ghaemiyeh.com
سيرة الحسين(عليه السلام)
في الحديث والتاريخ..
السيد جعفر مرتضى العاملي
الجزء الحادي والعشرون
المركز الاسلامي للدراسات
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى
2016م - 1437هـ
حاد
المركز الاسلامي للدراسات
لبنان - بيروت - الضاحية الجنوبية - أوّل حي ماضي بناية حجازي - ط 1 - تلفاكس: 00961.1.274519
البريد الالكتروني : alhadi@alhadi.org
المنشورات بيروت - بئر العبد - سنتر الانماء 3 - 0096170995421
محرر الرقمي: بسم الله قرباني
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى
1436هـ - 2015م
المركز الاسلامي للدراسات
لبنان - بيروت - الضاحية الجنوبية - أوّل حي ماضي
بناية حجازي - ط1 - تلفاكس: 00961.1.274519
البريد الالكتروني: alhadi@alhadi.org
المنشورات: بيروت - بئر العبد - سنتر الانماء 3 - 70995421 00961
سِيرة الحُسَين (علیه السلام)
في الحديث والتاريخ..
السيد جعفر مرتضی العملى
الجزء الحادي عشر
الكز الاسلامي للدراسات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قالوا:
لما عاد معاوية من مكة، بعد أن فرض على الناس البيعة ليزيد بولاية العهد، مدعياً أن الحسين «عليه السلام» قد بايع - وهو لم يبايع -.. وصل إلى الأبواء، فأصابته اللقوة في وجهه، ثم مضى إلى الشام وقد اشتد مرضه. وكان كل خوفه مما فعله بحجر بن عدي وأصحابه، وعمرو بن الحمق، ودفعه بحق علي بن أبي طالب(1).
ثم صار يوصي ولده يزيد بما يريد .. وبعد ذلك تركه يزيد، وذهب إلى حوارين في طلب الصيد، فمات في غيابه، وذلك في شهر رجب سنة ستين للهجرة النبوية الشريفة(2).
غير أننا نشك في أن يكون ابتداء مرضه بالأبواء، وهو عائد من مكة، فإنه قد ذهب إليها سنة ست وخمسين وموته كان في سنة ستين،
فمن البعيد أن يستمر مرضه أربع سنوات.
وربما يكون قد شفي من اللقوة، ثم عاوده المرض واستمر إلى أن توفي. لاسيما مع تصريح الحسين « عليه السلام» بأن علة معاوية قد طالت(1).
إلا أن يكون المقصود بطول مرضه، طوله إلى عدة أشهر في سنة موته.
فقد صرح الطبري: بأن مرض معاوية كان في سنة ستين، وحينئذٍ خاطب يزيد بوصاياه(2).
وفي جميع الأحوال نقول:
لا يعنينا من وصايا معاوية في كتابنا هذا سوى ما يرتبط منها بالإمام الحسين «عليه السلام».. ولذا فإننا سوف نقتصر على هذا الجانب، فنقول:
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 13 و 14 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 183.
2) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 322 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 238 والكامل في التاريخ ج 4 ص 5 و 6 والبداية والنهاية ج 8 ص 115 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 123 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج5 ص 320 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 3 ص23 و 24 و (ط الأعلمي) ج 3 ص18.
يبدو من ملاحظة النصوص: أن هناك وصايا متعددة، وربما کانت في أوقات متباعدة. أو لعل بعضها كان بالسر، وبعضها بالعلن...
وقد تقدم كتاب معاوية الذي كتبه بخط يده، ويأمر فيه ولده: «أن يحفظ هذا الحي من قريش خاصة، وأن يبعد قاتلي الأحبة. وأن يقدم بني أمية وآل عبد شمس على بني هاشم وأن يقدم آل المظلوم المقتول أمير المؤمنين عثمان بن عفان على آل أبي تراب وذريته.
فمن قرئ عليه هذا الكتاب، وقبله حق قبوله، وبادر إلى طاعة أمیره يزيد بن معاوية، فمرحباً به وأهلاً. ومن تأبى عليه وامتنع، فضرب الرقاب أبداً حتى يرجع الحق إلى أهله إلخ..»(1).
ومن الوصايا الشفوية نذكر أولاً قول ابن أعثم، ونلحق بنصوصه ما ورد في المصادر المتوافقة معه، خصوصاً فيما يرتبط بالإمام الحسين «عليه السلام»، فنقول:
قال معاوية ليزيد: «إني أخاف عليك من هذه الأمة أن تنازعك في هذا الأمر الذي قد رفعت لك قواعده، وخصوصاً أربعة نفر من قريش، ومنهم عبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وشبيه أبيه الحسين بن علي.
1) الفتوح لابن أعثم ج 4 ص357 و 348.
فأما عبد الرحمن بن أبي بكر، فإنه إذا صنع أصحابه شيئاً صنع مثلهم، وإن لم يصنعوا أمسك، وهو رجل همه النساء، ولذة الدنيا، فذره يا بني وما يريد، ولا تأخذ عليه في شيء من أمره، فلقد علمت ما لأبيه من الفضل على هذه الأمة، وقد يرعى ذمام الوالد في ولده.
وأما عبد الله بن عمر، فإنه رجل صدق قد توحش من الناس، وآنس إلى العبادة، ورضي بالوحدة، فترك الدنيا، وتخلى منها، فهو لا يأخذ منها شيئاً، وإنما تجارته من هذه الدنيا كتجارة أبيه عمر بن الخطاب، فأقرئه مني السلام، وتعاهده بالعطاء الوفير أفضل تعاهد.
وأما عبد الله بن الزبير فما أخوفني أنك تلقى منه عتباً! فإنه صاحب خلل في القول، وزلل في الرأي، وضعف في النظر، مفرط في الأمور مقصر في الحقوق.
وإنه سيجثو لك كما يجثو الأسد في عرينه، ويراوغك رواغ الثعلب، فإذا أمكنه منك فرصة لعب بك كيف شاء.
فكن له يا بني كذلك، واجزه صاعاً بصاع، واحذه حذو النعل، إلا أن يدخل لك في الصلح والبيعة، وبتوبة فأقمه على ما يريد.
وأما الحسين بن علي فأوه أوه يا يزيد! ماذا أقول لك فيه!
فاحذر أن لا يتعرض لك، ومد له حبلاً طويلاً، وذره يضرب في الأرض حيث شاء، ولا تؤذه، ولكن ارعد له وابرق، وإياك والمكاشفة له في محاربة سل سيف، أو محاربة طعن رمح، ثم أعطه ووقره وبجله، فإن حال أحد من أهل بيته فوسع عليهم وأرضهم فإنهم أهل
بيت لا يرضيهم إلا الرضى ولا يسعهم إلا المنزلة الرفيعة.
وإياك يا بني أن تلقى الله بدمه فتكون من الهالكين، فإن ابن عباس حدثني، فقال: إني حضرت رسول الله «صلى الله عليه وآله» وهو في السياق، وقد ضم الحسين بن علي إلى صدره وهو يقول: هذا من أطائب أرومتي، وأنوار عترتي، وخيار ذريتي، لا بارك الله فيمن لا يحفظه بعدي!
قال ابن عباس: ثم أغمي على النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ساعة ثم أفاق وقال: يا حسين إن لي ولقاتلك يوم القيامة مقاماً بين يدي ربي وخصومة، وقد طابت نفسي إذ جعلني الله خصيماً لمن قتلك يوم القيامة.
يا بني ! هذا حديث ابن عباس، وأنا أحدثك عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» أنه قال: أتاني جبريل يوماً فخبرني وقال: يا محمد! إن أمتك ستقتل ابنك حسيناً، وقاتله لعين هذه الأمة.
ولقد لعن النبي «صلى الله عليه وآله» يا بني قاتل الحسين مراراً، فانظر لنفسك. ثم انظر أن لا يتعرض له بأذية، فحقه والله يا بني عظيم، ولقد رأيتني كيف كنت أحتمله في حياتي، وأضع له رقبتي، وهو يواجهني بالكلام الذي يمضني ويؤلم قلبي، فلا أجيبه ولا أقدر له على حيلة، فإنه بقية أهل الأرض في يومه هذا، وقد أعذر من أنذر.
قال: ثم أقبل [على] الضحاك ومسلم بن عقبة، فقال لهما معاوية: اشهدا على مقالتي هذه، فو الله إن فعل بي الحسين كل ما يسوءني
لاحتملته أبداً، ولم يكن الله يسألني عن دمه، أفهمت عني ما أوصيتك به یا یزید؟
فقال: فهمت يا أمير المؤمنين(1).
وقال في نص آخر:
فأما عبد الله بن عمر فرجل قد وقذته العبادة، وإذا لم يبق أحد غيره بایعک.
وأما الحسين بن علي فإن أهل العراق لن يدعوه حتى يخرجوه، فإن خرج عليك فظفرت به فاصفح عنه، فإن له رحماً ماسة، وحقاً عظيماً.
وأما ابن أبي بكر فرجل إن رأى أصحابه صنعوا شيئاً صنع مثلهم ليس له همة إلا في النساء واللهو.
وأما الذي يجثم لك جثوم الأسد، ويراوغك مراوغة الثعلب، فإذا أمكنته فرصة وثب، فذاك ابن الزبير، فإن هو فعلها بك فقدرت عليه فقطعه إرباً إرباً(2).
1) الفتوح لابن أعثم ج 4 ص 349 - 351.
2) راجع: البداية والنهاية ج 8 ص 115 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 123 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 3 ص 18 و 19 وتجارب الأمم ج 2 ص 39 و (ط دار سروش سنة 1422هـ ق) ج 2 ص 37 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص174 - 177 وراجع مناقب آل أبي طالب ج 4 ص87 و 88 و (ط الأعلمي) ج 3 ص 239 و 240 وتذكرة الخواص (ط النجف) ص 134 و 135 وراجع الفخرى في الآداب السلطانية ص102 و 103 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 323 ومقتل أبي مخنف ص 7 و 8 وراجع: تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 322 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 238 والكامل في التاريخ ج 4 ص 5 و 6 والأخبار الطوال ص 225 و 226 وأنساب الأشراف ج 5 ص 144 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 320 وجمهرة خطب العرب ج 2 ص 187 ونهاية الأرب ج20 ص 365 و 366.
ويقول في نص آخر عن الحسين «عليه السلام»:
وأما الحسين بن علي، فإنه رجل خفيف، وأرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه، وخذل أخاه، [وفي نص آخر: أرجو أن يكفيكه الله، فإنه قتل أباه، وخذل أخاه]، وإن له رحماً ماسة، وحقاً عظيماً، وقرابة من محمد «صلى الله عليه وآله»، ولا أظن أهل العراق تاركيه حتى يخرجوه، فإن قدرت عليه، فاصفح عنه، فإنه لو أني صاحبه عفوت عنه(1).
وفي نص آخر: عن الصادق، عن أبيه، عن جده «عليهم السلام» يقول: «لما حضر معاوية الوفاة، دعا ابنه يزيد فأجلسه بين يديه، فقال
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 323 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 239 والكامل في التاريخ ج 4 ص 6 وتذكرة الخواص (ط النجف) ص134 و 135 والفخرى في الآداب السلطانية ص 102 و 103 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 323 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج3 ص18 و 19 ونهاية الأرب ج20 ص 366 وجمهرة خطب العرب ج 2 ص 188 وراجع: العقد الفريد ج 4 ص 87 و 372 و 373 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 174 - 177.
له: يا بني إني قد ذللت لك الرقاب الصعاب».
إلى أن قال عن الإمام الحسين «عليه السلام»: «ولا تؤاخذه بفعله..»(1).
وحسب نص ابن سعد وغيره:
لما احتضر معاوية دعا يزيد بن معاوية، فأوصاه بما أوصاه به، وقال له: انظر حسين بن علي، ابن فاطمة بنت رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فإنه أحب الناس إلى الناس فصل رحمه وارفق به يصلح لك أمره، فإن يك منه شيء، فإني أرجو أن يكفيكه الله، بمن قتل أباه، وخذل أخاه(2).
وفي نص آخر: «والرابع الحسين بن علي «عليه السلام» فإن
1) الأمالي للصدوق ص 215 و 216 وبحار الأنوار ج 44 ص 311 و 312 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 160 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج3 ص 87 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 240.
2) الطبقات الكبرى لابن سعد (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 44 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 206 وتهذيب الكمال للمزي ج6 ص 414 وبغية الطلب لابن العديم ج 6 ص 2607 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 7 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج ص 175 وترجمة الإمام الحسين «عليه السلام» لابن عساكر ص 291 وترجمة الإمام الحسين «عليه السلام» من طبقات ابن سعد ص 55 وسير أعلام النبلاء ج3 ص 295 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 516 و ج 33 ص 669.
الناس تدعوه حتى يخرج عليك، فإن ظفرت به فاحفظ قرابته من رسول الله «صلى الله عليه وآله»، واعلم ما يلي: إن أباه خير من أبيك، وجده خير من جدك، وأمه خير من أمك. وللمرء ما بقلبك.
وهذه وصيتي إليك والسلام»(1).
تؤكد المصادر المختلفة، - بل قيل هو موضع إجماع -: أن يزيد لم يحضر موت أبيه، بل تركه على فراش المرض، وذهب إلى حوارين في طلب الصيد(2).
ومعنى هذا: أن ما يذكر في بعض المصادر من تفاصيل تؤكد حضور يزيد حين موت أبيه، وأنه سمع من أبيه وصاياه، وكان
1) ثمرات الأعواد ج 1 ص 65.
2) راجع: الفتوح لابن أعثم ج 4 ص 352 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص161 وتاريخ مدينة دمشق ج 59 ص231 وأنساب الأشراف ج4 ص 154 و 156 وسنن الدارمي ج 1 ص 123 وتاريخ الأمم والملوك ج5 ص338 و 339 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 242 والكامل في التاريخ ج 4 ص6 و 9 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 4 ص 169 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 152 و 153 ونهاية الأرب (ط المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر) ج 20 ص 370 و 371 وراجع: البيان والتبيين ج 2 ص 115 و (ط المطبعة التجارية الكبرى سنة 1345هـ) ص 280 وتذكرة الخواص (ط النجف) ص 135 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج 3 ص 1419.
يخاطب بها يزيد مباشرة فيجيبه(1)
وراجع: البداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 175 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 206 وتهذيب الكمال ج 6 ص414 وسير أعلام النبلاء للذهبي ج 3 ص 295 وبغية الطلب لابن العديم ج 6 ص 2607 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 6 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 291 وترجمة الإمام الحسين «علیه السلام» من طبقات ابن سعد ص54 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 238 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 516 وج 33 ص 669.
.. موضع شك وريب.ولأجل ذلك نلاحظ: أن الطبري وغيره يصرحون: بأن معاوية أحضر الضحاك بن قيس، ومسلم بن عقبة، فأمرهما أن يؤديا وصيته لیزید(2).
وقد ورد في وصية معاوية ليزيد ذكر لعبد الرحمان بن أبي
1) الفتوح لابن أعثم ج 4 ص 344 - 351 وفيه ص 352: أنه قد خرج إلى حوارين لأجل الصيد قبل موت أبيه بيوم واحد.
2) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 323 و 324 وراجع: الكامل في التاريخ ج 4 ص6 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 3 ص 18 و 19 والأخبار الطوال ص 225 و 226 وأنساب الأشراف ج 5 ص 146 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 123 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص238 ونهاية الأرب ج 20 ص 366 والعقد الفريد ج 4 ص 87 وتذكرة الخواص (ط النجف) ص 135.
1) الفتوح لابن أعثم ج 4 ص 349 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 338 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 238 والكامل في التاريخ ج 4 ص6 والبداية والنهاية ج8 ص 115 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج8 ص123 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 3 ص 23) و (ط الأعلمي) ج 3 ص18 ونهاية الأرب ج 20 ص 366 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 175 والأخبار الطوال ص 222 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 320 وجمهرة خطب العرب ج 2 ص 188.
2) ذكرة الخواص (ط النجف) ص 135 ونهاية الأرب (ط المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر ) ج 20 ص 366 والكامل في التاريخ ج 4 ص 6. وقد ذكر عبد الرحمان أيضاً في حوادث سنة ست وخمسين كما في الكامل في التاريخ. وراجع: تهذيب التهذيب ج 6 ص 133 وأنساب الأشراف ج 5 ص 144 و 145 والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 1 ص 164 و (تحقيق الشيري) ج 1 ص 164 والنصائح الكافية ص71 وتاريخ مدينة دمشق ج 35 ص 31.
3) راجع: الثقات لابن حبان ج 3 ص 249 وتاريخ مدينة دمشق ج 35 ص 28 و 31 و 42 و 43 وأسد الغابة ج 3 ص 306 والمعارف لابن قتيبة ص 174 والكاشف في معرفة من له رواية في كتب الستة للذهبي ج 1 ص 622 وسير أعلام النبلاء ج 2 ص 472 وتقريب التهذيب ج 1 ص 562 وتهذيب التهذيب ج 6 ص 133 و 134 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج5 ص 302 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 4 ص 266 و 267 والوافي بالوفيات ج 18 ص 95 ومرآة الجنان ج 1 ص 102 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 97 وشذرات الذهب ج 1 ص 59 وطبقات خليفة بن خياط ص 48 ووفيات الأعيان ج 3 ص 70 ونهاية الأرب ج20 ص 342 و 359.
4) راجع الفتوح لابن أعثم ج 4 هامش ص 349 والتاريخ الكبير للبخاري ج5 ص 242 والثقات لابن حبان ج 3 ص 249 ومشاهير علماء الأمصار ص 34 و 35 وتاريخ مدينة دمشق ج 35 ص 29 والإصابة ج 4 ص 276 وتهذيب التهذيب ج 6 ص 134 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج5 ص 302 والمختصر في أخبار البشر ج 1 ص 187 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 95.
وقال ابن سعد: مات سنة قدم معاوية المدينة لأخذ البيعة ليزيد(1).
وقيل: مات سنة خمس وخمسين(2).
وقال العسقلاني: قال ابن سعد وغير واحد: مات سنة ثلاث وخمسين، وقال يحيى بن بكر: سنة أربع، وقال أبو نعيم: سنة ثلاث، وقيل: خمس، وقيل: ست، وقال أبو زرعة الدمشقي: مات سنة قدم
معاوية المدينة ليأخذ البيعة ليزيد. وماتت عائشة بعده بسنة سنة تسع وخمسين. وقال ابن حبان: مات سنة ثمان. وقال البخاري: مات قبل عائشة وبعد سعد إلخ..(1).
والنتيجة هي: أن موت عبد الرحمان بن أبي بكر كان قبل أن يوصي معاوية لولده بسبع سنوات، أو بسنتين فكيف يكون معاوية قد ذكره في وصيته ليزيد؟!
ويجاب:
أولاً: إن بعض النصوص لم تذكر عبد الرحمان بن أبي بكر، واقتصرت على ابن عمر وابن الزبير، والحسين عليه السلام(2).
ثانياً: لعل المؤرخين غلطوا في تحديد تواريخ هذه الوصايا، فهي لم تكن في آخر أيام معاوية، فبعضها يمكن أن يكون قد حصل قبل حج معاوية سنة خمسين، أو قبل أو بعد عمرته سنة ست وخمسين.
1) الإصابة ج 2 ص 408 و ط دار الكتب العلمية سنة 1415هـ) ج4 (ط) ص 276.
2) الأمالي للصدوق ص 215 و 216 وبحار الأنوار ج 44 ص 311 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 160 وتاريخ الأمم والملوك جه ص338 و 339 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 238 و 239 والبيان والتبيين ج 2 ص 116 و (ط المطبعة التجارية الكبرى سنة (1345هت) ص 280 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 123 و 124 والعقد الفريد ج 3 ج8 ص123 ص 349) و (ط أخرى) ص 372 وراجع: ربيع الأبرار ج 5 ص 185.
ثالثاً: سيأتي تحت عنوان «عبد الرحمان بن أبي بكر في عهد يزيد» أننا نرجح بقاء هذا الرجل حيا إلى ما بعد وفاة معاوية، فانتظر.
رابعاً: لعل مرض معاوية قد تكرر، فكان يوصي ولده في كل مرة خوفا من أن يموت قبل أن يبلغه بما في نفسه.
وقد يشهد لذلك: أن هناك من يقول: إنه قد مرض وهو في طريق عودته من عمرته التي اعتمرها سنة ست وخمسين، حيث أصابته اللقوة بالأبواء بين مكة والمدينة، حين نظر ليلا في بئرها(1).
ومصادر أخرى تصرح: بأنه إنما مرض مرض موته سنة ستين، كما تقدم مع استبعاد أن يستمر مرضه أربع سنوات - أي من سنة ست وخمسين إلى سنة ستين -، من دون أن يشير إلى ذلك أحد من المؤرخين، باستثناء النص الذي يقول إنه لما أرسل يزيد إلى عامله بالمدينة يخبره بموت معاوية دعا الوليد الحسين «عليه السلام»، فلما دخل عليه قال له الإمام (عليه السلام»: «هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ مُعَاوِيَةٌ كَائِنَهُ خَبَر، فَإِنَّهُ كانَ عَلِيلًا وَقدْ طالت عِلتُهُ، فَكَيْفَ حالة الآن»؟! فأخبره الوليد بموته(2).
ويؤيد ذلك أيضاً: اختلاف نصوص الوصايا، حتى إن بعض هذه الاختلافات تصل إلى حد التناقض.
وتباعد أزمان صدورها يؤدي إلى هذا الاختلاف، كما هو ظاهر.
لا نريد استقصاء النصوص التي سجلت أقوال معاوية في وصاياه، بل نريد فقط تقديم نماذج مما يرتبط بالإمام الحسين «عليه السلام»، فنجد:
1 - أن الكتاب الذي كتبه معاوية يطلب فيه من يزيد تقديم بني أمية على بني هاشم وآل عثمان على آل أبي تراب وذريته.. قد أمره فيه بأن يقتل من امتنع من بيعة يزيد، حتى يرجع الحق إلى أهله، ولم يستثن من ذلك الحسين ولا غيره..
ولكنه يأمره في وصيته الشفوية: بأن لا يتعرض للحسين ولا يؤذيه، ولا يلقى الله بدمه ويذكر له عظمة الحسين، وثناء النبي صلى الله عليه وآله عليه، ولعن قاتله مراراً.
وفي نص شفهي آخر يناقض ذلك، حيث يقول: «أرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه وخذل أخاه».
وفي نص آخر: «أرجو أن يكفيكه الله، فإنه قتل أباه وخذل أخاه».
ومن يعظم الحسين (عليه السلام» هذا التعظيم، ويسرد النصوص الدالة على لعن النبي «صلى الله عليه وآله» لقاتله «عليه السلام» لا یرجو له القتل على يد من قتل أباه، أو لا يرجو له القتل من الله تعالى.
2 - إن هذا الإختلاف يبرر للباحث العارف بأساليب معاوية وسياساته أن يقول: إن معاوية كان يمارس سياسته في وصاياه
باتجاهين:
الأول: الوصية الخاصة التي يريد لها أن تسلك طريق التنفيذ، من دون أي تسويف أو تردد. وهي التي يسر بها لولده خفية عن سائر الناس. وهي تنص على حتمية قتل كل من لم يبايع، ولو كان الحسين بن علي «عليهما السلام». ولكنه يريد أن يتم ذلك بسرية تامة، ومن دون أن يشعر به أحد.
الثاني: ما يقوله لابنه أمام الناس، بهدف المكر بهم، بإيهامهم أنه وفي للرسول «صلى الله عليه وآله»، محب لذريته، في حين انه يبغي له الغوائل، ويرصد حركته.. لأنه يعلم: أن إعلان العداء للحسين «عليه السلام»، والتسبب بقتله يعريه من آخر خيط ديني يحاول أن يتستر به على خياناته للدين وأهله حيث يراعى فيه حال العامة، وما ينسجم مع ذائقتهم، ويوافق مسارهم فكان يوصي ولده بالعفو والحلم عن الحسين «عليه السلام»، كما أنه يظهر نفسه وولده أمام العامة بصورة الإنسان المظلوم، والصابر الذي لا يؤاخذ الحسين «عليه السلام» بإساءاته مهما كثرت ويغفر له ذنبه، مهما عظم.
فإذا تمكن من قتل الحسين «عليه السلام»، ولو بدس السم إليه، ثم انكشف الأمر، فإنه يقتل من دسه لهذه المهمة، ويتخذ ذلك ذريعة لكسب الثناء، والحمد والدعاء. كما يكون قد أبقى في الأذهان الشبهة حول تعديات الحسين «عليه السلام»، وجرأته وظلمه. كما يزعم.
وهذا يمهد السبيل لأن يعتبر الناس: أن الحسين «عليه السلام»
في أي تحرك يقوم به هو المذنب، والمعتدي، والمستحق للعقوبة، ولو كانت هي القتل.. وبذلك يتم التخفيف عن جرم يزيد إن افتضح أمره، أو تبرئته منه لدى الكثيرين من السدج وقاصري النظر..
ويؤيد هذا: أن معاوية كان يسعى في حرب صفين لقتل الحسن والحسين وعلي «عليهم السلام»، ومحمد ابن الحنفية، وعبد الله بن جعفر وغيرهم من بني هاشم، ثم صار يلعنهم في الصلاة، وعلى المنابر وأمر الخطباء بذلك أيضاً. فعم اللعن لهم «عليهم السلام» جميع بلاد الإسلام
ولكن يزيد إما لم يفهم ما يرمي إليه معاوية، أو لم يرد أن يفهم.
أما الحسين «عليه السلام» فلم يكن يريد أن يكون عدوه هو الذي يحدد له كيفية ومكان وزمان وسائر ظروف مقتله، بل كان «عليه السلام» هو الذي يريد أن يكون الذي يختار ذلك كله، لأنه يريد أن يستثمره في صالح الدين والأمة كما سنبينه.
وقد حذر معاوية ولده يزيد من أن يتسبب في تعرض الحسين «عليه السلام» له وحتّم عليه أن لا يثيره، بل يفسح له في المجال.
ولكن العبارة التي استعملها للدلالة على ما يريد هي - كما تقدم الرواية الأولى - قوله: «فاحذر أن لا يتعرض لك، ومد له حبلاً طويلاً، وذره يضرب في الأرض حيث شاء ، ولكن أرعد له وأبرق،
وإياك والمكاشفة له في محاربة سل سيف».
فأقحم كلمة «لا» قبل كلمة « يتعرض»، وهذا يشبه ما ورد في قوله تعالى لإبليس : (مَا مَنْعَكَ ألَّا تَسْجُدَ). كما سنرى.
ومقصود معاوية هنا: هو تحذير ابنه من أن يفعل ما يوجب تعرض وتصدي الحسين «عليه السلام» له أي أن عليه أن لا يعطي مبرراً وذريعة وحجة للحسين «عليه السلام»، توجب خروجه عن حالة عدم التعرض ليدخل في حالة التعرض والتصدي ليزيد..
فكأنه يفترض: أن هناك حاجزاً يمنع الحسين «عليه السلام» من القيام والتصدي، فمعاوية يحذر يزيد من المساس بهذا الحاجز، بل يوجب عليه السعي لإبقاء هذه الحالة على ما هي عليه، وينتج عن ذلك التحذير من المساس بالحالة التي اتخذها الحسين لنفسه، «وهي حالة عدم القيام والتصدي».
وبعد.. فهناك آيتان شريفتان في كتاب الله تعالى لا نرتاب في أنه لا تنافي بينهما، وهما:
ألف: قوله تعالى لإبليس : (مَا مَنْعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ)(1).
فكأنه سبحانه أراد أن يقول لإبليس: إنك حين أصدرت لك أمري بالسجود لآدم كانت لك حالة قائمة ومستمرة، وهي عدم سجودك، فما
1) الآية 12 من سورة الأعراف.
الذي منعك من إزالتها وتبديلها بالسجود، الذي أوجبته عليك؟! أي «ما منعك أن تبدل عدم السجود بالسجود». وكلمة منع تتعدى بنفسها كقولك: منعه الأمر، وتتعدى بالحرف كقولك: منعه من الأمر، وعن الأمر، وكلمة «أن» في قوله: (أنْ تَسْجُدَ) تبقى ناصبة لكلمة تسجد، ولا ضير في ذلك. كما أنه لا حاجة إلى تقدير فعل الإزالة، لأن هذا الفعل موجود وحاضر في مضمون الجملة حسبما بيناه ولماذا يؤثر أمري لك بالسجود أي تحول في داخل ذاتك، يدعوك إلى نقض هذه الحالة وتبديلها.
وهذا يشعر بأن المانع موجود في عمق ذاته..
ب: قوله تعالى (مَا مَنْعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)(1)فيراد بها السؤال عن سبب مخالفة الأمر، وعن المانع من صدور الفعل المأمور به .. لأن المانع من السجود قد يكون في داخل ذاته، وقد يكون أمراً عارضاً له من خارج ذاته. فكأنه تعالى يسأله عن هذا المانع الذي حال بينه وبين الفعل.
أما في آية سورة الأعراف، فيسأل عن سبب عدم تغير حالته، بل بقيت على ما كانت عليه قبل الأمر وبعده.
فظهر مما قلناه: أنه لا تنافي بين قوله تعالى: (مَا مَنْعَكَ أَنْ تَسْجُدَ) وبين قوله: (مَا مَنْعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ) بل الآيتان منسجمتان تمام
1) الآية 75 من سورة ص.
الإنسجام.
ويمكن تأييد هذا المعنى: بأنه تعالى قد عقب قوله في سورة ص: (مَا مَنْعَكَ أَنْ تَسْجُدَ) بسؤال آخر يقول: (أسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ)؟! أي أن المانع عن صدور فعل منه قد يكون أمراً داخلياً، كامنا في عمق الذات كالاستكبار، وقد يكون أمراً عارضاً وخارجاً عن الذات، كالعلو، أو وجود من أمسكه ومنعه، أو الخوف من عدو يتهدده، بحيث لولا التهديد لكان راغباً في السجود.
فيحتاج إلى تحديد المانع بالتصريح عنه وتسميته.
ولكنه في آية سورة الأعراف لم يحتج إلى طرح سؤال آخر، بل اكتفى بالسؤال عن سبب عدم تغير حالته التي بقيت على ما كانت عليه، ولذا كان الجواب من إبليس أن السبب في بقائها على ما كانت عليه أن لدیه معادلة موهومة اعتمد عليها، وهي دعواه أنه خير من آدم لأنه مخلوق من نار و آدم مخلوق من طين. فالأمر الصادر - بنظره «لعنه الله» - لا يغير من هذه المعادلة، ولا يبطلها، ولذا بقيت حالته على ما كانت عليه..
وواضح: أن هذه المعادلة التي استند إبليس إليها تنتهي إلى التكبر الذي يحتاج إلى الكسر والتحقير، والتصغير، وإعادة إبليس إلى حجمه الطبيعي، ولذا عقب ذلك بقوله : (قال فاهْبط مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ
تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ)(1).
1) الآية 13 من سورة الأعراف.
وبعبارة أخرى: إن كل واحدة من الآيتين ناظرة لجهة تختلف عن الجهة التي تنظر إليها الآية الأخرى. ففي آية (مَا مَنْعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ) يكون السؤال عن سبب عدم تغيير حالته عن الوتيرة التي كانت عليها، بالرغم من صدور الأمر الإلهي له بالسجود، حيث لم يكن قد سجد لآدم في الزمان السابق، ولا يزال على تلك الحال إلى هذه اللحظة. فلماذا بقيت حالته على ما هي عليه؟ ولماذا لم يتأثر بالأمر الإلهي الصادر له؟! مع أن صدور الأمر في أي وقت وفي أي حال يكفي في دعوتك إلى تغيير الحال التي تكون عليها. فإن كلمة «إذ» هنا يراد بها بيان الوقت الذي حصل فيه الأمر، وعصيانه، ليلتمس السامع حصول التمرد منذ تلك اللحظة.
فأجاب إبليس: بأن السبب هو: أنه يرى نفسه خيراً من آدم، أي أن اقتناعه بأنه الأفضل هو الذي جعله يحافظ على حالته السابقة، ولا ينقضها بشيء جديد.
أما الآية الأخرى: (مَا مَنْعَكَ أَنْ تَسْجُدَ) فالسؤال فيها عن سبب عدم حصول سجوده خارجاً، هل هو الخوف من ضرر يلحق به؟! أو السبب هو أن أحداً أمسكه ومنعه قسراً أو جبراً، مع رغبته هو بالسجود؟! أو السبب هو عدم الرغبة لأجل الكسل، أو عدم الرغبة لأنه يرى نفسه أفضل من آدم؟! فالمطلوب هو معرفة سبب عدم صدور الفعل خارجاً، هل هو من داخل ذاته، أو من خارج ذاته؟!
قال ابن الأثير، والطبري، والنص للأول: إن معاوية «لما حضرته الوفاة، قال: إن رسول الله «صلى الله عليه وآله» كساني قميصا فحفظته، وقلم أظفاره يوما فأخذت قلامته، فجعلتها في قارورة، فإذا مت فألبسونى ذلك القميص، واسحقوا تلك القلامة وذروها في عيني وفمي، فعسى الله أن يرحمني ببركتها»(1).
وعند الخوارزمي: كنت بين يدي رسول الله «صلى الله عليه وآله» ذات يوم، وهو يقلم أظفاره، فأخذت القلامة، وأخذت بمشقص من شعره على الصفاه وجعلتها في قارورة، هي عندي، فاجعلوا أظفاره وشعره في فمي وأذني(2).
ونقول:
هنا عدة أمور يحسن لفت النظر إليها، وهي:
1 - يظهر النص المتقدم معاوية في صورة الرجل المعتقد بالنبوة، وببركات النبي «صلى الله عليه وآله» إلى الحد الذي يرجو رحمة الله ببركة شعره، وببركة قميص كساه إياه، وقلامة أظفاره.
مع أنه قد حارب وصيه، وقتل خيار، وكبار، وأبرار أصحابه، مثل: عمار بن ياسر، وذي الشهادتين، وعمرو بن الحمق، والأشتر ومحمد بن أبي بكر، وحجر بن عدي، وعشرات من أمثالهم، بالإضافة إلى عشرات الألوف من المسلمين والمؤمنين..
ثم دس السم للإمام الحسن «عليه السلام»، ريحانة الرسول وسيد شباب أهل الجنة.
كما أنه لم يزل يسعى في قتل ذريته وأهل بيته «صلى الله عليه وآله»، وقد سن لعنهم، ولعن علي «عليه السلام» على منابر المسلمين.. إلى غير ذلك من الموبقات المخزيات التي لا مجال لتتبعها..
2 - إن قول معاوية: فعسى الله أن يرحمني ببركتها، يدل على أمرين:
أولهما: أنه يجعل هذه الأمور وسيلة للحصول على رحمة الله تبارك وتعالى.
الثاني: أنه يلتمس بها الحصول على البركة، التي تعني النماء والزيادة فى الخير، وفي كل ما يحبه الإنسان، ويوجب سروره وسعادته، ودفع البلاء عنه.
فما يحاول البعض أن يدعيه من عدم جواز التوسل أو التبرك، غير صحيح.
3 - إن ما زعمه معاوية من أنه أخذ من شعر النبي «صلى الله
عليه وآله» وهو على الصفا بمشقص (وهو المقراض) كان معه لم نفهم له معنى، فهل كان «صلى الله عليه وآله» يسمح لأي كان من الناس أن يأتي بمقراض، ويجز ما يشاء من شعره، حتى لو كان على الصفا، حيث يرى الناس رسول الله بصورة واضحة، ويحاولون الوصول إليه، والتبرك به؟!
وإذا أراد معاوية أن يجز بمشقص من شعر النبي، فسوف يتسابقون لممارسة نفس هذا الفعل، وهل يبقى على النبي شعر والحالة هذه ؟!
وماذا سيفعل من لم يحصل على شيء من شعره «صلى الله عليه وآله»؟!
تقدم: أن معاوية مات في شهر رجب سنة ستين، كما قالوا(1)،
1) الطبقات الكبرى لابن سعد (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 442 و (ط دار صادر) ج 7 ص 406 و 407 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج3 7 ص 1418 و 149 وأنساب الأشراف ج 3 ص 155 وج 5 ص 155 والمحبر ص 21 وتهذيب الكمال ج 6 ص 414 وج 28 ص 179 وج 35 ص 176 و 320 والكاشف في معرفة من له رواية في كتب الستة للذهبي ج 2 ص 275 وتاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 369 و 373 وج 14 ص 206 وج 59 ص 58 و 60 و 239 و 240 و 241 وج 69 ص 136 و 153 وأسد الغابة ج 4 ص 386 وسير أعلام النبلاء ج3 ص 161 والإصابة (ط دار الكتب العلمية) ج 6 ص 122 وتقريب التهذيب ج 2 ص 195 وتهذيب التهذيب ج 10 ص 187 وإسعاف المبطأ ص102 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 178 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 32 وروضة الواعظين ص 171 ومثير الأحزان لابن نما ص 13 والبداية والنهاية ج 8 ص 162 و 146 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 338 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 239 وبغية الطلب لابن العديم ج 6 ص 2607 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 333 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 241 والملهوف ص 96 وبحار الأنوار ج 44 ص 324 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 173 ولواعج الأشجان ص 23 ومجمع الزوائد ج9 ص197 وتحفة الأحوذي ج 9 ص 197 وصحيح ابن حبان ج 15 ص 39 والمعجم الكبير ج 19 ص 305 وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص 381 والدرجات الرفيعة ص 426 وتاريخ خليفة بن خياط ص 175 و 176 و547 - 548 والثقات لابن حبان ج 2 ص 305 و ج 3 ص 373 ومشاهير علماء الأمصار ص 85 و 86 و تاريخ بغداد ج 1 ص 224 والتعديل والتجريح للباجي ج2 ص 786 وتاريخ المختصر الدول ص 110 والمختصر في أخبار البشر ص110 ج 1 ص 189 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 4 ص 317 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 4 ص 165 وج8 ص 152 و 175 و 248 و 259 وصبح الأعشى ج 3 ص 266 وتاريخ الخلفاء ص 216 والفتوح لابن أعثم ج 4 ص 352 وإعلام الورى ج 1 ص 434 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 291 والسيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 277.
وتولى بعده يزيد، فكتب إلى واليه في المدينة، الوليد بن عتبة بن أبي سفيان يخبره بموت أبيه، ويأمره بأخذ البيعة له من أهل المدينة وخصوصاً من الحسين بن علي عليه السلام.
ومما جاء في كتابه هذا، حسب نص ابن أعثم قوله عن أبيه معاوية:
وقد كان عهد إليّ عهداً، وجعلني له خليفة من بعده، وأوصاني أن أحدث [أحارب خ . ل(1)] آل أبي تراب بآل أبي سفيان، لأنهم أنصار الحق، وطلاب العدل، فإذا ورد عليك كتابي هذا فخذ البيعة على أهل المدينة. والسلام.
1) كذا في نسخة دار الفكر.
قال: ثم كتب إليه في صحيفة صغيرة كأنها أذن فأرة:
أما بعد .. فخذ الحسين بن علي، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر بن الخطاب أخذا عنيفا ليست فيه رخصة، فمن أبى عليك منهم فاضرب عنقه، وابعث إلي برأسه.
وأرسل الكتاب مع زريق ابن أبي زريق) مولى معاوية(1).
قال: فلما ورد كتاب يزيد على الوليد بن عتبة وقرأه، قال: إنَّا لله وإنا إليه راجعون، يا ويح الوليد بن عتبة من أدخله في هذه الإمارة، ما وللحسين ابن فاطمة!
قال: ثم بعث إلى مروان بن الحكم، فأراه الكتاب، فقرأه واسترجع ، ثم قال: يرحم الله أمير المؤمنين معاوية!
فقال الوليد: أشر علي برأيك في هؤلاء القوم كيف ترى أن أصنع ؟!
فقال مروان: ابعث إليهم في هذه الساعة، فتدعوهم إلى البيعة والدخول في طاعة يزيد، فإن فعلوا قبلت ذلك منهم، وإن أبوا قدّمهم واضرب أعناقهم قبل أن يدروا بموت معاوية، فإنهم إن علموا ذلك وثب كل رجل منهم، فأظهر الخلاف ودعا إلى نفسه، فعند ذلك أخاف أن يأتيك من قبلهم ما لا قبل لك به، وما لا يقوم له، إلا عبد الله بن
1) تاريخ مدينة دمشق ج 19 ص 17 ولواعج الأشجان ص 23 وأعيان الشيعة ج 1 ص 587.
عمر، فإني لا أراه ينازع في هذا الأمر أحدا، إلا أن تأتيه الخلافة فيأخذها عفواً، فذر عنك ابن عمر، وابعث إلى الحسين بن علي، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن الزبير، فادعهم إلى البيعة.
مع أني أعلم: أن الحسين بن علي خاصة لا يجيبك إلى بيعة يزيد أبدأ، ولا يرى له عليه طاعة، ووالله أن لو كنت في موضعك لم أراجع الحسين بكلمة واحدة حتى أضرب رقبته كائنا في ذلك ما كان.
قال: فأطرق الوليد بن عتبة إلى الأرض ساعة، ثم رفع رأسه، وقال يا ليت الوليد لم يولد ولم يكن شيئا مذكوراً!
قال: ثم دمعت عيناه.
فقال له عدو الله مروان: أوه أيها الأمير! لا تجزع مما قلت لك، فإن آل أبي تراب هم الأعداء في قديم الدهر لم يزالوا، وهم الذين قتلوا الخليفة عثمان بن عفان، ثم ساروا إلى أمير المؤمنين فحاربوه.
وبعد.. فإني لست آمن أيها الأمير أنك إن لم تعاجل الحسين بن على خاصة، أن تسقط منزلتك عند أمير المؤمنين يزيد.
فقال له الوليد بن عتبة مهلاً ويحك يا مروان عن كلامك هذا! وأحسن القول في ابن فاطمة، فإنه بقية ولد النبيين(1).
وقال الدينوري: إن مروان قال للوليد: «أما عبد الله بن عمر،
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 10 و 11 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص 179.
تقدم: أن عبد الرحمان بن أبي بكر - كما يقولون - قد توفى قبل موت معاوية، وأن الأقوال قد اختلفت في سنة وفاته. فلا معنى لذكره في وصايا معاوية ليزيد، إذا كان معاوية قد أطلق وصاياه هذه قبيل
وفاته.
وقد حاولنا دفع هذا الإشكال باحتمال أن يكون معاوية قد أوصى كثر من مرة، وكان بعضها في سنوات سابقة، حيث كان معاوية قد أسن، وكان يمرض، فيوصي ولده بما أراد.
ولكن ها هو عبد الرحمان بن أبي بكر يتوالى ذكره في غير وصية معاوية في العديد من المصادر، وقد ورد ذكره هنا في رسالة يزيد إلى الوليد بن عتبة، وعلى لسان مروان بن الحكم، في أمر البيعة ليزيد..
وهذا يدعو إلى التريث في الحكم بصحة ما يزعمونه من موت عبد الرحمان بن أبي بكر قبل موت معاوية .. لاسيما مع عدم وضوح
1) الأخبار الطوال ص 227.
هذا الأمر، لترددهم في سنة موته بين عدة سنوات.
بل إن هذه النصوص التي تتحدث عن حياته إلى ما بعد موت معاوية قد وردت على لسان ،مروان والولید بن عتبة، ويزيد بن معاوية، الأمر الذي يجعلنا نرجح بقاءه إلى ما بعد موت معاوية.
في أكثر المصادر أن والي المدينة - حين تولى يزيد بعد موت أبيه - هو الوليد بن عتبة .
لكن بعض المصادر تذكر: أن الوالي كان حينئذٍ خالد بن الحكم(1)، ولا ندري على أي شيء اعتمد هذا القائل، وإن كان قد وهم في ذكره خالداً ، فلماذا وقع في هذا الوهم؟!
وفي الأمالي للصدوق ذكر اسم عتبة بدل الوليد بن عتبة، فلعل كلمتي «الوليد بن» قد سقطتا سهوا ، من الناسخ، أو من الراوي(2).
وقول ابن سعد: إن الوالي هو الوليد بن عقبة بن أبي سفيان، فهو من تصحيف الراوي، أو الكاتب، لتشابه كلمتي عقبة وعتبة في رسم الخط.
تقدم قولهم: إن معاوية مات سنة ستين في شهر رجب.
ولكننا نحب التذكير: بأن هذا قد يكون غير دقيق، إلا بناء على ما فعله عمر بن الخطاب من تغيير رأس السنة الهجرية من أول ربيع الأول إلى أول شهر محرم..
مع أن النبي قد جعل نفس هجرته مبدأ للتاريخ، وهو إنما خرج من مكة في أول شهر ربيع الأول، ودخل المدينة في الثامن منه..
وصار «صلى الله عليه وآله» يؤرخ كتبه وعهوده، وسواها بيوم هجرته، وجرى الناس على هذا، فلما كان في أيام عمر أراد أن يغير هذا التاريخ، فلم يرض علي عليه السلام، فاكتفى بإرجاعه إلى أول محرم، الذي كان مبدأ السنة في الجاهلية.
فبناء على ما فعله عمر بن الخطاب إذا كان معاوية قد مات، وتولى يزيد في شهر رجب من سنة ستين، فيكون استشهاد الحسين «عليه السلام» في اليوم العاشر من محرم سنة إحدى وستين.. مع أن الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله» تقول: «يقتل الحسين على رأس ستين من مهاجري»(1).
1) مجمع الزوائد ج 9 ص 190 عن الطبري، ولم يطعن في سنده إلا في سعد بن طريف، وليس ذلك إلا لتشيعه حسبما صرحوا به وراجع تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 198 وترجمة الإمام الحسين «عليه «السلام» لابن عساكر بتحقيق المحمودي) ص 185) و (ط مجمع إحياء الثقافة الإسلامية سنة 1414هـ) ص 271 وفي هوامشه عن مصادر أخرى، وتاريخ بغداد ج 1 ص 142 و (ط دار الكتب العلمية سنة 1 1417هـ) ج 1 ص 152 وبغية الطلب لابن العديم ج 6 ص 2658 والإلمام جه ص 299 وكنز العمال (ط حیدر آباد) ج 13 ص 113 و (ط مؤسسة الرسالة) ج 12 ص 128 وميزان الإعتدال ج 1 ص 212 عن الطبراني، والخطيب، وابن عساكر، ومنتخب كنز العمال (هامش مسند أحمد) ج 5 ص 111 ومقتل الحسين «عليه السلام» للخوارزمي ج 1 ص 161 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 354 وج 27 ص 249 و 250 و 454 عن بعض ما تقدم، وعن مفتاح النجا (مخطوط) ص 136 وغيره وراجع المصنف للصنعاني ج 11 ص 373 و 375 والإتحاف ص 65.
ومن المعلوم: أن رأس السنة هو أولها وهذا يعني: أن معاوية قد مات سنة 59 هـ. بناء على ما صنعه رسول الله «صلى الله عليه وآله» ثم استشهد الحسين «عليه السلام» على رأس سنة ستين من هجرته «صلى الله عليه وآله». كما هو صريح الحديث الشريف عنه.
ولكن ما يؤسف له هنا: أن يكون عدم وضوح هذا الأمر سبباً في الخدشة في صحة الحديث النبوي الشريف، وتضييع ما أراد النبي «صلى الله عليه وآله» أن يؤديه للناس من خلال هذه الأخبار الغيبية.
تقدم عن ابن أعثم وغيره : أن يزيد «لعنه الله» قد أرفق كتابه للوليد بن عتبة بكتاب آخر في صحيفة صغيرة كأنها أذن فأرة، يأمره
فيه بأخذ الحسين «عليه السلام»، وابن عمر وابن الزبير، وابن أبي بكر أخذا عنيفا ، فمن أبى منهم البيعة، فليضرب عنقه، وليبعث إليه برأسه.
ولكن نص الطبري، وأبي حنيفة الدينوري لكتاب أذن الفأرة، لا يتوافق مع نص ابن أعثم، فقد ذكر الطبري مثلاً: ابن عمر، وابن الزبير، والإمام الحسين «عليه السلام» فقط، ولم يذكر عبد الرحمان بن أبي بكر(1).
والسبب في كتابة هذا الكتاب على حدة: هو إفهام الوليد: أن يزيد جاد فيما يقول، فلا يظنن أنه يعلن بالتهديد والوعيد بهدف التخويف، دون أن يتجاوزه إلى التنفيذ..
كما أن خطورة حدث كهذا ، والخوف من عواقبه قد يدعو الوليد
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 338 - 339) و (ط الأعلمي) ج 4 ص 238 - 239 و 250 والكامل في التاريخ ج 4 ص 14 والأخبار الطوال ص227 والبيان والتبيين ج 2 ص 116 و (ط المطبعة التجارية الكبرى سنة 1345هـ) ص 280 والبداية والنهاية ج 8 ص 146 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 123 - 124 و 157 والعقد الفريد ج 3 ص 349 و (ط أخرى) ص 372 وأنساب الأشراف ج 3 ص 155 ج 5 ص 299 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 323 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص3 وراجع ربيع الأبرار ج 5 ص 185 والأمالي للصدوق ص 215 و 216 وبحار الأنوار ج 44 ص 311 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 160.
إلى التثبُّت والمراجعة فيه مرة بعد أخرى..
والذي يراجع النصوص يجد: أن يزيد «لعنه الله» كان يصر على الوليد بن عتبة بأن يبعث إليه برأس الحسين «عليه السلام».
وله كتاب يطلب فيه من الوليد: أن يأخذ له البيعة من الناس، وليكن أول من يبدأ به الحسين بن علي(1).
وعند ابن قتيبة: «وليكن أول من يبايعك من قومنا وأهلنا: الحسين، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن جعفر ويحلفون على ذلك بجميع الأيمان اللازمة، ويحلفون بصدقة أموالهم غير عشرها، وجزية رقبتهم، وطلاق نسائهم إلخ..»(2).
1) تهذيب الكمال ج 6 ص 414 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 206 وبغية الطلب لابن العديم ج 6 ص 2607 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 7 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 295 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 175 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 291 و 292 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 55 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 516 وج 33 ص 669 ومختصر تاریخ دمشق ج7 ص 138 وموسوعة الإمام الحسين ج 2 ص 376.
2) الإمامة والسياسة (ط سنة 1328 هـ بمصر) ج 1 ص 168 و (تحقیق الزيني) ج 1 ص 175) و (تحقيق الشيري) ج 1 ص 225.
وفي نص آخر: أمره أن يأخذ الحسين بالبيعة، ولا يرخص له في التأخر عن ذلك(1).
وحسب نص آخر: أمره أن يأخذ البيعة من هؤلاء الأربعة (الحسين «عليه السلام»، وابن الزبير، وابن عمر، وابن أبي بكر) أخذا ضيقاً، ليست فيه رخصة، فمن تأبى عليك فاضرب عنقه، وابعث إلي برأسه(2).
وعند اليعقوبي: إذا أتاك كتابي فأحضر الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير فخذهما بالبيعة لي، فإن امتنعا فاضرب أعناقهما، وابعث لي برؤوسهما، وخذ الناس بالبيعة، فمن امتنع فأنفذ فيه الحكم، وفي الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير(3).
ونذكر أخيراً ما ذكره ابن طاووس: من أن يزيد كتب إلى الوليد:
1) الإرشاد للمفيد ص 200 و (ط دار المفيد) ج 2 ص 32 وروضة الواعظين ص 171 وبحار الأنوار ج 44 ص 324 والعوالم، الإمام الحسين ج17 ص 173 وشجرة طوبى ج 2 ص 395 ولواعج الأشجان ص23 و 24 وأعيان الشيعة ج 1 ص 587 وموسوعة الإمام الحسين ج 2 ص 376.
2) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 88) و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 240 وبحار الأنوار ج 44 ص 325 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 174 و 175 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 10 وتذكرة الخواص (ط النجف) ص 235.
3) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 215) و (ط دار صادر) ج 2 ص 241.
يأمره بأخذ البيعة له على أهلها (المدينة)، وخاصة الحسين بن علي، ويقول له: إن أبى عليك فاضرب عنقه، وابعث إلى برأسه(1).
وحين دخل الحسين «عليه السلام» على الوليد بن عتبة، وجرى الكلام بينه وبين ،مروان ورفض «عليه السلام» البيعة، كتب الوليد إلى يزيد «لعنه الله» يخبره بالأمر، فجاءه الجواب من يزيد يأمره بأخذ البيعة من أهل المدينة مرة ثانية، وقال له: «وليكن مع جوابك إلي رأس الحسين بن علي، فإن فعلت ذلك فقد جعلت لك أعنة الخيل، ولك عندي الجائزة والحظ الأوفر إلخ..(2).
ومن خلال العرض السابق نفهم:
أولاً: إن يزيد قد أرسل عدة رسائل إلى المدينة، وهي ثلاث رسائل على الأقل: اثنتان منها، أرسلهما مع الرسول الأول: إحداهما في صحيفة مثل أذن الفأرة، ولعل الذي حملهما هو عبد الله بن عمرو
1) الملهوف ص 96) و (ط أنوار الهدى سنة 1417هـ) ص 16 ومثير الأحزان لابن نما ص 23 و (ط المكتبة الحيدرية سنة 1369هـ) ص 13 وبحار الأنوار ج 44 ص 324 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 174 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 377.
2) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 18 وراجع مقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص 185 والأمالي للصدوق ص 216 وبحار الأنوار ج 44 ص 312 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 161.
بن أويس العامري(1). وثمة كتاب آخر أرسله إليه مع زريق مولى معاوية كما في رواية ابن عساكر.
ولعل اختلاف النصوص المتقدمة يشير إلى أن الرسائل قد تجاوزت الثلاث ربما إلى ضعفها أو أزيد، مما يعني: أن يزيد كان يتابع رسائله إلى المدينة، لشدة حرصه على حسم أمر المدينة لصالحه في أسرع وقت.
إلا أن يدعى: أن اختلاف نصوص الرسائل يرجع إلى المؤلفين الذين كان فيهم من يرغب في تلطيف اللهجة خدمة ليزيد والبيت الأموي، أو لأنه لا يريد أن يجهر بما يراه إساءة للإمام الحسين «عليه السلام»، أو لأنه يريد أن لا يثير الحساسيات ويلهب المشاعر، أو لغير ذلك من أغراض..
لعل بعض الرسائل قد وصل إلى الوليد بعد خروج الحسين «عليه السلام» إلى مكة.
ويشهد لذلك: قوله في ذيل رواية الأمالي: «فبلغ ذلك الحسين «عليه السلام»، فهمّ بالخروج من أرض الحجاز إلى أرض العراق». فإن هذا يناسب أن يكون ذلك قد بلغ الحسين حين كان «عليه السلام»
1) راجع تهذيب الكمال ج 6 ص 414 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 175 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص291 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 55 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 516 وج 33 ص 669.
في مكة.
ثانياً: تدل هذه النصوص على أن يزيد كان مصمماً على قتل الحسين منذ اللحظة الأولى، فلا وقع لما يحاول البعض أن يدعيه من أن ابن زياد هو الذي ارتكب هذه الجريمة، وأن يزيد لم يكن يريد سوى الحصول على البيعة، وأنه قد لام ابن زياد، وأظهر الإنزعاج مما جرى..
وهناك شواهد كثيرة تدل على حرص يزيد على قتل الحسين «عليه السلام»، سيأتي بعضها في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى..
ثالثاً: ومما يدل على تعدد رسائل يزيد إلى واليه بالمدينة:
ما رواه الصدوق «رحمه الله» عن عبد الله بن منصور، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده من أن والي المدينة لما سمع رفض الإمام الحسين «عليه السلام» البيعة ليزيد، كتب إلى يزيد يطلب منه أن يعلمه برأيه.. فلما ورد الكتاب على يزيد بادر إلى الكتابة إليه بأن يرسل إليه برأس الحسين «عليه السلام».
فبلغ ذلك الحسين «عليه السلام»، فهم بالخروج من أرض الحجاز إلى أرض العراق(1).
وذكر ابن أعثم والخوارزمي، ما هو قريب من هذا النص الذي
1) الأمالي للصدوق ص 216 وبحار الأنوار ج 44 ص 312 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 161.
رواه الصدوق «رحمه الله»، وزاد عليه الوعد الذي وعده الوليد بأن يجعل له أعنة الخيل، والجائزة، والحظ الأوفر(1).
وقد حاول بعض الإخوة أن يقول: إن الوقت ما بين موت معاوية، وبين خروج الحسين من المدينة إلى مكة لا يتسع لتعدد المراسلات فإنهم يقولون إن معاوية مات في النصف من شهر رجب سنة ستين (2)، أو لثمان بقين من رجب(3)، وقد تحرك الحسين
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 18 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 185 وتسلية المجالس وزينة المجالس ج 2 ص 154.
2) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 338 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 250 ومثير الأحزان ص 13 ولواعج الأشجان ص 23 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج3 ص 1418 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 206 وج 59 ص 58 و 60 و 237 و 240 و 241 وأسد الغابة ج 4 ص 387 وتهذيب الكمال ج 6 ص 414 وأنساب الأشراف ج 3 ص 155 وبغية الطلب لابن العديم ج 6 ص 2607 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج8 ص 152 و 175 و 248 وصبح الأعشى ج 3 ص 266 والأنس الجليل ج 1 ص 263 وإعلام الورى ج 1 ص 434 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص291 والدر النظيم ص 540 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص55 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 516 وج 33 ص 669 وروضة الواعظين ص 171 والإرشاد ج 2 ص 32 وبحار الأنوار ج 44 ص324 والعوالم، ج 17 ص 173 والثقات لابن حبان ج 3 ص 373 ومشاهير علماء الأمصار ص86.
3) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 338 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 250 وصحيح ابن حبان ج 15 ص 39 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج3 ص1418 والثقات لابن حبان ج 2 ص 305 والتعديل والتجريح للباجي ج 2 ص 786 وتاريخ مدينة دمشق ج 59 ص 60 و 238 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 152.
«عليه السلام» نحو مكة لليلتين بقيتا من شهر رجب، أي بعد يومين أو ثلاثة من وصول أول رسالة من يزيد إلى الوليد، ووصل «عليه السلام» إلى مكة في الثالث من شهر شعبان(1).
ونقول:
لاحظ ما يلي:
1 - إن القول: بأن المشهور أن الحسين «عليه السلام» قد خرج بعد يومين أو ثلاثة من وصول الرسالة الأولى ليزيد، لم نتحقق من صدقيته، ولعله مجرد استنباط لا يمكن الإعتماد عليه، لاسيما مع عطف كلمة «أو ثلاثة» على كلمة «بعد يومين».
وقد يتضح صحة قولنا هذا من خلال ما يلي.
2 - إن القول: بأن معاوية قد مات في النصف من شهر رجب غیر مسلم، فإن اليعقوبي يقول: «ملك يزيد بن معاوية - وأمه ميسون بنت بحدل الكعبي - في مستهل رجب سنة ستين هجرية، وكان
1) موسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 2 ص 396 و 397.
غائبا(1).
كما أن الطبري يقول: «ولي يزيد في هلال هلال رجب سنة ستين»(2).
وقال ابن الأثير: «ثم مات بدمشق لهلال رجب، وقيل: النصف منه، وقيل: لثمان بقيت منه»(3).
وقيل: إنه مات لأربع خلون من رجب(4).
ومن الواضح: أن ما يقرب من شهر يكفي لإرسال رسول من يزيد، ثم دعوة الإمام الحسين «عليه السلام» للبيعة ورفضه، ثم كتاب الوليد ليزيد يسأله رأيه، وعودة الجواب إليه .. حتى لو وصل الجواب للوليد بعد خروج الحسين «عليه السلام» إلى مكة.
3 - يضاف إلى ما تقدم: أننا لا نستبعد أن يكون يزيد قد أرسل
1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 241 وراجع حياة الحيوان الكبرى ج1 ص91.
2) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 338 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 250 والبداية والنهاية ج 8 ص 146 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 157 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 2.
3) الكامل في التاريخ ج 4 ص 6.
4) مجمع الزوائد ج 9 ص 197 والمعجم الكبير ج 19 ص 305 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج 3 ص 1419 و تاريخ بغداد ج 1 ص224 وتاريخ مدينة دمشق ج 59 ص 58 و 238 و 239 وتهذيب الكمال ج 28 ص 179 وتهذيب التهذيب ج 10 ص 187 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص333.
إلى الوليد بن عتبة رسائل متتالية عديدة، يلح فيها عليه أن يقتل الحسين «عليه السلام»، فلم يفعل .. ولعل هذا يفسر لنا اختلاف نصوص رسائله إلى عامله، ففي بعضها أنه أمره بإرسال رأسه إليه، وفي بعضها يأمره بالتشدد عليه، دون أن يصرح بالقتل، كما أن هناك اختلافات أخرى بينها، وكل ذلك يؤكد هذا الإحتمال الأخير..
وقد صرحت النصوص: بأن الوليد بن عتبة كان يأبى أن يقدم على قتل الحسين «عليه السلام»، وكلماته المختلفة صريحة في ذلك.. كما أنه بالرغم من إصرار مروان عليه بقتل الحسين، وتكراره هذا الطلب عدة مرات، فإنه بقي على موقفه الرافض.
وتتلخص حجج مروان بما يلي:
أولاً: إن عليه أن يأخذهم بالبيعة قبل أن يعلموا بموت معاوية، لأنهم إن علموا بموته، وثب كل امرئ منهم في جانب، وأظهر الخلاف، ودعا إلى نفسه(1).
1) راجع: تذكرة الخواص (ط النجف ) ص 235 وتاريخ الأمم والملوك جه ص 338 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 250 و 251 والكامل في التاريخ ج4 ص 14 والبداية والنهاية ج 8 ص 147 و ط دار إحياء التراث ج8 ص 157 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 10 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 180 والأخبار الطوال ص 227 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك جه ص 323 ونهاية الأرب ج 20 ص 377 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 653 وأنساب الأشراف ج 5 ص 300 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 4 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 777 و 778 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 88 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 8 ص 240 وبحار الأنوار ج 44 ص 325 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 175.
ثانياً: ادعى أن آل أبي تراب هم الأعداء في قديم الدهر، لم يزالوا.
وهم الذين قتلوا الخليفة عثمان بن عفان.
ثم ساروا إلى أمير المؤمنين (يعني معاوية بزعمه) فحاربوه(1).
ثالثاً: قول مروان للوليد: لست آمن أنك إن لم تعاجل الحسين بن علي خاصة، أن تسقط منزلتك عند أمير المؤمنين يزيد(2).
رابعاً: إن هؤلاء النفر إن بايعوا لم يختلف أحد من أهل الإسلام على يزيد، ولا بد أن يعجل عليهم قبل أن يفشو الخبر، فيمتنعوا(3).
وهي حجج واهية، وقد كذبتها الوقايع، ويكذبها المنطق السليم.
وذلك لما يلي:
1 - إنهم بعد أن علموا بموت معاوية كانوا هم الخائفين والمضطهدين، الباحثين عن مكان آمن لأنفسهم. كما أن الحسين «عليه
السلام» لم يدع الناس إلى نفسه، طيلة شهر شعبان إلى أن سار إلى العراق يوم التروية من شهر ذي الحجة.
وحين خرج إلى العراق إنما خرج خوفا من أن يغتاله الذين دسهم يزيد لهذا الغرض، لأنه «عليه السلام» لا يريد أن يقتل في الحرم.
كما أنه حين سار إلى العراق لم يقل للناس: إني أريد أن أستولي على الحكم، بل قال لهم: إن الله شاء أن يراني قتيلاً. وقال عن نسائه: إن الله شاء أن يراهن سبايا.
كما أن عبد الله بن الزبير، وكذلك ابن عمر، وعبد الرحمان بن أبي بكر لم يحركوا ساكنا، ولم يتحركوا لطلب الملك.
2 - ما ادعاه ،مروان من أن عداوة بني هاشم لبني أمية قديمة، لا يبرر ظلمهم وقتلهم وسلب حقوقهم، لاسيما وأنه لم يصدر من هؤلاء المظلومين بعد أي موقف عدائي، أو أي تصرف تفوح منه رائحة التحدي. إلا عداوة القيم والفضائل للموبقات والرذائل.
3 - والأهم من هذا أو ذاك: أن يزيد وبني أمية هم المعتدون الغاصبون لمقام الخلافة، لاسيما وأن معاوية قد تعهد بألا يعهد لأحد، بل يكون الأمر من بعده للحسن ثم الحسين.. كما تقدم، وسيأتي أيضاً. 4 - أما فيما يرتبط بادعاء مروان أن آل أبي تراب هم قتلة ،عثمان، فالأمر كان على عكس ذلك، فقد كان علي «عليه السلام» يجهد لإصلاح الأمور بين عثمان وبين الثائرين عليه، وكان عثمان يعطي العهود والمواثيق، ثم ينقض ذلك.
وهم يقولون: إن عليا «عليه السلام» أرسل ولديه للمنع من قتل عثمان، لكن عثمان نفسه رفض قبول ذلك.
5 - وأما مسير آل أبي تراب لحرب معاوية، فلأن معاوية خارج على إمام زمانه، باغ عليه.. وقد أخبر النبي «صلى الله عليه وآله» ببغيه حين قال عن عمار بن ياسر تقتله الفئة الباغية، وقد قتله جيش معاوية في حرب صفين.
6 - وأما الحديث عن سقوط منزلة الوليد بن عتبة لدى يزيد إن لم يعاجل الحسين «عليه السلام» خاصة، فمن المعلوم أن المعيار هو أن لا تسقط منزلة الإنسان عند الله..
كما أن من المسلمات: أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
7 - أما فيما يرتبط بإجماع أهل الإسلام على البيعة ليزيد إن بايعه الحسين «عليه السلام»، أو غيره، فيقال فيه: أنه لا يجب على الحسين «عليه السلام»، ولا على غيره أن يساعد في تحصيل إجماع أهل الإسلام على البيعة ليزيد، لاسيما إذا كانت البيعة غير مشروعة، لما كان عليه حال يزيد من الفسق والفجور.
ولأنها بيعة تقوم على الإبتزاز لحق الآخرين، كما اعترف به معاوية.
ولأنها قائمة على الخيانة للعهود، ونقض المواثيق، ونكث الأيمان..
على أن عدم المساعدة على تحقيق إجماع أهل الإسلام، وإفساح المجال للحسين للإمتناع، وعدم تمكينهم من ظلمه وإجباره.. لا يبرر
الأمر بقتله، ثم إرسال رأسه ليزيد كما هو واضح.
تقدم: أن الوليد بن عتبة لم يستجب لطلب يزيد المتكرر، ولا لإلحاح مروان عليه بقتل الحسين بل إنه حين تسلم كتاب يزيد الذي يأمره فيه بقتل الحسين قال: «يا ويح الوليد بن عتبة.. من أدخله في هذه الأمارة؟! ما لي وللحسين بن فاطمة»؟!(1).
وحين أشار عليه مروان بقتل الحسين قال: يا سبحان الله أقتل الحسين بن علي، وابن الزبير»(2).
وفي نص سبحان الله! أقتل حسيناً إن قال لا أبايع(3).
عند ابن أعثم والخوارزمي: إن الوليد قال لمروان: «يا ليت الوليد لم يولد ولم يكن شيئاً مذكوراً. قال: ثم دمعت عيناه...».
إلى أن قال لمروان: «مهلاً، ويحك يا مروان عن كلامك هذا،
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 10 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 179 و 180.
2) تاريخ مدينة دمشق ج 19 ص 17 وتاريخ خليفة بن خياط ص177 وموسوعة الإمام الحسين «عليه السلام» ج 2 ص 382 وأنساب الأشراف ج 5 ص 310 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 4 ص 170.
3) الإرشاد للمفيد ج 2 ص 33 وبحار الأنوار ج 44 ص 325 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 175 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج8 ص 157 وإعلام الورى ج 1 ص 435.
وأحسن القول في ابن فاطمة، فإنه بقية ولد النبيين»(1).
وفي نص آخر: «فقال الوليد: ليتني لم أك شيئا مذكوراً»(2).
وحين أرسل الوليد إلى الحسين «عليه السلام»، يطلب منه أن يأتيه وعاد إليه الرسول بأن الحسين قد أجاب قال: مروان غدر - والله - الحسين.
فقال الوليد: مهلاً، فليس مثل الحسين يغدر، ولا يقول شيئاً، ثم لا يفعل(3).
وفي نص آخر: أنه قال له: «ما كنت لأقطع أرحامهما»(4).
ونذكّر أخيراً بقول الوليد لما ورد عليه كتاب يزيد: «لا والله لا يراني الله قاتل الحسين بن علي، وأنا لا أقتل ابن بنت رسول الله «صلی الله عليه وآله»، ولو أعطانى يزيد الدنيا بحذافيرها(5).
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 11 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 179 و 180.
2) الملهوف ص 97) و (ط أنوار الهدى سنة 1417هـ) ص 17 ومثير الأحزان ص 23 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 13 وبحار الأنوار ج 44 ص 325 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 174 ولواعج الأشجان ص24 وأعيان الشيعة ج 1 ص 587.
3) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 12 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 181.
4) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 241 وموسوعة الإمام الحسين ج 2 ص 391.
5) الفتوخ لابن أعثم ج 5 ص 17 و 18 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص 185.
ولما ظن الوليد أن الإمام «عليه السلام» خرج من المدينة قال: «الحمد لله الذي لم يطالبني الله عز وجل بدمه»(1).
وقال لمروان: إنك اخترت لي فيها هلاك ديني. والله، ما أحب أن لي ما طلعت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا، وملكها، وأني قتلت حسينا.. سبحان الله، أقتل حسينا إن قال: لا أبايع؟! والله إني لأظن امرءاً يحاسب بدم حسين لخفيف الميزان عند الله يوم القيامة»(2).
وفي نص آخر ذكر نفس المعاني التي في النص السابق، لكنه ذكر أنه أشار عليه بهلاك دينه ودنياه(3).
1) المصدران السابقان.
2) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 340 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 252 والكامل في التاريخ ج 4 ص 15 و 16 والأخبار الطوال ص228 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص6 وأنساب الأشراف ج 5 ص 302 والإرشاد للمفيد ج2 ص 33 وبحار الأنوار ج 44 ص 325 والعوالم الإمام الحسين ج17 ص 175 والبداية والنهاية ج 8 ص 147 و ط دار إحياء التراث ج8 ص 157 وإعلام الورى ج 1 ص 435 وقاموس الرجال ج 10 ص 36 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 781 و 782 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 666 وغير ذلك.
3) الملهوف ص 98 و (ط أنوار الهدى - قم سنة 1417هـ) ص17 ومثير الأحزان ص 24) و (ط المكتبة الحيدرية) ص 14 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 14 ومقتل الحسين «عليه السلام» للخوارزمي ج 1 ص 184 ولواعج الأشجان ص 25 وأعيان الشيعة ج 1 ص 588 والمجالس الفاخرة للسيد شرف الدین ص 182.
ونقول:
نحتاج إلى إلقاء نظرة على هذا الموقف للوليد بن عتبة، فهل الدافع له إلى اتخاذه:
1 - أنه كان يتحاشى الصدام مع الحسين «عليه السلام»، خوفاً من الحسين «عليه السلام»، ومن بني هاشم، لأنه يعلم أنه «عليه السلام» لا يهاب في الحق أحداً. وقد رأى بعضاً من شجاعة الحسين عليه السلام حين نازعه في أرض كانت له «عليه السلام». فتناول عمامة الوليد عن رأسه، فجذبها.
فقال مروان محرضاً الوليد: ما رأيت كاليوم جرأة رجل على امیره.
قال الوليد: ليس ذلك بك، ولكنك حسدتني على حلمي عنه الخ..(1).
وحين كتب معاوية إلى الوليد يأمره بأن يرسل إليه الحسين «عليه السلام» لكي يبلسه أرسل إلى الحسين «عليه السلام»، فأقرأه كتاب
1) تاريخ مدينة دمشق ج 63 ص 210 و مختصر تاریخ دمشق ج 26 ص 333 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 632 وراجع: مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 223 و 224 والعوالم، الإمام الحسين ج3 ص223 ج 17 ص 66.
معاوية، وقال له: «أما والله إنه لا بد لك من السمع والطاعة.
فوثب الحسين، فأخذ عمامته فاجترها إليه، وجعل الوليد يطلقها عنه كورا كوراً، ويقول: ما أردنا أن نبلغ كل هذا منك يا أبا عبد الله ..
فلما خلصوه من الحسين «عليه السلام» قال: ما هجنا بأبي عبد الله إلا أسداً»(1).
نعم.. وهذه الشجاعة هي التي ترعب قلوب الظالمين والمعتدين. ولكنهم يحاولون التستر على هذا الرعب بانتفاخات خادعة وادعاءات زائفة، فتجد أشرهم وأضرَّهم يلبس لبوس الحمل الوديع، ويتظاهر بالحلم، أو يدعي الورع والتقى حين يواجه مظلوماً مكلوماً، يختار طريق ذات الشوكة في الدفع عن نفسه، وعن أهله، ودينه..
وهذا ما نفهمه من حال الوليد بن عتبة، حيث لم يجرأ على مواجهة الإمام الحسين «عليه السلام» حين وجد فيه أسداً هصوراً، وأبيا وكمياً جسوراً، يكره الظلم والظالمين. ويحب المستضعفين وأهل الدين.
2 - أم أن السبب هو خشيته من حدوث مواجهة في المدينة بين
1) تاريخ مدينة دمشق ج 63 ص 209 و ج 14 ص 207 و مختصر تاریخ دمشق ج 26 ص 332 وتهذيب الكمال ج 6 ص 415 وبغية الطلب لابن العديم ج 6 ص 2607 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 7 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 292 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 55 وشرح إحقاق الحق الملحقات) ج 27 ص 517 وج 33 ص 669.
الحزب الأموي والهاشميين ومن يرى رأيهم، وقد ينضم إليهم جماعات طامحة أو طامعة، وقد يلحق الوليد من هذه الفتنة ضرر كبير وخطير حتى على حياته؟!
3 - أو أن سبب خوفه هو تهيبه الإقدام على قتل أقدس رجل على وجه الأرض، وهو سليل الرسول، مع علمه بموقعه من هذا الدين. وقد سجل القرآن الثناء عليه في كثير من آياته وسوره، مثل سورة هل أتى، وآية المباهلة، وآية المودة، وآية التطهير، وغيرها؟!
هذا عدا عن ما ورد عن النبي «صلى الله عليه وآله» في حقه «صلوات الله وسلامه عليه».
فلم يرد أن يكون الرجل الذي تصب عليه الأمة لعناتها، كلما ذكر الحسين «عليه السلام» إلى يوم القيامة.
4 - أو أن سبب ذلك: هو حساب العواقب التي ستترتب على جريمة كهذه. وأنها لن تكون لصالح الحكم الأموي بلا ريب، فلم يرد أن يسهم في تقويض الحكم الأموي إلى غير رجعة..
5 - أو أن سبب ذلك: أنه كان لديه بعض الإنصاف، والاحترام والإكبار لأهل الفضل، والعلم، والتقوى، والاستقامة على جادة الصواب والهدى، والفلاح.
والذي نراه: أن جميع ما ذكر، ما عدا السبب الأخير يمكن أن يكون بمفرداته، أو بمجموعه سبباً لهذا الموقف منه. وداعياً إلى صدور تلك التصريحات عنه.
هناك أمور عديدة تدعونا لإساءة الظن بالوليد، والتزام جانب الحذر من إعطائه الأوسمة التي لا يستحقها.
ومن هذه الأمور نذكر:
ألف: منازعته المتكررة للإمام الحسين «عليه السلام» لانتزاع أراضي كانت للإمام المطهر المعصوم.
ب: ما تقدم من أن معاوية كتب إلى الوليد بأن يرسل إليه الحسين «عليه السلام» مع شرطي لكي يبلسه. فقال حينئذ للحسين «عليه السلام»: أما والله إنه لا بد لك من السمع والطاعة الخ..
ج: يذكر ابن عساكر بعض المناسبات ويقول: «وقد كان الوليد أغلظ للحسين، فأخذ الحسين «عليه السلام» بعِمَامَتِهِ فَنَزَعَها مِنْ رأسه، فقال الوليد إن هجنا بأبي عبد الله إلّا أسدا!
فقال له مروان - أو بعض جلسائه -: اقتله!
قال الوليد: إنّ ذلك لدم مضنون في بني عبد مناف.
فلما صار الوليد إلى منزله قالت له امرأته أسماء بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أسببت حسینا؟!
قال: هو بدأ فسبّني.
قالت: وإن سبّك حسين تسبّه ؟! وإن سب أباك تسب أباه؟!
قال: لا»(1).
د: إن الإمام الحسين يقول لرجاله الذين جاؤوا إلى منزل الوليد حين استدعاه، وأوقفهم «عليه السلام» على الباب: «إن الوليد استدعاني في هذا الوقت. ولست آمن من أن يكلفني فيه أمراً لا أجيب إليه. وهو غير مأمون»(2).
ه- وحين منع الوليد العراقيين الذين قدموا المدينة من الوصول إلى الإمام قال له «عليه السلام»: «يا ظالماً لنفسه، عاصيا لربه، علام تحول بيني وبين قوم عرفوا من حقي ما جهلته أنت وعمك ؟!
فقال الوليد: ليت حلمنا عنك لا يدعو جهل غيرنا إليك، فجناية لسانك مغفورة لك ما سكنت يدك، فلا تخطر بها فتخطر بك الخ..».
وهذا تهديد له بالقتل. لا يصدر من محب، ولا من ذي دين.
و: إنه حين استشهد الإمام الحسين «عليه السلام» أتى برأسه إلى
1) تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 207 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر (بتحقيق المحمودي) ص 200 و (ط سنة 1414هـ) ص292 وتهذيب الكمال ج 6 ص 415 وبغية الطلب لابن العديم ج 6 ص 2607 و 2608 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 55 و 56 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 517 وج 33 ص 669.
2) الإرشاد للمفيد ص200 و (ط دار المفيد) ج 2 ص 32 وروضة الواعظين ص 171 وبحار الأنوار ج 44 ص 324 ،والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 173 ولواعج الأشجان ص 23 وأعيان الشيعة ج 1 ص587.
عمرو بن سعيد بن العاص (المعروف بالأشدق). وكان يزيد قد عزل الوليد، واستعمل الأشدق حين بلغه أنه لم يكن حاسماً في تنفيذ أوامره بقتل الحسين.
فقال الأشدق للوليد: قم فتكلم.
فقام فقال: «إن هذا عفا الله عنا وعنه حرنا بين أن يقتلنا ظالماً، ونقتله معذورين في قتله، فصرنا إلى التي كرهنا، مضطرين إليها، غير مختارين لها. وتالله لوددنا أننا اشترينا له العافية. ولو أمكن ذلك بأغلى الثمن، وإن عجل قوم بملامنا ليصيرن إلى عذر منا(1).
وهذا كلام حاقد وخبيث.
أولاً: لأنه اتهم فيه الحسين «عليه السلام»: بأنه كان يريد قتل بني أمية ظالماً لهم، والحال أن الحسين لم يكن يريد قتل أحد، بل كان يريد الإصلاح في أمة جده، فقتلوه لأجل ذلك..
ثانياً: إن بني أمية، ما كانوا معذروين في قتل الحسين «عليه السلام»، لأنهم هم الذين نقضوا العهد والشرط، ونكثوا الأيمان بعد توکیدها، بأن لا يعهد معاوية لأحد ، بل يكون الأمر بعده للحسن،
للحسين «عليهما السلام».
ثالثاً: لم تكن هناك ضرورة لقتل الحسين، فقد كانت هناك
1) تاريخ مدينة دمشق ج 63 ص 211 ومختصر تاريخ مدينة دمشق ج27 ص 334.
خيارات أخرى غير القتل، ولكنهم أرادوا إذلال الحسين، كما قال: «لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقر إقرار العبيد».
رابعاً: إن أحداً لم يصادر اختيار بني أمية، ولم يقهرهم على ارتكاب هذا الجرم الشنيع، بل كانوا مختارين فيه.
خامساً: إن الوليد قد كذب حين حلف بالله أنهم كانوا يودون لو اشتروا للحسين العافية، ولو بإغلاء الثمن. فقد عرفت أن يزيد بمجرد موت أبيه كتب إلى الوليد أكثر من مرة يأمره بقتل الحسين «عليه السلام».. هذا عدا ما سنذكره، من أوامر أصدرها إلى عبيد الله بن زیاد بهذا الخصوص.
وبذلك يتضح أن الوليد قد كتب، ودلس الحقائق التي كان هو المعني بها مباشرة، ودان الحسين «عليه السلام»، وبرأ يزيد، وألقى الشبهات في الأذهان.
ولدينا شاهد من الوليد بن عتبة نفسه يدلنا على أنه كان يحاذر من قتل الحسين «عليه السلام» لسببين:
الأول: هيجان أمة الإسلام ضد قاتله، وضد قومه وهو أمر لا يطيق أحد مواجهته وصده.
الثاني: إن هذا الحدث الهائل سيبقى في ذاكرة الأمة إلى يوم القيامة، ولا ينسى أبداً .
فقد قال محمد بن أبي طالب: «واتصل الخبر بالوليد بن عتبة أمير المدينة بأن الحسين «عليه السلام» توجه إلى العراق، فكتب إلى ابن زیاد:
أما بعد .. فإن الحسين قد توجه إلى العراق وهو ابن فاطمة، وفاطمة بنت رسول الله، فاحذر يا ابن زياد أن تأتي إليه بسوء فتهيج على نفسك وقومك أمراً في هذه الدنيا لا يصده شيء، ولا تنساه الخاصة والعامة أبداً ما دامت الدنيا.
قال : فلم يلتفت ابن زياد إلى كتاب الوليد»(1).
وقد نسب هذا الكتاب إلى مروان أيضا(2).
ولكنها نسبة لا يمكن تصديقها، فإن اللؤم الذي أظهره مروان، والحرص على قتل الإمام الحسين «عليه السلام» ربما لم يكن يقل عن حرص يزيد «لعنه الله» على قتله «عليه السلام»، وهذا لا ينسجم مع مفاد هذا الكتاب.
1) بحار الأنوار ج 44 ص 368 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص218 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 78 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 221.
2) تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 212 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 299 وتهذيب الكمال ج 6 ص 242 وبغية الطلب لابن العديم ج 6 ص 2612 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج8 ص 178 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 62.
وقول الوليد لمروان: «مهلاً ، فليس مثل الحسين يغدر، ولا يقول شيئاً ثم لا يفعل» يدل على معرفته بسمات الرجال، وقدرته على توقع ما يصدر منهم من مواقف بالاستناد إلى ما يعرفه من طبائعهم، وخصائصهم الفكرية، والإيمانية، وبيئتهم التي نشأوا فيها. وقد برأ الحسين من تهمة الغدر والتراجع عن أقواله، لأنه يعلم أنه من أهل بيت النبوة، المطهرين من كل ،رجس الجامعين لكل صفات الفضل
والكمال، وسمات البهاء والجمال.
وقد قال الوليد حين جاءه أمر يزيد له بقتل الحسين «عليه السلام»: «ما لي وللحسين بن فاطمة»؟!
وفي نص آخر قال: «لا يراني الله قاتل الحسين بن علي. وأنا لا أقتل ابن بنت رسول الله الخ...». ولعله كرر هذا المعنى تارة بالصيغة الأولى، وأخرى بالصيغة الثانية.
ونلاحظ: أن نسبته إلى أمه فاطمة «عليها السلام» كان يكثر على لسان أعدائه، والمتحاملين عليه. ولذا نرى أنه «عليه السلام» حين أراد أن يردع جيش يزيد يوم عاشوراء عن التعرض لحرمه، وصار يكلمهم قالوا له: ما تقول يا ابن فاطمة؟!
قال: أنا الذي أكلمكم، وتكلموني، والنساء ليس عليهن جناح الخ...
فأعداؤه كانوا يتعمدون تحاشي ذكر اسم علي «عليه السلام»،
ربما لشدة حقدهم على أمير المؤمنين «عليه السلام»، وقد قال له جيش يزيد يوم عاشوراء: «إنما نقاتلك بغضاً منا لأبيك».
فبناء على ما تقدم نقول:
قد يمكن تصور أن يكون الوليد حين نسب الحسين «عليه السلام» إلى فاطمة «عليها السلام» كان في مجلسه من يخشى أن ينقل قوله إلى الذين يريد أن يداريهم ، ويأمن شرهم.. أما حين قال كلمته الثانية فلعله قالها حين خلاله الجو، فليس هناك من يخاف منه.
ويشهد لما نقول:
تصريح الوليد: بأنه لا يقتل ابن علي وابن بنت الرسول، ولو أعطاه يزيد الدنيا بحذافيرها.. فإنه لو كان هناك من يبلغ كلامه ليزيد لما تجرأ على هذا القول، وهو يعرف مدى رعونة يزيد في قراراته ومواقفه ..
إلا أن يدعى: أن كلامه هذا حتى لو بلغ يزيد، فإن أقصى ما هناك أن يعزله عن عمله، ولاسيما إذا اعتذر إليه بأنه لا يريد أن يتولى هو مهمة قتل الحسين «عليه السلام» وأما أن يتولى ذلك غيره، فلا مانع لديه من ذلك.
وقالوا: إنه حين أرسل الوليد بن عتبة إلى الإمام الحسين «عليه السلام»، وعبد الله بن الزبير يدعوهما - وكان الوقت منتصف الليل(1)- قال ابن الزبير للحسين «عليه السلام» ظن يا أبا عبد الله فيما أرسل إلينا.
فقال «عليه السلام»: لم يرسل إلينا إلا للبيعة.
:قال فما ترى؟!
1) تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 206 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 292 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص55 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 295 وتهذيب الكمال ج 6 ص 414 والبداية والنهاية ج8 ص 162 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 175 والإرشاد ج 2 ص 32 وبحار الأنوار ج 44 ص 324 والعوالم الإمام الحسين ج17 ص173 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 7 وتاريخ المختصر الدول لابن العبري ص110 وأعيان الشيعة ج 1 ص 587 وروضة الواعظين ص 171 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 516 وموسوعة الإمام الحسين ج 2 ص 385.
قال: آتيه. فإن أراد تلك البيعة امتنعت عليه(1).
وحسب نص الطبري: «فقال الحسين «عليه السلام»: قد ظننت أرى طاغيتهم قد هلك، فبعث إلينا بالبيعة قبل أن يفشو في الناس الخبر.
فقال: وأنا ما أظن غيره(2).
ولا ندري إن كان ابن الزبير صادقا في ادّعائه أنه قد ظن ذلك أیضا.
وفي نص آخر: أنه لما بعث الوليد يدعوهم للحضور قال «عليه السلام» للجماعة: أظن أن طاغيتهم هلك، رأيت البارحة: أن منبر معاوية منكوس، وداره تشتعل بالنيران(3).
1) الإمامة والسياسة و (تحقيق الزيني) ج 1 ص 175 و (تحقيق الشيري) ج 1 ص 226.
2) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 339 و (ط الأعلمي) ج4 ص 251 وراجع: الكامل في التاريخ ج 4 ص 15 وتذكرة الخواص (ط النجف) ص236 والأخبار الطوال ص 227 والبداية والنهاية ج 8 ص 147 و ط دار إحياء التراث ) ج 8 ص 157 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 323 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 4 والدر النظيم ص 541 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 778 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج33 ص 653.
3) مثير الأحزان ص 23 و (ط المطبعة الحيدرية سنة 1369هـ).
زاد ابن أعثم قوله: فأولت ذلك في نفسي أنه مات(1).
وأضاف ابن أعثم إلى ما تقدم؛ قوله:
فقال له ابن الزبير: فاعلم يا بن علي أن ذلك كذلك، فما ترى أن تصنع إن دعيت إلى بيعة يزيد أبا عبد الله ؟!
قال: أصنع أني لا أبايع له أبداً، لأن الأمر إنما كان لي من بعد أخي الحسن، فصنع معاوية ما صنع، وحلف لأخي الحسن أن لا يجعل الخلافة لأحد من بعده من ولده، وأن يردها إليَّ إن كنت حياً.
فإن كان معاوية قد خرج من دنياه، ولم يف لي ولا لأخي الحسن بما كان ضمن فقد والله أتانا ما لا قوام لنا به.
أنظر أبا بكر، أنى أبايع ليزيد، ويزيد رجل فاسق معلن الفسق، يشرب الخمر، ويلعب بالكلاب والفهود ويبغض بقية آل الرسول! لا والله لا يكون ذلك أبداً.
قال: فبينما هما كذلك في هذه المحاورة إذ رجع إليهما الرسول، فقال: أبا عبد الله! إن الأمير قاعد لكما خاصة تقوما إليه!
قال: فزبره الحسين بن علي ثم قال: انطلق إلى أميرك لا أم لك! فمن أحب أن يصير إليه منا فإنه صائر إليه، وأما أنا فإني أصير الساعة إن شاء الله تعالى.
1) الفتوح لابن أعثم ج ص 12 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 181.
قال: فرجع الرسول أيضاً إلى الوليد بن عتبة، فقال: أصلح الله الأمير! أما الحسين بن علي خاصة فقد أجاب، وها هو صائر إليك في إثري.
فقال مروان بن الحكم: غدر والله الحسين!
فقال الوليد: مهلاً! فليس مثل الحسين يغدر ولا يقول شيئاً ثم لا يفعل(1).
ونقول:
إن عبد الله بن الزبير طلب من أبي عبد الله «عليه السلام» أن يخبره بما يظنه سبباً لدعوة الوليد لهما في تلك الساعة، وقال: ظُنَّ يا أبا عبد الله.. فأخبره «عليه السلام» بأن السبب هو طلب البيعة منهما، وفرضها عليهما ...
وهذا يشير إلى حقيقة هي: أن ابن الزبير كان لا يريد أن يعترف للحسين «عليه السلام» بأنه يملك علم الإمامة. ولعله كان في قرارة نفسه على يقين من ذلك، فيكون من مصادیق قوله تعالی: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ)(2).
ونحن لا نتوقع غير هذا من ابن الزبير المعروف بلؤمه، وعداوته لعلي «عليه السلام» وذريته الطاهرة. حتى لقد جمع الحطب في أحد شعاب مكة، ووضع فيه بني هاشم، وأراد أن يحرقهم، فأنجاهم الله منه، وقطع الصلاة على رسول الله «صلى الله عليه وآله» أربعين جمعة، بحجة أن له صلى الله عليه وآله» أهيل سوء يخاف أن يتلعوا أعناقهم.
وكان من قادة حرب الجمل التي كانت تهدف إلى قتل علي والحسنين «عليهم السلام» وشيعتهم ومحبيهم، فلا يتوقع من ابن الزبير غير تجاهل فضائل سيد شباب أهل الجنة «عليه السلام». فإنه ليس فقط لا يعتقد بإمامة الحسين «عليه السلام»، بل هو يتنكر لكل ما يمكن أن يعتبر فضيلة له «عليه السلام». بالرغم من أنه كان يعرف محبة النبي «صلى الله عليه وآله» للإمام الحسين «عليه السلام»، ويعرف أن العديد من الآيات قد نزلت في حقه، وحق أخيه، مثل آية المباهلة، وآية التطهير، وسورة هل أتى، وآية المودة، وغير ذلك..
ولا بد أن يكون قد سمع وعرف بالكرامات والفضائل التي كانت تظهر للحسين ولأخيه «عليهما السلام»، بالإضافة إلى العلم الذي يظهر منهما، ويصدر عنهما في عهد رسول الله «صلى الله عليه وآله» وبعده.
فهو لا يريد أن يعترف للحسين «عليه السلام» بأنه يملك علم الإمامة الذي اختصه الله ورسوله ،به فهو يريد أن يستفيد من هذا العلم، مع توصيفه له: بأنه مجرد ظنون وحدسيات، ولذا قال له: «ظُنَّ
يا أبا عبد الله». فلما أخبره «علیه السلام» بادر ابن الزبير إلى سؤاله عن موقفه وخطته.
وقد جاء جواب الإمام الحسين «عليه السلام» قاطعاً وحاسماً وبالاستناد إلى الدليل القاطع، والبرهان الساطع..
فلما خوّفه ابن الزبير من كيد الوليد أجابه بذكر التفاصيل الدقيقة لما سيكون له من شأن مع الوليد بن عتبة، وبالخطة التي يريد أن يتبعها في دخوله عليه كما سيتضح.
وقد ذكرت النصوص المتقدمة: أن الإمام «عليه السلام» قد حدثهم عن الرؤيا التي تضمنت أنه رأى منبر معاوية منكوساً، وداره تشتعل ناراً .. وأنه «عليه السلام» قد أوَّل ذلك بهلاك معاوية.
وقد ورد في الروايات: أن نوم الإمام ويقظته واحدة، فعن الإمام الرضا «عليه السلام» أنه قال للحسن بن علي الوشا يا حسن، إن منامنا ويقظتنا واحدة(1).
1) قرب الإسناد ص 202 و (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث سنة 1413هـ) ص 348 ومدينة المعاجز ج 6 ص 453 وج 7 ص 99 وبحار الأنوار ج 49 ص 63 و 87 و ج 2 ص 302 و 58 ص 239 وكشف ج الغمة (ط أولى) ج 3 ص 137) و (ط دار الأضواء) ص95 ومستدرك سفينة البحار ج 4 ص 26 و ج 10 ص 200 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج 1 ص158.
وفي حديث عن أبي محمد العسكري «عليه السلام»: كلامنا في النوم مثل كلامنا في اليقظة(1).
وقد عبر «عليه السلام» رؤياه بهلاك معاوية، وقد ورد في الحديث الشريف عنهم «عليهم السلام»: «الرؤيا على ما تعبر»(2).
أولاً: إن حال يزيد في فجوره وإعلانه بالفسق، وشربه الخمر، ولعبه بالكلاب والقرود، والفهود، وغير ذلك كان ظاهراً لكل أحد .. ولم يكن الحسين «عليه السلام» بالذي يسكت على هذه الأحوال، ممن یدعي أنه خليفة الرسول وحافظ دينه، مما يعني أن الصدام معه واقع لا محالة، بملاحظة رعونة يزيد، وإجرامه..
ثانياً : إن هذا الإعتراض سوف يصادف لدى يزيد رغبة واندفاعاً
1) إختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ج 2 ص 843 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 534 ومدينة المعاجز ج 7 ص 649 - 650 وبحار الأنوار ج 50 ص 300 و 301 وراجع ج 30 ص 132 ومستدرك سفينة البحار ج 9 ص 175 وج 10 ص 199 وخلاصة الأقوال ص386 والتحرير الطاووسي ص 464.
2) الكافي ج 8 ص 335 و 336 وبحار الأنوار ج 58 ص164 و 173 و 174 و 175 ومرآة العقول ج 26 ص 491 ومستدرك سفينة البحار ج 4 ص40 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 6 ص 502 و (الإسلامية) ج 4 ص 1068 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج 2 ص 467.
قوياً لسفك دم الحسين، لسببين:
أولهما: إنه لا يحتمل اعتراض أحد عليه، ولاسيما إذا كان الأمر يتعلق بتصرفاته، وإشباع شهواته، وكان الهدف هو الحد منها، ومنعه من الإغراق في الانغماس فيها.
فإن ذلك معناه: أن يفقد يزيد مبرر وجوده بزعمه، وأن تضيع أحلامه، وتتبخر آماله في الحياة التي يريدها. ويسعى إليها.
الثاني: إن هذا يصادف من يزيد هوى واندفاعاً إلى سفك دم الحسين على وجه الخصوص، لأنه يبغض بقية آل الرسول «صلى الله عليه وآله»، كما أشار إليه الإمام الحسين عليه السلام»..
ثالثاً: إن بيعة الحسين «عليه السلام» ليزيد تضييع للحق، وهدم لأعلامه الشامخة، وتقويض لدعائمه الراسخة، لاسيما، ما تحقق على يد أخيه الإمام الحسن «عليه السلام»، الذي انتزع إقراراً، وتعهداً، وأيمانا بالغة من معاوية بأن يكون الأمر من بعده للحسن ثم للحسين «عليهما السلام»، وبأنه ليس لمعاوية أن يعهد لأحد من بعده..
ولأجل ذلك لم يستطع معاوية أن يكره الإمام الحسين «عليه «السلام» على البيعة ليزيد بولاية العهد ولم يكن من مصلحته التصعيد في الموقف معه «عليه السلام» إلى حد الصدام..
وكما أنه لم يكن من مصلحة معاوية أن يدفع بالأمور مع الإمام الحسين «عليه السلام» إلى حد الصدام. لم يكن الإمام الحسين «عليه
السلام» يريد الصدام مع معاوية، وذلك لما يلي:
1 - إن الحسين «عليه السلام» كان يعلم أن معاوية قد وضع عليه العيون، الذين يخبرونه بكل كبيرة وصغيرة عنه.. وقد تقدمت الإشارة إلى موارد هذه الرقابة في الجزء العاشر من هذا الكتاب.
يضاف إلى ذلك: ما كان يقوم به عمرو بن عثمان، ومروان بن الحكم وغيرهما من بني أمية من الرقابة عليه، والكتابة إلى معاوية بكل ما يوجب إثارة مخاوفه، ويدعوه إلى الإساءة إليه.. أي أن أي تحرك للإمام الحسين «عليه السلام» كان مرصوداً بكل تفاصيله..
2 - إن أي تحرك ضد معاوية يحتاج إلى قدرات هائلة في المال والرجال والسلاح.. ولا تستطيع المدينة حتى لو انضم إليها سواها من بلاد الحجاز أن تفي بهذا الغرض، فكل تحرك يقتصر عليها الأمور الثلاثة لن ينتهي إلى نتيجة، بل سوف يخنق في مهده..
بل يكفي قطع الإمداد بالأموال والرجال عن هذا البلد أو ذاك، لكي يقضى على التحرك الذي ينطلق منه..
3 - إن التحرك الصحيح والسليم هو الذي ينطلق من العراق في مقابل الشام، ففي العراق الأموال، والرجال، ولا يضيره أي حصار يفرض عليه، ولا يتأثر بقطع طرق الإمداد..
4 - إن سياسة معاوية كانت تقوم على المكر والغدر، مع التظاهر بالدين والتقوى ومحبة الرسول «صلى الله عليه وآله»، فلو أنه أحس بأن الحسين «عليه السلام» بصدد التحرك ضده، فإنه سوف
يعمل على التخلص منه، ولكن لا بصدام معلن بل بدس السم إليه، كما فعل بالإمام الحسن «عليه السلام»، والأشتر، وعبد الرحمان بن خالد وسواهم أو بدس من يقتله غيلة وغدراً، فإن انكشف أمر القاتل، فإن معاوية نفسه سيبادر إلى القبض على ذلك القاتل، ثم يقتله أمام أعين الناس، وبذلك يكون قد أظهر نفسه بصورة الحريص على العمل بسنة العدل والمتفاني بحب النبي وأهل بيته، ويؤكد بذلك موقعه، ومكانته في الناس.
5 - لنفترض أن الحسين «عليه السلام» أعلن الحرب على معاوية، وجمع جيشاً لحربه، ثم استشهد «عليه السلام» على يد جيش جهزه أو قاده معاوية نفسه، فإن معاوية سيكون قادراً على تشويه صورة الإمام الحسين «عليه السلام»، واتهامه بالشره إلى الحكم، وعدم التورع عن سفك دماء المسلمين في سبيل الحصول على السلطة..
6 - إن الصدام مع معاوية سوف يعطي الفرصة لمعاوية ليجعل من الشرط الذي أعطاه للإمام الحسن «عليه السلام» وسيلة للتشنيع على الإمام الحسين «عليه السلام»، ودليلا على أنه «عليه السلام» هو الذي ينكث العهود، ويخون المواثيق، وينقض الشروط.. ويصبح في موقع الباغي، والظالم والموغل في دماء المسلمين بغير وجه حق..
وقد يدعي معاوية للناس: أنه بعد أن أخذ البيعة ليزيد بولاية العهد ندم وصمم على تنحيته، والوفاء بشرطه للحسين «عليه السلام»، ولكن الحسين استعجل الأمر..
7 - إن البيعة ليزيد، وعدم المطالبة بحقه الذي اعترف له به معاوية في الشروط التي أعطاها للإمام الحسن «عليه السلام». تعني المصادقة على خلافة الفاسق المعلن بفسقه، والشارب للخمر، واللاعب بالكلاب والفهود، والقاتل للأبرياء، والمبغض لبقية آل الرسول «صلى الله عليه وآله».
وإذا كان الخليفة يرى نفسه خليفة للرسول «صلى الله عليه وآله»، وفي موقعه، فذلك يعني: أن يستبيح يزيد الشريعة، ويتلاعب بها حسب أهوائه، ويسير في الناس بما يتوافق مع سيرته، كما سنوضحه حين الحديث، عن وصف الإمام الحسين «عليه السلام» ليزيد بأنه فاسق فاجر معلن بالفسق، شارب للخمر الخ..
وقال الحسين «عليه السلام»: أنا لا بد لي من الدخول على الوليد، وأنظر ما يقول(1).
قال ابن أعثم: ثم أقبل الحسين على من بحضرته فقال قوموا إلى منازلكم، فإني صائر إلى هذا الرجل، فأنظر ما عنده وما يريد.
فقال له ابن الزبير: جعلت فداك يا بن بنت رسول الله «صلى الله عليه وآله»! إني خائف عليك أن يحبسوك عندهم، فلا يفارقونك أبدأ
1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 88 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 240 وبحار الأنوار ج 44 ص 325 والعوالم ، الإمام الحسين ص 175.
دون أن تبايع أو تقتل.
فقال الحسين: إني لست أدخل عليه وحدي، ولكن أجمع أصحابي إلي وخدمي ،وأنصاري، وأهل الحق من شيعتي، ثم أمرهم أن يأخذ كل واحد سيفه مسلولاً تحت ثيابه، ثم يصيروا بإزائي، فإذا أنا أومأت إليهم وقلت يا آل الرسول ادخلوا دخلوا وفعلوا ما أمرتهم به.
فأكون على الامتناع، ولا أعطي المقادة والمذلة من نفسي، فقد علمت والله أنه جاء من الأمر ما لا قوام به ، ولكن قضاء الله ماض في، وهو الذي يفعل في بيت رسوله «عليه السلام» ما يشاء ويرضى.
قال: ثم صار الحسين بن علي إلى منزله، ثم دعا بماء، فلبس وتطهر بالماء، وقام فصلى ركعتين، ودعا ربه بما أحب في صلاته، فلما فرغ من ذلك أرسل إلى فتيانه وعشيرته ومواليه وأهل بيته، فأعلمهم بشأنه، ثم قال: كونوا بباب هذا الرجل، فإني ماض إليه ومكلمه، فإن سمعتم أن صوتي قد علا، وسمعتم كلامي، وصحت بكم فادخلوا يا آل الرسول واقتحموا من غير إذن، ثم اشهروا السيوف، ولا تعجلوا، فإن رأيتم ما تكرهون فضعوا سيوفكم، ثم اقتلوا من يريد قتلي!
(وفي الإرشاد : فإن سمعتم صوتي قد علا فأدخلوا عليه لتمنعوه عني(1)).
1) الإرشاد للمفيد ج 2 ص 33 وروضة الواعظين ص 171 وبحار الأنوار ج 44 ص 324 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 173 ولواعج الأشجان ص 24 وأعيان الشيعة ج 1 ص 587 وإعلام الورى ج 1 ص 434.
(وعند ابن شهر آشوب: فإذا سمعتم الصيحة قد علت، والأصوات قد ارتفعت فاهجموا إلى الدار، ولا تقتلوا أحداً، ولا تثيروا الفتنة(1)).
ثم خرج الحسين من منزله، وفي يده قضيب رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وهو في ثلاثين رجلا من أهل بيته، ومواليه وشيعته، حتى أوقفهم على باب الوليد بن عتبة، ثم قال: انظروا ماذا أوصيتكم، فلا تتعدوه، وأنا أرجو أن أخرج إليكم سالماً إن شاء الله.
قال ثم دخل الحسين على الوليد بن عتبة فسلم عليه، فرد عليه رداً حسناً، ثم أدناه وقربه.
قال: ومروان بن الحكم هناك جالس في مجلس الوليد، وقد كان بين مروان وبين الوليد منافرة ومفاوضة فأقبل الحسين على الوليد فقال: أصلح الله الأمير والصلاح خير من الفساد، والصلة خير من الخشناء والشحناء، وقد آن لكما أن تجتمعا، فالحمد لله الذي ألف بينكما.
قال: فلم يجيباه في هذا بشيء.
فقال الحسين: هل أتاكم من معاوية كائنة خبر، فإنه كان عليلاً وقد طالت علته، فكيف حاله الآن؟!
قال: فتأوه الوليد وتنفس الصعداء وقال أبا عبد الله أجرك الله في
1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 88) و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 240.
معاوية، فقد كان لك عم صدق، وقد ذاق الموت، وهذا كتاب أمير المؤمنين يزيد.
فقال الحسين: إنا لله وإنا إليه راجعون وعظم الله لك الأجر أيها الأمير، ولكن لماذا دعوتني؟!
فقال : دعوتك للبيعة، فقد اجتمع عليه الناس.
فقال الحسين: إن مثلي لا يعطي بيعته سراً، وإنما أحب أن تكون البيعة علانية بحضرة الجماعة. (وفي الطبري فإن مثلي لا يعطي بيعته سرا، ولا أراك تجتزئ بها مني سراً دون أن تظهرها على رؤوس الناس علانية.
قال: أجل(1)).
ولكن إذا كان من الغد، ودعوت الناس إلى البيعة دعوتنا معهم، فيكون أمرنا واحداً.
(وفي الأخبار الطوال: إن مثلي لا يعطي بيعته سرا، وأنا طوع يديك، فإذا جمعت الناس لذلك حضرت، وكنت واحدا منهم(2)).
فقال له الوليد أبا عبد الله! لقد قلت فأحسنت في القول، وأجبت
جواب مثلك، وكذا ظني بك، فانصرف راشدأ على بركة الله حتى تأتيني غداً مع الناس!
فقال مروان بن الحكم: أيها الأمير! إنه إذا فارقك في هذه الساعة لم يبايع، فإنك لن تقدر منه ولا تقدر على مثلها، فاحبسه عندك ولا تدعه يخرج أو يبايع، وإلا فاضرب عنقه.
قال: فالتفت إليه الحسين وقال: ويلي عليك يا بن الزرقاء! أتأمر بضرب عنقي، كذبت والله(1)، والله لو رام ذلك أحد من الناس لسقيت الأرض من دمه قبل ذلك، وإن شئت ذلك فرم ضرب عنقي إن كنت
صادقاً.
قال: ثم أقبل الحسين على الوليد بن عتبة.
وقال: أيها الأمير إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، ومحل الرحمة، وبنا فتح الله، وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق، شارب خمر، قاتل النفس المحرَّمة معلن بالفسق، (ليس له هذه المنزلة، و) مثلي لا يبايع لمثله (مثله)، ولكن نصبح وتصبحون، وننتظر وتنتظرون أينا أحق بالخلافة والبيعة.
قال: وسمع من بالباب الحسين فهموا بفتح الباب وإشهار السيوف، فخرج إليهم الحسين سريعاً، فأمرهم بالانصراف إلى
1) في الطبري: كذبت ،والله وأتمت. وفي الكامل في التاريخ لابن الأثير: ولؤمت.
منازلهم، وأقبل الحسين إلى منزله. [في الطبري: فخرجوا معه حتى أتى إلى منزله].
فقال مروان بن الحكم للوليد بن عتبة: عصيتني حتى انفلت الحسين من يدك، أما والله لا تقدر على مثلها أبداً، ووالله ليخرجن عليك وعلى أمير المؤمنين، فاعلم ذلك.
فقال له الوليد بن عتبة: ويحك! أشرت علي بقتل الحسين، وفي قتله ذهاب ديني ودنياي والله ما أحب أن أملك الدنيا بأسرها وأني قتلت الحسين بن علي بن فاطمة الزهراء، والله ما أظن أحدا يلقى الله بقتل الحسين إلا وهو خفيف الميزان عند الله [يوم القيامة]، لا ينظر إليه، ولا يزكيه، وله عذاب أليم.
قال: فسكت مروان(1).
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 12 - 14 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص 182 وذكر موجزاً عن ذلك في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 339 و (ط) الأعلمي ج 4 ص 251 والكامل في التاريخ ج 4 ص 15 و 16 والإمامة والسياسة ج 1 ص 226 وتذكرة الخواص (ط النجف) ص236 والأخبار الطوال ص 227 - 228 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 32 و 33 وروضة الواعظين ص 189 وإعلام الورى ج 1 ص434 وبحار الأنوار ج 44 ص 324 و 325 والبداية والنهاية ج 8 ص 147 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 88) و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 240 والملهوف ج3 ص 97 ومثير الأحزان ص 24 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 241 وبغية الطلب لابن العدیم ج6 2572.
وعند ابن قتيبة: فقال له مروان مستهزئاً: إن كنت إنما تركت ذلك لذلك، فقد أصبت(1).
وفي الطبري وابن الأثير: يقول له هذا وهو غير الحامد له على رأيه(2).
وروى الصدوق عن عبد الله بن منصور، عن الإمام الصادق عن أبيه، عن جده «عليهم السلام» قال: بعث عتبة (الصحيح: الوليد بن عتبة، والظاهر أنه سقط من الراوي) إلى الحسين بن علي «عليهما السلام»، فقال: إن أمير المؤمنين أمرك أن تبايع له.
فقال الحسين «عليه السلام» يا عتبة قد علمت أنا أهل بيت الكرامة، ومعدن الرسالة وأعلام الحق الذي أودعه الله عز وجل قلوبنا، وأنطق به ألسنتنا، فنطقت بإذن الله عز وجل، ولقد سمعت
جدي رسول الله «صلى الله عليه وآله» يقول: إن الخلافة محرمة على ولد أبي سفيان، وكيف أبايع أهل بيت قد قال فيهم رسول الله «صلى
الله عليه وآله» هذا؟!(1).
وعند ابن شهر آشوب: أن الحسين «عليه السلام» لما دخل على الوليد قال له: ما كنت أبايع ليزيد.
فقال :مروان بايع لأمير المؤمنين.
فقال الحسين كذبت - ويلك - على المؤمنين. من أمره عليهم؟!
فقام مروان وجرد سيفه وقال مر سيافك أن يضرب عنقه قبل أن يخرج من الدار، ودمه في عنقي، وارتفعت الصيحة، فهجم تسعة عشر رجلا من أهل بيته وقد انتضوا خناجرهم، فخرج الحسين
معهم(2).
ونقول:
في النص المتقدم مواضع يحسن الوقوف عندها، وهي التالية:
تقدم: أن الحسين «عليه السلام» بعد أن ذكر أنه أصحابه، سيجمع ويجعلهم على باب الوليد ليمنعوه منه عند الحاجة قال: «ولا أعطى المقادة والمذلة من نفسي، فقد علمت والله أنه جاء من الأمر ما لا قوام
به، ولكن قضاء الله ماض فيَّ، وهو الذي يفعل في بيت رسوله «عليه السلام» ما يشاء ويرضى».
فقد تضمنت هذه الفقرة الإشارة إلى ما يلي:
أولاً : إن الحسين «عليه السلام» كان عالماً بأنه قد دعي لمواجهة أمر عظيم لا قوام به.
ثانياً: إنه أمر يتضمن محاولة إذلاله «عليه السلام»، وحمله على إعطائهم مقادة نفسه.
ثالثاً: إن الأمر الذي يدعى له يستهدف بيت رسول الله «صلى الله عليه وآله» بالدرجة الأولى.
رابعاً: إن ما سيواجهه أهل بيت رسول الله «صلى الله عليه وآله» أمر مقضي من الله تعالى، ويجب عليهم اختيار مواجهته، ولا يحق لهم التخلي عنه.
خامساً: إن ما يجري على بيت رسول الله «صلى الله عليه وآله» قد رضيه الله تعالى لهم.. وما يرضاه الله لهم، فإنهم يرضونه لأنفسهم.
وقوله «عليه السلام»: «قضاء الله ماض في» يتضمن الإلماح إلى نهاية هذا المسار الذي دخل فيه « عليه السلام»، وأن عدم قدرة الوليد على إلحاق الأذى به عليه السلام في هذه المرحلة لا يعني حسم الأمر، والسلامة إلى النهاية، بل هذا يوم له ما بعده.
ولا بد من أن يمضي قضاء الله تعالى فيه «عليه السلام» وفق ما
يريده الله تعالى والحسين «عليه السلام» راض بهذا المصير، لأن الله تعالى قضاه عليه، لِحِكَم يعلمها.
وقد أخذ الحسين «عليه السلام» معه إلى دار الوليد القضيب الذي كان لرسول الله «صلى الله عليه وآله»، ربما ليذكّر الوليد ومن يكون في مجلسه: بأن الحسين «عليه السلام» هو وارث الرسول «صلى الله عليه وآله»، دون كل من سواه والمقصود وراثة مقامه الذي يرمز إليه الناس بالبردة والقضيب اللذين يكونان للخليفة الذي يفترض فيه أن يجلس في مجلسه، ويأخذ موقعه.
وقد أوصى «عليه السلام» أهل بيته وأصحابه الذين جعلهم على باب دار الوليد بما يلي:
1 - إذا سمعوا صوته قد علا، وصاح بهم أن يدخلوا الدار من غير إذن.
2 - أن يشهروا السيوف.
3 - أن لا يعجلوا.
4 - إذا رأوا ما يكرهون، فعليهم أن يقتلوا من يريد قتله.
5 - أن يمنعوا الوليد عنه «عليه السلام».
6 - أن لا يقتلوا أحداً.
7 - أن لا يثيروا الفتنة.
8 - أن لا يتعدوا ما أوصاهم به.
ونلاحظ:
ألف: أن هذه الوصايا في غاية الدقة، ولا مجال لتسجيل أي تحفظ، أو مؤاخذة عليها. فقد اقتصرت على موضع الحاجة، مما يحقق الهدف المنشود، وهو خروج الإمام سالماً، من دون حدوث أي تعدٍ، أو تسرع أو تصرف طائش ، أو انقياد لهوى أو انفعال..
ب: قد لا يستسيغ البعض أمره «عليه السلام» لأصحابه بأن يدخلوا من غير إذن. وهو كلام لا يصغى إليه، فإن من يكون بصدد قهر الإمام الحسين «عليه السلام»، وإذلاله، وسلب قراره، لا يأذن بدخول من ينصر الحسين «عليه السلام»، ويمنعه من إلحاق الأذى به، أو الحصول على ما يريد.
بل إن ذلك الطاغية قد يصبح حريصاً على الفوز بمرامه قبل أن يدهمه ،داهم لا يعرف طبيعته وحجمه ومداه، ولم يتحقق من هدفه ومنحاه، وربما دعته العجلة إلى تصرف أرعن وخبيث، كالتصرف الذي كان
مروان يطالب به.
ج: وقد قال «عليه السلام» لأصحابه «انظروا ماذا أوصيتكم، فلا تتعدوه». ولم يقل: «لا تتعدوا ما أوصيتكم». لأنه «عليه السلام» يريد منهم أن يراجعوا فقرات وصيته ويحددوا مضامينها، ثم مراعاة
كل مفردة منها بخصوصها، وأن يلتزموا بتلك المضامين بدقة. ولو
قال لا تتعدوا وصيتي، فلربما ذهب وهمهم إلى لزوم اقتحام الدار حين تعلو الأصوات، وفي الحالة التي حددها لهم.
وأما سائر ما قاله لهم، فربما رخصوا لأنفسهم بالاجتهاد فيه، وتجاوزه، استجابة لحالات الانفعال التي تهيمن على المشاعر، في مثل هذه الأحوال.
وتقدم عن ابن أعثم: أن الإمام قال لأصحابه الذين وضعهم على الباب: «وأنا أرجو أن أخرج إليكم سالماً إن شاء الله».
فإذا كان الرجاء من الإمام الحسين «عليه السلام» لا يخيب، فذلك يعني أن أصحابه لم يدخلوا إلى دار الوليد، لأن الحسين «عليه السلام» قد خرج إليهم سالماً، فصحبوه إلى منزله...
ولكن رواية ابن شهر آشوب تقول: إن تسعة عشر رجلا من أهل بيت الحسين «عليه السلام» هجموا، وقد انتضوا خناجرهم، فخرج الحسين عليه السلام معهم.. فإن لم يمكن الجمع بين الروايتين فبأيهما نأخذ؟!
قد يكون ثمة من يقول: إن رواية ابن شهر آشوب لم تصرح بدخول أصحاب الحسين إلى داخل الدار، بل قالت: إنهم هجموا وقد انتضوا خناجرهم فلعلهم هجموا، ولم يصلوا إلى مجلس الوليد، وقد لاقاهم الحسين «عليه السلام» في وسط الدار.
وذكرت الروايات: أن الذين جاؤوا مع الحسين «عليه السلام» كانوا ثلاثين رجلاً، لكن رواية ابن شهر آشوب تقول: «فهجم تسعة عشر رجلا من أهل بيته..»، فبأيهما نأخذ؟!
ونجيب:
اولاً: إن الذين كانوا مع الحسين «عليه السلام» كان فيهم من هو من أصحابه، ومن مواليه وخدمه وشيعته فيبدو أن أهل بيته «عليه السلام» هم الذين بادروا إلى دخول الدار، وبقي أصحابه وشيعته، وخدمه خارج الدار، وبهم يتم عدد الثلاثين رجلاً.
ثانياً: إن دخول الجميع إلى الداخل فيه مخاطرة غير محمودة، إذ لعل الوليد كان قد أعد جماعة لكبس الدار حين تعلو الأصوات، أو حين يبلغهم أحد أتباعه من سطح داره، أو من أي منفذ آخر، بلزوم الحضور .. أو لعل أحدا يمر من ذلك الموضع فيسمع الضوضاء، فيخبر عنها من يعنيهم الأمر، فيحضرون لحل المشكل، أو للوقوف على ما يجري، ولعل.. ولعل..
وعن ابن أعثم: أن الوليد أخبر الإمام الحسين «عليه السلام» بموت معاوية بقوله: «أجرك الله في معاوية، فقد كان لك عم صدق». ولم يعلق الإمام «عليه السلام» على هذه العبارة.
مع أن معاوية لم يكن من أعمام الحسين «عليه السلام» نسبأ، كما
أن معاوية لم يكن عم صدق للحسين «عليه السلام» في مجال التعامل، بل شنّ حربا ضروسا عليه وعلى أبيه وأخيه «عليهم السلام»، وسن لعنهم على منابر الإسلام في مختلف البلاد، ولم يزل يبغي لهم الغوائل ويتهدد ويتوعد كل ما سنحت له الفرصة لذلك.
ولكن معاوية كان عم الوليد نفسه، فلعله قال: كان عم صدق وقد أقحمت كلمة «لك». لحاجة في نفس من أقحمها.
ولو صح أن الوليد هو الذي قالها ،للإمام، فإن عدم تعليق الإمام على هذه الكلمة لا يعني قبوله لها .. لأن المقام مقام المجاملة، وكان هناك ما هو أعظم وأهم من ذلك.
وروى الطبري: أن الإمام الحسين «عليه السلام» حين نعى له الوليد معاوية قال: رحم الله معاوية، وعظم الله لك الأجر(1).
ولا نرى هذا صحيحاً، فإنه «عليه السلام» لم يكن بحاجة إلى هذا الترحم. وقد روى الآخرون ما جرى من دون ذكر لهذا الترحم، فراجع الفتوح لابن أعثم، ومقتل الحسين للخوارزمي.
1) راجع تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 339 و 340 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 251 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 323 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 157 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 5 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 653.
وتقدم: أن الوليد قال للإمام الحسين «عليه السلام»: «دعوتك للبيعة، فقد اجتمع عليه الناس». وقد تجاهل الإمام الحسين «عليه السلام» هذه العبارة أيضاً، لأنه يرمي إلى ما هو أهم وأولى.
وللتذكير والبيان نقول:
أولاً: إن معاوية كان قد سجل اعترافا بأن الأمر من بعده للحسن ثم للحسين.
ثانياً: أي ناس اجتمعوا على يزيد، هل هم صحابة الرسول؟! أو أهل الحل والعقد؟! أو العلماء وأهل السابقة في الدين؟! أو من عدا هؤلاء من أهل الشام الذين لا يتورعون عن الدخول في الحرب ضد وصي النبي، ولا يصدهم عقل أو دين عن قتل أقدس رجل على وجه الأرض، وهو ابن بنت رسول الله وسيد شباب أهل الجنة؟!
وهل إجماع الذين ينعقون مع كل ناعق يعطي شرعية لمن أجمعوا عليه، وهم يباعون ويشترون بالدرهم والدينار؟!
وقد قال «عليه السلام» للوليد بن عتبة: «إن مثلي لا يعطي بيعته سراً ..».
وهذا كلام سديد فإن الإعلان بالبيعة ممن هو محط أنظار الناس، وموئل آمالهم أمر يرغب فيه الحكام، لكي يتخذوا من هذا الإعلان حجة لهم، تخولهم اتهام من ينقض بيعته بالخيانة، التي تبيح
لهم ملاحقته والتنكيل به.
وحتى لو لم ينقض بيعته، فإن بيعته العلنية تمكنهم من اتهامه بنقضها، ويستحلون بذلك دمه، ويتخلصون منه.
كما أن من يكون له مقام متميز، ويخشى منه الحكام لا يعطي بيعته سرا، لكي لا يدعي عليه الحكام أنه لم يبايع، ويتخذوا ذلك ذريعة للبطش والتنكيل به.
ولأجل ذلك قال «عليه السلام»: «مثلي لا يعطي بيعته سراً، ولا أراك تجتزي بها مني سراً، دون أن تظهرها على رؤوس الناس علانية».
وقد يتوهم البعض أن قول الحسين «عليه السلام» للوليد: «وإنما أحب أن تكون البيعة علانية بحضرة الجماعة ولكن إذا كان من الغد ودعوت الناس إلى البيعة دعوتنا معهم، فيكون أمرنا واحداً».
إن هذا القول بمثابة وعد من الإمام الحسين «عليه السلام» للوليد بالبيعة ليزيد في اليوم التالي، فلماذا لم يف «عليه السلام» بوعده؟!
ونجيب:
أولاً: إنه «عليه السلام» لم يقل : أحب أن تكون بيعتى علانية، ليكون ذلك تلميحاً أو تصريحاً بالوعد في إعطاء البيعة، بل قال: «أحب أن تكون البيعة علانية» والمقصود أن البيعة العامة لأحاد الناس ينبغي أن تكون علانية، وبحضرة الجماعة كما قال، سواء كان
هو يريد أن يبايع، أو يريد أن يرفض، أو يريد أن يغيب.
ثانياً: قد يقول قائل: لم نجد فيما بين أيدينا من نصوص ما يصرح بأن الوليد قد دعا أهل المدينة إلى البيعة ليزيد، في اليوم التالي، أو الذي بعده إلى حين خروج الإمام الحسين «عليه السلام» إلى مكة. ويدل على أن بيعة أهل المدينة قد حصلت بعد خروج الإمام الحسين «عليه السلام» إلى مكة قول ابن سعد وخرج الحسين وعبد الله بن الزبير من ليلتهما إلى مكة، فأصبح الناس، فغدوا على البيعة ليزيد وطلب الحسين وابن الزبير فلم يوجدا الخ..(1).
وذكر ابن الأثير: أنه بعد أن سار الحسين «عليه السلام» إلى مكة أرسل الوليد إلى ابن عمر ليبايع، فقال: إذا بايع الناس بايعت، فتركوه. وقيل: إن ابن عمر وابن عباس كانا في مكة، فقدما المدينة، فلما بايع الناس بايعا(2).
1) راجع الطبقات الكبرى لابن سعد (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج1 ص 43 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 56 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 207 وتهذيب الكمال ج 6 ص 415 وبغية الطلب لابن العديم ج 6 ص 2608 والبداية والنهاية ج 8 ص 192 (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 175 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص292 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 517 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 18.
2) راجع الكامل في التاريخ ج 4 ص 17 والفصول المهمة لابن الصباغ ج2 ص 785 وراجع أنساب الأشراف ج 5 ص 301 ونهاية الأرب ج20 ص 382.
ولعل تأخر الوليد في جمع الناس للبيعة كان بسبب خشيته من حصول مواجهة احتجاجية بينه وبين الحسين «عليه السلام»، وبنى هاشم ومن يؤيدهم من الأنصار، وكذلك من ابن الزبير، وعبد الرحمان بن أبي بكر وغيرهم. وقد يتطور الأمر إلى عنف يخشاه الوليد خشيته على نفسه، وعلى الملك الذي اغتصبوه من أهله. وكان يعلم أن الرابح في سجال كهذا هو الحسين «عليه السلام»، ومن معه، لأن حال يزيد كان غير خاف على أحد، كما أن حجج هذا الفريق قاطعة لا يمكن ردها.
فلا مصلحة له في إقامة مجلس كهذا بل عليه أن يتريث في الأمر ، فلعله يجد مندوحة تجنبه هذا الإحراج الذي قد يتنامى، وقد يتطور إلى صدام قاس ومرير، وقد تنشأ عنه فضائح، وتظهر أمور لا يرى الوليد نفسه قادراً على تحمل تبعاتها.
وقد يقال: قد جاء في رسالة يزيد للوليد، التي تسلمها بعد خروج الحسين «عليه السلام» إلى مكة: أن يزيد أمر الوليد بأخذ البيعة على أهل المدينة مرة ثانية، فما المقصود ؟ ومتى حصلت البيعة الأولى؟!
فإن كان المقصود بالبيعة الأولى هو: بيعتهم ليزيد بولاية العهد، فهو خلاف ظاهر كلامه.
وإن كان المراد: أن بيعة أهل المدينة له قد حصلت بعد موت أبيه، قبل خروج الحسين «عليه السلام» إلى مكة، فقد تقدم أنها لم تحصل.
ثالثاً: إن موقف مروان قد فاقم الأمور إلى الحد الذي دعا الحسين «عليه السلام» إلى التصريح بأنه لا يمكن أن يبايع ليزيد، وقال: «مثلي لا يبايع مثله»، ويقول: «نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون أينا أحق بالخلافة والبيعة».
وللمرء الحق في أن يتخذ الموقف الذي يلائم الأحداث المستجدة التي يسهم في صنعها الطرف الآخر، لأن تبعات ذلك تقع على عاتق من صنع تلك الأحداث.
ولعل البعض لا يستسيغ أن يكون الحسين «عليه السلام» قد قال للوليد في هذا المجلس: أنا طوع يديك.
غير أننا نقول:
لا مانع من أن يطيع المؤمن أيا كان من الناس فيما هو حلال، أو فيما هو راجح ومحبوب الله تعالى دون ما فيه معصية، كما دل عليه قول أمير المؤمنين «عليه السلام»: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»(1).
1) راجع نهج البلاغة (بشرح عبده ج 4 ص 41 ودعائم الإسلام ج1 ص 350 والأمالي للصدوق ص 452 والخصال للصدوق ص139 و 567 و 608 وعيون أخبار الرضا ج 1 ص 132 ومن لا يحضره الفقيه ج 2 ص 621 وج 4 ص 381 وخصائص الأئمة ص 109 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 11 ص 157 وج 15 ص 174 وج 16 ص 154 و 155 وج 27 ج11 ص157 وج15 ص4 ص 130 و (الإسلامية) ج 8 ص 111 وج 11 ص 134 و 422 و 324 وج 18 ص 93 ومستدرك الوسائل ج 12 ص 209 ومصباح البلاغة مستدرك نهج البلاغة ج 3 ص 186 وشرح الأخبار ج 1 ص 146 والأمالي للمرتضى ج 1 ص 110 ومكارم الأخلاق للطبرسي ص420 ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 228 وعيون الحكم والمواعظ ص542 3 ص228 وغوالي اللآلي ج 1 ص 444 ومدينة المعاجز ج4 ص 53 وبحار الأنوار ج 10 ص 227 و 356 و ج 43 ص 297 وج 71 صه و 85 و 337 وج وج 89 ص 179 وراجع مسند أحمد ج 1 ص 131 و 409 وج5 ص66 ومجمع الزوائد ج 5 ص 226 وج 9 ص 177 و 186 وعمدة القاري ج7 ص282 وج 14 ص 221 والمصنف للصنعاني ج 2 ص 383 والمصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 737 وبغية الباحث ص 190 والمعجم الأوسط ج 4 ص 181 و 182 و 321 وج 18 ص 165 و 170 و 177 و 185 و 229 وسؤالات حمزة للدارقطني ص 76 ومسند الشهاب ج 2 ص 55 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج 3 ص 890 والتمهيد لابن عبد البر ج8 ج3 ص 58 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 5 ص 112 وج 16 ص 158 وج 18 ص 389 والجامع الصغير للسيوطي ج 2 ص 749 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 3 ص 216 وج 5 ص 861 وج 6 ص 67 و 76.
أو يقال: إنه «عليه السلام» طوع يدي الوليد فيما يحفظ الدين،
ومن جملة موارد حفظ الدين أن يجمع الوليد الناس، ويطلب منه الحضور للبيعة، لأنه يكون قد عرض موقعه للاهتزاز والخطر، والحسين يعلم أن الوليد لا يقدم على أمر كهذا ، لأنه يخشى، بل هو يعرف أن الحسين «عليه السلام» سوف يغتنم الفرصة لفضح يزيد، وبني أمية، ويُظهر من الشواهد والأدلة ما يقطع كل عذر، ويجعل من إقدام الناس على مبايعة يزيد أمراً بعيد المنال، ومحفوفا بمحن وأهوال.
قد ظهر مما تقدم:
1 - قد أظهر مروان حرصاً بالغاً على سفك دم الإمام الحسين «عليه السلام» بمجرد أن لاحت له بارقة أمل من جهة يزيد.
2 - وكان معاوية قبل ذلك - كما ألمحنا إليه - حريصاً على استبعاد خيار الصدام العلني معه «عليه السلام»، ويؤثر اعتماد الأساليب الخفية الماكرة، التي مكنته من الفتك بالإمام الحسن «عليه
السلام»، وعبد الرحمان بن خالد بن الوليد، والأشتر وغيرهم.
وقد تبجح معاوية بهذا الأسلوب الماكر حين قال: «إن الله جنوداً من عسل» في إشارة منه إلى دسه سما في عسل سقاه للأشتر، وهو في طريقه إلى مصر. على يد أحد الأشقياء الذين سخرهم معاوية لهذا الغرض.
3 - إن انتهاج معاوية لهذه السياسة حتّم عليه ضبط حركة مروان،
الذي كان واليه على المدينة، ويسعى بكل قوة، ويختلق الذرائع لانتزاع موافقة معاوية على البطش بالإمام الحسين عليه السلام»، أو التنكيل به على أقل تقدير.
4 - لكن معاوية حسم الأمر ، وألزم مروان بالكف عن محاولاته تلك، ثم عزله سنة سبع وخمسين وولى الوليد بن عتبة على المدينة، ومات معاوية في زمن ولاية الوليد فتولى يزيد، وكان عليه أن يتعامل مع الوليد، فسارت الأمور في ولاية الوليد، وفق نفس المسار الذي كان في زمن معاوية.
ولو أن مروان كان هو الوالي على المدينة حين مات معاوية لسارت الأمور باتجاه آخر ، قد يكون بالغ الخطورة على حياة الإمام الحسين «عليه السلام».
5 - كان الحسين «عليه السلام» يعرف مروان حق المعرفة، ويتوقع أن يقدم على أمر عظيم في حقه «عليه السلام»، فمن الطبيعي أن يحتاط للأمر بما يناسب حال وتوجهات ونوايا مروان.
والدليل على ذلك: أنه «عليه السلام» حين دعاه الوليد ليكلمه في أمر البيعة ليزيد قد احتاط للأمر أيضاً بالرغم من معرفته بحال الوليد وسياساته ونهجه.. ولكنه يعرف أن مروان سوف يبذل جهده في التحريض عليه.. فهل يمكن أن لا يحتاط «عليه السلام» بصورة أشد وأقوى لو كان الوالي هو مروان الأرعن والحاقد؟!
6 - إن تعامل الوليد قد خفف من أعباء الإمام الحسين «عليه
السلام»، ومن المضايقات التي كان سيواجهها لو كان الوالي مروان أو عمرو بن سعيد (الأشدق)، أو غيرهما.
وخروجه «عليه السلام» من المدينة قد حصل في آخر الليل ليتلافى أعين الرقباء الذين لو اكتشفوا أمر الخروج لأوقعوا الوليد في حرج، ولكانوا سببا في تجمهر الناس، وربما حصل ما لم يكن بالحسبان، وسيأتي أنه لم يتعرض للملاحقة في الطريق من قبل الوليد..
وقد حاول بعض الباحثين(1): أن يفسر هذا الإصرار المرواني على الوليد بأن يقتل الحسين «عليه السلام» فذكر ما ملخصه:
أولاً: إن مروان كان يعلم أن الوليد لن ينفذ طلب يزيد بقتل الحسين «عليه السلام».. وكان مروان يحقد على الوليد، فكان يريد أن يستبين ليزيد أنه قد عصى أمره، لكي يعزله عن ولاية المدينة.. وقد
تحقق له ذلك فعلا.
ثانياً: إن مروان كان ناقماً على معاوية، حيث جعل الولاية لولده دونه، فكان يريد أن يورط يزيد في هذا الأمر الشنيع ليزول ملكه، ويعود الأمر إلى مروان، لأن عليا «عليه السلام» كان قد أخبره حين أسره في حرب الجمل، وتشفع به الحسنان «عليهما السلام» لدى
1) موسوعة سيرة أهل البيت «عليهم السلام» ج 13 ص 252.
أبيهما، فقال «عليه السلام»: «إن له إمرة كلعقة الكلب أنفه»(1)، فحكم تسعة أشهر.
ثالثاً: إنه كان حاقداً على الإمام الحسين «عليه السلام»، ويبغض كل من يحبه. كما قال لأبي هريرة(2).
ونشير أخيراً إلى قول الإمام الحسين «عليه السلام» لمروان يا ابن الزرقاء لا يشتمل على أية حزازة، إذ لا حرمة لمن يريد قتل سيد شباب أهل الجنة، والإمام المعصوم ، المنصوص على إمامته من الله ورسوله، من دون أي سبب سوى البغي والعدوان، ومن أجل إقامة حكم رجل فاسق فاجر، قاتل للنفس المحترمة.
1) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 1 ص 123 و 124 الخطبة رقم 73 وتذكرة الخواص ص390 وبحار الأنوار ج 32 ص 234 و 235 و 355 وشجرة طوبی ج 1 ص 130 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 6 ص 146 وقاموس الرجال للتستري ج 10 ص 36 وإعلام الورى ج 1 ص 340.
2) راجع مجمع الزوائد ج 9 ص 180 والمعجم الكبير ج 3 ص 50 وتهذيب الكمال ج 6 ص 230 وتاريخ مدينة دمشق ج 13 ص 221 وترجمة الإمام الحسن لابن عساكر ص 105 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 10 ص 531 وج 19 ص 212 وج 26 ص 191 ومختصر تاریخ دمشق (ط دار الفكر) ج 7 ص 16 والشفاء بتعريف حقوق المصطفى (ط مصر) ج 1 ص 279 وتهذيب التهذيب ج 2 ص 258.
وقد قال تعالى في كتابه الكريم: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ)(1). والزنيم هو الملحق بقوم ليس منهم، والدعى..(2).
وتقدم أن مروان بن الحكم قد ساق الأمور نحو التصعيد والتحدي، الأمر الذي دعا الإمام الحسين «عليه السلام» ليضع حداً لهذه الرعونة فأعرض عن مروان، وتوجه بالكلام إلى الوليد وأعلن «عليه السلام» مجموعة ضوابط تمنع من البيعة لمن هو مثل يزيد، ممن هو مثل الحسين «عليه السلام». ولكنه أبقى الباب مفتوحاً أمام الحوار حول من هو أحق بالخلافة والبيعة، وقرر الاحتكام إلى المنطق والدليل والحجة.. التي تثبت الحق لأهله، وبها يعلم الأحق بذلك من غير الأحق.
والضوابط التي قررها «عليه السلام»، وجعلها محوراً لاحتجاجاته تنقسم إلى قسمين:
قسم يرتبط بأهل البيت «عليهم السلام». وقسم يرتبط بيزيد.
أما القسم الأول، فذكر «عليه السلام» ما يلي:
1 - إن أهل البيت «عليهم السلام» هم أهل بيت النبوة.
2 - إنهم «عليهم السلام» معدن الرسالة.
3 - إنهم مختلف الملائكة .
4 - إنهم محل الرحمة .
5 - إن الله تعالى فتح بهم.
6 - إنه تعالى بهم ختم
7 - إنهم أهل بيت الكرامة.
8 - إنهم أعلام الحق الذي أودعه الله قلوبهم، وأنطق به ألسنتهم، فنطقت بإذن الله عز وجل.
أما القسم الثاني المرتبط بيزيد، فذكر «عليه السلام» ما يلي:
1 - إن يزيد رجل فاسق.
2 - إنه شارب للخمر.
3 - قاتل للنفس المحرمة.
4 - معلن بالفسق.
ه - إن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قال: إن الخلافة محرمة على ولد أبي سفيان..
6 - إن المؤمنين لم يؤمروا يزيد على أنفسهم.
ثم قال «عليه السلام»: «ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون أينا أحق بالخلافة والبيعة».
سنحاول هنا أن نتوقف عند كل واحدة من هذه الضوابط المرتبطة بأهل البيت أولاً ، ثم ما يرتبط منها بيزيد، مع توخي الإيجاز
قدر الإمكان، فلاحظ ما يلي:
إن الحسين «عليه السلام» قال: إنَّا أهل بيت النبوة، ولم يقل: إنَّا أهل بيت النبي، أو آل محمد «صلى الله عليه وآله»، لأن ذلك قد يوهم أن المقصود هو الانتساب إلى الشخص انتساب قرابة ورحم أو انتساب سكنى وعشرة .. ولا يريد «عليه السلام» هذا المعنى على سبيل الاستقلال والاقتصار عليه، وإنما يريد معنى أوسع وأشمل، وأعمق وأسمى من هذا.
إنه يريد أن يعطي لنفسه شراكة في أهداف النبوة، وفي إنجاز المهمات التي يرسم الوحي حدودها ومعالمها . وإذا كانت الخلافة تعني أن الخليفة يعتبر نفسه، كما أن الناس يعتبرونه في موقع النبي، ويقوم بما كان يقوم به، فإن ذلك يحتّم كونه واقفاً، ومتابعاً لحركة الوحى، ويعيش بيئة النبوة، وأجواءها. ويتقلب في أحضانها، ويتفاعل مع روحياتها، وأن يكون على دراية تامة بكل شؤون النبوة.
وهذا ما لا يستطيع أحد في الأمة أن يدعيه لنفسه في تلك الفترة سوى الحسين «عليه السلام» بعد فقد أبيه وأخيه «صلوات الله عليهم».
أما يزيد فهو أبعد الناس عن ذلك كله كما تظهره سيرته التي بات الناس يعرفونها، ولا يمكن ليزيد، ولا لأي من أنصاره أن يتنكر لها، أو أن يتنصل منها ومن تبعاتها.
ويفترض بالخليفة خليفة رسول الله «صلى الله عليه وآله»: أن يحكم الناس وفقا لأحكام الشرع الشريف، ووفق الرسالة التي حملها الرسول للناس، وأن يحفظ هذه الرسالة، وأن يمنع من انتهاك حرمتها، والاستخفاف بها.
يضاف إلى ذلك أن من وظائف خليفة النبي والرسول أن يعلم الناس كل ما يحتاجون إليه من حقائق الدين وشرائعه، وأن يفرض عليهم الالتزام بأحكامه.
وهذا يقتضي أن يكون خليفة الرسول عالماً بالأحكام، ملتزماً بها، غيوراً على شرع الله، أمينا عليه، يكافح ، وينافح عنه بكل قوة وثبات، ويضحي من أجله بكل غال ونفيس. وهذه هي حال الحسين «عليه «السلام» وأهل بيته.. ولا يستطيع أحد في الأمة أن يدعي أنه يساميهم أو يجاريهم في ذلك.
أما يزيد فإنما تربى في بيئة مناقضة لهذا كله، ولا يملك أية معرفة بدين الله، فضلاً عن أن يكون لديه اهتمام بحفظه وتعليمه للناس، وتأييده، ومنع التعدي عليه.
ويفترض بخليفة الرسول أيضاً أن يصون الأمة في أخلاقها، وسلوكياتها. وأن يعمل على إشاعة الأخلاق الحميدة، ويكون هو الأسوة والقدوة، والمثل الأعلى لها في ذلك.
وأئمة أهل بيت النبوة الذين عاشوا في أطهر بيئة، والذين صرح القرآن بتطهيرهم من كل رجس. وهم الأشخاص المخلصون الإلهيون العابدون، الذين تختلف الملائكة إلى بيوتهم، وتأنس بالعيش معهم،
وتسعد حين تكون بالقرب منهم، وترى أن ذلك عبادة وسعادة.
فمن يكون كذلك هو الذي يصلح أن يكون أسوة وقدوة ومعلماً، وساعيا في تطهير نفوس الناس، ورفدها بمعاني الخير، وتحليتها بالصفات الحميدة، والأخلاق الفاضلة.
أما يزيد، فقد عاش في بيئة شيطانية، ونشأ على المخزيات، والموبقات، فلا يصح أن يرد له أي ذكر في هذا السياق، لا من قريب ولا من بعيد.
وخليفة الرسول الذي يتولى شؤون الأمة يجب أن يكون للناس بمثابة الوالد الرحيم (1)الذي يدبر أمور من هم تحت تكفله من موقع العقل والرحمة، كما ورد في الروايات.
وقال تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)(2).
وقال تعالى مخاطباً نبيه: (فلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتِ)(1). وتتجلى هذه الرحمة على النحو الأتم والأكمل في الأنبياء وأوصيائهم، وفي أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة، ومحل
الرحمة..
أما يزيد، فهو قاتل للنفس المحرّمة، وهو يقتل الشيوخ والنساء والأطفال، ويبطش بالأبرياء. ويستبيح مدينة الرسول، لكي يخضع الناس لإرادته، فأين هي الرحمة التي يعامل بها الناس، والتي تخوله أن يتبوأ موقع خلافة الرسول؟!
إن من له الحق في أن يتبوأ مقام الخلافة لرسول الله «صلى الله عليه وآله» هو الذي عايش سيرة الرسول والرسالة في كل المراحل التي رعى فيها مسيرة الحياة الإنسانية، وجعله الله تعالى قائداً ورائداً لها، ومهيمنا عليها.
ومن يراجع النصوص يجدها تقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته قد خلقهم الله قبل خلق المخلوقات بآلاف الأعوام، وجعلهم مطيفين بعرشه، وقد رافقوا الأنبياء في مسيرتهم منذ آدم، وكانوا هم الوسيلة والملجأ والملاذ لهم (أعني الأنبياء والرسل) في كل ما ينوبهم، وقد توسل آدم ونوح ويونس، وغيرهم بهم، ففرج
1) الآية 8 من سورة فاطر.
الله تعالى عنهم، وكشف عنهم الشدائد، وأزال المكاره.
فهم الذين فتح الله تعالى بهم أبواب الفلاح، والسعادة والنجاح وكل خير في هذا الوجود وكانوا هم النموذج الأول، والأكمل والأمثل في كل صلاح وسداد ولا يستطيع يزيد، ولا غيره أن يدعي لنفسه شيئاً
من ذلك.
وبالرغم من أن الطواغيت على مر العصور والدهور كانوا هم الأداة الشيطانية، التي تعمل بكدِّ وجد لتقويض جهود الأنبياء، والعبث بتعاليم السماء، وتضييع تضحيات الأئمة الأطهار، والأخيار والأبرار، والشهداء في جميع الأعصار.
ولكن الله تعالى قد وعد على لسان أنبيائه ورسله أن يستخلف المستضعفين في الأرض، وأن يكون قائم آل محمد «صلوات الله عليهم أجمعين» هو الذي يحقق الغايات الإلهية، ويقيم الدين.. ويحفظ جهود الأنبياء والأوصياء، ويستثمر دماء الشهداء، وتلقي له الأرض بكنوزها، وتنهمر عليه السماء ببركاتها، ثم تكون للأئمة «عليهم السلام» دولة في رجعتهم قبل يوم القيامة، وليس ذلك لأحد سواهم.
ويريد الله تعالى لأهل الإيمان: أن يعيشوا الشعور بالعزة والكرامة. ويبعد عنهم الذل والمهانة، ولأجل ذلك كان لا بد أن يتجلى معنى الكرامة في بيت النبوة الأقدس، الذي هو محط أنظار الناس، ومهوى
أفئدتهم، ليكون الأمثولة لهم، وليطمئنوا إلى أن صون كراماتهم سيكون من خلال هذا البيت الذي يفترض فيه أن يطبع حياة الناس بطابعه، ويترك فيهم آثار بصماته، وصفاته وسماته.
وأما بيت يزيد، فهو بيت خمور وفجور، وسقوط وهبوط إلى أحط الدرجات، وأسفل الدركات.. فعلى قاعدة الناس على دين ملوكهم، فلا يتوقع منه إلا أن يضفي عليهم مسحة من ذله وخزيه، وفجوره وموبقاته.
ثم إن الله تعالى يريد أن يسوس عباده، وفق نهج قويم، ومسار صحيح وسليم ينقلهم من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الشقاء والبلاء إلى السعادة والهناء.. فكان الحق هو المعتمد والمستند في كل مفردات هذا النهج، لأنه ينبع من متن الواقع، وينسجم مع طبيعة التكوين، وتأنس به الفطرة، ويرضاه العقل. وقد أودع الله هذا الحق قلوب أهل بيت النبوة، وانطق به ألسنتهم.
أما يزيد، المنغمس في الشهوات، فإن قلبه مسكون بحب الشهوات والملذات، ولسانه إنما ينطق بالباطل. وكل إناء بما فيه ينضح.
كان هذا الذي ذكرناه مجرد لمحات تكاد تكون خافتة، بل باهتة عن الصفات والسمات التي أسبغها الإمام الحسين «عليه السلام» على
القادة الكفاة، والسادة الهداة من أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة صلوات الله وسلامه عليهم ..
وقد كان يمكن الاكتفاء بها، عن التعرض للصفات اليزيدية القبيحة عملا بقاعدة: الأمور تعرف بأضدادها .. ولكن الإمام «عليه السلام» أراد أن يصرح أيضاً ولا يلمح ، وأن يقطع الشك باليقين، لكي لا يتعلل متعلل بأن إثبات شيء لشيء لا يعني نفيه عن من عداه. ويجعل من ذلك مدخلاً لخداع السذج والتعمية على الحق، وإنعاش الباطل..
وقد لاحظنا: أن الإمام «عليه السلام» اقتصر على ذكر بضع صفات، مع أنه كان يمكن أن يذكر أضعاف ذلك. ولكنه «عليه السلام» اختار ما يمس حياة الناس، ويهدد مصيرهم ودينهم ودنياهم بصورة مباشرة. فقد ذكر «عليه السلام» ما يلي:
إن من وظائف من يتولى مقام خلافة الرسول هو تزكية مجتمع أهل الإيمان والعمل على إشاعة الالتزام بالأحكام، وتطبيق شرايع ،الإسلام وغرس الفضائل والقيم في النفوس وتقوية الرغبة بالعمل
الصالح، وحب الخير.
ومن يكون في نفسه فاسقاً، فإنه - وإن لم يتظاهر بذلك - لا يتوقع منه أن يهتم بشيء مما ذكر، ولا أن يندفع إلى العمل برغبة، وجدٍ ونشاط في هذا السبيل.
بل قد نجد لدى هذا النوع من الناس عزوفاً عن إشاعة الصلاح، غبة في توريط الناس بالمآثم ،والموبقات والحرص على إشاعة المنكرات.
والفاسق لا يؤمن على أموال الناس فيبادر إلى سرقتها، وإنفاقها في ملذاته، وشهواته وآثامه.
ولا يؤمن على أعراض الناس، فقد يستفيد من سلطة المال والجاه والخدع بالأساليب الشيطانية، لاستجلاب الضعفاء روحياً، وإيقاع أهل الحاجة المادية أو غيرهم في حبائله، كما أنه لن يجد لديه الدافع لضبط حالات الفساد في مجتمع أهل الإيمان.
فكيف.. وأنى يصلح من يكون كذلك لتولي شؤون الأمة، وتزكيتها وسوقها نحو الفضائل الرشيدة، والأخلاق الحميدة؟!
وعلى خليفة رسول «صلى الله عليه وآله» حفظ مصالح العباد، ودفع الأسواء والأعداء عن البلاد والعباد، وصيانة مستقبل الأمة، وعدم تعريضها للأخطار، فلا يكون وجودها ومستقبلها مرهونا بنزواته وأهوائه، وبقراراته الرعناء، بل لا بد من الفكر والتروي، واستنفاد الطاقة في البحث عما يصلح، والنأي بها من مواقع الضرر والخطر ..
ومن يشرب الخمر لا يمكن أن يؤمن على مستقبل الأمة، فقد يتخذ قراراً مهلكا لها في لحظة سكر وضياع ، وتحل الكارثة حينئذ، ولات ساعة مندم. ولا أقل من أنه يقرر قتل خيارها، وصلحائها
وقادتها ،وقدوتها وأئمتها، وأقدس ،وأطهر وأعلم، وأتقى وأنقى، وأفضل من خلقه الله تعالى. لمجرد أنه حاقد عليهم، أو حاسد لهم، أو خائف منهم.
ومن أهم وظائف خليفة النبي والرسول حفظ أمن الناس، وعدم التفريط والتهاون بأرواحهم. وقاتل النفس المحرّمة لن يكون أمينا على أرواح الناس، بل سوف يتخذ من السلطة، ومن الأموال والرجال ذريعة ووسيلة للانتقام والتشفي، والإيغال في الدماء، لأتفه الأسباب فسقه ولاسيما مع ومع ممارسته العملية لهذا الإجرام، الذي عد الله سبحانه ارتكاب مفردة منه في حق نفس واحدة بمثابة قتل الناس جميعاً، قال تعالى: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بغير نفسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً )(1).
ومن مهمات خليفة الرسول والنبي كبح المنكرات، ومحاصرتها، حتى تختفي من المجتمع، وتصير مجهولة غير معروفة له، حتى إذا ظهر منها شيء، فإن الناس ينكرونه، ويتنكرون له.
ويصبح ارتكاب شيء من ذلك من موجبات السقوط، وانحطاط الدرجة، ومن العار الذي لا يرضى أحد لنفسه أن يلحق به..
1) الآية 32 من سورة المائدة.
فإذا كان من يجعل نفسه في موقع الرسول، ويسمي نفسه خليفة له، لا يخجل بفسقه، ولا يراه عاراً، ولا يحسبه من موجبات سقوطه واحتقاره. فإن الناس العاديين - والناس على دين ملوكهم - سوف لا
يقفون عند حد في الانغماس في الآثام. وارتكاب الجرائم، وانتهاك حرمة الإسلام.
وكيف يمكن أن يتوقع من حاكم كهذا أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأن يشيع مكارم الأخلاق في مجتمع أهل الإيمان؟!.
وإذا كان ما يريده يزيد هو أن يأخذ موقع رسول الله «صلى الله عليه وآله»، مدعياً أنه يسير على نهجه، وأنه ملتزم بشرعه. فإن رسول الله «صلى الله عليه وآله» هو الذي حرمه وحرم أمثاله من هذا
المقام حيث قال «صلى الله عليه وآله»: «إن الخلافة محرمة على ولد أبي سفيان فهل من لا يعمل بهذا التحريم، يمكن أن يصدق إذا ادعى: أنه سوف يعمل بكل ما شرعه، ويلتزم بجميع ما قاله الرسول
«صلى الله عليه و آله»؟!.
إن من يغتصب هذا المقام، ويخالف هذا التحريم، سيكون آثماً دائما في كل ما يقوله، ويفعله في موقعه هذا ، حتى لو أصاب الحق في بعض من ذلك. إذ لا يطاع الله من حيث يعصى، وما يلزم من وجوده عدمه محال.
وتقدم أن مروان قال للإمام الحسين «عليه السلام»: بايع لأمير المؤمنين.
فقال «عليه السلام»: كذبت - ويلك - على المؤمنين، من أمره عليهم؟!
فالإمام «عليه السلام» يقول: إنه لا بد من منشأ لإمارة أي إنسان على غیره.
والمالك الحقيقي للعباد هو الله، والمؤدي عنه هو رسوله، ثم أوصياؤه «صلى الله عليه وآله» عنه، ولا يوجد عن الله ولا عن رسوله ما يثبت ليزيد إمارة على أحد من الناس.
وأما المؤمنون، فلو صح القول: بأن لهم الحق في أن يؤمروا أحدا عليهم، فإنهم لم يؤمروا يزيد على أنفسهم، وتأمير الفسقة والفجرة، والجهلة، وأصحاب الأطماع له لا يفيد، إذ ليس لهم أن يفتئتوا على غيرهم من الأبرار الأخيار، والعلماء الأتقياء، ولا أن يتصرفوا في مصيرهم، أو أن يجعلوا وليا أو واليا عليهم، بل العكس هو الصحيح.
والعلماء والأبرار والأتقياء، والأصحاب الأوفياء أولى بهذا المقام لو احتاج الأمر إليهم حين لا يوجد نص عن رسول الله «صلى الله عليه وآله».. فكيف والنص موجود على الإمام الحسين «عليه السلام» بأنه إمام قام أو قعد.
كما أن معاوية نفسه، قد شرط على نفسه أن يكون الأمر للحسين «عليه السلام» من بعده لا ليزيد.. كما أشرنا إليه أكثر من مرة.
وقد حاول مروان أن يوهم الإمام الحسين «عليه السلام»، وأن يدلس عليه الأمر، وادَّعى ما لا حقيقة له.. ولعله لو لم يتصد له الإمام الحسين «عليه السلام» بالتكذيب لجازت هذه الحيلة على بعض الناس. الذين سيجعلون من سكوت الإمام «عليه السلام» - لو سكت - دليلا على صحتها.
فجاء هذا التكذيب الصريح لمروان، بواراً لسعيه، وإبطالاً لكيده.. والله متم نوره ولو كره الكافرون، والمدلسون...
وقالوا:
وأصبح الحسين من الغد، فخرج من منزله ليستمع الأخبار، فإذا هو بمروان بن الحكم قد عارضه في طريقه، فقال: أبا عبد الله ! إني لك ناصح، فأطعني ترشد وتسدد.
فقال الحسين: وما ذلك؟! قل حتى أسمع !.
فقال مروان: أقول إني أمرك ببيعة أمير المؤمنين يزيد، فإنه خير لك في دينك ودنياك.
:قال فاسترجع الحسين وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، وعلى الإسلام السلام، إذ قد بليت الأمة براع مثل يزيد.
ثم أقبل الحسين على مروان، وقال: ويحك! أتأمرني ببيعة يزيد وهو رجل فاسق! لقد قلت شططاً من القول يا عظيم الزلل ! لا ألومك على قولك، لأنك اللعين الذي لعنك رسول الله «صلى الله عليه وآله» وأنت في صلب أبيك الحكم بن أبي العاص فإن من لعنه رسول الله صلى الله عليه وآله لا يمكن له ولا منه إلا أن يدعو إلى بيعة يزيد.
ثم قال: إليك عني يا عدو الله ! فإنا أهل بيت رسول الله «صلى الله
عليه وآله» والحق فينا، وبالحق تنطق ألسنتنا ، وقد سمعت رسول الله «صلى الله عليه وآله» يقول: «الخلافة محرمة على آل أبي سفيان، وعلى الطلقاء أبناء الطلقاء، فإذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطنه».
فوالله لقد رأه أهل المدينة على منبر جدي فلم يفعلوا ما أمروا به، قاتلهم (لعل الصحيح: فابتلاهم) الله بابنه يزيد زاده الله في النار عذاباً..
قال: فغضب مروان بن الحكم من كلام الحسين، ثم قال: والله! لا تفارقني، أو تبايع ليزيد بن معاوية صاغراً، فإنكم آل أبي تراب قد ملئتم كلاماً، وأشربتم بغض آل بني (لعل الصحيح: أبي) سفيان، وحق عليكم أن تبغضوهم، وحق عليهم أن يبغضوكم.
قال: فقال له الحسين: ويلك يا مروان إليك عني، فإنك رجس. وإِنَّا أهل بيت الطهارة الذين أنزل الله عز وجل على نبيه محمد «صلی الله عليه وآله»، فقال: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
وَيُطهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)(1).
قال: فنكس مروان رأسه لا ينطق بشيء.
فقال له الحسين: أبشر يا ابن الزرقاء بكل ما تكره من الرسول «صلى الله عليه وآله» يوم تقدم على ربك، فيسألك جدي عن حقي
1) الآية 33 من سورة الأحزاب.
وحق يزيد.
قال: فمضى مروان مغضباً حتى دخل على الوليد بن عتبة، فخبَّره بما سمع من الحسين بن علي(1).
قال: فعندها كتب الوليد(2)إلى يزيد بن معاوية يخبره بما كان من أهل المدينة، وما كان من ابن الزبير، وأمر السجن(3)، ثم ذكر له بعد ذلك أمر الحسين بن علي: أنه ليس يرى لنا عليه طاعة، ولا بيعة. فر رأيك في أمره. والسلام.
قال: فلما ورد الكتاب على يزيد غضب لذلك غضباً شديداً، وكان إذا غضب انقلبت عيناه فعاد أحول، قال: فكتب إلى الوليد بن عتبة:
من عبد الله يزيد أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة ..
أما بعد، فإذا ورد عليك كتابي هذا فخذ البيعة ثانياً على أهل
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 17 وراجع الملهوف ص 98 ومثير الأحزان ص 14 وبحار الأنوار ج 44 ص 326 وراجع مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 184.
2) في الرواية عن الإمام الصادق «عليه السلام» ذكر عتبة. وقد قلنا: إنه من سهو الراوي فراجع الأمالي للصدوق ص 216 وبحار الأنوار ج 44 ص 312.
3) المراد بأمر السجن ما جرى بعد خروج ابن الزبير إلى مكة، فإن الوليد بن عتبة أخذ أنصار ابن الزبير ومؤيديه، وزج بهم في السجن، ومنهم ابن مطيع، فتجمهر مؤيدوهم وهاجموا السجن، وأخرجوا من فيه..
المدينة بتوكيد منك عليهم، وذر عبد الله بن الزبير فإنه لن يفوتنا، ولن ينجو منا أبداً ما دام حياً، وليكن مع جوابك إلي رأس الحسين بن علي، فإن فعلت ذلك فقد جعلت لك أعنة الخيل، ولك عندي الجائزة، والحظ الأوفر والنعمة واحدة والسلام.
قال: فلما ورد الكتاب على الوليد بن عتبة وقرأه تعاظم ذلك وقال: لا والله لا يراني الله قاتل الحسين بن علي ! وأنا لا أقتل ابن بنت رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ولو أعطاني يزيد الدنيا بحذافيرها(1).
فبلغ ذلك الحسين عليه السلام» فهم بالخروج من أرض الحجاز إلى أرض العراق(2).
ونقول:
لا بأس بملاحظة ما نذكره فيما يلي:
وقد اختصر «عليه السلام» تبعات تولي يزيد للخلافة بقوله لمروان في اليوم الذي حصل فيه الاجتماع في دار الوليد: «..وعلى الإسلام السلام إذ قد بليت الأمة براع مثل يزيد».
فدل بذلك على أن ولاية هذا النوع من الناس للأمور من شأنه أن
يمحق الدين، وأن يتدنى تأثيره وحضوره في حياة الأمة إلى درجة الصفر.
وتلاشي حضور الدين في الحياة معناه: خسران الحياة نفسها، واضمحلال الأمة. وهذا هو الخسران المبين..
وتقدم: أن الحسين «عليه السلام» قد خرج في اليوم التالي لما جرى في دار الوليد - خرج - يستمع الأخبار ..
وقد كان بإمكانه أن يرسل عدداً من شيعته، وأهل بيته ومواليه للقيام بهذه المهمة.
ولكنه « عليه السلام» لم يفعل ذلك، وآثر أن يتابع الأمور بنفسه، فلعل غيره بسبب عدم إحاطته بما جرى ويجري تفوته بعض الأمور، ويغفل عن دلالاتها، أو أنه يؤوّلها بما لا ينسجم مع واقعها، أو يوجب التضليل عن مسارها الطبيعي الذي يجب أن يضعها فيه، وهذا قد تكون له عواقب وخيمة فى مثل هذا الأمر، الحساس والدقيق.
كما أن هذا الحضور الحسيني المباشر يدلنا على أنه لا ينبغي أن يكتفي الإنسان بتسجيل موقفه، أو ممارسة حقه، ثم يدير ظهره ويمضي، بل عليه أن يتابع ردود الأفعال على موقفه، وأن يعرف كيف تلقاه الناس، وما هي نظرتهم إليه، وانطباعهم عنه، فلعل الإعلام الآخر قد شوَّه الحقيقة، ولعله يسوق الأمور باتجاه خطير يحتاج إلى معالجة.. ولعل .. ولعل ..
وتقدم أن الإمام الحسين «عليه السلام» يقول لمروان: إن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قد لعنه، فلا يمكن إلا أن يدعو لبيعة یزید.
فقد يتوهم بعض الناس: أنه «عليه السلام» يلمح إلى الجبر الإلهي، وأنه هو الذي يتحكم في تصرفات مروان.
وهذا كلام باطل، فإن المقصود هو: أن لعن النبي «صلى الله عليه وآله» لمروان يدلنا على أن الله قد أعلم نبيه بأن هذا الرجل سوف يختار سلوك طريق الضلال، وسيكون عنصراً مؤذياً، محارباً الله ولرسوله، وللمؤمنين.. وأين هذا من الجبر الإلهي، الذي لا يصح الاعتقاد به؟!
وقبل أن نمضي في ذكر سائر ما جرى نود لفت النظر إلى أن مروان كان يستحق هذه القسوة من الإمام الحسين «عليه السلام»، فإن حرصه البالغ على سفك دم الإمام الحسين عليه السلام» يدل على سقوطه المريع، وعلى مدى ،نذالته، وحقده، ولؤمه، وأنه لا يملك ذرة من الشهامة والوفاء، فإن الحسين «عليه السلام» ومعه أخوه الإمام الحسن «عليه السلام» هما اللذان شفعا فيه لدى أبيهما في حرب الجمل، ونجا بذلك من الخطر الذي كان يواجهه.
قالوا:
وخرج الحسين بن علي من منزله ذات ليلة وأتى إلى قبر جده «صلى الله عليه وآله»، فقال: السلام عليك يا رسول الله ! أنا الحسين بن فاطمة أنا فرخك وابن فرختك، وسبطك في الخلف الذي خلفت على أمتك، فاشهد عليهم يا نبي الله أنهم قد خذلوني، وضيعوني، وأنهم لم يحفظوني، وهذا شكواي إليك حتى ألقاك «صلى الله عليك»(1).
ثم وثب قائماً، وصف قدميه، ولم يزل راكعاً وساجداً .
قال: وأرسل الوليد بن عتبة إلى منزل الحسين لينظر: أخرج من المدينة أم لا، فلم يصبه في منزله، فقال: الحمد لله الذي لم يطالبني الله عز وجل بدمه وظن أنه خرج من المدينة(2).
قال: ورجع الحسين إلى منزله مع الصبح ، فلما كانت الليلة الثانية خرج إلى القبر أيضاً فصلى ركعتين ركعات]، فلما فرغ من صلاته جعل يقول: اللهم إن هذا قبر نبيك محمد، وأنا ابن بنت محمد، وقد حضرني من الأمر ما قد علمت ، اللهم وإني أحب المعروف وأكره المنكر.
وأنا أسألك يا ذا الجلال والاكرام بحق هذا القبر ومن فيه (إلا) ما اخترت من أمري هذا ما هو لك ،رضى، ولرسولك رضى، وللمؤمنين رضی(1).
لكن نصاً آخر يقول: فلما أقبل الليل راح إلى مسجد النبي «صلى الله عليه وآله» ليودع القبر، فلما وصل إلى القبر سطع له نور من القبر، فعاد إلى موضعه.
فلما كانت الليلة الثانية راح ليودع القبر، فقام يصلي فأطال، فنعس وهو ساجد، فجاءه النبي «صلى الله عليه وآله» وهو في منامه. ثم ذكر ملخصاً عن النص التالي(2). قال ابن أعثم في الفتوح: ثم جعل الحسين يبكي، حتى إذا كان في بياض الصبح وضع رأسه على القبر فأغفى ساعة، فرأى النبي
«صلى الله عليه وآله» قد أقبل في كبكبة من الملائكة، عن یمینه، وعن شماله ومن بين يديه ومن خلفه، حتى ضم الحسين إلى صدره وقبل بين عينيه وقال: يا بني ! يا حسين كأنك عن قريب أراك مقتولاً مذبوحاً بأرض كرب وبلاء من عصابة من أمتي، وأنت في ذلك عطشان لا تسقى، وظمآن لا تروى وهم مع ذلك يرجون شفاعتي.
ما لهم لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة! فما لهم عند الله من خلاق حبيبي يا حسين إن أباك وأمك وأخاك قد قدموا علي، وهم إليك مشتاقون، وإن لك في الجنة درجات (وعند ابن مخنف: درجة مغشاة
بنور الله) لن تنالها إلا بالشهادة.
قال: فجعل الحسين ينظر في منامه إلى جده «صلى الله عليه» ویسمع كلامه وهو يقول: يا جداه! لا حاجة لي في الرجوع إلى الدنيا أبداً ، فخذني إليك، واجعلني معك إلى منزلك.
فقال له النبي «صلى الله عليه وآله»: يا حسين! إنه لا بد لك من الرجوع إلى الدنيا حتى ترزق الشهادة وما كتب الله لك فيها من الثواب العظيم، فإنك وأباك، وأخاك، وعمك، وعم أبيك تحشرون يوم القيامة في زمرة واحدة حتى تدخلوا الجنة.
قال: فانتبه الحسين من نومه فزعاً مذعوراً ، فقص رؤياه على أهل بيته وبني عبد المطلب، فلم يكن ذلك اليوم في شرق ولا غرب أشد غما من أهل بيت الرسول «صلى الله عليه وآله»، ولا أكثر منه
باكيا وباكية(1).
وتهيأ الحسين بن علي وعزم على الخروج من المدينة، ومضى
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 18 و 19 وبحار الأنوار ج 44 ص 328 عن محمد بن أبي طالب، والعوالم ج 17 ص 177 و 178 ولواعج الأشجان ص 28 وراجع مناقب آل أبي طالب ج 4 ص88 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 186.
في جوف الليل إلى قبر أمه فصلى عند قبرها وودعها.
قام عن قبرها، وصار إلى قبر أخيه الحسن ففعل مثل ذلك، ثم رجع إلى منزله وقت الصبح(1).
وعند أبي مخنف: أنه لما خرج «عليه السلام» من المدينة أتى قبر رسول الله «صلى الله عليه وآله» فالتزمه وبكى بكاء شديداً وسلم عليه وقال: «بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد خرجت من جوارك كرها، وفرّق بيني وبينك، وأخذت قهراً أن أبايع يزيد، شارب الخمور، وراكب الفجور، فإن فعلت كفرت، وإن أبيت قتلت، فها أنا خارج من جوارك كرها، فعليك منّي السلام يا رسول الله».
ثم نام ساعة، فرأى في منامه رسول الله ، وقد وقف به وسلم عليه، وقال: يا بني قد لحق بي أبوك وأمك وأخوك الخ..(2).
ونقول:
لاحظ ما يلي:
قد يقال: إن كلمة «ذات ليلة» تشير إلى أن الحسين «عليه السلام» قد بقي بعد ما جرى في دار الوليد عدة ليال في المدينة.
وهذا يضع علامة استفهام حول صحة ما يقال، من أنه «عليه السلام» قد خرج بعد ليلتين أو ثلاث.
يلاحظ أن الحسين «عليه السلام» قد خاطب جده بقوله: «أنا الحسين بن فاطمة أنا فرخك، وابن فرختك إلخ..» فلماذا لم ينسب نفسه إلى أبيه علي عليه السلام»؟!
ويمكن أن يجاب:
بأن الإمام «عليه السلام» إذا أراد أن يناجي جده الرسول، أو أن يشكو له ضراً ، أو أمراً بعينه، فإنه يخاطبه بنفس الأسلوب والطريقة ونفس الحالات التي يناجيه بها الآخرون، حيث يقدمون في مناجاتهم، وبين يدي حاجاتهم الوسائل التي يرون أنها تقربهم إلى مقاصدهم.
كما أنه «عليه السلام» يريد أن يذكّر الناس بأنه الوحيد المتبقي من سلالة الأنبياء، وإذا كان نبينا «صلى الله عليه وآله» خاتم الأنبياء، فذلک يعني: أنه الأولى بالنبي «صلى الله عليه وآله» من كل أحد، لاسيما وأنه هو الذي رباه، وهو الأعرف بنهجه، والأقرب إلى روحياته وأخلاقه، والأشد اهتماماً والتزاماً بشرعه..
تقدم أنه «عليه السلام» يقول عن نفسه - حسب رواية ابن أعثم -: «وسبطك في الخلف الذي خلفت على أمتك».
لكن في رواية بحار الأنوار عن محمد بن أبي طالب أنه قال:
«وسبطك الذي خلفتني في أمتك»(1).
ونلاحظ:
1 - أن العبارة الأخيرة لا تخلو من الدلالة على ثلاثة أمور:
أحدها: أنه « عليه السلام قد نسب نفسه إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» وأنه سبطه.
الثاني: نسب إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله»: أنه هو الذي خلّفه.
الثالث: أنه قد خلفه في الأمة، لا في خصوص جماعة خاصة، كأهله، أو عشيرته، ونحو ذلك مما يعني أنه جعل له مقاماً ومنصباً له مساس بالأمة كلها.
وربما يكون الحديث عن كونه السبط الذي جعل النبي له هذا المقام، وأسند إليه هذه المهمة في الأمة للإشارة إلى أن سبطيته هذه كان لها أثر في حصول هذا التخليف له «عليه السلام» في الأمة.. فإنه صلى الله عليه وآله هو الذي ربى سبطه هذا، وورثه من صفاته، وخلقه بأخلاقه.
2 - بالنسبة للفقرة الأولى نقول:
هي أصرح وأوضح دلالة على هذه المعاني، فقد ألمحت إلى أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد خلف أكثر من شخص. حيث تقول:
1) بحار الأنوار ج 44 ص 327.
«وسبطك في الخلف الذي خلفت».
3 - إن في الخلف الذي خلفه النبي فيهم من هو سبط للنبي «صلى الله عليه وآله» كالإمامين الحسن والحسين «عليهما السلام»، وفيهم من ليس سبطا له مثل علي عليه السلام»..
4 - إنه إنما خلفه على الأمة. مما يعني أنه قد جعل له مقاماً فيه هيمنة، وحاكمية، وقرار وتصرف..
5 - إن هذه الهيمنة والحاكمية والتصرف إنما كانت على الأمة بأسرها، لا على فريق دون فريق، وهذا هو معنى الإمامة والخلافة، التي صرح بها رسول الله «صلى الله عليه وآله» للحسنين «عليهما السلام» بقوله : «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا». وأحاديث أخرى تحمل هذا المعنى.
وبعد التوطئة المتقدمة نراه «عليه السلام» يطلب من جده أن يشهد على الأمة فيما فعلته معه «عليه السلام»، والشهادة إنما تكون نتيجة الحضور والمعاينة والمشاهدة المباشرة لما يجري، وإدراكه من موقع الالتفات والوعي التام مع أنه «صلى الله عليه وآله» قد مات قبل خمسين سنة، فيعلم من ذلك: أن موته لا يعني انقطاعه التام عن حياة الأمة، بل تبقى له صلات بها، وإشراف ومشاهدة لها، ومتابعة مباشرة لمسيرتها.. وهو يعني أن له حياة وحضوراً، وتصرفا متواصلاً في أمته.
ولكنه إشراف من ضمير الغيب المحجوب عنا، ولا سبيل لنا إليه، ولا يمكننا الاتصال به ولا الاطلاع عليه. وليس هذا بالأمر المستهجن، فقد صرح القرآن بشاهدية نبينا «صلى الله عليه وآله» على من سبقه من الأنبياء، مع أنه قد ولد بعد زمانهم، قال تعالى: (فكَيْفَ إِذا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا)(1).
إن الصفة التي خاطب بها «عليه السلام» جده، حين تحدث عن شاهديته «صلى الله عليه وآله» هي صفة النبوة، لا صفة الرسولية. لأن الرسولية التي تعني تبليغ الناس دين الله وشرائعه قد انقطعت بموته، ومقام الشاهدية إنما يثبت له «صلى الله عليه وآله» بما هو نبي، يتلقى من الله بواسطة الوحي ما يريد الله تعالى إبلاغه إياه، ولا ينحصر وحي النبوة بالأحكام والشرايع وحقائق الدين التي يراد إبلاغها للناس إذ المفروض أنه «صلى الله عليه وآله» قد أنجز هذه المهمة في حال حياته على أتم وجه..
وبذلك نعرف: السبب الذي دعا الإمام الحسين «عليه السلام» إلى مخاطبة النبي «صلى الله عليه وآله» حين جاء إلى قبره بقوله: «السلام عليك يا رسول الله : أنا الحسين بن فاطمة إلخ..». ثم بعد أن
أتم شكواه، خاطبه بقوله: «فاشهد عليهم يا نبي الله».
1) الآية 41 من سورة النساء.
فكأنه «عليه السلام» حين جاء إلى القبر أراد أن يقول لجده: إن الذين أرسلك الله إليهم، فبلغتهم أحكامه وشرائعه وعرفتهم حقائق دينه، وأخرجتهم من الظلمات إلى النور - إن هؤلاء - قد فعلوا بعدك ما من شأنه أن يضيع جهودك، ويدخل الشبهات على الدين الذي بلغتهم إياه..
وأنت الآن، وإن انتهت مهمتك كرسول، لأنك أبلغتهم كل ما أمرك الله بإبلاغه، ولكن موتك لا يعني انتهاء علاقتك بأمتك، بل تبقى لك بها علاقة الشاهدية عليها، من موقعك الغيبي، الذي اقتضته نبوتك
الخاتمة.
وهذا هو الذي اقتضى أن يذكره «عليه السلام» بصفة النبوة حين تحدث عن شاهديته بعد موته «صلى الله عليه وآله».
وقد يقول قائل: تضمنت شكوى الحسين «عليه السلام» لجده قوله: «إنهم قد خذلوني، وضيعوني، وإنهم لم يحفظوني». مع أن خبر موت معاوية قد وصل للمدينة للتو، ولم يطلب «عليه السلام» من الناس بعد أن ينصروه، ويحفظوه، ليقال : إنهم خذلوه، كما أنه لم تحصل بينه وبين أحد من الناس حرب، ولا احتاج إلى نصر أحد، وإلى حفظه..
بل لعل أكثر أهل المدينة لم يعرفوا بعد بموت معاوية.. والذين جاء بهم من أهل بيته وأنصاره وشيعته إلى دار الوليد لم يخذلوه، بل
عملوا بما أمرهم به.. فكيف نفسر شكواه هذه «عليه السلام»؟!
ونجيب:
بأنه «عليه السلام» يرمي في كلامه هذا إلى الإشارة إلى ما جرى في سنة ست وخمسين للهجرة، حين قدم معاوية المدينة بهدف أخذ البيعة ليزيد بولاية العهد، وكان يحاول أن يحمل الحسين «عليه السلام» على قبول ذلك، فلم يفلح، إلى أن احتال على الناس بأن هدد الحسين وتوعده، وجعل على رأسه «عليه السلام» رجلين بسيفيهما، وأمرهما أن إذا أراد أثناء خطبة معاوية أن يرد عليه بتصديق أو
بتكذيب، فليضرباه ..بسيفهما ..
ثم خطب معاوية وزعم للناس - كذباً وزوراً-: أن الحسين، وابن الزبير، وابن عمر، وابن أبي بكر قد بايعوا ليزيد ثم ركب راحلته وانصرف إلى المدينة فبايعه أهلها وانصرف إلى الشام.
وهذا ما أشار إليه الإمام «عليه السلام» حين قابل في الطريق مروان في اليوم الذي تلا الاجتماع بالوليد بن عتبة، فقد ذكر له أن خذلان الناس له، وتضييعهم إياه قد حصل حين قدم معاوية المدينة لتولية يزيد، وخطب فيها على منبر رسول الله «صلى الله عليه وآله». ولم يعترض عليه ولا تعرض له أحد بسوء، مع أن النبي «صلى الله عليه وآله» قد قال لأهل المدينة وغيرهم أن إذا رأوا معاوية على منبره أن يبقروا بطنه بالسيف فلما لم يفعلوا ما أمرهم به رسول الله «صلى الله عليه وآله»
تمكن معاوية من تنفيذ ما أراد بعد أن مارس التهديد المشفوع بمباشرة التنفيذ. الذي لو حصل، لضاع دم الإمام الحسين «عليه السلام»، لأن معاوية سوف يأخذ ذينك الرجلين ويقتلهما قصاصاً بزعمه، ويكون بذلك قد أظهر نفسه بصورة الشخص العادل والمنصف، والمحب للرسول، ولأهل بيته، وسيقيم العزاء العظيم للحسين «عليه السلام».
فتخاذل الناس وإحجامهم عن قتل معاوية حين رأوه على منبر الرسول كان خذلاناً وتضييعاً للحسين «عليه السلام»..
وتقدم: أن الإمام الحسين «عليه السلام» طلب من ربه أن يختار له من أمره ما هو له رضی، ولرسوله رضی، وللمؤمنين رضى(1)مع أن ما يرضي الله يرضي الرسول والمؤمنين، فكان ذكر رضى الله يغني عن ذكرهما.
ويمكن أن يجاب:
أولاً: بأن هذا الكلام، وإن كان صحيحاً في نفسه، ولكن في هذا التصريح العديد من الفوائد والعوائد فإن المطلوب هو أن تكون العلاقة بالله تعالى من خلال الرسول .. فإن بعض الناس قد يتوهم أن
1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 186 وراجع: بحار الأنوار ج 44 ص 328.
على الإنسان أن يقيم علاقته بالله ويطلب منه مباشرة، ولا يوسط أحداً حتى الرسول.
مع أن الرسول هو الصلة بين الله وبين عباده، وقد قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيمًا)(1). ولأجل ذلك قال «عليه السلام»
هنا: «ولرسولك رضى» ولم يقل: «لنبيك»..
ثانياً: بالنسبة لمطلوبية رضى المؤمنين، كما ورد في كلامه «عليه السلام»، فإن الخيارات قد تكون ذات مراتب، فبعضها يرضي الله تعالى، لكن بعضها يكون أرضى له من البعض الآخر، فمثلاً الصدقة بشق تمرة سراً، أو ليلا تطفئ غضب الرب، لكن تصدق الإنسان بما يغني الفقير يكون أعظم أثراً من الصدقة باليسير.
كما أن الإيثار على النفس يكون أرضى الله من هذا وذاك.
وفيما يطلبه الإمام الحسين «عليه السلام» قد تكون الخيارات متنوعة أيضاً ، فلعل بعضها يكون الإمام الحسين عليه السلام» هو الذي يتحمل أعباءه، ومشاقه وآلامه، ويكون ذلك محققا للأهداف، وموصلاً للغايات التي يرضاها الله ورسوله والمؤمنون..
وفي بعضها الآخر يكون للمؤمنين مساهمة فيه، ومسؤولية، وبذل جهد ،وتضحيات، وتحمل ،آلام ومعاناة وغموم وهموم، وصعوبات
1) الآية 64 من سورة النساء.
ومشقات، وتعرض لأخطار الفشل، والزلل، والمخالفة، وللإغواءات والإغراءات الشيطانية.
وقد يكون الخيار هو إنجاز المهمة بالمعجزة الإلهية مثلا، فالإمام «عليه السلام» يريد من الله تعالى أن يختار له ما يحقق الهدف، ويرضي رسول الله «صلى الله عليه وآله»، والمؤمنين.
وما يرضي المؤمنين هو ما يوصل إلى الغايات، ويحقق الأهداف الإلهية على أتم وجه مع رعاية المصالح لعموم البشر إلى يوم القيامة..
وقد ذكر «عليه السلام»: أن النبي «صلى الله عليه وآله» حين جاء إلى الحسين «عليه السلام» في المنام أخبره بأنه مقتول بأرض كرب وبلاء، وبأن قتلته يقعون في تناقض فاضح، فإنهم يقتلون ولده،
ويرجون شفاعته.
وهذا من الدلائل على زيغ قلوبهم، والخذلان الإلهي، والتزيين الشيطاني لهم بتصوير ضلالهم على أنه هدى، وجرائمهم على أنها إحسان، فكانوا مصداقاً لقوله تعالى: (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)(1).
1) الآية 104 من سورة الكهف.
وقوله تعالى: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ قُرَآهُ حَسَنَا)(1).
وقال سبحانه: (فلما رَاعُوا أَرَاعُ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ)(2).
وقال: (وَزَيّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدِّهُمْ عَن السَّبِيل)(3).
إن هذه الرؤيا قد جاءت لتكون هي الجواب على ما طلب، وهي الخيار الذي أبلغه الله إياه، ودله على حضور وقت المباشرة، والشروع فيه، ويستطيع «عليه السلام» أن يبلغه الناس، ليختاروا موقعهم في هذه المسيرة الواضحة في نتائجها وفي مآلها. فلا يدعي أحد أنه قد خدع، أو أخذ على حين غرة، أو لم يكن على علم بالمآل ولا ظن أن الأمر سينتهي إلى قتل الرجال، وحتى النساء والأطفال، وسبي العيال..
وهذه هي سيرة الأنبياء والأوصياء، فإنهم أبعد الناس عن التغرير بالناس، ولا يقدمون إلا على ما يكون في وضوحه كالنار على المنار، وكالشمس في رائعة النهار.
إنه «عليه السلام» يخبر الناس بشهادته، ويفسح لهم المجال في أن يتخذوا هم القرار، وأن يختاروا ويحددوا المستقبل الذي يريدونه لأنفسهم. وهذا ما عبرت عنه رسالته للناس حين أزمع المسير إلى
كربلاء، والتي جاء فيها:
«من لحق بنا استشهد، ومن تخلف عنا لم يدرك الفتح»(1).
ونوّه به في خطبته حين توجه من مكة إلى العراق، حيث قال: «كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء الخ ..»(2).
وقوله لأخيه محمد ابن الحنفية: إن النبي «صلى الله عليه وآله» قال له: «إن الله قد شاء أن يراك قتيلاً.
1) بصائر الدرجات ص 481 و (ط الأعلمي) ص 502 وكامل الزيارات ص 157 ومختصر بصائر الدرجات ص 6 ودلائل الامامة ص188 ونوادر المعجزات ص 109 و 110 والخرائج والجرائح ج 2 ص 771 والمحتضر للحلي ص 82 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص76 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 230 وذوب النضار ص 29 ومثير الأحزان ص 27 ومدينة المعاجز ج 3 ص 461 وبحار الأنوار ج 42 ص 81 وج 44 ص 330 و ج 45 ص 85 و 87 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 155 و 179 و 317 و 318 ولواعج الأشجان ص 256 ومستدرك سفينة البحار ج9 ص 46 وأعيان الشيعة ج 1 ص 620 والدر النظيم ص532 والملهوف ص 41.
2) (1العوالم الإمام الحسين ج17 ص216 و 217 وشجرة طوبى ج2 ص 213 ولواعج الأشجان ص 70 ونزهة الناظر ص86 ومثير الأحزان ص 29 والملهوف ص 38 وأبصار العين في أنصار الحسين ص27 والمجالس الفاخرة للسيد شرف الدين ص105 و 207 ذوب النضار ص30 وكشف الغمة ج 2 ص 239 وبحار الأنوار ج 44 ص 367 وأعيان الشيعة ج 1 ص 593 ومعالي السبطين ج 1 ص 250.
فسأله عن حمله النساء، فقال: إن الله قد شاء أن يراهن سبايا»(1).
والسؤال البديهي هنا هو: كيف يمكن أن يندفع الناس لنصرته، وهو يخبرهم بأنه مقتول ؟!
ويمكن أن يجاب:
بأن إخباره «عليه السلام» إياهم باستشهاده هو في الواقع إخبار بأمرين:
أولهما: الإخبار عن خذلانهم إياه، وتخليهم عنه كما هو ظاهر أحوالهم، وكما ظهر له في لوح المحو والإثبات.. فعليهم أن يتحملوا مسؤولية ذلك أمام الله يوم القيامة.. فإذا قرروا نصرته، فإن الله - وفق قانون البداء - لا بد أن يظهر نصرتهم هذه ، وأن يتغير ما في لوح المحو والإثبات من خذلان إلى نصر.
الثاني: إنه «عليه السلام» يقول لهم: إنه لم يكن مخدوعاً ولا مغفلاً، ولم يفاجأ بما حصل سنة ست وخمسين، وما سيأتي كما
1) الملهوف ص 40 وبحار الأنوار ج 44 ص 364 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 214 وينابيع المودة ج 3 ص 60 ولواعج الأشجان ص 72 - 73 و 254 وأعيان الشيعة ج 1 ص 593 و 619 والمجالس الفاخرة ص208 وراجع مدينة المعاجز ج 4 ص 61 ومختصر بصائر الدرجات ص 132 والمحتضر للحلي ص 82 ومعالي السبطين ج 1 ص 251.
سنوضحه حين ذكر خطبته عليه السلام حين عزم على التوجه من مكة إلى العراق، والتي أولها «خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة الخ..».
وسنوضح: أنه «عليه السلام» قد أخبر عن استشهاده قبل أن يكاتبه أهل الكوفة، في المسير إليهم..
وإنه حتى لو أخبر «عليه السلام» الناس بنتائج تحركه، فإن ذلك لا يسوغ لهم سكوتهم عن يزيد وتمكينه من رقاب المسلمين، والانقياد والبيعة له كما سنرى..
وقد يتوهم متوهم: أن الرؤيا المتقدمة تضمنت تناقضاً في موقف الحسين «عليه السلام» فإن المفروض أن النبي «صلى الله عليه وآله» أخبره في رؤياه أنه يستشهد في أرض كربلاء، وهو عطشان، وأن له درجة في الجنة لا تنال إلا بالشهادة..
وكان الحسين «عليه السلام» يسمع من النبي، ومن علي الخبر تلو الخبر عن استشهاده، وقد أخبر هو نفسه عن هذا الإستشهاد منذ أيام طفولته في عهد رسول الله «صلى الله عليه وآله»..
فما معنى أن يصر على جده في هذه الرؤيا بالذات بأن يأخذه
إليه، وأنه لا حاجة له في الرجوع إلى الدنيا أبداً؟! فكيف نفسر ذلك؟!
ونجيب:
أولاً: لعله حين سمع من جده أن أباه وأمه، وأخاه مشتاقون إليه
قد رأى أن ما أخبره به النبي «صلى الله عليه وآله» عن شوقهم إليه له وجهان:
أحدهما: أن يكون المراد مجرد إخباره بشوق يراد تلبية ما يقتضيه من الإسراع للحاق بهم من خلال الشهادة.
الثاني: أن يكون المقصود هو الإعلام بأن البداء قد حصل في أمر الشهادة ، وأنها لم تعد حتمية وأنه أصبح بالخيار بين أن يرجع إلى الدنيا، ويعيش فيها ويموت، وبين أن يلبي رغبة أبيه وأخيه بأن يكون
معهم.
فأراد «عليه السلام» أن يستوضح عن أن أي الوجهين هو المقصود.. فجاء الجواب الذي أفاد أن الوجه الأول هو المقصود..
وبذلك يظهر: أن طلبه البقاء مع جده ليس زهداً بمقام الاستشهاد ولا رهبة من الآلام والأهوال التي تصاحبها، بل هو يريد اللحاق به من خلال الشهادة، لأن للشهادة مساساً بمصالح العباد، وأثراً في حفظ الدين، فلا يعود الأمر فيها إليه إلا بمقدار اختيار الطاعة والمبادرة إليها، حين يصبح الأمر حتمياً.
وربما كان المقصود من طرح الموضوع بالطريقة التي أظهرتها الرؤيا هو إظهار مدى زهد الإمام «عليه السلام» بهذه الدنيا، وأنها لا تساوي عنده جناح بعوضة، وأن قتله ليس سوى التسبب بخسارة
الأمة له، ولا يوجب له هو أية خسارة ، بل هو رابح على كل حال..
وقد دل قوله لجده «صلوات الله عليهما وآلهما»: «فخذني إليك، واجعلني معك إلى منزلك»: على أن هذا الأمر في دائرة قدرته، وصلاحياته «صلى الله عليه وآله». ولو من خلال الطلب من الله تبارك وتعالى..
وإذا كان الله تعالى يوكل ملكاً من الملائكة بقبض الأرواح، ويأذن لعيسى بأن يحيي الموتى، فلماذا لا يأذن لنبيه الأعظم بهذا أو ذاك حين قتضي المصلحة ذلك؟!.
وتقدم عن أبي مخنف أن الدرجة التي لا ينالها «عليه السلام» إلا بالشهادة مغشاة بنور الله ، وهذا يدل على أمرين:
أولهما: الإلماح إلى جلال وعظمة هذه الدرجة ..
الثاني: إنه تعالى قد غشاها وحجبها عن أعين الناظرين ربما ليدل على أن أوهامهم لا تبلغ مداها ، ولا يمكنهم إدراك عظمتها وجلالها، ويعجزون عن استكناه حالها والاحاطة بأحوالها وأطوارها. فإبقاؤها لغزاً غامضاً تتحير به عقولهم، وتتيه فيه أوهامهم، يزيدهم اجلالاً ،وتعظيماً، واكراماً، وتفخيماً لمن رصدت تلك الدرجة له.
واللافت: أن الرواية المتقدمة أضافت الحديث الرؤيا المتقدمة عبارة:
«فانتبه الحسين من نومه فزعاً مذعوراً».
وذكرت أنه «عليه السلام» «قص رؤياه على أهل بيته، وبني عبد المطلب، فلم يكن ذلك اليوم في شرق ولا غرب أشد غماً من أهل بيت الرسول «صلى الله عليه وآله»، ولا أكثر باكيا وباكية».
ونحن نشك في صحة نسبة الفزع والذعر إلى الإمام الحسين «عليه السلام»:
وذلك لأن الذي سمعه الحسين «عليه السلام» من جده في الرؤيا لا يعدو كونه بشارة له «عليه السلام» بالشهادة التي له بها درجة في الجنة مغشاة بنور الله.
وهذا من موجبات سروره وابتهاجه «عليه السلام»، وقد كان «عليه السلام» يخبر عن هذه الشهادة منذ طفولته ويترقبها، فمن أي شيء يفزع !! فإن كان الموت هو الذي أفزعه وذعره، فإن هذا يجعل غير الإمام أربط جاشاً من الإمام «عليه السلام»، فقد رووا أنه «عليه السلام» سأل القاسم بن الحسن، فقال يا ابن أخي كيف الموت عندك؟!
فقال يا عم: أحلى من العسل(1).
وكان العباس «عليه السلام» يرتجز ويقول
لا أرهب الموت إذا الموت *** حتى أوارى بالمصاليت لقا
1) راجع الهداية الكبرى ص 204 ومدينة المعاجز ج 4 ص 214.
وهناك شواهد كثيرة يمكن حشدها للتأكيد على هذا المعنى. فهل كان القاسم بن الحسن والعباس، ومن سار على هذا النهج أشجع وأربط جاشا من الإمام الحسين «عليه السلام»؟!
إن هذا غير معقول! ولا مقبول ! إلا أن يكون المراد بالفزع الحذر والخشية من عظم المسؤولية، فهو يشبه قوله «صلى الله عليه وآله»: «شيبتني سورة هود» في إشارة منه إلى قوله تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أمرت)(1). كما ذكره بعض الإخوة الأفاضل.
أما فيما يرتبط ببكاء أهل بيت الرسول، وما انتابهم من غم وأذى لفراق الإمام الحسين «عليه السلام» لهم، ولاسيما بهذا النحو الذي رسمته الرؤيا، وما سبقها من إخبارات عن النبي صلى الله عليه وآله وعلي «عليه السلام» بتفاصيل ما يجري على الحسين، وأهل بيته وأصحابه، فذلك أمر طبيعي، وليس فيه أي إشكال، كما سنوضحه إن شاء الله.
وتقدم في رواية أبي مخنف تصريحه «عليه السلام» بقوله: أخذت قهراً أن أبايع يزيد شارب الخمور، وراكب الفجور، فإن فعلت کفرت، وإن أبيت قتلت».
ثم يذكر «عليه السلام»: أن هذا الأمر قد اضطره للخروج من جوار
1) الآية 112 من سورة هود.
رسول الله «صلى الله عليه وآله».
ولعل سبب الحكم بالكفر، إن هو بايع «عليه السلام»: أن هذه البيعة سوف تكون سبباً في أن يرى الناس على مر العصور والدهور، أن حكومة الفاجر، والظالم والقاتل، والمعلن بالفسق، وشارب الخمر ، ومن هو على شاكلة يزيد «لعنه الله» أمر يرضاه الله، ورسوله، وهو جزء من الدين، ولا تأباه أحكام الشرع.
فتكون هذه البيعة من أسباب تضييع شرع الله، وتحريف دينه، والعبث بأحكامه، وتغيير وجهتها، ويصبح الباطل شرعاً، والفجور دينا.
وأمر كهذا لا يمكن للحسين ( عليه السلام» أن يقدم عليه، وهو ليس فقط يكون من مفردات الكفر، بل هو من أعظم الكفر ضرراً، وأشده خطراً.
وهذا يذكرنا بموقف أبيه أمير المؤمنين «عليه السلام» مع معاوية، فقد قال «عليه السلام»: لقد ضربت أنف هذا الأمر وعينه، وقلبت ظهره وبطنه، فلم أر لي إلا القتال أو الكفر بما جاء به محمد «صلى الله عليه وآله» الخ . . »(1).
1) راجع نهج البلاغة (بشرح عبده) (ط مطبعة الإستقامة بمصر) ج1 ص 90.
1 - وإذا كان في الناس من ينكر التوسل، ويعتبره شركاً، ويستحل دم من يتوسل، ولا يرى له حرمة، بالرغم من أن المجاميع الحديثية والتاريخية للمسلمين حافلة بالنصوص الدالة على مشروعية التوسل .. ولا يقتصر الأمر على مؤلفات فريق بعينه، بل هو ينسحب على سائر المؤلفات المعتمدة لدى أهل الإسلام، على اختلاف مذاهبهم، ومشاربهم..
وهذا النص المروي في كتب السنة، مثل الفتوح لابن أعثم، ومقتل الحسين لأخطب خوارزم هو أحد النصوص التي تؤكد صحة التوسل، وجوازه، فهو يقول : إن الإمام الحسين «عليه السلام» قال حين زار قبر جده «وأنا أسألك - يا ذا الجلال والإكرام - بحق هذا القبر ومن فيه، إلا ما اخترت من أمري هذا ما هو لك رضا، ولرسولك رضى، وللمؤمنين رضى».
فلا يصغى إلى قول أبي بكر الكاشاني: يكره للرجل أن يقول في دعائه: أسألك بحق أنبيائك ورسلك، وبحق ،فلان، لأنه لا حق لأحد على الله
سبحانه»(1).
2 - إن هذا النص الذي نحن بصدده قد قرن بين أمرين، قد يقال: إنهما غير متجانسين وهما: التوسل بالنبي الأعظم والأكرم «صلى الله عليه وآله»، والتوسل بالقبر . فكيف نفهم ذلك وهل يمكن أن يكون للقبر حقاً على الله كما أن للنبي حقا عليه سبحانه؟!
وكيف نعالج قول أبي بكر الكاشاني وغيره: إنه ليس لأحد حق على الله، حتى النبي الأعظم «صلى الله عليه وآله»؟!
ونجيب:
أولاً: إن قولك في الدعاء بحق النبي «صلى الله عليه وآله»، أو بحق علي «عليه السلام» ليس معناه أن النبي «صلى الله عليه وآله» متفضل على الله، وأن له يداً عنده، كما هو حق الخالق على المخلوق
أو الوالد على ولده..
بل معناه: ما يكون من قبيل حق الولد على الوالد، وحق العبد على ربه وحق المطيع على المطاع، وحق الشاة على مالكها. وهي الحقوق التي جعلها الله للولد، وفرضها على الوالد، مثل تحسین اسمه، وتفقيهه في الدين، وتعليمه القرآن الخ..
ثانياً: ويدل على ثبوت هذه الحقوق ما ورد في رسالة الحقوق للإمام السجاد «عليه السلام»، فقد قال: «فأما حق الله الأكبر، فأنك (فأن) تعبده لا تشرك به شيئا، فإن فعلت ذلك بإخلاص جعل لك على
1) بدائع الصنائع ج 5 ص 126.
نفسه أن يكفيك أمر الدنيا والآخرة، ويحفظ لك ما تحب منهما(1).
ثالثاً: بالنسبة للمراد من حق قبر النبي «صلى الله عليه وآله» ما جعله الله تعالى لقبره ولقبور الأنبياء والأوصياء من ميزات وخصائص، مثل لزوم تعظيم قبورهم، واستحباب البناء عليها وتعميرها وتعاهدها وإعطاء المثوبة من الله تعالى على ذلك.
بل ورد ما يدل على تغليظ اليمين عند القبر الشريف، فقد قال: العباس للذين عجزوا عن تخليص خالد من يد علي فحلفوه بحق القبر لما كففت فحلفوه بالقبر فتركه(2).
وفى نص آخر: أن العباس أقسم عليه بحق القبر ومن فيه، وبحق
1) الخصال ص 566 ومن لا يحضره الفقيه ج 2 ص 618 وتحف العقول ص 256 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 15 ص 172) و (الإسلامية) ج 11 ص 132 ومستدرك الوسائل ج 11 ص 155 ومكارم الأخلاق ص419 وبحار الأنوار ج 71 ص 3 و 11 ونور الثقلين (تفسير) ج 4 ص 199 وكنز الدقائق (تفسير) ج 10 ص 240 والجامع للشرايع ص 625 والوافي ج 5 ص 713 ومكارم الأخلاق للطبرسي ص 419 وشرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ص 21.
2) كتاب سلیم بن قیس ج 2 ص 871 - 873 و (ط 1 سنة 1422هـ ق) ص 395 وبحار الأنوار ج 28 ص 306 والعوالم ج 11 ص 400 - 404 وكامل بهائي ج 1 ص 314.
ولديه وأمهما إلا تركه فتركه(1).
هذا بالإضافة إلى حقوق أخرى يشترك فيها سائر القبور، مثل كراهة المسير والمشي والاتكاء عليها ، وكراهة الضحك على المقابر وكراهة قراءة كتاباتها وغير ذلك.
وهناك الحديث الوارد عن أبي جعفر «عليه السلام» الذي يقول: للمؤمن على الله عز وجل عشرون خصلة، يفي له بها ثم ذكرها(2).
3 - وتقدم في هذا الكتاب أن ابن مسعود رأى عليا راكعاً وساجداً: وهو يقول: «اللهم بحق نبيك محمد إلا غفرت للمذنبين من شيعتي. ورأى النبي صلى الله عليه وآله» راكعاً وساجداً، وهو يقول: «اللهم بحق علي وليك إلا ما غفرت للمذنين من أمتي».
وأن الملائكة حين أظلمت المشارق والمغارب نادت: «إلهنا
1) کتاب سليم بن قيس ج 2 ص 227 - 228 و (ط 1 سنة 1422 هـ ق) ص 394 و 395 والإحتجاج ج 1 ص 233) و (ط دار النعمان سنة 1386 هـ) ج 1 ص 118 وبحار الأنوار ج 29 ص 137 و 138 واللمعة البيضاء ص 797 وبيت الأحزان ص 137.
2) الخصال ص 516 والفوائد الطوسية ص 399 - 401 وبحار الأنوار ج 27 ص 122 و 123 وج 64 ص 145 وأعلام الدين للديلمي ص 451 و 452 ومستدرك سفينة البحار ج 1 ص 218 و ج 2 ص 340 وألف حديث في المؤمن للنجفي ص 265.
وسيّدنا بحقّ الأشباح التي خلقتها إلا ما فرّجت عنّا هذهِ الظلمة»(1).
4 - وتقدم الدعاء المروي عن الإمام الصادق «عليه السلام»: أنه كان يدعو به في اليوم الثالث من شعبان وأوله: «اللهم إني أسألك بحق المولود في هذا اليوم الموعود بشهادته قبل استهلاله»(2).
5 - وفي ليلة النصف من شعبان دعاء ذكره الشيخ والسيد، وفيه: «اللهم بحق ليلتنا هذه ومولودها، وحجتك وموعودها إلخ ..»(3).
1) راجع: بحار الأنوار ج 36 ص 73 و 74 و ج 40 ص 43 و 44 عن جامع الفوائد، وعن الفضائل لابن شاذان، وتأويل الآيات ج 2 ص 610 - 612 والفضائل لابن شاذان ص 128 و 129 ومدينة المعاجز ج 3 ص 219 - ج3 ص219 - 221 و 417 - 419 والدر النظيم ص 765 و 766 واللمعة البيضاء ص 107 و 108 وغاية المرام ج 4 ص 163 وج 7 ص 66 ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 337 وكنز الدقائق (تفسير) ج 12 ص387 والبرهان ( تفسير ) ج 5 ص 146 والروضة في فضائل أمير المؤمنين لابن شاذان ص 112 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 5 ص 250 عن در بحر المناقب لابن حسنويه (مخطوط) ص 69.
2) مصباح المجتهد للطوسي ص 826 ومختصر بصائر الدرجات ص 34 و 35 والمزار الكبير لابن المشهدي ص 397 وبحار الأنوار ج 98 ص 347 و348 وإقبال الأعمال لابن طاووس ج 3 ص 304 والمصباح للكفعمي ص 544.
3) مصباح المجتهد ص 842 والمزار الكبير ص 410 والإقبال ص3 و 330 والمصباح للكفعمي ص 546 والبلد الأمين للكفعمي ص187 والنجم الثاقب ج 2 ص 541.
6 - وتقدم حديث الملك صرصائل، وأنه طلب من النبي «صلى الله عليه وآله» أن يدعو له الله تعالى لكي يرضى عنه، فدعا بالحسين «عليه السلام»، فرفعه بكلتا يديه إلى السماء، وقال: «اللهم بحق مولودي هذا عليك، إلا رضيت على الملك»(1).
7 - وتقدم في حديث الملك دردائيل: أنه «صلى الله عليه وآله» أخذ الحسين، وأشار به إلى السماء، فسأل الله بحق هذا المولود، وبحقه عليه، وعلى جده محمد وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ويعقوب، إن كان للحسين «عليه السلام» قدر ومنزلة عنده أن يرضى عن دردائيل، ويرد عليه أجنحته ومقامه فاستجاب الله دعاءه، وغفر للملك(2).
وقد ذكرنا في كتابنا: «عصمة الملائكة»: أن هذا لا يضر بعصمتهم، فراجع.
8 - وقد قال بعض الصحابة للنبي «صلى الله عليه وآله»: نسألك بحق الإسلام، وبحق الصحبة لما أدخلتنا الجنة(3).
9 - وكان «صلى الله عليه وآله» يدعو إذا أصبح وأمسى بدعاء
يقول فيه: أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض، وبكل حق هو لك، وبحق السائلين عليك أن تقبلني في هذه الغداة(1).
10 - عن النبي صلى الله عليه وآله: إذا هالك أمر، فقل: اللهم صل على محمد وآل محمد . اللهم أني أسألك بحق محمد وآل محمد أن تكفيني شر ما أخاف إلخ ..(2).
11 - كان النبي صلى الله عليه وآله يقول إذا قضى صلاته: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، فإن للسائل عليك حقا، أيما عبد أو أمة من أهل البر والبحر تقبلت دعوتهم الخ..(3).
12 - وقالت الجارية المغرمة بحب محمد بن القاسم لأبي بكر: يا خليفة رسول الله إلا انصرفت عني بحق القبر .
قال: لا وحقه لا أريم. أو تعلميني(4).
13 - وقال هارون الرشيد للإمام الكاظم «عليه السلام»: بحق القبر والمنبر، وبحق قرابتك من رسول الله «صلى الله عليه وآله»
أخبرني أنت تموت قبلي، أو أنا أموت قبلك إلخ..(1)
14 - وعن النبي «صلى الله عليه وآله»: من قال حين يسمع النداء: اللهم إني أسألك بحق هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة إلخ ..(2).
15 - عن أبي سعيد: من قال إذا خرج إلى الصلاة: اللهم أني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا، لم أخرج أشراً، ولا بطراً، ولا رياء، ولا سمعة إلخ..(3).
16 - وعلم رجل رجلاً دعاءً في عهد عبد الملك ليأمن من الخوف الذي يسببه له عبد الملك، وجاء في آخره: اللهم إني أسألك بحق هذه
1) مستدرك الوسائل ج 13 ص 103 و 104 وفرج المهموم ص 109 وبحار الأنوار ج 48 ص 146 وج 55 ص 253.
2) السنن الكبرى للبيهقي ج 1 ص 410 وفتح الباري ج 2 ص 78 وعمدة القاري ج 5 ص 122 وعون المعبود ج 2 ص 162 والمعجم الأوسط جه ص 54 والمعجم الصغير ج 1 ص 240 وكشف الخفاء ج 1 ص 402.
3) المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 29 وسنن ابن ماجة ج 1 ص 256 ورواه ابن خزيمة في صحيحه والدعاء للطبراني ص 149 ومسند أحمد ج3 ص 21 ومسند ابن الجعد ص 299 والترغيب والترهيب ج 1 ص 215 وج 2 ص 459 والعهود المحمدية للشعراني ص 56 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 15 ص 400 و 401 وتفسير الآلوسي ج 6 ص 127 وميزان الإعتدال ج 2 ص 447 ونهاية الأرب ج 5 ص 307 وإحياء علوم الدين ج 3 ص 583.
الكلمات وحرمتهن أن تعطيني كذا وكذا . فأمن(1).
17 - وقد دعا النبي «صلى الله عليه وآله» لعلي «عليه السلام» فقال: اللهم بحق علي عندك اغفر لعلي.
قال على فقلت: يا رسول الله، ما هذا؟!
فقال: أوأحد أكرم منك عليه، فاستشفع به إليه؟!(2).
18 - عن النبي «صلى الله عليه وآله»: لما اقترف آدم الخطيئة. قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي.
فقال الله: يا آدم فكيف عرفت محمداً، ولم أخلقه؟!
فذكر آدم أنه رأى اسمه «صلى الله عليه وآله» مكتوبا على قوائم العرش.
فقال الله: صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إلي، أدعني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك، هذا حديث صحيح الأسناد(3). انتهى
1) راجع ربيع الأبرار ج 2 ص390 والهواتف لابن أبي الدنيا ص56 بعد الشدة للقاضي التنوخي ج 1 ص 50.
2) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 20 ص 315 و 316 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 59 و 60.
3) المستدرك للحاكم ج 2 ص 615 وتاريخ مدينة دمشق ج 7 ص 437 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 1 ص 91 وقصص الأنبياء لابن كثير ج 1 ص 29 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 11 ص 455 ودلائل النبوة ج 5 ص 489 والسيرة النبوية بن كثير ج 1 ص320 وسبل الهدى والرشاد ج 12 ص 403 وينابيع المودة ج 2 ص 336.
ملخصاً.
19 - عن ابن عباس قال: «كانت يهود خيبر تقاتل غطفان، فكلما التقوا هُزمت یهود ،خیبر فعاذت اليهود بهذا الدعاء : اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان الخ..»(1).
20 - ودخل نفر من اليهود على الإمام الصادق «عليه السلام»، وأرادوا سؤال ولده الإمام الكاظم «عليه السلام» - فمسح الإمام الصادق «عليه السلام» على صدر ولده الكاظم، وهو طفل خماسي،
وقال: «اللهم أيده بنصرك بحق محمد وآله..»(2).
21 - عن أبي إبراهيم «عليه السلام» دعاء في الرزق يقول: «يا الله يا الله يا الله، أسألك بحق من حقه عليك عظيم أن تصلي على محمد
1) المستدرك للحاكم ج 2 ص 263 وأسباب نزول الآيات ص16 والعجاب في بيان الأسباب ج 1 ص 282 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج2 ص 378 ودلائل النبوة ج 2 ص 76 والسيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 292 وكفاية الطالب الخصائص الكبرى ج 1 ص 22 وسبل الهدى والرشاد ج 1 ص 112 و 113.
2) قرب الإسناد ص317 و 318 والخرائج والجرائح ج 1 ص 115 و 116 وحلية الأبرار ج 1 ص 49 و 50 ومدينة المعاجز ج6 ص 36 - 38 وبحار الأنوار ج 17 ص 225 و 226.
وآل محمد إلخ..»(1).
22 - عن الإمام الصادق «عليه السلام»: تضع يدك على موضع الوجع وتقول: «اللهم إني أسألك بحق القرآن العظيم الذي نزل به الرّوح الأمين، وهو عندك في أم الكتاب علي حكيم، أن تشفيني بشفائك الخ ..»(2).
23 - وفي الدعاء: «اللهم إني أسألك بإقبال نهارك، وإدبار ليلك، وحضور صلواتك، وأصوات دعائك أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تتوب علي الخ..»(3).
1) الكافي ج 2 ص 553 والوافي ج 9 ص 1611 ومستدرك الوسائل ج13 ص 40 وعدة الداعي ص 260 والمصباح للكفعمي ص 23 وإقبال الأعمال ص23 ج 1 ص 223 ومكارم الأخلاق للطبرسي ص 285 ومصباح المتهجد للطوسي ص 55 وبحار الأنوار ج 83 ص 46 وج 92 ص 297 و ج 95 ص 115 و 116 وج 99 ص 521 ومرآة العقول ج 12 ص 407 والبلد الأمين للكفعمي ص 11 و 360.
2) الكافي ج 2 ص 568 والوافي ج 9 ص 1641 ومستدرك الوسائل ج 2 ص 88 ومكارم الأخلاق للطبرسي ص390 وبحار الأنوار ج 92 ص 50 ومرآة العقول ج 12 ص 435.
3) مفتاح الفلاح ص 184 والوافي ج 7 ص 589 وراجع ج9 ص1574 وهداية الأمة ج 2 ص 265 والحدائق الناضرة ج 1 ص 441 والأمالي للصدوق ص 338 وثواب الأعمال ص 153 وعيون أخبار الرضا ج1 ص230 ومن لا يحضره الفقيه ج 1 ص 287 وروضة الواعظين ص313 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 5 ص 452 و (الإسلامية) ج 4 ص 669 و ومستدرك الوسائل ج 4 ص 53 ومكارم الأخلاق للطبرسي ص299 وغوالي اللآلي ج 4 ص 16 والمصباح للكفعمي ص 38 وبحار الأنوار ج 81 ص 173 وج 84 ص 357 وج 92 ص 407 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج 2 ص 34 وفلاح السائل ص 227 وكشف الغمة ج 3 ص 84.
وفي أدعية الصحيفة السجادية، نجد العديد من النصوص، مثل:
24 - قوله «عليه السلام»: أسألك بحق نبيك محمد «صلى الله عليه وآله»، وأتوسل إليك بالأئمة «عليهم السلام» الذين اخترتهم لسرك، وأطلعتهم على خفيك ، واخترتهم الخ ..(1).
25 - وقال «عليه السلام»: اللهم قرب أجله، واقطع أثره، وعجل ذلك يا رب الساعة الساعة، بحق محمد وآله الطاهرين(2).
26 - وقال «عليه السلام»: اللهم إني أسألك بحق العرش وعظمته، وبحق الكرسي وسعته وبحق القلم وجريته، وبحق اللوح وحياطته، وبحق الميزان ،وحدته وبحق الصراط ودقته، وبحق
1) الصحيفة السجادية (تحقيق السيد محمد باقر الموحد الأبطحي سنة 1411هـ) ص 344 ومصباح المتهجد للطوسي ص694 والمزار للمفيد ص 160 والمزار لابن المشهدي ص 452 وإقبال الأعمال ج2 ص 107 والمصباح للكفعمي ص 667 وبحار الأنوار ج 95 ص 231 والبلد الأمين ص 249.
2) الصحيفة السجادية (تحقيق السيد محمد باقر الأبطحي سنة 1411هـ) ص 373.
جبرئيل وأمانته، وبحق ميكائيل وطاعته، وبحق إسرافيل ونفخته، وبحق عزرائيل وصولته وبحق نوح وسفينته، وبحق هود وهيبته، وبحق صالح وناقته وبحق إبراهيم ،وخلته وبحق إسماعيل وذبيحته، وبحق إسحاق وذريته، وبحق يعقوب وغربته، وبحق موسى ومناجاته، وبحق هارون وبهائه، وبحق عزير وإماتته، وبحق شعيب وابنته، وبحق داوود ،وقبضته وبحق سليمان ومملكته، وبحق ذي الكفل وخشيته وبحق دانيال وكرامته وبحق الخضر وسياحته وبحق أيوب وبليته، وبحق يونس ودعوته، وبحق زكريا وعبادته، وبحق يحيى وطهارته، وبحق عيسى وزهادته، وبحق محمد وشفاعته، وبحق القرآن وتلاوته، وبحق العلم ودرايته، وبحق علي بن أبي طالب وشجاعته وبحق الحسن وسمته وبحق الحسين وشهادته. أسالك بحق هؤلاء وشرفهم، أن تجعلني في حرزك وحفظك، يا أرحم الراحمين يا من يملكني لا تهلكني(1).
27 - وقال «عليه السلام» اللهم فاستجب دعائي، واقبل ثنائي، وأعطني جزائي، واجمع بيني وبين أوليائي بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين «عليهم السلام»، إنك ولي نعمائي، ومنتهى مناي وغاية رجائي في منقلبي ومثواي(2).
1) الصحيفة السجادية (تحقيق السيد محمد باقر الأبطحي سنة 1411هـ) ص 399 و 400.
2) الصحيفة السجادية (تحقيق السيد محمد باقر الموحد الأبطحي سنة 1411هـ) ص 591 ومصباح المتهجد ص 739 وهداية الأمة ج 5 ص 455 وكامل الزيارات ص 94 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 14 ص 396) و (الإسلامية) ج 10 ص 307 والغارات للثقفي ج 2 ص 848 والمزار لابن المشهدي ص 284 وإقبال الأعمال ج 2 ص 274 وفرحة الغري ص 72 و 74 والمصباح للكفعمي ص 481 وبحار الأنوار ج 97 ص 265 و 267 و 329 وج 99 ص 177 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج 2 ص 240 والبلد الأمين ص 296.
28 - وقال «عليه السلام»: اللَّهُمَّ إِنِّي أسألُكَ بِحَقِّ هَذا الشَّهْرِ، وَبِحَقِّ مَنْ تَعَبَّدَ لَكَ فِيهِ، مِن ابْتِدَائِهِ إِلى وَقتِ فَنَائِهِ، مِنْ مَلَكَ قَرَّبْتَهُ، أَوْ نَبِيٍّ أَرْسَلْتَهُ، أَوْ عَبْد صَالِحٍ اخْتَصَصَتَهُ، أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ،
وَأَهْلْنَا فِيهِ لِمَا وَعَدْتَ أوْلِياءَكَ مِنْ كَرَامَتِكَ(1).
29 - وقال «عليه السلام»: اللهم وإني أسألك بحق البيت الحرام، والركن والمقام، والمشاعر العظام، أن تهب لي الليلة الجزيل من عطائك، والإعاذة من بلائك(2).
30 - وقال «عليه السلام»: ثم صل ركعتي الشفع، وقل بعدهما
قبل قيامك إلى الوتر: «اللهم رب (الشفع والوتر، والليل إذا يسر) بحق هذه الليلة المقسوم فيها بين عبادك ما تقسم، والمحتوم فيها ما تحتم أجزل فيها قسمي الخ ..»(1).
31 - وقال «عليه السلام»: أسألك بحق شهرنا هذا وأيامه الذي كان رسولك «صلى الله عليه وآله» يدأب فى صيامه وقيامه مدی سنيه وأعوامه أن تجعلني فيه من المقبولين أعمالهم(2).
32 - علي بن سورة، عن سماعة بن مهران، قال: قال لي أبو الحسن «عليه السلام» إذا كان لك يا سماعة عند الله حاجة، فقل: «اللهم إني أسألك بحق محمد وعلي، فإن لهما عندك شأنا من الشأن، وقدراً من القدر، فبحق ذلك الشأن وبحق ذلك القدر أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تفعل بي كذا وكذا»(3).
1) الصحيفة السجادية (تحقيق السيد محمد باقر الموحد الأبطحي سنة 1411هـ) ص 207 ومصباح المتهجد ص 835 وإقبال الأعمال ج3 ص 352.
2) الصحيفة السجادية (تحقيق السيد محمد باقر الموحد الأبطحي سنة 1411هـ) ص 208 ومصباح المتهجد ص 836 وإقبال الأعمال ج3 ص 353.
3) الكافي ج 2 ص 562 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 7 ص 102 و (الإسلامية) ج 4 ص 1142 وعدة الداعي ص 52 والمحتضر للحلي ص 273 وبحار الأنوار ج 27 ص 317 و ج 91 ص 22 وج 92 ص 165 ومرآة العقول ج 12 ص 427 وإرشاد القلوب ج 2 ص 426.
33 - عن أبي عبيدة الحذاء، قال: سمعت أبا جعفر «عليه السّلام » يقول وهو ساجد: أسألك بحق حبيبك محمد إلا بدلت سيئاتي حسنات وحاسبتني حساباً يسيراً.
ثم قال في الثانية: (أسألك بحق حبيبك محمد الا كفيتني مؤونة الدنيا، وكل هول دون الجنة).
وقال في الثالثة: (أسألك بحق حبيبك محمد لما غفرت لي الكثير من الذنوب والقليل وقبلت مني عملي اليسير).
ثم قال في الرابعة: (أسألك بحق حبيبك محمد لما أدخلتني الجنة، وجعلتني من سكانها ولما نجيتني من صفعات النار برحمتك وصلى الله على محمّد وآله)(1).
34 - وروي إذا أخذت طين قبر الحسين «علیه السلام»، فقل: «بسم الله، اللهم بحق هذه التربة الطاهرة، وبحق البقعة الطيبة، وبحق الوصي الذي تواريه، وبحق جده وأبيه وأمه وأخيه، والملائكة الذين
1) الكافي ج 3 ص 322 ومصباح المتهجد ص 106 والإثنا عشرية للشيخ البهائي العاملي ص 45 وروضة المتقين ج 2 ص 348 والوافي ج8 ص 711 و 712 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 6 ص 340) و (الإسلامية) ج 4 ص 952 ومستدرك الوسائل ج 4 ص 448 وبحار الأنوار ج 82 ص 131 و ج 3 ص 222 و مرآة العقول ج 15 ص129 ومنتقى الجمان ج 2 ص 46 وفلاح السائل ص 244 والبلد الأمين ص17 و 18.
يحفون به والملائكة العكوف على قبر وليك ينتظرون نصره، صلى الله عليهم أجمعين، اجعل لي فيه شفاء من كل داء الخ..»(1).
35 - عن الإمام الصادق «عليه السلام»: إذا أردت المسير إلى قبر الحسين «عليه السلام»..
إلى أن قال: ثم ضع خدك الأيمن على القبر وقل: «اللهم إني أسألك بحق هذا القبر ومن فيه، وبحق هذه القبور ومن أسكنتها، أن تكتب اسمي عندك في أسمائهم الخ ..»(2).
36 - وعن الإمام الصادق «عليه السلام»: إن يوسف «عليه السلام» لما صار في الجب، وأيس من الحياة فكان مما قال: فإني أسألك بحق الشيخ يعقوب فارحم ضعفه، واجمع بيني وبينه، فقد علمت رقته علي وشوقي إليه.
قال ثم بكى أبو عبد الله الصادق «عليه السلام»، ثم قال: وأنا أقول: اللهم إن كانت الخطايا والذنوب قد أخلقت وجهي عندك فلن ترفع لي إليك صوتاً، فإني أسألك بك، فليس كمثلك شيء، وأتوجه
1) الكافي ج 4 ص 589 وروضة المتقين ج 5 ص 373 والوافي ج 14 ص 1527 وكامل الزيارات ص 472 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 14 ص 22) و (الإسلامية) ج 10 ص 409 ومستدرك الوسائل ج 10 ص 341 ومرآة العقول ج 18 ص 318 والإيقاظ من الهجعة ص 303.
2) كامل الزيارات ص 410 وبحار الأنوار ج 95 ص 182 و 183 وجامع أحاديث الشيعة ج 12 ص 482.
إليك بمحمد نبيك نبي الرحمة، يا الله يا الله يا الله يا الله يا الله(1).
وروي في طين قبر الإمام الحسين «عليه السلام» عدة أدعية نجملها فيما يلي:
37 - عن الإمام الصادق «عليه السلام» إذا أخذت من تربة المظلوم، ووضعتها ،قبالك ، فقل: «اللَّهُمَّ بِحَقِّ هَذِهِ التُرْبَةِ، وَبِحقِّ الْمَلكِ الذي قبضها، والنبي الذي حضنها، والإمام الذي حل فيها، صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وأن تجعل لي فيها شفاء نافعاً الخ ..»(2).
38 - عن أبي عبد الله «عليه السلام» قال: إِذا تَناوَلَ أَحَدُكُم مِن طين قبر الحسين فليقل: «اللهُمَّ إنِّي أسألك بحقِّ المَلْكِ الَّذِي تَناوَلَهُ، وَالرَّسُول الذي بَوَّاهُ، وَالوَصِيِّ الذي ضُمِّنَ فِيهِ أنْ تجعلهُ شِفاءً مِن كُلِّ داء. كذا وكذا الخ..»(3).
39 - عن أبي جعفر عليه السلام» قال: إذا أخذت طين قبر الحسین فقل:
1) الأمالي للصدوق ص 488 و 489 وروضة الواعظین ص327 و 328 وبحار الأنوار ج 12 ص 255 و ج 92 ص 184 ونور الثقلين (تفسير) ج2 ص416 وكنز الدقائق (تفسير) ج 6 ص 285 والنور المبين ص 172.
2) كامل الزيارات ص 477 ومستدرك الوسائل ج 10 ص 342 وجامع أحاديث الشيعة ج 12 ص 539.
3) كامل الزيارات ص 469 ومستدرك الوسائل ج 10 ص 340 وبحار الأنوار ج 98 ص 127 وجامع أحاديث الشيعة ج 12 ص538.
«اللهُمَّ بِحَقٍّ هذِهِ التُرْبَةِ، وَبِحقِّ المَلْكِ الْمُوَكِّل بها، وَالمُلْكِ الَّذِي كَربها، وَبِحَقِّ الْوَصيِّ الَّذِي هُوَ فيها، صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَاجْعَلْ هذا الطِّين شفاءً لي من كلّ داءٍ، وأماناً مِنْ كُلِّ خَوْفٍ»(1).
40 - وعن الإمام الصادق «عليه السلام» قال في حديث: «اللهُمَّ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، وَحَبِيبِكَ وَنَبِيِّكَ وَأمينِكَ، وَبحق أمير المؤمِنينَ عَليٍّ بن أبي طالب، عَبْدِكَ وأخي رَسُولِكَ، وَبِحَقِّ فَاطِمَةٌ بِنْتِ نَبِيِّكَ، وَزَوجَةِ وَلِيِّكَ، وَبِحَقِّ الحَسَن وَالحُسَينِ، وَبِحَقِّ الْأَئِمَّةِ الرَّاشِدِينَ، وَبِحَقِّ هَذِهِ التُرْبَةِ، وَبِحَقِّ الْمَلْكِ المُوَكَّل بها، وبحَقِّ الوَصِيِّ الذي حلَّ فيها، وبحقِّ الجَسَدِ الَّذي تَضَمَّنَتْ، وَبِحَقِّ السِّبْطِ الَّذِي صُمِّنَتْ، وَبِحَقِّ جَمِيعِ مَلائِكَتِكَ مَلائِكَتِكَ وَأَنْبِيائِكَ وَرُسُلِكَ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ، وَاجْعَلْ هذا الطين لي شفاءً مِنْ كُلِّ داءٍ ولِمنَ يَسْتَشفي بِهِ مِنْ كُلِّ داءٍ وَسُقم وَمَرَضِ، وَأماناً مِنْ كُلِّ خَوْفٍ، اللهُمَّ بحقِّ مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، اجْعَلْهُ عِلماً نافعاً، وَرزقاً واسعاً الخ..»(2).
41 - وعن الصادق «عليه السلام»: اللهم إني أسألك بحق هذه الطينة، وبحق الملك الذي أخذها، وبحق النبي الذي قبضها، وبحق
الوصي الذي حل فيها، صل على محمد وأهل بيته، واجعل لي فيها شفاء من كل داء، وأمانا من كل خوف.
ثم ذكر «عليه السلام» أن الملك هو جبرئيل، وأن النبي هو رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وأن الوصي هو الحسين «عليه السلام»(1).
42 - روي: إذا أخذته فقل : اللهم بحق هذه التربة الطاهرة، وبحق البُقعةِ الطَّيِّبة، وبحقِّ الوَصي الذي تواريهِ وَبِحَقِّ جَدِّهِ وَأَبِيهِ، وَأُمِّهِ وَأخيهِ، وَالمَلائِكَة الَّذِين يَحُقُونَ بهِ، والملائكةِ العُكْوفِ عَلَى قَبْرِ وَلَيّكَ، يَنتَظِرُونَ نَصْرَهُ صَلى الله عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ اجْعَلْ لي فِيهِ شِفاءً مِنْ كُلِّ داء الخ..(2).
1) كامل الزيارات ص 473 - 474 وروضة المتقين ج 5 ص 374 والوافي ج 14 ص 1529 وتهذيب الأحكام ج 6 ص 74 و 75 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 14 ص 524 و 525 و (الإسلامية ج 10 ص 411 والأمالي ص524 للطوسي ص 318 وبحار الأنوار ج 98 ص 118 وجامع أحاديث الشيعة ج 12 ص 525 وبشارة المصطفى ص 332.
2) كامل الزيارات ص 472 وروضة المتقين ج 5 ص 373 والوافي ج 14 ص 1527 والكافي ج 4 ص 589 ووسائل الشيعة آل البيت) ج 14 ص 522 و (الإسلامية ج 10 ص 409 ومستدرك الوسائل ج 10 ص 341 وبحار الأنوار ج 98 ص 128 ومرآة العقول ج 18 ص 318 وجامع أحاديث الشيعة ج 12 ص 538.
ويمكن لمن تتبع المصادر: أن يجد المزيد مما يدل على جواز التوسل، وقد أرسل يوسف «عليه السلام» قميصه ليلقوه على وجه أبيه ليرتد بصيراً، ففعلوا، فرد الله على يعقوب (عليه السلام» بصره.
وقد طلب الحسين «عليه السلام» من ربه بحق القبر ومن فيه أن يختار له ما هو الله، وللرسول وللمؤمنين رضى..
فقوله «عليه السلام» بحق هذا القبر ومن فيه يدل على أن جسد النبي «صلى الله عليه وآله» كان في تلك اللحظة موجوداً في القبر. وهذا لا يتلاءم مع ما ورد في الروايات من أن جسد النبي صلى الله عليه وآله قد رفع إلى السماء بعد ثلاثة أيام، أو أربعين يوماً؟!
وقد يحاول البعض أن يجيب: بأن هذا النص الذي نتحدث عنه لم يصرح بأن النبي «صلى الله عليه وآله» هو الموجود في القبر بجسده، بل قال ومن فيه. وهذه الكلمة تدل على أن الذي في القبر موجود عاقل، له كرامة عظيمة عند الله، فقد يكون هذا الموجود فيه هو الملائكة العظام المكرمون عند الله ..
ولكن هذا الجواب غير سديد، لأنه مجرد تكهن، ورجم بالغيب لا شاهد له بل قد يقال: إن الشاهد على خلافه موجود في نفس هذا النص. فقد قال: اللهم إن هذا قبر نبيك محمد ، وأنا ابن بنت محمد الخ.. كما أنه «عليه السلام» كان قد جاء إلى القبر في الليلة السابقة، وابتدأه بقوله: السلام عليك يا رسول الله أنا الحسين بن فاطمة، فرخك وابن
فرختك الخ..
فالأولى أن يجاب:
بأن روايات رفع جسد النبي «صلى الله عليه وآله» إلى السماء لم تصرح ببقائه فيها إلى آخر الدهر، فلعله يبقى عدة أيام، ثم يعاد إلى الموضع الذي دفن فيه. وقد ذكرت بعض الروايات، وإن كانت غير معتبرة سنداً أن الله تعالى حين يموت النبي ووصيه يجمع بين روحيهما وجسديهما، ثم يفرقان، فيرجع كل واحد منهما إلى موضع قبره، إلى موضعه الذي حط فيه(1).
فإعادة الجسد إلى الموضع الذي حط فيه، يجعل من الممكن تصور إعادته من السماء أيضاً إلى موضع قبره. وهو الموضع الذي حط فيه.
وربما كان هذا الرفع إلى السماء على سبيل التكريم والتعظيم للأنبياء في محضر ملائكة السماء، وإظهار فضلهم للملائكة، ودلالتهم على امتيازهم عند الله على سائر البشر.
وعدم اعتبار سند الرواية التي أشرنا إليه لا يعني أنها مكذوبة. إذ يمكن تأييد مضمونها بما دل على وجود أجساد الأئمة والأنبياء في الأرض، وبما دل على رفعها، إذا رفعنا التنافي الظاهري بينها، بأنها
1) بحار الأنوار ج 42 ص 292.
ترفع مدة إلى السماء لأجل التكريم، ثم تعاد إلى القبور(1).
وقد أضاف بعض الإخوة الأفاضل هنا قوله: يمكن أن يكون الرفع إلى السماء على نحو لا يتنافى مع كونه «صلى الله عليه وآله» في قبره ، وإن لم نعرف كيفية حصول ذلك، فيكون من قبيل الحضور عند قبر المؤمن والدعاء لمن في القبر، مع وجود روايات: أن المؤمن ينقل حين موته إلى وادي السلام، فإن كان النقل بالروح، فليكن الأمر كذلك بالنسبة لرفع النبي صلى الله عليه وآله إلى السماء، وإن كان بالروح والجسد، فكذلك أيضاً.
ونحب لفت نظر القارئ الكريم إلى أن بعض الأمور لا يحسن تداولها، وإشاعتها بين الناس الذين لا يملكون قدراً كافياً من المعرفة ومن الإيمان، فإن شيوع القول بأن أجساد الأنبياء والأئمة ليست في قبورهم، قد يثير الشبهة لديهم.
كما أنه قد يفقد زيارة قبورهم معناها، ويضعف تأثيرها فيهم، ولا يبقى لدى طلاب الحاجات منهم ذلك اليقين، ويتلاشى الوهج العاطفي، وتتضاءل وتخمد الحرقة، وتهتز ثقتهم بالاستجابة، ويخبو الشعور لديهم بالأمن والسلام والسلامة عند قبورهم الشريفة.
كما أن بعض الطواغيت قد تسول له نفسه العدوان على القبور الشريفة، ونبشها كما حصل من الديزج مع قبر الإمام الحسين «عليه
1) راجع :كتابنا مختصر مفيد ج 6 ص13 - 32.
السلام».
بل إن الحجاج قد نبش ثلاثة آلاف قبر بظاهر الكوفة، ليجد جسد علي عليه السلام»، لكي يستخرجه ويحرقه بالنار(1)، فلم يوفق، وبقي القبر مستوراً إلى أن أظهره الإمام الصادق «عليه السلام» في أول
الدولة العباسية.
فإنه إن لم يجد في القبر شيئاً، فإن أهل الباطل سوف يطلقون إشاعاتهم المسمومة، وسوف تهاجم الشبهات عقائد المستضعفين من الناس وتفتك بها.. وسيقال لهم : إن الأحاديث التي تقول: إن أجساد الأنبياء محرمة على الأرض باطلة، وإن وجد الجسد في القبر، فإن الروايات التي تقول برفع الجسد إلى السماء تصبح موضع ريب، وربما سرى الريب إلى صدق من تنسب إليهم ، وربما أدى ذلك إلى اهتزاز الاعتقاد بإمامتهم..
كما أن العدوان على هذا الجسد من قبل هؤلاء الطواغيت - إذا وجدوه - لا يمكن استبعاده. ولا بد أن تختلط الأمور على الناس في هذه الأحوال، إلا أن يكفى الله الأمة بلطف منه، شر الأشرار، وكيد
الفجار، وينتقم منهم ، ويعجل بهم إلى النار.
1) راجع روضات الجنات ج 2 ص 54 ومنتخب التواريخ ص291 وتفسير القرآن الكريم لأبي حمزة الثمالي ص 75 ومشهد الإمام علي في النجف، لسعاد ماهر ص221.
وتقدم: أن الوليد أرسل إلى منزل الحسين «عليه السلام» لينظر هل خرج من المدينة أم لا.. فدل هذا على أن الوليد كان يراقب الحسين عليه السلام.. وأن عدم مصادفته في المنزل تلك الليلة قد أوهم الوليد: أنه «عليه السلام» قد خرج من المدينة، فلم يعد يرى ضرورة لمراقبة المنزل والحال أنه «عليه السلام» قد بات تلك الليلة عند قبر رسول الله «صلى الله عليه وآله».
وهذا قد يسر له «عليه السلام» التحرك بحرية حين أراد الخروج من المدينة بالعيال والأطفال، وطائفة من الأصحاب، مع أن ركباً بهذا الحجم وبما يحتاجه من رواحل، وما يريد أن يهيئه من وسائل لا يمكن إلا أن تصدر عنه بعض الضوضاء ، فلو كانت العيون مبثوثة عليه في الساعة التي اختارها للخروج لانكشف أمره ، ولأحرج نفسه، وأحرج غيره.
قال ابن قولويه: حدثني أبي، وجماعة من مشايخي، عن سعد بن
عبد الله بن أبي خلف عن محمد بن يحيى المعاذي، قال: حدثني الحسين بن موسى الاصم، عن عمرو (ابن شمر)، عن جابر عن الإمام الباقر «عليه السلام»:
لما همّ الحسين «عليه السلام» بالشخوص عن المدينة أقبلت نساء بنى عبد المطلب فاجتمعن للنياحة، حتى مشى فيهنَّ الحسين «عليه السلام»، فقال: أنشدكنَّ الله أن تبدين هذا الأمر معصية الله ولرسوله «صلى الله عليه وآله».
فقالت له نساء بني عبد المطلب: فلمن نستبقي النياحة والبكاء؟! فهو عندنا كيوم مات فيه رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وعلي، وفاطمة، ورقية، وزينب، وأم كلثوم فننشدك الله، جعلنا الله فداك من الموت يا حبيب الأبرار من أهل القبور وأقبلت بعض عماته تبكي وتقول: أشهد يا حسين، لقد سمعت
الجن ناحت بنوحك وهم يقولون:ف
إن قتيل الطف من آل هاشم *** أذل رقاباً من قريش فذلتِ
حبيب رسول الله لم يك *** أبانت مصيبتك الأنوف وجلتِ
وقلن أيضاً:
أبكي حسیناً سیداً *** ولقتله شاب الشعر
ولقتله زُلزلتم *** ولقتله انکسف القمر
واحمّرت آفاق السما *** ء من العشيّة والسّحر
وتغيّرت َشمْسُ البلا *** دِ بهم وأظلم أظلمت الكور
ذاك ابن فاطمة المصا *** ب به الخلائق والبشر
أورثتنا ذلاً به *** جدع الأنوف مع الغرر(1)
ونقول:
فى هذا النص الضعيف سنداً أمور نود التوقف عندها، وهي التالیة:
تقدم أن الإمام الحسين «عليه السلام» نهى النساء عن النياحة عليه، قائلاً لهن:
«أنشدك الله أن تبدين هذا الأمر معصية الله ولرسوله».
فهل نهاهن «عليه السلام» بكلامه هذا عن النياحة؟! أم نهاهن عن شيء آخر؟!
ونجيب:
1) كامل الزيارات ص 195 وبحار الأنوار ج 45 ص 88 وأعيان الشيعة ج 1 ص 588 ومدينة المعاجز ج 4 ص 177 والعوالم الإمام الحسين ج17 ص 316 ولواعج الأشجان ص30 و 31 ومعالي السبطين ج 1 ص 214 مع اختلاف واختصار في بعض المصادر.
أولاً: إنه «عليه السلام» قد نهاهن عن إبداء هذا الأمر، حيث إن اجتماعهن في مكان واحد سوف يلفت الأنظار، ويثير الأسئلة ولاسيما حين تقصدهن نساء أهل المدينة لمعرفة سبب النياحة، ومواساتهن في المصاب كما جرت العادة..
فإذا كانت النياحة لأجل فراق شخص لا يزال على قيد الحياة، فإن ذلك سيثير الدهشة، ويجعل الأسئلة تتزاحم بلا هوادة، وسيتناقل الناس هذا الأمر بشغف، ولاسيما إذا فهم أن هذا الشخص الذي تقام المناحة لأجله هو أقدس إنسان على وجه الأرض، وهو بقية الذرية الطاهرة، وسبط الرسول، وسيد شباب أهل الجنة.
وإن كان سبب النياحة هو موت ،معاوية، واستيلاء يزيد على الحكم. وأن يزيد يحمل مشروع صدام، ويسعى لفتنة تصل إلى حد الكارثة فى الإسلام وأهله.. حيث إنه يصر على قتل هذا الرجل الأقدس بالذات..
فمجلس النياحة سوف يظهر كل هذا وسواه، وسيصل إلى مسامع حزب يزيد أيضاً، الذين سيحرجهم خروج الإمام الحسين «عليه السلام» من المدينة، ويعتبرونه مضادة لهم، وسيحاولون بكل جهدهم
الحيلولة بين الحسين عليه السلام وبين هذا الخروج، وإلا فإنهم سيواجهون خطر حدوث أزمة فيما بينهم، والصدام بين بعضهم البعض.. وهذا سيزيد من مستوى الخطورة على حياة الإمام الحسين «عليه السلام»، وجميع بني هاشم، وكل من يتعاطف معه «عليه السلام» ومعهم...
فظهر أن النياحة التي ستكون سبباً في إعلان هذا الأمر لا يرضاها الله ورسوله بلا ريب.
ثانياً: إن نفس البكاء لفراق الأحبة ليس محرماً، ولم يرد النهي عنه، فكيف إذا كان هذا البكاء على مثل الحسين «عليه السلام»، وهو أقدس رجل على وجه الأرض، وقد ظهر أنه يواجه خطراً جدياً على حياته. وقد ورد ما يدل على مطلوبية البكاء على الأحبة، ولاسيما إذا كان لهم موقع وأثر إيجابي في هذا الدين، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله حين استشهد جعفر الطيار على مثل جعفر فلتبك البواكي.
وحين استشهد حمزة قال أما حمزة فلا بواكي له.
وقد بكى «صلى الله عليه وآله» على ولده إبراهيم، وعلى عثمان بن مظعون، ورقية، وزيد بن حارثة، وجعفر وغيرهم.
بل ورد جواز البكاء على الرجل الضال، إذا كان بكاء رقة وتذكر للألفة التي كانت بين الباكي وبينه في حال الحياة(1).
ثالثاً: إن نساء بني عبد المطلب لا يقمن مناحة فيها معصية الله، كإظهار الجزع، وكقول الهجر، أو كشف الشعر، أو ما إلى ذلك مما يبغضه الله ورسوله.
وقد روي ما يدل على جواز النوح إذا لم يصاحبه محرم، وروي
1) إختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ج 2 ص 582 وبحار الأنوار ج 79 ص 87 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 3 ص 284) و (الإسلامية) ج2 ص 925 وهداية الأمة ج 1 ص 332 وجامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 482.
أيضاً : أن الإمام الصادق «عليه السلام» سئل عن أجر النائحة، فقال: لا بأس به، قد نيح على رسول الله «صلى الله عليه وآله»(1).
وعن الإمام الباقر «عليه السلام»: إنما تحتاج المرأة في المأتم إلى النوح لتسيل دمعتها، ولا ينبغي لها أن تقول هجراً، فإذا جاءها الليل فلا تؤذي الملائكة بالنوح(2).
وورد: أن الإمام الصادق «عليه السلام» ناح على أولاده أيضا(3).
1) من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 116 و (ط 2 جماعة المدرسين) ج 1 ص 183 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 3 ص 242 وج 17 ص 128 و (الإسلامية) ج 2 ص 893 وج 12 ص 91 وبحار الأنوار ج 79 ص 107 والوافي ج 17 ص 200 وهداية الأمة ج 1 ص332.
2) الكافي ج 1 ص 358 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 3 ص 242 وج 17 ص 127) و (الإسلامية) ج 2 ص 893 وج 12 ص 90 والوافي ج 2 ص 152 وهداية الأمة ج 1 ص 329 وج 6 ص 72 ومدينة المعاجز ج 5 ص 276 وج 47 ص 279 ومرآة العقول ج 4 ص 123 والعوالم الإمام الحسين ج 3 ص 432 ومستدرك سفينة البحار ج 7 ص 210 وج10 ص 162.
3) كمال الدين ص73 وبحار الأنوار ج 47 ص 249 وج 79 ص84 و 76 - 105 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 3 ص 241 و (الإسلامية) ج 2 3 ص 892 وجامع أحاديث الشيعة ج 3 ص 474.
وذكرت الرواية: أن بعض عمات الإمام الحسين «عليه السلام» ذكرت أنها سمعت نوح الجن عليه، فمن أين علمت الجن بذلك، وأنه يقتل بالطف؟! إلا أن يكون المؤمنون منهم قد سمعوا بعض ما روي عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» أو علي والحسن «عليهم «السلام» في ذلك.
وهذا هو الراجح، فإن الجن لا يعلمون الغيب، فقد قال تعالى: (فلما خَرّ تَبَيِّنَتِ الجِن أن لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ مَا لبثوا فِي الْعَذَابِ المُهين)(1).
وقد لوحظ: أن النسوة لم يذكرن الحسن «عليه السلام»، حين ذكرن يوم مات النبي صلى الله عليه وآله»، وقد مات الحسن «عليه السلام» شهيداً بالسم فكان أولى بالذكر من زينب ورقية وأم كلثوم،
اللواتي ينسبن إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» من خلال التربية، لا لبنوتهن الحقيقية له صلى الله عليه وآله»..
وقد ورد في بعض المصادر أن قوله:
1) الآية 14 من سورة سبأ.
وإن قتيل الطف من آل هاشم *** أذل رقاب المسلمين فذلت
هو لسليمان بن قتبة الخزاعي(1). وهذا يدل على أن خبر نوح الجن به غير صحيح.
ولكن يجاب:
بأن هذا إنما يؤخذ به إذا ثبت أن سليمان بن قتبة لم يستعر هذا البيت ويودعه قصيدته لاقتضاء المناسبة والمعنى لها.
وتقول الرواية المتقدمة: إن نساء بني عبد المطلب قلن للحسين عليه السلام يا حبيب الأبرار من أهل القبور وهذا تعبير لم نعهده، ولم نجد له نظيراً فيما مر معنا من نصوص..
وربما أريد به الإلماح إلى ما أخبرهم به الإمام الحسين «عليه السلام» من أنه رأى النبي «صلى الله عليه وآله» في المنام فأخبره «صلى الله عليه وآله» بما يجري عليه، وباشتياق أمه وأبيه، وأخيه إلى لقائه.. فإن الأبرار يحبون الحسين «عليه السلام»، حتى الأموات منهم.
وهذه الرؤيا هي التي أعقبها عزمه على الخروج من المدينة، وقد أخبر بها أهل بيته، فبكوا ولحقهم من الغم والحزن الشيء الكثير، ثم
1) راجع مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 149 ومقاتل الطالبيين ص81.
حاول النسوة إقامة مجلس للنياحة، وهو ما نحن بصدد الحديث عنه.
ولا ضير في إقامة مناحة على رجل قبل موته إذا كان النبي الأكرم «صلى الله عليه وآله» قد أخبر باستشهاده على يد أعداء الله، ويقين الناس كل الناس بأن ما أخبر به واقع لا محالة.
عن محمد بن عمر (الأطرف) قال: سمعت أبي عمر بن علي بن أبي طالب «عليه السلام» يحدث أخوالي آل عقيل، قال:
لما امتنع أخي الحسين «عليه السلام» عن البيعة ليزيد بالمدينة، دخلت عليه فوجدته خالياً، فقلت له جعلت فداك يا أبا عبد الله، حدثني أخوك أبو محمد الحسن عن أبيه «عليه السلام»، ثم سبقتني الدمعة، وعلا شهيقي.
فضمني إليه، وقال: حدثك أني مقتول؟!
فقلت: حوشيت يا ابن رسول الله.
فقال: سألتك بحق أبيك، بقتلي خبرك؟!
فقلت: نعم، فلولا ناولت و بايعت.
فقال : حدثني أبي أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» أخبره بقتله
وقتلي، وأن تربتي تكون بقرب تربته.
فتظن أنك علمت ما لم أعلمه!. وإنه لا أعطي الدنية عن (لعل
الصحيح: من) نفسي أبداً. ولتلقين فاطمة أباها شاكية ما لقيت ذريتها من أمته ولا يدخل الجنة أحد آذاها في ذريتها(1).
ونقول:
1 - إن عمر الأطرف ابن علي «عليه السلام» قد دفعه خوفه على حياة أخيه الإمام الحسين عليه السلام» إلى محاولة إقناعه بأن يبايع يزيد «لعنه الله»، والعبارة التي ذكرها ابن طاووس عنه هي:
«ناولت» ولم يظهر لنا وجه معقول، أو مقبول في معناها.
ولعل في العبارة تصحيفاً، والصحيح هو «تأولت». أي أن النصوص التي تستند إليها في امتناعك عن البيعة ليزيد يمكن تأويلها، بأن يقال مثلاً : إنها ناظرة للحالات التي ليس فيها خطر على الحياة، أما إذا كان الخطر داهما، فإن الضرورات تبيح المحظورات.
أو يكون المراد: لو مددت يدك وبايعت فإن المشكلة تنتهي عند هذا الحد، ولا موجب لتعريض نفسك وأهل بيتك للقتل.
2 - لعل عمر الأطرف كان يرى أن حفظ النفس وسلامة الشخص، أولى من أي شيء آخر. وهذه المعادلة تكفي عنده لاتخاذ
1) الملهوف ص 12 و (ط أنوار الهدی) ص 19 و 20 عن كتاب الشافي في النسب، تأليف عمر النسابة، وبحار الأنوار ج 44 ص 231 وعن تظلم الزهراء ص155.
القرار بعدم التصدي لأي خطر، حتى لو كان خطراً على الدين، ولزوم دفع الأخطار بالبيعة للظالمين والجبارين.
وهذا بنظره يحتم على الإمام الحسين «عليه السلام» إذا كانت بعض النصوص تحرجه أن يلتمس المخارج والتأويلات لكي يرتاح ضميره، وتطمئن نفسه، وتحصل له السكينة والأمن من العقوبة
الإلهية.
3 - لاحظنا في هذا النص: أن خطاب عمر الأطرف لأخيه الإمام الحسين عليه السلام كانت تطغى عليه مسحة ظاهرة من الإكبار، التبجيل، فهو يقول :له حوشيت يا ابن رسول الله.
ثم هو حين بدأ الحديث معه يقول له: جعلت فداك يا أبا عبد الله..
كما أن دموعه تسبقه، ويعلو شهيقه حين أراد أن يخبره بما سمعه.
كما أنه يقول له حدثني أخوك أبو محمد الحسن الخ.. ولم يقل: أخی ..
غير أن قول الإمام الحسين «عليه السلام» له: «فتظن أنك علمت ما لم أعلمه». يشير إلى أن ذلك الخضوع والإجلال والإكبار للإمام الحسين «عليه السلام» لم يكن لأجل أنه يرى أن له امتيازا عليه في نفسه، بل له امتياز مكتسب من كونه سبط رسول الله «صلى الله عليه
وآله»، وكون أمه فاطمة «عليها السلام».
وفيما عدا ذلك، فالظاهر أنه كان يحسب أنه أوسع منه معرفة بالأمور وأكثر علما واطلاعاً.
بل ذكروا : أنه تخلف عن أخيه الحسين «عليه السلام»، ولم يسر معه، وكان قد دعاه إلى الخروج معه. ويقال: إنه لما بلغه قتل أخيه، خرج في معصفرات له وجلس بفناء داره، وقال: «أنا الغلام الحازم، ولو أخرجت معهم لذهبت في المعركة»(1).
فهو يحسب أنه هو الرابح بنجاته من الموت، مع أن الحقيقة هي: أن الحسين قد ربح بموته واستشهاده في الدنيا والآخرة، وخسر من تخلف عنه كائناً من كان..
إذن، فكيف نجمع بين هذا البكاء الشديد والشهيق العالي، لأجل الإمام الحسين «عليه السلام» مع لبسه المعصفرات، وإظهاره السرور بالنجاة من الموت مع أخيه في كربلاء؟!
واللافت للنظر هنا أن عمر الأطرف كان أول من بايع عبد الله بن الزبير(2)، والحجاج(3)، مع أن أخاه محمد بن الحنفية ومن معه
من بني هاشم لم يبايعوه، وصار يجمع الحطب لإحراقهم في الشعب الذي حصرهم فيه، فخلصهم المختار.
وقد توسط الحجاج لدى الحسن بن الحسن ليشرك عمر الأطرف في تولية صدقات علي «عليه السلام»، فلم يتيسر له(1).
والأوضح والأصرح دلالة على أنه لم يكن يمتلك نظرة صحيحة تجاه الأئمة الطاهرين «عليهم السلام» أن عمر بن علي خاصم علي بن الحسين «عليه السلام» إلى عبد الملك في صدقات النبي «صلى
الله عليه وآله» وأمير المؤمنين «عليه السلام»، فقال: «أنا ابن المصدق وهذا ابن ابن، فأنا أولى منه».
فتمثل عبد الملك بقول ابن أبي الحقيق
لا نجعل الباطل حقاً ولا *** نلط دون الحق بالباطل
قم يا علي بن الحسين فقد وليتكها ، فقاما . فلما خرجا تناوله عمر وآذاه. فسكت عليه السلام عنه، ولم يرد عليه شيئاً(2).
1) عمدة الطالب ص 99 و 362 وكشف الغمة ج 2 ص 201 والإرشاد للمفيد ص 196 و (ط دار المفيد) ص 23 وبحار الأنوار ج 44 ص 166 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 748 وأعيان الشيعة ج 5 ص 45 والدر النظيم ص 518 والعدد القوية ص354.
2) الإرشاد للمفيد ص 259 و (ط دار المفيد) ص 150 وبحار الأنوار ج 46 ص 113 و 121 وج 42 ص 93 و 91 و مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 308 ومستدرك الوسائل ج 14 ص 61.
فمن يؤذي الإمام السجاد «عليه السلام»، لا يمكن أن يكون مرضياً عند الأئمة الطاهرين «صلوات الله عليهم»، ولا هو من أهل الولاية، ومن المعتقدين بالإمامة.
وقد ادعى أبو مخنف: أن عمر الأطرف قد حضر كربلاء، وبرز بعد أخيه أبي بكر بن علي، وهو يقول:
أضربكم، ولا أرى فيكم زحر *** ذاك الشقي بالنبي قد كفر
إلى أن قال: وقتل جماعة، ثم رجع إلى الميسرة، وهو يقول:
خلوا عداة الله خلوا عن عمر *** خلوا عن الليث العبوس
ولم يزل يقاتل حتى قتل بعدما عثر فرسه(1).
ونقول:
قد تقدم ما يدل على أنه ليس فقط لم يحضر كربلاء، بل هو يظهر السرور بنجاته من القتل، ويلبس المعصفرات. كما أنه قد خاصم
1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 107 ،والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 280 وبحار الأنوار ج 45 ص 37 ولواعج الأشجان ص177 وأعيان الشيعة ج 1 ص 608 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 112 و 113 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 28 و 29.
198
السجاد «عليه السلام» إلى عبد الملك بن مروان، أو إلى الوليد بن عبد الملك(1).
وكان أول من بايع ابن الزبير، وقال في عمدة الطالب: لا تصح رواية من روى أنه حضر كربلاء(2).
وقال العلامة التستري: أما عدم حضوره الطف فأمر مقطوع(3).
ومن المحتمل وجود شخص آخر اسمه عمر بن علي، قد حضر كربلاء، واستشهد فيها، كما قاله أبو مخنف لكنه احتمال يحتاج إلى شاهد.
وقد لاحظنا أن الإمام الحسين «عليه السلام» قد أقام الحجة على أخيه عمر، بالحديث الذي رواه عمر نفسه ،له حيث حدثه أنه مقتول...
ثم زاده الإمام الحسين عليه السلام الحديث الذي رواه له أبوه عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» من أن عليا «عليه السلام» أيضاً مقتول.. وأخبره بأن تربته وتربة الحسين ستكونان متقاربتين.
وبذلك تسقط نظرية عمر الأطرف حول تقدم حفظ الحياة على أي شيء آخر، وأنه لا بد من تأويل النصوص، لتلائم هذه القاعدة.
فالإمام الحسين «عليه السلام» يقول لأخيه: لا بد من سقوط التأويلات وتلاشي الاجتهادات، ولا مجال للدعوة إلى مبايعة يزيد في أي ظرف كان، فإن ما يخبر به النبي «صلى الله عليه وآله»، والإمام
علي، والإمام الحسن «عليهما السلام»، ليس اختراعاً من عند أنفسهم، بل من أخبار جبرئيل للنبي «صلى الله عليه وآله» عن الله تعالى..
وقال بعضهم:
«إن نساء بني هاشم أقبلن إلى أم هاني عمة الحسين «عليه السلام»، وقلن لها يا أم هاني، أنت جالسة والحسين عليه السلام» مع عياله عازم على الخروج ؟!
فأقبلت أم هاني، فلما رآها الحسين «عليه السلام» قال: أما هذه عمتي أم هاني؟
قيل: نعم.
فقال: يا عمة، ما الذي جاء بك وأنت على هذه الحالة..
فقالت: وكيف لا آتي، وقد بلغني أن كفيل الأرامل ذاهب عني؟! ثم إنها انتحبت باكية ، وتمثلت بأبيات أبيها أبي طالب «عليه السلام»:
وأبيض يستسقى الغمام *** ثمال اليتامى عصمة للأرامل
تطوف به الهلاك من آل *** فهم عنده في نعمة وفواضل
ثم قالت سيدي وأنا متطيرة عليك من هذا المسير، لهاتف
سمعت البارحة يقول:
وإن قتيل الطف من آل هاشم *** أذل رقاباً من قريش فذلت
حبيب رسول الله لم يك *** أبانت مصيبته الأنوف وجلت
فقال لها الحسين «عليه السلام»: يا عمة، لا تقولي: من قريش، ولكن قولي:
وإن قتيل الطف من آل هاشم *** أذل رقاب المسلمين فذلت
ثم قال: يا عمة، كل الذي مقدر فهو كائن لا محالة.
وقال «عليه السلام»:
وما هم بقوم يغلبون ابن *** ولكن بعلم الغيب قد قدر الأمر
فخرجت أم هاني من عنده باكية، وهي تقول:
وما أم هاني وحدها ساء *** خروج حسين عن مدينة جده
ولكنما القبر الشريف ومن به ومنبره يبكون من أجل فقده(1)
ونقول:
1) معالي السبطين ج 1 ص 214 و 215.
إننا نرتاب في صحة هذه الرواية لما يلي:
اولاً: إننا لم نعثر لهذه الرواية على مصدر آخر غير كتاب معالي السبطين. ثانياً: إن أم هاني تقول للإمام «عليه السلام»: «أنا متطيرة عليك»، فكان يفترض بالإمام أن يسجل ملاحظته هنا، ولو بأن يقول: إن النبي «صلى الله عليه وآله» نهى عن الطيرة. أو يقول: إن الشهادة ليست أمراً يتشاءم منه، بل هي من موجبات الابتهاج والسرور، والفوز والنجاح.
ثالثاً: لو أغمضنا النظر عما تقدم، فإن أصل وجود أم هاني على قيد الحياة حين مسير الحسين «عليه السلام» إلى كربلاء موضع ريب.. بل هناك تصريحات تدل على خلاف ذلك، فقد قال العسقلاني والمقريزي: قال الترمذي وغيره: عاشت بعد علي(1).
فلو أنها بقيت إلى ما بعد موت معاوية لكان الأولى أن يقول: عاشت بعد معاوية.. ويشهد لذلك: أن عددا من المصادر يصرح: بأنها «رحمها الله» ماتت في خلافة معاوية(2).
1) الإصابة ج 4 ص 503 و (ط دار الكتب العلمية سنة 1415هـ) ج8 ص 486. وسنن الترمذي ج 3 ص 182 وراجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 145.
2) تقريب التهذيب ج 2 ص 673 وشرح الزرقاني على موطأ مالك ج1 ص 523 وتحفة الأحوذي ج 8 ص 3 ومعجم الرجال والحديث (تأليف محمد حياة الأنصاري) ج 1 ص 259 وراجع شرح الأزهار تأليف أحمد المرتضی (المقدمة).
فكيف تقول هذه الحكاية إنها كانت على قيد الحياة إلى ما بعد وفاة معاوية ؟!
رابعاً: إن ما نسبته الرواية إلى الإمام من تصحيح للشعر الذي أنشدته عمته، ليصبح:
وإن قتيل الطف من آل هاشم *** أذل رقاب المسلمين فذلت
إن هذا التصحيح يوهم: أن نفس هذا القتيل، وهو الإمام الحسين «عليه السلام»، قد تسبب بهذا الإذلال وهذا باطل جملة وتفصيلاً، فإن قتله «عليه السلام» على يد طواغيت الأمة وشذاذ الآفاق هو
الجريمة الكبرى، وكان صبره «عليه السلام»، وإصراره على الموقف الحق هو الذي أعزَّ المسلمين، ورفع رؤوسهم، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى..
أما قولهم «عليهم السلام» إن يوم الحسين أقرح جفوننا، وأسبل دموعنا، وأذل عزيزنا(1)فالمراد به الذل بنظر أهل الدنيا. أما في النظرة الصحيحة للأمور، فإن العز كان في نفس هذا الذي أرادوا أن
المرتضى (المقدمة).
1) الأمالي للصدوق ص 190 وروضة الواعظين ص 169 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 238 وإقبال الأعمال ج3 ص28 وبحار الأنوار ج 44 ص 284 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 538 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج 2 ص 27 والمجالس الفاخرة للسيد شرف الدين ص 135.
يجعلوه ذلاً. ومهما يكن من أمر ، فإن الأصح والأسلم هو الصيغة الأولى، وهو قوله:
وإن قتيل الطف من آل هاشم *** أذل رقاباً من قريش فذلت
فإن استشهاد الحسين «عليه السلام» كان سبباً في ذل طواغيت قريش، وعتاتها.
خامساً: إن نفس عزم الحسين على الخروج من المدينة لا يستوجب إقامة مناحة، كيوم موت النبي «صلى الله عليه وآله»، وعلي وفاطمة «عليهما السلام»، لاسيما إذا كان الهدف هو البحث عن مأمن، أو البحث عن موجبات القوة والامتناع..
ومجرد التطير من المسير لا يجدي إذا كان يحمل معه قدراً أكبر من التفاؤل.. فإن أحداً لا يستطيع أن يدَّعي أن المدينة موضع أمن وسلام للحسين لاسيما مع تأكيدات يزيد المتعاقبة على واليه بقتله
«عليه السلام»، وإرسال رأسه إليه..
قال العلامة المجلسي «رحمه الله»:
ووجدت في بعض الكتب: أنه «عليه السلام» لما عزم على الخروج من المدينة أتته أم سلمة «رضي الله عنها»، فقالت: يا بني لا تحزني بخروجك إلى العراق، فإني سمعت جدَّك يقول: يقتل ولدي الحسين بأرض العراق في أرض يقال لها كربلاء، [زاد في نص آخر قوله: وعندي تربتك في قارورة دفعها إلي النبي «صلى الله عليه
وآله»(1)].
فقال لها يا أماه، وأنا والله أعلم ذلك، وإني مقتول لا محالة، وليس لي من هذا بد، وإني والله لأعرف اليوم الذي أقتل فيه، وأعرف من يقتلني، وأعرف البقعة التي أدفن فيها، وإني أعرف من يقتل من أهل بيتي، وقرابتي، وشيعتي، وإن أردت يا أماه أريك حفرتي ومضجعي.
ثم أشار «عليه السلام» إلى جهة كربلاء، فانخفضت الأرض حتى أراها مضجعه، ومدفنه، وموضع عسكره، وموقفه ومشهده.
فعند ذلك بكت أم سلمة بكاء شديداً، وسلمت أمره إلى الله.
فقال لها: يا أمّاه قد شاء الله عزَّ وجلَّ أن يراني مقتولاً مذبوحاً، ظلماً وعدواناً، وقد شاء أن يرى ،حرمي، ورهطي ونسائي مشردين، وأطفالي مذبوحين مظلومين مأسورين مقيدين، وهم يستغيثون، فلا
يجدون ناصراً ولا معيناً.
وفى رواية أخرى: قالت أم سلمة : وعندي تربة دفعها إلي جدك في قارورة.
فقال: والله إني مقتول كذلك، وإن لم أخرج إلى العراق يقتلوني أیضاً.
ثم أخذ تربة فجعلها في قارورة، وأعطاها إياها، وقال: اجعليه مع
1) راجع مقتل الحسين «عليه السلام» للسيد عبد الرزاق المقرم ص 152.
قارورة جدي، فإذا فاضتا دماً، فاعلمي أني قد قتلت(1).
ثم قال المفيد «رحمه الله»: «فسار الحسين إلى مكة وهو يقرأ: (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجَنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)(2)(3).
وعن الحسين «عليه السلام»: إن الكتب كانت عند أمير المؤمنين «عليه السلام»، فلما سار إلى العراق استودعها أم سلمة.
فلما مضى كانت عند الحسن «عليه السلام».
فلما مضى كانت عند الحسين «عليه السلام ».
وحين مضى الحسين إلى العراق أودع عندها كتب علم أمير
1) بحار الأنوار ج 44 ص 331 و 332 والعوالم ج 17 ص180 و 181 وراجع: مقتل الحسين للمقرم ص 152 ولواعج الأشجان ص29 و (نشر بصيرتي سنة 1331هـ) ص 31 ومدينة المعاجز (ط حجرية) ص244 و (ط مؤسسة المعارف الإسلامية سنة 141هـ) ج 3 ص 489 والخرائج والجرائح ج 1 ص 253 و 254 وراجع الهداية الكبرى ص 203 والثاقب في المناقب ص 330 و 331 وينابيع المودة ج 3 ص 60 ص330.
2) الآیة 21 من سورة القصص.
3) الإرشاد للمفيد ص223 و (ط دار المفيد سنة 1414هـ) ج2 ص35 وبحار الأنوار ج 44 ص 332 والعوالم ج 17 ص 181 وكنز الدقائق (تفسير) ج 10 ص 53.
206
المؤمنين «عليه السلام»، وذخائر النبوة، وخصائص الإمامة، فلما قتل «عليه السلام»، ورجع علي بن الحسين «عليه السلام» دفعتها إليه(1).
وفي رواية أخرى: كتب الحسين «عليه السلام» وصيته وأودعها أم سلمة، وجعل طلبها منها علامة على إمامة الطالب لها من الأنام، فطلبها زين العابدين «عليه السلام»(2).
ونقول:
لم يصرح الإمام الحسين «عليه السلام» حتى لأم سلمة باسم الإمام بعده، بل أبقى اسمه مكتوماً، ولم تستطع أن تعرفه إلا بعد استشهاد أبيه «صلوات الله عليهما».
1) راجع العيون العبرى لإبراهيم الميانجي ص 21 والغيبة للطوسي (ط تبريز سنة 1323هـ) ص 128 و (ط مؤسسة المعارف الإسلامية سنة 1411هـ) ص 195 والصراط المستقيم ص 161 وبحار الأنوار ج 46 ص 18 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 30 ص 322 و (الإسلامية) ج20 ص 143 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 172) و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 308 وعن إثبات الهداة ج 5 ص 214 والكافي ج 1 ص 304 والوافي ج 2 ص 343 ومرآة العقول ج 3 ص 321 ومستدرك سفينة البحار ج 5 ص 140 وإعلام الورى ص 152) و (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث سنة 1417هـ) ج 1 ص 483.
2) الصراط المستقيم ص 161.
فهو بهذا الكتمان يكون قد أسهم في حفظ حياة الإمام الذي لو تداول الناس اسمه وطرق مسامع أعدائه فلن يسلم من سيوفهم في كربلاء.
ذكر النص المتقدم: أن الإمام الحسين «عليه السلام» بعد أن سمع من أم سلمة خبر استشهاده في العراق، وأنها قد سمعت ذلك من رسول الله «صلى الله عليه وآله».. قال لها «عليه السلام»: «يا أماه، وأنا - والله - أعلم ذلك وإني مقتول لا محالة».
وتقدم أنه أخبر أخاه عمر الأطرف أيضا بأن النبي : «صلى الله عليه وآله» أخبر بقتله وقتل أبيه «عليه السلام»، بالإضافة إلى العديد من النصوص التي تدخل في هذا السياق.
ونريد أن نسجل هنا أن هذا لا يعني أنه «عليه السلام» قد ساهم بإخباراته هذه بإفشال حركته، باعتبار أن إخباره الناس عن مصيره هذا سوف يدعوهم للتريث في الإقدام على نصرته فلا تبقى فائدة من حركته، ولا أثر لدعوته الناس إلى الالتحاق به بل قد يعتبرون أن دعوته هذه، لا تخلو من التغرير بهم.
ويجاب:
أولاً: إن إخبار أم سلمة، وعمر الأطراف، وغيرهما من الأشخاص لا يعني شيوع هذا الأمر في الناس. فلعله بقي محصوراً في الدائرة الضيقة التي أراد منها «عليه السلام» أن تكون على علم
208
بهذا الأمر.. لكي تتهيأ نفسياً وعملياً لمواجهته بالنحو اللائق والمجدي.
ثانياً: إنه لا يجب على الإمام والنبي، أن يرتب الأثر على الغيوب التي يكشفها له الله تعالى بواسطة غير متعارفة، ولا تقع تحت اختيار سائر الناس كالوحي، أو بواسطة إخبار النبي «صلى الله عليه وآله» مباشرة، أو بواسطة، أو وسائط.
كما أنه «عليه السلام» لا يرتب الآثار ، ولا يحاسب الناس على الغيوب التي يكشفها الله له بطرق غير عادية ليست في متناول أيدي سائر الناس. فهو لا يقطع يد السارق، ولا يقتل القاتل، أو يجلد الزاني، إذا علم بفعلته من طريق الوحي، أو من خلال علم الشاهدية، أو بإخبار رسول الله «صلى الله عليه وآله» مثلاً.
وهذه الأخبار الغيبية التي تعرف بالوحي، أو بإخبار الرسول عن الغائبات إنما يستفاد منها في مواقع التحدي، فتكون من أهم وسائل إثبات النبوة أو الإمامة. كما أن ما يعلمه النبي والإمام من خلال مقام الشاهدية له على الأمة، إنما يراد به إظهار الحق، وإقامة الحجة على الخلق بهدف إجراء سنة العدل وغير ذلك من الشؤون المرتبطة بالآخرة ...
ثالثاً: بناء على ما ذكر آنفا، نقول:
إن ما أخبر به الله ورسوله عن استشهاد الإمام الحسين «عليه السلام» لا يسقط التكليف عن الناس، ولا يسمح لهم بخذلان نبيهم أو إمامهم، وتمكين الجبابرة من قتله، لأن هذه الإخبارات لا يقصد بها
إعفاء الناس من واجباتهم، بل يقصد بها الإخبار عن معصيتهم، وجرئتهم على الله، وخذلانهم لنبيهم وإمامهم ، وتحذيرهم من ارتكابهم الجرم الكبير ، وأن فعلهم هذا سوف يؤدي بهم إلى البوار والهلاك ويؤكد ذلك: أن حفظ النبي، والإمام ونصرته، ورد عدوان الظالمين عليه والتسبب بتصعيب وصولهم إلى مبتغاهم هو أمر تقضي به العقول، وتحكم به الشرائع ولا يعذر القادر عليه، ومن توجه التكليف
الإلهي إليه بالتخلي عنه.
ولو علم الطواغيت أن الناس سوف يستجيبون لحكم عقولهم، ولقضاء شرعهم، لترددوا كثيراً وكثيراً جداً، وربما قرروا صرف النظر عما عقدوا العزم عليه.
رابعاً: ليس لأحد أن يدَّعي: أن هذه الإخبارات هي التي منعته من القيام بواجبه الشرعي والعقلي. وذلك لحاكمية قانون البداء على هذه الأخبار إذ لا أحد يستطيع أن يدَّعي أنها إخبار عن اللوح المحفوظ، وأم الكتاب، فإن الله تعالى قد يخبر عن مسار الأمور بحسب ظواهرها، ومقتضياتها المعروفة، ولكن لعل هناك موانع تظهر لتمنع من تأثير ذلك المقتضي.
فإذا شب حريق مثلا في منطقة واسعة واقترب من المواضع المهمة، وتيقن الناس من أن ذلك الموضع سوف يحترق لا محالة. فقد يأتي مطر، أو سيل مفاجئ يطفئ ذلك الحريق، ويتبدل ذلك اليقين
بيقين آخر.
وهنا نقول:
لعل ظواهر الأحوال تعطي الانطباع: بأن الحسين «عليه السلام» سوف يقتل، نتيجة تخاذل الأمة عنه، وخذلانها له.. ولكن من الذي قال: لو قرر ألف شخص مثلاً نصرته «عليه السلام» أن الأمور لا تنقلب رأسا على عقب، ويتبدل ذلك اليقين بيقين آخر، ويتحقق النصر، على أيدي هذه القلة، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والشواهد في حروب النبي «صلى الله عليه وآله» الدفاعية كثيرة.
ولعلك تقول: إن هذا البيان لا يتلاءم مع تأكيد الحسين «عليه السلام» لأم سلمة، على أن قتله «عليه السلام» محتوم.
ونجيب:
أولاً: من الذي قال: إن هذا النوع من الأخبار كان قد شاع وذاع بين الناس؟! فلعله بقي محصوراً في دائرته الضيقة، كأم سلمة، وخواص الخواص من المؤمنين الذين يهمهم امتثال ما يأمرهم الله تعالى به، ولا ينظرون إلى نتائجه.
ثانياً: ذكرنا آنفاً أن الإخبار بحتمية قتل الحسين «عليه السلام»، يستند إلى علم الله بعصيان الناس ما يأمرهم الله به، ولا يقتضي الجبر الإلهي لهم، ومنعهم عن القيام بواجبهم العقلي والشرعي.
ثالثاً: من الذي قال للناس : إن استشهاد الحسين «عليه السلام».
سيكون في نفس مسيره هذا وحربه هذه، فلعله يكون في حرب أخرى تأتي بعد عشرين سنة، أو أقل، أو أكثر .. كما أن الحسين «عليه السلام» نفسه لم يقل لأحد أنه سوف يقتل في نفس مسيره هذا. وخطبته في مكة التي قال فيها: «خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة» ليست صريحة في ذلك، وإن كان فيها ذكر للموت، والسبى والقتل، - إن كان قد قال ذلك على رؤوس الأشهاد، ولم يقتصر الأمر على أخيه ابن الحنفية - ولكنها كلها قد جاءت في صيغ مطلقة، تحتمل هذا وذاك كما سنرى..
رابعاً: قلنا: إن قانون البداء يبقى هو الحاكم، فلا يحق لأحد صرف النظر عنه.. ولاسيما فيما يرتبط بحدوث الإستشهاد للحسين «عليه السلام» في خصوص هذا المسير.
وفائدة الاعتقاد بالبداء هنا: أن يقدم الإنسان على خوض الحرب دفاعاً عن الدين وعن الإمام، ولديه أمل بالنصر، ولا يكون في منأى عن مقام الشهادة ولو لم يكن بداء وسمع هذه الأخبار، فإنه يفقد الأمل بالنصر، ويكون عليه أن يعد نفسه للإقدام على الموت المحتم. وهذا أمر تصعب مواجهته، ويحاول الإنسان أن يبتعد عنه.
تقدم أن الحسين «عليه السلام» بعد أن أخبرته أم سلمة بالقارورة والتربة التي أعطاها إياها الرسول «صلى الله عليه وآله». وبما قاله رسول الله «صلى الله عليه وآله» لها عن قتله «عليه السلام» بالعراق، في كربلاء ، أقدم «عليه السلام» على أمرين:
أحدهما أنه أشار إلى جهة كربلاء، فانخفضت الأرض حتى أراها مضجعه، ومدفنه، وموضع عسكره، وموقفه ومشهده، ليكون هذا التصرف الإعجازي هو الدليل المقنع لها بصحة ما يخبرها به مما يجري عليه، وليكون ذلك من دلائل إمامته، وإن له ما لرسول الله «صلى الله عليه وآله» من التصرفات.
الثاني: إنه أودع عندها تربته في قارورة لكي ترى معجزة أخرى له، من حيث دلالتها على ساعة قتله، حين تفيض دماً في تلك اللحظة.
وهذه المعجزة الأخرى من شأنها أن تؤكد لأم سلمة، وسواها دلالة المعجزة الأولى ومعناها ومغزاها، لكي يمنع عنها الوسوسات والخيالات الشيطانية الباطلة، التي قد تثير الشك والشبهة في أن يكون
ما جرى لها من رؤية أرض كربلاء، وغير ذلك كان بسبب الإيحاء والتأثير النفسي عليها ، ولم يكن أمراً واقعياً، ولا حقيقياً.
فوجود التربة في القارورة عندها يمنع من تسرب أمثال هذه الخيالات إلى الأذهان، فإذا فاضت دما في الساعة المعهودة والمقررة قطع الشك باليقين، وهو المطلوب.
وقالوا:
إنه في وقت الصبح أقبل إليه أخوه محمد ابن الحنفية، فلما جاء قال: يا أخي فدتك نفسي! أنت أحب الناس إلي، وأعزهم علي، ولست والله أدخر النصيحة لأحد من الخلق وليس أحد أحق بها منك، لأنك كنفسي وروحي، وكبير أهل بيتي، ومن عليه اعتمادي، وطاعته في عنقي، لأن الله تبارك وتعالى قد شرفك، وجعلك من سادات أهل الجنة. وإني أريد أن أشير عليك برأيي فاقبله مني.
فقال له الحسين «عليه السلام»: قل ما بدا لك!
فقال: أشير عليك أن تنجو بنفسك عن يزيد بن معاوية، وعن الأمصار ما استطعت وأن تبعث رسلك إلى الناس وتدعوهم إلى بيعتك، فإني إن بايعك الناس وتابعوك حمدت الله على ذلك، وقمت فيهم بما يقوم فيهم النبي «صلى الله عليه وآله»، والخلفاء الراشدون المهديون من بعده حتى يتوفاك الله، وهو عنك راض، والمؤمنون كذلك، كما رضوا عن أبيك وأخيك، وإن أجمع الناس على غيرك
حمدت الله على ذلك.
(وفي الطبري، وابن الأثير : لم ينتقص الله بذلك دينك ولا عقلك، ولا يذهب به مروءتك ولا فضلك).
وإني خائف عليك أن تدخل مصراً من الأمصار، أو تأتي جماعة من الناس فيقتتلون، فتكون طائفة منهم معك ، وطائفة عليك، فتقتل منهم.
فقال له الحسين «عليه السلام» يا أخي! إلى أين أذهب؟!
قال: أخرج إلى مكة، فإن اطمأنت بك الدار ، فذاك الذي تحب وأحب، وإن تكن الأخرى خرجت إلى بلاد اليمن، فإنهم أنصار جدك وأخيك وأبيك، وهم أرأف الناس، وأرقهم قلوباً، وأوسع الناس بلادا، وأرجحهم عقولاً ، فإن اطمأنت بك أرض اليمن وإلا لحقت بالرمال وشعوب الجبال، وصرت من بلد إلى بلد لتنظر - وفي الطبري، وابن الأثير حتى ننظر إلى ما يصير أمر الناس وتعرف عند ذلك الرأي، فإنك أصوب ما تكون رأياً، وأحزمه عملاً، حين تستقبل الأمور استقبالاً، ولا تكون عليك الأمور أبداً أشكل منها حين تستدبرها استدباراً) - ما يؤول إليه أمر الناس، ويحكم بينك وبين القوم الفاسقين.
فقال الحسين «عليه السلام» يا أخي! والله ! لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية أبداً.
وقد قال «صلى الله عليه وآله»: اللهم لا تبارك في يزيد.
فقطع محمد بن الحنفية الكلام وبكي، فبكى الحسين «عليه السلام»
معه ساعة، ثم قال: جزاك الله يا أخى عنى خيراً! لقد نصحت وأشرت بالصواب، وأنا أرجو أن يكون إن شاء الله رأيك موفقا مسدداً، وإني قد عزمت على الخروج إلى مكة، وقد تهيأت لذلك أنا وإخوتي، وبنو إخوتي، وشيعتي، وأمرهم أمري، ورأيهم رأيي.
وأما أنت يا أخي فلا عليك أن تقيم بالمدينة، فتكون لي عينا عليهم، ولا تخف علي شيئاً من أمورهم(1).
ونقول:
1 - إن أول ما يطالعنا في هذا الحوار هو هذا التوهج العاطفي لدى محمد ابن الحنفية تجاه أخيه الإمام الحسين «عليه السلام»، وخضوعه الظاهر لإمامته، فلاحظ قوله: «من عليه اعتمادي، وطاعته في عنقي».
2 - ما أشار به ابن الحنفية ينضح بالعقل والدراية، والحكمة. وهو يدل على معرفته العميقة بأخلاق الناس، وميولهم، وأحوالهم.
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 20 و 21 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص 187 و 188 وقريب منه في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 341 و ط الأعلمي ج 4 ص 253 والكامل في التاريخ ج 4 ص 16 و 17 وبحار الأنوار ج 44 ص 329 و 330 و 326 وراجع روضة الواعظين ص190 وأعلام الورى ج 1 ص 435 والعوالم الإمام الحسين ج17 ص178.
3 - إن الحسين «عليه السلام» قد أثنى على مشورة أخيه، ووصفها بما يلي:
ألف: إنها مشورة صائبة وصحيحة.
ب إنها من ناصح صادق..
ج: هي رأي موفق ومسدد..
يبدو أنه «عليه السلام» لم يخالف وصية أخيه المتقدمة، بل سار في نفس الإتجاه، حيث لم يكن هناك خيار أفضل منه يحفظ المسار نحو الأهداف النهائية، ويحقق النتائج المتوخاة. فقد ذهب إلى مكة أولاً كما قال ابن الحنفية، ثم جاءه اثنا عشر ألف كتاب من أهل العراق، وفيها كتب تحمل توقيع الإثنين والثلاثة وأكثر من ذلك.. ولم يحتج إلى الذهاب إلى اليمن، أو إلى غيره..
وقد تفرض حركة الواقع تعذر بعض الخيارات، وصرف النظر عن بعض الخطط التي يشير بها العقلاء والحكماء.
وحين دهمه الخطر في مكة، كان اختياره العراق أمراً حتمياً .. لأن أي بلد آخر سواه كان يحمل معه أخطاراً حقيقية على الأهداف التي يتوخاها من حركته.
وسيأتي إن شاء الله توضيح ذلك حين الحديث عن تركه مكة، وتوجهه نحو العراق..
وقد يتوهم متوهم: أن في الكلام المتقدم للحسين «عليه السلام» قدراً من عدم الانسجام، فبينما نجده يقول لأخيه بضرس قاطع: لقد نصحت وأشرت ..بالصواب.. نراه يعقب على ذلك مباشرة بقوله: وأنا أرجو أن يكون - إن شاء الله - قولك موفقا مسدداً ..».
فالحكم بأنه الرأي الصواب - لا يتلاءم مع رجاء كونه رأياً موفقاً ومسدداً ، فإن هذا يحمل في طياته احتمال أن لا يكون كذلك.
ونجيب:
بأن الرأي الصواب في نفسه قد لا تتوفر له ظروف التحقق والنجاح .. بل يحتاج إلى توفيق وتسديد وهما مما لا ربط لهما بصوابية الرأي ،وعدمه، بل لهما ارتباط بمصالح العباد، وباستحقاق العامل بالرأي للطف الإلهي، وأهليته لتسديده تعالى.
ولا شك في أن الإمام الحسين مسدد ومؤيد من الله تعالى، ولكن من الذي قال إن مصلحة العباد تقضي بضرورة التدخل الإلهي لتحقيق جميع تفاصيل الرأي الصواب. فقد لا يصح التدخل الإلهي فيها، لأنها من أفعال العباد التى جعل الله لهم الخيار فيها، أو لعل هناك خياراً آخر أعظم أثراً في تحقيق مصالح العباد، وما إلى ذلك.
وقد قال ابن الحنفية لأخيه «عليه السلام»: «وقمت فيهم (أي في الناس) بما يقوم فيهم النبي «صلى الله عليه وآله»، والخلفاء
220
الراشدون المهديون من بعده حتى يتوفاك الله، وهو عنك راض».
فقد يشكك البعض في صحة هذه الفقرة عن الخلفاء، ويقول: هي مقحمة من قبل أصحاب الأهواء لحاجة في أنفسهم. وربما يستدل على قوله هذا.
أولاً: إن هذه الفقرة لم تذكر فى طائفة من المصادر(1)، بل ذكرها ابن أعثم، وربما وردت لدى بعض آخر أيضاً(2).. وعدم ذكرها في أكثر المصادر يصبح قرينة على الإقحام المتعمد الذي أشرنا إليه.
ثانياً: إن سيرة الخلفاء بعد رسول الله «صلى الله عليه وآله» باستثناء علي «عليه السلام» - لم تكن موضع تأييد من علي «عليه السلام»، وأبنائه الطاهرين وسائر بني هاشم، ومن تابعهم، بل هي
موضع نقد ورفض منهم.
ثالثاً: إن إطلاق مصطلح «الخلفاء الراشدين» على الذين تولوا الحكم بعد رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي «عليه السلام» أمر حدث في وقت متأخر من الزمان..
ونجيب بما يلي:
ألف: إنه لا شيء يدل على أن ابن الحنفية قد أراد بكلمة «والخلفاء الراشدون المهديون من بعده» هو استعمال المصطلح الذي وضعوه للدلالة على خصوص الخلفاء الأربعة، إذ إن نفس هذه العبارة لها معنى قائم بنفسه، كسائر العبارات أمثالها، فيكون المراد هو كل ما انطبق عليه عنوان خليفة ،راشد عامل بالهدى ملتزم بالضوابط الشرعية والعقلية والفطرية، وما هو وفق الحكمة والسداد والصلاح والرشاد.
فإذا انطبق هذا الوصف على من يأتي بعد ألف سنة مثلا، فلا مانع من أن يكون مقصوداً أيضاً.
قال بعض الإخوة الأفاضل:
1 - ويؤيد ذلك ما جاء في كلام ابن الحنفية من قوله: «وقمت فيهم بما يقوم فيهم النبي الخ ..» حيث جاء بالفعل المضارع، ولم يقل: بما قام ليدل على أن المقصود القيام بما هو وظيفة، لا ما قام به فعلا النبي ومن تقدموا ، والأئمة الراشدون من بعده.
2 - ويؤيده أيضاً بل يدل عليه: ما جاء في حقهم «عليهم السلام» في الزيارات، كالجامعة الكبيرة، من أنهم «الأئمة الراشدون المهديون الخ...».
ومن هذا الباب قول الإمام «عليه السلام» في وصيته الآتية لمحمد ابن الحنفية: «وأسير بسيرة جدي وأبي علي، وسيرة الخلفاء
الراشدين المهديين».
قلنا: إنه لا دليل على أن الوصف بالخلفاء الراشدين مخترع في وقت متأخر، فقد روى غير الشيعة عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قوله «صلى الله عليه وآله عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي(1).
وقد ظن بعضهم: أن المراد بهذا الحديث - لو صح - هو الخلفاء الأربعة، وهذا غير دقيق، فهناك روايات أخرى دلت على المراد منه، فقد روي عنه «صلى الله عليه وآله» قوله من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فهو خليفة الله في الأرض، وخليفة رسوله(2).
1) راجع: الثقات لابن حيان ج 1 ص 4 والمعجم الكبير ج 18 ص 247 والمستدرك للحاكم ج 1 ص 96 والسنة لابن أبي عاصم ص 19 و 20 ومسند الشاميين ج 3 ص 173 ونهاية السؤول ج 3 ص 266 و 267 وسلم الوصول ج 4 ص 410 وأصول السرخسي ج 1 ص 116 وإرشاد الفحول ص 33 والإحكام للآمدي ج 4 ص 204 وحياة الصحابة ج 1 ص 2 وكشف الغمة للشعراني ج 1 ص 6 وموارد الظمآن ج 1 ص 205 والعهود المحمدية للشعراني ص 17 و 635 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 1 ص 173 وشرح مسند أبي حنيفة ص 245 وكشف الخفاء ج 2 ص 206 وعمدة القاري ج 23 ص 266 والكافي لابن عبد البر ص74 وجامع بيان العلم وفضله ج 2 ص 90 والإحكام لابن حزم ج6 ص 803 والمستصفى للغزالي ص 169 والمحصول للرازي ج 4 ص 175.
2) مستدرك الوسائل ج 12 ص 179 عن لب اللباب، والأحكام ليحيى بن الحسين ج 2 ص 505 وجامع أحاديث الشيعة ج 14 ص 384 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 153 وج 7 ص 184 وتخريج الأحاديث والآثار ج 1 ص 213 ومجمع البيان ج 2 ص 359 والكامل لابن عدي ج6 ص84 وميزان الإعتدال ج 3 ص 400 ولسان الميزان ج 4 ص 481.
وعنه «صلى الله عليه وآله» رحم الله خلفائي.
فقيل: يا رسول الله، ومن خلفاؤك؟!
قال: الذين يحيون سنتي، ويعلمونها عباد الله(1).
وفي رواية أخرى قال: الذين يأتون بعدي ويروون حديثي وسنتی(2).
ج: ومع غض النظر عن ذلك كله، فلا شيء في الحديث يدل على أن المراد بكلمة من بعدي هو البعدية المباشرة. بل قد يكون
1) بحار الأنوار ج 2 ص 25 وراجع ص 144 و 145 ومنية المريد للشهيد الثاني ص 101 و 371 ووصول الأخيار إلى أصول الأخبار ص29 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 153 والمحجة البيضاء ج 1 ص 19 وراجع: هداية الأمة للحر العاملي ج 8 ص 378 وج 1 ص 30 والأمالي للصدوق ص 247.
2) من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 420 وغوالي اللآلي ج4 ص 59 و 64 والرياض النضرة ج 1 ص 57 وروضة المتقين ج 6 ص 2 والوافي ج 1 ص 146 ومستند الشيعة ج 10 ص 136 وج 17 ص 20 والفوائد الطوسية ص 118 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 27 ص 91 و 139 و (الإسلامية) ج 18 ص 65 و 101 وبحار الأنوار ج 86 ص 221.
الخليفة الراشد هو الرابع أو الخامس، أو من سيأتي بعد عشرات السنين.
د: كما لا دليل فيه على أن مراده «صلى الله عليه وآله» هو خصوص الأربعة، بل مراده كل من كان راشداً في جميع أموره. ولو كانوا عشرة أو أكثر أو أقل، ولا يكون كذلك إلا من كان معصوماً، ومسدداً، ومؤيداً.
ويشهد لما نقول:
أن الروايات الواردة عن النبي «صلى الله عليه وآله» والتي يصف فيها عليا وسائر الأئمة الاثني عشر «عليهم السلام» بأنهم خلفاؤه تدل أيضاً على أن مقصوده بسنة الخلفاء الراشدين هو خصوص الأئمة «عليهم السلام»، لأنهم هم المعصومون الذين يصح جعل الحجية لسنتهم، واعتبارها مثل سنة الرسول «صلى الله عليه وآله».. وعدلاً للقرآن كما هو مقتضى حديث الثقلين.
وتقدم: أن الإمام الحسين «عليه السلام» قال لأخيه محمد ابن الحنفية: «وأما أنت يا أخي فلا عليك أن تقيم بالمدينة، فتكون لي عينا عليهم، ولا تخف علي شيئا من أمورهم».
ويستفاد من هذا النص أمور:
أحدها: أن على الإنسان أن يكون على علم دقيق بكل تحركات أعدائه، كما دل عليه قوله لأخيه ولا تخف شيئاً من أمورهم، والمراد
بها الأمور التي لها ارتباط بالشأن العام، وبالقضية التي هي محور النزاع والصراع. لا الأمور الشخصية، والعائلية الخاصة جدا، والتي لا مساس لها بما هو موضع الأخذ والرد.
ومعرفة تحركات الخصوم وتدبيراتهم وخططهم، تمنحه القدرة على تحاشي المفاجأت والتحرز من الضربات القاصمة، والوقوع في أفخاخ المؤامرات والتدابير الخفية الماكرة..
الثاني: إن هذا يدل على أن ما جرى في المدينة بين الإمام الحسين «عليه السلام»، وبين الوليد ومروان كان بمثابة إعلان حرب استباقية من أركان الحكم الأموي على الإمام الحسين «عليه السلام»، وقد سمع عليه السلام ورأى بأم عينيه شدة حرص مروان على سفك دمه.. ولعل مضامين رسائل يزيد للوليد الآمرة له بقتله «عليه السلام»، قد وصلت إلى مسامع الإمام أيضاً.
ومن حق من يرى أنه يتعرض لخطر القتل: أن يحذر، وأن يعمل على أن لا يكون عدوه هو المتحكم بقراره وبمصيره بصورة تامة، ومطلقة، أو أن يخضعه لإرادته، وأن يعمل على ابطال تدبیره ورد
كيده إلى نحره.
والإمام الحسين «عليه السلام» وإن كان يعلم أنه مقتول لا محالة، ولكنه يريد أن لا يكون هذا القتل سبباً في طمس معالم الدين، كما يريد يزيد وبنو أمية، بل يريد أن يجعل من شهادته سببا في عزة الدين، وقوته، وانطلاقته في الأمة من جديد.
ولأجل ذلك كان يريد أن يكون هو الذي يختار، مكان الاستشهاد، ويهيئ ظروف الفضيحة ليزيد وسائر بني أمية، وأن لا يدع أية فرصة لهم لتشويه الحقيقة وطمسها، وأن يمنع من تأثير الشائعات الخبيثة، والاتهامات والأباطيل الرديئة والدنيئة، التي تحاول تبرئتهم من جرائمهم، وتحسين وتلميع صورتهم بعد كل هذا الذي ارتكبوه في حق الإسلام وأهله.
الثالث: إن الأمر الذي أصدره الإمام الحسين «عليه السلام» لابن الحنفية: بأن يكون له عيناً في المدينة، يجعل ابن الحنفية مشاركاً فعلاً في حفظ أهداف كربلاء، ويعطي التفسير المعقول لسبب تخلفه عن حضور المعركة، والاستشهاد كما سيتضح إن شاء الله تعالى..
ويلاحظ:
أولاً: أن الإمام الحسين «عليه السلام» قد خاطب أخاه بما يدل على أنه يرخص له بالبقاء في المدينة، لإنجاز مهمة أو كلها إليه، فقد قال له: «لا عليك أن تقيم الخ..».
ولم يقل له: أقم في المدينة، وافعل كذا ، فقد تحاشى هذه الصيغة التي تفيد الحتم والجزم، وعدم الخيار، لأنه:
ألف: يريد أن يكون رفيقا بأخيه.
ب: يريد أن ينيله ثواب الاختيار للطاعة، الذي لا تشوبه شائبة الشعور بالإلزام من قبل إمامه الذي يرى وجوب طاعته.
ج: إن هذا النص يدفع الطعن الذي يحاول البعض توجيهه إلى ابن الحنفية، بحجة تخلفه عن نصرة أخيه في كربلاء.. فإنه تخلف عنه بأمر منه «عليه السلام».. إلا أن يقال: إنه «عليه السلام» قد جعل
أخاه محمداً عينا له في المدينة، وبعد ذلك ارتفعت الحاجة إلى ذلك.
وقد يناقش فيما يدَّعى من ارتفاع الحاجة إلى ذلك، فإن (الأشدق) انتقل من مكة إلى المدينة، وجهَّز السرايا للقبض على ابن الزبير الذي كان قد خرج من مكة إلى المدينة.
ثانياً: روى المبرد: أنه قد جيء بدرع إلى أمير المؤمنين «عليه السلام»، فطلب عليه السلام من ولده محمد ابن الحنفية أن يقصرها، فأخذها وجمعها بكلتا يديه، وجذبها ، فقطع الزائد من الموضع الذي حده له أبوه، وكان ابن الزبير يحسده على قوته هذه، وإذا ذكرت عنده هذه القضية اعتراه أفكل (أي رعدة)(1).
لكن ابن طاووس نقل عن أبي مخنف: أن هذه القضية قد حصلت لابن الحنفية في درع من نسج داود أهديت لأخيه الحسين «عليه السلام»، فأصابته نظرة ، فصارت أنامله تجري دما مدة، ولهذا لم يخرج مع الحسين «عليه السلام» يوم كربلاء، لأنه ما كان يقدر أن يقبض
1) الكامل في الأدب للمبرد ج 3 ص 266 والوافي بالوفيات ج4 ص 76 والجوهرة في نسب علي وآله ص 59 والدر النظيم ص 439 وربيع الأبرار ج3 ص 325.
قائم سيف، ولا كعب رمح(1).
قالوا: فأصابته عين بسبب ذلك، فخرج بيده خراج، وعطل يده(2).
وقال ابن نما: أصابته قروح من عين نظرت إليه، فلم يتمكن من الخروج مع الحسين «عليه السلام»(3).
وقال الحلي: نقل أنه كان مريضاً(4).
غير أن من الواضح: أن من تعطلت يده يبقى قادرا على أن يكون عينا للحسين «عليه السلام» على أعدائه.
ثالثاً: روي عن محمد ابن الحنفية قوله عن أصحاب الإمام الحسين «عليه السلام»: «وإن أصحابه عندنا لمكتوبون بأسمائهم، وأسماء آبائهم»(5).
1) الملهوف ص 164 وكتاب حكاية المختار في أخذ الثار برواية أبي مخنف (ط المكتبة الحيدرية) ص 33 وعن معالي السبطين ج 1 ص229 وأسرار الشهادة ص 246 ومقتل الحسين ومصرع أهل بيته ص61.
2) زهر الربيع (ط دار العماد) ص 489.
3) أخذ الثأر لابن نما ص81.
4) أجوبة المسائل المهنائية ص 38 وبحار الأنوار ج 42 ص 110 والأنوار العلوية ص 438.
5) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 53 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 211 ومدينة المعاجز ج 3 ص 503 و 504 وبحار الأنوار ج 44 ص 185 ومستدرك سفينة البحار ج 6 ص 201 وإبصار العين في أنصار الحسين ص13.
رابعاً: روى الصفار بسنده عن حمزة بن حمران قال: قال أبو عبد الله «عليه السلام» يا حمزة، إني سأحدثك في هذا الحديث، ولا تسأل عنه بعد مجلسنا هذا إن الحسين لما فصل متوجها دعا بقرطاس
وكتب:
بسم الله الرحمن الرحيم
من الحسين بن علي إلى بني هاشم..
أما بعد فإنه من لحق بي منكم استشهد معي، ومن تخلف لم يبلغ الفتح والسلام(1).
كأنه «عليه السلام» أراد أن يصرف عنان الكلام إلى ما هو أجدى ، وأعظم نفعاً فهو يقول لنا: لا فائدة من البحث عن أعذار الأشخاص الذين تخلفوا عن كربلاء، لأن الأمر يبقى محصوراً بالشخص وحالاته ومشكلاته، ولعلنا لا نصل إلى نتيجة في كثير من
1) بصائر الدرجات ج 1 ص 481 و (ط الأعلمي سنة 1404هـ) ص 501 و 502 ومختصر بصائر الدرجات ص6 ودلائل الإمامة ص187 و 188 ونوادر المعجزات ص 109 و 110 ومدينة المعاجز ج 3 ص 461 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 318 والدر النظيم ص 532 والملهوف ص 40 و 41 وبحار الأنوار ج 42 ص 81 و ج 45 ص 84 و 85 وراجع مثير الأحزان ص 27 والخرائج والجرائح ج 2 ص 771 و 772 وذوب النضار ص 29 ومستدرك سفينة البحار ج 9 ص 46.
الأمور، لأسباب مختلفة. ولكننا نعلم علم اليقين أن من تخلف عن الحسين عليه السلام يكون قد حرم من فوز عظيم، وشرف لا يضاهي، وهو شرف شهادة لا تضاهيها شهادة لمن مضى ومن غبر . فلماذا نشغل أنفسنا فيما لا طائل تحته، وفائدة؟!
هذا الجواب هو من أجل إفهامنا: أن علينا أن نملك المعايير التي تمكننا من تحديد أولوياتنا. كما أن صرف الحديث إلى هذا الجانب يظهر عظمة أصحاب الحسين «عليه السلام»، ويزيد من ارتباط الناس بهم، ومحبتهم لهم، والسعي للتأسى بهم.
خامساً: روي عن علي عليه السلام» قوله: إن المحامدة تأبى أن يعصى الله عز وجل.
قلت: ومن المحامدة؟!
قال: محمد بن جعفر، ومحمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حذيفة، ومحمد بن أمير المؤمنين(1).
1) إختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ص 70 و (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث سنة 1404 هـ) ج 1 ص 286 (125) ومنتهى المقال ج 5 ص 293 ونقد الرجال للتفرشي ج 4 ص 97 وجامع الرواة للأردبيلي ج 2 ص 45 ومستدركات علم رجال الحديث للنمازي ج 6 ص 374 ومعجم رجال الحديث للسيد الخوئي ج 15 ص 247 وقاموس الرجال للتستري ج 9 ص 19 و 158 و 243 وبحار الأنوار ج 33 ص 242 وج 34 ص 282 3 والغارات للثقفي ج 2 ص 752.
وهذه شهادة جميلة وجليلة، وهي تكفي للدلالة على أن ابن الحنفية لو كان قادراً على نصر أخيه بأكثر مما طلبه منه «عليه السلام»، لم يتوان عن ذلك.
وما دمنا قد أشرنا إلى تخلف عمر بن علي عن كربلاء، وإلى سبب تخلف ابن الحنفية عن كربلاء، فإننا نشير إلى تخلف ابن عباس وعبد الله بن جعفر عنها، فإن ثمة من يسأل عن ذلك أيضاً، فنقول:
هناك من يتساءل عن سبب عدم حضور ابن عباس في كربلاء، ويعتبر ذلك من أسباب الطعن عليه، ومن موجبات الريب في ولائه لأهل البيت «عليهم السلام».
ويمكن أن يجاب:
أولاً: بأننا لم نجد في تاريخ ابن عباس إلا التسليم والتعظيم، والتكريم لعلي والحسن والحسين «عليهم السلام»، والدفاع عن مواقفهم، وسياساتهم وقضاياهم.
وقد قال للإمام الحسين «عليه السلام» في أحدى محاوراته: «إن نصرك لفرض على هذه الأمة كفريضة الصلاة والزكاة التي لا يقدر أن يقبل أحدهما دون الأخرى»(1).
1) الفتوح لابن أعثم ج ص 23 - 26 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 278 - 281.
ثانياً: روي أن الحسين «عليه السلام» قال لابن عباس في أحدى محاوراته معه: «فامض إلى المدينة في حفظ الله وكلائه، ولا تخف علي شيء من أخبارك، فإني مستوطن هذا الحرم، ومقيم فيه أبدأ ما رأيت أهله يحبوني وينصروني، فإذا هم خذلوني استبدلت بهم غيرهم»(1)وهذا إذن صريح منه لابن عباس بالبقاء بالمدينة، مع إيكال مهمة رقابته إليه.
ثالثاً: لقد كف بصر ابن عباس في أواخر عمره، ويشهد لذلك، بل يدل عليه:
ألف: إنه يقال: إن معاوية عيره بذلك، فقال: أنتم يا بني هاشم تصابون في أبصاركم.
فقال له ابن عباس وأنتم يا بني أمية تصابون في بصائركم(2).
وإنما قال له معاوية ذلك، لأن ثلاثة منهم أصيبوا بالعمى، وهم في نسق واحد، وهم عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، فيكون فقده بصره
1) المصدران السابقان.
2) المعارف لابن قتيبة ص 325) و (ط 2 دار المعارف بمصر سنة 1969م) ص 589 والمستجاد من فعلات الأجواد للقاضي التنوخي ص 247 وربيع الأبرار ج 5 ص 37 وعيون الأخبار لابن قتيبة ج 2 ص 229 وراجع: إعجاز القرآن للباقلاني ص 84 وتفسير السمعاني ج 3 ص 445 ولسان العرب ج 4 ص 65 وتاج العروس ج 6 ص 91 وعن محاضرات الأدباء للراغب الأصفهاني ج 2 ص 290.
هو الذي منعه من المشاركة في كربلاء، كما يفهم من كلام ابن كثير في البداية والنهاية.
ب: يشهد لذلك أيضاً: أن سعيد بن جبير كان يقوده بعدما كف بصره(1)وقد ذكر مسروق: أن ابن عباس قد كف بصره في آخر عمره(2)، ومسروق هذا مات سنة 62 أو 63 للهجرة(3). أي أن بصر ابن عباس قد كف قبل ذلك بمدة كما هو ظاهر لحن الكلام.
ج: يشهد له، بل يدل عليه ما رواه الشيخ عن ابن عباس، قال: «بينما أنا راقد في منزلي، إذ سمعت صراخاً عظيماً عالياً من بيت أم سلمة زوج النبي «صلى الله عليه وآله»، فخرجت يتوجه بي قائدي إلى منزلها، وأقبل أهل المدينة إليها، الرجال والنساء».
ثم ذكر أنها أخبرتهم باستشهاد الإمام الحسين «عليه السلام» من
1) تنقيح المقال ج 2 ص 191 وشرح الأخبار ج 1 ص 439 وكشف الغمة ج 1 ص 107 وكشف اليقين ص 232 :و راجع فهرست منتجب الدين ص351 وجمهرة خطب العرب ج 2 ص 125 وأعيان الشيعة ج 3 ص 520 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 6 ص 431.
2) إختيار معرفة الرجال ج 1 ص 272 وتنقيح المقال ج 2 ص 191 وراجع: الأعلام للزركلي ج 4 ص 95 ودلائل النبوة للبيهقي ج 6 ص 478.
3) سير أعلام النبلاء ج 4 ص 68 والغارات للثقفي ج2 ص907 وعمدة القاري ج 1 ص 223 وتحفة الأحوذي ج 1 ص 63 وقاموس الرجال ج10 ص 52 .
خلال القارورة التي أودعها إياها الرسول (صلى الله عليه وآله»، والرؤيا التي رأتها في ذلك اليوم(1).
فمنزل ابن عباس كان قريباً من منزل أم سلمة حتى لقد سمع الصراخ وهو في بيته، وقد احتاج إلى قائده لكي يوصله إلى بيت سلمة، وهذا يؤيد ما قلناه من أنه كان قد كف بصره..
لأنه لا يحتاج إلى قائد إلا في هذه الحالة، ولو كان ما يشتكي منه ابن عباس هو العجز لاحتاج إلى معين لا إلى قائد كما هو ظاهر ..
د: ويشهد لذلك أيضاً قول المسعودي وكان قد ذهب بصره لبكائه على علي، والحسن والحسين «عليهم السلام»(2).
وفي بعض النصوص اقتصر على ذكر بكائه على علي «عليه السلام»(3)، وربما شح بصره أو استمر بالضعف حتى انتهى إلى أن
1) الأمالي للطوسي ص 314 و 315 وبحار الأنوار ج 45 ص230 و 227 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 213 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 508 و 507.
2) مروج الذهب ج 3 ص 108 و (منشورات دار الهجرة سنة 1404هـ) ج3 ص 01 10 وشجرة طوبى ج 1 ص 42 وإختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ج 1 ص 271.
3) سفينة البحار ج 6 ص 128 عن مدينة الحكمة وعن تيسير المطالب في آمالي الإمام أبي طالب ليحيى بن الحسين الهاروني (ط بيروت سنة 1395 هـ).
يصبح كفيفا.
وهناك من يسأل أيضاً عن سبب عدم حضور عبد الله بن جعفر واقعة كربلاء.
ونجيب:
أولاً: بمثل ما تقدم حول ابن عباس، من أن مواقف عبد الله بن جعفر الدالة على إخلاصه لعلي والحسنين «عليهم السلام» كثيرة.
ثانياً: ورد في زيارة الناحية الصادرة عن الإمام العسكري سنة 252 هجرية قوله « عليه السلام»:
«السلام على محمد بن عبد الله بن جعفر الشاهد مكان أبيه، والتالي لأخيه، وواقيه ببدنه لعن الله قاتله عامر بن نهشل التيمي»(1).
ثالثاً : إن التاريخ لم يكشف لنا تفاصيل حياة عبد الله بن جعفر، لنرى إن كان ما منعه عن حضور كربلاء هو:
1 - مرض ألم به؟! كما يقوله الشيخ جعفر النقدي «رحمه الله»
1) راجع: المزار لابن المشهدي ص 491 وإقبال الأعمال ج 2 ص 83 و (ط مكتب الإعلام الإسلامي سنة 1416هـ) ج 3 ص 76 وبحار الأنوار ج 45 ص 68 وج 98، ص 271 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 337 ومصباح الزائر ص 280.
حيث قال: «أما عدم خروجه مع الحسين «عليه السلام» إلى كربلاء، فقد قيل: إنه مكفوف البصر»(1).
2 - أو أن مسير زوجته السيدة زينب الكبرى «عليها السلام» وعدد من أولاده قد جعله يكتفي بهم عن الحضور بشخصه؟!
3 - أو أن مسيرهم أوجد له موانع عن السفر بنفسه؟!
4 - أو أن ولاة المدينة قد منعوا الهاشميين من الالتحاق بالإمام الحسين «عليه السلام»، وضيقوا عليهم. كما دل عليه محاولة منع الحسين «عليه السلام» نفسه من المسير، كما سيأتي إن شاء الله.
5 - أو أن الإمام الحسين «عليه السلام» نفسه قد أعفاه من ذلك.
6 - أو أوكل إليه مهمة بعينها ..
إن كل ذلک يبقى في دائرة الاحتمال، فلا يمكن الحكم على هذا الرجل الجليل والناصر لعلي وللحسن والحسين «عليهم السلام» بالانحراف، إذا لم نقف على الظروف التي كانت تحيط به.
1) زينب الكبرى ص 87.
قالوا:
ثم دعا الحسين «عليه السلام» بدواة وبياض، وكتب فيه:
بسم الله الرّحمن الرّحيم
هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب لأخيه محمد ابن الحنفية المعروف، ولد علي بن أبي طالب «عليه السلام»:
إن الحسين يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله جاء بالحق من عنده، وأن الجنة والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.
وإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا، ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب النجاح والصلاح في أمة جدي محمد «صلى الله عليه وآله».
أريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي محمد «صلى الله عليه وآله»، وسيرة أبي علي بن أبي طالب «عليه السلام»، وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين «رضي الله عنهم».
فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن ردَّ عليَّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، ويحكم بيني وبينهم بالحق، وهو خير الحاكمين.
هذه وصيتي إليك يا أخي، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنیب.
والسلام عليك وعلى من اتبع الهدى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قال: ثمَّ طوى الكتاب الحسين، وختمه بخاتمه، ودفعه إلى أخيه محمد ابن الحنفية (1).
ونقول:
هناك أمور ينبغي التوقف عندها، ونذكر منها ما يلي:
إن مضمون الوصية - كما هو واضح - إنما يعني به الأمة كلها
في جميع الدهور والعصور ويمس حياتها، ووجودها ومستقبلها وهو يتضمن إعلانا لأهداف حركته العظمى، وليس فيها أية
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 20 - 22 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 188 وذكر هذا النعماني في مصادر أخرى بعضها لم يصرح بسيرة الخلفاء الراشدين، فراجع بحار الأنوار ج 44 ص 329 و 330 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 179 ولواعج الأشجان ص30 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 89 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 241.
إشارة إلى أي شيء يرتبط بابن الحنفية كشخص، أو بعلاقته به كأخ، وما إلى ذلك..
فلماذا إذن خص «عليه السلام» الخطاب في الوصية بأخيه يا تری؟!
ويمكن أن يقال في الجواب:
لعل من أسباب توجيه الخطاب إليه هو: أن يعرف الناس أن خطابه عليه السلام واحد لجميع الفئات من قرب منها ومن بعد، لأنه يحمل قضية، ونهجاً، ورسالة ودينا ومسؤولية إلهية، ويراعي مقتضياتها وحاجاتها. ولا يخلط بينها وبين رغباته وحاجاته كشخص أو لصالح فئة أو عشيرة، أو طبقة، أو ما إلى ذلك. وما يقوله سرا هو نفسه الذي يقوله جهراً.
ولأجل ذلك جاء خطابه لأخيه صورة طبق الأصل عن الخطاب للناس کلهم.
كما أنه «عليه السلام» لا يفرق في تعامله بين ولده وأخيه وبين أي شخص آخر مهما كان جنسه أو لونه، أو حاله، حراً كان أو مولى عربياً أو غير عربي.. ولذا فإنه «عليه السلام» في يوم عاشوراء قبل أن يضع خده على خد ولده حين استشهد، قد وضع خده على خد مولى تركي اسمه واضح، بعد أن صرح في القتال، فاستغاث بالحسين «عليه السلام»، فجاءه وهو يجود بنفسه، ففتح عينيه فرأى الحسين «عليه السلام»، فتبسم.
وفي نص آخر: فقال من مثلي وابن رسول الله واضع خده على خدي، ثم فاضت نفسه الطاهرة(1).
ومن جهة أخرى، فلكي نقف على بعض مرامي كلامه «عليه السلام» في هذه الوصية نحتاج إلى بيان أمور تساعدنا على ذلك، فنقول:
إن الناس بعد إسلامهم، وبعد فتح بلادهم كانوا يحبون أن يعرفوا دينهم وأحكامه، وأخلاقه وسياساته وتاريخ نبيه «صلى الله عليه وآله»، وكل ما يرتبط به.
وكان السبيل الوحيد لهم إلى ذلك هو سؤال من عاش مع الرسول «صلى الله عليه وآله»، ورأى، وسمع، وشارك في كثير من الأمور. والمورد الأبرز والأقرب إليه «صلى الله عليه وآله»، والعارف بالدقائق والتفاصيل، هم أهل بيت النبي «صلى الله عليه وآله» بالدرجة الأولى، ثم صحابته الذين عاشوا معه بدرجة تالية، فكانت المدينة محط أنظارهم، وموئل آمالهم ولكن الأمور قد خرجت لتسير في منحى آخر، وباتجاهات أخرى، لا تبشر بخير، كما سنلمح إليه
1) راجع بحار الأنوار ج 45 ص 30 ولواعج الأشجان ص 147 وأعيان الشيعة ج 3 ص 303 و 304 والعوالم ج 1 ص273 وإبصار العين للسماوي ص 85 و (الطبعة الأولى سنة 1419) ص 96 و 145.
فيما يلي من فقرات.
من المعلوم أنه من لحظة رحيل رسول الله «صلى الله عليه وآله» عن هذه الدنيا، وقبل أن يدفن تم الإستيلاء على مقام الحكم بعده «صلى الله عليه وآله». وهذا قد أوجد ظروفاً ومناخات ليست طبيعية.
بل قد نشأت عنها كوارث حلت بالدين وأهله، وغيرت مسار الأمور باتجاهات عشوائية ومؤذية للدين وأهله، ولا تزال إلى يومنا هذا.
وأهم ما في الأمر: أن الحكام الجدد، وجدوا أنفسهم أمام متطلبات محرجة لهم، تفرض عليهم إيجاد حلول ومعالجات ومخارج لأنفسهم منها.
ومن أهمها: أن ذلك قد كرس انقساماً عميقاً، وتمايزاً تنامى وتطور، وأصبح له جذور وآثار خطيرة على مسار الإيمان والعقيدة، والفقه في الأمة، ومنهج التفكير فيها بصورة عامة.
فمثلاً إذا كان الحاكم الجديد يقدم نفسه على أنه خليفة الرسول «صلى الله عليه وآله»، ويضطلع بمهماته، ويقوم بوظائفه، وكان النبي «صلى الله عليه وآله» يقضي بين الناس بما أراه الله، فإن المفروض بالخليفة أن يقضي بينهم، أو أن ينصب لهم قضاة من قبله، ويبقى هو المرجع لأولئك القضاة فيما يواجههم من مشكلات، والملجأ لهم في المعضلات
فإذا قضى هذا الحاكم بخلاف ما أنزل الله، أو بخلاف ما قضى به رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فإن موقعه سوف يهتز، وسيتعرض للنقد، والمطالبة، والأخذ والرد، وربما انتهى الأمر إلى التجريح الذي يضطره إلى التراجع فإذا أصر على خطئه، فإن هذا سيكون هو الأشرُّ والأضر، والأدهى والأمر.
ومن وظائف رسول الله «صلى الله عليه وآله»: أنه يفتي الناس، ويعلمهم شرائع دينهم، ويسألونه عما خفي عنهم، فإذا أفتى المدعي للخلافة بخلاف ما أنزل الله في كتابه، أو بخلاف ما سنه النبي، أو بما يغاير ما سمعوه منه «صلى الله عليه وآله»، فإن الإعتراضات أيضاً سوف تتوالى، والاستهانة بالمدعي للخلافة وبعلمه سوف تتضاعف
وهكذا يقال: إذا سئل هذا الحاكم عن المعارف الدينية، وطرحت عليه المسائل الصعبة ولاسيما من أهل الملل الأخرى الذين كانوا يتوافدون على المدينة من كل اتجاه..
وإذا اتخذ قرارات سياسية، أو أساء في تربية الأمة على الأخلاق الفاضلة، فإن الأمر سوف يزداد سوءاً، والخرق اتساعاً.
وهذا كله سوف يحرج الحاكم، ويضعف ثقة الناس به، ويجرؤهم عليه، ويضعف سلطته عليهم.. وربما تفاقمت الأمور إلى حد مواجهته بما لا تحمد عقباه، كما جرى لعثمان بن عفان.
فبادر هؤلاء إلى اتخاذ إجراءات رأوا أنها تخرجهم من مأزقهم .هذا وكان لها أعظم الضرر على الدين وأهل الدين، ولم تزل آثارها
الكارثية وستبقى ماثلة للعيان عبر العصور والدهور، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وهذه الإجراءات والقرارات المدمرة التي اتخذوها كثيرة، نذكر منها:
1 - المنع من رواية حديث رسول الله «صلى الله عليه وآله» وسننه إلا بشاهدين، فلم يعد بإمكان أحد أن يحتج على المدعي للخلافة بقول أو بفعل رسول الله «صلى الله عليه وآله».
2 - المنع من الفتوى إلا للأمير، ومن أقوال عمر بن الخطاب المشهورة: كيف تفتي الناس، ولست بأمير ؟! ولي حارها من ولي قارها.
ولكنهم سمحوا بالفتوى أيضاً لبضعة أشخاص، لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد الواحدة، لاطمئنانهم بأنهم لا يفتون بما يضرهم، بل هم حريصون على تأييد ،خطهم، وتقويته ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً..
3 - المنع من كتابة حديث رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وقد بقي عمر بن الخطاب شهراً يجمع ما كتبه الصحابة عنه صلى الله عليه وآله» بحجة أنه يريد أن يكتب سنة رسول الله «صلى الله عليه وآله» في سياق واحد، وكتاب فارد.
ولكن هذا المدعي للخلافة بعد أن جمع ما قدر عليه من ذلك خطب الناس، وذكر لهم أعاليل أخرى برر بها ما يريد فعله، ثم أمر بإحراق ما اجتمع لديه مما كتبه الصحابة من حديثه «صلى الله عليه وآله»..
4 - المنع من السؤال عن معاني آيات القرآن، وعقوبة من يفعل ذلك.. وقد اتخذ عمر بن الخطاب هذا الإجراء بعد ظهور فشل الخلفاء المتغلبين في الأجوبة على الأسئلة التي كانت تطرح عليهم.
5 - المنع من العمل بسنة النبي «صلى الله عليه وآله»، وضرب من يفعل ذلك.
6 - لقد جمع هذا الخليفة المتغلب الصحابة من الآفاق، وطالبهم بما أفشوه من حديث رسول الله «صلى الله عليه وآله». ثم أمرهم بالمقام عنده، وأن لا يفارقوه ما عاش فبقوا في المدينة إلى أن مات وقد استمر هذا المنع من رواية الحديث وكتابته وغير ذلك مما تقدم ما يقرب من ألف شهر.
7 - لقد سمحوا للقصاصين من أهل الكتاب باحتلال مساجد المسلمين وبث ترهات بني إسرائيل بين الناس، واختلقوا للناس حديثاً يقول: حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج..
وصار الخلفاء المتغلبون أنفسهم يحضرون تلك المجالس. وصاروا أيضاً يشجعون الشعراء، والنسابين. ربما ليكون ذلك ملهاة لهم عن الأمور التي يراد تكريسها.
وكان من نتائج هذه السياسات، ما أشارت إليه النصوص التالية:
1 - عن الإمام علي «عليه السلام» قال: لم يكن الذي كان منافسة متا في سلطان، ولا التماس شيء من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك.. ونظهر الإصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطلة من حدودك ..(1)
وهذا معناه: أن معالم الدين كانت قد طمست وذهبت، حتى في زمن أمير المؤمنين عليه السلام»..
2 - وعلي «عليه السلام» هو القائل: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لا يَبْقَى فِيهِمْ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا رَسَمُهُ ومِنَ الإسلام إِلَّا اسْمُه»(2).
3 - روى بن أنس إمام المالكية، عن عمه أبي سهيل بن مالک، عن أبيه، أنه قال:
«ما أعرف شيئاً مما أدركت الناس عليه إلا النداء بالصلاة»(3).
1) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 2 ص 13 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 194 والمعيار والموازنة ص 277 وتحف العقول ص 239 وبحار الأنوار ج 34 ص 110 وج 74 ص 295 والسقيفة للمظفر ص158 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 8 ص 263 وحياة الإمام الحسين «عليه السلام» للقرشي ج 1 ص310.
2) الكافي ج 8 ص 308 ونهج البلاغة ( بشرح عبده) ج 4 ص 87 و 88 وشرح نهج البلاغة لابن ميثم ج 5 ص 423 وبحار الأنوار ج 34 ص 320.
3) الموطأ (المطبوع مع تنویر الحوالک) ج1 ص92 و جامع بیان العلم ج2 ص 244.
قال الزرقاني، والباجي:
«يريد الصحابة، وأن الأذان باق على ما كان عليه، ولم يدخله تغيير، ولا تبديل بخلاف الصلاة، فقد أخرت عن أوقاتها، وسائر الأفعال دخلها التغيير الخ..»(1).
4 - أخرج الشافعي من طريق وهب بن كيسان، قال: رأيت ابن الزبير يبدأ بالصلاة قبل الخطبة، ثم قال:
«كل سنن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قد غيرت، حتى الصلاة»(2).
5 - يقول الزهري دخلت على أنس بن مالك بدمشق، وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟! فقال: لا أعرف شيئاً مما أدركت إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضيعت»(3).
1) شرح الموطأ للزرقاني ج 1 ص 221 وتنوير الحوالك ج1 ص93 عن الباجي.
2) معرفة السنن والآثار ج 3 ص 46 وكتاب الأم للشافعي ج 1 ص208 والغدير ج 8 ص 166 عنه.
3) صحيح البخاري (ط دار الفكر ) ج 1 ص 134 وجامع بيان العلم ج2 ص 244) و (ط دار الكتب العلمية ) ج 2 ص 200 والطرائف لابن طاووس ص 378 والصراط المستقيم ج 3 ص 231 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 267 وبحار الأنوار ج 28 ص 31 و 32 وشعب الإيمان ج 3 ص 134وكشف المشكل ج 3 ص 274 وتغليق التعليق ج 2 ص 250 وتاريخ مدينة دمشق ج 9 ص 335 وتهذيب الكمال ج 19 ص 367 والدرجات الرفيعة ص 31 والتعديل والتجريح للباجي ج 2 ص 1016 ونفس الرحمن ص596 وفلك النجاة لفتح الدين الحنفي ص 240 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 9 ص 106 وسؤالات الحاكم للدارقطني ص290 ونهج الحق ص 316 وإحقاق الحق (الأصل) ص 270 وراجع المصادر التالية: ضحى الإسلام ج 1 ص 365 والزهد والرقائق ص 31 وفي هامشه عن الطبقات الكبرى لابن سعد ترجمة أنس، وعن الترمذي، وعن البخاري ج 1 ص 141.
6 - وقال الحسن البصري:
«لو خرج عليكم أصحاب رسول الله «صلى الله عليه وآله» ما عرفوا منكم إلا قبلتكم»(1).
ونقول:
حتى القبلة قد غيرت، وجعلوها إلى بيت المقدس، حيث الصخرة قبلة اليهود، كما أوضحناه في كتاب الصحيح من سيرة النبي الأعظم «صلى الله عليه وآله» ج.1
7 - وقال أبو الدرداء:
«والله لا أعرف فيهم من أمر محمد «صلى الله عليه وآله» شيئاً
1) جامع بيان العلم ج 2 ص 244 و (ط دار الكتب العلمية) ج 2 ص 200 ومكاتيب الرسول ج 1 ص 669.
إلا أنهم يصلون جميعاً»(1).
8 - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال:
«لو أن رجلين من أوائل هذه الأمة خلوا بمصحفيهما في بعض هذه الأودية، لأتيا الناس اليوم، ولا يعرفان شيئاً مما كانا عليه»(2).
وعن الإمام الصادق «عليه السلام» - وقد ذكرت هذه الأهواء عنده، فقال:
«لا والله ما هم على شيءٍ مما جاء به رسول الله «صلى الله عليه وآله» إلا استقبال الكعبة فقط»(3).
9 - وحينما صلى عمران بن حصين خلف علي «عليه السلام» أخذ بيد مطرف بن عبد الله، وقال:
«لقد صلى صلاة ،محمد، ولقد ذكرني صلاة محمد «صلى الله عليه وآله»..».
وكذلك قال أبو موسى حينما صلى خلف علي «عليه السلام»(4).
1) مسند أحمد بن حنبل ج 6 ص 244 و (ط دار صادر ) ج 6 ص 443 ومكاتيب الرسول ج 1 ص 670.
2) الزهد والرقائق ص 61.
3) بحار الأنوار ج 65 ص 91 وج 81 ص 58 وقصار الجمل ج 1 ص 366 والمحاسن للبرقي ج 1 ص 156 ومستدرك الوسائل ج 3 ص 169 والفصول المهمة للحر العاملي ج 1 ص 578.
4) راجع: أنساب الأشراف (ط الأعلمي) ج 2 ص 180 والسنن الكبرى للبيهقي (ط دار الفكر) ج 2 ص 68 و 134 وصحيح البخاري ج 2 ص 209 و (ط دار الفكر) ج 1 ص 191 و 209 وصحيح مسلم ج 1 ص 295 و (ط دار الفكر) ج 2 ص 8 وسنن النسائي ج 1 ص 164 و (ط دار الفكر) ج 2 ص 204 و ج 3 ص 2 وعمدة القاري ج 6 ص 57 و 59 و 100 والمعجم الكبير ج 17 ص 287 و ج 18 ص 117 و 126 ومسند أحمد ج 4 ص 428 و 429 و 440 و 441 و 444 و 400 و 411 و 415 و 392 في موضعين و 432 وسنن أبي داود ج 5 ص 84 و ط دار الفكر ج 1 ص 192 والتمهيد لابن عبد البرج 9 ص 176 وكشف المشكل لابن الجوزي ج 1 ص 474 و 475 والجامع لأحكام القرآن ج 1 ص 172 وسبل الهدى والرشاد ج 8 ص 113 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 8 ص 603 وج 31 ص 147 وفلك النجاة لفتح الدين الحنفي ص 240 والغدير ج 9 ص 66 وج 10 ص 202 ومجمع الزوائد ج 2 ص 131 وفتح الباري ج 2 ص 209) و (ط دار المعرفة) ج 2 ص 224 وعون المعبود ج 3 ص 45 وشرح معاني الآثار ج1 ص221 و 267 وعلل الدارقطني ج7 ص223 و 224 والمصنف للصنعاني ج 2 ص 63 والمصنف لابن أبي شيبة ج1 ص 241 و (ط دار الفكر ) ج 1 ص 272 وسنن ابن ماجة ج 1 ص 296.220 وكنز العمال ج 8 ص 143 و (ط مؤسسة الرسالة) ج 8 ص 162 و 220 وعن مسند أبي عوانة ج 2 ص 105 وكشف الأستار عن مسند البزار ج1 ص 260 والبحر الزخار ج 2 ص 254.
10 - وأخيراً، فقد ذكروا : أن الناس والهاشميين في زمن السجاد «عليه السلام» إلى أن مضت سبع سنين من إمامة الباقر «عليه
السلام» «كانوا لا يعرفون كيف يصلون، ولا كيف يحجون»(1).
فإذا كانت الصلاة التي هي عمود الدين والركن الأعظم في الإسلام، ويؤديها كل مسلم خمس مرات يومياً، كان لا يعرف حدودها وأحكامها أقرب الناس إلى مهبط الوحي والتنزيل، الذين يفترض فيهم أن يكونوا أعرف من كل أحد بالشريعة وأحكام الدين، فكيف تكون حالة غيرهم من أبناء الأمة، الذين هم أبعد عن مصدر العلم والمعرفة، وما هو مدى اطلاعهم على أحكام الشريعة يا ترى؟!.
وإذا كانت أوضح الواضحات قد أصبحت مجهولة إلى هذا الحد، فما هو مدى معرفة الناس، وبالأخص البعيدين منهم عن مصدر العلم والمعرفة، بالأحكام الأخرى، التي يقل الابتلاء بها، والتعرض لها،
والسؤال عنها؟!
ثم جاءت بعد ذلك مرحلة ابتكار وسائل وسياسات تحمي هذا النهج الانحرافي وكان حصيلة جهدها هذا حفنة من القرارات العجيبة والغريبة.
وحيث إن الإلمام بهذه القرارات بالاعتماد على النصوص يحتاج إلى جهد ووقت فإننا نكتفي بذكر عناوينها، وفق ما ورد في فهرس: الجزء الأول من كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم «صلى الله
1) كشف القناع عن حجية الإجماع ص 67.
254
عليه وآله»، وهو التالي:
1 - الصحابة كلهم عدول.
2 - من هو الصحابي؟!
3 - صحابية المرتد.
4 - السكوت عما شجر بين الصحابة.
5 - من ينتقد الصحابة زنديق.
6 - لا يفسق الصحابي بما يفسق به غيره
7 - حتمية توبة الصحابي.
8 - ذنب البدري يقع مغفوراً.
9 - الصحابة مجتهدون.
10 - إجماع الأئمة المهتدين.
11 - رأي الصحابي حيث لا نص.
12 - الاجتهاد في مقابل النص كرامة للصحابة .
13 - الصحابة يشرعون وفتاواهم سنة.
14 - سنة الشيخين والخلفاء وعثمان حجة.
15 - حجية سنة كل إمام عادل.
16 - حجية سنة وفتوى كل أمير.
17 - رأي الصحابي أقوى من رأي غيره.
18 - قول الصحابي يعارض الحديث الصحيح.
19 - عمل الصحابي يوجب ضعف الحديث.
20 - مراسيل الصحابة.
21 - تصويب الصحابة وغيرهم في اجتهاد الرأي.
22 - النبي (صلّی الله علیه وآله وسلم) يجتهد ويخطئ.
23 - سهو النبي (صلّی الله علیه وآله وسلم) ونسيانه.
24 - عصمة الأمة عن الخطأ.
25 - دعوى أن الإجماع: نبوة بعد نبوة.
26 - ظن المعصوم لا يخطئ.
27 - اجتهاد الفقهاء يقدم على النص.
28 - ادعاء حجية القياس والرأي، والاستحسان
29 - ما دل عليه القياس ينسب للنبي (صلّی الله علیه وآله وسلّم).
30 - لا اجتهاد بعد اليوم.
من ترك التقليد خرج من الإسلام
تكريس المذاهب بالأموال.
التمهيد للتقليد.
مع تبريرات وجدي.
لا اجتهاد عند الفريسيين في اليهود.
31 - التقديس الأعمى حتى للحديث المكذوب.
32 - أصح الكتب بعد القرآن.
33 - هذا الإجماع ظن لا يخطئ.
رواية الصحاح عن الخوارج والمبتدعة.
الرواية عن الرافضة والشيعة .
التناقض في المواقف.
ألف: الخوارج.
ب: أهل البدع.
ج: الشيعة والرافضة.
العلاج المتطور.
34 - ردّ روايات الشيعة في المطاعن والفضائل.
35 - الرافضة لا إسناد لهم.
36 - رواية ما لا يضر .
37 - حديث الداعية إلى البدعة يرد.
38 - حجم البدعة.
39 - من روى له الشيخان، جاز القنطرة .
40 - الخوارج صادقون.
41 - الاعتزال، والعداء لأهل الحديث.
42 - خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء.
43 - أبو هريرة راوية الإسلام.
44 - لا يعرض الحديث على القرآن.
45 - موافقة أهل الكتاب.
حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج.
الحسن والقبح شرعيان لا عقليان.
48 - صوافى الأمراء.
49 - الفتوى لأشخاص بأعيانهم.
50 - المنع من الحديث من روايته، ومن كتابته
51 - المنع من السؤال عن معاني القرآن.
ومن أراد التفصيل فعليه بمراجعة الجزء الأول من كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم «صلى الله عليه وآله».
وإزاء هذا الواقع المرير، والخطير كان لا بد لحماة الدين من العض على الجراح ووضع خطة من شأنها التخفيف من حجم أضرار هذه السياسات، وكانت خطتهم «عليهم السلام» تتلخص بضرورة اقتحام الساحة، والحضور الدائم والمشاركة الفاعلة فيها..
فقد بات واضحاً: أن كل ما يقال ويمارس في فترة السنوات الخمسين، التي تبدأ بوفاة النبي «صلى الله عليه وآله»، وتنتهي بسنة ستين. سوف يصبح دينا وشريعة في الأمة سواء أكان حقا جاء من عند الله، أو كان باطلا شيطانيا.
فلا بد إذن من أن يكون لأهل الحق حضور وظهور، ومشاركة. ولكن قبل ذلك لا بد أيضاً من تعريف الأمة بأن ثمة عدواناً قد حصل على أهل الحق، وأن الحكم القائم هو ثمرة هذا العدوان.. وأن هذا العدوان كان قاسياً وهائلاً، هتكت فيه أعظم الحرمات، وارتكبت الموبقات..
وهذا ما حصل بالفعل، فإن السياسة التي انتهجها علي «عليه السلام» مع المعتدين في مختلف فصول عدوانهم قد أفضت إلى هذه النتيجة، وعلم القاصي والداني بما جرى. وأصبح التعامل مع الحكام الجدد تعاملا مع حكام معتدين على أهل بيت نبيهم، مغتصبين لمقامهم.. وحين اتضح هذا الأمر وشاع وذاع بدأت مشاركة علي «عليه السلام» لهؤلاء الحكام الغاصبين، فصار يحضر مجالسهم، ويشير عليهم بما فيه مصلحة الإسلام وأهله، ويرفع عقيرته، ويجهر في النكير عليهم حين ترتكب المخالفات، وتظهر الأباطيل والجهالات.
ثم أدخل «عليه السلام» ثلة كبيرة من أصحابه في مفاصل الحكم فكان منهم الولاة والقادة فعمار بن ياسر مثلاً كان والياً على الكوفة، وهي قلب العراق النابض، وكان سلمان الفارسي واليا على المدائن وتولاها أيضاً حذيفة بن اليمان. كما أن الأشتر النخعي كان يشارك في حروبهم، وقد شترت عينه في واحدة منها، فسمي الأشتر.. وخالد بن سعيد بن العاص كان من القادة أيضاً. وحذيفة بن اليمان أيضاً كان
قائداً للجيوش في الفتوحات. وكان فتح ،همدان والري، والدينور على يده، ثم قاد الجيش بعد قتل النعمان بن مقرن في فتوح نهاوند، والذي هو فتح الفتوح. كما أن هاشم بن عتبة المرقال كان قائداً في فتوح الشام، ثم في فتح بلاد فارس.
فإذا كانت الفتوى والقضاء للأمراء، فأصحاب علي «عليه السلام» أمراء، وقادة يستطيع الناس أن يرجعوا إليهم، وأن يأخذوا الفتوى منهم، وأن يقضوا بينهم، وأن يستفيدوا من معارفهم وعلومهم وأخلاقهم، وما إلى ذلك ..
وهذا يعني: أن يكون الحق والباطل في متناول أيدي الناس، وعلى الناس أن يختاروا ولا عذر لهم في اختيار الباطل مع وجود الحق..
وقد تمخضت: فترة الخمسين سنة الأولى عن مدرستين متمایزتين:
إحداهما: بقيادة وريادة أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، ومن فتح الله بهم وبهم يختم وأحد الثقلين اللذين لن يضل من تمسك بهما.
والثانية: مدرسة الحكام والسلاطين، التي هي نتاج سياساتهم وأهوائهم، ومصالحهم وقد أسهم في تكوين هذه المدرسة خليط من الناس من وعاظ السلاطين، وأصحاب الأهواء، وطلاب اللبانات..
وعلى الناس أن يختاروا ، بعد أن أصبح الحق أوضح من الشمس
وأبين من الأمس..
ويبدو لنا أن معاوية منذ توقيعه العهد مع الإمام الحسن «عليه السلام» كان عازما على نقض شروطه.. وقد ظهرت نواياه هذه بشدة وبحدة في سنة ست وخمسين حين أجبر الناس، ولاسيما أهل
الحجاز على البيعة ليزيد بولاية العهد..
ولكن الإمام الحسين «عليه السلام» لم يبايع - كما قدمنا. فلما مات معاوية كان همّ يزيد هو أن يتخلص من الحسين «عليه السلام». قبل أن يعرف أحد من أهل المدينة والحجاز بموت معاوية.. وقد ألح على الوليد بن عتبة في هذا الأمر، فكانت كتبه تتوالى عليه بأوامره بقتله، وإرسال رأسه إليه.
وكأنه يريد أن يجعل الناس أمام أمر واقع، وأن يكون المتورط فيه هو غيره، حيث يسهل عليه أن يدعي أنه لم يكن راضياً بقتله، كما ادعى ذلك بعد واقعة كربلاء، حين رأى أن بوادر عدم الرضى بقتل
الحسين قد بدأت تظهر في أهل الشام أيضاً.
فهل كان يزيد موصى من أبيه بقتل الحسين «عليه السلام» فور وفاته، حرصاً على إسقاط مدرسة الإمامة من قاموس الأمة؟! أو أن يزيد هو الذي كان يريد التخلص من خطر يراه داهما؟! لاسيما بملاحظة ما سنذكره من أن يزيد لا يمكن أن يحلم بعيش هني، وبال رخي، ما دام الحسين «عليه السلام» حياً مع علمه بمكانة الحسين
«عليه السلام»، وميزاته وصفاته، وبنص النبي عليه، وبتصريح أبيه شروطه مع الحسن «عليه السلام»: أن الأمر من بعده للحسن، ثم للحسين كما سنوضحه..
فيزيد إذن هو الباغي والمتغلب الذي بادر إلى اغتصاب الأمر من صاحبه الشرعي، وإليك توضيح ذلك:
قلنا آنفاً: إن يزيد كان هو الباغي، والخارج على إمام زمانه بجميع المعايير.
ونقول:
إن الحسين «عليه السلام» هو الإمام المنصوص عليه من رسول الله «صلى الله عليه وآله».. إن كان المعيار هو النص. والحسين «عليه السلام» هو الأولى برعاية هذا الدين، لأنه دين جده، وقد تربى على يديه ونشأ في كنفه، وفي بيته، وعلى مبادئه وقيمه، وتخلق بأخلاقه، وأخذ من علمه. وهو أيضاً أعلم الناس بدينه وشرعه، وبكل ما جاء به.
وهو المطهر المعصوم الذي لا يعصي ولا يخطئ، ولا يجهل، ولا ينسى والذي دل على عصمته هو الله الذي خلقه وسواه.. وهو أيضاً صاحب الحق باعتراف معاوية الذي اغتصب الأمر من الإمام الحسن.. وأقسم الأيمان المغلظة، وأعطى أعظم العهود وأشد المواثيق على الوفاء به، وكان في هذا العهد أن لا يعهد لأحد من
بعده، لا ليزيد ولا لغيره وأن يكون الأمر من بعده للحسن «عليه السلام»، فإن لم يكن حيا فللحسين «عليه السلام».
وقد أعطى هذه العهود في وقت كان فيه هو الأقوى بالمال، والرجال والسلطة. وكان الحسن «عليه السلام» قد تفرق عنه جنده، وخانه أصحابه، والتحقوا بعدوه معاوية نفسه، بعدما وعدهم ومناهم واشترى ذممهم فنقضوا العهود، وخذلوا أهل بيت نبيهم، وباؤوا بسخط من الله.
فمعاوية يعترف بأن الإمامة والخلافة من بعده للحسين «عليه السلام»، لا ليزيد ولا لغيره من بني أمية، وخيانة معاوية بعد استشهاد الإمام الحسن «عليه السلام» لا تبطل حقا، ولا تجعل الباطل حقا.. لاسيما وأنه قد خان في أمر ليس الوضع والرفع فيه إليه، بل الأمر فيه إلى الله ورسوله..
ولا أثر لخيانته في تبديل هذه الحقيقة، وإنما ينحصر أثر الخيانة في تحمله وزرها ولحوق خزيها به إلى يوم القيامة.
ويزيد فاقد لجميع المؤهلات لمقام الخلافة لرسول الله «صلى الله عليه وآله». فلا معنى لتوليته حتى لو لم يكن هناك نص على غيره، لم يكن أبوه قد شرط على نفسه: أن لا يعهد لأحد كما تقدم، فظهر مما قلناه.
أولاً: إن الحق بهذا المقام، وهو مقام الإمامة هو للإمام الحسين «عليه السلام» دون سواه حسبما قرره معاوية نفسه.
ثانياً : لا يوجد نص على يزيد من الله ورسوله يمنحه هذا المقام.
ثالثاً: هناك نصوص من رسول الله «صلى الله عليه وآله» تصرح بتحريم هذا المقام على آل أبي سفيان.
رابعاً: إن يزيد لا يملك العلم بشرع الله، ولا هو من أهل الاستقامة، والتقوى، ولا يملك الأخلاق الفاضلة، ولا أية صفة نبيلة أو جميلة يتوهم معها أن يكون له نصيب في هذا الأمر الجليل والخطير.
وهو فاسق فاجر ،قاتل، شارب للخمر لا يؤتمن على أتفه الأشياء، فهل يؤتمن على دين الأمة، وأخلاقها، وقيمها، ومستقبلها، وعلى الأموال والأعراض، والأنفس؟!.
لقد حدد الحسين «عليه السلام» في وصيته المتقدمة لأخيه محمد ابن الحنفية أهداف حركته المباركة بدقة بالغة.. وتمخض عن هذا التحديد ظهور معالم الحركات الإصلاحية، وتمايزها عن الحركات التي تخالفها في الاتجاه، ولا تنسجم ولا تتناغم معها في المنطلقات ولا الأهداف..
فقسم «عليه السلام» الحركات إلى خمسة أقسام، رفض أربعاً منها، والتزم وأكد على القسم الخامس والأخير..
والأقسام الخمسة هي:
1 - خروج الأشر.
2 - خروج البطر.
3 - خروج المفسد
4 - خروج الظالم.
وهذه كلها مرفوضة، ومدانة ..
5 - الخروج لطلب الإصلاح في الأمة، بهدف الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر.
وهذا هو خيار الإمام الحسين «عليه السلام» في خروجه، وهو خيار الأنبياء والأوصياء الذي تخاض لأجله اللجج، وتبذل المهج، وتقدم التضحيات بكل غال ونفيس، على مر العصور، وكر الدهور..
ولكن شرط أن لا يصاحب ذلك أي تجن، أو تعد، أو إكراه، أو مع البقاء في نطاق منظومة من الضوابط والإبقاء على المعايير التي بينها «عليه السلام»، وأوضح معالمها تباعا، كما سنشير إليه إن شاء الله تعالى..
غير أننا نحتاج قبل ذلك إلى اختلاس الفرصة لتوضيح بعض ما يرتبط بالأقسام المتقدمة فنقول:
قد يحسب البعض: أن هذه الأقسام قد ذكرت بصورة مجملة، بل مبهمة وملتبسة، حيث اكتفى «عليه السلام» بذكر عناوينها العامة والغائمة، فلماذا اعتمد «عليه السلام» هذا الأسلوب؟!
ويجاب:
بأن الإيجاز في البيان، قد يكون مقصوداً بهدف استثارة العقول، وتنشيط الأفهام، وترشيد الفكر الإنساني، من خلال التوسع في المعارف، التي تساعد على نيل المراد من الخطاب الموجز الذي حشد مختلف الوسائل والأدوات والخصوصيات البيانية التي تحمل للمخاطب المزيد من المعاني والدقائق واللطائف بأوجز كلام، وأغنى
خطاب..
ولعل التأمل في كلمات الإمام الحسين «عليه السلام» التي ذكرت لنا هذه الأقسام يُظهر أنها لم تكن استثناء من هذا الذي قلناه.. وسنبذل هنا محاولة لبيان مراده «عليه السلام» من هذه الأقسام، مع توخي الاختصار، والاقتصار على الضروري، فنقول:
إن أول قسم أشار إليه «عليه السلام» في كلامه، ونفاه عن نفسه، هو خروج الأشر.. فإذا رجعنا إلى كتب اللغة لتحديد معنى الأشر.. ككتاب «لسان العرب» لابن منظور مثلاً، فسنجد أن الأشر يفسر بالمرح.
وفسر أيضاً بالبطر.
ولعل هذا التفسير الثانى غیر سدید، فقد عطف الإمام الحسين «عليه السلام» البطر على الأشر، وظاهر العطف المغايرة، ويؤكد هذه المغايرة إعادة حرف النفي أيضاً..
ويقال أشر الخشبة شقها.
وأشر النخل: كثر شربه للماء، فكثرت فراخه.
والأشر: التحزيز والتفليج، والتحديد للأسنان.
أو هو حدة ورقة في أطراف الأسنان(1).
1) راجع فيما تقدم لسان العرب لابن منظور ج 1 ص 149 و 150 و نشر أدب الحوزة سنة 1405 هـ) ج4 ص21.
وبعدما تقدم نقول:
ألف: إذا كان المراد بالأشر المرح، فنجد في معنى المرح إشارة إلى تجاوز الحد في الفرح. وفيه تبختر واختيال وفيه خفة.
ومعنى هذا: أن هذا الخروج سيكون ضرره كبيراً وخطيراً، وأنه لا هدف له، بل هو عشوائي، وعبثي، فكيف إذا رافقته الخفة والتسرع، والغرور والتبختر ،والاختيال، الذي يمنع الحاكم من الإصغاء إلى الآخرين؟!
ب: إذا كان المراد بالأشر تحديد وترقيق أطراف الأسنان، فذلك يكون كناية عن شدة الطمع، وتجاوز الحد في الشره، والرغبة والسعي للإستئثار بكل شيء، حتى ولو أدى ذلك إلى حرمان الآخرين من حقوقهم وسلبهم ما به قوام حياتهم، وسبب بقائهم. وقد وصف أمير المؤمنين «عليه السلام» ما جرى في زمن
عثمان بما يصلح شاهداً على ما نقول، فقال «علیه السلام»:
«.. إلى أنْ قامَ ثَالِتْ القَوْمِ، نَافِجاً حِصْنَيْهِ، بَيْنَ نَثِيلِهِ وَمُعْتَلِفِهِ، وَقَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ، يَحْضَمُونَ مَالَ اللَّهِ خِصْمَة الإِبل نِبْيَّة الرَّبيع، إلى أن انْتَكَتْ عَلَيْهِ فَتْلُهُ، وَأجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلَهُ، وَكَبَتْ بِهِ بِطْنَتُهُ الخ..».
ج: وإذا فسر الأشر بالشق، فإن مناسبة هذا المعنى للخروج الهادف إلى شق عصا المسلمين، وإضعافهم بذلك، وإذهاب ريحهم،
بهدف التسلط عليهم. تصبح واضحة المعالم أيضاً.
وبعدما تقدم نقول:
إن التصدي لهذا النوع من الناس، وسلبهم القدرة على التأثير في حياة المجتمع الإنساني هو مما تحتمه ضرورات الحياة، وتدركه العقول، ويتوافق مع الفطرة، ومع آمال وطموحات الأمم، بأن تعيش حياة كريمة وسليمة..
ثم أشار «عليه السلام» إلى من يخرج، ويكون بطراً، وقد نفى هذا الأمر عن نفسه أيضاً ، ويستفاد من كتب اللغة، ككتاب لسان العرب:
ألف: أن البطر هو الطغيان فى النعمة، أو قلة احتمالها. أو هو طول النعمة، أو غمطها.
ب: إن البطر هو كراهة الشيء من غير أن يستحق الكراهية.
ج: شدة المرح.
د: أن لا يرى الحق حقاً، بسبب الحيرة.
هـ: التكبر عن الحق، وعدم قبوله.
و: البطر: هو الشق(1).
1) راجع فيما تقدم: لسان العرب لابن منظور (مادة بطر) ج 1 ص 429 و 430 و (نشر أدب الحوزة سنة 1405هـ) ج 4 ص 68 - 70
وبعدما تقدم، نقول:
1 - فيما يرتبط بتفسير البطر بشدة المرح نقول:
قد عرفنا: أن هذا المعنى قد ذكر أيضاً في تفسير الأشر ولكن من دون توصيفه بالشدة، ولذلك نقول: إذا كان «عليه السلام» قد نفى أصل المرح بقوله: «لم أخرج أشرا»، فإن نفي حصول أدنى مراتب المرح مستلزم لنفي حصول المراتب الأشد منها ..
2 - إن تفسير البطر بالشق أيضاً - مع أن نفس هذا التفسير قد ذكر أيضاً للأشر - لا يتلاءم مع العطف الظاهر في المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، ولاسيما مع إعادة النفي بلا في قوله: «ولا بطراً».
3 - إن العبائر المختلفة المتقدمة في الفقرة ألف قد ذكرت ارتباط البطر بالنعمة، ولكن اختلاف العبارات هو بحسب الظاهر لأجل أنهم تارة يذكرون الملزوم واللازم معاً، وأخرى لأنهم يذكرون أحدهما دون الآخر.
وربما ذكر بعضهم حالات اللازم وخصوصياته.. وما إلى ذلك وفي جميع الأحوال نقول:
إن طول مكث النعمة على بعض الأشخاص قد يضعف شخصيته وتنشأ عنه سلبيات تظهر في تعامله مع الآخرين، وتؤثر سلباً على سلامته الروحية، فيحسب أنه مستحق لتلك النعمة، وأنه إنما حصل عليها بمؤهلاته ومزاياه وبعلم تفرد به - كما قال قارون: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ
عَلَى عِلْمٍ عِندِي)(1)..
أو يتوهم أن الله تعالى قد أنعم عليه لعظم خطره عنده، وجليل مقامه لدیه.
وهذا الشعور ينتهي به إلى غمط النعمة، الذي هو الانصراف عن شكرها، الذي هو من أسباب دوامها ..
وإذا كان خروج الشخص للتصدي للشأن العام استجابة لهذا البطر، والطغيان بالنعمة، المؤدي به إلى عدم شكرها، فإن خروجه هذا سيكون مدمرا ومهلكا له ولغيره، لأنه لن يطيق النصيحة من أحد، كما أنه لن يكون ذلك الرجل الرحيم والحليم والحكيم. بل سيكون جباراً طاغياً، وقاسياً، ومتغطرساً.
4 - إذا كان المراد بالبطر هو: كراهة الشيء من دون أن يستحق الكراهية. فذلك يعني أنه يتعامل مع الأمور بمزاجية لا تخضع لضابطة، ولا يحكمها منطق، أو عقل، أو شرع.
5 - إن كان المراد بالبطر: أن لا يرى الحق حقاً، بسبب ما هو فيه من الحيرة والضياع.
أو كان المراد: أن يتكبر على الحق، ويرفض الانصياع له، فإن تصدي هذا الشخص للشأن العام سيكون كارثيا، ويهلك الحرث والنسل، ويمحق الدين، ويبطل جهود الأنبياء والمرسلين، وتضحيات
1) الآية 78 من سورة القصص.
الشهداء والصالحين.
6 - ولأن حق الحياة الكريمة معترف به في كل شرع وقانون، وعند كل أمة، وهو أمل كل إنسان، وهو مقتضى الفطرة، والعقل السليم، فإن إمساك هذا النوع من الناس بالشأن العام، يعطيه الفرصة للتلاعب بمصير الأمة، والتدخل في مختلف مفاصل ومفردات حياتها، وهذا يحتم على الأمة التصدي لهذا النوع المريض والفاشل من الناس..
وأشار «عليه السلام» إلى القسم الثالث الذي نفاه «عليه السلام» عن نفسه بقوله: «ولا مفسداً».
ومن المعلوم أن من يخرج بهدف التصدي للشأن العام قد لا يكون ممن يحمل مشروعاً نافعاً للأمة، ولا يفكر، ولا يهتم لأي شيء من هذا القبيل، فخروج شخص كهذا سيكلف الأمة جهداً، وربما منيت بخسائر كبيرة وخطيرة، تجعله في موقع المدان والمؤاخذ حيث يتسبب بهدر الطاقات، وتضييع الإمكانات، وضعف الأمة، وذهاب الريح، والفشل الذريع والمريع.
أما إذا كان مشروعه هو تخريب العامر، وإفساد الصالح، فإن ضرره سيكون أكبر، وأخطر ، لأن إفساده لا يكون مجرد إفساد فرد، بل يصبح إفساد أمة بأسرها حين يسخر كل ما لديها ولديه من مال ورجال، وهيبة، وسلطة ونفوذ، ودهاء، وعلم وعلماء في سبيل
التدمير الشامل، والقاتل..
وإذا كان الأشر والبطر - بفتح الشين والطاء - ينتهيان إلى أن يصبحا من العاهات، إلا أنها تبقى عاهات قد تتلاقى أحياناً مع بعض الأعمال النافعة، وإن كان نفعها لم يكن مقصوداً، ولا مخططا له.. كما أن الأشر والبطر قد يتعايشان مع بعض الصلاح الذي صنعه الآخرون، لا لأجل تبلور رغبة لديهم فيه، بل من جهة عدم الاكتراث لوجوده ولا لعدمه، وعدم وجود دواع شخصية، تحتم عليه مواجهته، وتقويضه، إذ لم ير فيه عقبة أمام رغباته، لكي يهتم بإزالتها.
وخلاصة الأمر:
لا بد من مقاومة المفسد، وإحباط مشروعه ، ومصادرة قدراته التدميرية، والعمل على محاصرته، وإفشال مخططاته.
والقسم الرابع الذي نفاه «عليه السلام» عن نفسه بقوله: «ولا ظالماً». هو ذلك النوع من الناس الذين يتلذذون بعذاب الناس، وقهرهم وإذلال عزيزهم ويريد بالتسلط على الشأن العام أن يحقق هذه الأمنية. فهو بمثابة وحش كاسر يحطم كل ما صادفه، ولا يسلم من صريف أنيابه، مؤالف أو مخالف بل الكل هالك وتالف. فلا تجد للحرية والكرامة، ولا للحياة معنى مع هذا النوع من الناس، بل الحياة معهم ذل، وصغار، لا قيمة فيها لصلاح، ولا ميزة فيها لعالم على جاهل ولا لصالح على طالح، ولا لنبي أو وصي، أو ولي على
شریر ربيب شيطان لا يعرف غير البغي والعدوان..
ولكل أحد الحق في مقاومة هذا النوع من الناس، ودفعه عن نفسه، وحريته وكرامته..
والقسم الخامس والأخير هو: الخروج لطلب الإصلاح. وقد قرره «عليه السلام» بقوله: وإنما خرجت لطلب النجاح والصلاح فی أمة جدي محمد «صلى الله عليه وآله» أريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي محمد «صلى الله عليه وآله»، وأبي علي بن أبي طالب وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين «رضي الله عنهم».
فمن قبلني بقبول الحق، فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، ويحكم بيني وبينهم بالحق، وهو خير الحاكمين».
وقد لاحظنا: أنه «عليه السلام» قد ضمن كلامه في هذا القسم الإشارة إلى أمور بالغة الدقة، ولتوضيح هذه الأمور نحتاج إلى إجمالها أولاً، ثم تفصيلها.
وإجمالها يكون كما يلي:
قال عليه السلام» إن الداعي لخروجه هو:
1 - طلب النجاح.
2 - طلب الصلاح.
3 - إنه يطلب هذين الأمرين ليكونا الحاكمين والمهيمنين على الأمة.
4 - إن الأمة التي يطلب النجاح والصلاح فيها هي أمة جده محمد «صلى الله عليه وآله».
ثم حدد «عليه السلام» الأهداف التي يتوخاها من حركته وخروجه في النقاط التالية:
5 - يريد أن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر.
6 - يريد أن يسير بسيرة جده محمد «صلى الله عليه وآله».
7 - يريد أن يسير بسيرة أبيه علي «عليه السلام».
8 - يريد أن يسير بسيرة الخلفاء الموصوفين بصفتين هما:
ألف: أنهم راشدون
ب: وأنهم مهديون.
وهذه الأهداف تعني العودة بالأمة إلى الأصالة، وإلى الينابيع الغزيرة بالخير والصافية الخالصة من أية شوائب ..
ثم أضاف «عليه السلام» أيضاً ما يدفع به الإتهامات الباطلة، والتجنيات الخبيثة، وهو:
1 - أن طلب هذه الأمور لا يعني أنه سيكره الناس على ما يريد. بل
يعني أن يطلب منهم أن يساعدوه ثم يكون لهم الخيار في اتخاذ القرار الذي يريدون.
2 - إن الخيار الذي سيجد الناس أنفسهم أمامه في مثل هذه الحالات ينحصر في أحد أمرين:
أحدهما: أن يقبلوه «عليه السلام».
الثاني: أن يرفضوه.
ولا ثالث لهما، إذ لا معنى للحياد، لما سيتضح في النقطة التالية:
3 - إن سبب انحصار الخيار في أحد الأمرين: أنه «عليه السلام» قد جعلهما أعني القبول والرد مرهونين، ومنطلقين من قبول الحق. وقد قال تعالى: (فَمَادًا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ)؟!(1). فالحياد معناه عدم قبول الحق، والحياد والإنحياز عنه إلى الباطل.
4 - ولأن الحق الحسيني إنما هو مضمون التوجيه الإلهي، وتطبيق الأحكام الشرع، فقد قرر «عليه السلام» أن ردهم عليه ما يعرضه عليهم، لا يخوله إكراه الناس على ما يدعوهم إليه. بل غاية ما لديه أن يصبر وينتظر قضاء الله بينه وبين الذين ردوه ويرى ما ينتهي إليه مسار الأمور معهم. فإن الأمور مرهونة بأسبابها، التي أودعها الله في هذا الكون الرحيب.
وأما الحكم الإلهي بينه وبينهم فيكون في الآخرة كما سيأتي..
1) الآية 32 من سورة يونس.
5 - ويلاحظ أنه «عليه السلام» لم يقل: «فمن ردني». بل قال: «من رد علي». مما يعني أن الكلام هو عن قبول الحق الذي دعاهم إليه، وعرضه عليهم.
6 - إن الحق إذا كان هو المحور، والمنطلق، فإن هذا الحق ليس من صنع الإمام الحسين عليه السلام»، ولا هو من نتاج فكره، أو ابتكاراته. بل هو من مظاهر الفعل الإلهي (الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خلقهُ ثُمّ هَدَى)(1).
فالمرجع والمآل في الحق، وفي تحديده وفي تحديد ما يجب على الناس تجاهه هو الله تعالى وحركة الحسين «عليه السلام» لا تخرج عن نطاقه قيد شعرة، وبذلك يجب التعامل مع دعوته بكل مفرداتها، وتفاصيلها ودقائقها باعتبارها تطبيقا لشرع الله وأحكامه، وطاعة وانقياداً له تعالى..
7 - ولكن ردهم عليه ما يعرضه عليهم لا يعني انتهاء الأمور عند هذا الحد، ويكون هناك ظالم ومظلوم، أو غالب ومغلوب، ثم لا شيء وراء ذلك.. بل هناك تبعات يجب البحث فيها، ومعرفة من يتحملها ، لكي يسود العدل. وقد بين «عليه السلام» أن ذلك موكول إلى الآخرة، ليكون الله تعالى هو الحاكم فيها..
8 - والله لا يقضي بالهوى، ولا يحابي أحداً، ولا يراعي مصالح
1) الآية 50 من سورة طه.
هذا أو ذاك، إذ ليس بين أحد وبين الله قرابة فهو تعالى يحكم بالحق بين الحسين «عليه السلام»، وبين من رد عليه ما عرضه عليه، وهو تعالى خير الحاكمين.
وإذا كان لا بد من توضيح لما بقى من النقاط المتقدمة، فإننا نقول:
لقد بدأ «عليه السلام» إعلانه عن أهداف تصديه للشأن العام، الذي سجله في وصيته لأخيه، بقوله: خرجت لطلب النجاح»، فلماذا بدأ بذكر النجاح قبل أي شيء آخر ، مع أن النجاح هنا هو توصيف جهد بذل أو يبذل للوصول إلى غاية بعينها فيما يرتبط بإعادة إنتاج الواقع، وفق منهجية ذات طابع وخصوصيات تختلف عما كانت عليه في الواقع الذي كان قائماً؟!
كما أن هذا النجاح الذي قرره «عليه السلام» يحتمل أن يكون توصيفاً لجهده الذي يبذله هو «عليه السلام» لتغيير واقع الأمة، وقد يكون توصيفا للواقع في الأمة.. أي أنه «عليه السلام» يريد أن يرى النجاح في الأمة ظاهرا للعيان.
وفي جميع الأحوال نقول:
لعل بدأه «عليه السلام» بذكر النجاح ليدل على أن المطلوب ليس هو المغامرة، واقتحام المجهول وتعريض الأمة في الأموال والأعراض والدماء، وتعريض مستقبلها للأخطار، من دون دراسة
إمكانات النجاح في تحقيق ما يراد تحقيقه ومن دون تحديد للمشكلات وللحاجات في عمل كهذا، ومن دون تقدير للإمكانات المتاحة التي يمكن الاستفادة منها في الوصول إلى ما يتوخاه من غايات.
فذكر النجاح أولاً بمثابة إعطاء ضمان وأمان للناس كل الناس بأن ما يقدم عليه وما يطلبه «عليه السلام »ليس فيه تسرُّع أو ارتجال، ولا هو ردة فعل أو نتيجة انفعال. وأن الغايات قد حددت وقد درست في قيمتها، وفي أهميتها، وفيما تحتاجه من تضحيات، وما تفرضه من تكاليف.
وقد تمت أيضاً دراسة الواقع الراهن بما له من خصوصيات وحالات، وما يتطلبه من حاجات، وعرف الداء والدواء، وقدرت الأخطار بدقة وأمانة، وحددت الضرورات والأولويات..
فليس المورد قابلاً للتجربة أو المغامرة، أو الغفلة، أو العمل بالهوى، أو الاستسلام للانفعال، وما إلى ذلك.. بل هو واجب ومسؤولية، ومستقبل لا يمكن التفريط فيه ولا مساومة أو محاباة أحد عليه..
1 - ثم أتبع «عليه السلام» طلب النجاح بطلب الصلاح، وهذا هو العنصر الأساس والمحوري وهو المعيار الدقيق في المنهج الايماني والقرآني في مجال الخلق والتكوين وبناء الحياة في الدنيا والآخرة على حد سواء..
2 - والصلاح هو أن يحصل التوافق الواقعي التام والدقيق مع مقتضيات التكوين، وأن ينسجم مع ما تفرضه السنن التي أودعها الله تعالى في هذا الكون الرحيب، وكل ما فيه من مخلوقات وكائنات على اختلافها، وأن يتوافق مع الفطرة، والشرع، والدين، وما تجمع عليه العقول..
وكل ما لم يحصل به هذا التوافق، فهو من الفساد والإفساد بلا ریب..
3 - ويلاحظ: أن هذا الصلاح قد تم اعتماده كأساس في مختلف الشؤون والأحوال، وهو المرتكز في البيانات القرآنية، ويكفي أن نذكر على سبيل المثال لا الحصر أن الأنبياء وأولي العزم منهم، ومعهم الأوصياء، والصديقون، والشهداء، والأبرار والأتقياء من سائر الناس قد أطلق عليهم وصف الصلاح والصالح والصالحين.. كما أن الالتزام بأحكام الله قد اعتبر صلاحاً، وكل ما أمر الله تعالى به، وما يحبه الله لعباده وبلاده قد اعتبر عملاً صالحاً أيضاً. كما يظهر من مراجعة الآيات الشريفة.
4 - وبعدما تقدم نقول:
لو لم يكن هناك اختلال كبير وخطير في دائرة الصلاح لما طلب الإمام الحسين «عليه السلام» تصحيح المسار، وإعادة الأمور إلى نصابها.
ويلاحظ أن الإمام الحسين «عليه السلام» قد طلب النجاح والصلاح في الأمة كلها، ولم يحصر الأمر بفئة، أو بعشيرة، أو ببلد، أو بمصر، أو بمنطقة، فدل بذلك على أن الاختلال أصبح عاماً وشاملاً..
ويلاحظ أنه «عليه السلام» قال: إنه يطلب هذا النجاح والصلاح «في أمة جده محمد «صلى الله عليه وآله»، ولم يقل: «في هذه الأمة».
مما يعني: أن الإختلال الذي أصاب الأمة لم يقتصر على بعض الجهات دون بعض، فليس هو خاصا بالناحية الاقتصادية، أو في دائرة الصحة والمرض الجسدي، أو النفسي، أو في الأمن أو.. أو .. بل كان قد أصاب الأمة بما هي أمة محمد «صلى الله عليه وآله».
وهذا يشير إلى أن الاختلال إنما هو في الانتماء الديني للأمة بصورة أساسية وهنا مكمن الخطر، حيث لا يقتصر الأمر على خسران الدنيا، بل يتجاوز ذلك إلى خسران الآخرة أيضا، وهذا هو الخسران المبين.
وهذا يحدد لنا أمرين:
أحدهما: من هو المصلح، وما هي مواصفاته، وموقعه، وحالاته...
الثاني: ما هي وسائل الإصلاح، ومناهجه، وآفاقه، وما إلى ذلك..
فأولاً: إذا كان الاختلال قد نال الانتماء الديني للأمة، فذلك يعني أنه قد أصاب الحالة الاعتقادية والإيمانية، والوعي والالتزام الديني بصورة عامة، وبذلك يلامس الاختلال جميع الشؤون الفكرية، والسياسية والأمن والاقتصاد، والتربية والأخلاق، والالتزام بالأحكام العبادات والمعاملات، والعلاقات، وبنية المجتمع من جميع
الجوانب وفي مختلف المجالات.
ثانياً: إن الإصلاح يكون بإعادة الأمور إلى نصابها وإصلاح الخلل الذي نال هذه الجوانب وسواها وذلك بإعادة الحاكمية للشرع وللدين في جميع شؤون الحياة..
ثالثاً: إن القادر على القيام بهذه المهمة هو أعلم الناس بهذا الدين وأشد الناس مراعاة له والتزاماً ،به وغيرة وحرصاً عليه. وهو من يكون من أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، والمطهر المعصوم بنص القرآن والذي حباه الله بمقام الإمامة، ونص عليه بها رسول الله «صلى الله عليه وآله»..
وبذلك نعرف لماذا قال «عليه السلام»: «في أمة جدي..».
وإذ قد عرف الداء، وعرف الطبيب العارف بالدواء، فلا بد من مباشرة العمل، وفق منهج ومسار ينتهي إلى إنقاذ حياة الدين، ومستقبل الأمة في الدنيا والآخرة..
وقد حدد «عليه السلام» المنهج والمسار في أمور أربعة كما تقدم، وهي التالية:
تقدم أنه «عليه السلام» قال: «أريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر». وقد قال تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَن الْمُنْكَر )(1). وهذه الآية تدل على أن الذي يعيد إلى الأمة رونقها، وإلى أن تصبح خير أمة أخرجت، هو إحياء سنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولا يحييها على الوجه الأكمل والأتم سوى الأئمة الطاهرين من أهل البيت عليهم السلام».
ويفترض بالناس بجميع فئاتهم وطبقاتهم، ومواقعهم أن لا يتحسسوا من إحياء هذه السنة، وأن يسعدوا بعودتها، وأن يساعدوا أهل البيت «عليهم السلام» على أن تأخذ مداها في الأمة، وأن يحموها ويقووها بكل ما آتاهم الله من حول وقوة.
كما أن من يزعم أنه يأخذ موقع رسول الله، ويريد أن يحكم الناس باسمه يفترض فيه أن يكون في طليعة المؤيدين والمساعدين، والمسرورين والمهتمين بنجاح هذه المبادرة لا أن يكون محرجاً بها، معادياً ومحارباً لمن يتبناها!!
1) الآية 110 من سورة آل عمران.
ثم أشار «عليه السلام» إلى الأمر الثاني بقوله: «وأسير بسيرة جدي محمد صلى الله عليه وآله»..».
فهو «عليه السلام»:
ألف: يريد أن يعيد الأمة إلى أصالتها وإلى جذورها، ومنطلقاتها وإلى الينابيع والروافد الفكرية والإيمانية العذبة، وإلى الأسوة والقدوة، والارتباط بالوحي الإلهي الذي يمنح الإنسان الثقة والرضا، والسكينة، من خلال الأمن من عبث الأهواء ومن أن تتقاذفه مصالح الأشخاص والفئات، وتستبد به النزوات، والعصبيات، وما إلى ذلك.
ب: إن أعرف الناس بسيرة رسول الله «صلى الله عليه وآله» هم أهل بيت النبوة، الذين هم أحد الثقلين اللذين لن يضل من تمسك بهما.
ولذا قال «عليه السلام»: «بسيرة جدي محمد»، ولم يقل بسيرة محمد ليعلم أنه بالنسبة إليه المعلم والمربي، والكافل.
ج: إنما صرح باسم جده، لكي يعرفه القاصي والداني بهذه الخصوصية، فلعل بعض الناس البعيدين عن مصادر المعرفة، ويعيشون في الصحارى والأدغال، يدعون أنهم يجهلون ذلك، بل إن بعض الناس قد حاولوا طيلة عقود من الزمن أن يزوروا الحقائق، وأن ينكروا بنوة الحسنين لرسول الله، إنطلاقا من المفاهيم الجاهلية، التي عبر عنها الشاعر بقوله:
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا *** بنوهن أبناء الرجال الأباعد(1)
والأمر الثالث هو ما أشار «عليه السلام» إليه بقوله: «وسيرة أبي علي بن أبي طالب «عليه السلام»..».
فقد صرح «عليه السلام» بمقام الأبوة أولا، وبالاسم الصريح ثانياً، وجعل سيرة علي «عليه السلام» منهجاً ، ليدل على أن سيرة علي معصومة عن الخطأ، والخطل والزلل، وهي مطابقة لسنة رسول الله «صلى الله عليه وآله» من ألفها إلى يائها.
ولعلك تقول:
اذا صح هذا، فلماذا احتاج إلى ذكرها، ولم يكتف بذكر سنة الرسول، فإنها تغني عن ذكر كل سنة مطابقة لها ؟!
ونجيب:
بأن عليا «عليه السلام» وارث علم الرسول، وقد علمه رسول الله «صلى الله عليه وآله» ألف باب من العلم، يفتح له من كل باب ألف باب.
ونحن نعلم أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قد بلغ الدين، وسنّ للناس السنن وفق ما أراده الله سبحانه. ولكن، هل كان لديه
1) راجع كتابنا الحياة السياسية للإمام الحسن «عليه السلام» الفصل الأول.
الوقت الكافي، للتبليغ لعامة الناس ؟! أو هل لدى الناس الاستعداد، والأهلية لاستيعاب جميع الدقائق والتفاصيل التي ترتبط بالمستجد من الأحداث والوقائع، والابتلاءات؟!
الجواب سيكون طبعاً بالنفي. وأكثر الوقائع المستجدة في عهود الخلفاء المتغلبين بعده والتي لم يجدوا لها جواباً لدى أحد من الصحابة، بل كانوا يجدون جوابها عند عيبة علم رسول الله «صلی الله عليه وآله».
هذا عدا الوقائع الكثيرة ، والابتلاءات المتنوعة التي حيرت علماء الأمة، وكان أئمة أهل البيت «عليهم السلام» هم الذين يتصدُّون لحل ما أشكل، وإيضاح ما أبهم منها حتى وقعت الغيبة، فكان سفراء الإمام «عليه السلام» هم المرجع للناس في هذه الأمور، وبعد ما يقرب من سبعين سنة، وقعت الغيبة الكبرى، وانقطعت السفارة..
ولو لم يكن الإمام علي عليه السلام» مطهراً معصوماً عن الخطأ والزلل في القول والفعل والعمل، وفي كل التفاصيل والدقائق لم يجز الأخذ بسيرته، بل كان يجب الاقتصار على سيرة رسول الله «صلى الله عليه وآله».
كما أنه لو لم يكن «عليه السلام» عالماً بكل ما شرعه الله، وما جاء به رسوله لم يجز أن يكون ذا سيرة تتبع. ولو لم يكن لديه أحكام وسنن أخذها من معدنها، وأذن له في تبليغها ، أو في جعلها سنة، لم يصح أن تجعل سيرته حجة كسيرة رسول الله «صلى الله عليه وآله».
لأن ما علم عن الرسول فالحجة فيه هو الرسول، وما لم يؤخذ منه وعنه لا يصح جعله سيرة ولا جعله سنة إلا إذا أخذ من معصوم مثله..
ثم ذكر «عليه السلام»: أنه يريد أن يسير بسيرة: «الخلفاء الراشدين المهديين».
وقد تحدثنا في فصل سابق عن هذه الفقرة ذاتها حين وردت في كلمات محمد ابن الحنفية مع أخيه الحسين، ولم يعترض الحسين «عليه السلام» عليها، وقد بينا هناك المراد من الخلفاء الراشدين
المهديين.
ونقول هنا:
لا ريب في أنه «عليه السلام» لا يقصد بهذه الكلمة الخلفاء الثلاثة المتغلبين الذين استولوا على الأمور بعد رسول الله بالقوة والقهر.
ويدل على ذلك:
أولاً: أنهم في كثير من الموارد قد خالفوا سنة رسول الله «صلى الله عليه وآله»، واجتهدوا في مقابل النص.
ثانياً: إنهم في كثير من الموارد تحيروا، ولم يحكموا بشيء، فلجأوا إلى علي «عليه السلام» باب مدينة علم النبي «صلى الله عليه وآله»، فكان عليه السلام يحل لهم المشكلات، ويوضح المبهمات.. وقد سجل لنا التاريخ أن عمر بن الخطاب قد قال عشرات المرات:
لولا علي لهلك عمر..
ثالثاً: كان عمر بن الخطاب يقر على نفسه بالخطأ ويقول: امرأة أصابت ورجل أخطأ، فكيف يصح الأخذ بسيرة من يصدر منه إقرار كهذا؟!
وقد جمع العلامة الكبير الشيخ عبد الحسين الأميني «رحمه الله» في الجزء السادس من كتابه «الغدير في الكتاب والسنة» - جمع - طائفة كبيرة من النصوص بعنوان: «نوادر الأثر في علم عمر». وفيها من المخالفات والأخطاء الواضحة والفاضحة الشيء الكثير والخطير.
فكيف تكون سيرته حجة في عرض سيرة رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟!
فالمقصود بالخلفاء الراشدين في كلامه «عليه السلام» هم الأئمة الطاهرون المعصومون «صلوات الله وسلامه عليهم» الذين أولهم علي «عليه السلام»، وآخرهم المهدي من أهل بيت رسول الله «صلی الله عليه وآله».
على أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قد نصب عليا «عليه السلام» يوم الغدير إماماً للناس بأمر من الله تعالى. وقد رفض الخلفاء الثلاثة المتغلبون هذا القرار الإلهي، الذي تولى رسول الله «صلى الله
عليه وآله» تنفيذه، فكيف يكون من يرفض إمامة جعلها الرسول ويضرب ابنة النبي التي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها، -كيف يكون - راشداً ومهديا؟!
بل إن نفس توصيف الخلفاء بوصفي الراشدين المهديين يكفي للدلالة على أن المقصود بالخلفاء الأئمة الطاهرون «عليهم السلام»، فإنهم وحدهم الذين ينطبق عليهم الوصف بالرشاد والهداية، وقد ذكر النبى أنه سيكون بعده خلفاء له، يحيون سنته، ويعلمونها عباد الله.
وفي نص آخر: من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في الأرض وخليفة رسوله(1).
ولا أحد ينطبق عليه هذا التوصيف غيرهم «عليهم السلام»، لأن من ادعوا الخلافة، لأنفسهم كانوا كما قلنا يجهلون الأحكام، وحقائق الدين، ويقعون في الحرج والحيرة، ويكون غيرهم هو الذي يحل المشكلة لهم ، ويعرف ما جهلوه، ويعيدهم إلى الصواب حين يخطئون.
وكيف يكون راشداً مهدياً من يتناقضون فيما بينهم في الفتاوى والسياسات، وغيرها من قضايا الدين؟ وكيف يكون راشداً مهدياً من يهاجم الزهراء، ويضربها، ويسقط جنينها، وتموت وهي واجدة
1) مستدرك الوسائل ج 12 ص 179 عن لب اللباب، والأحكام ليحيى بن الحسين ج 2 ص 505 وجامع أحاديث الشيعة ج 14 ص384 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 153 وج 7 ص 184 وتخريج الأحاديث والآثار ج 1 ص 213 ومجمع البيان ج 2 ص 359 والكامل لابن عدي ج6 ص84 وميزان الإعتدال ج 3 ص 400 ولسان الميزان ج 4 ص 481.
عليه؟!
والراشد - كما قيل - هو الذي تنساق تدبيراته إلى غاياتها على سبيل السداد من غير إشارة مشير، ولا تسديد مسدد والرشد مقابل الغي وهو الهدى.
والراشد المهتدي في جميع أموره هو من بلغ أعلى الدرجات في العلم بالحلال والأحكام ، وبكل ما يعرض له، في جميع لحظات حياته. كما أنه معصوم عن الخطأ، وعن الذنب، والسهو والنسيان.
وهذا لا ينطبق على الذين استولوا على الحكم بعد وفاة الرسول «صلى الله عليه وآله».
أما علي «عليه السلام» فعنده علم الكتاب كله، وهو باب مدينة علم رسول الله . وقد علمه «صلى الله عليه وآله» ألف باب من العلم يفتح له من كل باب ألف باب. كما أنه هو المطهر المعصوم بنص آية التطهير، فلا يقاس به أحد . وكذلك الحال بالأئمة الاثني عشر الطاهرين من أبنائه «عليهم السلام».
تقدم حين الحديث عن وداعه «عليه السلام» أم سلمة «رحمها الله»: أنها عبرت له عن تخوفها من أن يكون خروجه من المدينة إلى العراق.. فأعلمها «عليه السلام» أن المقصد النهائي له هو العراق، وكربلاء بالذات، وأراها الموضع الذي يقتل فيه، وأعطاها بعضاً من ترابه في قارورة لتجعلها إلى جانب القارورة التي سلمها إياها رسول
الله صلى الله عليه وآله»، وفيها أيضاً تراب من كربلاء، حتى إذا رأتهما قد فاضتا دما علمت بقتله «عليه السلام».
وهذا النص إذا ضُم إلى سائر النصوص التي منها قوله للوليد ومروان: «نحن أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة ...».. إلى أن قال عن یزید: «ومثلي لا يبايع مثله»..
وقوله: «إني لم أخرج أشرا ولا بطرا ، ولا مفسدا، ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي. أريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر..».
وقوله لأخيه: «والله لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية».
فإن هذه النصوص ونظائرها تدل:
اولاً: على أن الإمام الحسين «عليه السلام» كان مصمماً على عدم البيعة ليزيد لأجل امتثال فروض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. ولم تكن مكاتبة أهل العراق له بعد وصوله إلى مكة أعزها السبب في تبلور هذا العزم لديه..
ثانياً: هي تدل أيضاً على أن وجهته النهائية ستكون هي العراق.
ثالثاً: تدل على أنه يعرف أنه مقتول على أيدي بني أمية.
رابعاً: إن علمه هذا قد أخذه من أبيه وجده عن جبرئيل عن الله تعالی.
خامساً: إن علمه بأنهم سوف يقتلونه لو لم يبايع لم يؤثر في تغير
وظيفته الشرعية، ولم يبدل الوجوب الحتمي إلى رخصة، أو إلى إلزام بالمداراة لهم، والتخلي عن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والسبب في ذلك: أن مراتب الأمر بالمعروف تختلف وتتفاوت. فإن بعضها يسقط فيه هذا الواجب إذا كان يؤدي إلى ضرر عظيم، أو إلى الخطر على الحياة. كما لو كان يعلم أن نهي شارب الخمر عن شربها
سيؤدي إلى قتل من ينهاه.
فيسقط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذا المورد، لأن حياة الشخص بنظر الشارع أهم من شرب ذلك الشخص للخمر، فلو عكس الأمر، وكان عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سيؤدي إلى محق الدين وصيرورة حلاله حراما، وحرامه حلالا، بالإضافة إلى حدوث البدع فيه، أو نحو ذلك، فلا يجوز في هذه الأحوال ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى لو أدى فعله إلى قتل من يأمر وينهى لأن حدوث البدعة في الدين، أو تغيير أحكامه، وطمس أعلامه أعظم خطراً من قتل النفس، فلا بد من التصدي حتى لو حصل القتل بسبب الفعل، إذا كان القتل سيؤدي إلى منع البدعة في الدين، وإلى حفظ حقائقه نقية، وسليمة، وبعيدة عن خطر ضعف تأثير الدين في النفوس، وعن أخطار ومساوئ هتك حرمته.
ويفهم من كلامه «عليه السلام»: أن عدم بيعته ليزيد هو من المفردات والوسائل التي تدل الناس على المنكر، وتعرفهم بالخطر
الهائل على الإسلام الذي يجسده يزيد حين تبتلى الأمة به، ويصبح راعياً لها، فقد قال «عليه السلام»: «وعلى الإسلام السلام إذا بليت الأمة براع مثل يزيد».
وبذلك يعرف أن هذا الامتناع عن البيعة، الذي سوف ينتهي بقتله هو من مفردات الإصلاح في أمة جده محمد «صلى الله عليه وآله».
ثم إن ذكر الخلفاء الراشدين في كلام الإمام «عليه السلام» إنما ورد في بعض المصادر، دون بعض.
ولعل سبب إهمال بعض المؤلفين لهذه الفقرة هو شكهم في صحتها للسبب بل للأسباب التي قدمناها، وذكرنا أيضاً بعضها حين الكلام عما جرى بينه وبين محمد ابن الحنفية حين كلمه محمد في أمر مسیره، وبيّن له ما يدور بخلده حول الموضع الذي يسير إليه.. وقد بينًا أسباب شكهم بهذه الفقرة: أنها أسباب غير وجيهة، ولا يمكن الاعتماد عليها.
وبعد أن ذكر ابن أعثم: أن الإمام الحسين «عليه السلام» كتب الكتاب لمحمد ابن الحنفية، وختمه بختمه أعطاه إياه، و «ودعه وخرج في جوف الليل، يريد مكة بجميع أهله وذلك لثلاث ليال مضين من شهر شعبان فى سنة ستين، فجعل يسير ويقرأ هذه الآية: (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقبُ قَالَ رَبِّ نَجَنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)(1).
فقال له ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب: يا بن رسول الله «صلى الله عليه وآله» ! لو عدلنا عن الطريق، وسلكنا غير الجادة كما فعل عبد الله بن الزبير كان عندي الرأي، فإنا نخاف أن يلحقنا الطلب! فقال له الحسين: لا والله يا بن عمي! لا فارقت هذا الطريق أبداً، أو أنظر إلى أبيات مكة، أو يقضي الله في ذلك ما يحب ويرضى.
ثم جعل الحسين يتمثل بشعر يزيد بن المفرغ الحميري:
لا سهرت(2)السوام في فلق الصبـ *** ـح مضيئاً ولا دعيت يزيدا
يوم أعطي من المخافة ضيماً *** والمنايا يرصدنني أن أحيدا(1)
قالوا: وكان مخرج ابن الزبير قبل خروج الحسين «عليه السلام» بليلة(2)، وزاد بعضهم قوله أو بليلتين(3).
ونقول:
لاحظ الأمور التالية:
تقدم أن يزيد «لعنه الله» كان يرسل بالكتاب تلو الكتاب يأمر فيه
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 21 و 22 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص 189 وراجع الملهوف ص 101 و (ط أخرى) ص39 و 40 ومثير الأحزان (ط المكتبة الحيدرية سنة 1369هـ) ص 26 و 27 ومناقب آل ص26 أبي طالب ج 4 ص 89 وبحار الأنوار ج 44 ص 332 والإرشاد للمفيد ج 2 ص 35 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 181 ولواعج الأشجان ص31 و 32 ونور الثقلين (تفسير) ج 4 ص 120 وكنز الدقائق (تفسير) ج10 ص 53.
2) البداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 158 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 341 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 252 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 324 ومقتل الحسين لأبي مخنف (ط المطبعة العلمية - قم) ص 7.
3) تذكرة الخواص ج2 ص132.
الوليد بن عتبة بقتل الحسين عليه السلام، وإرسال رأسه إليه، وكان يتحفه بالوعود، ويطمعه بالمناصب. وكان مروان يصر على الوليد بهذا أيضاً. ولكن الوليد لم يستجب لهذه الضغوط، لحسابات وأمور تحدثنا عنها فيما سبق ولو بقي الحسين «عليه السلام» مصرا على الرفض، وبقي في المدينة أعزها الله، فإن يزيد سيعلن الحرب على الحسين «عليه السلام»، ولن يستطيع بنو هاشم ولا جميع أهل المدينة أو مكة أن يدفعوا القتل عنه وعن أنفسهم، لأن المدينة ليس فيها ما يكفي من الرجال والمال، ولا تستطيع أن تصمد أمام الحصار الطويل، لأن إيصال المدد إليها من الأموال والرجال في غاية الصعوبة، فإن طرق إمدادها طويلة، ويمكن السيطرة عليها ، وقطعها بسهولة.
وبعد أن أصبح الخطر داهما، بات واضحاً أن الأمر سينتهي إلى عزل الوليد عن المدينة بعد تفويته الفرصة على يزيد، فلا بد من مغادرة المدينة في أسرع وقت، فإذا استطاع الحسين «عليه السلام» أن يصل إلى مكة، فإن وجوده فيها سيجعل قتله ، أكثر صعوبة، إذ قد أصبح يزيد بحاجة إلى وضع خطط، وحياكة مؤامرات لاغتياله قبل أن يستحكم أمره ويجتمع الناس حوله، وقبل أن ينتقل إلى بلد آخر - كالعراق - يجد فيه المال والرجال. ويصعب على جيش الشام السيطرة على خطوط إمداده..
وقد ذكرنا في كتابنا: الصحيح من سيرة الإمام علي «عليه
السلام» بعض ما يرتبط باستراتيجية الكوفة في خلافة علي عليه «السلام». وذكرنا هناك نصوصاً وشواهد تدلل على هذا الذي ذكرناه هنا، فراجع ذلك الكتاب ج 27 فصل : العراق ،ضرورة، والكوفة عاصمة.
وقبل أن ندخل في التفاصيل نحب أن نلمح إلى الأمر التالي:
إن الوليد كان يعلم أن أخذ البيعة من الحسين «عليه السلام»، ومن ابن الزبير أمر في غاية الصعوبة، وكان الحسين «عليه السلام» يدفع إلحاح الوليد عن نفسه مرة بعد أخرى، ثم تمكن ابن الزبير من الخروج من المدينة إلى مكة.
وقالوا: «وأما الحسين بن علي «عليه السلام» فإن الوليد تشاغل عنه بابن الزبير، وجعل كلما بعث إليه يقول حتى تنظر وننظر، ثم جمع أهله وبنيه وركب إلخ..»(1).
وفي نص آخر أنه لما كان آخر النهار - بعد خروج ابن الزبير - بعث الرجال إلى الحسين بن علي «عليهما السلام» ليحضر فيبايع ليزيد بن معاوية.
فقال لهم الحسين أصبحوا ، ثم ترون، ونرى.
فكفوا تِلكَ الليلة عنه، ولم يلحوا عَليْهِ، فخرج من تحت ليلته.
1) البداية والنهاية ج 8 ص 147 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 158.
وقريب منه ذكره الطبري وغيره(1).
والذي نلاحظه هنا ما يلي:
1 - إن الوليد كان يلح على الإمام بالحضور لأجل البيعة، مع أنه كان قد أقر بأن بيعة الحسين يجب أن تتم في اجتماع عام يعقد لأجل البيعة العامة.
فإلحاحه عليه بالحضور للبيعة منفرداً، وفي مجلس خاص لا يحضره العامة لا ينسجم مع ذلك الإقرار وإنما عقد المجلس العام للبيعة بعد خروج الإمام الحسين عليه السلام» من المدينة إلى مكة.
ولعل قول الإمام الحسين «عليه السلام» عن الوليد حينما دعاه إلى منزله لأجل البيعة: إنه غير مأمون، يحمل في طياته الإجابة الكافية والشافية، ويشي بأمر كان الوليد يدبره بليل.
2 - إن كلمة الإمام «عليه السلام» تنظر وننظر لا يتضمن
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 340 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 252 والكامل جه في التاريخ ج 4 ص 16 والإرشاد (ط دار المفيد) ج 2 ص 34 وروضة الواعظين ص 189 و (منشورات الشريف الرضي) ص 171 و 172 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 176 وإعلام الورى ج 1 ص 435 وبحار الأنوار ج 44 ص 326 ولواعج الأشجان ص 26 وأعيان الشيعة ج 1 ص 588 ونهاية الأرب ج 20 ص 380 والمجالس الفاخرة ص183 وجمهرة خطب العرب ج 2 ص 34 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص7 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 16.
وعداً منه بالحضور، ولا وعداً بالبيعة .. فإذا فهم منها الوليد ما لا تدل عليه، فالملامة على من أخطأ في فهمها، لا على قائلها. بل في هذه الكلمة إشعار بأن إعطاء الحسين «عليه السلام» البيعة ليزيد أمر بعيد
المنال..
بل إن الحسين «عليه السلام» كان قد أعلن في منزل الوليد - كما تقدم : أن من هو مثل الحسين عليه السلام لا يبايع من هو مثل يزيد. فما معنى هذا الإلحاح من الوليد عليه بالحضور للبيعة سوى التصميم
على إكراهه عليها؟!
3 - يلاحظ أن الوليد حين كان يرسل إلى الإمام الحسين «عليه السلام» طالباً منه الحضور للبيعة لم يكن يرسل له رجلا يبلغه ذلك.. بل كان يبعث إليه الرجال !! فهل كان يفعل ذلك لأجل تخويف الإمام ومن معه من بني هاشم وغيرهم؟!.
أو كان يرسلهم ليأتوا به مخفوراً، حتى لا يفكر بأنه قادر على التخلص منهم؟!.
1 - تقدم قول ابن أعثم: إن الإمام الحسين «عليه السلام» خرج في جوف الليل(1).
1) راجع بالإضافة إلى الفتوح الإرشاد للمفيد (ط دار المفيد سنة 1414هـ) ج 2 ص 34 وروضة الواعظين ص 189 و (منشورات الشريف الرضي) ص 171 وإعلام الورى ج 1 ص 435 وبحار الأنوار ج 44 ص 326 و 330 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 176 و 179 ونهاية الأرب ج 20 ص 380 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 340 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 252 والكامل في التاريخ ج 4 ص 16 و 17 وجمهرة خطب العرب ج 2 ص 34 وراجع الأخبار الطوال ص 228 وتذكرة الخواص ج2 ص 132 والبداية والنهاية ج 8 ص 147) و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 158 ومصادر كثيرة أخرى.
وصرح ابن طاووس: بأن ارتحاله «عليه السلام» كان في وقت السحر(1).
2 - وتقدم أيضاً: «أنه «عليه السلام» خرج من المدينة وهو يقرأ قوله تعالى: (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)(2)(3).
فدلنا بذلك: على أنه «عليه السلام» حتى لو كانت السلطة قد انشغلت عنه بفرار ابن الزبير إلى مكة، وبما جرى في سجن المدينة، فإن الحاجة إلى الحذر من الخطر والضرر تبقى قائمة، وانشغال
1) الملهوف ص 39 و 40 وبحار الأنوار ج 44 ص 364 والعوالم الإمام ، الحسين ج 17 ص 214 ولواعج الأشجان ص 72 وأعيان الشيعة ج 1 ص 593 وعن معالي السبطين ج 1 ص 251.
2) الآية 21 من سورة القصص.
3) الإرشاد للمفيد ص223 و (ط دار المفيد) سنة 1414ه-) ص35 وبحار الأنوار ج 44 ص 332 والعوالم ج 17 ص 181 وكنز الدقائق (تفسير) ج10 ص53.
السلطة عنه لا يبرر شعوره بالأمن من مكائد القوم الظالمين، الذين كانوا يتربصون به الدوائر.
على أن انشغالهم عنه قد يكون بحسب الظاهر، فلعلهم كانوا في الباطن قد وظفوا من يقوم باغتياله قبل خروجه من المدينة وسيكونون - لو تم لهم هذا - قادرين على التنصل من هذا الاغتيال، ورميه على مجهول.
ومع افتضاح أمر القاتل، فإنهم قد يدعون أن القاتل قد فعل فعلته بقرار منه، ولم يكن لهم علم ،بنواياه ثم يقتلونه بدعوى القصاص وبذلك يضيع دمه «عليه السلام»، وتهتك به حرمة حرم رسول الله «صلى الله عليه وآله».
بل يكون قتله من أسباب تقوية الظالمين، وفي صالحهم..
ومن المعلوم: أنه «عليه السلام» لم يكن يخاف القتل، وإنما كان يريد إفشال ما يريده قاتلوه من تضييع دمه مع علمه بأنهم مصرون على قتله، كما دل عليه قوله لأخيه ابن الحنفية: «والله يا أخي، لو كنت في حجر هامة من هوام الأرض لاستخرجوني منه حتى يقتلوني»(1).
1) بحار الأنوار ج 45 ص 99 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 323 وينابيع المودة ج 3 ص 60 وراجع الكامل في التاريخ ج 4 ص 38 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 289 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 67 وراجع مدينة المعاجز ج 3 ص 485 ولواعج الأشجان ص 72 و 256 وأعيان الشيعة ج 1 ص593 و 620 ونهاية الأرب ج 20 ص 407 والمجالس الفاخرة للسيد شرف الدين ص 106.
وقد أخبر أم سلمة أيضاً : بأنه مقتول لا محالة، كما تقدم.
وعن تاريخ خروجه «عليه السلام» من المدينة نقول:
1 - قال ابن عساكر: «وخرج الحسين وعبد الله بن الزبير من ليلتهما إلى مكة»(1).
وقال ابن سعد: «وخرج الحسين وعبد الله بن الزبير من ليلتهما إلى مكة فأصبح الناس، فغدوا على البيعة ليزيد وطلب الحسين «عليه السلام» وابن الزبير فلم يوجدا»(2).
1) تاریخ مدينة دمشق ج 14 ص 207 وتهذيب الكمال ج6 ص415 وبغية الطلب لابن العديم ج 6 ص 2608 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 292 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 56 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 517 وج 33 ص 669.
2) ترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص56 والطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 443 وتهذيب الكمال ج 6 ص 615 وبغية الطلب لابن العديم ج 6 ص 2608 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 207 وراجع البداية والنهاية ج 8 ص 162 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 175 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص292 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 295 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص18 وشرح إحقاق الحق الملحقات) ج 27 ص 517 وج 33 ص 669 - 670.
والمراد بـ «ليلتهما» - كما يظهر - ليلة الإجتماع في دار الوليد بن عتبة.
وقال ابن طاووس: «قال رواة حديث الحسين «عليه السلام» مع الوليد بن عتبة ومروان فلما كان الغداة توجه الحسين «عليه السلام» إلى مكة لثلاث مضين من شعبان سنة ستين»(1).
2 - يقول سبط ابن الجوزي: «وخرج الحسين في الليلة الآتية بأهله وفتيانه، وقد اشتغلوا عنه بابن الزبير، فلحق بمكة »(2).
وقال الشيخ المفيد وغيره: «فأقام الحسين «عليه السلام» في منزله تلك الليلة (أي ليلة لقائه بالوليد)، وهي ليلة السبت لثلاث بقين من رجب سنة ستين من الهجرة .. إلى أن قال: فكفوا تلك الليلة عنه ولم يلحوا عليه . فخرج «عليه السلام» من تحت ليلته، وهي ليلة الأحد ليومين بقيا من رجب متوجهاً نحو مكة»(3).
1) الملهوف (ط سنة 1419هـ) ص 39 و (ط أنوار الهدى سنة 1471هـ) ص 21.
2) ذكرة الخواص ج 2 ص 132.
3) الإرشاد للمفيد ص 202 و (ط دار المفيد سنة 1414هـ) ج 2 ص 34 و 35 وروضة الواعظين ص189) و (منشورات الشريف الرضي) ص171 و 172 وإعلام الورى ج 1 ص 435 وبحار الأنوار ج 44 ص 326 والعوالم ، الإمام الحسين ج 17 ص 176 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 6 ولواعج الأشجان ص 26 و 27 وأعيان الشيعة ج 1 ص 588 وراجع البداية والنهاية ج 8 ص 147 و (ط دار إحياء التراث) ج8 ص158.
وقريب منه ما في الطبري أيضا(1).
3 - قال أبو سعيد المقري: سمعت الحسين «عليه السلام» يتمثل تلك الليلة، وهو خارج من المسجد بقول ابن المفرغ:
لا ذعرت السوام في غسق *** مغيراً ولا دعيت يزيدا
يوم أعطي مخافة الموت *** والمنايا يرصدنني أن أحيدا
قال: فقلت في نفسي: ما تمثل بهذين البيتين إلا لشيء يريده، فخرج بعد ليلتين إلى مكة(2).
والمراد بقوله: «تلك الليلة»: هو ليلة لقائه الوليد كما يظهر بالمراجعة.
ونقول:
قد يقال: إن كلام ابن عساكر وابن سعد وإن كان فيه بعض الإبهام،
1) راجع تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 340) و (ط الأعلمي) ج4 ص 252 و 253 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 9 و 10 و موسوعة الإمام الحسين ص9 ج 3 ص 16 و 17 وراجع المنتظم في تاريخ الأمم والملوك جه ص324 والكامل في التاريخ ج 4 ص16.
2) تذكرة الخواص ج 2 ص 132 وراجع تاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 253 ولواعج الأشجان ص 25 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص 186 وأنساب الأشراف ج 5 ص 303 والكامل في التاريخ ج 4 ص 17 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 22 ونهاية الأرب ج 20 ص 381.
إلا أن كلام ابن طاووس صريح بأنه «عليه السلام» قد غادر المدينة نفس ليلة اجتماعه بالوليد بن عتبة ومروان، وذلك حين صلاة الصبح..
فهل كان «عليه السلام» قد أعد عدة الرحيل قبل أن يلتقي بالوليد؟! وهل يتسع هذا الوقت القصير للإعداد لقافلة فيها هذا الحجم الكبير من النساء والأطفال والرجال ؟! لاسيما مع ما تقدم من أنه «عليه «السلام» قد بقي ليلة عند قبر جده، ولقي أخاه ابن الحنفية في صبيحتها(1). كما أنه لقي أم سلمة، ونساء بني هاشم، وعمر الاطرف، وقد تقدم الحديث عن ذلك كله.
وكيف نجمع أيضاً بين هذا وبين النص الذي يقول: إنه خرج في اليوم التالي يستمع الأخبار، فلقي مروان بن الحكم، وجرى بينهما كلام طويل وحاد(2)إلى غير ذلك من نصوص كثيرة تجعل من مغادرته المدينة في ليلة لقائه بالوليد، وفي الليلة التي بعدها أمراً غير مقبول.
بل قد تقدم معنا بعض ما يدل على تأخر خروج الإمام الحسين
«عليه السلام» عن لقائه بالوليد أياماً كثيرة.. لاسيما إذا أخذنا بالنصوص التي تقول: إن معاوية مات في أول شهر رجب سنة ستين. وقد وصل الحسين «عليه السلام» إلى مكة أعزها الله، أو خرج من المدينة في الثالث من شهر شعبان.
ويؤيد ما قلناه من مرور أيام كثيرة: أن بعض النصوص قالت: «خرج حسين بن علي من منزله ذات ليلة، وأتى قبر جده، فقال: السلام عليك.. إلى أن قال ورجع الحسين إلى منزله مع الصبح»(1).
ولعله قد حصل خلط بين مسيره «علیه السلام» من المدينة، الذي كان وقت السحر، وبين مسيره من مكة، الذي كان حين صلاة الصبح ، حيث إنه «عليه السلام» كان قد خطب الناس قبل ذلك، وقال: من كان باذلا فينا مهجته وموطنا على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا، فإني راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى(2).
وإن كان سيأتي أن هناك من يقول : إنه «عليه السلام» قد ارتحل وقت السحر أيضا(3). وإذا صح هذا، فإن سبب الإعلان في مكة عن
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 18 وبحار الأنوار ج 44 ص 327 و 328 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 177 عن محمد بن أبي طالب.
2) الملهوف ص 57 و (ط أنوار الهدى سنة 1417هـ) ص 38 ومثير الأحزان ص 29 ولواعج الأشجان ص 70 ونزهة الناظر للحلواني ص86 وأعيان الشيعة ج 1 ص 593.
3) الملهوف ص 39 و 40 وبحار الأنوار ج 44 ص 364 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص214 ولواعج الأشجان ص72 وأعيان الشيعة ج1 ص 593 وعن معالي السبطين ج 1 ص 251.
وقت مسيره :هو غلبة الظن بأن أحدا سوف لا يجرؤ على التعرض له. لكن الأمر في المدينة كان على عكس ذلك.
وتقدم قول الخوارزمي وابن أعثم: إن الحسين «عليه السلام» خرج بجميع أهله.
ونقول:
1 - بناءً على هذا، إن كانت أم علي الأكبر (ليلى بنت مرة) على قيد الحياة، كما يدل عليه ما رواه ابن قولويه في كامل الزيارات، من أنها سمعت الجن تنوح على الحسين «عليه السلام». فإن هذا النص يدل على أنها قد حضرت كربلاء ، لأنها من جملة أهله الذين حملهم من المدينة.
واحتمال أن يكون قد تركها في مكة بعد خروجه إليها، أو أنه أعادها إلى المدينة وتركها فيها حين سار إلى العراق، لأن طريقه تمر في المدينة..
هذا الاحتمال يحتاج إلى شاهد ودليل والشواهد على خلافه موجودة، فإن الحسين «عليه السلام» لا يترك زوجته في بلاد الغربة من دون كافل، ومن دون سبب ظاهر. كما أن عودة الحسين «عليه
السلام» إلى المدينة تعطي الفرصة لواليها ولمروان وحزبهما لأخذه، وإجباره على البيعة.
بل هناك بعض الشواهد الدالة على حضور ليلى «رحمها الله» كربلاء، كما يدل عليه ما نقلناه عن ابن شهرآشوب وغيره، راجع كتابنا: «كربلاء فوق الشبهات».
على أن أمر الرباب، لو كانت قد تخلفت عن المسير، ولم يصحبها «عليه السلام» معه ليس بالذي يتهاون فيه، أو يجهل، أو يتجاهل، بل سنجد المؤرخين يهتمون به، ويعملون على معرفة أسبابه.
2 - ونفس هذا الكلام نقوله حول ما يقال من أنه «عليه السلام» ترك إحدى بناته في المدينة بسبب مرضها، فإن المؤرخين والرواة سوف يهتمون لهذا الأمر، ويتداولونه ولا يهملونه، وسيذكرون من تكفل بتلك المريضة، وماذا جرى لها. وماذا كان مصيرها في مرضها.
وسيأتي بعض الحديث حول الرواية التي ذكرت ذلك.
وتقدم: أنه «عليه السلام» قد خرج من المدينة في سنة ستين في الثالث من ،شعبان، وهنا ملاحظتان
أولاهما قولهم إن ذلك كان في سنة ستين موضع ریب شدید، فقد ذكرنا أن هذا لا يتلاءم مع ما روي عن رسول الله «صلى الله
عليه وآله» من أنه قال: «يقتل الحسين على رأس ستين من مهاجري»، أو نحو ذلك. فإن رأس السنة أولها ، وليس آخرها. وهذا يقتضي أن يكون خروجه عليه السلام من المدينة إلى مكة في سنة تسع وخمسين.
الثانية: قوله: إنه «عليه السلام» قد خرج من المدينة في الثالث من شهر شعبان(1). مع أن هناك من يقول : إنه دخل مكة في الثالث من شهر شعبان(2)، وأنه إنما خرج من المدينة لثلاث بقين من شهر
1) بحار الأنوار ج 44 ص 326 والعوالم، الإمام الحسين ج17 ص 175 ومستدرك سفينة البحار ج 5 ص 413 ومثير الأحزان ص 15 والملهوف (ط أنوار الهدى سنة 1417هـ) ص 21 وينابيع المودة ج3 ص 55 والفتوح لابن أعثم ج 5 ص 21 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 189.
2) الإرشاد ج 2 ص 35 وبحار الأنوار ج 44 ص 332 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 181 ولواعج الأشجان ص 32 ونور الثقلين (تفسير) ج 4 ص 120 وكنز الدقائق (تفسير) ج 10 ص 53 وأنساب الأشراف ج3 ص 371 و (ط دار التعارف سنة 1397هـ) ج 3 ص 160 وتاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 381 و (ط الأعلمي) ج 4 ص86 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 324 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 171 وموسوعة الإمام الحسين ج 3 ص 20 وأعيان الشيعة ج 1 ص 588 وإعلام الورى ج 1 ص 435.
رجب أو ليومين بقيا منه(1).
ولا مجال لترجيح أحد القولين على الآخر، إذ لم يتوفر لدينا ما يؤيد هذا الترجيح. فقول العلامة الأمين رحمه الله»(2): إن القول الأخير هو الأصح ، لم نعرف له وجها.
وتقدم أن مسلم بن عقيل «رحمه الله» طلب من الحسين «عليه السلام» أن يعدل عن الطريق الأعظم خوفا من أن يدركهم الطلب، ولكن الإمام عليه السلام رفض ذلك بشدة وحزم، مصرحاً بأنه لن يعدل عن الطريق الأعظم حتى يدخل مكة، بل هو يقسم على ذلك أيضاً.
والسؤال هنا هو: إذا كان «عليه السلام» قد خرج من المدينة في جوف الليل في وقت السحر ليأمن الرقباء، لكي لا تتمكن السلطة من
1) روضة الواعظين ص 189 و (منشورات الشريف الرضي) ص 171 و 172 وإعلام الورى ج 1 ص 435 وبحار الأنوار ج 44 ص 326 و 332 والإرشاد للمفيد ص202 و (ط دار المفيد سنة 1414هـ) ج 2 ص 34 و 35 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 176 وموسوعة الإمام الحسين ج3 ص 6 ولواعج الأشجان ص 26 و 27 وأعيان الشيعة ج 1 ص 588 وراجع: البداية والنهاية ج 8 ص 147 و ط دار إحياء التراث) ج8 ص158 ص 158 و 171.
2) لواعج الأشجان ص29.
ملاحقته ومنعه من المسير، وقد رأى حرص السلطة على ملاحقة ابن الزبير، وقد فشلت في ذلك، لأنه تنكب الطريق الأعظم.. فلماذا يصر الحسين «عليه السلام» على هذه المخاطرة بإصراره على التزام الطريق الأعظم يا ترى؟!
قد يقال في الجواب:
أولاً: لعله «عليه السلام» أراد أن يقدم دلالة واضحة لأهل بيته على علمه بأن أعداءه لن يحاولوا اللحاق به، فإن فشلهم في اللحاق بابن الزبير لتنكبه الطريق العام، قد أضعف عزيمتهم، وأوهمهم أنه هو أيضا سوف يتنكب ذلك الطريق، ولن يتمكنوا من اللحاق به، أو لاعتقادهم بأن الوقت الذي مضى كان يكفي لابتعاده «عليه السلام» عن المدينة، وقطعه مسافات شاسعة، تجعل اللحاق به أمراً غير ميسور لهم...
ثانياً: كان عليه السلام» يعلم بأنه لو لم يغادر فإن الوليد سوف يبذل جهده في الضغط عليه للحصول على البيعة منه، وقد تنتهي الأمور به إلى الإقدام على الصدام معه الذي يحاول مروان وحزبه أن يوجدوا مناخاته، ويختلقوا مبرراته أي أنه سوف ينغمس فيما يريد له يزيد ومروان أن ينغمس فيه، وهو ما كان يتحاشاه، لا ورعاً وخوفاً من الله، بل خوفا على نفسه، فلو شعر بالأمن لأقدم عليه، وكذا لو شعر بالخطر على نفسه لو لم يفعل ما يطلبه منه يزيد ومروان. وهذا
يفسر لنا قوله «عليه السلام» عن الوليد بأنه غير مأمون(1).
غير أن هذين الوجهين أو الجوابين لا يبلغان بالأمر إلى حد إسقاط الاحتمالات الأخرى التي تقود إلى لزوم الاحتياط.
ولأجل ذلك نقول:
هنا جواب آخر يبدو مقبولاً ومعقولاً، وهو التالي:
ثالثاً: إنه «عليه السلام» قد أخبر أهله بما علمه من غيب حباه الله تعالی به من خلال ثبوت مقام الإمامة له «عليه السلام». وهو علم قاطع للعذر ، لا يختلف ولا يتخلف.
وقد أراد «عليه السلام» أن يربط على قلوب من معه، ليعيشوا السكينة والسلام واليقين إعداداً لهم لمواجهة الإمتحان الكبير والخطير الذي ينتظرهم.
كما أن علم الناس بما صدر منه «عليه السلام» وعقد العزم عليه، سيؤثر على نظرتهم، وعلى وضوح الأمور لديهم، وتأكيد مقام الإمام والإمامة في نفوسهم.
وسنرى أن سلوكه عليه السلام الطريق الأعظم قد مهد السبيل لالتحاق بعض الناس به، وقد استشهدوا معه في كربلاء.
1) راجع الإرشاد (ط دار المفيد) ج 2 ص 33 وروضة الواعظين ص171 وبحار الأنوار ج 44 ص 324 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص173 ولواعج الأشجان ص 24 وأعيان الشيعة ج 1 ص 587.
قال العلامة المجلسي «رحمه الله»:
«روي في كتب المناقب القديم، عن علي بن أحمد العاصمي عن إسماعيل بن أحمد البيهقي، عن أبيه، عن أبي عبد الله الحافظ؛ عن يحيى بن محمد العلوي عن الحسين بن محمد العلوي، عن أبي علي الطرسوسي، عن الحسن بن علي الحلواني، عن علي بن يعمر، عن إسحاق بن عباد عن المفضل بن عمر الجعفي، عن جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه ، عن علي بن الحسين «عليهم السلام»، قال:
لما قتل الحسين بن علي جاء غراب، فوقع في دمه، ثم تمرغ، ثم طار، فوقع بالمدينة على جدار فاطمة بنت الحسين بن علي «عليهما السلام» وهي الصغرى فرفعت رأسها، فنظرت إليه فبكت بكاءً شديداً، وأنشأت تقول:
نعب الغراب فقلت من *** تنعاه ويلك يا غراب
قال الإمام، فقلت: من *** قال: الموفق للصواب
إن الحسين بكربلا *** بين الأسنة والضراب
فابكي الحسين بعبرة *** ترجى(1)الإله مع الثواب
قلت: الحسين، فقال لي: *** حقا لقد سكن التراب
ثم استقل به الجنا *** ح فلم يطق رد الجواب
فبكيت مما حلّ بي *** بعد الدعاء المستجاب
قال محمد بن علي: فنعته لأهل المدينة، فقالوا: جاءت بسحر (بني) عبد المطلب فما كان بأسرع من أن جاءهم الخبر بقتل الحسين «عليه السلام»(2).
1) لعل الصحيح: ترضي.
2) بحار الأنوار ج 45 ص 171 و 172 والعوالم، الإمام الحسين ج17 ص490 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 492 وج 27 ص 394 وراجع: مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 92 و 93 وتاريخ مدينة دمشق ج 74 ص 19 و (ط دار الفكر سنة 1415هـ) ج 70 ص24 ومختصر تاریخ دمشق ج 20 ص 358 وفرائد السمطين ج 2 ص 163 و 164 والعوالم ج 17 ص 490 وتاريخ إمام حسين ج 3 ص 1074 - 1077 عنهم، وعن تراجم النساء ص 286 و 287 وبغية الطلب لابن العديم ج 6 ص 2646 و 2647 والدمعة الساكبة ج 4 ص 380 و 381 وأسرار الشهادة ص 445 والعيون العبرى ص 190 وغير ذلك. وهناك اختلاف بين المصادر في بعض الكلمات لا نرى حاجة لذكرها.
وقال الدربندي، والحائري:
عن بعض كتب المقتل: وكان له بنت تسمى بفاطمة، وكانت حين خروجه من المدينة مريضة، جعلها عند أم سلمة، وكانت كل يوم تجيء خلف الباب لعلها تجد من كان له اطلاع بحال والدها.
ولما طال زمان الفراق ولم يصل الخبر من والدها اشتغلت بالبكاء، وتراكمت عليها الأحزان، وكتبت كتاباً لوالدها بينت فيه حالها. فلما فرغت من كتابته، واشتغلت بالنوح والبكاء لفرقة والدها وغيره، فإذا أعرابي سمع بكاءها، فتأثر من بكائها، فبكى ساعة، ثم علم أن الباكية بنت الإمام، وبكاؤها لفراقه «عليه السلام». فنادى بصوت عال: السلام عليكم يا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، أنا رجل من البادية، أريد الرواح إلى كربلاء، فهل لكم حاجة؟!
فلما سمعته فاطمة، جاءت خلف الباب، وردت جواب سلامه وقالت: يا أعرابي! أنا بنت الحسين «عليه السلام»، فإنه لما عزم إلى كربلاء كنت مريضة، فسلمني إلى جدتي أم سلمة، زوجة رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فالآن لم تبق لي طاقة من هجرانه، وكتبت كتابة وأريد من يوصلها إليه.
فأخذها الأعرابي منها، ففي يوم عاشوراء وقت المحاربة بلغ إلى كربلاء، وسلمه إليه «عليه السلام».
فلما فتحه واطلع على مضمونه بكى بكاءً شديداً، ثم جاء عند
أهل البيت، وقرأها لهن، فبكين بكاءً شديداً.
ولم يظهر حال الأعرابي أنه كان ملكاً، أو بشراً، وصار شهيداً، أم لا(1).
انتهى كلامه، وقد أصلحنا عددا من كلمات هذا النص، فليلاحظ ذلک.
ونقول:
إننا نرتاب في صحة ما يذكر عن إبقاء الحسين «عليه السلام» ابنته فاطمة التي يقال : إنها الصغرى في المدينة وسبب هذا الريب أمور، نجملها فيما يلي:
ألف: فيما يرتبط بهذا النص الأخير نقول:
اولاً: إن هذا الذي يقول ناقله : إنه أخذ من بعض كتب المقتل إنما ينقله عن كتاب مجهول الإسم مجهول المؤلف.
ثانياً: إنه يقول على لسان فاطمة هذه «فسلمني إلى جدتي أم سلمة زوجة رسول الله «صلى الله عليه وآله».. مع أن أم سلمة ليست من جداتها.
ثالثاً: لماذا لم تذكر هذه الرواية إلا في كتابي الدربندي المتوفى سنة 1286 هـ.ق. وعنه أخذها المازندراني !الحائري؟!
رابعاً: إن قول ابن أعثم، والخوارزمي المتقدم: إن الإمام الحسين «عليه السلام» خرج بجميع أهله، نص صريح بعدم تخلف أحد من
1) راجع أسرار الشهادة ص 410 ومعالي السبطين ص222 عنه.
أهله عنه «عليه السلام»، لا ابنته فاطمة ولا غيرها..
خامساً: إن فاطمة بنت الحسين «عليها السلام »قد حضرت كربلاء، وسبيت في من سبي إلى الشام فإن كان للحسين «عليه السلام» بنت أخرى اسمها فاطمة، وقد خلفها «عليه السلام» في المدينة لأجل مرضها، فيفترض بالمؤرخين أن يبحثوا عن مصيرها، وعما جرى عليها، وأن يلفتوا النظر إلى تخلفها عن أبيها.
ويتأكد هذا، مع وجود حديث الغراب الذي يشير إلى وجود من اسمها فاطمة الصغرى في المدينة، حين استشهاد الإمام الحسين «عليه السلام».
ب: وعن حديث الغراب نقول:
اولا: قال ابن عساكر: «إسناد هذه الحكاية لا يثبت. وقد ذكرنا أنها كانت مع عيال الحسين بكربلاء»(1)
وعن المجلسي رحمه الله: إن هذا الحديث لا يخلو من غرابة، لمخالفته لغيره من الأخبار(2).
ثانياً: قلنا آنفا إن فاطمة الصغرى كانت في جملة من سبي من حرم أهل البيت «عليهم السلام» وقد خطبت في أهل الكوفة حين دخلتها خطبة بليغة، فقد روى ابن طاووس عن زيد ابن الإمام موسى
«عليه السلام» (وهو زيد النار) قال:
حدثني أبي، عن جدي الصادق «عليه السلام»: خطبت فاطمة الصغرى، بعد أن وردت (ردت من كربلاء، فقالت:
الحمد لله عدد الرمل والحصى الخ..»(1).
وفاطمة هذه هي زوجة الحسن المثنى..
وقد قال بعضهم: إن وصف فاطمة هذه بـ «الصغرى» إنما هو بالإضافة إلى فاطمة الزهراء «عليها السلام»، إظهارا لكرامة السيدة الزهراء، وتأكيداً على تميزها .. لا لأجل وجود فاطمة أخرى أكبر منها.
وإذا قبلنا حديث الغراب، فإن وصف فاطمة بالصغرى لا يأبى عن هذا الذي يقال. وإن ارتبنا بالرواية المشار إليها، فإما أن نردها رأس، أو أن نقول : إن هذه التي تعاملت مع الغراب هي امرأة من بني هاشم اسمها فاطمة، ولعلها كانت تتردد على بيت فاطمة زوجة الحسن المثنى، وتتعاهده أو تقيم فيه من أجل حفظه وصيانته.
ثالثاً: إن مجرد رؤية الغراب على جدار البيت ليس فيه أية دلالة على موت أحد أو حياته، حتى لو رأته ملطخاً بالدم، فإن ذلك لا دلالة
1) الملهوف ص 178 والإحتجاج للطبرسي ج 2 ص 27 وبحار الأنوار ج 45 ص 110 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 379 ولواعج الأشجان ص 202 ومثير الأحزان ص 67.
له على أن هذا الدم هو من دم هذا أو ذاك، أو من دم إنسان أو غيره..
فما معنى أن تنعى أباها لأهل المدينة استناداً إلى مشاهدتها الغراب على الجدار ؟ أليس هذا من التشاؤم المنهي عنه؟ ولا يرفع مقته عند الشارع، وتقبيحه له أن يأتي الخبر بتصديق ما خطر على بالها أو بال غيرها.
رابعاً: تقدم أن قول الخوارزمي، وابن أعثم خرج بجميع أهله لا يتلاءم مع إبقاء فاطمة عند أم سلمة.
ذكر الفاضل الدربندي رواية قال: إن بعض تلامذته الشعراء والأدباء من العرب ظفر بها في مجموعة كانت تنسب إلى الفاضل الأديب المقرى وهي التالية:
روى عبد الله بن سنان الكوفي، عن أبيه، عن جده، أنه قال: خرجت بكتاب من أهل الكوفة إلى الحسين «عليه السلام»، وهو يومئذ بالمدينة، فأتيته، فقرأه، وعرف معناه، فقال: أنظرني إلى ثلاثة أيام.
فبقيت في المدينة، ثم تبعته إلى أن صار عزمه بالتوجه إلى العراق، فقلت في نفسي أمضي وأنظر إلى ملك الحجاز كيف يركب، وكيف جلالته وشأنه، فأتيت إلى باب ،داره فرأيت الخيل مسرجة، والرجال واقفين والحسين جالس على كرسي، وبنو هاشم حافين به، وهو بينهم كأنه البدر ليلة تمامه وكماله، ورأيت نحوا من أربعين
محملا، وقد زينت المحامل بملابس الحرير والديباج.
فعند ذلك أمر الحسين بني هاشم بأن يُركبوا محارمهن على المحامل، فبينما أنا أنظر وإذا بشاب قد خرج من دار الحسين، وهو طويل القامة، وعلى خده علامة ووجهه كالقمر الطالع، وهو يقول: تنحوا عني يا بني هاشم، وإذا بامرأتين قد خرجتا من الدار، وهما تجران أذيالهما على الأرض حياء من الناس، وقد حفت بهما إماؤهما، فتقدم ذلك الشاب إلى محمل من المحامل وجتى على ركبتيه، وأخذ بعضديهما وأركبهما المحمل.
فسألت بعض الناس عنهما، فقيل: أما إحداهما فزينب، والأخرى أم كلثوم بنتا أمير المؤمنين «عليه السلام».
فقلت: ومن هذا الشاب؟!
فقيل لي: هو قمر بني هاشم العباس بن أمير المؤمنين «عليه السلام».
ثم رأيت بنتين صغيرتين كأن الله تعالى لم يخلق مثلهما، فجعل واحدة مع زينب، والأخرى مع أم كلثوم
فسألت بعض الناس عنهما، فقيل لي هما سكينة وفاطمة بنتا الحسين «عليه السلام».
ثم خرج غلام آخر كأنه البدر الطالع، ومعه امرأة، على كتفها طفل صغير، وقد حفت بها إماؤها، فأركبها ذلك الغلام المحمل.
فسألت عنها وعن الغلام، فقيل لي أما الغلام فهو علي الأكبر بن
الحسين «عليه السلام»، والامرأة أمه ليلى زوجة الحسين، والطفل عبد الله الرضيع بن الحسين.
ثم خرج غلام آخر، ووجهه كفلقة القمر ، ومعه ،امرأة، فسألت عنها؟ فقيل لي: أما الغلام فهو القاسم بن الحسن المجتبى، والإمرأة أمه.
ثم خرج شاب آخر، وهو يقول: تنحوا عني يا بني هاشم، تنحوا عن حرم الغريب أبي عبد الله فتنحى عنه بنو هاشم، وإذا قد خرجت امرأة من الدار وعليها آثار الملوك، وهي تمشي على سكينة ووقار، وقد حفت بها إماؤها، فسألت عنها؟
فقيل لى أما الشاب فهو زين العابدين ابن الإمام عليه السلام». وأما الإمرأة فهي أمه شاه زنان بنت الملك كسرى، زوجة الإمام فأتى بها وأركبها على المحمل، ثم اركبوا بقية الحرم والأطفال على المحامل.
فلما تكاملوا نادى الإمام عليه السلام» أين أخي، أين كبش كتيبتي، أين قمر بنی هاشم؟!
فأجابه العباس: لبيك .لبيك.
فقال له الإمام قدم إلي جوادي، فأتى العباس بالجواد إليه، وقد حفت به بنو هاشم، فأخذ العباس بركاب الفرس حتى ركب الإمام «عليه السلام».
ثم ركب بنو هاشم وركب العباس وحمل الراية أمام الإمام.
فصاح أهل المدينة صيحة شديدة، وعلت أصوات بني هاشم بالبكاء والنحيب، وقلنا الوداع الوداع، الفراق الفراق.
فقال العبّاس: إي والله هذا يوم الفراق، والملتقى يوم القيامة، ثم ساروا قاصدين الكوفة.
فسرت معهم حتى وصلنا كربلاء، فنزلوا فيها، فما كانت إلا هنيئة حتى رحضت عليهم الجموع والكتائب، وأحاطوا بهم من كل جانب، ومنعوهم الماء، إلى أن جرى عليهم ما جرى من القتل والنهب والسبي.
فعند ذلك أمر عمر بن سعد «لعنه الله» بأن تحمل النساء على الأقتاب بلا وطاء ولا حجاب فقدمت النياق إلى حرم رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وقد أحاط القوم بهن، وقيل لهن: تعالين واركبن، فقد أمر عمر بن سعد «لعنه الله» بالرحيل.
فلما نظرت زينب إلى ذلك نادت وقالت سود الله وجهك يا بن سعد في الدنيا والآخرة، تأمر هؤلاء القوم بأن يُرْكِبُونا، ونحن ودائع رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فقل لهم يتباعدون عنا حتى يركب بعضنا بعضاً.
فتنحوا عنهن، فتقدمت زينب ومعها أم كلثوم، وجعلت تنادي كل واحدة من النساء باسمها وتركبها على المحمل، حتى لم يبق أحد سوى زينب فنظرت يميناً وشمالاً، فلم تر أحداً سوى زين العابدين، وهو مريض، فأتت إليه وقالت قم يا بن أخي وأركبني الناقة.
فقال: يا عمتاه اركبي ودعيني أنا وهؤلاء القوم.
فرجعت إلى ناقتها، لأنها لم تقدر على مخالفة الإمام «عليه السلام».
فالتفتت يميناً وشمالاً، فلم تر إلا أجساداً على الرمال، ورؤوساً على الأسنة بأيدي الرجال فصرخت وقالت واغربتاه، وا أخاه، وا حسيناه وا ،عباساه وا رجالاه وا ضيعتنا بعدك يا أبا عبد الله.
قال الراوي: فلما رأيتهم على هذه الحالة ذكرت خروجهم من الحجاز، وما كانوا عليه من العزة ،والعفة والعظمة والجلالة، فبكيت على حالهم، وعلى ما جرى عليهم.
قال - الراوي -: فلما نظر الإمام زين العابدين «عليه السلام» إلى ذلك لم يتمالك على نفسه دون أن قام ، وهو يرتعش من الضعف، فأخذ عصاه يتوكأ عليها ، وأتى إلى عمته وثني ركبتيه وقال اركبي لقد كسرت قلبي وزدت كربي، فأخذ ليركبها، فارتعش من الضعف، وسقط على الأرض.
فلمّا رآه الشمر «لعنه الله» أتى إليه وبيده سوط، فضربه به وهو ينادي وا ،جداه وا محمداه وا علياه واحسيناه.
فبكت زينب، وقالت ويلك يا شمر رفقا بيتيم النبوة وسليل الرسالة وحليف التقى، وتاج الخلافة فلم تزل تقول كذا، حتى نحته عنه.
وإذا بجارية مسنة سوداء قد أقبلت إلى زينب فأركبتها.
فسألت عنها ، فقالوا : هذه ،فضة جارية فاطمة الزهراء.
ثم أركبوا الإمام «عليه السلام» على بعير أعجف، فلم يتمالك الركوب من شدة الضعف فأخبروا بذلك ابن سعد «لعنه الله»، فقال:
قيدوا رجليه من تحت بطن الناقة. ففعلوا ذلك وساروا بهم على تلك الحالة(1).
ونقول:
هذه الرواية لا تصح لأسباب عديدة نذكر منها:
1- إن سند هذا الخبر لا يعتد به لأنه يرويه عن مجموعة نسبها لرجل وصفه بالمقري.. لا يطمئن الباحث إلى صحة نسبتها إليه، إن أمكن تحديد هويته، وقد رواها المقري عن عدة مجاهيل.
2 - عرفنا أن الإمام لم يذهب في بداية الأمر من المدينة إلى كربلاء، بل ذهب إلى مكة..
3 - إن أهل الكوفة إنما كتبوا إلى الحسين «عليه السلام» حين صار في مكة، حيث عرفوا بموت معاوية، واستيلاء يزيد على الأمور، فلم يرض الحسين عليه السلام بالبيعة له، فترك المدينة
1) راجع أسرار الشهادة ص 367 وراجع معالي السبطين ج 1 ص 320 و 321 واللؤلؤ والمرجان للشيخ النوري ص 211 و 212 والمفيد في ذكرى السبط الشهيد ص 12 وعاشوراء ونساء الشيعة، وفي هذين الكتابين زيادتان على ما ذكره الدربندي.
إلى مكة.
4 - إن التعبير عن الإمام الحسين «عليه السلام» بملك الحجاز، لا مبرر له، لأنه «عليه السلام» لم يكن ملكاً، إلا إن كان المراد صرف الذهن إلى أنه «عليه السلام» كان طالب ملك، وليس طالباً للإصلاح في أمة جده.
5 - قال المحدث النوري: «وبحسب ذلك الخبر المختلق الذي لا أساس له، فقد جعل للحسين عليه السلام زي الجبابرة، مما يباين سيرة الإمامة غاية المباينة»(1).
فقد ذكرت الرواية بأن المحامل زينت بالحرير، والديباج.
وأنه كان لنساء بني هاشم إماء، وأن زينب وأم كلثوم خرجتا من الدار وقد حفت بهما إماؤهما وخرجت شاه زنان أيضاً تحف بها إماؤها.
6 - إذا كان العباس قد أمر بني هاشم بالتنحي عنه، حتى تخرج زينب وأم كلثوم، فلماذا لم يتنح عبد الله بن سنان، وسائر من كان حوله من الناس؟! وكان يسألهم عن الأشخاص ويجيبونه.
7 - من أين عرف أولئك الناس أن تينك المرأتين هما زينب وأم كلثوم؟! هل كانتا مكشوفتي الوجه حينئذ؟! فإن كان الأمر كذلك، فلماذا قرعت زينب يزيد في خطبتها بالشام بأنه قد أخذ بنات رسول
1) اللؤلؤ والمرجان ص212.
الله «صلى الله عليه وآله» سبابا قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن حتى كان يتصفح وجوههن القريب والبعيد؟!
8 - وهكذا يقال أيضاً بالنسبة لسكينة وفاطمة بنتي الحسين «عليه السلام»، فقد قلنا إنهن لم تكن طفلتين صغيرتين. بل كانت فاطمة في سن الزواج، وقد تقدم الحديث عن ذلك، فلا حاجة إلى الإعادة.
9 - لا ندري لماذا كانت ليلى أم علي الأكبر هي التي تحمل عبد الله الرضيع، مع أن أم عبد الله هی الرباب؟!
10 - لا ندري لماذا طلب السجاد من بني هاشم التنحي حين خروج أمه لأجل الركوب في المحمل وطلب العباس من بني هاشم التنحي عند خروج زينب وأم كلثوم، للركوب في المحمل. ولم يطلب منهم التنحي حين خروج ليلى، مع أن ليلى أيضاً هي حرم الغريب أبي عبد الله «عليه السلام»؟!
11 - لماذا يخص العباس وزين العابدين «عليهما السلام» طلب التنحي ببني هاشم، ولا يطلبان من جميع الرجال التنحي؟! أم أنه كان يجوز لسائر الناس النظر إلى نساء الحسين «عليه السلام»، ولا يجوز ذلك لبني هاشم؟!
12 - إن شاه زنان أم الإمام السجاد «صلوات الله عليه» كانت قد ماتت في أيام نفاسها بالإمام السجاد عليه السلام(1).
1) الأنوار النعمانية ج 3 ص 87 - 89 وبحار الأنوار ج 46 ص 11 وأعيان الشيعة ج 1 ص 629 والخرائج والجرائح ج 2 ص 751 ومرآة العقول ج6 شرح صه وتاريخ الأئمة للكاتب البغداي (مجموعة نفيسة) ص24 والوافي ج 14 ص 1247 و 1248.
13 - إن هذه الرواية تقول: إن خروج الحسين «عليه السلام» من المدينة كان بصورة علنية، وإن أهل المدينة قد صاحوا صيحة شديدة، وعلت أصوات بني هاشم بالبكاء والنحيب.
مع أن الخروج على هذا النحو من شأنه أن يلفت نظر حكام المدينة إلى هذا الأمر، وينبه بني أمية ومؤيديهم، ويدفعهم إلى التدخل لمنع الحسين «عليه السلام» من الخروج ..
14 - وصف زينب الإمام السجاد «عليه السلام» في مخاطبتها للشمر بأنه «يتيم النبوة» غير مستساغ، لأن عمر السجاد كان آنئذ اثنتين وعشرين سنة، ولا يقال للرجل الذي بهذه السن: إنه يتيم..
15 - ما ذكرته الرواية، من أن فضة قد حضرت كربلاء، وأنها هي التي أركبت زينب على ناقتها حين أزمعوا الرحيل، هو الآخر موضع ريب وشك.
16 - إننا لم نجد هذه الرواية في المصادر التي بين أيدينا، باستثناء كتاب الدربندي ومن أخذ عنه، فلماذا أغفلها العلماء، إن كانت بمرأى ومسمع منهم؟! وفي الرواية مواضع أخرى غير سليمة عن النقد، وفيما ذكرناه
وذكروا أن الإمام الحسين «عليه السلام» التقى في مسيره من المدينة إلى مكة بأشخاص التحقوا به عند مروره بمنازلهم. فقد التحق به جماعة من جهينة حين مر عليه السلام بمياههم، منهم ثلاثة رجال بقوا معه إلى أن استشهدوا بين يديه يوم عاشوراء، وهم:
1 - مجمع بن زياد بن عمرو الجهني «رحمه الله».
2 - عباد بن المهاجر بن أبي المهاجر الجهني «رحمه الله».
3 - عقبة بن الصلت الجهني «رحمه الله»(1).
وهذا من بركات وثمرات إصراره على سلوك الطريق الأعظم بين المدينة ومكة.
وروى شيخنا المفيد بإسناده إلى أبي عبد الله «عليه السلام»: أنه لما سار أبو عبد الله من المدينة في الملهوف: ذكر المفيد في كتابه
1) إبصار العين في أنصار الحسين «عليه السلام» ص 201 و 202.
(مولد النبي) بإسناده إلى الإمام الصادق «عليه السلام»، قال: لما سار أبو عبد الله الحسين «عليه السلام» من مكة ليدخل المدينة ] لقيه أفواج من الملائكة المسومة في أيديهم الحراب على نجب من نجب الجنة، فسلموا عليه، وقالوا يا حجة الله على خلقه بعد جده وأبيه وأخيه، إن الله سبحانه أمد جدك بنا فى مواطن كثيرة، وإن الله أمدك بنا.
فقال لهم: الموعد حفرتي وبقعتي التي استشهد فيها وهي كربلاء، فإذا وردتها فأتوني.
فقالوا: يا حجة الله مرنا نسمع ونطع، فهل تخشى من عدو يلقاك فنكون معك ؟!
فقال: لا سبيل لهم على، ولا يلقوني بكريهة أو أصل إلى بقعتين
قالوا: وأتته أفواج مسلمي ،الجن، فقالوا: يا سيدنا، نحن شيعتك وأنصارك، فمرنا بأمرك، وما تشاء، فلو أمرتنا بقتل كل عدو لك وأنت بمكانك لكفيناك ذلك.
فجزاهم الحسين خيراً وقال لهم: أو ما قرأتم كتاب الله المنزل على جدي رسول الله: (أيْنمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوج مُشَيَّدَةٍ)(1).
1) الآية 78 من سورة النساء.
وقال سبحانه: (البَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ)(1).
وإذا أقمت بمكاني فبماذا يبتلى هذا الخلق المتعوس؟ وبماذا يختبرون؟!
ومن ذا يكون ساكن حفرتي بكربلاء؟ وقد اختارها الله تعالى يوم دحا الأرض، وجعلها معقلاً لشيعتنا، أضاف في اللهوف قوله: ومحبينا ، تقبل أعمالهم وصلواتهم، ويجاب دعاؤهم، وتسكن شيعتنا] ويكون لهم أماناً في الدنيا والآخرة.
ولكن تحضرون يوم السبت، وهو يوم عاشورا في اللهوف وفي غير هذه الرواية يوم الجمعة الذي في آخره أقتل، ولا يبقى بعدي مطلوب من أهلي، ونسبي، وإخوتي، وأهل بيتي، ويسار برأسي إلى يزيد «لعنه الله».
فقالت الجن: نحن والله يا حبيب الله وابن حبيبه، لولا أن أمرك طاعة وأنه لا يجوز لنا مخالفتك [لخالفناك و] أعدائك قبل أن قتلنا جميع يصلوا إليك.
فقال صلوات الله عليه لهم نحن والله أقدر عليهم منكم، ولكن (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَة)(2).. انتهى ما نقلناه من كتاب محمد بن أبي طالب(3).
ونقول:
لا بأس بملاحظة الأمور التالية:
نقل ابن طاووس في كتاب الملهوف عن الشيخ المفيد في كتاب (مولد النبي) أن لقاء الملائكة المسومين بالإمام الحسين «عليه السلام» كان في مسيره «عليه السلام» من مكة إلى المدينة، وهو في طريقه إلى العراق.
وهذا الكلام موضع شبهة وريب لعدة أمور ، نذكر منها: أولاً: أن مراجعة النصوص تعطي: أنه «عليه السلام» في مسيره من مكة إلى العراق لم يمر على المدينة، لأن المؤرخين قد ذكروا المنازل التي مر فيها، وهي كما يلي:
1 - التنعيم.
2 - الصفاح.
3 - بستان ابن عامر
4 - ذات عرق.
5 - الحاجر.
6 - بعض العيون.
7 - الخزيمية.
8 - زرود.
9 - الثعلبية.
10 - الشقوق.
11 - زبالة.
12 - بطن العقبة.
13 - ذو حسم.
14 - البيضة.
1 - العذيب.
16 - الرهيمة.
17 - عذيب الهجانات.
18 - قصر بني مقاتل.
19 - نينوى.
وهذه المنازل لا تمر على المدينة، بل هي تبعد عنها عشرات الكيلومترات.
ثانياً: لا معنى لأن يمر الإمام «عليه السلام» على المدينة، بعد أن خرج منها، ولو أنه فعل ذلك لحاول حاكم المدينة عمرو بن سعيد بن العاص (الأشدق) أن يمنعه من مواصلة طريقه، وربما حاول أن يأخذه ويسعى لأخذ البيعة منه قهراً وجبراً، وربما ألحق به الأذى بمؤامرة غادرة منه، ثم يحاول تبرئة نفسه بقتل قاتله، حسبما ألمحنا إليه أكثر من مرة.
ثالثاً: إذا كان «عليه السلام» يريد المرور على المدينة مرة أخرى، فلماذا استقدم بني هاشم من المدينة إلى مكة كما سنرى؟!
رابعاً تقدم أن النص الذي ذكره في بحار الأنوار عن الشيخ المفيد «رحمه الله» بإسناده إلى الإمام الصادق «عليه السلام» يقول: «لما سار أبو عبد الله الحسين «عليه السلام» من المدينة لقيه أفواج إلخ...». وهذه الرواية هي الأقرب إلى الإعتبار، بل هي الأصوب..
وعن قتال الملائكة والجن للإنس نقول:
لاحظ الأمور التالية:
1 - إن النبي «صلى الله عليه وآله» مبعوث للإنس والجن على حد سواء، كما أن الملائكة لا يخرجون عن إرادته، ولا يخالفون ما يأمرهم به. وعلى الجن أيضاً : أن يكونوا في موقع الطاعة والإنقياد له، وهم
يثابون على الطاعة ويعاقبون على المعصية.
وحال هؤلاء وأولئك مع الإمام والوصي بعد النبي كحالهم مع النبي «صلى الله عليه وآله».
2 - أضف إلى ذلك أن الملائكة والجن أيضا يرون أن من واجبهم حفظ النبي والوصي، والدفاع عنه إذا تعرض لعدوان من قبل أبناء جنسهم. ويجب عليهم نصره إن احتاج إلى نصرهم، وأذن لهم
فيه..
3 - إن النبي والإمام يمكنه أن يقاتل الجن وأن يفرض عليهم ما هو مصلحة لهم، وقد قاتل علي «عليه السلام» الجن كما ورد في الروايات التي يقول عنها الشيخ المفيد إنها قد استفاضت عند الشيعة والسنة.
4 - ولكن إذا تعرض النبي والإمام لعدوان من قبل الإنس، فهل له أن يستنصر بالجن وبالملائكة على أعدائه من الإنس، أم ليس له ذلك؟!
ويمكن أن يجاب:
بأن على الإنس أنفسهم أن يتولوا جهاد الظالمين والمعتدين والجبارين من الإنس أما الإستعانة عليهم بالملائكة وبالجن، فمعناه مواجهتهم بأمر غير عادي لا سبيل لهم لمجاراته، وهو خارج عن حدود
قدراتهم وإمكاناتهم، واختيارهم.
ولعلك تقول: ألم يصرح القرآن بأن الله تعالى قد أمد المسلمين بالملائكة في بعض المواطن في عهد رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟!
فكيف يقال: إن الملائكة والجن لا يقاتلون الإنس؟!
ونجيب:
بأن الله تعالى قد ذكر أنه أمد المسلمين بالملائكة، لكي يثبتوا الذين آمنوا بتكثيرهم، وليس في الآية ما يدل على أنهم قد قاتلوا
الإنس، أو قتلوا أحداً من الإنس.
وقوله تعالى: (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بنان)(1)خطاب للمؤمنين، وليس خطاباً للملائكة.. ولا أقل من أنه محتمل جداً فى معنى الآية الشريفة.
1 - تقدم: أن الملائكة قالوا للحسين «عليه السلام»: إن الله تعالى أمد جدك بنا، وأمدك بنا.. وفي هذا إلماح إلى أن الإمداد في كلا الموردين على نسق واحد، فإذا كان الإمداد لجده «صلى الله عليه وآله» كان بهدف تثبيت المؤمنين، وليكون بشرى لهم، ولتطمئن به قلوبهم، فإمداد الحسين ( عليه السلام قد لا يتجاوز هذه الحدود، ولا يشذ عن هذه الأهداف ويلاحظ هنا أن الملائكة حين ذكروا له «عليه السلام» إن كان يخشى عدواً، قالوا: «فنكون معك»، ولم يذكروا قتالاً ولا قتلا.. ويمكن تأييد هذا المعنى بما تقدم من أن محاربة الإنس وقتلهم بوسائل غير عادية، إنما هو فى صورة إرادة إنزال العذاب عليهم عقوبة لهم. أما في الأحوال العادية، فإن الاستفادة من هذه الوسائل التي لا تقع تحت اختيارهم، ولا في حدود قدرات البشر، فلا مجال له.
2 - إنه «عليه السلام» قد تخلى عن هذا الإمداد، لأنه يريد لنفسه،
1) الآية 12 من سورة الأنفال.
وللشهداء من أهل بيته وأصحابه أن ينالوا أعلى الدرجات بجهدهم، وصبرهم، وعظيم البلاء الذي يواجهونه.
ويكون إمداد الله تعالى إياه بالملائكة مع علمه تعالى بأن الحسين «عليه السلام» يريد ما هو أعلى وأغلى، ببذل أقصى ما لديه، يهدف إلى إظهار عظمة الإمام الحسين «عليه السلام»، وامتيازه وامتياز الشهداء معه على سائر الشهداء من الأولين والآخرين إلى يوم الدين..
3 - ويبقى سؤال يقول: إذا كان «عليه السلام» لم يأذن للملائكة، ولا لمسلمي الجن بأن يكونوا معه، فما معنى ضربه موعداً لهم عند حفرته وبقعته التي يستشهد فيها في نفس يوم استشهاده؟!
ونجيب:
بأن لحظة استشهاده «عليه السلام» هي لحظة الفوز الأكبر له، ولمن يستشهد معه، وهي اللحظة التي تتحقق فيها الأهداف التي توخاها، لأنها تزيل الغواشي عن العيون، وتتساقط الحجب، ويمتاز الحق من الباطل من تلك اللحظة إلى يوم القيامة..
فيوم استشهاده «عليه السلام» بمثابة يوم عيد له وللشهداء معه، ينالون فيه الجائزة، ويتبوؤن منازل الكرامة، فحضور الملائكة ومسلمي الجن في هذه اللحظات سيكون له مغزاه ومعناه، وسيضفي على المناسبة أجواء من البهجة لا توصف.
وعن حوار الحسين «عليه السلام» مع مسلمي الجن نقول:
1 - يلاحظ: أن ثمة اختلافاً في مضمون الحوار مع الجن عن مضمونه مع الملائكة، فالجن قد أعلنوا له «عليه السلام»: أنهم من شیعته وأنصاره، ولم يرد ذلك في كلام الملائكة معه «عليه السلام». بل قالوا له يا حجة الله على خلقه، فكونه حجة على الخلق لا يقتضي إلزام الملائكة بالعمل بالشريعة التي جاء بها. فالملائكة مأخوذون بحجيته، وإن كانوا بحسب طبيعة تكوينهم لا تشملهم معظم أحكام الشريعة.
أما الجن، فإنهم عباد مكلفون ومطالبون بالالتزام بالأحكام التى تناسب حالهم ولديهم شهوات ،ونزوات وفيهم المؤمن الراغب والساعي لنيل المثوبات، والكافر والعاصي الذي يستحق العقوبات.
والشريعة إنما جاءت لتعالج مشكلات، وتضبط شؤون هذا النوع من المخلوقات.
2 - يلاحظ: أن مسلمي الجن قد علقوا أمر مشاركتهم في القتال على صدور الأمر منه «عليه السلام» لهم .به.. أما الملائكة، فلم يشيروا إلى القتال في شيء، بل تحدثوا عن الإمداد بهم، وعن أنهم سيكونون معه، ولم يحددوا لأنفسهم وظيفة أو عملا أكثر من ذلك من أي نوع كان.
3 - وكان جواب الحسين «عليه السلام» للجن يرتكز على بيان عدم وجود مقتض للسماح لهم بقتال أعدائه، لأن أمر استشهاده حتمى ومقضي، لأجل أنه هو الإكسير الذي يحيل كيد الخائنين، ومكر
الماكرين إلى سراب ويباب.. لأن قتله هذا هو الذي تختبر به الأمة، ويوقظها من سباتها، وبه يمتاز الحق عن الباطل، وتزول الشبهات. وهو الوسيلة والمناسبة لربط الناس بدينهم وبأئمتهم، وتربيتهم، وغرس خصال الخير والصلاح في نفوسم، وتثقيفهم بأحكام دينهم، وبث معارفه فيهم، وما إلى ذلك.
4 - ثم أشار «عليه السلام إلى أن قتله هذا ستبقى آثاره وبركاته تتفاعل وتتنامى على مر العصور والدهور، ويفهم ذلك من خلال ما يلي:
ألف: أن شيعة أهل البيت سيجعلون حفرته في كربلاء مزاراً لنيل البركات، وموضعاً وموئلاً للعودة إلى الينابيع العذبة.
ب: ستكون كربلاء أيضاً معقلاً للشيعة يحصنون بها أنفسهم من الأباطيل، والأضاليل، والشكوك والشبهات، ويجدون من خلالها الحجة القاطعة والبراهين الساطعة على الحق الذي هم عليه، وعلى بطلان ما يكيدهم به أعداؤهم.
ج: في كربلاء تطمئن قلوب الشيعة وتسكن نفوسهم، وتزول منها وعنها وسوسات شياطين الإنس والجن، ويكون لهم بها الفوز والفلاح والنجاح في الآخرة.
5 - وقد أوضح «عليه السلام»: أن الهدف ليس حفظ شخصه من القتل، أو مما هو دون ذلك، بل المقصود هو أن يحفظ للدين صفاءه، ونقاءه، ووضوحه وتوهجه في ضمير الأمة..
ولو كان المقصود هو حفظ الشخص، فإن الله سبحانه قد أعطى الأنبياء والأئمة من القدرات ما لو استفادوا منه لانتصروا على أعدائهم. ولكنهم لو فعلوا ذلك، لحرموا من درجات ومقامات لا ينالونها إلا بالشهادة.
فإن أرادوا نيلها، فعليهم أن يقتصروا في مقاومتهم للعدو على الإمكانات والوسائل العادية التي تتوفر لكل إنسان.. ولا يستفيدوا من قدراتهم غير العادية التي حباهم الله بها.
وهذا يفسر لنا ما أراده «عليه السلام» بقوله: «نحن - والله - أقدر عليهم منكم، ولكن (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنة).
قال الطبري: «. . فزعم الواقدي: أن ابن عمر لم يكن بالمدينة حين ورود نعي معاوية وبيعة يزيد على الوليد، وأن ابن الزبير والحسين «عليه السلام» لما دعيا إلى البيعة ليزيد أبيا وخرجا من ليلتهما إلى
مكة، فلقيهما ابن عباس وابن عمر جائيين من مكة، فسألاهما ما وراءكما؟!
قالا: موت معاوية وبيعة يزيد»(1).
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 272 و (ط) الأعلمي) ج4 ص254 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 158 وراجع الكامل في التاريخ ج 4 ص 14 ونهاية الأرب ج20 ص382 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 3 ص 20.
فقد يقال : إن هذه الرواية لا اعتبار لها، ولا اعتداد بها، وذلك لما يلي:
1 - إن الطبري وابن الأثير الراويين لهذه الرواية قد ذكرا أيضاً: أن ابن عمر كان في المدينة قبل خروج الحسين «عليه السلام» منها(1).
2 - قالوا: إن ابن عباس كان قد خرج قبل ذلك بأيام إلى مكة(2)، فمتى وصل إليها ثم رجع منها ؟!
3 - إن ابن الزبير قد سار إلى مكة قبل مسير الحسين عليه «السلام إليها بليلة، أو بليلتين. فلم يكونا معاً ليلتقيا بابن عمر وابن عباس.
4 - إنهما حتى لو خرجا إلى مكة في ليلة واحدة، فإن كل واحد منهما قد سلك طريقا يختلف عن الطريق الذي سلكه الآخر. فإن الحسين عليه السلام» قد سلك الطريق الأعظم إلى مكة، أما ابن الزبير، فقد
تنكب هذا الطريق.
5 - هي رواية مرسلة وضعيفة سنداً
ونقول:
إن كل هذا الذي ذكروه موضع مساءلة وريب.
فأولاً : إن إرسال رواية الواقدي وضعفها سنداً، وإن كان صحيحاً في نفسه، إلا أن الروايات التي يريد المستدل معارضتها بها ليست بأفضل منها سنداً، إذ ليس من بينها ما هو صحيح سنداً أيضاً.
:ثانياً ذكرنا فيما سبق أن الأرجح هو أن تكون هناك أيام كثيرة قد مرت بعد لقاء الحسين للوليد، قبل أن يخرج الحسين «عليه
«السلام» إلى مكة، لاسيما إذا كان الوليد قد كتب ليزيد إن الحسين لا
يرى لك طاعة ولا بيعة فر رأيك.
ثالثاً : قلنا إن هناك من يقول : إن معاوية مات في أول شهر رجب، وإن الحسين ( عليه السلام قد خرج من المدينة لثلاث أو لليلتين بقيتا من رجب، أو في الثالث من شعبان..
وفي بعض النصوص إشارة إلى هذه الأيام الكثيرة، فهي تقول:
إن الحسين عليه السلام خرج ذات ليلة لزيارة قبر جده.. رابعاً: أضف إلى هذا وذاك أن جميع ما أورد به على رواية الواقدي ما هو إلا أقوال للمؤرخين والمؤلفين، أو روايات لها ما يعارضها في أقوال مؤرخين آخرين، وفي روايات أخرى.. فما الذي رجح قول هذا، أو روايته على قول ذاك أو روايته؟!
خامساً: إن الطريق إلى مكة طويلة، فإذا كان ابن الزبير قد تنكب الطريق الأعظم إلى وسط الطريق، فلعله عاد إليه، والتقى بالحسين
«عليه السلام» في بعض المنازل، ثم بابن عمر وغيره.
سادساً: إن الحديث عن ابن عباس، ومسيره إلى مكة قبل أيام من مسير الحسين «عليه السلام» إليها لعله غير دقيق، وأن عبد الله بن عباس مصحف عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، كما دلت عليه رواية ابن عساكر، فإنه ذكر: أن ابن عمر، وابن عياش بن أبي ربيعة قد لقيا الحسين «عليه السلام» وابن الزبير بالأبواء، منصرفين من العمرة.
وذكر أن ابن عمر قال لهما: أذكر كما الله إلا رجعتما فدخلتما في صالح ما دخل فيه الناس. وتنظرا، فإن اجتمع الناس عليه لم تشذا عنهم. وإن افترق الناس عليه كان الذي تريدان.
وقال ابن عياش: أين تريد يا ابن فاطمة؟!
قال: العراق وشيعتي.
فقال: «إني لكاره لوجهك هذا، أتخرج إلى قوم قتلوا أباك، وطعنوا أخاك، حتى تركهم سخطة وملًّة منه لهم، أذكرك الله أن تغرر بنفسك»(1).
وهذه الرواية - كما هو ظاهر - هي نفس رواية الواقدي المتقدمة،
1) ترجمة الإمام الحسين من تاريخ ابن عساكر ص 198 - 201 و (ط2 - مجمع إحياء الثقافة الإسلامية سنة 1414هـ) ص 293 و 294 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص57.
ولكنها حين ذكرت اسم والد عياش، اتضح منها: أن كلمة ابن عباس في رواية الواقدي مصحفة عن ابن عياش. فالاعتراض على رواية الواقدي: بأن ابن عباس قد سار إلى مكة قبل مسير الحسين «عليه السلام» إليها بأيام.. غير وارد من الأساس..
ونصيحة ابن عمر لا محل لها من الإعراب، فإنه يريد أن يجعل الإمام الحسين «عليه السلام»، المنصوص على إمامته من الرسول، والمعصوم عن الخطأ والزلل، وعن الذنوب بنص القرآن - يريد أن يجعله - تابعاً للعوام والجهلة الذين يفترض فيهم أن يكونوا هم في طاعة الإمام الحسين «عليه السلام»، ورهن إشارته.
والعوام لا يعرف أكثرهم الأحكام، وينقادون للهوى، ويخضعون للترغيب والترهيب، ويميلون مع عصبياتهم، ويأتمرون بأوامر رؤساء عشائر هم.
وهل هذا النوع من الناس يدخل في أمر صالح، أم أنه يتبع الأهواء والمصالح؟!
ولماذا يريد أن يعزل الحسين «عليه السلام» عن موقع القرار؟! ولماذا لا يكون هو من يرشد الناس إلى الحق، وأية قيمة لأمر يستثنى منه الحسين «عليه السلام»؟!
قالوا :
«فبينما الحسين كذلك بين المدينة ومكة في موضع يقال له: الشريفة إذا استقبله عبد الله بن مطيع العدوي، فقال: أين تريد أبا عبد الله، جعلني الله فداك؟!
قال: أما في وقتي هذا أريد مكة، فإذا صرت إليها استخرت الله تعالى في أمري بعد ذلك.
فقال له عبد الله بن مطيع: خار الله لك يا ابن بنت رسول الله فيما قد عزمت عليه، غير أني أشير عليك بمشورة، فاقبلها مني.
فقال له الحسين: وما هي يا ابن مطيع؟!
قال: إذا أتيت مكة فاحذر أن يغرك أهل الكوفة، فيها قتل أبوك، و [خذل] أخوك بطعنة طعنوه كادت أن تأتي على نفسه، فالزم الحرم، فأنت سيد العرب في دهرك هذا، فوالله لئن هلكت ليهلكن أهل بيتك بهلاكك، والسلام.
قال: فودعه الحسين ودعا له بخير، وسار حتى وافى مكة.
فلما نظر إلى جبالها من بعيد جعل يتلو هذه الآية: (وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قال عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبيل)(1)»(2).
وحسب نص ابن عساكر: أن ابن مطيع سأل الحسين «عليه السلام»: أين فداك أبي وأمي ؟!.
قال: أَرَدْتُ مَكَة.
قال: وَذَكَرَ لَهُ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِ ِشيعَتُهُ بها، فقال له ابن مطيع: أين فداك أبي وأمَي ؟! متعنا بنفسك ولا تسر إليهم.
فأبى الحسين «عليه السلام».
فقال له ابن مطيع: إنّ بئري هذه قد رشحتها، وهذا اليوم أوان ما خرج إلينا في الدلو شيء من ماء، فلو دعوت الله لنا فيها بالبركة.
قال: هاتِ مِن مائِها، فأتى من مائها في الدلو، فشرب منه، ثم مضمض، ثمّ ردّه في البئر، فأعذب وأمهى(1).
وفي نص آخر: أن ابن مطيع قال للحسين: «.. فإنك سيد العرب لا يعدل بك والله أهل الحجاز أحداً، ويتداعى إليك الناس من كل جانب،
1) تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 182 وترجمة الإمام الحسين من تاريخ ابن عساکر (بتحقيق المحمودي) ص 222 وبغية الطلب لابن العديم ج6 ص 2592 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 8 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 19 ص 393 ومختصر تاريخ دمشق ج 7 ص130 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 5 ص 144 و 145 والعقد الفريد ج 2 ص133.
لا تفارق الحرم فداك عمي وخالي، فوالله لئن هلكت لنسترقن بعدك»(1).
وقال أبو مخنف: «إذا دخلت مكة فلا تبرحن منها، فهي حرم الله، والأمان للناس. فأقم فيها، وتألف أهلها، وخذ البيعة على كل من دخلها من الناس، وعدهم العدل، وارفع الجور عنهم، وأقم فيها خطباء تخطب، تذكر على المنابر شرفك، وتشرح فضلك، ويخبرونهم بأن جدك رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وأباك علي بن أبي طالب، وأنك أولى بهذا الأمر من غيرك.
إياك أن تذكر الكوفة، فإنها بلد مشؤوم، قتل فيها أبوك ولا تبرح من حرم الله تعالى، فإن معك أهل الحجاز واليمن كلها. وسيقدم إليك الناس من الآفاق، وينصرفون إلى أمصارهم. وادعهم إلى بيعتك،
1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 351 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 261 والكامل لابن الأثير ج 2 ص 153 وج 4 ص 19 و 20 وراجع: لواعج الأشجان ص 32 ومناقب آل أبي طالب (ط دار المفيد) ج 3 ص 240 وأعيان الشيعة ج 1 ص 588 وراجع: تذكرة الخواص ج 2 ص 145 والمنتظم ج 5 ص 327 وتجارب الأمم ج 2 ص 38 و 39 ونهاية الأرب ج20 ص 385 وأنساب الأشراف ج 3 ص 156 والفصول المهمة لابن الصباغ ج2 ص 785 وراجع: تاريخ الإسلام ج 5 ص 8 والطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) ص444 والبداية والنهاية ج8 ص 162 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 175 والعقد الفريد ج 5 ص 125 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 3 ص 27.
فاقبل نصحيتي، وسر مسدداً، فوالله إن قبلت لترشدن.
فقال الحسين «عليه السلام»: جزاك الله عني كل خير، فإني قابل نصيحتك»(1).
ونقول:
لا بأس بالتعامل في الوقفات التالية:
وقالوا أيضاً:
إن ابن الزبير - كما يذكر ابن الأثير - قال لرسل الوليد حين دعوه إلى الحضور للبيعة: الآن آتيكم.
ثم أتى إلى داره، فكمن فيها، ثم خرج من ليلته إلى مكة، متنكباً الطريق العام، خوفاً من الطلب(2).
فطلبه الوليد فلم يجده، فأرسل إلى كل من كان من شيعته، فأخذه وحبسه، وكان ممن حبس عبد الله بن مطيع. فوثب بنو عدي إلى السجن، فأخرجوا منه عبد الله بن مطيع وكل من كان في السجن، ولم يتعرض إليهم أحد.
فاغتم الوليد بن عتبة(1).
وقد حاول الأستاذ علي شيري المعلق على كتاب الفتوح لابن أعثم تضعيف رواية لقاء الحسين بابن مطيع بين مكة والمدينة بما مضمونه:
أنه إذا كان الوليد قد حبس ابن مطيع بعد خروج ابن الزبير من المدينة، ثم كتب إلى يزيد بأن بني عدي قد أخرجوه عنوة من السجن. وأن الحسين «عليه السلام» قد امتنع من البيعة، فإن رواية سجن ابن مطيع تصبح ضعيفة من وجوه، هي:
1 - إن الروايات متفقة على خروج الحسين من المدينة بعد خروج ابن الزبير بليلة.
2 - إن كان ابن مطيع في السجن - حسب رواية ابن أعثم - فكيف لقي الحسين «عليه السلام» وهو في طريقه من المدينة إلى مكة؟!
وإن كان قد أخرج من السجن، كيف انتقل من المدينة إلى مكة ثم عاد منها، والتقى الحسين «عليه السلام» في الطريق. مع أن الحسين قد خرج بعد ابن الزبير بليلة، والذهاب إلى مكة والعودة يحتاج إلى عدة أيام؟!
قال: «..وهذا يضعف رواية ابن أعثم، ويضعف خبر رسالة
1) راجع: الفتوح لابن أعثم ج 5 ص 16.
الوليد إلى يزيد بشأن قضية السجن، وامتناع الحسين عن البيعة»(1).
ونقول:
لا بأس بملاحظة الأمور التالية:
أولاً: إن الروايات ليست متفقة على خروج الحسين «عليه السلام» بعد خروج ابن الزبير بليلة، فهناك من يقول: إنه خرج بعده بليلتين. كما أن هناك من يقول: إنهما خرجا في ليلة واحدة، ولكن ابن الزبير لم يسلك الطريق الأعظم، كما فعل الإمام الحسين «عليه السلام».
بل لقد رجحنا نحن أن يكون خروج الحسين وابن الزبير قد تأخر أياماً كثيرة عن الاجتماع العاصف الذي حصل في دار الوليد بن عتبة.. ولعل ابن مطيع قد حبس، ثم أطلق سراحه في هذه الفترة.
بل لعله حبس ثم أطلق في نفس اليوم.
ثانياً: في الرواية المتقدمة عن ابن أعثم: أن ابن مطيع استقبل الحسين «عليه السلام» في الطريق، وليس فيها أنه كان عائداً من مكة، فإن صح أن الحسين «عليه السلام» قد خرج بعد ليلتين من اجتماعه بالوليد، فلعل ابن مطيع قد سجن لمدة ساعات، ثم أخرجه قومه غضباً له، ثم خرج إلى بعض مزارعه في الطريق التي كانت بين مكة والمدينة. فلما سار الحسين «عليه السلام» إلى مكة لقيه
1) الفتوح لابن أعثم ج 5 هامش ص 22.
هناک.
وقد قال ابن عساكر: إن الحسين «عليه السلام» حين سار من المدينة إلى مكة، مر بابن مطيع وهو يحفر بئره كما تقدم.
وبذلك يظهر: أن الوليد كان حريصاً على حمل ابن الزبير والحسين على البيعة ليزيد، فكان ابن الزبير يماطله، ويتعلل بمختلف الأعاليل، فلما لم يعد يمكنه ذلك. أرسل أخاه إلى الوليد، فطلب منه مهلة لأخيه، فأمهله، فخرج من المدينة تلك الليلة.
علينا أن نذكر القارئ: بأنهم قالوا إن الإمام «عليه السلام» التقى بابن مطيع مرتين:
أولاهما في طريقه «عليه السلام» من المدينة إلى مكة، وهو هذا اللقاء الذي نتحدث عنه. وقد حصل هذا اللقاء في موضع يقال له: الشريفة.
الثاني: لقاؤه إياه بالحاجر في بطن الرمة، حين كان «عليه السلام» في طريقه من مكة إلى العراق. وسيأتي إن شاء الله الحديث عن هذا اللقاء حينما ننتهي بالحديث إليه..
ويلاحظ: أن تعامل الإمام «عليه السلام» مع ابن مطيع في اللقاءين كان مختلفا، ولهذا الاختلاف دلالاته وإيحاءاته.. حيث أظهر
أن الإمام «عليه السلام» لم يكن يثق بابن مطيع. وأنه يتعامل معه بحذر وريب.
فإنه «عليه السلام» حين لقي ابن مطيع، وهو في طريقه إلى مكة، سأله ابن مطيع عن وجهته، فأجاب: فأما الآن فإنه يريد مكة، وهذا أمر طبيعي لا يحتاج إلى كتمان، ويدل عليه سلوك الحسين الطريق الأعظم إلى مكة.. ولكنه ألحق بذلك قوله: «وأما بعدها، فإني أستخير الله». فلم يخبره عن وجهته بعد مكة.
مع أنه «عليه السلام» كان قد أخبر أم سلمة، ومحمد ابن الحنفية بأنه يقصد العراق.
أما في اللقاء في الحاجر في بطن الرمة، فسيأتي أنه «عليه السلام» أخبره بأنه يقصد العراق، وبأن أهل العراق قد كاتبوه بالمسير إليهم.. وهذا في الواقع كان ظاهر حاله أيضاً، وكان بإمكان ابن مطيع وغيره أن يعرف، أو أن يظن أن مقصده «عليه السلام» هو العراق، لأنه يسلك طريق العراق، وإن لم يصرح له بذلك.
وهذا الحذر الذي أظهره «عليه السلام» مع ابن مطيع يدلنا على تصريحاته «عليه السلام»: بأنه سوف يستشهد هو وأهل بيته وأصحابه إنما كان يذكر ذلك لأناس مخصوصين ومأمونين، مثل: أخيه ابن الحنفية، و أم سلمة، ومسلمي الجن، والملائكة. ولم يكن يعلن هذا الأمر على الملأ العام ليقال: كيف يمكن أن يستجيب الناس لدعوة
يخبر قائدها سلفا عن أنه مقتول هو وكل من يكون معه؟!.
ولا شك فى أن أئمة أهل البيت «عليهم السلام» قد فرضوا احترامهم على العدو والصديق، ونالوا إعجاب وتقدير كل من عرفهم، قريباً كان أم بعيداً.
لكن هذا الإعجاب والتقدير لا يعني الاعتقاد بإمامتهم، ووجوب طاعتهم ونصرتهم كما يريده الله ورسوله، فإن الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم، فهم إن رأوا أن مصالحهم، وما تدعوهم إليه أهواؤهم، وعصبياتهم، وميولهم يتعرض للخطر، فإنهم يتنكرون لمن يظنون أنه كان سبباً في ذلك، أو كانت العلاقة به سبباً في ذلك، وربما حاربوه، وقتلوه أيضاً.
وكان ابن مطيع من هذا النوع من الناس، فإن كل همه كان منصرفاً إلى دنياه، وما يمكن أن يحصل عليه منها.
ولأجل ذلك لم يهتم للبلاء الذي كان المسلمون يواجهونه بولاية الفاسق القاتل السكّير، المرتكب لأعظم الموبقات، ولم يهتز لما أخبره به الإمام الحسين «عليه السلام»، من أنه يسير للعراق لأجل مواجهة هذا الخطر، بل حاول أن يجد لنفسه العذر في التخلف عنه، بادعاء أن أهل العراق يغدرون بالإمام، ويقتلونه كما قتلوا أباه وأخاه..
ثم نسي ذلك كله، أو تناساه، وصار بصدد أن يزيد ماء بئره، ويصبح عذباً. وهذا يدلنا على أن تعظيمه للإمام «عليه السلام» لم
يكن عن اعتقاد بإمامته. ولا عن ولاء حقيقي له.
ويدل على ذلك أيضاً: أنه حين استعمله ابن الزبير، على الكوفة «جعل يطلب الشيعة، ويخيفهم»(1).
وكان يقاتل أصحاب المختار، من قبل ابن الزبير، فخطب أصحابه وقال: «إن من أعجب العجب عجزكم عن عصبة منكم، قليل عددها خبيث دينها»(2). ومراده بالعصبة والدين الخبيث: هو الشيعة والتشيع..
وكان في جملة جيشه الذي قاتل به المختار قتلة الحسين «عليه السلام»، مثل: شبث بن ربعي، وشمر بن ذي الجوشن، وعبد الله بن أبجر، وغيرهم(3).
1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 258.
2) تاريخ الأمم والملوك ج 6 ص 28 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 504 والفتوح لابن أعثم ج 6 ص 237 وجمهرة خطب العرب ج 2 ص 82 و 83.
3) الكامل في التاريخ ج 4 ص 216 و 217 و 220 و 222 و 224 وذوب النضار ص 105 وبحار الأنوار ج 45 ص 368 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 688 وأصدق الأخبار ص 44 و 49 و 52 - 54 وأنساب الأشراف ج 6 ص 392 و 393 و 389 و تاریخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 496 - 497 و 500 - 501 و 505 وتجارب الأمم ج 2 ص 147 و 153 و 158 و 159 و 160 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 6 ص 54 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج8 ص 293 و 394 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 3 ص 23 وتاريخ الكوفة ص 349 و 352 و 354 والفتوح لابن أعثم ج 6 ص 231 - 235 ونهاية الأرب ج 21 ص 19.
وقد وعد أهل الكوفة بأن ينفذ أمر ابن الزبير له: بأن يسير فيهم بسيرة عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان.
ولكن السائب بن مالك الأشعري، قام ورد عليه، فكان مما قال: «وألا يسار فينا إلا بسيرة علي بن أبي طالب «عليه السلام»، التي سار بها في بلادنا هذه حتى هلك، ولا حاجة لنا في سيرة عثمان في فيئنا، ولا في أنفسنا، ولا في سيرة عمر بن الخطاب فينا، وإن كانت أهون السيرتين علينا»(1).
وكانت نصيحة ابن مطيع للإمام الحسين «عليه السلام» هي تحذيره من أن يستجيب لأهل العراق، لأنهم قتلوا أباه وأخاه..
مع أن الإمام «عليه السلام» لم يذكر له شيئا عن العراق وأهله. بل أخبره بأنه يقصد مكة.
فهل دعاه إلى ذلك: أنه كان يكره أهل الكوفة لتشيعهم، وحبهم لعلي «عليه السلام»، وهو يرى - كما أسلفنا - أن التشيع دين خبيث.
1) الكامل في التاريخ ج 4 ص 212 و 213 و تاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 490 وأعيان الشيعة ج 7 ص 182 ونهاية الأرب ج21 ص 13 و 14 وجمهرة خطب العرب ج 2 ص 77.
وحين تولى الكوفة لابن الزبير كان يلاحق الشيعة، ويخيفهم؟!
أم أن الذي دعاه إلى ذلك: أنه كان يعلم أن العراق هو خزان الأموال والرجال، فإذا انضم إلى ذلك تشيع أهل الكوفة لعلي وأهل بيته، فإن احتمالات نجاح الإمام الحسين «عليه السلام» في نهضته المباركة، يصبح أكثر قوة. وهذا ما لا يروق لابن مطيع..
وقد رأينا: أن ابن مطيع يطلب من الحسين «عليه السلام» أن يدعو له بالبركة في بئره، فأمره «عليه السلام» أن يأتيه بشيء من
ص: 365
مائها، فأتاه به، فشرب منه، ثم تمضمض، ثم رده في البئر، فأعذب وأمهى، أي غزر ماؤه..
فإبن مطيع يرى هذه الكرامة الإلهية للإمام الحسين «عليه السلام» رأي العين، ثم لا ينتفع بها في تحصيل اليقين بإمامته «عليه السلام» بالمعنى الدقيق للكلمة، إلا على قاعدة: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقنتْهَا أَنفُسُهُمْ)(1). وكأنه ممن: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ)(2).
وبعد، فنحن نعلم: أن من كبار العلماء من لا يرى حرجاً في التصريح، بأن الكتاب المسمى: بمقتل أبي مخنف مختلق، ولا أساس له..
ولأجل ذلك، فنحن نكتفي بما ذكرناه، ولا نرى حاجة للتعقيب على الكلام المنقول عن مقتل أبي مخنف آنفاً. ونتابع حديثنا في مجالات ونصوص أخرى.
ص: 366
وتقدم: أن رواية تاريخ ابن عساكر تقول: إن الإمام «عليه السلام» ذكر لابن مطيع أنه يريد مكة، وأنه كتب إليه شيعته بها..
ونحن أولاً: لا نرى أن للحسين «عليه السلام» في مكة شيعة لديهم من الكثرة والقوة، ما يمكنه من تغيير الأوضاع وبلوغ الأهداف التي يتوخاها في الأمة الإسلامية كلها.. بل عن الإمام السجاد «عليه السلام»: «ما بمكة والمدينة عشرون رجلاً يحبنا»(1).
قال أبو جعفر الإسكافي عن علي «عليه السلام»: «وأمَا أهل مكة فكلهم كانوا يبغضونه قاطبة»(2).
ص: 364
فالظاهر: أن العراقيين كانوا هم الذين كاتبوا الإمام الحسين «عليه السلام» بعد بلوغهم خبر وصوله إلى مكة، وكانت كتبهم من الكثرة بحيث يقال: إنها بلغت اثنى عشر ألف كتاب.
ثانياً: إن الإمام «عليه السلام» لم يخبر ابن مطيع بمسيره إلى العراق حين كان في طريقه إلى مكة.
فالظاهر: أن الأمر قد اختلط على الراوي، فإن الحديث عن الكتب إنما كان في اللقاء الثاني بابن مطيع، حيث كان «عليه السلام» في طريقه إلى العراق، فلقي ابن مطيع في الحاجر في بطن ذي الرمة، فأخبره «عليه السلام» بأنه يقصد العراق، وأن لديه حملاً من الكتب التي وصلته من العراقيين.
وقد حصل هذا الخلط بين روايتي طريق مكة وطريق العراق أيضاً في رواية ابن عبد ربه، فإنها بعد أن ذكرت أنه قال لابن مطيع: إنه يريد العراق. وحاول ابن مطيع ثنيه عما عزم عليه، تقول الرواية: «فخرج الحسين حتى قدم مكة»(1).
مع أن المفروض أن تقول: قدم الكوفة، أو العراق.
1 - الفهرس الإجمالي
2 - الفهرس التفصيلي
1) العقد الفريد ج 4 ص352.
الفهرس التفصيلي:
الباب الثاني: موت معاوية، والبيعة ليزيد... 5
الفصل الأول: معاوية يوصي ويموت... 7
مرض معاوية: ... 9
كتاب العهد ليزيد: ... 11
الوصايا الشفوية: ... 11
يزيد لم يحضر موت أبيه: ... 17
عبد الرحمان بن أبي بكر: ... 18
وقفة مع الوصايا: ... 23
الحسين هو الحاكم: ... 25
فاحذر أن لا يتعرض لك: ... 25
ما منعك أن لا تسجد: ... 26
معاوية يتوسل ويتبرك: ... 30
الفصل الثاني: يأتمرون بك ليقتلوك: ... 33
:یزید اقتل من لم يبايع: ... 35
عبد الرحمان بن أبي بكر في عهد يزيد: ... 39
من هو والي المدينة؟: ... 40
متى مات معاوية؟! ... 41
أذن الفأرة: ... 42
إصرار يزيد على قتل الحسين (علیه السلام): ... 44
الوقت لا يسع المراسلات: ... 49
حجج مروان لقتل الحسين !!: ... 52
موقف الوليد بن عتبة: ... 56
لماذا استثناء السبب الأخير؟!: ... 62
الوليد يقر على نفسه: ... 65
لا يغدر الحسين (علیه السلام): ... 67
ابن فاطمة (علیهما السلام) وابن علی (علیهما السلام): ... 67
الفصل الثالث: اللقاء العاصف في منزل الوليد... 69
ظن يا أبا عبد الله: ... 71
غدر والله الحسين: ... 73
ليس هو الظن بل اليقين: ... 74
الإمام يستند إلى الرؤيا: ... 76
الأمر كان لي: ... 77
الحسين (علیه السلام) لا يريد الصدام مع معاوية: ... 78
الحسين (علیه السلام) عند الوليد: ... 81
جاء من الأمر ما لا قوام به: ... 88
قضاء الله ماض فيّ: ... 89
قضيب رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلم): ... 90
لا تقتلوا أحداً: ... 90
أرجو أن أخرج إليكم سالماً: ... 92
ثلاثون، أو تسعة عشر رجلاً: ... 93
كان لك عم صدق: ... 93
هل ترحم الحسين على معاوية؟!: ... 94
هل اجتمع الناس على يزيد؟!: ... 95
مثلي لا يعطي بيعته سراً: ... 95
البيعة بحضرة الجماعة: ... 96
أنا طوع يديك: ... 99
لو كان الوالي مروان: ... 101
حرص مروان على قتل الحسين لماذا؟!: ... 103
يا ابن الزرقاء: ... 104
الفصل الرابع أهل بيت النبوة: للشرح والتوضيح... 106
ضوابط و منطلقات: ... 108
لا بد من التوضيح: ... 109
1 - أهل بيت النبوة: ... 110
2 - معدن الرسالة: ... 111
2 - مختلف الملائكة: ... 111
4 - محل الرحمة: ... 112
6 - ختم الله بهم: ... 114
7 - أهل بيت الكرامة: ... 114
8 - أعلام الحق: ... 115
تعقيب وتوطئة: ... 115
1 - يزيد فاسق: ... 116
2 - شارب للخمر: ... 117
3 - قاتل النفس المحرمة: ... 118
4 - معلن بالفسق: ... 118
5 - تحريم الخلافة على ولد أبي سفيان: ... 119
6 - يزيد أمير المؤمنين !!: ... 120
الفصل الخامس: الحسين يشكو إلى الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلم): ... 123
على الإسلام السلام: ... 125
بلاء الأمة: ... 128
الحسين يستمع الأخبار: ... 129
اللعن من الرسول، والجبر الإلهي: ... 130
مروان الغادر: ... 130
شكوى الحسين إلى جده (صلّی الله علیه وآله وسلم): ... 131
ذات ليلة: ... 134
ابن فاطمة: ... 135
الخلف الذي خلفت على أمتك: ... 135
فاشهد عليهم: ... 137
يا نبي الله: ... 138
خذلوني، وضيعوني: ... 139
رضى الله، والرسول، والمؤمنين: ... 141
يقتلون ولده ويرجون شفاعته (صلّی الله علیه وآله وسلم): ... 143
الرؤيا هي الخيار: ... 144
كيف ينصرونه وهو يخبرهم بالاستشهاد؟!: ... 146
ليس في موقف الحسين (علیه السلام) تناقض: ... 147
خذني إليك، واجعلني إلى منزلك: ... 149
درجة مغشاة بنور الله: ... 149
الفزع والذعر، والغم والبكاء: ... 149
إن بايع كفر، وإن أبي قتل: ... 151
الفصل السادس: التوسل بالقبر ومن فيه... 153
أسألك بحق القبر ومن فيه: ... 155
الرسول في القبر الشريف: ... 175
ما كل ما يعلم يقال: ... 177
الباب الثالث: من المدينة إلى مكة... 180
الفصل الأول: أجواء ما قبل الرحيل ... 182
الوليد يراقب الحسين (علیه السلام) : ... 184
النياحة قبل الرحيل: ... 184
عن أي شيء نهى النساء؟!: ... 186
نوح الجن على الحسين !!: ... 190
لم يذكر النسوة الحسن: ... 190
من هو قائل البيت الأول؟!: ... 190
حبيب الأبرار من أهل القبور: ... 191
النياحة على الحسين قبل استشهاده: ... 192
تظن أنك علمت ما لم أعلمه!!: ... 192
لو ناولت وبايعت: ... 193
هل كان الأطرف مغرور؟!!: ... 194
ويزيد الطين بلة: ... 195
هل حضر الأطرف كربلاء؟!: ... 197
لا عذر لعمر الأطرف: ... 198
الحسين (علیه السلام) وأم هاني: ... 199
الحسين (علیه السلام) يودع أم سلمة: ... 203
ذخائر الإمامة عند أم سلمة: ... 205
طلب الودائع علامة الإمامة: ... 206
الحسين (علیه السلام) يخبر عن مصيره: ... 207
حتمية الإستشهاد: ... 210
الفصل الثاني: الحسين (علیه السلام) في وداع ابن الحنفية ... 212
قارورة الحسين (علیه السلام) : ... 214
الحسين (علیه السلام) وابن الحنفية: ... 215
ملاحظات يسيرة: ... 217
الحسين (علیه السلام) يقبل وصية أخيه: ... 218
لا تناقض في كلام الحسين: ... 219
سيرة الخلفاء الراشدين المهديين: ... 219
كن لي عينا: ... 224
ابن الحنفية وكربلاء: ... 226
ابن عباس وكربلاء: ... 231
عبد الله بن جعفر وكربلاء: ... 235
الفصل الثالث: وصية الحسين (علیه السلام) عند ابن الحنفية ... 238
الوصية والأهداف: ... 240
لماذا خاطب أخاه فقط ؟!: ... 240
تأسيس الدين: ... 243
الإستيلاء على الخلافة: ... 244
إجراءات وقرارات مدمرة: ... 246
نتائج هذه السياسات: ... 247
حماية الإنحراف بقرارات وضوابط: ... 253
عناوين من صنع السياسة: ... 254
لا بد من المشاركة: ... 257
شهوة الملك لدى يزيد: ... 260
يزيد الباغي المتغلب: ... 261
الفصل الرابع: المنطلقات والأهداف ... 264
أهداف الحركة الحسينية المباركة: ... 266
لا إجمال ولا لبس في الخطاب: ... 267
1 - لم أخرج أشرا: ... 268
2 - ولا بطراً: ... 270
3 - ولا مفسداً: ... 273
4 - ولا ظالماً: ... 274
5 - طلب الإصلاح في الأمة: .... 275
لا يكره أحداً على قبول ما جاء به: ... 276
1 - طلب النجاح: ... 279
2 - طلب الصلاح: ... 280
3 - الاختلال في الأمة كلها: ... 282
4 - أمة محمد: ... 282
تحديد المنهج والمسار: ... 283
1 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ... 284
2 - سيرة جدي محمد: ... 284
3 - سيرة أبي علي (علیه السلام): ... 286
4 - سيرة الخلفاء الراشدين المهديين: ... 288
توصيف الخلفاء بالراشدين المهديين: ... 290
قبل أن يكاتبه العراقيون: ... 291
الخلفاء الراشدون في بعض المصادر: ... 294
الفصل الخامس: إلى مكة ... 295
الحسين (علیه السلام) إلى مكة: ... 297
لا بد من الرحيل: ... 299
تنظر وننظر: ... 300
خرج في جوف الليل: ... 302
متى خرج الحسين (علیه السلام) من المدينة؟!: ... 305
خرج بجميع أهله: ... 310
في سنة ستين: ... 312
سلك الطريق الأعظم: ... 313
الفصل السادس: ثلاث روايات مشبوهة ... 317
بنت للحسين (علیه السلام) بقيت في المدينة: ... 319
جدتي أم سلمة!!: ... 321
رحيل ملك الحجاز !!: ... 325
الفصل السابع: لقاءات في طريق مكة... 335
أشخاص التحقوا بالحسين (علیه السلام): ... 337
أفواج من الملائكة المسومين: ... 337
أفواج مسلمي الجن: ... 338
رواية ابن طاووس موضع ريب: ... 340
قتال الجن والملائكة للإنس: ... 342
هل حارب الملائكة مع النبي (صلّی الله علیه وآله وسلم)؟!: ... 343
حوار الإمام مع الملائكة: ... 344
حوار الحسين (علیه السلام) مع مسلمي الجن: ... 345
ابن عباس وابن عمر في طريق مكة: ... 348
نصيحة ابن عمر: ... 352
ابن مطيع في طريق مكة: ... 352
ابن مطيع كان محبوساً: ... 356
لقاءان بابن مطيع: ... 359
اختلاف التعامل في اللقاءين: ... 359
دلالة حذر الإمام الحسین(علیه السلام: ... 360
ابن مطيع لا يوالي الحسين (علیه السلام): ... 361
نصيحة ابن مطيع: ... 363
هل للحسين شيعة في مكة؟!: ... 364
379
الكرامة الإلهية لا تقنع ابن مطيع: ... 365
النص المنقول عن أبي مخنف: ... 366
الفهارس: ... 367