سیرة الحسین علیه السلام فی الحدیث و التاریخ جلد 10

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

سيرة الحسين(عليه السلام)

في الحديث والتاريخ..

السيد جعفر مرتضى العاملي

الجزء الحادي والعشرون

المركز الاسلامي للدراسات

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

الطبعة الأولى

2016م - 1437هـ

حاد

المركز الاسلامي للدراسات

لبنان - بيروت - الضاحية الجنوبية - أوّل حي ماضي بناية حجازي - ط 1 - تلفاكس: 00961.1.274519

البريد الالكتروني : alhadi@alhadi.org

المنشورات بيروت - بئر العبد - سنتر الانماء 3 - 0096170995421

محرّر الرقمي: محمد رادمرد

اشارة

سيرة الحسين «علیه السلام»

في الحديث والتاريخ..

السيد جعفر مرتضى العاملى

الجزء العاشر

المرکز الإسلامي للدراسات

جميع الحقوق محفوظة للمؤولف

الطبعة الأولى

1435ه - 2014م

المركز الإسلامي للدراسات

لبنان - بيروت - الضاحية الجنوبية - أوّل حي ماضي بناية حجازي - ط 1 - تلفاكس: 274519. 1. 00961

البريد الالكتروني : alhadi@alhadi.org

المنشورات : بيروت - بئر العبد - سنتر الانماء 3 - 70995421 00961

سيرة الحسين «علیه السلام»

في الحديث والتاريخ..

السيد جعفر مرتضى العاملى

الجزء العاشر

المرکز الإسلامي للدراسات

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

القسم الرابع: حتى كربلاء..

اشارة

الباب الأول: الحسين بعد استشهاد أخيه «علیه السلام»

اشارة

الفصل الأول: يبذلون ويعلّمون..

اشارة

على الباذل أن يشكر السائل:

سأل رجل الحسين حاجة.

«فقال له: يا هذا سؤالك إياي يعظم لدي، ومعرفتي بما يجب لك يكبر علي، ويدي تعجز عن نيلك بما أنت أهله، والكثير في ذات اللّه قليل، وما في ملكي وفاء بشكرك، فإن قبلت الميسور، دفعت عني مرارة الاحتيال لك، والاهتمام بما أتكلف من واجب حقك.

فقال الرجل: أقبل يا ابن رسول اللّه اليسير، وأشكر العطية، وأعذر على المنع، فدعا الحسين بوكيله، وجعل يحاسبه على نفقاته حتى استقصاها، ثم قال :له هات الفاضل من الثلاثمائة ألف، فأحضر خمسين ألفا.

قال: فما فعلت الخمسمائة دينار ؟!

قال: هي عندي.

قال: أحضرها.

قال: فدفع الدراهم والدنانير إلى الرجل، وقال: هات من يحمل معك هذا المال.

فأتاه بالحمالين، فدفع إليهم الحسين رداءه لكراء حملهم حتى حملوه معه.

فقال مولى له: واللّه ما بقي عندنا درهم واحد.

فقال: لكني أرجو أن يكون لي بفعلي هذا أجر عظيم» (1).

ونقول:

ضوابط ومنطلقات:

تضمنت كلمات الإمام الحسين «علیه السلام» الواردة في هذه الرواية أموراً بالغة الأهمية في مراميها ودلالاتها، فلاحظ ما يلي:

1- إن عزة الإنسان المؤمن يجب أن تحفظ له، والإحتياج إلى الآخرين وإلجاء الضرورة إلى الإستعانة بهم من شأنه أن يكبت هذه العزة، ويضطرها إلى الإنعطاف والتطامن. وهذا ما لا يرضاه الإمام


1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 153 وبحار الأنوار ج 43 ص 347 و 348 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 443 وراجع: مستدرك الوسائل ج 7 ص 270 ونظم درر السمطين ص 197 وروي عن الإمام الحسن «علیه السلام» في المستجاد من فعلات الأجواد ص10 و 11 ومطالب السؤول ص 344 و 345 والدر النظيم ص 495 و 496 وكشف الغمة ج 2 ص 181 والعدد القوية ص 29 و 30 ومعارج الوصول ص 71 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 707 و 708 و نظم درر السمطين (ط القضاء) ص 197 والصواعق المحرقة ص 139 وإحياء علوم الدين ج 10 ص 32 والمحجة البيضاء ج 4 ص 216 وج 6 ص 65.

الحسين «علیه السلام»، بل هو يألم له ويستعظمه، كما قال «عليه السلام»: «سؤالك إياي يعظم علي».

فلا ينبغي أن يشعر المسؤول والباذل بالعزة وبالرضى في أمر تكسر فيه عزة أخيه المؤمن.

2 - ويفهم من قوله «علیه السلام»: «.. ومعرفتي بما يجب لك يكبر علي» عدة أمور:

فأولاً: حين يعطي المسؤول السائل فإنما يؤدي واجباً، ولا يقوم بعمل مندوب، كما قد يظن، ويدل على ذلك بالإضافة إلى قوله: «بما يجب لك»، قوله الآتي: «و الاهتمام بما أتكلف من واجب حقك». وإن كان هذا الوجوب قد لوحظ فيه القاعدة التي تقول: ما يستحب للجاهل واجبٌ على العالم.

ثانياً: إن هذه الحقيقة يجب أن تمنع من شعور الباذل، بأنه متفضل فيما أعطاه، وتحجزه عن أن يمن بهذا العطاء على المبذول له.

ثالثاً: إن ذلك يقتضي أن على الباذل أن يشكر اللّه على أن وفقه لأداء هذا الواجب، لا أن يتوقع الشكر من السائل.

رابعاً: إن على الباذل أن يعرف أن ما يجب للإنسان المؤمن على أخيه أعظم من أن تحيط به، أو أن تفي بأدائه أمواله كلها مهما بلغت.

3 - وقال «علیه السلام»: «ويدي تعجز عن نيلك بما أنت أهله..» وهذا يدل على أن العطاء يجب أن يلاحظ فيه قيمة ومقام

صاحب الحاجة، وما هو أهله، لا مقدار الحاجة التي يطلب قضاءها.

وإذا كان الباذل عاجزاً عن بذل ما يوازي أهلية السائل، فذلك يعني أن لا يتعالى إذا بذل بعضاً مما يملك، إذ لم يعد للمقادير والأعداد كبرت أو صغرت، أثر في إعطاء الميزة للباذل، بل يتحول مسار القضية إلى معرفة مدى دلالات هذا البذل على الميزات الإنسانية، والإيمانية لدى الباذل.

كما إذا كان الباذل قد راعى مفهوم الإيثار على النفس، أو مفهوم التذلل والإنقياد للّه، وطلب رضاه، أو إذا صاحب البذل ما يدل على الشعور بآلام الآخرين، والرغبة في رفع تلك الآلام، وما إلى ذلك.

4 - وقوله «علیه السلام»: «والكثير في ذات اللّه قليل» فيه تأكيد على أمرين:

أحدهما: أن البذل والعطاء يجب أن يكون لوجه اللّه، لا لأجل الجاه في الدنيا، ولا لأجل المكافآت فيها، وما إلى ذلك.

الثاني: أن كثرة المبذول فى ذات اللّه لا أثر لها، بل بذل الكثير لا يمتاز عن بذل القليل في شيء، وسبب ذلك أن الإنسان مملوك للّه تعالى، وكل ما لديه وما يصل إلى يده من حطام الدنيا مملوك للّه أيضاً، فإن العبد وما ملكت يداه لسيده ومولاه.

فالبذل في ذات اللّه، لا يحتاج إلا إلى التخلي عن استئثار الإنسان بما ليس له. وإسقاط ادّعائه الملكية، وإعادة المال إلى صاحبه ومالكه الحقيقي، وإنهاء هذه العلقة الإدّعائية أو الشكلية، أو الإعتبارية بينه

وبين المال.

وقوله تعالى: «فامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ» (1)يشير إلى أنه تعالى إنما أباح لعباده أن يستفيدوا من المال، والرزق، وليس فيها دلالة على تمليك حقيقي لهم، بحيث يقطع اللّه تعالى علقته بهذا الرزق ولا تعود له أية سلطة عليه.

بل سلطته باقية، حتى حين سمح للإنسان أن يتقلب في النعم، ويستفيد منها، ولذلك ألزمه بأحكام وقوانين تنظم علاقته بالأموال، فحظر عليه بعض التصرفات كإتلافها بغير وجه حق، وأجاز له بعضها الآخر، حتى إذا أشرف على مفارقة الدنيا، فإنه سبحانه، فرض عليه تقسيمها وفق ما يريد اللّه، لا وفق الرغبات البشرية، حتى لو كانت رغبة صاحب المال نفسه.

5 - وقوله «علیه السلام»: «وما في ملكي وفاء بشكرك».

قد جاء على عكس ما هو شائع من إلزام المبذول له بشكر الباذل، حتى إنهم ليستغربون بل يرفضون إلزام الباذل بشكر السائل، لكن الإمام الحسين «علیه السلام» بقوله هذا يجعل الشكر على الباذل موازياً لشكر المبذول له إن لم نقل : إنه هو الأوجب والأصوب، لأن المبذول له كان سببا في توفيق الباذل لأداء بعض ما يجب عليه من خلال هذا البذل، الذي سيكون في ميزان أعماله الصالحة، يوم لا ينفع


1) الآية 15 من سورة الملك.

مال ولا بنون إلا من أتى اللّه بقلب سليم.

إلى من ترفع الحاجات:

وذكروا : أنه جاءه رجل من الأنصار يريد أن يسأل الإمام الحسين حاجة، فقال «علیه السلام»:

«يا أخا الأنصار، صن وجهك عن بذلة المسألة، وارفع حاجتك في رقعة، فإني آت فيها ما سارك إن شاء اللّه.

فكتب : يا أبا عبد اللّه إن لفلان علي خمسمائة دينار، وقد ألح بي، فكلمه ينظرني إلى ميسرة.

فلما قرأ الحسين «علیه السلام» الرقعة دخل إلى منزله، فأخرج صرة فيها ألف دينار، وقال «علیه السلام» له:

أما خمسمائة فاقض بها دينك، وأما خمسمائة فاستعن بها على دهرك، ولا ترفع حاجتك إلا إلى أحد ثلاثة إلى ذي دين، أو مروة، أو حسب.

فأما ذو الدين، فيصون دينه.

وأما ذو المروة، فإنه يستحيي لمروته.

وأما ذو الحسب، فيعلم أنك لم تكرم وجهك أن تبذله له في حاجتك، فهو يصون وجهك أن يردك بغير قضاء حاجتك» (1).


1) تحف العقول ص 247 وبحار الأنوار ج 75 ص 118 ونهج السعادة ج 8 ص 283 وأعيان الشيعة ج 1 ص 580.

ونقول:

صن وجهك عن بذلة المسألة:

إن أول ما طلبه الإمام الحسين «علیه السلام» من ذلك الأنصاري: هو أن يصون وجهه عن بذلة المسألة، ويكتب حاجته في رقعة.

والظاهر : أنه «علیه السلام» قد رأى أن لدى هذا الرجل كما هو حال كثير من الناس قدراً من الحشمة والشعور بالعزة والكرامة، فأراد «علیه السلام» أن لا تخدش هذه المعاني بابتذال معنى العزة والكرامة في نفسه، فإن ذلك إذا تكرر بسبب تكرر الحاجة الملحة، قد يؤدي إلى تذويب هذا الشعور النبيل والجميل بالعزة والكرامة بصورة تامة أو يكاد.

فإذا كتب حاجته على رقعة، فإن نفس هذه الكتابة ستكون بمثابة التلقين العملي له بأن عليه أن لا يعرض مكانته، وعزته لأي خلل أو ضعف مهما كان حجمه، وأن عليه أن يتدارك النقص الذي يعرض له، بكل ما يظهر معنى الكرامة والشهامة والعزة لديه..

ثلاثة ترفع الحاجات إليهم:

وقد قرر «علیه السلام»: أن الحاجات لا ترفع إلى أيّ كان من الناس، لأن البعض منهم قد يستغلون هذا الأمر لإذلال الآخرين والإستطالة عليهم، أو لتسخيرهم في مآربهم ومقاصدهم اللاإنسانية، وربما حاول بعضهم التشهير والأذى الإجتماعي بصاحب الحاجة،

وربما ماطله حتى يضيع عليه الفرصة لأنه يريد أن يتلذذ بآلامه..

وهذا ما دعا الإمام «علیه السلام» إلى تحديد الفئات التي تليق برفع الحاجات إليها وهم ثلاث فئات كما ذكر «علیه السلام»..

أعطيك وتمدحه؟!

يقال: دخل الحسين «علیه السلام» على معاوية، وعنده أعرابي يسأله حاجة، فأمسك، وتشاغل بالحسين «علیه السلام».

فقال الأعرابي لبعض من حضر: من هذا الذي دخل؟!

قالوا: الحسين بن علي

فقال الأعرابي للحسين: أسألك يا ابن [بنت] رسول اللّه لما كلمته في حاجتي، فكلمه الحسين [في ذلك] فقضى حاجته.

فقال الأعرابي:

أتيت العبشمي فلم يجد لي***إلى أن هزه ابن الرسول

هو ابن المصطفى كرماً***ومن بطن المطهرة البتول

وجوداً***كما فضل الربيع على المحول

فقال معاوية: يا أعرابي، أعطيك وتمدحه؟!

فقال الأعرابي: يا معاوية أعطيتني من حقه، وقضيت حاجتي بقوله (1).


1) مناقب آل أبي طالب (ط المکتبة الحیدریة) ج 3 ص 235 وبحار الأنوار ج 44 ص 210 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 84 و 85.

ونقول:

قد يقال: ألم يكن للإمام الحسين «علیه السلام» أن يستمهل ذلك الأعرابي إلى ما بعد لقائه بمعاوية، ثم يذهب به إلى بيته، ويكون هو الذي يعطيه، ويستغني بذلك عن تمنن معاوية على الإمام «علیه السلام» بأنه إنما قضى حاجة الأعرابي إكراما له؟!

ويجاب:

أولاً: إن معاوية لا يعطي ذلك الأعرابي من ماله الخاص، بل من أموال المسلمين التي تجبى إليه، ويستأثر بها لنفسه، ولا يعطي منها إلا القليل..

وأكثر ما يعطيه إنما يخص به الأعوان والخلان، ومن لا يستحق، وندر أن يصل شيء منه إلى المستحقين والفقراء.

ثانياً: لا يحق لمعاوية أن يتصرف بهذه الأموال، بل هي للإمام المنصوب من قبل اللّه ورسوله، وهو الحسين «علیه السلام» ومعاوية غاصبٌ ومعتدٍ على صاحب الحق.

وقد أدرك الأعرابي هذا المعنى، وواجه به معاوية، حيث قال له: «أعطيتني من حقه». ولم يعلق معاوية على قوله هذا بشيء، لأنه يعلم أنه لو كابر وأنكر، فسيجد الجواب الشافي والكافي حاضراً لدى الإمام الحسين «علیه السلام» الذي لا يسكت عن تزوير الحقائق.

ثم أمعن الأعرابي في تقريع معاوية، حيث بيَّن أن إعطاءه المال لم يكن لأجل شعور إنساني نبيل، ولا لأجل أريحية اهتزت وأثمرت هذا العطاء، ولا كان استجابة لسجية كرم وسخاء، بل أعطاه لعدم قدرته على رفض طلب الإمام الحسين «علیه السلام».

ما الذي حرك معاوية؟!:

وللتذكير نشير إلى أن معاوية لم يحتمل مدح ذلك الأعرابي للإمام الحسين «علیه السلام»، بل أخذه الحسد، فلم يتمالك نفسه، فبادر إلى القول: «أعطيك وتمدحه»؟!

كما أن مما زاد معاوية إثارة وتشنجاً، وقد حاول بكل جهده كتمانه هو ما تضمنه شعر الأعرابي من تفضيل لبني هاشم على بني عبد شمس، إلى حد أنه اعتبر بني هاشم بمنزلة الربيع في البهجة، والعطاء، أما بنو أمية فهم المحل والجدب بعينه.

وهذا ما لا يطيقه معاوية ولا يستسيغه، وظني أنه لولا وجود الإمام الحسين «علیه السلام» لكان نصيب ذلك الأعرابي من معاوية هو الطرد والإهانة والحرمان، إن لم يكن ما هو أشر وأضر..

فحيوا بأحسن منها:

قال أنس: «كنت عند الحسين «علیه السلام»، فدخلت عليه جارية فحيته بطاقة ريحان، فقال لها: أنت حرة لوجه اللّه.

فقلت: تجيئك بطاقة ريحان لا خطر لها فتعتقها ؟!

قال: كذا أدبنا اللّه، قال اللّه: «وَإِذا حُرِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللّه كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا» (1)، وكان أحسن منها عتقها».(2).

ونقول:

لقد أخطأ أنس:

لقد أخطأ أنس حين جعل قيمة العمل مرهونة بمردوده المادي، ولم ير من العمل إلا هذا الجانب، مع أن للأعمال جوانب أخرى يجب أخذها بنظر الإعتبار، وربما أعطته قيمة أفضل من قيمته المادية، وربما كانت تلك الجوانب من أسباب سقوط العمل، وفقدانه للقيمة حتى لقيمته المادية مهما كانت كبيرة وخطيرة.

والشاهد على ذلك: أن الإنسان الفقير المعدم إذا كان لا يملك


1) الآية 86 من سورة النساء.

2) بحار الأنوار ج 44 ص 195 ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص484 وكشف الغمة ج 2 ص 240 و 241 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 768 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 317 والعوالم الإمام الحسين ج 1 ص 64 ولواعج الأشجان ص 16 ونزهة الناظر وتنبيه الخاطر ص 83 و الفصول المهمة ص 167 والتذكرة الحمدونية ج 2 ص 186 وأعيان الشيعة ج 1 ص 579 ومعارج الوصول ص 92 و 93 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 149 وج 19 ص 432 وج 27 ص 122 و 183.

سوی قرص من شعير، فإنه إذا جاد به على ضيف نزل به، أو آثر به على نفسه فقيراً أو يتيماً ورضي هو بمكابدة الجوع بعد ذلك، وربما كان في ذلك حتفه، فإن هذا الإيثار، وذلك السخاء، لا يقدر بثمن ولو أردنا مكافأته فليس لنا أن نجعل القيمة المادية لقرص الشعير معياراً للمكافأة التي نرصدها له، بل ليس المعيار في مكافأته هو حياته التي تعرضت للخطر، ليقال: إن المطلوب هو رصد مكافأة تعدل مقدار الدية التي حددها الشارع لمن أزهقت روحه عدواناً.

بل لا بد أن يضاف إلى ذلك، القيمة للمعنى الإنساني، والمشاعر والاعتبارات والحوافز الروحية التي عبر عنها تطوعه بهذا البذل الذي هو أغلى وأعلى قيمة من مجرد مفارقة الروح للجسد كيفما اتفق، فإن نفس هذا التطوع يفرض أعباء أعظم، ويكرس شعوراً بالإمتنان بل هو يستولد الشعور بالعجز عن مكافأة هذا النوع من الناس.

من أجل ذلك نقول:

إن مقادير الديّات المقررة من قبل الشارع قد لوحظ فيها جوانب أخرى من مصالح العباد، فيما يرتبط بحفظ النظام العام.

وهذا هو السبب في أن المميزات الإنسانية بل والإيمانية لم تلحظ أيضاً فدية الفاسق والجاهل، بمقدار دية أعلم العلماء، واتقى الأتقياء... ولكن ذلك لا يعني أن المعيار في القيمة هو مجرد ما له علاقة بالروح والجسد، من ناحية الإجتماع والإفتراق.

وهذا يفسر لنا الكثير من الأحداث التي تنقل عن الأئمة مما

يصنف في دائرة الجود والكرم، مع أن الأمر فوق ذلك، فلاحظ مثلا ما رواه المدائني في حديث طويل، قال:

«خرج الحسن والحسين وعبد اللّه بن جعفر حجاجاً، ففاتتهم أثقالهم، فجاعوا وعطشوا، فرأوا في بعض الشعوب خباءاً رثا،

وعجوزاً.

فاستسقوها.

فقالت: اطلبوا هذه الشويهة، ففعلوا.

واستطعموها. فقالت: ليس إلا هي، فليقم أحدكم فليذبحها حتى أصنع لكم طعاماً، فذبحها أحدهم، ثم شوت لهم من لحمها، وأكلوا، وقيَّلوا عندها.

فلما نهضوا قالوا لها: نحن نفر من قريش نريد هذا الوجه فإذا انصرفنا وعدنا فألمي بنا، فإنا صانعون لك خيراً، ثم رحلوا.

فلما جاء زوجها، وعرف الحال أوجعها ضرباً.

ثم مضت الأيام فأضرَّت بها الحال فرحلت حتى اجتازت بالمدينة، فبصر بها الحسن «علیه السلام»، فأمر لها بألف شاة، وأعطاها ألف دينار، وبعث معها رسولاً إلى الحسين، فأعطاها مثل ذلك، ثم بعثها إلى عبد اللّه بن جعفر فأعطاها مثل ذلك» (1).


1) مناقب آل أبي طالب (ط المکتبة الحیدریة) ج 3 ص182 والمستجاد من فعلات الأجواد ص 11 وعن إسعاف الراغبين للصبان (بهامش نور الأبصار) ص 177 وأعيان الشيعة ج 1 ص 565 ومطالب السؤول ص 345 والمحجة البيضاء ج 6 ص 66.

فقد أعطى كل واحد من الحسن والحسين، وعبد اللّه بن جعفر تلك المرأة ما يعادل ديتين كاملتين حتى اجتمع عندها ما يعادل ست ديات لمجرد أنها أضافتهم، وما عرفتهم، وبذلت لهم شويهة كانت عندها ولم يكن عندها غيرها كما ربما يظهر من قولها: ليس إلا هي.

التحية الأحسن:

وبعد.. فإن إهداء تلك الجارية طاقة ريحان للإمام الحسين «علیه السلام» إنما يعبر عن معان وحالات تعيشها تلك الجارية، فهي تعبر عن الشعور بالإمتنان، وعن درجة من الأنس والمحبة والرضى، والراحة النفسية، التي كانت تعيشها تلك الجارية في كنف الإمام «علیه السلام»، وعن رغبة في إظهار تلك المعاني له «علیه السلام»، لكي تثير السرور والبهجة في نفسه، من خلال تقديم طاقة ريحان إليه، ربما لم يتهيأ لها الحصول على ما هو أثمن منها، بحكم كونها جارية مملوكة لا تحصل على الأموال في الغالب..

فكافأها «علیه السلام» بما يحمل معنىً بالغ الحساسية والأهمية بالنسبة لها، وهو يختصر كل وجودها، وترى فيه كل سعادتها ومستقبلها، وهو معنى الحرية الذي حصلت عليه نتيجة عتق الإمام

«علیه السلام» لها.

ولأهميتها ولأجل القيمة البالغة العالية لمعنى الحرية التي نالتها تلك الجارية، قال «علیه السلام» لأنس: إن عتقها تحية هي أحسن من التحية التي حيته بها..

خير المال ما وقي به العرض:

1 - كتب الحسن «علیه السلام» إلى الإمام الحسين «عليه السلام» يلومه على إعطاء الشعراء، فكتب إليه: «أنت أعلم مني بأن خير المال ما وقى العرض» (1).

2 - ولما أخرج مروان الفرزدق من المدينة أتى الفرزدق الحسين


1) وسائل الشيعة (آل البيت) ج 21 ص 557) و (الإسلامية) ج 15 ص 262 وبحار الأنوار ج 44 ص 195 وكشف الغمة ج 2 ص 206 ومستدرك سفينة البحار ج 7 ص 171 وهداية الأمة للحر العاملي ج 7 ص 359 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 64 ونزهة الناظر وتنبيه الخاطر ص 83 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 2 ص 769 والمحجة البيضاء ج 4 ص 227 و تاريخ ابن معين ج 2 ص 101 و تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 181 و 182 وتهذيب الكمال ج 6 ص 407 والتذكرة الحمدونية ج 2 ص 186 و 187 وترجمة الإمام الحسين «علیه السلام» من سيرة ابن عساكر ص 220 وبغية الطلب لابن العديم ج 6 ص 2591 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 226 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 123 و 124 و 188 وج 33 ص 606.

«علیه السلام»، فأعطاه الحسين أربع مئة دينار، فقيل له: إنه شاعر فاسق منتهر.

فقال «علیه السلام»: إن خير مالك ما وقيت به عرضك. وقد أثاب رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» كعب بن زهير. وقال في العباس بن مرداس: إقطعوا لسانه (1).

ونقول:

قد أشرنا إلى النص الأول المتقدم برقم [1] في موضع سابق من هذا الكتاب، وقد أعدناه هنا لسببين:

أولّهما: لإعادة التذكير بأن الإمام الحسن «علیه السلام» لا يلوم أخاه على شيء، لعلمه بأنه مطهر ومعصوم عما يوجب اللوم..

كما أن التعليل الذي ذكره الإمام الحسين «علیه السلام» لا يمكن أن يغفل عنه الإمام الحسن «علیه السلام».

إلا أن يكون «علیه السلام» أراد أن يدفع استهجان الناس لحجم المبالغ التي يبذلها الحسين «علیه السلام» للشعراء بهذه الطريقة من الحوار.


1) مناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 221 عن كتاب: أنس المجالس، وبحار الأنوار ج 44 ص 189 - 190 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 62 وأعيان الشيعة ج 1 ص 579 وراجع: مستدرك سفينة البحار ج 7 ص 171 ولواعج الأشجان ص14.

أو يكون الذي كتب إلى الحسين «علیه السلام» باللوم هو الحسن بن أبي الحسن البصري، الذي كان منحرفاً عن علي وأهل بيته «علیهم السلام». وهو المرجح كما ذكرناه سابقا

وهذا يجعل إيراد هذا النص هنا هو الأمر الطبيعي، لأن الحدث يكون قد حصل مع الإمام الحسين «علیه السلام» فقط، ولا دخل للإمام الحسن «علیه السلام» فيه، وقد قلنا: إننا نتعرض لأمثال هذه الأمور في فترة تصدي الإمام الحسين «علیه السلام» لمقام الإمامة.

الثاني: أردنا لفت النظر إلى أن جواب الإمام الحسين «علیه السلام» قد استبطن نظر الشرع الذي يرغب في اتقاء الأعراض المصونة من التجني، والعبث، ولو ببذل المال لكف ألسنة الإفتراء عنها.

بالإضافة إلى أن هذا هو ما جرت سيرة الناس عليه في تفاعلهم مع هذا الأمر.

غلام يواكل كلباً:

روي عن أبي عبد اللّه «علیه السلام»، أنه قال: «صح عندي قول النبي «صلی اللّه علیه وآله»: أفضل الأعمال بعد الصلاة، إدخال السرور في قلب المؤمن بما لا إثم فيه، فإني رأيت غلاماً يؤاكل كلباً، فقلت له في ذلك.

فقال: يا بن رسول اللّه إني مغموم، أطلب سرورا بسروره، لأن صاحبي يهودي أريد أفارقه.

فأتى الحسين «علیه السلام» إلى صاحبه بمائتي دينار ثمنا له.

فقال اليهودي: الغلام فداء لخطاك، وهذا البستان له، ورددت عليك المال.

قال: قبلت المال، ووهبته للغلام.

وقال الحسين «علیه السلام»: أعتقت الغلام ووهبته له جميعاً.

فقالت امرأته: أسلمت ووهبت مهري لزوجي.

فقال اليهودي : أنا أيضاً أسلمت، ووهبتها هذه الدار» (1).

ونقول:

صحّ عندي قول النبي:

إن سياق هذه الرواية يعطي: أن مراد الإمام الحسين «علیه السلام» من قوله : «صحّ عندي قول النبي «صلی اللّه علیه وآله»..». هو أنه رأى التطبيق العملي لما قاله الرسول «صلی اللّه علیه وآله» بصورة لا تقبل الترديد، أو التأويل..

وليس المراد صحة سند الحديث النبوي عند الحسين «عليه


1) مستدرك الوسائل ج 12 ص 398 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 73 و 75 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 229 و 230 وبحار الأنوار ج 44 ص 194 وجامع أحاديث الشيعة ج 15 ص 535 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 64 و 65 وشجرة طوبى ج 2 ص 440 ومستدرك سفينة البحار ج 10 ص 564 وألف حديث في المؤمن للنجفي ص 85.

السلام»..

ويدل على أن ما ذكرناه هو المراد : أنه «علیه السلام» جعل من قصة مؤاكلة الغلام الكلب، وما ترتب على ذلك من بركات دليلاً على ما قال.. وقصة كهذه لا تدل على صحة السند ولا ربط لها بذلك لا من قريب، ولا من بعيد.

بل هي تصلح دليلاً وشاهداً حيّا على تصديق الواقع الخارجي للقول النبوي الشريف.

ما الربط بين حديث النبي، وقصة الغلام؟!:

وأما الربط بين الحديث النبوي وقصة الغلام فقد يحتاج إلى بعض التوضيح، إذ لقائل أن يقول: إنه لا ربط بينهما، فالحديث يذكر إدخال السرور على قلب المؤمن، والقصة تتحدث عمّا جرى لغلام أطعم كلباً..

ويجاب:

بأن المؤمن إذا كان عند اللّه أعز من الكعبة، فإن إدخال السرور على قلبه لا بد أن يكون له من الثواب عند اللّه، ومن التوفيقات، ومن الألطاف في الدنيا ما لا يقدر بقدر، ولا يخطر على قلب بشر.. وقصة الغلام والكلب وما كان لها من آثار ذكرتها الرواية المتقدمة، تشهد على ذلك.

مع أن ذلك الغلام لم يطلب بإطعامه الكلب إلا زوال الغم، وتبدله بسرور، مقابل السرور الذي حصل عليه الكلب بما قدم له من طعام،

وسرور الغلام إنما هو بمفارقة صاحبه اليهودي فحصل على ما أراد، وحصل على نعمة الحرية والعتق وحصل على الثمن الذي خصص لشرائه، وحصل على البستان، وأسلم اليهودي، وأسلمت زوجته.

حديث الفطرة ولذة الروح:

وقد رأينا: أن زوجة اليهودي قد بادرت إلى إعلان إسلامها، ثم تبعها زوجها في ذلك، مع أن الإمام الحسين «علیه السلام» لم يذكر لهما الإسلام، ولا أشار إلى شيء من أمور الدين، بل جاء هما مقترحاً عليهما بيع ذلك الغلام، عارضاً عليهما ثمناً مغرياً، وهو مائتا دينار..

وحين رأى اليهودي وزوجته أن أقدس إنسان على وجه الأرض يقصد رجلاً عادياً، يدين باليهودية - ولليهودية تاريخ أسود، كريه في محاربة الإسلام وأهله، وفي الكيد لنبيه ولأهل بيته -، سعيا منه في قضاء حاجة غلام يباع ويشترى، ويبذل الأموال الطائلة ليتوصل إلى تنفيس كربته، وإدخال السرور على قلبه. إن ذلك قد بهر ذلك اليهودي، وبهر زوجته، لاسيما، وأنه «علیه السلام» لم يحاول أن يفرض هيبته، أو أن يستفيد من نفوذه وموقعه في الإسلام والمسلمين، للحصول على ما يريد، ولم يحاول أن ينقص من ثمن الغلام، بل زاد عليه ما جعل رد طلبه أمراً غير مستساغ، إلا عند من يريد الأذى بتعنته.

وحين رد اليهودي الثمن على الإمام الحسين «علیه السلام» لم

يرفضه واستجاب لرغبة اليهودي، ومنحه الفرصة لإظهار شهامته، ولكنه أعاد المال عليه بعنوان الهبة، فأعاد اليهودي المال للغلام نفسه.

إن كل هذا قد أيقظ وجدان هذا اليهودي وزوجته، وشملهما اللطف الإلهي، وشعرا بلذة روحية، ورضا وسكينة قلبية، لم يجدا نظيراً لها طيلة حياتهما، فاندفعا للإسلام، لأنهما وجدا فيه الغنى والسلام، والخلق الرضي، والعزة والكرامة، والإباء والشهامة، من دون حاجة إلى استدلال واحتجاج..

الفصل الثاني: مع الحسين «علیه السلام» مباشرة..

اشارة

حديث الغلام صافي:

قال الحسن البصري : «كان الحسين بن علي سيّداً، زاهداً ورعاً، صالحاً ناصحاً، حسن الخلق، فذهب ذات يوم مع أصحابه إلى بستانه، وكان في ذلك البستان غلام له اسمه صافي، فلما قرب من البستان رأى الغلام قاعداً يأكل خبزاً، فنظر الحسين إليه، وجلس عند نخلة مستتراً لا يراه.

وكان يرفع الرغيف فيرمي بنصفه إلى الكلب، ويأكل نصفه الآخر، فتعجب الحسين من فعل الغلام.

فلما فرغ من أكله قال: الحمد للّه رب العالمين، اللّهم اغفر لي، واغفر لسيدي، وبارك له كما باركت على أبويه برحمتك يا أرحم الراحمين.

فقام الحسين، وقال: «يا صافي».

فقام الغلام فزعاً وقال: يا سيدي وسيد المؤمنين، إنّي ما رأيتك فاعف عني.

فقال الحسين: إجعلني في حلّ يا صافي، لأني دخلت بستانك بغير إذنك.

فقال صافي: بفضلك يا سيدي، وكرمك، وبسؤددك تقول هذا؟!

فقال الحسين: رأيتك ترمي بنصف الرغيف للكلب، وتأكل النصف الآخر، فما معنى ذلك؟!

فقال الغلام: إنّ هذا الكلب ينظر إلي حين آكل، فأستحي منه يا سيدي لنظره إلي، وهذا كلبك يحرس بستانك من الأعداء، فأنا عبدك، وهذا كلبك، فأكلنا رزقك معاً.

فبكى الحسين وقال: أنت عتيق اللّه. وقد وهبت لك ألفي دينار بطيبة من قلبي.

فقال الغلام: إن أعتقتني، فأنا أريد القيام ببستانك.

فقال الحسين: إنّ الرجل إذا تكلم بكلام فينبغي أن يصدقه بالفعل، فأنا قد قلت: دخلت بستانك بغير إذنك، فصدقت قولى، ووهبت البستان وما فيه لك، غير أن أصحابي هؤلاء جاؤوا لأكل الثمار والرطب، فاجعلهم أضيافاً لك، وأكرمهم من أجلي أكرمك اللّه يوم القيامة، وبارك لك في حسن خلقك وأدبك.

فقال الغلام: إن وهبت لى بستانك، فأنا قد سبلته لأصحابك وشيعتك» (1).


1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 153 ومستدرك الوسائل ج 7 ص 192 و 193 والمجالس السنية ج 1 ص 26 وإحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 446 و 447.

الرقابة المشروعة:

ذكرت رواية الحسن البصري: أن الحسين «علیه السلام» لما قرب من البستان رأى الغلام الموكل به، قاعداً يأكل خبزاً، فجلس «علیه السلام» عند نخلة مستتراً، وصار ينظر إليه إلى أن فرغ من الأكل. فنادى الغلام بإسمه.

والسؤال هو: هل يحق للحسين أن يستتر عن الناس، ثم يراقبهم؟! أو على الأقل : هل يليق به «علیه السلام» أن يفعل ذلك؟!

ونجيب:

بأن ما فعله الحسين «علیه السلام» لا محذور فيه، وذلك لما يلي:

أولاً : إن البستان هو بستان الحسين والغلام غلامه، وهو ملك له، فما المانع من مراقبة الإنسان لما يملكه، ليعرف مدخله ومخرجه، وما يكون منه؟!

ثانياً : لا دليل على أن الحسين «علیه السلام» عندما جلس عند النخلة قد جلس عندها قاصداً التخفي، فلعله جلس ليستريح، أو لعله فعل ذلك لأنه أراد أن يفسح المجال للغلام ليتناول طعامه، ولو أنه أظهر نفسه له منذ البداية لترك أكله، وتحول إلى خدمة سیده.

ثالثاً : إنه «علیه السلام» لم يتخف عن الغلام، ولم يراقب حركته

ليكتشف أية سلبية في سلوكه، وهو ما نهى عنه الشارع الحكيم، حيث قال تعالى: «وَلا تَجَسَّسُوا» (1)بل راقبه وهو يقوم بفعل مباح، بل بفعل هو بغاية الحسن، حيث رآه يرمي بنصف الرغيف إلى الكلب، ويأكل نصفه الآخر. ثم سمعه يدعو بذلك الدعاء لنفسه ولسيده.

وكما لا حرج ولا ضرر في مراقبة من يصلي، ومن يدعو، ومن يقرأ القرآن وإن لم يشعر المصلي والداعي والقارئ بهذه الرقابة، كذلك لا حرج في مراقبة من يطعم كلبه، ومن يعلف دابته، وما إلى ذلك.

ولأجل ذلك كانت جائزته من الحسين «علیه السلام» هي عتقه، وهبة البستان له، بالإضافة إلى ألفي دينار.

دعاء الغلام لسيده:

وقد رأينا: أن الغلام حين فرغ من الأكل دعا لنفسه ولسيده بالمغفرة، وأضاف إلى ذلك الدعاء لسيده: بأن يبارك اللّه له، كما بارك على أبويه، وهذا الدعاء يدل على العديد من الأمور، منها:

1 - أنه محبٌ لسيده، وهو يطلب له، ما يطلب لنفسه..

2 - إنه يتمنى لسيده النماء والزيادة في ماله، وفي كل ما يعود إليه..

3 - إنه يشعر بالإمتنان والعرفان بالجميل تجاه سيده..


1) الآية 12 من سورة الحجرات.

4 - إنه يدعو لسيده بإخلاص، وعن قناعة تامة، بدليل أنه يدعو له في خلواته، وحيث لا يراه ولا يسمعه أحد.

طريقة الخطاب الحسيني:

وقد رأينا أن الإمام الحسين حين نادى غلامه، فأجابه، طلب من غلامه أن يجعله في حل، لأنه دخل بستانه بغير إذنه، مما يعني أن الإمام الحسين قد ملك الغلام ذلك البستان قبل مناداته. ولو على سبيل إعمال ولايته على غلامه الذي في ملكه، أو على سبيل الهبة، أو الهدية..

وسياق الرواية، بل صريحها يعطي: أن الإمام الحسين «علیه السلام» قد رأى الغلام من خارج البستان وأنه قد ملك غلامه البستان. قبل دخوله «علیه السلام» إليه، فدخوله بغير إذن صار يحتاج إلى إحلال مالك البستان.

سبلته لأصحابك وشيعتك:

وقد صرح الغلام: بأنه يستحي من كلبه إذا أكل وهو ينظر إليه.. وهذا يدل على رهافة إحساس هذا الغلام وطيبته، وحسن نيته، وسلامة طويته، فاستحق وسام الحرية لأجل ذلك.

وحين تأكد لدى الغلام أن البستان أصبح له، وأن الإمام الحسين «علیه السلام» يعني ما يقول، بادر الغلام إلى إجراء جميل ونبيل، يدل على أنه لا يفكر بالدنيا وزخارفها، حيث سبّل البستان لأصحاب

الحسين وشيعته.

راع يهدي الحسين «علیه السلام» شاة:

عن إسحاق بن منصور، عن هريم، عن أبي إسحاق، عن عبد اللّه بن شداد قال:

«مر الحسين بن علي «رضي اللّه عنهما» براع، فأهدى الراعي إليه شاة.

فقال له الحسين: حر أنت أم مملوك؟!

فقال: مملوك.

فردها الحسين عليه، فقال له المملوك: إنها لى.

فقبلها منه، ثم اشتراه، واشترى الغنم، فأعتقه، وجعل الغنم له» (1).

ونقول:

1 - قد استدلوا بهذه الرواية على جواز إخبار المملوك عن ملكيته لشيء بعينه، فيجوز شراءه منه، وقبوله بعنوان الهدية، وبعنوان الهبة، وما إلى ذلك.

2 - إن الراعي حين أهدى الشاة للإمام الحسين «علیه السلام»، لم يتكلم «علیه السلام» بما يدل على قبوله الهدية، بل بادر إلى سؤال


1) المحلى لابن حزم ج 8 ص 514 و 515.

الراعى عن حاله: هل هو حرّ، أم مملوك.

فلما علم «علیه السلام» بأنه مملوك صرح برفض تلك الهدية، لأن ظاهر الحال يقتضي أن يكون الغنم لسيده، وأنه يتصرف بما لا يملك.

3 - ثم لما أخبره المملوك بأن الشاة ملك له، صدقه «عليه «السلام»، وقبل الشاة منه.

4 - ثم كافأه «علیه السلام» على كرمه ومحبته، وأريحيته هذه، بأن اشتراه من سيده هو والغنم، وأعتقه، ثم جعل الغنم له..

خذها إليك فإني معتذر:

1 - رووا : أن سائلاً خرج يتخطى أزقة المدينة حتى أتى باب الحسين، فقرع الباب وأنشأ يقول:

لم يخب اليوم من رجاك ومن***حرك من خلف بابك الحلقة

فأنت ذو الجود أنت معدنه***أبوك قد كان قاتل الفسقة

وكان الحسين واقفاً يصلي، فخقف من صلاته، وخرج إلى الأعرابي، فرأى عليه أثر ضرّ وفاقة، فرجع ونادى بقنبر، فأجابه: لبّيك يا ابن رسول اللّه !

قال «علیه السلام»: ما تَبقى مَعَكَ مِنْ نَفَقَتِنا؟!

قال: مائتا درهم أمرتني بتفريقها في أهل بيتك.

فقال : فهاتها فقدْ أتى مَنْ هُوَ أَحَقُّ بها مِنْهُمْ (1).

فأخذها وخرج، فدفعها إلى الأعرابي وأنشأ يقول:

خُدْها فإنّي إِلَيْكَ مُعْتَذِرٌ***وَاعْلَمْ بأنّي عَلَيْكَ ذُو شفقة

لوْ كانَ في سَيْرِنا الغداة عَصا***كانت سمانا عَلَيْكَ مُنْدَفِقَةٌ

لكِنَّ رَيْبَ الزَّمانِ دو نکد***وَالْكَفُّ مِنَا قليلة النّفقة»

فأخذها الأعرابي وولى، وهو يقول:

مطهّرون نقيات جيوبهم***تجري الصلاة عليهم أينما

وأنتم أنتم الأعلون عندكم****علم الكتاب وما جاءت به

من لم يكن علويًا حين تنسبه***فماله في جميع الناس (2)

2 - ويقول نص آخر للرواية:


1) زاد في الدر النظيم ص 527 قوله: وكان عليه بردتان يمانيتان، فشدّ الألفين في إحدى البردتين، ودفعهما إلى السائل.

2) تاریخ مدينة دمشق ج 14 ص 185 وبغية الطلب لابن العديم ج6 ص 2593 و 2594 والدر النظيم ص 527 و 528 ونهج السعادة ج8 ص 287 وأعيان الشيعة ج 1 ص 579 وموسوعة كلمات الإمام الحسين ص 744 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 229 و 230 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 119 و 120 عن مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر (ط دار الفكر) ج 7 ص 31.

وفد أعرابي إلى المدينة، فسأل عن أكرم الناس بها، فدل على الحسين «علیه السلام»، فدخل المسجد فوجده مصلياً، فوقف بإزائه وأنشأ.

لم يخب الآن من رجاك ومن***حرك من دون بابك الحلقة

أنت جواد وأنت معتمد***أبوك قد كان قاتل الفسقة

لولا الذي كان من أوائلكم***كانت علينا الجحيم منطبقة

قال: فسلم الحسين «علیه السلام»، وقال: «يا قنبر، هل بقي من مال الحجاز شيء»؟!

قال: نعم، أربعة آلاف دينار.

فقال: «هاتها، قد جاء من هو أحق بها منا». ثم نزع بردته ولف الدنانير فيها، وأخرج يده من شق الباب حياء من الأعرابي، وأنشأ:

خُذها فإنّي إليكَ مُعْتَذِرٌ***وَاعْلَمْ بأَنِّي عَلَيْكَ ذُو شفقة

لوْ كانَ في سَيْرنا الغداة عصا***أمست سمانا عَلَيْكَ مُنْدَفِقة

لكِنَّ رَيْبَ الزَّمان ذو غير***وَالكَفُّ مِنّي قليلة النّفقة»

قال: فأخذها الأعرابي وبكى.

فقال له: «لعلك استقللت ما أعطيناك»؟!

قال : لا، ولكن كيف يأكل التراب جودك ؟! (1).


1) مستدرك الوسائل ج 7 ص 237 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 222 وبحار الأنوار ج 44 ص190 وجامع أحاديث الشيعة ج 8 ص 419 ولواعج الأشجان ص 14 ومستدرك سفينة البحار ج 4 ص 513 والعوالم ج 17 ص 62 و 63.

ونقول:

لا بأس بالنظر في الأمور التالية:

تخفيف الصلاة:

تقول الرواية المتقدمة برقم [1]: «وكان الحسين واقفا يصلي، فخقف من صلاته، وخرج إلى الأعرابي».

فقد يقال: إذا كان الأعرابي قد أنشد الأبيات على الباب، أو حين وقف بإزاء الحسين وهو يصلي، فخفف الحسين من صلاته، فذلك يعني أن الحسين «علیه السلام» لم يكن منقطعاً إلى اللّه، فإن من يتفاعل مع ما يحصل،حوله، يكون قد تخلى عن قسط من توجهه إلى اللّه سبحانه..

ويجاب:

بأن معونة المؤمن، وقضاء حاجته، وسد عوزه قربة إلى اللّه تعالى عبادة يحبها اللّه، ويندب إليها، ويثيب عليها، كما أن سماع شكواه ومعرفة بلواه، أمر ضروري للوصول إلى مد يد العون إليه. وهو أيضاً من القربات إلى اللّه، ومما تنال به المثوبات.

فإن من يريد أن يتوضأ للصلاة، يحتاج إلى تهيئة المقدمات، مثل

استخراج ماء الوضوء من البئر، والسعي لإعداد الدلو، والحبل، وما إلى ذلك، وهذا الجهد لا يذهب هدراً، بل هو مما يرجى به الثواب، ويحصل به الأمن من العقاب أيضاً.

كما أن الجمع بين الأعمال العبادية أمر حاصل، فالصائم يصلي، ويقرأ القرآن كما أن الصائم يعين العاجز على حمل المتاع، وقد يتصدق المصلي كما تصدق علي «علیه السلام» بالخاتم حال ركوعه، وما إلى ذلك.

الفقير أحق:

وفي الرواية: أن الإمام «علیه السلام» اعتبر ذلك الفقير أحق من أهل بيته ومواليه بالمال الذي كان قد رصده لهم.

ويبدو: أن سبب هذه الأحقية هو ظهور ضره وفاقته.

أما أهل بيته ومواليه «علیه السلام» فربما كان الهدف هو صلتهم والتوسعة عليهم بما يساويهم بغيرهم من ذوي الحاجة إلى النفقة، ولم تكن حالهم في الضر والحاجة قد بلغت إلى الحد الذي بلغت إليه حال ذلك السائل..

ولذلك اعتبره «علیه السلام» أحق بالنفقة منهم، ولم يسلب عنهم حقهم فيها.

لو كان في سيرنا عصاً:

وجاء في الشعر المنسوب في الرواية إلى الإمام، قوله:

لو كان في سيرنا الغداة عصا***أمست سمانا عليك مندفقة

والظاهر أن المراد: أن العصا كما تفيد صاحبها في اللجوء إليها، والاعتماد عليها عند الحاجة، كذلك الحال بالنسبة للأموال، فإنها يلجأ إليها من هي أيضاً في يده في قضاء الحاجات، وحل المشكلات، فكأنه يقول: إننا بعد إقصائنا عن مواقعنا، وتعرضنا لسياسات المحاصرة والحرمان، لا نملك شيئاً يمكننا الإعتماد عليه في مسيرتنا الحياتية، فليس لدينا سلطة، ولا نملك أموالاً، ولا مصادر يمكن لنا أن نعول عليها في المستقبل، ولو كان لدينا شيء من ذلك، لكنت رأيت سماء كرمنا وعطائنا عليك مندفقة، كما يندفق الماء بغزارة، حين تجود السماء بالمطر..

مطهرون نقيات جيوبهم!!

وفي النص المتقدم برقم [1] : أن الأعرابي أخذ المال، وولى، وهو يقول:

مطهّرون نقيات جيوبهم***تجري الصلاة عليهم أينما

مع أن المعروف هو: أن هذه الأبيات لأبي نواس، والمصادر التي صرحت بذلك كثيرة، فراجع (1).


1) وفيات الأعيان (ط سنة 1310 ه.ق) ج 1 ص 457 وبحار الأنوار ج 49 ص 148.

أخرج يده من شق الباب:

1 - وفي الرواية رقم [2] : أنه «علیه السلام» أخرج يده من شق الباب حياء من الأعرابي وناوله المال..

وهذا التفسير من الراوي غير مقبول، بل هو أخرج يده من شق الباب لكي لا يرى في وجه الأعرابي ذل الحاجة، ولا يتسبب له بالمزيد من الخجل من المعطي.. وهذا غاية الرفق به، والحنو عليه..

2 - قال بعض الإخوة: إن النص الثاني يقول: إن الأعرابي دخل المسجد ووقف بإزاء الإمام «علیه السلام» وألقى الشعر ولما سلم الإمام أمر قنبر بأن يأتيه بالمال، ولم يذكر النص خروج الإمام الحسين «علیه السلام» من المسجد ودخوله المنزل ليعطيه من خلف الباب.

إلا أن يقال: إن الأعرابي كان واقفا خلف باب المسجد.

الحسين يقضي دين أسامة:

دخل الحسين بن علي «علیهما السلام» على أسامة بن زيد وهو مريض، وهو يقول: وا غماه.

فقال له الحسين «علیه السلام»: وما غمك يا أخي؟!

قال: ديني، وهو ستون ألف درهم.

فقال الحسين «علیه السلام»: هو عليَّ.

قال: إني أخشى أن أموت.

قال الحسين «علیه السلام»: لن تموت حتى أقضيها عنك.

قال: فقضاها قبل موته (1).

ونقول:

وفاة أسامة:

قال العسقلاني: توفي أسامة في أواخر خلافة معاوية، وصحح ابن عبد البر: أنه مات سنة أربع وخمسين (2).

وقال ابن الأثير : «توفي سنة 58 أو 59. وقيل: سنة 54. وقيل: بعد مقتل عثمان» (3).


1) مستدرك الوسائل ج 13 ص 436 ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 221 و (ط أخرى) ج 4 ص 65 وبحار الأنوار ج 44 ص 189 وأعيان الشيعة ج 1 ص 579 وج 3 ص 249 والعوالم ج 17 ص 62 والدرجات الرفيعة ص 446 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 124.

2) الإصابة ج 1 ص 31 و (ط دار الكتب العلمية) ج 1 ص 203 وراجع: أسد الغابة ج 1 ص 196 و (ط دار الكتاب العربي) ج 1 ص 66 والإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 1 ص 57 و 59 و (ط دار الجيل) ج 1 ص 76.

3) أسد الغابة (ط دار الكتب العلمية سنة 1415 ه.ق) ج 1 ص 196) و (ط دار الكتاب العربي) ج 1 ص 66 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 5 ص 334 وج 8 ص 73 والسيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 618 والإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 1 ص 59. وراجع: تاريخ مدينة دمشق ج 8 ص 52.

والقول الأخير: إن كان يقصد به أنه مات بعد مقتل عثمان مباشرة، فهو غير دقيق، لقولهم بأنه لم يبايع عليا، ولا شهد معه شيئاً من حروبه «علیه السلام» (1).

فدلنا ذلك على أنه قد بقي إلى أن انتهت حروب أمير المؤمنين «علیه السلام»، فكيف يكون قد مات بعد قتل عثمان ؟!

يخالف أباه، ويقضي دينه:

وبالرغم من أن أسامة قد امتنع عن بيعة علي، ولم يشهد معه شيئاً من حروبه، وقد قطع علي عنه العطاء، وقال : إن هذا المال لمن جاهد عليه - نعم بالرغم من ذلك - فإن الحسين «علیه السلام» يقضي دين أسامة هذا، وهو مبلغ كبير - ستون ألفاً - وكان بإمكانه «علیه السلام» أن يغض النظر عن هذا الأمر، ولا أحد يلومه لو فعل ذلك.

ولكنها أريحية الإمام، وسعة صدره، وشهامة نفسه، تأبى عليه إلا أن يكون كريماً وحليماً وعظيماً.


1) أسد الغابة (ط دار الكتب العلمية سنة 1415 ه.ق) ج 1 ص 196 و (ط دار الكتاب العربي) ج 1 ص 66. وراجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 4 ص والكامل في التاريخ ج 3 ص 191 و 192 وتاريخ الأمم والملوك 8 ج 4 ص 431 والجمل ص 94 والفصول المهمة لابن الصباغ ج 1 ص 353 وراجع بحار الأنوار ج 19 ص 147 ومجمع البيان ج 3 ص 163 وإكليل المنهج للكرباسي ص 131 ومستدركات علم رجال الحديث للنمازي ج 1 ص 537.

إخبار غيبي لمن كان له قلب:

وقد عبّر أسامة عن خوفه من أن يموت قبل قضاء دينه، فأخبره الإمام الحسين بأنه لن يموت قبل أن يقضي الحسين «علیه السلام» عنه دينه، فقضاه عنه قبل أن يموت وهذا من دلائل إمامته «علیه السلام»، لأنه خبر غيبي قد تحقق بالفعل أمام ناظري من سمع ورأى، وعقل.

الحسين «علیه السلام» يسأل، والأعرابي يجيب:

1 - روي: أنّ الحسين «علیه السلام» كان جالسا في مسجد جده رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بعد وفاة أخيه الحسن «علیه السلام»، وكان عبد اللّه بن الزبير جالساً في ناحية المسجد، وعتبة بن أبي سفيان في ناحية أخرى، فجاء أعرابي على ناقة، فعقلها بباب المسجد ودخل، فوقف على عتبة بن أبي سفيان فسلم عليه، فردّ «علیه السلام»، فقال له الأعرابي: إني قتلت ابن عمّ لي وطولبت بالدية، فهل لك أن تعطيني شيئاً ؟!

فرفع رأسه إلى غلامه، وقال: إدفع إليه مائة درهم!

فقال الأعرابي: ما أريد إلا الدية تماماً !

ثم تركه وأتى عبد اللّه بن الزبير، وقال له مثل ما قال العتبة.

فقال عبد اللّه لغلامه: إدفع إليه مائتي درهم!

فقال الأعرابي: ما أريد إلا الدية تماماً !

ثمّ تركه وأتى الحسين «علیه السلام» فسلم عليه وقال: يا بن رسول اللّه ! إنّي قتلت ابن عمّ لي، وقد طولبت بالدية، فهل لك أن تعطيني شيئاً؟!

فقال له: «يا أعْرابي! نَحْنُ قَوْمٌ لا يُعْطِي المَعْرُوفَ إِلَّا عَلَى قَدَر المَعْرفة».

فقال: سل ما تريد!

فقال له الحسين [«علیه السلام»: يا أعْرابي! مَا النَّجاةُ مِنَ الهَلكَة ؟ !

قال: التوكل على اللّه عزّ وجلّ!

فقال [ «علیه السلام»]: وَمَا الهمَّة؟!

قال: الثقة باللّه !

ثمّ سأله الحسين غير ذلك.

وأجاب الأعرابي، فأمر له الحسين «علیه السلام» بعشرة آلاف،درهم وقال له: هذهِ لِقضاءِ دُيُونِكَ. وَعَشْرَةِ آلافٍ دِرْهَم أخرى، وقال : هذِهِ تَلمُّ بها شَعْتَكَ، وَتُحَسِّنُ بها حالكَ، وَتُنْفِقُ مِنْها عَلَى عِيالِكَ!

فأنشأ الأعرابي يقول:

طربت وما هاج لي معبق***ولا لي مقام ولا معشق

ولكن طربت لآل الرسول***فلذ لي الشعر والمنطق

هم الأكرمون هم الأنجبون***نجوم السماء بهم تشرق

سبقت الأنام إلى المكرمات***فقصر عن سبقك السبق

بكم فتح اللّه باب الرشاد***وباب الفساد بكم مغلق (1)

2 - قال الخوارزمي: وجاءت رواية أخرى بسندي المتصل: «أن أعرابياً، جاء إلى الحسين بن علي «علیهما السلام»، فقال: يا ابن رسول اللّه قد ضمنت دية كاملة، وعجزت عن أدائها، فقلت في نفسي: أسأل أكرم الناس، وما رأيت أكرم من أهل بيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله».

فقال الحسين «علیه السلام»: يا أخا العرب أسألك عن ثلاث مسائل، فإن أجبت عن واحدة أعطيتك ثلث المال، وإن أجبت عن اثنتين أعطيتك ثلثي المال، وإن أجبت عن الكل أعطيتك الكل.

فقال الأعرابي : يا ابن رسول اللّه أمثلك يسأل من مثلي، وأنت من أهل العلم والشرف؟!

فقال الحسين «علیه السلام»: بلی، سمعت جدي رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يقول: المعروف بقدر المعرفة.

فقال الأعرابي: سل عما بدا لك، فإن أجبت، وإلا تعلمت منك، ولا قوة إلا باللّه.


1) أعيان الشيعة ج 1 ص 579 و 580 عن أحمد بن سليمان البحراني في عقد اللآلي في مناقب الآل ونهج السعادة للشيخ المحمودي ج 8 ص 286.

فقال الحسين «علیه السلام»: أي الأعمال أفضل؟!

فقال الأعرابي : الإيمان باللّه.

فقال الحسين «علیه السلام»: فما النجاة من الهلكة؟!

فقال الأعرابي : الثقة باللّه.

فقال الحسين «علیه السلام»: فما يزين الرجل؟!

فقال الأعرابي: علم معه حلم

فقال : فإن أخطأه ذلك؟!

فقال: مال معه مروءة.

فقال : فإن أخطأه ذلك؟!

فقال: فقر معه صبر.

فقال الحسين «علیه السلام»: فإن أخطأه ذلك؟!

فقال الأعرابي: فصاعقة تنزل من السماء وتحرقه، فإنه أهل لذلك.

فضحك الحسين «علیه السلام» ورمى بصرة إليه فيها ألف دينار، وأعطاه خاتمه، وفيه فص قیمته مائتا درهم. وقال «علیه السلام»: يا أعرابي، أعط الذهب إلى غرمائك،

واصرف الخاتم في نفقتك. فأخذ الأعرابي ذلك منه، ومضى وهو يقول: «اللّه أَعْلَمُ حَيْثُ

يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ» (1)» (2).

3 - يحكى أن أعرابياً سأل الحسين بن علي «علیهما السلام» حاجة، وقال: سمعت جدك يقول : إذا سألتم حاجة فاسألوها من أوجه أربعة:

إما عربياً شريفاً، أو مولى كريما، أو حامل القرآن، أو صاحب الوجه الصبيح.

أما العرب فشرفت بجدك.

وأما الكرم فدأبكم وسيرتكم.

وأما القرآن ففي بيوتكم نزل.

وأما الوجه الصبيح، فإني سمعت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يقول : إذا أردتم أن تنظروا إلي فانظروا إلى الحسن والحسين «علیهما السلام».

فقال الحسين «علیه السلام»: ما حاجتك؟!

فكتبها على الأرض.


1) الآية 124 من سورة الأنعام.

2) بحار الأنوار ج 44 ص 196 و 197 والعوالم ج 17ص59 وأعيان الشيعة ج 1 ص 579 و 580 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 156 و 157 وجامع الأخبار ص 381 ولواعج الأشجان ص 16 و 17 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 442 و 443.

فقال الحسين «علیه السلام»: سمعت أبي عليا «علیه السلام» يقول : قيمة كل امرء ما يحسنه.

وسمعت جدي «صلی اللّه علیه وآله» يقول: المعروف بقدر المعرفة.

فأسألك عن ثلاث مسائل، إن أحسنت في جواب واحدة فلك ثلث ما معي.

وإن أجبت عن اثنتين فلك ثلثا ما عندي

وإن أجبت عن الثلاثة فلك كل ما عندي.

وقد حمل إلى الحسين صرة مختومة من العراق.

فقال: سل ولا قوة الا باللّه.

فسأله الحسين «علیه السلام» عدة أسئلة فأجاب عنها، وهي قريبة من الأسئلة والأجوبة المتقدمة في الرواية السابقة (1).

ونقول:

علينا الإلمام بالأمور التالية:

المعروف على قدر المعرفة:

تختلف دوافع الناس لبذل المال لمن يحتاجه، فمن الناس من يريد


1) نهج السعادة للشيخ المحمودي ج 8 ص 284 و 285 عن تفسير النيشابوري ج 1 ص 83 تفسير الآية 32 من سورة البقرة.

أن يوظف ماله في مصالحه الدنيوية، التي قد تكون مادية ومالية أيضاً، فيبذل القليل ليحصل على الكثير، أو يبذل المال ليحصل على خدمات وأعمال أو للحصول على موقع ومقام، يكون به ارتزاقه، ومنه يكون عيشه وانفاقه.

وقد تكون دنيوية أيضاً، ولكنها ليست مالية ولا مقامية، بل هي مجرد شعارات وانتفاخات، وعناوين خاوية، وترهات وأباطيل واهية..

فإذا صادف هذا النوع من الناس من أضر به فقره، وقعد به دهره، فإنه يحيد عنه، ويهرب منه، ولو بأن يحيله على غيره..

وإن كان ولا بد فإنه يلقي إليه ببعض الفتات الذي لا يغني ولا يقني.

وهذا ما حصل لذلك الأعرابي مع عتبة بن أبي سفيان، وعبد اللّه بن الزبير، فقد أمر له عتبة بمئة درهم، وأمر له الزبير بمائتي درهم.

وهناك نوع آخر من الناس. لا يريد ببذل ماله شيئاً من حطام الدنيا، بل يريد إنفاقه لكي ينال رضا اللّه سبحانه وتعالى.

ومن كان هذا هدفه، لا يقيس إنفاقه للمال بمقياس ما له من مردود مالي، أو ما له من نفع دنيوي..

بل هو يقيسه بمقدار ما يحقق رضا اللّه سبحانه.

فلا قيمة ذاتية للدنيا وما فيها عنده، ولذلك يسهل عليه التخلي عنها، إذا وجد أن التخلي عنها يحقق له الغاية التي رصدها من أجلها،

وتسقط عنده كثراتها وأحجامها، وسائر أسباب التعلق بها، أو الحرص عليها..

ولأن نيل الرضا الإلهي رهن بالمعرفة والعلم، والتدبر، فإن السخاء بالمال، وبذله لطالبه يصبح مرهونا بمقدار المعرفة. كما قال

الإمام الحسين «علیه السلام».

لا نعطي المعروف إلا على قدر المعرفة:

ولا يمكن لهذا النوع من الناس أن يبذل المعروف من أجل الدنيا، ولا يبذل القليل ليكافأ بالكثير، أو الأدنى ليكافاً بالأعلى، ولا يبذل من أجل جاه أو مقام، أو لأجل إشاعة ترهات وأباطيل، أو لأجل شعارات خاوية، استجابة لهوى، أو انسياقاً مع شهوة باطلة وطاغية..

وهذا ما يرمي إليه قول الإمام الحسين «علیه السلام» بقوله: «نحن قومٌ لا نعطي المعروف إلا على قدر المعرفة».

فيلاحظ: أنه تحدّث عن سنخ من الناس هذا حاله وتلك هي طريقته، وهذا قراره في الحياة، ولذا قال «علیه السلام»: «نحن قوم لا نعطي إلخ..»، ولم يقل لا أعطيك، أو أنا لا أعطي إلخ...

يقر بالقتل، ويعطيه الدية:

ومما تجدر الإشارة إليه هنا: أن الرواية الأولى تصرح بأن الأعرابي قد أقر بأنه قتل ابن عمه، ويريد ديته، فيرد سؤال: كيف يساعد الإمام الحسين قاتلاً؟! ولاسيما إذا كانت المساعدة هي دفع الدية التي ترتبت عليه !!

ونجيب:

أولا: إن للرواية أكثر من صيغة فإن النص الثاني المتقدم لم يصرح بالإعتراف بالقتل، بل قال: إنه ضمن دية كاملة.

وضمان الدية قد يكون عن شخص آخر قريب له، أو غير قريب.. وقد يكون ذا مكانة ورئاسة في قبيلته تفرض عليه ضمان الديات في ظروف معينة.

كما أن النص الثالث المتقدم ذكر أن الأعرابي قد طلب من الإمام الحسين «علیه السلام» حاجة، ولم يصرح بقتل، ولا بدية..

ثانياً : ليس كل قتل يحصل يكون من مفردات الجرائم، فقد يتعرض الشخص للّهجوم من بعض الناس، فيدفعه عن نفسه فيقع القتل، ولو لم يكن قاصداً له..

فيطالب بالدية، وهو لا يملكها، فيضطر لطلب العون من الكرماء والنبلاء.

أعرابي لديه علمٌ وفهمٌ وأدبٌ:

إن هذه الرواية بما لها من نصوص مختلفة تدل على أن هذا الأعرابي كان من النخبة، الذين لديهم علمٌ، وفهم وأدب، وخلوص وإخلاص، وقد تجلى ذلك في أجوبته على الأسئلة، وفي الحديث الذي رواه عن رسول اللّه، وجعله وسيلته إلى حاجته، وكيفية تطبيق مضمونه على الإمام الحسين «علیه السلام».

يضاف إلى ذلك: أبيات الشعر التي أنشدها في الثناء على أهل البيت «علیهم السلام». وهذا النوع من الرجال قليل.

الفصل الثالث: أخبار من مدرسة الغيب..

اشارة

أين هي الناقة؟!:

عن ابن عبّاس: أنّ أعرابيا قال للحسين «علیه السلام»: یا ابن رسول اللّه ! فقدت ناقتي ولم يكن عندي غيرها، وكان أبوك يرشد الضالة، ويبلغ المفقود إلى صاحبه!

فقال له الحسين «علیه السلام»: إذْهَبْ إِلى المَوْضِعِ الفُلاني تَجِد ناقتَكَ واقِفَةٌ، وَفي مُواجهها ذِنْبٌ أَسْوَدُ !

قال: فتوجّه الأعرابي إلى الموضع ثم رجع فقال للحسين «عليه السلام» يا ابن رسول اللّه وجدت ناقتي في الموضع الفلاني (1).

ونقول:

لاحظ النقاط التالية:

1 - إن الناس كانوا يرون أن مهمة الأنبياء والأئمة لا تقتصر على تبليغ الدين، وتربية الناس، والقضاء بينهم، وإدارة شؤونهم، بل


1) إثبات الهداة ج 5 ص 211 عن مجمع البحرين في مناقب السبطين للسيد ولي بن نعمة اللّه الرضوي، عن كتاب البهجة، وأسرار الشهادة ص 172.

كانوا يرون أنهم مسؤولون عن شفاء مرضاهم، وأنهم ينزلون الغيث، ويغيثون الملهوف، ويرشدون الضالة، ويبلغون المفقود إلى صاحبه، فضلاً عن الإخبار بالغائبات واجتراح المعجزات، وإظهار الكرامات.

وهذا المورد من الشواهد على ما نقول. فهذا الأعرابي فقد ناقته، ويريد من الإمام الحسين أن يدله على مكان وجودها، ويحتج عليه بما كان من أبيه، الذي كان يرشد الضالة، ويبلغ المفقود إلى صاحبه.

2 - وقد صدَّق «علیه السلام» قول الأعرابي، فأرشده إلى مكان ناقته، وحدده له بدقة ثم زاد على ذلك بإخباره بأمر غيبي، وهو وجود ذئب أسود في مواجهة تلك الناقة.

3 - لا ندري ما كانت مهمة هذا الذئب، فهل كانت مهمته هي حصرها وإبقائها في ذلك المكان ؟! أو أن اللّه تعالى أراد أن يجعل من وجود الذئب عندها علامة على صدق الإمام فيما يخبر به من غيوب؟! فيكون وجود الذئب بلونه الأسود، والوضعية التي اتخذها بوقوفه في مواجهة الناقة - يكون - من العناصر المكونة لموضوع الخبر الغيبي؟! كل ذلك محتمل.

الأعرابي الذي خضخض:

روي عن جابر الجعفي، عن زين العابدين «علیه السلام» قال: أقبل أعرابي إلى المدينة ليختبر الحسين «علیه السلام» لما ذكر له من دلائله، فلما صار بقرب المدينة خضخض ودخل المدينة.

فدخل على الحسين، فقال له أبو عبد اللّه الحسين «علیه السلام»:

أما تستحيي يا أعرابي أن تدخل إلى إمامك وأنت جنب؟!

ثم قال: أنتم معاشر العرب إذا خلوتم خضخضتم.

فقال الأعرابي: قد بلغت حاجتي مما جئت فيه، فخرج من عنده فاغتسل، ورجع إليه، فسأله عما كان في قلبه (1).

بيان: قال الجزري: الخضخضة الاستمناء، وهو استنزال المني في غير الفرج وأصل الخضخضة التحريك.

ونقول:

1 - إن هذه القضية من دلائل إمامته «علیه السلام»، وهي لا تحتاج إلى شرح وبيان، فإنه أخبر عن أمر غيبي، فعرف الأعرابي: أنه قد حصل على ما يريد، ولذلك قال: «قد بلغت حاجتى مما جئت فيه».

2 - إن هذا النص يدل على أن دلائل إمامة الحسين «علیه السلام» (وهي من خوارق العادات) كانت قد ذاعت وشاعت، وتناقلها الناس..

لا يحتملون فضل أهل البيت:

قالوا:


1) الخرائج والجرائح ج 1 ص 246 وبحار الأنوار ج 44 ص 181 عنه، والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 55 ومدينة المعاجز ج 3 ص 515 و 516 وجامع أحاديث الشيعة ج 2 ص 440.

أخبرنا جماعة منهم: الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن النيسابوري، والشيخ محمد بن علي بن عبد الصمد، عن الشيخ أبي الحسن بن عبد الصمد التميمي: حدثنا أبو محمد أحمد بن محمد بن محمد العمري:

حدثنا أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن الصفار، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن علي بن الحكم، عن عبد الرحمان بن كثير، عن أبي عبد اللّه «علیه السلام» قال:

أتى الحسين «علیه السلام» أناس فقالوا له: يا أبا عبد اللّه، حدثنا بفضلكم الذي جعل اللّه لكم.

فقال: إنكم لا تحتملونه ولا تطيقونه

قالوا: بلى نحتمل.

قال: إن كنتم صادقين فليتنح اثنان وأحدث واحداً، فإن احتمله حدثتكم.

فتنحى اثنان وحدث واحدا، فقام طائر العقل، ومر على وجهه وذهب، فكلمه صاحباه، فلم يرد عليهما شيئاً، وانصرفوا (1).

وفي نص آخر أنه حدثه بحديث :


1) الخرائج والجرائح ج 2 ص 795 وبحار الأنوار ج 25 ص378 و 379 ومختصر بصائر الدرجات ص 107 وإثبات الهداة ج 2 ص 582 وأسرار الشهادة ص 170 ونفس الرحمن ص 311.

فما فرغ الحسين «علیه السلام» من حديثه حتى ابيض رأس الرجل ولحيته، وأنسي الحديث.

فقال الحسين «علیه السلام»: أدركته رحمة اللّه حيث أنسي الحديث (1).

وفي نص آخر يقول:

وروى عبد العزيز بن كثير: أن قوما أتوا إلى الحسين، وقالوا: حدثنا بفضائلكم.

قال: لا تطيقون، وانحازوا عني لأشير إلى بعضكم، فإن أطاق سأحدثكم، فتباعدوا عنه، فكان يتكلم مع أحدهم حتى دهش ووله، وجعل يهيم ولا يجيب أحدا، وانصرفوا عنه (2)

ونقول:

1 - إن ما جرى بين الإمام الحسين «علیه السلام» وبين هؤلاء القوم يدل على أمرين:

أولهما : إنهم لا يعرفون فضل أهل البيت «علیهم السلام»، وربما ظنوا أنها فضائل عادية كتلك التي يتداولونها فيما بينهم عن بعض من


1) راجع: المصادر في الهامش السابق.

2) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 51 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص210 ومدينة المعاجز ج 3 ص 500 وبحار الأنوار ج 44 ص 183 و 184 والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 54 وأسرار الشهادة ص 170.

يبذل محاولات لتعظيم شأنهم، وتفخيم أمرهم.

الثاني: إنهم لا يعرفون أنفسهم، ولا مدى طاقتهم، وقدرتهم. وقد أعطوا لأنفسهم مقامات في الفهم والوعي والمعارف العالية ليست لهم مما يعني أنهم مغرورون بأنفسهم.

2 - دل النص المتقدم على أن على الإنسان الذي يتصدى لتعليم الناس أن يلاحظ قدراتهم على تحمل ما يريد أن يبلغهم إياه، فلا يفرغ كل ما عنده بصورة عشوائية، بل عليه أن يدخر بعض الحقائق لأهل البصائر منهم..

3 - إن على المعلم أن لا ينساق وراء دعاوى من أتاه ليتعلم منه، فربما احتاج الأمر إلى اختبار بعضهم، كما صنع الإمام الحسين «علیه السلام».

وربما كان اختبار واحدٍ منهم مغنياً عن اختبار الباقين، إذ وجد المعلم الحاذق أن ذهنيتهم، وثقافتهم، وإمكاناتهم متقاربة في مستوياتها.

وهذا بالذات هو ما صنعه الإمام الحسين «علیه السلام».

إن خرجتم يوم كذا قتلتم:

عن هارون بن خارجة عن الإمام أبي عبد اللّه الصادق «عليه السلام» قال:

قال الحسين بن علي «علیه السلام» :لغلمانه: لا تخرجوا (يوم كذا

وكذا ليوم سماه) إلا في يوم سبت أو يوم خميس، فإنكم إن خالفتموني، وخرجتم في غيرهما قطع عليكم الطريق، وقتلتم، وذهب ما معكم.

وكان قد أرسلهم إلى ضيعة له، فخالفوه وخرجوا في غير اليومين الذي قال لهم، وأخذوا في طريق (الحرة خ.ل) الجزيرة، فاستقبلهم اللصوص، فقتلوا القوم أجمعون، وأخذوا ما كان معهم.

فقيل ذلك للحسين «صلوات اللّه علیه».

فقال: قد قلت لهم: لا تخرجوا إلا في يوم السبت أو في يوم الخميس، فخالفوني.

فدخل من ساعته إلى والي المدينة (1)، فقال : قد بلغني ما نزل بغلمانك ومواليك، فأجرك اللّه فيهم.

فقال الحسين «علیه السلام»: فإني أدلك على من قتلهم، فأشدد يدك عليهم.

فقال: يا أبا عبد اللّه، وتعرفهم.

قال: نعم كما أعرفك. وهذا منهم وأشار بيده إلى رجل على رأس الوالي قائم.

قال له: وكيف عرفتني يا ابن بنت رسول اللّه بأني كنت معهم؟!

قال: إن صدقتك تصدق ؟!


1) في نص آخر: فدخل على الحسين والي المدينة.

قال: نعم، واللّه لأفعلن.

قال الحسين «علیه السلام»: نعم، ومعك فلان وفلان يسميهم بأسمائهم كلهم، وفيهم أربعة من موالي الوالي (الأسود خ.ل) والباقي من حبشان المدينة.

فقال الوالي للغلام: برب القبر والمنبر لتصدقني، أو لأنزلن لحمك بالسياط.

فقال الرجل : واللّه ما كذب الحسين، ولو كان ما زاد علماً على قوله قليلاً ولا كثيراً.

فجمعهم الوالي جميعاً فأقروا بلسان واحد واللّه أراد بهم ليعلم الناس والوالى من هو أحق بالأمر.

فقام الوالي وضرب أعناقهم، فكان هذا من دلائله «عليه السلام»(1).

ونقول:


1) راجع المصادر التالية : الهداية الكبرى للخصيبي ص 205 وإثبات الهداة ج 2 ص 579 و 580 و 588 ودلائل الإمامة ص 76 و (ط مؤسسة البعثة) ص 185 ومدينة المعاجز ج 3 ص 455 - 456 و 512 - 513 والخرائج والجرائح ج 1 ص 246 و 248 وبحار الأنوار ج 44 ص 181 و 182 والعوالم ج 17 ص 55 و 56 والثاقب في المناقب ص342 و 343.

لاحظ ما يلي:

السفر في يوم سبت أو خميس:

لقد أمر الحسين «علیه السلام» غلمانه: أن لا يخرجوا في سفرهم إلا يوم سبت أو خميس، وحذرهم من أن خروجهم في غير هذين اليومين سيؤدي إلى قتلهم، وذهاب ما معهم من أموال..

والأمر بجعل السفر في يوم خميس أو سبت مروي عن أهل البيت «علیهم السلام».

1 - فعن الإمام الرضا «علیه السلام»: كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله» يسافر في يوم الخميس (1).

وروي ذلك عن الإمام الباقر «علیه السلام» أيضا (2).


1) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 41 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 11 ص 360 و (الإسلامية) ج 8 ص 261 والأمان من أخطار الأسفار والأزمان ص 32 وجمال الأسبوع لابن طاووس ص 116 وبحار الأنوار ج 56 ص 48 و (ط حجرية) ج 14 ص 197 ومستدرك سفينة البحار ج 5 ص 51 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج 2 ص 494.

2) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 41 ومن لا يحضره الفقيه ج 2 ص 266 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 11 ص 358 و (الإسلامية) ج 8 ص 259 ومكارم الأخلاق للطبرسي ص 240 والأمان من أخطار الأسفار والأزمان ص 30 وجمال الأسبوع لابن طاووس ص 116 وبحار الأنوار ج 56 ص 47 وج 73 ص 226 وسنن النبي للسيد الطباطبائي ص 109 والمحجة البيضاء ج 4 ص 65.

2 - عن الإمام الصادق «علیه السلام»: من كان مسافراً فليسافر في يوم السبت، فلو أن حجراً زال عن جبل (حجر خ.ل) يوم السبت لرده اللّه تعالى إلى مكانه إلخ..(1).

ولا تعادوا الأيام:

ولعلك تقول:

قد وردت روايات كثيرة تنهى عن القيام ببعض الأعمال في أيام معينة.

وهو ما يعبر عنه بنحوسات الأيام. فكيف يمكن معالجة هذه النحوسة، وكيف نفسر ما روي عن النبي «صلی اللّه علیه وآله» من أنه قال: « لا تعادوا الأيام فتعاديكم» (2).


1) الكافي ج 8 ص 143 والخصال للصدوق ص 386 و 394 وروضة الواعظين ص 392 وبحار الأنوار ج 56 ص 35 وج 73 ص 224 ومرآة العقول ج 25 ص 343 ومستدرك سفينة البحار ج 5 ص 55.

2) دعائم الإسلام ج 2 ص 145 والخصال للصدوق ص 394 - 396 ومعاني الأخبار ص 123 و 124 وكمال الدين ص 382 و 383 وكفاية الأثر 124 ص 289 - 291 والمجازات النبوية ص 399 وروضة الواعظين ص 392 ومستدرك الوسائل ج 13 ص 77 و 86 والخرائج والجرائح ج 1 ص 412 و 413 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص 265 وجمال الأسبوع لابن طاووس ص 35 و 36 والصراط المستقيم ص35 ج 2 ص 159 ومدينة المعاجز ج 7 ص 483 - 484 و 510 - 511 وبحار الأنوار ج 24 ص 238 وج 50 ص 194 و 196 وج 36 ص 413 وج 56 ص 10 وج 99 ص 210 و 135 ومستدرك سفينة البحار ج 6 ص 306 وج 10 ص 623 وتفسير نور الثقلين ج 5 ص 326 وكنز الدقائق (تفسير) ج 13 ص 250 وإعلام الورى ج 2 ص 245 - 246 والنجم الثاقب ج 2 ص 122 - 123 و 518 و 519

ونجيب:

أولاً: بالنسبة لمعالجة النحوسة نقول : إن سهل بن يعقوب لما طلب من الإمام الهادي «علیه السلام» أن يدله على كيفية الإحتراز من المخاوف في الأيام، أجابه «علیه السلام» بقوله:

«يا سهل، إن لشيعتنا بولايتنا لعصمة لو سلكوا بها في لجة البحار الغامرة، وسباسب البيد الغائرة، بين سباع وذئاب، وأعادي الجن والإنس، لأمنوا من مخاوفهم بولايتهم لنا.

فثق باللّه عز وجل، وأخلص في الولاء لأئمتك الطاهرين، فتوجه حيث شئت» (1).


1) الأمالي للطوسي ص 276 و 277 وبحار الأنوار ج 50 ص 215 و 216 وج 56 ص 24 و 25 و ج 2 ص 1 ومستدرك سفينة البحار ج 10 ص 622 ومستدرك الوسائل ج 8 ص 242 ومكارم الأخلاق للطبرسي ص 277 و 278 والكنى والألقاب ج 1 ص 171 وأعيان الشيعة ج 7 ص 323 وبشارة المصطفى ص 207 و 208.

ثانياً: فيما يرتبط بحديث لا تعادوا الأيام فتعاديكم، نقول:

روي عن الإمام الهادي «علیه السلام» أن الصقر بن أبي دلف الكرخي سأله عن معنى هذا الحديث، فقال «علیه السلام»:

.وأنا.

نعم، الأيام نحن ما قامت السماوات والأرض.

فالسبت: إسم رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».

والأحد: كناية عن أمير المؤمنين «علیه السلام».

والإثنين: الحسن والحسين.

والثلاثاء: علي بن الحسين ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد.

والأربعاء موسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وأنا.

والخميس: ابني الحسن بن علي.

والجمعة ابن ابني، وإليه تجتمع عصابة الحق، وهو الذي يملأها قسطا وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، فهذا معنى الأيام، فلا تعادوهم في الدنيا، فيعادوكم في الآخرة.

ثم قال «علیه السلام»: ودّع، واخرج، فلا آمن عليك (1).


1) الخصال للصدوق ص 395 و 306 وكمال الدين ص382 و 383 ومعاني الأخبار ص 123 و 124 وكفاية الأثر ص 289 - 291 وجمال الأسبوع ص 35 و 36 ومدينة المعاجز ج 7 ص 510 و 511 وبحار الأنوار ج 24 ص 238 و 239 و ج 50 ص 194 و 195 وج 36 ص413 و 414 وج 56 ص 20 و 21 و ج 99 ص 210 و 211 ومستدرك سفينة البحار ج 10 ص 622 و 623 ونور الثقلين (تفسير) ج 5 ص 326 وكنز الدقائق (تفسير) ج 13 ص 250 وإعلام الورى ج 2 ص 245 و 246 والنجم ج13 الثاقب ج 2 ص 122 و 123.

لكن لا بد من لفت النظر إلى أمرين:

الأول: أن ما ذكره في رواية سهل بن يعقوب عن شيعة أهل البيت «علیهم السلام» إنما يقصد به الخلص منهم، لا مطلق من أحبهم «علیهم السلام».

الثاني: إنه وإن لم يظهر الوجه في تفسير الأيام بالأئمة «عليهم السلام» إلا أن رد الحديث لمجرد عدم القدرة على فهم مضمونه يعد مخاطرة جسيمة، ولا يقدم عليه المهتم بحفظ دينه، وقد صرحت الرواية بالتحذير منه.

لكن عدم ردّ الحديث لا يعني الحكم بصحة مضمونه، بل يكفي عدم الحكم بكذبه، لمجرد انه لم يعرف المراد منه..

من دلائل إمامته «علیه السلام» أيضاً:

ويلاحظ هنا:

1 - إن نفس إخبار الإمام «علیه السلام» غلمانه بتفاصيل ما يجري عليهم إذا خالفوا قوله، وحدوث ما قاله لهم لهو من دلائل

إمامته «علیه السلام»، لكشفه عن علم الإمامة عنده...

2 - إن إخباره الوالي بمن قتل أولئك الغلمان، وسلبهم، ومنهم أربعة من موالي الوالي نفسه، وتسميتهم بأسمائهم، ودلالته على واحدٍ منهم كان على رأس الوالي - إن ذلك - دلالة أخرى من دلائل علم الإمامة لديه «صلوات اللّه وسلامه علیه وعلى آبائه، وأبنائه الطاهرين».

وقد أكد «علیه السلام» معرفته بالقتلة في جوابه للوالي حين سأله: «يا أبا عبداللّه وتعرفهم؟!

فقال للوالي: نعم، كما أعرفك. وهذا منهم..».

لماذا أخبر بالأسماء:

ومن الطبيعي أن ما جرى لغلمان الإمام، وقتلهم عن آخرهم، وسلب الأموال منهم أن ينال اهتمام الناس إلى أقصى الدرجات، لاسيما وان الغلمان المقتولین هم غلمان الحسين «علیه السلام»، والأموال المسلوبة هى أمواله..

وسيكون الناس كلهم في ذلك المحيط، في موقع المراقب اليقظ والراصد الحصيف لردة فعل الإمام الحسين «علیه السلام» على حدث كهذا، وستحصى عليه كل كلمة يقولها، أو تصرف يقوم به.

وإذ بالإمام يوظف هذا الحدث بالذات في صالح تأكيد معنى الإمامة، التي هي في خدمة مصلحة الأمة، ومن أجل القيام بشؤونها،

وإصلاح أمورها لأن ترسيخ معنى الإمامة، وبلورته في ضمير الأمة، كان هو الضرورة الملحة التي ينبغي الإهتمام بها.

وهذا يفسر قول الرواية أخيراً عن إقرار أولئك المجرمين: «واللّه أراد بهم ليعلم الناس والوالي من هو أحق بالأمر..».

المقام لا يأخذه السيل:

محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد عن ابن فضال عن ابن بكير، عن زرارة، قال: قلت لأبي جعفر «علیه السلام»: قد أدركت الحسين «علیه السلام»؟!

قال: نعم، أذكر وأنا معه في المسجد الحرام، وقد دخل فيه السيل، والناس يقومون على المقام، يخرج الخارج، يقول: قد ذهب به السيل ويخرج منه الخارج فيقول : هو مكانه.

قال: فقال لي: يا فلان ما صنع هؤلاء ؟!

فقلت: أصلحك اللّه يخافون أن يكون السيل قد ذهب بالمقام.

فقال: ناد: إن اللّه تعالى قد جعله علما، لم يكن ليذهب به، فاستقروا.

وكان موضع المقام الذي وضعه إبراهيم «علیه السلام» عند جدار البيت فلم يزل هناك حتى حوله أهل الجاهلية إلى المكان الذي هو فيه اليوم.

فلما فتح النبي «صلی اللّه علیه وآله» مكة رده إلى الموضع الذي

وضعه إبراهيم «علیه السلام»، فلم يزل هناك إلى أن ولي عمر بن الخطاب، فسأل الناس من منكم يعرف المكان الذي كان فيه المقام؟

فقال رجل : أنا قد كنت مقدره بنسع، فهو عندي.

فقال: ائتني به فأتاه به فقاسه ثم رده إلى ذلك المكان (1).

ونقول:

قد تجلى علم الإمامة مرة أخرى في أمر لم يكن أحد يظن أنه أيضاً مرتبط بسنة إلهية غيبية، أودع اللّه تعالى علمها عند خزان علمه، وحملة شرعه، وخلفائه في أرضه.. حيث لم يكن يخطر في بال أحد من الناس أن يكون مقام إبراهيم «علیه السلام» عصيّاً على السيل، فلا يستطيع أن يحمله، ويذهب به، كما يذهب بنظائره، وأشباهه في الحجم، أو في غير ذلك من صفات الجسم..

وقد علل «علیه السلام» ما ذكره عن حفظ مقام إبراهيم بأن المقام لا يأخذه السيل، بأن اللّه تعالى قد جعله علما.. وقد أمر «علیه السلام» بأن ينادي في الناس بهذا الأمر، ليكون دليلاً ومستندا إلى الغيب الإلهي الذي يعطي لهم السكينة والطمأنينة..


1) جواهر الكلام للشيخ الجواهري ج 19 ص 297 والكافي ج 4 ص 223 ومن لا يحضره الفقيه ج 2 ص 244 وبحار الأنوار ج 31 ص 33 ومرآة العقول ج 17 ص 66 والوافي ج 12 ص 62 ونور الثقلين (تفسير) ج 1 ص 367 و كنز الدقائق (تفسير) ج 3 ص 169 ومنتقى الجمان ج 3 ص 23 و 24.

ولو أنه «علیه السلام» اكتفى بالنداء بأن المقام لم يأخذه السيل، ولم يذكر لهم هذه القاعدة، لبقي الناس يخوضون في الشائعات والتناقضات فهذا يقول: لا يوجد مقام، وذاك يقول بل هو موجود ولبقي الشك في حقيقة الموجود جيلا بعد جيل. وهذا يؤثر سلبا على إخلاص النية في العبادة المرتبطة بالمقام، ولأجل ذلك يقول النص المذكور أعلاه «فاستقروا».

لا أحب لك أن تتزوجها:

عن سيف بن عميرة التمار، عن أبي عبد اللّه الصادق «صلوات اللّه عليه» قال: جاء رجل من موالي أبي عبد اللّه الحسين «علیه السلام» يشاوره في امرأة يتزوجها، فقال له «علیه السلام»: لا أحب لك أن تتزوجها، فإنها امرأة مشؤومة.

وكان الرجل محباً لها ذو (1)مال كثير، فخالف مولانا الحسين «علیه السلام» وتزوجها، فلم تلبث معه إلا قليلا حتى اتلف اللّه ماله، وركبه دين، ومات أخ له كان أحب الناس إليه.

فقال له الحسين «علیه السلام»: لقد أشرت عليك ما هو خير لك منها، وأعظم بركة.

فخلى الرجل سبيلها، فقال : عليك بفلانة فتزوجها، فما خرجت سنته حتى أخلف اللّه عليه ماله وحاله، وولدت له غلاما، ورأى منها


1) كذا في المصدر، والمناسب لقواعد اللغة «ذا».

ما يحب في تلك السنة، فكان هذا من دلائله «علیه السلام» والتحية (1).

ونقول:

هناك أمور يصعب تفسيرها وفق المعروف والمألوف، فينحصر التعامل معها بمنطق التسليم والتصديق والإيمان المستند إلى أدلة قاطعة، وإلى وقائع محسوسة، تدل على أن ثمة غيباً تناله نفوس طاهرة، وضمائر حية، وقلوب تقية ونقية..

ومن هذه الغيوب إخبار الإمام الحسين «علیه السلام» عن شؤم المرأة الأولى التي أحبها ذلك الرجل فتزوجها، ولم ينتصح بنصيحة الإمام، فبان له عمليا صدق ما أخبره به «علیه السلام»، وذلك بالفقر الذي ابتلي به، وبالدين الذي ركبه، وبموت أخ له كان أحب الناس إليه.

فلما ظهر له ذلك، وخلى سبيل تلك المرأة، وتزوج الأخرى التي أشار عليه الإمام بأن يتزوجها، ولدت غلاماً، ورأى منها ما أحب، وأعاد اللّه عليه ماله، فكان هذا دلالة أخرى من دلائل إمامته «عليه السلام» كما صرحت به الرواية أخيراً..


1) الهداية الكبرى ص 206 ومدينة المعاجز ج 3 ص 512 و 513 والخرائج والجرائح ج 1 ص 248 وبحار الأنوار ج 44 ص 182 والعوالم ج 17 ص 56 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 20 ص 52 و (الإسلامية) ج 14 ص 32 وإثبات الهداة ج 2 ص 580 وص 587 و 588.

الفصل الرابع: لأنه الإمام..

اشارة

أرنا من عجائب أبيك:

عن الباقر، عن أبيه «علیهما السلام»: أنه قال: «صار جماعة من الناس بعد الحسن إلى الحسين «علیهما السلام»، فقالوا: يا ابن رسول اللّه، ما عندك من عجائب أبيك التي كان يريناها؟!

فقال: هل تعرفون أبي؟!

قالوا: كلنا نعرفه.

فرفع لهم ستراً كان على باب بيت، ثم قال: انظروا في البيت.

فنظروا، فقالوا: هذا أمير المؤمنين، ونشهد أنك خليفة اللّه حقاً».(1)


1) الخرائج والجرائح ج 2 ص 811 وإثبات الهداة ج 2 ص 582 ومدينة المعاجز ج 3 ص 75 و 512 والإيقاظ من الهجعة ص 209 والمحتضر 3 للحلي ص 37 وشرح الشافية لإبن أمير الحاج ص281 وأسرار الشهاة ص 170 ومختصر البصائر ص 110

ونقول:

1 - أراد الحسين «علیه السلام» أن يري تلك الجماعة، ما يقطع به عذرها، وما لا مجال للإحتمال أو التأويل فيه، حيث سألهم أولاً: «هل تعرفون أبي»؟! فلما أقرو بمعرفته، أراهم نفس من يعرفونه..

نعم، لقد أقروا بأنهم كلهم يعرفه، فلا يحتاج أي منهم إلى الإستعانة بغيره في ذلك، الأمر الذي يبعد أي إحتمال للشبهة، أو للتهمة بأن يكون ثمة من يرغب في التضليل أو إثارة البلبلة.

2 - لعلك تقول: ألم يكن يغنيه عن توجيه هذا السؤال إليهم قولهم له: «ما عندك من عجائب أبيك التي كان يريناها»، فإنه يدل على أنهم كانوا يعرفون أباه، بدليل تصريحم، بأنه كان يريهم العجائب؟!

ويجاب:

بأن من الجائز أن يدعي مدع بأن مرادهم بضمير جمع المتكلمين في قولهم يريناها هو جماعة المسلمين، أو المؤمنين، وربما كان أكثر من رأى بعض تلك العجائب غائباً عن ذلك المجلس. والحاضرون منهم قليل، أو لم يكن منهم أحد..

فلو أراهم إياه، والحال هذه، فيمكن التشكيك بأنّ الذي رأوه هل هو علي «علیه السلام»، أو شخص آخر.

3 - وهنا سؤال آخر يقول:

يلاحظ: أنهم إنما طلبوا منه «علیه السلام» أن يريهم من عجائب أبيه، مع أنه كان إماماً بعد أخيه، فلماذا لم يشيروا إلى عجائب أخيه،

إما بالإستقلال، أو بالإنضمام إلى أبيه أيضاً.

ونجيب:

بأن أمير المؤمنين «علیه السلام» هو الإمام المؤسس، الذي احتاج إلى إظهار العجائب بكثرة ظاهرة، ليكرس معنى الإمامة في الناس، ولينقل الناس من الإعتماد على المعجزة إلى الإعتماد على النص، وعلى علم الإمامة، حتى لا تبقى حاجة إلى المعجزة إلا في موارد نادرة، لأن بقاء اعتماد الناس على المعجزة له سلبيات كثيرة فيما يرتبط برصد الحكام لحركة الأئمة، وتسهيل قتلهم، من خلال الإتهام بالسحر، والزندقة، وما إلى ذلك..

أضف إلى ما تقدم: أن الإعتماد على علم الإمامة من شأنه أن يحدث ثورة معرفية وعلمية في مجتمع أهل الإيمان، وهذا ما حصل بالفعل حيث يلاحظ أن أصحاب الأئمة كانوا هم علماء الأمة، وهم الطليعة الفكرية فيها، وهم محور الحركة العلمية في المجتمع..

أشتهي رماناً:

وقالوا:

خرج الحسين «علیه السلام» من المدينة قاصداً زيارة بيت اللّه الحرام، ومعه جمع كثير، وجمّ غفير، فمرض من الرّكب رجل، فقال للحسين: أشتهي رماناً.

فقال «علیه السلام»: هذا يُستانٌ فيهِ أنواعُ القَواكِهِ، فَامْض إِلَيْهِ،

وَتَناوَلْ ما شِئْتَ!

ولم يعهد أحد قبل ذلك هناك أشجاراً، وأثماراً، ومياها.

فلمّا شاهد الركب البستان دخلوا وتناولوا كلّ ما اشتهوا، ولمّا خرجوا غاب البستان عن نظرهم، وإذا هم بظبية، فأشار الحسين «علیه السلام» إليها فأقبلت، ثمّ أمرهم أن يذبحها أحد منهم، ولا يكسر لها عظماً إلى أن أكلوا لحمها، فدعا «علیه السلام» بدعاء فعادت كما كانت

فقال «علیه السلام»: أَيُّكُمْ يَشْتَهِي أَنْ يَشْرَبَ مِنْ حَليبها، فلْيَحْلُبْها، إلى أن شرب كلهم من حليبها، وكفى الركب كلهم ببركة الحسين «علیه السلام» ودعائه.

ثمّ قال «علیه السلام» لها: لَكِ خَشَفاتٌ تَنتَظِرُكِ، فَانْصَرفي وَارْضعيهنَّ، فانصرفت (1).

ونقول:

1 - تضمن النص المتقدم عدة أمور هي من خوارق العادات، وربما يستفاد منه: أن الإمام الحسين «علیه السلام» قد تعمد إظهار


1) معالي السبطين ج 1 ص 106 وموسوعة كلمات الإمام الحسين «عليه السلام» ص 762 و 763 وعن درة الناصحين للخوبوي (ط بمبئي) ص66 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 18 ص 46 عن مجموعة التفسير لعلاء الدين أفندي (ط الآستانة) ص 191.

هذه الخوارق، التي كان أبوه «علیه السلام» يكثر من إظهارها للناس، لأن الفترة كانت تفرض ذلك، لأن الذين عاشوا في عهد الرسول كانوا كثيرين، وفيهم الطامحون والطامعون، وهم كثيرون..

وكانت هناك سياسة يراد تكريسها، وهي إيجاد بدائل عن أهل البيت من جهة وتجاهل أهل البيت ومحاصرتهم، وصرف الناس عنهم من جهة أخرى فكان لا بد من إفشاء هذه السياسات، وإبطال آثارها، وتثبيت إيمان أهل الحق والصدق، وهذا ما دعا عليا «عليه السلام» من الإكثار من إظهار هذه الخوارق، والإخبار بالغائبات...

ولذا ترى الإمام الحسين «علیه السلام» يتعمد إظهار أمثال هذه الأمور أيضاً، كما أشرنا إليه..

2 - لا بأس بملاحظة ما يلي:

ألف: أن الإمام الحسين لم يحصر أمر إطعام الرمان بالمريض الذي اشتهى الرمان.

ب: إنه «علیه السلام» لم يحضر له رمانا ويطعمه إياه، وينتهي الأمر، بل أخبره عن وجود بستان، وأمره بأن يذهب بنفسه اليه، ويتخير منه ما يشاء.

ج: إن البستان لم يكن بستان رمان وحسب، بل كان يحوي أنواعاً من الفاكهة.

د: إنه لم يقتصر على إطعام خصوص المريض، ثم غاب البستان عن الأنظار، بل بقي حتى شاهده الركب كله وهم - كما يقول النص- :

«جمع كثير، وجم غفير» وقد دخلوا إليه، وتناولوا كل ما اشتهوا.

د: إنه حين أشار الإمام «علیه السلام» إلى تلك الظبية، فأقبلت إليه، قد فعل ذلك أمام ذلك الجمع كله.

ه: ثم طلب أن يذبحها أحدهم، وأن يأكل ذلك الجمع كله من لحمها، ولا يكسروا لها عظما.. ثم دعا بدعاء فعادت تلك الظبية كما كانت وكان ذلك أيضاً أمام الجمع كله.

و ثم طلب أن يحلبها من يشاء منهم، وأن يشربوا من حليبها، فشرب ذلك الجمع كله من حليبها أيضاً.

ز: ثم صرف تلك الظبية إلى خشفاتها، لكي ترضعهن، فانصرفت..

وهذا كله يدل على أن المطلوب هو إعلام الناس بأن أهل البيت «علیهم السلام» لا يقاس بهم أحد، وأن:

كل من يدعي بما ليس فيه***كذبته شواهد الإمتحان

شفاء نصرة الأزدية:

عن أبي خالد الكابلي، قال:

سمعت علي بن الحسين «علیهما السلام» يقول: دخلت نصرة الأزدية على الحسين «علیه السلام»، فقال لها: يا نصرة، ما الذي أبطأ بك على؟!

فقالت له: يا ابن رسول اللّه شيء عرض لي في مفرق رأسي،

وكثر منه غمي، وطال منه همي.

فقال: أدني مني.

فدنت منه، فوضع أصبعه على أصل البياض، فصار كالقار.

فقال : إئتوها بمرآة.

فأتيت بها، فنظرت في المرآة، فإذا البياض قد اسود، فسُرَّت بذلك، وسُرَّ الحسين «علیه السلام» لسرور ها (1).

شفاء حبابة الوالبية:

حدّثنا محمد بن الحسين، عن موسى بن سعدان، عن عبد اللّه بن القاسم، عن صباح المزني، عن صالح بن ميثم الأسدي، قال: دخلت أنا وعباية بن ربعي على امرأة من بني والبة، قد احترق وجهها من السجود، فقال لها عباية: يا حبابة، هذا ابن أخيك.

قالت: وأي أخ؟!

قال: صالح بن ميثم.

فقالت: ابن أخي واللّه حقا، يا بن أخي ألا أحدثك بحديث سمعته من الحسين بن علي «علیهما السلام»؟!

قال: قلت: بلى يا عمة.

قالت: كنت زوارة الحسين بن علي «علیهما السلام»، فحدث بين


1) الثاقب في المناقب ص 326 ومدينة المعاجز ج 3 ص 508 و 50.

عيّني وضح، فشق ذلك عليَّ، واحتبست عنه أياماً، فسأل عني: ما فعلت حبابة الوالبية؟!

فقالوا : إنها حدث بها حدث بين عينيها.

فقال لأصحابه : قوموا حتى ندخل عليها.

فدخل عليّ في مسجدي هذا، وقال: يا حبابة، ما بطأ (أبطأ) بك على؟!

قلت: يا بن رسول اللّه، ما ذلك الذي منعني إن لم أكن اضطررت إلى المجيء إليك اضطراراً، لكن حدث هذا بي.

وكشفت القناع فتفل عليه الحسين بن علي «علیهما السلام» وقال: يا حبابة، أحدثي اللّه شكرا، فإن اللّه قد درءه عنك.

قالت: فخررت ساجدة، فقال: يا حبابة ارفعي رأسك، وانظري في مرآتك.

قالت: فرفعت رأسي فلم أجد منه شيئاً.

قالت: فحمدت اللّه (1).


1) بصائر الدرجات للصفار ص290 و 291 ودلائل الإمامة ص186 و 187 والثاقب في المناقب ص 324 و 325 ومدينة المعاجز ج 3 ص 457 و 458 وإثبات الهداة للحر العاملي ج 2 ص 577 وبحار الأنوار ج 44 ص 180 والعوالم، الإمام الحسين «علیه السلام» ص 45 و 46 والدر النظيم ص 531.

وزاد في نص آخر أنه «علیه السلام» قال: يا حبابة، إنه ليس أحد على ملة إبراهيم في هذه الأمة غيرنا وغير شيعتنا. ومن سواهم منها براء (1).

وفي نص آخر: أنه قال لها: يا حبابة نحن وشيعتنا على الفطرة، وسائر الناس منها براء (2).

ونقول:

هنا عدة نقاط تحتاج إلى توضيح، وهي التالية:

النظر إلى مواضع من رأس امرأة أجنبية:

قد يسأل سائل عن مبرر نظر الحسين إلى الوضح الذي بين عيني حبابة بعد كشفها قناعها، حتى تفل «علیه السلام» على موضع الوضح، فزال.


1) إختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ص 115) و (ط مؤسسة آل البيت) ج 1 ص 332 وبحار الأنوار ص 186 و 187 والعوالم ج 17 ص 46 و 47.

2) دلائل الإمامة ص 47 و (ط مؤسسة البعثة) ص 187 ومدينة المعاجز ج3 ص 457 - 459 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 45 و 46 والثاقب في المناقب ص 324 و 325 والدعوات للراوندي ص 65 و 66 وبحار الأنوار ج 44 ص 180 وقاموس الرجال للتستري ج 12 ص232 وأعيان الشيعة ج 4 ص 383 والدر النظيم ص 531 و 532 وراجع شرح الأخبار 531 ج 3 ص 449.

وقد يسأل أيضا عن مبرر وضعه إصبعه الشريف على أصل البياض في مفرق رأس نصرة الأزدية.

ويجاب:

أولاً: ليس في الروايتين المتقدمتين ما يدل على أنه «علیه السلام» قد رأى من المرأة المصابة ما لا ينبغي رؤيته، أو لامس ما لا تصح ملامسته، بل في رواية نصرة الأزدية: أنه «علیه السلام» وضع إصبعه على أصل البياض فاسود.

وفى رواية حبابة: أنه تفل على موضع البياض فزال.

أما ملامسة أصل البياض، فقد يقال : إنه لا إشكال فيه إذا كان من الشعر، أو إذا وضع حائلاً.

ثانياً : إذا كانت معالجة المرض منحصرة بشخص بعينه، واحتا إلى ملامسة أو رؤية موضع المرض بقدر الضرورة، فإن الشارع يبيح له ذلك..

ثالثاً: من الذي قال: إن نصرة الأزدية، وحبابة الوالبية لم تكونا من القواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً، فلا جناح عليهن أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة.

ويدل على ذلك : أنها تقول: «.. أتيت علي بن الحسين «علیهما السلام»، وقد بلغ بي الكبر إلى أن أرعشت، وأنا أعدّ يومئذ مائة

وثلاث عشرة سنة..» (1).

لفت نظر:

يلاحظ: أن الإمام الحسين «علیه السلام» قد طبع لحبابة في الحصاة ليكون ذلك من دلائل إمامته، يقول النص المروي عنها:

«ثم أتيت الحسين «علیه السلام» وهو في مسجد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فقرب ورحب.

قال لي: إن في الدلالة دليلاً على ما تريدين، أفتريدين دلالة الإمامة ؟!

فقلت: نعم يا سيدي.

فقال: هاتي ما معك، فناولته الحصاة فطبع لي فيها» (2).


1) الكافي ج 1 ص 347 والوافي ج 2 ص 144 وكمال الدين ص 537 ومدينة المعاجز ج 1 ص 515 وج 3 ص 466 وج 5 ص 466 وج 6 ص 294 وج 7 ص 197 وينابيع المعاجز ص 178 ومرآة العقول ج 4 ص 81 وقاموس الرجال للتستري ج 12 ص 231 والمحجة البيضاء ج 4 ص 220.

2) الكافي ج 1 ص 346 والوافي ج 2 ص 143 وكمال الدين ص 537 والثاقب في المناقب ص 140 و 141 ومدينة المعاجز ج 1 ص 515 وج 3 ص 249 و 466 وج 4 ص 306 و ج 5 ص 144 و 465 وج 6 ص 294 ج 7 ص 197 وينابيع المعاجز ص177 و 178 وبحار الأنوار ج 25 ص177 ومرآة العقول ج 4 ص 80 وقاموس الرجال ج 12 ص 231 وإعلام الورى ج 1 ص 409 وكشف الغمة ج 2 ص 157 ومنتخب الأنوار المضيئة ص 175 والمحجة البيضاء ج 4 ص 220.

ما بطَّأك علي؟!:

وذكرت الرواية المتقدمة : أن الحسين «علیه السلام» سأل نصرة وحبابة عن سبب إبطائهما عليه..

وهذا يعني: أنه لا محذور من زيارة النساء لإمامهن بصورة منتظمة للإستفادة من توجيهاته، وإرشاداته..

وقد صرحت حبابة الوالبية : بأنها كانت مواظبة على زيارة الحسين بن علي «علیهما السلام».

ويشهد لذلك : أنه كان في زمن النبي «صلی اللّه علیه وآله» امرأة كان يقال لها: وافدة النساء إلى النبي «صلی اللّه علیه وآله»، فكانت تأتيه بمسائلهن، وتأخذ منه أجوبتها، وتعود إليهن بها (1).


1) بحار الأنوار ج 101 ص 306 ومجمع الزوائد ج 4 ص 305 وشعب الإيمان للبيهقي ج 6 ص 421 والترغيب والترهيب ج 3 ص 53 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 16 ص 411 و 609 والتفسير المنسوب إلى الإمام العسكري ص 659 ومجمع البيان ج 3 ص 73 والبرهان (تفسير) ج 1 ص 563 و 564 وتفسير الثعلبي ج 2 ص 173 و 299 والدر المنثور ج 2 ص 152 و 153 و تاريخ مدينة دمشق ج 5 ص 212 و 363 وج 29 ص 66 والإصابة ج 1 ص 31.

أبطأت عليه فزارها:

وقد لاحظنا: أن الإمام الحسين «علیه السلام» حين أبطأت عليه حبابة، وأبلغوه أنها تعاني من وضح ألم بها، قال لأصحابه: «قوموا إليها»، فأمر أصحابه بزيارتها فزارها في مسجدها، وداواها حتى شفيت، ولعله «علیه السلام» أراد بهذه المداواة غير العادية أن يعرف الناس أن هذه المرأة العابدة هي موضع اللطف الإلهي، وأن ما جرى لها لا ينقص من قدرها ولا يبرر الشماتة بها، ويؤكد ذلك أن الذي تولى هذه المداواة هو أقدس إنسان على وجه الأرض.

وهو لم يبعث في طلبها لتأتي إليه، بل ذهب بنفسه إليها، ومعه أصحابه، وكان هو الذي أمرهم بزيارتها، ولم تأت زيارتهم إياها على سبيل المجاراة له.

الأئمة وشيعتهم فقط على ملة إبراهيم:

وتقدم: أن الإمام الحسين «علیه السلام» قال لحبابة: «إنه ليس أحد على ملة إبراهيم في هذه الأمة، غيرنا وغير شيعتنا، ومن سواهم منها براء».

أو قال: «نحن وشيعتنا على الفطرة، وسائر الناس منها براء».

ونقول:

إن تقويض بناء الأمة الشامخ إنما يكون بتقويض الأسس والمباني التي قام عليها، والتلاعب بها، وخلخلتها، وعمدة هذه الأسس

منظومة القيم والمفاهيم السارية في كل مداميكها بمختلف الأحجام، وفي جميع المكونات، والتشكلات التي تجسد ذلك البناء..

ثم يأتي دور الجسد الذي تسكنه الروح، ويحيا بها الجسد، ونقصد بالروح هنا هذا الدين الإلهي في تشريعاته وأحكامه، وسياساته، وسائر حقائقه ومكوناته..

والعنصر الحافظ للدين، شكلاً ومضموناً هو الرعاية الإلهية، من خلال القيادة المعصومة المتمثلة بالأنبياء، والأوصياء «عليهم السلام».

وبعد ما تقدم نقول:

لا ريب في أن هذه الأمة قد تعرضت لنكسات خطيرة، وتلاعب وتحريف للحقائق، ودس فيما يرتبط بمقوماتها الإيمانية، وضوابطها وقيمها، وسائر مكوناتها. حتى أصبح الرجوع إلى المنابع الصافية، وتلمس الهدايات الإلهية من خلال التزام خط الأنبياء والأوصياء، ضرورة لا بد منها ولا غنى عنها.

وقد انحصر الأمر في نبينا الأكرم، وأوصيائه الطاهرين. ومن أخذ منهم، والتزم نهجهم، كما قرره الإمام الحسين «علیه السلام» في كلمته الأخيرة المتقدمة.

وكل من عداهم تائه ضالٌّ عن الطريق، ويحسب أنه على شيء، وليس هو على شيء، ويحسب أنه يحسن صنعاً، مع أنه أنه من الضالين والهالكين، فإنا للّه وإنا إليه راجعون..

يسقي أصحابه من الرحيق المختوم:

عن الرضا «علیه السلام»، قال: هبط على الحسين «عليه السلام» ملك وقد شكا إليه أصحابه العطش، فقال: إن اللّه تعالى يقرئك السلام ويقول: هل لك من حاجة؟!

فقال الحسين «علیه السلام»: هو السلام، ومن ربي السلام.

وقال: قد شكا إليّ أصحابي - ما هو أعلم به مني - من العطش.

فأوحى اللّه تعالى إلى الملك : قل للحسين خط لهم بإصبعك خلف ظهرك يرووا.

فخط الحسين بأصبعه السبابة، فجرى نهر أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، فشرب منه هو وأصحابه.

فقال الملك: يا ابن رسول اللّه، تأذن لي أن أشرب منه، فإنه لكم خاصة، وهو الرحيق المختوم الذي «خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافس المُتَنافِسُونَ» (1).

فقال الحسين «علیه السلام»: إن كنت تحب أن تشرب منه فدونك» (2).


1) الآية 26 من سورة المطففين.

2) الثاقب في المناقب ص 327 و 328 ومدينة المعاجز ج 3 ص 496 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج 1 ص 247.

ونقول:

1 - لم يوضح لنا النص المتقدم: أين ومتى حصلت هذه الحادثة، هل حصلت في كربلاء ؟! أو في الطريق إليها؟! أو في المدينة؟! أو في غيرها؟!

غير أن مما لا شك فيه : أنه لا يؤذن بصنع المعجزة في كل وقت، ولا تظهر الكرامة في كل حين. ففي اليوم العاشر من محرم كان المطلوب هو : أن يستشهد الإمام الحسين «علیه السلام»، وأهل بيته وأصحابه، وهم عطاشى.

ولأجل ذلك لم يستجب الإمام الحسين «علیه السلام» لولده حين جاءه من الميدان يوم عاشوراء يطلب شربة من ماء.. والروايات حول موته «علیه السلام» عطشاناً ثابتة لا مجال للنقاش فيها، وما قد يظهر منه خلاف ذلك لا بد من تأويله أو رده.

2 – ويلاحظ: أن اللّه تعالى أمر الحسين «علیه السلام» بأن يخط لأصحابه بإصبعه خلف ظهره.

ولعل السبب في ذلك: أن لا يرى أصحابه حركة تدفق الماء من مصدره، وأن لا يعرف مصدر التدفق. لأن هذا الإبهام يبقي العمل الغيبي على رونقه، ويحفظ له أثره في النفوس.

ليس هذا سحراً:

وروى الهيثم النهدي، عن إسماعيل بن مهران، عن محمد الكناني، عن أبي عبد اللّه «علیه السلام» قال خرج الحسين بن علي

«علیهما السلام» في بعض أسفاره، ومعه رجل من ولد الزبير بن العوام يقول بإمامته، فنزلوا من تلك المنازل تحت نخل يابس قد يبس من العطش.

ففرش الحسين «علیه السلام» تحتها، وبإزائه نخل عليه رطب، فرفع يده ودعا بكلام لم أفهمه، فاخضرت النخلة، وصارت إلى حالها، وأورقت وحملت رطبا.

فقال الجمال الذي اكترى منه سحر واللّه.

فقال له الحسين: ويلك ليس هو بسحر، ولكن دعوة ابن نبي مستجابة.

قال: فصعدوا إلى النخلة حتى صرموها، وأكلوها، فكفاهم (1).

ونقول:

1 - منذ أن خلق اللّه تعالى آدم وتكاثر نسله، فإن اللّه تعالى لم يُحْل الأرض من قائم له بحجة، ولم يزل يبعث الأنبياء والأوصياء لهداية البشر، بدءا بآدم وإلى النبي الخاتم، وبعده أوصياؤه، الطاهرون الذين سيكون الإمام الثاني عشر منهم، هو الذي يملأ الأرض قسطا وعدلاً، بعدما ملئت ظلما وجوراً.


1) دلائل الإمامة ص 76 - 77 و (ط مؤسسة البعثة) ص 186 والدر النظيم ص 531 ومدينة المعاجز ج 3 ص 459 و 460 وإثبات الهداة ج 2 ص 589 وأسرار الشهادة ص 171.

وكانت ولا تزال المعجزات والكرامات تتوالى في جميع الأمم وفي مختلف العصور، وقد ظهرت للإمام الحسين «علیه السلام» في عهد الرسول «صلی اللّه علیه وآله» وبعده كرامات كثيرة ودلالات وفيرة من خوارق العادات.

ولم يزل من في قلوبهم مرض يكابرون، ويعملون جاهدين على تضليل الناس، وخداعهم وإيهامهم ان استجابة الدعاء، وظهور المعجزة والكرامة ضرب من السحر..

وما أكثر الجهال والبسطاء والسذج الذين يتأثرون بهذه الترهات والأباطيل، التى تعتمد على الخلط المتعمد بين المفاهيم.

2 - وقد بين «علیه السلام» لذلك الجمال هذه الحقيقة، وعرفه بأنه قد خلط بين الدعوة المستجابة الصادرة من ابن نبي نص جده على إمامته.. وبين السحر الذي يعتمد على إدخال الشبهة على الغير، وإيهامه والتصرف بمخيلته..

وهذا ما قصده الإمام الحسين «علیه السلام» بقوله: «ويلك، ليس هو بسحر، ولكن دعوة ابن نبى مستجابة»..

3 - ثم تأكد الفرق بين ما هو سحر، وما هو حقيقة، نشأت عن استجابة الدعاء بصعود الحاضرين إلى نفس تلك النخلة، حيث صرموها (أي جنوا ثمرها)، وأكلوا تلك الثمرة واكتفوا بها، وهذا ما لا يمكن أن يحصل لو كان الأمر من قبيل السحر.

4 - إنه «علیه السلام» قد ترك النخل الذي يحمل الرطب،

وانصرف إلى النخلة اليابسة، فأطعمهم منها.. لكي تظهر المعجزة على أتم وأوضح الوجوه، وليس في الرواية ما يدل على أن هذه النخلة وتلك كانت مملوكة لأحد.

ما عند اللّه لأوليائه أكثر :

قال أبو جعفر: حدثنا أبو محمد عبد اللّه بن محمد، قال حدثنا سعيد بن شرقي بن القطامي عن زفر بن يحيى، عن كثير بن شاذان، قال: شهدت الحسين بن علي «علیهما السلام» وقد اشتهى عليه ابنه علي الأكبر عنبا في غير أوانه، فضرب يده إلى سارية المسجد، فأخرج له عنبا وموزا فأطعمه

وقال: ما عند اللّه لأوليائه أكثر (1).

ونقول:

1 - ليس في الرواية ما يدل على مقدار سنّ على الأكبر، حين اشتهى العنب في غير أوانه على أبيه الإمام الحسين «علیه السلام»، ولكن ما نتج عن هذا الأمر كان على درجة كبيرة من الأهمية، من حيث الدلالات والآثار التي كان الإمام الحسين «علیه السلام» يريد لها أن تتحقق.


1) دلائل الإمامة (ط مؤسسة البعثة) ص183 ونوادر المعجزات للطبري ص 108 ومدينة المعاجز ج 3 ص 452 والدر النظيم ص531 وإثبات الهداة ج 2 ص 588.

2 - إن هذا الإشتهاء من علي الأكبر لم يكن في داخل البيت الذي كان يعيش فيه الإمام الحسين «علیه السلام» وولده علي الأكبر بل كان في الملأ العام، وحيث يجتمع الناس لتدبير الشؤون، وتصريف الأعمال..

3 - إن الإمام الحسين لم يقتصر على العنب الذي طلبه منه ولده، بل زاد على العنب في غير أوانه الموز أيضاً.

4 - إن الإمام الحسين «علیه السلام» قد استجاب لطلب ولده بطريقة مثيرة، وإعجازية، حيث ضرب «علیه السلام» بيده إلى سارية المسجد، وأخرج له العنب والموز.. وحدث كهذا تتضافر الجهود على إشاعته، والتأمل في أبعاده، وحيثياته.

5 - وقد أعطى «علیه السلام» في هذه المناسبة ضابطة تشير إلى موقع أولياء اللّه عند اللّه، وإن اللّه سبحانه لم يقتصر على تسجيل وعد لهم ببعض العطايا، بل هو قد أعد لهم أكثر مما قد يدور بخلد عموم الناس، فإن استخراج العنب والموز من سارية المسجد شيء قليل إذا قيس بما أعده اللّه تعالى لأوليائه، حيث إنهم سيكونون قادرين على ما هو أعظم من هذا بكثير.

قد ترك «علیه السلام» تقدير هذا الكثير إلى خيال الناس، ومدى معرفتهم باللّه وكرمه وفضله.

أحياها فأوصت، ثم ماتت:

ومن كتاب الراوندي: أن رجلاً جاء إلى الحسين «علیه السلام»،

فقال: أمي توفيت ولم توص بشيء، غير أنها أمرتني أن لا أحدث في أمرها حدثاً حتى أعلمك يا مولاي.

فجاء الحسين «علیه السلام» وأصحابه فرآها ميتة، فدعا اللّه ليحييها، فإذا المرأة تتكلم.

وقالت: ادخل یا مولاي ومرني بأمرك.

فدخل وجلس وقال لها: أوصى يرحمك اللّه.

فقالت: يا سيدي إن لي من المال كذا وكذا، وقد جعلت ثلثه إليك، لتضعه حيث شئت، والثلثان لابني هذا إن علمت أنه من مواليك، وإن كان مخالفاً فلا حظ للمخالف فى أموال المؤمنين.

ثم سألته أن يتولى أمرها وأن يصلي عليها، ثم صارت ميتة كما كانت (1)

ونقول:

بعض ما جاء في هذا النص يحتاج إلى توضيح، فلاحظ ما يلي:


1) مشارق أنوار اليقين للبرسي ص 162 و (ط الأعلمي) ص 133 والخرائج والجرائح ج 1 ص 245 و 246 وفرج المهموم ص 227 و 228 وإثبات الهداة ج 2 ص 579 ومدينة المعاجز ج 3 ص 507 و 508 وبحار الأنوار ج 44 ص 180 و 181 وشرح الشافية لابن أمير الحاج ص102 و 103 والعوالم ج 17 ص 49 و 50 وأسرار الشهادة ص 173 والثاقب للمناقب ص 344 و 345 وراجع الصراط المستقيم للبياضي ج 2 ص 178 والمنتخب للطريحي ج 2 ص319 و 320.

أدخل يا مولاي:

يقول النص: إن الحسين «علیه السلام» جاء هو وأصحابه ورأى تلك المرأة ميتة، فدعا اللّه ليحييها فإذا هي تتكلم، فقالت: أدخل يا مولاي..

فقد يتوهم البعض وجود تهافت في الكلام هنا.

ويجاب:

بأنه لعله رآها «علیه السلام» من خارج الغرفة التي كانت مسجاة فيها. ولم يدخل إلى تلك الغرفة إلا بعد أن عادت إلى الحياة؟!

أو أنه دخل عليها فرآها ميتة، ثم خرج ليدعو اللّه تعالى

ولعل سبب خروجه: أنه «علیه السلام» حين يستجيب اللّه دعاءه وتعود إلى الحياة - لا يريد - أن يرى الذين معه حالاتها وحركاتها حين العودة.

وهذا نظير القصة الأخرى التى تقول: إن أصحاب الحسين عطشوا فبعث اللّه ملكا إليه يأمره بأن يخط بإصبعه وراء ظهره، ففعل ذلك، فجرى نهر شرب منه هو وأصحابه.

إحياء الموتى:

قد يحاول البعض التشكيك في أن يكون الإمام «علیه السلام» قادراً على إحياء الموتى، فإن هذا من الأمور المختصة باللّه سبحانه وتعالى..

وهذا كلام باطل، فإن ما هو خاص به تعالى هو القدرة الذاتية على فعل ذلك، أما إذا كان أحد من الناس يفعل ذلك بإذن اللّه، وبدعاء يطلب فيه من اللّه أن يحييه له، فلماذا لا يصح ذلك؟!

وقد صرح القرآن الكريم: بأن عيسى «علیه السلام» كان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص بإذنه تعالى.. فلماذا لا يفعل ذلك أيضاً من هو أفضل من عيسى، مثل نبينا الأعظم «صلی اللّه علیه وآله» وأمير المؤمنين والحسنين، وغيرهما من الأئمة الطاهرين «صلوات اللّه وسلامه عليهم»؟!

وقد أشارت الرواية إلى أن إحياء الإمام الحسين لهذه المرأة لم يكن بقدرته الذاتية، بل كان باستجابة اللّه تعالى دعاءه «علیه السلام»، ولذا قالت الرواية: «فدعا اللّه ليحييها».

مضمون الوصية:

ثم إن مضمون وصية تلك المرأة يعطي : أنها كانت على درجة كافية من الصلابة العقائدية والمعرفة بالأحكام.. كما يدل عليه

تصرفها بثلث مالها، حيث إن التصرف بما زاد على الثلث يحتاج إلى إجازة الوارث.

وتتجلى صلابتها الإعتقادية في إصرارها على حرمان ولدها إن لم يكن موالياً للحسين «علیه السلام».

ويبدو: أنها كانت ترى أن فيه علامات تريبها، وتجعلها تشك ولائه للحسين «علیه السلام»، فلا يستحق الإرث فمبغض الحسين

کافر، ولا يرث الكافر المسلم، وهذا ما أشارت إليه بقولها: «فلا حظ للمخالف في أموال المؤمنين..».

بل قد يقال: إن كلامها لا يأبى عن احتمال أن تكون قد ملكت الحسين تلك الأموال في حال حياتها، لكي تمكنه من حرمان ولدها إن ظهر أنه لا يستحق تلك الأموال وتبقى الأموال للحسين يصرفها حيث يشاء. وإنما يفعل ذلك ليقطع الطريق على تشنيعات واتهامات الأعداء بأنه «علیه السلام» قد استولى على جميع المال بغير حق.

وقد يُردّ هذا الإحتمال: بأنه لا شاهد له، ولا دليل عليه..

طارت الحمى:

عن زرارة بن أعين قال: سمعت أبا عبد اللّه «علیه السلام» يحدث عن آبائه أن مريضاً شديد الحمى عاده الحسين، فلما دخل من باب الدار طارت الحمى عن الرجل.

فقال له: رضيت بما أوتيتم به حقا حقا، والحمى تهرب عنكم.

فقال له الحسين: واللّه ما خلق اللّه شيئاً إلا وقد أمره بالطاعة لنا.

قال: فإذا نسمع الصوت، ولا نرى الشخص يقول : لبيك.

قال: أليس أمير المؤمنين أمرك أن لا تقربي إلا عدواً، أو مذنباً لكي تكوني كفارة لذنوبه، فما بال هذا ؟!

وكان المريض عبد اللّه بن شداد بن الهاد الليثي (1).

ونقول:

إننا نجمل ما نرمى إليه ضمن النقاط التالية:

1 - ذكرت الرواية: أن الحمى قد طارت وذهبت عن عبد اللّه بن شداد بمجرد دخول الإمام الحسين «علیه السلام» من باب الدار..

2 - إن الحمى، وإن كانت حالة تعتري البدن، إلا أن من الممكن يكون لها سنخ وجود له امتداد يتجاوز البدن أيضاً، ويتحرر منه، ليسرح في هذا الكون الرحيب، ويصبح قادرا على التعبير عن نفسه، على نحو الإستقلال، كما في كلام الحمى هنا، الذي سمعه الناس منها، دون أن يروا شخصها، وكما في قول أمير المؤمنين «علیه السلام» لها: أن لا تقرب إلا عدواً أو مذنباً، لتكون كفارة لذنوبه.

ويمكن أن يشبه هذا - في بعض الوجوه - علاقة الروح بالبدن، وتحررها منه جزئيا كما في حالات النوم، أو يتجاوز ذلك، كما في


1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 51 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص210 وبحار الأنوار ج 44 ص 183 والعوالم ج 17 ص 48 ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 439 وتسلية المجالس ج 2 ص 298 و 299 ومدينة المعاجز ج 3 ص 499 وشجرة طوبى ج 2 ص 406 وموسوعة كلمات الإمام الحسين «علیه السلام» ص 761 وإختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ج 1 ص 299.

حالات الموت.

3 - وربما قيل: بأن الذي أجاب الإمام الحسين «علیه السلام» هو الحمى، بما لها من وجود تمثلي، وهو مرتبة من مراتب الوجود. وهي المرتبة التي أمرها أمير المؤمنين «علیه السلام» بأن لا تقرب إلا على الأعداء، أو من كان مذنباً لتكون كفارة له..

4 - إن هذا النص يفيد أن للنبي والوصي سلطة على الأشياء، حتى الأمراض، حيث إن اللّه تعالى أمر جميع الأشياء بالطاعة لهم «علیهم السلام»، وما يشير إلى هذه الطاعة هو في الحقيقة من دلائل إمامتهم..

التصقت يده بيدها في الطواف:

محمد بن الحسين عن الحكم بن مسكين، عن أيوب بن أعين عن أبي عبد اللّه «علیه السلام»، قال:

إن امرأة كانت تطوف وخلفها رجل، فأخرجت ذراعها فبادر بيده حتى وضعها على ذراعها، فأثبت اللّه يده في ذراعها حتى قطع

الطواف.

وأرسل إلى الأمير، واجتمع الناس وأرسل إلى الفقهاء، فجعلوا يقولون: اقطع يده فهو الذي جنى الجناية.

فقال: هاهنا أحد من ولد محمد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله وسلم»؟!

فقالوا: نعم، الحسين بن علي «علیه السلام» قدم الليلة.

فأرسل إليه فدعاه، فقال: انظر ما لقيا ذان.

فاستقبل القبلة ورفع يديه فمكث طويلاً يدعو، ثم جاء إليهما حتى خلص يده من يدها، فقال الأمير: ألا نعاقبه بما صنع؟!

قال: لا (1).

ونقول:

يستوقفنا في النص المتقدم عدة أمور هي:

الدعاء هو الوسيلة:

1 - ذكرت الرواية : أن الإمام الحسين «علیه السلام» «مكث طويلاً يدعو»، وبذلك يكون «علیه السلام» قد قطع الطريق على أصحاب الأهواء، حتى لا يتهموه بالسحر. وإطالة المكث فى الدعاء، إنما هو في خدمة هذا الهدف...

2 - إنه «علیه السلام» بعد أن دعا اللّه، وأطال في الدعاء، جاء


1) الوافي ج 15 ص 551 والحدائق الناضرة ج 17 ص 347 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 13 ص 228 و الإسلامية ج 9، ص338 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 51 و (ط المكتبة الحيدرية ج 3 ص 210 ومدينة المعاجز ج 3 ص 506 و 507 وشجرة طوبى ج 2 ص 406 و 407 وبحار الأنوار 3 ج 44 ص 183 والعوالم ج 17 ص 47 وتهذيب الأحكام ج 5 ص 470 وتسلية المجالس ج 2 ص 98 و 99 وإثبات الهداة ج 2 ص 572.

بنفسه وخلص يد ذلك الرجل من يد تلك المرأة.. وهذه إشارة بل هى دلالة صريحة على أنه «علیه السلام» يتعمد صنع المعجزة.

ولو كان الأمر على خلاف ذلك لاحتجنا إلى الجواب على سؤال من أين علم «علیه السلام» بعد ذلك الدعاء الطويل: أنه أصبح بالإمكان فصل يده عن يدها؟!

3 - إن هذا يدل على أنه «علیه السلام» قد عالج هذه القضية في اتجاهين:

الإتجاه الأول : خاطب به أهل الباطل، الذين يتربصون الفرصة لاتهامه بالسحر والشعبذة. ولذلك توسل بالدعاء، وأطال المكث فيه.

الإتجاه الثاني: خاطب به عقول الأجيال الآتية، وأراد أن يفهمهم أنه كان بصدد فعل المعجزة كما دل عليه فعله، حيث جاء بعد الدعاء وخلص يد الرجل من يد المرأة، ليتساءل الناس عن الدليل الذي دله على أن هذا الخلاص سوف يحصل..

ألا نعاقبه؟!:

وصرحت الرواية: أن الأمير قال للإمام «علیه السلام»: «ألا نعاقبه بما صنع ؟!

قال «علیه السلام»: لا».

والظاهر: أنه «علیه السلام» أراد أن لا يعرض ذلك الرجل لأزيد مما تعرض له من هتك وفضيحة على رؤوس الأشهاد..

كما أنه ربما أراد أن لا يعترف بأية مشروعية للحكام الغاصبين، لأن ذلك سوف يستفاد منه للتصويب والتصحيح لأعمالهم، وفي ذلك مفاسد كثيرة وخطيرة

في ماذا تمرجان؟!

عن صفوان بن مهران قال: سمعت الصادق «علیه السلام» يقول: رجلان اختصما في زمن الحسين «علیه السلام» في امرأة وولدها، فقال هذا لي.

وقال هذا : لي.

فمر بهما الحسين، فقال لهما: في ماذا تمرجان؟!

قال أحدهما: إن الامرأة لي.

فقال للمدعي الأول: اقعد فقعد.

وكان الغلام رضيعاً، فقال الحسين: يا هذه، اصدقي من قبل أن يهتك اللّه سترك.

فقالت: هذا زوجي والولد له ولا أعرف هذا.

فقال «علیه السلام»: يا غلام ما تقول هذه؟! انطق بإذن اللّه تعالى.

فقال له: ما أنا لهذا ولا لهذا، وما أبى إلا راع لآل فلان.

فأمر «علیه السلام» برجمها.

قال جعفر «علیه السلام»: فلم يسمع أحد نطق ذلك الغلام

بعدها (1).

ونقول:

في هذه عدة دلالات:

التدخل الحسيني:

قد يقول قائل: لماذا تدخل الحسين «علیه السلام» في أمر لا يعنيه، فإن أحداً من المتخاصمين لم يطلب منه ذلك؟!

وماذا لو قالوا له: هذا أمر لا يعنيك، فاذهب في حال سبيلك؟!

ويجاب:

بأن من كان إماماً للأمة بنص جلي من خاتم الأنبياء، وسيد الأوصياء، فلا يحق لأحدٍ أن يمتنع عليه، ويعصي أمره، فإن الإمام الحق مسؤول عن كل ما يجري في الأمة، وعليه التدخل في إصلاح كل ما يمكن إصلاحه.. فالتمرد عليه، ومعصية أوامره تمرد على اللّه، وعصيان له سبحانه لقوله تعالى: «أطِيعُوا اللّه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ


1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 51 و 52 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 210 و 211 وبحار الأنوار ج 44 ص 184 والعوالم ج 17 ص 49 وتسلية المجالس ص 99 و 100 وشرح الشافية لإبن أمير الحاج ص 642 و 643 ومدينة المعاجز ج 3 ص 500 و 501 وإثبات الهداة ج 2 ص 590 ومستدرك سفينة البحار ج 6 ص 168.

وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُم» (1).

اصدقي قبل أن يهتك اللّه سترك:

وقد اعتبر «علیه السلام» منذ البداية: أن ما كان يجري بين المتخاصمين إنما هو من مفردات المرج، وهو الخلط بين الأمور الملتبسة، وهو وصف دقيق لواقع الأمر.

وهذا إخبار غيبي أيضاً صدر عنه، وهو من دلائل إمامته «علیه السلام»، ثم لما أخبره بطبيعة الخلاف بينهما، قال «علیه السلام» للمرأة: أصدقي قبل أن يهتك اللّه سترك.

وهذه دلالة أخرى من دلائل إمامته «علیه السلام»، حيث دلّ كلامه هذا على أنه عالمٌ بالحقيقة، وعارف بأن اللّه سوف يهتك ستر تلك المرأة إن لم تقر بالحقيقة، وإن الحقيقة تمثل إدانة وفضيحة لها، فلو أنها صدقت، فربما كانت عقوبتها أخف مما جرى لها، وهذه دلالة أخرى من دلائل إمامته «علیه السلام».

ثم تتوالى الدلالات على إمامته «صلوات اللّه وسلامه علیه»، والمتمثلة في توجهه «علیه السلام» بالسؤال إلى طفلها الرضيع. وأمره بأن ينطق، فنطق بالحقيقة، فكانت الفضيحة، وهتك الستر الذي توعد «علیه السلام» المرأة به.


1) الآية 59 من سورة النساء.

انطق باذن اللّه:

وقد لاحظنا : أنه «علیه السلام» حين أمر الرضيع بالنطق لم يكتف بقوله : أنطق بل أضاف إليها كلمة «بإذن اللّه»، ليدل على أن إنطاق الطفل الرضيع لم يكن بقدرة الإمام الحسين «علیه السلام» الذاتية، بل كان بإذن اللّه تعالى كرامة للإمام الحسين «علیه السلام»، فلا يصح الغلو في الإمام بسبب أمثال هذه الحوادث..

وقد تأكد هذا المعنى، بقول الإمام الصادق «علیه السلام»: «فلم يسمع أحد نطق ذلك الغلام بعدها..».

أهل سرّ اللّه:

الأصبغ بن نباته قال: سألت الحسين «علیه السلام»، فقلت: سيدي أسألك عن شيء أنا به موقن، وأنه من سر اللّه، وأنت المسرور إليه ذلك السر.

فقال: يا أصبغ أتريد أن ترى مخاطبة رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله» لأبي بكر يوم مسجد قبا ؟!

قال: هذا الذي أردت.

قال: قم.

فإذا أنا وهو بالكوفة، فنظرت فإذا أنا بالمسجد من قبل أن يرتد إلي بصري، فتبسم في وجهي.

وقال: يا أصبغ، إن سليمان بن داود أعطي الريح غدوها شهر

ورواحها شهر، وأنا قد أعطيت أكثر مما أعطى سليمان.

فقلت: صدقت واللّه يا ابن رسول اللّه.

فقال: نحن الذين عندنا علم الكتاب وبيان ما فيه، وليس لأحد من خلقه ما عندنا، لأنا أهل سر اللّه.

فتبسم في وجهي ثم قال نحن آل اللّه، وورثة رسوله.

فقلت : الحمد للّه على ذلك.

ثم قال لي: أدخل.

فدخلت فإذا أنا برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» محتب في المحراب بردائه، فنظرت فإذا أنا بأمير المؤمنين «علیه السلام» قابض على تلابيب الأعسر، فرأيت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يعض على الأنامل وهو يقول : بئس الخلف خلفتني أنت وأصحابك عليكم لعنة اللّه ولعنتي (1).


1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 52 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 211 ومدينة المعاجز ج 3 ص 501 و 502 وبحار الأنوار ج 31 ص 592 وج 44 ص 183 - 185 والعوالم ج 17 ص 50 و 51 ومستدرك سفينة البحار ج 6 185 50 51 ص 166 و 167 وإثبات الهداة ج 2 ص 590 وكنز الدقائق (تفسير) ج 8 ص 254 و (ط وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي سنة 1411ه) ج10 ص 470 - 472 ونور الثقلين (تفسير) ج 4 ص 317 و 318 وتسلية المجالس ج 2 ص 100 و 101 و 102.

ونقول:

إننا نشير هنا إلى ما يلي:

رؤية النبي «صلی اللّه علیه وآله» بعد موته:

صرحت الرواية المتقدمة : بأن الحسين «علیه السلام»، وعد الأصبغ بن نباته بأن يريه مخاطبة النبي «صلی اللّه علیه وآله» لأبي بكر يوم مسجد قبا، وهي إنما حصلت بعد وفاة النبي «صلی اللّه علیه وآله»، وذلك لأن أبا بكر دخل على أمير المؤمنين «علیه السلام» وادعى أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» لم ينص على خلافة علي «علیه السلام»، وأنه لا ينكر أنه مولاه، وأنه وصي الرسول، ووارثه، وخليفته في أهله ونسائه وعلى هذا فأبو بكر لم يرتكب جرماً ولا ذنبا في حقه «علیه السلام».

فعرض عليه علي «علیه السلام» أن يريه النبي ليسمع منه أنه أولى بالأمر، وأن عليه أن يعتزل.

فرضي أبو بكر بذلك، فتواعدا بعد صلاة المغرب، فجاءه أبو بكر الموعد، فذهب به إلى مسجد قباء، فإذا رسول اللّه جالس في قبلة المسجد، فسمع من النبي ما قاله له علي «علیه السلام»، وأمره «صلی اللّه علیه وآله» أن يخلع نفسه من هذا الأمر.

فذكر أبو بكر لصاحبه هذا الأمر، فقال له: إن ذلك من بعض

سحر بني هاشم (1).

والقضية المذكورة آنفاً بين الأصبغ وبين الإمام الحسين «عليه السلام» تشبه في بعض وجوهها ما جرى بين الإمام علي «علیه السلام» وأبي بكر، لأن الإمام الحسين «علیه السلام» قد أرى الأصبغ رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وأمير المؤمنين «عليه السلام»، وهما يقبحان عمل المستولين على الخلافة بعد موت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».

غرائب تضمنتها الرواية:

تضمنت الرواية المتقدمة العديد من الأمور غير العادية، ومنها:

1 - قول الرواية: إن الأصبغ ذكر للإمام الحسين «علیه السلام» أنه يريد أن يسأله عن شيء، ولم يصرح به.. ولكن الإمام أخبره بما يريد، فأقر بأنه هذا هو ما أراده

2 - الإنتقال المفاجئ ومن دون أن يشعر من مدينة إلى مدينة، قبل أن يرتد إليه بصره.

3 - لقد أراه رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وهو محتب في المحراب، وأراه أيضاً أمير المؤمنين «علیه السلام»، وهو قابض


1) بحار الأنوار ج 6 ص 231 وص 247 وج29 ص17 وج30 ص182 وج 41 ص 228 و 229 والإختصاص ص272 و 273 ومختصر بصائر الدرجات ص 109 و 108 وبصائر الدرجات (ط النجف) ص 78.

على تلابيب بعض الناس.. إلى آخر ما ذكر في الرواية.

أعطى الحسين «علیه السلام» أكثر مما أعطى سليمان:

إن الإنتقال من بلدٍ إلى بلدٍ قبل أن يرتد بصره لهو أمر يهتم له الإنسان، لأن هذا الإنتقال يثير لدى من جرى له ذلك هواجس مختلفة، ترتبط بشخصيته، وبعودته إلى موقعه الأول، وترقب مواجهة أمور أخرى مبهمة، وربما مقلقة أيضاً

ولأجل ذلك جاء التوضيح الحسيني للأصبغ، حيث طمأنه إلى أن ما جرى له ليس مما يحصل لأول مرة، فسليمان كان قد أعطي الريح، غدوها شهر، ورواحها شهر.. وما أعطاه اللّه للحسين «عليه السلام» أكثر مما أعطاه لسليمان.

ثم عقب ذلك بما يزيد من طمأنينة الأصبغ، فذكر أن اللّه سبحانه أعطاهم علم الكتاب في حين أن اصف بن برخيا الذي جاء بعرش بلقيس من اليمن إلى بيت المقدس في أقل من ارتداد الطرف إنما كان عنده علم من الكتاب..

وبديهي أن من عنده علم الكتاب كله سيكون أقدر على التصرفات الإعجازية من كل أحد. وقد أكد «علیه السلام» على تفردهم بهذا الأمر على سائر الخلق، حيث قال «وليس لأحدٍ من خلقه ما عندنا».

ثم علل «علیه السلام» هذا التفرد الظاهر عن سائر الخلق بقوله: «لأنا أهل سرّ اللّه».

ولا نستطيع نحن أن نحدد طبيعة هذا السر وماهيته. فقد يكون هو

الاسم الأعظم، فإنهم كانوا أهله بلا ريب وإن كنا نحتمل: أن يكون هذا السر هو أنه لولاهم ما خلق اللّه هذا الكون، وما ومن فيه، لأنهم هم الذين يظهرون عظمته تعالى، وحكمته، وعلمه، وقدرته، وسائر صفاته سبحانه بالنحو الأتم والأكمل. ولهذا البحث مجال آخر..

الفصل الخامس فقه وأحكام..

اشارة

نحكم بحكم آل داود:

الصفار: حدثنا إبراهيم بن هاشم عن محمد بن خالد البرقي، عن ابن سنان أو غيره، عن بشير عن حمران عن جعيد الهمداني ممن خرج مع الحسين «علیه السلام» بكربلاء، قال:

فقلت للحسين «علیه السلام»: جعلت فداك بأي شيء تحكمون؟!

قال: يا جعيد نحكم بحكم آل داود، فإذا عيينا عن شيء تلقانا به روح القدس (1)

ص 303.

.

ونقول:


1) بصائر الدرجات للصفار ص 452 و (ط الأعلمي) ص 472 وبحار الأنوار ج 25 ص 57 ومختصر بصائر الدرجات ص 1 وينابيع المعاجز ص76 وموسوعة كلمات الإمام الحسين «علیه السلام» ص 771 ومستدركات علم رجال الحديث ج 2 ص 233 وأعيان الشيعة ج 4 ص 195 وكشف الغمة ج 2 ص 325 ونفس الرحمن في فضائل سلمان ص 320 وراجع نور الثقلين (تفسير) ج 4 ص 452 والوافي ج 3 ص 650 والكافي ج 1 ص 398 وكنز الدقائق (تفسير) ج 11 ص 225 ومرآة العقول ج 4

1 - قد روي هذا الحديث عن الإمام السجاد «علیه السلام»(1)، ولعله الأقرب، فإن الشيخ قد عدّ في رجاله جعيد الهمداني هذا من أصحاب الحسن والحسين والسجاد «علیهم السلام»، ولم يذكر جعيد في جملة شهداء كربلاء أيضاً..

ويمكن أن يكون قد سأل الحسين «علیه السلام»، وسأل السجاد أيضاً، فكان الجواب متطابقاً.

2 - إن ما يوضح المقصود بهذه الرواية: ما روي من أن الإمام الصادق «علیه السلام» سئل عن أنهم يقولون : إن عليا «علیه السلام» قد ذهب إلى اليمن ليقضي بينهم فقال علي «علیه السلام»: فما وردت علي قضية إلا حكمت فيها بحكم اللّه، وحكم رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله».

فقال: صدقوا.

قلت: كيف ذاك؟! ولم يكن أنزل القرآن كله، وكان رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» غائباً عنه؟!


1) بصائر الدرجات للصفار (ط الأعلمي) ص 471 وينابيع المعاجز ص77 وبحار الأنوار ج 25 ص 56 ونور الثقلين (تفسير) ج 4 ص 452 والوافي ج 3 ص 650 والكافي ج 1 ص 398 وكنز الدقائق (تفسير) ج11 ص 225 ومرآة العقول ج 4 ص 304 وأعيان الشيعة ج 4 ص 195 وكشف الغمة ج 2 ص 325.

فقال: تتلقاه به روح القدس (1).

وعن الإمام الباقر «علیه السلام»: إن الأوصياء محدثون، يحدثهم روح القدس، ولا يرونه. وكان علي «علیه السلام» يعرض على روح القدس ما يسأل عنه، فيوجس في نفسه أن قد أصبت بالجواب. فيخبر، فيكون كما قال (2).

3 - إن حكم آل داود هو أن يحكم القاضي بعلمه، ولا يسأل بينة.

كره أن يثني على اللّه فيحلم عنه:

إن رجلاً ادعى على الحسين «علیه السلام» مالاً، فقال الحسين: ليحلف على ما ادعاه ويأخذه.

فتهيأ الرجل لليمين، وقال: واللّه الذي لا إله إلا هو.

فقال الحسين «علیه السلام»: قل واللّه واللّه واللّه ثلاثا، إن هذا الذي يدعيه عندي، وفي قبلي.

ففعل الرجل ذلك وقام، فاختلفت رجلاه، وسقط ميتاً.

فقيل للحسين: لم فعلت ذلك؟! أي عدلت عن قوله : واللّه الذي لا إله إلا هو، إلى قوله: (واللّه واللّه واللّه).


1) بصائر الدرجات ص 452 و (ط الأعلمي) ص 472 و 473 وبحار الأنوار ج 25 ص57 ومختصر بصائر الدرجات ص 1 وينابيع المعاجز ص76.

2) الوافي ج 3 ص 624 وبصائر الدرجات (ط الأعلمي) ص473 وبحار الأنوار ج 25 ص 57 وج 39 ص 151 و 152 و مختصر بصائر الدرجات ص 1 ونفس الرحمن في فضائل سلمان ص 319.

فقال: كرهت أن يثني على اللّه فيحلم عنه (1).

ونقول:

إن هذا الذي جرى لهذا الرجل، يدل على أنه كان متعمداً الباطل بهدف تكريس شبهة تراود أذهان الناس حول الإمام الحسين كلما خطر على بالهم، أو مر ذكره فيما بينهم، ولاسيما فيما يرتبط بالأمانة على الأموال..

وقد أراد هذا الرجل أن ينسب إلى الحسين «علیه السلام» ما لا يرضاه لنفسه إنسان سوي، لأنه يحمل معنى الدناءة والخيانة..

كما أن ما ادعاه قد تكفلت آية التطهير بتكذيبه، فضلا عن أن هتك حرمة الحسين في هذا الأمر الخسيس فيه هتك لحرمة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وحرمة أهل البيت «علیهم السلام».

وكل ذلك لا يمكن تلافيه إلا بظهور معجزة لها ارتباط بنفس الدعوى التي ساقها ؛ فكان ظهور غضب اللّه عليه بإماتته بعد حلفه مباشرة عقوبة فاضحة له، وهو يستحقها لأنه تعدى على كرامة النبي وأهل بيته.. كما أنها تبرئة واضحة لمن اتهمهم وظلمهم؟

ميراث ابن الحنفية:

حدثنا محمد بن الحسين عن نضر بن شعيب، عن خالد بن ماد،


1) شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 457 عن الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن قيم الجوزية (ط المحمدية في القاهرة) ص 38.

عن أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين «علیه السلام» قال: أتى محمد بن الحنفية الحسين بن علي، فقال: أعطني ميراثي من أبي.

فقال له الحسين ما ترك أبوك إلا سبع مائة درهم فضلت من عطاياه.

قال: فإن الناس يزعمون، فيأتون فيسألوني، فلا أجد بدأ من أن أجيبهم.

قال: فأعطني من علم أبي

قال: فدعا الحسين، قال فذهب فجاء بصحيفة تكون أقل من شبر، أو أكبر من أربع أصابع، قال : فملأت (1).

وفي بحار الأنوار: فملأت حملان.

ونقول:

1 - تحدثنا في ما سبق، في فصل: «من دلائل الإمامة»، عن مطالبة ابن الحنفية أخويه الحسن والحسين «علیهما السلام» بإرثه من أبيه، وإنما عدنا إلى ذكر هذا الموضوع هنا، لأن الرواية المتقدمة اقتصرت على ذكر الحسين «علیه السلام» وابن الحنفية. إلا أن تكون قد تعرضت بعض كلمات «الحسين» إلى التصحيف عن كلمة الحسن.

ونحن وإن كنا نستبعد أن يكون ابن الحنفية قد كرر مطالبته هذه


1) بصائر الدرجات للصفار (ط الأعلمي) ص 180 وبحار الأنوار ج 42 ص 77.

بعد أكثر من عشر سنوات من استشهاد أبيه، ولكننا لم نرد أن يواجه القارئ الكريم هذه الرواية التي لم يذكر فيها الإمام الحسن، فيظن أن موقع ذكرها هو بعد استشهاد الإمام الحسن «علیه السلام»، واستقلال الإمام الحسين «علیه السلام» بالإمامة. فيبحث عنها، فإذا لم يجدها ظن أنها مما فاتنا التعرض إليه من الأساس.

2 - إن حديث أن عليا «علیه السلام» لم يترك سوى سبع مئة درهم، فضلت من عطاياه - وقد أمر بإرجاعها إلى بيت المال بعد استشهاده - قد ذكره الإمام الحسن «علیه السلام» في خطبته على رؤوس الأشهاد حين استشهاد أبيه.

ومن البعيد: أن لا يكون ابن الحنفية قد سمع هذه الخطبة من أخيه، فلا معنى بعد هذا لمطالبته أخاه الإمام الحسين «علیه السلام» بارتْ مالي.. فإن كان قد طالب بإرث فلا بد من أن يكون إرثاً معنوياً، وهو العلم الذي تركه «علیه السلام» وقد تحدثنا عن هذه الصحيفة حين ذكرنا قصة المطالبة بالإرث في عهد الإمام الحسن «عليه السلام» فراجع.

من أحكام الاستنجاء:

في صحيحة زرارة، قال: سمعت أبا جعفر «علیه السلام» يقول: كان الحسين بن علي «علیهما السلام» يتمسح من الغائط بالكرسف ولا

يغسل (1).

الكرسف: القطن.

وقد أفتى الفقهاء بأنه يجوز أن يمسح المخرج بالأحجار، أو الخرق، ونحوهما من الأجسام القالعة للنجاسة، شرط أن لا يتعدى الغائط المخرج.

وصحيحة زرارة المذكورة آنفاً تدل على ذلك.

تصدق بالدار، وهو يسكنها:

روي أن رجلا تصدق بدار له وهو ساكن، فقال له الحسين «عليه السلام»: أخرج منها (2).

والمأخذ واضح؛ فإن بقاءه في الدار، بعد أن قد أخرجها من ملكه،


1) الوافي ج 6 ص 131 ومجمع الفائدة والبرهان ج 1 ص 92 وتهذيب الأحكام ج 1 ص 354 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 1 ص 358 و (الإسلامية) ج 1 ص 252 وغوالي اللآلي ج 2 ص 184 وهداية الأمة للحر العاملي ج 1 ص 97 ومعالم الدين وملاذ المجتهدين ج 2 ص 747 ومنتقى الجمان ج 1 ص 106.

2) الإستبصار ج 4 ص 103 وتهذيب الأحكام ج 1 ص 138 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 19 ص 178) و (الإسلامية) ج 13 ص 297 وهداية الأمة للحر العاملي ج 6 ص 322 وروضة المتقين ج 11 ص 152 والوافي ج 10 ص 524.

معناه: أنه يتصرف فيما لا يملك.. وعدم مطالبة المالك الجديد بالتخلية لا يعني رضاه ببقائها في يده، فلعله محرج في أمر المطالبة بذلك..

فتكون مطالبة الإمام الحسين للمالك بالتخلية قد أخرجت المالك الحقيقي من دائرة الإحراج.

أسئلة ابن الزبير:

عن بشر بن غالب: أن ابن الزبير سأل الحسين بن علي عن الأسير من أهل الذمة، يأسره العدو.

قال: فكاكه على المسلمين (1).

وفي نص آخر: سأله عبد اللّه بن الزبير، فقد استفتاه قائلاً: «يا أبا عبد اللّه، ما تقول في فكاك الأسير على من هو؟!

فأجابه «علیه السلام»: على القوم الذين أعانهم، أو قاتل معهم.

وسأله ثانياً: با أبا عبد اللّه متى يجب عطاء الصبي؟!

فأجابه «علیه السلام»: «إذا استهل وجب له عطاؤه ورزقه».

وسأله ثالثاً عن الشرب قائماً ؟!

فدعا بلقحة - أي ناقة - لهُ، فَحُلِبَتْ وَشَرِبَ قَائِماً، وَناوَلَهُ (2).


1) الأموال لابن زنجويه ج 1 ص 333 وراجع المصنف لابن أبي شيبة ج7 ص 673.

2) الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 1 ص 398) و المطبوع بهامش الإصابة ج 2 ص 283 والجوهرة في نسب الإمام علي وآله ص 39 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 605.

أعمال بالنيابة:

1 - عن عبد اللّه بن عطاء، عن أبي جعفر: «إن الحسن والحسين كانا يعتقان عن علي بعد موته» (1).

ويحتمل أيضاً أن تكون الكلمة هي «يعقان» بدل يعتقان.

2 - روينا عن الحسن والحسين صلوات اللّه عليهما»: أنهما كانا يؤديان زكاة الفطرة عن علي حتى ماتا.

وكان علي بن الحسين «علیه السلام» يؤديها عن أبيه الحسين «عليه السلام» حتى مات.

وكان أبو جعفر يؤديها عن علي بن الحسين] «علیه السلام» حتى مات.

قال جعفر بن محمد: وأنا أؤديها عن أبي.

وهذا من التطوع بالصدقة عن الموتى (2).


1) المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 262 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 26 ص 286 عن شرح منتهى الإرادات (دار الفكر - بيروت) ج10 ص 362.

2) دعائم الإسلام ج 1 ص 267 وبحار الأنوار ج 93 ص110 ومستدرك الوسائل ج 6 ص 439 وج 7 ص 151.

3 - روي: أنه لمّا تُوقي رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» أمر عليّ صائحاً يصيح: من كان له عند رسول اللّه عدة، أو دين فليأتني.

فكان يبعث كلّ عام عند العقبة يوم النحر من يصيح بذلك حتى توقي عليّ.

ثمّ كان الحسن بن عليّ يفعل ذلك حتى توقي.

ثمّ كَانَ الحُسَيْنُ يَفْعَلُ ذلِكَ، وانقطع ذلك بعده «رضوان اللّه وسلامه عليهم أجمعين».

قال ابن أبي عون: فلا يأتي أحد من خلق اللّه إلى عليّ بحقّ ولا باطل إلا أعطاه (1).

ونقول:

1 - إننا لا نعرف بصورة تفصيلية الفوائد والعوائد، والحكم المتوخاة من تشريع العتق أو العقيقة عن الميت، وأداء زكاة الفطرة عنه، ولكننا نعرف أن ثواب هذا العمل يصل إلى الميت، وهو من البر بالوالد والوفاء له، واستدامة الإرتباط به..

2 - إن مناداة علي «علیه السلام» عند العقبة يوم النحر، في كل سنة: من كان له عند رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» عدة، أو دين


1) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 قسم 2 ص 89 و (ط دار صادر) ج 2 ص 319 وراجع: مناقب الإمام أمير المؤمنين «علیه السلام» للكوفي ج 1 ص 397.

فليأتني». واستمر على ذلك حتى توفي علي «علیه السلام»، لهو أمر في غاية الأهمية، فهو «علیه السلام» وصي رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» ويريد لمن وفد على رسول اللّه ووعده الرسول بشيء، أن يفي له بوعد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» كما أنه يريد للناس أن يعرفوا هذه الحقيقة فإن من مصلحتهم معرفة ذلك، لأنه يؤكد معنى الإمامة له، ويرسخ حقيقة اختصاصه «علیه السلام» برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، بالإضافة إلى معاني كثيرة أخرى.

3 - لقد تابع الإمام الحسن ثم الإمام الحسين «علیهما السلام» هذه المسيرة، وهذا يؤكد أن المعاني الثابتة لعلي «علیه السلام» ثابتة لهما أيضاً، فهو يؤكد إمامتهما «علیهما السلام»، وخلافتهما لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» في المسؤولية عن شؤون الأمة على حد مسؤولية الرسول نفسه.

يضاف إلى ذلك: أن هذا يؤكد ما ورد من أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» قد أوصى إلى الحسن بعد علي، ثم إلى الحسين بعد الحسن «صلوات اللّه عليهما»، فهما أوصياء لرسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله» بالمباشرة.

الشرب قائماً:

عن محمد بن إسماعيل، عن محمد بن عذافر، عن عقبة بن شريك، عن عبد اللّه بن شريك العامري، عن بشير بن غالب، قال: سألت الحسين بن علي «علیهما السلام» - وأنا أسائله عن الشرب -

قائماً، فلم يجبني حتى إذا نزل أتى ناقته فحلبها، ثم دعاني فشرب وهو قائم (1).

وتقدم: أن ابن الزبير سأل الحسين هذا السؤال أيضا (2).

ونقول:

1 - ورد النهي عن شرب الماء قائماً، ففي حديث الأربع مئة :

«إياكم وشرب الماء من قيام على أرجلكم، فإنه يورث الداء الذي لا دواء له، أو يعافي اللّه عز وجل» (3).

وقالوا: روي النهي عن شرب الماء قائماً.

قال الصدوق: يعني بالليل، فأما النهار فالشرب قائماً أدر للعرق، وأقوى للبدن كما قال الصادق (4).

2 - يلاحظ: أن الحسين «علیه السلام» أراد أن يكون جوابه


1) المحاسن للبرقي ج 2 ص 580 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 25 ص 244 و (الإسلامية) ج 17 ص 194 وبحار الأنوار ج 63 ص 470.

2) الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 2 ص 283 و (ط دار الجيل) ج 1 ص 398 وطبقات المحدثين بأصبهان ج 2 ص 187 والجوهرة في نسب الإمام علي وآله ص 39.

3) الخصال للصدوق ص634 وبحار الأنوار ج 10 ص 112 وج 63 ص 458 ومستدرك سفينة البحار ج 5 ص 378.

4) بحار الأنوار ج 63 ص 459 ومستدرك سفينة البحار ج 5 ص 379.

لبشير بن غالب بصورة الفعل والممارسة، لأن اقتران البيان بحدث فيه حركة، وفيه أمور غير متوقعة أوقع في النفس، وأدعى للتذكر، وهو يبقي المضمون فترة أطول في ذاكرة المتلقي.

والسبب في ذلك: أن الفكرة إذا خرجت من حالتها التجريدية، واقترنت بالصور، والحركات تصير أبعد عن التلاشي في خضم كم هائل من الصور والحركات والأفكار التي تختزنها الذاكرة، والتي ربما تكون أقوى، وأقدر على فرض نفسها، إما من خلال أثرها على المشاعر والأحاسيس، إذا كان فيها بعد عاطفي.

أو من خلال ارتباطها برغبات قوية وطموحات عارمة تفرض نفسها بقوة.

أو من خلال ما يتوقع لها من آثار - سواء أكانت في دائرة السلب أو في دائرة الإيجاب - يرغب في أن يتعامل معها بدقة، وحذر شديد، أو لغير ذلك من أسباب.

القيام للجنازة:

1 - العدة، عن سهل، عن ابن أبي نجران، عن مثنى الحناط، عن أبي عبد اللّه «علیه السلام»، قال: «كان الحسين بن علي «عليهما السلام» جالساً فمرت عليه جنازة، فقام الناس حين طلعت الجنازة.

فقال الحسين «علیه السلام»: مرت جنازة يهودي، وكان رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» على طريقها جالساً، فكره أن يعلو رأسه

جنازة يهودي فقام لذلك» (1).

2 - عن زرارة قال مرت جنازة، فقام الأنصاري، ولم يقم أبو جعفر «علیه السلام»، فقال له: ما أقامك؟!

فقال: رأيت الحسين بن علي «علیهما السلام» يفعل ذلك.

فقال أبو جعفر «علیه السلام» واللّه ما فعل ذلك الحسين، ولا قام لها أحد منا أهل البيت قط.

فقال الأنصاري: شككتني أصلحك اللّه، وقد كنت أظن أني رأيت (2).

ونستفيد من هاتين الروايتين:

1 - أن الأئمة «علیهم السلام» كانوا لا يقومون للجنازة إذا مرت


1) الوافي ج 24 ص 393 والكافي ج 3 ص 192 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 3 ص 169 و (الإسلامية) ج 2 ص 839 وبحار الأنوار ج 44 ص 203 والعوالم ج 17 ص 72 وتهذيب الأحكام ج 1 ص 456 ومرآة العقول ج 14 ص84 والمعتبر للمحقق الحلي ج 1 ص 306 وتذكرة الفقهاء (ط.ج) ج 2 ص 58.

2) الكافي ج 3 ص 191 وتهذيب الأحكام ج 1 ص 456 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 3 ص 169 و (الإسلامية) ج 2 ص 839 وبحار الأنوار ج 46 ص 359 ومرآة العقول ج 14 ص 83 و 84 والمعتبر للمحقق الحلي ج 1 ص 306 والوافي ج 24 ص 392 والحدائق الناضرة ج 4 ص87 ومنتقى الجمان ج 1 ص 268.

بهم.

2 - إنهم «علیهم السلام» كانوا يعترضون على من يقوم للجنازة..

3 - إن الإمام الحسين بيَّن أن ما يستند إليه الناس في قيامهم، وهو فعل رسول اللّه إنما كان نتيجة الخطأ في فهم النص، أو بسبب عدم المعرفة بحيثيات ما جرى.

4 - إن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» إنما قام لأن الجنازة التي مرت كانت ليهودي، فكره النبي «صلی اللّه علیه وآله» أن تعلو رأسه جنازة يهودي، فقام لذلك.

5 - إن الأنصاري الذي ادعى أنه رأى الإمام الحسين «عليه السلام» يقوم للجنازة كان واهما..

فلعله رأى شخصاً آخر فعل ذلك، ثم اختلط عليه الأشخاص، فنسب ما فعله بعضهم إلى البعض الآخر.

ويشهد لذلك قوله: «قد كنت أظن أني رأيت».

6 - إن الأنصاري كان يظن أنه رأى الحسين «علیه السلام» فعل ذلك، ولكنه لم يقتصر على الظن، فادعى اليقين، ولكن القسم الذي سمعه من الإمام الباقر «علیه السلام» أعاده إلى ما كان ينبغي أن يكون عليه من أول الأمر.

7 - إن أبا جعفر الباقر «علیه السلام» قد أقسم للأنصاري، على أن الحسين «علیه السلام» لم يقم لجنازة، ولا قام لها أحد من أهل

البيت..

تشريع الأذان بالوحي الإلهي:

عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن الحسين بن علي، عن علي «صلوات اللّه عليه وعلى الأئمة من ولده»:

أنه سئل عن قول الناس في الأذان : إن السبب كان فيه رؤيا رآها عبد اللّه بن زيد، فأخبر بها النبي «صلی اللّه علیه وآله» فأمر بالأذان؟!

فقال الحسين «علیه السلام»: الوحي يتنزل على نبيكم، وتزعمون أنه أخذ الأذان عن عبد اللّه بن زيد، والأذان وجه دينكم.

وغضب «صلوات اللّه علیه»، ثم قال: بل سمعت أبي علي بن أبي طالب «رضوان اللّه عليه وصلواته» يقول: أهبط اللّه عز وجل ملكا حتى عرج برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وذكر حديث الإسراء بطوله اختصرناه نحن هاهنا قال فيه:

وبعث اللّه ملكا لم ير في السماء قبل ذلك الوقت ولا بعده، فأذن مثنى، وأقام مثنى، وذكر كيفية الأذان، وقال جبرائيل للنبي «صلی اللّه علیه وآله» يا محمد، هكذا أذن للصلاة (1).

ونقول:


1) دعائم الإسلام ج 1 ص 142 ومستدرك الوسائل ج 4 ص17 و 18 وبحار الأنوار ج 81 ص 156 وجامع أحاديث الشيعة ج 4 ص 623.

استخفته الأمراء:

قد تكلمنا في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي «صلی اللّه علیه وآله» الجزء الخامس ص 149 فما بعدها عن تشريع الأذان بشيء من التفصيل، فمن أراد التفصيل فعليه بمراجعة ذلك الكتاب.

أما هذا الحديث، فقد ذكر : أن الإقامة تكون مرتين - كالأذان مثنى مثنى. وهذا هو الصحيح، فإن فقراتها تذكر مرتين مرتين، باستثناء الفقرة الأخيرة وهي كلمة لا إله إلا اللّه» فإنها تذكر مرة واحدة..

وجعل الإقامة مرة واحدة إنما حصل على يد الأمراء الذين لا يخافون اللّه، حتى قيل : هذا شيء استخفته الأمراء» (1).

الأذان وجه دينكم:

وقد تضمن هذا النص قول الإمام الحسين «علیه السلام»: «والأذان وجه دينكم».

وهو كلام ظاهر المأخذ، فإن الأذان يرفع في كل يوم على المآذن خمس مرات، ويسمعه الكبير والصغير، والمسلم وغير المسلم، والمرأة والرجل والطفل والشيخ وما إلى ذلك


1) المصنف للصنعاني ج 1 ص 463 والمصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 335 والجوهر النقي للمارديني ج 1 ص 425 وراجع: السنن الكبرى للبيهقي ج 1 ص 425.

وهو أول ما يواجه القادم إلى بلاد المسلمين من ممارسات المسلمين لشؤون دينهم، فهو بمثابة الوجه الذي يقابل به القادم، فينظر إليه ويتفرس فيه، ويتأمل في حالاته، ويحاول كشف خصوصياته.

فإذا ظهر له أن أول شيء رآه كان نتيجة رؤيا منام، فسيلوي رأسه يميناً وشمالاً، ويقول : إذا كانت هذه الصيغة مستندة إلى منام فما بالك بسائر تعاليم هذا الدين، وستتضاءل أمام عينيه عظمة الإسلام. ويشك في أي شيء يعرض عليه، حيث يحتمل أن لا يكون مستندا إلى الوحي أيضاً.

التشريع في السماء:

وملاحظة ما ورد في الروايات يعطي:

أن الأذان قد شرع في المعراج الذي حصل في أوائل البعثة، وقبل الهجرة بأكثر من عشر سنين. في حين أن عبد اللّه بن زيد أنصاري خزرجي يقال إنه قتل في أحد، ويقال: بل عاش إلى سنة إثنين وثلاثين.

وما ورد في روايات الإسراء، من أن ملكا قد أذن به، ولم ير ذلك الملك قبل ذلك ولا بعده، ثم قال جبرئيل يا محمد، هكذا أذن للصلاة. - إن هذا - يعطى أنه يراد تفخيم أمر الأذان، والسمو به، وتأكيد قيمته عند اللّه سبحانه

وأين هذا من جعله نتيجة رؤيا منام، ليس له تاريخ واضح

المعالم، ولا يعرف إلا عند النزر اليسير؟!

اللّه أقرب إلى:

1 - عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده «عليهم السّلام»، قال: كان الحسين بن علي «عليهما السّلام» يصلي، فمر بين يديه رجل، فنهاه بعض جلسائه، فلما انصرف قال له: لم نهيت الرجل؟!

فقال: يا ابن رسول اللّه خطر فيما بينك وبين المحراب.

فقال: ويحك إنّ اللّه عزّ وجلّ أقرب من أن يخطر فيما بيني وبينه أحد (1).

2 - ويشبه هذا ما في: خبر سفيان بن خالد، عن أبي عبد اللّه «علیه السلام»: أنّه كان يصلّي ذات يوم إذ مرّ رجل قدامه وإبنه موسى «علیه السلام» جالس، فلما انصرف من الصلاة، قال له يا أبه، ما رأيت الرجل مرّ قدامك؟!

فقال له: يا بنيّ، إنّ الذي أصلي له أقرب إليّ من الذي مرّ


1) وسائل الشيعة (آل البيت) ج 5 ص 133 و (الإسلامية) ج 3 ص 434 وبحار الأنوار ج 3 ص 329 وج 80 ص 298 والتوحيد ص 184 وجواهر الكلام ج 8 ص 403 وهداية الأمة للحر العاملي ج 2 ص 153 والحدائق الناضرة ج 7 ص 241 ونور البراهين ج 1 ص 445.

قدّامي(1).

ونقول:

لم نهيت الرجل؟!:

1 - إن حدیث سفیان بن خالد ليس له ارتباط بالحسين «عليه السلام» ولكننا أوردناه هنا لسببين:

أولهما: إنه يحتاج إلى توضيح يدفع، أو فقل: يمنع من تغلغل الشبهة إلى ذهن بعض الناس كما سنرى.

ثانيهما: إنه متوافق في المعنى مع الحديث الأول..

2 - إن سؤال الإمام الحسين «علیه السلام» لذلك الرجل عن سبب نهيه عن المرور بين يدي المصلي - الذي هو الإمام الحسين «علیه السلام» نفسه - قد أظهر أن ذلك الرجل لا يملك دليلاً مقنعاً يبرر به ما أقدم عليه..

بل دل على وجود فكر انحرافي خطير في متن الشأن العقائدي، وخصوصاً في مسألة التوحيد..


1) الوافي ج 7 ص 485 والحدائق الناضرة ج 7 ص 231 و 240 وجواهر الكلام ج 8 ص 403 والإستبصار للطوسي ج 1 ص 407 ووسائل الشيعة ج8 (آل البيت) ج 5 ص 133 و (الإسلامية) ج 3 ص 434 وتهذيب الأحكام ج 2 ص 323 واستقصاء الإعتبار للشهيد الثاني ج 6 ص 410 وراجع: التوحيد للصدوق ص 179 ونور البراهين ج 1 ص 438.

وحين تذرع المعترض بأن ذلك الرجل قد حال بين المصلي وبين المحراب، نرى الإمام الحسين يظهر استياءه منه حيث قال له: «ويحك»..

وهي كلمة شديدة، وظاهرة بالزجر والردع..

ثم بين له أن ما دعاه إلى هذا النهي هو الإنحراف العقائدي، والإبطال المبطن لمضمون الآية الشريفة التي تقول: «وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حبل الوريد» (1).

ما رأيت الرجل مر قدامك؟!:

وبعد ما تقدم يتساءل المرء عما ورد في رواية سفيان بن خالد، من أن الإمام موسى «علیه السلام» سأل أباه، فقال: يا أبه، ما رأيت الرجل مرّ قدامك؟!

فقد يقال : لماذا لم يعامل الإمام الصادق ولده «علیهما السلام» بنفس الطريقة التي عامل بها الإمام الحسين «علیه السلام» ذلك الرجل الذي مر بين يديه.

ونجيب:

إن الإمام الكاظم «علیه السلام» قد رأى ذلك الرجل يمر قدام أبيه وهو يصلي، ولم يعترض عليه، فلو كان الإمام موسى «علیه السلام»


1) الآية 16 من سورة ق.

يرى في المرور بين يدي المصلي محذوراً لكان عليه أن يبادر إلى النهى عنه.

لاسيما وأنه إمام معصوم مكلف بحفظ الشريعة وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإرشاد الضال، وتعليم الجاهل..

فهذا التريث، وعدم الإكتراث بالمرور قدام المصلي يدل على أن لقول الإمام: «يا أبه، ما رأيت الرجل مر قدامك» منحى آخر يدخل في سياق التعليم والإرشاد بطريقة ذكية، حيث جعل الفعل والحركة الخارجية المحور والأساس الذي يستحضره الذهن، ويتعامل معه، ويحكم عليه..

إنه «علیه السلام» يريد من أبيه أن ينطق بالحجة الدامغة من دون أن يشعر أحد أن ثمة تعمداً للرد عليه، فإن إثارة شعور كهذا ربما أدى إلى الإصرار على الخطأ، عصبية و عناداً.

وقد جاء الجواب من أبيه واضحاً وصريحاً، حيث قال: «إن الذي أصلي له أقرب إليَّ من الذي مر قدامي».

لا تعلموهم، فإنهم أعلم منكم :

قال المزي: أخبرنا أبو الحسن بن البخاري، وأبو إسحاق بن الدرجي، قالا: أنبأنا أبو جعفر الصيدلاني، قال: أخبرنا أبو علي الحداد، قال أخبرنا أبو نعيم الحافظ، قال: أخبرنا أبو القاسم الطبراني، قال: حدثنا إسحاق، قال حدثنا عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال أخبرني عمران بن موسى عن سعيد بن أبي سعيد، عن

أبيه: أنه رأى أبا رافع مولى النبي «صلی اللّه علیه [وآله] وسلم» مرَّ بحسين بن علي، وحسين يصلي قائماً وقد غرز ضفرته في قفاه، فحلها أبو رافع.

فالتفت إليه الحسين مغضباً.

فقال أبو رافع: أقبل على صلاتك، ولا تغضب، فإني سمعت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»] وسلم يقول: ذلك كفل الشيطان.

يقول مقعد الشيطان يعني مغرز ضفرته.

رواه أحمد بن حنبل، عن عبد الرزاق، فوافقناه فيه بعلو.

ورواه أبو داود عن الحسن بن علي الخلال.

ورواه الترمذي عن يحيى بن موسى جميعاً عن عبد الرزاق، فوقع لنا بدلاً عالياً بدرجتين (1)

وراجع في المنسوب عن الإمام علي «علیه السلام»: بحار الأنوار ج 82 ص 189 عن البغوي، ومسند أحمد بن حنبل ج 1 ص 146 والسنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 109 والمصنف للصنعاني ج 2 ص 144 و 184 ومنتخب مسند عبد بن حميد ص 52 وكنز العمال ج 8 ص 196 وج 16 ص 100 والأربعين في حب أمير المؤمنين ج 4 ص 230.

وراجع في المنسوب عن الإمام الحسن «علیه السلام»: بدائع الصنائع لأبي بكر الكاشاني ج 1 ص 216 ونيل الأوطار للشوكاني ج 2 ص 386 وسنن أبي داود السجستاني ج 1 ص 153 وسنن الترمذي ج 1 ص237 والمستدرك للحاكم النيسابوري ج 1 ص 261 وعمدة القاري ج 6 ص 91 والمصنف ج6 لعبد الرزاق الصنعاني ج 2 ص 184 وصحيح ابن خزيمة ج 2 ص58 وصحيح ابن حبان ج 6 ص 56 ومعرفة السنن والآثار للبيهقي ج 2 ص 12 ونصب الراية للزيلعي ج 2 ص 106 وموارد الظمآن ج 2 ص 188 والدراية في تخريج أحاديث الهداية لابن حجر ج 1 ص184 وعلل الترمذي الكبير لأبي طالب القاضي ص 81 وسير أعلام النبلاء للذهبي ج 3 ص 268 وترجمة الإمام الحسن «علیه السلام» (من طبقات ابن سعد) ص 72.

وعن ابن العباس أنه فعل ذلك مع عبد اللّه بن الحارث عمدة القاري للعيني ج 6 ص 91 وكنز العمال للمتقي الهندي ج 7 ص 516 و 517.

.

1) تهذيب الكمال للمزي ج 22 ص 362 والمعجم الكبير ج1 ص332.

ونقول:

1 - إننا نعتقد أن الحسين «علیه السلام» إمام بنص رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فلا يمكن أن يكون جاهلا بأحكام اللّه، أو بحديث رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ويعرفه أحد موالى الرسول «صلی اللّه علیه وآله».

ولاسيما إذا كان يفعل «علیه السلام» فعلا يكون في نهاية المطاف مقعداً للشيطان!!

2 - إن هذا المضمون لم يرو عن أهل البيت «علیهم السلام»..

3 - إن من البعيد أن يجترئ أبو رافع أو غيره على الإمام «علیه السلام» ويتصرف معه بهذه الطريقة دون أن يستأذنه، أو فقل: دون

أن يبدأ بتوضيح الأمر له لو فرض صحة ما نقله عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» فإن هذا هو مقتضى الأدب، واللياقة، والإحترام لأهل البيت «علیهم السلام»..

4 - وقد روي عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» أنه قال: عن أهل بيته «علیهم السلام» والحسين منهم لا تعلموهم فإنهم أعلم

منكم» (1).


1) روضة المتقين ج 11 ص 250 و ج 13 ص 110 وملاذ الأخيار ج8 ص 473 والصواعق المحرقة ص 126 وبصائر الدرجات ص 69 و 70 و 72 والإمامة والتبصرة ص 44 والكافي ج 1 ص 209 و 294 والأمالي للصدوق ص 616 وعيون أخبار الرضا ج 1 ص 182 و 208 وكمال الدين ص 662 وتحف العقول ص 426 وكفاية الأثر ص56 و 129 و 132 و 163 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 27 ص 189 و (الإسلامية) ج 18 ص 139 ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج 1 ص 143 و 336 و 340 وكتاب سليم بن قيس ص 178 و 204 و 208 و 415 والغيبة للنعماني ص 52 والمسترشد ص 401 و 467 والإرشاد ج 1 ص 180 والإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 219 و 221 وج 2 ص 224 وبحار الأنوار ج 11 ص 84 و ج 22 ص 465 و ج 2 ص 130 و 137 و 138 و 153 و ج 25 ص 221 و ج 30 ص 65 وج 31 ص 417 و 422 وج 35 ص 211 وج 36 ص 329 و 330 و 338 وج 49 ص 180 ومرآة العقول ج 2 ص 424 و ج 3 ص 279 والمعجم الكبير ج 5 ص 167 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 1 ص 188 وتفسير العياشي ج 1 ص 250 وتفسير القمي ج 1 ص 4 والبرهان (تفسير) ج 1 ص 21 و 74 وج 2 ص 106 و 111 و ج 3 ص 227 وج 4 ص 445 و 549 وجه ص 301 وإرشاد القلوب ج 2 ص 306 وينابيع المودة ج 1 ص 74 و 109 و 112 و 116 و 121 و 133 وج 2 ص 438 وج 3 ص 399.

لا يأتم بالإمام في الجمعة:

عن حمران بن أعين قال: قلت لأبي جعفر «علیه السلام»: جعلت فداك إنّا نصلي مع هؤلاء يوم الجمعة، وهم يصلون في الوقت فكيف نصنع؟!

فقال: صلوا معهم.

فخرج حمران إلى زرارة فقال: قد أمرنا أن نصلي معهم بصلاتهم.

فقال زرارة: ما يكون هذا إلا بتأويل.

فقال له :حمران قم حتى تسمع منه

قال فدخلنا عليه، فقال له زرارة: جعلت فداك إن حمران زعم أنك أمرتنا أن نصلي معهم، فأنكرت ذلك.

فقال لنا: كان علي بن الحسين «علیهما السلام» يصلي معهم الركعتين، فإذا فرغوا قام فأضاف إليهما ركعتين (1).


1) الكافي ج 3 ص 375 وروضة المتقين ج 2 ص 505 ومرآة العقول ج 15 ص 258 والحدائق الناضرة ج 10 ص 183 و ج 11 ص77 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 7 ص 351 و (الإسلامية) ج 5 ص 45 والوافي ج 8 ص 1215.

ونقول:

1 - إن الموجود في المصدر والوسائل: «كان علي بن الحسين» وفي هامش الوسائل: «في نسخة: الحسين بن علي (هامش المخطوط)».

2 - إن الإعتماد على إحدى النسخ المخطوطة لنسبة هذه الحادثة إلى الإمام الحسين مع كون غيرها يصرح باسم الإمام السجاد أمراً غير ضائر من الناحية العلمية.

3 - يمكن أن يستفاد من هذا النص: أن الأئمة «علیهم السلام» حين كانوا يشاركون في صلاة الجماعة للحاكم الظالم، أو من نصبه لإقامة الجمعة، كانوا لا يأتمون بهم، بل كانوا يصلون ركعتي الجمعة، فيجعلونهما الركعتين الأوليين من الظهر، ثم يضيفون إليهما ركعتين، فتتم بذلك صلاة الظهر..

4 - إن قول زرارة الحمران: «ما يكون هذا إلا بتأويل» ثم ظهور صحة ما قاله «رحمه اللّه» يدل على نضج زرارة، وكمال فطنته، وحسن تقديره للأمور، ومعرفته بالنهج الفكري المتبع عند أهل البيت «علیهم السلام».

الصلاة على المنافق:

عن عامر بن السمط عن أبي عبد اللّه «علیه السلام»: «إنّ رجلاً من المنافقين مات فخرج الحسين «علیه السلام» يمشي معه، فلقيه مولى له، فقال له الحسين «علیه السلام»: أين تذهب يا فلان؟!

فقال له مولاه : أفرّ من جنازة هذا المنافق أن أصلى عليها.

فقال له الحسين «علیه السلام»: انظر أن تقوم على يميني، فما تسمعني أقول فقل مثله.

فلمّا أن كبّر عليه وليّه، قال الحسين «علیه السلام»: اللّهم العن فلانا عبدك ألف لعنة مؤتلفة غير مختلفة، اللّهم أخز عبدك في عبادك وبلادك، وأصله حرّ نارك، وأذقه أشدّ عذابك، فإنّه كان يتولى أعداءك، ويعادي أولياءك، ويبغض أهل بيت نبيّك (1).

قال في الذكرى:


1) الكافي ج3 ص189 ومنتهى المطلب (ط.ج) للعلامة الحلي ج7 ص 336 و 337 والوافي ج 24 ص 464 والحدائق الناضرة ج 10 ص 414 وجواهر الكلام ج 12 ص 48 والكافي ج 3 ص 189 وتهذيب الأحكام ج 3 ص 197 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 3 ص 71 و (الإسلامية) ج2 ص 771 وبحار الأنوار ج 44 ص 202 ومرآة العقول ج 14 ص 75 2 والعوالم ج 17 ص71.

ذكر ابن أبي عقيل: أن ذلك المنافق كان سعيد بن العاص (1).

ونقول:

1 - إن سعيد بن العاص مات سنة 53 هجرية (2).

وقيل: سنة 75 أو 58 (3).

وقيل: توفي سنة 59 هجرية (4).


1) ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة للشهيد الأول ج 1 ص 439 ومدارك العروة ج8 ص 117.

2) الإصابة ج 2 ص 48 و (ط دار الكتب العلمية) ج 3 ص 92 والأعلام للزركلي ج 3 ص 96.

3) المستدرك للحاكم ج 3 ص 507 وفتح الباري ج 9 ص 16 وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص 139 والثقات لابن حبان ج 4 ص 277 ومشاهير علماء الأمصار ص 109 وتاريخ مدينة دمشق ج 21 ص 142 وج 29 ص 271 وج 67 ص 389 وتهذيب الكمال ج 10 ص 509 وسير أعلام النبلاء ج3 ص 448 وتقريب التهذيب ج 1 ص 357 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 4 ص 162 و 230 والوافي بالوفيات ج 15 ص 141.

4) الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 2 ص 11 و (ط دار الجيل) ج 2 ص624 ومستدرك سفينة البحار ج ص 214 وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص 139 والإكمال في أسماء الرجال ص 85 وأسد الغابة ج 2 ص310 وفتح الباري ج 9 ص 16 وتاريخ مدينة دمشق ج 21 ص 143 وج 29 ص 271 وتهذيب الكمال ج 10 ص 509 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 448 والمعارف لابن قتيبة ص 296 والمختصر في أخبار البشر ج 1 ص 187 والوافي بالوفيات ج 15 ص 141 ونهاية الأرب ج20 ص364 وج 21 ص108.

وكان فيه تجبّر وغلظ (1). وقد ذكرنا بعض ما يدل على حاله ومآله في فصل سابق من هذا الكتاب.

وهذا المورد من الشواهد على سوء حاله لأنه يتضمن شهادة صريحة من الإمام «علیه السلام» بنفاق هذا الرجل.

2 - إن الإمام «علیه السلام» أراد أن يعرف مولاه أمرين:

أولهما: أن يعلمه بأنه عالم بنفاق هذا الرجل، من خلال المضامين التي سوف يسمعها منه حين الصلاة عليه أن المنافق يلعن ألف لعنة، وأنه يدعو عليه بالخزي في العباد والبلاد، وأن يصليه اللّه حر النار، وأشد العذاب.

وكل هذا إنما هو جزاء توليه أعداء اللّه، ومعاداته لأولياء اللّه، وبغضه لأهل بيت نبي اللّه.

الثاني: أراد «علیه السلام» أن يعلم مولاه كيفية الصلاة على المنافقين ويرى الفرق بينها وبين الصلاة على المؤمنين، وليتلذذ


1) الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج2 ص10 و (ط دار الجيل) ج 2 ص622 وبحار الأنوار ج 31 ص 160 و 161 والإكمال في أسماء الرجال ص85 والوافي بالوفيات ج 1 ص 143 ونهاية الأرب ج 21 ص 107 وراجع الأعلام للزركلي ج 3 ص 96.

بالمقارنة بين ما أعد اللّه لعباده الصالحين، وما سيواجهه المنافقون والمجرمون..

كما أن معرفته بالصلاة على المنافقين سوف تدفع عنه إحراجات كثيرة، وربما تنجيه من مآزق قد يتعرض لها حين يكتشف الطواغيت عدم مشاركته في الصلاة على موتاهم.

الصلاة في الكعبة:

قال الثوري : وأخبر محمد بن جعفر، عن أبيه: أن الحسين بن على دخل الكعبة فصلى ركعتين (1).

ونقول:

1 - لا ريب في أن قول الإمام «علیه السلام»، وفعله، وتقريره، حجة على الحكم الشرعي.

مع ملاحظة : أن الفعل ليس له عموم ولا إطلاق لكي يتمسك به، فإذا شك فيه أخذ بالقدر المتيقن.

2 - هناك روايات صرحت بالنهي عن أن يصلي المكلف الصلاة المكتوبة في جوف الكعبة.

والروايات التي أجازت ذلك حملت على صورة الضرورة، أو على إرادة إثبات أصل الجواز، ليكون المراد بالروايات الناهية عنها


1) المصنف للصنعاني ج 4 ص 82.

هو الكراهة.

3 - أما الصلاة المستحبة فتجوز في داخل الكعبة.

وعلى هذا يحمل ما روي عن الإمام الحسين، كما في الرواية المذكورة أعلاه، وما روي عن الإمام السجاد أنهما صليا في داخل الكعبة ركعتين: أي أنهما صليا صلاة مستحبة.

تحفة الصائم:

وقد دعى عبد اللّه بن الزبير وأصحابه الإمام الحسين «عليه السلام» إلى الطعام فأكلوا، ولم يأكل الحسين «علیه السلام»، فقيل له: ألا تأكل؟!

قال: إني صائم ولكن تحفة الصائم.

قيل: وما هي؟!

قال: الدهن والمجمر (1).

ونقول:

1 - إنه «علیه السلام» حين أخبرهم بأنه صائم، لم يطالبوه بأن


1) عيون الأخبار لابن قتيبة ج 3 ص 247 وكشف الغمة ج 2 ص 31 و (ط دار الأضواء) ج 2 ص 241 وبحار الأنوار ج 44 ص 195 والعوالم ج17ص ج 17 ص 60 وقوت القلوب ج 2 ص 320 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 132 والمحجة البيضاء ج 4 ص 227 وعن نزهة الناظر وتنبيه الخاطر ص 85.

يقطع صومه لكي يلبي دعوتهم ولنقل - تبرعاً منّا - إنهم ظنوا أن صومه «علیه السلام» كان واجباً، إما بنذر، أو كان صومه قضاءً، أو غير ذلك..

2 - ولكنه «علیه السلام» أراد أن يبقي له بهم صلة من نوع ما لعله رأى أن بقاءها كان ضرورياً.

فأخبرهم أن صومه لا يمنع من استدامة التعامل معه، ولو من خلال تقديم تحفة الصائم له..

وهذه التحفة هي: الدهن الذي هو الطيب، والمجمر وهو البخور (1).

3 - اللافت :هنا أن ابن الزبير وأصحابه كانوا لا يعرفون تحفة الصائم، فسألوا الإمام الحسين «علیه السلام» عنها، فبينها لهم...

4 - وهذا يشير إلى أنه «علیه السلام» كان يملك من العلوم والمعارف التي اختصه اللّه تعالى بها، ما لم يعرفوه، وربما لم يسمعوا به.

فما معنى أن يدعي هؤلاء لأنفسهم مقام خلافة الرسول «صلی اللّه علیه وآله». وهي أحوج ما تكون إلى الرسوخ والتحقق في علم


1) قد يقال : إن البخور يتسبب بدخان قد يقال : إنه مضر بالصوم، إلا أن يقال: إنه ليس من الدخان الغليظ لكي يكون مضراً.. وهذه الرواية شاهد على ذلك.

الشريعة في كل اتجاه؟!

وقوله في الرواية: « ولكن تحفة الصائم» أي ولكن أين هي تحفة الصائم؟!

حج الحسين ماشياً:

قال عبد اللّه بن عبيد أبو عمير: لقد حج الحسين بن علي «عليهما السلام» خمسا وعشرين حجة ماشياً، وإن النجائب لتقاد معه (1).


1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 69 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 224 عن الإبانة لابن بطة والعوالم ج 17 ص 68 ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 188 وج 9 ص 396 وبحار الأنوار ج 44 ص 193 وكشف الغمة ج 2 ص 173 ولواعج الأشجان ص 12 ونظم درر السمطين ص 208 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 180 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك جه ص 349 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج8 ص226 وترجمة الإمام الحسين لابن عساکر ص 215 و 217 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 35 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 206 ومعارج الوصول إلى معرفة فضل آل الرسول ص 91 وراجع: الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 1 ص 383 و (ط دار الجيل) ج 1 ص 397 ومناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي ص 315 ومجمع الزوائد ج 9 ص 201 و المعجم الكبير ج 3 ص 115 وأسد الغابة ج 2 ص 20 وتهذيب الكمال ج 6 ص 406 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 287 وبغية الطلب لابن العديم ج 6 ص 2572 وإمتاع الأسماع ج 5 ص 364 وكشف اليقين ص 306 والتحفة اللطيفة ج 1 ص 295 وينابيع المودة ج2 ص 211 و ج 3 ص 153 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 419 و 420 وج 19 ص 393 و 428 و 429 وج 26 ص 119 وج 27 ص 115 و 116 و 117.

وفي نص آخر: كان الحسين بن علي «علیهما السلام» يمشي إلى الحج ودابته تقاد وراءه (1).

وفي نص آخر: وتساق معه المحامل والرحال (2).

ونقول:

هناك أحاديث عديدة تدل على استحباب الحج ماشياً، وقد ذكر قسم منها في كتاب وسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت «عليهم السلام» لإحياء التراث) ج 11 ص 78 - 85 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 54 - 59.


1) المحاسن للبرقي ج 1 ص 70 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 11 ص 80 و (الإسلامية) ج 8 ص 56 وبحار الأنوار ج 96 ص 105 وهداية الأمة للحر العاملي ج 5 ص 30 والحدائق الناضرة ج 14 ص 173.

2) من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 141 و (ط جماعة المدرسين) ج2 ص219 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 11 ص 85) و (الإسلامية) ج ص 59 والنجعة في شرح اللمعة للتستري ج 5 ص 29 وجامع السعادات للنراقي ج 3 ص 311.

هل الركوب أرجح؟!:

وهناك أحاديث أخرى رواها ابن بكير، ورفاعة، وهشام بن سالم، وسيف التمار، وأبو بصير، والحلبي، وغيرهم.. تحدثت عن أرجحية الركوب على المشي.. فهل هي متعارضة مع أحاديث استحباب المشي؟!

ونجيب ضمن النقاط التالية:

1 - روى الكليني في خبر صحيح عن رفاعة، قال: سألت أبا عبد اللّه «علیه السلام» عن مشي الحسن «علیه السلام»، من مكة أو من المدينة؟!

قال: من مكّة.

وسألته: إذا زرت البيت أركب، أو أمشي.

فقال: كان الحسن «عليه السّلام» يزور راكباً.

وسألته: عن الركوب أفضل أو المشي.

فقال: الركوب.

قلت : الرّكوب أفضل من المشي؟!

قال: نعم، لأنّ رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» ركب(1).


1) الكافي ج 4 ص 456 والوافي ج 12 ص 409 والحدائق الناضرة ج 14 ص 173 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 11 ص 81 و (الإسلامية) ج 8 ص 57 ومرآة العقول ج 18 ص 110 ومنتقى الجمان ج 3 ص 89.

2 - قال المحقق البحراني تعليقا على صحيح رفاعة:

«ظاهر هذا الخبر أن مشي الحسن «علیه السلام» المذكور في الأخبار، إنما كان من مكة إلى منى وعرفات، فإن معنى سؤال السائل: أن مشيه «علیه السلام» هل كان من خروجه من المدينة قاصدا إلى مكة، أو من مكة في قصده إلى عرفات ومنى؟!

فأجاب:

بأن ذلك إنما هو من مكة.

إلا أن حديث أبي أسامة المتقدم ظاهر المنافاة لذلك، ومثله موثقة عبد اللّه بن بكير الآتية.

وقوله: «إذا زرت البيت أركب أو أمشي»؟! يعني: من منى إلى مكة لطواف الزيارة» (1).

3 - سأل سيف التمار الإمام الصادق «علیه السلام»: أي شيء أحب إليك نمشي، أو نركب؟!

فقال : تركبون أحب إليّ، فإن ذلك أقوى على الدعاء والعبادة (2).


1) الحدائق الناضرة للمحقق البحراني ج 14 ص 173 و 174.

2) الإستبصار للطوسي ج 2 ص 142 وتهذيب الأحكام ج ص 12 و 478 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 11 ص 83 وغوالي اللآلي ج3 ص 153 والكافي ج 4 ص 456 وعلل الشرائع ص 447.

وهذا يناسب قول صاحب الحدائق المذكور آنفا، وهو الركوب إلى عرفة ومنى حيث إنها هي مواضع العبادة والدعاء، ويحتاج إلى توفير القوة لهما.

4 - عن أبي بصير: أنه سأل أبا عبد اللّه «علیه السلام»: عن المشي أفضل، أو الركوب؟!

فقال : إذا كان الرجل موسراً، فمشى ليكون أفضل [أقل] لنفقته، فالركوب أفضل (1).

5 - قال ابن بكير: قلت لأبي عبد اللّه «علیه السلام»: إنا نريد الخروج إلى مكة؟!

فقال: لا تمشوا واركبوا.

فقلت: أصلحك اللّه إنه بلغنا أن الحسن بن علي حج عشرين حجة ماشياً ؟!

فقال: إن الحسن بن علي «علیه السلام» كان يمشي وتساق معه


1) الكافي ج 4 ص 456 وعلل الشرائع ص 447 ومن لا يحضره الفقيه ج2 ص 141 و (ط جماعة المدرسين) ج 2 ص 219 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 11 ص 85 و (الإسلامية ج 8 ص 59) وبحار الأنوار ج 96 ص 104 و 105 ومرآة العقول ج 18 ص 109 ومستطرفات السرائر ص 35 ومناهج الأخيار في شرح الإستبصار ج 3 ص 304 والوافي ج 12 ص 411 وهداية الأمة ج 5 ص 30 والحدائق الناضرة ج 14 ص 175 والمحجة البيضاء ج 2 ص 150 و 193.

محامله ورحاله(1).

وروي نحوه عن سليمان بن خالد مع الإمام الصادق «عليه السلام» (2).

حيث يبدو: أن الهدف من هذا التعليل هو التعريف بأن سوق الرواحل معه، كان لأجل الإستفادة منها حين يشعر الماشي بالتعب الشديد، ولم يكن مشيه «علیه السلام» لأجل التوفير في النفقة.

6 - ذكر الشيخ الحر أنه رأى في المنام أن رجلا سأله عن مشي الحسن «علیه السلام» والمحامل تساق معه ما وجهه، مع أن فيه إنفاقاً للمال من غير نفع ؟!

قال: فأجبته أن فيه حكمة من وجوه

منها: أن لا يكون المشي لتقليل النفقة.

ومنها: أن لا يظن به ذلك.


1) قرب الإسناد ص 170 والكافي ج 4 ص 455 و 456 والإستبصار ج2 ص 142 وتهذيب الأحكام ج 5 ص 12 و 13 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 11 ص 83 و (الإسلامية) ج 8 ص 58 والوافي ج 12 ص 407 وبحار الأنوار ج 96 ص 103 ومرآة العقول ج 18 ص 108 و 109 وروضة المتقين ج 4 ص 75.

2) علل الشرائع ص 447 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 11 ص 84 و (الإسلامية) ج 8 ص 58.

ومنها: بيان جوازه.

ومنها: بيان استحبابه.

ومنها: إنفاق المال في سبيل اللّه.

ومنها: سد خلل عرفات كما روي.

ومنها: إحتمال الإحتياج إليها للعجز عن المشي.

ومنها: أن يطمئن الخاطر وتطيب النفس بذلك، فلا تحصل المشقة الشديدة في المشي، وهذا مجرب. وقد قال أمير المؤمنين «عليه السلام» من وثق بماء لم يظمأ.

ومنها: الركوب في الرجوع.

ومنها: معونة العاجزين عن المشي.

ومنها: إحتمال وجود قطاع الطريق، والحاجة إلى الجهاد والحرب.

ومنها: حضور تلك الرواحل بمكة والمشاعر للتبرك

ومنها: إظهار شرفه وحسبه وجلاله، وفيه حكم كثيرة.

ومنها إظهار وفور نعمة اللّه عليه «وَأمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدَّتْ» (1). إلى غير ذلك.

ثم انتبهت ولم يبق في خاطري إلا هذا القدر (2).


1) الآية 11 من سورة الضحى.

2) وسائل الشيعة (آل البيت) ج 11 هامش ص 83 وأمل الآمل ج 1 ص 49 والفوائد الطوسية للحر العاملي ص 362.

طواف المريض محمولاً:

عن ربيع بن خيثم قال: شهدت أبا عبد اللّه «علیه السلام» وهو يطاف به حول الكعبة في محمل، وهو شديد المرض، فكان كلما بلغ الركن اليماني، أمرهم فوضعوه على الأرض، فأخرج [فأدخل - خ ل] يده من [في] كوة المحمل حتى يجرها على الأرض، ثم يقول: ارفعوني.

فلما فعل ذلك مراراً في كل شوط، قلت له: جعلت فداك يا ابن رسول اللّه إن هذا يشق عليك.

فقال: إني سمعت اللّه عز وجل يقول : «لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ» (1).

فقلت: منافع الدنيا، أو منافع للآخرة؟!

فقال : الكل (2).


1) الآية 28 من سورة الحج.

2) الكافي ج 4 ص 422 وتهذيب الأحكام ج 5 ص 122 والوافي ج13 ص 891 والحدائق الناضرة ج 16 ص 243 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 13 ص 391 و (الإسلامية) ج 9 ص 456 ومرآة العقول ج 18 ص 47 و 48 ومن لا يحضره الفقيه ج 2 ص 403 وكنز الدقائق (تفسير) ج 9 ص 80 ونور الثقلين (تفسير) ج 3 ص 488.

ونقول:

من هو أبو عبد اللّه؟!

وليس في مصادر هذه الرواية تصريح بأن المقصود بأبي عبد اللّه هو الإمام الحسين «علیه السلام».. لكن البعض نسب إلى صاحب الوسائل إضافة كلمة «الحسين» (1)في هذا المورد.

ولكننا راجعنا الوسائل، فلم نجد فيه كلمة «الحسين» أيضاً.

فإن كان أحد قد صرح: بأن المراد بأبي عبد اللّه هو الإمام الحسين «علیه السلام»، فلعله استنبطه من أن الربيع بن خيثم (أو خثيم) قد توفي سنة 63 هجرية، وإنما ولد الإمام الصادق «علیه السلام» بعد هذا التاريخ بسنوات كثيرة.

العمرة في ذي الحجة:

وعن معاوية بن عمار، عن الصادق «علیه السلام»: وقد اعتمر الحسين «علیه السلام» في ذي الحجة، ثم راح يوم التروية إلى العراق والناس يروحون إلى منى.

فلا بأس بالعمرة في ذي الحجة لمن لا يريد الحج (2).


1) براهين الحج ج 4 ص 79 و 80.

2) الكافي ج 4 ص 535 وروضة المتقين ج 5 ص 74 والإستبصار ج2 ص 328 وتهذيب الأحكام ج 5 ص 437 ومختلف الشيعة ج 4 ص 364 وذخيرة المعاد (ط.ق) ج 1 ق 3 ص 698 والوافي ج 12 ص 470 والحدائق الناضرة ج 14 ص 357 وج 16 ص 334 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 14 ص 311 و (الإسلامية) ج 10 ص 246 و 427 وبحار الأنوار 10 ج 45 ص 85 ومرآة العقول ج 18 ص 234 والعوالم ج 17 ص 318.

ولا نرى أن الأمر يحتاج إلى توضيح أو تعليق.

غير أننا نقول:

إن هذا النص ناظر إلى مسيره «علیه السلام» إلى العراق، حيث استشهد في ذلك المسير في كربلاء..

ولكننا ذكرناه هنا لمجرد الإشارة إلى الاستفادة الفقهية التي ذكرت.

خلاخيل الرجال:

وعن النبي «صلی اللّه علیه وآله» أنه قال للحسين «عليه السلام»: استجد النعال، فإنها خلاخيل الرجال (1).

ونقول:

إننا نذكر هذا القول النبوي الموجه للإمام الحسين «علیه السلام»، الذي كان عمره حين مات النبي «صلی اللّه علیه وآله» لا يزيد على ست سنوات لندلل على أمور:

أولهما: أنه «صلی اللّه علیه وآله» لم يكن يتعامل مع الإمام الحسين على أنه طفل، بل كان يتعامل معه كإنسان كامل، عاقل،


1) دعائم الإسلام ج 2 ص 164 ومستدرك الوسائل ج 3 ص 276.

فاضل بكل ما لهذه الكلمة من معنى، فهو يأمره بأن يختار النعل الجديد، ويعلل له هذا الأمر بتعليل فيه ذكر للرجال، ولم يذكر الولدان أو الفتيان، أو نحو ذلك في شيء، مع أنه يخاطب من هو طفل بنظر الناس.

الثاني: إنه «صلی اللّه علیه وآله» لا يدع من أحكام الشريعة مورداً إلا ويبينه له «علیه السلام»، حتى مثل هذا الحكم، المندوب الذي يصنف في أحكام الزي والتجمل، والذي قد لا يخطر على بال أكثر الناس أن يكون «صلی اللّه علیه وآله» قد ذكره للإمام الحسين «عليه السلام»، وهو بهذه السن.

الثالث: إن هذا النص، وسائر النصوص التي وردت حول لزوم اهتمام المرء بمظهره، وسائر أحواله يدل على اهتمام الإسلام بأن يكون الإنسان المسلم في أبهى منظر، وأجمل صورة، من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه.. والأحاديث التي تدخل في هذا السياق قد تصل إلى المئات، إن لم نقل أنها تزيد على ذلك.

وقد أمره «صلی اللّه علیه وآله» أن يختار النعال الجديدة، فإنها من الزينة بالنسبة إلى الرجل، تماماً كما هو الحال بالنسبة للخلخال الذي للمرأة..

وقد صدر هذا الأمر النبوي في زمان كان الكثيرون من الناس يتنقلون حفاة في أكثر أيامهم، ومعظم حالاتهم.

الفصل السادس: لإحقاق الحق..

اشارة

المناشدة في منى:

قالوا:

لما مات الحسن بن علي ازداد البلاء والفتنة، فلم يبق اللّه ولي إلا خائف على نفسه، أو مقتول، أو طريد، أو شريد.

فلما كان قبل موت معاوية بسنتين حج الحسين بن علي «عليه السلام» وعبد اللّه بن جعفر، وعبد اللّه بن عباس معه.

وقد جمع الحسين بن علي «علیه السلام» بني هاشم، رجالهم ونساءهم ومواليهم، وشيعتهم، من حج منهم ومن لم يحج، ومن الأنصار ممن يعرفونه، وأهل بيته، ثم لم يدع أحدا من أصحاب رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ومن أبنائهم والتابعين ومن الأنصار المعروفين بالصلاح والنسك إلا جمعهم، فاجتمع عليه بمنى أكثر من ألف رجل، والحسين «علیه السلام» في سرادقه، عامتهم التابعون وأبناء الصحابة، فقام الحسين «علیه السلام» فيهم خطيباً، فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال:

أما بعد:

فإن الطاغية قد صنع بنا وبشيعتنا ما قد علمتم، ورأيتم، وشهدتم، وبلغكم، وإني أريد أن أسألكم عن أشياء، فإن صدقت فصدقوني، وإن كذبت فكذبوني، اسمعوا مقالتي، واكتموا قولي.

ثم ارجعوا إلى أمصاركم، وقبائلكم من أمنتموه، ووثقتم به، فادعوهم إلى ما تعلمون، فإني أخاف أن يندرس هذا الحق ويذهب، واللّه متم نوره ولو كره الكافرون.

فما ترك الحسين شيئاً أنزل اللّه فيهم من القرآن إلا قاله وفسره، ولا شيئاً قاله الرسول في أبيه وأمه وأهل بيته إلا رواه، وكل ذلك يقول الصحابة: «اللّهم نعم، قد سمعناه و شهدناه».

ويقول التابعون: «اللّهم قد حدثنا من نصدقه ونأتمنه».

حتى لم يترك شيئاً إلا قاله، ثم قال: أنشدكم باللّه إلا رجعتم وحدثتم به من تثقون به، ثم نزل وتفرق الناس على ذلك (1).

ونقول:

1 - لقد جمع الإمام الحسين هؤلاء جميعاً في منى، وهم النخبة، والمقدمون في العلم والدين، الذين يسمع قولهم، وينتهى إلى رأيهم، وهم أكثر من ألف رجل..


1) الإحتجاج للطبرسي ص 150 و 151 و (ط دار النعمان) ج 2 ص 18 و 19 وشجرة طوبى ج 1 ص 102 وبحار الأنوار ج 44 ص 127 والغدير للشيخ الأميني ج 1 ص198.

واجتماع كهذا، وبطلب من الإمام الحسين «علیه السلام»، وفي ادقه بالذات سيكون لافتاً للأنظار، وسيصبح محوراً لاهتمامات الناس، ومثاراً لتساؤلاتهم عن أهدافه، وعما دار فيه، وما سيؤدي إليه من نتائج.

وسينقل عيون الولاة والحكام أخبار هذا الإجتماع إلى أسيادهم.

كما أن كل من حضر موسم الحج سوف يرجع إلى أهله، حاملاً لهم أنباء هذا الحدث الإستثنائي الهام، وما جرى فيه، وما يتوقع له من نتائج وآثار.

2 - إذا كان الناس يأتون إلى الحج من كل البقاع التي يسكنها أهل الإسلام، ومن كل حي وقبيلة، فذلك يعني أن تصل أخبار الأحداث الكبرى التي تجري في الحج إلى جميع أو أكثر أهل الإسلام.

3 - يلاحظ أن هذا الإجتماع قد حصل بعد الإنتهاء من أعمال الحج، ولم يبق إلا اليسير، والحجاج يتهيأون للعودة إلى بلادهم وأهلهم، أي أن خبر هذا الإجتماع سوف يبقى على ما له من وقع ووهج وحيوية، حيث لم تلحقه أحداث أقوى تأثيراً منه..

كما أن السلطة وأعوانها وأذنابها لم يجدوا الفرصة لتشويه هذا الحدث بالشائعات الكاذبة وسواها. وإن تمكنوا من إطلاق بعض مفرداتها، فلن يكون لها الأثر الذي يتوخونه منها.

4 - والأهم من ذلك: أنه طلب من الحاضرين أن يسمعوا مطالبه، وأن يكتموا قوله ويرجعوا إلى أمصارهم وقبائلهم، ويبلغوا

ما قاله من يلتقون به، ويأمنون جانبه، ويدعوا الناس إلى ما يعلمون.

ويلاحظ:

أولاً : أنه «علیه السلام» أمر الحاضرين بالكتمان وعدم البوح إلا لمن يأمنون منه ويثقون به، ربما لأن ما سيذكره لهم، وهو فضل أهل البيت «علیهم السلام» سيعرض من يبوح به إلى خطر جسيم.

ثانياً: إنه طلب منهم أن يدعوا الناس إلى ما يعلمون.

ثالثاً : إنه «علیه السلام» ذكر أن سبب هذا الطلب هو خوفه على الحق أن يندرس.

5 - ويشبه هذا الحدث ما روي من أن الإمام الباقر «علیه السلام» أوصى ولده جعفر «علیه السلام» أن يوقف له نوادب يندبنه عشر سنين في منى (1).

الخطاب الحسيني:

وقد بدأ الإمام الحسين عليه «السلام خطابه ببيان الظلم الذي


1) راجع: الكافي ج 5 ص 117 وتهذيب الأحكام ج 6 ص 358 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 17 ص 125 و الإسلامية ج 12 ص88 ومسكن الفؤاد للشهيد الثاني ص 104 وبحار الأنوار ج 79 ص 107 ومرآة العقول ج 19 ص 75 و 76 والأنوار البهية ص 145 و 146 وروضة المتقين ج 6 ص 423 والوافي ج 17 ص 197 وهداية الأمة للحر العاملي ج6 ص72 والحدائق الناضرة ج 4 ص 165 وج 18 ص 136.

حاق بأهل البيت «علیهم السلام» وشيعتهم على يد الحكم الأموي البغيض. مصرحاً بأنه «علیه السلام» لا يخبرهم بأمر يجهلونه، أو بما هو غائبٌ عنهم، بل يذكرهم بما علموه، ورأوه، وشاهدوه، وبلغهم.

إن صدقت فصدقوني:

وقد قال «علیه السلام» لمن اجتمع عنده: «فإن صدقت فصدقوني، وإن كذبت فكذبوني..».

وهو صادق بلا ريب، لأنه المطهر المعصوم عن كل رجس بنص آية التطهير، وتصريح النبي «صلی اللّه علیه وآله» بعصمته «علیه السلام» في أكثر من مناسبة.

ولكنه «علیه السلام» يريد أن لا يكونوا محرجين معه، وأن يقولوا قناعاتهم، كما أنه «علیه السلام» يريد أن ينصفهم، وأن لا يفرض عليهم أمراً على سبيل التلقين أو الإبتزاز، وهذه سياسة قرآنية كرسها قوله تعالى: «وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدًى أوْ فِي ضَلالٍ مُبين» (1).

مع أنه «صلی اللّه علیه وآله» على هدى بلا ريب، وهم في ضلال مبين بلا ريب أيضاً.. ولكنه يريد أن يدفعهم إلى الحوار الهادئ، ويطمئنهم إلى أنه ليس بصدد قهرهم، وفرض الرأي عليهم، بل يريد أن يتداول معهم بالأمر، في حوار منصف، وهادئ..


1) الآية 24 من سورة سبأ.

الإمتحان كرامة للحسين وفضيحة لأعدائه:

عن موسى بن عقبة أنه قال : قيل لمعاوية : إن الناس قد رموا أبصارهم إلى الحسين «علیه السلام»، فلو قد أمرته يصعد المنبر ويخطب، فإن فيه حصراً، أو في لسانه كلالة.

فقال لهم معاوية : قد ظننا ذلك بالحسن، فلم يزل حتى عظم في أعين الناس وفضحنا.

فلم يزالوا به حتى قال للحسين: يا أبا عبد اللّه لو صعدت المنبر فخطبت.

فصعد الحسين «علیه السلام» على المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه، وصلى على النبي «صلی اللّه علیه وآله»، فسمع رجلا يقول: من هذا الذي يخطب؟!

فقال الحسين «علیه السلام»:

نحن حزب اللّه الغالبون، وعترة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» الأقربون وأهل بيته الطيبون، وأحد الثقلين (الذين) اللذين جعلنا رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» ثاني كتاب اللّه تبارك وتعالى، الذي فيه تفصيل كل شيء، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والمعول علينا في تفسيره لا يبطئنا [نتظتى] تأويله، بل نتبع حقائقه.

فأطيعونا فإن طاعتنا مفروضة، أن كانت بطاعة اللّه ورسوله مقرونة، قال اللّه عز وجل: «أطِيعُوا اللّه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْر

مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللّه وَالرَّسُول» (1).

وقال: «وَلَوْ رَدُّوهُ إِلى الرَّسُول وَإلى أولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللّه عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إلا قليلاً» (2).

وأحذركم الإصغاء إلى هتوف الشيطان بكم، فإنه لكم عدو مبين، فتكونوا كأوليائه الذين قال لهم: «لا غالِب لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ، وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ، فَلَمَّا تَرَاءِتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَقَالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ» (3)فتلقون للسيوف ضربا وللرماح ورداً، وللعمد حطماً، وللسهام غرضاً. ثم لا يقبل من نفس إيمانها «لم تَكُنْ آمَنْتُ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً» (4).

قال معاوية : حسبك يا أبا عبد اللّه قد بلغت (5).

ونقول:


1) الآية 59 من سورة النساء.

2) الآية 83 من سورة النساء.

3) الآية 48 من سورة الأنفال.

4) الآية 158 من سورة الأنعام.

5) الإحتجاج للطبرسي ج 2 ص 23 وبحار الأنوار ج 44 ص 205 والعوالم ج17 ص 83 و 84 وراجع: وسائل الشيعة (آل البيت) ج 27 ص 195 و (الإسلامية) ج 18 ص 144 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 67 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 223.

1 - يظهر النص المتقدم: أن الحكام وأعوانهم كانوا يرصدون الحالة العامة، ويراقبون المزاج الشعبي، فإذا لاحظوا وجود بوادر تحوّل لا يكون في مصلحتهم، بادروا إلى اجتثاث مناشئه من جذورها.

والشاهد على ذلك: أنهم بمجرد إحساسهم أن ثمة توجها عاما، وقبولاً، وإعجاباً بشخصية الإمام الحسن سعوا لمواجهة هذه الظاهرة، واستلاب هذا القبول، وتقويض هذا الإعجاب، من خلال إشهار وإظهار ما توهموه من خلل أو ضعف، ربما كان كامنا في أعماق هذه الشخصية بحسب زعمهم، ولعلهم ظنوا أن هذا الضعف الكامن يمكن إظهاره بواسطة مؤثرات يمكن حشدها بحنكة وذكاء في محيط معين، يفرضون على الإمام «علیه السلام» أن يتعامل معه، ويستجيب لدواعيه، أو يخضع لما يقتضيه..

3 - وكانت حيلتهم ووسيلتهم هي: أن يفرضوا على الإمام أن يواجه رهبة المنبر، حيث تكتنفه العيون، وتشرئب إليه الأعناق، وترصده عقول الرجال.

فلعل جلال المقام يبهره، ورهبة الموقف تغمره، وبلبلة الأفكار وتزاحمها ثم هروبها وانحسارها والعجز عن اللحاق بها يرديه ويقهره.

فقالوا لمعاوية: «لو قد أمرته يصعد المنبر، ويخطب، فإن فيه حصراً، أو في لسانه كلالة».

4 - لعل سبب وقوعهم في هذا الوهم أن الحسين كان كأخيه لا

يتدخل فيما لا يعنيه، وإذا اقتضى الحال أن يقول كلمته في أمر بعينه، فإنه يقولها مفصحا عن مراده بتؤدة، وأناة لعلها هي التي أوهمتهم أن في لسانه كلالة.. أو أنه لا يبادر إلى الكلام لأجل حصر كلامي يعاني منه..

وكان معاوية قد وقع في نفس المحذور مع الإمام الحسن قال: «فلم يزل حتى عظم في أعين الناس، وفضحنا».

ولكن الأعوان من أهل الباطل أصروا على رمز الباطل وعماده - وهو معاوية - أن يعيد التجربة مع الإمام الحسين «علیه السلام»..

فاستجاب معاوية لهم.. وطلب من الإمام الحسين «علیه السلام» أن يخطب، فخطب خطبة أبهرتهم وفضحتهم، وأسقطت كل دعاويهم.

خطبة الإمام الحسين «علیه السلام» :

لا نريد أن نستقصى ما أشارت إليه خطبة الحسين «علیه السلام» المتقدمة، فنحن أعجز من أن نستطيع ذلك، غير أننا يجب أن نلم ببعض العناوين التي تضمنتها تلك الخطبة، من دون توسع في شرحها، وبيان مراميها، ودقائق معانيها، فنقول:

1 - ألا توافق معي أن معنى قوله «علیه السلام»: «نحن حزب اللّه الغالبون»: أن الآخرين المخالفين والمناوئين لهم هم حزب الشيطان المدحورون في الدنيا، بظهور بطلان نهجهم، وبوار أطروحتهم، كما أن مصيرهم في الآخرة هو أن يحشروا مع الشياطين؟!

2 - ثم قال «علیه السلام»: إنهم هم «عترة رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله» الأقربون» فهم الأولى برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، والأعرف بما جاء به، فليس لأحد أن يتقدم عليهم في أي شأن من شؤون الدين..

وكان أبو بكر وعمر قد احتجوا على الأنصار بقولهم: «نحن أولياؤه وعشيرته»، واحتجوا أيضاً بقول رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: الأئمة من قريش و اعتبروا أن للأموي والعدوي والتيمي أن يتصدى للإمامة، استناداً إلى هذه الكلمة..

مع أنها كلمة مجتزأة، ومقتبسة من كلام آخر، يسقط دعواهم ويبطلها، فإن ما قاله الرسول «صلی اللّه علیه وآله» هو: الأئمة بعدي اثنا عشر كلهم من قريش»، وفي بعض النصوص كلهم من بني هاشم..

فاقتبس الخليفة من ذلك الحديث عبارة تنسجم مع غرضه، وهو إبعاد الأنصار، وأهمل الباقي ولم يوضح لنا وللأنصار من هم الأئمة الإثنا عشر، مع أن النبي قد أوضح: أن أولهم علي، وآخرهم المهدي الذي يملأ الأرض قسطا وعدلاً، بعدما ملئت ظلما وجوراً..

وأوضح: أن الحسن والحسين «علیهما السلام» من هؤلاء الأئمة، وأن تسعة منهم من ولد الحسين «علیه السلام».

3 - وأوضح «صلی اللّه علیه وآله» أيضاً : أنهم هم أحد الثقلين (الذين) اللذين لن يضل من تمسك بهما، وأنهم عدل القرآن لا يفترقون

عنه إلى يوم القيامة، ويكونون للناس مرجعاً هاديا، وحكما وحاكماً، وأوجب على الناس التمسك بهم، والكون معهم.

كما أن بني أمية وسواهم من بطون قريش ليس لهم في هذا الأمر نصيب.

4 - وإذا كان في القرآن تفصيل كل شيء، فإن المعول في تفسيره على أهل البيت «علیهم السلام»، وهو يقتضي أن يكونوا هم أيضاً عالمين بتفصيل كل شيء، ولولا ذلك لم يمكنهم تفسيره، لأنهم سوف يعجزون عن تفسير ما لا يعلمونه، كما أنهم «علیهم السلام» يتقنون حقائقه، ويعلمون تأويله، وليست معرفتهم مجرد ظنون، ولا يستطيع أحد سواهم أن يدعي ذلك لنفسه.

5 - ثم قال «علیه السلام»: «وأهل بيته الطيبون» مشيراً بذلك إلى صفاء نفوسهم، وطهر ضمائرهم وسلامة منشأهم، وليس لسواهم أن يدعي ذلك لنفسه.

6 - وقد صرح «علیه السلام» بأن طاعتهم مفروضة، فما حال من يسعى في قتلهم، ويبغى لهم الغوائل؟!

7 - وقد استخلص «علیه السلام» وجوب طاعتهم «علیهم السلام» من قوله «أطِيعُوا اللّه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ»، فإنهم «علیهم السلام» هم أولو الأمر الذين أمر اللّه بطاعتهم.

إلى آخر ما أشارت إليه خطبته «علیه السلام»..

إنه ابن علي «علیه السلام»:

محاسن البرقي: قال عمرو بن العاص للحسين: يا ابن علي، ما بال أولادنا أكثر من أولادكم؟!

فقال «علیه السلام»:

بغاث الطير أكثرها فراخاً***وأم الصقر مقلاة نزور (1)

فقال: ما بال الشيب إلى شواربنا أسرع إلى شواربكم؟!

فقال «علیه السلام»: إن نساءكم نساء بخرة فإذا دنا أحدكم من امرأته نكهته في وجهه فشاب منه شاربه.

فقال: ما بال لحائكم أوفر من لحائنا ؟ !

فقال «علیه السلام»: «وَالبَلدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نبَاتُهُ بإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبَثْ لَا يَخْرُجُ إِلا نَكِداً» (2).

فقال معاوية بحقي عليك إلا سكت فإنه ابن علي بن أبي طالب.

فقال «علیه السلام»

إن عادت العقرب عدنا لها***وكانت النعل لها حاضرة

قد علم العقرب واستيقنت***أن لا لها دنيا ولا آخرة (3)


1) قائل هذا البيت هو العباس بن مرداس السلمي.

2) الآية 58 من سورة الأعراف.

3) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 67 و (ط المكتبة الحيدرية) ج3 ص 223 وبحار الأنوار ج 44 ص 209 والعوالم ج 17 ص 85.

قال العلامة المجلسي «رحمه اللّه»:

قال الجوهري : ابن السكيت : البغاث طائر أبعث إلى الغبرة، دوين الرخمة، بطيء الطيران.

وقال الفراء : بغاث الطير شرارها، ومالا يصيد منها.

وبُغاث وبغاث وبَغاث ثلاث لغات

قوله :مقلات لعله من القلى(1)، بمعنى البغض أي لا تحب الولد، ولا تحب زوجها لتكثر الولد، أو من قولهم: قلا العير أتنه يقولها قلوا إذا طردها، والصواب: أنه من قلت.

قال الجوهري : المقلات من النوق: التي تضع واحداً ثم لا تحمل بعدها والمقلات من النساء التي لا يعيش لها ولد.

وقال النزور: المرأة القليلة الولد.

ثم استشهد بهذا الشعر.

ويقال : نهكته الحمى إذا جهدته وأضنته، ونهكه أي بالغ في عقوبته.

والأصوب نكهته.

قال الجوهري : استنكهت الرجل فنكه في وجهي ينكه، وينكه نكها


1) أي يجب أن تكتب بالتاء المربوطة.

إذا

أمرته بأن ينكه لتعلم أشارب هو، أم غير شارب.. (1).

ونقول:

1 - إن عمرو بن العاص وكذلك معاوية، كانا يعتدان بأنفسهما، ويريان أن لهما فهما وعقلاً، وذكاء، وأن هذا هو سر تمكنهما من رقاب الناس وتسخيرهم في مصالحهما، وحملهم على الطاعة لهما...

وقد أرادا بطرح هذا النوع من الأسئلة التعجيزية - بنظرهما - أن يعبثاً بالإمام الحسين «علیه السلام» بزعمهما. فباءا بالخزي والخذلان وسمعا من الأجوبة الفاضحة والصريحة والواضحة. ما اضطر معاوية إلى التدخل لدى عمرو بن العاص ليكف عن أسئلته، ويسكت.

2 - لعل عمروا بن العاص ظن أن سؤاله الأول، سوف يوقع الإمام الحسين في حيرة وارتباك، ثم يتولى هو بنفسه الإجابة، ويدعي أن كثرة الأولاد دليل الرضا الإلهي على بني أمية.

ولكن جواب الإمام قد بيَّن أن بغاث الطير أكثر أولاداً من صقورها، مع أن بغاث الطير هي شرار الطير، وهي لا تصيد، وهي بطيئة الطيران، ولا تقاس بالصقور..


1) بحار الأنوار ج 44 ص 209.

أي أن بني أمية هم شرار الناس وليسوا أهل حرب وقتال، وهم مقصرون فيما يحتاج إلى النشاط والإقدام.

3 - لعل عمرو أراد بالسؤال عن الشيب: أن يمهد إلى اعتبار الشيب من الوقار المستحسن، وإذا به يسمع جواباً مستندا إلى العلم الذي لا يستطيع أن يدعيه عمرو لنفسه، ولا معاوية أيضاً، والذي يقول: إن البخر، وهو الرائحة الكريهة التي تخرج من فم بعض الناس له تأثير سلبي على الشعر حين تلفحه الأنفاس التي لها رائحة كريهة، وهو من أسباب ابيضاضها.

4 - إن جواب السؤال الثالث كان كالصاعقة على رأس معاوية وعمرو معاً، وقد خشي معاوية أن يتابع عمرو بن العاص أسئلته، وتتوالى أجوبة الإمام على هذا النحو الساحق والماحق. فعزم معاوية على عمرو أن يسكت، فسكت.

5 - ثم كانت حجة معاوية في إسكاته لعمرو هي: أن الحسين «علیه السلام» ابن علي ابن أبي طالب.

وهذا أدمى لقلب معاوية وعمرو، و أشد عليهما من حز المدى..

أعتقها الحسين «علیه السلام» ثم تزوجها:

قالوا :

كان لمعاوية عين بالمدينة يكتب إليه بما يكون من أمور الناس، فكتب إليه: أن الحسين بن علي أعتق جارية له، وتزوجها.

فكتب معاوية إلى الحسين:

من أمير المؤمنين معاوية إلى الحسين بن علي..

أما بعد

فإنه بلغني أنك تزوجت جاريتك، وتركت أكفاءك من قريش ممن تستنجبه للولد، وتمجد به في الصهر، فلا لنفسك نظرت، ولا لولدك انتقيت

فكتب إليه الحسين «علیه السلام»:

أما بعد..

فقد بلغني كتابك، وتعييرك إياي بأني تزوجت مولاتي، وتركت أكفائي من قريش.

فليس فوق رسول اللّه منتهى في شرف، ولا غاية في نسب.

وإنما كانت ملك يميني خرجت عن يدي بأمر التمست فيه ثواب اللّه، ثم ارتجعتها على سنة نبيه «صلی اللّه علیه وآله».

وقد رفع اللّه بالإسلام الخسيسة ووضع عنا به النقيصة، فلا لوم على امرئ مسلم إلا في أمر مأثم، وإنما اللوم لوم الجاهلية (1).


1) زهر الآداب للحصري ج 1 ص 101 وأعيان الشيعة ج 1 ص 583 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 164 عن كتاب أحسن القصص لعلي فكري (ط بيروت) ج 4 ص 235.

ونقول:

الحسين الشرف والمثل الأعلى:

إن هذا النص يدلنا على أن معاوية كان يراقب الناس وخصوصاً قريشاً، والحسين بالذات، ويعد عليهم ولاسيما على الحسين «علیه السلام» أنفاسهم، ويحاول أن يستفيد من كل ما يظن به أنه يوجب توهين أمره «علیه السلام»، وتصغير شانه.

ولكن اللّه تعالى كان يخذله في جميع محاولاته، وبقي الحسين «علیه السلام» مثالاً للبراءة والطهر، بل كانت كل تلك المحاولات تزيده تألقاً، وصفاء، وسناء بحمد اللّه تعالى..

لماذا خصوص قريش؟!:

وقد لاحظنا أن النص يقول: إن عين معاوية في المدينة كان «يكتب إليه بما يكون من أمر الناس وقريش».

فلمعاوية اهتمام خاص بأخبار قريش فهل لأنه كان يخشى من بعض الطامحين فيها أن يدبر في الإنقلاب عليه؟! مثل مروان، وابن الزبير، وسعد بن أبي وقاص، وغيرهم..

أو لأنه يريد أن يعرف آراءها، ومزاجها السياسي ليستلهم مواقفه، فتكون منسجمة مع ما تفكر به قريش..

وقد يكون الإحتمالان معاً هما السبب، لاسيما مع علمه بأن هؤلاء الطامعين، لا يحجزهم كلهم أو بعضهم شيء عن الدخول في

المؤامرات، والمغامرات..

والأهم من ذلك:

أنه يخشى أيضاً من الحسين بن علي «علیهما السلام»، لأن أي موقف سلبي منه «علیه السلام» تجاه معاوية سيكون له أثر عظيم الناس، فإذا اطلع عليه معاوية في وقت مبكر، فإنه يكون قادراً على استيعابه، وتجاوز أخطاره، والحد من امتداده و انتشاره..

كما أن معرفته بمزاج قريش وتوجهاتها وسياساتها يجعله قادراً على التناغم معها في كثير من الأمور، ويستطيع أن يتدخل للتقليم أو التطعيم في ذلك المسار، وتلك التوجهات، بحيث تصب كلها في صالحه.

للحسين «علیه السلام» كل الشرف:

وقد تضمنت رسالة الحسين لمعاوية بيان عدم صحة ما استند إليه معاوية في توجيه النقد للإمام الحسين فإن ترك الحسين أكفاءه من قريش لا يضر بمكانته، ولا يوجب الوهن بشرفه، لأن الرسول هو

منتهى الشرف، وليس فوقه منتهى في ذلك. وهو الغاية في النسب، وليس في قريش من حاز من هذا الشرف ما حازه الحسين في انتسابه لرسول اللّه، وفي حب رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» له.

اللؤم لؤم الجاهلية:

إن الحسين «علیه السلام»، لم يفعل إلا ما يحبه اللّه تعالى، ويرضاه، ويثيب عليه، ومن يعمل بأحكام اللّه وشرائعه، ويلتمس رضا اللّه فيما يحب، فإنه يكون قد نظر لنفسه، واختار لها الخير كله. فإن اللّه سبحانه قد أسقط صفة اللؤم عن كل طاعة اللّه، فإن زلت بمسلم قدمه، وارتكب مأثماً لحقته صفة اللؤم، وإنما اللؤم لؤم الجاهلية.

الحسين «علیه السلام» والحسن البصري:

وقالوا: وقف الحسين بن علي بالحسن البصري، والحسن لا يعرفه، فقال له :الحسين يا شيخ هل ترضى لنفسك يوم بعثك؟!

قال: لا !

قال: فتحدث نفسك بترك ما لا ترضاه لنفسك من نفسك يوم بعثك ؟!

قال: نعم بلا حقيقة.

قال: فمن أغش لنفسه منك يوم بعثك، وأنت لا تحدث نفسك بترك ما لا ترضاه لنفسك بحقيقة؟!

ثم مضى الحسين، فقال الحسن البصري: من هذا؟!

فقيل له: الحسين بن علي.

فقال : سهلتم علي (1).

ونقول:

1 - لعل ما يرمي إليه هذا الحوار هو تنبيه الحسن البصري إلى تقصيره في حق نفسه، وكأنه يصبح بذلك مصداقا لقوله تعالى: «الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا» (2).

وذلك لأن الحسن البصري قد أقر أولاً: بأنه لا يرضى أن يكون يوم البعث على الحال التي هو عليها، لأنها حال مقيتة، وهو خاسر فيها لا محالة.

ثم أقر ثانياً : بأنه لا يحدث نفسه بالإقلاع عن عيبها بصورة جدية وعملية وصادقة، وإن كان يخطر في باله أن عليه الإصلاح والإقلاع.

وإذا ضممنا هذا الإقرار إلى ذاك تكون النتيجة هي: أنه غاش لنفسه، لأنه تركها على غيها، وسكت عن انحرافها، ولم يحاسبها، ولم يخلصها مما هي فيه.

2 - إن هذه المفاجأة التي لم يكن الحسن البصري يتوقعها قد أربكته، ووضعته أمام المشكلة، وفي عين العاصفة، فقد تم استدراجه إلى الإقرار بما كان يخفيه عن الناس طوال حياته، حيث كان يتصنع


1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 232 و 233 و (ط دار صادر) ج 2 ص 246.

2) الآية 104 من سورة الكهف.

الزهد، ويظهر التقوى، مع أنه يعاني من هذا الخلل الأساسي والخطير.

3 - وحين عرف أن الإمام الحسين هو الذي استدرجه إلى هذا الإقرار، ووضعه أمام نتيجة لم يكن يتوقعها، أدرك أن غريمه لم يكن يهدف إلى فضحه، وتدمير سمعته، بل كان يهدف إلى لفت نظره، ليعمل على إصلاح نفسه، وتدارك النقص الذي يعاني منه، بما يوجب له النجاة قبل فوات الأوان.

ما لي وللمماراة؟!:

روي أن رجلاً قال للحسين بن على بن أبي طالب «عليهما السلام»: إجلس حتى نتناظر في الدين.

فقال: يا هذا أنا بصير بديني، مكشوف علي هداي، فإن كنت جاهلا بدينك فاذهب فاطلبه مالي وللمماراة؟

وإن الشيطان ليوسوس للرجل ويناجيه، ويقول: ناظر الناس في الدين، لئلا يظنوا بك العجز والجهل.

ثم المراء لا يخلو من أربعة أوجه: إما أن تتمارى أنت وصاحبك فيما تعلمان، فقد تركتما بذلك النصيحة وطلبتما الفضيحة، وأضعتما ذلك العلم.

أو تجهلانه فأظهرتما جهلا، وخاصمتما جهلاً

أو تعلمه أنت، فظلمت صاحبك بطلب عثرته.

أو يعلمه صاحبك، فتركت حرمته، ولم تنزل منزلته.

وهذا كله محال، فمن أنصف، وقبل الحق، وترك المماراة، فقد أوثق إيمانه، وأحسن صحبة دينه، وصان عقله (1).

ونقول:

1 - كان الأحرى بذلك الرجل: أن يلتمس من الإمام الحسين «علیه السلام» أن يفيض عليه من العلوم والمعارف والهدايات ما ينفعه في دنياه وآخرته، وأن يعرض عليه دينه، وما يعتقده، فإنه «علیه السلام» إمام للأمة بنص رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وقد قال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» عن أهل بيته، والحسين «علیه السلام» منهم: لا تعلموهم، فإنهم أعلم منكم.

2 - ثم إنه «علیه السلام» ذكر أربعة إحتمالات في المتناظرين:

الأول: أن يكونا يتناظران فيما يعلمان فأية فائدة من ترداد ما هو معلوم على مسامع العالم به، فإن هذا من السفه، وتضييع الوقت.

الثاني: أن يكونا معاً جاهلين بما يتناظران به فكل ما يصدر عنهما سيدل على جهلهما، ولا يمكن الركون إليه، ولا الإعتماد عليه. بل إن نفس الدخول في الخصومة، سوف يكون من مظاهر الجهل أيضاً.


1) مستدرك الوسائل ج 9 ص 74 وبحار الأنوار ج 2 ص 135 ومنية المريد للشهيد الثاني ص 171.

الثالث: أن يعلمه أحدهما وهو زيد مثلاً، فيكون قد ظلم صاحبه وهو عمرو، لأنه قد طلب عثرته، ودعاه إلى إظهار نقصه وجهله.

الرابع: أن يعلمه عمرو دون زيد فمناظرة زيد له، وعدم اعترافه له بالتقدم عليه غمط لحقه، وتضييع لجهده وفضله.

3 - وبذلك يتضح: أن الإنسان العاقل لا يقدم على أمر هذا حاله، ومآله.. لأن فيه مخاطرة بالدين واقتحام للّهلكات..

الحسين «علیه السلام» وابن الأزرق:

1 - حدثنا أبو العباس محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني «رضي اللّه عنه» قال: حدثنا أبو أحمد عبد العزيز بن يحيى الجلودي البصري بالبصرة قال : أخبرنا محمد بن زكريا الجوهري الغلابي البصري، قال حدثنا العباس بن بكار الضبي، قال: حدثنا أبو بكر الهذلي، عن عكرمة، قال:

بينما ابن عباس يحدث الناس إذ قام إليه نافع بن الأزرق، فقال: يا ابن عباس تفتي في النملة والقملة صف لنا إلهك الذي تعبده.

فأطرق ابن عباس إعظاماً اللّه عز وجل، وكان الحسين بن علي «علیهما السلام» جالسا ناحية، فقال: إلي يا ابن الأزرق.

فقال: لست إياك أسأل.

فقال ابن العباس: يا ابن الأزرق إنه من أهل بيت النبوة، وهم ورثة العلم.

فأقبل نافع بن الأزرق نحو الحسين، فقال له الحسين: يا نافع، إن من وضع دينه على القياس لم يزل الدهر في الإرتماس، مائلاً عن المنهاج، ظاعناً في الإعوجاج، ضالاً عن السبيل، قائلاً غير الجميل.

يا ابن الأزرق، أصف إلهي بما وصف به نفسه، وأعرفه بما عرف به نفسه لا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، فهو قريب غير ملتصق، وبعيد غير متقص، يوحد، ولا يبعض، معروف بالآيات، موصوف بالعلامات لا إله إلا هو الكبير المتعال (1).

2 - عن يزيد بن رومان قال: دخل نافع بن الأزرق المسجد الحرام والحسين بن علي «علیهما السلام» مع عبد اللّه بن عباس جالسان في الحجر، فجلس إليهما، ثم قال يا ابن عباس صف لي إلهك الذي تعبده.

فأطرق ابن عباس طويلاً مستبطئاً بقوله:

فقال له الحسين إليّ يا ابن الأزرق المتورط في الضلالة


1) التوحيد للصدوق ص 79 و 80 وبحار الأنوار ج 4 ص 297 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 183 والعوالم ج 3 ص 597 وروضة الواعظين ج 1 ص 34 ونور البراهين ج 1 ص 217 و 218 وبغية الطلب لابن العديم ج 6 ص 2585 و 2586 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 225 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 184 عن مختصر تاریخ دمشق (ط دمشق) ج 7 ص 130.

المرتكس في الجهالة، أجيبك عما سألت عنه.

فقال: ما إياك سألت فتجيبني.

فقال له ابن عباس: مه، سل ابن رسول اللّه، فإنه من أهل بيت النبوة ومعه من الحكمة. (لعل الصحيح: ومعدن الحكمة)، وهم ورثة العلم.

فقال له: صف لي.

فقال : أصفه بما وصف به نفسه، وأعرفه بما عرف به نفسه: لا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، قریب غير ملتزق، وبعيد غير متقص، يوحد ولا يبعض، لا إله إلا هو الكبير المتعال.

قال: فبكى ابن الأزرق بكاء شديداً، فقال له الحسين «عليه السلام»: ما يبكيك؟!

قال: بكيت من حسن وصفك.

قال: يا ابن الأزرق إني أخبرت أنك تكفر أبي وأخي، وتكفرني!

قال له نافع: لئن قلت ذاك لقد كنتم الحكام، ومعالم الإسلام، فلما بدلتم استبدلنا بكم.

فقال له الحسين: يا ابن الأزرق أسألك عن مسألة، فأجبني عن قول اللّه لا إله إلا هو : «وَأمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْرٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَارَادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا»، مَنْ حُفِظَ فِيهما ؟ !

قال: أبوهما.

قال: فأيهما أفضل أبوهما أم رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وفاطمة ؟!

قال: لا بل رسول اللّه وفاطمة بنت رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله».

قال: فما حفظنا حتى حال بيننا وبين الكفر ؟!

فنهض [ابن الأزرق] ثم نفض ثوبه، ثم قال: قد نبأنا اللّه عنكم معشر قريش أنتم قوم خصمون (1).

ونقول:

لو كان ابن الأزرق مؤمناً:

لو كان ابن الأزرق مؤمناً لسارع إلى الإمام الحسين «علیه السلام»، ليسمع منه ما عنده، فإن الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها.

ولولا ابن عباس لم يذعن ابن الأزرق لسماع ما يقوله «عليه السلام».


1) بحار الأنوار ج 33 ص 423 و 424 وتفسير العياشي ج 2 ص 337 و 338 و 363 والبرهان (تفسير) ج 2 ص 478 ونور الثقلين (تفسير) ج3 ص 289 و 290 وكنز الدقائق (تفسير) ج 8 ص 133 و 134.

كما أن عقلية ابن الأزرق عقلية أعرابية فجة، ووقحة، وبعيدة عن الأدب، فلاحظ على سبيل المثال قوله لابن عباس: تفتي في القملة والنملة.

ولاحظ أيضا أسلوب تعاطيه مع الإمام الحسين «علیه السلام» حين دعاه، ليجيبه على سؤاله، بالإضافة إلى تصريحه للإمام الحسين بتكفيره، وتكفير أبيه وأخيه..

أخلاق العلماء:

إن الإمام الحسين لم يبادر إلى الجواب على سؤال ابن الأزرق مباشرة، بل مهد له بإشارات إلى ضوابط وأصول وأخلاقيات، لو اعتمدها العالم لصانته من الزلات، والهفوات التي تسقطه في مهاوي الجهالات والضلالات.

إن للعلم أخلاقا ينبغي الإلتزام بها، وقيماً لا بد من حفظها، وأصولاً، تحفظ له مساره، وترفع مناره، فلاحظ ما يلي:

1 - إن أول قاعدة، أو فقل أول أصل أخلاقي وضعه الإمام الحسين «علیه السلام» أمام نافع، هو قوله: «إن من وضع دينه على القياس لم يزل الدهر في الإرتماس».

والسبب في ذلك: أن العلم هو كشف الواقع، والوصول إلى الحق، والحصول عليه.

والإعتماد على القياس على نحو اليقين، إنما هو اكتفاء بالظنون والحدسيات، ورضى وقناعة بها عن كشف الواقع على نحو اليقين،

والتشبث به، والإعتماد عليه، وقد قال تعالى: «إِنَّ الظَّنَّ لا يُعْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً».

ولذلك قال «علیه السلام» لابن الأزرق: إن الإعتماد على القياس لا يعدو كونه غرقا في حمأة الإحتمالات التائهة التي تزيد الإنسان ضياعاً وحيرة، وبعداً عن الحق.

2 - إن الإعتماد على القياس يفقد الإنسان الكثير من المرتكزات اليقينية، التي يحتاج إليها في بناء منهجه العلمي، بل هو يؤسس المسارات انحرافية قائمة على خواء، وهباء، لايسمن ولا يغني من جوع، لأن هذا الخواء سوف يملؤه ركام من الترهات والأباطيل والأضاليل، التي تجعله يمعن في الإنحراف عن المنهاج اليقيني الصحيح، ويظعن في متاهات الإعوجاج، تصديقا لقوله تعالى: «وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبيلِهِ» (1).

ولذا قال «علیه السلام»: «مائلاً عن المنهاج، ظاعنا في الإعوجاج، ضالاً عن السبيل، قائلاً غير الجميل».

كيف يصف الحسين إلهه؟!:

وحيث إن الإنسان لا يستطيع أن يدعي لنفسه الرؤية المباشرة للذات الإلهية، لكي يصفها لغيره، ولا يستطيع أيضاً أن يدعي أن


1) الآية 153 من سورة الأنعام.

بإمكانه رسم صورة تخيلية للذات الإلهية، لأن كل ما يتخيله المخلوقون بأوهامهم، فهو مخلوق لهم مردود عليهم، واللّه غيره بلا ريب.

فإن أوثق السبل، وأصحها، هو أن يصف الحسين «علیه السلام» ربه بما وصف به نفسه، وأن يعرفه بما عرف به نفسه..

وكل وصف يريد المخلوق أن يسبغه على الذات الإلهية، سوف يكون على قاعدة بناء الدين على القياس، فيقيس الغائب عنه، وما لا سبيل له إليه على ما أدركه بحواسه، وهذا هو نفس ما حذر الإمام الحسين ابن الأزرق منه، في بداية حديثه معه، حسبما أوضحناه.

لذا كانت أول كلمة للإمام «علیه السلام» هي أنه تعالى: «لا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس..».

يتابع «عليه السلام» كلامه ذاكراً ما وصف اللّه تعالی به نفسه فقال: «فهو قريب غير ملتصق بعيد غير متقص، يوحد، ولا يبعض إلخ...».

بكاء ابن الأزرق:

وتقدم: أن ابن الأزرق حين سمع جواب الإمام الحسين «علیه السلام» بكى بكاءً شديداً من شدة تأثره، وأعلن اعترافه بأن أهل البيت «علیهم السلام» كانوا هم الحكام ومعالم الإسلام. ولكنه عاد ليزعم أنهم «علیهم السلام» قد بدلوا، فاستبدلوا بهم..

فترى أنها مواقف متقلبة، تبعاً لظنون وحدسيات هذا الرجل،

الذي لم يستطع أن يقدم تفسيراً منطقياً وعلمياً لهذه التبدلات والإختلافات في موقفه، فهو قد ادعى أن سبب بكائه هو حسن وصف الحسين لربه، مع أن هذا لا يقتضي البكاء، فضلاً عن البكاء الشديد، بل يقتضي التفكر، والتأمل، والإعتبار.

كما أنه بعد أن أقر أن أهل البيت «علیهم السلام» هم الحكام، ومعالم الإسلام، ادعى أنهم «علیهم السلام» قد بدلوا، فاستبدلوا (أي الخوارج) بهم غيرهم..

ولكنه لم يقدم شاهداً، ولن يقدم أحد إلى يوم القيامة أي شاهد يدل على أنهم «علیهم السلام» قد غيروا أو بدلوا..

الجواب الصاعق والماحق:

وقد قمعه الإمام الحسين «علیه السلام» بجواب صاعق وماحق، هو من بدائع الأجوبة، ومن دقائق الحقائق القرآنية.. وهذا الجواب، هو كما يلي:

إن اللّه تعالى قد ذكر قصة موسى «علیه السلام» والعبد الصالح، وأن العبد الصالح، دخل هو وموسى إلى قرية، فاستطعما أهلها، فأبوا أن يضيفوهما، فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض (يتهاوى)، فبادر العبد الصالح إلى إقامته، وتقويته. فاعترض عليه موسى «عليه السلام».

فقال العبد الصالح لموسى مفسراً له ما جرى، وذلك حين أراد أن

يفارقه: «أمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغْلَامَيْنِ يَتِيمَيْن فِي المَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَثِرٌ لهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَة مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي» (1).

فقد دلت الآية على أن اللّه تعالى أراد أن يحفظ الغلامين اليتيمين، وفاء وبرأ بأبيهما، لأنه كان صالحاً، فصلاح أبيهما هو الذي اقتضى حفظهما.

فإذا طبقنا هذه القاعدة على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فمن المعلوم أنه «صلی اللّه علیه وآله» أفضل من أبي ذينك الغلامين، كما أن فاطمة الزهراء أفضل من أمهما بل من جميع نساء العالمين، فلماذا لم يحفظ اللّه الحسن والحسين «علیهما السلام» من التبديل، ويصونهما من الكفر، حفظاً لأبيهما رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وأمهما الزهراء «علیها السلام»؟! أم يعقل أن الباء هناك تجر، وهنا لا تجر؟!


1) الآية 82 من سورة الكهف.

الفصل السابع: مكارم.. وتعاليم.. وعبر..

اشارة

رفع الطين، ووضع الدين:

قالوا: مر الحسين «علیه السلام» بدار بعض المهالبة، فقال: رفع الطين ووضع الدين (1).

ونقول:

1 - إن المهالبة، كانوا بصورة عامة من أعوان بني أمية، ومقوية سلطانهم، وكان المهلب بن أبي صفرة عاملا لعبد الملك على خراسان. وكان هو وأبناؤه مهتمين بقتال الخوارج دفاعاً عن بني أمية.

وقد روي عن الإمام الصادق قوله : «للكفر :جناحان بنو أمية وآل المهلب» (2).

2 - هذا يدلنا على السبب الذي دعا الإمام الحسين «علیه السلام»


1) مستدرك الوسائل ج 3 ص 467.

2) الخصال للصدوق ص 35 وبحار الأنوار ج 31 ص 511 ومستدرك سفينة البحار ج 10 ص 541.

ليقول الكلمة المتقدمة في حق بعض من ينتسب إلى المهلب، فإنهم كانوا طلاب دنيا، وليس للدين عندهم قيمة أو شأن.

ولعله «علیه السلام» أراد أن يحذر من يسمعه من إقامة أية علاقة مع هؤلاء الناس، لأنهم لن يسلكوا به طرق الجنة، وإنما يسلكون به طريق النار.

الحسين عند قبر خديجة:

وقالوا: إن الحسين «علیه السلام» ساير أنس بن مالك فأتى قبر خديجة، فبكى ثم قال: إذهب عني.

قال أنس: فاستخفيت عنه، فلما طال وقوفه في الصلاة سمعته قائلاً:

يا رب يا رب أنت مولاه***فارحم عبيداً إليك ملجاه

يا ذا المعالي عليك معتمدي***طوبى لمن كنت أنت مولاه

طوبى لمن كان خادما أرقاً***يشكو إلى ذي الجلال بلواه

وما به علة ولا سقم***أكثر من حبه لمولاه

إذا اشتكى بثه وغصته***أجابه اللّه ثم لباه

إذا ابتلى بالظلام مبتهلاً***أكرمه اللّه ثم أدناه

فنودي:

لبيك عبدي وأنت في كنفي***وكلما قلت قد علمناه

صوتك تشتاقه ملائكتي***فحسبك الصوت قد سمعناه

دعاك عندى يجول في حجب***فحسبك الستر قد سفرناه

لو هبت الريح من جوانبه***خر صريعاً لما تغشاه

سلني بلا رغبة ولا رهب***ولا حساب إنني أنا اللّه (1)

ونقول:

في هذه الأبيات ما يقتضي الريب في صحة نسبتها للإمام الحسين «علیه السلام».

فأولاً: إن الشطر الأول من البيت الأول، وهو قوله: «يارب، يا رب أنت مولاه». لا يستقيم مع الشطر الثاني فإنه بينما يخاطب ربه، ويفترض أن يواصل كلامه بصيغة المتكلم نرى أنه أكمل كلامه بصيغة ضمير الغائب، ففقد الكلام رونقه وانسيابه. واحتمال أن يكون الكلام قد جرى على طريقة أخرى، لا يحل الإشكال، فإن الإمام إنما يتكلم بلغة قريش، وما يتوافق مع أفصح وأرقى الأساليب، ولا يلجأ إلى الشاذ النادر.

ثانياً : لا يستحسن الشعراء إعادة القافية بعد بيتٍ أو بيتين، بل ينصحون بإعادتها بعد سبعة أبيات.

وفي المقطوعة الأولى تكررت مولاه بفاصل بيت واحد.


1) بحار الأنوار ج 44 ص 193 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 69 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 224 والعوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 68.

ثالثاً: قوله: «إذا اشتكى بثه وغصته» لا يستقيم لأن البث لا يشتكي.

رابعاً : قوله: «إذا ابتلي بالظلام مبتهلاً» غير ظاهر الوجه، بل غير مستقيم أيضاً.

خامساً: قوله: «دُعاك عندي يجول في حجب» لا يستقيم، فإن دعاء الحسين «علیه السلام» لا يحجبه شيء ولا يجول في حجب.

سادساً :قوله: «لو هبت الريح من جوانبه» إن كان ضمير جوانبه يعود للدعاء، كما هو ظاهر مسار الكلام، فكيف نفسر قوله: «خر صريعا لما تغشاه»، فهل يرجع الضمير أيضاً للدعاء، أم للداعي؟!.

سابعاً: ما معنى قوله سلني بلا رغبة؟! ألا يخالف هذا قوله تعالى: «وَإِلَى رَبِّكَ فَارْعْبْ»؟!

ثامناً: لا بد أن نعرف: إن كان يصح أن ينسب هذا الشعر إلى اللّه سبحانه؟! وهل يصح أن يقال: إن اللّه تعالى شاعر ؟! أليس في هذا و ذاك مجازفة كبيرة وخطيرة؟!

أذكرني هذه اللقمة:

روى الخوارزمي عن عبد اللّه بن أحمد بن عامر الطائي بالبصرة، حدثني أبي حدثني علي بن موسى، حدثني أبي موسى بن جعفر، حدثني أبي جعفر بن محمد، حدثني أبي محمد بن علي، حدثني

أبي علي بن الحسين «علیهما السلام» أن أباه الحسين بن علي دخل المستراح، فوجد لقمة ملقاة فدفعها إلى غلام له، فقال: يا غلام أذكرني هذه اللقمة إذا خرجت.

فأكلها الغلام.

فلما خرج الحسين قال: يا غلام اللقمة.

قال: أكلتها يا مولاي.

قال: أنت حر لوجه اللّه تعالى.

فقال له رجل: أعتقته يا سيدي.

قال: نعم، سمعت جدي رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يقول: من وجد لقمة ملقاة فمسح منها ما مسح، وغسل منها ما غسل، وأكلها، لم يسغها في جوفه حتى يعتقه اللّه من النار ولم أكن لأستعبد رجلا أعتقه اللّه من النار (1).

ونقول:

1 - كان أهل البيت «علیهم السلام» يشترون الموالي، فيعلمونهم،


1) وسائل الشيعة (آل البيت) ج 1 ص 361 و (الإسلامية) ج 1 ص254 وبحار الأنوار ج 63 ص 433 وج 77 ص 186 ومقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 147 ومسند الرضا لداود بن سليمان الغازي ص 172 و 173 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 447 وراجع مسند زيد بن علي ص 469 ومستدرك الوسائل ج 15 ص 466.

ويؤدبونهم، ثم يعتقونهم، وحين أكل الغلام اللقمة التي وجدها الإمام الحسين «علیه السلام» في المستراح ظهر أن هذا الغلام قد أصبح في وعيه، وفي توفر المزايا الإنسانية فيه مستحقاً لنعمة الحرية، فبادر «علیه السلام» إلى التكرم عليه بها.

2 - من الواضح : أن وجود لقمة في المستراح لا يعني أنها فقدت قيمتها، وأنها لم تعد نعمة ينبغي الحفاظ عليها وعدم التخلي عنها إلا بعد ظهور فقدانها لقابلية الإستفادة منها.

إلا إن كان استكبار الإنسان، وأنفته غير المبررة هو ما يمنعه من ذلك. والإنسان المستكبر لا يستحق سوى الحرمان، ولا ينبغي الرفق به، ومجاراته في عنجهيته واستكباره.

3 - إن استدلال الإمام الحسين «علیه السلام» على رجحان عتق ذلك الغلام بالرواية عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» لهو من الأمور التي ينبغي أن يتأمل فيها الباحثون، ويضعها أهل البصائر نصب أعينهم، لأنه استدلال بديع، تجلى فيه عبق النبوة، وشذا الإمامة..

إنه لا يحب المستكبرين:

عن مسعدة قال: مر الحسين بن علي «علیه السلام» بمساكين قد بسطوا كساء لهم، فألقوا عليه كسراً، فقالوا: هلم يا ابن رسول اللّه.

فثنى (رجله ونزل) ثم تلا : «إِنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ» ثم قال: قد

أجبتكم فأجيبوني.

قالوا: نعم يا ابن رسول اللّه.

وقاموا معه حتى أتوا منزله.

فقال للرباب: أخرجي ما كنت تدخرين (1)

ونقول:

هناك من لا يحب أن يقترب من الفقراء في مجالسه، فما بالك بالمساكين الذين هم أشد فقراً.. وإذا صادف ودخل مسكين مجلسا هو فيه، وجلس بالقرب منه، فإنه يعرض عنه، ويجمع ثوبه حتى لا يلامس ثوب الفقير، بل يعبس في وجهه أيضاً، وقد أنزل اللّه تعالى في بعض هؤلاء قرآنا يتلى إلى يوم القيامة مقبحاً عملهم هذا، ومؤنباً، فراجع الأحاديث حول نزول سورة عبس، في لوم وتبكيت ذلك


1) وسائل الشيعة آل (البيت) ج 24 ص 301) و (الإسلامية) ج 16 ص 447 وبحار الأنوار ج 44 ص 189 والعوالم ج 17 ص 65 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 181 وتفسير العياشي ج 2 ص 257 والبرهان (تفسير) ج3 ص 411 والتذكرة الحمدونية ج 9 ص 84 وأعيان الشيعة ج 1 ص 580 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 218 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 39 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 430 وج 19 ص 395 و ج 27 ص 131 و 132 و مختصر تاریخ دمشق ج7 ص 129 والتواضع والخمول ص 142.

الأموي الذي انزعج من ابن أم مكتوم حين جاء إلى رسول اللّه، وجلس بالقرب من ذلك الأموي.

وأما الحسين فهو يشارك من أسكنهم الفقر وأرهقهم، ويأكل من طعامهم، ويجعل ذلك ذريعة لإقناعهم بأن يستضيفهم في منزله، دون أن يشعروا بأي حرج..

وحين استجابوا له، أخرج لهم خير ما عنده، وقدمه لهم، وهو ما كانت زوجته تدخره، وفق ما تيسر وتوفر لها منه على المدى الطويل، كما يشير إليه قوله لها: أخرجي ما كنت تدخرين..

ولم يقل لها أخرجي ما ادخرتيه، أو نحو ذلك، فإن العبارة الأولى تدل على أنها كانت قد جمعت ذلك بصورة تدريجية، وقضت وقتاً حتى اجتمع لها ذلك الشيء الذي أمرها بإحضاره، و العبارة الأخرى لا تدل على أكثر من ادخارها مرة واحدة..

زهد الحسين «علیه السلام» :

ومن زهده «علیه السلام» أنه قيل له: ما أعظم خوفك من ربك؟!

قال: لا يأمن يوم القيامة إلا من خاف اللّه في الدنيا (1).


1) بحار الأنوار ج 44 ص 192 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 69 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 224 والعوالم، الإمام الحسين ج17 ص62 و 68 وشجرة طوبى ج 1 ص 205 ولواعج الأشجان ص17 ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 305 وج 3 ص 226.

ونقول:

1 - إنه «علیه السلام» قد سجل قاعدة يحتاج إليها كل إنسان عاقل أريب، ينظر إلى الأمور بعمق وتمعن ويأخذ بنظر الإعتبار مسيرته الضاربة في أعماق المستقبل في الدنيا والآخرة.

2 - إن قوام هذه القاعدة هو القناعة العقائدية بالدنيا والآخرة وبالحساب، والثواب والعقاب..

3 - وإذا تأكد ذلك، فإنه يصبح واضحاً: إن الخوف من اللّه تعالى في الدنيا هو الذي يثمر الأمن في الآخرة، لأن هذا الخوف ليس مجرد وجل قلبي، بل هو ممارسة، وسلوك وطريقة حياة، تتمظهر بالرقابة الذاتية التي تنتهي بالإحجام عن الدخول في مواقع الخطر والضرر، وكل ما يوجب سخطه سبحانه، والمبادرة إلى فعل كل ما يوجب رضاه..

فإذا تحقق هذان الأمران في الدنيا، حصل له الأمن في الآخرة...

4 - وبذلك يكون «علیه السلام» قد أعطى درساً في تحاشي سلبيات الثناء عليه فهو لا يطرب لهذا الثناء، ولا يزهو به، بل يحوله إلى درس يفرض عليه التطامن والتواضع أمام عظمة اللّه، وعدم إفساح المجال لأي إخلال بالواجب الرقابي على النفس، وانفعالاتها، والقيام بالواجب التربوي لها..

5 - إن الإلتزام بهذه القاعدة يؤدي إلى الزهد بالدنيا، لأنه سوف ينظر إلى كل ما فيها من خلال مدى تأثيره في تحصيله الأمن في الآخرة، التي هي دار البقاء.

وبذلك يكون قد أصبح يملك معياراً يستطيع به أن يضع الأمور في مواضعها، ويحدد له قيمتها، وأهميتها.

وهذه أعظم هدية، وأسنى عطية له، وأكبر إنجاز للإنسان السوي والمؤمن التقي. وهذا إكسير السعادة في الدنيا والآخرة، وبمقدار رعاية هذه القاعدة وتلك يتفاوت الناس..

عبادة الإمام الحسين «علیه السلام»:

قيل لعلي بن الحسين «علیهما السلام»: ما أقل ولد أبيك ؟!

فقال: العجب كيف ولد[ت]، كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة (1).


1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 233 و (ط دار صادر) ج 2 ص 247 واللّهوف في قتلى الطفوف ص 57 وفلاح السائل ص 269 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 4 ص 100 و (الإسلامية) ج 3 ص 74 عنه، وبحار الأنوار ج 44 ص 196 عن فلاح السائل، وج 79 ص 311 عن الملهوف في قتلى الطفوف، والعوالم الإمام الحسين ج 17 ص 61 وشجرة طوبى ج 2 ص 419 وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 275 ولواعج الأشجان ص17 وشرح إحقاق الحق الملحقات) ج 12 ص 21 وج 19 ص 448 وج 27 ص 114 عن العقد الفريد (ط الشرفية بمصر) ج 1 ص278 و ج 3 ص 28 وعن جواهر المطالب المخطوط ص 134 وتنبيه الخواطر (مجموعة ورام) ج 2 ص 520 وفيه لمحمد بن علي بن الحسين.

ونقول:

إن الجسد قد يعطش فيطلب الماء ليروي عطشه، وقد يجوع فيحتاج إلى طعام ليدفع غائلة الجوع.. وكما يحتاج الجسد إلى الماء والغذاء، فإن الروح أيضاً، تحتاج إلى ما يرويها ويغذيها..

وغذاء الروح المؤمنة وشفاؤها، ودواؤها إنما هو بما يحفظها من الأسواء، ويصونها من الأدواء، وينميها ويزيدها قوة وبهاء، وبهجة ورواء، وسكينة وصفاء.

ولا يكون ذلك إلا بما يسانخ وجودها العلوي، ويسمو بها إلى بارئها وخالقها ولأجل ذلك تجد للأولياء والأصفياء تعلقا بالصلاة

التي تصل الروح ببارئها.

وقد كان علي «علیه السلام» يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، وكذلك الإمام الحسين كما صرح به النص المتقدم..

ولأن الجسد يجب أن يكون في خدمة الروح، كان على الروح أن تتدبر أمر الجسد وحفظه من الأسواء والأدواء، ليتمكن من تلبية حاجاتها، والإستجابة لرغباتها.. ولذلك نجد الإمام «علیه السلام» يقول لبعض أصحابه الذي تجاوز حدود المعقول في إهماله للحاجات

الجسدية: «إن لجسدك عليك حقاً.. وإن لزوجتك عليك حقا» (1).

وبعد ما تقدم نقول:

إن ما قاله الإمام السجاد «علیه السلام» عن أبيه لا يعني أن أباه قد قصر في حق نسائه، أو قصر في تربية أبنائه، أو غرق في عبادة ربه حتى فاته بعض ما يجب أن يراعيه، ويداريه، ويهتم بشأنه...

وإنما أراد «علیه السلام» بكلامه هذا أن يدفع الشبهة التي يراد إثارتها حول أبيه «علیه السلام»، ويفهمهم أنه «علیه السلام» لم يكن منقاداً لشهواته بل كان ما يهمه هو رضا ربه، فهو يعبد اللّه حق عبادته، في نفس الوقت الذي لا يقصر فيه بسائر ما يجب عليه.


1) راجع: مسند أحمد ج 2 ص 194 و 198 وصحيح البخاري ج 2 ص 245 وج 6 ص 152 و ج 7 ص 103 وصحيح مسلم ج 3 ص166 ومسند الشاميين ج 4 ص 97 و تاريخ بغداد ج 8 ص 440 وتاريخ مدينة دمشق ج 19 ص 440 وسنن النسائي ج 4 ص 211 والسنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 276 و 299 ومجمع الزوائد ج 4 ص 302 وفتح الباري ج 4 ص 184 وعمدة القاري ج 11 ص 81 و 89 وج 20 ص 189 و ج 22 ص 173 و وج 174 وتحفة الأحوذي ج 7 ص 81 والسنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 128 و 176 وصحيح ابن حبان ج 2 ص 19 و ج 8 ص 337 والمغني لابن قدامة ج 8 ص 140 والترغيب والترهيب ج 3 ص 368 والمحلى لابن حزم ج 7 ص 12 وبحار الأنوار ج 67 ص 128 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 268 وغير ذلك من المصادر.

الفرزدق والحسين «علیه السلام»:

قال الطبراني:

حدثنا أبو حنيفة محمد بن حنيفة الواسطى، حدثنا يزيد بن البراء بن عمرو بن البراء الغنوي، حدثنا سليمان بن الهيثم قال: كان الحسين بن علي يطوف بالبيت فأراد أن يستلم فأوسع له الناس.

فقال رجل: يا أبا فراس من هذا ؟!

فقال الفرزدق:

هذا الذي تعرف البطحاء***والبيت يعرفه والحل والحرم

هذا ابن خير عباد اللّه كلهم***هذا التقي النقي الطاهر العلم

يكاد يمسكه عرفان راحته***ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم

إذا رأته قريش قال قائلها***إلى مكارم هذا ينتهي الكرم

يغضي حياءً ويُغضى من***فما يكلم إلا حين يبتسم

في كفه خيزران ريحها عبق***بكف أورع في عرنينه شمم

مشتقة من رسول اللّه نسبته***طابت عناصره والخيم والشيم

لا يستطيع جواد بعد غايته***ولا يدانيه قوم إن هموا

أي العشائر هم لیست رقابهم***لأولية هذا أوله نعم

من يعرف اللّه يعرف أولية ذا***فالدين من بيت هذا ناله الأمم

هكذا أوردها الطبراني في ترجمة الحسين في معجمه الكبير،

وهو غريب، فإن المشهور أنها من قول الفرزدق في علي بن الحسين، لا في أبيه، وهو أشبه فإن الفرزدق لم ير الحسين إلا وهو مقبل إلى الحج، والحسين ذاهب إلى العراق، فسأل الحسين الفرزدق عن الناس، فذكر له ما تقدم (1).

ثم إن الحسين قتل بعد مفارقته له بأيام يسيرة، فمتى رآه يطوف بالبيت (2).

ونقول:

قد يقال: إن هذا الكلام صحيح، فإن الخطأ في الزعم بأنه قال هذه الأبيات في الإمام الحسين «علیه السلام» واضح..

ولكننا نقول:

إننا نجد في مقابل ذلك: أن ابن طلحة الشافعي يقول عن الأبيات المذكورة إنها للفرزدق، قالها أولاً في الحسين «علیه السلام»، ثم في السجاد «علیه السلام».

فقال في ترجمة الحسين بعد ذكر لقائه الفرزدق في طريق مكة، ثم وداعه: «قال للفرزدق ابن عم له: يا أبا فراس، هذا الحسين؟!


1) أي أنه قال له: قلوب الناس معك، وسيوفهم عليك.

2) المعجم الكبير ج 3 ص 101 والبداية والنهاية ج 10 ص 591 و 592 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 226 و 227 وشرح إحقاق الحق 8 (الملحقات) ج 12 ص 139.

قال: نعم هذا واللّه ابن خيرة اللّه، وأفضل من مشى على الأرض، وقد كنت قلت فيه قبل اليوم أبياتاً غير متعرض لمعروفه، بل أردت وجه اللّه والدار الآخرة، فلا عليك أن تسمعها.

فقال ابن عمه: إن رأيت أن تسمعنيها يا أبا فراس.

فقال: قلت فيه، وفي أمه، وأبيه، وجده:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته***إلخ.. (1)

وقال في ترجمة الإمام السجاد «علیه السلام»، بعد ذكر حج هشام، وطواف الإمام السجاد «علیه السلام»، وقول هشام لأهل الشام حين سئل عنه: لم أعرفه..

«فسمعه الفرزدق، فقال: لكني أعرفه هذا علي بن الحسين زين العابدين، وأنشد هشام من الأبيات التي قالها في أبيه

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته.. الأبيات.

وزاد فيها أبياتاً لمخاطبة هشام بذلك (2).


1) مطالب السؤول ص 74 و (تحقيق ماجد ابن أحمد العطية) ص396 و 397 وكشف الغمة ج 2 ص 254 والدرجات الرفيعة ص 549 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 751.

2) مطالب السؤول ص 79 و (تحقيق ماجد ابن أحمد العطية) ص418 وراجع: كشف الغمة ج 2 ص 291 والأغاني ج 15 ص 217 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 6 ص 331 ومرآة الجنان ج 1 ص188 وشذرات الذهب ج 1 ص 142 وبشارة المصطفى ص 375 و 376 ووفيات الأعيان ص375 ج 6 ص 95 وروضة الواعظین ص 199 و 200 ومستدرك الوسائل ج 10 ص 394 و 395 والاختصاص للمفيد ص191 والخرائج والجرائح ج 1 ص 267 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص306 وبحار الأنوار ج 46 ص 124 و 125 ومستدرك سفينة البحار ج 8 ص 169 وتاريخ مدينة دمشق ج 41 ص 401 والدرجات الرفيعة ص 551 وتهذيب الكمال ج 20 ص 400 و 401 وطبقات الشافعية الكبرى ج1 ص 291.

ليس في الدعوة عفو:

وعن الحسين بن علي «علیه السلام»: أنه رأى رجلاً دعي إلى طعام، فقال للذي دعاه إعفني.

فقال الحسين «علیه السلام»: قم، فليس في الدعوة عفو، وإن كنت مفطرا فكل، وإن كنت صائماً فبارك (1).

ونقول:

لقد قرر الإمام الحسين «علیه السلام» قاعدة تقول: ليس في الدعوة عفو، ولعل المراد أن الدعوة إلى الطعام هي مجرد طلب وتمنّ، وإظهار وإخبار عن سرور صاحب الطعام بالأكل من طعامه.

وهذا السرور، والرغبة والإنشراح لهذا الأمر، هو من الأمور


1) دعائم الإسلام ج 2 ص 107 و 108 و مستدرك الوسائل ج 16 ص 235.

الواقعية التي لا تستبطن أمراً ولا نهياً ولا إلزاماً، لكي يطلب من الراغب والمتمني أن يعفي المطلوب من هذا الإلزام..

ولو كان المراد بالعفو: هو تخلي صاحب الطعام عن سروره وانشراحه، ورغبته بأن يأكل الآخرون من طعامه، لكان هذا إساءة لذلك الشخص، ودعوة له إلى التزام طريق الشح الذميم، والإبتعاد عن الخط السليم، والطريق المستقيم.

المطلوب من المدعو للطعام:

وغاية ما يستطيع المدعو أن يقوم به أحد أمرين:

أولهما: أن يجيب دعوة صاحب الطعام إن كان مفطراً، وبذلك يكون قد أدخل السرور على قلبه، واستجاب لرغبته، وهذا إحسان ومودة له...

الثاني: إن كان صائماً، أن يدعو لصاحب الطعام بالبركة والنماء، والزيادة، فإن ذلك أيضاً يفرح صاحب الطعام...

أما الطلب منه أن يعفيه، فليس فيه أي فائدة أو عائدة له، فهو لم يفرح بالأكل من طعامه، ولم تتحقق رغبته بذلك، كما أنه لم يفرح بالدعاء له بالبركة والزيادة، ولم يراود خاطره احتمال استجابة هذا الدعاء..

الرجل أحق بصدر دابته:

عن محمد بن عليّ بن حسين، قال: خرجت أمشي مع جدّي

حسين بن علي «علیهما السلام» إلى أرض له بالزارنيق بظهر البيداء، فأدركنا ابن النعمان بن بشير على بغلة، فنزل عنها، وقال للحسين «علیه السلام»: اركب، يا أبا عبد اللّه!

فأبى، فلم يزل يقسم عليه حتى قال : إِنَّكَ قَدْ كَلَّقْتَني مَا أَكْرَهُ، وَلَكِنْ أحَدِّثْكَ حَدِيثًا حَدَّتْثنيهِ أُمّي فاطِمَهُ: أنّ رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» قال: الرجل أحقّ بصدر دابته، وصدور فراشه، والصلاة في بيته [وزاد في نص آخر: إلا إماماً يجمع الناس، فَارْكَبْ أَنْتَ عَلَى صَدْر الدابَّة].

قال ابن النعمان: صدقت فاطمة، حدثني أبي، وها هو ذا حيّ بالمدينة عن النبي «صلی اللّه علیه وآله»، قال: إلا أن يأذن.

فلمّا حدّثه ابن النعمان بهذا الحديث ركب حسين السرج، وركب النعمان خلفه (1).

ونقول:

النعمان أم إبن النعمان؟!:

إن بعض المصادر ذكرت ابن النعمان (2)، وبعضها الآخر ذكر


1) راجع: مجمع الزوائد ج 8 ص 108 وتغليق التعليق لابن حجر جه ص79.

2) راجع: المصادر في الهامش السابق.

النعمان نفسه(1)..

والصحيح: أنه ابن النعمان، بدليل أن النعمان قد ولد بعد الهجرة بأربعة عشر شهرا (2)، ومات أبوه بشير بن سعد سنة اثنتي عشرة(3).

وهذه إنما حصلت حين كان الحسين «علیه السلام» في الشباب، أو فوق ذلك، فلم يكن بشير بن سعد حيا في المدينة كما تقول الرواية..

الحسين وابن النعمان بن بشير:

إن النعمان بن بشير كان من أعوان معاوية، وعمال يزيد وابن


1) راجع: المعجم الكبير للطبراني ج 22 ص 414 والذرية الطاهرة للدولابي ص97 و 98 و (ط الدار السلفية - الكويت سنة 1407ه) ص 137 و 138 والعمر والشيب لابن أبي الدنيا ص 51 ومجمع الزوائد للّهيثمي ج 8 ص108 ص 108 وموسوعة كلمات الإمام الحسين «علیه السلام» ص 749.

2) راجع: الإصابة (ط دار الكتب العلمية) ج 6 ص 346 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج 4 ص 1496 وتاريخ الأمم والملوك ج 2 ص119 وتاريخ مدينة دمشق ج 62 ص 113 و 116 و 118 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 3 ص 90 والوافي بالوفيات ج 27 ص 86 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 3 ص 282 والسيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 331.

3) راجع: الإصابة (ط دار الكتب العلمية) ج 1 ص 442 وتاريخ مدينة دمشق ج 10 ص 293 وأسد الغابة ج 1 ص 195 وإكمال تهذيب الكمال ج 2 ص 416 و 417 والوافي بالوفيات ج 10 ص 102 والتحفة اللطيفة ج 1 ص 216.

الزبير، وهذا ابنه يلح على الحسين بأن يركب بغلة له. وكان يقسم عليه مرة بعد أخرى أن يفعل.

فهل كان ابن النعمان أقرب من أبيه إلى أهل البيت «علیهم السلام»؟! أم كان يريد أن يتخذ يداً عند الحسين، ويلطف الأجواء، ويخفف من حدة الجفاء الحاصل بسبب ميل أبيه إلى أهل الباطل، ورضاه بأن يكون من أعوانهم؟!

كلفتني ما أكره:

1 – يلاحظ: أن الإمام الحسين قال لابن النعمان بعد إلحاحه الشديد، وكثرة قسمه عليه: «إنَّكَ قَدْ كَلَّقْتَني ما أَكْرَهُ»..

وهذا التصريح بكراهته «علیه السلام» يدل على أن الحسين لم يكن مسروراً بهذا الإصرار، وأنه إنما يستجيب له تفضلا، وتكرماً، بالرغم من الأذى النفسي الذي يلحق به.

2 - إنه «علیه السلام» حاول التخفيف من وهج هذا العرض، بروايته عن الزهراء «علیها السلام» عن أبيها «صلی اللّه علیه وآله»، أن صاحب الدابة أحق بصدرها.

ولكن ابن النعمان قد روى عن أبيه عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» استثناء صورة ما لو أذن صاحب الدابة أن يتقدم ضيفه عليه.. فلم ير «علیه السلام» بدأ من إجابة طلب ابن النعمان.

والكاظمين الغيظ:

1 - قالوا: جلس الحسين بن علي رضوان اللّه عليهما يوماً ومعه جماعة من الصحابة ووجهاء العرب إلى الخوان يأكلون الطعام، وكان الإمام «علیه السلام» يرتدي جبة جديدة ثمينة، من الديباج الرومي، وعمامة في غاية الحسن.

ولما أراد الغلام الذي كان يقف على رأسه أن يضع آنية طعام أمامه، شاء القدر أن تسقط من يده على رأس الحسين، وكتفه، فتتلطخ عمامته وجبته بالطعام.

فثارت ثائرة الحسين واحمرت وجنتاه خجلا، فرفع رأسه ونظر في الغلام.

فلما رأى الغلام الأمر على هذه الحال خشي أن يأمر الحسين بتأديبه، فقال: والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس.

فالتفت الحسين «رضي اللّه عنه» إليه مبتهجاً، وقال: يا غلام، لقد عفوت عنك، لتكون في أمان من غضبي وعقوبتي، فعجب الحاضرون من حلم الحسين وعلو همته في حال كتلك (1).

2 - يقول نص آخر:

وجنى غلام للحسين «علیه السلام» جناية توجب العقاب عليه،


1) سیاست نامة (لنظام الملك الطوسي) ج 1 ص 166.

فأمر به أن يضرب فقال يا مولاي، والكاظمين الغيظ.

قال: خلوا عنه.

فقال: يا مولاي، والعافين عن الناس.

قال: قد عفوت عنك.

قال: يا مولاي واللّه يحب المحسنين.

قال: أنت حر لوجه اللّه، ولك ضعف ما كنت أعطيك (1).

ونقول:

1 - إنه وبغض النظر عن ما ذكره نظام الملك الطوسي في الرواية المتقدمة برقم [1] عن اللباس الفاخر للإمام الحسين «علیه السلام»، وأنه كان يرتدي جبة من الديباج الرومي الثمين، ويحضر بها المجالس العامة، ومع أن هذا لا يتوافق مع ما نعرفه من طريقة الإمام «علیه السلام» في لباسه ومعيشته، فإننا نقول:

إن لبس الديباج للرجال منهي عنه، بل لبسه حرام إلا في الحرب، وفي صورة الضرورة، لأن الديباج من الحرير، فكيف يلبس الإمام ما هو محرم، أوحتى ما هو مكروه؟!

2 - هناك إشكال آخر في القصة الأولى، وهو أن ما ذكرته من


1) بحار الأنوار ج 44 ص 195 والعوالم ج 17 ص 70 عن كشف الغمة ج 2 ص 207 و 208 و (ط دار الأضواء) ج 2 ص 241 و التذكرة الحمدونية ج 2 ص 187 ولواعج الأشجان ص 17.

أن ثائرة الحسين قد ثارت لما صنعه الغلام وأن الغلام خاف أن يأمر بتأديبه، وأن الحسين قد عفا عنه، ليكون في أمان تام من غضبه - إن ذلك كله - لا مورد له، بل هو كلام باطل ومختلق، فإن الغلام لم يقترف ذنباً ليستحق العقوبة، أو يحتاج إلى عفو..

3 - قول الرواية: «إن الحسين ثارت ثائرته» لم يظهر لنا وجهه، وكيف حصل ذلك.

فهل صاح في وجه الغلام وزجره؟! أو أنه صار يتكلم بما يدل على ندمه على حضور ذلك المجلس ؟! أو صار يلوم نفسه أو الغلام على ما جرى؟!

أو أنه اكتفى بتوجيه نظرة مخيفة إلى الغلام؟! أم ماذا ؟!

4 - والنص الثاني، وإن كان قد تحاشى ما يرد على النص الذي سبقه، إلا أنه أيضا لم يخل من بعض ما يوجب التوقف، أو التساؤل، فإنه يقول: إن الغلام حين قرأ قوله تعالى: «وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظ» قال الإمام الحسين «علیه السلام»: خلوا عنه..

وهذا معناه : أنه قد أعفاه من العقوبة، فما معنى قول الرواية: إن الغلام حين قرأ: (وَالعَافِينَ عَن النَّاسِ)، قال الإمام الحسين «علیه السلام» قد عفوت عنك؟!

ألم يكن قوله في المرة الأولى: خلوا عنه، عفوا؟!

إلا أن يدعى: أنه في المرة الأولى قد أجل عقوبته إلى أن يزول غيظه ولم يعف عن أصل العقوبة، ولعل حكمة هذا التأجيل هو أن

يطمئن الغلام إلى أن العقوية لن تقترن بالقسوة والتشفي، بسبب فورة الغيظ في نفسه..

وهذه دعوى لا مجال للمساعدة عليها، لأن الإمام لا يتشفى، ولا يقسو إلا إن كان الحاضرون لما يجري لا يعتقدون بالإمامة كما يعتقد بها شيعة أهل البيت «علیهم السلام»، فيتوهمون بناء على ذلك أن الإمام يقسو ويتشفى.

وفي جميع الأحوال نقول:

هذه الدعوى تستبطن أن لا يكون قد أفاد الغلام في شيء، ولم يكن لقراءة الآية أي أثر عملي سوى الإيحاء غير الواقعي، وغير المؤثر.

ويقول بعض الإخوة: إن الإنسان قد يمتنع عن عقوبة شخص لأسباب عديدة ولا يكون عدم عقوبته صادراً عن مسامحة قلبية، بينما لو عفى عنه يكون قد سامحه على مستوى القلب أيضاً، فهذا العبد يطلب من الأمام ترك عقوبته فقط، بل طلب المسامحة القلبية أيضاً.

الحسين «علیه السلام» ليس شاعراً :

تنسب إلى الإمام الحسين «علیه السلام» أبيات من الشعر، وأرجاز، قالها «علیه السلام»، أو تمثل بها في ظروف معينة.

وقد مرت بعض هذه الأبيات في بعض فصول هذا الكتاب، ورأينا أنها ليست بمنأى عن الإشكال، والنقد..

غير أن ما نريد أن نؤكد عليه هنا: أننا لا نملك وسائل إثبات تكفي لنسبة كثير من ذلك إليه «علیه السلام»، بعنوان أنه المنشئ والناظم.. بل غاية ما لدينا هو إمكان إثبات أنه «علیه السلام» قد تكلم بهذا البيت، أو بتلك المقطوعة، أو بذلك الرجز.. ولكن لا يمكن إثبات أنه من إنشائه ونظمه أو أنه مما تمثل به، وقد قاله غيره.

على أننا لا ننكر أن الحاجة قد تدعو إلى الإستعانة بالمعاني في نسق يلتزم بالأوزان الشعرية إما ليسهل على الناس فهم الحالة المهيمنة على مسار الأمور.

أو لتيسير حفظ ونقل المضامين.

وإذكاء الرغبة في تداولها.

أو لإثارة أجواء مشاعرية ذات طابع خاص. لمصالح اقتضاها واقع لا بد من التعامل معه بالمفردات التي يفهمها، ويستسيغها، أو لأنه يريد مخاطبة الوجدان الإنساني، والإيماني بكل لغة، تمنحه الحيوية، وتوقظه، وترهف وتنعش إحساسه.

ولكن هذه الحاجة إنما تفرض - غالباً - نمطاً من الشعر التقريري أو الوجداني الذي قد لا يحمل معه أية نكهة، أو مسحة من الخيال الشعري والإبداع البياني. بل ربما كان إضفاء شيء من هذا وذاك عليه من موجبات تضييع الهدف الذي يراد للشعر أن يوصل إليه..

وعلى هذا الأساس، لا يصح أن يوصف من يختار هذه الطريقة لبلوغ أهدافه الإيمانية بأنه شاعر.

الفصل الثامن: الشيعة.. والإمامة.. والإمام..

اشارة

الإمام «علیه السلام» يسأل عن أصناف الناس:

عن مالك بن إسماعيل النهدي، عن سهل بن شعيب، عن قنان النهمي، عن جعيد همدان قال أتيت الحسين بن عليّ وعلى صدره سكينة بنت الحسين، فقال: يا أخت كَلب! خُذِي ابْنَتَكِ عَني.

فسألني فقال : أخبرني عَنْ شَبابِ العَرَبِ، أَوْ عَنِ الْعَرَبِ؟!

قال: قلت: أصحاب جلاهقات(1)ومجالس!

قال: فأخبرني عَن المَوالي؟!

قال: قلت: آكل ربا، أو حريص على الدنيا !

قال: فقال: إنّا للّه وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعونَ. وَاللّه! إِنَّهُما للصِّنفان اللذان كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ اللّه تَبارَكَ وَتَعالى يَنتَصِرُ بِهِمَا لِدِينِهِ!

يا جُعَيْد هَمْدانَ! النّاسُ أَرْبَعَةٌ: فَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ خُلقٌ وَلَيْسَ لَهُ خَلاقٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ خَلاقٍ وَلَيْسَ لَهُ خُلقٌ.

وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ خُلقٌ وَخَلاقٍ وَذَلِكَ أَفْضَلُ النّاس.


1) الجلاهق - بضم الجيم - البندق المعمول من الطين، والواحدة جلاهقة، فارسي معرب (راجع مجمع البحرين ج5 ص 143).

وَمِنْهُمْ مَنْ لَيْسَ لَهُ خُلقٌ وَلا خَلاقٍ، وَذاكَ شَرُّ النّاس (1).

الخلاق: الحظ والنصيب من الخير والصلاح.

ونقول:

خذي ابنتك عني:

يبدو: أن هذه القصة قد جرت في حدود سنة اثنتين أو ثلاث وخمسين للّهجرة، حيث كانت سكينة بعمر سنة واحدة، أو سنتين، حيث يبدو أنها ولدت في حدود سنة إحدى وخمسين. بدليل: أن أختها فاطمة بنت الحسين كانت أكبر منها (2)، كما صرحت بذلك رواية عن الإمام الباقر «علیه السلام» أيضا (3).


1) ترجمة الإمام الحسين «علیه السلام» (من طبقات ابن سعد) ص36 و 37 رقم 235.

2) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 464 و (ط الأعلمي) ج 4 ص355 والكامل في التاريخ ج 2 ص 577 و (ط دار صادر) ج 4 ص 86 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 213 ومقتل الحسين لأبي مخنف ص 217 ونهاية الأرب ج 20 ص 469 و 470.

3) الكافي ج 1 ص 303 و 291 والوافي ج 2 ص 274 و 342 وبصائر ص 274 الدرجات ص 168 و 183 والإمامة والتبصرة ص197 و (ط 1 سنة 1404ه) ص 63 وبحار الأنوار ج 26 ص 35 وج 46 ص 17 ومرآة العقول ج 3 ص 263 - 264 وج 3 ص 320 والبرهان (تفسير) ج2 ص 335 وقاموس الرجال للتستري ج 12 ص 313 وغاية المرام ج3 ص 324 ونفس الرحمن ص 50 وإعلام الورى ج 1 ص 482 وراجع: إثبات الوصية ص177 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 172 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص308.

والمفروض: أن الإمام الحسين «علیه السلام» قد تزوج بأم إسحاق والدة فاطمة بعد استشهاد أخيه الإمام الحسن «علیه السلام»، الذي كانت أم إسحاق زوجة له.

الفرق بين العرب والموالي:

إن هذا النص يظهر الفرق بين اهتمامات العرب واهتمامات الموالي في تلك الفترة، فإن الدنيا كانت قد أقبلت على العرب، والأموال كانت قد فاضت في أيديهم، فانصرفوا إلى الملذات، وعكفوا على الشهوات، وعلى مجالس اللعب واللّهو.

أما الموالي، فكانوا مضطهدين مقهورين لا قدر لهم ولا قيمة، ويعانون من التمييز العنصري، وتفضل العرب عليهم بأبشع الصور وأقساها. وكانوا محرومين خائفين، يتبدى الحرص واللّهفة على الدنيا في أعينهم، والطمع حتى بلقمة الحرام يظهر في وجوههم إلا من عصمه اللّه بالتقوى والخوف من اللّه منهم؟!

وكلا الصنفين اللذين هذا حالهما، وهما:

العرب المنغمسون في اللّهو واللعب والملذات.

والموالي، أكلوا الربا والحريصون على الدنيا، كلاهما مجانب للصواب، بعيد عن الحق، والهدى.

ولا يمكن التعويل على أي منهما في إقامة الدين، ونصرة الحق والمستضعفين. ولأجل ذلك تأسف الإمام «علیه السلام».

ما هو الأدب؟!

عن محمد عبد الرحيم : سئل الإمام الحسين [«علیه السلام»] عن الأدب فقال : هو أن تخرج من بيتك، فلا تلقى أحدا إلا رأيت له الفضل عليك (1).

ونقول:

1 - إن أول ما يتبادر إلى الذهن هنا هو السؤال التالي:

إذا كان الأدب سلوكاً ونهجاً. فما معنى تفسيره بالرأي والإعتقاد، فإن السؤال والجواب غير متوافقين، فإنهما من مقولتين مختلفتين في ظاهر الأمر؟!

ويجاب:

بأن الرأي والإعتقاد الذي أشار إليه «علیه السلام»، هو الذي يحرك ويدفع الإنسان نحو السلوك، ويحدد له خياره منه، فإنه إذا رأى أن فلاناً من الناس أفضل منه، فإذا التقى به سيبادر إلى إلقاء السلام


1) ديوان الإمام الحسين «علیه السلام» ص 99 عن جمال الخواطر ج 2 ص 75 وعن ثمرات الأوراق للشيخ تقي الدين الحنفي ج 7 ص 174.

عليه، والسعي في حوائجه، وتقديم فروض الإحترام له، وسيتواضع له، وما إلى ذلك.

أما إذا اعتقد أنه هو الأفضل، فسوف يختفي سلوكه هذا ليحلَّ محله ضده وهو الإستخفاف به، والتعالي والإستكبار عليه، وتوقع الخضوع منه، وإلزامه بتأدية فروض الإحترام لهذا المستكبر، لأنه يرى أن هذه هي وظيفة المفضول تجاه الفاضل...

2 - إن جواب الإمام الحسين «علیه السلام» يقوم على أساس أن على الإنسان المؤمن أن يهضم نفسه، بل عليه أن يتهمها في خلوصها وإخلاصها في أعمالها، لأن ذلك هو السبيل الأمثل لضبط حركتها، والهيمنة عليها. والتمكن من مواصلة العمل على تزكيتها، و رقيها في مدارج التقوى والأعمال الصالحة.

3 - إن هذه النظرة للناس إذا كانت هى الحاكمة على سلوك أهل الإيمان فسوف نرى مجتمعاً يتسابق إلى أعمال الخير، ويشيع فيه البر، والتواصل وتظهر عليه سيماء الصلاح والفلاح، والنجاح، ويهيمن عليه طهر النوايا، وسلامة المقاصد..

بنا يغفر ذنوبكم:

1 - عن أبي جعفر «علیه السلام» قال: إن أناساً أتوا علي بن الحسين «علیه السلام» وعنده عبد اللّه بن العباس، فذكروا لهما بلايا الشيعة وما يصيبهم من ذلك، فأتيا الحسين «علیه السلام» فذكرا ذلك له، فقال الحسين «علیه السلام»: واللّه البلاء والفقر أسرع إلى من

يحبنا من ركض البراذين، ومن السيل إلى صمره

فقلت: وما صمره؟

قال: منتهاه، ومن قطر السماء إلى الأرض، ولولا أن تكونوا كذلك لعلمنا أنكم لستم منا.

ثم قال: بنا يجبر يتيمكم، وبنا يقضى دينكم، وبنا يغفر ذنوبكم (1).

ما من شيعتنا إلا صديق شهيد

2 - قال زيد بن أرقم «رضي اللّه عنه»:

قال الحسين بن على رضي اللّه عنه» : ما من شيعتنا إلا صديق شهيد.

قلت: أنى يكون ذلك وهم يموتون على فراشهم؟!

فقال: أما تتلو كتاب اللّه «الَّذِينَ آمَنُوا بِاللّه وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ» (2).

ثم قال «علیه السلام»: لو لم تكن الشهادة إلا لمن قتل بالسيف،


1) مشكاة الأنوار ص 292 و 293 و (ط دار الحديث سنة 1418ه) ص 506. وراجع: المؤمن للحسين بن سعيد الكوفي ص 15 و 16 ومستدرك الوسائل ج 2 ص 431 وبحار الأنوار ج 64 ص 246.

2) الآية 19 من سورة الحديد.

لأقل اللّه الشهداء (1).

وروي نحوه أيضاً عن الإمام الصادق «علیه السلام»(2).

ونقول:

البلاء للمؤمن:

إن البلاء للإنسان المؤمن يزيده قرباً من اللّه سبحانه، لأنه يضطره إلى اللجوء إليه تعالى والتماس رضاه، وطلب العون منه.

كما أنه يكون في كثير من الأحيان من موجبات المثوبة، وربما كان كفارة للذنوب، وتمحيصاً للمؤمن.

وقد ورد: أن أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الأمثل فالأمثل(3).


1) الدعوات للراوندي ص 242 ومشكاة الأنوار ص 92 و (ط دار الحديث سنة 1418ه) ص 168 وبحار الأنوار ج 61 ص 534 وج 79 ص 173 والبرهان (تفسير) ج 2 ص 292) و (ط مؤسسة البعثة) ج 5 ص 290 والمحاسن ص 163 والوافي ج 5 ص 802 وشرح الأخبار ج 3 ص 439 ونور الثقلين (تفسير) ج ه ص 244 وكنز الدقائق (تفسير) ج 13 ص 95 وغاية المرام ج 4 ص 264.

2) راجع: وبحار الأنوار ج 64 ص53.

3) الكافي ج 2 ص 252 والأمالي للطوسي ص 659 والتمحيص للإسكافي ص4 والخصال ص 399 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 3 ص 262 و (الإسلامية) ج 2 ص 907 ومشكاة الأنوار ص 514 والفصول المهمة للحر العاملي ج 3 ص 303 ومستدرك الوسائل ج 2 ص 438 و 439 وتحفة السنية ص 7 وهداية الأمة ج 1 ص 326 والفوائد الطوسية ص373 و 397 والدعوات للراوندي ص 166 والوافي ج 5 ص 763 وبحار الأنوار ج 11 ص 69 وج 64 ص 200 و 231 و ج 12 ص 348 و 355 وج 19 ص 60 وج 44 ص 275 وج 70 ص 28 و ج 74 ص 142 وج 78 ص 187 و 188 و 195 وحلية الأبرار ج 1 ص 144 و 379 و ج 2 ص 107 ومرآة العقول ج 9 ص 321 والعوالم ج 17 ص 520 وراجع المعجم الكبير ج 24 ص 245 و 246 ومسند أحمد ج 1 ص 174 و 180 و 185 وسنن الدارمي ج 2 ص 320 وسنن ابن ماجة ج 2 ص 1334 وسنن الترمذي ج 4 ص 28 والمستدرك للحاكم ج 1 ص 41 وج 3 ص 343 وفتح الباري ج 10 ص 96 وعمدة القاري ج 21 ص 212 ومسند أبي داود ص30 ومسند سعد بن أبي وقاص ص87 ومنتخب مسند عبد بن حميد ص79 والسنن الكبرى للنسائي ج 4 ص 352 ومسند أبي يعلى ج 2 ص 143 وأمالي المحاملي ص 179 وصحيح ابن حبان ج 7 ص 160 و 161 و 184 وشعب الإيمان ج 7 ص 142 وكشف المشكل ج 1 ص 149 وج4 ص 361 والترغيب والترهيب ج 4 ص 280 ونظم درر السمطين ص 227 وموارد الظمآن ج 2 ص 445.

وقد ابتلى يعقوب بفراق ولده حتى ابيضت عيناه من الحزن.

وعن الإمام الصادق «علیه السلام»: لا شيء أحب إلى اللّه، من الضر والجهد والبلاء مع الصبر. وإنه إذا أحب اللّه قوما، أو أحب

عبداً صب عليه البلاء صبا، فلا يخرج من غم إلا وقع في غم (1).

وعن الإمام الصادق «علیه السلام»: واعلم أن بلاياه محشوة بكراماته الأبدية، ومحنه مورثة رضاه وقربه، ولو بعد حين، فيا لها من مغنم لمن علم، ووفق لذلك (2)

وعنه «علیه السلام»: إنما المؤمن بمنزلة كفة الميزان، كلما زيد في إيمانه زيد فى بلائه (3).

وروي مثله عن الإمام الكاظم «علیه السلام» (4).


1) بحار الأنوار ج 47 ص 300 و ج 79 ص 18 ومستدرك سفينة البحار ج1 ص 424 وج 6 ص 154 ومستدرك الوسائل ج 2 ص 419 وإقبال الأعمال ج 3 ص 85.

2) بحار الأنوار ج 75 ص 200 عن مصباح الشريعة ص50 ومستدرك سفينة البحار ج 1 ص42.

3) الكافي ج 2 ص 254 والوافي ج 5 ص 764 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج3 ص 263 و (الإسلامية) ج 2 ص 908 ومشكاة الأنوار ص515 وبحار الأنوار ج 64 ص 210 ومرآة العقول ج 9 ص 329 ومستدرك سفينة البحار ج 1 ص 210 وأعلام الدين للديلمي ص 125 ومعجم المحاسن والمساوئ - للتبريزي ص 169 - 170 و 314.

4) التمحيص للإسكافي ص 31 وتحف العقول ص 408 والأمالي للطوسي ص 631 وبحار الأنوار ج 75 ص 320 ومستدرك الوسائل ج 2 ص 433 - 434 و 437 ومستدرك سفينة البحار ج 1 ص 425 وإرشاد القلوب للديلمي ج 1 ص123.

وعن الإمام الصادق «علیه السلام»: من ابتلي من المؤمنين ببلاء، فصبر عليه، كان له مثل أجر ألف شهيد (1).

وروي نحوه عن الرضا عن الباقر «علیهما السلام» (2).

البلاء من علامات الأخيار:

وذكر النص الذي تقدم عن مشكاة الأنوار، قول الإمام الحسين «علیه السلام»: «ولولا أن تكونوا كذلك لعلمنا أنكم لستم منا».


1) الكافي ج 2 ص 92 والوافي ج 4 ص 337 وهداية الأمة للحر العاملي ج 1 ص 326 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 3 ص 255) و (الإسلامية) ج2 ص 902 ومشكاة الأنوار ص 64 ومسكن الفؤاد للشهيد الثاني ص51 وبحار الأنوار ج 68 ص 78 و 93 و 94 و 97 ومرآة العقول ج8 ص 139 ومستدرك سفينة البحار ج 1 ص 426 والبرهان (تفسير) ج3 ص 251 ونور الثقلين (تفسير) ج 4 ص 206 وكنز الدقائق (تفسير) ج10 ص 255 ومنتقى الجمان ج 1 ص 307.

2) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 239 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج3 ص 260 و (الإسلامية) ج 2 ص 905 ومدينة المعاجز ج7 ص88 - 89 وبحار الأنوار ج 49 ص 42 و 67 و ج 50 ص 53 وج 78 ص 206 وج 79 ص 129 وج 68 ص 78 و 93 و 94 و 97 ومستدرك سفينة البحار ج 1 ص 426 ومسند الإمام الرضا للعطاردي ج 1 ص 188 و 161 وقاموس الرجال للتستري ج 9 ص 515. وراجع: الكافي ج 1 ص 354 ومدينة المعاجز ج 7 ص 29 و 30 وينابيع المعاجز ص 126 ومرآة العقول ج 4 ص 100 و 101.

إن هذا النص يهدف إلى تغيير مفاهيم خاطئة، إذا كرست في الواقع العام، فإنها تحدث اختلالات كبيرة وخطيرة في روحية أهل الإيمان، من خلال إشاعة الشعور بالإحباط واليأس الذي يؤسس إلى الفشل، والإنهيار للشخصية الإيمانية على امتداد الحواضر التي تحتضن هؤلاء الأبرار والأخيار.

إنه «علیه السلام» يريد من خلال ترشيد الفهم وتعميقه، أن يعطى لمعاناة أهل الإيمان مفهومها الصحيح، ويضعها في إطارها الواقعي، الزاخر بالحيوية الخلاقة، المشحون بالمؤثرات المثمرة للخير والصلاح والفلاح.

وقد تقدم عن أهل البيت «علیهم السلام» قليل من كثير مما يشير إلى هذه الحقيقة، ويؤسس لهذا التوجه، ويشير إلى أن المسار الطبيعي للمعاناة والبلاءات، هو على عكس ما يتوهمه أهل الدنيا، أو القاصرون والمقصرون، أو فقل: الجاهلون.

فالبلاء هو سمة الأنبياء، ثم الذين يلونهم ثم الأمثل، فالأمثل، كما تقدم..

ولولا البلاء الذي يرى في الشيعة، لعلم أهل البيت: أن من يدعون التشيع لهم كاذبون في دعواهم، كما أشار إليه الإمام الحسين «علیه السلام».

جبر اليتم، وقضاء الدين، وغفران الذنوب

ثم أشار «علیه السلام» إلى أمور ثلاثة يكون لأهل البيت الفضل

فيها على شيعتهم، حيث قال:

1 - بنا يجبر يتيمكم.

2 - وبنا يقضى دينكم.

3 - وبنا يغفر ذنوبكم.

وهذه الأمور الثلاثة تحتاج إلى بيان وتوضيح من جهات عديدة، ونحن نجمل ما تيسر لنا من ذلك كما يلي:

بنا يجبر يتيمكم:

فيما يرتبط بقوله «علیه السلام»: «بنا يجبر يتيمكم» نقول:

ألف: إنه «علیه السلام» قال بنا يجبر، ولم يقل نحن نجبر، ربما ليدل على أن اللّه تعالى هو الذي يفعل ذلك بشيعة أهل البيت «عليهم السلام».

ب: إن ذلك يدل على أن اللّه سبحانه يريد أن يكرم هؤلاء الشيعة، ويظهر رضاه عنهم، واهتمامه بهم، وبالتالي محبته لهم..

ج: وقد قال «علیه السلام» «بنا»، ولم يقل لأجلنا أو نحو ذلك، ربما ليدل على أن المطلوب هو جعلهم «علیهم السلام» وسيلة عند اللّه تعالى، وهذا يحتاج إلى إنشاء الإنسان المؤمن العلاقة الرضية والقوية بهم «علیهم السلام» من خلال الطاعة لهم، في ما جاؤا به من عند اللّه، والإقتداء بهم والإهتداء بهديهم..

د: بدأ «علیه السلام» بالحديث عن جبر يتيم شيعة أهل البيت

«علیهم السلام»، وهذا يذكرنا بما روي عن الإمام الحسن العسكري عن محمد بن علي الجواد «علیهما السلام» أن من تكفل بأيتام آل محمد المنقطعين عن إمامهم، المتحيرين في جهلهم، الأسراء.. إلى آخر الحديث (1).

وهناك نصوص أخرى، فراجع(2).

ه: إن اليتم للإنسان يمثل صدمة عاطفية قاسية، بل هو جرح، أو كسر للعنصر الصلب في شخصيته، وضربة قاسية لعنفوانه، وإختزال مرير لآماله، ووأد لشعوره بالسلام والسكينة.

وإذا كان جابر هذا الكسر هو اللّه الخالق القادر، والحكيم العليم،


1) التفسير المنسوب للإمام العسكري ص 344 وبحار الأنوار ج 2 ص 6 والفصول المهمة للحر العاملي ج 1 ص 603 و 947 والإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 9 واليقين لابن طاووس ص 8 و 9 ومنية المريد للشهيد الثاني ص 118 والمحجة البيضاء ج 1 ص32.

2) بحار الأنوار ج 2 ص 1 و 2 و 3 وج 66 ص 344 ومستدرك الوسائل ج 17 ص 317 و 318 والإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 7 والصراط المستقيم ج 3 ص 55 وغوالي اللآلي ج 1 ص 16 و 17 ومنية المريد للشهيد الثاني ص 144 و 116 والفصول المهمة للحر العاملي ج 1 ص 599 و 601 والتفسير المنسوب إلى الإمام العسكري ص 339 و 341 والمحجة البيضاء ج 1 ص 31 ومستدرك سفينة البحار ج 10 ص 584 والبرهان (تفسير) ج 1 ص 265 وكنز الدقائق (تفسير) ج2 ص 66 وتأويل الآيات الظاهرة ج 1 ص 74 و 75.

والرؤوف الرحيم، فإن الإنسان سوف يشعر بالرضا، وبالثقة، والغنى، وبأن كسره مجبور كأحسن ما يكون الجبر، وسوف تصلح أحواله كأحسن ما يكون الصلاح والإصلاح.

وبنا يقضي دينكم :

أما فيما يرتبط بقوله «علیه السلام»: «وبنا يقضي دينكم» فإن ما ذكرناه حول الفقرة الأولى التي سبقتها بعينه آت في هذه الفقرة أيضاً، يضاف إلى ذلك :

ألف: أن الحديث عن الدين هنا بعد الحديث عن اليتم واليتيم، قد يكون لأن في الدين أذى روحياً أيضاً، فقد روي عن النبي «صلى اللّه عليه وآله» قوله : «إياكم والدَّين فإنه يشين للدِّين، وهو هم بالليل، ذل بالنهار» (1). وعن لقمان «علیه السلام» نحو ذلك (2).

وهذا الذل، وذلك الهم يشبه في بعض وجوهه كسر وجرح اليتيم، الذي يحتاج إلى جبر ومداواة حسبما بيناه آنفاً.

وروي عن ابن يزيد عن أحدهم «علیهم السلام»، قال: يؤتى يوم


1) راجع: روضة المتقين ج 6 ص 516 والمقنع للصدوق ص377 ومن لا يحضره الفقيه ج 3 ص 181 وراجع التحفة السنية ص252 (مخطوط) وعلل الشرائع ج 2 ص 527.

2) الدر المنثور ج 5 ص 165 وتفسير الآلوسي ج 21 ص83 وتاريخ بغداد ج 4 ص 268.

القيامة بصاحب الدين يشكو الوحشة، فإن كانت له حسنات أخذ منه لصاحب الدين.

وقال: وإن لم تكن له حسنات ألقي عليه من سيئات صاحب الدين (1).

وهذا أصعب من الذل والغم في الدنيا، كما هو واضح.

ب: هل قال «علیه السلام»: «يقضي» بالبناء للمجهول، أو قال: يقضي» بالبناء للمعلوم؟ كلاهما محتمل، والمآل واحد، فإن المراد في كليهما أن اللّه تعالى هو الذي يجبر كسر اليتيم، ويقضي الدين، ويغفر الذنوب..

ج: والمراد بقضاء الدين تيسير الأمور، والتوفيق والتسديد تحصيل ما يقضى به..

د: إن قضاء الدين أمر يريح ضمير الإنسان، ويجعله يشعر بالهناء بمعيشته، ويمنحه نشاطاً وحيوية، وإقبالاً على ما ينبغي له من وظائف ومهمات.


1) بحار الأنوار ج 7 ص 274 وج 100 ص 142 وهداية الأمة للحر العاملي ج 6 ص 213 وتحفة السنية (مخطوط) ص 252 وعلل الشرائع ج 2 ص 528 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 18 ص 318 و (الإسلامية) ج13 ص 78 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 413 ومنازل الآخرة ص 220.

وبنا تغفر ذنوبكم:

ولسنا بحاجة إلى بسط الكلام في قوله «علیه السلام»: «وبنا تغفر ذنوبكم». فإن شفاعتهم «علیهم السلام» ما هي إلا واحدة من وسائل المغفرة، ويضاف إليها: أنه تعالى يريد بمغفرته ذنوب شيعتهم «علیهم السلام» أن يسر أهل البيت بهذه المغفرة، كما أنه تعالى يريد أن يكرمهم بهذه المغفرة، ويظهر فضلهم، ومنزلتهم عنده..

وهذا يزيد من سعادة أهل الإيمان، ومن آلام أهل الطغيان في الآخرة.

الشيعة هم الصديقون والشهداء:

وتقدم أن الإمام الحسين يقول: «ما من شيعتنا إلا صديق شهید».

فذكر أمرين:

أولهما: الصديقية لكل شيعي. ولم يعترض زيد بن أرقم على هذا، ربما لأنه أدرك، بسبب ما رآه من حال شيعتهم أنهم يصدقون بكل ما جاء عن الأنبياء والأئمة، وبكل ما في الكتب المنزلة من عند اللّه، وهذا التصديق والتسليم مشهود عند الشيعة. وهو مقتضى صفة التقوى فيهم، وقد روي عنهم قولهم ما شيعتنا إلا من اتقى اللّه» (1).


1) الكافي ج 2 ص 74 وروضة المتقين ج 12 ص 79 وصفات الشيعة للصدوق ص 11 والوافي ج 4 ص 173 و 301 والأمالي للصدوق ص725 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 15 ص 234 و (الإسلامية) ج11 ص184 ج3 ص 184 وشرح الأخبار ج 3 ص 501 والأمالي للطوسي ص735 ومستطرفات السرائر ص636 ومشكاة الأنوار ص 121 وبحار الأنوار ج 67 ص 97 و ج 75 ص 175 وشجرة طوبى ج 1 ص 2 وتحف العقول ص 295 وروضة الواعظين ص 294 ومرآة العقول ج8 ص 50 ومستدرك سفينة البحار ج 6 ص 123 و 128 وج 10 ص 373 وأعلام الدين للديلمي ص 143 وغاية المرام ج 6 ص 81.

كما أن الشيعة لا تخالف أفعالهم أقوالهم، بل هي متوافقة ومتطابقة.

الثاني: إن كل شيعي «شهيد». وهذا ما لم يستسغه زيد بن أرقم، فإن الشهيد بنظره هو من يقتل في الحرب، وهو يرى أن أكثر الشيعة يموتون على فراشهم.

فأجابه الإمام «علیه السلام» بجواب قرآني، مأخوذ من قوله تعالى: «الَّذِينَ آمَنُوا باللّه وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ» (1).

ففي هذه الآية عدة دلالات على ما قاله الإمام الحسين «عليه السلام»:

الدلالة الأولى: قوله تعالى: «وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللّه وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ». إنه تعالى جعل من مقتضيات الإيمان باللّه والرسل


1) الآية 19 من سورة الحديد.

تبلور صفة الصديقية في أولئك المؤمنين، لأن هذا الإيمان يقتضي التصديق بكل ما جاء في كتب اللّه، وما أخبرهم به الرسل، وهذا هو أحد معاني الصديقية، إن كان المراد بها كثرة التصديق، وإن كان المراد بها شدة التصديق وعمقه، وصلابته بحيث لا يزعزعه شيء من الشبهات، أو ما يتعرض له الصدّيق من مصاعب ومصائب، وابتلاءات.

فهذه الصلابة والشدة التي هي من مقتضيات رسوخ الإيمان باللّه، ورسله مشهودة في شيعتهم «علیهم السلام». وإن كان المراد بالصدّيقية من سرى التصديق في قولهم وفعلهم، فهذا أيضاً محقق في شيعة أهل البيت «علیهم السلام».

وبعد ما تقدم نقول:

إذا كان الإيمان باللّه ورسله يقتضي تبلور صفة الصديقية في الشيعة، فهو يقتضي أيضاً تبلور صفة الشهيدية فيهم، لأن الشهيدية والصديقية قد جاءتا في الآية على نسق واحد من حيث ارتباطهما بالإيمان باللّه ورسله.

الدلالة الثانية: قوله تعالى في الآية: «عِنْدَ رَبِّهِمْ» حيث يبدو أن هذه الكلمة تريد أن تقول: إن اللّه تعالى يعتبرهم بمثابة الصديقين والشهداء..

أو أن المراد: أنهم صدّيقون شهداء عند ربهم في الآخرة.

الدلالة الثالثة: قوله تعالى بعد ذلك «لهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ» أي

يعطون مثل أجر ونور الصديقين ومثل أجر ونور الشهداء في الآخرة.

الدلالة الرابعة إن المراد بالشهداء في الآية معنى أوسع من معنى القتل بالسيف. وهو معنى ومقام الشاهدية، الذي يكون للمقتول بالسيف ولغيره من الأنبياء والأوصياء، والصالحين، فإن لهم جميعاً مقام الشاهدية في الآخرة، لأنهم يرون حقائق الأمور، ويشهدون بها على الخلق في الآخرة.

فمعنى الشاهدية أوسع مما ظنه زيد بن أرقم.

وأنت تفعل هذا:

أخبرنا كثير بن هشام، قال حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي المهزم، قال: كنا مع جنازة امرأة، ومعنا أبو هريرة، فجيء بجنازة رجل، فجعله بينه وبين المرأة، فصلى عليهما.

فلما أقبلنا أعيا الحسين، فقعد في الطريق، فجعل أبو هريرة ينفض التراب عن قدميه بطرف ثوبه.

فقال الحسين: يا أبا هُرَيْرَةَ وَأَنْتَ تَفْعَلُ هذا ؟!

قال أبو هريرة: دعني، فواللّه لو يعلم الناس منك ما أعلم الحملوك على رقابهم (1).


1) تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 180 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 214 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 101 وترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص32 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 440 عن مختصر تاریخ دمشق (طدار الفكر) ج 7 ص 128 والمنتخب من ذيل المذيل ص 25.

ونقول:

1 - لم توضح الرواية من الذي صلى على الجنازتين، هل هو الحسين «علیه السلام»، أو أبو هريرة؟!

وقد يقال : إن ظاهرها أن أبا هريرة هو الذي صلى عليها.

2 - يستوقفنا هنا قول الإمام الحسين «علیه السلام» لأبي هريرة: وأنت تفعل هذا ؟! حيث يبدو لنا أنه يقول هذا لأبي هريرة متعجباً، على سبيل الإتهام له بأنه يفعل ذلك متزلفاً، لا عن إيمان واعتقاد..

نقول هذا، لأننا نعلم: أن أبا هريرة كان يتزلف لمعاوية بالطعن في أمير المؤمنين «علیه السلام». حتى لقد شهد بباب مسجد الكوفة، بعد أن ضرب على صلعته بأن عليا «علیه السلام» قد أحدث في المدينة (1).


1) راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 4 ص 67 وأضواء على السنة المحمدية لمحمود أبي رية ص 218 وشيخ المضيرة أبو هريرة لأبي رية ص 237 والغارات للثقفي ج 2 ص 659 وخلاصة عبقات الأنوار ج3 ص 255 والنص والإجتهاد ص 514 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 295 ونهاية الدراية للسيد حسن الصدر ص 22 ومستدرك سفينة البحار ج 10 ص 529 ونهج السعادة ج 8 ص 486 والكنى والألقاب ج 1 ص 179 وأبو هريرة للسيد شرف الدين ص 43.

وقد ولاه معاوية على المدينة أيضاً تشجيعاً له على مواصلة تزلفاته التي لم يكن يحجبه عنها دين أو وجدان.

وحين جاء جارية بن قدامة إلى المدينة هرب أبو هريرة منها، فقال جارية: لو وجدت أبا سنور لقتلته (1).

الأئمة من ولد الحسين «علیه السلام»:

أخبرنا المعافا بن زكريا، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سعد، قال: حدثني أحمد بن الحسين بن سعيد، قال حدثني أبي، قال حدثني جعد بن الزبير المخذومي، قال حدثني عمران بن يعقوب [الجعدي، عن أبيه يعقوب] بن عبد اللّه، عن أبي يحيى بن جعدة بن هيبرة، عن الحسين بن علي صلوات اللّه عليهما وسأله رجل عن الأئمة، فقال:

عدد نقباء بني إسرائيل، تسعة من ولدي آخرهم القائم، ولقد سمعت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وسلم يقول: أبشروا ثم أبشروا - ثلاث مرات - إنما مثل أهل بيتي كمثل حديقة أطعم منها فوج عاماً [ثم أطعم منها فوج عاماً] وإن في آخرها فوجاً، يكون أعرضها بحراً، وأعمقها طولاً وفرعاً وأحسنها حسنا


1) راجع: الكامل في التاريخ ج 3 ص 384 ونهاية الأرب ج 20 ص 261 وأبو هريرة للسيد شرف الدين ص 34 وشيخ المضيرة لأبي رية ص233 و 287.

وكيف تهلك أمة أنا أولها، والاثنا عشر من بعدي من السعداء أولي الألباب والمسيح بن مريم آخرها، ولكن يهلك فيما بين ذلك الهرج ليسوا مني ولست منهم (1).

ونقول:

لم تذكر الرواية المتقدمة لنا نص السؤال الذي وجهه ذلك الرجل إلى الإمام «علیه السلام» عن الأئمة.. ولكننا حين قرأنا جواب الإمام «علیه السلام» وجدنا أنه قد تضمن الإشارة إلى جوانب عديدة. فقد أجاب:

1 - عن عدد الأئمة، وانه اثنا عشر

2 - تضمن تذكيراً بما هو ثابت من أن ما يكون في الأمم السالفة سوف يكون في هذه الأمة، ولأنه كان في بني إسرائيل نقباء هم اثنا عشر نقيباً، فقد كان في هذه الأمة أئمة بعدد نقباء بني إسرائيل.

وكأنه «علیه السلام»: أراد أن يكون جريان هذه السنة في هذه الأمة، بمثابة الدليل على أن عدد الأئمة في هذه الأمة هو اثنا عشر.


1) كفاية الأثر ص230 و 231 وبحار الأنوار ج 36 ص 383 - 384 وراجع ص 242 وراجع: الخصال للصدوق ص 475 وعيون أخبار الرضا ج 1 ص 56 وكمال الدين ص 269 و مختصر بصائر الدرجات ص203 والإستنصار للكراجكي ص 13 وفضائل أمير المؤمنين لابن عقدة ص 154 وغاية المرام ج 7 ص 131.

3 - ثم إنه «علیه السلام» روى حديثاً عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يتضمن التأكيد ثلاثاً على البشارة للناس بما لوجود الأئمة من فوائد عظيمة للأمة.

وكأنه «صلی اللّه علیه وآله» يريد أن لا يوجب بطش الظالمين، وحروبهم للأئمة يأسا في النفوس، وشعوراً بالإحباط والفشل، لأن على الناس أن يقارنوا بين ما لو لم يكن هناك أئمة هداة، ومدبرون كفاة، ومناشئ للخيرات والبركات الإلهية، وكان الطواغيت والظلمة، وشياطين الإنس والجن وحدهم يسرحون ويمرحون بلا حسيب ولا رقيب.. وبين وجود الإمام المؤيد والمسدد من اللّه والهادي والراصد، والرافض لكل الأعمال الشيطانية، والموقظ للوجدان والضمير، والمثير لدفائن العقول، والحافظ لمفاهيم الحق والخير في الناس.

4 - إن قول النبي «صلی اللّه علیه وآله» تضمن أيضاً وعداً باتصال هذا الوجود النافع والمبارك لهم «علیهم السلام» إلى آخر الدهر، ولن يتمكن كل طغاة الأرض من إطفاء نورهم «علیهم السلام»،

وإخماد جذوتهم.

5 - والوعد الأعظم والأهم هو : أن النهاية السعيدة، والرائعة ستكون لنهج الأئمة، ولأطروحتهم، وظهور دين اللّه، ولو كره المشركون، والكافرون، والمنافقون.

6 - وبين أول هذه الأمة وآخرها تكون فتن يهلك فيها أهلها، ومن سعى في إيقاظها، ومن رضي لنفسه أن يكون مسعر نارها، ثم أن

يكون وقوداً.لها. فهؤلاء - كما تقدم عن النبي «صلی اللّه علیه وآله» - ليسوا من النبى «صلی اللّه علیه وآله» ولا النبي منهم..

معرفة الإمام «علیه السلام»:

وقال الشيخ الصدوق «رحمه اللّه»:

حدثنا أبي رضي اللّه عنه قال: حدثنا أحمد بن إدريس، عن الحسين بن عبيد اللّه، عن الحسن بن علي بن أبي عثمان، عن عبد الكريم بن عبد اللّه، عن سلمة بن عطا، عن أبي عبد اللّه «علیه السلام» قال خرج الحسين بن علي «علیهما السلام» على أصحابه فقال :

أيها الناس إن اللّه جل ذكره ما خلق العباد إلا ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه.

فقال له رجل: يا ابن رسول اللّه، بأبي أنت وأمي فما معرفة اللّه؟! قال: معرفة أهل كل زمان إمامهم الذي يجب عليهم طاعته (1).


1) علل الشرائع للصدوق ج 1 ص 19 و 20 و (ط المكتبة الحيدرية سنة ج1 ص19 1385ه) ج 1 ص 9 وبحار الأنوار ج 5 ص 312 وج 23 ص 83 وراجع ص 93 والتفسير الصافي ج 5 ص 75 ونور الثقلين (تفسير) ج 5 ص132 وكنز الدقائق (تفسير) ج 12 ص 435 ونزهة الناطر للحلواني ص 38 وكنز الفوائد للكراجكي ص 151 ومستدرك سفينة البحار ج 7 ص 177 و 180 وإثبات الوصية ص 141 و 142 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 594.

قال الشيخ الصدوق «رحمه اللّه»: - يعني بذلك -: أن يعلم أهل كل زمان أن اللّه هو الذي لا يخليهم في كل زمان عن إمام معصوم، فمن عبد ربا لم يقم لهم الحجة فإنما عبد غير اللّه عز وجل(1).

أضاف في كنز الفوائد قوله: «اعلم أنه لما كانت معرفة اللّه وطاعته لا ينفعان من لم يعرف الإمام، ومعرفة الإمام وطاعته لا تنفعان إلا بعد معرفة اللّه صح أن يقال: إن معرفة اللّه هي معرفة الإمام وطاعته» (2).

ونقول:

إن الإمام الحسين «علیه السلام» قد واجه أصحابه بطريقة بيانية من شأنها أن تفرض على سامعيه التوجه نحو معاني وأمور بعينها، وتدفعهم لمراجعة ما يختزنه فكرهم منها وعنها، فتثور لديهم الأسئلة من خلال ما سمعوه عنها.

وهذا ما حصل هنا، فإن الإمام الحسين «علیه السلام» طرح موضوع معرفة اللّه، في الوقت الذي تجد فيه الناس على قناعة تامة بعدم حاجتهم إلى مراجعة ما لديهم من معارف حول هذا الموضوع،


1) علل الشرائع للصدوق ج 1 ص 20 و (ط المكتبة الحيدرية سنة 1385ه) ج 1 ص 9 وبحار الأنوار ج 5 ص 312 و ج 23 ص 83.

2) كنز الفوائد ص 151 وبحار الأنوار ج 23 ص 93 ومستدرك سفينة البحار ج 7 ص 178 وإثبات الهداة ج 1 ص 141 و 142.

كما لا حاجة إلى تفحص تلك المعارف، وتمييز صحيحها من سقيمها، وحقها من باطلها بل الجميع راض عما لديه، وقانع به، ومعول عليه.

ما معرفة اللّه؟!

ولأن الحديث عن معرفة اللّه قد يوهم: أن المراد بالمعرفة المعرفة الحسية التي تنتهي ببعض السذح والقاصرين إلى شبهة التجسيم، بادر أحد أصحابه «علیه السلام» إلى سؤاله: «فما معرفة اللّه».

فأجاب «علیه السلام»: «معرفة أهل كل زمان إمامهم الذي يجب عليهم طاعته».

وقد أوضح الشيخ الصدوق، وبعده الشيخ الكراجكي «رحمهما اللّه» المراد من هذا القول، فإن معرفة اللّه سبحانه، تقتضي معرفة صفاته تعالى، وأنه قادر عليم، حكيم رحيم، رؤوف بعباده. وقد اقتضت حكمته ورحمته أن يرسل إلى عباده رسلا يبلغونهم شرائعه وأحكامه، ودينه، ويهدونهم إلى الحق والخير، وأن للأنبياء أوصياء، وأن حكمته ورحمته توجب أن لا تخلو الأرض من حجة وإمام معصوم..

فمن عبد رباً لم يقم الحجة للعباد، ولم ينصب لهم إماماً معصوماً، فقد عبد غير اللّه عز وجل..

وهذا هو المراد من قوله «علیه السلام»: إن معرفة أهل كل زمان إمامهم، هي في الحقيقة معرفة اللّه سبحانه..

حدثني في علي «علیه السلام»:

حدثنا أحمد [بن] السري قال حدثنا أحمد بن حماد، عن رجل من بني هاشم يقال له عبد اللّه بن الحسين، قال: جاء رجل إلى الحسين بن علي فقال: حدثني في علي بن أبي طالب.

فقال: ويحك وما عسيت أن أحدثك في علي، وهو أبي؟!

قال: بل تحدثني.

قال: إن اللّه تبارك وتعالى أدب نبيه الآداب كلها، فلما استحكم الأدب فوض الأمر إليه فقال: «وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُدُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانْتَهُوا» (1).

إن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» أدب عليا بتلك الآداب التي أدبه اللّه بها، فلما استحكم الآداب كلها فوض الأمر إليه، فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه (2).

ونقول:

شاغل الناس:

يشير هذا النص إلى أن أمير المؤمنين، وسيرته ومواقفه، وفضائله، وحالاته قد شغلت عقول الناس، واجتذبتهم إليها، بسبب


1) الآية 7 من سورة الحشر.

2) مناقب الإمام أمير المؤمنين للكوفي ج 2 ص 428 و 429.

فرادتها، وتميزها، وغناها بالمعاني والقيم، والدلالات. ولكن ما يظهر الناس من اختلاف في التفسير والتأويل، وما يثيره أهل الباطل من شبهات وأباطيل، قد يصعب عليهم فهم الأمور، والوصول إلى الحق.

وقد رأى هذا الرجل: أن أعرف الناس بعلي، وأوثقهم فيه هو ابنه سید شباب أهل الجنة «علیه السلام»، فإنه مطهر ومعصوم بنص القرآن.

ما أحدثك عنه، وهو أبي:

وقد أراد «علیه السلام» للناس أن يسمعوا : أن هذا الرجل قد جاء بنية صافية، وبإخلاص وصدق، لا يريد بسؤاله هذا استدراج الإمام «علیه السلام» إلى حديث فيه تحيز لأبيه بلا مبرر، أو فيه مبالغات أنتجتها العصبية، والحب، والميل الطبيعي.

ولأجل هذا قال له الإمام الحسين «علیه السلام» على سبيل الإستغراب لهذا الطلب» وما عسيت أن أحدثك، وهو أبي؟!

أي أنه قد يدور في خلدك: أنني بالغت أو تعصبت لأبي متأثراً بعلاقة الأبوة والرحم.

لكن السائل أصر على الإمام الحسين «علیه السلام» بأن يكون هو الذي يحدثه غير مكترث بأوهام الناس الذين في قلوبهم مرض، والذين لا يعرفون الإمام الحسين «علیه السلام» حق المعرفة، ولم يأخذوا بنظر الإعتبار طهره، ومقامه، وأثره في الدين، والإيمان..

التفويض للنبي «صلی اللّه علیه وآله» وعلي:

وقد تضمن حديث الإمام الحسين «علیه السلام» هنا، أمراً مهماً وجليلاً، وهو موضوع التفويض للنبي والإمام «صلوات اللّه وسلامه عليهما».

والأساس الذي قام هذا التفويض عليه، وكان هو المسوغ له، هو هذا التأديب الإلهي للنبي «صلی اللّه علیه وآله» وتأديب النبي «صلی اللّه علیه وآله» للإمام بالآداب كلها.

وكان يجب أن يشتمل هذا التأديب على خصوصيتين:

أولاهما : الشمول لجميع الآداب..

الثانية: الإستحكام..

فلما تحقق ذلك حصل التفويض للنبي «صلی اللّه علیه وآله»، وللإمام «علیه السلام».

أسئلة تحتاج إلى جواب:

وتبقى هنا أسئلة تحتاج إلى جواب، وهي:

1 - لماذا كان التأديب دون سواه هو الأساس والمسوغ.. للتفويض..

2 - ما المقصود بالآداب التي أدب بها النبي والوصي؟!

3 - ما المقصود بخصوصية الإستحكام للأدب؟!

4 - ما المراد بالتفويض للنبي والإمام؟!

5 - وما الذي يفوضه إليهما ؟!..

ونجيب على السؤال الأول بما يلي:

إن هذه الأمور التي تشكل العناصر المكونة لهذه المنظومة المعتمدة في سياسة العباد، إنما كان المنطلق لها هو ما رسمه اللّه سبحانه للأنبياء من وظائف، وما أوكله إليهم من مهمات، فإنهم ليسوا مجرد مبلغين للأحكام، وللحلال والحرام، وينتهي دورهم عند هذا الحد، بل هم قادة للأمم، وحاملون لهمومهم ومشاكلهم، ومدبرون لأمورهم..

وهم أيضاً مربون لهم يطهرون ضمائرهم، ويزكون وجدانهم، ويضبطون تصرفاتهم، ويملأون القلوب بحب اللّه، وبالخشية، والخشوع له، ويعمرونها بالإيمان والتقوى، وتكون موئلاً للخير، والتزام الحق والصدق.

وهم رعاة وهداة، وساسة كفاة، ومعلمون ثقات، وإلى اللّه دعاة، وهم حصون وحماة، وملجأ فى النائبات.

وهذا يدلل على أنهم لا بد أن يمتلكوا الوسائل، وتكون لديهم القدرات والطاقات، التي يتمكنون بها من القيام بهذه المهمات الجليلة، بالإضافة إلى مهمات لها ارتباط بأمور الكائنات الأخرى.. لا بد من التصدي لشؤونها.

وهي طاقات وقدرات يجب أن تكون هائلة، تستوعب مختلف المجالات لاسيما مجالات العلوم، والإطلاع على الأسرار وحقائق التكوين، وخفاياه، ويكفي أن نذكر أن رسول اللّه قد علم عليا «عليه

السلام» ألف باب من العلم، يفتح له من كل باب ألف باب.

يضاف إلى ذلك ما يمنحهم اللّه إياه في مجال الطاقات الروحية والنفسية، والأخلاقية، بالإضافة إلى منح ربانية، تتوفر لهم من خلال التوفيقات الإلهية، التي رآهم اللّه تعالى أهلاً لها.

وهذا كله يعطي انطباعاً ولو محدوداً عن التأديب بكل الآداب الشرعية، والإيمانية والمعارف الإعتقادية، والعلوم، والأخلاق، وآداب السلوك، والتربية الروحية والنفسية، والعلاقة مع اللّه، ومع الإنسانبجميع فئاته، ومع جميع الموجودات، وسائر المخلوقات..

لأن ذلك هو الذي يمكّن النبي والإمام من إنجاز المهمات الموكلة إليه.

وهو الذي يسمح بتفويض الأمر إليه، بعد أن عرف المصالح والمفاسد، واطلع على الأسرار، وأصبح قادرا على أن يضع كل شيء في موضعه.

وبذلك يعرف الجواب على السؤال الأول والثاني، كما أنه يمثل إطلالة على الأجوبة على باقي الأسئلة، وهي أجوبة أشارت إليها الروايات أيضاً.

2 - وأما الجواب على سؤال التفويض، فقد صرحت الروايات: بأنه تعالى يفوض أمر دينه إلى النبي والإمام الذي أطلعه على المصالح والمفاسد، وعلى ما يحتاج إليه من أسرار وحقائق،

ودقائق (1).

وفي الحديث القدسي في ميلاد علي «علیه السلام»: اشتققت اسمه من إسمي، وأدبته بأدبي، وفوضت إليه أمري، ووقفته على غامض علمي (2).

وفي الصحيح عن ثعلبة بن ميمون، عن زرارة، سمعت أبا،جعفر، وأبا عبد اللّه «صلوات اللّه عليهما» يقولان: إن اللّه عز وجل فوض إلى نبيه أمر خلقه، لينظر كيف طاعتهم، ثم تلا «مَا آتَاكُمُ


1) راجع: بصائر الدرجات ص 378 و (ط الأعلمي) ص398 وبحار الأنوار ج 25 ص 331 والبرهان (تفسير) ج 5 ص 338.

2) راجع: موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «علیه السلام» في الكتاب والسنة والتاريخ ج 1 ص 76 و 77 وعلل الشرائع ج 1 ص 164 و (ط المطبعة الحيدرية) ج 1 ص 136 ومعاني الأخبار ص62 و 63 وروضة الواعظين ص 77 والأمالي للشيخ الصدوق ص 195 والأمالي للشيخ الطوسي ص 707 والثاقب في المناقب لابن حمزة الطوسي ص197 و 198 والمحتضر لحسن بن سليمان الحلي ص 264 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 61 والجواهر السنية للحر العاملي ص230 وحلية الأبرار ج 2 ص 22 ومدينة المعاجز ج 1 ص 48 وبحار الأنوار ج 35 ص 9 و 37 والأنوار البهية ص 68 والإمام علي بن أبي طالب «علیه السلام» للّهمداني ص 636 وبشارة المصطفى ص 27 والدر النظيم ص 235 وكشف الغمة ج 1 ص 61 وكشف اليقين ص 19 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 5 ص 57.

الرَّسُولُ فَخُدُوهُ وما نهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» (1)» (2).

وعن جابر الأنصاري، عن النبي «صلی اللّه علیه وآله» في حديث: «ثم خلق الخلق، وفوض إلينا أمر الدين، فالسعيد من سعد بنا، والشقي من شقي بنا، نحن المحللون لحلاله، والمحرمون لحرامه»(3).

وعن الإمام الباقر «علیه السلام»: «من أحللنا له شيئا أصابه


1) الآية 7 من سورة الحشر.

2) بصائر الدرجات ص378 و (ط الأعلمي) ص398 و 399 والكافي ج1 ص 266 و 267 ومستدرك سفينة البحار ج 8 ص 324 وروضة المتقين ج 12 ص 206 والوافي ج 3 ص 615 وبحار الأنوار ج 17 ص 4 وج 25 ص332 ومرآة العقول ج 3 ص 150 و 153 والبرهان (تفسير) ج 5ص 336 و 337 و 338 ونور الثقلين (تفسير) ج 5 ص 281 وكنز الدقائق (تفسير) ج 13 ص 168 و 169.

3) مائة منقبة لابن شاذان ص 25 و 26 والمحتضر للحلي ص173 وبحار الأنوار ج 17 ص 13 و ج 2 ص 339 و ج 27 ص284 والمناقب للخوارزمي (ط تبريز) ص 80 و (ط جماعة المدرسين سنة 1414ه) ص 135 ومستدرك سفينة البحار ج 8 ص 325 وكشف الغمة ج1 ص 296 وكشف اليقين ص 255 وكتاب الأربعين للشيرازي ص 43 والأربعين في حب أمير المؤمنين ج 1 ص 75 وغاية المرام ج 2 ص 291 وج 4 ص 186 و ج 5 ص 129 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج7 ص 253.

من أعمال الظالمين فهو له حلال، لأن الأئمة منا مفوض إليهم، فما أحلوا فهو حلال، وما حرموا فهو حرام (1).

وعن الإمام السجاد في حديث: «وفوض إلينا أمور عباده، فنحن نفعل بإذنه ما نشاء، ونحن إذا شئنا شاء اللّه، وإذا أردنا أراد اللّه» (2).

وعن أبي جعفر الجواد «علیه السلام»: «ثم خلق محمداً وعلياً وفاطمة، فمكثوا ألف دهر، ثم خلق جميع الأشياء، فأشهدهم خلقها، وأجرى طاعتهم عليها، وفوض أمورها إليهم، فهم يحلون ما يشاؤون، ويحرمون ما يشاؤون، ولن يشاؤوا إلا أن يشاء تبارك وتعالى» (3).

وفي رواية: إنه قد فوض إلى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» في كل شيء، واللّه في كل شيء (4).


1) بصائر الدرجات (ط الأعلمي) ص 404 والإختصاص للمفيد ص330 وبحار الأنوار ج 25 ص 334 و ج 2 ص 383 ومستدرك الوسائل ج8 ص 326 و 327 وج 13 ص138و 227.

2) الهداية الكبرى ص 230 وبحار الأنوار ج 26 ص 14 ومستدرك سفينة البحار ج 4 ص 251 وج 8 ص 327.

3) الكافي ج 1 ص 441 وبحار الأنوار ج 15 ص 19 وج 54 ص 195 وج 25 ص 340 وراجع ص 25 والوافي ج 3 ص 682 وحلية الأبرار ج1 ص18 ومرآة العقول ج 5 ص 190 ومستدرك سفينة البحار ج 8 ص 327 ومشارق أنوار اليقين ص 60.

4) بصائر الدرجات ص 378 و (ط الأعلمي) ص 400 وبحار الأنوار ج 17 ص 9.

وفي زيارة أمير المؤمنين والأئمة «علیهم السلام»: «واسترعاكم الأنام، وفوض إليكم الأمور، وجعل إليكم التدبير، وعرفكم الأسباب والأنساب، وأورثكم الكتاب، وأعطاكم المقاليد، وسخر لكم ما خلق (1).

خلاصة وبيان:

التفويض يراد به عدة معان أشير إليها في الروايات، وقد أجملها الشيخ علي النمازي «قدس سره» على النحو التالي:

الأول: التفويض في أمر الدين على التفصيل المذكور، فإنه ثابت..

(ولعل مراده بالتفصيل المذكور أن اللّه إذا حكم بحرمة شيء، أو وجوبه، أو حليته، فرسول اللّه لا يحرم ما أحل اللّه، ولا العكس، ولا يغير فرائضه تعالى.

كما ذكر أن الإمام لا يغير ما حكم به رسول اللّه، فالرسول حرم كل مسكر، وفرض الركعتين في اليومية الرباعية، فليس للإمام أن يغيرهما، بل يتصرف الإمام والنبي في الموارد التي ليس فيها حكم


1) البلد الأمين ص 299 وبحار الأنوار ج 97 ص 344 ومستدرك سفينة البحار ج 8 ص 330 ومستدرك الوسائل ج 10 ص 419 والمزار لابن المشهدي ص 248.

إلزامي من اللّه ومن الرسول (1)).

الثاني: تفويض أمور الخلق إليهم، من سياستهم، وتأديبهم، وتكميلهم، وتعليمهم، وتربيتهم، وأمرهم ونهيهم.

الثالث: تفويض بيان العلوم والأحكام، بما أرادوا، ورأوا المصلحة فيها بسبب اختلاف عقولهم، أو بسبب التقية، فيفتون بالواقع، أو بالتقية، أو لا يجيبون.

الرابع: الاختيار في أن يحكموا بظاهر الشريعة، أو بعلمهم أو بما يلهمهم اللّه من الواقع.

الخامس: التفويض في العطاء والمنع، وهذا كله حق ثابت.

السادس: وهو المنفي عنهم التفويض في الخلق، والرزق والتربية والإماتة، والإحياء بقدرتهم وإرادتهم من عند أنفسهم، من دون أمر من الرب سبحانه وتعالى، وهذا كفر وتكذيب (2). انتهى.

وهذا بحث مفصل لا مجال للإحاطة به في مثل هذا الكتاب، لأنه يحتاج إلى توفر تام وتأليف مستقل.


1) أقحمنا هذه الفقرة بطولها في ضمن كلمات النمازي «رَحمهُ اللّه» من أجل توضيح مراده.

2) مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 334.

الباب الثاني : مع سياسات الحكام..

اشارة

الفصل الأول: وقفات حادة مع الحكام..

اشارة

أشر علي في الحسين:

العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي قال:

دعا معاوية مروان بن الحكم، فقال له: أشر علي في الحسين

فقال: أرى أن تخرجه معك إلى الشام، وتقطعه عن أهل العراق وتقطعهم عنه.

فقال: أردت واللّه أن تستريح منه، وتبتليني به، فإن صبرت عليه صبرت على ما أكره، وإن أسأت إليه قطعت رحمه.

فأقامه وبعث إلى سعيد بن العاص، فقال له: يا أبا عثمان أشر علي في الحسين.

فقال : إنك واللّه ما تخاف الحسين إلا على من بعدك، وإنك لتخلّف له قرناً إن صارعه ليصرعنه، وإن سابقه ليسبقنه، فذر الحسين بمنبت النخلة، يشرب الماء، ويصعد في الهواء، ولا يبلغ إلى السماء (1).


1) بحار الأنوار ج 44 ص 210 والعوالم ج 17 ص 88 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 235.

قال المجلسي «رحمه اللّه»:

بیان :قوله يشرب الماء الظاهر أنه صفة النخلة، أي كما أن النخلة في تلك البلاد تشرب الماء، وتصعد في الهواء، وكلما صعدت لا تبلغ السماء، فكذلك هو كلما تمنى وطلب الرفعة، لا يصل إلى شيء، ويحتمل أن تكون الضمائر راجعة إليه «صلوات اللّه عليه» (1).

ونقول:

لماذا يهتم معاوية لأمر الحسين ؟!:

إن ما أهم معاوية ليس هو الحسين «علیه السلام» الساكت، والمنصرف إلى عبادة ربه وأمور معاشه ومتابعة حياته الرضية والهادئة.

وإنما الذي كان يقلق معاوية هو ما سيكون عليه موقف الحسين «علیه السلام» حين يشرع معاوية في تهيئة الأمور ليزيد.. وذلك لسببين:

أولهما: أن إقدام معاوية على هذا الأمر نقض لما كان معاوية قد سجله على نفسه في كتاب العهد (الصلح) مع الإمام الحسن «علیه السلام» من أنه ليس لمعاوية أن يعهد إلى أحد، بل الأمر من بعده للحسن «علیه السلام»، ثم للحسين «علیه السلام».


1) بحار الأنوار ج 44 ص 210.

وقد تمكن معاوية من التخلص من الإمام الحسن بدس السم إليه، وبقي الحسين «علیه السلام».

الثاني: أن كل شيء يمكن تصوره، وتجرع مرارته إلا أن تبتلى الأمة براع مثل يزيد المعروف بالفسق والفجور، والمرتكب الجرائم قتل النفس المحترمة من المسلمين، وشارب الخمور، واللاعب بالقرود إلى غير ذلك مما يطول المقام بذكره.

وكان معاوية يرى هذه العاهات في ولده، ويعرف أن أحداً من أهل العقل والدين لا يرضاها ولا يحتملها، فما بالك بالإمام الحسين «عليه السلام».

فاستشارته لمروان تارة، ولسعيد بن العاص أخرى، إنما تهدف إلى تلمس المخارج والحيل للتغلب على هذا المشكل، وحل هذا المعضل.

مشورة سعيد ومشورة مروان:

وقد عبَّر سعيد بن العاص عما في ضمير معاوية، وما يهدف إلى معالجته باستشارته هذه وكانت مشورة سعيد في غاية الخبث، فإنه طمأن معاوية إلى أن القرن الذي سيخلفه معاوية، وهو يزيد، رجل بطاش لا يرعى في الحسين إلا ولا ذمة، فإن لم يستجب الحسين «علیه السلام» لما يريد يبطش به بكل ما لديه من قوة.

وهذا يؤدي إلى النتيجة التي انتهى إليها سعيد بن العاص، وهي أن تركه في المدينة معناه: أن نجمه مهما علا، وأن شوكته مهما

قويت فإنه لن يستطيع أن يصل إلى ما يريد، بل يبقى يزيد قادراً على حسم الموقف، ولو بالقضاء عليه.

غير أن مشورة مروان لم تكن أقل خبثاً أيضاً، فإن قطع الحسين «علیه السلام» عن أهل العراق، وفرض الإقامة عليه في الشام، أمر مهم في إضعاف أمره «علیه السلام»، لاسيما وأن أهل العراق هم الذين يتوقع منهم التحرك مع الحسين «علیه السلام»، فيما لو أراد التحرك.

معاوية وقطيعة رحم الحسين

ولكن ما لفت نظرنا: هو أن معاوية يرفض مشورة مروان بحجة أن إخراج الحسين إلى الشام، من شأنه أن يجلب لمعاوية متاعب، ويتسبب له بآلام، قد لا يسهل عليه الصبر عليها، فإن أراد أن يواجه الحسين بما يسوؤه يكون قد قطع رحمه..

مع أن معاوية قد جمع عشرات الألوف جمع عشرات الألوف في صفين لقتال وقتل علي والحسن والحسين «علیهم السلام» وبني هاشم، وذرياتهم وشيعتهم، ومعهم خيار الأمة الذين ناصروهم، فألا يعد ذلك كله قطيعة رحم؟!

سعيد ومروان فقط:

وقد لفت نظرنا: أن معاوية لم يستشر في أمر الحسين «عليه السلام» سوى مروان بن الحكم، وسعيد بن العاص، بالرغم من كثرة

من هم على نهج معاوية ورأيه..

فلو لم يكن هذان الرجلان أقرب الناس إلى فكر معاوية، وأنصح الناس له، لما اقتصر في استشارته عليهما.

وبمقدار ما يكونان ناصحين لمعاوية، فإنهما يكونان غاشين للحسين «علیه السلام».

خصمك القوم يا معاوية:

عن صالح بن كيسان قال: لما قتل معاوية حجر بن عدي وأصحابه حج ذلك العام، فلقي الحسين بن علي «علیه السلام» فقال: يا أبا عبد اللّه، هل بلغك ما صنعنا بحجر، وأصحابه، وأشياعه، وشيعة أبيك ؟!

فقال «علیه السلام»: وما صنعت بهم؟!

قال: قتلناهم، وكقناهم، وصلينا عليهم.

فضحك الحسين «علیه السلام» ثم قال خصمك القوم يا معاوية، لكننا لو قتلنا شيعتك ما كفناهم، ولا صلينا عليهم، ولا قبرناهم.

ولقد بلغني وقيعتك في علي وقيامك ببغضنا، واعتراضك بني هاشم بالعيوب، فإذا فعلت ذلك فارجع إلى نفسك، ثم سلها الحق عليها ولها، فإن لم تجدها أعظم عيباً، فما أصغر عيبك فيك، وقد ظلمناك يا معاوية.

فلا توترن غير قوسك، ولا ترمين غير غرضك، ولا ترمنا

بالعداوة من مكان قريب، فإنك واللّه لقد أطعت فينا رجلا ما قدم إسلامه ولا حدث نفاقه، ولا نظر لك فانظر لنفسك أو دع - يعني: (عمرو بن العاص) -(1).

ونقول:

لو قتلنا شيعتك، ماكفناهم، ولا صلينا عليهم:

1 - إن ما قاله الإمام الحسين لمعاوية يستند إلى أصل أصيل، وهو: أن معاوية وشيعته بغاة على إمام زمانهم، خارجون عليه، والخارج على إمام زمانه كافر يقتل (2).

ويدل على ذلك: حديث من مات وليس في عنقه بيعة، أو لم


1) الإحتجاج للطبرسي ج 2 ص 19 و 20 وبحار الأنوار ج 44 ص 129 و 130 وج 78 ص 298 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 2 ص 515 و (الإسلامية) ج 2 ص 704 والدر النظيم ص 528 والدرجات الرفيعة ص 429 وأعيان الشيعة ج 1 ص 582 وكشف الغمة ج 2 ص 205 و (ط دار الأضواء) ج2 ص 240 والمحجة البيضاء ج 4 ص 227 وراجع: هداية الأمة ج 1 ص 259 ونزهة الناظر ص 82.

2) راجع: تاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 3 ص 375 و 384 والفتنة ووقعة الجمل ص 47 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 6 ص 64 وأسد الغابة ج 3 ص 237 وتاريخ مدينة دمشق ج 39 ص 312 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 437 وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص103.

يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، أي ميتة كفر (1).


1) راجع: مسند أحمد ج 4 ص 96 و ج 3 ص 446 ومجمع الزوائد ج 5 ص 218 و 223 و 219 و 224 و 225 وشرح المقاصد ج 2 ص 275 225 وشرح التفتازاني لعقائد النسفي (ط سنة 1302 ه) والسنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 156 وتيسير الوصول ج 2 ص 47 وعن صحيح مسلم ج 4 ص 126 و 124 و 125 وشرح السير الكبير ج1 ص 113 والعثمانية ص 29 و (ط دار الكتاب العربي - مصر) ص301 والمحلى ج9 ص 359 والوافي بالوفيات ج 9 ص 63 و 110 والمعيار والموازنة ص 24 وكتاب السنة لابن أبي عاصم ص 489 وصحيح ابن حبان ج10 ص 434 و 435 والمعجم الأوسط ج 3 ص 361 وج 6 ص 70 والمعجم الكبير ج 10 ص 289 و ج 12 ص 337 و ج 19 ص 338 ومسند الشاميين للطبراني ج 2 ص 438 و ج 3 ص 260 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 9 ص 155 و ج 13 ص 242 وكنز العمال ج 1 ص 103 و 207 و 208 وج 6 ص 65 ومسند أبي يعلى ج 13 ص 366 وتفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 1 ص 517 وإزالة الخفاء ج 1 ص 3 والمستدرك للحاكم ج 1 ص 77 و 117 ومسند أبي داود الطيالسي ص 259 وراجع المحاسن للبرقي ج 1 ص 92 والكافي ج 1 ص 377 و ج 2 ص20 و 21 ودعائم الإسلام ج 1 ص 25 و 27 وثواب الأعمال للصدوق ص205 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 28 ص 353 و (الإسلامية) ج 18 ص 567 ومستدرك الوسائل ج 18 ص 183 وكتاب الغيبة للنعماني ص129 والإفصاح للمفيد ص 28 والفصول المختارة للمرتضى ص325 والثاقب في المناقب ص 495 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص 212 وبحار الأنوار ج 8 ص 362 و 368 وج 23 ص 76 و 77 و 78 و 85 و 89 و 94 وج 27 ص 201 و ج 32 ص 331 و 37 ص27 وج 49 ص 341 و ج 65 ص 337 و 387 وكتاب الأربعين و للماحوزي ص 223 و 226 و 401 ونور الثقلين (تفسير) ج 1 ص 503 و 504 والميزان (تفسير) ج 3 ص 381 وتفسير أبي حمزة الثمالي ص80 وتفسير العياشي ج 1 ص 252 وينابيع المودة ج 1 ص 351 وج 3 ص 456.

وذكرت نصوص عديدة : أن حكم البغاة الذين لهم فئة تؤويهم أو تحميهم، وتقويهم حكم المشركين.

وبذلك يتضح المأخذ الذي اعتمد عليه الإمام الحسين «علیه السلام» فيما قاله لمعاوية. فإن الباغي المحارب الإمام زمانه كافر، والكافر بجميع أقسامه لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن كما هو واضح.

وهذا الحكم إجماعي، كما قال الشيخ الطوسي، والعلامة والشهيد، بل قيل: إن دعوى الإجماع عليه متواترة (1).

2 - ما فعله معاوية - كما ادعى - من أنهم قتلوا حجراً وأصحابه، وأشياعه، وقتلوا شيعة على «علیه السلام»، وكفنوهم، وصلوا عليهم، يمثل اعترافا بأن المقتولين مسلمون مؤمنون. ولذلك قال الحسين لمعاوية: «خصمك القوم يا معاوية».


1) جواهر الكلام ج 4 ص 80.

3 - ولا يكاد ينقضي تعجبي من وقاحة هذا الرجل، في إقدامه على إخبار الحسين «علیه السلام» بالجرائم التي ارتكبها في حق صلحاء الأمة، وهم،حجر، وأصحابه، وأشياعه، وشيعة علي «علیه السلام» متبجحاً بهذا الفعل الشنيع أمام أطهر الناس ضميراً، وأصفاهم نفسأ، وأرهفهم حساً.

لعل هدفه من إخباره بهذا هو التلذذ والتشفي بالأذى الذي سيلحق بالإمام الحسين، نتيجة لهذا التصرف الخبيث.

وقد ظلمناك يا معاوية:

وبعد أن ذكر «علیه السلام» أنه كان واقفاً على ممارسات معاوية، التي تتمحور حول أمور ثلاثة هي:

1 - الوقيعة بأمير المؤمنين «علیه السلام».

2 - العمل على إشاعة بغض أهل البيت في الناس، واعتباره الهدف الأساس، والمحور لجهوده.

3 - نسبة العيوب والنقائص لبني هاشم، والحط من شأنهم، والطعن بكرامتهم، وإسقاطهم من أعين الناس.

الإقتراح المحرج:

ثم اقترح «علیه السلام» على معاوية أن يراجع حساباته، وينظر في الواقع الذي هو فيه نظرة تجرُّد وإنصاف ويحدد ما له وما عليه، فإن لم يجد أن أصغر عيوبه هو أعظم خطراً وسوءاً من أي عيب

ينسبه إلى بني هاشم - نعم إنه إن لم يصل إلى هذه النتيجة - فسوف نعتبر معاوية مظلوماً من قبل الحسين، وبني هاشم، ومن يسير في خط الإسلام والإيمان.

ويلاحظ: أنه «علیه السلام» قد طلب من معاوية أن يوازن بين عيوب نفسه والعيوب التي ينسبها إلى بني هاشم، ولم يطلب الموازنة بينه وبين الأئمة الطاهرين المعصومين منهم - كعلي، والحسنين، والسجاد «علیهم السلام»، فإن هؤلاء أعظم وأجل من أن يقاس بهم أحد..

وإن لم يفعل ذلك، فإنه يكون كمن أوتر غير قوسه، ورمي في غير هدفه.. ومن يفعل ذلك فحري به أن يفقد القوس الذي أوتره، فيفوته الرمي، وأن يصبح تائها، لا يملك غرضاً يرميه. وهو الفشل الذريع، والسقوط المريع..

دور ابن العاص:

وقد بين «علیه السلام» أخيراً : أن معاوية كان متأثراً بأفكار عمرو بن العاص، وإيحاءاته، وعمرو منافق من قديم الأزمان.

وهذه الرواية تدلنا على أن عمرواً كان على قيد الحياة إلى ما بعد استشهاد حجر بن عدي وأصحابه، مما يعني أن القول بأنه مات في سنة إحدى وخمسين أو بعدها هو الأقوى، وهذه الرواية تشير إلى ما قلناه، وتؤكد ما استفدناه.

لولا فاطمة بم تفخرون علينا؟!

عن محمد بن السايب أنه قال: قال مروان بن الحكم يوما للحسين بن علي «علیهما السلام»:

لولا فخركم بفاطمة، بم كنتم تفتخرون علينا ؟!

فوتب الحسين «علیه السلام» - وكان «علیه السلام» شديد القبضة - فقبض على حلقه فعصره، ولوى عمامته على عنقه حتى غشي عليه، ثم تركه.

وأقبل الحسين «علیه السلام» على جماعة من قريش فقال:

أنشدكم باللّه إلا صدقتموني إن صدقت أتعلمون أن في الأرض حبيبين كانا أحب إلى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» مني ومن أخي؟! أو على ظهر الأرض ابن بنت نبي غيري وغير أخي؟!

قالوا: اللّهم لا.

قال: وإني لا أعلم أن في الأرض ملعوناً ابن ملعون غير هذا وأبيه، طريدي رسول اللّه.

واللّه ما بين جابرس وجابلق أحدهما بباب المشرق، والآخر بباب المغرب رجلان ممن ينتحل الإسلام أعدى للّه ولرسوله، ولأهل بيته منك، ومن أبيك إذ كان.

وعلامة قولي فيك أنك : إذا غضبت سقط رداؤك عن منكبك.

قال: فواللّه ما قام مروان من مجلسه حتى غضب، فانتفض، وسقط رداؤه عن عاتقه (1).

ونقول:

لماذا غضب الإمام ؟!:

1 - إن الذي أثار حفيظة الإمام الحسين «علیه السلام» على مروان:

أولاً: إنه يريد تكذيب آيات القرآن الكثيرة النازلة في حق علي والحسن والحسين «علیهم السلام»، وأن يكذب مئات النصوص التي صدرت عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» في حقهم أيضاً، مع أن هذه النصوص، وبيان تلك الفضائل إنما هو لترسيخ العلاقة بين الناس، وبين هداتهم، وقادتهم، وولاة أمرهم، فالعبث بهذه العلاقة، وإثارة الشبهة بما جاء في حقهم «علیهم السلام»، إنما هو تضييع للأهداف، وهدر للجهود التي أريد بها خير الناس وصلاح أمرهم.

ثانياً: إن مروان يريد أن يعتبر القربى من فاطمة «علیها السلام» هي مصدر الفخر للحسنين «علیهما السلام»، وربما كان يريد بطريقة


1) الدر النظيم ص 529 والإحتجاج للطبرسي ج 2 ص 23 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 51 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 209 ومدينة المعاجز ج 3 ص 497 و 498 وبحار الأنوار ج 44 ص 206 والعوالم ج 17 ص 86.

مبطنة أن ينكر أن يكون رسول اللّه مصدرا للفخر، ولأجل ذلك لم يشر إليه بشيء، لا من قريب ولا من بعيد مع أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله» هو مصدر فخر فاطمه، لكنه تجاهله، ولم يشر إلىه بشيء، بل هو وبنو أمية ينكرون أن يكون الحسنان إبني الرسول من الأساس، لأن بنوته لها «صلی اللّه علیه وآله» مكرمة وفخر لها، فالإقرار بهذا إقرار بأنه «صلی اللّه علیه وآله» مصدر الفخر، ولا يريدون إقرارا له بهذا المعنى، ولذا أرادوا أن ينكروا أن يكون علي «علیه السلام» مصدراً للفخر..

وهذا عدوان هائل على رسول اللّه، ودين اللّه ومحق لحقائقه، وإذا أجاز هؤلاء لأنفسهم التطاول إلى هذا الحد، وسكت الناس عنهم، فمن يضمن أن لا يتجاوزوا ذلك إلى إنكار النبوة، أو الطعن في كتاب اللّه تبارك وتعالى، وفي التوحيد بنفس ما طعن به أسلافهم المشركون؟!

2 - إذا بلغت الوقاحة والجرأة إلى هذا الحد، فإن أسلوب الإقناع لم يعد يجدي، فإن من ينكر وجود الشمس الطالعة، لا يقنعه الإستدلال على وجودها بوجود حرارتها أو نورها.. وما إلى ذلك.

لأن الوجود العيني والمحسوس للشيء أقوى وأجدى من كل دليل، فإذا أجزنا للناس إنكار الموجود الحاضر والماثل للعيان، لم يعد هناك ما يمكن التعويل عليه والرجوع إليه.

وينحصر التعامل معه إما بالتخلص منه وهذا غير ممكن، أو التعامل معه بطريق تضطره للإعتراف بالحقائق، والخضوع لها..

وقد تعامل الإمام الحسين مع مروان على ثلاث مراحل، هي:

مجابهة المحسوس بالمحسوس: فمن ينكر المحسوس لا بد أن يجابه بمحسوس لا يمكنه إنكاره، ولا تجاهله والتغاضي عنه..

وهذا ما فعله الإمام الحسين بالضبط، فإنه قبض على حلق مروان وعصره، ولوی عمامته على عنقه، فلم يستطع مروان أن يتجاهل الخطر المتوقع، والألم المحسوس له، وضيق النفس الذي يعاني منه، بسبب قبضة الإمام.

وبذلك أصبح مروان مهيّأ للإعتراف بما هو أوضح من الشمس، وأبين من الأمس.

شهادة رجال قريش:

ثم أتبع الإمام «علیه السلام» المرحلة المتقدمة بمرحلة أخرى، تتمثل باستخلاص شهادة من رجال قريش الذين هم السند والمستند لمروان تبين أن الحسنين «علیهما السلام» هما أحب أهل الأرض إلى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وكفى بذلك فخراً للحسنين «صلوات اللّه عليهما».

كما أنهما دون جميع أهل الأرض إبنا بنت نبي.. فما معنى ادعاء أن الفخر للحسنين منحصر بفاطمة دون رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله»؟! حتى كأن التقرب منه لا يوجب فخراً، ولا عزاً؟!

أليس هذا ينطلق من نفس السياسة التى تجعل الآيات تنزل

بموافقة عمر، ومخالفة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وسياسة معاوية القاضية بدفن ذكر رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» كما رواه المسعودي في مروجه؟!

النبي هو المعيار:

ثم إنه «علیه السلام» ومن خلال اعتماد الحقيقة التي تقول: إن تعامل النبي دال على القربى والحظوة له وأقوال النبي المشتملة على الثناء والرضى والحب لشخص إذا كان من موجبات الفخر له.. فإن غضب النبي على شخص، والجهر بلعنه، وطرده، يجب أن يكون فيه الخزي والعار، وأن يكون علامة مذلة للشخص أيضاً..

فكيف إذا زاد ذلك الشخص الطين بلة، وأصبح أعدى أعداء النبي «صلی اللّه علیه وآله» وأهل بيته ؟!

وقد كان هذا هو حال مروان وأبيه مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله».

علم الإمامة:

ثم عقب بذلك «علیه السلام» بإظهار دلالة من دلائل إمامته، واتصاله بالغيب الذي يعجز عنه مروان وكل من هم على شاكلته، حيث أراه عياناً مفردة من مفردات علم الإمامة الخاص، فقد أخبره بأنه إذا غضب انتفض، وسقط رداؤه عن عاتقه.

تقول الرواية المتقدمة: «فواللّه ما قام مروان من مجلسه حتى

غضب وانتفض، وسقط رداؤه عن عاتقه».

والخلاصة لما تقدم: أن الحسين كما يفخر بفاطمة، فإنه يفخر بحب رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» له.

ويفخر أيضاً : بأنه سبط نبي.

ويفخر ثالثاً: بأنه يملك علم الإمامة، الذي تكون معرفة الإمامة الغيبية جزءاً منه.

وبذلك يكون مروان قد حصد من هذا الموقف أعظم الذل والمهانة والخزي والمثل يقول على نفسها جنت براقش.

ردوا إلى اللّه مولاهم الحق:

عن داود بن فرقد، عن أبي عبد اللّه «علیه السلام» قال: دخل مروان بن الحكم المدينة، قال: فاستلقى على السرير، وثم مولى للحسين «علیه السلام»، فقال: «رُدُّوا إِلى اللّه مَوْلاهُمُ الحَقِّ [ألا لَهُ الحُكْمُ] وَهُوَ أَسْرَعُ الحَاسِبين» (1).

قال: فقال الحسين لمولاه: ماذا قال هذا حين دخل؟!

قال: استلقى على السرير، فقرأ «رُدُّوا إِلَى اللّه [مَوْلَاهُمُ]» إلى قوله: «الحَاسِبين».

قال: فقال الحسين «علیه السلام»: نعم واللّه، رددت أنا وأصحابي


1) الآية 62 من سورة الأنعام.

إلى الجنة، ورد هو وأصحابه إلى النار (1).

ونقول:

إن هذا التفسير للآية من الإمام الحسين «علیه السلام» يجعلك أمام عدة أمور:

أحدها: الإشارة إلى مضمون ما روي عن النبي «صلی اللّه علیه وآله»، من أنه قال: كم من قارئ للقرآن والقرآن يلعنه(2). أو رب تال للقرآن والقرآن يلعنه (3).

ومروان مصداق لهذا الحديث، فهو يقرأ آية تنطبق عليه، وتبين مصيره الأسود. ولا يدري؟!


1) وتفسير العياشي ج 1 ص 362 وبحار الأنوار ج 44 ص 206 و والبرهان (تفسير) ج 1 ص 529 و (ط مؤسسة البعثة) ج 2 ص428 ونور الثقلين (تفسیر) ج 1 ص 723 و 724 وكنز الدقائق (تفسير) ج 4 ص 346 و 347.

2) بحار الأنوار ج 89 ص 185 عن أسرار الصلاة، ومستدرك الوسائل ج4 ص 250 ومجمع البحرين ج 1 ص 340.

3) الوافي ج 8 ص 632 وبحار الأنوار ج 89 ص 184 ومستدرك الوسائل ج 4 ص 249 وشرح نهج البلاغة لابن ميثم ج 1 ص 209 وبحار الأنوار ج 89 ص 184 ومستدرك سفينة البحار ج 8 ص 461 وتفسير الآلوسي ج 22 ص 192 والمحجة البيضاء ج 2 ص 218 واللمعة البيضاء ص666 ومجمع البحرين ج 3 ص478.

الثاني: الرغبة في توعية الأمة على معاني القرآن، وتطبيقاته.

الثالث: إن على الناس أن يرجعوا في فهم القرآن إلى أهل القرآن، وهم النبي وأهل بيته الطاهرين.

الرابع: إنه «علیه السلام» يريد من الناس أن يكونوا يقظين في اختيار الأشخاص الذين يعاشرونهم، فإن بعضهم قد يكون سببا في ضلالهم، وفي صيرورتهم جهنميين بمتابعتهم له، وأخذهم منه.

حسدتني على حلمي:

وقالوا: كان بين الحسين وبين الوليد بن عقبة منازعة في ضيعة، فتناول الحسين عمامة الوليد عن رأسه، وشدها في عنقه، وهو يومئذ وال على المدينة، فقال :مروان باللّه ما رأيت كاليوم جرأة رجل على أميره.

فقال الوليد واللّه ما قلت هذا غضباً لي، ولكنك حسدتني على حلمي عنه وإنما كانت الضيعة له.

فقال الحسين: الضيعة لك يا وليد، وقام (1).


1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 66 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص224 وبحار الأنوار ج 44 ص 191 والعوالم ج 17 ص 66 وتاريخ مدينة دمشق ج 63 ص 210 ومستدرك سفينة البحار ج 7 ص 594 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 632 عن مختصر تاريخ دمشق (ط دار الفكر) ج 26 ص 332.

ونقول:

ذل المعتدي:

إن من يعتدي على الناس، ويحاول استلاب أموالهم بالإدعاءات الباطلة، يعيش فى داخله ضعة ومهانة وذلاً، وإن تظاهر بالقوة والجرأة، والإقدام، فإنما يحاول بذلك استقدام قوة أخرى إليه من خارج ذاته، وهي هنا قوة الموقع والسلطة.

ولكنه حين يجابه من الطرف المظلوم والمعتدى عليه، يرفض هذا الواقع المصطنع الذي يحاول فرضه عليه، ويرى أن ما يريد الإستعانة به قد حصل التجاوز له والقفز عنه، ويشعر بالوحدة أمام التحدي فتتضاءل نفسه ويصغر ويتلاشى حجمه، ويشعر بالخيبة، لأنه يعرف من نفسه الضعف عن مواجهة التحدي بمفرده..

وهذا بالذات ما حصل للوليد هنا

هل حسده مروان علی حلمه؟!

وقد حاول مروان أن يعطيه جرعة قوة، ويستنهضه للمواجهة من خلال الإلماح إلى عز الإمارة، ومن خلال الموقع، والإمكانات المتوفرة لدى الأمير، فلماذا لا يستفيد من عناصر القوة التي يمنحه إياها موقعه من حيث هو صاحب سلطة ومال، ورجال وهيبة؟!

وذلك لأن مروان يعرف أن خروج الحسين من هذه المواجهة منتصراً، ليس فقط سيكون في غير صالح الوليد بن عتبة، بل في غير

صالح الفريق المناوئ لأهل البيت كله، بما فيهم مروان.

كما أنه يراها فرصة سانحة للإنتقام من الحسين «علیه السلام»، لأنه يعتبر أن أدنى أذى يلحق بالحسين سيكون فوزاً ونصراً بالنسبة إليه..

ولا يهم مروان بعد هذا ماذا سيكون مصير الوليد بن عتبة، فإن المهم أن يكون مصير مروان نفسه سليما، لأن أهل الباطل إنما ينصرون بعضهم ما دام لهم نصيب من هذا النصر فإذا تضاءل هذا النصيب، أو أصبح في خطر، فإنهم لا ينصرونهم.

وبعبارة أوضح : إنهم ينتصرون ببعضهم البعض، ولا ينصر بعضهم بعضاً.

ولكن الوليد الذي رأى بعض بأس الحسين «علیه السلام»، قد أدرك أن لا قدرة له على المواجهة فكان يريد تحاشيها دون أن يصرح بعجزه.هذا بل ألبس فشله وعجزه لباسا أنيقاً سماه الحلم. عله يستر شيئاً مما ظهر، ويعيد له بعض ما أريق من ماء وجهه.

ليس هذا حلماً:

ولكن الوليد عاد فخرق أو أحرق هذا الثوب المزيف، باعترافه أنه كان هو المعتدي، وأن الأرض للإمام الحسين «علیه السلام»، وأنه يحاول استلابها منه.

ومن يكون خسيساً إلى الحد الذي يسعى فيه لاستلاب أموال

الآخرين جهارا نهاراً، مع أنه يدعي لنفسه النبل والشرف والإباء والسؤدد.. لا يحق له أن يدعي لنفسه فضيلة الحلم والعفو، إذ لا يكون سكوته خوفاً من القوي حلماً، كما لا يكون العجز عن مواصلة الظلم عفواً.

الضيعة لك يا وليد

وحين اعترف الوليد بأن الضيعة للحسين بادر الحسين «عليه السلام» إلى التخلي عنها له، حيث قال: «الضيعة لك يا وليد»، وقام.

فأفهم «علیه السلام» الوليد ومروان أن المطلوب في المنازعة ليس المحافظة على الكثرة في الأموال، وإنما المطلوب هو إحقاق الحق، ومنع الظلم والعدوان، وتكريس العدل..

بين الحسين «علیه السلام» وعاصم بن عمر:

وذكرت بعض المصادر أن بما يقرب مما جرى بين الحسين «علیه السلام» والوليد بن عتبة قد جرى بين الحسين «علیه السلام» وعاصم بن عمر بن الخطاب:

1 - فقد قال ابن شهرآشوب «ذکر غیر واحد أنه كان بين عاصم وبين الحسن والحسين منازعة في أرض، فلما تبين عاصم من الحسن الغضب، قال: هي لك.

فقال له: بل هي لك.

فتركاها، ولم يتعرضا لها، ولا أحد من ذريتهما، حتى أخذها

الناس من كل جانب» (1).

2 - وقال إبراهيم بن حمزة الزبيري، عن المغيرة بن عبد الرحمان، عن عبد اللّه بن عمر بن حفص العمري، عن أبيه قال: خاصم الحسن أو الحسين عاصم بن عمر، في أرض بخيبر، فقال الحسين هي الموعد، فستعلم إن أتيتها !

فقال عاصم: لا حاجة لي في أرض تواعدني فيها.

قال: فتركاها جميعاً ما دخلها واحد منهما، حتى أخذها الناس، ينتقصونها من كل جانب (2).

ونقول:

1 - إن الحسن والحسین مطهران معصومان بنص القرآن الكريم. فهما محقان دائماً، وغيرهما هو الذي يعتدي عليهما.

ويبدو لنا أن عاصماً قد شعر بأن تعديه على الحسنين «علیهما السلام» سوف يكلفه غالياً، فأراد أن يسل نفسه من هذه الورطة بهذه الطريقة، التي تجعل من عاصم متفضلا، وشهماً كريماً، وتبقي الشبهة أيضاً في أن يكون الإمام الحسين هو الطامع بحطام الدنيا، وهو يتصرف فيما ليس له، ويستفيد من مكارم عاصم ومن نبله.


1) البداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 344 وراجع: شعب الإيمان ج 6 ص 358 وتهذيب الكمال ج 13 ص 523.

2) تهذيب الكمال للمزي ج 13 ص 523.

ولكن ترك الإمام الحسين لتلك الأرض، حتى تناهبها الناس من حولها قد أفشل ما كان يرمي إليه عاصم من تصرفه هذا

2 - يلاحظ أن الرواية الأولى تذكر أن الخلاف كان بين الحسن والحسين «علیهما السلام» وبين،عاصم، ثم تذكر أن الحسن «علیه السلام» هو الذي غضب، فبادر عاصم إلى القول: هي لك..

وهناك نص آخر تحدث عن خصومة جرت بين عاصم ورجل من قريش، كما في شعب الإيمان، وتهذيب الكمال..

ولكن النص الثاني الذي ذكرناه آنفاً ذكر أن الخصومة لعاصم مع الحسنين «علیهما السلام»، وأن الذي توعد عاصما هو

كانت الإمام الحسين «علیه السلام» لا الإمام الحسن «علیه السلام».

ويبدو أن التصحيف بين كلمتي الحسن والحسين)، هو السبب في هذا الإختلاف لتقارب رسم الكلمتين، مع قلة الإهتمام بنقط الكلمات في العصور الأولى..

الدعوة بحلف الفضول:

هناك قصتان هدد الحسين «علیه السلام» فيهما بالدعوة بحلف الفضول:

إحداهما: بين الحسين «علیه السلام» والوليد بن عتبة.

والثانية: بين الحسين «علیه السلام» ومعاوية.

ولأن هاتين الحادثتين تتشاركان في كثير من الأمور، فقد رأينا

أن نجمع بينهما، فنذكرهما على التوالي، ثم نذكر بعض ما له ارتباط بهما، فنقول:

1 - الحسين «علیه السلام» والوليد بن عتبة:

قال الزبير : وحدثني محمد بن حسن، عن إبراهيم بن محمد، عن يزيد بن عبد اللّه بن الهاد الليثي، أن محمد بن الحارث أخبره، قال: كان بين الحسين بن علي «علیه السلام» وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان كلام في مال كان بينهما بذي المروة، والوليد يومئذ أمير المدينة في أيام معاوية.

فقال الحسين «علیه السلام»: أيستطيل الوليد علي بسلطانه؟! أقسم باللّه لينصفنّي من حقي، أو لآخذن سيفي، ثم أقوم في مسجد اللّه، فأدعو بحلف الفضول !

فبلغت كلمته عبد اللّه بن الزبير، فقال: أحلف باللّه لئن دعا به لآخذن سيفي، ثم لأقومن معه حتى ينتصف أو نموت جميعاً.

فبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري، فقال مثل ذلك.

فبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد اللّه التيمي، فقال مثل ذلك، فبلغ ذلك الوليد بن عتبة، فأنصف الحسين «علیه السلام» من نفسه حتى رضي(1).


1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 15 ص 227 و الجامع لأحكام القرآن ج 6 ص 33 و ج 10 ص 169 وتفسير البحر المحيط ج 3 ص 428 والكامل في التاريخ ج 2 ص 42 و تاريخ مدينة دمشق ج 63 ص210 والسيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 142 و (ط مكتبة محمد علي صبيح وأولاده) ج 1 ص 87 و 88 والسيرة الحلبية ج 1 ص 31 و (ط دار المعرفة) ج 1 ص 215 عن سيرة الديماطي، وأنساب الأشراف ج 2 ص14 والأغاني ج 16 ص 68 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 17 ص188 والتذكرة الحمدونية ج 3 ص 207 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 2 ص 357 و 358 والإكتفاء للكلاعي ج 1 ص 62 والسيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 262 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 53.

2 - الحسين «علیه السلام» ومعاوية:

أخبرنا أبو الحسين بن الفراء وأبو غالب، وأبو عبد اللّه ابنا البنا، قالوا: أنبأنا أبو جعفر ابن المسلمة أنبأنا أبو طاهر المخلص أنبأنا أحمد بن سليمان أنبأنا الزبير بن بكار: حدثني علي بن صالح، عن جدي عبد اللّه بن مصعب، عن أبيه قال: خرج الحسين من عند معاوية، فلقي ابن الزبير والحسين مغضب، فذكر الحسين أن معاوية ظلمه في حق له كان بينه وبين معاوية كلام في أرض للحسين «عليه السلام».

فقال له الحسين: أخيره في ثلاث خصال، والرابعة: الصيلم: أن يجعلك أو ابن عمر بيني وبينه، أو يقر بحقي ثم يسألني فأهبه له، أو يشتريه مني.

فإن لم يفعل فوالذي نفسي بيده لأهتفن بحلف الفضول.

فقال ابن الزبير والذي نفسي بيده لئن هتفت به وأنا قاعد لأقومن، أو قائم لأمشين، أو ماش لأشتدن، حتى تفنى روحي مع روحك، أو ينصفك.

قال ثم ذهب ابن الزبير إلى معاوية فقال: لقيني الحسين فخيرك في ثلاث خصال، والرابعة الصيلم.

قال معاوية: لا حاجة لنا بالصيلم، إنك لقيته مغضباً، فهات الثلاث خصال.

قال: تجعلني أو ابن عمر بينك وبينه.

فقال: قد جعلتك بيني وبينه، أو ابن عمر، أو جعلتكما جميعا.

قال: أو تقر له بحقه. (ثم تسأله إياه).

قال: فأنا أقر له بحقه، وأسأله إياه.

قال: أو تشتريه منه

قال: فأنا أشتريه.منه.

قال: فما [لعل الصحيح: فلما] انتهى إلى الرابعة، قال لمعاوية: كما قال للحسين إن دعاني إلى حلف الفضول أجبته.

قال معاوية: لا حاجة لنا بهذه

وفي نص آخر: قال معاوية: فما الصيلم؟!

قال: يهتف بحلف الفضول، وأنا أول من يجيبه.

قال: فلا حاجة لنا في ذلك.

قال المعتزلي: ثم أرسل إليه [أي إلى الحسين] أن ابعث فانتقذ ما لك فقد ابتعناه منك.

قال: وبلغني أن عبد الرحمن بن أبي بكر ومسور بن مخرمة قالا للحسين مثل قول ابن الزبير

قال: فبلغ ذلك معاوية، وعنده جبير بن مطعم، فقال له معاوية: يا أبا محمد كنا في حلف الفضول؟!

قال له جبير : لا (1).

ونقول:

تستوقفنا في النصين السابقين أمور نذكر منها ما يلي:

المستجيبون للدعوة بحلف الفضول:

وقد أعلن عدد من المعروفين أنهم على استعداد للإستجابة للإمام الحسين «علیه السلام» إذا هتف بحلف الفضول، فقد وردت في الروايات الأسماء التالية:

1 - عبد اللّه بن الزبير

2 - عبد الرحمان بن أبي بكر.


1) تاريخ مدينة دمشق ج 59 ص 180 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 15 ص 227 و 228 والأوائل ج 1 ص 73 - 74 والأغاني ج 16 ص 68 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 17 ص189.

3 - مسور بن محزمة (مخرمة).

4 - عبد اللّه بن أبي بكر.

5 - عبد الرحمان بن عثمان بن عبيد اللّه التيمي.

وهؤلاء ليسوا من الفريق الموالي أو الموافق لأهل البيت، أو لبني هاشم في النهج والتوجهات، بل بعضهم كان شديد البغض لهم، وقد شارك بعضهم في حرب الجمل ضد أمير المؤمنين «علیه السلام» والحسن والحسين، مثل عبد الرحمان بن أبي بكر، وعبد اللّه بن الزبير، وكان عبد اللّه من قادة تلك الحرب.

بل إن رواية زواج علي «علیه السلام» ببنت أبي جهل تنسب إلى بعضهم أيضاً، وهو المسور بن محزمة (مخرمة)...

وقد أقسم باللّه عبد اللّه بن الزبير : أن يقوم معه حتى ينصف من حقه أو يموت معه. وكذلك فعل الباقون..

حلف الفضول أشرف حلف

وحلف الفضول كان أشرف حلف في الجاهلية، وقد دعا إليه الزبير بن عبد المطلب، والمتحالفون :هم بنو هاشم، وبنو المطلب، وبنو أسد بن عبد العزى، وزهرة، وتيم.

وقد تحالفوا على نصرة المظلوم، والتأسي بالمعاش، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وهناك من ينكر أن يكون بنو أسد بن عبد العزى في هذا الحلف،

وقالوا: إن عبد اللّه بن الزبير ادعاه لهم في الإسلام.

الإستجابة لحلف الفضول:

وغني عن القول: أن الواجب الشرعي، والأخلاقي، والإنساني يفرض نصرة المظلوم، ودفع الظلم والظالمين، ولاسيما إذا كان هذا الظلم والحيف يمارس ضد صفوة الخلق، وأبرار الأمة، وعلمائها، ومن اختارهم اللّه لقيادتها وهدايتها..

ولم نر هؤلاء الذين استجابوا لحلف الفضول، أو غيرهم قد لبوا نداء اللّه ورسوله أو استجابوا لداعى الفطرة، والقيم والأخلاق.. بل كانوا أو أكثرهم يمارسون الظلم، بل كانوا من أشد الناس عداوة لأهل البيت «علیهم السلام».

فما بالهم يحاربون الحسين «علیه السلام»، ثم يستجيبون للحسين «علیه السلام» إذا هتف بحلف الفضول؟!

ربما يكون الجواب عن ذلك:

أولاً: إن حلف الفضول قد عقد في الجاهلية وكان أشرف حلف، ولكن هؤلاء لا يهمهم مضمون الحلف وأهدافه، بل الذي يهمهم هو صفة الجاهلية فيه، وهي التي تجذبهم إليه.

ثانياً ربما كان لبعضهم - ولاسيما ابن الزبير - طموحات معينة يرى أن هذه قد تكون بداية إبصارها النور، فأراد تحريض الحسين «علیه السلام» على أمر خطير جداً بهذه الطريقة من الإغراء، المستبطن للغش والمكر، فإن الصدام بين الحسين ومعاوية لا بد أن

ينتهي بخسائر ربما يصعب جبرها، ولا شيء يضمن استمرار ابن الزبير وغيره ممن أجاب الحسين «علیه السلام» إلى النهاية، فإن التخلي عن العهود والوعود ليس غريباً على هؤلاء الناس.

فإذا حصل الصدام بين معاوية والحسين «علیه السلام»، أو بين الوليد بن عتبة والحسين «علیه السلام»، وأخرج ابن الزبير نفسه منه بنحو أو بآخر، فيكون ابن الزبير، قد تخلص من بعض من يرى فيهم منافسين له، كما أنه يكون قد أضعف قوة كلا الطرفين إلى حد كبير.

ثالثاً: لعل هؤلاء المستجيبين قد ظهر لهم أن الوليد بن عتبة ومعاوية سوف يتراجعان أمام غضب الإمام الحسين «علیه السلام». فتكون هذه يدا بيضاء لهم عند الحسين «علیه السلام» من جهة.. وبمثابة تحذير وإظهار للقوة أمام معاوية من جهة أخرى، ليعرف معاوية أن عليه أن يسعى لكسب ودهم واتقاء شرهم بتلبية مطالبهم..

لماذا يهتف الحسين «علیه السلام» بهذا الحلف؟!

وهنا سؤال يقول: ما معنى أن يهتف الإمام الحسين «علیه السلام» بحلف الفضول، ويدعو الناس إلى الوفاء به مع أنه حلف وعهد حصل في الجاهلية؟!

ويمكن أن يجاب:

أولاً بأن هذا الحلف الجاهلي، الذي تأسس لنصرة المظلوم، والتأسي بالمعاش، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قد اعتمد أموراً يحبها اللّه، ويدعو إليها في شرعه الشريف.

والمطلوب هو تحقيق هذه الأمور بوسائل مشروعة، فإذا لم يقدم الناس العمل بهذا الواجب بداعي التعبد بالأمر الإلهي، فلا مانع من دعوتهم للقيام به وفاء بعهد قطعوه على أنفسهم، فإن الوفاء بعهد كهذا ليس ممنوعاً عند الشارع؟!

ثانياً: إن التهديد بحلف الفضول كان هو الخيار الأمثل للإمام الحسين «علیه السلام»، لعدم وجود مصلحة بتعريض العهد الذي كان بين الإمام الحسن ومعاوية للإهتزاز، بالرغم من أن معاوية كان قد نقضه عدة مرات ولاسيما وأنه كان أولها ما قاله في خطبته في مسجد الكوفة.

ولكن الإبقاء على ما تبقى منه كان هو الخيار الأمثل والأفضل، لأن البديل عنه سيكون كارثة حقيقية في حق الإسلام وأهله. ولاسيما إذا كان الأمر يتعلق بخلاف على أرض، يريد معاوية أن يسلبها الإمام الحسين «علیه السلام».

فإن الناس، وإن كانوا يدينون هذا العدوان والظلم، بحسب فطرتهم ووجدانهم، ولكنهم لا يقبلون بأن تتطور الأمور إلى حدود الحرب، وقتل الرجال وإزهاق الأرواح، بل هم سوف يطالبون الحسين بالتنازل عن حقه قبل أن يطالبوا معاوية بالكف عن عدوانه وظلمه، لأنهم يتوقعون من الحسين الإيثار والتضحية في سبيل حفظ النفوس، ودرء الأخطار.

كما أنهم يعتبرون هذا الأمر مسألة شخصية، لا علاقة لها بحفظ

الدين، وصيانة حقائقه.

بل قد يقال : لعل هذه القضية لا علاقة لها بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لاسيما إذا ادعى معاوية أو الوليد أنهما قد توهما أن لهما حقا..

ولعل معاوية يغتنمها فرصة ليبطش بالإمام، ويتخلص منه، ثم يلاحقه بحملة شائعات وتشويهات وادعاءات باطلة لا تبقي ولا تذر فيدعي أن الحسين رجل باغ وطاغ تحركه المصالح الخاصة، ويجعل الدين وسيلة إليها.

ولكن الهتاف بحلف الفضول من شأنه :

أولاً : إحراج الظالم والمعتدي الغاصب، لأنه بمثابة إعلان عام يدينه، ويشينه ويشيع حالة من المقت والكراهية له لممارسته الدنيئة هذه.

ثانياً: هو يري معاوية أو الوليد كيف أن ما أقدم عليه قد أدى إلى أن يقف إلى جانب الإمام الحسين «علیه السلام» فئات هم في الأساس أقرب إليه في التوجه والسلوك، والحب والولاء، منهم إلى الإمام الحسين، بل بعضهم قاد أو شارك في حرب الجمل عليه وعلى أبيه أمير المؤمنين، وهي الحرب التي أكلت نارها الألوف من المسلمين.

وهذا أشد على معاوية من فوات أرض يحاول سلبها من صاحبها، وبإمكانه أن يحصل على عشرات أمثالها بطرق أخرى.

ابن الزبير، أو ابن عمر؟!

ذكرت الرواية المتقدمة : أن الإمام الحسين «علیه السلام» اقترح على معاوية أن يكون عبد اللّه بن الزبير، أو عبد اللّه بن عمر حكماً بينه وبينه..

والسؤال هو: لماذا اختار «علیه السلام» خصوص هذين الرجلين دون سائر الصحابة ؟! مع أنهما أقرب إلى معاوية، وإلى سياساته وأكثر انسجاماً مع توجهاته، منهما إلى الإمام الحسين «علیه السلام»، ومع أن عداوة عبد اللّه بن الزبير للحسين وأبيه وأخيه، ولكل من له صلة بهم بسبب أو نسب، كالنار على المنار، وكالشمس في رائعة النهار.

وحرب الجمل شاهد صدق على ذلك، وقد قتل فيها الألوف من المسلمين، ومن شواهد ذلك: أنه حين غلب ابن الزبير على الحجاز جمع بني هاشم في شعب، وجمع الحطب عليهم ليحرقهم، فأنجاهم اللّه منه (1)


1) مروج الذهب ج 3 ص 75 - 77 والكنى والألقاب ج 1 ص 116 ومقاتل الطالبيين ص 315 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج20 ص147 وأنساب الأشراف ج 3 ص 285 وتجارب الأمم ج 2 ص 188 و 189 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 6 ص 60 والكامل في التاريخ ج4 ص 250 و 251 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 306 ج 9 ص 47 وتاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 545 ونهاية الأرب ج 21 ص 39.

كما أنه قد ترك الصلاة على النبي «صلی اللّه علیه وآله» أربعين جمعة، بحجة أن له «صلی اللّه علیه وآله» أهيل سوء، يخاف أن ينغضوا (أو أن يتلعوا) أعناقهم، أو نحو ذلك (1).

وكان يبغض أمير المؤمنين «علیه السلام» وينتقصه، وينال من عرضه (2).

وقال لابن عباس: إني لأكتم بغضكم أهل البيت منذ أربعين سنة (3).

أما عبد اللّه بن عمر، فيكفي أنه قعد عن بيعة علي «عليه السلام»، ولكنه طرق باب الحجاج ليلاً ليبايع لعبد الملك بن مروان كي لا يبيت تلك الليلة بلا إمام. وقد بلغ احتقار الحجاج له، واسترذال :حاله أن أخرج رجله من الفراش، وقال: اصفق عليها.


1) راجع: العقد الفريد (ط دار الكتاب العربي) ج 4 ص 413 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 4 ص 62 وج 19 ص 92 وج 20 ص127 وأنساب الأشراف ج 4 ص 28 وقاموس الرجال ج 5 ص 452 ومقاتل الطالبيين ص 474 وراجع: بحار الأنوار ج 25 ص 238 والدرر النجفية ج 3 ص 339 وأنساب الأشراف ج 3 ص 291 و ج 5 ص 317 و ج 7 ص 133 وكشف الغمة ج 1 ص 45 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج7 ص 482.

2) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 4 ص 61.

3) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 4 ص 62 وج 20 ص 148.

أو قال له: أما يدي عنك ففي شغل هاك رجلي فبايعها (1).

ويجاب :

بأن اختيار ابن الزبير، أو ابن عمر، يدل:

:أولاً على أن كون الأرض هي للإمام الحسين «علیه السلام»، مما لا يمكن لأحد إنكاره، أو إثارة الشبهة حوله مهما بلغ في عداوته للحسين «علیه السلام» وسوء سريرته وخبثه.

وثانياً: هو يدل على أن الإمام «علیه السلام» يريد سد المنافذ أمام معاوية وحزبه، وأمام أهل الأهواء، فلا يستطيع أحد ادعاء أن الحَكَمَ كان ميالاً إلى الإمام الحسين «علیه السلام» لأن بينهما مودة سابقة، أو لأن له مصلحة مع الإمام «علیه السلام».

بل إن اختياره «علیه السلام» هذين الرجلين أو أحدهما للحكم يكفي للدلالة على أن معاوية هو المعتدي والظالم، والساعي لسلب أموال الناس بالزور والبهتان.

وقاحة ابن الزبير:

دخل الحسين بن علي يوماً على معاوية، ومعه مولى له يقال له:


1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 13 ص 242 والعثمانية للجاحظ ص301 والإيضاح لابن شاذان ص 73 والتعجب للكراجكي ص152 و 153والصوارم المهرقة ص 96 والقول الصراح في البخاري وصحيحه الجامع ص 169 والكنى والألقاب ج 1 ص 363 وإحقاق الحق (الأصل) ص 195.

ذكوان، وعند معاوية جماعة من قريش فيهم ابن الزبير. فرحب معاوية بالحسين وأجلسه على سريره وقال ترى هذا القاعد - يعني ابن الزبير - فإنه ليدركه الحسد لبني عبد مناف.

فقال ابن الزبير لمعاوية: قد عرفنا فضل الحسين وقرابته من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، لكن إن شئت أن أعلمك فضل الزبير على أبيك أبي سفيان فعلت.

فتكلم ذكوان مولى الحسين بن علي «علیهما السلام»، فقال: يا ابن الزبير! إن مولاي ما يمنعه من الكلام أن لا يكون طلق اللسان، رابط الجنان، فإن نطق نطق بعلم، وإن صمت صمت بحلم، غير أنه كف الكلام، وسبق إلى اللسان، فأقرت بفضله الكرام، وأنا الذي أقول:

فيم الكلام لسابق في غاية***والناس بين مقصر ومبلد

إن الذي يجري ليدرك شأوه***ينمى بغير مسود ومسدد

بل كيف يدرك نور بدر ساطع***خير الأنام وفرع آل محمد

فقال معاوية : صدق قولك يا ذكوان ! أكثر اللّه في موالي الكرام مثلك.

فقال ابن الزبير: إن أبا عبد اللّه سكت وتكلم مولاه، ولو تكلم لأجبناه، أو لكففنا عن جوابه إجلالاً، ولا جواب لهذا العبد.

قال ذكوان: هذا العبد خير منك، قال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: «مولى القوم منهم»، فأنا مولى رسول اللّه «صلى اللّه عليه

وآله» وأنت ابن [الزبير بن] العوام بن خويلد، فنحن أكرم ولاء وأحسن فعلا.

قال ابن الزبير: إني لست أجيب هذا، فهات ما عندك يا معاوية ! (1).

ثم تذكر الرواية بقية ما جرى من مفاخرات بين معاوية وابن الزبير.

ونقول:

1 - إن معاوية لم يكن يسعد بإكرام الإمام الحسين «علیه السلام»، وإظهار فضله، ولكنه كان يعلم أنه إذا لم يفعل ذلك، أو قصر فيما يجب عليه منه، فإنه يعرض نفسه لانتقاد الناس، ومقتهم، لأن الحسين «علیه السلام» هو الشخص الوحيد الباقي على وجه الأرض من أهل بيت النبوة، وهو أقدس وأفضل إنسان في الدنيا آنئذ على الإطلاق..

فترحيب معاوية بالحسين، وإجلاسه على سريره لا يزيد في مقامه «علیه السلام»، بل كان معاوية يحاول أن يستفيد من فعله هذا الثناء والرضا من شريحة كبيرة من الناس، ويبعد عن نفسه اللوم والنقد على التقصير لو لم يفعل ذلك.

2 - إن معاوية حين ذكر حسد ابن الزبير لبني عبد مناف، فإنما


1) العقد الفريد ج 22 ص 113 وجمهرة خطب العرب ج 2 ص 159.

أراد تحريض ابن الزبير على الإمام الحسين «علیه السلام»، فلعل ابن الزبير يدعي أنه لا يحسد بني عبد مناف، إذ ليس فيهم ما يمتازون به عليه أو نحو ذلك.

3 - إن ابن الزبير نقل حالة التحدي من أن تكون بينه وبين الحسين «علیه السلام»، لتصبح بينه وبين معاوية..

4 - إن الحسين «علیه السلام» بقي ساكتا، لأنه لا يريد أن يفرح قلب معاوية، إذا ثار السجال بينه «علیه السلام» وبين ابن الزبير.

5 - يبدو أن ذكوان مولى الحسين «علیه السلام» قد لمس من ابن الزبير أنه ظن سكوت الحسين «علیه السلام» كان لأجل عدم طلاقة لسانه، أو لأنه يخاف من مواجهة الأقران.

فبادر إلى دفع هذا الوهم، وبين أن سكوته «علیه السلام» كان عن حلم، ولو أنه تكلم، فإن كلامه يكون مملوءاً علماً وحكمة وسداداً و رشاداً.

ولم يرد في كلام ذكوان طعن فى أحد، بل اقتصر كلامه على الثناء على سيده الحسين «علیه السلام»، فما الذي أزعج ابن الزبير لکي يصف ذكوان بالعبد؟!

ثم يتابع الإعراب عن تعاليه ويتكبر عليه!

6 - لقد أعرب ابن الزبير عن قلة أدبه مع الإمام الحسين، حيث ذكر أن الحسين «علیه السلام» لو تكلم لأجابه، أو لكف عنه إجلالاً له أي أنه يريد أن يدعي أن جوابه للحسين حاضر على كل حال،

ولن يعيا أمام منطق الحسين «علیه السلام» وحجته..

الفصل الثاني: إصرار العراقيين، ورفض الإمام

اشارة

أهل الكوفة يعزون بالإمام الحسن «علیه السلام» :

يقولون:

لما توفي الحسن «علیه السلام»، وبلغ الشيعة ذلك، اجتمعوا بالكوفة في دار سليمان بن صرد، وفيهم بنو جعدة بن هبيرة، فكتبوا إلى الحسين بن علي يعزونه على مصابه بالحسن:

بسم اللّه الرحمن الرحيم

للحسين بن علي، من شيعته وشيعة أبيه أمير المؤمنين.

سلام عليك، فإنا نحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو..

أما بعد.

فقد بلغنا وفاة الحسن بن علي، فالسلام عليه يوم ولد، ويوم يموت ويوم يبعث حياً، غفر اللّه ذنبه وتقبل حسناته، وألحقه بنبيه، وضاعف لك الأجر في المصاب به، وجبر بك المصيبة من بعده، فعند اللّه نحتسبه، وإنا للّه وإنا إليه راجعون.

ما أعظم ما أصيبت به هذه الأمة عامة، وأنت وهذه الشيعة،خاصة بهلاك ابن الوصى، وابن بنت النبي، علم الهدى ونور

البلاد، المرجو لإقامة الدين، وإعادة سير الصالحين.

فاصبر رحمك اللّه على ما أصابك، إن ذلك لمن عزم الأمور، فإن فيك خلفاً ممن كان قبلك، وإن اللّه يؤتي رشده من يهدى بهديك.

ونحن شيعتك المصابة بمصيبتك، المحزونة بحزنك المسرورة بسرورك، السائرة بسيرتك، المنتظرة لأمرك، شرح اللّه صدرك، ورفع ذكرك، وأعظم أجرك، وغفر ذنبك، ورد عليك حقك (1).

وأشار البلاذري إلى هذا الكتاب، بقوله:

وقالوا في كتابهم: إنّ اللّه قد جعل فيك أعظم الخلف ممن مضى، ونحن شيعتك المصابة بمصيبتك، المحزونة بحزنك المسرورة بسرورك، المنتظرة لأمرك (2).

كتاب بني جعدة للحسين «علیه السلام»:

وكتب إليه بنو جعدة، يخبرونه بحسن رأي أهل الكوفة فيه، وحبّهم لقدومه وتطلعهم إليه، وأن قد لقوا من أنصاره وإخوانه من يرضى هديه، ويطمأنّ إلى قوله، ويعرف نجدته وبأسه، فأفضوا إليهم ما هم عليه من شنآن ابن أبي سفيان، والبراءة منه، ويسألونه الكتاب


1) تاريخ اليعقوبي ص 258 و (ط مكتبة المرعشي) ج 2 ص 228 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج27 ص 153.

2) أنساب الأشراف للبلاذري ج 3 ص 151 و 152.

إليهم برأيه.

فكتب إليهم:

إِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَكُونَ رَأَيُ أخي «رَحَمِهُ اللّه» فِي المُوادَعَةِ، وَرَأيي في جهادِ الظُّلمَةِ رشداً وَسَداداً، فألصقوا بالأرْض، وَأَخْفُوا الشخص، وَاكْتُمُوا الهَوى، وَاحْتَرِ سُوا مِنَ الأَنّاءِ مَا دَامَ ابْنُ هِند حَيّا، فَإِنْ يَحْدُتْ بِهِ حَدَتْ وَأَنَا حَيٍّ يَأْتِكُمْ رَأيِي إِنْ شَاءَ اللّه (1).

وقال الدينوري :

وبلغ أهل الكوفة وفاة الحسن «علیه السلام»، فاجتمع عظماؤهم، فكتبوا إلى الحسين رضي اللّه عنه يعزونه.

وكتب إليه جعدة بن هبيرة بن أبي وهب، وكان أمحضهم حباً ومودة:

«أما بعد.. فإن من قبلنا من شيعتك متطلعة أنفسهم إليك، لا يعدلون بك أحداً، وقد كانوا عرفوا رأي الحسن أخيك في دفع الحرب، وعرفوك باللين لأوليائك، والغلظة على أعدائك، والشدة في أمر اللّه، فإن كنت تحب أن تطلب هذا الأمر، فاقدم علينا، فقد وطنا أنفسنا على الموت معك».

فكتب إليهم:


1) جمل أنساب الأشراف ج 3 ص 366 وأنساب الأشراف للبلاذري ج3 ص 151 - 152.

«أما أخي فأرجو أن يكون اللّه قد وفقه، وسدده فيما يأتي، وأما أنا فليس رأيي اليوم ذلك، فالصقوا رحمكم اللّه بالأرض، واكمنوا في البيوت، إلخ..(1).

إبن الحنفية يرفض طلب أهل الكوفة:

قالوا: وكان أهل الكوفة يكتبون إلى حسين، يدعونه إلى الخروج إليهم في خلافة معاوية، وكل ذلك يأبى.

فقدم منهم قوم إلى محمد بن الحنفية، فطلبوا إليه أن يخرج معهم فأبى، وجاء إلى الحسين، فأخبره بما عرضوا عليه، وقال: إنَّ القَوْمَ إنَّما يُريدون أن يَأْكُلُوا بنا، وَيَشيطوا دِماءَ نا (2).


1) الأخبار الطوال للدينوري (ط دار إحياء الكتب العربي) ص 221 و 222 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 153 و 154.

2) تاریخ مدينة دمشق ج 14 ص 205 وتهذيب الكمال ج 6 ص 413 وبغية الطلب لابن العديم ج 6 ص 2606 والبداية والنهاية ج8 ص 161 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 174 وترجمة الإمام الحسين «عليه السلام» لابن عساكر ص 288 وترجمة الإمام الحسين «علیه السلام» من طبقات ابن سعد ص53 و 54 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج27 ص 168 و 515 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 197) و (ط مؤسسة الرسالة) ج 3 ص 294 ومختصر تاريخ مدينة دمشق ج 7 ص 136 و 137 وتهذيب تاریخ دمشق ج 4 ص 326 والحسين بن علي لابن العديم ص 65 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 340.

قدوم المسيب بن نجبة:

ويقول نص آخر: وقدم المسيب بن نجبة الفزاري، وعدّة معه إلى الحسين بعد وفاة الحسن [«علیه السلام»]، فدعوه إلى خلع معاوية، وقالوا: قد علمنا رأيك، ورأي أخيك.

فقال: إنّي أَرْجُو أَنْ يُعْطِي اللّه أخي عَلى نِيَّتِهِ فِي حُبِّهِ الكَفَّ، وَأَنْ يُعْطِيَني عَلى نِيَّتي في حُبّي جهادَ الظَّالِمينَ (1).

ويقول نص آخر:

فامتنع عليهم، وذكر أن بينه وبين معاوية عهداً وعقداً، لا يجوز له نقضه، حتى تمضي المدة، فإذا مات معاوية نظر في ذلك (2).


1) تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 205 وتهذيب الكمال ج6 ص413 وبغية الطلب لابن العديم ج 6 ص 2606 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 174 وترجمة الإمام الحسين «علیه السلام» لابن عساكر ص289 وترجمة الإمام الحسين «علیه السلام» من طبقات ابن سعد ص54 ومختصر تاريخ دمشق ج 7 ص 137 وسير أعلام النبلاء ج3 ص 197 و 198 و (ط مؤسسة الرسالة) ج 3 ص 294 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 340 و 341) و (ط دار الكتاب العربي) ج 5 ص6 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 168 و 516.

2) الإرشاد للمفيد ج 2 ص 29 و 30 و (ط دار المفيد) ج2 ص32 وبحار الأنوار ج 44 ص 324 والعوالم ج 17 ص 173 وأعيان الشيعة ج 1 ص 587 وروضة الواعظين ص 146 و (منشورات الشريف الرضي – قم) ص 171 وإعلام الورى ص222 و (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث) ج 1 ص 434 وعن أسرار الشهادة للدربندي ص205 ووسيلة الدارين ص 25 و 26.

ونقول:

تدلنا النصوص المتقدمة على أمور كثيرة نذكر منها ما يلي:

غفر اللّه ذنبه:

تقدم: أن شيعة العراق كتبوا للإمام الحسين «علیه السلام» عن أخيه الإمام الحسن «علیه السلام» عبارة: «غفر اللّه ذنبه».

وقالوا للإمام الحسين «علیه السلام» في آخر رسالتهم أيضاً: «وغفر ذنبك».

وهذا كلام غير مرضي، فليس للإمام الحسن «علیه السلام» ذنوب، ليدعو الناس له بغفرانها، لأنه معصوم عن الذنوب، مطهر بنص آية التطهير، وهو سيد شباب أهل الجنة وسيد شباب أهل الجنة لا يرتكب ذنباً.

وعلى كل حال.. فإن كاتبي هذه الرسالة ليسوا من الأئمة، ولا من الأنبياء، بل هم وجهاء في قومهم، ومحبون لعلي وللحسنين، ولكن لا دليل على اكتمال وعيهم من الناحية الإعتقادية، وهم إنما يتعاملون مع الأمور على سجيتهم، ومن دون تحقيق أو تدقيق..

ابن الوصي:

وقد وصف العراقيون الإمام الحسن «علیه السلام»: بأنه «ابن الوصي».

وفي هذا ما يستوقف المتأمل من جهتين:

أولاهما: إن هذا يدل على أن كون علي «علیه السلام» وصياً «صلی اللّه علیه وآله»، كان شائعاً ومتداولا بين الناس عامة، حتى في العراق الذي لم يعرف الكثير عن علي «علیه السلام»، إلا بعد مجيء علي «علیه السلام» إليه وإن كانت الفترة التي مكثها فيه مليئة بالحروب والمشاكل.

الثانية: لكن العراقيين لم يصفوا الإمام الحسن «علیه السلام» بالوصي، مع أنه وصي، وللنبي أيضاً، كما دلت عليه نصوص أشرنا إليها في بعض أجزاء هذا الكتاب، ربما لأن مدة خلافته لم تطل بعد استشهاد أبيه «علیه السلام»، وربما بسبب عدم اتضاح كثير من الأمور للكثيرين من أهل العراق، وإنما توضحت في فترات لاحقة..

على أنه سيأتي: أن فريقاً من الذين كانوا يدعون الإمام الحسين «علیه السلام» للقيام ضد معاوية، إنما كانوا يريدون الحصول على الدنيا، ولو بقيمة سفك دماء أهل البيت «علیهم السلام»، كما أشير إليه في النص المتقدم عن محمد ابن الحنفية..

وهذا يدل على أنهم ليسوا شيعة بالمعنى الدقيق للكلمة. وإن كانوا يدركون الفرق بين أهل البيت وبين غيرهم في العلم والتقوى

والسلوك، وفي المنزلة والمقام عند اللّه ورسوله، الأمر الذي جعلهم يميلون إلى أهل البيت «علیهم السلام» قلبياً.

كلا الرأيين رشاد وسداد!! :

وقد ورد في كتابه «علیه السلام» لأهل العراق:

«إنّي لأَرْجُو أَنْ يَكُونَ رَأَيُ أَخي رَحَمِهُ اللّه» فِي المُوادَعَةِ، وَرَأيي في جهادِ الظلمةِ رُشدا وسدادا، فألصقوا بالأرْض، إلخ...».

والسؤال هنا هو:

كيف يكون الرأيان المختلفان رشداً وسداداً ؟!

ويجاب:

بأنه «علیه السلام» لم يخالف رأي أخيه، بل التزم به وأصر عليه، حتى بعد استشهاد الإمام الحسن «علیه السلام». كما أن رأيه «علیه السلام» في جهاد الظالمين لا يختلف عن رأي أخيه أيضاً.. حين تتوفر المناخات للجهاد، كما أن رأي أخيه بالكف حين لا تجتمع شرائط الجهاد، هو نفسه رأي الحسين «علیه السلام». ولأجل ذلك حكم «علیه السلام» بأن كلا الرأيين من مفردات الرشاد والسداد.

والشاهد على التزامه برأي أخيه بالكف حتى بعد مماته، عدم استجابته لطلب أهل العراق منه أن يقوم ضد معاوية، بل قال لهم: «فالصقوا بالأرض، وأخفوا الشخص، إلخ..».

مطالب الإمام الحسين «علیه السلام»:

ويلاحظ:

أن الإمام الحسين «علیه السلام» قد طلب من شيعته :

1 - أن يلصقوا بالأرض، وهذا كناية عن التزام السكون التام، فإن أية حركة ظاهرة، كاللقاءات، والزيارات، والحوارات الإحتجاجية، و الجهر بالآراء، سوف تفتح عيون السلطة عليهم، وربما تجعل من هذه الحركة، أو الحركات ذريعة للبطش بهم، أو للتضييق عليهم على أقل تقدير.

2 - وقد طلب منهم التستر، وإخفاء أشخاصهم. وهذا يدل على أن السلطة تنزعج من رؤيتهم.. ولاسيما إذا كان ظهورهم، أو ترددهم العلني يظهر:

أولاً: كثرة أعدادهم، وهذا يزعج السلطة، ويدعوها للتحرك لتبديد هذه الكثرة، بالتشريد والإخافة والقتل والزج بالسجون، وغير ذلك..

ثانياً: الظهور العلني، يوجب لهم ألفة، وقبولاً في الناس، واعتياداً عليهم، والحاكم المتجبّر يريد أن يخافهم الناس، وينفروا منهم، وأن ينبذوهم.

ثالثاً: إن هذا الظهور يثير مخاوف السلطة في أن يكونوا يعملون على فضح السلطة، ونشر مخازيها و موبقاتها، فتصير تنسب أية شائعة إليهم، وأنهم هم وراءها.

رابعاً : إن هذا الظهور سوف يسهل على السلطة البطش بهم، و

يعرفهم على الوجوه والأشخاص، وتحديد مواقعهم، ورصد حركتهم.

3 - طلب «علیه السلام» منهم أن يكتموا الهوى؛ فإن إظهار الإنسان ميوله ورغباته، وتمنياته، من أهم الأمور التي يرصدها الحكام في الناس، بواسطة مستخدميهم.

ولأجل ذلك قال الإمام الصادق «علیه السلام» لأبي الدوانيقي بالحيرة أيام أبي العباس حين قال له: يا أبا عبد اللّه، ما بال الرجل من شيعتكم يستخرج ما في جوفه في مجلس واحد حتى يعرف مذهبه؟!

قال: ذلك بحلاوة الإيمان في صدورهم من حلاوته يبدونه تبدياً (1). أي أنهم يذيعون الأسرار، ولا يحتاطون من عيون السلطان، ولا يراقبون ما يتفوهون به، بل يطلقون الكلام يميناً وشمالاً، بلا حساب ولا كتاب..

ومن الواضح: أن الحكام وأذنابهم، يحاولون الإحتكاك بالشخص، واستدراجه للبوح بما في نفسه، وهذا يوقع ضحيتهم في شراكهم..

4 - طلب «علیه السلام» من هؤلاء الناس الذين ينسبون أنفسهم إليه أن يحترسوا من الأظنّاء، فلا يبوح أي منهم بشيء لمن تدور حوله الشبهات، بأنه ممن يستنيم الغافل لكى يقتنص منه ما يريد،


1) راجع: صفات الشيعة للصدوق ص 170 و (ط كانون انتشارات عابدي - طهران) ص 15 وبحار الأنوار ج 47 ص 166 وج 65 ص64 ومستدرك سفينة البحار ج 1 ص 205.

ويبلغه إلى المتربصين بالسوء بكل من لا يوافقهم الرأي، والنهج، والهوى..

ليس رأيي اليوم ذلك:

ثم إنه لا حاجة إلى حشد النصوص المتضمنة لتصريحات الحسين، الدالة على أنه كان يرفض الخروج على معاوية، فقد كان تارة يقول:

1 - إذا مات معاوية، وأنا حي، يأتكم رأيي.

وكلمته هذه دقيقة في دلالاتها، حيث إنه «علیه السلام» يعط شيعة العراق وعدا صريحاً بالقيام ضد الحاكم حتى بعد موت معاوية، لأنه «علیه السلام» يريد أن يراقب ويعلم الناس على مراقبة الظروف، والمستجدات التي تنشأ بعد موت معاوية، فقد لا يحتاج إلى تحرك فيه عنف، وقتال. وقد يحتاج إلى قتال، ولكن الظروف لا تسمح بالدخول فيه، تماماً كما كانت الظروف في حياة معاوية.. ولأجل ذلك قال عن معاوية: «فإن يحدث به حدث - وأنا حي يأتكم رأيي، إن شاء اللّه».

2 - وتارة أخرى يقول: «فليس رأيي اليوم ذاك»، أي القيام ضد معاوية.

فما ينسبونه إليه من أنه كان يخالف أخاه الإمام الحسن في الموادعة، ويرى لزوم محاربة معاوية غير دقيق، فإنه كان في أيام معاوية، لا يرى وجوب القيام.. لأجل أمور كانت تفرض عليه ذلك..

ومنها: العهد بين أخيه «علیه السلام» وبين معاوية وإن كان هو والإمام الحسن يريان لزوم محاربة الظالمين.. ولكن ضمن شروط، وضوابط لم تكن متوفرة آنئذ.

3 - وثالثة يقول: «إن بيني وبين معاوية عهداً، أو عقداً لا يجوز نقضه، فإذا مات معاوية، نُظر في ذلك». والعهد، أو العقد الذي يشير إليه هو ما عرف بصلح الإمام الحسن «علیه السلام».

ابن الحنفية لماذا ؟!:

واللافت هنا: أن أهل الكوفة حين يئسوا من أن يجيبهم الحسين «علیه السلام» إلى القيام ضد معاوية، لجأوا إلى محمد ابن الحنفية ليكون بديلاً عن الحسين «علیه السلام».

ولهذا الأمر دلالاته، فإن هذا الإندفاع لمحاربة معاوية، إن كان رغبة منهم في الجهاد لنيل الإستشهاد، فإن الإسلام لم يجعل نفس القتل بيد العدو، هدفا للإنسان المؤمن، بل جعل الهدف هو الجهاد المتضمن لنصرة الدين، والذي يكون فيه إحدى الحسنيين النصر، أو الشهادة.. ولكن ضمن شروط معينة، كان الإمام الحسين «عليه السلام» مهتماً بمراعاتها.

فاللجوء إلى محمد ابن الحنفية، وعدم الإنصياع لرغبة الإمام الحسين «علیه السلام»، وعدم قبول قراره، يدل على أنهم إن كانوا شيعة، فهم لا يراعون الموازين، ولا ينقادون للشرع، وحتى لو كانوا من عامة المسلمين فلا يصح لمسلم أن يترك سيد شباب أهل الجنة،

والذي أعلن النبي «صلی اللّه علیه وآله» إمامته أكثر من مرة، ومنها قوله : « الحسن والحسين إمامان قاما، أو قعدا.. »، ويستبدل به غيره، أيا كان ذلك الغير.

من أجل ذلك نرجح: أن كثيرين منهم كانوا طلاب دنيا، ونفوذ، وزعامة وجاه، ويريدون أن يصلوا إليها من خلال أهل البيت «علیهم السلام»، لأنهم الأقرب إلى هذا الأمر، والأوفر حظا فيه، كما ظنوا...

ومن يطلب الدنيا فلا يهمه سوى الوصول إلى ما يطلب، فإن وجد أن أهل البيت يقتلون، وأن الأخطار تتوجه إليه، فإنه سوف يحيد عن السيوف والرماح، ويفر إلى البراري والبطاح

ولأجل ذلك، ذكر النص المتقدم أن محمد بن الحنفية، قال:

«إنَّ الْقَوْمَ إِنَّما يُريدُونَ أَنْ يَأْكُلُوا بنا، وَيَشْيطُوا دِماءَنَا».

ويحتمل أن يكون قائل هذه العبارة هو الحسين نفسه.

شهادة حجر بن عدي، وأصحابه:

قالوا :

ولما قتل حجر بن عدي، وأصحابه، استفظع أهل الكوفة ذلك استفظاعاً شديداً، وكان حجر من عظماء أصحاب على، وقد كان علي أراد أن يوليه رياسة كندة، ويعزل الأشعث بن قيس، وكلاهما من ولد الحارث بن عمرو آكل المرار.

فأبى حجر بن عدي أن يتولى الأمر والأشعث حي.

فخرج نفر من أشراف أهل الكوفة، إلى الحسين بن علي، فأخبروه الخبر.

فاسترجع وشق عليه، فأقام أولئك النفر يختلفون إلى الحسين بن علي(1).

قال أبو مخنف:

ثم صار الناس يقولون: إن هلك معاوية لم نعدل بالحسين «عليه السلام» شيئاً. وصاروا يختلفون إليه، ولا ينقطعون عنه (2).

وقال السيد بحر العلوم

ولكن الشيعة في العراق - خصوصاً أهل الكوفة - لم يتركوا المواصلة، وإرسال الوفود والرسائل المتوالية إلى الحسين «عليه السلام»، وهو يجيبهم بالصبر، والتريث، وانتظار الفرج بموت معاوية.

فكان جوابه على آخر كتاب لهم سيّروه مع محمد بن بشر الهمداني، وسفيان بن أبي ليلى الهمداني - وهما على رأس وفد كبير من أهل الكوفة - جاء فيه:

«ليكن كل امرئ منكم حلساً من أحلاس بيته، ما دام هذا الرجل يعني معاوية حيّا، فإن يهلك - وأنتم أحياء - رجونا أن يخير اللّه لنا،


1) الأخبار الطوال للدينوري ص 226.

2) مقتل أبي مخنف ص 5 و 6.

ويؤتينا رشدنا، ولا يكلنا إلى أنفسنا «إِنَّ اللّه مَعَ الَّذِينَ اتَّقُوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ» (1).

وبعد ذلك بقليل قدم عليه المسيب بن نجبة على رأس وفد من الكوفة، يطالبون بخلع بيعة معاوية، وقالوا - فيما قالوا له - متأثرين:

«قد علمنا رأيك، ورأي أخيك من قبل»، فأجابهم الحسين «عليه السلام».

«إني لأرجو أن يعطي اللّه أخي على نيته، وأن يعطيني على نيتي في حبي جهاد الظالمين»(2).

وقالوا أيضاً:

فَأَقامَ حُسَيْنٌ عَلى ما هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الْهُمُومِ، مَرَّةَ يريدُ أَنْ يَسِيرَ إليْهمْ، وَمَرَةَ يُجْمِعُ الإقامة.

فجاءه أبو سعيد الخدري، فقال: يا أبا عبد اللّه ! إنّي لكم ناصح، وإنّي عليكم مشفق، وقد بلغني أنّه كاتبك قوم من شيعتكم بالكوفة، يدعونك إلى الخروج إليهم، فلا تخرج، فإنّي سمعت أباك، يقول بالكوفة : واللّه ! لقد مللتهم وأبغضتهم، وملوني وأبغضوني، وما بلوت منهم وفاء، ومن فاز بهم فاز بالسهم الأخيب واللّه ما لهم ثبات ولا


1) الآية 128 من سورة النحل.

2) مقتل الحسين لبحر العلوم ص 82 و 83.

عزم أمر، ولا صبر على السيف (1).

ونقول:

لا بأس بالنظر في بعض النقاط التي أشير إليها في هذه النصوص:

قتلى مرج عذراء:

لقد قتل معاوية حجر بن عدي، وأصحابه، السبعة، وذلك في مرج عذراء، - وهي أرض بناحية دمشق، أو قرية بالقرب منها،، سنة 51 وقيل سنة 53 للّهجرة، وسيأتي ذكر لهم في رسالة الإمام الحسين «علیه السلام» إلى معاوية.


1) تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 205 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 288 وترجمة الإمام الحسين «علیه السلام» من طبقات ابن سعد ص 54 وتهذيب تاريخ دمشق ج 4 ص 326 ومختصر تاریخ دمشق ج7 ص 137 وبغية الطلب لابن العديم ج 6 ص 2606 والحسين بن علي لابن العديم ص 65 وتهذيب الكمال ج 6 ص 413 وسير أعلام النبلاء ج3 ص 196 و 197 و (ط مؤسسة الرسالة) ج 3 ص 294 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 340 و (ط دار الكتاب العربي) ج 5 ص 6 والبداية والنهاية ج 8 ص 161 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 174 ومقتل الحسين «علیه السلام» لبحر العلوم ص 108 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 168 و 515.

وقد قتلهم معاوية ظلماً وعدواناً بالرغم من أنه قد أعطاهم الأيمان المغلظة، والمواثيق المؤكدة.. كما سيأتي.

حجر يرفض رئاسة كندة:

تقدم أن علياً «علیه السلام» أراد أن يولي حجراً رئاسة قبيلة كندة، ويعزل الأشعث بن قيس، وهذا يدل:

أولاً: على أن حجراً لم يكن من محبي الرئاسات، ولا طامعاً بالمقامات.

ثانياً: هو يدل على أنه كان يريد أن لا يزعج الأشعث، أو يؤذي شعوره، وينقص قدره..

ولعلك تقول:

إذا كان أمير المؤمنين «علیه السلام» هو الذي رغب في استبدال الأشعث بحجر، فذلك يعني أنه «علیه السلام» قد رأى مصلحة في هذا الإجراء، فما معنى أن لا يمتثل حجر لأمره؟ وكيف جاز له أن يبطل تدبير إمامه؟!

وإذا كانت مراعاة خاطر الأشعث مطلوبة إلى هذا الحد، فلماذا لم يراع علي «علیه السلام» أيضاً خاطره، ولم يحفظ له قدره؟!

ونجيب:

بأن عليا «علیه السلام» لم يصدر قراراً في هذا الأمر، ثم عصاه حجر بن عدي..

بل هو قد رجّح هذا الأمر، وذاكر فيه حجراً، فلم يرض به..

ولعلك تقول:

لا ينبغي لحجر أن يرفض حتى قبول ما يراه علي «علیه السلام» راجحاً.

ويجاب :

بأن الرجحان الذي يتبلور لدى علي «علیه السلام»، مشروط بقبول حجر ورغبته، وبدون ذلك يصبح هذا الأمر مرجوحاً، ولا يريده علي «علیه السلام».

وقد تكون المصلحة في إظهار هذا الأمر من قبل علي هي أن يعرف الناس، ويرى الأشعث بن قيس، وسائر من يلوذ به من محبيه وأنصاره، رفض حجر لهذا الأمر، رعاية لجانب الأشعث، لكي تتأكد اللحمة بين الرجلين وبين محبيهما، وتزول المخاوف، وتتلاشى نظرات الريب والحسد والتنافس بينهم، وما إلى ذلك.

وهذه مصلحة عظيمة، يريدها، ويسعى إليها، ويمهد لها أمير المؤمنين «علیه السلام».

وتكون النتيجة هي أن المصلحة في الإنشاء، لا في المنشأ.

ولا يمكن لأحد أن يدعي: أن علياً «علیه السلام» لم يكن يعرف حجر بن عدي حق المعرفة، ويعرف كيف، وبماذا يفكر، وكيف يتعامل مع الأمور، وما هي همومه وطموحاته، بل هو يستشفّ، ويعرف مسبقاً جواب حجر على هذا الإقتراح.

وهذا ما يزيده «علیه السلام» حباً لحجر، وإعزازاً له.

هل كان الحسين «علیه السلام» في حيرة؟!:

ثم إن النص الأخير المذكور آنفاً يظهر الإمام الحسين «عليه السلام»، في صورة الشخص المتحير، والمتردد، فهو تارة - كما يدعي النص - يريد أن يسير إلى أهل العراق، ومرة يجمع الإقامة..

وهذا كلام غير سديد في حق سيد الشهداء «علیه السلام»:

أولاً: إن الإمام الحسين «علیه السلام» كان يرفض بإستمرار أي تحرك ضد معاوية، ويعلن بذلك في كتبه لأهل العراق، مرة بعد أخرى، وهذا لا يتوافق مع دعوى الحيرة، والتردد..

ثانياً : يؤكد هذا، أنه «علیه السلام» قد قال، أو قال ذلك أخوه ابن الحنفية كما هو الظاهر، ولم يعترض هو على كلامه إن العراقيين إنما يدعونه للقيام ضد معاوية، لأنهم يريدون أن يأكلوا بأهل البيت «علیهم السلام»، ويشيطوا دمهم فهل يتحير ويتردد في موقفه من يوافق على أن العراقيين يريدون أن يأكلوا به، ويشيطوا دمه؟!

وفي كتاب له «علیه السلام» إلى العراقيين، يقول: إن بينه وبين معاوية عقداً، وعهداً، لا يجوز نقضه، فإذا كان لا يجوز نقض العقد والعهد، فكيف يتردد في المسير إلى أهل العراق، بل يجب أن يعزم على رفض طلبهم، وعدم المسير إليهم.

ويقول في نص آخر للعراقيين: إنه لا يرى القيام اليوم على

معاوية...

ثالثاً : إن ما ذكره أبو سعيد الخدري له «علیه السلام»، لم يكن خافياً عليه «صلوات اللّه وسلامه علیه»، وما سمعه أبو سعيد الخدري من علي «علیه السلام»، من أنه مل العراقيين وأبغضهم، وملوه وأبغضوه، إلى آخر كلامه.. قد سمعه منه الحسين، وكثيرون آخرون أيضاً.

فلماذا تكون الأمور واضحة لدى الخدري، ولا تكون كذلك لدى الإمام الحسين «علیه السلام»؟!

الحب اللّه ورسوله:

وقال أبو عبد اللّه «علیه السلام»:

«وفد إلى الحسين «صلوات اللّه عليه» وفد، فقالوا: يا ابن رسول اللّه، إن أصحابنا وفدوا إلى معاوية، ووفدنا نحن إليك.

فقال: إذن أجيزكم بأكثر مما يجيزهم.

فقالوا: جعلنا فداك، إنما جئنا لديننا.

قال: فطأطأ رأسه ونكت في الأرض، وأطرق طويلاً، ثم رفع رأسه فقال: «قصيرة من طويلة»، من أحبنا لم يحبنا، لقرابة بيننا وبينه ولا لمعروف أسديناه إليه، إنما أحبّنا اللّه ورسوله، جاء معنا يوم

القيامة كهاتين - وقرن بين سبابتيه » (1).

ونقول:

وضع النقاط على الحروف :

أردنا أن نختم الكلام في هذا الفصل بهذا الموقف الحسيني المبارك، لأنه تضمن جعل ضابطة من شأنها تصحيح المسار، وقطع آمال الطامحين، والطامعين.

والذي دعاه «علیه السلام» إلى وضع هذه الضابطة، أنه قد عاني الكثير من إصرار العراقيين عليه بالقيام ضد معاوية، وكانت كتبهم تتوالى، ووفودهم تتقاطر، بكثير من الإلحاح الذي لا يهدأ، ولا يستكين، حتى ظهر هذا الأمر وشاع واشتهر حتى بلغ مسامع معاوية، الذي تحرك لمواجهة هذا الأمر، وجرت بينه وبين الحسين «علیه السلام» مكاتبات حادة.. سيأتي بعضها إن شاء اللّه.

فكان لا بد من وضع حد لهذه الأجواء، من خلال إطلاق ضابطة تضع الأمور في نصابها، وتعرف الطامحين والطامعين، وطلاب الدنيا : بأن الحسين «علیه السلام» لا يخدع، ولا يخضع لأهواء الناس فهو ابن أبيه.


1) أعلام الدين للديلمي ص 46 و (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث) ص 460 وبحار الأنوار ج 27 ص 127 و 128.

التمهيد للضابطة:

وحين جهر أحد تلك الوفود، بالتمتن عليه، بأنهم اختاروه لوفادتهم، وآثروه بها في حين أن قومهم جعلوا وفادتهم لمعاوية.. بادر «علیه السلام» فعرض عليهم أن يجيزهم بأكثر مما يجيز معاوية الوفد الذي ذهب إليه..

فلم يرق لهم هذا الجواب، حيث توقعوا منه أن يكون جوابه، هو الشكر لهم، والإستماع إلى اقتراحاتهم، والإستجابة إلى مطالبهم، وتكون هذه يدا عنده، تنفعهم حين ينتهي أمر حكومة الأمة إليه، ويكون هؤلاء الناس هم الأثيرون لديه.

ولذلك قالوا : «إنما جئنا لديننا»، أو «مرتادين لديننا» كما في نص آخر، أي أننا لسنا طامعين بالمال ولا تنتهي حاجتنا عند إجازتنا بأقل أو بأكثر مما يجيز معاوية وفوده، بل غرضنا هو إنشاء علاقة معك، أعمق من علاقة الوفد بمن يجيزه بقليل من المال، أو بكثيره..

أطرق طويلاً، لماذا ؟!:

وتذكر الرواية: أن الإمام الحسين «علیه السلام» نكت في الأرض، وأطرق طويلاً : فلماذا فعل «علیه السلام» هذا ؟!

ويجاب:

بأنه ربما كان السبب أنه «علیه السلام» كان يعرف أن الوفد كانوا بانتظار جوابه، ولعلهم كانوا يتوقعون أن يرحب، ويثني عليهم،

وتنبسط أساريره لهم.

فلو أنه بادر إلى الجواب، فلربما يتوهمون أنه قد تسرع فيه، وسيراجع حساباته، ويستجيب لما يريدون وإلا فإن عليهم أن يطالبوه بأن يعيد النظر في الأمر.

فلكي يدفع ذلك عن نفسه، نكت في الأرض، كما يفعل المتأملون، وصار ينظر إلى الأرض، حتى لا يقال إن الفكر يتبع النظر، فإذا توزع هذا، توزع ذاك.

وأطرق طويلا، ليدفع تهمة التسرع، ثم واجههم بما أراد أن يواجههم به.

الضابطة الدقيقة والحاسمة:

وحين بلغت الأمور إلى هذا الحد أطلق «علیه السلام» الضابطة الدقيقة والحاسمة، فقال: «قصيرة من طويلة». أي أنه يريد أن يوجز لهم أمراً يحتاج شرحه إلى بيان طويل، ومفصل

«من أحبنا، لم يحبنا لقرابة بيننا وبينه ولا لمعروف أسديناه إليه. إنما أحبنا اللّه ورسوله. جاء معنا يوم القيامة كهاتين. - وقرن بين سبابتيه -».

إنه يريد أن يقول لهم: إن دواعي حب أهل البيت، أحد ثلاثة أمور:

1 - الحب الذي يدعو إليه الرحم، والقرابة، وهو الحب الناشئ

عن الرابطة التكوينية، وعلاقة الأشياء بما يسانخها، إلى ما يتمم نقصها ويرفع ضعفها..

2 - الحب الذي يصنعه المعروف والإحسان، وهو ليس حباً واقعياً، بل هو حب لنفس ما يبذله، أحد الطرفين إلى الآخر، وإنما يلحق هذا الحب صاحب المعروف، بالتبع لا بالأصالة..

3 - الحب الذي يدعو إليه الحصول على رضا اللّه ورسوله وهذا هو الحب الذي يريده اللّه من أهل الإيمان، وهو الذي ينفعهم في الدنيا، ويجمع كلمتهم على الحق والخير والهدى وينفعهم في الآخرة، حيث يكون الحشر مع أهل البيت «علیهم السلام»، من نصيبه، ويكون معهم، وفي زمرتهم.

ويلاحظ أنه «علیه السلام» قال: «إنما أحبنا اللّه ورسوله»، ولم يقل: ولرسوله، لكي يكون الحب واحداً، فلا يكون حب اللّه يغاير حب الرسول في شيء.

الفصل الثالث: يزيد «لعنه اللّه» ولي عهد..

اشارة

معاوية، والبيعة ليزيد:

قال ابن قتيبة في كتاب الإمامة والسياسة :

ثم لم يلبث معاوية بعد وفاة الحسن إلا يسيراً، حتى بايع ليزيد بالشام، وكتب ببيعته إلى الآفاق. وكان عامله على المدينة مروان بن الحكم، فكتب إليه يذكر الذي قضى اللّه على لسانه من بيعة يزيد، ويأمره بجمع من قبله من قريش، وغيرهم من أهل المدينة، ليبايعوا لیزید.

فلما قرأ مروان كتاب معاوية، أبى من ذلك، وأبته قريش، فكتب لمعاوية: إن قومك قد أبوا إجابتك إلى بيعة ابنك، فأرني رأيك.

فعزله معاوية، وولى سعيد بن العاص وخرج مروان إلى أخواله مغاضباً.

وكتب معاوية إلى سعيد بن العاص، يأمره أن يدعو أهل المدينة إلى البيعة، ويكتب إليه بمن يسارع، ومن لم يسارع، فلما أتى سعيد بن العاص الكتاب، دعا الناس إلى البيعة ليزيد، وأظهر الغلظة، وأخذهم بالعزم والشدة، وسطا بكل من أبطأ عن ذلك

فأبطأ الناس عنها، إلا اليسير، لاسيما بنى هاشم، فإنه لم يجبه

منهم أحد، وكان ابن الزبير من أشد الناس إنكاراً لذلك، وردا له.

فكتب سعيد بن العاص بجميع ذلك إلى معاوية، فلما بلغه ذلك كتب كتباً إلى عبد اللّه بن عباس، وإلى عبد اللّه بن جعفر، وإلى عبد اللّه بن الزبير وإلى الحسين بن علي «رضي اللّه عنهم»، وأمر سعيد بن العاص أن يوصلها إليهم، ويبعث بجواباتها، وتلك الكتب كلها تهديد من جهة، وتملق من جهة أخرى، فأجابوه كلهم بعدم الرضى، والاحتجاج عليه في ذلك (1).

وقال محمد بن عقيل ما ملخصه:

فكتب سعيد بن العاص إلى معاوية أنه: لم يبايعني أحد، وإنما الناس تبع لهؤلاء النفر، فلو بايعوك بايعك الناس جميعاً، ولم يتخلف عنك أحد، وأرسل إليه جواباتهم.

فلما بلغ معاوية ذلك كتب إلى سعيد أن لا يحركهم حتى يقدم.

ثم قدم معاوية المدينة حاجا، فلما أن دنا من المدينة خرج إليه الناس يتلقونه، ما بين راكب وماش، وخرج النساء والصبيان، فلقيه الناس على حسب طبقاتهم، فلان لكل من كافحه، وفاوض العامة بمحادثته، وتألفهم جهده، مقاربة ومصانعة، ليستميلهم إلى ما دخل فيه الناس حتى قال في بعض ما يجتلبهم به


1) الإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 1 ص 151 - 153 و (تحقيق الشيري) ج 1 ص 197 - 200 وجمهرة خطب العرب ج 2 ص 249 - 251.

يا أهل المدينة ما زلت أطوي الحَزْنَ من وعثاء السفر، بالحب لمطالعتكم حتى انطوى البعيد، ولان الخشن وحق الجار رسول اللّه أن يتاق إليه.

قال: حتى إذا كان بالجرف، لقيه الحسين بن علي، وعبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهم، فقال معاوية : مرحباً بابن بنت رسول اللّه، وابن صنو أبيه.

ثم انحرف إلى الناس، فقال: هذان شيخا بني عبد مناف.

وأقبل عليهما بوجهه وحديثه، فرحب وقرَّب، وجعل يواجه هذا مرة، ويضاحك هذا أخرى، حتى ورد المدينة.

وأقبل ومعه خلق كثير من أهل الشام حتى أتى عائشة رضي اللّه عنها، فاستأذن فأذنت له وحده لم يدخل عليها معه أحد، وعندها مولاها ذكوان فوعظته، وحرضته على الاقتداء بأبي بكر وعمر، وعنفته على قتل حجر بن عدي، وأصحابه.

ثم مضى حتى أتى منزله.

ثم أرسل إلى الحسين بن علي، فخلا به، وقال له: يا بن أخي قد استوثق الناس لهذا الأمر، غير خمسة نفر من قريش، وأنت تقودهم يا ابن أخي، فما إربك إلى الخلاف؟!

قال الحسين: أرسل إليهم، فإن بايعوك كنت رجلاً منهم وإلا تكن عجلت علي بأمر.

قال: وتفعل ؟!

قال: نعم.

قال: فأخذ عليه أن لا يخبر بحديثهما أحداً.

فخرج (فالتوى عليه، ثم أعطاه ذلك فخرج وقد أقعد له ابن الزبير رجلاً بالطريق، قال: يقول لك أخوك ابن الزبير ما كان، فلم يزل به حتى استخرج منه شيئا) (1).

ثم أرسل إلى الباقين [واحداً] واحداً يقول لهم بنحو، ما قاله للحسين رضي اللّه عنه، ويجيبه كل منهم بنحو جواب الحسين.

قال: ثم جلس معاوية صبيحة اليوم الثاني، وأجلس كتابه بحيث يسمعون ما يأمر به، وأمر حاجبه أن لا يأذن لأحدٍ من الناس وإن

قرب.

ثم أرسل إلى الحسين بن علي، وعبد اللّه بن عباس «رضي اللّه عنهم»، فسبق ابن عباس، فأجلسه عن يساره وشاغله بالحديث حتى أقبل الحسين، ودخل فأجلسه عن يمينه، وسأله عن حال بني الحسن وأسنانهم، فأخبره.

ثم خطب معاوية خطبة، أثنى فيها على اللّه ورسوله، وذكر الشيخين وعثمان، ثم ذكر أمر يزيد، وأنه يحاول ببيعته سد خلل


1) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 304 و (ط الأعلمي) ج 4 ص 225 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 286.

الرعية، وذكر علمه بالقرآن والسنة واتصافه بالحلم، وأنه يفوقهما سياسة ومناظرة، وإن كانا أكبر منه سنا، وأفضل قرابة.

واستشهد بتولية النبي «صلی اللّه علیه وآله» عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل، على أبي بكر وعمر، وأكابر الصحابة، وقيام عمرو بذلك خير قيام وإن في رسول اللّه أسوة حسنة، ثم استجابهما عما ذكر.

قال: فتهيأ ابن عباس للكلام، فقال له الحسين: على رسلك فأنا المراد، ونصيبي في التهمة أوفر.

وقام الحسين، فحمد اللّه تعالى وصلى على الرسول «صلى اللّه عليه وآله» وقال:

أما بعد..

يا معاوية فلن يؤدي القائل وإن أطنب في صفة الرسول «صلی اللّه علیه وآله» من جميع جزاً. وقد فهمت ما لبست به الخلف بعد رسول اللّه من إيجاز الصفة، والتنكب عن استبلاغ البيعة، وهيهات هيهات يا معاوية، فضح الصبح فحمة الدجى، وبهرت الشمس أنوار السرج، ولقد فضلت حتى أفرطت، واستأثرت حتى أجحفت، ومنعت حتى بخلت، وجرت حتى جاوزت ما بذلت لذي حق من أتمّ حقه بنصيب، حتى أخذ الشيطان حظه الأوفر، ونصيبه الأكمل.

وفهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله وسياسته لأمة محمد، تريد أن توهم الناس في يزيد، كأنك تصف محجوباً، أو تنعت غائباً،

أو تخبر عما كان مما احتويته بعلم خاص

وقد دل يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ به من استقرائه الكلاب المهارشة عند التحارش والحمام السُّبَّق لأترابهن، والقينات ذوات المعازف، وضروب الملاهي، تجده ناصراً [باصراً خ.ل]

ودع عنك ما تحاول فما أغناك أن تلقى اللّه بوزر هذا الخلق، بأكثر مما أنت لاقيه، فواللّه ما برحت تقدح (1)باطلاً في جور، وحنقا في ظلم، حتى ملأت الأسقية، وما بينك وبين الموت إلا غمضة، فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود، ولات حين مناص.

ورأيتك عرضت بنا بعد هذا الأمر، ومنعتنا عن آبائنا تراثا، ولقد لعمرو اللّه ورثنا الرسول ولادة، وجئت لنا بما حججتم به القائم عند موت الرسول، فأذعن للحجة بذلك، وردت الإيمان إلى النصف.

فركبتم الأعاليل، وفعلتم وقلتم كان ويكون، حتى أتاك الأمر يا معاوية من طريق كان قصدها لغيرك، فهناك فاعتبروا يا أولي الأبصار.

وذكرت قيادة الرجل القوم بعهد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وتأميره له، وقد كان ذلك، ولعمرو بن العاص يومئذ فضيلة


1) لعل الصحيح: تمتح. أي تستخرج الماء من البئر، بقرينة قوله حتى ملأت الأسقية.

بصحبة الرسول، وبيعته له، وما صار لعمرو يومئذ حتى أنف القوم إمرته، وكره القوم تقديمه، وعدوا عليه أفعاله، فقال «صلى اللّه عليه وآله» لا جرم معشر المهاجرين، لا يعمل عليكم بعد اليوم.

فكيف تحتج بالمنسوخ من فعل الرسول في أوكد الأحوال، وأولاها بالمجتمع عليه من الصواب؟!

أم كيف ضاهيت بصاحب تابعاً وحولك من يؤمن في صحبته، ويعتمد في دينه وقرابته، وتتخطاهم إلى مسرف مفتون، تريد أن تلبس الناس شبهة، يسعد بها الباقي في دنياه، وتشقى بها في آخرتك، إن هذا لهو الخسران المبين، وأستغفر اللّه لي ولكم.

قال: فنظر معاوية إلى ابن عباس :فقال ما هذا يا ابن عباس، ولما عندك أدهى وأمر.

فقال ابن عباس: لعمرو اللّه إنه لذرية الرسول، وأحد أصحاب الكساء، ومن البيت المطهر، (فاسأله) فالة عما تريد، فإن لك في الناس مقنعاً، حتى يحكم اللّه بأمره، وهو خير الحاكمين.

فقال معاوية: انصرفا في حفظ اللّه. انتهى ملخصاً من كتاب ابن قتيبة.

وقال ابن الأثير في الكامل: ثم إن أولئك النفر خرجوا إلى مكة، فأقاموا بها.

وخطب معاوية بالمدينة، وذكر يزيد فمدحه، وقال: من أحق بالخلافة منه، في فضله وعقله، وموضعه، وما أظن قوما بمنهين

حتى تصيبهم بوائق تجتث أصلهم، وقد أنذرت إن أغنت النذر.

ثم قال: ومكث معاوية بالمدينة ما شاء اللّه، ثم خرج إلى مكة فتلقاه الناس.

فقال أولئك النفر نتلقاه، فلعله قد ندم على ما قد كان. فلقوه ببطن مَرّ. فكان أول من لقيه الحسين بن علي «علیهما السلام»، فقال له معاوية : مرحبا وأهلا بابن رسول اللّه، وسيد شباب المسلمين. فأمر له بدابة، فركب وسايره.

ثم فعل بالباقين مثل ذلك، وأقبل يسايرهم، لا يسير معه غيرهم، حتى دخل مكة.

وكانوا أول داخل، وآخر خارج، ولا يمضي يوم إلا ولهم صلة، ولا يذكر لهم شيئاً حتى قضى نسكه، وحمل أثقاله، وقرب مسيره، فأحضرهم، وأعاد عليهم ما طلبه بالمدينة من بيعة يزيد، فلم يجيبوه إلى ما طلب، وكان المتكلم عبد اللّه بن الزبير، فسأل معاوية الباقين.

فقالوا: قولنا قوله.

قال: فإني قد أحببت أن أتقدم إليكم أنه قد أعذر من أنذر، إني كنت أخطب فيكم فيقوم إلى القائم منكم فيكذبني على رؤوس الناس، فأحمل ذلك وأصفح، وإني قائم بمقالة، فأقسم باللّه لئن رد عليّ أحدكم كلمة في مقامي هذا، لا ترجع إليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه، فلا يبقين رجل إلا على نفسه.

ثم دعا دعا صاحب حرسه بحضرتهم، فقال: أقم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين، ومع كل واحد سيفه، فإن ذهب رجل منهم يرد علي كلمة بتصديق، أو تكذيب فليضرباه بسيفيهما.

ثم خرج وخرجوا معه حتى رقى المنبر، فحمد اللّه، وأثنى عليه: ثم قال: إن هؤلاء الرهط، سادة المسلمين وخيارهم لا يبرم أمر دونهم ولا يقضي إلا عن مشورتهم، وإنهم قد رضوا وبايعوا ليزيد فبايعوا على اسم اللّه.

فبايع الناس، وكان الناس يتربصون بيعة هؤلاء النفر، ثم ركب رواحله وانصرف إلى المدينة، فلقي الناس أولئك النفر، فقالوا لهم: زعمتم أنكم لا تبايعون فلم رضيتم وأعطيتم وبايعتم.

قالوا: واللّه ما فعلنا.

فقالوا: ما منعكم أن تردوا على الرجل.

قالوا: كادنا وخفنا القتل، وبايعه أهل المدينة، ثم انصرف إلى الشام (1).

ومن أراد الوقوف على النصوص الكاملة لما تقدم، فعليه بكتاب


1) راجع النصائح الكافية للسيد محمد بن عقيل العلوي ص 67 - 71 وراجع نهاية الأرب ج 20 ص 357 - 359 وتاريخ الخميس ج 3 ص 329 وراجع الكامل في التاريخ ج 3 ص 504 - 511.

الغدير للعلامة الأميني ج 10 ص 227 - 256، وذكر مصادر تلك النصوص بصورة مفصلة

توطئة وتمهيد:

لا نريد أن ندخل في تفاصيل ما جرى فيما يرتبط بالبيعة ليزيد بولاية العهد، فإن أكثره لا يدخل في سياق السيرة الحسينية، إلا في ضمن رسم الخطوط العامة لمسار الأحداث.

وحيث إن أساليب معاوية وحزبه تنطلق من نهج انحرافي، مصلحي، ومن العصبيات والأهواء، مع التفلت من الضوابط الشرعية، واستباحة المحرمات بكل أنواعها.. فلا تبقى حاجة إلى الوقوف على التفاصيل المملة لموارد هي في الأكثر نقض العهود، وتفصيل لأحابيل الغدر والمكر والخداع، والكذب، والإشاعات، والأضاليل، بالإضافة إلى الرشوات بالأموال، والمناصب، والقيام بحملة اغتيالات بالسم تارة، وبالسيف أخرى، لكل طامح وطامع، ومن تظهر منه بوادر امتناع أو تمرد

ثم ملاحقة كل من لا يوافقهم في النهج السياسي، ولا يكون من أعوانهم، أو يدور بفلكهم - ملاحقتهم - بكل مكروه، بل كانت سياسة معاوية تقضي باستئصالهم، وإبادتهم، وصلبهم، وهدم دورهم، وسلب أموالهم، وقطع أعضائهم، وسمل أعينهم، ودفن بعضهم، وهم أحياء..

بالإضافة إلى هدم الكعبة، واستباحة المدينة، وجميع أنواع الترغيب والترهيب.

إن هذا النوع من الأساليب قد برز بقوة فريدة وشديدة، في الفترة التي تلت استشهاد علي «علیه السلام»، بل تواصلت هذه السياسة على يد جبابرة بني أمية، وزبانيتهم إلى عشرات السنين، ثم ورثها عنهم بنو العباس بصورة أمر وأشر، وأضر.

هدفنا باختصار:

من أجل ما تقدم نقول:

إننا لا نرى حاجة لذكر من اغتالهم معاوية، في سياق التوطئة لتنصيب ولده وليا للعهد بعده.. وعلى رأس هؤلاء الإمام الحسن «علیه السلام»، ومنهم عبد الرحمان بن خالد وسعد بن أبي وقاص، بالإضافة إلى رفض زياد ليزيد وليا للعهد، كما لا نرى ضرورة لذكر الذين حصلوا على رشوات مالية، أو فازوا بولايات خطيرة وكبيرة.. ولا نحتاج إلى تفصيل سائر فصول الغدر والمكر التي مارسها معاوية في هذا السبيل..

بل سوف نقتصر على ذكر استفادات وشروحات وبيانات للمفاصل الأساسية التي ترتبط بالإمام الحسين بالذات، وسنحاول الإختصار قدر الإمكان..

فنقول:

بعد استشهاد الإمام الحسن «علیه السلام»:

إن معاوية كان مهتماً بتولية ولده بعده ويريد أن يجد الفرصة لهذا الأمر، ولكنه كان يواجه المشاكل التالية:

الأولى : وجود الإمام الحسن «علیه السلام»، الذي أعطاه معاوية عهدا مكتوبا بأن يكون الأمر له من بعده، ولا يعهد معاوية لأحد...

وكان هذا الأمر شائعاً ومتداولاً في طول البلاد وعرضها...

الثانية: نفس وجود الحسن والحسين «علیهما السلام» في الأمة كان يمنع من حصول هذا الأمر، لأن خيار الأمة لا يمكن أن يعدلوا بالحسن والحسين «علیهما السلام» أحداً من الناس، فكيف إذا كان على شاكلة يزيد سكيراً خميراً قاتلاً، فاسقاً بكل ما لهذه الكلمات من معنی؟

الثالثة: وجود الطامعين في قريش، مثل عبد اللّه بن الزبير، وسعد بن أبي وقاص ومروان، وغيرهم كثير..

ولأجل ذلك، كان معاوية بصدد تجاوز هذه العقبات، فاغتال الإمام الحسن بالسم، بواسطة زوجته جعدة بنت الأشعث، واغتال سعد بن أبي وقاص بالسم أيضا (1).

واغتال عبد الرحمان بن خالد، وغيره (2). وقدم رشوات مالية،


1) مقاتل الطالبيين ص 29 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 48 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 16 ص 49 والأنوار البهية ص 90 والنص والإجتهاد ص 472 والغدير ج 10 ص 233 و ج 11 ص 9 والكنى والألقاب ج 1 ص 308 وأعيان الشيعة ج 1 ص 576 والفصول المهمة للسيد شرف الدين ص 132.

2) الأغاني ج 16 ص 209 والإستيعاب ج 1 ص 373 و (ط دار الجيل) ج 2 ص 829 والوافي بالوفيات ج 18 ص 86 ونهاية الأرب ج 20 ص 318 وفلك النجاة في الإمامة والصلاة ص 60.

وترضيات بالولايات، في طول البلاد وعرضها، إلى عدد ممن رضوا بما يريد، وإلى جماعة من الرؤساء، والأعيان الذين ساعدوا على وصوله إلى غايته.

المدينة هي العقدة:

تمكن من أخذ البيعة ليزيد بولاية العهد من مختلف البلاد والعباد في العراق والشام..

وبقيت العقدة الأصعب أمامه، وهي المدينة التي تمثل الثقل الأكبر من الناحية الإعتبارية في الناس، لوجود قريش فيها، ولوجود الإمام الحسين «علیه السلام»، وبقية الصحابة، ومن تربى على أيديهم، أو عاش معهم.

وقدم معاوية إلى المدينة بنفسه مرتين إحداهما للحج في سنة خمسين وإحدى وخمسين ليمهد السبيل إلى ما يريد، ثم قدمها في سنة 56 للّهجرة، بهدف حسم الموضوع نهائياً..

وهذا ما حصل بالفعل.

كيف واجه الحسين «علیه السلام» مشروع معاوية؟!:

كان الإمام الحسين «علیه السلام» يعلم أن معاوية مصمم على

أخذ البيعة لولده يزيد من أهل المدينة بكل ثمن، وأنه لن يثنيه شيء عن هذا الأمر، حتى ولو بقيمة قتل خيار الأمة وصلحائها، وهدم الكعبة، ومحق المدينة وسحقها.

وكان يعلم: أن معاوية قد قتل الإمام الحسن «علیه السلام» للتمهيد لهذا الأمر. وأنه يملك الأموال ليرشو بها، ولديه الرجال ليهدد، وليبطش، ولديه الأحابيل الماكرة ليخدع، وهو يمارس الكذب والغدر والفتك، ولا يتورع عن ارتكاب أية جريمة للحصول على ما يريد..

فكان الإمام الحسين «علیه السلام» يرى مسار الأمور رأي العين.. ولكن ذلك لا يعني ترك الساحة لمعاوية، ليسرح ويمرح فيها، بلا حسيب ولا رقيب

فإن المطلوب هو تقليل خسائر الدين والأمة، إلى أدنى المستويات. بحيث يصبح ما يحصل عليه معاوية بمثابة عظمٍ بال يظفر به كلب عقور..

وقد أظهرت كلماته «علیه السلام» في النصوص التي بين أيدينا أن معاوية لو استطاع أن يدعي أن ولده فوق أعلم العلماء، من الأولين والآخرين، وأتقى وأفضل، وأجل من الأنبياء، والمرسلين، لما توانى عن ذلك. وثناؤه عليه والأوصاف التي حباه بها تشهد على ما نقول..

والمطلوب للحسين «علیه السلام» أمران، هما:

الأول: فضح أساليب معاوية وأحابيله المخالفة للشرع، ولكل القيم

الأخلاقية والإنسانية وتعريف الناس بأن قوامها الإحتيال، والكذب، والمكر والغدر، ونقض العهود، وقتل الأبرياء، والإغتيالات، والرشاوى والترغيب والترهيب، وما إلى ذلك.

الثاني: كشف الستار عن واقع يزيد، ليراه الناس على حقيقته.

وفي نطاق هذين الأمرين كان الحسين يتعامل مع معاوية.

فمن جهة لا يدع الأمور تصل إلى الحد الأقصى، الذي يدعو معاوية للبطش والإنتقام السافر..

ومن جهة أخرى لا يحقق لمعاوية ما يريده من تمرير هذا الأمر الخطير، الذي هو بمثابة كارثة على الدين وأهل الدين، بيسر وسهولة، ومن دون أن يرى الناس شروره وأخطاره، ويعرفهم بما يمكن أن يعرفوه من الأحابيل الشيطانية، والجرائم التي ترتكب، والحرمات التي تنتهك، لكي لا يتمكن معاوية من إظهار الشيطان المريد بصورة قديس، أو نبي، أو وصي..

وهذا يفسر لنا ما نراه من أن الحسين «علیه السلام» تارة يواجه معاوية بمفرده، ويبطل الشبهات التي يتشبث بها، وتارة يشرك الآخرين، أو يشاركهم في بيان خطل وخطر النهج والمسار الذي يعتمده معاوية..

الجبر الإلهي في بيعة يزيد «لعنه اللّه»:

وتقدم أن معاوية كتب إلى مروان: «يذكر الذي قضى اللّه على لسانه من بيعة يزيد».

وقال لعبد اللّه بن عمر ولغيره أيضاً: «إن أمر يزيد قد كان قضاء من القضاء، وليس للعباد خيرة من أمرهم» (1).

وهذا هو صريح عقيدة الجبر الإلهي التي كانت في المشركين في الجاهلية.

وهي عقيدة باطلة، ومسيئة إلى الذات الإلهية، وقد قال اللّه تعالى حكاية عن قول :المشركين: «سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللّه مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ» (2).

وفي آية أخرى: «وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللّه مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ» (3).

وقد انتعشت هذه العقيدة من جديد على أيدي بعض الحكام، وأتباعهم بعد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».. والتزم بها معاوية، وارتضاها الأمويون، ومن يدور في فلكهم، وكان علي والأئمة الطاهرون وشيعتهم المخلصون من أشد الناس في مواجهة هذه العقيدة


1) الإمامة والسياسة 182 و 183 و (تحقيق الزيني) ج 1 ص 158 و 161 - 162 و (تحقيق الشيري) ج 1 ص 205 و 210 وراجع الغدير للشيخ الأميني ج 10 ص 245 و 249.

2) الآية 148 من سورة الأنعام.

3) الآية 35 من سورة النحل.

الباطلة، وقد فندها علماء الإسلام، وأبطلوها بما لا مزيد عليه.

معاوية: الحسين ليث عرين:

ومما كتب به معاوية إلى سعيد بن العاص، وهو يدبر أمر يزيد:

«وانظر حسيناً خاصة، فلا يناله منك مكروه، فإن له قرابة، وحقاً عظيماً، لا ينكره مسلم، ولا مسلمة. وهو ليث عرين، ولست آمنك إن تشاوره أن لا تقدر عليه».

فقد تضمنت هذه الكلمات أموراً ثلاثة يبدو أنها هي السبب في مداراة معاوية للإمام الحسين «علیه السلام»، وهي:

1 - عظمة الإمام الحسين في الأمة، فكل مسلم ومسلمة يعرف قرابته القريبة من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله». ويعرف ويعترف بحقه العظيم. فأية إساءة إليه سوف تقابل بالرفض، والتقبيح، والإدانة.

وقد قال ابن عباس عن الحسين «علیه السلام»: «واحذر أن تؤذيه يا معاوية فيؤذيك أهل الأرض، فليس على ظهرها اليوم ابن بنت نبي سواه، فقال معاوية : إني قد قبلت منك يا ابن عباس (1).

2 - إن الحسين «علیه السلام» ليث عرين، فالإساءة إليه لن تمضي دون رد ومعاوية في هذا الظرف يحتاج إلى إبقاء الأمور في دائرة الهدوء والسلام والوئام.


1) الفتوح لابن أعثم ج 4 ص 238 - 239 ومواقف الشيعة ج 2 ص188.

3 - إن حجة الحسين «علیه السلام» قاطعة وبراهينه ساطعة، لا يقوى خصومه «علیه السلام» على مقارعتها.. ولذا يجب تجنب الإحتكاك به حتى لا تظهر مخازي مناوئيه..

رحلتا معاوية إلى الحجاز:

وقد ذكر العلامة الأمينى «رحمه اللّه»: أن معاوية قد قصد الحجاز مرتين، بهدف الحصول على بيعة أهل المدينة ليزيد بولاية العهد..

فقد حج في سنة خمسين، وبدأ يهيئ الأجواء لولاية العهد لولده في سنة إحدى وخمسين (1). وألمّ بالمدينة، وأثار أمر هذه البيعة فيها، ولكن من دون إمعان أو إصرار.

ثم اعتمر سنة ست وخمسين وواجه أهل المدينة، ومن هم على رأيهم بأنواع من الترغيب والترهيب والتهديد بقطع الأعناق، على النحو الذي مر تفصيله في النصوص المتقدمة.

متى استشهد الإمام الحسن «علیه السلام»؟! :

وقد ذكر ابن قتيبة: أن معاوية حج سنة خمسين، فلما قدم المدينة، دعا العبادلة: ابن عباس، وابن الزبير، وابن عمر، وعرض عليهم ما عزم عليه من البيعة ليزيد بولاية العهد، وقال لهم:


1) الإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 1 ص 148) و (تحقيق الشيري) ج 1 ص194 وجمهرة خطب العرب ج 2 ص 246 والغدير ج 10 ص 242.

«ولم يمنعني أن أحضر حسنا وحسيناً، إلا أنهما أولاد أبيهما، على حسن رأيي فيهما، وشديد محبتي لهما» (1).

وهذا النص يدل على أمور عديدة:

فأولاً: إن معاوية كان يحاذر من المجاهرة بما عقد العزم عليه من أخذ البيعة لولده يزيد بولاية العهد في حياة الإمام الحسن للعهد والعقد الذي كان بينهما المتضمن لشرط أن لا يعهد لأحد بعده، بل يكون الأمر من بعده للحسن، ثم للحسين «علیهما السلام».

فلو دعا الحسنين «علیهما السلام»، وفاتحهما بهذا الأمر، فربما احتدم السجال بينه وبين الحسنين «علیهما السلام»، وتطورت الأمور، وربما بلغت حداً يصعب رتق ما انفتق، وسد ما انخرق..

ثانياً: تذكر طائفة من المصادر أن استشهاد الإمام الحسن «علیه السلام» كان في سنة تسع وأربعين (2)، وهذا النص يقول: إن الإمام


1) الإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 1 ص 148) و (تحقيق الشيري) ج 1 ص 194 والغدير ج 10 ص 242 وجمهرة خطب العرب ج 2 ص 246.

2) راجع: عمدة الطالب ص 65 وتوضيح المقاصد (المجموعة للشيخ البهائي) ص 6 والذرية الطاهرة النبوية ص 102 و 105 و 120 وتاج المواليد (المجموعة) ص 26 والإمامة والسياسة ج 1 ص 201 و 202 والكافي ج 1 ص1 ص 461 وتهذيب الأحكام ج 6 ص 39 وشرح الأخبار ج3 ص 132 وبحار الأنوار ج 44 ص 161 ومرآة العقول ج 5 ص 350 ومناقب آل أبي طالب (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 192 والأنوار البهية ص 89 والمستدرك للحاكم ج 3 ص 169 ومجمع الزوائد ج 9 ص 179 وعمدة القاري ج 16 ص 239 وعون المعبود ج 11 ص 127 والمعجم الكبير ج3 ص 26 و 71 والإستيعاب (ط دار الجيل) ج 1 ص 389 ونظم درر السمطين ص 204 وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص 79.

الحسن «علیه السلام»، كان حيا في سنة خمسين..

ثالثاً: إن معاوية ادعى أن ما منعه من دعوة الحسنين «علیهما السلام» لذلك الإجتماع أنهما أولاد أبيهما، مع أن السبب هو خوفه من مطالبته بالوفاء بالعهد والعقد الذي كان بينه وبين الحسن والحسين «علیهما السلام»، ثم أن يجعلا ذلك ذريعة للقيام ضد مخططاته غير المشروعة...

رابعاً: ما ادعاه من محبته لهما، وحسن رأيه فيهما هو الآخر، ليس بصحيح، بل هو يبغضهما، ويسيء الظن بهما، وقد اغتال الإمام الحسن بالسم على يد زوجته جعدة بنت الأشعث..

كتاب الحسين بعد البيعة ليزيد:

وذكر ابن قتيبة : أن معاوية حين بدأ محاولات تنصيب يزيد ولياً للعهد، كتب إلى الحسين «علیه السلام» كتاباً يحذره فيه، وأوله: «فقد انتهت إلي منك أمور لم أكن أظنك بها، رغبة عنها إلخ...».

فأجابه «علیه السلام» بكتاب مطول يقرعه فيه لقتله حجر بن عدي، وعمرو بن الحمق، وجرائم أخرى.. وسيأتي الكتابان عن

قريب إن شاء اللّه تعالى(1).

غير أننا نقول:

إن كتاب معاوية وجواب الإمام الحسين «علیه السلام» هذا، إنما كانا بعد البيعة ليزيد، بدليل أن كتاب الحسين «علیه السلام» قد تضمن تأنيب معاوية على البيعة ليزيد بولاية العهد، وهو فاسق يشرب الخمر، ويلعب بالكلاب، وغير ذلك.

إن بايعوك كنت رجلاً منهم :

فيما يرتبط بحديث خلوة معاوية بالحسين «علیه السلام»، ثم بابن الزبير، ثم بابن عمر، وقوله لكل واحد منهم: «قد استوثق الناس لهذا الأمر، غير خمسة نفر من قريش، وأنت تقودهم».

فقال الحسين «علیه السلام»، وابن الزبير: «أرسل إليهم، فإن بايعوك كنت رجلاً منهم».

نقول:

يبدو: أن هدف معاوية هو أن يجعل من الجواب المشتمل على المماحكة، والتحدي ذريعة لاتخاذ موقف حاقد وحاد.

ولكن جواب الإمام الحسين قد وصل إلى ابن الزبير أيضاً،


1) راجع: الإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 1 ص 154 - 157 و (تحقیق الشيري) ج 1 ص 201 - 204 والنصائح الكافية ص 65 - 67 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 171 و 172.

بدليل قول الرواية: «فخرج وقد أقعد ابن الزبير رجلاً بالطريق، فقال له يقول لك أخوك ابن الزبير ما كان؟ فلم يزل حتى استخرج منه شيئاً».. (1)

وهذا الجواب الحسيني البديع يستند إلى علمه بأن بعض هؤلاء، لن يبايع ليزيد، كما أن هذا الجواب يلقي بالمسؤولية على معاوية..

بل إن هذا الجواب ليس فيه وعد صريح بالبيعة، فقد قال له: «إن بايعوك، كنت رجلاً منهم». فإن كون الرجل من فئة لا يعني الإلتزام بممارسة أفعالها.

بل ليس ثمة ما يؤكد أن يكون مرجع الضمير هو هؤلاء الأشخاص بالذات.

خطبة الحسين:

وقد تضمنت خطبة الحسين «علیه السلام» أموراً كثيرة، لا مجال لبسط القول فيها، لاسيما من قاصر مثلي، فلا محيص عن الإكتفاء بالإلماح إلى بضعة عناوين رئيسة، ربما تسهم في وضوح ما نرمي إلى توضيحه، فنقول:

1 - إنه «علیه السلام» بيَّن أن معاوية قد أفرط في التفضيل،


1) الإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 1 ص 159 و (تحقيق الشيري) ج 1 ص 206 وتاريخ الأمم والملوك (ط الأعلمي) ج 4 ص 225 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 286.

ولعله يقصد به تفضيل ولده يزيد حيث نسب إليه أموراً ليس له منها نصيب قليل، ولا..كثير

2 - وذكر «علیه السلام» أن معاوية قد استأثر بما ليس له، وأغار على صفات وفضائل وكمالات غيره.. وسلبهم إياها حتى أجحف، وأضرَّ بهم.

3 - ثم ذكر «علیه السلام» أموراً أخرى، ثم قال: إن معاوية لم يبذل لذي حق من أتم حقه بأي نصيب مهما صغر، إلا أخذ الشيطان من هذا المبذول أيضا حظه الأوفر، ونصيبه الأكمل.

مما يعني: أن معاوية يوظف ما في يديه من حقوق للآخرين، في خدمة أهداف شيطانية. ولا ينال صاحب الحق شيء، إلا إن كان مغموساً بالقاذورات..

4 - إنه «علیه السلام» قد بين حال يزيد، وأن من الإنصاف له أن يوليه ما تولى ويصفه بما يحسنه وهو أهل له، وهو ما عرفه الناس من مهاراته التي منها استقراؤه الكلاب المتهارشة عند التهارش، واللعب بالحمام، وخبرته بالجواري ذوات المعازف، وضروب الملاهي.

وليس له أن يخترع له مهارات وعلوماً، وبراعة في التدبير والسياسات.

والغريب هنا: أن يرى معاوية نفسه أهلا لأن يميز بين الرجال في علومهم، وفي فضلهم.

فيفضل اللاعب بالقرود والكلاب وغيرها على من حكم اللّه ورسوله بأنه إمام قام أو قعد، وشهد القرآن بعصمته وطهارته، وأنه سيد شباب أهل الجنة، وما إلى ذلك.

5 - ثم أشار «علیه السلام» إلى الخطأ الفاحش الذي وقع فيه معاوية، حين استدل بما فعله النبي «صلی اللّه علیه وآله» من توليته عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل على أبي بكر وعمر، حيث احتج بالمنسوخ، وترك الحكم الناسخ المجمع عليه..

فإن الذين تولى عليهم ابن العاص كرهوا تقديمه، وعدوا عليه أفعاله، فقال «صلی اللّه علیه وآله»: لا جرم معشر المهاجرين، لا يعمل عليكم بعد اليوم غيري ومعنى هذا أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» قد نسخ بقوله هذا هذه الولاية لعمرو بن العاص بهذا الحكم الجديد، فما معنى أن يستدل بحديث التولية المنسوح، ويترك الناسخ؟!

الحسين «علیه السلام» يرفض كسوة معاوية:

وذكر ابن أعثم:

أن معاوية حين قدم مكة، والتقى بالحسين «علیه السلام» وابن عمر، وعبد الرحمان بن أبي بكر، وابن الزبير، صار يظهر المحبة والإكرام لهم، ويضاحكهم ثم بعث إلى كل واحد منهم بصلة سنية، وفضل عليهم الحسين بن علي بكسوة حسنة فلم يقبلها الحسين

منه»(1).

يعترف بالحق، ويصر على الباطل:

عن محمد بن سيرين قال: لما بايع معاوية ليزيد، حج (فمر) بالمدينة، فخطب الناس، فقال: إنا قد بايعنا يزيد، فبايعوا.

فقام الحسين بن علي «رضي اللّه عنه»، فقال: أنا واللّه أحق بها منه، فإن أبي خير من أبيه، وجدي خير من جده، وإن أمي خير من أمه، وأنا خير منه.

فقال معاوية : أما ما ذكرت: أن جدك خير من جده، فصدقت، رسول اللّه «صلى اللّه عليه وسلم» خير من أبي سفيان بن حرب، وأما ما ذكرت أن أمك خير من أمه فصدقت فاطمة بنت رسول اللّه «صلى اللّه عليه وسلم» خير من بنت مجدل (لعل الصحيح: بحدل).

وأما ما ذكرت: أن أباك خير من أبيه فقد قارع أبوه أباك، فقضى اللّه لأبيه على أبيك، وأما ما ذكرت أنك خير منه، فلهو أرب منك وأعقل، ما يسرني به مثلك ألف (2).

وفي نص آخر:

أما قولك: خير منه أمّا، فلعمري أمك خير من أمه، ولو لم يكن


1) الفتوح لابن أعثم (ط دار الأضواء) ج 4 ص 339 و 240.

2) المعجم الكبير للطبراني ج 19 ص 356 ومجمع الزوائد ج ص 198 والغدير للشيخ الأميني ج 10 ص 234.

إلا أنها امرأة من قريش، لكان لنساء قريش فضلهن، فكيف وهي ابنة رسول اللّه «صلى اللّه عليه وسلم»، ثم فاطمة في دينها و سابقتها، فأمك لعمرو اللّه خير من أمه. وأما أبوك فقد حاكم أباه إلى اللّه، فقضى لأبيه على أبيك.

فقال الحسين: حسبك جهلك آثرت العاجل على الآجل.

فقال معاوية: وأما ما ذكرت من أنك خير من يزيد نفسأ، فيزيد واللّه خير لأمة محمد منك

فقال الحسين: هذا هو الإفك والزور، يزيد شارب الخمر ومشتري اللّهو خير مني ؟!

فقال معاوية : مهلا عن شتم ابن عمك، فإنك لو ذكرت عنده بسوء لم يشتمك (1).

وقال ابن أعثم:

وأقام معاوية بمكة لا يذكر شيئا من أمر يزيد، ثم أرسل إلى الحسين فدعاه، فلما جاءه ودخل إليه قرب مجلسه، ثم قال:

أبا عبد اللّه! اعلم أني ما تركت بلداً إلا وقد بعثت إلى أهله


1) الإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 1 ص 162 و 163 و (تحقیق الشيري) ج 1 ص 211 وجمهرة خطب العرب ج 2 ص 258 و 259 والغدير للشيخ الأميني ج 10 ص 251 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 147.

فأخذت عليهم البيعة ليزيد، وإنما أخرت المدينة، لأني قلت هم أصله، وقومه، وعشيرته، ومن لا أخافهم عليه، ثم إني بعثت إلى المدينة بعد ذلك، فأبى بيعته من لا أعلم أحداً هو أشد بها منهم، ولو علمت أن الأمة محمد «صلی اللّه علیه وآله» وسلم خير من ولدي يزيد لما بعثت له.

فقال له الحسين: مهلا يا معاوية ! لا تقل هكذا، فإنك قد تركت من هو خير منه أما وأباً.ونفساً.

فقال معاوية : كأنك تريد بذلك نفسك أبا عبد اللّه !

فقال الحسين: فإن أردت نفسي فكان ماذا ؟!

فقال معاوية : إذا أخبرك أبا عبد اللّه ! أما أمك فخير من أم يزيد، وأما أبوك فله سابقة وفضل، وقرابته من الرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وسلم ليست لغيره من الناس، غير أنه قد حاكم أبوه أباك، فقضى اللّه لأبيه على أبيك، وأما أنت و هو، فهو واللّه خير لأمة محمد «صلی اللّه علیه وآله» وسلم منك.

فقال :الحسين من خير لأمة محمد يزيد الخمور (و) الفجور !

فقال معاوية : مهلا أبا عبد اللّه ! فإنك لو ذكرت عنده لما ذكر منك إلا حسناً.

فقال الحسين: إن علم مني ما أعلمه منه أنا فليقل فيّ ما أقول فيه.

فقال له معاوية : أبا عبد اللّه ! انصرف إلى أهلك راشداً، واتق اللّه

في نفسك، واحذر أهل الشام أن يسمعوا منك ما قد سمعته، فإنهم أعداؤك وأعداء أبيك.

قال فانصرف الحسين إلى منزله (1).

ونقول:

إن هذا الذي جرى بين الحسين «علیه السلام» ومعاوية، يمثل فضيحة لمعاوية، فقد اعترف بالحق من جهة، وأصر على الباطل من جهة أخرى، فهو:

1 - يعترف بأن جد الحسين «علیه السلام»، وأمه، أفضل من جد وأم يزيد، بالرغم من عدم صحة المقارنة من أساسها، إذ لا يصح أن يقارن سيد الخلق أجمعين بمن كان رأساً للشرك، ثم رأسا وكهفا للمنافقين، بعد أن غلب على أمره إذ لا يصح أن يقال: فلان خيرٌ من فلان إذا لم يكن في فلان الآخر خير أصلاً إلا إن كان على سبيل التوسع والمجاز، ومن باب أن أهل الجنة خير من أهل النار..

2 - ثم أظهرت رواية ابن أعثم أن معاوية يعترف لعلي «علیه السلام» بأن له سابقة وفضلاً، وقرابة من الرسول «صلى اللّه عليه وآله» ليست لغيره.

ولكنه استدرك على هذا الإعتراف بمغالطة ظاهرة الفساد، حين ادعى أن معاوية قد حاكم عليا، فقضى اللّه لمعاوية على علي «عليه


1) الفتوح لابن الأعثم (ط دار الأضواء) ج 4 ص 240 و 241.

السلام»..

وهذا كلام باطل، فإنه إن كان المراد بالمحاكمة هو الغلبة ميدان القتال، فإن الغلبة هذه كانت إلى جانب أمير المؤمنين «علیه السلام» على معاوية في أكثر الأحيان، وتأكدت هذه الغلبة حين كاد يقضى على معاوية، فاضطر إلى خدعة رفع المصاحف.

وإن كان المراد بالغلبة ما جرى بين عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري في قصة التحكيم.. فمن المعلوم: أن الشرط كان على الحكمين هو أن يحكما بالقرآن والسنة، وهما لم يفعلا ذلك بل حكما بالهوى، وسلكا طريق الخداع، فحكمهما ليس هو حكم اللّه.

وإن كان المراد: أن اللّه قد حكم لمعاوية على علي «علیه السلام» لأن عليا قد قتل، ومعاوية لم يقتل، فهو أيضاً بعيد عن الصواب، فإن قتل علي «علیه السلام» فوز وفلاح له عند اللّه، وبقاء معاوية إنما هو إملاء وخيبة له.. وهذا إبليس سيبقى إلى يوم يبعثون، فهل يصح أن يعد هذا من امتيازاته وكراماته؟!

وإن كان المراد: أن عليا «علیه السلام» خسر السلطة، وفاز بها معاوية، فهذا غير صحيح، فإن عليا بقي على ما هو عليه، إلى أن استشهد.

وبذلك يعلم أن ما حاول معاوية التلبيس به في شأن علي «عليه السلام»، ليس له معنى، ولا يصح التشبث به.

3 - وحين بلغ الأمر إلى المقارنة بين الحسين ويزيد، فقد ادعى

معاوية أن ولده خير لأمة محمد من الإمام الحسين «علیه السلام».

وهو ادعاء وقح، وغير منطقي، ولأجل ذلك قال الإمام لمعاوية متعجباً: من خير لأمة محمد يزيد الخمور (و) الفجور !

وبهذه الكلمة يكون «علیه السلام» قد نسف دعوى معاوية من أساسها، فإن الفاجر، والسكير لا خير فيه للأمة، بل ربما كان من أسباب هلاكها.

4 - وحاول معاوية أن يتدارك الأمر، فحول الكلام إلى جهة أخرى، حيث ادعى أن هذا الكلام من الحسين، ما هو إلا شتم ليزيد..

ثم ادعى أن يزيد لا يقابل الشتم بالشتم..

وهذه دعوى كاذبة، فإن يزيد يقابل قول الحق والصدق بالسيف، ولا يكتفي بالشتم وقول الباطل..

5 - ولكن الإمام «علیه السلام» أعرض عن هذا، وتناول الموضوع من جهة أخرى أكثر وضوحاً، فقال «علیه السلام»:

«إن علم مني ما أعلمه منه أنا، فليقل في ما أقول فيه».

حيث يبدو أنه «علیه السلام» يريد أن يقول:

أولاً: إنه لا ضير في ذكر ما يفعله الفاسق، إذا كان معلناً بالفسق.

ثانياً: إن الكلام إنما في الصلاحية للبيعة والخلافة، التي تتناقض مع حالات الفسق والفجور، وشرب الخمور، إذ لا يصح تمكين من هذا حاله من الوصول إلى هذا المقام.. فالجهر بهذه الأمور واجب في

مثل هذا المقام.

6- ولم يجد معاوية أمامه خياراً غير إنهاء اللقاء، على وقع التهديد بالقتل بأيدي أهل الشام، لو سمعوا من الإمام الحسين «علیه السلام» ما سمعه معاوية.

الفصل الرابع: مكاتبات حادة بين الحسين ومعاوية..

اشارة

بين الحسين ومعاوية:

وكتب مروان بن الحكم إلى معاوية: إني لست آمن أن يكون حسين مرصداً للفتنة، وأظن يومكم من حسين طويلا (1).

وهذه العبارات - تقريباً - هي عبارات عمرو بن عثمان بن عفان، فقد قالوا:

وكان رجال من أهل العراق، وأشراف [ظ] أهل الحجاز يختلفون إلى الحسين يجلونه، ويعظمونه، ويذكرون فضله، ويدعونه إلى أنفسهم،


1) تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 205 وتهذيب الكمال ج6 ص413 وبغية الطلب لابن العديم ج 7 ص 2606 والبداية والنهاية لابن كثير ج8 ص 162 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 174 وترجمة الإمام الحسين «علیه السلام» من طبقات ابن سعد ص 54 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 289 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 168 و 516 وتهذيب تاريخ ابن عساكر لابن بدران ج 4 ص 327 ومختصر تاریخ دمشق ج 7 ص 137 والحسين بن علي لابن العديم ص 65 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 294 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 6.

ويقولون : إنا لك عضد ويد ليتخذوا الوسيلة إليه، وهم لا يشكون في أن معاوية إذا مات لم يعدل الناس بحسين أحداً.

فلمّا كثر اختلافهم [ظ] إليه أتى عمرو بن عثمان بن عفان، مروان بن الحكم - وهو إذ ذاك عامل معاوية على المدينة - فقال له: قد كثر اختلاف الناس إلى حسين، واللّه [إني] لأرى أن لكم منه يوما عصيبا.

فكتب مروان ذلك إلى معاوية، فكتب إليه معاوية: أن اترك حسيناً ما تركك، ولم يظهر لك عداوته و [ ما لم] يبد [لك] صفحته، واكمن عنه كمون الشّرى، إن شاء اللّه والسلام (1).

وفي نص آخر: أن معاوية كتب لمروان: «لا تعرض للحسين في شيء، فقد بايعنا، وليس بناقض بيعتنا، ولا مخفر ذمتنا» (2).

وكتب معاوية إلى الحسين: إنّ من أعطى اللّه صفقة يمينه، وعهده لجدير بالوفاء، وقد أنبئت: أنّ قوما من أهل الكوفة قد دعوك إلى


1) أنساب الأشراف للبلاذري ج 3 ص 152 وجمل من أنساب الأشراف ج3 ص 366 و 367 وراجع: إختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ج 1 ص 250 و 251 والدرجات الرفيعة ص 434 والعوالم ج 17 ص 90 وبحار الأنوار ج 44 ص 212 وأسرار الشهادة ص 205 وأعيان الشيعة ج 1 ص 582.

2) الأخبار الطوال ص 226 و (ط دار إحياء الكتب العربي) ص224 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 170.

الشقاق، وأهل العراق من قد جربت، قد أفسدوا على أبيك وأخيك، فاتق اللّه ! واذكر الميثاق، فإنّك متى تكدني أكدك.

فكتب إليه الحسين «علیه السلام»: أتاني كِتابُكَ، وَأَنَا بِغَيْرِ الَّذِي بَلْغَكَ عَنِّي جَديرٌ، وَالْحَسَناتُ لا يَهْدِي لها إلَّا اللّه، وَمَا أَرَدْتُ لك مُحارَبَة، وَلا عَلَيْكَ خِلافاً وَما أَظُنُّ لي عِنْدَ اللّه عُدْرًا فِي تَرْكِ جهادِكَ، وَما أَعْلَمُ فِثنة أعْظمَ مِنْ ولايَتِكَ أَمْرَ الأُمَّةِ.

فقال معاوية: إن أثرنا بأبي عبد اللّه إلا أسداً.

وكتب إليه معاوية أيضاً في بعض ما بلغه عنه: إنّي لأظنّ أنّ في رأسك نزوة، فوددت أتى أدركتها، فأغفرها لك (1).

ويروي البلاذري عن العتبي، قال:

حجب الوليد بن عتبة أهل العراق عن الحسين «علیه السلام»،


1) ترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص 54 و 55 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 289 وتهذيب تاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 327 ومختصر تاریخ دمشق ج 7 ص 137 وبغية الطلب لابن العديم ج 6 ص 2606 و 2607 والحسين بن علي لابن العديم ص 65 و 66 وتهذيب الكمال للمزي ج 6 ص 413 و 414 والبداية والنهاية لابن كثير ج 8 ص 162 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 175 وسير أعلام النبلاء ج3 ص 294 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 6 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 168 - 169 وج 27 ص 516 وراجع وفيات الأعيان ج 6 ص 353 فقد ذكر الرسالة الأخيرة.

فقال الحسين: يا ظالماً لنفسه عاصياً لربّه علام تحول بيني وبين قوم عرفوا من حقي ما جهلته أنت وعمك ؟!

فقال الوليد: ليت حلمنا عنك لا يدعو جهل غيرنا إليك، فجناية لسانك مغفورة لك ما سكنت يدك، فلا تخطر بها فتخطر بك، ولو علمت ما يكون بعدنا لأحببتنا كما أبغضتنا (1)

قال ابن قتيبة:

وكتب إلى الحسين: أما بعد، فقد انتهت إلي منك أمور، لم أكن أظنك بها رغبة عنها، وإن أحق الناس بالوفاء لمن أعطى بيعة من كان مثلك، في خطرك، وشرفك، ومنزلتك التي أنزلك اللّه بها.

فلا تنازع إلى قطيعتك واتق اللّه، ولا تردن هذه الأمة في فتنة، وانظر لنفسك، ودينك، وأمة محمد، ولا يستخفنك الذين لا يوقنون(2).

وقال أبو مخنف:

فبلغ ذلك معاوية بن أبي سفيان، فكتب إليه:


1) أنساب الأشراف للبلاذري ج 3 ص 369 و (ط دار التعارف سنة 1397ه) ج 3 ص 156 و 157.

2) الغدير ج 10 ص 240 والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 1 ص 154 و (تحقيق الشيري) ج 1 ص 201 والنصائح الكافية ص65 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 27 ص 172.

بسم اللّه الرحمن الرحيم

من معاوية بن أبي سفيان..

أما بعد..

فقد بلغني عنك أمور وأسباب، وقد انتهت إلي، وأظنها باطلة، ولعمري إنه إن كان ما بلغني عنك كما ظننت، فأنت بذلك أسعد، وبعهد اللّه أوفى فلا تحملني على أن أقطعك، فإنك متى تكدني أكدك، ومتى تكرمني أكرمك، ولا تشق عصا هذه الأمة، فقد خبرتهم وبلوتهم، فانظر لنفسك ودينك.

[ وفي نص البلاذري: وأبوك كان أفضل منك، وقد اجتمع عليه رأي الذين يلوذون بك، ولا أظنه يصح لك منهم ما كان فسد عليه، فانظر لنفسك ودينك إلخ..]، ولا يستخفنك السفهاء الذين لا يعلمون، والسلام عليك ورحمة اللّه وبركاته (1).

قال : وكتب الحسين «علیه السلام» كتاباً إلى معاوية، يقول فيه:

بسم اللّه الرحمن الرحيم

أما بعد..


1) مقتل أبي مخنف ص 6 و 7 وقريب منه في بحار الأنوار ج 44 ص 212 العوالم، الإمام الحسين ج 17 ص 90 و 91 والدرجات الرفيعة ص 434 و 435 وأعيان الشيعة ج 1 ص 582 وراجع جمل من أنساب الأشراف ج 5 ص128 و 129 وراجع المنتخب للطريحي ج 2 ص 418.

فقدْ وَصَلني كِتابُكَ، وَقهمْتُ ما ذكَرْتَ.

وَمَعَادُ اللّه أَنْ أَنْقُضَ عَهْدَا عَهْدَهُ إِلَيْكَ أَخِي الحَسَنُ «علیه السلام»، وأمّا ما ذكَرْتَ مِنَ الكَلامِ فَإِنَّهُ أَوْصَلَهُ إِلَيْكَ الوُشاة المُلْقُونَ بِالنَّمَائِم، وَالمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الجَماعاتِ، فَإِنَّهُمْ وَاللّه! يَكْذِبُونَ.

فلما وصل الكتاب إلى معاوية بن أبي سفيان أمسك عنه، ولم يجبه، وأوصله، ولم يقطع صلته، وكان يبعث إليه في كل سنة ألف دينار، سوى الهدايا من كل صنف (1).

فلما وصل الكتاب إلى الحسين «علیه السلام» كتب إليه:

أما بعد..

فقد بلغني كتابك، تذكر أنه قد بلغك عني أمور، أنت لي عنها راغب، وأنا بغيرها عندك جدير، فإن الحسنات لا يهدي لها ولا يسدد إليها إلا اللّه.

وأما ما ذكرت أنه انتهى إليك عني، فإنه إنما رقاه إليك الملاقون المشاؤون بالنميم، وما أريد لك حرباً، ولا عليك خلافا، وأيم اللّه، إني لخائف اللّه في ترك ذلك، وما أظن اللّه راضياً بترك ذلك، وعاذراً بدون الإعذار فيه إليك، وفي أولئك (أوليائك خ.ل) القاسطين الملحدين، حزب الظلمة، وأولياء الشياطين.

ألست القاتل حجر بن عدي أخا كندة، والمصلين العابدين الذين


1) مقتل أبي مخنف ص 6 و 7.

كانوا ينكرون الظلم، ويستعظمون البدع، ولا يخافون في اللّه لومة لائم ؟!

ثم قتلتهم ظلما وعدواناً من بعد ما كنت أعطيتهم الأيمان المغلظة، والمواثيق المؤكدة، ولا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم، ولا بإحنة تجدها في نفسك.

أولست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» العبد الصالح، الذي أبلته العبادة، فنحل جسمه، وصفرت لونه بعدما آمنته وأعطيته من عهود اللّه ومواثيقه، ما لو أعطيته طائراً لنزل إليك من رأس الجبل، ثم قتلته جرأة على ربك، واستخفافاً بذلك العهد؟!

أولست المدعي زياد بن سمية، المولود على فراش عبيد ثقيف، فزعمت أنه ابن أبيك، وقد قال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»: «الولد للفراش وللعاهر الحجر»، فتركت سنة رسول اللّه تعمداً، وتبعت هواك (مكذبا) بغير هدى من اللّه ؟!

ثم سلطته على العراقين: يقطع أيدي المسلمين وأرجلهم، ويسمل أعينهم ويصلبهم على جذوع النخل، كأنك لست من هذه الأمة، وليسوا منك؟!

أولست صاحب الحضرميين الذين كتب فيهم ابن سمية أنهم كانوا على دين علي «صلوات اللّه علیه»، فكتبت إليه أن: اقتل كل من كان على دين علي، فقتلهم ومثل بهم بأمرك؟!

ودين علي «علیه السلام»، واللّه الذي كان يضرب عليه أباك، ويضربك [دين محمد «صلی اللّه علیه وآله»]، (والذي انتحالك إياه أجلسك إلخ..) به جلست مجلسك الذي جلست ولولا ذلك لكان شرفك وشرف أبيك الرحلتين (في طلب الخمور).

وقلت فيما قلت: «انظر لنفسك، ولدينك، ولأمة محمد، واتق شق عصا هذه الأمة، وأن تردهم إلى فتنة وإني لا أعلم فتنة أعظم على هذه الأمة من ولايتك عليها، ولا أعلم نظراً لنفسي ولديني ولأمة محمد «صلی اللّه علیه وآله» علينا أفضل من أن أجاهدك. فإن فعلت فإنه قربة إلى اللّه، وإن تركته فاني أستغفر اللّه لذنبي، وأسأله توفيقه لإرشاد أمري.

وقلت فيما قلت: «إني إن أنكرتك تنكرني وإن أكدك تكدني» فكدني ما بدا لك، فإني أرجو أن لا يضرني كيدك في، وأن لا يكون على أحد أضر منه على نفسك، لأنك قد ركبت جهلك، وتحرصت على نقض عهدك.

ولعمري ما وفيت بشرط، ولقد نقضت عهدك بقتلك هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح والأيمان والعهود والمواثيق، فقتلتهم من غير أن يكونوا قاتلوا وقتلوا.

ولم تفعل ذلك بهم إلا لذكرهم فضلنا، وتعظيمهم حقنا، فقتلتهم مخافة أمر لعلك لو لم تقتلهم مت قبل أن يفعلوا، أو ماتوا قبل أن يدركوا.

فأبشر يا معاوية بالقصاص، واستيقن بالحساب، واعلم أن اللّه تعالى كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

وليس اللّه بناس لأخذك بالظنة، وقتلك أولياءه على التهم، ونفيك أولياءه من دورهم إلى دار الغربة، وأخذك الناس ببيعة ابنك غلام حدث يشرب الخمر، ويلعب بالكلاب لا أعلمك إلا وقد خسرت نفسك، وبترت دينك، وغششت رعيتك، وأخزيت أمانتك، وسمعت مقالة السفيه الجاهل، وأخفت الورع التقي لأجلهم، والسلام. فلما قرأ معاوية الكتاب قال : لقد كان في نفسه ضب ما أشعر به.

فقال يزيد: يا أمير المؤمنين أجبه جوابا يصغر إليه نفسه، وتذكر فيه أباه بشر فعله.

قال : ودخل عبد اللّه بن عمرو بن العاص. (وفي الإحتجاج عن عبد اللّه بن أبي عمير بن جعفر).

فقال له معاوية : أما رأيت ما كتب به الحسين؟!

قال: وما هو ؟

قال: فأقرأه الكتاب.

فقال: وما يمنعك أن تجيبه بما يصغر إليه نفسه، وإنما قال ذلك في هوى معاوية.

فقال :يزيد كيف رأيت يا أمير المؤمنين رأيي؟!

فضحك معاوية فقال : أما يزيد فقد أشار على بمثل رأيك.

قال عبد اللّه : فقد أصاب يزيد.

فقال معاوية: أخطأتما. أرأيتما لوأني ذهبت لعيب علي محقاً ما عسيت أن أقول فيه، ومثلي لا يحسن أن يعيب بالباطل، وما لا يُعرف، ومتى ما عبت رجلاً بما لا يعرفه الناس لم يحفل بصاحبه، ولا يراه الناس شيئاً، وكذبوه، وما عسيت أن أعيب حسينا، وواللّه ما أرى للعيب فيه موضعاً.

وقد رأيت أن أكتب إليه أتوعده وأتهدده، ثم رأيت أن لا أفعل، ولا أمحكه (1).

ويتابع الطبرسي الكلام فيقول:

قال: فما كتب إليه بشيء يسوؤه، ولا قطع عنه شيئاً كان يصله به، كان يبعث كل سنة ألف ألف درهم، سوى عروض وهدايا من كل ضرب (2).


1) بحار الأنوار ج 44 ص 212 - 214 والعوالم ج 17 ص90 - 93 وإختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ج 1 ص 252 - 259 وأعيان الشيعة ج 1 ص 582 و 583 وجمل من أنساب الأشراف ج 5 ص 128 - 130 وج 3 ص 367 والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج 1 ص 155 - 157 و (تحقيق الشيري) ج 1 ص 202 - 204 وأشار إليه في دعائم الإسلام ج 2 ص 131 وأنساب الأشراف ج 2 ص 153 - 155 والإحتجاج ج 2 ص 20 - 22 والدرجات الرفيعة ص 435.

2) الإحتجاج ج 2 ص 22 وبحار الأنوار ج 44 ص 215.

توضيحات للعلامة المجلسي «رحمه اللّه» :

قال العلامة المجلسي «رحمه اللّه»:

قوله «فقد أظنك تركتها»، أي الظن بك أن تتركها رغبة في ثواب اللّه، أو في بقاء المودة، أو أظنك تركتها لرغبتي عن فعلك ذلك، وعدم رضائي بذلك شفقة عليك.

ويمكن أن يكون تركبها بالباء الموحدة، أي أظنك ركبت هذه الأمور للرغبة في الدنيا، وملكها ورئاستها ويؤيد الأخير ما في نسخة الإحتجاج في جواب ذلك.

ويؤيد الوسط ما في رواية الكشي: «أنت لي عنها راغب».

وشق العصا: كناية عن تفريق الجمع.

قوله «علیه السلام»: وما أظن اللّه راضياً بترك ذلك، أي بعد حصول شرائطه.

والإحنة بالكسر : الحقد والعداوة.

قوله «علیه السلام»: الرحلتين أي رحلة الشتاء والصيف. وفي الإحتجاج: «وولولا ذلك لكان أفضل شرفك، وشرف أبيك تجشم الرحلتين اللتين بنا من اللّه عليكم، فوضعهما عنكم».

وفيه بعد قوله: «وإن أكدك تكدني»، وهل رأيك إلا كيد الصالحين منذ خلقت، فكدني ما بدا لك إن شئت فإني أرجو أن لا يضرني كيدك، وأن لا يكون على أحد أضر منه على نفسك، على أنك تكيد فتوقظ عدوك، وتوبق نفسك كفعلك بهؤلاء الذين قتلتهم، ومثلت

بهم بعد الصلح، والعهد والميثاق.

وفيه: «غلام من الغلمان، يشرب الشراب، ويلعب بالكعاب (الكلاب)».

قوله لعنه اللّه: «لقد كان في نفسه صب» في أكثر النسخ بالصاد المهملة. ولعله بالضم.

قال الجزري: وفيه لتعودن فيها أساود صبا: الأساود الحيات، والصب جمع صبوب، على أن أصله صبب كرسول ورسل، ثم خفف كرسل، فأدغم، وهو غريب من حيث الإدغام، قال النضر : إن الأسود إذا أراد أن ينهش ارتفع ثم انصب على الملدوغ. انتهى.

أقول: الأظهر أنه بالضاد المعجمة.

قال الجوهري : الضب الحقد تقول: أضب فلان على غل في قلبه، أي أضمره. انتهى.

ويقال: لم يحفل بكذا: أي لم يبال به، وفي الاحتجاج: لم يحفل به صاحبه ولعله أظهر.

قوله «ولا أمحكه» من المحك: اللجاج. والمماحكة الملاجة، وفي بعض النسخ باللام ولعله من المحل بمعنى الكيد، والأول أظهر (1).

ونقول:


1) بحار الأنوار ج 44 ص 215 و 216.

لاحظ الأمور التالية:

قيمة الإلتزام بالعهود:

تقدم أن معاوية كتب إلى مروان: «لا تعرض للحسين في شيء، فقد بايعنا، وليس بناقض بيعتنا، ولا مخفر ذمتنا».

ولهذا الكلام دلالات نذكر منها:

1 - أن معاوية كان يحاذر من التحرش بالحسين «علیه السلام»، بما يثير حفيظته، لعدة أسباب منها:

أنه - حسب تعبير معاوية - ليث عرين.

وقال أيضاً: إن أثرنا بأبي عبد اللّه إلا أسداً.

ومنها: عظمة الإمام الحسين في الأمة، فكل مسلم ومسلمة يعرف أن له حقا عظيما.

ومنها قوة منطقه، وصحة حجته في مقابل أهل الباطل، فإثارته تحمل معها خطر الفضيحة لمعاوية وحزبه.

وأضاف هنا سبباً رابعاً، وهو: أن الحسين «علیه السلام» يلتزم بعهده، ويفي بوعده، وليس من أهل المكر والغدر

2 - إن للوفاء بالعهود والعقود الأثر العظيم في حفظ وسلامة النظام الإجتماعي العام، إذ لولا هذا الإلتزام، وذلك الوفاء لانهار النظام الإجتماعي، وضاعت المصالح، وسقطت الضوابط، وتلاشت الآمال. وخاب الطموح، ولم يعد بالإمكان رسم خطط للمستقبل، مبنية على

التعاون مع الآخرين. وتنهار وتتلاشى علاقة الفرد بالمجتمع. وينحصر النشاط المؤثر، بالجهد الفردي، وما عساه أن يقدم في هذا السبيل.

3 - ومن فوائد وعوائد ترسيخ الوفاء بالعهود أنه يحد من قدرة المفسدين على العبث بالسلامة العامة، ويحصن المجتمعات من الفتن التي يحاولون إثارتها في كثير من الأحيان.

كما أنه يفضح المشائين بالنمائم، والمتملقين للحكام، ويفسد الثقة بينهم وبين من يتملقون لهم..

وقد رأينا: أن الإمام الحسين يؤكد على لزوم اعتماد الطريقة التي تسقط جهد المتملقين، والتي قوامها تحديد ومعرفة ما يليق بحال الأشخاص، ولذلك قال «علیه السلام» في جواب معاوية: وأنا بغير ما يبلغك عني جدير».

ما أظن أن لى عذراً عند اللّه:

وقد ورد في جواب الإمام الحسين «علیه السلام» لمعاوية: «وما أردت لك محاربة، ولا عليك خلافاً».

ثم يعود فيقول: «.. وما أظن أن لي عذرا عند اللّه في ترك جهادك».

فهل يمكن أن نتصور الإمام الحسين «علیه السلام» عاصيا اللّه في تركه جهاد معاوية، وهو الإمام المطهر المعصوم؟!

ويجاب:

بأنه لا بد من أخذ أمرين بنظر الإعتبار :

الأول: أنه «علیه السلام» لا يريد أن يعطي ذريعة لأحد، لا لمعاوية ولا لغيره من الناس، بأن يتوهموا أن أعظم رجل في الأمة قد قبل ورضي بأن يتولى أمر الأمة من هو مثل معاوية، وأنه أصبح يراها اها خلافة شرعية، وأنه غيّر وبدل، واكتشف الحقيقة، وخضع وبخع لها.

ولذا نراه يكذب ما رقاه الملاقون المشاؤون بالنميمة عنه، ثم يتبع ذلك بإعلان عدم شرعية خلافة معاوية، ويوجب على الأمة جهاده.

الثاني: إن العبارة الثانية المتقدمة، وهي قوله «علیه السلام»: «وما أظن أن لي عذراً في ترك جهادك». مشروطة بتوفر القدرة على ذلك، فعدم إرادته لحرب معاوية كما في الفقرة الأولى، يرجع إلى فقدان القدرة على الحرب، لا لأنه يرى أن محاربته غير مشروعة.

أو أنه «علیه السلام» لو لم يكن مقيداً بعهد الإمام الحسن «عليه السلام» مع معاوية لكان يجب عليه منابذة معاوية ومحاربته.

تعريف جديد للفتنة:

وقد قال «علیه السلام» في هذا الجواب أيضاً: «وما أعلم فتنة أعظم من ولايتك أمر الأمة».

وهذا يدلنا على أن الفتنة لا تنحصر بصورة ما لو لم يعرف وجه الحق فيها، حتى التبس بالباطل، بل هي تشمل صورة تولي أهل الضلال، ودعاة الباطل أمر الأمة فإن هذا التولي يمهد لتكوين ذهنية الأنس والرضى، والقبول بالأمر الواقع، ثم تتطور إلى الحد الذي يصبح تولي هذا النوع من الناس جزءا من الثقافة العامة، بل جز من مرتكزاتهم الإعتقادية التي يظنون أن الدين هو الذي كونها، وأنشأها، ونماها فيهم..

ويتعذر - من ثم - الإعتراض على ولاية الظالمين، وأولياء الشيطان، ويصبح المنكر معروفاً، والمعروف منكراً، وهذا من أعظم الفتن، وأخطرها. ولاسيما إذا كان هناك علماء سوء، يحرسون هذا الواقع ويدافعون عنه، ويحولون دون المساس به.

أظن أن في رأسك نزوة:

وتقدم: أن بعض النصوص تقول : إن معاوية كتب إلى الإمام الحسين «علیه السلام» كتاباً جاء فيه قوله: «إني لأظن أن في رأسك نزوة، فوددت أني أدركتها، فأغفرها لك».

ونقول:

لاحظ ما يلي:

1 - ربما تكون هناك مراسلات متعددة جرت بين الحسين «عليه السلام» ومعاوية وكانت تختلف في درجات حرارتها وبرودتها بحسب الأمور المثارة في الأوقات المختلفة.

ولعل هذا النص الذي ذكرناه يشهد على ما نقول..

2 - إن نهج الإمام الحسين «علیه السلام» فوّت على أعدائه، ومن معهم من أهل الباطل أن يحصلوا على ما يشير إلى أنه يفكر في القيام ضد معاوية، وها هو معاوية هنا يقول: إنه ظن أن في رأس الحسين «علیه السلام» نزوة. فهو إذن أسير ظنون، وحدسیات، وتوهمات، لا تسمن ولا تغني من جوع.

3 - لعل الذي يدعو معاوية إلى أن يكتب إلى الإمام الحسين بهذا، هو استباق الأمور، والتذاكي على الإمام «علیه السلام» لإيهامه - بزعمه - أنه راصد له، مطلع على أحواله..

ثم هو يظهر نفسه في صورة الحليم الرشيد، على من يفكر، أو يسعى في العدوان عليه، والإساءة إليه.

4 - بل إننا لا نستبعد أن يكون هدف معاوية هو التوطئة والتمهيد لقتل الإمام على يد ولده يزيد وإيجاد عذر ليزيد، في هذه الجريمة التي يرى معاوية أنها واقعة لا محالة..

ذلك لأن معاوية كان يعلم أن الحسين «علیه السلام» لا ينقض عهده، ولا يخفر ذمته. وقد قال «علیه السلام» في إحدى رسائله لمعاوية: «ومعاذ اللّه أن أنقض عهداً عهده إليك أخي الحسن «عليه السلام»..».

ولكن معاوية كان يعلم أيضاً : أنه تعهد للإمام الحسن «علیه السلام» بأن لا يعهد لأحد بعده، بل يكون الأمر للحسن ثم للحسين

«علیه السلام»..

ويعلم أيضاً : أن خيار الأمة وصلحاءها لا يطيقون سيرة يزيد في فسقه وفجوره، وشربه لخموره، ولعبه بالقرود والكلاب والكعاب، وقتله للنفوس وتركه للصلاة، وما إلى ذلك.. فهل يطيقه الإمام الحسين، وهو ليث عرين - كما يقول معاوية - وسيد شباب أهل الجنة، والمعصوم المطهر بنص القرآن؟!

ثم كان معاوية يعلم بأن البيعة ليزيد التي أخذت بالغدر والإكراه، لا تجديه شيئاً، فليس لمكره بيعة (1).

علما بأن الحسين «علیه السلام» لم يبايع، بل ادعى ذلك عليه معاوية زوراً وبهتاناً.

ثم هو يعلم أخيراً : أنه قد كتب بخط يده كتاباً يعلن فيه للناس أنه قد عهد إلى ولده يزيد بالخلافة بعده، وسماه «أمير المؤمنين». وأوصاه فيه بوصايا عديدة، مثل:

أن يقدم بني أمية، وبني عبد شمس على بني هاشم.

وأن يقدم آل عثمان على آل أبي تراب وذريته.

وفيه أيضاً: «فمن قرئ عليه هذا الكتاب، وقبله حق قبوله، وبادر إلى طاعة أميره يزيد بن معاوية فمرحباً به وأهلاً.

ومن تأبى عليه وامتنع، فضرب الرقاب أبداً حتى يرجع الحق إلى


1) راجع : البداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 10 ص 90.

أهله إلخ..» (1).

ومعاوية الذي أعمل الحيلة حتى أوهم الناس: أن الحسين «علیه السلام» بايع يزيد (2)، كان يعلم أنه لم يبايع له بالرغم من إشهار معاوية السيوف فوق رأس الحسين «علیه السلام»، وتهديده بالقتل عدة مرات..

فهل يبايع «علیه السلام» ليزيد بعد موت معاوية؟!

إن معاوية بهذا الأمر الذي سجله بخط يده لولده يزيد، إنما يقصد به حث يزيد على التسريع بقتل الحسين بالدرجة الأولى، لأنه هو الذي يخشى منه معاوية، كما صرح به في أكثر من مناسبة.

حجب العراقيين عن الحسين «علیه السلام» :

وتقدم: أن الوليد بن عتبة حجب أهل العراق عن الإمام الحسين «علیه السلام».. ولا يحتاج تفسير هذا الأمر لمزيد بيان، ولا إقامة برهان، فإنه أوضح من الشمس، وأبين من الأمس..

ولكن ما لفت نظرنا: أن الإمام الحسين «علیه السلام» ينكر على الوليد هذا الفعل فيقول له: «يا ظالماً لنفسه عاصياً لربه، علام تحول بيني وبين قوم عرفوا من حقي ما جهلته أنت وعمك» ؟!

مع أننا نجد: أن أهل الكوفة حين يئسوا من قبول الحسين «عليه


1) راجع: الفتوح لابن أعثم (ط دار الأضواء) ج 4 ص 347.

2) عمدة الطالب ص 158 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 191.

السلام» تزعّم حركتهم ضد معاوية لجأوا إلى ابن الحنفية، فطلبوا منه ذلك، فجاء إلى أخيه الإمام الحسين «علیه السلام» وأخبره، وقال:

«إنَّ القَوْمَ إِنَّما يُريدون أنْ يَأْكُلُوا بنا، وَيَشْيطُوا دِماءَنا»..

فإن كانت هذه الفقرة من كلام الإمام الحسين، فهي لا تنسجم مع ثنائه المتقدم على أهل العراق.

وإن كان قائلها هو محمد ابن الحنفية، كما هو ظاهر السياق. فإن سكوت الإمام الحسين «علیه السلام» عن الدفاع عن شيعته العراقيين يشير إلى موافقته على ما قاله أخوه...

ويجاب بما يلي:

ألف: لعل ابن الحنفية قد اتهم خصوص الذين جاؤوا إليه وطلبوا منه أن يتزعم حركتهم، ولعله كان مصيباً في نظرته، لاسيما وأن لجوءهم إليه، يشير إلى أن هؤلاء الناس لا يتعاملون مع الحسين «علیه السلام» من منطلق منطق الإمامة، وأحكام الشريعة، بل من منطلق الوصول إلى السلطة بأي ثمن كان، وتحت أية راية كانت.

ب: إن الإمام الحسين «علیه السلام» لم يتحدث مع الوليد بن عتبة عن خلوص نوايا أهل العراق بل ذكر له: أنهم يعرفون من حقه، ما يجهله هو وعمه.. ولربما كان العارف بالحق، يطمع أيضاً بالحصول على الأموال، وبالوصول إلى الرياسات، ومد الجسور مع القيادات، وإقامة العلاقات الطيبة مع من يتوسم فيهم أن يكونوا محط الأنظار، وربما شاءت الأقدار وتقلبات الأحوال أن يكونوا هم القادة،

والسادة الكبار..

ج: ولنفترض: أن الكثيرين أو الأكثر من العراقيين الزائرين للإمام «علیه السلام»، كانوا يريدون الوصول إلى المقامات، أو المناصب والولايات. ولكن ذلك لا يعني أنه لم يكن فيهم فئات مخلصة في نواياها، طاهرة ضمائرها، لا تريد فيما تطلب وتقترح إلا رضا اللّه سبحانه، ونصرة دينه، ولا يريد الإمام «علیه السلام» أن يُحْرَمَ هؤلاء من رؤية إمامهم، والوقوف على أوامره ونواهيه، وتوجيهاته.

ولا يحق للوليد بن عتبة أن يمنع أحداً من زيارة الإمام الحسين «علیه السلام»، لاسيما وأنه لم يكن يملك أية دلالة على أن الإمام كان بصدد التواطؤ معهم، أو القبول منهم، بل النصوص متضافرة عنه بأنه لا يرضى بشيء من ذلك.

بل إن نفس أن يسمع هؤلاء رفض الإمام لما يطلبونه منه، لا بد أن يطمئن الوليد وغير الوليد إلى أن الأمور لا تتجه نحو الخيار الذي يحاذرون منه..

ينكث ويطالب بالوفاء:

ثم إن إلقاء نظرة على الرسالة المطولة التي أرسلها الإمام الحسين «علیه السلام» إلى معاوية، ويذكر فيها قتل حجر بن عدي، وأصحابه السبعة، وعمرو بن الحمق، والحضرميين.. يعطي: أنه «علیه السلام» يريد أن يفهم معاوية أنه هو الذي ينكث العهود، وينكث الأيمان، فكيف يطالب الناس بالوفاء بها ؟!

فكأنه يظن أن غيره على شاكلته، وحاشاه، فإنه من حكم اللّه تعالى بطهارته، وعصمته، وعرفت الأمة كلها منه شدة التزامه بالعهود والعقود، ووفائه بما تقتضيه الأيمان، فكيف يتهمه، بل كيف يَحْتَمِل في حقه أمراً كهذا؟! بل كيف يصح ذلك في حق من يلتزم بالوفاء بعهد لم يعطه هو له، وإنما أعطاه إياه أخوه الإمام الحسن «علیه السلام» كما تقدم؟!

فلاحظ قوله: عن حجر وأصحابه: «ثم قتلتهم ظلماً وعدوانا، من بعد ما كنت أعطيتهم الأيمان المغلظة، والمواثيق المؤكدة».

وقال عن عمرو بن الحمق الصحابي الذي أبلته العبادة: «أولست قاتل عمرو بن الحمق العبد الصالح الذي أبلته العبادة، فنحل جسمه، واصفر لونه بعدما آمنته وأعطيته من عهود اللّه ومواثيقه ما لو أعطيته طائراً لنزل إليك من رأس الجبل، ثم قتلته جرأة على ربك، واستخفافاً بذلك العهد»؟!

وقال عن الحضرميين: «أولست صاحب الحضرميين الذين كتب فيهم ابن سمية: أنهم كانوا على دين علي «صلوات اللّه علیه»؟!

فكتبت إليه: اقتل كل من كان على دين علي، فقتلهم، ومثل بهم بأمرك؟! و دين علي «علیه السلام» دين محمد إلخ..».

مع أن من جملة شروط العهد مع الإمام الحسن هو أن يأمن الشيعة، ولا يلاحق أحداً منهم، فكيف يقتلهم لمجرد أنهم مسلمون مؤمنون على دين على والنبى «صلوات اللّه عليهما» ؟!

لاسيما وأن معاوية إنما يجلس في مجلسه الذي لولا الرسول ودينه، وجهاد النبي وأهل بيته والمسلمين في سبيل اللّه، لكان الناس وبنو أمية يتيهون في الصحراء، ولكان أعظم ما يفخرون به رحلتا الشتاء والصيف في طلب الخمور..

خلاصة جامعة:

ثم ذكر «علیه السلام» خلاصة جامعة، فقال:

«.. وتحرصت على نقض عهدك، ولعمري ما وفيت بشرط، ولقد نقضت عهدك بقتلك هؤلاء النفر، الذين قتلتهم بعد الصلح، والأيمان، والعهود، والمواثيق.

فقتلتهم من غير أن يكونوا قاتلوا وقتلوا. ولم تفعل ذلك بهم إلا لذكرهم فضلنا، وتعظيمهم حقنا، فقتلتهم مخافة أمر لعلك لو لم تقتلهم مت قبل أن يفعلوا، أو ماتوا قبل أن يدركوا».

استلحاق زیاد :

وقد نعى «علیه السلام» على معاوية استلحاقه زياداً، مع أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» يقول : الولد للفراش وللعاهر الحجر.

وهذه مسألة أخلاقية، تصادم حياء الإنسان المؤمن، وتؤذي كبرياءه، وعزته وكرامته وشرفه ويراها الناس من أعظم العيب.

فمن يجاهر بمخالفة السنة والشرع والدين إلى هذا الحد، ولا يخجل أن يسهم هو في إشاعة نسبة العهر والزنا إلى أبيه، ويرضى

أن يكون المولود من العهر أخا له. مع أن هذا الأمر مما يأباه لنفسه أحط وأرذل الناس وأفسقهم، وأكثر هم سقوطاً.

ومن يسلط زياداً على العراقيين بقطع أيدي المسلمين، وأرجلهم، ويسمل أعينهم، ويصلبهم على جذوع النخل.

ومن يقتل الناس لمجرد كونهم على دين علي «علیه السلام»، ثم يمثل بهم لمجرد أنه يتوهم أن يفعلوا أمراً - ولو بعد حين - على خلاف هواه.

• نعم من يفعل ذلك كله - كيف يقف موقف الواعظ لسيد شباب أهل الجنة والذي أعلن النبي إمامته للأمة، ونص القرآن على طهارته، وصرح النبي الأكرم بعصمته.
الحسين «علیه السلام» والأموال من معاوية:

وتقدم: أن معاوية واصل إرسال الأموال إلى الحسين، فكان يرسل إليه كل سنة ألف ألف درهم كما يقال...

وقلنا فيما سبق: إن معاوية كان ملزماً بإرسال هذه الأموال إلى الحسين «علیه السلام» لأجل الشرط الذي كان قد أخذه الإمام الحسن «علیه السلام» عليه في كتاب الصلح، مع علمه بأن الحسنين لا يصرفان من هذه الأموال على أنفسهما وعيالهما، ولو مثل جناح ذبابة كما تقدم.

ومع العلم بأنها من بيت مال المسلمين..

قال الدينوري: إن معاوية ما قطع عن الحسن والحسين «عليهما السلام» شيئاً مما كان شرط لهما، ولا تغير لهما عن بر (1).


1) الأخبار الطوال ص 225.

الفصل الخامس: من الأكاذيب.. ومن الحقائق..

اشارة

أكذوبة على لسان ابن عباس:

عن ابن عباس: أنه ذكر معاوية، فقال اللّه تلاد [لعل الصحيح بلاد] ابن هند، ما أكرم حسبه وأكرم مقدرته، واللّه ما شتمنا على منبر قط، ولا بالأرض، ضنا منه بأحسابنا وحسبه.

ثم بعث إلينا ابن أخيه الوليد بن عتبة، غلاما ابن عشرين سنة، فما ترك في السجن غارماً إلا أدى عنه، ولا عانياً إلا فكه.

ثم كتب إلينا معاوية: أن أرسل إلي الحسين بن علي مع شرطي حتى نبلسه. فبينا أنا عنده أرسل إليه، فأقرأه كتاب معاوية.

فقال: أنت ترسل بي إليه يا بن آكلة الأكباد ؟!

فقال: أما واللّه إنه لا بد لك من ذلك من السمع والطاعة.

فوثب الحسين، فأخذ عمامته، فاجترها إليه، وجعل الوليد يطلقها عنه كورا كوراً، ويقول: ما أردنا أن نبلغ كل هذا منك يا أبا عبد اللّه.

فقمت إلى الحسين، فلم أزل به حتى أخرجته، فالتفت إلى الوليد، فقال: جزاك اللّه خيراً، ما هجنا بأبي عبد اللّه إلا أسداً.

ثم قال ابن عباس (من الطويل):

معاض عن العوراء لا ينطقونها***وأهل وراثات الحلوم الأوائل

وجدنا بني حرب وكانوا أعزة***ذرا في الذرا [أ] وكاهلاً في الكواهل

فبلغ ذلك معاوية، فقال: يا أهل الشام، ما كنتم صانعين لو شهدتموه؟!

قالوا: لو شهدناه لقتلناه.

فقال معاوية: إن ثمَّ لدماً مصوناً عند بني عبد مناف، الوليد أعلم بأدب أهله (1).

ونقول:

في بعض النسخ : الحسن بدل (الحسين)، وتصحيف إحدى هاتين الكلمتين بالأخرى كثير وشائع.

وعلى كل حال فإننا نرتاب كثيرا في صحة هذه الرواية، إن لم نقل بالفم الملآن : إنها مكذوبة بلا ريب، وذلك لما يلي:

أولاً: تذكر الرواية: أن ابن عباس يثني على ابن هند، يعني


1) تاريخ مدينة دمشق ج 63 ص 209 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج33 ص 631 ومختصر تاريخ مدينة دمشق (ط دار الفكر) ج 26 ص 332 و 333.

معاوية، ويقول : «ما أكرم حسبه وأكرم مقدرته، واللّه ما شتمنا على منبر قط، ولا بالأرض ضنا منه بأحسابنا وحسبه، إلخ..».

وهذا كلام زائف بلا ريب فإن معاوية قد فعل ما هو أقبح وأشر من الشتم، فقد سن سب أمير المؤمنين، وسيد الوصيين «عليه أفضل الصلاة والسلام على منابر أهل الإسلام، وفي قنوت الصلاة، وقد تواصل ذلك عشرات السنين، بل يقال: إنه استمر ألف شهر.

ثانياً: أي حسب كريم لمعاوية، وهو الذي حارب وصي الرسول وسعى في قتل أبنائه الأئمة الطاهرين «علیهم السلام». وقتل حجر بن عدي وأصحابه وعمرو بن الحمق، والحضرميين وعشرات الألوف من المسلمين، وفيهم عمار بن ياسر، وذو الشهادتين، والأشتر وهاشم المرقال، ومحمد بن أبي بكر، والمئات أو الألوف من الأخيار والأبرار، فضلاً عن دسّه السمّ للإمام الحسن «علیه السلام»، ثم ملاحقة شيعة علي «علیه السلام» تحت كل حجر ومدر، بالإضافة إلى كثير من الموبقات التي اقترفها في حق الدين، وأهل الدين.

ثالثاً: إن الرواية نفسها متناقضة، فأي حسب لمعاوية يتحدث عنه ابن عباس ؟! وكيف ومتى ضن معاوية بأحساب بني هاشم وحسبه، وهو يكتب إلى الوليد: أن أرسل إلي الحسين بن علي حتى نبلسه، فهل من يفعل ذلك يكون كريم الحسب؟! ويكون قد ضن بحسب الحسين، الذي هو بقية أبناء النبيين، من أن يخدش فيه، أو أن تنتهك حرمته؟!

رابعاً: تقول الرواية عن معاوية: «وأكرم مقدرته»، أي أنه إذا

قدر على خصومه عاملهم بكرم، وعفو، وقد تمادى في ذلك، حتى إن کرم مقدرته يصل إلى الحد الذي يعجب الناس منه، فهل عفا عند المقدرة عن حجر بن عدي، وعن الحضرميين، وعمر بن الحمق؟!

خامساً : إذا كان الوليد حين ولي المدينة «ما ترك في السجن غارما إلا أدى عنه، ولا عانياً إلا فكه»، فلماذا يحاول أن يستولي على أرض للحسين «علیه السلام»، ويستطيل عليه بسلطانه، حتى هدده «علیه السلام» بالدعوة بحلف الفضول ؟! فإن من لا يترك في السجن غارماً إلا أدى عنه، ولا عانياً إلا فكه لا يحاول الاستيلاء على أملاك الناس، لاسيما أهل الطهارة والعصمة منهم، مثل خامس أصحاب الكساء، والمطهر بنص القرآن (1).


1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 15 ص 227 و الجامع لأحكام القرآن ج6 ص 33 و ج 10 ص 169 وتفسير البحر المحيط ج 3 ص 428 والكامل في التاريخ ج 2 ص 42 وتاريخ مدينة دمشق ج 63 ص210 والسيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 142 و (ط مكتبة محمد علي صبيح وأولاده) ج 1 ص 87 و 88 والسيرة الحلبية ج 1 ص 31 و (ط دار المعرفة) ج 1 ص 215 عن سيرة الديماطي، وأنساب الأشراف ج 2 ص14 والأغاني ج 16 ص 68) و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 17 ص 188 والتذكرة الحمدونية ج 3 ص 207 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 2 ص 357 و 358 والإكتفاء للكلاعي ج 1 ص 62 والسيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 262 والسيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 53.

وفي منازعة أخرى له مع الإمام الحسين «علیه السلام» اضطر الإمام الحسين «علیه السلام» لتناول عمامة الوليد، فحاول مروان تحريض الوليد عليه، فلم يصل إلى نتيجة (1).

بل إن نفس هذه الرواية التي نحن بصدد البحث عنها، تذكر: أن الوليد قد حاول أن يذل الحسين «علیه السلام» ويرسل به إلى معاوية مع شرطي لكي يبلسه ويكسره، ويحزنه، ويسكته غماً، ولم يرتدع عن ذلك حتى بادر «علیه السلام» إلى أخذ عمامة الوليد، واجترها إليه.

سادساً : إن الشعر الذي ورد على لسان ابن عباس، مكذوب أيضاً، فإن بني حرب ما كانوا ذرى في الذرى، ولا كاهلا في الكواهل...

بل هذا التوصيف إنما يصح في بني هاشم الذين كانوا في قمة الطهارة والاستقامة، ولا يصح في أناس معروفين بالفجور، والظلم، والانحراف في السلوك، وفي الاعتقاد.

ولم يكن ابن عباس بالذي يمدح بني أمية، لاسيما في مناسبة


1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 66 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 3 ص 223 و 224 وبحار الأنوار ج 44 ص 191 والعوالم ج 17 ص 66 وتاريخ مدينة دمشق ج 63 ص 210 ومستدرك سفينة البحار ج 5 ص372 وج7 ص 594 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 33 ص 631 و 632 عن مختصر تاریخ دمشق لابن عساكر (ط دار الفكر) ج 26 ص 332.

تتحدث عن الظلم والتعدي على خير أهل الأرض في تلك البرهة، أي بعد جده وأبيه وأخيه «صلوات اللّه وسلامه علیهم».

ولا ندرى إن كان يصح أن يوصف بنو أمية بأنهم أهل وراثات الحلوم الأوائل، فأية حلوم لأهل الجاهلية تستحق الذكر والثناء، والمباهاة بها ؟!

سابعاً : قد ختم راوي هذه القصة المكذوبة، بما يؤكد الزعم: بأن الإمام الحسين «علیه السلام» قد أقدم على ما لا يحتمله أحد منه إلا إن كان من ذوي الأحلام ومن يعفو عند المقدرة.. فقد تناول عمامة الوليد، ورمز شرفه وعزته حتى إن أهل الشام لو رأوا الحسين «علیه السلام» يفعل ذلك بالوليد لقتلوه..

وهذا يرفع من شأن الوليد بن عتبة، ويظهر مدى تحمله، وصبرهعلى ما يفعله بنو هاشم كما تظهره هذه الرواية المكذوبة..

ثامناً: وأخيراً.. فقد تضمنت الرواية أكذوبة أخرى، وهي أنهاادعت أن معاوية قد ولى الوليد بن عتبة وهو ابن عشرين سنة..

وهذا غير صحيح، لأن الوليد هذا كان حين موت معاوية بن يزيد في سنة 64 ه أسن ولد أبي سفيان (1)، وعبد اللّه أسن من أخيه یزید (2).


1) تاريخ مدينة دمشق ج 31 ص 3.

2) راجع: مآثر الإنافة في معالم الخلافة للقلقشندي ج 3 ص 349.

وكان عبد اللّه بن معاوية حيا آنئذ لأنه أخذ أسيرا يوم مرج راهط، وأتى به عمرو بن سعيد الأشدق (1). ويوم مرج راهط كان في النصف من ذي الحجة سنة أربع وستين (2)، أي بعد موت معاوية بن يزيد بعدة أشهر.

فإذا كان يزيد بن معاوية قد ولد في سنة ست أو خمس أو سبع وعشرين (3).

فذلك يعني: أن عبد اللّه أخاه كان قد ولد قبله..


1) أنساب الأشراف للبلاذري ج 6 ص 275 وتاريخ مدينة دمشق ج33 ص 209.

2) الإستيعاب ج 2 ص 746 و (ط دار الجيل) ج 4 ص 1499 والمستدرك للحاكم ج 3 ص 531 وعمدة القاري ج 20 ص 307 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 7 ص 411 و 438 وج 6 ص 53 والآحاد والمثاني ج 2 ص136 وتاريخ مدينة دمشق ج 62 ص 126 وج 24 ص 296 و 286 و 278 وج 57 ص 256 وأسد الغابة ج 3 ص 37 و ج 2 ص 171 وجه ص 23 وتهذيب الكمال ج 9 ص 417 و 139 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 245 وتهذيب التهذيب ج 10 ص 227 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 136 والبداية والنهاية (ط دار إحياء التراث العربي) ج 8 ص 265 و 268.

3) راجع: البداية والنهاية (ط دار الهلال سنة 2008) ج 8 ص227 و (ط دار إحياء التراث) ج 8 ص 248 ورراجع: تاريخ مدينة دمشق ج 65 ص 397 والمنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 ص 322 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 5 ص 269 وفوات الوفيات ج 2 ص 641.

وإذا كان الوليد هو الأكبر سنا في ولد أبي سفيان، فذلك يعني: أنه قد ولد قبل عبد اللّه أيضاً. وهذا يجعلنا نظن أو نطمئن إلى أنه قد ولد في سنة ثلاث وعشرين أو قبل ذلك أيضاً.

ولنفرض أن معاوية قد ولى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان على المدينة بعد عزل مروان في آخر ذي القعدة سنة سبع وخمسين (1).

فيكون عمره آنئذ خمساً، أو أربعا وثلاثين سنة، وحتى لو كان قد تولاها سنة خمسين فإن عمره يكون ثمانياً، أو سبعاً وعشرين سنة، فلماذا تزعم الرواية: أنه ولي المدينة وهو بعمر عشرين سنة؟!(2).

يزيد يشرب الخمر، بحضرة الحسين!! :

قال عمر بن سبينة:

حج يزيد في حياة أبيه، فلما بلغ المدينة جلس على شراب له، فاستأذن عليه ابن عبّاس والحسين «علیه السلام»، فقيل له: إنّ ابن عبّاس إن وجد ريح شرابك عرفه.


1) تاريخ مدينة دمشق ج 57 ص 242 و ج 63 ص 208 وتاريخ خليفة بن خياط ص 173 والكامل في التاريخ ج 3 ص 514 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 4 ص 163 والعبر، وديوان المبتدأ والخبر ج 3 ص 16 وفى أخبار القضاة لوكيع ج 1 ص 120 سنة ثمان وخمسين.

2) الملاحظة الأخيرة حول عمر الوليد تولى جمع متفرقاتها وتأليف مختلفاتها ولدنا السيد محمد مرتضى فليعلم ذلك.

فحجبه، وأذن للحسين، فلما دخل وجد رائحة الشراب مع الطيب، فقال «علیه السلام»: للّه دَر طيبك ما أطْيَبَهُ فما هذا؟!

قال: هو طيب يصنع بالشام.

ثم دعا بقدح، فشربه، ثم دعا بآخر، فقال: اسق أبا عبد اللّه.

فقال الحسين «علیه السلام»: عَلَيْكَ شرابَكَ، أَيُّهَا الْمَرْءُ! لا عَيْنَ عَلَيْكَ مِنِّي.

فقال یزید:

ألا يا صاح! للعجب***دعوتك ثمّ لم تجب

إلى الفتيات والشهوات***والصهباء والطرب

وباطية مكلّلة***عليها سادة العرب

وفيهنّ التي تبلت***فؤادك ثمّ لم تثب

فنهض الحسين، وقال: بَل فُؤادَكَ يَا ابْنَ مُعاوِيَة ! تَبَلت (1).

ونقول:

لا مجال لقبول هذه الرواية، وذلك لما يلي:

1 - لماذا حكم هذا الناصح ليزيد على ابن عباس، بأنه إن وجد


1) راجع: الكامل في التاريخ ج 3 ص 364 و (دار الهدى سنة 1426ه) ج4 ص 127 وتاريخ مدينة دمشق ج 65 ص 406 و 407 وراجع: الأغاني ج 15 ص 194.

ريح شراب يزيد عرفه، فلعل ابن عباس لم ير الخمر في حياته، ولا عرف ريحها؟! إلا أن يكون ذلك الرجل قد عاش مع ابن عباس، وعرف أقرانه وخلانه، ورأى أن من بينهم من كان يعاقر الخمر، وعرف أيضاً أن ابن عباس كان يحضر مجالسهم، ويرى ما يجري فيها.

أو يكون ابن عباس نفسه قد أخبر ذلك الرجل، بأنه يعرف رائحة الخمر، وأنه يميزها عما عداها..

2 - من عرف ذلك الرجل : بأن الحسين «علیه السلام» لم يكن يعرف رائحة الخمر، فلعله عرفها، وميزها عن غيرها، ألم يكن قد سمع عن الحسين أنه يخبر بالغائبات، وبما يحدث في المستقبل، ويجترح المعجزات وخوارق العادات.. ويخبر بعض الناس بما يفعلونه في خلواتهم؟!

وقد ذكرنا في هذا الكتاب شطراً مما يدخل في هذا السياق.

3 - إنه يظهر الحسين «علیه السلام» على درجة كبيرة من السذاجة والتحفيل، حيث إنه حين دخوله لذلك المجلس، يعرب ليزيد عن إعجابه بالرائحة التي شمها، مع أنها رائحة الشراب (الخمر) مع الطيب. ويثني على تلك الرائحة بكلمات تشتمل على دعاء تجعل در، ونفع ذلك الطيب اللّه سبحانه!!

4 - إنه «علیه السلام» يأمر يزيد بالعكوف على شرابه، فيقول له عليك شرابك أيها المرء.. مع أنه كان بإمكانه أن يقول له حين دعا

له بقدح الشراب: اعفني عن ذلك، أو ما يؤدي هذا المعنى.

5 - ثم نراه يغري يزيد بالعكوف على شرابه، ويطمئنه، إلى عدم وجود من يظهر سره ويفشيه فيقول له: «لا عين عليك مني»..

6 - ويقول يزيد في شعره إنه دعا الحسين للفتيات، والشهوات، والصهباء، وهي الخمر والطرب. مع أنه لم يرد ذكر لأي واحدة مما ذكر، سوى أنه عرض عليه أن يسقيه من شرابه، الذي لم يفصح له عن حقيقته.

7 - إن الحسين «علیه السلام» قد رد على يزيد بكلمة واحدة، فقد خاطب يزيد الحسين «علیه السلام»، قائلا له: إن أحدى هذه المذكورات، قد تبلت فؤاده أي هام وتوله بها فؤاده فاكتفى «علیه السلام» برد هذا الوصف على يزيد بقوله: بل فؤادك يا ابن معاوية.

8 - واللافت هنا: أن يزيد يحجب ابن عباس، ويمنعه من الدخول عليه، خوفاً من افتضاح أمره، لأن ابن عباس كان يعرف رائحة الخمر.

ولكنه يدخل الإمام الحسين «علیه السلام»، وهو أشد في ذات اللّه من ابن عباس، وأعظم مقاماً، وهيبة منه، ثم يصرح له بأنه دعاه للفتيات والشهوات والصهباء والطرب.. فمن يخاف من الفضيحة، لا يصرح بمثل هذه الأمور، لأعظم، وأقدس إنسان، والأتقى، والأشد في ذات اللّه.

بعد استخلاف یزید :

الأعمش [عن] قيس بن غالب الأسدي، قال: ولما وفد الناس على يزيد بن معاوية لما استخلف. قلت لأهل بيتي: هل أن نجعل نحن وفادتنا على ابن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» الحسين بن علي «علیه السلام».

فأجابوني، فخرجت أنا وأخي عبد اللّه بن غالب، وزر بن حبيش، وهاني بن عروة، وعبادة بن ربعي في جماعة من قومنا حتى انتهينا إلى المدينة، فأتينا منزل الحسين بن علي «علیه السلام»، فاستأذنا عليه، فخرجت إلينا جارية، فقلت: استأذني لنا على ابن رسول اللّه، وأعلميه أن مواليه بالباب.

فأذنت لنا، فدخلنا عليه.

فقال: ما أقدمكم هذا البلد في غير حج ولا عمرة؟!

قلنا: يا بن رسول اللّه، وفد الناس على يزيد بن معاوية، فأحببنا أن [تكون] وفادتنا عليك.

قال: واللّه ؟!

قلنا: واللّه.

قال: أبشروا. يقولها ثلاثاً، ثم قال: أتأذنون لي أن أقوم؟!

قلنا: نعم.

فقام، فتوضأ ثم صلى ركعتين، وعاد إلينا.

فقال ابن ربعي: يا ابن رسول اللّه، إن الحواريين كانت لهم علامات يعرفون بها، فهل لكم علامات تعرفون بها؟!

فقال له: يا عبادة نحن علامات الإيمان في بيت الإيمان، من أحبنا أحبه اللّه، ونفعه إيمانه يوم القيامة، ويقبل منه عمله، ومن أبغضنا أبغضه اللّه، ولم ينفعه إيمانه، ولم يتقبل عمله.

قال: فقلت: وإن دأب ونصب؟!

قال: نعم، وصام وصلى.

ثم قال: يا عبادة نحن ينابيع الحكمة، وبنا جرت النبوة، وبنا يفتح وبنا يختم، لا بغيرنا (1).

ونقول:

عبد اللّه بن غالب الشاعر:

إن أول ما لفت نظرنا أن قيس بن غالب خرج مع أخيه عبد اللّه بن غالب، وافداً على الإمام الحسين.

وعبد اللّه بن غالب هذا ثقة ثقة، كما قال عنه علماء الرجال (2)، وكان شاعراً.. وقد عده علماء الرجال، - مثل الشيخ في رجاله - من


1) شرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي ج 3 ص 456 و 457.

2) فهرست أسماء مصنفي الشيعة (رجال النجاشي) ص222 ووسائل الشيعة (آل البيت) ج 30 ص 412) و (الإسلامية) ج 20 ص 242 ورجال ابن داود ص 122.

أصحاب الإمام الباقر والصادق «علیهما السلام». ولم يذكروه في أصحاب الإمام السجاد «علیه السلام»، فضلاً عن الإمام الحسين «علیه السلام»، فإما أنه سقط سهواً، أو أنهم لم يجدوا له رواية عن الإمام الحسين والسجاد، فلم يذكروه في جملة أصحابهما «عليهما السلام».

يسأل عن سبب قدومهم ويحلفهم:

إن من عادة الناس أن يسافروا من بلد إلى بلد لأغراض مختلفة، فما هو المبرر لسؤال الإمام زائريه عن سبب قدومهم إلى المدينة، في غير حج ولا عمرة، وكأنه كان مستغرباً، أو معترضاً على قدومهم هذا ؟!

ويجاب:

بأنه «علیه السلام» كان يؤكد على شيعته ومحبيه، أن يلصقوا بالأرض، ويلتزموا البيوت، ولا يظهروا أشخاصهم، ولا يصرحوا بميولهم، وأن يتقوا من يخشى أن ينقل أخبارهم إلى مناوئيهم..

وزيارة هؤلاء الناس إلى المدينة، في غير حج ولا عمرة، يلفت نظر السلطان، ويثير الشبهة، ويعرضهم للمشكلات، والمصائب والبلايا..

وحين عرف «علیه السلام»: أن حبهم وولاءهم هو الذي دفعهم إلى تجشم هذا السفر، ولم يكن هدفهم المطالبة بالقيام ضد الحاكم، تأكدت لديه صحة نواياهم، وطهر ضمائرهم. وقد أحلفهم على صحة ما

قالوه، فحلفوا له.

الإمام يستأذن أضيافه:

وقد رأينا الإمام الحسين «علیه السلام» حين أراد أن يتوضأ، ثم يصلي ركعتين بعد الوضوء عملاً بالاستحباب، استأذن هؤلاء الأضياف، وهذا يدل على مزيد محبة وإكرام منه لهم، وعناية بهم..

نحن علامات الإيمان:

وقد سأل عبادة بن ربعي الإمام الحسين «علیه السلام» عن العلامات التي يعرف بها الأئمة قياساً على الحواريين الذين كانت لهم علامات يعرفون بها.

فجاءه الجواب: بأن ثمة فرقا بين الأئمة الطاهرين «علیهم السلام»، وبين الحواريين، فإن الحواريين قد يخفى أمرهم على الناس، فيحتاجون إلى علامات تشير إليهم، وتدل عليهم..

ولعله لأنهم لم تكن لهم وظيفة، ولم توكل إليهم مسؤوليات في تدبير هذا الخلق، وسائر الكائنات. كما أوكل إلى الأئمة «عليهم السلام».

أما الأئمة الطاهرون فهم العلامات التي يستدل بها على صحة إيمان أهل الإيمان، فمن أحبهم كان مؤمناً، يحبه اللّه، وينفعه إيمانه يوم القيامة، ويقبل عمله..

فلا بد بناءً على هذا، من أن يكون الناس قد عرفوهم، والتزموا

خطهم ونهجهم، فما الحاجة بعد إلى العلامات وهم قد أصبحوا جزءاً من عقائد الناس، وسكنوا قلوبهم.

نحن ينابيع الحكمة:

ثم ذكر «علیه السلام»: أنهم هم ينابيع الحكمة، فكل من طلب الحكمة لا بد أن يهتدي إلى ينبوعها، ويتذوق طعمها.. وبذلك يكون «علیه السلام» قد أرشد إلى أنهم «علیهم السلام» علامات ودلالات على كل ما يتوافق مع طبيعة الخلق، وينسجم مع أسرار التكوين.

بنا جرت النبوة:

ومن الواضح أن الأنبياء إنما يبلغون عن اللّه حقائق الدين، وأحكام الشريعة، وكل ما يريده اللّه سبحانه ويقومون بسائر ما يجب عليهم على أتم وجه..

لكن ذلك لا يكفي، فإن اللّه يريد لهذا الدين أن يبقى ويستمر إلى يوم القيامة، فيحتاج إلى علة مبقية، وهذه هي مهمة الأئمة، الذين يحفظون للدين قوته وحيويته، واستمراره..

ولأجل ذلك قال «علیه السلام»: «وبنا جرت النبوة»..

بنا يفتح، وبنا يختم:

ثم قال «علیه السلام»: «وبنا يفتح، وبنا يختم»، فإن العالم كله من مبدئه إلى منتهاه يحتاج إلى أهل البيت في مختلف شؤونه، وكان أول ما خلق اللّه نور محمد، وأهل بيته وبعد خلق آدم اتصلت مسيرة

الخلق، وتواصلت ببركتهم، وفي رعايتهم، وسيختم اللّه هذا العالم بهم، حين يملأ مهديهم الأرض قسطا وعدلا، بعد ما ملئت ظلما وجوراً.

وإذا كان المراد الختم بهم «علیهم السلام» في الآخرة، فالأمر واضح أيضاً، حيث يكونون هم القوام والحكام فيها، ويكون إياب الخلق إليهم، وحسابهم عليهم.

لو قتلني ما أفلحتم:

عن جويرية بن أسماء عن مسافع بن شيبة، قال: حج معاوية فلمّا كان عند الرّدم، أخذ الحسين بخطام ناقته، فأناخ به راحلته، ثم ساره طويلاً، ثم انصرف، وزجر معاوية راحلته وسار.

فقال عمرو بن عثمان بن عقان: ينيخ بك الحسين وتكفّ عنه، وهو ابن علي بن أبي طالب، وتسرعه على ما تعلم؟!

فقال معاوية: دعني من عليّ، فواللّه ما فارقني حتى خشيت أن يقتلني، ولو قتلني ما أفلحتم، وإنّ لكم من بني هاشم ليوماً عصيبا (1).

وفي نص آخر:

فقال له يزيد لا يزال رجل قد عرض لك فأناخ بك.


1) أنساب الأشراف للبلاذري ج 5 ص 58 وجمل من أنساب الأشراف ج 5ص 64 عن المدائني، وتهذيب الكمال ج 6 ص 405 ومختصر تاريخ دمشق لابن منظور ج 7 ص 127 و 128.

قال: دعه، فلعله يطلبها من غيري، فلا يسوّغه، فيقتله (1).

ونقول:

1 - يبدو لنا: أنه لا منافاة بين النص الأول والثاني، فإن معاوية أجاب ولده بما رأى أنه يحفظ له مقامه عنده، ولا يخدش هيبته أمامه

كما أنه لا يريد أن يسمع ولده، وهو غلام حدث(2)ما يوجب له الخوف والهلع، أو ما يوجب اتهامه أباه بالخرف، أو الإختلال.. فاختار جواباً يحفظ له ماء وجهه، ويظهره بصورة من يكيد عدوه، ويدبر لإيقاعه فيما يضره، دون أن يشعر ذلك العدو.

ولكنه أجاب عمرو بن عثمان بالحقيقة التي شعر بها، لعلمه بأن عمرو بن عثمان يعرف عن أهل البيت الشيء الكثير، من خوارق العادات وسواها.


1) تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 206 ترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص55 وترجمة الإمام الحسين لابن عساكر ص 198 و 199 و (ط مجمع إحياء الثقافة الإسلامية - قم) ص 290 وتهذيب تاریخ ابن عساكر لابن بدران ج 4 ص 327 وبغية الطلب لابن العديم ج 6 ص 2607 والحسين بن علي لابن العديم ص 66 وسير أعلام النبلاء (ط مؤسسة الرسالة) ج 3 ص 295 ج 3 ص 198 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 341 و (ط دار الكتاب العربي سنة 1407ه-) ج 5 ص 6.

2) راجع رسالة الإمام الحسين لمعاوية، التي يؤنبه فيها على قتله حجر بن عدي، وعمرو بن الحمق، والحضرميين، وعلى تولية ولده يزيد.

2- لم يصرح معاوية بأسباب خوفه من القتل حين كلمه الإمام الحسين «علیه السلام»، فهل السبب أنه أسمعه كلاما يشتمل على التهديد والوعيد، أو لأنه أراه من هيبته وعظمته ما أوقعه في هذا الخوف.

قد يقال: إن قوله الأخير: «وإن لكم من بني هاشم ليوماً عصيباً» يؤيد أن يكون قد سمع من الإمام الحسين ما يدل على أن الأمور لن تسير، وفق ما يشتهيه معاوية وبنو أمية.

الفهارس

إشارة:

1 - الفهرس الإجمالي

2 - الفهرس التفصيلي

الفهرس الإجمالي

القسم الرابع: حتى كربلاء...5

الباب الأول: الحسين بعد استشهاد أخيه...7

الفصل الأول: يبذلون.. ويعلمون...9

الفصل الثاني: مع الحسين «علیه السلام» مباشرة...31

الفصل الثالث: أخبار من مدرسة الغيب...55

الفصل الرابع: لأنه الإمام...75

الفصل الخامس: فقه وأحكام...111

الفصل السادس: الإحقاق الحق...155

الفصل السابع مكارم.. وتعاليم.. وعبر.. ...187

الفصل الثامن: الشيعة والإمامة.. والإمام...213

الباب الثاني: مع سياسات الحكام...249

الفصل الأول: وقفات حادّة مع الحكام...251

الفصل الثاني: إصرار العراقيين، ورفض الإمام «علیه السلام» ...289

الفصل الثالث: يزيد لعنه اللّه» ولي عهد...313

الفصل الرابع: مكاتبات حادة بين الحسين «علیه السلام» ومعاوية:...343

الفصل الخامس: من الأكاذيب.. ومن الحقائق...369

الفهارس...389

الفهرس التفصيلي

القسم الرابع: تى كربلاء ...5

الباب الأول: الحسين بعد استشهاد أخيه. ...7

الفصل الأول: يبذلون.. ويعلمون. ...9

على الباذل أن يشكر السائل: ...11

ضوابط ومنطلقات: ...12

إلى من ترفع الحاجات: ...16

صن وجهك عن بذلة المسألة...17

ثلاثة ترفع الحاجات إليهم: ...17

أعطيك وتمدحه ؟!: ...18

ما الذي حرك معاوية؟! : ...20

فحيوا بأحسن منها: ...20

لقد أخطأ أنس: ...21

التحية الأحسن:...24

خير المال ما وقي به العرض: ...25

غلام يواكل كلباً: ...27

صحّ عندي قول النبي: ...28

ما الربط بين حديث النبي، وقصة الغلام؟: ...29

حديث الفطرة ولذة الروح: ...30

الفصل الثاني: مع الحسين «علیه السلام» مباشرة ...33

حديث الغلام صافي: ...35

الرقابة المشروعة: ...37

دعاء الغلام لسيده: ...38

طريقة الخطاب الحسيني: ...39

سبلته لأصحابك وشيعتك: ...39

راع يهدي الحسين «علیه السلام» شاة: ...40

خذها إليك فإني معتذر: ...41

تخفيف الصلاة: ...44

الفقير أحق: ...45

لو كان في سيرنا عصاً: ...45

مطهرون نقيات جيوبهم !!: ...46

أخرج يده من شق الباب: ...47

الحسين يقضي دين أسامة: ...47

وفاة أسامة:. ...48

يخالف أباه، ويقضي دينه: ...49

إخبار غيبي لمن كان له قلب: ...50

الحسين «علیه السلام» يسأل، والأعرابي يجيب: ...50

المعروف على قدر المعرفة: ...55

لا نعطي المعروف إلا على قدر المعرفة: ...57

يقر بالقتل، ويعطيه الدية: ...57

أعرابي لديه علمٌ وفهم وأدبٌ: ...58

الفصل الثالث: أخبار من مدرسة الغيب ...60

أين هي الناقة؟! : ...62

الأعرابي الذي خضخض: ... 63

لا يحتملون فضل أهل البيت: ...64

إن خرجتم يوم كذا قتلتم: ...67

السفر في يوم سبت أو خميس: ...70

ولا تعادوا الأيام: ...71

من دلائل إمامته «علیه السلام» أيضاً: ...74

لماذا أخبر بالأسماء: ...75

المقام لا يأخذه السيل: ...76

لا أحب لك أن تتزوجها: ...78

الفصل الرابع: لأنه الإمام... 81

أرنا من عجائب أبيك: ...83

أشتهي رماناً: ...5

شفاء نصرة الأزدية: ...88

شفاء حبابة الوالبية: ...89

النظر إلى مواضع من رأس امرأة أجنبية: ... 91

لفت نظر:...93

ما بطأك على ؟!: ...94

أبطأت عليه فزارها: ...95

الأئمة وشيعتهم فقط على ملة إبراهيم: ...95

يسقي أصحابه من الرحيق المختوم: ...97

ليس هذا سحراً: ...98

ما عند اللّه لأوليائه أكثر: ...101

أحياها فأوصت ثم ماتت: ...102

أدخل يا مولاي: ...104

إحياء الموتى:...104

مضمون الوصية: ...105

طارت الحمى: ...106

إلتصقت يده بيدها في الطواف: ...108

الدعاء هو الوسيلة: ...109

ألا نعاقيه؟! : ...110

في ماذا تمرجان؟! ...111

التدخل الحسيني: ...112

اصدقي قبل أن يهتك اللّه سترك: ...113

انطق بإذن اللّه.. 114

أهل سرّ اللّه: ...114

رؤية النبي «صلی اللّه علیه وآله» بعد موته: ...116

غرائب تضمنتها الرواية: ...117

أعطي الحسين «علیه السلام» أكثر مما أعطي سليمان: ...118

الفصل الخامس: فقه.. وأحكام...120

نحكم بحكم آل داود: ...122

كره أن يثني على اللّه فيحلم عنه: ...124

ميراث ابن الحنفية: ...126

من أحكام الاستنجاء: ...127

تصدق بالدار، وهو يسكنها: ... 128

أسئلة ابن الزبير: ... 129

أعمال بالنيابة: ...130

الشرب قائما: ...132

القيام للجنازة: ...134

تشريع الأذان بالوحي الإلهي: ...137

استخفته الأمراء: ...138

الأذان وجه دينكم: ...138

التشريع في السماء: ...139

اللّه أقرب إلى: ...140

لم نهيت الرجل ؟! : ...141

ما رأيت الرجل مرّ قدامك؟! ...142

لا تعلموهم، فإنهم أعلم منكم: ...143

لا يأتم بالإمام في الجمعة: ...147

الصلاة على المنافق: ...149

الصلاة في الكعبة: ...152

تحفة الصائم: ...153

حج الحسين ماشياً: ...155

هل الركوب أرجح؟!: ...157

طواف المريض محمولاً : ...162

من هو أبو عبد اللّه؟!: ...163

العمرة في ذي الحجة : ...163

خلاخيل الرجال: ...164

الفصل السادس: لإحقاق الحق...168

المناشدة في منى: ...170

الخطاب الحسيني : ...173

إن صدقت فصدقوني: ...174

الإمتحان كرامة للحسين وفضيحة لأعدائه: ...175

خطبة الإمام الحسين «علیه السلام»: ...178

إنه ابن علي «علیه السلام» :... 181

أعتقها الحسين «علیه السلام» ثم تزوجها: ...184

الحسين الشرف والمثل الأعلى: ...186

لماذا خصوص قريش؟! ...186

للحسين «علیه السلام» كل الشرف: ...187

اللؤم لؤم الجاهلية: ...188

الحسين «علیه السلام» والحسن البصري: ...188

ما لي وللمماراة؟!: ...190

الحسين «علیه السلام» وابن الأزرق: ...192

لو كان ابن الأزرق مؤمناً :...195

أخلاق العلماء: ...196

كيف يصف الحسين إلهه؟! ...197

بكاء ابن الأزرق:... 198

الجواب الصاعق والماحق: ...199

الفصل السابع: مكارم.. وتعاليم.. وعبر ...202

رفع الطين، ووضع الدين:... 204

الحسين عند قبر خديجة: ...205

أذكرني هذه اللقمة: ...207

إنه لا يحب المستكبرين: ...209

زهد الحسين «علیه السلام» : ...211

عبادة الإمام الحسين «علیه السلام» : ...213

الفرزدق والحسين «علیه السلام» : ...216

ليس في الدعوة عفو: ...219

المطلوب من المدعو للطعام: ...220

الرجل أحق بصدر دابته: ...220

النعمان أم إبن النعمان؟!: ...221

الحسين وابن النعمان بن بشير: ...222

كلفتني ما أكره: ...223

والكاظمين الغيظ: ...224

الحسين «علیه السلام» ليس شاعراً: ...2227

الفصل الثامن: الشيعة.. والإمامة.. والإمام... 229

الإمام «علیه السلام» يسأل عن أصناف الناس: ...231

خذي ابنتك عني: ...232

الفرق بين العرب والموالي: ...233

ما هو الأدب؟! ...234

بنا يغفر ذنوبكم: ...235

ما من شيعتنا إلا صديق شهيد: ...236

البلاء للمؤمن:.... 237

البلاء من علامات الأخيار: ...240

جبر اليتم، وقضاء الدين، وغفران الذنوب: ...241

بنا يجبر يتيمكم: ...242

وبنا يقضي دينكم: ...244

وبنا تغفر ذنوبكم: ...246

الشيعة هم الصديقون والشهداء: ...246

وأنت تفعل هذا : ...249

الأئمة من ولد الحسين «علیه السلام» : ...251

معرفة الإمام «علیه السلام» : ...254

ما معرفة اللّه ؟! ...256

حدثني في علي «علیه السلام»:... 257

شاغل الناس: ...257

ما أحدثك عنه، وهو أبي: ...258

التفويض للنبي «صلی اللّه علیه وآله» وعلي: ...259

أسئلة تحتاج إلى جواب : ...259

خلاصة وبيان: ...265

الباب الثاني: مع سياسات الحكام...268

الفصل الأول: وقفات حادّة مع..الحكام... 270

أشر علي في الحسين: ...272

لماذا يهتم معاوية لأمر الحسين «علیه السلام»؟!: ...273

مشورة سعيد ومشورة مروان: ...274

معاوية وقطيعة رحم الحسين: ...275

سعيد ومروان فقط: ...275

خصمك القوم يا معاوية: ...276

لو قتلنا شيعتك ماكفناهم، ولا صلينا عليهم: ...277

وقد ظلمناك يا معاوية : ...280

الإقتراح المحرج: ...280

دور ابن العاص: ... 281

لولا فاطمة بم تفخرون علينا ؟! ...282

لماذا غضب الإمام ؟! : ...283

شهادة رجال قريش : ...285

النبي هو المعيار:...286

علم الإمامة: ...286

ردوا إلى اللّه مولاهم الحق: ...287

حسدتني على حلمي ...289

ذل المعتدي: ...290

هل حسده مروان على حلمه؟! ...290

ليس هذا حلماً: ...291

الضيعة لك يا وليد ...292

بين الحسين «علیه السلام» وعاصم بن عمر: ...292

الدعوة بحلف الفضول: ...294

المستجيبون للدعوة بحلف الفضول: ...298

حلف الفضول أشرف حلف ...299

الإستجابة لحلف الفضول: ...300

لماذا يهتف الحسين «علیه السلام» بهذا الحلف؟! ...301

ابن الزبير، أو ابن عمر ؟! ...304

وقاحة ابن الزبير : ...306

الفصل الثاني: إصرار العراقيين، ورفض الإمام «علیه السلام» : ...311

أهل الكوفة يعزون بالإمام الحسن «علیه السلام» : ...313

كتاب بني جعدة للحسين «علیه السلام»:.... 314

إبن الحنفية يرفض طلب أهل الكوفة: ...316

قدوم المسيب بن نجبة: ...317

غفر اللّه ذنبه: ...318

ابن الوصي: ...319

كلا الرأيين رشاد وسداد!!: ...320

مطالب الإمام الحسين «علیه السلام» : ...321

ليس رأيي اليوم ذلك: ...323

ابن الحنفية لماذا ؟! : ...324

شهادة حجر بن عدي، وأصحابه : ...325

قتلى مرج عذراء: ...328

حجر يرفض رئاسة كندة: ...329

هل كان الحسين «علیه السلام» في حيرة؟! ...331

الحب اللّه ورسوله: ...332

وضع النقاط على الحروف: ...333

التمهيد للضابطة: ...334

أطرق طويلا، لماذا ؟! ...334

الضابطة الدقيقة والحاسمة: ...335

الفصل الثالث: يزيد «لعنه اللّه» ولي عهد ...337

معاوية، والبيعة ليزيد: ...339

توطئة وتمهيد: ...348

هدفنا باختصار: ...349

المدينة هي العقدة: ...351

كيف واجه الحسين «علیه السلام» مشروع معاوية؟!: ...351

الجبر الإلهي في بيعة يزيد «لعنه اللّه»... 353

معاوية : الحسين ليث عرين: ...355

رحلتا معاوية إلى الحجاز : ...356

متى استشهد الإمام الحسن «علیه السلام»؟! : ...356

كتاب الحسين بعد البيعة ليزيد: ...358

إن بايعوك كنت رجلاً منهم: ...359

خطبة الحسين: ...360

الحسين «علیه السلام» يرفض كسوة معاوية: ...362

يعترف بالحق، ويصر على الباطل:...363

الفصل الرابع: مكاتبات حادة بين الحسين «علیه السلام» ومعاوية : ...370

بين الحسين ومعاوية: ...372

توضيحات للعلامة المجلسي «رَحمهُ اللّه» : ...382

قيمة الإلتزام بالعهود: ...384

ما أظن أن لي عذراً عند اللّه:.. 385

تعريف جديد للفتنة:. ...386

أظن أن في رأسك نزوة: ...387

حجب العراقيين عن الحسين «علیه السلام» : ...390

ينكث ويطالب بالوفاء: ...392

خلاصة جامعة: ...394

استلحاق زياد:... 394

الحسين «علیه السلام» والأموال من معاوية: ...395

الفصل الخامس: من الأكاذيب.. ومن الحقائق...398

أكذوبة على لسان ابن عباس: ...400

يزيد يشرب الخمر، بحضرة الحسين !!: ...407

بعد استخلاف یزید: ...411

عبد اللّه بن غالب الشاعر : ...412

يسأل عن سبب قدومهم ويحلفهم : ...413

الإمام يستأذن أضيافه: ...414

نحن علامات الإيمان: ...414

نحن ينابيع الحكمة: ...415

بنا جرت النبوة: ...415

بنا يفتح، وبنا يختم : ...415

لو قتلني ما أفلحتم: ...416

الفهرس الإجمالي ...421

الفهرس التفصيلي... 423