ghaemiyeh.com
سيرة الحسين(عليه السلام)
في الحديث والتاريخ..
السيد جعفر مرتضى العاملي
الجزء الحادي والعشرون
المركز الاسلامي للدراسات
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى
2016م - 1437هـ
حاد
المركز الاسلامي للدراسات
لبنان - بيروت - الضاحية الجنوبية - أوّل حي ماضي بناية حجازي - ط 1 - تلفاكس: 00961.1.274519
البريد الالكتروني : alhadi@alhadi.org
المنشورات بيروت - بئر العبد - سنتر الانماء 3 - 0096170995421
محرر الرقمي: عبدالعلي محسني
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
الطبعَةُ الأولى
1436 ه- - 2015 م
المركز الاسلامي للدراسات
لبنان - بيروت - الضاحية الجنوبية - أوّل حي ماضي بناية حجازي - ط 1 - تلفاكس: 00961.1.274519
البريد الالكتروني: alhadi@alhadi.org
المنشورات بيروت - بئر العبد - سنتر الانماء 3 - 0096170995421
سِيرة الحُسَين عليه السلام
في الحَديث والتّاريخ..
السيِّد جعفر مرتضی العاملى
الجزء الثالث عَشر
المركز الاسلامي للدراسات
بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحیمْ
ابن عقيل إلى قصر ابن زياد:
عن عبد الله بن خازم قال:
أنَا وَاللَّهِ رَسولُ ابن عَقِيلٍ إلى القصر، لأنظُرَ إلى ما صار أمرُ هانِي، َقالَ: قلمّا ضُرِبَ وحُبسَ رَكِبتُ فَرَسي، وكُنتُ أَوَّلَ أهل الدّار دَخَلَ عَلَى مُسلِمٍ بن عَقِيلٍ بِالخَبَر، وإذا نِسوَةٌ لِمُرادٍ مُجْتَمِعاتٌ يُنادِينَ: يا عَثرتَاه يا ثَكلاه !
فَدَخَلْتُ عَلَى مُسلِمٍ بن عَقِيلٍ بِالخَبَر ، فَأَمَرَني أن أنادِيَ في أصحابهِ، وقد مَلأ مِنهُمُ الدّور حَولهُ، وقد بايَعَهُ ثَمَانِيَة عَشَرَ ألفا، وفِي الدّور أَربَعَهُ آلافِ رَجُلٍ.
فقال لي :ناد: «يا مَنصورُ أمِت».
قنادیت: «يا مَنصورُ أَمِت».
وتَنادى أهل الكوفة فاجتَمَعوا إليهِ، فَعَقَدَ مُسلِمٌ لِعُبَيدِ اللهِ بن عَمرو بن عُزير الكِندي [في الأخبار الطوال عَبدِ الرَّحمن بن كَريزِ الكِندِي] عَلى رَبع كِندَةَ ورَبيعَة [وعند الخوارزمي: وقدَّمَهُ أَمامَ الخَيل]، وقالَ: سر أمامي فِي الخَيل.
ثُمَّ عَقَدَ لِمُسلِمٍ بن عَوسَجَة الأسدِيِّ عَلى ربُع مَدْحِجٍ وأَسَدٍ، وَقَالَ: انزل في الرَّجال فأنتَ عَليهم.
وعَقدَ لِأبي تمامَة الصَّائِدِيّ [في الأخبار الطوال : الصَّيداوي] على رُبع تَمِيمٍ وهَمدانَ.
وعَقْدَ لِعَبّاس بن جُعدَةَ الْجَدَلِيِّ عَلى رُبع المَدِينَةِ [في الأخبار الطوال: عَلى قُرَيش والأنصار ، فتَقدَّموا جميعاً حَتَّى أحاطوا بالقصر، وَاتَّبَعَهُم هُوَ فِي بَقِيَّةِ النَّاسِ].
ثُمَّ أَقبَلَ نَحوَ القصرِ [في الرواية عن الباقر «عليه السلام»: أن مسلماً سار في القلب] [وعند الخوارزمي: وأقبَلَ مُسلِمٌ يَسِيرُ حَتَّى خَرَجَ في بَنِي الحَرْثِ بن كَعبٍ] ، فلمّا بَلغَ ابن زيادٍ إقبالُهُ، تَحَرَّزَ فِي القصر، وغلق الأبواب (1).
وفي الأخبار الطوال :
وكانوا مِقدارَ مِئَتَي رَجُلٍ، فقاموا على سورٍ، القصر يَرمونَ القومَ بالمَدَرِ وَالتُشّابِ، ويَمنَعونَهُم مِنَ الدُّنْوَ مِنَ القصر، فلم يَزالوا بذلِكَ حَتَّى
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 368 و 350 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 275 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 127 و 128 عنه، وعن مقاتل الطالبيين ص 103 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 70 والكامل في التاريخ ج 4 ص 30 وراجع: الأخبار الطوال ص 238 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 206 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 49 وتهذيب الكمال ج6 ص 426 وتهذيب التهذيب ج 1 ص 591 والإصابة ج 2 ص 70 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 307 ولواعج الأشجان ص 52 و 53 وتاريخ الكوفة ص334 و 235 ونهاية الأرب ج 20 ص 396 و 397 وغير ذلك.
أمسَوا (1).
وفي رواية المفيد عن عبد الله بن خازم قال:
فَعَقَدَ مُسلِمٌ لِرُؤوس الأرباع عَلى القبائِل: كِندَةَ، وَمَدْحِج، وأَسَدٍ، وثميمٍ، و هَمدانَ. وتَداعَى النَّاسُ وَاجتَمَعوا، فما لبثنا إلّا قليلا حَتَّى امثلاً المَسجِدُ مِنَ النّاس وَالسّوق، وما زالوا يَتَوثبونَ حَتَّى المَساءِ، فَضاقَ بِعُبَيدِ اللهِ أمرُهُ، وكان أكثرُ عَمَلِهِ أن يُمسك بابَ القصرِ، وليسَ مَعَهُ فِي القصر إلا ثلاثونَ رَجُلاً مِنَ الشَّرَطِ، وعِشرونَ رَجُلا مِن أَشرافِ
النّاس، وأهلُ بَيْتِهِ وخاصَّتُهُ (2).
وعند الخوارزمي:
أَقْبَلَ مُسلِمُ بنُ عَقِيلٍ فِي وَقتِهِ ذَلِكَ، وَمَعَهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلفا أو يَزيدونَ ، وبَينَ يَدَيهِ الأعلامُ وَالسّلاحُ الشاكُ، وهُم فِي ذلِكَ يَشتِمونَ ابنَ زيادٍ ويَلْعَنُونَ أباه (3).
1) الأخبار الطوال ص 238 .
2) الإرشاد ج 2 ص 51 و 52 وبحار الأنوار ج 44 ص 348 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 128 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 197 وإعلام الورى ج 1 ص 441 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 49 ومروج الذهب ج3 ص 71 وتجارب الأمم ج 2 ص 48 وروضة الواعظين ص 174 ولواعج الأشجان ص 53 وأعيان الشيعة ج 1 ص 591 والفوائد الرجالية ج4 ص 26 .
3) مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 206 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 49.
وعند ابن كثير وغيره:
وكَانَ مَعَهُ المُختارُ بنُ أبي عُبَيدٍ ومَعَهُ رايَةٌ خَضراءُ، [و] عَبدُ اللَّهِ بنُ نَوفل بن الحارِثِ برايَةٍ حَمراء {وعَليهِ ثِيابٌ حُمَرٌ}، فَرَبَّبَهُم مَيمَنَةٌ وَمَيسَرَةَ، وسارَ هُوَ فِي القَلبِ إِلى عُبَيدِ اللهِ، وهُوَ (يعني: عُبَيدِ اللهِ) يَخطُبُ النّاسَ في أمرِ هانئ ويُحَدِّرُهُم مِنَ الاختلافِ، وأشرافُ النّاس وأمراؤُهُم تَحتَ مِنبَرِهِ.
فَبَينَما هُوَ كَذلِكَ إِذ جَاءَتِ النَّظارَة يَقولونَ: جاءَ مُسلِمُ بنُ عَقِيلٍ، قبادَرَ عُبَيدُ اللهِ فَدَخَلَ القصر ومَن مَعَهُ، وأغلقوا عليهم الباب (1).
حصار القصر:
عن عبَّاس الجدلي:
خَرَجْنَا مَعَ ابن عَقِيلٍ أربعة آلافٍ، فما بَلغنَا القصرَ إِلَّا وَنَحْنُ ثلاثِمَئةٍ!
1) البداية والنهاية ج 8 ص 154 و (ط دار إحياء التراث) ج8 ص 166 وراجع: مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 206 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 49 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 368 و 381 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 275 ومقاتل الطالبيين ص 102 و (ط المكتبة الحيدرية) ص70 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 197 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 51 وبحار الأنوار ج 44 ص 348 وأعيان الشيعة ج 1 ص 591 والفوائد الرجالية ج 4 ص 25 ولواعج الأشجان ص 52 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 40 و 41 .
قالَ: وأَقْبَلَ مُسلِمٌ يَسيرُ فِي النّاسِ مِن مُرادٍ حَتَّى أحاط بالقصر، ثمّ إنَّ النّاسَ تَداعَوا إلينا وَاجتَمَعوا، فَوَاللهِ ما لبثنا إلا قليلاً حَتَّى امثلاً المَسجِدُ مِنَ النّاس وَالسّوَقُ، وما زالوا يَثوبونَ حَتَّى المَساءِ، فَضاقَ بِعُبَيدِ اللهِ ذرعُهُ، وكانَ كِبرُ أمرهِ أَن يَتَمَسَّكَ يبابِ القصرِ، وليسَ مَعَهُ إلا ثلاثونَ رَجُلاً مِنَ الشَّرَطِ، وعِشرونَ رَجُلاً مِن أشرافِ النّاس، وأهلُ بَيْتِهِ ومَواليهِ (1).
وفي حين نجد أن المسعودي يقول: إنه لما نادى «يا مَنصور أمِت» اجْتَمَعَ إِليهِ في وَقتٍ واحدٍ ثمانِيَة عَشَرَ أَلفَ رَجُلٍ (2).
نجد البلاذري وغيره يقولون: لم يَجتَمِع إِلَيْهِ إِلَّا أَربَعَهُ آلَافِ رَجُلٍ، فَعَبَّاهُم ثُمَّ زَحَفَ نَحوَ القصر، وقد أغلق عُبَيدُ اللهِ بنُ زِيادٍ أبوابَهُ، وليسَ مَعَهُ فِيهِ إِلَّا عِشْرُونَ مِنَ الوُجوهِ، وثلاثونَ مِنَ الشُّرطِ (3).
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 369 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 275 و 276 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 43 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 130 والكامل في التاريخ ج 4 ص 30 وروضة الواعظين ص193 و (منشورات الشريف الرضي) ص 174 وراجع مقاتل الطالبيين ص103 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 70 والمختصر في أخبار البشر ج1 ص189 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 52 وتجارب الأمم ج 2 ص 48 ونهاية الأرب ج 20 ص 397.
2) مروج الذهب ج 3 ص 67.
3) أنساب الأشراف ج 2 ص 338 و (ط الأعلمي) ج 2 ص80 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 92 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 243 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 672 .
القتال وجرح مسلم:
عن هلال بن يساف قال:
لقيتُهُم {أي مُسلِماً وأصحابَهُ} تِلْكَ اللَيلة فِي الطَّرِيق عِندَ مَسجِدِ الأنصار، فلم يَكونوا يَمُرّونَ في طريقِ يَميناً ولا شمالاً، إلّا وذهَبَت مِنهُم طائِفةُ، الثلاثون، والأربَعونَ ، ونَحوُ ذلِكَ.
قالَ: فَلمّا بَلغَ السّوقَ - وهِيَ ليلةٌ مُظْلِمَة - ودَخَلُوا المَسجِدَ، قِيلَ لابن زيادٍ: وَاللهِ ما نَرى كَثيرَ أحَدٍ، ولا نَسْمَعُ أصوات كثيرِ أحَدٍ.
فَأَمَرَ بِسَقفِ المَسجِدِ فَقُلِعَ، ثُمَّ أَمَرَ بِحَرادِيَّ فِيهَا التّيرانُ، فَجَعَلُوا يَنظرون فإذا قَرِيبُ خَمْسِينَ رَجُلاً .
قالَ: فَنَزَلَ فَصَعِدَ المِنبَرَ ، وقالَ لِلنّاس : تَميّزوا أرباعاً أرباعاً.
فانطلق كُلُّ قوم إلى رَأس ربُعِهم، فَنَهَضَ إليهم قومٌ يُقاتِلُونَهُم، فَجُرحَ مُسلِمٌ جِراحَة ثقيلة، وقُتِلَ ناسٌ من أصحابهِ وَانهَزَمُوا. فَخَرَجَ مُسلِمٌ فَدَخَلَ داراً من دور كِندَةَ (1).
وعن عيسى بن يزيد قال: وجاءَ المُختارُ برايَتِهِ فَرَكَزَهَا عَلَى بَابِ
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 391 و (ط الأعلمي) ج 4 ص294 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 207 وراجع الفتوح لابن أعثم ج ص 50 والملهوف لابن طاووس (ط أنوار الهدى - قم) ص 34 .
عَمرِو بن حُرَيثِ، وقالَ إِنَّمَا خَرَجَتْ لِأمَنَعَ عَمرواً. وإنَّ ابنَ الأَشْعَثِ والقعقاع بنَ شَورٍ و شَبَتَ بن رِبعِيِّ، قاتَلُوا مُسلِماً وأصحابَهُ - عَشِيَّة سارَ مُسلِمٌ إلى قصرِ ابن زيادٍ - قِتالاً شديداً، وإِنَّ شَبَنَا جَعَلَ يَقُولُ: اِنتَظروا بهمُ الليلَ يَتَفَرَّقوا.
فَقالَ لهُ القعقاعُ : إِنَّكَ قد سَدَدتَ عَلى النّاس وَجَهَ مَصِيرِهِم، فَاخْرُج [الظاهر أن الصحيح: فافرج] لهُم يَنسَربوا .
وإِنَّ عُبَيدَ اللهِ أَمَرَ أن يُطلب المُختارُ وعَبدُ اللهِ بنُ الحارِثِ، وَجَعَلَ فيهما جُعلا ، فأتي بهما فحُبسا (1).
وفي الأمالي الشجرية:
وَانهَزَمَ مُسلِمُ بنُ عَقِيلٍ، فأوى إلى امرأةٍ فَآوَتهُ (2).
وعند ابن الأثير:
أن القعقاع بنُ شوَر،ٍ قال لمحمد بن الأشعث: إِنَّكَ قد سَدَدتَ عَليهِم وَجهَ مَهربَهم، فافرِج لهُم يَتَفَرَّقوا (3).
ويقول ابن نما:
لمّا بَلغَ مُسلِمَ بنَ عَقِيلٍ خَبَرُهُ [أَي خَبَرُ حَبْسٍ هَانِي]، خَرَجَ بِجَمَاعَةٍ مِمَّن بايَعَهُ إِلى حَربِ عُبَيدِ اللهِ، بَعدَ أن رَأى أكثرَ مَن بايَعَهُ مِنَ الأَشرافِ نَقضُوا البَيعَة، وهُم مَعَ عُبَيدِ اللهِ، فَتَحَصَّنَ بدارِ الإِمارَةِ، وَاقْتَتَلُوا قِتالاً شديداً، إلى أن جاءَ اللَّيلُ فَتَفَرَّقُوا عَنهُ، وَبَقِيَ مَعَهُ أَناسٌ قليلٌ، فَدَخَلَ المَسجِدَ يُصَلَّي، وطَلَعَ مُتَوَجِّهًا نَحوَ بَابِ كِندَةَ، فَإِذَا هُوَ وَحدَهُ، لا يدري أينَ يَذْهَبُ (1).
وعند ابن سعد:
بَلغَ الخَبَرُ [أي خَبَرُ حَبس هانِئ] مُسلِمَ بنَ عَقِيلٍ، فَخَرَجَ فِي نَحوِ مِن أربَعِمِئَةٍ مِنَ الشيعَةِ، فما بَلغَ القصر إلا وهُوَ فِي نَحوِ سِتِّينَ رَجُلاً، فَغَرَبَتِ الشمسُ وَاقْتَتَلُوا قريباً مِنَ الرَّحبَةِ، ثُمَّ دَخَلُوا المَسجِدَ، وَكَتْرَهُم أصحابُ عُبَيدِ اللهِ بن زياد (2).
قال الطبري والشيخ المفيد، واللفظ له:
أَقْبَلَ مَن نَأَى عَنهُ [أي عَن ابن زيادٍ] مِن أَشرافِ النّاسِ، يَأْتُونَهُ مِن قِبَل البابِ الَّذي يلي دارَ الرّومِيّينَ ، وجَعَلَ مَن فِي القصر مَعَ ابن زيادٍ يُشرِفونَ عَليهم فيَنظُرُونَ إِليهم، وهُم يَرْمُونَهُم بِالحِجَارَةِ ويَشْتِمونَهُم، و [لا] يَفتُرونَ عَلى عُبَيدِ اللهِ وعَلى أبيه.
ودَعَا ابْنُ زِيادٍ كَثيرَ بنَ شِهابٍ، وأمَرَهُ أن يَخرُجَ فِيمَن أَطاعَهُ مِن مَذحِجٍ، فَيَسيرَ فِي الكوفَةِ ويُخَدِّلَ النّاسَ عَن ابن عَقِيلٍ، ويُخَوِّفُّهُمُ الحَربَ ويُحَدِّرَهُم عُقوبَة السُّلطان.
وَأَمَرَ مُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَثِ أَن يَخرُجَ فِيمَن أَطَاعَهُ مِن عِندَةَ وحَضرَمَوت، فيرفع راية أمانٍ لِمَن جَاءَهُ مِنَ النَّاسِ، وَقالَ مِثْلَ ذلِكَ للقعقاع الدُّهلِيِّ، وشَبَثِ بن ربعِيِّ التميمي، وحَجَّارِ بن أَبجَرٍ العِجِلِيِّ، وشمر بن ذي الجوشن العامِرِيِّ، وحَبَسَ باقِيَ وُجوهِ النّاسِ عِندَهُ استيحاشاً إليهم؛ لِقِلَّةِ عَدَدِ مَن مَعَهُ مِنَ النَّاسِ. فَخَرَجَ كَثِيرُ بنُ شِهَابٍ يُخَدِّلُ النّاسَ عَن ابن عَقِيلٍ.
[وفي الطبري: قال أبو مِخنَفٍ: فَحَدَّثني أبو جَنابٍ الكَلبِيُّ أَنَّ كَثِيراً ألفى رَجُلاً مِن كَلبٍ يُقالُ لَهُ: عَبدُ الأَعلى بنُ يَزِيدَ، قد لبِسَ سِلاحَهُ يُريدُ ابْنَ عَقِيلٍ فِي بَني فِتيان، فَأَخَدَهُ حَتَّى أدخَلَهُ عَلَى ابن زيادٍ، فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُ، فَقالَ لاِبنِ زيادٍ: إِنَّما أردتُكَ.
قال: وكُنتَ وَعَدتَني ذلِكَ مِن نَفْسِكَ، فَأَمَرَ بِهِ فَحُبِسَ.
وخَرَجَ مُحَمَّدُ بنُ الأَشعَثِ حَتَّى وَقفَ عِندَ دورِ بَني عُمارَةَ، وَجَاءَهُ عُمارَةُ بنُ صَلخَبِ الأَرْدِيُّ وهُوَ يُريدُ].
ونعود لنص الطبري والمفيد، والنص له :
وخَرَجَ مُحَمَّدُ بنُ الأَشعَثِ حَتَّى وَقفَ عِندَ دورِ بَنِي عُمارَةَ، فَبَعَثَ ابنُ عَقِيلٍ إِلى مُحَمَّدِ بن الأَشْعَثِ مِنَ المَسجِدِ عَبدَ الرَّحمن بنَ شُرَيح الشِّبامِيَّ، فلمّا رأى ابنُ الأَشْعَثِ كَتْرَةَ مَن أتاهُ تَأَخَّرَ عَن مَكانِهِ، وَجَعَلَ مُحَمَّدُ بنُ الأَشْعَثِ ، وكَثيرُ بنُ شهابٍ، وَالقعقاعُ بنُ شُوَرِ الدُهْلِيُّ،
وشَبَثُ بنُ ربعِيِّ، يَرُدُّونَ النَّاسَ عَن النُّحوق بِمُسلِمٍ ويُخَوِّفُونَهُمُ السُّلطانَ، حَتَّى اجْتَمَعَ إِليهم عَدَدٌ كَثيرٌ مِن قومِهم وغيرهِم، فَصاروا إلى ابن زيادٍ مِن قِبَل دار الرّومِيّين، ودَخَلَ القومُ مَعَهُم.
فَقالَ لَهُ كَثِيرُ بنُ شِهابٍ: أصلَحَ اللهُ الأميرَ! مَعَكَ فِي القصرِ ناسٌ كَثيرٌ مِن أشرافِ النّاس، ومن شُرَطِكَ وأهلِ بيتِكَ وَمَوالِيكَ، فَاخِرُج بنا إلَيهِم.
فَأبي عُبَيدُ اللهِ، وعَقَدَ لشَبَث بن ربعِيِّ لِواءً فَأَخْرَجَهُ.
وأَقامَ النَّاسُ مَعَ ابن عَقِيلٍ يَكثَرونَ [في الطبري: يكبرون ويثوبون] حَتَّى المَساءِ، وأمرُهُم شَديدٌ، فَبَعَثَ عُبَيدُ اللَّهِ إِلَى الأَشرافِ فَجَمَعَهُم [في الطبري: ثم قال: أشرفوا على الناس، فمنوا الخ..]، ثمَّ أشرفوا عَلى النّاس فَمَنَّوا أهلَ الطاعَةِ الزيادَةَ وَالكَرامَة، وخَوَّفوا أهلَ العصيان الحِرمانَ وَالعُقوبَة، وأعلموهُم وُصولَ الجُندِ مِنَ الشَّامِ إليهِم (1).
1) الإرشاد ج 2 ص 52 و 53 وبحار الأنوار ج 44 ص 348 و 349 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 369 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 276 و 277 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 134 - 137 عنهم، وعن الملهوف ص 119 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 197 و 198 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 92 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 243 وإعلام الورى ج 1 ص 441 ومقاتل الطالبيين ص 103 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 71 والبداية والنهاية ج 8 ص 154 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 166 والمختصر في أخبار البشر ج 1 ص 189 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 44 ونهاية الأرب ج 20 ص 397 و 398 وراجع: الكامل في التاريخ ج 4 ص 31 وتجارب الأمم ج 2 ص 48 و 49.
قال سبط ابن الجوزي:
كانَ عِندَ ابن زيادٍ وُجوه أهل الكوفة، فقال لهم: قوموا فَفَرِّقوا عَشَائِرَكُم عَن مُسلِمٍ، وإِلَّا ضَرَبتُ أعناقكُم. فَصَعِدوا على القصر، وجَعَلُوا يُكَلِّمُونَهُم، فَتَفَرَّقَ مَن كانَ مَعَ مُسلِمٍ، وتَسلِّلوا عَنهُ (1).
وعند أبي حنيفة الدينوري:
قالَ عُبَيدُ اللهِ بنُ زِيادٍ لِمَن كَانَ عِندَهُ مِن أشراف أهل الكوفة: لِيُشرف كُلُّ رَجُلٍ مِنكُم في ناحِيَةٍ مِنَ السّور، فَخَوِّفُوا القوم.
فَأَشرَفَ كَثِيرُ بنُ شهاب ، ومُحَمَّدُ بنُ الأَشعَث، وَالقعقاع بنُ شَور، وشَبَثُ بنُ ربعِيِّ، وحَجّارُ بنُ أَبجَرٍ، وشمرُ بنُ ذِي الجوشن، فَتَنادَوا: يا أهلَ الكوفةِ، اِتَّقوا الله ولا تَستَعجِلُوا الفِتنة، ولا تَشْقُوا عَصا هَذِهِ الأمَّةِ، ولا توردوا على أنفُسِكُم خُيول الشام، فقد دُقتموهُم، وجَرَّبتُم شُوكَتَهُم (2).
وفي الرواية عن الإمام الباقر «عليه السلام»: أن وجوه أهل الكوفة أشرفوا على عشائرهم، فجعلوا يكلمونهم، ويردونهم، فجعل أصحاب مسلم يتسللون، حتى أمسى في خمس مئة ، فلما اختلط الظلام
ذهب أولئك عنه أيضاً (1).
لَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ [أي مَقالَة الأشراف] النَّاسُ، جَعَلُوا يَتَفَرَّقُونَ، ويَتَّخاذلون عَن مُسلِمٍ بن عَقِيلٍ، ويَقولُ بَعضُهُم لِبَعْضٍ: ما نَصْنَعُ بتعجيلِ الفِتْنَةِ وغَداً تأتينا جُموعُ أهلِ الشّام؟! فَيَنبَغِي أَن نَقعُدَ في مَنازِلِنا ، ونَدَعَ هؤلاء القومَ حَتَّى يُصلِحَ اللهُ ذاتَ بَينِهِم.
قالَ: وكانَتِ المَرأة تأتي أخاها وأباها، أو زَوجَها، أو بَنيها
فتشَرَّدُهُ.
ثُمَّ جَعَلَ القومُ يَتَسَلَّلُونَ وَالنَّهارُ يمضي، فما غابَتِ الشَّمسُ حَتَّى بَقِيَ مُسلِمُ بنُ عَقِيلٍ فِي عَشْرَةٍ مِن أصحابهِ، وَاختَلط الظَّلامُ، فَدَخَلَ مُسلِمٌ المَسجِدَ الأعظم لِيُصَلِّيَ المَغرب، فتَفرَّقَ عَنهُ العَشَرَةُ (2).
وروى الطبري عن عبد الله بن خازم الكثيري:
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 350 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 260 وتهذيب الكمال ج 6 ص 426 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 140 عنهما، والإصابة ج 2 ص 70 وتهذيب التهذيب ج 2 ص 303 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 520 .
2) مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 207 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 50 والملهوف ص 119 و (ط أنوار الهدى - قم) ص34 وراجع: الأخبار الطوال ص 239 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 350) و (ط الأعلمي) ج 3 ص 260 والمجالس الفاخرة ص 200 و موسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 140 عن مصادر عديدة.
قالَ: أَشْرَفَ عَلينَا الأشرافُ، فَتَكَلَّمَ كَثِيرُ بنُ شِهَابٍ أَوَّلَ النَّاسِ حَتّى كَادَتِ الشَّمسُ أَن تَجِبَ، فَقالَ أَيُّهَا النّاسُ! {وعند الخوارزمي: ألا يا شيعَة مُسلِم بن عَقِيلٍ، ألا يا شيعَة الحُسين بن عَلِيٍّ، الله الله في أنفُسِكُم، وأهليكم، وأولادِكُم} الحقوا بأهاليكم ولا تَعَجَّلُوا الشَّرَّ، ولا
تُعَرِّضوا أَنفُسَكُم لِلقتل ؛ فإنَّ هذِهِ جُنودُ أمير المُؤْمِنِينَ يَزِيدَ قد أقبلت.
وقد أعطى الله الأميرُ عَهداً، لئِن أَتمَمتُم عَلى حَربِهِ، ولم تَنصَرَفوا أهل مِن عَشِيَّتِكُم، أن يحرمَ دُرِّيَّتَكُمُ العَطاء، ويُفرِّقَ مُقاتِلتَكُم في مغازي الشامِ عَلى غَير طَمَع، وأن يَأخُذ البريء بالسقيم، وَالشَّاهِدَ بِالغَائِبِ، حَتّى لا يبقى لهُ فِيكُم بَقِيَّةٌ مِن أهل المَعصِيَةِ إلا أذاقها وَبَالَ مَا جَرَّت
أيدِيها.
وتَكَلَّمَ الأشرافُ بنَحوِ مِن كَلام هذا، فلمّا سَمِعَ مَقَالَتَهُمُ النَّاسُ أخَذوا يَتَفَرَّقُونَ، وأخَذُوا يَنصَرِفُونَ (1).
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 369 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 277 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 136 عنه، وقال: وراجع: أنساب الأشراف ج 2 ص 338 و (ط الأعلمي) ج 2 ص81 ومقاتل الطالبيين ص 103 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 71 والبداية والنهاية ج 8 ص 154 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 166 والمختصر في أخبار البشر ج1 ص 189 . وراجع: مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 206 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 45 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 50 وجمهرة خطب العرب ج 2 ص 39.
قال البلاذري:
فَتَفَرَّقَ أصحابُ ابن عَقِيلٍ عَنهُ، حَتَّى أمسى وَمَا مَعَهُ إِلَّا نَحَوٌ مِن ثلاثينَ رَجُلا، فلمّا رأى ذلِكَ خَرَجَ مُتَوَجِّها نَحوَ أَبوابِ کِندَةَ، وَتَفَرَّقَ عِنهُ الباقونَ حَتَّى بَقِيَ وَحدَهُ، يَتَلدَّدُ في أزقة الكوفة ليسَ مَعَهُ أَحَدٌ (1).
أما ابن حبان، فيقول:
ثُمَّ رَكِبَ مُسلِمُ بنُ عَقِيلٍ في ثلاثةِ آلافِ فارِسِ يُرِيدُ عُبَيدَ اللَّهِ بنَ زيادٍ، فَلمّا قَرُبَ مِن قصرِ عُبَيدِ اللهِ، نَظرَ فَإِذا مَعَهُ مِقدارُ ثلاثِمِنَةِ فارِسِ، فَوَقفَ يَلْتَفِتُ يَمنَة ويَسرَةَ، فإذا أصحابُهُ يَتَخَلَّفُونَ عَنهُ، حَتَّى بَقِيَ مَعَهُ عَشَرَهُ أَنفُس. فَقالَ: يا سُبحانَ اللهِ! غَرَّنا هؤلاء يكتبهم، ثُمَّ أسلمونا إلى أعدائنا هكذا !
فولى راجعاً، فلمّا بَلغَ طَرَفَ الزَّقاق التفت فلم يَرَ خَلفَهُ أَحَداً، وعُبَيدُ اللهِ بنُ زِيادٍ فِي القصرِ مُتَحَصِّنٌ، يُدَبِّرُ في أمرٍ مُسلِم بن عَقيل (2).
ونقول:
إن لنا مع النصوص المتقدمة وقفات عديدة، سوف نقتصر على بعضها، مع رعاية الإيجاز قدر الإمكان.
ثم إن الوقفات التي سوف نوردها لا تخضع في ترتيبها لأي اعتبار سوى أنها تراعي تسلسل النصوص التي ذكرناها آنفا ..
وبعد هذا نقول:
لا بد من التحرك:
تقدم: أن هاني بن عروة كان يركب في أربعة آلاف دارع، وثمانية آلاف راجل، فإذا انضم إليهم أحلافهم، فإنه يركب في ثلاثين ألفاً.
وهذا يدل على عظمة هاني بن عروة، ومكانته في الناس، فاعتقاله، وارتكاب تلك الجرائم الفظيعة في حقه، قد جعل مسلم بن عقيل «رحمه الله» أمام أحد خيارين:
أولهما : السكوت وتجاهل ما جرى، ومتابعة النشاط لأخذ البيعة من الناس.
وهذا إجراء فاشل جزماً، فإن مكانة هاني في قبيلته وفي سائر القبائل لا تسمح لمسلم بتجاهل ما جرى عليه، والمرور به مرور الكرام، لأن جميع الناس سوف يطالبون مسلماً بالإقدام على إنقاذه، لاسيما وأنه قد بايعه عشرات الألوف من الرجال..
فإن لم يفعل فإن الناس، ولاسيما قوم هاني، وهم مذحج وأحلافها سوف يتخاذلون ويتفرقون عنه، استناداً إلى المنطق الذي يقول : إذا كان مسلم لا يتحرك لإنقاذ هاني من الأسر، ولديه ثلاثون أو أربعون ألفاً، أو مئة ألف سيف، فهل سيتحرك حين يبطش ابن زياد وأعوانه
بمن هو أقل شأناً بكثير من هاني، ويواجهونهم بالاعتقال، والضرب، أو القتل، وأية فائدة من بيعة وحركة تتجاهل مصير أعظم مؤسسيها، وأي مانع أو رادع سيقف بعد هذا في وجه ابن زياد ليمنعه من إذلال الوجهاء، وقهر الأشراف والرؤساء؟!
الثاني: أن يخضع مسلم «رحمه الله» لحكم الضرورة، ويبادر إلى مواجهة هذه الجريمة الكبرى، فإن نجحت حركته هذه، فهذا هو المراد. وإن فشلت فيكفيها حسناً أنها ساهمت في حفظ حالة الصفاء والنقاء لأهل الدين، ولم تعط الانطباع الذي يسيء إلى الإسلام وأهله، ويكون سبباً في انعدام الثقة، وتشويش وتشويه المفاهيم الصحيحة.
يا منصور أمت:
والشعار في الحرب سنَّة مارسها رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ثم أمير المؤمنين، ثم الأئمة الطاهرون «عليهم السلام»، ومن تشيع لهم والتزم بخطهم، ومسلم بن عقيل منهم..
ونص الشعار الذي زود به مسلم مقاتليه هو نفسه النص الذي اعتمده رسول الله «صلى الله عليه وآله» وعلي «عليه السلام»، والحسين الشهيد «صلوات الله عليه»، ومن يتشيع لهم، وهو عبارة:
«يا منصور أمت».
وفي بعض الروايات عن أبي عبد الله «عليه السلام» أنه قال: إن أربعة آلاف ملك هبطوا، يريدون القتال مع الحسين بن علي «عليهما السلام»، فلم يؤذن لهم في القتال.
فرجعوا فى الاستئذان فهبطوا ، وقد قتل الحسين «عليه السلام»، فهم عند قبره شعث غبر، يبكونه إلى يوم القيامة، ورئيسهم ملك يقال له: منصور الخ..(1).
ويلفت النظر هنا أمران:
أحدهما : هذا الالتزام الشديد والأكيد بمفردات السنة النبوية المباركة، حتى في الأمور التي يجد الناس العاديون الآخرون أنفسهم فيها في فسحة من الإلزام والالتزام بها.
وربما كان هدفهم «عليهم السلام» هو أفهامنا أن الالتزام بحرفية ما ورد عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» يحمل لنا بركات وخيرات، ويؤهلنا لرعاية إلهية، ويجلب لنا توفيقات وألطافاً ربانية قد لا تخطر لنا على بال لأنها ليست مما تناله العقول. لكونها من التفضلات والعطاءات التي يختارها الله تعالى لنا..
الثاني: إن هذا الشعار يتكون من ثلاث كلمات:
أولاها: حرف النداء.
الثانية : المنادى، وهو كلمة منصور.
1) كامل الزيارات ص 233 و 234 وروضة المتقين ج 5 ص 382 و 383 ص233 والأمالي للصدوق ص 737 ومدينة المعاجز ج 4 ص 156 وبحار الأنوار ج 45 ص 220 و ج 52 ص 28 و 329 والعوالم، الإمام الحسين ج17 ص 476 والنجم الثاقب ج 1 ص 296 و 297 ومستدرك الوسائل ج10 ص 255 والغيبة للنعماني ص 323 واليقين لابن طاووس ص 259 .
الثالث: كلمة «أمت».
فالشعار إذن يغري مطلقه وسامعه بالالتفات إلى حقيقة أن ثمة نصراً سوف يحصل لأهل الإيمان.
وأن هذا النصر ليس من صنعهم، بل هو عطاء لهم من خارج ذواتهم، ومن دون أي تأثير لقدارتهم.. ولأجل ذلك قال الشعار : «يا منصور»، أي يا من يأتيه النصر، ولم يقل: يا منتصر ليكون قد نسب فعل النصر إلى المقاتل نفسه.
وأهل الإيمان على يقين من حصول ذلك لهم..
والذي يفيض النصر على أهل الإيمان هو نفس المحور الذي يكون به قوام إيمانهم، والذي يميزهم عن غيرهم، والذي يحاربهم أهل الضلال بهدف حملهم على التخلي عنه.. وهو الله تبارك وتعالى. الذي يقول أهل الإيمان عنه : إنه أقدر القادرين وأحكم الحاكمين.
ولو أغمضنا النظر عن ذلك، وأردنا أن لا نخرج عن سياق الرواية التي ذكرت أن منصوراً هو أحد الملائكة، فإن المعنى الذي ذكرناه يبقى على قوته وحيويته، لأن مفاد هذا الشعار هو طلب المشاركة من ملك، يعطي حتى اسمه الفأل بالنصر على أعداء الله، وهو ملك مأمور من قبل الله تعالى ليكون ناصراً، ومعينا لأوليائه تبارك وتعالى.
بالنسبة لكلمة «أمت» التي يخشاها أهل الدنيا، وهم الضالون وأعداء أهل الإيمان كل الخشية، لأنها تضعهم أمام أبغض الأشياء
إليهم، وهو الموت، الذي يقاتلون من أجل تحاشيه، وإبعاد شبحه عنهم. فقتالهم في الحقيقة، ما هو إلا مدافعة للموت، واستغلال، واختباء وراء قدرات الآخرين، التي يظنون أنها تحميهم منه.
فالشعار إذن يكبت العدو ، لأنه يضعه أمام احتمال الموت بصورة مباشرة، ولأنه يعلمه بأن لأهل الإيمان ناصراً قوياً وقادراً، وليس له هو هذا الناصر.
كما أنه يقوي روحية أهل الإيمان، لأنه يذكرهم بأن الله معهم، وأنهم حتى لو ماتوا فإن موتهم ليس هزيمة، بل هو فوز وشهادة، وبلوغ للمراد الأقصى.
لعبة الأرقام! لماذا؟!
يلاحظ: أن الروايات حين تتحدث عن الجموع التي جاءت مع مسلم بن عقيل لحصار قصر الإمارة قد ذكرت أرقاماً مختلفة، ومتباعدة..
وهكذا أيضاً كان حال الأرقام عن عدد الرجال الذين كانوا مع عبيد الله بن زياد في القصر، وبيان ذلك:
ألف: فيما يرتبط بالذين استجابوا لمسلم بن عقيل، حين جاء ليغيث هاني بن عروة، نجدهم يقولون ما يلي:
1 - إن مسلما ركب في ثلاثة آلاف، فلما قرب من قصر عبيد الله نظر، فإذا معه مقدار ثلاث مئة فارس، فوقف يلتفت يمنة ويسرة، فإذا
أصحابه يتخلفون عنه حتى بقي معه عشرة أنفس (1).
2 - خرج في نحو من أربع مئة من الشيعة، فما بلغ القصر إلا وهو في نحو ستين رجلاً، فغربت الشمس، واقتتلوا قريباً من الرحبة، ثم دخلوا المسجد، وكثرهم أصحاب عبيد الله بن زياد (2).
وهذا يدل على أن أصحاب عبيد الله بن زياد كانوا أكثر من أصحاب مسلم.
3 - لم يجتمع إليه إلا أربعة آلاف رجل (3).
4 - كانوا فيها أربعة آلاف رجل ، فقال ناد «يا منصور أمت»، فتنادى أهل الكوفة واجتمعوا عليه (4).
5 - فاجتمع إليه ثمانية آلاف (5).
1) الثقات لابن حبان ج 2 ص 308.
2) الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 460 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص66 وسير أعلام النبلاء ج3 ص 299 .
3) أنساب الأشراف ج 2 ص 338 و (ط الأعلمي) ج 2 ص 80 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 92 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 243 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 672 .
4) الإرشاد ج 2 ص 52 وبحار الأنوار ج 44 ص 348 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص197.
5) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 92 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 243 .
6 - لما نادى مسلم بشعار: «يا منصور أمت» اجتمع إليه في وقت واحد ثمانية عشر ألف رجل (1).
7 - أقبل مسلم في وقته ذلك، ومعه ثمانية عشر ألفا أو
يزيدون (2).
8 - خرجنا مع ابن عقيل أربعة آلاف، فما بلغنا القصر، إلا ونحن ثلاث مئة (3).
ثم ذكر أن الناس بعد ذلك تداعوا واجتمعوا، حتى امتلأ المسجد من الناس والسوق، وما زالوا يثوبون حتى المساء (4).
9 - ويصف هلال بن يساف الوضع بعد حلول الظلام، فيذكر: أن أصحاب مسلم، وهم في طريقهم إلى القصر لم يكونوا يمرون في طريق يميناً ولا شمالاً إلا ذهبت منهم طائفة : الثلاثون، والأربعون، ونحو ذلك .
فلما بلغ السوق - وهي ليلة مظلمة - ودخلوا المسجد قيل لابن
1) مروج الذهب ج 3 ص 67 وأعيان الشيعة ج 1 ص 591 .
2) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 49 .
3) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 369 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 275 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 43 وراجع: البداية والنهاية ج 8 ص 154 و (ط دار إحياء التراث) ج8 ص 166 .
4) تاريخ الأمم والملوك ج ص 369 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 275 و 276 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 43.
زياد والله ما نرى كثير أحد، ولا نسمع أصوات كثير أحد.
فأمر بسقف المسجد فقلع، ثم أمر بحرادي فيها النيران، فجعلوا ينظرون، فإذا قريب خمسين رجلا (1).
ب: أما الذين كانوا مع ابن زياد، فقد قالوا:
1 - ليس معه في القصر إلا ثلاثون رجلاً من الشرط، وعشرون رجلا من أشراف الناس، وأهل بيته، وخاصته (2).
2 - كانوا مقدار مائتي رجل (3).
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 391 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 294 وراجع: الفتوح لابن أعثم ج5 ص 50 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 207.
2) راجع: أنساب الأشراف ج 2 ص 338 و (ط الأعلمي) ج 2 ص80 والإرشاد ج 2 ص 52 وبحار الأنوار ج 44 ص 348 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 197 والفوائد الرجالية ج 4 ص 26 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 369 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 276 والكامل في التاريخ ج 4 ص 30 وتجارب الأمم ج 2 ص 48 ولواعج الأشجان ص53 وأعيان الشيعة ج 1 ص 591 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 43 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 672 وإعلام الورى ج 1 ص 441. وراجع: الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 49 .
3) الأخبار الطوال ص238.
الرحبة، ثم دخلوا المسجد، وكثرهم أصحاب عبيد الله بن زياد»(1).
4 - ويتحدث نص آخر عن محمد بن الأشعث، وكثير بن شهاب، والقعقاع بن شور، و شبث بن ربعي: أنهم حين ذهبوا يردون الناس عن اللحوق بمسلم «اجتمع إليهم عدد كثير من قومهم، وغيرهم، فصاروا إلى ابن زياد.. إلى أن قال: فقال له كثير بن شهاب: أصلح الله الأمير، معك في القصر ناس كثير من أشراف الناس، ومن شرطك، وأهل بيتك، ومواليك، فاخرج بنا إليهم، فأبى عبيد الله ؟! وعقد لشبث بن ربعي لواء فأخرجه..»(2).
وبعدما تقدم نقول:
إذا كان أصحاب ابن زياد من الكثرة بحيث يفرق الألوية على القادة، ويخرجهم إلى أحياء الكوفة، ليخذلوا الناس عن ابن عقيل، فذلك يعني أنهم سوف يصطدمون بأصحاب مسلم، وهو يدل على أنهم كانوا أكثر من ثلاثين، أو خمسين، أو مئتين. بل هم عدة ألوف، ويمكنهم التصدي لأصحاب مسلم. ولولا ذلك لم يخرجهم ابن زياد إلى
ساحة المواجهة، وهم مجرد أكلة رأس.
بل صرحت الروايات المتقدمة : بأنهم كانوا أكثر من أصحاب ابن عقيل.. ولعل سبب ذلك: أن اصحاب ابن عقيل قد تفرقوا عنه، ولم يصل منهم إلى القصر إلا أقل القليل.
فهل المقصود من تكثير الأرقام لأصحاب مسلم، وتقليلها
لأصحاب ابن زياد هو تعويض ابن زياد عن وصمة الجبن التي كان يوصم بها. وتصويره على أنه بطل لا يجارى ولا يبارى، وإن ادعاء جبنه لا أساس له؟!
كما أن هناك تعمداً ظاهرا، لإظهار أنه كان يتمتع بدرجة عالية من الذكاء، والتخطيط، وحسن التدبير ؟! بالرغم من مجاهرته في تهديداته لأهل الكوفة بأنه لن يدع جريمة إلا ويرتكبها في حقهم. فهل ارتكاب الجرائم وانتهاك الحرمات ذكاء، وتدبير، وحنكة وسياسة؟!
أم أن من يراعي أحكام الشرع، والأخلاق، والقيم الإنسانية، ويرضى بما قسمه الله له هو الذكي والعاقل، والإنسان الكامل ؟!
المفاتیح بید ابن زیاد:
وإذا كان مسلم قد جمع جموعاً كثيرة، فإن أبصار هذه الجموع كانت شاخصة إلى القصر، وقلوبها تحوم حوله، وتهفوا إليه، وتحنوا عليه.. لأن قياداتهم العشائرية فيه، وكان وجهاؤهم، ورؤساؤهم وأشرافهم في قبضة ابن زياد إما لأنهم التحقوا به - كما تدل عليه بعض النصوص - أو لأنهم كانوا عنده، فتحفظ عليهم، ولم يسمح لهم
بالحركة.
بل في بعض النصوص : أن ابن زياد «حبس باقي وجوه الناس عنده، استيحاشاً إليهم» (1).
وقد استفاد من وجود هؤلاء الرؤساء أيما استفادة، حين أمرهم بمخاطبة أتباعهم، وعشائرهم من فوق القصر لتفريقهم عن مسلم.
وعلى هذا ، فلئن كان لدى مسلم «رحمه الله» خزائن مشحونة بالرجال، فإن مفاتيحها كانت بید ابن زیاد، وقلوبها عنده، وهو الذي يشحذ سيوفها ، ويحركها بالاتجاه الذي يريد.
وقد صرحت بعض النصوص: بأن مسلماً «رأى أكثر من بايعه من الأشراف نقضوا البيعة، وهم مع عبيد الله»(2).
فذلك كله يعطي: أن الصورة المتداولة حول ما جرى لمسلم تحتاج إلى إعادة النظر، وإصلاح.
الإلتزام بالمنطق العشائري:
وقد يؤخذ على مسلم بن عقيل : أنه لم يخرج عن المنطق العشائري في ترتيبه للكتائب وقادتها، مع أن هذا المنطق مرفوض من الناحية الدينية والإنسانية.
ونقول:
ليس صحيحاً أن المنطق العشائري مرفوض مطلقا، وفي جميع الأحوال، بل هو مرضي ومقبول إذا كانت العشائرية تعني تقوية أواصر المحبة بين أبناء العشيرة الواحدة، والعمل على خدمة الناس، ومن موجبات دفع الأخطار عنهم ، وشعورهم بالأمن. وتشد قلوبهم، وتقويهم على عدوهم. وتزيد من قوة أهل الحق.. وقد قال تعالى لنبيه الكريم «صلى الله عليه وآله» (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) (1)، وحتَّ على صلة الأرحام، والتزاور، والتعاون فيما بينهم.
أما إذا كانت العشائرية تعني التعصب للعشيرة، ونصرتها حتى حين تكون على الباطل.. فإنها تكون مدانة ومرفوضة..
ولا شك في أن الإنسان المؤمن يتوقع من أقاربه - إذا واجه مشكلة ما في أي ساحة من الساحات، أو أحس من نفسه وهناً، أو ضعفاً لأي سبب - أن يهبوا لنصرته، وحل مشكلته. ولا يتوقع ذلك من الأغيار، بل يكون ضعيف الثقة بأن يجد منهم نفس ما يجده من
عشيرته من الذب عنه، والمعونة له..
فدلنا ذلك: على أن ما فعله مسلم «رحمه الله» كان عين
الصواب..
1) الآية 214 من سورة الشعراء.
هل هذا صحيح؟!:
وقد أظهرت النصوص المتقدمة: أن مسلم بن عقيل حين قرر المسير إلى القصر، قد كتب الكتائب وعيَّن لها القادة، وقدم الخيل، وأتبعها بالرجالة، ورتبهم ميمنة وميسرة، وسار هو في القلب إلخ..
وذكرت: أن الجيش الذي أتى به مسلم إلى قصر الإمارة كان (ثمانية عشر ألفاً، أو ثمانية آلاف، أو أربعة آلاف، أو ثلاثة آلاف، أو أربع مئة رجل فقط)، بل تقدم: أن الناس بعد تفرق جيشه عنه قد كثروا وتجمهروا حول مسلم حتى امتلأ المسجد بهم والسوق..
غير أن المفروض: أن تحرك مسلم كان من الناحية الجغرافية، لا يحتمل أن يكون الذين جاء بهم حتى أربع مئة، فما بالك بالثمانية عشر ألفا.. أو غيرها من الأرقام، فإنه إنما تحرك في أزقة الكوفة وفي أحيائها ، وبين دورها. وهي أزقة ضيقة، لا تحتمل أن يسير فيها جيش له مقدمة، وقلب وجناحان: ميمنة وميسرة لكي يمتاز القلب عنهما، ويحمل هذا التوصيف.
من أجل ذلك نقول:
إن هذ التوصيفات لما جرى لا تتسم بالصدقية، ولعلها من نتاج الكيد الإعلامي الذي كان يريد تضخيم قدرات مسلم بصورة تتجاوز حدود المعقول، وإظهار ابن زياد بصورة الفاقد للمعين، حتى إنه لم يكن لديه أكثر من خمسين رجلا. ليكون فشل حركة مسلم بن عقيل
فاضحاً ومدوياً، ومن دلائل سذاجته، وسوء تدبيره.. ويكون نجاح ابن
زياد هائلاً ومدويا في الاتجاه المعاكس، ويستحق الإعجاب والثناء.
مع أننا قد ذكرنا عن قريب: أن النصوص تصرح بأن الأمر كان على العكس من ذلك تماماً، فإن من وصل إلى القصر من أصحاب مسلم ، كانوا فئة قليلة جداً، قيل: ثلاث مئة، وقيل: ستون رجلاً، وقيل:
قريب من خمسين رجلا .. فراجع النصوص المتقدمة. ولكن الناس الفضوليين صاروا يجتمعون، ويتجمهرون في ذلك المكان لمراقبة ما يجري. وليس ثمة ما يدل على أنهم كانوا يحملون سلاحاً، أو ينوون قتالاً.. أو أنهم يؤيدون حركة مسلم، أو غيره.
وكانت الكثرة في الرجال والمال والسلاح مع ابن زياد، وهو الذي كان يعقد الألوية، ويرسلها في أحياء الكوفة وأزقتها، لكي يخذلوا الناس عن مسلم، ويلتحقوا بابن زياد.
وقد تقدم: أن شبث بن ربعي، ومحمد بن الأشعث، والقعقاع بن شور وغيرهم قد أرسلهم ابن زياد على رأس كتائب لحرب مسلم. وقد قاتلوا مسلماً وأصحابه قتالاً شديداً فلو أن مسلما كان لديه هؤلاء الألوف من المقاتلين لمنع القادة ومن معهم من أصحاب ابن زياد من التحرك في شوارع الكوفة من دون حسيب أو رقيب.
ويبدو: أن الذين استجابوا لمسلم، وساروا معه إلى القصر، كانوا من قبيلة مراد كما يفهم من بعض النصوص (1).
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 369 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 275 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 43 وراجع: لواعج الأشجان ص67 وإبصار العين ص 142 .
المختار قدم بعد استشهاد مسلم
وتقدم قولهم : إن المختار كان مع مسلم بن عقيل، وكان معه راية خضراء (1).
وهذا الكلام غير دقيق، فإن المختار - كما تقدم - لم يكن في الكوفة ، وإنما كان في الأطراف خارجها يجمع الجموع ليوافي بهم مسلماً في يوم معين، كان قد اتفق عليه معه.
فلما جرى على هاني بن عروة ما جرى اضطر مسلم إلى الخروج قبل ذلك الوقت، فانتهى الأمر باستشهاده كما سنرى، فقدم المختار بعد ذلك، وكانت الأجواء لا تزال متشنجة . ولعله دخل الكوفة یوم قتل مسلم أو بعده بيوم - فعرف بما جرى، فبات في دار ابن حريث.
ثم طلبه ابن زياد، وضربه فشتر عينه، ثم حبسه، وبقي في الحبس إلى ما بعد استشهاد الإمام الحسين «عليه السلام»، فتوسط له عبد الله بن عمر لدى يزيد، فكتب إلى ابن زياد فأطلق سراحه..
1) البداية والنهاية ج 8 ص 154 و (ط دار إحياء التراث) ج8 ص166 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 49 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 206 وغير ذلك.
الجراحة الثقيلة:
وتقدم: أن مسلماً قد جرح جراحة ثقيلة في القتال الذي جرى في المسجد، وأن أصحابه كانوا قريب خمسين رجلا، وقد قتل ناس منهم فانهزموا، فخرج مسلم، فدخل داراً من دور كندة (1).
فدلنا هذا النص:
أولاً : على أن ابن زياد قد أمر بمهاجمة مسلم، وأصحابه، وهم في المسجد.
ولم يراع حرمة المسجد الشريف الذي له فضل عظيم، والذي تعدل الصلاة فيه أربعة آلاف صلاة..
ثانياً: إن جراحة مسلم الثقيلة لم توجب وهنا في عزيمته، ولم تدفعه للفرار.
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 391 و (ط الأعلمي) ج4 ص294 وأنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج 3 ص 224 .
النصوص والآثار:
1 - عن عمّار الدهني عن أبي جعفر الباقر «عليه السلام»:
لمّا رَأَى مُسلِمٌ أَنَّهُ قد بَقِيَ وَحدَهُ يَتَرَدَّدُ فِي الطُّرق، أتى بابا فَنَزَلَ عَليهِ، فَخَرَجَتْ إِليهِ ،امرأة، فقال لها: اسقيني.
فَسَقْتهُ، ثُمَّ دَخَلت.
فَمَكَنت ما شاءَ اللهُ ، ثُمَّ خَرَجَت فَإِذا هُوَ عَلى الباب، قالت: يا عَبْدَ اللَّهِ ، إِنَّ مَجْلِسَكَ مَجْلِسٌ رِيبَةٍ فقم.
قالَ: إِنِّي أَنَا مُسلِمُ بنُ عَقِيلٍ، فَهَل عِندَكِ مَأوى؟!
:قالت: نَعَم، أدخل (1).
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 350 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 260 وتهذيب الكمال ج 6 ص 426 وتهذيب التهذيب ج 1 ص 591 و (ط دار الفكر ) ج 2 ص303 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 307 و الإصابة ج 2 ص 70 والأمالي الشجرية ج 1 ص 191 والحدائق الوردية ج 1 ص 116 عن السجاد، وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 142 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 520 .
2 - عن المجالد بن سعيد:
لمّا رَأى [مُسلِمٌ] أَنَّهُ قد أمسى وليسَ مَعَهُ إِلَّا أُولَئِكَ النَّفْرُ [ثلاثونَ نَفْراً]، خَرَجَ مُتَوَجِّها نَحوَ أبوابِ کِندَةَ، وبَلغَ الأبوابَ وَمَعَهُ مِنهُم عَشَرَةٌ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الباب وإذا ليسَ مَعَهُ إنسانٌ، وَالتَفَتَ فَإِذَا هُوَ لا يُحِلُّ ُأحَداً يَدُلُّهُ عَلى الطريق، ولا يَدْلُهُ عَلى مَنزِلِ، ولا يُواسيهِ بِنَفْسِهِ إِن عَرَضَ لَهُ عَدُوٌّ. فَمَضَى عَلَى وَجْهِهِ يَتَلدَّدُ في أزقة الكوفة، لا يدري أَينَ يَذْهَبُ [وفي الفتوح: وقد أثخن بالجراحات]، حَتَّى خَرَجَ إِلى دورِ بَنِي جَبَلَة مِن کِندَةَ، فَمَشى حَتى انتهى إلى باب امرأةٍ يُقالُ لها: طوعَهُ، أُمُّ وَلَدٍ كانَت لِلأَشعَثِ بن قيس {وفي الفتوح: كانت فيما مضى امرأة قيس} فأعتقها، فَتَزَوَّجَهَا أَسَيدٌ الحَضرَمِيُّ {في الفتوح: أسَدُ بنُ البطين، فأولدَها وَلدا يُقالُ لَهُ أَسَدٌ}، فَوَلدَت لَهُ بلالاً، وكانَ بلالٌ قد خَرَجَ مَعَ النّاس وأُمُّهُ قائِمَةٌ تَنتَظِرُهُ ، فَسَلَّمَ عَليهَا ابْنُ عَقِيلٍ، فَرَدَّت عَلَيهِ.
فقال لها: يا أمة اللهِ اسقينى ماءً.
فَدَخَلت فسقتهُ، فَجَلسَ ، وأدخَلْتِ الإِناءَ، ثُمَّ خَرَجَتْ، فَقالت: يا عَبْدَ اللهِ، أَلم تَشرَب؟!
قال: بلى.
قالت: فاذهب إلى أهْلِكَ! فَسَكَتَ.
ثمَّ عادَت فقالت مِثلَ ذلِكَ، فَسَكَتَ.
ثمَّ قالت لَهُ: فِي للهِ ، سُبحانَ اللهِ يا عَبْدَ اللهِ، فَمُرَّ إِلى أَهْلِكَ عافاك
اللهُ ! فَإِنَّهُ لا يَصلُحُ لكَ الجُلُوسُ عَلى بابي، ولا أحِلُّهُ لكَ.
فَقامَ، فَقالَ: يا أمة الله، ما لي في هذا المِصرِ مَنزِلٌ ولا عَشِيرَةٌ، فَهَلْ لَكِ إلى أجرٍ ومَعروف [في الفتوح تصطنِعِيهِ إِلَيَّ، فَإِنِّي رَجُلٌ مِن أهل بَيتِ شَرَفٍ وكَرَمٍ ومِثلي مَن يُكافِئُ بالإحسان]، ولُعلي مُكافِتُكِ بِهِ بَعدَ اليَوم؟!
فقالت: يا عَبدَ اللهِ وما ذاك؟! {وعند ابن شهر آشوب: قالت: فلعلك مُسلِمُ بنُ عَقِيل} .
قالَ: أَنَا مُسلِمُ بنُ عَقِيلٍ، كَذَّبَني هؤلاء القومُ وغَرّوني.
قالت: أنتَ مُسلِمٌ ؟!
قالَ: نَعَم.
قالت: أدخل.
فأدخَلتهُ بَيتا في دارِها غَيرَ البَيتِ الَّذي تَكُونُ فِيهِ، وفَرَشَت لَهُ، وعَرَضَت عَليهِ العَشَاءَ فلم يَتَعَشَّ.
ولم يَكْن بأسرَعَ مِن أن جاءَ ابنها، فرآها تُكِثرُ الدُّخولَ فِي البَيتِ وَالخُروجَ مِنهُ {في الفتوح: وهِيَ باكِيَة}، فَقالَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لِيُرِيبُنِي كَثرَهُ دخولِكِ هذا البَيتَ مُندُ الليلة وخُروجكِ مِنهُ {في الفتوح: باكِيَة} ، إِنَّ لَكِ لشأناً !
قالت: يا بُنَيَّ ألهُ عَن هذا.
قال لها: وَاللهِ لتُخبرتي.
قالت : أقبل على شأنِكَ ولا تَسَألني عَن شَيْءٍ .
فألحَّ عليها، فقالت: يا بُنَيَّ لا تُحَدِّتْنَّ أحَداً مِنَ النَّاسِ بِما أخبرُكَ بهِ، وأخَذت عَليهِ الأيمانَ ، فَحَلَفَ ،لها ، فأخبَرَتهُ، فاضطجَعَ وَسَكَتَ.
وزَعَموا : أَنَّهُ قد كان شريداً مِنَ النّاس، وقالَ بَعضُهُم: كَانَ يَشْرَبُ مَعَ أَصحابِ لهُ (1)
وراجع: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 93 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 243 و 244 والأخبار الطوال ص 239 ومثير الأحزان ص 34 والفتوح ج5 و ص 50 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 207.
.زاد في نص البلاذري قوله : «فأعلمته إجارَتَها مُسلِماً، فأتى عَبدَ
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 371 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 277 و 278 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 142 و 143 عنه، وعن الكامل في التاريخ ج 4 ص 31 ومقاتل الطالبيين ص 104 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 67 و 68 والبداية والنهاية ج 8 ص 155 و (ط دار إحياء التراث) ج8 ص 166 و 167 والإرشاد ج 2 ص 53 - 54 وروضة الواعظين ص193 و (منشورات الشريف الرضي) ص 175 وإعلام الورى ج 1 ص 442 وبحار الأنوار ج 44 ص 350 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 199 و 200. وراجع: الثقات لابن حبان ج 2 ص 308 وتجارب الأمم ج 2 ص 49 و 50 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 45 و 46 ولواعج الأشجان ص 55 و 56 وأعيان الشيعة ج 1 ص 592 والدر النظيم ص 543 ونهاية الأرب ج 20 ص 398 والمجالس الفاخرة ص200 و 201 وأنساب الأشراف (ط الأعلمي) ج 2 ص 81 وتاريخ الكوفة ص328.
الرَّحمن بنَ مُحَمَّدِ بن الأَشْعَثِ فَأَخبَرَهُ بِذلِكَ» (1).
وفي نص آخر: أخبر ابن الأشعث، فأخبر ابن زياد (2).
3 - ويقول المسعودي :
فلم يُمس مُسلِمٌ ومَعَهُ غَيرَ مِئَةِ رَجُلٍ، فلمّا نَظرَ إِلَى النَّاسِ يَتَفَرَّقُونَ عَنهُ، سارَ نَحوَ أبوابِ عِندَةَ، فَما بَلغَ البابَ إلا ومَعَهُ مِنهُم ثلاثة، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ البَابِ فَإِذا ليسَ مَعَهُ مِنهُم أَحَدٌ، فَبَقِيَ حَائِراً لا يدري أَينَ يَذْهَبُ، ولا يَجِدُ أحَداً يَدُلُّهُ عَلى الطريق.
فَنَزَلَ عَن فَرَسِهِ، وَمَشَى مُتَلدِّداً في أزِقَةِ الكوفة، لا يَدري أينَ يَتَوَجَّهُ، حَتَّى انتهى إلى بابِ مَولاةٍ لِلأَشعَثِ بن قيس {في تذكرة الخواص: أم ولد. وعند ابن شهر آشوب : أم ولد محمد بن الأشعث}، فاستسقاها ماءً فسقته، ثمَّ سَألته عَن حالِهِ، فأعلمها بقضيَّتِهِ، فَرَقَت لَهُ وآوَته (3).
وفي نص آخر يقول:
وكَتْرَهُم أصحابُ عُبَيدِ اللهِ بن زيادٍ، وجاءَ اللَّيلُ فَهَرَبَ مُسلِمٌ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى امْرَأَةٍ مِن عِندَةَ يُقالُ لها طوعَهُ، فَاستَجارَ بها (4).
1) أنساب الأشراف ج 2 ص 338 و (ط الأعلمي) ج 2 ص 81.
2) تذكرة الخواص (ط النجف) ص 242 .
3) مروج الذهب ج 3 ص 67 و (منشورات دار الهجرة - قم) ج 3 ص 58 .
4) الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 461 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص66 وسير أعلام النبلاء ج3 ص 299 و 300 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 144 عنهما، وتاريخ الإسلام للذهبي ج 4 ص 171 :وقال راجع: الملهوف ص119.
ونقول:
لا بأس بالنظر في الأمور التالية:
صراحة مسلم مع طوعة:
لقد أظهرت الأحداث التي جرت مع مسلم كيف أن الناس قد خانوا العهد الذي قطعوه له، وتخلوا عن نصرته. وهذا يعطي: أنه لم يعد بإمكانه الوثوق بأي كان من الناس.. فمن يسلمه ويتخلى عنه يمكن أن يشي به إلى عدوه، كما أن الذين لم يبايعوه. كانوا في عداد الأعداء فلن يرحموه لو ظفروا به
وهذا يطرح هنا سؤالاً يقول:
ألم يكن الأجدر بمسلم حين أصبح وحيداً، أن يخفي حقيقة شخصيته عن طوعة، حين ألحت عليه بالابتعاد عن باب دارها، لا أن يعرَّفها بأصله وفصله؟!
وألم يكن يحتمل أن تكون هذه المرأة في جملة أعدائه؟!
وإن لم تكن كذلك، فمن أين ضمن عدم وشايتها به طمعاً بالأموال، حين ترصد الجوائز لمن يأتي بخبر عنه، ويحدد مكانه لأعدائه ؟!
ولماذا هو يمارس الكتمان إلى الحد الذي لا يجارى ولا يبارى
فيه، حين استطاع أن يخفى خبره ومكانه، وكل أنشطته عن كل الأجهزة المنتشرة في كل مكان، وهي ترصده في كل اتجاه، ولكنه هنا يقدم مختاراً على كسر هذه القاعدة الجليلة والجميلة في مثل هذه الحالات الحرجة والحساسة؟
وربما يجاب عن هذا التساؤل بما يلي:
1 - إن شخص مسلم بن عقيل كان معروفاً لدى الكثرة الكاثرة من أهل الكوفة، فقد رآه الألوف منهم حين بايعوه، ثم رآه قسم كبير منهم حين خرج بهم إلى قصر ابن زياد.
2 - إن مسلما كان يعلم: أن ابن زياد قد وضع الأرصاد،
وسيوظف كل من يقدر عليه من الرجال للبحث عن مسلم في كل مكان، وكل زقاق وبيت، ولن يقر له قرار حتى يظفر به .
3 - وهو يعلم أيضاً: أن ابن زياد سيضع الجوائز الضخمة لكل : من يأتيه بخبر عن مسلم، ويساهم في القبض عليه حياً أو ميتاً. وما أكثر الطامعين بهذه الجوائز والمترصدين لها من الذين لا يرجعون إلى دين، أو إلى خلق، أو ضمير..
4 - وكان مسلم يعلم: أن اختراق كل هذه الموانع والسدود ليس سهلاً. بل هو يعلم أنه لن يتمكن من ذلك..
5 - إن مسلماً «عليه السلام» كان يرى نفسه مكلفا بالتخفي والكتمان حين كانت المهمة الكبرى التي انتدبه الإمام الحسين «عليه السلام» لها تحتاج إلى هذا الكتمان..
وبعد أن حصل ما حصل، وأصبح الكتمان حاجة له كشخص، فإنه لم يكن ليدلس نفسه على امرأة لم ير منها إلا العفاف، والصدق، والاستقامة والرزانة. فإنه لو أقدم على هذا الأمر لوجد نفسه غير صادق معها، وسيواجه تأنيب الضمير، ووخز الوجدان، لاسيما وهو لا يرى حاجة لهذا التكتم ، بل يرى الأمور تسير باتجاه واحد، وهو انكشاف أمره عاجلا أو آجلا.. وسيلقى المصير الذي يتوقعه.
6 - ومع صرف النظر عن ذلك كله، نقول:
من الذي قال : إن مسلماً «عليه السلام» لم يحصل له اليقين بصدق تلك المرأة، وسلامة فطرتها، وصحة دينها، وعمق ولائها للنبي وأهل بيته، فدعاه يقينه هذا إلى التعامل معها بوضوح وصراحة، لاسيما وأنه يريد أن يستفيد من بيتها بالمبيت فيه، فإذا كانت إنما تحل له هذا التصرف، وتقدم على استضافته بشرط أن
يكون صادقاً معها، فلماذا لا يفي لها بهذا الشرط؟!
هل يعرف مسلم أزقة الكوفة؟!:
وقد يخطر على بال البعض : أن يشكك في صحة ما تقدم، من أن مسلماً بعد تفرق أصحابه عنه، لم يعد معه من يدله على الطريق، أو يدله على منزل «قمَضى عَلى وَجْهِهِ، يَتَلدَّدُ في أزقة الكوفة، لا يدري أَينَ يَذْهَبُ».
ودليله على ذلك: أن مسلماً قد عاش في الكوفة مدة من الزمان، وشارك في حروب علي «عليه السلام» ضد أعدائه، فهل يعقل أن
يجهل أزقة بلد عاش فيه برهة من الزمن ليحتاج إلى من يدله على طرقه، وأزقته ومنازله؟!
ونجيب:
أولاً : بأن مسلماً قد عاش في الكوفة في زمن علي «عليه السلام»، ثم غاب عنها حوالي عشرين سنة، والبلاد المقصودة بالسكنى - كالكوفة - لا تثبت على حال واحد، بل تتحول وتتبدل معالمها باستمرار. ولاسيما
المناطق التي يقصدها الفقراء، وتكون عادة بعيدة عن أسواق البلد العامة، ومراكز الحركة فيها.
ثانياً : إن مسلماً حين كان في الكوفة وعاش فيها كان رجلاً كاملاً، وعاقلاً وقائداً معظماً وفاضلا ولم يعش فيها طفولته ليكون فضول الأطفال، ونشاطهم هو الذي يدفعه لاكتشاف معالمها، والوصول إلى خفاياها وخباياها.
والرجل الكامل والأريب العاقل، لا يرغب في الطواف والتردد في الأزقة، ولا يرى أن ذلك يليق به، بل هو يتواجد في المواضع التي يتواجد فيها أقرانه، وأهل أنسه، الذين يشاركونه في الاهتمامات والتوجهات.
ثالثاً : لو أغمضنا النظر عن هذا وذاك، فإن حيرة مسلم قد لا تكون بسبب عدم معرفته بالطرقات، بل لأنه لم يعد يعرف أحدا يطمئن إليه، ويعتمد عليه إذا قصده، فالحيرة سببها فقدان الخيار، وعدم القدرة على الاختيار.
وأما عبارة: «لا يُحِسُّ أَحَدًا يَدْلُّهُ عَلى الطريق»، فهي تعبير شائع ومتداول للدلالة على فقد المعين والناصر ، والناصح.. فهو كقولك - كناية عن الحيرة -: «فلان يقدم رجلاً ويؤخر أخرى»، مع أنه لم يفعل شيئاً من ذلك، بل بقي جالساً في مكانه.
ويقول بعض الإخوة هنا:
يمكن حمله على ظاهره، ويكون المقصود عدم الإحساس بأحد بالوصف المذكور. أي «يدله». وإن كان وجد أشخاصاً في طريقه لا يدلونه، بل كانوا إذا رأوه أعرضوا عنه وابتعدوا إما لجهلهم به، وإما خوفاً من العيون ونحو ذلك .
والمهم: أن مسلماً لم يجد أحداً يتبرع بدلالته على الطريق، أعم من أن لا يجد أحداً أصلًا، أو يجد ثم لا يدله.
أين ابن مظاهر والصائدي وسواهما؟!:
ويبقى هنا سؤال يقول:
إذا كان في شيعة الكوفة ثلة مشهود لها بالدين والإستقامة، كحبيب بن مظاهر، ومسلم بن عوسجة، وأبي ثمامة الصائدي، فالمفروض أن نجد لها دوراً بارزاً في نصرة مسلم بن عقيل.
ولكننا إذا راجعنا النصوص التاريخية، فسنرى أنها تصرح: بأن مسلم بن عقيل، قد بقي وحده بعد صلاة العشاء، حتى لم يجد من يدله
على الطريق (1).
فأين ذهب عنه مسلم بن عوسجة، وأبو ثمامة الصائدي، وحبيب بن مظاهر، وسعيد بن عبد الله الحنفي، وغيرهم من الأخيار؟! ولماذا تركوه ولم يبحثوا عنه، ولم يلتحقوا به؟!
وبعد أن عُرِفَ مكانه، وأرسل ابن زياد الرجال لمحاربته لم
نسمع لهم ذكرا أيضاً، لا من الأعداء، ولا من الأولياء..
وبعد هذه الغيبة نلاحظ: أنهم يذكرون أن من هؤلاء من لحق به، واستشهد معه في كربلاء. مثل: حبیب بن مظاهر، وسعيد بن عبد الله الحنفي، ومسلم بن عوسجة ، وأبي ثمامة وغيرهم..
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 371 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 277 و 278 والكامل في التاريخ ج 4 ص 31 ومقاتل الطالبيين ص 104 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 67 و 68 والبداية والنهاية ج 8 ص 155 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 166 و 167 والإرشاد ج 2 ص 53 - 54 وروضة الواعظين ص 193 و (منشورات الشريف الرضي) ص 175 وإعلام الورى ج 1 ص 442 وبحار الأنوار ج 44 ص 350 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 199 و 200 . وراجع: الثقات لابن حبان ج 2 ص 308 وتجارب الأمم ج 2 ص 49 و 50 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 45 و 46 ولواعج الأشجان ص 55 و 56 وأعيان الشيعة ج 1 ص 592 والدر النظيم ص 543 ونهاية الأرب ج 20 ص 398 والمجالس الفاخرة ص200 و 201 وأنساب الأشراف (ط الأعلمي) ج 2 ص 81 وتاريخ الكوفة ص328 .
ونجيب :
بأن هذا السؤال يشبه السؤال عن سلمان الفارسي، والمقداد، وأبي ذر ، وغيرهم من الأخيار أين كانوا في يوم الخندق، ولماذا لم يبرزوا لعمرو بن عبدود، حين ناشد الرسول «صلى الله عليه وآله» الصحابة بقوله: من العمرو، وأضمن له على الله الجنة؟
ونجيب:
1 - أما بالنسبة لحبيب بن مظاهر وغيره ممن لم نرهم مع مسلم حين بقي وحده، فنقول:
إن خروج مسلم بن عقيل «رحمه الله» ومعه المئات أو الآلاف لنجدة هاني بن عروة، لم يكن بالذي يخفى على ابن زياد، ولا يمكن إلا أن يكون قد أعد العدة لحدث كهذا لاسيما، وهو يعلم أن عشرات الألوف قد بايعوا مسلماً. وقد عرف موضعه، وعرف الكثير من أحواله من
خلال جاسوسه معقل.
وإذا كان مسلم قد جاء برجاله نحو القصر، فإن ابن زياد قد أمر ابن الأشعث برفع راية أمان لمن أراد أن يتراجع عن نصرة مسلم (1).
وأمر الحصين بن نمیر [تمیم] صاحب شرطته بأخذ أفواه السكك،
1) الإرشاد ج 2 ص 52 و 53 وتاريخ الأمم والملوك ج5 ص369 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 276 .
وتفتيش الدور (1).
ويقول المفيد والطبري ما ملخصه : ودَعَا ابنُ زِيَادٍ كَثِيرَ بنَ شِهَابٍ، وأَمَرَهُ أَن يَخرُجَ فِيمَن أطاعَهُ مِن مَدْحِجٍ ، فَيَسيرَ فِي الكوفة ويُخَدِّلَ النَّاسَ عَن ابن عَقِيلٍ، ويُخَوِّفَهُمُ الحَربَ، ويُحَدِّرَهُم عُقُوبَة السُّلطان.
وَأَمَرَ مُحَمَّدَ بنَ الْأَشْعَثِ أَن يَخرُجَ فِيمَن أَطَاعَهُ مِن کِندَةَ وحَضرَمَوتَ، فيرَفعَ رايَة أمانٍ لِمَن جَاءَهُ مِنَ النّاس، وقالَ مِثلَ ذلِكَ لِلقعقاع الدُّهلِي، وشَبَثِ بن ربعِيِّ التّميمِيِّ، وحَجَّارِ بن أَبجَرِ العِجَلِيِّ، وشِمرِ بن ذي الجَوشَن العامِريّ.
إلى أن قال: فَبَعَتَ ابنُ عَقِيلٍ إِلى مُحَمَّدِ بن الأَشْعَثِ مِنَ المَسجِدِ عِبدَ الرَّحمن بن شُرَيح الشَّبامِيَّ، فلمّا رَأَى مُحَمَّدُ بنُ الأَشْعَثِ كَثرَةَ مَن أَتَاهُ، أَخَدَ يَتَنَحَى وِيَتَأَخَّرُ.
وجَعَلَ مُحَمَّدُ بنُ الأَشعَتْ، وَكَثِيرُ بنُ شِهَابٍ، وَالقعقاع بنُ شُورِ الدُهلِيُّ، وشَبَتْ بنُ ربعِيِّ، يَرُدُّونَ النَّاسَ عَن النُّحوقِ بِمُسلِمٍ، ويُخَوِّفُونَهُمُ السُّلطانَ، حَتَّى اجْتَمَعَ إليهم عَدَدٌ كَثيرٌ مِن قومِهم وغَيْرِهِم، قصاروا إلى ابن زيادٍ مِن قِبَل دار الرّومِيّين، ودَخَلَ القومُ مَعهم.
فعرض كَثِيرُ بنُ شهاب على ابن زيادٍ: أن يخرج بمن معه لمواجهة مسلم ومن معه، فإن الذين معه كانوا كثيرين، فأبي عُبَيدُ اللهِ،
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 373 و (ط الأعلمي) ج 4 ص والإرشاد ج 2 ص 56 و 57 .
وعَقْدَ لشَبَث بن ربعِيِّ لِواءً فَأَخْرَجَهُ (1).
فهذا النص يدلنا على أنه كان لدى ابن زياد جماعات استطاع أن يبثها في الكوفة لمهمات مختلفة، وكانت هذه الجماعات تكثر عند ابن زياد. ولم يكن باستطاعة مسلم أن يتجاهل هذه الجماعات، فكان عليه أن يحتاط لنفسه، ويرسل إليها من قواته جماعات قادرة على مواجهتها، ومنعها من القيام بأية حركة عدوانية غادرة تجاهه.
وهذا يعطي: أن طوائف من قواته لم تكن حاضرة معه، وهو يحاصر القصر.
وتتأكد الحاجة إلى هذه القوات حين حلول الظلام، إذ يقوى احتمال تعرضه هو وأصحابه للبيات.
فمن الذي قال: إن هؤلاء المخلصين الأبرار، مثل: حبیب بن مظاهر، ومسلم بن عوسجة، وأبي ثمامة، وسعيد الحنفي، لم يكونوا في ضمن تلك الجماعات التي أخذت على عاتقها ضمان أمن الجماعة التي كانت مع مسلم عند القصر؟!
ويكون تفرق جماعة مسلم عنه بعد صلاة العشاء، وصيرورته وحده، واضطراره إلى مغادرة المكان حتى لا يتعرض للإغتيال تحت جنح الظلام - يكون ذلك - قد حصل من دون علم حبيب، وابن
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 369 و (ط الأعلمي) ج 4 ص والإرشاد ج 2 ص 52 وبحار الأنوار ج 44 ص 349 .
عوسجة، والصائدي، وغيرهم. فلما انكشف لهم الأمر، فإن أمر مسلم قد أصبح يكتنفه الغموض، وأصبح المخلصون من أصحابه مضطرين للتخفي من السلطة إلى أن سنحت لهم الفرصة للتسلل من الكوفة، والالتحاق بالإمام «عليه السلام»، ونيل درجة الشهادة بين يديه.
ونظير هذا المعنى يقال بالنسبة لما جرى في حرب الخندق.
فأولاً : كانت هناك فئات تحرس أبواب الخندق، وفئات تحرس المدينة. بالإضافة إلى مهمات أخرى يحتاج إليها في الحرب، كحراسة المعسكر، وتهيئة ما يحتاج إليه الجيش، وغير ذلك.
ثانياً : إن الجواب الأهم والأصوب هو:
أن أحداً لم يدَّع لسلمان وأبي ذر ، والمقداد، وسواهم: أنهم أشجع الناس، وأنهم أهل لمقام الإمامة والخلافة بعد رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ولم يدَّعوا هم لأنفسهم هذا القدر من الشجاعة والقدرة على قتل عمرو بن عبد ود، أو غيره، ولا رشّحوا أنفسهم لمقام الخلافة، التي تقتضي أن يكون الخليفة أشجع الناس بعد النبي «صلى الله عليه وآله».
وهذا يعطي: أن المقصود من هذا الإعلان النبوي: إظهار أنه لا يوجد في الصحابة أحد يستطيع أن يدَّعي لنفسه الشجاعة والقدرة على مواجهة عمرو بن عبدود، وكل من يدَّعي الفروسية والشجاعة غير أمير المؤمنين «عليه السلام».
فما يدَّعيه بعض الناس لغيره «عليه السلام» من معنى الشجاعة،
أو الأشجعية ما هو إلا محض هراء.
ما هرب مسلم ولا استجار:
وقد لاحظنا في النصوص المتقدمة:
أن بعضها - كرواية الطبقات - يزعم: أن مسلماً قد هرب حتى دخل على امرأة، فاستجار بها. وهذا كلام باطل بلا ريب.
فأولاً: إن مسلماً - كما ذكرته النصوص - قد قاتل إلى أن حل الظلام، فدخل المسجد للصلاة، وبعد أدائها كان لا بد له من الخروج من المسجد، لأنه «رحمه الله» لا يرضى بأن يجعل المسجد موضع قتال، ولا يستحل هتك حرمته.
وحين خرج منه لم يبق معه إلا أفراد ، ثم لم يجد حتى هؤلاء الأفراد معه حين بلغ منعطفا في ذلك الزقاق.
والحفاظ على حرمة بيوت الله هو المنطق الذي دعا الإمام الحسين «عليه السلام» لمغادرة مكة في يوم التروية، حتى لا تهتك حرمة بيت الله بقتله «عليه السلام» على يد المتربصين به شراً، والذين كلفهم يزيد
«لعنه الله» باغتياله ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة.
وعلى هذا المنوال نسج مسلم حركته ، فإنه غادر المسجد، فتفرق من تبقى معه من اصحابه عنه، وحين وجد نفسه وحيداً لم يكن هناك قتال بينه وبين أصحاب ابن زياد ليقال: إنه هرب أو لم يهرب.
ثانياً: يصور نص الطبقات مسلماً «رحمه الله» وكأنه مطارد من قبل أصحاب ابن زياد، فهم خلفه، وهو يعدو أمامهم هارباً منهم، وقد استمر
في هربه حتى دخل بيت طوعة.
وهذه صورة مخترعة، فإن مسلماً لم يدخل بيت طوعة، بل جلس عند باب الدار ، وطلب الماء وسقته، ثم دخلت بيتها وخرجت عدة مرات، وجرى بينه وبينها حديث مطول انتهى بدعوتها إياه لدخول المنزل.
ثالثاً : لم يطلب مسلم من المرأة أن تجيره، بل طلب منها المبيت في منزلها، لأنه لا بيت له في ذلك المصر، فاستجابت له. فلماذا يختار هؤلاء الناس تعابير غير دقيقة، وتفوح منها روائح كريهة؟!
ابن زياد يريد مسلماً :
عن المجالد بن سعيد:
لمّا طالَ عَلى ابن زيادٍ، وأخَذُ لا يَسمَعُ لِأصحاب ابن عَقِيلٍ صَوتاً كَما كَانَ يَسمَعُهُ قبلَ ذلِكَ، قالَ لأصحابه : أشرفوا ، فَانظُرُوا هَل تَرَونَ مِنهُم أَحَداً؟
فَأَشْرَفوا فلم يَرَوا أَحَداً.
قال: فانظروا لعَلَّهُم تَحت الظلال قد كَمَنوا لَكُم.
فَفَرَعوا بَحابِحَ المَسجِدِ، وجَعَلُوا يَخفِضونَ شُعَلَ النّار في أيديهم، ثمَّ يَنظُرُونَ هَل فِي الظُّلال أحدٌ؟ وكانَت أحياناً تُضيءُ لهُم، وأحياناً لا تُضيء لهُم كَما يُريدونَ، فَدَلُّوا القناديل، وأنصافَ الطّنان تُشَدُّ بالحِبال، ثمَّ تُجعَلُ فِيهَا النيرانُ، ثُمَّ تُدَلَّى حَتى تَنتَهي إلى الأرض، ففعلوا ذلِكَ في أَقْصَى
الظّلال، وأدناها، وأوسَطها، حتّى فعلوا ذلِكَ بالظُّلة التّي فيها المِنبَرُ (1).
ويتابع المجالد بن سعيد، فيقول:
فلمّا لم يَرَوا شيئاً [مِن مُسلِمٍ وأصحابه] أَعلَمُوا ابْنَ زِيادٍ، فَفَتَحَ بابَ السُدَّةِ التي فِي المَسجِدِ ، ثُمَّ خَرَجَ ، فَصَعِدَ المِنبَرَ، وَخَرَجَ أَصحابُهُ مَعَهُ، فَأَمَرَهُم فجلسوا حولهُ قُبَيلَ العَتَمَةِ.
وأمَرَ عَمرو بنَ نافع فنادى: ألا بَرئَتِ الدِّمَّهُ مِن رَجُلٍ مِنَ الشرطة، وَالعُرَفاءِ، أو المَناكِب أو المُقاتلة، صلّى العَتَمَة إِلَّا فِي المَسجِدِ.
فلم يَكْن لَهُ إِلَّا ساعة، حَتَّى امثلاً المَسجِدُ مِنَ النّاس، ثُمَّ أَمَرَ مُنادِيَهُ فَأَقَامَ الصَّلاةَ.
فَقالَ الحُصَينُ بنُ تَمِيمٍ: إن شِئتَ صلَيت بالنّاس، أو يُصلي بهم غَيرُكَ ودَخَلْتَ أنتَ فَصَلَّيتَ فِي القصر ؛ فإنّي لا آمَنْ أَن يَعْتالَكَ بَعضُ أعدائِكَ.
فَقالَ: مُر حَرَسي فليقوموا وَرائي كَما كانوا يَقِفُونَ، ودر فيهم فإنِّي لستُ بداخلِ إذا.
1) راجع: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 372 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 278 والإرشاد ج 2 ص 55 ومقاتل الطالبيين ص 105 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 68 والكامل في التاريخ ج 4 ص 32 وبحار الأنوار ج 44 ص 351 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 200 ولواعج الأشجان ص56 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 147 وراجع: الأخبار الطوال ص239 وتجارب الأمم ج 2 ص 50 و 51 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص46 و 47 .
فصَلى بالنّاس. ثمَّ قامَ فَحَمِدَ اللهَ وأَتْني عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ:
أُمّا بَعدُ، فَإِنَّ ابنَ عَقِيلِ السَّفية الجاهِل، قد أتى ما قدَ رَأيتُم مِنَ الخِلافِ وَالِّشقاق، فبَرئت ذمَّهُ اللهِ مِن رَجُلٍ وَجَدناه في دارِهِ، ومَن جَاءَ بِهِ فَلهُ دِيَتْهُ، [في الفتوح: فلهُ عَشَرةُ آلافِ دِرهَم، وَالمَنزِلهُ الرَّفِيعَهُ مِن يَزِيدَ بن مُعاوِيَة، ولهُ في كُلِّ يَومٍ حَاجَةٌ مَقضِيَّةٌ ].
اِتَّقُوا اللَّهَ عِبادَ اللهِ، وَالزموا طاعَتَكُم وبَيعَتَكُم، ولا تَجْعَلُوا عَلَى أَنفُسِكُم سَبيلاً.
يا حُصَينَ بنَ تَمِيمٍ، تَكِلتكَ أُمُّكَ إن صاحَ بَابُ سِكَةٍ مِن سِكَكِ الكوفة، أو خَرَجَ هذا الرَّجُلُ ولم تأتِني بهِ.
وقد سَلَّطَتُكَ عَلى دورِ أهل الكوفةِ قابعَتْ مُراصِدَةً عَلَى أَفْوَاهِ السِّككِ .
وأصبح غَداً ، وَاستَبر الدّورَ، وجُس خِلالها ، حَتَّى تَأْتِيَني بهذا الرَّجُل - وكانَ الحُصَينُ عَلى شُرَطهِ، وَهُوَ مِن بَنِي تَمِيمٍ.
ثُمَّ نَزَلَ ابنُ زِيادٍ فَدَخَلَ، وقد عَقدَ لِعَمرو بن حُرَيثٍ رَايَةٌ وَأَمَّرَهُ عَلَى الناس (1).
1) راجع: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 372 و 373 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 278 والإرشاد ج 2 ص 56 و 57 والكامل في التاريخ ج 4 ص 32 ومقاتل الطالبيين ص 105 و (ط المكتبة الحيدرية) ص68 وبحار الأنوار ج 44 ص 351 و 352 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 148 و 149 عنهم، ثم قال: وراجع الأخبار الطوال ص 240 ومناقب آل أبي طالب ج4 ص 93 والمختصر في أخبار البشر ج 1 ص190. وراجع: العوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 200 ولواعج الأشجان ص 57 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص47.
ويقول ابن الشجري: إن ابن زياد قال على المنبر: «وَاللهِ لا أَدَعُ فِي الكوفةِ بيتَ مَدَر إِلَّا هَدَمتُهُ ، ولا بَيتَ قَصَبِ إِلَّا أَحرَقتُهُ» (1).
ويقول ابن أعثم: إن خطبة ابن زياد في جماعته كانت في اليوم التالي(2).
ونقول:
إيضاحات:
لعل المراد بقوله: «صاحَ بابُ سِكَةٍ»: الكناية عن فتح باب أية سكة، لأن ذلك قد يسهل خروج مسلم بن عقيل منها، ويشهد لذلك قوله في الفتوح: «إن فاتَتكَ سَكَة مِن سِكَكِ الكوفة لم تُطبق على أهلِها، أو يَأْتُوكَ بِمُسلم بن عقيل» (3).
ولعل المراد بالبحابح في قولهم: «فَقَرَعوا بَحَابِحَ الْمَسْجِد»: الأماكن الواسعة، فهو جمع بحبوحة، وهي السعة.
طن القصب: حزمته.
المناكب: هم قوم دون العرفاء.
مضامين خطبة ابن زياد:
ثم إننا فيما يرتبط بخطبة ابن زياد وما توعد به أهل الكوفة نلاحظ ما يلي:
1 - أن تصرفات هذا الرجل تدل بوضوح على مدى جبنه وخوفه من المواجهة، فهو دائماً يخفى نفسه وراء الرجال، أو وراء الجدر والحصون.
وهذا هو الحال الذي وصف الله تعالى به اليهود وغيرهم من أهل الكتاب، فقال: (لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرَى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدْرٍ بَاسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُون) (1).
وقد تكرر ظهور هذه الحالات الدالة على الخوف والجبن من ابن زياد «لعنه الله»، فإنه حين بطش بهاني بن عروة كان يظهر الصلابة والقوة ما يتناقض مع حالة الهلع التي ظهرت منه، حين سمع بمجيء ابن عقيل نحو القصر، فقد قطع خطبته، وسارع إلى دخول القصر، والاختباء والتحصن فيه.
كما أنه بعد تفرق الناس عن ابن عقيل لم يجرؤ على الظهور إلا بعد أن استبرأ المواقع، وفتشها، وأيقن أن لا يوجد فيها أحد من أصحاب
1) الآية 14 من سورة الحشر .
مسلم «عليه السلام».
إذن، فهو حين يشعر بالأمن تراه يرعد ويبرق، ويبطش بطش الجبارين. وحين يواجه التحدي تخمد أنفاسه، ويزيد بلباله ووسواسه، ويطيش لبه، وتتيه حواسه.
الناس على دين ملوكهم:
1 - وإذا كان الناس يتأثرون بحكامهم، حتى قيل: «الناس على دین ملوكهم». فإن الذين كانوا مع مسلم لم يكونوا نتاج تربية مسلم بن عقيل، ولا الحسين «عليه السلام»، بل كانوا طيلة عشرين سنة تحت وطأة حكم ولاة معاوية، من أمثال مروان بن الحكم، والمغيرة بن شعبة، وزياد بن أبيه، والنعمان بن بشير، ونظرائهم في الضلال
والانحراف، والفجور، وحب الدنيا.
ولأجل ذلك رأينا كيف أن العراقيين قد تأثروا بحكامهم بصورة فاضحة، حتى إنهم يتخلون عن واجبهم الشرعي والديني والإنساني نصرة من أعطوه بيعتهم، ويرتكبون أعظم الموبقات حباً بالسلامة، وانقياداً للشهوات، وينكثون العهود، ويحنثون بالأيمان، ويسلمون أولياء الله وأئمة الدين، وأركان الإيمان إلى أعدائهم، بل هم يشاركون في سفك دمائهم.
وهذا هو المتوقع من أناس تولى هذا النوع من الولاة سياسة أمورهم.
2 - أما علي بن أبي طالب «عليه السلام»، فإنه حين ورد العراق،
وبالرغم من أنه دخل على مجتمع صنعه له غيره، وتأثر بمفاهيم وقيم وعادات لا تلتقي مع نهج علي «عليه السلام»، ومع قيمه ومفاهيمه.. ورغم كل الابتلاءات التي تعرض لها معهم، والآلام التي لحقت به بسببهم حتى ليقول لهم: «لقد ملأتم قلبي قيحاً». فإنه استطاع في الفترة الوجيزة التي عاشها بينهم المليئة بالحروب والهموم والصوارف، أن يقول لأهل العراق وركزت فيكم راية الإيمان، ووقفتكم على حدود الحلال والحرام» (1).
ما لكم كيف تحكمون؟!:
وقد تضمنت خطبة ابن زياد، وقراراته التي قررها، وأوامره التي أصدرها للحصين بن نمير جملة من المخالفات للشرع، والدين، والقيم، والأخلاق الإنسانية، والأعراف المرضية، وكل ما هو حق وصدق، وفضل.
وقد أعلن قراراته، وأعرب عن مقاصده وسياساته أمام القاصي والداني، والعالم والجاهل، والوضيع و الشريف.. ولم يكن يخجل من الجهر بها، بل قد يشعر المراقب لأحواله، وسياقات أقواله وأفعاله أنه يعتز، ويتبجح بها، ويعتبرها إنجازاً له يفتخر به ويعول عليه.
1) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 1 ص 151 قسم الخطب الخطبة التي في صفات المتقين، رقم 87. وراجع: بحار الأنوار ج 34 ص 209 و أعلام الدين في صفات المؤمنين ص 128 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 6 ص 373 وينابيع المودة ج 1 ص 85 و ج 3 ص 432 .
وقد لاحظنا: أن أحداً من الناس في الكوفة بكل فئاتهم وطبقاتهم لم يجد فيما قاله ابن زياد ما يستحق التوقف عنده، والتساؤل عن مبرراته.. ولم يشر أحد إلى أن في الجهر بهذا النوع من القرارات إخلالاً بالشرع، أو منقصة أخلاقية أو سلوكية.
ولم يحذره عاقل، ولا عالم، ولا شريف أو رئيس، من أن ذلك قد يوجب ميل الناس إلى الفريق الآخر، الذي يرفع شعار الدين، والقيم، والأخلاق، والحق، والصدق، والوفاء، وحفظ الحرمات والكرامات.
فهل انقلبت المفاهيم لدى الناس، وتحولت القيم إلى أضدادها؟!
وأصبح المعروف منكراً، والمنكر معروفاً ومألوفاً؟!
ألا يعد ذلك من الشواهد الحية والقوية على عمق تأثير الحكام برعيتهم، وعلى أنهم يطبعونهم بطابعهم؟!
وكيف يستحل أشراف أهل الكوفة، أو قل كيف برروا لأنفسهم نكث بيعة ابن النبي «صلى الله عليه وآله»، والإنحياز إلى أعداء الأنبياء، والجبارين والعتاة الضالين؟!
وهل رضي لهم وجدانهم، وأساعت لهم مروءاتهم أن يكونوا مع الطواغيت، ومن مؤيدي نهجهم ضد نهج الأنبياء والصلحاء والأبرار؟!
وإذا كان هذا حال الرؤساء والأشراف، فما بالك بمرؤوسيهم، ولاسيما الضعفاء منهم، أو من كان هؤلاء يستضعفونهم؟!. فإنه:
إذا كان ربَ البيت بالدفَ، *** فشيمة أهل البيت كلهم الرقص
الوشاية بمسلم:
في رواية عمار الدهني، عن أبي جعفر الباقر «عليه السلام» قال: «كَانَ ابنُها [أي ابنُ طوعَة] مَولى لِمُحَمَّدِ بن الأَشْعَتْ، فَلَمّا عَلِمَ بِهِ [أَي بِمُسلِم] الغُلامُ، انطلق إلى مُحَمَّدٍ فَأَخبَرَهُ، فانطلق مُحَمَّدٌ إِلى عُبَيدِ اللَّهِ فَأَخبَرَهُ» (1).
وقال ابن أعثم:
أقبَلَ مُحَمَّدُ بنُ الأَشعَثِ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عُبَيدِ اللهِ بن زيادٍ، فلمّا رَآهُ قالَ: مَرحَباً بِمَن لا يُتَّهمُ في مَشورَةٍ. ثمَّ أدناهُ وأَقْعَدَهُ إِلَى جَنبِهِ، وأَقْبَلَ ابنُ تِلكَ المَرأةِ - التي مُسلِمُ بنُ عَقِيلٍ في دارِها - إلى عَبْدِ الرَّحمن بن مُحَمَّدِ بن الأَشعَثِ، فَخَبَّرهُ بمَكان مُسلِمٍ بن عَقِيلٍ عِندَ أُمِّهِ.
فَقالَ لَهُ عَبدُ الرَّحمن: أسكْتِ الآن ولا تعلم بهذا أحَداً مِنَ النّاس.
قالَ : ثُمَّ أَقبَلَ عَبدُ الرَّحمن بنُ مُحَمَّدٍ إلى أبيهِ فسارَّهُ فِي أُذُنِهِ وَقَالَ: إِنَّ مُسلِماً في دار طوعَة، ثُمَّ تَنَحّى عَنهُ.
فَقالَ عُبَيدُ اللهِ بنُ زِيادٍ: مَا الَّذي قَالَ لَكَ عَبدُ الرَّحمن؟!
فقال: أصلحَ اللهُ الأمير، البشارَة العُظمى!
فقالَ: وما ذاكَ؟ ومِثْلُكَ مَن بَشِّرَ بِخَيرٍ !
1) مصادر الرواية في موسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 151 وهي كثيرة، فراجع.
فقالَ: إِنَّ ابني هذا يُخبرني أَنَّ مُسلِمَ بنَ عَقِيلٍ في دار طوعَة عِندَ مولاة لنا.
قالَ: فَسُرَّ بِذلِكَ.
ثمَّ َقالَ: قُم قائتِ بهِ ، ولكَ ما بَدَلْتُ مِنَ الجائِزَةِ الحَظ الأوفى (1).
وعن المجالد بن سعيد نحو ذلك، لكنه قال في آخره: «فَنَخَسَ بالقضيبِ في جَنبِهِ، ثمَّ قال: قم فأتِني بهِ السَّاعَة» (2).
ونقول:
1 - هناك جزئيات عديدة يقع الاختلاف في بيانها من راو لآخر، لم نجد ضرورة لملاحقتها، لأنها ستكون ملاحقة غير مجدية في شيء، ولاسيما مع اتفاق الروايات والمصادر على السياق العام للأحداث.
2 - إن هذا الثناء الذي نسمعه وهذا الإكرام الذي نراه من ابن زياد لابن الأشعث هو من أدلة الإدانة، ومن علامات المهانة لابن الأشعث، ومن المؤشرات على مدى إغراقه في هتك الحرمات،
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 52 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص208 وراجع: أنساب الأشراف ج 2 ص 338 و (ط الأعلمي) ج 2 ص 81 والأمالي الشجرية ج 1 ص 167 .
2) تقدمت مصادر رواية المجالد بن سعيد في الهوامش السابقة، فراجع موسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 148 و 151 وراجع: الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 51 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص208.
وارتكاب الموبقات.
3 - ولكننا رأينا أيضاً كيف أن ابن زياد يستهين به، ويزدريه ويستصغر قدره، حين نخس بالقضيب في جنبه وقال: فأتني به الساعة.
4 - إن ابن طوعة قد أساء إلى نفسه أولاً ، وإلى أمه ثانياً، فإن ضيف أمه ضيفه، فما معنى أن يسعى في قتل ضيفه، أو ضيف أمه؟!
فإن هذا أمر قبيح عند العرب، حتى عرب الجاهلية. فضلا عن الإعتبارات الأخرى، من حيث ما يمثله مسلم من قضية، وما له من مقام عند الله سبحانه، وما إلى ذلك.
فكيف إذا أضيف إلى ذلك نكث هذا الشقي للعهود، وحنثه بالأيمان
التي أقسمها لأمه حتى أخبرته بوجود مسلم في بيتها ؟!
نصوص وآثار:
1 - عن قدامة بن سعيد بن زائدة بن قدامة الثقفي قال:
إِنَّ ابْنَ الْأَشْعَثِ حِينَ قَامَ لِيَأْتِيَهُ بابن عَقِيلٍ، بَعَثَ [عُبَيدُ اللَّهِ بنُ زياد] إلى عَمرو بن حُرَيتْ - وهُوَ فِي المَسجِدِ خَليفَتُهُ عَلَى النّاس - أن ابعَتْ مَعَ ابن الأَشعَثِ ستين أو سبعينَ رَجُلاً كُلُّهُم مِن قيس.
وإِنَّما كَرِهَ أَن يَبْعَثَ مَعَهُ قومَهُ ؛ لِأَنَّهُ قد عَلِمَ أَنَّ كُلَّ قومٍ يَكْرَهُونَ أن يُصادَفَ فيهم مِثلُ ابن عَقِيلٍ.
فَبَعَتْ مَعَهُ عَمرو بن عُبَيدِ اللهِ بن عَبّاس السُّلَمِيُّ في ستين أو سَبْعِينَ مِن قيس، حَتَّى أتوا الدّارَ الَّتِي فِيهَا ابنُ عَقِيلٍ (1).
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 373 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 279 والكامل في التاريخ ج 4 ص 32 ومقاتل الطالبيين ص 106 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 69 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 152 و 153 عنهم، وعن: الإرشاد ج 2 ص 57 وروضة الواعظين ص 194 و (منشورات الشريف الرضي) ص 175 والثقات لابن حبان ج 2 ص 308 ومروج الذهب ج3 ص 68 ومثير الأحزان ص 35 وإعلام الورى ج 1 ص 443 . وراجع: مقتل الحسين لأبي مخنف ص 48 و 49 وبحار الأنوار ج 44 ص 352 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 201 .
2 - لكن ابن أعثم يقول:
أَمَرَ عُبَيدُ اللهِ بنُ زِيادٍ خَلِيفْتَهُ عَمرو بن حُرَيثِ المَخرُومِيَّ، أن يَبعَثَ مَع مُحَمَّدِ بن الأَشْعَثِ ثلاثمِئَةِ راجلٍ مِن صَناديد أصحابه.
قالَ: فَرَكِبَ مُحَمَّدُ بنُ الأَشْعَثِ حَتَّى وافى الدّارَ الَّتِي فِيها مُسلِمُ بنُ عَقيلٍ (1).
والظاهر: أن هؤلاء الثلاث مئة غير الستين أو السبعين من قيس.
3 - وفي رواية عمار الدهني عن الإمام الباقر «عليه السلام»:
بَعَثَ عُبَيدُ اللَّهِ عَمرو بن حُرَيثِ المَحْرُومِيَّ - وكان صاحِبَ شرَطِهِ - إليهِ، ومَعَهُ عَبدُ الرَّحمن بنُ مُحَمَّدِ بن الأَشْعَثِ، فلم يَعلم مُسلِمٌ حتى أحيط بالدار، فلمّا رَأى ذلِكَ مُسلِمٌ خَرَجَ إِلَيهِم بِسَيفِهِ فَقاتَلَهُم (2).
4 - وعن سعيد بن خالد:
قبَعَتْ [ابنُ زِيادٍ] رَجُلاً مِن بَني سُليم في مِئَةِ فارس إلى الدّار
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 53 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 208 .
2) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 350 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 260 وتهذيب الكمال ج 6 ص 426 وتهذيب التهذيب ج 2 ص 303 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 326 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج8 ص 167 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 520 وموسو عة الإمام الحسين ج 3 ص 153.
قأخَذ فواتها (1).
ونقول:
يقال: أخذ فواتها: أي فاز بسبقها.
يقال: فاتني فلان بكذا: أي سبقني إليه.
التفاوت بين الأبرار والأشرار:
ذكرت النصوص المتقدمة: أن عبيد الله بن زياد «لعنه الله» أمر عمرو بن حريث أن يختار ستين أو سبعين رجلًا، كلهم من قبيلة قيس، ويرسلهم مع ابن الأشعث لحرب مسلم بن عقيل، لأنه كره أن يقتصر على قوم ابن الأشعث، لأنه يعلم أن كل قوم يكرهون أن يصادف فيهم مثل ابن عقيل.
فابن زياد إذن كان يخشى من خيانة قوم ابن الأشعث وتآمرهم، بل هو لا يثق بابن الأشعث نفسه أيضاً، لأنه ظن أنه سوف يشاركهم السعي لتمكين ابن عقيل من الخروج سالماً من بينهم.
وهذا إن دل على شيء، فهو يدل على:
1 - مكانة وعظمة ابن عقيل في الناس، وأنه قد فرض احترامه حتى على أعدائه. وأنهم كانوا يتهيبون المساس به، وأن يصيبه مكروه وهو بين ظهرانيهم، وأن ذلك سيلحق بهم عاراً لا يطيقون التعرض له.
2 - إنه حين تفقد الضوابط الشرعية تأثيرها، وتحل محلها المفاهيم،
1) الأمالي الشجرية ج 1 ص 167.
والأعراف والعصبيات الجاهلية، فإن أهل هذا المنطق الإنحرافي يفقدون الثقة بأقرب الناس إليهم، وأعز الناس عليهم. ولذا ترى ابن زياد في نفس الساعة، بل في نفس اللحظة التي يظهر فيها تعظيمه وثقته بابن الأشعث يعود، ليدل على عدم وثوقه بأن ينفذ أمره في القبض على من يرى أنه أعدى أعدائه.
وهذا تناقض يفترض أن لا تجد له أثراً لدى أهل الدين، والملتزمين بأحكام الشرع. إلا في حالات نقص الإيمان، وعدم الالتزام بالأحكام.
3 - إن ابن زياد يختار لمواجهة مسلم جماعة لا يحتمل أن تتساهل فى أمره، بل ستكون جادة كل الجد في حسم الأمر معه لصالح ابن زیاد.
ولكن علياً «عليه السلام» الذي ينصب ابن زياد ومن وراءه العداء له، كان في حروبه للبغاة عليه يواجه كل قبيلة من قبائل الأعداء بنفس القبيلة التي تكون معه، فيواجه مثلاً تميم أهل الشام بتميم أهل العراق، و همدان الشام بهمدان العراق، لأنه يعلم أن اهل القبيلة الواحدة لا يمعنون في قتل إخوانهم.
بل هو يرسل في حرب الجمل من ينادي في جيش طلحة والزبير وعائشة: «اتقوا الأشتر النخعي وجندب بن زهير العامري» (1).
1) راجع الجمل للمفيد ص 194 و 195 و راجع: لباب الآداب ص187 والإصابة ج 1 ص 248 و (ط دار الكتب العلمية) ج 1 ص612 وأعيان الشيعة ج 4 ص 244 وتاريخ مدينة دمشق ج 11 ص 307 .
من الدار إلى خارجها:
1 - قال الخوارزمي:
فَسَمِعَ مُسلِمٌ وَقعَ حَوافِرِ الخَيل، وأصوات (وزعقات) الرَّجال، فَعَلِمَ أَنَّهُ قد أتِي، قبادَرَ مُسرِعاً إلى فَرَسِهِ، فَأُسرَجَهُ وَأَلْجَمَهُ، وَصَبَّ عَليهِ دِرعَهُ. وَاعتَجَرَ بِعِمَامَتِهِ. وتَقلَّدَ سَيفَهُ، وَالقومُ يَرْمُونَ الدَّارَ بالحِجارَةِ، ويُلهبونَ النّارَ في هواري القصَبِ.
فَتَبَسَّمَ مُسلِمٌ ثُمَّ قالَ: يا نَفْسِي! اخرُجي إِلى المَوتِ الَّذِي ليسَ مِنهُ مَحيص ولا مَجِيدٌ. ثمَّ قَالَ لِلمَرأَةِ: رَحِمَكِ اللهُ وجَزاكِ خَيْراً، اعلمي إنِّي ابتُليتُ مِن قِبَل ابنِكِ، فافتحي البابَ.
فَفَتَحَتهُ، وخَرَجَ مُسلِمٌ فِي وُجوهِ القوم كَالأَسَدِ الْمُعْضَبِ، فَجَعَلَ يُضارِبُهُم بِسَيفِهِ حَتَّى قَتَلَ جَمَاعَةٌ.
وبَلغَ ذلِكَ ابن زياد، فأرسَلَ إِلى مُحَمَّدِ بن الأَشْعَتْ: سُبحانَ اللهِ أبا عَبدِ الرَّحْمَن بَعَثْناكَ إِلى رَجُلٍ وَاحِدٍ لِتَأْتِيَنا بهِ، فَتَلَمَ مِن أصحابِكَ تُلمَةٌ عَظيمَة !!
فَأَرسَلَ إِليهِ مُحَمَّدُ بنُ الأَشْعَثِ أَيُّهَا الأميرُ ، أَتَظُنُّ أَنَّكَ بَعَثْتَني إِلَى بقال من بقاقيل الكوفة، أو جُرمُقانِي مِن جَرامِقةِ الحيرَةِ؟ أَفَلا تَعلَمُ أَيُّهَا الْأَمِيرُ، أَنَّكَ بَعَثْتَني إِلى أُسَدٍ ضرغام، وبَطلِ هُمَامٍ؛ فِي كَفَّهِ سَيفٌ حُسامٌ، يَقطرُ مِنهُ المَوتُ الزَّوَامُ !
قأرسَلَ إليهِ ابْنُ زيادٍ أن أعطِهِ الأمانَ ؛ فَإِنَّكَ لَن تَقدِرَ عَلَيهِ إِلَّا
بالأمان المُؤَكَّدِ بالأيمان (1).
2 - وقال المسعودي وغيره:
اقْتَحَمُوا عَلَى مُسلِمٍ الدَّارَ، فَتَارَ عَليهِم بِسَيفِهِ، وَشَدَّ عَلَيهِم،
فَأَخْرَجَهُم مِنَ الدَّارِ .
ثُمَّ حَمَلُوا عَليهِ الثانِيَة، فَشَدَّ عَليهم وأخرَجَهُم أيضاً.
قلمّا رأوا ذلِكَ عَلوا ظهرَ البُيوتِ فَرَمَوهُ بالحِجارَةِ. وجَعَلُوا يُلهبونَ النّار بأطرافِ القصَبِ ، ثُمَّ يُلقونَها عَليهِ مِن فوق البُيوتِ.
قلمّا رأى ذلِكَ َقالَ: أَكْلُّ ما أرى مِنَ الإحلابِ لِقتل مُسلِمٍ بن عَقِيلٍ؟
يا نَفْسُ اخرُجي إلى المَوتِ الذي ليسَ عَنهُ مَحيصٌ.
فَخَرَجَ إليهم مُصلِتا سَيفَهُ إِلى السِّكَةِ فَقاتَلهُم، وَاختَلَفَ هُوَ وَبُكَيرُ بنُ حُمران الأحمرِيُّ ضَربَتَين : فَضَرَبَ بُكَيرٌ قمَ مُسلِمٍ، فَقَطعَ السَّيفُ شَفْتَهُ العُليا، وشَرَعَ فِي السُّفلى. وضَرَبَهُ مُسلِمٌ ضَربَةٌ مُنكَرَةً فِي رَأْسِهِ، ثمَّ ضَرَبَهُ أخرى عَلى حَبل العاتِقِ فَكادَ يَصِلُ إِلى جَوفِهِ، وَهُوَ يَرتَجِرُ ويَقولُ:
أقسِمُ لا َأقتَلُ إِلّا حُراً *** وإِنَ رَأيتُ المَوتَ شيئاً مُرًا
كُلُّ امرئٍ يَوماً مُلاق شرّاً *** أخافُ أن أكذب أو أغرّا (2)
1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 208 والفتوح لابن أعثم ج ص 53 وراجع بحار الأنوار ج 44 ص 354 .
2) مروج الذهب ج 3 ص 68 و (منشورات دار الهجرة) ج 3 ص 58 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 373 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 80 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 154 و 155 عنهما، وعن المصادر التالية: الكامل في التاريخ ج 4 ص 32 و 33 وأنساب الأشراف ج 2 ص 339 ومقاتل الطالبيين ص 106) و (ط المكتبة الحيدرية) ص 69 والإرشاد ج 2 ص 57 و 58 وروضة الواعظين ص 194 و (منشورات الشريف الرضي) ص 175 و 176 وإعلام الورى ج 1 ص 443 وبحار الأنوار ج 44 ص 352 وراجع العوالم الإمام الحسين ج 17 ص 201 و 202 ولواعج الأشجان ص 59 وأعيان الشيعة ج 1 ص 592 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 49 والدر النظيم ص 544 ونهاية الأرب ج 20 ص 400 وإبصار العين ص 82 ومثير الأحزان ص 35 و (ط المكتبة الحيدرية) ص24 والملهوف ص 119 و (ط أنوار الهدى) ص 34 وراجع: الإصابة ج 2 ص 71.
3 - وقال ابن شهر آشوب:
أنفذ عبيد الله عمرو بن حريث المخزومي، ومحمد بن الأشعث في سبعين رجلًا، حتى أطافوا بالدار، فحمل مسلم عليهم، وهو يقول:
هُوَ المَوتُ فَاصْنَع وَيَكَ ما أَنتَ *** فأنت بكأس المَوتِ لا شَكٍّ
فصَبْرٌ لِأمرِ اللهِ جَلَّ جَلاله *** فَحُكمُ قضاءِ اللهِ فِي الخَلقِ ذايِعُ
فقتل منهم واحداً وأربعين رجلاً.
فأنفذ ابن زياد اللائمة إلى ابن الأشعث، فقال:
أَيُّهَا الأميرُ ! إِنَّكَ بَعَثْتَني إلى أسَدٍ ضرغام ، وسَيفَ حُسامٍ، في كَفَّ
بَطْلٍ هُمام، من آل خير الأنام (1).
4 - ويقول أبو عبيد القاسم بن سلام:
«فما زال يقاتلهم حتى أثخنوه بالجراح، فأسروه» (2).
5 - وقال أبو حنيفة الدينوري:
قالَ [ابنُ زِيادٍ] لِعُبَيدِ بن حُرَيتْ: اِبعَث مِئَة رَجُلٍ مِن قريش، وكَرِهَ أَن يَبْعَثَ إِلَيهِ غَيرَ قُرَيش خَوفاً مِنَ العَصَبِيَّةِ أَن تَقعَ ، فَأَقْبَلُوا حَتَّى أتَوا الدّارَ الَّتي فيها مُسلِمُ بنُ عَقِيلٍ ففتحوها، فقاتَلهُم، فَرُمِيَ فَكْسِرَ فوهُ وأخِذُ، فأتِيَ بِبَغلَةٍ فَرَكِبَها، وصاروا به إلى ابن زياد (3).
هكذا أسر مسلم بن عقيل:
ونعود لمتابعة كلام الخوارزمي وابن أعثم هنا، فقد قالا، والنص للأول:
1 - لما أرسَلَ ابنُ زيادٍ إلى ابن الأَشعَثِ أن أعطِهِ الأَمانَ، فَإِنَّكَ لن تَقدِرَ عَليهِ إلا بالأمان المُؤَكَّدِ بالأيمان؛ «فَجَعَلَ مُحَمَّدُ بنُ الأَشْعَثِ
1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 93 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 244 وبحار الأنوار ج 44 ص 354 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص203.
2) العقد الفريد ج 3 ص 365 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 268 والمحاسن والمساوي ص 60 وراجع: الإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 2 ص 5 و (تحقيق الشيري) ج 2 ص 9 و 10 .
3) الأخبار الطوال ص 240.
يُناديهِ: وَيْحَكَ يَابنَ عَقِيلٍ ! لا تَقْتُل نَفْسَكَ، لكَ الأمانُ. فيَقُولُ مُسلِمٌ : لا حاجة لي في أمان الغَدَرةِ الفَجَرَةِ، ويُنشِدُ:
[في الملهوف: يرتجز بأبيات حمران بن مالك الخثعمي يوم القرن حيث يقول:]
أقسمتُ لا أقتَلُ إِلَّا حُرّاً *** وإِنَ رَأيتُ المَوتَ شيئاً مُرًا
كلُّ امرئٍ يَوماً مُلاق شرّاً *** رَدَّ شُعاعَ النَّفس فاستقرا
أضربُكُم ولا أخافُ ضُراً *** ضرب هُمام يَستَهينُ الدَّهرا
ويَخلِط البارد سخناً مرّاً *** ولا أقيم للأمان قدْرَا
أخافُ أَن أَحْدَعَ أَو أَعْرَا
قناداهُ مُحَمَّدُ بنُ الأَشْعَتْ: وَيْحَكَ يا مُسلِمُ! إِنَّكَ لَن تُغَرَّ وَلَن تُخدَعَ، والقومُ ليسوا بقاتِليك، فلا تَقتُل نَفْسَكَ، فلم يَلْتَفِت إليهِ، فَجَعَلَ يُقاتِلُهُم حَتَّى أُنْخِنَ بالجراج، وضَعُفَ عَن الكِفاح، وتَكاثروا عَليهِ مِن كُلِّ جانبٍ، وجَعَلُوا يَرمونَهُ بِالنَّبلِ وَالحِجَارَةِ.
فَقالَ مُسلِمٌ: وَيلكُم ! ما لكُم تَرموتي بالحِجارَةِ كَما تُرمَى الكُفَّارُ، وأنَا مِن أهل بَيتِ النَّبِيِّ المُختارِ ؟! وَيلكُم ! أما تَرعَونَ حَقَّ رَسُولُ اللَّهِ، ولا حَقَّ قُرباهُ؟ ثُمَّ حَمَلَ عَليهِم - في [على] ضَعْفِهِ - فَهَزَمَهُم، وَكَسَرَهُم فِي الدُّروبِ وَالسِّكَكِ.
ثُمَّ رَجَعَ وأسنَدَ ظهرَهُ عَلى باب دارٍ مِن تِلْكَ الدّور، ورَجَعَ القومُ إليهِ، فَصاحَ بهم مُحَمَّدُ بنُ الأَشْعَتْ: ذروهُ حَتَّى أكَلِّمَهُ بما أُريدُ، فَدَنا مِنهُ
وقالَ وَيْحَكَ يَا بنَ عَقِيلٍ ! لا تَقتُل نَفْسَكَ أنتَ آمِنٌ، ودَمُكَ فِي عُنُقي، وأنتَ في ذِمَّتي.
فَقالَ مُسلِمٌ: أَتَظُنُّ يَا بنَ الأَشْعَثِ أنّي أعطي بِيَدِي وَأَنَا أَقْدِرُ عَلَى القِتال؟! لا وَاللهِ لا يَكونُ ذلِكَ أَبَداً .
ثمَّ حَمَلَ عَليهِ فَألحقه بأصحابهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلى مَوضِعِهِ وَهُوَ يَقُولُ: اللهُمَّ إِنَّ العَطش قد بَلغَ مِنّي، فلم يَجتَرى أحَدٌ أن يَسقِيَهُ الماءَ ويَدنُوَ منه .
فَقالَ ابنُ الأَشْعَثِ لِأصحابهِ: إِنَّ هذا لَهُوَ العارُ وَالشَّنارُ، أَتَجزَعونَ مِن رَجُلٍ وَاحِدٍ هذا الجَزَعَ؟ اِحْمِلُوا عَليهِ بِأَجْمَعِكُم حَمَلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ.
فَحَمَلُوا عَليهِ، وحَمَلَ عَليهم، وقصَدَهُ رَجُلٌ مِن أهل الكوفة يُقالُ لَهُ: بُكَيرُ بنُ حُمران الأحمرِيُّ ، فاختلفا بصَر بَتَين : ضَرَبَهُ بُكَيرٌ عَلَى شَفْتِهِ العُليا، وضَرَبَهُ مُسلِمٌ فَبَلغَتِ الضَّرِبَة جَوفَهُ، فأسقطه قتيلا.
وطعِنَ [مُسلِمٌ] مِن وَرَائِهِ فَسَقط إلى الأرض، فأخِذ أسيراً، ثمَّ أخِذُ فَرَسُهُ وسَلاحُهُ وتَقدَّمَ رَجُلٌ مِن بَني سُلِيمٍ يُقالُ لَهُ: عُبَيدُ اللَّهِ بنُ العَبّاس، فأخَذ عِمامَتَهُ» (1).
2 - عن قدامة بن سعيد بن زائدة:
1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 209 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 53 وراجع: الملهوف ص 120 وبحار الأنوار ج 4 ص357 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 93 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص244.
فَقالَ لهُ مُحَمَّدُ بنُ الأَشعَثِ: إِنَّكَ لا تُكذب، ولا تُخدَعُ، ولا تُغَرُّ، إِنَّ القومَ بَنو عَمِّكَ، وليسوا بقاتِليك، ولا ضاربيك.
وقد أُنْخِنَ بِالحِجَارَةِ، وعَجَزَ عَن القِتالِ، وَانبَهَرَ، فَأَسنَدَ ظَهرَهُ إلى جَنبِ تِلْكَ الدّارِ ، فَدَنا مُحَمَّدُ بنُ الأَشعَثِ فَقالَ: لكَ الأمانُ.
فقالَ: آمِنُ أنا؟
قالَ: نَعَم.
وقالَ القومُ : أَنتَ آمِنٌ، غَيرَ عَمرِو بن عُبَيدِ اللَّهِ بن العَبّاس السُّلمِيِّ، فَإِنَّهُ قالَ: لا ناقة لي في هذا ولا جَمَلٍ، وتَنَحّى.
وقالَ ابنُ عَقِيلٍ: أما لو لم تُؤَمِّنوني، ما وَضَعتُ يَدي في
أيديكم (1).
3 - وعند المسعودي:
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 374 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 280 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 162 عنه، وعن المصادر التالية: مقاتل الطالبيين ص 106 والكامل في التاريخ ج 4 ص 33 والإرشاد ج 2 ص 58 و 59 وروضة الواعظين ص 194 و (منشورات الشريف الرضي) ص 176 ومثير الأحزان ص 35 وإعلام الورى ج1 ص 443 وبحار الأنوار ج 44 ص 352 . وراجع: مقتل الحسين لأبي مخنف ص 49 ونهاية الأرب ج 20 ص 400 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 202 ولواعج الأشجان ص 59 و 60 والدر النظيم ص544 والدر النظيم ص 544 و 545 وإبصار العين ص82.
«وأعطاه الأمان، فأمكَنَهُم مِن نَفسِهِ، وحَمَلوهُ عَلَى بَغلةٍ وأتُوا بِهِ ابن زيادٍ، وقد سَلَبَهُ ابنُ الأَشْعَثِ حينَ أعطاهُ الأمانَ سَيفَهُ وسِلاحَهُ» (1).
4 - وفي رواية عمار الدهني، عن أبي جعفر الباقر «عليه
السلام»:
«فأعطاهُ عَبدُ الرَّحمن الأمان، فأمكَنَ مِن يَدِهِ» (2).
ونقول:
في النصوص المتقدمة عدة أمور تحتاج إلى بيان، نذكر منها ما يلي:
ابتليت من قبل ابنك:
تقدم: أن مسلم بن عقيل قد خاطب نفسه أولاً، وطلب منها أن تخرج للموت ولم يذهله ما هو مقدم عليه عن أداء حق امرأة بذلت ما أمكنها بذله لمساعدته، فدعا لها الله أن يرحمها ، ويتولى هو عز وجل جزاءها بالخير.
ولكنه «رحمه الله» لم يدع لفت نظرها إلى الجريمة العظمى التي ارتكبها ابنها في حقه «رحمه الله»، وفي حق الدين، لأن من يقدم على هذه الجرائم والعظائم، ويبوء بغضب الله، وبالخزي في الدنيا
والآخرة، ولا يبالي بالعهود التي أعطاها، والأيمان التي بذلها، ويخون ربه، ودينه، بل هو يخون أقرب الناس إليه، وأنصحهم له، وهو أمه أيضاً.
إن هذا الشخص لا بد أن يبوء أيضاً بغضب أمه، وأن تراه في موقع الماكر والخادع والخائن.. فلا يجد من يغتر به، وينخدع بمظهره..
على أن إخبار طوعة بما فعل ولدها لا بد أن يترك أثره عليها، ألما، وأسى، وحزناً، فتنال بذلك المزيد من الرضا والمثوبة الإلهية.
مسلم بنظر أعدائه:
يلاحظ:
1 - أن مسلماً «رحمه الله» - كما ذكره المسعودي - قد عبر عن أنه لم يكن يتوقع أن يحشد أعداؤه كل هذه القوى، وان يبذلوا هذا القدر من الجهد الذي فاق التصور، من أجل قتل رجل واحد، ولذا قال مسلم :متعجباً «أكْلُّ ما أرى مِنَ الإحلاب لقتل مُسلم بن عقيل»؟!
وقد فسر أهل اللغة «الإحلاب» بالاجتماع للنصر والمعونة(1).
ويحتمل أن تكون «الإجلاب» الذي هو الحشد لأجل الإفساد والأذى، كما يقال عن الشيطان أجلب عليهم بخيله ورجله...
2 - إن عبيد الله بن زياد أيضاً، لم يستطع أن يكتم دهشته من
1) راجع لسان العرب مادة: حلب.
بسالة مسلم بن عقيل، فأرسل إلى ابن الأشعث يعبر له عن ملامته له، واستغرابه ليس فقط من عجز هذا الحشد من المقاتلين، الذي هو جيش كبير عن مقارعة رجل واحد.
بل بكون هذا الرجل الواحد هو الذي يفتك بهذا الجيش، ويقتل جماعة منه، فعده ثلمة عظيمة في صفوف ذلك الحشد. بالرغم من جراحه الثقيلة، التي كانت قد لحقت به قبل ذلك، ومن نزفه المتواصل.
3 - وقد أكد ابن الأشعث لابن زياد صحة الأخبار التي بلغته عما فعله مسلم «رضوان الله تعالى عليه» بجماعته، ويقدم لعبيد الله بن زياد وصفاً لشجاعة مسلم، لا بد أن يزيد في شعور ابن زياد بالخيبة، والحسرة، والألم فقد قال له : إنه لم يرسله للقبض على بقال من بقاقيل الكوفة، ولا جرمقاني من جرامقة الحيرة، بل أرسله إلى أسد ضرغام، وبطل همام الخ...
والجرامقة : هم النبط.
وقيل : هم قوم من العجم يسكنون الموصل.
فلما بلغ ابن زياد ما قاله ابن الأشعث عن مسلم بخع له، وصار بصدد إيجاد مخرج له ولجماعته من المأزق الكبير والفاضح الذي لو استمر لانتهى بانهيار أكيد في معنويات رجاله، وربما تطورت الأمور باتجاهات مخيفة لابن زياد، فإن أهل الكوفة قد تثوب إليهم عوازب أحلامهم، وتعرض لهم صحوة ضمير، أو انسياق مع مظاهر المنعة، وعزة القوة..
فأمر ابن الأشعث بأن يلجأ إلى الحيلة والخداع، والكذب على مسلم بإعطائه الأمان المشفوع بالأيمان، مصرحاً لابن الأشعث: بأنه لن يقدر على مسلم بدون ذلك..
التعتيم على إنجازات وبطولات مسلم:
ويلاحظ هنا: أن النصوص التي تحدثت عن جهاد مسلم، وبسالته، وتضحياته تغمغم في البيان، وتنأى بنفسها عن الجهر بالحقائق، حتى إن بعضهم لا يذكر شيئاً عن الذين قتلهم مسلم من مهاجميه، بل يكتفي بذكر هجومهم، ومقاومة مسلم لهم..
كما أنهم يذكرون: أن مسلما قد أثخن بالجراح، ولم يمنعه ذلك من مواصلة القتال، إلى أن تلاشت قواه فأسر..
غير أن رواية الخوارزمي قد تخطت هذه الحدود بعض الشيء لتذكر: أن مسلماً قد قتل جماعة من الذين هاجموه في بيت طوعة.
وهي عبارة مبهمة تصدق على الجماعة القليلة، كما تصدق على الكثير.
ولكن ابن شهر آشوب قد تجاوز ذلك ليذكر رقماً محدداً للذين قتلهم مسلم، حيث قال - كما تقدم -: إنه «رحمه الله» قتل واحداً وأربعين رجلاً من مهاجميه.
ويفهم منه: أن هذا العدد قد قتل في هجماتهم الثلاث المتوالية على بيت طوعة .. أما عدد من قتل منهم بعد ذلك فلم نجد نصاً يرشدنا إليه.
هذا رقم كبير جداً، لاسيما بملاحظة: أن النصوص قد ذكرت أن مسلما كان يعانى من جراحة ثقيلة أصابته، حين جاء بأصحابه إلى قصر ابن زياد، لنجدة هاني بن عروة. ثم تفرق عنه أصحابه، وساقته المقادير إلى بيت طوعة.
قريش.. هي الداء الدوي:
1 - وغني عن البيان: أن قريشاً كانت باستمرار شديدة الوطأة على علي «عليه السلام»، وأهل بيته، وكل من يلوذ بهم، أو له بهم أدنى صلة أو رابطة. ولم تصفُ قلوبهم لأهل هذا البيت، بل بقوا يبغون لهم الغوائل، ويتربصون بهم الدوائر.
2 - لقد أمر ابن زياد باختيار مئة رجل من قريش، ليتولوا قتل مسلم بن عقيل، الذي يمحضونه حقدهم وبغضهم، وحسبه أنه من ذرية أبي طالب الذي حمى رسول الله من مكر ومؤامرات قريش، ومسلم أيضا هو سفير الحسين بن علي، وعلي «عليه السلام» كان هو الشجا المعترض في حلوقهم، وإنما كانوا يسعون لقتل الحسين بغضاً منهم بأبيه .
ويؤكد هذا الحقد والبغض صفات وسمات مسلم بن عقيل، واستقامته على طريق الحق والخير والصلاح، وما يظهر له - على الدوام - من كمالات، ومن رجولة وشجاعة وبطولات. فإن الفسقة الفجرة، والجبناء
يبغضون الحق وأهله ويمقتونهم لمجرد تحليهم بصفات الفضل، والنبل، والشهامة، والشجاعة، والكرامة.
3 - والذي يستحق الكثير من الأسف والأسى: أن لا يكون لقتل مسلم بن عقيل، وهو الرجل الفاضل الزكي، والكامل التقي والباسل الأبي. أي خلل أو تساؤل، أو كدورة لدى قومه لدى هؤلاء القرشيين، وأن يبقوا على ما هم عليه من التآلف والانسجام. وكأنهم حين يتولون قتل مسلم وأمثاله من عظماء رجالهم، يرون أنهم قد قاموا بواجبهم، وأنهم يستحقون المكافآت والجوائز، والمناصب والمقامات.
وهذا يدلنا على المدى الذي بلغوه في عمى البصيرة، وانقلاب المفاهيم لدى هؤلاء الناس، حتى أصبحوا يرون المنكر معروفاً، والمعروف منكراً، والحق باطلا، والباطل حقاً، ويرون القبائح والفضائح حسنات ومفاخر، وقد ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
أمان الغدرة الفجرة:
هناك نصوص عديدة تصرح: بأن مسلماً أخذ أسيرا بعد أن أثخن بالجراح، وعجز عن القتال، وانبهر . أي صار نفسه يتردد بسرعة من شدة الإعياء.
وقد تضمن الرجز الذي تمثل به مسلم حين عرض عليه الأمان قوله: «أخاف أن [أكذب] أخدع أو أغرا»، فقال له ابن الأشعث: إِنَّكَ لَن تُغَرَّ ولن تُخدَعَ.
وقالوا أيضاً : إنه حين ناداه ابن الأشعث بالأمان قال له: «لا حاجة لي في أمان الغَدَرةِ الفَجَرَةِ».
مع أننا أننا نجد في بعض النصوص المتقدمة أيضاً ما يدل على أنه «عليه السلام» قد قبل الأمان الذي أعطي له، وقد جاء ذلك في رواية قدامة بن سعيد، والمسعودي، ورواية عمار الدهني عن الإمام الباقر
«عليه السلام».
وقد يرى البعض ضرورة ترجيح الروايات التي تصرح بعدم قبوله الأمان إلى أن أخذ أسيراً، لكثرة الروايات المصرحة بهذا المعنى، ولأن هذا هو المتوقع من مسلم الرجل الأبي، والحازم، والعارف بأخلاق أعدائه، وأنهم لن يفوا له، ولن يبقوا عليه..
غير أننا نرى: أن الجمع بين هذه الروايات ممكن، ولعله الأولى، فإن الروايات التي صرحت برفضه «عليه السلام» أمان الغدرة الفجرة إنما تتحدث عن مرحلة القتال الشرس الذي كان «عليه السلام» يخوضه ببسالة واقتدار.
ثم إنه كان حين يعرض الأمان عليه بصورة متكررة بعد أن أثخن بالجراح يرفض قبوله مرة بعد أخرى، وقد قال لابن الأشعث: إنه لا يعطي بيده ما دام به قوة على القتال.
فلما استحكم به النزف وألم الجراح، وضعف عن الكفاح، وتكاثروا عليه من كل جانب، وعجز عن القتال، وانبهر. أي تتابع نفسه من شدة الإعياء، عرض عليه الأمان في هذه اللحظة من قبل ابن الأشعث أيضاً، فقبله ، وقال لهم - حسب رواية قدامة بن سعيد - : أما لو لم تُؤَمِّنوني، ما وَضَعتُ يَدي في أيديكم.
وهذا أيضاً هو مضمون الرواية المنسوية للإمام الباقر «عليه السلام»، وكذا رواية المسعودي.
ومعنى ذلك : أنه لولا إعطاؤه الأمان لبقي يذب عن نفسه بسيفه إلى أن لا يبقى لديه قدرة على حمل سيفه..
فتلخص : أنه إنما قبل الأمان بعد أن عجز عن القتال، وصار يلوح بسيفه للذب عن نفسه، وإبعاد قاتليه عنه، ولو للحظات، وأصبح سقوط سيفه من يده بسبب الإعياء، والنزف، والعجز عن حمله مرهون بلحظات لا تقدم ولا تؤخر ، ولا تؤثر في النتائج.
لكن اللافت: أنهم قد غدروا به في نفس اللحظة التي أعطوه الأمان فيها.
وربما جاز لنا احتمال أن يكون «عليه السلام» قد قصد بقبول الأمان في اللحظة الأخيرة مع علمه بخيانتهم، وغدرهم هو أن يبوؤا بعار الغدر والخيانة في الدنيا، وينالهم الخزي والغضب والعذاب الإلهي في الآخرة، ليزيدهم الله تعالى عذاباً فوق العذاب، تماماً كما فعله مع ابن طوعة حين أخبر «رحمه الله» أم ذلك الخائن بالخيانة التي ارتكبها ولدها ..
جزع مهاجمي مسلم «رحمه الله» :
وقد لفت نظرنا: ما تقدم في رواية الخوارزمي وابن أعثم، من أنه بعد أن أثخن مسلم «رحمه الله» بالجراح، وضعف عن القتال، وأعطاه ابن الأشعث الأمان مرة بعد أخرى. - نعم.. بعد هذا كله - كان
جزع الذين كانوا يهاجمون مسلماً، - وما أكثرهم - عظيماً، ولافتاً للنظر، ومثيراً للدهشة، حتى لقائدهم محمد بن الأشعث، الذي كان هو الآخر يمعن في الهرب حين يهاجمه مسلم..
وقد قال ابن الأشعث لأصحابه هؤلاء: «إنَّ هذا لَهُوَ العارُ
الشَّنارُ، أَتَجزَعونَ مِن رَجُلٍ وَاحِدٍ هذا الجَزَعَ»؟!
عادات نسمع بها لأول مرة:
وقد تضمنت رواية الخوارزمي وابن أعثم المتقدمة أمراً لم نكن نعرفه، ولم يمر بنا في قراءتنا المختلفة فيما أمكننا الإطلاع عليه من نصوص في المصادر المتنوعة، فقد ظهر من كلام مسلم أنه لا يرمى بالحجارة إلا الكافر. وأن رمي المؤمنين بالحجارة مخالفة وجرأة لا يمكن القبول بها، ولا السكوت عنها ، وأن هذه الجريمة تزداد قبحاً، حين يكون المرمي بالحجارة من أهل بيت النبي «صلى الله عليه وآله»، وأن هذا تفريط بحق النبي، وبحق عترته.
فقد تقدم: أنه قال لمهاجميه حين صاروا يرمونه بالنبل
والحجارة: «ما لكم ترموتي بالحِجارَةِ كَما تُرمَى الكفَّارُ، وأنَا مِن أهل بَيتِ النَّبِيِّ المُختار ؟! وَيلكُم ! أما تَرعَونَ حَقَّ رَسول اللهِ، ولا حَقَّ قُرباهُ»؟!
توقع الغدر من أهل الغدر:
وقد لفت نظرنا: ما ورد في رواية قدامة بن سعيد، من أنه حين قال مسلم لابن الأشعث وأصحابه: «آمن أنا؟!
قالَ: نَعَم، وقالَ القومُ : أَنتَ آمِنٌ، غَيرَ عَمرو بن عُبَيدِ اللَّهِ بن العبّاس السُّلَمِيِّ، فإنَّهُ قالَ: لا ناقةً لي في هذا ولا جَمَلٍ، وتَنَحّى».
ولعل هناك من يرى: أن موقف عمرو هذا كان بسبب شدة عداوته لمسلم، ورغبته في البطش به، وأنه لا يريد أن يعطيه أملاً بالحياة مهما كان ضئيلاً.
ولكننا نرى: أنه قد يكون لموقفه هذا منحى آخر، بأن يكون قد أدرك أن هذا الأمان مجرد خدعة، وأنه سينقض بلا ريب، فأنف - أو لم يستحِلَّ - أن يشارك في أمان تكون عاقبته الغدر مباشرة، ورأى أن هذا قد يضر بسمعته، ويجلب له العار.
ولكن ليت شعري ألم يكن يشعر بالعار، أو يخشى سوء السمعة وهو يشارك في قتل هذا العبد الصالح، الممثل لأقدس إنسان على وجه الأرض؟!
الذين هاجموا مسلماً :
وتجد بين الروايات والمصادر اختلافاً في عدد الذين هاجموا مسلم بن عقيل «رحمه الله» في بيت طوعة، وبعد ذلك إلى أن أسروه، هل هم سبعون رجلًا من قيس، وقد قتل منهم واحداً وأربعين.. أو أن مهاجميه كانوا مئة من قريش، أو أنهم أرسل إليه ثلاث مئة راجل من صناديد أصحابه، أو أنه أرسل إليه مئة فارس، مع رجل من بني سليم؟!
ونجيب:
بأن هذا الاختلاف غير ضائر، فإن ابن زياد حين يعرف مدى خطورة الأمر، لا يترك أصحابه طعمة لسيف ابن عقيل، بل هو سوف يمدهم بالرجال الراجلين تارة، والفرسان منهم أخرى. وقد يرسل ثلاث مئة راجل من أنصاره، ثم يرسل من قبيلة قيس ستين أو سبعين رجلاً.
ويرسل أيضاً مئة فارس مع رجل آخر من بني سليم. وقد يختار مئة رجل من قريش حين يخشى وقوع العصبية بين الموالين له. فإن ابن الأشعث كان بحاجة إلى هذا المدد المتواصل الذي لولاه لم يقدر على أخذ مسلم.
لا فرق بين الابن والأب:
وأكثر الروايات تذكر: أن قائد الحملة ضد مسلم هو محمد بن الأشعث. لكن رواية عمار الدهني، عن الإمام الباقر «عليه السلام» ذكرت أن الذي أعطاه الأمان هو عبد الرحمان بن محمد بن الأشعث، فأمكن من يده.
ونقول:
إن محاولة إقناع مسلم بقبول الأمان قد تكررت بإصرار، وكان مسلم يرفض قبول ذلك إلى أن عجز عن القتال. فلعل آخر من عرض عليه ذلك هو عبد الرحمان بن الأشعث وإذا كان أبوه هو قائد ذلك الجيش، فمن الطبيعي أن يكون عبد الرحمان بن الأشعث يتكلم بلسان أبيه وبرضى منه. ولأن أباه هو صاحب الكلمة في هذا الأمر، لأنه
مسلم يواجه أعوان الظلمة:
1 - قال ابن كثير:
لمَّا انتَهى مُسلِمُ بنُ عَقِيلٍ إلى بابِ القصرِ ، إِذا عَلَى بَابِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الأمَراءِ مِن أبناء الصَّحابَةِ، مِمَّن يعرفُهُم ويَعرِفُونَهُ، يَنتَظِرُونَ أَن يُؤدَنَ لهُم عَلى ابن زيادٍ ومُسلِمٌ مُخَصّبٌ بالدِّمَاءِ فِي وَجْهِهِ وَثِيَابِهِ، وهُوَ مُتْخَنٌ بالجراح، وهُوَ في غايَةِ العَطش، وإذا قلَةٌ مِن ماءٍ باردٍ هنالِكَ، فأراد أن يَتَناولها لِيَشْرَبَ مِنها، فقالَ لَهُ رَجُلٌ مِن أُولئِكَ: وَاللَّهِ
لا تَشْرَبُ مِنها حَتَّى تَشرَبَ مِنَ الحَمِيمِ !
فقالَ لَهُ: وَيْلَكَ يَا بنَ بَاهِلة، أنت أولى بالحَميم، والخُلُودِ في نار الجحيم مِنّي.
ثُمَّ جَلسَ فَتَسانَدَ إلى الحائِطِ مِنَ التَّعَبِ، وَالكَلال، وَالعَطش، فَبَعَتَ عُمارة بنُ عُقبة بن أبى مُعَيطٍ مَولىً لهُ إلى دارهِ، فَجاءَ بقلةٍ عَليها مِنديلٌ ، ومَعَهُ قدَحٌ.. إلى آخر ما سيأتي(1).
2 - وعن جعفر بن حذيفة الطائي:
1) البداية والنهاية ج 8 ص 156 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 168.
أن ابن الأشعث انتهى إلى باب القصر، ودخل على ابن زياد، فأخبَرَ عُبَيدَ اللَّهِ خَبَرَ ابن عَقِيلٍ، وضَرب بُكَير إِيَّاهُ، فَقالَ: بُعداً لهُ!
فَأَخبَرَهُ مُحَمَّدُ بنُ الأَشعَثِ بما كانَ مِنهُ ، وما كانَ مِن أَمانِهِ إِيَّاهُ.
فقالَ عُبَيدُ اللهِ: ما أنتَ وَالأمانُ، كَأنّا أرسلناك تُؤمِنُهُ! إِنَّمَا أَرْسَلْناكَ لِتَأْتِيَنَا بِهِ. فَسَكَتَ
وَانتَهَى ابْنُ عَقِيلٍ إلى باب القصر وهُوَ عَطَشَانُ، وَعَلَى بَابِ القصر ناسٌ جُلُوسٌ يَنتَظِرُونَ الإذنَ، مِنهُم عُمارَهُ بنُ عُقْبَةَ بن أَبِي مُعَيدٍ، وعَمْرُو بنُ حُرَتْ ومُسلِمُ بنُ عَمرو، وَكَثِيرُ بنُ شِهَابٍ (1).
3 - روى الطبري عن أبي مخنف عن قدامة بن سعد، وروى ابن أعثم وغيره نحو ذلك أيضاً، قالوا:
إِنَّ مُسلِمَ بنَ عَقِيلٍ حِينَ انتهى إلى باب القصر، فإذا قلة باردة موضوعَة عَلى البابِ، فَقالَ ابنُ عَقِيلِ : اِسقوني من هذا الماءِ، فَقَالَ لَهُ مُسلِمُ بنُ عَمرو أثراها ما أبرَدَها؟! لا وَاللهِ لا تَذوقُ مِنها قطرَةً أَبَداً، حَتَّى تَذوقَ الحَميمَ في نار جَهَنَّمَ!
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 375 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 281 والكامل في التاريخ ج 4 ص 33 و 34 إلى قوله : فسكت. والإرشاد ج 2 ص60 وروضة الواعظين ص 195 و (منشورات الشريف الرضي) ص 176 وإعلام الورى ج 1 ص 444 وبحار الأنوار ج 44 ص 354 ولواعج الأشجان ص 61 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 204 وتاريخ الكوفة ص 329 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 51 وإبصار العين ص 83.
قالَ لَهُ ابنُ عَقِيلٍ: وَيْحَكَ مَن أنت؟ [ في الفتوح: أشهدُ عَليكَ أَنَّكَ إن كُنتَ مِن قُرَيش فَإِنَّكَ مُلصَقٌ، وإن كُنتَ مِن غَير قُرَيشَ فَإِنَّكَ مُدَّعٍ إلى غير أبيكَ. مَن أَنتَ يا عَدُوَّ اللَّهِ؟
فَقالَ: أَنَا مَن عَرَفَ الْحَقَّ إِذ أَنكَرتَهُ الخ..].
قالَ: أَنَا ابْنُ مَن عَرَفَ الحَقَّ إذ أنكَرتَهُ، ونَصَحَ لِإِمَامِهِ إِذْ غَشَشْتَهُ، وسَمِعَ وأطاعَ إِذ عَصَيْتَهُ و خالفتَ، أنَا مُسلِمُ بنُ عَمرو الباهِلِيُّ.
فَقالَ ابنُ عَقِيلٍ: لِأُمِّكَ النُّكلُ، ما أجفاكَ وما أفظَّكَ! وأقسى قلبَكَ وأغلظكَ! أنتَ يَا بنَ باهِلة أولى بالحَميمِ وَالخُلود في نارِ جَهَنَّمَ مِنِّي. [زاد في الفتوح: إذ آثرت طاعَة بَني سُفيانَ عَلى طَاعَةِ الرَّسول مُحَمَّدٍ «صلى الله عليه وآله».
ثُمَّ قَالَ مُسلِمُ بنُ عَقِيلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَيحَكُم يا أهل الكوفة! اسقوني شُربَةً مِن ماءٍ].
ثُمَّ جَلسَ مُتَسانِداً إلى حائِط.
قال أبو مِخنَفٍ: فَحَدَّثنى قدامَهُ بنُ سَعدٍ: أَنَّ عَمرو بن حُرَيْثٍ [الباهلي] بَعَثَ غُلاماً يُدعى سُليمان، فجاءَهُ بِمَاءٍ فِي قُلَةٍ فَسَقَاهُ.
قال أبو مِخنَفٍ: وحَدَّثني سَعِيدُ بنُ مُدركِ بن عُمارَةَ: أَنَّ عُمارَةَ بن عُقبَة بَعَثَ غُلاماً لهُ يُدعى قيسا، فجاءَهُ بقلةٍ عَليها مِنديلٌ ومَعَهُ قَدَحٌ، فَصَبَّ فيه ماءً ثُمَّ سَقاهُ، فأخذ كُلَّما شَرِبَ امتلأ القَدَحُ دَماً ، فلمّا مَلأُ القَدَحَ المَرَّةَ الثالِثة ذهَبَ لِيَشرَب فسقطت ثنِيَّتاه فيه.
فقالَ: الحَمدُ للهِ ، لو كانَ لي مِنَ الرّزق المقسوم شَرِبتُهُ.
[في الفتوح وأتِيَ بِهِ حَتَّى أدخِلَ عَلى عُبَيدِ اللهِ بن زيادٍ] (1)
وراجع: الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 55 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 210 وفيه: لعمرو بن حريث المخزومي. وراجع: البداية والنهاية ج 8 ص 156 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 168 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 52 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 204 ولواعج الأشجان ص 62 وأعيان الشيعة ج 1 ص 592 وإبصار العين ص 84.
.4 - عن أبي معشر :
أَرسَلَ [ابنُ زِيادٍ] إِلى مُسلِمٍ بن عَقِيلٍ، فَخَرَجَ عَلَيهِم بِسَيْفِهِ، فَمَا زالَ يُناوشهُم ويُقاتِلُهُم حَتَّى جُرحَ وأسِرَ، فَعَطشَ وقال: اِسقوني ماءً، وَمَعَهُ رَجُلٌ مِن آل أبي مُعَيطٍ، وَرَجُلٌ مِن بَنِي سُلَيم.
فقال شِمرُ بنُ ذي جَوشَن: وَاللَّهِ لا نَسقِيكَ إِنَّا مِنَ البئر.
وقالَ المُعَيطِيُّ: وَاللَّهِ لا نَسقِيهِ إِلَّا مِنَ الفُراتِ.
فأتاهُ غُلامٌ لَهُ بإبريق من ماءٍ، وقدَح قوارير، ومنديل فَسَقَاهُ،
1) موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 3 ص 171 عن المصادر التالية: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 375 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 281 والكامل في التاريخ ج 4 ص 34 ومقاتل الطالبيين ص 107 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 66 وفيه «نسيماً» بدل «قيساً». والإرشاد ج 2 ص 60 وفيه: عمرو بن حریث بدل عمارة بن عقبة. وكلها نحوه. وبحار الأنوار ج 44 ص 355 وراجع: مروج الذهب ج 3 ص 68 و (منشورات دار الهجرة) ص 59 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 94 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص244 وروضة الواعظين ص195 انتهى.
فَتَمَضمَضَ فَخَرَجَ الدَّمُ، فما زالَ يَمُجُ الدَّمَ ولا يُسيعُ شَيئاً، حَتَّى قَالَ: أخَّرهُ عَنِّي، فلمّا أصبَحَ دَعاهُ عُبَيدُ اللَّهِ لِيَضْرِبَ عُنُقهُ (1).
ونقول:
لا بأس بملاحظة الأمور التالية:
أين أبناء الصحابة؟! :
تقدم: أن مسلما التقى بجماعة من الأمراء من أبناء الصحابة، ممن يعرفهم ويعرفونه، وهم ينتظرون الإذن بالدخول من ابن زياد، ومسلم مخضب بالدماء في وجهه وثيابه، وهو مثخن بالجراح.. وهو شديد العطش، فرأى قلة من الماء البارد، فطلب الماء ليشرب، فانبرى أحد
الأجلاف لتوجيه الإهانات إليه، وجرى له معه سجال مثير ظهرت فيه عدوانية ذلك الرجل وقسوته، وغلظته، وسوء أدبه. وكان ذلك على مرأى ومسمع من أولئك الأمراء من أبناء الصحابة ..
ونحب لفت نظر القارئ الكريم هنا إلى ما يلي:
1) ألم يثر منظر مسلم بن عقيل، حيث كانت الدماء تخضب وجهه وثيابه، والجراح قد أثخنته مشاعر أبناء الصحابة هؤلاء؟! وهم (1) موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 3 ص 172 عن المحاسن والمساوي ص 60 والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 2 ص 5 (تحقيق الشيري) ج 2 ص 10 وفيه: شهر بن حوشب، بدل شمر بن ذي الجوشن، والمحن ص 145 .
يرونها رأي العين، ولم يعرفوا بها من خلال أخبار أو شائعات بلغتهم؟! لكي يقال: «فما راءٍ كمن سمعا»؟!
ألا يفترض بالإنسان العزيز، والمتوازن والنبيل أن يتألم لمثل هذه المشاهدات، التي تفصح عن حدوث جريمة واضحة، وفاضحة، تستحق المساءلة والحساب، أو العتاب على أقل تقدير؟!
2 - إذا كان هؤلاء الأمراء يعرفون مسلماً، وهو يعرفهم؛ فإن معرفتهم به لا بد أن تحمل معها الشواهد والدلائل على صحة وصدقية، وعمق المضمون الذي وصفه به الإمام الحسين «عليه السلام» في كتابه لأهل الكوفة، حيث قال عنه: «أخي ، وَابنَ عَمِّي، وثقتي مِن أهل بَيتي» (1).
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 30 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 352 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 262 والكامل في التاريخ ج 4 ص 21 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 39 ومناقب آل طالب ج 4 ص 89 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 242 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 184 وروضة الواعظين ص 190 و (منشورات الشريف الرضي) ص 173 وبحار الأنوار ج 44 ص 332 و 334 ولواعج الأشجان ص 36 ومستدرك سفينة البحار ج 5 ص 138 وقاموس الرجال ج 10 ص 66 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 328 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 3 ص 22 وتاريخ الكوفة ص 324 وأعيان الشيعة ج 1 ص 589 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 17 وإعلام الورى ج 1 ص 436 ونهاية الأرب ج 20 ص386 وإبصار العين ص 25 و 79 و 216 والمجالس الفاخرة ص 191 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 151 و 157 و 161 و ج 33 ص 670 والأخبار الطوال ص 230.
وعند الطريحي : «والمفضل عندي من أهل بيتي» (1).
وإن كنا نتوجس خيفة من أن يفهم من عبارة الطريحي هذه: أنها تريد أن تعطي مسلماً امتيازاً حتى على الإمام السجاد «عليه السلام» المنصوص على إمامته وعصمته، وظهور فضله على جميع البشر عدا الأئمة الطاهرين «عليهم السلام».
إلا أن يكون المراد: أن مسلما هو المفضل لإنجاز هذه المهمة الكبرى والخطيرة، بما لها من ظروف واقتضاءات.
أو يراد: أنه المفضل عنده عن كل الذين لم يفضلهم الله تعالى على سائر البشر، ويحتاج إلى معرفة فضلهم، إلى الرجوع إلى مصادر الغيب أيضاً.
3- ألا يفكر هؤلاء الأمراء أن إمارتهم هذه ستكون خزيا عليهم، إذا كان ثمنها هو إنسانيتهم، ودينهم، ووجدانهم، ليصبحوا شواهد زور، وأعواناً للظالمين والآثمين؟!
4 - كيف سكت أبناء الصحابة، الأمراء !! عن ذلك الباهلي، وهو يبادر لبث سمومه، وصب حمم حقده على هذا الرجل المخضب بالدماء، والمثخن بالجراح، والمنهك القوى، الذي أخذ التعب والعطش
1) المنتخب للطريحي ج 2 ص 83.
والكلال منه كل مأخذ؟!
ألم يكن الأولى لهم ، والأجدر بهم أن يظهروا عدم رضاهم بهذا العدوان، ولو بمقدار العبوس في وجهه على أقل تقدير، وهو أضعف الفروض ؟!
عطش مسلم:
وقد تقدم: أن مسلماً حين رأى قلة الماء البارد على باب القصر بادر ليشرب، أو طلب منهم أن يسقوه منها .. فقد يحاول البعض أن يدعي أن مسلماً قد توقع من أعدائه الذين يعرف أنهم قاتلوه ما لم يكن ينبغي له أن يتوقعه، لاسيما من اناس يعرف مدى قسوتهم وغلظتهم.
ويشهد لذلك: ما سمعه «رحمه الله» من مسلم بن عمرو الباهلي، من كلام قاس وشديد الأذى.
ونجيب:
أولاً: بأن مسلماً حين يطلب شرب الماء إنما يطالب بحقه الذي جعله الله تعالى له، ومن المعلوم أن رفض الجبارين لأحكام الله لا بد أن يدفع المؤمن الصادق إلى إظهار التشدد في التمسك بتلك الأحكام، وفضح من يخالفها، لكي لا يخدع الناس بتدليسات الظالمين وترهاتهم، ولا يكونوا ضحايا تزويرهم وكذبهم ، ولا يتأثروا بإعلامهم المسموم.
ثانياً : إذا كان ابن الأشعث قد أعطى مسلما الأمان، وكان ابن زیاد هو الذي أمره بذلك، ولم يزل مسلم يطالب ابن الأشعث بالوفاء به، بل طالبه بأن يقوم بسيفه دونه.
وإذا كان ابن الأشعث قد أوصل مسلماً إلى باب القصر، فتركه
هناك ودخل هو ليخبر ابن زياد بما جرى، وقد ظهر من النصوص: أن ابن زياد قد عرف بأن مسلما قد أخذ استناداً إلى الأمان في هذا الوقت بالذات. وبعد انقضاء تلك الليلة قتل في اليوم التالي مسلم
«رحمه الله».
وهذا يعني: أنه لم يظهر حين واجه مسلم أبناء الصحابة، وسمع من الباهلي ما سمع من أن ابن زياد سوف ينكث العهد، وينقض الأمان.. وذلك كله يعطي كل الحق لمسلم في أن يطالبهم بالتعامل معه على أساس الأمان الثابت له.
ولا يحق لمسلم بن عمرو الباهلي ولا لغيره أن يوجه إلى مسلم بن عقيل أية كلمة نابية، أو مؤذية، أو مهينة. بل كان عليه أن يبادر
هو إلى تقديم الماء إلى مسلم ليشرب. لو كان عنده ذرة من الإنسانية، والشعور بالكرامة.
ثالثاً: حتى لو رفض عبيد الله بن زياد الوفاء بأمان ابن الأشعث المسلم، فإن رفضه هذا لا قيمة له، ما دام أن الشرع قد أمضى كل
أمان يعطى، وألزم بالوفاء به، ولو جاء من قبل أي كان من الناس. رابعاً: إن على مسلم بن عقيل، الذي يريد أن يقيم حكم الله في الأرض أن لا يعترف بحكومة أهل الجور والباطل، والغاصبين لمقام الأنبياء والأوصياء، وأن يرفض الأمر الواقع الذي يريدون فرضه عليه وعلى سائر الناس.
ولعل هذا هو ما أشار إليه مسلم بن عقيل حين قال للباهلي -
حسب رواية ابن أعثم -:أنتَ يا بنَ باهلة أولى بالحَميم..
إلى أن قال: إذ أثرتَ طاعَة بَني سُفيانَ عَلى طَاعَةِ الرَّسُولُ مُحَمَّدٍ
«صلى الله عليه وآله».
بل هذا أيضاً هو تكليف كل مسلم ومسلمة .. فلا يحق لذلك الباهلي أن يتعمد الباطل، وينصر أهله، ولا يجوز لمن يسمعه ويراه يفعل ذلك أن يسكت عنه، فلماذا سكت عنه أولئك الأمراء من أبناء الصحابة ؟!
مسلم لم يشرب:
وتقدم: أن عمارة بن عقبة بن أبي معيط بعث غلاماً له يدعى قيسا، فجاءه بقلة عليها منديل، ومعه قدح، فسقاه.
وأن عمرو بن حريث الباهلي بعث غلامه سليمان، فجاءه بماء
في قلة، فسقاه..
وعبارة: «فسقاه» توهم أن مسلماً قد شرب بالفعل، مع أن النصوص تصرح: بأن الدم كان يمنعه من استساغة الماء، فكان يكرر المحاولة، حتى سقطت ثنيتاه في القدح، فامتنع عن المحاولة عندها.
الذين سقوا مسلماً :
وقد يتساءل المرء عن سبب إقدام عمارة بن عقبة بن أبي معيط على تلبية طلب مسلم الماء ليشرب، هل هو حميته لمن يلتقي معه في الانتساب إلى قريش، مقابل وقاحة رجل باهلي يواجه مسلم بن عقيل بالشتائم، والأذايا؟!
أو أن عمارة بن عقبة كان يريد أن يتظاهر بهذه الحمية ليبعد عن
نفسه آثار قول رسول الله «صلى الله عليه وآله» لأبيه عقبة في حرب بدر: «إنما أنت علج من أهل صفورية»(1).
وقال له عقبة أيضاً : يا محمد، من للصبية؟!
فقال له النبي «صلى الله عليه وآله»: النار (2).
1) بحار الأنوار ج 19 ص 260 تفسير مجمع البيان ج4 ص 460 والتفسير الصافي ج 2 ص 285 والبرهان (تفسير) ج 2 ص 658 ونور الثقلين (تفسير) ج 2 ص 135 وكنز الدقائق ج 5 ص 307 وراجع: الروض الأنف ج 3 ص 65 والسيرة الحلبية ج 2 ص 187 و 186 والمصنف للصنعاني ج 5 ص 205 وتفسير القمي ج 1 ص 269 وراجع: الفتوح لابن أعثم ج 2 ص 563 .
2) المصنف للصنعاني ج 5 ص 205 و 206 و 352 و 356 وربيع الأبرار ج 1 ص 187 و (ط الأعلمي) ج 1 ص 153 والكامل في التاريخ ج2 ص 131 و 74 والسيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 298 والأغاني (ط ساسي) ج 1 ص 10 و 11 والمغازي للواقدي ج 1 ص 114 وتاريخ ج1 الإسلام للذهبي ج 2 ص 64 والمدونة الكبرى ج 2 ص 11 ونيل الأوطار ج ص 14 وبحار الأنوار ج 19 ص 347 والمستدرك للحاكم ج 2 ص 124 وسنن أبي داود ج 1 ص 607 والسنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 323 وج 9 ص 65 ومجمع الزوائد ج 6 ص 89 والآحاد والمثاني ج 1 ص 406 وأدب المجالسة لابن عبد البر ص 99 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 4 ص 81 وج 14 ص 180 والثقات لابن حبان ج 1 ص 180 والإصابة ج 6 ص 481 ومرآة الجنان ج 1 ص 146 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 234 وإمتاع الأسماع ج 10 ص 5.
أو أنه اندفع إلى ذلك لكي يبعد عن نفسه وعن فريقه عار مخالفة الأعراف الجاهلية، مع علمه بأن شرب مسلم للماء لا يقدم ولا يؤخر في مصيره الذي يعرف أن ابن زياد قد رصده له..
أو أنه اندفع إلى ذلك بدافع عاطفي إنساني بحت؟!
ونحن نستبعد هذا الاحتمال الأخير بعد أن عرفنا: أن عمارة هذا هو من الصبية الذين أخبر النبي «صلى الله عليه وآله» أنهم من أهل
النار.
وعرفنا: أنه لا يمكن أن يكون قرشيا، بعد أن أخبر النبي «صلى الله
عليه وآله» عن حقيقة نسبه.
وعرفنا أيضاً : أن هذا الرجل ، وكذلك ابن الأشعث كانا من أعوان
الطواغيت، ومن شركائهم في جرائمهم بحق الدين وأهله..
أما ابن الأشعث فلعله كان يريد أن يخفف من حدة الموقف الذي اتخذه مسلم بن عمرو الذي هو من باهلة، وهى نفس قبيلة ابن الأشعث رغبة في تلافي سلبيات كلام ذلك الرجل الأرعن على قبيلة باهلة كلها ..
يضاف إلى ذلك: أن ابن الأشعث الذي أعطى الأمان لمسلم، كان
يحاول التخفيف من العار الذي يتوقعه من خداعه لمسلم، وخيانته
للأمان الذي أعطاه وممالاته ابن زياد على نقضه..
حركة مسلم استمرت ثلاثة أيام:
وفي رواية أبي معشر المتقدمة دلالة على أن مسلماً «رحمه الله» قد جيء به إلى القصر، وبات ليلته وهو في أيديهم، ثم قتل في اليوم التالي، فقد ذكر قصة سقوط ثنيتي مسلم في القدح، ثم قال: «فلما أصبح دعاه عبيد الله ليضرب عنقه».
وبذلك يكون مسلم قد خرج في اليوم الأول بأصحابه إلى القصر، فتفرقوا عنه ليلا، فبات في بيت طوعة، وهاجموه في اليوم التالي في بيتها، وبعد ذلك في أزقة الكوفة وشوارعها، ولم يقدروا عليه إلى الليل، فأخذ من خلال الأمان، ثم أخذوه على بغلة إلى القصر.. وجرى له هناك مع الباهلي وغيره ما تقدم،
فلما أصبح جيء به إلى ابن زياد. وجرى بينه وبينه ما عرفنا بعضه، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
ما جرى بين مسلم والرجل الباهلي :
وفيما جرى بين مسلم «رحمه الله»، وذلك الرجل الباهلي نسجل
ما يلي:
1 - لا حاجة إلى التوقف عند الكلمات التي وجهها ذلك الباهلي الأرعن المسلم، ويكفي أن نذكر أن مسلما «رحمه الله» قد وصف لنا حال هذا الرجل وصفا دقيقاً أغنانا عن أي بيان، فقد قال له: «ما أجفاكَ ، وما أفظكَ!! وأقسى قلبك !! وأغلظكَ»!!
2 - لقد عرف الباهلي عن نفسه: بأنه [ابن] من عرف الحق، ويريد بالحق هو ما عليه معاوية ويزيد وابن زياد، ومن هم على نهجهم..
وقد عرفنا: أن هؤلاء يرتكبون الفواحش العظمى، والجرائم الهائلة، ويقتلون الأخيار والأبرار، وأئمة المسلمين، وأبناء الأنبياء، والعلماء الأتقياء، ويرمون الكعبة بالمنجنيق، ويبيحون لجيوشهم دماء المسلمين، وأموالهم، وأعراضهم في المدينة المنورة. إلى غير ذلك مما لا مجال لذكره في عجالة كهذه.
3 - اعتبر هذا الباهلي يزيد بن معاوية هو الإمام الذي يجب النصح له، وتجب طاعته وتحرم مخالفته. ويرى أن من عداه إمام ضلال، حتى لو كان الحسين بن علي «عليهما السلام».
مع أن يزيد فاسق فاجر، شارب للخمر، قاتل للنفس المحترمة. كما وصفه الإمام الحسين «عليه السلام»، ثم هو قاتل أبناء الأنبياء، هادم للكعبة الشريفة، وغير ذلك.
4 - وقد قال مسلم - كما تقدم عن ابن أعثم -: إن ذلك الباهلي الذي كلمه بذلك الخطاب الشديد وتلذذ بآلام غيره يقرر منع الأخيار المظلومين من شرب الماء حتى يذوقوا الحميم في نار جهنم لا يمكن أن يكون من قريش، حتى لو انتسب إليها، لأن الرحم ليس فقط تمنعه من التفوه بمثل هذه الترهات، بل هي تحرك عاطفته، وتثير فيه حنيناً إلى رحمه.. وتدفعه إلى رفع الحيف والظلم عنه، والتخفيف من
آلامه ..
فإذا ادَّعى من يقول هذا الكلام أنه من قريش، فهو كاذب، وملصق بها، بلا ريب.
وإن كان قائل هذا الكلام من غير قريش، فإن كلامه هذا يظهر أنه ناصبي، يبغض عليا وأهل بيته ويبغي لهم الغوائل. ومن كان مبغضاً لعلي وأهل البيت، فهو ابن زنا، حيث نص النبي «صلى الله عليه وآله» الذي أخبر بذلك.
لا نسقيك إلا من البئر:
وقد أظهرت رواية أبي معشر: أن شمر بن ذي الجوشن، قد أدلى
بدلوه في إيذاء مسلم، وأنه قال له: «والله لا نسقيك إلا من البئر». فالشمر يريد أن يجسد للناس مهانة مسلم بأن يسقيه من البئر، مع
وجود ماء نهر الفرات.
وهذه خباثة ظاهرة، لاسيما مع ملاحظة أن مسلما كان إلى تلك اللحظة لا يزال في ظل الأمان الذي أعطي له، ولم يكن هناك ما يدل على أن ابن الأشعث قد أبلغهم أن ابن زياد قد نقضه..
هذا عدا ما ذكرناه حول عدم إمكانية نقض ذلك الأمان لا شرعاً ولا أخلاقاً، ولا في العرف الاجتماعي، حتى الجاهلي منه، فضلا عن أن الجبابرة والطغاة والمغتصبين لمقامات الأنبياء وأوصيائهم لا قيمة لكل ما يقررونه، فكيف إذا كانت قراراتهم مخالفة للدين، ولشريعة سيد المرسلين؟!
مسلم يواجه الطاغية:
وقد قالوا ما يلي:
1 - أُدخِلَ مُسلِمٌ بنُ عَقِيلٍ عَلَى عُبَيدِ اللهِ بن زيادٍ، فَقَالَ لَهُ الحَرَسِيُّ: سَلْم عَلى الأميرِ.
فقالَ لهُ مُسلِمٌ: أسكت لا أُمَّ لكَ! ما لَكَ ،ولِلكَلامِ، وَاللهِ ليسَ هُوَ لي بأميرِ فَأسَلمَ عَليهِ، وأخرى: فما يَنفَعُنِي السَّلامُ عَليهِ وهُوَ يُريدُ قتلي؟
فإن استبقاني فَسَيَكْتُرُ عَليهِ سَلامي.
فَقالَ لَهُ عُبَيدُ اللهِ بنُ زِيادٍ: لا عَليكَ، سلَمتَ أم لم تُسلم فَإِنَّكَ مَقتولٌ.
فَقالَ مُسلِمُ بنُ عَقِيلٍ: إن قتَلتَني فقد َقتَلَ شَرٌّ مِنكَ مَن كَانَ خَيرًا منّي.
ققالَ ابنُ زِیادٍ: یا شاقُّ، یا عاقُّ! خَرَجتَ عَلَى إمامِكَ، وشَققتَ عَصَا المُسلِمِين، وألقحت الفِتْنَة!
فقالَ مُسلِمٌ: كَذبت يَا بن زيادٍ! وَاللهِ ما كَانَ مُعاوِيَةٌ خَليفة بإجماع الأُمَّةِ، بَل تَغَلبَ عَلَى وَصِيِّ النَّبِيِّ بالحيلةِ، وأَخَذَ عَنهُ الخِلافة بالغَصبِ، وكَذلِكَ ابنُهُ يَزِيدُ.[ في الملهوف: فقال له مسلم: كَذبتَ يَابنَ زيادٍ! إِنَّما شَقَّ عَصَا المُسلِمِينَ مُعاوِيَةٌ وَابنَّهُ يَزِيدُ ] .
وأمَّا الْفِتْنَهُ، فَإِنَّكَ ألقحتها، أنتَ وأبوك زيادُ بنُ عِلاج [في الملهوف: عَبدُ بَني عِلاج مِن ثقيفٍ] مِن بَني ثقيفٍ، وأنا أرجو أن يَرْزُقْنِي اللهُ الشَّهادَةَ عَلى يَدَي شَرِّ بَريَّتِهِ، فَوَاللهِ ما خالفتُ، ولا كَفَرتُ، ولا بَدَّلتُ. وإِنَّما أنَا في طَاعَةِ أمير المُؤمِنينَ الحُسين بن عَلِيٍّ، ابن
فاطِمَة بِنتِ رَسولِ اللهِ «صلى الله عليه وآله»، ونَحنُ أولى بالخِلافةِ
مِن مُعاوِيَة، وَابْنِهِ، وآل زيادٍ.
فقالَ ابنُ زِیادٍ: يا فاسِقُ! ألم تَكُن تَشْرَبُ الخَمْرَ فِي الْمَدِينَةِ؟
فَقالَ مُسلِمُ بنُ عَقِيلٍ: أَحَقُّ - وَاللَّهِ - بشرب الخمر مِنِّي مَن يَقْتُلُ النَّفْسَ الحَرامَ، وهُوَ فِي ذلِكَ يَلهو ويَلْعَبُ كَأَنَّهُ لَم يَسمَع شَيئاً !
فقال لهُ ابنُ زيادٍ: یا فاسِقُ! مَدَّتكَ نَفسُكَ أمراً أحالكَ اللهُ دونَهُ، وجَعَلَهُ لِأهلِهِ.
فقالَ مُسلِمُ بنُ عَقِيلٍ: ومَن أهلُهُ يَا بن مَرجانَة؟
فقالَ: أهلُهُ يَزيدُ ومُعاوِيَة [ في الملهوف: يَزِيدُ بنُ مُعاوِيَة ] .
فَقالَ مُسلِمُ بنُ عَقِيلٍ: اَلحَمدُ للهِ ، كَفَى بِاللَّهِ حَكَمَا بَينَنا وَبَيْنَكُم.
فقالَ ابنُ زيادٍ - لَعَنَهُ اللهُ -: أَتَظُنُّ أَنَّ لَكَ مِنَ الأَمر شَيئاً؟
فَقالَ مُسلِمُ بنُ عَقِيلٍ: لا وَاللهِ ما هُوَ الظَّنُّ، ولكِنَّهُ اليَقِينُ.
فَقالَ ابنُ زِیادٍ: قتَلنِي اللهُ إن لم أقتُلكَ.
فقالَ مُسلِمٌ: إِنَّكَ لا تَدَعُ ُسوءَ القِتلة، وقبحَ المُثلة، وخُبتَ السَّرِيرَةِ، [في الملهوف : ولُوْمَ الغَلَبَةِ، لا أحدَ أولى بها مِنكَ]، وَاللَّهِ لَو كَانَ مَعِي عَشرَةٌ مِمَّن أثِقُ بهم، وقدَرتْ عَلى شَرِبَةٍ مِن ماءٍ، لطالَ عَليكَ أن تراني في هذا القصرِ ..
إلى أن قال: ولكِنّي أريدُ أن تُخبرني يَابنَ عَقِيلٍ، بماذا [لِمَ] أَتَيتَ إلى هذا البَلدِ؟ شَتّتت أمرَهُم، وفرقت كَلِمَتَهُم، ورَمَيتَ بَعضَهُم عَلى
بَعض ؟!
فَقالَ مُسلِمُ بنُ عَقِيل: لستُ لِذلِكَ أَتَيتُ هذا البَلدَ، ولكِنَّكُم أَظْهَرتُمُ المُنكَرَ ودَقْنتُمُ المَعروف، وتَأمَّرتُم عَلى النّاس مِن غَير رضى، وحَمَلَتُمُوهُم عَلَى غَيرِ ما أَمَرَكْمُ اللهُ بهِ، وعَمِلتُم فيهم بأعمال كسرى وقيصَرَ، فَأَتَيناهُم لِنَأْمُرَ فِيهِم بِالمَعروفِ، ونَنْهاهُم عَن الْمُنكَرِ، ونَدعْوَهُم إِلى حُكمِ الكِتابِ وَالسُّنَةِ، وكنا أهلَ ذلِكَ، [في الملهوف: كَما أمَرَ رَسولُ اللهِ «صلى الله عليه وآله:].
ولم تَزَل الخِلافة لنا مُندُ قُتِلَ أميرُ المُؤمِنينَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ «عليه السلام»، ولا تَزالُ الخِلافة لنا، فإنا قهرنا عَليها ، لِأَنَّكُم أَوَّلُ مَن خَرَجَ عَلى إمام هُدى، وشقَّ عَصَا المُسلِمِينَ، وأخَذ هذا الأمرَ غَصباً، ونازَعَ أهله بالظلم والعُدوان، ولا نَعلمُ لنا ولكم مَثلاً إِلَّا قُولَ اللَّهِ تَبارَكَ وتعالى: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلبٍ يَنْقَلِبُونَ) (1)،
قالَ: فَجَعَلَ ابنُ زِيادٍ يَشْتِمُ عَلِيّا، وَالحَسَنَ وَالْحُسَينَ «عليهم السلام» . فَقالَ لَهُ مُسلِمٌ: أنت وأبوكَ أحَقُّ بالشَّتيمةِ مِنهُم، فاقض ما أنتَ قاض! فَنَحنُ أهلُ بَيتٍ مُوَكَّلْ بِنَا البَلاءُ.
فقالَ عُبَيدُ اللهِ بنُ زيادٍ: الحقوا به إلى أعلى القصر، فاضربوا عُنْقهُ، وألحقوا رَأسَهُ جَسَدَهُ.
فقالَ مُسلِمٌ - رَحِمَهُ اللهُ -:أَمَا وَاللهِ يَا بن زيادٍ ! لو كُنتَ مِن قريش،
1) الآية 227 من سورة الشعراء.
أو كَانَ بَيني وَبَينَكَ رَحِمٌ أو قرابَة لما قتَلتَني، ولكِنَّكَ ابنُ أَبيكَ (1).
2 - عن سَعِيدُ بنُ مُدركِ بن عُمارَةَ قال:
إِنَّ ابنَ زِيادٍ قَالَ: إِيهِ يَا ْبنَ عَقِيلٍ، أَتَيتَ النّاس وأمرُهُم جَميعٌ،
وكَلِمَتُهُم واحِدَةٌ، لِتُشتَّتَهُم وتُفرِّقَ كَلِمَتَهُم ، وتَحْمِلَ بَعضَهُم عَلَى بَعْضٍ؟
قالَ: كلا، لستُ لذلك أتيتُ، ولكِنَّ أهلَ المصر زَعَمُوا أَنَّ أَباكَ قَتَلَ خِيارَهُم، وسَفَكَ دِماءَهُم، [وعند البلاذري: وَانتَهَكَ أعراضَهُم]، وعَمِلَ فيهم أعمال كِسرى وقيصرَ ، فأتيناهُم لِنَأْمُرَ بالعَدل، ونَدعُوَ إِلى حُكم الكِتابِ.
قالَ: وما أنتَ وذاكَ يا فَاسِقُ؟! أَوَلَم نَكُن نَعمَلُ بذاكَ فيهم؛ إذ أنتَ
بالمَدِينَةِ تَشْرَبُ الخَمَرَ؟
قالَ أَنَا أَشْرَبُ الخَمْرَ؟! وَاللهِ ، إِنَّ اللهَ ليَعلَمُ إِنَّكَ غَيْرُ صَادِقِ، وَإِنَّكَ
قُلتَ بغَير عِلمٍ، وإنّي لستُ كَما ذكرتَ، وإِنَّ أَحَقَّ بِشَرِبِ الخَمرِ مِنِّي وأولى بها مَن يَلغُ فِي دِماءِ المُسلِمينَ وَلغا، فَيَقتُلُ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ قتلها، ويَقتُلُ النَّفْسَ بِغَيرِ النَّفس، ويَسفِكُ الدَّمَ الحَرامَ، ويَقْتُلُ عَلى الغَضَبِ، وَالعَداوَةِ، وسوءِ الظَّنِّ، وهُوَ يلهو ويَلْعَبُ كَأَن لم يَصنَع
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 55 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 211 وراجع: الملهوف ص 120 و (أنوار الهدى - قم) ص 35 ومثير الأحزان ص 36 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 24 وبحار الأنوار ج 44 ص 357 ولواعج الأشجان ص 63 وأعيان الشيعة ج 1 ص 592 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 206 و 207 .
شيئاً !
فقالَ لَهُ ابنُ زیاد: یا فاسِقُ! إِنَّ نَفْسَكَ تُمَنِّيكَ ما حالَ اللهُ دونَهُ، وَلم يَرَكَ أهله .
قالَ: فَمَن أَهلُهُ يَا بْنَ زِيادٍ؟
قالَ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَزِيدُ.
فَقالَ: الحَمدُ للهِ عَلى كُلِّ حالٍ، رَضينا بِاللَّهِ حَكَما بَينَنا وَبَيْنَكُم.
قالَ: كَأَنَّكَ تَظُنُّ أنَّ لكُم فِي الأمر شَيئاً؟
قالَ : وَاللهِ ما هُوَ بِالظَّنِّ ولكِنَّهُ اليَقينُ.
قالَ: قتَلنِي اللهُ إن لم أقتلك قتلة لم يُقتلها أحَدٌ فِي الإسلام.
قالَ: أما إِنَّكَ أَحَقُّ مَن أحدَثَ فِي الإسلام ما لم يَكُن فِيهِ، أما إِنَّكَ لا تَدَعْ سوءَ القِتلة، وقبحَ المُثلة، وخُبتَ السّيرَةِ، ولُوْمَ الغَلَبَةِ، ولا أَحَدَ مِنَ النّاس أَحَقُّ بِها مِنكَ.
وأَقْبَلَ ابنُ سُمَيَّة يَشتِمُهُ، ويَشتِمُ حُسَينا وعَلِيّاً وعَقِيلاً، وأخَذ مُسلِمٌ
لا يُكَلِّمُهُ.
وزَعَمَ أهلُ العِلمِ أَنَّ عُبَيدَ اللَّهِ أَمَرَ لَهُ بِمَاءٍ فَسُقِيَ بِخَزَفَةٍ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: إِنَّهُ لم يَمنَعنا أن نَسقِيَكَ فيها، إلا كَراهَة أن تُحَرَّمَ بِالشَّرِبِ فيها، ثمَّ نقتلك، ولِذلِكَ سَقيناكَ في هذا (1)
أقتلك الخ..».
.1) موسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 175 و 176 و تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 376 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 282 والكامل في التاريخ ج 4 ص 35 وليس فيه من «فقال له ابن زياد: يا فاسق» إلى اليقين. والبداية والنهاية ج 8 ص 156 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 168 والإرشاد ج 2 ص 61 وبحار الأنوار ج 44 ص 355 وراجع: أنساب الأشراف ج2 ص339 وإعلام الورى ج 1 ص 444. وراجع: العوالم، الإمام الحسين ج17 ص205 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص53 ونهاية الأرب ج 20 ص 402 و403 وإبصار العين ص84 و 85 والمجالس الفاخرة ص204. وفي مقاتل الطالبيين ص 108 ذكر الفقرة الأخيرة من قوله: «قتلني الله إن لم
3 - عن عوانة قال:
جَرى بَينَ ابن عَقِيلٍ وَابن زيادٍ كَلامٌ ، فَقالَ لهُ [ابنُ زِيادٍ]: إِيهِ يَا بْنَ حُليّة.
فَقالَ لهُ ابنُ عَقِيلٍ: حُليّة خَيرٌ مِن سُميَّة وأَعَفُّ (1).
ونقول:
تستوقفنا هنا أمور عديدة، نذكر منها ما يلي:
ليس لي بأمير:
تقدم: أن الحرسي قال لمسلم «رحمه الله»: سلم على الأمير، فأجابه مسلم «رحمه الله» بجواب تضمن أموراً عديدة، أهمها ما يلي:
1-إنه ألمح إلىه بأنه قد تعدى حده، وتكلم حيث ليس له أن يتكلم. وقد تضمن كلامه إحراجات لمن لا يحق له إحراجهم، بإلزامهم
1) أنساب الأشراف ج 2 ص 343 و (ط الأعلمي) ج 2 ص 87.
بأمور لا تلزمهم، ولا تجب عليهم، بل هي محاولة توريط لهم وإغراء بهم.
وهذا سوء أدب وتطفل، وتعدٍ مرفوض على الناس. ولأجل ذلك
قال له مسلم: «أسكت لا أُمَّ لَكَ! مَا لَكَ وَلِلكَلامِ».
2 - إنه «رحمه الله» أعلن بأن ابن زياد ليس أميرا له، لكى يسلم عليه، بل هو رجل متغلب وجبار ظالم، غاصب للموقع الذي جعله الله تعالى للأوصياء، والأولياء، والأنبياء.
وغصب المقامات من خلال التمرد على الله، وانتهاك الحرمات، وقتل الصلحاء والأخيار، والعلماء، وأئمة الدين، لا يوجب المشروعية لمن يفعل ذلك. بل هو يوجب سلب أية شرعية له - لو فرض وجودها - ويجعله في عداد المجرمين والظالمين الذين لا ينالون عهد الله. (لَا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)(1). هذا إذا نظرنا إلى هذا الأمر من منطلق الثوابت الإيمانية، والشرعية الإسلامية.
وأما إذا نظرنا إليه من منطلق التعامل الطبيعي، وحركة الحياة، فإن من غير المنطقي مطالبة من يؤتى به ليقتل أن يعطي السلام لقاتله، في حين أنه هو على شفير الموت على يد نفس ذلك الذي يحييه، ويتمنى له السلام والسلامة، والسعادة والراحة، من خلال مضمون تحيته له وسلامه عليه.
مع أن المفروض هو : أن الذي يحتاج إلى السلام، ويتوقع
1) الآية 124 من سورة البقرة.
الحصول على ذرة منه هو المظلوم، لأنه هو الذي يفقد السلام والسعادة، وظالمه هو الواجد لهما، ولأجل ذلك قال مسلم «رحمه الله» لذلك الحرسي: «وأخرى: فما يَنفَعُنِي السَّلامُ عَليهِ وهُوَ يُريدُ قتلي؟ فإن استَبقاني فَسَيَكثرُ عَليهِ سَلَامي».
ابن زیاد هو السباب الشتام:
ثم إن من يراجع النصوص الحاكية ما جرى بين ابن زياد ومسلم بن عقيل، يلاحظ: أن ابن زياد قد بسط لسانه على مسلم بالكلام الجارح، والسباب، والإهانات، والأكاذيب، والإدعاءات المزيفة،
والاتهامات الباطلة، والافتراءت عليه، وكل من يمت إليه بصلة. فهو يصفه بالفاسق تارة، وبالعاق الشاق تارة أخرى، وبأنه يشرب الخمرة ثالثة، وبأنه يثير الفتنة رابعة، ثم هو يشتمه ،ويشتم علياً والحسن والحسين وعقيلاً خامسة .
وكان مسلم بن عقيل يفند كلامه بموضوعية وصدق، ورباطة جأش، واتزان. فإن كان في كلام مسلم ما يزعج ابن زياد، وحزبه، فإنما هو الحق الصراح الذي كان يجهر به، وكانوا يسعون لطمسه، واستبداله بالأباطيل والأضاليل.
وقد صرحت رواية سعيد بن مدرك المتقدمة: بأنه حين صار ابن
زياد يشتم مسلما، وعلياً، والحسن والحسين وعقيلاً «عليهم السلام» «أَخَذَ مُسلِمٌ لا يُكَلِّمُهُ». وما ذلك إلا لأنه ينزه نفسه عن أن يكون سباباً، لأنها صفة مذمومة، وقد ورد النهي عنها .
وهذا يدلنا على عدم صحة ما ذكره ابن نما «رحمه الله»، من أن عبيد الله بن زياد أمر بقتل مسلم، فأغلظ له مسلم في الكلام،والسب، فأصعد على القصر، فضرب عنقه (1).
وعدم دقة قول المسعودي أيضاً عن مسلم: «أُدخِلَ إلى ابن زيادٍ، فَلمَّا انقضى كَلامُهُ ، ومُسلِمٌ يُغلظ لهُ فِي الجَوابِ، أَمَرَ بِهِ فَأَصِعِدَ إلى أعلى القصرِ الخ ..» (2).
فإن أمثال هذه التعابير قد تعطي صورة مغلوطة عن ما جرى، فيظن غير العارف بالأمور: أن ابن عقيل قد تجاوز الحدود التي
يحتملها الحكام من خصومهم، فيكون قتل ابن زياد له مبرراً، أو يكون له بعض العذر فيه على أقل تقدير.
الأشرار يقتلون الأخيار :
ونحب لفت نظر القارئ الكريم إلى ما تقدم، من قول ابن زياد
لمسلم: «لا عَليكَ ، سلمت أم لم تُسلّم فَإِنَّكَ مَقتولٌ».
فقال مسلم: «إن قتَلتَني فقد قتَلَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنكَ مَن كَانَ خَيراً مِنّي».
فقد يظن بعض الناس أيضاً: أن هذا من الأجوبة الغليظة التي لا
يحتملها الحكام.
ونجيب:
أولاً: بأن الحاكم إذا كان يدعي بأنه يحكم الناس وفقا لأحكام الشرع والدين، وبعنوان خلافة النبوة .. فإنه يجب أن لا يُستفزّ بالجواب الغليظ، فيتجاوز الحد، ولا أن يتراخى بالجواب الهين واللين،
فيفرط ويتهاون بالقيام بما يجب عليه.
بل هذا ما يجب على كل مكلف مهما كان موقعه، فإن حاكمية الحاكم لا تبرر له مخالفة الشريعة في أي حال، بل عليه أن يلتزم بأحكام الله تعالى، ولا يتخطى سنة رسول الله «صلى الله عليه وآله». وبدون ذلك، فإن عليه أن ينتظر الخزي في الدنيا، والعقوبة الإلهية في الآخرة.
ثانياً: إن منطق اجتراح الأعذار اللئيمة، والتبريرات السخيفة
لأعمال الجبابرة والظلمة منطق مدان ومرفوض، ولاسيما إذا كانت نتائج ذلك هي شعور الحاكم الجائر بأنه حين يذل الناس ويقهرهم إنما يمارس حقاً له..
فما بالك إذا كان قد يشعر أن على من يناوئه أن يواجه الموت الذليل والمهين، وأن يشعر بالضعف والانسحاق أمامه، وأنه لا مكان للعزة والكرامة للإنسان إلا ما يمنحه منها هؤلاء الطغاة المتجبرون..
ثالثاً: إن مسلما لم يتجاوز حدود الشرع والدين في إجابته لابن زياد، لأن من حق الأخيار إذا ظلمهم الأشرار، وبطشوا بهم أن يعلنوا مظلوميتهم للناس، وأن يدلوا الناس على ظالميهم. فإن من حق كل أحد
أن يعرفوا ما جرى من الأشرار على الأخيار، لكي يتدبروا أمرهم معهم، وليعرفوا أن كونهم أخيارا لا يكبح جماح الأشرار للتسلط عليهم، واغتصاب حقوقهم، وقهرهم، والبطش بهم، إن رغبوا في أن يعيشوا معنى الكرامة والحرية..
وكلمة ابن عقيل تمثل تقريراً للحقيقة مع شواهدها الماثلة للعيان، أمام الناس، كل الناس. الذين يرون ما يؤكد خيرية الأخيار، ويظهر
شر الأشرار.
كما أنهم يرون أن الأشرار يعتدون ويقتلون الأخيار، فلماذا لا يحق لمسلم بن عقيل أن يلفت نظر الناس إلى هذه الحقيقة التي تهم كل
فردٍ فردٍ منهم وتعنيه، بكل ما لهذه الكلمة من معنى؟!
خرجت على إمامك!!:
ومن المضحك المبكي أن يقول ابن زياد لمسلم «رضوان الله
تعالى عليه»: «خَرَجتَ عَلى إمامِكَ، وشَققتَ عَصَا المُسلِمِينَ،
وألقحتَ الفِتئَة»..
فأولاً : إن الإمام للمسلمين هو الحسين «عليه السلام» بنص حديث: «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا». وبمعناه غيره..
ثانياً : إن معاوية قد قرر في وثيقة «الصلح» مع الإمام الحسن «عليه السلام» أن الأمر من بعده للحسن ثم للحسين «عليهما السلام».. فيزيد هو المتغلب الغاصب لهذا المقام من صاحبه الشرعي، وهو الحسين «عليه السلام».
ونقض معاوية لهذا الشرط من طرف واحد، وحمل الناس على
البيعة لولده، تحت طائلة الترغيب والترهيب لا يعطي المشروعية لما هو غير شرعي.
ثالثاً: متى صار يزيد إماماً لمسلم بن عقيل، وما هي الآلية التي حصل بها على مقام الإمامة، والحال أن مسلما لم يبايع يزيد، ولا يرى أنه أهل للإمامة؟!
رابعاً : إن مسلماً من بني هاشم، وكل من تابعهم يلتزمون بما ورد عن الله ورسوله، فقد قال تعالى: (لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (1).
ومعاوية ويزيد من الظالمين.
وروي عنه «صلى الله عليه وآله» أيضاً ما دل على أن الإمامة محرمة على الطلقاء، وأبناء الطلقاء، ومنهم معاوية ويزيد.. فراجع(2).
خامساً: إن غاية ما يتشبث به لإمامة يزيد هو: أن أباه هو الذي جعلها له. ومن الواضح: أن فاقد الشيء لا يعطيه، فإن معاوية نفسه لا شرعية له، فهل يمنح الشرعية لغيره؟!
وقد أشار مسلم إلى ذلك بقوله لابن زياد: وَاللهِ ما كَانَ مُعاوِيَةٌ خَليفَة بإجماع الأُمَّةِ، بَل تَغَلُّبَ عَلى وَصِيِّ النَّبِيِّ بالحيلة، وأخَذَ عَنهُ
الخِلافة بالغَصب، وكَذلِكَ ابنُهُ يَزِيدُ.
سادساً: لنفترض، ولو على سبيل فرض المحال أن الشرعية متحققة لمعاوية وليزيد، فإن هذه الشرعية تتلاشى حين يرتكب ذلك الحاكم المآثم والجرائم، والعظائم، وحين يخرج عن جادة الاستقامة والعدل، ويصبح فاسقاً فاجراً ، شارباً للخمر، قاتلاً للنفس المحترمة، لاعباً بالقرود والفهود، وغير ذلك مما لا مجال لاستقصائه .
من الذي شق عصا المسلمين؟!:
وفيما يرتبط بما زعمه ابن زياد من أن مسلماً «رضوان الله تعالى عليه» قد شق عصا المسلمين، رأينا أن مسلماً يعيد هذه التهمة
إليه، ويقول: «إنَّما شَقَّ عَصَا المُسلِمِينَ مُعاوِيَة وابنُهُ يَزِيدُ». وقد بيَّن لنا ما قصده بقوله: «بَلْ تَغَلَّبَ عَلَى وَصِيِّ النَّبِيِّ بالحيلةِ، وأخَذَ عَنهُ الخِلافة بالغَصب، وكَذلِكَ ابنُهُ يَزِيدُ».
أمير المؤمنين الحسين علیه السلام:
وما تقدم، من أن مسلماً «رحمه الله» قال: «وإنَّما أنا في طاعَةِ أمير المُؤمِنينَ الحُسين بن عَلِيٍّ، ابن فاطمة بنت رسول اللهِ «صلى الله عليه وآله»..» يثير سؤالاً عن مبرر وصفه الحسين «عليه السلام» ب- «أمير المؤمنين» مع أن هذا اللقب خاص بأميرالمؤمنين علي «عليه السلام».
ويمكن أن يجاب:
بأن مسلما قد قصد بكلامه هذا معناه اللغوي، الذي يعني إثبات أن
مقام الإمارة والحاكمية على المؤمنين خاص بالحسين «عليه السلام»، أما يزيد فليس لهم بأمير.
ولم يقصد «رحمه الله» أن يجعل هذا لقبا له «عليه السلام» يخاطب به، كما كان يخاطب به أمير المؤمنين «عليه السلام»، أو كما يخاطب به الآخرون، الذين تغلبوا واغتصبوا هذا المقام من أصحابه الحقيقيين.
الإمام هو ابن علي وابن فاطمة:
رأينا: أن مسلماً حين صرح بأن إمامه هو ابن علي، وابن فاطمة
بنت النبي «صلى الله عليه وآله». أسقط في يد ابن زياد، فلم يجد أمامه غير السب والشتم، والكذب والافتراء على مسلم بأنه يشرب الخمر بالمدينة، ليصرف الأذهان كليا عن موضوع الإمامة، ومن هو الأحق بها ..
والظاهر: أن سبب لجوئه إلى هذا الأسلوب الوقح أنه كان يعرف أن الذين اغتصبوا الخلافة من علي «عليه السلام» يوم السقيفة كانوا يحتجون لفعلهم هذا بأنهم هم أولياء النبي وعشيرته.
بل لقد حلف عشرة من قواد أهل الشام، وأصحاب الرياسة فيها بعتق مواليهم ، وصدقة أموالهم، وطلاق نسائهم. وادعوا لأبي العباس السفاح أنهم ما كانوا يعرفون أن للنبي «صلى الله عليه وآله» أهل بيت غير بني أمية.
وواضح: أن أحداً لا يستطيع أن يدعي أنه أقرب إلى النبي
«صلى الله عليه وآله» من الحسين بن علي «عليهما السلام».
فجاءت كلمة مسلم في إثبات أولوية الحسين «عليه السلام» بخلافة الرسول «صلى الله عليه وآله»، وبالإمامة بعده من معاوية وابنه يزيد لتسقط هذه الدعاوى الزائفة، وتجعل منها حجة على كل من هو في حزب معاوية ويزيد، وبني أمية وآل زياد..
لا تدع سوء القتلة، وقبح المثلة:
وتقدم: أن عبيد الله بن زياد حين توعد مسلم بن عقيل بالقتل، قال
له مسلم «رحمه الله»: «إِنَّكَ لا تَدَعْ سوءَ القِتلة، وقبحَ المُثلة الخ..».
فقد يقال : لماذا لم يقتصر مسلم في جوابه لابن زياد على ما يوازي كلام ابن زياد، بل ذكر أن ما يمارسه ابن زياد من قتل للناس إنما يختار لهذا القتل صوراً سيئة، كما أنه لا يقتصر على القتل، بل
يتعداه إلى التمثيل بالجثث، ويختار الصور القبيحة للمثلة أيضاً ؟!
ويجاب :
بأنه يفهم من كلام ابن عقيل «رحمه الله»: أنه يريد تقرير حقيقة يعرفها الناس من ابن زياد، وقد رصدوها، وعاينوها، وهي تطفو على تصرفاته، حتى أصبحت طريقته وديدنه، وهي أنه يختار الكيفيات البشعة للقتل، وإذا قتل، فإنه لا يترك ضحيته دون أن يمثل بها كأقبح ما يكون التمثيل. ولذلك قال له مسلم «رحمه الله»: «إِنَّكَ لا تَدَعْ سوءَ القِتلة، وقبحَ المُثلةِ». أي أن هذه هي طريقته وعادته.
والتفات الناس إلى هذه الحقيقة يجعل ابن زياد في موقع المدان
تلقائياً، وستنفر الطباع من عمله هذا، وسيصبح في موقع المتهم في كل تصرفاته، فكيف إذا كان من يقتله هو من أهل بيت النبوة، ومن العلماء والأخيار، الذي استحق أن يصفه الإمام الحسين «عليه السلام»: بأنه أخوه، وثقته من أهل بيته ؟!
وكيف إذا كان ابن زياد يقتله لأنه يطالبه بإرجاع الحق إلى أهله، أو لأنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، أو لأنه يريد دفع الظلم عن الناس، والدعوة إلى العودة لحكم القرآن والسنة. كما ورد في كلام مسلم في أجوبته لابن زياد.
رد التهمة بشرب الخمر:
وقد رد مسلم بن عقيل على فرية ابن زياد عليه بأنه كان يشرب الخمر في المدينة ردا رصينا وبليغاً، وبعيداً عن الإنفعال، وعن
الاتهام بالباطل، حيث قدم للناس دلائل وعلامات ترشدهم وضابطة تدلهم على من يمكن أن يشرب الخمر ، فقال : «أَحَقُّ - وَاللَّهِ - بِشْرِبِ الخمر مِنّي مَن يَقْتُلُ النَّفْسَ الحَرامَ، وهُوَ فى ذلِكَ يَلهو ويَلْعَبُ كَأَنَّهُ لم يَسمَع شَيئًا»!
وذلك لما يلي:
أولاً: إن من يتصرف على هذا النحو يدلل على نفسه أنه غير متوازن في تفكيره، وفي سلوكه.. ولا يملك من الموازين والروادع الأخلاقية، والقيم الإنسانية ما يحقق له أدنى درجات الإلتزام والاستقامة .
ثانياً: إن هذا التصرف إذا صدر من العارف الواعي، والذي لا تخفى عليه أمور الصلاح والفساد يدل بوضوح تام على استهتار هذا الصنف من الناس بالقيم، والأخلاق، والشرائع الإلهية، ولا يقيم وزنا لحياة الناس وكراماتهم، وحقوقهم، وليس أيسر عليه من هتك
الحرمات، وارتكاب الجرائم والموبقات.. في سبيل الحصول على
شهواته، وتلبية غرائزه .
الأمر الذي يدل بوضوح على طغيان ال- «أنا» وهيمنة حب الذات على ذلك الشخص، إلى الحد الذي أسقط مزاياه الإنسانية، وحوله إلى آلة مدمرة لا بد للناس أن يعرفوها، وان يحذروا منها، ويدل بعضهم بعضاً عليها.
كما أن عقلاء الناس، وخيارهم، وأهل الدين منهم، وأصحاب الأخلاق الفاضلة، والمزايا الجميلة والنبيلة، يعرفون أنخلقهم، ودينهم، وعقلهم، يأبى عليهم أن يفرطوا بعقولهم التي هي أغلى جوهرة يملكونها، استجابة لهوى أو انقياداً لشهوة.
وهذا معيار صالح يعرف به من يشرب الخمر، ومن لا يشربها.
وبذلك يكون مسلم «رحمه الله» قد رد كيد ابن زياد إليه، وأعاد
سهامه عليه.
يكفي ما ذكرناه :
ومن يتابع بقية ما جرى بين ابن عقيل، وعبيد الله بن زياد يلمس أن ابن زياد قد اضطر لفتح العديد من الأبواب، وأثار الكثير من
النقاط، لأنه كان كلما أثار نقطة بادره مسلم بالجواب القاطع والفاضح، فيقفز ابن زياد عن تلك النقطة إلى موضوع آخر، فيواجه أيضاً نفس المشكلة، فيلجأ للأكاذيب والافتراءات تارة، وإلى الشتائم أخرى، وإلى التهديد والوعيد ثالثة، سعياً للتأثير على تماسك مسلم، فلا يجد لدى مسلم غير الثبات، والمنعة بالإخلاص، والصدق، وقوة الحق، حتى ضاق ابن زیاد بمسلم ذرعاً، فسارع إلى البطش به على ذلك النحو الفظيع والشنيع.
ونحن نكتفي بهذا المقدار من الإثارات، ونترك باقي الأمور التي وردت في هذا السجال القوي إلى نباهة القارئ الكريم، والحمد لله رب العالمين..
لماذا بكى مسلم؟!:
عن قدامة بن سعيد بن زائدة بن قدامة الثقفي قال عن مسلم:
وأتِيَ بِبَغلَةٍ فَحُمِلَ عَليها، وَاجتَمَعوا حَولهُ، وَانتَزَعوا سَيفَهُ مِن عُنُقِهِ،
فَكَأَنَّهُ عِندَ ذلِكَ أَيسَ مِن نَفسِهِ، فَدَمَعَت عَيناهُ، ثُمَّ قَالَ: هذا أَوَّلُ الغَدر.
قالَ مُحَمَّدُ بنُ الأَشْعَثِ : أرجو ألا يَكونَ عَليكَ بَأسٌ.
قالَ: ما هُوَ إِلا الرَّجاءُ! أينَ أمانُكُم؟! إنّا لله وإنا إليه راجعونَ،وبكى.
فَقالَ لَهُ عَمرُو بنُ عُبَيدِ اللهِ بن عَبّاس: إِنَّ مَن يَطلُبُ مِثْلَ الَّذِي
تَطْلُبُ، إذا نَزَلَ بِهِ مِثلُ الَّذي نَزَلَ بِكَ، لم يَبكِ!
قالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا لِنَفسي أبكي، ولا لها مِنَ القتل أرثي، وإن كنتُ لم أحِبَّ لها طرفة عين تلفاً، ولكِن أبكي لِأهلِي المُقبلينَ إِليَّ، أَبكي لِحُسَينِ وآل حُسَين (1).
1) موسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 167 عن المصادر التالية: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 374 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 280 والكامل في التاريخ ج 4 ص 33 ومقاتل الطالبيين ص 107 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 66 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 210 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 59 ج1 وروضة الواعظين ص 195 و (منشورات الشريف الرضي) ص 176 وبحار الأنوار ج 44 ص 353 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 202 وراجع: إعلام الورى ج 1 ص 443 ولواعج الأشجان ص 60 و 61 وراجع البداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج8 ص 171 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 50 وإبصار العين ص 82.
زاد ابن كثير قوله : إنَّهُ قد خَرَجَ إِليكُمُ اليَومَ أو أمس مِن مَكَّة (1).
وعند ابن نما أنه قال: ولكِنَّ جَزَعِي لِلحُسَين وأهل بَيْتِهِ الْمُعْتَرِّينَ
بِكتابي. وقالَ: هذا أوانُ الغَدرِ (2).
وصايا مسلم بن عقيل:
1 - عن أبي مخنف عن قدامة بن سعيد بن زائدة بن قدامة الثقفي أنه قال عن مسلم بن عقيل:
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى مُحَمَّدِ بن الأَشْعَثِ فَقالَ: يا عَبدَ اللَّهِ، إِنِّي أَراكَ وَاللَّهِ سَتَعجَرُ عَن أماني، فَهَل عِندَكَ خَيْرٌ؟ تَستَطيعُ أَن تَبِعَثَ مِن عِندِكَ رَجُلاً عَلى لِساني يُبلِعُ حُسَيناً «عليه السلام» - فإنّي لا أراهُ إلا قد خَرَجَ إِليكُمُ اليَومَ مُقبلا، أو هُوَ خارِجٌ غَدا هُوَ وَأَهلُ بَيْتِهِ، وإنَّ ما تَرى مِن جَزَعِي لِذلِكَ - فَيَقُولُ:
إِنَّ ابنَ عَقِيلٍ بَعَتْني إِليكَ، وهُوَ في أيدِي القوم أسيرٌ، لا يَرى أن
تَمشي حَتَّى تُقتَلَ و[عند الخوارزمي هو أسير في يد العدو، يذهبون به إلى القتل]، وهُوَ يَقولُ: ارجع بأهل بيتِكَ، ولا يَغُرَّكَ أهلُ الكوفةِ، فَإِنَّهُم أصحابُ أبيكَ الذي كانَ يَتَمَنّى فِراقهُم بالمَوتِ أوِ القتل، إِنَّ أهلَ الكوفة قد كَذَّبُوكَ، وكَذَّبوني، وليسَ لِمُكَذَّبِ رَأَيِّ.
فقالَ ابنُ الأَشْعَثِ : وَاللهِ لأَفعَلنَّ، ولأعلِمَنَّ ابنَ زِيادٍ أَنِّي قد آمَنتُكَ
قال أبو مِخنَفٍ» فَحَدَّتْني جَعفَرُ بنُ حُدَيفَة الطَّائِيُّ قال:
دَعا مُحَمَّدُ بنُ الأَشْعَثِ إياسَ بن العَثِلِ الطائِيَّ، مِن بَني مَالِكِ بن عَمرِو بن ثمامَة، وكان شاعِرا، وكانَ لِمُحَمَّدٍ زَوّارا، فقالَ لَهُ: القَ حُسَينا فأبلغهُ هذا الكِتابَ، وكَتَبَ فِيهِ الَّذي أَمَرَهُ ابنُ عَقِيل. [وعند الخوارزمي وكتب معه إلى الحسين «عليه السلام» ما قاله مسلم عن لسان مسلم].
وقال له: هذا زادُكَ ، وجَهازُكَ، ومُتعَةٌ لِعِيالِكَ.
فَقالَ: مِن أينَ لي براحِلةٍ؟!
فإِنَّ راحلتي قد أنضيتُها.
قالَ: هذِهِ راحِلة فارگبها برحلها ، ثُمَّ خَرَجَ فَاسْتَقْبَلَهُ بِزُبالة لِأَربَعِ ليالٍ، فأخبَرَهُ الخَبَرَ، وبَلَغَهُ الرّسالة، فقالَ لهُ حُسين «عليه السلام»: كلُّ ما حُمَّ نازلٌ، وعِندَ اللهِ نَحتَسِبُ أنفُسنا، وفسادَ أُمَّتِنا (1).
1) موسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 168 و 169 عن تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 374 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 281 والبداية والنهاية ج 8 ص158و ط دار إحياء التراث ج 8 ص 171 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 59 وإعلام الورى ج 1 ص 443 وبحار الأنوار ج 44 ص 353 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 203 إلى قوله: قد آمنتك. وراجع الكامل في التاريخ ج 4 ص 33 ومقاتل الطالبيين ص 107 وراجع: مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 211 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 50 وتجارب الأمم ج2 ص53.
2 - وقال البلاذري عن مسلم :
أتِيَ بِهِ ابن زياد، وقد آمَنَهُ ابنُ الأَشعَثِ، فلم يُنفذ أمانُهُ، فلمّا وَقفَ مُسلِمٌ بَينَ يَدَيهِ، نَظرَ إِلى جُلسائِهِ، فَقالَ لِعُمَرَ بن سعد بن أبي وقاص: إِنَّ بَيني وَبَينَكَ قرابَة أَنتَ تَعلَمُها ، فقم مَعي حَتَّى أُوصِيَ إِليكَ [في الطبقات إنه ليس ها هنا رجل من قريش غيرك] ، قامتَنَعَ.
فقالَ ابنُ زيادٍ: قم إلى ابن عَمِّكَ.
فقامَ، فَقالَ: إِنَّ عَلَيَّ بالكوفة سَبْعَمِئَةِ دِرهَمٍ مُذ قدِمتُها، فاقضها عَنّي، وانظر جُنَّتي فاطلبها مِن ابن زيادٍ قوارها، وَابعَث إِلَى الحُسَينِ مَن يَرُدُّهُ. [في الطبقات فَإِنَّ القوم قد غَرّوهُ، وخَدَعوهُ، وكَذَّبُوهُ، وَإِنَّهُ إن قُتِلَ لم يَكُن لِبَني هَاشِمٍ بَعدَهُ نِظامٌ ].
فَأَخبَرَ عُمَرُ بنُ سَعدٍ ابن زيادٍ بما قالَ لَهُ.
فَقالَ: أمّا مالكَ، فَهُوَ لَكَ تَصنَعُ فِيهِ ما شِئتَ.
وأمّا حُسَينٌ، فَإِنَّهُ إن لم يُردنا لم نُردهُ.
وأمّا جئتُهُ، فإنّا لا تُشفّعُكَ فيها ؛ لِأَنَّهُ قد جَهَدَ أن يُهلكِنا.
ثمَّ قَالَ: وما نَصنَعُ بِجُتْتِهِ بَعدَ قتلِنا إِيَّاهُ؟!(1).
زاد في الطبقات قوله: «ثمَّ أَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ (إلى أن قال) وقضى عُمَرُ بنُ سَعدٍ دَينَ مُسلِمٍ بن عَقِيلٍ، وأخَذ جُلْتَهُ فَكَفَّنَهُ ودَقْنَهُ، وأَرسَلَ رَجُلاً إلى الحُسين «عليه السلام»، فَحَمَلَهُ عَلى ناقةٌ، وأعطاهُ نَفْقة، وأمَرَهُ أَن يُبَلغَهُ ما قالَ مُسلِمُ بنُ عَقِيلٍ، فَلَقِيَهُ عَلَى أَربَعِ مَرَاحِلٍ فَأَخبَرَهُ» (2).
3 - وفي العقد الفريد: أن مسلما قال لابن سعد: هَل لَكَ أَن تَكُونَ سَيِّدَ قُرَيش ما كانت قريش؟! إِنَّ حُسَينا ومَن مَعَهُ - وهُم تِسعُونَ إنساناً
1) أنساب الأشراف ج 2 ص 339 و (ط الأعلمي) ج 2 ص 81 و 82 والطبقات الكبرى لابن سعد (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 461 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 66 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 300 وراجع مقاتل الطالبيين (ط المكتبة الحيدرية )ص67 ولواعج الأشجان ص 63 والكامل في التاريخ ج 4 ص 34 وقتل الحسين لأبي مخنف ص53 وإبصار العين ص84 وروضة الواعظين ص177 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 61 وبحار الأنوار ج 44 ص 356 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 205 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 282 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 4 ص 171 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 169 وتاريخ الكوفة ص 331.
2) الطبقات الكبرى لابن سعد (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 461 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 67 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 300 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 4 ص 171.
ما بَينَ رَجُلٍ وَامرَأَةٍ - في الطريق، فاردُدهُم، واكتب لهم ما أصابَني.
ثُمَّ ضُرِبَ عُنْقهُ.
فَقالَ عُمَرُ لِابن زيادٍ: أَتَدري ما قال لي؟! قالَ: أَكتُم عَلى ابن عَمِّكَ .
قالَ: هُوَ أعظمُ مِن ذلِكَ.
قالَ: وما هُوَ؟
قالَ: قالَ لي: إِنَّ حُسَينا أَقبَلَ وهُم تِسعونَ إنساناً ما بَينَ رَجُلٍ وَامرَأَةٍ، فاردُدهُم، واكتب إليهِ بما أصابَني.
فَقالَ لهُ ابنُ زِيادٍ: أما واللهِ إِذ دَللتَ عَليهِ ، لا يُقاتِلُهُ أَحَدٌ غَيْرُكَ (1).
4 - عن مدرك بن عمارة قال : ثُمَّ أدخلَ عَلى عُبَيدِ اللهِ بن زيادٍ -
لعَنَهُ اللهُ - قلم يُسَلَّم عَليهِ ، فَقالَ لهُ الحَرَسُ: ألا تُسَلِّمُ عَلى الأمير؟!
فقالَ: إن كانَ الأميرُ يُريدُ قتلي فما سَلامي عَليهِ؟! وإِن كَانَ لا يُريدُ
قتلي، فَلْيَكتُرَنَّ سَلامي عَليهِ.
[ وفي الأخبار الطوال: قالَ ابنُ زيادٍ: كَأَنَّكَ تَرجُو البَقَاءَ؟
1) موسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 183 و 184 عن العقد الفريد ج3 ص 365 والمحاسن والمساوي ص 60 عن أبي معشر، والإمامة والسياسة (تحقي الزيني) ج 2 ص 5 و (تحقيق الشيري) ج 2 ص 10 وفيه «لعمر بن سعيد»، والمحن ص 145 وجواهر المطالب ج 2 ص268 والجوهرة في نسب الإمام علي وآله ص 43 ونهاية الأرب ج 20 ص 402 .
فَقالَ لَهُ مُسلِمٌ: فَإِن كُنتَ مُزمِعاً عَلى قتلي، فدَعني أوص إلى بَعضٍ مَن هاهُنا مِن قومي].
فقالَ لَهُ عُبَيدُ اللهِ - لَعَنَهُ اللهُ -: لتُقْتَلنَّ.
قالَ: أَكَذلك؟
قالَ: نَعَم.
قالَ: دعني إذا أوصي إلى بعض القومِ.
قالَ: أوص إلى مَن أحَببتَ.
فنَظُرَ ابْنُ عَقِيلٍ إِلى القوم وهُم جُلساءُ ابن زيادٍ، وَفِيهِم عُمَرُ بنُ
سَعدٍ، فَقالَ: يا عُمَرُ، إِنَّ بَيني وَبَينَكَ قرابَة دَونَ هَؤُلاءِ، ولي إليكَ
حاجَة ، وقد يَجِبُ عَليكَ لِقرابتي نجح حاجَتي، وهِيَ سِرٌّ
قأبى أن يُمَكَّنَهُ مِن ذكرها.
فَقالَ لَهُ عُبَيدُ اللهِ بنُ زيادٍ: لا تَمتَنِع من أن تَنظُرَ في حاجَةِ ابن عَمِّكَ .
فَقامَ مَعَهُ، وجَلسَ حَيثُ يَنظُرُ إليهما ابنُ زِيادٍ لَعَنَهُ اللَّهُ. فَقَالَ لَهُ ابنُ عَقِيلٍ : إِنَّ عَليَّ بالكوفة دينا استَدَنتْهُ مُذ قدِمتُها [ في رواية الطبري عن سعید بن مدرك: سبع مئة درهم] في الأخبار الطوال: مقدار ألف درهم]، تَقضيهِ عَنِّي حَتَّى يَأْتِيَكَ مِن غَلَتي بالمَدينَةِ [في بحار الأنوار: فبع سيفي ودرعي]، وجُنَّتي فاطلبها من ابن زيادٍ قوارها، [في الأخبار الطوال: فاستَوهِب من ابن زيادٍ جُنَّتي لِئَنَا يُمَثْلَ بِها] وَابعَث إلى الحُسَين بن علي «عليه السلام» مَن يَرُدُّهُ [في رواية سعيد بن
مدرك: فإنّي قد كَتَبتُ إليهِ أُعلِمُهُ أَنَّ النَّاسَ مَعَهُ، ولا أراهُ إِلا مُقبلا].
[وفي الأخبار الطوال: وَابعَث إلى الحُسَين بن عَلِيٌّ «عليه السلام» رَسولاً قاصداً مِن قِبَلِكَ يُعلِمهُ حالي، وما صِرتُ إليهِ مِن غَدر هؤُلاءِ الَّذِينَ يَزِعُمُونَ أَنَّهُم شِيعَتُهُ، وأخبره بما كانَ مِن نَكْثِهِم بَعدَ أن بايَعَني مِنهُم ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلفَ رَجُلٍ [إنسان]،لِيَنصَرِفَ إِلَى حَرَمِ اللَّهِ
فيُقيم بهِ].
فقالَ عُمَرُ لِابن زيادٍ: أتَدري ما قال؟!
قالَ: أكتم ما قالَ لكَ.
قالَ: أَتَدري ما قالَ لي؟
قالَ: هاتِ، فَإِنَّهُ لا يَخونُ الأمينُ، ولا يُؤتَمَنُ الخَائِنُ. [في رواية
سعيد بن مدرك: ولكن قد يؤتمن الخائن].
قالَ: كَذا وكذا.
قالَ: أمّا مالكَ ، فَهُوَ لَكَ، ولسنا نَمنَعُكَ مِنهُ، قاصنَع فِيهِ ما أَحبَبت.
وأمّا حُسَينٌ، فَإِنَّهُ إن لم يُردنا لم نرِدهُ، وإن أرادَنا لم نَكْفَّ عَنهُ.
وأمّا جُنَّتُهُ، فإنّا لا نُشَفَعُكَ فيها ؛ فَإِنَّهُ ليسَ لِذلِكَ مِنا بأهل، وقد خالقنا، وحَرَصَ عَلى هَلاكِنا .
زاد في رواية سعيد بن مدرك قوله: وزعموا أنه قال: أمّا جُنَّتُهُ
فإنّا لا تبالي إذا قتلناه ما صُنِعَ بها ] (1).
1) مقاتل الطالبيين ص 108 و (ط المكتبة الحيدرية) ص67 عن مدرك بن عمارة، وراجع: مثير الأحزان ص 36 وعنهما في موسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 185 و 186 وراجع: الأخبار الطوال ص240 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 376 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 282 عن سعيد بن مدرك بن عمارة، وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 174 و 175 عنه، وعن مصادر كثيرة. والأمالي الشجرية ج 1 ص 167 وروضة الواعظين ص 175 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 61 والكامل في التاريخ ج4 ص34 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 4 ص 171 ونهاية الأرب ج 20 ص 401 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 66 .
وقال ابن أعثم:
إِن كُنتَ عَزَمتَ عَلى قتلي - ولا بُدَّ لكَ مِن ذلِكَ - فَأَقِمِ إِليَّ رَجُلاً
من قرَيش أوصى إليهِ بما أريدُ.
فَوَثبَ إِلَيهِ عُمَرُ بنُ سَعدِ بن أبي وقاص، فقال: أوص إليَّ بما تُريدُ
يَا بن عَقِيلٍ.
فقالَ: أوصيكَ ونَفسي بِتَقْوَى اللهِ؛ فَإِنَّ التَّقوى فِيهَا الدَّركُ لِكُلِّ خَيرٍ، وقد عَلِمتَ ما بَيني وَبَينَكَ مِنَ القرابَةِ، ولي إليكَ حاجة، وقد يَجِبُ عَليكَ لِقرابتي أن تقضِيَ حاجتي.
قالَ: فَقالَ ابنُ زِيادٍ يَجِبُ يا عُمَرُ أَن تَقضي حاجة ابن عَمِّكَ وإن
كانَ مُسرِفاً عَلى نَفْسِهِ؛ فَإِنَّهُ مَقتولٌ لا مَحالة.
فقالَ عُمَرُ بنُ سَعدٍ: قُل ما أحبَبتَ يَا بنَ عَقِيلٍ.
فقالَ مُسلِمٌ - رَحِمَهُ اللهُ -: حاجَتي إليكَ أن تَشتَرِي فَرَسي وسِلاحي
مِن هؤلاء القوم فَتَبيعَهُ، وتَقْضِيَ عَنِّي سَبْعَمِئَةِ دِرْهَمٍ اسْتَدَنتُها في مصركُم، وأن تَستَوهِبَ جُنَّتي إذا قتلني هذا وثواريني فِي التُرابِ، وأن تَكتُبَ إلى الحُسَين بن عَلِيّ «عليه السلام» ألا يَقدِمَ فَيَنزِلَ بِهِ ما نَزَلَ بي .
قالَ: فَالْتَفَتَ عُمَرُ بنُ سَعِدٍ إِلى عُبَيدِ اللهِ بن زيادٍ، فَقالَ: أَيُّهَا الأميرُ، إِنَّهُ يَقُولُ كَذا وكذا .
فقالَ ابنُ زيادٍ: أما ما ذكرتَ - يَا بنَ عَقِيلٍ - مِن أَمرٍ دَينِكَ فَإِنَّمَا هُوَ
مالكَ يُقضى بِهِ دَينُكَ، ولسنا نَمنَعُكَ أَن تَصنَعَ فِيهِ ما أَحبَبتَ.
وأمّا جَسَدُكَ إِذا نَحنُ قَتَلْناكَ فَالخَيارُ في ذلِكَ لنا، ولسنا تُبالي ما صَنَعَ اللَّهُ بِجُتَتِكَ .
وأَمَّا الحُسَينُ فإن لم يُردنا لم نُرِدهُ، وإن أرادَنا لم نَكْفَّ عَنهُ (1).
ونقول:
هنا أمور عديدة تحتاج إلى بيان، نقتصر منها على الأمور التالية:
أول الغدر:
يلاحظ: أن مسلماً حين أخذ منه سيفه، وفرسه، وعمامته، اعتبر ذلك غدراً منهم به، وقال : هذا أوَّلُ الغَدرِ. ولم نجد من ابن الأشعث تأكيداً على ثبات هذا الأمان وقوته، بالرغم من أنه هو الذي أعطاه إياه، وتعهد بحفظ حياته بل هو قد عبر عن شكه في الوفاء، حيث
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 55 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص211.
قال: أرجو أن لا يكون عليك بأس..
مع أن ابن الأشعث لم يكن قد رأى ابن زياد بعد أسر مسلم، ولا سمع منه شيئاً يتعلق بالوفاء بالأمان وعدمه.
يضاف إلى ذلك: أن النصوص ذكرت: أن ابن زياد هو الذي أمر ابن الأشعث أن يعطي الأمان لمسلم ، لأنه لن يقدر عليه بدون ذلك. وهذا يدل على أن ابن الأشعث كان يعرف أو يظن بأن ابن زياد لن
يفي بهذا الأمان. هذا إن لم يكن متواطئاً مع ابن الأشعث في ذلك.
ومع أنه كان قد تلقى الأمر بإعطاء الأمان لمسلم من ابن زياد نفسه.
فهل سبب هذا الوهن الذي ظهر من ابن الأشعث حول الوفاء بالأمان هو معرفته بأخلاق فريقه، الذين جعل نفسه في خدمتهم، وأنهم من أهل الغدر بحسب طبعهم، وبحسب ما يعرفه عنهم من ممارسات غادرة رآها منهم.
فإن كان ابن الأشعث يعرف ذلك، ثم يقدم على إعطاء الأمان له،
فإنه يكون شريكاً مساهماً في هذا الغدر، وحسبه ما يلحق به غدره من خزي في الدنيا، وما ينتظره من انتقام إلهي في الدنيا والآخرة. وإن كان لا يعرف ابن الأشعث بأن حزبه غدرة فجرة، فإنه يصبح مطالباً بموقف يحفظ به ذمته وكرامته، ويدلل على شهامته.. ولا أقل من إظهار الانزعاج، وحجب معونته عن ابن زياد ومن معه، والخروج من دائرة الزبانية والأعوان .
ولكننا رأينا: أنه لم ينبس ببنت شفة، ولم يسجل أي اعتراض، بل
هو قد واصل تعاونه مع ابن زياد وخدمته له، وكان رهن إشارته، والخادم المطيع لكل الأوامر والزواجر التي يصدرها له مهما كانت عدوانية وشرسة، ومخزية ومغضبة الله سبحانه، ومن موجبات وهن الدين، وإزهاق أرواح خيار الأمة ، وصلحائها ، وحفظة الدين، والدعاة إلى الله.
وهذا قد يرجح للباحث: أن يكون قول ابن زياد: «كَأَنا أرسلناك تُوَمِنُهُ» أنه يفترض بابن الأشعث أن يعرف أن إعطاءه الأمان إنما هو للإيقاع به، وليس أماناً حقيقياً، ولذلك نرى ابن زياد يزجر ابن الأشعث، ولا يجد ابن الأشعث جواباً يتشبث به.
2 - والمضحك المبكي هنا : أن مسلماً حين رأى كيفية التعامل معه في اللحظات الأولى لأسره صار يتعامل مع ابن الأشعث من منطلق يقينه بأن الأمان الذي أعطي له لا قيمة له، وهو مقتول لا محالة.. وقد قال له بصراحة - كما تقدم -: إنّي أَراكَ وَاللَّهِ سَتَعجِزُ عَن أماني، فَهَلْ عِندَكَ خَيرٌ؟ ثم طلب منه إرسال رجل إلى الحسين «عليه السلام» يعلمه بما جرى.
ولم نجد ابن الأشعث قد نطق ببنت شفة تدلل على عدم صحة ما أدركه مسلم. بل صار يؤكد له على أنه سوف ينفذ ما يوصيه به بلا
ريب، وسيوصل رسالة مسلم إلى الإمام الحسين «عليه السلام»، وغير ذلك مما تقدم وسيأتي. وكأنه يريد أن يجعل ذلك تعويضاً عن
جرمه العظيم الذي ارتكبه في حق مسلم وأين؟! وأنى؟!
3 - قد عرفنا: أن ابن زياد هو الذي أمر محمد بن الأشعث بأن يعطي الأمان لمسلم. ولكن سيأتي عن قريب أنه عاد فأنكر ذلك. حين أخبره ابن الأشعث بأنه قد أمَّن مسلما، فقال له: ما أنتَ وَالأمانُ، كَأَتا أرسلناك تُؤمِنُهُ!! إنَّما أرسَلناكَ لِتَأْتِيَنَا بِهِ. فَسَكَتَ.
ومن المعلوم: أن ابن زياد قد أرسل إلى ابن الأشعث يأمره بإعطاء الأمان لمسلم ليتمكن من القبض عليه، فأعطاه الأمان في اللحظات الأخيرة، وأخذ مسلم ، وجيء به إلى القصر، وأوقف على بابه، ولم يكن ابن الأشعث قد لقي ابن زياد بعد، فإنه كان في داخل قصره.. فلما التقى به بعد أسر ابن عقيل، والإتيان به إليه، قال له: «ما أنتَ والأمانُ، كَأَنا أرسَلناكَ تُؤمِنُهُ إنَّما أَرسَلْناكَ لِتَأْتِيَنَا بِهِ».
4 - ولكن مسلم بن عقيل لم يكف عن مطالبة ابن الأشعث بالوفاء بالأمان الذي أعطاه إياه، فقد طالبه به حتى بعد أن أمر ابن زياد جلاوزته بإصعاد مسلم إلى أعلى القصر، وضرب عنقه، فقد توجه مسلم إلى ابن الأشعث قائلاً:
«يَا بنَ الأشْعَثِ، أما واللهِ لولا أَنَّكَ آمَنتَني مَا اسْتَسلمتُ، قُم بِسَيفِكَ
دوني فقد أُخْفِرَتْ ذِمَّتَكَ».
وسيأتى المزيد من الحديث عن هذه الفقرة، حين نتحدث عن أحداث شهادة مسلم «رحمه الله» إن شاء الله..
ابن الأشعث ينفذ وصية مسلم :
وقد تقدم - وسيأتي أيضاً -: أن محمد بن الأشعث قد وافق على ما طلبه منه مسلم بن عقيل بأن يرسل رسولاً إلى الحسين - حيث سيلقاه في الطريق - يخبره بنكث أهل الكوفة بيعتهم، وخذلانهم مسلماً، ويطلب منه أن يرجع.
وسيأتى أيضاً : أن مسلماً حين أوصى عمر بن سعد، قد طلب منه
أيضاً نفس هذا الطلب.
وقد لاحظنا: أن عمر بن سعد قد أخبر ابن زياد بما قال، فلم يرفض ابن زياد هذا الطلب، بل أجاب بطريقة يفهم منها أنه لا يمنع من إبلاغ الحسين «عليه السلام» بما يريده مسلم، فقد قال عن الحسين
«عليه السلام»: فإِنَّهُ إِن لم يُردنا لم نُرده.
فكأنه كان يخشى أشد الخشية من مواجهة الحسين «عليه السلام» في الكوفة، ولعل ما عاينه من شجاعة وبسالة لمسلم قد فاجأه وأدهشه.. وهو يعلم أن مسلماً لا يقاس بالإمام الحسين «عليه السلام».
يضاف إلى ذلك: أنه كان يخشى من أن يواصل الحسين طريقه إلى
الكوفة، فإن تمكن من دخولها، فقد تنقلب الموازين فيها.. فإنه إذا كان مسلم بن عقيل استطاع أن يحصل على بيعة عشرات الألوف من أهلها للحسين «عليه السلام»، وكان الحسين غائباً وبعيداً عنهم، فمن المحتمل جدا أن يوجب حضور الحسين «عليه السلام» بنفسه
ورؤيتهم إياه، وسماع كلامه التعلق به، وإذكاء الرغبة بالكون معه
وحرب أعدائه تحت لوائه.
فكان ابن زياد يرى أن من مصلحته صرف الحسين عن هذا الأمر، لأن ثمة خطورة بالغة كامنة فيه إذا واصل مسيره إلى الكوفة.. ولأجل ذلك أخذ ابن زياد المسالك إلى الكوفة من جميع الجهات، وبث السرايا في كل اتجاه ليقبض على الحسين «عليه السلام»، ويكون دخوله إلى الكوفة وهو في قبضته، وتحت سلطته..
ولذلك رأينا محمد بن الأشعث وعمر بن سعد أيضاً يتسابقان لإنجاز هذه المهمة، ويرسلان الرسل إلى الإمام «عليه السلام»، لا لأجل حفظ حياته «صلوات الله وسلامه عليه»، بل خدمة لابن زياد، وإبعاداً للأخطار المحتملة عنه..
لا يبكي من يطلب مثل هذا:
وتقدم: أن عبيد الله بن عباس السلمي لم يرق له بكاء مسلم بن عقيل، وقال له: «إنَّ مَن يَطلُبُ مِثْلُ الَّذي تَطلبُ، إذا نَزَلَ بِهِ مِثْلُ الَّذِي نَزَلَ بكَ لم يَبِك».
فأجابه مسلم: بأن بكاءه ليس لنفسه، بل لأجل الخطر الذي يواجه
الإمام الحسين «عليه السلام»، لعدم معرفته بما يجري.
ونقول:
إن منطق السلمي خاطئ جداً، وذلك لما يلي:
أولاً: هناك من يطلب جلائل الأمور لنفسه، لتكون مصدر قوة، وبهجة لها. فالمعيار عنده هو الأنا، أو لا أحد، فهو يبحث لنفسه عن
البقاء والسلامة، والعزة واللذة.
فهذا النوع من الناس تكون نفسه عنده هي الأغلى، والأهم من كل شي، ويمكن التضحية بكل شيء من أجلها، وإذا بكى فإنما يبكي لأجلها، إذا واجه خطراً يتهددها.
وإذا لم يبك، فإنه لا يفعل ذلك، إلا لأنه يريد أن يحصل لها على أمر موهوم في حقيقته، وهو أن يكسبها مجداً وفخراً في الدنيا الزائلة، من حيث هو تظاهر بالرجولة، والقوة والشموخ الموهوم، والعظمة الزائفة، بالرغم من أنه لا يسمن ولا يغنيها من جوع..
وهناك من يطلب أموراً جليلة عنده، يرى أنها أغلى من نفسه ومن الدنيا بكل ما فيها، فهو لا يطلبها لنفسه، بدليل أنه يندفع راضياً مختاراً ليضحي بنفسه من أجلها.
فإذا بكى هذا النوع من الناس في مواقع الخطر في سعيه إليها، فلن يكون بكاؤه لأجل نفسه بلا ريب بل لما هو أجل وأعظم وأغلى وأفخم منها بنظره
ثانياً: إن بكاء الأنبياء والأئمة في مناسبات لا يكاد يمكن حصرها لكثرتها لهو أمر مشهود للناس كل الناس الذين عاشوا معهم، ولكننا لم نجدهم بكوا على لذة فاتتهم ، أو خسارة أصابتهم، أو مقام، أو امتياز فقدوه، أو مصلحة شخصية عجزوا عن بلوغها .. وما إلى ذلك.
بل وجدنا أنهم يبكون رحمة للصغير، وعطفاً على الشيخ الكبير، وخوفاً وخشية من الله العلي القدير، وأسفاً على الأمة لما يرونه فيها من
مآس ونوائب، وما يحل بها من كوارث ومصائب.
ويبكون ويحزنون لما يعاينون من مظاهر الإنحراف والسقوط في حمأة المآتم، ومستنقعات الشهوات والأهواء التي تقود لارتكاب
الجرائم.
ويزيد حزنهم بظهور الباطل والضلال وأهله على الحق وأهل .الحق.. ويزداد هذا الشعور بالأسى والألم حين يبذل الهداة الأخيار، والأئمة الأطهار أرواحهم ودماءهم لإنقاذ الناس من هذا البلاء، وإذ بهم يرون أن نفس هؤلاء الذين يريدون إنقاذهم، لا يكتفون بالتخلي عنهم وخذلانهم، بل هم ينحازون إلى أعدائهم، وترتد سيوفهم، لتكون هي التي تسفك دماء هؤلاء الأخيار، الأبرار، والأئمة الأطهار كما قلنا .
وهذه المعاني بالذات هي التي يبكي لها مسلم بن عقیل رضوان
الله تعالى عليه»..
التنسيق بين مسلم والحسين علیه السلام:
1 - لقد أخبر ابن عقيل عن خروج الإمام الحسين «عليه السلام» من مكة قاصداً الكوفة في نفس اليوم الذي استشهد مسلم فيه، حيث قال عن الإمام الحسين «عليه السلام» في جوابه للسلمي: «إِنَّهُ قد خَرَجَ إليكُمُ اليَومَ أو أمس مِن مَكَّة».
أو قال في وصيته لابن الأشعث: «فإنّي لا أراهُ إِلَّا قد خَرَجَ إِلَيكُمُ
اليَومَ مُقبلا، أو هُوَ خارجٌ غَدا هُوَ وَأَهلُ بَيْتِهِ».
وهناك نصوص أخرى تحكي عن مسلم أنه قال ذلك، أو أشار إليه.
2 - يفهم من هذين النصين أن مسلما كان يعرف تاريخ خروج
الحسين «عليه السلام» من مكة بصورة تكاد تكون دقيقة.
ولأن وقت خروجه هو أحد الأيام الثلاثة التي ذكرها.. فالسؤال هو : من أين علم مسلم بوقت خروج الإمام الحسين «عليه السلام»؟!
فإن كان «رحمه الله» قد عرف به من رسالة وصلته من الإمام الحسين «عليه السلام»، فذلك يعني أن الإمام الحسين «عليه السلام» كان قد حدد تاريخ سفره إلى العراق في وقت سابق. بأسبوعين أو أكثر أو أقل على تاريخ اسشهاد مسلم «رحمه الله»، فإن الرسول من مكة إلى الكوفة يحتاج إلى أكثر من هذه المدة، وقد عرفنا: أن المدة التي استغرقتها رحلة مسلم بن عقيل من مكة إلى العراق هي عشرون يوماً.
3 - ومن ذلك كله نفهم: أن الإمام الحسين «عليه السلام» كان قد رسم خطة حركته بدقة بصورة مسبقة ، وكان يبلغها إلى من ينبغي أن تبلغه، لكي يتعامل مع الأمور بوضوح، وبما تفرضه الوقائع الملموسة، ولم يكن ليتيه في تراكمات الإحتمالات والظنون، التي قد
لا يمكن تلبيتها ومعالجة مقتضياتها إلا بجهود مضاعفة، وتكاليف
باهظة.
4 - وقد لاحظنا: كيف أن مسلما قد بادر إلى التعامل مع سفر
الإمام الحسين «عليه السلام» إلى العراق بما فرضه الواقع المستجد، فاستطاع في أحرج لحظة يمكن تصورها، وهي اللحظة التي يذهبون به فيها إلى القتل أن يرسل أكثر من رسول إلى الإمام الحسين «عليه السلام» ليعلمه بما جرى، ويحذره من القدوم إلى الكوفة.
وهذا درس دقيق وعميق في التدبير، وفي التعامل مع الأعداء،
ومع الأعوان والخلان لإنجاح المطالب، والوصول إلى الغايات
والرغائب بصورة ذكية ودقيقة.
5 -والأمر الأهم: أن يتمكن «عليه السلام» من تسخير نفس قتلته في إنجاز هذا الأمر الهام جداً.. وهذا إن دل على شيء، فهو يدل على أن مسلماً بالرغم من الجو الضاغط عليه، حيث إنه يعيش اللحظة الأخيرة لقتله، كان في غاية التماسك والوعي، والفهم للحقائق والدقائق التي يصعب الوصول إليها على كثير من العقلاء، حتى في أحلى لحظات الصفاء، والراحة والطمأنينة، والأمن المستتب.
ولكننا رأينا مسلماً «رضوان الله تعالى عليه» يدرك، حتى وهو هذه اللحظات بالذات: أن أعداءه سوف يستجيبون لطلبه بكل جدية، بل
سيكونون متلهفين للحصول على هذا الطلب منه بالذات، لأنه قد يكون مدخلاً لمسار جديد يجنبهم التعرض للزلزال الهائل، الذي يتوقعون حصوله إذا قصد الإمام الحسين «عليه السلام» الكوفة. ولاسيما بعد استشهاد مبعوثه مسلم بن عقيل «رحمه الله».
لماذا اختار مسلم لوصيته قرشياً؟!
وقد يتساءل المرء عن سبب اختيار مسلم عمر بن سعد ليحمله
وصيته، ألم يكن مسلم يعلم مدى خبث وسوء سريرة هذا الرجل؟!
ولماذا اختار لوصيته قرشياً ؟! ألم يعلم مدى حقد قريش على كل
من يمت إلى أبي طالب وذريته بصلة؟!
ألم يسمع الأقوال الكثيرة لعلي «عليه السلام» وهو يدعو على قريش، ويشكوها إلى الله، ويصرح بأنها قطعت رحمه، وصغرت
عظيم منزلته. إلى غير ذلك مما لا يخرج عن هذا السياق؟!
ألم ير أن ابن زياد قد اختار لحربه وأسره مئة رجل من قريش، لأنه يضمن أن تكون نتيجة فعلهم كما يحب ويشتهي؟!
وأخيراً.. ألم يجد في ذلك المجلس من هو أمثل، وأفضل من عمر بن سعد ؟!
ويمكن أن يجاب:
بأن مسلما لم يجد حوله سوى أعوان الطاغية، الذين هيمن عليهم الضلال والعمى.. وكان عمر بن سعد من بينهم، فأدرك مسلم أن اختياره لأي شخص غير قرشي، سوف يثير شكوك ابن زياد في ذلك الشخص، وعلاقته بمسلم، وربما أدى ذلك إلى بطشه بذلك الشخص، ثم تتطور الأمور بنحو سلبي، فيلحق الأذى ببعض من يلوذ به من خلانه، أو من عشيرته. ولعل هذا الجو - إذا فرض نفسه - ينتهي بضياع وصية مسلم، والمنع من إجرائها، أو التلاعب بها، بما يفقدها
أثرها المطلوب.
بل قد يواجه مسلم رفضاً من ذلك الشخص الذي يختاره لوصيته.
أما إذا اختار قرشياً، وجعل مبرر ذلك هو صلة القرابة بينه وبينه، والإستناد إلى المفهوم العشائري الذي يتعامل به أولئك الناس، فإن كل الظروف تكون قد تهيأت وساعدت على إنفاذ الوصية بسلاسة، ومن دون أي مضاعفات أو تبعات.
ويؤكد هذا الذي قلناه: أن ابن زياد نفسه هو الذي يدفع عمر بن سعد للإستجابة إلى ابن عمه، وقبول وصيته، ثم عقب ابن زياد على مضامينها بما دل على قبوله، أو على أنه لم يجد فيها ما يثير، أو
يضير.
وعند ابن أعثم: أن ابن زياد قال: يَجِبُ يا عُمَرُ أَن تَقضِيَ حَاجَة ابن عَمِّكَ، وإن كانَ مُسرفا عَلى نَفسِهِ.
دین مسلم:
وتقدم: أن وصية مسلم قد تضمنت قضاء دين مسلم الذي كان سبع
مئة در درهم، وقيل: ألف درهم.
ونقول:
1 - إن هيمنة أجواء الرهبة من الموت قتلاً على يد ذلك الطاغية
لم تخرج مسلماً عن حالة التوازن، والعمل على حفظ حقوق الناس، والاستفادة من فرص تؤدي إلى الخروج عنها، وبراءة الذمة منها. وهذا ما فعله مسلم بالنسبة لأداء ديونه لأصحابها، بالرغم من ضآلتها،
لأنه يرى أنها حتى لو كانت بمقدار سبع مئة درهم، أو ألف درهم، قد يخجل الدائنون عادة من المطالبة به بعد موت أو قتل المستدين لها بهذه الصورة الفظيعة، أو قد يصرفون النظر عنها لأسباب أخرى، كالخوف من الملاحقة والأذى. نعم، حتى لو كان الأمر كذلك، فإن مسلما حاول أن يحفظ حق دائنيه ولم يدفعه ضآلة هذا المقدار من الدين إلى التهاون به، وتناسيه ولم ير «عليه السلام» أن مواجهته الأهوال القتل في لحظة سوقه إليه عذراً له في عدم الإهتمام بأدائه.
2 - يلاحظ: أن الناس حين قدم عليهم مسلم، قد عرضوا عليه أموالاً ، ولكنه أبى يأخذ منها شيئاً مع أنه كان بحاجة إلى المال، حتى اضطر إلى الاقتراض.
3- إن مما يزيد الإنسان عجباً وإعجاباً: أن يكون قائد عظيم، يتحدر من أقدس البيوتات، ويبايعه عشرات الألوف من الناس. لا يجد
من المال ما يسد به حاجته، فيحتاج إلى الاستدانة من بعض الناس.. 4 - والأكثر غرابة هنا أن يتمكن من قضاء ذلك الدين، بواسطة
قتلته وبأيدي أعدائه بالذات.
5 - أضف إلى ما تقدم: أنه إنما قضى دينه من ماله. فقد ذكرت النصوص: أن بعضه قضاه من غلته بالمدينة، وقضى بعضه الآخر من ثمن سلاحه وفرسه، والقسم الآخر كان قد هيأ أسباب الإتيان به من أمواله بالمدينة. ولعل أحد القسمين كان يعادل السبع مئة درهم والقسم الآخر يعادل الثلاث مئة التي توصل إجمالي المبلغ إلى الألف
درهم.
جثة مسلم:
ومن جهة أخرى فقد تضمنت وصية مسلم لابن سعد أن يستوهب (يطلب) جثته من ابن زياد لمواراتها.
ونحن لا يروق لنا التعبير بالاستيهاب، فإن جثة مسلم لا يملكها ابن زياد ولا غيره ودفنه.
وتقول بعض النصوص المتقدمة : أن ابن سعد قد أخذ جثته، فكفنه و دفنه.
ولعله إنما أخذها بعد أن جرى عليها ما جرى من سحب في الأسواق، ثم صلبه بالكناسة هو وهاني بن عروة كما سيأتي.
ابن زياد لا يمنع مسلماً من الوصية:
وقد يقول قائل: إن سماح ابن زياد لمسلم بأن يوصي عمر بن سعد بما يحب قد يستغرب من مثله، وهو الرجل القاسي، والمتجبر، والحاقد. فهل عرضت لابن زياد أريحية، وشعور بالنشوة دعاه إلى هذا التصرف؟!
ونجيب:
بأن الأمر ربما كان على عكس ذلك. فإن شعور ابن زياد بالحاجة
إلى الكشف عن مكنونات صدر مسلم بن عقیل، قد دعاه إلى اغتنام الفرصة، واستدراجه إلى الجهر بما يريده، لاسيما وأنه كان يرى أن
أمامه عقبة كأداء ، وهي الإمام الحسين الذي يخشى قدومه إلى الكوفة. فكان يبحث عن مخرج، فلعله احتمل أن يجد لدى مسلم الأقرب والأكثر ارتباطا بالإمام الحسين «عليه السلام» بصيص أمل له، ومدخلاً إلى مواجهة هذا الخطر الجسيم والعظيم.. وهذا بالذات ما ظن
أنه قد حصل عليه من مسلم.
إغراءات مسلم لعمر بن سعد:
وتتبع كلمات ابن عقيل تجاه ابن سعد، حين أراد أن يوصيه يعطي :
أن مسلماً «رحمه الله» كان يغريه بقبول ذلك، فلاحظ على سبيل المثال قوله:«من قومي».
وقوله لابن زياد: «فَأَقِمِ إِليَّ رَجُلاً مِن قُرَيش أوصي إليهِ بما أريدُ»، مع أن معاوية يطعن في نسب أبيه سعد بن أبي وقاص، ويقول له: «يأبى عليك بنو عذرة» مجيباً له على قوله: «إني لأحق بموضعك
منك».
وكان سعد فيما يقال : لرجل من بني عذرة (1).
ومن دلائل ومفردات هذا الإغراء قول مسلم لعمر بن سعد: «يا
عُمَرُ، إِنَّ بَيني وَبَينَكَ قرابَة دَونَ هؤلاءِ، ولي إليكَ حَاجَةٌ، وقد يَجِبُ
1) راجع: مروج الذهب ج 3 ص 24 و (منشورات دار الهجرة) ج 3 ص 15 والغدير ج 3 ص 200 و ج 10 ص 258 والكنى والألقاب ج 1 ص307.
عَليكَ لِقرابَتي نُجحُ حاجَتي».
لكن الإغراء الأشد هو قوله - واصفاً حاجته هذه -: «وهِيَ سِرٌّ » .. فإن هذا يثير الرغبة لدى ابن سعد، ولدى عبيد الله بن زياد بمعرفة هذا السر الذي ينطوي عليه مسلم. ولكن خوف ابن سعد من ابن زياد كان يحتم عليه عدم القبول، ولم يكن ابن زياد يخشى أحداً .
ولأجل ذلك اندفع عبيد الله بن زياد إلى إلزام عمر بن سعد بقبول ذلك من مسلم.. وهو يعلم أن ابن سعد لن يخفي عنه شيئاً. كما كان ابن عقيل يعلم ذلك أيضاً.
بل تجد في النصوص المتقدمة ما قد يعد إغراقا في الإغراء الذي عرضه مسلم لابن سعد، حيث قال له - حسب رواية العقد الفريد وغيره -: «هَل لكَ أن تَكونَ سَيِّدَ قُرَيش ما كانَت قُرَيش»؟!
فهو يطمعه في أمر يكاد لا يخطر على بال أحد، ولاسيما مع ما أشرنا إليه فيما تقدم من نسبة أبيه إلى بني عذرة.
هل هذا تهديد؟!:
وقد تقدم عن الطبقات الكبرى، وغيره أن مسلم بن عقيل قد قال لابن سعد حين أوصاه: إنه - يعني الحسين «عليه السلام» - إن قتل لم يكن لبني هاشم بعده نظام..
فما الذي عناه مسلم في كلامه هنا عن بني هاشم؟!
ويمكن أن يجاب:
بأنه قد يكون أراد التحذير من التفكير بالعدوان على حياة الحسين «عليه السلام».. باعتبار أن ذلك يفتح الباب واسعا أمام بني هاشم، الذين كانت لهم مكانة مرموقة، ومقبولية واسعة، واحترام عند المسلمين، يجعل من السهولة على كثير منهم التصدي لتزعم الثورات المسلحة ضد قاتلي الحسين «عليه السلام».
وواضح: أن وجود الإمام الحسين «عليه السلام» بين ظهرانيهم يحجزهم عن أي تحرك بدون إذنه ورضاه ومباركته، فإذا استشهد «علیه السلام» فإن نظامهم ينفرط، وسيجد الكثيرون منهم يتحمسون لتزعم حركات قتالية ضد قتلته «عليه السلام».
ولا يبقى أي أمل في ضبط الأمور ، لأن استشهاده «عليه السلام» سوف يلهب شعور الناس، كل الناس، فما بالك ببني هاشم، ويزيد من تعاطف الناس مع كل هاشمي، وسوف يطالبهم الكثيرون بالتصدي لمن ارتكب هذا الجرم العظيم.
ابن سعد يعرض على مسلم أن يوصيه؟!:
وذكرت رواية ابن أعثم المتقدمة : أنه بمجرد طلب مسلم من ابن زياد أن يعين رجلا من قريش ليوصيه بما يريد، بادر عمر بن سعد إلى الإعراب عن رغبته بالتصدي لهذه المهمة.. مع أن سائر الروايات تذكر أنه رفض ذلك أولاً ، ولم يوافق حتى أمره عبيد الله بن زیاد.
فهل اختصرت رواية ابن أعثم ما جرى، فلم تذكر هذا الرفض،
وشرعت في بيان ما تلاه، بحيث يكون هذا العرض وهذا الحماس قد حصل وظهر بعد صدور الأمر إليه من ابن زياد؟!
إلا أن يقال: أن التأمل في سياق كلام ابن أعثم يعطي أن هذا بعيد عن مساق كلامه ..
نقول هذا مع إدراكنا أن أمثال هذه الاختلافات لا تؤثر على الصورة التي تتفق على ملامحها الأساسية معظم النصوص...
كما أن خطأ النساخ واجتهاداتهم غير الموفقة في قراءة الكلمات
المطموسة لها دور كبير في إنتاج كثير من هذه المشكلات الصغيرة.
هكذا قتل مسلم:
وقالوا أيضاً ما يلي:
1 - قالَ لَهُ ابنُ زِیادٍ: قَتَلنِي اللهُ إن لم أقتُلكَ قِتلة لم يُقتلها أحَدٌ فِي الإسلامِ من النّاس .
قالَ لَهُ مُسلِمٌ: أَما إِنَّكَ أَحَقُّ مَن أحدَتْ فِي الإسلام ما لم يَكْن، وإِنَّكَ
لا تَدَعْ سو سوءَ القِتلة، وقبحَ المُثلة، وخُبثَ السّيرَةِ، ولُوْمَ الغَلبَة.
فَأَقْبَلَ ابنُ زِيادٍ يَشتِمهُ، ويَشتِمُ الحُسَينَ، وعَلِيّا، وعَقِيلاً عَليهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ، وأخذ مُسلِمٌ لا يُكَلِّمُهُ.
ثُمَّ قالَ ابنُ ِزيادٍ: اِصعدوا بهِ فوقَ القصرِ، قاضرِبوا عُنُقهُ، ثُمَّ أَتبعوه جَسَدَهُ.
فَقَالَ مُسلِمُ بنُ عَقِيلٍ -(رَحِمَهُ اللهِ عَليهِ -: لو كانَ بَيني وَبَينَكَ قرابة ما
قَتَلتني.
فقالَ ابنُ زِيادٍ: أَينَ هذا الذي ضَرَبَ ابنُ عَقِيلٍ رَأْسَهُ بِالسَّيفِ؟
فَدُعِيَ بَكْرُ بنُ حُمران الأحمَرِيُّ ، فقالَ لَهُ: اِصعَد فَلتَكُن أنتَ الذي
تَضربُ عُنْقهُ.
فَصَعِدَ بهِ وهُوَ يُكَبِّرُ ويَستَغفِرُ اللهَ ، ويُصلي عَلَى رَسُولِهِ، ويَقُولُ: اللهُمّ احكُم بَينَنا وبَينَ قومٍ غَرّونا، وكَذَّبونا، وخذلونا.
وأَشْرَفوا بهِ عَلى مَوضع الحَدَّائِينَ اليَومَ، فَضُرِبَت عُنْقُهُ، وأتبعَ جَسَدُهُ
رَأسَهُ(1).
2 - عن أبي مخنف: أنه لما أمر ابن زياد بضرب عنق مسلم فوق
القصر، وإتباع جسده رأسه، قال مسلم «رحمه الله»:
يَا ْبنَ الْأَشْعَتْ: أما وَاللهِ لولا أَنَّكَ آمَنتَني مَا اسْتَسلمتُ، قُم بِسَيفِكَ دوني، فقد أُخْفِرَت ذِمَّتُكَ.
ثُمَّ قَالَ: يَا بنَ زِيادٍ ! أمَا وَاللهِ لو كانَت بَيني وَبَينَكَ قرابة ما قتَلتَني.
[زاد ابن أعثم قوله ولكنك ابن أبيك ] .
1) الإرشاد ج 2 ص 62 وإعلام الورى ج 1 ص 444 وبحار الأنوار ج 44 ص 356 و موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 3 ص 189 عنهم، وقال: راجع: روضة الواعظين ص 196 و (منشورات الشريف الرضي) ص 177 والأمالي الشجرية ج 1 ص 191 والحدائق الوردية ج 1 ص 116 وراجع: مقاتل الطالبيين (ط المكتبة الحيدرية) ص 67 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 206 وأنساب الأشراف (ط الأعلمي) ج 2 ص 82 ولواعج الأشجان ص 65.
ثُمَّ قَالَ ابنُ زِيادٍ: أينَ هذا الذي ضَرَبَ ابنُ عَقِيلٍ رَأْسَهُ بِالسَّيفِ و عاتِقه؟
فدُعِيَ، فَقالَ: اِصعَد فكُن أنتَ الَّذي تَضربُ عُلقة [زاد المسعودي: لِتَأْخُذُ بِتَأْرِكَ مِن ضَربَتِهِ]، [وعند ابن أعثم: لِيَكُونَ ذلِكَ أَشفى لِصَدرك].
فَصَعِدَ بِهِ وهُوَ يُكَبِّرُ ويَستَغفِرُ، ويُصلي عَلَى مَلَائِكَةِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، وهُوَ يَقولُ: اللهُمَّ احكُم بَينَنا وبَينَ قومٍ غَرّرونا، وكَذَّبونا، وأذلونا.
وأشرِفَ بِهِ عَلى مَوضع الجَزَّارِينَ اليَومَ، فَضُرِبَت عُنُقَهُ، وأتبعَ جَسَدُهُ رَأْسَهُ.
قالَ أبو مِختَفِ: حَدَّثنِي الصَّعَبُ بنُ زُهَيرِ، عَن عَوفِ بن أَبي جُحَيفَة، قالَ: نَزَلَ الْأَحْمَرِيُّ بُكَيرُ بنُ حُمرانَ الذي قتَلَ مُسلِماً، فَقَالَ لَهُ ابنُ زِيادٍ: قَتَلْتَهُ؟
قالَ: نَعَم.
قالَ: فما كانَ يَقولُ وأَنتُم تَصعَدُونَ بِهِ؟
قالَ: كانَ يُكَبِّرُ ويُسَبِّحُ [ويهلل] ويَستَغفِرُ، فلمّا أدنَيتُهُ لِأقْتُلَهُ، قَالَ: اللهُمَّ احكُم بَينَنا وبينَ قوم كَذَّبونا، و غَرّونا [ثم] وخذلونا، وقتلونا.
فَقُلتُ لَهُ: أدنُ مِنّي، الحَمدُ للهِ الذي أقادَني مِنكَ، فَضَرَبَتْهُ ضَرَبَةٌ لم تُغن
شيئاً.
فَقالَ [مُسلِمٌ]: أما تَرى فِي خَدَشٍ تَخدِشنيهِ وَفَاءً مِن دَمِكَ أَيُّهَا العَبدُ؟
فقالَ ابنُ زيادٍ أو فخرا عِندَ المَوتِ!
قالَ: ثُمَّ ضَرَبَتْهُ الثانِيَة، فَقَتَلْتُهُ (1).
3 - وعند أبي حنيفة الدينوري:
فأشرِفَ بِهِ عَلى النّاس، وهُم عَلى باب القصر مِمَّا يَلِي الرَّحَبَة، حَتَّى إذا رَأوهُ ضُربَت عُنُقَهُ هُناكَ، فَسَقط رأسُهُ إِلى الرَّحَبَةِ، ثُمَّ أتبعَ الرَّأْسُ بِالجَسَدِ.
وكانَ الَّذي تَوَلَّى ضَربَ عُنْقِهِ أَحمَرُ بنُ بُكَير(2).
وعند ابن حبان: فسقطت جُنَّتُهُ، ثُمَّ أتبعَ رَأسُهُ جَسَدَهُ (3).
4 - زاد ابن أعثم على ما تقدم في رواية أبي مخنف المتقدمة قوله:
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 378 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 283 وموسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 3 ص 189 و 190 عنه، وعن الكامل في التاريخ ج 2 ص 35 و 36 ثم قال: وراجع: أنساب الأشراف ج 2 ص 340 ومقاتل الطالبيين ص 109 والبداية والنهاية ج 8 ص 157 ومروج الذهب ج 3 ص 69 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 94 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 244 والمختصر في أخبار البشر ج1 ص 190 وراجع مقتل الحسين لأبي مخنف ص54 .
2) الأخبار الطوال ص 241 .
3) الثقات لابن حبان ج 2 ص 308 وراجع: تهذيب الكمال ج6 ص426 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 308 والإصابة ج 2 ص 71.
وتَقدَّمَ ذلِكَ السّامِيُّ فَضَرَبَ عُنُقَهُ - رَحِمَهُ اللهُ - ثُمَّ نَزَلَ السّامِيُّ إِلى عُبَيدِ اللهِ بن زيادٍ وهُوَ مدهوش.
فقالَ لَهُ ابنُ زِیادٍ: مَا شَأْنُكَ؟ أَقْتَلْتَهُ؟
قالَ: نَعَم، أصلحَ اللهُ الأميرَ ، إِلا أَنَّهُ عَرَضَ لي عارضٌ، فَأَنَا لَهُ فَزعٌ
مَرعوبٌ.
قالَ: مَا الَّذِي عَرَضَ لَكَ؟
قالَ: رَأيتُ ساعَة قتَلتُهُ رَجُلا حِذاي أسوَدَ، كَثيرَ السَّوادِ، كَرِيةَ المنظر ، وهُوَ عاضٌّ عَلى إِصْبَعَيهِ - أو قالَ: شَفَتَيهِ - فَفَزِعتُ مِنهُ فَزَعاً لم أفزَع قطُّ مِثْلَهُ !
قالَ: فَتَبَسَّمَ ابنُ زيادٍ، وقالَ لَهُ: لَعَلَّكَ دُهِشت، وهذِهِ عادَةٌ لم تَعتَدها قبلَ ذلِكَ (1).
5 - وقال سبط ابن الجوزي:
فَآمَنَهُ [أي مُسلِمَ بنَ عَقيل] ابنُ الأَشعَثِ، وجاءَ بِهِ إلى ابن زيادٍ، فَأَمَرَ بِهِ، فأصعِدَ إلى أعلى القصر فضُرِبَت عُنْقَهُ، وَأُلْقِيَ رَأْسُهُ إلى النّاس.
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 58 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص213 والملهوف ص 122 و (نشر أنوار الهدى - قم) ص36 وبحار الأنوار ج 44 ص357 والعوالم، الإمام الحسين ج 17ص207 ولواعج الأشجان ص 65.
وصلِبَت جُنَّتُهُ بالكْناسَة. ثُمَّ فُعِلَ بهانِي بن عُروَةَ كَذلِكَ(1).
ونقول:
إن أكثر ما تضمنته النصوص المذكورة آنفاً قد تحدثنا عنه حين كنا نورد النصوص التي روت الأحداث التي واجهها مسلم مع ابن زياد، وأعوانه، ومع أهل الكوفة. ولذا فإننا سنكتفي هنا بالإشارة إلى أمرين أو ثلاثة مع رعاية الاختصار قدر الإمكان، فنقول:
قم بسيفك دوني:
رأينا: أن مسلماً يطالب ابن الأشعث بالوفاء بأمانه الذي أعطاه إياه أكثر من مرة، ويفعل ذلك حتى في آخر لحظة من حياته. أي حين أمر ابن زياد بإصعاده إلى أعلى القصر لقتله.
ولأننا نعرف أن مسلماً كان يعلم أن ابن الأشعث لن يحرك ساكنا في هذا الاتجاه، ولاسيما في هذه اللحظة بالذات، فهنا أسئلة تطرح:
لها: إذا كان مسلم «رحمه الله» يعلم ذلك، فلماذا يبذل ماء وجهه لابن الأشعث مرة بعد أخرى؟!
الثاني: لماذا يطالبه بأن يقوم بسيفه دونه، وهو يعلم أن لا ثمرة لهذا الطلب، إلا أن يقتل ابن الأشعث على يد ابن زياد؟!
الثالث : لماذا لم يطلب مسلم من ابن زياد نفسه أن ينصاع لحكم الله في هذا الأمر ، فإنه هو المطالب بإمضاء الأمان، حتى لو لم يطلبه
1) تذكرة الخواص (ط النجف) ص 242 وراجع مروج الذهب ج 3 ص70.
منه ابن الأشعث، فإن على المسؤول أن يحترم الأمان الذي يعطيه أي فرد من أفراد الجيش الذي يقاتل معه، لأي كان من أفراد العدو حتى لو كان مشركاً ، فما بالك بأعلام الدين، وحماته، وخيار المسلمين.
ونجيب بما يلي:
أولاً: إن على مسلم «رحمه الله» - كما على غيره - أن يفضح المتآمرين والخائنين لأماناتهم، ولاسيما إذا كانت خيانتهم تأتي في سياق جهدهم لإطفاء نور الله، ولو بقتل الأوصياء، وأبناء الأنبياء، والسعي لطمس معالم الدين، والتلاعب بشرع سيد المرسلين، والعبث باعتقادات
الناس، وتضليل المسلمين .
وهذا يعني: أن مسلما كان بطلبه هذا يمارس عملاً إرشادياً للأمة يعرفها من خلاله على واقع هؤلاء المتسلطين عليها .. ولم يكن يستجدي السلامة والنجاة من القتل، لا من ابن الأشعث، ولا من غيره.
ثانياً: إن مسلما كان يتحدث باللغة التي يتحدث بها ويفهمها الناس، كل الناس. فإن الوفاء بالأمان واجب ديني، وأخلاقي، وإنساني، واجتماعي، تفرضه سنن الحياة والأعراف وتتلاقى عليه المجتمعات على اختلاف نحلها، وأديانها وسياساتها، وانتماءاتها.
فهو يريد أن يظهر «رحمه الله» بإصراره على لزوم الوفاء بالأمان، والالتزام بمقتضياته أن يعرف الناس بأن هؤلاء القوم لا ذمة لهم، ولا يوثق بهم، ولا يفون بعهد، ولا يلتزمون بوعد سوى ما تفرضه عليهم أهواؤهم، وهم يتنكرون حتى الأعرافهم، ويجلبون العار
على قبائلهم. الأمر الذي يحتم على قبائلهم نبذهم، والتنكر لهم، والتبري منهم.
أما بالنسبة لعدم مطالبة مسلم «رحمه الله» ابن زياد بالوفاء بالأمان نقول:
أولاً: حسب ابن زياد فضيحة أنه قد ناقض نفسه حين ألزم عمر بن سعد بقبول وصية مسلم، وإنفاذها بادعاء أن هذا هو ما تفرضه قرشيته، وقرابته من مسلم «رحمه الله».. بالرغم من أن الشرع لم يلزم أحدا بقبول الوصية من أحد..
ولكنه حين يصل الأمر إلى الأمان الذي يجب الوفاء به في الشرع، والوجدان، والعرف الاجتماعي، ومن الناحية الأخلاقية والإنسانية.. نرى ابن زياد يتنكر له، ويرفضه ..
فلم تكن هناك حاجة إلى مطالبته، لاسيما وأن وقاحة ابن زياد وعنجهيته سوف تقوده إلى المكابرة واللجاج، وإنكار أصل وجود أمان، ولا شيء أكثر من ذلك.
ثانياً : إن الإلحاح على ابن الأشعث بالوفاء بأمانه، ومطالبته بالالتزام بمقتضياته.. سوف يضع ابن الأشعث في حرج شديد مع أميره،وسيرى أن ابن زياد هو الذي أوقعه في هذا المأزق. فإن استجاب لطلب مسلم، وانتهى الأمر بابن زياد إلى قتله، فإن ذلك سوف يمثل فضيحة كبرى له، ويؤسس لصراع خفي، وظاهر له مع قوم ابن الأشعث، وربما مع كثير من القبائل الأخرى التي سيذهلها
ذلك، ويدفعها إلى مراجعة حساباتها في أكثر من اتجاه مع ابن زياد.
وحتى لو لم يقتل ابن الأشعث، فإن قومه، ومن يتعاطف معهم سينالهم من عار هذا السلوك ما يحرجهم، وسيرون أيضاً أن ابن زياد هو الذي يسبب لهم ما يوجب لهم هذه المذلة.. وستترك هذه المشاعر آثارها في قلوبهم تجاه من يفعل ذلك.
لا حاجة إلى التذكير:
والمراجع للنصوص المتقدمة يجد بعض الاختلافات فيما بينها، وسيدرك الباحث أنها من سقطات النساخ ، وغفلات الرواة، وقديماً قيل: «وما آفة الأخبار إلا رواتها».
فمثلاً تجد نصاً يقول: إن اسم قاتل مسلم هو بكر بن حمران. ولكن نصاً آخر يسميه: بكير بن حمران، وثالث يسميه: «أحمر بن بكير».
وتختلف النصوص حتى في أنه هل أمر ابن زياد قاتل مسلم بإلقاء جسده من أعلى القصر ، ثم أن يتبع به رأسه، أو أمره بالعكس. أي بإلقاء الرأس أولا، ثم يتبعه بالجسد؟!
كما أن بعضها يصرح: بأن الرأس سقط إلى الأرض أولاً، ثم أتبعوه بالجسد، وبعضها الآخر يصرح بعكس ذلك.
ولكنها تبقى اختلافات لا تغير شيئاً في المضمون العام، ولا تؤثر
على اليقين بأصل الحدث.
ظهور الكرامة لمسلم:
وتقدم: أن قاتل مسلم قد نزل مذعوراً حين رأى ذلك الأسود، وهو عاض على إصبعيه أو شفتيه، حين قتل ذلك العبد الصالح، فأخبر ابن زياد بما رأى فقال له ابن زياد «لعَلَّكَ دَهِشت، وَهَذِهِ عادَةٌ لم تَعتَدها قبلَ ذلِكَ».
فإن كان ابن زياد قد بنى كلامه على احتمال أن يكون ذلك القاتل قد دهش لعدم اعتياده على مثل هذا، فقد كان على ابن زياد أن يقول لنا: إن كان يقدر أن ينفي الاحتمال الآخر، وهو أن تكون هذه كرامة إلهية لمسلم بصورة جازمة؟! وإذا كان لا يستطيع ذلك، فما هو موقفه إن
كان هذا الاحتمال هو الواقع؟!
وهل كل من لم يعتد على ضرب رقاب الأخيار وأهل الدين يرى عبداً أسود عاضاً على أصبعيه أو شفتيه؟! ولماذا لم تره الدهشة إلا هذا العبد؟ ولم تره نارا تلتهب مثلا، أو نحو ذلك؟! ولماذا ؟! ولماذا ؟!
تاريخ الإستشهاد:
تقدم: أن مسلماً خرج من مكة متوجها إلى الكوفة في النصف من
شهر رمضان، ودخل الكوفة في الخامس من شهر شوال (1).
وقد أظهر أمره في الكوفة، وسار نحو القصر يوم الثلاثاء، لثمان
1) مروج الذهب ج 3 ص 64 و (منشورات دار الهجرة - إيران) ج 3 ص 54 .
ليال مضين من ذي الحجة سنة ستين (1).
وعند جماعة آخرين: أنه قتل يوم الثلاثاء لثلاث خلون من ذي الحجة سنة ستين (2).
وهذا يعني: أنه قد أظهر أمره قبل ذلك .
وقيل: استشهد يوم الأربعاء يوم عرفة - لتسع [لسبع] مضين من ذي الحجة سنة ستين (3).
1) مروج الذهب ج 3 ص 70 و (منشورات دار الهجرة - إيران) ج 3 ص 60 وتاريخ الأمم والملوك ج 3 ص 381 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 286 وأنساب الأشراف ج 2 ص 371 والكامل في التاريخ ج 4 ص 36 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 66 وإعلام الورى ج 1 ص 445 ومثير الأحزان ص38 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 26 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج8 ص 171 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 60 وإعلام الورى ج 1 ص 445 والدر النظيم ص 546 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 213 ومستدرك سفينة البحار ج 5 ص 138 و بحار الأنوار ج 44 ص 363 .
2) الأخبار الطوال ص 242 والملهوف ص 124(و نشر أنوار الهدى - قم) ص 37.
3) مروج الذهب ج 3 ص 70 و (منشورات دار الهجرة - إيران) ج3 ص 60 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 66 وبحار الأنوار ج 44 ص 363 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 213 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 171 والدر النظيم ص 546 وأنساب الأشراف ج 3 ص 371 و (ط دار التعارف سنة 1397ه-) ج 3 ص 160 والكامل في التاريخ ج 4 ص 36 وفي تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 381 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 286 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 60 لسبع.
وقيل : كان استشهاده «عليه السلام» يوم رحيل الحسين «عليه السلام» من مكة (1).
وعن أبي معشر : أنه أظهر أمره في اليوم الأول، ثم بات ليلته في بيت طوعة، فلما أصبح هاجموه فيه، ثم أسر ، ثم قتله عبيد الله بن زياد في اليوم التالى لأسره.
الخبر المفجع:
وقال أبو حنيفة الدينوري:
لمّا وافى [أي الإمامُ الحُسَين «عليه السلام»] زُبالة، وافاهُ بها رَسولُ مُحَمَّدِ بن الأشعَثِ وعُمَرَ بن سَعدٍ بما كانَ سَألَهُ مُسلِمٌ أَن يَكتُبَ بهِ ِإليهِ مِن أمره، وخِذلان أهل الكوفةِ إِيَّاهُ بَعدَ أن بايَعوهُ، وقد كانَ مُسلِمٌ سَأَلَ مُحَمَّدَ بنَ الأَشْعَثِ ذلِكَ.
فلمّا قرأ الكِتابَ اسْتَيقن بصِحَّةِ الخَبَر ، وأفظعَهُ قتلُ مُسلِمٍ بن عَقِيلٍ وهانئ بن عُروَةَ، ثُمَّ أَخبَرَهُ الرَّسُولُ بقتل قيس بن مُسهرٍ، رَسولِهِ الَّذي وجَهَهُ مِن بَطْن الرّمَّةِ .
1) تذكرة الخواص (ط النجف) ص 243 والمختصر في أخبار البشر ج1 ص190 . وينابيع المودة ج 3 ص 59 والملهوف ص124 و (نشر أنوار الهدى - قم) ص 38.
وقد كانَ صَحِبَهُ قومٌ مِن منازل الطَّريق، فلمّا سَمِعوا خَبَرَ مُسلِمٍ - وقد كانوا ظنّوا أنَّهُ يَقدَمُ عَلى أنصارٍ وعَضُدٍ - تَفَرَّقُوا عَنهُ، ولم يبقَ مَعَهُ
إلا خاصَّتُهُ (1).
وسنتحدث مرة أخرى عن هذا الأمر، غير أن ما يستوقفنا هنا هو
ما ذكره هذا النص من تفرق الذين صحبوا الحسين «عليه السلام»
من منازل الطريق، حين سمعوا بما جرى على مسلم وهاني وقيس بن مسهر. فإن هذا النوع من الأخبار من شأنه أن يحفز أهل الإيمان للتصلب في الموقف ضد الطغاة والجبارين، لأنه يقوي يقينهم، ويكشف عن بصائرهم، ويعرفهم بمدى الخطر على الدين وعلى الأمة من حكومة قتلة العلماء والأبرار، حيث سيدركون أن من يقتل أمثال مسلم بن عقيل، وهاني، وابن مسهر لن يتردد في قتل من يرى أنهم دونهم، أو أنهم أمثالهم.
ابن عقيل على صواب:
وبعد، فهناك نظرتان مختلفتان، بل متباينتان إلى حركة الأحداث في
الكوفة من خلال الطريقة التي تعاطى بها مسلم بن عقيل مع الأمور:
النظرة الأولى: تنظر إلى مسلم على أنه رجل ضعيف، وليس هو
ذلك الرجل الحازم، البعيد النظر في سياساته.
والشاهد على ذلك: أن جو الكوفة العام كان يصب في صالحه،
1) الأخبار الطوال ص 247 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2622.
ولكنه ضيعه، ولو استفاد منه كما يجب لأتت النتائج باهرة وظاهرة، فلو أنه بعد أن بايعه عشرات الألوف من أهل الكوفة أقصى النعمان بن بشير عن ولاية الكوفة وتسلم زمام أمورها، ورصد مداخلها، وهيمن على أجوائها، وفرض هيبته وسلطته على الناس فيها، لما تمكن ابن
زياد من دخولها، بل كان مسلم قادراً على القبض عليه، وعلى من
يريد نصرته، وسحق أية حركة تصب في صالح يزيد وابن زياد.
بل حتى لو دخل ابن زياد الكوفة، فقد كان بمقدور مسلم أن يبادر إلى مهاجمته فور وصوله ودخوله إليها، ولا يمهله إلى أن يتمكن من
الإمساك بمفاصل السلطة فيها من خلال اتصاله برؤوساء وزعماء
قبائلها، واستمالتهم إليه، وإخضاعهم لإرادته، بالترغيب والترهيب..
فأصحاب هذه النظرة يريدون من مسلم أن يتقمص شخصية وروحية ابن زياد، في سياساته، وجرائمه، وممارساته..
كما أن هؤلاء يعتبرون أنه إذا كان الهدف هو انتزاع السلطة من يد يزيد وبني أمية، فهو يبرر كل أنواع البطش، والتنكيل، ويجيز أيضاً قهر كل من كان الفئة الأخرى ويسوغ له قتلهم، والغدر والمكر بهم، ومباغتتهم بكل ما يسوؤهم، ويكسر شوكتهم، ويقوض سلطانهم، وله أن يستفيد من كل أسلوب يفيد في تحقيق ذلك. ولا يحسب للقيم، والأخلاق والحرمات أي حساب .
بل يصبح الالتفات إليها عجزاً، وضعفا، وقصور نظر، وتفريطاً بالأمر الأهم، لحساب أمور صغيرة، وغير ذات جدوى.
النظرة الثانية: ترى أن مسلما لم يكن مكلفاً، ولا مخولاً من قبل الحسين «عليه السلام» بالقيام بانقلاب مسلح في الكوفة، ولا كان هذا في تفكير مسلم، ولا في جملة أهدافه، بل كان المطلوب منه هو أن يستكشف للإمام الحسين «عليه السلام» حقيقة موقف أهل العراق الذين تواترت كتبهم إلى الإمام «عليه السلام» حتى بلغت فيما قيل اثني عشر ألف كتاب..
وقد كان هذا الإجراء الحسيني طبيعياً ومتوقعاً، لأن ما يدعونه إليه يتضمن تعريض أرواح الناس، ومستقبلهم، وعلاقاتهم، ومعيشتهم، وأمنهم ، وكل وجودهم لأخطار جسام، ربما لا يقتصر الأمر فيها عليهم، بل هي قد تضر بحال ذريتهم، وبحال الأجيال من بعدهم.
وليس من الصواب، ولا من الحكمة، أنه كلما جاءت كتب من جماعة من الناس تدعو شخصاً إلى أمر خطير كهذا أن يبادر لتلبية طلبها، من دون تثبت من القدرات والإمكانات، ومن دون تحقيق في النوايا والدوافع، أو استيثاق من صحة وسلامة ما يعرض عليه، ومدى
حظوظه من التحقق والنجاح.
وتتأكد الحاجة إلى ذلك كله، إذا كانت لتلك الجماعات سوابق غير مشجعة في هذا المجال، وهي من السوابق التي كان المشيرون على الإمام الحسين يذكّرونه بها، حيث كانوا يقولون له «عليه السلام»: إن أهل العراق لم يكونوا أوفياء مع أبيه وأخيه، أو على الأقل هم قد ضعفوا عن الوفاء بما كان يجب عليهم الوفاء به..
وقد جاءت النتائج في حركة الأحداث في قيام مسلم بن عقيل لتؤكد على أن أهل الكوفة بالرغم من تعاطفهم معه، ومع الحسين وأهل البيت، لم ينجحوا في الإمتحان، ولعل من أسباب ذلك ما فعله بهم معاوية، من خلال ولاته من أمثال زياد، وابنه عبيد الله، والمغيرة بن شعبة ، ، وغيرهم من الحاقدين على كل من له بأهل البيت صلة أو رابطة، حيث فتكوا برجالات الشيعة، وشردوا قسماً منهم في البلاد، وعبثوا بالرئاسات القبلية، وبطشوا ببعضهم ، واستبدلوهم بغيرهم،أو ظفروا بولاءاتهم من خلال الترهيب والترغيب، وتضاءل دور تلك الرئاسات، ومستوى تأثيرهم حتى على مرؤوسيهم، ولاسيما بعد أن انغمس الكثيرون منهم في دنيا بني أمية، وتابعوهم على الانصياع للشهوات وللأهواء، وللعصبيات .
فهذه السياسات قد زادت في تدني مستوى اهتمام العراقيين بالأمور المصيرية التي تحتاج إلى الجهاد والتضحية، ومواجهة الصعاب .
وكان تخاذلهم عن مسلم هو أحد تجليات هذا الواقع المأساوي المرير. وهو دليل واضح على أنه كان لا بد للحسين من التروي، والتهيئة الروحية، ووضع الأمور في نصابها الصحيح..
وعلينا أن نضيف إلى ما تقدم ما ذكرناه، فيما سبق من أن الحرب لم تكن قد أعلنت من قبل يزيد وعماله على الإمام الحسين «عليه السلام»، وإن كان بغض الأمويين لأهل البيت لا يخفى على أحد،
ولكن البغض والعداوة لا تبرر الغدر والمكر ، والفتك، ما لم يكن هناك
عدوان يجعل الدفاع عن النفس مشروعاً ، وما لم يكن إعلان للحرب يسقط العصمة عن الطرف الآخر، كما ذكرناه فيما سبق.
هكذا استشهد هاني بن عروة:
1 - عن عون بن أبي جحيفة قال:
قامَ مُحَمَّدُ بنُ الأَشْعَثِ إِلى عُبَيدِ اللهِ بن زيادٍ فَكَلمَهُ في هانِئ بن عُروَةَ، وقالَ: إِنَّكَ قد عَرَفتَ مَنزلة هانئ بن عُروَةَ فِي المِصر، وبَيتَهُ فِي العَشيرَةِ، وقد عَلِمَ قومُهُ أنّي وصاحبي [في الفتوح: وأسماء بن خارِجَة] سُقناه إليكَ ، فأنشدُكَ اللَّهَ لَمّا وَهَبْتَهُ لي، فَإِنِّي أَكْرَهُ عَداوَةَ قومِهِ ؛ هُم أعَزُّ أهل المِصرِ، وعَدَدُ أهل اليَمَن![ في الفتوح: وإِنَّهُم ساداتُ أهل الكوفة، وأكثَرُهُم عَدَداً .
قالَ: فَزَبَرَهُ ابنُ زِيادٍ، ثُمَّ أَمَرَ بهانِئ بن عُروَةَ فَأخرج إلى السّوق].
قالَ: فَوَعَدَهُ أَن يَفعَلَ، فلمّا كانَ مِن أمرِ مُسلِم بن عَقِيلٍ مَا كَانَ، بَدا
لهُ فيهِ، وأبي أَن يَفِيَ لَهُ بِما قَالَ.
قالَ: فَأَمَرَ بِهَانِئ بن عُروَةَ حِينَ قُتِلَ مُسلِمُ بنُ عَقِيلٍ، فَقَالَ: أخرِجوهُ إلى السّوق فاضرِبوا عُنُقهُ.
قالَ: فأخرج بهانِئ حَتَّى انتهى إلى مَكانٍ مِنَ السّوق كانَ يُبَاعُ فِيهِ
الغَنَمُ، وهُوَ مَكتوفٌ، فَجَعَلَ يَقُولُ: وا مَذحِجاه، ولا مَذحِجَ لِيَ اليَومَ، وا مَدْحِجاه، أينَ مِنّي مَدْحِج ؟ [ وعند المسعودي: يا آلَ مُرادٍ، وهُوَ شَيخُها
وزَعيمُها، وهُوَ يَومَئِذٍ يَرْكَبُ فِي أَربَعَةِ آلافٍ دارِع، وثمانِيَةِ آلافٍ راجِل، وإذا أجابتها أحلافها من كِندَةَ ،وغيرها، كان في ثلاثين ألفَ دارِع، فلم يَجد زعيمُهُم مِنهُم أَحَدًا، فشلاً وخذلانا].
فلمّا رَأَى أَنَّ أَحَداً لا يَنصُرُهُ، جَدُبَ يَدَهُ فَنَزَعَها مِنَ الكِتافِ، ثمَّ قالَ: أما من عَصا، أو سكين، أو حَجَرٍ، أو عَظِمٍ، يُجَاحِشُ بِهِ رَجُلٌ عَن نَفْسِهِ.
قالَ: ووثبوا [في الفتوح: فَصَدُّوهُ] ِإليه فشدّوهُ وَثاقاً، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: أمدُد عُنُقكَ، فقال: ما أنا بها مُجدٍ سَخِيٌّ، وما أنَا بِمُعينِكُم عَلى نَفسي.
قالَ: فَضَرَبَهُ مَولىً لِعُبَيدِ اللهِ بن زيادٍ - تُركِيٌّ يُقالُ لَهُ رَشِيدٌ - بِالسَّيفِ فلم يَصنَع سَيفُهُ شَيئاً، فقالَ هانِيٌ: إلى اللهِ الْمَعَادُ، اللهُمَّ إِلَى رَحمَتِكَ ورضوانِكَ [زاد في الفتوح: اللهُمَّ اجعَل هذا اليَومَ كَفَّارَةَ لِدُنوبي، فإِنِّي إِنَّما تَعَصَّبتُ لابن بنتِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ «صلى الله عليه وآله»] . ثُمَّ ضَرَبَهُ أخرى فقتَلهُ.
قالَ: فَبَصُرَ بِهِ عَبدُ الرَّحمن بنُ الحُصَين المُرادِيُّ بخازِرَ، وهُوَ عُبَيدِ اللهِ بن زيادٍ، فقالَ النّاسُ: هذا قاتِلُ هاني بن عُروَةَ.
فَقالَ ابنُ الحُصَين: قتَلنِي اللهُ إن لم أقتله، أو أقتَل دونَهُ، فَحَمَلَ عَليهِ
بالرُّمح فَطَعَنَهُ فَقتَلهُ (1)
وراجع: الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 61 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص213 ومروج الذهب ج 3 ص 69.
.1) موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 3 ص 198 و 199 عن المصادر التالية تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 378 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 284 والإرشاد ج 2 ص 63 وليس فيه ذيله، من «قال: فبصر»، وقاموس الرجال ج 10 ص 492 وبحار الأنوار ج 44 ص 358 وراجع: الثقات لابن حبان ج 2 ص 308 وأنساب الأشراف ج 2 ص 340 والكامل في التاريخ ج 4 ص 36 والملهوف ص 122 وإعلام الورى ج 1 ص 444 والمحبر ص 480 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 57 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 207 ولواعج الأشجان ص 66 والفوائد الرجالية ج 4 ص 27 .
2 - يفهم من رواية أخرى عن الحسين بن نصر : أن هانيا قتل قبل خروج مسلم، فقد قال أرسَلَ [ابنُ زيادٍ] إلى هانئ فأتاهُ، فَقالَ: ألم أوَقّركَ؟ ألم أكرمك؟ ألم أفعَل بِكَ؟
قالَ: بَلى.
قالَ: فَما جَزاءُ ذلِكَ؟
قالَ: جَزاؤُهُ أن أمنَعَكَ.
قالَ: تَمنَعُني؟!
قالَ: فَأَخَذ قضيباً مَكانَهُ قضَرَبَهُ بهِ، وأمَرَ فَكْتِفَ ثُمَّ ضُرِبَ عُنُقَهُ. فبَلغَ ذلِكَ مُسلِمَ بنَ عَقِيلٍ، فَخَرَجَ (1).
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 391 و (ط الأعلمي) ج 4 ص294 وموسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 3 ص199 عنه، وقال: وراجع: أنساب الأشراف ج 2 ص 343 والعقد الفريد ج 3 ص364 والمحاسن والمساوي ص60 والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 2 ص 5 و (تحقيق الشيري) ج 2 ص 9 والمحن ص 145.
زاد ابن أعثم قوله: ثُمَّ أَمَرَ عُبَيدُ اللهِ بنُ زِيادٍ بِمُسلِمٍ بن عَقِيلٍ وهانِئ بن عُروَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ ، فَصُلِبا جميعا مُنَكَسَينَ الخ..(1).
3 - وعند ابن نما: أن هانياً سحب إلى الكناسة، فقتل وصلب هناك (2).
4 - عن عون بن أبي جُحيفة:
قالَ عَبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيرِ الأَسَدِيُّ في قِتلةِ مُسلِمٍ بن عَقِيلٍ وهَانِئ بن عُروَةَ المُرادِيِّ - ويُقالُ : قالهُ الفَرَزدَقُ-:
فإن كُنتِ لا تَدرينَ مَا المَوتُ ***إلى هانِئ في السّوق وَابن
إلى بَطلٍ قد هَشَّمَ السَّيفُ*** وآخَرَ يَهوي مِن طمار قتيل
أَصابَهُما أَمرُ الأمير فأصبَحا*** أحاديثَ مَن يَسري بِكُلِّ سَبيل
تَري جَسَداً قد َغيَّرَ المَوتُ*** وَنَضحَ دَمٍ قد سالَ كُلَّ مَسيل
فتيً هُوَ أحيا من فتاةٍ حَييَّةٍ*** وأقطعُ مِن ذي شَفْرَتَين صَقيل
تُطيفُ حَواليهِ مُرادٌ وكُلُّهُمُ*** على رقبةٍ مِن سائِلِ ومَسول
أيَركَبُ أسماء الهمَاليجَ آمِناً*** وقد طلبَتهُ مَذحج بدُحول
فإن أنتُمُ لم تثأروا بأخيكُمُ*** فكونوا بَغايا أرضِيَت بقليل(1)
ونقول:
لاحظ الأمور التالية:
إيضاحات:
لاحظ ما يلي:
1 - خازر: نهر بين أربل والموصل.
زبره: نهره .
الصك: الضرب بشيء عريض.
الهملجة :حسن سير الدابة مع سرعة.
طمار : المكان المرتفع.
1) موسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 202 و 203 عن مصادر كثيرة. وراجع: مقاتل الطالبيين ص 72 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 64 ومثير الأحزان (ط المكتبة الحيدرية) ص 26 وبحار الأنوار ج 44 ص 358 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 208 ولواعج الأشجان ص 66 و 67 والفوائد الرجالية ج 4 ص 29 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 285 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص58 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 62 والملهوف ص78 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص67.
2 - قوله: ما أنا بها مُجدٍ سَخِيٌّ: لعل الصحيح ما أنا بها جِدُّ سخي..
لا دين لابن الأشعث:
تقدم عن عون بن أبي جحيفة: أن ابن الأشعث طلب من ابن زياد أن يهبه هاني بن عروة، وبالتأمل فيما جرى بينهما نلاحظ:
1 - إن هذا النص يصرح: بأن ابن زياد قد وعد ابن الأشعث بأن لا يقتل هاني بن عروة ويهبه له.. ثم أخلف وعده، وقتل هانيا «رحمه
الله»..
وقول ابن أعثم: إن ابن زياد قد زبر (أي زجر) ابن الأشعث حين طلب منه ذلك لا يتناقض مع ما قاله عون بن أبي جحيفة، فلعله حين طالبه بأن يهبه إياه في المرة الأولى كان لا يزال أمر مسلم غامضاً لدى ابن زياد .
كما أنه لم يكن قد عرف المدى الذي ستذهب إليه قبائل مراد، وكندة في مطالبتها بهاني ، وحرصها على سلامته.. فكان يداري الأمور ، ولا يعلن نواياه لكي لا يزيد الأمور تعقيداً..
فلما استشهد مسلم «رحمه الله»، واستطاع ابن زياد الهيمنة على قرار مذحج وغيرها، وأراد قتل هاني، طالبه ابن الأشعث بوعده، فزبره وزجره. وهذا إن دل على شيء، فهو يدل على أن ابن زياد كان يمكر حتى بخاصته، وأعوانه .
2 - إن ابن الأشعث لم يستدل لابن زياد على رجحان إطلاق
سراح هاني، لا بحكم الشرع الذي يمنع من قتل المسلمين، ولا باقتضاء السياسة الدنيوية لهذا العفو، الذي ينتهي إلى تحول ولاء مذحج عن أن يكون لأهل البيت «عليهم السلام»، ليصبح لبني أمية وآل زياد، بل استدل له بأمور تعود إليه - يعني إلى ابن الأشعث- شخصياً، باعتبار أن قتل هاني سوف يعرضه هو وأسماء بن خارجة للخطر من قبل قوم هاني، وهم أهل شوكة وعزة، وهم الأكثر عدداً في أهل اليمن.
فابن الأشعث إذن لا يتعامل مع هذا الأمر بمنطق الشرع والدين، ولا من منطلق الأخلاق والقيم. بل من حيث ما يجلبه لشخصه من ضرر ونفع، ومسرة ومساءة، فأهواؤه، وشهواته هي التي تحكم بمواقفه، وتصرفاته. ولا ينبغي الاغترار بما يظهره هذا الرجل من معسول الكلام.
وا مذحجاه، ولا مذحج لي:
ولما جرى لهاني بن عروة دلالات في غاية الأهمية والحساسية، فقد قوض المنظومة التي كانت تقوم عليها ، وتقوَّم بها جميع أنواع العلاقات، وتبنى عليها المواقف، وترسم السياسات، وتفرض نفسها على أحلام طلاب اللبانات، وتتحكم بها، وتسمح لهم برسم ملامح طموحاتهم من خلالها ..
وذلك لأن المجتمعات الجاهلية لم تنظم علاقاتها، ولا بنت مواقفها وسياساتها على أسس دينية، أو قيم أخلاقية، أو دراسات علمية
وموضوعية تعتمد على الخبرات، وعلى تلبية الحاجات، وعلى الاستجابة للاقتضاءات الطبيعية، والفطرية.
وإنما بنت ذلك كله على العصبيات القبلية، والأهواء الشخصية، القائمة على قطع العلائق مع الله، ومع البشر، إلا في حدود ما تدعو إليه تلك العصبيات وتلبي تلك الأهواء .
وقد أظهر ما جرى لهاني بن عروة الذي كان يركب في ثلاثين ألف دارع ذلك كله ، وأن هذه العصبيات إذا لم تكن مرعية ومصانة بالهدي
والرعاية الإلهية سوف تصبح نمراً من ورق، وتتحول القبيلة وكل ما فيها من عدة وعدد لتصبح أشباحاً بلا أرواح ، وجنوداً من دون سلاح، والسياسات والآمال الكبار مجرد أوهام، وأضغاث أحلام.
والشاهد على ذلك: أن تلك العصبيات القبلية لم تحرك مذحجاً ولا سواها، مع أنها ترى أعظم زعمائها يقطع رأسه أمام أعينها في سوق الغنم، وتعلم: أن هذا عدوان على كبريائها، وإسقاط لعزتها، وعبث بمشاعرها، واستهانة بكرامتها. ولكنها مع ذلك لم تحرك ساكناً، ولا سجلت ولو كلمة عتب على ما جرى لها.
بل هي تعلم: أن الهدف من هذا الانتهاك الجسور هو تقويض دينها، وهتك حرمته، وتمزيق قرآنها، والقضاء على أقدس الناس عندها ..
كما أن هذا العدوان يستهدف قيمها، وأخلاقها، وإسقاط دور الوجدان والضمير عن التأثير في حركة الحياة وهدايتها، وحفظها
وصيانتها.
كما أنه يهدف إلى إبعاد للعقل والمنطق عن دائرة التأثير في القرار
والموقف والسياسة، ليحل محله الجبروت والهوى. فيحكم الناس، ويتحكم بمصيرهم ومسيرهم الأقوياء والأغبياء بالبطش والإذلال وسحق الإرادات، وهدر الكرامات.
وقد كنا نتوقع أن يكون أصحاب هذا المنطق هم الذين يحزنون على هذه النتيجة المتمثلة بظهور عدم صلاحية العصبيات والأهواء للاعتماد عليها في بناء المستقبل، سواء للأخيار - كهاني بن عروة - أو الأشرار كابن زياد، وكل من هو على شاكلته، ومن يقف خلفه. وأن تزداد خشيتهم على مستقبلهم، الذي بنوه على شفا جرف هار فانهار بهم في نار جهنم، وبئس المصير.
عصبية هاني بن عروة:
ولكي لا يتوهم متوهم: أننا بصدد اتهام هاني بن عروة، بأنه قد انطلق في موقفه ومناداته مذحجاً من العصبية للعشيرة كما دل عليه قوله:
وا مذحجاه، ولا مذحج لي اليوم نقول ما يلي:
1 -إن العصبية المرفوضة هي أن يتعصب الإنسان لعشيرته مثلاً لمجرد القرابة والنسب، فهذا النسب هو الذي يجعله شريكها ومعها جميع الأحوال، فإن صدقت صدق معها، وإن كذبت كذب معها، وإن عدلت عدل معها، وإن ظلمت ظلم معها .. وهكذا في كل مورد آخر كالخيانة والأمانة والغدر والوفاء، وما إلى ذلك..
وأما العصبية لها بمعنى نصرتها ومؤازرتها حين تكون مظلومة،
وردعها عن الظلم، وتصويب مسارها حين تكون هي الظالمة، فهذا أمر مطلوب ومحبوب الله تعالى، وحسن عند العقل والعقلاء..
كما أن التعصب للحق ضد الباطل أينما وجد أمر يحبه الله،
ويرضاه العقل والعقلاء. وليس كذلك التعصب للباطل ضد الحق.
وهذا نظير الكرم وبذل المال للغير، فإنه يكون مرضيا ومحبوباً لله ولكل عاقل إذا كان هذا البذل نتيجة الشفقة الناشئة عن رؤية حاجة
الآخرين، فهو شعور مشكور ، وعطاء يؤجر عليه فاعله.
وإن كان هذا البذل تقرباً إلى الله، ورغبة في ثوابه، فهو أيضاً كذلك ..
أما إذا كان الدافع للبذل والعطاء هو شراء ذمم الناس، أو الحصول على السمعة، أو السلطة والزعامة على الآخرين الأمر الذي يكشف عن طغيان حالة «الأنا» في الباذل، فإنه يصبح عملاً مشيناً ومرفوضاً.
فكيف إذا زاد على ذلك حين يكون حصوله على المال الذي يسخو به بطرق غير مشروعة .. فإن العطاء يصبح أكثر قبحاً، وأعظم خزيا للمعطي.
وقد رأينا أن الذين يعدهم بعض الناس من أجواد العرب، مثل زيد الخيل كان إذا جاءه مسترفد، يقول له: اصبر حتى أشن الغارة، وأتني. أي أنه يريد أن يسلب الناس أموالهم، ويحرمهم ويحرم أطفالهم
وعوائلهم منها ، وربما كانوا ضحايا سيفه حين يغير عليهم، وقد يسحق أطفالهم وشيوخهم، وعجزتهم بحوافر خيله حين يغير عليهم لكي
يحصل هو على الثناء العاطر.
2 - لقد صرح هاني بن عروة :بأنه لم يناد عشيرته من موقع العصبية لنفسه أو لعشيرته، أو لمصلحة تعود إليه، بل كانت عصبيته لأهل بيت نبيه، ونصرة للحق، وانسجاماً مع الواجب الشرعي، والعقلي، والأخلاقي بجميع المعايير.
فهو يقول: «فإنّي إنَّما تَعَصَّبتُ لابن بنتِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ «صلى الله عليه وآله»..». وهذا معناه أن العصبية للعشيرة لم يكن لها أي حضور في وجدانه، أو خطور على باله.
بل كانت العصبية التي فرضت هذا الموقف عليه قد قوضت شعوره العشائري، لو كان لذلك الشعور أي حضور في وجدانه. أو أي تأثير في مشاعره .
هل فهم خطأ، أو تعمد الخطأ؟!:
والتأمل في رواية الحسين بن نصر المتقدمة يعطي: أن ابن زياد قد حاول أن يستدرج هاني بن عروة إلى فخ نصبه له، ليجعله ذريعة للبطش به. ولكن ابن عروة قد تجنب الوقوع في الفخ، وأجابه بجواب
يفسد على ابن زياد تدبيره الشائن.
ونوضح ذلك، فنقول:
إن ابن زياد حين صار يعدد على هاني موارد إحسانه إليه -
حسب دعواه - وأقرّ له هاني بها، ربما لأنه يعلم أن إنكاره لها سيكون كافياً لتبرير البطش به.. فإن ابن زياد قال له بعد ذلك: فما جَزاءُ ذلِكَ؟!
فأجابه هاني بقوله: جَزاؤُهُ أن أمنَعَكَ.
وهذا هو الجواب القوي والحاسم الذي لا بديل عنه، فإن هاني بن عروة الذي كان من أعظم الزعماء في ذلك المصر، حتى إنه كان يركب في ثلاثين ألف دارع، فإذا أسدى إليه الوالي إحساناً، فمن المفروض أن يكافئه على إحسانه بأن يجند كل من هم تحت يده، ويأتمرون بأمره للدفاع عن ذلك الوالي إن تعرض لعدوان...
وقد كان المفروض بابن زياد أن يكافئ هاني على جوابه هذا بأحسن ما يقدر عليه. فما معنى أن يقول له ابن زياد بصيغة الإنكار والإستعظام والتعجب: تَمنَعُني؟! ثم يأخذ قضيباً فيضربه به. ثم يواصل الإنتقام منه حتى أمر بضرب عنقه؟!
فإن جواب هاني لم يتضمن أي تحد، أو اعتراض، أو جفاء،أو ما إلى ذلك..
ولا يمكن أن يكون ابن زياد قد أخطأ في فهم كلام هاني «رحمه الله». إلا أن يكون دخيلاً على اللغة العربية، أو يكون عديم القدرة على التمييز بين الأمور التي يكون التمييز بينها عفوياً وبديهياً ..
رؤوس الشهداء إلى الشام:
عن أبي جناب، يحيى بن أبي حيّة الكلبي، قال:
إِنَّ عُبَيدَ اللهِ بن زيادٍ لمّا قتَلَ مُسلِماً وهانئاً، بَعَتْ بِرُؤوسهما [زاد البلاذري: ورأس ابن صلخب] مَعَ هانئ بن أبي حَيَّة الوادِعِيِّ، وَالزُّبير بن الأروَحِ التَّميمِيِّ، إلى يَزِيدَ بن مُعاوِيَة، وَأَمَرَ كَاتِبَهُ عَمرو بنَ نافِعِ أن يَكتُبَ إلى يَزِيدَ بن مُعاوِيَة بما كانَ مِن مُسلِمٍ وهَانِي، فَكَتَبَ إليهِ كِتاباً أطالَ فيهِ - وكانَ أَوَّلَ مَن أطالَ فِي الكُتُبِ - قُلْمًا نَظَرَ فِيهِ عُبَيدُ اللهِ بنُ زِيادٍ كَرهَهُ، وقالَ: ما هذا التَّطويلُ، وهذِهِ الفُضولُ؟
أكتب: أمّا بَعدُ، فالحَمدُ للهِ الَّذي أخذ لِأميرِ الْمُؤْمِنِينَ بِحَقَّهِ، وَكَفَاهُ مُؤنَة عَدُوِّهِ، أخبرُ أميرَ الْمُؤْمِنِينَ - أَكرَمَهُ اللهُ - أَنَّ مُسلِمَ بنَ عَقِيلٍ [في الفتوح: السّاقَ لِلعَصا قدِمَ إلى الكوفة، ونَزَلَ في دار هانِئ بن عُرْوَةَ المَذحِجِيِّ] لجَأ إلى دار هانِئ بن عُروَةَ المُرادِيِّ، وأَنِّي جَعَلْتُ عَلَيهِمَا
العُيون، ودَسَستُ إليهما الرّجالَ، وكِدتْهُما حَتَّى اسْتَخرَجتْهُما، وأمكنَ
اللهُ مِنهُما [في الفتوح: بَعدَ حَربٍ ومُناقشةٍ]، فَقَدَّمتُهُما فَضَرَبَتْ أعناقهما. وقد بَعَثْتُ إليكَ بِرُؤوسهما مَعَ هَانِئ بن أبي حَيَّة الهَمدَانِيِّ، وَالزُّبَيرِ بن الأَروَح التَّميمِيِّ، وهُما مِن أهل السَّمع وَالطَّاعَةِ، وَالنَّصيحَةِ [ في الفتوح: من أهل الطاعَةِ، وَالسُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ]، فَلْيَسأَلهُما أميرُ المُؤمِنِينَ عَمّا أَحَبَّ مِن أمرِ ، فإِنَّ عِندَهُما عِلماً وصدقاً، وفهماً ووَرَعاً، وَالسَّلامُ (1).
1) راجع: موسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 203 و 204 عن تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 380 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 285 وتاريخ مدينة دمشق ج 18 ص 306 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 65 وبحار الأنوار ج 44 ص 359 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 209 وراجع: أنساب الأشراف ج2 ص 342 و (ط الأعلمي) ج 2 ص 85 والثقات لابن حبان ج 2 ص 209 والطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص462 والأخبار الطوال ص 242 وتذكرة الخواص (ط النجف) ص 245 و (ط سنة 1426ه-) ج 2 ص 147 و 148 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 94 و (ط 2 المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 245 ومثير الأحزان ص38 والمختصر في أخبار البشر ج 1 ص190. وراجع: الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 61 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 215 .
زاد ابن أعثم قوله عن يزيد : «وأمَرَ بِالرَّأْسَين فَنُصِبا عَلى بَابِ مَدِينَةِ دِمَشْقَ» (1).
وقال المسعودي عن مسلم :«وهذا أوَّلُ قتيلٍ صُلِبَت جُنَّتُهُ مِن بَنِي هاشِمٍ، وأوَّلُ رَأسٍ حُمِلَ مِن رُؤوسهم إلى دِمَشْقَ»(2).
جواب یزید:
عن أبي جناب يحيى بن أبي حيّة الكلبيّ:
.. فَكَتَبَ إليهِ [أي إلى ابن زيادٍ] يَزِيدُ :
أمّا بَعدُ، فَإِنَّكُ لم تَعدُ أن كُنتَ كَما أُحِبُّ، عَمِلتَ عَمَلَ الحازم،
وصُلتَ صولة الشجاع الرابط الجأش ، فقد أغنَيتَ وكَفيت، وصَدَّقت ظنّي بكَ، ورأيي فيكَ.
وقد دَعَوتُ، رَسوليكَ فَسَأَلْتُهُما وناجيتُهُما ، فَوَجَدتُهُما فِي رَأيهما
وفضلهما كَما ذكرت [وعند ابن أعثم: وقد أمَرتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنهُما بِعَشرَةِ آلاف دِرِهَمٍ]، فاستوص بهما خَيراً.
وإِنَّهُ قد بَلغَني أنَّ الحُسَينَ بنَ عَلِيٍّ قد تَوَجَّهَ نَحوَ العِراقِ، فَضَعِ المَناظِرَ وَالمَسالِحَ [ وعند البلاذري: وأذكِ الْعُيُونَ، وَاحتَرِس كُلَّ الاحتراس، وَاحبس عَلى الظَّنَّة الخ..]، وَاحترِس عَلَى الظَّنِّ، وخُذ [في الإرشاد: واقتل] عَلى التُهمَةِ، غَير أن لا تَقتُل إِلَّا مَن قَاتَلكَ، وَاكتُب إليَّ في كُلِّ ما يَحدُث مِنَ الخَبَر ، وَالسَّلامُ عَليكَ ورَحمَهُ اللهِ (1).
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 380 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 285 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 205 - 207 عنه، وعن تاريخ مدينة دمشق ج 18 ص 307 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 65 وبحار الأنوار ج 44 ص 359 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 209 وأنساب الأشراف ج 2 ص 342 و (ط الأعلمي) ج 2 ص 85 وراجع: الكامل في التاريخ ج 4 ص 36 والأخبار الطوال ص 242 والملهوف ص 124 والفتوح لابن أعثم جه ص 63 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 215 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 94 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 245 والصواعق المحرقة ص 191 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 329 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 60 .
ونقول:
لاحظ ما يلي:
لماذا ابن صلخب؟!:
تقدم: أن ابن زياد قد أرسل رأس عمارة بن صلخب الأزدي إلى الشام مع رأسي مسلم بن عقيل، وهاني بن عروة..
والسؤال هو: إن ابن زياد قد قتل غير هؤلاء أيضاً:
1 - عبد الأعلى بن يزيد الكلبي.
2 - عمارة بن صلخب.
ثم قتل بعد ذلك:
3 - قيس بن مسهر الصيداوي.
4- عبد الله بن يقطر.
5 - ميثم التمار وتسعة معه صلبهم وقتلهم، وكثيرين آخرين.. ولكن لم يرسل برأس أحد منهم إلى الشام، واقتصر على هؤلاء الثلاثة. أو على الأقل لماذا لم يرسل برأس عبد الأعلى بن يزيد الكلبي أيضاً مع رأسي هاني ومسلم، ورأس عمارة بن صلخب؟!
مع أن ما فعله عمارة، وما جرى له يشبه ما جرى لعبد الأعلى بن يزيد الكلبي.. وهو أنه خرج لنصرة مسلم ، فأخذ قبل أن يتمكن من فعل أي شيء، ثم قتل..
فقد قالوا : خَرَجَ عُمارَهُ بنُ صَلَحَبٍ (صَلخَبِ) الأَزْدِيُّ (كذا) -
وكانَ مِمَّن أرادَ نُصرَةً مُسلِمٍ - فأخَذهُ أصحابُ ابن زيادٍ فَأَتَوهُ بِهِ، فَأَمَرَ بهِ فَضُرِبَت عُنُقَهُ فِي الأَزدِ، وبَعَثَ بِرَأْسِهِ مَعَ رَأس مُسلِمٍ وهَانِي إِلَى يَزِيدَ بن مُعاوية .. والذي أخذه هو ابن الأشعث (1).
بل لعل ما نقل عن عبد الله بن يقطر وقيس بن مسهر، كان أشد إيلاماً لابن زياد مما فعله ابن صلخب!!
وتقدم الكلام حول استشهاد ابن يقطر، وقيس بن مسهر،وميثم التمار، فلماذا لم يرسل برأس أي منهم إلى يزيد؟!
إن التاريخ لم يفصح عن شيء يفيد في معرفة سبب هذا الاختيار، فما يمكن أن يقال حول ذلك لا يعدو كونه من التكهنات التي لا دليل يثبتها، ولا شاهد يرجحها.
واحتمال أن يكون رأس قيس بن مسهر وعبد الله بن يقطر قد تحطم حين ألقي من فوق القصر يثير السؤال عن سبب عدم تحطم رأس مسلم أيضاً ، فقد ألقي هو الآخر من فوق القصر. ولو فرض صحة التفريق الذي قد يقال إنه ممكن عقلاً، فإن السؤال عن عدم إرسال رأس عبد الأعلى الكلبي يبقى قائما، فإنه قد قتل بنفس الطريقة التي قتل بها هاني.
إلا أن تكون هناك عداوة خاصة بين ابن زياد وبني أمية وبين
1) أنساب الأشراف ج 2 ص 341 و (ط الأعلمي) ج 2 ص 85 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 341 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 284.
الأزد، وهي التي دفعتهم إلى هذا التصرف الإنتقامي. ولكن هذا أيضاً
يبقى مجرد احتمال.
الشهيد عبد الأعلى بن يزيد الكلبي:
1 - عن أبي جناب الكلبي :
إِنَّ كَثِيراً [كَثير بن شهاب بن الحُصَين] ألفى رَجُلًا مِن كَلبٍ، يُقَالُ
لهُ: عَبدُ الأعلى بنُ يَزِيدَ، قد لبس سلاحَهُ يُريدُ ابنَ عَقِيلٍ فِي بَنِي فِتيانَ، فأخَذُهُ حتّى أدخَلهُ عَلى ابن زيادٍ، فَأَخبَرَهُ خَبَرَهُ، فقال لابن زيادٍ: إِنَّما
أَرَدتُكَ.
قالَ: وكُنتَ وَعَدتَني ذلِكَ مِن نَفسِكَ؟! فَأَمَرَ بِهِ فَحُبِسَ (1).
2 - عن عون بن أبي جُحيفة:
إِنَّ عُبَيدَ اللهِ بن زيادٍ لمّا قَتَلَ مُسلِمَ بنَ عَقِيلٍ وهَانِيَ بنَ عُرْوَةَ، دَعا
يعَبدِ الأعلى الكَلبيِّ الذي كانَ أَخَذَهُ كَثِيرُ بنُ شهاب في بَني فتيان، فأتى بِهِ، فقال له: أخبرني بأمركَ.
فقالَ: أَصلحَكَ اللهُ، خَرَجَتْ لِأَنظُرَ ما يَصنَعُ النَّاسُ، فَأَخَذني كَثِيرُ بنُ شهابٍ.
فقالَ لهُ: فَعَليكَ وعَليكَ مِنَ الأيمان المُغلَظةِ إن كانَ أَخْرَجَكَ إِلَّا ما
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 369 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 276 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 43 و 44.
زَعَمتَ.
فأبى أن يَحلِفَ.
فقالَ عُبَيدُ اللهِ: انطلقوا بهذا إلى جَبّانَةِ السَّبيع، فاضربوا عُنُقهُ بها.
قالَ: فانطلِقَ بهِ فَضُرِبَت عُنْقهُ (1).
ونقول:
لا بأس بالتأمل في النقاط التالية:
1 - إن مجرد لبس السلاح لا يبرر اعتقال لابسه، فهل يبرر قتله ؟! فلعله لبسه ليدفع عن نفسه لو قصده أحد بسوء. ولعله لبسه لينصر الفريق الذي اعتقله، أو أي فريق آخر ينتمي إليه، أو يهمه أمره.. وهذا هو نفس ما قاله عبد الأعلى لابن زياد.
2 - إن قول ابن زياد لعبد الأعلى: «وكُنتَ وَعَدتَنِي ذلِكَ»؟! سؤال ظالم، وغير منطقي، ولا يبرر سجن عبد الأعلى، فضلا عما هو فوق ذلك.. فإن من الطبيعي جداً أنه إذا سمع الإنسان ضجيجاً ينبئ عن قتال أن يثب إلى سلاحه، ثم يخرج لمعرفة الطرفين المتنازعين، فإن وجد أن الطرف الذي يميل أو ينتمي إليه، أو له مصلحة معه يتعرض لهجوم، فإنه يبادر إلى نجدته ونصرته، والدفع عنه. ولا يحتاج إلى مواعدة، ولا إلى علم أو إعلام مسبق.
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 369 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 284 وتاريخ الكوفة ص 334 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 57.
3 - كما أن امتناع عبد الأعلى عن الحلف لا يعني ثبوت أنه خرج لقتال ابن زياد، فقد يمتنع الإنسان عن الحلف إجلالاً لله تبارك وتعالى. وقد يمتنع عنه لأنه يستبطن اتهامه بالكذب ونحوه، فيأنف قبول ذلك
على نفسه .
4 - إن عبد الأعلى لم يكن قد حارب أحداً، ولا قتل ولا قاتل، ومجرد نية القتال لو ثبتت لا تبرر قتله.. لاسيما وأنه لم يؤخذ من ساحة الحرب، بل اخذ في حي آخر بعيد عنها...
أي حق ليزيد عند مسلم بن عقيل:
تقدم أن ابن زياد كتب ليزيد:« فالحَمدُ للهِ الذي أخذ لأمير المُؤمِنِينَ بحَقِّهِ».
وسؤالنا هو :
أولاً : كيف صار يزيد أميراً للمؤمنين دون من قال النبي «صلى الله عليه وآله له» ولأخيه «عليهما السلام»: «أنتما الإمامان، ولأمكما الشفاعة»، وقال: «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا».. وقد أعلن أبوه معاوية في كتاب صلحه مع الإمام الحسن: أن الخلافة من بعده للحسن، ثم للحسين «عليهما السلام»؟!
وهل يصلح الفاسق الفاجر، الشارب للخمر، القاتل للنفس المحترمة، للخلافة ،والإمامة، والإمارة للمؤمنين؟!
ثانياً : أي حق كان ليزيد عند مسلم بن عقيل، وهاني بن عروة وكثيرين آخرين ممن نالوا درجة الشهادة على يد جلاوزة يزيد «لعنه
الله». فإنه لم يكن ليزيد بيعة في عنق مسلم حتى ولو بيعة صورية، مأخوذة بالقهر والغلبة!! ولا كان له عند مسلم ترة، ولا حق مالي أو غيره من أي نوع كان..
بل كان يزيد هو الغاصب لحق وصي النبي «صلى الله عليه وآله»، والمعتدي على مقام ليس له، باعتراف أبيه!!
ثالثاً: هل كان الله تعالى هو الذي أخذ ليزيد بحقه من مسلم بن عقيل ؟! أم أن الشيطان هو الذي سول ليزيد، وأعوانه بأن يقتلوا الأبرياء، ويعتدوا على الصلحاء، ويرتكبوا القبائح، ويغرقوا في بؤر الفضائح لينالوا ما ليس لهم بحق؟!
ويكفى أن نعرف أن يزيد قد كتب إلى ابن زياد يأمره بالقتل على التهمة، والحبس على الظنة؟!
رابعاً : زعم ابن زياد لسيده يزيد: أن مسلماً عاق، شاق للعصا. وهذا كلام باطل، وتدليس وتلبيس، فلمن كان مسلم عاقاً، وأية عصا قد شقها ؟! فإن الشاق للعصا هو من غصب الأئمة حقهم، وتغلب على الأمة بالقهر والغلبة والخداع.
أهل السنة والجماعة:
وقد وصف عبيد الله بن زياد رسوليه، اللذين حملا إلى يزيد رؤوس الصلحاء والأتقياء، والأبرياء والمظلومين: بأنهما من أهل السنة والجماعة، والسمع والطاعة، والفهم والورع. مع أن حملهما رؤوس الأخيار إلى ذلك الطاغوت هو من الذنوب الكبيرة، التي تدل
على شدة انغماسها في بؤر الخزي والضلال. كما أن مصطلح السنة والجماعة للدلالة على المذهب المقابل لمذهب أهل البيت لم يكن رائجاً
في تلك الحقبة.
فالمقصود بأهل السنة والجماعة ليس التسمية المذهبية، بل ما يقابل البدعة والفتنة.
وهذا يدلنا على أن المراد : هو اعتبار مسلم بن عقيل والحسين بن علي «عليهما السلام» من أهل البدعة والفتنة، لكي يستحل يزيد، وزبانيته كابن زياد سفك دماء هؤلاء الصفوة، وعلى رأسهم الحسين ومسلم بن عقيل، وأهل البيت الأطهار، وسائر المؤمنين الأتقياء من شيعتهم الأبرار.
والحسين كان أقدس إنسان على وجه الأرض، وهو من الأئمة الطاهرين، ومن أركان الدين، وهو عدل القرآن بنص حديث الثقلين..
عبيد الله بن عمرو الكندي:
قال العلامة المامقاني «رحمه الله» عن عبيد الله بن عمرو الكندي: «ذكر أهل السير أنه كان شجاعاً شيعيا شهد مع أمير المؤمنين «عليه السلام» مشاهده، وبايع مسلماً، وكان يأخذ البيعة للحسين «عليه السلام».
وعقد له مسلم على ربع كندة وربيعة. فلما تخاذل الناس قبض
عليه الحصين بن نمير، فسلمه إلى ابن زياد. فأمر بضرب عنقه»(1).
قال العلامة التستري «رحمه الله»: «أقول: إنما روى الطبري عقد مسلم له على ربع كندة وربيعة (2). وأما أخذه وقتله، فلا» (3).
ونقول:
لعل المامقاني قد أخذ الخبر عن قتله «رحمه الله» من مصدر آخر..
العباس بن جعدة الجدلي:
وعن العلامة المامقاني «رحمه الله»: أن العباس بن جعدة الجدلي «كان يأخذ البيعة للحسين«عليه السلام»، ولما تخاذل الناس عن مسلم أمر ابن زياد بالقبض عليه، وبضرب عنقه بعد قتل مسلم»(4).
1) قاموس الرجال ج 7 ص 84 عن المامقاني «رحمه الله».
2) قاموس الرجال ج 7 ص 84 وراجع: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 369 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 275 ولواعج الأشجان ص52 و 53 والكامل في التاريخ ج 4 ص 30 وتاريخ الكوفة ص333 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 42 ونهاية الأرب ج 20 ص397 وإبصار العین ص81 و 108.
3) قاموس الرجال ج 7 ص 84.
4) قاموس الرجال ج 6 ص 9 وراجع: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 368 و و (ط الأعلمي) ج 4 ص 275 وتاريخ الكوفة ص335 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 42 والكامل في التاريخ ج 4 ص 30 ونهاية الأرب ج 20 ص 397 .
قال المحقق التستري «رحمه الله»: «أقول: إنما في الطبري أن مسلما لما خرج عقد لأربعة : لمسلم بن عوسجة، وأبي ثمامة، وعبيد الله بن عمرو الكندي، وللعباس بن جعدة الجدلي، كل على ربع.
وروى عن العباس هذا قال: خرجنا مع مسلم أربعة آلاف، فما بلغنا القصر إلا ونحن ثلاث مئة الخبر .. (1).
وأما ما قاله المصنف «رحمه الله» من أخذه أو قتله، فغير معلوم، ولم يعلم مستنده(2).
ونقول:
إن الرواية المروية عن العباس عن تخاذل الناس قد يستدل بها على أنه لم يقتل. ولكنه استدلال غير تام. إذ يمكن أن يكون مسلم قد استشهد، فروی العباس للناس هذه الرواية، ثم أمر ابن زياد بالقبض عليه بعد ذلك وقتله.
ولعل المامقاني قد أخذ هذا من مصدر عنده غير الطبري، وإن لم نطلع
عليه.
عبد الله بن الحارث في السجن:
عن عيسى بن يزيد الكنانيّ:
لمّا جاءَ كِتابُ يَزِيدَ إِلى عُبَيدِ اللهِ بن زيادٍ، انتَخَبَ مِن أهل البَصَرَةِ
خَمَسَمِئَةٍ، فِيهِم عَبدُ اللهِ بنُ الحارِثِ بْنُ نَوقُلِ، وشَرِيكُ بنُ الأَعورِ- وكانَ شيعَةٌ لِعَلِيٍّ - فَكَانَ أَوَّلَ مَن سَقط بالنّاس شريكٌ، فَيُقَالُ: إِنَّهُ تَساقط غَمَرَةَ ومَعَهُ نَاسٌ، ثُمَّ سَقَط عَبدُ اللهِ بنُ الحارِث وسَقط مَعَهُ ناسٌ.
ورَجَوا أن يَلوِيَ عَليهِم عُبَيدُ اللهِ، ويَسبقهُ الحُسَينُ «عليه السلام» إلى الكوفةِ (1).
المختار في السجن أيضاً:
وعن عيسى بن يزيد أيضاً:
إِنَّ المُختارَ بن أبي عُبَيدٍ، وعَبدَ اللهِ بن الحارِثِ بن نَوفلٍ، كانا خَرَجا مَعَ مُسلِمٍ، خَرَجَ المُختارُ بِرايَةٍ خَضراءَ، وَخَرَجَ عَبدُ اللَّهِ بِرَايَةٍ حَمراءَ وعَليهِ ثِيَابٌ حُمرٌ.
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 359 و (ط الأعلمي) ج 4 ص267 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 28 .
وإِنَّ عُبَيدَ اللَّهِ أَمَرَ أَن يُطلبَ المُختارُ وعَبدُ اللهِ بنُ الحارِثِ، وَجَعَلَ فيهما جُعلاً، فأتِيَ بهما فحُبسا (1).
ونقول:
هنا أمور يحسن التوقف عندها، وهي التالية:
ابن زياد يستصحب هاشمياً وشيعياً :
هنا سؤال يتبادر إلى الذهن يقول:
إن ابن زیاد اختار شريك بن الأعور وعبد الله بن الحارث بن نوفل لصحبته إلى الكوفة، فهل كان ذلك منه لصداقة له معهما، أو لأنه كان يخشى من إبقائهما في البصرة بعده لما يعلمه من طموح ومن ميول لهما؟!
وأما احتمال أن يكون الطريق هو الذي جمع بينهما على سبيل الاتفاق والصدفة. فلا مكان له، لأن الطبري يصرح بأن ابن زياد قد اختاره لصحبته(2).
ويمكن أن يقال:
أما بالنسبة لشريك بن الأعور ، فقد عرفنا أنه كان شديد التكتم
على تشيعه، ولا شيء يدل على معرفة يزيد بتشيع شريك، فقرار عبيد الله بن زياد باستصحابه إلى الكوفة ربما كان للاستفادة من موقعه، وعلاقاته ونفوذه، أو للاستفادة من رأيه، وتجربته..
وإن كان ابن زياد عالماً بتشيع شريك، وابن الحارث فيكون قد استصحبهما معه إلى الكوفة لأهداف أخرى، ككونه يريد أن لا يبقيهما في البصرة خوفاً من أن يكسبا ولاء الناس، ويشكلا خطورة على
النفوذ والحاكمية الأموية في ذلك البلد.
أو يريد أن يظهر لأهل الكوفة أن الحكم الأموي يستقطب الولاءات، وينال رضا جميع الفئات، ومختلف الاتجاهات، فعبد الله بن الحارث هو من الدوحة الهاشمية في الصميم، لأنه ابن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب .
وشريك بن الأعور هو من الشيعة المخلصين لتشيعهم، والمهتمين
بقضايا الشيعة، والمدافعين عنها ..
والتشيع فاش في الكوفة، وإن لم يكن له رسوخ وصلابة تجعله قادرا على دفع أهله إلى اتخاذ المواقف الجليلة، واعتماد الخيارات الصعبة، حين تواجه المتشيعين تحديات المصالح، أو تعترضهم المغريات، والأهواء، والعصبيات القبلية وسواها
وربما كان ابن زياد يطمئن إلى ولاء عبد الله بن الحارث له
وليزيد، لأنه ابن عمته هند بنت أبي سفيان بن حرب (1). فيكون هذا
أيضاً من الأسباب التي ساعدت على استصحابه إلى الكوفة.
ويشهد لما قلناه أن أهل البصرة عند موت يزيد، وهرب عبيد الله بن زياد اتفقوا على تولية عبد الله بن الحارث، حتى يتفق الناس على إمام، لأن أباه من بني هاشم، وأمه من بني أمية، فقالوا: من ولي الأمر رضي به(2).
وذكر البغوي: أن عبد الله بن الحارث ولي البصرة لابن الزبير
1) أنساب الأشراف ج 4 ص 402 و (نشر جمعية المستشرقين الألمانية بیروت) ج 4 ص 297 وج 5 ص 384 وأسد الغابة ج3 ص208 و (ط دار الكتاب العربي) ج 3 ص 136 والإستيعاب ج 3 ص 21 و (ط دار الجيل) ج 3 ص 885 وتاريخ مدينة دمشق ج 27 ص 317 و 319 و 323 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 24 و 55 و طبقات خليفة بن خياط ص 327 وتهذيب الكمال ج 14 ص 396 وسير أعلام النبلاء للذهبي ج1 ص 200 والإصابة (ط دار الكتب العلمية) ج 5 ص 8 والأعلام للزركلي ج 4 ص 77 .
2) أسد الغابة ج 3 ص 208 و (ط دار الكتاب العربي) ج 3 ص 140 والإستيعاب ج 3 ص 21 و (ط دار الجيل ) ج 3 ص886 وتاريخ مدينة دمشق ج 27 ص 320 و 323 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 25 وج 7 ص 101 و تاريخ بغداد ج 1 ص 226 وسير أعلام النبلاء ج1 ص 200 وراجع: الإصابة (ط دار الكتب العلمية) ج 5 ص 9 وراجع: أنساب الأشراف ج 4 ص 405 .
أيضاً (1). كما أنه كان مع ابن الأشعث لما خلع الحجاج وقاتله (2).
تساقط رفاق ابن زیاد :
وقد تحدثنا فيما سبق عن موضوع التساقط في الطريق، بهدف إعاقة ابن زياد عن دخول الكوفة، قبل دخول الحسين إليها، وقلنا: إنه كلام غير دقيق، ولا مجال لقبوله.
الراية الخضراء والحمراء:
وتقدم: أن المختار خرج في الكوفة مع مسلم براية خضراء، وعبد الله بن الحارث خرج براية حمراء، وعليه ثياب حمر.
ومن المعلوم: أن الخضرة، والرايات الخضراء هي شعار بني هاشم والبياض والرايات البيضاء شعار بني أمية.. أما السواد، والرايات السوداء، فهي شعار بني العباس.
فكأن المختار قد لاحظ هذا المعنى حين اختار رفع الراية الخضراء.
1) راجع الإصابة (ط دار الكتب العلمية) ج 5 ص 9 وراجع: تاريخ مدينة دمشق ج 27 ص 322 وسير أعلام النبلاء ج 1 ص 200 وج3 ص530 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 6 ص 106 والتحفة اللطيفة ج 2 ص 27 .
2) أسد الغابة ج 4 ص 208 و (ط دار الكتاب العربي) ج 3 ص 140 وراجع: تاريخ مدينة دمشق ج 27 ص 318 و 322 وتهذيب الكمال ج 14 ص 399 والأعلام للزركلي ج 4 ص 77 وأنساب الأشراف (ط دار الفكر) ج7 ص 351.
أما الراية الحمراء التي اختارها ابن الحارث، فلا نعرف عنها الكثير، غير أننا نقول:
لعل القصد منها الإشارة إلى الحرب وإلى الدماء التي تراق فيها، وإلى العنف الذي يتوقع أن تتسم به، وأنه مستعد لخوضها إلى آخر رمق..
ويذكر هنا: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» كان في حربه مع أهل الشرك والضلال يرفع راية سوداء..
وقد قال الكميت:
وإلا فارفعوا الرايات سوداً*** على أهل الضلالة والتعدي
وهي راية علي «عليه السلام» في حروبه، مع أعدائه.
هل خرج المختار مع مسلم؟!:
وقول النص المتقدم: إن المختار «رحمه الله» قد خرج مع مسلم، ومعه راية خضراء ليس دقيقاً، فقد تقدم: أنه يفهم من النصوص : أن المختار لم يكن في الكوفة حين خرج مسلم، وإنما كان في الأطراف يجمع الرجال ليأتي بهم إلى مسلم، في وقت محدد اتفق مع مسلم عليه، فجاء بهم في ذلك الوقت فوجد مسلما قد استشهد. وهذا يفهم أيضاً من النص الذي رواه الطبري، وهو التالي:
عن أبي مخنف:
قالَ النَّضَرُ بنُ صَالِحٍ... حَتّى إذا كانَ زَمَنُ الْحُسَين «عليه
السلام»، وبَعَتْ الحُسَينُ «عليه السلام» مُسلِمَ بنَ عَقِيلٍ إلى الكوفةِ، نَزَلَ دارَ المُختارِ وهِيَ اليَومَ دارُ سَلمِ بن المُسَيَّبِ، فَبايَعَهُ المُختارُ بنُ أَبي عُبَيدٍ فِيمَن بَايَعَهُ مِن أهل الكوفةِ، وناصَحَهُ وَدَعَا إِلَيهِ مَن أَطاعَهُ، حَتَّى خَرَجَ ابْنُ عَقِيلٍ يَومَ خَرَجَ وَالْمُختارُ في قريَةٍ لَهُ بِخُطرنيَة تُدعى «لقفا».
فجاءَهُ خَبَرُ ابن عَقِيلٍ عِندَ الظُّهر: أنَّهُ قد ظَهَرَ بالكوفةِ.
فلُم يَكُن خُروجُهُ يَومَ خَرَجَ عَلى ميعادٍ مِن أَصحابِهِ، إِنَّمَا خَرَجَ حينَ قيلَ لَهُ: إِنَّ هَانِئَ بنَ عُروَةَ المُرادِيَّ قد ضُرِبَ وحُبس.
فَأَقْبَلَ المُختارُ في مَوالِ لَهُ، حَتَّى انتهى إلى بَابِ الفِيلِ بَعدَ الغُروبِ، وقد عَقدَ عُبَيدُ اللهِ بنُ زِيادٍ لِعَمرو بن حُرَيثٍ رَايَةٌ عَلَى جَميعِ النّاس، وأمَرَهُ أَن يَقعُدَ لهُم فِي المَسجِد.
فلمّا كانَ المُختارُ وَقفَ عَلى بابِ الفيل مَرَّ بِهِ هَانِيُّ ابْنُ أَبِيحَيَّةٌ الوادِعِيُّ، فَقالَ لِلمُختار : ما وُقوفكَ هاهنا! لا أنتَ مَعَ النَّاس، ولا أنتَ في رَحلِكَ؟
قالَ: أَصْبَحَ رَأيي مُرتَبّاً لِعظم خَطيئَتِكُم.
فَقالَ لَهُ: أَظُنُّكَ وَاللهِ قَاتِلَا نَفْسَكَ! ثُمَّ دَخَلَ عَلَى عَمرو بن حُرَيْثٍ فَأَخبَرَهُ بما قالَ لِلمُختارِ، وما رَدَّ عَليهِ المُختارُ.
قال أبو مِخنفٍ: فَأَخبَرَنِي النَّضَرُ بنُ صَالِحٍ، عَن عَبدِ الرَّحمن بن أبي عُمَيرِ التَّقْفِيِّ، قَالَ: كُنتُ جالِساً عِندَ عَمرو بن حُرَيثِ، حينَ بَلَغَهُ هانِيُّ ابنُ أَبي حَيَّة عَن المُختار هذِهِ المَقالة، فقالَ لي: قُم إلى ابن عَمِّكَ
فأخيرهُ أَنَّ صاحِبَهُ لا يدري أينَ هُوَ، فَلا يَجْعَلُنَّ عَلَى نَفْسِهِ سَبِيلًا.
فقُمتُ لِآتِيَهُ، ووَثبَ إِليهِ زائِدَةُ بنُ قُدامة بن مسعودٍ، فَقالَ لَهُ: يَأْتيكَ
عَلَى أَنَّهُ آمِنٌ؟
فقالَ لهُ عَمرُو بنُ حُرَيث: أمّا مِنّي فَهُوَ آمِنٌ ، وإِن رَقى إلى الأميرِ عُبَيدِ اللهِ بن زيادٍ شَيْءٌ مِن أمره أقمتُ لَهُ بِمَحضَرِهِ الشَّهَادَةَ، وشفعتُ لَهُ أَحسَنَ الشَّفاعَةِ.
فَقالَ لهُ زائِدَةَ بنُ قدامَة: لا يَكونَنَّ مَعَ هذا إن شَاءَ اللَّهُ إِلَّا خَيرٌ.
قالَ عَبْدُ الرَّحمن: فَخَرَجَتْ وخَرَجَ مَعي زائِدَةُ إلى المُختار، فأخبَرناهُ بمقَالةِ ابن أبي حَيَّة، وبمَقالةِ عَمرو بن حُرَيْثٍ، وناشدناهُ بِاللَّهِ أَلا يَجْعَلَ عَلَى نَفْسِهِ سَبِيلاً، فَنَزَلَ إلى ابن حُرَيتْ فَسَلَّمَ عَليهِ، وَجَلْسَ تَحتَ رايَتِهِ رايَتِهِ حَتَّى أَصْبَحَ.
وتَذاكَرَ النّاسُ أمرَ المُختار وفِعلِهِ، فَمَشى عُمارَةُ بنُ عُقبَة بن أبي مُعَيطٍ بِذلِكَ إِلى عُبَيدِ اللهِ بن زياد فذكَرَ لَهُ، فلمَّا ارتَفَعَ النَّهَارُ فُتِحَ بَابُ عُبَيدِ اللهِ بن زيادٍ، وأذِنَ لِلنّاس، فَدَخَلَ المُختارُ فيمَن دَخَلَ، فَدَعاهُ عُبَيدُ اللهِ، فَقالَ لَهُ : أَنتَ المُقبلُ فِي الجُموعِ لِتَنصُرَ ابنَ عَقِيلٍ؟
فقالَ لهُ: لم أفعل، ولكِنِّي أَقْبَلتُ ونَزَلتُ تَحتَ رايَةِ عَمرو بن حُرَيثِ، وبتٌ مَعَهُ وأَصْبَحتُ.
فقالَ لهُ عَمروٌ : صَدَقَ أصلحَكَ اللهُ.
قالَ: فَرَفَعَ القضيب فَاعتَرَضَ بِهِ وَجهَ المُختارِ، فَخَبَطَ بِهِ عَينَهُ فَشَتَرَها وقال: أولى لكَ، أَمَا وَاللهِ لولا شَهادَهُ عَمْرِو لَكَ لِضَرَبَتُ
عُنُقكَ، اِنطُلِقوا به إلى السِّجن.
فانطُلقوا به إلى [السِّجن] فَحُبِسَ فِيهِ، فلم يَزَلْ فِي السِّجن حَتَّى قُتِلَ
الحُسَينُ «عليه السلام».
ثُمَّ إِنَّ المُختارَ بَعَثَ إلى زائِدَةَ بن قُدامة، فَسَأَلَهُ أَن يَسِيرَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بن عُمَرَ بِالمَدينَةِ، فَيَسأله أن يَكتُبَ لَهُ إِلى يَزِيدَ بن مُعاوِيَة، فَيَكتُبَ إلى عُبَيدِ اللهِ بن زيادٍ بِتَخلِيَةِ سَبِيلِهِ.
فَرَكِبَ زائِدَةُ إِلى عَبدِ اللهِ بن عُمَرَ، فَقَدِمَ عَليهِ، فَبَلَغَهُ رسالة المُختار ، وعَلِمَت صَفِيَّة أختُ المُختارِ بِمَحبَس أخيها - وهِيَ تَحتَ عَبْدِ اللهِ بن عُمَرَ - فَبَكَت وجَزِعَت.
فلمّا رَأَى ذلِكَ عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ، كَتَبَ مَعَ زَائِدَةَ إِلى يَزِيدَ بن مُعاوِيَة :
أَمَّا بَعدُ، فَإِنَّ عُبَيدَ اللهِ بنَ زِيادٍ حَبَسَ المُختارَ وهُوَ صِهري، وأنَا أحِبُّ أن يُعافى ويُصلَّحَ مِن حالِهِ، فإن رأيتَ - رَحِمَنَا اللهُ وإِيَّاكَ - أن تَكتُبَ إلى ابن زيادٍ فَتَأمُرَهُ بتَخلِيَتِهِ، فَعَلْتَ، وَالسَّلامُ عَليكَ.
فَمَضى زائِدَةُ عَلى رَواحِلِهِ ِبالكِتابِ حَتَّى قدِمَ بِهِ عَلَى يَزِيدَ بِالشّامِ، فلمّا قرَأَهُ ضَحِكَ، ثُمَّ قَالَ: يُشقَّعُ أبو عَبدِ الرَّحْمَنِ وأَهلُ ذلِكَ هُوَ.
فَكَتَبَ لَهُ إلى ابن زيادٍ:
أمّا بَعدُ، فَخَلٌّ سَبيلَ المُختارِ بن أبي عُبَيدٍ حينَ تَنظُرُ فِي كِتابي، وَالسَّلامُ عَليكَ.
فَأَقْبَلَ بهِ زائِدَهُ حَتَّى دَفَعَهُ فَدَعَا ابنُ زِيادٍ بالمُختار فَأَخْرَجَهُ، ثُمَّ
قالَ لهُ: قد أَجَلْتُكَ ثلاثا، فإن أدركتكَ بالكوفَةِ بَعدَها قد بَرِئَت مِنكَ الذِّمَّهُ
فَخَرَجَ إِلَى رَحلِهِ.
وقالَ ابنُ زِيادٍ: وَاللَّهِ لَقَدِ اجْتَرَأَ عَلَيَّ زائِدَةُ حينَ يَرحَلُ إلى أمير المُؤمِنِينَ حَتَّى يَأْتِيَني بالكِتابِ فِي تَحْلِيَةِ رَجُلٍ قد كَانَ مِن شَأْني أن أطيلَ حَبِسَهُ! عَلَيَّ بِهِ.
فَمَرَّ بِهِ عَمرُو بنُ نافِع أبو عُثمانَ - كاتِبٌ لابن زيادٍ - وهُوَ يُطلبُ، وقالَ لهُ: النَّجاءَ بِنَفسِكَ، وَاذكُرها يَداً لي عِندَكَ.
قالَ: فَخَرَجَ زائِدَةُ فتَوارى يَومَهُ ذلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُ خَرَجَ فِي أُناسٍ مِن قومِهِ حَتَّى أَتَى القعقاعَ بن شورِ الدُّهلِيَّ، ومُسلِمَ بنَ عَمرو الباهِلِيَّ، فأخَذا لهُ مِن ابن زيادٍ الأمانَ(1).
ونقول:
شتر عينه: قطع جفنها الأسفل.
وهنا بعض ما يحتاج إلى بيان نكتفي منه بذكر نقطتين باختصار شديد، وهما:
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 369 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 441 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 221 - 225 وتاريخ مدينة دمشق ج18 ص290 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 268 وراجع: ذوب النضار ص68 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 258 .
إستيعاب حركة المختار:
يحتمل أن يكون اهتمام عمرو بن حريث، وهاني ابن أبي حية الوادعي، وعبد الرحمان بن أبي عمير الثقفي، وزائدة بن قدامة بأمر المختار لصداقة كانت لهم معه، ويحتمل أن يكون ذلك لأجل معرفتهم بشجاعته، وجرأته، فأرادوا تفادى العداوة معه، وأن يتخلصوا من تبعات الصدام معه، ويوفروا على أنفسهم متاعب ومصاعب وأحقاداً، قد لا يمكنهم تقديرها، ولا التخلص من تبعاتها لو ابتلوا بها..
ويحتمل أن يكونوا على علم بمكانة المختار، وموقعه عند ابن عمر، الذي كانت له مكانة وموقع لدى يزيد، بل إن ابن زياد نفسه لم يذهب بعيداً في مواجهة المختار، بل اكتفى بسجنه، وإبعاده عن الساحة .. ولكنه لم يبطش به، وإن كان يحب ذلك.
کتاب ابن عمر:
ثم إن التأمل في كتاب ابن عمر إلى يزيد يعطي انطباعاً عن ابن عمر ليس في صالحه، لاسيما وأن كتابته لهذا الكتاب كانت بعد استشهاد الإمام الحسين «عليه السلام» وأهل بيته وأصحابه على يد يزيد، وزبانيته.
فأولاً: كيف، وما المبرر أن يطلب ابن عمر من يزيد إصلاح حال صهره، وهل يقصد ابن عمر أن كسب ود المختار ليزيد بإطلاق
سراحه من السجن، ليصبح من مؤيدي يزيد، والمثنين عليه؟! وهل
يعتبر ابن عمر هذا صلاحاً، وعافية؟!
ثانياً : ما معنى هذا الدعاء بالرحمة الإلهية ليزيد، وهل يمكن أن تكون لقاتل أولياء الله، وأوصياء الأنبياء، وقاتل الأخيار والأبرار، والأطفال الصغار، هل يمكن أن تكون له رحمة من الله تعالى؟!
وما معنى أن يجعل ابن عمر رحمة الله تعالى له، ورحمة الله ليزيد في بوتقة واحدة، وفي سياق واحد؟!
ثالثاً : إن ابن عقيل لم يسلم على ابن زياد، لأنه ليس له بأمير، فهل
يستحق يزيد أن يمنحه ابن عمر السلام.
رابعاً : ما هذه المودة التي يظهرها يزيد لابن عمر، فهو يكنيه، ويقبل شفاعته حتى في من يدعى عليه أنه كان بصدد محاربته، ونصرة أعدائه عليه، والحال أننا نراه لا يرحم أحداً يتوهم فيه أنه ينوي شيئا من ذلك.
خامساً: بماذا وكيف صار ابن عمر أهلا للشفاعة؟! وأي شيء فيه أثار إعجاب ذلك الجبّار العاتي، الذي هو أعدى الأعداء للأخيار؟!
ألا يدلنا ذلك كله على أن ابن عمر كان في مجمل سلوكه يؤدي خدمة لهذا الطاغية، ويخفف عنه بعض همومه، ويسهم في توطيد دعائم حكمه؟!
فإنَّا لله وإنا إليه راجعون..
الشهيد قيس بن مسهر الصيداوي:
1 - قال المفيد «رحمه الله»: لمّا بَلغَ عُبَيدَ اللَّهِ بنَ زِيادٍ إِقْبالُ الحُسَين «عليه السلام» مِن مَكَة إلى الكوفَةِ، بَعَثَ الحُصَينَ بنَ نُمَيرٍ
صاحِبَ شُرَطِهِ حَتَّى نَزَلَ القَادِسِيَّةِ، ونَظَّمَ الخَيلَ بَينَ القَادِسِيَّةِ إِلى خَفّانَ، وما بَينَ القادِسِيَّةِ إلى القطقطانَةِ [ وفي الكامل في التاريخ: وإلى جَبَل لُعلُع].
وقالَ النّاسُ: هذا الحُسَينُ «عليه السلام» يُريدُ العِراقَ.
ولمّا بَلغَ الحُسَينُ «عليه السلام» الحاجرَ مِن بَطْنِ الرُّمَّةِ، بَعَثَ قيس بن مُسهرِ الصَّيداوي - ويُقالُ: بَل بَعَثَ أَخاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ عَبْدَ اللَّهِ بنَ يَقطر - إلى أهل الكوفة، ولم يكن «عليه السلام» عَلِمَ بِخَبَرٍ مُسْلِمٍ بن عَقِيلٍ «رَحِمَهُ اللهِ عَليهما»، وكَتَبَ مَعَهُ إِليهم:
بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
مِنَ الحُسَين بن عَلِيٍّ إلى إخوانِهِ مِنَ المُؤمِنِينَ وَالمُسلِمينَ..
سَلامٌ عَليكُم، فإنّي أحمَدُ إليكُمُ اللهَ الَّذي لا إلهَ إِلَّا هُوَ .
أمّا بَعدُ، فَإِنَّ كِتابَ مُسلِمٍ بن عَقِيلٍ جاءَني يُخبِرُ فِيهِ بِحُسن رَأَيكُم، وَاجتِماعِ مَلئِكُم عَلى نَصرنا، والطَّلبِ بحَقنا، فسَألتُ اللهَ أن يُحسِنَ لَنَا الصَّنيعَ، وأن يُثيبَكُم عَلى ذلِكَ أعظم الأجر ، وقد شَخَصَتُ إليكُم مِن مَكَّة يَومَ الثلاثاءِ، لِثمانٍ مَضَينَ مِن ذِي الحِجَّةِ، يَومَ التّرويَةِ.
فإذا قدِمَ عَليكُم رَسولي فانكَمِشوا في أمرِكم وجدوا، فإنّي قادِمٌ عَلِيكُم في أيّامي هذِهِ، وَالسَّلامُ عَليكُم ورَحمَهُ اللهِ.
وكانَ مُسلِمٌ كَتَبَ إِليهِ قبل أن يُقتَلَ بسَبع وعِشْرِينَ ليلةٌ، وكَتَبَ إِلَيهِ
أهلُ الكوفة : إِنَّ َلكَ هاهنا مِئَة ألفِ سَيفِ، فلا تَتَأخَّر .
فَأَقْبَلَ قيسُ بنُ مُسهرٍ إلى الكوفة بكِتابِ الحُسَين «عليه السلام»،
حَتّى إذا انتهى إلى القادِسِيَّةِ، أَخَذَهُ الحُصَينُ بنُ نُمَير فأنقذُهُ إلى عُبَيدِ
الله بن زيادٍ، فَقالَ لَهُ عُبَيدُ اللهِ : اِصعَد فَسُبَّ الكَذَّابَ الْحُسَينَ بنَ عَلِيٍّ.
فَصَعِدَ قيسٌ، فَحَمِدَ الله وأثنى عَليهِ، ثمَّ َقالَ: أَيُّهَا النّاسُ، إِنَّ هذا الحُسَينَ بنَ عَلِيٍّ «عليه السلام» خَيْرُ خَلْقَ اللهِ، ابْنُ فَاطِمَةَ بنتِ رَسول اللهِ، وأَنَا رَسولهُ إليكم [وعند ابن الأثير : وقد فارقته بالحاجر] فأجيبوه.
ثمَّ لَعَنَ عُبَيدَ اللهِ بنَ زِيادٍ وأَبَاهُ، وَاسْتَغْفَرَ لِعَلِيٍّ بن أبي طَالِبٍ «عليه السلام» وصلى عَليهِ، فَأَمَرَ بِهِ عُبَيدُ اللهِ أَن يُرمى بِهِ مِن فوق القصر، فرَمَوا بِهِ فَتَقطَّعَ [فمات].
ورُويَ: أَنَّهُ وَقعَ إلى الأرض مَكتوفاً ، فَتَكَسَّرَت عِظامُهُ وَبَقِيَ بِهِ رَمَقٌ، فَجَاءَ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ: عَبدُ المَلِكِ ْبنُ عُمَيرِ اللَّخمِيُّ فَدَبَحَهُ.
فقيلَ لهُ فِي ذلِكَ وَعِيبَ عَلَيهِ.
فقال: أردتُ أن أريحَهُ ! (1).
2 - عن عقبة بن أبي العيزار :
قالَ [الإمامُ الحُسَينُ «عليه السلام» لِلرِّجالِ الَّذِينَ أَقْبَلُوا مِنَ
1) الإرشاد للمفيد ج 2 ص 69 ومثير الأحزان ص 42 وبحار الأنوار ج 44 ص 369 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 216 و 217 عنهم، وعن مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 95 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 245 والحدائق الوردية ج 1 ص 121 والكامل في التاريخ ج4 ص 42 و 43 وروضة الواعظين ص 196 وإعلام الورى ج 1 ص 446 . وراجع: تذكرة الخواص ج 2 ص 148.
الكوفةِ، وهم أربعة رجال]: أخبروني، فهل لكُم بِرَسولي إليكُم؟
قالوا : مَن هُوَ؟
قالَ: قيسُ بنُ مُسهرِ الصَّيداويُّ.
فقالوا : نَعَم، أخَذهُ الحُصَينُ بنُ تَمِيمٍ، فَبَعَتْ بهِ إلى ابن زيادٍ، فَأَمَرَهُ ابنُ زيادٍ أن يَلْعَنَكَ ويَلْعَن أباكَ، فَصَلَّى عَليكَ وعَلى أبيكَ، وَلَعَنَ ابن زيادٍ وأباهُ، ودعا إلى نُصرَتِكَ، وأخبَرَهُم بقدومكَ، فَأَمَرَ بِهِ ابْنُ زِيَادٍ فَأُلْقِيَ
من طمارِ القصر.
فَتَرَقرَقَت عَينا حُسَينِ «عليه السلام» ولم يَملِك دَمَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) (1)، اللهُمَّ اجعَل لُنا
ولهُمُ الجَنَّة نُزُلاً، وَاجمَع بَينَنا وبَينَهُم في مُستَقَرٌّ مِن رَحمَتِكَ، وَرَغائِبِ
مَذخورِ ثوابكَ (2).
ونقول:
متى استشهد ابن مسهر؟!
بالنسبة لتاريخ استشهاد قيس نقول:
أولاً : عرفنا فيما سبق: أن قيس بن مسهر الصيداوي قد رافق
مسلم بن عقيل من مكة إلى الكوفة، فدخلها معه. ثم عاد قيس إلى الإمام الحسين «عليه السلام»، هو وعابس بن أبي شبيب الشاكري بكتاب مسلم، الذي يدعوه فيه إلى القدوم إلى الكوفة، كما قال ابن نما (1).
ثم أرسله «عليه السلام» مرة أخرى إلى مسلم بن عقيل، ليستعلم
خبره قبل أن يصل إليه...
فأخذه الحصين بن نمير في القادسية، وأرسله إلى ابن زياد، فجرى عليه ما ذكرته الرواية آنفاً (2).
وقد صرح قيس نفسه: بأنه قد فارق الحسين «عليه السلام» بالحاجِرِ (3).
ومن الواضح أن مسلماً قد استشهد يوم خروج الإمام من مكة أو قبله بیوم أو بعده بيوم. فالإمام الحسين «عليه السلام» يحتاج إلى عدة
أيام قد تصل إلى حوالي أسبوع أو أكثر، لكي يصل إلى الحاجر (بطن الرمة). ويحتاج قيس بن مسهر أيضاً لكي يصل إلى القادسية، ثم إلى
الكوفة إلى حوالي أسبوعين، فيكون استشهاد قيس «رحمه الله» بعد استشهاد مسلم بأكثر من أسبوعين، إلى ثلاثة أسابيع.
ثانياً : تقدم في الرواية الأولى ما يدل على أن عبيد الله بن زياد قد عرف أولاً بمسير الحسين «عليه السلام» إلى العراق، فأرسل الحصين بن نمير، حتى نزل القادسية، فنظَّم الخيل بين القادسية إلى خفان. فلما بلغ قيس القادسية أخذه الحصين..
وإنما فعل ذلك ابن زياد بعد أن وصلت رسالته، ورؤوس مسلم بن عقيل، وهاني بن عروة، وعمارة بن صلخب إلى يزيد بالشام، فكتب إليه يزيد كتاباً يثني عليه فيه ويقول:
«وإِنَّهُ قد بَلغَني أنَّ الحُسَينَ بنَ عَلِيٍّ قد تَوَجَّهَ نَحوَ العِراقِ، فَضَعِ المَناظِرَ وَالمسالحَ الخ..» (1).
وحسب رواية اليعقوبي أنه كتب إليه: «وأَنَّهُ قد خَرَجَ مِن مَكَة مُتَوَجِّها نَحوَهُم (أي نحو أهل الكوفة)، وقد بُلِيَ بِهِ بَلدُكَ مِن بَين البلدان، وأَيّامُكَ مِن بَين الْأَيّام، فإن قتَلتَهُ، وإلَّا رَجَعَتَ إِلَى نَسَبِكَ، وَإِلى
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 380 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 286 والإرشاد للمفيد ج 2 ص65 و 66 وبحار الأنوار ج 44 ص 359 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 209 والأعلام للزركلي ج 4 ص 193 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 329 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 179 وأعيان الشيعة ج 1 ص 593 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 60 .
أبيكَ عُبَيدٍ، فاحدُر أن يَفوتكَ» (1).
وهذا يعني: أن الزمان الفاصل بين قتل مسلم بن عقيل واستشهاد قيس بن مسهر كان طويلاً، لأنه تضمن إرسال الرؤوس إلى الشام، ثم إرسال يزيد الكتاب إلى ابن زياد، ثم إرسال الحصين بن نمير (تميم) إلى القادسية فنظَّم الخيل منها إلى خفان، ثم إلى جبل لعلع، وهذا يحتاج إلى حوالي عشرين يوماً لو كان القبض على ابن مسهر في أول يوم نظمَّ فيه الحصين الخيل في القادسية..
الحسين بدأ بنفسه:
رأينا أن الإمام الحسين «عليه السلام» فى كتابه إلى أهل الكوفة قد بدأ بنفسه، فقال: من الحسين بن علي، كما جرت به العادة، لكنه قد
1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 242 وراجع: العقد الفريد ج 5 ص130 ومثير الأحزان ص 140 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 29 وبحار الأنوار ج 44 ص 360 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 209 ولواعج الأشجان ص 69 وأنساب الأشراف ج 3 ص 371 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 160 والمعجم الكبير ج 3 ص 115 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 214 وج 65 ص 396 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 305 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2614 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 10 والوافي بالوفيات ج 12 ص 263 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 178 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 303 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 271 .
رفع من شأن مخاطبيه حين اعتبر أهل الكوفة المؤمنين والمسلمين إخواناً له.. مع أنه «عليه السلام» خير خلق الله، كما قال قيس بن مسهر للناس قبل إلقائه من أعلى القصر..
فدلنا ذلك: على أن التعامل وفق ما جرت به العادة لا يمنع من التواضع وخفض الجانب، والرفق والمؤانسة..
المؤمنون المسلمون:
وقد رأينا : أنه « عليه السلام» حين بين مراده من إخوانه ذكر لهم
وصفين، فقال: «من المؤمنين والمسلمين».
فهل عطف كلمة المسلمين على كلمة المؤمنين من باب عطف المغاير على ما يغايره فى أساس المعنى، فيكون المراد مثلا بالمؤمنين خصوص شيعته الخلص الملتزمين بنهجه «عليه السلام»، ومن لا يتجاوزون أمره، ويعتقدون إمامته وعصمته، وأن إمامته منصوص عليها من رسول الله «صلى الله عليه وآله» عن الله تبارك وتعالى.
ويريد بالمسلمين عامة الناس الذين بايعوه، وأيدوا حركته، وتعهدوا بنصره وإن لم يعتقدوا بإمامته المنصوصة، وبعصمته وغير ذلك..
أو يراد بالمؤمنين خصوص الأتقياء الأبرار الملتزمين بأحكام الشريعة، وبالمسلمين من لم يبلغوا في التزامهم، ومراعاتهم للأحكام درجة أولئك، بل هم يريدون نصره لتوقعهم أن يجلب لهم حكمه
المنافع، ويجنبهم المضار والأسواء، لأنه سوف يحكم بالعدل ويمنع
الظلم.
وأن هذا العطف من قبيل عطف المرادف على مرادفه الموافق له في المعنى، فيعطف أحدهما على الآخر لأجل التقوية، والتأكيد. كلا الأمرين محتمل، ونحن نترك الأمر للقارئ الكريم ليرجح من الاحتمالين ما يشاء.
اجتِماعّ مَلئِكُم عَلى نصرنا، وَالطَّلَبِ بِحَقَّنَا:
وقد جعل « عليه السلام» الأساس الذي انطلق منه للتعامل مع أهل الكوفة، عدة أمور، هي التالية:
ألف: حسن رأيهم، فإن سلامة وحصافة الرأي، وصحة التفكير، وإنتاج الرأي الحسن والصحيح، يعطي الطمأنينة والسكينة، ويكون هو القاسم المشترك الذي تلتقي عليه الرغبات، وتنتهي إليه الهمم.
ب: اجتماع ملئهم على نصره «عليه السلام» من حيث هو من أهل البيت «عليهم السلام» الذين طهرهم الله ، وأمر بمودتهم، ويعرف الناس صدقهم، والله تعالى يقول: (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)(1)، والذين لا نهج لهم سوى نهج النبي «صلى الله عليه وآله»، ونص القرآن، والذين لم يغيروا أو لم يبدلوا كما صنعه الآخرون.
والمراد بالملأ: الرؤساء، والأعيان، وعلية القوم، الذين ينقاد لهم
1) الآية 119 من سورة التوبة.
الآخرون. فإجماع هؤلاء على أمر يعطي الطمأنينة لسائر الناس أيضاً ويشعرون بجدية القرار المتخذ، وبأنه لا يوجد من يمكن أن يكون له رأي آخر، أو يحتمل فيه ذلك.
لأن وجود الرأي الآخر سوف يثير بلابل الصدور، ويذكي الأوهام، ويضعف درجة الاعتماد على الرأي المعلن من قبل سائر الأعيان، حتى ولو كانوا هم الأكثر عدداً ، فإن كثرة العدد لا تعني صواب الرأي على اليقين.
ج: قد يفهم من كلامه «عليه السلام» أنه قد جعل المحور الذي اجتمع عليه ملؤهم هو نصر أهل البيت «عليهم السلام»، لا نصره هو«عليه السلام» بصفته الشخصية، ولذلك قال: «نصرنا» بصيغة الجمع، ولم يقل : «نصري» بصيغة المتكلم المفرد.
د: إنه «عليه السلام» قد انطلق من حقيقة: أن كنه الموضوع ليس هو السلطة، والإمساك بمقدرات الدولة، وإمكاناتها، وأن يكون هو الحاكم، أو ذاك، وغير ذلك مما هو محط نظر أهل الدنيا. بل القضية قضية ظلم وعدوان واغتصاب حق لا تستقيم الأمور إلا بإرجاعه إلى أهله الحقيقين..
فليست القضية هي مجرد طلب شيء معلق في الهواء يناله هذا
تارة ، ثم يناله ذاك أخرى، حين يجد أي منهما وسائل الوصول إليه..
ه-: يلاحظ: أنه « عليه السلام» لم يقل: «وطلب حقنا»، بل قال: «والطلب بحقنا». ربما لأن مقام الإمامة والنبوة وإن كان يضطلع به
شخص بعينه، لكن مفاعيله وآثاره تعود للأمة بالدرجة الأولى..
وكأنه « عليه السلام» يريد أن يقول: إن حقهم الثابت بالإمامة بنص النبي لا يستطيع أحد محوه، واغتصابه، بحيث ينتقل عنهم إلى غيرهم، فإن الإمامة والنص الإلهي كالنبوة لا تنتفي عن الإمام والنبي بفعل الطاغوت، بل النبي يبقى نبياً، والإمام يبقى إماماً للأمة على الحقيقة مهما جرى عليه، بل غاية ما يستطيعه الظالمون والمعتدون هو منع الناس من الأخذ من النبي والإمام، أو منع الإمام والنبي من الوصول إلى الناس.
ولأجل ذلك يقول النبي «صلى الله عليه وآله» لعلي «عليه السلام»، وحمزة وعبيدة في بعض حروبه مع المشركين: «فاطلبوا بحقكم الذي جعله الله لكم»(1).
والمراد به: حق الحرية في الإعتقاد، وعدم الإكراه في الدين، وما يناسب هذه المعاني.
وخلاصة الأمر: أن منصب الإمامة والنبوة باق على حاله. لأنه
لا يتغير إلا بقرار إلهي، بسلبه عمن أعطاه الله إياه، وهذا لا يكون
بحال..
1) بحار الأنوار ج 19 ص 225 و 254 وشجرة طوبى ج 2 ص 274 وتفسير القمي ج 1 ص 264 ومجمع البيان (تفسير) ج 4 ص 440 والبرهان (تفسير) ج 2 ص 654 ونور الثقلين (تفسیر) ج 2 ص130 .
وهذا يجعلنا نعرف أن الطلب بالحق معناه: أن يجعل ثبوت هذا الحق لأهل البيت وسيلة لرفع العدوان الذي يمارسه الظالم على الناس، بمنعهم من الاستفادة من إمامة الإمام، والمنع من ممارسة الحصار على الإمام ومنعه من الوصول للناس، والقيام بما يقتضيه مقام الإمامة فيهم.
ولو قال «عليه السلام»:« طلب حقنا»، لقيل له: إذا كان حقكم قد
سلب، فلماذا يطلب منا إعادته لكم؟!
و: يلاحظ أنه « عليه السلام» قال «بحقنا»، ولم يقل» بحقي. ربما ليشير إلى أنه لا يتحدث عن حق الشخص، بل يتحدث عن حق الإمامة الثابت لجميع الأئمة، وإن كانت آثاره ومفاعيله تعني الأمة بأسرها، وكل ما في هذا العالم مما يحتاج إلى رعاية.
خير خلق الله:
وقد قال قيس بن مسهر الصيداوي للناس من أعلى القصر: «إنَّ هذا
الحُسَينَ بنَ عَلِيٍّ خَيرُ خَلَقَ اللَّهِ ، ابنُ فَاطِمَةَ بنتِ رَسول اللهِ».
والسؤال هو: هل قوله «خَيرُ خَلَقَ اللهِ» وصف للحسين «عليه السلام»، أو هو وصف لعلي «عليه السلام».
ونجيب:
إننا وإن كنا نستظهر أن كلمة «خير» خبر لكلمة «إنَّ» فهي إخبار عن حال الحسين «عليه السلام»، وأنه خير خلق الله في زمانه «عليه السلام».
غير أننا نقول:
سواء أكانت كلمة «خير» تصف علياً «عليه السلام» بأنه خير خلق الله، أو تصف الحسين «عليه السلام» بذلك، فإن كلا الأمرين لا بد أن يحرق قلب ابن زياد ،وحزبه، وأعوانه، وزبانيته، كأشد ما يكون...
كما أن صدور هذه الكلمة من قيس بن مسهر يشير إلى أن هذا الأمر كان شائعاً في الناس، ولا مجال لإنكاره..
أردت أن أريحه :
وتقدم: أن عبد الملك بن عمير اللخمي حين رأى قيس بن مسهر بعد أن ألقي من أعلى القصر قد بقي فيه رمق الحياة، بادر إليه فذبحه. فلما عيب عليه ذلك قال: «إنَّما أَرَدتُ أن أريحَهُ»..
ونحن نشير هنا إلى نقطتين:
أولاهما : قال الطبري:
«قال هشام: حدثنا أبو بكر بن عياش، عمن أخبره، قال: والله ،ما هو عبد الملك بن عمير الذي قام إليه فذبحه، ولكنه قام إليه رجل جعد طوال، يشبه عبد الملك بن عمير»(1).
ويبدو: أن شدة قبح هذا الفعل قد أحرج محبي عبد الملك بن عمير،
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 398 و (ط الأعلمي) ج 4 ص300 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص79. سيرة الحسين × في الحديث والتاريخ.. ج13
فحاولوا إبعاد التهمة فيه.
غير أننا نقول:
إنه سواء أكان فاعل هذا العمل الإجرامي القبيح هو عبد الملك بن عمير أو غيره، فإن ذلك لا يغير من قبح سكوت الناس عن فاعل ذلك ..
الثانية: إن هذا يشبه ما يزعمه بعض الناس في أيامنا هذه من أنه
لا مانع من تجويز قتل المريض الذي بلغ حد الموت السريري، ويئس الأطباء من شفائه. وكذلك ما يسمونه ب- «الموت الرحيم» حيث يجيزون قتل من يتعرض لآلام هائلة لكي يريحوه منها..
وهم يغفلون عن أن الحياة حق لا يجوز التعدي عليه من أحد، ويأس الأطباء من حياة شخص لا يبيح لهم الإجهاز عليه بأي عنوان كان، وفى أي ظروف كانت.
وكم رأينا من أناس أعلن أطباؤهم أنهم يائسون منهم، وأنهم في حالة موت سريري، ثم شافاهم الله بدعوة صالحة من بعض المؤمنين..
هل استشهد قيس في كربلاء؟!:
قال في المناقب - كما نقله عنه المجلسي -: إن قيسا قد حمل رسالة الإمام الحسين «عليه السلام» من كربلاء إلى سليمان بن
صرد، والمسيب بن نجبة، ورفاعة بن شداد وغيرهم (1).
وهذا الكلام لا يصح، فإن قيساً قد استشهد في الكوفة قبل وصول
الإمام الحسين «عليه السلام» بأيام كثيرة. ولذلك قال التستري عن هذا
النص وهو كما ترى!!
ميثم التمار سجن وشهادة:
دلت النصوص على أن ميثم التمار «رضوان الله تعالى عليه» قد سجن في نفس الفترة التي سجن فيها المختار، أي بعد استشهاد مسلم بن عقيل مباشرة.
قال الشيخ المفيد «رحمه الله»:
كان مِيثم التمّار عبداً لامرأة مِن بني أسد، فاشتراه أمير المؤمنين
«عليه السلام» منها وأعتقه، فقال: ما اسمُك ؟!
قال: سالم.
فقال «عليه السلام»: أخبَرَني رسول الله «صلى الله عليه وآله» أنّ
اسمك الذي سمّاك به أبوك في العجم «ميثم».
قال: صدَقَ الله ورسوله، وصدق أمير المؤمنين. والله إنّه
1) بحار الأنوار ج 44 ص 381 و 382 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 232 وراجع: قاموس الرجال ج 8 ص 550 والفتوح لابن أعثم ج 5ص 81 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 234 .
لاسمي.
قال: فارجِعْ إلى اسمك الذي سمّاك به رسول الله «صلى الله عليه
وآله» ودَعْ سالماً.
فرجع إلى «ميثم»، واكتنى بأبي سالم.
فقال له على «عليه السلام» ذات يوم: إِنَّكَ تُؤخَذ بعدي فتُصلّب وتُطعَن بحربة، فإذا كان اليوم الثالث ابتدر منخراك وفمك دماً فيخضِّب لحيتك، فانتظر ذلك الخضاب .
وتصلب على باب دار عمرو بن حریث، عاشر عشرة أنت أقصرهم خشبة، وأقربهم من المطهرة، وامض حتّى أريك النخلة التي تصلب
على جذعها..
فأراه إياها، فكان ميثم يأتيها فيصلي عندها ويقول: بوركت من نخلة، لك خلقتُ، ولي غذيتِ. ولم يزل يتعاهدها حتى قطعت،وحتى عرف الموضع الذي يصلب عليها بالكوفة.
قال: وكان يلقى عمرو بن حريث، فيقول: إني مجاورك، فأحسن جواري.
فيقول له عمرو: أتريد أن تشتري دار ابن مسعود، أو دار ابن
حكيم؟ وهو لا يعلم ما يريد.
وحج في السنة التي قتل فيها، فدخل على أم سلمة «رضي الله
عنها»، فقالت: من أنت؟
قال: أنا ميثم .
قالت: والله لربما سمعت رسول الله «صلى الله عليه وآله» يذكرك ويوصي بك علياً في جوف الليل.
فسألها عن الحسين «عليه السلام».
فقالت: هو في حائط له.
قال: أخبريه أنني قد أحببت السلام عليه، ونحن ملتقون عند رب
العالمين إن شاء الله.
فدعت بطيب وطيبت لحيته (1)، وقالت: أما إنها ستخضب بدم.
فقدم الكوفة، فأخذه عبيد الله بن زياد، فأدخل عليه، فقيل له: هذا كان من آثر الناس عند علي «عليه السلام».
قال: ويحكم هذا الأعجمي؟
قيل له: نعم.
قال له عبيدالله : أين ربك؟
قال: بالمرصاد لكل ظالم، وأنت أحد الظلمة.
قال: إنك على عجمتك لتبلغ الذي تريد، أخبرني ما أخبرك صاحبك أني فاعل بك.
قال: أخبرني أنك تصلبني عاشر عشرة، أنا أقصرهم خشبة، وأقربهم إلى المطهرة.
قال: لنخالفنه .
1) أي أنها أمرت جاريتها ففعلت ذلك كما ذكرته رواية أخرى.
قال: كيف تخالفه؟ فوالله ما أخبر إلا عن النبي «صلى الله عليه
آله»، عن جبرئيل، عن الله تعالى، فكيف تخالف هؤلاء؟
ولقد عرفت الموضع الذي اصلب فيه، وأين هو من الكوفة، وأنا
أول خلق الله ألجم في الإسلام.
فحبسه، وحبس معه المختار بن أبي عبيد، فقال له ميثم: إنك تفلت، وتخرج ثائراً بدم الحسين «عليه السلام»، فتقتل هذا الذي يقتلنا.
فلما دعا عبيد الله بالمختار ليقتله طلع بريد بكتاب يزيد إلى عبيد
الله يأمره بتخلية سبيله، فخلاه، وأمر بميثم أن يصلب.
فأخرج، فقال له رجل لقيه: ما كان أغناك عن هذا يا ميثم؟
فتبسم وقال وهو يومئ إلى النخلة: لها خلقت، ولي غذيت.
فلما رفع على الخشبة اجتمع الناس حوله على باب عمرو بن
حريث.
قال عمرو: قد كان والله يقول : إني مجاورك.
فلما صلب أمر جاريته بكنس تحت خشبته، ورشه، وتجميره، فجعل ميثم يحدث بفضائل بني هاشم.
فقیل لابن زیاد: قد فضحكم هذا العبد.
فقال: ألجموه.
وكان أول خلق الله ألجم في الإسلام
وكان قتل ميثم «رحمه الله» قبل قدوم الحسين بن علي «عليهما
السلام» العراق بعشرة أيام، فلما كان اليوم الثالث من صلبه طعن
ميثم بالحربة، فكبر ، ثم انبعث في آخر النهار فمه وأنفه دماً (1).
ويذكر عن رشيد الهجري أنه جرى له ما يقرب مما ذكر لميثم
التمار.
ونقول:
إننا لا نريد هنا أن نتوسع في بيان الأحداث التي ترتبط بميثم التمار، بل سوف نقتصر على ذكر ما يرتبط بما جرى في الكوفة المسلم بن عقيل، والإجراءات الظالمة التي اتخذها، والجرائم التي ارتكبها ابن زياد في حق أهل الإيمان، ولو لمجرد توهمه وجود ارتباط لهم مع قيام مسلم ، ومسير الحسين «عليه السلام» إلى الكوفة ..
وسنذكر هنا سجن ميثم التمار ، ثم استشهاده مقتصرين على النص الذي ذكرناه آنفاً، مع إضافة إيضاحات نشعر بضرورة لفت النظر إليها، فنقول :
الغيب في حياة ميثم:
1 - إن ملاحظة الرواية المتقدمة وسواها يعطي: أن ميثم التمار كان يعيش في جو مملوءٍ بالدلائل والإخبارات الغيبية التي تؤكد يقينه،
1) الإرشاد ج 1 ص 323 وبحار الأنوار ج 42 ص 124 وقاموس الرجال ج 10 ص 315 وإعلام الورى ج 1 ص 341. والغارات للثقفي ج 2 ص796 والكنى والألقاب ج 3 ص 217 والإصابة ج 6 ص 249 وتاريخ الكوفة ص 337 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 8 ص 158 .
وتزيد من صلابته في دينه، وترسخ تعلقه بالحق وأهل الحق.
وقد بدأت هذه الغيوب تنهال عليه منذ أعتقه أمير المؤمنين «عليه
السلام»، ثم أخبره عن اسمه الحقيقي، مرورا بما قالته له أم سلمة،
وانتهاء بتفاصيل ما جرى عليه حين استشهاده.
ولأجل ذلك نرى أن مسيرته هي مسيرة الصبر، والتحمل، وقبول
التحدي مهما كان صعباً ومكلفاً .
2 - ولولا أن أمير المؤمنين «عليه السلام»، وكذلك النبي الأعظم
«صلى الله عليه وآله» والحسنین «صلوات الله وسلامه عليهما» رأوا فيه الأهلية لتلقي هذه الأمور، ومشاهدة هذه الأحوال، واستيعاب الدروس والعبر منها، لما أطلعوه على هذا الكم الكبير من الأخبار الغيبية، والأسرار الخفية.
وتأثير أمثال ميثم في مختلف شرائح المجتمع الإسلامي، وفي تكوين الإيمان وبلورته سيكون - في العادة - عظيماً وجسيما على صعيد ترسيخ معنى الإمامة في الوجدان العام، وجلاء كل غشاوة، ودحض كل شبهة يسعى أهل الأهواء إلى إلحاقها بها.
هل حج ميثم سنة وفاته؟!:
وتقدم عن المفيد «رحمه الله» قوله عن ميثم: «وحج في السنة التي
قتل فيها».
ولكن هذا لا يستقيم:
أولاً: إن هذا يعني: أن عودته إلى العراق قد كانت بعد انقضاء أيام الحج، ويحتاج قطع المسافة بين مكة والعراق إلى أكثر من أسبوعين. ولا بد أن تضاف إليها عدة أيام حبس فيها هو والمختار في موضع واحد ، ثم يضاف إليها أيام أخرى.. ثلاثة أو أربعة قد صلب فيها، وحدَّث الناس بالعجائب، ثم قطع لسانه، ومات.. فإن هذا كله يقتضي أن تكون شهادته بعد عاشوراء ، أو حينها على أقل تقدير.
ثانياً : إن المفيد نفسه يصرح في آخر كلامه: بأن استشهاد میثم كان قبل قدوم الحسين «عليه السلام» العراق بعشرة أيام (1). أي في حدود العشرين من ذي الحجة.
وفي نص آخر: «وشهادته قبل يوم عاشوراء بعشرين يوما، أو عشرة أيام»(2). فكيف يكون قد حج في تلك السنة، ثم قتل في الكوفة العراق بعد أسبوع واحد من انقضاء حجه في مكة؟! وهل يمكن
1) الإرشاد ج 1 ص 325 وبحار الأنوار ج 41 ص 345 وج 42 ص 125 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 335 وقاموس الرجال ج 10 ص 316 وإعلام الورى ج 1 ص 343 وتنقيح المقال ج 3 ص 262 . والغارات للثقفي ج 2 ص 797 و 799 وشجرة طوبى ج 1 ص 80 و 93 ومستدرك سفينة البحار ج 9 ص 330 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 2 ص294 والكنى والألقاب ج 3 ص 218 والإصابة ج 6 ص 250 والأعلام للزركلي ج7 ص 336 وتاريخ الكوفة ص 339 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 8 ص 160 .
2) مستدركات علم رجال الحديث ج 8 ص 44 .
قطع المسافة بين مكة والكوفة في مدة أسبوع؟!
بل إن ما ذكرناه أولاً يأبى أن يكون «رحمه الله» قد استشهد في أول شهر المحرم، أو آخر ذي الحجة، لأن الوقت لا يتسع للأحداث التي جرت له في هذه الفترة.
ثالثاً: إن حمزة ابن ميثم يقول: «خرج أبي إلى العمرة»(1). وذلك يدل على أن مراد المفيد «رحمه الله» بكلمة «حج» أنه قصد الأماكن الشريفة التي يحج الناس إليها لأجل العمرة.
المختار وميثم في سجن واحد:
وتقدم قول المفيد «رحمه الله»: «فحبسه، وحبس معه المختار بن
أبي عبيد».
فقد يقال: إن هذه العبارة تدل على أن حبسهما قد بدأ في وقت واحد. وقد حبس المختار قبل قتل مسلم.
غير أننا نقول:
أولاً: تقدم أن حبس المختار قد حصل بعد استشهاد مسلم، وأنه لم يكن في الكوفة عند قيام مسلم. وإنما جاءها بعد انقضاء أمره، فنزل
1) إختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ج 1 ص 294 وبحار الأنوار ج 42 ص 128 وقاموس الرجال ج 10 ص 310 ومستدرك سفينة البحار ج 9 ص331 .
تحت راية عمرو بن حريث، وشهد له عمرو بن حريث بذلك لدى ابن
زياد، فضربه بالقضيب، فشتر عينه، ثم أمر به إلى السجن.
فقول من يقول : إن المختار سجن حين انتقل مسلم من داره إلى دار
هاني بن عروة يبقى بلا شاهد.
ثانياً : إن العبارة التي ذكرها الشيخ المفيد لا تدل على أنهما قد حبسا في وقت واحد، غاية ما هناك أن يدعى أنها تدل على أن ميثماً كان في ذلك الحبس، ثم أضيف إليه المختار ، فصارا معاً في حبس واحد..
وحينئذٍ أخبره ميثم بأنه هو سيقتل، أما المختار فيخرج من الحبس سالماً، ويكون هو الذي يقتل ابن زياد ويأخذ بثأر الحسين «عليه السلام» ويطأ بقدميه على وجنتيه (1).
وهذا ما حصل بالفعل، فإن ميثماً استشهد وبقي المختار في السجن إلى أن جاء كتاب يزيد لابن زياد يأمره بإطلاق سراحه..
ولكن هل أضيف المختار إلى ميثم في سجنه بعد يوم أو بعد أسبوع أو أكثر أو أقل؟!
إن هذا لا تدل عليه العبارة.
1) بحار الأنوار ج 45 ص 353 وذوب النضار ص 69 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 672 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 241 ومستدركات علم رجال الحديث ج 7 ص 384.
عاشر عشرة:
وقد ذكرت الروايات أن ميثما «رحمه الله» كان عاشر عشرة صلبوا في نفس الوقت والمكان..
وهذا يدل على أن ابن زياد كان يستعمل البطش بأقبح صوره، وأشدها رعباً، فهو يقتل الناس ويصلبهم جماعات، ويسجن طوائف من الناس تعد بالألوف الكثيرة لمجرد توجسه خيفة منهم، كما أنه يحبس على الظنة، ويقتل على التهمة.
فكيف يمكن للإنسان العادي أن يشعر بالأمن في ظل حكم كهذا،
وحكام هذه أساليبهم، وتلك هي طبائعهم؟!
ما علمتك إلا قواماً :
وتتأكد هذه المعاني، حين نرى عمرو بن حريث يذكر أنه سمع مرات كثيرة من ميثم أنه سوف يجاوره، ثم يراه مصلوباً على خشبة على باب داره، فیری صدق ميثم فيما أخبره بأم عينيه، ويلمس آثار هذا الخبر الغيبي بجوارحه، ثم يكون هو الذي يطلب من ابن زياد قطع لسانه حين رآه يخبر بفضائل أمير المؤمنين «عليه السلام»، زاعماً أنه يخشى من أن تتغير قلوب أهل الكوفة، فيخرجوا على ابن زیاد (1).
1) إختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ص 85 - 87 و (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث سنة 1404ه-) ج 1 ص 298 وقاموس الرجال ج 10 ص314 . وراجع روضة الواعظين ص 289 ومدينة المعاجز ج 3 ص 144 وبحار الأنوار ج 42 ص 132 و 133.
والأوضح والأصرح من هذا دلالة ما رواه حمزة بن ميثم، من أن الذي جاء ليقتل ميثم - أشار إليه بالحربة وهو يقول: «أما والله لقد كنت ما علمتك إلا قواماً، ثم طعنه في خاصرته، فأجافه (أي بلغت الطعنة جوفه»(1).
فأي قلوب كانت لدى هؤلاء تدعوهم إلى ممارسة هذا الإجرام البشع والمريع في حق من يعرفون أنه قوام في الليالي لأجل عبادة ربه .
كما أن ابن زياد نفسه - كما أخبر به ميثم نفسه مسبقا - حين أتي
بميثم إليه، يقول له:
«أنت من هذه السبائية الخبيثة المحترقة التي قد يبست عليها جلودها، وأيم الله لأقطعن يدك ورجلك الخ.. »(2).
حيث يبدو: أنه يقصد أن جلودهم يبست عليهم من كثرة الصوم
1) إختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ص 78 - 80 و (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث سنة 1404ه-) ج 1 ص 294 وبحار الأنوار ج 42 ص 128 ومستدرك سفينة البحار ج 9 ص 331 وقاموس الرجال ج 10 ص 311.
2) إختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ص 79 - 87 و (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث سنة 1404ه-) ج 1 ص 295 وقاموس الرجال ج 10 ص 311 وبحار الأنوار ج 42 ص 129 .
العبادة.
وقد تقدم معنا أن جاسوس ابن زياد الذي كشف له مكان مسلم بن عقيل في بيت هاني قد استدل على تشيع مسلم بن عوسجة بكثرة صلاة ابن عوسجة في المسجد..
رواية لا تستقيم :
وقد ذكر الكشي رواية تقول: إن علياً أمير المؤمنين «عليه السلام» أخبر ميثماً عن مقتله، فمما قاله له:« لتقطعن النخلة التي في الكناسة، فتشق أربع قطع. فتصلب أنت على ربعها. وحجر بن عدي على ربعها. ومحمد بن أكثم على ربعها. وخالد بن مسعود على ربعها».
ثم ذكرت الرواية: أنه «عليه السلام» كان يخرج إلى الكناسة وميثم معه، فيمر بالنخلة، فيقول: له: يا ميثم، إن لك ولها شأناً من الشأن.
«قال: فلما ولي عبيد الله بن زياد الكوفة ودخلها تعلق عَلمه بالنخلة التي بالكناسة فتخرّق، فتطير من ذلك، فأمر بقطعها.
فاشتراها رجل من النجّارين فشقها أربع قطع.
قال :میثم فقلت لصالح ابني: فخذ مسماراً من حديد فانقش عليه اسمي واسم أبي، ودقه في بعض تلك الأجذاع».
وبعد ذكر ما جرى على ميثم وصلبه، تقول الرواية: «قال صالح: فمضيت بعد ذلك بأيّام، فإذا هو قد صلب على الربع الذي كنت دققت فيه
المسمار»(1)
ص 472 .
.ونقول:
قال المحقق التستري «رحمه الله»: «إنّ حجراً قتل صبراً في مرج عذراء من دمشق سنة 51 في خلافة معاوية، وإمارة زياد على العراق، وقتل ميثم كان صلباً في الكوفة في سنة 60 في خلافة يزيد وإمارة عبيد الله.
فإن أريد بحجر فيه غير الكندي المعروف، فكيف أهمل في التاريخ وفي كتب الرجال ؟ وكذلك كيف أهمل صاحباه «محمّد بن أكثم» و «خالد بن مسعود» في التاريخ والرجال» ؟ (2).
ونقول:
لاحظ ما يلي:
ألف: إن ميثم التمار كان عاشر عشرة صلبهم ابن زياد، ولم يستطع التاريخ أن يدون لنا أسماء جميع من سفك ابن زياد دماءهم، فضلاً عن أن يعطي معلومات عن ظروفهم، وعن نشاطاتهم التي دفعت ابن زياد
لارتكاب جرائم قتلهم.
والشاهد على ذلك: أن التاريخ لم يذكر لنا أسماء التسعة الذين صلبوا مع ميثم «رحمه الله»، سوی اسمین مجهولين وردا في هذه الرواية.
ب: بالنسبة لحجر بن عدي نقول:
إن ما ذكره المحقق التستري صحيح في نفسه، لكن احتمال خطأ الراوي في اسم شخص وارد في الرواية، أو تصحيف ذلك الاسم، أو تصحيف اسم أبيه من قبل النساخ لا يبرر رد الرواية بجميع مضامينها، لاسيما مع توافق تلك المضامين مع مضامين سائر الروايات..
بداية:
تشير الدلائل إلى أن حكام بني أمية كانوا يرون في الحسين «عليه السلام» عدوا لهم، وأنه يمثل خطراً عظيماً على حكمهم الذي أراد معاوية أن يمنحه فرصة بقاء، فكان هو نفسه أحد المعاول التي أسهمت في تقويضه.
وذلك من خلال الشرط الذي ورد في «صلحه» مع الإمام الحسن «عليه السلام»، حيث قرر وأقر بأن الأمر من بعده للحسن، ثم
للحسين، معتمداً على ما كان يضمره من الإخلال بهذا الشرط من
خلال النكث والنقض، والتنكر له من طرف واحد حين تواتيه الفرصة في مستقبل الأيام.
وهذا ما حصل فعلا، فقد نكث عهده، وجعل يزيد وليا لعهده، مع علمه بأن تنكره لهذا الشرط ونقضه من طرف واحد، وجعل ولده يزيدا وليا لعهده، لا يمكن أن يعطي ليزيد شرعية، ولاسيما مع اشتهار يزيد بالموبقات والجرائم التي أشار الحسين «عليه السلام» إليها حين أعلن أن يزيد فاسق فاجر، قاتل للنفس المحترمة، شارب للخمر، معلنا بالفسق، ومثل الحسين «عليه السلام» لا يبايع مثل
يزيد، ولا يرضاه لهذا المنصب، فكيف إذا كان الله ورسوله قد حرماه
من هذا الأمر. وصرح أبو يزيد بالذات في عهد مكتوب: بأن الأمر
بعده للحسين نفسه.
فهل يمكن للحسين أن يعطي حقه لمثل يزيد، مع علمه بأن الله سبحانه حرم أمثال يزيد من هذا الأمر؟
معاوية شريك مضارب:
ذكرنا في فصل سابق: أن معاوية كان يتظاهر بأنه لا يرغب بأن
يقتل الحسين «عليه السلام» على يد يزيد بعده، وقد يفهم هذا المعنى من قوله: «لولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي، وعرفت قصدي»(1).
وهو يفهم أيضا من وصيته ليزيد وتحذيره له من الإقدام على
هذا الأمر بحق الحسين «عليه السلام» (2).
ولكن ذكرنا: أن معاوية كان يلعب على الحبال المختلفة، ويضع الخطط، ويرصد المخارج لولده يزيد من أي ورطة يوقع نفسه بها، ويقدم له الحلول الجاهزة لجميع المشكلات، ومختلف الاحتمالات. فهو
1) الفتوح لابن أعثم ج 4 ص 344 والبداية والنهاية ج 8 ص 126 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 126 وشرح الأخبار ج 2 ص 157 وتاريخ مدينة دمشق ج 59 ص 61 و 215 وأنساب الأشراف (نشر جمعية المستشرقين الألمانية) ج 5 ص 28 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص173.
2) راجع ما قدمناه في الجزء العاشر فصل: يزيد «لعنه الله» ولي عهد..
لم يكن يريد من يزيد أن يقتل الحسين «عليه السلام» بصورة علنية، ولكنه كان يريد منه أن يقتله بالأساليب الخفية، فإن لم يمكنه ذلك، فلا ضير في قتله على رؤوس الأشهاد.
أما تحذيره للحسين بصورة مستمرة من الصدام مع يزيد، فليس حبا منه بالحسين، بل تخويفاً له «عليه السلام»، ولإضعاف عزيمته على التصدي ليزيد، وليخفف من هول جريمة قتله «عليه السلام» حين يرتكبها، حيث إنه بهذه الوصايا المعلنة يرمي بثقل الجريمة على عاتق الضحية، إمعاناً منه في الكيد، وتلذذا بالظلم والعدوان.
وقصة سرجون، وكتاب معاوية بتولية عبيد الله بن زياد للكوفة
يشهد على ما نقول.
فلا معنى لما يتوهمه البعض من أن معاوية كان ضحية تأثير العاطفة، وقد حاول أن يتلافى قتل الحسين «عليه السلام»، من خلال الوصايا التي كان يسديها ليزيد في أن لا يرتكب هذه الحماقة، بل يعامل الحسين بالرفق والعفو.
مع أن هذه الوصايا تشبه قول من يقول لمن يقتل أطفالاً بصورة بشعة أمام أعين أمهاتهم : لا تكن عابساً وأنت ترتكب جريمتك، بل ضع البسمة على شفتيك، فإن ذلك من الرفق بأمهات أولئك الأطفال
الضحايا !!
تفريق جماعة المسلمين:
لقد حرص يزيد، وأعوانه من المجرمين والظلمة أن يتهموا
الحسين «عليه السلام» بأن حركته المباركة شق لعصا المسلمين. كما صرح به ابن زياد في الكوفة، في اتهاماته المتوالية لمسلم بن عقيل، ولاسيما حين جيء بمسلم إلى القصر، حيث قال له: «يا عاقُّ يا شاقُّ، خَرَجتَ عَلى إمامِكَ، وشَققتَ عَصَا المُسلِمينَ، وألقحتَ الفِتْنَة بَينَهُم» !(1).
كما أن يزيد نفسه قد كتب بهذه المعانى إلى ابن زیاد حين ولاه
الكوفة.
وهذه أيضاً هي التهمة التي وجهت للإمام الحسين «عليه السلام» من قبل الأمويين في محاولاتهم منع الحسين «عليه السلام» من
الخروج من مكة إلى العراق، فقد نادوه قائلين: «يا حُسَينُ، أَلا تَتَّقِي اللهَ تَخرُجُ مِنَ الجَمَاعَةِ وتُفَرِّقُ بَينَ هَذِهِ الأُمَّةِ» (2).
وقد قلنا فيما سبق: إن الذي لا يتقي الله ، ويخرج من الجماعة،
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 56 ومثير الأحزان ص 25 والملهوف لابن طاووس ص 35 ولواعج الأشجان ص 64 والعوالم، الإمام الحسين ج17 ص 207 وبحار الأنوار ج 44 ص 357.
2) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص و (ط الأعلمي) ج 4 ص 289 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 179 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 68 ومثير الأحزان ص 28 ولواعج الأشجان ص 74 والملهوف ص 35 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 219 وبحار الأنوار ج 44 ص369.
ويفرق الأمة هو من يعتدي على إمامه، وينتزع منه مقامه الذي جعله ورسوله ،له ويريد منه ومن الناس أن يكونوا راضين بهذا الفعل الشنيع، ومباركين له، ومن مقوية سلطانه.
على أن المراد من الجماعة التي يحرم الخروج منها: هو خصوص جماعة أهل الحق، وإن قلوا، فقد روي عنه «صلى الله عليه وآله» أنه قال لرجل سأله عن جماعة أمته، فقال: «جماعة أمتى أهل
الحق وإن قلوا» (1).
وسئل علي « عليه السلام» عن الفرقة والجماعة، فقال: «وأما الفرقة فأهل الباطل وإن كثروا، وأما الجماعة فأهل الحق وإن
قلوا»(2).
وفي نص آخر عن علي «عليه السلام»: «أما أهل الجماعة، فأنا ومن اتبعني وإن قلوا، وذلك الحق عن أمر الله وعن أمر رسوله. و
[أما] أهل الفرقة [ف-] المخالفون لي ولمن اتبعني وإن كثروا ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 92 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 16 ص 184 وغاية المرام ج 2 ص 139 ودلائل الصدق ج 2 ص30 وفلك النجاة لفتح الدين الحنفي ص 25. (3).
1) المحاسن للبرقي ج 1 ص 220 ومعاني الأخبار ص 154 والأمالي للصدوق ص 413 وتحف العقول ص 48 وروضة الواعظين ص 334 وبحار الأنوار ج 2 ص 265 وج 27 ص 67 و ج 32ص 221 و 257 وج 74 ص 152 عن المصادر المتقدمة.
2) تحف العقول ص 211 وبحار الأنوار ج 75 ص 49 عنه، وج 2 ص 266 عن جامع الأخبار ص 155 ومشكاة الأنوار ص 265 .
3) الإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 246 وبحار الأنوار ج 32 ص 221 و 257
وكل ما تقدم يفسر لنا الحديث عن الصادق «عليه السلام» الذي يقول: «من خلع جماعة المسلمين قدر شبر خلع ربقة الإيمان من
عنقه »(1).
(الربقة: حبل طويل فيه عرى تربط فيها البهائم).
وعن الإمام الصادق «عليه السلام» والإمام الكاظم «عليه السلام» قال:« ثلاث موبقات: نكث الصفقة، وترك السنة، وفراق الجماعة» (2).
وعن الإمام الصادق «عليه السلام»: «من خلع جماعة المسلمين قدر شبر خلع ربق الإسلام من عنقه، ومن نكث صفقة الإمام جاء إلى
1) المحاسن للبرقي ج 1 ص 85 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 8 ص 294 و (الإسلامية) ج 5 ص 377 وبحار الأنوار ج 2 ص 266 وج 27 ص 72 وج 85 ص 13 عن المحاسن ، والفوائد الحائرية ص 305 وعن الكافي ج 1 ص 404 .
2) مسائل علي بن جعفر ص 345 والمحاسن للبرقي ج 1 ص 94 و 220 وبحار الأنوار ج 2 ص 266 وج 64 ص 185 وراجع ج 67 ص 7 وراجع: الخصال للصدوق ص 85 ومستدرك الوسائل ج 11 ص 369 ومستدرك سفينة البحار ج 6 ص 299 وج 1 ص 513.
الله أجذم» (1).
وعن النبي «صلى الله عليه وآله»: «ومن لقى الله ناكثاً بيعته لقيه وهو أجذم، ومن خرج من الجماعة قيد شبر متعمداً فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه »(2).
وهناك الأحاديث التي تذكر: أن من مسؤوليات الإنسان المؤمن النصيحة الله ولرسوله، ولكتابه، وللأئمة في الدين، ولجماعة
المسلمين (3)
ص 434 .
.1) المحاسن للبرقي ج 1 ص 219 والكافي ج 1 ص 404 و 405 وبحار الأنوار ج 2 ص 267 وج 27 ص 72 عنهما، ومرآة العقول ج 4 ص 332 و 333 .
2) مجمع الزوائد ج 5 ص 219 والسنة لابن أبي عاصم ص 486 والمعجم الكبير ج 20 ص 86 ومسند الشاميين ج 3 ص 260 والكامل لابن عدي جه ص 118 و تاريخ مدينة دمشق ج 11 ص 161 .
3) المحلى لابن حزم ج 8 ص 440 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 16 ص 382 و (الإسلامية) ج 11 ص 595 والأمالي للطوسي ص84 وبحار الأنوار ج 27 ص 67 ومستدرك سفينة البحار ج 10 ص 62 وروضة الواعظين ص 424 والمسند للشافعي ص233 ومسند أحمد ج4 ص102 و 103 وسنن الدارمي ج 2 ص 311 وسنن أبي داود ج 2 ص 465 وسنن الترمذي ج3 ص 217 وسنن النسائي ج 7 ص 157 ومجمع الزوائد ج 1 ص87 ومسند الحميدي ج 2 ص 369 والسنة لابن أبي عاصم ص505 والسنن الكبرى للنسائي ج 4 ص 432 و 433 و ج 5 ص 229 وكتاب الأربعين للنسوي ص 76 ومسند أبي يعلى ج 13 ص 100 وصحيح ابن حبان ج10 ص 436 والمعجم الأوسط ج 4 ص 122 والمعجم الكبير ج 2 ص 52 و 53 و 54 ومسند الشهاب ج 1 ص 44 و 45 وشعب الإيمان ج 4 ص 323 وج 6 ص 26 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 3 ص 412 و 791 والكامل لابن عدي ج 2 ص 412 و علل الدارقطني ج 10 ص 118 وتاريخ مدينة دمشق ج 9 ص 307 و ج 11 ص 54 و ج 25 ص 23 وج 29 ص 340 وربيع الأبرار ج 5 ص 267 المستطرف للأبشيهي ج 1 ص 142 والشفا للقاضي عياض ج 2 ص 32 وسبل الهدى والرشاد ج 9 ص 326 وج 11
وفى نص آخر ذكر النصيحة لأئمة المسلمين، واللزوم الجماعتهم (1).
ونختم كلامنا هنا بما رواه الكليني «رحمه الله»، حيث قال:
1) بحار الأنوار ج 27 ص 68 و 69 وج 2 ص 148 وج 21 ص 138 وج 47 ص 365 وج 67 ص 242 وج 72 ص 66 وج 74 ص 130 وج 97 ص 46 والكافي ج 1 ص 404 والأمالي للصدوق ص 432 والخصال ج 1 ص 72 و 73 و (ط جماعة المدرسين سنة 1403ه-) ص 150 وتحف العقول ص 43 والأمالي للمفيد ص 187 ومرآة العقول ج 4 ص 324 و 327 ومستدرك سفينة البحار ج 1 ص 513 و ج 3 ص 83 ومجمع الزوائد ج 10 ص 247 والمعجم الأوسط ج 7 ص 202 والترغيب والترهيب للمنذري ج 4 ص 179 وتفسير القمي ج 2 ص 447والبرهان (تفسير) ج 5 ص 785 ونور الثقلين (تفسير ) ج 5 ص 690 وكنز الدقائق (تفسير) ج 14 ص 480 .
محمد بن الحسن،عن بعض أصحابنا، عن علي بن الحكم، عن الحكم بن مسكين، عن رجل من قريش من أهل مكة، قال: قال سفيان الثوري: اذهب بنا إلى جعفر بن محمد.
قال: فذهبت معه إليه، فوجدناه قد ركب دابته، فقال له سفيان: يا أبا عبد الله، حدثنا بحديث خطبة رسول الله «صلى الله عليه وآله» في مسجد الخيف.
قال: دعني حتى أذهب في حاجتي، فإني قد ركبت، فإذا جئت
حدثتك
فقال : أسألك بقرابتك من رسول الله «صلى الله عليه وآله» لما
حدثتني.
قال: فنزل .
فقال: مر لي بدواة وقرطاس حتى أثبته.
فدعا به ، ثم قال : اكتب:
بسم الله الرحمن الرحيم
خطبة رسول الله «صلى الله عليه وآله» في مسجد الخيف:
(نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها، وبلغها من لم تبلغه.
يا أيها الناس ليبلغ الشاهد الغائب، فرب حامل فقه ليس بفقیه،ورب
حامل فقه إلى من هو أفقه منه..
ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل الله،
والنصيحة لأئمة المسلمين، واللزوم لجماعتهم، فإن دعوتهم محيطة
من ورائهم..
المؤمنون إخوة تتكافاً دماؤهم، وهم يد على من سواهم، يسعى
بذمتهم أدناهم).
فكتبه، ثم عرضه عليه، وركب أبو عبد الله «عليه السلام».
وجئت أنا وسفيان، فلما كنا في بعض الطريق، فقال لي: كما أنت
حتى أنظر في هذا الحديث.
فقلت له: قد والله ألزم أبو عبد الله «عليه السلام» رقبتك شيئاً لا
يذهب من رقبتك أبداً .
فقال: وأي شيء ذلك؟
فقلت له: ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل الله قد عرفناه، والنصيحة لأئمة المسلمين، من هؤلاء الأئمة الذين يجب علينا نصيحتهم؟ معاوية بن أبي سفيان، ويزيد بن معاوية، ومروان بن الحكم، وكل من لا تجوز شهادته عندنا، ولا تجوز الصلاة خلفهم؟!
وقوله : واللزوم لجماعتهم، فأي الجماعة ؟ مرجئ يقول: من لم يصل، ولم يصم، ولم يغتسل من جنابة، وهدم الكعبة، ونكح أمه فهو
على إيمان جبرئيل وميكائيل؟
أو قدري يقول: لا يكون ما شاء الله عز وجل، ويكون ما شاء إبليس ؟ أو حروري يبرأ من علي بن أبي طالب، وشهد عليه بالكفر؟
أو جهمي يقول : إنما هي معرفة الله وحده، ليس الإيمان شيء
غيرها؟
قال: ويحك وأي شيء يقولون؟
فقلت: يقولون : إن علي بن أبي طالب والله الإمام الذي يجب علينا
نصيحته، ولزوم جماعتهم أهل بيته.
قال: فأخذ الكتاب، فخرقه ثم قال: لا تخبر بها أحدا (1).
ونقول:
لاحظ الأمور التالية :
1 - لقد كان سفيان الثوري يتظاهر بالتقوى وبالزهد بالدنيا، ويلبس الثياب الخشنة، وكانت له مع الإمام الصادق «عليه السلام»مساجلات انتهت دائما بخيبة سفيان، وفضح أمره، وإظهار فهمه
الخاطئ لحقائق الدين، وجهله بدلالات النصوص القرآنية، والنبوية،
وعدم وقوفه على الحيثيات الموضوعية، التي اكتنفت تلك النصوص حين حصولها، أو حين صدورها.
فلا بأس بمراجعة جانب من هذه المساجلات في المجلد الخامس
من كتاب قاموس الرجال ص. 131
2 - إن الإمام قد فضح سفيان الثوري حين اعترض علیه «عليه
1) بحار الأنوار ج 27 ص 69 و 70 والكافي (الأصول) ج 1 ص 403 و .404 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 27 ص 89 وج 29 ص 76 و (الإسلامية) ج 18 ص 63 وج 19 ص 56 .
السلام» في أمر لباسه، الذي كان ثياباً حساناً .. فبين له «عليه السلام» خطأه، ثم رفع « عليه السلام» ثيابه الحسان تلك، وجذب يد سفيان ووضعها على الثوب الذي كان يلامس جلده، فكان غليظاً وخشناً، فقال: هذا ألبسه لنفسي وما رأيته للناس.
ثم جذب «عليه السلام» ثوباً على سفيان أعلاه غليظ خشن، وداخل ذلك الثوب لين وقال : لبستَ هذا الأعلى للناس، ولبستَ هذا لنفسك، سترها [تسرها] (1)
والبرهان ( تفسير ) ج 2 ص 534 ونور الثقلين (تفسير) ج2 ص21 وكنز الدقائق (تفسير) ج 5 ص72.
.3 - :رأينا أن سفيان لم يراع فروض الأدب مع الإمام الصادق «عليه السلام»، فإنه بالرغم من أنه حين جاءه وجده قد ركب دابته ليذهب في حاجة له، بادر إلى الطلب منه أن يحدثه بخطبة النبي في مسجد الخيف. فاعتذر «عليه السلام» له بأنه راكب دابته يريد حاجة له، ثم طلب منه أن يدعه يذهب في حاجته، فإذا جاء حدثه.
ولكن الثوري أصر على الإمام إلى حد إحراجه بالقسم عليه
بقرابته من رسول الله «صلى الله عليه وآله»..
1) الكافي ج 6 ص 442 وراجع ج 5 ص 65 والكشي ص292 - 297 وروضة المتقين ج 7 ص 619 وهداية الأمة ج 2 ص 116 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 5 ص 20 و (الإسلامية) ج 3 ص 351 ومدينة المعاجز ج6 ص 63 وبحار الأنوار ج 47 ص 360 ومرآة العقول ج 22 ص317
مع أن ما طلبه من الإمام أن يحدثه به ليس أمراً يوجب تأخيره
لساعة أو يوم ضرراً ، أو يعرضه إلى خطر ..
4 - اللافت: أن سفيان قد خرق الكتاب الذي كان يعلم أنه من كلام النبي «صلى الله عليه وآله»، لا من كلام الإمام الصادق «عليه
السلام»، وكان الإمام «عليه السلام» مجرد ناقل !!
ولم يكن الإمام «عليه السلام» هو الذي بادر إلى رواية هذا الحديث لسفيان، بل كان سفيان نفسه هو الذي طلبه منه، وأحرج الإمام الصادق بإصراره عليه بطريقة غير لائقة..
فإذا كان الإمام صادقاً في كل ما يقول ويفعل، ولا يرتاب أحد في الأمة بهذه الحقيقة، فإن تخريق ذلك الكتاب يصبح تخريقاً لكلام
رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ورفضاً لمضمونه، واستخفاف
بالرسول، بل هو استخفاف بالله تبارك وتعالى. لأن الرسول «صلى الله عليه وآله» لا ينطق عن الهوى. كما هو صريح القرآن.
5- لقد كان بإمكان سفيان أن يحتفظ بحديث رسول الله «صلى
الله عليه وآله»، ويغض الطرف عن التفسيرات التي ذكرها له رفيقه القرشي.. أو أن يناقش صحتها.
ولكنه لم يفعل ذلك، فهل خشي من أنه حين يروي هذا الحديث للناس، قد يعرف الناس أن الإمام الصادق «عليه السلام» وأهل البيت يفسرونه بما ذكره القرشي له، فإنهم سوف يأخذون بكلام الصادق وأهل البيت «عليهم السلام»، ولا يلتفتون إلى كلام الثوري وأضرابه.
6 - إن تخريق الثوري للكتاب قد أكد ما ذكره ذلك القرشى من أن الثوري ملزم بمضمون هذا الحديث، وتخريق الكتاب على سبيل الإنكار لمضمونه يجعل الثوري خارج دائرة الإسلام، لأن الحديث
يقول:
ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم، وهي:
ألف:إخلاص العمل لله، حيث تبين أن عمل الثوري لم يكن خالصاً لله .
ب: النصيحة لأئمة المسلمين، فإذا كان المراد بأئمة المسلمين هم علي وأهل البيت الطاهرون «عليهم السلام»، لا يزيد ولامعاوية، ومروان وأضرابهم، فإن الثوري ليس ناصحاً لهؤلاء الأئمة الطاهرين، بل هو ناصح لأعدائهم.
ج: إذا كان اللزوم لجماعتهم، لا يشمل المرجي، والخارجي، والقدري، والجهمي، إذ لا يمكن أن يأمر الرسول «صلى الله عليه وآله» بلزوم جماعة هؤلاء الذين يقولون بهذه المقولات الباطلة. بل المراد: هو لزوم جماعة أهل بيت على بن أبى طالب دون سواه.
وهذا كله ما لا يرضى سفيان أن يلتزم ويقرَّ به. فيكون قد خرج
بذلك عن دائرة الإيمان، كما قاله له رفيقه القرشي.
رسائل يزيد لأهل المدينة وابن عباس:
1 - ذكر ابن أعثم: أن كتاب يزيد بن معاوية قد أقبل من الشام إلى أهل المدينة على البريد: من قريش وغيرهم من بني هاشم، وفيه هذه
الأبيات.
(ثم ذكر الأبيات الآتية، مع اختلاف في بعض الكلمات)، ثم قال:
فَنَظَرَ أهلُ المَدِينَةِ إلى هذه الأبياتِ، ثُمَّ وَجَّهوا بها وبالكِتابِ إلى
الحُسَين بن عَلِيٍّ «عليه السلام»، فلمّا نَظرَ فِيهِ عَلِمَ أَنَّهُ كِتَابُ يَزِيدَ بن مُعاوِيَة.
فَكَتَبَ الحُسَينُ «عليه السلام» الجَوابَ:
بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ
(وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ
وأنا بَريءٌ مِمَّا تَعْمَلُون) (1). وَالسَّلامُ (2).
2 - كَتَبَ يَزِيدُ بنُ مُعاوِيَة إِلى عَبدِ اللهِ بن عَبّاسِ يُخبِرُهُ بِخُروج الحُسَين «عليه السلام» إلى مَكَّة : ونَحسَبُهُ جَاءَهُ رِجالٌ مِن أهل هذا
المَشرِق فمَنّوه الخِلافة، وعِندَكَ مِنهُم خِيرَةٌ وتَجربة، فإن كَانَ فَعَلَ فقد قطعَ واشج القرابَةِ، وأنت كَبِيرُ أهل بَيتِكَ وَالمَنظُورُ إِلَيهِ، فَاكْفُفهُ عَن السَّعي في الفرقةِ.
وكَتَبَ بهذِهِ الأبيات إليهِ وإلى مَن بِمَكَّة وَالمَدِينَةِ مِن قُرَيش:
يا أَيُّهَا الرَّاكِبُ الغادِي لِطِيَّتِهِ*** عَلى عُذافِرَةٍ في سَيرها قحَمُ
أبلغ قريشاً عَلَى نَأي المَزارِ*** بَيني وَبَينَ حُسَين اللهُ وَالرَّحِمُ
ومَوقِفٌ بِفِناءِ البَيتِ أَنشُدُهُ*** عَهْدَ الإله وما تُوفى بهِ الذِّمَمُ
هنيتُمُ قومَكُم فخراً بأمِّكُمُ*** أمٌّ لعمري حَصانٌ عَقَهُ كَرَمُ
هِيَ التي لا يُداني فضلها أحَدٌ*** بنتُ الرَّسول وخَيرُ النَّاس قد
وفضلها لكُمُ فضلٌ وغيرُكُمُ*** مِن قومِكُم لَهُم في فضلِها قَسَمُ
إنّي لأعلمُ أو ظنّاً كَعَالِمِهِ*** وَالظَّنُّ يَصدُقُ أحياناً فيَنتَظِمُ
أن سَوفَ يَترُكُكُم مَا تَدَّعون*** قتلى شهاداكُمُ العُقبانُ وَالرَّخَمُ
يا قومنا لا تَشُبُّوا الحَربَ إِذ*** وَمَسِّكوا بحبال السِّلمِ
قد َغرَّتِ الحَربُ مَن قد كانَ قَبلَكُمُ*** مِنَ القُرون وقد بادَت بها الأمَمُ
فأنصفوا قومَكُم لا تَهْلِكُوا بَذَخاً*** فرُبَّ ذي بَدْخ زَلَّت بهِ القَدَمُ
قالَ: فَكَتَبَ إِليهِ عَبدُ اللهِ بنُ عَبّاس:
إنِّي لأرجو ألا يَكونَ خُروجُ الحُسَين «عليه السلام» لِأمر تَكْرَهُهُ، ولستُ أدَعُ النَّصيحة لهُ في ما يَجْمَعُ اللَّهُ بِهِ الأَلفة، ويُطْفِئُ بِهِ النّائِرَةَ (1)
1) الطبقات الكبرى لابن سعد (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 448 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 59 وتهذيب الكمال ج 6 ص 419 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 210 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2610 والبداية والنهاية ج 8 ص 164 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 176 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص296 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 304 ولم يذكر الأبيات.
3- لمّا نَزَلَ الحُسَينُ «عليه السلام» مَكَّة، كَتَبَ يَزِيدُ بنُ مُعاوِيَة إِلَى ابن عَبّاس:
أمّا بَعدُ، فَإِنَّ ابنَ عَمِّكَ حُسَينا، وعَدُوَّ اللَّهِ ابن الزُّبَيرِ التَوَيَا بِبَيعَتي، ولحِقا بِمَكَّة مُرصِدَين لِلفِتْنَةِ،مُعَرِّضَين أَنفُسَهُما لِلهَلَكَةِ.
فأَمَّا ابنُ الزُّبَيرِ، فَإِنَّهُ صَريعُ الفِناءِ وقتيلُ السَّيفِ غَداً .
وأمَّا الحُسَينُ، فقد أحببتُ الإِعذارَ إليكُم - أهلَ البَيتِ - مِمَّا كَانَ مِنهُ. وقد بلغني أنَّ رِجالاً من شيعَتِهِ مِن أهل العراق يُكاتِبونَهُ ويُكاتِبُهُم، ويُمَنّونَهُ الخِلافةُ ويُمَتيهمُ الإِمرَة، وقد تعلمونَ مَا بَيني وَبَينَكُم مِنَ الوُصلةِ، وعَظيمِ الحُرمَةِ، ونتايج الأرحام، وقد قطَعَ ذلِكَ الْحُسَينُ وبَتَّهُ.
وأنتَ زَعِيمُ أهل بَيتِكَ، وسَيِّدُ أهل بلادِكَ، فَالقَهُ فَارِدُدهُ عَنِ السَّعِي في الفرقةِ، ورُدَّ هذه الأمَّة عَن الفِتْنَةِ، فإن قبلَ مِنكَ وأنابَ إليكَ، فَلَهُ عِندِي الأمانُ، وَالكَرامَة الواسِعَة، وأجري عَليهِ ما كَانَ أَبي يُجرِيهِ على أخيهِ، وإن طلب الزِّيادَةَ قاضمَن لهُ ما أراكَ اللَّهُ، أَنفِدْ صَمَانَكَ وأقومُ لهُ بذلِكَ، ولهُ عَليَّ الأيمانُ المُغلَظَة والمواثيقُ الْمُؤَكَدَةُ، بما تَطْمَئِنُّ بِهِ نَفْسُهُ، ويَعتَمِدُ في كُلِّ الأمورِ عَليهِ ، عَجِّل بِجَوابِ كِتابي، وبِكُلِّ حاجَةٍ لكَ إِليَّ وقِبْلي، وَالسَّلامُ.
قالَ هِشَامُ ْبنُ مُحَمَّدٍ وكَتَبَ يَزِيدُ في أسفل الكِتابِ:
يا أَيُّهَا الرَّاكِبُ الغادِي لِطِيَّتِهِ*** عَلى عُذافِرَةٍ في سَيرها قحَمُ
إلى آخر الأبيات المتقدمة في النص السابق، ثم قال:
فكَتَبَ إِلَيهِ ابْنُ عَبّاس:
أَمّا بَعدُ، فقد وَرَدَ كِتابُكَ تَذكَّرُ فِيهِ لحاق الحُسَين «عليه السلام» وَابن الزُّبَيرِ بِمَكَّة.
فَأَمَّا ابْنُ الزُّبَيرِ فَرَجُلٌ مُنقَطِعٌ عَنّا بِرَأيهِ، وهَواهُ، يُكَاتِمُنا مَعَ ذَلِكَ أضغانا يُسِرُّها في صدرهِ، يوري عَلينا وَريَ الزَّنادِ، لا فَكَ اللهُ أسيرها، قارأ في أمره ما أنت راءٍ.
وأمَّا الحُسَينُ «عليه السلام»، فَإِنَّهُ لَمّا نَزَلَ مَكَّة، وتَرَكَ حَرَمَ جَدِّهِ ومَنازِلَ آبَائِهِ، سَأَلْتُهُ عَن مَقدَمِهِ، فَأَخبَرَني أَنَّ عُمّالكَ فِي الْمَدِينَةِ أساؤوا إليهِ، وعَجَّلُوا عَليهِ بِالكَلامِ الفاحِش، فَأَقْبَلَ إِلَى حَرَمِ اللَّهِ مُستَجيراً بهِ، وسألقاه فيما أشَرتَ إليهِ، ولن أدَعَ النَّصِيحَة فيما يَجْمَعُ اللهُ بهِ الكَلِمَة، ويُطْفِئُ بهِ التّائِرَةَ، ويُخمِدُ بهِ الفِتْنَة، ويَحقُنُ بِهِ دِمَاءَ الأمَّةِ.
فاتق اللهَ فِي السِّرِّ وَالعَلانِيَةِ، ولا تَبِيتَنَّ ليلة وأنتَ تُرِيدُ لِمُسلِمٍ غائِلة، ولا تَرصُدهُ بمَظلمةٍ، ولا تَحفِر لَهُ مَهواةَ، فَكُم مِن حَافِرِ لِغَيرِهِ حَفراً وَقَعَ فِيهِ، وكَم مِن مُؤَمِّلِ أَمَلاً لم يُؤتَ أَمَلَهُ.
وخُذ بِحَظَكَ مِن تِلاوَةِ القُرآن ونَشر السُّئَةِ، وعَليكَ بِالصِّيامِ وَالقِيامِ، لا تَشغَلَكَ عَنهُما مَلاهِي الدُّنيا وأباطيلها، فَإِنَّ كُلَّ ما شُغِلتَ بِهِ
عَن اللَّهِ يَضُرُّ ويَفْنى، وكُلَّ مَا اشْتَغَلتَ بهِ مِن أَسبَابِ الْآخِرَةِ يَنفَعُ ويَبقى، وَالسَّلامُ (1).
ونقول:
من هم المكتوب إليهم؟!:
تقدم: أن ابن أعثم يقول : إن يزيد كتب إلى أهل المدينة، من قريش وبني هاشم. ويؤيد ذلك ما ورد في الأبيات المذكورة في تلك الروايات.
مع أن نصوصاً أخرى تقول : إنه كتب إلى ابن عباس.
ولا مانع من أن يرسل الكتاب إلى ابن عباس، ثم يكون خطابه فيه موجها إلى قريش وبني هاشم.
ولنا هنا ملاحظات، هي:
الأولى: إن يزيد قد خص رسالته بقريش وبني هاشم، ربما لأنه یرید:
أولاً: تخويف بني هاشم، لكي لا يوافقوا الحسين فيما عزم عليه، وبذلك يشل حركتهم. والأبيات المتقدمة صريحة بهذا التهديد والوعيد لبني هاشم.
ثانياً : يريد يزيد من قريش التي لا تحب بني هاشم وأهل البيت أن تتحرك لممارسة ما تقدر عليه من ضغوط على الإمام الحسين «عليه
1) تذكرة الخواص ج 2 ص 134 - 136 عن الواقدي.
السلام»، لمنعه من التوجه نحو العراق، لأن ذلك لو حصل، فإن الأمور سوف تزيد تعقيداً وصعوبة في وجه يزيد، ولا يستطيع أحد أن يعرف مآلها، ولا أن يقدر نتائجها.
الثانية: إن يزيد قد تجاهل الأنصار في رسائله، لمعرفته بتعاطفهم وميلهم إلى أهل البيت، كما أظهرته مشاركاتهم الواسعة جداً في حروب الجمل، وصفين والنهروان إلى جانب علي «عليه السلام».
الثالثة : لم تصرح رواية ابن أعثم باسم الجهة التي أجابها الإمام الحسين «عليه السلام»، هل وجه رسالته وخطابه بالآية الكريمة إلى يزيد؟ أو وجهه إلى أهل المدينة.. وهم بعد ذلك بالخيار في أن يوصلوا هذا الجواب إلى يزيد، إن وجدوا ضرورة إلى ذلك، أو أن يكتفوا بتداوله فيما بينهم.
لي عملي ولكم عملكم:
إن رسالة الإمام الحسين «عليه السلام» قد اقتصرت على الآية القرآنية، ربما لأنه أراد من الناس أن يقارنوا بين نهج وأهداف الإمام «عليه السلام»، التي لخصها بقوله : إنه يريد الإصلاح في أمة جده، يريد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، وأنه لم يخرج أشراً ولا بطراً، ولا مفسداً ولا ظالماً.
وبين نهج وأهداف يزيد، التي أظهرتها رسالته، وأبياته، فإنه بالرغم من اعترافه بفضل أهل البيت، والزهراء، لا يتورع عن تهديد
بني هاشم بالقتل، حتى يتهادى لحومهم العقبان والرَّخم.
وحين نحى منحى الإغراء، فإنه لم يجد لديه ما يغري به الإمام
الحسين «عليه السلام» سوى أن يكف عن قتله، بإعطاء الأمان له، ثم
أن يبذل له الأموال والعطايا.
فأين نهج الحسين ذاك، من نهج يزيد هذا؟!
كبير أهل بيته وسيد أهل بلاده:
وقد لفت نظرنا: أن يزيد «لعنه الله» يصف ابن عباس بأنه كبير أو زعيم أهل بيته، وسيد أهل بلاده. ولم نجد في رسالة ابن عباس الجوابية إنكاراً لهذا الأمر، مع أنه قد أنكر هذه الأوصاف حين أسبغها
عليه معاوية، حين استشهاد الإمام الحسن «عليه السلام»، مصرحاً: بأن الأحق بها هو الإمام الحسين «عليه السلام»، فما عدا مما بدا !!
متى وصلت رسالة يزيد؟!:
تصرح الروايات المتقدمة: بأن رسالة يزيد تضمنت إخباره ابن
عباس بأن الحسين «عليه السلام» وصل إلى مكة. كما أن رواية ابن أعثم المتقدمة برقم [1] تقول: «فَنَظَرَ أهلُ المَدينَةِ إِلى هَذِهِ الْأَبياتِ، ثُمَّ وَجَّهوا بها وبالكِتابِ إلى الحُسَين بن علي «عليه السلام»..».
أما الرواية الثالثة المتقدمة، فتقول: « لمّا نَزَلَ الْحُسَينُ «عليه السلام» مَكَة، كَتَبَ يَزِيدُ بنُ مُعاوِيَة إلى ابن عبّاس: الخ..».
وهذا كله يؤكد: أن هذه الرسائل قد وصلت من الشام إلى المدينة،
ثم إلى مكة، ثم جاء جوابها من الإمام الحسين «عليه السلام» في غضون شهر أو أكثر من خروج الحسين «عليه السلام» من المدينة
إلى مكة.
رسالة واحدة أم رسائل؟!:
وربما كان يزيد قد كتب أكثر من رسالة إلى المدينة، بعضها له طابع الخطاب العام كالتي ذكرها ابن أعثم، وبعضها كتبه إلى من يرى أن له من المكانة والتأثير، والجدارة ما يقوي احتمال الحصول من خلاله على نتيجة، ولو كانت بحجم تثبيط الناس عن اللحاق بالحسين «عليه السلام». ولاسيما إذا كان صحابيا، أو هاشميا له مكانة وأثر في الناس.
التلاعب في رسالة ابن عباس:
ولكن ما نقوله هنا لا يعني أن النصوص التي نسب إلى ابن عباس أنه خاطب بها يزيد لم تتعرض إلى أي تشويه، يهدف إلى إظهار ابن عباس بمظهر الرجل المسالم، والموافق ليزيد في بعض ما قاله. خصوصاً وأن النص الذي رواه سبط ابن الجوزي عن الواقدي، موضع شبهة وريب في بعض فقراته على الأقل. وكذا الحال بالنسبة للرواية المتقدمة برقم [2] .
فأولاً: إن ما ورد في رسالة ابن عباس من قسوة على ابن الزبير لم يكن في محله في هذا الظرف بالذات، خصوصاً من ابن عباس، وهو الرجل الأريب، ذو الرأي الحصيف، إذ لم يكن من المصلحة
الجهر بالطعن بابن الزبير، الذي كان يظهر الموافقة، والمداراة في تلك الفترة على الأقل.. فلماذا يفتح ابن عباس سجالاً حاميا يثير مكامن حقد هذا الرجل؟!
وما معنى أن يطلق ليزيد حرية البطش بابن الزبير إن أحب ذلك؟! ألم يكن ابن عباس يعلم أن يزيد ربما سعى من خلال كلامه هذا
لإذكاء الفتنة بين ابن الزبير وبين الحسين «عليه السلام» وبني هاشم، لكي يشغل أعداءه ببعضهم، ويكون هو في موقع المتفرج؟!
ثانياً: ما معنى أن يتعهد ابن عباس ليزيد بقوله: «ولن أدَعَ النَّصيحة فيما يَجْمَعُ اللَّهُ بهِ الكَلِمَة، ويُطْفِئُ بِهِ النّائِرَةَ، ويُخمِدُ بِهِ الْفِتْنَةِ، ويَحقُنُ بِهِ دماء الأمَّةِ».
أليست هذه الكلمات هي نفسها التي كان يزيد يحاول أن يبثها في الناس، كتهم للحسين«عليه السلام» تبيح ليزيد سفك دمه؟! وأن يفعل به وبأهل بيته، وحرمه، وأصحابه وشيعته ما شاء من أنواع التنكيل
والأذى؟!
ولماذا يقر ابن عباس ليزيد بأنه محق فيما يدعيه على الإمام
المعصوم والمظلوم الحسين بن علي «صلوات الله وسلامه عليه»؟!
وأية كلمة يريد ابن عباس أن يجمع عليها بين يزيد والحسين؟!
وهل الحسين «عليه السلام» هو الذي يثير الفتنة؟ أم أن الذي يثيرها هو ذلك الذي يصر على غصب مقام جعله الله تعالى ورسوله «صلى الله عليه وآله» لغيره، وحرم يزيد وأمثال يزيد منه، ويسعى
في قتله إن هو لم يبارك له ذلك بالبيعة له؟!
وقد علمنا: أن معاوية كان يحذر الإمام الحسين «عليه السلام» من
شق عصا الأمة، وأن لا يردها في الفتنة، فكان الإمام الحسين «عليه السلام» يجيبه بقوله:
«فلا أعرف فتنة أعظم من ولايتك عليها ، ولا أعلم نظراً لنفسي، وولدي، وأمة جدي أفضل من جهادك، فإن فعلته فهو قربة إلى الله عز وجل، وإن تركته فأستغفر الله لذنبي، وأسأله توفيقي لإرشاد أموري الخ..» (1).
وألم يكن ابن عباس يعرف - كما يعرف ذلك القرشي، رفيق سفيان الثوري - بأن أهل البيت «عليهم السلام» هم أئمة المسلمين الذين تجب النصيحة لهم بنص الرسول «صلى الله عليه وآله»، لا معاوية ولا يزيد، ولا مروان، وسواهم، وأن المراد بالجماعة التي أمر الله الناس بلزومها هم أهل البيت عليهم السلام»؟!
يزيد يعِدُ الحسين بالدنيا:
وقد رأينا: أن يزيد إنما يغري الحسين بالأمان أولا، ثم بالعطايا
1) الإحتجاج للطبرسي ج 2 ص 21 والدر النظيم ص534 وراجع: أنساب الأشراف (ط بيروت سنة 1400 ه- ) ج 5 ص 121 والإمامة والسياسة ه- (تحقيق الزيني) ج 1 ص 156 و (تحقيق الشيري) ج 1 ص 203 والنصائح الكافية ص 66 .
الواسعة. وإن طلب الزيادة، فلن يبخل عليه بذلك.
ولكن يزيد إنما يغري الحسين «عليه السلام» بما هو محرم وممنوع.
فأولاً : ليس للحسين «عليه السلام» أن يرضى بالأمان لنفسه، إذا كان واجبه الشرعي يلزمه بالمواجهة لأجل الإصلاح في الأمة، حتى لو أدت إلى الموت المحتم.
ثانياً : إن هذه الأموال التي يبذلها يزيد ليست مما جناه يزيد بكدّ يده، وعرق جبينه، وإنما هي أموال المسلمين، احتجزها يزيد لنفسه، ولمن هم على شاكلته، لكي ينفقوها على شهواتهم المحرمة، وموبقاتهم.
وإذا استنقذ الإمام الحسين «عليه السلام» منها شيئا، فإنه سوف
ينفقه في موارده في طاعة الله، وفق ما قرر الله ورسوله في الأمة.
بداية:
إننا نذكر هنا نصوصاً مختلفة تعطينا تصوراً عن خطط الأخطبوط الأموي في مواجهة الحسين «عليه السلام»، والمساعي التي يبذلها لإجهاض حركته، والتخلص منه إن أمكن، قبل أن يصل إلى العراق، والنصوص هي التالية:
نصوص وآثار:
1 - عن معمر بن المثنّى في مقتل الحسين «عليه السلام»:
فلمّا كانَ يَومُ التّرويَةِ، قَدِمَ عَمرُو بنُ سَعِيدِ بن العاص إلى مَكَّة في جُندٍ كَثيفٍ، قد أمَرَهُ يَزِيدُ أن يُناجِزَ الحُسَينَ «عليه السلام» القِتالَ إن هُوَ ناجَزَهُ، أو يُقاتِلهُ إن قدَرَ عَليهِ، فَخَرَجَ الحُسَينُ «عليه السلام» يَومَ
التّرويَةِ (1).
2 - وقد كتب ابن عباس ليزيد: «فأكْبَر من ذلك ما لم تُكبر، حيث
دسست إليه الرجال فيها ليقاتل في الحرم» (2).
3 - كان الحسين بن علي «عليه السلام» لما خرج من مكة اعترضه يحيى بن سعيد بن العاص، ومعه جماعة أرسلهم إليه عمرو بن سعيد، فقالوا له: انصرف أين تذهب؟ فأبى عليهم ومضى.
وتدافع الفريقان، واضطربوا بالسياط، فامتنع الحسين «عليه السلام» وأصحابه منهم امتناعاً قوياً.
وسار حتى أتى التنعيم، فلقي عيراً قد أقبلت من اليمن، فاستأجر
من أهلها جمالاً لرحله وأصحابه (1).
زاد في بعض المصادر، قوله :«ومَضَى الحُسَينُ «عليه السلام» عَلى وَجْهِهِ، فَنادَوهُ يا حُسَينُ، أَلا تَتَّقِي الله ؟! تَخْرُجُ مِنَ الجَمَاعَةِ وتُفَرِّقُ بَينَ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟!
فَتَأَوَّلَ حُسَينٌ «عليه السلام» قول الله عز وجل: (لِي عَمَلِي وَلَكُمْ
عَمَلَكُمْ أَنْتُمْ بَريئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُون) (2)»(3).
1) الإرشاد للمفيد ج 2 ص 68 وبحار الأنوار ج 44 ص 365 و 366 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 215 وراجع: تاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 289 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 179 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 67 والمجالس الفاخرة ص 213 و 214 .
2) الآية 41 من سورة يونس.
3) بحار الأنوار ج 44 ص 368 و 369 والعوالم الإمام الحسين ج17 ص 219 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 285 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 289 وراجع: أنساب الأشراف ج 3 ص 375 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 220 وراجع الإرشاد ج 2 ص 68 ومثير الأحزان ص 39 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 28 ولواعج الأشجان ص74 وأعيان الشيعة ج 1 ص 594 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج8 ص 179 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص68 .
4 - قال أبو حنيفة الدينوري:
لمّا خَرَجَ الحُسَينُ «عليه السلام» مِن مَكَّة، اِعتَرَضَهُ صَاحِبُ شَرِطَةِ أميرها عمرو بن سَعيد بن العاص في جَمَاعَةٍ مِنَ الجُندِ، فَقالَ: إنَّ الأمير يَأْمُرُكَ بالانصرافِ، فانصَرِف وإلا مَنَعتُكَ.
فَامْتَنَعَ عَليهِ الحُسَينُ «عليه السلام»، وتَدافَعَ الفريقان، وَاضطَرَبوا
بالسِّياط.
وبَلغَ ذلِكَ عَمرو بنَ سَعِيدٍ، فَخافَ أَن يَتَّفاقم الأمرُ، فَأَرسَلَ إلى
صاحِبِ شُرَطِهِ يَأْمُرُهُ بِالاِنصِرافِ (1).
5 - قال أبو عبيد القاسم بن سلام عن الأشدق:
ثُمَّ خَرَجَ إِلى مَكَّة فَقدِمَها قبلَ يَوم التَّرويَةِ بِيَومٍ، وَوَفَدَتِ النَّاسُ لِلحُسَين «عليه السلام» يَقولونَ: يا أبا عَبدِ اللَّهِ، لو تَقدَّمتَ فَصَلَّيتَ بالنّاس فَأَنزَلْتَهُم بداركَ؟ إذ جاءَ المُؤَدِّنُ فَأَقامَ الصَّلاةَ، فَتَقَدَّمَ عَمرُو بنُ سَعِيدٍ فَكَبَّرَ، فَقِيلَ لِلحُسَين «عليه السلام»: أخرج أَبا عَبدِ اللَّهِ إِذ أَبَيتَ
1) الأخبار الطوال ص 244.
أن تَتَقدَّم.
فَقالَ: الصَّلاةُ فِي الجَمَاعَةِ أَفضَلُ.
قالَ: فَصَلَّى ثُمَّ خَرَجَ
فَلَمَّا انصَرَفَ عَمرُو بنُ سَعِيدٍ، بَلَغَهُ أَنَّ حُسَينا «عليه السلام» قد
خَرَجَ، فَقالَ: أطلبوه، اِركَبوا كُلَّ بَعير بَينَ السَّمَاءِ وَالأرض فاطلبوه.
قالَ: فَعَجِبَ النّاسُ مِن قولِهِ هذا ، فطلبوه قلم يُدركوهُ (1).
لكن صاحب الإمامة والسياسة ذكر : أن يزيد وَلى عُثمانَ بنَ مُحَمَّدِ
بن أبي سُفْيانَ التَّقْفِيَّ عَلى المَدينَةِ وَمَكَّة، وعلى المَوسِم. وذكر نفس النص المتقدم عن القاسم بن سلام وغيره. ونسبه إلى عثمان هذا (2).
وهذا اشتباه منه، أو من بعض نساخ الكتاب، أو دس متعمد لحاجة
في أنفسهم.
6 - وقال المجلسي «رحمه الله»: «ولقد رأيت في بعض الكتب المعتبرة: أنّ يزيد أنفذ عمرو بن سعيد بن العاص في عسكر عظيم، وولاه أمر الموسم، وأمره على الحاجّ كلهم.
وكان قد أوصاه بقبض الحسين «عليه السلام» سرّاً، وإن لم يتمكّن منه يقتله غيلة.
ثم إنّه دسّ مع الحاجّ في تلك السنة ثلاثين رجلا من شياطين بني
أمية، وأمرهم بقتل الحسين «عليه السلام» على أيّ حال اتفقَ.
فلمّا علم الحسين «عليه السلام» بذلك حلّ من إحرام الحجّ، وجعلها عمرةَ مفردةَ» (1).
ونقول:
علينا ان نلمّ بالأمور التالية:
صلاة الحسين علیه السلام خلف الأشدق:
ذكرت رواية القاسم بن سلام المتقدمة: أن الحسين «عليه السلام» لم يخرج من مكة إلى العراق إلا بعد أن صلي في جماعة الأشدق، أو عثمان الثقفى حسب رواية الإمامة والسياسة، فكيف يصلي في جماعتهم وهم فسقة فجرة كما هو معلوم؟!
ونجيب:
أولاً : إننا نرتاب في صحة هذه الرواية، فإن رواية ابن طاووس تقول : إن الأشدق قد وصل إلى مكة يوم التروية، وهو يوم خروج الإمام الحسين «عليه السلام» منها، فمن البعيد أن يدرك الحسين «عليه السلام» جماعة الأشدق ، لاسيما وأنهم يذكرون أن خروجه
1) بحار الأنوار ج 45 ص 99 وراجع: المنتخب للطريحي ص 304.
من مكة كان وقت السحر (1).
وقد أعلن ذلك في خطبته الأخيرة في مكة التي قال فيها: خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة.. إلى أن قال: فإني راحل مصبحاً إن شاء الله (2).
ووقت السحر ليس وقت صلاة الجماعة.. إلا أن يقال: المراد بالسحر أول وقت الفجر ، فيكون قد صلى الصبح، وارتحل.
ثانياً: ليس في النص المتقدم: أنه « عليه السلام» قد ائتم بالأشدق، وإن أوهم الكلام ذلك .. بل فيه أنه « عليه السلام» قال: «الصلاة في الجماعة أفضل». والصلاة في الجماعة تحصل ولو صلى المصلي فرادى، وفي كلمات الأئمة «عليهم السلام» ما يدل على أنهم كانوا يصلون في بيوتهم، ثم يحضرون صلاة الجماعة. فراجع كتاب وسائل الشيعة، وغيره. ولعله «عليه السلام» لو قال صلاة الجماعة أفضل، لأمكن ادّعاء أنه قد صلى مؤتماً بالأشدق.
1) الملهوف ص127( نشر أنوار الهدى) ص 40 وبحار الأنوار ج 44 ص 364 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 213 ولواعج الأشجان ص 72 وأعيان الشيعة ج 1 ص 593 وينابيع المودة ج 3 ص 60 .
2) الملهوف (نشر أنوار الهدى - قم) ص 38 ومثير الأحزان ص 29 وبحار الأنوار ج 44 ص 366 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 216 ولواعج الأشجان ص 70 ونزهة الناظر للحلواني ص 86 وكشف الغمة ج 2 ص239.
ثالثاً : إنه حتى لو صلى مؤتماً بالأشدق أو بغيره، فإن هناك من
العلماء من يفهم من الروايات استحباب الإئتمام بالمخالف، ويفتي بهذا
الإستحباب.
الخطة اليزيدية:
إننا نعلم: أن يزيد لا يهنأ له عيش ما دام الحسين «عليه السلام» على قيد الحياة، فكان قراره النهائي والحاسم هو قتل الحسين «عليه السلام»، ولكنه كان يحاول أن يتكتم على هذا القرار، لما يعلم من
خطورته البالغة.
وكانت الوسيلة المفضلة عنده لتنفيذه هو دس السم إليه«عليه السلام» ، كما فعل أبوه معاوية بالإمام الحسن «عليه السلام».
أو قتله بطريقة تشبه ما جرى في ليلة العقبة من تنفير الناقة برسول الله «صلى الله عليه وآله» لكي تلقيه إلى بطن الوادي.
أو قتله بالإغتيال بأيدي أناس يبقون مجهولين، ليمكن تبرئة ساحة يزيد وبني أمية، ولو بادّعاء أن الجن مثلا هي التي قتلته، كما حصل
لسعد بن عبادة.
وإن افتضح أمر من يقوم بهذا العمل الإجرامي، فلعل يزيد سيكون هو المبادر إلى قتل ذلك القاتل، ليجعل عمله هذا من أقوى الأدلة على براءته في أعين السذج والبسطاء. بل يصبح بنظرهم أهلا للمدح والثناء، مستحقاً للمحبة والولاء، وموضعاً للرجاء.
وقد أوكل يزيد أمر هذه المهمة إلى ثلاثين رجلا من بني أمية،
أرسلهم لقتل الحسين على أي حال اتفق .
فإن لم يمكن التخلص من الإمام الحسين بهذه الطريقة، فلا بد من افتعال مشكلة معه تبرر الإستفادة من الجيش الذي جاء به الأشدق ضده « عليه السلام»، شرط أن تشتمل المشكلة على عناصر فيها التباس وخفاء، تعطي ليزيد وبني أمية الفرصة لاتهامه «عليه السلام» بأنه هو الذي استفزهم، وبدأ العدوان عليهم، وهتك حرمة البيت الحرام. فبطشوا به لدفع غائلته عن أنفسهم وعن بيت الله.
وهذا ما ألمح إليه ولو بخفاء قول النص المتقدم: إن الأشدق قدِمَ «إلى مَكَّة فِي جُندٍ كَثيفِ، قد أمَرَهُ يَزِيدُ أن يُناجِزَ الحُسَينَ «عليه السلام» القِتالَ إِن هُوَ ناجَزَهُ».
فالإتيان بالجند الكثيف إلى مكة، وإن كان يمثل استفزازاً للإمام الحسين «عليه السلام»، ولكنه لا يوجب ملامة الناس وإدانتهم، لأن الذي جاء به هو الوالي، الذي قد يدعى أنه أراد أن يحتاط للأمور حفاظاً على السلامة العامة.
ولكن أمره بمناجزة الحسين القتال إن هو ناجزه، يشير إلى أن على الأشدق أن لا يعطي الحسين ذريعة، أو فرصة توجب له عذراً، بل عليه أن يستدرجه ويستفزه ليبادر هو إلى القتال..
لكي يقولوا للناس: إن الحسين «عليه السلام» هو المعتدي والظالم، الذي لم يراع حرمة مكة، ولا الكعبة، وإنما حاربه الأشدق دفاعاً عن النفس، لا أكثر ولا أقل .
فإن أصيب الحسين «عليه السلام» في هذه الحال كانت الملامة عليه، وإن أخذ أسيراً كان لكل حادث حديث أيضاً. إذ سيصبح يزيد قادراً على التخلص منه كما تخلص أبوه من الإمام الحسن «عليه السلام» وبنفس الأسلوب، فيكون يزيد هو الرابح في كلا الحالتين.
ولكن وصول جند الأشدق إلى مكة كان في يوم التروية، أو قبله بيوم، وقد خرج فيه الحسين «عليه السلام» من مكة دون أن يعلم به الأشدق ، ففشلت الخطة اليزيدية الأموية بسبب ضيق الوقت، أو بسبب عدم الإجتماع به في مكة..
فشل يحيى بن سعيد أيضاً:
وحيث لم يظفر الأشدق وجنوده بالإمام الحسين «عليه السلام» في مكة، ولم يعد هناك مجال للاستدراج له، ومناجزته القتال، فقد فشلت معها أيضاً خطة اغتياله على يد الثلاثين رجلاً من شياطين بني أمية.
وكانت قد فشلت أيضاً محاولات إقناعه «عليه السلام» بعدم الخروج إلى العراق.
وبعد هذا الفشل الذريع والمتواصل لجميع هذه الخطط والتدبيرات بذل عمرو بن سعيد بن العاص (الموصوف بالأشدق) محاولة يائسة أخرى، فأرسل أخاه يحيى بن سعيد بن العاص ومعهجماعة، ليعترضوا طريقه « عليه السلام»، ويحاولوا منعه من المسير، فأبى
عليهم، ومضى.
وتدافع الفريقان واضطربوا بالسياط، فامتنع عليهم الحسين «عليه
السلام» وأصحابه امتناعاً قوياً.
ومن الواضح: أن هذا التصرف من عمرو بن سعيد الأشدق لم يكن موفقاً أيضاً. ولذلك بادر إلى التراجع عنه، قبل أن يتفاقم الأمر، فإنه تصرف لا يمكن تفسيره، إلا أنه بغي وعدوان على أقدس رجل على وجه الأرض في أقدس مكان، وفي أقدس الأوقات، ومحاولة منعه من ممارسة حقه الطبيعي، وحريته في الإنتقال إلى أي بلد شاء.
فما معنى أن يلاحقه هؤلاء، وهو إنما ترك الحج، حتى لا يسفك دمه في حرم الله..
كما أنه «عليه السلام» لم يحارب أحداً، ولم يقترف ذنباً، ولا أعلن حرباً على أحد من الناس. بل غاية ما قاله : إنه يريد الإصلاح في أمة جده، من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وهذا هو
نص الشريعة الإلهية، وهو التكليف الثابت على كل مسلم، ولا يختص
بالحسين عليه السلام»!!
الإعداد لاغتيال الإمام علیه السلام :
لقد صرح الإمام الحسين «عليه السلام» لناصحيه مرات عديدة: بأنه يواجه خطر الإغتيال في حرم الله ، وبذلك يكون قد فضح أعداءه، واحرجهم، وصعب عليهم الأمور، فقد قال لأخيه محمد ابن الحنفية: أنه يخرج من مكة لأنه يخشى أن يغتاله يزيد في الحرم، فيكون الذي
يستباح به حرمة هذا البيت (1).
وقال لابن عباس: لأن أقتَلَ - والله - بمَكان كَذَا وَكَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ
أن تُستَحَلَّ بي - يَعني مَكَة (2).
وبمعناه غيره، وسوف نورده إن شاء الله مع مصادره.
وقال « عليه السلام» نحو ذلك لابن الزبير (3).
1) الملهوف ص 128 و (نشر أنوار الهدى) ص 39 وبحار الأنوار ج 44 ص 364 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 214 ولواعج الأشجان ص 72 وأعيان الشيعة ج 1 ص 593 والمجالس الفاخرة للسيد شرف الدين ص 109 .
2) مروج الذهب ج 3 ص 64 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 203 و 211 وتهذيب الكمال ج 6 ص 420 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 292 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج6 ص 2611 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث ) ج 8 ص 174 و 178 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 298 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 186 و 188 وج33 ص 597 وراجع: أمالي المحاملي ص 226 وأخبار مكة للأزرقي ج2 ص 132 ومناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي ج 2 ص 260 ومدينة ج2 المعاجز ج 3 ص 503 ومجمع الزوائد ج 9 ص 192 والمعجم الكبير ج3 ص 120 والدرجات الرفيعة ص 130 وأنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج 3 ص 147 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 106.
3) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 52 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 211 وبحار الأنور ج 44 ص 185 ومدينة المعاجز ج3ص503 والعوالم،الإمام الحسين ج 17 ص 54 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص284 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 78 وذخائر العقبى ص151.
وقال للفرزدق: لو لم أعجَل لأخذتُ (1).
وهذا يدل على أنه قد كانت هناك خطة للقبض عليه أيضاً. وهو
ما ورد في رسالة يزيد لعمرو بن سعيد الأشدق.
وفي نص آخر أنه قال له: لم آمَنهُم يا أبا فِراس(2).
وقال «عليه السلام» لعمرو بن لوذان: وَاللَّهِ لَا يَدَعُونِّي حَتَّى يَستَخرجوا هذِهِ العلقة من جوفي الخ..(3)
والكامل في التاريخ ج 4 ص 39 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 50 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 309 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 183.
.1) الإرشاد للمفيد (ط دارالمفيد) ج 2 ص 67 وبحار الأنوار ج 44 ص365 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 215 ولواعج الأشجان ص77 والدرجات الرفيعة ص 548 وتاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 290 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 180 وأعيان الشيعة ج 1 ص 594 وإعلام الورى ج 1 ص 445 والمجالس الفاخرة ص 212 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 201 عن التبر المذاب ص 75 .
2) الطبقات الكبرى لابن سعد (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 455 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 63.
3) إعلام الورى ج 1 ص 447 و 448 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 76 وذوب النضار ص 28 وبحار الأنوار ج 44 ص 375 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 220 ولواعج الأشجان ص 256 وأعيان الشيعة ج 1 ص 596 والمجالس الفاخرة للسيد شرف الدین ص 224 و 107 وراجع: تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 216 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 296. وكتب ابن عباس ليزيد: أنسيت إنفاذ أعوانك إلى حرم الله لقتل
وقال «عليه السلام» لأم سلمة: وإن لم أخرُج قُتِلتُ (1).
وقال لعبد الله بن جعفر: لو كنتُ في جُحْرٍ هَامَّةٍ مِن هَوامِّ الأرض لاستَخرَجوني، ويَقتُلونّي (2).
وفي رواية: أنه قال ذلك:
1 - لابن عباس (3).
2 - ولابن الحنفية (4).
3 - ولابن الزبير (5).
1) الصراط المستقيم ج 2 ص 179 وبحار الأنوار ج 44 ص 332 و ج 45 ص 89 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 157 و 181 والخرائج والجرائح ج 1 ص 253.
2) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 67 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 217 .
3) مدينة المعاجز ج 3 ص 485 والكامل في التاريخ ج 4 ص 38.
4) بحار الأنوار ج 45 ص 99 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص323 والمنتخب للطريحي ص424 .
5) تاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 289 ولواعج الأشجان ص72 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 67 ونهاية الأرب ج 20 ص 407 والمجالس الفاخرة للسيد شرف الدين ص 106.
الحسين عليه السلام»؟! (1).
وفي نص آخر: أنه كتب إليه وما أنسَ من الأشياء، فلست بناس اطرادك الحسين بن علي من حرم رسول الله إلى حرم الله، ودسك إليه الرجال تغتاله. فأكْبَرَ من ذلك ما لم تُكبر حيث دسست إليه الرجال فيها ليقاتل في الحرم(2).
هل غادر الأشدق مكة ؟!:
وقد يدور بخلد البعض : أن الأشدق لم يغادر مكة ليعود إليها بجيش كثيف، أو عظيم. وكيف يترك مكة وفيها الإمام الحسين «عليه السلام» الذي كان يخشى أن يستولي على الأمور في مكة، ويريد
رصد حركته بدقة ؟!
ومن أين يأتي عمرو بن سعيد الأشدق بجيش عظيم، أو كثيف يا
تری؟!
ولماذا لم يرسل الأشدق ذلك الجيش العظيم ليمنع الإمام الحسين
«عليه السلام» من مواصلة مسيره إلى العراق؟!
ونجيب:
بأن القول بأن الأشدق لم يغادر مكة طيلة تواجد الإمام الحسين
«عليه السلام» فيها مجازفة ظاهرة.
فأولاً : إن مكة كانت في أكثريتها معقلاً لقريش، وهي تمحض الولاء لكل مخالف ومناوئ لأهل البيت «عليهم السلام». وقد ذكرنا ذلك في كتابنا: الحياة السياسية للإمام الرضا «عليه السلام» وغيره.
فلا ضير في أن يغيب عنها واليها، ويذهب في مهمات تمنحه القدرة على مواجهة من يخشاهم. وغيبته هذه لا تعني أنها أصبحت بلا راع، لأنه سوف يجعل فيها من ينوب عنه في تصريف شؤونها، والقيام بما كان الوالي الغائب يقوم به.
ثانياً : إن الجيش الذي جاء به الأشدق إلى مكة قد يكون جمعه من أقطار مختلفة، مثل المدينة والطائف، وغيرها من البلاد القريبة من مكة. بل إن أهل مكة أنفسهم ، وهم من الموالين ليزيد سوف يكونون جنداً كثيفاً يستفيد منه الأشدق ضد الحسين «عليه السلام».
ثالثاً: إن تولية الأشدق الموسم لا تنافي قيامه بمهمات أخرى يرى أنها هامة ومصيرية وحساسة، وقد يكون يزيد قد أمر الأشدق بجمع هذا الجيش في وقت متأخر، أوجب التأخير في جمعه، وفي الوصول إلى مكة المكرمة في يوم خروج الإمام الحسين منها.
رابعاً : إن خروج الحسين «عليه السلام» من مكة إذا كان قد سبق وصول ذلك الجيش، فإن اللحاق بالإمام، ومطاردته في البراري والقفار لم تكن في صالح يزيد وبني أمية، ولذلك اكتفى الأشدق
بإرسال أخيه يحيى وجماعة معه لمحاولة ثني الحسين عن عزمه،
ففشل في ذلك.
رسالة الأشدق إلى الإمام علیه السلام:
ثم إن من يراجع النصوص يجد: أن الأشدق لم يهدأ، بل إنه بعد أن خرج «عليه السلام» من مكة حتى إذا كاد أن يسامت المدينة، بذل
محاولة تتسم بالهدوء واللين والرفق بما تحمل من إغراءات ووعود.
وهذا يشير إلى الإستيحاش الشديد لدى الأمويين من وصول الحسين «عليه السلام» إلى العراق، فكانوا يحاولون منعه من هذا المسير، بكل قوة.
وأسلوب الإغراء هذا قد بدأه يزيد أولاً، حيث كتب إلى ابن عباس: «فإن قبلَ مِنكَ وأنابَ إِليكَ، قلهُ عِندِي الأمانُ، وَالكَرامَهُ الواسعة، وأجري عَليهِ ما كَانَ أبي يُجريهِ عَلى أَخِيهِ، وإن طُلبَ الزِّيادَةَ فاضمَن له ما أراك الله، أنفِدْ ضَمانَكَ وأقومُ لَهُ بِذلِكَ الخ..» (1).
نعم، لقد أتبع الأشدق نفس هذا الأسلوب، أسلوب اللين والإغراء
بإعطاء الأمان له، وتلبية المطالب الحياتية المالية، وغيرها على أساس أن هذا الأسلوب إذا نجح، فإن الحسين «عليه السلام» يصبح في قبضتهم، وتحت سمعهم وبصرهم، وتستطيع السلطة حينئذٍ أن تتعامل معه من موقع المتمكن منه والقادر على تنفيذ مقاصده الشريرة
1) تذكرة الخواص (ط النجف) ج 2 ص 134 - 136 عن الواقدي.
وقراراته الرعناء في حقه بكل هدوء وراحة بال، مع ملاحظة ما يلي:
1 - إن الإغراء بالأمان حتى لو كان خديعة وكذبا، وكيداً شيطانيا، سوف يمكن السلطة من استغلاله لإضعاف حركة الإمام «عليه السلام»، حيث إنها سوف تدعي أنها بذلك قد أدت قسطها للعلى، فأي تصرف يصدر عنه يجعل البطش به أمراً مبرراً عند الناس، لأنه سيظهر أنه هو الساعي لإثارة الفتنة في الأمة، وسوف يكون «عليه
السلام» هو المدان والملام حتى حين يستشهد.
2 - إن إعطاء الأمان له ورضاه به لن يكون حاجزاً للسلطة من الغدر به في أية لحظة، وقد غدر عبيد الله بن زياد بمسلم بن عقيل بعد أن أمر ابن الأشعث بأن يؤمنه، وغدر بهاني بن عروة، بعد أن جيء به إليه بأمان أعطوه إياه بأمر من ابن زياد أيضاً..
3 - إن الإغراء بالأمور المادية وقبول الإمام بها، أو عدمه يلقي في روع الناس أن الإمام «عليه السلام» قد يكون طالب دنيا. وهذا ما كان يحاول ابن عمر وآخرون إثارته ونشره في الناس، بهدف ردع
الحسين عن مواصلة حركته.
فإذا قبل منهم ما عرضوه عليه، فإن احتمال كونه طالب دنيا يتحول إلى يقين. وحينئذٍ تستوي الأقدام بين الحسين «عليه السلام» وبين من يخاصمهم.وسيقول الناس له نفس ما قالوه عن حركة مسلم بن عقيل في الكوفة، من أن الصراع إنما هو على الدنيا، فلماذا يكونون ضحايا أطماع الناس؟!
3 - وقد ضمَّن الأشدق رسالته التحذير من الشقاق والتهديد بالهلاك، ليجعل الحسين «عليه السلام» بين الخوف والرجاء.
إغراءات الأشدق للحسين علیه السلام:
وبعد، فقد روي عن الحارث بن كعب الوالي، عن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب [زين العابدين] «عليه السلام»:
لمّا خَرَجْنا مِن مَكَة، كَتَبَ عَبدُ اللهِ بنُ جَعفر بن أبي طالب إلى الحُسَين بن عَلِيٍّ «عليه السلام» مَعَ ابْنَيهِ عَونِ وَمُحَمَّدٍ :
أمّا بَعدُ، فإنّي أسألك بِاللهِ لمَّا انصَرَفتَ حِينَ تَنظُرُ فِي كِتابي، فإِنِّي مُشفِقٌ عَليكَ مِنَ الوَجهِ الَّذِي تَوَجَّهُ لهُ أَن يَكُونَ فِيهِ هَلَاكُكَ وَاسْتِبْصَالُ أهل بيتِكَ، إِن هَلكت اليَومَ طَفِئَ ُنورُ الأرض، فَإِنَّكَ عَلَمُ الْمُهْتَدِينَ،
ورجاءُ المُؤمِنينَ، فَلا تَعَجَّل بالسَّير فإنّي في أثر الكِتابِ، وَالسَّلامُ.
[في الإرشاد: فأتياه بوادي العقيق قبل أن يصل إلى مسامنة المدينة].
قال: وقامَ عَبدُ اللهِ بنُ جَعفَرٍ إلى عَمرو بن سَعيدِ بن العاص فَكَلَّمَهُ، وقال: أكتُب إلى الحُسَين كِتاباً تَجَعَلُ لَهُ ِفيهِ الأمان، وتُمَنِّيهِ فِيهِ البرَّ وَالصَّلة، وتوثِقُ لهُ في كِتابكَ، وتسألهُ الرُّجُوعَ، لَعَلَّهُ يَطْمَئِنُّ إِلَى
ذلك فيرجع.
فقالَ عَمرُو بنُ سَعِيدٍ: أكتب ما شِئتَ وَائَتِني بِهِ حَتَّى أَختِمَهُ.
فكَتَبَ عَبدُ اللهِ بنُ جَعفر الكِتابَ، ثمَّ أتى بهِ عَمرو بن سَعِيدٍ، فَقَالَ لهُ: اِختِمهُ، وَابعَتْ بِهِ مَعَ أَحْيِكَ يَحيَى بن سَعِيدٍ، فَإِنَّهُ أحرى أن تَطْمَئِنَّ
نَفْسُهُ إليهِ، ويَعلمَ أَنَّهُ الجِدُّ مِنكَ، فَفَعَلَ، وكانَ عَمرُو بنُ سَعِيدٍ عَامِلَ
يَزِيدَ بن مُعاوِيَة عَلى مَكَّة.
قالَ: فَلْحِقهُ يَحيى وعَبدُ اللهِ بنُ جَعفَرٍ في الإرشاد: فلقيا الحسين «عليه السلام» بذات عرق]، ثُمَّ انصَرَفا بَعدَ أَن أَقرَأَهُ يَحْيَى الْكِتَابَ، فقالا: أقرأناهُ الكِتابَ، وجَهَدنا بهِ، وكانَ مِمَّا اعتَذَرَ بِهِ إِلينا أَن قَالَ: إِنِّي رَأيتُ رُؤيا فِيها رَسولُ اللهِ «صلى الله عليه وآله»، وأُمِرتُ فيها بأمر أنَا ماضٍ لهُ، عَليَّ كانَ أو لي.
فقالا لَهُ: فما تِلْكَ الرُّؤيا؟
قالَ: ما حَدَّثْتُ أحدا بها، وما أنَا مُحَدّتْ بها حتّى ألقى رَبّي.
قالَ: وكانَ كِتابُ عَمرو بن سَعِيدٍ إلى الحُسَين بن عَلِيٍّ «عليه السلام»:
بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ
مِن عَمرو بن سَعِيدٍ إلى الحُسَين بن عَلِيٍّ..
أمّا بَعدُ، فإنّي أسألُ اللهَ أن يَصرِفكَ عَمّا يوبقُكَ، وأن يَهْدِيَكَ لِما يُرشِدُكَ، بَلْغَنِي أَنَّكَ قد تَوَجَّهت إلى العِراق، وإِنِّي أُعِيدُكَ بِاللهِ مِنَ الشِّقاق، فإنّي أخافُ عَليكَ فِيهِ الهَلاكَ، وقد بَعَثتُ إِلَيكَ عَبْدَ اللَّهِ بنَ جَعفَرٍ ويَحْيَى بنَ سَعِيدٍ، فأقبل إليَّ مَعَهُما ، فَإِنَّ لَكَ عِندِيَ الأَمانَ وَالصِّلة، والبرَّ، وحُسنَ الجوار لكَ، اللهُ عَلَيَّ بِذلِكَ شَهِيدٌ وكَفِيلٌ،
ومُراع ووَكِيلٌ، وَالسَّلامُ عَليكَ.
قالَ: َوكَتَبَ إِليهِ الحُسَينُ «عليه السلام»:
أمّا بَعدُ، فَإِنَّهُ لم يُشاقِقِ اللهَ ورَسولهُ مَن دَعا إلى الله عز وجل، وعَمِلَ صَالِحاً، وقالَ إِنَّني مِنَ المُسلِمينَ، وقد دعوت إلى الأمان والبرِّ
وَالصَّلَةِ، فَخَيرُ الأمان أمانُ اللهِ ، ولن يُؤْمِنَ اللَّهُ يَومَ القِيامَةِ مَن لم يَخَفَهُ فِي الدُّنيا، فنَسأَلُ اللهَ مَخافة فِي الدُّنيا توجبُ لنا أمانَهُ يَومَ القِيامَةِ.
فَإِن كُنتَ نَوَيتَ بِالكِتابِ صلتي وبرّي، فَجُزِيتَ خَيرًا في الدُّنيا وَالْآخِرَةِ، وَالسَّلامُ.
[زاد في كتاب الإرشاد قوله : وقد أوصى عبد الله بن جعفر ولديه
بالحسين واعتذر منه.
ورجع مع يحيى بن سعيد إلى مكة] (1)
دار إحياء التراث) ج 8 ص 167 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 296 وبحار الأنوار ج 44 ص 366 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 216 وراجع: مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص218 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 67 وراجع: الكامل في التاريخ ج 4 ص40 وإبصار العين ص 75 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 69 .
.1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 387 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 291 وراجع: الإرشاد للمفيد ج 2 ص 68 و 69 وراجع: إعلام الورى ج 1 ص 446 وراجع أيضاً : الطبقات الكبرى لابن سعد (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 447 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 59 وتهذيب الكمال ج 6 ص 418 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 209 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 297 وتاريخ الإسلام للذهبي ج ص 9 وراجع: بغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2610 والبداية والنهاية ج 8 ص 163 و (ط
ونقول:
من الذي كتب الرسالة؟!:
ذكر النص المتقدم عن الطبري: أن عبد الله بن جعفر هو الذي كتب نص الكتاب الذي أرسله الأشدق إلى الإمام الحسين «عليه السلام».. مع أن أدب ابن جعفر وإجلاله للإمام الحسين «عليه السلام» يحول دون كتابة هذه المضامين، التي تكاد تتهم الحسين «عليه السلام» بأن مسيره إلى العراق ،شقاق، وأنه مما يوبقه «عليه السلام»..
وكأن القول بأن عبد الله بن هو الذي كتب ذلك، كان يهدف إلى اعتبار هذا إقراراً من ابن جعفر على الإمام بأنه شاق لعصا المسلمين، مقدم على ما يوبقه ويهلكه، وبذلك يكون قد هون قتله على بني أمية، وهذا ما لا يمكن أن يفعله ابن جعفر.
ويلاحظ: أن سائر المصادر تنسب الكتاب إلى الأشدق مباشرة، ولا تشير إلى عبد الله بن جعفر بشيء.
ولعل هذا هو الراجح الذي ينبغي السكون إليه.
نصيحة ابن جعفر صواب، وهناك أصوب:
لقد نصح عبد الله بن جعفر الإمام الحسين «عليه السلام»، كما جاء في رسالته إليه بعدم مواصلة مسيره، وسأله بالله أن يفعل ذلك، إلى أن يتدبر عبد الله بن جعفر الأمر، ويأتي إليه..
وقد صرح بأن سبب هذا الطلب هو إشفاقه عليه من أن يهلك في
وجهه ذاك، وأن يستأصل أهلُ بيته..
ونحن على يقين من صدق عبد الله بن جعفر «رحمه الله» في
تعبيره عما يختلج في صدره، وما يتوقعه من نتائج، وقد استند في استخلاصه لها إلى عميق معرفته ببني أمية، وشدة حقدهم، وما يضمرونه لأهل البيت وبني هاشم، وما يخططون له من كوارث ونكبات يحبون أن ينزلوها بهم.
فكأنه «رحمه الله» كان يظن أن مسير الحسين «عليه السلام» إلى العراق سيمنح بني أمية الفرصة للتنفيس عما تجيش به صدورهم، وسيعتبرونها فرصة العمر لإنزال الضربة القاصمة بخصومهم، وأخذ ثاراتهم البدرية، وأحقادهم الأحدية..
ثم هو «رحمه الله» كان يعرف ولو على سبيل الإجمال جانبا من قيمة الحسين، وعظمته في الأمة، ومقامه عند الله، وأنه نور الأرض، ورجاء المؤمنين، ولا يريد لهذا النور أن يخبو ، ولا لهذا الرجاء أن
ينقطع.
وكل هذا الذي أخذه ابن جعفر، وكذلك ابن عباس وسواهما من المخلصين كذريعة لترغيب الإمام الحسين بالعدول عما عقد العزم عليه صحيح في نفسه.. ولكنه لم يستوف الشروط، بل بقي يرتكز على محور واحد، هو ملاحظة حالات الأشخاص من بني أمية من حيث الدوافع والحالات والعصبيات والأهواء والغرائزيات التي
تهيمن عليهم، وهم الذين كانوا لا يملكون إلى جانب ذلك روادع دينية، وقيماً أخلاقية، ومشاعر إنسانية تخفف أو تحد من غلوائهم في
اندفاعاتهم لتلبية مطالب ورغبات هذه النوازع الشريرة.
كما أنه «رحمه الله» ينظر إلى الإمام الحسين «عليه السلام» على أنه قيمة في نفسه، وصلاح وخير وهو نور الأرض، ورجاء للمؤمنين، ولكن بغض النظر عن أي شيء آخر خارج دائرة القيمة الشخصية، والفضل والخير المتجسد فيه، ربما لظنه «رحمه الله» أن ما يخرج عن هذه الدائرة إنما يعني الناس الآخرين، الذين يفترض فيهم أن يستضيئوا بالنور، وأن ينهضوا بهذا الرجاء، ويحققوا الحلم
إن شاؤوا...
أما الإمام الحسين «عليه السلام» فإن نظرته لهذه الأمور لا تختلف عن نظرة هؤلاء فيما يرتبط بحالات بني أمية، وأهدافهم، ونوازعهم الشخصية، كما أنه يريد أن تكون الأمور بأيدي العلماء بالله، الأمناء على وحيه..
كما أنه يعرف النتائج المترتبة على سفره إلى العراق، من خلال
ما يمكن أن يقدم عليه الأخطبوط الأموي من مجازفات ضده،وهو يعرف أيضاً موقعه من هذا الدين ، وفي هذه الأمة..
ولكن هناك عنصر حيوي جداً يرى أنهم لم يأخذوه بنظر الاعتبار، وهو العنصر الأهم الذي يوجب استبعاده تضييع الأهداف الإلهية، والوقوع في الفخ الذي أرادوا بنصائحهم الفرار منه، وهو أن
يصبح الأمر أكثر خطورة، والعدو أشد جرأة، ورعونة وفتكاً،وإطلاق يده في طمس معالم الدين، وصيرورته أشد قوة وشراسة على رموز الفضل والقداسة، ويسهِّل عليه التخلص من أئمة الأمة، وأوصياء الأنبياء، وورثتهم من العلماء والأتقياء بأهون السبل، وأيسر الوسائل..
وهذا العنصر هو ما أعلنه الإمام الحسين «عليه السلام» في المدينة، وهو ضرورة الإصلاح في الأمة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمنع من نكث العهود، وتدمير القيم، وإفساد الأخلاق، وهدم مباني الحياة الاجتماعية التي تقوم بها حياة الأمم..
وهذا واجب قد جعله الله على عاتق جميع الناس، ولاسيما العلماء والأئمة الهداة، فإن مسؤوليتهم أكبر ، وفعاليتهم لا بد أن تكون أكثر، ونظرتهم أجدر بأن تكون صائبة في ظل علمهم الصحيح، وعصمتهم عن كل خطأ وخطل، وجهل، واتباع للهوى.
وهذا الواجب الإلهي لا يحتم القيام بالسيف، إلا إذا أراد أهل الأهواء ورموز الفساد والضلال، أن يناصبوه العداء، فحينئذ لا بد من الدفاع عن النفس، على قاعدة: وما حيلة المضطر إلا ركوبها..
والشاهد على أن القيام بهذا الواجب الإلهي لا يحتم استعمال السيف إلا دفاعاً عن النفس: حروب النبي «صلى الله عليه وآله» لأعدائه، فإنها كلها كانت تنطلق من هذا المبدأ..
ويدل على ذلك أيضاً : قوله « عليه السلام» في آخر كتابه
للأشدق: «فإن كُنتَ نَوَيتَ بِالكِتابِ صلتي وبرّي، فَجُزِيتَ خَيْرًا فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ».
وهذه الكلمة تشير إلى أنه لا يتعامل معه، كما يتعامل مع عدو محارب، كما أننا رأينا أن جوابه كان جواباً إقناعيا، ليس فيه ما يدل على نية عداوة أو حرب، أو ثورة مسلحة، أو ما إلى ذلك، ربما لأنه «عليه السلام» أراد أن يؤكد له ولغيره على أن القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطلب الإصلاح في الأمة، يجب أن يشيع أجواء التآلف والمحبة والوئام، والتعاون على تحقيق رضا الله
سبحانه، لا العكس..
واستكمالاً للبحث نشير إلى ما يلي:
جواب الإمام على رسالة الأشدق:
إنه «عليه السلام» قد فقد المنطق الذي يحاول الأمويون تسويقه بين أهل الإسلام، وبيَّن وجوه السفه والمغالطة فيه، ويمكن أن نشير إلى مضامين هذه الرسالة ضمن النقاط التالية:
ألف: من هو الشاق، وما الشقاق؟!:
إن ما زعمه الأشدق، من أن ما يقدم عليه الحسين «عليه السلام»
هو من مفردات الشقاق، الذي يودي بصاحبه إلى الهلاك، هو محض مغالطة فظة، لا تستند إلى أساس، فإن الشقاق ليس هو مطلق المخالفة للحاكم، ولا هو مجرد الإعتراض على القضايا والأحكام.
بل الشقاق هو أن يشاقق أحد الله ورسوله ويعمل على خلافهما،
ويدعو إلى إبطال تدبيرهما، وتضييع الأهداف التي بعث الله الأنبياء والرسل وأمرهم بأن يضحوا بالغالي والنفيس من أجلها ..
فإذا كانت الدعوة إلى الله عز وجل، وترك عبادة الهوى، وترك
طاعة الجبارين في معصيته تعالى، فإن هذه الدعوة لا تكون شقاقاً، والداعي لا يكون شاقاً ولا عاقاً.
وكذلك الحال إذا لم يكن في دعوته أشرا، ولا بطرا، ولا مفسداً، ولا ظالما.. وكان يلتزم أحكام الشرع والدين، والأخلاق، والقيم الإنسانية.
فمن يكون هكذا لا يمكن اعتبار عمله شقاقاً، لأن العمل الصالح لا
يمكن أن يكون كذلك ..
وهكذا الحال إذا كان صاحب الدعوة ملتزماً بما يفرضه عليه إسلامه من واجبات تجاه أهل الإسلام، مثل إصلاح شؤونهم، والسعي في قضاء حوائجهم، وتعليم جاهلهم، وأمر تارك المعروف بالمعروف ونهي مرتكب المنكر عن المنكر .. فمن قام بواجبه هذا لا يمكن أن يعتبر شاقاً، ولا أن يكون عمله من مفردات الشقاق، حتى لو سخطه الحاكم الجائر ونهى عنه، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ب: الأمان ممن ولمن ؟!:
ثم أشار « عليه السلام» إلى الخلل في نظرتهم إلى الأمان الذي
يبذلونه له، وإلى قيمته، وتطبيقاته، فذكر «عليه السلام» ما يلي:
أولاً: أن الأمان الذي ينفع ويجدي، ولا تشوبه أي شائبة، هو أمان
الله تبارك وتعالى في يوم القيامة، لا أمان البشر في أي موقع كانوا.. ثانياً : إن أمان الدنيا لا قيمة له إذا لم يؤد إلى الأمان الإلهي في
الآخرة...
ثالثاً: إن إعطاء الأمان للحسين «عليه السلام» في الدنيا من قبل الأشدق ، أو يزيد أو غيرهما، إذا كان يؤدي إلى تخلي الإمام الحسين «عليه السلام» عن واجبه تجاه الأمة في إصلاح أمورها، والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر فيها ، سوف يكون من موجبات سلب الأمان الإلهي له بصورة يقينية في الآخرة.
رابعاً : وبذلك يعلم أن ما يسعى إليه الحسين «عليه السلام» من الإصلاح في الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الذي يضمن له الأمان الإلهي في الآخرة، لا أمان الأشدق، ولا أمان يزيد وبني أمية.
هل الرؤيا عذر مقبول؟!:
وقد لاحظنا : أن الإمام الحسين «عليه السلام» قد اعتذر لناصحيه عن عدم انصرافه عن السفر إلى العراق بما أمره الرسول «صلى الله عليه وآله» به في الرؤيا.
وقد تقدم في الجزء الحادي عشر من هذا الكتاب بعض الكلام عن
الرؤيا، وذلك حين عزم « عليه السلام» على مغادرة المدينة إلى مكة.
ولكن يبقى سؤال يقول : ما معنى أن يحتج «عليه السلام» على
محبيه ومناوئيه برؤيا رآها، وأمر تلقاه فيها من رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟! هل أراد بذلك إسكاتهم وبث اليأس في نفوسهم ليكفوا عن إصرارهم عليه بصرف النظر عن ذلك السفر، بعد أن لم يخضعوا للحجج والبراهين ولم يستجيبوا لمنطق الأحداث والوقائع ؟! أم أراد بذلك : أن يثبت عملياً حقه في ممارسة حريته ما دام في دائرة العمل بأحكام الله ، ولم يتجاوز الضوابط والمعايير الأخلاقية، والدينية وغيرها. وأن من حقه أن لا يخضع للابتزاز الذي لا مبرر له إلا البغي والعدوان، والتجبر المقيت؟!
على أنه قد تقدم: أن الخضوع لإرادة هؤلاء الظالمين قد يعطي الانطباع عن أن الحسين «عليه السلام» كان مخطئاً أو متسرعاً في قراره.. ويعطي أولئك الجبابرة بعض العذر - بنظرهم - في كل ما يقدمون عليه في المستقبل في حق مناوئيهم، حتى الحسين «عليه
السلام».
يضاف إلى ذلك: أن هذا الخضوع سوف يمنح أولئك القتلة الفرصة للتخلص من الإمام الحسين «عليه السلام» بطرقهم الخفية، أو المعلنة إذا توفرت لهم ظروف الإعلان الذي يزيدهم قوة وبغياً، وشراسة وصلفاً ..
ولا ننسى بعد كل ما تقدم غدر معاوية بحجر وأصحابه، وغدر
ابن زياد بهاني بن عروة، وبمسلم بن عقيل، بعد أن أعطاهما الأمان. وأي من هذه الاحتمالات إذا تحقق فإنه سوف يضيع على الإسلام
وأهله أعظم الفوائد والعوائد، وسوف يسهل على الطغاة الفتك بكل من يتوهمون أن لديه خلافاً، كما أنهم سوف لا يجدون أمامهم أي حاجز يحجزهم عن إشاعة الضلالات، والبدع، وإفساد أخلاق الناس، وتشويه عقائدهم وإحياء أمر الجاهلية فيهم...
عون بن عبدالله بن جعدة:
لحِقَ الحُسَينَ «عليه السلام» عَونُ بنُ عَبدِ اللَّهِ بن جُعِدَةَ بن هُبَيرَةَ بذاتِ عِرق، بكِتابِ مِن أبِيهِ يَسأَلهُ فِيهِ الرُّجُوعَ، وَيَذَّكَّرُ مَا يَخَافُ عَلَيهِ مِن مَسيرِهِ، فلم يُعجبه (1).
ونشير هنا إلى أمرين، لا نملك دليلاً ولا شاهداً على أي منهما، وهما:
الأول : يحتمل أن يكون قوله: «قلم يُعجبه»، مصحف عن كلمة «فلم يُحِبُّهُ»، فإنه «عليه السلام» لم يقبل من أحد ما اقترحوه عليه، من الإنصراف عن ذلك المسير ..
الثاني: قد يمكن للمرء أن يحتمل أيضاً أن النساخ قد صحفوا كلمة «جعفر» بكلمة « جعدة»، ثم أضافوا إليها كلمة هبيرة تبرعاً منهم
للتوضيح.
ويكون الصحيح أن عون بن عبد الله بن جعفر هو الذي لحق بالحسين «عليه السلام» بذات عرق بكتاب من أبيه. فإن عبد الله بن
1) أنساب الأشراف ج 3 ص 377 و (ط دار التعارف) ج 3 ص 165 .
جعفر هو الذي كان يتحرك في أكثر من اتجاه ليجنب الحسين «عليه السلام» الخطر الذي كان يتوقعه عليه من بني أمية..
وعدا ذلك، فإنه إذا كان عبد الله بن جعدة بن هبيرة كان في مكة،
فلماذا لم يبادر إلى الإجتماع بالإمام الحسين «عليه السلام»، ويبذل
المحاولة لإقناعه بالعدول عن ذلك؟ وما هي الحكمة في تركه يخرج،
ثم ...يلحقه ...بكتاب ...مع ...ابنه؟!
بداية:
يمكن تقسيم الناصحين إلى فئات ثلاث:
الأولى: الذين نصحوا الإمام عبر المراسلة.
الثانية: الناصحون على سبيل المشافهة المباشرة قبل ترك مكة.
الثالثة : الناصحون له «عليه السلام»، وهو في الطريق إلى العراق.
ونتعرض في هذا الفصل إلى من نصح الإمام بالمكاتبة، غير أن علينا أن نذكر القارئ الكريم بأن هؤلاء الناصحين لم يكونوا كلهم مخلصين، بل كان فريق منهم بصدد خدمة يزيد وبني أمية، فإلى ما
يلي من مطالب:
عطفاً على ما سبق:
تحدثنا في الفصل السابق عن كتاب عبد الله بن جعفر «رحمه الله» الذي أرسله إلى الإمام الحسين «عليه السلام» مع ولديه: عون ومحمد.
وقلنا: إنه «رحمه الله» قد عاد فالتقى بالحسين «عليه السلام»
برفقة يحيى بن سعيد أخي الأشدق، حين جاء إليه برسالة أخيه الأشدق التي تضمنت إعطاءه الأمان ووعوداً بالصلات والعطايا..
غیر أن بعض المصادر قد ذكرت رسالة من عبد الله بن جعفر
إلى الإمام الحسين «عليه السلام» لا يختلف نصها كثيراً عن نص رسالته إليه قبل لقائه به هو ويحيى بن سعيد المرسل من قبل أخيه.
ولكنها لم تذكر رسالة الأشدق إليه « عليه السلام»، وجوابه «عليه
السلام» عليها. بل ذكرت جواباً له « عليه السلام» إلى عبد الله بن
جعفر.
فهل اختصر هؤلاء ما جرى، وسجلوا نصيحة ابن جعفر له، وجوابها منه «عليه السلام»، وتركوا ما عدا ذلك؟! أو أنهم لم يثقوا بصحة ما يقال، من أن الأشدق قد كتب إليه «عليه السلام» بالأمان ومنَّاه وعوداً بالبر والصلات؟
ولعل سبب شكهم هو بعض ما ذكرناه من نقاط ضعف حفل بها ذلك النص.
أو أنهم اعتقدوا أن ابن جعفر قد أرسل إليه «عليه السلام» تلك
الرسالة مرتين، إظهاراً لإصراره عليه بالإنصراف.
إن ذلك كله محتمل، ولعل هذا الإحتمال الأخير هو الأرجح.. ونحن نذكر هنا نص رسالة عبد الله بن جعفر إلى الإمام الحسين، وجوابه «عليه السلام» عليها، وهو التالي:
بين الحسين علیه السلام وابن جعفر:
قالوا :
انتقل الخبر بأهل المدينة أن الحسين بن علي «عليه السلام» يريد
الخروج إلى العراق، فكتب إليه عبد الله بن جعفر:
بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
لِلحُسَين بن عَلِيٍّ «عليه السلام» مِن عَبدِ اللَّهِ بن جَعَفَرٍ..
أمّا بَعدُ، أنشدُكَ الله ألا تَخرُجَ عَن مَكَّة، فإنّي خائِفٌ عَليكَ مِن هذا
الأمر الذي قد أزمَعتَ عَليهِ أن يكون فيه هَلاكْكَ وأهلِ بَيْتِكَ.
فإِنَّكَ إِن قُتِلتَ أخافُ أن يُطفأ نورُ الأرض، وأنتَ روحُ الهُدى، وأميرُ المُؤمِنينَ، فلا تعجل بالمَسير، إلى العِراق، فإنِّي أَخُدُ لَكَ الْأَمَانَ مِن يَزيدَ، وجَميع بَني أُمَيَّة عَلى نَفسكَ، ومالِكَ ، ووَلْدِكَ، وأهل بيتِكَ، وَالسَّلامُ .
قالَ: فَكَتَبَ ِإلَيهِ الحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ «عليه السلام».
أمّا بَعدُ، فَإِنَّ كِتابَكَ وَرَدَ عَلَيَّ فقرَأَتُهُ ، وفهمت ما ذكرت، وأُعلِمُكَ أنّي رَأَيتُ جَدّي رَسولَ اللهِ «صلى الله عليه وآله» في مَنامي، فَخَبَّرَني بأمرِ وأنا ماض لهُ، لي كانَ أو عَليَّ.
وَاللَّهِ - يَا بنَ عَمّى -، لو كُنتُ في جُحرِ، هامَّةٍ مِن هَوامِّ الأرض
لاستَخرَجوني ويقتلوتي.
وَاللهِ يَا ْبنَ عَمِّي، ليُعدَيَنَّ عَلَيَّ كَمَا عَدَتِ الْيَهُودُ عَلى السَّبْتِ،
وَالسَّلامُ (1).
ونقول:
رسالتان من ابن جعفر
ظاهر هذا النص: أن عبد الله بن جعفر قد كتب هذه الرسالة من
المدينة إلى الحسين «عليه السلام» الذي كان في مكة.
أما الرسالة التي كتبها إلى الحسين «عليه السلام»، وأرسلها إليه مع ابنيه: عون ومحمد، ثم لحق به هو ويحيى بن سعيد برسالة الأشدق، فظاهر كلام الشيخ المفيد «رحمه الله»: أن ابن جعفر قد أرسلها إلى الحسين «عليه السلام» من مكة وكان الحسين «عليه السلام» في طريقه إلى العراق.
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 67 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص217 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 94 و (ط دار إحياء التراث) ج3 ص 245 والطبقات الكبرى لابن سعد (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 447 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 59 وتهذيب الكمال ج 6 ص 418 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 209 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 297 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 9 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2610 والبداية والنهاية ج 8 ص 163 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 176 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص296 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 243 عن من تقدم.
أمير المؤمنين:
وقد وصف عبد الله بن جعفر الحسين «عليه السلام»: بأنه روح الهدى، و «أمير المؤمنين»، ولم نر أن الحسين «عليه السلام» في
رسالته الجوابية قد اعترض عليه وصفه ب- «أمير المؤمنين» أو أنكره، أو نفاه عن نفسه. مع أن من المعلوم: أن لقب «أمير المؤمنين» خاص بعلي «عليه السلام» دون سواه.
ونجيب:
أولاً: إن كلمة «أمير المؤمنين» إن أريد منها الإخبار عن أن الإمارة على الناس حق له «عليه السلام» دون سواه، فلا إشكال في ذلك. وإنما الإشكال في صورة إرادة جعل هذا لقباً له، تماماً كما جعله الله ورسوله لعلي «عليه السلام».
وعبد الله بن جعفر قد عايش الأحداث، ورأى وسمع، وعرف أن هذا اللقب المبارك هو من منح الله تعالى لعلي «عليه السلام»، وإن حاولت أيدي المناوئين سرقته، كما ذكرناه في كتابنا: الصحيح من
سيرة الإمام علي «عليه السلام»، فراجع.
ثانياً: لو أن الحسين «عليه السلام» أراد أن ينكر على ابن جعفر، هذا اللقب لوجد بنو أمية في ذلك ذريعة لخداع الناس، وإيهامهم بأنه «عليه السلام» يعترف بأنه لا يحق له مقام الإمامة، وهو ينازع
صاحب هذا المقام بصورة ظالمة.
مع أن الحقيقة هي: أنه هو «عليه السلام» صاحب هذا المقام بنص من
رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وباعتراف من معاوية أيضاً - كما
المحنا إليه غير مرة.
كتاب الأحنف بن قيس:
وقد ذكرنا في هذا الكتاب: ما روي عن أبي بكر بن عياش، من أنه قال:
«كَتَبَ الأَحنَفُ إلى الحُسَين «عليه السلام» - وَبَلَغَهُ أَنَّهُ عَلَى الخُروج - : (فاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِقَتَكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ)»(1)(2).
وقد ذكرنا هناك ما يغني عن إعادته هنا، وقلنا: إن هذا من سوء أدب الأحنف ومن دلائل سلبه التوفيق والرشاد. وليراجع ما ذكرناه في الجزء الثاني عشر، فصل: «الحسين «عليه السلام» يكاتب
زعماء البصرة»
عمرة بنت عبد الرحمان:
وكَتَبَت إِليهِ [أي إلى الحُسَين «عليه السلام»] عَمرَةٌ بنتُ عَبدِ الرَّحْمَنِ، تُعَظِّمُ عَليهِ ما يُريدُ أن يَصنَعَ ، وتَأْمُرُهُ بِالطَّاعَةِ، ولزوم
الجَمَاعَةِ!
وتُخبِرُهُ أَنَّهُ إِنَّما يُساقُ إِلى مَصَرَعِهِ، وتَقولُ : أَشْهَدُ لحَدَّثتني عَائِشَهُ أنَّها سَمِعَت رَسُولَ اللهِ «صلى الله عليه وآله» يَقولُ: «يُقتَلُ حُسَينٌ
بأرض بابلَ».
فلمّا قرأ كِتابَها، قال: فلا بُدَّ لي إذا مِن مَصَرَعي ! ومَضَى (1).
ونقول:
1 - إن مما يعاب به المرء: أن يدعي لنفسه مقاما ليس له، فإذا
تمادى به الغرور إلى حد التوثب على معلميه ومربيه، وجعل نفسه
في موقع المعلم والمرشد لهم، فإن ذلك مما يضحك الثكلى ويزيد في
البلوى..
وها نحن نرى امرأة سمعت شيئاً من أفواه الناس مما فيه الغث
1) الطبقات الكبرى لابن سعد (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 446 ج1 ص6 وتهذيب الكمال ج 6 ص 418 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 296 (وليس :فيه وتأمره بالطاعة ولزوم الجماعة)، وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 209 رقم 3542 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 9 وليس في ذيله (فلما)، وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2609 والبداية والنهاية ج 8 ص 163 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 262 عنهم.
والسمين، ولم يعرف عنها أنها أخذت شيئاً من النبي «صلى الله عليه وآله»، أو من أوصيائه الطاهرين وأهل بيته الذين هم أئمة الدين، كما أنه كانت في معزل عن العلماء الذين أخذوا عنهم، واستفادوا منهم.. بل كانت هذه المرأة في أجواء مناوئيهم، ومبغضيهم، ومحاربيهم.
إن هذه المرأة مع ما لها من تاريخ مجهول تجعل نفسها في موقع الواعظ، والآمر الناهي، والمعلم لأهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة،
ومختلف الملائكة، ومعدن الوحي والتنزيل .
2 - إن هذه المرأة تأمر الحسين «عليه السلام» بالطاعة، وتعني بها الطاعة للجبارين والظالمين والقتلة، وتأمره أيضاً بلزوم جماعة أهل البغي والضلال، مع معرفتها بأنه سيد شباب أهل الجنة، وان رسول الله «صلى الله عليه وآله» قد أعلن إمامته للأمة في أكثر من
مورد ومناسبة.
فإن كان يصح أن تعد هذه المرأة في جملة العلماء، فعلى العلم والعلماء السلام.. أن يصبح أمثالها هداة الأمة إلى طريق السلامة، وحفظة الدين، فلطالما سمعنا من يقول: «من كان الديك دليله، فبيت الدجاج مأواه».
3 - إن هذه المرأة قد أخطأت خطأ فاحشاً في فهم ما حاولت الإلماح إليه، فهي لم تعرف أن المراد بالجماعة هم جماعة أهل الحق .
ولم تعرف أيضاً: أن المراد بمن تجب لهم الطاعة ، هم خصوص
أئمة الدين من أهل البيت «عليهم السلام».
وهي لم تعرف ثالثاً: مرامي ودلالات الحديث الذي روته عائشة عن النبي «صلى الله عليه وآله» في حق الحسين «عليه السلام»، من أنه «صلى الله عليه وآله» قال : «يُقتَلُ حُسَينٌ بأرض بابل».
فإنه يدل على ضد ما أرادت أن تثبته ،به فإنه «صلى الله عليه وآله» لا ينطق عن الهوى، فهو يخبر عن أنه يقتل في أرض بابل، ولا يمكن أن يقتل في تلك الأرض إلا إذا سافر إليها، فالرواية تحتم عليه السفر، فإن النبي «صلى الله عليه وآله» لا ينطق عن الهوى، فكان الأحرى لعمرة بنت عبد الرحمان أن تدرك أن منعه عن السفر
سيؤدي إلى تكذيب الله ورسوله، ولذلك قال «عليه السلام» حين قرأ رسالتها : فَلا بُدَّ لي إذا مِن مَصَرَعي! ومَضى.
4 - وإذا أردنا أن نلتمس عذراً لعمرة بنت عبد الرحمان، فقد يكون هذا العذر هو: أنها أخذت هذا البعد عن أهل البيت «عليهم السلام» وكونها - كما يقول الذهبي - تلميذة لعائشة، وربيبتها (1)، التي روت عنها روايتها عن قتل الحسين بأرض بابل...
وعائشة هي التي قادت حرب الجمل ضد علي والحسن والحسين
«عليهم السلام»، وهى التى كانت لا تقدر على ذكر على «عليه
السلام» بخير أبداً.
1) سير أعلام النبلاء ج 4 ص 507 وراجع: تهذيب التهذيب ج12 ص389 وتهذيب الكمال ج 35 ص 241 .
5 - وهي التي منعت من إدخال جنازة الإمام الحسن «عليه السلام» إلى موضع دفن جده، وكانت تقول: «نحوا ولدكم عن بيتي، ولا تدخلوا بيتي من لا أحب » (1). ثم إن لنا أن نسأل: ألم تكن زينب بنت علي «عليه السلام» موجودة، فلماذا لا تأخذ عمرة منها كما تأخذ من غيرها؟! وزينب هي التي يقول عنها الإمام الحسين «عليه السلام»:«أنت بحمد الله عالمة غير معلمة، وفهمة غير مفهمة» (2).
وعدا ذلك، ألم تكن أم سلمة، من زوجات رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟! بل كانت أفضل زوجاته «صلى الله عليه وآله» بعد خديجة
«عليها السلام».
فلماذا لا تأخذ عمرة عن أم سلمة حب أهل البيت، والتزام خطهم ونهجهم صلوات الله عليهم، وتلتزم بما أمره الله تعالى، ورسوله
1) راجع: مقاتل الطالبيين ص 49 وتاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 468 والإرشاد للمفيد ص193 و (ط دار المفيد) ج 2 ص 18 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 225 وراجع: الخرائج والجرائح ج 1 ص 242 والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص 149 وبحار الأنوار ج 44 ص 153 و 154 و 157 والأنوار البهية ص 92 والدرجات الرفيعة ص 125 وقاموس الرجال ج 12 ص 300 وأعيان الشيعة ج 1 ص 576 والجمل للمفيد ص 234 وكشف الغمة ج 2 ص 209 ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 204 وراجع: روضة الواعظين ص 168 .
2) الإحتجاج ج 1 ص 114 ومقتل الحسين للمقرم ص388 وبحار الأنوار ج 45 ص 164 .
«صلى الله عليه وآله» فيهم ؟!
الأصم يكتب للحسين علیه السلام :
«حدثنا محمد بن علي، حدثنا محمد بن سعيد الرقي، حدثنا أبو عمر بن هلال، حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا بعض أصحابنا عن سفيان بن عبينة قال:
كَتَبَ يَزِيدُ بنُ الأَصَمِّ إلى الحُسَين بن عَلِيٍّ «عليه السلام» حينَ خَرَجَ:
أمّا بَعدُ، فَإِنَّ أهل الكوفة قد أبَوا إلا أن ينفضوك [في تاريخ مدينة دمشق: يُبغِضوكَ، وقلَّ مَن أَبغَضَ إِلَّا قلِقَ]، وقال: وقلَّ شيء نفض إلا قلق.
وإنّي أعيدُكَ باللهِ أن تَكونَ كَالمُعْتَرِّ بالبَرق، أو كالمسبق وهو [في
تاريخ مدينة دمشق: کَالمُهریق ماءً] لِلسَّراب واصبر (إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَق وَلا يَسْتَخِقَنَّكَ) [في تاريخ مدينة دمشق: أهلُ الكوفة] (الَّذِينَ لا يُوقِلونَ)(1).
ونقول:
1 - إن رسالة هذا الرجل تلتقي مع رسالة عمرة بنت عبد الرحمان في سلبياتها، بل وتزيد عليها: أنها تكاد تصرح بتجهيل الإمام
1) حلية الأولياء ج 4 ص 98 وتاريخ مدينة دمشق ج 65 ص 127 ومختصر تاريخ مدينة دمشق ج 28 ص 325 .
الحسين «عليه السلام».
وأنه يكاد يكون بمثابة ألعوبة في أيدي أهل الكوفة.
وأنه كالمغتر بالبرق.
أو كمن يهرق ما لديه من ماء حين يرى السراب.
وهذه إهانات لا تطاق. ولا تصدر عن إنسان عرف حده فوقف عنده.
2 - إنه قد زاد الطين بلَة أنه خاطب الإمام الحسين بالآية الكريمة، التي تقول: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَثَكَ) أَهْلُ الكوفة (الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ) . فإنه جعل أهل الكوفة في زمرة الكافرين.
3 - ثم إنه قد سمح لنفسه بأن يخاطب الإمام المعصوم بما يخاطب الله به أنبياءه وأوصياءهم. وقد قلنا: إن الله يخاطب البشر كلهم من موقع الألوهية والربوبية، وليس للبشر أن يخاطبوهم بهذه الصفة، بل عليهم أن يخاطبوهم من موقع السامع المطيع. وإنما يخاطب الله أنبياءه بهذا الخطاب على معنى لحاظ صفة البشرية فيهم. والبشر يتأثرون بأمثال هذه الأمور، وإن كان سبحانه يعلم بأن أنبياءه لا يتأثرون بها ، وأنهم منزهون عن أي خطأ أو خطل في الفكر والقول والعمل. كما دل عليه اختياره تعالى لهم للنبوة أو للإمامة الدال على عصمتهم.
4 - إن ذلك كله يدل على مدى الغرور الذي استبد ببعض الناس الذين كانوا كحاطب ليل، يأخذون من الناس وعنهم الغث والسمين،
والصادق والكاذب، وقد غرهم تسميتهم علماء أو محدثين، فاستطالوا ظلهم، وأعربوا عن جهلهم بجرأتهم على أئمة الدين، وأعلام الإيمان،
وشجرة النبوة. فإنا لله، وإنا إليه راجعون.
5 - إن هؤلاء كانوا هم وعاظ السلاطين، الساعين إلى أن يرضى
عنهم الطواغيت والقتلة، والضالون المفسدون، والمعتدون على الله ورسوله، وأهل بيته الطاهرين المعصومين «عليهم السلام»، فصاروا يتسابقون لإطفاء نور الله، وطمس الحق والدين والكيد لأهله على قاعدة «اشهدوا لي عند الأمير».
6 - بقي أن نشير إلى أن يزيد بن الأصم هذا كان - كما يظهر- هو من رواد مجالس السلاطين، والخلفاء من بني أمية. فراجع ترجمته
کتاب تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر وغيره .
كتاب المسور بن مخرمة:
كَتَبَ إِليهِ [أي إلى الحُسَين «عليه السلام»] المِسْوَرُ بنُ مَحْرَمَة:
إِيَّاكَ أن تَغَتَرَّ بِكُتُبِ أهلِ العِراق؛ ويَقُولَ لَكَ ابْنُ الزُّبَيرِ: الْحَق بهم، فَإِنَّهُم ناصِروكَ!
إِيَّاكَ أَن تَبرَحَ الحَرَمَ؛ فَإِنَّهُم إن كانَت لَهُم بِكَ حَاجَةٌ، فَسَيَضربونَ
إليكَ آباط الإبل حَتَّى يُوافوكَ، فَتَخرُجَ فِي قُوَّةٍ وعُدَّةٍ.
فَجَزَاهُ خَيْراً وقالَ: أَستَخِيرُ اللهَ في ذلِكَ (1).
1) الطبقات الكبرى لابن سعد (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 446 وتهذيب الكمال ج 6 ص 417 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 208 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2609 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 269 عنهم. وراجع: البداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص176 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص294 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص58.
ونقول:
1 - إن المسور بن مخرمة يرى أن الإمام الحسين «عليه السلام» يريد أن يسقط حكومة يزيد، من خلال الإستفادة من الجهد الحربي لأهل العراق. مع أن الحسين «عليه السلام» لم يعلن ذلك، بل كان يداري الأمور، ليمهد للإصلاح في أمة جده «صلى الله عليه وآله»، من خلال إحياء سنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فلو أن الأمور سارت بهذا الإتجاه، وقبل الناس بالتزام حدود الله، فلا شيء يدل على أن الحسين «عليه السلام» سوف يعلن حرباً من الأساس.. بل إنه «عليه السلام» لم يفعل ذلك، حتى بعد أن ألجأوه إلى النزول في كربلاء، واستمر الأمر على هذه الحال إلى أن وقعت
الواقعة.
إن الإمام الحسين «عليه السلام» إذا حصل التأييد الكبير والواسع من مجتمع أهل الإيمان، وأدرك الحكام أن من مصلحتهم الرضا بالإصلاحات المطلوبة، وقرروا أن يشاركوا فيها، وسارت الأمور في الاتجاه الصحيح. فلعل الإمام الحسين «عليه السلام» سيقتدي بأبيه،
الذي آثر أن لا يثيرها حرباً شعواء تهلك فيها النفوس، ويعم الخراب
والدمار.
2 - :يلاحظ أنه « عليه السلام» قد جزا المسور بن مخرمة خيراً، مع أن المسور لم يكن من أهل الخير، ولا هو ممن يستحق الدعاء له، فكيف نفسر ذلك؟! هل فعل الحسين «عليه السلام» ذلك لأنه لم يجد في كلام المسور ما يدل على سوء نيته وخبث طويته؟! أو أن ذلك على الأقل هو المفهوم من سياقه العام؟!
ونجيب :
بأنه «عليه السلام» لم يكن يتعامل مع الأشخاص استناداً إلى
خلفيات سابقة، بل هو يتعامل مع حالتهم الحاضرة، فيزن كلامهم، ويتعامل معهم على أساس ما يحمل من مداليل.
ولم يكن «عليه السلام» يصد أي إنسان عن أن يدعي التوبة عن
سيئات أعماله، وإذا ادّعاها فإنه لا يبادر إلى تكذيبه.
وهذا فرق جوهري بين الإمام المعصوم الذي ينصف الناس، ويعطيهم حقهم، بل وفوق حقهم، ويعاملهم وفق ظواهر أعمالهم، ولا يضيق عليهم، ولا يوصد الأبواب في وجوههم، وبين من يعامل الناس من منطلق المشاعر والأهواء، والحسد، والإحن والأحقاد.
3 - إن من المحتمل أيضاً: أن يكون المسور يريد أن يحقق مراد
يزيد، ويقدم له خدمة جليلة، ولكن بطريقة خفية وذكية.
ولكن جواب الإمام له بإيكال الأمر إلى ما يختاره الله قد أحبط
مسعاه، وأكد على أن القضية ليست قضية الاستيلاء على السلطة، بل
هي قضية العمل بما يريده الله ويرضيه كما سنرى.
من هو المسور بن مخرمة؟!:
إنما قلنا: إن المسور بن مخرمة لم يكن يستحق الدعاء له، لما يلي:
1 - المسور بن مخرمة هو الذي روى الحديث المكذوب عن خطبة علي «عليه السلام» لبنت أبي جهل، وأن النبي قد خطب الناس وأعرب عن استيائه الشديد من هذا الأمر (1)، فراجع كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم «صلى الله عليه وآله» ج 6 ص 268. فقد أثبتنا كذب هذه الرواية جملة وتفصيلاً.
قال العسقلاني عن حديث خطبة بنت أبي جهل: «ووقع في بعض طرقه عند مسلم سمعت النبي «صلى الله عليه وآله» وأنا محتلم، وهذا يدل على أنه (يعني المسور) ولد قبل الهجرة، ولكنهم أطبقوا على أنه ولد بعدها. وقد تأول بعضهم : أن قوله محتلم من الحلم بالكسر ، لا من الحلم بالضم. يريد أنه كان عاقلا ضابطاً لما يتحمله.
وقال مصعب: كان يلزم عمر بن الخطاب الخ..» (2).
ونقول لهذا المتأول:
لماذا لا يكون المسور قد كذب في دعواه بلوغ الحلم، كما كذب أصل قصة خطبة بنت أبي جهل ؟! على أن الحلم بكسر الحاء لا يعني العقل والضبط، كما زعمه هذا المتأول. بل معناه: أن لا يواجه الإساءة من الجاهل بمثلها، بل يعفو عنه ويصفح .
2 - وقال عنه أبو عمرو وغيره: «لم يزل مع خاله عبد الرحمن
بن عوف مقبلاً ومدبراً في أمر الشورى» (1).
3 - قال أبو عمر ، والزبير بن بكار :«وكان المسور لفضله ودينه وحسن رأيه تغشاه الخوارج، وتعظَّمه وتبجّل رأيه، وقد برأه الله
منهم» (2).
1) الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 3 ص 416 و (ط دار الجيل) ج 3 ص 1399 وراجع: الإصابة ج 3 ص 420 و (ط دار الكتب العلمية) ج6 ص 95 و مختصر تاريخ دمشق ج 24 ص 306 وقاموس الرجال ج10 ص 76 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 6 ص32 والكنى والألقاب ج 2 ص 302 وتاريخ مدينة دمشق ج 58 ص 161 وأسد الغابة ج 4 ص 365 والأعلام للزركلي ج 7 ص 225.
2) الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 3 ص 417 و (ط دار الجيل) ج 3 ص 1399 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 391 ومختصر تاریخ دمشق ج 24 ص 306 وتاريخ مدينة دمشق ج 58 ص 161 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 245 .
ولكن من أين علم أبو عمر وغيره: أن الله تعالى قد برَّأ المسور من
الخوارج؟! ولماذا لم تكن تغشى غيره من أصحاب الرأي الحسن؟ وهل صحيح أن الخوارج كانت تهتم بالرأي الحسن إذا لم يوافق نحلتها وأهواءها؟!
4 - إنه كان أيضاً مع ابن الزبير، وقتل معه بحجر من أحجار
المنجنيق (1).
5 - قال الخطيب البغدادي: كان المسور لا يذكر أخيراً معاوية إلا
1) راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 387 وج 58 ص 161 و 164 و 172و 176و 177 وتهذيب الكمال ج 27 ص 583 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 393 و 394 والإصابة ج 6 ص 95 والأعلام للزركلي ج 7 ص 225 والمنتخب من ذيل المذيل ص 26 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 6 ص 33 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 35 و 248 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج6 ص2822 و مختصر تاریخ دمشق ج 24 ص 309 والمستدرك للحاكم ج 3 ص 523 ومجمع الزوائد ج 10 ص 13 وعمدة القاري ج 3 ص 76 وج 10 ص 37 وسبل السلام ج 2 ص 212 والمعجم الكبير ج 20 ص 6 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج 3 ص 1399 وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص377 وشرح مسند أبي حنيفة ص391 وفيض القدير ج 1 ص 222 وقاموس الرجال ج 10 ص 76 و 77 والثقات لابن حبان ج 3 ص 394 ومشاهير علماء الأمصار ص 43 والتعديل والتجريح للباجي ج 2 ص 823 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 270.
استغفر له (1).
وفي نص آخر عن عروة بن الزبير:«إلا صلى عليه»(2).
6 - أرسله عثمان إلى دمشق يستصرخ معاوية لكي ينجده حين حوصر (3).
7 - ثم وفد على معاوية في خلافته ليقضي له حاجاته (4).
أستخير الله في ذلك:
واللافت: أنه «عليه السلام» أضاف هنا قوله: «أستَخِيرُ اللهَ في ذلِكَ». ولا يريد « عليه السلام» بالإستخارة هنا معناها المتداول
1) راجع: تاريخ بغداد ج 1 ص 223 وقاموس الرجال ج 10 ص 77 وراجع: خلاصة الرسائل العشر للميلاني ص 40 ومختصر تاریخ دمشق ج24 ص 308 .
2) تاريخ مدينة دمشق ج 58 ص 168 وج 59 ص 162 ومختصر تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 308 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 151 و 392 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 246 .
3) راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 39 ص 377 وتاريخ الإسلام للذهبي ج3 ص 450 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 391 ومختصر تاريخ دمشق ج24 ص 305 .
4) سير أعلام النبلاء ج 3 ص 150 و 151 و تاریخ بغداد ج 1 ص223 وتاريخ مدينة دمشق ج 58 ص 167 و 168 وج 59 ص 161 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 245.
والمعروف في أيامنا هذه بلا ريب، لأنه « عليه السلام» إنما كان بصدد امتثال تكليف إلهي، يتمثل بالقيام بإصلاح شامل في الأمة من خلال تهيئة الأجواء التي تفرض القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن رغمت أنوف أهل الفساد والضلال.
فلا توجد حيرة لديه «عليه السلام» ليحتاج في الخروج منها إلى الإستخارة، فإن الإمام المعصوم لا يحتاج إلى الإستخارة، لأنه يرى
الواقع، ويعرف التكليف الإلهي فيه.
ويشهد لذلك: ما جاء في خطبته «عليه السلام» في مكة حين أزمع على الخروج منها إلى العراق، فقد قال «عليه السلام»:
«وخيرَ لي مَصَرَحٌ أَنَا لاقيهِ» (1).
فدل بذلك على أن المراد بالخيرة هو ما اختاره الله له وعلمه
«عليه السلام» بطرق مختلفة، ومنها : إخبار النبي «صلى الله عليه آله» بتفاصيل ما يجري له فيه. وكان هو « عليه السلام» يخبر الناس بذلك، ويذكر لهم أموراً لا تنال إلا من مصدر الغيب بالطرق التي هيأها الله لأنبيائه وأوصيائهم.
1) راجع: المسائل العكبرية ج 6 ص 69 وبحار الأنوار ج 44 ص 367 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 216 و 217 وذوب النضار ص30 ومثير الأحزان (ط المكتبة الحيدرية) ص 29 ولواعج الأشجان ص70 ونزهة الناظر ص 86 والملهوف ص 38 وكشف الغمة ج 2 ص239 وإبصار العين ص 27.
إنه درس في سياسة العباد:
وعلينا أن نستخلص من هذا التعامل الحسيني دروساً حيوية ورائدة في سياسة العباد، وفق النظرة الواقعية والواعية، التي تعطي لكل ذي حق حقه، مع مزيد من الرفق والمداراة، ما دام لهما مكان وجدوى..
وعلينا أيضاً أن لا نعتبر السياسة مجرد اقتناص فرص من أجل
تضييع الحقوق، وتسجيل النقاط. فإن السياسة مسؤولية، لحفظ البلاد، ومصالح العباد في دينهم، وأخلاقهم ، ومثلهم العليا، وليست السياسة ضروب غش واحتيال، وخداع، وغدر وما إلى ذلك، مما يتباهى به
السياسيون فى إيامنا هذه.. عصمنا الله من الزلل والخطل، في الفكر،
وفي القول، وفي العمل.
الحسين علیه السلام، وابن عباس:
1 - لمّا هَمَّ الحُسَينُ «عليه السلام» بالخروج إلى العِراق، أتاهُ ابنُ العَبّاسِ، فَقالَ: يَا بنَ عَمّ، قد بلغني أنَّكَ تُريدُ العِراقَ، وإِنَّهُم أهلُ غَدر، وإِنَّما يَدعونَكَ لِلحَرب، فلا تَعجَل.
وَإِن أُبِيَتَ إِلَّا مُحارَبَةٌ هذا الجَبّار، وكرهت المُقامَ بِمَكَّةَ، فَاشْخَص إلى اليَمَن ؛ فَإِنَّها في عُزلةٍ، ولك فيها أنصارٌ وإخوانٌ، فَأَقِم بها وبُثَّ دُعاتَكَ، وَاكتُب إلى أهل الكوفة وأنصارك بالعِراق فيُخرجوا أميرَهُم، فإن قووا عَلى ذلِكَ ونَقوهُ عَنها، ولم يكن بها أحَدٌ يُعادِيكَ أَتَيتَهُم - وما أَنَا لِغَدرهِم بِآمِن - وإن لم يفعلوا، أقمت بمَكانِكَ إِلى أَن يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمرِهِ، فإنَّ فيها حُصوناً وشِعاباً .
فَقالَ الحُسَينُ «عليه السلام»: يَا بنَ عَمّ! إِنِّي لأعلمُ أَنَّكَ لي ناصِحٌ، وعَليَّ شفيق، ولكِنَّ مُسلِمَ بنَ عَقِيلٍ كَتَبَ إِلَيَّ بِاجتماع أهل المِصرِ على بَيعَتي ونُصرتي، وقد أجمعتُ عَلى المسير إليهم.
قالَ: إِنَّهُم مَن خَبَرتَ وجَرَّبت، وهُم أصحاب أبيكَ، وأخيك، وقتَلْتُكَ غَداً مَعَ أميرِهِم، إِنَّكَ لو قد خَرَجتَ فَبَلغَ ابْنَ زِيادٍ خُروجُكَ استَنفَرَهُم إِليكَ، وكانَ الَّذينَ كَتَبوا إِليكَ أَشَدَّ مِن عَدُوِّكَ، فَإِن عَصَيْتَنِي وأبَيتَ إلا الخروج إلى الكوفةِ، فلا تُخرجَنَّ نِساءَكَ وَوُلِدَكَ مَعَكَ، فَوَاللَّهِ
إنّي لخائِفٌ أن تُقتَلَ كَما قُتِلَ عُثمانُ، ونِساؤُهُ ووُلدُهُ يَنظُرُونَ إِليهِ.
فَكانَ الَّذي رَدَّ عَليهِ: لأن أقتَلَ وَاللهِ بِمَكان كَذَا، أَحَبُّ إِلَيَّ مِن أَن أستَحَلَّ بمَكَّة.
فيَئِسَ ابنُ عَبّاس مِنهُ، وخَرَجَ مِن عِندِهِ (1).
2 - عن ابن عبّاس:
جاءَني حُسَينٌ «عليه السلام» يَستَشيرُني في الخروج إلى ما هاهُنا - يَعنِي العِراقَ - فقلتُ: لولا أن يَزرَؤوا بي وبكَ لشَبَتْتُ [عل الصحيح: لنشبت] يَدَيَ في شعرك إلى أينَ تَخرُجُ؟ إلى قوم قتَلُوا أباكَ، وطعنوا أخاكَ ؟!
فكانَ الَّذي سَخا بنَفسي عَنهُ أن قال لي: إنَّ هذا الحَرَمَ يُسْتَحَلُّ بِرَجُلٍ، ولأن أقتَلَ في أرض كذا وكَذا - غَيرَ أَنَّهُ يُباعِدُهُ - أَحَبُّ إِلَيَّ مِن أن أكونَ أنا هُوَ (2).
1) مروج الذهب ج 3 ص 64 و (منشورات دار الهجرة - إيران) ج 3 ص 54 والدرجات الرفيعة ص 130 عنه.
2) المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 632 وكنز العمال ج 13 ص 672 المعجم الكبير ج 3 ص 119 وذخائر العقبى ص 257 وسير أعلام النبلاء ج3 ص 292 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 200 و 201 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 219 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج6 ص 2603 ومناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي ج 2 ص 260 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 245 .
ابن الزبير وابن عباس:
1 - قال بشر بن عاصم: سمعت ابن الزبير يقول: قلت للحسين بن
علي «عليهما السلام»: إِنَّكَ تَذْهَب إلى قوم قتلوا أباكَ، وخذلُوا أخاكَ. فقال: لأن أقتل بمكان كذا وكذا، أحَبُّ إليَّ مِن أن يُستَحَلَّ بي مَكَّة، عَرَّضَ به (1).
2 - عن عقبة بن سمعان قال:
إِنَّ حُسَينا « عليه السلام» لمّا أجمَعَ المَسيرَ إلى الكوفَةِ، أَتَاهُ عَبدُ اللهِ بنُ عَبّاسِ، فَقالَ: يَا بنَ عَمّ! إِنَّكَ قد أرجَفَ النَّاسُ أَنَّكَ سَائِرٌ إِلَى العِراق، فبَيِّن لي ما أنتَ صانِعٌ؟
قالَ: إِنِّي قد أجمَعتُ المَسيرَ في أَحَدٍ يَومَيَّ هَدْين، إِن شَاءَ اللَّهُ تعالى.
فَقالَ لَهُ ابنُ عَبّاس: فإنّي أعيدُكَ باللهِ مِن ذلِكَ، أخبرني - رَحِمَكَ اللهُ - أتسيرُ إلى قوم قد قتلوا أميرَهُم، وضَبَطوا بلادَهُم، ونَفَوا عَدُوَّهُم؟ فإن كانوا قد فعلوا ذلِكَ فسر إليهم، وإن كانوا إنَّما دَعَوكَ إليهم وأميرُهم عَليهم، قاهِرٌ لهُم ، وعُمّالهُ تَجبي بلادَهُم، فَإِنَّهُم إِنَّمَا دَعَوكَ إلى الحَربِ والقِتال، ولا آمَنُ عَليكَ أن يَغُرُوكَ ويَكذِبوكَ، ويُخالِفوكَ
1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 152 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص211 عن كتاب الإبانة، ومدينة المعاجز ج 3 ص 503 وبحار الأنوار ج 44 ص 185 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 54 .
332
ويَخدُلُوكَ، [في الأخبار الطوال: كَما خَذلوا أباك وأخاكَ!] وأن يُستَنفَروا إليكَ، فيكونوا أشدَّ النّاس عَليكَ.
فَقالَ لَهُ حُسَينٌ :«عليه السلام»: وإنّي أستَخيرُ اللهَ وَأَنظُرُ ما يَكونُ.
قالَ: فَخَرَجَ ابْنُ عَبّاسِ مِن عِندِهِ، وأتاهُ ابنُ الزُّبَيرِ فَحَدَّتْهُ سَاعَةٌ، ثمَّ :قالَ ما أدري ما تَركْنا هؤلاء القومَ وكَتُنا عَنهُم، ونَحْنُ أَبْناءُ المهاجرينَ، ووُلاة هذا الأمر دُونَهُم ، خَبِّرني ماتُرِيدُ أَن تَصنَعَ؟
فَقالَ الحُسَينُ «عليه السلام»: وَاللهِ لقد حَدَّثتُ نَفسي بإتيان الكوفة،
ولقد كَتَبَ إليَّ شيعتي بها وأشرافُ أهلها، وأستخيرُ الله.
فَقالَ لَهُ ابنُ الزُّبَير : أما لو كان لي بها مِثلُ شِيعَتِكَ مَا عَدَلْتُ بها.
قالَ: ثُمَّ إِنَّهُ خَشِيَ أَن يَتَهمَهُ، فَقالَ: أَما إِنَّكَ لو أقمت بالحِجازِ، ثُمَّ أردتَ هذا الأمر هاهنا، ما خولِفَ عَليكَ إِن شاءَ اللهُ، ثُمَّ قَامَ فَخَرَجَ مِن عِندِهِ.
[في الأخبار الطوال: فقالَ لهُ: لو أقمت بهذا الحَرَمِ، وَبَتَتْتَ رُسُلكَ فِي البُلدان، وكَتَبت إلى شيعَتِكَ بالعِراق أن يقدِموا عَليكَ، فَإِذا قوي
أَمرُكَ نَفَيتَ عُمّالَ يَزِيدَ عَن هذا البلد، وعَليَّ لكَ المُكانَفَة وَالمُؤازَرَةُ، وإن عَمِلتَ بمَشورَتي، طلبتَ هذا الأمر بهذا الحَرَمِ؛ فَإِنَّهُ مَجْمَعُ أهلِ الآفاق، ومَوردُ أهل الأقطار، لم يُعدِمكَ بإذن الله إدراك ما تُريدُ، ورَجَوتُ أَن تَنالهُ].
ثم يتابع الطبري كلامه، فيقول:
فَقالَ الحُسَينُ «عليه السلام» ها إنَّ هذا ليس شَيْءٌ يُؤتاهُ مِنَ الدُّنيا
أَحَبَّ إِليهِ مِن أن أخرُجَ مِنَ الحِجازِ إلى العِراق، وقد عَلِمَ أَنَّهُ ليسَ لَهُ مِنَ الأمر معي شيء، وأنَّ النّاس لم يَعدِلُوهُ ،بي فَوَدَّ أَنِّي خَرَجَتْ مِنها لِتَخلُوَ لَهُ.
قالَ: فَلمّا كانَ مِنَ العَشِيِّ - أو مِنَ الغَدِ - [في الأخبار الطوال: ولمّا كانَ فِي اليَوم الثالِث] أتَى الحُسَينَ «عليه السلام» عَبدُ اللهِ بنُ العَبّاسِ، فقالَ: يَا بنَ عَمِّ، إِنِّي أَتَصَبَّرُ ولا أصبرُ، إِنِّي أَتَخَوَّفُ عَلَيْكَ في هذا الوَجهِ الهَلاكَ والاستئصال ، إنَّ أهلَ العِراق قومٌ غُدُرٌ فَلا تَقْرَبَنَّهُم، أَقِم بهذا الْبَلدِ فَإِنَّكَ سَيِّدُ أهل الحِجاز، فإن كانَ أهلُ العِراق يُرِيدُونَكَ كَمَا زَعَمُوا، فاكتُب إليهم فلينفوا عَدُوَّهُم، ثُمَّ اقدَم عَليهم .
فإِن أَبَيتَ إِلَّا أَن تَخرُجَ ، فَسِر إِلى اليَمَن ، فإِنَّ بِها حُصوناً وشعاباً، وهِيَ أَرضٌ عَرِيضَة طويلة، ولأبيك بها شيعةٌ، وأنتَ عَن النّاس في عُزلةٍ، فَتَكتُبُ إلى النّاس، وتُرسِلُ وتَبُتْ دُعاتَكَ، فَإِنِّي أرجو أن يَأْتِيَكَ عِندَ ذلِكَ الذي تُحِبُّ في عافِيَةٍ.
فقالَ لَهُ الحُسَينُ «عليه السلام»: يَا بنَ عَمّ، إِنِّي وَاللَّهِ لأَعلَمُ أَنَّكَ ناصِحٌ مُشفِقٌ، ولكِنّي قد أزمَعتُ وأجمَعتُ عَلى المَسير.
فَقالَ لهُ ابنُ عَبّاس: فَإِن كُنتَ سائِراً فلا تسير بنِسائِكَ وصِبيَتِكَ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لخائِفٌ أَن تُقتَلَ كَما قُتِلَ عُثمانُ، ونِسَاؤُهُ ووُلدُهُ يَنظُرُونَ إِليهِ.
ثُمَّ قَالَ ابنُ عَبّاس: لقد أقررتَ عَينَ ابن الزُّبَيرِ بِتَحْلِيَتِكَ إِيَّاهُ وَالحِجاز ، والخُروج مِنها ، وهُوَ يَومٌ لا يَنظُرُ إِليهِ أَحَدٌ مَعَكَ، وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، لو أعلمُ أَنَّكَ إِذا أَخَذتُ بشعرك وناصِيَتِكَ حَتَّى يَجْتَمِعَ
عَليَّ وعَليكَ النّاسُ ُأطعتَني، لفَعَلْتُ ذلِكَ .
قالَ: ثُمَّ خَرَجَ ابنُ عَبّاس مِن عِندِهِ، فَمَرَّ بِعَبدِ اللهِ بن الزُّبَيرِ، فَقالَ: قرَّت عَينُكَ يَا بنَ الزُّبَيرِ، ثُمَّ قَالَ:
يا لكِ مِن قَبَّرَةٍ بِمَعْمَر*** خلا لكِ الجَوُّ قبيضي واصفري
ونقري ما شئتِ أن تُنقَّري
هذا حُسَينٌ «عليه السلام» يَخْرُجُ إِلى العِراق، وعَليكَ بالحِجازِ (1).
2 - دَخَلَ عَبدُ اللهِ بنُ العَبّاسِ عَلى الحُسَين «عليه السلام» فَكَلمَهُ
طويلا، وقال: أنشدُكَ الله أن تَهْلِكَ غَداً بحال مَضيعَةٍ، لا تأتِ العِراق،
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 383 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 287 والكامل في التاريخ ج 4 ص 37 و 38 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص278 - 280 عنهما ، وقال : أنساب الأشراف ج 3 ص 373 والفتوح ج 5 ص65 وليس فيهما كلام ابن الزبير، ومقتل الحسين للخوارزمي ص 216 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 798 والبداية والنهاية ج 8 ص 159 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 172 كلها نحوه. وراجع: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 94 و ((ط دار إحياء التراث) ج 3 ص 245 وبحار الأنوار ج 75 ص 362 وراجع: الأخبار الطوال ص243 ومقاتل الطالبيين ص 110 وتجارب الأمم ج 2 ص 56 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 64 ونهاية الأرب ج 20 ص 406 والمجالس الفاخرة ص109 وجمهرة خطب العرب ج 2 ص 42.
وإن كُنتَ لا بُدَّ فاعِلاً، فَأَقِمِ حَتَّى يَنقضيَ المَوسمُ وتَلقى النّاس، وتَعلم عَلى ما يَصدُرونَ، ثُمَّ تَرى رَأيَكَ - وذلِكَ في عَشْر ذِي الحِجَّةِ سَنَة
سِتّينَ - فَأَبَى الحُسَينُ «عليه السلام» إلا أن يمضِيَ إِلى العِراق.
فَقالَ لَهُ ابنُ عَبّاس: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَظُنُّكَ سَنْقتَلُ غَدًا بَينَ نِسَائِكَ وَبَنَاتِكَ كَما قُتِلَ عُثْمَانُ بَينَ نِسَائِهِ وَبَنَاتِهِ، وَاللَّهِ إِنِّي لأَخافُ أَن تَكونَ الَّذي يُقادُ بهِ عُثمانُ ! فإنّا لله وإنا إليه راجعون!
فقالَ الحُسَينُ «عليه السلام»: أبَا العَبّاسِ، إِنَّكَ شَيخ قد كَبَرتَ.
فَقالَ ابنُ عَبّاس: لولا أن يُزري ذلِكَ بي أو بِكَ لَنَشَبَتُ يَدَيَّ في رأسك، ولو أعلمُ أنّا إذا تَناصَينا أقمت لفعلتُ، ولكن لا أخالُ ذلِكَ نافعي!
فَقالَ لَهُ الحُسَينُ «عليه السلام»: لأن أقتَلَ بِمَكان كَذَا وَكَذَا أَحَبُّ إليَّ أن تُستَحَلَّ بي - يَعني مَكَّة-.
قالَ: فَبَكَى ابنُ عَبّاس :وقالَ أقرَرتَ عَينَ ابن الزُبَيرِ.
فذاكَ الَّذي سَلا بِنَفسي عَنهُ.
ثمَّ خَرَجَ عَبدُ اللهِ بنُ عَبّاس مِن عِندِهِ وهُوَ مُغضَبٌ، وَابْنُ الزُّبَير على الباب، فلمّا رَآهُ قالَ: يَابنَ الزُّبَير، قد أتى ما أحبَبتَ، قرَّت عَينُكَ، هذا أبو عَبدِ اللَّهِ يَخرُجُ وِيَترُكْكَ وَالحِجَازَ :
يالكِ مِن قَبَّرَةٍ بِمَعْمَرٍ*** خلا لكِ الجَوُّ قبيضي وَاصفِرِي
ونِقّري ما شِئتِ أن تُنقّري (1).
ونقول:
وقاحة ابن الزبير:
إن ابن الزبير قد زعم يقول للحسين: «ما أدري ما تَركْنا هؤلاء القومَ وكَفَّنا عَنهُم، ونَحنُ أبناءُ المُهاجرين، ووُلاة هذا الأمر دُونَهُم الخ...».
وهذا كلام باطل، لأن فيه دساً للسم في الدسم، وفيه جرأة ووقاحة لاتطاق، فإن ابن الزبير يجعل لنفسه حقاً في الحكم وإمامة الأمة يوازي حق الإمام الحسين «عليه السلام» لمجرد كونه من المهاجرين، وقد نسي قوله تعالى: (لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (2)، ونسي أن أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة أولى من غيرهم بهذا الأمر، فإن الأحقية بهذا
1) موسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 383 وقال : الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 450 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 60 وتهذيب الكمال ج 6 ص 420 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 211 وبغية الطلب في تاريخ حلب ج 6 ص 2611 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 9 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 297 كلاهما نحوه، وليس فيهما صدره إلى «يمضي إلى العراق» والبداية والنهاية ج 8 ص 164 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 177 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 297 .
2) الآية 124 من سورة البقرة .
الأمر هي للعلماء بالله، والأمناء على وحيه، من الذين صرَّح الله بعصمتهم وطهارتهم، وجهر القرآن بعظيم فضلهم، ونص النبي «صلی الله عليه وآله» على إمامتهم، وأخذ البيعة لهم.
لا تذهب إلى العراق:
ذكرنا فيما سبق: أن ظهور عزم الإمام الحسين «عليه السلام» على السفر إلى العراق كان في وقت مبكر ، ربما قبل أكثر من شهر أو شهرين من الوقت الذي خرج « عليه السلام» فيه. ولأجل ذلك :نجد أن محاولات إقناعه « عليه السلام» بالعدول عن عزمه هذا قد بدأت في وقت مبكر أيضاً، واستمرت إلى حين خروجه، فراجع كتابنا هذا ج 12 فصل: ابن عمر والبيعة ليزيد، بل لقد لاحقه ناصحوه بعدم خروجه حتى وهو في طريقه إلى العراق. ثم صار يلتقي في منازل الطريق بأفراد وجماعات كانوا يدلون بدلوهم أيضاً في مجال النصح. الذي كان يصب في اتجاه واحد، وهو ضرورة الإنصراف عن مسيره «عليه السلام» إلى العراق.
وحيث إن هذه المعاني تتكرر، وتقدم بعض ما يرتبط بها في عدد من الفصول السابقة، في هذا الجزء، في فصل ابن عمر والبيعة ليزيد.. فإننا سوف نحاول أن لا نقع في محذور التكرار والإجترار، بل نذكر في البداية عمدة ما نرمي إليه، ثم نتابع الحديث عن الجوانب الأخرى، مقتصرين على مجرد لفت النظر، فليعلم ذلك.
ونقول:
للغادر حقوق:
وقد ورد في مطاوي كلمات الناصحين للإمام الحسين «عليه السلام» أن العراقيين أهل غدر، ودليلهم على ذلك: ما جرى لهم مع أبيه وأخيه.. وهي حجة واهية.
أولاً: لأن اتهام أمة بأسرها بهذه التهمة وسواها مجازفة لا تستند إلى أساس.. فإذا غدرت جماعة من أمة في بلد مرة أو مرتين، فلا يعني أن جميع أهل ذلك البلد غدرة أيضاً.
ثانياً: إن من يغدر مرة أو مرتين، لا يمكن الحكم عليه بأنه يغدر في جميع الأوقات والحالات، بل لا بد من النظر إلى حالات وفائه أيضاً، ومقارنتها معها ، فلعلها تكون أضعاف حالات غدره، فلا يصح حرمانه
من حقوقه استناداً لحالة نادرة صدرت منه..
ثالثاً : لنفترض أن الغدر قد كثر من جماعة بعينها، فذلك لا يعني جواز سلبها حقوقها في الهداية والرعاية من قبل من نصبه الله ورسوله لهذا المقام. بل غاية ما يتحتم عليه: هو أن يقوم بواجبه وأن يتوخى الحذر والمراقبة مع هذه الجماعة.
رابعاً : إن صدور الغدر من جماعة من الجماعات حتى لو استوعب جميع الأحوال والأوقات، فإنه لا يسمح بحرمان تلك الجماعة من حقوقها أيضاً، ما دام باب التوبة مفتوحاً على مصراعيه أمام كل مذنب. واحتمال حصولها في كل لحظة نتيجة نصيحة أو يقظة ضمير، أو ما إلى ذلك.
والشاهد على ذلك: أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قد بعث إلى أمة كانت منغمسة في الإنحرافات والآثام، وتهيمن عليها مفاهيم الجاهلية بصورة مذهلة .. فلم يمنعه ذلك من دعوتها إلى الحق والدين،
والإستقامة والصلاح . وقد هدى الله الكثيرين منهم، وحاربه الملأ منهم
سنوات طويلة، ثم إنهم لما تظاهروا بالإسلام، فإنه «صلى الله عليه وآله» مع علمه بأنهم لم يسلموا، بل استسلموا وأظهروا الإيمان، وأبطنوا خلافه. فإن معرفته بحالهم لم تسمح له بمعاملتهم على اساس
ما يعرفه عنهم، بل كان يعاملهم حسب ظاهر حالهم، وفق ما يدعونه
لأنفسهم.
خامساً: إن شاهد الناصحين على غدر أهل العراق هو غدرهم بأبيه وأخيه « عليهما السلام»، مع أن ذلك قد حصل قبل عشرين سنة أو يزيد، وقد مات في هذه الفترة جيل كبير من الناس، ونشأ جيل جديد لم يشارك في ذلك الغدر بأبي الحسين وأخيه «عليهم السلام»، فلماذا يحملون هذه الأجيال الجديدة وزر غيرهم؟! وكيف جاز أخذهم بذنب لم يقترفوه؟!
سادساً : لماذا يصر هؤلاء على أن الحسين «عليه السلام» ذاهب للحرب؟ ومن أين عرف ابن عباس أنه مصر على قتال هذا الجبار. أعني يزيد، وهو لم يذكر له ذلك؟! ومن الذي قال: إن الحسين «عليه السلام» خارج لحرب أحد من الناس، فإنه هو نفسه «عليه السلام» يصرح بأنه خارج في مهمة إصلاحية في الأمة، قوامها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا واجب عليه كما هو واجب على
كل مكلف، وهو واجب على كل من تصدى لنصحه أيضاً ؟!
ومن المعلوم: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يقتضي الحرب، إلا إذا أراد أحد أن يتخذ منه ذريعة لارتكاب هذه الجريمة من دون مبرر.
ومن أراد أن يلتمس الذرايع للتنفيس عن حقده، أو لبلوغ شهواته، أو استجابة لعصبياته وأهوائه، فلن يعجزه اتخاذ أتفه الأسباب ذريعة لقتل أئمة الدين، وتشويه حقائق الإسلام، وغير ذلك من جرائم وعظائم.
سابعاً، وأخيراً : لقد أجاب الإمام الحسين «عليه السلام» ابن عباس على كلامه هذا بقوله: «ولَكِنَّ مُسلِمَ بنَ عَقِيلٍ كَتَبَ إِليَّ باجتِماعِ أهلِ المّصرِ عَلى بَيعَتي ونُصرَتي».
وهذا الجواب يتناسب مع ما قلناه، من أنه «عليه السلام» لا يرتب أثراً على اتهام العراقيين بالغدر، بل هو يرى أن قبولهم ببيعته ونصرته يجعل لهم حقاً عليه لا بد له من الوفاء لهم به.
مع العلم: بأن بيعتهم لا تعني خلع يزيد وصيرورة الحسين «عليه
السلام» حاكماً، بل تعني أنهم يعطونه عهداً بأن يطيعوا أمره ،ويدافعوا عنه، كما يدافعون عن أنفسهم ، وأن يكونوا معه في المنشط والمكره.
فبذل بيعتهم ونصرتهم له جعلت لهم حقاً، وهو: أن يكون هو أيضاً معهم، ويرعى شؤونهم، ويعلم جاهلهم ، ويرشدهم إلى ما فيه
صلاح أمورهم..
بل قد جاء في بعض الكتب، وإن لم نجده في سائر المصادر: أنه «عليه السلام» قال لابن عباس في إحدى محاوراته معه: «وهذه كتب أهل الكوفة ورسلهم ، وقد وجب عليَّ إجابتهم ، وقام لهم العذر علي عند الله سبحانه»(1)..
ثامناً: علينا أن نضيف هنا: إلى أن ذلك لا يعني أن هذه المراسلات هي الباعث الوحيد لتوجه الحسين إلى العراق، لكي يقال: إنهم بعد أن نكثوا وقتلوا مسلم بن عقيل كان يجب عليه أن يرجع، السقوط حقهم بغدرهم ونكثهم.
وذلك لأن الحسين «عليه السلام» قد ذكر أمرين آخرين، كل منهما يحتم عليه المضي في مهمته :
أولهما: أنه لا يريد أن يكون هو الذي يستحل به حرمة الحرم الذي يكون عليه عذاب الثقلين.
الثاني: أنه خرج لطلب الإصلاح في أمة جده،يريد أن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر.
إنك ناصح شفيق:
وقد شهد الإمام الحسين «عليه السلام» لابن عباس بأنه ناصح شفيق. وهذه الشهادة لا تعني أنه «رحمه الله» مصيب في نصيحته.
1) راجع: معالي السبطين ج 1 ص 151.
غیر أنه كان يتوقع خذلان أهل العراق للحسين «عليه السلام»، وأنه كان يعلم مدى حقد ورعونة يزيد، وسوء نوايا بني أمية، وقلة دينهم، وهذا كله يجعله يتخوف من أن تنتهي الأمور بكارثة تحل بالحسين
«عليه السلام».
وهذا أمر صحيح في نفسه، ولا يستطيع الحسين «عليه السلام» أن يدفعه، أو أن يناقش فيه. ولذلك تجد: أنه وصف من قدم له هذه النصيحة بأنه ناصح مشفق، فراجع ما قاله لعمر بن عبد الرحمن، ولعمر بن لوذان أيضاً.
غير أن الحسين «عليه السلام» كان يرى أن هذا ليس هو كل شيء، بل هناك أمور أخرى هي التي كانت محور اهتماماته، وهي سلامة الدين، ومستقبل الإسلام، وامتثال الواجب الإلهي بالإصلاح من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
غير أنه لم يكن «عليه السلام» يرى من المصلحة أن يصرح لناصحيه: بأنه لا يريد حرباً، لأن ذلك سيكون بمثابة إعطائه أماناً للجبار الغاصب لمقامه، بأنه سوف يتركه يتنعم بما حصل عليه. مهما أظهر من البغي والإنحراف، ومهما سفك من الدماء، وعبث بحقائق
الدين.
وربما استفاد الأمويون من هذا الأمان الذي يعطيهم إياه الحسين «عليه السلام» في إعلامهم المسموم لتشويه حركته، ولإضعاف موقفه «عليه السلام»، والتشكيك بثبوت حقه.
فكان «عليه السلام» يجيب بلوازم المعنى.. فيشير مثلا إلى كثرة الكتب التي وصلته من أهل الكوفة. ليدلل على أن ذلك يجعل لهم حقاً عليه لا يمكن تجاهله لمجرد احتمال أن يغدروا به، فإن القصاص قبل
الجناية لا يصح.. فإن عليا «عليه السلام» حين أخبر الناس عن ابن ملجم بأنه سوف يقتله، قيل :له فما يمنعك منه؟!
فقال: إنه لم يقتلني بعد (1).
وربما ذكر « عليه السلام»: أن بني أمية مصممون على قتله في أي زمان، واي مكان كان. ليدلل لهم على أن انصرافه عن السفر إلى العراق، لن يدفع عنه كيد بني أمية، بل هم سوف يلاحقونه ليقتلوه في
كل زمان ومكان.
إلى غير ذلك من الأجوبة التي ستأتي إن شاء الله تعالى..
1) راجع: ذخائر العقبى ص112 والجوهرة في نسب الإمام علي وآله ص 112 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج 3 ص 1127 والرياض النضرة ج3 ص 233 و 234 والوافي بالوفيات ج 18 ص 173 ونهاية الأرب ج 20 ص 212 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 8 ص 132 و ج 17 ص 570 و 571 و ج 18 ص 14 و 15 عن تاريخ الخميس (ط الوهبية بمصر) ج 2 ص 280 و عن مناقب العشرة (نسخة مكتبة الظاهرية بدمشق) ص 46 وعن الفتح المبين (مطبوع بهامش السيرة النبوية لدحلان) ج2 ص 262 وعن وسيلة المآل (مخطوط) ص 155 .
قاتلتكم لأتأمَّر عليكم:
تمتاز دعوات الأنبياء عن دعوات الطواغيت والجبارين، وأهل الدنيا بأمر أساسي، وحساس جدا، وهو أن الأنبياء يدعون الناس إلى الله تعالى، وإلى طاعته، ونيل رضاه.
وإذا طلبوا من الناس أن يتبعوهم، ويأخذوا منهم، فليس ذلك لأجل أن لهم غاية وغرضاً شخصياً لهم يتعلق بهذه الطاعة، بل هي طاعة تعليم وإرشاد وهداية، واتباع، ووساطة بينهم وبين الله سبحانه، فهم الذين يصلون الناس بخالقهم تبارك وتعالى.. وقد حفلت الآيات القرآنية الكريمة ببيان هذه المعاني، فلاحظ على سبيل المثال قوله تعالى: (وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولُ إِلَّا البَلاغُ الْمُبِينُ)(1).
فالأنبياء إنما يخاطبون الوجدان والضمير الإنساني، ويوقظون الفطرة، ويثيرون دفائن العقول، ويأخذون بأيدي الناس إلى الحق والصدق، ويسهلون لهم العسير، ويهدونهم إلى ما يدفعون به عنهم المخاطر، ويزيلون به من طريقهم الأشواك والعوائق.
ولم يكن الأنبياء والأوصياء والدعاة إلى الله معنيين بحرب أو قتال مع أحد، إلا إذا هوجموا ، وتحتم عليهم الدفاع عن أنفسهم، وعن مالهم وعرضهم، وعن المستضعفين، وحيث يراد إذلالهم، ومصادرة حرياتهم التي أنعم الله تعالى بها عليهم..
1) الآية 54 من سورة النور.
أما الجبابرة، وأهل الدنيا، فإنما يريدون الحكم والسلطان طعمة لأنفسهم، يسخرون الناس من خلاله في خدمة أهوائهم، ويسلبون منهم حرياتهم، ويدوسون على كراماتهم، ويعبثون بأمنهم، ويشوهون قيمهم ودينهم، ويصادرون مستقبلهم.
وهذا ما قاله معاوية في النخيلة صراحة في خطبة الجمعة: «إني - والله - ما قاتلتكم لتصلوا، ولا لتصوموا، ولا لتحجوا، ولا لتزكوا. إنكم لتفعلون ذلك. وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم. وقد أعطاني الله ذلك، وأنتم كارهون».
قال أبو الفرج: قال شريك في حديثه : هذا هو التهتك (1).
وعند أبي الفرج: أن مما قاله معاوية بالنخيلة:«ألا إن كل شيء أعطيته الحسن بن علي تحت قدمي هاتين، لا أفي به».
قال أبو إسحاق: «وكان والله غداراً» (2).
1) راجع: مقاتل الطالبيين ص 70 و (ط المكتبة الحيدرية) ص45 و 46 وقاموس الرجال للتستري ج 10 ص 109 وراجع: الإرشاد للمفيد ص 171 و (ط دار المفيد) ج 2 ص 14 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 16 ص 15 عن المدائني، وص 46 عن الأعمش، وشرح الأخبار ج 2 ص 533 وبحار الأنوار ج 44 ص 49 و 53والمصنف لابن أبي شيبة ج 1 ص 251.
2) راجع: مقاتل الطالبيين ص 69 و (ط المكتبة الحيدرية) ص45 والغدير ج 11 ص 7 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 16 ص 46 وقاموس الرجال للتستري ج 10 ص 109.
وحسب نص المفيد:«ألا وإني كنت منيت الحسن وأعطيته أشياء، وجميعها تحت قدمي، لا أفي بشيء منها له» (1).
خلاصة جامعة:
نفهم مما تقدم: أن الحسين «عليه السلام» لم يكن يطلب الحكم والسلطان، بل كان يريد الإصلاح في الأمة، فجميع ما قاله له الناصحون فيما يرتبط بالذهاب إلى اليمن، أو إلى غيرها من البلاد أو الجبال ليمارس ما اقترحوه عليه من مكاتبة شيعته، أو الطلب منهم أن
يخرجوا عمال يزيد من بلادهم، وغير ذلك من مقترحات، لم يكن مما
يهتم له الحسين «عليه السلام»، بل كان همه منصرفاً إلى القيام بما أوجبه الله عليه وعلى كل مسلم من الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، وهداية الناس، وصيانة دينهم وأخلاقهم.
وهذا الأمر لا ينبغي أن يثير حفيظة أحد، بل يجب على الناس كلهم أن يؤازروه فيه، بلا فرق بين كبيرهم وصغيرهم، وعالمهم وجاهلهم، وحاكمهم ومحكومهم .
فإذا ارتكب الحكام حماقة فيما يرتبط بهذا الأمر، وأرادوا العدوان على طالب الإصلاح، من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنعه من العمل بواجبه الإلهي، فإنه «عليه السلام» سيحاول إيضاح
1) الإرشاد للمفيد ص 171 و (ط دار المفيد) ج 2 ص 14 وبحار الأنوار ج 44 ص 49 وكشف الغمة ج 2 ص 164 .
الأمور لهم، وسيسعى لمنعهم من الإمعان في غيهم، فإن لم يرتدعوا، فلا يجوز له الرضوخ لمطالبهم، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. أي أن عليه أن يصر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وله الحق في دفع المعتدين عن نفسه، فإن أصروا على غيهم.
فسيرضى لنفسه ما رضيه الله تعالى له. إما النصر، أو الشهادة، وسيكون سعيداً به وبها.
على أنه قد صرح: بأنه لن يبقى في مكة حتى لا تنتهك به حرمتها، وحرمة بيت الله سبحانه. مما يعني: أن بقاءه في مكة سيجعل المحذور أكبر ، والأمر أدهى وأخطر، حيث إنه بالإضافة إلى أنه سوف يقتل على يدي بني أمية، فإن حرمة حرم الله، وبيت الله سوف تنتهك بقتله أيضاً ..
أستخير الله:
وقد تقدم أن الإمام الحسين «عليه السلام» قد قال للمسور بن مخرمة إنه سوف يستخير الله فيما هو مقدم عليه.. وفي كلامه ابن مطيع، ومع ابن الزبير، وابن عباس يقول أيضاً: إنه سوف يستخير الله.
ونلاحظ هنا: أن ابن عباس كان من أوليائه المخلصين.. في حين المسور بن مخرمة، وكذلك عبد الله بن الزبير كانا من أعدائه المبغضين..
وقد يدخل في هذا السياق أيضاً قوله لأخيه محمد ابن الحنفية:
بأنه سوف ينظر في الأمر، فإنه قد يكون تعبيراً آخر عن معنى الإستخارة الذي قصده فيما قاله لابن عباس، وابن الزبير، وابن مخرمة، وابن مطيع..
والمراد بالإستخارة هنا: هو أن ينظر في تكليفه الشرعي ويعمل بمقتضاه، ويطلب منه تعالى أن يختار له أفضل السبل إليه، وأن يسهل
له الوصول إليه.
وليس المراد بالإستخارة معناها المتداول في أوساط الشيعة الإمامية وبعض من غيرهم في أيامنا هذه، وهي العمل المعروف من صلاة أو دعاء يساعد المتحير على الخروج من حالة الحيرة التي تستبد به، لعدم وضوح الأمور لديه.
نعم، ليس هذا هو المراد، لأن الإمام لا يقع في مثل هذه الحيرة، لأن الأمور عنده كالنار على المنار، وكالشمس فى رائعة النهار.
ابن الزبير يخالف جميع الناصحين:
يبدو أن الإمام الحسين «عليه السلام» أراد أن يستثير مكامن الهواجس لدى ابن الزبير، حين ذكر له أن شيعته بالكوفة يكاتبونه، وأنه يفكر بإتيان الكوفة استجابة لهم..
فبادر ابن الزبير إلى حثه على فعل ذلك، بطريقة جازمة، وحازمة، فقال له : لو كان لي بها مثل شيعتك ما عدلت بها.. مما يعني: أن لدى ابن الزبير رغبة شديدة في أن يسير الإمام الحسين «عليه السلام» إلى العراق، لأنه يعرف أن أحداً لن يلتفت إلى ابن
الزبير ما دام الحسين في مكة .
على اعتبار أن الناس حتى لو كانوا لا يحبون الحسين «عليه السلام» لأي سبب كان، فإنهم يرون أن موقعه من رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ومكانته في الإسلام، وكونه من أهل البيت الذين نزلت فيهم آية التطهير ، وآية المباهلة، وآية المودة في القربى، وسورة هل أتى، وغير ذلك كثير .. إنهم يرون أن ذلك يحتم عليهم ترجيح جانبه، ومراعاة موقعه حين يدور الأمر بينه وبين ابن الزبير، أو غيره من الصحابة مهما علا شأنهم..
ولكن ابن الزبير الذي باح بمكنون سره. حين خشي افتضاح ،أمره، وظهور حرصه على إبعاد الحسين «عليه السلام» عن الحجاز
بدَّل جلده في نفس اللحظة، واتخذ موقفاً مضاداً للموقف السابق، حيث رجح للحسين «عليه السلام» البقاء في مكة، وجزم بصوابية هذا الخيار، وحتّم على الحسين «عليه السلام» القبول به، وحرَّضه وشوَّقه إليه، وشجَّعه عليه، وزيَّنه له بأنواع من المغريات، وتعهد بأن يكون هو في طليعة المؤيدين والساعين والمساعدين على إنجاحه..
فأي مشورتي ابن الزبير نصدق.. وأيهما نختار؟!
ونجيب:
بأن الإمام الحسين «عليه السلام»، وكذلك ابن عباس قد أكدا لنا: أن ابن الزبير كان وحده من بين جميع الذين نصحوا الإمام الحسين، أو أشاروا عليه هو المخالف لمشوراتهم، والمؤيد الحقيقي لقرار الإمام
بالسفر إلى العراق.
غير أن دوافع الإمام لذلك السفر هي الإصلاح في الأمة، من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وليس الحرب ولا القتال...
لكن ابن الزبير يريد من الحسين «عليه السلام» أن يسافر إلى
العراق ليناوئ الحكم والحاكمين، من خلال جهد عسكري، يرى ابن الزبير أن توفره للحسين «عليه السلام» بالعراق أقوى احتمالاً ..
وسيكون ابن الزبير رابحاً - بزعمه - سواء ربح الحسين «عليه السلام» تلك الحرب أو خسرها، فإن ربح الحسين الحرب، فإن ابن الزبير يكون قد تخلص من عدو قوي وجبار، من دون أن يخسر شيئاً،
ويبقى عدو آخر قد يتمكن من الوصول معه إلى حلول ترضيه. وإن خسر الحسين الحرب، وهذا ما كان يرجحه ابن الزبير لأنه كان يعلم، أو يظن: بأن العراقيين سوف ينكثون عهودهم، ويخونون أماناتهم.
فسوف يتعرض الإمام الحسين «عليه السلام» وأصحابه إلى الكارثة، وبذلك يتسع المجال أمام ابن الزبير .. ويخلو له الجو في العراق وفي
الحجاز، ويتخلص من عقبة كبرى تعترض طريق طموحاته أيضاً .
هكذا عامل الحسين علیه السلام مبغضيه:
عرفنا : أن الحسين «عليه السلام» قد أجاب عمرو بن سعيد (الأشدق) على رسالته بصورة هيئة ولينة، تظهر عليها سمات الهدوء والرفق، وليس فيها أي انفعال، أو تجريح، مع أن الأشدق عدو مستكبر، وهو عامل يزيد على مكة والمدينة..
ورأينا : أنه « عليه السلام» يعامل ابن الزبير أيضاً برفق وأناة،مع علمه «عليه السلام» بحقد ابن الزبير عليه، وعلى جميع بني هاشم. وحرب الجمل التي قتل فيها طلحة والزبير في حربهم لعلي «عليه السلام»، وكان الزبير أحد قادتها، لا ينساها ابن الزبير، وسوف تبقى ذكراها تؤجج أحقاده على بني هاشم. ويكفي أن نذكر: أنه حصرهم بالشعب، وصار يجمع الحطب لكي يحرقهم، فخلصهم المختار الثقفي من شره..
واللافت هنا : أننا - كما قلنا - نراه «عليه السلام» يعامل هذا الحاقد المبغض أيضاً برفق، ويحاوره بإنصاف وصدق، ولكنه «عليه السلام» كان يحرص على التصريح له بأنه لا يريد أن يكون الرجل الذي تستحل به حرمة الحرم، فإن أباه حدثه: أن بها كبشاً يستحل حرمتها، وأنه لا يحب أن يكون ذلك الكبش ، ولأن يقتل خارجا منها بشبر، أحب إليه من أن يقتل داخلا منها بشبر، ولأن يقتل وبينه وبين الحرم باع أحب إليه من أن يقتل وبينه وبينه شبر(1).
1) راجع تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 385 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 289 والكامل في التاريخ ج 4 ص 38 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص67 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 798 ونهاية الأرب ج 20 ص 407 وشرح الأخبار ج 3 ص 145 وأنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج3 ص 164 .
ولأن يقتل بالطف أحب إليه من أن يقتل بالحرم (1).
وقال له ابن الزبير: لو جئت إلى مكة فكنت بالحرم.
فقال «عليه السلام»: لا نستحلها، ولا تستحل بنا إلخ.. (2).
وقال لابن الزبير: لأن أدفن بشاطئ الفرات أحب إلي من أن أدفن بفناء الكعبة (3).
وكان «عليه السلام» يجهر بهذه الأقوال أمام الناس، وأمام ابن الزبير، فإذا كان «عليه السلام» يعلم من خلال تضافر كلمات الرسول، وكلمات أبيه وأخيه: بأن منيته ستكون في كربلاء.. وكان ابن الزبير، وكذلك غيره من الصحابة يعلمون ذلك أيضا، لأنهم قد سمعوا هذه الأحاديث ووعوها.
وإذا كان «عليه السلام» يعلم أن ابن الزبير ينوي التحرك في مكة.. ولن يسكت عنه يزيد وبنو أمية، بل سوف يهتكون حرمة مكة
1) كامل الزيارات ص 72 و (ط مؤسسة النشر الإسلامي) ص 151 وبحار الأنوار ج 45 ص 85 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 313.
2) كامل الزيارات ص 73 و (ط مؤسسة النشر الإسلامي) ص 151 وبحار الأنوار ج 45 ص 85 و 86 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 155 وشجرة طوبى ج 1 ص 125.
3) كامل الزيارات ص 73 و (ط مؤسسة النشر الإسلامي) ص 151 و 152 وبحار الأنوار ج 45 ص 86 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 155 وشجرة طوبى ج 1 ص 125.
به، فإن كلماته هذه لابن الزبير تكون بمثابة التحذير والنصيحة له، حفظاً لمقام الكعبة والحرم ، وإقامة للحجة عليهم وعلى ابن الزبير في هذا الأمر.
بل يلاحظ: أنه « عليه السلام» يعتبر أن نفس اختيار ابن الزبير لمكة منطلقاً لحركته يعتبر هتكاً لحرمتها. ولاسيما بعد كل هذه التحذيرات التي سمعها من الإمام الحسين «عليه السلام».
يناجيه ثم يكشف ما ناجاه به:
ومع كل هذا الرفق الحسيني بابن الزبير الحاقد والمبغض نلاحظ أن هناك نصوصاً تذكر أن الحسين «عليه السلام» كان إذا ناجاه ابن الزبير يبادر إلى كشف مضمون ما ناجاه به مع حضور ابن الزبير..
فعن أبي سعيد عقيصا، عن بعض أصحابه، قال: سمعت الحسين بن علي وهو بمكة، وهو واقف مع عبد الله بن الزبير، فقال له ابن الزبير: هلم إلي يا بن فاطمة، فأصغى إليه، فسارّه، ثم التفت إلينا الحسين «عليه السلام»، فقال: أتدرون ما يقول ابن الزبير؟
فقلنا : لا ندرى جعلنا فداك .
فقال :قال أقم في هذا المسجد أجمع لك الناس.
ثم قال الحسين: والله لأن أقتل خارجاً منها بشبر أحب إليَّ من أن
أقتل داخلا منها بشبر إلخ .. (1).
وعن سعيد عقيصا: إن عبد الله بن الزبير خلا بالحسين فناجاه طويلاً، ثم أقبل الحسين «عليه السلام» بوجهه إليهم. وقال: إن هذا يقول لي: كن حماماً من حمام الحرم، ولأن أقتل وبيني وبين الحرم باع أحب إلي من أن أقتل وبيني وبينه شبر الخ..(2).
ولعل هذا الإعلان قد لوحظ فيه ما يلي:
أولاً: أن مضمون المناجاة ليس من الأسرار، بل هو الحديث الأكثر تداولاً بين الناس في تلك الفترة..
ثانياً: يريد « عليه السلام» أن يقطع الطريق على ابن الزبير، فلا يدعي عليه أنه «عليه السلام» قال له أشياء، والحال أنه «عليه السلام» لم يقلها.
ابن الزبير يغش الحسين علیه السلام:
قال ابن الحديد المعتزلي:
استشار الحسين «عليه السلام» عبد الله بن الزبير، وهما بمكة
في الخروج عنها، وقصد العراق، ظاناً أنه ينصحه، فغشه، وقال له: لا تقم بمكة ، فليس بها من يبايعك. ولكن دونك العراق، فإنهم متى رأوك لم يعدلوا بك أحداً ، فخرج إلى العراق حتى كان من أمره ما كان» (1).
ونقول:
إن كلام ابن أبي الحديد المعتزلي فيه دس للسم بالدسم، وذلك لما يلي:
1 - هل كان الإمام الحسين «عليه السلام» قاصراً إلى حد أنه لا
يميز بين النصيحة المغشوشة، والنصيحة الصحيحة؟!
2 - إذا كان النبي «صلى الله عليه وآله» قد جعل مقام الإمامة للحسين في قوله: الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا، في حين كان الحسنان لا يزالان في سن الطفولة، هل كان هذا قراراً شخصياً منه «صلى الله عليه وآله»؟! وهل لم يكن يعرف أن الحسين «عليه السلام» سيكون قاصراً وساذجاً إلى هذا الحد؟!
أم كان قراراً إلهيا من حيث إن النبي «صلى الله عليه وآله» لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى؟! فيكون الله تعالى هو الذي اختار للإمامة من لا يستطيع أن يميز النصيحة السليمة من المغشوشة؟!
1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 16 ص 102 .
3 - لماذا اختار الحسين «عليه السلام» أحد أشد الناس بغضا له ليستشيره في هذا الأمر المصيري والحساس؟ ألم يكن في الأمة محبون
وصادقون؟!
وكيف لم يتوقع من هذا المبغض الغش والخداع، وهو يعلم أن له أطماعاً في هذا الأمر؟!
تقوى ابن الزبير:
وقد استبعد محمد الغزالي: أن يكون ابن الزبير قد أشار على الحسين «عليه السلام» بالخروج إلى العراق ليستريح منه، وقال:«فعبد الله بن الزبير أتقى الله، وأعرق في الإسلام من أن يقترف مثل هذه الدنية» (1).
ونقول:
ليت شعري هل من يكون هو الكبش الذي يستحل به الحرم، ويكون عليه عذاب الثقلين (2)تقيأ وورعاً ؟! وهل من يجمع بني هاشم الشعب وصار يجمع الحطب ليحرقهم (3)، هل يكون تقيأ ؟! وهل
1) حياة الإمام الحسين بن علي، للشيخ باقر شريف القرشي ج2 ص31.
2) تاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 289 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 179 و شجرة طوبى ج 1 ص 125 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 66 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 616 .
3) مروج الذهب (ط الميمنية) ج 3 ص 86و (منشورات دار الهجرة) ج3 ص 76 وشجرة طوبى ج 1 ص 115 ومستدرك سفينة البحار ج 8 ص 405 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 20 ص 147 والكنى والألقاب ج 1 ص 386 وغاية المرام ج 5 ص 329 وبيت الأحزان ص 85.
من يترك الصلاة على النبي «صلى الله عليه وآله» أربعين جمعة، لأن
للنبي أهيل بيت سوء يخاف أن يتلعوا أعناقهم (1). هل يكون تقيأ ؟
وهل؟! وهل؟!
هذا فضلاً عن محاربته لإمام زمانه أعني علي بن أبي طالب والتسبب بقتل الألوف من المؤمنين والمسلمين.
إنك شيخ قد كبرت!!:
ويقول النص الأخير المتقدم: إن الإمام الحسين «عليه السلام» قال لابن عباس: «إنك شيخ قد كبرت». وهي كلمة قارصة لابن عباس، فما هو المبرر لهذه القسوة منه «عليه السلام» على ابن عباس، الذي كان يتحرق خوفاً على الحسين، وكل همه هو إبعاده «عليه السلام» عن مكامن الخطر، أو هكذا خُيّل إليه؟!
ونجيب:
أولاً: بأن ابن عباس قد وقع في أكثر من خطأ، فهو قد شبَّه ما يجري للحسين «عليه السلام» بما جرى لعثمان. وهذا تشبيه خاطئ
1) مقاتل الطالبيين ص 315 وأنساب الأشراف (ط دار التعارف) ج3 ص 291 و (نشر جمعية المستشرقين) ج 5 ص 317 و (ط دار الفكر) ج 7 ص 133 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 19 ص 91 و 92 وج 20 ص 127 .
بلا ريب، فإن ما جرى لعثمان كان بسبب سياسات عثمان، التي آذت
طوائف كثيرة من الناس، وكونت جبهة عريضة من الصحابة، وعلى رأسهم عائشة وطلحة والزبير ضده، وقول أم المؤمنين: «اقتلوا نعثلاً
فقد كفر» معروف ومشهور.
وبالرغم من المحاولات الحثيثة التي بذلها علي «عليه السلام» معه لإصلاح الأمور، فإنه كان يَعِدُ بالإصلاح ثم يتراجع عنه، بطرق من شأنها أن تزيد الطين بلة، والخرق اتساعاً..
وأين هذا من رجل مطهر معصوم ، يقتل مظلوماً لمجرد أنه يريد أن يمتثل أمر الله له بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطلب الإصلاح في الأمة؟!
ثانياً : إن تشبيه قتل الحسين بين نسائه بقتل عثمان بين نسائه لم
يكن موفقاً، ولا مستساغاً، فإن نساء الحسين «عليه السلام» إنما يتألمن على إمام معصوم، طهَّره الله ، وهو من ذوي القربى الذين أمر الله بمودتهم ولم يكن هذا حال نساء عثمان.
ثالثاً : ما معنى الحديث عن قود عثمان بالحسين «عليه السلام»؟!، أو العكس؟! فإن هذا قد يمهد الطريق أمام بني أمية لاستسهال قتل الحسين «عليه السلام» استناداً إلى كلام ابن عباس هذا. إذ قد يدَّعون أن هذا يمثل اعترافا من ابن عباس بأن عليا وأبناءه كانوا من المشاركين أيضاً في قتل عثمان.
متى حصلت هذه المحاورة؟!:
وقد صرحت رواية الطبري: بأن هذه المحاورة قد جرت قبل مسير الإمام الحسين «عليه السلام» إلى العراق بيوم أو يومين، حيث قال « عليه السلام»: «قد أجمعت المسير في أحد يومي هذين».
وفي نص آخر:«قد أزمعت على ذلك في أيامي هذه».
غير أن النص الذي ذكره ابن أعثم لهذه المحاورة يقول: إن ابن عباس قال للحسين: وأنت تعلم أنه بلد قد قتل فيه أبوك، واغتيل فيه أخوك، وقتل فيه ابن عمك، وقد بايعه أهله..
والمراد بابن عمه هو مسلم بن عقيل، مع أن خبر استشهاد مسلم قد بلغ إلى الإمام الحسين وهو في زرود، وكان استشهاده قبل خروجه «عليه السلام» من مكة بيوم.
فإما أن تكون هذه الفقرة قد دست في الرواية عمدا أو سهوا، وإما أن يكون الحسين «عليه السلام» قد علم باستشهاد مسلم بعلم الإمامة، أو بوسائل خاصة منحه الله إياها، فأخبر به ابن عباس فاحتج ابن عباس بها عليه.
سِرِّيَة الموعد:
وقد أظهرت النصوص : أن الحسين «عليه السلام»، وإن كان قد أعلن في وقت مبكر عزمه على الخروج إلى العراق، لأن بني أمية يريدون قتله، وهذا ما أظهرته محاورته مع ابن عمر وابن عباس، التي جرت له معهما في أوائل قدومه «عليه السلام» إلى مكة.. فإنه
كرر لهما أن بني أمية سوف يقتلونه على كل حال، وقد روى ابن عمر وابن عباس ذلك عن النبي «صلى الله عليه وآله» في نفس تلك المحاورة التي قدمناها في الجزء الثاني عشر من هذا الكتاب، في
فصل:«ابن عمر يدعو لبيعة يزيد».
وها هو «عليه السلام» يصرح لابن عباس في الرواية التي نحن
بصدد الحديث عنها هنا: بأنه عازم على المسير في أحد يوميه هذين!
ثم أعلن «عليه السلام» عن موعد سفره في ليلة السفر، حيث خطب وقال: «مَن كانَ باذلاً فينا مُهجَتَهُ، ومُوَطنا عَلَى لِقَاءِ اللَّهِ نَفْسَهُ، فليَرحَل مَعَنا؛ فإنّى راحِلٌ مُصبحاً إن شاءَ الله»(1).
بل سيأتي حين الكلام عن نصيحة ابن الحنيفة: أنه «عليه السلام» قد وعده بأن ينظر في الأمر.. وإذ به يرتحل في سحر تلك الليلة ولا يخبر أخاه، فلما بلغ ابن الحنفية ذلك جاء وأخذ بزمام ناقته وقد ركبها،وطالبه بوعده، فأخبره بأنه رأى الرسول «صلى الله عليه وآله»، وأمره بالخروج، لأن الله شاء أن يراه قتيلا (2).
1) مثير الأحزان ص 38 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 29والملهوف ص 57 و (ط أنوار الهدى سنة 1417ه-) ص 38 ومثير الأحزان ولواعج الأشجان ص 70 ونزهة الناظر للحلواني ص 86 وأعيان الشيعة ج 1 ص 593 .
2) الملهوف ص 127 و (نشر أنوار الهدى) ص 40 وبحار الأنوار ج 44 ص 364 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 214 ولواعج الأشجان ص 73 و 254 وأعيان الشيعة ج 1 ص 593 و 619 وينابيع المودة ج3 ص 60 ومعالي السبطين ج 1 ص 251 والمجالس الفاخرة ص 105 و 208 .
اتق الله:
وفي بعض المصادر التي ذكرت محاورة ابن عباس المتقدمة: أنه «رحمه الله» قال للحسين «عليه السلام»: «فاتق الله والزم هذا الحرم».(1).
ونحن نشك في أن يتجرأ ابن عباس بمثل هذه الكلمة، لأنها تتضمن اتهاما له « عليه السلام» بعدم مراعاة فروض التقوى، مع أنه يعلم بأن الحسين «عليه السلام» مطهَّر بنص القرآن. فما معنى أن يخاطبه بهذا الخطاب؟!
الحسین علیه السلام یتفأل بالقرآن:
قال في ناسخ التواريخ :«روي أن ابن عباس ألح على الحسين «عليه السلام» فى منعه من المسير إلى الكوفة، فتفأل بالقرآن لإسكاته، فخرج الفأل قوله تعالى:( كُلُّ نفسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )(2).
فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. صدق الله ورسوله .
ثم قال: يا ابن عباس، فلا تلح علي بعد هذا، فإنه لا مرد لقضاء
الله عز وجل»(1).
ونقول:
ورد في بعض الروايات: بأن الإمام الصادق «عليه السلام» قال:
لا تتفأل بالقرآن (2). فكيف نجمع بين هذا وبين سابقه؟!
ويمكن أن يجاب:
بأن التفؤل المنهي عنه هو محاولة كشف الغيب، وما يكون في المستقبل، كشفاء المريض، أو وجدان الضالة، وما إلى ذلك، مع أن هذا لا يكون لغير من ارتضاهم الله سبحانه، وأطلعهم على ما أحب من غيبه.
أما الإستخارة، فهي طلب الرشد والصلاح والخير فيما أريد فعله
أو تركه، وتفويض الأمر إلى الله تعالى في تعيينه.
وللتفؤل بالقرآن سلبية كبيرة، إذ لو أن أحدا تفأل بالقرآن معتقدا بأنه يكشف الغيب، ثم ظهر له الخلاف لشكك في صحة القرآن نفسه.
ولكنه إذا استخار بالقرآن، فإن الاستخارة تقول له: إن هذا الفعل فيه صلاح لك، فحتى لو ظهر ما يخالف ميله ورغبته، فلا يستطيع أن يجزم بأن ما ظهر له لم يكن في مصلحته، فإن الإنسان لا يعرف خیره من شره في شيء، وقد قال تعالى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا
وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) (1).
أَقِمْ حتى ينفض الموسم:
تقدم: أن النص الذي ذكره ابن عساكر وغيره، لمحاورة ابن عباس مع الإمام الحسين «عليه السلام»، قد اقترح فيه ابن عباس أن يؤخر الحسين «عليه السلام» سفره إلى ما بعد انقضاء الموسم، فيلقى الناس، ويعلم ما لديهم، ثم يرى رأيه،«وذلك في عَشْرِ ذي الحجة سنة ستين، فأبى الحسين إلا أن يمضي إلى العراق..».
وهذا الرفض أمر طبيعي، فإن ما نسب إلى ابن عباس لم يقدم جواباً على أهم نقطة كان الإمام الحسين «عليه السلام» يصرح بها، وهي أن بني أمية يريدون قتله بأية صورة، وفي أي زمان ومكان.. ولم يزل يقول: إنه لا يريد أن تستحل به حرمة حرم الله وبيته.. فما معنى أن يقترح عليه ابن عباس هذا التأجيل الذي يحمل معه خطر التمكن من اغتياله «عليه السلام» في غمرة انشغال الناس بمناسكهم؟!
وأية ضمانة قدمها ابن عباس للإمام «عليه السلام» تجعله يطمئن
إلى عدم إقدامهم على هتك حرمة مكة بقتله غيلة؟!
إلا أن يقال: إنه كان يريد خروج الإمام «عليه السلام» من مكة لكن إلى غير العراق، ويكون المراد تأخيره عن الخروج إلى العراق
خاصة، لا عن أصل الخروج.
1) الآية 216 من سورة البقرة.
المراد بعشر ذي الحجة:
أما قول الرواية:«وذلك في عشر ذي الحجة»، فقد يفهم منه أن المقصود به هو اليوم العاشر من ذي الحجة، فيكون بذلك مخالفاً لما هو المشهور ، من أن الحسين «عليه السلام» قد خرج من مكة في اليوم الثامن من ذي الحجة، وهو يوم التروية..
غير أن من الممكن القول: بأن المراد: أن هذا الأمر قد حصل خلال الأيام العشرة من شهر ذي الحجة، فهو لم يقل في العاشر من ذي الحجة، ليكون نصاً في تحديد اليوم، بل قال: «في عشر ذي الحجة». فيكون المراد في عشر من الشهر ، وبالإنصراف يتعين العشر الأولى عرفاً. فهي كلمة تحتمل وجهين من المعنى، أحدهما ما قلناه، فلا مجال للإصرار على الإشكال بما ذكر ..
ابن عباس أو ابن عياش:
روي عن عبد الله بن عباس أنه قال:
لقيتُ الحُسَينَ بنَ عَلِيٍّ «عليه السلام» وهُوَ يَخْرُجُ إِلى العِراق، فقلتُ لَهُ: يَابنَ رَسول اللهِ، لا تَخرُج.
قالَ: فَقالَ لي: يَا بنَ عَبّاس، أما عَلِمتَ أنّ مَنِيَّتِي مِن هُناكَ، وأنَّ
مَصارعَ أصحابي هُناكَ؟!
فقلتُ لَهُ: فأنّى لَكَ ذلِكَ؟!
قالَ: بسِرِّ سُرَّ لي، وعِلمٍ أعطيتُهُ (1).
ونقول:
ليس هذا خطاب ابن عباس:
إن ملاحظة طريقة الخطاب في هذه الرواية، والمضامين والدلالات التي حملتها ، يثير أكثر من سؤال حول ما زعمته، من أن الطرف المحاور للحسين «عليه السلام» هو ابن عباس.
فأولاً: بالنسبة لطريقة الخطاب يشعر المرء: أن الذي يخاطب الحسين «عليه السلام» رجل يرى نفسه غريباً عنه، وصلة وصله معه هي أن الحسين «عليه السلام» ابن رسول الله «صلى الله عليه وآله».
في حين أن ما نعهده في مخاطبات الأقارب والأرحام أنها تكون عادة أكثر دفئاً وحميمية. وهم يتوسلون بصلة القربى، فنجد ابن عباس يخاطب الحسين «عليه السلام» بقوله: يا أبا عبد الله، أو يا ابن العم،
ويقول له: جعلت فداك، ونحو ذلك ..
وسيأتي: أن أبا بكر بن عبد الرحمان بن الحارث يقول للحسين: یا ابن عم، إن الرحم يضائرني (أي تعطفني). ويخاطبه عمر بن عبد
1) دلائل الإمامة ص 181 و 182 وإثبات الهداة ج 5 ص 205 ومدينة المعاجز (ط حجرية) ص 238 و (نشر مؤسسة المعارف الإسلامية) ج3 ص 449 والدر النظيم ص 530 .
الرحمان بن الحارث أيضاً ب-« يا ابن العم» ، وهما من بني مخزوم.
ثانياً: يضاف إلى ما تقدم: أن هذا الرجل يخاطب الحسين «عليه
السلام» بكلمة واحدة، ويقول له: «لا تخرج» وكأنها قرار وأمر لا بد من الانتهاء إليه، وعدم تجاوزه مع أن الجميع يعلم أن الحسين «عليه السلام» هو الذي قال رسول الله «صلى الله عليه وآله» عنه وعن أخيه: إنهما إمامان قاما أو قعدا.. وصرح القرآن بعصمتهما بمقتضى
آية التطهير.
وهو من أهل البيت الذين قال رسول الله «صلى الله عليه وآله»: لا تعلِّموهم، فإنهم أعلم منكم، ولا تتقدموهم فتهلكوا (1)
و 121 و 133 و ج 2 ص 438 وج 3 ص 399 .
.1) راجع: روضة المتقين ج 11 ص 250 و ج 13 ص 110 وملاذ الأخيار ج8 ص 473 والصواعق المحرقة ص 126 وبصائر الدرجات ص 69 و 70 و 72 والإمامة والتبصرة ص 44 والكافي ج 1 ص 209 و 294 والأمالي للصدوق ص 616 وعيون أخبار الرضا ج 1 ص 182 و 208 وکمال الدين ص 662 وتحف العقول ص 426 وكفاية الأثر ص 56 و 129 و 132 و 163 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 27 ص189 و (الإسلامية) ج 18 ص 139 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج 1 ص 143 و 336 و 340 وكتاب سليم بن قيس ص 178 و 204 و 208 و 415والغيبة للنعماني ص 52 والمسترشد ص 401 و 467 والإرشاد ج 1 ص 180 والإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 219 و 221 و ج 2 ص 224 وبحار الأنوار ج 11 ص 84 وج 22 ص 465 وج 23 ص130 و 137 و 138 و 153 و ج 25 ص 221 وج 30 ص 65 وج 31 ص 417 و 422 وج 35 ص 211 وج 36 ص 329 و 330 و 338 وج 49 ص 180 ومرآة العقول ج 2 ص 424 و ج 3 ص 279 والمعجم الكبير ج 5 ص 167 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 1 ص 188 وتفسير العياشي ج 1 ص 250 وتفسير القمي ج 1 ص 4 والبرهان (تفسير) ج 1 ص 21 و 74 وج 2 ص 106 و 111 وج3 ص 227 وج 4 ص 445 و 549 وج 5 ص 301 وإرشاد القلوب ج 2 ص 306 وينابيع المودة ج 1 ص 74 و 109 و 112 و 116
ثالثاً: إن قوله للحسين «عليه السلام» أنى لك ذلك؟! يعطي: أن هذا الرجل يشكك في صحة ما أخبره به الحسين سيد شباب أهل الجنة «عليه السلام»، وهل يسأل ربيب النبوة، والإمام المعصوم عن مصادر معارفه؟! ولاسيما فيما لا يمكن معرفته إلا عن طريق الوحي؟! أو بطرق معرفة خاصة بالأنبياء وأوصيائهم؟!
من أجل ذلك كله نقول:
يبدو لنا: أن صاحب هذا الخطاب هو عبد الله بن عياش بن ربيعة
المخزومي، فصحَّف الرواة كلمة عياش بكلمة عباس، وقد مات ابن
عياش سنة أربع وستين هجرية.
تخلف ابن عباس عن كربلاء:
وقد يتساءل المرء عن سبب تخلف ابن عباس عن المسير مع الحسين إلى كربلاء، هل لأنه كان يخطئ الحسين «عليه السلام» في مسيره ذاك، لاقتناعه بعدم جدوى هذه الحركة؟!
أو أن ثمة سبباً آخر لذلك. مع العلم بأن ابن شهرآشوب «رحمه الله» يذكر : أن تخلفه عنه كان من أسباب الاعتراض عليه، فقد قال
«رحمه الله»:
وعنّف ابن عباس على تركه الحسين «علیه السلام»، فقال:
إن أصحاب الحسين لم ينقصوا رجلا ولم يزيدوا رجلا، نعرفهم
بأسمائهم من قبل شهودهم.
وقال محمد ابن الحنفية: إن أصحابه عندنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء
آبائهم (1).
ويمكن أن يجاب:
أولاً : قد ذكرنا في الجزء الثاني عشر من هذا الكتاب في فصل: ابن عمر والبيعة ليزيد: أن الإمام الحسين «عليه السلام» قال لابن عباس : «فامض إلى المَدينَةِ فِي حِفظ اللهِ وكَلائِهِ، ولا يخفى عَليَّ شَيْءٌ من أخبارك» (2).
وقد قال ذلك له بعد حوار مطول جرى بينه «عليه السلام» وبين
ابن عمر الذي كان يحاول إقناع الحسين «عليه السلام» بالبيعة ليزيد.
إلا أن يقال: إن هذا النص لا يجدي في دفع الإشكال، إذ لعله أمره بالكون في المدينة في أول قدومه « عليه السلام» إلى مكة، ولعله «عليه السلام» كان آنئذٍ بحاجة إلى مراقب للتحركات في المدينة،
التي كانت لا تزال تملك تأثيراً قوياً في الأحداث.
ولم يكن «عليه السلام» آنئذ قد أعلن عن عزمه على المسير إلى العراق، بل حصل ذلك بعد أشهر ، لأن تلك المحاورة قد حصلت في شهر شعبان، والمسير إلى كربلاء كان في يوم التروية في الثامن من ذي الحجة.
ثانياً: لقد كف بصر ابن عباس في أواخر عمره، ويدل على ذلك: ما روي عنه نفسه، من أنه قال:
«بينا أنا راقد في منزلي إذ سمعت صراخا عظيما عاليا من بيت أمّ سلمة زوج النبي «صلى الله عليه وآله»، فخرجت يتوجه بي قائدي
إلى منزلها..».
ثم ذكر أنها أخبرتهم باستشهاد الحسين من خلال رؤياها للنبي «صلى الله عليه وآله»، فلما انتبهت تفقدت القارورة التي أودعها إياها رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وكان فيها تراب من كربلاء، فوجدت أنها صارت دما عبيطاً تفور، كما قال لها النبي «صلى الله عليه وآله» (1).
1) الأمالي للطوسي المجلس 11 حديث 87/640 و (ط دار الثقافة سنة
فالصراخ جاء من موضع قريب جداً، وقد احتاج ابن عباس إلى من يقوده إلى ذلك الموضع، فإما أن بصره كان في غاية الضعف، أو أنه كان قد كفّ بالكلية.
إلا أن يقال : لعل احتياجه إلى القائد كان بسبب عجزه وكبر سنه.
ويجاب :
بأنه كان يسافر من بلد إلى بلد، وهي مسافات بعيدة تعد بعشرات، أو بمئات الفراسخ. ولم يذكر المؤرخون أنه كان عاجزاً إلى الحد الذي كان يحتاج معه إلى المعين على المشي.
على أن كلمة «قائده» إنما تناسب الأعمى، أما العاجز فلا تناسبه
هذه الكلمة.
ثالثاً :يبدو: أن بصر ابن عباس قد كف بصورة تدريجية، وأن ذلك قد بدأ في عهد معاوية، ثم تفاقم حتى بلغ أقصاه في أيام كربلاء، وبعده. فقد ورد: أن معاوية قال له: أنتم يا بني هاشم تصابون في أبصاركم.
فقال له ابن عباس: وأنتم يا بني أمية تصابون في بصائركم(1).
1414ه-) ص 314 وبحار الأنوار ج 45 ص 230 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 508 .
1) المعارف لابن قتيبة ص 325 و (ط 2 دار المعارف بمصر سنة 1969م) ص 589 والمستجاد من فعلات الأجواد للقاضي التنوخي ص 247 وربيع الأبرار ج 5 ص 37 وعيون الأخبار لابن قتيبة ج 2 ص 229 وراجع:إعجاز القرآن للباقلاني ص 84 وتفسير السمعاني ج 3 ص 445 ولسان العرب ج 4 ص 65 وتاج العروس ج 6 ص 91 وعن محاضرات الأدباء للراغب الأصفهاني ج 2 ص 290 .
يقول ابن قتيبة: ثلاثة مكافيف في نسق: عبد الله بن عباس، وأبوه
العباس بن عبد المطلب، وأبوه عبد المطلب بن هاشم.
قال: ولذلك قال معاوية إلخ ..(1).
1) المعارف لابن قتيبة ص 325 و (ط 2 دار المعارف بمصر سنة 1969م) ص 589 .
1 - الفهرس الإجمالي
2 - الفهرس التفصيلي
الفصل الثاني: حصار أم فرار؟!...5
الفصل الثالث: مسلم «رحمة الله علیه» في بيت طوعة... 35
الفصل الرابع : مهاجمة بيت طوعة...63
الفصل الخامس: في مواجهة الطاغوت...85
الفصل السادس: الوصية والإستشهاد ...117
الفصل السابع: استشهاد هاني.. وآخرين...159
الفصل الثامن: سجينان وشهيدان قبل عاشوراء وبعدها ... 185
الباب السادس: النصائح.. والرحيل...223
الفصل الأول: الحكام المتربصون بالحسين «علیه السلام»...225
الفصل الثاني: التدبير للإغتيال... 251
الفصل الثالث: الناصحون مكاتبات من بعيد ...281
الفصل الرابع: نصائح ولي وعدو ابن عباس، وابن الزبير...303
الفصل الثاني: حصار أم فرار ؟!...5
ابن عقيل إلى قصر ابن زياد:...7
حصار القصر:...10
القتال وجرح مسلم«رحمة الله علیه» :...12
لا بد من التحرك:...21
يا منصور أمت:...22
لعبة الأرقام! لماذا ؟!:...25
المفاتيح بيد ابن زياد :...30
الإلتزام بالمنطق العشائري:...31
هل هذا صحيح؟!:...33
المختار قدم بعد استشهاد مسلم «رحمة الله علیه»:...35
الجراحة الثقيلة:...36
الفصل الثالث: مسلم«رحمة الله علیه»في بيت طوعة...37
النصوص والآثار:...39
صراحة مسلم مع طوعة:...44
هل يعرف مسلم أزقة الكوفة؟!:...46
أين ابن مظاهر والصائدي وسواهما؟!:...48
ما هرب مسلم ولا استجار:...54
ابن زياد يريد مسلماً:...55
إيضاحات:...58
مضامين خطبة ابن زياد:...59
الناس على دين ملوكهم:...60
ما لكم كيف تحكمون ؟!:... 61
الوشاية بمسلم:...63
الفصل الرابع: مهاجمة بيت طوعة...67
نصوص وآثار:...69
التفاوت بين الأبرار والأشرار:...71
من الدار إلى خارجها:...73
هكذا أسر مسلم بن عقيل «رحمة الله علیه»:...76
ابتليت من قبل ابنك:...80
مسلم بنظر أعدائه:...81
التعتيم على إنجازات وبطولات مسلم «رحمة الله علیه»:...83
قريش.. هي الداء الدوي:...84
أمان الغدرة الفجرة:...85
جزع مهاجمي مسلم«رحمة الله علیه»:...87
عادات نسمع بها لأول مرة:...88
توقع الغدر من أهل الغدر:...88
الذين هاجموا مسلماً:...89
لا فرق بين الابن والأب:...90
الفصل الخامس: في مواجهة الطاغوت...91
مسلم يواجه أعوان الظلمة:...93
أين أبناء الصحابة؟...97
عطش مسلم:...100
مسلم لم يشرب:..102
الذين سقوا مسلماً:...102
حركة مسلم«رحمة الله علیه» استمرت ثلاثة أيام:...105
ما جرى بين مسلم«رحمة الله علیه» والرجل الباهلي:...105
لا نسقيك إلا من البئر:...107
مسلم يواجه الطاغية:...108
ليس لى بأمير:...113
ابن زیاد هو السباب الشتام:...115
الأشرار يقتلون الأخيار...116
خرجت على إمامك !!:...118
من الذي شق عصا المسلمين؟!:...120
أمير المؤمنين الحسين «علیه السلام»:...120
الإمام هو ابن علي وابن فاطمة:...121
لا تدع سوء القتلة، وقبح المثلة:...122
رد التهمة بشرب الخمر :...123
يكفي ما ذكرناه:...124
الفصل السادس: الوصية والإستشهاد...128
لماذا بكى مسلم «رحمة الله علیه»؟!:..128
وصايا مسلم بن عقيل«رحمة الله علیه»:...129
أول الغدر:...137
ابن الأشعث ينفذ وصية مسلم«رحمة الله علیه»:...141
لا يبكي من يطلب مثل هذا :...142
التنسيق بين مسلم والحسين «علیه السلام» :...144
لماذا اختار مسلم لوصيته قرشيا؟!:...147
دین مسلم:...148
جثة مسلم:...150
ابن زياد لا يمنع مسلماً من الوصية:...150
إغراءات مسلم لعمر بن سعد:...151
هل هذا تهديد؟!:...152
ابن سعد يعرض على مسلم أن يوصيه؟!:...153
هكذا قتل مسلم:...154
قم بسيفك دوني:...159
لا حاجة إلى التذكير:...162
ظهور الكرامة لمسلم:...163
تاريخ الإستشهاد:...163
الخبر المفجع:...165
ابن عقيل على صواب:...166
الفصل السابع: استشهاد هاني.. وآخرين...166
هكذا استشهد هاني بن عروة:...174
إيضاحات:...178
لا دين لابن الأشعث:...179
وا مذحجاه، ولا مذحج لي:...180
عصبية هاني بن عروة:...182
هل فهم خطأ، أو تعمد الخطأ ؟!:...184
رؤوس الشهداء إلى الشام:..185
جواب یزید:...187
لماذا ابن صلخب؟!:...189
الشهيد عبد الأعلى بن يزيد الكلبي:...191
أي حقٍ ليزيد عند مسلم بن عقيل«رحمة الله علیه»:...193
أهل السنة والجماعة:...194
عبيد الله بن عمرو الكندي:...195
العباس بن جعدة الجدلي:...196
الفصل الثامن: سجينان، وشهيدان قبل عاشوراء وبعدها...200
عبد الله بن الحارث في السجن:...202
المختار في السجن أيضاً:...202
ابن زياد يستصحب هاشمياً وشيعياً:...203
تساقط رفاق ابن زیاد:...206
الراية الخضراء والحمراء:...206
هل خرج المختار مع مسلم ؟!:... 207
إستيعاب حركة المختار:...212
کتاب ابن عمر:...212
الشهيد قيس بن مسهر الصيداوي:...213
متى استشهد ابن مسهر؟!:...216
الحسين بدأ بنفسه:...219
المؤمنون المسلمون:...220
اجتِماعِ مَلئِكُم عَلى نَصرنا، وَالطَّلبِ بِحَقِّنا:...221
خير خلق الله:...224
أردت أن أريحه:...225
هل استشهد قيس في كربلاء؟!:...226
ميثم التمار :سجن وشهادة:...227
الغيب في حياة ميثم :...231
هل حج ميثم سنة وفاته؟!:...232
المختار وميثم في سجن واحد :...234
عاشر عشرة: ...236
ما علمتك إلا قواماً:...236
رواية لا تستقيم:..238
الباب السابع: النصائح.. والرحيل...241
الفصل الأول: الحكام المتربصون بالحسين «علیه السلام» ...243
بداية:...245
معاوية شريك مضارب:... 246
تفريق جماعة المسلمين:...247
رسائل يزيد لأهل المدينة وابن عباس:...158
من هم المكتوب إليهم؟!:...263
لي عملي ولكم عملكم:...264
كبير أهل بيته وسيد أهل بلاده:...265
متى وصلت رسالة يزيد؟!:...265
رسالة واحدة أم رسائل؟!:...266
التلاعب في رسالة ابن عباس:...266
يزيد يعِدُ الحسين بالدنيا:...268
الفصل الثاني: التدبير للإغتيال...271
بداية:...273
نصوص وآثار:273
صلاة الحسين «علیه السلام» خلف الأشدق:...277
الخطة اليزيدية:...179
فشل يحيى بن سعيد أيضاً:...281
الإعداد لاغتيال الإمام «علیه السلام» :...282
هل غادر الأشدق مكة؟!:...286
رسالة الأشدق إلى الإمام «علیه السلام»:...288
إغراءات الأشدق للحسين «علیه السلام»:...290
من الذي كتب الرسالة؟!:...293
نصيحة ابن جعفر صواب، وهناك أصوب:..293
جواب الإمام على رسالة الأشدق:...297
ألف: من هو الشاق، وما الشقاق ؟!:...297
ب: الأمان ممن ولمن ؟!:...298
هل الرؤيا عذر مقبول؟!:...299
عون بن عبد الله بن جعدة:...301
الفصل الثالث: الناصحون مكاتبات من بعيد...303
بداية:...305
عطفا على ما سبق:...305
بين الحسين «علیه السلام» وابن جعفر:...307
رسالتان من ابن جعفر:...308
أمير المؤمنين:... 309
كتاب الأحنف بن قيس:...310
عمرة بنت عبد الرحمان:...311
الأصم يكتب للحسين «علیه السلام» :...315
كتاب المسور بن مخرمة:...317
من هو المسور بن مخرمة؟!:...320
أستخير الله في ذلك:...323
إنه درس في سياسة العباد:...325
الفصل الرابع: نصائح ولي وعدو: ابن عباس، وابن الزبير ..327
الحسين «علیه السلام»، وابن عباس:...329
ابن الزبير وابن عباس: ...331
وقاحة ابن الزبير :...336
لا تذهب إلى العراق:...337
للغادر حقوق:...338
إنك ناصح شفيق:...341
قاتلتكم لأتأمَّر عليكم:...344
خلاصة جامعة:...346
أستخير الله:...347
ابن الزبير يخالف جميع الناصحين:...348
هكذا عامل الحسين «علیه السلام» مبغضيه:....350
يناجيه ثم يكشف ما ناجاه به:...353
ابن الزبير يغش الحسين «علیه السلام»:...354
تقوى ابن الزبير :...356
إنك شيخ قد كبرت!!:..357
متى حصلت هذه المحاورة؟!:...359
سِرِّيَة الموعد:...359
اتق الله:...361
الحسين «علیه السلام» يتفأل بالقرآن:...361
أَقِمْ حتى ينفض الموسم:...363
المراد بعشر ذي الحجة :...364
ابن عباس أو ابن عياش:...364
ليس هذا خطاب ابن عباس:...365
تخلف ابن عباس عن كربلاء:...367
الفهرس الإجمالي:...374
الفهرس التفصيلي:...376