه السلام» قد رأى صدق نية الطرماح، فأراد أن لا يحرمه من الرضا الإلهي، ومن هذه الدرجة الرفيعة عند اللّه مع معرفته «علیه السلام» بأن الأحداث تتلاحق بسرعة، تجعل من التعجيل ضرورة واقعية لمن أراد أن يفي بوعده.
والتقى الحسين أيضاً ببعض الأشخاص - كما يروي يزيد الرشك - في بعض منازل الطريق، فقال للحسين «علیه السلام»: ما أنزَلْكَ هذِهِ البلادَ وَالفَلاةَ التي ليس بها أَحَدٌ؟
قالَ: هذِهِ كُتُبُ أهل الكوفة إليَّ ولا أراهُم إلا قاتِليَّ (2).
1) تاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 307 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 90 ومثير الأحزان ص 40 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 28.
2) تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 216 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 305 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 11 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 183 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص307 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص64.
وقد التقى الحسين «علیه السلام» بشر بن غالب الأسدي في ذات عرق وارداً من العراق، فسأله عن أهلها، فقال: خَلفتُ القُلوبَ مَعَكَ، وَالسُّيوفَ مَعَ بَنِي أُمَيَّة !
ققالَ «علیه السلام»: صَدَقَ أخو بَني أَسَدٍ إِنَّ اللّه يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، ويَحكُمُ ما يُريدُ (1).
زاد في بعض المصادر :قوله فقالَ لهُ الأَسَدِيُّ: يَا ابْنَ بِنتِ رَسولُ اللّه! أخبرني عَن قول اللّه تَعالى: «يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أَناسِ بِإمَامِهِمْ» (2).
فَقالَ الحُسَينُ «علیه السلام»: نَعَم يا أخا بَني أَسَدٍ! هُم إمامان: إمامُ هُدىً دَعا إلى هُدىً، وإمامُ ضَلالةٍ دَعا إلى ضلالةٍ، فَهَدَى مَن أجابَهُ إِلى الجَنَّةِ، ومَن أجَابَهُ إلى الصَّلالَةِ دَخَلَ النّارَ (3).
1) الملهوف ص 30 و (نشر أنوار الهدى) ص 43 وراجع مثير الأحزان ص 42 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 30 والأمالي للصدوق ص217 المجلس رقم 30 وبحار الأنوار ج 44 ص 367 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 217 ولواعج الأشجان ص 78 وأعيان الشيعة ج 1 ص594 وج 3 ص 576 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 69 و 70 والمجالس الفاخرة ص 215 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 220.
2) الآية 71 من سورة الإسراء.
3) راجع: الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 69 و 70 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 220 والأمالي للصدوق (ط مؤسسة البعثة) ص 217 المجلس رقم 31 وبحار الأنوار ج 44 ص 313 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 162 ونور الثقلين (تفسير) ج 3 ص 192 وج 4 ص 558 وكنز الدقائق (تفسير) ج 7 ص 458 وج 11 ص 479.
ونقول:
لاحظ ما يلي:
1 - إن جواب الإمام «علیه السلام» لبشر بن غالب، وللفرزدق بأنهما قد صدقا في خبرهما عن أهل العراق يدل على أنه «علیه السلام» كان على علم بحال أهل العراق ولكن علمه «علیه السلام» هذا لا يسقط حقهم عليه بسماع شكواهم، ومد يد العون لهم.
وخذلانهم له بعد ذلك، وانقلابهم عليه لا يعني أنه قد أخطأ في الإستجابة لهم، لأنه قد عمل بما أوجبه اللّه عليه..
2 - إن قوله «علیه السلام»: إِنَّ اللّه يَفعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيَحكُمُ ما يُرِيدُ يدل على ما نقول، فإنه تعالى يعلم أنهم سوف ينكثون عهدهم، ذلك قد أوجب على الإمام أن يغيثهم، وحكم بأن غدر آبائهم، ولكنه مع بل وغدرهم أنفسهم بأبيه وأخيه في السابق لا يسقط حقهم بالإغاثة والمعونة في اللاحق.
3 - يلاحظ هنا: أن بشر بن غالب أيضاً لم يلتحق بالإمام «عليه السلام»، بالرغم من أن ظاهر حاله أنه كان من المحبين له. فهل كان تخلفه لعذر، أو لغير عذر، لا ندري !!
أو أنه لم يعلم أن الأمور ستنتهي إلى ما انتهت إليه بهذه السرعة.
1 - عَن الْفَرَزدَق قالَ:
لقيتُ حُسَينا «علیه السلام»، فقلتُ: بأبى أنت لو أقمتَ حَتَّى يَصدُرَ النّاسُ ُلرَجَوتُ أن يَتَقصَّفَ أهلُ المَوسمِ مَعَكَ.
فقالَ: لم آمَنهُم يا أبا فِراس (1).
تقصف الناس ازدحموا.
2 - رُوِيَ عَن الفَرَرْدَقَ الشَّاعِرِ أَنَّهُ قَالَ:
حَجَجَتْ بِأُمِّي فِي سَنَةِ سِتِّينَ، قَبَينا أنَا أَسوقُ بَعيرَهَا حِينَ دَخَلْتُ الحَرَمَ، إذ لقيتُ الحُسَينَ بنَ عَلِيٍّ «علیه السلام» خارجاً مِن مَكَةَ، مَعَهُ أسيافه وتراسُهُ.
فقلتُ: لِمَن هذا القِطارُ؟!
فَقِيلَ: لِلحُسَين بن علي «علیه السلام»، فأتَيتُهُ فَسَلَمتُ عَليهِ، وَقُلتُ له: أعطاك اللّه سُؤلكَ وأمَلكَ فيما تُحِبُّ. بأبي أنت وأمّي يَابنَ رَسول
1) الطبقات الكبرى الطبقة الخامسة من الصحابة ج 1 ص 455 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 63.
اللّه ! ما أعجَلكَ عَن الحَجِّ؟
فقال: لو لم أعجل لأخذتُ (1).
ثُمَّ قَالَ لِي: مَّن أَنتَ؟
فقلتُ: رَجُلٌ مِن العَرَبِ، فَما فَتَّشَني عَن أَكثَرَ مِن ذلِكَ.
قال: أخبرني عَن النّاسِ خَلْفَكَ.
فقلتُ: الْخَبيرَ سَأَلْتَ قُلوبُ النّاس مَعَكَ، وأسيافُهُم عَلَيكَ ثُمَّ حَرَّكَ راحِلْتَهُ وَمَضَى (2).
3 - عن الزبير بن الخريت:
سَمِعتُ الْفَرَزدَقَ قالَ: لقيتُ الحُسَينَ «علیه السلام» بذاتِ عِرق وهُوَ يُريدُ الكوفة، فقال لي: مَا تَرى أهل الكوفة صانِعِينَ؟ فَإِنَّ مَعي جَمَلَا من كتبهم؟
قُلتُ: يَخذُلُونَكَ، فَلا تَذهَب فَإِنَّكَ تَأتي قوماً قُلوبُهُم مَعَكَ، وأيديهم عَليكَ.
1) الإرشاد ج 2 ص 67 وبحار الأنوار ج 44 ص 365 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 215 وإعلام الورى ج 1 ص 445 ومثير الأحزان ص 38 و 40 والمجالس الفاخرة ص 212 والدرجات الرفيعة ص 548 وأعيان الشيعة ج 1 ص 594 ولواعج الأشجان ص 77 وراجع تاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 290 وتجارب الأمم ج 2 ص 59 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 68 والمجالس الفاخرة ص 212.
2) راجع: مثير الأحزن (ط المكتبة الحيدرية) ص 28.
فلم يُطعني ! (1).
4 - عَنِ الْفَرَزْدَقَ قَالَ:
لقِيَنِي الحُسَينُ «علیه السلام» في مُنصَرَ في مِنَ الكوفة، فقال: ما وَرَاءَكَ يا أبا فِراس؟
قلتُ أصدقك؟
قالَ «علیه السلام»: الصدق أريدُ.
قُلتُ: أمّا القُلوبُ فَمَعَكَ، وأمّا السُّيوفُ فَمَعَ بَني أُمَيَّةَ، وَالنَّصَرُ مِن عِندِ اللّه.
قالَ: ما أراكَ إلا صَدَقت النّاسُ عَبيدُ المال [الدنيا]، وَالدِّينُ لغو [لعق] عَلى السِنَتِهم، يحوطونَهُ ما دَرَّت بهِ معايشهُم، فَإِذا مُحصوا لِلإبْتِلاء [ بالبَلاء] قُلَّ الدَّيَّانونَ (2).
1) أنساب الأشراف ج 3 ص 377 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 165 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 10 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص304 وتاريخ 3 مدينة دمشق ج 14 ص 214 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 303.
2) كشف الغمة ج 2 ص 244 و (ط دار الأضواء) ج 2 ص 241 و 242 وبحار الأنوار ج 44 ص 195 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 61 والمحجة البيضاء ج 4 ص 228 والحدائق الوردية ج 1 ص 113 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج6 ص 2613 وبستان الواعظين ص262 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص327.
5 - قال أبو مخنف، عن أبي جناب، عن عدي بن حرملة، عن عبد اللّه بن سليم والمذري قالا:
أقبلنا حَتَّى انتهينا إلى الصفاح، فلقينا الفَرَرْدَقُ بنُ غَالِبِ الشَّاعِرُ، فواقفَ حُسَينا «علیه السلام»، فَقالَ لَهُ: أعطاك اللّه سُؤلكَ، وأمَّلْكَ فيما تُحِبُّ.
فَقالَ لهُ الحُسَينُ «علیه السلام»: بَيِّن لنا نَبَأ النّاس خَلْفَكَ.
فقالَ لهُ الفَرَرْدَقُ مِنَ الخَبير سألت، قُلوبُ النّاس مَعَكَ، وسُيوفُهُم مَعَ بَنى أُمَيَّة، والقضاءُ يَنزِلُ مِنَ السَّماءِ، وَاللّه يَفْعَلُ ما يَشاءُ.
فَقالَ لهُ الحُسَينُ «علیه السلام»: صَدَقت اللّه الْأَمرُ، وَاللّه يَفْعَلُ مَا يَشاءُ، وكُلَّ يَومٍ رَبُّنا في شأن إن نَزَلَ القضاءُ بما نُحِبُّ فَنَحمَدُ اللّه عَلى نَعمائِهِ، وهُوَ المُستعانُ عَلى أداء الشكر، وإن حالَ القضاءُ دونَ الرَّجاءِ، فلم يَعتَدِ مَن كانَ الحَقُّ نِيَّتَهُ، وَالتَّقوى سَرِيرَتَهُ.
ثُمَّ حَرَّكَ الحُسَينُ «علیه السلام» راحلتَهُ فَقالَ: السَّلامُ عَليكَ، ثُمَّ افترقا [افترقنا ] (1).
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 386 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 290 وراجع أنساب الأشراف ج 3 ص 376 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 164 وراجع: الكامل في التاريخ ج 4 ص 40 وتجارب الأمم ج 2 ص 59 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 95 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 245 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 803 والإرشاد ج 2 ص 67 والبداية النهاية ج 8 ص 166 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 180 وراجع الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 456 والأخبار الطوال ص 245 والدرجات الرفيعة ص 548 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص68 ونهاية الأرب ج 20 ص 410 والمجالس الفاخرة ص 213.
6 - قال هشام، عن عوانة بن الحكم، عن لبطة بن الفرزدق بن غالب قال حَجَجت بأمّي، فأنا أسوقُ بَعيرَها حينَ دَخَلْتُ الْحَرَمَ فِي أَيَّامٍ الحَجِّ، وذلِكَ في سَنَةِ سِتِّينَ، إذ لقيتُ الحُسَينَ بنَ عَلِيٍّ «علیه السلام» خارجاً مِن مَكَة، مَعَهُ أسيافه وتراسُهُ، فقلتُ: لِمَن هذَا القِطارُ؟
فَقِيلَ: لِلحُسَين بنَ عَلِيّ «علیه السلام»، فأتَيتُهُ فَقُلتُ: بِأَبي وأُمِّي يَا ابنَ رَسول اللّه ! ما أعجَلَكَ عَن الحَجِّ؟
فقال: لو لم أعجَل لأخذتُ.
قالَ: ثُمَّ سَألني: مِمَّن أَنتَ؟
فقلتُ لَهُ: أَمرُو مِنَ العِراق.
قالَ: فَوَاللّه ما فَتَشَني عَن أكثرَ مِن ذَلِكَ، وَاكْتَفى بها مِنِّي.
فقال: أخبرني عَن النَّاسِ خَلْفَكَ؟
قالَ: فقلتُ لَهُ: القُلوبُ مَعَكَ، وَالسُّيوفُ مَع بَني أُمَيَّةَ، وَالقضاءُ بِيَدِ اللّه.
قالَ: فَقالَ لي: صَدَقْتَ.
قالَ: فَسَأَلْتُهُ عَن أشياء، فأخبرني بها مِن نُذور، ومَناسِكَ.
قالَ: وإذا هُوَ تَقِيلُ اللِسَانِ مِنْ بِرْسَامٍ (1)
والظاهر: أن الكلام في هذه الفقرة هو عن الفرزدق.
أَصَابَهُ بِالعِراق.قالَ: ثُمَّ مَضَيتُ \في الطبقات الكبرى : فَدَخَلتُ مَكَة.
وفي نص آخر قلمّا كُنا بِمِنىً] فإذا بقسطاطٍ مَضروبِ فِي الحَرَمِ، وهَيئَتْهُ حَسَنَةٌ، فَأَتَيتُهُ، فإذا هُوَ لِعَبدِ اللّه بن عَمرو بن العاص، فسألني، [في الطبقات الكبرى قأتيتُهُ فَإِذا شَيحٌ أَحمَرُ] فأخبَرتْهُ بِلِقَاءِ الحُسَين بن عَلِيّ «علیه السلام».
فقالَ لي: وَيلكَ فَهَلا اتَّبَعتَهُ فَوَاللّه لَيَملِكَنَّ، ولا يَجورُ السّلاحُ فِيهِ، ولا في أصحابه.
[في الطبقات الكبرى عن سفيان بن عيينة : فَقالَ: أَما إِنَّهُ لا يَحِيكُ فِيهِ السِّلاح.
قالَ: فقلتُ لهُ: تَقولُ هذا فيه، وأنتَ الذي قاتَلتَهُ وأباه!
فَسَبَّني وسَبَيتُهُ.
ثُمَّ خَرَجنا حَتى أتينا ماءً لنا يُقالُ لَهُ: «تعشار»، فَجَعَلَ لا يَمُرُّ بنا أَحَدٌ إِلَّا سَأَلْناهُ عَن حُسَينِ «علیه السلام»، حَتى مَرَّ بنا رَكِبٌ فَنَادَيناهُم مَا فَعَلَ حُسَينُ بنُ عَلِيٍّ؟
قالوا: قُتِلَ.
فقلتُ: فَعَلَ اللّه بِعَبدِ اللّه بن عَمرو وفَعَلَ.
1) البرسام علة يهذى فيها. راجع: تاج العروس ج 16 ص 48.
قالَ سُفيانُ: ذَهَبَ الفَرَزدَقُ إِلى غَيرِ المَعنى - أو قالَ: الوَجهِ - إِنَّمَا قالَ : لا يَحيكُ فِيهِ السَّلاحُ ولا يَضُرُّهُ القتلُ مَعَ ما قد سَبَقَ لَهُ]
نعود إلى حديثه لبطة ابن الفرزدق، فنقول:
قالَ: فَهَمَمْتُ وَاللّه أَن الحَقَ بهِ، ووقع في قلبي مقالتُهُ، ثُمَّ ذكَرتُ الأنبياء وقتلهُم، فَصَدَّني ذلِكَ عَن اللحاق بهم، فَقَدِمتُ عَلى أهلي بعسفان.
قالَ: فَوَاللّه إِنِّي لعِندَهُم إذ أقبلت عير قدِ امتارَت مِنَ الكوفة، فلمّا سَمِعتُ بهِم خَرَجتُ في آثارهم، حَتَّى إذا أَسمَعتُهُمُ الصَّوت، وعَجِلتُ عَن إتيانِهِم صَرَخت بهم: ألا ما فَعَلَ الحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ «علیه السلام»؟
قالَ: فَرَدُّوا عَليَّ: ألا قد قُتِلَ.
قالَ: فَانصَرَفتُ وأنَا أَلْعَنُ عَبدَ اللّه بن عَمرو بن العاص.
قالَ: وكانَ أهلُ ذلِكَ الزَّمان يَقولونَ ذلِكَ الأمر، ويَنتَظِرُونَهُ فِي كُلِّ يَومٍ وليلة.
قالَ: وكانَ عَبدُ اللّه بنُ عَمرو يَقولُ: لا تَبْلُغُ الشَّجَرَةُ ولا النَّخلة ولا الصَّغيرُ حَتَّى يَظْهَرَ هذا الأمر.
قالَ: فقلتُ لَهُ: فما يَمْنَعُكَ أَن تَبِيعَ الوَهط؟
قالَ: فقال لي: لعنَهُ اللّه عَلى فُلان - يَعني مُعاوِيَة - وعَليكَ.
قال: فقلتُ: لا، بَل عَليكَ لعنَهُ اللّه.
قالَ: قزادَني مِنَ اللعن، ولم يَكُن عِندَهُ مِن حَسْمِهِ أَحَدٌ فَأَلْقَى مِنهُم
شرّا.
قالَ فَخَرَجتْ وهُوَ لا يَعرفني.
وَالوَهط: حائِدٌ لِعَبْدِ اللّه بن عَمرو بِالطَّائِفِ؛ قالَ: وَكَانَ مُعاوِيَة قد ساوَمَ بِهِ عَبدَ اللّه بن عَمرو، وأعطاه به مالاً كثيراً، فأبى أن يَبيعَهُ بِشيءٍ.
قالَ: وَأَقْبَلَ الحُسَينُ مُغِدًا لا يلوي عَلى شَيْءٍ حَتَّى نَزَلَ ذَاتَ عِرق.(1).
وفي الطبقات الكبرى: أن الفرزدق قال عن لقائه بعبد اللّه بن عمرو بن العاص : «فَسَلْمتُ، فَقالَ: مَن؟
قلتُ : الفَرَزدَقٌ، أثرى أن أنصُرَ حُسَينا «علیه السلام»؟
قالَ : إذا تُصيب أجراً ودُخرا، قلت: بلا دُنيا؟!
فأَطرَقَ ثُمَّ َقالَ: يَا ابن غالِبٍ، لتَتِمَّنَّ خِلافَهُ يَزِيدَ، فَانظُرَن.
فكَرهت ما قال.
قالَ: فَسَبَبتُ يَزِيدَ ومُعاوِيَة.
قالَ: مَه! قَبَّحَكَ اللّه
فَغَضبتُ، فَشَتَمتُهُ وقُمتُ، ولو حَضَرَ حَشَمُهُ لأوجَعوني.
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 386 و 387 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 290 و 291 وراجع: البداية والنهاية ج 8 ص 167 و (ط دار إحياء التراث) العربي ج 8 ص 180.
قال: فلمّا قضَيتُ الحَجَّ رَجَعَتُ، فإذا عيرٌ، فَصَرَخت: أَلا مَا فَعَلَ الحُسَينُ «علیه السلام»؟ فرَدُّوا عَلَيَّ : أَلا قُتِلَ» (1).
ونقول:
ذكرت الرواية المتقدمة برقم [5] عن الطبري: أن الفرزدق لقي الإمام الحسين «علیه السلام» في الصفاح، وهذا مروي في عدد من المصادر (2).
وروي أن الفرزدق قال:
لقيتُ الحُسَين بأرض الصفاح***عَلَيْهِ اليَلامِقُ والدَّرقُ (3)
1) الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 455 و وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص63 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 293 و 298 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2612 وأنساب الأشراف ج 3 ص 376 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 222 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 212.
2) راجع: الكامل لابن الأثير ج 4 ص 40 وتجارب الأمم ج 2 ص 59 والأخبار الطوال ص 245 وأنساب الأشراف ج 3 ص 76 ومقاتل الطالبيين ص 245 ومعجم البلدان ج 3 ص 412 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج6 ص2612 وأعيان الشيعة ج 1 ص 98 والمجالس الفاخرة ص 112 ومكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا ص130 وتاريخ مدينة دمشق ج 50 ص286 والأغاني ج21 ص 257 والروض المعطار ص 139 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 299 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 62 و 64.
3) راجع: معجم البلدان ج 3 ص 412.
اليلمق : القباء (1).
وذكرت رواية أخرى: أنه لقي الحسين «علیه السلام» في أرض الحرم حين حج بأمه سنة ستين، كما رواه المفيد والطبري وآخرون.
وعند سبط ابن الجوزي وغيره أنه لقيه عند بستان بني (ابن) عامر (2).
وقيل: بذات عرق، كما ذكره ابن شهر آشوب وابن عساكر، والذهبي، والبلاذري (3).
و في الشقوق، كما عند الأربلي وابن أعثم(4)..
1) الصحاح للجوهري ج 4 ص 1571 وتاج العروس ج 13 ص 502.
2) تذكرة الخواص ص 138 وأعيان الشيعة ج 1 ص 98 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 201 عن التبر المذاب ص 75.
3) راجع: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 95 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 245 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 214 و ج 50 ص 284 وتاريخ وج خليفة بن خياط ص 176 وتذكرة الحفاظ ج 1 ص 372 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 304 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 10 وأنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج 3 ص 165 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2613 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص303.
4) راجع : كشف الغمة ج 2 ص 43 و (ط دار الأضواء) ج 2 ص 253 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 95 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 245 وراجع: الدرجات الرفيعة ص 548 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 71 ومطالب السؤول ص 396.
وفي نص آخر للأربلي في كشف الغمة: أنه لقيه في منصرفه من الكوفة (1).
وعند ابن طاووس: أنه لقي الحسين بعد أن سار «علیه السلام» من زبالة (2).
وقد يقال: لعل الفرزدق لقي الحسين «علیه السلام» في الحرم ثم لما أتم حجه رجع فوراً إلى العراق، وسار بسرعة مكنته من اللحوق بالحسين «علیه السلام»، ولعله كان يسبقه ثم يلحقه الحسين «علیه السلام» بركبه، أو العكس، فيكون قد لقيه أكثر من مرة في تلك المنازل..
وهذا يبقى مجرد احتمال، لا شاهد له سوى ما نراه من اختلاف في الروايات التي لا نرى ما يشير إلى كذب أي منها، ولاسيما مع تعدد الحوارات والأحاديث التي يذكر أنها حصلت بينه وبين الإمام «عليه السلام».
ومع ملاحظة : أن مسير الجماعات الكثيرة يكون في العادة بطيئاً
وثقيلاً. لأن المطلوب مراعاة أحوال المسنين والضعفاء فيها.
ويشهد لذلك أننا نجد أن بعض النصوص تصرح بأنه «عليه السلام» مكث في بعض المنازل يوماً وليلة (1).
وبالرغم من ظهور صدق الفرزدق في بيانه لحقائق الأمور، ودقته في فهم أحوال الناس، وظهور محبته للإمام الحسين «علیه السلام»، فإنه لم يلتحق بالحسين «علیه السلام».
ولا ندري ما سبب ذلك!
هل سببه أنه وإن كان حاله هو ما ذكرناه، لكن لا شيء يدل على أنه كان يعتقد بالإمامة بمعناها الدقيق ؟! أو أن اهتمامات الفرزدق، وما كان يشغل باله هو أمور أخرى، ليس منها الدفاع عن الدين ورموزه؟!
أو أنه لم يكن قادراً على ذلك، لأن أمه كانت معه؟!
أو أنه لم يكن يظن أن الأمور سوف تنتهي إلى ما انتهت إليه بهذه السرعة؟!
أو أن موانع حياتية أخرى حالت بينه وبين ذلك؟!
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 70 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 225 وبحار الأنوار ج 44 ص 372 ولواعج الأشجان ص 83 وأعيان الشيعة ج 1 ص 595 وج 7 ص 137 والعوالم، الإمام الحسين ص 222.
كل ذلك محتمل أيضاً، ولكن لا شاهد لدينا على أي من هذه الاحتمالات.
بقي أن نشير إلى أننا لم نجد في تلك الروايات ما يدل على أن الإمام الحسين «علیه السلام» قد دعا الفرزدق إلى نصرته، فما سبب ذلك؟!
ونجيب أيضاً:
بإبداء احتمال أن يكون عدم إقدام الإمام الحسين «علیه السلام» على دعوته إلى نصرته، وإبقاؤه رهين غفلته، هو علمه بأنه سوف لن يجيب هذه الدعوة إما لمانع شخصي يراه لديه، أو لاعتقاد الفرزدق بأن قبوله بنصرته سوف ينتهي به إلى الشهادة، فلم يرد الإمام «علیه السلام» أن يلجئه إلى إعلان الرفض، لأن ذلك يضر بالفرزدق، وينتهي به إلى الخسران في الدنيا والآخرة، حيث يبوء بغضب اللّه. كما أنه قد يضر بغيره، إذا كان رفضه يشجع الآخرين على صرف النظر عن التفكير بهذا الأمر، واستسهال التملص والتخلص منه.. ولعل.. ولعل..
وتقدم: أن سفيان بن عيينة زعم: أن الفرزدق قد فهم كلام عبد اللّه بن عمرو بن العاص خطأ، إذ إن مراده من قوله: أما إِنَّهُ لا يَحيكُ فِيهِ السّلاحُ هو: أن القتل لا يضره مع إخبار النبي «صلی اللّه علیه وآله» عنه «علیه السلام» بأنه سيد شباب أهل الجنة، وغير ذلك.
وهذا تأويل بارد وسقيم، فإن المعيار في فهم المعاني هو الفهم العرفي عند أهل اللسان.
وما زعمه سفيان لا يفهمه الإنسان العربي، فإن معنى قولهم: «لا يَحيكَ فيهِ السّلاحُ»: أنه لا يؤثر في جسده. ولذا لم يقل: لم يضره القتل، بل تحدث عن السلاح بما هو آلة، هل يؤثر أو لا يؤثر.
وربما كان عبد اللّه بن عمرو يرغب في أن يقتل الحسين «علیه السلام»، فكان يطلق هذه الشائعة متوهماً أنه «علیه السلام» قد يتشجع على الدخول في الحرب والتعرض للسيوف وكأن ابن عمر يقيس الحسين على نفسه، مع أنه إمام مسدد معصوم، وهو أعقل البشر، وأعلمهم، وأفضلهم في كل المزايا، والجامع للصفات الفريدة.
وإن كان السلاح لا يحيك في الحسين «علیه السلام»، فلماذا يحيك بأبيه علي «علیه السلام» الذي هو أعظم مقاماً عند اللّه سبحانه؟!
وقد يشهد لسوء نوايا عبد اللّه بن عمرو : أنه هو نفسه يعود فيخبر الفرزدق بأن حكومة يزيد سوف تتم.
ومن الواضح: أن تماميتها إذا كانت بعد وقوع الحرب بينه وبين الحسين سوف تنتهي، ولو على سبيل الاحتمال إلى قتله «عليه السلام».
لقد كثر الحديث في كلمات الإمام «علیه السلام» وأجوبته عن أن
بني أمية كانوا يريدون قتله، فهو «علیه السلام» يقول للفرزدق: «لو لم أعجَل لأخذتُ»، أو قال له: «لم آمَنهُم يا أبا فراس». جواباً على سؤاله عن سبب عدم تأجيل سفره إلى ما بعد أدائه لفريضة الحج، فإن الناس سوف يزدحمون عليه بعد انقضاء الموسم.
كما أنه «علیه السلام» لم يزل يصرح: بأن بني أمية يريدون قتله، وقد قال له أبو هرة الأسدي: يا ابنَ رَسولِ اللّه، مَا الَّذِي أَخرَجَكَ مِن حَرَمِ اللّه وحَرَمٍ جَدّكَ رَسولِ اللّه «صلی اللّه علیه وآله»؟
ققالَ الحُسَينُ «علیه السلام»: وَيْحَكَ يا أبا هِرَّةَ! إِنَّ بَنِي أُمَيَّةٍ أَخَذوا مالي فَصَبَرَتْ، وشتَموا عِرضي فَصَبَرتُ، وطلبوا دَمي فَهَرَبتُ (1).
فيواجهنا هنا سؤال يقول:
هل كانت مشكلة الحسين «علیه السلام» مع بني أمية مشكلة شخصية. وأنه قد تحمل منهم ما أمكنه تحمله، فلما بلغ الأمر إلى حد طلب دمه هرب منهم؟!
وهل كان ذهابه إلى العراق هروباً، وطلباً للملاذ الآمن الذي لو حصل عليه لم يطلب شيئاً آخر بعده؟!
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 71 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 224 وراجع: مثير الأحزان ص 49 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 33 والملهوف ص 43 وبحار الأنوار ج 44 ص 367 و 368 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص218 وفي ص 163 وفي لواعج الأشجان ص 84 وفي الأمالي للصدوق ص 218 أبو هرم أيضاً.
ونجيب:
أولاً: إن نفس سؤال الفرزدق للإمام عن سبب عدم الإنتظار إلى ما بعد انقضاء موسم الحج، يحتاج إلى هذا المقدار من الجواب، وأي شيء يضاف إلى جوابه سيكون بلا جهة ولا مبرر. لأنه لم يسأله عن سبب خروجه، بل سأله عن سبب الإستعجال في الخروج فلو أنه قال له إن سبب استعجالي هو طلب الإصلاح في أمة جدي، أو أن سببه هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لقيل له: إن هذا الجواب لا ربط له بالسؤال، ولأمكن أن يقال له: لماذا لم تستعجل بهذا الأمر قبل أربعة أشهر أو أكثر، أو أقل مثلاً؟!
ثانياً: إن جوابه «علیه السلام» لأبي هرة [هرم] الأزدي صريح في أنه «علیه السلام» كان على يقين من أنه مقتول على يد الفئة الباغية عليه، وأن اللّه تعالى سوف يلبس قاتليه ذلاً شاملاً، ويسلط عليهم سيفاً قاطعاً. وهذا يجعل هربه منهم غير ذي جدوى، لأن هذا الهرب لا ينجيه من القتل. ولا يستقيم معنى كلامه «علیه السلام» إلا إذا كان مراده أنه هرب من سفك دمه في مكان بعينه وهو مكة، التي لا يريد أن تنتهك حرمته بها كما ورد في كلامه «علیه السلام» أيضاً..
فاختياره «علیه السلام» العراق هو في الحقيقة اختيار الموضع قتله، الذي لا يتضمن هتك حرمة بيت اللّه سبحانه. وهو المكان الذي كان النبي «صلی اللّه علیه وآله» وعلي والحسن المجتبى «عليهما
أفضل الصلاة والسلام يذكرون أنه سيقتل فيه، ويسمون مكان القتل، وأنه كربلاء استناداً إلى إخبارات جبرئيل لرسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله».
ثالثاً : إن على الباحث الأريب أن ينظر إلى مجموع النصوص التي وردت عنه «علیه السلام»، ويلاحظ ما احتفت به من قرائن ويسعى لاستخلاص الحقيقة منها جميعها. وسيجد بينها في أحيان كثيرة ما يحل له المشكلة، ويفتح أمامه منافذ عديدة، تمكنه من فهم الأمور على الوجه الصحيح..
ويكفي أن نذكر هنا: أنه «علیه السلام» في الأيام الأولى لموت معاوية قد رفض البيعة ليزيد، وأعلن لجميع الناس: أن مثل الحسين «علیه السلام» لا يبايع من هو مثل يزيد.
وأعلن أيضاً هدفه من خروجه بقوله: «وإني لم أخرج أشراً، ولا بطراً، ولا مفسدا، ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر الخ..».
وهذا كلام واضح وصريح، فلا مبرر معه للاستفادات من النصوص المجزأة والمفصولة عن قرائنها.
ويقول سبط ابن الجوزي: إن الإمام الحسين «علیه السلام» لمّا وَصَلَ بُستانَ بَني عامِرٍ، لَقِيَ الفَرَزدَقَ الشاعِرَ، وكانَ يَومَ التَرويَةِ. فَقالَ لَهُ: إلى أين يا ابنَ رَسول اللّه ! ما أعجَلَكَ عَن المَوسم؟!
قال: لو لم أعجل لأخذتُ أخذا، فأخبرني يا فَرَرْدَقُ عَمَّا وَرَاءَكَ؟
فقالَ: تَرَكتُ النّاس بالعِراق قُلوبَهُم مَعَكَ، وسُيوفَهُم مَعَ بَني أُمَيَّة، فائق اللّه في نَفْسِكَ وَارجع.
فقالَ لَهُ: يا فَرَزدَقُ! إِنَّ هؤلاء قومٌ لزموا طاعَة الشَّيطان، وتركوا طاعَة الرَّحمن، وأظهروا الفساد في الأرض، وأبطلوا الحُدودَ، وشربوا الخُمور، وَاستَأثروا في أموال الفقراء والمساكين، وأنَا أُولى مَن قامَ بِنُصرَةِ دين اللّه، وإعزاز شَرعِهِ، وَالجِهادِ في سَبِيلِهِ، لِتَكُونَ كَلِمَهُ اللّه هِيَ العُليا.
فَأَعرَضَ عَنهُ الفَرَزدَقُ وِسارَ (1).
ونقول:
هذا النص أمور كثيرة يحسن التوقف عندها.
ونحن نكتفي هنا بما يلي:
لو سلمنا صحة هذا النص، ولم نذهب إلى أنه مكذوب على الفرزدق الذي مدح الإمام السجاد «علیه السلام»، فإننا نقول:
لم يكن الفرزدق يجهل مكانة الحسين «علیه السلام» في الإسلام، وموقعه من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وما له من مقام شامخ، وقدم
1) تذكرة الخواص ج 2 ص 138 وراجع الأمالي لابن الشجري ج1 ص 116 والحدائق الوردية ج 1 ص 114.
راسخ في هذا الدين. ومن المفروض أيضاً أن يكون عارفا بأنه من أهل البيت الذين نزلت فيهم سورة هل أتى وآية التطهير، وآية المباهلة، وآية المودة في القربى، وغير ذلك كثير.
فما معنى أن يقول للإمام الحسين «علیه السلام» بعد هذا كله وسواه فائق اللّه في نَفْسِكَ، وَارجع»؟!
ألا يعد هذا هذا جرأة على الإمام الحسين «علیه السلام» من حيث أنه يستبطن ما يلي:
أولاً: تخطئة الإمام في مسيره ذاك.
ثانياً فيه تلويح يكاد يكون تصريحاً: بأنه «علیه السلام» هو المسؤول عما يجري له، فإن قتلوه فسيكون الوزر عليه.. وهذا خطأ فاضح من الفرزدق، في فهم المعايير والضوابط الإيمانية والشرعية.
ثالثاً :زعم أن الإمام «علیه السلام» لم يراع في هذا الذي يقدم عليه ما تجب مراعاته على أهل الدين من التزام جانب التقوى، والكون في مواقع الرضا الإلهي. وهذا يخالف مضمون آية التطهير، كما هو ظاهر.
ويخالف قوله «صلی اللّه علیه وآله» عن أهل البيت «عليهم السلام»: «لا تعلموهم، فإنهم أعلم منكم».
ومما يؤكد على أن هذه الأقوال لم تصدر عن قلب صاف، وضمير صادق: أنه بالرغم من كل الحقائق التي بينها الإمام الحسين «عليه
السلام»، فإنه أعرض عن الإمام «علیه السلام» وسار، كما تدعي الرواية المتقدمة.
ومن الواضح: أن الإعراض عن مثل الحسين «علیه السلام» الذي لهج القرآن بفضله، وأمر بمودته، وبيَّن طهارته، وصرح النبي «صلی اللّه علیه وآله» بإمامته، يعد سوء أدب، وخروجاً عن سنن التقوى، والإلتزام بأحكام الشرع والأخلاق.
وتقول الرواية: إن وصف الإمام «علیه السلام» قد وصف للفرزدق حال الحكام بما لم يترك له سبيلا للتملص، والتخلص سوى التزام الصمت، والإنسحاب من الساحة بصورة مهينة ومشينة. فقد
وصفهم بما يلي:
1 - إنهم قد لزموا طاعة الشيطان - ويلاحظ التعبير بكلمة «لزموا»، ولم يقل: قد أطاعوا أو نحو ذلك.. لأن طاعة الشيطان حتى لو تكررت، فإنها إن لم تصل إلى حد ملازمة الطاعة له، يبقى هناك رجاء بأن يعودوا لطاعة الرحمان.
كما أن قوله: «لزموا» يشير إلى أنهم هم الذين اختاروا ذلك بقرار نابع من رغبة واندفاع لا أنه قد عرض لهم بصورة عفوية وغير مقصودة، أو فرض عليهم من خارج ذواتهم.
ثم إن من يلزم طاعة الشيطان لن يكون أهلا لإدارة شؤون الأمة، ولا أميناً على دمائها وأعراضها وأموالها، ودينها وشرعها،
وأخلاقها وقيمها، ومستقبلها، وما إلى ذلك.
2 - إنهم أظهروا الفساد في الأرض، فيلاحظ:
ألف: الفساد قد يصدر من بعض الناس، ولكنهم يتكتمون عليه، ويخفونه، فيقتصر ضرره في هذه الحالة على مورده، فإذا أظهروا الفساد، فإن ذلك قد يشجع الآخرين على ممارسته، من حيث إنه قد يحرك غرائزهم، ويثير أهواءهم، وينعش رغبتهم في ارتكابه، ولاسيما مع عدم وجود كوابح، أو روادع إيمانية وأخلاقية ذات فعالية كافية. فيكون لظهور الفساد سلبية لا بد من مواجهتها بالعلاج الناجع، قبل أن يستفحل أمره، ويزداد خطره
ب: إن الفساد قد يصيب سلامة الأشخاص أو الفئات في حدود معينة، وقد تكون له ارتدادات قوية وواسعة، وقابلية امتداد تهدد السلامة العامة.
فإذا اجتمع هذان الأمران وهما: ظهور الفساد، وكونه قد هيمن على الحالة العامة في المجتمع الإيماني والإنساني. فلا بد من التصدي له، ولجم اندفاعته، وكبح جماحه وتجفيف منابعه، وشل حركته ولن يكون من يشيع الفساد في الأرض أهلاً لأن يوكل إليه أمر محاربة الفساد فيها..
3 - ثم أضاف «علیه السلام» قوله: «وأبطلوا الحُدودَ». ومن المعلوم: أن من وظائف الحاكم أن يقيم الحدود، ويصون بذلك أخلاق الناس، ومجتمعاتهم، فإذا كان هذا الحاكم هو الذي يعطل الحدود، فإنه
يفقد بذلك دوره، وينقض أساس حكمه، ويكون وبالاً على الناس، في أخلاقهم، وفي سلامة مسيرتهم المجتمعية.
4 - ثم أشار «علیه السلام» إلى أنهم قد «شَربُوا الخُمور». وهذا أمر آخر يحتم على الساعين في الإصلاح أن لا يتهاونوا فيه، فإن الحاكم لا بد أن يدبر الأمور من موقع العقل والحكمة، والسداد والرشاد، فإذا كان يشرب الخمور، فذلك يجعل مصير الناس ومستقبلهم في معرض الخطر، إذ ربما اتخذ في حال فقدانه لعقله قرارات تهدد الأنفس والأموال، والأعراض، والأخلاق والكرامات، مع أنه يفترض فيه أن يكون ساهراً على صونها مهتماً بصلاحها، وإصلاحها.
5 - ثم قال «علیه السلام»: «وَاستَأثروا في أموال الفقراء والمساكين». وواضح: أن من وظائف الحاكم حفظ أموال الفقراء والمساكين، وأن يمنع من عدوان أي كان من الناس عليها، فإن حصل شيء من ذلك، فإن كل الأنظار سوف تنشدُّ إلى الحاكم ليردع الناس عن ذلك. فإذا كان هو الذي يعتدي على أموال الفقراء والمساكين، ويستأثر بها لنفسه، فمن ذا الذي يردعه عن ذلك؟! فلا بد من التصدي له بصورة جماعية يخشى مواجهتها وتضطره إلى إرجاع الحقوق إلى أهلها.
وقد قال «علیه السلام» أخيراً: «وأنا أولى مَن قَامَ بِنُصرَةِ دينِ اللّه، وإعزاز شرعِهِ، وَالجِهادِ فِي سَبِيلِهِ».
وفي هذه الكلمات دلالات نذكر منها:
أولاً : إنه «علیه السلام» قد أثبت لنفسه الأولوية بالتصدي لنصرة دين اللّه، مما يعني: أن هذا الأمر لا يختص به، بل يشمل كل مكلف قادر على ذلك، وإن كان بعض الناس أولى من بعض في هذا الأمر.
ثانياً : إن هذه الأولوية الثابتة لبعض الناس لا بد أن يكون سببها هو مقام الإمامة الذي جعله اللّه لهم، لما لهم من ميزات، وخصوصيات تجعل إنجاز هذا الأمر أيسر عليهم. ككونهم ذوي نفوذ وهيبة، لكثرة محبيهم، وإيجاب اللّه تعالى موالاتهم ومودتهم، وطاعتهم على جميع البشر، وليس كثرة أنصارهم، وما لديهم من قدرات مالية وسواها.
ومن هذه الميزات: علمهم وتقواهم وقداستهم، ورجاحة عقولهم على من سواهم.
وظهور منزلتهم ومقامهم، وموقعهم من هذا الدين، من خلال النصوص القرآنية والنبوية، ومن خلال المواقف التي كان «صلی اللّه علیه وآله» يتخذها تجاههم.
فمن لديه مثل هذه الميزات تكون المؤونة التي يحتاج إليها في الإصلاح أقل.. وإن بلغت الأمور إلى مواقع التحدي، وتقديم التضحيات، قد يكون لهذا البعض قدرة أكبر، واستعداد أكثر على تقديم تلك التضحيات، ويكون وقعها عليه إيجابياً أكثر من أن يكون سلبياً.
ثالثاً: ظهر مما تقدم: أن من الخصوصيات التي أعطت الإمام
الحسين «علیه السلام» أولوية في هذا الأمر ما يلي:
ألف : إنه «علیه السلام» من أهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرجس، وطهرهم، فهم مطهرون معصومون بنص القرآن عن الذنوب والرذائل بجميع أنواعها. فلا فساد ولا إفساد، لا في السر ولا في العلن، ولا أي تعدٍ أو إخلال بأي شيء مما تقتضيه الأخلاق الفاضلة، أو يفرضه الشرع والدين.
ب: إنه «علیه السلام» من أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، ومهبط الوحي والتنزيل، فهو الأعلم بالشرائع والرسالات والواقف على كثير من أسرار الكائنات، والأكثر معرفة بحقائق الموجودات، ولا أحد يستطيع أن يدَّعي لنفسه شيئا من ذلك سواه، لأن مصدر معارفه هو الوحي، ومشاهدات وإدراكات يسرتها له الرعاية النبوية، والألطاف الإلهية.
ج: إنه «علیه السلام» يعيش في بيئة زاخرة بالخير، طافحة بالطهر، وكانت ولا تزال موئلا للملائكة المقربين، ومحط أفئدة الأولياء والصالحين، وليس فيها أثر للشياطين وإخوان الشياطين من الجن والإنس أجمعين.
ويلاحظ: أن الحسين «علیه السلام» كان يسأل من كان يلتقيه إذا عرف أنه قادم من الكوفة عن آراء الناس فيها، وموقفهم ورأيهم، وكان يسمع الأجوبة التي كانت تُجمع تقريباً على تحذيره من الوثوق
بأهل الكوفة، ومن القدوم عليهم.
ولعله أراد بهذه الأسئلة أن يزيل أي توهم أو احتمال: أن يكون قد استجاب لهم دون تحقيق يكشف حالهم، ثم تبدأ الإتهامات له «علیه السلام» بالسذاجة، أو بالجهل بما تقتضيه السياسة، أو قلة الخبرة بالناس، أو بأن شهوة الحكم جعلته يغفل عن هذا الأمر الخطير، والخطير جداً
قال ابن أعثم:
وِسَارَ الْحُسَينُ «علیه السلام» حَتَّى نَزَلَ الشقوق، فَإِذَا هُوَ بِالفَرَزدَق بن غالِبِ الشاعِر قد أقبَلَ عَليهِ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ دَنا مِنْهُ فَقَبَّلَ يَدَهُ.
فَقالَ الحُسَينُ «علیه السلام»: مِن أينَ أقبلت يا أبا فِراس؟
فقالَ: مِنَ الكوفة يَا ابْنَ بِنتِ رَسول اللّه !
فَقالَ: كَيفَ خَلَّفت أهل الكوفة؟
فقالَ: خَلَّفتُ النّاسَ مَعَكَ، وسُيوفَهُم مَعَ بَني أُمَيَّةَ، وَاللّه يَفْعَلُ فِي خَلْقِهِ ما يَشاءُ.
فقالَ: صَدَقت، وبَرَرت.
إِنَّ الأمر للّه يَفْعَلُ ما يَشاءُ، وربُّنا تَعالى كُلَّ يَومٍ هُوَ فِي شَأْنٍ، فَإِن نَزَلَ القضاءُ بما نُحِبُّ فَالحَمدُ للّه عَلى نَعمائِهِ، وهُوَ المُستَعَانُ عَلَى أَداءِ الشكر، وإن حالَ القضاءُ دونَ الرَّجاءِ، فلم يَعتَدِ مَن كانَ الحَقُّ نِيَّتَهُ.
ققالَ الفَرَزدَقُ: يَا ابن بنت رسول اللّه ! كَيفَ تَركَنُ إلى أهل الكوفة،
وهُم قد قتَلُوا ابنَ عَمِّكَ مُسلِمَ بنَ عَقِيلٍ وشِيعَتَهُ؟
قالَ: فَاستَعبَرَ الحُسَينُ «علیه السلام» بالبُكاءِ، ثُمَّ قَالَ: رَحِمَ اللّه مُسلِماً، فلقد صارَ إلى روح اللّه ورَيحانِهِ، وجَنَّتِهِ ورضوانِهِ، أَما إِنَّهُ قد قضى ما عَليهِ، وَبَقِيَ ما عَلينا.
قالَ: ثُمَّ أَنشَأ الحُسَينُ «علیه السلام» يَقولُ:
وإن تَكُن الدُّنْيَا تُعَدُّ نفيسة***فدَارُ ثوَابِ اللّه أَعْلى وأنبَلُ
وإن تَكُن الأبدانُ لِلمَوتِ أنشِئَت***فقتلُ امرئ بالسيف في اللّه
وإن تَكُن الأرزاق رزقاً مُقدَّراً***فقلة حرص المَرءِ فِي الرِّزْق
وإن تَكُن الأمْوَالُ لِلتَّركِ***فما بَالُ مَتروكِ بِهِ الخَيرُ يُبْخَلُ
قالَ : ثُمَّ وَدَّعَهُ الفَرَزدَقُ فِي نَفَرٍ مِن أصحابه، ومضى يُريدُ مَكَّة.
فَأَقْبَلَ عَليهِ ابنُ عَمِّ لَهُ مِن بَني مُجاشع، فَقالَ: أَبا فِراس! هذا الْحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ «علیه السلام».
فقالَ الفَرَرْدَقُ هذا الحُسَينُ ابنُ فَاطِمَة الزَّهراءِ بنتِ مُحَمَّدٍ «صلی اللّه علیه وآله».
هذا وَاللّه ابْنُ خيرَةِ اللّه، وأَفضَلُ مَن مَشى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بَعدَ مُحَمَّدٍ «صلی اللّه علیه وآله»، وقد كُنتُ قُلتُ فيهِ أبياتاً قبلَ اليَوم، فلا عَليكَ أن تَسْمَعَها.
فقالَ لهُ ابنُ عَمِّهِ: ما أكرَهُ ذلِكَ يا أبا فراس، فإن رأيت أن تُنشِدَني ما قلت فيه.
فَقالَ الفَرَرْدَقُ: نَعَم، أنَا القائِلُ فيهِ وفي أبيهِ وأخيهِ وجَدِّهِ «صَلَواتُ اللّه عَليهم» هذِهِ الأبيات:
هذا الذي تَعرِفُ البَطْحاء وَطأتَهُ***وَالبَيتُ يَعرفهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ
هذا ابنُ خَير عِبادِ اللّه كُلّهمُ***هذا التَّقِيُّ النَّقِيُّ الطَّاهِرُ العَلَمُ
هذا حُسَينٌ رَسولُ اللّه والِدُهُ***أمست بنور هُداهُ تَهتَدِي الْأُمَمُ
هذا ابنُ فَاطِمَة الزَّهراءِ***في جَنَّةِ الخُلدِ مَجريّا بها القلمُ
إِذا رَأتهُ قريش قال قائلها***إلى مكارم هذا يَنتَهي الكَرَمُ
يَكادُ يُمسكُهُ عِرفان راحَتِهِ***رُكنُ الحَطيم إذا ما جاءَ يَستَلِمُ
بِكَفَهِ خَيرُرانٌ رِيحُهُ عَبْقٌ***بكَفِّ أروعَ في عِرنينِهِ شَمَمُ
يُغضي حياءً ويُغضى مِن***فلا يُكَلَّمُ إلا حينَ يَبتَسِمُ
يَنشَقُ نورُ الدُّجى عَن نور***كَالشَّمس تَنجَابُ عَن إشراقها
مُشتَقَة مِن رَسول اللّه نَبعَتُهُ***طابت أرومَتُهُ وَالخيمُ والشَّيَمُ
في مَعشر حُبُّهُم شُكرٌ***کفرٌ وقربُهُم مَنجى ومُعتَصَمُ
يُستَدفعُ الضُّرُّ وَالبَلوى بحُبِّهِمُ***ويَستَقيمُ بهِ الإحسانُ وَالنّعَمُ
إن عُدَّ أهلُ النَّدى كانوا***أو قيلَ: مَن خَيرُ أهل الأرض قيلَ:
لا يَستَطيعُ جَوادٌ بَعدَ جودِهِمُ***ولا يدانيهمُ قومٌ وإِن كَرموا
بيوتُهُم مِن قريش يُستَضاءُ***فِي النَّائِباتِ وَعِندَ الحُكم إن
فَجَدُّهُ مِن قريش في أرومَتِها***مُحَمَّدٌ وعَلِيٌّ بَعدَهُ عَلمُ
قالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ الفَرَزدَقُ عَلى ابن عَمِّهِ، فَقالَ: وَاللّه لقد قلتُ فِيهِ هَذِهِ الأَبِياتِ غَيْرَ مُتَعَرِّضِ إِلى مَعروفِهِ، غَيرَ أَنِّي أَرَدتُ اللّه وَالدَّارَ الآخِرَةَ (1).
ونقول:
لاحظ الأمور التالية:
الشقوق : منزل بطريق مكة، بعد واقصة من جهة الكوفة، وبعدها تلقاء مكة بطان (2).
إن هذا النص يصرح: بأن الفرزدق بعد أن التقى الحسين «عليه السلام» بالشقوق، وجرى معه ما جرى، «وودعه الفرزدق في نفر من أصحابه، مضى يريد مكة».
وهذا لا يتوافق مع الاحتمال الذي ذكرناه لحل الإشكال حول تعدد
المنازل التي التقى الفرزدق فيها بالحسين «علیه السلام»، حيث قلنا: إن من الممكن أن يكون قد التقى به أولاً في الحرم، وبعد أن انتهى حجه أغذ السير إلى الكوفة، حتى لحق بالحسين في بعض المنازل. ثم صار يتقدم عليه أو يتأخر عنه في المسير، ويلتقي به في منازل أخرى ورد ذكرها في الروايات.
نعم إن هذا الإحتمال لا ينسجم مع تصريح هذه الرواية بأن الفرزدق التقى بالحسين بالشقوق، ثم مضى إلى مكة مع نفر من أصحابه.
إلا إذا فرضنا أنه قد تجاوز الشقوق، ثم عاد إلى مكة لسبب لا نعلمه ولطارئ عرض له، فالتقى به فى الشقوق. وإن عودته من الشقوق إلى مكة كانت بعد انقضاء أيام الحج.
وذكرت هذه الرواية أيضاً : أن الفرزدق قد مدح بقصيدته الميمية الإمام الحسين «علیه السلام»، لكن سائر المصادر تذكر أن الفرزدق قد مدح بهذه القصيدة الإمام السجاد «علیه السلام»، وذلك في مواجهة جرت عند الكعبة الشريفة بين الفرزدق وهشام بن عبد الملك، حين كان ولى عهد.
ونقول:
يبدو لنا: أن هذه القصيدة ربما تكون قيلت، أو قيل بعض أبياتها في مدح الإمام الحسين «علیه السلام»، ثم زاد عليها الفرزدق، وجعلها
في مدح الإمام السجاد «علیه السلام»، حين واجه مكر هشام بن عبد الملك حين لم يفسح له الناس المجال في الطواف، فلما جاء الإمام السجاد «علیه السلام» انفرج الناس له، فطاف واستلم الحجر، فسأل شامي هشاماً عن الإمام السجاد «علیه السلام» فقال: لا أعرفه.
فقال الفرزدق: أنا أعرفه ثم أنشد أبياتاً من قصيدته في الإمام الحسين «علیه السلام». صالحة للانطباق على سائر أئمة أهل البيت «علیهم السلام».
ولعله أضاف إليها بيتاً أو أكثر، لأجل الإشارة إلى ما فعله هشام مثل وقوله:
وليس قولك من هذا بضائره***العرب تعرف من أنكرت
قوله:
يَكادُ يُمسكُهُ عِرفان راحَتِهِ***رُكنُ الحَطيم إذا ما جاءَ يَستَلِمُ
وقد يؤيد ذلك بعض التأييد أمران:
الأول: ما أشير إليه من أن القصيدة صالحة لمدح أي إمام من الأئمة الطاهرين «علیهم السلام». بل قد صرح الفرزدق فيما تقدم بأنه أنشأ هذه الأبيات فيه وفي أخيه وأبيه وجده.
الثاني: أن ارتجال قصيدة عصماء بهذه الجزالة والروعة ليس بالأمر السهل الميسور، وإن كان من الممكن ارتجال بعض الأبيات.
فلعل الفرزدق كان قد نظم معظم القصيدة بالإمام الحسين «عليه
السلام»، ثم ارتجل منها بيتا، أو أبياتاً ترتبط بالإمام السجاد «عليه السلام» حين احتاج إلى ذلك في مواجهة الطاغية هشام.
وربما كان الفرزدق يتكتم على هذه القصيدة، ولا يظهرها للتداول خوفا من بني أمية الذين قتلوا الحسين «علیه السلام»، وكانوا لا يرحمون كبيراً ولا صغيراً إذا أظهر تعاطفاً مع الحسين «علیه السلام» أو حباً وميلا لأي من بني هاشم.. فلما حصل ما حصل مع الإمام السجاد «علیه السلام» بادر إلى إنشاد ما رأى أنه يناسب حاله «علیه السلام».
وعن لقاء الحسين «علیه السلام» بالفرزدق في الشقوق نقول:
أولاً : إن قوله «علیه السلام» عن مسلم بن عقيل: إنه قد قضى ما عليه وبقي ما علينا، ثم إنشاده ذلك الشعر يدل دلالة واضحة على أنه «علیه السلام» يقول للفرزدق: إنه لا رجوع عما عقد العزم عليه، لأن الرجوع تضييع للّهدف الكبير الذي يسعى إلىه، وهو فضح الحكم والحكام الأمويين، وإسقاط نهج الباطل وتعريته ليتمكن الناس من تمييز الحق عن الباطل.
وليبقى هذا الإنجاز العظيم حاضراً بقوة في وجدان الأمة إلى يوم القيامة، تستعيده الأجيال، لتستفيد منه حصانة وقوة في مقابل دعوات الباطل والضلال ويكون هو الرافد الروحي والإيماني كلما أجدبت واحات القلوب أو تبلدت الأفهام، أو استغرق الوجدان في سبات عميق،
أو استرخت أو ترهلت المشاعر والأحاسيس.
إنه «علیه السلام» يقول للناس : إنكم تخوفونني بأمر ليس فقط لا أخشاه، بل أنا أطلبه والتزم به وأسعى إليه طلبا لرضا اللّه تبارك وتعالى.
ويقول للناس: لو قلتم لي ارجع، فنحن نكفيك أمر الإصلاح في الأمة، ونحن نتولى مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونسعى لرفع الظلم عن العباد والبلاد، ومنع الفساد، ويكون كل همنا وجهدنا مصروفا في حفظ دين اللّه وصلاح أمور عباد اللّه. لقبلت منكم، ورضيت بالتخلي عن دخول الكوفة.
ولكنكم لا تقولون لي ذلك، بل تقولون: أترك الفساد يستشري في المجتمعات والضلال يكتسح الساحات والظلم والفساد يجتاح جميع الفئات، وعلى جميع المستويات. ولا تمتثل أوامر خالق الكائنات، وتهيأ للعذاب الأليم، وسكنى الجحيم، ولا تفكر في الجنة، ولا تأمل في رضا اللّه تبارك وتعالى..
وهذه مطالب مهلكة، لا يمكن لعاقل يشعر بالمسؤولية أن يستجيب لها.
وذكر النص المتقدم أربعة أبيات أنشدها الإمام الحسين «عليه السلام» في جوابه على كلام الفرزدق
لكن بعض المصادر ذكرت أزيد من ذلك، فقد أضيف إليها الأبيات
التالية:
عَلَيْكُمْ سَلامُ اللّه يَا آلَ أَحْمَدٍ***فإِنِّي أَرَاني عَنْكُمُ الْيَوْمَ أَرْحَلُ (1)
أرَى كُلَّ مَلعُون ظلوم مُنافق***يَرُومُ فنانًا جَهْرَةً ثُمَّ يَعْمَلُ
لقدْ كَفَرُوا يَا وَيْلَهُمْ بِمُحَمَّد***وَرَبُّهُمُ مَا شَاءَ فِي الخَلقِ يَفْعَلُ
لقدْ َغرَّهُمْ حِلْمُ الإلهِ لأَنَّهُ***حَلِيمٌ كَريمٌ لَمْ يَكُن قط يَعْجَلُ (2)
وزاد في مقتل الخوارزمي ما يلي:
سَأمْضِي وَمَا بالقتل عَارٌ***عَلَى إذا في سَبِيلَ اللّه يَمْضِي (3)
وزاد الفاضل النيسابوري:
لئِن كانتِ الأَفْعَالُ يَوْماً لأهْلِها***كَمَالاً فَحُسنُ الخلق أبهى (4)
تقدم: أن طائفة من المصادر تصرح بأن الإمام الحسين «عليه
السلام» أنشد هذه الأبيات في الشقوق..
لكن بعضاً آخر قال: إنه «علیه السلام» أنشدها في كربلاء، قبل استشهاده (1).
ولا مانع من أن يكون «علیه السلام» قد أنشدها أكثر من مرة، فإنها صالحة لذلك.
ذكرت الرواية المتقدمة: أن الفرزدق لقي الحسين «علیه السلام» في الشقوق. وكان الفرزدق قادماً من الكوفة (2).
لكن هذا موضع ريب، إذا قلنا: إن الفرزدق قد حج بأمه في تلك السنة، فإن الحسين «علیه السلام» قد خرج من مكة في الثامن من ذي الحجة. فكيف حج الفرزدق ثم ذهب إلى الكوفة ثم عاد منها، حتى لقي الحسين «علیه السلام» في الشقوق !! البعيدة جداً عن الكوفة؟!
ولعل هذا هو السبب فى أن السيد عبد الرازق المقرم «رحمه اللّه» ذكر بعض ما جرى بين الفرزدق والإمام الحسين «علیه السلام»
1) راجع: ينابيع المودة ص 417 و (ط دار الأسوة) ج 3 ص 81 وراجع: شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 645.
2) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 71 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص223 وكشف الغمة ج 2 ص 253 ومطالب السؤل (ط طهران) ص74 و (تحقیق ماجد ابن أحمد العطية) ص 396 والدرجات الرفيعة ص 548 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 751.
قائلاً: إنه جرى بين الإمام وبين رجل قدم عليه من الكوفة (1).
إلا أن يكون المراد من قولهم بأن الفرزدق كان قادماً من الكوفة : أنه قدم من الكوفة مع أمه إلى الحج، وبعد الانتهاء منه عاد قاصداً الكوفة، فلحق الحسين «علیه السلام» بالشقوق.
وربما يكون الرواة قد أساؤوا التعبير فقالوا عنه: إنه قادم من الكوفة، بدل قولهم : إنه من أهل الكوفة، واللّه العالم بالحقائق.
1) مقتل الحسين للمقرم ص 203 وراجع مناقب آل أبي طالب (ط النجف) ج 3 ص 246.
هناك أحداث مختلفة واجهت أو جرت مع الإمام الحسين «عليه السلام»، وهو في طريقه من مكة إلى كربلاء، يحتاج الباحث إلى الإلمام بها، فنقول:
قال ابن أعثم:
جَمَعَ الحُسَينُ «علیه السلام» أصحابَهُ الَّذينَ قد عَزَمُوا عَلَى الخُروج مَعَهُ إلى العراق، فأعطى كُلَّ وَاحِدٍ مِنهُم عَشَرَةَ دَنانير وجَمَلا يَحمِلُ عَليهِ زادَهُ وَرَحلهُ.
ثُمَّ إِنَّهُ طَافَ بِالْبَيتِ وبالصفا وَالمَروَةِ، وتَهَيَّأُ لِلخروج، فَحَمَلَ بَناتِهِ وأَخَواتِهِ عَلَى المَحامِل.
وخَرَجَ الحُسَينُ «علیه السلام» مِن مَكَة يَومَ الثلاثاء، يَومَ التّرويَةِ، لِثمانِ مَضَينَ مِن ذِي الحِجَّةِ، ومَعَهُ اثنان وثمانونَ رَجُلاً مِن شِيعَتِهِ وأهل بَيْتِهِ (1).
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 69 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص220 ومطالب السؤول ص 74 وراجع: كشف الغمة ج 2 ص 253 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 802.
لكن صاحب الطبقات يقول:
خَرَجَ مُتَوَجِّها إلى العِراق في أهل بَيتِهِ وسِتِّينَ شَيخا مِن أهل الكوفة، وذلِكَ يَومَ الإِثْنَين، في عَشر ذِي الحِجَّةِ سَنَة سِتِّينَ (1).
وفي نص آخر: حَتَّى تَجَهَّزَ لِلمَسير في أثره (أي في أثر مسلم بن عقيل) بجَميع أهلِهِ ووُلدِهِ وَخاصَّتِهِ وَحاشِيَتِهِ (2).
ونقول:
1 – تقدم: أن الأرجح أن خروجه «علیه السلام» من مكة كان يوم التروية، وهو الثامن من ذي الحجة، وأنه خرج منها يوم الثلاثاء لا يوم الإثنين.
2 - فيما يرتبط بعدد الرجال الذين كانوا معه «علیه السلام»، لا
1) الطبقات الكبرى الطبقة الخامسة من الصحابة ج 1 ص 451 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 61 وموسوعة الإمام الحسين ج3 ص 309 عنه، وعن تهذيب الكمال ج 6 ص 421 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 212 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2612 والبداية والنهاية ج 8 ص 165 (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص178 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 299 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج27 ص 517 و مختصر تاریخ دمشق ج 7 ص 143.
2) الفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 794.
نرى أن ثمة اختلافاً بين النصين المتقدمين.. فإن وجود ستين شيخاً من أهل الكوفة لا يمنع من وجود عدد آخر من غير الكوفة أيضاً، فقد تقدم أن عدداً من أهل البصرة انضموا إليه أيضاً، منذ كان في مكة.
فلعله إذا انضم إليهم أهل بيته كان المجموع اثنين وثمانين رجلاً.
وقد تقدم: أنه بعد أربعة أشهر وخمسة أيام من إقامته «علیه السلام» في مكة، وبالذات في اليوم الثامن من ذي الحجة، وهو يوم التروية خرج الإمام الحسين «علیه السلام» بعد صلاة الفجر، متوجهاً نحو العراق..
وقد سجل بعض الإخوة الأكارم ملاحظة على خط السير الذي اختاره «علیه السلام»، وهي التالية:
إنّ الإمام سار في بداية انطلاقه باتجاه التنعيم الواقع في الشمال الغربي، وعلى طريق المدينة، بدلاً من انطلاقه باتجاه الشمال الشرقي ومنزل الصفاح، الذي هو أوّل منزل في طريق مكة إلى الكوفة، وبذلك فقد ازدادت المسافة بحوالي تسعة كيلومترات.
ومن المحتمل أن يكون سبب اتخاذه لهذا الإجراء هو تضليل الجنود الذين كانوا يحولون دون تحرّكه باتجاه الكوفة.
ثم قال: «وأمّا المنازل التي اجتازتها هذه القافلة فهي حسب التسلسل كما يلي:
1 - مكة 2 - التنعيم 3 - الصفاح 4 - بستان ابن عامر 5 - ذات
عرق 6 - غمرة 7 - المسلح 8 - الأفيعية 9 - معدن بني سليم 10 - العمق 11 - السليلية 12 - الربذة 13 - مغيثة الماوان 14 - النقرة 15 - الحاجر 16 - سميراء 17 - توز 18 - فید 19 - الأجفر 20 - الخزيميّة 21 - زرود 22 - الثعلبية 23 - البطان 24 - الشقوق 25 - زبالة 26 - القاع 27 - العقبة 28 - واقصة 29 - شراف 30 - ذو حسم 31 - البيضة 32 - عذيب الهجانات 33 - الرهيمة 34 - قصر بني مقاتل 35 - الطف 36 – كربلاء.
واستناداً إلى الحسابات التي أجريت فقد اجتازت قافلة الإمام هذه المنازل بعد أن طوت مسافة بلغت حوالي (1447 كيلومترا) في مدة استغرقت خمسة وعشرين يوماً، ودخلت كربلاء في اليوم الثاني من محرّم عام (61 ه. ق)» (1).
وقد ذكرت في الروايات أسماء لمنازل أخرى أيضاً، مثل: «ملل» القطقطانة وغيرها. ولا نرى حاجة إلى البحث حولها.
تقدم: أن يزيد بن معاوية كتب إلى عبيد اللّه بن زياد بتوجه الحسين «علیه السلام» من مكة إلى العراق، وقال له: «وقد بُلِيَ بِهِ بَلدُكَ مِن بَين البُلدان، وأيّامُكَ مِن بَين الأيام، فإن قتَلتَهُ، وَإِلَّا رَجَعَتَ إلى
1) موسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 307 و 308.
نَسَبكَ، وإلى أبيكَ عُبَيدٍ، فاحذر أن يفوتك» (1).
وهذا إن دل على شيء، فهو يدل:
1 - على شدة المراقبة التي كان الأمويون يمارسونها على الحسين «علیه السلام».
2 - يدل أيضا على سرعتهم في إيصال الأخبار إلى يزيد، ومن يزيد إلى عبيد اللّه بن زياد.
3 - إنه يظهر شدة حرص يزيد على قتل الحسين «علیه السلام»، وأنه لم يكن يفكر بغير ذلك، بالرغم من أن الحسين «علیه السلام» لم يعلن الحرب على أحد، بل مارس حقه بعدم البيعة ليزيد، لأنه هو الإمام الشرعي بنص من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وبمقتضى قراءة الواقع، وحاجته إلى إمام معصوم، عارف بالشريعة،
1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 242 وراجع العقد الفريد ج 5 ص 130 ومثير الأحزان ص 140 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 29 وبحار الأنوار ج 44 ص360 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 209 ولواعج الأشجان ج17 ص9 ص 69 وأنساب الأشراف ج 3 ص 371 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 160 والمعجم الكبير ج 3 ص 115 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 214 وج 65 ص 396 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 305 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2614 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 10 والوافي بالوفيات 6 ج 12 ص 263 والبداية والنهاية ج 8 ص 165 و (ط دار إحياء التراث) ج ص 178 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 303 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 271.
منزه عن الرذائل، حكيم، عالم بالأمور.
وبمقتضى العهد الذي أعطاه معاوية للإمام الحسن «علیه السلام» بأن لا يعهد لأحد، بل الأمر بعده للحسن، ثم للحسين.
4 - يلاحظ الأسلوب الدنيء الذي يمارسه يزيد لدفع عامله لقتل أقدس إنسان على وجه الأرض. حيث يهدده بإعادته في النسب إلى عبيد، ونقض ما زعمه معاوية، من أن زياداً أباه هو ابن أبي سفيان، وليس ابن عبيد، استناداً إلى أن أبا سفيان كان قد زنى بأمه التي كانت تحت عبيد هذا !! مع أن الولد للفراش، وللعاهر الحجر.
وتهديد يزيد لهذا الرجل المخذول بهذا الأمر، وقبول عبيد اللّه بالإقدام على هذه الجريمة الهائلة في حق وصي النبي «صلی اللّه علیه وآله» وأهل بيته «علیهم السلام»، وأصحابه، لمجرد أن يرضى يزيد بعدم نقض ما فعله أبوه يدل على شدة مهانة عبيد اللّه ومدى تفاهة تفكيره، وهزال وسخف طموحاته.
قالوا: واتصل الخبر بالوليد بن عتبة، أمير المدينة: بأن الحسين قد توجه إلى العراق، فكتب إلى عبيد اللّه بن زياد:
بسم اللّه الرحمن الرحيم
من الوليد بن عتبة إلى عبيد اللّه بن زياد..
أما بعد! فإن الحسين بن علي قد توجه نحو العراق، وهو ابن فاطمة، وفاطمة ابنة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فاحذر يا ابن
زياد أن تبعث إليه رسولاً، فتفتح على نفسك ما لا تختار من الخاص والعام. والسلام.
قال: فلم يلتفت عبيد اللّه بن زياد إلى الكتاب (1).
وذكر ابن عساكر: أن مروان بن الحكم كتب إلى ابن زياد بنحو هذا المضمون، لكنه قال في آخره: «فإياك أن تهيج على نفسك ما لا يسده شيء، ولا تنساه العامة، ولا تدع ذكره والسلام» (2).
ونقول:
لاحظ الأمور التالية:
ذكر النص المتقدم: أن الوليد بن عتبة أمير المدينة حين أخبر بأن الحسين قد توجه إلى العراق.. كتب إلى عبيد اللّه بن زياد يحذره من التعرض له.. مع أن يزيد بن معاوية كان قد عزل الوليد بن عتبة عن المدينة، وولاها عمرو بن سعيد (الأشدق). فما هو الموقف من هذه
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 70 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 221.
2) تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 212 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 299 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص62 وراجع: تهذيب الكمال ج 6 ص 422 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 304 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2612 والبداية والنهاية ج 8 ص 165 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 178 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 517.
الرواية؟!
ونجيب:
أولاً: قد يقال : إن المقصود : أن الوليد بن عتبة الذي كان أمير المدينة في السابق، قد كتب إلى ابن زياد بذلك.
ثانياً : ربما يكون الوليد بن عتبة قد كتب هذا الكتاب ليحبط مسعى يزيد الذي عزله عن ولاية المدينة، لأنه كان يعرف طبيعة يزيد الشريرة وما يفكر به تجاه الحسين «علیه السلام».
وكان الوليد يرى أنه مخطئ في ذلك، وأن المطلوب هو التعايش مع الحسين «علیه السلام»، أو التخلص منه بطريقة خفية، ولو بدس السم إليه، أو اغتياله بنحو غامض ومشبوه، لأن قتله «علیه السلام» بصورة علنية سيكون السبب في تقويض الحكم الأموي، لاسيما وأن الأمة تعرف موقع الحسين «علیه السلام» من هذا الدين، ولن تغفر لمن يقدم على سفك دمه، فهو ابن الرسول، وأحد من أمر اللّه تعالى نبيه أن يباهل بهم لإثبات حقانية دينه، وهو ممن نزلت فيهم آية التطهير، وهو أيضاً من أولي القربى الذين أمر اللّه بمودتهم، بالإضافة إلى آيات كثيرة أخرى ككونه «علیه السلام» سيد شباب أهل الجنة، وريحانة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» من هذه الدنيا. وقد أكد «صلی اللّه علیه وآله» على إمامته «علیه السلام»، قام أو قعد، وغير ذلك.
فمن يقتل الحسين «علیه السلام» بصورة سافرة، لمجرد أنه لم
يبايع من لا يؤمن على هذا الدين وعلى مصالح الأمة، ومن استولى على مقام الخلافة استناداً إلى نقض أبيه معاوية العهد الذي سجله على نفسه للإمام الحسن «علیه السلام».
كما أن الإمام الحسين «علیه السلام» يملك نصاً على إمامته صادراً عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وهو شائع ومتداول.
فسفك دم الحسين «علیه السلام» بملاحظة ذلك كله سوف يحدث زلزالاً عظيماً، لن يستطيع المجرمون السيطرة عليه، ولا التحكم في ارتداداته.
وهذا هو ما ورد في رسالة مروان لابن زياد - حسب رواية ابن عساكر -: «فإياك أن تهيج على نفسك ما لا يسده شيء، ولا تنساه العامة، ولا تدع ذكره. والسلام».
عرفنا: أن ابن أعثم يقول: إن الرسالة المتقدمة المرسلة إلى عبيد اللّه بن زياد لعنه اللّه كانت من الوليد بن عتبة.
والملاحظ: أن الرسالة المنسوبة إلى مروان لا تختلف في المضمون، عما ذكره ابن أعثم مع تقارب شديد، وتشابه إلى حد بعيد في العبارات والكلمات. ولكن مضمونها هذا يعطينا : أنها لم ترسل من مروان، لأنه لا ينسجم مع ما رأيناه لدى مروان من تشنج، وحرص حتى على سفك دم الإمام الحسين «علیه السلام»، حين جاء نعي معاوية، وأبلغه إياه الوليد بن عتبة.
فالميل إلى العنف، وإثارة المشاكل، وافتعال الأزمات والذرائع للبطش بالحسين «علیه السلام»، وبغيره ظاهرة لا تخفى في سلوكيات مروان بن الحكم في كثير من المفاصل في حياته.
ويكفي أن نذكر القارئ الكريم: بأن أساليبه التحريضية هي التي أدت إلى قتل عثمان، وكان أيضاً له موقف سيء مع علي «علیه السلام»، والحسنين حين خرجوا لوداع أبي ذر حين نفاه عثمان إلى الربذة، بالإضافة إلى مشاركته القوية في حرب الجمل ضد علي «علیه السلام»، ثم موقفه التحريضي للوليد بن عتبة على الإمام الحسين حين موت معاوية، وغير ذلك.
وقد كان موقف الوليد على نقيض موقف مروان التحريضي العنيف من الإمام الحسين «علیه السلام»، فإن الوليد كان أكثر مرونة وهدوءاً والتزاماً لأدب الخطاب مع الإمام «علیه السلام».
يضاف إلى ذلك: أن مروان لما بلغه استشهاد الإمام الحسين «علیه السلام» أظهر الفرح والسرور، وبادر إلى تصرفات سيئة، سجلها التاريخ..
فلعل الهدف هو تبييض وجه مروان، والتعتيم على مخازيه التي اقترفها في حق أهل البيت ومحبيهم.
وبذلك يظهر:
أولاً : أنه إن كان لهذه الرسالة أصل، فالمرسل لها هو الوليد، وهي به أليق، وبنهجه أوفق.
ثانياً: إنها رسالة واحدة ذات مضمون واحد، واختلافها في بعض كلماتها سببه الرواة الذين يعتمدون على ذاكرتهم غالباً.
ثالثاً : إن هذه الرسالة تريد أن تمنع الكارثة من أن تحل بالحكم الأموي، نتيجة رعونة يزيد، وابن الأشدق ومروان وأمثالهم. ولم يكن سببها إنصاف الوليد، أو حبه للحسين «علیه السلام»، ورغبته في حقن دمه. كما ربما يتوهمه البعض.
روى سفيان بن عيينة، عن علي بن زيد عن علي بن الحسين «عليهما السلام» قال:
خَرَجْنَا مَعَ الحُسَين «علیه السلام»، فما نَزَلَ مَنزِلاً ولا ارتَحَلَ مِنهُ، إلا ذكَرَ يَحْيَى بن زَكَرِيّا «علیه السلام» وقتله.
وقالَ يَوماً : ومِن هَوان الدُّنيا عَلَى اللّه، أَنَّ رَأسَ يَحْيَى بن زَكَرِيّا «علیه السلام» أهْدِي إِلى بَغِيٍّ مِن بَغايا بني إسرائيل (1).
1) الإرشاد للمفيد ج 2 ص 132 وبحار الأنوار ج 14 ص 175 وج 45 ص 89 و 298 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 315 و 608 ومجمع البيان ج 6 ص 405 ونور الثقلين (تفسير) ج 3 ص 324 وكنز الدقائق (تفسير) ج ص 198 وغوالي اللآلي ج 4 ص 81 وإعلام الورى ج 1 ص 429 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 85 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص237 وعن كشف الغمة ج 2 ص 221 ولواعج الأشجان ص74 ونور الثقلين (تفسير) ج 3 ص 324 وإعلام الورى ج 1 ص 429 والنور المبين للجزائري ص 398.
ونقول:
إن هذا يدخل في نطاق الإعداد والتمهيد النفسي للناس، وإعلامهم المعيار ليس هو النصر العسكري، أو النجاة من القتل في الدنيا.. بل المعيار هو العمل بالتكليف الشرعي الذي يرضي اللّه تعالى.
فإن النجاة من القتل قد يكون ثمنها على الصعيد الشخصي هو الذل والهوان، وفقدان القيمة والتأثير إلى الحد الذي يكون فيه الموت قتلا أكثر فائدة وأعظم قيمة وأهمية من البقاء على قيد الحياة.
وفي الدائرة الأوسع : إذا كان ثمن بقائه «علیه السلام» هو أن يتمكن يزيد وبنو أمية من طمس معالم الدين، وإشاعة الضلال وترسيخ الإنحراف في الأمة بأسرها، فإن كل عاقل يدرك أن دفع ذلك أو الحد من تأثيره إذا كان ممكنا، ولو من خلال التضحية بما بقي في عمره هو الأولى والأصوب، ولن يبخل بذلك ولن يتردد.
ولعل هذا هو أيسر شيء يبذل، وأقرب الطرق إلى حفظ ما هو أهم، ونفعه أعم للبشرية جمعاء.
كما أن هذا العمر القليل الباقي لا قيمة له في مقابل ما يترتب على بذله من مثوبات، ومقامات، وتفضلات من اللّه تعالى على الباذل نفسه، حتى إنه ليصبح شريكاً للخلائق في أعمالهم ومثوباتهم.
ولأجل ذلك كان «علیه السلام» يرشد إلى هوان الدنيا على اللّه تعالى. من خلال لفت النظر إلى ما جرى على يحيى بن زكريا، حيث
أهدي رأسه إلى بغي من بغايا بني إسرائيل.
1 - قال الطبري والبلاذري وغيرهما، والنص للطبري: عن عقبة بن سمعان، قال:
إِنَّ الحُسَينَ «علیه السلام» أقبَلَ حَتَّى مَرَّ بالتنعيم، فلقي بها عيراً قد أقبلَ بها مِنَ اليَمَن بَعَثَ بها بحيرُ بنُ رَيسان الحِميَرِيُّ إِلى يَزِيدَ بن مُعاوِيَة - وكانَ عَامِلهُ عَلى اليَمَن - وعَلى العير الوَرَسُ وَالحُللُ يُنطِلَقُ بها إلى يَزِيدَ، فَأَخَذَهَا الحُسَينُ «علیه السلام» فانطلق بها.
[وفي الملهوف : فأخذ «علیه السلام» الهَدِيَّة، لِأَنَّ حُكمَ أُمور المُسلِمِينَ إليه ].
ثُمَّ َقالَ لِأصحاب الإبل : لا أكرهكم مَن أحَبَّ أَن يَمضِيَ مَعَنا إلى العراق أوفينا كِراءَهُ، وأحسنا صُحبَتَهُ، ومَن أحَبَّ أن يُفارقنا مِن مَكَانِنا هذا، أعطيناهُ مِنَ الكِراءِ عَلى قدر ما قطعَ مِنَ الأرض.
قالَ: فَمَن فَارَقهُ مِنهُم حوسِبَ فأوفى حَقَّهُ، وَمَن مَضَى مِنهُم مَعَهُ أعطاهُ كِراءَهُ وكَساه (1).
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 385 و 386 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 289 و 290 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 220 والكامل في التاريخ ج 4 ص 39 و 40 وأنساب الأشراف ج 3 ص 375 و (ط دار التعارف) ج3 ص 164 والأخبار الطوال ص 245 والبداية والنهاية ج 8 ص 166 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 179 و 180 ومثير الأحزان ص 42 و 2 (ط المكتبة الحيدرية) ص 29 و 30 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص68 ص29 وبحار الأنوار ج 44 ص 367 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص217 ولواعج الأشجان ص 76 وأعيان الشيعة ج 1 ص 594 والملهوف ص42 ونهاية الأرب ج 20 ص 409.
زاد البلاذري : فيُقالُ: إِنَّهُ لم يبلغ كَربَلاءَ مِنهُم إِلا ثلاثهُ نَفْرٍ، فَزادَهُم عَشَرَةَ دَنانِيرَ عَشَرَةَ دَنانير، وأعطاهُم جَمَلاً جَمَلاً، وصَرَفهُم (1).
الورس: نبت أصفر يصبغ.به.
وقال الشيخ المفيد:
وسارَ [الحُسَينُ «علیه السلام»] حَتَّى أتَى التنعيم، فلقي عيراً قد أقبلت مِنَ اليَمَنِ، فَاستَأجَرَ مِن أهلها جمالاً لِرَحلِهِ وأصحابه، وقالَ لأصحابها : مَن أحَبَّ أن ينطلِقَ مَعَنا إلى العِراق، وَقَيناهُ كِرَاءَهُ وأَحسَنا صُحبَتَهُ، ومَن أحَبَّ أن يُفارقنا في بعض الطريق، أعطيناهُ كِرَاءً عَلى قدر ما قطعَ مِنَ الطريق. فمضى مَعَهُ قومٌ، وَامْتَنَعَ آخَرُونَ (2).
ونقول:
لا بأس بالنظر إلى ما يلي:
يلاحظ: أن رواية المفيد لما جرى في التنعيم لم تذكر مصادرة الورس والحلل اليمنية، بل اقتصرت على ذكر كراء الجمال، فهل كان رحمه اللّه يرى أن حديث مصادرة الورس والحلل مكذوب أو مشكوك؟! أو أنه لم يقف على الرواية التي ذكرت هذه المصادرة؟!
ويبدو لنا: أن الاحتمال الأول هو الأقرب للاعتبار، إذ يبعد عدم اطلاعه على هذا الخبر الذي رواه الطبري، والبلاذري، وسواهما، وكتبهم كانت لديه، وفي متناول يديه..
1 - هناك من يرجح صحة حديث مصادرة الورس والحلل اليمنية، وقد برر ابن طاووس حديث المصادرة هذا بقوله : لأن حكم أمور المسلمين إليه.
غير أننا نقول:
ليس في الراويات ما يدل على أن هذه الأموال هي لبيت مال المسلمين، ومجرد كون مرسلها من عمال يزيد لا يقتضى ذلك..
مع أن الراوية التي ذكرها ابن طاووس تصرح: بأن هذه الأموال كانت هدية مرسلة من ذلك الرجل إلى يزيد. فقد قال «رحمه اللّه»: «فلْقِيَ هُناكَ عِيراً تَحمِلُ هَدِيَّة قد بَعَثَ بها بحيرُ بنُ رَيسان.. إلى أن قال: فَأَخَذَ «علیه السلام» الهَدِيَّة الخ..». فمع احتمال أن يكون ذلك العامل قد أهدى للخليفة بنظره هدية من ماله ليتزلف بها إليه.. لا يبقى
مجال للجزم بأن الورس كان من أموال المسلمين التي جمعها ذلك العامل.
وهذا معناه : أن التبرير الذي ذكره لا يفي بالغرض، ولا يحل المشكلة لأن يزيد حتى وإن اغتصب مقام الخلافة، وشرب الخمر، وأعلن بالفسق، وقتل النفس المحترمة وغير ذلك، لكنه كان إلى تلك اللحظة لا يزال على ظاهر الإسلام، فأمواله الخاصة لا يصح المساس بها، والاستيلاء عليها. كما لا يصح اعتبار أمواله غنائم حرب أيضاً.
أولاً : لأن الحرب لم تكن قد أعلنت، ولا وقعت بينه وبين الحسين «علیه السلام».
ثانياً: قد عرفنا: أن الإمام عليا «علیه السلام» حين حارب أهل الجمل قد اعتبر ما حواه العسكر، وأجلبوا به عليه من غنائم الحرب، وما عدا ذلك لم يأخذ ولم يجز لجيشه أن يأخذ منه شيئا. فالقول: بأن حكم أمور المسلمين إلى الحسين «علیه السلام» لا يجيز له الإستيلاء على أموالهم.
وكونه «علیه السلام» أولى بالمؤمنين من أنفسهم لا يعني أن لا يراعي الضوابط التي يرى لزوم مراعاتها، ولكن الخروج عليها من أسباب حيرتهم، وإثارة الشبهة لديهم.. فإن كان لا بد من ذلك، فيجب بیان الفرق الذي أوجب اعتماد هذا النهج دون ما عرفوه من أبيه علي «علیه السلام».
2 - وهناك من قال: إن هذا المال لو وصل إلى يزيد وأعوانه
لصرف على موائد الخمور، وتدعيم الظلم والإساءة إلى الناس(1)، وفساد الأخلاق.
وهذا الكلام كسابقه، والجواب هو الجواب، لاسيما وأن صرفه في المعاصي غير معلوم، فإن الورس والحلل ليس من الوسائل المتمحضة في إنتاج المعاصي، بل قد يقال : إنها لا ربط لها بها، فإن من يلبس ثياباً حصل عليها بطريق حلال، إذا كذب حين يلبسها أو سرق أو زني لا تخرج عن ملكه، ولا تصادر من قبل النبي أو الإمام.. وإن عوقب صاحبها بالتعزير أو الجلد أو قطع اليد، وما إلى ذلك.
على أن من الجائز أن يهدي يزيد هذا المال لمن لا يرتكب المعاصي به.
وقد يقال: إن مما يقوي القول باستيلاء الإمام الحسين «عليه السلام» على هذه الأموال الروايات التي تذكر الورس في جملة ما انتهب من خيم الإمام الحسين «علیه السلام» بعد استشهاده يوم عاشوراء (2).
ونجيب:
أولاً : لماذا لم يذكروا شيئاً عن انتهاب حلل يمانية يوم عاشوراء أيضاً.. لاسيما وأن من المفترض أن تكون من أفخر الحلل والتي يتباهى بها من يحصل عليها، لأنها كانت مرسلة من والي يزيد في اليمن إلى يزيد نفسه ولا يهدى إلى الملوك إلا الأفخر والأغلى.
ثانياً: إن وجود ورس في خيم الحسين «علیه السلام» لا يعني أنه جزء من ذلك الذي أخذه الإمام الحسين «علیه السلام» في التنعيم؟! فلعله ورس آخر أهدي إليه أو اشتراه «علیه السلام».
ولعل هذا الذي ذكرناه هو ما لاحظه السيد مهدي بحر العلوم «رحمه اللّه» حين ذهب إلى عدم صحة حديث مصادرة الورس والحلل، فإن مقام الإمام «علیه السلام» أسمى وأرفع من الإقدام على مثل هذه الأمور (1).
زد على ذلك: أنه «علیه السلام» كما لا يفعل ما لا يحل له في الشرع فعله، لأنه المطهر المعصوم بنص آية التطهير، فإنه لا يفعل ما يتوهم فيه ذلك، فإن فعل ذلك كان عليه البيان، ورفع الشبهة.
وقد تقدم معنا في بعض فصول هذا الكتاب قصة مشابهة لهذه القصة جرت بين الإمام الحسين «علیه السلام» ومعاوية.
غير أننا نقول فيها نفس ما قلناه في هذه القصة، وهو: إن
1) رجال السيد بحر العلوم ج 4 ص 47.
كانت تلك الأموال هداياه لم تجز مصادرتها، إلا إن كان «عليه السلام» قد علم أن تلك الأموال كانت لبيت مال المسلمين. فإن تصرفه هذا فيها لا غبار عليه ولا اعتراض.
وقد ورد في رواية عن عبد اللّه بن سليم والمذري بن المشمعل الأسديين قالا: خرجنا حاجين من الكوفة حتى قدمنا مكة، فدخلنا يوم التروية، فإذا نحن بالحسين «علیه السلام» وعبد اللّه بن الزبير قائمين عند ارتفاع الضحى فيما بين الحجر والباب قالا فتقربنا منهما، فسمعنا ابن الزبير وهو يقول للحسين «علیه السلام»: إن شئت أن تقيم أقمت، فوليت هذا الأمر، فآزرناك وساعدناك.
إلى أن تقول الرواية : فما زالا يتناجيان حتى سمعنا دعاء الناس رائحين متوجهين إلى منى عند الظهر، قالا:
فطاف الحسين «علیه السلام» بالبيت وبين الصفا والمروة، وقص من شعره، وحل من عمرته، ثم توجه نحو الكوفة، وتوجهنا نحو الناس إلى منى (1).
ونقول:
إن لنا هنا ملاحظات:
1) راجع: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 385 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 289 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 179 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 66 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 616.
أولاها: أن النصوص قد ذكرت أن الحسين «علیه السلام» خرج من مكة متوجها إلى الكوفة يوم التروية في السحر، أو بعد أدائه صلاة الصبح، وهذه الرواية تدعي أنه كان لا يزال في مكة يناجي ابن الزبير إلى ظهر يوم التروية. ثم طاف وسعى، وقصر، وأحل من عمرته، ثم توجه نحو الكوفة.
الثانية : أنها ذكرت أن الحسين «علیه السلام» أحل من عمرته، ثم توجه نحو الكوفة.
وليس المراد عمرة التمتع لما ذكرناه فيما سبق، بل هي عمرة مفردة.
الثالثة : قلنا: إن ابن الزبير كان ينصح الحسين «علیه السلام» بالمسير إلى العراق، لأن له شيعة فيه، فإذا خشي أن يتهم في نواياه عرض عليه أن يبقى في مكة، وأن يكون من مساعديه على ما يريد.
الرابعة : إذا كانت النجوى لا تكون علنية، بل قوام النجوى هو السر والخفاء يقال : تناجى القوم تساروا، والنجوى: السر (1).
فكيف تمكن هذان من سماع ما تناجى به الحسين «علیه السلام» مع ابن الزبير ؟! فإن كانا قد تقربا منهما ليسمعا كلامهما، فكيف استجازا الاطلاع على سر الغير بغير إذنه؟!
1) راجع على سبيل المثال: أقرب الموارد (ط مكتبة المرعشي - قم) ج 2 ص 1276 و 1277.
ولماذا لم يبادر المتناجيان إلى الاعتراض عليهما ؟!
ولماذا لم يخفيا صوتهما حتى لا يسمعه هذان المتطفلان. فإن من البعيد أن لا يكون المتناجيان قد شعرا أو أحدهما بأن ثمة من أصبح قادراً على سماع السر الذي لا يريدان أن يطلع عليه الآخرون، فإن كانا قد شعرا أو شعر أحدهما بوجود مستمع، فلماذا لم يزجراه، أم لماذا لم يخفيا صوتهما عنه؟!
عن محمد بن قيس:
إِنَّ الحُسَينَ «علیه السلام» أقبَلَ حَتَّى إذا بَلغَ الحَاجِرَ مِن بَطن الرُّمَّةِ، بَعَثَ قيس بن مُسهر الصَّيداوي إلى أهل الكوفة، وكَتَبَ مَعَهُ إليهم [في الملهوف كَتَبَ الحُسَينُ «علیه السلام» كِتابا إلى سُليمان بن صُرَدٍ، وَالمُسَيَّبِ بن نَجَبَة، ورفاعَة بن شَدّادٍ وجَمَاعَةٍ مِنَ الشَّيعَةِ بالكوفة]:
بسم اللّه الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
مِنَ الحُسَين بن عَلِيٍّ إِلى إخوانِهِ مِنَ الْمُؤمِنِينَ وَالمُسلِمِينَ.
سَلامٌ عَليكُم، فإنّي أحمدُ إليكُمُ اللّه الذي لا إلهَ إِلَّا هُوَ.
أمّا بَعدُ، فَإِنَّ كِتابَ مُسلِمٍ بن عَقِيلٍ جاءَني، يُخبرني فِيهِ بِحُسن رَأيكُم، وَاجتِماعِ مَلِئِكُم عَلى نَصرنا، وَالطَّلب بحقنا، [في الأخبار الطوال: وَرَدَ عَليَّ باجتِماعِكُم لي، وتَشوُّفِكُم إلى قدومي، وما أنتُم عَليهِ منطوونَ مِن نَصرنا] فَسَأَلْتُ اللّه أن يُحسِنَ لنَا الصُّنعَ، [في الأخبار
الطوال فأحسَنَ اللّه لنا ولكُمُ الصَّنيعَ] وأن يُثيبَكُم عَلى ذلِكَ أعظم الأجر، [في الأخبار الطوال : بأفضل الذُّخر، وكتابي إليكُم مِن بَطن الرُّمَّةِ].
وقد شَخَصَتُ إليكُم مِن مَكَة يَومَ الثلاثاء، لِثَمَانِ مَضَينَ مِن ذِي الْحِجَّةِ، يَومَ التَروِيَةِ، فإذا قدِمَ عَليكُم رَسولي فأكمشوا أمركم وجدوا؛ فإنّي قادِمٌ عَلَيكُم في أيامي هذِهِ إِن شاءَ اللّه، وَالسَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحْمَهُ اللّه وبَرَكاتُهُ.
وكانَ مُسلِمُ بنُ عَقِيلٍ قد كانَ كَتَبَ إلى الحُسَين «علیه السلام» قبل أن يُقتَلَ لِسَبع وعِشرينَ ليلة:
أمّا بَعدُ، فَإِنَّ الرّائِدَ لا يَكذِبُ أهلهُ إِنَّ جَمعَ أهل الكوفة مَعَكَ، فأقبل حين تقرأ كِتابي، وَالسَّلامُ عَليكَ.
قالَ: فَأَقْبَلَ الحُسَينُ «علیه السلام» بالصبيان وَالنِّسَاءِ مَعَهُ، لا يَلوي عَلَى شَيْءٍ، وأَقْبَلَ قيس بن مسهر الصَّيداوي إلى الكوفة بكِتابِ الحُسَين «علیه السلام»، حتى إذا انتهى إلى القادِسِيَّةِ أَخَذَهُ الحُصَينُ بنُ تَميمٍ [في الملهوف: اعتَرَضَهُ الحُصَينُ بنُ نُمَيرِ صَاحِبُ عُبَيدِ اللّه بن زيادٍ لِيُفتِّشَهُ، فَأَخرَجَ الكِتابَ ومَزَّقَهُ] فَبَعَتْ بِهِ إِلى عُبَيدِ اللّه بن زيادٍ، فَقالَ لَهُ عُبَيدُ اللّه : اِصعَد إلى القصر فَسُبَّ الكَذَّابَ ابنَ الكَذَّابِ.
فَصَعِدَ ثُمَّ َقالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ هذا الحُسَينَ بنَ عَلِيٍّ خَيْرُ خَلْقَ اللّه، ابْنُ فاطِمَة بنتِ رَسول اللّه، وأنا رسوله إليكم، وقد فارقته بالحاجر ؛ فأجيبوه.
ثُمَّ لَعَنَ عُبَيدَ اللّه بن زيادٍ وأباهُ، وَاسْتَغفَرَ لِعَلِيٍّ بن أبي طالب «عليه السلام».
قالَ: فَأَمَرَ بِهِ عُبَيدُ اللّه بنُ زِيادٍ أن يُرمى به من فوق القصر،
فَرُمِيَ بِهِ، فَتَقطَّعَ فَمات (1).
وعند ابن طاووس:
أن ابن زياد قال لقيس بن مسهر لمّا مثلَ بَينَ يَدَيهِ: مَن أنت؟
قالَ: أَنَا رَجُلٌ مِن شيعَةِ أمير المُؤمِنِينَ عَلِيٍّ بن أبي طَالِبٍ، وَابْنِهِ «علیهما السلام».
قال: فلماذا مَزَّقت الكِتابَ؟
قالَ: لِئَلا تَعلم ما فيه.
قالَ: مِمَّن الكِتابُ وإلى مَن؟
قالَ: مِنَ الحُسَين بن عَلِيٍّ «علیه السلام» إلى جَمَاعَةٍ مِن أهل الكوفة،
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 394 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 297 و 298 وراجع: الأخبار الطوال ص 245 و 246 والإرشاد ج 2 ص70 وأنساب الأشراف ج 3 ص378 وتذكرة الخواص ج 2 ص 140 والملهوف ص 135 و (نشر أنوار الهدى) ص 46 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص71 وتجارب الأمم ج 2 ص 60 وتاريخ الكوفة ص 323 والبداية والنهاية ج8 ص 167 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 181 ومثير الأحزان ص 42 و 43 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 95 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 245 وروضة الواعظين ص 196 وإعلام الورى ج 1 ص 446 وبحار الأنوار ج 44 ص 370 وعن الفتوح ج 5 ص 82 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 235. والكامل في التاريخ ج 4 ص 41 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 163.
لا أعرفُ أسماءَهُم.
فَغَضِبَ ابنُ زِيادٍ وقالَ: وَاللّه لا تُفارقني حتى تُخبرني بأسماء هؤلاءِ القوم، أو تَصعَدَ المِنبَر فَتَلعَنَ الحُسَينَ، وأباه، وأخاه، وإلا قطعتُكَ إرباً إرباً.
فقال قيس: أمَّا القومُ فلا أخبرك بأسمائهم، وأمّا لعنُ الحُسَين وأبيه وأخيهِ فَأَفعَلُ.
فَصَعِدَ المِنبَرَ، فَحَمِدَ اللّه وأثنى عَليهِ، وصلى على النَّبيِّ «صلی اللّه علیه وآله»، وأكثرَ مِنَ التَرَحُمِ عَلَى عَلِيٍّ وَوُلْدِهِ «صَلَواتُ اللّه عَلِيهِم»، ثُمَّ لَعَنَ عُبَيدَ اللّه بن زيادٍ وأباه، ولعَنَ عُتَاةَ بَنِي أُمَيَّةَ عَن آخِرِهِم. ثُمَّ قَالَ:
أَيُّهَا النّاسُ! أَنَا رَسولُ الحُسَين بن عَلِيٍّ «علیه السلام» إليكم، وقد خَلَّفْتُهُ بمَوضِع كذا وكذا، فأجيبوه.
فَأخبر ابنُ زِيادٍ بِذلِكَ، فَأَمَرَ بِإلقائِهِ مِن أعلى القصر، قالقِي مِن هُناكَ، فمات «رحمه اللّه».
فَبَلغَ الحُسَينَ «علیه السلام» مَوتُهُ فَاستَعبَرَ بِاكِيا، ثُمَّ قَالَ: اللّهمَّ اجعَل لنا ولشيعَتِنا مَنزِلاً كَريماً، وَاجمَع بَينَنا وبَينَهُم فِي مُستَقرِّ رَحمَتِكَ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
ورُوِيَ أَنَّ هذا الكِتابَ كَتَبَهُ الحُسَينُ «علیه السلام» مِنَ الحاجز، وقيلَ غَيرُ ذلِكَ (1).
1) الملهوف ص 32 و 33 و (نشر أنوار الهدى) ص46 و 47 ومثير الأحزان ص 42 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 31 وراجع الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 82.
ونقول:
علينا ملاحظة الأمور التالية:
لعلنا ذكرنا فيما تقدم أموراً عديدة ترتبط بما حواه هذا النص، وسنحاول هنا ذكر ما عدا تلك الأمور، حتى لا نقع في التكرار، إلا ما اقتضاه سياق الحديث فيما نحن بصدده، ولذلك نقول:
لقد عنون «علیه السلام» رسالته: بأنها إلى إخوانه من المؤمنين.
وفي بعض المصادر أضاف إلى المؤمنين المسلمين أيضاً..
وعند بعض ثالث أنه كتب رسالته إلى سليمان بن صرد، والمسيب بن نجبة، ورفاعة بن شداد، وجماعة من الشيعة..
فأي ذلك هو الصحيح؟!
ونجيب:
بأن من الممكن أن تكون الرسالة صرحت بهذه الأمور الثلاثة جميعاً، فهو «علیه السلام» يخاطب:
أولاً : إخوانه المؤمنين المعتقدين بالإمامة على حقيقتها، وعلى النحو الذي يريده اللّه سبحانه ويلتزمون بفروضها، وهؤلاء هم الذين يستحقون منه «علیه السلام» وصف الأخوة، وإن كانوا على درجة من القلة، التي قد تبلغ حد الندرة.
ثانياً: ثم يخاطب المسلمين وهم عامة الناس، والأكثر عدداً، وهم الذين لم تكتمل لديهم مباني الاعتقاد بالإمامة، أو لم يعرفوا الكثير من شؤونها وصفاتها، وسائر حالاتها،
وهذه الطبقة تختزن فئات عديدة ومتنوعة. ففيها من هو سليم النفس، طاهر النوايا، لا يأبى عن الانخراط في العمل البناء، وربما تجد لديه الاندفاع إلى الدفاع عن الإسلام، وعن المسلمين ضد الظالمين والضالين إلى حد الاستشهاد.
وفيها من قد استحوذ حب الدنيا على أكثر همه واستغرق عامة وقته، واستأثر بأكثر جهده.
ثالثاً: ثم هو يخاطب أشخاصاً بأسمائهم، ويعين للناس أشخاصهم، لكي يرجع إليهم من لا يستطيع أن يتصرف إلا من خلال الهادي والمرشد الذين يتولون تنظيم الناس، وتدبر أمورهم.
ويشهد لما ذكرناه من وجود أسماء أشخاص في الكتاب: ما جرى بين ابن زياد «لعنه اللّه»، وبين قيس بن مسهر، حيث امتنع قيس من ذكر الأسماء التي وردت في الكتاب الذي كان قد مزقه فور اعتقاله من قبل الحصين بن نمير [تميم] فأمر ابن زياد بإلقائه من
فوق القصر.
وقد قال «علیه السلام» في رسالته لأهل الكوفة: «وَاجتِماعِ مَلَئِكُم عَلى نَصرنا».
وهذا يدل:
أولاً: على أن رؤساء وأشراف أهل الكوفة قد أجمعوا على نصرته.
ويدل ثانياً : على أنه «علیه السلام» كان يريد أن يلزم أولئك الرؤساء والأشراف بما ألزموا أنفسهم به. ويجعل ذلك من وسائل كشف الحقيقة لكل باحث بعد أن تقع الخيانة التي كان «علیه السلام» يحتمل حصولها، إذ لو كان «علیه السلام» قد خاطب أهل الكوفة بقوله مثلا: «وَاجتِماعِكُم عَلى نَصرنا»، لكان قد وفر للزعماء الذين هم الخونة الحقيقيون مهرباً، وأفسح لهم المجال للكذب على الناس بزعم أنهم لم يتعهدوا بشيء، ليقال : إنهم قد نكثوا، بل الناس هم الذين تعهدوا ونكثوا.
مع أن الناس كانوا قد جعلوا أنفسهم في الولاء والعداء رهائن بيد أشرافهم ورؤسائهم. فالرؤساء يقررون والأتباع ينفذون.
فهذا التصريح الحسيني قد حسم الأمر، ودل على الخائن، ولم يترك له مجالاً للكذب والتزوير، إلا إذا أراد أن يفضح نفسه، ويزيد الطين بلة، والخرق اتساعاً.
1 – يلاحظ: أنه «علیه السلام» لم يشر في رسالته إلى أهل الكوفة إلى لزوم الاستعداد لمواجهة طاغية جبار، يجب تخليص الأمة منه.
ولا تحدث عن عدو متربص يريد منهم أن يهاجموه، ويحاربوه. بل قال: «وَاجتِماعِ مَلئِكُم عَلى نَصرنا والطلب بحقنا». أي أنهم قد قبلوا أن ينصروا الحسين وأهل البيت إذا احتاج إلى النصر.
وهذا إنما يكون في الغالب صورة التعرض لعدوان ظالم، من عدو غاشم.
ولو كان المطلوب منهم هو المبادرة إلى فرض الحرب على الغير، ومهاجمته لأمرهم بالإعداد والاستعداد للحرب، التي صمم على الدخول فيها، وبعد أن تبدأ الحرب، بجيش قد أعد لها، فإن القائد لا يطلب من جيشه أن ينصره، لأن جيشه مشغول بمكافحة العدو بعد الإعداد والاستعداد.
2 - ثم قال «علیه السلام»: «وَالطَّلب بحقنا». وهذا لا يعني أنه يريد أن يأخذ حقه بالحرب، ويريد منهم المشاركة فيها.. فإن نفس التأييد للحق، ومطالبة الغاصب بالكف عن غصبه إذا أصبح موضع إجماع الأمة. قد يدفع ذلك الغاصب إلى الاستجابة إذا رأى الجدية في مطالبته بذلك.. وعرف أن عدم تلبية هذا الطلب قد يؤدي إلى إضعافه في موقعه، وعدم طاعة أوامره، ويعرضه لخطر كبير، لا طاقة له به.
تقدم في هذا الكتاب: أن الإمام الحسين «علیه السلام» أرسل عبد اللّه بن يقطر مع مسلم بن عقيل إلى الكوفة.. كما في بعض المصادر (1).
ولما زار عبيد اللّه بن زياد شريك بن الأعور الحارثي حين كان مريضاً في بيت هاني بن عروة، ورجع ابن زياد إلى قصره:
«فَلَمّا دَخَلَ القصر، أتاهُ مالِكُ بنُ يَربوع التميمِيُّ بِكِتَابِ أَخَذَهُ مِن يَدَي عَبدِ اللّه بن يَقطرَ، فَإِذا فِيهِ:
لِلحُسَين بن عَلِيٍّ..
أمّا بَعدُ.. فإنّي أخبرُكَ أنَّهُ قد بايَعَكَ مِن أهل الكوفة كذا، فإذا أتاكَ كتابي هذا فَالعَجَلَ الْعَجَلَ، فَإِنَّ النّاسَ مَعَكَ، وليس لهُم فِي يَزِيدَ رَأَيْ ولا هَوى. فأمَرَ ابنُ زِيادٍ بقتلِهِ» (2).
فقتل ابن يقطر إذن قد كان حين زيارة ابن زياد لشريك في بيت
هاني.
وقد ذكر السماوي: أن مسلماً لما رأى خذلان الناس أرسل ابن يقطر إلى الحسين يخبره بالأمر (1).
وقد وصل خبر قتله «رحمه اللّه» إلى الحسين «علیه السلام» وهو بزبالة (2)التي تقع بين واقصة والثعلبية، أو بعد القاع، وقبل الشقوق (3).
أما قيس بن مسهر، فقد قتل بعد عبد اللّه بن يقطر، ومسلم بن عقيل، وهاني بن عروة. وقد وصل خبر مقتله إلى الحسين «علیه السلام» حين وصل إلى عذيب الهجانات(4).
وقد أخذ قيس بن مسهر وقتل، لأنه كان يحمل رسالة من الإمام
1) إبصار العين للسماوي ص 94.
2) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص و (ط الأعلمي) ج 4 ص 300 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 78 وراجع: الإرشاد ج 2 ص 75 وروضة الواعظين ص 179 وبحار الأنوار ج 44 ص 374 والعوالم، الإمام الحسين ج17 ص 224 ولواعج الأشجان ص 85 والفوائد الرجالية ج 4 ص 33 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 806 وقاموس الرجال ج 10 ص 67.
3) راجع: معجم البلدان ج 3 ص 129.
4) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص و (ط الأعلمي) ج 4 ص 305 و 306 ولواعج الأشجان ص 94 و 95 والكامل في التاريخ ج4 ص 49 و 50 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 187 و 188 وأعيان الشيعة ج 1 ص 597 ونهاية الأرب ج 20 ص420 و 421.
الحسين «علیه السلام» إلى أهل الكوفة. ووصل خبر مقتل قيس بن مسهر إلى الحسين «علیه السلام» بعد أيام من وصول خبر ابن يقطر إليه.
سارَ الحُسَينُ «علیه السلام» حَتَّى نَزَلَ الخُزَيمِيَّة، وأقام بها يوما وليلة، فلما أصبَحَ أقبلت إليهِ أختُهُ زَيْنَبُ بنتُ عَلِيٍّ، فقالت: يا أخي! ألا أخبرُكَ بِشَيْءٍ سَمِعتُهُ البارحة؟
فقالَ الحُسَينُ «علیه السلام»: وما ذاك؟
قالت: خَرَجتُ في بَعض الليل لقضاء حاجَةٍ، فَسَمِعتُ هاتِفَا يَهْتِفُ وَهُوَ يَقولُ:
ألا يا عَينُ فاحتَفِلِي بجهدِ***ومَن يَبكي عَلَى الشُّهداءِ بَعدي
على قوم تسوقهُمُ المَنايا***بمقدار إلى إنجاز وعد
فَقالَ لهَا الحُسَينُ «علیه السلام» يا أختاه، المَقْضِيُّ هُوَ كَائِنٌ (1).
ونقول:
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 70 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص223 224 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 222 وأعيان الشيعة ج 7 ص 137 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 95 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 245 وبحار الأنوار ج 44 ص 372 والدمعة الساكبة ج 4 ص244 ولواعج الأشجان ص 83.
1 - الخزيمية - بالخاء المنقوطة، وقيل بالحاء المهملة -: بعد
الثعلبية من جهة الكوفة وقبل الأجفر
وقيل: بينها وبين الثعلبية اثنان وثلاثون ميلا (1)
2 - إن إقامته «علیه السلام» يوماً وليلة في الخزيمية تعطي: أنه «علیه السلام» يسير بمن معه من النساء والأطفال سيراً رفيقاً، ويهيئ لهم فرصاً للراحة. وهذا يتوافق مع التوجه النبوي لأنجشة الذي كان يسوق بالنساء حين الهجرة من مكة إلى المدينة، حيث قال له النبي «صلی اللّه علیه وآله» حين أعنف السير: «رويدك، رفقا بالقوارير» (2).
ويشهد لما نقول:
أنه «علیه السلام» قد قطع المسافة من مكة إلى العراق بحوالي خمسة وعشرين يوما (3)، بينما قطعها مسلم بعشرين يوما (4). بالرغم
1) معجم البلدان ج 2 ص 370.
2) الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 1 ص 140 وأسد الغابة ج 1 ص121 والمجموع للنووي ج 20 ص230 والمغني لابن قدامة ج 12 ص 43 وإمتاع الأسماع ج 6 ص 319 وج 9 ص 310 و 316 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 396 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 421 ونهاية الأرب ج 18 ص 233.
3) أعيان الشيعة ج 1 ص 598 وروضة الواعظين ص 181 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 84 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 247 ومثير الأحزان ص 35 وبحار الأنوار ج 44 ص 380 و 381 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 231 ولواعج الأشجان ص 101 وتاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 309 وتجارب الأمم ج 2 ص 68 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 189 وأعيان الشيعة ج 1 ص 598 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 94 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص83 وإعلام الورى ج1 ص 451 ومطالب السؤول ص 400 الملهوف ص 49 وكشف الغمة ج 2 ص 257 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 816.
4) مروج الذهب ج 3 ص 64 و (منشورات دار الهجرة سنة 1404ه) ج 3 ص 54.
من أن بالإمكان قطعها بأقل من هذا المقدار أيضاً.
3 - والهاتف الذي سمعته زينب هل هو ملك؟! أو هو من بعض مؤمني الجن؟! لا يمكننا الجزم بأي من الاحتمالين من دون نص يرشدنا.
غير أننا نعلم: أن بيتي الشعر قد تضمنا أموراً واقعية كانت معروفة ومتداولة بين كثير من الناس.
وربما يكون ذلك الهاتف قد سمعها أو عرف بها من النبي «صلى اللّه عليه وآله»، أو من أحد الأئمة بعده.
4 - إن من المحتمل أن يكون ذلك الهاتف ملكا أرسله اللّه تعالى ليسمع زينب العقيلة هذه الكلمات، لأن المطلوب هو إعدادها نفسياً لتحمل مسؤولياتها، ببصيرة وصبر، وثبات.
5 - إن جواب الإمام الحسين «علیه السلام» لأخته قد أكد لها مضمون كلام الهاتف بالنحو الذي يرسخ لديها الشعور بالتسليم والرضا بقضاء اللّه سبحانه.
1 - قال البلاذري:
كانَ زُهَيْرُ بنُ القينِ البَجَلِيُّ بمَكَة، وكانَ عُثمانِيّا، فَانصَرَفَ مِن مَكَة مُتَعَجِّلاً، فَضَمَّهُ الطَّرِيقُ وحُسَينا «علیه السلام»، فَكَانَ يُسايره ولا يُنازِلهُ؛ يَنزِلُ الحُسَينُ «علیه السلام» فى ناحِيَةٍ وزُهَيْرٌ في ناحِيَةٍ. فَأَرْسَلَ الحُسَينُ «علیه السلام» إليهِ في إتيانِهِ، فَأَمَرَتهُ امْرَأَتُهُ دَيلُمُ بنتُ عَمرو أن يَأْتِيَهُ فأبى (1).
[وعند أبي مخنف، كما في الطبري، وعند ابن طاووس: فَنَزَلَ الحُسَينُ «علیه السلام» في جانب، ونَزَلنا في جانب. فَبَينا نَحنُ جُلُوسٌ نَتَغَدّى من طعام لنا، إذ أقبَلَ رَسولُ الحُسَين «علیه السلام» حَتى سَلَّمَ، ثُمَّ دَخَلَ فَقالَ: يا زُهَيرُ بنُ القين، إنَّ أبا عَبدِ اللّه الحُسَينَ بنَ عَلِيٍّ «علیه السلام» بَعَثْني إِليكَ لِتَأْتِيَهُ قالَ: فَطَرَحَ كُلُّ إنسان ما فِي يَدِهِ، حَتَّى كَأنَّنا عَلى رؤوسنا الطيرُ ] (2).
1) أنساب الأشراف ج 3 ص378 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 167.
2) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 396 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 298 والملهوف (نشر أنوار الهدى) ص 44 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 74 وراجع الإرشاد للمفيد ج 2 ص 72 وروضة الواعظين ص97 و (منشورات الشريف الرضي) ص 178 ومثير الأحزان ص 46 و (ط المكتبة الحيدرية) ص33 وبحار الأنوار ج 44 ص 371 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 221 وأعيان الشيعة ج 1 ص 595 وج 7 ص 71 والدر النظيم ص 547 ونفس الرحمن ص 252 وإبصار العين ص 161 والمجالس الفاخرة ص 219 ومقتل الحسين للخوارزمی ج 1 ص 225.
ونعود إلى نص البلاذري:
فقالت: سُبحانَ اللّه! أَيَبعَتْ إِليكَ ابنُ بِنتِ رسول اللّه فَلا تَأْتِيهِ؟!
فلمّا صَارَ إِلَيهِ ثُمَّ انصَرَفَ إِلى رَحلِهِ، قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنتِ طالق، فالحقي بأهلِكِ، فإنّي لا أُحِبُّ أن يُصِيبَكِ بِسَبَبِي إِلَّا خَيْراً.
ثُمَّ َقالَ لِأصحابهِ: مَن أحَبَّ مِنكُم أن يتبَعَني، وإلا فَإِنَّهُ آخِرُ العَهْدِ. وصارَ مَعَ الحُسَين «علیه السلام» (1).
2 - وقال أبو حنيفة الدينوري:
فَقامَ يَمشي إلى الحُسَين «علیه السلام»، فلم يَلْبَتْ أن انصَرَفَ وقد أشرَقَ وَجْهُهُ، فَأمَرَ بِفُسطاطهِ فَقلِعَ، وضُرِبَ إلى لزق فسطاط الحُسَين «علیه السلام».
ثُمَّ َقالَ لِامرَأتِهِ: أنتِ طالِقٌ، فَتَقدَّمي مَعَ أخيكِ حَتَّى تَصِلي إلى مَنزِلِكِ؛ فإني قد وطنتُ نَفسي عَلى المَوتِ مَعَ الحُسَين «علیه السلام».
[في الملهوف ثُمَّ أعطاها مالها، وسلمها إلى بَعضٍ بَنِي عَمِّها
1) أنساب الأشراف ص 378 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 167 وأعيان الشيعة ج 6 ص 427.
ليوصلها إلى أهلها.
فَقامَت إِليهِ ووَدَّعَتهُ وبَكَت، وقالت: خارَ اللّه لَكَ، أَسْأَلُكَ أَن تَذكَّرَنِي في القِيامَةِ عِندَ جَدّ الحُسَين «علیه السلام»].
ثُمَّ قَالَ لِمَن كانَ مَعَهُ مِن أصحابهِ: مَن أحَبَّ مِنكُمُ الشَّهَادَةَ فَلْيُقِم، ومَن كَرِهَهَا فَلْيَتَقدَّم. فلم يُقِم مَعَهُ مِنهُم أَحَدٌ، وخَرَجوا مَعَ الْمَرْأَةِ وأخيها حتى لحقوا بالكوفة (1).
3 - وفي حديث أبي مخنف:
أن زهيراً بعد أن طلق زوجته «قالَ لِأصحابهِ: مَن أَحَبَّ مِنكُم أَن يَتبَعَني، وإِلا فَإِنَّهُ آخِرُ العَهْدِ إِنِّي سَأَحَدِّثُكُم حَدِيثًا: غَزَونَا بَلْنجَرَ، فَفُتِحَ عَلينا، وأصبنا غَنائِمَ، فَقالَ لنا سَلمانُ الباهِلِيُّ [في الكامل في التاريخ: الفارسي ] : أفرحتُم بما فتَحَ اللّه عَليكُم، وَأَصَبْتُم مِنَ الغَنَائِمِ؟!
فقلنا: نَعَم.
فقال لنا: إذا أدركتُم شبابَ آلِ مُحَمَّدٍ فكونوا أَشَدَّ فَرَحاً بِقِتالِكُم مَعَهُم مِنكُم بما أصَبْتُم مِنَ الغَنائم، فأما أنا، فإنّي أَستَودِعُكُمُ اللّه.
قالَ: ثُمَّ وَاللّه ما زالَ فى أوَّل القوم حَتَّى قُتِلَ (2).
4 - عن عمارة بن زيد:
حَدَّثنا إبراهيمُ بنُ سَعدٍ ؛ أَخبَرَنِي: أَنَّهُ كَانَ مَعَ زُهير بن القين حينَ صَحِبَ الحُسَينَ «علیه السلام»، فَقالَ لهُ: يا زُهَير! اِعلَمٍ أَنَّ هَاهُنا مَشْهَدي، ويَحمِلُ هذا مِن جَسَدي - يعني رَأْسَهُ - زَحْرُ بنُ قِيسٍ، فَيَدخُلُ بِهِ عَلى يَزِيدَ يَرجو نَواله، فلا يُعطيهِ شَيئا (1).
ونقول:
لاحظ ما يلي:
لا نريد أن نتوقف عند الأمور الصغيرة، والجزئيات التي لا تقدم ولا تؤخر في المسار العام. بل سوف نغض النظر عنها، إذ لا ثمرة كبيرة تترتب على بحثها، لو أمكن الوصول فيها إلى نتائج يمكن الإعتماد عليها، ولأجل ذلك لا نريد أن نتوقف لنبحث عن الذي أرجع امرأة زهير إلى أهلها هل هو أخوها أو أحد أبناء عمها. ولن نتوقف عند النصوص التي بدلت كلمة أو زادت كلمة أو جملة، أو نحو ذلك مما لا يقدم ولا يؤخر في مسار الأحداث.
ولأجل ذلك نقتصر هنا على ما يلي:
1) دلائل الإمامة ص 182 وذوب النضار ص 29 ومدينة المعاجز ج ص 450 وإثبات الهداة ج 5 ص 206.
1 - كان زهير بن القين يتحاشى اللقاء مع الإمام الحسين «علیه السلام»، ولا يفكر في نصرته، ولكنه بعد أن أرسل الإمام الحسين «علیه السلام» رسوله إليه، يدعوه للقاء به قد وجد نفسه في مأزق، فإن الأعراف والآداب، ومعرفة الفضل لذويه، وحفظ أقدار الرجال، ولاسيما إذا كانوا أقدس وأعظم الناس مكانة في الأمة - إن ذلك يفرض على زهير المبادرة إلى إجابة طلب الإمام، حتى لو كان لا يلتقي معه في بعض الرؤى. بل حتى لو كان ليس من حزبه، ويشعر بالنفور منه، فإن الإستجابة تعد من الأمور الراجحة، التي يحث عليها العقلاء..
وقد رأينا: أن زوجة زهير هي التي شجعته على إجابة طلب الحسين «علیه السلام»، بل هي قد عبرت عن استغرابها لما رأته من تردده وحيرته وقد ضمنت كلامها أمرين:
أولهما: تذكيره بأن من يطلب الاجتماع به ليس شخصاً عادياً، بل هو ابن النبي «صلی اللّه علیه وآله»، فالإجتماع به شرف وعز، وكرامة، فلا ينبغي أن يفوته ذلك.
والثاني: أن طلبه الاجتماع بك يوحي بأن لديه أمرا يريد أن يفضي به إليك، فلعله أمر يهمك الاضطلاع عليه، ويكون لك فيه الصلاح والخير. وهذا أمر عقلائي يثير الرغبة لدى الإنسان المتوازن بتلبية هذا النوع من المطالب.
2 - إنها «رحمها اللّه» بعد أن عاد إليها زوجها وطلقها، ثم أخبرها بأنه قد عقد العزم على الالتحاق بالحسين «علیه السلام» ليموت معه، - إنها - لم تمانع، ولم تعترض، بل طلبت منه أن يذكرها في يوم القيامة عند جد الحسين «عليهما أفضل الصلاة والسلام».
ذكرت النصوص المتقدمة : أن زهير بن القين كان عثمانيا، إلى حد أنه لم يشأ أن يجيب دعوة الإمام الحسين «علیه السلام» له للقاء به لولا تدخل زوجته التي حملته على تغيير رأيه، فلبي طلب الإمام «علیه السلام»، وكانت النتيجة هي تبدل حاله كما ذكرته الروايات المتقدمة.
وقد يمكن التشكيك في صحة نسبة العثمانية إليه لأسباب عديدة، نذكرها، ونجيب عنها كما يلى:
أولاً: إننا لم نجد فيما بين أيدينا من نصوص ما يدل على عثمانية هذا الرجل، فهو لم يشارك في حربي الجمل وصفين ضد علي «عليه السلام»، ولم نسمع عنه ولم نر له موقفاً فيه تأييد لنهج عثمان.
ونجيب:
1 - إن عدم الاشتراك في الحروب ضد علي قد تكون له أسباب خاصة.
2 - إن للانخراط في العثمانية درجات متفاوتة. فلعله كان يؤيد مظلومية عثمان، ولكنه لا يشارك بني أمية والزبيريين وعائشة في
اتهام علي بدمه ولا يرى جواز محاربته.
3 - إن التاريخ لم يسجل لنا جميع ما صدر عن الأشخاص من كلام ومن مواقف. وربما اكتفى الرواة بالحديث عن التوجه العام للشخص، ولا يشيرون إلى شيء من الجزئيات والتفاصيل.
ثانياً: قد يقال: إن ما ذكر في الروايات المتقدمة من أن زهيراً بعد انتهاء حجه توجه نحو العراق، فضمه الطريق مع الإمام الحسين «عليه السلام» غير مقبول. لأنه إذا كان قد حج، ثم خرج حج، ثم خرج فذلك يعني: أن خروجه كان بعد خروج الإمام الحسين «علیه السلام» من مكة بخمسة أيام.. فكيف يقال : إنه قد ساير الحسين «علیه السلام» في منازل الطريق؟!
ويجاب:
1 - بأن الحسين «علیه السلام» لم يكن يرهق من معه في المسير بل كان يرفق بهم، وربما أقام في بعض المنازل مثل الخزيمية يوماً وليلة.
ولأجل ذلك نلاحظ: أن مسيره «علیه السلام» قد استغرق حوالي خمسة وعشرين يوماً، فقد كان نزوله في كربلاء في الثاني من المحرم (1).
1) روضة الواعظين ص 181 والإرشاد للمفيد ج 2 ص84 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 247 ومثير الأحزان ص35 وبحار الأنوار ج 44 ص 380 و 381 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص231 ولواعج الأشجان ص 101 وتاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 309 وتجارب الأمم ج 2 ص 68 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 189 وأعيان الشيعة ج 1 ص 598 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص94 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 83 وإعلام الورى ج 1 ص 451 ومطالب السؤول ص 400 الملهوف ص 49 وكشف الغمة ج 2 ص 257 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 816 وأعيان الشيعة ج 1 ص 598.
في حين أنهم يقولون: إن مسير مسلم من مكة إلى الكوفة قد استغرق عشرين يوما فقط (1).
وقد صرحت رواية عبد اللّه بن سليمان والمنذر بن المشمعل: بأنهما بعد حجهما لحقا بالحسين ليريا ما يكون من أمره!!! لا ليكونا في جملة أنصاره، فأدركاه بزرود فلو سايراه في بعض المنازل ابتداء من زرود لصدق عليهما وصف المسايرة في المنازل بعد لقائهما به.
2 - ظهر مما تقدم: أنه ليس المقصود بمسايرة الإمام في منازل الطريق هو مسايرته فى جميعها، فإنه إذا سايره في قسم منها صدق عليه أنه سايره في منازل الطريق. لاسيما مع العلم المسبق بأن زهيراً قد احتاج إلى عدة أيام ليلحق بركب الإمام «علیه السلام».
ثالثاً: إن عدداً من المؤرخين لم يذكر أن زهيراً كان عثمانياً. ولا
1) مروج الذهب ج 3 ص 64 و (منشورات دار الهجرة سنة 1404ه) ج3 ص 54.
ذكر تحاشيه عن اللقاء بالإمام ولجوئه إلى مسايرته للإمام «عليه السلام» في المنازل.
ونجيب:
1 - بأن عدم ذكرهم لهذا الأمر ربما كان لأجل عدم اطلاعهم عليه، أو لأسباب أخرى تدخل في سياق الأسباب التعصبية المذهبية.
2 - لعل عدم تعرضهم لهذا الأمر كان بداعي التلخيص والاختصار للحدث. لا لأجل أنكارهم ما أهملوه
3 - إن عدم ذكر ابن أعثم أو غيره لهذا الأمر لا يدل على أن من ذكر هذا الأمر كالطبري والبلاذري وغيرهما قد كذب فيه، بل إن من لم يذكره حتى لو نبه على أنه مكذوب. وادعى أن هذا هو سبب إهماله له. فإن هذا التنبيه لا يدل على صدقه في هذه الدعوى، ولا يصدق في اتهامه لغيره من أقرانه بالكذب والاختلاق إلا بعد البحث والتمحيص..
رابعاً : قد يقال : إن عزرة بن قيس قد قال لزهير يوم عاشوراء: .. «ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت إنما كنت عثمانياً..
قال: أفلست تستدل بموقفي هذا أني منهم»؟!(1).
فقد يقال: هذا نفي ضمني لعثمانيته في كل زمان، وكما أن سكوت عزرة بن قيس يكشف عن تراجعه عن اتهامه إياه بالعثمانية.
1) تاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 316 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 105.
ونجيب:
1 - إن الفقرة التالية للفقرة السابقة مباشرة تقول: «أما واللّه ما كتبت إليه كتاباً قط ولا أرسلت إليه رسولاً قط ولا وعدته نصرتي قط» (1).
فإن الانقطاع عن الإمام الحسين «علیه السلام» إلى هذا الحد يشير على أقل تقدير إلى أنه لم يكن من شيعته «علیه السلام». بل ولا من محبيه.. مع أنه أقدس رجل على وجه الأرض.
2 - لم يكن من الحكمة أن يجيب زهير عزرة بن قيس بغير ما أجابه به، فإنه أراد أن يفهمه أن المعيار هو الحال الحاضرة، وما يستند إليه في هذا الموقف، فعلى عزرة أن يبحث بحرص شديد عن سبب هذا التحول، ويقارن بينه وبين ما يستند إليه العثمانية في موقفهم.
3 - إن سكوت عزرة بن قيس إذا صح أن يجعل دليلاً على تراجعه عن اتهامه زهير بن القين بالعثمانية. فلماذا لا يجعل سكوت زهير عن نفي التهمة الموجهة إليه بالعثمانية دليلا على قبوله بالتهمة، واقراراً منه بها؟!
خامساً: قد يقال إن أقوال زهير وزوجته تكشف عن أنهما كانا يعرفان حق أهل البيت «علیهم السلام» فزهير مثلا يريد أن يفدي
1) تاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 316 وأعيان الشيعة ج 7 ص 71 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 106 وإبصار العين ص 164.
الحسين بنفسه ويقيه بروحه، ثم هو يروي حديث سلمان الفارسي ونحو ذلك. وهذا وأمثاله يشهد بأنه لم يكن عثمانياً.
ونجيب:
1 - إن الكثيرين من المنحرفين عن أهل البيت «علیهم السلام» كانوا على دراية بعشرات النصوص الدالة على فضلهم وعظمتهم، ومنزلتهم عند اللّه، بل إن كثيراً من الذين حاربوا عليا «علیه السلام» خصوصاً في حرب الجمل كانوا قد سمعوا من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وعاينوا من أفعاله «صلی اللّه علیه وآله»، ما يقطع كل عذر، ويسقط أي حجة ولكن الشيطان استحوذ عليهم، فأنساهم ذكر اللّه.
2 - إن الكلمات التي صدرت عن زهير وزوجته إنما صدرت عنهما بعد حدوث التبدل واتخاذ القرار الحاسم بالجهاد والاستشهاد بين يدي الحسين «علیه السلام». فلا تصلح دليلاً على نفي عثمانيته قبل ذلك.
ونستطيع أن نذكر الحر الرياحي كشاهد آخر على ما نقول، فإنه كان قائداً من قواد ابن زياد وقد جعجع بالإمام «علیه السلام»، ثم حصل التبدل، والتوبة والانقلاب، فاختلفت أقواله وأفعاله، وكان من الشهداء، ومن الأحرار السعداء.
1 - عن عبد اللّه بن سليمان والمنذر بن المشمعل الأسديين:
لمّا قضينا حَجَّنا، لم تَكُن لنا هِمَّة إلا اللحاق بالحُسَين «علیه السلام» في الطريق، لِنَنظُرَ ما يَكونُ مِن أمره، فأقبلنا تُرقِلُ بنا نياقنا مُسرعين حَتَّى لحقنا بزرودَ، فلمّا دَنَونا مِنهُ، إذا نَحْنُ بِرَجُلٍ مِن أهل الكوفة قد عَدَلَ عَن الطَّريق حينَ رَأى الحُسَينَ «علیه السلام»، فَوَقفَ الحُسَينُ «علیه السلام» كَأَنَّهُ يُريدُهُ، ثُمَّ تَرَكَهُ وَمَضَى.
ومَضَينا نَحوَهُ. فَقالَ أحَدُنا لِصاحِبِهِ : إِذهَب بنا إلى هذا لِنَسألهُ، فَإِنَّ عِندَهُ خَبَرَ الكوفة.
فَمَضَينا حَتَّى انتهينا إليهِ، فقلنا : السَّلامُ عَليكَ.
فقال : وعَليكُمُ السَّلامُ.
قلنا: مِمَّن الرَّجُلُ؟
قالَ: أَسَدِيٌّ.
قلنا: ونَحنُ أَسَدِيّان، فَمَن أَنتَ؟
قالَ: أَنَا بَكْرُ بنُ فُلان [عند البلاذري بكرُ بنُ المُعنِقَةِ بن رُودٍ]، [وفي بعض المصادر: المثعبة] وَانتَسَبنا لهُ، ثُمَّ قُلنا له: أخبرنا عَن النّاس وَرَاءَكَ.
قالَ: نَعَم، لم أخرُج مِنَ الكوفَةِ حَتَّى قُتِلَ مُسلِمُ بْنُ عَقِيلٍ، وَهَانِي بنُ عُروَةَ، ورأيتُهُما يُجَرّان بأرجلهما في السوق.
فأقبلنا حَتَّى لَحِقْنَا الحُسَينَ صَلَواتُ اللّه عَليهِ»، فَسَايَرناهُ حَتَّى نَزَلَ الثعلبيَّة مُمسياً، فجئناه حينَ نَزَلَ، فَسَلَّمنا عَليهِ فَرَدَّ عَلِينَا السَّلامَ، فقلنا لَهُ: رَحِمَكَ اللّه ! إِنَّ عِندَنا خَبَراً، إن شئت حَدَّثناكَ عَلانِيَةً، وإِن شئتَ
سراً.
فنَظرَ إلينا وإلى أصحابه، ثم قال: ما دون هؤلاء ستر.
فقلنا لهُ: رَأيتَ الرَّاكِبَ الَّذِي اسْتَقْبَلْتَهُ عَشِيَّ أَمس؟
قالَ: نَعَم، وقد أرَدتُ مَسألتَهُ.
فقلنا : قد وَاللّه استَبرَأنا لكَ خَبَرَهُ، وكَفَيناكَ مَسأَلْتَهُ، وهُوَ امْرُؤٌ مِنّا ذو رأي وصدق وعَقلِ وإِنَّهُ حَدَّثنا أَنَّهُ لم يَخرُج مِنَ الكوفَةِ حَتَّى قُتِلَ مُسلِمٌ وهانِيِّ، ورَآهُما يُجَرّان فِي السّوق بأرجُلِهما.
[في الفتوح: حَتى نَظرتُ مُسلِمَ بنَ عَقِيلٍ وهاني بن عُرِوَةَ المَدْحِجِيَّ - رَحِمَهُمَا اللّه - قتيلين، مصلوبين مُنَكَسَين، في سوق القصابين، وقد وُجِّهَ بِرَأسَيهما إلى يَزِيدَ بن مُعاوِيَة.
قالَ: فَاستَعبَرَ الحُسَينُ «علیه السلام» باكِياً، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّا للّه وَ إِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ»].
فقالَ: «إِنَّا للّه وَ إِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ»، رَحمَهُ اللّه عَلَيهِما ! يُكَبِّرُ ذَلِكَ مراراً.
فَقُلْنا لَهُ: نَنشُدُكَ اللّه في نَفسِكَ وأهل بيتِكَ، إلا انصَرَفتَ مِن مَكَانِكَ هذا، فَإِنَّهُ ليسَ لكَ بالكوفة ناصِرٌ ولا شيعَةٌ بَل نَتَخَوَّفُ أَن يَكونوا عَليكَ.
فَنَظرَ إلى بَني عَقِيلٍ، فقال: ما تَرَونَ؟ فَقَد قُتِلَ مُسلِمٌ؟
فقالوا : وَاللّه لا نَرجِعُ حَتَّى نُصيب ثأرنا، أو نَذوقَ ما ذاق.
فَأَقْبَلَ عَلِينَا الحُسَينُ «علیه السلام» وقال: لا خَيْرَ فِي العَيشِ بَعدَ هؤلاء
فَعَلِمنا أنَّهُ قد عَزَمَ رَأيَهُ عَلى المَسير، فقلنا له: خارَ اللّه لَكَ!
فَقالَ: رَحِمَكُمَا اللّه.
فقالَ لهُ أصحابُهُ : إِنَّكَ وَاللّه ما أَنتَ مِثْلَ مُسلِم بن عَقِيلٍ، ولو قدِمت الكوفة لكانَ النّاسُ إِليكَ أَسْرَعَ.
فَسَكَتَ، ثُمَّ انتَظرَ حَتَّى إذا كانَ السَّحَرُ قَالَ لِفِتيانِهِ وغِلمانه: أكثروا مِنَ الماءِ فاستَقوا وأكثروا ثمَّ ارتحلوا، فسار حَتَّى انتهى إلى زبالة (1).
ويظهر من الأخبار الطوال وغيره: أن الإمام الحسين «عليه
1) الإرشاد ج 2 ص 73 - 75 وراجع: الأخبار الطوال ص 247 وأنساب الأشراف ج 3 ص 379 والطبقات الكبرى الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 463 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 345 - 347 وروضة الواعظين ص 197 وبحار الأنوار ج 44 ص 372 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 223 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 397 و (ط الأعلمي) ج 4 ص299 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 215 وراجع إعلام الورى ج 1 ص 447 والكامل في التاريخ ج 4 ص 42 ومقاتل الطالبيين ص111 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 64 ولواعج الأشجان ص84 والفوائد الرجالية ج 4 ص 30 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 182 وأعيان الشيعة ج 1 ص 595 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 75 والدر النظيم ص 548 والمجالس الفاخرة ص 221.
السلام» هو الذي كلم ذلك الأسدي مباشرة، وأنه لما أخبره عن مسلم وهاني استرجع، وقال : «وعِندَ اللّه نَحْتَسِبُ أَنفُسَنا» (1).
وفي مقاتل الطالبيين: إن الحسين «علیه السلام» التقى برجلين أسديين في بعض الطريق، فأخبراه بقتل مسلم بن عقيل وأصحابه، فاسترجع.
وقال بنو عقيل : لا نرجعُ وَاللّه أبَداً، حتى نُدرك ثأرنا، أو تقتَل بأجمَعِنا.
فقالَ «علیه السلام» لِمَن كانَ لَحِقَ بِهِ مِنَ الأَعراب: مَن كانَ مِنكُم يُريدُ الإنصرافَ عَنّا فَهُوَ فِي حِلٌّ مِن بَيعَتِنا.
فَانصَرَفوا عَنهُ.
ثم ذكر لقاءه «علیه السلام» بالحر (2).
2 - كما أن إياسَ بنَ العَيْلِ الطَّائِيَّ، الذي أرسله مُحَمَّدُ بنُ الْأَشْعَتْ إِلَى الحسين «علیه السلام» بطلب من مُسْلِمٍ بنُ عَقِيلٍ. قد لقي الحُسَين بزبالة، لِأربع ليالٍ، فَأَخبَرَهُ الخَبَرَ، وَبَلَغَهُ الرِّسالة.
فَقالَ لَهُ حُسينٌ «علیه السلام»: كُلُّ ما حُمَّ نازِلٌ، وَعِندَ اللّه نَحْتَسِبُ
أَنفُسَنا، وفسادَ أُمَّتِنا (1).
3 - وقال الدينوري: وقد كانَ مُسلِمٌ سَألَ مُحَمَّدَ بنَ الأَشْعَثِ ذَلِكَ (أي إخبار الحسين بما جرى عليه في الكوفة). فلمّا قرأ الكِتابَ اسْتَيْقَنَ بصحةِ الخَبَر، وأفظعة قتلُ مُسلِم بن عَقِيلٍ وهانئ بن عُروَةَ، ثُمَّ أَخْبَرَهُ الرَّسولُ يقتل قيس بن مُسهر، رَسولِهِ الَّذي وَجَّهَهُ مِن بَطْن الرِّمَّةِ.
وقد كانَ صَحِبَهُ قومٌ مِن مَنازل الطريق، فلمّا سَمِعوا خَبَرَ مُسلِمٍ - وقد كانوا ظنّوا أَنَّهُ يَقدَمُ عَلى أنصار وعَصْدٍ - تَفَرَّقوا عَنهُ، ولم يَبقَ مَعَهُ إِلَّا خاصته (2)
4 - وفي نص آخر فقالَ حُسَينٌ «علیه السلام» لأصحابه: قد تَرَونَ ما يَأْتينا، وما أرى القوم إلا سَيَخذُلونَنا؛ فَمَن أَحَبَّ أَن يَرجِعَ فليرجع.
فَانصَرَفَ عَنهُ مَن صاروا إليه في طريقِهِ، وبَقِيَ فِي أَصحابِهِ الَّذِينَ خَرَجوا مَعَهُ مِن مَكَة، ونُفير قليلٍ مِن صَحبهِ فِي الطريق، فَكانَت خَيلُهُمُ اثنين وثلاثينَ فَرَسا (3).
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 374 و (ط الأعلمي) ج4 ص 281 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 211 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 51.
2) الأخبار الطوال ص 247 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج6 ص 2621 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 348 و 349 عنهما، وعن المحن ص 146.
3) الطبقات الكبرى الطبقة الخامسة من الصحابة ج 1 ص 463 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 68 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 11.
وفي تاريخ اليعقوبي: بَلغَ الحُسَين الخَبَرُ يقتل مُسلم بن عقيل وهو في القطقطانَة (1).
وعند المسعودي: أَنَّ الحُرُّ بنُ يَزِيدَ التَّمِيمِيُّ، لَقِيَ الحُسَين «عليه السلام» في القادسية، فعَرَّفهُ بقتل مُسلِمٍ، وما كانَ مِن خَبَرِهِ (2).
5 - وقال ابن طاووس:
قالَ الرّاوي: وَارتَجَّ المَوضِعُ بالبُكاءِ وَالعَويل لقتل مُسلِم بن عَقِيلٍ، وسالتِ الدُّموعُ عَليهِ كُلَّ مَسيل.
إنَّ الحُسَينَ «علیه السلام» سارَ قاصداً لِما دَعاهُ اللّه إِلَيهِ، فَلَقِيَهُ الفَرَزْدَقُ، فَسَلَّمَ عَليهِ وقَالَ: يَا ابنَ رَسول اللّه كَيْفَ تَركَنُ إلى أهل الكوفة، وهُمُ الَّذينَ قَتَلُوا ابنَ عَمِّكَ مُسلِمَ بنَ عَقِيلٍ وشِيعَتَهُ؟
قالَ: فَاستَعبَرَ الْحُسَينُ «علیه السلام» باكِياً، ثُمَّ قَالَ: رَحِمَ اللّه مُسلِماً !
1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 243.
2) مروج الذهب ج 3 ص 70 و (منشورات دار الهجرة ايران) ج3 ص 60 وتذكرة الخواص ج 2 ص 149 وراجع: تاريخ الأمم والملوك جه ص 389 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 292 وتهذيب الكمال ج 1 ص 427 والإصابة (ط دار الكتب العلمية) ج 2 ص 71 وتهذيب التهذيب ج 2 ص 304 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 214 وأعيان الشيعة ج 4 ص 612 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص520 وج 33 ص 685 والصواعق المحرقة ص 196.
فلقد صارَ إلى روح اللّه وريحانِهِ، وتَحِيَّتِهِ ورضوانِهِ، أَما إِنَّهُ قد قضى ما عَليهِ وبَقِيَ مَا عَلَينا. ثُمَّ أَنشَأَ يَقُولُ:
فإن تَكُن الدُّنيا تُعَدُّ نفيسة***فإنَّ ثواب اللّه أعلى وأنبَل
وإن تَكُن الأبدانُ لِلمَوتِ***فقتلُ امرئ بالسيفِ فِي اللّه
وإن تَكُن الأرزاق قسما***فقلّة حرص المرء في السَّعي
وإن تَكُن الأموالُ لِلتَّركِ جَمعُها***فما بالُ مَتروك بهِ المَرعُ
يَبْخَلُ (1)
6 - بكر بن مصعب المزني:
كانَ الحُسَينُ «علیه السلام» لا يَمُرُّ بأهل ماءٍ إِلَّا اتَّبَعُوهُ، حَتَّى إِذَا انتَهى إلى زبالة، سَقط إليهِ مَقتَلُ أخيهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ؛ مَقْتَلُ عَبدِ اللّه بن بقطر، وكانَ سَرَّحَهُ إِلى مُسلِمٍ بن عَقِيلٍ مِنَ الطَّريق، وهُوَ لا يَدري أَنَّهُ
1) الملهوف ص 134 و (نشر أنوار الهدى) ص 45 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 350 و 351 وكشف الغمة ج 2 ص 238 وبحار الأنوار ج 44 ص 374 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 224 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 223 ومطالب السؤول ص 73 و بتحقيق ماجد ابن أحمد (العطية ص 390 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 773 ومثير الأحزان ص 45 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 32 وأعيان الشيعة ج 1 ص 595 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 71 وراجع مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 245.
قد أصيب..
قال هشام.. فأتى ذلِكَ الْخَبَرُ حُسَينا «علیه السلام» وهُوَ بزبالة، فَأَخرَجَ لِلنّاس كِتاباً، فقرأ عليهم :
بسمِ اللّه الرَّحمنِ الرَّحيم
أَما بَعدُ، فَإِنَّهُ قد أتانا خَبَرٌ فَظِيعٌ ؛ قتلُ مُسلِمٍ بن عَقِيلٍ، وهانئ بن عُروَةَ، وَعَبْدِ اللّه بن بقطر. وقد خذلتنا شيعَثنا؛ فَمَن أَحَبَّ مِنكُمُ الانصراف فلينصرف، ليسَ عَليهِ مِنّا ذِمَامٌ.
قالَ: فَتَفَرَّقَ النَّاسُ عَنهُ تَفَرُّقا، فأخذوا يميناً وشمالاً، حَتَّى بَقِيَ في أصحابه الذين جاؤوا مَعَهُ مِنَ المَدِينَةِ.
[زاد في الإرشاد : ونَفْر يَسير مِمَّن انضَوَوا إليهِ].
وإِنَّما فَعَلَ ذلِكَ لِأَنَّهُ ظَنَّ [في الإرشاد: عَلِمَ] أَنَّمَا اتَّبَعَهُ الأعرابُ؛ لِأَنَّهُم ظنّوا أنَّهُ يَأْتي بلداً قدِ استَقامَت له طاعَةُ أهْلِهِ، فَكَرِهَ أن يَسيروا مَعَهُ إِلا وهُم يَعلَمونَ عَلامَ يَقدَمونَ، وقد عَلِمَ أنَّهُم إِذا بَيَّنَ لَهُم لَم يَصحَبَهُ إلا مَن يُريدُ مُواساتَهُ، وَالمَوتَ مَعَهُ (1).
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 398 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 300 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 352 و 353 وأنساب الأشراف ج3 ص 379 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 168 والكامل في التاريخ ج4 ص43 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 229 وراجع: البداية والنهاية ج 8 ص 169 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 182 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 75 وروضة الواعظين ص 197 وإعلام الورى ج 1 ص 447 وفيه : الثعلبية بدل زبالة، وبحار الأنوار ج 44 ص 374 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 78.
7 - قال الخوارزمي :
سارَ الحُسَينُ «علیه السلام» حَتَّى انتهى إلى زُبالة، فَوَرَدَ عَلَيهِ هُناكَ مَقتَلُ أَخِيهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ عَبدِ اللّه بن يَقطر. وكان قد تَبِعَ الْحُسَينَ «علیه السلام» خَلْقَ كَثِيرٌ مِنَ المِياهِ التي يَمُرُّ بها؛ لِأَنَّهُم كانوا يَظُنُّونَ استقامة الأمور له «علیه السلام»، فلمّا صارَ بزبالة قام فيهم خَطيباً، فقال:
ألا إِنَّ أهلَ الكوفة وثبوا عَلَى مُسلِمٍ بن عَقِيلٍ وهاني بن عُروَةَ فقتَلوهُما، وقتلوا أخي مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَمَن أحَبَّ مِنكُم أَن يَنصَرِفَ فليَنصَرف مِن غَير حَرَج، وليسَ عَلَيهِ مِنَّا ذِمَامٌ.
فَتَفَرَّقَ النّاسُ وأَخَذوا يمينا وشمالاً، حَتَّى بَقِيَ فِي أَصحابِهِ الَّذِينَ جاؤوا مَعَهُ مِن مَكَة، وإنَّما أرادَ َألا يَصحَبَهُ إنسانٌ إِلَّا عَلى بَصِيرَةٍ (1).
وقد ذكرنا في بعض الفصول السابقة: أن عبد اللّه بن يقطر «رحمه «اللّه» قد أخذ - من قبل مالك بن يربوع التميمي، أو عبد اللّه بن يربوع التميمي - وهو يحاول التسلل من الكوفة ليوصل رسالة إلى الإمام الحسين «علیه السلام» تطلب منه التعجيل بالقدوم، فأتى به إلى عبيد اللّه بن زياد فاطلع على الرسالة، ثم دعا به وسأله عمن دفع إليه الكتاب،
1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 229 وأنساب الأشراف ج 3 ص 379.
فقال : دَفَعَهُ إِليَّ امرأة لا أعرفها.
فخیره ابن زیاد بين إخباره بصاحب الكتاب وبين القتل.
ققالَ: أَمَّا الكِتابَ فإنّي لا أخبرُكَ مَن دَفَعَهُ إليَّ، وأمّا القتل فإنّي لا أَكْرَهُهُ، فإنّي لا أعلمُ قتيلا عِندَ اللّه أعظمَ مِمَّن يَقتُلَهُ مِثْلُكَ.
قالَ: فَأَمَرَ عُبَيدُ اللّه بنُ زِيادٍ بِضَرب عُنْقِهِ، فَضُرِبَت رَقبَتُهُ صَبراً (1).
وفي نصوص أخرى تقدمت: أنه ألقي من فوق القصر.. فراجع (2).
ونقول:
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 44 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 203.
2) بحار الأنوار ج 44 ص 199 وروضة الواعظين ص 177 وخاتمة المستدرك ج8 ص 181 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 232 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 333 ولواعج الأشجان ص 85 ورجال الطوسي ص 103 ورجال ابن داود ص 125 وأنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج3 ص168 ص103 ج 3 ص 168 وتاريخ الكوفة ص 103 و 322 وإعلام الورى ج 1 ص 446 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 77 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 676 والثقات لابن حبان ج 2 ص 310 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 300 والكامل في التاريخ ج4 ص 42 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 182 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 78 ونهاية الأرب ج 20 ص 414.
لاحظ الأمور التالية :
إن الثعلبية التي قد تقدم ذكرها: هي منزل بين مكة والمدينة. وهي للآتي من الكوفة تقع بعد الشقوق، وقبل الخزيمية، وهي ثلثا الطريق (1).
لا حاجة إلى التذكير بما قدمناه في هذا الكتاب، من أنه ليس للحسين «علیه السلام» أخ من الرضاعة لا ابن يقطر، ولا غيره
ولعل سبب هذا الوهم: أن أم عبد اللّه بن يقطر كانت تكثر التردد على بيت الزهراء «علیها السلام»، وكانت هذه المرأة قد ولدت عبد اللّه، ثم ولدت الزهراء «علیها السلام» الحسين «صلوات اللّه عليه»، فكانت هذه المرأة تهتم بالحسين «علیه السلام».. فظن بعض الناس أنها كانت ترضعه بلبن ولدها عبد اللّه «رحمه اللّه».
رأينا: أن ابن المشمعل، وعبد اللّه بن سليمان يبذلان جهداً كبيراً المعرفة ما يؤول إليه أمر الحسين «علیه السلام»، فهما بعد انقضاء حجهما يسرعان في العودة بهدف اللحاق بالحسين «علیه السلام» ليراقبا ما يجري عن قرب.
1) معجم البلدان ج 2 ص 78.
وهذا أمر طبيعي، ويتوقع صدوره ممن يعرف أقدار الرجال، لاسيما الإلهيين منهم.. فهو يريد أن يعرف ما يكون من أمرهم، ليحدد المسؤوليات التى عليه أن يتحملها، وينهض بها.
ولكن ليس من الطبيعي أن يكون الفضول، ومجرد العبث والتلهي هو الداعي لبذل هذا الجهد، لأن ثمن هذا الفضول سيكون كبيراً وخطيرا عليه في الدنيا والآخرة، حيث إن معرفته التفصيلية هذه ستكون حجة عليه، قاطعة لعذره، وسيطالب يوم القيامة بالأعمال والمواقف التي اقتضتها هذه المعرفة.. وكان قد ضيعها انسياقا مع أهوائه، وانقياداً لرغائبه.
وهذان الرجلان قد عرفا بمسير الحسين «علیه السلام»، وبأهدافه، وبما يواجهه «علیه السلام» من اضطهاد ظالم، وما يدعو إليه، ويطالب.به وشاركا في بعض الأنشطة كما ذكرته الرواية المتقدمة. ولكنهما فشلا في اتخاذ القرار بنصرته «علیه السلام».
ولم نجد في النصوص التي بين أيدينا: أنه «علیه السلام» قد طلب منهما نصرته فهل طلب ذلك منهما وأهمل التاريخ ذكر هذا الطلب؟ ! أو أنه «علیه السلام» اكتفى بإقامة الحجة عليهما، ولم يشأ أن يطلب منهما طلباً يعرف أنهما سير فضانه كما دلت عليه كلماتهما ؟!
إنهما بالرغم من معرفتهما بما جرى على مسلم، وسماعهما من الحسين «علیه السلام»: أنه لن يتراجع عن متابعة القيام بواجبه، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمطالبة بالحقوق الضائعة
ورؤيتهما أنه «علیه السلام» في ثلة قليلة، ويحتاج إلى الناصر، - بالرغم من ذلك كله - فإنهما قالا للحسين «علیه السلام»: خار اللّه لك. ولم يعرضا عليه نصراً، ولا أظهرا استعداداً للتفكير بأي نوع من أنواع العون والتأييد، لا من قريب ولا من بعيد..
وهذا خذلان إلهى لهما، ودليل على ضعف إيمانهما، وشدة تعلقهما بهذه الدنيا الفانية.
إن للناس أموراً يحبون إخفاءها عن الآخرين. إما لأنهم يرون أن إظهارها إساءة لهم، وتصغيراً لشأنهم، وربما تجلب لهم مذمة وعاراً، أو لأن في إظهارها تفويتاً لمصالحهم، وإفساداً لبعض أمورهم، أو إبطالاً لتدبير دبروه، وخطة وضعوها، أو غير ذلك..
ولكن هذا لا ينسحب على جميع الناس. فإن الأنبياء وأوصياءهم مثلاً لا يرون أن فى حياتهم وتعاملاتهم الشخصية شيئاً يستحق أن يكتم، لأنهم لا يفعلون ما ينقص قدرهم، ويجلب المهانة، أو الملامة، أو العار لهم، ولا يسعون إلى الحصول على المنافع الدنيوية بالطرق الملتوية. ولأجل ذلك نجد أمير المؤمنين يقول للناس : إنه يتعهد لهم بما يوجب المزيد من ثقتهم، وستجلاب محبتهم: إن لكم عليَّ أن لا أخفي (أحتجز) عنكم سراً إلا في حرب» (1).
1) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج3 ص79 والأمالي للطوسي ج1 ص221 و (ط دار الثقافة - قم) ص 217 وصفين للمنقري ص 107 وبحار الأنوار ج 33 ص 76 و 469 وج 72 ص 354 وميزان الحكمة ج 1 ص 124 وأعيان الشيعة ج 1 ص 463 والمعيار والموازنة ص 104 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 17 ص 16.
وإنما استثنى «علیه السلام» الأسرار الحربية، لأن ضرر إفشائها لا يقتصر علىه، بل يطال عامة الناس في أرواحهم، وفي مصالحهم.
والخلاصة : أن الأنبياء والأوصياء، والأبرار لا يفعلون ما يخجلون منه أو ما ينقص من قدرهم فلا مبرر للتكتم على أي فعل من أفعالهم واعتباره سراً لا بد من إخفائه.
ولأجل ذلك نلاحظ: أنه «علیه السلام» يقول عن أصحابه: «ما دون هؤلاء سر» أو ستر، لأنه يريد أن يظهر مدى ثقته بأصحابه، ويبين للناس مكانتهم، لاسيما «صلی اللّه علیه وآله» انهم سيكونون أوفى وأبر أصحاب له.
وتقدم في رواية عبد اللّه بن سليمان، ورواية ابن المُشمَعِلٌ: أن ذلك الأسدي أخبرهما: بقتل مسلم وهاني، ورآهما يجران في السوق بأرجلهما.
لكن رواية أخرى ذكرها ابن أعثم تقول : إنه رأى مسلماً وهانيا «رحمهما اللّه» قتيلين مصلوبين منكسين في سوق القصابين. وقد وجه برأسيهما إلى يزيد.
فبأي الروايتين نأخذ؟!
ونجيب:
بأن هذا الإختلاف لا يصل إلى حد التكاذب، ولا يسقط احتمال أن تكونا حادثتين منفصلتين، بأن يكون «علیه السلام» قد التقى بالأسديين مباشرة، فأخبراه بما يجري في الكوفة، كما أنه قد التقى أيضاً بابن المُشمَعِل ورفيقه، فأخبراه بما قاله لهما ذلك الأسدي الذي عدل عن الطريق، حين رأى الحسين «علیه السلام»..
ويلاحظ: أنهما ذكرا أنهما قد أخذا الخبر من ذلك الرجل في زرود، ولكنهما لم يبلغاه إلى الحسين «علیه السلام» إلا في الثعلبية.
وتقدم: أن الحسين «علیه السلام» حين بلغه خبر مقتل مسلم وهاني استعبر باكياً، وأنه استرجع، وترحم عليهما، وكرر ذلك مراراً.
ونقول:
إن بكاء الإمام «علیه السلام» على الشهداء أمر طبيعي، تقضي به المشاعر الإنسانية الصادقة.
ولا يصح اعتبار هذا البكاء دليل ضعف في عزيمته، ووهن في تصميمه واختلال في يقينه، أو فى توازن شخصيته بل هو دليل كماله الإنساني، وسلامة تكوينه المشاعري والنفسي والروحي، ولا ربط لهذا البكاء في قراره، ولا في شكه ويقينه، ولا عزيمته وتصميمه.
وقد بكى يعقوب ولده حتى ابيضت عيناه من الحزن، وبكى النبي
«صلی اللّه علیه وآله» لقتل حمزة وجعفر ولكنه - أعني النبي «صلی اللّه علیه وآله»، وكذلك الحسين «علیه السلام» - لم يهن في عزيمته، ولم ينكل عن عدوه، برغم كل المشاهد المفجعة التي مرت به، والتي عاينها في صحبه وأهل بيته وأبنائه وإخوته بل كان «علیه السلام» يزداد صلابة، وعزمه قوة، ويرسخ يقينه بحقانية موقفه، وسلامة مساره.
وتذكر الرواية المتقدمة عن عبد اللّه بن سليمان والمنذر بن المُشمَعِلٌ : أنه حين أشير على الإمام «علیه السلام» بالإنصراف عن مواصلة سيره نحو الكوفة لعدم وجود ناصر له فيها، ولا شيعة.. نظر إلى بني عقيل، وقال ما ترون؟! فقد قتل مسلم..
فقالوا: واللّه لا نرجع حتى نصيب ثأرنا، أو نذوق ما ذاق..
فقال «علیه السلام»: لا خير في العيش بعد هؤلاء.
ونقول:
هناك أسئلة عديدة تحتاج إلى جواب، ونذكر منها ما يلي:
هل يعقل أن يكون الإمام الحسين «علیه السلام» قد جعل قرار الحرب بيد أبناء عقيل ؟!
وهل كان قتل الحسين «علیه السلام» في حرب ثأرية لقتل مسلم بن عقيل وليس هدفها نصرة الحق والدين وطلب الإصلاح في الأمة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟!
وماذا لو قال لنا أهل الأهواء : إذا كانت كتب أهل الكوفة إليه «علیه السلام» قد جعلته ملزماً بإجابة دعوتهم، فإن قتل مسلم بمشاركة منهم، ونكث العهودهم، قد أسقطت هذا الحق، وأصبح في حل من هذا الأمر، ولم يعد ملزماً بدخول الكوفة، ولا بمواصلة المسير، فلماذا واصل مسيره بإصرار بعد أن رفض أبناء عقيل الرجوع، وأصروا على طلب ثأرهم. وانضم هو إليهم حين قال: لا خير في العيش بعد هؤلاء؟!
وقد صرح في بعض المصادر: بأن ابن زياد قد بعث جيشاً بقيادة عمرو بن سعيد، وقد جاء الحسين الخبر، فهم أن يرجع، ومعه خمسة من بني عقيل، فقالوا له أترجع وقد قتل أخونا؟!
فقال لبعض أصحابه: واللّه ما لي عن هؤلاء من صبر (1).
وفي رواية ذكرها الطبري: أن الحر بن يزيد التميمي لقي الحسين قبل القادسية بثلاثة أميال، فسأله عن مقصده، ثم قال له: ارجع، فإني لم أدع لك خلفي خيرا أرجوه.
فهمَّ أن يرجع، فقال أخوة مسلم: لا نرجع الخ..(2).
1) الإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 2 ص 5 و (تحقيق الشيري) ج 2 ص 10 والعقد الفريد ج 4 ص 335 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 268.
2) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 389 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 292 وتهذيب الكمال ج 6 ص 427 وتهذيب التهذيب ج 2 ص 304 ومروج الذهب ج3 6 ص 60 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج8 ص 214 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 520.
ونجيب بما يلي:
أولاً: لا عبرة بالمنقول آنفاً عن ابن قتيبة، وابن عبد ربه، فقد ظهر التصحيف والغلط في كلام ابن قتيبة، حيث ذكر أن الجيش الذي أرسله ابن زياد كان بقيادة عمرو بن سعيد، أعني الأشدق، والأشدق إنما كان والياً على مكة والمدينة، ولم يتول من قبل عبيد اللّه بن زياد جيشاً عراقياً لقتال الحسين «علیه السلام».
وهذا يدل على وقوع التصحيف في المورد، وأن المعني بالكلام هو عمر بن سعد، كما ذكره ابن عبد ربه، لا عمرو بن سعيد.
ثانياً : إن هذه الرواية تدعي أن هذا الموقف الذي سجله أبناء عقيل قد حصل بعد تجهيز ابن زياد جيشاً لقتال الحسين عليه السلام» بإمرة عمر بن سعد مع أن إعداد الجيش وتأمير عمر بن سعد عليه قد تأخر عن وصول خبر مقتل مسلم إلى الحسين في زرود، أو في الثعلبية، أو في شراف (1).
بل في النصوص: أن ابن زياد قد أمر ابن سعد على الجيش في اليوم الثالث والرابع من شهر محرم، لأن الحسين نزل بكربلاء في الثاني من محرم، ثم كتب الحر إلى ابن زياد يخبره بنزول الحسين «علیه السلام» في كربلاء، فكتب ابن زياد إلى الحسين كتاباً لم يجبه
1) شراف: ماء بنجد بين واقصة والقرعاء، على ثمانية أميال من الأحساء (معجم البلدان ج 3 ص 331).
الإمام عليه، فغضب ابن زياد أشد الغضب، ثم جمع أصحابه، فقال: من منكم يتولى قتل الحسين بن علي وله ولاية أي بلد شاء؟!
فلم يجبه أحد بشيء. فالتفت إلى عمر بن سعد الخ..
ثم ذكر ما جرى بينهما، فكانت النتيجة هي تولية عمر بن سعد هذا الأمر (1).
فظهر: أن الجيش الذي واجه الحسين قبل وصوله إلى كربلاء هو جيش الحر، لأن ابن زياد أرسله في ألف فارس ليمنعوا الحسين «علیه السلام» من دخول الكوفة إلا وهو فى قبضته، ثم يسلمه إلى ابن زیاد..
وقد التقى الحسين «علیه السلام» الحر هذا بشراف، أو بعدها (2)..
1) راجع: الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 85 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص 239 وراجع: مدينة المعاجز ج 4 ص 63 وبحار الأنوار ج 44 ص 305 و 306 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 593.
2) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 400 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 302 وتجارب الأمم ج 2 ص 61 وإبصار العين ص 204 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 76 ص4 وبحار الأنوار ج 44 ص 375 والعوالم، الإمام الحسين ج17 ص 225 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 335 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 81 ونهاية الأرب ج 20 ص 416 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 654.
وإنما التقى الحسين «علیه السلام» بجيش عمر بن سعد بعد أن نزل الحسين «علیه السلام» كربلاء، كما قلنا.
ثالثاً : إذا كان الحسين «علیه السلام» حين سمع بالجيش الذي يقوده ابن سعد قد أراد الرجوع، فلماذا كان يأبى الأخذ بنصائح العشرات، استناداً إلى أنه يخرج إلى العراق إلى مصرع اختير له، وهو لاقيه؟! وما معنى إعطاءه تراباً من كربلاء إلى أم سلمة، لتحتفظ به، حتى إذا فاض دما، فلتعلم أنه قد استشهد ؟! ولماذا ؟! ولماذا ؟!
رابعاً: ليس الغرض من طرح هذا السؤال على أبناء عقيل «رحمهم اللّه» هو إيكال الأمور إليهم، أو جعل القرار بيدهم، بل الغرض منه إظهار أن استشهاد سيدهم مسلم لم يفت في عضدهم، ولا أضعف عزيمتهم، بل زادهم قوة واندفاعا، وحرصاً على متابعة المسيرة الهادفة إلى الإصلاح في الأمة، وإعلاء كلمة الحق، ونصرة أهله.
فكأنه «علیه السلام» أراد منهم أن يعبّروا عما في قلبه، وأن يبوحوا بما في صدره. فإذا كان أولئك الفتية لديهم هذه الحماسة لنصرة دينهم، فهل من المعقول: أن يكون سيدهم وقائدهم متردداً في هذا الأمر؟! وهو المنصوص عليه بالإمامة، والمطالب بحفظه وصيانته من أي تزييف أو تحريف.
خامساً: إن قتل مسلم وهاني، وقيس بن مسهر، وابن يقطر وسواهم كان الدليل القاطع، والبرهان الساطع على ضرورة مواصلة طلب الإصلاح في الأمة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولا
يصح جعله ذريعة للتخاذل والانهزام والتخلي عن واجب الإصلاح الذي هو من أعظم الواجبات، وأفضل القربات.
خصوصاً، وأن مسلماً لم يقترف ذنباً، وإنما مارس حقه الشرعي والإنساني، والأخلاقي ولم يتجاوز أياً من الحدود الشرعية والأخلاقية، أو التعاليم أو العهود المرعية، أو المناهج المرضية، والتي هي أساس التعامل في المجتمعات الإنسانية.
أضف إلى ذلك أن خلافة يزيد ليست شرعية، للأسباب التي ذكرها الإمام الحسين «علیه السلام» حين قال: «إنَّا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، ومهبط الوحي والتنزيل، بنا فتح اللّه وبنا يختم ويزيد رجل فاسق فاجر، شارب للخمر، قاتل للنفس المحترمة، معلن بالفسق الخ..».
ولأن أباه قد أعطى عهداً، وشرط على نفسه شرطاً مدونا ومكتوباً: أن لا يعهد لأحد بل يكون الأمر بعده للحسن ثم للحسين «علیهما السلام».
فالأمر للحسين «علیه السلام» فقط دون سواه، ويزيد وأبوه متمردان على صاحب الحق، ظالمان له بنكثهما بالعهد، ورفضهما الوفاء بالشرط.
يضاف إلى هذا وذاك: النص النبوي على إمامة الحسنين «عليهما السلام».
ولو قيل: إن ذنب مسلم والحسين وغيرهما : أنهم لم يبايعوا
ليزيد.
فإنه يجاب: بأننا لم نجد ما يدل على معاقبة من لم يبايع بالقتل حتى لو كانت البيعة الإمام عادل، منصوص عليه من اللّه ورسوله، فكيف إذا كان فاسقا، شارباً للخمر، قاتلا للنفس المحترمة، معلنا بالفسق، كما هو حال يزيد..
وإذا رجعنا إلى التاريخ، فكلنا يعلم: أن أكثر الصحابة قد نكثوا بيعة الغدير التي أعطوها لعلي بأمر من النبي «صلی اللّه علیه وآله»، وتحت سمعه وبصره، ولم يقاتلهم علي «علیه السلام»، بل هم الذين اعتدوا عليه..
كما أن عليا «علیه السلام» لم يعاقب الذين امتنعوا عن بيعته بعد قتل عثمان، ولم يجبرهم عليها. ولكنه حين حورب قطع العطاء عمن لم يشارك في الحرب، ومنهم بعض من امتنعوا عن بيعته. كما أن بعض من امتنع عن بيعته «علیه السلام» لم يرض بالعطاء حين ساوی «علیه السلام» في العطاء، بين العرب وغيرهم، كما كان يصنع رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».
مع أن الإمام عليا «علیه السلام» هو الإمام الحق، المنصوص عليه من اللّه ورسوله.. وقد بايعه أهل الحل والعقد بعد إلحاح شديد منهم عليه بقبول هذا الأمر..
فكان يحق لمسلم بن عقيل ولغيره : أن لا يبايع ليزيد، لاسيما وأنه المتغلب الغاصب، الذي لا يملك المؤهلات لهذا المقام..
ويحق لمسلم أن يقيم علاقات مع الناس، ويأخذ منهم العهود على نصرة الحق والدين وطلب الإصلاح في الأمة، من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..
فلماذا يقتل، ثم يرسل برأسه من العراق إلى الشام، ثم يجر جسده وجسد هاني في أسواق الكوفة، ثم يصلب منكساً، وما إلى ذلك؟!
إن قتل مسلم وهو الرجل العالم الفاضل والعابد الزاهد، قد حتم على الحسين «علیه السلام» مواصلة مسيرة الإصلاح في الأمة.
وأكد وجوبها، بل وأصبح وجوبها كالنار على المنار، وكالشمس في رائعة النهار.
وقد أوكل «علیه السلام» الكلام إلى أبناء عقيل ليدل سائله على مدى وضوح هذا الأمر لهم، وأنه غير قابل للأخذ والرد..
ونجيب عن سؤال: هل كان الحسين «علیه السلام» في حرب ثأرية لقتل مسلم بن عقيل الخ... بأن الثأر لمسلم - كما قاله بعض الإخوة الأكارم - من حيث هو رسول الحسين إلى أهل الكوفة، وطليعة عسكره، والمقتول في القيام بما أوكل إليه الإمام من مهمة في سياق الهدف الذي خرج الحسين «علیه السلام» من أجله.. - إن الثأر له من هذه الحيثية - هو ثأر للّه ولرسوله وللدين.
ويقول البعض : وقد جاء الحسين الخبر (أي خبر استشهاد مسلم، وسائر ما جرى في الكوفة)، فهمّ بأن يرجع، ومعه خمسة من بني
عقيل، فقالوا له: أترجع وقد قتل أخونا، وقد جاءك من الكتب ما نثق به؟
فقال الحسين «علیه السلام» لبعض أصحابه: «واللّه ما لي عن هؤلاء من صَبر (1).
ويذكر الطبري: أنه لما التقى الحسين «علیه السلام» الحر بن يَزِيدَ التميمي، فقال له: أين تريد؟
قالَ: أريد هذا المصر (أي الكوفة).
قالَ :له ارجع، فإني لم أدع لك خلفي خيراً أرجوه.
فهمَّ أن يرجع، وَكَانَ مَعَهُ إخوة مسلم بن عقيل، فقالوا: واللّه لا نرجع حتى نصيب بثأرنا أو نقتل.
فقالَ: لا خير في الحياة بعدكم (2).
ونقول:
إن هذا الكلام غير صحيح، لما يلي:
1) الإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 2 ص 5 و (تحقيق الشيري) ج 2 ص 11 وجواهر المطالب ج 2 ص 268 وراجع: العقد الفريد ج 4 ص 235.
2) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 389 و (ط الأعلمي) ج 4 ص292 وتهذيب الكمال ج 6 ص 427 وتهذيب التهذيب ج 2 ص 304 ومروج الذهب ج 3ص 60 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 214 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 520.
أولاً: إن هذين النصين لم يذكرا لنا تصريحاً صدر عن الحسين «علیه السلام» يدل على أنه قد فكر بالرجوع، ولا جاءنا حديث يدل على ذلك عن معصوم، من نبي، أو وصي، أو آية، أو رواية.
بل هذان النصان يصرحان بأن الراوي، أو المؤرخ هو الذي نسب إلى الإمام هذا الأمر أعني توهم إرادة الرجوع. ولعله توهم من المؤرخ والراوي، أو شيطنة تهدف إلى تشويه الحركة المباركة للإمام.
وإذا أردنا أن نحسن الظن بالمؤرخ أو الراوي، فإننا نقول:
لعله فهم ذلك من قول الإمام «علیه السلام» لأبناء عقيل: «ما تَرَونَ؟ فَقَد قُتِلَ مُسلِمٌ؟
فقالوا: وَاللّه لا نَرجعُ حَتَّى نُصيب ثأرنا، أو نَذوق ما ذاق» (1).
مع أن قوله «علیه السلام» لأبناء عقيل: ما ترون؟! إنما هو لأنه «علیه السلام» يريد أن يسمع الناس منهم: أن قتل مسلم لم يفت في أعضادهم، ولم يضعف من تصميمهم على نصرة الحق والدين.
ثانياً : لو أردنا أن نغض الطرف عما تقدم، فهل يمكن أن يصدق عاقل : أن الحسين «علیه السلام»، وهو أعقل البشر، وأحرصهم على أرواح الناس، ينساق وراء فورة عاطفية لإخوة مسلم، ويلقي بأهل بيته، ونجوم الأرض من بني عبد المطلب، وبعشرات من الأصحاب والأحباب في لهوات السيوف لملاقاة الحتوف. ثم تسبى النساء
1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 328.
والأطفال من بلد إلى بلد؟!
ثالثاً: إنه «علیه السلام» قد أخبر أم سلمة ومحمد ابن الحنفية: بأنه يذهب إلى العراق لمواجهة القتل هناك، وصرَّح في خطبته حين خرج من مكة : بأن اللّه شاء أن يراه قتيلا، وشاء أن يرى النساء والأطفال سبايا.. فكيف يكون مسيره بعد قتل مسلم استجابة لطلب أبناء عقيل الذين أصروا على الأخذ بثأر أخيهم؟!
رابعاً: هل صحيح أن أبناء عقيل، وكذلك الحسين «علیه السلام» ومن معه من رجال عقلاء حكماء يمكن أن يصدقوا: بأن بإمكان هذه الصفوة بعد خذلان أهل الكوفة لها، وهي قليلة العدة والعدد: أن يأخذوا بثأر مسلم من حكومة لديها عشرات الألوف من المقاتلين؟!
خامساً: وكيف نجمع بين إخبارات الحسين المتوالية عن سعي بني أمية لقتله، وإخباره عن أنه لا بد أن يخرج من مكة حتى لا تنتهك متها بسفك دمه فيها، كما أنه قد خرج من المدينة، لأنه خشي القتل فيها أيضاً ؟!
فكيف نجمع بين هذا وبين إرادته الرجوع إلى مكة، أو إلى المدينة؟! فهل بلغه أن بني أمية انصرفوا عن قتله، حتى في مكة والمدينة؟!
سادساً : ما معنى قول أبناء عقيل للحسين «علیه السلام»: «وقد جاءك من الكتب ما نثق به»؟! ألم ينقض الذين كاتبوه عهدهم، وبيعتهم، وشاركوا في قتل مسلم وهاني وسواهما؟!
سابعاً: ألا يفهم من هذه الأخبار: أن المطلوب هو جعل الحسين «علیه السلام» هو الظالم والباغي، وأنه لا يملك من الحنكة والتدبير ما يصح السكوت عليه، وأن تسرعه وعصبيته، وانقياده للآخرين وهم في فورتهم العاطفية، قد أوقعه في هذا المأزق الذي انتهى بهذه الكارثة العظيمة؟!
وهل يريدون أن يقولوا: إن الحسين «علیه السلام» قد استشهد من أجل قضية شخصية ثأرية، لا من أجل الدين، ولا في سبيل الإصلاح ؟!
وتقدم: أنه «علیه السلام» حين عرف ما جرى على مسلم بن عقيل، وهاني بن عروة قال : كل ما حُمَّ نازل». أي كل ما قضي لا بد من حصوله.
ونقول:
1 - إن المقصود بالقضاء هنا: هو حصول الحدث الذي تكتمل أسبابه، وتتوافر شرائطه، فإن المسبب في هذه الحالة واقع لا محالة، لأن هذه هي سنة اللّه في خلقه.
وليس المراد: أن ما جرى على مسلم كان بفعل من اللّه، وأن اللّه تعالى هو الذي أنزل به هذا البلاء، فإن هذا خطأ فاحش، وضلال ما بعده ضلال.
2 - إن إطلاق هذه الكلمة يهدف إلى إظهار التسليم لمشيئة اللّه سبحانه.
والدلالة على أنه تعالى قد أبى أن تجري الأمور إلا بأسبابها، وأن الأسباب إذا تمت فلا بد أن توجد مسبباتها، ولو كانت هذه المسببات مبغوضة له تعالى، وقد نهى سبحانه عباده عن التسبب بوقوعها..
فإذا فسد هؤلاء العباد، وفعلوا ما نهاهم اللّه عنه، فإنه تعالى لا يتدخل لمنع حصوله بصورة الجبر والقهر بعد أن توفرت أسباب حصوله، بل هو يطلب من الهداة والدعاة من الأنبياء والأوصياء، والمؤمنين: أن يضاعفوا جهودهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونشر الهدايات في الناس، وإصلاح ما فسد من أخلاقهم، ومن اعتقاداتهم وسواها. من أجل أن ينأى الناس بأنفسهم عن اختيار تسبيب الأسباب التي تنتج ما هو مبغوض له تعالى.
وحيث إن هذا الفساد والإفساد قد يجلب الأذى لهؤلاء الهداة والمصلحين، وربما بلغ بهم حد نيل درجة الشهادة على يد الأشرار والفاسدين.. فعليهم أن يتقبلوا ذلك بصدر رحب، ويحتسبوه عند اللّه، ويطلبوا منه تعالى المثوبة على بلائهم هذا. ولذلك قال «علیه السلام»: «وعند اللّه نحتسب أنفسنا». أي حين ننال درجة الشهادة «وفساد أمتنا» هذا الفساد الذي سيلحق بكل الموجودات أفدح الخسائر، ويتسبب لها بكثير من الآفات، وظهور المصائب والعاهات..
كما أن عليا «علیه السلام» لم يعاقب الذين امتنعوا عن بيعته، ولم يجبرهم عليها. ولكنه حين حورب قطع العطاء عمن لم يشارك في الحرب، ومنهم بعض من امتنعوا عن بيعته. كما أن بعض من امتنع عن بيعته «علیه السلام» لم يرض بالعطاء حين ساوى «علیه السلام» بين الناس في العطاء، بين العرب وغيرهم، كما كان يصنع رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».
مع أن الإمام عليا «علیه السلام» هو الإمام الحق، المنصوص عليه من اللّه ورسوله. وقد بايعه أهل الحل والعقد بعد إلحاح شديد عليه بقبول هذا الأمر.
فكان يحق لمسلم أن لا يبايع ليزيد المتغلب الغاصب الذي لا يملك المؤهلات لهذا المقام..
ويحق له أن يقيم علاقات مع الناس، ويأخذ العهود على نصرة الحق والدين، وطلب الإصلاح في الأمة، من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..
فلماذا يقتل، ثم يرسل برأسه من العراق إلى الشام، ثم يجر جسده وجسد هاني في أسواق الكوفة، ثم يصلب منكساً، وما إلى ذلك؟!
إن قتل مسلم وهو الرجل العالم الفاضل والعابد الزاهد، قد حتم على الحسين «علیه السلام» مواصلة مسيرة الإصلاح في الأمة، وأصبح وجوب ذلك كالنار على المنار، وكالشمس في رائعة النهار. وقد أوكل «علیه السلام» الكلام إلى أبناء عقيل ليدل سائله على مدى وضوح
هذا الأمر، وأنه غير قابل للأخذ والرد...
ذكرت النصوص المتقدمة : أن الإمام «علیه السلام» حين أخبر الذين تبعوه باستشهاد مسلم وهاني قال لهم من أراد أن ينصرف فلينصرف.
وفي بعص المصادر: أنه أحلهم من بيعته..
لكن في بعضها الآخر: أنهم بمجرد أن سمعوا خبر مقتل مسلم، وهاني وقيس بن مسهر تفرقوا عنه «علیه السلام»، ولم تذكر تلك النصوص: أنه أذن لهم بالانصراف، أو أحلهم من البيعة.
ونقول:
لاحظ ما يلي:
1 - إن عدم ذكر بعض النصوص أنه أحلهم من بيعته، أو أذن لهم بالانصراف لا تعني عدم حصول ذلك، فلعل راوي هذا لم يتعلق غرضه بنقل جميع الخصوصيات والتفاصيل.
2 - إن نهج الأنبياء والأوصياء، وأهل الشرع والدين: أنهم لا يستغلون غفلة الناس، في أهدافهم، ومآربهم، حتى لو كانت أهدافا صحيحة، أو كانت ترتبط بالصالح العام. ولا يرضون بتوظيف الناس، وأموالهم، وكل ما يعود إليهم من دون علم وإذن منهم.
وهم يعتمدون الوضوح التام في ذلك كله ويبقون الخيار في الإقدام والإحجام في يد الناس فإذا بايع جماعة من الناس الإمام
الحسين «علیه السلام»، وتبعوه ظناً منهم أن لديه من العدة والعدد ما يقوي احتمال وصوله إلى مبتغاه. وكان الأمر في الواقع على خلاف ذلك، فإنه يرى أنه عليه أن يكشف لهم هذا الواقع، ويجعل لهم الخيار في الاتباع والامتناع.
3 - فإذا كانوا قد بايعوه على نصرته، والائتمار بأمره، على أمل أن يصل إلى شيء من حطام الدنيا، الذي قد يكون لهم نصيب منه.
وكان يعلم أن هذا الأمر لن يحصل، فإن عليه أن يقيلهم من بيعته، ويعيد لهم الخيار أيضاً في الاتباع، وفي الامتناع.
ولكن بعد أن يوضح لهم الأمور، وتعمم عليهم الحجة. وذلك لأنه «علیه السلام» لا يريد منهم قتال عدوه خضوعاً لعقد البيعة، أو طمعاً بالدنيا، بل يريد أن يكون قتالهم طلباً للشهادة ورغبة فيما عند اللّه تعالى، لا طمعاً بشيء من حطام هذه الدنيا.
4 - لأجل ذلك نرى: أنه «علیه السلام» كان يبشرهم بالشهادة، ويخبرهم بما يراه في إعفاءاته ويحدثه ببعض ما سمعه من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله». ولم يكن ذلك يفت في أعضادهم، بل كانوا يزدادون تعلقاً بالإمام، ورغبة في الاستشهاد بين يديه..
5 - وقد علم مما تقدم: أن تحليلهم من البيعة لا يعني أنه يجوز لهم ترك نصرته، ما دام أنها لدين اللّه، وإحقاق الحق، وإبطال الباطل. فإن هذا واجب عليهم بحكم العقل والشرع والدين. وإنما يسقط عنهم عنوان نكث البيعة، وخيانة العهد، فلا يعاقبهم اللّه على هذا الذنب، لكنه سيعاقبهم على ارتكاب الذنب الآخر، وهو أنهم قد رأوا الظلم والبغي
وارتكاب الفواحش وقتل الأئمة والأوصياء وسبي عترة الرسول، ولم يرف لهم جفن، وقد روي: أن من سمع داعياً للمسلمين. فلم يجيبه فليس من المسلمين وبهذا المعنى الروايات الكثيرة.
علي بن محمد بن عبد اللّه عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر، عن عبد اللّه بن حماد، عن صباح المزني، عن الحارث بن حصيرة، عن الحكم بن عتيبة قال:
لقِيَ رَجُلٌ الحُسَينَ بنَ عَلِيٍّ «علیه السلام» بالثّعلبِيَّةِ، وهُوَ يُرِيدُ كَربَلاءَ، فَدَخَلَ عَليهِ، فَسَلَّمَ عَليهِ، فَقالَ لَهُ الحُسَينُ «علیه السلام»: مِن أيِّ البلاد أنت؟
قالَ: مِن أهل الكوفة.
قال: أما وَاللّه يا أخا أهل الكوفة! لو لقيتُكَ بِالْمَدِينَةِ لأَرَيتُكَ أَثّرَ جَبْرَئِيلَ «علیه السلام» من دارنا، ونُزولِهِ بِالوَحي عَلى جَدّي.
يا أخا أهل الكوفة، أفَمُستَقى النّاسِ العِلْمَ مِن عِندِنَا، فَعَلِموا وجهلنا ؟!
هذا ما لا يَكونُ ! (1).
1) الكافي ج 1 ص 398 والوافي للفيض الكاشاني ج 3 ص 608 وبصائر الدرجات ص 12 و (ط الأعلمي) ص 32 وبحار الأنوار ج 26 ص 157 وج 45 ص 93 ومرآة العقول ج 4 ص 307 والعوالم، الإمام الحسين ج17 ص 314 وتفسير العياشي ج 1 ص16.
ونقول:
لاحظ ما يلي:
1 - إنه بمجرد أن أخبره ذلك الرجل بأنه من أهل الكوفة بادره الإمام الحسين «علیه السلام» بإبطال شبهة، ربما كان هناك من يحاول إثارتها ونشرها. وهي ادعاء أن أهل البيت «علیهم السلام» كسائر الناس، فلماذا يدَّعون أنهم هم أصحاب الحق بإمامة الأمة وقيادتها، وهدايتها؟ وبماذا يمتازون على غيرهم؟! فإن كانوا يمتازون بالعلم، فهناك علماء من غيرهم، وإن كان امتيازهم بالتقوى والعبادة، ففي غيرهم أيضاً من يدعي، أو تُدعى له هذه الخصوصيات. وهكذا يقال في سائر الميزات التي تُدَّعى.
وربما كان هناك تعمد لإنكار النص عليهم بالإمامة، وأنه لو كان هناك نص لكان يجب أن يطلع عليه سائر العلماء.
2 - فإن أصاب حدسنا، وكانت هذه هي الشبهة المثارة، فقد فندها «علیه السلام»، وأسقطها بأيسر سبيل، فإنه خاطب وجدان الناس، وأيقظ عقولهم حين بين لهم: أن التفوق لأهل البيت على سائر الناس هو في العلوم والمعارف الخاصة التي امتن اللّه بها عليهم.
فإن هذا لا يمكن إنكاره، لأن الكل يعرف أن العلم الصحيح ليس
هو الظنون والحدسيات، فضلا عن الأوهام، بل العلم هو الوقوف على الحقائق والدقائق، واستكناه الأسرار بصورة يقينية وصحيحة. وهذا لا يتيسر إلا من خلال الإتصال بالعليم الخبير، والحكيم البصير.
وهذا الإتصال إنما يكون بالوحي الذي كان جبرئيل «علیه السلام» هو المتكفل به في عهد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فكان «علیه السلام» يكثر التردد على النبي، ويأتيه بكل ما يشاء، ويطلعه على ما أحب.
وكان الحسنان «علیهما السلام» يعيشان في نفس هذا البيت، وكان أهل البيت «علیهم السلام» يسمعون ويرون ما يجري، ويشاهدون آثار جبرئيل في بيوتهم، ويحصلون على ما يحبون من علوم ومعارف صادقة ويقينية. فضلاً عما يفيضه اللّه عليهم من ذلك بتفضل منه.
وهذا ما لم يكن أحد غيرهم قادر على أن يدّعيه لنفسه.
وبعد هذا، فإن النبي «صلی اللّه علیه وآله» نفسه هو الذي قال للناس: «إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي». وهو القائل للناس : «لا تعلموهم فهم أعلم منكم».
فهل من المعقول - بعد هذا : أن يكون مستقى العلم من عندهم، يكون غيرهم أعلم منهم ؟! أو يكون غيرهم يعلم، وهم يجهلون؟! هذا ما لا يكون.
1 - عن عقبة بن سمعان قال:
لمّا كانَ في آخر الليل، أمَرَ الحُسَينُ «علیه السلام» بالاستقاء مِنَ الماءِ، ثُمَّ أَمَرَنا بِالرَّحيلِ، فَفَعَلنا.
قالَ: فَلمَّا ارتحلنا من قصر بَني مُقاتِل وسرنا ساعَةٌ، خَفَقَ الحُسَينُ «علیه السلام» برَأْسِهِ خَفقة، ثُمَّ انتَبَةَ وهُوَ يَقولُ: «إِنَّا للّه وَ إِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ»، وَالحَمدُ للّه رَبِّ العالمينَ.
قالَ: فَفَعَلَ ذلِكَ مَرَّتَين أو ثلاثاً.
قالَ: فَأَقْبَلَ إِلَيهِ ابنُهُ عَلِيُّ بنُ الحُسَين «علیه السلام» عَلى فَرَس له، فقالَ: «إِنَّا للّه وَ إِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ» وَالحَمدُ ِللّه رَبِّ العالمينَ، يا أَبَتِ، جُعِلْتُ فِداكَ مِمَّ حَمِدتَ اللّه وَاسْتَرجَعتَ؟
قالَ: يا بُنَيَّ! إِنِّي خَفَقتُ بِرَأْسِي خَفقَةٌ، فَعَنَّ لي فَارِسٌ عَلَى فَرَسٍ، فقال: القومُ يَسيرونُ وَالمَنايا تسري إليهم، فَعَلِمتُ أَنَّها أَنفُسُنا نُعِيَت إلينا.
قالَ لَهُ: يا أَبَتِ لا أراك اللّه سوءاً، ألسنا عَلى الحَقِّ؟
قالَ: بَلَى وَالَّذِي إِليهِ مَرجِعُ العِبادِ.
قالَ: يا أَبَتِ، إذن لا نُبالي؛ نَموتُ مُحِقِّينَ.
فَقالَ لَهُ: جَزَاكَ اللّه مِن وَلَدٍ خَيرَ ما جُزِيَ وَلدا عَن وَالِدِهِ (1).
وسيأتي في نص آخر: أن ذلك كان في الثعلبية (2).
وفي نص ثالث: أنه كان في العذيب (3).
1) موسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 392 - 394 وتاريخ الأمم والملوك جه ص 407 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 308 والكامل في التاريخ ج4 ص51 ومقاتل الطالبيين ص 112 و (ط المكتبة الحيدرية) ص74 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 82 وروضة الواعظين ص 198 و (منشورات الشريف الرضي) ص 180 وإعلام الورى ج 1 ص 450 وبحار الأنوار ج 44 ص 379 وراجع: أنساب الأشراف ج 3 ص 384 والطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 464 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 68 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 298 ومثير الأحزان ص 47 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 92 ونهاية الأرب ج 20 ص 423 وإبصار العين ص 50 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 230 ولواعج الأشجان ص98 وأعيان الشيعة ج 8 ص 206 وإعلام الورى ج 1 ص 450.
2) الفتوح لابن أعثم ج ص 70 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 226 والملهوف ص 131 و (نشر أنوار الهدى) ص 43 ومثير الأحزان ص 44 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 32 وبحار الأنوار ج 44 ص 367 وراجع مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 95 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 245 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 293 و 294 عنهم وراجع العوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 217 ولواعج الأشجان ص 83.
3) الأمالي للصدوق ص 218 وبحار الأنوار ج 44 ص 313 وج 58 ص182 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 162 وراجع: ترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص68 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 298 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 13.
2 - قال ابن أعثم:
وسارَ الحُسَينُ «علیه السلام» حَتَّى نَزَلَ الثَّعلييَّة، وذلِكَ في وَقتِ الظهيرةِ، فَنَزَلَ وَتَرَكَ أصحابُهُ، ثم وَضَعَ الحُسَينُ رَأْسَهُ وَنَامَ، ثُمَّ انتَبَهَ باكِياً. فقالَ لَهُ ابنُهُ ما لَكَ تَبْكِي يا أَبَتِ، لا أَبكَى اللّه لَكَ عَينَا!
فَقالَ الحُسَينُ: يا بُنَيَّ، إِنَّهَا سَاعَةً لا تَكْذِبُ فِيهِ الرُّؤْيا، أعلِمُكَ أَنّي رَأَيتُ فارساً عَلَى فَرَس حَتَّى وَقَفَ عَلَيَّ، فَقالَ: يا حُسَينُ! إِنَّكُم تسرعونَ وَالمَنايا تُسر بكُم إلى الجَنَّةِ. فَعَلِمتُ أَنَّ أَنفُسَنَا نُعِيَت إلينا.
فَقالَ لَهُ ابنُهُ: يا أَبَتِ، أفلسنا عَلى الحَقِّ؟
قالَ: بَلى يا بُنَيَّ، وَالَّذِي تَرجِعُ العِبادِ إِلَيهِ.
فقالَ عَلِيٌّ رضي اللّه عنه : إذن لا تُبالي بالمَوتِ.
فَقالَ لهُ الحُسَينُ: جَزَاكَ اللّه يا بُنَيَّ خَيرًا جَزِي بِهِ وَلَدٌ عَن وَالِدِ (1).
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 70 و 71 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص226 والملهوف ص 131 و (ط أنوار الهدى) ص 43 ومثير الأحزان ص44 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 32 وبحار الأنوار ج 44 ص 367 وراجع ص 313 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 217 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 95 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 245 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 393 و 394 ولواعج الأشجان ص 83 وراجع: الأمالي للصدوق ص218 وفيه: أن ذلك كان في العذيب كما تقدم.
ونقول:
لعل المراد بوقت الظهيرة الذي نام فيه الإمام الحسين «علیه السلام»: ما يشمل الفترة المتصلة بالزوال، قبله، وبعده، لا فترة الزوال بالتحديد، فإنه «علیه السلام» لا ينام حين يحضر وقت الصلاة..
فإذا كان «علیه السلام» قد نام في الوقت الواقع قبيل الزوال - كما هو الراجح - فنومه يكون في وقت القيلولة، التي وردت الروايات برجحان النوم فيها لما فيها من فوائد و عوائد.
تقدم: أن علي بن الحسين - زين العابدين - «علیه السلام» قد حضر كربلاء مع أبيه. كما أن أخاه عليا المعروف بالأكبر قد حضر أيضاً كربلاء. فأي هذين العليين خاطب أباه بهذا الخطاب، وسمع منه الجواب؟!
ونجيب:
بأننا نرجح أن يكون الإمام السجاد «علیه السلام» هو الذي سأل أباه هذا السؤال، وسمع جوابه، وذلك لأن كلمة علي حينما تطلق، فإنه «علیه السلام» هو الذي يقصد بها، فإذا أريد به غیره «علیه السلام» أضيف إليها ما يدل على المقصود مثل كلمة «الأكبر» أو «الأصغر».
ويوم عاشوراء الذي كان فيه الإمام السجاد «علیه السلام» مريضاً قد كان بعد هذه القصة بما يقرب من عشرين يوماً. فلعل المرض قد عرض له «علیه السلام» في غضون هذه المدة.
1 - تقول بعض المصادر: إن هذه القصة قد حصلت في الثعلبية، لكن مصادر أخرى تذكر أن ذلك قد حصل بعد أن ارتحل «عليه السلام» من قصر بني مقاتل.
وفي نص آخر: أن ذلك كان فى العذيب.. وربما يكون هذا الحدث قد تكرر في عدة منازل لحكمة اقتضت ذلك.
2 - ربما تكون الحكمة في تكرر أمثال هذه الأمور هو الإعداد النفسي للصفوة التي اختارت طريق ذات الشوكة هذا. وترسيخ اليقين لديها، وإزالة كل شائبة مهما كانت، يمكن أن تعرض لها، وهي تواجه الصوارف والمثبطات التي تعرض لها.. وتزيد من صعوبة تحقيق الإنجاز الذي تتوخى تحقيقه. فإن هذه المضايقات والمواجهات، وما يرافقها من ممارسات، ومن منطق ساقط ورديء، ينم عن خبايا وخفايا بالغة الخبث.. - إن ذلك - يحتم على هؤلاء الصفوة أن يحسنوا فهمه، وأن يتعاملوا معه بمعايير هم ووفق ضوابطهم التي هي الأرقى والأبقى، والمتصلة بالمصدر الأعلى واللامتناهي، والموصلة إليه.. والتي لم تخرج عن هيمنته تبارك وتعالى.
إنه «علیه السلام» قد بدأ كلامه بالتنصيص على صدق هذه الرؤيا، ووقوع مضمونها، حيث قال: «إنّها ساعَة لَا تَكْذِبُ فِيهِ الرُّؤيا»..
ولعل سبب هذا التصريح هو: أن الناس عادة لا يتعاملون مع الرؤيا التي هي حالة تلامس الغيب، بدرجة من اليقين توازي درجة اليقين الذي يحصل لهم من عالم المشاهدة والحضور.
ولأجل ذلك نلاحظ: أن اللّه تعالى يعطي للإيمان بالغيب قيمة، ويمتدح من يوفق لتحصيله، وكلما زاد يقين الإنسان رسوخاً زاد مقامه علوا، ودرجته رفعة، لأن ذلك يدل على انكشاف الحجب له، وزوال الأغشية عن بصيرته. وعن تأكيد اتصاله بالمبدأ الأعلى اللامتناهي، وقد قال أمير المؤمنين «علیه السلام» عن نفسه: «لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً» (1). وقال تعالى: «ذلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ
1) راجع: مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 317 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 7 ص 25 و ج 10 ص 142 و ج 11 ص 202 وج 13 ص8 والوافي بالوفيات ج 8 ص 77 والمناقب للخوارزمي ص 375 ومطالب السؤول ص 175 وكشف الغمة ج 1 ص 169 و 289 ونهج الإيمان ص 269 و 300 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 150 وينابيع المودة ج 1 ص 203 و 413 وبحار الأنوار ج 40 ص 153 وج 46 ص 135 وج 66 ص 209 وج 84 ص 304 والروضة في فضائل أمير المؤمنين ص235 وتفسير أبي السعود ج 1 ص 56 وج 4 ص 4 والفضائل لابن شاذان ص 137 والطرائف ص 512 والصراط المستقيم ج 1 ص230 وحلية الأبرار ج 2 ص 62 ونور البراهين ج 1 ص 36 ومستدرك سفينة البحار ج 5 ص 163 وج 9 ص 119 وج 10 ص 600 والإمام علي بن أبي طالب «علیه السلام» للّهمداني ص 238 والأصول الأصيلة للفيض القاساني ص 150 وأبو هريرة للسيد شرف الدين ص 81 وكتاب الألفين ص126 ومشارق أنوار اليقين ص 279 والإثنا عشرية ص 90 وغاية المرام ج 5 ص 195.
هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة» (1).
فظهر: أن تأكيده «علیه السلام» على صدق رؤياه إنما هو لرفع مستوى اليقين لدى سامعيه بصحة ووقوع مضمونها.
ثم جاء بكاؤه «علیه السلام» بعد استيقاظه ليكون العامل المساعد الآخر على تأكيد يقين سامعيه، لأن هذا البكاء يدلهم على أن ثمة تفاعلا عظيماً لدى الإمام مع مضمون الرؤيا التي رآها، ولو لم يكن كذلك فلماذا يبكي؟!
ويزيد في تأكيد هذا المعنى: ما ذكرته رواية الطبري وغيره، عن عقبة بن سمعان، من أنه «علیه السلام» حين انتبه صار يقول: «إِنَّا للّه وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ» وَالحَمدُ للّه رَبِّ العالمينَ. فَفَعَلَ ذلِكَ مَرَّتَين أو ثلاثا.
1) الآيتان 2 و 3 من سورة البقرة.
ولنا أن نسجل هنا تحفظا على رواية الطبري عن عقبة بن سمعان، ونقول:
إننا لا نستبعد أن تكون قد تعرضت للتحريف من قبل ذوي النوايا الخبيثة، وذلك في الفقرة التي تقول: «القومُ يَسيرونُ وَالمَنايا تَسري إليهم».
في حين أن سائر النصوص في المصادر العديدة تقول: «إِنَّكُم تسرعونَ وَالمَنايا تُسرع بكُم إلى الجَنَّةِ».
فلماذا بدلت كلمة تسرع بكم، بكلمة : «تَسري إليكم»؟! ولماذا حذفت فقرة «إلى الجَنَّةِ»؟!
وقد سجل علي بن الحسين «علیهما السلام» هنا موقفاً في غاية الدقة والأهمية، حيث حدد المعيار للربح والخسران في الحياة. وهو الكون مع الحق، فهناك الربح في كل شيء، ولا يعد ذهاب المال، وزوال النعم، وفقدان الأهل والأبناء، والآباء، والإخوان والأصحاب، والجرح والقتل خسرانا، بل كل ذلك يكون من الربح الذي لا يمكن التفريط به..
وبذلك يصبح ما يجري من ذلك كله هينا، وغير ذي أهمية، حتى الموت فما بالك بغيره، ولذلك قال «علیه السلام» لأبيه: «إذن لا تُبالي بالمَوتِ»، أو قال: «إذن لا تُبالي؛ نَموتُ مُحِقِينَ»، أو نحو ذلك.
وقد لاحظنا: أن علي بن الحسين حين سأل أباه ألسنا عَلى الحَقِّ؟ قال له أبوه: بَلَى يَا بُنَي وَالَّذي إليهِ مَرجِعُ العِبادِ. أو نحو ذلك. فإن هذا الجواب قد تضمن إلماحة إلى أن الحق والباطل هو ذلك الذي يوافق أو لا يوافق ما يريده اللّه منا وسيطالبنا به حين نرجع إليه..
وليس الحق هو ما تدعونا إليه أهواؤنا، أو تقتضيه مصالحنا، أو تميل إليه نفوسنا ولذا أقسم «علیه السلام» بمن إليه مرجع العباد، ولم يقسم بلفظ الجلالة، أو بالرب، أو بالخالق، أو الرازق، أو المدبر. ونحو ذلك
ذكر في المقتل المنسوب لأبي مخنف ص 24 : أنه «لما نزل الحسين «علیه السلام» الثعلبية، أقبل نصراني، وأمه، فأسلما على يديه».
فيحتمل أن يكون هذا النصراني هو وهب بن وهب، فقد قال الصدوق «رحمه اللّه»: «وبرز من بعده وهب بن وهب، وكان نصرانيا، أسلم على يدي الحسين «علیه السلام» هو وأمه، فاتبعوه إلى كربلاء، فركب فرساً، وتناول بيده عود الفسطاط، فقاتل وقتل من القوم سبعة أو ثمانية، ثم استؤسر، فأتي به عمر بن سعد «لعنه اللّه» فأمر بضرب عنقه، فضربت عنقه، ورمى به إلى عسكر الحسين «علیه السلام».
وأخذت أمه سيفه وبرزت، فقال لها الحسين «علیه السلام»: يا أم وهب، اجلسي فقد وضع اللّه الجهاد عن النساء، إنك وابنك مع جدي
محمد «صلی اللّه علیه وآله» في الجنة» (1).
وقد سجل المحقق التستري تحفظاً هنا وهو: أن الرواية تقول: إن الشاب ركب فرساً، وأخذ عموداً ليقاتل به، لكن أمه أخذت سيفه وخرجت للقتال، مع أن الأمر كان بالعكس (2).
بأن المراد : أنه أخذ العمود والسيف معاً، ليقاتل بهذا حين يحتاج إليه، وبذاك حين يحتاج إليه أيضاً.
أما أم وهب، فإنها بعد قتل ولدها لم تأخذ إلا السيف.
والمفارقة التي نود الإشارة إليها هنا هي التالية: إن هذا الشاب وأمه قد أسلما على يد الإمام الحسين قبل أيام يسيرة من يوم عاشوراء، ثم استشهدا بين يدي الإمام «علیه السلام» في يوم عاشوراء.
فما هذا التحول السريع والعميق، والشامل في شخصيتهما.. لأنه تحول كبير وسريع وحاسم في التفكير، وفي الإعتقاد، وفي المشاعر وفي طبيعة الوعي، ومستواه، وآفاقه. وفي العلاقة باللّه، والمحبة للأنبياء والأئمة الطاهرين، وباليقين بالآخرة، والشوق إليها؟!
بينما نجد: أن من ولد ونشأ وعاش في أحضان الإسلام وهو يدعي أنه مسلم، بل هو يريد أن يستأثر لنفسه بمقام رسول اللّه «صلی اللّه عليه وآله»، ويضطلع بمهماته - إن هذا - هو الذي يطلق الجيوش، لقتل أبناء الأنبياء وأوصيائهم، ويوغل في التنكيل بهم، ويلغ في دماء الأطفال والنساء، بصورة فيها من البشاعة والفظاعة ما يذهل ويخجل، وتكل الألسن عن وصفه.
نعم.. إنها لمفارقة غريبة ومذهلة حقاً.
عن عمرو بن قيس المشرقي:
دَخَلْتُ عَلَى الحُسَين «علیه السلام» أنا وابنُ عَمِّ لي - وهُوَ في قصر بَني مُقاتِل - فسلمنا عَليهِ، فَقَالَ لَهُ ابنُ عَمّي: يا أبا عَبدِ اللّه، هذا الذي أرى خِصَابٌ، أَو شَعرُكَ؟
قالَ: خِضابٌ، وَالشَّيبُ إِلينا بَني هَاشِمٍ يَعجَلُ.
ثُمَّ أقبَلَ عَلينا، فقال: جئتُما لِنُصرتي؟
فقلتُ: إِنِّي رَجُلٌ كَبِيرُ السِّنِّ كَثِيرُ، الدَّين كَثِيرُ العِيال، وفي يدي بَضائِعُ لِلنّاس ولا أدري ما يكونُ، وأكرَهُ أَن أَضَيِّعَ أمانتي.
وقالَ لهُ ابنُ عَمّي مِثلَ ذلِكَ.
قال لنا: فانطلقا، فلا تَسمَعا لي واعِيَةٌ ولا تَرَيا لي سَواداً، فَإِنَّهُ مَن سَمِعَ واعِيَتَنا، أو رأى سَوادَنا قلم يُحبنا ولم يُعْثِنَا، كَانَ حَقًّا عَلَى اللّه عز وجل أن يَكْبَّهُ عَلى مَنخِرَيهِ فِي النّار (1).
ونقول:
كان يمكن للإمام «علیه السلام» أن يقتصر في جوابه على السؤال على كلمة «خضاب».. باعتبار أنه سؤال فضولي عما لا يعني السائل، وربما لا يفيده معرفته إلا إذا أراد التأسي والاقتداء. غير أن الإمام الحسين «علیه السلام» أراد أن يخرج السؤال وجوابه عن دائرة الفضول، وقلة الفائدة، فضح «علیه السلام» في إجابته معنى يثريها ويغنيها، ويجعل منها منطلقا لبحوث في تنوع السلاسل البشرية، في بنيتها من الناحية التشريحية، حيث قال له: «وَالشَّيبُ إلينا بني هاشمٍ يَعجَلُ». فإنها تعني: أن هذه السلسلة البشرية تمتاز بأمر قد لا يوجد لدى الكثير من السلاسل الأخرى، وهو أن الشيب يسرع إلى حلقاتها، أعني أفرادها.
وهذا يؤكد أمرين:
1) ثواب الأعمال ص 309 و (منشورات الشريف الرضي) ص 259 وإختيار معرفة الرجال ج 1 ص 330 ح 181 وبحار الأنوار ج 45 ص 84 وج 27 ص 204 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 314 وموسوعة الإمام الحسين «علیه السلام» ج 3 ص 392.
أحدهما: لزوم أخذ العامل الوراثي، في التكوين الجسدي للأفراد بنظر الإعتبار.
الثاني: أن من الضروري دراسة تشريحية لكل سلسلة على حدة، وتلمس الفوارق بينها وبين سائر السلاسل، وإعداد تقارير عنها تكون مرجعاً لعلماء التشريح وللأطباء، ولسائر الإختصاصات التي لها ارتباط بالتكوين وخصائصه بنحو أو بآخر.
وعن سؤال الإمام الحسين «علیه السلام» لهذين الرجلين بقوله: «جئتُما لِنُصرتي»؟ نقول:
يبدو: أنه «علیه السلام» أراد أن ينقل هذين الرجلين إلى أفق أرحب، بوضعهما أمام القضايا الكبرى للأمة.
فإن نفس السؤال: جئتُما لِنُصرتي»؟ يدعوهما إلى التأمل في الأسباب التي دعت الإمام الحسين «علیه السلام» إلى عدم البيعة ليزيد، وعدم الرضا به خليفة وحاكماً. ولماذا يصر على هذا الرفض، مع قلة أنصاره، ومع أنه يواجه خطر القتل الذي سوف يطال أيضاً جميع من معه من أهل وأصحاب وأنصار؟!
وبذلك لا يبقى مجال للتفكير فى لون شعر هذا أو ذاك، فضلا عن السؤال عن ذلك.
وقد أجاب عمرو بن قيس وابن عمه على هذا السؤال، معتذرين عن نصرة الإمام الحسين «علیه السلام» بعدة ذرائع، كلها غير
صالحة للاعتماد، فقد تذرع كل واحد منهما بما يلي:
1 - إنه كبير السن.. وهي ذريعة مردودة، فقد كان من بين أصحاب الحسين «علیه السلام» الكثير من المسنين، مثل: حبيب بن مظاهر، وغيره. وقد استشهد في حروب النبي «صلی اللّه علیه وآله» وفي الحروب مع على «علیه السلام» الكثير من المسنين أيضاً، ومنهم: عمار بن ياسر.
2 - تذرع كل منهما بأن عليه ديونا كثيرة، ويرد عليه:
أولاً: أن وجود الدين، وكثرته وقلته ليست هي المعيار، بل عليه أن يقارن بين الدين وأهمية أدائه، وبين القضية التي دعاه الحسين «عليه السلام» لنصرته من أجلها.. فهل إذا كان عليه دين، ورأى أن ولده يغرق أو يقتل مثلا، أو رأى النبي، أو وصيه يتعرض للقتل يمتنع عن المبادرة إلى إنقاذ أي من هؤلاء قبل أداء دينه، معللا تقاعسه هذا بأن فيه تعريضاً لنفسه للخطر ؟
ثانياً : تقدم: أن الإمام الحسين «علیه السلام» استشهد وعليه دين.
ثالثاً: لقد كان عليه أن يضع هذا الأمر بين يدي الإمام «علیه السلام»، ليكون هو الذي يعالجه، فإن رأى أنه لا يسقط عنه واجب النصرة، بادر إلى القيام بهذا الواجب، وإن رأى أن أداء الدين هو المقدم عمل أيضاً بذلك، وإن كان لدى الإمام حل آخر، ولو بأن يقضي عنه دينه بنحو أو بآخر.. كان عليه أن يرضى بذلك أيضاً.
وسيأتي في الجزء الخامس عشر بعض الكلام حول النداء الذي
أطلقه الإمام الحسين «علیه السلام»: بأن لا يقاتل معه رجل عليه دين.
فلعل في الأمر سرا آخر، مثل أنه يريد مقاتلين راغبين في الشهادة، لا مجرد مقاتلين يدافعون عنه، لينجو هو وإياهم من الموت، ولو على سبيل الاحتمال.
وسيأتي كلام آخر حول هذا الموضوع في الجزء الخامس عشر من هذا الكتاب.
3 - إنه كثير العيال..
وهذا كسابقه أيضاً :
فأولاً : إن حفظ الإسلام والنبي، والإمام أولى من أي شيء آخر.
ثانياً : ألم يكن لجميع الذين كانوا مع الإمام الحسين «عليه السلام» عيال ؟! وألم يكن للإمام نفسه عيال أيضاً ؟!
ثالثاً: من الذي قال: إن عياله سوف يضيعون لو بادر إلى نصر الإمام الحسين «علیه السلام»، أليس اللّه تعالى هو الذي يحفظهم ويرعاهم؟!
رابعاً: لو صح هذا لوجب أن لا يذهب إلى الجهاد أحد له عيال سواء في عهد النبي «صلی اللّه علیه وآله» أو في جميع العهود بعده.
خامساً: لو دخل عليه سارق، فهل يمتنع عن دفعه، بذريعة أن له عيالاً ؟!
4 - ثم تذرع بأن لديه أمانات للناس يريد أن يعيدها إليهم.. فإنه لا
يدري ما يكون.
وجواب هذا واضح أيضاً:
فأولاً : إن هذه الذريعة لا تمنع من نصرته لإمامه، بل هي تقضي أن يستأذن منه لإيصال تلك البضائع والأمانات إلى أهلها، ثم يعود إليه، كما تقدم عن الطرماح حين لقي الإمام «علیه السلام» في الطريق.
ثانياً: كان يستيطع أن يرسل تلك البضائع إلى أهلها عن طريق بعض الأشخاص، وكان يمكنه أن يوكل أمر تلك البضائع إلى الإمام ليتولى هو «علیه السلام» أمرها بالنحو الذي يراه.
ثالثاً: كان عليه أن ينظر إلى ما هو أهم، فإن حفظ الإسلام، ونصرة الإمام «علیه السلام» هى الأولى، حتى لو لم يجد وسيلة لإيصال الأمانات إلى أهلها.
وما ذكرناه جواباً على تعللات عمرو بن قيس وابن عمه، وإن كان يكفي لإسقاط معاذيرهما، ولكن الإمام «علیه السلام» لم يشر إلى شيء من ذلك، فقد اعتبر أن مجرد الرفض الذي سمعه منهما، من شأنه أن يقطع الطريق على أي بحث أو استدلال، لأن المطلوب هو نصرته «علیه السلام» عن رغبة وحرص، وصدق، واندفاع ومن دون ممارسة أي ضغط، ولو كان كلاميا، أو استدلالاً مفحماً، أو محرجاً، أو موجبا لدرجة من الشعور بالاضطرار والإكراه الأدبي،
أو النفسي، أو الإجتماعي، لأن ذلك كله يجعل من نصرة هذا الشخص أو ذاك غير ذات موضوع، لأن هذه النصرة تكون حينئذٍ خاوية من مضمونها الحقيقي، وهو الجهاد في سبيل اللّه، الذي قوامه في نية القربة منه تعالى، حيث يكون ما يقوم به هذا الشخص قتالاً لا جهاداً، وعملاً مكروهاً لا محبوباً، ودفعاً إلى الحرب، لا اندفاعاً، وسعياً لحفظ ماء الوجه، لا نصرة لمظلوم، ولا حفظاً لدين اللّه وطاعة اللّه عز وجل، وللرسول، والإمام «علیهما السلام».
والخلاصة : إن الإمام «علیه السلام» يريدهما شهيدين، ويريدهما مجاهدين في سبيل اللّه، لا مقاتلين.
وهذا ما لم يره هذان الرجلان لأنفسهما فلم يعد هناك أي التقاء بينه وبينهما، لا في الدوافع، ولا في الأهداف.
ولأجل ذلك لم يناقشهما الإمام الحسين «علیه السلام» في صحة وسقم معاذيرهما، ولا ألمح إلى ذلك في الإحتجاج عليهما، ولا سعى لإقناعهما بالعدول عن قرارهما هذا، بل اكتفى بقوله لهما:
«فانطلقا فلا تَسمَعا لي واعِيَةٌ، ولا تَرَيا لي سَواداً، فَإِنَّهُ مَن سَمِعَ واعِيَتَنا أو رأى سَوادَنا فلم يُجبنا ولم يُغثنا، كانَ حَقًّا عَلَى اللّه عز وجل أَن يَكْبَّهُ عَلَى مَنخِرَيهِ فِي النَّارِ».
فإنه «علیه السلام» أفهمهما بكلامه هذا أموراً عديدة نذكر منها:
1 - إن معاذير هما سقيمة، لا تصلح عذرا للامتناع عن نصرته.
2 - إن نصرته «علیه السلام» واجبة على كل من سمع واعيته - يعني صوته أو صرخته -.
3 – يلاحظ: أنه «علیه السلام» تحدث أولاً عن نفسه هو كشخص اسمه الحسين بن علي «علیهما السلام»، فقال: «فلا تَسمَعا لي واعِيَةٌ، ولا تَرَيَا لي سَواداً».
ثم ساق الكلام بطريقة تدل على أنه إنما يتكلم عن نفسه من حيث هو أحد أفراد جماعة خاصة تجب نصرتها وإغاثتها على كل من سمع واعيتها، أو رأى سوادها.. أو سمع واعية فرد منها أو رأى سواده.
4 - قد عبر «علیه السلام» عن هذه الجماعة بصيغة المتكلم ومعه غيره، فقال: «واعِيَتَنا»، «سَوادَنا»، «يُجبنا»، «يُعْثِنا»، وهي طريقة تدل على أن الناس - كل الناس - يعرفون هذه الجماعة. وإذا راجعنا النصوص المتداولة في تلك الحقبة فسنجد: أن هناك جماعة بعينها تعرفها الأمة بما لها من خصوصيات وميزات ألمح إليها القرآن في العديد من آياته وتكلم عنها رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» في كثير من كلماته، ولم تزل متداولة على ألسنة أفراد هذه المجموعة، يخاطبون الناس بها، ويحتجون عليهم بما قاله اللّه ورسوله عنها وفيها - وهي جماعة أهل البيت «علیه السلام» الذين نزلت فيهم آية التطهير، وآية المودة، وآية المباهلة، وغيرها. وحدد اللّه ورسوله لنا أشخاصها في حديث الكساء.
5 - إنه «علیه السلام» قد ذكر أمرين يحتمان المبادرة إلى
نصرته على كل حال، ومن تلكأ عنها أكبه اللّه على منخريه في النار، وهما:
سماع الصرخة لمن كان قريباً.
ورؤية السواد من بعد - لمن لا يسمع الصوت.
وقد ذكر رؤية السواد، ولم يقل: يرانا، ليدل على أنه «علیه السلام» يتحدث عن أبعد المسافات.
فالنصرة في هاتين الحالتين حتمية وواجبة من دون نظر إلى كبر سن الناصر أو صغره، ولا إلى من عليه ديون، أو لديه عيال، أو عنده بضائع وأمانات للناس، ومن لم يكن كذلك.
وهذا حكم خاص بجماعة أهل البيت «علیه السلام»..
وإذا كان أهل البيت مطهرين ومعصومين، وإذا كانوا هم أعلم الناس بدين اللّه، وقد قال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: «لا تعلّموهم، فإنهم أعلم منكم». وإذا كان الحسين «علیه السلام» منهم، وهو أقدس إنسان على وجه الأرض في ذلك الوقت، فإن ذلك كله يفضي بنا إلى القول: بأنه «علیه السلام» يخبر عن خصوصية اختص اللّه بها أهل البيت «علیهم السلام» دون سائر الخلق. وإن جميع المعايير تتهاوى أمامها.
وروى الطبري عن أبي مخنف، قال:
حدثنا عبد اللّه بن عاصم، عن الضحاك بن عبد اللّه المشرقي قال:
قدِمتُ ومالِكَ بنَ النَّضر الأَرحَبِيَّ عَلى الحُسَين «علیه السلام»، فسلمنا عَليهِ، ثُمَّ جَلسنا إليهِ، فَرَدَّ عَلينا، ورَكَّبَ بنا، وسألنا عَمّا جئنا له.
فقلنا: جئنا لِنُسَلّمَ عَليكَ، ونَدعُوَ اللّه لك بالعافِيَةِ، ونُحدِثَ بِكَ عَهداً، وتُخبرَكَ خَبَرَ النّاس، وإنّا نُحَدِّثُكَ أَنَّهُم قد جَمَعوا عَلَى حَرِيكَ، فَرَ رَأيَكَ.
فقالَ الحُسَينُ «علیه السلام»: حَسبِيَ اللّه وَنِعْمَ الْوَكِيلُ!
قالَ: فَتَذَامَّمنا، وسَلَّمنا عَليهِ، ودَعَونَا اللّه لَهُ.
قالَ: فما يَمنَعُكُما مِن نُصرتي؟
فقالَ مالِكُ بنُ النَّضر : عَليَّ دينٌ، ولي عِيال.
فَقُلتُ لَهُ: إِنَّ عَليَّ دَينا، وإنَّ لي لعِيالاً، ولكِنَّكَ إِن جَعَلْتَني في حِلٌّ مِنَ الإنصراف إذا لم أجد مقاتلاً قاتَلتُ عَنكَ ما كَانَ لَكَ نافِعاً، وعَنكَ دافعاً!
فقالَ «علیه السلام»: فأنت في حِلٌ.
فأقمتُ مَعَهُ (1).
وستأتي في جملة أحداث اليوم العاشر من المحرم رواية الطبري عن أبي مخنف، عن عبد اللّه بن عاصم عن الضحاك بن عبد اللّه
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 418 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 317 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 108.
المشرقي، قال:
لمّا رأيتُ ُأصحاب الحسين قد أصيبوا، وقد خلص إليه، وإلى أهل بيته، ولم يبقَ معه غير سويد بن عمرو بن أبي المطاع الخثعمي، وبشير بن عمرو الحضرمي، قلت له يا ابن رسول اللّه، قد علمت ما كان بيني وبينك قلت لك: أقاتل عنك ما رأيت مقاتلا، فإذا لم أر مقاتلاً فأنا في حلّ من الانصراف، فقلت لي: نعم؟!
فقال «علیه السلام»: صدقت، وكيف لك بالنجاة؟ إن قدرت على ذلك فأنت في حلّ.
قال: فأقبلت إلى فرسي، وقد كنت حيث رأيت خيل أصحابنا تُعقر، أقبلت بها حتى أدخلتها فسطاطاً لأصحابنا بين البيوت، وأقبلت أقاتل معهم راجلا، فقتلت يومئذٍ بين يدي الحسين رجلين، وقطعت يد آخر.
وقال لي الحسين يومئذٍ مراراً: لا تشلل، لا يقطع اللّه يدك. جزاك اللّه خيراً عن أهل بيت نبيّك «صلی اللّه علیه وآله».
فلما أذن لي، استخرجت الفرس من الفسطاط، ثمّ استويت على متنها، ثمّ ضربتها، حتى إذا قامت على السنابك رميتُ بها عرض القوم، فأفرجوا لي، واتَّبعني منهم خمسة عشر رجلا، حتى انتهيت إلى (شفيّة) - قرية قريبة من شاطئ الفرات - فلمّا لحقوني عطفت عليهم، فعرفني كثير بن عبد اللّه الشعبي، وأيوب بن مشرح الخيوانيّ، وقيس بن عبد اللّه الصائديّ.
فقالوا: هذا الضحاك بن عبد اللّه المشرقيّ، هذا ابن عمنا، ننشدكم اللّه لمّا كَففتم عنه.
فقال ثلاثة نفر من بني تميم كانوا معهم: بلى، واللّه لنجيبنّ إخواننا وأهل دعوتنا إلى ما أحبّوا من الكفّ عن صاحبهم.
قال: فلما تابع التميميون أصحابي، كفَّ الآخرون.
قال: فنَجانى اللّه (1).
ونقول:
إن القول بأن هذه القصة هي نفس قصة المشرقيين التي تقدمت عن الصدوق «رضوان اللّه تعالى عليه» مجازفة غير مقبولة، بل هي غير معقولة. وذلك لظهور الإختلاف الكبير بين هذه وتلك.
ووجود توافق بينهما في بضعة موارد لا يبرر الدخول في هذه المجازفة، لاسيما مع كون موارد التوافق متوقعة، لأنها مما يفرضها الواقع القائم.. فقد كان الحسين «علیه السلام» بصدد القيام بعمل إصلاحي كبير وخطير في الأمة. ومعونته فيه واجبة على كل مسلم، فمن الطبيعي أن يطلب المعونة والنصرة ممن يصادفهم. وهذا ما كان يحصل بصورة متكررة، فكانت هذه المحاولات تنجح تارة، كما حصل بالنسبة لزهير بن القين. وربما يواجه «علیه السلام» الرفض، كما
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 444 و 445 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 339 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 157.
حصل له مع عبيد اللّه بن الحر الجعفي، والمشرقيين الذين تقدمت رواية الشيخ الصدوق «رحمه اللّه» عنهما.
وليس من المستهجن أيضاً : أن يترافق مشرقيان في سفر هنا، ومشرقيان آخران، أو مشرقي وغير مشرقي في سفر آخر هناك. فالسفر يحتاج إلى الرفقة، وإلى التوافق والإنسجام بين الرفقاء.. ولاسيما إذا كان هذا التوافق في المنحى الديني، والولاء والمشرب السياسي. فإنه يكون أدعى للإلفة والطمأنينة.
كما أن أحوال الناس المتقاربة من حيث ما يتوفر لهم من وسائل عيش، وما يواجهونه من مشكلات حياتية، وما يتحملونه من مسؤوليات، تفرض عليهم اللجوء إلى أعذار تكاد تكون واحدة، ولاسيما فيما يرتبط بمحاولات التملص من المشاركة في الحروب، فإن شيوع الإعتذار بالتقدم في السن الملازم عادة للضعف عن القتال والإعتذار بكثرة العيال، وبالديون، وبالأمانات التي لا بد من أدائها يكون أمراً طبيعياً، ويتوقع أن نسمع هذه الأعذار من كثير من الناس الذين تتشابه أحوالهم ومشكلاتهم، وهمومهم، وما إلى ذلك.
ثانياً: إن القبول بأن المشرقيين اللذين ذكرا في رواية الصدوق، قد التقيا بالحسين «علیه السلام» في قصر بني مقاتل. واستبعاد أن يكون لقاء الحسين بالمشرقيين اللذين ذكرهما الطبري قد حصل في كربلاء.. استناداً إلى أن الحسين «علیه السلام» كان قد حوصر، فلا يجازف الضحاك والأرحبي بالوفود على الحسين فيها..
واستناداً أيضاً إلى أن الحسين «علیه السلام» لم يكن بحاجة إلى معرفة خبر الناس، بعد أن رأى آلاف العساكر قد اجتمعت لحربه..
إن هذا غير مقبول..
إذ يمكن أن يجاب عنه:
بأن الحصار كما كان مضروباً على الإمام الحسين في كربلاء، كان مضروباً عليه وهو في الطريق من قبل جيش الحر.. وقضية وصول الطرماح ومن معه إلى الحسين في الطريق، ومحاولة الحر القبض عليهم، فمنعه الحسين «علیه السلام» من ذلك، ولم يرتدع عن قصده إلا بعد أن هدده الحسين «علیه السلام» بالمناجزة والقتال. إن هذه القضية تشهد لما نقول..
ثم إن حبيب بن مظاهر قد تمكن من الوصول إلى الحسين «علیه السلام» في كربلاء. وهذا يدل على أن الضحاك والأرحبي يمكن أن يصلا إلى الحسين «علیه السلام» في كربلاء.
والتذرع بأن حبيب بن مظاهر قد وطن نفسه على التضحية بنفسه والإستشهاد، ولم يكن الضحاك والأرحبي كذلك، فلا يجازفان بأنفسهما في موارد الخطر - إن هذه الذريعة لا تكفي لإثبات عدم حصول المجازفة من الضحاك والأرحبي، فهناك من الناس من يحب المغامرة بنفسه، واقتحام مواقع الخطر في أمور ليس لها شأن ولا أهمية إذا قيست بأهمية لقاء الإمام الحسين «علیه السلام»، الذي هو أقدس رجل على وجه الأرض.
فالناس يجازفون بأنفسهم للقائه، لأن أمل النجاة يراودهم.
أما إذا أصبح القتل محسوماً، وأمراً واقعاً.. فإنهم يتراجعون. وهذا ما حصل للضحاك ورفيقه.
أما ما جرى للضحاك في كربلاء، فلعلنا نوفق للنظر فيه، حين نتحدث عن آخر الشهداء من الأصحاب يوم عاشوراء.
غير أننا نحب التنويه بأنه «علیه السلام» كان يريد أن لا يحرم بعض الناس من بذل الجهد في سبيل الخير، إذا لمس «علیه السلام» منه الصدق والرغبة في ذلك..
كما أن الضحاك إذا عاين أحداث كربلاء، ونجا فإنه سيكون الراوي الصادق لتلك الأحداث والفظائع.. والحسين «علیه السلام» يريد هذا النوع من الناس أيضاً.
هناك نصوص عديدة تضمنت إخبار الإمام الحسين «علیه السلام» بأنه مقتول وقد تقدم شطر وافر منها، وسيأتي المزيد، ونذكر هنا بعضاً من ذلك لنقول:
عن يزيد الرشك قال:
حَدَّثني مَن شاقة الحُسَينَ «علیه السلام»، قالَ: رَأَيتُ أَبنِيَةٌ مَضروبَةٌ بفلاةٍ مِنَ الأرض، فقلتُ: لِمَن هَذِهِ؟
قالوا: هذِهِ لِحُسَين «علیه السلام».
قالَ: فَأَتَيتُهُ، فإذا شَيحٌ يَقرأ القُرآنَ وَالدُّموعُ تَسِيلُ عَلَى خَدَّيهِ ولِحيَتِهِ.
قالَ: قُلتُ: بأبي وأمّي يَا ابنَ رَسول اللّه ما أَنزَلكَ هَذِهِ البلادَ، وَالفَلاةَ التي ليس بها أَحَدٌ؟
قالَ: هذِهِ كُتُبُ أهل الكوفة إليَّ، ولا أراهُم إِلَّا قَاتِلِيَّ، فَإِذا فَعَلُوا ذلِكَ لم يَدَعوا اللّه حُرمَة إلا انتَهَكوها، فيُسلط اللّه عَلَيهِم مَن يُذِلُّهُم، حَتَّى يَكونوا أذلَّ مِن فَرَمِ الأَمَةِ - يَعني مِقْنَعَتَها (1).
وقد التقى الحسين «علیه السلام» في بطن العَقبَةِ بِعَمرُو بنُ لوذان، الذي نصحه بالإنصراف عن وجهه ذلك، وإلا فهو يقدم عَلى الأُسِيَّةِ وحَدٌ السُّيوف.
1) موسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 360 عن : الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 458 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 64 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 305 و 306 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 216 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 11 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2616 والبداية والنهاية ج 8 ص 169 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 183 وراجع: ترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص307 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 187 و 302 وراجع: بحار الأنوار ج 44 ص 368 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 218 ونظم درر السمطين ص 214 والدر النظيم ص 547.
وقد وافقه «علیه السلام» على قوله هذا، وقال: وَاللّه لا يَدَعوتي حَتَّى يَستَخرجوا هذِهِ العَلقة من جوفي، فإذا فعلوا، سَلْطَ اللّه عَلَيهِم مَن يُذِلُّهُم، حَتى يَكونوا أذلَّ فِرَق الأمم (1).
عن شهاب بن عبد ربه، عن أبي عبد اللّه [الصادق] «عليه السلام»:
لمّا صَعِدَ الحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ «علیه السلام» عَقِبَة البَطن، قالَ لأصحابه : ما أراني إلا مقتولاً.
قالوا: وما ذاكَ يا أبا عَبدِ اللّه؟
قالَ: رُؤيا رَأَيْتُها فِي المَنامِ.
قالوا: وما هِيَ.
قالَ: رَأيتُ كِلاباً تَنهَشني، أشدُّها عَليَّ كَلْبٌ أبقعُ (2).
1) الإرشاد للمفيد ج 2 ص 76 وإعلام الورى ج 1 ص 447 وبحار الأنوار ج 44 ص 375 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 225 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 399 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 301 والكامل في التاريخ ج 4 ص 39 ولواعج الأشجان ص 87 وأعيان الشيعة ج 1 ص 595 والمجالس الفاخرة ص 223 و موسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 263 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 79 و المجالس الفاخرة ص 223.
2) كامل الزيارات ص 157 حديث 194 وبحار الأنوار ج 45 ص 87 وراجع ص 31 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 156 و 319 وراجع ص 274 وشجرة طوبى ج 2 ص 213 وراجع: مثير الأحزان ص 48.
ونقول:
في هذه البيانات الحسينية ينشد الإمام «علیه السلام» تحقيق أكثر من هدف وغاية، فمثلا:
1 - هو «علیه السلام» يعلن أنه يقدم على أمر لا لبس فيه، وأن ما يسدى إليه من نصائح لم يخفَ عنه. وقد قال لبعض ناصحيه، وهو عمرو بن لوذان: إنه «ليس يخفى عَليَّ الرَّأْيُّ، ولكِنَّ اللّه تَعَالى لا يُغلبُ على أمره».
وهذا كله يؤكد : أنه «علیه السلام» لم يكن يريد نجاة نفسه، بل كان يعمل بواجب إلهي فرضه اللّه تعالى عليه، وهو أن يطلب الإصلاح في أمة جده، كما تقدم.
2 - ثم إنه «علیه السلام» يصرح بأن كتب أهل الكوفة إليه قد فرضت عليه الاستجابة لهم، لا لأجل إثارة الحرب كما ربما يزعم بنو أمية وأتباعهم، بل لأجل التعاون على الإصلاح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..
ونكث أهل الكوفة للعهد، وقتلهم مسلم بن عقيل لا يحتم عليه الرجوع من حيث أتى.. لأن ذلك لا يدفع عنه كيد بني أمية، ولا يوقفهم عن السعى لسفك دمه.
بل هو يمكنهم من فعل ذلك، ثم استغلاله إعلامياً لمصلحتهم، بزعم:
أن أحدا قد اغتاله، ويريدون الأخذ بثأره، أو نحو ذلك من ألاعيبهم الشيطانية.
فهو إن رجع مقتول، وإن واصل طريقه مقتول. فلا بد له أن يختار قتلة تفضح المجرم، وتسقط الأقنعة، وتوقظ الغافل، وتميز الحق عن الباطل. وكان ما فعله «علیه السلام» هو الصواب الذي لا محيص عنه.
3 - كما أن هذه الإخبارات تمثل إعلاماً قوياً يضيع على أعدائه آية فرصة لتزوير الحقائق، واختلاق المعاذير، وهو يعرف الناس بأن قرار قتله متخدّ، فلا مجال لتوجيه اللائمة إليه، وادعاء أنه أحرجهم بإعلانه الخروج عليهم، وأنه هاجمهم، فدفعوه عن أنفسهم، فقتل..
4 - إنه «علیه السلام» قد أعلن للذين تبعوه وبايعوه وهو في طريقه إلى العراق، ظناً منهم أنه يقدم على أمر ممهد - أعلن لهم -: أنه قد أحلهم من بيعته، وأنه ليس عليهم منه ذمام، وأن بإمكانهم أن يتفرقوا عنه، إلا من أحب أن يكون معه، ويذوق حد السيوف، ويواجه الحتوف فإن الخيار لهم في ذلك..
فتفرقوا عنه حتى لم يبق منهم أحد..
وهذا أيضاً يمثل إعلاناً لكل أحد : إنه «علیه السلام» لم يأت بجيش جرار ليحارب بني أمية، وينتزع ما في يدهم.. بل هو قد فرَّق من اجتمع إليه، ممن قد يكون مستعداً للقتال فلا يمكن أن يكون جمع بني أمية ثلاثين ألفا لقتله مع أهل بيته ومن بقى معه، وهم أثنان وثمانون
رجلاً أو أقل.. لا يمكن أن يكون إلا عدواناً ظالماً، لا يمكن تبريره، ولا التقليل من شناعته وبشاعته.
5 - ولا يمكن تبريره بما كان من مسلم بن عقيل في الكوفة، وما جرى عليه وعلى هانئ بن عروة، فقد قلنا إن مسلماً وهانيا لم يعلنا حرباً على أحد، بل كان البادئ بالكيد والحرب هو عبيد اللّه بن زياد..
ولم يكن مسلم في الكوفة بصدد جمع مقاتلين، بل كان بصدد جمع آراء الراغبين بالإصلاح في الأمة، والذين يعاهدون الحسين على الكون معه ومساعدته في بلوغ هذه الغاية.
ولا شيء يثبت أن الإصلاح في الأمة منحصر بشن الحرب. وإن كان قد يحتاج المرء إلى السلاح للدفاع عن نفسه حين يهاجمه أهل الحقد والبغي.
6 - وعلينا أن لا ننسى أن لهذه الإجراءات التي اتخذها الإمام «علیه السلام»، والإخبارات التي صدرت عنه بأنه مقتول تأثيراً قوياً على روحية أهل بيته وأصحابه، وبلورة عزمهم، وترسيخ تصميمهم على الاستشهاد، فإن وضوح الأمور لهم كان ضرورياً، وله مغزاه وأثره العميق في رفعة درجاتهم، وعلو مقاماتهم، واستحقاقهم أن يكونوا شركاء في أعمال الخلائق الذين يستفيدون من كربلاء وعياً وقيماً، وأخلاقاً، وأحكاماً، وغير ذلك.. وسيبقى هذا التأثير سارياً، ومنتجاً للإخلاص والإيمان وصائنا للقيم، وصانعاً للأخلاق على مر الأحقاب والأزمان.
ذكرت رواية يزيد الرشك : أن ذلك الرجل الذي التقى بالحسين «علیه السلام» وجده شيخاً يقرأ القرآن والدموع تسيل على خديه ولحيته. فسأله عن سبب قدومه ونزوله في فلاة مقفرة ليس فيها أحد إلخ..
وهذا يدلنا: على أنه «علیه السلام» قد نزل في مكان لا ينزل فيه الناس عادة، ولا تتوفر فيه عناصر الأمن والأمان. مع أن الناس يتوخون النزول في أماكن يطرقها المارة، ويقصدونها ويكون تواجدهم فيها مانعاً من حركة السلابين واللصوص، والوحوش المفترسة منها. ويكون ذلك من دواعي الشعور بالأمن أكثر من الأماكن المعزولة والخالية.
فلعل هذا اللقاء كان حين ضيق الحر على الإمام الحسين «عليه السلام»، واضطره للتياسر عن طريق العذيب والقادسية.
فقد رووا: أن الحر حين جاءه الأمر بالتضييق على الحسين «عليه السلام» قال للحسين بعد كلام جرى بينهما «ولَكِن خُذْ غَيْرَ هَدًا الطريق، وامض حيث شئت، حَتَّى أكتُبَ إلى ابن زيادٍ: أَنَّ الحُسين خالفني في الطريق فلم أقدر عَليهِ» (1).
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 79 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 232.
ذكرت الرواية: أن ذلك الرجل وجد الإمام الحسين «عليه السلام» في تلك الفلاة يقرأ القرآن ويبكي، والدموع تسيل على خديه ولحيته، ونقول:
1 - يذكرنا هذا بما رواه الزهري عن الإمام علي بن الحسين «علیه السلام» قال: «لو مات ما (من) بين المشرق والمغرب لما استوحشت بعد أن يكون القرآن معي. وكان إذا قرأ «مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ»، يكررها ويكاد أن يموت» (1).
فمن كان القرآن معه لا يستوحش سواء أكان في فلاة لا أحد فيها، أو في غيرها.
2 - إن هذا التفاعل العميق مع المعاني التي تزخر بها آيات القرآن، وهذا البكاء الذي تسيل الدموع فيه على الخدين واللحية لا يوجد عند غير هؤلاء الصفوة، الذين اختارهم اللّه هداة، وقادة لخلقه.
1) بحار الأنوار ج 89 ص 239 وج 46 ص 107 وج 82 ص66 وتفسير العياشي ج 1 ص 23 والكافي ج 2 ص 602 والبرهان (تفسير) ج 1 ص 116 ومرآة العقول ج 12 ص 484 وروضة المتقين ج 13 ص 119 والوافي ج 9، ص1708 ومشكاة الأنوار ص 216 ومستدرك الوسائل ج4 ص 221 وراجع: ج 3 ص 463 والأنوار البهية ص 110 ومستدرك سفينة البحار ج 7 ص 59 والمحجة البيضاء ج 2 ص 215 وراجع: وسائل الشيعة (آل البيت) ج 5 ص 331 و (الإسلامية) ج 3 ص 582.
إنه «علیه السلام» لم يذكر لذلك الرجل سبب نزوله في فلاة ليس بها أحد، بل ذكر له أن تلبية نداء الواجب الإلهي قد حتّم عليه القدوم إلى تلك البلاد، فإنه لا يجوز للإمام حين تطلب منه المعونة، ونشر العلم والأحكام والمعارف الإلهية، وتدبير شؤون الناس - لا يجوز له - أن يرفض تلبية ذلك الطلب بذريعة أنه يتخوف من عدم وفاء الناس بتعهداتهم وإن نكث فريق منهم بتعهداته، لا يسقط حق غيرهم بالهداية والرعاية. وما إلى ذلك.
1 - ثم إنه «علیه السلام» أخبر ذلك الرجل بأنه مدرك لمسار الأمور واقف على تحولاتها، عارف بما تؤول إليه، ولأجل هذا قال له: أن أهل الكوفة، الذين استغاثوا به هم الذين سوف يقتلونه.
2 - وهذا غاية الظلم والبغي والخذلان الذي يستحق به فاعله الخزي العظيم، والعذاب الأليم. ولا يقتصر على هذه الجريمة، بل هم سوف يتبعونها بالإمعان في ارتكاب المآثم والجرائم، وسيجرِّؤهم ذلك على انتهاك سائر الحرمات، فلا يدعون اللّه حرمة إلا انتهكوها كما قال «علیه السلام».
3 - فإذا بلغ الأمر بهم إلى هذا الحد، وإذا كان لا بد أن يأتي الجزاء متوافقاً مع واقع الجريمة، فإن انتهاك جميع الحرمات يقتضي سحق كل كبريائهم، وتقويض جميع عزهم، وإلباسهم ملابس الذل،
والخزي والمهانة.
4 - إن حصول ذلك لهم ليس بفعل إلهي مباشر، بل هو برفع العصمة عنهم، وسلب اللطف الإلهي منهم، فيصيرون نهبة لكل طامع، وهدفاً لطلاب اللبانات.
5 - ثم تكون نتيجة ذلك: هو الذل الشامل، والخزي المقيم. حتى يكونوا أذل من فرم الأمة - وهي خرقة حيضها (وليس مقنعها، كما فسره الراوي).
عن عبد اللّه بن سليم، والمذري بن المشمعلّ الأسديين:
أقْبَلَ الحُسَينُ «علیه السلام» حَتَّى نَزَلَ شراف، فلمّا كانَ فِي السَّحَرِ أَمَرَ فِتيانَهُ فَاستَقوا مِنَ الماءِ فأكثروا، ثُمَّ ساروا منها (1).
ونقول:
لقد رأينا في النصوص : أنه «علیه السلام» قد أمر فتيانه بالإكثار من التزود بالماء في العديد من المنازل حين يريد استئناف مسيره..
ومن المواضع التي أمرهم فيها بذلك هذا الموضع، وهو شراف الذي سنرى أنه سيلتقي بعده بالحر وجيشه. البالغ ألف فارس، وسيكون هؤلاء جميعاً، وما معهم من خيل وسواها قد أرهقهم العطش..
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 400 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 302 وأنساب الأشراف ج 3 ص 380 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 169 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 76 وبحار الأنوار ج 44 ص 375 والعوالم، الإمام الحسين ج17 ص 225 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 81 ولواعج الأشجان ص88 وأعيان الشيعة ج 1 ص 596 ونهاية الأرب ج 20 ص 416.
وقد سقاهم الإمام الحسين هم وخيلهم، وسائر ما معهم من دواب من ذلك الماء الذي تزود به من شراف.
وهذا أمر يدعو إلى التوقف والتأمل، فإن المفروض: أن ركب الحسين «علیه السلام» كان لا يصل في عدده إلى سدس أو خمس عدد أصحاب الحر، كما أن دوابهم لم تزد على ثلاثين فرساً.
فإذا كان الحسين «علیه السلام» قد سقاهم جميعاً، فذلك يعني: أنه كان قد حمل معه كميات كبيرة جداً من الماء. وهو يدل على أنه كان عالماً بمجيء هذا العدد من الخيل والرجال عارفا بعطشهم، وأنه «علیه السلام» قد هيأ هذا الماء لهم.
وليكن هذا الذي جرى دلالة أخرى تضاف إلى العشرات غيرها على أنه «علیه السلام» إنسان إلهى، وليس كسائر الناس ولا بد أن يدركها جميع من كان مع الحسين «علیه السلام»، كما أن على الحر وجيشه أن يتساءلوا عن سبب تزوده «علیه السلام» بهذا الماء الكثير..
1 - قالوا: جَمَعَ عُبَيدُ اللّه المُقاتِلة وأمَرَ لَهُم بِالعَطاءِ، وأعطى الشرط، ووَجَّهَ حُصَينَ بنَ تَميمٍ الطَّهَوي إلى القادِسِيَّةِ، وقالَ لَهُ: أَقِم بها، فَمَن أَنكَرتَهُ فَخُذْهُ.
وكانَ حُسَينٌ «علیه السلام» قد وَجَّهَ قيس بن مُسهرٍ الْأَسَدِيَّ إِلَى مُسلِم بن عَقِيلٍ قَبلَ أَن يَبْلُغَهُ قتلهُ، فَأَخَذَهُ حُصَينٌ فَوَجَّهَ بِهِ إِلَى عُبَيدِ اللّه،
فقالَ لَهُ عُبَيدُ اللّه : قد قَتَلَ اللّه مُسلِماً، فَأَقِم (لعل الصحيح: فَقُم(1)) في النّاس فاشتم الكَذَّابَ ابْنَ الكَذَّابِ.
فَصَعِدَ قيس المِنبَرَ، فقالَ أَيُّهَا النّاسُ إنّي تَرَكتُ الْحُسَينَ بنَ عَلِيٍّ «علیه السلام» بالحاجر، وأنَا رَسولهُ إِلَيكُم، وَهُوَ يَستَنصِرُكُم.
فأَمَرَ بِهِ عُبَيدُ اللّه، قطرحَ من فوق القصر فمات.
ووَجَّهَ الحُصَينُ بنُ تَميم الحُرَّ بن يَزِيدَ اليربوعي - من بني رياح - في ألفٍ إلى الحُسَين «علیه السلام»، وقال: سايره ولا تَدَعَهُ يَرجِعُ حَتَّى يَدخُلَ الكوفة، وجعجع به.
فَفَعَلَ ذلِكَ الحُرُّ بنُ يَزِيدَ، فَأَخَذَ الحُسَينُ «علیه السلام» طريق العُذيب حَتَّى نَزَلَ الجَوفَ، مَسقط النَّجَفِ مِمَّا يَلِي المِئَتَينِ، فَنَزَلَ قصر أبي مُقاتِل (2).
2 - عن هشام عن أبي مخنف، عن أبي جناب، عن عدّي بن حرملة، عن عبد اللّه بن سليمان والمذري بن المشمعل الأسديّين قالا:
ثُمَّ ساروا مِنها [أي مِن شَرافِ] فَرَسَموا صَدرَ يَومِهِم حَتَّى انتَصَفَ النَّهارُ.
[في الأخبار الطوال : فلمَّا انتَصَفَ النَّهارُ وَاشتَدَّ الْحَرُّ - وكانَ ذلِكَ فِي القيظ ].
[ وفي الفتوح: وسارَ الحُسَينُ «علیه السلام» عَلى مَرحَلتَين مِنَ الكوفة].
ثُمَّ إِنَّ رَجُلا قَالَ: اللّه أَكْبَرُ
فقالَ الحُسَينُ «علیه السلام»: اللّه أَكْبَرُ، ما كَبَّرت؟
قالَ: رَأيتُ النَّخل.
فقالَ لهُ الأَسَدِيّان: إنَّ هذا المَكانَ ما رأينا بِهِ نَحْلة قط.
قالا : فَقالَ لنَا الحُسَينُ «علیه السلام»: فَما تَرَيانِهِ رَأَى؟
قلنا: نَراهُ رَأى هَوادِيَ الخَيل.
فقال: وَأَنَا وَاللّه أُرى ذلِكَ.
فَقالَ الحُسَينُ «علیه السلام» [ في الأخبار الطوال: لزهير بن القين]: أما لنا مَلْجَأَ نَلجأ إليهِ نَجعَلهُ فى ظهورنا، ونَستَقبلُ القومَ مِن وَجْهِ واحِدٍ؟
فقلنا له [في الأخبار الطوال: قال له زهير]: بَلى، هذا ذو حُسمٍ إلى جَنبِكَ، تَمِيلُ إِليهِ عَن يَسارك، فإن سَبَقت القومَ إِليهِ فَهُوَ كَما تُرِيدُ.
قالا: فَأَخَذ إليه ذات اليسار، قالا : ومِلنا مَعَهُ، فَما كَانَ بِأَسْرَعَ مِن أن طلَعَت عَلينا هَوادِي الخَيلِ، فَتَبَيَّناها، وعُدنا فلمّا رَأونا وقد عَدَلَنا عَن الطريق عَدَلُوا إلينا، كَأَنَّ أُسِنَّتَهُمُ اليَعاسيبُ وكَأَنَّ راياتِهم أَجْنِحَهُ الطير.
قالَ: فَاستَبَقنا إلى ذي حُسُمٍ، فَسَبَقْناهُم إِليهِ، فَنَزَلَ الْحُسَينُ «علیه السلام»، [في الأخبار الطوال: َوجَعَلَ ذلِكَ الجَبَلَ وَراءَ ظهرهِ]، فَأَمَرَ
بأبنِيَتِهِ فَضُرِبَت، وجاءَ القومُ - وهُم ألفُ فارس - مَعَ الحُرِّ بن يَزِيدَ التميمي اليربوعي، حتى وقفَ هُوَ وَخَيلُهُ مُقابلَ الحُسَين «علیه السلام» في حَرِّ الظَّهِيرَةِ، وَالْحُسَينُ «علیه السلام» وأصحابُهُ مُعتَمّونَ مُتَقلدو أسيافهم.
فَقالَ الحُسَينُ «علیه السلام» لفتيانه: اسقُوا القوم، وارووهُم مِنَ الماءِ، ورشِّفوا الخَيلَ تَرشيفاً.
فَقامَ فِتيانُهُ فَرَشفُوا الخَيلَ تَرشيفاً، فَقامَ فِتيَة وسَقْوُا القومَ مِنَ الماءِ حتى أرووهُم، وأقبَلُوا يَملؤونَ القِصاعَ وَالأتوارَ وَالنِّسَاسَ مِنَ المَاءِ، ثُمَّ يُدنونَها مِنَ الفرس، فإذا عَبَّ فِيهِ ثلاثاً أو أربعا أو خمسا عُزلت عَنهُ، وسَقوا آخَرَ، حَتّى سَقوُا الخَيلَ كُلها.
قالَ هِشَامٌ: حَدَّثَّني لقيط، عَن عَلِيٍّ بن الطعان المُحاربي: كُنتُ مَعَ الحُرِّ بن يَزِيدَ، فَجِئتُ في آخر مَن جاءَ مِن أصحابه، فلمّا رَأى الحُسَينُ «علیه السلام» ما بي وبفرسي مِنَ العَطش، قالَ: أَنِخِ الرَّاوِيَة - وَالرَّاوِيَة عِندِي السَّقاءُ - ثمَّ قَالَ: يَا ابن أخ، أيْخ الجَمَلَ، فَأَنَخْتُهُ.
فَقالَ: اِشرَب، فَجَعَلْتُ كُلما شربت سال الماءُ مِنَ السِّقاءِ.
فَقالَ الحُسَينُ «علیه السلام»: اِخنِثْ السّقاء - أي اعطفه - قالَ: فَجَعَلْتُ لا أدري كَيفَ أفْعَلُ (1).
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 400 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 302 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص81 وراجع الأخبار الطوال ص 248 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2622 وراجع الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 75 والملهوف ص 47 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 809.
قالَ: فَقامَ الحُسَينُ «علیه السلام» فَخَنَثْهُ فَشَرِبتُ وَسَقِيتُ فَرَسي.
قالَ: وكانَ مَجيءُ الحُرِّ بن يَزِيدَ ومَسيرُهُ إِلَى الحُسَين «علیه السلام» مِنَ القادِسِيَّةِ، وذلِكَ أَنَّ عُبَيدَ اللّه بنَ زِيادٍ لَمَّا بَلَغَهُ إِقْبالُ الحُسَين «علیه السلام» بَعَثَ الحُصَينَ بنَ تَمِيمٍ التَمِيمِيُّ - وكانَ عَلَى شُرَطِهِ - فَأَمَرَهُ أَن يَنزِلَ القَادِسِيَّة، وأن يَضَعَ المَسالِحَ فَيُنَظِّمَ ما بَينَ القطقطانَةِ إلى خفّان، وقدَّمَ الحُرَّ بنَ يَزِيدَ بَينَ يَدَيهِ فِي هَذِهِ الْأَلْفِ مِنَ القادِسِيَّةِ، فَيَستَقبلُ (أي يستقبل بهم الحسين «علیه السلام»).
[في الفتوح: فلمّا نَظرَ إِليهِمُ الحُسَينُ «علیه السلام» وقفَ في أصحابه، ووَقفَ الحُرُّ بنُ يَزِيدَ في أصحابهِ.
فقالَ الحُسَينُ «علیه السلام»: أَيُّهَا القومُ ! مَن أَنتُم؟
قالوا: نَحنُ ُأصحاب الأمير عُبَيدِ اللّه بن زيادٍ.
فَقالَ الحُسَينُ «علیه السلام»: ومَن قَائِدُكُم؟
قالوا: الحُرُّ بنُ يَزِيدَ الرِّياحِيُّ.
قالَ: فناداه الحُسَينُ «علیه السلام»: وَيْحَكَ يَا ابْنَ يَزِيدَ ألنا أم عَلينا؟
فقالَ الحُرُّ : بَلْ عَلَيكَ أَبا عَبدِ اللّه !
فقالَ الحُسَينُ «علیه السلام»: لا حول ولا قُوَّةَ إِلَّا بِاللّه ].
قالَ: فلم يَزَلْ مُوافِقاً (لعل الصحيح: مُواقِفَا) حُسَيْناً «علیه السلام» حَتَّى حَضَرَتِ الصَّلاةُ ؛ صَلاةَ الظهر، فأمَرَ الحُسَينُ «علیه السلام» الحَجاج بنَ مَسروقِ الجُعْفِيَّ أن يُؤَذِّنَ، فَأَذّنَ، فَلَمّا حَضَرَتِ الإِقَامَهُ خَرَجَ الحُسَينُ «علیه السلام» في إزار ورداء ونَعلين، فَحَمِدَ اللّه وأثنى عَليهِ، ثُمَّ قَالَ:
أَيُّهَا النّاسُ إِنَّها مَعذِرَةٌ إلى اللّه عز وجل وإليكم [في الفتوح: وإلى مَن حَضَرَ مِنَ المُسلِمِينَ]؛ إنّي لم آتِكُم حَتى أتتني كُتُبُكُم، وقدِمَت عَلَيَّ رُسُلُكُم: أَن اقدَم عَلينا؛ فَإِنَّهُ ليس لنا إمامٌ، لَعَلَّ اللّه يَجْمَعُنَا بِكَ عَلَى الهُدى.
فإِن كُنتُم عَلى ذلِكَ فقد جئتُكُم، فإن تُعطوني ما أَطْمَئِنُّ إليهِ مِن عُهودِكُم ومَواثيقِكُم أَقدِمُ مِصرَكُم، وإن لم تفعلوا وكُنتُم لِمَقْدَمي كارهينَ انصَرَفتُ عَنكُم إلى المكان الذي أقبَلتُ مِنهُ إليكم!
قالَ: فَسَكَتَوا عَنهُ [ في الفتوح: إنه «علیه السلام» صلى بالعسكرين ثم خطبهم] وقالوا لِلمُؤَذِّن: أقم، فأقامَ الصَّلاةَ.
فقالَ الحُسَينُ «علیه السلام» لِلحُرِّ : أثريدُ أن تُصَلِّيَ بأصحابكَ؟ [في الأخبار الطوال: أتُصلي مَعَنا، أم تُصلي بأصحابك وأصلي بأصحابي؟].
قالَ : لا، بَل تُصلي أنت ونُصلي بِصَلَاتِكَ.
قالَ: فصلى بهِمُ الحُسَينُ «علیه السلام»، ثُمَّ إِنَّهُ دَخَلَ، وَاجْتَمَعَ إِلَيهِ أصحابه.
وَانصَرَفَ الحُرُّ إِلى مَكانِهِ الذي كانَ بِهِ، فَدَخَلَ خَيمَة قد ضُرِبَت لَهُ، فَاجْتَمَعَ إِلَيهِ جَمَاعَةٌ من أصحابه، وعادَ أصحابُهُ إِلى صَفًّهُمُ الَّذي كانوا فيهِ فأعادوه، ثمَّ أَخَدَ كُلُّ رَجُلٍ مِنهُم بِعِنان دابَّتِهِ وجَلسَ في ظلّها.
فلمّا كانَ وَقتُ العَصر أَمَرَ الحُسَينُ «علیه السلام» أن يَتَهَيَّؤوا لِلرَّحيل.
ثُمَّ إِنَّهُ خَرَجَ فَأَمَرَ مُنادِيَهُ فنادى بالعصر، وأقامَ فَاسْتَقدَمَ الحُسَينُ «علیه السلام» فصلى بالقوم [في الفتوح: فصلى بالعسكرين جميعا] ثُمَّ سَلَّمَ، وَانصَرَفَ إلى القوم بوجههِ، فَحَمِدَ اللّه وأَتْني عَليهِ، ثُمَّ قَالَ:
أمّا بَعدُ، أَيُّهَا النّاسُ في الفتوح: أنَا ابنُ بنتِ رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ونَحنُ أولى بولايَةِ هذِهِ الأمور عَلَيكُم مِن هَؤُلاءِ المُدَّعينَ ما ليس لهُم، وَالسّائِرين فيكم بالظلم والعُدوان، فإِن تَتَّقُوا بِاللّه الخ..] فَإِنَّكُم إِن تَتَّقوا وتَعرفُوا الْحَقَّ لِأهْلِهِ يَكْن أرضى اللّه، ونَحنُ أَهْلَ البَيتِ أولى بولايَةِ هذا الأمر عَليكُم مِن هؤلاء المُدَّعِينَ ما ليسَ لَهُم، وَالسَّائِرِينَ فِيكُم بالجور والعُدوان، وإن أنتُم كَرهتمونا، وجَهلتُم حَقَّنا، وكَانَ رَأيُكُم غَيرَ ما أتتني كتُبُكُم، وقدِمَت بهِ عَلَيَّ رُسُلُكُم، اِنصَرَفتُ عَنكُم.
فَقالَ لَهُ الحُرُّ بنُ يَزِيدَ : إنَّا وَاللّه ما نَدري ما هذِهِ الكُتُبُ الَّتي تَذكَّرُ !
فَقالَ الحُسَينُ «علیه السلام»: يا عُقبة بن سمعان أخرج الخُرجَين اللذين فيهما كْتُبُهُم إِليَّ.
فَأَخْرَجَ خُرجَين [في الفتوح: فجاءَ عُقبة بكتب أهل الشام والكوفة]
مَمَلوعَين صُحُفا، فَنَشَرَها بَين أيديهم [في الفتوح: ثُمَّ تَنَحّى فَتَقدَّموا ونَظروا إلى عُنوانِها، ثُمَّ تَنَحّوا ].
فقالَ الحُرُّ : فإنّا لسنا من هؤلاء الَّذِينَ كَتَبوا إليك، وقد أمرنا إذا نَحنُ لقيناكَ ألا تفارقكَ حَتَّى نُقدِمَكَ عَلى عُبَيدِ اللّه بن زيادٍ.
[في الفتوح: فَتَبَسَّمَ الحُسَينُ «علیه السلام» ثُمَّ قَالَ: يَا ابنَ يَزِيدَ! أوَتَعلَمُ أنَّ الموتَ أدنى إليكَ مِن ذلِكَ؟!
ثُمَّ التَفتَ الحُسَينُ «علیه السلام»، فقال: إحملوا النِّسَاءَ لِيَركَبوا، حَتَّى نَنظُرَ مَا الَّذي يَصنَعُ هذا وأصحابُهُ!].
فَقالَ لَهُ الحُسَينُ «علیه السلام»: المَوتُ أدنى إليكَ مِن ذلِكَ.
ثُمَّ َقالَ لِأصحابه : قوموا فاركَبوا، فَرَكِبوا، وَانتَظرُوا حَتَّى رَكِبَت نِساؤُهم، [في الأخبار الطوال : ثُمَّ وَلى وَجْهَهُ مُنصَرفا نَحوَ الحِجاز] فقال لأصحابه: إنصرفوا بنا.
فَلَمّا ذَهَبوا لِيَنصَرِفوا حالَ القومُ بَينَهُم وبَينَ الإنصراف [ في الفتوح: قضَرَبَ الحُسَينُ «علیه السلام» بيَدِهِ إِلى سَيفِهِ، ثُمَّ صاحَ بِالحُرِّ].
فَقالَ الحُسَينُ «علیه السلام» لِلحُرِّ : ثَكِلتكَ أُمُّكَ ما تُرِيدُ؟
قالَ: أَمَا وَاللّه لَو غَيْرُكَ مِنَ الْعَرَبِ يَقُولُها لي وَهُوَ عَلَى مِثلِ الحالِ التي أنتَ عَليها ما تَرَكتُ ذِكرَ أُمِّهِ بالثّكل أن أقولهُ كَائِنَا مَن كَانَ، ولكن وَاللّه ما لي إلى ذكر أمّكَ مِن سَبِيلٍ إِلا بِأَحسَن مَا يُقدَرُ عَلَيهِ.
فقالَ لهُ الحُسَينُ «علیه السلام»: فما تريدُ؟
قالَ الحُرُّ : أريدُ - وَاللّه - أن أنطلِقَ بكَ إِلى عُبَيدِ اللّه بن زيادٍ.
قالَ لهُ الحُسَينُ «علیه السلام»: إذن وَاللّه لا أَتبَعُكَ !
فَقالَ لَهُ الحُرُّ: إِذَن وَاللّه لا أَدَعُكَ!
فتَرادًا القول ثلاثَ مَرّات، ولمّا كَثرَ الكَلامُ بَينَهُما قَالَ لَهُ الحُرُّ: إِنِّي لم أؤمر بقِتالِكَ، وإنَّما أمرتُ ألا أفارقك حتى أقدِمَكَ الكوفة، فإذا أَبَيتَ فخذ طريقاً لا تُدخِلكَ الكوفة، ولا تَرُدُّكَ إِلى المَدينَةِ، تَكُونُ بَيني وَبَينَكَ نَصَفاً، حتى أكتب إلى ابن زيادٍ وتَكتُبَ أنتَ إلى يَزِيدَ بن مُعاوِيَة إن أردت أن تَكتُبَ إليهِ، أو إلى عُبَيدِ اللّه بن زيادٍ إن شئت، فلعَلَّ اللّه إلى ذاكَ أن يَأْتِيَ بأمرٍ يَرزُقْني فِيهِ العافية من أن أبتلى بشيءٍ مِن أمركَ.
قالَ الحسين «علیه السلام»: فَخُذ هاهنا، فَتَيَاسَرَ عَن طريق العُذيبِ وَالقَادِسِيَّةِ، وبَينَهُ وبَينَ العُذيب ثمانِيَة وثلاثون ميلاً.
ثُمَّ إِنَّ الحُسَينَ «علیه السلام» سار في أصحابهِ وَالحُرُّ يُسايرُهُ.
قال في الأخبار الطوال : فساروا جميعاً حَتَّى انتَهَوا إِلَى عُذِيبِ الحماماتِ، فَنَزَلوا جميعاً، وكُلُّ فريق مِنهُما عَلَى غَلَوَةٍ مِنَ الْآخَرِ (1).
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 400 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 302 ج 5 وموسوعة الإمام الحسين «علیه السلام» ج 3 ص 362 - 366 عنه، وعن أنساب الأشراف ج 3 ص 380 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 169 وتجارب الأمم ج 2 ص 62 والكامل في التاريخ ج 4 ص 46 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 229 و 230 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 77 وإعلام الورى ج 1 ص 448 وبحار الأنوار ج 44 ص 375 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 225 وراجع روضة الواعظين ص198 و (منشورات الشريف الرضي) ص 179 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 95 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 335 وعن تذكرة الخواص ص240 والأخبار الطوال ص 248 وراجع الفتوح لابن أعثم ج ص 76 - 79 وراجع: مقاتل الطالبيين ص 111 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج6 ص 2622 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 81 وإبصار العين ص204.
3 - وعند ابن أعثم بعد ذكر حديث الثكل، جاء النص كما يلي:
قال الخبر: غَيرَ أنَّهُ لا بُدَّ أن أنطلِقَ بكَ إِلى عُبَيدِ اللّه بن زيادٍ.
فقالَ لهُ الحُسَينُ «علیه السلام» إذن وَاللّه لَا أَتبَعُكَ أَو تَذهَبَ نَفسي.
قالَ الحُرُّ: إِذَن وَاللّه لا أفارقك أو تَذهَبَ نَفسي وَأَنفُسُ أَصحابي!
قالَ الحُسَينُ «علیه السلام»: بَرِّز أصحابي وأصحابَكَ وَابرز إليَّ، فإن قتَلتَني خُذ برأسي إلى ابن زيادٍ، وإن قتلتُكَ أَرَحتُ الخَلْقَ مِنكَ.
فَقالَ الحُرُّ : أَبا عَبدِ اللّه ! إنّي لم أَوْمَر بقتلك، وإنَّما أُمِرتُ ألا أفارقكَ أو أقدِمَ بِكَ عَلى ابن زيادٍ، وأنَا وَاللّه كارِهُ أَنْ يَبْتَلِيَنِيَ اللّه بِشَيْءٍ من أمرك، غير أنّي قد أخَذتُ بِبَيعَةِ القوم وَخَرَجَتْ إِليكَ، وأنا أعلمُ أَنَّهُ لا يُوافِي القِيامَة أَحَدٌ مِن هذِهِ الأُمَّةِ إِلا وهُوَ يَرجو شَفاعَة جَدِّكَ مُحَمَّدٍ «صلی اللّه علیه وآله»، وأنا خائِفٌ إن أنا قاتَلتُكَ أن أخسَرَ الدُّنيا وَالآخِرَةَ، ولكن أنَا - أَبا عَبدِ اللّه - لستُ أقدِرُ الرُّجوع إلى الكوفة في وقتي هذا، ولكِن خُذ عَنّي هذا الطريق وامض حَيثُ شِئتَ، حَتَّى أَكتُبَ
إلى ابن زيادٍ أنَّ هذا خالفني في الطريق فلم أقدر عَليهِ، وأنَا أنشدُكَ اللّه فِي نَفْسِكَ.
فقالَ الحُسَينُ «علیه السلام»: يا حُرُّ كَأَنَّكَ تُخبِرُني أَنِّي مَقتول!
فَقالَ الحُرُّ: أَبا عَبدِ اللّه! نَعَم، ما أَشْكُ في ذلِكَ إِلا أَن تَرجِعَ مِن حَيتُ جئت.
فقالَ الحُسَينُ «علیه السلام»: ما أدري ما أقولُ لكَ، وَلكِنِّي أَقولُ كَما قال أخو الأوس حَيثُ يَقولُ:
سأمضي وما بالمَوتِ عارٌ عَلى***إذا ما نوى خيرا وجاهَدَ مُسلِما
وواسى الرِّجالَ الصَّالِحِينَ***وفارَقَ مَذموماً وخالف مُجرما
أقدِّمُ نفسي لا أريدُ بَقاءَها***لِتَلقى خميساً فِي الوَغاءِ
فإن مِتُّ لم أندَم وإِن عِشتُ لم أذَمَّ***كَفى بك ذلاً أن تعيش مُرَغّما (1)
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 79 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 230 وروضة الواعظين ص 198 وإعلام الورى ج 1 ص 449 وبحار الأنوار ج 44 ص378 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 227 وتاريخ الأمم والملوك جه ص404 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 305 عن عقبة بن أبي العيزار، وأنساب الأشراف ج3 ص 378 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 169 والكامل في التاريخ ج 4 ص 48 والبداية والنهاية ج 8 ص 173 و (ط دار إحياء التراث) ج8 ص 186 وراجع: الإرشاد ج 2 ص 81 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 85 ونهاية الأرب ج20 ص 416 وإيصار العين ص 204.
4 - وعند أبي الفرج: وأقبَلَ يَسيرُ وَالحُرُّ يُسايرُهُ ويَمْنَعُهُ مِنَ الرُّجوع مِن حَيثُ جَاءَ، ويَمْنَعُ الحُسَينُ «علیه السلام» من دخول الكوفة، حَتَّى نَزَلَ بأقساس مالِكٍ، وكَتَبَ الحُرُّ إِلَى عُبَيدِ اللّه يُعلِمُهُ ذلك (1).
5 - عن عبد اللّه بن منصور عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه عن جده [زين العابدين] «علیهم السلام»:
إِنَّ الحُسَينَ «علیه السلام» قد نَزَلَ الرُّهَيمَة، فأسرى [ابن زيادٍ] إليهِ الحُرَّ بن يَزِيدَ في ألفِ فارس.
قالَ الحُرُّ : فَلَمّا خَرَجتْ مِن مَنزِلي مُتَوَجِّها نَحوَ الحُسَين «عليه السلام» نُوديتُ ثلاثاً: يا حُرُّ! أبشر بالجَنَّةِ.
فالتَفتُ فلم أرَ أحَداً، فقلتُ: تَكِلْتِ الحُرَّ أُمُّهُ؛ يَخْرُجُ إِلى قِتال ابن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» ويُبَشِّرُ بالجَنَّةِ !
فَرَهِقهُ عِندَ صَلاة الظهر، فأمَرَ الحُسَينُ «علیه السلام» ابنَهُ، فَأَدْنَ وأقامَ، وقامَ الحُسَينُ «علیه السلام» فصلى بالفريقين جميعاً، فلمّا سَلَّمَ وَثبَ الحُرُّ بنُ يَزِيدَ فَقالَ: السَّلامُ عَليكَ يَابنَ رَسولُ اللّه وَرَحمَهُ اللّه وبَرَكاتُهُ.
فقالَ الحُسَينُ «علیه السلام» وعَليكَ السَّلامُ، مَن أَنتَ يا عَبْدَ اللّه؟
1) مقاتل الطالبيين ص 111 و 112 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 74.
فقالَ: أَنَا الحُرُّ بنُ يَزِيدَ.
فقالَ: يا حُرُّ، أَعَلينا أم لنا؟
فقالَ الحُرُّ: وَاللّه يَا ابنَ رَسولِ اللّه، لقد بُعِثْتُ لِقِتالِكَ، وأعودُ بِاللّه أن أحشر من قبري وناصيتي مشدودة إليَّ، ويَدي مَغلولة إلى عُنُقي، وأَكَبَّ عَلى حُرِّ وَجهي فِي النّار. يَا ابنَ رَسول اللّه، أَينَ تَذهَبُ؟! ارجع إلى حَرَم جَدّكَ؛ فَإِنَّكَ مَقتول.
فقالَ الحُسَينُ «علیه السلام»:
سَأمْضِي فما بالمَوتِ عَارٌ عَلى***إِذا مَا نَوَى حَقَّاً وجَاهَدَ مُسلِما
وَوَاسَى الرّجالَ الصَّالِحِينَ***وفارَقَ مَثْبُوراً وخالف مُجْرمَا
فَإِنْ مِتُ لم أندَم وإِنْ عِشتُ لم***كفى بكَ ذلاً أنْ تَمُوتَ (1)
ونقول:
لا بأس بالإشارة إلى بعض الأمور في ضمن ما يلي من عناوين:
القادسية: بينها وبين الكوفة خمسة عشر فرسخاً، وبينها وبين العذيب أربعة أميال (2).
رسموا : ساروا سيراً سريعاً. والرسيم ضرب من السير سريع يؤثر في الأرض (1).
جعجع :به ضيّق عليه المكان.
هوادي الخيل: أوائلها وجمع هادية : وهي العنق (2).
الأتوار: جمع تور: إناء يشرب به.
برَّز : أخرج والمراد هنا: أخرج أصحابك وأصحابي. أي أبعدهم، ولتكن المواجهة بينى وبينك فقط.
أو ليبارز أصحابك أصحابي، وأنا أبارزك.
اليعسوب - جمعه يعاسيب: طائر أصغر من الجرادة أو أعظم، لا يضم جناحه إذا وقع، تشبه به الخيل في الضمَّر (3).
الطس: جمعه طساس: هو الطست.
الحماليق: جمع حملاق: باطن الأجفان، الذي يسود بالكحل.
الحدق: سواد العين.
أقساس: قرية في الكوفة تنسب إلى مالك بن عبد هند، يقال لها: أقساس مالك.
1 - كانت أوامر ابن زياد للحر واضحة، فهو يريد منه أن يأتي بالحسين «علیه السلام» إليه مخفوراً، ومقهوراً، لا حول له ولا قوة. ليكون في موقع الأسير الذليل بين يدي ابن زياد «لعنه اللّه».. ولينفذ بعد ذلك أوامر يزيد الصريحة والحاسمة بقتله «علیه السلام».
وبعد قتله يختلقون الروايات والأكاذيب التي تضع الشهيد المظلوم في موقع المعتدي والظالم، هذا إن لم يقتلوه بطريقة خفية، ثم يظهرون بمظهر المتأسف والغاضب من فعل ذلك، ثم يشيعون جنازته بالإجلال والإكبار، ويكسبون بذلك الحمد والثناء والدعاء لهم بطول البقاء.
2 - من الواضح: أنه ليس لابن زياد ولا ليزيد، ولا لأي كان من الناس أن يمنعوا الناس: من السفر إلى أي بلد شاؤوا..
وليس لهم أن يأخذوهم أسرى، ويحجزوا حرياتهم، ويستأثروا بقرارهم، ويفرضوا عليهم وجهات نظرهم.
ولذا نجد: أن عليا «علیه السلام» لم يحجر على أحد من الذين لم يبايعوه، ولا على غيرهم من المعادين والمناوئين له، ولم يمنعهم من السفر إلى هذا البلد أو ذاك.
بل إنه «علیه السلام» حتى بالنسبة لألد أعدائه، ومنهم الخوارج
قد رفض أن يقيد حركتهم، أو أن يضيق عليهم، وقال «علیه السلام» لهم: لكم علينا ثلاثة:
1 - لا نمنعكم مساجد اللّه أن تذكروا فيها اسم اللّه.
2 - ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا
3 - ولا نبدؤكم بقتال (1).
وقال «علیه السلام»: إن سكتوا تركناهم (أو قال: عذرناهم)، وإن
1) الإلمام ج 1 ص 36 والمبسوط للطوسي ج 7 ص 265 و 269 ومنتهى المطلب (ط حجرية) ج 2 ص 983 و 985 ومختصر المزني ص 257 والمغني لابن قدامة ج 10 ص 59 وكشاف القناع ج 2 ص 212 وراجع: الأباضية : عقيدة ومذهباً ص 39 عن فتح الباري ج 12 ص 301 و (الطبعة الثانية - دار المعرفة) ج 12 ص 251 والبداية والنهاية ج 7 ص 282 و 285 ص312 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 7 ص 312 و 315 - 316 والكامل في التاريخ ج 3 ص 335 وراجع: المبسوط للسرخسي ج10 ص 125 والإيضاح لابن شاذان ص 474 ومناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي ج 2 ص 341 وشرح الأخبار ج 2 ص 9 وتفسير البغوي ج 4 ص 214 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 73 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 53 ودعائم الإسلام ج 1 ص 393 ومستدرك الوسائل ج 11 ص 65 ونهج السعادة ج 2 ص 342 والسنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 184 ومعرفة السنن والآثار ج 6 ص 286 والتمهيد لابن عبد البر ج23 ص338 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 ق 2 ص 178 والمصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 741 وتجارب الأمم ج 1 ص 557 ونهاية الأرب ج 20 ص 165.
تكلموا حججناهم، وإن خرجوا علينا قاتلناهم (1).
وقال رجل من الخوارج عن علي «علیه السلام»: قاتله اللّه كافراً ما أفقهه.
فوثب القوم إليه ليقتلوه، فقال لهم «علیه السلام»: رويداً، إنما هو سب بسب، أو عفو عن ذنب (2).
1) أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج 2 ص 352 وبهج الصباغة ج7 ص 155 و 54 و 142 والكامل في التاريخ ج 3 ص 334 و 335 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 72 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 53 وتجارب الأمم ج 1 ص 557 ونهاية الأرب ج 20 ص 165 وجمهرة خطب العرب ج1 ص 408 وراجع كنز العمال ج 11 ص 287 و 308 عن أبي عبيد، والبيهقي، وابن أبي شيبة.
2) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 3 ص 254 و (بشرح عبده - نشر دار الذخائر) ج 4 ص 98 الحكمة 420 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 20 ص 106 و (الإسلامية) ج 14 ص 73 وشرح نهج البلاغة لابن ميثم جه ص 446 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 20 ص 63 والشيعة في التاريخ ص 42 ومناقب آل أبي طالب ج 2 ص 113 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 1 ص 380 وفيه: هناتها بدل هبابها، وموسوعة الإمام على بن أبي طالب «علیه السلام» ج 6 ص 343 عنهما، وبحار الأنوار ج 33 ص 434 وج 41 ص 49 وج 101 ص 39 والإمام علي بن أبي طالب للّهمداني ص 652 وموسوعة أحاديث أهل البيت ج 11 ص380 وميزان الحكمة ج 2 ص 1238 وج 4 ص 3293 ونهج السعادة ج 8 ص 374.
وجاء رجلان برجل إلى علي «علیه السلام»، فقالا له: إن هذا يرى (رأي) الخوارج، وقد قال كذا وكذا لعدي.
قال: فما أصنع به؟!
قالا: تقتله.
قال: أقتل من لا يخرج علي!!
قالا: فتحبسه.
قال: وليست له جناية أحبسه عليها ؟ خليا سبيل الرجل (1).
3 - وإذا كان سبب الإصرار على القبض على الإمام الحسين «علیه السلام»، هو إذلاله، ثم التخلص منه - إن كان سببه - هو : أنه لم يبايع ليزيد، فقد تقدم :
أولاً: أن عدم البيعة ليزيد واجب إلهي، لا يمكن أن يقدم الإمام الحسين على مخالفته.
وقد قدمنا بيان ذلك في أكثر من مناسبة، فلا حاجة إلى الإعادة..
ثانياً : إن عدم البيعة لا يعني استحلال سفك دم من لم يبايع.. وسبي نسائه من بلد إلى بلد، وقتل أهل بيته وأصحابه، والطواف برؤوسهم في البلاد.
1) تاريخ بغداد ج 14 ص 365 و 366 و (ط دار الكتب العلمية) ج 14 ص 369 وراجع التمهيد لابن عبد البر ج 23 ص 334 وأعيان الشيعة ج 2 ص 348.
بل تقدم: أن أمير المؤمنين «علیه السلام» لم يعاقب الذين نكثوا بيعته في يوم الغدير، ولا الذين لم يبايعوه، أو نكثوا بيعته التى أعطوه إياها بعد قتل عثمان. كما ألمحنا إليه فيما تقدم أيضاً.
يلاحظ: أنه «علیه السلام» قد أقسم على أنه قد عرف منشأ الاشتباه الذي وقع فيه ذلك الرجل الذي كبر حين رأى هوادي الخيل، فظنها شجر النخل، وكان ذلك الرجل لا يملك معرفة تفصيلية بالمنطقة.
ولكنه «علیه السلام» لم يبادر إلى إعلان هذا الأمر الذي عرفه حتى سأل الأسديين عن رأيهما فيما قاله ذلك الرجل الذي كبر. فأجابا بما يوافق ما في ضميره «علیه السلام». وحينئذٍ بادر «علیه السلام» إلى إخبارهم بما في ضميره.
ولعل سبب ذلك: أنه «علیه السلام» لو بادر قبل سؤال ذينك الرجلين إلى إخبار الناس بما علمه، فلعل بعض الناس يرتاب بصحة قوله، ويراه ضرباً من التكهن، لأنه يعلم بأن الحسين «علیه السلام» ليس من أهل تلك البلاد، ولم يستكشف المنطقة قبل ذلك.
ومن يحدث نفسه بهذه الأفكار، فهو يعاني من اختلال إيماني، قد يتنامى ويتطور ليبلغ حدا يخرجه عن دائرة السلامة، ويدخله في دائرة الخطر الجسيم، والضرر العظيم.
وبذلك يعلم: أن هذا السؤال منه «علیه السلام» للأسديين. ثم ما
عقب به على جوابهما لم يكن مجرد محادثة عفوية، بل كان يرمىإلى أمر جليل، وهو صيانة إيمان الناس من الشوائب التي قد تنتهي بهمإلى المصائب والنوائب.
وحين رأى الإمام «علیه السلام» جيش الحر طلب من زهير بن القين: أن يدلهم على جبل يلجأون إليه، ويجعلونه خلف ظهورهم، بحيث لا يستطيع العدو - إن كان هناك عدو - أن يأتيهم إلا من وجه واحد..فدله على جبل ذي حسم.
ولنا أن نسجل هنا أيضاً:
1 - إنه «علیه السلام» لم يستفد من علم الإمامة في تعيين الملجأ الذي يحتاج إليه، وهو جبل ذي حسم القريب من ذلك المكان.. بل اعتمد على القدرات التي كانت بحوزته وهي خبرة زهير بن القين بتلك المنطقة، وجبالها.
وقد قلنا أكثر من مرة : إن النبي «صلی اللّه علیه وآله» كان يضع لأصحابه المعجزة والكرامة، ولكنه لا يستفيد من المعجزة في إنجاز ما يجب على الناس إنجازه، فنرى أنه في حرب الخندق يطعم الجيش كله من كف تمر، أو من فخذ شاة، ولكنه يطلب من ذلك الجيش أن يحفر الخندق حول المدينة بجهدهم، وبوسائلهم المتواضعة.
فإطعام الجيش بأجمعه كان تصرفاً خارج دائرة الحرب ووسائلها، وتهيئة الإمكانات لها.
والإمام الحسين «علیه السلام» هنا حين احتاج هو وأصحابه إلى التحرز من العدو المحتمل، لم يصنع لنفسه، ولا لأصحابه معجزة توجد لهم ملجأ، ومن دون بذل جهد في البحث عنه، ثم بالاستباق بينهم وبين الحر وأصحابه للوصول إلى ذلك الملجأ، وهو الجبل المشار إليه...
2 - إن طلب الإمام «علیه السلام» الملجأ على هذا النحو، ليستقبل العدو من وجه واحد، هو الإجراء الذي اعتمده النبي «صلی اللّه علیه وآله» في حرب أحد، حيث جعل جبل أحد خلف ظهره، واستقبل العدو من وجه واحد.
واللافت هنا: أن الإمام الحسين «علیه السلام» حين واجه جيش الحر عند جبل ذي حسم ورأى عطشهم أمر غلمانه بأن يسقوا ذلك الجيش، ويرشفوا الخيل ترشيفاً.
وجاء أحد فرسانهم - وهو علي بن الطعان - متأخرا، ولم يتمكن من السيطرة على السقاء لكي يشرب، فساعده الإمام الحسين «عليه السلام»، في ذلك بنفسه حتى شرب هو وفرسه.
ونقول:
1 - إن الإمام الحسين «علیه السلام» قد تعامل مع هذا الجيش بتدرج، وبالانتقال معهم من مرحلة إلى أخرى، فكانت المرحلة الأولى هي معاملتهم بروح المحبة والمودة والرفق. فبادر إلى سقي جيش
الحر، ورفع غائلة العطش عنهم وعن خيولهم وحفظ حياتهم، مع أنه «علیه السلام» يعلم: أنهم جاؤوا لمناوأته، واعتقاله، وأخذه مخفوراً إلى عدوه، ليصنع به ما يحلو له.. ومع علمه بأنهم لن يتورعوا عن سفك دمه، ودماء أصحابه وأهل بيته، وسيكون هذا هو مصيرهم في نهاية المطاف..
وهذا التصرف الحنون، والرفيق، والودود مذهل وفريد في بابه، ولا نعلم له نظيراً في تاريخ الإنسانية.
2 - إن هذا العمل الرائع كان كافيا لإحداث صدمة وجدانية لدى هؤلاء الأعداء، وفرض عليهم أن يعيدوا النظر في حساباتهم، ويقارنوا بين أخلاق وسياسات ونهج بني أمية ومن هم على شاكلتهم، وبين سياسات وأخلاق ونهج الإمام الحسين وأهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة. فإن كانوا لم يفعلوا ذلك، فلا شك في أن الحجة تكون قد قامت عليهم، ومكابرتهم، وإصرارهم، ومشاركتهم في قتال الحسين «عليه السلام» بعد ذلك، ما هو إلا جحود وطغيان، وخزي وخذلان.
وقد لاحظنا في كلمات الإمام الحسين «علیه السلام» مع جيش يزيد في يوم عاشوراء: أنه «علیه السلام» كان يطلب من أفراد ذلك الجيش: أن يدرسوا الوقائع والأحوال، ثم ينظروا إن كان يحل لهم قتله «علیه السلام» أو لا يحل.
3 - إنه «علیه السلام» قد تعامل مع جيش الحر بمسؤولية، وعظمة، ونبل، وعزة، وبرفق ورحمة واتزان. وبما هو إمام يرى أنه
مطالب بحفظ أفراد الأمة وهدايتهم ورعايتهم، والرفق بهم، حتى لو كانوا عصاة، فإن الإمام هو بمثابة الأب الرحيم للناس، كما دلت عليه النصوص الواردة عن النبي «صلی اللّه علیه وآله» وأهل بيته، بل الإمام وهو القائم مقام النبي «صلی اللّه علیه وآله»، مطالب بما كان النبي «صلی اللّه علیه وآله» مطالبا به في قوله تعالى: «لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ» (1).
وكما كانت نفس النبي «صلی اللّه علیه وآله» تذهب حسرات على قومه الذين كانوا يحاربونه، كذلك كان حال الإمام الحسين «علیه السلام» بالنسبة لأعدائه، ومن جاء لقتاله.
وهذا يفسر لنا قول الحسين «علیه السلام» لعلي بن الطعان: يا ابن أخ، أنخ الجمل. وقوله : يا ابن أخ كلمة حنونة، ورضية، ومؤنسة، مع أنه كان من الممكن أن يقول له: أيها الرجل، أنخ الجمل.. أو أن لا يقترب منه أصلا، ولا يكلمه بشيء.
ومما يزيد في قيمة هذا الحدث، مشاركة الحسين نفسه في سقي بعض جيش يزيد، فإنه هو الذي خنث السقاء لعلى بن الطعان المحاربي.. ولو رجعنا إلى سيرة الحكام، والأمراء، والقادة، فسنجد: أنهم يتعاملون مع الناس من موقع الأمر والنهي، ولا يبادرون إلى
1) الآية 128 من سورة التوبة.
مساعدتهم، وتولي الأمور بأنفسهم. فهذه هي الخطوة الأولى من التعامل الحسيني مع مناوئيه.
وقد كان الحسين «علیه السلام» يعلم: بأن هذا الجيش هو جيش السلطة، فإن جيشاً بهذا الحجم لا يتحرك في تلك البلاد، إلا إذا كان في كنف الحكم، وبتحريك من الحاكمين..
ولو كان هذا الجيش معاديا للسلطة، فإنها لن تجد صعوبة في القضاء على ألف فارس. لقدرتها على مواجهة الألف بعشرات الألوف. وهنا تبدأ الخطوة الثانية، فإنه «علیه السلام» أراد أن يراعي أضعف الاحتمالات في حق الطرف الآخر، فقال «علیه السلام» للحر وجيشه: من أنتم؟!
وهذا سؤال تقريري، يهدف إلى استخراج اعتراف منهم، وتسجيل شهادتهم على أنفسهم: بأنهم جيش ابن زياد، لكي يسمعها القاصي والداني، وتكون حجة عليهم. فلو أنه «علیه السلام» لم يطرح هذا السؤال، وبادر إلى اتخاذ أي موقف سلبي لوجد الملامة تنهال عليه من كل حدب وصوب. ولوجد نفسه مدانا، وعدوه مبرءاً من كل ذنب. ولكانوا قد اتهموه بالتسرع لاحتمال أن يكون ذلك الجيش لا علاقة له بالحكام، أو أن له علاقة بهم لا تعنيه كما لو كان في طريقه إلى الثغور للمرابطة، والدفاع، وما إلى ذلك.
وبذلك يعلم: أن هذا السؤال على نسق السؤال الذي يقول: «وَمَا تِلْكَ
بيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ» (1).
ثم تأتي الخطوة الثالثة، حيث إنه بعد السؤال الأول عن هوية وانتماء ذلك الجيش طرح عليهم السؤال الثاني، فقال لهم: ومن قائدكم؟!
قالوا: الحر بن يزيد الرياحي..
وإنما سألهم «علیه السلام» عن قائدهم لكي ينقل الخطاب إلى موقع القرار المسؤول، الذي يمكن ترتيب الأثر عليه، واتخاذ موقف عملي على أساسه، إذ لو بقي الخطاب مع عامة ذلك الجيش لم يكن يمكن ترتيب أثر على أقوال أفراده الذين قد تختلف أقوالهم، وقد يجتهدون في الأمور اجتهادات خاطئة، ويصدرون الأحكام على غير أساس وثيق..
وحتى لو كانت تلك الأقوال تمثل السياسة المعتمدة لدى الحكام، فإن بإمكانهم أن يسقطوها عن الاعتبار، بادعاء خطئها، وخطلها، ثم تعتمد قرارات أخرى، أشد قسوة وحِدَّة، إذا وجدت: أن ذلك يعيد إليها مصداقيتها، وهيبتها، ويقوي من موقفها..
ولأجل ذلك سأل الإمام ذلك الجيش عن قائده، ليتوجه إليه في خطابه، ولكي تبقى الأمور في دائرة الوضوح، والضبط والانضباط.
1) الآيتان 17 و 18 من سورة طه.
وكانت هذه هي الخطوة الرابعة.
ثم تأتي الخطوة الخامسة التي بدأها «علیه السلام» بسؤال الحر الرياحي، وهو قائد الجيش قائلاً: ألنا أم علينا ؟!
فأجابه الحر: بل عليك أبا عبد اللّه..
فيلاحظ: أنه «علیه السلام» بالرغم من علمه بأن هذا الجيش تابع لابن زياد، وبني أمية، وقد صرح له الحر نفسه بذلك، فإنه لم يعتبره معاديا، فهل سبب طرح السؤال عن كونه له أو عليه هو إرادة التأكد من احتمال أن يكون هذا الجيش بصدد إنجاز مهمة أخرى لا ربط لها بالحسين «علیه السلام».
أو أن سببه هو الدلالة على أن الحسين «علیه السلام» لم يكن يرى أنه في حالة حرب مع الحكم القائم.. حتى إذا أجابه قائد ذلك الجيش بأنه معاد له «علیه السلام» فإن ذلك يكون دليلاً صريحاً على أن الحكم الأموي هو الذي أعلن الحرب على الحسين «علیه السلام» وليس العكس؟!
فظهر: أنه «علیه السلام» قد قصد إزالة احتمال أن يكون لهذا الجيش، مهمة أخرى لا ترتبط بالإمام الحسين «علیه السلام»، وقصد أيضاً إسماع الناس تصريح القائد، وعدم الاكتفاء بالسماع من أفواه العناصر الذين قد لا يكون كلامهم صحيحاً ولا دقيقاً. قصد إسماعهم إعلان الحرب من قبل الحكم الأموي عليه..
ونلاحظ: أن جواب الحر للإمام الحسين «علیه السلام» قد تضمن ما يشير إلى أدب جم، ومحبة، وعاطفة تختلج في صدر الحر تجاه الحسين «علیه السلام». فقد خاطب الحسين «علیه السلام» بكنيته لا باسمه وهذا ما جرى عليه الحر في خطاباته المختلفة مع الإمام «علیه السلام». كما تظهره رواية ابن أعثم المتقدمة.
وفي الخطوة السادسة نشير إلى الكلمة التي عقب بها الإمام «عليه السلام» على جواب الحر، بقوله: «لا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللّه...».
فترى : أنه «علیه السلام» لم يظهر الغضب أو الاضطراب، ولا سجل تساؤلاً عن سبب هذا العداء. كما أنه لم يسب، ولم يشتم، ولم يتهدد، ولا توعد، ولا أعلن عن منابذته لذلك الجيش، أو لقائده، ولا حاول التباعد عنه وعن جيشه..
بل أطلق كلمة مبهمة معناها : أنه «علیه السلام»، لا يرى أنه يملك في نفسه وحقيقة ذاته أية قوة أو حركة، وقدرة على التصرف إلا باللّه سبحانه.. وكأنه يريد أن يشير إلى أن من يعتمد على المال أو على الرجال، أو على الهيبة والنفوذ والسلطة فعليه أن يعيد النظر، وأن يعرف أن اللّه سبحانه أقوى منه وأغنى، وأنه تعالى لا يعجزه شيء.
وقد أضاف بعض الإخوة الأكارم احتمالاً آخر، فقال: لعله «علیه السلام» أراد أن يشير باسترجاعه هذا إلى أن هؤلاء في بلاء عظيم
مواجهتهم الإمام الشرعي الذي تودي مواجهته إلى النار.
1 - ثم تأتي الخطوة السابعة وهي التصرف والتعامل الهادئ والرضي، الذي انتهى بإمامة الإمام «علیه السلام» للصلاة، واقتداء الحر، وجيشه به. كما ذكر في الروايات المتقدمة.
وهذا الأمر أيضاً فريد في التاريخ، فإننا لم نعهد أن جيشاً جاء للقبض على شخص، وتسليمه إلى عدوه، وقد أمر بالتضييق عليه، والجعجعة به - لم نجد - أنه يأتم بهذا الذي جاء لمناوأته، ويجعله إماماً له في صلاته.
2 - وللصلاة رمزيتها وإيحاءاتها. ولهذا الاجتماع على إمام واحد دلالة على أن الجميع مسلمون، ما لم يقع بينهم السيف، فإن وقع السيف بينهم كانوا أمة، وكان الآخرون أمة - كما روي عن علي «علیه السلام» في صفين..
مع ملاحظة: أن في هذا دلالة على اعتراف الحر بأن للإمام قداسة ليست لأحد سواه على وجه الأرض، فكيف يستحل هو ومن معه حربه وسفك دمه، وهو من أهل بيت النبوة، المطهر بنص القرآن، وهو أيضاً سيد شباب أهل الجنة وما إلى ذلك؟!
3 - وثمة أمر آخر لافت هنا، فإن الحسين «علیه السلام» كما في بعض المصادر قال للحر أتصلي معنا ؟ أم تصلي بأصحابك وأصلي بأصحابي؟!
ونتيجة هذا الكلام أحد أمرين:
الأول: أن يصلي الإمام بالفريقين.
الثاني: أن يصلي الإمام «علیه السلام» بأصحابه والحر بأصحابه.
فلم يذكر «علیه السلام» الشق الثالث، وهو: أن يكون الحر هو الإمام للفريقين معا، ويصلي الإمام خلفه. ربما لأن الحر في ذلك الوقت بالذات لا تصح الصلاة خلفه، لأنه يمارس عملا فيه معصية اللّه تعالى، وهو في هذه الحال فاقد لصفة العدالة التي هي شرط في إمام الجماعة.
ثم تأتي الخطوة الثامنة، المتمثلة بخطبة الإمام الحسين قبل الصلاة أو بعدها بأصحابه، وبجيش الحر.. وهي خطبة لا تزيد على خمسة أسطر.. كما أن الخطبة الأخرى التي أوردها «علیه السلام» بعد صلاة العصر لا تزيد عن هذا المقدار إلا ببضع كلمات..
وهذا يعطي: أن الإيجاز مطلوب. وأنه أدعى لحفظ المقاصد، وأكثر قابلية لاستيعابها واختزانها في الذاكرة، وأيسر لنقلها، وتداولها، وانتشارها.
والظاهر: أن الهدف من تكرار الخطبة هو تحريك الطرف الآخر للتأمل في الأمر، واتخاذ موقفه عن وعي وبصيرة، وكأنه يريد منهم أن لا يغضوا الطرف عما يجري، ولا يمروا عليه مرور الكرام،
وكأنه لا يعنيهم.
وبعدما تقدم نقول:
الظاهر : أنه «علیه السلام» خطب مرتين:
إحداهما: حين صلاة الظهر، إما قبل الصلاة أو بعدها.
والثانية: بعد صلاة العصر.
وقد تضمنت خطبته الأولى ما يلي:
1 - أنه «علیه السلام» أخبرهم أن ما يريد أن يقوله إنما يقوله لسببين:
أولهما: أن تكون ذمته بريئة أمام اللّه تعالى.
الثاني: أن يعرفهم حقيقة ما جرى، لكي يكونوا على بصيرة من أمرهم.
وهذه هي صفات القائد الإلهي، الذي يرسم للناس بمواقفه وبكل حركاته وكلماته طريق نجاة، وسبيل هداية ودلالة.
وفي هذا المورد يقدم الإمام الحسين «علیه السلام» فيما يقول ويفعل القدوة الرائدة والأسوة الحسنة للأجيال بعده.
2 - في رواية ابن أعثم ولعلها الأصح أضاف كلمة: «وإلى مَن حَضَرَ مِنَ المُسلِمِينَ» بدل كلمة وإليكم. وبذلك يكون خطابه موجهاً إلى أصحابه وإلى الحر وجيشه أيضاً. وقوله: «وإلى مَن حَضَرَ مِنَ المُسلِمينَ» نص صريح في ذلك. أما كلمة «وإليكم» فليس فيها هذا التنصيص على التعميم والشمول.
وهذا ما فهمه أصحاب الحر، ولكنهم سكتوا، ولم يعلقوا على کلامه «علیه السلام»، وهو يدل على أنه كان يتوقع منهم ذلك.. فلو لم يكن هناك ما يدل على أنهم معنيون بهذا الخطاب لم يكن لهذا التوقع مورد، أو مجال.
وهناك دلالة أخرى على هذا التعميم، بل على اختصاص الخطاب بالحر وأصحابه أيضاً، وهي نفس مضمون الخطاب، حيث قال لهم في بداية كلامه: «إنّي لم آتِكُم حتى أتتني كُتُبُكُم، وقدِمَت عَلَيَّ رُسُلُكُم: أن اقدم عَلينا».
وبقية كلامه صريح في أنه يخاطب أهل العراق، وأنهم إن كرهوا مقدمه انصرف عنهم إلى الموضع الذي جاء منه، وإن كانوا ثابتين على موقفهم الذي أتته به رسلهم، فإنه يقدم مصرهم.
فإن الذين راسلوه ليسوا هم أهل بيته وأصحابه الذين جاؤوا معه.
يلاحظ: أن الإمام لا يصر على إلزامهم بتعهداتهم المكتوبة، كما لا يصر على إلزام مبايعيه بما تقتضيه البيعة. بل يعطيهم الخيار، ويفسح لهم المجال لإعادة النظر، واتخاذ القرار، وعلينا أن نعلم :
1 - أن الخيار الذي منحهم إياه لا يجوز لهم نكث عهده، ولا إنكار إمامته، ولا العزوف عن نصرته. لأن وجوب هذه الأمور عليهم ثابت بحكم العقل والشرع والدين، والأخلاق والأعراف، ولا مجال لإنكاره، أو النقاش فيه.
2 - إن الإمامة مقام يمنحه اللّه لمن يشاء من خلقه، ولا يستشير في ذلك أحدا، ولا خيار لأحد فيه. ولكن إذا انتهى الأمر إلى رد العدوان وحفظ الكيان، ووجوب النصر، والجهاد الذي هو مظنة التعرض للخطر، فإن الإمام «علیه السلام» لا يريد أن يكره الناس على نصره، لأن هذا الإكراه يسلب عن المكره صفة المجاهد الذي يتولى اللّه سبحانه مكافأته.. ويرفع مقامه، بل هو ينزل هذا الناصر إلى درجة المقاتل الذي لا مثوبة له، ولا ينال مقام الشهادة لو قتل في المعركة، بل هو مجرد قتيل وليس شهيداً.
بل إن رحمة الإمام بالناس، تأبى أن يرضى هذا الإمام الحق، المطهر المعصوم أن تزهق أرواح الناس في نصرته، ليكونوا مجرد ضحايا، ولا يشملهم اللطف والكرم الإلهي العارم بل هو «علیه السلام» لا يرضى بأن يبذل أحد جهداً، أو أن ينفق مالاً، أو يقدم خدمة لا يثيبه اللّه تعالى عليها، حتى لو بادر إلى ذلك باختياره، فهل يرضى أن يكره الناس أو يضطرهم، أو أن يطلب منهم بذل جهد في عمل ليس لهم فيه أية فائدة، أو عائدة سوى التعب والعناء ؟!
3 - إنه «علیه السلام» قد طلب من مخاطبيه، إن كانوا لا زالوا ملتزمين بما تعهدوا به له فى كتبهم إليه، فهو يقدم عليهم، شرط: أن يعطوه من العهود والمواثيق ما يجعله يطمئن إلى وفائهم..
ولعل سبب هذا الاشتراط: هو ما ظهر من تخاذلهم، ونكثهم للعهود، التي جلبت المصائب وأطاحت بحياة العديد من الأخيار الأبرار من الرجال، وعلى رأسهم مسلم بن عقيل «رحمه اللّه»..
ثم جاءت الخطوة التاسعة حين خطب «علیه السلام» في أصحابه وفي جيش الحر مرة ثانية بعد صلاة العصر، وقد أعاد في هذه الخطبة نفس المضمون الذي أورده في الخطبة الأولى، غير أنه «علیه السلام» أضاف أموراً مهمة وضمنها إشارات جميلة، ولطائف جليلة، لعلها هي التي استفزت الحر بن يزيد، حتى انبرى للتعبير عن عدم علمه بالكتب المرسلة إلى الإمام الحسين «علیه السلام»، والتي تطلب منه القدوم..
ومن الأمور التي أضافها على الخطبة الأولى ما يلي:
1 - إنه «علیه السلام» بدأ خطبته - كما يقول ابن أعثم - بالتعريف عن نفسه: بأنه ابن بنت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ونقول:
أولاً: إن هذا يجب أن يحجزهم عن الإساءة إليه، بل يحتم عليهم أن يعرفوا قدره، وأن يحفظوا به كرامة الزهراء «علیها السلام»، وكرامة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».
ثانياً: يجب أن يدفعهم هذا إلى أن يعرفوا قدره ومقامه «علیه السلام»، وموقعه من هذا الدين كما دلت علي النصوص القرآنية والنبوية، فهو سليل أفضل الخلق، وربيبه وحبيبه، والعارف بكل ما جاء به، والمتخلق بأخلاقه، حتى استحق وسام سيادة شباب أهل الجنة.
فلا مجال للمقارنة بينه «علیه السلام» وبين من لم يزل يسعى
لاستلاب مقام خلافة النبي، وادعائه لنفسه، وهو بعيد كل البعد عنه في نشأته، وفي المحيط الذي عاش فيه، وفي أخلاقه وممارساته، وفي سائر أحواله، بل هو لا يشبه أهل الأيمان وأهل الإسلام في أبسط أحوالهم، أو في شيء من أفعالهم. فضلا عن تاريخه الأسود الزاخر بالآثام والجرائم، والفسق، وشرب الخمر، بل هو معلن بالفسق، وقاتل للنفس المحترمة كما وصفه «علیه السلام».
ثالثاً: إن هذه النظرة الواعية تجعل الأمور في غاية الوضوح لهم، حيث سيدركون أن أهل البيت «علیهم السلام» هم أولى الناس بمقام رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، والأجدر بحفظ الدين، ورعاية شؤون الأمة.
رابعاً: إنه «علیه السلام» في مقام التدليل على هذه الأولوية. وبعد إشارته إلى أنه «علیه السلام» ابن بنت الرسول، فهو حبيبه وربيبه، وأعرف الناس بما جاء به، وهو أقدس الناس، وأفضلهم، أشار إلى أمور ثلاثة تجعل تولي المدعين لهذا الأمر بغير حق أبعد الناس عنه، وهذه الأمور هي:
1 - أنهم يدعون ما ليس لهم، بل النصوص القرآنية والنبوية تدحض دعواهم هذه، فضلاً عن حديث الغدير، وعن الأدلة المختلفة يوم التي تؤكد على أن الأمر لأهل البيت «علیهم السلام» ولا نصيب للطلقاء وأبنائهم فيه.
2 - إن الناس قد جربوهم، وعرفوهم، ورأوا أن سيرتهم فيهم لم
تكن هنية، ورضية، لا عند اللّه، ولا عند الناس، لأن الناس لم يروا منهم غير الظلم والعسف والتكبر والتجبر..
3 - إن سيرتهم في الظلم والبغي لا تقف عند حدود، لكي يمكن للناس أن يتدبروا أمرهم، ويجنبوا أنفسهم الوقوع في شراكها، لأنها مفعمة بالعدوان، وعدم مراعاة الحدود، لا الشرعية، ولا الأخلاقية، ولا الأعراف الاجتماعية، ولا غير ذلك..
وهذا ما يجعل الحياة مع هؤلاء حياة خوف، وهلع مستمر، وفي زيادة مطَّردة.
ثم إنه «علیه السلام» اعتبر أن المسؤولية عن كل ظلم وفساد وعدوان، تقع بالدرجة الأولى على عاتق الناس أنفسهم، فإن عدم قيامهم بواجباتهم، وعدم مراعاة جانب التقوى منهم، والبعد عن اللّه، والتخاذل، وحب الدنيا هو الذي مكَّن هؤلاء المدعين ما ليس لهم من رقاب الناس.
فالأمور في مبدئها وفي منتهاها مرهونة بالناس.. شرط تحقق أمرين، ذكر هما «علیه السلام» بقوله: «إن تَتَّقوا وتَعرِفُوا الحَقَّ لِأهلِهِ يكن أرضى اللّه» إلى أن قال: «وإن أنتُم کرهتمونا، وجَهلتُم حَقَّنا، وكَانَ رَأَيْكُم غَيرَ ما أتتني كُتُبُكْم، وقدِمَت بهِ عَلَيَّ رُسُلُكُم، اِنصَرَفتُ عَنكُم».
فالأمر الأول: هو الاعتصام بالتقوى، والعودة إلى اللّه، وتلمس
مواقع رضاه لكي ينتهوا إليها، ويكونوا روادها وأعلامها، فإذا حصل ذلك فستجدهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولا يرضون بظلم، ولا يقرون أحداً على عدوان. وسيمنعون من اغتصاب الحقوق، ولا يمالئون أهل الباطل على باطلهم، بل ينصرون الحق وأهله بكل ما يقدرون عليه..
والأمر الثاني: هو الإعتراف العملي بحق أهل البيت «علیهم السلام»، لأنهم إذا تجاهلوا حقهم «علیهم السلام»، فستكون نتيجة ذلك هو استسهال العدوان على الأئمة الهداة، والقادة الكفاة، ومواصلة استلاب مقاماتهم، والتنكيل بهم.
وحول قوله: «وإن أنتُم كَرهتُمونا... إنصَرَفْتُ عَنكُم» نقول:
لم يذكر الإمام «علیه السلام»: أنه لا يريد أن ينصرف عن أهل العراق ليجلس في بيته، ويكف عن تحمل مسؤولياته، بل هو ينصرف عنهم ليبحث عمن يساعده في طلب الإصلاح في أمة جده، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ويستفاد من قول ابن أعثم: «فَجاءَ عُقْبَهُ بِكْتُبِ أهل الشام والكوفة»: أن الكثيرين من أهل الشام أيضا قد كتبو إلى الإمام الحسين «علیه السلام» يطلبون منه أن ينضووا تحت لوائه ويكونوا تحت جناحه.
ولكن لم يظهر لنا: أن أهل الشام الذين كتبوا إلى الإمام، كانوا من سكان الكوفة، سواء أكانوا عراقيي الأصل، أو شاميين، أو غير ذلك، وقد كتبوا إليه منها مع من كتب، أو أنهم كانوا من أهل الشام، سواء أكانوا شاميي الأصل، أو كانوا عراقيين، أو غير ذلك، وقد كتبوا إليه من بلاد الشام...
وإن كان الراجح هو هذا الاحتمال الثاني.. كما هو مقتضى ظاهر العبارة.
ولا بأس بلفت النظر إلى الأمور التالية:
إن الحر حين رأى هو وأصحابه الكتب التي أرسلها أهل الكوفة إلى الحسين «علیه السلام» قال له: «فإنّا لسنا من هؤلاءِ الَّذِينَ كَتَبوا إليكَ».
فقد يقال: هل يعقل أن لا يكون أحد من جيش الحر، - وهم ألف فارس - لم يكتب إلى الإمام الحسين «علیه السلام»، مع أنه قد تسلَّم - فيما قيل - اثني عشر ألف كتاب من أهل الكوفة؟!
ألا يدلنا ذلك على أن الحر لم يكن صادقا في قوله هذا للإمام الحسين «علیه السلام»؟!
ويجاب:
أولاً : بأنه حتى لو كان أحد من هؤلاء الألف فارس، قد كتب إلى الإمام «علیه السلام»، فإنه سوف لا يعترف بذلك، لأنه يعلم أن
اعترافه هذا سيكلفه حياته.. أو على الأقل سيجعله في موضع الشبهة والريب، والمراقبة من قبل السلطة.
ثانياً: إن الحر والذين جاؤوا معه هم جيش السلطة، ومن أتباع الفريق الأموي، المعادي للحسين «علیه السلام»، وقد كان المتعاطفون مع الإمام الحسين «علیه السلام» يخفون نشاطاتهم، وتحركاتهم، ومراسلاتهم عن الفريق الأموي، فمن أين علم الحر: بأن أحداً من جيش السلطة قد أرسل الأعداء. وهذا يجعل من قول الحر «رحمه اللّه»: لسنا من هؤلاء في دائرة الصدق. فإن كان هناك من قد كتب، فإنه سوف يكتم أمره أشد الكتمان.
إن من يلاحظ كلمات وتصرفات الحر «رحمه اللّه» مع الإمام الحسين «علیه السلام» يدرك: أنه كان يعيش حالة من عدم الرضا عن نفسه في هذه المهمة التي أوكلت إليه.. إن لم نقل: إنه كان في حالة صراع خفي مع وجدانه.
وقد تجلى هذا الأمر في تصرفاته، وفي كلماته في أكثر من موقف ومناسبة.
وقد صرح الحر نفسه بهذا الأمر حين قال: «وأَنَا أَعلَمُ أَنَّهُ لَا يُوافِي القِيامَة أَحَدٌ مِن هذِهِ الأُمَّةِ إلا وهُوَ يَرجو شَفاعَة جَدِّكَ مُحَمَّدٍ «صلى اللّه
عليه وآله»، وأنَا َخائِفٌ إن أنَا قَاتَلتُكَ أن أخسَرَ الدُّنيا وَالْآخِرَةَ» (1).
وقد ذكرنا فيما تقدم: أنه حين قال له الإمام «علیه السلام»: «ثَكِلتكَ أُمُّكَ! مَا تُرِيدُ»؟!
أجابه الحر: «أمَا وَاللّه، لو غَيرُكَ مِنَ العَرَبِ يَقولُها لي، وهُوَ عَلى مِثل الحال التى أنت عَليها، ما تَرَكتُ ذِكرَ أُمِّهِ بِالثُّكل أن أقولهُ كَائِناً مَن كانَ، ولكن وَاللّه ما لي إلى ذكر أُمِّكَ مِن سَبِيلٍ إِلَّا بِأحسَن ما يُقدَرُ عَليه» (2).
كما أنه يقول له، وهو يسايره: «إنّي أذكَّرُكَ اللّه فِي نَفْسِكَ؛ فَإِنِّي
1) راجع: الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 79 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص230 وروضة الواعظين ص 198 وإعلام الورى ج 1 ص449 وبحار الأنوار ج 44 ص 378 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 227 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 404 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 305 وأنساب الأشراف ج3 ص378 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 169 والكامل في التاريخ ج4 ص 48 والبداية والنهاية ج 8 ص 173 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 186 وراجع: الإرشاد ج 2 ص 81 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 85 ونهاية الأرب ج 20 ص 416 وإبصار العين ص 204.
2) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 402 و (ط الأعلمي) ج 4 ص304 ومقاتل الطالبيين ص 73 و 74 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 84 ونهاية الأرب ج 20 ص 418 وإبصار العين ص 204 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 80 وبحار الأنوار ج 44 ص 377 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 228 وإعلام الورى ج 1 ص 449.
أَشْهَدُ لَئِن قاتلت لتقتَلنَّ» (1). وهذا كلام مشفق على الحسين «عليه السلام» ولا يريد أن تبلغ الأمور إلى هذا الحد..
ويقول الحر للإمام الحسين «علیه السلام» أيضاً: «فلعلَّ اللّه إلى ذاكَ أَن يَأْتِيَ بأَمرٍ يَرزُقْني فِيهِ العافِيَة مِن أن أبتَلَى بِشَيْءٍ مِن أمرك» (2).
هناك إشارات أخرى إلى هذا الأمر، لا حاجة لتتبعها.
وقد بدأت الخطوة العاشرة بتصعيد حسيني في لهجة الخطاب مع
1) روضة الواعظين ص 179 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 81 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 246 وبحار الأنوار ج44 ص378 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 228 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 402 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 305 وتجارب الأمم ج 2 ص 64 والكامل في التاريخ ج 4 ص 48 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8، ص187 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 87 وإعلام الورى ج 1 ص 449 ونهاية الأرب ج 20 ص 419 وإبصار العين ص205.
2) روضة الواعظين ص 179 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 80 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 402 و 403 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 304 وتجارب الأمم ج 2 ص 64 والكامل في التاريخ ج 4 ص 48 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 187 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 85 وإعلام الورى ج 1 ص 449 وإبصار العين ص 205.
الحر، الذي كان إلى تلك اللحظة في موقع المناوئ للحق وأهله - بحجة: أنه مأخوذ بالبيعة التي أعطاها لبني أمية، كما قال
مع أن البيعة التي تأتي في سياق غصب المقام من أصحابه الشرعيين، وتمثل تمرداً على اللّه ورسوله، ونقضاً لما أبرماه، وتلاعباً بالدين والشريعة - إن هذه البيعة - باطلة، ولا قيمة ولا أثر لها.
وقد تمثل هذا التصعيد في نبرة الخطاب بما يلي:
1 - في قول الإمام الحسين «علیه السلام» للحر: «المَوتُ أدنى إِلَيكَ من ذلك» جواباً على قوله: إنه يريد أن يقدم بالحسين «عليه السلام» على ابن زياد.
وهي كلمة وقعها ثقيل على مسامع قائد مشهور، وفارس شجاع، بل لعله أشجع أهل الكوفة، كالحر الرياحي.
2 - ثم رفع من مستوى التحدي إلى درجة إظهار الاستهانة بشخص الحر وبأصحابه، حيث التفت «علیه السلام» إلى من معه، فقال: «اِحمِلُوا النِّسَاءَ لِيَركَبوا، حَتَّى نَنظُرَ مَا الَّذِي يَصْنَعُ هذا وأصحابه!».
3 - ثم ولى «علیه السلام» بوجهه لينصرف هو ومن معه، فحال الحر وأصحابه بينهم وبين الإنصراف، وفي الفتوح: «فَضَرَبَ الحُسَينُ «علیه السلام» بِيَدِهِ إِلى سَيفِهِ ثُمَّ صاحَ بالحُرِّ: ثَكِلتكَ أُمُّكَ! مَا الَّذِي تُريدُ أن تَصنَعَ»؟!
وفي رواية ابن أعثم تفصيلات أخرى عن الأخذ والرد المتشنج
الذي جرى بين الحر وبين الحسين «علیه السلام».
فكانت كلمة «ثكلتك أمك» هي التي حركت الحر، وخدشت كبرياءه أكثر من أي شيء آخر.
ويبدو من سياقات النصوص التي بين أيدينا: أن الإمام «عليه السلام» كان يصعّد في لغة الخطاب مع الحر بصورة تدريجية، لكي يوصله إلى هذا الموقف المر، والمأزق الحرج.
فحين ذكر «علیه السلام» أم الحر بالثكل كَبُرَ عليه ذلك، وأهاجه ولكنه بمراجعة سريعة للأمور وجد نفسه غير قادر على مواجهة هذا الكلام بمثله، وأنه مضطر للتراجع، فتراجع برجولة الفارس الشجاع، وبشهامة الرجال الأحرار، وقال للإمام «علیه السلام»:
أمَا وَاللّه، لو غَيرُكَ مِنَ العَرَبِ يَقولُها لي، وهُوَ عَلَى مِثل الحال التى أنتَ عَليها، ما تَرَكتُ ذِكرَ أُمِّهِ بالثكل أن أقولهُ كَائِنَا مَن كانَ، ولكن واللّه ما لى إلى ذكر أمّك مِن سَبيل إلا بأحسن ما يُقدَرُ عَليهِ.
والمراد بالحال التي كان الحسين عليها هي حالة العداء، والمنابذة والتحدي.
وقد تقدم أن الحسين «علیه السلام» كان قد ذكر في خطبة صلاة العصر المتقدمة: أنه «علیه السلام» ابن بنت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فأودع هذا الأمر مسبقا في ذاكرة الحر، لكي يستثير من جديد ذاكرة هذا الرجل النبيل فى هذه اللحظات الحساسة.
وبذلك يظهر : أن الإمام الحسين «علیه السلام» قد أحسن للحر حين ذكر أمه بالثكل، وأراد أن يخرجه بها من الظلمات إلى النور، ومن الجحيم إلى النعيم.
بل هو «علیه السلام» لم يخرج عن دائرة الصواب في القول، في هذه الكلمة القاسية والمثيرة، فإن من يرضى بأن يقود جيشاً ضد أعلم الناس، وأفضل، وأتقى وأطهر، وأقدس الناس، وسيد شباب أهل الجنة، والإمام الذي تجب عليه طاعته ونصرته ولا يبالي أن يبتلى بما هو أعظم وأدهى من القتال، وهو قتل الحسين «علیه السلام» ومن معه.. الأمر الذي لا ترجى بعده توبة ولا عفو، أو شفاعة - إن إنساناً كهذا - يكون موته خيراً له من حياته ويكون الدعاء عليه بأن تشكله أمه إحساناً إليه، وإنقاذاً له من هذا البلاء العظيم.
ونذكر هنا فقرة كنا قد ذكرناها في كتابنا: الصحيح من سيرة الإمام علي «علیه السلام». نذكرها هنا مع تعديلات طفيفة اقتضاها المقام، وهى التالية:
إن هذه الكلمة التي قالها الإمام الحسين «علیه السلام» للحر، كانت بمثابة بساط الريح الذي حمل الحر من أرض الشهوات، والشبهات، والضلالات والأهواء ومن محيط الجريمة والرذيلة، ومن الأجواء التي تنضح بالخزي والعار، ليلقيه في واحات رضا الرحمن، ومنازل الكرامة والعز والرضوان، ويلحقه بالصديقين، مع محمد وآله
الطاهرين.
ونحن نعلم: أن الحر لم يكن من الفقهاء، ولا من العلماء، ولعله كان يعرف العناوين العامة من الإسلام، ويمارس الطقوس والحركات، ولكنه حين رأى تعامل الإمام الحسين «علیه السلام» معه، ومع الجيش الذي أتى به حتى لقد سقاه وسقاهم وسقى خيلهم وهم جميعاً في عداد الأعداء، فيفترض في الحر أن يكون قد رجع إلى فطرته، وأعمل عقله، ونظر بعين بصيرته، فرأى أنوار الهداية والطهر، والحق والصدق ساطعة في جبين الإمام الحسين «علیه السلام».. فعرف ما كان يجهل، وأبصر ما كان عمياً عنه.
فيفترض أنه قد أدرك «رحمه اللّه» - وكذلك جيشه -: أن عليه أن يخرج من بحار الظلمات: ظلمات الأهواء، والمغريات التي كانت تشده إلى الأرض ليخلد إليها، وتزين له الحياة الدنيا، وتظهر له مفاتنها ومباهجها، ليزداد تعلقا بها.
فالحر رجل شجاع، بل هو أشجع أهل الكوفة في زمانه (1). وهو قائد فذ، ورئيس مطاع، لم يترب في بيئة أهل البيت «علیهم السلام»، ولا عاش طهرهم، ولا ورعهم، ولا عاين زهدهم، ولم ير الكثير من باهر
1) ويدل علىه قول المهاجر بن أوس له عندما بدأ يفكر في التحول إلى جانب الإمام الحسين «علیه السلام»: «ولو قيل لي من أشجع أهل الكوفة ما عدوتك».
علومهم، ورضيِّ أخلاقهم، وجميل شيمهم، ووافر كرمهم، وعظيم وفائهم، وكريم خصالهم.
بل عاش في محيط التنافس القبلي، والعصبيات العشائرية، وفي أجواء تهيمن عليها الأطماع، وبهرجات المقامات، والبحث عن المنافع والمصالح لا يفكر في مصير أمة، ولا يهتم بمحتاج، وربما لا يخطر على باله معونة فقير، أو دفاع عن مظلوم، أو العمل للدين والقيم، وللمآثر والشيم.
وحين قال له الإمام الحسين «علیه السلام»: «ثكلتك أمك» كان «عليه السلام» جاداً وقاصداً لما يقول، فإن من الخير للحر أن تثكله أمه قبل أن ييعتدي على إمام مطهر معصوم، وسيد شباب أهل الجنة.
وقد هزته هذه الكلمة من الأعماق، وهمَّ أن يبادل الحسين «علیه السلام» الموقف بمثله، فأدرك أن الحسين من معدن آخر، فإن أمه ليست كأم الحر لكي يذكرها بالثكل، فخضع وبخع، وتطامن أمام الحق... وحرر نفسه من كل تلك القيود التي كانت تشده إلى الأرض لتغرسه فيها (1).
وقد ظهرت ثمرات جميع ما جرى للحر مع الحسين «عليه السلام» في كربلاء كما سنرى.
1) الصحيح من سيرة الإمام علي «علیه السلام» ج 46 ص 239.
ويلاحظ: أن لهجة الحر «رحمه اللّه» بعد هذا الموقف الحاد قد خفت حدتها، وأصبح أكثر لطفا وملاءمة وصار هو بصدد إيجاد مخرج لنفسه من هذا المأزق. وقد اقترح على الإمام الحسين «عليه السلام» أن يختار طريقاً لا تدخله الكوفة، ولا ترده إلى المدينة.
ولعله نظر إلى أنه لو دخل الحسين «علیه السلام» الكوفة وهو حر طليق، وكما يريد ويحب، فإن الأمور قد تشهد تطورات وتحولات تثير غضب ابن زياد ويزيد وبني أمية، ولا يبعد أن يوصم الحر بالخيانة، ويستحل بذلك دمه
كما أنه لو عاد «علیه السلام» إلى المدينة، فإن ابن زياد سيتهم الحر أيضاً بأنه تواطأ معه، إذ من الطبيعي أن يكونا قد التقيا في الطريق، واتفقا على أن يرجع الحسين إلى بلده ويعود الحر إلى من أرسله، وسيجد ابن زياد ومن معه، ومن وراءه شاكين في أي عذر يعتذر به، وأية رواية وذريعة يتوسل بها. وبذلك يكون الحر في موقع التهمة والخطر أيضاً.
تقول الراواية المتقدمة عن الإمام الصادق «علیه السلام»: إن الحر لما خرج من منزله متوجها نحو الحسين «علیه السلام» نودي ثلاثاً: يا حُرُّ! أبشر بالجَنَّةِ.
فَالْتَفتُ فلم يَرَى أَحَداً، فَقالَ: ثَكِلْتِ الحُرَّ أُمُّهُ؛ يَخْرُجُ إِلَى قِتال ابن
رَسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» ويُبَشِّرُ بِالجَنَّةِ؟!
ونحن لا نستغرب هذه البشارة للحر بالجنة بعد حدوث التحول الكبير لدى الحر حتى انتهى الأمر به إلى الاستشهاد في كربلاء يوم عاشوراء. وكانت هذه البشارة من جملة مظاهر اللطف الإلهي به، والإعداد النفسي له ليختار الطريق الأمثل الذي انتهى به إلى السعادة في الآخرة.
غير أن هنا نقطة أخرى، تحتاج إلى توضيح، وهي: أن الحر يصرح هنا بأنه إنما يخرج لقتال ابن رسول «صلی اللّه علیه وآله». كما أنه حسب نص هذه الرواية يقول للإمام الحسين «علیه السلام»: «وَاللّه يَا ابنَ رَسولِ اللّه، لقد بُعِثْتُ لِقِتالِكَ». ثم ناشده الحر أن يرجع إلى حرم جده.
فأجابه «علیه السلام» بالأبيات المتقدمة.
ولكن قد يقال: إن هذا لا يتوافق مع الروايات الأخرى المتقدمة، والتي يقول فيها الحر للإمام «علیه السلام»: «إنّي لم أوْمَر بقِتالِكَ». فكيف نوفق بينهما، أو بأيهما نأخذ؟!
ونجيب:
بأن مراد الحر: أنه قد أمر بأن يأتي بالإمام الحسين «عليه السلام» إلى ابن زياد مخفوراً، وأسيراً ويسلمه إياه. ولكن إذا امتنع عليه الحسين «علیه السلام»، ولم يتمكن من إنجاز مهمته إلا بقتاله وقتله، فعليه أن يبادر إلى ذلك، وإذا كان الحر يعلم: أن الحسين «علیه السلام»
لا يستأسر له مهما كان الثمن، فمعنى ذلك أنه يعلم أن قتاله للحسين واقع لا محالة.
فقول الحر للحسين «علیه السلام»: إنه لم يؤمر بقتاله صحيح، ويريد به أن مهمته الأولى هي الإتيان به مخفوراً وأسيراً.
وقوله: إنه خارج لقتال الحسين، أو بعث لقتاله صحيح أيضا، فإنه مأمور بقتاله حين لا يتمكن من أسره بدون ذلك.
ويلاحظ هنا أيضاً: أن الإمام الحسين «علیه السلام» قد انتزع اعترافاً من قائدٍ قد جاء للقبض عليه بأن السلطة مصممة على قتله «علیه السلام». وهذا إخبار من عارف، مطلع على بواطن الأمور.
فلم يعد يمكن لأحد أن يتوهم: أن الحسين «علیه السلام» قد استنبط ذلك، ولعله لم يكن موفقا في استنباطه، أو لعل خوفه هو الذي جعله يتوهم أنهم سوف يقتلونه.
لقد أمر الإمام الحسين «علیه السلام» الرجلين المشرقيين بالإبتعاد عن مشهد القتال.. وإلا كان جزاؤهما النار.
ومن المعلوم: أن نصرة الإمام واجبة عقلا، فكيف يكون ابتعادهما موجباً لسقوط هذا الواجب؟! وكيف أجازهما الإمام بترك نصرته، والإبتعاد عن محيط القتال؟!
ونجيب:
أولاً : إنه «علیه السلام» حين أمرهما بالإبتعاد لم يكن هناك قتال، فلعل ذلك الرجل كان يحتمل أن تستجد أمور تنحل بها المشكلة، ويرتفع الخطر.
ثانياً: إن صيرورة الرجل بعيداً عن موقع المواجهة، وعن لحظة وقوع القتل تجعل إغاثته للإمام بعيدة التحقق وغير عملية، لاسيما وأن ابتعاده كان لعذر يرى أنه وجيه ومقبول.
ثالثاً : إذا كان وجود هذا الرجل مع الإمام لا يدفع القتل عنه، ففائدة وجوده - بنظره - هي: أن ينال درجة الشهادة، وإنما يكون ذلك ممكنا إذا كان لدى هذا المقاتل رغبة بالشهادة، إذا تبلورت لديه نية القربة..
وهنا تبرز أمامنا الإحتمالات التالية:
1 - أن يبقى في ساحة المعركة يرى ويشاهد ما يجري، ولا يحرك ساكنا.. فيكون خاذلاً لإمامه، ويكون مصيره إلى النار.
2 - أن يبتعد عن المكان لعذر اعتقد أنه وجيه ومقبول، فلا يرى ولا يعرف ما يجري، ثم يبلغه الخبر بعد فوات الأوان، مع حضور نيته بالنصر، وتلهفه له، فهذا معذور على تخلفه، مثاب على نيته.
3 - أن يكون عالماً أو محتملاً لقتل إمامه، ولكنه قصد تعجيز نفسه عن نصرته، ولو بالابتعاد عنه، ظنا منه أن هذا التعجيز قد يصلح عذرا له عند اللّه، مع غفلته عن أن الإمتناع بالإختيار لا ينافي الإختيار.
فإن هذا الشخص يتوهم: أنه معذور، مع على أقل تقدير لا يستحق الكرامة ولا الاحترام.
عن عقبة بن أبى العيزار:
أنه ليس كذلك، وهو
قامَ حُسَينٌ «علیه السلام» بذي حُسُمٍ، فَحَمِدَ اللّه وأَتْني عَلَيهِ، ثُمَّ قالَ: إِنَّهُ قد نَزَلَ مِنَ الأمر ما قد تَرَونَ، وإنَّ الدُّنيا قد تَغَيَّرَت وتَنَكَّرَت، وأدبَرَ مَعروفها، وَاسْتَمَرَّت جدًا [في الملهوف : جَدَاءَ]، فلم يَبقَ مِنها إِلا صُبابة كَصُبَابَةِ الإناء، وخَسِيسُ عَيش كَالمَرعى الوَبي [الوبيل].
ألا تَرَونَ أَنَّ الحَقَّ لا يُعمَلُ بِهِ، وأنَّ الباطِلَ لا يُتَناهى عَنهُ! لِيَرغَبِ المُؤمِنُ فِي لِقاءِ اللّه مُحِقا ؛ فإنّي لا أرى المَوتَ إِلا شَهادَةَ [في
الملهوف: سَعادَةَ]، ولا الحَياةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إِلَّا بَرَماً.
قالَ: فَقامَ زُهَيرُ بنُ القين البَجَلِيُّ، فَقالَ لأصحابه : تَكلمون أم أتكلم؟
قالوا: لا، بل تكلم.
فَحَمِدَ اللّه، فأثنى عَليهِ ثُمَّ قَالَ : قد سَمِعنا - هَداكَ اللّه [في الملهوف: هدانا اللّه بِكَ] يَا ابنَ رَسولِ اللّه - مقالتَكَ، وَاللّه لو كانَتِ الدُّنيا لنا باقِيَة وكنّا فيها مُخَلَّدينَ، إِلَّا أَنَّ فِراقها في نَصركَ ومُواساتِكَ، لأَثرِنَا الْخُرُوجَ مَعَكَ عَلى الإقامة فيها.
قالَ: فَدَعا لهُ الحُسَينُ «علیه السلام»، ثُمَّ َقالَ لَهُ خَيرا (1).
قالَ: ووَثَبَ هِلالُ بنُ نَافِعِ البَجَلِيُّ، فَقالَ: وَاللّه مَا كَرهنا لِقَاءَ رَبِّنَا، وإِنَّا عَلى نِيَّاتِنا وَبَصائرنا، نُوالي مَن والاكَ، وتُعادي مَن عاداكَ.
قالَ: وقامَ بُرَيرُ بنُ حُصَين، فقالَ: وَاللّه يَا ابنَ رَسولِ اللّه، لقد مَنَّ اللّه
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 403 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 305 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 374 و 375 عنه، ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 86 والملهوف ص 138 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 48 ومثير الأحزان ص 44 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 31 إلى قوله: فقام زهير. والمجالس الفاخرة ص 226 وراجع: بحار الأنوار ج 44 ص 381 و ج 75 ص 116 وتحف العقول ص 245 وشرح الأخبار ج 3 ص 150 وراجع: ونظم درر السمطين ص 216 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص77 وإبصار العين ص 30 وذخائر العقبى ص 149 وجمهرة خطب العرب ج 2 ص 47 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 605.
بِكَ عَلَينا أَن تُقَاتِلَ بَينَ يَدَيكَ، فَتُقطعُ فِيكَ أعضاؤُنا، ثُمَّ يَكُونُ جَدُّكَ شفيعنا يَومَ القِيامَةِ (1).
وذكرت مصادر أخرى أن هذه الخطبة كانت لما نزل عمر بن سعد «لعنه اللّه» بالحسين «علیه السلام» (2).
وزاد ابن شعبة على الخطبة قوله: «إنَّ النّاسَ عَبِيدُ الدُّنيا، وَالدِّينُ لعِقِّ عَلى أَلسِنَتِهم، يحوطونَهُ ما دَرَّت مَعائِشُهُم، فَإِذا مُحِّصوا بِالبَلاءِ
1) الملهوف ص 138 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 48 وبحار الأنوار ج 44 ص 381 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 232 والمجالس الفاخرة ص 226.
2) نثر الدرج 1 ص337 ونزهة الناظر ص87 وتنبيه الخواطر ج 2 ص 102 و (نشر دار الكتب الإسلامية) ج 2 ص 421 والأمالي الشجرية ج 1 ص 161 والمعجم الكبير ج 3 ص 114 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص310 والعقد الفريد ج 3 ص366 وحلية الأولياء ج 2 ص 39 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 217 وشرح الأخبار ج3 ص 150 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 375 - 377 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 314 ومجمع الزوائد ج 9 ص 192 والمعجم الكبير ج 3 ص 114 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 310 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 12 وكشف الغمة ج 2 ص 242 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 270 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 605 و 506 وج 27 ص 134 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 68 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 224 وبحار الأنوار ج 44 ص 192 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص231.
جذَّاء مقطوعة، أو مكسورة.
برما: سأما وملالة.
صبابة - بضم الصاد - البقية من الماء أو اللبن في الإناء.
الوبيل: الوخيم.
الديَّانون: فسر الديان بالقاضي، وبالحاسب. والظاهر: أن المعنى الثاني هو الأنسب هنا.
لعق: اللعقة: اللحسة، ولعق مصدر. أي لحس على ألسنتهم. وكلمة اللحس تشير إلى الضآلة والقلة.
ذو حسم: موضع بين شراف والبيضة.
بالنسبة للمكان الذي خطب الإمام الحسين «علیه السلام» فيه بهذه الخطبة المباركة نقول:
قد اختلفوا في تحديده.
فمنهم من قال إنه خطب بها في ذي حسم (1).
وقيل: في عذيب الهجانات، كما يظهر من كلام ابن طاووس (2).
وقيل: في كربلاء، بعد نزول عمر بن سعد به «علیه السلام» (3).
وبعضهم لم يحدد موضعاً بعينه، واكتفى بالقول: بأنه «علیه السلام» خطب بها فى مسير كربلاء (4).
وليس لدينا ما يشير إلى تصحيح أي من هذه الأقوال، وإبطال ما
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 403 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 305 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 374 و 375 عنه، ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 86 ومثير الأحزان ص 44 و (ط المكتبة الحيدرية) ص31 وجمهرة خطب العرب ج 2 ص 47 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 605 وأعيان الشيعة ج 1 ص 598.
2) الملهوف ص 138 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 48.
3) راجع المصادر المتقدمة.
4) تحف العقول ص 245 وبحار الأنوار ج 75 ص 116 وراجع ج 44 ص 381 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 231 وأعيان الشيعة ج 1 ص 598 وذخائر العقبى (ط مكتبة القدسي) ص 149.
عداه. ولأجل ذلك رأينا: أن لا نعتمد أيَّا من هذه الأقوال، ونقتصر على القول: بأنه قالها في موضع يقع بين ذي حسم إلى كربلاء.
وقد رأينا: أن لهجة الخطاب الحسيني قد تغيرت بعد اللقاء بالحر، وابتداءً من ذي حسم فصار «علیه السلام» يشير إلى اقتراب المواجهة، ويؤكد على أنها أمر واقع لا محالة.. ولكن من دون الإشارة إلى أن له «علیه السلام» دوراً في إثارتها.
ولتوضيح ذلك من خلال كلمات هذه الخطبة المباركة نسجل ما يلي:
1 - إنه «علیه السلام» أعلن في أول كلمة قالها في خطبته هذه: أن ثمة أمراً قد حدث، وأنهم قد يرون - في الآتي القريب - تداعياته، وآثاره، وبوادره، ومظاهره بصورة مباشرة، فقد قال «علیه السلام»: «إِنَّهُ قد نَزَلَ مِنَ الأمر ما قد تَرَونَ». ولم يقل: قد نزل ما ترون. فكلمة «قد» لعلها للإشارة إلى أن هذا الذي نزل ليس من الأمور التي يسهل إدراكها على عامة الناس، بل هو يحتاج إلى تأمل، وتبصر، وتدبر وأناة.
أو للإشارة إلى أن ما نزل هو قرار خطير وكبير، يستهدف الأمة في رموزها، وفى دينها، وكل وجودها وأن آثاره ستظهر، وسيراها الناس، ومنهم الذين كان الإمام الحسين «علیه السلام» يخاطبهم.
2 - ثم أشار «علیه السلام» إلى أن مسار الأمور في هذه الدنيا يشير إلى شح كبير في إمكانات مواجهة هذا الأمر النازل، فقد يقال: إن
سبب ذلك هو استئثار الفئة الباغية والطاغية بهذه الإمكانات، وتوظيفها في خططها الشيطانية الشريرة. ولعله لأجل ذلك قال «علیه السلام»: «وإنَّ الدُّنيا قد تَغَيَّرَت وتَنَكَرَت، وأدبَرَ مَعروفها».
وربما قيل: إن سبب هذا التغير فى الدنيا هو تغير نوايا أهلها، وسوء سلوك وفساد أخلاق طلابها المتهالكين عليها، ففسدت الفطرة، وحصل العبث بالأحكام والشرائع، وعاثوا في الأرض فسادا. فمحقت الخيرات، وذهبت البركات، وحجبت الألطاف الإلهية، ومنعت الأرض خيرها، وأمسكت السماء قطرها، واستؤصل الخير من مكامنه، وقصرت الأيدي عن الوصول إليه، والحصول عليه، وضاق على المؤمن عيشه، وأصبح مشوباً بالمنغصات، بل محاطا بالقاذورات، مغموراً بكل ما هو قبيح وكريه.
وربما كان هذا أيضاً هو بعض ما ألمح إليه «علیه السلام» بقوله:
«وَاسْتَمَرَّت جَدًّاء، فلم يبقَ مِنها إِلا صُبابة كَصُبَابَةِ الإِناء، وخَسِيسٌ عَيشِ كَالمَرعى الوَبيل».
3 - غير أن من الواضح: أن لهذه الكلمات منحى آخر، يتمثل بكشفها الدقيق عن الواقع الذي كان قائماً مما يعني: أن لهذه الخطبة مهمة تعليمية، لأنها تثري الوعي الإنساني، وترسخ وتجذر المعنى الإيماني، وتكشف عن بصائر الصفوة التي اختارت تقديم الأمثولة الأرقى والأبقى للإنسان المؤمن التقي، والوفي الصفي، الذي يريد أن
ينغمس في واحات الرضا الإلهي، ويرتوي من زلال كوثر محبته، ولطفه.
فهذه الكلمات منه «علیه السلام» هي البلسم الشافي، والكوثر الصافي الذي يغمر أرواح هؤلاء الأصحاب، ويكشف عن بصائرهم، ليفيض نور الهدى من قلوبهم، ويغمر كل وجودهم. لكي تصبح هذه المكاره التي يرونها من حولهم، وهذه الصبابة الضئيلة منها، وخسيس العيش الضئيل، والوخيم الوبيل، والذليل هي الدافع والمحفز لهم، للزهد بالدنيا، وكراهة هذه الدار التي يقوى فيها الأشرار، ويضطهد الأبرار، وللشوق إلى دار البقاء، والصفاء والنقاء، والفيض والعطاء.
4 - وبذلك يتضح كيف لا يرى المؤمن الراسخ اليقين الموت إلا
فوزاً وسعادة والحياة مع الظالمين إلا ملالة وضجراً وبرماً. فإن هذا الوعي الطافح بالإيمان واليقين يثير لديه أشد الرغبات، واقوى المحفزات لمغادرة هذه الدار الغادرة، والذليلة والفانية الدائرة، إلى دار الرضا الإلهي.
وتصبح السعادة بالشهادة، بل تكون أدنى لحظات الحياة في كنف اللّه ومع أصفيائه وأوليائه أحب إليهم من الدنيا وما فيها، ومن الخلود في مذلاتها ومخازيها، ومقاساة شدائدها ومآسيها.
وهذا ما ألمح إليه زهير بن القين، حيث قال: «وَاللّه لو كانَتِ الدُّنيا لنا باقِيَة وكُنّا فيها مُخَلَّدين، إلا أنَّ فِراقها في نَصرِكَ ومُواسَاتِكَ، لآثرِنَا الخُروجَ مَعَكَ عَلَى الْإِقَامَةِ فيها».
وأشار إليه نافع بن هلال أيضاً بقوله : «وَاللّه مَا كَرهنا لِقَاءَ رَبِّنَا، وإِنَّا عَلى نِيَّاتِنا وَبَصائرنا».
5 - ولا يبعد أيضاً: أن يكون «علیه السلام» قد أراد أن يستثير همم أصحابه ليقف زهير بن القين ويتكلم باسمهم، وبالنيابة عنهم بتلك الكلمات الرائعة، ثم يتكلم نافع بن هلال، وبرير بمثلها ليسمع ذلك جيش الحر، ليكون ذلك حجة عليهم أيضاً.
إنه «علیه السلام» قد تابع كلامه بإعلان النفير العام، الشامل لجميع المؤمنين لإعادة الأمور إلى نصابها، فإن الواقع الراهن كان يحتم على كل مؤمن يعيش ويرى أن يتحرك لمواجهته. ولو بلغ ذلك ما بلغ، فإن المؤمن إذا لقي اللّه شهيداً محقاً، فتلك هي السعادة الغامرة من خلال المثوبات والتفضلات. والتخلص من الحياة مع الظالمين يصبح سعادة تضاف إلى تلك السعادة.
6 - ونلاحظ هنا : أنه «علیه السلام» لم يذكر شيئاً عن الحرب مع الحكام، أو عن السعي إلى امتلاك السلطة ولا أشار إلى نصر أو ظفر، أو هزيمة، أو غنيمة. بل تحدث عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعن تحمل تبعات ذلك مهما بلغت التحديات والآلام التي قد يواجهها، فإن بلغت حد الموت والاستشهاد فلا ينبغي أن يكره المؤمن ذلك، بل عليه أن يرغب ويأنس به.
7 - ومن خلال هذه الجولة في رحاب كلمات الإمام الحسين «علیه السلام» نعرف: أن الحسين «علیه السلام» لم يزل يتحرك في دائرة
عدم التصريح بأنه بصدد الخروج على الحكام ومحاربتهم.
بل غاية ما ذكره هنا: هو وجوب تغيير الواقع القائم، مهما بلغت التضحيات. ولا بد من مواصلة هذا الجهد حتى مع عنف الحكام، وشدة عسفهم، وظلمهم.
بل لو بلغ الأمر بهؤلاء الأمرين بالمعروف الناهين عن المنكر حد الموت، فيجب أن يكونوا راغبين بهذا الموت أيضا، فهو شهادة وسعادة...
8 - ويلاحظ: أنه «علیه السلام» أشار إلى أن بهذا الموت فائدة أخرى، وهي التخلص من الحياة مع الظالمين، التي هي حياة ملل وضجر وسأم مما يعني: أن الظالمين سوف يبقى لهم دورهم في الحياة الدنيا، وأن الموت الذي يواجهه المؤمنون في أمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، سوف لا يقوض سلطان الظالمين.
9 - يلاحظ أنه «علیه السلام» ذكر صبابة الكأس.. ليشير إلى ضآلة البقية التي تكون فيه وتسمى صبابة.
قال ابن أعثم:
أصْبَحَ الحُسَينُ «علیه السلام» مِن وَرَاءِ عُذيب الهجاناتِ.. فقالَ لهُ زُهَيرٌ:
فسر بنا حَتَّى نَصِيرَ بكَربَلاءَ؛ فَإِنَّها عَلى شاطئ القُراتِ فَنَكونَ هُنالِكَ، فإن قاتلونا قاتلناهُم وَاستَعَنا بِاللّه عَليهم.
قالَ: فَدَمِعَت عَينا الحُسَين «علیه السلام»، ثم قال: اللّهم، ثم اللّهم، إنِّي أعودُ بكَ مِنَ الكَربِ وَالبَلاء.
قالَ: ونَزَلَ الحُسَينُ «علیه السلام» في مَوضِعِهِ ذلِكَ، وَنَزَلَ الحُرُّ بنُ يَزِيدَ حِذاءَهُ فِي أَلْفِ فارس.
ودَعَا الْحُسَينُ «علیه السلام» بدَواةٍ وبَياض، وكَتَبَ إلى أشرافِ الكوفةِ مِمَّن كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ عَلَى رَأيهِ:
بسم اللّه الرَّحمنِ الرَّحِيمِ
مِنَ الحُسَين بن عَلِيٍّ إِلى سُليمان بن صُرَدٍ، وَالمُسَيَّبِ بن نُجبَة، ورفاعَة بن شَدّادٍ و عَبدِ اللّه بن والِ، وَجَمَاعَةِ الْمُؤْمِنِينَ.
أمّا بَعدُ، فقد عَلِمتُم أنَّ رَسولَ اللّه «صلی اللّه علیه وآله» قد قالَ في حَيَاتِهِ: «مَن رأى سُلطاناً جائراً، مُستَحِلا لِحَرام، أو تاركا لِعَهْدِ اللّه، ومُخالِفاً لِسُنَّةِ رَسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فَعَمِلَ فِي عِبادِ اللّه بالإثم والعدوان، ثمَّ لم يُغَيّر عَليهِ بقول ولا فِعل، كانَ حَقًّا عَلَى اللّه أن يُدخِلَهُ مُدخَلهُ».
وقد عَلِمتُم أَنَّ هؤلاء لزموا طاعَة الشيطان، وتَوَلُّوا عَن طَاعَةِ الرَّحمن، وأظهَرُوا الفساد، وعطلوا الحُدودَ، وَاستَأثروا بالقيء، وأحلوا حَرامَ اللّه، وحَرَّمُوا حَلاله، وأنَا أَحَقُّ [في تاريخ الأمم والملوك: مَن غَيَّر] مِن غَيري بهذا الأمر؛ لقرابتي مِن رَسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».
وقد أتتني كتُبُكُم، وقدِمَت عَلَيَّ رُسُلُكُم بِبَيعَتِكُم أَنَّكُم لا تَخذُلُوني، فَإِن
وَقِيتُم لي بِبَيعَتِكُم فَقدِ استَوفيتُم حَقَّكُم وحَظَّكُم ورشدَكُم في تاريخ الأمم والملوك : فَأَنَا الحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ، وَابْنُ فَاطِمَةَ بنتِ رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»]، ونَفسي مَعَ أَنفُسِكُم، وأهلي ووُلدي مَعَ أهاليكم وأولادِكُم، فَلكُم فِيَّ أسوَةٌ.
وإن لم تَفعَلُوا ونَقضتُم عَهْدَكُم ومواثيقكُم، وخَلعتُم بَيعَتَكُم، فَلعَمري ما هِيَ مِنكُم بنكر، لقد فعلتُموها بأبي، وأخي، وابن عَمِّي، هَل المَغرُورُ إِلا مَنِ اغتَرَّ بِكُم، فإنَّما حَقَّكُم (لعل الصحيح: حظكم) أخطأتم ونَصيبَكُم ضَيَّعتُم، ومَن نَكَثَ فَإِنَّما يَنكُثُ عَلى نَفْسِهِ، وَسَيُغْنِي اللّه عَنكُم، وَالسَّلامُ.
قالَ : ثُمَّ طوى الكِتابَ وخَتَمَهُ، ودَفَعَهُ إلى قيس بن مسهر الصَّيداوي، وأمَرَهُ أَن يَسير إلى الكوفة (1).
ويفهم من بعض النصوص : أن هذه البيانات الحسينية كانت خطبة، وليست كتاباً لأهل الكوفة، ففي الطبري والبلاذري: إن الحسين خطب
1) الفتوح لابن أعثم ج ص 80 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص234 وبحار الأنوار ج 44 ص 381 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص232 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 403 و (ط الأعلمي) ج 4 ص304 والكامل في التاريخ ج 4 ص 48 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص85 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 602 و ج 2 ص 138 وراجع: أنساب الأشراف ج3 ص381 و (ط دار التعارف) ج3 ص171 ونهاية الأرب ج 20 ص 419.
أصحابه وأصحاب الحر بالبيضة، فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» قال من رأى سلطانا جائراً الخ..
وعند البلاذري: أن هؤلاء قوم لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمان، فأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود الخ..
إلى أن قال البلاذري : فقام زهير بن القين، فقال: واللّه لو كنا في الدنيا مخلدين لآثرنا فراقها في نصرتك ومواساتك!!
فدعا له الحسين بخير (1).
ونقول:
لا بأس بالنظر إلى ما يلي:
1 - عرفنا أن هناك من يقول : إن هذا النص هو خطبة للإمام الحسين «علیه السلام». وهناك من يقول : إنه كتاب أرسله «علیه السلام» إلى أهل الكوفة.
2 - عرفنا أيضاً: أن ثمة من يقول : إن هذا الكتاب كتب في موضع
1) أنساب الأشراف ج 3 ص 381 و (ط دار (المعارف) ج 3 ص 171 و تاریخ الأمم والملوك ج 5 ص 403 و (ط الأعلمي) ج 4 ص304 والكامل في التاريخ ج 4 ص 48 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص85 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 609 وجمهرة خطب العرب ج 2 ص 48.
قرب عذيب الهجانات. وهناك من يقول: إنه كلام قاله الإمام الحسين في البيضة.
3 - إن النصوص الواردة في المصادر المختلفة ليست على نسق واحد، ففيها تقديم وتأخير في المقاطع، وفي الجمل، وبعض الاختلاف والتفاوت في الكلمات.
هي اختلافات لا تمس الجوهر والمضمون، ولا تثير حول صحته أية شبهة يعتد بها. إن غاية ما ينتهى إليه هذا الاختلاف، هو أن يكون الرواة قد اتفقوا على صدور هذا النص منه «علیه السلام»، ولكنهم نسوا، أو غفلوا عن تحديد المكان، وعن الحيثيات التي اكتنفت صدور النص.
تقدم: أن زهير بن القين عرض على الإمام «علیه السلام» أن ينزل كربلاء، فقال «علیه السلام»: «اللّهمَّ، ثُمَّ اللّهمَّ إِنِّي أَعوذُ بِكَ مِنَ الكَرْبِ وَالبَلاءِ»
فقد يدور بخلد البعض: أن هذا الجواب جواب تشاؤمي، انساق إليه «علیه السلام» بعفوية من خلال تركيبة الحروف في كلمة «كربلاء»، فاستنبط معنى تكرهه النفس، فتوقع حدوثه دون أن يستند في ذلك إلى سبب معقول.
ونجيب:
أولاً: بأن هذا الكلام إنما يصدر عن جاهل بمقام الإمام
وخصائص الإمامة. يضاف إلى ذلك أن حروف كلمة «كربلاء» لا الكرب والبلاء، إلا بإضافة مقترحة إليها لبعض الحروف، ليمكن صياغة عبارة: كرب وبلاء، أو الكرب والبلاء». ولا مبرر للتشاؤم استناداً إلى كلمات يسهم في بلورتها ونحتها ذلك الشخص على سبيل الاقتراح الابتدائي، إلا إذا فرض أن هذا الرجل لا يملك السلامة النفسية الكافية.
ثانياً: إنه «علیه السلام» لم يتعوذ من الكرب والبلاء انطلاقاً من أمر تخيلي نشأ عن نسق حروف اخترع هو «علیه السلام» بعضها. بل تعوذ منهما انطلاقا من علمه الذي تلقاه عن أبيه عن جده بأنه سيقتل هو وأهل بيته وأصحابه في هذا المكان بالذات، فليست القضية قضية تشاؤم وحدس وتخمين، بل هي علم ويقين تلقاه «علیه السلام» من ذي علم.
ولا نوافق على التعبير الوارد في الرواية المتقدمة، حيث قالت عنه «علیه السلام»: «.. وكَتَبَ إلى أشراف الكوفَةِ مِمَّن كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ عَلى رَأيهِ».. فإن الإمام «علیه السلام» لم يكن يظن، بل كان يتيقن. ولكن الإمام كالنبي مكلف بالتعامل مع الناس وفق ظواهر أقوالهم وأفعالهم، وأحوالهم. ولا يعاملهم وفق ما يعلمه من حقائق تلقاها عن الإمام، وعن النبي عن جبرئيل عن اللّه سبحانه. فإن لهذا العلم وظيفة أخرى في حياة العالم به.
على أن الإمام «علیه السلام»، وكذلك النبي «صلى اللّه عليه وآله»، وإن كان يتعامل مع الناس بحسب ظاهر حالهم، ولكنه كان يعلم أيضاً: أن هذا الظاهر في معرض الزوال والتبدل، فقد يبيت الإنسان مؤمناً، ويصبح كافراً، وقد ينعكس الأمر.
ويكون عاقلاً ثم يصير مجنوناً، أو غنيا أو قويا أو ملكا، ويصبح فقيراً، أو ضعيفاً، أو سوقة، وما إلى ذلك.
1 - استهل الإمام الحسين «علیه السلام» كلامه هنا بما قاله رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» حول الموقف من السلطان الجائر فإنه «علیه السلام» لم يذكر لهم ذلك على شكل رواية منه، بل ذكرهم به بما هو أمر معلوم لهم، ويريد أن يذكرهم بما يعلمونه.
وهذا أبلغ في الحجة عليهم، وإلزامهم بتبعات التقصير، باعتبار أنهم لم يقوموا بما يجب عليهم، ولو فعلوا ذلك لما بلغت الأمور هذا الحد الخطير.
2 - إنه «علیه السلام» قال لهم:
ألف: إن هذه الكلمة قد قالها رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» في حياته، فلماذا أضاف «علیه السلام» كلمة «في حياته»، فإنه أمر غير مألوف فى مثل هذه الحال، لاسيما وأن كون هذا القول قد صدر عن النبي «صلی اللّه علیه وآله» في حال حياته أمر مفروغ عنه، إذ لا يعقل أن يكون قد تكلم به بعد مماته.
ب: لماذا قال لهم: «علمتم أن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» قال»، ولم يقل: «روي، أو أروي، أو رويتم: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله» قال:»؟!
ونجيب:
أولاً : بأنه «علیه السلام»، وإن كان لم يشر إلى أنهم قد رووا أو روي لهم، أو أنه هو «علیه السلام» يروي لهم أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» قال ذلك، لكي لا يخطر في بال أحد منهم: أن الرواية قد تحرف ويغيَّر فيها، أو يحذف منها، أو يزاد عليها، أو أنها قد لا تكون ثابتة بصورة يقينية.
ولكنه حين قال: «قد علمتم» يكون قد ضمَّن هذه الكلمة معنى الثبوت اليقيني، ولو من خلال تواتر النقل، أو من خلال السماع المباشر لطائفة منهم. وبذلك يكون قد تجنب سلبيات احتمال الخطأ أو التحريف في الرواية، واحتمال كونها أمراً ظنيا لا يصل إلى درجة العلم واليقين. وقد ألزمهم «علیه السلام» بهذا اليقين، ولم ينكره أحد منهم.
ثانياً: إن كلمة «في حياته» لها فائدة مهمة هنا. فهو «علیه السلام» يريد أن يؤكد على أن هناك مهمات وواجبات تختص بالنبي والإمام، وليس لأحد غيره أن يتصدى لها، مثل تشريع بعض الأحكام إذا تبلورت لديه مصالحها. والحكم في الناس بالواقع، وهو ما يعرف بحكم آل داود كما سيكون عليه الحال في أيام ظهور الحجة «علیه السلام» وغير ذلك.
وهناك شؤون ومهمات على الناس أن يتصدوا لها، ويقوموا بها، سواء في حياة الإمام أو النبي «علیهما السلام»، أو بعد وفاته.. مثل ألأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنه هذا المورد الذي أشار إليه النبي «صلی اللّه علیه وآله» في كلامه، وهو التصدي للسلطان الجائر، المستحل الحرام، أو تاركاً لعهد اللّه، ومخالفا لسنة رسول اللّه، والتغيير عليه بقول أو فعل.. وأن من لم يفعل ذلك كان حقا على اللّه أن يدخله مدخله.
فكلمة «في حياته» تريد أن تقول: إن هذا واجب على كل أحد حتى في حياة الرسول الأكرم «صلی اللّه علیه وآله»، فلا يتوهمن أحد أن هذا من مختصات الرسول في حياته، وكذلك الإمام، فهو لا يعني عامة الناس لا من قريب ولا من بعيد.. فإن هذا توهم زائف.
3 - إنه «صلی اللّه علیه وآله» قال : «مستحلاً لحرام»، ولم يقل: مرتكباً لحرام، ربما لأن الإنسان قد يرتكب الحرام لداعي الشهوة، أو انسياقا مع أجواء أنسته ذكر اللّه، فارتكب بعض ما حرم اللّه، ثم التفت إلى سوء ما صدر منه، وعرف أنه ارتكب ذنباً. وحاول التخلص من تبعاته أمام الناس إما بالاعتذار أو بالإنكار مع اعترافه بحرمته. فهذا ليس مستحلاً للحرام وإن كان قد ارتطم فيه.
ومرة يكون مستحلاً.له ويعلم ذلك منه إما بتصريحه بأنه لا يراه حراماً، أو لظهور ذلك من حاله وسلوكه بأن كان مستهترا، أو مصراً على الإنغماس فيه، بلا مهاباة ولا مبالاة ولا ينتهي إذا نهي.
وما أشير إليه في كلام الرسول «صلی اللّه علیه وآله» هو هذا النوع من الناس.
4 - ثم قال «صلی اللّه علیه وآله»: «أو تاركاً لِعَهْدِ اللّه»، ومخالفاً لسنة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».
ولعل المراد بترك عهد اللّه هو ما يلائم مخالفة سنة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ولعل هذا هو السبب في عطف مخالفة السنة على ترك عهد اللّه بالواو، لا بأو. فيكون من قبيل عطف التفسير لما سبق، باعتبار أن مخالفة السنة هي الترك لعهد اللّه. وكأنه يريد به الترك المتواصل والمخالفة المستمرة وليس المراد المخالفة والترك ولو لمرة واحدة.
5 - ويشهد لذلك قوله: «فَعَمِلَ في عِبادِ اللّه بالإِثْمِ وَالعُدوان»، فقد فرَّع هذه الفقرة على سابقتها لسببين:
أحدهما: الدلالة على أن هذا العمل بالإثم والعدوان هو ثمرة ونتيجة لما سبقه.
الثاني: أنه طريقته، وديدنه ونهجه وهذا يشير إلى استمرار ترك العهد، وتكرر مخالفة السنة.
6 - والأهم من ذلك كله: أنه «صلی اللّه علیه وآله» قد جعل التغيير على السلطان الجائر الذي يكون هذا حاله، واجباً على كل من رأى حال هذا السلطان على الصفة المشار إليها. فالتغيير عليه تكليف للأمة بأسرها، ولا يختص بنبي أو وصي أو عالم، أو أي فئة أو طبقة
اجتماعية أخرى.
7 - إنه «صلی اللّه علیه وآله» لم يطلب من الناس أن يأمروا ذلك السلطان بالمعروف، أو أن ينهوه عن المنكر، بل طلب منهم أن يغيروا عليه بالأقوال والأفعال..
فالمطلوب هو: أن يلمس ذلك السلطان أن الأمور قد تغيرت عليه، وأن يعرف بأن سبب ذلك هو ما ظهر منه من سلوك وارتكابات، فإذا تبين له أن هذا التغيير عام منتشر في عامة الناس، فسيرى نفسه عاجزاً عن قهر جميع الناس، فإن وجد في مجموعة من الفاسدين ممن هم على شاكلته بعض المعونة له، فإن ذلك لا يطمئنه إلى استمرار هذه الحصانة في المستقبل، بل سيبقى الوجل والخوف مهيمنا عليه..
ولو أن الأمر اقتصر على مجرد الأمر والنهي ممن يرى المنكر، فإن هذا السلطان سيرى أن ما لديه من أعوان و زبانية وأموال، سيمكنه من محاصرة الأمر أو الناهي، ومنعه من القيام بواجبه مرة أخرى، وسيظن أنها مجرد مبادرة فردية لا أكثر. بل قد يرى نفسه قادراً على إبعاد هذا النوع من الناس عن محيطه بالكلية.
8 - يلاحظ: أنه «صلی اللّه علیه وآله» قد أورد كلمتي القول والفعل منكرتين، فقال: «ثمَّ لم يُغَيِّر عَليهِ بقولٍ ولا فِعل»، ولم يقل: بالقول والفعل، ربما لأن المطلوب هو أن يشعر ذلك الجائر بالتغيير ولو في أدنى مستوياته، فقد لا يكون التغيير في جميع الأفعال والأقوال ميسوراً.. وربما كان سبباً في الوقوع في الخطر والضرر،
حيث لا تكون ثمة فائدة بالتعرض لهما.
1 - بعد أن بين لهم الإمام «علیه السلام» القاعدة التي قررها اللّه سبحانه ورسوله «صلی اللّه علیه وآله»، بادر إلى تطبيقها، وتحديد موردها لهم، بوضع إصبعهم على الجرح المؤلم والمرير والخطير الذي يجب عليهم معالجته، لقيام الحجة عليهم به، ولأنهم لا عذر لهم بمخالفة أمر اللّه فيه.
فذكر لهم: أنهم كما هم على علم بالقاعدة التي قررها رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» لهم وللأمة بأسرها فيما يرتبط بالسلطان الجائر، فإنهم أيضاً على علم بواقع بني أمية، وهم السلطان المتسلط عليهم بالفعل، فقال:
«وقد عَلِمتُم أنَّ هؤلاء لزموا طاعة الشيطان الخ..».
فقد قال «علیه السلام»: «علمتم» ولم يقل: بلغكم، أو أخبرتم، أو نحو ذلك. لكي لا يتوهم أي كان من الناس: أن من الجائز أن يكون هناك من يضخ الشائعات، ويبث الأخبار والبلاغات الكاذبة، أو المحرفة، أو المبالغ فيها، سعياً منهم لتشويه سمعة الحكام، لحاجة في نفسه، وليس بالضرورة أن يكون كل بلاغ أو خبر صحيحاً، أو دقيقاً، فلعله زيد فيه أو نقص منه، كما قلنا.
أما العلم، فقد يتكوّن من أمور مختلفة، كالخبر والمشاهدة وتواتر الأخبار، والأخذ من المطهر المعصوم. ولعل طرق حصول العلم
للأشخاص قد اختلفت وتفاوتت، وغير ذلك.
2 - إنه «علیه السلام» لم يقل: إنهم أطاعوا الشيطان، فإن الإنسان قد يطيع الشيطان مرة، ثم يعصيه أخرى، بل قال: «لزموا طاعَة الشيطان»، وتولوا عن طاعة الرحمان.
وهذا يدل على أن عدم طاعة الرحمان مرة، لا يدل على التولي عن الطاعة، وإن كان هو أحد مكوناتها. كما أن تكرر الطاعة منهم للشيطان واستمرارها من فجوات زمانية معتدٌ بها، يمكن أن تعد انقطاعاً بين المرة والأخرى.
إن هذا وذاك يدل على خطورة هذه الظاهرة، وعلى أن الأمر ليس مجرد نزوة عارضة، بل ديدن ونهج والتزام.
وقال لهم أيضاً عن بني أمية: «فقد عَلِمتُم.. وأظْهَرُوا الفَسَادَ». وهذا أمر بالغ الحساسية، لاسيما وأن هذا الإظهار جاء من قبل الحاكم الذي يدَّعي أنه خليفة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، والحافظ لدينه، والعامل بنهجه.
فإذا أظهر هذا النوع من الناس الفساد، فمعنى ذلك: أن الفساد سيصبح الدين والنهج، والمسار. وسيمارسه الناس على طريقة التأسي والإتباع المصاحب للشعور بالأمن.
وهذا أمر خطير جداً، ويدرك خطورته، وخطورة آثار تبديل الدين؛ عامة الناس، فضلاً عن خواصهم ولذا قال فرعون لقومه عن
موسى «علیه السلام»: «ذْرُونِي أقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أوْ أَنْ يُظهرَ فِي الأرْض الفَسَادَ» (1).
وسبب ذلك : أن إظهار الفساد يلامس حياة الناس، ويجعلهم يعانون من وطأته وآثاره.
أما تبديل الدين الذي هو الأمر الآخر، فإنه يهز واقع الناس من الأعماق، ويتوجسون منه خيفة، وقد أشار «علیه السلام» إلى إرهاصاته بقوله : «وعَطَلُوا الحُدودَ، وَاستَأثروا بالفيء، وأَحَلُوا حَرَامَ اللّه، وحَرَّموا حَلالَهُ».
1 - ثم إنه «علیه السلام» أطلق قاعدة أخرى أشرنا إليها فيما سبق، فقال: «وأنا أحَقُّ مَن غَيَّر» كما في الطبري. أو «مِن غَيري بهذا الأمر» كما عند ابن أعثم.
ونحن نرجح هنا رواية الطبري.. لأن القاعدة التي أطلقها رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» في الحديث الذي تقدم: أن الحسين «علیه السلام» ذكره في بداية كلامه تتحدث عن هذا التغيير، وانه واجب على كل فرد من الأمة في القول والفعل تقول هذه القاعدة: إن كان السلطان الجائر يستحل حرام اللّه، ويترك العهد، ويخالف سنة الرسول، ويعمل بالإثم والعدوان. (وهي أوصاف من يظهر الفساد،
1) الآية 26 من سورة غافر.
ويسعى لتبديل الدين) فيجب على كل فرد من الأمة أن يغيّر عليه في قول أو فعل كما ألمحنا إليه آنفاً.
2 - ثم إن القاعدة التي وردت في كلام الرسول «صلی اللّه علیه وآله» تستبطن أن يكون كل فرد فرد عارفاً بدين اللّه وشرعه، واقفا على حقائقه، متخلقاً بما يرضي اللّه، مجتنباً عن معاصيه، صائنا لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه وإن لم يكن كذلك، فإن تغييره بالقول والفعل على ذلك السلطان الجائر، لن يجدي كثيراً. فكيف إذا وقع بالأخطاء فيما يرشد إليه، أو يدل عليه؟!
وهذا يعطي: أن أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة والمطهرين المعصومين هم أحق من غيرهم بالتصدي لهذا الأمر، وأن على الناس أن يسترشدوا بهم، وأن يطيعوا أمرهم، وينتهوا إلى توجيهاتهم.
ولذلك قال «علیه السلام»: «وأنَا أحَقُّ مَن غَيَّرَ» فكان قول رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بمثابة الدليل، والأساس لهذا الإستنتاج الظاهر والصريح، وهذه القاعدة مستنبطة من القاعدة التي ذكرها الرسول «صلی اللّه علیه وآله»، والتي هي لزوم التغيير على جميع الناس.. حيث ظهر: أن هذا الوجوب الشامل له مراتب، وفيه من يكون أولى من غيره في القيادة والريادة في هذا الأمر، وعلى غيره أن يلتزم بما يقول، ويطيعه فيما يأمر وينهى.
3 - ثم بيَّن «علیه السلام» الحيثيات التي استند إليها في هذه
الأحقية، فقال: «لقرابتي مِن رَسولِ اللّه «صلی اللّه علیه وآله»..». وهي خصوصية تختصر جميع الخصائص والصفات التي أشرنا إليها آنفاً.
وقد رأينا : أنه «علیه السلام» لم يشر في كلامه إلى أكثر من وجوب إشعار من يظهر الفساد، ويرتكب المآثم من الحكام - إشعاره - بالتغير والتبدل في حال الناس تجاهه، نتيجة لسياساته، وللمآثم التي يرتكبها، ليكون ذلك رادعاً وحاجزاً له عن مواصلة هذا النهج البغيض. مع تنصيصه «علیه السلام» على أن هذا الأمر من الواجبات على جميع الناس، وإن كان البعض منهم يتحمل مسؤولية أعظم فيه، لمكانته في العلم والتقوى وموقعه في الدين وفي الناس، وما إلى ذلك.
وذلك يعطي: أن النتائج التي رتبها «علیه السلام» على هذه المقدمات من أن أهل الكوفة قد كاتبوه، وبايعوه، ووعدوه بأن لا يخذلوه.. لا تعني أنها بيعة حرب وقتال بل هي بيعة مؤازرة وعون، ومشاركة في إحداث الإصلاح، وفي التغيير بالقول والفعل على السلطان الجائر. فإن تعرض «علیه السلام» لعدوان، فإن الدفاع عن النفس، وعن الإمام، وعن كل مظلوم مشروع، بل هو واجب، وهو مما تقتضيه البيعة أيضاً..
وبعد أن ذكر «علیه السلام»: أنهم قد بايعوه، على أن لا يخذلوه
قال لهم: فإن وفيتم لي ببيعتكم، فقد استوفيتم حقكم، وحظكم، ورشدكم.
وقد حفلت هذه الكلمات بإشارات عديدة، نذكر منها ما يلي:
1 - قال «علیه السلام»: «فإن وَقِيتُم لي ببَيعَتِكُم». فقد يقول قائل: لماذا أقحم «علیه السلام» كلمة «لي» في حين أنه كان يمكن أن يقول: إن وفيتم ببيعتكم؟!
ويمكن أن يجاب:
بأنه لو لم يقحم هذه الكلمة لتوهم متوهم: أنه «علیه السلام» بصدد إعطاء ضابطة تقول : إن نفس الوفاء بالبيعة، أية بيعة كانت، ولأي كان من الناس، ولو كان هو يزيد بن معاوية أو فرعون أو النمرود، وأمثالهم سيكون له هذه الآثار، وهي استيفاء المبايع حقه، وحظه، ورشده، مع أن الوفاء بالبيعة للظالمين حرام في الشرع، فتكون كلمة «لي» دافعة لهذا الوهم، واضعة للأمور في نصابها الصحيح.
2 - قد يتساءل المرء أيضاً عن أنه كيف يكون وفاؤهم بالبيعة له «علیه السلام» استيفاء منهم لحقهم؟ مع أنه قد ينتهي الأمر به «عليه السلام» وبهم إلى الاستشهاد.
ويجاب:
أولاً : لعل المراد بالاستيفاء : هو أن إعطاء البيعة يرتب على المبايع حقوقاً لمن يبايعه يجب على المبايع الوفاء بها له. فإذا وفي المبايع ببيعته، فيجب حينئذٍ على المبايع له أن يوفيه حقه. وهذا ما قاله أمير المؤمنين «علیه السلام»: إن لي عليكم حقا، ولكم على حق.
فأما حقَّكم على فالنصيحة لكم، وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كيلا تجهلوا، وتأديبكم كى تعلموا.
وأما حقي عليكم، فالوفاء بالبيعة، والنصيحة في المشهد والمغيب، والإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم (1).
وفي نص آخر يقول: إن لنا عليكم حقا برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ولكم علينا حق به فإن أنتم أديتم لنا الحق، وجب علينا الحق لكم (2).
فوفاء المبايع بما يجب عليه هو الذي يوجب على الإمام تأدية حقوقه إليه.
ومن المعلوم: أن الوفاء بها لا يكون - في العادة - دفعة واحدة، بل يكون تدريجياً، فيبقى المبايع يمارس الوفاء بالبيعة مرة بعد أخرى، إلى أن يكتمل هذا الوفاء، فيجب على الإمام إيفاء حقه إليه ما دام
1) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 1 ص 84 الخطبة [34] وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 2 ص 189 ومطالب السؤول ص 289 وبحار الأنوار ج 34 ص74 وج 74 ص 333.
2) راجع: روضة الواعظين ص 226 ومقاتل الطالبيين ص 376 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 262 وبحار الأنوار ج 49 ص 146 ومسند الإمام الرضا ص262 «علیه السلام» للعطاردي ج 1 ص 122 وأعيان الشيعة ج 2 ص 19 وإعلام الورى ج 2 ص 74 والدر النظيم ص 680 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 179.
يمارس هذا الوفاء..
ثانياً أو لعل المراد: أن البيعة، وتواصل الوفاء بها من المبايع إلى أن ينتهي أمدها، ويرتفع موضوعها بتحقيق الغرض، أو بموت أو استشهاد المبايع له أو موت معطي البيعة يجعل لمعطي البيعة حقوقاً، لا بد أن يحصل عليها في الدنيا، ومن اللّه تعالى في الآخرة، ولن يتره اللّه عمله هذا، ولن يحجب عنه النبي والأئمة المعصومون حقوقه الثابتة له في أي من الظروف والأحوال.
1 - وقد عرفنا آنفا : المقصود من قوله «علیه السلام»: «استوفيتُم حَقَّكُم وحَظَكْم». والمراد بالحظ: النصيب الذي يتعلق بهم بسبب تلك البيعة، سواء أكان دنيوياً أو أخرويا أيضاً، فمن الحظ الذي يناله المبايعون للحسين «علیه السلام» في الدنيا هو أن تكون أنفسهم مع نفس الحسين، وأهلوهم وولدهم مع أهل الحسين وولده، وتكون لهم به «علیه السلام» الأسوة.
وهذا حظ عظيم، وتوفيق من رب كريم يطمع به المؤمن الخالص، ويسعى له العاقل الأريب والمسدد اللبيب، ويتمناه البعيد والقريب.
2 - أما استيفاء الرشد، فالمراد بالرشد هو: العمل بما تدرك العقول حسنه، وصوابيته، وتدعو إليه الفطرة السليمة، فمن فعل ذلك يكون قد استوفى الرشد، وحصل على ما يرضيه، لأن عمله أتى مطابقاً لما يحكم به عقله، ويدله عليه رشده، وتدعوه إليه فطرته.
وقد بيّن لهم: أنه «علیه السلام» إنما يتعامل معهم بما يوجبه نهج الأنبياء والأوصياء، المرتبطين باللّه والذين كان «علیه السلام» منهم وعاش «علیه السلام» معهم، وتأدب بأدبهم، وتربى على أيديهم وهذا أمر عرفه الناس من موقع المشاهدة والتجربة الحية والمباشرة، وعرفوا أن هذا النوع من الناس، وهم الأنبياء والأوصياء ليسوا كسائر الحكام، فهم لا يميزون أنفسهم عن الناس، ولا يسعون إلى تسخير الناس لخدمة أهوائهم، وتلبية رغائبهم وشهواتهم، ولا يدرؤون بهم عن أنفسهم، ولا يحاولون أن يلقوا بالمتاعب والآلام على عاتق أهليهم، ليعيش أهل الحاكم في رخاء وهناء ويكون التعب والعناء من نصیب عامة الناس وأهليهم.
ولعل هذا هو ما أراد أن يبينه بقوله «علیه السلام»: «.. فَأَنَا الْحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ، وَابْنُ فَاطِمة بنت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ونَفسي مَعَ أنفُسِكُم، وأهلي وولدي مَعَ أهاليكُم وأولادِكُم، فَلَكُم فِيَّ أَسوَةٌ».
فإن كان هناك رخاء، فهو معهم، وإن كان هناك بلاء، فلهم به أسوة، لأنه سيكون هو المبادر وفي الطليعة، وإن كان هناك تضحية وبذل وعطاء، فنفسه مع أنفسهم، وأهله مع أهليهم.
وهذه كانت سيرة النبي «صلی اللّه علیه وآله» وعلي «علیه السلام»، فإنهما كانا في الحرب في الطليعة، وكان الأقرب إلى العدو من سائر الناس.
وكان بنو عبد المطلب على نفس هذا النهج، فكانوا هم المبادرون وفي الطليعة، وقد تحدثنا عن هذا الأمر في كتاب الصحيح من سيرة النبي الأعظم «صلی اللّه علیه وآله»، وكتاب الصحيح من سيرة الإمام علي «علیه السلام». فليراجعها من أراد.
ولا بأس بلفت النظر إلى أمرين:
أولهما: إن النص المتقدم يدل على أن قيس بن مسهر كان لا يزال حياً، إلى ما بعد وصول الحسين إلى عذيب الهجانات، أو البيضة، لتصريح الرواية المتقدمة : بأنه هو الذي حمل كتاب الحسين المذكور آنفاً إلى أهل الكوفة.
الثاني: إن كلمات الإمام الحسين المتعلقة بنكثهم البيعة ليست حادة، بالرغم من أن هذا الكتاب أو الخطبة قد كان بعد خيانتهم، التي أسفرت عن استشهاد مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وسواهما، بل غاية ما قاله لهم: إنه لا يستغرب حصول النكث من أهل الكوفة بعدما حصل ما حصل.
عن عقبة بن أبى العيزار:
كانَ [الحُرُّ بنُ يَزِيدَ الرِّياحِيُّ] يَسيرُ بأصحابهِ فِي نَاحِيَةٍ، وحُسَينٌ «علیه السلام» في ناحِيَةٍ أُخرى، حَتَّى انتهوا إلى عُذيب الهجاناتِ، وكانَ بها هَجائِنُ النُّعمان ترعى هنالِكَ، فإذا هُم بِأَربَعَةِ نَفْرٍ قد أقبلوا مِنَ الكوفَةِ عَلَى رَواحِلِهِم، يَجِنُّبُونَ فَرَسًا لِنافِع بن هلالٍ - يُقَالُ لَهُ الكاملُ - [في البلاذري: وكانَ الأَربَعَةُ النَّفْرُ: نافِعُ بنُ هِلالِ المُرادِيُّ، وعَمْرُو بنَ خَالِدٍ الصَّيداويُّ وسَعدٌ مَولاهُ، ووَمُجَمِّعُ بنُ عَبْدِ اللّه بن العائِذِي مِن مَذحج] ومَعَهُم دَليلُهُمُ الطَّرِمّاح بنُ عَدِيٍّ عَلَى فَرَسِهِ، وَهُوَ يَقولُ:
ياناقتي لا تذعري من***وشمري قبل طلوع الفجر
بخير ركبان وخير سفر***حَتَّى تَحِلي بكريم النَّجر
الماجدِ الحُرِّ رَحيبِ الصَّدر***أتی بهِ اللّه لِخَير أمر
ثمَّتَ أبقاهُ بَقَاءَ الدَّهر
قالَ: فَلمَّا انتَهَوا إلى الحُسين «علیه السلام» أنشدوه هذِهِ الأبيات، فقال: أما واللّه إنّي لأرجو أن يكون خَيراً ما أرادَ اللّه بنا، قُتِلنا أم
ظفرنا.
قالَ: وأَقْبَلَ إِليهِمُ الحُرُّ بنُ يَزِيدَ، فَقالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ النَّفَرَ الَّذِينَ مِن أهل الكوفة ليسوا مِمَّن أقبَلَ مَعَكَ، وأَنَا حَابِسُهُم أو رَادُّهُم.
فَقالَ لَهُ الحُسَينُ «علیه السلام»: لأمنَعَنَّهُم مِمَّا أَمنَعُ مِنهُ نَفسي، إِنَّما هؤلاء أنصاري وأعواني، وقد كنت أعطيتَني أَلا تَعرض لي بِشَيْءٍ حَتَّى يَأْتِيَكَ كِتابٌ مِن ابن زيادٍ.
فقال: أجَلٍ، لَكِن لم يَأْتُوا مَعَكَ !
قالَ: هُم أصحابي، وهُم بِمَنزلةِ مَن جاءَ مَعِي، فَإِن تَمَمتَ عَلى ما كانَ بَيني َوبَينَكَ وإلا ناجزتُكَ.
قالَ: فَكَفَّ عَنْهُمُ الحُرُّ.
قالَ : ثُمَّ قالَ لهُمُ الحُسَينُ «علیه السلام»: أخبروني خَبَرَ التّاس وَرَاءَكُم؟
فَقَالَ لَهُ مُجَمِّعُ بنُ عَبدِ اللّه العائِذِيُّ، وهُوَ أَحَدُ النَّفْرِ الأَربَعَةِ الَّذِين جاؤوهُ : أمّا أشرافُ النّاس فقد أعظمت رشوتُهُم، ومُلِئَت غَرائِرُهُم، يُستَمال وُدُّهُم، ويُستَخلص بهِ نَصِيحَتُهُم، فَهُم البٌ واحِدٌ عَليكَ، [في البلاذري: ومَا كَتَبُوا إليك إلا ليجعلوك سوقا ومكسباً !!].
وأمّا سائِرُ النّاسِ بَعدُ، فَإِنَّ أَفْئِدَتَهُم تَهوي إليكَ، وسُيوفَهُم غَدا مشهورَةٌ عَليكَ.
قال: أخبروني، فهل لكُم بِرَسولي إليكم؟
قالوا : مَن هُوَ؟
قالَ: قيس بن مسهر الصَّيداوي.
فقالوا: نَعَم، أخَذَهُ الحُصَينُ بنُ تَمِيمٍ، فَبَعَثَ بِهِ إِلَى ابن زِيَادٍ، فَأَمَرَهُ ابنُ زيادٍ أن يَلْعَنَكَ ويَلْعَنَ أباك، فصلى عَليكَ وعَلى أبيكَ، وَلَعَنَ ابْنَ زيادٍ وأباه، ودَعا إلى نُصرَتِكَ، وأخبَرَهُم بقدومِكَ، فَأَمَرَ بِهِ ابْنُ زِيَادٍ فالقِيَ من طمار القصر.
فتَرَقرَقت عَينا حُسَين «علیه السلام» ولم يَملِك دَمعَهُ، ثُمَّ قَالَ: «فمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا» (1).
اللّهمَّ اجعل لنا ولهُمُ الجَنَّة نُزُلاً، وَاجمَع بَينَنا وَبَينَهُم فِي مُستَقَرٌ مِن رَحمَتِكَ، وَرَغائِبِ مَذخور ثوابِكَ (2)
وقال ابن أعثم:
أَقْبَلَ الحُسَينُ «علیه السلام» إلى أصحابه وقالَ: هَل فِيكُم أَحَدٌ يَخبُرُ
1) الآية 23 من سورة الأحزاب.
2) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 404 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 305 وموسوعة ج3 عة الإمام الحسين ج 3 ص 380 - 382 عنه، وعن الكامل في التاريخ ج 4 ص 49 والبداية والنهاية ج 8 ص 173 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 187 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 87 وراجع تجارب الأمم ج 2 ص 65 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص228 وأنساب الأشراف ج 3 ص 382 وراجع: مثير الأحزان ص 43 ولواعج الأشجان ص 95 وأعيان الشيعة ج 1 ص 597 ونهاية الأرب ج 20 ص 420 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 605.
الطريق عَلَى غَيْرِ الجادَّةِ؟
فقالَ الطَّرِمّاحُ بنُ عَدِيٍّ الطَّائِيُّ: يَا ابن بنتِ رَسولِ اللّه! أَنَا أَخَبُرُ الطريق.
فقالَ الحُسَينُ «علیه السلام»: إذا سِر بَين أيدينا !
قالَ: فسار الطرمّاحُ وَاتَّبَعَهُ الحُسَينُ «علیه السلام» هُوَ وأصحابُهُ، وجَعَلَ الطَّرِماحُ يَقولُ:
يا ناقتي لا تجزعي من***وامضي بنا قبل طلوع الفجر
بخير فتيان وخير سفر***إلى رسول اللّه أهل الفخر
السادة البيض الوجوه الزُّهر***الطاعنين بالرِّماح السُّمر
الضّاربين بالسُّيوف البتر***حتى تَحُلّي بكريم النَّجر
بماجدِ الجَدِّ رَحِيبِ الصَّدر***أتی به اللّه لخير أمر
عَمَّرَهُ اللّه بَقَاءَ الدَّهر***يا مالِكَ النَّفع مَعا وَالضُّرَّ
أمدد حُسَينا سَيِّدي بالنَّصر***على الطغاةِ مِن بَقَايَا الكُفر
على اللعينين سليلي صَخر***يَزيدَ لا زالَ حَليف الخمر
والعودِ وَالصَّنج مَعاً وَالزَّمر***وابن زياد العهر وابن العهر (1)
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 79 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص233 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 384 و 385 عنهما، وعن مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 96 و (ط المكتبة اليدرية) ج 3 ص 246 وبحار الأنوار ج 44 ص 378 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 229 وراجع مثير الأحزان ص 48 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 34.
ونقول:
إننا نتوقف هنا عند الأمور التالية:
هجائن - جمع هجان -: ويقال بَعِير هجَانُ وناقة هِجان وإبل هِجَانُ وهي التي قد قاربَتِ البَكَرَ.
طمار القصر : أعلاه والطمار : المكان المرتفع
يجنبون فرساً : جنب الداية: قادها إلى جنبه..
سفر: أي مسافرون.
النجر : الأصل والحسب.
ناجزتك : قاتلتك وبارزتك.
غرائر: جمع غرارة، بكسر الغين وهو الجوالق. وهو وعاء كبير من صوف وشعر (فارسي معرب).
الألب: القوم يجتمعون على عداوة إنسان
البتر : القطع والبتار السيف القاطع: والبتر بضم الباء - جمع باتر.
ولنا أن نقول:
إنه لم يكن يحق للطرماح أن يقول:
عَلى اللَّعينَين سَليلَي صَخر
وهما يزيد وابن زياد، فإن نسبة زياد إلى صخر، وهو أبو سفيان مخالفة للشرع الشريف الذي يقول : الولد للفراش وللعاهر (أي الزاني) الحجر (أي الرجم). فلا بد من نسبة الولد لصاحب الفراش..
كما أن عائشة (1)كانت تقول عن زياد زياد ابن أبيه، مشيرة إلى جهالة أبيه الحقيقي.
تقول الرواية المتقدمة: إن الإمام الحسين «علیه السلام» حين التقى بالطرماح ومن معه، وأخبروه بما خاطب الطرماح به ناقته. قال في آخره عن الإمام الحسين «علیه السلام»:
أتى به اللّه لخير أمر***ثمَّت أبقاهُ بَقاءَ الدَّهر
فقال «علیه السلام»: «أما واللّه إِنِّي لأرجو أن يَكونَ خَيرًا ما أرادَ اللّه بنا، قُتِلنا أم ظفرنا».
فترى أنه «علیه السلام» قد جنح بهم نحو وضع احتمالي القتل
1) بحار الأنوار ج 44 ص 309 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 601.
والظفر في موازاة بعضهما، لأنه «علیه السلام» لم يشأ لهم أن يستغرقوا في رجاء البقاء على قيد الحياة ليصبح هو كل همهم، ومحط جهدهم. فإن ذلك يضعف شوقهم إلى لقاء اللّه، وقد يضيع عليهم الرغبة في بذل كامل جهدهم في مواجهة المخاطر وهم في مواجهة عدوهم، والسعى لنيل درجة الشهادة.
وتقصر همهم عن بعض الدرجات التي يريد اللّه لهم أن ينالوها، ولاسيما ما يقع في دائرة التميُّز لشهداء كربلاء في مقاماتهم عن مقامات سائر الشهداء. حيث يصبح شهداء كربلاء شركاء في أعمال أهل الإيمان إلى يوم القيامة. ولأجل ذلك نجد الإمام الحسين «علیه السلام» يعمل على تصحيح المسار، كما رأينا.
وقد تضمن النص المتقدم موقفاً صارماً وحازماً من الإمام الحسين «علیه السلام» فيما يرتبط بمنع الحر وجيشه من التعرض للقادمين عليه بأي نحو من أنحاء التعرض. وقد جعلهم «علیه السلام» في المرتبة الرفيعة، والرفيعة جداً، حتى قرن أمنهم بأمنه، ومصيرهم بمصيره. وأعلن عن استعداده للدخول في حرب مع الحر وجيشه من أجلهم، وقد ينتهي الأمر باستشهاده واستشهاد أصحابه من أجلهم. وهذا موقف جليل، وتضحية بأمر خطير في مقابل بغي وظلم وعدوان هذا الجيش الذي يريد أن يمنع الناس من ممارسة حرياتهم، في السفر والحضر، وفي الفكر والاعتقاد، وفي الحب والولاء والانتماء.
وقد قال الحسين «علیه السلام» لهؤلاء الوافدين عليه: «أخبروني خَبَرَ النَّاسِ وَرَاءَكُم»؟!
فأخبروه، ثم سألهم عن قيس بن مسهر، فأخبروه بقتله، فترقرقت عيناه، ولم يملك دمعه..
ونلاحظ هنا أمرين:
الأول : أنه «علیه السلام» كان يسأل كل من يلقاه تقريباً عن الناس، وعن أحوالهم، وعن ميولهم وآرائهم، واستمر يفعل ذلك حتى بعد أن بلغه نكث أهل الكوفة، وإسهامهم في قتل مسلم، وعبد اللّه بن يقطر، وقيس بن مسهر، وهاني بن عروة، وسواهم.
وهذا أمر لافت للنظر جداً، فإن الناس قد يتوقعون أن تكون هذه المصائب من أسباب نفوره «علیه السلام» من أهل الكوفة، ومقته لهم، والحذر من الاقتراب منهم، وقطع العلائق بهم.
ولكنه «علیه السلام» لم يفعل ذلك، فما هو السبب يا ترى؟!
ويمكن أن يجاب:
أولاً : بأنه «علیه السلام» إمام الأمة، وهو للناس كالوالد الرحيم، الذي يدرك أن مسؤوليته هي إصلاح أمرهم، وهداية الضال منهم، وتعليم جاهلهم، والصفح عن مسيئهم، وهذه تبقى ملقاة على عاتقه، بل يزداد ثقلها كلما أوغلوا في المآثم، وارتكبوا من جرائم وعظائم.
ثانياً : إنه «علیه السلام» يعلم أن الناس في الكوفة كانوا
يأتمرون بأمر زعمائهم ورؤساء قبائلهم في الحرب والسلم، وبعد حصول الخيانة، واستشهاد مسلم بن عقيل، وهاني بن عروة، فإن وصول الحسين «علیه السلام» إلى الكوفة قد يحدث صحوة ضمير لدى عامة الناس، أو لدى فريق منهم، ويجعلهم يدركون أن زعماءهم قد خانوا اللّه ورسوله، وأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق...
ولكن ابن زياد كان يتخوف من هذا الأمر بالذات، فكان يصر على اعتقال الإمام قبل دخوله إلى الكوفة.
الثاني: إن بكاء الحسين على قيس بن مسهر، يدل على أنه «عليه السلام» يتعامل مع القريب والبعيد على نسق واحد.
وهو يحب ويبغض، ويكن لهم من مشاعر المودة وسواها ما هو وفق قواعد وضوابط محددة، لا على أساس القربى النسبية والصلة العشائرية، بل على أساس ما لديهم من إخلاص، وصفاء وتقوى، وعمل، وتضحية، ووفاء.
ولأجل ذلك نراه يبكي على قيس بن مسهر كما يبكي على مسلم بن عقيل، ثم هو يبكى في يوم عاشوراء على أصحابه كما يبكي على أبنائه.
وبكاؤه هذا ليس ضعفاً، حيث لم نر منه «علیه السلام» سوى القوة والإصرار على موقفه والثبات والحزم في مواجهة أعداء الدين.
وبكاؤه ليس نقصاً، بل هو دليل كمال في خصائصه الإنسانية،
وعلامة على رهافة حسه ونبل مشاعره، وصفاء نفسه.
قالوا: وَسَارَ الحُسَينُ «علیه السلام» حَتَّى نَزَلَ في قصر بَني مُقاتِلِ، فَإِذا هُوَ بِقُسطاطٍ مَضروب، ورمح منصوب، وسَيفِ مُعَلَّقٍ، وفَرَس واقِفِ عَلى مِدْوَدِهِ.
ققالَ الْحُسَينُ «علیه السلام»: لِمَن هذا الفسطاط؟
فَقِيلَ: لِرَجُلٍ يُقالُ لَهُ: عُبَيدُ اللّه بنُ الحُرِّ الجُعفِيُّ. [في الأخبار الطوال: وكان من أشراف أهل الكوفة، وفرسانهم].
قالَ: فَأَرسَلَ الحُسَينُ «علیه السلام» بِرَجُلٍ مِن أَصحابِهِ يُقالُ لَهُ: الحَجاج بن مَسروق الجُعفِيُّ.
فَأَقْبَلَ حَتَّى دَخَلَ عَليهِ فِي مُسطَاطِهِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَرَدَّ «عليه السلام»، ثُمَّ قَالَ : ما وَرَاءَكَ؟
فقالَ الحَجّاج: وَاللّه! وَرائي يَا ابنَ الحُرِّ [الخَيرُ]، وَاللّه ! قد أَهْدَى اللّه إِليكَ كَرامَة إن قبلتها !
قال: وما ذاكَ؟
فَقالَ: هذا الحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ «علیه السلام» يَدعوكَ إِلى نُصرَتِهِ؛ فإن قاتَلتَ بَينَ يَدَيهِ أُحرت، وإن مِتَ فَإِنَّكَ استُشهدت !
فَقالَ لَهُ عُبَيدُ اللّه: وَاللّه ! ما خَرَجَتْ مِنَ الكوفة إلا مَخافة أن يَدخُلُهَا الحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ «علیه السلام» وأنا فيها فلا أنصُرُهُ؛ لِأَنَّهُ ليسَ لَهُ فِي الكوفة شيعة ولا أنصار إلا وقد مالوا إلى الدُّنيا، إِلَّا مَن عَصَمَ اللّه
مِنهُم، قارجع إليهِ وخَبِّرهُ بذاك. [وفي الأخبار الطوال: وَاللّه ما خَرَجَتْ مِنَ الكوفة إلا لِكَثرَةِ مَن رأيتُهُ خَرَجَ لِمُحارَبَتِهِ، وخذلان شيعَتِهِ، فَعَلِمتُ أَنَّهُ مَقتول ولا أقدِرُ عَلى نَصرِهِ، فلستُ أحِبُّ أن يَراني ولا أراه].
فَأَقْبَلَ الحَجّاج إلى الحُسَين «علیه السلام» فَخَبَّرَهُ بِذلِكَ، فَقامَ الحُسَينُ «علیه السلام» ثُمَّ صارَ إِليهِ فِي جَمَاعَةٍ مِن إخوانِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ وسَلَّمَ وَتَبَ عُبَيدُ اللّه بنُ الحُرِّ مِن صَدر المجلس، وجَلسَ الْحُسَينُ «علیه السلام»، فَحَمِدَ اللّه وأَتْني عَليهِ، ثُمَّ قَالَ:
أمّا بَعدُ، يَا ابْنَ الحُرِّ! فَإِنَّ (لعل الصحيح: أهل) مِصرَكُم هذِهِ كَتَبوا إليَّ، وخَبَّروني أَنَّهُم مُجتَمِعونَ عَلى نُصرتي، وأن يقوموا دوني، ويُقاتِلُوا عَدُوّي، وإِنَّهُم سَألوني القدومَ عَليهم، فقدمت، ولستُ أدري القومَ عَلى ما زَعَمُوا، لِأَنَّهُم قد أعانوا على قتل ابن عَمّي مُسلم بن عَقِيلٍ وشيعَتِهِ، وأجمعوا عَلى ابن مَرجانَة عُبَيدِ اللّه بن زيادٍ، مُبايعينَ لِيَزِيدَ بن مُعاوِيَة.
وأنتَ يَا ابنَ الحُرِّ، فاعلم أنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ مُوَاخِدُكَ بِما كَسَبَتَ وأسلفت مِنَ الذُّنوبِ فِي الأيّام الخالِيَةِ، وأنا أدعوك في وقتي هذا إلى تَوبَةٍ تَغسِلُ بها ما عَليكَ مِنَ الدُّنوب، وأدعوك إلى نُصرَتِنا أهلَ البَيتِ، فإن أعطينا حَقّنا حَمِدنَا اللّه عَلى ذلِكَ وقبلناه، وإن مُنعِنا حَقَّنا وركبنا بالظلم، كنت من أعواني على طلب الحَقِّ. فقالَ عُبَيدُ اللّه بنُ الحُرِّ: [في الأخبار الطوال وَاللّه إِنِّي لأعلمُ أَنَّ مَن شَايَعَكَ كَانَ السَّعِيدَ فِي الآخرة].
وَاللّه يَا ابْنَ بنتِ رَسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» ! لو كانَ لكَ
بالكوفة أعوانٌ يُقاتِلُونَ مَعَكَ لَكُنتُ أنا أَشَدَّهُم عَلى عَدُوِّكَ، وَلكِنِّي رَأَيتُ شيعَتَكَ بالكوفة وقد لزموا مَنازِلهُم، خَوفاً مِن بَني أمية ومن سيوفهم.
فأنشُدُكَ باللّه أَن تَطلب مِنّي هذِهِ المنزلة.
[في الأخبار الطوال: فأنشدُكَ اللّه أن تحملني عَلى هَذِهِ الخُطَّةِ؛ فَإِنَّ نَفسي لم تَسمَحَ بَعدُ بِالمَوتِ]
وأنا أواسيك بكلِّ ما أُقدِرُ عَليهِ، وهَذِهِ فَرَسي مُلجَمَةٌ، وَاللّه ما طلبتُ عَليها شيئا إلا أدقتُهُ حِياضَ المَوتِ، ولا َطلِبتُ وأنا عَليها فلحقتُ، وخُذ سيفي هذا فَوَاللّه ما ضَرَبَتْ بِهِ إِلا قطعتُ.
فقالَ لهُ الحُسَينُ «علیه السلام»: يَا ابنَ الحُرِّ! ما جِئناكَ لِفَرَسِكَ وسَيفِكَ إِنَّما أتيناكَ لِنَسألكَ النُّصرَةَ، فإن كُنت قد بَخِلتَ عَلِينَا بِنَفْسِكَ فلا حاجة لنا في شَيْءٍ مِن مالِك [في الأخبار الطوال: فلا حاجة لنا إلى فَرَسِكَ ].
ولم أكن بالذي أتَّخِدُ المُضلين عَضُدا؛ لأنّي قد سَمِعتُ رَسُولَ اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وهُوَ يَقُولُ: «مَن سَمِعَ داعية (لعل الصحيح: واعية، أي صرخة) أهل بيتي ولم يَنصُرُهُم عَلَى حَقَّهم، إِلَّا أَكَبَّهُ اللّه عَلى وَجْهِهِ فِي النَّارِ».
ثُمَّ سارَ الحُسَينُ «علیه السلام» مِن عِندِهِ، وَرَجِعَ إِلَى رَحلِهِ.
فلمّا كانَ مِنَ الغَدِ رَحَلَ الحُسَينُ «علیه السلام»، ونَدِمَ ابْنُ الحُرِّ عَلى ما فاتَهُ مِن نُصرَتِهِ، فَأَنشَأَ يَقُولُ:
أراها حَسرَةً ما دُمتُ حَيّاً***تَرَدَّدُ بَينَ صَدري وَالتَّراقي
حُسَينٌ حينَ يَطلُبُ بَذْلَ***على أهل العَداوَةِ وَالشَّقاق
فلو واسيتُهُ يَوماً بنفسي***لنلتُ كَرامَة يَومَ التَّلاقي
مَعَ ابن مُحَمَّدٍ تَفديه نفسي***مُوَدَّعَ تُم ولى بانطلاق
غداة يَقولُ لي بالقصر قولاً***أتَترُكُنا وتعزمُ بالفراق (1)
فلا أنسى غدَاة يَقُولُ حُزناً***أَتَتْرُكْنِي وَتُزْمِعُ لانطلاق؟
فلو فلق التَّلَهُبُ قلبَ حَي***لهمَّ القلبُ مِنّي بانفلاق
فقد فاز الذي نَصَرَ الحُسَينَ***وخابَ الأخْسَرونَ ذُوُو النّفاق (2)
1) البيت في الأخبار الطوال:
2) الفتوح لابن أعثم ج ص 73 - 75 وراجع: الأخبار الطوال ص 250 و 262 والأمالي للصدوق ص 219 وبحار الأنوار ج 44 ص 315 و 379 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 164 و 230 والفوائد الرجالية ج3 ص 70 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2624 والأمالي الشجرية ج 1 ص 181 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 407 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 307 وأنساب الأشراف ج 3 ص 384 و (ط دار الفكر) ج 7 ص 30 والكامل في التاريخ ج 4 ص 50 و 51 والإرشاد ج 2 ص 81 ومثير الأحزان ص 48 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 34 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 386 - 391 ولواعج الأشجان ص 97 وإبصار العين ص 151 وراجع: مقتل الحسين لأبي مخنف ص 91 والدر النظيم ص 549.
لعل الصحيح:
لقد فاز الأولى نَصَرُوا حُسَيناً***وخابَ الأحْسَرُونَ ذُوُو النّفاقِ
ويقول نص آخر:
ولْقِيَ عُبَيدُ اللّه بنُ الحُرِّ الْجُعِفِيُّ حُسَينَ بنَ عَلِيٍّ «علیه السلام» فدَعاهُ حُسَينٌ «علیه السلام» إلى نُصرَتِهِ وَالْقِتالِ مَعَهُ فَأبى، وقال: قد أعبيتُ أباك قبلك.
قالَ: فإِذا أَبَيتَ أن تَفعَلَ فَلا تَسمَعِ الصَّيحَة عَلينا؛ فَوَاللّه لا يَسْمَعُها أَحَدٌ ثُمَّ لا يَنصُرُنا قيرى بَعدَها خَيْرًا أَبَداً.
قالَ عُبَيدُ اللّه : فَوَاللّه لهبتُ كَلِمَتَهُ تِلْكَ، فَخَرَجتُ هارباً مِن عُبَيدِ اللّه بن زيادٍ، مَخافة أن يُوَجِّهني إليهِ، فلم أزل فِي الْخَوفِ حَتَّى انقَضَى الأمر.
فَنَدِمَ عُبَيدُ اللّه عَلى تَركِهِ نُصرَةَ حُسَينِ «علیه السلام»، فَقالَ:
يَقولُ أميرٌ غادِرٌ حَقَّ غادِر***ألا كُنتَ قائلت الشَّهِيدَ ابن
ونفسي عَلى خِذْلانِهِ***وبَيعَةِ هذا النَّاكِثْ العَهْدِ لَائِمَه
فيا ندَماً ألا أكون نصرتُهُ***ألا كُلُّ نفس لا تُسَدَّدُ نادِمَه (1)
1) الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 513 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 93 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 391.
ونقول:
لعل الصحيح:
يَقولُ أميرٌ غادِرٌ وابنُ غادِر
وهنا أمور عديدة يمكن البحث فيها، ولكننا سنقتصر منها على ما هو ضروري، فلاحظ ما يلي:
إن أول ما يواجهنا هنا: هو أن ابن الحر يقول : إنه خرج من الكوفة مخافة أن يدخلها الحسين وهو فيها، ثم لا ينصره، وذلك لعدم وجود شيعة للحسين «علیه السلام» في الكوفة ولا أنصار إلا وقد مالوا إلى الدنيا.
وهذا كلام عجيب و غريب..
فأولاً : إن عبيد اللّه بن الحر إنما يريد أن ينصر الحسين، حيث لا يحتاج الحسين «علیه السلام» إلى نصرته ولا إلى نصرة غيره لوجود الشيعة والأنصار لديه «صلوات اللّه وسلامه علیه»..
فإذا كانت النصرة حاصلة، تكون نصرة ابن الحر له من باب تحصيل الحاصل.
ثانياً: أليس ما يفعله عبيد اللّه بن الحر، من خروجه من الكوفة فراراً من نصرة للإمام، ثم رفضه الاستجابة للإمام الحسين «علیه السلام» في هذه اللحظات بالذات، أليس هذا ميلا منه إلى الدنيا،
وإخلاداً إلى الأرض؟!
ثالثاً : إذا كان ابن الحر قد خرج من الكوفة لكي لا يرى الإمام، إذا دخلها «علیه السلام»، ثم لا ينصره، فهل كان خروجه هذا لكي يأمن من عذاب الآخرة بسبب عدم نصره له؟! فإن كان الأمر كذلك، فها هو بعد لقاء الحسين «علیه السلام» به قد وقع فيما فرّ منه.
فلماذا لا يطلب الأمن من عذاب الآخرة الآن؟! فهل حصل على هذا الأمن برفضه نصرته؟! فإن كان الأمر كذلك، فقد كان بإمكانه أن يبقى في الكوفة ثم لا ينصر الإمام، ويأمن من عذاب الآخرة بحسب زعمه..
على أنه لو كان برفضه هذا يأمن من عذاب الآخرة، فلماذا ندم بعد ذلك على عدم نصره «علیه السلام»؟!
وهنا سؤال يقول: ألم يكن من المفروض أن لا يذهب الإمام «عليه السلام» بنفسه إلى عبيد اللّه بن الحر، بعد رفض ابن الحر المجيء إليه «علیه السلام»؟! أليس في هذا نوعاً من التنازل غير المحبب بإظهار الحاجة والضعف أمام من لا يستحق، ولا يعرف أقدار الرجال، حتى لو كانوا أفضل البشر؟!
ونجيب:
بأن الإمام «علیه السلام» لم يأت إلى ابن الحر ليطلب أمراً يعود نفعه إليه هو «عليه السلام» كشخص، فإن الإمام لا يبحث عمن يحميه
من القتل، فإنه يعرف أن كرامته من اللّه الشهادة، فهو سيكون سعيداً بالاستشهاد كما هو سعيد بالنصر، وربما أكثر
وإنما هو «علیه السلام» يريد السعادة والخير لابن الحر نفسه وللأمة بأسرها، فللحسين المنة والفضل والتكرم والتفضل على ابن الحر، وليس العكس.
فما صدر عن ابن الحر كان خذلاناً وخسراناً عظيماً له، جر إليهالندم بعد ذلك، ولات ساعة مندم.
وقد كان من فوائد هذا اللقاء: أن أنس بن الحارث الكاهلي قد حضر ورأى وسمع ما جرى، فكان ذلك سبب التحاقه بالحسين، واستشهاده.. وكفى بهذا فائدة لهذا اللقاء.
وثمة سؤال آخر: عن السبب في أنه «علیه السلام» يأتي هنا بنفسه إلى ابن الحر، الذي كان «علیه السلام» يعلم أنه كان عثمانياً، وكان في حرب صفين يحارب عليا «علیه السلام» مع معاوية.
ولكنه «علیه السلام» حين سمع خبر استشهاد مسلم وهاني، يبادر إلى إخبار الناس الذين تبعوه من المياه والمنازل المختلفة بذلك، ويحلهم من بيعته، ويجيز من أراد منهم أن يفارقه بفراقه.
ونجيب:
بأنه «علیه السلام» كان يريد أنصاراً لقضيته، وأعواناً على طلب الإصلاح، موطنين أنفسهم على الموت، راغبين في لقاء اللّه، طامعين في مغفرته ورضوانه، ولأجل ذلك بدأ حديثه مع ابن الحر، بتذكيره
بذنوبه وحاجته إلى التوبة الصادقة، لكي يرغب في رضوان اللّه، وليبذل نفسه في سبيله. ولم يكن يريد تكثير الأعداد من طلاب الدنيا، الذين إن لم يجدوها عنده وأطمعهم بها أعداء اللّه سارعوا إليهم، وكانوا أعواناً لهم في هدم الدين وقتل أبناء الأنبياء، والأخيار، والصلحاء.
وقد استوقفنا ما ذكرته الرواية المتقدمة، من أنه «علیه السلام» يصرح: بأن الذين كاتبوه، وتعهدوا بأن يقوموا دونه، ويقاتلوا عدوه، وينصروه - يصرح بأنهم : قد أعانوا على قتل ابن عمه مسلم بن عقيل، وقوله «علیه السلام»: «ولستُ أدري القومَ عَلى ما زَعَمُوا، لِأَنَّهُم قد أعانوا على قتل ابن عَمّي مُسلم بن عَقِيلٍ وشِيعَتِهِ، وأجمعوا عَلى ابن مَرجانَة عُبَيدِ اللّه بن زيادٍ مُبايعينَ لِيَزِيدَ بن مُعاوِيَة» يريد به:
أولاً: أن يعلم الناس: أن القوم قد خذلوا مسلما، وأعانوا على قتله، فكيف يمكن أن يقال عن الذين يفعلون ذلك: إنهم لا زالوا ملتزمين بالعهود التي ألزموا بها أنفسهم؟! ألا تكفي معونتهم على قتل ابن عمه مسلم وشيعته وانحيازهم إلى ابن زياد ومبايعتهم ليزيد لليقين بأنهم قد بدلوا وغيروا، ونقضوا عهودهم؟!
فقوله «علیه السلام»: «ولستُ أدري القومَ عَلى ما زَعَمُوا» يريد به: أنه يدري العكس. أي ألا يكفي هذا للدلالة على نكثهم، وانحيازهم
ليزيد؟!
ثانياً : بأن الإمام «علیه السلام» كان يرى أن عليه أن يراعي في تعامله مع الناس حتى الاحتمال الضعيف إذا كان لصالحهم، ولا يتشدد في محاسبتهم، لأن غرضه هو إصلاحهم، وفتح باب التوبة أمامهم، كما أن عليه يعفو عن مسيئهم ويعلم جاهلهم.. فلعل ما صدر منهم في حق مسلم وشيعته، يوقظ ضمائر الكثيرين، ويفتح بصائرهم على حقيقة الحكام الأمويين، ويكون ذلك من أسباب الندم والتوبة، والعزم على نصرته حين يلتقون به «صلوات اللّه وسلامه علیه»..
ثالثاً : إن الذين أعانوا على قتل مسلم هم طائفة من الذين كتبوا إليه، وإنما تخاذل الآخرون عن نصرة مسلم بفعل الخوف من ابن زياد، ولأجل انحياز رؤسائهم إليه، وتخذيلهم أتباعهم عن مسلم، فلعله «علیه السلام» يتحدث عن هذا النوع من الناس..
وتقدم: أن ابن الحر قد طلب من رسول الإمام الحسين «علیه السلام» أن يرجع إليه ويخبره بأنه ليس له في الكوفة شيعة ولا أنصار.
فكأنه أراد بذلك: أن يثني الإمام عن مواصلة مسيره، وأن يعدل عما عقد العزم عليه من طلب الإصلاح في الأمة، لكي يجد ابن الحر لنفسه المناص والمهرب من نصرته ومعونته «علیه السلام».
وقد أظهرت كلمات الإمام الحسين مع ابن الحر: أن ما تعهد به أهل الكوفة للحسين، أو فقل ما يريده الحسين «علیه السلام» منهم هو نصرته، والقيام دونه وقتال عدوه.
فليس في كلامه «علیه السلام» دلالة على أنه يريد إعلان الحرب على بني أمية، والدخول فيها بقرار منه، بل المطلوب هو القيام دونه، ومنع عدوه من أن ينال منه، وهذا إنما يكون في الحرب الدفاعية التي يكون المهاجم فيها هو الطرف الآخر..
وهذا هو المراد بالنصرة التي طلبها الإمام الحسين «علیه السلام» من عبيد اللّه بن الحر، لأن حفظ الإمام والقائد من موجبات بقاء التحرك الإصلاحي، لا لأن الإمام الحسين يحب الحياة، ويريد من الناس أن يموتوا لكي يحيا.
ولا ندري مدى صحة الرواية المتقدمة التي تقول: إن ابن الحر قد قال للإمام الحسين «علیه السلام» متبجحاً : «قد أعيَيتُ أباكَ قبلكَ». فإن صحت هذه الرواية، فإن قول الإمام الحسين له: «ولم أكن بالذي أَتَّخِدُ المُضِلِين عَضُدا» يكون ظاهر المأخذ، ولا يحتاج إلى تفسير أو تأويل..
على أن طريقة ابن الحر في التملص من قبول طلب الإمام «علیه السلام» أن ينصره، واعترافه بما للحسين من كرامة عند اللّه، وما
أعده اللّه لقاتله من خزي وعقاب لا يعارض هذا التبجح المقيت، إذا كان ابن الحر يريد التخلص من الإحراج بكل حيلة ووسيلة باللين حينا، وبالغلظة حيناً آخر، حبا منه بالدنيا، ورغبة في البقاء فيها.
وتقدم: أن الحسين «علیه السلام» قد رفض قبول الفرس والسيف من عبيد اللّه بن الحر، وقال له: «فَإِن كُنت قد بَخِلتَ عَلينا بِنَفْسِكَ فَلا حاجة لنا في شيءٍ مِن مالِكَ، ولم أكن بالذي أَتَّخِدُ المُضلين عَضُدا؛ لِأتي قد سَمِعتُ رَسُولَ اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وهُوَ يَقُولُ: «مَن سَمِعَ داعية (لعل الصحيح: واعية) أهل بيتي ولم يَنصُرُهُم عَلَى حَقَّهم، إِلَّا أَكَبَّهُ اللّه عَلى وَجْهِهِ فِي النَّارِ»..».
ونلاحظ هنا:
أولاً: كأنه «علیه السلام» يقول: إن عدم المبادرة إلى نصرة أهل البيت «علیهم السلام» على حقهم الموجب لدخول النار يؤدي إلى أن يصبح هذا الخاذل من المضلين، الذين لا يجوز لأهل الحق الاعتضاد والتقوي بهم. ولعل سبب ذلك : أن هذا الخاذل إذا كان من أهل الرياسة ليس فقط يكون قد أفسح المجال للمبطلين والأشرار للعبث بأحكام اللّه والتجني على دينه، وإذلال عباده بل هو قد أعطى الإنطباع عن نفسه بأنه يستخف بدماء أهل بيت النبوة، ولا يرى أنها تستحق الدفع عنها، والنصر لها، والتضيحة في سبيلها. وهذا تضليل للناس عن واجباتهم، وصدّ لهم عن أهمها وأعظمها.
ثانياً : إنه «علیه السلام» يريد لعبيد اللّه بن الحر السعادة، بنصره للحق وأهله - في الدنيا والآخرة، ولا يريد منه سيفاً، ولا فرسا. لأن الحسين «علیه السلام» لم يكن بصدد جمع وسائل الحرب لكي يدفع عن نفسه، ويؤخر حضور أجله، لعلمه بأن هذه العدة لن يكون لها دور ولا أثر في ذلك، لأن النصر الظاهري على العدو مرهون بقيام الأمة بواجبها وبدون ذلك، فإن الشهادة هي التي تنتظر الحسين «علیه السلام»، وأصحابه، وما يتبقى من عتاد وسلاح، وخيل، وسوى ذلك، فسيستولي عليه العدو، ويعتبره من الغنائم والأسلاب.
ثالثاً : إن الكلمة المنقولة عن النبي «صلی اللّه علیه وآله» تعطي للنصر مضموناً جديداً ومهما، فليس المراد بالنصر الفوز على العدو في المعركة، بل المراد نصر الحق الذي لأهل البيت «علیهم السلام»، والكون معهم في تأييد هذا الحق وترسيخه، سواء قتل أهل البيت ومن نصرهم، أو عاشوا.
وهذا هو ما ورد على لسان رسول «صلی اللّه علیه وآله»، حيث قال: «ولم يَنصُرهُم عَلى حَقَّهم، إلا أكَبَّهُ اللّه عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ»، وعلى هذا، فلو أن أحداً نصر الحسين «علیه السلام» في المعركة، ولكن بهدف الحصول على موقع ومقام، أو مال ونوال، فإن هذا النصر لا يجدي في صون وجه ذلك الناصر من النار..
ادَّعى عبيد اللّه بن الحر الجعفي: أنه نادم على تركه نصرة
الحسين «علیه السلام»، وقد سجل هذا الندم في أكثر من مقطوعة شعرية. وقد زار قبر الحسين «علیه السلام» بعد استشهاده. وكل ذلك يدل على أنه كان يتشيع، ولكن تشيعه ليس كتشيع حبيب والأشتر، وسلمان، وأبي ذر، بل كان من الشيعة الذين كانت قلوبهم مع الحسين، ولكن سيوفهم ليست معه ولا عليه.
ولعل سبب ذلك : أنه لم يكن يملك من الوعي والمعرفة، والأصالة، ومن التربية الروحية والإيمانية، ما يكفي لاتخاذ موقف إيجابي حاسم فيما يرتبط بنصرة الحسين «علیه السلام».
ولأجل ذلك نرى: أنه حين عرض عليه الإمام «علیه السلام» أن ينصره أجاب بالرفض، ثم بذل للإمام «علیه السلام» فرسه.. وهذا يشير إلى أن ابن الحر يرى: أن الحسين يطلب منه أمراً دنيويا.. مع أنه «علیه السلام» إنما يطلب منه: أن يواسيه بنفسه، وأن يبذل روحه في سبيل اللّه تعالى. ولذا قال في خطبته حين أراد الخروج من مكة: «ألا مَن كانَ باذِلاً فينا مُهجَتَهُ ومُوَطنا عَلَى لِقَاءِ اللّه نَفْسَهُ»..
ولذا أجابه «علیه السلام» بقوله : «أمّا إذا رَغِبتَ بِنَفْسِكَ عَنَّا، فلا حاجة لنا إلى فَرَسِكَ».
وأما ندمه، فيبقى موضع ريب أيضاً، كما تدل عليه الشواهد من سيرته بعد استشهاد الإمام «علیه السلام»، فقد كان من أعوان الحكم الأموي، حتى إن عبد الملك بن مروان أرسله في سنة 68 للّهجرة في جيش كثيف لمحاربة مصعب ابن الزبير، وقد قتل في تلك المعركة
قرب الأنبار (1).
وهذا هو سوء العاقبة لمن رضي أن يكون عبداً للدنيا، ومن الذين يكون الدين لعق على ألسنتهم.
ومن تكون هذه نهايته، فإن ندمه لا يجديه نفعا، خصوصاً إذا صحت الرواية التي تقول : إن الإمام الحسين «علیه السلام» قد رفض فرسه، وقال: «ولم أكن بالذي أتَّخِدُ المُصْلِين عَضُداً».
ومما يؤكد لنا أنه لم يكن أهلاً للكرامة: ما تقدم أيضا، من أنه قال للإمام الحسين «علیه السلام»: «قد أعيتُ أباكَ قبلكَ».
عن عقبة بن سمعان قال:
فلما أصبَحَ [الحُسَينُ «علیه السلام»] نَزَلَ فَصَلَّى الغَداةَ، ثُمَّ عَجَلَ الرُّكوبَ، فَأَخَذَ يَتَياسَرُ بأصحابهِ يُريدُ أن يُفرّقهُم، فَيَأْتِيهِ الحُرُّ بنُ يَزِيدَ فَيَرُدُّهُم فَيَرُدُّهُ، فَجَعَلَ إِذا رَدَّهُم إِلى الكوفَةِ رَدّا شَدِيداً امْتَنَعُوا عَلَيهِ فارتفعوا.
فلم يَزالوا يَتَسايَرونَ [الحُسَينُ «علیه السلام» وَالحُرُّ] حَتَّى انتَهَوا
1) أنساب الأشراف (ط دار الفكر) ج 7 ص 36 - 38 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 593 والكامل في التاريخ ج 4 ص 294 والفتوح لابن أعثم ج 6 ص 313 - 315 ونهاية الأرب ج 21 ص 73 وخزانة الأدب للبغدادي ج 2 ص 141 و 142.
إلى نينوى؛ المكان الذي نَزَلَ بِهِ الحُسَينُ «علیه السلام».
قالَ: فإذا راكِبٌ عَلى نَجِيبِ لَهُ، وعَليهِ السَّلاحُ، مُتَنَكَّبٌ قوساً، مُقبلٌ مِنَ الكوفة، فوقفوا جميعاً يَنتَظِرُونَهُ فَلمَّا انتَهَى إِلَيهِم سَلَّمَ عَلَى الحُرِّ بن يَزِيدَ وأصحابهِ، ولم يُسَلَّم عَلى الحُسَين «علیه السلام» وأصحابهِ، فَدَفَعَ إلى الحُرِّ كِتاباً مِن عُبَيدِ اللّه بن زيادٍ، فَإِذَا فِيهِ:
أمّا بَعدُ [ في الفتوح يا أخي! إذا أتاكَ كِتابي]، فَجَعَيعِ بِالحُسَينِ حِينَ يَبْلُغُكَ كِتابِي، وَيَقدَمُ عَليكَ رَسولي، فلا تنزله إلا بالعراء، في غَيرِ حِصن وعَلى غَير ماءٍ، وقد أمَرتُ رَسولي أن يَلْزَمَكَ ولا يُفارقكَ، حَتَّى يَأْتِيَني بإنفاذِكَ أمري، وَالسَّلامُ.
قالَ: فلمّا قرأ الكِتابَ [ في الفتوح: بَعَثَ إِلى ثِقَاتِ أَصحابِهِ فَدَعاهُم، ثُمَّ قالَ: وَيحَكُم وَرَدَ عَليَّ كِتابُ عُبَيدِ اللّه بن زيادٍ يَأْمُرُنِي أَن أَقدَمَ إِلَى الحُسَين «علیه السلام» بما يَسوؤُهُ، ووَاللّه ما تُطاوعني نَفسي، ولا تُجِيبُني إلى ذلِكَ.
قالتَفَتَ رَجُلٌ مِن أصحاب الحُرِّ بن يَزِيدَ - يُكَنّى أبَا الشَّعَثاءِ الكِندِيَّ - إِلَى رَسول عُبَيدِ اللّه بن زيادٍ، فقال له في ماذا جئتَ ثَكِلتِكَ أُمُّكَ؟!].
قالَ لَهُمُ الحُرُّ (أي للحسين وأصحابه): هذا كِتابُ الأمير عُبَيدِ اللّه بن زيادٍ، يَأْمُرُني فيهِ أن أجَعجع بكُم فِي المكان الذي يَأْتِينِي فِيهِ كِتابُهُ. وهذا رَسولهُ، وقد أمَرَهُ ألا يُفارقني حَتَّى أَنفِدْ رَأْيَهُ وأَمرَهُ.
فَنَظرَ إلى رَسول عُبَيدِ اللّه، يَزيدُ بنُ زيادِ بن المُهاصِر - أبو الشعثاء الكِندِيُّ ثُمَّ البَهدَلِيُّ - فَعَنَّ لهُ، فَقالَ: أَمالِكُ بنُ النُّسَيرِ البَدِّيُّ؟
قالَ: نَعَم - وكانَ َأحَدَ عِندَةَ - فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ بنُ زِيادٍ: ثَكَلتكَ أُمُّكَ! ماذا جئت فيه؟
قال : وما جئتُ فيهِ! أطعتُ إمامي، ووفيتُ بِبَيعَتي.
فَقالَ لَهُ أَبُو الشَّعَثاءِ: عَصَيْتَ رَبَّكَ، وأطعت إمامَكَ في هَلَاكِ نَفْسِكَ، كَسَبَت العارَ وَالنّار، قالَ اللّه عز وجل: «وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ» (1). فهو إمامُكُ.
قالَ : وأَخَذ الحُرُّ بنُ يَزِيدَ القومَ بالنُّزول في ذلِكَ المَكَانِ عَلَى غَيرِ ماء، ولا في قريةٍ.
فقالوا: دعنا ننزل في هذِهِ القريَةِ؛ يعنون نينوى، أو هذِهِ القريَةِ؛ يَعنون الغاضريَّة، أو هذهِ الأخرى؛ يَعنونَ شُفَيَّة.
فقالَ: لا وَاللّه ما أستَطيعُ ذلِكَ، هذا رَجُلٌ قد بُعِثَ إِليَّ عَينا.
فَقالَ لهُ زُهَيْرُ بنُ القين: يا ابنَ رَسول اللّه، إِنَّ قِتَالَ هَؤُلَاءِ أَهْوَنُ مِن قِتال مَن يَأْتينا مِن بَعدِهِم فَلعَمري ليَأْتينا مِن بَعدِ مَن تَرى ما لا قِبَلَ لنا بِهِ.
فَقالَ لَهُ الحُسَينُ «علیه السلام» ما كُنتُ لِأَبدَأَهُم بالقِتال.
فقالَ لهُ زُهَيرُ بنُ القين: سر بنا إلى هذهِ القريَةِ حَتَّى تَنزلها فإنَّها حَصِينَة، وهِيَ عَلى شاطئ الفُراتِ، فإن مَنَعونا قاتَلْناهُم، فَقِتالُهُم أَهْوَنُ عَلينا مِن قِتال مَن يَجيءُ مِن بَعدِهِم.
1) الآية 41 من سورة القصص.
فَقالَ لهُ الحُسَينُ «علیه السلام»: وأيَّة قريَةٍ هِيَ؟
قالَ: هِي العَقْرُ.
فَقالَ الحُسَينُ «علیه السلام»: اللّهمَّ إنِّي أعودُ بِكَ مِنَ العَقر.
ثمّ نَزَلَ، وذلِكَ يَومُ الخميس، وهُوَ اليَومُ الثاني مِنَ المُحَرَّمِ سَنَة إحدى وستين.
فلمّا كانَ مِنَ الغَدِ قَدِمَ عَليهِم عُمَرُ بنُ سَعِدِ بن أَبي وَقاص مِنَ الكوفة في أربَعَةِ آلافٍ (1)
وراجع: الفتوح لابن أعثم ج ص 77 و 80 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 231 وراجع : الملهوف ص 137.
.وعن ابن أعثم:
1) موسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 394 - 396 عن المصادر التالية: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 408 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 309 والكامل في التاريخ ج 4 ص 52 والأخبار الطوال ص 251 وتجارب الأمم ج 2 ص 67 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 82 وروضة الواعظين ص199 و (منشورات الشريف الرضي) ص 180 وإعلام الورى ج 1 ص 450 وبحار الأنوار ج 44 ص 380 وراجع أنساب الأشراف ج 3 ص384 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 176 ومثير الأحزان ص 48 وراجع: مقتل الحسين لأبي مخنف ص 93 ونهاية الأرب ج 20 ص 424 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 335 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 654.
فقالَ لَهُ زُهَيرٌ: فَسِر بنا حَتَّى نَصِيرَ بِكَربَلاءَ؛ فَإِنَّهَا عَلَى شَاطِئ القُراتِ، فَنَكونَ هُنالِكَ، فإن قاتلونا قاتلناهُم، وَاستَعَنا بِاللّه عَليهم.
قالَ: فَدَمِعتَ عَينا الحُسَين «علیه السلام»، ثُمَّ قَالَ: اللّهمَّ ! ثُمَّ اللّهمَّ ! إنِّي أعودُ بكَ مِنَ الكَرِبِ وَالبَلاء.
قالَ: َونَزَلَ الحُسَينُ «علیه السلام» في مَوضِعِهِ ذلِكَ، وَنَزَلَ الحُرُّ بنُ يَزِيدَ حِذاءَهُ في ألفِ فارس (1).
ونقول:
قد تضمن هذا النص أموراً نذكر منها ما يلي:
1 - رأينا: أن الحسين «علیه السلام» وأصحابه كانوا يمتنعون على الحر وجيشه باستمرار، فكان التجاذب بين الفريقين مستمراً..
ويبدو لنا: أن السبب في ذلك أن نفس وضع العراقيل أمام الناس، ومنعهم من السفر إلى هذا البلد، أو ذاك، وفرض المسير عليهم في طريق بعينه، ومنعهم مما عداه هو من مفردات الظلم والعدوان ومصادرة قرارات الناس، وتقييد حرياتهم. ولم يكن الإمام «علیه السلام» يريد أن يفسح لهم المجال لذلك، فإن إفساح المجال هذا قد يعطيهم بنظر الجاهلين والغافلين درجة من المشروعية، ويعتاد الناس على مثل هذا الظلم والعدوان.
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 80 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 234.
وقد استمر التجاذب المشار إليه آنفاً إلى أن وصل رسول عبيد اللّه بن زياد حاملاً كتاباً إلى الحر الرياحي، يضيف إلى هذا العدوان ما يجعله أشنع وأقبح، حيث أمره بأن يجعجع بالحسين «علیه السلام»، وأن ينزله بالعراء في غير حصن، وعلى غير ماء. وأمر رسوله أن يلزمه حتى يراه، وهو ينفذ أوامره وهذه أوامر ظالمة، ولا يجوز اعتمادها في حق أي كان من الناس، فما بالك بأهل بيت النبوة، وأقدس رجل على وجه الأرض، وأفضلهم وأعلمهم وأتقاهم وأطهرهم وأرضاهم وريحانة الرسول، وسيد شباب أهل الجنة.
ومن الواضح: أنه لا يجوز طاعة ابن زياد ولا يزيد فيما فيه معصية اللّه، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
2 - مما ينبغي الوقوف عنده هنا أن ابن زياد يخبر الحر في كتابه إليه بما يدل على عدم وثوقه به، ولأجل ذلك أمر حامل الرسالة أن يلزم الحر ليراه، وهو ينفذ ما أمره به بدقة..
ولكن الحر يصرح الثقاته بأن نفسه لا تطاوعه في تنفيذ أوامر ابن زياد فى حق الحسين.. وهذا يدل على سلامة فطرة الحر، وصحة تفكيره.
وقد صرح ذلك الرسول المخذول في جوابه لأبي الشعثاء بأمرين:
أولهما: أنه يرى أن يزيد إمامه، وإن طاعة ابن زياد طاعة لهذا لإمام..
وقد سمع الجواب القاطع من أبي الشعثاء، الذي تلا عليه قوله تعالى: «وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ» (1).
الثاني: إنه وفى بيعته، مع أنها بيعة قائمة على غصب الحق من صاحبه الشرعي، المنصوص عليه من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله». ولاسيما في قوله: «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا».
وفي هذه البيعة أيضاً نقض لما قرره اللّه تعالى ورسوله، من أنه ليس للطلقاء وأبنائهم نصيب في هذا الأمر.
كما أنه ليس للظالم لنفسه ولغيره، والعاصي لربه، وشارب الخمر، والفاسق والقاتل في هذا الأمر نصيب.
وتقدم: أن معاوية قد شرط على نفسه: أن الأمر من بعده للحسن ثم للحسين «علیهما السلام».
فلمن يفي هذا الرجل بالبيعة؟ وأية بيعة هذه التي يريد أن يفي بها؟ أليس هذا الوفاء محرماً ومبغوضاً اللّه تعالى؟!
إن المخاوف التي دعت زهير بن القين للطلب من الحسين «عليه
1) الآية 41 من سورة القصص.
السلام» أن يهاجم الحر وجيشه، حين منعهم من النزول في أي بلد من البلدان القريبة منهم، هي مخاوف مبررة وواقعية.
ولكن المفاسد التي تترتب على بدئهم بالقتال كانت أكبر وأخطر لأن بدأهم بالقتال كان سيشوه الحركة الإصلاحية للحسين «عليه السلام»، ويجعله هو المعتدي والظالم، والمتسرع إلى الحرب، بلا مبرر ظاهر..
كما أن هذا البدء بالقتال لن يثمر نصراً نهائياً، ولن يمنع الاستشهاد عن الحسين وأصحابه، بل ربما كان سبباً في تسريعه، فإن الجيوش كانت تتوالى، والعساكر تتجمع من حولهم، ويزداد عديدها باستمرار. والبدء بالقتال سيجعل قتل الحسين «علیه السلام» على يد هذه الجيوش أمراً مقبولاً، بل مشروعاً عند كثير من الناس الجاهلين والغافلين الذين يتأثرون بالإعلام الأموي المسموم.
فما على الإمام الحسين إذن إلا أن يصبر - ولو على مضض - على هذه المضايقات، ويبقي وجه حركته نقياً ناصعاً، لا قدرة لأحد على تشويهه، وإلصاق الشبهات والتهم به، فإن ذلك هو القرار الحكيم، والإجراء الصحيح والقويم.
ولا حاجة إلى التوقف عند الفقرات الأخيرة من النص المتقدم، فقد مر معنا نظائر لها، وتوقفنا عندها بما لا مجال لإعادته هنا.
وقد ذكروا : أن عدة أشخاص التحقوا بالإمام الحسين «عليه
السلام»، وهو في طريقه إلى كربلاء، ومن هؤلاء:
1 - سلمان بن مضارب البجلي قيل إنه كان مع زهير بن القين - وهو ابن عمه - فلما عدل زهير إلى الحسين «علیه السلام» عدل معه (1).
فقول أبي حنيفة الدينوري: إنه لم يعدل إلى الحسين مع زهير أحد (2)يصبح موضع ريب.
2 - وهب بن وهب الكلبي. وقد تقدم الحديث عنه.
3 - نعيم بن العجلان الأنصاري (3).
4 - زاهر بن عمر الأسلمي. قيل: حج مع الحسين «علیه السلام» سنة ستين، ثم لازمه حتى استشهد معه «علیه السلام»(4).
فإن صح هذا، فلا بد أن يكون قد أتم حجه بعد خروج الإمام الحسين من مكة، ثم لحقه في الطريق، فلازمه إلى كربلاء، واستشهد معه.
5 و 6 - أبو ثمامة الصائدي (وهو عمرو بن عبد اللّه الهمداني) طلبه ابن زياد بشدة بعد قتل مسلم، فخرج إلى الحسين، هو ونافع بن
هلال، فلقيا الحسين في الطريق، فكانا معه حتى استشهدا في كربلاء (1).
7 - الحباب بن عامر التميمي. خرج إلى الحسين بعدما استشهد مسلم وهاني وسواهما، فلقيه في الطريق، فكان معه، واستشهد بين يديه (2).
8 - جندب بن حجير خرج إلى الحسين «علیه السلام»، فوافقه في الطريق قبل لقائه الحر، فجاء معه إلى كربلاء، واستشهد (3).
وقيل: إن ولده حجيراً استشهد معه، ولم يرتض الشيخ السماوي «رحمه اللّه» أن ولده قتل معه (4).
9 - سعيد بن عبد اللّه الحنفي. قال الشيخ السماوي: بعثه مسلم بكتاب إلى الحسين «علیه السلام»، فبقي مع الحسين حتى قتل معه (5).
قال البلاذري: وكان أنس بن الحارث الكاهلي سمع مقالة
الحسين لابن الحر. وكان قدم من الكوفة بمثل ما قدم له ابن الحر.
فلما خرج (1)من عند ابن الحر سلم على الحسين وقال: واللّه ما أخرجني من الكوفة إلا ما أخرج هذا من كراهة قتالك أو القتال معك، ولكن اللّه قد قذف في قلبي نصرتك، وشجعني على المسير معك!!!
فقال له الحسين: فاخرج معنا راشداً محفوظاً»(2).
ونقول:
لو لم يكن من ثمرات لقاء الحسين «علیه السلام» مع ابن الحر إلا هذا لكفى بها ثمرة جليلة، وجزيلة، وجميلة. وهي تدل على أن كلام الإمام الحسين «علیه السلام» كان مقنعاً لأصحاب النفوس الصافية، والفطرة السليمة، والبصائر الحية، وكان هذا الرجل منهم.
أما عبيد اللّه بن الحر الجعفى، فقد أماتت الجرائم والذنوب قلبه، وأرهقت ضميره، وصادرت وجدانه لاسيما وأنه كان قد حارب عليا «علیه السلام» في صفين. وكان يقطع الطريق، وينهب الأموال، كما ذكره الطبري في تاريخه.
ولأجل ذلك رأينا الإمام الحسين «علیه السلام» قد وضع هذا الرجل أمام واقع حاله، وذكره بذنوبه، وبين له أن لديه فرصة للخلاص
منها بالتوبة الصادقة، فقال له :
وأنتَ يَا ابنَ الحُرِّ، فاعلم أنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ مُؤَاخِدُكَ بِمَا كَسَبَتَ وأسلفتَ مِنَ الذُّنوبِ فِي الأيّام الخالِيَةِ، وأنا أدعوك في وقتي هذا إلى تَوبَةٍ تَغسِلُ بها ما عَليكَ مِنَ الذُّنوبِ، وأدعوك إلى نُصرَتِنا أَهلَ البَيتِ الخ..».
ولكن ابن الحر أبى أن يستجيب.. وكان الفوز والفلاح من نصيب أنس بن الحارث الكاهلي، الذي سمع هذا الكلام وسواه مما دار بين الحسين «علیه السلام» وبين ابن الحر.
وقد يكون هناك من يظن: أن حديث لقاء أنس الكاهلي بالحسين «علیه السلام» في قصر بني مقاتل غير دقيق.
أولاً: لأن هناك رواية عنه يقول فيها : إنه سمع النبي «صلی اللّه علیه وآله» يقول: «إن ابني هذا - يعني الحسين - يقتل بأرض يقال لها كربلاء، فمن شهد ذلك منكم فلينصره.
قال: فخرج أنس بن الحارث إلى كربلاء، فقتل مع الحسين»(1).
1) تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 223 و 224 وترجمة الإمام الحسين من تاریخ ابن عساكر (بتحقيق المحمودي) ص 347 - 349 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 217 وراجع: الإصابة ج 1 ص 68 و (ط دار الكتب العلمية) ج 1 ص 270 و 271 وأسد الغابة ج 1 ص123 و 349 وذخائر العقبى (نشر مكتبة القدسي) ص 146 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 75 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 1 ص 122 ومثير الأحزان (ط المكتبة الحيدرية) ص وبحار الأنوار ج 18 ص 141 وج 44 ص 247 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 116 وإمتاع الأسماع ج 12 ص 240 وج 14 ص 148 والخصائص الكبرى للسيوطي ج 2 ص 125 وينابيع المودة (ط دار الأسوة) ج 3 ص 8 و 52 والدر النظيم ص 530 وإبصار العين ص 99 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 380 و 381 وج 19 ص 402 وج 27 ص 260.
ونقول في الجواب:
إن رواية أنس الكاهلي لهذا الحديث لا تنافي أنه كان متردداً في نصرة الحسين، أو عازما على عدمها، ثم تبدل عزمه هذا بسبب ما سمعه من الإمام الحسين «علیه السلام»، فنال درجة الشهادة معه في كربلاء.
وقد كانت الأحاديث عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» فيما يجري على الحسين «علیه السلام» قد طرقت الأسماع، وعرفها القريب والبعيد، وقد عرفها قاتلوه، وخاذلوه كما عرفها أهل بيته وأصحابه.. ولعل بعضهم كزهير بن القين كان متردداً في نصرته «علیه السلام»، ثم حزم أمره، وأشرق وجهه بنور الهداية، فكان من الشهادء بين يديه.
ثانياً : قال العسقلاني عن أنس الكاهلي هذا: إنه خرج إلى كربلاء، فقتل مع الحسين «علیه السلام» (1). وهذا هو نفس ما ورد. في رواية ابن عساكر المذكورة آنفا (2).
ويفهم هذا المعنى من قول الشيخ السماوي «رحمه اللّه»: «وكان جاء إلى الحسين «علیه السلام» عند نزوله كربلاء، والتقى معه ليلا فيمن أدركته السعادة» (3).
وهذا وذاك لا يتلاءم مع قولهم : إنه لقي الحسين «علیه السلام» في قصر بني مقاتل.
ونجيب:
بأن هذه الأقوال لا تدل على أنه لم يلتق الحسين «علیه السلام» في قصر بني مقاتل، لأن غرض هؤلاء هو ذكر استشهاده في كربلاء، وليس غرضهم بيان مواضع لقائه بالإمام الحسين «عليه السلام».
المسير إلى كربلاء:
وأنشأ متمثلاً لما قصد الطف :
سأمضي فما فِي المَوتِ عار***إذا ما نوى خيراً وجاهَدَ مُسلِما
وواسى الرِّجالَ الصَّالِحِينَ***وفارَقَ مَذْمُومَاً وخالف مُجْرما
أقدِّمُ نفسي لا أريدُ بقاءَهَا***لِتلقى خَمِيْساً في الهياج
فإن عِشتُ لم أدْمَم وإِن مِتُّ***كَفى بك ذلاً أن تعيش (1)
الخميس: الجيش.
لا مجال للمساومة:
1 - وبعد أن اتضح بما لا يقبل الشك: أن الأمور تسير باتجاه الصدام، أعلن الحسين «علیه السلام» في هذه الأبيات قراره بالسير وفق ما يمليه عليه دينه، ووجدانه، مهما كلفه الأمر، ولن يكون الموت ذلك حاجزاً عن القيام بالواجب، بل إذا احتاج القيام بالواجب إلى الموت فمرحباً به.
2 - إن الناس قد يعتبرون الموت خسارة، ويلومون من يرضى به، أو يقدم عليه.. فأعلن «علیه السلام» بأن هذا معيار خاطئ. بل المعيار ما توفرت فيه العناصر التالية:
ألف: توفر النية الصادقة والصحيحة، شرط أن يكون مضمونها خيراً.
ب: أن يبذل جهده في الدفاع، وعدم الاستسلام الذليل والخانع
1) بحار الأنوار ج 44 ص 192 عن مناقب آل أبي طالب ج4 ص 68 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 224 عن حلية الأولياء.
للعدو.
ج: أن يكون مسلماً.
د: أن تتحقق المواساة بالنفس للصالحين، فلا يخذلهم، ولا يتخذ منهم مجرد أدوات ووسائل لدفع الأذى والقتل عن نفسه.
ه: أن لا يحابي المجرمين، ولا يوافقهم على إجرامهم.
و: أن يبتعد عن كل ما هو قبيح ومذموم.
3 - إن العيش الذليل والخانع لا يرضاه أهل الحفاظ والنجدة، والشرف والكرامة لأنفسهم..
4 - فإذا أدى ما يجب عليه، فإن عاش عاش كريماً مرفوع الرأس، وإن قتل فلا لوم عليه.
1 - الفهرس الإجمالي
2 - الفهرس التفصيلي
الفصل الخامس: نصائح أخرى قبل الرحيل...5
الفصل السادس : التهيو للرحيل...53
الفصل السابع: نصائح في الطريق...83
الفصل الثامن : لقاءات الفرزدق...111
الباب الثامن : إلى كربلاء...137
الفصل الأول: إلى زرود...139
الفصل الثاني : ماذا حصل في زرود؟!...187
الفصل الثالث : من زرود إلى قصر بني مقاتل...233
الفصل الرابع: الحر في المواجهة...251
الفصل الخامس: خطبة وكتاب...324
الفصل السادس من ذي حسم إلى كربلاء...357
الفصل الخامس نصائح أخرى قبل الرحيل: ...5
نصيحة الأوزاعي: ...7
نصيحة أبي بكر بن الحارث: ...9
نصيحة عمر بن عبد الرحمان بن الحارث: ...11
من هو والي مكة؟!: ...13
رجل واحد أم رجلان؟!: ...13
مهما يقض اللّه يكن: ...16
نصيحة أبي سعيد الخدري: ...16
نصيحة الواقدي، وابن جلح: ...17
النصيحة الأولى للخدري: ...18
النصيحة الثانية للخدري: ...20
الواقدي وزرارة مجهولان: ...21
النصيحة هي نفسها: ...22
جواب جديد وصاعق: ...22
نصيحة ابن الحنفية: ...26
شاء اللّه أن يراهن سبايا: ...28
إعلان الإستشهاد يوم التروية: ...33
ابن الحنفية في مكة أو في المدينة؟!: ...35
نصيحة جابر: ...37
لا تضرب الناس بعضهم ببعض: ...40
أفعل بأمر اللّه، وأمر رسوله: ...43
الشاهد العتيد: ...46
من هو زيد؟!:...48
التسليم للأئمة: ...49
مقعد الحسين «علیه السلام» ومقعد يزيد «لعنه اللّه»: ...49
نصيحة أم سلمة: ...50
الفصل السادس: التهيؤ للرحيل ...53
جبريل على باب الكعبة: ...55
الإستشهاد والفتح: ...56
تفسير المجلسي «رَحمهُ اللّه» للرسالة: ...59
المراد بالفتح: ...60
وداع بيت اللّه: ...62
ما أشبه الليلة بالبارحة ...63
هل أحل من إحرام الحج؟!: ...63
خطبة وداع مكة: ...65
مخط القلادة على جيد الفتاة: ...66
ما أولهني إلى أسلافي: ...72
خير لي مَصَرَعٌ أَنَا لاقيهِ: ...72
عسلان الفلوات تقطع أوصاله «علیه السلام»: ...73
بَينَ النَّواويس وكَربَلاء: ...74
رضى اللّه رضانا: ...74
يوفينا أجر الصابرين: ...75
لن تشذ اللحمة: ...76
مواصفات المشركين:...76
الفصل السابع: نصائح في الطريق... 83
نصيحة أخرى لابن عمر ...85
أين لقي ابن عمر الحسين «علیه السلام»؟!...
ابن عمر يخطئ في تطبيق الحديث: ...87
غدر أهل العراق: ...87
نصيحة بعثر الفقعسي: ...91
العيبة المملوءة كتباً: ...91
نصيحة بحير وزهير: ...92
نصيحة عمرو بن لوذان: ...94
نصيحة أبي واقد الليثي: ...96
الحسين «علیه السلام» وابن مطيع:...98
نصيحة الطرماح: ...102
الإصرار على دخول الكوفة لماذا ؟!: ...104
هل الحسين مستوحش للرجال؟: ...106
نصيحة يرويها يزيد الرشك : ...107
نصيحة بشر بن غالب: ...108
الفصل الثامن: لقاءات الفرزدق...111
نصائح الفرزدق: ...113
احتمال بلا شاهد: ...123
الفرزدق لم يلتحق بالحسين «علیه السلام» : ...124
الحسين لم يدع الفرزدق إلى نصرته: ...125
التأويل البارد:...125
لو لم أعجل لأخذت، ونصيحة أبو هرة: ...127
اتق اللّه في نفسك وارجع: ...130
هل هذا اتهام؟!: ...131
فأعرض عنه الفرزدق: ...132
هؤلاء هم الحكام: ...132
أَنَا أُولى مَن قَامَ بِنُصرَةِ الدين: ...135
كثرة السؤال عن حال أهل الكوفة : ...137
نصائح الفرزدق: ...137
مفارقة تحتاج إلى حل! ...141
في مدح السجاد أم مدح أبيه؟!: ...141
لقاء الفرزدق بالحسين «علیه السلام» في الشقوق: ...143
الأبيات أكثر من أربعة: ...145
متى أنشد الإمام الحسين هذه الأبيات؟!: ...146
الفرزدق في الشقوق: ...146
الباب الثامن : إلى كربلاء ...148
الفصل الأول: إلى زرود ...150
بداية: ...152
الوداع.. والخروج: ...152
المنازل التى مر بها الحسين «علیه السلام»: ...154
يزيد يخبر عامله بمسير الحسين «علیه السلام»: ...155
الوليد بن عتبة يحذر ابن زياد: ...157
الوليد لم يكن أمير المدينة: ...158
رسالتان أم رسالة واحدة؟! ...160
الحسين «علیه السلام» يذكر يحيى بن زكريا: ...162
كراء جمال أم مصادرة أموال في التنعيم؟!:...164
رواية المفيد، ورواية غيره: ... 166
مبررات لحديث المصادرة لا تصح: ... 166
هناك قصة مشابهة مع معاوية: ...169
رسالة الإمام الحسين «علیه السلام» إلى أهل الكوفة: ... 172
أمور تحدثنا عنها: ...176
إلى من أرسل هذا الكتاب؟!: ...176
إجماع زعماء الكوفة: ...178
نصرنا، والطلب بحقنا: ...179
ابن يقطر أو ابن مسهر ؟!: ...180
زينب تسمع الهاتف في الخزيمية: ...182
الفصل الثاني: ماذا حصل في زرود؟! ...187
اللقاء بزهير بن القين:... 189
الأهم فالأهم: ...192
زوجة زهير:... 193
هل كان زهير عثمانياً ؟!: ...194
خبر استشهاد مسلم: ...199
استشهاد ابن يقطر: ...208
ليس للحسين أخ من الرضاعة: ...210
فضول لا ثمر له: ...210
ما دون هؤلاء سر أو ستر: ...212
من اختلاف الروايات: ...213
بكاء الحسين ليس ضعفاً: ...214
أبناء عقيل وقرار الحرب: ...215
هل هم الحسين بالرجوع ؟!: ...222
كل ما حُمَّ نازل:....226
عند اللّه نحتسب أنفسنا: ...227
من أحب الإنصراف فهو في حل من البيعة: ...229
الفصل الثالث: من زرود إلى قصر بني مقاتل... 233
هل علموا وجهلنا؟: ...235
المنايا تسرع بهم: ...238
النوم في وقت الظهيرة: ...241
هل هو السجاد، أم علي الأكبر؟!: ...241
أين حصل هذا ؟! ولماذا ؟! ...242
ساعة لا تكذب فيها الرؤيا: ...243
المنايا تسرع بكم إلى الجنة: ...245
ألسنا على الحق؟ ...245
يسلم في الثعلبية ويستشهد في كربلاء: ...246
لا تحريف في الرواية: ...247
ويمكن أن يجاب: ...247
ما أسرع الشهادة إليهما !! : ...247
النار لمن سمع واعيتنا ولم يغثنا: ...248
الجواب جعل للسؤال قيمة: ...249
إنِّي رَجُلٌ كَبِيرُ السِّنِّ: ...250
جواب الإمام هو الأوضح والأصرح: ...253
مشرقیان آخران: ...256
لا أراهم إلا قاتلي: ...262
لا يدعوني حتى يقتلوني: ...263
رأيت كلابا تنهشني: ...264
هذه كتبهم إليّ، ولا أراهم إلا قاتلي: ...268
القرآن، والبكاء : ...269
هذه كتب الكوفة إليَّ : ...270
الحسين «علیه السلام» يخبر عن المستقبل: ...270
الفصل الرابع: الحر في المواجهة...273
تهيئة الماء لجيش الحر: ...275
ابن زياد يستعد: ...276
إيضاحات: ...288
لا تدعه يرجع حتى يدخل الكوفة: ...290
فما تريانه رأى؟!: ...294
ابن القين يرشد إلى ذي حسم: ...295
اسقوهم، ورشفوا الخيل ترشيفاً : ...296
من أنتم؟!: ...299
من قائدكم؟!: ...300
ألنا أم علينا ؟!: ...301
تعقيب الإمام على جواب الحر:....302
تصلي معنا؟ أم تصلي بأصحابك؟! ...303
الحسين «علیه السلام» يخطب ويستدل: ...304
أقدم، فليس لنا إمام: ...306
خطبة أخرى بعد صلاة العصر: ...308
إن تَتَّقوا وتَعرفُوا الحَقَّ لأهلِهِ: ...310
إلى أين ينصرف الحسين «علیه السلام»؟!: ...311
كتب أهل الشام والكوفة: ...312
الحر الرياحي: لسنا من هؤلاء: ...313
الحر في مأزق:...315
المَوتُ أدنى إليكَ مِن ذلِكَ: ...315
هنا بيت القصيد: ...317
واقعية هذه الكلمة:... 318
لا إلى الكوفة، ولا إلى المدينة: ...321
يا حُرُّ! أبشر بالجَنَّةِ : ...321
إنتزاع الإعتراف: ...323
الفصل الخامس: خطبة وكتاب ...324
خطبة الحسين «علیه السلام» بذي حسم: ...326
إيضاحات: ...330
أين كانت هذه الخطبة؟!: ...331
التدرج في لهجة الخطاب الحسيني: ...332
زهير يقترح نزول كربلاء: ...336
كتاب الحسين «علیه السلام» إلى أشراف الكوفة: ...337
اختلافات ليست أساسية: ... 339
أعوذ بك من الكرب والبلاء: ...340
يظن أنه على رأيه: ...341
توجيهات حول السلطان الجائر:... 342
علمتم مرة أخرى:...347
إظهار الفساد وتبديل الدين: ...348
أنا أحق من غيَّر: ...349
ليست هذه دعوة للحرب: ...351
إن وفيتم فقد استوفيتم حقكم: ...352
إستيفاء الحظ والرشد: ...354
نفسي مع أنفسكم وأهلي مع أهليكم: ...355
أمران ينبغي لفت النظر إليهما: ...356
الفصل السادس من ذي حسم إلى كربلاء.. ...357
حداء الطرماح: ... 359
إيضاحات: ...363
سليلي صخر: ...364
أبقاه بقاء الدهر:....364
لأمنعنهم مما أمنع منه نفسي: ...365
أخبروني خبر الناس: ...366
الحسين «علیه السلام» وعبيد اللّه بن الحر: ...368
ينصره إن كان له شيعة وأنصار: ...373
لماذا قصده الإمام بنفسه؟!: ...374
أعانوا على مسلم: ...376
خبره بذلك: ...377
المطلوب هو النصرة والقيام دونه «علیه السلام»:...378
أعييت أباك قبلك:...378
لا أتخذ المضلين عضدا: ...379
هل كان ابن الحر صادقاً في ندمه؟!: ...380
الحسين «علیه السلام» ينزل كربلاء: ...382
لا طاعة لأهل الباطل: ...386
أطعت إمامي، ووفيت بيعتي: ...387
ما كنت لأبدأهم بقتال: ...388
شهداء التحقوا بالحسين «علیه السلام» في الطريق: ...389
أنس الكاهلي يلتحق بالحسين «علیه السلام» أيضاً: ...391
ابن الحر الآثم النادم: ...392
للتوضيح والبيان: ...393
الفهارس:...400
1 - الآداب الطبية في الإسلام
2 - ابن عباس وأموال البصرة
3 - ابن عربي سنيّ متعصب
4 - أبو ذر لا إشتراكية.. ولا مزدكية
5 - أحيوا أمرنا
6 - إدارة الحرمين الشريفين في القرآن الكريم
7 - إسرائيل.. في آيات سورة بني إسرائيل.. تفسير ثمان آيات.
8 - الإسلام ومبدأ المقابلة بالمثل
9 - الإعتماد في مسائل التقليد والإجتهاد (صدر منه جزء واحد)
10 - أفلا تذكرون «حوارات في الدين والعقيدة»
11 - أكذوبتان حول الشريف الرضي
12 - الإمام علي والنبي يوشع «علیهما السلام»
13 - أهل البيت «علیهم السلام» في آية التطهير
14 - أين الإنجيل؟!
15 - بحث حول الشفاعة
16 - براءة آدم «علیه السلام» حقيقة قرآنية
17 - البنات ربائب.. قل: هاتوا برهانكم
18 - بنات النبي «صلی اللّه علیه وآله» أم ربائبه ؟!
19 - بيان الأئمة وخطبة البيان في الميزان
20 - تحقيقي درباره تاریخ هجري
21 - تخطيط المدن في الإسلام
22 - تفسير سورة ألم نشرح
23 - تفسير سورة الضحى
24 - تفسير سورة الفاتحة
25 - تفسير سورة الكوثر
26 - تفسير سورة الماعون
27 - تفسير سورة الناس
28 - تفسير سورة هل أتى (جزءان)
29 - توضيح الواضحات من أشكل المشكلات
30 - الحاخام المهزوم
31 - حديث الإفك
32 - حقائق هامة حول القرآن الكريم
33 - حقوق الحيوان في الإسلام
34 - الحياة السياسية للإمام الجواد «علیه السلام»
35 - الحياة السياسية للإمام الحسن «علیه السلام»
36 - الحياة السياسية للإمام الرضا «علیه السلام»
37 - خسائر الحرب وتعويضاتها
38 - خلفيات كتاب مأساة الزهراء «علیها السلام» (ستة أجزاء)
39 - دراسات وبحوث في التاريخ والإسلام (أربعة أجزاء)
40 - دراسة في علامات الظهور
41 - دليل المناسبات في الشعر
42 - ربائب الرسول «صلی اللّه علیه وآله» «شبهات وردود»
43 - رد الشمس لعلي «علیه السلام»
44 - زواج المتعة (تحقيق ودراسة) (ثلاثة أجزاء)
45 - الزواج المؤقت في الإسلام (المتعة)
46 - زينب ورقية في الشام !!
47 - سلمان الفارسي في مواجهة التحدي
48 - سنابل المجد (قصيدة مهداة إلى روح الإمام الخميني وإلى الشهداء الأبرار)
49 - السوق في ظل الدولة الإسلامية
50 - سياسة الحرب فى دعاء أهل الثغور
51 - سيرة الحسين «علیه السلام» في الحديث والتاريخ (هذا الكتاب)
52 - شبهات يهودي
53 - الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة
54 - الصحيح من سيرة الإمام علي «علیه السلام» (ثلاثة وخمسون جزءاً)
55 - الصحيح من سيرة النبي الأعظم «صلی اللّه علیه وآله» (خمسة وثلاثون)
56 - صراع الحرية في عصر الشيخ المفيد
57 - طريق الحق (حوار مع عالم جليل من أهل السنة والجماعة)
58 - ظاهرة القارونية من أين؟! وإلى أين؟!
59 - ظلامة أبي طالب «علیه السلام»
60 - ظلامة أم كلثوم
61 - عاشوراء بين الصلح الحسني والكيد السفياني
62 - عصمة الملائكة بين فطرس.. وهاروت وماروت
63 - علي «علیه السلام» والخوارج (جزءان)
64 - الغدير والمعارضون
65 - فصل الخطاب في الميزان
66 - القول الصائب في إثبات الربائب
67 - كربلاء فوق الشبهات
68 - لست بفوق أن أخطىء من كلام علي «علیه السلام»
69 - لماذا كتاب مأساة الزهراء «علیها السلام» ؟!
67 - ماذا عن الجزيرة الخضراء ومثلث برمودا ؟!
71 - مأساة الزهراء «علیها السلام» (جزءان)
72 - مختصر مفيد (أسئلة وأجوبة في الدين والعقيدة)، (ثمانية عشر جزءاً).
73 - مراسم عاشوراء «شبهات وردود»
74 - المسجد الأقصى أين؟!
75 - مقالات و دراسات
76 - منطلقات البحث العلمي في السيرة النبوية
77 - المواسم والمراسم
78 - موقع ولاية الفقيه من نظرية الحكم في الإسلام
79 - موقف الإمام علي «علیه السلام» في الحديبية
80 - ميزان الحق «شبهات وردود» (أربعة أجزاء)
81 - نقش الخواتيم لدى الأئمة «علیهم السلام»
82 - وقفات مع ناقد
83 - الولاية التشريعية
84 - ولاية الفقيه في صحيحة عمر بن حنظلة