ghaemiyeh.com
سيرة الحسين(عليه السلام)
في الحديث والتاريخ..
السيد جعفر مرتضى العاملي
الجزء الحادي والعشرون
المركز الاسلامي للدراسات
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى
2016م - 1437هـ
حاد
المركز الاسلامي للدراسات
لبنان - بيروت - الضاحية الجنوبية - أوّل حي ماضي بناية حجازي - ط 1 - تلفاكس: 00961.1.274519
البريد الالكتروني : alhadi@alhadi.org
المنشورات بيروت - بئر العبد - سنتر الانماء 3 - 0096170995421
محرر الرقمي: محمد مبين روزبهاني
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى 1436هـ - 2015م
المركز الاسلامي للدراسات
لبنان - بيروت - الضاحية الجنوبية - أوّل حي ماضي بناية حجازي - ط 1 - تلفاكس: 00961.1.274519
البريد الالكتروني: alhadi@alhadi.org
المنشورات بيروت - بئر العبد - سنتر الانماء 3 - 0096170995421
سِيرة الحُسَين (عليه السلام)
في الحديث والتاريخ..
السيد جعفر مرتضى العاملي
الجزء الثاني عشر
الكز الاسلامي للدراسات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قالوا: إن الإمام الحسين «عليه السلام» قد أقام في مكة أكثر من أربعة أشهر، ثم توجه إلى العراق في العشر الأولى من ذي الحجة..
وقد حفلت إقامته «عليه السلام» في مكة بنشاطات كثيرة ومتنوعة، فمثلا:
1 - كان «عليه السلام» يلتقي بالناس كل الناس من الوافدين إلى مكة وغيرهم، ويجتمعون حوله حلقا حلقاً، ويجاذبهم أطراف الحديث في الأمور التي تهمهم.
2 - كان يجتمع أيضاً بالشخصيات التي تفد إلى مكة، وتجري له معهم حوارات في مختلف الشؤون.
3 - كان يرسل الرسائل إلى المدينة، وإلى أهل البصرة، وأهل الكوفة، ولا ندري إن كان قد أرسل إلى بلاد أخرى أيضاً أم لا. فإن التاريخ لم يفصح لنا عن ذلك.
4 - وكان أيضاً يتلقى الرسائل من أهل الكوفة بغزارة مشهودة. حتى أجابهم أخيراً برسالة بعثها إليهم مع مسلم بن عقيل..
5 - أرسل ابن عمه مسلم بن عقيل إلى أهل الكوفة، ليستطلع حال
أهلها.
6 - ألقى «عليه السلام» أيضاً بعض الخطب في مكة، كان ولا يزال وسيبقى يتردد صدى بعض مضامينها عبر التاريخ إلى يوم القيامة..
7 - كان يؤم الصلاة جماعة فيها.
8 - حين ظهر للعلن أنه عازم على السفر إلى العراق، ولاسيما بعد إرساله ابن عمه مسلماً إلى الكوفة نشط جماعة في بذل المحاولة لإقناعه بالعدول عن عزمه هذا، فكانوا يقصدونه، ويحاورونه، وكان عدد منهم يكتب إليه بما يظن أنها نصيحة له..
9 - وزاد عدد هؤلاء الناصحين !! حين أعلن هو عن موعد سفره. وخطب في الناس بعض خطبه التي أراد لها أن تمهد لهذا الحدث الكبير والخطير.
وغير ذلك..
قالوا :
وبعد مسير طويل، دام عدة أيام لاحت للإمام ومن معه من بعيد جبال مكة، فجعل يتلو هذه الآية: (وَلمّا تَوَجّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السّبيل)(1)»(2).
1) الآية 22 من سورة القصص.
2) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 23 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص190 وبحار الأنوار ج 44 ص 332 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 181 ولواعج الأشجان ص 32 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 434 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 254 والكامل في التاريخ ج 4 ص 17 والإرشاد (ط دار المفيد) ج2 ص 35 وروضة الواعظين ص 190 و (منشورات الشريف الرضي) ص 172 وإعلام الورى ج 1 ص 435 والأغاني ج 18 ص 447 وأعيان الشيعة ج 1 ص 588 وكنز الدقائق (تفسير) ج 10 ص53 .
وفي نص آخر: أنه «عليه السلام» لما دخل مكة قرأ هذه الآية المباركة، فهو «عليه السلام» بقراءته هذه الآية يخبر أنه يقدم على مرحلة جديدة يحتاج فيها إلى هدايات الله، ودلالاته وألطافه.
كما أنه «عليه السلام» يشير بقراءته هذه الآية: إلى أن مكة ستكون هي ابتداء المسيرة، وليست نهايتها.
ويشير إلى أنها مسيرة فيها خفايا ومفاجآت وأمور لم تسبق أن مرت عليه نظائر لها و مشابهات.
ويدل على ذلك: أن موسى «عليه السلام» بعد أن قتل القبطي، وطلبه أعداؤه خرج إلى جهة مدين ولم يكن قد ذهب إليها من قبل ولا عرف طريقها.
كما أنه لم يكن يعرف فيها أحداً من الناس، ولا كان له فيها بحسب علمه معين ولا ناصر وإنما توجه إليها لأنها كانت لا تخضع لسلطان فرعون .. وكان «عليه السلام» يطلب الخروج إلى بلد له هذه
الصفة. لأنه يريد أن يسلك طريق النجاة من الظالمين.
وهذه كانت حال كربلاء، فهي بمثابة سبيل نجاته باستشهاده «علیه السلام».
قال ابن أعثم وغيره:
ودخل الحسين «عليه السلام» مكة، ففرح به أهلها فرحاً شديداً.
قال: وجعلوا يختلفون إليه بكرة وعشية. واشتد ذلك على عبد الله بن الزبير، لأنه قد طمع أن يبايعه أهل مكة، فلما قدم الحسين شق ذلك عليه، غير أنه لا يبدي ما في قلبه إلى الحسين. لكنه يختلف إليه، ويصلي بصلاته، ويقعد عنده، ويسمع من حديثه. وهو مع ذلك يعلم أنه لا يبايعه أحد من أهل مكة والحسين بن علي بها، لأن الحسين عندهم أعظم في أنفسهم من ابن الزبير(1).
وذكر ابن كثير: أن ابن الزبير كان يغدو ويروح إلى الحسين، ويشير عليه أن يقدم العراق، ويقول هم شيعتك وشيعة أبيك(2).
فأقبل أهلها يختلفون إليه ويأتونه ومن كان بها من المعتمرين وأهل الآفاق. وابن الزبير بها قد لزم جانب الكعبة، فهو قائم يصلي عندها عامة النهار ، ويطوف ويأتي حسينا فيمن يأتيه، فيأتيه اليومين المتواليين، ويأتيه بين كل يومين مرة، ولا يزال يشير عليه بالرأي، وهو أثقل خلق الله على ابن الزبير قد عرف أن أهل الحجاز لا يبايعونه ولا يتابعونه أبداً ما دام الحسين باقياً بالبلد، وأن حسيناً «عليه السلام» أعظم في أعينهم وأنفسهم منه، وأطوع في الناس منه(1).
فنزل شعب علي، واختلف الناس إليه، فكانوا يجتمعون عنده حلقاً حلقاً، وتركوا عبد الله بن الزبير، وكانوا قبل ذلك يتحلقون إليه، فساء ذلك ابن الزبير، وعلم أن الناس لا يحفلون به، والحسين «عليه
1) تاریخ مدينة دمشق ج 14 ص 207 و ج 28 ص 203 وتهذيب الكمال ج 6 ص 415 و 416 وبغية الطلب ج 6 ص 2608 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 4 ص 170 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج8 ص 175 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 293 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص56 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 517 وج 33 ص 670 وراجع: الكامل في التاريخ ج 4 ص 20 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 261 والإرشاد ج 2 ص 35 وإعلام الورى ج 1 ص 435 وراجع: بحار الأنوار ج 44 ص 332 .
السلام» مقيم بالبلد، فكان يختلف إلى الحسين صباحاً ومساءاً(1).
«كان قد نزل بأعلى مكة، وضرب هناك فسطاطاً ضخماً، ونزل عبد الله بن الزبير داره بقيقعان (الظاهر أن الصحيح: قعيقعان)(2). ثم تحول الحسين «عليه السلام» إلى دار العباس، حوله إليها عبد الله بن عباس.
وكان أمير مكة من قبل يزيد يومئذ عمر بن سعد بن أبي وقاص (الصحيح عمرو بن سعيد بن العاص (الأشدق)..) فأقام الحسين مؤذناً يؤذن رافعاً صوته، فيصلي بالناس. وهاب ابن سعد (الصحيح: ابن سعيد) أن يميل الحجاج مع الحسين «عليه السلام» لما يرى من كثرة اختلاف الناس إليه من الآفاق، فانحدر إلى المدينة، وكتب بذلك إلى يزيد الخ..(3).
وبعد عودة الأشدق إلى المدينة، وكان ذلك في شهر رمضان. أرسل عمرو بن الزبير في سبع مئة رجل أو في ألفي رجل ليحارب أخاه عبد الله بن الزبير - وكان يزيد حلف أن لا يقبل بيعته حتى يأتوه به في جامعة - فهزمهم عبد الله بن الزبير واقتص من أخيه عمرو.
ولعل الذين نصروا ابن الزبير لم ينصروه اقتناعاً به، وإنما
دعتهم الحمية إلى رد العدوان على مكة، لأن هتك حرمتها يضر بحال أهلها، ويسقط حرمتها عند الناس، ومهما يكن من أمر فقد قال ابن كثير هنا:
«وعظم شأن ابن الزبير عند ذلك ببلاد الحجاز، واشتهر أمره، وبعد صيته، ومع هذا كله ليس هو معظماً عند الناس مثل الحسين «عليه السلام»، بل الناس إنما ميلهم إلى الحسين «عليه السلام»، لأنه السيد الكبير، وابن بنت رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فليس على وجه الأرض يومئذ أحد يساميه ولا يساويه، ولكن الدولة اليزيدية كانت كلها تناوئه»(1).
ونقول:
نحب لفت نظر القارئ إلى ما يلي:
1 - عرفنا في الجزء السابق من هذا الكتاب: أن أهل مكة ما كانوا يوالون أهل البيت «عليهم السلام»، وقد روي عن الإمام السجاد «عليه السلام» قوله: ما بمكة والمدينة عشرون رجلاً يحبنا(2).
قال أبو جعفر الإسكافي عن علي «عليه السلام»: «وأما أهل مكة فكلهم كانوا يبغضونه قاطبة»(1).
ويقول إبراهيم الإمام والأصمعي : أما مكة والمدينة، فغلب عليهما أبو بكر وعمر(2).
على أن مكة كانت تحتضن قبيلة قريش الحاقدة على أمير المؤمنين «عليه السلام»، وكل من له به أدنى صلة أو رابطة. وقد شكا على «عليه السلام» تحامل قريش وتحريضها عليه مرات عدة(3).
فإن كان هناك من فرح بقدومه إلى مكة، فلا بد أن يكونوا في الأكثر من القادمين إليها، والمعتمرين، والمجاورين فيها من غير أهلها، أو من الجماعات التي تأتي من الأطراف، لا من أهل مكة الأصليين.
2 - إن توافد الناس على الإمام الحسين «عليه السلام» أمر
1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 4 ص 103 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 298 وبحار الأنوار ج 34 ص 297 .
2) معجم البلدان ج 2 ص 352 وأحسن التقاسيم ص 293 وعيون الأخبار لابن قتيبة ج 1 ص 204 وراجع: روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار ص 67 والعقد الفريد ج 6 ص 248 والسيادة العربية ص 93 والحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ج 1 ص 102.
3) راجع. على سبيل المثال ما ذكرناه في كتاب علي «عليه السلام» والخوارج ج 1 ص 26 - 36 .
متوقع، ومألوف، وسيكون الوافدون من مختلف الفئات، والتوجهات، وسنرى فيهم العدو الذي يريد أن يستطلع الأجواء، ويرصد التحركات، ويلاحق النوايا من خلال الكلمات والهمسات.
وفيهم المحب الذي يلتمس رضا الله تعالى في مودته لأهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة..
وفيهم أيضاً من لا ينتمي إلى فئة، ولم يتخذ موقفاً، لا في هذا الاتجاه ولا في ذاك وإنما يريد أن يتعرف على هذا الوافد، وأن لا تفوته رؤيته في فرصة قد تكون نادرة بالنسبة إليه..
3 - وإذا كان الحسين «عليه السلام» يعلم بواقع أهل مكة، ويعرف طبائع الناس وميولهم وانتماءاتهم وحالاتهم، فمن الطبيعي لا يكون سبب اختياره مكة هو اعتماده على ولاء أهلها له، إذ هو يعلم بعدم وجود ولاء كهذا، وعلى فرض وجود شيء منه، فإنما هو شيء يسير، لا يستطيع أن يقدم شيئاً ذا بال لهذه المسيرة، وما يواجهها من هموم وأخطار.
كما أن الاعتماد على الوافدين والمعتمرين وسائر من ينحدر إلى مكة من الأطراف في هذا الأمر الذي يحتاج إلى خوض اللجج، وبذل المهج لم يكن هو الخيار الذي يمكن الركون إليه، لا سيما مع كون هؤلاء الوافدين من الأطراف، وإن كانوا أكثر صفاء ونقاء، وأبعد عن أجواء العداء المبطن والسافر، ولكنهم من جهة مجرد شوب من الناس، غير متجانسين عشائرياً، والقرارات الصعبة تكون عادة في يد رؤساء تلك العشائر ، أو من يكون لهم تأثير كبير فيها..
ومن جهة أخرى هم خاضعون في الأكثر لسلطان رؤسائها، ولقرارات رجالها، ومن الصعب عليهم الخروج عليها، لأن ذلك سوف يكلفهم الكثير من الأثمان في علاقاتهم وتجاراتهم وأمنهم ، ويعرضهم للكثير من الأذى في مختلف المجالات.
4 - ولأجل ذلك نرى أن الإمام الحسين «عليه السلام» قد بقي بين أظهر أهل مكة أكثر من أربعة أشهر، يدل الناس على الحق والهدى، وعرف القاصي والداني أنه رافض لبيعة يزيد، وقد لمسوا جميعاً في هذه الفترة بعضاً من صفاته وحالاته «عليه السلام»، ورأوه وعاشوا معه، وسمعوا الكثير منه مما دل على علمه، وخلقه، ونهجه، ومبادئه، مع معرفتهم بما لهذه الصفات، والأحوال، والنهج والسلوك من أثر في الصلاح والإصلاح، ومع علمهم في مقابل ذلك بصفات وحالات، ونهج وسلوك وأخلاق يزيد، وما لها من أثر كارثي على حياة الناس ومستقبلهم، ودينهم.
ومع ذلك كله، لم نجد أهل مكة، ولا غيرهم من المعتمرين والوافدين قد عرضوا عليه أن يكونوا معه، وتحت لوائه، وأن يأتمروا بأمره، بل انصرفوا إلى التلهي بشؤونهم ولم يبالوا ولم يهتموا به، وبما يدعو ويرشد إليه، وهو سيد شباب أهل الجنة، والإمام المنصوب من الله ورسوله، والذي نص معاوية نفسه على أن الأمر له من بعده.. لا ليزيد، ولا لغيره من الشجرة الأموية..
وقد خرج «عليه السلام» من مكة، وهو يدق لهم ناقوس الخطر،
ويقول:
إذا كان بنو أمية من أجل القبض على رجل لم يبايع يزيد المتغلب، والغاصب، والفاسق، والقاتل، يجترؤون على مكة، ويكسرون هيبتها، ويهتكون حرمتها، ويجهزون السرايا والجيوش للبطش بأهلها ، وقتلهم ، وإفساد حياتهم، وألا يدلهم ذلك على صحة توقعات الإمام الحسين «عليه السلام» وصحة ما يخبرهم به مما سيجري عليه من هؤلاء المجرمين.
وإذا كانوا من جهة أخرى مصممين على قتل الحسين بن علي «عليه السلام»، وهو ابن بنت نبيهم، وأقدس رجل على وجه الأرض، والذي نزلت الآيات الكثيرة في فضله، ولزوم مودته، ومحبته وقد دسوا الرجال لكي يغتالوه في أقدس مكان، وفي أشرف وأفضل الأيام. ولو كان متعلقاً باستار الكعبة.
فإذا كان الأمر كذلك، وقد اضطر هذا الرجل الأقدس إلى الخروج من هذا البلد الأقدس، ليحفظ حرمته، وليواجه القتل بعيداً عنه، فماذا سيكون حال ومصير الناس، العاديين بعده، هل سيعيشون حياتهم في رخاء، وهناء، وكرامة؟!
ألا ينبئهم هذا الذي يرونه عما سيحيق بهم، وبأموالهم وأعراضهم، وبدينهم ومقدساتهم، إذا تحكم بهم راع مثل يزيد؟! وقد أعلنها الإمام الحسين «عليه السلام» صريحة مدوية: أن على الإسلام السلام إذ ابتليت الأمة براع مثل يزيد.
وما الذي يمنع يزيد من قتلهم، وسلب أموالهم، وسبي نسائهم، وهتك أعراضهم، فإن قتل الحسين ومن معه، نسائه، قد جرأ وسبي يزيد وبني أمية، وكل ظالم وآثم على ارتكاب أفظع الجرائم، واقتراف أعظم العظائم، حتى هدم الكعبة، واستباحة أهل المدينة، وقتل أهلها، وهتك الأعراض فيها، حتى افتضت ألف بكر، وحملن من جيش يزيد، ولم يكن لهن أزواج(1).
لقد خرج الحسين من مكة ولم يرف لأحد جفن، لا لأهل مكة، ولا للمعتمرين الوافدين الذين جاؤوا إلى بيت الله زاعمين أنهم تائبون من
1) راجع: وفيات الأعيان ج 6 ص 276 وعمدة القاري ج 17 ص 220 و 221 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 1 ص 241 وج 6 ص 262 والتحفة اللطيفة ج 1 ص 44 وج 2 ص 411 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 6 ص 15 والمسترشد للطبري ص 510 والغدير ج 10 ص 35 وراجع: أوائل المقالات للشيخ المفيد ص310 و 311 وراجع: ينابيع المودة ج 3 ص 35 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 26 والنصائح الكافية ص 62 وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص 209 و (ط مطابع معتوق إخوان) ص 228 والنص والإجتهاد ص 465 و 466 والكنى والألقاب ج 3 ص 83 وتاريخ مدينة دمشق ج 58 ص 108 وسير أعلام النبلاء ج3 ص323 وإمتاع الأسماع ج 12 ص 246 وج 14 ص 154 والنجوم الزاهرة ج 1 ص 161 ودلائل النبوة ج 6 ص 475 والخصائص الكبرى ج 2 ص 141 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة ) ج 1 ص 267 والفصول المهمة للسيد شرف الدين ص128 و 129.
ذنوبهم، مطيعيون لأمر ربهم، فهل أطاعوه في قوله تعالى: (قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)(1). وفي قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)(2). فهل كانوا مع الصادقين، أم مع المجرمين؟!
وكان المعتمرون والوافدون، والمجاورون يسمعون من الحسين «عليه السلام» ما ينير القلوب، ويقيم الحجة، ويزيل الغشاوة، ولا نشك في أنهم كانوا على يقين من حقانية وصحة ما كان يقوله لهم، ولكنهم تجاهلوها على قاعدة : (وَجَحَدُوا بهَا وَاسْتَيْقنتْهَا أَنْفُسُهُم)(3).
وتقدم: أن الحسين «عليه السلام» نزل في البداية بأعلى مكة، وضرب فسطاطاً ضخماً .. وهذا التدبير منه «عليه السلام» كان مقصوداً في رمزيته، ودلالاته، فهو «عليه السلام»:
1 - اختار أعلى مكة لنزوله. ولنفس كلمة (أعلى مكة) إيحاؤها ودلالاتها، وأثرها على النفس في مقام التداول التعبيري، وما فيه من معنى العزة والكرامة والسمو والسؤدد . فلو أنه «عليه السلام» نزل أي مكان آخر من مكة لفقد هذا الإيحاء المؤنس والجميل.
2 - إنه «عليه السلام» ضرب فسطاطاً في مكة، ولم ينزل في بيت من بيوتها، ولم يذكر التاريخ لنا أن أحداً من أهل مكة وسكانها عرض عليه النزول في داره، بأن يتحول له عنها إلى بيت له آخر، أو إلى بيت أبيه، أو أخيه أو ابنه، أو أي من قرابته، سوى ما تقدم عن ابن عباس: أنه هو الذي حوله إلى دار العباس.. بعد أن قدم ابن عباس مكة.
وسيأتي: أننا نشك في أن يكون «عليه السلام» قد قبل من ابن عباس ما عرضه عليه. بل نكاد نقطع بعدمه.
3 - ونحن نعلم أن مكة قد فتحت عنوة، واستسلم أهلها خوفاً من القوة التي أرعبتهم ، ولم تفتح صلحاً، وكان «صلى الله عليه وآله» حريصاً على عدم حصول قتال فيها، وإن كان خالد بن الوليد قد حاول شيئاً من ذلك حيث أوقع بالذين اجتمعوا بالخندمة، وقتلهم، بغير رضى من رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فأرسل إليه رسول الله «صلى الله عليه وآله» فلما حضر قال :له «قاتلت، وقد نهيت عن القتال»؟!.
فادعى خالد: أنهم هم الذين بدأوه. فأمره «صلى الله عليه وآله» بالكف عن الطلب(1).
وقد قال النبي «صلى الله عليه وآله» لأهل مكة: «اذهبوا فأنتم
1) راجع: الصحيح من سيرة النبي الأعظم «صلى الله عليه وآله» ج22 ص 88 - 91 فصل: القتال في مكة.
الطلقاء»، بعد أن قررهم فيما يتوقعون أنه صانعه بهم. وهذا يؤكد أن مكة قد فتحت عنوة لا صلحاً .
4 - وقد نزل رسول الله «صلى الله عليه وآله» في فتح مكة في قبة من أدم بالحجون عند شعب أبي طالب(1)، ولم ينزل في أي دار من دورها، لأن المشركين كانوا بعد الهجرة يسعون للإستيلاء على بيوت المسلمين حين يتركونها ويهاجرون فيبيعونها لصالح من لم يسلم من قرابة صاحب تلك الدار ، فباع عقيل «رحمه الله» منازل بني هاشم، ومنها منازل رسول الله «صلى الله عليه وآله». (ولا نظن أنه قد فعل ذلك من تلقاء نفسه، ومن دون رخصة..).
فقيل لرسول الله «صلى الله عليه وآله» في فتح مكة: أنى تنزل غدا؟! تنزل في دارك.
فقال : وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دار»؟!.
قال الصالحي الشامي: كان عقيل قد باع منزل رسول الله «صلی الله عليه وآله»، ومنزل إخوته من الرجال والنساء بمكة، فقيل لرسول
1) المغازي للواقدي ج 2 ص 829 وسبل الهدى والرشاد ج 5 ص 230 والسيرة الحلبية ج 3 ص 85 و (ط دار المعرفة) ج 3 ص 333 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 3 ص 327 وبحار الأنوار ج 21 ص 105 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 17 ص 276 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 136 وغزوات الرسول وسراياه لابن سعد ص136 وراجع مجمع البيان ج 10 ص 556.
الله «صلى الله عليه وآله» فانزل في بعض بيوت مكة غير منازلك. فأبى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وقال: لا أدخل البيوت.
ولم يزل رسول الله «صلى الله عليه وآله» مضطرباً بالحجون. ولم يدخل بيتا، وكان يأتي المسجد لكل صلاة من الحجون»(1).
وعن عطاء: لما هاجر رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلى المدينة لم يدخل بيوت مكة. فاضطرب بالأبطح في عمرة القضية، وعام الفتح، وفي حجته(2).
ولكنه «صلى الله عليه وآله» زار أم هاني في بيتها، واغتسل وصلى عندها، وذلك إعزازاً منه «صلى الله عليه وآله» لها، وإكراماً لأخيها على «عليه السلام».
5 - إن من الأحكام الخاصة بمكة : أنه ليس لأهلها أن يواجروا دورهم، وأن يغلقوا عليها أبوابا(3)، وأن للحاج أن ينزلوا في دورها
1) سبل الهدى والرشاد ج 5 ص 231 والمغازي للواقدي ج 2 ص829 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 17 ص 277 ونصب الراية ج 6 ص 171 والدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 2 ص 236 و 237 وإمتاع الأسماع ج 1 ص 388 وراجع: أخبار مكة للأزرقي ج 2 ص 161.
2) المغازي للواقدي ج 2 ص 829.
3) راجع: قرب الإسناد ص 52 وراجع ص 65) و (ط مؤسسة آل البيت سنة 1413هـ) ص 108 وبحار الأنوار ج 33 ص 164 وج 96 ص 81 و 82 ومستدرك سفينة البحار ج 9 ص 412 وعلل الشرائع ص 396 وتهذيب الأحكام (ط دار الكتب الإسلامية سنة 1365هـ) ج 5 ص 463 والبرهان (تفسير) ج 3 ص 867 و 84 وهداية الأمة للحر العاملي ج 5 ص204 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 13 ص 269 و (الإسلامية) ج 9 ص 368 وبحار الأنوار ج 33 ص 164 وج 96 ص 81 وجامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 100 و 99 و 101 ومستدرك سفينة البحار ج 9 ص 412 ومنتقى الجمان ج 3 ص 476 .
حتى يقضوا مناسكهم، ولا ينبغي لأهل مكة أن يمنعوا الحاج شيئاً من الدور ينزلونها(1).
6 - وإذا كان رسول الله «صلى الله عليه وآله» لم ينزل في أي من دور مكة، فإن أمير المؤمنين أيضاً لم يبت في مكة بعد الهجرة، لأنه يكره أن يبيت بأرض هاجر منها رسول الله «صلى الله عليه وآله». وكان يصلي العصر ويخرج منها ويبيت بغيرها(2).
1) مسائل علي بن جعفر ص 143 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 13 ص270 و (الإسلامية) ج 9 ص 369 وبحار الأنوار ج 10 ص 265 وج 96 ص 81 وجامع أحاديث الشيعة ج 10 ص100 وهداية الأمة للحر العاملي ج 5 ص 203 ومستدرك سفينة البحار ج 9 ص 412 والبرهان (تفسير) ج3 ص 868.
2) علل الشرايع ص 396 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 452 وبحار الأنوار ج 96 ص 82 وعيون أخبار الرضا ج 2 ص 84 و (ط الأعلمي سنة 1404هـ) ج 2 ص 90 والمقنعة ص 70 وروضة المتقين ج4 ص 22 و 42 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 13 ص 235 و (الإسلامية) ج 9 ص 343 وبحار الأنوار ج 41 ص 107 وج 96 ص 82 وجامع أحاديث الشيعة ج 12 ص 225 و 226 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج1 ص 136 وسفينة البحار ج 8 ص 93 .
7 - وروي نحو ذلك عن الإمام الصادق «عليه السلام» فعن يونس بن يعقوب، عن الإمام الصادق «عليه السلام»: أنه حين أمر بمناظرة رجل شامي ورد عليه قال يونس فلما استقر بنا المجلس وكنا في خيمة لأبي عبد الله «عليه السلام» على طرف جبل في طرف الحرم، وذلك قبل الحج بأيام أخرج أبو عبد الله رأسه من الخيمة فإذا هو ببعير يخب الخ..(1).
فكأن عدم مبيت الأئمة في دور مكة قد أصبح ديدنا وطريقة لهم.
8 - وبعدما تقدم نقول:
إننا لا نستطيع أن نؤكد ما يزعمونه من أن عبد الله بن عباس قد حول الحسين «عليه السلام» من الفسطاط الذي ضربه في أعلى مكة إلى دار العباس فإن الحسين «عليه السلام» هو خير من تأسى برسول الله «صلى الله عليه وآله»، وبأبيه أمير المؤمنين «عليه السلام»، فلم يكن ليقيم في مكة لأن رسول الله «صلى الله عليه وآله» أخرج منها ، ولأن الإقامة بها تقسي القلب، زاد في رواية قوله: حتى
1) بحار الأنوار ج 48 ص 203 و ج 23 ص 10 وإعلام الورى ج1 ص530 والإرشاد ج 2 ص 195 و (ط دار المفيد) ج 2 ص 198 وكشف الغمة ج 2 ص 388 والإحتجاج ج 2 ص 123 ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص368.
يأتي فيها ما يأتي في غيرها(1).
فلم يكن لينزل في دار العباس، ولا في دار غيره.. حتى وإن سعی ابن عباس إلى نقله إلى دار العباس.. ولكننا لا نمنع من أن يكون قد زار ابن عباس في تلك الدار ، كما زار رسول الله «صلى الله عليه وآله» أم هاني في بيتها حين دخل مكة ، وصلى فيه، ولكنه لم يقم فيه، وإن كان هناك من ادعى ذلك كما يفهم من كلام الصالحي الشامي(2).
وحين ينصح ابن الزبير الإمام الحسين «عليه السلام» بأن يسير إلى العراق، فإن ما يهمه من هذا المسير هو أن تخلو له الساحة في الحجاز، ويصبح قادراً على مطالبة الناس بالبيعة له.
ولعله كان يتوقع أن يواجه الحسين «عليه السلام» من أهل العراق ما واجهه أبوه وأخوه من متاعب ومصاعب، فإن تغلب عليها، فلن يضيره ذلك إذا استطاع هو - أعني ابن الزبير - أن يستميل أهل
1) بحار الأنوار ج 96 ص 80 و 81 والكافي ج 4 ص 230 ومن لا يحضره الفقيه ج 2 ص 165 و 126 و (ط جماعة المدرسين) ج 2 ص 194 وعلل الشرايع ص 446 ومستدرك سفينة البحار ج 9 ص 412 وروضة المتقين ج 4 ص 22 وهداية الأمة للحر العاملي ج 5 ص 202 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 13 ص 234 و (الإسلامية) ج 9 ص 342 وجامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 411 و 412 وج 12 ص 225 .
2) سبل الهدى والرشاد ج 5 ص 268 .
الحجاز إلى بيعته، ومساعدته في الوصول إلى ما يطمح إليه..
وربما ظن ابن الزبير : أن مشورته هذه هي التي جعلت الحسين «عليه السلام» يفكر بالعراق، والحال أن الأمر لم يكن كذلك، فقد صرح الحسين «عليه السلام» لأم سلمة في المدينة بأنه يريد العراق.. كما أن الأحاديث الكثيرة التي يتداولها الناس من عهد رسول الله «صلى الله عليه وآله» قد حددت مسيره ومصيره، وأن كربلاء هي الموضع الذي يستشهد فيه..
ولا نبعد إذا قلنا: إن ابن الزبير كان على علم بهذا الأمر، كما كان غيره على علم به، وأن مشورته عليه بالتوجه إلى العراق لم تكن مشورة بريئة، بل كانت مشوبة برجاء وبتوقع حصول ما أخبره به رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وقد عرفه القاصي والداني.
وقبل أن نتابع حديثنا حول سائر ما جرى له «علیه السلام» نود لفت نظر القارئ الكريم إلى أن عمرو بن سعيد (المعروف بالأشدق) حين انتقل إلى المدينة قد جهز السرايا، وأرسلها إلى مكة لكي تقبض على ابن الزبير، وكان قائد هذه الحملة هو عمرو بن الزبير الذي كان حاقداً على أخيه عبد الله.
فيبدو لنا أن استعداد عمرو بن الزبير لقتال أخيه، وقبول فئات من الناس بأن ينضووا تحت لوائه، ويهاجموا مكة، وهي أقدس البلاد، وقد جعلها الله تعالى حرما آمنا، قد كشف لجميع الناس الحقيقة
الإجرامية لمناوئي أهل البيت «عليهم السلام»، وقطع الشك باليقين، وأسفر الصبح لذي عينين.
فإذا أضيف إلى ذلك إخافتهم أقدس الناس، ومن ليس على وجه الأرض من يساميه، أو يساويه حتى اضطر إلى ترك المدينة إلى مكة، ثم سعيهم لقتله حتى في مكة نفسها، واضطراره لتركها إلى العراق ليقتل هناك. ثم سبوا حرم بيت النبوة من بلد إلى بلد. - إن ذلك - يوضح لكل أحد، أنهم لا يهابون قتل أي إنسان بعد قتل الحسين «عليه السلام»، ولا يراقبون الله في الأموال، ولا في الأعراض، ولا يمنعهم قداسة شيء عن بلوغ أهدافهم فيه، وتحقيق رغباتهم. وقد أشرنا إلى ذلك فيما سبق..
وقد قال عمرو بن سعيد بن العاص (المعروف بالأشدق) للإمام الحسين «عليه السلام» ما أقدمك ؟!
فقال « عليه السلام»: عائذاً بالله، وبهذا البيت(1).
ونقول:
1 - ظهر مما جرى للإمام الحسين «عليه السلام» مع الوليد بن عتبة، ومروان بن الحكم: أن المدينة لم تكن المحل الآمن بالنسبة إليه، وأنه لا بد له من معاذ يأمن فيه من الاغتيال، أو من الإعتقال، الذي
1) تذكرة الخواص ج 2 ص 133 و (ط أخرى) ج 2 ص 248 .
يعطي السلطة فرصة التحكم بمصيره، وربما راق لها أن تتخلص منه بالطريقة التي تزيدها قوة وشوكة في مقابل الحق وأهله.
وتكون النتيجة هي: أن يتحول استشهاده «عليه السلام» من سبب لحفظ الدين، ونصرة الحق، وامتيازه عن الباطل إلى سبب لتأييد الباطل وتكريسه، وخذلان الحق، وإذلال أهله.
فكانت الحاجة ماسة إلى موضع آمن يتمكن فيه من الإمساك بأزمة الأمور، ولو جزئياً، ويجعله يشارك في التحكم بمسارها، وإقامة الحجة على الناس.
فكانت مكة هي ذلك المكان المنشود، الذي يستطيع أن يوفر له هذا الجو، ولكن لوقت محدود.
2 - وحين رأى الأشدق اهتمام الناس بالحسين «عليه السلام»، ووفودهم عليه، واجتماعهم إليه أدرك أن مواجهته بالشدة والعنف ستكون في غير صالحه، فحاول أن يطرح هذا السؤال عليه، فلعله يسمع منه جواباً يدلل على أنه «عليه السلام» ناقم، وطاعن على الحكم، ساع في إسقاطه، ليكون هو البديل عنه، لكي يدعي الأشدق وحزبه للناس: أن الحسين «عليه السلام» هو المعتدي والظالم.
ولكن الجواب الذي سمعه أظهر للناس أن الحكم هو المعتدي على الحسين «عليه السلام»، والساعي في سفك دمه، حتى لم يعد له محل آمن يأوي إليه. مع أن الكل يعلم أنه لم يقترف ذنباً، ولم يحرك ساكنا..
فلا بد أن يسأل الناس عن سبب هذه القسوة، وعن المبرر لهذه
المعاملة مع أقدس إنسان على وجه الأرض.. ولماذا تخيفه السلطة وتلاحقه وهي التي تدعي أنها تحفظ أمن الناس؟!
3 - إن هذه الإجابة التي سمعها الأشدق منه «عليه السلام» قد جعلت أمر اغتياله «عليه السلام» على يد السلطة في غاية الصعوبة، فقد علم القاصي والداني أن من يلاحق الحسين «عليه السلام»، ويحتاج الحسين إلى معاذ منه هو السلطان والحاكم نفسه، إذ لو كان الأمر يرتبط بغيره لم يحتج إلى الملجأ والمعاذ، لأن المفروض بالسلطان أن يكون هو الدافع والمحامي عنه..
وهذا معناه: أن أي سوء يلحق به سيكون معلوم المصدر والمآل، وسوف تنصب النقمة مباشرة على هذا المتهم الذي دلت الأدلة عليه وأشارت الأصابع إليه.
وسيكون جرمه أعظم بنظر الناس حين ينفذ جريمته في حق أقدس البشر في أقدس الأمكنة، وفي الموضع الذي جعله الله تعالى حرماً آمناً..
وقال ابن كثير: إن الإمام «عليه السلام» - وهو في مكة - بعث إلى المدينة، يقدم عليه من خف من بني عبد المطلب، فخف إليه جماعة منهم، وتبعهم محمد ابن الحنفية(1).
1) البداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 178 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 211 وتهذيب الكمال ج 6 ص 421 وبغية الطلب لابن العديم ج 6 ص 2612 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 9 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر (بتحقيق المحمودي) ص 298 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص61
وقال المزي: «.. وبعث حسين «عليه السلام» إلى المدينة، فقدم عليه من خف معه من بني عبد المطلب، وهم تسعة عشر رجلاً، ونساء، وصبيان من إخوانه، وبناته، ونسائهم.
وتبعهم محمد ابن الحنفية، فأدرك حسينا بمكة. وأعلمه أن الخروج ليس له برأي يومه هذا.
فأبى الحسين (عليه السلام أن يقبل فحبس مُحَمَّد بْن عَلِي ولده، فلم يبعث معه أحداً منهم ، حتى وجد حسين «عليه السلام» في نفسه على مُحَمَّد، وقال: ترغب بولدك عن موضع أصاب فيه؟!
فقال مُحَمَّد : وما حاجتي أن تصاب ويصابوا معك، وإن كَانَ مصيبتك أعظم عندنا منهم»(1).
1) تهذيب الكمال ج 6 ص 421 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 211 والبداية والنهاية ج 8 ص 165 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 178 وبغية الطلب لابن العديم ج 6 ص2612 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص298 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 61 ومختصر تاريخ مدينة دمشق ج 7 ص 143 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 26 عنه، وعن المصادر التالية : الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 451 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 9 وسير أعلام النبلاء ج3 ص 304 وليس فيه ذيله من «فقال محمد...».
ونقول:
لاحظ الأمور التالية:
تقدم: أن الحسين «عليه السلام» حين خرج من المدينة خرج بجميع أهله على حد تعبير ابن أعثم والخوارزمي، ولكن ذلك لا يعني خروج بني هاشم، أو بني عبد المطلب معه، فهناك أمور يحتاج بعض الناس إلى تدبيرها أو إلى حفظها، أو إلى تهيئة ظروف ووسائل حملها أو نقلها، كالرواحل والأدوات والأوعية وما إلى ذلك.
وعلى هذا، فقد يكون الحسين «عليه السلام» قد هيأ الأجواء لدى أهله، وأقاربه الأدنين بنحو يستطيع أن يرحل بهم في أي وقت شاء. ولكنه لو أراد أن يشيع هذا الجو في محيط أوسع، فربما يثير الشبهات والشكوك التي تنتهي بكثير من المتاعب والمصاعب.
ولكن إذا تمكن هو «عليه السلام» من الانتقال بطائفة من الذين يريد أن يكونوا معه إلى موضع آمن، فإنه يستطيع أن يطلب من الآخرين اللحاق به، إما تحت شعار الرغبة في أداء مراسم الحج، أو بذريعة الرغبة بالابتعاد عن مواضع التوتر، حتى لا يكونوا مكسر عصا لكل لئيم أو حاقد، أو بأية ذريعة أخرى تستطيع أن تبرر انتقالهم من هذا البلد إلى ذاك.
ولعل هذا الطلب منه «عليه السلام» إلى بني هاشم، أو بني عبد المطلب، وتلبيتهم إياه قد كان حين عزم على المسير إلى العراق، ليكون من يحب منهم معه في ذلك السفر المصيري، والحاسم.
1 - قد أظهر النص المتقدم: أن ابن الحنفية لم يبادر إلى اللحاق به «عليه السلام» إلى مكة مع من لحق به من بني هاشم أو بني عبد المطلب، بل بقي بالمدينة إلى أن أحس بأن الحسين «عليه السلام» يتهيأ لمغادرة مكة إلى العراق. فخرج إلى مكة، فأدركه فيها قبل أن يخرج..
2 - ظهر: أن ابن الحنفية قد جاء إلى الحسين «عليه السلام» في آخر أيام مكثه في مكة. وفي هذه المناسبة جرت له مع الحسين «عليه السلام» وقفات ومحاورات تهدف إلى اعتماد الخيار الأمثل في المسيرة الحسينية الإصلاحية الهادفة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على حد تعبير الإمام «عليه السلام».
وسوف نذكر ما جرى بينه وبين الإمام الحسين «عليه السلام» حين ذكرنا ما جرى في الليلة الأخيرة، واليوم الأخير من مدة مكثه «عليه السلام» في مكة.
وحول منع ابن الحنفية أبناءه من نصرة أخيه نقول:
أولاً : إن محمد ابن الحنفية الذي يصرح بأن الإمام الحسين «عليه
السلام» إمامه، وتجب عليه طاعته، لا يمنع أولاده من نصرة أخيه، الإمام المنصوص عليه من الله ورسوله.
ثانياً : إن أمير المؤمنين «عليه السلام» قال: إن المحامدة تأبى أن يعصى الله عز وجل.
قلت: ومن المحامدة؟!
قال: محمد بن جعفر، ومحمد بن أبي بكر ، ومحمد بن أبي حذيفة، ومحمد ابن أمير المؤمنين إلخ..(1).
1) راجع: إختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ص 70 و (ط مؤسسة آل البيت «عليهم السلام» لإحياء التراث سنة 1404 هـ) ج 1 ص 286 (125) ومنتهى المقال ج 5 ص 293 ونقد الرجال للتفرشي ج 4 ص 97 وجامع الرواة للأردبيلي ج 2 ص 45 ومستدركات علم رجال الحديث للنمازي ج 6 ص 374 ومعجم رجال الحديث للسيد الخوئي ج 15 ص 247 وقاموس الرجال للتستري ج 9 ص 19 وج 9 ص 158 و 243 وبحار الأنوار ج 33 ص 242 وج 34 ص 282 والغارات للثقفي ج 2 ص 752.
ويقول ابن أعثم، والخوارزمي عنه:
وبلغ أهل الكوفة أن الحسين بن علي قد صار إلى مكة.
وأقام الحسين بمكة باقي شهر شعبان، ورمضان، وشوالاً، وذا القعدة.
قال : وبمكة يومئذ عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر بن الخطاب. فأقبلا جميعاً حتى دخلا على الحسين، وقد عزما على أن ينصرفا إلى المدينة فقال له ابن عمر أبا عبد الله ! رحمك الله، اتق الله الذي إليه معادك! فقد عرفت من عداوة أهل هذا البيت لكم، وظلمهم إياكم، وقد ولي الناس هذا الرجل، يزيد بن معاوية، ولست آمن أن يميل الناس إليه، لمكان هذه الصفراء والبيضاء، فيقتلونك، ويهلك فيك بشر كثير، فإني قد سمعت رسول الله «صلى الله عليه وآله» وهو يقول: «حسین مقتول، ولئن قتلوه، وخذلوه ولن ينصروه ليخذلنهم الله إلى يوم القيامة»!.
وأنا أشير عليك أن تدخل في صلح ما دخل فيه الناس، واصبر كما صبرت لمعاوية من قبل، فلعل الله أن يحكم بينك وبين القوم
الظالمين.
فقال له الحسين: أبا عبد الرحمن! أنا أبايع يزيد، وأدخل في صلحه، وقد قال النبي «صلى الله عليه وآله» فيه وفي أبيه ما قال؟!
فقال ابن عباس: صدقت أبا عبد الله ! قال النبي «صلى الله عليه وآله» في حياته: «ما لي وليزيد، لا بارك الله في يزيد! وإنه يقتل ولدي، وولد ابنتي الحسين والذي نفسي بيده لا يقتل ولدي بين ظهراني قوم فلا يمنعونه إلا خالف الله بين قلوبهم وألسنتهم!
ثم بكى ابن عباس، وبكى معه الحسين وقال: يا ابن عباس ! تعلم أني ابن بنت رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟!
فقال ابن عباس: اللهم نعم، نعلم ونعرف أن ما في الدنيا أحد هو ابن بنت رسول الله «صلى الله عليه وآله» غيرك. وإن نصرك لفرض على هذه الأمة، كفريضة الصلاة [والصيام] والزكاة التي لا يقدر أن يقبل أحدهما دون الأخرى.
قال الحسين: يا ابن عباس ! فما تقول في قوم أخرجوا ابن بنت رسول الله «صلى الله عليه وآله» من داره وقراره، ومولده، وحرم رسوله، ومجاورة قبره، ومسجده ، وموضع مهاجره، فتركوه خائفاً مرعوباً، لا يستقر في قرار، ولا يأوي في موطن، يريدون في ذلك قتله، وسفك دمه، وهو لم يشرك بالله شيئاً، ولا اتخذ من دونه ولياً، ولم يتغير عما كان عليه رسول الله «صلى الله عليه وآله»، والخلفاء من بعده؟!
فقال ابن عباس : ما أقول فيهم [إلا] (أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاة إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى)(1).
(يُرَاعُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا * مُدْبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا)(2).
وعلى مثل هؤلاء تنزل البطشة الكبرى.
وأما أنت يا ابن [بنت] رسول الله «صلى الله عليه وآله» فإنك رأس الفخار برسول الله «صلى الله عليه وآله» وابن [وصيه، وفرخ الزهراء] نظيرة البتول.
فلا تظن يا ابن بنت رسول الله أن الله غافل عما يعمل الظالمون، وأنا أشهد أن من رغب عن مجاورتك، وطمع في محاربتك، ومحاربة نبيك محمد «صلى الله عليه وآله» فما له من خلاق.
فقال الحسين : اللهم اشهد.
فقال ابن عباس: جعلت فداك يا ابن بنت رسول الله! كأنك تريدني [في نص آخر: تنعى إلي] إلي نفسك، وتريد مني أن أنصرك! والله الذي لا إله إلا هو أن لو ضربت بين يديك بسيفي هذا حتى [ينقطع وتنخلع يداي] جميعاً من كفي لما كنت ممن أوفي من حقك عشر العشر [العشير] ! وها أنا بين يديك مرني بأمرك.
فقال ابن عمر: مهلا ، ذرنا من هذا يا ابن عباس.
قال: ثم أقبل ابن عمر على الحسين فقال: أبا عبد الله! مهلا عما قد عزمت عليه، وارجع من هنا إلى المدينة، وادخل في صلح القوم. ولا تغب عن وطنك، وحرم جدك رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ولا تجعل لهؤلاء الذين لا خلاق لهم على نفسك حجة وسبيلاً.
وإن أحببت أن لا تبايع، فأنت متروك حتى ترى رأيك ، فإن يزيد بن معاوية - «لعنه الله» - عسى أن لا يعيش إلا قليلاً، فيكفيك الله أمره .
فقال الحسين: أف لهذا الكلام أبداً ما دامت السماوات والأرض! أسألك بالله يا عبد الله، أنا عندك على خطأ من أمري هذا؟! فإن كنت عندك على خطأ فردني، فإني أخضع [أرجع]، وأسمع وأطيع.
فقال ابن عمر : اللهم لا ، ولم يكن الله تعالى يجعل ابن بنت رسوله على خطأ، وليس مثلك في طهارته وصفوته [موضعه] من الرسول «صلى الله عليه وآله» [أن يسلّم] على مثل يزيد بن معاوية - «لعنه الله» - باسم الخلافة، ولكن أخشى أن يضرب وجهك هذا الحسن الجميل بالسيوف، وترى من هذه الأمة ما لا تحب، فارجع معنا إلى المدينة، وإن لم تحب أن تبايع فلا تبايع أبدأ ، واقعد في منزلك.
فقال الحسين: هيهات يا ابن عمر! إن القوم لا يتركوني، إن أصابوني، وإن لم يصيبوني فلا يزالون [فإنهم يطلبوني أبدا] حتى أبايع وأنا كاره، أو يقتلوني .
أما تعلم يا عبد الله ! [يا أبا عبد الرحمان] أن من هوان هذه الدنيا
على الله تعالى أنه أتي برأس يحيي بن زكريا «عليه السلام» إلى بغي من بغايا بني إسرائيل، والرأس ينطق بالحجة عليهم؟! [فلم يضر ذلك يحيى بن زكريا، بل ساد الشهداء، فهو سيدهم إلى يوم القيامة].
أما تعلم أبا عبد الرحمن! أن بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبياً ، ثم يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون كلهم كأنهم لم يصنعوا شيئاً؟! فلم يعجل الله عليهم، ثم أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر [ذي انتقام].
اتق الله أبا عبد الرحمن، ولا تدعن نصرتي، واذكرني في صلاتك، فوالذي بعث جدي محمداً «صلى الله عليه وآله» بشيراً ونذيراً لو أن أباك عمر بن الخطاب أدرك زماني لنصرني كنصرته جدي، ولقام من دوني قيامه بين يدي جدي.
یا ابن عمر ! فإن كان الخروج معي مما يصعب عليك ويثقل، فأنت في أوسع العذر ، ولكن لا تتركن لي الدعاء في دبر كل صلاة، واجلس عن القوم، ولا تعجل بالبيعة لهم حتى تعلم إلى ما تؤول الأمور.
قال: ثم أقبل الحسين على عبد الله بن عباس «رحمه الله» فقال: یا ابن عباس! إنك ابن عم والدي، ولم تزل تأمر بالخير منذ عرفتك، وكنت مع والدي تشير عليه بما فيه الرشاد، وقد كان [يستصحبك، و] يستنصحك ويستشيرك، فتشير عليه بالصواب، فامض إلى المدينة في حفظ الله وكلائه، ولا يخفى [تخف] علي شيء [شيئاً] من أخبارك،
فإني مستوطن هذا الحرم، ومقيم فيه أبداً ما رأيت أهله يحبوني [نني] وينصروني [نني]، فإذا هم خذلوني استبدلت بهم غيرهم، واستعصمت بالكلمة التي قالها إبراهيم الخليل «عليه السلام» يوم ألقي الله في النار: «حسبي ونعم الوكيل»، فكانت النار عليه برداً وسلاماً .
قال: فبكى ابن عباس وابن عمر في ذلك الوقت بكاء شديداً، والحسين يبكي معهما ساعة، ثم ودعهما.
وصار ابن عمر وابن عباس إلى المدينة، وأقام الحسين بمكة قد لزم الصوم والصلاة، واجتمعت الشيعة بالكوفة الخ..(1).
ونقول:
إن لنا مع النص المتقدم وقفات، وهي:
لقد بذل عبد الله بن عمر محاولتين لإقناع الإمام الحسين «عليه السلام» بالعدول عما عقد العزم عليه من عدم البيعة ليزيد.
الأولى: حاول أن يقنعه بأن يبايع يزيد بن معاوية، متذرعاً بما يلي:
أولاً : بالتخويف من أمور عدة.
1 - من بطش بني أمية، الذين لا يردعهم عن ذلك رادع، ولا
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 23 - 26 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص 190 وما جعل بين المعقوفتين منه، لأنه نقل عن ابن أعثم أيضاً.
يزعهم عنه وازع.
ويلاحظ هنا: أنه أضاف قيدا قد تشتم منه رائحة المنهج العشائري في فهم الأمور، فقد قال ابن عمر عن بني أمية. «فقد عرفت عداوة أهل هذا البيت لكم، وظلمهم إياكم».
فهو يخص العداوة والظلم الذي يمارسه بنو أمية ببني هاشم!! وكأنهم يعادونهم ويظلمونهم لدواع وعصبيات وعداوات عشائرية، وكأن ظلمهم لا يتعدى بني هاشم وأهل البيت إلى غيرهم.. فهل يريد أن يزعم: عدم وجود هذه العداوة والتنافس والعصبية العشائرية بين بني أمية وغير بني هاشم؟! فإن كان هذا هو ما انطلق منه ابن عمر في حكمه على الأمور، فهو ظلم للحقيقة، وتزوير للتاريخ، فإن الاستكبار والظلم، والانحراف عن الحق، وكراهة الدين وأهله كان هو الصفة التي تطبع الشخصية الأموية بطابعها، وتهيمن على نهجها وتتحكم بسلوكها.
2 - بالتخويف من شراء الذمم ، والاغراءات المالية للناس، لأن الأموال في أيديهم..
ثانياً : تذرع ابن عمر للإمام الحسين «عليه السلام» بأن الناس قد بايعوا يزيد، فعلى الحسين «عليه السلام» أن يبايعه أيضاً. وكأن على الإمام الحسين «عليه السلام» أن يكون تابعاً لعامة الناس الذين هم في الغالب من الهمج الرعاع، الذين ينعقون مع كل ناعق، ويتأثرون بالترغيب والترهيب، فيشتريهم طالبهم بالمال ، ويسوقهم إلى حيث
يريد بالسيف والعصا.
والحال، أن الحسين «عليه السلام» يجب أن يكون هو المرجع للناس - لا العكس - وهو الذي يقرر ، ويتبع ويطاع، بحكم موقعه من هذا الدين. وعميق معرفته به، وظهور تجلياته فيه، وتفاعله معه.
ولا ندري لماذا لم يجعل ابن عمر عدم مبايعة الحسين، وهو سيد شباب أهل الجنة، وأقدس مخلوق على وجه الأرض، من أسباب وهن يزيد، ومن موجبات فقدان حكمه للشرعية التي يدعيها له..
ثالثاً: إن ابن عمر يخوف الإمام الحسين «عليه السلام» من القتل، أي أن الغاية القصوى التي جعلها نصب عينيه هي حياة الإمام «عليه السلام»، فلا بد - بنظره - من التضحية والتنازل عن كل شيء في هذا السبيل..
في حين أن منطق الإمام الحسين «عليه السلام» يقول: إن المعيار هو حفظ الدين وأحكامه، وإعزاز وصون بيارقه وأعلامه وهذا ما ترخص لأجله المهج، وتخاض اللجج.
أي أن الإمام الحسين «عليه السلام» يرى أن ثمة اختلالاً خطيراً جدا في المعايير، وفي تحديد الأولويات عند ابن عمر.. وهذا هو بيت القصيد، والسبب العتيد لإصرار ابن عمر على السير في الاتجاه الذي اختاره لنفسه.
وهذا بالذات هو ما ركز الإمام في حواره مع ابن عمر على إبطاله وتفنيده كما سنرى..
رابعاً: تذرع ابن عمر للإمام الحسين «عليه السلام» بالحديث الذي رواه هو نفسه عن رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وفيه يقول: «حسين مقتول. ولئن قتلوه وخذلوه ولم ينصروه ليخذلنهم الله إلى يوم القيامة».
مع أن الحديث يدل على ضد ما كان يرمي إليه هذا الرجل، فإنه يوجب على ابن عمر، وعلى الأمة كلها نصرة الإمام، وأن يكونوا معه على من يناوئه، فكيف يستدل به ابن عمر على لزوم تخلي الحسين «عليه السلام» عن موقفه، ومتابعة الجبارين، وأهل الأهواء؟!
خامساً: تذرع ابن عمر أيضاً بمقولة : إن الحسين في عهد معاوية صبر ولم يحرك ساكنا ، فلماذا لا يصبر في عهد يزيد؟!
وقد فات ابن عمر: أن معاوية نفسه قد سلب مشروعية خلافة كل أحد غير الحسين «عليه السلام»، وهو الذي أسس لاعتبار يزيد خارجاً على إمام زمانه، غاصباً للأمر من صاحبه الشرعي.
فكان على ابن عمر أن ينصح يزيد ويطالبه بالكف عن مطالبة الحسين بالبيعة، وبأن يرجع الحق إلى صاحبه، ولكنه لم يفعل ذلك، بل عدل إلى المعتدى عليه ، وطالبه بأن يستسلم للمزيد من الظلم والعدوان.
وكان هذا هو منطق ابن عمر، في تبرير طلبه من الحسين «عليه السلام» أن يبايع ليزيد، وهذه هي المحاولة الأولى.
غير أن للحسين «عليه السلام» منطقاً آخر مغايراً لمنطق ابن عمر، ونحن نستل بعض لمحاته من كلماته «عليه السلام» مع ابن عمر، فنلاحظ ما يلي:
إن أول شيء فعله الإمام «عليه السلام» هو: أنه قد سجل تعجباً واستغراباً من حديث ابن عمر من جهتين:
أولاهما : استغرب حديثه عن بيعته «عليه السلام» ليزيد.
والثانية: استغرب حديثه عن دخول الحسين «عليه السلام» في صلح يزيد، الذي دخل فيه الناس. وذكر «عليه السلام» أن سبب هذا التعجب والاستغراب هو أن هذا الطلب لا ينسجم أبداً مع ما قاله رسول الله «صلى الله عليه وآله» في يزيد، وفي أبيه.
فالذي قاله «صلى الله عليه وآله» في معاوية وإن كان كثيرا، ولكن يكفي منه قوله «صلى الله عليه وآله»: إذا رأيتم معاوية على منبري، فافقروا بطنه بالسيف(1)، أو فاضربوا رأسه بالسيف(2).
أو فاقتلوه(1)
البيت للشيرواني ص 465 والمراجعات ص 136 و 143 والغدير ج10 ص 27 و 142 - 146 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 15 ص 176 وتفسير القرآن للصنعاني ج 1 ص 24 والتعجب للكراجكي ص104 والكنى والألقاب ج 2 ص 283 وقاموس الرجال للتستري ج 10 ص106 و 113 و 122 والكامل لابن عدي ج 2 ص 146 و 209 وج5 ص 101 و 314 وفي ص 200 فارجموه، وج 7 ص 83 وتاريخ مدينة دمشق ج59 ص 155 - 157 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 149 وج 6 ص 105 وميزان الإعتدال ج 1 ص 572 و ج 2 ص 380 و 613 وج 3 ص 277 وتهذيب التهذيب ج 2 ص 369 و ج 5 ص 96 وج 8 ص 65 ولسان الميزان ج 2 ص 247 وأنساب الأشراف للبلاذري ج 5 ص 128 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 8 ص 186 والمختصر في أخبار البشر ج 2 ص 57 و 58 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 4 ص 312 وج 9 ص 240 والبداية والنهاية (ط وج9 دار إحياء التراث) ج 1 ص 141 وإمتاع الأسماع ج 14 ص 369 وأعيان الشيعة ج 2 ص 621 وج 6 ص 209 ووقعة صفين للمنقري ص221 وتنبيه الغافلين ص 104 و 111 والنصائح الكافية ص 58 و 261 ونهج الحق ص 309 .
.أو فارجموه(2).
وقد رآه أهل المدينة على منبر رسول الله «صلى الله عليه وآله»، حين جاءها سنة ست وخمسين للهجرة لغرض فرض البيعة ليزيد بولاية العهد، واضطر الحسين «عليه السلام» حينئذٍ إلى ترك المدينة إلى مكة.. ولم يبادر أحد منهم لبقر بطنه بسيفه.
والذي قاله «صلى الله عليه وآله» في حق يزيد قد رواه ابن عباس عن النبي «صلى الله عليه وآله» كما تقدم، وهو قوله: «ما لي وليزيد، لا بارك الله في يزيد فإنه يقتل ولدي، وولد ابنتي الحسين الخ...».
فمن كان هذا حاله، لا تصح بيعته، ولا صلح ولا سلام يرجى عنده، أو معه، لأنه محض معتد، يتربص الدوائر بالحسين «عليه السلام»، ويجهد للإيقاع به كما أظهره الحديث الذي رواه ابن عباس عن رسول الله «صلى الله عليه وآله».
كما أن بيعة من لا يتورع عن قتل أبناء الأنبياء، وسيد شباب أهل الجنة جريمة هائلة، لأنها تجعل الناس كل الناس في عهدة راع لا يتورع عن قتل أقدس الناس، وسبي نسائه، فهل يعف عن دماء الضعفاء وعن أموالهم وأعراضهم؟! فكلام ابن عمر عن البيعة والدخول في الصلح لا وجه له.
وهناك ملاحظة لا بد من تسجيلها هنا، وهي: أن الحديث الذي
رواه ابن عباس عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قد صرح بأن على الناس الذين يعرفون بما يجري على الحسين «عليه السلام» من عدوه هذا أن ينصروا الحسين «عليه السلام». فإن لم يفعلوا، فإنهم يعرضون أنفسهم للعقوبة الإلهية.
ثم إنه «عليه السلام» كان يوجه الكلام إلى ابن عباس، وهو يعني به ابن عمر على قاعدة: إياك أعني، واسمعي يا جارة، فقال: «يا ابن عباس، أتعلم أني ابن بنت رسول الله؟!.
فقال: اللهم نعم.. الخ..».
وهذا استدلال آخر يسقط ما يتذرع به ابن عمر، وهو يعتمد على ما نقله ابن عباس عن النبي «صلى الله عليه وآله»، حيث صرح «صلى الله عليه وآله» بأن يزيد سوف يقتل ولده، وولد ابنته الحسين بن علي.. فإنه «عليه السلام» هو الذي يصدق عليه العنوانان المذكوران في كلام الرسول «صلى الله عليه وآله».. فهو ابن الرسول، وهو أيضاً ابن ابنته.
وقد أقر ابن عباس للحسين أمام ابن عمر بذلك. وبأن هذا الأمر منحصر به «علیه السلام»، ولا يشاركه فيه أحد على وجه الأرض وبذلك يعلم عدة أمور هي:
أولاً : إبطال ما حاوله معاوية وبنو أمية وأشياعهم من إنكار أن يكون الحسنان ابني الرسول، تمسكاً منهم بمقولات أهل الجاهلية
الباطلة. وهو ما صرحت به آية المباهلة أيضاً.
ثانياً: إن بنوة الحسين «عليه السلام» لرسول الله إنما هي من خلال أنه ابن ابنته، فدل ذلك على بطلان قولهم: إن ابن بنت الرجل ليس ابنا لذلك الرجل، حتى لقد قالوا:
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا *** بنوهن أبناء الرجال الأباعد
ثالثاً: إن تصريح النبي «صلى الله عليه وآله» بأن يزيد سوف يقتل ابن الرسول وابن ابنته، ثم تصريحه «صلى الله عليه وآله» باسمه، وباسم أبيه يحتم على ابن عمر ، وعلى كل فرد في الأمة نصرة الحسين، والدفاع عنه، ولو لم يصرح «صلى الله عليه وآله» بذلك..
رابعاً : إنه «صلى الله عليه وآله» قد صرح أيضاً بحلول العقاب على القوم الذين يُقتل الحسين «عليه السلام» بين ظهرانيهم، ولم ينصروه. ولم يترك أي مجال لأي احتمال مهما كان ضعيفا بأن يكون هناك مجال للعفو عمن لا يمنعه «عليه السلام».
ويلاحظ: أنه «عليه السلام» قال: «ولا يمنعونه»، ولم يقل: «ولم ينصروه». حتى لا يتذرع أحد بأن شرائط النصر لم تكن متوفرة، بل كان حصوله ميؤوساً منه..
يضاف إلى ذلك: أن كلمة ولم ينصروه توحي بأن الحسين هو المبادر للحرب، ويحتاج تحصيل النصر إلى أنصار، ومساعدين..
أما قوله: ولا يمنعونه، فهي تشير إلى أن هناك من يحاول الاعتداء على الحسين «عليه السلام»، وهناك حاجة لمنع الحسين
وحفظه وصونه من أن يصل إليه الساعون للعدوان بسوء.
فتبين مما تقدم كله: أن لا عذر لابن عمر، ولا لغيره في التخلف عن الحسين «عليه السلام». وإن نصره كما يقول ابن عباس: «فرض على هذه الأمة كفريضة الصلاة والزكاة، التي لا يقدر أن يقبل أحدهما دون الآخر..».
ثم وجّه الإمام الحسين «عليه السلام» سؤالاً لابن عباس، بهدف التلمس المباشر للحقائق الراهنة في الواقع العملي، حتى لا يبقى الحوار في المجال النظري، الذي قد يغفل أو يذهل الكثيرون ممن يستغرقون فيه عما يجري في الواقع. حتى إذا انصرفوا إلى الواقع العملي نسوا ما كانوا قد قرروه، وأقروا به في المجال النظري. ولم يروا أنفسهم ملزمين أو مطالبين بشيء منه.
ولأجل ذلك نرى أن الإمام الحسين «عليه السلام» بعد أن أوضح لابن عمر في المجال النظري عدم صحة بيعته «عليه السلام» ليزيد، وذلك بالاستناد إلى ما قاله رسول الله «صلى الله عليه وآله» في حقه، وفي حق أبيه.
نراه «عليه السلام» قد نقل ابن عمر، وابن عباس إلى المجال التطبيقي والعملي، ووضع اليد على المفاصل الحساسة البارزة جداً في مجال العمل.. فهو «عليه السلام»:
أولاً : قد نقل الحديث عن الخصوصات والمطلقات التي يمكن
تطبيقها على أي موضوع كان، إلى الحديث عن الشخص الذي لا يشاركه أحد، فطبق «عليه السلام» الحديث مباشرة على نفسه كشخص حي يتكلم، ويتعامل ويذهب ويجيء، فسأل ابن عباس أتعلم أني ابن بنت رسول الله «صلى الله عليه وآله».. مع أن هذا السؤال مستغرب في حد نفسه وهو يوجب لدى المسؤول درجة من التحفز، وتستيقظ سائر الحواس لديه لمعرفة الهدف من سؤال كهذا، لا يتوقع أن يطرحه من هو مثل الحسين على من هو مثل ابن عباس.
وسيكتشف كل من سمع هذا السؤال أن الهدف منه هو تجسيد المعنى على صفحة الواقع، ليصبح حيا وملموساً ومشاهداً، ولا يبقى مجرد حالة ذهنية بعيد عن التداول. ثم يطبق عليه ما يريد للناس أن يروه ويلمسوه فيه بصورة حية وملموسة أيضاً.
وبذلك يكون الموضوع والمحمول الذي هو النتيجة والمراد الأصلي له «عليه السلام» - يصبحان معاً - في نطاق المشاهدة، وفي دائرة الحضور المباشر بطريقة أو بأخرى.
ثانياً: إنه «عليه السلام» اتبع ذلك بسؤال يهدف إلى استحضار الممارسات العملية ضده التي كان أعداؤه اليزيديون يبادرون إليها، ولا تزال آثار ظلمهم، وتصرفاتهم ماثلة للعيان فقال لابن عباس والهدف هو اسماع ابن عمر: «ما تقول في قوم أخرجوا ابن بنت رسول الله «صلى الله عليه وآله» من: داره، وقراره، و مولده، وحرم رسوله، ومجاورة قبره، ومسجده ، وموضع مهاجره».
ثم اتبع ذلك ببيان آثار أفعالهم هذه التي كانت واقعاً حياً ومشاهداً، فقال: «فتركوه خائفاً، مرعوباً، لا يستقر في قرار، ولا يأوي في موطن»، أو إلى وطن.
ثم ذكر «عليه السلام» أهدافهم الحقيقية من تصرفاتهم هذه، فقال: «يريدون في ذلك قتله، وسفك دمه».
ثم بين «عليه السلام» حقيقة ما هو عليه، من البراءة والطهارة عن كل ما يمكن أن يجعل ذريعة أو مبرراً لهذا البغي والأذى، فقال:
«وهو لم يشرك بالله شيئاً، ولا اتخذ من دونه ولياً، ولم يتغير عما كان عليه رسول الله «صلى الله عليه وآله»، والخلفاء من بعده..».
وتستوقفنا هنا أمور نجملها ضمن ما يلي من نقاط:
إنه «عليه السلام» قد ضمن كلامه هذا عن سلوك هؤلاء الباغين والمعتدين عليه بياناً كافياً وشافياً لجميع الشؤون والحالات التي ترتبط بهذا البغي الظاهر، من عدو أثم وفاجر ..
فهو «عليه السلام»:
أولاً: أشار إلى الطرف المعتدى عليه والمضطهد، وموقعه في الأمة، ومنزلته، وأنه ابن بنت نبيهم، حيث لا ابن بنت نبي في الأمة سواه.
ثانياً: أشار إلى المنحى العام لممارساتهم تجاه هذا الشخص
الأقدس بالذات وأنه منحى عدوان وإيذاء، وارتكاب جريمة هائلة.
ثالثاً : أشار إلى آثار تلك الممارسات على هذا الشخص المستهدف بالبغي والعدوان بعينه، وأنه أصبح خائفا مرعوباً، لا يستقر في قرار، ولا يأوي إلى موطن.
رابعاً : تحدث عن غاياتهم التي يسعون إليها، وما يدبرونه لهذا الشخص في الخفاء، وبدأت بوادره تظهر في العلن..
خامساً: بين «عليه السلام» المسار العام لهذا الشخص الأقدس الذين يبغون له الغوائل.
وإذ أردنا الجهر ببعض الإيضاحات حول ما قدمناه فإننا نقول:
ذكر «عليه السلام» أن اليزيديين:
1 - قد أخرجوه من داره. والإنسان يشعر في داره بمزيد من الأنس والحرية والهدوء، وراحة البال، ويعيش الطمأنينة ويشعر بالسكينة فيها بشكل ظاهر وملموس..
2 - إنهم أخرجوه من موضع قراره، فإن الإنسان إذا فقد الشعور بالقرار والاستقرار، حيث يفرض عليه أن يبقى مستوفزاً ومتحفزا، وقد يبيت في مكان ويصبح في آخر ، أو يتوقع أن يبقى ملاحقا، ولا يعرف متى يزعجه أعداؤه ويجبرونه على ترك موضعه إلى غيره من المواضع التي لا يستطيع تحديدها، ولا التكهن بما ستكون عليه حاله فيها .. - إن الإنسان إذا كان هذا حاله - فإن عيشه سوف يتنغص
عليه، وتكون حياته صعبة، ومرهقة، ولا يستطيع أن يؤسس، أو أن يستحدث أي عمل تكون له صفة البقاء والنماء والتوسعة..
3 - إنهم أخرجوه من مولده، أي من وطنه الذي ولد فيه، وفيه كانت ذكرياته، وهو الموضع الذي يحن إليه، ويأنس بالإقامة فيه.
4 - إن الموضع الذي أخرجه الظالمون منه هو حرم رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فله موقعه الروحي لديه، وله قداسته وبركاته، وهو مهوى أفئدة المؤمنين، وموئل آمال الصالحين.
5 - إنهم بعملهم هذا قد حرموه من مجاورة قبر الرسول «صلى الله عليه وآله». في حين أن كل مؤمن يرغب في أن يكون بقرب قبر رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ليكون هو الموئل والملجأ، والمشتكى له، ومن يطلب منه أن يكون الواسطة في قضاء الحاجات، والمفزع في المهمات والملمات.. وتلتمس منه النفحات الإيمانية، وأن يكون الشفيع يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
6 - أضاف في الفتوح لابن أعثم هنا كلمة: «ومولده». ومرجع الضمير على الظاهر هو نفس رسول الله «صلى الله عليه وآله».. ومن الواضح أن مولده «صلى الله عليه وآله» لم يكن في المدينة، بل في مكة..
فلعل الصحيح: «وموطنه» أي الموضع الذي اتخذه وطنا بعد هجرته..
على أن كلمة ومولده لم تذكر في النص الذي أورده الخوارزمي،
ناقلا له عن ابن أعثم نفسه.
7 - إنهم أخرجوه أيضاً من مسجد الرسول «صلى الله عليه آله»، وهذا عدوان عليه من أكثر من جهة، فهو يحرمه من ثواب الصلاة في هذا المسجد الشريف، وهو ثواب عظيم بلا ريب..
كما أنه هو موضع ذكريات الحسين، ومحل أنسه، وموضع مولده، والمحل الذي نشأ وترعرع فيه «صلوات الله وسلامه عليه»..
8 - إنهم أخرجوه من موضع مهاجر رسول الله «صلى الله عليه وآله». ولا شك في أن هذا الموضع يحتضن ذكريات الإسلام، ويشهد على جهد وتضحيات رسوله، ومن كان معه من المسلمين الذين كافحوا أعداءه، ورفعوا لواءه، وبهم أذل الله أعداءه، وأعز أولياءه.
ولا شك في أن هذه أجواء رضية، وحبيبة للإنسان المؤمن..
ثم ذكر الإمام الحسين «عليه السلام»: أن من آثار تلك الهجمة العدوانية الشرسة عليه «صلوات الله وسلامه عليه»، وإخراجه من تلك المواضع المباركة.. أنهم:
1 - تركوه خائفاً. والحسين «عليه السلام»، وإن كان لا يخاف في الله أحداً، وهو أشجع الناس، ولكن قد يقال هنا:
أولاً : إن المقصود بالخوف هنا: هو الحذر من أن يتمكن الأعداء من فرض خياراتهم عليه، فيوجب ذلك إخلالاً في الوصول إلى ما كان يتوخى الوصول إليه بشهادته «عليه السلام».
فهو «عليه السلام» كان يعرف أنهم سوف يقتلونه، ولكنه يريد أن يهيئ الظروف، ليفرض عليهم أموراً تمنعهم من تزوير الحقائق، وخداع الناس في أمر قتله.
فهو يريد مثلاً أن يستصحب معه العيال والأطفال، فيكونوا سبايا، لكي يكونوا سنداً ودليلاً على مظلوميته، ووحشية ظالميه، ولا يتمكنوا من إحالة أمر قتله على مجهول، أو مجاهيل.
ويريد أن يخرج من مكة يوم التروية، وهو اليوم الذي يقصد الناس فيه مكة، ليعرف الناس بما كانوا قد دبروه من أمر اغتياله، ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة ..
وثانياً : إن الخوف الذي يتحدث عنه هو ذلك الذي ينتاب عامة الناس حين يواجهون أمراً كهذا ، وإن لم يكن هذا الشخص بخصوصه خائفا - لمزيد شجاعة فيه، أو لخصوصية إيمانية لديه، أو لأي سبب آخر.
2 - إنهم تركوه «مرعوباً». فيحتمل أن يكون المراد به تأكيد معنى الخوف.
ويحتمل أن يراد به الإشارة إلى الإمتلاء بالخوف.
أو الإشارة إلى أن الخوف يكون من أمر يتوقع حصوله، أما الرعب فهو الحالة من الفزع التي تنتاب الشخص حين يفاجئه ما لا يتوقعه، كما لو وثب شخص فجلس إلى جنبك وأنت غافل..
وهذه الخصوصية أو تلك يمكن أن تكون مقصودة للإمام الحسين
هنا. لاسيما وأن هذا الذي صدر من يزيد والوليد بن عتبة ومروان، وبني أمية قد جاء بدون سابق إنذار، ومن دون مبرر وسبب..
3 - إنه «عليه السلام» بات لا يستقر في قرار، بل هو يراقب تقلبات الأمور، ويرصد مكائد أعدائه ومؤامراتهم، ليتمكن من تلافيها، ولو بالتحول من موضع إلى موضع.
4 - كما أنه «عليه السلام» بات لا يأوي إلى وطن، أو في موطن. وقد قلنا: إن ذلك يجعل من إنشاء مواضع تستطيع تلبي حاجاته على نطاق واسع، وتكون قابلة للنماء والعطاء، بنحو وافر ومستمر. أمراً غير ميسور، ولا مقدور .
كما أنه لا يشعر بلذة السكون، ولا يتلمس حنان الوطن، ولا يشعر بالحنين إلى بلد النشأة، وموضع ..الذكريات..
ثم أشار «عليه السلام» إلى أن غايات وأهداف أولئك المعتدين والجبارين المتآمرين ليست هي ما يصرحون به، ويعلنونه على الملأ، فإنهم يبطنون خلاف ما يظهرون، فقد تجد منهم الكلمات المعسولة التي تنضح بالحب والولاء، ومعها الوعود السخية، والمؤكدة بالإيمان المغلظة، على الوفاء، ولكنهم حين يحصلون على ما يريدون يقلبون ظهر المجن، ويوقعون بضحاياهم كأشر وأضر، وأقبح ما يكون..
وهذه بالذات هي سياساتهم المعتمدة تجاه الإمام الحسين «عليه السلام»، فهم يظهرون أمام الناس سلامة النوايا، والتعظيم والتكريم،
ويعترفون له بكل ما يحب، ولكنهم يريدون في الباطن قتله وسفك دمه. كما قال «عليه السلام».
وهذا النوع من الناس هو الأشر والأضر والأخطر، بل هؤلاء هم الداء الذي لا دواء له.. فإنا لله وإنا إليه راجعون..
ويلاحظ: أنه «عليه السلام» ذكر أمرين للتنويه بأنهما غايات وأهداف لهذه الهجمة التي يشنها الفريق الأموي اليزيدي ضد الإمام الحسين «عليه السلام»، وهما:
1 - إنهم يريدون قتله «عليه السلام».
2 - إنهم يريدون سفك دمه «صلوات الله وسلامه عليه»..
فقد يقول قائل : لعل الفقرة الثانية جاءت لتأكيد الأولى.
ونجيب:
بأن من الواضح: أن القتل هو إزهاق الروح، وهو قد يحصل بصور مختلفة، فهناك قتل بالسيف، وبالسم، وبالخنق، وقتل الغيلة، واالإلقاء من شاهق، وبواسطة الحيوانات المفترسة، وما إلى ذلك.
فلعلهم كانوا يرغبون بالتخلص منه بإزهاق روحه، ويريدون أيضاً أن يتلذذوا بسفك دمه «عليه السلام». وهذه خزاية أخرى لهم تضاف إلى أختها كما أشرنا إليه.
ثم بين «عليه السلام»: أنه لا توجد مبررات ولا أسباب موجبة
لشيء من هذا الكيد الهائل الذي يواجهونه به. وقد ذكر «عليه السلام» عدة أمور تثبت هذه الحقيقة، وهي:
1 - إنه «عليه السلام» لم يشرك بالله شيئاً، يوجب استحلال سفك دمه، بل هو سيد الموحدين، وإمام أهل الدين في الأمة كلها.
2 - إنه «عليه السلام» لم يتخذ من دون الله ولياً..
3 - إنه لم يتغير عما كان عليه رسول الله «صلى الله عليه وآله».
4 - لم يتغير عما كان عليه الخلفاء من بعده.
وبعدما تقدم نقول:
ألف: لقد حدد «عليه السلام» أمرين، لهما ارتباط بالعقيدة، وهما:
الأول: التوحيد الخالص والصافي من شائبة الشرك في الاعتقاد. ولو أنه كان موحداً ثم أشرك لكان مرتداً عن فطرة، وحكم المرتد عن فطرة معلوم.
الثاني: إن توحيده خالص أيضاً من شائبة الشرك في التدبير والربوبية، والعمل والممارسة، والشاهد على توحيده هذا أنه لم يتخذ من دون الله وليا. فلم ير لأحد مقام التدبير والهداية والرعاية مع الله سبحانه، أو من دونه، فالأمور كلها ترجع إليه، ولا يعول فيها إلا عليه.
وعلى هذا ومنه تتفرع سائر العقائد كالاعتقاد بالله وصفاته، وبالأنبياء والرسل، والشرايع، والثواب والعقاب والجزاء في الآخرة وغير ذلك.
فالولي من دون الله إنما تتحقق ولايته بالإدعاء والاتخاذ، وليست هي ولاية حقيقية، ولذا لم يقل : ولم يكن لي ولي من دونه، بل قال: لم أتخذ وليا.
ب: ثم حدد أمرين في مجال السلوك والممارسة:
الأول: إنه «عليه السلام» لم يتغير عما كان عليه رسول الله .. فيلاحظ:
1 - أنه لم يقل عن نفسه: لم يتغير عما كان عليه في عهد الرسول.. لأن ذلك لا يثبت أنه كان على خط الاستقامة، بل قال: إنه «عليه السلام» قد بقي على ما كان عليه الرسول نفسه، وهذا يفيد:
أولاً : إنه «عليه السلام» كان ملتزماً بخط الرسول وعمله في كبير الأمور وصغيرها، حتى كأنه نسخة عنه «صلى الله عليه وآله» في جميع أموره.
ويفيد ثانياً : أنه «عليه السلام» كان معصوماً، لأن من يوافق المعصوم وهو النبي «صلى الله عليه وآله» في جميع أموره فهو معصوم مثله..
2 - إنه «عليه السلام» لم يقل: لم يتغير عما كان عليه النبي «صلى الله عليه وآله»، لأن قوام النبوة هو في الاتصال بالله سبحانه بواسطة الوحي، وليس في هذا التعبير إشارة إلى العمل والممارسة والسلوك، فقد يكون هذا الاتصال مرتبطا بأمور أخرى ليست من مقولة العمل.
ولكنه إذا قال: «عما كان عليه رسول الله». فإنه يشير به إلى بلاغ إلهي يريد أن يصل إلى الناس، ليقوموا بوظائفهم تجاهه، سواء أكان أمرا اعتقاديا أو سلوكيا، وإخباراً عن حقائق معينة، أو غير ذلك ..
الثاني: إنه «عليه السلام» لم يتغير عما كان عليه الخلفاء من بعده، والضمير هنا يرجع إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ولم يقل: عما كان عليه في عهد الخلفاء لما ذكرناه تحت رقم [1]، قبل أسطر يسيرة.
وينبغي لفت النظر إلى أن هذا أيضاً يدل:
أولاً: على أن للخلفاء نهجا وطريقة واحدة، ولا يعتري سلوكهم أي عيب أو نقص، أو خطأ، أو اختلاف.
ثانياً : إن الحسين «عليه السلام» قد التزم النهج الذي كان عليه الخلفاء بدقة متناهية.
ثالثاً : إن هذا يدل على عصمة هؤلاء الخلفاء في جميع أمورهم، لاسيما مع جعلهم عدلاً لرسول الله «صلى الله عليه وآله»، ولو اختلفوا أو اختلف واحد منهم مع الرسول في مفردة واحدة في حياتهم لم يصح جعلهم مع الرسول في التأسي بهم ، لأن الخطأ يصبح ظاهراً أو مشهوداً ولا يمكن تصويب كل من الخطأ والصواب في آن...
رابعاً : إذا كنا نعلم أن الخلفاء الثلاثة الذين استولوا على الحكم بعد رسول الله «صلى الله عليه وآله» لا يدّعون العصمة لأنفسهم، ولا
يدعيها أتباعهم لهم.
وكنا نعلم: أنهم قد خالفوا بعضهم في أمور كثيرة.
وكنا نعلم أيضاً : أنهم قد وقعوا في أخطاء كثيرة، حتى قال عمر بن الخطاب عشرات المرات: لولا علي لهلك عمر .
وقد اعترف عمر بخطئه في العديد من الموارد، وقال في بعضها : امرأة أصابت ورجل أخطأ . فإنه يصبح واضحاً: أن المقصود بالخلفاء: هو جنس الخلفاء الذين لهم صفة العصمة، سواء تحقق الجنس في فرد أو أكثر، ولا يقصد به من صار خليفة ولو بالقهر والغلبة. أو فقل : المراد بالخليفة من كان خليفة حقا، لا كل من يدعي الخلافة لنفسه.
وبعبارة ثالثة: الحديث عن الخلفاء على نحو القضية التي تشمل حتى الذين لم يولدوا بعد منهم «عليه السلام»، وهم بقية الأئمة الاثني عشر ، لا على نحو القضية الخارجية . وقد ساق «عليه السلام» كلامه على طريقة التورية، التي يمكن أن يطبقها ابن عمر على الخلفاء بما فيهم أبو بكر وعمر، ويكون مقصود الحسين «عليه السلام» هو أئمة الحق، وهم: علي والحسن والحسين «عليهم السلام» - على نحو القضية الخارجية، أو الأئمة الاثنا عشر بعد الرسول، فتكون على نحو القضية الحقيقية، لأن أكثرهم لم يولد بعد.. فتكون من قبيل السؤال عن الخليفة بعد الرسول، فيجاب: «من كانت ابنته تحته».
وقد حكم ابن عباس بكفر من يسعى في قتل الحسين وسفك دمه، مع أنه «عليه السلام» رأس الفخار برسول الله.
وابن نظير الرسول «صلى الله عليه وآله».
وابن وصيه..
وابن الزهراء، نظيرة البتول مريم بنت عمران..
وبيَّن أيضاً : أن من رغب عن مجاورته، وطمع في محاربته، ومحاربة الرسول «صلى الله عليه وآله» لا خلاق له..
فقال الحسين «عليه السلام»: اللهم اشهد.
وفي كلام ابن عباس هذا إشارات جميلة، ومطالب جليلة، منها:
1 - أن الحسين «عليه السلام» رأس الفخار في الأمة كلها ..
2 - إن فخار الحسين «عليه السلام» إنما هو برسول الله «صلى الله عليه وآله» وموقعه منه. وهذا أمر ثابت ودائم لا يحول ولا يزول، فهو ليس كالفخار الذي يتلاشى ويزول، أو يتحول من شخص لآخر..
3 - إن الحسين «عليه السلام» هو ابن من هو نظير الرسول - أعني عليا «عليه السلام» - كما هو مقتضى آية المباهلة وغيرها.
4 - إنه ابن وصي الرسول «صلى الله عليه وآله»، وهذا الأمر كان شائعاً في الناس، ومقبولاً، ويجهر به الصحابة الأخيار في مناسبات كثيرة ..
5 - والحسين هو ابن الزهراء، نظيرة البتول.
والظاهر: أن المراد بالبتول هي مريم «عليها السلام»، فالزهراء «عليها السلام» نظيرتها في خصوصيتها، وهي صفة (البتولية)، وإن كانت الزهراء «عليها السلام» من جهة العلم والفضل أفضل من جميع النساء، من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين.
ولعل اختياره «عليه السلام» صفة البتولية، وعدم تجاوزها إلى غيرها، لكي لا يفسح المجال لأصحاب الأهواء، لإثارة شبهاتهم بهدف تضييع المقصد الأساس الذي كان «عليه السلام» بصدد تكريسه،وترسيخه.
6 - يقول ابن عباس : إن محاربة الحسين «عليه السلام» محاربة لرسول الله «صلى الله عليه وآله» من حيث إن الهدف منها هو إبطال غايات الحسين «عليه السلام»، وتضييع مقاصده، وهذه الغايات والمقاصد هي بعينها غايات ومقاصد الرسول «صلى الله عليه وآله».
7 - وقول الحسين «عليه السلام»: «اللهم اشهد» قد دل على أن الحسين «عليه السلام» كان يريد تكريس هذه المعاني كلها في وجدان الأمة، وأن يعرف الناس أن ما يقوله أهل البيت «عليهم السلام» هو المتسالم عليه بين أهل الدين والعلم في الأمة.
وبعد أن أصدر ابن عباس حكمه القاطع بالكفر على من يريدون قتل الحسين «عليه السلام»، وسفك دمه، وقال الحسين «عليه السلام»:
«اللهم اشهد...».
ففهم ابن عباس، أو ظن: أن الإمام «عليه السلام» يطلب الشهادة الإلهية على ابن عباس، لأنه هو الذي حكم وقرر، وذكر مبررات حكمه المتمثلة بموقع الحسين من رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وأنه رأس فخار هذه الأمة، وغير ذلك.
ولأجل ذلك قال : كأنك تريدني..
ويبدو لنا: أن الإمام الحسين «عليه السلام» كان يريد أن يستل من ابن عباس ما يدل على أن دخوله في الحوار معه كان على أساس أن المعني به غيره. على قاعدة: إياك أعني واسمعي يا جارة.
ولكن طلب الحسين «عليه السلام» الشهادة الإلهية قد أوقعه في الشبهة . فأعلن بصورة صريحة وقاطعة: أنه على استعداد لنصرته إلى أقصى حدود يمكن تصورها. وبلا مبالاة بالنتائج والآثار. وأن
أمر الحسين «عليه السلام» له هو الفيصل، وهو الغاية.
وهنا شعر ابن عمر: بأن الحوار قد لامس مواضع حساسة ومحرجة بالنسبة إليه، وأنه يتجه نحو حسم الموقف في الاتجاه الذي لا يريده ولا يفيده في تحقيق هدفه. فبادر إلى التدخل بهدف تغيير مجرى الحديث، فقال: ذرنا من هذا يا بن عباس، ثم شرع مرة أخرى في التأكيد على مقاصده.
وقد أظهرت كلماته أنه قد بنى كلامه وموقفه على أمر باطل من أساسه، فادعى أموراً لا واقع لها.. فقد طلب من الحسين «عليه السلام» - بلهجة الأمر - أن يرجع من هنا إلى المدينة، ويسالم بني أمية، وزين طلبه هذا بالترغيب بأمرين هما:
1 - أن لا يغيب عن وطنه، وكان الإمام الحسين «عليه السلام» قد ذكر : أن أولئك القوم قد أخرجوه عن داره، وقراره ووطنه.
2 - أن لا يغيب عن حرم جده «صلى الله عليه وآله»، وهو ما أشار «عليه السلام» إلى أنهم قد أخرجوه منه .
3 - ثم عقب هذا وذاك بالترهيب من أن عدم الدخول في صلح أولئك الفجرة معناه: أن الحجة صارت لهم ، وصار لهم سبيل عليه.
ولكن كيف يصح هذا والنبي «صلى الله عليه وآله» هو الذي قرر الإمامة للحسن وللحسين «عليهما السلام» بأمر من الله تعالى؟! كما أن معاوية قد صرح ، وأعطى العهود وأقسم الأيمان على أن لا يعهد
لأحد من بعده، وأن الأمر بعده للحسن ثم للحسين.
والحسين سيد شباب أهل الجنة، وسيد أهل الفخار برسول الله في الأمة كلها، وحال يزيد المهين والمشين لا يخفى على أحد.
فأي حق ليزيد في الخلافة؟ ولماذا يبايعه الحسين «عليه السلام»، وهو المعتدي على الحسين، والغاصب لمقامه؟!
وكيف يصير ليزيد على الحسين سبيل إذا امتنع «عليه السلام» عن البيعة له؟!
ولماذا أرادوا سفك دمه حتى قبل أن يعرف أحد بأن معاوية قد مات، وأن يزيد قد انتزى على أمر الأمة، واغتصب الحق من أهله؟!
4 - والأنكى من هذا وذاك: أن ابن عمر يريد من الحسين «عليه السلام» أن يرجع إلى المدينة، ويجعل نفسه رهينة في أيدي الذين أرادوا قتله، ثم يقول له: إنه يمكن أن يرجع إلى المدينة، ولا يبايع ليزيد إلا حين يروق له ذلك. وكأن ابن عمر يفرض أن بني أمية قد سلموه زمام أمورهم، وأصبح هو الآمر الناهي فيهم.
أو أنه يفرض أن الحسين «عليه السلام» الذي أخبره قبل لحظات أنهم أخرجوه من داره وقراره، وجوار جده، ومسجده، وأرادوا قتله وسفك دمه قد نسي كلامه هذا، أو أنه لن يخطر على باله أن يسأل عن السبب الذي يجعلهم الآن يعزفون عن قتله، وسفك دمه، ويرضون منه بأن يعيش بينهم حرا طليقاً، دون أن يبايع ليزيد؟!
إلا إذا كان ابن عمر يفترض أن الحسين «عليه السلام» الذي
خرج إلى مكة لكي لا يمكنهم من قتله في المدينة قد نسي نفسه، وحاله، ونسي ما جرى عليه لشدة غفلته وسذاجته!! والعياذ بالله.
5 - والأغرب والأعجب من ذلك كله: أن نجد ابن عمر يبرر سكوتهم عن الحسين إن لم يبايع بأن من الممكن أن لا يعيش يزيد إلا قليلاً، فيكفيه الله أمره.
فهل يرضى عاقل أن يسلم نفسه وأهله ودينه لجزارين وجبارين سعوا في قتله وسفك دمه، وأخرجوه من بلده وقراره، اعتماداً على احتمال أن لا يعيش ذلك المجرم طويلاً؟!
وماذا لو بادر ذلك المجرم إلى الفتك بالحسين «عليه السلام» في أول لحظات تمكنه منه؟!
وهل أصبح أجل يزيد بيد ابن عمر ؟!
وماذا لو طال عمر يزيد إلى عشرات السنين؟!
ولعل هذا الذي ذكرناه، وسواه من أمور تدل على اختلال فاحش في الموازين، وانحراف وسذاجة فاحشة في التفكير إلى هذه الحدود الخطيرة والمريرة حتى لدى من له مكانة خاصة في الناس، ولكلامه تأثير فيهم لعل هذا وسواه هو الذي دعا الإمام الحسين «عليه السلام» إلى إظهار الأسى والغضب من كلام ابن عمر، الذي أصبح كل همه هو تشييد حكومة يزيد والشدة على أهل الحق والدين، بمن فيهم سيد الفخار في الأمة برسول الله «صلى الله عليه وآله». والسعي الحثيث
لتركيع أقدس الناس وأطهرهم، وأعلمهم وأفضلهم، وإذلالهم، وانتزاع حقهم بأنواع من الأساليب الشيطانية الماكرة، ولذلك قال «عليه السلام»:
«أف لهذا الكلام أبداً ، ما دامت السماوات والأرض» !!.
وكانت هذه هي اللحظة الحساسة التي يجب فيها تسمية الأشياء بأسمائها، من دون مراعاة لخاطر ابن عمر، لأن ابن عمر هو الذي يصر على أن يقحم نفسه في أشد الأمور حساسية، وأعظمها خطراً على الدين، وعلى الأمة بأسرها، في الحاضر والمستقبل.
فأراد «عليه السلام» أن يخاطب وجدان ابن عمر، ويحرجه أمام التزامه الديني، فقال: أسألك يا عبد الله، أنا عندك على خطأ من أمري هذا؟ فإن كنت عندك على خطأ فردني، فإني [أخضع] أرجع، وأسمع وأطيع.
وقبل أن نسمع جواب ابن عمر، نشیر:
أولاً : إلى أنه «عليه السلام» أقسم عليه بالله، ربما لكي يبعد ابن عمر عن اللجوء إلى اجتهاداته، وتحليلاته، واستحساناته وذوقياته.. ويضعه أمام مسؤولية شرعية، يطالبه الله تعالى بها.
ثانياً : إنه «عليه السلام» سأل ابن عمر إن كان يرى أنه «عليه السلام» في موقفه هذا مخطئاً، ونحن نعلم: أن الخطأ قد يحصل مع غفلة فاعله عن كونه خطأ، أي أنه يقصد أن يفعل الصواب، فيفعل
الخطأ. ولو علم بذلك لم يقدم على فعله. وهذا يدل على أن في الأمر درجة من عدم الاختيار. فيما يرتبط بالخطأ والإصابة.
ثالثاً: إنه «عليه السلام» قد تعهد بأن يخضع للحق، وأن يرجع إليه، وأن يسمع ويطيع، فلو أن ابن عمر وجد فرصة لتخطئته «عليه السلام» لبادر للإستفادة منها في هذه اللحظة، فإنها هي التي تبلغه مراده، وتجعل الحسين «عليه السلام» خاضعاً، ومطيعاً وسامعاً، وإلى الحق راجعاً ..
وبعدما تقدم نقول:
لننظر في جواب ابن عمر على سؤال الإمام الحسين «عليه السلام»، فقد قال:
«اللهم لا ، ولم يكن الله تعالى يجعل ابن بنت رسوله على خطأ، وليس مثلك في طهارته، وصفوته [وموضعه] من الرسول أن يسلم على مثل يزيد بن معاوية - لعنه الله - باسم الخلافة..».
إن ابن عمر اعترف أمام الله بصوابية موقف الإمام الحسين «عليه السلام»، بل هو قدّم الأدلة على عصمته «عليه السلام» في جميع أموره، واستدل على ذلك بأمور، هي:
ألف: إنه تعالى لم يكن ليجعل ابن بنت رسوله على خطأ.. ولعله يشير بذلك إلى أن العصمة للحسين «عليه السلام» إنما هي بفعل
وتصرف إلهي فيه «عليه السلام».
ولم يذكر مستنده لهذه القاعدة التي أطلقها، فلعله یری: أنه تعالى بعصمته للحسين «عليه السلام» عن الخطأ إنما يحفظ به جده الرسول «صلى الله عليه وآله».. ويشير إلى هذا قوله أيضاً: «وموضعه من الرسول».
ب: إن صفوته وطهارته «عليه السلام» (والظاهر أنه يريد الإشارة إلى مضمون آية التطهير) تمنع من صدور الخطأ منه «عليه السلام». ويشير إلى هذا قوله: «..وليس مثلك في طهارته وصفوته». يسلم على يزيد بالخلافة.
ج: يضاف إلى ذلك: أن موضع الحسين من الرسول :صلى الله عليه وآله« يحتم على الحسين «عليه السلام» أن لا يسلم على مثل يزيد بالخلافة.
ثم أبدى ابن عمر اعتذار ركيكا وواهياً برر به إصراره على رجوع الحسين «عليه السلام» إلى المدينة، فقال: «ولكن أخشى أن يضرب وجهك هذا الحسن الجميل بالسيوف، وترى من هذه الأمة ما لا تحب، فارجع معنا إلى المدينة، وإن لم تحب أن تبايع، فلا تبايع أبداً، واقعد في منزلك».
فابن عمر يقر أمام الله بأن الحسين على صواب في موقفه، ولكنه ما فتئ يفكر في دائرة ضيقة جدا، وهي دائرة حفظ الوجه الحسن
الجميل من ضرب السيوف، ولا يفكر بمصلحة الدين والأمة.
ثم كرر مقولته عن أنه إن أحب أن لا يبايع، فلا يبايع أبداً، وليقعد في منزله..
ولا ندري كيف يستطيع ابن عمر أن يضمن للحسين سلامته، إذا لم يبايع، وقعد في منزله !! والحال أنهم أرادوا قتله وسفك دمه، بمجرد معرفتهم بموت معاوية، واضطروه للخروج من داره وقراره، ووطنه، ومسجد، وجوار جده ولو بقى في وطنه لقتله هؤلاء السفاحون، ولضاع دمه، ولم تترتب عليه أية فائدة، أو عائدة. فاحتاج «عليه السلام» لتوضيح الأمر له، وأنهم لا يتركونه إن ظفروا به إلا أن يبايع، وهو كاره، أو يقتلونه.
ثم ضرب له «عليه السلام» أمثلة عن قتل يحيى بن زكريا، وإهداء رأسه إلى بغي من بغايا بني إسرائيل، والرأس ينطق بالحجة عليهم، ولم يتراجعوا عن غيهم..
ثم ذكر له: أن يحيى لم يتضرر بشهادته، بل صار سيد الشهداء في عصره، واستمر هذا الفخار له إلى يوم القيامة (تماماً كما كانت مريم «عليها السلام» سيدة نساء العالمين في عصرها، واستمر هذا الفخار لها إلى يوم القيامة..
كما أن بني إسرائيل كانوا يقتلون كل يوم ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبياً ، ثم يجلسون في أسواقهم، يبيعون ويشترون كأنهم لم يفعلوا شيئا ، وقد أمهلهم الله ، ثم أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز
مقتدر.
وبعد أن بلغت الأمور إلى هذا الحد، بادر الحسين «عليه السلام» لمواجهة ابن عمر بقراره النهائي، ووضعه أمام خيارات مختلفة، وأقام عليه الحجة التي تروق لابن عمر، وتتوافق مع ميوله. ونوضح ذلك كما يلي:
1 - إنه «عليه السلام» بعد أن أوضح الأمور بما لا مزيد عليه لابن عمر، ولكل من يسمع بما جرى في هذا الحوار، عدل عن أسلوب الحجاج إلى استثمار تلك الحجج، وتكريس معطياتها على شكل قرارات حاسمة لا يعذر أحد بالتخلف عنها، إلا إذا ظفر بحجة قاطعة تنقضها، وهيهات!!
غير أننا نلاحظ هنا: أنه «عليه السلام» كان بابن عمر رفيقا، كما كان في قراره حازماً وحاسماً.. فهو يكنيه بأبي عبد الرحمان، ويأمره بأمرين:
أحدهما: أن لا يدع نصرته.
الثاني: أن يذكره في صلاته.
فلماذا اختار «عليه السلام» هذين الأمرين بالخصوص؟!
أن الحسين «عليه السلام» كان يعلم أن ابن عمر لا يجرؤ على نصرته، وأنه سوف يحاول التملص والتخلص من هذا الأمر ما وجد
إلى ذلك سبيلاً. ولكن الإمام «عليه السلام» يريد من ابن عمر أمرين:
أحدهما: أن يكف عن إلقاء شبهاته التي يتذرع بها على الناس، أو على الأقل أن لا يكون بوقاً دعائياً للسلطة ضده «عليه السلام». فإن ذلك قد يؤثر على كثير من الناس تثاقلاً وصدوداً عن قبول الحق، لمجرد كونه ابن عمر.
بل لقد طلب «عليه السلام» منه أن لا يعجل بالبيعة ليزيد، حتى يعلم ما تؤول إليه الأمور.
الثاني: إنه حتى لو تملص وتخلص من أمر نصرته فعلا، فالمطلوب هو أن يبقى تحت وطأة تأنيب الضمير، وملامة الوجدان، والشعور بالذنب، حيث طلب منه أن يذكره في صلاته، بل صرح له بأنه إذا كانت نصرته تثقل عليه، فلا يدع الدعاء له في كل صلاة.
وقد كان من الطبيعي أن يتذكر ابن عمر هذه الوصية عند كل صلاة، وهي بدورها ستذكره أيضاً بالحجج الحسينية عليه، والتي لم يجد إلى ردها سبيلاً، بل سجل إقراره بصحتها وبصحة موقف الحسين «عليه السلام»، وسجل ابن عمر تراجعه عن شبهاته التي حاول التذرع بها ..
وهذا الشعور الذي أراد «عليه السلام» أن يثيره لدى ابن عمر لا بد أن يجعل هذا الأخير في دائرة الانضباط إلى حد كبير.
وهذا هو المطلوب. بل هذا ما حصل بالفعل، كما يدركه المراقب لحركة ابن عمر..
لقد كان الحسين «عليه السلام» يعلم مدى تأثر ابن عمر بأبيه، وإعجابه به، وقد أراد أن يرسخ الشعور بالذنب وبالتقصير لدى ابن عمر، وأن يجعله يخشى من إدراك الناس الحقيقة التي أشار إليها الحسين «عليه السلام»، وهي: أن عمر بن الخطاب لو أدرك زمان الحسين لنصره.
ولا يمكن أن يظهر ابن عمر بمظهر المخالف لسياسة ورغبات أبيه في أي ظرف، وفي أي حال.
من أجل ذلك قال «عليه السلام» لابن عمر: «فوالذي بعث جدي محمداً «صلى الله عليه وآله» بشيرا ونذيراً ، لو أن أباك عمر بن الخطاب أدرك زماني لنصرني كنصرته جدي، ولقام دوني كقيامه بين يدي جدي».
فنلاحظ:
1 - أنه «عليه السلام» قد عزز كلامه بالقسم بالله.
2 - أنه قد أشار في قسمه هذا إلى النبي «صلى الله عليه وآله» بقوله: «بعث جدي محمداً»، فتوصيفه النبي «صلى الله عليه وآله» بأنه جده وقد كان يمكن الاقتصار على قوله: «بعث محمداً» لا يخلو من الإيحاء بوحدة الفكر والنهج والأهداف بين الحسين «عليه السلام» وبين النبي «صلى الله عليه وآله»، لاسيما وأن جده «عليه السلام» هو الذي رباه ورعاه، وعلمه.
3 - يلاحظ أنه «عليه السلام» قد ذكر أن عمر كان سوف ينصر الحسين «عليه السلام» لو أدرك زمانه بنفس الطريقة، وبالحدود، وإلى المدى الذي نصر جده محمداً «صلى الله عليه وآله»، وربما بنفس الدوافع والأهداف أيضاً.
فإن كان نصر عمر للنبي «صلى الله عليه وآله» مشروطاً بأن لا تتعرض حياته لخطر جدي، فليكن نصر ابن عمر للحسين «عليه السلام» محدوداً بهذا الحد أيضاً.
ولذا عقب «عليه السلام» على قوله المتقدم بقوله: «..فإن كان الخروج معي مما يصعب، ويثقل، فأنت في أوسع العذر إلخ..».
وإن كان نصر عمر لجده محمد «صلى الله عليه وآله» لغايات ذات طابع معين، فلتكن نصرة ابن عمر أيضاً لأجل تلك الغايات، فإنه سيكون هو المسؤول عن تلك الغايات في يوم القيامة. وما يريده منه «عليه السلام» هو أن لا يكون عوناً للأعداء، ومطية للأشقياء في غاياتهم الشريرة والهدامة لدين الله، وإذلال عباده.
وتقدم: أنه «عليه السلام» قد قال لابن عمر: إن كان الخروج معي مما يصعب ويثقل، فأنت في أوسع العذر. مع أن الحوار كله كان بصدد التأكيد على وجوب نصرته «عليه السلام»، وكانت آخر كلمة قالها الحسين «عليه السلام» لابن عمر: «اتق الله، ولا تدعن نصرتي».
فكيف نجمع بين هذا وذاك؟!
ويجاب:
بأنه بعد أن تقرر وجوب نصرته «عليه السلام» على جميع الأمة كما قال ابن عباس، وأقام الحسين «عليه السلام» الحجج على صحة هذا الأمر. ولم يعد لدى ابن عمر أي مهرب أو ملاذ. يصبح أمر امتثاله لهذا الواجب قراراً شخصياً يعود إليه هو أمر اتخاذه، أو الامتناع عنه، ويصير العذر الذي يبحث عنه ويريد التنويه به، وإبرازه ذا طابع شخصي بحت، ولا يستطيع بعد هذا أن يدعو الناس إلى التخلف عن الحسين «عليه السلام»، ولا يمكنه أن يخطئه في تحركه...
والأعذار الشخصية يترك أمرها إلى من يدّعيها، فإنه هو المسؤول والمحاسب، والمطالب يوم القيامة بإثبات صحتها وصلاحيتها.
وتقدم: أن ابن عباس قال للحسين «عليه السلام» حين قال: اللهم اشهد: كأنك تريدني؟!
فتدخل ابن عمر وغيّر مجرى الحديث.
وبعد أن أنهى الحسين «عليه السلام» الحوار مع ابن عمر توجه بالكلام مرة أخرى إلى ابن عباس. ليقرر:
أنه «عليه السلام» قد رصد لابن عباس مهمة تحتاج إلى من
يتصدى لها بجدارة وكفاءة، ولكنه مهد لما يريد بأمور، فجاء مجموع كلامه «عليه السلام» كما يلي:
1 - قال الإمام الحسين «عليه السلام»: إنك يا ابن عباس ابن عم والدي. وكأنه «عليه السلام» يريد أن يشير إلى أن الشواهد والدلائل قد توافرت وتضافرت على صدق ابن عباس في نصحه للإمام الحسين «عليه السلام»، فلا مجال لأن يستغش فى شيء مما قاله، فله قرابة قريبة بالحسين «عليه السلام» تدعوه إلى السعي في حفظه وكلاءته، لأنه ابن عم والد الحسين «عليه السلام».
فأي مكروه يصيب الإمام الحسين «عليه السلام» سوف يلحق ببني هاشم ضرراً، ويترك أثراً ، وسيتعاظم الضرر والخطر، ويزداد الأثر، كلما كانت القرابة أقرب.
وابن عم الوالد قرابة قريبة، تفرض الصدق في النصيحة، والإخلاص في الحب والولاء.
2 - كأنه «عليه السلام» يريد أن يفهم ابن عمر وغيره ممن سوف يسمع هذا الكلام: أن تعامل ابن عمر ونظرائه مع قضية الحسين وبني أمية كانت غير بعيدة عن المنطق العشائري البغيض والجاف، وكانت مشوبة بالمشاعر القبلية الضيقة، ولذا لم يأخذ ابن عمر مصلحة الدين والأمة بنظر الاعتبار، ولم يجعل للقيم والأخلاق، والمشاعر الإنسانية دوراً فاعلاً، ولا أفسح لها مجالاً يليق بها فيما يريد أن يقدمه على شكل نصيحة تفوح منها رائحة الضعف، وإسداء
خدمة للظالمين والجبارين.
ولأجل ذلك تحدث عن صون الوجه الجميل عن ضرب السيوف!! وغير ذلك مما تقدم.
3 - ثم قال «عليه السلام» لابن عباس: ولم تزل تأمر بالخير، منذ عرفتك .
فدل «عليه السلام» بذلك على ما يلي:
ألف: إنه لا بد من تحصيل الطمأنينة بسلامة نية الناصح.
ب: إن على الإنسان أن يدرس تاريخ حياة من يأتيه بصورة ناصح، فإن ظهر أنه لم يزل يأمر بالخير، فذلك يسهم في تعزيز الثقة بسلامة نواياه.
ج: تضمنت كلمة الإمام «عليه السلام» لابن عباس شهادة جميلة ومشرقة في حق هذا الرجل الجليل. تدل على علو مقامه، ورفعة بيارقه، وأعلامه «رحمه الله».
د: إنه «عليه السلام» لم يقل: ما رأيتك تأمر إلا بالخير منذ عرفتك، لأنه قد يكون قد رآه مرات يسيرة أمر فيها بالخير. فلا يثبت ذلك: أنه لم يأمر إلا بالخير طيلة المدة التي حددها «عليه السلام».
بل أخبر بصورة قاطعة يقينية عن أن جميع ما أمر به ابن عباس منذ عرفه الإمام الحسين «عليه السلام» في عهد رسول الله «صلی الله عليه وآله» إلى سنة تسع وخمسين، أو ستين - حسب زعمم - كان من الخير.
فهذا إخبار عن واقع حياة ابن عباس.
ونحن نعلم: أن الإمام الحسين «عليه السلام» وابن عباس كانا يعيشان في بيتين منفصلين، وكان لكل منهما حياته الخاصة والعامة، واجتماع وافتراق، وغيبة وحضور، فإخبار الحسين «عليه السلام» عن واقع حياة ابن عباس طيلة أكثر من خمسين سنة يدل على أنه قد تلقى علم ذلك بطريق غير معهود، ولا هو في متناول أيدي عامة الناس. وهو علم الإمامة الذي لا يخطئ.
هـ: إن مشورة ابن عباس بالخير طيلة أكثر من خمسين سنة من حياته يدل على حسن إدراكه للأمور، وعلى أنه يملك قسطاً وافراً من الحكمة، فضلا عن دلالة ذلك على أمانته، وشهامته، وعلمه بموارد الأمور ومصادرها، وبأحكامها وما إلى ذلك.
و: ثم قدم «عليه السلام» شاهداً حياً وعملياً على ما يقول، وهو: أن ابن عباس كان موضع احترام وتقدير من سيد الأوصياء، ومن هو كنفس الرسول «صلى الله عليه وآله» أعني علي بن أبي طالب «عليه السلام». فكان يشير على على بالرشاد، ومن كان كذلك فحري به أن يكون مأموناً فيما يشير به، وأن تكون مشورته موضع القبول والرضا، إذ إن عليا «عليه السلام» هو سيد الحكماء والعلماء، فإذا لم يجد في مشورة ابن عباس أية شائبة، فذلك يكون أدل دليل على صحة وسلامة مشورته، ولم نجد لابن عمر ولا لغيره من نظرائه هذا الموقع الشريف، والمكانة الرفيعة لدى أمير المؤمنين «عليه
السلام».
بل لم تكن له هذه المكانة لدى أبيه عمر نفسه أيضاً.
ثم إنه «عليه السلام» بعد هذه الإشادة بابن عباس، والتي لا تخلو من التعريض بغيره، والتشكيك بنواياه، وتثير الريب في صحة نصائح ذلك الغير، وظهور الغش والخطل فيها ندب ابن عباس إلى الذهاب إلى المدينة، وأمره بأن لا يخفي عليه شيئاً من أخباره.
وهذا يدل على أن الحسين «عليه السلام» كان يرى أنه بحاجة لمن هو مثل محمد ابن الحنفية ليكون عينا له على أعدائه، ولكي يخبره بخططهم، وبتحركاتهم التي تعنيه..
وبحاجة إلى من هو مثل ابن عباس في جرأته، وفي قوة بيانه، وقاطعية حججه وعلمه، وإحاطته بالأمور، ومقبوليته لدى الخاص والعام، وقد عرفنا أن علاقته القوية بعمر بن الخطاب قد زادت من درجة اعتباره واحترامه عند الفريق الآخر ..
ولديه طاقات كبيرة لا بد من توظيفها في مواجهة الكيد الإعلامي للفريق اليزيدي الأموي الحاقد. وإفشال خططهم في تشويه الإنجاز الهائل المتوقع، والمتمثل باستشهاد الحسين، وأهل بيته وأصحابه في كربلاء.
وهذا يفسر لنا سبب عدم حضور ابن عباس إلى كربلاء، بالإضافة إلى ما أصيب به من شحة في البصر تمنعه من ممارسة
القتال.. كما ذكره المسعودي وابن كثير(1).
ثم أعلن الحسين «عليه السلام» قراره الحاسم بالبقاء في الحرم المكي، ما دام أهله راغبين في نصره، ومنعه، وإن خذلوه فلديه خيار واحد ذو شقين:
الأول: أن يستبدل بهم غيرهم. ولعل المراد بالغير : هم النبي وأهل بيته «عليهم السلام» الذين سيلتقيهم في سفر الآخرة، وقد قال تعالى: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثالُكُمْ)(2).
الثاني: أن يستعصم بالكلمة التي قالها إبراهيم الخليل يوم ألقي في النار: «حسبي الله ونعم الوكيل». فكانت النار عليه برداً وسلاماً..
وهذا يشير إلى أنه سيرضى بمواجهة الحتوف، وسيكون ما يجري عليه في كربلاء برداً وسلاماً، كالنار التي ابتلي بها إبراهيم الخليل «عليه السلام»، من قبل طاغية زمانه المعروف بـ
1) راجع: مروج الذهب ج 3 ص 101 والبداية والنهاية (ط دار ومكتبة الهلال سنة 1429هـ) ج 8 ص 2288) و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 336 والغدير ج 2 ص 45 وفلك النجاة ص 173 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 32 ص 39 وشجرة طوبى ج 1 ص 42 وإختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ج 1 ص 271 وسعد السعود ص 285 وبحار الأنوار ج 89 ص 105 وغاية المرام ج 5 ص 206 .
2) الآية 38 من سورة محمد .
«النمرود» «لعنه الله».
وبعدما تقدم نقول:
فإن إلقاء نظرة على هذا الحوار بين الحسين «عليه السلام» وبين ابن عباس وابن عمر يعطي: أن الإمام الحسين «عليه السلام»، قد اعتمد طريقة فريدة لبلوغ ما يريد، ولعلها مفردة يتيمة في تاريخ الحوار الإقناعي على مدى التاريخ..
فالحسين «عليه السلام» يقرر شخصاً بأمور معينة، لكي يفرض الحق نفسه على شخص آخر حاضر وناظر، فهو «عليه السلام» يقرر ابن عباس، ليفرض الحق نفسه على ابن عمر..
ومن خصوصيات هذه الطريقة:
أولاً: تحاشي مواجهة الطرف المقصود بما يراه تحديا لفهمه للأمور، أو يعتبره إنكاراً لقناعاته.. فكأنه يعطيه شعوراً بالأمن من أن يكون مستهدفا بالإحراج، أو بما يؤدي إلى تسفيه رأيه، وإلجائه إلى الجحود والمكابرة.
ثانياً: إن هذا الشعور السطحي بالأمن يعطي الفرصة للشخص المقصود للإختلاء بالفكرة المعروضة، من دون أن يكون لديه أية مشاعر سلبية تجاهها. قد تظهر نتيجة لتهيج الأنا في داخل نفسه، فتلجأ الأنا إلى الانتفاخ والتورم المصطنع الذي يزاحم الفكرة، ويضطرها للتضاؤل والإنكماش، الموجب لانحسار جزء كبير من
تأثيرها وقدرتها على إرضاء الوجدان..
ثالثاً : إن هذا الجو الهادئ والرصين يسقط أية ذريعة يمكن أن تسهل على المعني الحقيقي بالخطاب التملص من التزاماته، تجاه تلك الحقيقة، ويجعله غير قادر على تبرير هذا النحو من التعامل، مع أمر بهذا المستوى من الخطورة.
رابعاً: لنفترض أن المقصود الحقيقي بهذا الخطاب التقريري - كابن عمر - لم يتفاعل مع الحقائق التي أقر بها ابن عباس، لأي سبب كان، فإن ظهور الحق لسائر الناس يكفي مبرراً للحوار بهذا النحو التقريري الهادئ والرصين.
خامساً: إن ابن عباس كان هو الشخص الذي لا أحد سواه يقوم مقامه في حوار كهذا، لأن الإمام الحسين كان يعرف موقع ابن عباس في الناس حتى عند الفريق الآخر، وخصوصاً ابن عمر، وكان يعلم: هذه المكانة سوف تزداد رفعة وقوة . وذلك بسبب العلاقة التي كانت لابن عباس بعمر، واهتمام عمر به بصورة ظاهرة. وكان لعمر أثر كبير في الناس، وكان ابن عمر أيضاً معجباً بأبيه بصورة ظاهرة، ومهتماً بتأثر خطاه..
يضاف إلى ذلك: أن ابن عباس كان يملك مؤهلات عالية في المنطق، والبيان، وقدرات احتجاجية مميزة. وستبقى له مكانته الخاصة عبر الأحقاب والأزمان.
فعن مسروق قال: كنت إذا رأيت عبد الله بن عباس قلت: أجمل
الناس. فإذا تكلم قلت: أفصح الناس. وإذا تحدث قلت: أعلم الناس(1).
1) الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 3 ص 935 وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص 203 والدرجات الرفيعة ص 100 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 351 والإصابة ج 1 ص 56 وج 4 ص 128 وأنساب الأشراف ج4 ص30 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 157 والبداية والنهاية (ط دار ومكتبة الهلال سنة 1429هـ) ج 8 ص 2287 و (ط دار إحياء التراث) ج8 ص 333 وشذرات الذهب ج 1 ص 76 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص 124 وذخائر العقبى ص 229 .
عن أبي عثمان النهدي :
كَتَبَ حُسَينٌ «عليه السلام» مَعَ مَولى لهُم يُقالُ لَهُ: سُليمانُ، [وعند ابن نما: بعث الكتاب مع زراع السدوسي، وقيل: مع سليمان المكنى بأبي رزين] بنُسخةٍ إلى رؤوس الأخماس بالبَصَرَةِ، وإلى الأشراف.
فَكَتَبَ إلى مالِكِ بن مسمع البكري، وإلى الأحنف بن قيس، وإلى المنذر بن الجارود، وإلى مسعودٍ بن عَمرو، وإلى قيس بن الهيثم، وإلى عَمرو بن عُبَيدِ اللهِ بن مَعْمَرٍ، فَجاءَت مِنهُ نُسخة واحِدَةٌ إلى جَميع أشرافها:
أمّا بَعدُ، فَإِنَّ الله اصطفى مُحَمَّداً «صلى الله عليه وآله» على خَلقِهِ، وأكرَمَهُ بِنُبُوَّتِهِ، وَاختارَهُ لِرسالتِهِ، ثُمَّ ِقبَضَهُ اللَّهُ إِليهِ، وقد نَصَحَ لِعِبادِهِ، وبَلغَ ما أرسلَ بهِ «صلى الله عليه وآله»، وكنا أهله وأولِياءَهُ، وأوصياءَهُ، ووَرَتْتَهُ، وأحَقَّ النّاسِ بِمَقامِهِ في النّاس.
فَاسْتَأَثَرَ عَلينا قومنا بذلِكَ، فَرَضينا، و گرهنَا الفُرقة، وأحبَينَا العافِيَة، ونَحنُ نَعلَمُ أمّا أحَقُّ بِذلِكَ الْحَقِّ المُستَحَقِّ عَلَينا مِمَّن تَوَلَّاهُ، وقد أحسنوا وأصلحوا ، وتَحَرَّوُا الحَقَّ، فَرَحِمَهُمُ اللَّهُ، وغَفَرَ لنا ولهُم .
وقد بَعَثتُ رَسولي إليكم بهذا الكِتاب، وأنا أدعوكم إلى كِتابِ اللهِ وسُنَّةِ نَبِيِّهِ «صلى الله عليه وآله»، فإنَّ السُّنَّة قد أميتَت، وإنَّ البدعة قد أحييت، وإن تَسمعوا قولي وتطيعوا أمري أهدِكُم سَبِيلَ الرَّشادِ، وَالسَّلَامُ عَلِيكُم وَرَحمَهُ اللهِ.
فكُلُّ مَن قرأ ذلِكَ الكِتابَ مِن أشرافِ النّاس كَتَمَهُ، غَيْرَ الْمُنذِرِ بن الجارودِ، فَإِنَّهُ خَشْيَ - بِزَعَمِهِ - أن يَكونَ دَسيساً مِن قِبَل عُبَيدِ الله، [وعند ابن أعثم: وكانت حومة بنت المنذر بن الجارود تحت عبيد الله
بن زياد]، [وعند الخوارزمي: بحرة بنت المنذر بن الجارود]، [وعند ابن طاووس: بحرية] فجاءَهُ بالرَّسول مِنَ العَشِيَّةِ الَّتِي يُرِيدُ صَبِيحَتَها أن يسبق إلى الكوفة، وأقرأهُ كِتابَهُ، فَقَدَّمَ الرَّسُولَ فَضَرَبَ عُنُقَهُ [في اللهوف: فصلبه]، [و عند ابن أعثم: صبراً رحمه الله، ثم أمر بصلبه] وَصَعِدَ عُبَيدُ اللَّهِ مِنبَرَ الْبَصَرَةِ، فَحَمِدَ الله وأَتْني عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ:
أمّا بَعدُ، فَوَاللَّهِ ما تُقرَنُ بيَ الصَّعبَة ولا يُقعقع لي بالشنان، وإنّي لذِكلٌّ لِمَن عاداني، وسَمٌ لِمَن حارَبَني، أنصَفَ القارَةَ مَن راماها .
يا أهلَ البَصَرَةِ! إنَّ أميرَ الْمُؤمِنِينَ وَلانِي الكوفة، وأنا غادٍ إليها الغَداةَ ، وقدِ استَخلفتُ عَلَيكُم عُثمانَ بن زياد بن أبي سفيان، وإِيَّاكُم وَالخِلافَ والإرجاف، فوالذي لا إلهَ غَيرُهُ ، لَئِن بَلغَنِي عَن رَجُلٍ مِنكُم خِلافٌ لأقتلئه، وعريفهُ، ووَلِيَّهُ، ولأخُذَنَّ الأدنى بالأقصى، حَتى تَستَمِعوا لي، ولا يكون فيكمُ مُخالِفٌ ولا مُشاق.
أَنَا ابْنُ زِيادٍ، أَشبَهتُهُ مِن بَين مَن وَطِئَ الحَصى، ولم يَنتَزعني
شبَهُ خالٍ، ولا ابنُ عَمِّ.
ثُمَّ [وفي اللهوف: ثم بات تلك الليلة، فلما أصبح] خَرَجَ مِنَ البَصَرَةِ، وَاستَخلفَ أخاهُ عُثمان بن زيادٍ، وأقبَلَ إلى الكوفة، ومَعَهُ مُسلِمُ بنُ عَمرو الباهِلِيُّ ، وشريك بنُ الأعور(1).
ويقول ابن طاووس:
كَتَبَ يَزِيدُ إِلى عُبَيدِ اللهِ بن زيادٍ - وكان والياً عَلَى البَصَرَةِ - بِأَنَّهُ قد ولاه الكوفة وضَمَّها إليه، ويُعَرِّفُهُ أمر مُسلِم بن عَقِيلٍ وأمرَ الحُسَينِ «عليه السلام»، ويُشدِّدُ عَليهِ في تحصيل مُسلِمٍ وقتلِهِ.
فَتَأَهَّبَ عُبَيدُ اللَّهِ لِلمَسِير إلى الكوفة. وكانَ الحُسَينُ «عليه السلام» قد كَتَبَ إِلى جَمَاعَةٍ مِن أشرافِ البَصَرَةِ كِتابا مَعَ مَولَىَ لَهُ اسْمُهُ سُليمانُ ويُكَنِّى أبا رزين، يَدعوهُم فِيهِ إِلى نُصرَتِهِ، ولزوم طاعَتِهِ، مِنهُم: يَزِيدُ بنُ مَسعودٍ النَهشَلِيُّ، وَالمُنذِرُ بنُ الجارودِ العَبدِيُّ.
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 357 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 266 والبداية والنهاية ج 8 ص 157 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 170 والكامل في التاريخ ج 4 ص 23 و 24 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 39 - 42 وراجع: الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 37 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص 199 ومثير الأحزان لابن نما ص 27 وبحار الأنوار ج 44 ص339 وراجع: أنساب الأشراف ج 2 ص 335 والأخبار الطوال ص231 والملهوف ص 109 وأعيان الشيعة ج 1 ص 590 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 155.
فَجَمَعَ يَزِيدُ بنُ مَسعودٍ بَني تَميمٍ، وبَني حنظلة، وبَني سَعدٍ، فلمّا حَضَرُوا قالَ: يا بني تميمٍ! كَيْفَ تَرَونَ موضعي مِنكُم، وحَسَبِي فِيكُم؟
فقالوا: بَخٌ بَخٌ، أنت واللهِ فِقرة الظهر، ورأسُ الفخر، حللت في الشَّرَفِ وَسَطاً، وتَقدَّمت فيهِ فَرَطاً.
قالَ: فإنّى قد جَمَعْتُكُم لأمر أريدُ أن أشاورَكُم فِيهِ، وأَستَعِينَ بِكُم عَليهِ.
فقالوا : وَاللَّهِ إِنَّا نَمنَحُكَ النَّصيحة، ونَجهَدُ لَكَ الرَّأْيَ، فَقُل نَسمَع.
فقالَ: إِنَّ مُعاوِيَة قد مات، فأهون بهِ والله هالكا ومفقوداً، ألا وإنَّهُ قدِ انكَسَرَ بابُ الجَور والإثم، وتضعضعت أركان الظلم، وقد كانَ أحدَثَ بَيعَة عَقدَ بها أمراً وظنَّ أنَّه قد أحكَمَهُ، وهَيهات وَالَّذي أرادَ، اجْتَهَدَ وَاللَّهِ فَفَشِلَ، وَشَاوَرَ فَخُذِلَ.
وقد قامَ ابنُهُ يَزِيدُ، شاربُ الخُمور، ورأسُ الفُجور، يَدَّعِي الخِلافة عَلى المُسلِمِينَ ، ويَتَأَمَّرُ عَليهم بغير رضىً مِنهُم، مَعَ قصر حِلمٍ، وقلة عِلمٍ، لا يَعرِفُ مِنَ الحَقِّ مَوطِئَ قَدَمِهِ، فأقسِمُ بِاللهِ قسَماً مبروراً، لجهادُهُ عَلى الدّين أفضَلُ مِن جهادِ المُشركين.
وهذا الحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ، ابنُ بِنتِ رَسول اللهِ «صلى الله عليه وآله» - دُو الشَّرَفِ الأصيل، وَالرَّأي الأثيل - لهُ فضل لا يوصَفُ، وَعِلْمٌ لا يُنزَفُ، وهُوَ أولى بهذا الأمر، لسابقته، وسنّه ، وقدمِهِ، وقرابَتِهِ، يَعطِفُ عَلى الصَّغير، ويحنو على الكبير، فأكرم به راعي رَعِيَّةٍ، وإمام قوم، وَجَبَت للهِ بِهِ الحُجَّةُ، وَبَلغَت بهِ المَوعِظة. فلا تعشوا عَن نور الحَقِّ،
ولا تَسكَعوا في وَهدَةِ الباطِل، فقد كانَ صَخرُ بنُ قيس قدِ انْخَذَلَ بِكُم يَومَ الجَمَل، فاغسلوها بخُروحِكُم إلى ابن رسول الله «صلى الله عليه وآله» ونُصرَتِهِ، وَاللَّهِ لا يُقصِّرُ أَحَدٌ عَن نُصرَتِهِ إِلَّا أُورَتْهُ اللهُ الدُّلَّ في وَلْدِهِ، وَالْقِلَة فِي عَشِيرَتِهِ.
وها أنا قد لبستُ لِلحَرب لامَتَها، وَادَّرَعتُ لها يدرعِها، مَن لم يُقتَل يَمُت، ومَن يَهرُب لم يفت، فأحسنوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ رَدَّ الجَوابِ.
فَتَكَلَّمَت بَنو حنظلة، فقالوا : يا أبا خالِدٍ! نَحنُ نَبلُ كِنَانَتِكَ، وفارس عَشيرَتِكَ، إن رَمَيت بنا أصبت، وإن غَزَوت بنا فتَحتَ، لا تَخوضُ وَاللهِ غَمَرَةَ إِلا خُضناها، ولا تلقى وَاللهِ شِدَّةَ إِلا لقيناها، نَنصُرُكَ بأسيافنا، ونقيك بأبداننا، فانهض لما شئت.
وتَكَلَّمَت بَنو سَعدِ بن يَزِيدَ، فقالوا: يا أبا خالِدٍ! إِنَّ أَبغَضَ الأَشياءِ إلينا خِلافُكَ، وَالخُروجُ مِن رَأيك، وقد كانَ صَخرُ بنُ قيس أَمَرَنا بِتَركِ القِتال، فَحَمِدنا أمرنا وبَقِيَ عِزَّنا فينا، فأمهلنا تراجع المَشْوَرَةَ، وَنَأْتِكَ برأينا.
وَتَكَلَّمَت بَنو عامر بن تميم، فقالوا: يا أبا خالِدٍ! نَحْنُ بنو أبيكَ وحُلْفاؤُكَ، لا نَرضى إِن غَضبت، ولا نَقطنُ إن ظَعَنتَ، وَالأَمرُ إِليكَ، قادعُنا تُجبك، ومُرنا نُطعكَ، وَالأمرُ إِليكَ إذا شئت.
فقال: وَاللهِ - يا بَني سَعدٍ -، لئِن فَعَلتُموها لا يَرفعُ اللَّهُ عَنكُمُ السَّيفَ أبدا، ولا يَزالُ سَيفُكُم فِيكُم.
ثُمّ كَتَبَ إلى الحُسَين «عليه السلام»:
بسمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
أمّا بَعدُ، فقد وَصَلَ إليَّ كِتابُكَ، وفهمت ما نَدَبَتَني إِليهِ، ودَعَوتَني لَهُ، مِنَ الْأُخذِ بِحَظِي مِن طَاعَتِكَ، وَالفوز بنَصيبي مِن نُصرَتِكَ، وَأَنَّ الله لم يُخل الأرض مِن عامِلٍ عَليها بخَيرٍ ، ودَليلٍ عَلى سَبِيلِ النَّجاةِ، وأَنتُم حُجَّهُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ، ووَدِيعَتُهُ في أرضِهِ، تَفَرَّعْتُم مِن زَيتونَةٍ أحمَدِيَّة، هُوَ أصلها، وأنتُم قرعها.
فأقدِم سَعِدت بأسعَدِ طَائِرٍ ، فقد ذللتُ لكَ أعناق بَني تَميمٍ، وتَرَكْتُهُم أَشدَّ تَتابعاً لكَ مِنَ الإِبل الظُّماءِ يَومَ خِمسها لِوُرُودِ المَاءِ، وقد دَلَّلتُ لَكَ رقابَ بَني سَعدٍ، وغَسَلْتُ لكَ دَرَنَ صُدورها بماءِ سَحَابَةٍ مُزنٍ، حَتَّى اسْتَهَلَّ بَرقُها فَلمَعَ.
فلمّا قرأ الحُسَينُ «عليه السلام» الكِتابَ قَالَ: آمَنَكَ اللَّهُ يَومَ الخَوفِ، وأَعَزَّكَ، وأرواكَ يَومَ العَطش الأكبر.
فَلَمّا تَجَهَّزَ المُشارُ إِليهِ لِلخروج إلى الحُسَين «عليه السلام» بَلَغَهُ قتله قبل أن يَسير، فَجَزِعَ مِن انقِطَاعِهِ عَنهُ.
وأَمَّا الْمُنذِرُ بنُ الجارودِ، فَإِنَّهُ جَاءَ بِالْكِتابِ وَالرَّسُولِ إِلَى عُبَيدِ اللَّهِ بن زيادٍ؛ لأَنَّ المُنذِرَ خافَ أن يَكونَ الكِتابُ دَسيساً مِن عُبَيدِ اللهِ بن زيادٍ، وكانت بحريَّة بنتُ المُنذِرِ زَوجَةٌ لِعُبَيدِ اللهِ بن زيادٍ، فَأَخَذَ عُبَيدُ اللهِ بنُ زِيادٍ الرَّسُولَ فَصَلْبَهُ، ثُمَّ صَعِدَ المِنبَرَ فَخَطَبَ، وَتَوَعَدَ أَهْلَ البَصَرَةِ عَلى الخِلافِ، وإثارَةِ الإرجاف، ثُمَّ باتَ تِلْكَ اللَّيلَةَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ
استَنابَ عَليهم أخاهُ عُثمان بن زيادٍ، وأسرَعَ هُوَ إلى قصدِ الكوفة(1).
ونقول:
هنا أمور تحتاج إلى إيضاح، نذكر منها ما يلي:
إن أول سؤال يواجه الباحث للوهلة الأولى هو: ما سبب اختلاف طريقة تعامل الإمام الحسين «عليه السلام» مع أهل البصرة عن تعامله مع أهل الكوفة، فإن ذلك ظهر في ثلاث جهات:
الأولى : إنه «عليه السلام» يبادر إلى الكتابة لزعماء أهل البصرة، يدعوهم لنصرته، ولم يكن أحد من أهل البصرة قد كتب إليه، ولكنه يتريث في الكتابة إلى أهل الكوفة، بل هو لا يجيبهم على كتبهم، حتى اجتمع لديه منها اثنا عشر ألف كتاب..
الثانية: إنه «عليه السلام» يكتب إلى زعماء البصرة، ويسميهم بأسمائهم، ولكنه في كتابه لأهل الكوفة لا يسمى أحدا منهم، بل يخاطب المؤمنين والمسلمين، وهو عنوان عام.
1) موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 3 ص 44 - 47 والملهوف ص 109 و (ط أنوار الهدى - قم سنة 1417هـ) ص 28 و 29 ومثير الأحزان ص 27) و (ط المكتبة الحيدرية سنة 1369هـ) ص 19 وبحار الأنوار ج 44 ص337 - 339 والعوالم ، الإمام الحسین ج17 ص188 و 189 وأعيان الشيعة ج 1 ص 590 .
الثالثة : إنه أرسل سفيراً إلى الكوفة ليطلعه على أحوالهم، ولم يرسل سفيراً إلى البصرة.
ونقول:
1 - يمكن أن يجاب على الجهة الأولى بما يلي:
أولاً: إن اندفاع أهل الكوفة للقيام ضد بني أمية كان مشهوداً، ولا سيما بعد استشهاد الإمام الحسن «عليه السلام»، فقد بذلوا جهداً كبيراً لاقناع الحسين «عليه السلام» بالقيام ضد معاوية، لكنه لم يستجب لهم، لأنه لا ينكث عهده، ولا يخيس بوعده، وكان يصر على أنه لن يفعل ذلك ما دام معاوية حياً .
وحين مات معاوية زاد اندفاعهم إليه، وإصرارهم عليه «عليه السلام» بأن يتولى قيادتهم لإنجاز هذا المهم.
فمجاراتهم في اندفاعتهم هذه، قد تكون مدخلاً لتوقعات منهم لا يستطيع الإمام الحسين «عليه السلام» أن يستجيب لها، أو أن ذلك قد ينشأ عنه انفلات الأمور، والوقوع في مزالق، ومهالك تضر بمسار الحركة، وتشوه وجهها المشرق، وتحرفها عن مسارها، وربما أعطت عنها، وعن أهدافها، وعن أساليبها ومناهجها صورة مشينة، ومهينة، وهذه هي الكارثة العظمى، والداء الذي لا دواء له.
فكان لا بد من كبح جماح هذه الاندفاعة، وعقلنتها، وإفهام هؤلاء الناس أن عليهم أن يعودوا إلى رشدهم، وأن يضعوا قرارهم بيد أهل الحجى، والرأي والعقل، والفضل فيهم، وأن يخرجوا من جو الطيش
والخفة والعشوائية، والتسرع، والتأمل، والنظر في العواقب، والتدبير السليم، فإن القضية بمنتهى الخطورة على الدين، وعلى مستقبل المسلمين. وعلى أرواحهم، وأعراضهم، وكل وجودهم.
ثانياً: إن ما جرى على الإمام الحسن «عليه السلام»، وإلجائه إلى قبول المعاهدة مع معاوية بسبب نكث طائفة من جيشه بيعته، وغدرهم به «علیه السلام»، قد جعل إسراع الإمام الحسين «عليه السلام» في الاستجابة لهم أمراً غير سديد، فضلا عن أن يكون الإمام «عليه السلام» هو المبادر لدعوتهم لنصرته، فإنه لو فعل «عليه السلام» ذلك، وانتهت الأمور على النحو الذي انتهت إليه، لرأينا معظم الناس في الأمة يدينون الإمام الحسين «عليه السلام»، ويتهمونه بالسذاجة، وبالإصرار على أمر تشير جميع الدلائل - بنظرهم - إلى أنه خطأ محض.
وسيكون شاهدهم على ذلك هو:
أن الكثيرين من الأعيان قد نصحوا الإمام الحسين «عليه السلام» بعدم الركون إلى قوم قتلوا أباه، وطعنوا أخاه، وغدروا به، ونكثوا به. ولكنه لم يصغ لنصائحهم ، ولا استجاب لمطالبهم، وأن ما جرى له قد دلّ على صحة ما أشاروا به.
وإذا تمكن المغرضون من الطعن بالإمام «عليه السلام»، وإثارة الشبهات حول مساره، وحكمته، وتدبيره، وسياسته وغير ذلك، فإن استشهاده يصير بلا فائدة ولا عائدة. بل قد يكون من موجبات الوهن
في الدين، ويصبح الضلال والباطل حقاً، ويصير الحق باطلا..
ولكن السياسة التي اتبعها «عليه السلام» معهم قد أظهرت أنهم هم الذين لجأوا إليه، وأصروا عليه، ولم يلجأ هو إليهم، ولا طلب منهم النصر والمؤازرة.
2 - يجاب على الجهة الثانية، وهي كتابته «عليه السلام» لأشخاص بأسمائهم وبأعيانهم في البصرة ، لكنه بالنسبة للكوفة قد سل الكتاب إلى عنوان عام، وهو المؤمنون أو المسلمون، - يجاب - بما يلي:
إن رؤساء القبائل كانوا في تلك الفترة هم الذين يمكسون بقرار قبائلهم ومرؤوسيهم، وليس لأحد مع هؤلاء الرؤساء أمر، وليس له أن يتخلف أو أن يخالف رغباتهم.
والأشخاص الذين كتب إليهم وسماهم بأسمائهم في البصرة هم رؤساء الأخماس، ونفس النسخة أرسلها أيضاً إلى الأشراف فيها.
ويلاحظ: أن هؤلاء - باستثناء واحد منهم، كان من الأشراف، وليس من رؤساء الأخماس -.
إما لم يجيبوا الإمام على رسالته..
أو أجابه بعضهم بجفاء كالأحنف، بل قد يقال : إنه أجاب بما فيه إساءة وسوء أدب.
أو بادر إلى عبيد الله بن زياد، وهو الوالي على البصرة من قبل يزيد، وهو من ألد أعداء الحسين، ليخبره بالكتاب، وبمضمونه، ثم
أحضر إليه الرسول الذي حمل كتاب الحسين «عليه السلام» إلى رؤساء الأخماس، فقتله عبيد الله بن زياد وصلبه.
فظهر: أن أكثر الذين كتب «عليه السلام» إليهم كانوا من الفريق المناوئ له «صلوات الله عليه».
ومن المعلوم: أن الكتابة إلى أعيان البلد، ورؤسائه بأسمائهم في أي أمر من الأمور، لا يدين المكتوب إليه ، ولاسيما إذا كان أكثر الرؤساء من الفريق الآخر المناوئ لصاحب الكتاب، والمعاضد لأعدائه، ولا يجعل لأحد سبيلا عليه، إلا إذا ظهر أنه استجاب لما طلبه منه صاحب الكتاب..
والمراد بالأخماس، الذين كان هؤلاء الخمسة رؤساء لها هو:
1 - الخمس الأول: أهل العالية.
2 - بكر بن وائل.
3 - تميم.
4 - عبد القيس.
5 - الأزد(1).
وهناك رؤساء آخرون، لهم موقعهم وكلمتهم في بقية القبائل.
أما أهل الكوفة فإن الذين كتبوا إليه «عليه السلام» منهم، كانوا
1) لسان العرب ج 6 ص 70 و 71 وتاج العروس ج 8 ص 267 وراجع:أعيان الشيعة ج 1 ص 475 ووقعة صفين للمنقري ص117.
من مختلف الفئات والطبقات، فلو سمَّى «عليه السلام» أي واحد منهم، فإنه يكون قد أشاط بدمه، وأغرى به الأعداء، وسوف يؤخذ ويقتل، وينكل به، لأن تسمية أي شخص أو أشخاص في رسالته «عليه السلام» الجوابية على أثني عشر ألف كتاب تعني أنهم المعتمدون عنده، والمعول عليهم لديه، والمدبرون لأمر حركته في بلدهم، وربما في غيره أيضاً.
3 - أما الجهة الثالثة، وهي ارسال سفير له إلى الكوفة دون البصرة، فإن هذا السفير إنما قدم الكوفة مستطلعاً للنوايا، مختبراً للإمكانات، مدبراً للأمور، ولم يأت إليها، لأن ثمة قناعة تكونت لدى الإمام «عليه السلام» باتساق الأمور، أو لأنه استجاب لمطالب أهل الكوفة..
وقد كان حال أهل البصرة معروفاً للقاصي والداني، وأنها كانت تميل في الأكثر إلى الفريق المناوئ لأهل البيت. وكان أهلها عثمانية، وإن كان هناك قسم من أهلها - ولو بنسبة أقل - يميلون إلى أهل البيت «عليهم السلام» أيضاً، كما ظهر من أحد الأشراف الذي أقنع بني تميم، وبني سعد وغيرهم بنصرة الحسين «عليه السلام»، وتجهز هو ليلتحق به، فبلغه أنه قد استشهد..
أما الكوفة فهي وإن كانت أكثر تعاطفاً مع أهل البيت «عليهم السلام»، ولكنها كانت تحتاج إلى تعامل رفيق ودقيق، ووضع الأمور في نصابها الصحيح، حتى لا تطيح العشوائية والفوضى بأهداف
الحركة الحسينية المباركة، بحيث إذا انتهت الأمور بالاستشهاد، لا تضيع ثمراته، كما أشرنا إليه..
وتقدم: أنه «عليه السلام» قد كتب لأهل البصرة ما يثبت أن الحق له دون سواه، ولكن بطريقة مرنة ومؤثرة، لأنه اعتمد على مفردات تنسجم مع المنطق، ويفرضها واقع الحال، وهي أنهم:
أهله.
وأولياؤه.
وأوصياؤه.
وورثته.
وأحق الناس بمقامه في الناس.
وبيان ذلك كما يلي:
1 - إن من المعلوم أن الحسين «عليه السلام» هو من أهل بيت النبوة، وقد عاش ونشأ وتربى في كنف الرسول «صلى الله عليه وآله»، وظهر له من الأمتياز على سائر الخلق، والتفرد بالمزايا، والحظوة عند الرسول، والمقام عند الله ما بهر العقول، وبخع له وسلم به القريب والبعيد، والعدو والصديق.
2 - إن الذي يريد أن يجلس في موقع رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ويحكم الناس بشرع الله سبحانه، ويهديهم إلى دينه، لا بد أن
يكون عالماً بهذا الشرع ، واقفاً على شؤون ودقائق وحقائق هذا الدين.
كما أنه لا بد أن يملك الميزات والصفات التي يتوخاها صاحب الشريعة فيه، ويعطي الإنطباع عما يريد أن يدعو الناس إليه، ويحملهم عليه، ويكون أسوة وقدوة لهم فيه..
3 - إن آية توافر هذه الشروط في هذا الحاكم أن تظهر ثمرات حاكميته، ونهجه في الواقع العملي العام أمناً، وصلاحاً، وخيراً، وفلاحاً، ورشاداً وسداداً، ونجاحاً. فمن يحتاج إلى الأمن يوفر الأمن له، ومن يحتاج إلى المال، يجد المال الحلال الطيب. ومن يحتاج إلى العلم يجد العلم الصحيح والنافع، ومن يحتاج إلى التربية الصالحة، والتحلي بالأخلاق الحميدة، والفضائل المجيدة يجد نفسه في محيط ملؤه الطهر والنزاهة، والأخلاق والفضائل. ومن يحتاج إلى العدل والقسط يجد ذلك على أكمل وأتم وجه. وهكذا يقال في سائر مجالات الخير، والهداية، والرعاية..
4 - وبذلك تظهر أحقية أهل البيت «عليهم السلام» بمقام النبي «صلى الله عليه وآله»، وخلافة النبوة، كما دلت عليه المفردات التي ساقها الإمام الحسين «عليه السلام» للتدليل على ذلك، فمثلاً:
ألف: إن أهل الرجل هم أعرف الناس به، وهم يعرفون آماله وآلامه، وما يفكر فيه، وما يخطط له، ويطمح إليه، وما يهمه، وما لا يهمه، وما يفرحه، ويزعجه.
ويرونه في مختلف حالاته، حتى حين يكون في خلواته،
ويعرفونه حين يرضى، وحين يغضب، وحين يصح وحين يمرض، وفي حالتي السرور والحزن، والتعب والراحة، ويرون تعامله المباشر مع الأشياء من حوله، ويسمعون منه ما ينم عن مشاعره، ومواقفه تجاه كبير الأمور وصغيرها، وجليلها وحقيرها، وما إلى ذلك.
وهذه المعرفة، المتمازجة مع المشاعر الحميمة والرحيمة، تزيد في بصيرة أهل البصيرة منهم، وتعمق وعيهم لمقاصده، وانشدادهم إليها، وتفاعلهم معها، واندفاعهم نحو تحقيقها بصدق وأمانة وإخلاص، ثم بحكمة وحنكة، وبحزم وثبات.
ب: إن أولياء الرجل هم أقرب الناس إليه، وألصقهم به، وهم الذين يتولون شؤونه، ويلبون مطالبه، ويسعون في حاجاته وهم أبوابه، وحجابه، وأقرباؤه وأصحابه. ومن خلالهم يتصل الآخرون به، ويصلون إليه...
ج: كما أن أوصياء الرجل هم الذين يعتمد عليهم ويثق بهم، ويلجأ ويسكن إليهم، ويحملهم مسؤولية حفظ ما يريد حفظه، أو إنجاز المهمات التي يرغب في إنجازها.
د: وورثة الرجل هم الذين يهتمون بحفظ تراثه المادي والمعنوي، ويهمه أن يكونوا هم المتولين لحفظ ذلك التراث، ويرغب بأن يصل إليهم دون غيرهم، بل هو يهيؤهم ويعدهم لهذا الأمر، ويزيل الموانع من طريقه.
وهم بدورهم يحرصون على تنمية ذلك التراث، وبقائه، ونقائه، وتنميته وزيادته، وهم الأعرف بخصوصيات هذا التراث، وبكيفية التعامل معه.
هـ: والنقطة الأخيرة التي أشار إليها الإمام الحسين «عليه السلام» في رسالته إلى أهل البصرة هي: أن أهل البيت «عليهم السلام» هم أحق الناس بمقام النبي «صلى الله عليه وآله» في الناس. وهذا مما يقر به الناس، وجروا عليه في تعاملهم وتدركه عقولهم، وتقودهم إليه فطرتهم..
وكل عمل يخالف طبيعة الأمور، وما تقود إليه الفطرة، لن يكون سبيل نجاح وفلاح، بل هو ينذر بالفشل الذريع، والسقوط المريع.
ثم وصف «عليه السلام» الذين اغتصبوا مقام أهل البيت «عليهم السلام» بقوله: «أحسنوا، وأصلحوا، وتحروا الحق، فرحمهم الله، وغفر لنا ولهم».
وهذه الكلمات لم نعهدها في طريقة تعامل أهل البيت «عليهم السلام» مع الذين استلبوا حقهم، وآذوهم، وضربوا سيدة النساء «عليها السلام»، وأسقطوا جنينها..
على أن الوقائع التي حفل التاريخ والحديث بالكثير منها لا تؤيد صحة ما تقرر في هذه الكلمات. ولو أردنا جمع الشواهد على ذلك، لملأنا عشرات الصفحات. ويكفي أن نذكّر المرء بما فعله خالد بمالك
بن نويرة، فقد قتله، وزنى بامرأته في نفس ليلة قتله، وقد أعفاه أبو بكر من العقوبة، واعتبر هذا الزاني والقاتل لصحابي مسلم: أنه مجتهد، مأجور على فعله هذا.
كما أن عمر بن الخطاب قد منع من تدوين أحاديث رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وجمع ما كتبه الصحابة منه، وأحرقه، وضيق على الناس، ومنعهم من الحديث إلا بشاهدين، واستمرت هذه السياسة إلى عشرات السنين حتى فشا الجهل وكثرت البدع. وهل يعد مصلحاً ومحسناً ومتحرياً للحق. وقد سن للناس صلاة التروايح وقال: بدعة ونعم البدعة هي ، أو نحو ذلك؟!(1)
ج 1 ص 218 و (ط دار الفكر) ج 2 ص 252 والسنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 493 وعمدة القاري ج 11 ص 125 وفتح الباري ج 4 ص 219 وتحفة الأحوذي ج 3 ص 450 و 366 والمصنف للصنعاني ج4 ص 259 وصحيح ابن خزيمة ج 2 ص 155 والفايق في غريب الحديث ج 3 ص 359 ومعرفة السنن والآثار ج 2 ص 304 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 12 ص 158 و 159 والرياض النضرة ج 2 ص 309 وكنز العمال ج 8 ص 408 و 409 والتعديل والتجريح ج 1 ص 46 وغريب 8 الحديث ج 1 ص 277 وسفينة النجاة للتنكابني ص 241 والإمامة والسياسة ج 1 ص 24 والكامل في التاريخ ج 2 ص 461 والإصابة ج 2 ص 463 والمدونة الكبرى ج 1 ص 222 والموطأ لمالك ج 1 ص114 وتنوير الحوالك ص 137 والمغني لابن قدامة ج 1 ص 798 والشرح الكبير ج1 ص 747 ونيل الأوطار ج 3 ص 63 وشعب الإيمان ج 3 ص177 وفضائل الأوقات ص 266 ومعرفة السنن والآثار ج 2 ص 521 والإستذكار لابن عبد البر ج 2 ص 65 و 66 و 67 وكشف المشكل ج 1 ص 116 ونصب الراية ج 2 ص 174 والجامع لأحكام القرآن ج 2 ص87 وتفسير البحر المحيط ج 1 ص 534 وتفسير القرآن العظيم ج 1 ص 166 وتفسير الآلوسي ج 27 ص 193 والإحكام لابن حزم ج 1 ص 43 وتاريخ بغداد ج8 ص 51 وسير أعلام النبلاء ج 10 ص 70 وتاريخ المدينة ج 2 ص 713 و 714 و 715 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 180 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 14 ص 339 وسبل الهدى والرشاد ج 1 ص 365 و 370 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 1 ص 136.
.1) راجع: الموطأ (باب رمضان) ح 3 وصحيح البخاري (ط سنة 1312 هـ)
ومن منع من متعتي الحج والنساء، رغم اعترافه بأنهما كانتا على عهد رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟!
ويمكن للباحث أن يرجع إلى كتاب الغدير للعلامة الأميني، ليجد مئات الشواهد الناقضة لمقولة : أنهم «أحسنوا ، وأصلحوا، وتحروا الحق».
ولن يكون من المقبول القول بأنه «عليه السلام» قد قال هذا تألفا لأهل البصرة، الميالين إلى الفريق الآخر .. لأن أهل البصرة يعلمون - كما يعلم غيرهم - موقف علي وأهل البيت ممن غصبوا حقهم، وأزالوهم عن مقامهم، وكانوا ينتقدون سياساتهم، ومخالفاتهم، وستكون محاولة التألف مفضوحة، وربما تكون لها آثار سلبية، إذا فسرت على أنها نوع من الخداع للناس، بهدف الحصول على تأييدهم
ومساعدتهم..
وقال «عليه السلام» في رسالته لأهل البصرة: «وإن تسمعوا قولي، وتطيعوا أمري، أهدكم سبيل الرشاد».
ففي هذه الكلمة على إيجازها إشارات لعدة أمور:
فأولاً: إنه «عليه السلام» ليس فقط قد جعل الأمر منوطاً بالناس من أهل البصرة، وأن العمل والجهد، والحركة والفعل منهم بالدرجة الأولى، ولم يأخذ هو على عهدته أكثر من الدلالة والهداية لأولئك العاملين.
ثانياً : إن هذا المنطق يختلف كثيراً عن منطق حكام الجور، وعن المهمات والصلاحيات التي يمنحونها لأنفسهم، فهم يتعاملون مع الناس على القاعدة التي أشار إليها الكميت في شعره، حين قارن بين سياسات أهل البيت في الناس، وسياسات غيرهم من بني أمية وسواهم، فقال:
ساسة لا كمن يرى النا *** س سواء ورعية الأنعام
جز ذي الصوف، وانتقاء لذي *** ـة نعقاً ودعدعاً بالبهام
وثالثاً : إنه «عليه السلام» لا يفرض على الناس إطاعة أمره، وسماع قوله، كما يفعله أهل الباطل.
وخطبة عبيد الله بن زياد في وعيده لأهل البصرة شاهد على هذا الفارق، وعلى غيره من الفوارق الشاسعة بين سياسة أهل البيت في
الناس، وسياسة أهل الباطل.
1 - تقدم: أن زعيم بني تميم الذي استجاب لدعوة الإمام الحسين «عليه السلام» هو كما يقول ابن نما: يزيد بن مسعود النهشلي(1).
ويزيد هذا كان من أشراف البصرة، ولم يكن من رؤساء الأخماس. وقد صرح ابن طاووس، وابن نما: بأن الحسين قد كتب إليه أيضا(2).
وهناك ما يدل على أن الإمام الحسين «عليه السلام» قد كتب إلى رؤساء الأخماس وإلى الأشراف(3). ولكن الطبري يقول: إن اسمه هو مسعود بن عمرو الأزدي(4).
1) مثير الأحزان ص 28 و (ط المكتبة الحيدرية سنة 1369) ص 17.
2) الملهوف ص 38 و (نشر أنوار الهدى - قم سنة 1417هـ) ص 26 ومثير الأحزان ص 29 و (ط المكتبة الحيدرية سنة 1369هـ) ص17 وبحار الأنوار ج 44 ص 337 و 339 - 340 والعوالم، الإمام الحسين ج17 ص 187 و 189 ولواعج الأشجان ص 39 وقاموس الرجال ج11 ص 111 وأعيان الشيعة ج 1 ص 590 وج 4 ص 564 .
3) تاريخ الأمم والملوك ج 3 ص 280 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 265 وإبصار العين ص 95 و 212 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 155 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص25.
4) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 357 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 265 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 25 وإبصار العين (الطبعة الأولى سنة 1419هـ) ص 26 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 155 وراجع: الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 37.
ومسعود بن عمرو كان معاديا لأهل البيت «عليهم السلام»، وهو من رؤساء الأخماس الذين كتب الحسين إليهم أيضاً.
2 - وتقدم: أن اسم حامل الرسالة هو سليمان، ويكنى بأبي رزين. وقال بعضهم: هو سليمان بن رزين(1).
لكن ابن نما ذكر أن اسمه : زراع السدوسي، وذكر سليمان بلفظ قيل(2).
ويرجح: أن اسمه سليمان، فقد ورد في زيارة الناحية المقدسة: «السلام على سليمان مولى الحسين ابن أمير المؤمنين. ولعن الله قاتله: سلیمان بن عوف الحضرمي»(3).
1) إبصار العين للسماوي ص 94 وخاتمة المستدرك ج 5 ص 420 وبحار الأنوار ج 44 ص 337 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 187.
2) مثير الأحزان ص 27 و (ط المكتبة الحيدرية سنة 1369) ص 17 وبحار الأنوار ج 44 ص 340 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 189 ولواعج الأشجان ص 39 .
3) إقبال الأعمال ج 3 ص 76 وبحار الأنوار ج 45 ص 69 وج 98 ص 271 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 337.
تقدم: أن الحسين «عليه السلام» قد كتب أكثر من كتاب إلى زعماء أهل البصرة وأشرافها، بالإضافة إلى كتابته لرؤساء الأخماس منها، كما دلت عليه رواية الطبري المتقدمة، وكما دل عليه كتابه ليزيد بن مسعود النهشلي، الذي لم يكن من رؤساء الأخماس.
وقد كتب يزيد بن مسعود «رحمه الله» إلى الإمام مستجيباً لطلبه، وأرسله إليه مع الحجاج بن بدر التميمي السعدي، فبقي الحجاج عند الحسين، إلى أن نال درجة الشهادة معه في كربلاء.
ويبدو لنا: أن هدف الإمام «عليه السلام» من كتابته لأهل البصرة هو أن يخلص إليه من البصرة من شاء من أهلها، وإن كانوا أفراداً قبل أن يأخذ الحكام الطرق والمنافذ على الناس.
وسيأتي: أن ابن زياد قد كتب إلى أخيه في البصرة: أن يضع الحرس على منافذها، حين بلغه تحرك الحسين «عليه السلام» نحو العراق. في حين أن عدداً من الناس قد تمكنوا من اللحاق بالحسين في مكة، واستشهدوا معه في كربلاء.
وقد ادعى المنذر بن الجارود: أنه خاف أن يكون الكتاب الذي وصل من الحسين «عليه السلام» إلى أهل البصرة، وذكر فيه اسمه - خاف أن يكون - دسيسة من ابن زياد. وهي دعوى كاذبة، فقد كان بإمكانه أن يتحقق من صدق الرسول، ولا يسلمه إلى ابن زياد ليقتله
ويصلبه.
تقدم: أن يزيد بن مسعود النهشلي خاطب قومه بما دل على أن أفاعيل معاوية بأهل البصرة لا تقصر عن أفاعيله بأهل الكوفة. وسيرة سمرة بن جندب وزياد، وابنه عبد الله شاهد على صدقه في ذلك، فراجع(1).
روى الطبري، عن أبي المخارق الراسبي قال:
اجتمع ناس من الشيعة بالبصرة في منزل امرأة من عبد القيس، يقال لها: مارية ابنة سعد - أو منقذ - أياماً ، وكانت تَشيَّع، وكان منزلها لهم مألفا يتحدثون فيه، وقد بلغ ابن زياد إقبال الحسين «عليه السلام»، فكتب إلى عامله بالبصرة أن يضع المناظر، ويأخذ بالطريق.
قال: فأجمع يزيد بن ثبيط الخروج - وهو من عبد القيس - إلى الحسين «عليه السلام»، وكان له بنون عشرة ، فقال أيكم يخرج معي؟ فانتدب معه ابنان له: عبدالله وعبيد الله.
فقال لأصحابه في بيت تلك المرأة: إني قد أزمعت على الخروج، وأنا خارج.
1) راجع: سير أعلام النبلاء ج 3 ص 186 وراجع: تنقيح المقال ج 2 ص 60 و 69.
فقالوا له: إنا نخاف عليك أصحاب ابن زياد.
فقال: إني والله لو قد استوت أخافهما بالجدد(1)لهان علي طلب من طلبني.
قال ثم خرج، فتقدى(2)في الطريق، حتى انتهى إلى الحسين «عليه السلام»، فدخل في رحله بالأبطح.
وبلغ الحسين «عليه السلام» مجيؤه، فجعل يطلبه.
وجاء الرجل إلى رحل الحسين «عليه السلام»، فقيل له: قد خرج إلى منزلك. فأقبل في أثره.
ولما لم يجده الحسين جلس في رحله ينتظره، وجاء البصري فوجده في رحله جالساً، فقال: (بفضل اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فليَفْرَحُوا)(3).
قال: فسلم عليه، وجلس إليه، فخبره بالذي جاء له، فدعا له بخير ، ثم أقبل معه حتى أتى كربلاء فقاتل معه، فقتل معه هو وابناه(4).
1) الجدد: وجه الأرض (القاموس المحيط ج 1 ص 281). «جدد».
2) تقديت على فرسي، وتقدى به بعيره: أي أسرع (لسان العرب: ج 5 ص172). «قدا».
3) الآية 58 من سورة يونس.
4) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 353 و 354 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 263 والكامل في التاريخ ج 4 ص 21 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 47 و 48. وأعيان الشيعة ج 10 ص 305 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 17 و 18.
ونقول:
1 - أشرنا فيما سبق إلى أن مراسلات الإمام الحسين «عليه السلام» قد أثمرت تمكن عدد من أهل البصرة من الخروج إلى مكة، ثم إلى كربلاء، واستشهدوا مع الحسين «عليه السلام» يوم عاشوراء.
وقد دلت قصة يزيد بن ثبيط وولديه على أن الحكام كانوا حريصين على منع الناس من الخروج إلى الحسين «عليه السلام».
2 - يلاحظ: أن ثبيطاً اعتبر مجيء الحسين إلى رحله فضلا ورحمة من الله تعالى، فهو يفرح بهذا المجيء على هذا الأساس. لا على أساس أن ذلك قد منحه عزا ومقاماً، وفخراً دنيونا، كالعز الذي يرى أهل الدنيا أنه قد نالهم، نتيجة حظوة لهم لدى الظالمين والجبارين..
3 - إن الأمر فيما يرتبط بالالتحاق بالحسين لم يقتصر على:
ألف: يزيد بن ثبيط العبدي. وهو من أصحاب أبي الأسود، وكان شريفا في قومه..
ب: عبد الله بن يزيد بن ثبيط العبدي.
ج: عبيد الله بن يزيد بن ثبيط.
بل شمل أيضاً:
د: الحجاج بن بدر التميمي السعدي، حامل رسالة يزيد بن مسعود
النهشلي للإمام الحسين في مكة، وقد بقي مع الإمام حتى قتل بعد ظهر يوم عاشوراء مبارزة في كربلاء، وقيل: قتل في الحملة الأولى قبل الظهر(1).
هـ: قعنب بن عمرو النمري. ورد السلام عليه في زيارة الناحية(2). وقد جاء إلى الحسين مع الحجاج بن بدر السعدي(3).
و: عامر بن مسلم العبدي.
ز: سالم مولی عامر بن مسلم العبدي(4)جاءا إلى الحسين في مكة، واستشهدا في كربلاء.
ح: الأدهم بن أمية العبدي، جاءه إلى مكة، وبقي إلى أن استشهد أيضاً مع الحسين في كربلاء(5). وقيل: كان صحابيا(6).
ط: سيف بن مالك العبدي، خرج مع يزيد بن ثبيط إلى مكة، واستشهد في كربلاء(7).
1) راجع: الحدائق الوردية ص 122 وإبصار العين ص213 و 214.
2) إقبال الأعمال ج 3 ص 78 والمزار لابن المشهدي ص 494 وبحار الأنوار ج 45 ص 72 وج 98 ص 273 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 339.
3) راجع: الحدائق الوردية ص 122 وإبصار العين ص215.
4) إبصار العين ص191.
5) إبصار العين ص192.
6) مستدركات علم الرجال ج 1 ص 533 .
7) إبصار العين ص 192 .
وقالوا: كتب الحسين بن علي «عليه السلام» إلى الأحنف يدعوه إلى نفسه، فلم يرد الجواب. وقال: قد جربنا آل أبي الحسن، فلم نجد عندهم إيالة(1)للملك، ولا جمعاً للمال، ولا مكيدة في الحرب(2).
لكن نصاً ذكره ابن نما يقول: إن الأحنف كتب إلى الإمام الحسين «عليه السلام» جواباً على كتابه يقول: «أما بعد..
(فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَتَكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ)(3)»(4).
ونقول:
أولاً : إن ما ذكر عن الأحنف، من أنه جرب آل أبي الحسن، فلم يجد عندهم سياسة للملك الخ.. غريب وعجيب، فإن عليا «عليه السلام» قد حارب الناكثين والقاسطين والمارقين بأهل العراق، الذين
1) الإيالة : السياسة (النهاية: ج 1 ص58) أيل.
2) عيون الأخبار لابن قتيبة ج 1 ص 211 وغريب الحديث ج 2 ص217 وراجع: الفائق في غريب الحديث ج 1 ص 60.
3) الآية 60 من سورة الروم.
4) مثير الأحزان لابن نما ص 13 و (ط المكتبة الحيدرية) ص17 وبحار الأنوار ج 44 ص 340 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 189 ولواعج الأشجان ص 42 ومستدركات علم رجال الحديث ج1 ص521 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 298 وأعيان الشيعة ج 1 ص 590 .
لم يكن فيهم حتى خمسون رجلاً يعترفون بإمامته «عليه السلام».
وقد بينا أن هذه الحروب كانت شديدة الحساسية، بالغة التعقيد، فهو يواجه شخصيات فيها كان حتى المنخرطون في جيشه يحترمونها، وربما كان بعضهم يقدسونها، أو لا يجرؤون على مناوأتها.
بل لقد كان العراقيون في حرب الجمل يقاتل بعضهم بعضاً، وكانت قبائل عديدة قد انقسمت بين الجيشين، بل إن أهل الكوفة وغيرهم حين قاتلوا خوارج النهروان وقتلوهم، إنما قتلوا أبناءهم، وإخوانهم، وآباءهم، وأقاربهم، ثم صاروا يستأذنون عليا في دفن قتلاهم.
وأما جمع الأموال، الذي أشار إليه الأحنف بقوله: «ولا جمعاً للمال» فعن أي أموال يتحدث الأحنف ؟! وكانت الحروب والغارات متواصلة طيلة خلافة أمير المؤمنين «عليه السلام».
وإن كان يقصد توفر الأموال لدى الناس، فلعمري لم ير المسلمون الذين كانوا في محيط حكومة علي رفاهية ورخاء شاملا، كالذي رأوه في عهد أمير المؤمنين «عليه السلام»، بالرغم من كل النفقات والأموال التي كانت الحروب تستهلكها.
وإن كان يقصد أن يجمع الحاكم الأموال لنفسه، فهذا ما لا يكون من علي وأهل البيت «عليهم السلام».
وعلي «عليه السلام» هو القائل: «يا دنيا غري غيري»، والقائل: «هذا جناي وخياره فيه، إذ كل جان يده إلى فيه.
أما المكيدة في الحرب، التي أشار إليها الأحنف بقوله: «ولا مكيدة في الحرب»، فإن كان يقصد بها الغدر، والفتك، فذلك ما لا يفعله أيضاً علي والأئمة من ولده.. وإن كان يقصد إدارة الحرب بحنكة، ودراية وتدبير، فلم نجد لعلي وسائر الأئمة أية هفوة في حروبهم كلها، بل كان تدبيرهم صائباً، وحازماً دائماً .
وإن كان يقصد بكلامه الإمام الحسن «عليه السلام»، فإنه بالرغم من خيانة قسم من جيشه، وبرغم نكثهم بيعته، وغدرهم به «عليه السلام» حتى أصبح الاستمرار بالحرب من أعظم الموبقات - بالرغم من ذلك - استطاع «عليه السلام» أن ينتزع من معاوية إقراراً بأن الأمرله، ثم لأخيه الحسين «عليه السلام» من بعده.
بالإضافة إلى أمور كثيرة أخرى تسقط معاوية عن الشرعية التي كان يحلم بالحصول عليها. كما أنه حصل على تعهد، تعضده الأيمان المغلظة، والعهود المكتوبة بأن لا يتعرض لأحد من شيعته «عليه السلام» بسوء كائناً من كان.
وبذلك يكون «عليه السلام» قد حقق نصراً مبينا راسخاً، بالرغم من الخيانة التي تعرض لها.
وإذا كان معاوية قد نقض شروطه، ولم يف بتعهداته، فذلك يمثل فضيحة لمعاوية، سيبقى صداها يتردد إلى يوم القيامة.
ثانياً: إن الجواب الذي ذكر ابن نما أن الأحنف قد كتبه للإمام الحسين «عليه السلام»، فلا ندري إلى أي حد يمكن تأييد صحته.
غير أننا نشير إلى ما يلي:
إن هذه الآية التي وردت في جواب الأحنف هي خطاب من الله تعالى لنبيه «صلى الله عليه وآله». ومن المعلوم أن الله تعالى يخاطب نبيه من موقع ألوهيته، فلا يحق للبشر العاديين أن يخاطبوا النبي بنفس الخطاب.
فمثلاً : إن الله تعالى يقول لنبيه: لئن أشركت ليحبطن عملك، بهدف تعظيم جريمة الشرك، والتشديد في التحذير منها.. وليس للبشر أن يخاطبوا نبيهم بهذا الخطاب حتى لو كان مضمونه صحيحاً.
ولتقريب المعنى أكثر نقول:
إذا قال القاضي لشارب الخمر: إنك تستحق الجلد، فإذا انبرى ابن ذلك الرجل ليقول لأبيه نفس هذه الكلمة، فإنها تستقبح منه، وتعد سوء أدب منه مع أبيه..
وهذا المورد من هذا القبيل، فإنه إذا قال الله لنبيه: (وَلا يَسْتَخِقَنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ)(1)، فلا محذور فيه، لاسيما وأننا نعلم: أنه تعالى إنما يقوله له على قاعدة: إياك أعني واسمعي يا جارة. ولكن إذا قال الناس لنبيهم ذلك عد سوء أدب منهم معه.
فإن صحت رواية ابن نما، فلا بد أن تحمل إما على أن الأحنف لم يلتفت لهذه الملاحظة. أو تحمل على أنه قد تعمد إساءة الأدب، وأنه
1) الآية 60 من سورة الروم .
قد غير وبدل ، ولم يعد في عداد أهل الاستقامة والصلاح.
ويدل على هذا التبدل:
أولا: نفس هذه الرسالة للإمام الحسين «عليه السلام».
ثانياً : أن الأحنف ساعد مصعب بن الزبير على قتل المختار ، وكان في جيش مصعب على خمس تميم(1). فراجع.
1) قاموس الرجال ج 1 ص 691 وتاريخ الأمم والملوك ج 6 ص95 و 100 و 616 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 559 و 5630 والكامل في التاريخ ج4 ص 268 ونهاية الأرب ج 21 ص 45 وراجع الأخبار الطوال ص306 والفرق بين الفرق ص57.
قالوا : لما علم أهل الكوفة بموت معاوية، واستيلاء يزيد على الأمور، واضطرار الحسين لترك المدينة إلى مكة.
اجتمعت الشيعة في دار سليمان بن صرد الخزاعي، فلما تكاملوا في منزله قام فيهم خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي «صلى الله عليه وآله» وعلى أهل بيته، ثم ذكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فترحم عليه، وذكر مناقبه الشريفة، ثم قال:
يا معشر الشيعة! إنكم قد علمتم أن معاوية قد صار إلى ربه، وقدم على عمله، وسيجزيه الله تبارك وتعالى بما قدَّم من خير أو شر .
وقد قعد في موضعه ابنه يزيد - زاده الله خزياً-.
وهذا الحسين بن علي قد خالفه، [وفي الطبري: تقبض على القوم ببيعته](1)، وصار إلى مكة خائفاً من طواغيت آل أبي سفيان.
وأنتم شيعته وشيعة أبيه من قبله، وقد احتاج إلى نصرتكم اليوم،
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 352 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 261 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 36 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 15 والمجالس الفاخرة للسيد شرف الدين ص 186.
فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه، ومجاهدو عدوه، فاكتبوا إليه، وإن خفتم الوهن والفشل فلا تغروا الرجل من نفسه.
فقال القوم: بل ننصره، ونقاتل عدوه، ونقتل أنفسنا دونه، حتى ينال حاجته.
فأخذ عليهم سليمان بن صرد بذلك ميثاقاً وعهداً أنهم لا يغدرون، ولا ينكثون.
ثم قال: اكتبوا إليه الآن كتاباً من جماعتكم: أنكم له كما ذكرتم، وسلوه القدوم عليكم.
قالوا: أفلا تكفينا أنت الكتاب إليه؟!
قال: لا، بل يكتب جماعتكم.
قال: فكتب القوم إلى الإمام الحسين بن علي «رضي الله عنهما»:
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى الحسين بن علي «رضي الله عنهما»، من سليمان بن صرد ، والمسيب بن نجبة، وحبيب بن مظاهر، ورفاعة بن شداد، وعبد الله بن وال، وجماعة شيعته من المؤمنين [في الطبري وابن الأثير زاد قوله: والمسلمين من أهل الكوفة، سلام عليك ، فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو].
أما بعد، فالحمد لله الذي قصم عدوك، وعدو أبيك من قبلك، الجبار العنيد، الغشوم الظلوم، الذي ابتز هذه الأمة وعضاها [في الطبري: انتزى على هذه الأمة، فابتزها أمرها، وغصبها فيئها،
وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وأغنيائها]، وتأمر عليها بغير رضاها، ثم قتل خيارها، واستبقى أشرارها ، فبعداً له كما بعدت ثمود!
ثم إنه قد بلغنا أن ولده اللعين قد تأمر على هذه الأمة بلا مشورة، ولا إجماع، ولا علم من الأخبار .
ونحن مقاتلون معك، وباذلون أنفسنا من دونك، فأقبل إليه(1)فرحاً مسروراً مأموناً، مباركاً سديداً، وسيداً أميراً مطاعاً، إماماً خليفة علينا مهديا ، فإنه ليس عليك(2)إمام، ولا أمير إلا النعمان بن بشير، وهو في قصر الإمارة وحيد طريد، ليس يُجتمع معه في جمعة، ولا يخرج معه إلى عيد، ولا يؤدى إليه الخراج، يدعو فلا يجاب، ويأمر فلا يطاع؛ ولو بلغنا أنك قد أقبلت إلينا أخرجناه عنا حتى يلحق بالشام.
فأقدم إلينا فلعل الله عز وجل أن يجمعنا بك على الحق، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته يا ابن رسول الله، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ثم طوى الكتاب، وختمه، ودفعه إلى عبد الله بن سبع الهمداني، وعبد الله بن مسمع البكري [في الطبري وابن الأثير : عبد الله بن وال، وفي الأخبار الطوال: عبد الله بن وداك السلمي]، ووجهوا بهما إلى
الحسين بن علي رضي الله عنهما، فقرأ الحسين كتاب أهل الكوفة، فسكت ولم يجبهم بشيء [وقد وافوا الحسين بمكة لعشر خلون من شهر رمضان](1).
ثم قدم عليه بعد ذلك قيس بن مسهر الصيداوي، وعبد الرحمن بن عبد الله الأرحبي، وعمارة بن عبد الله السلولي، وعبد الله بن وال التميمي، ومعهم جماعة نحو خمسين ومائة [في الطبري: ثلاثة وخمسين]، كل كتاب من رجلين وثلاثة وأربعة، ويسألوه القدوم عليهم؛ والحسين يتأنى في أمره فلا يجيبهم بشيء.
ثم قدم عليه بعد ذلك هانئ بن هانئ السبيعي، وسعيد بن عبد الله الحنفي [في الأخبار الطوال: معهما أيضاً نحو خمسين كتاباً] بهذا الكتاب، وهو آخر ما ورد على الحسين من أهل الكوفة.
بسم الله الرحمن الرحيم
للحسين بن على أمير المؤمنين من شيعته وشيعة أبيه...
أما بعد [فحيهلا]، فإن الناس منتظرون لا رأي لهم [في] غيرك،
1) الأخبار الطوال ص 229 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج8 ص 162 وراجع: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 353) و (ط الأعلمي) ج 4 ص 262 روضة الواعظين ص 172 والإرشاد للمفيد ج 2 ص37 وبحار الأنوار ج 44 ص 333 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 182 وتاريخ الكوفة ص 324 .
فالعجل، العجل يا ابن بنت رسول الله «صلى الله عليه وآله»! [في الطبري ج 5 ص 353 والبداية والنهاية ج 1 ص 163 ويؤيده ما في تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 241: إلى هنا ينتهي كتاب هانئ السبعي ويبدأ كتاب آخر لشبث بن ربعي، وحجار بن أبجر، ويزيد بن الحارث، ويزيد بن رويم، وعروة [عزرة] بن قيس، وعمرو بن الحجاج، ومحمد بن عمير].
قد اخضر [ت] الجنات [الجناب] وأينعت الثمار، وأعشبت الأرض، وأورقت الأشجار، فاقدم إذا شئت، فإنما تقدم إلى جند لك مجند - والسلام عليك ورحمة الله وبركاته، وعلى أبيك من قبلك.
فقال الحسين لهانئ، وسعيد بن عبد الله الحنفي: خبراني من اجتمع على هذا الكتاب الذي كتب معكما إلي؟!
فقالا: يا أمير المؤمنين! اجتمع عليه شبث بن ربعي، وحجار بن أبجر، ويزيد بن الحارث، ويزيد بن رويم، وعروة [عمرو] [عزرة] بن قيس، وعمرو بن الحجاج، ومحمد بن عمير بن عطارد.
قال: فعندها قام الحسين، فتطهر، وصلى ركعتين بين الركن والمقام، ثم انفتل من صلاته، وسأل ربه الخير فيما كتب إليه أهل الكوفة.
ثم جمع الرسل، فقال لهم: إني رأيت جدي رسول الله «صلى الله عليه وآله» في منامي، وقد أمرني بأمر وأنا ماض لأمره، فعزم الله لي بالخير، إنه ولي ذلك، والقادر عليه إن شاء الله تعالى.
ثم كتب إلى أهل الكوفة:
بسم الله الرحمن الرحيم
من الحسين بن علي إلى الملا من المؤمنين [المسلمين] [وفي الأخبار الطوال: إلى من بلغه كتابي هذا من أوليائه وشيعته في الكوفة]، سلام عليكم.
أما بعد، فإن هانئ بن هانئ، وسعيد بن عبد الله قدما علي بكتبكم، فكانا آخر من قدم علي من عندكم، وقد فهمت الذي قد قصصتم وذكرتم. [في الأخبار الطوال: وفهمت ما ذكرتم من محبتكم لقدومي عليكم]، ولست أقصر عما أحببتم.
وقد بعثت إليكم أخي، وابن عمي، وثقتي من أهل بيتي، مسلم بن عقيل بن أبي طالب «رضي الله عنه»، وقد أمرته أن يكتب إلي بحالكم، ورأيكم، ورأي ذوي الحجى والفضل منكم، وهو متوجه إلى ما قبلكم إن شاء الله تعالى والسلام، ولا قوة إلا بالله.
فإن كنتم على ما قدمت به رسلكم، وقرأت في كتبكم، فقوموا مع ابن عمي، وبايعوه، وانصروه ولا تخذلوه، فلعمري! ليس الإمام العادل بالكتاب، والعادل [ولعل الصحيح: العامل] بالقسط، [الدائن بدين الحق، الحابس نفسه في ذات الله] كالذي يحكم بغير الحق، ولا يهدي ولا يهتدي، جمعنا الله وإياكم على الهدى، وألزمنا وإياكم كلمة التقوى، إنه لطيف لما يشاء، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ثم طوى الكتاب، وختمه، ودعا مسلم بن عقيل «رحمه الله» فدفع
إليه الكتاب وقال له: إني موجهك إلى أهل الكوفة. وهذه كتبهم إلي، وسيقضى الله من أمرك ما يحب ويرضى.
وأنا أرجو أن أكون أنا وأنت في درجة الشهداء.
فامض على بركة الله حتى تدخل الكوفة، فإذا دخلتها فأنزل عند أوثق أهلها ، وادع الناس إلى طاعتي، وأخذلهم عن آل أبي سفيان، فإن رأيت الناس مجتمعين على بيعتي فعجل لي بالخبر، حتى أعمل على حسب ذلك إن شاء الله تعالى.
[وفي الأخبار الطوال: وإن تكن الأخرى فعجل الإنصراف].
ثم عانقه، وودعه، وبكيا جميعا(1).
قال ابن طاووس: فورد عليه في يوم واحدٍ ستمئة كتاب، وتواترت الكتب حتى اجتمع عنده منها في ثوب متفرقة إثنا عشر ألف
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 27 - 31 وراجع: تاريخ الأمم والملوك ج5 ص 352 و 353 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 261 و 262 والأخبار الطوال ص 229 و 230 وراجع: الملهوف ص 102 - 106 و (ط أنوار الهدى) ص 22 - 25 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 36 ومثير الأحزان لابن نما ص 25 ومناقب آل طالب ج 4 ص 89 وروضة الواعظين ص190 وفيها مئة وخمسون بدل ثلاث وخمسين، وبحار الأنوار ج 44 ص 332 وراجع: الإمامة والسياسة ج 2 ص 7 وإعلام الورى ج 1 ص 436 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 30 عنهم، والكامل في التاريخ ج 4 ص 20 و 21 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 193 - 195.
كتاب(1).
وقال أبو حنيفة الدينوري: وكان هؤلاء الرؤساء من أهل الكوفة، فتتابعت عليه في أيام رسل أهل الكوفة، ومن الكتب ما ملأ منها خرجين، كما يورد الرواة(2).
وعن الواقدي : أنهم كتبوا إليه: فأقدم علينا فنحن في مئة ألف، فقد فشا فينا الجور، وعمل فينا بغير كتاب الله وسنة نبيه، ونرجو أن يجمعنا الله بك على الحق، وينفي عنا بك الظلم، فأنت أحق بهذا الأمر من يزيد وأبيه، الذي غصب الأمة فيئها، وشرب الخمر، ولعب بالقرود والطنابير، وتلاعب بالدين(3).
وعن ابن إسحاق وغيره: ثم دعا مسلم بن عقيل، فبعثه مع قيس بن مسهر الصيداوي، وعمارة بن عبد الله السلولي، وعبد الرحمن بن عبد الله بن شداد الأرحبي، وأمره بكتمان الأمر [زاد الطبري قوله: واللطف](4).
1) الملهوف ص 102 و (ط أنوار الهدى) ص 24 .
2) الأخبار الطوال ص 229.
3) موسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 33 و 34 عن تذكرة الخواص ص 231 و (ط أخرى) ص 248 وقال: راجع: مروج الذهب ج 3 ص 64.
4) تذكرة الخواص (ط النجف) ص 244 وموسوعة الإمام الحسين ج3 ص 35 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 354 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 263 والكامل في التاريخ ج 4 ص 21 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 39 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 19 وغير ذلك.
ونقول:
هناك أمور عديدة اشتمل عليها، أو أشار إليها النص المتقدم، تحتم التوقف عند عدد منها، فنقول:
إن أول اسم ورد في الرسالة الأولى، التي بعث فيها أهل الكوفة إلى الإمام الحسين «عليه السلام» في مكة، يدعونه فيها للنهوض بهم ضد عدوهم، هو اسم سليمان بن صرد الخزاعي.
وكان بيته في الكوفة أول بيت اجتمعت فيه الشيعة للتباحث في دعوة الإمام الحسين «عليه السلام» إلى بلدهم، ليبايعوه، وينضووا تحت لوائه.
وقد أثنى الفضل بن شاذان على سليمان هذا(1).
ويقول السيد الخوئي «رحمه الله»: إنه لا ينبغي الإشكال في جلالة سليمان بن صرد، وعظمته، لشهادة الفضل بن شاذان بذلك(2).
ولكن الشيخ الطوسي «رحمه الله» قد سجل مؤاخذة على سليمان بن صرد، وهى أنه تخلف عن حرب الجمل مع أمير المؤمنين «عليه السلام»(1).
وقد رد السيد الخوئي على هذا: بأنه غير ثابت، ولعل ذلك كان لعذر ، أو بأمر من أمير المؤمنين «عليه السلام».
وما رواه نصر بن مزاحم في كتاب صفين، من أن أمير المؤمنين «عليه السلام» قد عاتب سليمان بعد رجوعه من حرب الجمل على قعوده عن نصرته(2)، ضعيف السند. بل لم يثبت بطريق معتبر كون كتاب صفين هو لنصر بن مزاحم. فلعل القصة مكذوبة عليه، كما احتمله الشيخ(3).
غير أننا نقول:
إن هذا لا يكفي للحكم على سليمان هذا بالجلالة والعظمة..
1) رجال الشيخ الطوسي ص 66 ونقد الرجال ج 2 ص 365 وطرائف المقال ج 2 ص 88 وأنساب الأشراف (ط الأعلمي) ج 2 ص 271 .
2) صفين للمنقري ص 6 وقاموس الرجال ج 10 ص 361 وراجع: المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 717 و 720 وأنساب الأشراف ج2 ص271 والفايق في غريب الحديث ج 3 ص 270 وغريب الحديث ج 3 ص 215 والنهاية في غريب الحديث والأثر ج 5 ص 3 ولسان العرب ج 1 ص 161 وتاج العروس ج 1 ص 254 والفتن للمروزي ص 48.
3) معجم رجال الحديث ج 8 ص 271 و (ط 5 سنة 1413هـ) ج 9 ص 283.
فأولاً : لو قبلنا ما ذكره السيد الخوئي «رحمه الله» من ضعف رواية كتاب صفين فإن كلام الشيخ في رجاله عن تخلف سليمان عن حرب الجمل يقوي تلك الرواية، وإن كان يحتمل أن يكون ما قاله الطوسي عن تخلفه مأخوذاً من رواية اعتذاره عن التخلف.
ثانياً: إن ابن عبد البر لم يذكر سوى شهود سلیمان بن صرد حرب صفين، فلو كان قد شهد غيرها، كالجمل والنهروان، لذكر ذلك.
ثالثاً : إن ضعف السند لا يعني كذب المضمون، فكيف إذا وجدت نصوص أخرى تؤيده، أو تصرفات أخرى تشي بإمكانية صدور مثل هذا الأمر منه.
رابعاً : إن تخلف سليمان عن حضور كربلاء يبقى لغزاً، يحتم علينا التوقف في أمره. وإن كان قد تاب بعد ذلك، واستشهد مع جماعة التوابين في عين الوردة..
إن مما يضعف احتمال أن يكون تخلفه عن أمير المؤمنين «عليه السلام» في حرب الجمل مستندا إلى نفس رواية صفين التي ذكرت عتاب أمير المؤمنين «عليه السلام» له على تخلفه..
وتقدم: أن سليمان بن صرد خطب في جماعة الشيعة الذين اجتمعوا في بيته، فبدأ خطبته، بحمد الله، والثناء عليه، والصلاة على نبيه، وأهل بيته، حسب رواية ابن أعثم..
وقد تتبعنا جملة من خطب الأعيان والأئمة في ذلك العصر،
فوجدنا أنهم يقتصرون في بدء خطبهم على حمد الله، والثناء عليه، ثم يدخلون في بيان مقاصدهم، حتى إنك تجد الناقلين يختصرون ذلك في أكثر الخطب بقولهم: فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال إلخ..»(1).
وفي قسم من تلك الخطب يبدأ الخطيب بالحمد، ثم يشهد الشهادتين، ثم يبدأ بذكر مقاصده(2).
وبعضها يقول: حمد الله وأثنى عليه، وذكر الله بما هو أهله، وصلى على النبي «صلى الله عليه وآله» وعلى ملائكته، وعلى أنبيائه إلخ..»(3).
وبعدما تقدم نسجل الملاحظات التالية:
أولاً : إن هذا الذي ذكرناه يظهر: أن ما يقال في أيامنا هذه في أوائل الخطب، وما يكتب فى أوائل الرسائل من ثناء على غير الله
1) راجع: كتاب بلاغة الحسين (ط سنة 1394 هـ) ص 27 و 40 و 115 و 129 و 149 و 150 و 153 و 154 و 157 و 169 و 180 و 188 و 191 . وراجع على سبيل المثال: نهج البلاغة (ط سنة 1426 هـ) الخطبة رقم 48 و 91 و 93 وراجع رقم 99 و 155 و 157 وراجع: العوالم،الإمام الحسين ج 1 ص 243 و 227 و231.
2) راجع نهج البلاغة (ط سنة 1426هـ) الخطبة رقم 35 و 83 و 100 و 101 و 114 . وراجع رقم: 132 و 151 و 178 و 182 و 185 و 190 و 191 و 194 و 195 وراجع رقم 214 .
3) العوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 250.
ورسوله وأهل بيته، من قبيل الثناء على الصحابة، أو على بعضهم، هو أمر مستحدث، لم يكن في العصور الأولى، لا في عهد الصحابة، ولا في عهد التابعين، ولعلها إضافات حدثت بعد قرون من بعثة رسول الله ص«لى الله عليه وآله».
ثانياً : إن الصلاة على أهل البيت بعد الصلاة على النبي «صلى الله عليه وآله» كما فعله سليمان بن صرد، لا يحتاج إلى نص خاص، لوجود النص العام عليه بقوله «صلى الله عليه وآله»: لا تصلوا علي الصلاة البتراء(1).
ثالثاً: لا يوجد بين أيدينا أي نص يشير إلى استحباب الصلاة على الصحابة عند الابتداء في الخطبة، أو في أوائل الرسائل، أو غير ذلك.
1) راجع: الصواعق المحرقة ص 147 وينابيع المودة ج 2 ص 434 و (ط دار الأسوة) ج 1 ص 37 وج 2 ص 434 والصواعق المحرقة ص146 والمحاسن للبرقي ج 2 ص 318 وقرب الإسناد ص 134 و 135 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 7 ص 207) و (الإسلامية) ج 4 ص 1222 ورسالة المحكم والمتشابه للسيد المرتضى ص19. وراجع: مسند زيد بن علي ص 33 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 482 والغدير ج 2 ص 303 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 3 ص 274 وج 9 ص 636 وج 18 ص 307 وج 24 ص 134 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 482 وبحار الأنوار ج 5 ص 209 وج 90 ص14.
يلاحظ: أن سليمان بن صرد قد حذر المجتمعين من أمرين:
أولهما: حذرهم من الوهن والفشل، فهو يعرف أن التحدي سيكون كبيراً وخطيراً، وقد عاين العراقيون صورة عنه في حربي الجمل وصفين، فإن قتلى هاتين الحربين قد بلغت عشرات الألوف.
ولعل الأمور أصبحت أكثر صعوبة، بعد أن أمعن معاوية بعد استشهاد على «عليه السلام» فى اضطهاد شيعة على، وقتلهم وتشريدهم، والتنكيل بهم، وحرمهم من أبسط مقومات الحياة، وبعد أن أخضع العباد، واشترى الضمائر، واستولى على البلاد..
فالفشل والوهن في ظروف كهذه يصبح ممكناً، بل متوقعاً إذا لم يوطن المؤمنون أنفسهم على بذل مزيد من الجهد، ويقدموا المزيد من التضحيات في سبيل الوصول إلى الهدف الأقصى والأسمى.
الثاني: حذرهم من الغدر والنكث ، فقد كانت أيضاً هناك سوابق مرة وقاسية في هذا المجال، وذلك حين نكثت فئات منهم بيعتها للإمام الحسن «عليه السلام» ، وانحازت إلى معاوية طمعاً في حطام الدنيا .
بل لقد هاجموا فسطاط الإمام الحسن «عليه السلام»، وانتهبوه، وضربوا الإمام الحسن بالمعول في فخذه.
وكلا هذين الأمرين، وهما: الوهن والفشل من جهة، والغدر النكث من جهة أخرى ستكون عاقبته الدمار والبوار، وخراب الديار.
وإذا كان معاوية قد فعل الأفاعيل بالشيعة بعد استيلائه على الأمور، فما بالك بيزيد، الذي سيكون أشد قسوة، وأعظم مرارة، ولن يرقب في أحد إلا ولا ذمة.
وقد قرر سليمان بن صرد : أن يزيد فاقد للشرعية، لأن الشرعية بنظره تكون بأحد أمور ثلاثة هي:
1 - أن تأتي خلافته نتيجة مشورة أهل الحل والعقد، أو أكثرهم.
2 - أن يجمع المسلمون على البيعة له.
3 - وجود نص على إمامته صادر عن المعصوم.
وكل ذلك مفقود بالنسبة ليزيد.
غير أننا نقول:
إنه مع وجود النص عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» على إمامة الإمام الحسين «عليه السلام». ووجود نص آخر على عدم صحة تولي آل أبي سفيان للخلافة كما تقدم في هذا الكتاب. فإنه لا يبقى موضع للمشورة، ولا تبقى قيمة لاجتماع الناس على البيعة له، لأن الإجماع على مخالفة النص لا حجية ولا قيمة له، وتبقى للنص حرمته وقيمته، ومرجعيته..
إلا أن يكون سليمان بن صرد يتكلم عما كان متداولاً وشائعاً بين الفئات المختلفة فيما يرتبط بما تنعقد به الإمامة.
أو أن الأمور لم تكن واضحة له بدرجة كافية.
1 - تقدم أن كتباً كثيرة وصلت إلى الإمام الحسين «عليه السلام» من أهل الكوفة، يقال: إنها بلغت اثني عشر ألف كتاب، وبعضها من الاثنين والثلاثة والأربعة رجال ، وأكثر من ذلك.. بل تقدم: أنه «عليه السلام» قد تسلم في يوم واحد ست مئة كتاب..».
فلم يجبهم «عليه السلام» حتى تسلم الكتاب الذي حمله إليه هاني بن هاني السبيعي، وسعيد بن عبد الله الحنفي (أو الخثعمي).
فسألهما عن الذين توافقوا على كتابة هذا الكتاب الأخير إليه، فسمياهما له وهم سبعة أشخاص، هم شبث بن ربعي، وحجار بن أبجر ، وعمرو بن الحجاج، وعزرة بن قيس، ويزيد بن الحارث، ويزيد بن رويم، ومحمد بن عمير بن عطارد.
2 - لعل سبب سؤاله عن أصحاب الكتاب الأخير: هو معرفته بانحراف هؤلاء الأشخاص السبعة عن علي وأهل بيته، فتوقع منهم - لو طولبوا بالوفاء - أن ينكروا أن يكونوا قد كتبوا له. وربما ادعوا أن الكتاب قد زور عليهم.
فاستشهد «عليه السلام» الرسولين بطريقة تزيل كل لبس، فقد قرأ «عليه السلام» الكتاب، وقرأ فيه أسماء السبعة الذين أرسلوه، ثم سأل الرسولين إن كانا يعرفان أسماء من كتب ذلك الكتاب، فأخبراه بأسمائهم، مع أنه لم يطلعهما على الكتاب، ولا ذكر لهما الأسماء التي
ذكرت فيه، فإن ادعى الذين وردت أسماؤهم في الكتاب أن الكتاب قد زور عليهم، فإن الرسولين يصيران مطالبين بكشف الحقيقة والدلالة على من زور ، أو بإثبات كذب دعوى التزوير.
3 - بقي أن نشير إلى أن سبب كتابة هؤلاء المنحرفين عن أهل البيت «عليهم السلام» إلى الحسين «عليه السلام» أنهم وجدوا لدى أهل الكوفة إقبالاً شديداً على الكتابة للحسين «عليه السلام» بطلب القدوم عليهم، وعرفوا بأن آلافاً من الكتب قد أرسلت إليه، وقسم منها كان يحمل تواقيع عدة أشخاص، فأرادوا أن يكون لهم نصيب في هذا الأمر، حين يتحقق النصر.
4 - يلاحظ: أن الإمام الحسين «عليه السلام» إنما استخار الله، وعزم على التحرك، وبادر إلى الكتابة لأهل الكوفة بعد وصول رسالة هؤلاء المنافقين إليه، فإن كل أحد سوف يفهم من ذلك: أنه لو لم يكن أكثر أهل الكوفة. يريدونه، لما كتب هؤلاء المعادون هذه الرسالة للإمام الحسين «عليه السلام».
5 - ظهر مما تقدم: إن الذين كتبوا إلى الإمام كانوا ثلاثة أصناف:
الأول: الصادقون، وهم أقل القليل.
الثاني: الضعفاء والمهزومون نفسيا، ومحبو الدنيا.
الثالث: المنافقون الذين يريدون حجز مكان لأنفسهم، ومنهم من ذكرناهم آنف.
وزعمت رواية ابن أعثم المتقدمة: أن هاني بن هاني، وسعيد بن عبد الله، قد خاطبا الإمام الحسين «عليه السلام» بـ «يا أمير المؤمنين».
ولم تذكر أن الإمام اعترض عليهما في هذا، فإما أن يكون «عليه السلام» قد اعترض عليهما في ذلك، وقد حذف الرواة اعتراضهم، فلا بد من أن يجيبونا عن السؤال عن سبب هذا الحذف.
وإما أن يكون الراوي قد تبرع بزيادة كلمة «يا أمير المؤمنين» في النص، فعليه أن يجيب على السؤال عما دفعه لهذه الإضافة التبرعية.
مع العلم بأن ثمة نصوصاً عديدة تؤكد على أنه لا يجوز أن يدعى أحد غير على «عليه السلام» بإمرة المؤمنين. وقد ذكرنا طائفة من هذه النصوص الدالة على ذلك في الجزء الأول من كتابنا: الصحيح من سيرة الإمام علي «عليه السلام» ج 1 ص 156 - 162 فلا بأس بمراجعتها، ومراجعة الصفحات التي بعدها أيضاً.
وقد تقدم: أنه «عليه السلام» توضأ وصلى ركعتين بين الركن والمقام، وسأل ربه الخيرة فيما كتب إليه أهل الكوفة.
ثم جمع الرسل، وقال لهم: «إني رأيت جدي رسول الله «صلى الله عليه وآله» في منامي، وقد أمرني بأمر، وأنا ماض لأمره، فعزم
الله لي بالخير الخ..
وقد تضمن هذا النص أموراً:
فأولاً: إنه «عليه السلام» لم يقدم على ما أقدم عليه من تلقاء نفسه، بل هو يمتثل به أمر رسول الله «صلى الله عليه وآله».
ثانياً : إن هذا الأمر الذي قرر امتثاله قد صدر إليه من النبي «صلى الله عليه وآله» في عالم الرؤيا . أي أنه «عليه السلام» لم يتخذ قراره استناداً إلى اجتهاد منه، وتحليل للأحوال والوقائع، أو اندفاعاً لتلبية رغبة لديه.
أي أنه لا يستند في تحركه إلى أمر كان النبي «صلى الله عليه وآله» قد أصدره إليه في حال حياته، بل إلى أمر صدر إليه في عالم الرؤيا.. وهو أمر غيبي بكل ما لهذه الكلمة من معنى.
ثالثاً: إنه «عليه السلام» لم يفصح عن هذا الأمر الذي أمره به النبي «صلى الله عليه وآله» في عالم الرؤيا، ولا أشار إلى طبيعته، بل أبقاه على ما هو عليه من الإجمال والإبهام.
رابعاً : إنه لم يجمع الناس ليخبرهم برؤياه هذه، بل جمع الرسل الآتين من الكوفة فقط، وأخبرهم بها.
خامساً: إن إبلاغ الرسل بهذا الأمر يشير إلى أن المقصود هو إبلاغ أهل الكوفة به.
سادساً: ذكرنا فيما سبق: أن رؤيا المعصوم حجة.
ويشهد لذلك: إنه «عليه السلام» اعتبر أن أمر النبي «صلى الله
عليه وآله» الذي صدر له في عالم الرؤيا هو توجيه إلهي.
سابعاً: إن الإستخارة، التي هي صلاة إمام مظلوم ومعصوم بين الركن والمقام، وهو من أقدس الأمكنة، قد ظهرت ثمرتها ودلالتها على الحق، والصلاح والخير في رؤيا منام، كما تقدم بيانه.
ثامناً : يبدو أن قوله «عليه السلام»: «فعزم الله لي بالخير» يراد به الإعلام بحتمية المضي في إنفاذ ما اختاره الله له، وعدم الرخصة بالتخلي عنه.
تاسعاً: إن أهل الكوفة كانوا أقرب إلى فهم هذه المعاني من غيرهم، لأنهم عاشوا مع علي «عليه السلام» برهة، رأوا فيها منه «عليه السلام» ومن الحسنين الكثير مما يؤكد صلتهم «عليهم السلام» بالغيب..
أما أهل مكة ، وكثير ممن يقدم إليها، فكانوا بعيدين عن علي وأهل بيته «عليه وعليهم السلام» ، ولم يكن يروق لهم أخذ أمثال هذه الأمور من أهل البيت «عليهم السلام»، أو التداول بها عنهم، فضلا عن أن يستسيغوا الاستناد إليها، والاعتماد عليها في أمر خطير ومصيري كهذا.
وبعد أن قال الإمام الحسين «عليه السلام» للرسل: إن النبي «صلى الله عليه وآله» أمره في عالم الرؤيا بأمر هو ماض له. لم يقل لأهل الكوفة: فأنا وافد عليكم وقادم إليكم، وأريد مؤازرتكم.. بل قال
لهم: إني مرسل إليكم أخي وثقتي ليعلم لي خبركم، ويستطلع أحوالكم.. وأبقى مسألة قدومه عليهم على ما هي عليه من الإبهام والغموض.
والسبب في ذلك: أنه لا يصح الارتجال والاستعجال في هذا الأمر الخطير، كما لا يصح التعويل على الحماس الشعبي العارم، وعلى المشاعر الجياشة، فإن جذوة الحماس قد تخبو، والمشاعر الثائرة قد تتضاءل وتتواضع، أو تتبخر، أو تتراجع، إذا التقت حلقنا البطان، وبلغ السيل الزبى، والحزام الطبيين.
يضاف إلى هذا: أن للحالة الاجتماعية العامة، وعلاقات الناس فيها ببعضهم، وما يكون بينهم من مشكلات أثراً في إنجاح أو إفشال أية حركة، ولاسيما إذا كانت تحمل معها أثقالاً أخرى تضاف إلى ما هو موجود فعلاً.
فإذا قدم مسلم بن عقيل إلى الكوفة، فإن وجوده فيها يفرض الانتقال بالأجواء من حالة الإنفعال، والهياج العاطفي غير المستند إلى أساس إلى عقلنة الأمور، والتفكير في الأمر بصورة جدية وعملية، من خلال التداول بالإمكانات المتوافرة على أرض الواقع.
ولعله «عليه السلام» أراد هذا المعنى حين قال في رسالته لأهل الكوفة: «..وقد أمرته أن يكتب إلي بحالكم ، ورأيكم، ورأي ذوي الحجى، والفضل فيكم».
غير أن ذلك لا يعني أن تكون مهمة مسلم محض استطلاعية للآراء، بل هي استطلاع عملي يقصد منه تهيئة الأجواء لقدوم الحسين
«عليه السلام» بنفسه عليهم، ولأجل ذلك قال لهم: «فقوموا مع ابن عمي وبايعوه ولا تخذلوه».
1 - وتقدم: أنه «عليه السلام» أمر مسلماً باللطف، وكتمان الأمر. فلعل المراد باللطف هنا: هو المداراة والتأني، وتدبر الأمر بروية وحكمة.. وإن كان المعنى الآخر للطف وهو الرفق، والتعامل مع الناس بأخلاقية عالية ليس بمنأى عن مقاصده «عليه السلام»، إذ هو يريد له أن يعطي للناس صورة عملية عن تعامل أهل البيت «عليهم السلام» مع الناس ليقارنوا بينها وبين الصورة التي عرفوها، وعاشوها، وتعامل معهم بها أعداؤهم، وليدركوا بفطرتهم مدى التباين بين الصورتين والطريقتين، والنهجين.
وقد قال الأخ العلامة الشيخ معين شرارة: ومن المحتمل معنى آخر للطف، وهو الكون في سر وكتمان، نظير ما ذكر في قوله تعالى: (فليَأْتِكُمْ برزق مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا)(1). وهو مناسب لما أمره به أولاً من كتمان الأمر. فيكون المراد: اكتم الأمر ولا تفشه إخباراً، وتلطف فى سيرك متخفياً. ويكون بذلك نحو اختلاف بينهما. فلا يرد أن غيره من المعاني أنسب بلحاظ اقتضاء العطف للمغايرة. ويؤيده: ما سيجيء من النص الدال على أنه استأجر دليلين يَصحَبانِهِ إِلى الكوفَةِ عَلى غَير الجادَّةِ. وفي نص آخر : عَلى بَراري
1) الآية 19 من سورة الكهف
مَهجورَةِ المَسالِكِ.
2 - وتتأكد الحاجة إلى بلورة هذه الصورة إذا علمنا أن الجيل الذي كان آنئذ هو الأكثر نشاطا، وفاعلية وتأثيراً في الواقع العملي في الحياة الإجتماعية قد نشأ، وترعرع بعد استشهاد علي «عليه السلام»، فهو لم ير عليا «عليه السلام» ولم يعرف من سيرته العملية، إلا ما سمعه من الآباء، والأجداد، وثمة فرق كبير في التأثير بين ما تسمعه، وبين ما تراه وتلمسه بصورة مباشرة.
3 - يضاف إلى ذلك: أن تدبير الأمور، وإحكامها يحتاج إلى اللطف، والمرونة وحسن الإدارة والرفق والأناة. فلا يقدم على المواجهة قبل أن تنضج الأمور، ويتم التأكد من عدم وجود ثغرات .
4 - وأمره أيضاً بكتمان أمره، لا يريد به أن لا يعرف الناس بوجوده، وأن يكون عمله سرياً إلى هذا الحد، لأن هذا لا ينسجم مع قوله «عليه السلام» لمسلم: «وادع الناس إلى طاعتي»، بل المراد أن يتكتم على ما يدور بينه وبين الزعامات القبلية من مداولات، وعلى ما يعدونه به أو ما يقدمونه له من إمكانات، ولا يذكر في مجالسه تفاصيل ما يجري معه، وما يتوفر له من معطيات، بل يقتصر في خطابه العام على العناوين العامة التي يعرفها أكثر الناس.. وقد قلنا: إن مهمة مسلم كانت استطلاعية وإعدادية.
ولقد كتب الإمام الحسين «عليه السلام» إلى أهل الكوفة جواباً
عاماً، خاطب فيه المؤمنين أو المسلمين فيها، ووصف مسلم بن عقيل لهم بثلاثة أمور، فقال:
1 - بعثت إليكم أخى.
2 - وابن عمي.
3 - وثقتي من أهل بيتي.
فوصفه بالأخوة، يعطيه درجة من الإعزاز، ويؤكد موقعه المتميز عنده «عليه السلام». كما أنه يشير إلى فضل مسلم، وعظمته، ومقامه لديه.
ووصفه بأنه ابن عمه يشير إلى لحمة النسب بينهما، وأنها قرابة قريبة تجعله يعتبر أن ما يصيب الحسين «عليه السلام» يصيبه، فهو قريبه وابن عمه. وهذا يجعله شديد الحرص على نجاح مهمته. فلا يفرط فيها، ولا يتهاون، ولا يتخاذل، لأن الأمر يعنيه بصورة عفوية وطبيعية ومباشرة.
وحين وصفه بأنه ثقته من أهل بيته لم يرد التعريض بدرجة وثاقة سائر رجالات أهل بيته «عليه السلام»، بما فيهم العباس، ومحمد ابن الحنفية، والإمام السجاد «عليه السلام»، فإنه ليس للوصف مفهوم - كما تقرر في محله - ولاسيما إذا كان المعنى الذي سبق من أجله هذا الوصف معلوماً ومفهوماً، وكانت هناك حاجة إلى إبلاغه لمن يوجه إليهم خطابه.
والذي قصده الإمام الحسين من إضافة كلمة «من أهل بيتي» هو
الإشارة إلى أن وثاقة مسلم لم تظهر له من خلال شهادة أحد له بها، ولا من خلال حسن الظاهر، بل ثبتت له من خلال عشرة طويلة، وخبرة عميقة واطلاع دقيق على أحواله، ومشاهدته لكل كبيرة وصغيرة. لأنه من أهل بيته، وأهل البيت أعرف وأدرى من كل أحد بحال سائر أهل البيت، وهم يشهدون بحالهم عن يقين، ولا يستندون إلى ظنون وحدسيات، أو إلى شهادات تحتمل الخطأ والصواب.
وقد أظهرت رسالته «عليه السلام» لأهل الكوفة: أنه يريد أن تكون المبادرة الأولى منهم، فقد علق قدومه عليهم على قيامهم مع ابن عمه، وبيعته ونصرته، فإن فعلوا ذلك قدم عليهم. كما في النص الذي نقله أبو الفرج وغيره(1).
وإن لم يفعلوا ذلك، فعلى مسلم أن يعجل الانصراف عنهم(2)، لأنه سيكون هو وثلة ممن معه في موقع الخطر من قبل الأعداء والمتربصين.
ولعل هذه السياسة التي انتهجها «عليه السلام» مع أهل الكوفة تهدف إلى سد الطريق على بعض المغرضين، وقاصري النظر، فلا
يتهم بأنه لم يحتط لنفسه، ولا أحكم أمره، مع أنه قد شهد ما فعله أهل الكوفة بأخيه الإمام الحسن «عليه السلام»، حيث انحازت طائفة منهم إلى عدوه معاوية، وغدروا بالإمام الحسن «عليه السلام»، ونكثوا بيعته له، وانتهبوا فسطاطه، وضربوه بالمعول في فخذه. حتى اضطر إلى ما عرف بالصلح، واشترط على معاوية أموراً كثيرة، ولم يف له بها معاوية.
وقد أرسل «عليه السلام» مسلماً إلى الكوفة، وأمره أن ينزل عند أوثق أهلها. فنزل في دار المختار ، وقيل في غيرها. كما سيأتي حين الحديث عن وصول مسلم إلى الكوفة.
غير أن ما نود لفت النظر إليه هو:
أولاً: أن نزول مسلم في دار المختار ، أو في دار غيره، تكون في هذه الحال بمثابة شهادة منه بوثاقة من ينزل في داره، بل هي شهادة له بأنه أوثق أهل الكوفة.
ثانياً: إن هذا التوجيه الحسيني له أهميته القصوى في حفظ المسار الصحيح للأمور، فإنه إذا كان المضيف من أوثق أهل ذلك المصر، فذلك يعني أن له موقعاً لدىهم يخوله ضبط حركة الناس الذين يترددون على مسلم، وأنه يحفظ أسرارهم، ولا يفرط فيهم، ولا يتهاون، ولا يضعف، ولا يعرضهم لأي خطر مهما كان.
ويلاحظ: أنه «عليه السلام» اقتصر على صفة الأوثقية في
صاحب الدار الذي يحتضن هذا الضيف، ولم يشر «عليه السلام» إلى أية صفة أخرى، لأن هذه الصفة هي الأكثر حساسية وأهمية في هذا الأمر، إذ لو اختل معنى الوثاقة في أصغر الأمور كان ثمن ذلك هو تعريض الناس للخطر، وإلى إزهاق أرواحهم ، وربما انتهى الأمر إلى إفشال الحركة من أساسها ..
وقد عبر عن درجة الوثاقة بصيغة أفعل التفضيل، ليس فقط لبيان إيغاله في الصلابة في المحافظة على السر الذي يؤتمن عليه، بل لتشمل هذه الوثاقة جميع الموارد التي تحتاج إلى التحفظ، والحذر والاحتياط.. لأنك قد تجد إنساناً لا يفرط بالسر الذي يؤتمن عليه، ولكنه لا يهتم ولا يقوم بأي جهد لسد الثغرات، وصيانة العمل من تدخلات الأغيار، ربما لأنه لا يرى الأمر يعنيه كثيراً لسبب أو لآخر..
فالأوثقية يراد بها ما يشمل جميع الحالات، من دون استثناء بالإضافة إلى الصلابة والتشدد في كتمان السر، كما بيناه.
ويلاحظ: أنه «عليه السلام» لم يبشر مسلم بن عقيل بالسلامة في الدنيا من الأذى أو القتل، بل بشره بالسلامة في الدين وحسب. حيث قال له: «وسيقضي الله من أمرك ما يحب ويرضى».
وهذه هى أغلى وأعلى أمنيات الإنسان المؤمن. فإنه يسعد كل السعادة إذا عرف أنه يتحرك في دائرة الرضى الإلهي، وتزيد سعادته
هذه إذا تحقق لديه أن الله تعالى يرعاه ويسدده، ويختار له كل ما هو صلاح وفلاح.
ثم أتبع الإمام الحسين «عليه السلام» بشارته لمسلم بسلامة دينه ببشارة أخرى، فقال: «وأنا أرجو أن أكون أنا وأنت في درجة الشهداء».
ومن المعلوم: أنه «عليه السلام» كان يسمع من رسول الله «صلى الله عليه وآله» ومن أبيه، وأخيه «عليهما السلام» أخبار استشهاده في كربلاء. فهو على يقين من هذا.. والمفروض أن يكون مسلم أيضاً عالماً بهذا الأمر.. وقد قرن «عليه السلام» الإخبار عن رجاء الشهادة لنفسه بالإخبار عن رجاء الشهادة المسلم، وجعلهما في سياق واحد..
وقد صرحت بعض الأخبار: بأن النبي «صلى الله عليه وآله» كان قد أخبر بشهادة مسلم أيضا(1).
1) الأمالي للصدوق ص 129 و 130 و (ط مؤسسة البعثة) ص191 وبحار الأنوار ج 22 ص 288 وج 44 ص 287 و 288 وخاتمة المستدرك ج9 ص 122 والعوالم، الإمام الحسين ص 349 وعن إثبات الهداة ج 1 ص 528 وقاموس الرجال ج 7 ص 230 وموسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 20 ص 650 .
ومعنى هذا: أن مسلماً حين توجه إلى العراق كان قد وضع نصب عينيه أن ينال درجة الشهادة، ويكون مع الحسين «عليه السلام» في هذه الدرجة.
وهذا لا يمنع من أن يبذل أقصى ما لديه من وسع لإنجاح مسعاه فيما انتدب إليه، لأن علمه بالشهادة لا يمنعه من أداء ما عليه في حفظ الدين، والجهاد في سبيل الله، لاسيما وأن الإمام الحسين «عليه السلام» لم يحدد له زمان ومكان هذا الاستشهاد، فلعله يكون بعد سنوات، أو لعله يستشهد بعد نجاح مسعاه، بفعل من أعدائه انتقاما منه، ولعله.. ولعله..
وهذا لا ينسجم مع ما يزعمونه من أنه حين مات الدليلان معه في الطريق، كتب إلى الحسين يستعفيه من ذلك المسير، فاتهمه «عليه السلام» بالجبن، ولم يعفه.
وسيأتي المزيد من الكلام حول هذا الموضوع إن شاء الله تعالى.
وتقدم: أن الإمام «عليه السلام» قد حدد في كتابه لأهل الكوفة معياراً وضابطة يعرف بها الإمام ويميز عن مدعي الإمامة زوراً، فقال:
«وليس الإمام العادل (العامل) (في بعض المصادر: الحاكم) بالكتاب، والعادل (أو العامل. وفي بعض المصادر: القائم) بالقسط، الدائن بدين الحق، الحابس نفسه في ذات الله، كالذي يحكم بغير الحق،
ولا يهدي، ويهتدي..».
فنلاحظ:
1 - أنه «عليه السلام» يستحث ذهن مخاطبه، ليستحضر صورتين متباينتين عن الحاكم المهيمن على البلاد والعباد، ويقارن بينهما، ثم يختار منهما ما هو أوفق بفطرته، وأقرب إلى ما يحكم به وجدانه، وسنرى أنه سوف يختار بفطرته، ويندفع بطبعه وسجيته إلى الصورة الرضية للحاكم الهادي، والمهتدي، والحاكم بكتاب الله، والقائم بالقسط والعدل، العامل بالحق، الحابس نفسه في ذات الله.
2 - إنه «عليه السلام» قد ساق الكلام بطريقة تعطي: أن من يحكم بغير الحق، ولا يهدي ولا يهتدي ليس له في الحاكمية نصيب، ولا يمكنه أن ينال هذا المقام ، ولا تكون له أية شرعية عند الله، وعند أهل الحجى، وذوي الفطرة الصحيحة والسليمة، فلا تنفع بيعة، ولا انتخاب، ولا تفيد الأموال، ولا القوى المسلحة في إعطائه شرعية ومقبولية.
3 - ويلاحظ: أنه «عليه السلام» قد ذكر: أن سبب فقدانه الشرعية هو أمور ثلاثة هي التالية:
ألف: أنه يحكم بغير الحق، فمن يهدم صرح الحق، ويستبدله بالباطل، فهو من أشر خلق الله ، والأكثر إجراماً في حق خلق الله.
ب: أنه لا يهدي إلى الحق والصواب، ولا يرشد إليه. لأنه يرضى بأن تغرق الأمة في غياهب الجهالات والأباطيل والأضاليل، فتفسد
الحياة في الدنيا، ويكون الخسران في الآخرة.
ج: إنه هو نفسه لا يهتدي إلى الحق والخير، وفاقد الشيء لا يعطيه.
أما الحاكم المرضي عند الله، وعند أهل الحجي، وذوي الفطرة السليمة، فهو الذي يجمع الصفات التالية:
ألف: لا يحكم بالهوى، ولا ينقاد للعصبيات، والأهواء والآراء العاجزة والناقصة، بل يحكم بكتاب الله وحسب.
ب: يعمل بالقسط، ويقيم العدل، حتى يصبح العدل ظاهراً، وقائما، وماثلاً للعيان في كل شيء، ويراه الناس بأم أعينهم.
ج: الدائن بدين الحق.
د: الحابس نفسه في ذات الله، فلا يتحرك ولا يبذل جهداً إلا فيما يرضيه، ولا يقيم لغير رضاه سبحانه وزناً.
وقد روى أبو الفرج، عن يونس بن أبي إسحاق قال: «لما بلغ أهل الكوفة نزول الحسين مكة، وأنه لم يبايع ليزيد، وفد إليه وفد منهم، عليهم أبو عبد الله الجدلي. وكتب إليه شبث بن ربعي، وسليمان بن صرد، والمسيب بن نجبة، ووجوه أهل الكوفة يدعونه إلى بيعته، وخلع يزيد.
فقال لهم: أبعث معكم أخي وابن عمي، فإذا أخذ لي بيعتي، وأتاني عنهم بمثل ما كتبوا به إلى، قدمت عليهم(1).
ونقول:
إننا لا نعرف عن هذا الوفد الذي قدم إلى مكة للقاء بالإمام الحسين «عليه السلام» سوى ما ورد في هذا النص الذي رواه أبو الفرج.
وهو لم يذكر لنا أسماء أعضاء هذا الوفد، سوی اسم رئيسه، ولا ذكر المطالب التي جاء من أجلها، وهل حصل على ما أراد، أم لا ..
1) مقاتل الطالبيين (ط دار المعرفة) ص 95 و 96 و (ط المكتبة الحيدرية سنة 1385هـ) ص63.
غير أن العبارة المذكورة آنفاً تفيد: أن إرسال مسلم إلى الكوفة كان استجابة منه «عليه السلام» لطلب هذا الوفد.
ويفهم منه أيضاً : أنهم جاؤوا يدعونه، ليقدم عليهم، ويبايعوه إماماً وقائداً لهم، ولكنه قرر أن يرسل ابن عمه، ليأخذ منهم البيعة أولاً ، فإن بايعوه قدم عليهم فهي استجابة مشروطة كما قلنا.
روى الطبري عن أبي مخنف قال:
دعا الحسين «عليه السلام» مسلم بن عقيل، فسرحه مع قيس بن مسهر الصيداوي، وعمارة بن عبيد [لعل الصحيح: عبد] السلولي، وعبد الرحمن بن عبد الله بن الكدن الأرحبي، وأمره بالتقوى، وكتمان أمره، واللطف، فإن رأى الناس مجتمعين مستوسقين عجل إليه بذلك.
فأقبل مسلم [وعند ابن أعثم: مستخفياً، لئلا يعلم به أحد من بني أمية] حتى أتى المدينة، فصلى في مسجد رسول الله «صلى الله عليه وآله» وودع من أحب من أهله، ثم استأجر دليلين من قيس [وعند ابن أعثم: قيس عيلان، يدلانه على الطريق، ويصحبانه إلى الكوفة على غير الجادة] [وعند ابن كثير: فسارا على براري مهجورة المسالك].
فأقبلا به، فضلا الطريق وجارا، وأصابهم عطش شديد [وعند ابن أعثم: فماتا جميعاً عطشاً].
وقال الدليلان: هذا الطريق حتى ينتهى إلى الماء. وقد كادوا أن يموتوا عطشاً، فكتب مسلم بن عقيل مع قيس بن مسهر الصيداوي إلى
حسين «عليه السلام»، وذلك بالمضيق من بطن الخبيت.
أما بعد، فإني أقبلت من المدينة معي دليلان لي، فجارا عن الطريق وضلا، واشتد علينا العطش، فلم يلبثا أن ماتا، وأقبلنا حتى انتهينا إلى الماء، فلم ننج إلا بحشاشة أنفسنا، وذلك الماء بمكان يدعى المضيق من بطن الخبيت، وقد تطيرت من وجهي هذا، فان رأيت أعفيتني منه وبعثت غيري. والسلام.
[وعند ابن أعثم: فلما قرأ «عليه السلام» كتاب مسلم بن عقیل «رحمه الله» علم أنه قد تشاءم وتطير من موت الدليلين، وأنه جزع]، فكتب إليه حسين «عليه السلام»:
أما بعد، فقد خشيت ألا يكون حملك على الكتاب إلي في الاستعفاء من الوجه الذي وجهتك له إلا الجبن [وعند ابن أعثم: والفشل]، فامض لوجهك الذي وجهتك له، والسلام عليك.
[وعند ابن أعثم: فلما ورد الكتاب على مسلم بن عقيل كأنه وجد من ذلك في نفسه].
فقال مسلم لما قرأ الكتاب: هذا ما لست أتخوفه على نفسي.
فاقبل كما هو حتى مر بماء لطيء، فنزل بهم، ثم ارتحل منه، فإذا رجل يرمي الصيد، فنظر اليه قد رمى ظبياً حين أشرف له فصرعه، فقال مسلم: يقتل عدونا إن شاء الله(1).
1) موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 3 ص 49 و 50 عن المصادر التالية : تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 354 والكامل في التاريخ ج 4 ص 21 و 22 نحوه، وفيه (الخبيث) بدل (الخبيت) والإرشاد ج 2 ص 39 وبحار الأنوار ج 44 ص 335 وراجع: أنساب الأشراف ج 3 ص 370 وروضة الواعظين ص191 وإعلام الورى ج 1 ص 436 . وراجع: الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 32 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 196 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 90 والأخبار الطوال ص 230 والبداية والنهاية ج 8 ص 152.
وفي حديث رواه عمار الدهني، عن أبي جعفر «عليه السلام» قال : إن أحد الدليلين قد مات(1)
وراجع: مروج الذهب ج 3 ص 64 والعقد الفريد ج 3 ص 364 والمحاسن والمساوئ ص 59 وتذكرة الخواص (ط النجف) ص 237 والإمامة والسياسة ج 2 ص 8 وراجع: المنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 325.
.وقد خرج مسلم من مكة في النصف من شهر رمضان، حتى قدم الكوفة لخمس خلون من شوال، كما سيأتي.
1) موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 3 ص 50 و 51 والإصابة ج 2 ص 69 و (ط دار الكتب العلمية سنة 1415هـ) ج 2 ص 69 وتهذيب الكمال ج 6 ص 422 و 423 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 306 وتهذيب التهذيب ج 1 ص 590 و (ط دار الفكر) ج 2 ص 301 و 302 و تاریخ الأمم والملوك ج 5 ص 347 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 257 و 258 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 518 وج 33 ص 682 و 683 والأمالي لابن الشجري ج 1 ص 190 والحدائق الوردية ص114.
وعند ابن حبان: أن مسلما خرج من المدينة معه قيس بن مسهر الصيداوي يريدان الكوفة، فأخذا دليلا تنكب بهما الجادة فكاد مسلم أن يموت عطشا(1).
وهذا معناه : أن الدليل كان شخصاً واحداً لا أكثر.
ونقول:
اختلفت الآراء حول صحة موت الدليلين اللذين كانا مع مسلم، وما ترتب على ذلك من استعفائه من الإمام «عليه السلام»، وعدم اعفائه.
فهناك من تلقى هذه الحادثة بالقبول، ولكنه حاول تأويل الكلام بما رأى أنه يدفع المؤاخذات التي ترد عليه(2).
وهناك من رد هذا الكلام جملة وتفصيلا(3).
وهناك من نفى نسبة الجبن والتطير لمسلم، وقبل بموت الدليلين، واستعفاء مسلم(4).
ونقول:
أولاً : إن سند هذا النص ليس مما يمكن الاعتماد عليه لكي يمكن
الحكم بصحة الرواية سنداً .
ثانياً: قال العلامة الشيخ باقر شريف القرشي «رحمه الله»: إن مضيق الخبت الذي بعث منه مسلم رسالته يقع بين مكة والمدينة(1). في حين أن الرواية تصرح: بأن مسلما استأجر الدليلين من المدينة، فضلوا الطريق ما بين المدينة والكوفة.
ثالثاً : قال العلامة القرشي «رحمه الله» أيضاً: لنفترض أن مكاناً آخر اسمه مضيق الخبيت، يقع بين المدينة والكوفة، ولم يذكره الحموي في معجمه، لكن الزمان لا يسع كل هذه الأحداث المذكورة في هذه الرواية، لأن المؤرخين يقولون: إن مسلماً قطع المسافة من مكة إلى الكوفة وهي حوالي ألف وأربع مئة كيلو متر بعشرين يوما، لأنه خرج من مكة في النصف من شهر رمضان، ودخل الكوفة في الخامس من شوال..
فإن كان مسلم قد أرسل رسولاً إلى الحسين «عليه السلام» من موضع موت الدليلين إلى مكة، وعاد إليه بالجواب، فذلك يحتاج إلى أيام عديدة للذهاب، ومثلها للإياب. ومعنى هذا: أن لا يصل مسلم إلى الكوفة في الخامس من شوال، بل بعد هذا التاريخ بعشرة أيام على أقل تقدير.
رابعاً: ويتابع العلامة القرشي «رحمه الله» كلامه: بأن اتهام
1) معجم البلدان ج 2 ص 343 .
الإمام الحسين «عليه السلام» مسلم بالجبن لا يناسب ما كتبه «عليه السلام» لأهل الكوفة في حقه. كما أنه يتناقض مع ما عرف من سيرة مسلم، ولاسيما ما ظهر منه في الكوفة حين بقي وحيداً. وقد واجه العشرات من الفرسان، ولم يقدروا على أخذه إلا بالخديعة والمكيدة.
ويكفي أن نذكر: أن البلاذري يصفه: بأنه «أشجع بني عقيل وأرجلهم»(1).
خامساً: إن التطير منهي عنه في الشريعة: ولا شك في أن مسلماً كان ثقة للإمام الحسين، والمبرز في الفضل من أهل بيته، كما صرح به «عليه السلام» في كتابه لأهل الكوفة. فكيف يرتكب هذه المخالفة الشرعية الفاضحة والواضحة؟!
سادساً : إن الرسالة التي يُدَّعى أن الإمام الحسين «عليه السلام» أرسلها إلى مسلم قد جاءت قاسية وحازمة وغير متوقعة. فقد عرفنا: أن الإمام الحسين «عليه السلام»، وكذلك سائر الأئمة والأنبياء «عليهم السلام» لا يفرضون على الآخرين أمراً فيه موت واستشهاد، أو احتمال ذلك. كما ألمح إليه قوله «عليه السلام» لمسلم حين ودعه: إنه يرجو أن ينال هو وإياه درجة الشهادة.
بل سياسة الأنبياء والأئمة «عليهم السلام» هي: أنهم يعرضون
1) عن أنساب الأشراف ج 2 ص 836 وراجع كلام العلامة القرشي في كتابه: حياة الإمام الحسين ج 2 ص 323 و (ط مطبعة الآداب - النجف سنة 1395هـ) ص 344 فما بعدها.
الأمر على الشخص، ويجعلون القرار فيه إليه، وعليه هو أن يجيب بالرفض أو القبول. لأنهم لو أكرهوه، وقتل، فإنه لا يكون شهيدا، بل يكون ضحية وقتيلا فقط. أي أنه لا يستحق درجة الشهادة في الجنة، بل قد يتعرض للحساب والعقاب على عدم قبوله بما عرض عليه أيضاً.
سابعاً: إن ملاحظة النص المتقدم تعطي: أن النصوص غير متفقة في عدة أمور، فهناك الاختلاف في عدد من مات، هل مات الدليلان معا ؟! أو مات دليل واحد، وبقي الآخر ؟!
هناك الاختلاف في أن مسلما استأجر دليلاً واحداً، أو استأجر دليلين؟!
والإختلاف من كانوا فى ركب مسلم، هل هو قيس بن مسهر الصيداوي فقط؟! أو معه أيضا عمارة بن عبد السلولي، وعبد الله بن عبد الرحمان بن الكدن الأرحبي؟!
قال المسعودي:
فَخَرَجَ مُسلِمٌ مِن مَكَة فِي النّصفِ مِن شَهرٍ رَمَضَانَ، حَتَّى قَدِمَ الكوفة لِخَمْسِ خَلُّونَ مِن شَوَّالٍ، وَالأميرُ عَليهَا النُّعْمَانُ بنُ بَشِيرٍ الأنصاري(1).
1) مروج الذهب ج 3 ص 64 و (منشورات دار الهجرة سنة 1404هـ) ج 3 ص 54 .
وروى الطبري عن أبي مخنف قال:
ثمَ أَقْبَلَ مُسلِمٌ حَتى دَخَلَ الكوفة ، فَنَزَلَ دارَ المُختار بن أبي عُبَيدٍ - وهِي التي تُدعَى اليَومَ دارَ مُسلِم [في الإرشاد: سلم]، [وفي غيره: سلام، وسالم] بن المُسَيَّبِ.
وأقبلت الشيعَهُ تَختَلِفُ إِليهِ ، فَلمَّا [في الإرشاد: فكلما] اجتَمَعَت إِليهِ جَمَاعَةٌ مِنهُم، قرَأَ عَليهِم كِتابَ حُسَين عليه السلام، فَأَخَذوا يبكونَ [وعند ابن أعثم: شوقاً منهم إلى قدوم الحسين «عليه السلام»]. فقامَ [رجل من همدان يقال له:] عابس بن أبي شبيب الشاكِرِيُّ، فَحَمِدَ الله وأثنى عَليهِ، ثُمَّ قَالَ:
أمّا بَعدُ، فإنّي لا أخبرُكَ عَن النّاس، ولا أعلمُ ما في أنفسهم، وما أَغْرُكَ مِنهُم، وَاللهِ لاحَدِّتْتَكَ عَمّا أَنَا مُوَطِّنٌ نَفسي عَليهِ، وَاللَّهِ لأَجِيبَنَّكُم إذا دَعَوتُم، ولاقاتِلنَّ مَعَكُم عَدُوَّكُم، ولأضربَنَّ بسَيفي دونَكُم حَتَّى ألقى الله ، لا أريدُ بذلِكَ إِلَّا مَا عِندَ اللَّهِ.
فَقامَ حَبِيبُ بنُ مُظاهِرِ الفَقَعَسِيُّ، فَقالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ! قد قضَيتَ ما في نَفْسِكَ بواجز من قولِكَ.
ثُمَّ قَالَ : وأَنَا وَاللهِ الَّذي لا إلهَ إِلَّا هُوَ، عَلى مَثل ما هذا عَليهِ [وعند ابن أعثم: وتَبايَعَتِ الشَّيعَهُ عَلى كَلام هذين الرَّجُلين، ثُمَّ بَدَلُوا الأموال، فلم يَقبَل مُسلِمُ بنُ عَقِيلٍ مِنها شَيئاً].
ثمَّ قَالَ الْحَنَفِيُّ مِثلَ ذلِكَ.
فقالَ الحَجّاج بنُ عَلِيٍّ : فَقُلْتُ لِمُحَمَّدِ بن بشر : فَهَل كَانَ مِنكَ أَنتَ قول؟
فقال: إن كُنتُ لأحِبُّ أن يُعِزَّ اللهُ أصحابي بالظفر، وما كُنتُ لِأُحِبَّ أن أقتَلَ ، وكَرهت أن أكذِبَ.
وَاختَلَفَتِ الشَّيعَة إليهِ حَتَّى عُلِمَ مَكَانُهُ، فَبَلغَ ذلِكَ النُّعمانَ بنَ بشير(1).
وفي نص آخر: «وبايَعَهُ النّاسُ، حَتَّى بايَعَهُ مِنهُم ثَمَانِيَة عَشَرَ أَلفاً. فَكَتَبَ مُسلِمٌ - «رَحِمَهُ اللَّهُ» - إلى الحُسَين «عليه السلام»، يُخبِرُهُ بِبَيعَةِ ثمانِيَة عَشَرَ ألفا، ويَأْمُرُهُ بالقدوم»(2).
1) موسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 57 عن تاريخ الأمم والملوك جه ص 355 وراجع: الكامل في التاريخ ج 4 ص 22 والأخبار الطوال ص231 وعن أنساب الأشراف ج 2 ص 334 وراجع: الفتوح لابن أعثم ج ه ص 33 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص197.
2) تاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 264 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 20 وقاموس الرجال ج 9 ص 134 وراجع: الإرشاد للمفيد ج 2 ص 41 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 58 وروضة الواعظين ص191 و (منشورات الشريف الرضي) ص 173 وإعلام الورى ج 1 ص 437 وبحار الأنوار ج 44 ص 335 و 336 والعوالم، الإمام الحسين ص185 والأخبار الطوال ص 231 والكامل في التاريخ ج 4 ص 22 .
نَزَلَ [مُسْلِمٌ] دار المُختار وهِيَ اليَومَ دارُ سَلم بن الْمُسَيَّبِ، فَبَايَعَهُ المُختارُ بنُ أَبي عُبَيدٍ فيمَن بايَعَهُ مِن أهل الكوفة، وناصَحَهُ ودَعَا إِلَيهِ مَن أطاعَهُ، حَتَّى خَرَجَ ابنُ عَقِيلٍ(1).
ونقول:
هنا أمور ينبغي الوقوف عندها، وهي التالية:
أين نزل ابن عقيل في الكوفة؟!:
اختلفت النصوص في تحديد موضع نزول مسلم بن عقيل في الكوفة، فهناك عدة أقوال في ذلك، وهي:
1 - أنه نزل في دار المختار(2)، وحسب نص كتاب الملهوف:
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 569 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 441 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 268 وتاريخ مدينة دمشق ج 18 ص 295 .
2) الإرشاد للمفيد ج 2 ص 41 وبحار الأنوار ج 44 ص 335 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 185 ولواعج الأشجان ص 37 وينابيع المودة ج3 ص 56 ونهاية الأرب ج 20 ص 387 والمجالس الفاخرة للسيد شرف الدين ص 191 وراجع: الكامل في التاريخ ج 4 ص 22 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 163 وأنساب الأشراف ج 6 ص 376 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 569 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 441 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 61 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص268 وتاريخ مدينة دمشق ج 18 ص 295 والثقات لابن حبان ج 2 ص 307 وتذكرة الخواص (ط النجف) ص 244 عن ابن إسحاق.
«أنزلوه في دار المختار»(1).
وقال ابن أعثم وغيره: نزل دار سالم بن المسيب. وهي دار المختار(2).
وعن المفيد: نزل في دار المختار بن أبي عبيد، وهي التي تدعى اليوم دار سلم بن المسيب(3).
2 - وقال ابن شهر آشوب: فسكن في دار سالم بن المسيب(4).
3 - ورواية عن الإمام الباقر «عليه السلام» - أو السجاد «عليه السلام» تقول: نزل على رجل من أهلها (الكوفة) يقال له: ابن عوسجة(5).
1) الملهوف ص 108 و (أنوار الهدى - قم سنة 1417هـ) ص 25.
2) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 233 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص197.
3) الإرشاد للمفيد ج 2 ص 41 وموسوعة الإمام الحسين ج 1 ص 58 وروضة الواعظين ص 191 و (منشورات الشريف الرضي) ص173 وبحار الأنوار ج 44 ص 335 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 185 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 20 وتاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 264.
4) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 91 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 242 وبحار الأنوار ج 44 ص 343 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص192 وأعيان الشيعة ج 7 ص 180.
5) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 347 و (ط الأعلمي) ج 4 ص258 وتهذيب الكمال ج 6 ص 423 وتهذيب التهذيب ج 1 ص 590 و (ط دار الفكر) ج 2 ص 302 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 306 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 518 و ج 33 ص 683 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 325 والإصابة (ط دار الكتب العلمية سنة 1415هـ) ج 2 ص 69 وتذكرة الخواص (ط النجف) ص 241.
وعند ابن كثير: نزل على مسلم بن عوسجة الأسدي، وقيل: نزل في دار المختار(1).
4 - وعند المسعودي: نزل على رجل يقال له عوسجة مستترأ(2).
5 - قيل: إن الحسين «عليه السلام» أمره بأن ينزل على هاني بن عروة(3)، فنزل بالكوفة على هانئ(4).
6 - إنه نزل على شريك بن الأعور الحارثي(5).
ونقول:
1) البداية والنهاية ج 8 ص 152 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 163 .
2) مروج الذهب ج 3 ص 64 و (منشورات دار الهجرة - إيران) ج3 ص 54 والحدائق الوردية ج 1 ص 114.
3) ترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص64 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 61 عن الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 458 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 4 ص 170 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 299 وراجع الإصابة (ط دار الكتب العلمية سنة 1415هـ) ج6 ص 445 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 243 .
4) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 42 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص299.
5) الأمالي الشجرية ج 1 ص 167 .
قال ابن سعد: كان الحسين «عليه السلام» قدَّم مسلم بن عقيل بن أبي طالب إلى الكوفة، وأمره أن ينزل على هاني بن عروة المرادي(1).
فيرد هنا سؤال: إذا كان الإمام الحسين «عليه السلام» قد أمر مسلما بأن ينزل في دار هاني بن عروة، فلماذا خالف هذا الأمر، ونزل في دار المختار؟!
وألا يدل ذلك على أن الصحيح هو أنه نزل في دار هاني.
ويمكن أن يجاب:
أولاً : إن الإمام الحسين «عليه السلام» كان مهتماً بأن لا تتعرض مهمة مسلم لنكسة خطيرة، بسبب التفريط بمبدأ الكتمان والسرية، ونزول مسلم في بيت المختار ، لا يعني أنه كان يبيت فيه، فلعله كان يبيت في بيت هاني بن عروة، ويتخذ بيت المختار مقراً له، يستقبل فيه الناس، فإذا عرف هذا المقر المعلن للسلطة، يكون هناك مجال للتعمية على السلطة حين تريد كبس البيت تحت جنح الظلام، لاعتقال مسلم أو غيره. فكان يبيت في بيت، ويجتمع بالناس للبيعة في غيره..
1) ترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 64 والطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 458 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 170 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 299. وراجع: أنساب الأشراف ج 2 ص 86 .
بل لا مانع من أن يتنقل مسلم بين عدة بيوت أربعة أو خمسة، الأمر الذي يجعلنا لا نستبعد صحة أكثر الأقوال المتقدمة.
ثانياً : إن منزل المختار كان أبعد عن الشبهة، لأن المختار كان متزوجاً من عمرة بنت النعمان بن بشير(1). وكان أيضاً متزوجاً ببنت سمرة بن جندب(2).
كما أن عبد الله بن عمر كان متزوجاً بأخت المختار(3)، فحتى لو
1) راجع: مروج الذهب (منشورات دار الهجرة ايران سنة 1404هـ) ج3 ص 99 وتاريخ مدينة دمشق ج 69 ص 295 والأخبار الطوال ص309 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 543 وتاريخ الأمم والملوك ج 4 ص574 وتجارب الأمم ج 2 ص 214 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 58 والأعلام للزركلي ج 5 ص 72 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 3 ص 30 وتاريخ الكوفة ص 359 وأعيان الشيعة ج 8 ص 376 وأنساب الأشراف ج6 ص 443 والأغاني ج 9 ص 156 .
2) راجع: مروج الذهب ج 3 ص 99 وشجرة طوبى ج 1 ص 121 وقاموس الرجال للتستري ج 10 ص 15 والأخبار الطوال ص 309 وتاريخ مدينة دمشق ج 69 ص 295 وأنساب الأشراف ج 6 ص 440 و 443 والأغاني ج9 ص 156 والمعارف لابن قتيبة ص 401 وتاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 536 و 569 وتجارب الأمم ج 2 ص 208 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 6 ص 65 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 58 والبداية والنهاية ج 8 ص 318 و تاريخ الكوفة ص 358 .
3) قاموس الرجال ج 10 ص 15 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 1 ص326 وعمدة القاري ج 7 ص 136 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 472 ومعرفة الثقات ج 2 ص 454 والثقات لابن حبان ج 4 ص 386 وتاريخ مدينة دمشق ج 18 ص 297 وأسد الغابة ج 4 ص336 وتهذيب الكمال ج 35 ص 212 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 544 وتهذيب التهذيب ج 12 ص 381 وأنساب الأشراف ج 5 ص 602 وج 6 ص 377 وج 9 ص 450 وج 10 ص 395 والمعارف لابن قتيبة ص 186 وعيون الأخبار ج4 ص 70 وتاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 442 والكامل في التاريخ ج 2 ص 526 وج 4 ص 169 وج 5 ص 126 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 61 والوافي بالوفيات ج 16 ص 189 والبداية والنهاية ج6 ص265 وج 7 ص 85.
حامت الشبهة حول بيت المختار، فإن أحداً سوف لا يقدم على مهاجمته، وهو زوج بنت الوالي، وزوج بنت سمرة بن جندب، وأخ زوجة ابن عمر. لنفوذ كلمة هؤلاء لدى يزيد، وغيره من الحكام.
فإذا أضفنا إلى ذلك: أن النعمان بن بشير جبان وضعيف في نفسه، لا يملك من الجرأة ما يجعله يقدم على أمر خطير كهذا، ولاسيما إذا كان يعرف ويرى التأييد الواسع الذي يدل على مدى تعاطف أهل الكوفة مع الإمام الحسين «عليه السلام»، وجميع من يأتيهم من قبله.
والسياسة التى انتهجها مسلم بأمر من الإمام الحسين «عليه السلام» كانت حكيمة، وكان مسلم دقيقاً في تطبيقها، حتى إن ابن زياد
حين قدم الكوفة لم يستطع اكتشاف مكان مسلم بسهولة، حتى توسل لذلك بحيلة خبيثة حين دس رجلاً اسمه معقل، تظاهر بأنه من الشيعة في قصة سيأتي تفصيلها في موضعها الطبيعي إن شاء الله.
ما تقدم من أن مسلم بن عقيل قد نزل على شريك بن الأعور الحارثي موضع ريب، لأن هذا الرجل كان من رؤساء الأخماس في البصرة، وكان هو على خمس العالية، وهو إنما قدم الكوفة مع ابن زياد، فمرض، فنزل دار هاني بن عروة أياماً، وقد عاده ابن زياد فيها، وستأتي قصة محاولة دفع مسلم لقتل ابن زياد في بيت هاني، وامتناع مسلم من ذلك، وقوله: الإسلام قيد الفتك.
وقد مات شريك بعد وصوله إلى الكوفة بعد عيادة عبيد الله بن زياد له بثلاثة أيام(1).. فلو كان لشريك دار في الكوفة، فلماذا نزل في دار هاني؟!
غير أن ابن كثير يقول: إن عبيد الله بن زياد عاد شريك بن الأعور في دار شريك، فأرسل شريك إلى هاني أن يبعث إليه مسلماً
1) الفتوح لابن أعثم ج 2 ص 42 - 44 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 201 و 202 وتاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 270 و 271 والكامل في التاريخ ج 4 ص 27 و 28 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 32 و 33 والأخبار الطوال ص 234 و 235 وأنساب الأشراف ج 2 ص 79 وإعلام الورى ج 1 ص 438 و 439.
ليقتل عبيد الله(1).
ولا نعلم من أين أخذ ابن كثير روايته هذه، غير أنا نقول:
إن نزول مسلم في دار صاحبها غائب عنها، يبقى غير مألوف، أو غير مستساغ في كثير من الأحيان.
وذكر النص المتقدم ما قاله عابس بن أبي شبيب الشاكري، وما قاله حبيب بن مظاهر، وسعيد الحنفي في تأییده .
ثم ما قاله محمد بن بشير في جواب الحجاج بن علي.
ونحب أن نسجل على هذا وذاك ما يلي:
أولاً : يبدو أن عابس بن شبيب قد رأى بكاء الناس كلما قرأ عليهم مسلم كتاب الحسين «عليه السلام» إليهم، وكان في الكتاب: أن مطلوب الإمام «عليه السلام» هو أن يعرف مسلم له حقيقة أمرهم، ويكتب به إليه.. فخشي أن يؤثر هذا المشهد العاطفي في مسلم، ويعتبره دليلاً على اتساق الأمور، واستعداد النفوس للتضحية والفداء، وتلبية لكل ما يطلب منهم، فسارع عابس إلى تحذير مسلم من التسرع اتخاذ القرار، ولفت نظره إلى أن عليه أن لا يصدر حكماً عاماً يشمل جميع الناس، استناداً إلى هذا الهيجان العاطفي الذي يراه.. وأن
1) البداية والنهاية ج 8 ص 153 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 164 و 165.
لا يكتفي بما يراه ممن حضر في الاستدلال على حال من غاب ، ولأجل ذلك قال: «لا أخبرك عن الناس».
ثانياً : ثم ترقى عابس في البيان ليقول له: إن ما يراه من فورة عاطفية لدى الحاضرين لا يمكن الاعتماد عليه في استكشاف أحوالهم ونواياهم أنفسهم، ولذلك قال : «ولا أعلم ما في أنفسهم». وكأنه يلمح إلى أن فيهم المخلص، الصادق، وغير الصادق..
ثالثاً: ثم تقدم خطوة أخرى ليقول: إنه حتى بالنسبة لصادقي النية من هؤلاء ومن غيرهم، لا يمكن ضمان استمرارهم على هذه الحال.. فلعلهم إذا عضتهم الحرب بأنيابها وواجهتهم بشدائدها، يجبنون، ويتراجعون، وقد تحلو الدنيا في أعينهم أكثر ، فينكثون ويغدرون، ويبيعون، ويشترون.
ولأجل ذلك قال عابس : «وما أغرك منهم».
ولعل منهم من كان يظن أن دوره ينتهي بالبيعة التي يعطيها. فإذا بايع يكون قد أدى قسطه للعلى.
رابعاً : أنه قد لفت النظر إلى أن المطلوب من مسلم هو أن لا يصدر حكماً عاماً ، بل عليه أن يختبر أحوال الأفراد عن قرب، وأن يُحْكِمَ الأمور معهم، ويأخذ العهود والمواثيق منهم بصورة مباشرة، ولأجل ذلك بادر هو إلى الإعراب عن نفسه، وأفصح عن نيته، وقدم تعهداته.
خامساً: ولعل عابساً أراد أيضاً أن يشير إلى أنه يعرف، أو
يحتمل أن يكون من بين هؤلاء الذين يبكون من له طمع بالدنيا. وهو يسعى للحصول على بعض حطامها، ولعله لأجل ذلك ختم كلامه بقوله معرّضاً بهؤلاء: «لا أريد بذلك إلا ما عند الله».
وقد صدقت الأحداث اللاحقة في الكوفة ما قاله عابس «رضوان الله تعالى عليه». ومن جملة شواهد ذلك ما تقدم من أن محمد بن بشير قد صرح في هذا الموقف بما يدل على صحة كلام عابس، حين قال: «إن كنت لأحب أن يعز الله أصحابي بالظفر، وما كنت لأحب أن أقتل، وكرهت أن أكذب».
وكأنه يرى أن النصر يتحقق بالبيعة أو بالبكاء من دون أن يكلفه شيئاً!
وتقدم: أن أهل الكوفة بذلوا الأموال المسلم، فلم يقبل منها شيئاً.
ولعله «عليه السلام»: أراد أن يفهمهم بهذا الرفض أنه لا يريد منهم أموالا ، بل يريد منهم إخلاصاً وصدقاً في النوايا، وجهاداً في سبيل الله، وإعزازاً للدين، ودفاعاً عن المستضعفين.
وماذا يصنع مسلم بالأموال ؟! هل يريدها لشراء ضمائر الرجال؟! أو يريدها لاستئجار مقاتلين يقاتلون عن غير عقيدة وامتناع؟! إنه لا يمكن أن يفعل هذا ولا ذاك، فهو لا يريد مقاتلين، بل يريد مجاهدين في سبيل الله، أتقياء أبراراً، ومخلصين أحراراً.
قال التستري: «وكان مسلم بن عقيل نزل أولاً في وروده الكوفة عليه (أي على المختار)، فدعا الناس إلى بيعته، وخرج إلى القرى لأخذ البيعة ؛ وجعل مسلم بينه وبين المختار ميعادا لخروجه، وإنما خرج مسلم قبل ميعاده لأخذ ابن زياد هانيا وحبسه؛ فرجع المختار في ميعاده وقد كان مسلم قتل، فأخذه ابن زياد وحبسه»(1).
ويقول الطبري: «فقال له ابن زياد: أنت المقبل في الجموع لتنصر ابن عقيل؟!
فقال : لم أفعل، ولكني أقبلت ونزلت تحت راية عمرو بن حريث، وبت معه، وأصبحت.
فقال عمرو بن حريث: صدق.
فرفع عبيد الله القضيب فاعترض به وجه المختار فخبط به عينه فشترها وقال: أولى لك! أما والله لولا شهادة عمرو لك لضربت عنقك. إنطلقوا به إلى السجن.
فلم يزل في السجن حتى قتل الحسين(2).
ونقول:
1 - إذا كان مسلم بن عقيل قد نزل في دار المختار بأمر من الإمام، فهي شهادة منه «عليه السلام» للمختار بالأوثقية بين أهل الكوفة.
وإن كان مسلم هو الذي اختار النزول في داره، فهذا تطبيق منه «رحمه الله» لقول الإمام «عليه السلام»: فإذا دخلتها، فانزل عند أوثق أهلها(1). وهذه شهادة من مسلم للمختار بذلك أيضاً. فإذا كان الحسين «عليه السلام» قد اعتمد على تشخيص الأوثق من بين أهل الكوفة، فهي شهادة منه «عليه السلام» بصوابية تشخيص مسلم أيضاً. وكلاهما في صالح المختار.
2 - يبدو لنا: أن الإمام «عليه السلام» قد حدد لمسلم إسم هاني بن عروة، للنزول عنده، ليكون هذا المنزل موضع خلوته واختفائه، ومبيته السري في أكثر الأحيان. لاسيما بملاحظة ما سيأتي، من أنهم يقولون: إن مسلماً حين لجأ إلى هاني، بعد مجيء ابن زياد أدخله دار نسائه، وأفرد له ناحية منها(2).
ثم أمره «عليه السلام» أن يختار منزل أوثق أهل الكوفة ليكون موضع لقائه بالناس، وأخذ البيعة منهم.
فاختار مسلم أولاً دار المختار، للأسباب التي ذكرناها، وبعد ذلك
صار يتواجد في بيوت مختلفة، ويعطي مواعيد اللقاء فيها، ليعمي الأخبار على السلطة.
4 - أظهر النص المتقدم: أن اختيار بيت المختار كان في غاية الأهمية فقد رأينا:
أولاً: أن المختار قد بادر إلى دعوة الناس إلى بيعة مسلم في الكوفة.
ثانياً: إنه «رحمه الله» قد تولى دعوة أهل الأرياف، وأخذ البيعة منهم.
ثالثاً: إن مسلماً قد حدد موعد الخروج، واتفق مع المختار عليه، ولكن حبس ابن زياد لهاني بن عروة حتّم على مسلم التحرك قبل الموعد الذي حدده للمختار، فاستشهد مسلم، وجاء المختار على الموعد، فوقع في فخ ابن زياد كما تقدم.
رابعاً: إن المختار قد رجع في الموعد، ومعه جموع من الأنصار الراغبين بالمشاركة، ونصرة مسلم.
خامساً: إن نفس الإتيان بهذه الجموع في هذا الظرف الحساس الذي كان فيه ابن زياد يتوقع وصول الحسين «عليه السلام» إلى الكوفة، كان مثار تساؤل وموجباً للريب بالنسبة لابن زياد.
وما تذرع به المختار لم يستطع أن يدفع هذا الريب، بل هو قد استبطن إقراراً من المختار بجمعه الجموع، ولكنه يدعي أنها ليست جموعاً مناوئة لابن زياد، بل هي موالية له، والشاهد على ذلك أنه
نزل بجموعه تلك تحت راية ابن حريث، وبات معه حتى أصبح..
والظاهر: أن ابن زياد كان يجمع المقاتلين، وقد عقد الرايات للقادة ومنهم ابن حريث، فكأن المختار ادَّعى لابن زياد أنه جمع الجموع ليقاتل معهم، لا مع مسلم أو الحسين «عليهما السلام».
سادساً: إن ابن زياد وإن كان لم يقتنع بما قاله المختار.. لكن شهادة ابن حريث أحرجته وضايقته، وأصبح عاجزا عن الفتك بالمختار، ولاسيما إذا تدخل ابن عمر لدى يزيد، فأراد أن ينفس عن حقده بأن بادر إلى اعتراض وجه المختار بالقضيب، فشتر عينه.
سابعاً: ثم احتاط ابن زياد للأمر، بأن أودع المختار السجن، فبقي فيه إلى أن استشهد الحسين «عليه السلام»، فأمره يزيد بإطلاقه لوساطة زوج أخته، عبد الله بن عمر، كما تقدم.
اختلفت الروايات في عدد من بايع مسلماً «رحمه الله» من أهل الكوفة، وذلك كما يلي:
1 - بايعه إثنا عشر ألفا(1).
1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 91 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 242 وبحار الأنوار ج 44 ص 343 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص192 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 348 و (ط الأعلمي) ج 4 ص258 و 259 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 60 وتهذيب الكمال ج 6 ص 423 و 424 وتهذيب التهذيب ج 1 ص 591 و (ط دار الفكر سنة 1404هـ) ج 2 ص 302 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 306 والإصابة ج 2 ص 69 وتجارب الأمم ج 2 ص 40 و 41 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 325 و التحفة اللطيفة ج 1 ص 295 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة)ج 1 ص 270 وينابيع المودة ج 3 ص 56 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 518 والصواعق المحرقة ص 196 وتاريخ الكوفة ص292 وعن تذكرة الخواص (ط النجف) ص 241 وعن الأمالي الشجرية ج1 ص 191 وعن الحدائق الوردية ج 1 ص 115 ومروج الذهب ج 3 ص 64 و (منشورات دار الهجرة سنة 1404هـ) ج 3 ص 54 .
2 - ثمانية عشر ألفا(1).
1) الإرشاد للمفيد ج 2 ص 41 والملهوف ص 108 و (أنوار الهدى سنة 1417هـ) ص 25 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 307 ومروج الذهب ج3 ص 64 و (منشورات دار الهجرة سنة 1404هـ) ج 3 ص 54 بلفظ قيل. وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 375 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 275 و 281 والكامل في التاريخ ج 4 ص 30 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 163 وإمتاع الأسماع ج 5 ص 363 و 364 ومثير الأحزان ص 32 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 21 وعمدة الطالب ص191 و 192 ومقتل الحسين لأبي مخنف الأزدي ص 41 و 51 والفتوح لابن أعثم ج 51 ص 49 والطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 458 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 299 والأخبار الطوال ص 43 وروضة الواعظين ص191 و 192 و (منشورات الشريف الرضي) ص173 وإعلام الورى ج 1 ص 437 والدر النظيم ص 542 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 299 وبحار الأنوار ج 44 ص 335 و 336 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 185 وقاموس الرجال ج10 ص 67 وموسو الحسين «عليه السلام» ج 3 ص 58 .
3 - نيف وعشرون ألفا(1).
4 - خمسة وعشرون ألفا(2).
5 - أكثر من ثلاثين ألفا(3).
6 - إنهم أربعون ألفا(4).
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 40 و 45 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 200 فما بعدها.
2) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 91 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 242 وبحار الأنوار ج 44 ص 343 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 192 والفوائد الرجالية ج 4 ص 33 .
3) الإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 2 ص 4 و (تحقيق الشيري) ج 2 ص 8 والعقد الفريد ج 3 ص 364 و (ط 2 بمصر سنة 1346هـ) ج 2 ص 134 والمحاسن والمساوئ ص 60 والمحن ص 144 وجواهر المطالب ج 2 ص 265 والفوائد الرجالية ج 4 ص 35 .
4) عن الشهيد مسلم للسيد عبد الرزاق المقرم ص 105 . والظاهر : أنه أخذه من قول الناس لابن زياد حين دخل الكوفة، وظنوا أنه الحسين: «إنَّا معك أكثر من أربعين ألفاً». راجع: مثير الأحزان لابن نما ص 30 وبحار الأنوار ج 44 ص 340.
لاحظ ما يلي:
أولاً : ذكر القول الأخير: رقم أربعين ألفاً، لكننا نقول: إن النص الذي يذكر هذا الرقم لا يدل إلا على أنهم معه، ولا يدل على بيعتهم لمسلم(1).
ثانياً: إن مسلم بن عقيل قد صرح في الكتاب الذي أرسله من الكوفة إلى الإمام الحسين «عليه السلام»: بأن الذين بايعوه كانوا ثمانية عشر ألفا.
ولكن هذا لا يعني أن تكون سائر الأرقام المشار إليها في الأقوال المتقدمة أعلاه مكذوبة ، فلعل الذين بايعوه في بداية الأمر كانوا إثني عشر ألفاً، وذلك قبل الانتقال من دار المختار إلى دار هاني بن عروة، ثم زاد عددهم حتى بلغوا ثمانية عشر ألفا، فكتب إلى الإمام «عليه السلام» بذلك. ولعل عددهم قد زاد بعد تلك الرسالة إلى نيف وعشرين، أو خمس وعشرين، ثم إلى أكثر من ثلاثين ألفاً.
ثالثاً: بالنسبة للقولين الثالث والرابع: أن عدد المبايعين لمسلم كان نيفا وعشرين ألفاً، أو خمسة وعشرين ألفاً نقول:
قالوا في معنى النيف: إن كل ما زاد على العقد فهو نيف إلى أن يبلغ العقد الثاني(2). فيحتمل على هذا أن يكون القولان الثالث والرابع
قولاً واحداً.
وقال أبو العباس: ما حصلنا من أقوال حذاق البصريين والكوفيين: أن النيف من واحد إلى ثلاثة، والبضع من أربع إلى تسع. ولا يقال نيف إلا بعد عقد، يقال: عشرة ونيف، ومائة ونيف، وألف ونيف(1).
فعلى هذا القول في معنى كلمة «نيف» يكون القولان الثالث والرابع قولين مختلفين.
ثالثاً: احتمل بعضهم: أن يكون القول بالإثنى عشر ألفا، والقول بالثمانية عشر ألفاً هما القولان اللذان يمكن اعتمادهما. دون غيرهما من الأقوال، فإنها قد تكون جاءت على سبيل التقريب والتخمين، نظراً إلى أن مصادرها قليلة(2).
ونقول:
إن من المعلوم: أن قلة المصادر وكثرتها ليست معيارا لكون القول واقعياً، أو تخمينيا تقريبيا.. ولاسيما مع التصريح: بأن الناس
استمروا على التردد على مسلم في بيت هاني بن عروة، والبيعة للحسين «عليه السلام». ومع قولهم: إن كتاب مسلم إلى الحسين «عليه السلام» كان قبل أن يقتل لسبع وعشرين ليلة(1)، وهي مدة طويلة تكفي لزيادة العدد عن الثمانية عشر ألفا إلى أكثر من ثلاثين ألفاً .
رابعاً: ذكرت بعض المصادر: أن أهل الكوفة كتبوا للحسين «عليه السلام»: «إن لك ها هنا مئة ألف سيف فلا تتأخر»(2).
قال بعض الإخوة: «هذا الكلام لا يدل على أن جميع هؤلاء قد بايعوه بعد وصول مسلم إلى الكوفة. بل من الممكن أن يشير إلى المقاتلين المتواجدين في الكوفة. أو أنه مبالغة في تعبير المحبين
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 395 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 297 وأنساب الأشراف ج 3 ص 378 وتجارب الأمم ج 2 ص 60 والإرشاد ج 2 ص 69 و (ط دار المفيد) ج 2 ص 71 وبحار الأنوار ج 44 ص 370 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 220 ولواعج الأشجان ص 79 وأعيان الشيعة ج 1 ص 594 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 72 ونهاية الأرب ج20 ص 413 والمجالس الفاخرة ص 217 وموسوعة الإمام الحسين ج3 ص335 عن مصادر كثيرة.
2) الإرشاد للمفيد ج 2 ص 69 و (ط دار المفيد) ج 2 ص 71 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 220 ولواعج الأشجان ص 35 وأعيان الشيعة ج 1 ص 589 والمجالس الفاخرة ص217 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 217 وبحار الأنوار ج 44 ص 370.
هناك نصوص كثيرة تتحدث عن عزل يزيد للنعمان بن بشير عن الكوفة، وتولية عبيد الله بن زياد «لعنه الله» عليها، بالإضافة إلى البصرة. ونحن هنا لن نفيض في عرض تلك النصوص، والمقارنة بينها، وذكر ما اختلفت فيه وما اتفقت عليه.. بل سنقتصر على ذكر ما هو ضروري منها، ومحاولة تلخيص سائرها.
ولكننا نلفت نظر القارئ الكريم إلى أن هذه النصوص حافلة بالدلائل القاطعة على ظلم وبغي الطغمة الحاكمة. وشدة انحرافها، وإمعانها في الصد عن الحق، وإيغالها في الضلال، وفي الحرب على الدين وأهل الدين. وأنه لا يصدهم شيء عن قتل الأولياء والأوصياء، وحتى الأنبياء، إذا وجدوا فيهم عائقاً لهم عن نيل شهواتهم.
غير أننا سنحاول التوقف عند بعض الأمور التي نرى ضرورة للتوقف عندها، وستكون وقفات تراعي مقدار الحاجة، فنقول:
وقد ذكروا : أن النعمان بن بشير حين بلغه أمر مسلم، واجتماع الشيعة عليه خرج من قصر الإمارة مغضباً، ودخل المسجد الأعظم،
فنادى في الناس، فاجتمعوا إليه، فخطبهم(1).
لكن ابن كثير ادعى: أنه لما انتشر خبر مسلم، ومن بايعه خبره رجل بذلك، فجعل يضرب عن ذلك صفحاً، ولا يعبأ به(2).
وكأنه يريد تأكيد ما زعمه أبو حنيفة الدينوري، من أنه «كان يحب العافية، ويغتنم السلامة»(3).
بل إن ابن قتيبة زعم: أن النعمان لما علم بقدوم مسلم قال: لإبن بنت رسول الله أحب إلينا من ابن بحدل(4).
وفي الطبري: أن النعمان «كان حليماً ، ناسكا، يحب العافية»(5).
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 34 و 35 وراجع: مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 197 وراجع: الإرشاد للمفيد ج 2 ص 41 وبحار الأنوار ج 44 ص 336 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 185 وقاموس الرجال ج10 ص 375 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص264 والكامل في التاريخ ج 4 ص 22 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 3 ص 22 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 21 ونهاية الأرب ج 20 ص387 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 671 وجمهرة خطب العرب ج 2 ص 37 .
2) البداية والنهاية ج 8 ص 152 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 163 .
3) الأخبار الطوال ص 231 .
4) الإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 2 ص 4 و (تحقيق الشيري) ج 2 ص 8 .
5) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 356 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 264 والكامل في التاريخ ج 4 ص 22 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 21 ونهاية الأرب ج 20 ص 387 شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 671 .
ونقول:
1 - يلاحظ: أن ثمة حرصاً على تبييض صفحة النعمان بن بشير قدر الإمكان. ولعله يشبه حرصهم على إبعاد يزيد عن محيط الجريمة قدر الإمكان، وإلقاء ثقل المسؤولية على عاتق عبيد الله بن زياد، والشمر، وعمر بن سعد بصورة أو بأخرى..
2 - لعل السبب في محاولتهم تبرئة يزيد، أو صرف الأنظار عنه إلى غيره أنه هو الخليفة بنظرهم. وللخليفة حرمته ومقامه، وماء وجهه الذي يريدون أن يحفظوه له. وسيأتي الكلام حول هذه المحاولات في الموضع المناسب إن شاء الله تعالى.
3 - أما بالنسبة للنعمان ، فلعل سبب سعيهم لتبرئة ساحته، ولو بادعاء أنه ضعيف، أو يتضعف. أنه كان هو ومسلمة بن مخلد من صغار الصحابة، الذين كان معاوية يتجمل بهما، مقابل مئات الصحابة الأبرار والأخيار، والعباد، والعلماء الكبار الذين كانوا مع أمير المؤمنين «عليه السلام» في حروب الجمل، وصفين، والنهروان.
وقد استشهدت ثلة كبيرة منهم في هذه الحروب، على يد الناكثين، والقاسطين، والمارقين.
ولأن الحسين هو أقدس البشر في زمانه، فإن قتله «عليه السلام» بتلك الصورة المفجعة لم يكن قابلا للاحتمال لدى مختلف فئات الأمة. فكانت مشاركة النعمان بن بشير في قتله، أو مشاركته في قتل من هو مثل مسلم بن عقيل في غاية البشاعة، فاحتاجوا إلى تلطيف حال
النعمان، وحفظ بعض ماء الوجه له بالادعاءات المذكورة آنفاً.
بقي أن نشير إلى سبب إحجام النعمان بن بشير عن مواجهة مسلم، فنقول: لعل سببها:
أولاً : الجبن عن المواجهة، لأنه يعلم أن تعاطف الكوفيين مع الحسين «عليه السلام» كان كبيراً جداً. وشاهد ذلك: بيعة عشرات الألوف لمسلم في فترة وجيزة جداً، بل إن مسلماً قد كتب للحسين «عليه السلام»: «إن الناس كلهم معك»(1)، أو فإن جميع الناس معك(2).
ولم يكن النعمان ليجرؤ على مواجهة جميع أهل الكوفة.
ثانياً : إن النعمان كان يرى في يزيد طيشاً ونزقا، ورعونة، وأن أباه معاوية كان أبعد منه نظراً ، وأمضى حيلة، وألطف مكيدة..
وكان يعرف أن سياسة معاوية هي أن يتحاشى الصدام المعلن مع الحسن والحسين «عليهما السلام»، لأنه يعلم أنهما أقدس البشر عند
الناس. فكان يسعى لإرضائهما في الظاهر، ويبغي لهما الغوائل في الباطن. فإذا أمكنته الفرصة، وأمن الرقباء، فإنه يورد ضربته، ويبادر إلى ارتكاب جريمته.
وعملاً بهذه السياسة قبل بكل الشروط التي فرضها عليه الحسن «عليه السلام» في ما يسمى بالصلح..
وقد ذكر النعمان هذا الأمر ليزيد نفسه، حين سأله يزيد «لعنه الله»: كيف رأيت ما فعل عبيد الله بن زياد؟!
فقال النعمان: الحرب دول.
فقال يزيد: الحمد لله الذي قتله.
قال النعمان: قد كان أمير المؤمنين - يعني معاوية - يكره قتله(1).
فالنعمان إذن.. لم يكن حليماً ولا ناسكا، بل كان جبانا ماكراً..
والنعمان هذا قد حارب عليا «عليه السلام» في الجمل وصفين، وقد نفذ بعض الغارات على أطراف علي «عليه السلام» في العراق. وهو الذي أخذ أصابع نائلة التي قطعت، ونائلة هي زوجة عثمان، وأخذ أيضا قميص عثمان، وهرب إلى معاوية في الشام..
وقد ولاه معاوية على حمص، ثم الكوفة، وتولى الكوفة أيضاً ليزيد «لعنه الله»، ثم صار زبيريا في عهد مروان، ومن يتولى ليزيد، ولمعاوية، ويحارب وصي النبي «صلى الله عليه وآله» كيف يكون
1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 59 و 60 .
ناسكاً؟!.
وكتب عبد الله (أو عبيد الله) بن مسلم بن شعبة الحضرمي ليزيد يخبره بالحال، ويطلب منه أن يولي الكوفة رجلاً ينفذ أمره، ويعمل مثل عمله في عدوه. وهو أول من كتب إليه، ثم كتب إليه عمارة بن عقبة، ثم كتب إليه عمر بن سعد بمثل ذلك(1).
وأضاف البلاذري إلى عمر بن سعد محمد بن الأشعث الكندي(2).
وعند الدينوري: كتب إلى يزيد مسلم بن سعيد الحضرمي،
1) موسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 69 و 70 وتاريخ الأمم والملوك ج5 ص 356 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 264 و 265 والكامل في التاريخ ج 4 ص 22 وتهذيب الكمال ج 6 ص 423 وتهذيب التهذيب ج 2 ص 302 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 35 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص198 والأخبار الطوال ص 231 والبداية والنهاية ج 1 ص 152 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 163 والإرشاد للمفيد 204 و (ط دار المفيد) ج 2 ص 41 و 42 وبحار الأنوار ج 44 ص336 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 22 وإعلام الورى ج 1 ص 437 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 518 وأعيان الشيعة ج 1 ص 589 والدر النظيم ص 542 والمجالس الفاخرة ص192 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 242.
2) أنساب الأشراف ج 2 ص 335 و (ط الأعلمي) ج 2 ص 77.
وعمارة بن الوليد بن عقبة(1).
وعند ابن طاووس: كتب إليه عبد الله بن مسلم الباهلي، وعمارة بن الوليد، وعمر بن سعد(2). ولا يهمنا تحقيق ذلك.. فلعل الجميع كتب إليه، وقد ذكر كل واحد ما بلغه.
وكان لمعاوية مولى نصراني إسمه سرجون، وكان كاتبه، وعاملاً له على الأموال، ونديماً ليزيد على شرب الخمر.
فلما اجتمعت الكتب عند يزيد دعا سرجون هذا، وسأله عن رأيه في من يستعمله على الكوفة، فأشار عليه بتولية عبيد الله بن زياد على الكوفة، كما هو عامله على البصرة(3).
1) الأخبار الطوال ص 231 وراجع: شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج33 ص 649 .
2) الملهوف ص 109 و (ط أنوار الهدى سنة 1417هـ) ص25.
3) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 356 و 348 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 265 و 258 وتهذيب التهذيب ج 1 ص 591 وتهذيب الكمال ج 6 ص 423 والكامل في التاريخ ج 4 ص 22 والإرشاد ج 2 ص 42 وروضة الواعظين ص 192 و (منشورات الشريف الرضي) ص 173 والإرشاد للمفيد ج2 ص 42 وإعلام الورى ج 1 ص 437 وبحار الأنوار ج 44 ص 336 والإصابة ج 2 ص 70 والبداية والنهاية ج 8 ص 152 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 164 والأمالي الشجرية ج 1 ص 190 والحدائق الوردية ج 1 ص 115 عن الإمام السجاد «عليه السلام»، والفتوح لابن أعثم ج5 ص 36 وقاموس الرجال ج 11 ص 114 وأنساب الأشراف ج 5 ص 379 وتجارب الأمم ج 2 ص 41 والكامل في التاريخ ج 4 ص 22 و 23 وأعيان الشيعة ج 1 ص 589 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 22 والدر النظيم ص542 و 543 ونهاية الأرب ج 20 ص 388 وإبصار العين ص80 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 518 .
ويقال: إنه أخرج إليه عهداً زعم له أنه من أبيه معاوية، كتبه لعبيد الله بن زياد على الكوفة، وأن معاوية مات وقد أمر بهذا الكتاب، وكان ختمه عليه.
بل إن بعض هذه النصوص يقول: إنه استشار أهل الشام، فأشاروا عليه بابن زياد وأظهروا له عهد معاوية بتوليته(1). فأخذ بهذا الرأي، وكتب إليه بعهده على الكوفة، بالإضافة إلى البصرة.
کتاب يزيد إلى ابن زياد:
وقالوا: كتب يزيد إلى عبيد الله بن زياد أن يقتل مسلماً إن وجده، مشدداً عليه في ذلك(2).
1) الإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 2 ص 4 و (تحقيق الشيري) ج 2 ص 8 وجواهر المطالب ج 2 ص 265 عن القاسم بن سلام، والمحن ص144 وراجع: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 356 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 265 والمحاسن والمساوي ص 59 والعقد الفريد ج 3 ص 364 ومقتل الحسين للخوراز مي ج 1 ص 198 .
2) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 348 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 258 وتهذيب الكمال ج 6 ص 423 وتجارب الأمم ج 2 ص 41 وسير أعلام النبلاء ج3 ص 306 والملهوف ص 109 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 24 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 518 وتهذيب التهذيب ج 2 ص 302.
وفي بعض النصوص : أمره بقتله، أو بعثه إليه(1).
وفي نص آخر: أمر بنفيه إذا ظفر به، أو قتله، وأن يتيقظ في أمر الحسين(2).
وثمة نص يقول: إنه كتب إليه: «سر حين تقرأ كتابي هذا، حتى تأتي أهل الكوفة، فتطلب ابن عقيل كطلب الخرزة حتى تثقفه، فتوثقه، أو تقتله، أو تنفيه»(3).
1) الثقات لابن حبان ج 2 ص 307 وشرح الأخبار ج 3 ص 147 وراجع: تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 213 وبغية الطلب لابن العديم ج 6 ص 2614 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 302 ومختصر تاریخ دمشق ج7 ص 145 .
2) أنساب الأشراف ج 2 ص 335 و (ط الأعلمي) ج 2 ص 78 وراجع المختصر لأبي الفداء ج 1 ص 189 والكامل في التاريخ ج 4 ص 23 والأخبار الطوال ص231.
3) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 357 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 265 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 74 عنه، والإرشاد ص 206 و (ط دار المفيد) ج 2 ص 42 و 43 وروضة الواعظين ص192 و (منشورات الشريف الرضي) ص 174 والعوالم الإمام الحسين ج17 ص186 وإعلام الورى ج 1 ص 437 وبحار الأنوار ج 44 ص 337 والأخبار الطوال ص 231 والبداية والنهاية ج 8 ص 152 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 164 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 91 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 242 وراجع: الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 36 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 23 ولواعج الأشجان ص 39 وأعيان الشيعة ج 1 ص 590 وتاريخ الكوفة ص326 .
لكن الخوارزمي يقول: إنه كتب إليه: «فإذا ظفرت به فخذ بيعته، أو اقتله إن لم يبايع»(1).
لكن ابن سعد يقول: إن يزيد إنما كتب لعبيد الله بن زياد، لأنه خاف أن لا يقدم النعمان على الحسين «عليه السلام»(2).
فلما وصل الكتاب إلى ابن زياد أمر بالجهاز، للمسير إلى الكوفة من الغد، ثم استخلف على البصرة أخاه عثمان بن زياد، وأقبل إلى الكوفة، ومعه مسلم بن عمرو الباهلي .
[وعند ابن أعثم: والمنذر بن الجارود] وشريك بن الأعور الحارثي، وحشمه وأهل بيته، فلما قاربها نزل حتى أمسى، فدخلها ليلا وهو معتجر بعمامة سوداء [غبراء]، وهو متلثم.
وأخذ بيده قضيباً، وتقلد سيفه، وتوشح قوسه، وتكنن كنانته، واستوى على بغلته الشهباء، فأخذ لا يمر بجماعة إلا ظنوا أنه الحسين «عليه السلام»، فيسلم عليهم، فيقولون: عليك السلام يا ابن بنت رسول الله، فساءه ذلك، وامتلأ غضباً وغيظاً، فسار حتى دخل القصر(1).
وفي نص آخر: أنه دخل الكوفة من جهة البادية في زي أهل الحجاز، وأنه أوهم الناس أنه الحسين، فصاروا يرحبون به ويخاطبونه على أنه الحسين، وكشف أحوالهم وهو ساكت(2).
1) راجع: الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 38 ومقتل الحسين للخورازمي ج1 ص 199 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 91 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 242 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 358 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 266 والبداية والنهاية ج 8 ص 152 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 8 ص 164 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 43 وروضة الواعظين ص 192) و (منشورات الشريف الرضي) ص 174 وراجع: الملهوف ص 114 و (ط أنوار الهدى سنة 1417هـ) 29 ومثير الأحزان لابن نما ص 30 وبحار الأنوار ج 44 ص 340 والعوالم ، الإمام الحسين ج17 ص 190 وإعلام الورى ج 1 ص 437 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص26 وإبصار العين ص 80 .
2) مطالب السؤول ص 74 و (تحقيق ماجد ابن أحمد العطية) ص395 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 790 وكشف الغمة ج 2 ص 253 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 254 ولواعج الأشجان ص 43 .
ويقولون أيضاً : لما وصل قصر الإمارة وجد النعمان قد أغلقه، وتحصن فيه هو وأصحابه، ظنا منهم أيضاً أنه الحسين «عليه السلام»، فصاح بهم ابن زیاد، فعرفوا صوته، ففتحوا له(1).
ودخل الكوفة مما يلي النجف(2)، وذلك في ليلة مقمرة(3).
وعن أبي جعفر الباقر «عليه السلام» أن عبيد الله قدم في وجوه أهل البصرة(4).
1) الفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 791 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 43 و 44 وبحار الأنوار ج 44 ص 341 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص190 وحياة الإمام الحسين للقرشي ج 2 ص 358 وإبصار العين ص 80 ولواعج الأشجان ص 43 وأعيان الشيعة ج 1 ص 591 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 28 وراجع تاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 268 والكامل في التاريخ ج 4 ص 24 .
2) مثير الأحزان ص 30 و (ط المكتبة الحيدرية سنة 1369هـ) ص19 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 189 وبحار الأنوار ج 44 ص 340 ومقتل الحسين للمقرم ص 165 ولواعج الأشجان ص 43 وأعيان الشيعة ج 1 ص 590 .
3) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 38 و 39 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص199.
4) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 348 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 258 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 82 عنه، وتهذيب الكمال ج 6 ص 423 وتهذيب التهذيب ج 1 ص 591 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 306 والإصابة ج 2 ص 70 وتذكرة الخواص ص 241 والأمالي لابن الشجري ج1 ص 190 والحدائق الوردية ج 1 ص 115 وتجارب الأمم ج 2 ص 41 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 325 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 518 .
لكن ابن سعد يقول: إن الذين ظنوا أن عبيد الله بن زياد هو الحسين «عليه السلام» هم السفلة وأهل السوق، وأنهم جعلوا يقبلون يده، ورجله. وأنه مضى حتى دخل المسجد فصلى ركعتين(1).
وذكر المسعودي: أنه لما وصل إلى القصر أشرف عليه النعمان بن بشير، وقال: يا ابن رسول الله ما لى ولك، وما حملك على قصد بلدي من بين البلدان.
فلما كلمه عبيد الله، وَحَسَرَ اللثام عن وجهه، عرفه النعمان، ففتح له، فَحَصَبه الناس بالحصباء، ففاتهم ودخل القصر(2).
وقيل: إن الذين جاؤوا معه من البصرة كانوا خمس مئة، وأنه لما وصل إلى القصر كان معه الخلق يصيحون، فلما عرفوه تفرقوا عنه(3).
1) الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 459 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص65 وسير أعلام النبلاء ج3 ص 299 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 83.
2) مروج الذهب ج 3 ص 66 .
3) الكامل في التاريخ ج 4 ص 24 ونهاية الأرب ج 20 ص 389 و 390 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 358 و 359 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 267 و 268 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 28 وراجع: الإرشاد للمفيد ج2 ص 43 و 44 وبحار الأنوار ج 44 ص 340 و 341 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 190 ولواعج الأشجان ص 44 .
لكن هناك نص آخر يقول: وإنما معه بضعة عشر رجلا(1).
ونقول:
إننا نسجل على النصوص المتقدمة ملاحظات يسيرة، هي التالية:
إشتهر معاوية بالدهاء، فيظن بعض الناس أن دهاءه ينم عن بعد نظر، وعن تخطيط عميق، وعن استشراف للأمور، وما إلى ذلك..
ولكننا نرى: أنه لم يكن بالمستوى الذي يظن فيه، بل هو مجرد رجل يغدر ويمكر ، ويقدم ويتراجع، ويتملص ويتخلص، ويغتنم الفرص، ويعالج الحالات التي تواجهه بما يتناسب مع إمكاناته وقدراته الفعلية. وبما يلبي حاجاته الحاضرة، ويحفظ له ما في يديه، فإذا أمن العواقب، ووجد القدرة يبطش بالضعيف، وإذا خاف تظاهر بالحلم والأناة، واتجه نحو الخديعة، والمكر والغدر، ولأنه لا يملك روادع دينية أو وجدانية، فإن مكره وغدره يكون فاحشاً وموحشاً..
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 358 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 267 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 27 والبداية والنهاية ج 8 ص 152 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 164.
وقد قال أمير المؤمنين «عليه السلام» مشيراً إلى عدم كون الغادر، واللئيم الماكر فهيماً، وبعيد النظر: «إن الوفاء توأم الصدق، ولا أعلم جنة أوقى منه. ولا يغدر من علم كيف المرجع.
ولقد أصبحنا في زمان قد اتخذ أكثر أهله الغدر كيساً، ونسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحيلة.
ما لهم قاتلهم الله!! قد يرى الحول القلب وجه الحيلة، ودونه مانع من أمر الله ونهيه، فيدعها رأي عين، بعد القدرة عليها، وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين»(1).
ولأن شيمة معاوية المكر والغدر، يصبح واضحاً مسار سياساته، ومآل ممارساته، وهو يفسر لنا قتله الأبرار من صحابة الرسول «صلى الله عليه وآله»، بما فيهم عمار بن ياسر في صفين، ثم قتل عمرو بن الحمق، وحجر بن عدي، وأصحابه صبرا وغدراً، وقتل غيرهم بالغدر، أو بدس السم إليهم، كما فعل بالأشتر، وآخرين..
وهو حين خاف من المساس المعلن بالإمام الحسن «عليه السلام»
1) راجع: نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 1 ص 188 و (نشر دار الذخائر سنة 1412هـ) ج 1 ص 92 وخصائص الأئمة ص 98 ومستدرك الوسائل ج11 ص 47 وشرح نهج البلاغة لابن ميثم ج 2 ص 104 وبحار الأنوار ج 34 ص 102 و ج 2 ص 97 وج 74 ص 335 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 2 ص 312 ومطالب السؤول ص 290 و 291 والتذكرة الحمدونية ج3 ص 10 وربيع الأبرار ج 5 ص 300.
لمعرفته بعواقب ذلك، انصاع لكل شروط الإمام الحسن «عليه السلام» بالرغم من شدة حساسيتها، معتمداً على سياسة المكابرة، ونكث العهود، ونقض الشروط والغدر العملي، ثم دس السم إلى الإمام الحسن «عليه السلام» حين أمكنته الفرصة.
وكان يتابع نفس هذه السياسة مع الإمام الحسين «عليه السلام»، فقد آثر أن يتجنب الصدام المعلن معه، لعلمه بعواقب ذلك عليه.. كما دم أن النعمان بن بشير قال ليزيد عن معاوية: «قد كان أمير المؤمنين يكره قتله»(1). ولكنه قد وقع في التناقض المرير والخطير حين مهد السبيل لولده يزيد ليتولى هو قتل الحسين «عليه السلام»، فقد قال للإمام الحسين «عليه السلام»:
«ولكنني ظننت - يا ابن أخي - أن في رأسك نزوة. وبودي أن يكون ذلك في زماني، فأعرف لك قدرك، وأتجاوز عن ذلك. ولكنني - والله - أتخوف من أن تبلى بمن لا ينظرك فواق ناقة»(2).
ويبدو: أن معاوية يريد بكلامه هذا أن يجعل منها توطئة وتمهيداً
1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 59 و 60.
2) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 409 والفوائد الرجالية ج4 ص 47 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 166 عن الوثائق السياسية والإدارية للعصر الأموي (ط مؤسسة الرسالة) ص 153 وراجع: تهذيب الكمال ج 6 ص414 وبغية الطلب لابن العديم ج 6 ص 2607 ووفيات الأعيان ج6 ص 353 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج8 ص 175 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 54 و 55 .
لولده يزيد، حيث إنه بكلامه هذا إنما يعلم الناس: أن ما سيجري على الحسين من يزيد سببه الإمام الحسين نفسه.
وها نحن نرى أنه في حين يقول في وصيته ليزيد ولن يتركه أهل العراق حتى يخرجوه، فإن خرج وظفرت به فاصفح عنه، فإن له رحماً ماسة، وحقاً عظيماً ، وقرابة من محمد(1).
نعم، إنه في حين يعلن أنه لا يرغب في الصدام العلني مع الإمام الحسين «عليه السلام» ويوصي ابنه بذلك، فإنه يدبر في الخفاء لهذا الصدام، ويحدد الشخص الذي يتولاه ، ويكتب له عهده على الكوفة حين تحين ساعة التنفيذ.
وربما يكون قد أوهم نفسه بأن تولي ابن زياد لهذا الأمر سوف يبقى يزيد فى منأى عن المؤاخذة، أو يخفف من حدة ردة الفعل ضده.
وهذا نوع من السذاجة في فهم الأمور، والتدبير للأحداث، ومن القصور في فهم عواقبها ، وما ينشأ عنها ، ومحدودية القدرة على استشراف المستقبل.
كما أن توليته ولده يزيد الذي قتل أقدس الناس، وضربه الكعبة بالمنجنيق، وفتكه بأهل المدينة، وإباحتها لجيشه ثلاثة أيام من أوضح
1) الكامل في التاريخ ج 4 ص 6 ونهاية الأرب ج 20 ص 366 وجمهرة خطب العرب ج 2 ص 188 وراجع: تاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 238 وتجارب الأمم ج 2 ص 37 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج5 ص 320 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج8 ص123.
الشواهد على ما ذكرناه.
ومعاوية أعرف الناس برعونة ولده، وبخصائصه الإجرامية. فكانت توليته له هي السبب في انحسار الهيمنة والنفوذ السفياني، ثم المرواني، وسقوط حكومة الأمويين نهائياً بعد ذلك.
تقدم عن الطبري أن عبيد الله بن زياد قدم الكوفة «وإنما معه بضعة عشر رجلا..».
ونحن لا نميل إلى قبول هذه الرواية، فإن ابن زياد هو ابن رجل ظلم أهل الكوفة وآذاهم بما لا مزيد عليه حين تولى بلدهم، والكوفة بلد كبير، كان يسعى للتخلص من الحكم الأموي، الذي أذاق الكوفيين الأمرين، دونما ذنب اقترفوه، سوى ميل أكثرهم إلى علي بن أبي طالب، وأهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة.
وقد وجد أهل هذا البلد الفرصة سانحة الآن، وانتعش لديهم الأمل بأن يتولى الإمام الحسين «عليه السلام» الأمور، ويخلصهم من أولئك الجبابرة الطغاة..
وقد شرعوا في الإعداد والاستعداد لهذا الحدث الكبير والخطير. بعد قدوم مسلم بن عقيل بلدهم، لاستطلاع الأمور، وتهيئة الأسباب، وفقا لما يظهر له.
وقد أعطى عشرات الألوف بيعتهم لمسلم «رحمه الله»، وهم يعيشون في أجواء مفعمة بالعاطفة، جياشة بالأحاسيس، زاخرة
بالحركة والحيوية في كل اتجاه.
وبملاحظة ذلك كله.. فإن ابن زياد إنما يقدم على بلد معادٍ له، وقد صدقت ذلك الوقائع التي عاينها من أهل الكوفة حين دخل بلدهم. فقد حصبوه بالحصى، على باب القصر، ولكنه أفلت منهم. ورأى وسمع منهم ما كرهه وأثار غضبه، وغيظه..
وعلى ذلك، فإن دخوله الكوفة، ومعه بضعة عشر رجلاً سيكون مغامرة.. ولاسيما إذا كانت هناك خشية من تدبير احترازي من قبل شيعة الكوفة، لا مبرر لها، ورصد لتحركات عدوهم، وبث للعيون ظاهرة أو خفية لمراقبة الوافدين إلى الكوفة، والظاعنين عنها.
وعلينا أن لا نستسلم للوهم الذي يقول: إن الطغاة والجبابرة لديهم من الشجاعة ما لا تستبعد معه أمثال هذه التصرفات، لأننا نعرف أن ظلم الظالمين، وطغيان الجبارين دليل ضعفهم في أنفسهم، وضعفهم هذا هو الذي يدفعهم إلى توظيف ما توفر لديهم من قدرات وإمكانات في تدمير قدرات الطرف الآخر الذي يخافون صولته. فهم يستفيدون من قدرات مكتسبة، لا من قدرات أو شجاعة ذاتية. وقد روي قول الإمام «عليه السلام»: وإنما يحتاج إلى الظلم الضعيف. وسيأتي أيضاً: أن الحسن البصري يصف ابن زياد بأنه جبان.
وبذلك يظهر: أن طبيعة الأمور تقضي بأن يكون ابن زياد قد اتخذ كل الإحتياطات والإجراءات التي تضمن سلامة وصوله إلى موضع أمنه في الكوفة.
وبذلك تكون الرواية التي تقول : إن ابن زياد قد اصطحب معه خمس مئة رجل من أهل البصرة هي الأرجح، والأولى بالقبول.. لاسيما بملاحظة الرواية التي عن الإمام الباقر «عليه السلام»، وفيها: أنه قدم مع ابن زياد وجوه أهل البصرة.
ولعلهم هم الذين عنتهم رواية الطبري المصرحة بأنهم كانوا بضعة عشر رجلاً..
ومن المعلوم: أن الوجيه والرئيس إذا أراد السفر، ولاسيما إلى مناطق بعيدة لا يسافر وحده، بل يصطحب معه أشخاصاً كثيرين لكي يعينوه في مأكله ومشربه، وحله وترحاله، ويحفظوا له الدواب التي يستفيد منها، ويحرسونه إذا نام، ليدفعوا عنه إذا واجه عدوا، أو أي شيء يخيفه، وما إلى ذلك.
فإذا كان الرؤساء والوجهاء مع ابن زياد، وكانوا بضعة عشر رجلا، فهم يحتاجون إلى عشرات آخرين يساعدونهم، وإلى مقاتلين متمرسين يحرسونهم، ويدافعون عنهم إذا واجههم عدو قد كمن لهم.
يلاحظ: أن ثمة اضطرابا في نص الكتاب الذي أرسله يزيد لابن زیاد بخصوص تعامله مع مسلم، فهل أمره بقتله فقط؟!
أو خيره بين أن يقتله، أو يبعثه إليه؟!
أو خيره بين قتله ونفيه؟!
أو خيره بين أن يوثقه أو يقتله، أو ينفيه؟!
أو خيره بين أن يأخذ بيعته، أو يقتله إن لم يبايع؟!
ولا علاج لهذا الاضطراب إلا باتهام المؤرخين والرواة بأنهم: إما لم يطلعوا على النص، وهذا بعيد.. أو أنهم عرفوا المضمون، ولكنهم أرادوا التلاعب به. بهدف إلقاء معظم المسؤولية على ابن زياد، باعتبار أن يزيد لم يحتم قتل مسلم، بل ترك الأمر إلى ابن زياد ليفعل ما يفرضه واقع الحال عنده. فالتبعة في قتل مسلم تقع على ابن زياد بالدرجة الأولى.. ولعل هذا الاحتمال هو الأرجح.
تقدم: أن ابن سعد يدعي: أن الذين ظنوا أن ابن زياد هو الإمام الحسين «عليه السلام» هم السفلة، وأهل السوق.
وهذا كلام غير ظاهر الوجه، فقد تقدم: أن ابن زياد قد تنكر وتزيَّا بزي أهل الحجاز، وأنه أوهم الناس أنه الحسين «عليه السلام»، وقد أكد ذلك أنه دخل الكوفة من جهة النجف المطلة على البادية، وأن هدفه من ذلك هو أن يكشف حال الناس، وقد انخدع بهذا المظهر حتى النعمان بن بشير ومن معه في القصر، وإنما عرفوه من صوته حين كلمهم، ورأوه حين حسر اللثام عن وجهه.
فما بال هؤلاء يصفون شيعة علي بالكوفة بالأوصاف المنفرة، ككونهم سفلة، وما إلى ذلك.. هل كان ذنبهم عند هؤلاء المؤرخين هو تشيعهم، وحبهم للحسين وأهل البيت «عليهم السلام»، حتى إنهم
صاروا يقبلون يد ابن زياد ورجله لظنهم أنه الحسين؟!
أو أنهم استحقوا التوصيف بالسفلة، لأنهم لما عرفوه حصبوه بالحصى فأفلت منهم ودخل القصر ؟!
وقالوا :
إنه لمّا جاءَ كِتابُ يَزِيدَ إلى عُبَيدِ اللهِ بن زيادٍ انتَخَبَ مِن أهل البَصَرَةِ خَمَسَمِنَةٍ، فِيهِم عَبدُ اللهِ بنُ الحارِثِ ْبنُ نَوقلٍ، وشَرِيكُ بنُ الأعور - وكانَ شيعَة لِعَلِيٍّ - فَكانَ أَوَّلَ مَن سَقط بالناس شريك، فيُقالُ: إِنَّهُ تَساقط غَمرة(1)، ومَعَهُ نَاسٌ.
ثُمَّ سَقط عَبدُ اللهِ بنُ الحارثِ وسَقط مَعَهُ ناس، ورَجَوا أن يَلوي(2)عليهم عُبَيدُ اللهِ، ويَسيقهُ الحُسَينُ «عليه السلام» إلى الكوفة، فَجَعَلَ لا يَلْتَفِتُ إلى مَن سَقط، ويمضي، حَتَّى وَرَدَ القَادِسِيَّة.
وسقط مهران مولاه. فقال: أيا مهرانُ! عَلى هَذِهِ الحال، إن أمسكتُ عَنكَ حَتَّى تَنظُرَ إلى القصر قلكَ مِنَهُ ألفٍ.
قال: لا وَاللَّهِ ما أَسْتَطيعُ!
فَنَزَلَ عُبَيدُ اللَّهِ، فَأَخرَجَ ثِياباً مُقطَّعَة مِن مُقطعات(1)اليَمَنِ، ثُمَّ اعتَجَرَ(2)بِمِعجَرَةٍ يَمَانِيَّةٍ، فَرَكِبَ بَعْلتَهُ ثُمَّ َانحَدَر راجِلا وَحدَهُ، فَجَعَلَ يَمُرُّ بالمَحارِس، فكلما نَظروا إليهِ لم يَشْكُوا أَنَّهُ الْحُسَينُ «عليه السلام»، فيَقولونَ: مَرحَباً بِكَ يَابنَ رَسول اللهِ، وجَعَلَ لا يُكَلِّمُهُم.
وخَرَجَ إِليهِ النَّاسُ مِن دورِهِم وبيوتهم.
وسَمِعَ بِهِمُ التّعمانُ بنُ بَشير، فَغَلَقَ عَليهِ وعَلَى خَاصَّتِهِ، وَانتَهى إليهِ عُبَيدُ اللهِ وهُوَ لا يَشْكُ أَنَّهُ الحُسَينُ عليه السلام، ومَعَهُ الخَلْقُ يَضُجونَ، فَكَلَّمَهُ النُّعمانُ، فَقالَ: أنشدُكَ اللَّهَ إِلَّا تَنَجَّيتَ عَنِّي، ما أنَا بِمُسَلّم إليكَ أمانَتي، وما لي في قتلِكَ من إرب(3)، فَجَعَلَ لا يُكَلِّمُهُ.
ثمَّ إِنَّهُ دَنا، وتَدَلَّى الآخَرُ بَينَ شُرفتين، فَجَعَلَ يُكَلِّمُهُ، فَقالَ: افْتَح لا فتحت! فقد طال ليلكَ.
فَسَمِعَها إنسانٌ خَلْفَهُ، فَتَكَقى إلى القوم، فقال: أي قومُ ابنُ مَرجانة وَالَّذِي لا إِلهَ غَيرُهُ!
فقالوا: وَيْحَكَ! إِنَّما هُوَ الحُسَينُ «عليه السلام».
فَفَتَحَ لَهُ التّعمانُ فَدَخَلَ، وضَرَبُوا الباب في وُجوهِ النّاس فانقضوا،
وأصبَحَ فَجَلسَ عَلى المنبر. فقالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهُ قد سارَ مَعي، وأظهَرَ الطَّاعَة لى مَن هُوَ عَدُوٌّ لِلحُسَين، حينَ ظَنَّ أَنَّ الحُسَينَ قد دَخَلَ البَلدَ ، وغَلبَ عَليهِ. وَاللهِ ما عَرَفتُ مِنكُم أَحَدًا، ثُمَّ نَزَلَ(1).
ونقول:
لا مجال للأخذ بهذا النص، غير أننا نقول ما يلي:
ذكر هذا النص: أن شريك بن الأعور - وكان من شيعة على «عليه السلام» - قد تساقط في الطريق ومعه ناس. وتساقط أيضاً عبد الله بن الحارث، وسقط معه ناس، وزعموا: أن هدفهم من هذا التساقط هو التسبب بإبطاء حركة ابن زياد نحو الكوفة، ليسبقه الإمام الحسين «عليه السلام» إليها.
غير أننا لا نرى أن هذا هو السبب في تساقط هؤلاء، إذ لا شيء يدل على معرفتهم بتاريخ حركة الحسين «عليه السلام» من مكة.. بل من الثابت أنه كان لا يزال في مكة، وإنما تحرك منها نحو الكوفة يوم
1) موسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 80 و 81 عن تاريخ الأمم والملوك جه ص 359 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 268 والإرشاد ج 2 ص43 نحوه، وليس فيه صدره إلى «النعمان بن بشير»، وبحار الأنوار ج 44 ص 341 وراجع: البداية والنهاية ج 8 ص 153 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 165 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 29.
التروية. أي بعد وصول ابن زياد إلى الكوفة بمدة طويلة تقارب الشهر، وتزيد عليه. ومن المعلوم: أن مسلماً قتل بعد يوم أو يومين من تحرك الحسين من مكة. وقيل: يوم رحيل الحسين «عليه السلام» من مكة.. كما عليه أكثر المؤرخين.
ولا تستقيم دعوى سعي شريك وغيره لتأخير زمان ورود ابن زياد الكوفة، لكي يكون الحسين هو الذي يردها قبله، ويمسك بزمام الأمور فيها، إلا إذا كان شريك، ومن معه يعلمون بأن الحسين «عليه السلام» قريب من الكوفة، كقرب ابن زياد منها.
نعود فنقول:
إن مسيره «عليه السلام» من مكة قد بدأ يوم التروية. أي في الثامن من ذي الحجة، بعد وصول ابن زياد إلى الكوفة بحوالي شهر، لأنه إنما وصلها ابن زياد في العاشر من شهر ذي القعدة. أي قبل أن يقتل مسلم بحوالي شهر كما يفهم من بعض النصوص(1).
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 394 و 395 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 297 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 335 عنه، وعن: أنساب الأشراف ج3 ص 378 وتجارب الأمم ج 2 ص 60 والبداية والنهاية ج 8 ص 167 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 181 والإرشاد ج 2 ص 70 ومثير الأحزان ص 42 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 30 وبحار الأنوار ج 44 ص 369 وراجع: تذكرة الخواص ص 245 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 95 وروضة الواعظين ص 196 وإعلام الورى ج 1 ص 446 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 220 ونهاية الأرب ج 20 ص 412 وينابيع المودة ج3 ص 61 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 72 وإبصار العين ص113 والمجالس الفاخرة ص 217 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 604 وج 27 ص 158 و 160 و 163.
فهل يستطيع ابن زياد أن يتأخر عن دخول الكوفة، ويبقى في الطريق منتظراً راحة أصحابه مدة شهرين؟!
وهل يحتاج أصحابه المتساقطون لعودة النشاط إليهم إلى كل هذا الزمان الطويل؟!.
ولاسيما مع حرص ابن زياد على الوصول إلى الكوفة، ولو على جناح طائر، ولأجل هذا كان مسير ابن زياد بمن معه عنيفاً، ولم يتمكنوا من مجاراته فيه، فلم يلتفت إليهم، ولم يهتم بأمرهم.
وزعمت الرواية: أن ابن زياد، ركب بغلته، ثم انحدر راجلا وحده، فجعل يمر بالمحارس، فيقولون: مرحباً بك يا ابن رسول الله.
ونقول:
أولاً : إن الحديث عن دخول ابن زياد الكوفة وحده ضرب من الخيال.. كيف! وهي بلد عرف بكثرة الموالين فيه للحسين «عليه السلام»، وقد بايع عشرات الألوف من أهلها له على يد مسلم بن عقيل، لاسيما مع كون أبيه زياد قد سامهم في أيام ولايته لهم الخسف،
ولم يرقب فيهم إنا ولا ذمة، إلا إن كان الرواة يريدون أن يمنحوا هذا المجرم أوسمة شجاعة كاذبة، بدافع من مشاعر الغضب لديهم، ولغير ذلك من أسباب.
مع أن هذه الأوسمة سوف يفتضح أمرها حين تقرأ قول الحسن البصري فيه : إنه كان جبانا(1).
ثانياً: إذا كان ابن زياد وحده، وقد خرج إليه أهل الكوفة من دورهم وبيوتهم، وجاء معه الخلق وهم يضجون، كما تصرح به الرواية نفسها، فما بالهم لم يبطشوا به حين عرفوه؟! وكيف لم يتعلقوا به قبل أن يدخل القصر، وليس معه أحد يدفعهم عنه، ويساعده على الإفلات؟!
ثالثاً : إذا كان ابن زياد قد دخل الكوفة وحده، كيف لا يتساءل الناس عن مرافقيه في سفره؟! وهل يعقل أن يأتي إنسان من مكة (ولو كان الحسين)، أو من البصرة إن كان ابن زياد، - هل يمكن أن يأتي وحده؟! وكيف أمن من أخطار هذا السفر ؟! وأين هي رواحله، التي تحمل له زاده؟! وأين هم أعوانه؟!
ونشير أيضاً إلى ما يلي:
1 - إننا لم نعرف السبب في إقدام النعمان بن بشير على التدلي
1) الآحاد والمثاني ج 2 ص327 وتاريخ مدينة دمشق ج 37 ص 446 .
بين شرفتين ليسمع ما يقوله ابن زياد، وكان يمكنه أن يطلب من بعض أتباعه أن يتدلى عوضاً عنه، ويسمع كلام ابن زياد، ويرجع إليه، ويخبره به؟!
2 - ومع غض النظر عن ذلك، إذا كان الخلق قد اجتمعوا على ابن زياد، وجاؤوا معه إلى باب القصر، كيف لم يسمع كلمته التي قالها للنعمان سوى رجل واحد من جميع هذا الخلق؟! أم يعقل أن يكونوا قد تركوه يتقدم وحده ليكلم النعمان ويكون هذا الرجل قد تسلل خلفه بغير علم منه ومنهم؟!
3 - وإذا كان الأمر كذلك ، فلماذا سمع ذلك الرجل - فقط - ما قاله ابن زياد، ولم يسمعه الذين كانوا معه وفي موازاته؟!
4 - والأهم من ذلك كله: أن هذه الرواية تقول: إن الإنسان الذي سمع كلام ابن زياد للنعمان قد انكفأ إلى الخلف، وقال: «أي قومُ، ابنُ مَرجانَة وَالَّذي لا إلهَ غَيرُهُ!». فمن أين علم أنه ابن مرجانة، فإن كلمة ابن زیاد: «افتَح لا فتَحتَ! فقد طال ليلك». لا تدل على ابن مرجانة ولا غيره. فلعله شخص آخر ذو نفوذ، أو صداقة، مرسل في مهمة إلى النعمان بن بشير.
قال سبط ابن الجوزي: «كان يزيد أبغض الناس في عبيد الله بن زياد، وإنما احتاج إليه، فكتب إليه: قد عزلت النعمان، ووليتك الكوفة والبصرة. وبلغني أن الحسين قد سار إلى الكوفة، فاحذر منه، وأن
مسلم بن عقيل في الكوفة فاقتله»(1).
ونقول:
تقدم: أن ابن زياد قد وصل إلى الكوفة واليا عليها من قبل يزيد قبل خروج الإمام الحسين «عليه السلام» من مكة إلى العراق بحوالي شهر أو ربما أكثر ، فكيف يكون يزيد قد كتب إليه بولاية الكوفة بعد مسير الحسين إليها؟!
إلا أن يقال: إن الحسين «عليه السلام» من حين خروجه إلى المدينة إلى مكة كان يقصد العراق، لا اليمن ولا أي بلد آخر، وقد يكون مستند يزيد في ذلك هو ما تقدم من تصريحات صدرت من الإمام «عليه السلام» لأم سلمة ولغيرها..
ولكننا قلنا: إن الظاهر: أن هذه التصريحات كانت محصورة في نطاق ضيق، فكيف اطلع عليها يزيد؟!
1) تذكرة الخواص ج2 ص141.
وفور وصول ابن زياد إلى الكوفة ارتحل النعمان بن بشير نحو وطنه بالشام(1)، وكأنه لا يريد أن يجاور ابن زياد، ولا أن يعينه في أمره، لاسيما وأن أول كلام سمعه منه لم يكن فيه أي احترام، فقد قال له وهو على باب القصر : افتح لا فتحت(2).
وفي نص آخ:ر أن ابن زياد قال لهم: افتحوا لا بارك الله فيكم، ولا كثر أمثالكم(3).
1) الأخبار الطوال ص 232 .
2) الكامل في التاريخ ج 4 ص 24 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص358 و 359 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 268 والإرشاد ج 2 ص 44 وبحار الأنوار ج 44 ص 341 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 190 ولواعج الأشجان ص 44 وأعيان الشيعة ج 1 ص 591 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص28 ونهاية الأرب ج 20 ص 390 وإبصار العين ص 80 وراجع أيضاً : البداية والنهاية ج 8 ص 153 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 165 .
3) الفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 791.
أو قال للنعمان: لقد طال نومك يا نعيم(1).
ولا شك في أن هذا يزعج المتنافسين على الدنيا..
فلا مجال لتوهم أن يكون انصراف النعمان لأجل أن لا يشارك في قتل الحسين، ولا لأنه كان ناسكا كما يدَّعون.
ثم بادر ابن زياد إلى العمل في عدة اتجاهات، نجملها أولا، ثم نحاول إلقاء الضوء عليها، وذلك على النحو التالي:
ابن زياد: إغراءات وتهديدات:
ولمّا أصبَحَ ابنُ زِيادٍ نادى الصَّلاةَ جامعة، وخرج إلى المَسجِدِ، وخطب الناس، ووعدهم ومناهم إن كانوا مطيعين، وتهدد من يخالفه بالويل والثبور، وعظائم الأمور، ونص خطبته هذه مذكورة في العديد من المصادر، فلتراجع(2).
1) مروج الذهب ج 3 ص 66 و (منشورات دار الهجرة سنة 1404هـ) ج3 ص 57.
2) راجع على سبيل المثال: موسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 88 - 90 عن: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 358 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 267 وأنساب الأشراف ج 2 ص 336 والكامل في التاريخ ج 4 ص 24 ومقاتل الطالبيين ص 100 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 63 و 64 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 200 والبداية والنهاية ج 8 ص 153 والإرشاد ج 2 ص 44 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 190 وإعلام الورى ج 1 ص 438 وبحار الأنوار ج 44 ص 341 و 340 والملهوف ص114 والأخبار الطوال ص 232 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 39 ومثير الأحزان ص 30 ولواعج الأشجان ص44 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص27 ونهاية الأرب ج 20 ص390 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج33 ص 671 وجمهرة خطب العرب ج 2 ص 38 .
وفي بعض المصادر: أنه أضاف في آخر خطبته هذه قوله: «فأبلغوا هذا الرَّجُلَ الهاشمي مقالتي، لِيَتَّقِي غَضَبي»(1).
خطبهم أيضاً في اليوم الثاني، وتوعدهم قائلاً: «..وأن آخذ مِنكُمُ البَرِيءَ بِالسَّقِيمِ، وَالشَّاهِدَ بِالغَائِبِ، وَالوِلِيَّ بِالوَلِيِّ.
قالَ: فَقامَ إِليهَ رَجُلٌ مِن أهل الكوفة، يُقالُ لَهُ: أَسَدُ بنُ عَبدِ اللَّهِ المُرِّيُّ، فَقالَ: أَيُّهَا الأميرُ! إِنَّ اللهَ تَبارَكَ وَتَعالى يَقُولُ: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزرَ أُخْرَى)(2)، وإِنَّمَا المَرءُ بِجَدِّهِ، وَالسَّيفُ بِحَدِّهِ، وَالْفَرَسُ بِشَدِّهِ، وعَليكَ أن تقول، وعلينا أن نَسمَعَ ، فلا تُقدّم فينَا السَّيِّئَة قبلَ الحَسَنَةِ.
قالَ: فَسَكَتَ عُبَيدُ اللهِ بنُ زِيادٍ، ونَزَلَ عَن المِنبَر، فَدَخَلَ قصر الإمارة(3).
ونقول:
ما يعنينا من كلام ابن زياد: أنه مجرم يتباهى بجريمته، ولا يخجل من التنويه بها على رؤوس الأشهاد. بالرغم من أن ما يعلنه مناقض لصريح القرآن والسنة، ومخالف لكل القيم والأعراف، لا يمت للمشاعر الإنسانية، والأخلاق الفاضلة بصلة..
وكأنه يعتبر الرذيلة هي الفضيلة، واقتراف الجريمة صك براءة وطهارة منها، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على انقلاب المفاهيم لدى هذا النوع من الناس، وعلى تبدل أخلاقهم، وحدوث مسخ في أرواحهم، وفي شخصياتهم، فأصبحوا مخلوقات أخرى، لا تشبه الإنسان السوي إلا في الشكل الظاهري. ولأجل ذلك يتوعد ابن زياد الناس بلا خجل بأن يأخذ البريء بالسقيم، والشاهد بالغائب، والولي بالولي.
وقد تنبه أسد بن عبد الله المري إلى هذه المخالفة الصريحة لنص القرآن، واعترض على ابن زياد فيها، فلم يجد ابن زياد له جواباً سوى أنه نزل عن المنبر ودخل القصر.
على أن هذا الرجل لا يدرك أنه قد ناقض نفسه، فهو إذا كان كما يدعي يريد أن يغيث مظلومهم، ويحسن إلى سامعهم ومطيعهم كيف يقول لهم: إنه يأخذ البريء بالسقيم؟! أليس البريء سيكون مظلوماً إذا أخذ بالسقيم وخصوصاً إذا كان هذا البريء سامعاً مطيعاً، فقد التزم بأن يحسن إليه، فكيف يقول : إنه سوف يأخذه بذنب المجرم؟! وإذا كان الشاهد سامعاً مطيعاً فكيف يأخذ بذنب الغائب؟!
وزعم ابن زياد في خطبته في مسجد الكوفة : أن يزيد أمره بقسم فيئهم فيهم، وإنصاف مظلومهم، وأخذ الحق من قويهم لضعيفهم وغير ذلك. مع أن مراجعة رسالة يزيد إليه - على اختلاف نصوصها - ليس فيها شيء من ذلك، فهو يفتري على يزيد في ذلك كله، وإنما أمره بقتل مسلم، وإرسال رأسه إليه، أو نحو ذلك كما قدمنا.
وفي بعض المؤلفات: أنه كتب لابن زياد «بلغني أنّ أهل الكوفة قد اجتمعوا علي البيعة للحسين، وقد كتبت إليك كتاباً، فاعمل عليه، فإني لا أجد سهما أرمي به عدوّي أجرأ منك.
فإذا قرأت كتابي هذا فارتحل من وقتك وساعتك، وإياك والإبطاء والتواني، واجتهد ولا تبق من نسل عليّ بن أبي طالب أحداً، واطلب مسلم بن عقيل، وابعث إليَّ برأسه»(1).
ثم بدأ ابن زياد باتخاذ إجراءات عملية صارمة، في اتجاهات مختلفة، وكان منها إجراء مسح سكاني شامل ودقيق، يمكنه من الوصول إلى كل من يريد الوصول إليه من المخالفين والموافقين، فقد قالوا:
1) مقتل الإمام الحسين «عليه السلام» للشيخ محمد رضا الطبسي (مخطوط) ص 137 عن ناسخ التواريخ.
أَخَذَ [ابنُ زِيادٍ] العُرَفاءَ وَالنّاسَ أخذاً شديداً، فقال: أكتبوا إليَّ الغُرَباءَ، ومَن فِيكُم مِن طِلبَةِ أمير المُؤمِنينَ ، ومَن فِيكُم مِنَ الحَرورِيَّةِ وأهل الريب، الَّذينَ رَأيُهُمُ الخِلافُ وَالشَّقاقُ .
فَمَن كَتَبَهُم لنا فَبَريء، ومَن لم يكتب لنا أحَداً فَيَضمَنُ لنا ما في عَرافتِهِ ألا يُخالِفنا مِنهُم مُخالِفٌ، ولا يبغي عَلينا مِنهُم باغ، فَمَن لم يَفعَل بَرِئَت مِنهُ الدّمة، وحَلالٌ لنا مالهُ وسَفكُ دَمِهِ.
وأَيُّما عَرِيفٍ(1)وُجِدَ في عَراقتِهِ مِن بُغيَةِ أمير المُؤمِنِينَ أَحَدٌ لم يَرفعه إلينا، صُلِبَ عَلى باب دارهِ، وأُلقِيَت تِلْكَ العَرافَهُ مِنَ العَطاءِ، وسُيِّرَ إلى موضع بعُمانَ الرّارَةِ(2).
ونقول:
1) العريفُ: هو القيّم بأمور القبيلة أو الجماعة من الناس. يلي أمورهم، ويتعرف الأمير منه أحوالهم. (النهاية: ج 3 ص 217 «عرف»).
2) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 359) و (ط الأعلمي) ج 4 ص 267 والكامل في التاريخ ج 4 ص 24 و 25 والإرشاد ج 2 ص 44 و 45 وبحار الأنوار ج 44 ص 341 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 191 ولواعج الأشجان ص 45 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 671 و 672 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 27 وراجع: البداية والنهاية ج8 ص 154 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 165 وإعلام الورى ج 1 ص 438 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 90 و 91 وتجارب الأمم ج2 ص42 وأعيان الشيعة ج 1 ص591.
قد ذكرنا بعض ما يرتبط بالعرافة والعرفاء في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم «صلى الله عليه وآله» ج 25 ص 201 . وكان النبي «صلى الله عليه وآله» هو الذي يعين العرفاء. والعريف ربما كان للقبيلة، وربما كان للأفراد، شرط أن يكونوا عشرة فما فوق.
وكان فى الكوفة مئة عريف.
وكان للناس نقباء وأمناء، وعرفاء، وكفلاء، وحملاء ومن وظائفهم
توزيع العطاء على من يكون في دائرة مسؤولياتهم. ويخبرون النبي «صلى الله عليه وآله» بأحوالهم، ويأتونه بآرائهم وبأخبار من يمرض، ومن يموت، ويخبرونه بحضورهم وغيابهم. وربما كلف علي «عليه السلام» العريف بتنفيذ عقوبة قررها في حق بعض من هم في دائرة مسؤوليته، فقد كلف بعضهم بهدم بيت من فر إلى معاوية.
ويلاحظ على النص المتقدم التصريح: بأن ابن زياد:
1 - قد أخذ الناس وعرفاء هم أخذاً شديداً.
2 - طلب منهم أن يكتبوا له الغرباء في الكوفة.
3 - طلب منهم أن يكتبوا أسماء المخالفين لحكومة يزيد.
4 - أن يكتبوا له أسماء الخوارج (وهم الحرورية) نسبة إلى موضع قرب الكوفة ، يقال له: حروراء.
5 - أن يكتبوا له من يشك في ولائه ليزيد وبني أمية.
6 - قرر ابن زياد أن يكون العريف الذي لم يكتب له بما طلب
ضامنا كل من يكون في نطاق عمله أن لا يكون مخالفاً لهم، ولا يبغي لهم سوءاً.
7 - قرر أن تكون عقوبة من لم يمتثل هذه الأوامر براءة الذمة منه، ويحل لهم ماله، وسفك دمه.
8 - وكل عريف وجد في دائرة عمله من يخالف حكم يزيد، ولم يكن العريف قد دل عليه، وسجل لهم إسمه، فإن جزاء هذا العريف:
ألف: أن يصلب على باب داره.
ب: أن تلغى عرافته من العطاء.
ج: أن ينفى إلى موضع بعمان الزارة. وهي موضع معروف قرب عمان على ساحل الخليج، شديد الحرارة يصعب العيش فيه(1).
ثم إن ابن زياد قد وضع العيون لمراقبة تحركات الأشخاص، ودس الرجال، لاستخراج الخفايا، والحصول على معلومات وافية ودقيقة. وبعد أن تمكن من قتل مسلم بن عقيل، وهاني بن عروة كتب إلى يزيد يخبره ويقول:
«أخبرُ أَميرَ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَّ مُسلِمَ بنَ عَقِيلٍ لجأ إلى دار هانئ بن عُروَةَ المُرادِي، وأنّي جَعَلْتُ عَليهِمَا العُيون، ودَسَسَتْ إِليهمَا الرِّجَالَ،
1) معجم البلدان ج 4 ص 150 .
وكدثهُما حَتَّى اسْتَخرَجتُهُما»(1).
ولعله قصد بقوله «كِدثهما»: أنه تمكن من استدراج هاني بن عروة بواسطة عمرو بن الحجاج، وآخرين ليأتي إليه، فلما جاءه، واجهه بقصة معقل، وبطش به، وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى..
وكان القتل والتنكيل سياسة انتهجها ابن زياد منذ اليوم الأول الذي كان فيه في الكوفة، فقد قالوا عنه إنه:
«لما دخل قصر الإمارة ، وأصبح، جمع الناس، فصال وجال وقال [فطال] ورعد، وأبرق» ومسك جماعة من أهل الكوفة، فقتلهم في الساعة. [وعند ابن طلحة، والأربلي: وقتل وفتك، وسفك، وانتهك]. ثم إنه تحيَّل عليهم حتى ظفر بمسلم بن عقيل، فمسكه، وقتله»(2).
ونقول:
قد أشرنا فيما سبق إلى سياسة التهديد والوعيد، وقد أضاف هذا
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 380 و (ط) الأعلمي) ج 4 ص 285 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 65 وتاريخ مدينة دمشق ج 18 ص306 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 59 وراجع الفتوح لابن أعثم ج 2 ص 62 .
2) راجع: الفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص791 و 792 ومطالب السؤول ص 74 و (بتحقيق ماجد ابن أحمد العطية) ص 395 وكشف الغمة ج 2 ص 253 .
النص أمورا أخرى هي:
1 - المسارعة لارتكاب المجازر وقتل الناس، لبث الرعب في الناس. وسيأتي بعض ما يدل على ذلك.
2 - الفتك بالآمنين، وقتلهم غيلة وغدراً.
3 - انتهاك حرمات الناس وإيذاؤهم بمختلف أنواع الأذى. وما فعله عبيد الله بالمختار، من شتمه، واستعراض وجهه بالقضيب، فشتر عينه، وكذا ما فعله بهاني بن عروة - كما سيأتي - شاهد صدق على ذلك.
4 - استعمال أساليب المكر والحيلة.
وما جرى لمسلم «عليه السلام».
قد اشتمل على جميع هذه الأمور: القتل والغدر، والفتك، والاحتيال، وهتك الحرمات.
عن عقبة بن أبي العيزار : قالَ لَهُمُ الحُسَينُ «عليه السلام» حين التقوه وهو في الطريق إلى العراق: أخبروني خَبَرَ النَّاسِ وَرَاءَكُم.
فَقالَ لَهُ مُجَمِّعُ بنُ عَبدِ اللهِ العَائِذِيُّ - وهُوَ أَحَدُ النَّفْرِ الأَربَعَةِ الَّذِينَ جاؤوهُ [مِنَ الكوفة] -: أمّا أشرافُ النّاس فقد أعظمت رشوتهم،
ومُلِئَت غَرَائِرُهُم(1)، يُستَمالُ وُدُّهُم، ويُستَخلص بِهِ نَصِيحَتُهُم، فَهُم إلبٌ(2)واحِدٌ عَليكَ.
وأمّا سائِرُ النّاس بَعدُ، فَإِنَّ أَفْئِدَتَهُم تَهوي إليكَ، وسُيُوفَهُم غَدا مَشهورَةٌ عَليكَ(3).
ونقول:
رأينا في هذا النص : أن الإمام الحسين «عليه السلام» كان مهتماً بمعرفة ما يجري في مجتمع الكوفة، والاطلاع على أحوال الناس، وميولهم وآرائهم.
1) الغرارة: وعاء يوضع فيه القمح ونحوه، والجمع غرائر (المعجم الوسيط ج 2 ص 648 «غر»).
2) إلب واحدٌ: أي جمع واحد - بكسر الهمزة، والفتح لغة -. (المصباح المنير ص18 «ألب»).
3) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 405 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 306 ونهاية الأرب ج 20 ص 421 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص88 وأنساب الأشراف ج 3 ص 382 و (ط دار التعارف سنة 1397هـ) ج 3 ص 172 والكامل في التاريخ ج 4 ص 49 والبداية والنهاية ج8 ص 173 (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 188 وفيهما «مجمع بن عبد الله العامري» وراجع: مثير الأحزان ص 44 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 90 و 91 وتجارب الأمم ج 2 ص 65.
ولم يكن يكتفي بما يكتبه له مبعوثه مسلم بن عقيل. بل كان يريد أن يحصل على ما يريد معرفته من جهات مختلفة، فإن الناس يتفاوتون في درجة اطلاعهم، وقد يختلفون في تفسير الأحداث، وفي الزوايا التي يلاحظها كل مراقب عن الزوايا التي تلفت نظر غيره من المراقبين.
بل ربما اطلع الناس العاديون، من خلال صداقاتهم وحركتهم الإجتماعية على ما لم يطلع عليه الكبار والأعيان..
فلا يصح للقائد أن يقتصر على قناة واحدة، ذات اتجاه واحد، ولا يمكنها التحرك في خارج محيطها بحرية وفعالية..
وإذا كان النبي والإمام في غنى عما عند الناس، ولكنه لا بد أن يقدم الأمثولة والقدوة، والأسوة الحسنة للقيادات غير المعصومة، ويعطي التطبيق العملي الصحيح، والجامع لكل شروط النجاح والفلاح.
ومن جهة أخرى، فإن المجتمع الكوفي كان مجتمعاً عشائريا يتحكم رئيس العشيرة بقرارات عشيرته، ويتحكم فيها، ويفرض رأيه عليها.
فإن كان هذا الرئيس رقيق الدين باع واشترى، حسب أهوائه ومصالحه. ويبقى سائر أفراد القبيلة مرتهنين في مواقفهم له، مسلوبي القرار، والاختيار أيضاً.
ولذلك قال مجمع العائذي للإمام «عليه السلام»: إن من عدا الأشراف من القبائل حتى لو كانت قلوبهم معه، فإن سيوفهم مرهونة بما يقرره رؤساؤهم، فإن أراد الرئيس أن تفتك تلك السيوف به «عليه السلام»، بل وبالأنبياء والأوصياء، فسيكون له ما أراد.
وكان من أساليب ابن زیاد فرض حصار شامل في اتجاهين:
أحدهما : حصار الكوفة نفسها، ووضع الحرس على أفواه الطرق، والسكك والأزقة، ثم تفتيش البيوت. فقد قالوا:
إنه لما فعل عبيد الله بن زياد بهاني بن عروة ما فعل جمع مؤيديه في المسجد وخطبهم، فكان مما قال:
«يا حُصَينَ بنَ نُمَيْر (تَميمٍ)، تَكِلْتكَ أُمُّكَ إِن ضاع (صاحَ) بابُ سكَةٍ مِن سِكَكِ الكوفة، أو خَرَجَ هذا الرَّجُلُ - يعني مسلم بن عقيل - ولم تأتِني بهِ، وقد سلطتُكَ عَلى دور أهل الكوفة، قابعَتْ برَاصِد على (مُراصِدَةَ عَلى أفواهِ) السَّكَكِ، وأصبح غداً فاسْتَبرئ (وَاسْتَبر) الدّورَ وجُ خِلالها ، حَتى تَأْتِيَني بهذا الرَّجُل»(1).
1) راجع : الإرشاد للمفيد ج 2 ص 57 وبحار الأنوار ج 44 ص 351 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 201 ولواعج الأشجان ص58 والأخبار الطوال ص 240 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 52 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 279 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 47 و 48 ومقاتل الطالبيين ص 68 وتجارب الأمم ج 2 ص 52 وأعيان الشيعة ج 1 ص 592 وجمهرة خطب العرب ج 2 ص 40.
ومن الأساليب التي اتبعها ابن زياد أسلوب الحصار الشامل، ليس فقط للكوفة، بل لسائر المناطق، من خلال قطع الطرق والمسالك التي بين العراق، والحجاز والشام ، والبصرة أيضا، فقد قالوا ما يلي:
1 - قال الطبري: «لما بلغ عبيد الله بن زياد إقبال الحسين «عليه السلام» من مكة إلى الكوفة بعث الحصين بن تميم - صاحب شرطته - [وفي إعلام الورى وروضة الواعظين وعند الدينوري: نمير] حتى نزل القادسية، ونظم الخيل ما بين القادسية إلى خفان(1)، وما بين القادسية إلى القطقطانة(2)، وإلى لعلع(3)»(4).
1) خفان: موضع قرب الكوفة يسلكه الحجاج أحياناً . وقيل : فوق القادسية.
2) القطقطانة : موضع قرب الكوفة من جهة البرية.
3) لعلع: منزل بين البصرة والكوفة، ومنها إلى القادسية ستة أميال.
4) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 294 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 297 والكامل في التاريخ ج 4 ص 41 ونهاية الأرب ج 20 ص 412 والإرشاد ج 2 ص 69 وإعلام الورى ج 1 ص 446 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 219 وبحار الأنوار ج 44 ص 369 وروضة الواعظين ص196 و (منشورات الشريف الرضي) ص 177 والمجالس الفاخرة ص 215 و 216 وأعيان الشيعة ج 1 ص 594 ولواعج الأشجان ص79 ومقتل الحسين لأبي مخنف الأزدي ص 71 وموسوعة الإمام الحسين ج3 ص92.
وعند أبي حنيفة الدينوري: أن الحصين كان معه في هذه المهمة أربعة آلاف فارس، وأمره أن يقيم بالقادسية إلى القطقطانه، فيمنع من أراد النفوذ من ناحية الكوفة إلى الحجاز، إلا من كان حاجاً أو معتمراً، ومن لا يهتم بممالأة الحسين «عليه السلام»(1).
وعند المفيد: «أمَرَ فَأُخِذ ما بَينَ واقِصَة إلى طريق الشام، إلى طريق البَصَرَةِ، فلا يَدَعونَ أحَداً يَلِجُ ولا أَحَدًا يَخرُجُ.
وأقبَلَ الحُسَينُ «عليه السلام» لا يَشْعُرُ بِشَيْءٍ، حَتَّى لَقِيَ الأَعراب فَسَأَلهُم، فقالوا: لا وَاللهِ ما نَدري، غير أنا لا نَستَطيعُ أَن نَلِجَ أو نَخْرُجَ! قسارَ تِلْقاءَ وَجهِهِ»(2).
وقال ابن أعثم: «وعُبيدُ اللهِ بنُ زِيادٍ قد وَضَعَ المَرَاصِدَ
1) الأخبار الطوال ص 243 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 650 و 651.
2) الإرشاد للمفيد ج 2 ص 72 وروضة الواعظين ص196 و (منشورات الشريف الرضي) ص 178 وبحار الأنوار ج 44 ص 371 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 221 ولواعج الأشجان ص 81 وأعيان الشيعة ج 1 ص 594 والمجالس الفاخرة ص 218 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 92 .
وَالمَصَابِيحَ عَلى الطرق، فليس أحَدٌ يَقدِرُ أن يَجوز إلا فتّش»(1).
وذكروا أيضاً : أن من الوسائل القمعية التي مارسها ابن زياد: الحبس، والتجويع، وتقييد المحبوسين، ووضع الأغلال في أيديهم وأعناقهم.
فقد قالوا: إن ابن زياد حين قدم الكوفة حبس أربعة آلاف وخمس مئة رجل، ومنهم أبطال وشجعان. وبذلك منعهم من نصر الحسين «عليه السلام»، ومنهم: سليمان بن صرد الخزاعي، وإبراهيم بن مالك الأشتر ، وابن صفوان، ويحيى بن عوف، وصعصعة العبدي، وغيرهم. وكانوا مقيدين مغلولين، وكانوا يوماً يطعمون، ويوماً لا يطعمون(2).
بل قيل: إن ابن زياد اعتقل اثني عشر ألفا من أهل الكوفة(3)، ومنهم: سليمان بن صرد، والمختار، وأربع مئة من الوجوه
والأعيان(1).
ونقول:
يبدو لنا: أن أكثر هؤلاء قد سجنوا بعد استشهاد مسلم، وبعد استشهاد الإمام الحسين «عليه السلام».
ويدلنا على ذلك: أن سليمان بن صرد مثلاً كان من التوابيين الذين ندموا على تخلفهم عن نصرة الإمام الحسين «عليه السلام»(2).
1) راجع: حياة الإمام الحسين للقرشي ج 2 ص 416 عن الدر المسلوك في أحوال الأنبياء والأوصياء والخلفاء والملوك ج 1 ص 109.
2) الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 2 ص 650 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 292 و ج 6 ص 25 وتاريخ بغداد ج 1 ص 215 و 216 وأسد الغابة ج 2 ص 351 وتهذيب الكمال ج 11 ص 456 والأعلام للزركلي ج 3 ص 202 و ج 5 ص 276 وج 7 ص 226 والمنتخب من ذيل المذيل ص26 و 73 وقاموس الرجال ج 5 ص 280 و 281 وبحار الأنوار ج 45 ص 355 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 589 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 451 والكامل في التاريخ ج 4 ص 158 و 175 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 280 و 281 و 286 و 314 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 3 ص 172 وج4 ص2 وتاريخ الكوفة ص341 والتنبيه والإشراف ص 269 وتجارب الأمم ج 2 ص 107 و 108 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 6 ص 35 و 46 والملهوف ص 158 ونهاية الأرب ج 20 ص 527 و 528 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص92 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 651 وجمهرة خطب العرب ج 2 ص58 .
وهذا يعني: أنه قد تخلف عن نصرته «عليه السلام» مختاراً، وأن حبسه كان بعد استشهاده «عليه السلام».
ويشير إلى ذلك أيضاً قولهم: إن ابن زياد حبس جماعة من الوجوه استيحاشاً منهم ، وفيهم: الأصبغ بن نباتة، والحارث الأعور الهمداني(1).
ويبدو لنا أيضاً: أن سجن كثير من الأعيان كان احتياطياً، وكان من بينهم سليمان بن صرد، والمختار وأربع مئة من الوجوه والأعيان(2).
وذكرت بعض المصادر: أن ابن زياد قد جعل جعلا للقبض على المختار، وعلى عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، فأتي بهما ، فحبسا(3).
1) مقتل الحسين للمقرم ص 157 وراجع: الإرشاد للمفيد ج 2 ص 52 وبحار الأنوار ج 44 ص 349 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 198 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 276 وأعيان الشيعة ج 1 ص 591 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 43.
2) راجع: حياة الإمام الحسين للقرشي ج 2 ص 416 عن الدر المسلوك في أحوال الأنبياء والأوصياء والخلفاء والملوك ص 74 و 75 .
3) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 381 و (ط الأعلمي) ج 4 ص286 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 61.
وسيأتي: أنه جعل أيضاً جُعلا للقبض على مسلم «عليه السلام».
يضاف إلى ما تقدم أنهم صاروا يجمعون الجيوش من كل جهة، ويجبرون الناس على الالتحاق بالعساكر القاصدين لحرب الحسين «عليه السلام»، وكان ابن زياد إذا وجه الرجل إلى قتال الحسين في الجمع الكثير ، يصلون إلى كربلاء، ولم يبق منهم إلا القليل، كانوا يكرهون قتال الحسين، فيرتدعون(1).
وكان هناك أربعة آلاف مقاتل «يريدون الديلم، فصرفهم عبيد الله إلى حسين»(2).
الأشراف من أدوات التخذيل:
يقول الطبري:
إنه حين حاصر مسلم ابن زياد وأعوانه في القصر : «بَعَثَ عُبَيدُ
1) راجع: الأخبار الطوال ص 254.
2) تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 215 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 305 وبغية الطلب لابن العديم ج 6 ص 2615 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 11 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 305 وراجع: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 409 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 309 ولواعج الأشجان ص 105 وأعيان الشيعة ج 1 ص 598.
اللهِ إلى الأشرافِ، فَجَمَعَهُم إليهِ، ثُمَّ قال: أشرفوا عَلى النّاس، فمتوا أهل الطاعَةِ الزِّيادَةَ وَالكَرامَة، وخَوِّفوا أهلَ المَعصِيَةِ الحِرمان وَالعُقوبَة، وأعلموهم فصول الجُنودِ مِنَ الشَّامِ إليهم».
إلى أن قال: قال عَبدِ اللهِ بن خازم: «أَشْرَفَ عَلَيْنَا الْأَشْرَافُ، فَتَكَلَّمَ كَثِيرُ بنُ شِهَابٍ أَوَّلَ النّاس حَتى كادَتِ الشَّمسُ أَن تَجِبَ، فَقَالَ: أَيُّهَا النّاسُ! الحقوا بأهاليكم (ثم ذكر كلامه الحافل بالتهديد والوعيد، ثم قال:) «وتَكَلَّمَ الأشرافُ بنَحوِ مِن كَلام هذا، فلمّا سَمِعَ مَقَالَتَهُمُ النَّاسُ أخَذوا يَتَفَرَّقُونَ، وأخَذُوا يَنصَرِفُونَ»(1).
1) راجع: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 370 و 371 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 277 وبحار الأنوار ج 44 ص 349 والعوالم، الإمام الحسين ص198 وتجارب الأمم ج 2 ص 49 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص44 و 45 وجمهرة خطب العرب ج 2 ص 39 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 53 ومقاتل الطالبيين (ط المكتبة الحيدرية) ص 71 ولواعج الأشجان ص54 وراجع: الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 50 .
1 - قال ابن قتيبة: بَلغَ مُسلِمَ بنَ عَقِيلٍ قدومُ عُبَيدِ اللهِ بن زيادٍ، وانصرافِ النُّعمان، وما كانَ مِن خُطبَةِ ابن زيادٍ ووَعِيدِهِ، فَخافَ عَلَى نَفْسِهِ. فَخَرَجَ مِنَ الدَّار التي كانَ فيها بَعدَ عَتَمَةٍ، حَتَّى أَتى دارَ هَانِي بن وَرَقَة المَدْحِحِي، وكان من أشرافِ أهل الكوفة، فَدَخَلَ دارَهُ الخارجة، فأرسَلَ إليهِ - وكانَ في دار نِسائِهِ - يَسأَلهُ الخروج إليه.
فَخَرَجَ إِلَيهِ. وقامَ مُسلِمٌ، فَسَلَّمَ عَليهِ، وقالَ: إِنِّي أَتَيْتُكَ لِتُجيرَني وتضيقني.
فقالَ لَهُ هانی: لقد كلفتني شططاً بهذا الأمر، ولولا دُخولكَ مَنزلي لأحبَبتُ أن تَنصَرِفَ عَنِّي، غَيرَ أَنَّهُ قد لزمني ذِمَامٌ لِذلِكَ. فَأَدخَلَهُ دار نِسائِهِ، وأفرَدَ لهُ ناحِيَة مِنها. وَجَعَلْتِ الشيعَة تَخْتَلِفُ إِلَيهِ في دار هانی(1).
1) الأخبار الطوال ص 233 وراجع حول لجوء مسلم إلى دار هاني: تاريخ الامم والملوك ج 5 ص 361 و 348 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 270 ص270 وأنساب الأشراف ج 2 ص 336 و (ط الأعلمي) ج 2 ص 79 والكامل في التاريخ ج 4 ص 25 ومقاتل الطالبيين ص 100 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 64 وعن المحبر ص 480 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 93 عنهم، وعن: الإرشاد للمفيد ج 2 ص 45 وإعلام الورى ج 1 ص 438 وبحار الأنوار ج 44 ص 341 و 343 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 91 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 242 وتهذيب الكمال ج 6 ص424 والإصابة ج 2 ص 70 ومروج الذهب ج 3 ص 67 والأمالي لابن الشجري ج 1 ص 191 والحدائق الوردية ج 1 ص 115 وعن تذكرة الخواص (ط النجف) ص 242 والملهوف ص 114 ومثير الأحزان لابن نما ص31 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 307 وراجع: قاموس الرجال ج 10 ص 491 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 31 ونهاية الأرب ج 20 ص391.
2 - يقول ابن أعثم: إِن مُسلِم بنُ عَقِيلٍ، سَمِعَ بِقْدومٍ عُبَيدِ اللَّهِ بن زيادٍ وكَلامِهِ [في الطبري: وما أخذ به العرفاء والناس] ، فَكَأَنَّهُ اتَّقَى عَلَى نَفْسِهِ، فَخَرَجَ مِنَ الدَّارِ التي هُوَ فيها [في الطبري: خرج من دار المختار - وقد عُلِمَ به] في جَوفِ الليل، حتى أتى دار هانِئ بن عُروَةَ المَدْحِجي - رَحِمَهُ اللهُ - فَدَخَلَ عَليهِ.
فلمّا رَآهُ هانی قامَ إليه، وقال: ما وَرَاءَكَ؟ جُعِلْتُ فِدَاكَ !
فَقالَ مُسلِمٌ: وَرائي ما عَلِمت، هذا عُبَيدُ اللهِ بنُ زِيادٍ الفَاسِقُ ابْنُ الفاسق، قد قدِمَ الكوفة، فاتَّقيتُهُ عَلى نَفسي، وقد أَقْبَلْتُ إِلَيكَ لِتُجِيرَني وثؤويني، حتى أنظر إلى ما يَكونُ.
فَقالَ لَهُ هَانِيُّ بنُ عُروَةَ : جُعِلْتُ فِداكَ! وَاللَّهِ لقد كَلَّفتَني شَطَطًا، ولولا دُخولك داري لأحبَبتُ أن تَنصَرفَ، غَيرَ أَنِّي أرى ذلِكَ عاراً عَليَّ، أن يَكونَ رَجُلٌ أتاني مُستَجيراً ، فانزل عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ.
قالَ: فَنَزَلَ مُسلِمُ بنُ عَقِيلٍ في دار هانئ المَدْحِجي، وجَعَلَ عُبَيدُ اللهِ بنُ زِيادٍ يَسأَلُ عَنهُ، فلم يَجِد مَن يُرشِدُهُ عَلِيهِ.
وجَعَلْتِ الشّيعَهُ تَختَلِفُ إِلى مُسلِمٍ - رَحِمَهُ اللهُ - في دار هاني، ويُبايعونَ لِلحُسَين «عليه السلام» سِراً، ومُسلِمُ بنُ عَقِيلٍ يَكْتُبُ أسماءَهُم، ويَأخُدُ عَليهِمُ العُهود والمواثيق : لا يَركَنونَ ولا يُعَدِّرونَ.
حَتى بايَعَ مُسلِمَ بنَ عَقِيلٍ نَيِّفٌ وعِشرون ألفاً.
قالَ : وهَمَّ مُسلِمُ بنُ عَقِيلٍ أَن يَتْبَ إلى عُبَيدِ اللَّهِ بن زيادٍ، فَيَمْنَعُهُ هانِيُّ مِن ذلِكَ ويَقولُ: لا تَعجَل! فَإِنَّ العَجَلة لا خَيرَ فيها(1).
3 - وعن أبي عبيد القاسم بن سلام:
بايَعَ مُسلِمَ بنَ عَقِيلٍ أكثرُ مِن ثلاثين ألفاً من أهل الكوفة، وخَرَجوا مَعَهُ يُريدونَ عُبَيدَ اللهِ بن زيادٍ، فَجَعَلُوا كُلما انتَهَوا إلى زقاق انسَلَّ مِنهُم ناس، حَتى بَقِيَ في شرذِمَةٍ قليلةٍ.
قالَ: فَجَعَلَ النَّاسُ يَرمونَهُ بِالآجُرِّ مِن قوق البُيوتِ، فَلَمّا رَأى ذلِكَ دَخَلَ دار هانِئ بن عُروَةَ المُرادِي، وكانَ لَهُ شَرَفٌ ورَأي(2).
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 40 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 200 وراجع المصادر في الهامش السابق.
2) موسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 364 عن المحاسن والمساوئ ص 60 عن أبي معشر، والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 2 ص 4 و (تحقيق الشيري) ج 2 ص 8 وعن المحن ص 144 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 265 والفوائد الرجالية ج4 ص35.
ونقول:
قبل متابعة الحديث نود الإشارة إلى بعض الأمور، وذلك كما يلي:
تقدم أن مسلماً كتب إلى الحسين «عليه السلام»: إنه قد بايعه ثمانية عشر ألف إنسان، وفي المصادر المتقدمة: أنه بايعه ثلاثون ألفاً، أو نيف وعشرون ألفا، أو خمسة وعشرون ألفاً، أو ثمانية وعشرون ألفا، أو اثنا عشر ألفاً.
وقد قلنا: إنه لا مانع من صحة هذه الأرقام كلها، فيكون الذين بايعوه حين كان في دار المختار اثني عشر ألفا، ثم زاد عددهم في بيت هاني إلى ثمانية عشر ألفا، فكتب مسلم إلى الحسين «عليه السلام» بالقدوم، ثم زاد عددهم بعد ذلك إلى نيف وعشرين، أو خمس وعشرين، أو ثمان وعشرين، أو ثلاثين ألفاً، أو أكثر.
بل عن الشعبي : بايع الحسين أربعون ألفاً من أهل الكوفة(1).
بل لقد كتب مسلم بن عقيل للحسين «عليه السلام»: فإن الناس كلهم معك، ليس لهم في آل معاوية رأي، ولا هوى(2).
1) مثير الأحزان لابن نما ص 26 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 16 وبحار الأنوار ج 44 ص 337 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 186 و 187 ولواعج الأشجان ص38.
2) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 375 و (ط الأعلمي) ج4 ص281 ومثير الأحزان لابن نما ص 32 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 51 وإبصار العين ص 127 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 162 وجمهرة خطب العرب ج 2 ص 41 .
ذكِرَ في النصوص المتقدمة : أن هاني بن عروة كره إجارة مسلم أولاً، ثم رضي بها على مضض، انسياقاً مع الحمية، لأن الأعراف العربية تقبّح رد المستجير، وتلزم برعاية حق الضيف.
ونحن نشك في صحة هذا الزعم، وذلك لما يلي:
أولاً : تقدم: أن بعض النصوص تقول: إن الإمام الحسين «عليه السلام» حين بعث مسلماً إلى الكوفة أمره أن ينزل عند هاني بن عروة. فلو لم يكن «عليه السلام» واثقا من رضى هاني بذلك لما أوصی به مسلم بن عقیل.
إلا أن يقال: إن هانياً قد خيب ظن الحسين به.
وهذا كلام غير سديد، مع اعتقادنا بعصمة الإمام الحسين «عليه السلام» عن أي خطأ كان.
ثانياً : ذكرت الرواية المتقدمة : أن هانيا قال المسلم: لقد كلفتني شططاً. والإمام الحسين «عليه السلام»، وكذلك مسلم لا يقدمان على أمر فيه إحراج للناس، ويكون فيه شطط، وتجاوز لما هو مطلوب..
ولو فرض أن مسلما تصرف من عند نفسه، وقد غفل عن هذا
الأمر، فكان يجب عليه أن يتلافى هذا الخطأ، وينسحب، ويبحث عن منزل آخر لا يكون في نزوله فيه شطط على أهله، ولا كراهة منهم لنزوله عليهم.
ثالثاً : إن هانيا قد ساعد مسلم بن عقيل في المهمة التي جاء من أجلها، ولم يكتف بمجرد قبوله ضيفاً، ولم يعامله معاملة المجير للمستجير، بل تجاوز ذلك، حيث أخفى موضعه، وأفرد له موضعاً في ناحية من بيت نسائه، وتكتم على شؤونه، حتى لم يستطع عبيد الله کشف موضعه..
كما أنه قد جمع له الرجال والسلاح في الدور حوله..
ولو كانت القضية مجرد التزام بالأعراف العربية في حفظ الضيف، وحماية المستجير، فإن كل ذلك لا يطلب من المجير، والمضيف، بل هو يعلن أن فلاناً في جواره، ثم يلزم ضيفه ومن استجار به بأن يلتزم حدوداً معينة لا يتعداها.
رابعاً : قول هاني لعبيد الله بن زياد: «والله لو كانت رجلي على طفل من أطفال آل محمد (أهل البيت) ما رفعتها حتى تقطع»(1). يدل على أن حبه لأهل البيت «عليهم السلام» هو الذي يدعوه لمواجهة العذاب، والضرب والإهانة والحبس، ثم القتل صبراً في سوق
1) ينابيع المودة ج 3 ص 57 والفوائد الرجالية للسيد بحر العلوم ج4 ص39.
الغنم(1).
بل إنه قد أعلن عن اعتقاده الصحيح بالإمامة حين قال لابن زياد: «إِنَّهُ جاءَ حَقٌّ، مَنْ هُوَ أَحَقُّ مِن حَقَّكَ ، وحَقٌّ صَاحِبك»(2).
وحتى لو صح أنه أجار مسلما في البداية حياءً أو حمية، فإن خاتمته إذا كانت على هذا النحو تكون سعيدة كخاتمة الحر بن يزيد الرياحي الذي جعجع بالإمام الحسين «عليه السلام» في البداية، ثم تاب وأناب، فنال شرف الشهادة في كربلاء.
خامساً: لما بلغ الإمام خبر استشهاد مسلم ، وهاني، قال: «إِنَّا للهِ وإِنَّا إليه راجعون، رَحْمَهُ اللهِ عَلَيْهِمَا، فَرَدَدَ ذلك مِرَاراً»(3).
1) راجع: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 378 و 379 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 284 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 63 و 64 وبحار الأنوار ج 44 ص 358 وقاموس الرجال ج 10 ص 492 و 493 والعوالم، الإمام الحسين ج17 ص 207 و 208 والفوائد الرجالية ج 4 ص 27 ولواعج الأشجان ص66 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 169 وتاريخ الكوفة ص 332 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 56 و 57 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 61 وتجارب الأمم ج 2 ص 55 وأعيان الشيعة ج 1 ص 593 والملهوف ص36.
2) مروج الذهب ج 3 ص 57 وقاموس الرجال ج 10 ص 491 والفوائد الرجالية ج 4 ص 42 وراجع: ترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 66 .
3) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 397 و 398 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 299 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 76 .
سادساً : قال ابن أعثم: إنهم لما أحضروا هانياً للقتل قال: «إلى اللهِ المَعادُ والمنقلب، اللهُمَّ إلى رَحمَتِكَ ورضوانِكَ، اللهُمَّ اجعَل هذا اليَومَ كَفَّارَةَ لِدُنوبي، فإنّي إِنَّما غَضِبْتُ [تَعَصَّبتُ] لابن [بنت] نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ «صلى الله عليه وآله»..»(1).
سابعاً : إذا كان مسلم قد فهم من كلام هاني كراهته لاستضافته، فإن عزة النفس والإباء يفرضان على مسلم أن لا يكون ضيفاً مكروهاً، ولا ثقيلاً، فإن الله لا يرضى للمؤمن أن يهين نفسه.
ثامناً : إذا كان نزول مسلم على هاني يحمل معه احتمالات خطر كبيرة على حياة هاني وذويه، وعلم مسلم بأن هاني يكره دخوله إلى منزله كضيف، وإنما رضي بذلك انصياعاً للحمية وللأعراف العربية، وليس تقرباً إلى الله. فإذا تعرضت حياة هاني للخطر في هذه الحالة، وقتل، فإنه لا يكون شهيداً . بل يكون قتيلاً.
وليس من الوفاء ولا الإنصاف التسبب بالقتل لمن لا يريده لنفسه.
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 61 وراجع: الإرشاد للمفيد ج 2 ص 64 وبحار الأنوار ج 44 ص 358 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 208 ولواعج الأشجان ص 66 والفوائد الرجالية ج 4 ص 27 وقاموس الرجال ج10 ص 493 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 284 وتاريخ الكوفة ص 332 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 57 وإعلام الورى ج1 ص 444 وإبصار العين ص 142 والمجالس الفاخرة ص 206 .
كما أن الجهاد لا يمكن فرضه على الناس، بل هو عمل طوعي اختياري، واندفاع وطاعة الله، فإن فقدت هذه المعاني فقد معنى الشهادة أيضاً.
وفي النص الذي تقدم نقله عن الأخبار الطوال، قال عن هاني: إنه ابن ورقة المذحجي. ولعله تصحيف من الناسخ، فإن سائر المصادر تقول: إنه ابن عروة .. لا ورقة. علماً بأنني قد نقلت النص عن الأخبار الطوال بواسطة موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام». والله أعلم.
وقد ذكرنا فى ما سبق ثلاثة نصوص، لم تأت على نسق واحد، بل ظهرت الإختلافات بينها، كما يعلم بالمراجعة والمقارنة. ولكنها اختلافات لا توجب الحكم على أصل الواقعة بالكذب، والوضع.. إذ ليس ثمة ما يدعو إلى الاختلاق في مثل هذا الأمر. ولأن أصل القصة قد توافقت النصوص عليه.
يضاف إلى ذلك: أن بعض هذا الاختلاف إنما هو في زيادات توضيحية، أو في اختصار تعمده الراوي، أو المصنف لأسباب تعنيه. أو لأن الناقل يتحدث عن مرحلة معينة كما هو الحال في الاختلاف في عدد المبايعين كما أوضحناه.
وإنه لأمر يستحق الاهتمام والاعتزاز والتقدير: أن يعجز الحاكم، عن معرفة مكان مسلم، بالرغم من كل من معه وما معه من وسائل، وما اتخذه من تدابير وإجراءات، ومع وجود هذا الرصد الدقيق، والمسح السكاني الشامل، وأخذ السكك ، وأبواب الدور من قبل جلاوزة الحاكم الغاشم.
مع ملاحظة : أن بيعة أهل الكوفة للحسين «عليه السلام» بواسطة مسلم قد تواصلت بعد مجيء ابن زياد بأعداد كبيرة، تبلغ الألوف، ومن الصعوبة بمكان التكتم على أمر من هذا القبيل، وحركة بهذا الحجم، وهو على أفواه جميع الناس من أهل تلك المدينة الكبيرة.
وذكرت النصوص المتقدمة وغيرها: أن مسلم بن عقيل هم أن يثب إلى عبيد الله بن زياد، لكن هاني بن عروة كان يمنعه من ذلك، ويقول: لا تعجل، فإن العجلة لا خير فيها..
فإن صح هذا، فذلك يعني: أن هاني بن عروة كان يتريث في الأمر، ربما لأنه لم يكن يثق بوفاء أهل الكوفة لمسلم «عليه السلام». ولعله لأجل هذا كان يرجح أن يكون التحرك بعد حضور الإمام الحسين «عليه السلام» نفسه، لأن الناس ينقادون له أكثر مما ينقادون أو يثقون بمسلم، وبحسن تدبيره وتقديره للأمور. كما أن للحسين عظمة وتقديساً خاصاً في النفوس. لا يصل إليه أحد في الأمة في تلك
الفترة.
ونشير أخيراً إلى أننا لا نستطيع تأييد صحة ما قاله أبو عبيد القاسم بن سلام، من أن مسلما خرج في ثلاثين ألفا، قاصداً ابن زياد، فكان كلما وصل إلى زقاق انسل عنه منهم ناس. حتى بقي في شرذمة قليلة، فصار الناس يرمونه بالآجر من فوق البيوت، فحينئذٍ دخل دار هاني.
فإن دخوله إلى دار هاني كان في أول مجيء عبيد الله بن زياد إلى الكوفة، بل تقدم وسيأتي: أنه كان قبل هذا قد عجز ابن زياد عن تحديد مكانه، حتى احتال على هاني، فقبض عليه، ونكل به، فحينئذٍ خرج مسلم، وحاصر القصر، ثم تفرق عنه جنده، فلجأ إلى بيت طوعة، ثم استشهد في اليوم التالي.
وبعد انتقال مسلم إلى بيت هاني تواصلت الوفود إليه لأجل البيعة، فلما بلغوا ثمانية عشر ألفا كتب إلى الإمام الحسين «عليه السلام» يخبره بأنه قد مهد الأمور ، وهذا نص رسالته التي أرسلها إليه «عليه السلام» مع عابس بن أبي شبيب الشاكري:
أمّا بَعدُ، فَإِنَّ الرَّائِدَ لا يَكذِبُ أهله، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانِيَة عَشَرَ ألفا، فَعَجِّل الإقبال حينَ يَأْتِيكَ كِتابي؛ فَإِنَّ النَّاسَ كُلُّهُم
مَعَكَ، ليسَ لهُم في آل مُعاوِيَة رَأي ولا هَوى، وَالسَّلامُ(1).
وكان كتاب مسلم إلى الحسين «عليه السلام» قبل قتل مسلم بسبع وعشرين يوما(2).
1) راجع: موسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 96 و 97 و 335 عن المصادر التالية : تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 375 و 395 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 281 ومثير الأحزان ص 32 و (ط المكتبة الحيدرية) ص21 والطبقات الكبرى لابن سعد (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 2 ص458 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 299 والأخبار الطوال ص 243 والإرشاد ج 2 ص 41 وروضة الواعظين ج 6 ص 424 وتهذيب التهذيب ج 1 ص 591 ومروج الذهب ج 3 ص 64 والأمالي الشجرية ج 1 ص 191 والحدائق الوردية ج 1 ص 115 والبداية والنهاية ج 8 ص 152 وراجع: مقتل الحسين لأبي مخنف ص 51 وإبصار العين ص 127 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 162 وجمهرة خطب العرب ج 2 ص41 وراجع: الأخبار الطوال ص243.
2) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 394 و 395 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 297 وأنساب الأشراف ج 3 ص 378 وتجارب الأمم ج 2 ص 60 والإرشاد ج 2 ص 69 و (ط دار المفيد) ج 2 ص 71 وبحار الأنوار ج 44 ص370 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 220 ولواعج الأشجان ص 79 وأعيان الشيعة ج 1 ص 594 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 72 ونهاية الأرب ج 20 ص 413 والمجالس الفاخرة ص 217 وموسوعة الإمام الحسين ج3 ص 335 عن مصادر كثيرة.
إن بعض من أشار إلى رسالة مسلم هذه قد ذكر أنها تضمنت: أن الذين بايعوه كانوا اثني عشر ألفا(1).
ولعل هذا كان من تصرفات الناقلين، اعتماداً على مرتكز ذهني بسبب سبق هذا الرقم إلى أذهانهم، فظنوا أن الراوي صحفه برقم الثمانية عشر ، فتبرعوا بتصحيحه.
1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 91) و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 242 وبحار الأنوار ج 44 ص 343 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 192 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 348 و (ط الأعلمي) ج 4 ص258 و 259 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 97 وتهذيب الكمال ج 6 ص 423 و 424 وتهذيب التهذيب ج 1 ص 591 و (ط دار الفكر سنة 1404هـ) ج2 ص 302 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 306 والإصابة ج 2 ص 69 وتجارب الأمم ج 2 ص 40 و 41 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج5 ص325 والتحفة اللطيفة ج 1 ص 295 والسيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 1 ص 270 وينابيع المودة ج 3 ص 56 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 518 والصواعق المحرقة ص 196 وتاريخ الكوفة ص292 وعن تذكرة الخواص (ط النجف) ص 241 وعن الأمالي الشجرية ج1 ص 191 وعن الحدائق الوردية ج 1 ص 115 ومروج الذهب ج 3 ص 64 و (منشورات دار الهجرة سنة 1404هـ) ج 3 ص 54 .
وتذكر هنا قصة عيادة عبيد الله بن زياد مريضاً كان في المنزل الذي حل فيه مسلم بن عقيل. وقد اختلفت نصوص هذه القصة، ونحن نختار النصوص، ثم نحاول أن نقول فيها بعض ما يتيسر لنا، فنقول:
تحدثت بعض الروايات: أن هاني بن عروة مرض أو تمارض. وبعضها يذكر: أن الذي مرض هو شريك بن الأعور. وفي بعضها جمع بين الإثنين، فعاده عبيد الله بن زياد، وبذلت محاولة مع مسلم ليقتل ابن زياد في هذه المناسبة، فلم يفعل.
وبين روايات هذه القصة اختلاف كما يظهر من ملاحظة النصوص في المصادر، فمثلاً فيما يرتبط بـ:
قال ابن قتيبة: إن هاني قال لمسلم: «إنَّ لي مِن ابن زيادٍ مَكانا، سَوفَ أَتَمارَضُ لَهُ، فإذا جاءَ يَعودُني، قاضرب عُنُقهُ.
قالَ: فَقِيلَ لِابن زيادٍ: إِنَّ هَانِىَ بنَ عُروَةَ شاكٍ يَقيءُ الدَّمَ. قَالَ: وَشَرِبَ المغرَةَ (وهو طين أحمر، تصبغ به الثياب) فَجَعَلَ يَقيؤُها. قَالَ: فَجَاءَ ابْنُ
زيادٍ يَعودُهُ.
وقالَ لهُم هاني: إذا قُلتُ لكُم «اسقوني» فاخرج إليهِ فاضرب عنقه الخ..»(1).
وقال ابن واضح: قدِمَ عُبَيدُ اللهِ بنُ زِيادٍ الكوفة، وبها مُسلِمُ بنُ عَقِيلٍ قد نَزَلَ عَلى هانِئ بن عُروَةَ، وهانِى شَديدُ العِلةِ، وكانَ صَديقا لابن زيادٍ. فلمّا قَدِمَ ابنُ زيادٍ الكوفة أخبر بعِلَّةٍ هَانِي، فَأَتَاهُ لِيَعودَهُ، فَقالَ هَانِي لِمُسلِمٍ بن عَقِيلٍ وأصحابهِ - وهُم جَمَاعَة - [وعند الذهبي وغيره: أنهم كانوا ثلاثين رجلاً، ولكنه قال: إن المريض هو شريك، وكان في بيت هاني(2)]:
إِذا جَلسَ ابنُ زِيادٍ عِندي وتَمَكَّنَ، فَإِنِّي سَأقولُ: «اسقوني»، فاخرجوا فاقتلوه. الخ..
1) الإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 2 ص 4 و (تحقيق الشيري) ج 2 ص 8 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 106 عن المحاسن والمساوئ ص 60 عن أبي معشر ، وعن المحن ص 144 والعقد الفريد ج 3 ص 364 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 265 كلاهما عن القاسم بن سلام، والفوائد الرجالية ج 4 ص 36.
2) سير أعلام النبلاء ج 3 ص 299 والطبقات الكبرى لابن سعد (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 460 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص65.
ثم ذكر: أن عبيد الله فهم ذلك، فوثب وخرج»(1).
زاد ابن سعد قوله: «ودَعا مولىً لِهانئ بن عُرْوَةَ - كَانَ فِي الشرطة - فسألهُ، فَأَخبَرَهُ الخَبَرَ. فَقالَ: أو لا (لعل الصحيح: أولى لهم). ثُمَّ مَضى حَتى دَخَلَ القصر»(2).
وهناك روايات تقول: إن الذي مرض، وعاده ابن زياد هو شريك [بن عبد الله] بن الأعور الحارثي الهمداني، وقد أحجم مسلم بن عقيل عن قتل ابن زياد.
وبعض هذه الروايات تذكر: أنه مرض في منزل هاني بن عروة، وأخبره ابن زياد بأنه سيزوره، فطلب من مسلم أن يكمن له في خزانة هناك ويقتل ابن زياد.
وهم مسلم أن يفعل ذلك، فمنعه هاني، وقال له: «جُعِلْتُ فِدَاكَ، في داري صبية وإماء، وأنا لا آمَنُ الحَدَثان (أي حوادث الدهر).
وقد شك ابن زياد في الأمر، فخرج من ساعته.
فسأل شريك مسلماً عن سبب إحجامه عن قتله، فقال: مَنَعَنِي مِن ذلِكَ حَدِيثٌ سَمِعتُهُ مِن عَمّي عَلِيٍّ بن أبي طالب «عليه السلام»: أنَّهُ
قالَ: «الإيمانُ قيَّدَ الفَتكَ»، قلم أُحِبَّ أن أقتُلَ عُبَيدَ اللَّهِ بنَ زِيادٍ في منزل هذا الرَّجُل.
قالَ: ثُمَّ لم يَلبَتْ شَريكَ بنُ عَبدِ اللهِ إِلا ثلاثة أيّامٍ حَتى مات «رحمه الله»..»(1).
لكن ابن نما يقول: إن مسلماً قال لشريك: «لمّا هَمَمتُ بالخُروج تعلقت بي امرأة، قالت: ناشدتك الله إن قتلت ابن زيادٍ في دارنا، وبَكَت في وجهي. فَرَمَيتُ السَّيفَ وجَلستُ.
قال هاني: يا ويلها، قتلتني وقتلت نفسها، والَّذِي فَرَرْتُ مِنْهُ وَقعتُ فيه»(2).
وبعض الروايات ذكرت: أن شريكاً كان في منزله، لا في منزل هاني - وكان مسلم في منزل شريك في حجلة (وهي بيت مزين بالثياب، والأسرة والستور)، ومعه السيف.
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 42 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 201 وراجع: مثير الأحزان لابن نما ص 31 و (ط المكتبة الحيدرية) ص20 و 21 وبحار الأنوار ج 44 ص 343 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 242 و 243 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص192.
2) راجع: مثير الأحزان لابن نما ص 31 و (ط المكتبة الحيدرية) ص21 وبحار الأنوار ج 44 ص 343 و 344 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 193 والفوائد الرجالية ج 4 ص 35 وقاموس الرجال ج10 ص494 وأعيان الشيعة ج 7 ص 344 ولواعج الأشجان ص 46.
فطلب منه شريك أن يقتل ابن زياد حين يأتي لعيادته. (فلم يجبه مسلم بسلب ولا إيجاب) فجاء ابن زياد، ورجع، ولم يصنع مسلم شيئاً . وتحول مسلم إلى بيت هاني، وبلغ عبيد الله الخبر، فقال: «وَاللهِ لولا أن تَكونَ سُبَّة، لسَبَبتُ شَريكا»(1).
لكن ابن كثير يذكر: أن شريكاً كان مريضاً في منزله هو [وفي الطبري: في بيت هاني(2)]، فلما أراد ابن زياد عيادته بَعَثَ إلى هانئ يَقُولُ لَهُ: اِبعَتْ مُسلِمَ بنَ عَقِيلٍ حَتَّى يَكونَ في داري لِيَقْتُلَ عُبَيْدَ اللَّهِ إِذا جاءَ يَعودُني.
فَبَعَتَهُ إِليهِ، فَقالَ لَهُ شَريكٌ: كُن أنتَ فِي الخِباءِ، فَإِذا جَلسَ عُبَيدُ اللهِ ، فإنّي أطلبُ الماءَ - وهِيَ إشارتي إليكَ - فاخرج فاقتله.
فلمّا جاءَ عُبَيدُ اللهِ جَلسَ عَلى فِراش شريك، وعِندَهُ هَانِيُّ بنُ عُروَةَ ، وقامَ مِن بَين يَدَيهِ غُلامٌ يُقالُ لَهُ: مِهرانُ، فَتَحَدَّثَ عِندَهُ سَاعَة، ثمَّ قَالَ شَريكَ : اسقوني، فَتَجَبَّنَ مُسلِمٌ عَن قتلِهِ، وخَرَجَت جارِيَة بكوز مِن ماءٍ، فَوَجَدَت مُسلِماً في الخِباء، فاستَحيَت ورَجَعَت بالماء ثلاثاً.
ثُمَّ قال: اسقوني ولو كانَ فيهِ ذهابُ نَفسي، أتَحمونَنى مِنَ الماءِ؟
ففَهمَ مِهرانُ الغَدرَ ، فَغَمَزَ مَولاهُ، فَنَهَضَ سَرِيعا وَخَرَجَ.
فقالَ شَريكٌ: أَيُّهَا الأميرُ! إنّي أريد أن أوصي إليكَ.
فقالَ: سَأَعودُ! فَخَرَجَ ِبهِ مَولاهُ فَأَركَبَهُ وطَرَّدَ بِهِ - أَي ساقَ بِهِ - وجَعَلَ يَقولُ لَهُ مَولاهُ : إِنَّ القوم أرادوا قتلكَ.
فقالَ: وَيْحَكَ، إِنِّي بهم لرفيق، فما بالهُم؟! [وفي الطبري: قال: وكَيفَ؟ مَعَ إكرامي شريكا وفي بَيْتِ هَانِي، ويَدُ أَبي عِندَهُ يَدْ! فَرَجَعَ(1)]
وقالَ شَريكٌ لِمُسلِم : ما مَنَعَكَ أَن تَخرُجَ فَتَقْتُلَهُ؟
قالَ: حَدِيثٍ بَلغَنِي عَن رَسولُ اللهِ «صلى الله عليه وآله» أَنَّهُ قَالَ: الإيمانُ ضِدُّ الفتكِ، لا يَفْتِكُ مُؤمِنٌ ، وكَرهت أن أقتلهُ في بَيْتِكَ.
فقال: أما لو قتَلتَهُ لجلست في القصر ، لم يَستَعِدَّ مِنهُ أَحَدٌ، وَلِيُكَفِّيَنَّكَ أمرُ البَصَرَةِ، ولو قتلتَهُ لقتلت ظالماً فاجراً. ومات شَريكٌ بَعدَ ثلاث(2).
وقد جمعت بعض النصوص بين شريك وهاني في المرض، فقد قالت:
مَرض هانِيُّ بنُ عُروَةَ، فَجاءَ عُبَيدُ اللهِ عائِداً له. فقالَ لَهُ عُمارة بنُ عُبَيدٍ السَّلولِيُّ: إِنَّما جَمَاعَثنا وكَيدُنا قتل هذا الطاغِيَةِ، فَقدَ أمْكَنَكَ اللهُ منه فاقتله.
قال هاني: ما أحِبُّ أن يُقتَلَ في داري. فَخَرَجَ.
فما مَكَثَ إِلا جُمعَة حَتّى مَرض شريك بنُ الأَعوَر، وكانَ كَريماً عَلى ابن زيادٍ، وعَلى غَيرِهِ مِنَ الأمَراءِ، وكانَ شَدِيدَ التَّشَيُّع، فأرسَلَ إِليهِ عُبَيدُ اللَّهِ : إِنّي رائِحُ ِإليكَ العَشِيَّة .
فَقالَ لِمُسلِمٍ: إِنَّ هذا الفاجر عائِدِي العَشِيَّة، فَإِذا جَلْسَ فَاخرُج إِليهِ فاقتله، ثُمَّ اقعد في القصر ليسَ أَحَدٌ يَحولُ بَينَكَ وَبَيْنَهُ، فَإِن بَرِئتُ مِن وجعي هذا أيّامي هذِهِ، سِرتُ إلى البَصَرَةِ وكَفَيتُكَ أمرها.
فلمّا كانَ مِنَ العَشِيِّ أَقْبَلَ عُبَيدُ اللَّهِ لِعِيادَةِ شَرِيكٍ، فَقَامَ مُسلِمُ بنُ عَقِيلٍ لِيَدخُلَ، وقالَ لَهُ شَريكَ: لا يَفوتَنَّكَ إِذا جَلْسَ.
فقامَ هَانِيُّ بنُ عُروَةَ إِليهِ، فَقالَ: إنّي لا أحِبُّ أن يُقتَلَ في داري. كَأَنَّهُ اسْتَقبَحَ ذلِكَ.
فجاءَ عُبَيدُ اللهِ بن زيادٍ، فَدَخَلَ فَجَلسَ، فَسَأَلَ شَرِيكا عَن وَجَعِهِ، وقالَ: مَا الذي تَجِدُ، ومَتَى اشكيت؟ فلمّا طالَ سُؤالهُ إِيَّاهُ، ورَأَى أَنَّ الآخَرَ لَا يَخرُجُ ، خَشِيَ أَن يَفوتَهُ، فَأَخَذَ يَقُولُ:
ما تنظرون بسلمى أن تُحيوها(1)
مَا الإنتظار بسلمى أن تُحبّوها *** حيوا سُليمي وحيوا من يُحييها
كأس المنيّة بالتعجيل فاسقوها
.اسقنيها وإن كانت فيها نَفسي، فَقالَ ذلِكَ مَرَّتَين أو ثلاثاً.
1) في المصدر: «ما تنتظرون...»، وهو تصحيف ظاهر، فالوزن لا يستقيم. وجاء في مقاتل الطالبيين هكذا :
فَقالَ عُبَيدُ اللهِ - ولا يفطن -: ما شأنُهُ؟ أَتَرَونَهُ يَهجُرُ ؟(1).
فَقالَ لَهُ هَانِيُّ: نَعَم أصلحَكَ اللهُ ! ما زالَ هذا دَيدَنُهُ قُبَيلَ عَمَايَةِ الصُّبْحِ حَتَّى سَاعَتِهِ هَذِهِ.
ثمَّ إِنَّهُ قامَ فَانصَرَفَ. فَخَرَجَ مُسلِمٌ، فَقالَ لَهُ شَريكَ: ما مَنَعَكَ مِن قتله؟
فقال: خَصلتان..
أمّا إحداهما ، فَكَراهَة هانئ أن يُقتَلَ في داره.
وأَمَّا الأخرى، فحديث حَدَّتْهُ النَّاسُ [وعند ابن الأثير: حدثه علي «عليه السلام»] عَن النَّبِيِّ «صلى الله عليه وآله»: إِنَّ الإيمان قيَّدَ الفَتكَ(2)، ولا يَفْتِكُ مُؤمِنٌ(3).
فقالَ هَانِيُّ: أَمَا وَاللهِ لو قتَلتَهُ لقتلت فاسقاً فاجراً كافراً غادراً، ولكن كَرهتُ أن يُقتَلَ في داري، ولبث شريك بنُ الأَعوَر بَعدَ ذلِكَ ثلاثا ثم مات.
فَخَرَجَ ابنُ زِيادٍ فصلى عَليهِ، وبَلغ عُبَيدَ اللَّهِ بَعدَما قَتَلَ مُسلِماً وهانئاً، أنَّ ذلِكَ الَّذي كُنتَ سَمِعتَ مِن شَريكَ فِي مَرَضِهِ، إِنَّمَا كَانَ
يُحَرِّضُ مُسلِماً ويَأمُرُهُ بالخروج إليكَ لِيَقْتُلكَ.
فَقالَ عُبَيدُ اللَّهِ: وَاللهِ لا أَصَلِّي عَلَى جَنازَةِ رَجُلٍ مِن أهل العِراق أبدأ، ووالله لولا أنَّ قبر زيادٍ فيهم لنَبَشتُ شَريكا(1).
زاد البلاذري قوله: فقال شريك: ما رأيتُ أحَدًا أمْكَنَتهُ فُرصة فتَرَكَها إلا أعقبتهُ نَدَما وحَسرَةَ ، وأنت أعلمُ ! وما عَلى هانئ في هذا لولا الحصر !
ومات شريك بنُ الأعور في دار هانِئ مِن مَرَضِهِ ذلِكَ.
واسمُ الأعور الحارث(2).
إن النص الذي ذكره أبو حنيفة الدينوري نرى أنه هو الأقرب، وهو كما يلي:
كانَ هَانِيُّ بنُ عُروَةَ مُواصِلاً لِشَرِيكِ بن الأعور البصري الذي قام [لعل الصحيح: قدِمَ] مَعَ ابن زيادٍ، وكانَ ذا شَرَفَ بِالْبَصَرَةِ وَخَطر،
1) موسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 98 - 100 عن تاريخ الأمم والملوك ج5 ص 363 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 271 والكامل في التاريخ ج 4 ص 27 وأعيان الشيعة ج 7 ص 344 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص33 ومقاتل الطالبتين ص 101 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 65 وبحار الأنوار ج 44 ص 344 وراجع: أنساب الأشراف ج 2 ص 337 .
2) أنساب الأشراف ج2 ص337
قانطلق هانِى إِلَيهِ حَتى أتى به منزله، وأنزَلهُ مَعَ مُسلِمٍ بن عَقِيلٍ فِي الحُجرَةِ التي كان فيها.
وكان شريك من كبار الشيعَةِ بالبَصَرَةِ، فَكانَ يَحُتُ هَانِنَا عَلَى القيام بأمر مُسلِمٍ، وجَعَلَ مُسلِمٌ يُبايِعُ مَن أتاهُ من أهل الكوفة، ويَأْخُدُ عَليهِمُ العُهودَ وَالمَواثيق المُؤَكَدَةَ بِالوَفَاءِ.
ومَرضَ شَريكَ بنُ الأعور في منزل هانِئ بن عُرِوَةَ مَرَضاً شديداً، وبَلغَ ذلِكَ عُبَيدَ اللهِ بن زيادٍ، فأرسل إليهِ يُعلِمُهُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ عائِداً .
فقالَ شَريكٌ لِمُسلِمٍ بن عَقِيل : إِنَّما غايَتُكَ وغايَة شيعَتِكَ هَلاك هذا الطَّاغِيَةِ، وقد أمْكَنَكَ اللهُ مِنهُ، هُوَ صائِرٌ إِليَّ ليعودَني، فقم فادخل الخِزانَة حَتَّى إذا اطْمَأَنَّ عِندِي، فَاخرُج إليه فقاتله [الظاهر أن الصحيح: فاقتله]، ثمَّ صر إلى قصر الإمارة فاجلس فيهِ؛ فَإِنَّهُ لا يُنازِعُكَ فيه أَحَدٌ مِنَ النّاس، وإن رَزَقَنِيَ اللهُ العافِيَة صِرتُ إلى البَصَرَةِ، فَكَفَيتُكَ أمرها، وبايَعَ لكَ أهلها.
فقالَ هانِيُّ بنُ عُروَةَ: ما أحِبُّ أن يُقتَلُ في داري ابنُ زِيادٍ.
فقال له شريك : ولِمَ، فَوَاللَّهِ إِنَّ قتله لقربان إلى اللهِ ؟!
ثُمَّ َقالَ شَريكٌ لِمُسلِم : لا تُقصِّر في ذلِكَ. فَبَينَما هُم عَلى ذلِكَ إذ قيلَ لهُم: الأميرُ بالباب.
فَدَخَلَ مُسلِمُ بنُ عَقِيلِ الخِزانَة، ودَخَلَ عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ عَلَى شَرِيكٍ، فَسَلْمَ عَليهِ ، وقالَ: مَا الَّذِي تَجِدُ وتَشكو؟
فلمّا طالَ سُؤالهُ إِيَّاهُ استبطأ شريك خروج مُسلِمٍ، وجَعَلَ يَقولُ،
ويُسمعُ مُسلِماً :
ما تنظرون بسلمى عِندَ *** فقد وفى وُدُّها واستَوسَقَ
وجَعَلَ يُرَدِّدُ ذلِكَ.
فَقالَ ابنُ زِيادٍ لِهَانِئ: أَيهَجُرُ؟ - يَعني يهذي -.
قالَ هَانِيُّ: نَعَم، أصلحَ اللهُ الأمير! لم يَزَلْ هَكَذَا مُندُ أَصْبَحَ.
ثُمَّ قامَ عُبَيدُ اللهِ وخَرَجَ، فَخَرَجَ مُسلِمُ بنُ عَقِيلٍ مِنَ الخِزانَةِ.
فقال شريكٌ: مَا الَّذي مَنَعَكَ مِنهُ إِلَّا الْجُبْنُ وَالفَشَلُ؟!
قالَ مُسلِمٌ: مَنَعَنى مِنهُ خَلْتان..
إحداهما: كَراهِيَة هَانِي لِقَتْلِهِ فِي مَنزِلِهِ.
وَالأخرى: قولُ رَسول اللهِ «صلى الله عليه وآله»: إنَّ الإيمان قيَّدَ الفتكَ، لا يَفْتِكُ مُؤمِنٌ.
فَقَالَ شَرِيكَ: أَمَا وَاللهِ لو قَتَلْتَهُ لاستَقامَ لَكَ أَمْرُكَ، وَاسْتَوسَقَ لَكَ سُلطانك.
ولم يَعِش شَريكٌ بَعدَ ذلِكَ إِلَّا أَيّاماً حَتَّى تُوُفِّيَ، وَشِيَّعَ ابنُ زِيَادٍ جَنازَتَهُ، وتَقدَّمَ فَصَلَّى عَليهِ.
ولم يَزَل مُسلِمُ بنُ عَقِيلٍ يَأْخُدُ البَيعَة مِن أهل الكوفة، حَتَّى بايَعَهُ مِنهُم ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلفَ رَجُلٍ في ستر ورفق(1).
1) الأخبار الطوال ص 233.
ونقول:
لا بأس بالنظر في الأمور التالية:
إن من يقارن بين الروايات المتقدمة يجد: أنها تتفاوت من حيث ذكر بعض التفاصيل في بعضها، وإغفالها في البعض الآخر، وتختلف أيضاً في العديد من الأمور، التي يمكن ضم بعضها إلى بعض، فيكون متمما له. وتختلف أيضاً في بضعة أمور تبدو متنافرة، ولا مجال للجمع بينها، بل لا بد من الالتزام ببعضها، واستبعاد البعض الآخر.
ويبدو لنا: أن الرواة لم يهتموا بحفظ أو بتسجيل تفاصيل هذه القصة، وسجل بعضهم مختصراً منها. وربما اجتهد بعضهم في تفسير بعض ما جرى، وربما وربما..
غير أن ذلك كله لا يفرض رفض القصة من أساسها .. فمن أراد أن يدّعي ذلك، فعليه أن يبحث عن مبررات، ودلائل أخرى.
وبذلك نعرف: أنه لا مجال لقبول ما يقوله بعض الإخوة: من أن هذه الاختلافات التي يصل بعضها إلى حد التناقض تشير إلى أن القصة منتحلة من قبل ابن زياد وأعوانه، لتبرير إقدامه الإجرامي الأرعن ضد مسلم، وزعماء القبائل الموالين له.
ابن زياد لا يدخل بيوت الشيعة:
وقد استدلوا على انتحال هذه القصة : بأن «مجيء ابن زياد إلى بيوت محبي مسلم، يعني وضع نفسه في موضع الخطر. وإذا أخذنا
بنظر الاعتبار الدهاء السياسي لابن زياد، وأوضاع الكوفة المتأزمة، فإنه لا يمكن تصديق وقوع هذا التصرف غير المحتاط من قبله. خاصة وأنه كان يعلم من خلال جاسوسه أن مسلما مختبئ في دار هانی»(1).
ونجيب:
أولاً: بأن ابن زياد لم يكن على اطلاع تام بتفاصيل أحوال أحاد الناس في الكوفة، في حبهم وبغضهم، وولاءاتهم ، وإن علم بشيء من ذلك، فهو انطباعات عامة، ولو فرض أنه يعرف بعض التفاصيل، فربما تكون هناك حيثيات أخرى تبدد مفاعيل ما عرفه، وتجعله في عداد الشائعات الموهونة أو المغرضة.
ويبدو: أن هذا هو ما حصل لابن زياد هنا، فقد ذكرت بعض روايات هذه القصة: أن ابن زياد كان يشعر بالأمن لسببين:
أحدهما: أنه في بيت هاني. ولعل هذا يفسر ما ورد في نص آخر، من أن هانيا قد منع مسلما من هذا الأمر، كأنه استقبح ذلك(2).
وهناك نص ثان يقول : إن هانياً قال لمسلم: «في داري صبية وإماء، وأنا لا أمن الحدثان»(1).
الثاني: أن لزياد (أبي عبيد الله) يدا عظيمة عند هاني تجعله يتحرج هذا الفعل(2).
ثانياً: صرحت الروايات: بأنه قد كان لهاني بن عروة مكان من ابن زیاد(3).
بل ذكر اليعقوبي: أنه كان صديقا له(4). وحين جاء ابن زياد إلى الكوفة كان هاني يزوره إلى أن انتقل مسلم إلى بيته، فانقطع عنه(5).
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 42 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 201 .
2) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 360 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 268 والكامل لابن الأثير ج 4 ص 26 و 27 وأعيان الشيعة ج 7 ص 344 ولواعج الأشجان ص 51 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص29.
3) الإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 2 ص 4 و (تحقيق الشيري) ج 2 ص 8 والفوائد الرجالية ج 4 ص 36 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 265 .
4) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 243
5) راجع: تنقيح المقال ج 3 ص 289 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 364 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 272 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص117 وراجع: مقتل الحسين لأبي مخنف ص 34 والإرشاد ج 2 ص 46 وبحار الأنوار ج 44 ص 344 والعوالم ، الإمام الحسين ص 193 ولواعج الأشجان ص 47 والفوائد الرجالية ج 4 ص 21 وأعيان الشيعة ج 1 ص 591 وإعلام الورى ج 1 ص 439 .
ثالثاً : فيما يرتبط بشريك بن الأعور نقول:
إنه لم يكن معلناً لتشيعه، فقد قال ابن أعثم: «كان من خيار الشيعة، غير أنه يكتم ذلك، إلا عمن يثق به من إخوانه(1).
ويشهد لهذا : أن شريكاً إنما قدم الكوفة بصحبة عبيد الله بن زیاد(2)، فلو كان تشيعه ظاهرا معلوماً، لم يرض ابن زياد بمر بمرافقته له.
رابعاً: من الذي قال: إن ابن زياد كان يعلم بأن مسلماً «رحمه
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 42 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 201 .
2) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 38 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص199 وأنساب الأشراف ج 2 ص 335 و (ط الأعلمي) ج 2 ص 78 والكامل في التاريخ ج 4 ص 23 ونهاية الأرب ج 20 ص 389 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 359 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 267 ومثير الأحزان ص31 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 20 والأخبار الطوال ص 232 وأعيان الشيعة ج 7 ص 344 وإبصار العين ص 27 والغارات للثقفي ج 2 ص 793 وبحار الأنوار ج 44 ص 343 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص192 والفوائد الرجالية ج 4 ص 33 وروضة الواعظين ص 174 ومقاتل الطالبيين (ط المكتبة الحيدرية) ص 63 و مناقب آل أبي طالب (المكتبة الحيدرية) ج3 ص 242 ولواعج الأشجان ص 42 - 43 و 45 وسير أعلام النبلاء ج3 ص 299 والإصابة ج 6 ص 445 وتجارب الأمم ج 2 ص 43 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 26 .
الله» كان في بيت هاني، فإنه لا دليل على أن العيادة قد حصلت بعد تكليف معقل بمهمة البحث عن مسلم. بل في بعض النصوص المتقدمة ما يدل على أن معرفة ابن زياد بأن هانيا أو شريكا قد اتفق مع مسلم على قتله، قد حصلت في وقت متأخر.
ويدل على ذلك، قولهم: إن ابن زياد هو الذي صلى على شريك حين مات بعد عيادته له بثلاثة أيام، فأخبروه بأنه كان قد اتفق مع مسلم على قتله، ففي الطبري:
«فخرج ابن زیاد فصلى عليه، وبلغ عبيد الله بعدما قتل مسلماً وهانياً أن ذلك الذي كنت سمعت من شريك في مرضه إنما كان يحرض مسلما، ويأمره بالخروج إليك ليقتلك.
فقال عبيد الله: والله، لا أصلى على جنازة رجل من أهل العراق أبداً. ووالله، لولا أن قبر زياد فيهم لنبشت شريكا»(1).
إلا أن يقال: إنه قال هذه الكلمة قبل موت شريك، وتحدث عن النبش بعد موت شريك. وهذا يبقى مجرد احتمال لا شاهد له.
وفي نص آخر: لولا أن تكون سبة لسببت شريكا(2).
ولعل في هذه العبارة تصحيفاً، بسبب تشابه رسم الكلمتين. والصحيح: لنبشت شريكاً.
ويقول ابن نما «رحمه الله» عن مسلم: «نزل دار هاني بن عروة، واختلف إليه الشيعة. وألح عبيد الله في طلبه، ولا يعلم أين هو، وكان شريك بن الأعور الهمداني قدم من البصرة مع عبيد الله بن زياد(1). ثم ذكر مرض شريك وعيادة ابن زياد له.
ويقول ابن سعد: «فاشتكى شريك، فكان عبيد الله يعوده في منزل هاني، ومسلم بن عقيل هناك لا يعلم به»(2).
بل صرحت رواية أبي الوداك: أن اكتشاف ابن زياد أن مسلماً التقى معقلاً في بيت هاني قد حصل بعد موت شريك بن الأعور(3).
وفي نص آخر: أن مسلم بن عوسجة إنما تأخر في إيصال معقل إلى مسلم بن عقيل لاشتغاله بموت شريك(4).
1) مثير الأحزان ص 31 و (ط المكتبة الحيدرية) ص20 .
2) الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 460 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 65.
3) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 362 و (ط الأعلمي) ج 4 ص271 وأنساب الأشراف (ط الأعلمي) ج 2 ص 80 والكامل في التاريخ ج 4 ص 27 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 113 ونهاية الأرب ج 20 ص393 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 34 وإبصار العين ص108.
4) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 44 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 201.
وسجلت ملاحظة أخرى على هذه القصة استدلوا بها على انتحال هذه القصة، والملاحظة هي: أن عنصر السرية شرط أساس لنجاح عمليات الاغتيال «وهذا المعنى يتنافى مع تواجد ثلاثين رجلا، لا ضرورة لجلبهم لاغتيال شخص واحد»(1).
ونقول:
أولاً: إن ابن زياد لا يأتي إلى بيوت الآخرين بمفرده، بل يصطحب معه جماعة يعتمد عليهم في حراسته وحمايته، وإعادته إلى مقره سالماً. فلا مجال لقبول قولهم: لا ضرورة لجلب ثلاثين رجلاً لاغتيال شخص واحد، لأن ابن زياد لم يكن واحداً.
ثانياً: إن مبدأ السرية لا ينخرم بوجود الثلاثين شخصاً المذكورين، إذا كانوا قد اختيروا بعناية، وعن معرفة واطلاع على أحوالهم، وكانوا معروفين بالصدق والنصيحة، والولاء والدين.
والعادة قد جرت على اختيار أوثق الناس لمهمات خطيرة كهذه، ولا يكون هناك عشوائية ومغامرة وارتجال في أمور كهذه.
ثالثاً : إن اختيار الثلاثين رجلاً لهذه المهمة إنما ورد في الرواية التي ذكرها في الطبقات، وأخذها عنه الذهبي - فيما يبدو - وأودعها
1) موسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 110.
في سير أعلام النبلاء(1).
وفى رواية اليعقوبي: أنهم كانوا جماعة، ولم يحددهم بعدد، وقال: إن هانياً هو الذي طلب منهم قتل ابن زياد، وأنه أدخلهم البيت، وجلس هو في الرواق(2). ولكن ليس في كلامه أنهم قد استجابوا لطلب هاني هذا، أو أنهم رفضوه.
رابعاً : لنفترض أن هذه الرواية باطلة، لكن ما الدليل على بطلان سائر الروايات التي حصرت الأمر بمسلم «رحمه الله»؟!
خامساً: لنفترض أنهم أخطأوا في عدم مراعاتهم لمبدأ السرية في عمليات الاغتيال، فإن هذا لا يصلح دليلاً على انتحال الرواية من أساسها. فإن حديثنا هو عن بشر عاديين يخطئون ويصيبون، ويفشلون وينجحون، ولا نتحدث عن معصومين.
ويستدلون أيضاً على رد هذه الرواية وانتحالها : بأنه «إذا كان مخطط اغتيال ابن زياد حقيقياً، فإن التدبير السياسي والأمني كان يقتضي أن يوكل تنفيذه إلى شخص غير مسلم، الذي كان يتولى قيادة
ثورة الكوفة»(1).
ونلاحظ على هذا الدليل:
أولاً: بما ذكرناه آنفاً من أننا لو سلمنا جدلاً بأن تصدي مسلم لهذا الأمر بنفسه كان خطأ ، فإن ذلك لا ينتج قولهم: إن الرواية منتحلة من أساسها.
ثانياً : إذا كانت السرية المطلوبة تفرض أن لا يتصدى ثلاثون رجلاً لهذا الأمر، وتقتضي حصره بأصغر دائرة ممكنة. وإذا كان الإقدام على هذا الأمر يحتاج إلى الجرأة والشجاعة!!. وإذا كان ابن زياد رجلاً واحداً. ولا حاجة إلى الاستعانة عليه بأحد من الناس، وكان قتله سهلا إلى هذا الحد، فما الفرق بين أن يتصدى لقتله زيد من الناس أو عمرو؟!
وأي فرق بين مسلم، وبين غيره. بل لعل تولي مسلم لهذا الأمر أولى، لأنه الرجل الشجاع الباسل، ولأنه لا ينبغي له أن يزج بالآخرين في أمر قد تكون له ارتدادات سلبية، وعواقب وخيمة عليهم، وعلى غيرهم من ذويهم وعشائرهم في صورة حدوث أية انتكاسة آنية أو مستقبلية.
فإن كان المطلوب هو إبعاد قائد ثورة الكوفة عن التعرض لخطر جسیم كهذا، فكيف يراد تعريض غيره لمثل هذا الخطر الذي قد لا
1) موسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 110.
ينحصر أمره بخصوص من يباشر هذا العمل، بل يتعداه إلى الأهل، والقبيلة، وحلفائها، وما إلى ذلك..
تبرير فعل السلطة بمسلم وزعماء القبائل:
بقي أن نشير إلى القول: بأن السلطة قد تكون هي التي افتعلت هذه القضية بهدف تبرير ما فعلته ضد مسلم، وزعماء القبائل الموالين له(1)، فنقول:
إن هذا الكلام بعيد عن منهج تلك السلطة التي لم تزل تبرر أعظم موبقاتها كقتل الإمام الحسين، وهو أقدس الناس، وأهل بيته وأصحابه: بأنهم قد خرجوا على السلطة، وأثاروا الفتنة.
ومن الواضح: أن أعظم ذنب لمسلم بنظر ابن زياد، ومن كان معه هو أنه أخذ البيعة من عشرات الألوف من الناس للإمام الحسين، ورفض حكومة يزيد.
ويتابع هذا الأخ الكريم كلامه هنا، فيقول:
وإذا لم نأخذ بالتحليل المذكور، واعتبرنا المخطط المذكور حقيقيا، فإن الرواية الثانية والتي تفيد اكتشاف ابن زياد للمخطط عن طريق القرائن، أو الرواية الثالثة التي تصرح بأن امرأة حالت دون تنفيذه في دار هاني، أقرب إلى الصحة.
1) موسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 111.
وأما صحة الروايات الأخرى التي تفيد أن مسلماً «عليه السلام» انثنى عن عزمه على قتل ابن زياد عند تذكره لحديث «الفتك»، فإنها مستبعدة للغاية، بل يمكن القول : إنها إهانة لمسلم «عليه السلام». وهل يمكن القول: إن سفير الإمام «عليه السلام» لم يكن يعلم بحكم المخطط المذكور عند التصميم له، ثم ينثني عن عزمه عند تنفيذه لتذكره حديث «الفتك» ؟!(1).
ونقول:
أولاً: لماذا رجح هذا المستدل رواية حيلولة المرأة بين مسلم، وبين تنفيذ ما أراد، وهي رواية ابن نما(2)اليتيمة، وترك سائر الروايات التي ذكرت: أن الذي منعه من قتله هو كراهة هاني أن يقتل في داره(3). بل يقول ابن أعثم: منعه صاحب المنزل وقال له: «في
1) موسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 111 .
2) مثير الأحزان ص 31 و (ط المكتبة الحيدرية) ص21.
3) راجع : أنساب الأشراف ج 2 ص 337 و (ط الأعلمي) ج 2 ص 79 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 363 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 271 والكامل في التاريخ ج 4 ص 27 وتجارب الأمم ج 2 ص 45 ومقاتل الطالبيين ص99 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 65 وبحار الأنوار ج 44 ص 344 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 193 ولواعج الأشجان ص46 والفوائد الرجالية ج 4 ص 33 وأعيان الشيعة ج 7 ص 344 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 33 ونهاية الأرب ج 20 ص 392 والأخبار الطوال ص 235 .
داري صبية وإماء، وأنا لا أمن الحدثان(1).
ثانياً: إنه استبعد أن يكون سبب إحجام مسلم عن قتل ابن زياد هو تذكَّره حديث: «الإسلام قيد الفتك» حتى اعتبر أن في هذا القول إهانة المسلم «رحمه الله»، إذ لا يمكن القول بأن سفير الإمام «عليه السلام» لم يكن يعلم بحكم هذه الخطة حين العزم عليها ، ثم انثنى عن عزمه عند التنفيذ لتذكره حديث النهي عن الفتك.
ونحن نرى: أن حصول العزم والتصميم على تنفيذ الخطة غير ثابت، فإن النصوص ذكرت هذه الحادثة، والتي جمعها هذا المستدل نفسه ليست كلها على نسق واحد، فإن فيها ما هو ساكت عن رأي مسلم بن عقيل في هذا الأمر. فمثلاً ليس في رواية أبي الوداك التي ذكرها الطبري سوى أن شريكاً طلب من مسلم أن يفعل ذلك، وأن هانياً قام إليه، فقال: إني لا أحب أن يقتل في داري. كأنه استقبح ذلك.
[وعند أبي حنيفة الدينوري: فبينما هم على ذلك، إذ قيل لهم: الأمير بالباب.
فدخل مسلم بن عقيل الخزانة].
إلى أن تقول الرواية : فقال له شريك: ما منعك من قتله؟!
فقال: خصلتان:
أما إحداهما : فكراهة هاني أن يقتل في داره.
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 42 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 201.
وأما الأخرى: فحديث حدثه الناس عن النبي «صلى الله عليه وآله»: إن الإيمان قيد الفتك، ولا يفتك مؤمن(1).
كما أن رواية الطبري لم تذكر شيئاً عن رأي مسلم بن عقيل فيما عرضه عليه شريك(2).
أما رواية ابن سعد والذهبي، فليس فيها إلا أن مسلماً كان في بيت هاني. وكان ابن زياد يعود شريكا في ذلك البيت. ثم قال: فهيأوا لعبيد الله ثلاثين رجلا، يقتلونه إذا دخل عليهم(3). ولم يذكر من الذي هيأهم!
كما أن رواية البلاذري ليست صريحة في موافقة مسلم «رحمه الله» على ما طلب منه(4).
وكذلك الحال بالنسبة لرواية ابن قتيبة(5).
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 363 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 271 والكامل في التاريخ ج 4 ص 26 و 27 والأخبار الطوال ص 234 ومقاتل الطالبيين ص 65 وبحار الأنوار ج 44 ص 344 والعوالم، الإمام الحسين ج17 ص 193 وراجع: نهاية الأرب ج 20 ص 391 و 392.
2) إعلام الورى ج 1 ص 438 .
3) الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 460 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص65 وسير أعلام النبلاء ج3 ص 299 .
4) أنساب الأشراف ج 2 ص 337 و (ط الأعلمي) ج 2 ص 79 .
5) الإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 2 ص 4 و (تحقيق الشيري) ج 2 ص 8.
ورواية اليعقوبي(1).
بل وكذا رواية ابن كثير(2).
وابن الشجري(3).
وبذلك يكون مسلم «رحمه الله» قد استدل بحديث «قيد الفتك» ابتداءً، لا أنه كان ناسيا له ثم تذكره.
ثالثاً: أية غضاضة في أن يذهل العالم عن حكم شرعي، أو عن حديث هو في غاية الوضوح عنده بسبب صوارف تستأثر باهتمامه، ولاسيما إذا كان هناك خوف، وإذا تلاحقت وتسارعت المفاجآت المثيرة، مثل حضور ابن زياد في نفس اللحظة التي طلب فيها من مسلم أن يقتل ذلك الطاغية، حتى اضطر مسلم إلى الإسراع في الدخول إلى الخزانة. كما ذكره الدينوري(4).
ويبقى سؤال يقول : إذا كان ابن زياد عدواً محارباً ، فلا يأثم مسلم في قتله، بل هو لو قتله لأراح الأمة منه، وربما تغير مسار الأحداث، فهل فهم مسلم حديث: «الإسلام قيد الفتك» بطريقة غير سليمة؟! أم
ماذا ؟!
ونجيب:
بأن عداوة ابن زياد بمجردها لا تبرر، ولا تكفي للفتك به، ما لم تعلن الحرب بين الفريقين، أو ما لم يعتد الفريق الضال على أهل الحق. ونستطيع بعد هذا أن نقول ما يلي:
أولاً : مع غض النظر عن مضمون حديث: الإسلام قيد الفتك. فإننا نقول: إنه لا مبرر لإقدام مسلم على قتل ابن زياد بهذه الطريقة، فقد ذكرنا فيما سبق: أن أكثر الروايات لم تذكر أن مسلما قد وافق على قتل ابن زياد، بل في بعضها دلالة على أن حضور ابن زياد لعيادة المريض قد وافق الحديث عن قتله، ففاجأ ذلك الحاضرين. فلم يحصل تبادل للآراء، ولا اتفاق على شيء.
ومن الطبيعي أن أمراً كهذا يحتاج إلى حساب ردات الفعل، فلم يكن ابن زياد وحيداً في الكوفة ، بل كان له أنصار، وجند، وكان هناك رؤساء قبائل يمالئونه، ويرون أن مصيرهم مرتبط بمصيره.
ثانياً : إن قتل ابن زياد بهذه الطريقة على يد مبعوث الإمام الحسين «عليه السلام» بالذات، سوف يعطي لمؤيدي الخط الآخر حجة قوية على أهل البيت وشيعتهم وسيقولون لهم: لم تكن الحرب قد أعلنت بين الحسين وبين بني أمية، وإن كانت إرهاصاتها حاضرة، ولكن من الذي قال: إن الحرب سوف تقع حتماً، فقد تستجد ظروف وأحوال تبعد شبحها. فالإقدام على قتل ابن زياد في هذه الحال لا مبرر
له، وعلى هذا فيصح القول: إن كان بنو أمية يغدرون، ويقتلون الآمنين فأنتم مثلهم، فبأي شيء تمتازون عليهم؟! وهذا يلحق أعظم الضرر بالنهج والمسيرة الحسينية؟! لاسيما مع وصف الحسين لمسلم: بأنه أخوه، وثقته، والمبرز بالفضل من أهل بيته.
وخصوصاً إذا عرف الناس: أن ابن زياد قد جاء ليقوم بعمل إنساني، وهو عيادة مريض كان ولاؤه لخصومه في الرأي، ومخالفيه في الموقف.
ثالثاً : إن النبي «صلى الله عليه وآله» وعليا وأهل البيت «عليهم السلام» كانوا لا يبدأون أحداً بقتال، ونهيهم مقاتليهم عن فعل ذلك لا يكاد يخفى على أحد.. وهم يجهدون في الوعظ والنصيحة لخصومهم، والاحتجاج عليهم، وبذل قصارى الوسع لثنيهم عن البغي، وإعادة الضال إلى الحق، وترك الحرب.
إذن، فكيف يطلب من مسلم أن يبادر لقتل ابن زياد، وهو لم يحتج عليه، ولم يبدأه ابن زياد بقتال؟!
رابعاً: إن الحسين «عليه السلام» قد أرسل مسلماً إلى الكوفة مستطلعاً آراء أهلها، وممهداً للأمور، وقد أمره بالكتمان. وهذا التصرف - أعني قتل ابن زياد - لا يتلاءم مع الكتمان، ولا هو في متن مهمة مسلم ، فكيف يقدم مسلم على أمر بهذه الخطورة من عند نفسه؟!
خامساً : إذا كان قتل عبيد الله في بيت هاني قد يعرض حياة أهل ذلك البيت للخطر، فإن من حقهم أن يعترضوا على من يفعل ذلك،
فإذا فرض أن هانيا قد تنازل عن حقه، فإن اعتراض تلك المرأة على مسلم، وقسمها عليه بأن لا يفعل، بالإضافة إلى التماس، وتعلق بالأذيال، وبكاء ورجاء - إن ذلك - يجعل الإقدام على أمر كهذا غير سدید.
ولعلك تقول: فكيف نفسر إذن ما ذكرته الرواية، من قول هاني: إن تلك المرأة قد قتلته وقتلت نفسها؟!
ونجيب:
بأنه إنما توقع إقدام ابن زياد على الإنتقام والعدوان، ولكن هذا التوقع لا يبرر الإقدام على قتل ذلك الرجل، ما دام لم يصبح محارباً..
ولأجل ذلك لم يرض علي «عليه السلام» بقتل ابن ملجم، بالرغم من أنه «عليه السلام» كان يخبر عنه بأنه هو الذي سيقتله..
إن امتناع مسلم عن الفتك بعبيد الله بن زياد هو من مفاخر مسلم، ومن إنجازاته الكبرى. وربما كان هذا بالإضافة إلى فاجعة كربلاء من أسباب يقظة ضمائر الكثيرين من الناس، فأعلنوا توبتهم وندمهم، ثم خرجوا ثائرين على الحكام الطاغين، وخاضوا معركة طاحنة في عين الوردة استشهد جلهم فيها. وهؤلاء هم الذين عرفوا بالتوابين.
ولعل من أسباب هذه اليقظة الوجدانية : أنهم رأوا كيف أن مسلماً
لا يقدم على الفتك بعبيد الله، بالرغم من قدرته على ذلك، ولكن عبيد الله وسائر زباينته وأعوانه قد غدروا بمسلم، وقتلوه، وفعلوا به الأفاعيل..
كما أن مسلماً إنما جاء إلى الكوفة بالتماس من أهلها، لكي يهيئ الظروف لإنقاذهم من واقعهم المزري. وقد بايعوه، وعاقدوه، وعاهدوه على النصر والمؤازرة، والوفاء، وإذ بهم يغدرون به، وينكثون بيعته، ويسلمونه إلى عدوه. فصادف «رحمه الله» الغدر من أوليائه ومن أعدائه على حد سواء.
إذا راجعنا كتب اللغة، فسنجد في طيات كلامهم ظلالاً قاتمة المعنى الفتك، فهم يقولون مثلاً: فتك الرجل: ركب ما هم من الأمور، ودعت إليه النفس، وفتك بفلان: بطش به. وقيل : قتله على غفلة(1).
والفتك : القتل بعد الأمان غدراً كما قيل.
لكن الظاهر: أن قتل الغافل فتك، وإن لم يعطه أماناً قبل ذلك(2).
ففي الفتك إذن انقياد لدواعي النفس، وفيه معنى الغدر، وفيه استغلال لغفلة الآخرين. وهي أمور لا يحب الله أن يراها في أهل الإيمان..
المروي هو: أن الإسلام قيد الفتك، وزاد في بعض النصوص قوله: فلا يفتك مؤمن، لكن هناك من أضاف هنا كلمة واحدة. وهي كلمة «بمؤمن» فصارت العبارة هكذا: «فلا يفتك مؤمن بمؤمن»(1).
وهذه إضافة خبيثة، فإن الفتك ممنوع، سواء أكان بالمؤمن أو بغيره، فلا يجوز الفتك بالفاسقين والكافرين، إذا كانوا يعيشون الشعور بالأمن من جهتك. إذ لا يجوز البطش بأي كان من الناس، إذا كنت قد أمنته. أو إذا كان آمنا من ناحيتك.
ويبدو: أن سبب هذه الإضافة هي إثبات الإيمان لعبيد الله بن زياد من خلال مسلم بن عقيل، بزعم: أن مسلما أحجم عن قتله لأنه مؤمن!!
في حين أن شريك بن الأعور ، يقول لمسلم : إن ابن زياد فاسق فاجر منافق(2).
أو قال : غادر فاجر كافر(3).
أو قال: فاسق فاجر كافر غادر(4).
كما أن هاني بن عروة قد وصف ابن زياد: بأنه فاسق فاجر، كافر، غادر(1).
وفي رواية : أن الفتك لا يجوز إلا بأذن الإمام «عليه السلام». وقد حكم الإمام الصادق «عليه السلام» على من فتك بشاتمي أمير المؤمنين «عليه السلام» أن يذبح بمنى كبشاً بكل واحد منهم، ولو أنه قتلهم بإذن الإمام «عليه السلام» لم يكن عليه شيء(2).
وفي رواية أخرى قال أبو الصباح الكناني: قلت لأبي عبد الله «عليه السلام»: إن لنا جاراً من همدان يقال له: الجعد بن عبد الله، وهو يجلس إلينا، فنذكر عليا أمير المؤمنين «عليه السلام» وفضله، فيقع فيه، أفتأذن لي فيه؟!
فقال لي: يا أبا الصباح أفكنت فاعلا؟!
فقلت: إي والله، لئن أذنت لي فيه الأرصدنه، فإذا صار فيها
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 363 و (ط الأعلمي) ج4 ص271 وبحار الأنوار ج 44 ص 344 والكامل في التاريخ ج 4 ص 27 وأعيان الشيعة ج7 ص 344 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص33 ونهاية الأرب ج20 ص 392.
2) تهذيب الأحكام ج 10 ص 213 و 214 والكافي ج 7 ص 376 وروضة المتقين ج 10 ص310 و 311 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 29 ص 272 و (الإسلامية) ج 19 ص 204 و 205 ومرآة العقول ج 24 ص 214.
اقتحمت عليه بسيفي فخبطته حتى أقتله.
قال: فقال: يا أبا الصباح، هذا الفتك وقد نهى رسول الله «صلى الله عليه وآله» عن الفتك. يا أبا الصباح، إن الاسلام قيد الفتك الخ..(1). أي أنه «عليه السلام» لم يأذن لأبي الصباح بما أراد.
وهنا سؤال يطرح عن أن كلمة «قيد» هل تقرأ بتشديد الياء، أو تقرأ بتسكينها ، فإذا قرئت بتشديدها تكون فعلا ماضياً، ويصير مفاد الكلام أن الفتك شامل لأكثر من نوع، وقد قيده الإسلام، فرضي ببعض أنواعه، كالفتك بالعدو المحارب.. ولم يرض ببعضها الآخر، وهو الفتك بالمؤمنين الذين هم في أمان من قبل إخوانهم، وهو الأمان الذي فرضه الله، وجعله حقا لهم.
وإن قرئت بتسكين الياء - كما هو الأرجح، والأظهر - كان المعنى: أن الإسلام يمنع من الفتك بجميع أنواعه، ولا يجيزه في أي حال..
والشاهد على هذا ثلاثة أمور:
1) الكافي ج 7 ص 375 وتهذيب الأحكام ج 10 ص 214 وروضة المتقين ج 10 ص 309 والوافي ج 15 ص 500 ومدينة المعاجز ج 6 ص 11 و 12 ومرآة العقول ج 24 ص 213 وراجع: بحار الأنوار ج 47 ص 137 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 364.
الأول: أنه جعل القيد للفتك من حيث هو، وبملاحظة حقيقة معناه.
الثاني: إنه قال : فلا يفتك مؤمن.. فدل ذلك على انتفاء حقيقة الفتك عن كل مؤمن. أي أنهما - أعني صفة الإيمان، وصفة الفتك - صفتان متنافرتان. فالإيمان يمنع من الفتك بالآخرين أيا كان نوع هذا الفتك و مورده..
الثالث: إن هذا يدلنا على أن المراد بالفتك ليس هو قتل الغافل، لأن الغافل قد يكون عدواً محارباً، فلماذا يمنع المؤمن من قتله إذا كان لم يحترس لنفسه؟! فإذا جاز للمؤمن قتل المحارب، فإنه يتنافى مع قوله: فلا يفتك مؤمن.. فدلنا ذلك: على أن الفتك هو قتل خصوص من يكون من جهتك في عهد وأمان وفقاً لأحكام الدين، أو من خلال العقد الاجتماعي العام، الذي يبني الناس عليه حياتهم وعلاقاتهم.
فهذه الكلمة المباركة تدلنا بمجموعها على عدم صحة بعض ما ذكره اللغويون في معنى الفتك، فإن الفتك لا يكون فتكاً إلا إذا كان هناك عهد وأمان معطى، ولو من خلال الشرع أو التباني الاجتماعي العام.
وأما قتل العدو المحارب، فلا يعد فتكاً لكي يحتاج إلى استثناء.
نلاحظ: أن رواية أبي الوداك تقول : إن مسلما قال لشريك: إن الذي منعه من قتل عبيد الله حديث حدثه الناس عن النبي «صلى الله
عليه وآله: إن الإسلام قيد الفتك، ولا يفتك مؤمن(1).
لكن ابن الأثير الذي يتقيد غالباً بنص الطبري. قد ذكر أن مسلما قال: إن عليا أمير المؤمنين «عليه السلام» هو الذي حدث بهذا الحديث(2).
فلماذا يتلاعب هؤلاء بالنصوص ؟! وهل بغض على وأهل البيت «عليهم السلام» يبيح لهم تشويه الحقائق والتدليس على الناس؟!
وقد حاول ابن كثير وغيره الإيحاء للقارئ:
بأن الذي منع مسلماً من قتل ابن زياد هو الجبن(3)وهو كلام باطل، فإن شجاعته «رحمه الله» لا توصف، كما أظهرته المعركة التي خاضها حين استشهد . وقد شهد له المؤرخون بذلك أيضا(4). فراجع.
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 363 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 271 ومقاتل الطالبيين ص 99 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 65 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 33 وبحار الأنوار ج 44 ص 344 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 193 والفوائد الرجالية ج 4 ص 33 .
2) راجع : الكامل في التاريخ ج 4 ص 27 .
3) راجع: الأخبار الطوال ص 234 والبداية والنهاية ج 8 ص 153 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 165 .
4) مثير الأحزان ص 31 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 20 والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 2 ص 4 و (تحقيق الشيري) ج 2 ص 8 ولواعج الأشجان ص46 والدر النظيم ص 542 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص106 عن مصادر أخرى.
وقد لفت نظرنا إصرار شريك على مسلم أن ينفذ ما طلبه منه، بالرغم من تصريح هاني بعدم رضاه بقتل ابن زياد في داره(1).
ولا نرى تفسيراً لهذا الإصرار إلا أنه يعني أن شريكاً «رحمه الله» كان يرى أن وحدة الحال بينه وبين هاني، والإندماج التام في المشروع الذي يهمهما معاً، ويعملان من أجله يخوله أن يتعامل مع هاني بهذه الطريقة.
ويشهد لذلك قولهم: كان هاني بن عروة مواصلاً لشريك. وحين قدم شريك من البصرة كان هاني هو الذي انطلق إليه حتى أتى به منزله، وأنزله مع مسلم بن عقيل في نفس الحجرة التي كان فيها،
1) راجع: أنساب الأشراف ج 2 ص 337 و (ط الأعلمي) ج 2 ص 79 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 363 (ط الأعلمي) ج 4 ص 271 والكامل في التاريخ ج 4 ص 27 وتجارب الأمم ج 2 ص 45 ومقاتل الطالبيين ص99 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 65 وبحار الأنوار ج 44 ص344 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 193 ولواعج الأشجان ص46 والفوائد الرجالية ج 4 ص 33 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 33 ونهاية الأرب ج20 ص 392 والأخبار الطوال ص 235.
وكان شريك يحث هانياً على القيام بأمر مسلم(1).
تقدم: أننا إذا لاحظنا نصوص هذه القضية التي جمعت في بعض الموسوعات(2)، فسنجد بعض موارد الاختلاف فيما بينها، ونريد أن نلفت النظر هنا إلى اختلاف في إسمين هما محور هذه القضية، وهما: شريك وهاني.
فأما بالنسبة لشريك ابن الأعور ، فقد سمي: شريك بن عبد الله الأعور الهمداني(3)، وفي الأخبار الطوال: البصري(4). لكن البلاذري يقول: وإسم الأعور : الحارث(5).
وأما بالنسبة لهاني بن عروة، فنقول:
1) الأخبار الطوال ص 233.
2) موسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 98 - 108.
3) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 42 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 201. ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص242 ومثير الأحزان (ط المكتبة الحيدرية) ص 20 وبحار الأنوار ج 44 ص 343 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 192 ولواعج الأشجان ص 45.
4) الأخبار الطوال ص 233 وراجع: مقتل الحسين للسيد المقرم ص 151.
5) أنساب الأشراف ج 2 ص 337 و (ط الأعلمي) ج 2 ص79. وراجع: فتوح البلدان ج 2 ص 483 واللباب في تهذيب الأنساب ج 1 ص 521.
لقد سماه ابن كثير: بهاني بن حميد بن عروة المرادي(1).
بينما سائر المصادر سمته بهاني بن عروة.
كما أن كون هاني من مراد لا ينافي كونه من مذحج، فإن القبائل الكبيرة تتفرغ منها فروع عديدة، فينسب الشخص تارة إلى القبيلة الأم، وأخرى إلى التي تفرعت عنها.
كما أن ابن كثير يقول: إن مسلماً قد اعتذر لشريك بحديث: «الإيمان قيد الفتك»، لا يفتك مؤمن، وكرهت أن أقتله في بيتك(2).
وهذا معناه : أن شريكاً كان في بيته، لا في بيت هاني بن عروة. كما أن مسلماً «عليه السلام» هو الذي كره قتله في بيت شريك، ولم يكن الكاره هاني، ولا تلك المرأة التي يقال: إنها هي أقسمت عليه ألا يفعل.
تذكر بعض الروايات أو يستظهر منها: أن ابن زياد قد عرف حين عيادته لهاني أو لشريك أن أمراً ما قد دبر له. أو وقع في قلبه أمر من الأمور، كما يقول ابن أعثم.
وفي بعض الروايات: أن بعض أعوانه، أو بعض رجال شرطته
أخبره بأنه نجا من القتل، وهي ليست صريحة في أنه قد عرف ذلك فور خروجه من بيت هاني، أو من منزل شريك..
في حين أننا نجد في رواية أبي الوداك تصريحاً: بأنه علم بالأمر بعد قتل هاني ومسلم «رحمهما الله». فهي تقول: «وبلغ عبيد الله بعد ما قتل مسلماً وهانئا: أن ذلك الذي كنت سمعت من شريك في مرضه، إنما كان يحرض مسلماً، ويأمره بالخروج إليك ليقتلك.
فقال عبيد الله : والله، لا أصلي على جنازة رجل من أهل العراق أبداً. ووالله، لولا أن قبر زياد فيهم لنبشت شريكا»(1).
وآخر ما نقوله هنا : إن ثمة محاولة أخرى لقتل ابن زياد بذلها عمار بن أبي سلامة الدالاني، وذلك في عسكره بالنخيلة، فلم يمكنه ذلك، فلطف حتى لحق بالحسين «عليه السلام» فقتل معه(2).
ولكننا لا نملك الكثير من تفاصيل هذه المحاولة التي تبدو لنا جريئة وقوية، من حيث إنه رجل واحد استطاع أن ينجو من كل زبانية ابن زياد وجنده وأعوانه الذين كانوا في المعسكر. ولا شك في أنهم أعداد كبيرة. فلولا أن هذا الرجل كان بارعاً وشجاعاً، فإن نجاته
في ظرف كهذا ، ومن بين هذه الأعداد الكبيرة تكاد تلحق بالكرامة له «رضوان الله تعالى عليه».
ومما يؤكد ذلك : أن هذا الرجل الباسل حين هرب من المعسكر واجه على جسر الصراة خمسمائة فارس بقيادة زجر بن قيس الجعفي يمنعون من يريد الخروج إلى الحسين «عليه السلام»، فمر بهم عامر، فقال زجر: قد عرفت حيث تريد، فارجع.
فحمل عليه وعلى أصحابه فهزمهم، ومضى وليس أحد منهم يطمع في الدنو منه(1).
وهذه شجاعة نادرة تجعلنا نصدق الكثير مما قد يعتبره بعض القاصرين أنه من المبالغات أو الخيالات.
1) مقتل الحسين للمقرم ص 199 عن كتاب الإكليل للهمداني ج10 ص87 و 101.
وبعد موت شريك بن عبد الله استطاع ابن زياد أن يعرف مكان نزول مسلم بن عقيل من خلال جاسوس من أهل الشام يقال له: معقل، وهو تميمي.
وتلخص ما جرى كما يلي:
إن ابن زياد أعطى مولى يقال له: معقل ثلاثة آلاف درهم، ليجعلها وسيلته للوصول إلى مسلم بن عقيل وأصحابه، ويعطيهم إياها ليستعينوا بها على حرب عدوهم، وأمره بأن يواصل تردده عليهم، لأن انقطاعه عنهم يوجب شكهم في أمره، ويدفعهم إلى الانتقال إلى منزل آخر سيكون من الصعب على ابن زياد أن يظفر به.
فلقى مسلم بن عوسجة في المسجد الأعظم، وهو يصلي، وسمع الناس يقولون : إن هذا يبايع للحسين «عليه السلام».
وفي الأخبار الطوال: إن معقلا نظر إلى رجل يكثر الصلاة إلى سارية من سواري المسجد، فقال في نفسه: إن هؤلاء الشيعة يكثرون الصلاة ، وأحسب هذا منهم. فانتظره حتى إذا انفتل من صلاته تقدم إليه وادعى له: أنه يحب أهل البيت. وطلب منه لقاء مسلم، ليعطيه المال، ويبايعه.
فأخذ مسلم بن عوسجة بيعته، والمواثيق المغلظة على المناصحة والكتمان.
ثم طلب منه: أن يختلف إليه أياماً في منزله، إلى أن يستأذن له بالدخول على مسلم بن عقيل، فمات شريك بن الأعور، فشغلهم ذلك، ثم أدخله عليه بعد موت شريك واعتذر لمعقل.
فأخذ ابن عقيل بيعته، وأمر أبا ثمامة الصائدي، فقبض منه المال - وأبو ثمامة هو الذي كان يقبض الأموال، ويشتري لهم السلاح.
وصار معقل يختلف إليهم، فيكون أول داخل، وآخر خارج، يسمع أخبارهم، ويعلم أسرارهم، وينقلها إلى ابن زياد(1).
1) راجع هذه القصة باختصار تارة وتطويل أخرى في موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 3 ص 112 - 116 عن المصادر التالية: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 348 و 362 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 269 و 270 ومقاتل الطالبين ص 100 و (ط المكتبة الحيدرية) ص64 والكامل في التاريخ ج 4 ص 27 و 28 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 45 و 46 وإعلام الورى ج 1 ص 439 وأنساب الأشراف ج 2 ص 336 و (ط الأعلمي) ج 2 ص 79 ومروج الذهب ج 3 ص 7 والبداية والنهاية ج8 ص 153 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 164 وبحار الأنوار ج 44 ص 342 و 343 والأخبار الطوال ص 335 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 41 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 201 وتهذيب الكمال ج 6 ص 424 وتهذيب التهذيب ج 1 ص 591 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 307 والإصابة ج 2 ص70 وتذكرة الخواص (ط النجف) ص 241 والحدائق الوردية ج 1 ص 115 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 91 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 242 ومثير الأحزان ص 32 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 21 والأمالي الشجرية ج 1 ص 190 وراجع: روضة الواعظين ص 174 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 192 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 31 ولواعج الأشجان ص 46 و 47 والفوائد الرجالية ج 4 ص 19 و 20 وأعيان الشيعة ج 1 ص 591.
وقبل أن نتابع الحديث عن الحوادث التالية، نشير إلى أمرين:
أحدهما: تقدم: أننا لا نحتاج إلى رصد الاختلافات بين النصوص في المصادر المختلفة، لأن الأمر سيكون قليل الفائدة، فإن غالبها اختلافات لا تضر في أصل الموضوع.
الثاني: إن النص المتقدم يؤكد على أن من سمات شيعة أهل البيت «عليهم السلام» الاهتمام بالعبادة، وكثرة الصلاة، وظهور الصلاح، وأن عليهم سيماء الخير .
وقد ذكرنا في أواخر غزوة بدر في كتاب الصحيح من سيرة النبي الأعظم «صلى الله عليه وآله» تحت عنوان: «خصائص الشيعة» موارد كثيرة من خصال الخير، إشتهر بها شيعة أهل البيت «عليهم السلام»، فلا بأس بمراجعته.
وقد يحاول بعض الإخوة الأكارم تسجيل تحفظ على العاملين مع مسلم بن عقيل، فإنهم لم يتخذوا التدابير الكافية لمنع أمثال معقل من
النفوذ إلى أعماق حركة مسلم، والحصول على أسرارها، وأخبارها، والتعرف على رموزها والفاعلين فيها..
ويتأكد لزوم الإحتياط بإخباره إياهم بأنه من بلاد الشام، من حمص؛ فإنه كما يمكن أن يكون صديقاً وصادقاً فيما يدعيه، يمكن أن يكون عدواً يتربص بهم الدوائر..
لاسيما مع ظهور سعي ابن زياد لدس الرجال إليهم، وبث العيون عليهم(1).
غير أننا نقول:
إن مسلماً ومن معه كانوا يبذلون غاية الجهد في التكتم والتعمية على أعدائهم، بدليل أنهم بالرغم من أنهم استطاعوا الاتصال بعشرات الألوف، وأخذوا منهم بيعتهم للحسين «عليه السلام»، وهيأوا لفريق منهم يبلغ نحو أربعة آلاف رجل، دوراً ينزلون فيها، ويكونون على أهبة الاستعداد لأي طارئ..
فإن ابن زياد، وأعوانه لم يتمكنوا من أن يعرفوا شيئاً عنهم، وعن مكان وجودهم، وكيفية نشاطهم..
وهذا يدل على حسن تدبير لا نظير له، وعلى دقة وسلامة مسيرهم.
بل ذلك هو الغاية في دقة وسلامة الإجراءات التي يتخذونها .
1) حياة الإمام الحسن للقرشي ج 2 ص 369 .
وحصول اختراق في مورد واحد، وهو مورد معقل لا يقلل من قيمة تلك الإجراءات، ولا يفقدهم صفة الدقة، والتدبير، والسياسة في أعلى مراتبها، فإن من الطبيعي أن تقتحم حريم هذه التدابير، وتفرض عليها درجة من العجز والعقم، والخواء حالات تأتي من خارج محيطها.
فمثلاً، إذا كان هناك ظرف فرض على أحد أبرز وأهم القادة الثقات الأبرار كمسلم بن عوسجة أن يكون هو همزة الوصل لمرة واحدة بين شخص - كمعقل - وبين القائد الأعلى وهو مسلم بن عقيل، فإن من يتابع تطبيق إجراءات البحث والتقصي عن حالات الأشخاص سيقع في غفلة قسرية يفرضها عليه موقع مسلم بن عوسجة، وإخلاصه، وشدة حرصه على هذا الأمر ودرجة احتياط فيه.
فلا يكاد يخطر في بال هؤلاء إلا أن معقلاً لا بد أن يكون من أوثق الناس، لكي يرضى ابن عوسجة بأن يكون وسيلته إلى الوصول إلى مسلم بن عقيل.
فإذا صاحب هذا الشعور شعور آخر يفرض نفسه على ابن عوسجة نفسه، وهو أن الجهاز المتكفل بالبحث عن سوابق الأشخاص وانتماءاتهم، ومدى وثاقتهم، سوف لن يقصر في القيام بالمطلوب منه تجاه معقل وغيره، فإن الأسباب تكون قد تضافرت وتوافرت على إنتاج غفلة قهرية عن أمر معقل هذا.
وبذلك يظهر: أن الأمر لا ينطلق من سذاجة قاتلة، ولا من تقصير أو قصور في الإجراءات الوقائية، بل من أمر طبيعي فرض
نفسه على الشعور البشري، وتبلور على شكل غفلة لا يمكن دفعها فيما نعرفه في طبائع البشر وحالاتهم.
1 - قال ابن أعثم:
فبينا عبيد الله بن زياد من هؤلاء القوم في محاورة، إذ دخل عليه رجل من أصحابه يقال له: عبد الله [في الخوارزمي: مالك] بن يربوع التميمي، فقال: أصلح الله الأمير! ههنا خبر.
فقال له [ابن] زياد: وما ذاك؟!
قال: كنت خارج الكوفة أجول على فرسي وأقلبه، إذ نظرت إلى رجل قد خرج من الكوفة مسرعاً يريد البادية، فأنكرته، ثم لحقته، وسألته عن حاله وأمره، فذكر أنه من أهل المدينة.
ثم نزلت عن فرسي ففتشته، فأصبت معه هذا الكتاب.
قال: فأخذ عبيد الله بن زياد الكتاب ففضه وقرأه، وإذا فيه مكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم
للحسين بن علي، أما بعد، فإني أخبرك أنه قد بايعك من أهل الكوفة نيف وعشرون ألفاً، فإذا بلغك كتابي هذا فالعجل العجل، فإن الناس كلهم معك، وليس لهم في يزيد بن معاوية رأي ولا هوى - والسلام -.
قال: فقال ابن زياد: أين هذا الرجل الذي أصبت معه هذا
الكتاب؟!
قال: بالباب.
فقال: ائتوني به!
فلما دخل ووقف بين يدي ابن زياد، قال له: من أنت؟!
قال: أنا مولى لبني هاشم.
قال: فما اسمك؟!
قال: اسمي عبد الله بن يقطين.
قال: من دفع إليك هذا الكتاب؟!
قال: دفعه إلى امرأة لا أعرفها.
قال: فضحك عبيد الله بن زياد وقال: أخبرني واحدة من ثنتين: إما أن تخبرني من دفع إليك هذا الكتاب، فتنجو من يدي، وإما أن تقتل.
فقال: أما الكتاب فإني لا أخبرك من دفعه إلي، وأما القتل فإني لا أكرهه، فإني لا أعلم قتيلا عند الله أعظم ممن يقتله مثلك.
قال: فأمر عبيد الله بن زیاد بضرب عنقه، فضربت رقبته صبراً - رحمه الله-(1).
1) راجع: الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 44 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص 203 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 92 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 243 وبحار الأنوار ج 44 ص 343 والعوالم، الإمام الحسين ص 192 و 193.
2 - عن بكر بن مصعب المزني:
كانَ الحُسَينُ «عليه السلام» لا يَمُرُّ بأهل ماءٍ إِلَّا اتَّبَعُوهُ، حَتَّى إِذا انتَهى إلى زبالة، سَقط إليهِ مَقْتَلُ أَخِيهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ؛ مَقْتَلُ عَبدِ اللَّهِ بن يُقطر، وكانَ سَرَّحَهُ إِلى مُسلِمٍ بن عَقِيلٍ مِنَ الطريق، وهُوَ لا يَدري أَنَّهُ قد أصيب، فَتَلْقاهُ خَيلُ الحُصين بن تميمٍ [لعل الصحيح: نمير. وتميم تصحيف عنها] بالقادِسِيَّةِ، فَسَرَّحَ بِهِ إِلى عُبَيدِ اللهِ بن زيادٍ.
فقال: اصعد فوق القصر، فالعَنِ الكَذَّابَ ابْنَ الْكَذَّابِ، ثُمَّ انزِل حَتى أرى فيكَ رَأيي.
قالَ: فَصَعِدَ، فلمّا أشرَفَ عَلى النّاس قالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! إِنِّي رَسولُ الحُسَين بن فاطِمَة بنتِ رسول اللهِ «صلى الله عليه وآله»، لِتَنصُرُوهُ وثواز روهُ عَلى ابن مرجانة، ابن سُمَيَّة الدَّعِي [وعند الخوارزمي: ودعا للحسين «عليه السلام» ولعن يزيد بن معاوية، وعبيد الله بن زياد، وأبويهما].
فَأَمَرَ بِهِ عُبَيدُ اللهِ فَألْقِيَ من فوق القصر إلى الأرض، فكسرت عِظامُهُ وبَقِيَ بِهِ رَمَقٌ، فَأَتاهُ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ: عَبدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيرٍ اللخمِيُّ، فَدَبَحَهُ، فلمّا عِيبَ ذلِكَ عَليهِ قالَ: إنَّما أردتُ أن أريحَهُ(1).
1) راجع: موسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 212 - 215 عن المصادر التالية: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 398 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 300 والكامل في التاريخ ج 4 ص 42 والطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 460 و 478 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص68 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 299 والبداية والنهاية ج 8 ص 168 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 181 والأمالي الشجرية ج 1 ص172 والحدائق الوردية ج 1 ص 121 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 77 وأنساب الأشراف ج 3 ص 279 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص228 والثقات لابن حبان ج 2 ص 310 وراجع: نهاية الأرب ج 20 ص 414 و 415 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 78 ولواعج الأشجان ص85 و 86 وأعيان الشيعة ج 1 ص 595 وروضة الواعظين ص 177 و 178 وإعلام الورى ج 1 ص 446 وتاريخ الكوفة ص 322 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 806 .
ونقول:
لاحظ الأمور التالية:
متى حدث هذا؟!:
يفهم من كلام ابن أعثم: أن حديث عبد الله بن يقطر قد حصل بعد موت شريك بن الأعور ، وقبل سعي ابن زياد إلى استقدام هاني بن عروة إلى القصر، بواسطة محمد بن الأشعث وأسماء بن خارجة، وعمرو بن الحجاج.
ولأجل ذلك ذكرناه هنا، لأننا نود أن نراعي التسلسل الطبيعي للأحداث.
ونلاحظ أن ثمة اختلافاً في الأسماء هنا، ففي بعض المصادر:
أنه ابن بقطر، بالباء الموحدة المضمومة - بوزن عصفر-(1).
وفي بعضها: أنه ابن يقطر - بفتح الياء المثناة(2).
وفي فتوح ابن أعثم، وتسلية المجالس لمحمد بن أبي طالب(3): «ابن يقطين».
ونحتمل أن تكون: كلمة يقطين مصحفة عن كلمة يقطر، لتقارب رسم الكلمتين.
وقد يشهد لذلك : أن الخوارزمي الذي ينقل هذه الوقائع عادة عن ابن أعثم الكوفي، قد سماه «عبد الله بن يقطر ». فإنه قد صرح في أول الفصل الذي أورد فيه هذه الحادثة: بأنه ينقل كلام ابن أعثم.
ولم نجد بين النص الذي في الفتوح والنص الذي نقله الخوارزمي ما يوجب نقض هذا الانطباع، فإنها نصوص شديدة التقارب، ولا تختلف إلا فى كلمات يسيرة لا تضر بالمضمون، ولا تغير ولا تزيد فيه شيئاً أي أنها لا تزيد على الاختلاف الذي يكون بين نسخ الكتاب
1) راجع: رجال ابن داود ص217 و (ط المكتبة الحيدرية) ص125 وقاموس الرجال ج 6 ص 666 وراجع: إبصار العين للسماوي ص52 و 53 و (ط سنة 1419هـ) ص 94 وذخيرة الدارين للحائري ج 1 ص 284 .
2) خلاصة الأقوال للعلامة (ط حجرية) ص 51 ومنهج المقال ص214 وذخيرة الدارين ج 1 ص 283 و 284 و راجع: قاموس الرجال ج6 ص 666 وإبصار العين ص 52 و 53.
3) راجع: تسلية المجالس ج 2 ص 182 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 45 .
الواحد.
وقد ذكرت الروايات والمصادر: أن عبد الله بن يقطر كان رضيع الحسين «عليه السلام»(1). في حين أننا قد قلنا في الجزء الثاني من
1) راجع: موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 3 ص388 - 391 عن كثير من المصادر، ونذكر منها ، ونضيف إليها غيرها ما يلي: تاريخ الكوفة ص 103 و 322 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 244 والأمالي لابن الشجري ج 1 ص 172 وتسمية من قتل مع الحسين ص152 والحدائق الوردية ج 2 ص 121 وذخيرة الدارين ج 1 ص 283 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 77 وجمل من أنساب الأشراف ج3 ص 379 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 398 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 359 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 71 و 72 وروضة الواعظين ص 152 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 228 و 229 وج 2 ص 203 و 47 والكامل في التاريخ ج 3 ص 278 و 303 وج 4 ص 93 ونهاية الأرب ج 20 ص 414 والفصول المهمة لابن الصباغ (ط النجف) ص189 و 197 و 198 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 340 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 77 والثقات لابن حبان ج 2 ص 310 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 333 والإختصاص ص 78 و (ط دار المفيد) ص83 ورجال الطوسي ص 76 ونقد الرجال للتفرشي ص 210 ومنتهى المقال ج 4 ص 258 وإعلام الورى ص 228 والبداية والنهاية ج 8 ص 168 و 189 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 77 والخرايج والجرايح ج 2 ص 550 والإصابة ج 3 ص 58 ورجال ابن داود ص 17 وبحار الأنوار ج 44 ص 199 و الفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 848 .
هذا الكتاب : إن هذا غير دقيق، وذلك لما يلي:
1 - روي عن الإمام الصادق «عليه السلام» قوله: ولم يرضع الحسين «عليه السلام» من فاطمة، ولا من أنثى. ولكنه كان يؤتى به النبي، فيضع إبهامه في فيه، فيمص منها ما يكفيه اليومين والثلاثة، فينبت لحم الحسين من لحم رسول الله، ودمه(1).
2 - وهناك رواية أخرى بهذا المضمون عن الإمام الصادق «عليه السلام» أيضاً(2).
1) الكافي ج 1 ص 465 وبحار الأنوار ج 44 ص 198 و 233 ومدينة المعاجز ج 3 ص 448 والعوالم ، الإمام الحسين ص 24 و 115 ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 305 وج 4 ص 145 وتفسير كنز الدقائق ج 12 ص 185 وتفسير نور الثقلين ج 5 ص 14 والبرهان (تفسير) ج 5 ص 40 وتأويل الآيات الظاهرة ج 2 ص 580 ومرآة العقول ج 5 ص 365 وكامل الزيارات ص 124 .
2) الإمامة والتبصرة ص 182 و (ط مدرسة الإمام المهدي سنة 1404هـ) ص 51 و 52 وعلل الشرائع (ط المكتبة الحيدرية سنة 1385) ج1 ص 206 وبحار الأنوار ج 25 ص 254 و 255 و ج 43 ص 245 ص254 والعوالم، الإمام الحسين «عليه السلام» ج 17 ص 23 و 24 ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 300 والبرهان (تفسير) ج 5 ص40 وتفسير كنز الدقائق ج 12 ص 184.
3 - وروي هذا المعنى أيضاً عن أبي الحسن الرضا، وفي آخر الرواية قال: ولم يرتضع من أنثى(1).
4 - وعن الحسين بن زيد عن آبائه «عليهم السلام»: ولم يرضع الحسين «عليه السلام» من أنثى حتى نبت لحمه ودمه من ريق رسول الله «صلى الله عليه وآله»(2).
5 - وهناك رواية تقول : اعتلت فاطمة «عليها السلام» لما ولدت الحسين «عليه السلام» وجف لبنها ؛ فطلب رسول الله «صلى الله عليه وآله» مرضعا، فلم يجد. فكان يأتيه فيلقمه إبهامه، فيمصها، ويجعل الله له في إبهام رسول الله رزقاً يغذوه(3).
ونستطيع أن نفهم من الروايات المتقدمة، ولاسيما الرابعة
1) الكافي ج 1 ص 465 ومدينة المعاجز ج 3 ص 448 وبحار الأنوار ج 44 ص 198 ومرآة العقول ج 5 ص 365 و 366 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 25.
2) تأويل الآيات الظاهرة ج 2 ص 579 وبحار الأنوار ج23 ص 272 والبرهان (تفسير) ج 5 ص 42 وتفسير كنز الدقائق ج 12 ص181.
3) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 50 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 209 عن كتاب الغرر، لابن خيرانة، ومدينة المعاجز ج 3 ص 493 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 21 وشجرة طوبى ج 2 ص 262 وبحار الأنوار ج 43 ص 254 .
والخامسة منها : أن الحالة التى طرأت على السيدة الزهراء، هي التي جعلت النبي «صلى الله عليه وآله» يغذوه من إبهامه الشريف، وأن ذلك استمر إلى حين نبت لحمه ودمه «عليه السلام». ولعل هذا استمر أياما ، ثم زال العارض.
فيصح أن يقال: إنه «عليه السلام» في هذه الفترة لم يرتضع من أنثى قط.
وحتى بعد أن صار يرتضع من أمه، فإنه يصح أن يقال أيضاً: إنه لم يرتضع من أنثى، على معنى أنه لم يرتضع من غيرها «عليها السلام» قط. فإن احتمال أن يكون هذا هو المقصود ليس بالأمر المستهجن.
وأما الحديث عن المرضعات له «عليه السلام»، فلعل سببه هو أن بعض النسوة كن يكثرن الدخول على السيدة الزهراء «عليها السلام»، ويساعدنها في أمور ترتبط بالمولود المبارك ورعايته طلباً للمثوبة، والتماسا للبركة، فأطلق عليها من الأوصاف التي تحكي هذا الواقع ما أوهم البعض أنها كانت ترضع الإمام الحسين «عليه السلام».
وربما ساعد على ذلك: أنه كان لتلك النسوة أولاد في سن يناسب سن الإمام الحسين «صلوات الله وسلامه عليه».
1 - صرح النص المتقدم عن ابن أعثم: بأن عبد الله بن يقطر قد اعتقل وهو خارج من الكوفة ومعه رسالة يريد أن يوصلها إلى الإمام الحسين «عليه السلام».
والنظر في مضمون الكتاب يعطينا:
أولاً : أن مرسله هو مسلم بن عقيل، فإن مضمونه يشبه مضمون الكتاب الذي أرسله «رحمه الله» إلى الحسين فور انتقاله إلى بيت هاني بن عروة، إلا أنه يفترق عنه في الرقم الذي ذكره عن عدد المبايعين له..
ثانياً: إنه «رحمه الله» قد ذكر في رسالته الأولى التي أرسلها إلى الإمام الحسين «عليه السلام» من بيت هاني: أن عدد المبايعين له هو ثمانية عشر ألفا.
لكن في هذه الرسالة تذكر : أن عددهم هو نيف وعشرون ألفاً.
وإذا اعتبرنا النص الذي يذكر أنه كتب إليه أن عدد المبايعين له هو اثنا عشر ألفا.
وقلنا: إن هذه الرسالة لعلها أرسلت إلى الإمام الحسين حين كان مسلم في بيت المختار.. فإننا نخرج بنتيجة تقول: إن مسلماً «رحمه الله» قد كتب إلى الإمام الحسين «عليه السلام» ثلاث رسائل متتالية، تضمنت كل واحدة منها رقماً يختلف عن الذي تضمنته الرسائل الأخرى.
وهناك كتاب رابع أرسله مسلم أيضاً إلى الإمام الحسين «عليه السلام» قبل أن يقتل مسلم بسبع وعشرين ليلة. وكتب إليه أهل الكوفة: إن لك ههنا مئة ألف سيف، فلا تتأخر(1).
2 - بالنسبة للنص المتقدم الذي يقول : إن عبد الله بن يقطر كان رسول الإمام الحسين «عليه السلام» إلى الكوفة. وأنه ألقي من فوق القصر في الكوفة ثم ذبح(2).
نقول:
إن نفس هذه القصة قد نسبها جمع آخر إلى قيس بن مسهر الصيداوي(3).
1) الإرشاد ج 2 ص 69 و (ط دار المفيد) ج 2 ص 71 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 217 وبحار الأنوار ج 44 ص 369 و 370 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 220 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 95 والحدائق الوردية ج 1 ص 121 ولواعج الأشجان ص 35 وأعيان الشيعة ج 1 ص 589 والمجالس الفاخرة ص217.
2) تقدمت مصادر هذه القصة، فلا حاجة إلى الإعادة.
3) موسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 216 - 218 عن المصادر التالية: الإرشاد ج 2 ص 69 و (ط دار المفيد) ج 2 ص 71 ومثير الأحزان ص 42 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 30 و 31 وبحار الأنوار ج 44 ص 369 و 370 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 95 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 245 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 220 والحدائق الوردية ج 1 ص121 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 405 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 297 والكامل في التاريخ ج 4 ص 41 وروضة الواعظين ص196 و (منشورات الشريف الرضي) ص 177 وإعلام الورى ج 1 ص 446 وتجارب الأمم ج 2 ص 60 والكامل في التاريخ ج 4 ص 41 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 181 وتاريخ الكوفة ص 323 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 72 ونهاية الأرب ج 20 ص 413 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 68 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 163 .
بل هناك من ادعى: أن عبد الله بن يقطر قد استشهد في كربلاء(1). لا في الكوفة.
إلا أن يكون مراده: أنه استشهد في سياق النهضة الحسينية المباركة، وإن كان هذا من الاحتمالات البعيدة أيضاً.
وربما يكون ابن زياد قد كرر محاولته كسر إرادة هؤلاء الصفوة، ففرض على ابن يقطر نفس ما فرضه على قيس بن مسهر الصيداوي، فجاءت النتيجة متوافقة، كما أظهرته الوقائع.
وليس من البعيد أيضاً : أن يكون الرواة قد خلطوا بين قيس بن مسهر، وبين عبد الله بن يقطر، فذكروا ما فعله عبد الملك بن عمير اللخمي تارة بالنسبة لقيس بن مسهر، وأخرى بالنسبة لعبد الله بن يقطر. مع أن بعض الروايات تقول: إن ابن زياد قد ضرب عنق ابن يقطر صبرا .. وهذا يقوي احتمال أن تكون قصة اللخمي مع ابن
1) البداية والنهاية ج 8 ص 189 و (ط دار إحياء التراث) ص 206 وراجع: الثقات لابن حبان ج 2 ص 310 .
مسهر .
ولا نستبعد أيضاً أن يكون ابن زياد قد رأى أنه بعد أن ألقي ابن يقطر من أعلى القصر قد بقي به رمق، فأمر بضرب عنقه صبراً .
ويلاحظ: أن عبد الله بن يقطر حين صعد القصر لم يقل للناس: أنا
رسول الحسين بن علي «عليه السلام»، بل قال: إني رسول الحسين بن فاطمة، بنت رسول الله «صلى الله عليه وآله»، لمعرفته بأن هذا سيكون أشد وقعاً على ابن زياد، وغيره من أعداء علي والحسين، وأهل البيت «عليهم السلام».
فإن هؤلاء الأعداء كانوا بين نارين، فمن جهة هم لا يطيقون ذكر علي «عليه السلام»، ويسعون لطمس هذا الاسم، ومن جهة ثانية لا يريدون نسبة الحسين «عليه السلام» إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله». فإن هذه الصلة القريبة به «صلى الله عليه وآله» تجعل الناس ينظرون إليه بعين الرضا والمودة، فكيف إذا كان أعداء الله يريدون دفعهم إلى قتله، وإبادة أهل بيته، وذريته، وشيعته، وكل من يتعاطف معه؟!
ولأجل هذا حاولوا إنكار بنوة الحسنين («عليهما السلام» لرسول الله «صلى الله عليه وآله» حتى كانوا يعاقبون من يقول ذلك بالقتل، كما دلت عليه قصة الحجاج مع ابن يعمر، وغيرها. وكانوا يعتمدون في سياستهم هذه على منطق أهل الجاهلية الذي يقول:
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا *** بنوهن أبناء الرجال الأباعد
وقد تكلمنا حول هذا الموضوع في جزء سابق من هذا الكتاب،وفي كتاب: الحياة السياسية للإمام الحسن «عليه السلام».
وقد كان عبد الله بن يقطر مدركاً لهذا الأمر، ولذا رأيناه يسير في الاتجاه الصحيح حين ينسب الحسين «عليه السلام» إلى فاطمة أولاً، ثم إلى جده النبي الأكرم «صلى الله عليه وآله» ثانياً.
وقد زاد في توضيح هذا الأمر حين وضع أمام أعين الناس معادلة لا لبس فيها، تجعلهم يقارنون ويختارون، بين أن يكونوا أنصار ابن فاطمة وابن النبي الأعظم، وهما أقدس الناس، وأطهرهم بنص القرآن، وبين أن يكونوا أنصار دعي وابن دعي، ومن تكون أمه مرجانة، وأمه سمية المشهورتان بممارسة الفاحشة.
والظاهر: أن عبد الله بن يقطر كان الشهيد الثاني في المسيرة الحسينية المباركة بعد استشهاد سليمان بن رزين «رحمه الله» في البصرة.
وأما استشهاد قيس بن مسهر، فكان بعد استشهاد ابن يقطر، لأن خبر مقتل ابن يقطر قد بلغ الإمام الحسين «عليه السلام» حين كان بزبالة في طريقه إلى العراق. أي في الوقت الذي بلغه فيه استشهاد مسلم وهاني «رضوان الله تعالى عليهما». وزبالة تبعد مئات الأميال عن الكوفة..
أما خبر استشهاد قيس بن مسهر، فقد بلغ الإمام الحسين «عليه السلام»، حين بلغ عذيب الهجانات.
وعذيب الهجانات: ماء يبعد أربعة أميال فقط عن القادسية، التي هي قرب الكوفة(1).
1) معجم البلدان ج 4 ص 92 .
وبعد موت شريك، ودس ابن زياد معقلاً التميمي الشامي، وانكشاف أمر مسلم لابن زياد، وعرف أنه في بيت هاني بن عروة، بادر ابن زياد لاستدراج هاني إلى قصر الإمارة، وقبض عليه ونكل به..
ونستطيع تلخيص ما ورد في المصادر المختلفة في حكاية ما جرى على النحو التالي:
عن أبي الوداك(1)قال : كان هاني يغدو ويروح إلى عبيد الله، فلما نزل به مسلم انقطع عنه، وتمارض. فقال ابن زياد لجلسائه (وعن الإمام الباقر «عليه السلام»: قال لوجوه أهل الكوفة(2)): ما لي لا
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 364 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 272 .
2) رواية الإمام الباقر «عليه السلام» عن: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 348 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 259 وتهذيب الكمال ج 6 ص424 وتهذيب التهذيب ج 1 ص 591 و (ط دار الفكر) ج 2 ص 302 و 303 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 307 والإصابة (ط دار الكتب العلمية) ج 2 ص70 وعن تذكرة الخواص ص 242 والأمالي الشجرية ج 1 ص 191 والحدائق الوردية عن السجاد «عليه السلام» ج 1 ص 115 وراجع: الثقات لابن حبان ج 2 ص 307 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 519 وج 33 ص 683.
أرى هانيا؟!
فقالوا: هو شاك.
فقال: لو علمت بمرضه لعدته.
(وفي رواية الإمام الباقر «عليه السلام»: فخرج إليه محمد بن الأشعث في ناس من قومه الخ..).
وفي رواية أبي الوداك قال: ودعا عبيد الله محمد بن الأشعث، وأسماء بن خارجة، وعمرو بن الحجاج الزبيدي - الذي كانت أخته روعة تحت هانئ بن عروة، وهى أم يحيى بن هانئ - فقال لهم: ما يمنع هانئ بن عروة من إتياننا؟!
قالوا: ما ندري أصلحك الله، وإنه ليشتكى.
قال: قد بلغني أنه قد برئ، وهو يجلس على باب داره. فالقوه فمروه ألا يدع ما عليه في ذلك من الحق، فإني لا أحب أن يفسد عندي مثله من أشراف العرب.
(وفي نص آخر: عن عيسى بن يزيد الكناني: أن عبيد الله أرسل إلى محمد بن الأشعث، وأسماء بن خارجة، فقال: ائتياني بهانئ.
فقالا له: إنه لا يأتي إلا بالأمان.
فقال: وما له وللأمان؟! وهل أحدث حدثاً ؟! انطلقا، فإن لم يأت إلا
بأمان فآمناه.
فأتياه فدعواه، فقال: إنه إن أخذني قتلني. فلم يزالا به حتى جاءا به، وعبيد الله يخطب يوم الجمعة، فلما صلى عبيد الله قال: يا هانئ. فتبعه ودخل، فسلم الخ..)(1).
وفي رواية أبي الوداك : إن هاني حين دنا من القصر، قال لحسان بن أسماء بن خارجة: يا ابن أخي، إنى والله لهذا الرجل لخائف، فما ترى؟!
قال: أي عم، والله ما أتخوف عليك شيئا، ولم تجعل على نفسك سبيلا، وأنت بريء؟!
وزعموا: أن أسماء لم يعلم في أي شيء بعث إليه عبيد الله. فأما محمد، فقد علم به.
فلما طلع قال عبيد الله : أتتك بحائن (من الحين، وهو الموت، أو بخائن) رجلاه. وكان شريح القاضي عنده، ثم التفت إلى هاني وقال:
أريد حباءه ويريد قتلي *** عذيرك من خليلك من مراد
فسأله عبيد الله بن زياد عن مكان مسلم ، وذكر له أنه أدخله داره وجمع له السلاح والرجال في الدور حوله، فأنكر هاني ذلك، فواجهه بمعقل، فعرف أنه كان جاسوساً له عليهم.
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 360 و (ط الأعلمي) ج 4 ص268 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 29 .
فأصر ابن زياد على هاني أن يأتيه بمسلم، وأصر هاني على الرفض، وعلى أن غاية ما يفعله هو أن يأمر مسلماً بأن يخرج من داره إلى حيث شاء، لكي يخرج من ذمامه وجواره.
فكلمه مسلم بن عمرو الباهلي، زاعماً له: أنه لو سلمهم مسلما، فإنهم لا يقتلونه، وهو ابن عمهم، وأنه إن دفعه إليهم، فليس عليه في ذلك مخزاة ولا منقصة، إنما يدفعه إلى السلطان.
فقالَ له هاني: بَلى وَاللَّهِ، إِنَّ عَلَيَّ فِي ذلِكَ للخِزِيَ وَالعَارَ، أَنَا أَدفَعُ جاري وضيفي، وأنا حَيٌّ صَحيحٌ أسمَعُ وأرى، شَديدُ السّاعِدِ، كَثِيرُ الأعوان! وَاللهِ لو لم أكن إلا واحداً ليس لي ناصر لم أدفعه حتى أموت دونَهُ. فأخذ يُناشدُهُ وهُوَ يَقولُ: وَاللَّهِ لا أَدفَعُهُ إِلَيهِ أَبَداً.
فَسَمِعَ ابْنُ زِيادٍ ذلِكَ، فَقالَ: أدنوهُ مِنّي، فَأَدنَوهُ مِنْهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لتَأْتِيَتي بهِ أو لأضربَنَّ عُنُقكَ.
قالَ : إِذا تَكثر البارقة حَولَ داركَ.
فقالَ: وا لهفا عَليكَ، أبالبارقة تُخَوِّفُني؟ وهُوَ يَظُنَّ أَنَّ عَشِيرَتَهُ سَيَمنَعونَهُ.
فقالَ ابنُ زيادٍ: أدنوهُ مِنّي، فأدني، فاستَعرَضَ وَجَهَهُ بالقضيب، قلم يَزَلْ يَصْرِبُ أَنفَهُ وجَبينَهُ وخَدَّهُ، حَتَّى كَسَرَ أَنفَهُ وسَيْلَ الدِّمَاءَ عَلَى ثيابه، ونَتْرَ لحمَ خَدَّيهِ وجَبينِهِ عَلى لِحَيَتِهِ، حَتَّى كُسِرَ القضيب، وضَرَبَ هَانِي بِيَدِهِ إلى قائِم سَيفِ شرطيٍّ مِن تِلْكَ الرِّجالِ، وجابَدَهُ الرَّجُلُ ومُنِعَ.
فَقالَ عُبَيدُ اللَّهِ : أَحَروري سائِرَ اليَوم، أحللت بِنَفْسِكَ! قد حَلَّ لنا قتلكَ، خُذُوهُ فَألقوه في بَيتٍ مِن بُيوتِ الدّار، وأعْلِقُوا عَلَيهِ بابَهُ، وَاجعَلُوا عَليهِ حَرَسًا. فَقُعِلَ ذلِكَ بِهِ.
فَقامَ إِلَيهِ أسماء بن خارجة، فقالَ: أَرُسُلُ غَدرٍ سَائِرَ اليَومِ؟ أَمَرتَنا أن نَجيكَ بِالرَّجُلِ، حَتَّى إذا جئناكَ بِهِ، وأدخلناهُ عَليكِ، هَشَمتَ وَجْهَهُ، وسیلت دَمَهُ عَلى لِحيَتِهِ، وزَعَمتَ أَنَّكَ تَقْتُلُهُ!
فَقالَ لَهُ عُبَيدُ اللَّهِ : وإِنَّكَ لهاهنا! فَأَمَرَ بِهِ فلهرَ وتُعتِعَ بِهِ، ثُمَّ تُرِكَ فحيس.
وأمّا مُحَمَّدُ بنُ الأَشْعَتْ، فَقالَ: قد رضينا بما رَأى الأميرُ، لنا كانَ أم علينا، إِنَّمَا الْأَمِيرُ مُؤَدِّبٌ!
وبَلغَ عَمرو بن الحَجّاج أنَّ هانِئاً قد قُتِلَ، فَأَقْبَلَ فِي مَدْحِج حَتَّى أحاط بالقصر ، ومَعَهُ جَمعٌ عَظِيمٌ ، ثُمَّ نادى: أنَا عَمرُو بنُ الْحَجّاج، هَذِهِ فرسانُ مَذحج ووُجوهها، لم تخلع طاعَة، ولم تفارق جماعة، وقد بَلغَهُم أَنَّ صاحِبَهُم يُقتَلُ، فأعظموا ذلِكَ.
فقيلَ لِعُبَيدِ اللهِ : هذه مَدْحِجٌ بالباب! فَقالَ لِشريح القاضي: أدخل على صاحبهم فانظر إليهِ، ثُمَّ اخرُج فأعلِمهُم أنَّهُ حَيٌّ لم يُقتَل، وأنَّكَ قد رَأَيْتَهُ. فَدَخَلَ إِلَيهِ شُرَيحٌ فَنَظَرَ إِلَيهِ.
قال أبو مِخنَفٍ: فَحَدَّتْنِي الصَّعَبُ بنُ زُهَير عَن عَبدِ الرَّحمن بن شُرَيحٍ، قَالَ: سَمِعتُهُ يُحَدِّتْ إسماعيل بن طلحة، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى هانِي، فلمّا رآني قالَ: يا اللهِ، يا للمُسلِمينَ! أهَلكَت عَشِيرَتي؟ فَأَينَ أَهْلُ
الدّين؟ وأين أهلُ المصر؟ تَفاقدوا ! يُخلوني وعَدُوَّهُم وَابنَ عَدُوِّهِم! وَالدّماءُ تَسيلُ عَلى لِحَيَتِهِ، إِذ سَمِعَ الرَّجَّةِ عَلى باب القصر، وخَرَجتْ وَاتَّبَعَنِي، فَقالَ: يا شُرَيحُ، إنّي لأظنُّها أصوات مَدْحِج، وشِيعَتِي مِنَ المُسلِمِينَ، إِن دَخَلَ عَلَيَّ عَشَرَهُ نَفْرٍ أنقذوني.
قالَ: فَخَرَجتُ إليهم ومَعي حُمَيدُ بنُ بُكَير الْأَحْمَرِيُّ، أَرسَلَةَ مَعِيَ ابنُ زيادٍ، وكَانَ مِن شُرَطِهِ، مِمَّن يَقومُ عَلى رَأْسِهِ، وَأَيمُ اللَّهِ، لولا مَكَانُهُ مَعي، لكنتُ أبلغتُ أصحابَهُ ما أَمَرَنِي بِهِ.
فلمّا خَرَجْتُ إليهم قلتُ: إِنَّ الأميرَ لَمّا بَلَغَهُ مَكَانُكُم ومَقَالتْكُم في صاحبكُم، أمَرَني بالدُّخول إليه، فأتيتُهُ فَنَظرتُ إليهِ، فأمرني أن ألقاكم وأن أعلِمَكُم أَنَّهُ حَيٌّ، وأنَّ الَّذي بَلغَكُم مِن قتلِهِ كَانَ باطِلا.
فقالَ عَمرو وأصحابه: فأما إذ لم يُقتل فالحَمدُ للهِ، ثُمَّ انصَرَفوا(1).
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 364 و (ط الأعلمي) ج 2 ص 272 - 275 والكامل في التاريخ ج 4 ص 27 - 30 وموسوعة الإمام الحسين ج3 ص 117 - 121 والإرشاد ج 2 ص 46 - 51 وبحار الأنوار ج 44 ص 344 - 348 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 193 - 196 ولواعج الأشجان ص 47 - 52 والفوائد الرجالية ج 4 ص 21 - 25 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 35 - 40 ونهاية الأرب ج 20 ص 392 وأعيان الشيعة ج 1 ص 590 و 591 وإعلام الورى ج 1 ص 440 والملهوف ص114 وراجع: الأخبار الطوال ص 230 ومقاتل الطالبيين ص 102 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 44 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص202 والبداية والنهاية ج 8 ص 154 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 91 وراجع أيضاً: أنساب الأشراف ج 2 ص 337 وراجع ص 243 والعقد الفريد ج 3 ص 364 والإمامة والسياسة ج 2 ص 9 والمحاسن والمساوئ ص60 والمحن ص 144 وجواهر المطالب ج 2 ص 267 .
وفي نص آخر عن عيسى بن يزيد الكناني: أن هانيا لما رأى مَعْقِلا عَلِمَ أن قد أخبَرَهُ الخَبَرَ، فَقالَ: أَيُّهَا الأمير! قد كَانَ الَّذِي بَلْغَكَ ولن أضَيِّعَ يَدَكَ عَنِّي (لعل الصحيح: عندي)، فأنتَ آمِنٌ وأهلك، فسر حَيث شئت.
فَكَبا عُبَيدُ اللَّهِ عِندَها، ومهرانُ قائِمٌ عَلى رَأْسِهِ فِي يَدِهِ مِعَكَزَةٌ، فقالَ: وا دُلاه ! هذا العَبدُ الحَائِكَ يُؤَمِّتُكَ فِي سُلطانِكَ.
فَقالَ: خُذْهُ، فَطَرَحَ المِعكَرةَ، وأخذ بضفيرَتَي هاني، ثُمَّ أَقْنَعَ بوَجهِهِ، ثُمَّ أَخَذَ عُبَيدُ اللهِ المِعكَرَةَ فَضَرَبَ بها وَجهَ هَانِي، ونَدَرَ الرُّيُّ قارتَر فِي الجدار ، ثُمَّ ضَرَبَ وَجْهَهُ حَتَّى كَسَرَ أَنفَهُ وجَبِينَهُ.
ثم ذكر مجيء مذحج ، وإرسال ابن زياد شريحاً، ومعه مهران، ثم قال:
وسَمِعَ النَّاسُ الهَيعَة ، وبَلغَ الخَبَرُ مَدْحِجَ، فأقبلوا فأطافوا بالدّار، وأَمَرَ عُبَيدُ اللهِ بهانِئ فَألْقِيَ فِي بَيتِ، وصَيَّحَ المَدْحِحِيُّونَ، وَأَمَرَ عُبَيدُ اللهِ مِهران أن يُدخِلَ عَليهِ شُرَيحاً ، فَخَرَجَ فَأدخلهُ عَليهِ، وَدَخَلَتِ الشَّرَط مَعَهُ، فَقالَ: يا شُرَيحُ، قد تَرى ما يُصنَعُ بي.
قال: أراكَ حَيّا.
قالَ: وحَيٍّ أَنَا مَعَ ما تَرى! أخبر قومي أَنَّهُم إِن انصَرَفوا قتَلني.
فَخَرَجَ إِلى عُبَيدِ اللهِ ، فقالَ: قد رأيتُهُ حَيّا، ورأيتُ أثرا سَيِّئاً.
قالَ: ُوتُنكِرُ أَن يُعاقِبَ الوالي رَعِيَّتَهُ؟! أخرج إلى هؤلاء فأخبرهُم.
فَخَرَجَ ، وَأَمَرَ عُبَيدُ اللَّهِ الرَّجُلَ فَخَرَجَ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُم شُرَيحٌ: مَا هَذِهِ الرّعَةَ السَّيِّئَةُ؟! الرَّجُلُ حَيٍّ، وقد عاتَبَهُ سُلطانُهُ بِضَرب لم يَبْلُغ نَفْسَهُ، قانصَر فوا، ولا تُحِلُّوا بأنفسكم ولا بصاحبكُم. قانصَرَفوا(1).
وقالوا أيضاً:
أرسَلَ [ابنُ زِيادٍ] إلى هانِئ بن عُروَةَ - وهُوَ يَومَئِذٍ ابْنُ بضع وتسعينَ سَنَة - فَقالَ: ما حَمَلكَ عَلى أن تُجِيرَ عَدُوّي، وتَنطوي عَليهِ؟
فَقالَ: يَا بن أخي، إنَّهُ جَاءَ حَقٌّ، هُوَ أَحَقُّ مِن حَقَّكَ، وَحَقٌّ أهل بيتك.
فَوَتَّبَ عُبَيدُ اللهِ وفِي يَدِهِ عَنَزَةٌ، فَضَرَبَ بها رَأَسَ هَانِي حَتَّى خَرَجَ الرُّجُ وَاعْتَرَزَ فِي الحَائِطِ، ونُثِرَ دِماعُ الشيخ فَقَتَلهُ مَكَانَهُ(2).
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 360 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 269 والكامل في التاريخ ج 4 ص 29 ونهاية الأرب ج 20 ص 395 وإبصار العين ص 141.
2) الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 460 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 66 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 299 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 4 ص 170 - 171 و 301 وموسوعة الإمام الحسين ج3 ص 124 و 125 وراجع: مروج الذهب ج 3 ص 67) و (منشورات دار الهجرة) ج 3 ص 57 .
ونقول:
لا بأس بملاحظة الأمور التالية:
بعد أن اطلع ابن زياد على أمر مسلم بواسطة معقل، صار بصدد استخراجه، والعمل على القبض عليه، فدبر حيلة استدراج هاني إلى القصر، حسبما تقدم. وقد صرحت رواية أبي الوداك: بأن ابن زياد يرى: أن المداومة على زيارته حق، وأن الإخلال به من موجبات التهمة، ومن أمارات فساد الحال، وإضمار السوء للسلطان..
ولا ندري من أين استنبط ابن زياد ثبوت هذا الحق، وما هو دليله ومبررات اعتباره حقا؟! فإن ما نعرفه هو: أن من حق السلطان على رعيته النصيحة له في المشهد والمغيب. وهذا إنما هو حق لخصوص السلطان العادل دون سواه. ولم نجد في النصوص: أن زيارة الناس له حق أيضاً ..
لكن ابن زياد يقول لمبعوثيه : مروه ألا يدع ما عليه في ذلك من الحق ، فإني لا أحب أن يفسد عندي مثله من أشراف العرب.
على أن من الواضح: أن ابن زياد لا يرى أن هذه الزيارة حق على جميع الناس بلا استثناء، بل هو يرى أنه حق على خصوص الرؤساء والأشراف الذين بيدهم قرار قبائلهم..
فابن زياد إذن يريد أن يبتز الناس ويقهرهم، ويلزمهم بما لا موجب للإلزام به إلا الظلم والقهر، والجبارية، والتمهيد للتنكيل بهم، والملاحقة لهم ، إستناداً لتوهمات وتجنيات، وافتراءات، وما إلى ذلك.
تظهر النصوص: أن محمد بن الأشعث وعمرو بن الحجاج كانا ممالئین لابن زياد، ومتفقين معه على استدراج هاني بن عروة إلى القصر، وجعل ذلك المفتاح والوسيلة للقبض على مسلم.
ففي رواية أبي الوداك: أن أسماء بن خارجة - كما زعموا - لم يكن على علم بالمكيدة. بل فيها أنه لما عاين ما جرى على هاني، قام وقال لابن زياد: «أرسل غدر سائر اليوم. أمرتنا أن نجيئك بالرجل حتى إذا جئناك به، وأدخلناه عليك هشمت وجهه، وسیلت دمه على لحيته، وزعمت أنك تقتله؟!
فقال له عبيد الله : وإنك لها هنا ؟! وأمر به فلهز (اللهز: الضرب بجمع اليد في الصدر) وتعتع (أي أخذ أخذا عنيفا) ثم ترك فحبس.
أما محمد بن الأشعث، فتصرح رواية أبي الوداك: أنه كان على علم مسبق بالمكيدة، وهذا يفسر لنا قوله بعد رؤيته ما جرى لأسماء بن خارجة الذي اعترض على الغدر بهاني:
«قد رضينا بما رأى الأمير، لنا كان أم علينا، إنما الأمير مؤدب».
وفي رواية عيسى بن يزيد الكناني: أن ابن زياد اعتذر بنفس هذا المعنى لشريح، حين قال له عن هاني: قد رأيته حيا، ورأيت أثراً سيئاً.
فقال له ابن زياد: وتنكر أن يعاقب، أو أن يعاتب الوالي رعيته، أخرج إلى هؤلاء (يعني مذحجا) فأخبرهم.
ولسنا بحاجة إلى التذكير: بأن الحاكم إنما يؤدب رعيته، وفقاً الأصول وأحكام الشرع الشريف، وليس له أن يعتدي على حرمات الناس. ولا أن يغدر بهم، ولا يحق له أن يهشم وجوههم ويكسر آنافهم، وينثر لحم وجوههم، لمجرد إبائهم أن يخفروا ذممهم، وينقضوا جوارهم. وأي جرم ارتكبه هاني، ويريد ابن زياد معاقبته عليه، وأي خطأ صدر منه يستحق العقاب عليه.
مع أن المسلم، أي مسلم كان ، لو أشار إلى مشرك في ساحة الحرب بما يدل على إجارته وجب على المسلمين الوفاء بذمة ذلك المسلم. فكيف إذا كان المستجير مبعوث الحسين «عليه السلام» الذي هو من أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة؟!
ويجب أن لا نغفل الإشارة هنا إلى أن الحرب لم تكن قد أعلنت بين مسلم بن عقيل، وبين ابن زياد. ولكن مسلما خاف على نفسه، فالتجأ إلى بيت هاني، ومسلم كان مكلفا بأخذ البيعة للحسين «عليه السلام». وأخذ البيعة لا يعني الحرب، فلعل الأمور تنتهي إلى ،مصالحات، أو حلول مقبولة ومعقولة تحقن بها الدماء، ويتحقق بها ولو
الحد الأدنى من العدل، ورعاية الحقوق.
وأما عمرو بن الحجاج الذي ذكرت الروايات أنه قد ساهم في إقناع هاني بالتوجه إلى قصر ابن زياد، فلعله المتآمر الأشر والأضر على هاني، فإن كونه أخا روعة زوجة هاني يجعله آخر من تحوم حوله الشبهة بأن يكون ممن يتآمر مع ابن زياد على حياة هاني، وسوف يصعب على هاني أن يصدق أن يكون أخو زوجته بهذا المستوى من السقوط والمهانة..
لقد صرحت بعض الروايات - كرواية أبي الوداك-: بأن ابن زياد قد أرسل عمرو بن الحجاج مع ابن الأشعث، وابن خارجة للإتيان بهاني إلى القصر، فأتوا به إليه.. غير أننا بعد وصول هاني إلى القصر لا نرى هناك إلا محمد بن الأشعث، وأسماء بن خارجة، ولا نری عمرو بن الحجاج، فكيف؟ ومتى؟ وإلى أين ذهب هذا الرجل؟! ولماذا لم يسأل ابن زياد عنه، ولم يشعر بغيابه؟!
ثم نجده يظهر فجأة كزعيم يقود مذحج إلى القصر، ويعلن باسم مذحج الولاء لساكن القصر، ولمن وراءه، ثم هو يبادر إلى الرجوع بمذحج من حيث أتوا، بمجرد سماعه شهادة شريح، التي صرح فيها بأن ابن زياد قد ضرب هانيا ضرباً لم يبلغ به حد الموت.
فلماذا لم يطلب عمرو بن الحجاج إطلاق سراح زعيمهم، بل هو لم يطلب حتى رؤية جماعة منهم لذلك الزعيم، ليطمئنوا عليه، وليروا ما
حل به؟!
والأنكى من هذا وذاك أن عمرو بن الحجاج بقي على حال الصفاء والولاء والمؤازرة لابن زياد، حتى بعد قتل هاني بن عروة، وكانت له سيرة مخزية، ومواقف مشينة في الحرب على سيد شباب أهل الجنة، الحسين بن علي «عليه السلام».
لا نريد أن نسهب في الحديث عن عمرو بن الحجاج وطريقته في صد مذحج عن المطالبة بإطلاق سراح زعيمها. فإن لم تتم الاستجابة لها، أطلقته بالقوة، وهذا هو أقل ما يتوقع منها.
غير أننا نقول:
أولاً: إن ابن الحجاج قد تحرك بالقبيلة، وتزعم حركتها في التوجه نحو القصر، حين جاء بها إلى القصر، بدأ هو الكلام نيابة عنها، فأعلن في البداية ولاء القبيلة لابن زياد وبني أمية، وتعهد بمواصلة الكون في موقع السامع المطيع ، ولم يذكر شيئاً يدل على اهتمامها بزعيمها، ولا طالب بحفظ كرامته، ورد اعتباره، وإطلاق سراحه، بعد الاعتذار إليه.
ثانياً: إنه اعتبر أية مطالبة، أو حركة من قبل مذحج تتجاوز حدود معرفة أن هاني لا يزال حيا. ستكون دخولاً في الفتنة. فقد قال لمذحج بعد سماع كلام شريح:
«أما إذا كان صاحبكم حيا ، فما يعجلكم الفتنة؟! انصرفوا
فانصرفوا»(1). فانصرافهم قبول اعتبار ما يجري أنه من الفتنة. وهذا منطق تزويري، وهذا التصرف من عمرو بن الحجاج تصرف خياني فاضح، لأنه قد نقض به موقف هاني وأدانه، وأسقطه وفرط بالقضية التي كان هاني يجاهد ويضحي في سبيلها.
ثالثاً : إذا كانت حياة هاني هي التي تهم عمرو بن الحجاج، ومذحجاً ، فلماذا لم يتحرك عمرو بن الحجاج، ولم يدع مذحجاً لمهاجمة القصر حين أمر ابن زیاد بضرب عنق هاني في سوق الغنم، فضربت؟!
رابعاً: لماذا بقيت علاقة ابن الحجاج بابن زياد حميمة حتى بعد قتل هاني بهذا النحو المريع والمهين؟!
وعلينا أن نوضح ما يلي:
1 - إن عمرو بن الحجاج قد مكّن ابن زياد من قتل هاني بن عروة «رحمه الله» حين جاء به إلى قصر الإمارة.
2 - إنه قد سل سخيمة مذحج ، وأخمد فورتهم ، وأذهب غيظ قلوبهم، وكسر ثورتهم حين جاء بهم، واسمعهم شهادة شريح، ثم أمرهم بالرجوع.
3 - إنه كرس نفسه كزعيم لمذحج ، يأمرها وينهاها، وسيكون
1) الأخبار الطوال ص238.
قادراً على أن يستثمر موقعه هذا منها في الحصول على مكاسب ومقامات لدى أئمة الجور، لطالما حلم بالحصول عليها.
4 - ثم إنه بغيابه عن المجلس الذي يضرب فيه هاني على ذلك النحو المريع والفظيع يكون قد أعفى نفسه من الملامة على عدم دفاعه عن هذا الزعيم العظيم «رحمه الله».
5 - إن غيابه هذا وإتيانه بمذحج إلى القصر من شأنه أن يبرئه من تهمة التواطؤ مع ابن زياد على قتل هاني.
ويلاحظ من طريقة كلام المؤرخين حول شريح، والمهمة التي اضطلع بها، والخدمة التي أسداها لابن زياد، حيث مكنه من سفك دم هاني، ومنع من وصول أي أذى لابن زياد من قبل منجح - يلاحظ - أن ثمة سعياً للتلطيف من حدة النقد لشريح، وحفظ ماء وجهه، وإظهاره على أنه لم يستطع أن يتصرف بغير الذي كان، لأن ابن زياد أرسل معه مهران، أو حميد بن بكير الأحمري، أو هما معا ليراقباه، فلو أخل بما طلب منه لتعرض للخطر.
ونقول:
أولاً: إن وجود المراقب على شريح واحتمال تعرضه للخطر إذا غضب عليه ابن زیاد غير معلوم، فإن قتل شريح المعظم عند محبي عمر بن الخطاب، وأتباع الأمويين لم يكن أمرا سهلا بالنسبة لابن زیاد..
ولو أغمضنا النظر عن ذلك، فإن إرادة حفظ النفس لا يبرر التسبب بإزهاق نفوس الآخرين. وهل هذا إلا نظير من يرى النار تتوجه إلى بيته، فإن حبه لإبعاد النار عن بيته، لا يبيح له تحويلها إلى بيت الجار. وإلا فلو كانت النار متوجهة إلى بيت الجار، هل يرضى من جاره أن يحولها إلى بيته ؟!
ثانياً: إن التخلص من الخطر لا ينحصر بتحويل النار إلى الجار في هذا المورد، والتسبب بقتل المؤمنين الأبرياء والأتقياء، فقد كان يمكن لشريح أن يقتصر على ذكر ما رأى، ويقول لمذحج نفس العبارة التي زوده بها ابن زياد، ولا يزيد عليها، فقد قال له: «أعلمهم أني إنما أحبسه لأسائله». فلو اقتصر على هذه الكلمة، وقال لهم: يقول الأمير: إنه إنما حبسه ليسائله، لما كان لابن زياد مأخذ عليه. كما أن على مذحج أن تعرف في هذه الحال أن زعيمها لا يزال في معرض الخطر.
ولكن شريحاً زاد على ذلك قوله لمذحج: «لا بأس عليه». - كما ورد في الرواية المتقدمة عن الإمام الباقر «عليه السلام»(1).
وفي رواية أبي الوداك: أن ابن زياد طلب منه أن يعلمهم بأن
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 348 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 259 وتهذيب الكمال ج 6 ص 425 وتهذيب التهذيب ج 2 ص 303 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 519 و 520 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 124.
صاحبهم حي لم يقتل.
وفي رواية عيسى بن يزيد الكناني المتقدمة: أن هانيا قال لشريح: «يَا شُرَيْحُ قد تَرى ما يُصنَعُ بي.
قالَ: أَراكَ حَيّا.
قالَ: وَحَيٌّ أَنَا مَعَ ما تَرى! أخبر قومي أَنَّهُم إِن انصَرَفوا قتَلني.
إلى أن قال: ققالَ لهُم شُرَيحُ أي (لمذحج): ما هذِهِ الرِّعَةُ السَّيِّئَةُ؟! الرَّجُلُ حَيٍّ، وقد عاتَبَهُ سُلطانُهُ بِضَرب لم يبلغ نَفْسَهُ، فَانصَرَفوا، ولا تُحِلُّوا بأنفُسِكُم، ولا بصاحبكُم»(1).
فشريح يقبّح فعل مذحج ، ويعتبره رعة (أي أدباً) سيئاً!!
كما أنه يبرر هذا الظلم الفاحش الذي مارسه ابن زياد في حق هاني ويصوره لهم على أنه مجرد عتاب.
ثم نزيد على ذلك: أنه يتهدد مذحجاً بأن بقاءهم على موقفهم يجعل دمهم حلالاً لذلك الجبار الظالم. كما أنه يجعل سفكه دم هاني حلالا أيضاً .
بل إن شريحاً قد قال لمذحج حسب رواية أبي الوداك: «إنَّ الأميرَ لَمّا بَلَغَهُ مَكَانُكُم ومقالتكم في صاحِبكُم، أَمَرَني بالدُّخول إليهِ، فَأَتيتُهُ فَنَظَرتُ إليهِ، فأمرني أن ألقاكم وأن أعلِمَكُم أَنَّهُ حَيٍّ، وأَنَّ الذي
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 360 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 269 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 30.
بَلغَكُم مِن قتلِهِ كان باطلا»(1).
وهذا كلام عجيب وغريب.
فقد تضمن كذبة صريحة، فإن هانيا لم يطلب من شريح أن يعلمهم بأنه حي، وأن الذي بلغهم من قتله كان باطلاً كما هو ظاهر كلامه، حيث يرجع الضمير إلى الأقرب. وهو هنا هاني بن عروة لا ابن زياد. بل طلب منه أن يعلمهم بعكس ذلك!!
ثالثاً: إن المفروض بقاضي المسلمين أن يكون مع الحق وأهله. ولكن شريحاً هنا كان مع الباطل وأهل الباطل، معيناً لهم على أهل الحق، وأداة لخداع الناس، والمكر بهم، وبزعمائهم..
ويبقى سؤال يتردد في الأذهان عن السبب في سعيهم لتلطيف حال شريح، والتخفيف من حدة النقد له..
ولعلنا لا نبعد عن الحقيقة إذا قلنا: إن لشريح مكانة خاصة عندهم، فهو قد بقي قاضياً ستين سنة(2). وقد بقي قاضياً حتى في عهد
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 364 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 275 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 40 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 51 .
2) الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 2 ص 701 وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص 165 وتاريخ مدينة دمشق ج 23 ص 7 وأسد الغابة ج 2 ص 394 وتهذيب الكمال ج 12 ص 435 و 436 وسير أعلام النبلاء ج 4 ص 101 وتهذيب التهذيب ج 4 ص 287 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 14 ص 28 وبحار الأنوار ج 42 ص 175 ومستدرك سفينة البحار ج 5 ص 382 وعمدة القاري ج 13 ص 30 وج 4 ص 236 والتذكرة الحمدونية ج3 ص 176 ومآثر الإنافة ج 1 ص 89 و 90 ونهاية الأرب ج 19 ص 400 .
علي «عليه السلام». وذلك لأن عليا «عليه السلام» أراد عزله عن القضاء، فواجه الاعتراض الشديد على ذلك، حيث قالوا له: «لا تعزله، لأنه منصوب من قبل عمر، وقد بايعناك على أن لا تغير شيئاً قرره أبو بكر وعمر»(1).
مع أننا لم نجد في نصوص البيعة ما يشير إلى هذا الشرط، لا من قريب ولا من بعيد.
وحين نهى علي «عليه السلام» عن صلاة التروايح صاح شریح: واعمراه(2).
وهو أيضاً من الذين شهدوا على حجر بن عدي(3).
1) كشف القناع عن حجية الإجماع ص 64 وراجع: تنقيح المقال للمامقاني ج 2 ص 83 وقاموس الرجال ج 5 ص 67 .
2) راجع: قاموس الرجال ج 5 ص 67 وتنقيح المقال للمامقاني ج 2 ص 83.
3) تاريخ الأمم والملوك ج 6 ص 34 و 35 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 510 وتاريخ مدينة دمشق ج 33 ص 354 والكامل في التاريخ ج4 ص227 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص295 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 3 ص 23 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص346 وأصدق الأخبار للسيد محسن الأمين ص56 .
ونتيجة ذلك: أن شريحاً كان يتمتع بمكانة خاصة لدى الفريق المناوئ لأهل البيت، لاسيما وأن عمر هو الذي جعله قاضياً، وكان فعل عمر فيهم كالشرع المتبع. كما أن خدماته لذلك الفريق، وظهور إساءات له تجاه علي «عليه السلام»، حتى إن علياً «عليه السلام» قد نفاه إلى بانقيا ليقضي بين اليهود(1)، واستمر توليه القضاء إلى ما يقرب من ستين سنة، وشهادته على حجر بن عدي «رحمه الله» وتسببه في قتل هاني بن عروة، وإخراج ابن زياد من ورطته، وغير ذلك. قد دعا أتباع ذلك الخط إلى السعي للتخفيف من حدة النقد الذي يتوقع أن يوجه إليه.
سبق بعض الكلام حول شريح القاضي، وشهادته التي ظهرت عليها ملامح التزوير، والتجني إلى الحد الذي يبيح لنا القول: بأنه قد شارك في سفك دم هذا الرجل الجليل. ولا نريد أن نزيد على ما قدمناه حول شريح إلا نقطة واحدة، هي: أننا لم نر في أهل العلم حتى لو كانوا على غير خط الاستقامة هذا القدر من الجرأة على الدين والاستخفاف بأحكامه.
فإنه أيضاً كما أظهره سلوكه كان جلفا جافيا وقاسيا، فهو يقول
1) راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 4 ص 98 وبحار الأنوار ج34 ص 295 وقاموس الرجال ج 10 ص 14 .
لهاني: إنه سيخبر قومه بأنه حي، مع أن حالة هذا الشيخ التسعيني قد بلغت في السوء حداً جعله يتعجب من قول شريح، ويقول له: «أوحي أنا»؟!
فعاهات علماء السوء هي - في الأكثر - حب الدنيا المتمثل بحب الجاه والمال، والحسد للأقران، والغيبة والكذب، وما إلى ذلك. أما الجرأة على الدماء والقسوة، وانعدام الرحمة، والاستخفاف بآلام الناس، فوجدناها في شريح.
ومن المعلوم: أن هناك عناوين إذا تحققت تتبعها أحكامها بصورة تلقائية، ولا مجال للاستثناء فيها، فالعدل، وإعطاء كل ذي حق حقه حسن جميل مطلقاً، والظلم، والخيانة، والغدر قبيح مطلقاً أيضاً ، متى تحققت هذه العناوين، وفي جميع الأحوال.
فلا يصغى بعد ذلك لما زعمه مسلم بن عمرو الباهلي لهاني بن عروة، من أن تسليم الضيف المستجير إلى عدوه ليس قبيحاً إذا كان عدوه هو الحاكم والسلطان. بل هو قبيح مطلقاً، إلا إذا كان السلطان عادلاً، يعلم بأنه لا يمكن أن يظلم أو أن يعتدي على ذلك المستجير.
ويزيد قبحاً إذا كان هذا السلطان جباراً جائراً. ويتأكد ذلك: إذا كان هذا السلطان يرفض تمكين من استضاف وأجار ذلك الخائف من التحلل من ذمامه، ولو بأن يخبر ضيفه بأنه عاجز عن حمايته، فليذهب إلى أي أرض الله شاء.. وقد قلنا: إن الله تعالى قد أمضى
جوار أي مسلم كان لأي مشرك حتى لو أجاره في ساحة الحرب والقتال...
فإن خفر الذمام، والتفريط بحياة الضيف، وتسليم المستجير إلى عدوه قبيح مطلقا.. فكيف إذا كان الأمر على الصفة والحال التي ذكرناها؟! وكيف إذا كان المستجير هو مبعوث الحسين أقدس أهل الأرض، وسيد شباب أهل الجنة؟!
ولأجل ذلك قال هاني لذلك الباهلي: «بَلى واللهِ، إِنَّ عَلَيَّ فِي ذلِكَ للخزي والعار».
وتقدم: أنه حين هدد ابن زياد هانياً بضرب عنقه لو لم يأته بمسلم بن عقيل، قال له هاني: إذن تكثر البارقة حول دارك، وقد تكرر في النصوص ما يدل على توقع هاني تحرك أنصاره لإنقاذه.. فكان أن أخمد عمرو بن الحجاج فورتهم بطريقة مريبة، حسبما ألمحنا إليه.
وكيف لا يتوقع هاني نصرة قبيلته له، وقد كان - كما يقال -: يركب في أربعة آلاف دارع، وثمانية آلاف راجل، وإذا أجابتها أحلافها من كندة وغيرها كان في ثلاثين ألف دارع؟!(1).
1) راجع: مروج الذهب ج 3 ص 69 و (منشورات دار الهجرة) ج 3 ص 59 وخاتمة المستدرك ج 9 ص 182 والفوائد الرجالية ج4 ص 18 وقاموس الرجال ج 10 ص 490 وأعيان الشيعة ج 1 ص 593 وإبصار العين ص 140 .
ويشهد لذلك : قول محمد بن الأشعث لعبيد الله بن زياد: «فإني أخاف عداوة أهل بيته، وإنهم سادات أهل الكوفة، وأكثرهم عدداً»(1).
وفي نص آخر: «هم أعز أهل المصر وعدد أهل اليمن»(2).
وتقدم: أنه حين ضرب ابن زياد أنف هاني حتى كسره، ونثر لحم خديه وجبينه على لحيته، «ضرب هانئ يده على قائم سيف شرطي، وجاذبه الرجل ومنعه.
فقال عبيد الله: أحروري سائر اليوم؟! قد حل [لنا] دمك الخ..»(3).
1) راجع: الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 61 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص 213.
2) راجع: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 378 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 284 وقاموس الرجال ج 10 ص 492 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 56 .
3) راجع: الإرشاد للمفيد ج 2 ص 50 ومثير الأحزان لابن نما (ط المكتبة الحيدرية) ص 23 وبحار الأنوار ج 44 ص 347 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 196 ولواعج الأشجان ص 50 والفوائد الرجالية ج4 ص24 وراجع: تهذيب الكمال ج 6 ص 425 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص307 وتهذيب التهذيب ج 2 ص 303 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص274و 259 ومروج الذهب ج 3 ص 57 وتجارب الأمم ج 2 ص 47 والكامل في التاريخ ج 4 ص 29 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 166 وأعيان الشيعة ج 1 ص 591 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 38 وإعلام الورى ج 1 ص 441 والملهوف ص 32 ونهاية الأرب ج 20 ص 396 والمجالس الفاخرة ص 197 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 519 .
فكأن ابن زياد بكلمته هذه يريد أن يلصق بهاني تهمة يمقته لأجلها حتى الشيعة في الكوفة، وهي أنه كان يرى رأي الخوارج، الذين نزلوا حروراء بعد صفين وكانوا أعداء لعلي وشيعته، ولبني أمية وشيعتهم، وهم يكفرون عليا وعثمان، فتهمة كهذه لو وجدت لها قبولاً، أو أوجبت الريب والشك في قلوب فريق من الشيعة، وغيرهم من السذج والبسطاء، فإن ذلك سوف يخفف الضغط عن ابن زياد.
ومن المعلوم: أن الخوارج كانوا آنئذ يحاربون بني أمية بعد أن حاربوا عليا في النهروان وغيرها. أي أنه كان يعتبر من يحارب السلطان خارجيا حرورياً.
وهذا تدليس على الناس، فإن ابن زياد هو الذي احتال على هاني، وجاء به إلى القصر، ثم بطش به كأشد ما يكون البطش. ولم يكن هاني في ردة فعله هذه إلا مدافعاً عن نفسه، باحثاً عن مخرج مما هو فيه..
ومن الأمور اللافتة للنظر: أن عبيد الله بن زياد، حين جاء هاني إلى القصر صار يقرره على طريقة الإمتنان عليه، والإعتداد،
واعتبار ذلك من الأيادي لآل زياد عنده، فكان مما قاله له - كما في رواية عيسى بن يزيد الكناني -: «يا هانئ، أما تعلم أن أبي قدم هذا البلد، فلم يترك أحدا من هذه الشيعة إلا قتله. غير أبيك، وغير حجر، وكان من حجر ما قد علمت الخ..»(1).
فابن زياد يقر ويعترف: بأن أباه زياداً لم يترك أحداً من شيعة علي «عليه السلام» بالكوفة إلا قتله. ويعتبر عدم قتله لعروة المرادي من الأيادي والإحسان عند ولده هاني!!
والحال أن زياداً لم يكن من أهل الإحسان، بل كان عاجزا عن قتل من يركب معه أربعة آلاف دارع وثمانية آلاف راجل. وهم من أكثر القبائل عدداً كما تقدم!!
وهنا سؤال يحتاج إلى جواب، والسؤال هو: أن عبيد الله بن زياد كان يتعامل مع أهل الكوفة، ومع شيعة علي «عليه السلام» بقسوة بالغة، ولا يحسب أي حساب لأية ردة فعل يمكن أن تحدث بسبب ذلك..
ويشهد على ذلك: قتله لابن يقطر، وقيس بن مسهر، وميثم التمار، ومسلم بن عقيل وغيرهم على ذلك النحو الفجيع والفظيع.
1) راجع: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 360 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 269 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 30 ولواعج الأشجان ص 51 .
بالإضافة إلى تنكيله الفاحش بهاني بن عروة، وضربه للمختار، وقتله لعبد الأعلى بن يزيد، وعمارة بن صلخب الأزدي، و.. و..
يضاف إلى ذلك: حبسه للألوف من الناس، ومواجهة الرؤساء والوجهاء، والأشراف بالإهانات والتهديدات، فضلاً عن اضطهاده المرير لكل من يتشيع لعلي وأهل بيته. أو من يحتمل فيه ذلك. ولم يكن في ذلك يرحم صغيراً ولا كبيراً.
مع أن من بين أولئك الأشراف والرؤساء من هو كهاني بن عروة. كان يركب في ثلاثين ألف دارع وراجل من عشيرته وحلفائها.
فإذا كان ابن زياد جباناً - كما يقال عنه - كيف يقدم على كل هذه الجرائم والفظائع في حق هاني بن عروة وغيره؟! وكيف يسحب الجثمان الطاهر لمسلم بن عقيل في أزقة الكوفة؟! وهو الذي بايعه من الناس ثلاثون إلى أربعين ألفاً؟!
ونجيب بما يلي:
أولاً: إن الجبان حين يصبح حاكماً، فإنه وهو يشعر بضعفه يحاول أن يعوض عن الضعف الذي يشعر به في داخل ذاته بالاستفادة من القوة التي اكتسبها من خلال السلطة، وهو يُقرط عادة في ذلك، لكي يطمئن إلى أنه أصبح في مأمن، وأصبحت الساحة خالية تماماً من أي عنصر من عناصر القوة التي يخشاها.
ثانياً : إن شعوره بالضعف عن المواجهة يدعوه إلى توظيف مختلف الخبرات والوسائل الماكرة، المتوافرة لديه في محاصرة القوة التي
يخشاها وتشتيتها وتفتيتها. وهذا ما فعله ابن زياد بالذات، كما سنرى إن شاء الله تعالى.
ثالثاً: وهو الأهم: أن مجتمع أهل الكوفة على الخصوص كان يعاني من عاهات خطيرة جداً وقاتلة، ولا يمكن إلا أن تنتهى بالأمور إلى هذه النتيجة التي انتهت إليها، سواء بالنسبة لهاني بن عروة، أو بالنسبة لمسلم بن عقيل، وابن يقطر، وقيس بن مسهر، وغيرهم.
ويبدو: أن في الكوفيين من كان يدرك هذه الحقيقة في كلمات سليمان بن صرد الذي حذر الناس من التخاذل في نصرة الحسين «عليه السلام» حين أرادوا مراسلته «عليه السلام»(1).
وتدل عليه أيضاً كلمات عابس بن أبي شبيب الشاكري، الذي قال لمسلم حين قدم الكوفة عن الناس: ولا أعلم ما في أَنفُسِهم، وما أَغْرُكَ مِنهُم(2). فإن في هذا دلالة على أن تلك العاهات لم تكن خافية على
1) راجع: الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 27 . وراجع: روضة الواعظين ص172 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 36 ومثير الأحزان (ط المكتبة الحيدرية) ص 15 وبحار الأنوار ج 44 ص 332 و 333 والعوالم، الإمام الحسين ج17 ص 182 ولواعج الأشجان ص 33 وقاموس الرجال ج 10 ص 79 وتاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 261 وأعيان الشيعة ج 1 ص 589 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 15 وإعلام الورى ج 1 ص 436 والملهوف ص22 والمجالس الفاخرة ص 186.
2) راجع: الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 33 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص 197 . وتاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 264 وأعيان الشيعة ج 4 ص 554 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص20 وجمهرة خطب العرب ج2 ص 37 .
العناصر المؤثرة والفاعلة في المسيرة الحسينية.
وقد كان ابن زياد واقفاً على تلك العاهات، لأنه وأباه قد شاركا بصورة دؤوبة في صنعها، وفي تكريسها، وتوسيع مداها..
ونوضح ذلك بما يلي:
لم يكن لأهل العراق، وكذلك لأهل الكوفة رأس يرجعون إليه، ويأتمرون بأمره، بل كان هناك رؤساء عشائر، ووجهاء، وأشراف، كان للسلطة دور في صنع زعامتهم، وتكريس نفوذهم، ولكنهم كانوا أشتاتاً، لا يجمعهم جامع، ولا رابط بينهم يفرض عليهم التشاور في الأمور، وتنسيق المواقف.
وقد أسهم الذين حكموا العراق من قبل معاوية في إضعاف تأثير رؤساء القبائل الذين كانوا لا يثقون بولائهم، بل هم قد اضطهدوهم، وقتلوا من قتلوا، وشردوا من شردوا، حتى إن عبيد الله بن زياد يقول لهاني بن عروة: «يا هانئ، أما تعلم أن أبي قدم هذا البلد، فلم يترك أحداً من هذه الشيعة إلا قتله. غير أبيك، وغير حجر»؟!(1).
فكان من الطبيعي أن يسد الفراغ في رئاسة القبيلة من ترضى
1) راجع: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 360 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 269 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 30 ولواعج الأشجان ص 51 .
عنهم السلطة، وهي لا ترضى إلا على من هم على شاكلتها، من أهل الدنيا، وطلاب اللبانات.
وفي سياق آخر نجد: أن سياسات عمال معاوية في أهل الكوفة اقتضت زرع الموالين لهم في كل قبيلة وحي. وخلق زعامات منافسة للزعماء الحقيقيين.
كما أن هذه السياسات اتسمت بالتشدد على الناس، ومراقبتهم، ورصد حركتهم كما أظهرته إجراءات ابن زياد لمواجهة مسلم بن عقيل، وكشف مقره، فقد أخذوا على الناس أفواه السكك، وسدوا جميع الطرق، بل إنهم صاروا يدخلون كل بيت، ويعتقلون ويقتلون من يشاؤون، وكل من يشتبهون به، كما اتضح مما سبق، وقد ساعدهم على ذلك أفراد القبيلة أنفسهم، فإنهم كانوا عيونهم، وأدواتهم ضد إخوانهم، يزودونهم بالأخبار، ويساعدونهم على تنفيذ مخططاتهم، كما جرى لعمرو بن الحجاج الذي كان السبب في تخذيل مذحج عن نصر هاني بن عروة، وساعد بالتالي على قتل هذا الزعيم الكبير.
ومن شأن هذه الأجواء أن تزرع الريبة والشك في نفوس الناس تجاه بعضهم بعضاً، وانعدام الثقة فيما بينهم، بالرغم من أنهم من قبيلة واحدة.
وأصبح كل فرد يفكر بحفظ نفسه، ولا يعنيه أمر غيره، وهذا أوجب ضعف ارتباطه بإخوانه، وتضاءلت مظاهر التعاون فيما بينهم. وخبا الشعور لدى الأفراد بحماية القبيلة ومعونتها له، وذبها عنه..
وهذا ما حصل لهاني بن عروة مع قبيلة مذحج، التي ركنت إلى
عمرو بن الحجاج المتآمر مع ابن زياد، وتخلت عن نصرة هاني.
ولعل حب السلامة، والركون إلى الدنيا كان هو الآخر من أسباب خذلان مذحج لزعيمها .. وقد قال عبيد الله بن الحر الجعفي للإمام الحسين «عليه السلام»: «فأنشدك الله أن تحملني على هذه الخطة، فإن نفسي لم تسمح (لعل الصحيح: لم تسخ) بعد بالموت»(1).
وقال محمد بن بشر للحجاج بن علي: «إني كنت لأحب أن يعز الله أصحابي بالظفر ، وما كنت أحب أن أقتل. وكرهت أن أكذب»(2).
وكل هذا وسواه يوضح لنا: أن ابن زياد كان يعرف حال أهل الكوفة، وأنه بإعماله المكر والحيلة استدرج هاني بن عروة إلى قصر الإمارة، وارتكب في حقه تلك الجرائم والعظائم.
وقد أظهرت قصة هاني: أن الداعي الإيماني يبقى هو الأقوى على الدفع لاتخاذ المواقف الصعبة في اللحظات المصيرية و الحساسة، والتي قد تترك آثارها وبصماتها على المجتمع الإنساني على مر العصور، والدهور، وظهر أيضاً: أن هذا التأثير الخارق ليس مرهوناً بسن معين، ولا يعنيه شيئا السلامة من الأمراض، ولا
يعبأ بطموحات، أو رغبات مهما كانت.
فهذا هاني بن عروة ابن التسعين سنة، يواجه ذلك الطاغية بصلابة وقوة قل نظيرها. بل هو حين تعرض لذلك البغي الهائل لم يستسلم، بل هو يضرب يده إلى سيف شرطي، ويجاذبه إياه، بهدف الاستفادة منه في مواجهة الطاغية..
وقد لفت نظرنا أيضاً: ما أظهرته بعض النصوص المتقدمة، من أنه قد تكلم مع ابن زياد حتى كأن ابن زياد هو الذي كان في أسره، فيعده بأن يسيّره إلى الشام هو وأهل بيته، ثم يقول له: «إِنَّهُ جَاءَ حَقٌّ، مَنْ هُوَ أَحَقُّ مِن حَقَّكَ، وحَقٌّ صَاحِبكَ».
وقد ورد في كلمات الذين أشاروا على الإمام الحسين «عليه السلام» بعدم الذهاب إلى العراق: أن سبب مشورتهم هذه هو أن أهل العراق لم يخرجوا عمال بني أمية من بلدهم، فراجع ما قاله ابن عباس(1)، وعمر بن عبد الرحمان المخزومي(2)، وعمرو بن
1) راجع: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 383 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 288 وتجارب الأمم ج 2 ص 58 والكامل في التاريخ ج 4 ص 38 و 39 وتاريخ أبي الفداء ج 1 ص 190 ونهاية الأرب ج 20 ص 408 والمجالس الفاخرة ص 110 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 799 والأخبار الطوال ص 244 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 328 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 173 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص65 وجمهرة خطب العرب ج 2 ص 43 .
2) راجع: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 382 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 286 و 287 ومقتل الخوارزمي ج 1 ص 197 والكامل في التاريخ ج 4 ص 37 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 63 والفصول المهمة لابن الصباغ ج2 ص 795 ونهاية الأرب ج 20 ص 406 والمجالس الفاخرة ص110 و 111.
لوذان(1).
وسيأتي الحديث عن هذه النصوص في موضعها المناسب من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى..
والذي نريد الإشارة إليه هنا: هو أن هذا الكلام غير منطقي ولا دقيق، وذلك لما يلي:
أولاً: لأن إخراج عمال بني أمية من الكوفة، ومن أي بلد آخر لم يكن بالأمر السهل، فإن أولئك العمال كان لديهم مقاتلون، ولديهم عشائر تؤيدهم، ولديهم في سائر الشرائح الإجتماعية مؤيدون،
1) راجع: الإرشاد ج 2 ص 76 وبحار الأنوار ج 44 ص 375 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 225 ولواعج الأشجان ص 87 وإعلام الورى ج1 ص 447 وأعيان الشيعة ج 1 ص 595 وراجع: تاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 301 والكامل في التاريخ ج 4 ص 43 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 185 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص79 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 808 ونهاية الأرب ج 20 ص 41 .
وأعوان، ومخبرون، ولديهم أموال بيوت الأموال، ولديهم مقاتلون.
وليس لديهم دين يمنعهم، ولا أخلاق تردعهم عن ارتكاب أية جريمة، مهما كانت مريعة وعظيمة.
وهذا كله وسواه يعطى: أن مواجهة العمال سوف يصاحبها قتال، وسفك دماء، وانتهاك حرمات. وهو يحتاج إلى شخصية قيادية حكيمة، ومدبرة، ومطاعة لدى مختلف شرائح المجتمع وفئاته.
ويحتاج إلى الاستعداد لمواجهة جيوش الشام، وكل ما تحشده السلطة من سائر البلاد.
ويحتاج إلى جهد واسع يبذل في مع مختلف الفئات والطبقات لإقناعها بصوابية إجراء كهذا..
ويحتاج إلى جحافل كبيرة من الناس، وإلى إمكانات مادية، واموال، وسلاح، وما إلى ذلك.
وهذا كله لا مجال لتوفره بسهولة وسرعة، بل يحتاج إلى وقت وجهد لم يكن يمكن توفيرها في ذلك الوقت المحدود.
ثانياً : إن هذا العمل إذا كان سيثمر قتالاً، وقتلاً وجرحاً، بل حروبا طاحنة، فهو يحتاج إلى إذن الإمام «عليه السلام»، ورعايته، وإشرافه، وهدايته.. ولم يكن هذا الإذن قد صدر منه «عليه السلام» لأحد، وقد سبقت الأحداث والتطورات كل جهد يمكن أن يبذل في هذا السبيل.
ثالثاً: إننا نعلم أن النبي «صلى الله عليه وآله» والأئمة الطاهرين
كانوا لا يبدأون أحداً بقتال، ولم تعلن - بعد - حالة حرب بين الفريقين لكي يصح الدخول في أي قتال ابتداءً، بل كان الدخول في الحرب في هذه الحال من مصاديق الفتك الذي نهى الله تعالى عنه.
وهذا هو الذي منع مسلم بن عقيل من قتل عبيد الله بن زياد، كما تقدم.
وهذا الذي ذكرناه يظهر لنا عدم صحة قول من يقول : إن الإمام «عليه السلام» لم يخطئ ابن عباس، ولا عمر بن عبد الرحمن المخزومي، أو عمر بن لوذان.. فإن المطلوب لإثبات عدم التخطئة ليس السكوت عنها ، بل المطلوب التصريح بالتصويب..، وإنه «عليه السلام» لم يصوب هذا الرأي، ولا اعتبره من النصح والعقل والرأي. بل وصف ابن عباس بأنه ناصح مشفق. وقال للمخزومي: إنه مشى بنصح، وتكلم بعقل. أي أنه لم يكن منقادا لهواه، بل كان ناصحاً، وقد أعمل فكره في هذا الذي قاله، ولكن هل أصاب فيما توصل إليه بفكره وعقله، أم أخطأ؟! فهذا شيء آخر..
وبذلك يعلم أيضاً: أن ما ذكروه، من أن الإمام الحسين «عليه السلام» قد كتب لأهل الكوفة مع قيس بن مسهر: «فإذا قدم عليكم رسولي فاكمشوا أمركم، وجدوا»(1).
1) راجع: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 393 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 297 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 72 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 604 وج 27 ص 158.
والكمش في الأمر هو العزم عليه، والسرعة فيه لا يدل على أنه «عليه السلام» يريد منهم أن يقوموا على ابن زياد ومن معه من عمال بني أمية في بلدهم.
بل هو قد تحدث عن أمر يريد منهم الجد والسرعة فيه، فلعله قصد بهذا الأمر إعطاء البيعة، وتهيئة الأمور، وشراء السلاح إلى حين قدومه عليهم.
كما أن قوله «عليه السلام» لأهل الكوفة - على رواية ابن أعثم -:
«فقوموا مع ابن عمي وبايعوه وانصروه ولا تخذلوه»(1).. - لو صح كونه قد صدر عنه «عليه السلام»، - لا يدل على ذلك أيضاً.. فلعله يقصد:: أن عليهم إذا بايعوه أن يطيعوا أمره، وأن ينصروه إذا احتاج نصرهم في صورة تعدي السلطة أو غيرها علىه وعلى من يجب عليه نصره.. ولا يقصد دعوتهم للشروع في الحرب مع العدو.
مع أن الأمر بالحرب لا ينسجم مع أمره مسلماً بكتمان أمره..
وقد وجد ابن زياد بعد انكشاف الأمور له من خلال معقل : أنه غير قادر على مهاجمة بيت هاني لاعتقال مسلم.
1) الفتوح لابن أعثم ج ص 31.
أولاً : لأنه كان يعلم - كما ورد في كلامه مع هاني حين جاء إلى قصر الإمارة -: أن الدور التي حول بيت هاني كانت مشحونة بالرجال والسلاح. وهو لا يعرف حجم هذا الحشد ، ولا يستطيع توقع مداه، وقدراته إذا وقعت المواجهة.
ثانياً : إن عظمة هاني بن عروة ومكانته في قومه، وفي المجتمع الكوفي بصورة عامة، واتساع مجالات التعاطف والتحالف معه، كانت كبيرة، ولا يمكن الاستهانة بها، ولا يصح فتح معركة ظاهرة وصريحة معها..
بل لا بد أولاً من العمل على تفتيتها، وتشتيت قدراتها، وإضعاف عوامل التماسك فيما بينها، وإخماد فورتها وثورتها بصورة ذكية وهادئة، ومن دون تثوير نارها، أو إذكاء وتأجيج أوارها.
ولأجل ذلك لجأ ابن زياد إلى الخداع والمكر، فاستدرج هاني إلى القصر، وجرى عليه ما جرى مما تقدم ذكره.
وكشاهد على ما قلناه، من أن المساس بهاني لم يكن بالأمر السهل، فلاحظ أن أسماء بن خارجة قد أنكر الغدر بهاني، وأن يعامل هاني بتلك القسوة، مع أنه كان أحد وسائل ابن زياد التي جاءت بهاني إلى قصر الإمارة، فنال هو الآخر من ابن زياد نصيبه من الضرب والإهانة والحبس. قال في الفتوح: إنه لما رأى ما فعل بهاني وثب أسماء بن خارجة إلى عبيد الله بن زياد، فقال: أيها الأمير، أمرتنا أن نأتيك بالرجل، فلما جئناك به، وأدخلناه إليك هشمت وجهه، وأسلت
دمه، وزعمت أنك تقتله.
قال: فغضب ابن زياد وقال: وأنت ها هنا أيضاً؟! ثم أمر بأسماء بن خارجة، فضرب حتى وقع لجنبه.
قال: فحبس [فجلس] أسماء ناحية من القصر، وهو يقول: إنَّا لله وإنا إليه راجعون. إلى نفسي أنعاك يا هاني.
قال: وبلغ ذلك بني مذجح، فركبوا جميعهم عن آخرهم، حتى وافوا القصر، فضجوا وارتفعت أصواتهم إلخ..(1).
1) الفتوح لابن أعثم ج ص48.
1 - الفهرس الإجمالي
2 - الفهرس التفصيلي
الفهرس الإجمالي:
الباب الرابع: قبل سفر مسلم إلى العراق ... 5
الفصل الأول: الحسين × في مكة ... 7
الفصل الثاني: ابن عمر يدعو لبيعة يزيد ... 37
الفصل الثالث: حسم الأمور مع ابن عمر ... 69
الفصل الرابع: الحسين × يكاتب زعماء البصرة ... 93
الباب الخامس: مسلم في العراق ... 127
الفصل الأول: استجابة الحسين × لأهل الكوفة ... 129
الفصل الثاني: مسلم إلى الكوفة ... 163
الفصل الثالث: استبدال والي الكوفة: ... 195
الفصل الرابع: هي سياساتهم ... 226
الفصل الخامس: إلى بيت هاني ... 249
الفصل السادس: الزائر المشؤوم ... 264
الفصل السابع: إستدراج هاني إلى القصر ... 306
الباب السادس: القيام.. والإستشهاد ... 328
الفصل الأول: الشهيد هاني بن عروة ...
الفهرس التفصيلي:
الباب الرابع: قبل سفر مسلم إلى العراق ... 5
الفصل الأول: الحسين × في مكة.. ... 7
الأنشطة الحسينية في الفترة المكية: ... 9
توطئة وتمهيد: ... 10
الفرح هنا.. والغم هناك: ... 12
أهل مكة وأهل البيت ^: ... 15
فسطاط الحسين × في مكة: ... 21
مشورة ابن الزبير: ... 27
الغزو المبكر لمكة: ... 28
جئت عائذاً بالله، وبهذا البيت: ... 29
استقدام بني هاشم إلى مكة: ... 31
الخروج على مراحل هو الأصوب: ... 33
تأخر ابن الحنفية: ... 34
ابن الحنفية لا يمنع أولاده من نصرة أخيه: ... 34
الفصل الثاني: ابن عمر يدعو لبيعة يزيد.. ... 37
الحسين × ، وابن عمر، وابن عباس: ... 39
منطق ابن عمر: ... 44
منطق الحسين: ... 48
البيعة ليزيد والدخول في صلحه: ... 48
أتعلم أني ابن بنت رسول الله ؟!: ... 551
الفجوة بين النظرية والتطبيق: ... 53
الجامعية والدقة: ... 55
الممارسات العدائية: ... 56
آثار ممارسات الأعداء: ... 58
الغايات والأهداف: ... 60
لا مبررات ولا أسباب: ... 61
ابن نظيره ووصيه: ... 66
الفصل الثالث: حسم الأمور مع ابن عمر ... 69
كأنك تريدني: ... 71
ذرنا من هذا يا بن عباس: ... 72
أف لهذا الكلام أبداً: ... 74
ابن عمر: الحسين لا يخطئ: ... 75
الإعتذار الركيك والواهي: ... 77
الحسين × يواجه ابن عمر بقراره: ... 79
لو أدرك عمر زماني لنصرني: ... 81
فأنت في أوسع العذر: ... 82
ماذا يريد الحسين من ابن عباس؟!: ... 83
امض إلى المدينة: ... 87
القرار الحسيني الحاسم: ... 88
الأسلوب التقريري: ... 89
الفصل الرابع: الحسين × يكاتب زعماء البصرة.. ... 93
كتاب الحسين × لأهل البصرة: ... 95
ما الفرق بين الكوفة والبصرة؟!: ... 101
وكنا أوصياءه، وأحق الناس بمقامه: ... 107
أحسنوا وأصلحوا: ... 110
إن تسمعوا وتطيعوا أهدكم: ... 113
الاختلاف في الأسماء: ... 114
نسخة واحدة في أكثر من اتجاه: ... 116
دعوى المنذر بن الجارود: ... 116
خطبة يزيد بن مسعود: ... 117
الإجتماع عند مارية بنت سعد: ...117
جواب الأحنف للحسين × : ... 121
الباب الخامس: مسلم في العراق.. ... 127
الفصل الأول: استجابة الحسين × الأهل الكوفة.. ... 129
أهل الكوفة يراسلون الحسين × : ... 131
سلیمان بن صرد: ... 139
الصلاة على النبي وأهل بيته ^: ... 141
الوهن والفشل، والغدر والنكث: ... 144
يزيد فاقد للشرعية: ... 145
المنافقون يكتبون أيضاً: ... 146
الخطاب بـ«يا أمير المؤمنين» لا يصح: ... 148
حديث الرؤيا وامتثال الأمر: ... 148
مهمة مسلم استطلاعية إعدادية: ... 150
أمره باللطف، والكتمان: ... 152
أخي وثقتي من أهل بيتي: ... 153
المبادرة مطلوبة من أهل الكوفة: ... 155
إنزل عند أوثق أهلها : ... 156
سيقضي الله من أمرك ما يحب ويرضى: ... 157
البشارة بالشهادة: ... 158
من هو الإمام؟!: ... 159
الفصل الثاني: مسلم إلى الكوفة.. ... 163
وفد أهل الكوفة إلى مكة : ... 165
مسلم في طريق الكوفة: ... 166
مسلم في الكوفة: ... 172
أين نزل ابن عقيل في الكوفة؟!: ... 175
هل خالف مسلم أمر الحسين×؟!: ... 178
صعوبة انكشاف أمر مسلم: ... 180
دخول مسلم دار شريك: ... 181
لا تكفي البيعة: ... 182
بذلوا الأموال فلم يقبلها مسلم: ... 184
المختار في خدمة القضية: ... 185
عدد المبايعين المسلم: ... 188
الفصل الثالث: استبدال والي الكوفة: ... 195
للتمهيد والبيان: ... 197
النعمان بن بشير ونشاطات مسلم: ... 197
لماذا أحجم النعمان عن المواجهة؟!: ... 200
عيون يزيد يكتبون إليه: ... 202
مشورة سرجون النصراني: ... 203
كتاب يزيد إلى ابن زياد: ... 205
ابن زياد والي الكوفة: ... 206
دهاء معاوية: ... 210
قدم في وجوه أهل البصرة: ... 214
الأمر الذي أصدره يزيد تجاه مسلم: ... 216
السفلة، وأهل السوق: ... 217
تساقطوا في الطريق: ... 218
هل هذا ضعف ؟!: ... 220
هل دخل ابن زياد الكوفة وحده؟! ... 222
تدلى بين شرفتين: ... 224
متی تولی ابن زياد الكوفة؟!: ... 225
الفصل الرابع: هذه هي سياساتهم.. ... 226
تدابير وإجراءات وسياسات: ... 228
ابن زياد: إغراءات وتهديدات: ... 229
يزيد لم يأمر بهذا: ... 232
المسح السكاني: ... 232
العرافة والعرفاء: ... 234
وضع العيون، ودس الرجال والكيد: ... 235
القتل والتنكيل والإحتيال: ... 236
الرشاوى للأشراف: ... 237
تنوع مصادر المعلومات: ... 238
المجتمع القبلي: ... 239
الحصار الخانق: ... 240
المراصد والمصابيح: ... 242
الحبس، والتجويع ووضع الأغلال: ... 243
المكافآت لمن دل على المعارضين: ... 245
صرف الجيوش إلى حرب الحسين ×: ... 246
الأشراف من أدوات التخذيل: ... 247
الفصل الخامس: إلى بيت هاني.. ... 249
مسلم في بيت هاني بن عروة: ... 251
عدد المبايعين: ... 254
هاني يكره إجارة مسلم: ... 255
هاني بن ورقة: ... 259
اختلاف النصوص: ... 259
شدة التكتم على مكان مسلم: ... 260
العجلة لا خير فيها: ... 260
حديث القاسم بن سلام: ... 261
مسلم يكتب للحسين ×: ... 261
لفت نظر: ... 263
الفصل السادس: الزائر المشؤوم ... 264
النصوص على اختلافها: ... 266
روايات مرض أو تمارض هاني: ... 266
روايات مرض شريك: ... 268
شريك، وهاني يمرضان: ... 271
الرواية المقبولة والمعقولة: ... 274
اختلاف الروايات المتقدمة: ... 277
ابن زياد لا يدخل بيوت الشيعة: ... 278
السرية ضرورية: ... 283
لماذا ينفذ مسلم مخطط الاغتيال؟!: ... 284
تبرير فعل السلطة بمسلم وزعماء القبائل: ... 286
في القصة إهانة لمسلم: ... 286
الإسلام قيد الفتك: ... 290
قتلتني وقتلت نفسها: ... 293
من مفاخر مسلم & : ... 293
الفتك في اللغة : ... 294
التحريف المشبوه: ... 295
الفتك بإذن الإمام: ... 296
كيف نقرأ كلمة «قيد»؟!: ... 297
عمن يروي مسلم حديث الفتك ؟!: ... 298
لم يكن مسلم جبانا: ... 299
لا خلاف بين شريك وهاني : ... 300
اختلافات فى الأسماء: ... 301
في بيت شريك أم في بيت هاني؟!: ... 302
متى علم ابن زياد بما دبروه له؟!: ... 302
محاولة لاغتيال ابن زياد: ... 303
الفصل السابع: إستدراج هاني إلى القصر ... 306
حدیث معقل: ... 308
لا ضعف في الإحتياطات الأمنية: ... 310
عبد الله بن يقطر الشهيد المظلوم: ... 313
متى حدث هذا ؟!: ... 316
ابن يقطر أو ابن يقطين: ... 316
رضيع الحسين ×: ... 318
ألم يرتضع الحسين من أمه ؟!: ... 320
لماذا الحديث عن المرضعات والحواضن؟!: ... 321
الكتاب ممن، وإلى من؟!: ... 322
رسول الحسين بن فاطمة: ... 325
ابن يقطر ثاني الشهداء: ... 326
الباب السادس: القيام.. والإستشهاد.. ... 328
الفصل الأول: الشهيد هاني بن عروة.. ... 330
هاني الأسير المظلوم: ... 332
زيارة السلطان حق على الأشراف: ... 340
الرسل المحتالون: ... 341
الأمير مؤدب: ... 341
عمرو بن الحجاج الأشر والأضر: ... 343
عمرو بن الحجاج متآمر محترف: ... 344
أرباح عمرو بن الحجاج: ... 345
للتخفيف من جرم شريح: ... 346
لماذا العطف على شريح؟!: ... 349
شريح من وعاظ السلاطين: ... 351
لا بد من الوفاء: ... 352
إذن تكثر البارقة حول دارك: ... 353
أحروري سائر اليوم؟!: ... 354
يمتن عليه بعدم قتل أبيه: ... 355
ابن زیاد مطمئن: ... 356
شجاعة ابن التسعين: ... 361
لماذا لم يخرجوا عمال بني أمية؟!: ... 362
الإمام لم يخطئ هذا الرأي: ... 365
إستدراج هاني بن عروة: ... 366
أسماء بن خارجة ضرب أيضاً: ... 367