سیرة الحسین علیه السلام فی الحدیث و التاریخ جلد 9

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

سيرة الحسين(عليه السلام)

في الحديث والتاريخ..

السيد جعفر مرتضى العاملي

الجزء الحادي والعشرون

المركز الاسلامي للدراسات

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

الطبعة الأولى

2016م - 1437هـ

حاد

المركز الاسلامي للدراسات

لبنان - بيروت - الضاحية الجنوبية - أوّل حي ماضي بناية حجازي - ط 1 - تلفاكس: 00961.1.274519

البريد الالكتروني : alhadi@alhadi.org

المنشورات بيروت - بئر العبد - سنتر الانماء 3 - 0096170995421

محرر الرقمي: ولی رادمرد

اشارة

سيرة الحسين «علیه السلام»

في الحديث والتاريخ..

السيد جعفر مرتضى العاملي

الجزء التاسع

المركز الإسلامي للدراسات

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى

1435ه-. - 2014م.

المركز الإسلامي للدراسات

بسم اللّه الرحمن الرحیم

الباب الثانی

الفصل الرابع: أحداث وأشخاص..

اشارة

على من تحل الصدقة؟!

العدة عن البرقي، عن أبيه، عمن حدثه، عن عبد الرحمن العرزمي، عن أبي عبد اللّه «علیه السلام» قال: جاء رجل إلى الحسن والحسين «علیهما السلام» وهما جالسان على الصفا، فسألهما، فقالا: إن الصدقة لا تحل إلا في دين موجع، أو غرم مفظع، أو فقر مدقع. ففيك شيء من هذا؟!

قال: نعم.

فأعطياه.

وقد كان الرجل سأل عبد اللّه بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، فأعطياه، ولم يسألاه عن شيء.

فرجع إليهما، فقال لهما: ما لكما لم تسألاني عما سألني عنه الحسن والحسين «علیهما السلام»؟!

وأخبرهما بما قالا فقالا إنهما غذيا بالعلم غذاء (1).


1) الكافي ج 4 ص 47 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج 9، ص 211 و (الإسلامية) ج 6 ص 145 وبحار الأنوار ج 43 ص 320 ومرآة العقول ج 16 ص 177 وذخيرة المعاد ص 462

ونقول:

1- الفقر المدقع، هو الذي يؤدي بالفقير إلى أن يصبح على التراب، لا يملك حتى حصيراً يجلس عليه والدقعاء التراب.

2- إن بعض الناس قد يستسهل تحصيل المال عن طريق التظاهر بالفقر، وطلب الصدقة من الناس على أساس أن غاية ما هناك هو شعور المعطي بأنه متفضل، وهذا لا يوجب وهنا في الآخذ، لأن الآخذ لا ينكر على المعطي هذا الأمر .

وهذا غير كافٍ في التبرير، فإن نفس أن يعيش الإنسان كلا على الآخرين، عن طريق التظاهر بالحاجة وهن في شخصيته، وضعف في مروءته، إن كان صادقاً .. وإن كان كاذباً، فالأمر أشرّ من ذلك وأضرّ، للمسؤولية الشرعية المترتبة عليه تجاه حلية تصرفه بالمال.

3- إن الحسنين «علیهما السلام» إنما أعطياه بعد أن جعلا المسؤولية عليه، فيما يرتبط بجواز تصرفه بالمال المعطى له. فقد صرحا بأن حلية تصرفه فيه متوقفة على كونه مصداقا لواحد من العناوين الثلاث المذكورة: الدين الموجع، والغرم المفظع والفقر المدقع..

4- يحتمل في حال هذا الرجل أن يكون بحاجة إلى مبالغ كبيرة لا تتوفر في الصدقة المستحبة، فهو يريد أن يأخذ من الصدقة الواجبة

-التي هي الزكاة - مبلغاً لا يعطى لمثله في العادة إلا في الحالات الثلاثة المشار إليها، فكان لا بد من الاستخبار منه عن السبب. وهو أحد ثلاثة أمور كما ذكرت الرواية. فلما علم السبب بطل العجب، إذ لا تعطى أموال اللّه لكل من يطلبها إن لم يكن موجب لإعطائها، وأخذها، لأن عدم مراعاة الموجبات يؤدي إلى تضييعها، وانتفاء الفائدة من تشريعها.

ويحتمل أن يكون الحديث عن الصدقة المستحبة، إذ لا يحق للإنسان المؤمن أن يذل نفسه، ويسأل الناس بيده، ويهرق ماء وجهه إلا في أمر أهم من ذلك، وهو هذه الأمور الثلاثة التي ذكرتها الرواية.

الوضوء للتعليم

عيون المحاسن، عن الروياني أن الحسن والحسين مرا على شيخ يتوضأ ولا يحسن، فأخذا في التنازع، يقول كل واحد منهما أنت لا تحسن الوضوء.

فقالا: أيها الشيخ كن حكما بيننا. يتوضأ كل واحد منا.

فتوضاً ا، ثم قالا: أينا يحسن؟!

قال: كلاكما تحسنان الوضوء، ولكن هذا الشيخ الجاهل هو الذي لم يكن يحسن، وقد تعلم الآن منكما، وتاب على يديكما، ببركتكما،

وشفقتكما على أمة جدكما (1).


1) بحار الأنوار ج 43 ص 319 عن عيون المحاسن ص89، ومناقب آل أبي طالب ج 3 ص 400 والعوالم ج 16 ص 100

ونقول:

لكل إنسان - وخصوصاً المتقدمين في السن - في هذه الدنيا ظروفه وحالاته، وله مشاعره وانفعالاته، ولاسيما فيما يرتبط بما يمر به من أمور تعنيه، فإنك كثيراً ما تجد مشاعره وانفعالاته مختلفة عن مشاعر وانفعالات الآخرين، حتى لو كانوا يشبهونه في ظاهر الحال في مقدار السن، أو غيره .

كما أنه قد يمنح نفسه امتيازات، ويسبغ عليها اعتبارات قد لا تخطر على بال، ولا تجدها عند غيره..

من أجل ذلك، فإن أفضل طريقة للتعامل معه هو: أن لا تواجهه بالتخطئة فيما يقول ويفعل، فإن الإنسان بطبعه يستثقل ذلك حتى من أبيه، فكيف من قرينه، أو ممن هو أصغر منه سنا، ویری أنه أفضل تجربة، وأحسن معرفة!!

ولأجل ذلك وجدنا الإمامين الحسنين «علیهما السلام» قد اعتمدا هذا الأسلوب الهادئ والرصين للفت نظر ذلك الشيخ إلى خطئه في وضوئه، وكان هو الذي عرف خطأ نفسه بنفسه، ولم يشعر أنه كان تلميذا أمام معلمه. ولو أنهما أخبراه عن خطئه لوجدناه يغضب، وينفعل، ويتهمهما بعدم احترامهما لسنّه، وتجربته، وخبرته الطويلة، ولعله يتهمهما بالغرور، والجرأة، وما إلى ذلك.

ولكننا رأيناه شاكراً ممتنا راضياً، معترفا لهما بـ:

1- معرفتهما الراجحة والصحيحة.

2- أدرك خطأه بنفسه دون أن يشعر أن ثمة من يخطئه، ومن یرا اه جاهلا .

3- إنه شعر أنه كان مقصراً في حق نفسه في مدة طويلة، وكان عليه أن يراجع حساباته فيها، الأمر الذي جعله بحاجة إلى التوبة إلى اللّه تعالى .

4- إنه شعر بأن وجودهما مبارك، وميمون.

5- وأدرك أيضاً أنهما يحملان مشاعر نبيلة، وعواطف إنسانية جميلة تستحق التقدير ..

6- إن هذه القصة من موارد الدعوة إلى اللّه بالحكمة والموعظة الحسنة .

ألم يكن الحسين «علیه السلام» يعرف ذلك؟!:

عن صفوان الجمال، عن أبي عبد اللّه «علیه السلام» في حديث قال: إن رجلا أتى الحسن بن علي «علیهما السلام» فقال: بأبي أنت وأمي أعنّي على قضاء حاجة.

فانتعل وقام معه، فمر على الحسين «صلوات اللّه علیه» وهو قائم يصلي، فقال له: أين كنت عن أبي عبد اللّه، تستعينه على حاجتك؟!

قال: قد فعلت. فذكر أنه معتكف.

فقال له: أما إنه لو أعانك كان خيراً له من اعتكافه شهر ا (1).

وفي نص آخر: كان خيراً له من اعتكاف ثلاثين سنة (2).

قال المولى المجلسي «رحمه اللّه»: خبر صفوان يدل على جواز الخروج عن المسجد، بل استحبابه، لقضاء حاجة المؤمن . انتهى (3).

ونقول:

ما نريد أن نقوله هنا يتلخص ببضع نقاط، هي التالية:

1- إن الإمام الحسن «علیه السلام» قد ذكر الإمام الحسين «عليه السلام» بكنيته، فقال: «أين كنت عن أبي عبد اللّه»؟!

وبذلك يكون «علیه السلام» قد ذكر أخاه في غيابه بما دل على توقيره، واحترامه له.

2- هذه الرواية تقول: إن الإمام الحسين «علیه السلام» اعتل


1) الكافي ج 2 ص 198 بسند قوي، ومصادقة الإخوان ص 70 ومن لا يحضره الفقيه ج 2 هامش ص190 ووسائل الشيعة آل البيت) ج 16 ص 370 و (الإسلامية) ج 11 ص 586 وبحار الأنوار ج 71 ص 335 ومرآة العقول ج 9 ص 115 و 116

2) أعلام الدين ص442 و 443 وبحار الأنوار ج 94 ص 129 عنه، ومستدرك الوسائل ج 7 ص 565

3) من لا يحضره الفقيه ج 2 هامش ص190

بأنه معتكف، ثم جاء الإمام الحسن «علیه السلام» ليبين أنه لو استجاب، وقضى حاجة ذلك الشخص كان خيراً له من اعتكافه شهراً، أو ثلاثين سنة.

فقد يقول قائل: إن هذا يجعل تصرف الإمام الحسين «علیه السلام» موضع تساؤل، إذ لا يمكن القول بأنه «علیه السلام» لم يكن يعلم بما قاله أخوه: بأن قضاء حاجة المؤمن أفضل من الاعتكاف شهراً، أو ثلاثين سنة؟ فإنه «علیه السلام» لا يمكن أن يجهل شيئاً من الأحكام بأي حال..

أو يقال: إنه «علیه السلام» كان عالماً بما قاله أخوه، ولكنه زهد بهذا الثواب، واكتفى بثواب الاعتكاف. وهذا أيضاً لا يقبل في حق الإمام المعصوم، فإنه يبحث عن أفضل الأعمال ويبادر إليها..

ويمكن أن يجاب عن هذا بجوابين:

الأول: أن يكون «علیه السلام» له عذر آخر لم يبينه لذلك الرجل.. فتولى الإمام الحسن «علیه السلام» توضيح الأمر للسائل،

فإن ما ذكر حول زيادة فضيلة قضاء حاجة المؤمن على الاعتكاف، مما لا يخفى على مثل الإمام الحسين «علیه السلام»، فلو لم يكن لديه ما يمنعه من اعتماد هذا الخيار، لكنا رأيناه مسارعا إلى معونة ذلك الرجل على قضاء حاجته.

فكأن كلام الإمام الحسن «علیه السلام» وبيانه لهذه الخصوصية بمثابة توضيح لما أبهمه، أو بمثابة التصريح بما كتمه

الثاني: إن العبارة في نص الرواية لا تدل بصراحة على أن هذا الرجل قد تكلم مع الإمام الحسين «علیه السلام»، فهي تقول:

قد فعلت، فذكر أنه معتكف».

فقوله: «قد فعلت» يريد أنه قد أقدم على الطلب من الإمام الحسين «علیه السلام»، وسعى للاستمداد منه، لكن «دُكِر - بالبناء للمجهول - أنه معتكف»، ولعل الذي ذكر له ذلك حاجب الإمام، أو بعض من رأى الإمام معتكفا في المسجد..

فلما عرف ذلك الرجل باعتكافه انصرف عن الطلب منه، ظناً منه أن اعتكافه يمنعه من تلبية طلبه.

وقول الإمام الحسن أخيراً: «أما إنه لو أعانك إلخ..» قضية مشروطة بشرط مقدر . أي لو علم بحاجتك وأعانك لكان خيراً له.

کرم بني هاشم:

ذكروا أن رجلين أحدهما من بني هاشم، والآخر من بني أمية، قال هذا: قومي أسمح وقال هذا قومي أسمح.

قال: فسل أنت عشرة من قومك، وأنا أسأل عشرة من قومي.

فانطلق صاحب بني أمية، فسأل عشرة، فأعطاه كل واحد منهم عشرة آلاف درهم.

وانطلق صاحب بني هاشم إلى الحسن بن علي «رضي اللّه عنه»، فأمر له بمائة وخمسين ألف درهم.

ثم أتى الحسين «علیه السلام»، فقال: هل بدأت بأحد قبلي؟! قال: بدأت بالحسن.

قال: ما كنت أستطيع أن أزيد على سيدي شيئا، فأعطاه مائة وخمسين ألفاً من الدراهم.

فجاء صاحب بني أمية، فحمل مائة ألف درهم من عشرة أنفس، وجاء صاحب بني هاشم فحمل ثلاث مائة ألف درهم من نفسين.

فغضب صاحب بني أمية، فردها عليهم، فقبلوها. وجاء صاحب بني هاشم، فردها عليهما، فأبيا أن يقبلاها وقالا: ما كنا نبالي: أخذتها، أم ألقيتها في الطريق (1)!!.

ونقول:

إننا بغض النظر عن وجود أو عدم وجود سند لهذه الرواية نسجل ما يلي:

1- ليس لدينا ما يدل على كذب هذه الواقعة، سوى استبعادها بصورة إقتراحية، وبدون دليل. إلا بزعم: أن الإمام لا يمكن أن يفرط بالأموال بهذه الطريقة، التي لا ثمرة لها سوى كسر العنجهية الأموية.

ونقول:

إذا كانت الثمرة هي كسر العنجهية الأموية، فهو هدف جليل


1) شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 19 ص 271 عن المحاسن والمساوئ (ئط بيروت) ص 56

ونبيل، فإن ذلك يعرف الناس: بأن ما يدعونه لأنفسهم من فضائل وميزات وتقدم يؤهلهم لأن يكونوا في موقع القيادة للأمة، ما هو إلا ادعاءات فارغة، ومباهاة بلا مضمون، وبما لا واقع له.

2- إن الأموال التي يعطيها الأئمة في مثل هذه الحالات ليست من بيت المال ليقال: إنها تفريط بأموال الناس، وتعدّ على حقوقهم.

وإنما هي أموال مملوكة للحسنين «علیهما السلام» بوسائل صحيحة ومشروعة. إما من خلال جهد شخصي مباشر منهما «عليهما السلام»، كما كان علي «علیه السلام» يعمل في زراعة الأرض، واستنباط المياه، وحفر الآبار، وما إلى ذلك..

وإما هي هدايا اختصهم بها محبوهم.. وإما.. وإما ..

3- واللافت هنا: قول الإمام الحسين «علیه السلام» عن الإمام الحسن «علیه السلام»: «..ما كنت أستطيع أن أزيد على سيدي شيئاً».

ونقول:

ألف: إن الحسين «علیه السلام» قد وصف الإمام الحسن «علیه السلام» بسيده، وهذا غاية التوقير والتبجيل لأخيه. ولا شك في أن هذا التعبير سيترك في نفس كل من يسمعه أو يقرؤه أثراً إيجابياً، وسيكون درسا في الأدب والتواضع، وفي إعطاء كل ذي حق حقه. وفي عرفان الفضل لأهل الفضل، من دون تعلل فيه، أو اختزال.

نقول هذا، لأن بعض الناس بسبب الخلطة، وطول المعاشرة، أو

اعتمادا على عمق المودة، كثيراً ما يحاول أن يتعامل مع قريبه أو حبيبه، بعد تجريده من مقاماته، وانتزاع ميزاته، فإن كان عالماً لا يوقره- كما يوقر الناس العلماء - وإن كان صاحبه حسن الخلق طيب المعاشرة، لم يحفظ له هذه الخصوصية، وإن كان أخا أكبر لم يوفه حق أخوته وتقدمه في السن، وإن كان أبا، فإنه ينزع عنه هذه الصفة، ويخاطبه كما يخاطب أي إنسان عار من أية صفة أو امتياز ..

وهذا خطأ فاحش، ومن موجبات تضييع المحبة والأخوة، وزوال المودة، وقد روي عنهم «علیهم السلام»: «لا تضيعن حق أخيك،

اعتماداً على ما بينك وبينه من مودة، فإن من ضيعت حقه لم يكن لك بأخ» (1).

ب: إنه «علیه السلام» لم يرض بالزيادة على أخيه في العطاء، ولو درهما واحداً، واعتبر هذا من مفردات البر والتوقير والاحترام لأخيه. وهذا من شأنه أن يؤكد على مقام واحترام أخيه في نفوس الآخرين أيضاً. ولو أنه زاد على المقدار الذي أعطاه إياه الإمام الحسن «علیه السلام» لظل هذا الآخذ يتذكر هذه الزيادة، ويراوده خاطر بتميز الإمام الحسين «علیه السلام» في أمر العطاء على أخيه، وأرجحيته عليه، ولو على مستوى الميل النفسي، والانجذاب


1) بحار الأنوار ج 71 ص 165 عن كنز الفوائد للكراجك..

اللاشعوري.

4- إننا لا نستطيع أن نمنع أحداً من أن يبدي احتمال أن يكون الحسنان «علیهما السلام» قد علما بهذه المنافسة بين الهاشمي والأموي بطريق غير عادي، ولو بأن يكون ذلك في جملة ما ذكره رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» لهما. وقد تعاملا مع الأمر بالطريقة التي تنفع الناس في عقيدتهم، وفي ارتباطهم بأهل البيت «عليهم السلام».

5- بقي أن نشير إلى أن قبول الأمويين للأموال التي أرجعها إليهم صاحبهم، بدون تردد أو مناقشة، يشير إلى عدم مبالاتهم بمشاعر صاحبهم، مع أن من البعيد أن لا يكونوا قد عرفوا بغضبه، وأنه يرجع إليهم المال، انطلاقاً من عدم رضاه بما حصل. لاسيما وأن إعادة المال لا تخلو من الإهانة لصاحبه الذي أعيد إليه..

فكان من الطبيعي أن يسألوه عن سبب غيظه، وأن يصارحهم بحقيقة ما جرى، وأنه غاضب من أجلهم، وبسبب فشلهم في مجاراة بني هاشم، فكان ينبغي أن يتعاطفوا معه، ويقفوا إلى جانبه، ويسوغوه المال، لا أن يأخذوه منه، من دون مبالاة..

6- وقد رأينا: أن الحسنين «علیهما السلام»، حين أراد ذلك الرجل رد المال، رفضا قبوله، وقالا له:

«ما كنا نبالي أخذتها، أم ألقيتها في الطريق».

وهذا أدق تعبير عن طيب النفس له بذلك المال، وأن علاقتهما

بالمال قد انقطعت، ولن يلتفتا إليه حتى لو وجداه ملقى في الطريق.

الحسنان يرفضان تزويج سعيد بن العاص:

عن عبد اللّه بن أبي بكر بن حزم، قال:

خطب سعيد بن العاص أم كلثوم بنت علي بعد عمر. وبعث إليها بمائة ألف، فدخل عليها،الحسين، فشاورته، فقال: لا تزوجيه.

فأرسلت إلى الحسن، فقال: أنا أزوجه.

فاستعدوا لذلك، وحضر الحسن، وأتاهم سعيد ومن معه.

فقال:سعيد أين أبو عبد اللّه؟!

قال الحسن: أكفيك دونه.

قال: فلعل أبا عبد اللّه كره هذا يا أبا محمد .

قال: قد كان. وأكفيك.

قال: إذن لا أدخل في شيء يكرهه، ورجع ولم يعرض في المال، ولم يأخذ منه شيئا (1).

ونقول:


1) تاریخ مدينة دمشق ج 21 ص 130 وراجع سير أعلام النبلاء ج3 ص 446 و 447 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 5 ص 31 و 35 والتذكرة الحمدونية ج 2 ص 42 ترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد ص41 ومختصر تاریخ دمشق ج9 ص 313 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 4 ص 227

أولاً: إن هذه الرواية موضع ريب، لوجود رواية تنافيها، وإن كانت تحاول التحامل على أم كلثوم، وحفظ ماء الوجه لسعيد بن العاص، فقد روى ابن عساكر بسنده، أن سعيد بن العاص خطب أم كلثوم بنت علي «علیه السلام»، فأنعمت له.

فبلغ ذلك إخوتها فكرهوه، وثقل عليهم، وكلموها كلاماً شديداً، وقد كانت وعدت سعيداً موعداً، فدعت ابنها زيد بن عمر بن الخطاب، وهو يومئذ غلام صغير وبسطت دارها ووضعت فيها سريراً، ثم قالت: إذا جاء سعيد بن العاص فزوجنيه.

وقد كان سعيد وعد ناسا، وأرسل إليهم ليحضروا تزويجه، فحضروه في المسجد، فلما اجتمعوا إليه قال: إني دعوتكم لأمر بدا لي غيره، إني كنت خطبت أم كلثوم فأنعمت، واللّه ما كنت لأدخل على ابنى فاطمة بأمر يكرهانه.

ثم التفت إلى كعب مولاه، فقال: انظر إلى المائتي ألف درهم التي هيأت لابنة على اذهب بها إليها، وقل لها: يقول لك ابن عمك:إنا كنا هيأنا لك هذه، فاقبضيها صلة منا لك (1).

وفي هذه الرواية أيضاً مواضع للنظر .. ولكنها على أية حال قد قررت حقيقة مفادها: أن الحسن والحسين «علیهما السلام» كليهما لم


1) راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 21 ص 130 و 131 و مختصر تاريخ دمشق، لابن منظور ج9 ص313

يرضيا بهذا الزواج، بل هو قد ثقل عليهما..

ولكنها زعمت:

ألف: أنهم قد كلموها كلاماً شديداً.

ونحن لا نطمئن لصحة قولهم هذا، فإنه يكفي أن تعرف أم كلثوم عدم رضا الحسنين عن هذا الزواج لكي تنصرف عنه بكل رضا ومودة، ولا تحتاج إلى الكلام الشديد، بل لا محل له.

ب: زعمت الرواية: أن أم كلثوم أصرت على مخالفة إخوتها، وأنها هيأت دارها لهذا التزويج، وطلبت من ابنها الصغير أن يتولى تزويجها.

فلماذا هذا الحرص والإصرار منها على هذا الزواج، بالرغم من أنه يسيء إلى علاقتها بإخوتها، ويصغر من شأنها، ويعرضها للاحتقار والسخرية حتى ممن سوف يصبح زوجاً لها؟!

وبالنسبة لمقاطعة إخوتها لها، لا ندري أي شيء تقول الناس إذا حضروا، ولم يجدوا أحدا من إخوتها حاضراً ؟! فإذا عرفوا أن عدم حضورهم كان رفضاً لهذا الزواج، فإن ذلك سيكون ليس فقط إهانة لها، بل هو إهانة للزوج المفترض أيضاً، ولا يعقل أن يتقبل هذه الإهانة.

ج: والأمر والأدهى أن يتولى طفل صغير تزويج أمه، بعد رفض أعظم الناس شأناً، وأجلهم مقاماً في الأمة حتى حضور هذا الزواج.. وهل يرضى ذو مسكة أن يتولى طفل صغير تزويج أمه له،

بمحضر من الأعيان والكبار ؟!

د: إن الذي زعم أن أم كلثوم رضيت بسعيد زوجا هو سعيد نفسه، ثم صرح بأن الحسنين «علیهما السلام» هما اللذان رفضا تزويجه.

هـ: ظاهر هذه الرواية، بل صريحها: أن سعيداً لم يكن قد أرسل إلى أم كلثوم مالاً لأجل التزويج، بل هو يدعي أنه قد هيأ لها مالاً، وقال بعد العدول عن الزواج: إنه طلب من مولاه كعب أن يحمل المال إليها. ويعطيها إياه بعنوان أنه صلة وليس صداقاً .

ولكن هل حمل كعب المال إليها، أو أن الأمر انتهى عند هذا الحد؟! وإذا كان قد حمله كعب إليها، فهل قبلته منه، أو ردّته؟! إن هذا أو ذاك مسكوت عنه في هذا النص.

و: إن هذه الرواية تدعي أنه هيأ لها ماءتي ألف درهم. والرواية المتقدمة تدعى أنه أعطاها مئة ألف فقط.

ثانياً: إن سعيد بن العاص لم يكن ذلك الشخص الذي تهتم له النساء، ويكفي أن نذكر: أنه خطب عائشة بنت عثمان بن عفان، فقالت: هو أحمق، لا أتزوجه أبداً.

فقيل لها: ولم ذاك؟!

قالت: له برذونان أشهبان، فهو يحتمل مؤونة اثنين، وهما عند الناس واحد..

أو قالت: فهو يتحمل مؤونة اثنين واللون واحد (1).

فعائشة بنت عثمان تزهد بسعيد بن العاص، وتراه أحمق. ولكن بنت علي «علیه السلام» ترضى بغضب إخوتها عليها، وتبادر هي لتهيئة مقدمات الزواج، وتستعيض عن سيدي شباب أهل الجنة بغلام صغير، ليزوجها من هذا الرجل، حتى يكون هو الذي يرفض ذلك.

هذا عدا عن جهله المطبق بالأحكام، حتى انه لم يكن يعرف عدد التكبيرات في عيدي الأضحى والفطر، ولا عدد التكبيرات على الجنائز (2).

كما أنه لم يكن يعرف أن صلاة الظهر والعصر إخفاتية، فجهر بها، وتعمد إتمامها على هذا الحال (3).

وهو أيضاً معروف بالقسوة والدموية، وبالغدر، حيث صالح أهل حصن من حصون فارس على أن لا يقتل منهم رجلا واحدا، فقتلهم إلا رجلا واحدا (4).

وهو أيضاً صاحب المقالة المعروفة: السواد بستان لقريش.


1) راجع: بلاغات النساء لطيفور ص 146 وعيون الأخبار لابن قتيبة ج 2 ص 51

2) راجع: المجموع للنووي ج 5 ص 20

3) راجع المحلى لابن حزم ج 4 ص 109 والكامل في التاريخ

4) راجع: نهاية الإرب ج 6 ص 177

ثالثاً: إن عداء سعيد بن العاص لعلي وأهل البيت «عليهم السلام» كالنار على المنار، وكالشمس فى رائعة النهار. ومن شواهد ذلك.

1- حين كان والياً على الكوفة كتب إلى عثمان يشتكي مالك الأشتر وأصحابه الذين وصفهم بالقراء، ثم وصفهم بالسفهاء (1).

2- وقد دعا الإمام الحسين على سعيد بن العاص حين صلى عليه (2).

3- وقد منع سعيد بن العاص أمير المؤمنين حقه في الفيء، حتى شكاه «علیه السلام» (3).

4- إنه هدم دار على،والحسن، وعقيل، ودار الرباب أم سكينة بنت الحسين من قبل يزيد (4).

للتذكير فقط:

ثم إننا لو أردنا أن نغض النظر عن كل ما قلناه، فإن ما أظهرته الرواية الأولى من وجود اختلاف في الموقف بين الحسن والحسين «علیهما السلام» حول تزويج سعيد بن العاص، إنما هو من منطلق


1) أنساب الأشراف ج 5 ص 39

2) الإحكام ليحيى بن الحسين ج 1 ص 154

3) نهج البلاغة الخطبة رقم 77

4) شرح الأخبار ج 3 ص 269 وراجع مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 53

سياسة الرفق التي يعتمدها الإمام الفعلي، وهو الإمام الحسن «علیه السلام». فإذا انضمت إلى سياسة التشدد في الحفاظ على أمور الشرع والدين، فسوف تنتج هاتان السياستان معاً تردد سعيد في المضي فيما عزم عليه، ثم يُؤثر التراجع عنه، إذا شعر أنه قد يفتح عليه أبواباً لا يحب فتحها، خصوصاً إذا تطورت الأمور، وانتهت إلى مسامع معاوية وبني أمية.

البدوية المغتلمة:

وفي سياق الحديث عن الإمام الحسن «علیه السلام»، قالوا:

وروي أنه دخلت عليه امرأة جميلة وهو في صلاته، فأوجز في صلاته، ثم قال لها: ألك حاجة؟!

قالت: نعم.

قال: وما هي؟!

قالت: قم فأصب مني، فإني وفدت ولا بعل لي.

قال: إليك عني لا تحرقيني بالنار ونفسك.

فجعلت تراوده عن نفسه وهو يبكي.

ويقول: ويحك إليك عني، واشتد بكاؤه، فلما رأت ذلك بكت لبكائه.

فدخل الحسين «علیه السلام» ورآهما يبكيان، فجلس يبكي، وجعل أصحابه يأتون، ويجلسون ويبكون، حتى كثر البكاء، وعلت

الأصوات.

فخرجت الأعرابية، وقام القوم وترحلوا، ولبث الحسين «عليه السلام» بعد ذلك دهراً لا يسأل أخاه عن ذلك إجلالاً له.

فبينما الحسن ذات ليلة نائماً إذ استيقظ وهو يبكي، فقال له الحسين «علیه السلام»: ما شأنك؟!

قال: رؤيا رأيتها .الليلة.

قال: وما هي؟!

قال: لا تخبر أحداً ما دمت حياً.

قال: نعم.

قال: رأيت يوسف، فجئت أنظر إليه فيمن نظر، فلما رأيت حسنه بكيت فنظر إلي في الناس.

فقال: ما يبكيك يا أخي، بأبي أنت وأمي؟!

فقلت: ذكرت يوسف وامرأة العزيز، وما ابتليت به من أمرها، وما لقيت من السجن، وحرقة الشيخ يعقوب، فبكيت لأجل ذلك، وكنت أتعجب منه.

فقال يوسف: فهلا تعجبت مما فيه المرأة البدوية بالأبواء . (1).


1) بحار الأنوار ج 43 ص340 عن مناقب آل أبي طالب ج4 ص15 وراجع: المنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 7 ص 85 و 86

ونقول:

إننا وإن لم نستطع تأكيد صحة هذه الرواية، من حيث السند، ولكننا لا نرى مانعا من حصول مضمونها.. فإنها لم تتضمن أي محذور يمنع من ذلك. ولكننا نلفت نظر القارئ الكريم إلى الأمور التالية:

1- إنه لمن الغرابة بمكان جرأة امرأة بدوية إلى حد أن يدعوها شبقها الشديد إلى أن تقتحم بيتا فيه رجل لا تعرفه، فتعرض نفسها عليه بهذه الطريقة الآمرة، والفاضحة والممجوجة..

ولعل عذرها في ذلك: هو جهلها وعدم معرفتها بمعاني الحياء والشهامة، والشرف والكرامة. كما أنها كانت عديمة الإحساس

بالمعاني الروحية، والشعور بالحساب والثواب والعقاب الإلهي. بالإضافة إلى البساطة والسذاجة.

2- لقد رأت هذه الأعرابية أمرا لم تكن تتوقعه، فعوضاً من أن ترى رجلاً كامل الرجولية يبادر إلى تلبية طلبها برغبة وسرور، وشعور بالغبطة والسعادة، وإذ بها ثفاجاً: فترى أن هذا الرجل يرى في ما تدعوه إليه بؤساً وشقاءً وبلاء، يتحتم عليه الهروب والتخلص منه. وليت الأمر اقتصر على هذا الحد، بل تجاوزه إلى الجزع والبكاء، والخوف من النار ..

3- فأدركتها يقظة وجدانية، ورقة شعور، لعلها نشأت عن إدراكها مدى السوء والانحطاط الذي هي فيه، وربما قارنت بين حالها

هذا، وبين السمو الروحي الذي تراه في الإمام الحسن «علیه السلام».. فلم تجد أمامها إلا البكاء.

4- ثم جاء الإمام الحسين «علیه السلام»، ووجد أن الجو مشحون بمشاعر التقوى والخوف من اللّه، فتأثر بهذا الجو الروحي، واستذكر واستحضر في وجدانه ما يتناسب مع هذا الجو، فبكى هو الآخر..

ولم يكن بحاجة إلى أن يسأل أخاه عن سبب بلوغ الأمر إلى هذا الحد، لأنه يعرف أن الخشوع والخوف من اللّه سبحانه أمر عادي وطبيعي في حياة أخيه، بل هو كذلك في حياة كل مؤمن تقيّ.

5- وحين رأت تلك البدوية أن كل من يدخل إلى ذلك المكان ويرى هذه الأحوال، يتأثر بها بصورة تلقائية لم تطق البقاء، فخرجت ربما خوفا من أن ينتهي الأمر إلى مساءلة الناس لها، والبحث عن سبب وجودها. وعن السبب الذي أثار هذا الجو الروحي المؤثر والعارم.

6- وقد أظهر منام الإمام الحسن «علیه السلام» حيث تذكر ما ابتلي به يوسف بسبب امرأة العزيز، وتعرضه للسجن، وتألم الإمام الحسن «علیه السلام» لذلك - أظهر - أن التألم إلى حد البكاء لأجل ما تعرض له أولياء اللّه تعالى أمر محبوب ومطلوب اللّه تعالى.

فإذا بكينا لأجل ما تعرض له نبينا أو إمامنا من مصائب وآلام، فإن أسوتنا وقدوتنا في ذلك هم (أو هو فعل) الأنبياء والأوصياء،

الذين كانوا أيضاً يتألمون لما أصاب وما ابتلي به أيوب ويونس ويعقوب ويوسف وغيرهم..

وربما كان من شواهد ذلك: هذا المنام، وبكاء الإمام الحسن فيه لأجل ما ابتلي به يوسف ويعقوب «علیهما السلام»، وقد تواصل بكاؤه «علیه السلام» إلى حال اليقظة ..

7- ويلاحظ أيضاً:أن هذه الرواية أشارت إلى أن حديث البدوية والإمام الحسن «علیه السلام» قد أشبه ما جرى بين امرأة العزيز ويوسف، فجاء هذا تصديقاً لقوله «صلی اللّه علیه وآله»: «لتركين سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، ومطابق النعل بالنعل حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتم فيه».

8- فإذا استطردنا في الكلام، وأردنا استخلاص بعض ما أبهمته الرواية، بسبب التكتم الذي فرضه عدم وجود وعي يبرر الإفصاح عن كل التفاصيل، فإننا نستطيع أن نفهم من كلام يوسف أن ما جرى للإمام الحسن «علیه السلام» مع تلك البدوية بالأبواء، لم يكن مصادفة.. بل هي قد اختارت الإمام الحسن «علیه السلام» لما رأته من حسنه الباهر، وجماله الظاهر، الذي أسر قلبها، فأقدمت على ما أقدمت عليه زوجة العزيز بالنسبة ليوسف «علیه السلام».

مما يعني: أن اقتحامها عليه بيته لم يكن لمجرد الشبق، بل كان الأمر أبعد من ذلك..

الفصل الخامس: الحسنان، ومعاوية..

اشارة

الحسنان وجوائز معاوية:

هناك روايات ذكرت: أن الحسنين «علیهما السلام» كانا يقبلان الجوائز المالية من معاوية، ويظهر من بعضها: أن ذلك كان من ديدنهما وطريقتهما، التي استمرت إلى أن مات معاوية.

ويبدو لنا: أن الأمر لم يكن كذلك، بل في الكلام نوع إیهام أو إيهام، متعمد، لأنه جاء مفصولاً عن حيثياته، بعيداً عن القرائن التي تحدد مساره..

فاحتاج بيان ذلك إلى بعض التوضيح للتصحيح، فنقول:

1- قال ابن كثير: لما استقرت الخلافة لمعاوية كان الحسين «علیه السلام» يتردد إليه مع أخيه الحسن «علیه السلام»، فيكرمهما معاوية إكراماً زائداً، ويقول لهما: مرحبا وأهلاً، ويعطيهما عطاء جزيلا، وقد أطلق لهما في يوم واحد ماءتي آلف، وقال: خذاها وأنا ابن هند. واللّه لا يعطيكماها أحد قبلي ولا بعدي.

فقال الحسين «علیه السلام» واللّه لن تعطى أنت، ولا أحد قبلك، ولا بعدك رجلاً منا.

ولما توفى الحسن كان الحسين يفد إلى معاوية في كل عام،

فيعيطيه ويكرمه (1).

وفي نص آخر: ان الحسين «علیه السلام» أجاب معاوية على ما افتخر به بقوله: «لن تعطي أنت ولا أحد قبلك ولا بعدك لرجلين أشرف ولا أفضل منا». وستأتي الإشارة إلى ذلك إن شاء اللّه تعالى.

2- قال ابن قدامة: كان الحسن والحسين، وعبد اللّه بن جعفر، وكثير من الصحابة يقبلون جوائز معاوية (2).

3- الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن أبان، عن يحيى بن أبي العلا، عن أبي عبد اللّه «علیه السلام»، عن أبيه «علیهما السلام»: أن

الحسن والحسين «علیهما السلام» كانا يقبلان جوائز معاوية (3).

4- عن الحسن بن ظريف، عن الحسين بن علوان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه «علیهما السلام»: أن الحسن والحسين «عليهما السلام» كانا يغمزان معاوية، ويقعان فيه، ويقبلان جوائزه (4).


1) راجع: البداية والنهاية لابن كثير ج 8 ص 161 وكلمات الإمام الحسين ص 257- 258 و تاريخ دمشق ج 14 ص 113 وج 59 ص 193

2) المغني لابن قدامة ج 7 ص332

3) تهذيب الأحكام ج 6 ص 337 ووسائل الشيعة آل البيت) ج 17 ص 214 و (الإسلامية) ج 12 ص 157 والحدائق ج 18 ص 260 وراجع: مستدرك الوسائل ج 13 ص 181 والمصنف لابن أبي شيبة ج 5 ص 41 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 266 وطبقات ابن سعد ج1 ص 281

4) قرب الإسناد ص 44 و (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث) ص92 ووسائل الشيعة (آل البیت) ج 17 ص 216 و 217 و (الإسلامية) ج 12 ص 159 وبحار الأنوار ج 44 ص 41 وج 72 ص 382 ومستدرك سفينة البحار ج 2 ص 131 والعوالم ج 16 ص 102

5- وقال الجصاص: كان الحسن والحسين يأخذان العطاء، وكذلك من كان في ذلك العصر من الصحابة، وهم غير متولين له، بل متبرئون منه، على السبيل التي كان عليها علي «علیه السلام»، إلى أن توفاه اللّه تعالى إلى جنته ورضوانه. فليس إذا في ولاية القضاء من قبلهم، ولا أخذ العطاء منهم دلالة على توليتهم، واعتقاد إمامتهم (1).

6- وقالوا: كان معاوية يبعث للحسين في كل سنة ألف ألف درهم، سوى عروض وهدايا من كل ضرب (2).

7-وصرحت بعض الروايات أيضاً: بأن الإمام الحسن «عليه السلام» كان يفد في كل سنة على معاوية، فيصله بمائة ألف (3).

8- وقال خالد محمد خالد: وحسبنا في هذا المقام شهادة (معاوية) نفسه، فذات يوم أعد


1) أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 101 و (ط دار الكتب العلمية) ج 1 ص 86

2) الاحتجاج ج 2 ص 93 والبحار ج 44 ص 13

3) موسوعة سيرة أهل البيت للقرشي ج 11 ص 302 عن تاريخ دمشق ج13 ص 166

أحمال الهدايا التي كان يرسلها بين الحين والحين لصفوة الصحابة في مكة والمدينة. وبينما القافلة تتهيأ للسفر، نظر معاوية فيمن حوله وقال لهم:

«إن شئتم أخبرتكم بما يصنع القوم بهذه الهدايا».

ثم راح يسمي بعض الأسماء، ويسوق الحديث عنها، حتى جاء ذكر الحسن والحسين، فقال:

«.. وأما الحسن، فلعله يدع لزوجاته بعض الطيب، ثم يترك لمن حوله كل شيء..!!

وأما (الحسين) فيبدأ بأيتام الذين قتلوا مع أبيه في صفين، فإن بقي بعد ذلك شيء نحر به الجزر، وسقى به اللبن) (1).

ونقول:

إن لنا مع هذه النصوص ونظائرها وقفات عديدة، ومنها:

المراد بالجائزة:

قد عبّرت بعض النصوص بكلمة جوائز، وهذا يحتاج إلى توضيح، فنقول:

ليس المراد بالجائزة المكافأة على أمر يستدعي إظهار الإعجاب والتقدير من المجيز. بل المراد بها العطية.


1) أبناء الرسول في كربلاء لخالد محمد خالد ص 55

فقد قالوا فى سبب إطلاق كلمة الجائزة على العطية: إن الضيافة ثلاثة أيام، فيُتكلف له في اليوم الأوّل ممّا اتسع له من برّ والطاف، ويُقدم له في اليوم الثاني والثالث ما حضره، ولا يزيد على عادته، ثم يعطيه ما يجوز به مسافة يوم وليلة (وهي قدر ما يجوز به المسافر من منهل إلى منهل) فما كان بعد ذلك فهو صدقة .

ولذا يقال: أجيز وهم أي أعطوهم (1).

ويقال: أجاز الأمير أو السلطان الوفد إذا أعطاه ما يتوقعه، فيأخذه وينصرف.

وعنه «صلی اللّه علیه وآله»: «أجيرُوا الوَقد بنحو ما كنت أجيزهم به».

الحسنان إمامان:

إن الحسن «علیه السلام» كان إماماً مفترض الطاعة على معاوية وغيره، وقد أوصى له أبوه بالخلافة، وهذا يكفي في صحة خلافته عند من يصحح خلافة عمر بوصية أبي بكر إليه، بل إن عثمان هو الذي كتب اسم عمر حين كان أبو بكر مغمى عليه..

ويضاف إلى ذلك جعل الإمامة له من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بقوله: «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا»، وبغيره من


1) لسان العرب ج 5 ص 327 ونزهة النظر للبدري ص152 والنهاية لابن الأثير ج 1 ص 314

نصوص. وببيعة الناس له «علیه السلام» حين استشهاد أبيه...

وهذا يعني: أن الأموال يجب أن تعود للإمام الحق، ليكون هو المتصرف بها .. والإمام الحق هو الإمام الحسن «علیه السلام»، فأيّ مال يتمكن من استنقاذه من يد معاوية بأي نحو كان فإنه يكون طاعة اللّه تعالى.. والرواية عن الإمام الباقر «علیه السلام» قد صرحت بذلك أيضا (1).

بغي معاوية:

أما،معاوية، فهو متغلب باغ على الإمام محارب للعترة، قاتل لخيار المسلمين.

وبعد أحداث جرت بين الإمام الحسن «علیه السلام»، وبين هذا الباغي، وظهور الخيانات في جيش الإمام الحسن، حتى من قبل ابن عمه عبيد اللّه بن العباس الذي لحق بمعاوية في ثمانية آلاف، لقاء مئة ألف درهم (2)، وبعد العدوان على شخص الإمام الحسن «علیه السلام» وجرحه في فخذه بالمعول، أصبح واضحاً أن الاستمرار في المواجهة سيكلف الإسلام والمسلمين ثمناً باهظاً جدا، يتمثل بقتل الصفوة الأخيار، بالإضافة إلى تشويه حقائق الدين، وملاحقة رموزه


1) راجع دعائم الإسلام ج 2 ص 323

2) بحار الأنوار ج 44 ص 60 عن الكشي، وقاموس الرجال ج6 ص16 عن الفضل بن شاذان

بالاتهامات والترهات والأباطيل، وقلب الحقائق، وتكريس الإسلام الأموي، القائم على المفاهيم والقيم الجاهلية..

الشروط المالية في الصلح الحسني:

فكان الصلح القائم على شروط يفرضها الإمام «علیه السلام» هو الخيار الأصوبT لأن أي خروج مستقبلي عن جادة الصواب والحق. سوف يتم من خلال نكث العهد، والإخلال بالشروط. وستكون إعادة الأمور إلى نصابها في مثل هذا الحال الظاهر الخطل، أيسر من إعادة تأسيس الدين بعد اقتلاعه من جذوره، واستبداله بأحكام الجاهلية..

وقد كان من جملة شروط الصلح ما له صفة مالية، مثل:

استثناء بيت مال الكوفة، فلا يسلم لمعاوية.

وأن على معاوية أن يحمل إلى الإمام الحسين في كل عام ألفي ألف درهم (1).

وأن يفضل بني هاشم في العطاء، والصلات على بني عبد شمس .

وأن يفرق في أولاد من قتل مع علي «علیه السلام» في الجمل


1) الأخبار الطوال ص 218 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 26 ص 575 عن الوثائق السياسية والإدارية العائدة للعصر الأموي لمحمد ماهر حمادة (ط مؤسسة الرسالة - بيروت) ص 96

وصفين ألف ألف درهم (1).

وأن يجعل ذلك من خراج دار ابجرد (2).

لماذا خصوص دارا بجرد؟!

تقدم أن الإمام الحسن «علیه السلام» قد اشترط أن يكون خراج دارابجرد له عليه.. واشترط أيضاً أن تكون الأموال التي توزع على أيتام الجمل وصفين من أموال دارا بجرد أيضاً .. وهذا يدل على أن هذا الصلح لا يغير من نظرة الحسنين «علیهما السلام» إلى معاوية، وأنه غاضب وظالم، وليس إماماً ولا خليفة للرسول، لأن دار ابجرد قد فتحت صلحا (3)ولم تفتح عنوة، وكل ما فتح صلحا - كفدك مثلاً - فهو للإمام. ولا نصيب فيه لأحد من المسلمين.

أما ما يفتح عنوة، فهو يقسم بين المقاتلين الفاتحين.

فأراد الإمام الحسن أن يرجع الحق إلى أهله، وأن يكون ما يبذل


1) علل الشرائع ج 1 ص 212 وبحار الأنوار ج 44 ص 2 و 3 وشرح إحقاق الحق الملحقات) ج 26 ص 575 عن الوثائق السياسية والإدارية العائدة للعصر الأموي لمحمد ماهر حمادة (ط مؤسسة الرسالة - بيروت) ص 96

2) علل الشرائع ج 1 ص 212 وبحار الأنوار ج 44 ص 2 و 3 وأعيان الشيعة ج 1 ص 570 و صلح الحسن «علیه السلام» للشيخ راضي آل ياسين ص 260 ودار أبجرد: كلمة فارسية أصلها: داراب كرد

3) فتوح البلدان ص380

للأيتام من أموال أهل البيت «علیهم السلام» لا من أموال المسلمين المقاتلين..

لماذا لم يذكر أيتام أهل النهروان؟!

وملاحظة أخرى نسجلها هنا، وهي: أنه «علیه السلام» أراد أن يقسم خراج دارا بجرد بين أيتام حربي الجمل وصفين، ولم يذكر النهروان.. لكي يؤكد على مظلومية أمير المؤمنين «علیه السلام»، والبغي عليه، في الحربين اللتين شنهما طلحة والزبير وعائشة عليه في حرب الجمل، ثم معاوية في حرب صفين.. ولم يكن «علیه السلام» بصدد البحث عن اليتامى - كل اليتامى - .

العطاءات والصلات ليست ثمن موقف:

وقد أفهمتنا النصوص المتقدمة وغيرها: أن عطاءات معاوية للحسنين «علیهما السلام» لم تكن أثماناً لمواقف تصب في صالح معاوية، ليقال: إنها تصير بذلك موضع شبهة شرعية، بل كانت مصحوبة بما يزيل عنها الشبهات، لأنها كانت مصحوبة بالإزراء على معاوية، وتقبيح أعماله، والطعن بصحة ما يدعيه لنفسه.

فقد صرحت الروايات المتقدمة: بأن الحسنين «علیهما السلام» كانا يقبلان جوائز معاوية، ويقعان فيه.

بل إن عبارة الجصاص قد صرحت ببراءتهما من معاوية أيضاً، وعدم توليه، مما يعني أنهما يصرحان بعدم شرعية المقام الذي يدعيه

لنفسه، وبطلان ما يدعيه من الإمامة والخلافة والزعامة.

نتيجة ما تقدم

وقد ظهر مما تقدم:

أولاً: أن الإستيلاء على أمر الأمة بالقوة، وإقصاء الخليفة الشرعي، وهو الإمام الحسن، ثم الحسين «علیهما السلام» لا يصحح تصرفات معاوية في أموال بيت المال. بل تكون تصرفاته باطلة، وإذا حصلت هذه الأموال بيد الإمام الشرعي، فلا تكون من قبيل جوائز الظالمين ليقال، هل يجوز أخذها أو لا يجوز، بل هي من باب رجوع الحق إلى صاحبه، واسترداد المغصوب من غاصبه.

فيتصرف الإمام الحسن والحسين «علیهما السلام» بذلك المال بعنوان كون كل منهما الإمام الشرعي الذي نص الرسول على إمامته من قبل اللّه تعالى وثبتت إمامته بالوصية والبيعة، والنص.

ثانياً: إن ما كان يصل إلى الحسن والحسين «عليهما السلام» من معاوية كان جزءاً ضئيلاً مما قررته شروط ما سمّي بـ «الصلح» التي أعلن معاوية نقضها بمجرد حصوله على ما يريد.

ثالثاً: قد أشار النص الذي ذكره خالد محمد خالد، إلى أن ما كان يؤخذ - أحياناً - من معاوية كان باعتراف معاوية يقسم على أيتام الجمل وصفين، وكان الإمام الحسين «علیه السلام» هو الذي يتولى توزيعه عليهم. وقد عرفنا: أن هذا هو أحد شروط الصلح بين الإمام الحسن «علیه السلام» ومعاوية.

رابعاً: إن ما كان يصل إلى بعض بني هاشم، ومنهم عبد اللّه بن جعفر بعنوان عطايا أو صلات، هو الآخر أحد شروط الصلح أيضاً،

وليس هو من كرم نفس معاوية، ولا هو من تفضلاته، وليس من ماله الخاص.

خامساً: لا يصح تسمية الأموال التي كان معاوية يرسلها إلى الحسنين «علیهما السلام» بـ «هدايا»، فإنها أموال كان معاوية ملزماً بإعطائها لأصحابها الشرعيين، وكان إعلانه عدم الوفاء بها كشروط بينه وبين الإمام الحسن بمثابة نكث للاتفاق، ونقض للعهد الذي يترتب عليه عدم مشروعية ما يدعيه لنفسه من سلطة ومقام من الأساس.

الإمام يرد صلة معاوية:

وفي مقابل ذلك نجدهم يقولون: أن معاوية لما قدم مكة، وصل الإمام الحسين «علیه السلام» بمال كثير، وثياب وافرة، وكسوات وافية، فردّ الجميع عليه، ولم يقبله منه (1).

ويبدو لنا: أن السبب في ردّها: هو عدم وضوح أمرها من جهة كونها حلالاً أو حراماً، أو لأنه أراد أن يتخذها ذريعة لإحراج الإمام في البيعة ليزيد.


1) مطالب السؤل ص 73 والفصول المهمة ص 175 وكشف الغمة ج 2 ص 234

لم يكن معاوية صادقاً:

وقد ادعى معاوية - كما تقدم-: أن الإمام الحسن «علیه السلام» حينما تصل إليه الأموال، التي سماها هدايا، ربما يدع لزوجاته بعض الطيب منها، وينفق الباقي..

وهو كلام غير صحيح، فبعض النصوص تقول: كان الحسن والحسين «علیهما السلام» يأخذان من معاوية الأموال، فلا ينفقان من ذلك على أنفسهما، ولا على عيالهما ما تحمله الذبابة بفيها (1).

خذاها، وأنا بن هند:

1- يلاحظ: أن الحديث الأول المتقدم في كلام ابن كثير قد جعل الإمام الحسين «علیه السلام» هو المحور للكلام، مع أن الإمام الحسن «علیه السلام» هو الأسنّ، وهو الإمام الذي يسكت الحسين «علیه السلام» بحضوره إعظاماً له.. فهل السبب في جعل الحسين هو المحور للكلام للإيحاء بأن جرأته هذه هي التي انتهت به لمواجهة يزيد، ويقابلها هدوء الإمام الحسن الذي أنتج المعاهدة بينه وبين معاوية؟! .

2- هل قول معاوية للحسنين «علیهما السلام»: مرحبا وأهلا يعدّ إكراماً زائداً ؟! فقد ادّعت الرواية أن معاوية أكرم الحسنين إكراماً زائداً، مع أن المذكور في الرواية لم يزد على عبارة «مرحباً وأهلا».


1) بحار الأنوار ج 44 ص 13 وعلل الشرايع ص218

3- هل إعطاء ماءتي ألف في يوم واحد لرجلين هما بقية النبوة وسيدا شباب أهل الجنة يعد عطاءً جزيلاً ؟! مع أن معاوية نفسه يعطي فساق الأمة، وعتاتها، أضعاف أضعاف هذه المبالغ، بل لقد أعطى هذه الأضعاف لرجل واحد، مقابل وضع حديث مكذوب على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وهو: ادعاء أن قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلَهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهدُ اللّه عَلى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلدُ الخِصَامِ). قد نزل في علي وأن آية (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّه وَاللّه رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ). قد نزلت في ابن ملجم، فأعطى سمرة بن جندب لقاء هذه الكذبة أربع مئة ألف درهم (1).

4- ما معنى أن يقول معاوية للحسنين «علیهما السلام» عن الماءتي ألف: «خذاها، وأنا ابن هند»؟! هل يعطيهما من مال حصله بعرق جبينه؟! أو هو مال مغتصب من المسلمين أو من بيت المال؟! هل يعطيهما من مال أبيه، أو من مال أمه، ومتى كانت هند تنفق الأموال، وتعطي الهبات، وهي الطماعة آكلة كبد سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب «علیه السلام»؟ وكيف يصح منه التباهي بأم هذا بعض تاريخها ؟! أمام من طهرهم اللّه في كتابه العزيز؟!

5- قلنا: إن هذه الأموال كانت حقا للحسنين «علیهما السلام» بمقتضى إمامتهما، ويمقتضى الشرط الذي في الوثيقة بين الإمام


1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 4 ص 73

الحسن «علیه السلام» ومعاوية، فلا مجال للامتنان عليهما بشيء..

6- قال العلامة الجليل الشيخ باقر شريف القرشي إن رواية افتخار معاوية على الحسنين «علیهما السلام»، وجواب الحسين له، مكذوبة من أساسها، لأن الحسين لم يفد على معاوية بالشام بل الذي وفد عليه هو الإمام الحسن (1).

ولكننا ذكرنا نصوصاً عديدة تقول: إن الحسين قد وفد على معاوية بالشام، فالنفي أصبح يحتاج إلى دليل.

رواية عن الإمام الكاظم «علیه السلام»:

وروي عن الإمام الكاظم «علیه السلام»: إن الحسنين «عليهما السلام»كانا لا يقبلان جوائز معاوية (2).

ويبدو: أن المراد من الجوائز هو ما كان مشتبها بالمغصوب، أو ثمناً لموقف كالبيعة ليزيد.

لعن اللّه أخملنا ذكراً:

أنبأ السيد العالم الصفي أبو تراب المرتضى بن الداعي بن القاسم الحسني رحمه اللّه، ثنا المفيد عبد الرحمن بن أحمد النيسابوري إملاء من لفظه، أنبأ السيد أبو المعالي إسماعيل بن الحسن بن محمد الحسني


1) موسوعة سيرة أهل البيت «علیهم السلام» للقرشي ج 13 ص 234

2) حياة الإمام موسى بن جعفر للقرشي ج 2 ص 334

النقيب بنيسابور قراءة عليه وأبو بكر محمد بن عبد العزيز الحيري الكرامي قالا: أخبرنا الحاكم أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه الحافظ إجازة، ثنا أبو بكر أحمد بن كامل بن خلف القاضي، ثنا علي بن عبد الصمد لفظاً، ثنا يحيى بن معين، ثنا أبو حفص الأبار، ثنا إسماعيل بن عبد الرحمن، وشريك عن إسماعيل بن أبي خلد، عن حبيب بن أبي ثابت قال:

لما بويع معاوية خطب، وذكر عليا عليه الصلاة والسلام»، فنال منه ونال من الحسن.

فقام الحسين ليرد عليه، فأخذ الحسن بيده وأجلسه.

ثم قام الحسن «علیه السلام» وقال:

أيها الذاكر عليا أنا الحسن وأبي علي، وأنت معاوية وأبوك صخر، وأمي فاطمة وأمك هند، وجدي رسول اللّه وجدك حرب، وجدتي خديجة وجدتك فتيكة.

فلعن اللّه أخملنا ذكراً، وألأمنا حسباً، وشرنا قدماً، وأقدمنا كفرا ونفاقاً.

فقال أهل المسجد: آمين.

وقال: فقال ابن معين: وأنا أقول: آمين.

قال ابن عبد الصمد: وأنا أقول: آمين.

وقال لنا القاضي: وأنا أقول: آمين، فقولوا آمين.

وقال محمد بن عبد الحافظ: وأنا أقول: آمين .

قال السيد والحيري: ونحن نقول: آمین آمین آمین .

وقال الشيخ المفيد عبد الرحمن: وأنا أقول: آمين آمين، فإن الملائكة تقول: آمين.

قال السيد الصفى: وأنا أقول: آمين اللّهم آمين.

قال ابن بابويه: وأنا أقول: آمين، ثم آمین، ثم آمین، ثم آمين (1).

ونقول بعد قولنا آمین:

1- إن أول ما يطالعنا في هذا النص هو وقاحة وجرأة معاوية، فإنه كان لتوه يسجل على نفسه في شروط الصلح مع الإمام الحسن «علیه السلام»: أن يترك سب علي «علیه السلام»، ولا يذكره إلا بخير .. فهذا نقض منه للشرط، قبل أن يجف الحبر الذي كتب به..

2- إن الإمام الحسين «علیه السلام» حين أراد أن يتصدى لمعاوية كان يريد أن يستفيد من حقه في الدفاع عن أبيه علي «علیه السلام»، وعن أخيه وإمامه الإمام الحسن «علیه السلام»، فإن الدفاع عن الأب الإمام، والأخ الإمام واجب ولا ينتظر إذن الإمام في ذلك، حتى لو كان حاضراً، فلو رأينا شخصاً يقصد الإمام بسكين، فيجب دفعه عنه، ولا حاجة إلى استئذانه. نعم.. لو صدر منه نهي ومنع


1) شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 26 ص 535 عن كتاب الأربعين عن الأربعين (المخطوط) ص 66

وجب أن يطاع وهذا ما حصل مع الإمام الحسين «علیه السلام» هنا..

3- لعل هذا المنع من الإمام الحسن «علیه السلام» كان لقطع الطريق على لجاجة معاوية، وجداله الإمام الحسين «علیه السلام» بالباطل. علماً بأن الشروط التي أعطاها للإمام الحسن «علیه السلام» لا بد أن تفرض نفسها، وتمنعه من المماحكة الوقحة والرديئة، أو أنها على الأقل سوف تحرجه وتخفف من غلوائه.

4- وقد شاء الإمام الحسن «علیه السلام» بالتصريح باسمه واسم أبيه، وبأسماء آخرين أن يعلن أن ثمة عدواناً تعرض له أمير المؤمنين علي «علیه السلام»، وأن هذا الكلام كان جواباً على هذا العدوان.

ولو أنه بدأ كلامه بخطاب معاوية من رأس لأمكن التلاعب بالكلام، والتستر على معاوية، وربما نقل كلام الإمام الحسن فقط، من دون الإشارة إلى كلام معاوية من الأساس. ويصبح الإمام الحسن هو الشاتم المتجرئ، ومعاوية هو الضحية.

5- إن الإمام الحسن «علیه السلام» قد اكتفى بذكر أسماء الأشخاص، والآباء والأمهات من دون أي توصيف، أو إشارة إلى مدح أو ذم..

6- إنه «علیه السلام» اختار صيغة تعتمد على واقع هؤلاء الأشخاص وعلى علم الناس بهذا الواقع، الذي اختار «علیه السلام»

أن يضعه ضمن عناوين عامة، ثم أفرغ اللعن على التوصيف الواقعي. ثم ألبس هذا الوصف الملعون لمن كان لابساً له- واقعاً - قبل أن يفرغ اللعن عليه.. فقال:

«فلعن اللّه أخملنا ذكراً، وألأمنا حسباً، وشرنا قدماً، وأقدمنا كفراً ونفاقاً».

7- وهذه الطريقة حرمت معاوية من ادعاء: أن الإمام الحسن «علیه السلام» قد شتمه، وحرمته من الاعتراض على المضامين والمعاني، وادعاء أن الإمام قد أطلقها عليه، وأنه كسر هيبة الخلافة، وسلبته القدرة على الرد والإنكار. مع العلم بأن سكوته اعتراف منه بالرغم عنه.

8 – واللافت: أن اللعن الذي أطلقه الإمام الحسن «علیه السلام» إنما ينطبق على معاوية، وقد رضي ابن معين، وسائر من عددتهم الرواية بهذا الانطباق، وأمَّنوا على لعن الإمام، أي إنه طلبوا من اللّه أن يستجيب هذا الدعاء، ويطرد معاوية من رحمته، مع أنهم يدعون عدالة جميع الصحابة، ويعدّون معاوية منهم.

ابن جعفر يحتج على معاوية:

روي في كتاب سليم بن قيس وغيره ما جرى بين عبد اللّه بن جعفر ومعاوية، مما له ارتباط بالحسن والحسين «علیهما السلام»، وذلك بحضورهما «علیهما السلام».

وحيث إنه حديث طويل، فقد رأينا أن نلخصه، ونذكر منه موضع

الحاجة، مع نصيحة نسديها للقارئ الكريم بمراجعة الحديث في مصدره، إن أراد التوسع في البحث، أو تبلورت لديه الرغبة بالوقوف

على التفاصيل..

وقد لخصنا ما نرمي إليه على النحو التالي:

أبان، عن سليم، قال حدثني عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب قال: كنت عند معاوية، ومعنا الحسن «علیه السلام» والحسين عليه السلام» [وعنده] عبد اللّه بن عباس [والفضل بن العباس].

فالتفت إليّ معاوية، فقال: يا عبداللّه بن جعفر ما أشدَّ تعظيمك للحسن والحسين؟! و [اللّه] ما هما بخير منك، ولا أبوهما خير من أبيك. ولولا أن فاطمة بنت رسول اللّه [أمهما] لقلت: ما أمك أسماء بنت عميس دونها.

[فغضبت من مقالته، وأخذني ما لم أملك معه نفسي]، فقلت: [اللّه] إنّك لقليل العلم بهما، وبأبيهما، وبأمهما، بل واللّه لهما خيرٌ مني، وأبوهما خير من أبي، وأمهما خير من أمي.

یا معاوية، إنك لغافل عمّا سمعته أنا من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يقول فيهما وفى أبيهما وأمّهما، قد حفظته، ووعيته، ورويته.

قال معاوية هاتِ ما سمعت – [وفي مجلسه الحسن والحسين، وعبد اللّه بن عبّاس والفضل بن عبّاس، وابن أبي لهب] - فو اللّه ما أنت بكداب ولا متهم .

فقلت: إنّه أعظم ممّا في نفسك.

قال: وإن كان أعظم من أحد وحراء جميعاً، فلست أبالي إذا لم يكن في المجلس أحد من أهل الشام وإذ قتل اللّه صاحبك وفرّق جمعكم وصار الأمر في أهله، وفي معدنه! فحدّثنا، فإنا لا نبالي ما قلتم، ولا ما ادعيتم.

فذكر له ما ورد حول الآية التي ذكرت الشجرة الملعونة في القرآن، والحديث عن اثني عشر إماماً من أئمة الضلالة، وحديث بلوغ بني أبي العاص ثلاثين رجلا، وما يكون منهم، وحديث من كنت مولاه فعلي مولاه. وأن الحسن «علیه السلام» أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثمّ الحسين ثم ذكر بقية الأئمة، وأنهم أولى بالمؤمنين من أنفسهم أيضاً.

وذكر أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» أخبر أنه يستشهد بالسم، وعلي بالسيف، والحسن بالسّم،

«ويقتل ابني الحسين بالسيف، يقتله طاغي، ابن طاغي، دعي، ابن دعيّ،[منافق، ابن منافق]».

وتتوالى الإحتجاجات على معاوية، من قبل ابن جعفر تارة، وإبن عباس أخرى، ويسأل الحسنين عن صحتها، فيصدقانها.

وانتهى الأمر إلى أن أمر معاوية للحسن والحسين «عليهما

السلام» بألف ألف درهم، لكلّ واحد بخمسمائة ألف (1).

ونقول:

معاوية لا يخجل من قول الباطل

إن هذا الذي جرى بين معاوية وعبد اللّه بن جعفر له دلالاته التي لا تخفى ..

فأولاً: إن فضل علي «علیه السلام» على سائر الناس بعد رسول اللّه صلی اللّه علیه وآله»، لم يكن ليخفى على أحد، وكذلك فضل فاطمة «عليها السلام» على سائر النساء، فلماذا يتجاهل معاوية هذه الحقيقة، بل ينكرها؟ وحسبك في الدلالة على أفضلية أمير المؤمنين «علیه السلام» آية المباهلة، التي جعلت عليا «علیه السلام» نفس رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، حيث قالت: (وَأَنْفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ) (2).


1) كتاب سليم بن قيس ص 834- 848 وإثبات الهداة، ج 1 ص 661 والبحار ج 33 ص 265- 271 وأشير إليه في الكافي ج 1 ص 529 والغيبة للنعماني ص 140 و 141 والغيبة للطوسي ص 91 و 92 والصراط ص140 و41 المستقيم للبياضي ج 2 ص 120 والصافي ج 4 ص 166 وإثبات الهداة ج 1 ص 456 و 457 ونور الثقلين ج 4 ص 239 و 324 والإستبصار، وكنز الفوائد للكراجكي

2) الآية 61 من سورة آل عمران

بالإضافة إلى حديث: «لولا علي لم يكن لفاطمة كفؤ، آدم فمن دونه».

فإن هذا الحديث يدل على أفضلية علي «علیه السلام» حتى على الأنبياء والأوصياء ما عدا نبينا «صلی اللّه علیه وآله». ويدل أيضاً على أفضلية فاطمة على نساء العالمين من الأولين والآخرين..

ثانياً: ما معنى أن يسيء معاوية إلى جلسائه وهم خير أهل الأرض بمحاولة الحط من مقام الحسن والحسين «علیهما السلام»، وإنكار فضلهما، ومساواتهما بمن لا يدانيهما، فضلاً عن ادعاء أفئلية غيرهم عليهم كابن جعفر أو غيره..

والغريب في الأمر: أن يلجأ معاوية إلى القسم باللّه: أن ابن جعفر يساوي الحسنين في الفضل، مع أن ابن جعفر نفسه ينكر ذلك.

ثالثاً: لماذا يريد معاوية أن يوجد منافسين غير مؤهلين للمنافسة لأناس لا يقاس بهم أحد، فعن الإمام الصادق «علیه السلام»: نحن أهل بيت لا يقاس بنا أحد (1). وروي ذلك أيضا عن أمير المؤمنين «علیه السلام» (2).وروي عن النبي «صلی اللّه علیه وآله» كذلك (3).


1) معاني الأخبار ص 179 والإختصاص للشيخ المفيد ص13 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 435 والدرجات الرفيعة ص237

2) شرح الأخبار ج 2 ص 202 وراجع: بحار الأنوار ج 35 ص347 وكتاب الأربعين للماحوزي ص 351 وكشف الغمة ج 1 ص 31 وكشف اليقين ص 191 وراجع: تاريخ مدينة دمشق ج 30 ص 211 و 361

3) بحار الأنوار ج 65 ص 45 وأرجح المطالب ص 330 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 12 ص 104 وسبل الهدى والرشاد ج 11 ص7 وينابيع المودة ج 2 ص 68 و 83 و 114 و 117 والفردوس ج 4 ص 283 وفرائد ص283 السمطين ج 1 ص 45 . وشرح إحقاق الحق الملحقات) ج 9 ص 304 و 378 و 379 وج 18 ص 443 و ج 22 ص 523 و 524 وج 24 ص 581 وج 33 ص 143 عن ذخائر العقبى ص 17 وعن منتخب كنز العمال (بهامش مسند أحمد) ج 5 ص 94 و عن كنوز الحقائق للمناوي ص 165 وعن مفتاح النجا للبدخشي

رابعاً: إن معاوية يريد أن يصغر شأن الحسنين «علیهما السلام»، لأنه يخشاهما على مستقبل ولده يزيد في الحكم، لأن تهوين أمرهما، وتصغير شأنهما يسهل عليه البطش بهما - إن احتاج إلى ذلك فى حياته، ويسهل على ولده يزيد بعد وفاته قتلهما، باعتبار إنه يكون قد قتل أو بطش، ونكل بشخصين عاديين، لا ميزة لهما على غيرهما.

خامساً: ما أروع موقف عبد اللّه بن جعفر، الذي أدرك ما يرمي إليه معاوية، فتصدى له.. ولعل معاوية يتوقع أن موقف ابن جعفر سيكون على عكس ذلك، وكان يحسب أن الزهو سوف يأخذه، وينفش ریشه كالطاووس، وسوف يحاول أن يتلمس في نفسه العناصر التي ترفع من مقامه ليصل إلى مستوى الحسن والحسين «علیهما السلام».

ولكن الأمر جاء على خلاف ما توقعه معاوية، فقد انبرى له عبد اللّه بن جعفر ليفتد كلامه، مؤكداً ما يقول بالقسم، ويقرر أن الحسنين

«عليهما السلام» خير منه، كما أن أباهما خير من أبيه، وأمهما خير من أمه .

وقد اكتفى بوصف معاوية بقلة المعرفة بمقام الحسنين وأبيهما وأمهما «علیهم السلام». وكأنه لم يرد أن يصفه بالجهل، أو بسوء النية حتى لا يعطيه ذريعة لإنكار ذلك وربما جعل من ذلك مبرراً لأي تصرف مسيء يريد معاوية أن ينفس كربته من خلاله..

وموقف ابن جعفر هذا يدل على إنصافه، واستقامته، وحصافة رأيه، وعلى أنه قوال بالحق، ملتزم بالصدق.

سادساً: قد أقسم معاوية، وهو عدو لعبد اللّه بن جعفر، ولم يكن سعيداً بموقفه هذا الذي أطاح بجهوده- اقسم باللّه- أنه ليس بكذاب ولا متهم. والفضل ما شهدت به الأعداء.

معاوية لا يهتم لما سيقوله ابن جعفر:

وقد رأينا ان عبد اللّه بن جعفر قد مهد لما يريد أن يقوله لمعاوية، بما سد عليه الطريق لتكذيبه، واتهامه بما هو بريء منه. كما أنه قد هيأه لسماع تلك الأمور التي لا يطيق سماعها، لأنها تثير مشاعره، وتخرجه عن طوره، وتمنعه من أي تصرف إجرامي يخطط له.

والسبب في أهميتها وخطورتها وحساسيتها أنها ترفع مقام الحسنين «علیهما السلام» إلى الذروة، وتكرس لهما معنى القداسة بكل ما له من وهج، وتأثير، وهيمنة على القلوب تفوق الوصف.

ولكن معاوية لا يهتم لما سيقوله عبد اللّه جعفر، لأنه كان يشعر

بالأمن والسلامة، لأسباب صرح هو بها، وهي:

الأول: أنه لم يكن في ذلك المجلس أحد من أهل الشام، الذين يريد لهم أن يبقوا على ما هم عليه من التغفيل والسذاجة، التي كان يغذيها جهلهم، أو تجهيلهم بالحقائق، وحجب نور المعرفة عنهم، وإبعادهم عن مصادرها الصحيحة، والمأمونة.

الثاني: إن الذي كان يخشاه كل الخشية وهو أمير المؤمنين «علیه السلام» قد استشهد..

الثالث: إنه بعد أن لم يف العراقيون ببيعتهم، وتفرقوا عن الإمام الحسن «علیه السلام»، والتحق الآلاف منهم بمعاوية، لقاء مبالغ زهيدة، وباعوا دينهم بدنياهم..

وبعد أن استقام الملك لمعاوية، وأصبحت الأموال والرجال في يده، والبلاد والعباد تحت سلطته، ولا يوجد في مقابله من يجمع الناس لحربه، ومناوأته، فإنه لأجل هذه الأسباب. لا يهتم كثيراً لما سوف يقوله عبد اللّه بن جعفر، لأنه سوف يبقى مجرد أقوال، تدور في نطاق خاص، محصور، ومحاصر.

ولو أريد نشر وقائع تلك الجلسة ونظائرها بين الناس، فإن معاوية قادر على المنع من تداول تلك الوقائع، وتكذيب من يلهج بها، وقمع من يشيعها، ويروج لها.

تناقض كلام معاوية:

وقد قال معاوية لعبد اللّه بن جعفر: ما أنت بكذاب ولا متهم، وقد

أكد قوله هذا بالقسم باللّه .. ثم عاد فنقض قوله هذا، فقال: «فإننا لا نبالي ما قلتم وما ادعيتم».

فإن قوله: «ما ادعيتم» يدل على أنه يتهم عبد اللّه بن جعفر في بعض ما سيقوله. فهل نسي قوله في أول كلامه إنه ليس بكذاب ولا متهم؟! فسوَّغ لنفسه أن ينقضه في آخر كلامه، أو أنه ندم على تصريحه الأول، فأراد الإستدراك عليه، لأنه عرف أن ابن جعفر قد يذكر أموراً خطيرة، تضر بخططه المستقبلية.

أقسى ما سمعه معاوية:

وقد أفاض عبد اللّه بن جعفر في ذكر ما يدل على فضل ومقام وقداسة الحسنين وأهل البيت «علیهم السلام» . ونحسب أن أشد وأقسى ما سمعه معاوية من ذلك هو الحديث الذي يقول عن الحسنين «علیهما السلام»: إنهما أولى بالمؤمنين من أنفسهم. وهذه هي المرتبة التي صرح القرآن بأنها لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» حيث قال: (النَّبيُّ أولى بالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ) (1).

وقد ظهر أن نفس هذه المرتبة ثابتة أيضاً للأئمة «علیهم السلام».

وهذا ما ينغص على معاوية عيشه، لأنه يشير إلى أن ولده يزيد لن يكون في منأى عن نكير الحسين «علیه السلام» حين يصدر منه ما يضر بحال الإسلام، وأهل الإيمان.


1) الآية 6 من سورة الأحزاب

الأموال التي أعطاها للحسنين:

وقد يحسب بعض الناس: أن بذل معاوية للأموال الطائلة للحسنين عليهما» السلام»، حيث أعطى كل واحد منهما خمس مئة ألف درهم، دليل على حلمه وسخائه حتى على مناوئيه، أو منافسيه..

بل قد يتوهم البعض: أنه أعطاهما هذا المال ليشتري سكوتهما به، وهذا كلام غير دقيق.

فأولاً: إن معاوية لم يعط الحسن والحسين «علیهما السلام» أموالا يملكها، أو تَعِبَ في تحصيلها، أو ورثها عن ذي قرابة، بل أعطاهما من بيت مال المسلمين الذي استولى عليه بالقوة والقهر. بعد أن أقصى الحسنين «علیهما السلام» عن موقعهما الطبيعي الذي أهَّلهما اللّه تعالى له.

وقد صرح رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بأنهما الإمامان المعصومان، وقرّر أن إقصاءهما العملي عن مقامهما لا يعني انعزالهما. وبطلان ثبوت هذا المقام لهما، ولذا قال «صلی اللّه علیه وآله»: «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا».

هذا عدا ما ورد، من أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» قد أوصى لهما بعد أبيهما، كما أن عليا «علیه السلام» قد أوصى بالإمامة للحسن، ثم للحسين «علیهما السلام»، ثم أوصى بها الحسن «علیه السلام» لأخيه..

وقد قال الشاعر مخاطباً أهل البيت «علیهم السلام»

يمن عليكم بأموالكم*** وتعطون من مئة واحداً

ثانياً: إن الحديث عن شراء سكوت الإمامين الحسنين «عليهما السلام» بالأموال فيه إهانة لهما، واتهام تأباه آية التطهير وسواها مما دل على عصمتهما.

ثالثاً: ذكرنا فيما سبق أن الإمام الحسن «علیه السلام» كان قد اشترط على معاوية أن يكون له خراج دارا بجرد، بالإضافة إلى أموال أخرى يوصلها إليه كل سنة. لكي يصرفها «علیه السلام» في مواضعها المقررة.

رابعاً ذكرنا حين الكلام حول موقف الإمام الحسين «علیه السلام» من صلح الإمام الحسن: أن الإمام الحسن «علیه السلام» لم يكن يصرف على نفسه وعياله من أموال معاوية ولو بمقدار ما تحمله الذبابة بفيها (1).


1) بحار الأنوار ج 44 ص 13 و علل الشرايع ص 218

الفصل السادس: روايات لا تستقيم..

اشارة

الصلاة على أم كلثوم:

قال العلامة «رحمه اللّه»:

[روى] الجمهور عن عمار بن أبي عمار قال: شهدت جنازة أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب «علیه السلام» وابنها زيد بن عمر، فوضع الغلام بين يدي الإمام، والمرأة خلفه. وفي الجماعة الحسن والحسين «علیهما السلام»، وابن عباس، وابن عمر، وثمانون نفساً

من الصحابة، فقلت: ما هذا؟!

فقالوا: هذه السنة (1).

وسمى في موضع آخر: زيد بن ثابت وأبا هريرة أيضا (2).

وعن عمار بن ياسر، قال: أخرجت جنازة أم كلثوم بنت علي «علیه السلام» وابنها زيد بن عمر، وفي الجنازة الحسن و الحسين «علیهما السلام»، وعبد اللّه بن عمر، وعبد اللّه بن عباس، وأبو


1) منتهى المطلب ج 7 ص 356 و 357 وراجع المغني لعبد اللّه بن قدامة ج 2 ص 267 والشرح الكبير لعبد الرحمان بن قدامة ج 2 ص 310 عن أحمد

2) المغني لعبد اللّه بن قدامة ج 2 ص 367

هريرة، فوضعوا جنازة الغلام ممّا يلي الإمام، و المرأة وراءه. وقالوا: هذا هو السنة (1).

ونقول:

لا نريد أن نتوسع في البحث إثباتاً أو نفيا حول زواج أم كلثوم بعمر بن الخطاب، فلنا في ذلك كتاب مستقل باسم: «ظلامة أم كلثوم»، فيمكن الرجوع إليه. وسوف نكتفي هنا بذكر بضعة نقاط، نحسب أنها تكفي لبيان ما نرمي إليه، و وهي التالية:

التناقضات تثير التساؤلات:

ذكرنا في كتابنا «ظلامة أم كلثوم» طائفة من تناقضات الروايات، الأمر الذي يثير شكوكا كبيرة وكثيرة في زواج أم كلثوم من عمر بن الخطاب.

وفي أنها هل ولدت له أم لم تلد ؟!


1) العلل ومعرفة الرجال ج 1 ص 140 وسير أعلام النبلاء ج 3 ص 502 وتاريخ الإسلام للذهبي ج 4 ص 138 والشرح الكبير لعبد الرحمان بن قدامة ج 2 ص 310 وتاريخ مدينة دمشق ج 19 ص 490 والإصابة ج 4 ص 492 . وراجع: ذخائر العقبى ص 171 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 264 و 465 والسنن الكبرىى للنسائي ج4 ص 71 والذرية الطاهرة 164 و و 118 و تهذيب تاريخ دمشق ج6 ص30 والمصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 8 و 197 والخلاف ج 1 ص 169 ج3 ص8 ووسائل الشيعة ج 13 ص 128 عنه

وفي عدد من ولدتهم له، وفي أسمائهم؟!

وفي أن زيد بن عمر مات صغيراً أم صار رجلاً؟!

وهل قتل عمر قبل دخوله بأم كلثوم أم بعده؟!

وهل مات عمر قبل بلوغ أم كلثوم أم بعده؟!

وهل كان لزيد أولاد، أو أنه قتل ولا عقب له؟!

وهل مات هو وأمه في يوم واحد ؟ أم أن أمه بقيت بعده؟! وهل صلى سعيد بن العاص على أم كلثوم أم صلى عليها أبو هريرة ؟!

ب: وهناك تناقضات حول مهر أم كلثوم من عمر، هل هو عشرة آلاف؟ أم أربعون ألف دينار ؟ أو أربعون ألف درهم؟ أو أربعة آلاف درهم؟ أو خمس مئة درهم؟!

ج: وهل زوجه علي إياها مختاراً، أو مكرها تحت طائلة التهديد ؟!

د: هذا بالإضافة إلى الخلاف في من تزوجتهم بعد موت عمر؟! وفي المتقدم والمتأخر منهم ؟! وكان آخرهم عبد اللّه بن جعفر..

وهل ماتت عند عبد اللّه بن جعفر، أو أنه مات عندها ؟!

وهل ولدت لبعض هؤلاء الأزواج - وهو محمد بن جعفر - بنتا اسمها «بثنة»؟! أو أنها لم تلد لأحد منهم؟!

إلى غير ذلك مما يظهر للمتتبع بالمقارنة بين النصوص (1).

متى توفيت أم كلثوم؟!:

لم نستطع تحديد سنة وفاة أم كلثوم، فهناك من قال: إنها توفيت قبل سنة 54 للّهجرة (2). وهناك أقوال أخرى حول هذا الموضوع.

غير أن هذا القول غير دقيق، لسببين:

أولهما: أن الرواية المتقدمة قد ذكرت شهود الحسن والحسين «علیهما السلام» جنازة أم كلثوم. وقد ذكروا: أن استشهاد الإمام الحسن «علیه السلام» كان في سنة 49. وقيل: سنة خمسين، وقيل: سنة أحدى وخمسين، وهذا يدل على عدم صحة قولهم: إنها توفيت سنة 54.

الثاني: قولهم: إن زيد بن ثابت قد شهد جنازة أم كلثوم، يزيد الشك، لأن زيد بن ثابت قد مات سنة 45 للّهجرة - وهو القول الأكثر قوة - أو قبلها وقيل بعدها (3)..

وبعدما تقدم نقول:

إن ما ذكروه من أنها توفيت في هذا الوقت أو ذاك لا تؤيده


1) راجع: كتابنا ظلامة أم كلثوم ص 28 – 35

2) أعيان الشيعة ج 13 ص 12 وراجع مهذب الروضة الفيحاء ص198

3) الإصابة ج 1 ص 562 وأسد الغابة ج 2 ص 348 والإستيعاب بهامش الإصابة ج 1 ص 554

الشواهد والدلائل التي بين أيدينا، وذلك لما يلي:

إن أم كلثوم قد حضرت كربلاء، وتوفيت في الشام، أو في المدينة (1)، وذلك بعد رجوعها بأربعة أشهر.

وخطبة أم كلثوم في أهل الكوفة، وهي في حال السبي معروفة ومشهورة (2).

وهذا يدل على أن الحسن والحسين «علیهما السلام» لم يحضرا جنازتها، ليكون سعيد بن العاص، أو ابن عمر قد صلى عليها بحضورهما «علیهما السلام».

من الذي صلى على أم كلثوم؟!:

تقدم: أن هناك من يروي: أن سعيد بن العاص هو الذي صلى على أم كلثوم.. ولكن هناك رواية حكموا بصحتها تقول: إن الذي صلى عليها ابن عمر. وزعموا: أن الحسن بن علي «علیه السلام» هو الذي قدم ابن عمر (3)


1) راجع معالي السبطين ص 690 عن شرح نهج البلاغة لابن ميثم، ونزهة الأنام في محاسن الشام (ط مصر) ص 347 و 381

2) الملهوف ص 63 ومثير الأحزان لابن نما ص 66

3) الإصابة ج 4 ص 492 والإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 4 ص 492 وذخائر العقبی ج 2 ص 270 وفي هامشه عن الذرية الطاهرة ج 1 ص 118 والعلل ومعرفة الرجال ج 1 ص 140 والطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 464 و 465 والمصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 8

وقد قلنا آنفاً: إن ذلك غير دقيق إذا كانت قد ماتت بعد رجوعها من كربلاء.

ظن أن الحسين «علیه السلام» هو الحسن «علیه السلام»:

خرج الحسن «علیه السلام» إلى سفر فأضل طريقه ليلا، فمرّ براعي غنم، فنزل عنده، فألطفه، وبات عنده، فلما أصبح دله على الطريق، فقال له الحسن «علیه السلام»: إنّي ماض إلى ضيعتي، ثمّ أعود إلى المدينة، ووقت له وقتاً وقال له تأتيني به.

فلمّا جاء الوقت شغل الحسن «علیه السلام» بشيء من أموره عن قدوم المدينة، فجاء الراعي، وكان عبدا لرجل من أهل المدينة، فصار إلى الحسين «علیه السلام» وهو يظلّه الحسن «علیه السلام»، فقال: أنا العبد الذي بتّ عندي ليلة كذا، ووعدتني أن أصير إليك في هذا الوقت، وأراه علامات عرف الحسين «علیه السلام» أنّه الحسن.

فقال الحسين «علیه السلام» له: لِمَنْ أَنْتَ يا غُلامُ؟!

فقال: لفلان، فقال «علیه السلام»: كَمْ عَنَمُكَ؟!

قال: ثلاثمائة، فأرسل إلى الرجل فرغبه حتى باعه الغنم والعبد، فأعتقه، ووهب له الغنم مكافأة لما صنع مع أخيه، وقال «عليه السلام»: إنَّ الَّذي بات عِندَكَ أخي، وقدْ كافأتُكَ بِفِعْلِكَ مَعَهُ (1).


1) مقتل الحسين «علیه السلام» للخوارزمي ج 1 ص 153 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 445

ونقول:

في هذه الرواية مواضع ينبغي التوقف عندها.

كيف ضل الحسن «علیه السلام» طريقه؟!:

إذا كان الإمام الحسن «علیه السلام» في طريقه من المدينة إلى ضيعته، فمن غير المعقول أن يضل طريقه إليها، سواء أكان مسيره إليها في الليل أو في النهار.

إلا إذا كان «علیه السلام» مسافراً إلى بلد آخر لم يعتد السفر إليه، وقد أضل طريقه إليه، ثم لما دله ذلك الراعي على الطريق تغير عزمه، واكتفى بالمسير إلى ضيعته..

ولكن.. هل يضل الإمام الطريق؟! . إن ذلك لا يتصور في حق الأئمة.

الحسن «علیه السلام» لا يخلف موعده:

وصرحت الرواية: بأن الحسن «علیه السلام» شغل بشيء من أموره عن قدوم المدينة، فجاء الراعي في الموعد، ولم يأت الإمام الحسن «علیه السلام» في الموعد المقرر.

وهذا لا يمكن صدوره من الإمام الحسن «علیه السلام». فهو لا يخلف وعده، ولا يتهاون به ولا ينساه، ولا يشغله شيء عن الوفاء

به، فما معنى أن ينسب إليه هذا الأمر الذي هو منزه عنه؟!

نقول هذا حتى مع علمنا بأن الحسين «علیه السلام» قد كافاً ذلك الراعي، لأن هذه المكافأة لا تزيل من ذهن الراعي وعقله: أن الإمام الحسن «علیه السلام» قد تخلف عن الوفاء بالوعد، لأي سبب كان..

ولنفترض أن الراعي حين جاء إلى المدينة لم يصادف الإمام الحسين في الطريق، أو أنه صادفه وعرف أنه ليس هو الإمام الحسن «علیه السلام»، وأكمل طريقه إلى منزل الإمام الحسن «علیه السلام»، ولم يجده.. فماذا سيكون موقفه، وما هي مشاعره في هذه الحالة؟! هل سيكون مسروراً ؟! أم أنه سيتوهم أن الإمام الحسن «علیه السلام» لم يرد الوفاء بوعده. وأن جهده في قصد المدينة في الوقت المحدد قد ذهب سدى؟!

إننا لا نتعقل ذلك إلا إذا كان الإمام الحسن «علیه السلام» قد عهد إلى أخيه بأن يقوم مقامه في مكافأة ذلك الراعي، فظن الرواة أن الأمر كان في غير هذا السياق.

الراعي لم يميز الحسن من الحسين:

على أن ما ذكرته الرواية من أن الراعي لم يميز الحسين عن الحسن «علیهما السلام» لا يبدو أمراً طبيعياً، إلا إذا فرض أن ذلك الراعي كان على درجة كبيرة من السذاحة والتغفيل، لأننا لم نعهد أن الشبه بين الحسنين «علیهما السلام» كان كبيراً إلى حد يصعب التمييز بينهما، ويشتبه الناس فلا يميزون بين أحدهما والآخر...

مع أن المفروض أن الإمام الحسن «علیه السلام» قد بات عند ذلك الراعي ليلة كاملة، وسمع أحدهما صوت الآخر، ولما أصبح دله الراعي على الطريق. فمن المفروض أن يميز بينهما في الشكل وفي الصوت أيضاً..

أضف إلى ما تقدم: أن ذلك الراعي ليس غريباً عن المدينة وأهلها، لأنه عبد لرجل من أهل المدينة..

إلا إذا فرض أن سيده قد اشتراه، ولم يسكنه المدينة، بل أسكنه مع غنمه في البادية، ولم تسنح له الفرصة لرؤية الحسنين «علیهما السلام».. لكن ذلك لا يبرر عدم تمييز الراعي للحسن عن الحسين «علیهما السلام»، كما قلنا.

مكافأة الراعي:

ربما يستكثر الناس هذه المكافأة التي منحها الحسين «علیه السلام» لذلك الراعي، لمجرد استضافته أخاه ليلة واحدة، ثم دلالته على الطريق.

ولكن الحقيقة هي: أن الأمور ليست بهذه البساطة، فإن الإمام «علیه السلام» قد رأى في هذا الراعي معاني إنسانية ينبغي الحفاظ عليها، وترشيدها في محيط هني ورضي. يكون ذلك الراعي مالكاً لنفسه، قادراً على الاختيار واتخاذ القرار، ومن دون أن يكون لأحد سلطة عليه، تحدّ من قدرته على ذلك، وتمنعه من المضي فيما يختار.

وهذا إنما يكون بتحريره من العبودية، ثم بتوفير الإمكانات

والقدرات التي تغنيه عن سائر الناس. وهذا بالذات ما فعله الإمام الحسين «علیه السلام»، فقد اشتراه من سيده وأعتقه، واشترى له الغنم أيضاً، ليعتاش منها

الحسنان لا يتهاجران:

1- عن أبي الحسن المدائني أنه قال جرى بين الحسن بن علي وأخيه الحسين كلام حتى تهاجرا، فلما أتى على الحسن ثلاثة أيام تأثم من هجر أخيه، فأقبل إلى الحسين وهو جالس فأكبٌ على رأسه فقبله.

فلمّا جلس الحسن قال له الحسين: إنَّ الَّذي مَنَعَني مِنْ إِبْتِدائِكَ والقيام إليْكَ أَنَّكَ أَحَقُّ بالفضل متي، فكرهت أن أنازِعَكَ ما أَنْتَ أَحَقُّ بهِ (1).

2- عن الرضا «علیه السلام» قال اهتجر الحسن والحسين «عليهما السلام»، فجاء محمد ابن الحنفية إلى الحسين «عليه السلام»، فقال: يا أبا عبد اللّه، ألا تذهب إلى أبي محمد فإن له سناً.

فقال له الحسين «علیه السلام»: سمعت جدي رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يقول: ما متهاجران يبدأ أحدهما صاحبه بالسلام إلا كان البادئ السابق إلى الجنة، وقد كرهت أن أسبق أبا محمد إلى


1) تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 181 وترجمة الإمام الحسين «علیه السلام» من تاريخ ابن عساكر ص 152 و (ط مجمع إحياء الثقافة الإسلامية سنة 1414ه ق) ص 219 وبغية الطلب لابن العديم ج 6 ص 2591

الجنة.

قال: فمضى محمد إلى الحسن «علیه السلام» فأخبره، فقال: صدق أبو عبد اللّه، اذهب بنا إليه (1).

ونقول: إن هذه الروايات لا تصح لما يلي:

لماذا يهجر شخص أخاه:

ذكرت الرواية المتقدمة: أن الحسنين «علیهما السلام» قد تهاجرا، ولم يصطلحا حتى بادر الأكبر منهما - وهو الإمام الحسن - إلى المصالحة، أو حتى توسط محمد ابن الحنفية، وأعاد اللحمة بينهما..

غير أننا نقول: لا بد للتهاجر من سبب، وهو إما سوء خلق في كليهما، أو في أحدهما .. أو أن أحدهما تجنى على الآخر، أو اعتقد بأنه

تجنى عليه، فلم يحتمل ذلك، فاختار المفارقة والهجران. وكل ذلك لا يحتمل صدوره من أي منهما، بعد أن صرحت آية التطهير ببراءتهما من أي رجس أو خطأ، أو تعدّ على حدود الشريعة، والأخلاق..

وقد صرحت بعض الروايات بعصمتهما «علیهما السلام»، والمعصوم لا يذنب ولا يخطئ، ولا يكون سيء الأخلاق. بل يكون طاهراً مطهراً، رضيا زاكياً ..


1) مشكاة الأنوار للطبرسي ص 365 وراجع ربيع الأبرار للزمخشري ج3 ص 89

أنت أحق بالفضل مني

وذكرت الرواية المتقدمة: أن الحسين «علیه السلام» اعتذر عن المبادرة إلى مصالحة أخيه، وعن بقائه جالساً حين جاءه أخوه الأكبر: بأن أخاه أحق بالفضل منه، لأنه الأكبر سناً..

وهو عذر غير سديد:

أولاً: لأن التهاجر بين الأخوين المؤمنين حرام، فهل يصر على اصلة ارتكاب الحرام طمعاً في الحصول على أمر غاية ما يقال فيه: إنه راجح في نفسه، ولكنه حين يزاحمه الحرام لا بد أن يفقد رجحانه، ليصبح حراماً أيضاً.

ثانياً: إن عدم القيام إجلالاً للإمام الحسن «علیه السلام»، وهو قادم عليه تفريط منه بحق أخيه، إن لم نقل: إنه يستبطن توهينا للإمام الحسن «علیه السلام»، وكسراً لهيبته، فلا يصح مثل هذا التصرف، ولو لأجل أن يكسب الإمام الحسن «علیه السلام» محمدة، من جهة مسارعته لمصالحته.. بل يكون هذا نظير ما لو بادر شخص لضرب آخر، لكي يحلم الآخر عنه، ولا يقابله بالمثل، فيكتسب المضروب محمدة عن هذا الطريق!!

متى كان هذا التهاجر ؟!

يحتمل أن يكون هذا التهاجر المزعوم قد حصل في حياة أمير المؤمنين «علیه السلام»، ويحتمل أن يكون قد حصل بعد موته، ولا مجال لترجيح أي من الاحتمالين.

وتدخل ابن الحنفية للصلح بينهما لا يرجح الاحتمال الثاني، لأن من الممكن أن يحصل هذا التهاجر في زمن علي «علیه السلام»، وقد يصل خبره، وقد لا يصل خبره إلى مسامعه «علیه السلام»، وقد يكون المصلح بينهما ابنه محمد ابن الحنفية في حال حياته، كما أنه قد يكون هو المصلح بعد وفاته..

فإن كان هذا التهاجر قد حصل بعد استشهاد أمير المؤمنين «علیه السلام» فإن التهاجر يصبح أكثر إشكالاً، لأن الحسين «علیه السلام» يكون قد هجر إمامه، الذي تجب عليه طاعته، وبره، ونصرته. والتهاجر معناه التخلي والانفصال، وقطع العلائق.

وإن كان هذا التهاجر قد حصل قبل استشهاد أمير المؤمنين «علیه السلام» فما معنى ما روي عن الإمام الباقر «علیه السلام»: ما تكلم الحسين بين يدي الحسن إعظاماً له؟! (1).

فهل هجران الإنسان أخاه وإمامه ينسجم مع الإكرام والإعظام؟!

أي هذين هو الصحيح؟!

والروايتان المتقدمتان لا تتفقان على سبب إقدام الإمام الحسين «علیه السلام» على الامتناع عن السعي لمصالحة أخيه.

فإحداهما تقول: إن السبب هو أنه «علیه السلام» أحق منه.


1) مناقب آل أبي طالب (ط المکتبة الحیدریة) ج 3 ص169 وبحار الأنوار ج 43 ص 319 والعوالم ج 16 ص 100

بالفضل، وقد كره أن ينازعه ما هو أحق به.

والأخرى تقول: إن السبب هو أنه كره أن يسبقه إلى الجنة، استناداً إلى قول رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»..

فأي هذين هو الصحيح؟!

وددت أن لسانك لي، وقلبي لك:

روي أن الحسين «علیه السلام» قال يوماً لأخيه الحسن «عليهما السلام»: «يا حسن، وددت أن لسانك لي وقلبي لك» (1).

ونقول:

إننا لا نشك في أن هذا الكلام مكذوب على الإمام الحسين «عليه السلام».

أولاً: لأن الإمام الحسين لا يواجه أخاه بالأذى، لأنه «علیه السلام» بحكم آية التطهير، وأدلة أخرى معصوم من أي نقص منزه عن المعاصي، وأذى الأخ بمثل هذا الكلام معصية لا يرضاها اللّه تعالى.

ثانياً: إن هذا التصرف ينافي الأخلاق الحميدة، ولا يستسيغه أهل الشهامة والنبل لأنفسهم.

ثالثاً: إن الإمام الحسن لم يكن ضعيف القلب، ولا جبانا، رعديداً،


1) بحار الأنوار ج 44 ص 195 عن كشف الغمة ج 2 ص 206

وقد رأى الحسين «علیه السلام» بعضاً من جهاده في حروب الجمل، وصفين والنهروان، وفي سائر مواقع التحدي، ولم يذكر لنا التاريخ أي ضعف، أو خوف أو تردد انتابه «علیه السلام» في جهاد أهل الباطل.. كما أننا لم نجد ما يدل على وجود أي فرق بين جهاد الإمام الحسين وجهاد الإمام الحسن «علیهما السلام»، في أي من مواقع التحدي والجهاد.

رابعاً: أشرنا إلى أن الإمام الباقر «علیه السلام» يذكر: أنه ما تكلم الحسين «علیه السلام» بين يدي الحسن قط إعظاماً له.. فمن تكون هذه حاله مع أخيه، لا يخاطبه بهذا الأسلوب الفج والقاسي، والبعيد عن اللياقة.

بل إن أحداً من الناس لا يرضى من أخيه، ولا من غيره خطاباً مؤذياً للمشاعر كهذا.. ولا يسكت عن إجابة قائله بشدة وحدة. فما بال الإمام الحسن «علیه السلام» لا ينبس ببنت شفة، إما تبريراً وتقريراً، أو إنكاراً على القائل، وردّ قوله عليه؟!

الخلاف بين الحسين «علیه السلام» وابن الحنفية:

وقالوا:

1-حدث الصولي عن الصادق «علیه السلام» في خبر: أنه جرى بينه [الإمام الحسين «علیه السلام»] وبين محمد ابن الحنفية كلام، فكتب ابن الحنفية إلى الحسين: أما بعد يا أخي، فإن أبي وأباك عليّ، لا تفضلني فيه ولا أفضلك. وأمك فاطمة بنت رسول اللّه «صلى

اللّه علیه وآله»، ولو كان ملء الأرض ذهباً ملك أمي ما وفت بأمك.

فإذا قرأت كتابي هذا، فصر إلي حتى تترضاني، فإنك أحق بالفضل مني، والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.

ففعل الحسين ذلك، فلم يجر بعد ذلك بينهما شيء (1).

2- روى ابن عساكر عن المفضل بن محمد، قال: سمعت أبي يقول: وقع بين الحسين بن علي ومحمد ابن الحنفية كلام، جلس كل واحد منهما عن صاحبه.

فكتب إليه محمد ابن الحنفية: أبي وأبوك علي، وأمي امرأة من بني حنيفة، لا ينكر شرفها في قومها، ولكن أمك فاطمة بنت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وأنت أحق بالفضل مني، فصر إلي حتى ترضاني.

فلبس الحسين رداءه،ونعله، وصار إليه، فترضاه (2).

ونقول:

إن هذا غير مقبول أيضاً: وذلك لما يلي:

أولاً: لما تقدم من أن النص المروي عن الإمام الباقر «عليه


1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 66 و 67 وبحار الأنوار ج 44 ص 191 والعوالم ج 1 ص 66 وتظلم الزهراء للقزويني ص 17

2) تاريخ دمشق لابن عساكر ج 57 ص 257 و 258 و مختصر تاريخ دمشق لابن منظور ج 23 ص 96

السلام»، حيث يقول: «ولا تكلم محمد ابن الحنفية بين يدي الحسين «علیه السلام» إعظاماً له» (1)، فمن كان هذا أدبه وإعظامه لخامس أهل الكساء، لا يعقل أن يصدر منه كلام يدعو الإمام الحسين لقطع الصلة به.

ثانياً: إن محمد ابن الحنفية كان يعرف مقام أخويه الحسن والحسين «علیهما السلام»، وما نزل في حقهما من آيات، ومنها آية المباهلة، وآية التطهير، وسورة هل أتى، وغير ذلك.. ويعرف موقعهما ومكانتهما من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ومحبته لهما، ويعرف موقعهما من أمير المؤمنين «علیه السلام»، ويعرف فضلهما، وفضائلهما، وعلمهما وغير ذلك. فلا يمكن أن يساوي نفسه بهما في الفضل والكرامة.

وظاهر ما ينسب إليه أن يريد أن يساوي بينهما «علیهما السلام» وبين نفسه لمجرد أنهم جميعاً أبناء علي «علیه السلام»، وأن سبب تقدّمهما عليه هو أفضلية فاطمة «علیها السلام» على أمه «رحمها اللّه». ومن المعلوم: أن هذا لا يوجب المساواة في الفضل، فأولاد يعقوب كان من بينهم يوسف، ومن بينهم من تآمر على يوسف «عليه السلام» وآذاه.


1) مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 401 وبحار الأنوار ج 43 ص 319

خير المال ما وقي به العرض:

الأصمعي قال: بلغنا عن ابن عون، قال: كتب الحسن إلى الحسين «علیه السلام» يعيب عليه إعطاء الشعراء.

قال: فكتب إليه [الحسين]: إن خير المال ما وقى العرض (1).

ونقول:

قد يتوهم البعض أن الذي كتب إلى الإمام الحسين «علیه السلام» هو أخوه الإمام الحسن «علیه السلام».

وهو أمر لا يستقيم. فإن الظاهر: أن الكاتب هو الحسن بن أبي الحسن البصري.. ويشهد لما نقول:

أولاً: إن الإمام الحسن «علیه السلام» لم يكن بعيداً عن الإمام الحسين «علیه السلام»، بل كانا في بلد واحد، ويكادان لا يفترقان.. فلماذا يكتب إليه، ولا يخبره بما يجول في خاطره مشافهة.

ثانياً: إن جواب الإمام الحسين «علیه السلام» هو من بديهيات الأمور، التي لا تغيب عن بال الإمام الحسن «علیه السلام»، ولا عن بال الإمام الحسين «علیه السلام».

إلا إن كان المطلوب هو إعلان هذا الكلام على لسان الإمام الحسين ليسمعه الذين يحاولون النيل من الإمام الحسين باتهامه بتبذير الأموال، وإنفاقها في غير وجوهها الصحيحة.


1) ترجمة الإمام الحسين «علیه السلام» من سيرة ابن عساكر ص220

الفصل السابع: مروان بنظر الحسين «علیه السلام»..

اشارة

مروان يتحدى والحسين «علیه السلام» يرد:

1-علي بن حمدون معنعنا، عن أبي الجارية، والأصبغ بن نباتة الحنظلي قالا: لما كان مروان على المدينة خطب الناس فوقع في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «علیه السلام»، قال: فلما نزل عن المنبر أتى الحسين بن على بن أبي طالب «علیهما السلام» فقيل له: إن مروان قد وقع في علي.

قال: فما كان في المسجد الحسن؟

قالوا: بلى.

قال: فما قال له شيئا؟!

قالوا: لا.

قال: فقام الحسين مغضباً حتى دخل على مروان، فقال له: يا ابن الزرقاء، ويا ابن آكلة القمل، أنت الواقع في علي ؟!

قال له مروان: إنك صبي لا عقل لك.

قال: فقال له الحسين: ألا أخبرك بما فيك وفي أصحابك، وفي علي، فإن اللّه تعالى يقول: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ

سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) (1). فذلك لعلي وشيعته، (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ) (2)، فبشر بذلك النبي العربي لعلي بن أبي طالب «عليه الصلاة والسلام».. (وَتُنذِرَ بهِ قَوْمًا لَدًّا) فذلك لك ولأصحابك (3).

2-روی هشام بن محمد الكلبي، عن محمد بن إسحاق: أن مروان حين كان والياً على المدينة بعث رسولاً إلى الإمام الحسن «علیه السلام»، فقال له يقول لك مروان: «أبوك الذي فرق الجماعة، وقتل أمير المؤمنين عثمان، وأباد العلماء والزهاد - يعني الخوارج - وأنت تفخر بغيرك، فإذا قيل لك: من أبوك؟! تقول: خالي الفرس.

فجاء الرسول إلى الحسن، فقال له: يا أبا محمد! إني أتيتك برسالة ممن يخاف سطوته، ويحذر سيفه، فإن كرهت لم أبلغك إياها، ووقيتك بنفسي.

فقال الحسن «علیه السلام»: لا بل تؤديها ونستعين عليه باللّه فاداها.

فقال له: تقول لمروان: إن كنت صادقا فاللّه يجزيك بصدقك، وإن


1) الآية 96 من سورة مريم

2) الآية 97 من سورة مريم

3) موسوعة كلمات الإمام الحسين ص 259 وتفسير فرات ص 253، وراجع: بحار الأنوار ج 44 ص 210 و 211 والعوالم ج 17 ص89

كنت كاذباً، فاللّه أشد نقمة.

فخرج الرسول من عنده، فلقيه الحسين «علیه السلام»، فقال: من أين أقبلت؟

فقال: من عند أخيك الحسن.

فقال: وما كنت تصنع ؟!

قال: أتيت برسالة من عند مروان.

فقال: وما هي؟!

فامتنع الرسول من أدائها.

فقال: لتخبرني، أو لأقتلنك! (وفي نص ابن سعد، عن عمير بن إسحاق: لآمرن بك، فلتضر بن حتى لا تدري متى رفع عنك).

فقال: ارجع.

فرجع، فلما رآه الحسن قال: أرسله.

قال: إني لا أستطيع.

قال: لم.

قال: إني قد حلفت.

قال: قد لج فأخبره الخ..

وعند محمد بن إسحاق: لتخبرني أو لأقتلنك، فسمع الحسن، فخرج وقال لأخيه خل عن الرجل.

فقال: لا واللّه حتى أسمعها.

فأعادها الرسول عليه.

فقال: قل له: «يقول لك الحسين بن على، وابن فاطمة يا ابن الزرقاء، والداعية إلى نفسها بسوق ذي المجاز، صاحبة الراية بسوق عكاظ، ويا ابن طريد رسول اللّه،ولعينه إعرف من أنت، ومن أبوك، ومن أمك.

فجاء الرسول إلى مروان، فأعاد عليه ما قالا، وقال له: ارجع إلى الحسن وقل له: أشهد أنك ابن رسول اللّه، وقل للحسين: أشهد أنك ابن علي بن أبي طالب.

فجاء الرسول إليهما وأدى.

فقال الحسين «علیه السلام» له: قل له: كلاهما لي، ورغما» (1).

ونقول:

هنا أمور تحسن الإشارة إليها، نذكر منها ما يلي:

يا ابن الزرقاء:

إن أول ما يسأل عنه السائلون هنا، هو:

ألا يعد ما قاله الإمام الحسين «علیه السلام» لمروان عن أمه،


1) تذكرة الخواص ج 2 ص 45 و 46 والطبقات الكبرى لابن سعد ج ص33 رقم (227) من القسم الذي لم يطبع من الطبقات، وقاموس الرجال للتستري ج 10 ص 38 و .39

وما وصفها به أمراً مخالفاً لما يتوقع من الأئمة «علیهم السلام» من تحاشي الكلمات الجارحة، وكل ما يعد شتما، أو سبا، بل يعاملون مناوئيهم إما بالعفو، كما فعل الإمام الحسن، أو بمقارعة الحجة بالحجة. فما معنى أن تكون أول كلمة قالها الإمام الحسين لمروان هي: «يا ابن الزرقاء»، إلى آخر ما تقدم؟!

ونجيب:

لا ريب في أن الوصف بالأزرق هو من الصفات المذمومة عند العرب (1)، وهو مذموم في الشرع الشريف أيضاً (2).


1) راجع فيض القدير ج 4 ص 94 ومستدرك سفينة البحار ج 4 ص 288 والمبسوط للسرخسي ج 9 ص 126 وبحار الأنوار ج 1 ص 153 وج 13 ص 213 و ج 28 ص 237 و ج 35 ص 336 و ج 49 ص 252 وج 72 ص 178 وج 83 ص 224 وج 84 ص 275 ووفيات الأعيان ج7 ص38 وتفسير البيضاوي ج 4 ص 70 وتفسير أبي السعود ج 6 ص 41 وتفسير الآلوسي ج 16 ص 260 وقصص الأنبياء للجزائري ص306 ومجمع البحرين ج 2 ص 275 والميزان ج 14 ص 209

2) راجع المحاسن للبرقي ج 1 ص 113 وثواب الأعمال ص238 و (منشورات الشريف الرضي) ص 267 وجامع أحاديث الشيعة ج 8 ص 446 ومستدرك سفينة البحار ج 3 ص 69 وج6 ص 133 والفصول المهمة للحر العاملي ج 3 ص 260 والخصال للصدوق ج1 ص54 و 107و 138و (ط مركز النشر (الإسلامي) ص 224 وبحار الأنوار ج93 ص 151 وج 69 ص 210 و ج 72 ص 345 وج 76 ص 29 و 68 وج 101 ص 79 وج 5 ص 277

غير أن توصيف بعض الناس بما فيهم إذا كان لأجل ردعهم عن تناول أقدس المقدسات بالتجريح، والإهانات يصبح ضرورياً، وهو عبادة يحبها اللّه سبحانه..

وقد يكون هذا التوصيف بما هو حقيقة و واقع من أسباب تعريف الناس بأن مع هذه الأوصاف هي من الموانع التي يجب أخذها بنظر الاعتبار إذا كان هذا الشخص يتوثب للوصول إلى مقامات تتناقض هذه الأوصاف التي هي فيه، كما لو توثب الجاهل أو الفاسق، أو ابن الزنا لنيل مقام الفتوى أو القضاء، أو للوصول إلى مقام الخلافة والإمامة..

فإن تذكير الناس بواقع الحال لهذا الرجل يعد خدمة للدين، وحفظاً لكيان المسلمين.

تهدید مبعوث:مروان

وذكرت الرواية أن الإمام الحسين «علیه السلام» قد هدد مبعوث مروان بالقتل إن لم يخبره بمضمون رسالة مروان.

فقد يقال: إن من الطبيعي أن يهتم حامل أي رسالة بإبقاء مضمونها طي الكتمان عن كل أحد إلا عن المعني بها، وهو من أرسلت الرسالة إليه .. فلماذا يهدد الإمام الحسين الرسول بالقتل مع أن الإمام الحسين لا شأن له بالموضوع؟! ولاسيما إذا كان إفشاء الرسول

لمضمون الرسالة سيعرضه للخطر من قبل مروان، الذي كان على حد قول ذلك الرسول نفسه: «يخاف سطوته، ويحذر سيفه».

ونجيب:

بأن الرسالة إذا كانت من مروان، وهو والي المدينة، المعروف بعداوته لأهل البيت «علیهم السلام»، فإنها لن تكون رسالة ودٍ، ومحبة، بل هي رسالة حقد وكيد..

وهذا ما يدعو الإمام الحسين لمعرفة مضمون الرسالة، فإنه «علیه السلام» معني بالدفع والدفاع عن أخيه الإمام الحسن «علیه السلام»، وصد أعدائه، عن أي فعل يمكن أن يلحق به ضرراً.. فإن ما يلحق الضرر بالحسن «علیه السلام» هو بعينه يلحق الضرر بالحسين «علیه السلام».

فتهديد الرسول للبوح بمضمون الرسالة يصبح في محله في مثل هذه الحال.

لماذا لم يسأل الحسين أخاه؟!:

ولعلك تقول: لماذا تعلق الإمام الحسين «علیه السلام» بحامل الرسالة؟! ألم يكن بإمكانه أن يتركه، وشأنه، ثم يسأل أخاه عن مضمون رسالة مروان، فإنه سوف يخبره به ولن يكتم شيئاً عنه؟!

ويجاب:

بأن الإمام الحسن «علیه السلام» كان الإمام الفعلي بالنسبة للإمام

الحسين «علیه السلام»، فقد يرى: أن من واجبه أن يكتم هو - بالخصوص - هذا الأمر عن أخيه، وإن لم يكن يمانع أن يعرف «علیه السلام» هذا الأمر من غيره.

بل لعله كان يرى أن المصلحة في أن تجري الأمور على هذا النحو، ربما لأنه «علیه السلام» كان قد أجاب مروان جواب إمام يعامل رعيته بالرفق واللين، لكي يرى الناس الآخرون بأم أعينهم ما يضمره هؤلاء الحاقدون لأهل البيت، في حين أنهم «علیهم السلام» يقابلون رعونتهم وحقدهم، بالحلم والرفق كما قلنا.

ولو أنه كان هو الذي أخبر أخاه بما جرى، ثم جاء رد الحسين «علیه السلام» قاسياً وحاداً، فلعلهم يتهمونه بالإيحاء لأخيه بإظهار هذه الشدة.

والخلاصة: أن الإمام الحسن «علیه السلام» بما أنه الإمام والراعي للأمة كان يريد أن يتخذ صفة الرفيق حتى بأعدائه، وكان يريد من الإمام الحسين «علیه السلام» أن يتخذ صفة الناصر للمظلوم، الذي يؤثر كسر شوكة الطاغي، وتمريغ أنف الباغي بتراب المذلة والعار، لكي لا يعيد الكرة، ولا يفكر في ذلك بالمرة. وهذا أيضاً يرضي الإمام الحسين ويسعده، ويسهم في تحقيق أهدافه.

هل عاند الحسين أخاه؟!

ذكرت رواية ابن إسحاق أن الإمام الحسن «علیه السلام» أمر الحسين «علیه السلام» أن يخلي عن الرجل، فقال له الحسين «عليه

السلام»: لا واللّه، حتى اسمعها منه.

فيرد سؤال عن أنه: كيف يرفض الحسين «علیه السلام» امتثال أمر أخيه الأكبر، وهو إمامه الذي تجب طاعته؟! وكيف يقال عنه: ما تكلم الحسين بين يدي الحسن أعظاماً له، ولا تكلم محمد ابن الحنفية بين يدي الحسين إعظاماً له، كما روي عن الإمام الباقر «عليه

السلام»؟! (1).

ونجيب:

بأن هذه الملاحظات تجعلنا نستقرب ما قالته الرواية الأخرى، من أن الإمام الحسين «علیه السلام» أجاب أخاه بقوله: إني لا أستطيع.

قال: لِمَ؟

قال: إني قد حلفت.

أنت صبي لا عقل لك:

وإذا كان الإمام الحسين «علیه السلام» قد واجه مروان هذه المواجهة الحادة، فإن مروان سوف يدرك أن مواجهة الحسين «علیه السلام» وهو مغضب سوف تعرضه لخطر عظيم. ولم يكن ليجرؤ أن يصب الزيت على النار، لا سيما وأنه مقيّد بما يفرضه عليه معاوية


1) مناقب آل أبي طالب (ط المکتبة الحیدریة) ج 3 ص169 وبحار الأنوار ج 43 ص 319 والعوالم ج 16 ص 100

الذي لم يكن يرى من مصلحته الاصطدام مع الإمام الحسين «عليه السلام».

كما أن من المعلوم أن الإمام الحسين وأخاه هما اللذان شفعا في مروان في حرب الجمل، وقد رأى مروان في الجمل وصفين طرفا من شجاعة الحسنين «علیهما السلام»، وهما في موقع القيادة للجيش العلوي الذي حارب جيش عائشة وجيش معاوية.

فوصفه بالصبي - وهو ربما كان عمره يزيد على الأربعين -، ووصفه بأنه لا عقل له، لن يستسيغه أحد من الناس في حق الحسين «علیه السلام».

مروان: الخوارج زهاد وعلماء:

وقد وصف مروان الخوارج: بأنهم زهاد وعلماء. وهذا كلام باطل. فإن الخوارج كانوا أهل أطماع، وهم في غاية الجهل والسفه والغباء، كما دلت عليه كلمات رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» في وصفهم، وهو ما تأيد بكثير من الدلائل والشواهد في حياتهم العملية.

وإذا كان مروان يريد بكلامه إيذاء الحسنين «علیهما السلام» بهذه الترهات والأباطيل، فإنه لم يكن يدري أن الحكم الأموي سوف يتهاوى تحت ضربات الخوارج أنفسهم، بالإضافة إلى ضربات العباسيين وغيرهم.

الإمام الحسن يفخر بنفسه لا بغيره:

وادعى مروان: أن الإمام الحسن يفخر بغيره.

وهو كلام باطل أيضاً، فآية التطهير، وسورة هل أتى، وسواهما، وكلمات الرسول في حق الحسنين «علیهما السلام»، ووقائع الجمل وصفين، وأحداث التاريخ تكذب مروان في هذا الزعم الباطل.

ابن علي «علیه السلام» وابن النبي «صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ» :

وحين بلغ الأمر إلى هذا الحد آثر مروان التراجع خشية من تطور الأمور إلى الحد الذي يغضب سيده معاوية، وربما انتهى الأمر أيضاً بفضائح أمر وأدهى مما ظهر إلى تلك الساعة. فتظاهر بخلط اللعب بالجد، بطريقة خبيثة ومسمومة، فزعم: أن الحسن ابن رسول اللّه وأن الحسين ابن علي.

وواضح: أن هذا يخالف صریح کلام رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» الذي صرح في عشرات المواقف: بأن الحسنين «عليهما السلام» ابناه. ولم نجده قال، ولو مرة واحدة: الحسن ابني، والحسين ابن علي.

والهدف من هذا التفريق هو: الترويج لمقولات تفوح منها روائح الكيد والمكر. حيث يراد ادعاء أن الحسين يشبه عليا في ميله إلى العنف والمواجهة وإيثار قتل الناس، والعدوان عليهم.

وان طريقته هذه تخالف طريقة الرسول، القائمة على السماحة

واللين والرفق والاتزان.

كلاهما لي ورغماً:

وقد أجاب الإمام الحسين مروان على مقولته الآنفة الذكر بقوله: «كلاهما لي، ورغماً». أي أن غضب علي «علیه السلام» لم يكن غضب من يعتدي، ومن لا يبالي بكرامات الناس، ويستسهل العدوان عليهم، بل هو الغضب في نصرة الحق، وكراهة ومقت الباطل.

وهذا غضب يحبه اللّه ورسوله، ويثيب عليه، ويدخل الناس الجنة بسببه، وهو غضب من يعفو عمن يستحق العفو من المخطئين النادمين والتائبين، بل هو «علیه السلام» يصفح عن غير التائب. وقد صفح عن مروان نفسه في حرب الجمل، بشفاعة الحسنين «صلوات اللّه علیه»ما»، معلنا: أن مروان لو بايعه بيده لنكث بسبته..

العدالة في إمام الجماعة:

1- وقد استدلوا على جواز الصلاة خلف الفاسق - على كراهية - بأن الحسن والحسين «علیهما السلام» صليا خلف مروان (1).

2- بإسناده عن موسى بن جعفر عن أبيه «علیهما السلام»، قال: كان الحسن والحسين «علیهما السلام»، يصليان خلف مروان بن


1) تذكرة الفقهاء ج 4 ص 281 و 282 وسنن البيهقي ج 3 ص 122 والمغني ج 2 ص 25 والشرح الكبير بهامش المغني ج 2 ص 260

الحكم، فقالوا لأحدهما: ما كان أبوك يصلي إذا رجع إلى البيت؟!

فقال: لا واللّه ما كان يزيد على صلاة (1).

وفي بعض المصادر: «على صلاة الآية». وفي مصادر أخرى: «صلاة الأئمة».

3-عن أبي جعفر الباقر «علیه السلام»: قد كان الحسن والحسين «علیهما السلام» يصليان خلف،مروان يبتدران الصف، وإن كان الحسين ليسبه، وهو على المنبر، حتى ينزل (2).

4-وعن الإمام الباقر «علیه السلام»: «كان الحسن والحسين يصليان خلف مروان ويعتدان بالصلاة معه» (3).

وقال المحقق في المعتبر:

«احتج الجمهور: بقوله «علیه السلام»: «صلوا خلف من قال: لا


1) النوادر للراوندي ص 163 وبحار الأنوار ج 44 ص 123 وج 85 ص 92 . وراجع: الجعفريات ص 53 وبحار الأنوار ومستدرك الوسائل ج 6 ص 456 والمسند للشافعي ص 55 و 56 والسنن الكبرى للبيهقي ج3 ص 122 والمصنف لابن أبي شيبة ج 2 ص 271 ومعرفة السنن والآثار ج 2 ص 399 و 400

2) الطبقات الكبرى لابن سعد (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 408 وتاريخ مدينة دمشق ج 54 ص 290 وسير أعلام النبلاء ج 4 ص 406

3) الطبقات الكبرى لابن سعد (الطبقة الخامسة من الصحابة) ج 1 ص 410 و 493

إله إلا اللّه»، وبقوله (تعالى): (فاسْعَوْاإلى ذِكْرِ اللّه) (1). وهو يعلم أن من الولاة الفسقة.

ولأن الحسن والحسين «علیهما السلام» كانا يصليان مع مروان.

والجواب: يحتمل الخبر: إذا لم يعرف منه فسق، وأظهر كلمة الإسلام، فإن خبرنا خاص، وهو مقدم على العام. والآية دالة على السعي، ولا تدل على حال الإمام. وصلاة الحسن والحسين «عليهما السلام» حكاية حال، فلعل ذلك لقهرهما بسلطانه، كما تضمنه خبر جابر، ويمكن أن يكون بعد صلاتهما في منازلهما» (2).

ونقول:

كما يمكن أن يصليا في منازلهما، بعد صلاتهما مع مروان، ولعله الأرجح.

وحيث إن هذا الكتاب ليس بالذي يمكن تفصيل القول فيه في هذه المسائل، فلا محيص عن الاكتفاء ببعض النقاط، وهي التالية:

1- إن الفتوى المعروفة، والمعمول عليها عند أكثر أهل السنة هي عدم اشتراط العدالة في إمام الجماعة. ويبدو: أن مستندهم في ذلك هو ما رووه عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» أنه قال: صلوا


1) الآية 9 من سورة الجمعة

2) المعتبر ج 2 ص 306

خلف كل بر وفاجر (1)، وقوله صلوا خلف من قال لا إله إلا اللّه، بالإضافة إلى الآية، وما نسبوه إلى الحسنين، كما تقدم عن المعتبر.

ولكن مذهب أهل البيت «علیهم السلام» هو عدم جواز الصلاة خلف غير العادل، إلا في موارد التقية. وعلماء أهل السنة يعرفون ذلك عن أهل البيت وشيعتهم.


1) راجع: سنن أبي داود كتاب الصلاة: الباب 63 وجامع الخلاف والوفاق ص84 وفتح العزيز للرافعي ج 4 ص 331 والمجموع للنووي ج5ص 268 ومغني== المحتاج للشربيني ج 3 ص 75 والمبسوط السرخسي ج 1 ص 40 وتحفة الفقهاء للسمرقندي ج 1 ص 229 وبدائع الصنائع لأبي بكر الكاشاني ج 1 ص 156 والجوهر النقي للمارديني ج 4 ص 19 والبحر الرائق لابن نجيم المصري ج 1 ص 610 وتلخيص الحبير ج4 ص331 ونيل الأوطار ج 1 ص 429 وشرح أصول الكافي ج 5 ص 254 والمسترشد للطبري والإفصاح للشيخ المفيد ص 202 والمسائل العكبرية للشيخ المفيد ص54 والطرائف لابن طاووس ص 232 وعوالي اللآلي ج 1 ص 37 والسنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 19 وعمدة القاري للعيني ج 11 ص 48 وتأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص 145 وسنن الدارقطني ج 2 ص 44 وتنقيح التحقيق في أحاديث التعليق للذهبي ج 1 ص 256 و 257 ونصب الراية ج 2 ص 33 و 34 والدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 1 ص 168 والجامع الصغير للسيوطي ج 2 ص97 وكنز العمال ج 6 ص 54 وكشف الخفاء للعجلوني ج 2 ص 29 و 32 وشرح السير الكبير للسرخسي ج 1 ص 156

2- وحيث إن هذا الأمر يحرج أهل السنة، فقد اتجهوا إلى ابتكار المخارج له، فكان أهم مخرج ارتضوه هو: أن يزعموا أن الحسن والحسين «عليهما السلام» كانا يصليان خلف مروان، ولا يعيدان الصلاة، فقد تضمن كلامهم هذا أمرين:

أحدهما: الاعتراف بأن مروان فاسق. والثاني: ادعاء أن الحسنين «علیهما السلام» كانا يصليان خلفه، ولا يعيدان صلاتهما.

فدل ذلك على أنهم يعرفون أن من مذهب أهل البيت «عليهم السلام» عدم جواز الصلاة خلف الفاسق اختياراً.

ثم زعموا: أن ما ادَّعوه من عدم إعادة الحسنين «علیهما السلام» صلاتهما التي كانا يصليانها خلف مروان سببه: أنهم يرون أن الصلاة خلف الفاسق ليست حراماً، وليست مبطلة للصلاة، بل مكروهة، وذات ثواب قليل..

والصلاة المكروهة لا تجب إعادتها، إذ هي كالصلاة في معاطن الإبل، فإنها صحيحة، ومكروهة، أي أن ثوابها أقل من الصلاة في الأمكنة ..الأخرى.

3- وقد فات هؤلاء: أولاً: أن مذهب أهل البيت «علیهم السلام» يقول: إن الأعمال التى يؤتى بها تقية، وخوفا على النفس أو العرض أو المال، أو أي نوع من أنواع القهر والأذى لا تحتاج إلى إعادة، فلو صلى خلف مروان حين كان واليا على المدينة تجنباً لأذاياه، فلا حاجة إلى إعادة الصلاة في البيت..

ثانياً: إن الصلاة خلف مروان لا تحتم الاقتداء به، فقد يتابعه في الحركات والأفعال، دون أن ينوي الائتمام به، بل يقرأ لنفسه..

ثالثاً: ولو قيل: إنه قد تكون هناك مراقبة لكل حركات الإمام بحيث يتعذر عليه اللجوء إلى مخرج آخر غير الاقتداء بالإمام، وأضيف إليه أنه يفترض بالإمام أن تكون صلاته موافقة لما يطلب منه واقعاً، ومن دون تقية. فما هو المخرج في هذه الحالة؟!

ونجيب بما يلي:

ألف: لو قبلنا ما ذكر في السؤال. فإن الجماعة إنما تقام عادة في أول الوقت، ويبقى لدى للانسان في هذه الحالة متسع للصلاة في خلوة في بيته لارتفاع التقية فيه.

ب: إن رواية الراوندي المتقدمة برقم [2] ليست ظاهرة المعنى، بسبب اشتباه مرجع الضمير فيها، فهي تقول: «كان الحسن والحسين يصليان خلف مروان فقالوا لأحدهما ما كان أبوك يصلي إذا رجع إلى البيت؟! فقال: لا واللّه، إلخ...». فإن الضمير في قوله «لأحدهما» إن كان راجعاً للحسن أو للحسين فهذا يعني: أن السؤال كان عن أبيهما علي «علیه السلام»، وهذا لا ربط له بما تريد الرواية تقريره. ويبدو: أن في الرواية سقطا، وأن الأصل: «فقالوا لابن أحدهما»، فيكون السؤال عن أبيه الذي هو إما الحسن أو الحسين «عليهما السلام»..

ومع ذلك نقول:

إن هذه الرواية لا تستقيم، لأن الجواب فيها مخالف لما هو شائع وذائع عن شدة اجتهاد الأئمة في عبادتهم، فلا يعقل أن يكون الحسن أو الحسين «علیهما السلام» يقتصر على صلاة واحدة. لأنهما كانا يصليان في اليوم والليلة مئات الركعات.. اقتداءً بجدهما وأبيهما..

ج: إن هذا الابن الذي سئل فأجاب إنما سئل عن أحدهما وأجاب عنه، وهو إما الحسن أو الحسين «علیهما السلام» ولم يعرف شيء عن الآخر، فلعل أحدهما كان يعيد صلاته، لأنه كان ينوي الاقتداء بمروان. أما والد المسؤول، فلم يكن يعيد صلاته، ربما لأنه لم يكن ينوي الاقتداء بإمام الجماعة الفاسق..

فإن الولد إنما أخبر عن أبيه، ولم يخبر عن عمه..

د: وقد دلت الرواية المتقدمة برقم [3] على أن الصلاة التي يؤمها مروان ويحضرها الحسنان «علیهما السلام» إنما هي صلاة الجمعة.. وصلاة الجمعة ركعتان، فهي تشبه النافلة في عدد ركعاتها، فيمكن أن يأتمّا بمروان متابعة في نافلة، بدل صلاة الجمعة. ثم يكون سعة من أمره بالنسبة لصلاة الظهر، أو الجمعة بعد ذلك إذا وجد العدد من المصلين الذي يصح معه إقامة الجمعة، ولو في بيته.. مع العلم بأنه هو الإمام الحق، والمعصوم، والمنصوب بأمر من اللّه من قبل أبيه علي «علیه السلام»، وجده رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»..

هـ: وأما الرواية عن الإمام الباقر، عن أن الحسنين «عليهما

السلام» كانا يعتدان بالصلاة خلف مروان، فإن وجه اعتدادهما بها قد يكون سببه بعض ما ذكرناه في أكثر من وجه معقول ومقبول..

الباب الثالث: الحسين في استشهاد أخيه

اشارة

الفصل الأول: شهادة الإمام الحسن «علیه السلام»

اشارة

إن الحسن «علیه السلام» نعيت إليه نفسه:

عن جنادة بن أبي أميّة، قال: عن الإمام الحسن «علیه السلام»:

ثمّ انقطع نفسه، واصفر لونه، حتى خشيت عليه، ودخل الحسين «علیه السلام»، والأسود بن أبي الأسود، فانكبّ عليه، حتى قبّل رأسه وبين عينيه، ثمّ قعد عنده، فتسارا جميعاً .

فقال أبو الأسود: إنّا للّه، إنّ الحسن قد نعيت إليه نفسه. وقد أوصى إلى الحسين «علیه السلام» (1).

قد تضمن هذا النص:

1-أن الحسين «علیه السلام» قعد عند الحسن «علیه السلام»، فتسارا جميعاً، في حين أن التناجي بحضور آخرين، من دون مشاركتهم غير محمود.

غير أننا نقول: إن التناجي بين المشرف على الموت وبين أهله الأقربين لا مانع منه، ولا نهي عنه، لمسيس الحاجة في مثل هذه اللحظات إلى الوصية بالأمور المهمة، أو إلى إخبار من يهمه أمره


1) بحار الأنوار ج 44 ص 140 عن الكفاية

بأمور خطيرة تعنيه، أو تعني صفوة الخلق، وبالتالي فهي تعني الأمة بأسرها، ولاسيما إذا كانت النجوى بين إمام مفارق، وإمام يتولى الأمر بعده، فإن مصلحة الأمة تقضي بلزوم أن يعهد الإمام المفارق إلى الإمام الذي بعده، ويدل الناس عليه، ويرجعهم إليه..

2- ولعل هذا الذي ذكرناه هو الذي جعل أبا الأسود يدرك أن هذه المسارة بين الحسنين «علیهما السلام» تعنى الوصية إليه بالإمامة. وأن الإمام الحسن «علیه السلام» قد نعيت إليه نفسه.

ولذلك صرحت الرواية أخيراً: بأن الإمام الحسن «علیه السلام» قد أوصى إلى الإمام الحسين «علیه السلام»..

القصر الأخضر، والقصر الأحمر:

قال العلامة المجلسي «رحمه اللّه»:

روي في بعض تأليفات أصحابنا: أن الحسن «علیه السلام» لما دنت وفاته، ونفدت أيامه، وجرى السم في بدنه، تغير لونه واخضر، فقال له الحسين «علیه السلام»: ما لي أرى لونك مائلاً إلى الخضرة؟!

فبكى الحسن «علیه السلام» وقال يا أخي، لقد صح حديث جدي فيّ وفيك، ثم اعتنقه طويلاً، وبكيا كثيراً.

فسئل «علیه السلام» عن ذلك؟!

فقال: أخبرني جدي قال: لما دخلت ليلة المعراج روضات

الجنان، ومررت على منازل أهل الإيمان، رأيت قصرين عاليين متجاورين، على صفة واحدة، إلا أن أحدهما من الزبرجد الأخضر، والآخر من الياقوت الأحمر، فقلت: يا جبرئيل، لمن هذان القصران؟!

فقال: أحدهما للحسن، والآخر للحسين «علیهما السلام».

فقلت: يا جبرئيل فلم لم يكونا على لون واحد؟!

فسكت، ولم يرد جواباً.

فقلت: لم لا تتكلم؟!

قال: حياءً منك.

فقلت له: سألتك باللّه إلا ما أخبرتني.

فقال: أما خضرة قصر الحسن، فإنه يموت بالسم، ويخضر لونه عند موته، وأما حمرة قصر الحسين، فإنه يقتل، ويحمر وجهه بالدم.

فعند ذلك بكيا، وضج الحاضرون بالبكاء والنحيب (1).

ونقول:

لا بأس بملاحظة الأمور التالية:

حديث السم وحديث السيف متلازمان

إن الإمام الحسن «علیه السلام» بمجرد أن رأى علائم صدق ما أخبر به النبي «صلی اللّه علیه وآله» في نفسه أخبر أخاه بحضور


1) بحار الأنوار ج 44 ص 145

وقت تحقق خبره «صلی اللّه علیه وآله» فيه وفي الإمام الحسين «علیه السلام» أيضاً، وقد عبر عن ذلك بصيغة تفهم: أن الأمرين قد تحققا وانتهى الأمر.

ونوضح ذلك، فنقول:

إن النبي «صلی اللّه علیه وآله» أخبر عن قصرين في الجنة، أحدهما أخضر، وهو للإمام الحسن «علیه السلام»، لأنه مات بالسم، ويتغير لونه إلى الخضرة. والآخر لونه أحمر، وهو للإمام الحسين «علیه السلام» الذي يقتل بالسيف، ويحمر وجهه بالدم.

فلما رأى الإمام الحسن «علیه السلام» الخضرة في بدنه، وهي من علائم السم، وسأله أخوه عن سبب ذلك، أجابه بقوله: «لقد صح حديث جدي في وفيك». ثم روى له ما سمعه من جده والمراد بالصحة التحقق الفعلي خارجاً وليس المراد بالصحة ما يقابل الكذب. وإنما حكم «علیه السلام» بتحقق خبر النبي بالحسين أيضاً مع أن الذي رآه الإمام هو الخضرة - وهي أثر السم في بدنه هو - وحسب، ولم ير حمرة الدم على وجه أخيه. ولكنه أخبر عن حصوله بصورة جازمة، لسببين:

أولهما: أنه جازم بوقوع كل ما أخبره جده «صلى اللّه عليه وآله»، لأنه لا ينطق عن الهوى.

ويلاحظ: أن الإمام الحسين «علیه السلام» كان يجاري أخاه في درجة يقينه بما أخبره عنه جده. ولذا بكيا كثيراً كما تقول الرواية.

والثاني: أن حصول أحد الأمرين الواردين في سياق واحد مترابط ومتشابك، فإن الخبر في هذه الحالة كقالب واحد يجمع بين مؤتلفين، فإذا حضر أحدهما علم أن الآخر حاضر معه، في نفس الوعاء الحاوي لهما.كما أنك إذا رأيت اليد اليمنى لزيد من الناس، فإنك تتوقع أن ترى معها يده اليسرى أيضاً.

عن أي معراج تتحدث الرواية؟!

وقد صرحت الرواية: بأن النبى «صلی اللّه علیه وآله» قد رأى قصري الحسنين «علیهما السلام» في الجنة حين عرج به.

ونقول:

أولاً: إن المعراج إن كان قد حصل في السنة الثالثة من البعثة، أو السنة الثانية عشرة كما يقولون، أو قبل الهجرة بيسير، فذلك يعني أن هذا الأمر قد حصل قبل زواج علي بفاطمة، وقبل أن يخلق الحسنان «علیهما السلام»، أو حتى قبل أن تخلق أمهما «عليها السلام»..

ونحن لا نرى في ذلك أي مشكلة، لأن النبي وأهل بيته قد خلقوا قبل الخلق، وكانوا أشباحاً مطيفة بالعرش، وكان الأنبياء منذ آدم «علیه السلام» يتوسلون بهم إلى اللّه سبحانه. وكان «صلی اللّه علیه وآله» هو الشاهد على الأنبياء منذ آدم، كما دل عليه قوله تعالى:

(فَكَيْفَ إِذا جِئْنَا مِن كُلّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهيداً) (1).

وكان يعرف ما يجري على ولديه بالتفصيل فلماذا لا يرى قصريهما في الجنة ليلة معراجه حتى لو كانا لم يولدا بعد في هذه النشأة؟!

ثانياً: إن المعراج لم يحصل له «صلی اللّه علیه وآله» مرة واحدة بل في بعض الروايات أنه عُرج - أو أسري به- مئة وعشرين مرة (2).

فلعله رأى هذا الذي رآه في واحدة من هذه المرات، التي لنا نحتمل أنها كانت بعد ولادة الحسنين «علیهما السلام».

حياء جبرائيل:

1-وكان طبيعيا أن يأخذ الحياء جبرائيل، ويتردد في إخبار النبي بما سأله عنه، فقد كان «صلی اللّه علیه وآله» مسروراً بما يشاهده من نعم أعدها اللّه تعالى لأوليائه، ولاسيما بعد أن رأى القصرين اللذين للحسنين «علیهما السلام»، فلم يكن يستسيغ أن يبدل


1) الآية 41 من سورة النساء

2) بحار الأنوار ج 18 ص 387 وج 23 ص 69 ونور الثقلين ج 3 ص98 وكنز الدقائق ج 7 ص 300 والبرهان (تفسير) ج 3 ص 481 والخصال ج7 ج 2 ص 601 والصراط المستقيم ج 2 ص 40 والمحتضر للحلي ص244 وحلية الأبرار ج 1 ص 421 ومستدرك سفينة البحار ج 7 ص 149 وبصائر الدرجات ص 99

سروره إلى حزن وأسى.

2- وإنّا على يقين من أنه «صلی اللّه علیه وآله» كان أعلم من المسؤول بالجواب المطلوب.. ولكنه كان يريد للناس أن يسمعوا بهذا الأمر من خلال جبرئيل «علیه السلام». فإن لهذا الأمر وقعه الخاص النفوس، وهذا ما حصل فعلاً.

3- ولعل من الأهمية بمكان تذكير القارئ: بأن اللّه تعالى يريد للإنسان أن يحقق ويجسد إنسانيته في هذه الدنيا بكل طاقاتها، وإمكاناتها، ويستثمر ذلك كله في الآخرة.

ولا يريد أن يكون الإنسان آلة لها طموحات دنيوية بالدرجة الأولى، وربما كان معها نسمة ضئيلة من الآخرة. فهي تسعى إلى دنياها بإمكانات كبيرة وقوية وكثيرة، وبيدها عقل هائل القدرات مسخر لها، وتريد أن تستنزف طاقاته في سبيل أهدافها.

أما ما يرتبط بالآخرة، فإنها تبقيه في دائرة التمنيات، والآمال العقيمة، التي ادخرتها من مظاهر عجزها عن بلوغ ما تريده في دنياها.

بل يريده موجوداً قوياً، زاخراً بالطاقات، غنياً بالبركات، يتفجر كرماً، وشجاعة، وحنوا، وعاطفة، ورحمة، وإباء، وشمما، وعلماً، ومعرفة، ورصانة واتزاناً، وجدا واجتهاداً، وعطاء، وشعوراً بالمسؤولية. وجامعاً لكل المعاني التي يحبها اللّه تعالى لأوليائه، ويرضاها لمن يريدهم أن يعمروا الأرض، ويثيروا دفائن العقول في

تحقيق رضا اللّه سبحانه..

وقد جسد لنا ذلك بصورة مصغرة ومحدودة في ملك سليمان وداود «علیهما السلام»، وسوف يتجسد بصورة أتم على يد قائم آل محمد «علیه السلام»، الذي يملأ الأرض قسطا وعدلاً، فتخرج له خيراتها، لأنه هو الذي يبلغ بالأمة حداً تصبح معه قادرة على توظيف كل طاقاتها الإنسانية والعاطفية، والأحاسيس والمشاعر، والصفات الجميلة، والأخلاق النبيلة والسمات والمكونات الإنسانية في خدمة الأهداف النبيلة والسامية في الدنيا والآخرة، كما ألمحنا إليه.

الاحتضار:

حكي: أن الحسن «علیه السلام» لما أشرف على الموت، قال له الحسين: أريد أن أعلم حالك يا أخي.

فقال له:الحسن سمعت النبي «صلی اللّه علیه وآله» يقول: لا يفارق العقل منا أهل البيت ما دام الروح فينا. فضع يدك في يدي حتى إذا عاينت ملك الموت أغمز يدك.

فوضع يده في يده، فلما كان بعد ساعة غمز يده غمزا خفيفاً، فقرب الحسين أذنه إلى فمه، فقال:

قال لى ملك الموت: أبشر، فإن اللّه عنك راض، وجدك شافع (1).

ونقول:


1) بحار الأنوار ج 44 ص 160 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 44 و 45

أريد أن أعلم حالك:

وفي النص المتقدم: رغبة الحسين «علیه السلام» في معرفة ما يجري على أخيه حين احتضاره. فلماذا ؟! وما سبب تبلور هذه الرغبة لديه؟! ألم يكن يعلم بذلك من خلال علم الإمامة، المستند إلى إخبار الصادق المصدق عن جبرئيل، عن اللّه ؟!

ويمكن أن يجاب:

أولاً: لعل ذلك قد أتى على طريقة: (قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلكِن لِيَطْمَئِن قلبي) (1).

ثانياً: إنه «علیه السلام» كان يريد أن يزيد في معرفة الناس بخصوصيات الأئمة «صلوات اللّه وسلامه عليهم»، فإنه لا يخطر على بال أحد هذا السؤال الذي طرحه الإمام الحسين «علیه السلام». ويظن الناس أن حالات الإحتضار واحدة لا يختلف فيها الإمام «عليه السلام» عن سائر الناس.

ولكن ما جرى بين الحسن والحسين «علیهما السلام» قد أوضح: أن حضور ملك الموت عند المحتضر إذا كان إماماً لا يعني انقطاع صلة الإمام بالدنيا، ولا يشير إلى فقدانه الإدراك، بل تبقى قدراته العقلية والإدراكية، وحتى الجسدية فعالة إلى حين انتزاع ملك الموت الروح من البدن..


1) الآية 260 من سورة البقرة

وقد ثبت هذا بصورة حسية، حين أخبر الإمام الحسن أخاه بحضور ملك الموت عنده، وأخبره أيضاً بما بشره به الملك، فقد قال له:

1- إن اللّه عنك راض.

2- وجدك شافع.

وبذلك يعلم :

أولاً: لو كان الإمام الحسن «علیه السلام» قد أذل المؤمنين بواسطة عهده مع معاوية، أو أنه كان - كما يزعم بعض أهل الأهواء - غير راض عن حرب الناكثين والقاسطين والمارقين، أو أنه كان عثمانياً مخالفاً لأبيه في الرأي والنهج، فلا يمكن أن يكون اللّه تعالى راضياً عنه. إذ لا يمكن الجمع بين الرضا عن أبيه، وبين الرضا عنه، إذا كان هذا حاله.

فهذه البشارة ليست في الحقيقة إلا تصوبيا لسياساته التي لم يفهمها بعض القاصرين من شيعته. وحاول أن يتشبث بها بعض أهل الأهواء..

ثانياً: إن إخباره لحظة احتضاره بأن جده شافع، كأنه يحمل معه تهديداً لمن يصر على اتهام الإمام الحسن «علیه السلام» بما هو منه بريء، بأنه سوف يحرم من شفاعة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»..

فما بالك بمن يحرمه من تجديد العهد بجده، ويرمي جثمانه

بالسهام، إلى آخر ما تقدم بيانه؟! خصوصاً مع إدخال من لا قرابة لهم بالرسول «صلی اللّه علیه وآله» عليه في بيته بغير إذنه، وبالأخص أن يقرن الحسن المرضي عنه من اللّه بمن سير أبا ذر، وحمى الحمى، وضرب عماراً وابن مسعود، ومن يسمى بحمال الخطايا..

لم يشكا في حديث جدهما:

وقد ذكر بعض الإخوة الأكارم ان الرواية مدسوسة، لأنها تزعم أن الحسنين «علیهما السلام» شكا في قول جدهما: إنهما سيدا شباب أهل الجنة (1).

ويبدو أن مراده بالشك في حديثه «صلی اللّه علیه وآله» هو قول الإمام الحسن «علیه السلام» لأخيه: «لقد صح حديث جدي في وفيك».

وقد تقدم أن المراد بالصحة هو التحقق الخارجي.. لا الصحيح فى مقابل المكذوب أو المشكوك فيه.

من الذي صلى على الإمام الحسن«علیه السلام» ؟!:

قالوا: «وحمله إلى البقيع. فلم يشهده يومئذٍ من بني أمية إلا سعيد بن العاص. وكان يومئذٍ أميراً على المدينة، فقدمه الحسين للصلاة عليه. وقال: هي السنة (2).


1) جواهر التاريخ ج 3 ص135 و 136

2) البداية والنهاية ج 8 ص 173 والإستيعاب ج 1 ص 391 وبحار الأنوار ج 44 ص 148

وروى أبو حازم قال: شهدت الحسين «علیه السلام» حين مات الحسن «علیه السلام» وهو يدفع بعجز في قفا سعيد بن العاص ويقول: تقدم، فلولا السنة لما قدمتك، وسعيد أمير المدينة (1).

وفي نص آخر لما توفي تولى أمره أخوه الحسين «علیه السلام»، وأخرجه إلى المسجد - وكان سعيد بن العاص أمير المدينة - فقالت بنو هاشم: لا يصلي عليه إلا الحسين، فقدمه الحسين، وقال: لولا السنة لما قدمتك (2).

ونقول: إن هذا غير صحيح:

أولاً: إن سعيد بن العاص كان في جملة بني أمية الذين احتشدوا لمنع الإمام الحسن عن الدخول إلى جده لتجديد العهد به، فكيف يمكنه الإمام الحسين «علیه السلام» من الصلاة على أخيه، فضلا عن أن


1) منتهى الطلب للعلامة ج 1 ص 450 و ج 7 ص 308 وراجع تذكرة الفقهاء للعلامة الحلي ج 2 ص 40 وعمدة القاري ج 1 ص 124 وسنن البيهقي ج 4 ص 29 والمصنف لعبد الرزاق ج 3 ص 471 ومجمع الزوائد ج3 ص31 والمعجم الكبير للطبراني ج 3 ص 136 والمغني لابن قدامة ج 2 ص 367

2) تذكرة الخواص ج 2 ص 65 والطبقات الكبرى لابن سعد، القسم غير المطبوع ص 87 و 89 وترجمة الإمام الحسن من تاريخ دمشق بتحقيق المحمودي) ص 223 و 226 والكامل في التاريخ ج 3 ص 460 وجواهر المطالب ص 199 ومقاتل الطالبيين ص 83

يدفع في قفاه من أجل ذلك؟!

فقد قال ابن سعد: «لما احتضر الحسن بن علي «علیه السلام» قال: «ادفنوني عند أبي» . - يعني رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».

فأراد الحسين «علیه السلام» أن يدفنه في حجرة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» فقامت بنو أمية، ومروان، وسعيد بن العاص - وكان والياً على المدينة، فمنعوه.

وقامت بنو هاشم لتقاتلهم، فقال أبو هريرة: «أرأيتم لو كان ابن موسى، أما كان يدفن مع أبيه» (1).

وكان مروان قد كتب إلى معاوية: إن سعيد بن العاص قد مال مع بني هاشم، وأن مروان هو الذي منع من دفنه عند جده، فكانت النتيجة هى: أن معاوية عزل سعيداً بعد ذلك عن المدينة، وولى مروان مكانه (2).

ثانياً: إن سعيد بن العاص كان عدوا لعلي «علیه السلام» وأهل بيته، وقد هدم دار علي «علیه السلام»، وعقيل، والحسن، ودار


1) الطبقات الكبرى لابن سعد (القسم غير المطبوع) ص 58 وتذكرة الخواص ج 2 ص 65 وترجمة الإمام الحسن من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ص 217

2) تذكرة الخواص ج 2 ص 66 والطبقات الكبرى (القسم غير المطبوع) ص 96

الرباب زوجة الإمام الحسين (1).

بالإضافة إلى أمور أخرى أشرنا إليها حين ذكرنا ما جرى حين دفن الإمام الحسن «علیه السلام»..

فكيف يطلب منه الإمام الحسين «علیه السلام» أن يصلي على أخيه؟! وما معنى وصفه بالإمام؟!

ثالثاً: لم تجر السنة على أن يكون الوالي هو الذي يصلي على الجنائز، وهناك شواهد كثيرة تدل على أن كثيرين من غير الولاة كانوا يصلون على الجنائز، ولم نجد أحداً اعترض عليهم، أو لفت نظرهم إلى وجود سنة على خلاف ذلك.

وقد ذكرنا طائفة من هذه الموارد في مقال لنا بعنوان: «التكبير على الميت خمس لا أربع» (2)فراجعه.

ومن الموارد التي تشهد بصحة ما نقول، ما روي عن زيد بن أرقم وعيسى مولى حذيفة، وابن مسعود، ومحمد ابن الحنفية، وحصين بن عامر، وأصحاب معاذ وأبي يوسف

رابعاً: لأن الحديث عن تقديم الأئمة، إن صح فلا يقصد به أئمة الجور، والمعروفون بالجهل بأبسط أحكام الشريعة، بل إن سعيد بن العاص كان يجهل بعدد تكبيرات صلاة الميت، فضلاً عما عدا ذلك.


1) شرح الأخبار ج3 ص 269 وراجع: مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 53

2) راجع دراسات وبحوث في التاريخ والإسلام ج 1 ص 227- 289

خامساً: لنفترض أن الأمراء كانوا يحبون التصدي لهذا الأمر بأنفسهم، فلا يفترض بعلي: والحسن، والحسين أن يخضعوا لإرادة الأمراء والحكام في هذا الأمر، ولا أن يقبلوا بأن يصبح هذا الأمر سنة، بل من واجبهم إبطال السنن السيئة قدر الإمكان..

سادساً: النصوص الكثيرة على أن الإمام لا يصلي عليه إلا إمام.

سابعاً: لو فرض أن سعيد بن العاص قد صلى على الإمام الحسن «علیه السلام»، فذلك لا ينافي أن يكون الإمام الحسين «علیه السلام» قد صلى عليه قبل إخراجه إلى موضع الجنائز، وتكون صلاة سعيد عليه قد جاءت على سبيل المداراة، ودفع غائلة ما ينتج عن استبعاده.

ثامناً: إن قوله «علیه السلام» - لو صح النقل عنه -: لولا أنها سنة لما قدمتك. ظاهر في الطعن في سعيد، وعدم أهليته في نفسه للإكرام والاحترام.

ولو كان سعيد قد مال مع بني هاشم كما زعم سبط ابن الجوزي لم يكلمه الحسين «علیه السلام» بهذه الطريقة .

على أنه قد يكون قد أظهر الميل إلى بني هاشم سياسة منه، ومكراً.

التجهيز والدفن:

وقالوا عن تجهيز ودفن الإمام الحسن: «ولي غسله الحسين،

ومحمد،والعباس، وإخوته من علي بن أبي طالب، وصلى عليه سعيد بن العاص» (1).

وقال ابن شهر آشوب، وكذلك الشيخ المفيد: «تولى الحسين «علیه السلام» غسله، وتكفينه، ودفنه» (2).

ونقول:

إن من المعلوم: أن الإمام لا يغسله إلا الإمام، فما معنى مشاركة محمد ابن الحنفية، والعباس، وإخوته في تغسيل الإمام الحسن «علیه السلام» حسب نص كشف الغمة؟!

ويجاب:

إن النص الوارد عن ابن شهرآشوب قد حصر أمر الغسل والتكفين والدفن بالإمام الحسين «علیه السلام».

وهذا يدل على أن مشاركة إخوة الإمام الحسين له «علیه السلام» في غسل الإمام الحسن «علیه السلام» كانت على سبيل المعونة على


1) بحار الأنوار ج 44 ص 161 و 37 عن كشف الغمة ص 142 و 162 راجع: الذرية الطاهرة النبوية للدولابي ص120

2) بحار الأنوار ج 44 ص 135 و 157 و 158 و مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 28 و 29 والإرشاد ص 192 و ط دار المفيد) ج 2 ص 15 وتاج المواليد (المجموعة) ص 27) والمستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص 151 وعمدة الطالب ص 65 وكشف الغمة ج 2 ص 165

إنجاز هذا الأمر، كالمعونة على إحضار الماء، وتهيئة السدر والكافور، وتقريب ذلك له، ومناولته إياه من وراء الستار، بالإضافة إلى تهيئة سائر الوسائل التي يحتاج إليها، وتلبية ما يطلبه منهم، تماماً كما جرى لعلي «علیه السلام» حين غسل رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله». وليس المراد المشاركة المباشرة، فإن ذلك ممنوع على غير الإمام.

ويشير إلى ما نقول:

أن الإمام الحسن «علیه السلام» يقول في وصاياه مخاطباً أخاه الحسين «علیه السلام»: اغسلني، وحنطني، وكفني، واحملني إلى جدي.. أو نحو ذلك، ولم يقل - ولو مرة واحدة -: غسلوني وكفنوني ونحو ذلك. فراجع رواية عيون المعجزات والإرشاد.

الحسين يرثي أخاه:

قال الحسين «علیه السلام» لما وضع الحسن في لحده:

أأدهن رأسي أم تطيب مجالسي*** ورأسك معفور وأنت سليب

أو استمتع الدنيا لشيء أحبه*** إلى [ألا] كل ما أدنا إليك حبيب

فلا زلت أبكي ما تغنت حمامة*** عليك وما هبت صبا وجنوب

وما هملت عيني من الدمع*** وما اخضر في دوح الحجز

بكائي طويل والدموع غزيرة*** وأنت بعيد والمزار قريب

غريب وأطراف البيوت تحوطه*** ألاكل من تحت التراب غريب

ولا يفرح الباقي خلاف الذي*** وكل فتى للموت فيه نصيب

فليس حريبا من أصيب بماله*** ولكن من وارى أخاه حريب

نسيبك من أمسى يناجيك طيفه*** وليس لمن تحت التراب

ونقول:

قد لاحظنا: أن الإمام الحسين «علیه السلام» قد رثى أخاه بذلك الشعر العاطفي والمؤثر .. وللشعر طعمه الخاص وأهميته وجاذبيته عند العرب، وهم يحفظونه، ويتداولونه كتحفة جميلة وعزيزة، تلامس مشاعرهم، وتنفذ إلى وجدانهم..

ولأجل ذلك اختار الحسن «علیه السلام» أن يرثي أخاه بالشعر..

ولا يهمنا التحقيق لمعرفة إن كان هذا الشعر من نظم الإمام «علیه السلام»، أو أنه لغيره وقد تمثل هو به، فإن التمثل به يدل على أن له درجة من الرضا والقبول عنده. (1)

زيارة القبر عشية كل جمعة:

زيارة القبور عن أبي البختري، عن جعفر، عن أبيه «عليهما


1) بحار الأنوار ج 44 ص 160 ومناقب آل أبي طالب ج 4 ص 45 .

السلام»: أن الحسين بن علي كان يزور قبر الحسن «علیه السلام» في كل عشية جمعة (1).

ونقول:

إن من الواضح: أن الشارع قد أمر المؤمنين بزيارة القبور، لما ذلك من فوائد وعوائد روحية، ومثوبات وعد سبحانه وتعالى العباد بها.

ولكن زيارة الإمام الحسين «علیه السلام» لقبر أخيه عشية كل جمعة تحمل معها أيضاً معاني التكريم والتعظيم والوفاء، والدلالة على شدة العلاقة بينهما، وفيها تكذيب لما يدعى من اختلاف بينهما في أمر الصلح، أو في غيره، كما ألمحنا إليه سابقا.

هذا كله.. عدا عن دلالتها على مشروعية زيارة القبور، وعلى خطأ من منع منها، فإن هذا المنع إنما هو لأهداف غير حميدة، فإنهم لا يريدون للناس أن يزوروا قبور الصالحين، لأن أهل البيت سيكونون على رأسهم، وذلك لا يرضاه مناوئو أهل البيت، ويمنعون منه أشد المنع، لاسيما إذا صاحبه استذكار سيرة أهل البيت، واستحضار ما جرى عليهم من مناوئيهم، الذين يقدسهم مناوئو أهل البيت، ويبالغون في إظهار الحب والولاء لهم، بقدر ما يحبون إبعاد الناس عن أهل البيت «عليهم السلام»، والكيد لهم أحياء وأمواتاً، فإنا


1) قرب الإسناد ص 139 وبحار الأنوار ج 44 ص 150

للّه وإنا إليه راجعون..

الفصل الثاني: الوصية المكذوبة وأكاذيب أخرى..

اشارة

ليس هذا صحيحاً:

قال أبو عمر ابن عبد البر:

وروينا من وجوه: أن الحسن بن علي لما حضرته الوفاة قال للحسين أخيه: يا أخي إن أبانا رحمه اللّه تعالى لما قبض رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» استشرف لهذا الأمر، ورجا أن يكون صاحبه، فصرفه اللّه عنه، ووليها أبو بكر.

فلما حضرت أبا بكر الوفاة تشوف لها أيضاً، فصرفت عنه إلى عمر.

فلما احتضر عمر جعلها شورى بين ستة هو أحدهم، فلم يشك أنها لا تعدوه، فصرفت عنه إلى عثمان.

فلما هلك عثمان بويع، ثم نوزع حتى جرد السيف، وطلبها فما صفا له شيء منها.

وإني واللّه ما أرى أن يجمع اللّه فينا أهل البيت النبوة والخلافة، فلا أعرفن ما استخفك سفهاء أهل الكوفة، فأخرجوك؟!

قال: وقد كنت طلبت إلى عائشة، إذا مت أن تأذن لي فأدفن في بيتها مع رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».

فقالت: نعم.. وإني لا أدري لعلها كان ذلك منها حياء.

فإذا أنا مت فاطلب ذلك إليها، فإن طابت نفسها فادفني في بيتها، وما أظن القوم إلا سيمنعونك، إذا أردت ذلك، فإن فعلوا فلا تراجعهم في ذلك، وادفني، في بقيع الغرقد، فإن فيمن فيه أسوة.

فلما مات الحسن أتى الحسين عائشة فطلب ذلك إليها، فقالت: نعم وكرامة.

فبلغ ذلك،مروان فقال:مروان كذب و كذبت، واللّه لا يدفن هناك أبداً، منعوا عثمان من دفنه في المقبرة، يريدون دفن الحسن في بيت عائشة.

فبلغ ذلك الحسين، فدخل هو ومن معه في السلاح، فبلغ ذلك مروان فاستلام في الحديد أيضاً، فبلغ ذلك أبا هريرة، فقال: واللّه ما هو إلا ظلم، يمنع الحسن أن يدفن مع أبيه، واللّه إنه لابن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ثم انطلق إلى الحسين، فكلمه، وناشده اللّه، وقال له: أليس قد قال أخوك: إن خفت أن يكون قتال فردوني إلى مقبرة المسلمين؟! فلم يزل به حتى فعل، وحمله إلى البقيع، فلم يشهده إلا... (إلى أن قال: إن) خالد بن الوليد بن عقبة ناشد بني أمية أن يخلوه يشاهد الجنازة، فتركوه، فشهد دفنه في المقبرة، ودفن إلى جنب أمه فاطمة «رضی اللّه عنهاوعن بنيها أجمعين» (1).


1) الاستيعاب ج 1 ص 391 و (المطبوع مع الإصابة) ص376- 378 والبداية والنهاية ج 8 ص 173 وراجع: تاريخ الخلفاء ص193 والمنح المكية في شرح القصيدة الهمزية، ونفحات الأزهار للجيلاني ج 4 ص 244

وقال ابن حجر الهيثمي:

«ومر قول أخيه الحسن له: إياك وسفهاء الكوفة أن يستخفوك، فيخرجوك، ويسلموك، فتندم ولات حين مناص. وقد تذكر ذلك ليلة قتله، فترحم على أخيه الحسن «رضی اللّه عنهما» (1). وقد ذكر ذلك: الشلي الحضرمي، ومحمد الصبان المصري أيضا (2).

ونقول:

إن هذا النص مكذوب على الإمام الحسن «علیه السلام»، وفيه الكثير من الدلائل والشواهد على ذلك.. ونذكر على سبيل المثال، ما يلي:

أولاً: قوله- أعني الإمام الحسن «علیه السلام» -: «إن أبانا رحمه اللّه تعالى لما قبض رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» استشرف لهذا الأمر، ورجا أن يكون صاحبه» غير مقبول. فإنه يظهر: أن الإمام الحسن «علیه السلام» لم يكن يعلم بما جرى يوم الغدير، ولا عرف ما جرى في مرض النبي حين أراد «صلی اللّه علیه وآله» أن


1) الصواعق المحرقة ص 83

2) المشرع الروي ص 45 وإسعاف الراغبين (هامش نور الأبصار) ص 183

يكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده أبداً، فمنعوه، فقال عمر: إن النبي ليهجر، أو غلبه الوجع..

أو أنه لم يكن يعلم بعشرات النصوص النبوية في النص على ولاية أمير المؤمنين.. ولم يكن يعلم بنزول الكثير من الآيات في التأكيد على ولاية وإمامة أمير المؤمنين «علیه السلام» بعده مثل:آية (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلَعْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) (1). وآية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) (2)وآية (إِنَّمَا وَلِيُكُمْ اللّه وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَيُؤْتُونَ الزَّكَاة وَهُمْ رَاكِعُونَ) (3).. وآية المباهلة.. وآيات كثيرة أخرى..

ثانياً:قوله «فصرفه اللّه عنه ووليها أبو بكر» هل يراد به: الإيحاء بأن ما حصل في السقيفة قد حصل على قاعدة الجبر الإلهي، الذي لا ريب في بطلانه؟ فإن الجبر يؤدي إلى توجيه الاتهام إلى اللّه سبحانه مباشرة، وأنه هو الذي صرف الأمر عن علي «علیه السلام»، وهو الذي هاجم بيت الزهراء وأسقط جنينها.. وهذه جرأة على اللّه سبحانه، وافتئات عليه تبارك وتعالى.

ثالثاً إن المجاميع الحديثية والتاريخية مملوءة بما يدل على أن


1) الآية 67 من سورة المائدة

2) الآية 3 من سورة المائدة

3) الآية 55 من سورة المائدة

النبى «صلی اللّه علیه وآله» قد أخبر عليا «علیه السلام» بما يجري عليه وعلى فاطمة والحسن والحسين «علیهم السلام» بالتفاصيل الدقيقة، فعلي كان يعمل بوظيفته الشرعية، وطبق ما رسمه له اللّه ورسوله، مع علمه بكل ما سوف يناله من أذى في هذا السبيل.

رابعاً: إن هؤلاء يريدون بمثل هذه الألاعيب تبرئة أئمتهم مما ارتكبوه في حق الزهراء «علیها السلام» يوم السقيفة، وصرف الأنظار عن ضربها، وإسقاط جنينها، ومحاولات إحراق بيتها بما فيه. وكانت هي وزوجها وأولادها فيه. فإن كان اللّه هو الذي صرف الأمر عن علي، فلماذا احتاجوا إلى ارتكاب كل تلك الجرائم؟!

خامساً: وقال الإمام الحسن «علیه السلام» في النص المتقدم: إنه حين جعل عمر الأمر شورى بين ستة، علي «علیه السلام» أحدهم، لم يشك علي «علیه السلام» أنها لا تعدوه..

مع أن هذا ينافي تصريحات علي «علیه السلام» بأنه كان يعلم سلفاً بنتيجة تلك الشورى!.

سادساً: قوله: «وإني - واللّه- ما أرى أن يجمع اللّه فينا أهل البيت النبوة والخلافة»، عجيب وغريب لما يلي:

ألف: لقد جمع اللّه النبوة والخلافة فيهم «علیهم السلام»، فالنبوة في النبي، ثم كانت الخلافة في علي عدة سنوات، وفي الحسن نفسه عدة أشهر أيضاً ..

ب: إن الكلمة المذكورة إنما أطلقها عمر بن الخطاب، وأتباعه

يريدون ترسيخها، والتسويق لها على لسان الإمام الحسن «علیه السلام» أيضاً، بالرغم من أنها ظاهرة الخطل..

ب: من أين علم عمر، وغيره: أن اللّه تعالى لا يجمع بين النبوة والخلافة في بني هاشم؟! فإن الأمر بيد اللّه يفعل ما يشاء وفق مصلحة العباد، ولا يحق لأحد التدخل فيما يختاره، وأن يصدر له الأوامر والفتاوى

ج: إن النبي «صلی اللّه علیه وآله» هو الذي قرر مقام الإمامة والخلافة الأمير المؤمنين «علیه السلام» من بعده، كما أن الآيات القرآنية الكثيرة قد صرحت بهذا الأمر كما تقدم..

ومن أين علم عمر بهذا القرار الإلهي القاضي بعدم جمع النبوة والخلافة لبني هاشم؟! هل أطلعه اللّه على غيبه ؟! وكيف؟!! ولماذا لم يطلع نبيه عليه، ليوفر عليه كل تلك الجهود التي بذلها في البيعة له يوم الغدير، وسائر الجهود في المناسبات الأخرى؟!

سابعاً: ذكر في الوصية المتقدمة عن أبي عمر: قول الإمام الحسن «علیه السلام» لأخيه:

«فلا أعرفن ما استخفك سفهاء أهل الكوفة فأخرجوك». وهذا الكلام لا يمكن أن يصدر عن الإمام الحسن «علیه السلام» لأسباب عديدة، منها ما يلي:

1- إن الإمام الحسن «علیه السلام» قد سمع من جده ما يجري على الإمام الحسين «علیه السلام»، ورأى مرات كثيرة بكاء النبي

«صلى اللّه علیه وآله» عليه، فلو كان «علیه السلام» سوف يقع في سفهاء أهل الكوفة، فقد كان من المفروض أن يكون النبي وعلي والزهراء «علیهم السلام» وكل من يعرفه قد حذره ونهاه عن طاعة أهل العراق، وأن تتوالى هذه التحذيرات منهم عليه.

2- إن الحسين «علیه السلام» كان إماماً بنص من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فكيف يجعل اللّه ورسوله إماماً يستخفه السفهاء، ويخرجونه، ليواجه القتل هو وأهل بيته وأصحابه؟!

3- إن الإمام الحسين «علیه السلام» إمام معصوم بنص آية التطهير، وقد بلغ في طاعته اللّه إلى الحد الذي أصبح فيه سيد شباب أهل الجنة. ومن كان كذلك كيف يصح أن يستخفه السفهاء، ويوقعوه في فخ إغراءاتهم التي أدت به إلى القتل؟! وأين التسديد الإلهي والرعاية الربانية عنه ؟!

4- وإذا كانت هذه النصيحة قد أسداها الإمام الحسن «علیه السلام» إليه حقا، فلماذا لم ينتفع بها، ويمتنع عن إطاعة سفهاء أهل الكوفة؟!

5- ألا يدل هذا التحذير القوي من الإمام الحسن «علیه السلام» على أن المقصود هو تبرئة يزيد، أو فقل: التخفيف من جرمه، وجعل معظم الذنب على عاتق الحسين «علیه السلام» الذي استخفه سفهاء أهل الكوفة؟!

6- إن استخفاف السفهاء للشخص ليس من المعاني المحمودة،

ولأجل ذلك قال تعالى عن فرعون: (فاسْتَخفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ) (1). أي أنه مارس أسلوباً من شأنه أن يقلل من وزن قومه، ويخفف مستوى تفكيرهم. فإن من يكون في تجمع جاهيري صاخب يتدنى مستوى تفكيره ليصبح في أحط درجاته.

وكذلك حين يطلق صاحب السلطة والمال والقوة وعوده المغرية للناس، ويثير مشاعرهم بشعارات غائمة، تدغدغ المشاعر والأحاسيس، فإنه سرعان ما يصبح زمام مشاعرهم بيده، ويتمكن من الهيمنة عليهم، والحصول على طاعتهم.. مما يعني: أن رجاحة العقل، والحفاظ على مستوى الثبات يمنع من تسلط الطواغيت على الشعوب. وقد يكون من وسائل التخفيف من مستوى الثبات - بالإضافة إلى الإغراءات بالوعود - خداع الشعوب بتحريف الوقائع، وقد يكون منها إطلاق الشائعات الباطلة لصرف الأنظار عن المكائد التي تدبر وتحضر..

وقد يكون.. وقد يكون..

وهنا نقول:

لا بد أن نسأل عن طبيعة الوسيلة التي استفاد منها السفهاء حتى سلبوا من الحسين «علیه السلام» رجاحة عقله، وثباته، وجعلوه خفيف الميزان، تتجاذبه رياح أهوائهم وتسويلاتهم، وتزييناتهم؟!


1) الآية 54 من سورة الزخرف

7- وإذا كان السفهاء قادرين على ذلك بالنسبة للإمام المعصوم، فما بالك بسائر الناس، حتى لو كانوا من أهل العقل الراجح ومن أولي الألباب.

8- والأهم من هذا وذاك أن يكون الذين يخدعون الإمام الحسين «علیه السلام» المسدد، والمعصوم، والأعلم، والأفقه، والأفضل في كل شيء - يكون هؤلاء - هم السفهاء، الذين يفترض، بكل عاقل أن يتجنبهم، وأن يتعامل معهم بكثير من الريب والحذر.. فما باله- وهو الإمام المسدد، والمعصوم - يكون هؤلاء بالذات هم الذين يسلبونه ثباته، ويفقدونه توازنه ويسقطون رجاحة عقله !! .

ثامناً: إن هذا النص يظهر: أن الإمام الحسين «علیه السلام» كان هو البادئ بلبس السلاح، وكذلك أتباعه.

فلما بلغ ذلك مروان استلام، ولبس السلاح أيضاً.. فما فعله مروان كان ردة فعل على ما فعله الحسين «علیه السلام» ومن معه.

وهذا غير صحيح كما دلت عليه سائر النصوص.

الحسن «علیه السلام»: يستأذن عائشة!!:

وذكر الإمام الحسن «علیه السلام»: أنه كان قد استأذن عائشة أن يدفن في بيتها، ثم طلب استئذانها من جديد ليطمئن من طيب نفسها. فإن أذنت دفنوه في بيتها، وإلا ففي بقيع الغرقد، أسوة له بالمدفونين فيه

ونقول:

أولاً: إن النبي «صلی اللّه علیه وآله» لم يملك نساءه بيوتا، بل هو قد أسكنهن في بيوت له. وإلا، فنحن نسأل عن بيوت بقية نسائه ماذا فعلن بها؟! هل بعنها ؟! أو بقيت في حوزتهن؟! وإن كانت قد بقيت كذلك، فمن هم ورثتها بعد موتهن؟!

وفي جميع الأحوال نقول:

إنه على الأقل لا يوجد نصوص تثبت أن للنساء نصيباً من البيوت، سوى ما تدعيه عائشة. مع أنه «صلی اللّه علیه وآله» مات عن تسع نساء.

وإنما نسبت البيوت إلى النساء في بعض الآيات بلحاظ سكناهن فيها، فإن الإنسان إذا استأجر بيتاً، فيصح أن تقول له: ادخل إلى بيتك، وأن يقول لك: تعال إلى بيتي، ويقال أيضاً: كنا في بيته، ونحو ذلك.

على أن هذه البيوت عينها نسبت إلى رسول اللّه «علیه السلام» أيضاً، كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ) (1).

ثانياً: قولهم: إن نساءه قد ورثن بيوته بعده، لا يستقيم، لما يلي:

ألف: إنهم قد زعموا لفاطمة «علیها السلام»: أن معاشر الأنبياء لا يورثون. وعلى هذا الأساس حرموها «علیها السلام» من إرث أبيها، فكيف ورثت النساء - ومنهن عائشة - البيوت من رسول اللّه


1) الآية 53 من سورة الأحزاب

«صلى اللّه علیه وآله»؟!

ب: إذا كان الأنبياء يورثون، فالزوجات لا يرثن من الأرض، فعائشة إن ورثت شيئاً، فلا بد أن يكون من البناء والجدران. أما الأرض فهي لفاطمة «علیها السلام»، ولا يحق للزوجات منع الوارث من التصرف في الأرض التي ورثها..

ج: لو سلمنا أن الزوجة ترث من الأرض، فإن نصيب جميع الزوجات هو الثمن، فإذا كانت له «صلی اللّه علیه وآله» تسع زوجات حين وفاته، فلا بد من تقسيم الثمن إلى تسعة أسهم، فتعطى كل زوجة: تسع ثمن..

ولذلك قالوا لعائشة آنئذ:

لك التسع من الثمن*** وفي الكل تملك

د: إن عائشة كانت قد تصرفت ليس فقط بتسع الثمن المزعوم، بل بالثمن كله، وبأضعاف عديدة له، حين دفنت أباها، ثم عمر بن الخطاب عند رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فلماذا إذن تمنع الوارث الحقيقي لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، من دخول البيت الذي جعله اللّه تعالى له؟!

ه- من الذي قال: إن النبي «صلی اللّه علیه وآله» قد ملك الحجر لزوجاته، فإن المطلوب منه إسكان زوجته، وليس المطلوب تمليكها المسكن.. فإن ادعوا بأنه ملكهن الحجر طالبنهم بالدليل والشاهد.. على

أنه لو صح هذا لكان لسائر زوجاته حجر أيضاً.

و: قد ذكرنا في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم «صلی اللّه علیه وآله» أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» لم يدفن في البيت الذي كانت تسكنه عائشة، بل دفن في بيت فاطمة «علیها السلام».

والشواهد على ذلك كثيرة، ويكفي أن نذكر: أن باب بيت عائشة كان يفتح إلى جهة الشام (1).

وهذا معناه: أن بيتها كان إلى جهة القبلة في مسجد النبي «صلی اللّه علیه وآله»، فكان باب بيت عائشة في مواجهة المصلين في الروضة، ولذا قالوا: إن النبي كان في مرضه (أي قبل انتقاله إلى بيت فاطمة( في حجرة عائشة، فكشف النبي «صلی اللّه علیه وآله» الستر، فكاد الناس أن يفتنوا، وهم في الصلاة لما رأوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله» (2).


1) راجع: الصحيح من سيرة النبي الأعظم «صلی اللّه علیه وآله» ج33 ص 120 - 124 عن مصادر كثيرة

2) راجع: البخاري (ط سنة 1309ه-) ج 3 ص 61 وج1 ص82 و (ط دار الفكر) ج 1 ص 183 و ج 2 ص 60 وج 5 ص 141 والرواية وإن كانت قد ذكرت إقرار النبي «صلی اللّه علیه وآله» لأبي بكر على الصلاة لكن ذلك غير صحيح. ولهذا البحث مجال آخر وراجع البحار ج 28 ص144 وعمدة القاري ج 6 ص 3 وج 7 ص 280 و ج 18 ص69 وصحيح ابن خزيمة ج 2 ص 41 و ج 3 ص 75 وصحيح ابن حبان ج 14 ص 587 والثقات لابن حبان ج 2 ص 130 والطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص 217 وسبل الهدى والرشاد ج 12 ص 305

فهذا يدل على أنه «صلی اللّه علیه وآله» كان في مقابلهم.

وإذا نظرت موضع قبر رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» فستراه على يسار المصلي في الروضة، لا في مقابله.

ز: وإذا ادعوا أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» قد ملك زوجاته الحجرات، ولو من دون شاهد ودليل، فإن النبي «صلی اللّه علیه وآله» قد ملك فاطمة «علیها السلام» فدكا في حياته، وأقبضها إياها في حياته، وكان عمالها فيها، فلماذا لا تقبلون ذلك منها.

ثالثاً: زعموا - كما ذكره صاحب الاستيعاب -: أن الإمام الحسين «علیه السلام» أتى عائشة حين موت أخيه، واستأذنها في دفن أخيه في بيتها، فأذنت له: فبلغ ذلك مروان، فقال: كذب، وكذبت.

ثم ذكرت الرواية: أن مروان استلام، فبلغ ذلك أبا هريرة، فبادر إلى إقناع الإمام الحسين «علیه السلام» بصرف النظر عن هذا الأمر، فقبل منه، ودفنه بالبقيع..

ونقول:

إن هذه المزاعم تزور الحقائق فى أكثر من اتجاه، فمثلا:

1- هي تبرئ ساحة عائشة من أية مسؤولية عما حدث لجنازة الإمام الحسن «علیه السلام».

2- إنها تمنح عائشة أوسمة جميلة وجليلة، فهي المحبة لأهل البيت، الباذلة لأموالها لهم، والمتفضلة عليهم، بالرغم مما جرى في حرب الجمل !!

3- إن هذا السياق يمحو عن عائشة تهمة عدم حبها لسبطي الرسول وسيدي شباب أهل الجنة، وتبرئها أيضاً من ركوب البغل، وتحريضها بني أمية على بني هاشم، وتسببها في رمي جنازة الإمام الحسن «علیه السلام» بالسهام، وغير ذلك مما جرى في تلك الحادثة المؤلمة..

4- في الرواية إقرار من الإمام الحسن، ومن الإمام الحسين «علیهما السلام» بأن الرسول مدفون في بيتها، مع أنه دفن في بيت الزهراء «علیها السلام».

5- فيها إقرار بأن البيت ملك لها.

6- فيها تبرئة لبني أمية من أية إساءة للحسنين «علیهما السلام»، وحصر الإساءة بمروان بن الحكم.

7- فيها إظهار لشجاعة مروان الذي لبس لامة الحرب ليواجه الإمام الحسين «علیه السلام»، وسائر بني هاشم، في مناسبة زاخرة بالتوهج العاطفي، والانفعال..

8- إنها أعطت أبا هريرة دور المصلح الناجح، الذي استطاع أن يفتح عيني الإمام الحسين «علیه السلام» على أمور جعلته يعدل عما كان قد عقد العزم عليه.

9- إنها أظهرت: أن الإمام الحسين «علیه السلام» لم يلتزم بوصية أخيه، لأن الإمام الحسن «علیه السلام» كان قد أخبره أن القوم سوف يمنعونه من دفن أخيه عند جده، وقال له: «فإن فعلوا فلا تراجعهم في ذلك».

ولكن الإمام الحسين «علیه السلام» أصر على موقفه، حتى احتاج أبو هريرة إلى أن يكلمه، ويناشده، ويذكره بقول أخيه.. قال: «فلم يزل به حتى فعل».

دفن إلى جنب أمه فاطمة:

وما زعمه النص المتقدم، من أن الإمام الحسن «علیه السلام» دفن إلى جنب أمه فاطمة «علیها السلام».. إنما يراد به الإيحاء: بأن قبر الزاهرء كان ظاهراً معروفاً، وقد دفن الإمام الحسن إلى جنب أمه...

مع أن الزهراء «علیها السلام» قد دفنت ليلا، ولم يعلم أحد موضع قبرها إلى يومنا هذا.. فلا حاجة إلى هذه الإيحاءات الممجوجة. التي تريد أن تخلط بين فاطمة بنت أسد، فإنها جدة الإمام الحسن والجدة أم، وهي مدفونة في البقيع، وقد صرحت الروايات الأخرى: أنها هى المقصودة بالكلام هنا..

ولكن هؤلاء - كالذئب النائم - فهم يغمضون عيناً، حتى لا يروا فاطمة بنت أسد، ويفتحون العين الأخرى، ليزعموا أنهم يرون قبر فاطمة بنت محمد، مع أنهم لا يرون شيئاً في الواقع سوى ما تضعه

أهواؤهم أمام مخيلتهم..

الحسين «علیه السلام» يتذكر ليلة عاشوراء:

أما ما زعمه ابن حجر الهيثمي، من أن الحسين «علیه السلام» قد تذكر هذه الوصية بالذات في ليلة قتله، وهي ليلة عاشوراء، فلا ندري من أين حصلت للّهيثمي هذه المعرفة؟! وأين هي الرواية التي ذكرت ذلك له لننظر في سندها ودلالتها، لنعرف إن كان يمكننا الاعتماد عليها أم لا؟!

وإن لم يكن يملك رواية دلته على هذا الأمر، فنحن لا نملك إلا رد کلامه عليه، فإن أمثال هذه الأمور لا تثبت بالظنون، ولا يعتمد فيها على الأحلام والرؤى.

مروان يحمل سرير الإمام الحسن«علیه السلام»:

عن جويرية بن أسماء قال: لما مات الحسن «علیه السلام» أخرجوا جنازته، فحمل مروان بن الحكم سريره، فقال له الحسين «علیه السلام»: تحمل اليوم جنازته، وكنت بالأمس تجرعه الغيظ ؟!

قال:مروان نعم كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال (1).


1) سير أعلام النبلاء ج 3 ص 276 وأنساب الأشراف ج3 ص300 ومقاتل الطالبيين ص 82 وبحار الأنوار ج 44 ص 145 عن المدائني، وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 16 ص 13 و 51 والطبقات الكبرى لابن سعد (القسم ص13 غير المطبوع) ص 91 وتذكرة الخواص ج 2 ص 66

ونقول:

1- قد أظهرت النصوص التي ذكرناها، فضلاً عما سواها: أنه لا محل لهذه المزاعم الواهية، والسمجة، لأن القارئ الذي يحترم نفسه يشعر بأنها تدل على الاستخفاف به، وتعتبره ألعوبة في يدها..

2- والأمر اللافت هنا: أننا وجدنا من هو على أتم الاستعداد للتضحية بنفسه وبكرامته في سبيل مروان بن الحكم المعروف بأنه خيط باطل.

ولم يكن يخطر لنا على بال: أن يوجد في الناس من يتطوع للدفاع عن مروان في أمر لا يمكن تصديقه، مع تضافر النصوص، وإجماعها على تكذيبه.. مع أن هذا المتطوع يعلم: بأن مصيره سيكون هو أن يصبح أضحوكة بين الناس، ويصير مثلا فى الوقاحة والافتراء الصريح.

إلا إن كان يعتقد: أن هذا الفعل يقربه إلى اللّه زلفى. ويكون حاله حال ذلك الشخص الذي كان يتبجح بأنه قد وضع الأحاديث المكذوبة على لسان رسول اللّه في فضائل القرآن..

فلما اعترضوا عليه: بأنك قد ارتكبت جرماً عظيماً في الكذب على اللّه ورسوله قال: ما كذبت عليه، وإنما كذبت له..

فهل واضع هذا الحديث لصالح مروان، يريد أيضاً: أن يقول للناس: ما كذبت عليه، بل كذبت له؟!

شماتة معاوية بموت الحسن «علیه السلام»:

لما بلغ معاوية موت الحسن بن علي «علیهما السلام»، سجد، وسجد من حوله، وكبّر وكبّروا معه.

فدخل عليه ابن عباس (وعند سبط ابن الجوزي: أنه دخل عليه، وكان بصره قد ذهب) فقال:له يا ابن عباس، أمات أبو محمد ؟

قال: نعم رحمه اللّه، وبلغني تكبيرك وسجودك، أما واللّه ما يسد جثمانه حفرتك، ولا يزيد انقضاء أجله في عمرك.

قال: حسبته ترك صبية صغاراً، ولم يترك عليهم كثير معاش.

فقال: إن الذي وكلهم إليه غيرك.

وفي رواية: كنا صغاراً فكبرنا.

قال: فأنت تكون سيد القوم.

قال: أما وأبو عبد اللّه الحسين بن علي «علیهما السلام» باق فلا (1).

ونقول:

تحدث هذا النص، عن:


1) بحار الأنوار ج 44 ص 159 عن ربيع الأبرار للزمخشري، وعن العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي، وعن مناقب آل أبي طالب ج3 ص203 وتذكرة الخواص ج 2 ص 67 و 68

1- سرور معاوية وحزبه بموت الإمام الحسن «علیه السلام».

2- إنه قد عبر هو وصحبه عن هذا السرور بالتكبير والسجود، لإيهام السذج: أن موت سيد شباب أهل الجنة، وريحانة الرسول «صلی اللّه علیه وآله» من موجبات التقرب إلى اللّه، أي أن اللّه تعالى يثيبهم على هذا الفرح، ويحب من يظهره.

مع العلم أن اللّه تعالى هو الذي أعلم نبيه بأن الحسنين «عليهما السلام» سيدا شباب أهل الجنة، وهو الذي نزل في كتابه تطهير الحسنين، واعتبرهما في آية المباهلة ابني رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وجعلهما شريكين لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» في الدعوى، وفي المباهلة لإثباتها.

3- إن ابن عباس قد وضع الإصبع على الموضع الذي يؤلم معاوية، لأنه ركز على مصير معاوية بعد موته، وبيَّن عجزه عن أي إجراء مجدٍ في تلك اللحظات بالذات..

فإن أكثر ما يزعج الطواغيت هو أن تواجههم بما يعجزون عنه، وذلك لأنهم يعطون أنفسهم موقع الإله القادر على كل شيء، والمالك لكل شيء.

وهذا ما صنعه إبراهيم «علیه السلام»، فحين ادعى طاغوت زمانه أنه يحيي الموتى، (قالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّه يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ

المشرق فاتِ بِهَا مِنَ الْمَعْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) (1).

وهذا ما حاول ابن عباس أن يواجه به معاوية، حيث قال له رداً على تكبيره فرحاً، باستشهاد الإمام الحسن «علیه السلام»: «أما واللّه، ما يسد جثمانه حفرتك، ولا يزيد انقضاء أجله في عمرك».

وهذا كلام مؤلم للإنسان المستكبر الذي لا يملك أكثر من آلة الموت التي هي دليل عجزه عن النيل من القلب والمشاعر، والفكر، والرؤية والرأي، والاعتقاد .. فإذا لجأ إلى وسيلة القتل، يكون قد قدم برهانا عمليا على عجزه وفشله الذريع.

4- وقد حاول معاوية في مواجهة ابن عباس في هذه اللحظة الحرجة أن يتلاعب ويتذاكى على ابن عباس، وعلى الناس، بتغيير مسار الكلام، فادعى أنه يفكر في الوضع المعيشي لأبناء الإمام الحسن «علیه السلام»، الذين لا يعرف أعمارهم، ولكنه يحتمل أن يكونوا صغاراً .

وكأنه يلوح لابن عباس بأن الإمام الحسن «علیه السلام» بحاجة إليه حتى بعد وفاته، وكأنه بصدد المن على الإمام الحسن «علیه السلام» ببعض ما كان يؤديه إليه، مما اشترطه عليه في عقد الصلح كما بيناه في موضع آخر. ويريد أن يتظاهر بالحرص على إعالة صبيته، مع أن المال الذي يتبجح به إنما هو للمسلمين. وقد استولى هو


1) الآية 258 من سورة البقرة

عليه بالقوة والقهر، وقد شرط الإمام الحسين عليه أن يؤدي إليه شطراً منه.

كما أنه بكلامه هذا يتجاهل الإمام الحسين «علیه السلام»، وكونه الوصي لأخيه، وعميد بني هاشم بعده. والمفروض أن يكون الكافل لأبناء أخيه.

5- تضمن جواب ابن عباس لمعاوية: أن الإمام الحسن عليه السلام» لا يعتمد في معاشه ومعاش صبيته على معاوية، بل هو يكل أمر عائلته بعد وفاته إلى اللّه تعالى، والسبب القريب هو الإمام الحسين «علیه السلام»، فإنه هو الوصي لأخيه على أبنائه، وعلى كل ما يتعلق به.

6- ثم حاول معاوية أن يوجد منافسين للإمام الحسين «عليه السلام»، وطامحين وطالبين لمقامات ليس لهم الحق في طلبها، خصوصاً مع وجود الآيات القرآنية والنصوص النبوية، التي أشارت إلى أن الإمام الحسين «علیه السلام» هو الذي يملك الميزات والمؤهلات لتلك المقامات.. فقال لابن عباس: فأنت تكون سيد القوم.

وابن عباس يعلم أنه لو رشح نفسه لمنافسة الإمام الحسين «علیه السلام»، فإن محله سوف يسقط لدى أهل العلم والدين.. وهذا ربح لمعاوية، ولسائر مناوئي بني هاشم..

كما أن ذلك سوف يكرس الفرقة بين الحسين «علیه السلام» وابن عباس.. وهذا أيضاً ربح آخر لمعاوية، لأن ذلك يضعف الحسين

«علیه السلام»، ويسقط ابن عباس.

7- ولكن هذه النوايا المسمومة لم تكن لتخفى على ابن عباس، فما كان منه إلا أن أعاد الكرة إلى ملعب معاوية، معلنا له: أنه واقف على حقيقة نواياه، حيث قال له: أما وأبو عبد اللّه الحسين بن علي «عليهما السلام» باق فلا.

8- إن هذا الفرح العارم الذي انتاب معاوية كان متوقعاً، فمعاوية كان قد التزم في شروط الصلح أن لا يولي أحدا بعده، وأن يكون الأمر من بعده للحسن ثم للحسين «علیهما السلام».

وحيث إنه كان يريد أن يجعل الأمر لولده يزيد من بعده، فلم يكن أحد أثقل على قلبه من الحسن بن علي «علیهما السلام»، وقد تضاعف خوفه حين دس إليه السم عدة مرات (1). فلم يصل إلى مطلوبه. إما لأن مقادير السم لم تكن كافية، أو لأنه قد أمكن معالجتها قبل فوات الأوان، أو لغير ذلك من أسباب..

وفشل محاولات دس السم، من شأنه أن يفتح الأعين على الجهات التي يمكن أن تكون وراء دس السم، ويصبح افتضاح أمرها أمراً محتملاً وقريبا، كما أنه يزيد من درجة التحرز والاحتياط لدى من تعرض لهذه المؤامرة، ويجعل النجاح في المحاولة أمراً أكثر صعوبة، وأعظم خطراً.


1) تذكرة الخواص ج 2 ص 61 والطبقات الكبرى لابن سعد

ولعل هذا الذي ذكرناه وسواه يفسر لنا سر هذا الفرح الشديد الذي أظهره معاوية حين نجحت محاولته قتل سيد شباب أهل الجنة.

وإن كان قد بقي عليه همّ آخر، وهو التخلص من الحسين «علیه السلام» أيضاً، فإنه كان صاحب الحق بعد أخيه، ووجوده سوف يصعب أيضاً أمر تولية يزيد، وإن كانت الصعوبة قد خفت باستشهاد الإمام الحسن «علیه السلام».

وكان معاوية يخشى من تطور الأمور مع الإمام الحسين «علیه السلام» إلى حد الصدام، فإنه يعلم أن هذا الصدام قد يدخله في مسارات لا يعرف نتائجها.

ولكن الإمام الحسين «علیه السلام» لم يكن يريد أن يعطيه الفرصة لارتكاب هذا الأمر سرا بالسم، ولا بالسيف جهراً، لأنه ألزم نفسه بعدم مواجهة معاوية ما دام حيا، لأنه يعلم أن الصدام معه لا يوصل إلى نتيجة سوى تحقيق أهداف معاوية نفسه، وفقا لنفس الاعتبارات التي فرضت الصلح على الإمام الحسن «علیه السلام».

ولكنه كان مصمماً على قتل الإمام الحسين أيضاً، إن احتاج إلى ذلك. كما تدل عليه بعض تصريحاته وتلميحاته. وربما كان قتله «علیه السلام» إحدى وصاياه لولده يزيد، ولمستشاريه، كما يقال.

الفصل الثالث: استشهاد الحسن «علیه السلام» في رواية الكافي..

اشارة

وصايا الحسن «علیه السلام» ومراسم دفنه:

نذكر فيما يلي بعض النصوص التي ذكرت استشهاد الإمام الحسن «علیه السلام»، وبيّنت ما جرى، وأوردت الوصايا التي صدرت عن الإمام الحسن «علیه السلام» لأخيه الإمام الحسين «علیه السلام»، وهي الوصايا التي نرى أنها هي الصحيحة، والسليمة عن الدس، والبعيدة عن الشبهة والريب..

وقد رسم الإمام الحسن للإمام الحسين «علیهما السلام» في هذه الوصايا طريقة التعامل مع تلك الأجواء والأحداث التي جرت حين دفنه «علیه السلام»..

وسيرى القارئ الكريم أن بعض المطالب سوف يتكرر في الروايات التي نذكرها، ولكننا لم نجد بدا من إيراد بعضها، على ما فيه من تكرار، لاشتمال كل واحدة منها على فوائد وعوائد أحببنا أن تكون في متناول يد القارئ الكريم..

ولتكن البداية برواية الكافي، وهي التالية:

روى الكليني رحمه اللّه، عن محمد بن الحسن، وعلي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن مُحَمَّدِ بْن سُلَيْمَانَ، عَنْ هَارُونَ بْن

الجَهْمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْن مُسْلِمٍ َقالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ يَقُولُ: لَمَّا احْتُضِرَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ع قَالَ لِلحُسَيْن: يَا أخِي إِنِّي أوصِيكَ بوَصِيَّةٍ فَاحْفَظْهَا، فإِذا أَنَا مِتُ فَهَيِّننِي، ثمَّ وَجِّهْنِي إِلى رَسُول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» لأحْدِتْ به عَهْداً، ثُمَّ اصْرِفْنِي إلى أُمِّي فَاطِمَة «علیها السلام»، ثمَّ رُدَّنِي، فَادْفِنِّي بِالْبَقِيع.

واعْلَمْ أَنَّه سَيُصِيبُنِي مِنَ الحُمَيْرَاءِ مَا يَعْلَمُ النَّاسُ مِنْ صَنِيعِهَا وعَدَاوَتِهَا للّه وَلِرَسُولِهِ «صلی اللّه علیه وآله»، وعَدَاوَتِهَا لَنَا أَهْلَ الْبَيْت. فلمَّا قُبِضَ الحَسَنُ «علیه السلام» ووُضِعَ عَلى سَريره، فانطلقوا به إِلى مُصَلَّى رَسُولِ اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيه عَلى الجَنَائِزِ فَصَلَّى (1)عَلى الحَسَن «علیه السلام»، فلمَّا أَنْ صَلَّى عَلَيْهِ حُمِلَ فَأُدْخِلَ الْمَسْجِدَ.

فَلمَّا أُوقِفَ عَلى قَبْر رَسُول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بَلغَ عَائِشَة الخَبَرُ، وقِيلَ لَهَا: إِنَّهُمْ قَدْ أَقْبَلُوا بِالحَسَن بْن عَلِيٍّ لِيُدْفَنَ مَعَ رَسُول اللّه، فَخَرَجَتْ مُبَادِرَةً عَلَى بَعْلِ بِسَرْج، فَكَانَتْ أَوَّلَ امْرَأَةٍ رَكِبَتْ فِي الْإِسْلامِ سَرْجا، فوقفت وقالت: نَحُوا ابْنَكُمْ عَنْ بَيْتِي، فَإِنَّهُ لَا يُدْفَنُ فِيهِ شَيْءٌ، وَلا يُهْتَكُ عَلى رَسُول اللّه حِجَابُه.


1) صرح في النص الوارد في الكافي ج 1 ص 300: إن الذي صلى على الإمام الحسن هو الحسين «علیه السلام»

فقالَ لَهَا الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ صَلَوَاتُ اللّه عَلَيْهِمَا»: قدِيماً هَتَكْتِ أنتِ وأبُوكِ حِجَابَ رَسُول اللّه، وأَدْخَلتِ بَيْتَه مَنْ لا يُحِبُّ رَسُولُ اللّه قُرْبَه، وإِنَّ اللّه سَائِلِكِ عَنْ ذلِكِ يَا عَائِشَهُ. إِنَّ أَخِي أَمَرَنِي أَنْ أَقْرِّبَهُ مِنْ أبيه رَسُول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» لِيُحْدِتْ به عَهْداً.

واعْلَمِي أَنَّ أَخِي أَعْلَمُ النَّاس باللّه ورَسُولِه، وأَعْلَمُ بِتَأْوِيل كِتَابِهِ مِنْ أَنْ يَهْتِكَ عَلَى رَسُول اللّه ستْرَه، لأنَّ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبيِّ إِلَّا أَنْ يُؤذن لكُمْ).

وقَدْ أَدْخَلْتِ أَنْتِ بَيْتَ رَسُول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» الرِّجَالَ بِغَيْرِ إِدْنِه، وقد قالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ).

ولعَمْرِي لقَدْ ضَرَبْتِ أنتِ لأبيكِ وفاروقِه عِنْدَ أَدُن رَسُول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» المَعَاوِلَ، وقالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ: (إِنَّ الَّذِينَ يَعْضُونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُول اللّه أولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللّه قُلُوبَهُمْ للتَّقوى).

ولعَمْرِي لقدْ أدْخَلَ أَبُوكِ وفَارُوقُه عَلَى رَسُول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بقرْبهِمَا مِنْه الأذى، ومَا رَعَيًا مِنْ حَقه مَا أَمَرَهُمَا اللّه بِهِ عَلَى لِسَان رَسُول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».

إِنَّ اللّه حَرَّمَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَمْوَاتًا مَا حَرَّمَ مِنْهُمْ أَحْيَاءً .

وتَاللّه يَا عَائِشَهُ لَوْ كَانَ هَذَا الَّذِي كَرِهْتِيهِ، مِنْ دَفْنِ الْحَسَنِ عِنْدَ أَبِيه رَسُول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» جَائِزاً فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ اللّه لَعَلِمْتِ أَنَّهُ

سَيُدْفنُ وإِنْ رَغِمَ مَعْطِسُكِ.

قالَ ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ وقَالَ: يَا عَائِشَهُ يَوْمًا عَلَى بَغْلٍ، ويَوْماً عَلى جَمَلٍ، فَمَا تَمْلِكِينَ نَفْسَكِ، ولا تَمْلِكِينَ الْأَرْضِ عَدَاوَةَ لِبَنِي هاشم.

قالَ فَأَقبلت عَليْه فقالت: يَا ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ، هَؤُلاءِ الْفَوَاطِمُ يَتَكَلَّمُونَ فَمَا كَلامُكَ.

فقالَ لَهَا الْحُسَيْنُ «علیه السلام»: وأنَّى تُبْعِدِينَ مُحَمَّدًا مِنَ الفَوَاطِمِ، فَوَاللّه لقدْ وَلَدَتْه ثلاث فَوَاطِمَ: فَاطِمَهُ بِنْتُ عِمْرَانَ بْن عَائِذٍ بْن عَمْرُو بْن مَخْرُومٍ، وفاطِمَهُ بِئْتُ أَسَدِ بْن هَاشم، وفَاطِمَهُ بِنْتُ زَائِدَةَ بْن الأصَمِّ بْن رَوَاحَةَ بْن حُجْرٍ بْن عَبْدِ مَعِيصٍ بْن عَامِرٍ.

قالَ فَقالت عَائِشَهُ لِلحُسَيْن «علیه السلام»: نَحُوا ابْنَكُمْ، وَاذْهَبُوا به، فَإِنَّكُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ.

قالَ فَمَضَى الحُسَيْنُ «علیه السلام» إلى قبر أُمِّه. ثُمَّ أَخْرَجَهُ، فَدَقْنَه بالبقيع (1).

ونقول: علينا ملاحظة الأمور التالية:


1) بحار الأنوار ج 44 ص 142 و ج 102 ص 264 والكافي ج 1 ص 302 وراجع ص 300 والإرشاد ج 2 ص 17 والوافي ج 2 ص 339 ووسائل الشيعة ج 3 ص 164 و ج 11 ص 497

يحدث عهداً برسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله»:

تقدّم: أن الإمام الحسن «علیه السلام» حين احتضر قال في وصيته لأخيه الإمام الحسين «علیه السلام»: «إذا أنا،مت، فهيئني ثم وجهني إلى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، لأحدث به عهداً».

ونقول:

1- إن هذه الكلمة تثير سؤالاً مفاده: إنه إذا مات الإمام الحسن «علیه السلام» فما معنى حمل جنازته إلى موضع دفن النبي «صلى اللّه علیه وآله» ليحدث به عهداً .

ويجاب:

بأن الموت لا يعني الانقطاع التام عن الحياة، ولأجل ذلك يسلّم الناس على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وهو يردّ السلام عليهم، وإن لم يسمعوا رده، وفي الزيارة: «أشهد أنك ترى مقامي، وترد سلامي، وتسمع كلامي...».

كما أنك تخاطب أهل القبور قائلا: «السلام عليكم يا أهل الديار الموحشة..». والدلائل على سماع الموتى، وعلى عدم انقطاع صلاتهم بالحياة الدنيا كثيرة.

وقد دلت هذه الكلمة على أن الإمام الحسن «علیه السلام» يريد أن يلتقي مع جده عن قرب، من خلال هذه الظروف التي يمكن للإمام الحسين «علیه السلام» أن يهيئها.

2- إن ما نشهده لدى الشيعة من أنهم إذا مات الميت جاؤوا به

إلى ضرائح الأئمة الطاهرين «علیهم السلام»، ومن له مقام محمود عند اللّه، وطافوا به حول القبر .. إن هذا مأخوذ فيما يبدو من قصة الإمام الحسن «علیه السلام» مع جده، وما هو من نظائرها.

ولهم في أئمتهم أسوة حسنة، وإنما الأعمال بالنيات.

أين دفنت فاطمة «علیها السلام» ؟!:

ورد في الرواية المتقدمة قول الإمام الحسن للحسين «علیهما السلام»: «ثم وجهني إلى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» لأحدث به عهداً، ثم اصرفني إلى أمي فاطمة «علیها السلام»، ثم ردني، فادفني بالبقيع».

فقد دلت هذه الكلمة على أن فاطمة الزهراء «علیها السلام» لم تدفن بالبقيع، ولم تدفن أيضاً في حجرة الرسول «صلی اللّه علیه وآله».

بدليل قوله: ثم اصرفني إلى أمي فاطمة. وربما تكون مدفونة إلى جنبه «صلی اللّه علیه وآله»، أو بالقرب منه كما تدل عليه كلمة: ثم اصرفني.

ويدل قوله: «ثم ردني، فادفتي بالبقيع»، على أن قبر الزهراء «علیها السلام» ليس في البقيع، بل في جهة أخرى لا بد من الرجوع إليها، بقرينة كلمة: «ردني».. فقبر فاطمة «عليها السلام» في الجهة التي ليس فيها البقيع.

الحسن «علیه السلام» يخبر عن صنيع عائشة:

وصرحت رواية الكافي المتقدمة: بأن الإمام الحسن «علیه السلام» قد أخبر أخاه بصورة جازمة بما سيصيبه من عائشة التي عبر عنها ب«الحميراء».

ولكنه لم يصرح له بحقيقة ما سوف يصيبه منها، فهل هو إشارة إلى السهام التي سوف يرشق أتباعها جنازته بها؟! أو هو نفس هذه الإهانة، وعدم الاحترام الذي يواجه به، وما يكون من السفهاء من جرأة ومن جلبة؟!.

إنه وإن لم يوضح ما يرمي إليه، ولكنه ألمح إلى أمرين:

أحدهما: أن هذا الذي سيصيبه سوف يكون معلوماً للناس.

الثاني: أنه سوف يظهر عداوتها للّه ولرسوله «صلی اللّه علیه وآله وعداوتها لأهل البيت «علیهم السلام».

ولكن السؤال هنا هو: كيف يكون منعها من دفن الإمام الحسن «علیه السلام» مع النبي «صلی اللّه علیه وآله» مظهراً لعداوتها اللّه ورسوله؟!

وكيف يكون مظهراً لعداوتها لأهل البيت «علیهم السلام»؟

والحال، أنها إنما صرحت فقط بأنها لا تحب الإمام الحسن «علیه السلام»، وعدم حب الإمام الحسن لا يلزم منه العداوة له.. ولو سلمنا أنه يلزم منه ذلك، فإنه لا يلزم منه عداوتها لأهل البيت عليهم السلام» جميعاً..

ويجاب:

ألف: إن عداوتها للإمام الحسن «علیه السلام» لا تحتاج إلى بيان، فإن من أجلى مظاهر العداوة البشعة أن ترضى بظلم البريء وارتكاب الآثام في حقه دون موجب، فكيف إذا توجه إليه الظلم والإهانة بعد موته، فإن الرضا بظلم البريء مناف للفطرة، والعقل، والوجدان.

وعائشة قد رضيت بذلك وجعلت من نفسها غطاءً لظلم بلغ حدّ رمي جنازته «علیه السلام» بالنبال، فضلاً عن سائر ما جرى من ارتكابات سيئة، وإهانات تمارس بلا وجه حق.. ضدّ من أصبح في عداد الأموات.

بل هي قد شاركت في هذا الظلم، ومارسته عمليا، حين سلبت الحق من صاحبه، ومنعته ليس فقط أن يدفن عند جده، بل منعته حتى من دخول بيته، ومن تجديد العهد به «صلی اللّه علیه وآله».

وكان شعارها هو: «نحوا ولدكم عن بيتي، ولا تدخلوا بيتي من لا أحب»، وكانت تأمر من معها بالقتال، وتحثهم عليه. فإذا كان موقفها منه وهو ميت قد تجلى بهذه الحدة والشدة، فما بالك بما كان يعتلج في صدرها من مشاعر سلبية تجاهه حين كان على قيد الحياة؟!

ولو قدّر لها أن تظهر تلك المشاعر في حياته «علیه السلام»، فكم سيكون حجمها؟! وما هو نوعها، وإلى أي مدى ستمتد آثارها؟!

ب: أما عداوتها لأهل البيت «عليهم السلام»، فيجب أن نفهمها

في سياقها الطبيعي أيضاً، فنحن نعلم: أن الإمام الحسن «علیه السلام» الذي استشهد، ومضى إلى ربه لم يكن منه تجاهها في عهد الرسول، وفي عهود الخلفاء إلى زمن أمير المؤمنين «علیه السلام». أي تعامل غير طبيعي، ولم يخرج عن دائرة الشرع والدين، والأخلاق والأدب معها..

وحين خرجت على أمير المؤمنين «علیه السلام» في حرب الجمل، وكان النبي «صلی اللّه علیه وآله» قد حذرها من ذلك، وذكر لها علامات وأحداثا تذكرها بما هو حق، وتعيدها إلى الصواب، ولكنها أصرت على الحرب، ورأت نتائجها التي لم تكن في صالحها، فعاملها علي «علیه السلام» بالصفح والرفق..

ولم يكن هناك أي احتكاك سلبي بينها وبين الحسنين «عليهما السلام»، فلما استشهد الإمام الحسن «علیه السلام» ظهر منها له ما لم يكن خافياً على من عرفها.

والخلاصة: أنه لا توجد مبررات، ولا نجد تفسيرات معقولة ومقبولة لهذا الحقد الطاغي، والعداوة الراسخة، إلا إذا قلنا: إن عائشة حين تزوجها النبي «صلی اللّه علیه وآله» قد دخلت في بيئة غريبة عنها، ولم تستطع أن تتأقلم معها. فكانت بيئة بيت النبوة محكومة بالشرع، والأخلاق، والقيم، زاخرة بالمعارف والعلوم، مشحونة بالتقوى، شعارها الزهد، والعزوف عن الدنيا، والبذل والتضحية بكل غال ونفيس في سبيل المستضعفين، وفي خدمة القيم، وترشيد

الفضائل ونيل رضا اللّه تعالى..

وبكلمة جامعة: إنهم أهل بيت النبوة والعصمة والطهارة والاتزان، والقيم، والأخلاق..

أما عائشة، فكانت لها أجواء أخرى، ولذا كانت هي محور المشكلات في بيت الرسول «صلی اللّه علیه وآله»، فكل مشكلة تحدث تجد أنها تنتهى إلى عائشة، أو أن السهم الأوفر يكون لها فيها.

واتسعت دائرة مشكلاتها لتتجاوز ضرائرها اللواتي كنّ على قيد الحياة إلى اللواتي كن قد متن منذ زمن بعيد، وحتى قبل زواج النبي بعائشة، وشملت أيضاً النساء اللواتي تحتمل أنه «صلی اللّه علیه وآله» يريد الزواج منهن..

هذا بالإضافة إلى المشكلات التي كانت تستهدف النبي «صلی اللّه علیه وآله» وعليا وفاطمة وأبناء هما «صلوات اللّه وسلامه عليهم».

وكانت عائشة تدرك أنها في محيط أهل بيت، تكون من أظهر ميزاتهم العصمة عن الذنب والخطأ، وشعارهم التقوى، والزهد، والعبادة، والالتزام بالقيم والآداب والأخلاق، والتضحيات..

وكان هؤلاء هم المرآة التي تظهر العيوب، والندوب والتشوهات، في كل من عاش بينهم، ولم يكن مثلهم، وهم المعيار الذي يقاس عليه كل أحد. ومن خلال التطابق معهم يعرف حجم الاستقامة ومدى الانحراف.

وهذا منشأ العقدة، وسبب النفور، الذي كان يزداد ويتعاظم بحسب تراكم الأخطاء، وظهور الفوارق التي بلغت حدا أصبح التباين واضحاً، ويوحي للناظر بأنه أمام نوعين من الناس، وأن الجامع بينهما إنما هو في عناوين عامة، وسمات ظاهرية، لا تلامس الحقيقة، ولا تتجاوز الظاهر إلى الباطن في شيء.

وقد انفجرت هذه العقدة في حرب الجمل، ثم عند استشهاد الإمام علي «علیه السلام» حيث أظهرت الشماتة بموته بصورة غير لائقة. ثم عند استشهاد الإمام الحسن «علیه السلام».

3- أما العداوة لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فقد اتضحت أبعادها من البيان المتقدم، فإذا كان النبي الأعظم هو الخير كله، وهو النور الذي يظهر الأمور على حقيقتها، وهو الذي يرى بعين اللّه، فإن عداوة البعيدين عن نهجه وهدايته له ستكون أشد وأعمق. وستكون محاولات الغياب عن مواضع حضوره هي الصفة الطاغية على هؤلاء...

4 - والعداوة اللّه، فإنه علام الغيوب، والمطلع على السرائر، والواقف على ما في الضمائر، فإذا كان هو الذي يرعى النبي «صلی اللّه علیه وآله» وأهل بيت النبوة، بما فيهم علي وفاطمة والحسنان، فإن من يبغض هؤلاء لا يحب من يرعاهم، ويحفظهم ويسددهم..

فخرجت على بغل بسرج:

تقول الرواية المتقدمة عن عائشة: «فخرجت مبادرة على بغل

بسرج، فكانت أول امرأة ركبت في الإسلام سرجا».

أي أن البغل قد يركب مسرجا، وقد يركب بدون سرج. والعبارة المذكورة آنفا تدل على ذلك، لأنها تقول: خرجت على بغل بسرج». والذي ورد على لسان النبي الأكرم في مقام الذم هو قوله: «إذا ركب ذوات الفروج السروج» (1)، وهو السبب في النقد الموجّه إلى،عائشة فإنها ركبت بغلا بسرج.

فادعاء: أن فاطمة الزهراء «علیها السلام» قد سبقت عائشة إلى ركوب البغلة، حيث روي أنها ركبت بغلة يوم عرسها (2)، وأن علياً


1) مستدرك الوسائل للنوري الطبرسي ج 8 ص 275 وبحار الأنوار ج 6 ص 307 ومنهاج البراعة في شرح نهج البلاغة لحبيب اللّه الهاشمي الخوئي ج 11 ص 198 وجامع أحاديث الشيعة للسيد البروجردي ج13 ص 370 ومستدرك سفينة البحار للشيخ علي النمازي الشاهرودي ج ص 347 وج 10 ص 52 وتفسير القمي ج 2 ص 305 والتفسير الصافي للفيض الكاشاني ج 5 ص 25 والبرهان في تفسير القرآن للسيد هاشم البحراني ج 5 ص 62 وتفسير نور الثقلين للشيخ الحويزي ج 5 ص 36 وتفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب للشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي ج 12 ص 232 وتفسير الميزان ج 5 ص 395 ونفس الرحمن في فضائل سلمان للميرزا حسين النوري الطبرسي ص 397

2) كشف الغمة للإربلي ج 1 ص 387 ومستدرك الوسائل ج 14 ص 198 ودلائل الامامة لمحمد بن جرير الطبري (الشيعي) ص 103 ومدينة المعاجز ج 2 ص 351 و بحار الأنوار ج 43 ص 140 وجامع أحاديث الشيعة ج 20 ص 169

أركبها على حمار، ودار بها على بيوت المهاجرين والأنصار يدعوهم إلى نصرته (1).. ادعاء باطل، ولا يبرئ،عائشة، ولا يبطل النقد الموجّه إليها.

فأولاً: إن ركوب فاطمة بغلة موضع شك، لأن بيت علي وفاطمة كان في المسجد، وكان بيت النبي «صلی اللّه علیه وآله» في المسجد أيضاً، فإذا أرادوا نقلها «علیها السلام» من بيت أبيها إلى بيت علي، فلا حاجة إلى بغل، ولا إلى حمار، بل هي تنتقل مشياً على الأقدام من بيت إلى بيت، أو من حجرة إلى حجرة ..

ثانياً: لو سلمنا أنها احتاجت إلى بغلة تنقلها إلى بيت آخر بعيد، فإن ركوب البغلة بذاته ليس مذموماً، بل المذموم هو ركوب البغلة المسرجة، كما صرحت به الرواية عن النبي «صلی اللّه علیه وآله»، والرواية التي نحن بصدد الحديث عنها. فلو أن فاطمة ركبت بغلة بسرج لكان الإشكال وارداً..

ثالثاً والأكثر طرافة: ذكرهم ركوب الحمار أيضاً. مع أنه لم يذكر فيه أنه كان بسرج أو بدونه، بل صرحت النصوص بأنها عليها السلام» قد ركبت أتاناً عليه كساء له خمَل..


1) راجع: الاختصاص للشيخ المفيد ص 184 وبحار الأنوار ج 29 ص 191 وراجع: مستدرك سفينة البحار للشيخ علي النمازي الشاهرودي ج 2 ص 407 والصحيح من سيرة الإمام علي «علیه السلام» ج 10 ص 90

نحوا ابنكم عن بيتي:

1- أما فيما يرتبط بقول عائشة: «نحوا ابنكم عن بيتي، «فإنه لا يدفن فيه شيء، ولا يهتك عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» حجابه».

فقد كنا نتوقع أن تقول: «نحوا ابن رسول اللّه عن بيتي». فإنها سمعت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» عشرات المرات يؤكد على أن الحسنين «علیهما السلام» ابناه.

إلا إذا كانت تريد أن تنكر أنهما ابنا رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله أيضاً، كما هو حال بني أمية..

2- بالنسبة لادعائها ملكية البيت المدفون فيه رسول اللّه «صلى اللّه علیه وآله» نقول:

قد تحدثنا عن هذا الأمر في سياق الحديث عن «الوصية المكذوبة»، فليراجع ما ذكرناه هناك.

3- يلاحظ: أنها قالت هنا عن بيتها: «فإنه لا يدفن فيه شيء»، ولم تقل: لا يدفن فيه أحد، مع أن هذا هو التعبير الطبيعي عن الأشخاص في حياتهم، وبعد مماتهم. فلماذا اختارت هذا التعبير بالخصوص ؟!

ويمكن أن نجيب:

بأن كلمة شيء يكنى بها عن كل موجود، مهما كان نوعه، وحقيقته، وسواء أكان حقيراً أو جليلا، تافها أو ذا قيمة، مما يستحسن

التصريح باسمه، أو كان مما يقبح التصريح باسمه، وسواء أكان محبوباً للمتكلم أو مبغوضاً له. وقد يستفاد من هذا التعبير في مقام المبالغة في التحقير، وقد يستفاد منه في مقام المبالغة في التعظيم.

وحيث إن عائشة لم تكن في مقام التعظيم والثناء على الإمام الحسن «علیه السلام»، فإن قرينة المقام تحتم أن تكون أرادت التجاهل على أقل تقدير، إن لم نقل: إنها أرادت التحقير، وأن يذهب ذهن السامع كل مذهب في تصور الأشياء التي لا يمكن أن توصل إلا إلى هذه النتيجة وهي الإساءة لأهل البيت «عليهم السلام»، ولرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»..

أدخلت بيت النبي من لا يحب:

وقد جاء جواب الإمام الحسين «علیه السلام» لعائشة جازماً وحاسماً، وبطريقة المجاراة في المنطق على قاعدة: من فمك أدينك. فقد استدلت بأن الدفن عند رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» هتك الحجابه..

ونقول:

لقد تضمن كلام الإمام الحسين «علیه السلام» إجابات عديدة لعائشة على كلامها هذا..

فأولاً: لم توضح لنا كيف صار ذلك هتكاً لحجاب النبي «صلی اللّه علیه وآله»، فإن المفروض أن المطلوب هو دفن الإمام الحسن «علیه السلام»، الذي هو ابن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بنص

صريح تكرر صدوره منه «صلی اللّه علیه وآله»، وهو أيضاً من أهل بيت النبوة الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وهو سيد شباب أهل الجنة، فكيف يكون دفنه عند رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» هتكاً لحجاب الرسول «صلی اللّه علیه وآله»؟!

ثانياً: إن المطلوب ليس هو دفن الإمام الحسن «علیه السلام»،

بل المطلوب هو إدخاله إلى الحجرة لمجرد تجديد العهد بجده، على حد قول الإمام الحسين «علیه السلام».. ولذا قالت عائشة لهم: ولا تدخلوا بيتي من لا أحب، ولم تقل: لا تدفنوا في بيتي من لا أحب..

ثالثاً: إن عائشة وأباها قد هتكا حجاب رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» بدفن أبي بكر، وعمر عنده «صلی اللّه علیه وآله». ولا سيما بعد قول: إن النبي ليهجر، وبعد ضربه لابنته فاطمة وإغضابها، وإسقاط جنينها، وقد ماتت وهي واجدة على أبي بكر، وغير ذلك مما جرى. فإنه «صلی اللّه علیه وآله» لم يكن يحب من فعل ذلك أو يبغضه في أسوأ الفروض..

فكيف جاز لعائشة أن تدخل على رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله من لا يحب.. ثم تمنع من دخول ولده، وحبيبه عليه؟! مع أنه لا يريد بدخوله سوى تجديد العهد بجده؟!.

رابعاً: إن الإمام الحسن «علیه السلام» - كما يقول الإمام الحسين «علیه السلام» - أعلم الناس باللّه ورسوله، وأعلم بتأويل كتابه.. ومن كان كذلك لا يمكن أن يأمر بهتك ستر و حجاب رسول اللّه «صلى اللّه

عليه وآله».. ولأجل ذلك لم يوص «علیه السلام» بدفنه عند الرسول «صلی اللّه علیه وآله»، بل أوصى بأن يقربه من أبيه رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ليحدث به عهداً..

فلاحظ كلمة: «أن أقربه»، فالمطلوب:

1- هو مجرد القرب منه «صلی اللّه علیه وآله» وليس الدفن عنده..

2- إن سبب هذا الطلب هو تجديد العهد بالنبي «صلی اللّه علیه وآله»، لا أن يدفن معه...

3- إن الرسول «صلی اللّه علیه وآله» ليس غريباً عن الإمام الحسن «علیه السلام»، بل هو أبوه . والذين أدخلتهم عائشة على الرسول ليسوا من ولد النبي «صلی اللّه علیه وآله» ولا من أقاربه.

خامساً: إن عائشة بدفنها أبا بكر وعمر عند رسول اللّه «صلى اللّه علیه وآله» قد خالفت نصوصاً لآيات قرآنية ثلاث:

الآية الأولى: قوله تعالى: (يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النبي إلا أن يُؤدْنَ لَكُمْ) (1).وهذا يعطي

ألف: ان هذا البيت الذي دفن فيه النبي «صلی اللّه علیه وآله» هو من بيوت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وليس من بيوت زوجاته.

ب: ان الدخول إلى بيوت النبي «صلی اللّه علیه وآله» يحتاج إلى


1) الآية 53 من سورة الأحزاب

إذن النبي، لا إلى إذن عائشة أو غيرها.

الآية الثانية: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) (1).وعائشة قد ضربت المعاول عند أذن النبي «صلی اللّه علیه وآله» لأجل أبيها وفاروقه، وهذا من أجلى مصاديق رفع الصوت فوق صوته «صلی اللّه علیه وآله».

والنبي «صلی اللّه علیه وآله» بعد موته يسمع الأصوات، ويرد التحايا، وقد ورد أشهد أنك ترى مقامي، وتسمع كلامي، وترد سلامي، والشواهد على ذلك كثيرة.

الآية الثالثة: آية الأمر بغض الصوت عند الرسول «صلی اللّه علیه وآله»، وهي قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَعْضُونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولُ اللّه أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللّه قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) (2).

فهناك آيتان: إحداهما تنهى عن رفع الصوت فوق صوت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ولم يقتصر الإمام الحسين «علیه السلام» في استدلاله على هذه الآية، مع أنها تكفي لإدانة عائشة فيما فعلته من ضرب المعاول عند أذن النبي «صلی اللّه علیه وآله»، لأن المقصود هو إدانة هذا التصرف المزعج والمهين لرسول اللّه «صلی اللّه علیه


1) الآية 2 من سورة الحجرات

2) الآية 3 من سورة الحجرات

وآله»، ولو لم يكن النبي يتكلم، فإن نفس إحداث الأصوات الحادة عنده «صلی اللّه علیه وآله» ينافي تكريمه واحترامه.

فالنبي الذي لا شك في أنه يحترم نفسه وجليسه كان يتكلم بهدوء، ويراعي مقتضيات الأحوال في رفع الصوت وانخفاضه، فمستويات صوته التي نعهدها منه «صلی اللّه علیه وآله» هي المعيار. فيجب أن نراعيها، بحيث تكون أصواتنا في محضره- حيا وميتا - أخفض منها، حتى لو تكلمنا حين يكون النبي ساكتا.

ولأنه قد يقال لأجل تمحل الأعذار: إن الآية خاصة برفع الصوت في حال انشغال النبي «صلی اللّه علیه وآله» بالكلام فعلا، فلا تشمل حال سكوته في حياته، وسكونه بعد وفاته.

فقد جاء استدلاله «علیه السلام» بالآية الثالثة: (إِنَّ الَّذِينَ يَعْضُونَ أصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللّه أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللّه قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ غْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ)، انطلاقاً من أن هذه الآية تطلب غض الأصوات عند الرسول «صلی اللّه علیه وآله» مطلقا. أي سواء أكان النبي «صلی اللّه علیه وآله» متكلماً أو ساكتا.

سادساً: ثم أضاف «علیه السلام» دليلاً آخر، أخذه من أقوال رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وهو: أن اللّه تعالى قد حرم على لسان رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» من المؤمنين أمواتاً، ما حرم منهم أحياءً.

فعائشة لم تراع في أعظم الأنبياء، وأفضل الأصفياء أبسط

الأحكام التي تجب رعايتها بالنسبة لكل مؤمن.

لو جاز دفن الحسن مع أبيه:

1- وبعد هذا الشرح الوافي والكافي من الإمام الحسين «علیه السلام» علم أنه لا يجوز دفن أحد عند رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» كما دلت عليه الشواهد والأدلة. وإن عائشة، قد أخطأت خطأ دينيا فاحشا بدفنها أبا بكر وعمر في بيت النبي «صلی اللّه علیه وآله»، وإن اللّه تعالى سوف يحاسبها على ما فعلت.

2- إنه لو كان دفن الحسن «علیه السلام» مع أبيه سائغاً، فإن عائشة لن تستطيع المنع من دفنه عنده. بل كان سيدفن حيث يجيز الشرع دفنه بالرغم من كل أحد ..

فالمانع من دفن الحسن «علیه السلام» عند أبيه هو الشرع والبيان والإلهي، وليس منع عائشة

الحسن ابن الرسول:

وقد كرر الإمام الحسين «علیه السلام» في كلامه مع عائشة قوله: إن النبي «صلی اللّه علیه وآله» هو أب للحسن «علیه السلام»، وأنها إنما تمنع من دفن الحسن عند أبيه.

ولعل السبب في ذلك:

أولاً: أن عائشة لم تنسب الإمام الحسن «علیه السلام» إلى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، بل نسبته إلى بني هاشم فقالت نحو

ابنكم، وكررت ذلك، ففهم من هذا: أنها تتعمد سلخه عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، مع أنها كانت تسمع مباشرة تأكيداته «صلی اللّه علیه وآله» على أن الحسنين «علیهما السلام» ابناه.

وثانياً: ان ذلك يظهر مدى الظلم الذي يمارس ضد الإمام الحسن «علیه السلام»، حتى إنه ليحرم بعد موته من إدخال جنازته على أبيه، وأقرب الناس إليه، لتجديد العهد به.

وثالثاً: لكي يلتفت الناس إلى المفارقة الظالمة في المعاملة، فهذا يمنع من الدخول على أبيه لتجديد العهد به بعد موته، مع أن البيت له والحسن هو الوارث له منه، فى حين يدفن الغرباء عند الرسول «صلی اللّه علیه وآله» في بيته بغير إذنه..

ابن الحنفية يتصدى لعائشة:

إن محمد ابن الحنفية وهو أخو الحسن والحسين «عليهما السلام»، قد واجه عائشة بأمر محرج لها، وهي بحاجة إلى تبريره، فقد أشار رحمه اللّه تعالى إلى ما يلي:

أولاً: أن ركوبها الجمل تارة والبغل أخرى، والحضور بين

الرجال لا يليق بالمرأة العادية، فما بالك بزوجة رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله»؟!..

ثانياً: إن هذا الفعل نوع تبرج للمرأة، وخروج عن الحالة التي يريدها اللّه عليها. بل هو اتخاذ صفة توجب التشهير، لأنها حالة يرغب الناس في تداولها على سبيل الاستهجان..

ثالثاً: إن عداوتها لبني هاشم كانت قوية وحادة، ولا تستطيع السيطرة على نفسها فيها، ولا السيطرة على كل الثوابت حتى الأرض، حين يثور حقدها عليهم..

تحقير عائشة لابن الحنفية:

وكنا نتوقع من عائشة: أن تجيب على الأمور الثلاثة التي أشار إليها ابن الحنفية، لكي تحفظ ماء وجهها، ولكنها لم تفعل ذلك، ولجأت إلى الهجوم عليه، حيث قالت له: يا ابن الحنفية، هؤلاء الفواطم يتكلمون فما كلامك؟!

وهذا الجواب يستبطن أموراً، فهي:

أولاً: حين نادته نسبته إلى أمه، فقالت: «يا ابن الحنفية»، ولم تنسبه إلى أبيه علي «علیه السلام»، ربما لأنها أرادت تحقيره أمام أخويه، باعتبار أن أمه لا يمكن أن تداني فاطمة الزهراء «عليها السلام».

كما أنها قد نسبت الحسنين «علیهما السلام» إلى أمهما، فقالت: «هؤلاء الفواطم»، لترفع شأنهما، وتميزهما عليه.. ولم تنسبهما إلى علي «علیه السلام»، لأن محمدا أيضا هو ابن علي، كما أنها لا تستطيع ذكر علي «علیه السلام» بخير أبداً .

ثانياً: إنها أرادت أن تصدم محمداً، وتصغره عند نفسه، وعند الناس لمجرد أن أمه «رحمها اللّه» ليست كفاطمة الزهراء «علیها السلام».. حيث لم تجد عيباً فيه يمكنها أن تعيره به، فهو «رحمه اللّه»

رجل كامل، عاقل، نقي، شجاع، شهم، نبيل الخ..

ثالثاً: إنها أرادت أن تدق إسفينا بينه وبين إخوته، وتثير فيه حسيكة الحسد، والغيرة، وحب المضاهاة. وبالتالي أن تحدث النفور، والفرقة بين الإخوة.

رابعاً: إن الكلام ليس مرهوناً بنسب، فلا يقال لكل متكلم: اصبر حتى أراجع نسبك، إذ لا دخل للنسب في قبول الكلام ورده، بل المعيار هو مضمون الكلام، فإن كان حقا قبل منه، وإن كان باطلاً رد عليه بالحجة والدليل. فما معنى منع عائشة محمد ابن الحنفية عن الكلام، بحجة أنه ليس ابن الفواطم؟!

دفاع الحسين «علیه السلام» عن أخيه:

فبادر الحسين «علیه السلام» إلى تلقف الموقف، فتولى إجابتها بما لا تستطيع أن تدفعه، لأنها هي التي أسست له، فقد اعتبرت أن من ينتسب لأم اسمها فاطمة، فإنه يكون متميزاً بذلك على من يخلو نسبه من هذا الاسم..

في حين نلاحظ:

أولاً: أن عائشة نفسها هي بنت أم رومان، ولا تنتسب إلى فاطمة.

ثانياً: ان عائشة لم تكن تعتقد في فاطمة أنها امرأة خارقة للعادة في العلم والفضل، وأن لها مقامات عند اللّه، وما إلى ذلك.. بل كانت ترى فيها امرأة كسائر النساء، ولها فضائل وميزات يمكن أن توجد في أي امرأة أخرى.

ولأجل ذلك قالت لمحمد: هؤلاء أبناء الفواطم يتكلمون، أي من نسبهم نساء يحملن هذا الاسم..

فأجابها الحسين «علیه السلام»: أن في نسب محمد ثلاث نساء اسمهن فاطمة. فعلى قولها صار يحق له أن يتكلم.

وصارت هي المطالبة بالجواب على الأمور الثلاثة التي طرحها عليها محمد بن علي (ابن الحنفية).

ولكنها ليس فقط لم تجب بشيء، بل اعترفت بالعجز عن الجواب حيث قالت للإمام الحسين «علیه السلام»: «فإنكم قوم خصمون». أي أن من صفاتكم غلبتكم بالحجج على من تخاصمونه. فلا تدعون له مجالاً لمقال ..

أين دفن الحسين أخاه؟!

وتقول رواية الكافي أخيراً: فمضى الحسين «علیه السلام» إلى قبر أمه، ثم أخرجه، فدفنه بالبقيع».

وهذه الكلمة تدل أولاً على أن أمه لم تدفن في البقيع. وتدل ثانياً: على أنه لم يدفنه عند أمه، فإنه بعد أن مضى إلى أمه، فجدد العهد بها، أخرجه من هناك، فدفنه في البقيع.

فقولهم: إنه دفنه عند أمه سيدة نساء العالمين - كما في بعض النصوص - غير دقيق.

الفصل الرابع: استشهاد الحسن «علیه السلام»

في رواية الأمالي وعيون المعجزات..

للتوضيح والبيان:

وهناك روايتان متقاربتان في المضمون إحداهما رواية الأمالي للشيخ الطوسي عن الشيخ المفيد، عن علي بن بلال، والأخرى رواية عيون المعجزات للسيد المرتضی «رحمه اللّه».

ولأن رواية الأمالي أكثر تفصيلا، فستكون هي الأساس. فإن وجدنا حاجة إلى نصوص عيون المعجزات، أوردناها، وجعلناها بين معقوفتين. ثم نكمل بذكر بقية رواية عيون المعجزات، فنقول:

رواية الأمالي:

روى الطوسي بعدة أسانيد، عن ابن عباس، قال: دخل الحسين بن علي «علیهما السلام» على أخيه الحسن بن علي «علیهما السلام» في مرضه الذي توفي فيه، فقال له: كيف تجدك يا أخي؟!

قال: أجدني في أول يوم من أيام الآخرة، وآخر يوم من أيام الدن، واعلم أني لا أسبق أجلي، وأني وارد على أبي وجدي «عليهما السلام»، على كره مني لفراقك، وفراق إخوتك، وفراق الأحبة.

وأستغفر اللّه من مقالتي هذه وأتوب إليه، بل على محبة مني للقاء رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب

«علیه السلام»، ولقاء فاطمة، وحمزة، وجعفر «علیهم السلام».

وفي اللّه «عز وجل» خلف من كل هالك، وعزاء من كل مصيبة، ودرك من كل ما فات.

رأيت يا أخي كبدي آنفا في الطست، ولقد عرفت من دهاني، ومن أين أتيت، فما أنت صانع به يا أخي؟!

فقال الحسين «علیه السلام»: أقتله واللّه.

قال: فلا أخبرك به أبداً، حتى نلقى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».

[وفي رواية عيون المعجزات: ثم أوصى إليه، وسلم إليه الاسم الأعظم، ومواريث الأنبياء «علیهم السلام» التي كان أمير المؤمنين «علیه السلام» سلمها إليه، ثم قال: يا أخي، إذا مت فغسلني، وحنطني، وكفني، واحملني إلى جدي حتى تلحدني إلى جانبه. فإن منعت من ذلك، فبحق جدك رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وأبيك أمير المؤمنين، وأمك فاطمة الزهراء «علیهما السلام» أن لا تخاصم أحداً، واردد جنازتي من فورك إلى البقيع حتى تدفني مع أمي «عليها السلام».

فلما فرغ من شأنه، وحمله ليدفنه مع رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» ركب مروان بن الحكم الخ ..] (1). (نعود إلى نص رواية الخ..


1) عيون المعجزات ص 58 ومدينة المعاجز ج 3 ص 372 وبحار الأنوار ج 44 ص 140

الأمالي، الذي ذكر أن الإمام الحسن قال للحسين «علیهما السلام»:)

ولكن اكتب:

«هذا ما أوصى به الحسن بن علي إلى أخيه الحسين بن علي، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا اللّه، وحده لا شريك له. وأنه يعبده حق عبادته، لا شريك له في الملك، ولا ولي له من الذل، وأنه خلق كل شيء فقدره تقديرا، وأنه أولى من عبد، وأحق من حمد، من أطاعه رشد ، و من عصاه،غوى، ومن تاب إليه اهتدى.

فإني أوصيك يا حسين بمن خلفت من أهلي، وولدي، وأهل بيتك: أن تصفح عن مسيئهم، وتقبل من محسنهم، وتكون لهم خلفا ووالدا، وأن تدفنني مع جدي رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فإني أحق به، وببيته ممن أدخل بيته بغير إذنه، ولا كتاب جاءهم من بعده.

قال اللّه (تعالى) فيما أنزله على نبيه «صلی اللّه علیه وآله» في:كتابه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْدُنَ لَكُم). فواللّه ما أذن لهم في الدخول عليه في حياته بغير إذنه، ولا جاءهم الإذن في ذلك من بعد وفاته، ونحن مأذون لنا في التصرف فيما ورثناه من بعده.

فإن أبت عليك الامرأة، فأنشدك بالقرابة التي قرب اللّه (عز وجل) منك، والرحم الماسة من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» أن

لا تهريق في محجمة من دم، حتى نلقى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فنختصم إليه، ونخبر بما كان من الناس إلينا بعده».

ثم قبض «علیه السلام».

قال ابن عباس: فدعاني الحسين «علیه السلام»، وعبد اللّه بن جعفر، وعلي بن عبد اللّه بن العباس، فقال: اغسلوا ابن عمكم.

فغسلناه وحطناه وألبسناه أكفانه، ثم خرجنا به، حتى صلينا عليه في المسجد.

وإن الحسين «علیه السلام» أمر أن يفتح البيت، فحال دون ذلك مروان بن الحكم، وآل أبي سفيان، ومن حضر هناك من ولد عثمان بن عفان، وقالوا: أيدفن أمير المؤمنين عثمان الشهيد القتيل ظلماً بالبقيع بشر مكان، ويدفن الحسن مع رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»! واللّه لا يكون ذلك أبداً، حتى تكسر السيوف بيننا، وتنقصف الرماح، وينفد النبل.

فقال الحسين «علیه السلام»: أما واللّه الذي حرم مكة للحسن بن علي بن فاطمة أحق برسول اللّه وبيته ممن أدخل بيته بغير إذنه.

وهو واللّه أحق به من حمال الخطايا، مسيّر أبي ذر «رحمه اللّه»، الفاعل بعمار ما فعل، وبعبد اللّه ما صنع، الحامي الحمى، المؤوي الطريد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، لكنكم صرتم بعده الأمراء، وبايعكم على ذلك الأعداء، وأبناء الأعداء

قال: فحملناه فأتينا به قبر أمه فاطمة «علیها السلام»، فدفناه إلى

جنبها «رضي اللّه عنه وأرضاه».

قال ابن عباس: وكنت أول من انصرف، فسمعت اللغط، وخفت أن يعجل الحسين «علیه السلام» على من قد أقبل، ورأيت شخصاً علمت الشر فيه، فأقبلت مبادراً، فإذا أنا بعائشة - في أربعين راكباً - على بغل مرحل، تقدمهم وتأمرهم بالقتال.

فلما رأتني قالت: إلي إلي يا بن عباس، لقد اجترأتم علي في الدنيا، تؤذونني مرة بعد أخرى، تريدون أن تدخلوا بيتي من لا أهوى ولا أحب.

فقلت: واسوأتاه! يوم على بغل، ويوم على جمل، تريدين أن تطفئي فيه نور اللّه، وتقاتلي أولياء اللّه، وتحولي بين رسول اللّه «صلى اللّه علیه وآله» وبين حبيبه أن يدفن معه.

ارجعي، فقد كفى اللّه (تعالى) المؤنة، ودفن الحسن إلى جنب أمه، فلم يزدد من اللّه (تعالى) إلا قرباً، وما ازددتم منه واللّه إلا بعداً .

يا سوأتاه انصرفي فقد رأيت ما سرك.

قال: فقطبت في وجهي، ونادت بأعلى صوتها: أما نسيتم الجمل يا بن عباس، إنكم لذوو أحقاد.

فقلت: أما واللّه ما نسيه أهل السماء، فكيف ينساه أهل الأرض؟! فانصرفت وهي تقول:

فألقت عصاها واستقرت بها النوى كما قر عينا بالإياب المسافر (1).

إضافة من عيون المعجزات:

فلما فرغ من شأنه، وحمله ليدفنه مع رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» ركب مروان بن الحكم - طريد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»- بغلة وأتى عائشة، فقال لها: يا أم المؤمنين، إن الحسين يريد أن يدفن أخاه الحسن مع رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، واللّه إن دفن معه ليذهبن فخر أبيك وصاحبه عمر إلى يوم القيامة.

قالت: فما أصنع يا مروان؟!

قال: الحقي به وامنعيه من أن يدفن معه.

قالت: وكيف ألحقه.

قال: اركبي بغلتي هذه.

فنزل عن بغلته وركبتها، وكانت تثور الناس وبني أمية على الحسين «علیه السلام»، وتحرضهم على منعه مما هم به، فلما قربت من قبر رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وكانت قد وصلت جنازة الحسن «علیه السلام» فرمت بنفسها عن البغلة، وقالت: واللّه لا يدفن الحسن هاهنا أبدا أو تجز هذه، وأومت بيدها إلى شعرها.


1) الأمالي للطوسي ص 158 و (ط أخرى) ص 703 وبحار الأنوار ج 44 ص 151 ومدينة المعاجز ج 3 ص 376 وبشارة المصطفى ص417 وعيون المعجزات للمرتضى ص 57- 59

فأراد بنو هاشم المجادلة، فقال الحسين «علیه السلام»: اللّه اللّه، لا تضيعوا وصية أخي، واعدلوا به إلى البقيع، فإنه أقسم عليَّ إن أنا منعت من دفنه مع جده «صلی اللّه علیه وآله» أن لا أخاصم فيه أحداً، وأن أدفنه بالبقيع مع أمه «علیها السلام».

فعدلوا به، ودفنوه بالبقيع معها «علیها السلام».

فقام ابن عباس وقال: يا حميراء، ليس يومنا منك بواحد. يوم على الجمل، ويوم على البغلة. أما كفاك أن يقال يوم الجمل حتى يقال يوم البغل ؟! يوم على هذا، ويوم على هذا، بارزة عن حجاب رسول اللّه، تريدين إطفاء نور اللّه، واللّه متم نوره ولو كره المشركون. إنا للّه وإنا إليه راجعون.

فقالت له: إليك عني، وأفٍّ لك ولقومك.

إلى أن قالت الرواية عن الإمام الحسن «علیه السلام»: روي أنه دفن مع أمه «علیها السلام» سيدة نساء العالمين في قبر واحد» (1).

وفي نص آخر، قال عن ابن عباس:

ثم أقبل على عائشة وقال لها واسوأتاه يوماً على بغل، ويوماً على جمل؟!


1) بحار الأنوار ج 44 ص 140 - 142 عن عيون المعجزات للسيد المرتضى ص 57- 59

تريدين أن تطفئي نور اللّه وتقاتلي أولياء اللّه، ارجعي فقد كفيت الذي تخافين، وبلغت ما تحبين، واللّه منتصر لأهل هذا البيت ولو بعد حين.

وقال الحسين «علیه السلام»: واللّه لولا عهد الحسن إليَّ بحقن الدماء، وأن لا أهريق في أمره محجمة دم، لعلمتم كيف تأخذ سيوف اللّه منكم مآخذها، وقد نقضتم العهد بيننا وبينكم، وأبطلتم ما اشترطنا عليكم لأنفسنا.

ومضوا بالحسن «علیه السلام»، فدفنوه بالبقيع عند جدته فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف «رضی اللّه عنها».

مناقب ابن شهر آشوب: مثله مع اختصار، وزاد فيه ورموا بالنبال جنازته حتى سل منها سبعون نبلا، فقال ابن عباس بعد كلام: جملت وبغلت ولو عشت لفيلت (1).

وفي رواية الخرائج والجرائح عن الإمام الصادق عليه السلام»:

ثم قال لعائشة واسوأتاه يوماً على بغل، ويوماً على جمل. وفي رواية: يوماً،تجملت ويوماً،تبغلت، وإن عشت تفيلت.


1) بحار الأنوار ج 44 ص 155- 157 عن الإرشاد للمفيد ج 2 ص17 وكشف الغمة ج 2 ص 211 وروضة الواعظين ص 185 وإعلام الورى ج 1 ص 414 ومقاتل الطالبيين ص 81

فأخذه ابن الحجاج الشاعر البغدادي، فقال:

یا بنت أبي بكر*** لا كان ولا كنت

لك التسع من الثمن*** وبالكل تملك

تجمّلت تبعلت*** وإن عشت تفيّلت (1)

مع رواية الأمالي، وسواها:

إن أول ما يطالعنا في رواية الأمالي: استدراك ورد في كلام الإمام الحسن «علیه السلام»، يوهم: أنه «علیه السلام» قد أخطأ، ثم استدرك لتصحيح الخطأ، مع أن المفروض: أنه «علیه السلام»، معصوم بنص آية التطهير، وبتصريح من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، حيث وصف «صلی اللّه علیه وآله» الحسنين «علیهما السلام» بالمعصومين. وقد ذكرنا ذلك في موضع سابق من هذا الكتاب.

والاستدراك الذي نتحدث عنه هو في قوله «علیه السلام»: «إني وارد على أبي وجدي «علیهما السلام»، على كره مني لفراقك، وفراق إخوتك، وفراق الأحبة. وأستغفر اللّه من مقالتي هذه وأتوب إليه. بل على محبة مني للقاء رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب «علیه السلام» الخ..».

فهذا الاستغفار والاستدراك في الكلام، هل يعني أنه كان غافلاً


1) بحار الأنوار ج 44 ص 154 و 155 عن الخرائج

ثم التفت إلى نفسه، وعرف أنه قد أذنب، فاحتاج إلى الاستغفار، أو أخطأ، فاحتاج إلى التصحيح؟!

ويجاب:

بأنه لا خطأ ولا خطيئة، فلا حاجة إلى التوبة، ولا إلى التصحيح. بيان ذلك أن الإمام والنبي والعالم لا يجب أن يكون كلامه دائما في أعلى درجات الفصاحة والبلاغة، جامعاً للمحسنات البديعية، وذا مضامين علمية دقيقة وعميقة.

بل يكون كلامه وفق ما تقتضيه الحاجة، ويفرضه الظرف. وبحسب حال سامعيه أو المستوى الفكري والاستيعابي لهم. والإمام «علیه السلام» قد يحتاج حين احتضاره وبهدف التعليم والتفهيم إلى إخبار أبنائه وأهله بحبه وصعوبة فراقه لهم. فله أن يخبرهم بهذا الأمر بالعبارة القادرة على حمل هذا المعنى إليهم. وقد يحتاج إلى إلحاق كلامه بما يدل على أن على الإنسان المؤمن أن يكون أبعد نظراً، وأعلى طموحاً، فيكون لقاؤه للنبي وأهل بيته «علیهم السلام» هو الأهم والهدف الأعلى والأغلى عنده. فيعطف الكلام لبيان هذا المعنى بطريقة الاستدراك، والاستغفار، تأدباً اللّه مع ورسوله، ثم يورد مطلوبه لهم، فيكون هذا النحو من البيان أوقع في النفوس، وأثبت في القلوب..

وهذه البداية، والاستغفار والاستدراك، وصرف عنان الكلام بهذا الاتجاه الأسمى والأرقى يكون مقصودا له من أول الأمر.

كل ذلك بهدف رفع مستوى الطموح، والسمو بالغايات والأهداف لدى السامعين إلى المستويات التي يحبها اللّه تعالى لهم، ويدعوهم إليها، ويحثهم عليها ..

وقد أفاد هذا الاستدراك التأدبي والتعليمي أموراً، مثل:

1- إظهار الأهمية القصوى لمحبة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ولأمير المؤمنين، والزهراء، وحمزة، وجعفر «علیهم السلام». فإن حبهم يجب أن يتقدم على حب الأبناء والإخوة والأهل. بل ينبغي إذا دار الأمر بين العيش في الدنيا والبقاء بين الأحبة، وبين الموت ولقاء النبي وعلي وفاطمة و.. و.. - ينبغي - أن يختار الموت للقائهم على الحياة مع الأهل والأقارب والأحباب

ونتيجة ذلك: أن يكون حب الرسول ومن ذكرناهم معه أشد وأقوى من حب الأبناء، والإخوة، والأحباب والأقارب..

2- إن على الإنسان أن يرصد لنفسه أعلى الأهداف وأغلاها، ويعمل في سبيل الوصول إليها، ولا يرضى بديلاً عنها.

3- إنه لا ريب في حب الإمام الحسن «علیه السلام» لأهله وإخوته وأبنائه، وصعوبة فراقهم، ولكن الاستغفار والاستدراك إنما هو عن البدء بذكر هذا الأمر، ليدل على أن على الإنسان: أن يقدم - في الشكل وفي المضمون - الأهم على المهم، والأهم هنا هو حب الرسول وأهل بيته «علیهم السلام»..

4- إذا كان هذا النحو من البيان مقصودا له من أول الأمر،

بهدف التعليم والبيان المؤثر، فلا يكون الإستغفار عن ذنب صدر منه حقيقة، بل هو ذنب مفترض، وخطأ مقترح ، واستغفار واستدراك لأجل التأدب والتعليم.

رأيت كبدي في الطست:

وذكرت رواية الأمالي وغيرها: أن الإمام الحسن «علیه السلام» قال لأخيه: «رأيت يا أخي كبدي آنفا في الطست». وذكرت بعض الروايات: أنه «علیه السلام» صار يقلبها بعود كان في يده (1).

والنصوص حول هذه النقطة بالذات مختلفة ومتنوعة.

وقد حاول بعضهم التشكيك في صحة هذه النصوص استناداً إلى أن الكبد لا صلة لها بالمعدة لكي تقذف من الفم..

ونقول:

قال أهل اللغة: الكبد اللحمة السوداء في البطن. قال ابن سيده: ربما سمي الجوف بكامله كبداً. ويقال: في كبد جبل. أي في جوفه، من كهف أو شعب. وكبد كل شيء وسطه ومعظمه (2).

وهذا يكفي جواباً على التشكيك المشار إليه، فقد يكون «علیه السلام» بسبب السم صار يقذف بعض الذي تخثر واسود وتجمد، وصار قطعاً .. فأطلق عليه أنه كبد، لأنه خارج من جوفه.. وقد تقدم:


1) عمدة الطالب ص 67

2) لسان العرب (ط سنة 1416هـ) ج 12 ص 10 - 12

أن الكبد هو اللحمة السوداء في البطن..

ما أنت صانع به يا أخي؟!:

وذكرت رواية الأمالي أيضاً: أن الإمام الحسن «علیه السلام» قال لأخيه: ولقد عرفت من دهاني، ومن أين أتيت، فما أنت صانع به يا أخي؟!

فقال الحسين «علیه السلام»: أقتله واللّه.

قال: فلا أخبرك به أبدا حتى نلقى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».

ونقول:

1- إن الإمام الحسن «علیه السلام» كان يعرف مسبقاً جواب الإمام الحسين «علیه السلام»، لأن الكل يعلم أن جزاء القاتل القتل، فكيف إذا كان قد قتل وصي النبي «صلی اللّه علیه وآله»؟!

ولكنه «علیه السلام» أراد يمهد لأعلان قراره إيكال الأمر إلى رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» في يوم القيامة. ولعل السبب في هذا الإعلان: أن القاتل إذا كان هو جعدة بنت الأشعث بن قيس، فهي امرأة، ومن ورائها معاوية، وستجد من يحاول التشكيك في نسبة القتل إليها وإلى معاوية، ولعل الاقتصاص منها في هذا الجو المشحون بالشبهات والعصبيات سيكون عظيم الضرر والخطر على مجتمع أهل الإيمان. لاسيما وأن إثبات ارتكابها لهذا الجرم سيبقى منحصراً في إخبار الإمام الحسن نفسه، وليس كل الناس يعتقد بعصمته،

وبإمامته. وأما معاوية، فالأمر فيه سيكون أكثر صعوبة. فكان إيكال الأمر إلى يوم القيامة، هو الأصلح والأولى.. وهذا ما حصل بالفعل..

إيصاء الحسن «علیه السلام» بالدفن مع جده:

وفي رواية الأمالي تصريح: بأن الإمام الحسن «علیه السلام» أوصى الحسين «علیه السلام» بأن يدفنه مع جده رسول اللّه «صلى

اللّه علیه وآله»..

وهذا يتناقض مع ما تقدم في رواية الكافي، من أن ذلك غير جائز حتى للحسن والحسين «علیهما السلام».

ويجاب:

بأن رواية الأمالي قد أجرت الكلام في سياق مختلف تماما عن السياق الذي تحدثت عنه رواية الكافي. بيان ذلك:

أن رواية الأمالي تحدثت عن هذا الأمر بحسب سياقه الطبيعي، وبما له من حكم شرعي أولي ثابت للموضوع من حيث هو. ولم تتحدث عن الموضوع بما هو معنون بعناوين ثانوية عارضة عليه.

والحكم الأولي الثابت للموضوع من حيث هو، هو جواز أن يتصرف الإنسان بما يملكه كيف شاء. ولا يحتاج إلى إذن، فإن نفس أن تصبح الأرض ملكاً للشخص، فإن ملكيتها تقتضي جواز بيعها، وهبتها، وأن يسكن ويدفن فيها، وغير ذلك..

ولذا قال الحسن «علیه السلام» في رواية الأمالي: «ونحن

مأذون لنا في التصرف فيما ورثناه من بعده».

فيجوز أن يتصرف الإمام الحسن «علیه السلام» في الأرض التي يملكها بالإرث، وهو أحق برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وببيته، ممن أدخلوهما بيته بغير إذنه، وبلا كتاب جاءهم من بعده «صلی اللّه علیه وآله».

فكيف حل لهم الدخول إلى بيوت النبي «صلی اللّه علیه وآله» من دون إذن، مع أنه لا ناسخ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النّبي إلا أن يُؤذنَ لَكُمْ) (1). كما أنه لم يؤذن لا لأبي بكر ولا لعمر بالدخول عليه «صلی اللّه علیه وآله»، لا في حياته، ولا بعد وفاته..

ونتيجة ذلك: أن تصح الوصية من الإمام الحسن «علیه السلام» بأن يدفن مع جده، لأن المكان ملك له، وصل إليه بالإرث، والمالك مأذون فى التصرف في ملكه بصورة تلقائية. ولا يصح دفن أبي بكر وعمر معه، لعدم وجود ملك لهما هناك، ليكونا مأذونين بالدخول وبالتصرف تلقائياً، ولعدم صدور إذن لهما بذلك من قبل النبي في حياته، ولا جاءهم الإذن به بعد وفاته.

أما رواية الكافي، فقد تحدثت عن هذا الأمر بما هو معنون بعنوان آخر عارض عليه، وهو عنوان نشأ عن دفن الرسول في ذلك


1) الآية 53 من سورة الأحزاب

الموضع، ولا يجوز هتك حرمة الرسول، أو الدخول عليه في بيته من غير إذنه، كما لا يجوز أن يضرب بالمعاول عند أذن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله». وأن يرفع الصوت فوق صوته.. فإذا تعنون الفعل الذي هو جائز وحلال بالعنوان الأولي، بأحد هذه العناوين صار ذلك الحلال حراماً تماماً كما لو صار الوضوء بالماء مضراً، فإن الوضوء يصير حراماً، بعد أن كان واجباً .. وهذا ما قررته رواية الكافي المتقدمة..

وبعد ما تقدم نقول:

إن دفن أبي بكر وعمر في بيت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» فيه مخالفة صريحة للقرآن وحكم الشرع، ولكن الناس يألفون هذا الأمر الحرام ويعتادون عليه بسبب مشاهدتهم له في طول المدة.

وهذا ما حصل بالفعل، فقد أصبح أمراً مألوفا ومقبولا، لدى عامة الناس، ولم يعد هناك من يرفض هذا الأمر، أو من يسجل عليه تحفظاً.

فكان لا بد من هزة وجدانية قوية تعيد الأمور إلى نصابها، وتبين الصواب من غيره، حفظاً لمقام رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وحفظاً لمعاني الآيات القرآنية، وصيانة لأحكام الشريعة، ولكى لا تختلط الأمور الإعتقادية في أذهان الناس.

فكان من حق الإمام الحسن «علیه السلام» أن يثير هذه القضية من جوانبها المختلفة، ليتم وضع النقاط على الحروف بأمانة ودقة..

وقد احتاج إنجاز هذا المهم إلى السير في هذين الخطين البيانيين اللذين لا بد منهما معاً لتحقيق الغاية المنشودة، فأوصى إلى أخيه أن يدفنه عند جده، مصرحاً: بأنه مأذون له التصرف فيما يملك.. ليعرف الناس أنه إنما يتحدث عما تقتضيه العناوين الأولية.

ثم ألحق ذلك بإخباره عن أمر غيبي هو: أن المرأة (ويقصد بها عائشة) سوف تمنع حتى من دخول جثمانه الطاهر إلى الحجرة النبوية الشريفة.

فلأجل ذلك عليه أن يصرف النظر عن هذه الوصية، ويدفنه في البقيع. وبذلك تكون هذه الوصية فرصة لإيضاح ما لم يكن إيضاحه بالذي يسعد،عائشة، وحزبها، لأنه يمثل فضيحة لهم ما بعدها فضيحة، بسبب المخالفات الكثيرة للآيات والأحكام الشرعية. ولأنه يظهر تعمد الكيل بمكيالين، ويظهر الظلم الذي يلحقونه- وخصوصاً عائشة بأبناء رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»..

فهذا الإخبار الغيبي عن موقف عائشة، التي منعت حتى من دخول الإمام «علیه السلام» إلى حجرة جده «صلی اللّه علیه وآله»، وقالت: «لا تدخلوا بيتي من لا أحب». ولم تقل: «لا تدفنوا في بيتي من لا أحب». إن هذا الإخبار قد أرجع الأمور إلى نصابها، حيث ظهر أن الإمام الحسن «علیه السلام» كان يعرف مدى حقد هذه المرأة على كل ما له ارتباط بعلي وأهل البيت «علیهم السلام».

كما وتوفرت الفرصة لبيان الأحكام الثابتة للموضوع بعنوانه

الأولي: ثم جاء الإخبار الغيبي الذي أعقبه الإصرار على الإمام الحسين «علیه السلام» أن لا يصر على موقفه، بل عليه أن يدفنه في البقيع. ليكون منسجماً مع العنوان الثانوي فيما يرتبط بالحفاظ على كرامة الرسول «صلی اللّه علیه وآله» من جهة، وعلى كرامة الإمام الحسن «علیه السلام»، وحقن دماء بني هاشم، وغير ذلك من جهة أخرى.

وهذا أو بعضه ما ألمحت إليه رواية الكافى المتقدمة.

من الذي غسل الإمام الحسن ؟!:

وذكرت رواية الأمالي قول ابن عباس: «فدعاني الحسين «علیه السلام» وعبد اللّه بن جعفر، وعلي بن عبد اللّه بن العباس، فقال: اغسلوا ابن عمكم.

«فغسلناه، وحنطناه وألبسناه أكفانه، ثم خرجنا حتى صلينا عليه في المسجد».

وهذا الكلام موهم أن الإمام الحسين «علیه السلام» لم يشاركهم في شيء من ذلك، مع أن هذا الخبر غير دقيق، فإن من الثابت: أن الإمام لا يغسله إلا إمام. فإن كان لهؤلاء الثلاثة شراكة في هذا الأمر، فإنما هي شراكة معونة غير مباشرة، والمتولي للتغسيل والتجهيز والصلاة حقيقة هو الإمام الحسين «علیه السلام» نفسه. ولعله استعان بهؤلاء أو ببعضهم لإحضار الماء، وتهيئة سائر الوسائل التي يحتاج إليها المغسل، كما حصل حين تغسيل علي «علیه السلام» للنبي حين

موته «صلی اللّه علیه وآله»..

الثأر لعثمان:

واللافت: أن حجة بني أمية للمنع من دخول جثمان الإمام الحسن «علیه السلام» إلى حجرة جده. هو الإنتقام لعثمان، وقالوا: «أيدفن أمير المؤمنين عثمات الشهيد القتيل ظلماً بالبقيع، بشر مكان، ويدفن الحسن مع رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، واللّه لا يكون ذلك أبداً، حتى تكسر السيوف بيننا، وتنقصف الرماح، وينفد النبل..».

ولكن السؤال هنا هو: لماذا تتوجه هذه النقمة إلى الإمام الحسن «علیه السلام»؟! فهل كان هو الذي قتل عثمان أو شارك في قتله؟!

ألا يقولون: إن أباه أرسله وأخاه الإمام الحسين ليدفعا عن عثمان؟! ألم يحاول أمير المؤمنين حل مشكلة عثمان مع خصومه، فكان عثمان يعطيه العهود والمواثيق، ثم يتراجع عنها مرة بعد أخرى؟!

وهل كان الإمام الحسن «علیه السلام»، أو أحد من بني هاشم سبباً في دفن عثمان في الموضع الذي دفن فيه؟!..

جواب الإمام الحسين «علیه السلام»:

وقد أجاب الإمام الحسين «علیه السلام» على مقالة بني أمية:

أولاً: إنه أقسم باللّه الذي حرم مكة: إن الحسن «علیه السلام» بن علي ابن فاطمة أحق بالنبي، وبيته، من أبي بكر وعمر، اللذين أدخلا

بيته بغير إذنه..

ويلاحظ: أنه «علیه السلام» قد نسب الإمام الحسن «علیه السلام» إلى أبويه المباشرين أولاً، ثم قرر أحقيته برسول اللّه من أبي بكر وعمر. ولعل السبب في ذلك: أن دفن أبي بكر وعمر في حجرة رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» كان يهدف إلى إظهار أن لهما المزيد من الزلفى والخصوصية عنده، ولولا ذلك لم يرض الصحابة بدفنهما معه في بيته.

فأراد «علیه السلام» أن يقول: إن الحسن «علیه السلام» بن علي وفاطمة أحق برسول اللّه وببيته منهما.

ثانياً: إنه «علیه السلام» أعاد القسم باللّه مرة أخرى على أمر جديد وهو: أن الإمام الحسن «علیه السلام» أحق برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» - وهو من أهل بيته المطهرين المعصومين - من عثمان الذي لم يكن مطهراً، ولا معصوماً، بل كان كما قال «عليه السلام»:

1- حمال الخطايا.. حيث يفسح المجال لأقاربه وعماله ليرتكبوا الجرائم والمآثم، ويتولى هو الدفاع عنهم، وحمايتهم، وحفظهم، وإمدادهم بالعطايا والأموال، والتستر على جرائمهم، وموبقاتهم.

2- إنه هو الذي سيّر أبا ذر إلى الشام ثم إلى الربذة، لمجرد أنه يجهر بالحقيقة. فمن يقمع الأمرين بالمعروف، الناهين عن المنكر- وهم خيار الأمة وصلحاؤها وكبارها - هل يؤمن على إشاعة

المعروف، والتضييق ثم القضاء على المنكر ؟!

3- إن عثمان هو المعتدي على عمار بن ياسر، وعبد اللّه بن مسعود بالضرب والأذى والإهانة.. فمن يعتدي على حرمات من هو مثل عمار، وابن مسعود ، هل يؤمّل منه حفظ حرمة الضعفاء من الناس، ومن لا ناصر له ولا معين؟!

4- إن عثمان لا يؤمن على المال العام، بدليل أنه قد حمى الحمى، ومنع الناس من أن يمشوا في مناكبها، ويأكلوا من رزقه، وسلبهم هذا الحق، مع أن المال مال اللّه سبحانه. فهو يحرمهم حتى من مال اللّه، فهل يؤمن على أرزاقهم، فلا تمتد يده إليها، ويمنع من امتداد أيدي أقاربه وعماله وحاشيته إليها أيضاً ؟!

5- وعثمان أيضاً قد آوى طريد رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وهذا يدل على أنه لا مانع لديه من أن يرتكب ما يغضب الرسول، وينقض قراراته.. فهل يؤتمن على شيء مما جاء به وقرره، وأجراه أو أمضاه؟!

وكيف يكون من هذا حاله أحق برسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وبيته من ولده الذي هو سيد شباب أهل الجنة ؟!..

أتينا به قبر أمه فاطمة:

وقول الرواية: «فحملناه، فأتينا به قبر أمه فاطمة «عليها السلام»، فدفناه إلى جنبها». موهم أن المقصود هو أمه الزهراء «علیها السلام». مع أن قبر الزهراء «علیها السلام» لا يزال مجهولاً

إلى يومنا هذا. فلا بد أن يكون المقصود هو فاطمة بنت أسد، كما صرحت به روايات أخرى.

المرأة تأمرهم بالقتال:

وقد صرحت رواية الأمالي: بأن عائشة كانت تأمر من معها بالقتال وكانوا أربعين راكباً.

وهذا يكذب ما يدعونه من أن عائشة إنما خرجت لتصلح بين الفريقين، حتى لا يقع قتال. فإن هذه المزاعم هي مجرد ترقيعات واهية، وأوهام بالية والنصوص المتضافرة تدحضها.

لكي لا يتهم الحسين «علیه السلام» !!:

ابن الوليد، عن ابن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن النضر، عن هشام بن سالم، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللّه «علیه السلام» قال:

إن الحسين بن علي «علیهما السلام» أراد أن يدفن الحسن بن علي «علیهما السلام» مع رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وجمع جمعاً، فقال رجل سمع الحسن بن علي «علیهما السلام» [يقول:] قولوا للحسين أن لا يهرق في دماً.

لولا ذلك ما انتهى الحسين «علیه السلام» حتى يدفنه مع رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».

وقال أبو عبد اللّه «علیه السلام»: أول امرأة ركبت البغل بعد

رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» عائشة، جاءت إلى المسجد فمنعت أن يدفن الحسن بن علي «علیهما السلام» مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه وآله» (1).

ونقول:

ونحن نرجح صحة هذه الرواية بما يلي:

إن بني أمية الذين تجمهروا للمنع من دخول جثمان الإمام الحسن «علیه السلام» إلى حجرة جده كانوا لا يتورعون عن الاتهام الكاذب، وتزوير الحقائق ضد خصومهم، ولاسيما إذا كانوا من بني هاشم، وخصوصاً إذا كان الأمر يرتبط بعلي وأهل بيته..

وقد عرفنا أن الإمام الحسن «علیه السلام» أوصى أخاه بأن لا يهريق في أمره محجمة من دم. فلو أن الإمام الحسين «علیه السلام» حين رأى جمع بني أمية بزعامة عائشة، قال لهم: إن أخي أوصاني أن لا أهريق فيه محجمة من دم، لاتهموه، بأنه- والعياذ باللّه- قد خاف وجبن عن مواجهتهم، فاخترع هذه الوصية على لسان أخيه كمخرج له من المأزق.

فكان من الأصلح والأجدى: أن يبلغ الحسن «علیه السلام» هذه الوصية إلى الإمام الحسين «علیه السلام» بواسطة شخص آخر، يكون حاضراً لما يجري، فإذا رأى تصميم الحسين «علیه السلام»


1) بحار الأنوار ج 44 ص 150 عن علل الشرائع

على دخول الجثمان إلى حجرة الرسول «صلی اللّه علیه وآله» أبلغه هذه الوصية بصورة معلنة، ليرى الناس أن الوصية هي التي حسمت الموقف، ويكون ذلك أبعد من الشبهة، ولا مجال معها لتوجيه التهمة للحسين «علیه السلام»: بأن يكون هو الذي ابتكر هذه الوصية، لكي تخرجه من ورطته.

ويبدو أن الإمام الحسين «علیه السلام» قد كرر هذه الوصية على مسامعهم بعد ذلك أيضاً .

الفصل الخامس: روايات تحتاج إلى تمحيص..

اشارة

لابد من التدقيق والتأمل:

روى ابن عساكر عن الحسن بن محمد ابن الحنفية ما جرى حين دفن الإمام الحسن «علیه السلام»، فكان مما قال:

لما مرض حسن بن علي مرض أربعين ليلة، فلما استعِزَّ به، وقد حضرت بنو هاشم ، فكانوا لا يفارقونه، يبيتون عنده بالليل، وعلى المدينة سعيد بن العاص، وكان سعيد يعوده ، فمرة يؤذن له، ومرة يحجب عنه، فلما استعز به بعث مروان بن الحكم رسولاً إلى معاوية يخبره بثقل الحسن بن علي.

إلى أن قال:

فانتهى حسين بن علي إلى قبر النبي «صلی اللّه علیه وآله»، فقال: احفروا ها هنا.

فنكب عنه سعيد بن العاص، وهو الأمير، فاعتزل ولم يحل بينه وبينه.

وصاح مروان في بني أمية ولفها، وتلبسوا السلاح، وقال مروان: لا كان هذا أبداً.

فقال له حسین: يا ابن الزرقاء! ما لك ولهذا ؟! أوال أنت؟!

قال: لا كان هذا، ولا يُخلص إليه وأنا حي!!

فصاح حسين بحلف الفضول، فاجتمعت بنو هاشم، وتیم، وزهرة، وأسد، وبنو جعونة بن شعوب من بني ليث، قد تلبسوا السلاح.

وعقد مروان لواء، وعقد حسين بن علي لواء.

فقال الهاشميون: يدفن مع النبي «صلی اللّه علیه وآله»، حتى كانت بينهم المراماة بالنبل، وابن جعونة بن شعوب يومئذ شاهر سيفه (1).

ونقول:

إننا نشك في صحة هذه الرواية لعدة أسباب، هي التالية:

هل مرض الحسن، أم دس إليه السم؟!:

هل مرض الحسن أربعين ليلة - كما زعمت الرواية - أم أنه مات مسموما على يد جعدة بنت الأشعث، بإغراء من معاوية؟!

ولماذا تريد الرواية تهويل أمر مرضه، وتطويل أمده؟! هل الهدف هو أن لا يخطر في بال أحد أنه مات شهيداً مسموما مظلوماً.

وذلك لحفظ ماء وجه معاوية، ولإبعاد الشبهة عنه؟!


1) تاريخ مدينة دمشق ج 13 ص 292 و 293 وترجمة الإمام الحسن «عليه السلام» من تاريخ ابن عساكر ص 221 و 222

اعتزال سعيد بن العاص:

تقول الرواية: إن سعيد بن العاص - وهو الأمير - قد نكب عن الحسين «علیه السلام»، واعتزل، ولم يحل بينه وبين الحفر للحسن عند جده..

مع أن هذا الكلام غير دقيق..

أولاً: قد ذكرنا: أن سعيد بن العاص ومروان بن الحكم كانا في جملة الذين منعوا من وصول جثمان الإمام الحسن «علیه السلام» إلى جده ليجدد العهد به (1).

ثانياً: إن الإمام الحسين «علیه السلام» لم يأمر بالحفر عند قبر النبي «صلی اللّه علیه وآله»، ولم يكن المطلوب هو دفن الحسن عند قبر جده، بل كان المطلوب هو دخول جثمانه إلى المكان لتجديد العهد بجده...

وقد ذكرنا ذلك عند مناقشة روايات الكافي والأمالي..

حلف الفضول:

تفردت هذه الرواية بادعاء: أن الحسين «علیه السلام»، قد دعا بحلف الفضول تمهيداً لادعاء: أن الحسين «علیه السلام» كان هو البادئ بجمع المقاتلين، وإشهار العداوة، والعزم على القتال. وذلك


1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 212 و 23

توطئة لزعم: أن اجتماع الفريقين - أعني بني هاشم ومن معهم في حلف الفضول، مقابل مروان وبني أمية - قد انتهى إلى المراماة بالنبل.

أي أن بني أمية لم يكونوا وحدهم الذين رموا جنازة الإمام الحسن «علیه السلام» بالنبل، بل كان الفريقان معاً يترامون بالنبل، فإن سبق شيء من ذلك إلى جنازة الإمام الحسن فإنه لم يكن متعمداً، ولا كان بنو أمية وعائشة ومروان قد خططوا له ورضوا به.

وهذا طمس للحقائق، وخيانة للتاريخ، وظلم آخر للإمام الحسن «علیه السلام» وأهل البيت «علیهم السلام»..

دفن الحسن برواية القاضي النعمان:

وبعد أن ذكر القاضي النعمان: أن الحسن أوصى إلى الحسين «علیهما السلام» قال:

وفوض الأمر إليه، وأقامه المقام الذي أقامه اللّه عز وجل ورسوله «صلی اللّه علیه وآله» فيه، ونص عليه في محضر من شيعته، وعرفهم أنه القائم في مقام الإمامة بعده، مع ما سبق إليهم، واطلعوا عليه فيهما من رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، ومن أمير المؤمنين «علیه السلام».

وأوصاه أن يدفنه مع رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، إن لم ينازع في ذلك، [فإن] نازعه في ذلك منازع ترك ذلك، ودفنه في الجبانة إلى جانب أمه فاطمة «صلوات اللّه علیه».

وقيل: إن ذلك انتهى إلى عائشة، واختلف القول فيه عنها.

فقال قوم: إنها قالت: ألا ما في البيت إلا مكان قبر واحد كنت أردته لنفسي، والحسن أحق به مني.

وقيل: بل منعت من ذلك أشد المنع، وركبت بغلا، وخرجت إلى جماعة بني أمية، تقول: هكذا اغتصب علي بيتي، ويدفن الحسن في مكان أعددته لنفسي.

وقيل: إن بعض الشعراء قال في ذلك شعراً يقول فيه:

(فيوماً على بغل ويوماً على جمل).

واللّه أعلم أي ذلك كان منهما.

وكان سعيد بن العاص عاملاً لمعاوية على المدينة، وكان بها يومئذ مروان بن الحكم فانتهى الذي قاله الحسن «علیه السلام» إلى سعيد، وقال له بنو أمية: ما أنت صانع في ذلك؟! هؤلاء يريدون أن يدفنوا الحسن مع رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وهم قد منعوا عثمان من ذلك.

فقال سعيد: ما كنت بالذي أحول بينهم وبين ذلك.

فغضب مروان بن الحكم، وقال: إن لا تصنع في هذا شيئا، فخل بيني وبينهم.

فقال: أنت وذلك.

فجمع مروان بني أمية، وحشمهم ومواليهم، وأخذوا السلاح.

فبلغ ذلك الحسن، فقال للحسين «علیه السلام»: أناشدك اللّه أن

تهيج في هذا الأمر، وادفني مع أمي.

وتأكيد ذلك عليه، واستحلفه فيه. ومات الحسن «علیه السلام».

وبلغ الحسين «علیه السلام» اجتماع من جمعه مروان، وأنهم قد أخذوا السلاح ووقفوا ليمنعوا من دفن الحسن مع رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فحمي لذلك واهتاج له.

وكان «علیه السلام» أبي النفس، شهما، شجاعاً. وجاءه مواليه وشيعته، فأمرهم، فأخذوا سلاحهم.

واحتمل سرير الحسن «علیه السلام» ليصلي عليه. وخرج سعيد بن العاص، فدفع الحسين «علیه السلام» في قفاه، وقال له: تقدم لولا السنة ما قدمتك.

يعني على ظاهر الأمر: أن السلطان، أو من أقامه للصلاة بالناس، إذا حضر الجنازة كان أحق بالصلاة عليها من وليها

فصلى عليه سعيد بن العاص، فلما انصرف قام عبد اللّه بن جعفر إلى الحسين «علیه السلام»، فقال له: عزمت عليك لما امتثلت وصية أخيك ولم تخالفه، وتلقح شراً .

ووقف إلى جمع بني أمية، فقال: قد علمتم الحسين بن علي «علیه السلام»، وإنه لا يقر على الضيم، وقد أوصاه أخوه أن يدفنه بالبقيع، فلا تلجئوه إلى أن يلقح شراً بوقوفكم، فانصرفوا .

وتقدم عبد اللّه بن جعفر، فأخذ بمقدم السرير، ولم يزل بالحسين «علیه السلام» حتى أجابوا.

ومضى نحو البقيع، فدفنه إلى جنب فاطمة «علیها السلام»، كما أوصى بذلك، وانصرفوا.

وسبق الخبر إلى معاوية بموت الحسن «علیه السلام» في الوقت الذي مات فيه قبل أن يدفن، وإنه أوصى أن يدفن، مع رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فأظهر لموته سروراً. وقال: إن صدق ظني بمروان فيمنعه من دفنه مع رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، وجعل يقول: إيها مروان.

فلما دفن أرسلوا رسولاً إليه ثانياً بالخبر، ففرح لذلك، وأثنى على مروان خيراً (1).

ونقول:

تضمن هذا النص أموراً يحسن الالتفات إليها، وهي التالية:

الوصية إلى الحسين «علیه السلام»:

ذكر النص المتقدم: أن الحسن «علیه السلام» أوصى للحسين «علیه السلام»، وأقامه المقام الذي أقامه اللّه ورسوله فيه وأمير المؤمنين، ونص عليه في محضر شيعته وعرفهم أنه القائم في مقام الإمامة.

وهذا إذا انضم إلى سائر النصوص التي صرحت بهذا الأمر يكفي للرد على من ادعى عدم وجود نص من السابق على اللاحق في


1) شرح الأخبار للقاضي النعمان ج 3 ص 124- 128

أمر الإمامة بالنسبة إلى الإمامين الحسن والحسين «علیهما السلام».

حمل بني أمية السلاح أولاً:

وقد دلت الرواية المتقدمة على أن بني أمية قد احتشدوا وحملوا السلاح حين بلغهم وصية الإمام الحسن لأخيه، وذلك قبل استشهاد الإمام الحسن «علیه السلام».

وهذا يكذب ما زعمته روايات أخرى، من أن الإمام الحسين «علیه السلام» كان هو البادئ بجمع الرجال والسلاح، حين دعا بحلف الفضول فأجابوه..

الحسين «علیه السلام» حمي واهتاج:

وزعمت الرواية المتقدمة: أن الحسن «علیه السلام» قد استحلف أخاه أن لا يهيجه جمع بني أمية السلاح للمنع من دفنه.

فلما مات «علیه السلام»، وبلغ الحسين «علیه السلام» اجتماع بني أمية بالسلاح، ليمنعوا من دفن الحسن مع النبي «صلی اللّه علیه وآله» حمي «علیه السلام» لذلك، واهتاج له، وكان أبي النفس شهما شجاعاً.

وهذا الكلام مردود عل قائله، لما يلي:

أولاً: إن استحلاف الحسن للحسين: أن لا يهتاج بسبب ما يفعله بنو أمية للمنع من دفنه عند الرسول «صلی اللّه علیه وآله» معناه: أنه لا يكتفي بالوعد الذي يعطيه إياه أخوه، ويرى أنه قد يخلف وعده،

فيريد أن يتوثق من وفائه بالحلف. وهذا طعن بصدق الإمام الحسين «علیه السلام»، وفي أخلاقياته..

ثانياً: إنه بالرغم من حلف الإمام الحسين لأخيه «علیهما السلام»، فإنه- كما تدعي الرواية - قد اهتاج حين بلغه اجتماع بني أمية بالسلاح للمنع من دفن أخيه عند جده..

ثالثاً: إن النصوص الأخرى تقول: إنه «علیه السلام» كان هو الذي يهدئ بني هاشم، ويمنعهم من أي تصرف يخالف وصية أخيه... رابعاً: إن الاعتذار عن الاهتياج المزعوم للحسين «علیه السلام» بأنه «علیه السلام» كان شهماً شجاعاً، أبي النفس، لا يبرر مخالفته وصية أخيه، ولا يصلح عذراً للحنث بيمينه..

صلاة سعيد بن العاص على الحسن «علیه السلام»:

وقد قلنا: إن صلاة سعيد بن العاص على جثمان الإمام الحسن «علیه السلام» لا صحة لها.

1- لأن الإمام لا يصلي عليه إلا الإمام.

2- كما أن الإمام الحسين «علیه السلام» لا يقدّم من كان عدواً لعلي وله، ولأخيه الحسن، ولأهل البيت «عليهم السلام»، للصلاة على الإمام الحسن..

3- إن اليعقوبي يصرح: بأن سعيد بن العاص قد شارك في المنع من وصول جنازة الإمام الحسن «علیه السلام» إلى قبر رسول اللّه

«صلی اللّه علیه وآله».

4- وقد قال سعيد بن العاص لمروان عن رأي بني هاشم فيه:

«القوم أشد لي تهمة، وأسوأ في رأيا منهم فيك» (1).

وسعيد بن العاص هو الذي هدم دار علي والحسن، وعقيل، والرباب زوجة الإمام الحسين كما ذكرناه في موضع آخر من هذا الكتاب.

لولا السنة!! ما المراد بها؟!

وقد لفت نظرنا: أن القاضي النعمان قد فسر القول المنسوب للإمام الحسين «علیه السلام»: «لو لا السنة لما قدمتك» - فسره بقوله -: «يعني على ظاهر الأمر: أن السلطان، أو من أقامه للصلاة بالناس إذا حضر الجنازة كان أحق بالصلاة عليها من وليها ...».

ونحن لا نرى هذا صحيحاً:

أولاً: لأننا لم نجد ما يدلنا على أن الصلاة على الموتى قد أصبحت من وظائف السلطان. كما أننا لم نجد ما يدل على أن السلاطين كانوا يعينون شخصاً يتولى هذه المهمة من قبلهم، خصوصاً في تلك الحقبة.

ثانياً: إن الأحداث التي رافقت دفن الإمام الحسن «علیه السلام»


1) ترجمة الإمام الحسين «علیه السلام» من طبقات ابن سعد ص97 رقم 185وتاريخ مدينة دمشق ج 23 ص 91 و 92

تمنع من حصول هذا الأمر. ولم يكن أهل البيت «عليهم السلام» ليعترفوا بسنة من هذا القبيل، تسلب من الولي ولايته التي جعلها اللّه تعالى له.

ثالثاً: بالإضافة إلى ما تقدم، من أن الإمام لا يصلي عليه إلا الإمام وغير ذلك.

تعابير مسمومة:

وتقول الرواية المتقدمة: إن عبد اللّه بن جعفر، قال للإمام الحسين «علیه السلام» عزمت عليك لما امتثلت لوصية أخيك، ولم تخالفه، وتلقح شراً».

ثم توجه إلى جمع بني أمية، فكان مما قاله لهم: «أوصاه أخوه أن يدفنه بالبقيع، فلا تلجئوه أن يلقح شراً بوقوفكم، فانصرفوا».

وهذا كلام غير سليم، لما يلي:

أولاً: لأنه يظهر أن الإمام الحسين «علیه السلام» كان يأبى الامتثال لوصية أخيه «علیه السلام». ولا يمكن قبول نسبة هذا الأمر إلى الإمام الحسين «علیه السلام»، وهو إمام معصوم، كما دلت عليه النصوص القرآنية والنبوية.

ثانياً: إنه يتهم الحسين «علیه السلام» بأنه هو الذي يلقح الشر.

وهذا أمر أيضاً لا تصح نسبته إليه «علیه السلام».

وتتأكد عدم معقولية هذا المعنى من خلال ما يظهر من الرواية

نفسها، من أن مجرد وقوف بني أمية في ذلك المكان هو السبب في أن يلقح الحسين الشر !! فهل يكفي وقوفهم لتبرير إلقاح الشر؟!

ثالثاً: إن هذا النص يبرئ بني أمية من جرم قبيح جداً اقترفوه. حيث يحاول أن يزعم أنه لم يصدر منهم شيء سوى التجمع بالسلاح. مع أن النصوص تؤكد أنهم قد رموا جنازة الإمام الحسن «علیه السلام» بالنبل، وفي بعض الروايات: أن النبال قد أصابت الجثمان الطاهر، وخرقت الكفن (1).

فلماذا يراد تبرئة أولئك المجرمين، والإيحاء بأن الإمام الحسين «علیه السلام» هو الذي كاد أن يلقح الشر؟!

تشكيك الرواية بدور عائشة:

وقد حاولت الرواية أن تدعي وجود روايات متعارضة حول ما فعلته عائشة في موضوع دفن الإمام الحسن «علیه السلام».. فبعضها يدل على أنها كانت تؤيد دفن الإمام الحسن عند جده، وبعضها يظهر لها موقفاً مسيئاً للإمام الحسن «علیه السلام».

والقاضي النعمان يحاول هنا أن يظهر الورع، ويدعي أنه لا يعرف أي ذلك قد كان!!


1) راجع......

عروة يروي ويحرض:

عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: قال الحسن حين حضرته الوفاة: ادفنوني عند قبر رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» إلا أن تخافوا أن يكون في ذلك شر، فإن خفتم الشر فادفنوني عند أمي.

وتوفي الحسن، فلما أرادوا دفنه أبى ذلك مروان، وقال: لا يدفن عثمان في حش كوكب، ويدفن الحسن هاهنا! فاجتمع بنو هاشم وبنو أمية، فأعان هؤلاء قوم وهؤلاء قوم، فجاؤوا بالسلاح.

فقال أبو هريرة لمروان: يا مروان! أتمنع الحسن أن يدفن في هذا الموضع ؟! وقد سمعت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يقول له ولأخيه:حسين هما سيدا شباب أهل الجنة؟!

فقال:مروان دعنا عنك، لقد ضاع حديث رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» لو كان لا يحفظه غيرك، وغير أبي سعيد الخدري، وإنما أسلمت أيام خيبر!

قال: صدقت أسلمت أيام خيبر، إنما (ولكني) لزمت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» فلم أكن أفارقه، وكنت أسأله، وعنيت بذلك حتى علمت، وعرفت من أحب ومن أبغض، ومن قرَّبَ ومن أبعد، ومن أقر ومن نفى، ومن دعا له ومن لعنه!

فلما رأت عائشة السلاح والرجال، وخافت أن يعظم الشر بينهم، وتسفك الدماء قالت:

البيت بيتي، ولا آذن أن يدفن فيه أحد.

فقال محمد بن علي لأخيه: يا أخي، إنه لو أوصى أن يدفن لدفناه نموت قبل ذلك، ولكنه قد استثنى

فقال: إلا أن تخافوا الشر، فأي شر أشد مما ترى؟!

فدفن بالبقيع إلى جنب أمه.

ويقال: إن الحسن أوصى أن يدفن مع النبي «صلی اللّه علیه وآله»، فأظهر الحسين ذلك قبل موت الحسن، فأنكره مروان بن الحكم وكتب بقول الحسين إلى معاوية.

فكتب إليه معاوية: إذا مات الحسن فامنع من ذلك أشد المنع، كما منعنا من دفن عثمان مع النبي «صلی اللّه علیه وآله».

فأتى الحسين الحسن، فأخبره بذلك، فقال: يا أخي اجتنبت القتال في حياتي، أفتريد أن يكون ذلك عند سريري؟! فضمن له أن لا يفعل.

ويقال: إنه لم يجر بينه وبين الحسين في ذلك شيء، فلما توفي أراد الحسين دفنه مع النبي «صلی اللّه علیه وآله»، فمنعه مروان من ذلك، وكاد أن يكون بين الحسين وبينه في ذلك شر، فأمسك الحسين عن دفنه مع النبى «صلی اللّه علیه وآله» (1).

ونقول:


1) جمل من أنساب الأشراف ج 3 ص 297- 298 وراجع ص399 وأنساب الأشراف للبلاذري ج 3 ص 60 - 61 وراجع ص 64 و 65

إحتقار مروان لأبي هريرة:

تضمن النص المتقدم: أن أبا هريرة حين روى لمروان حديث: هما سيدا شباب أهل الجنة، قال له مروان: «دعنا عنك، لقد ضاع حدیث رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» لو كان لا يحفظه غيرك وغير أبي سعيد الخدري، وإنما أسلمت أيام خيبر».

والظاهر: أن كلام أبي هريرة قد أحرج مروان، وأزعجه، لأنه خشي أن يكون لكلام رسول اللّه أثر على بعض الناس، فبادر إلى مهاجمة أبي هريرة بما دل على احتقاره له، وعدم اعتداده بما يرويه، وبما يدعيه من المعرفة بحديث رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».

بل كلامه هذا يدل على أنه لا يعترف بأية ميزة لروايات أبي هريرة، بل هو يضعها في دائرة الشبهة، لأن من أسلم أيام خيبر لا يكاد يحفظ ويضبط هذا القدر من الأحاديث عن رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، لاسيما مع ملاحظة غياب أبي هريرة إلى البحرين مدة طويلة بعد إسلامه..

فما ادعاه أبو هريرة في جوابه لمروان من أنه لزم رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، فلم يكن يفارقه، بل كان مشغولاً بتحصيل العلم، غير دقيق، فإنه كان من أهل الصفة الذين يلازمون المسجد، لأجل القوت، والمأوى، وملازمة هؤلاء لموضع الصفة في المسجد لا تعني ملازمتهم لرسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله».

عائشة أرادت حل الإشكال:

وتضمنت رواية عروة: أن عائشة لما رأت اجتماع بني أمية وبني هاشم، وجاؤوا بالسلاح، خافت أن يعظم الشر بينهم، وأن تسفك الدماء فقالت: «البيت بيتي، ولا أذن أن يدفن فيه أحد».

وهذا التصوير الذي يبرئ عائشة من أي تحريض، ويظهر أنها إنما قالت هذا الكلام لكي تحل المشكلة، وتمنع من سفك الدماء، يجعل من عائشة حمامة سلام، وداعية حب ووئام.. والآخرون هم الذين لا يهتمون لإراقة دماء المؤمنين، بل إن بعضهم يعاون بعضاً على ارتكاب أمثال هذه الجرائم.

ولا ندري ما الذي سيصنعه ازاء سائر النصوص التي صرحت: بأنها كانت تحرض بني أمية على قتال بني هاشم؟!

كما لا ندري لماذا بدل هذا الراوي قولها: «نحوا ولدكم عن بيتي، ولا تدخلوا بيتي من لا أحب». بقول آخر لا يتضمن أية كلمة قاسية أو مثيرة وهو قولها: «البيت بيتي ولا آذن أن يدفن فيه أحد».

على أنّنا قلنا أكثر من مرة: إن البيت ليس بيتها، بل هو بيت الإمام الحسن والإمام الحسين «علیهما السلام».

معاوية أمر مروان:

وقد صرح النص المتقدم: بأن مروان لم يقدم على ما أقدم عليه من تلقاء نفسه، بل كان قد عرف أن الإمام الحسن «علیه السلام»

أوصى الإمام الحسين «علیه السلام» بأن يدفنه عند جده، فإن منع من ذلك دفنه في البقيع.

وظاهر العبارة أيضاً يشير إلى أن الإمام الحسين «علیه السلام» قد تعمد إعلان هذه الوصية قبل موت الإمام الحسن «علیه السلام»، فأبلغ مروان معاوية بالأمر، فأرسل إليه معاوية يأمره بالمنع من ذلك..

ليس هذا صحيحاً:

عروة بن الزبير والقاسم بن محمد قالا: [...]

فلما حضرت الوفاة الحسن بن علي أوصى بأن يدفن مع جده في ذلك الموضع، فلما أراد بنو هاشم أن يحفروا له منعهم مروان، وهو والي المدينة في أيام معاوية.

فقال أبو هريرة: علام تمنعه أن يدفن مع جده، فأشهد لقد سمعت رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» يقول: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.

قال له مروان: لقد ضيع اللّه حديث رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله»، إذ لم يروه غيرك.

قال: أما واللّه لقد قلت ذلك، لقد صحبته حتى عرفت من أحب ومن أبغض، ومن نفى ومن أقر، ومن دعا له ومن دعا عليه (1).


1) العقد الفريد ج 5 ص 16 و 103 و (ط الشرقية بمصر) ج 2 ص 177وجواهر المطالب لابن الدمشقي ج 2 ص 199 و 200 وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 19 ص 248

ونقول:

1- ذكر هذا النص: أن مروان حين منع من وصول الحسن إلى جده لتجديد العهد - ظناً منه أنه دفنه «علیه السلام» عند رسول اللّه «صلى اللّه علیه وآله» كان قراراً قطعياً وحاسماً - كان آنئذ واليا على المدينة.

وهذا غير صحيح، فإن سائر المصادر الحديثية والتاريخية صرحت: بأن والي المدينة حين شهادة الإمام الحسن «علیه السلام»

كان سعيد بن العاص.

2- وأما ما جرى بين مروان وأبي هريرة، فقد ذكرنا بعض ما يرتبط به حين ذكرنا رواية القاضي النعمان لحديث دفن الإمام فراجع.

ما هو العهد الذي نقضه بنو أمية؟!:

وفي بعض المصادر: أن الحسين «علیه السلام» قال لهم حين دفن أخيه:

«واللّه لولا عهد الحسن إلي بحقن الدماء وأن لا أهريق في أمره محجمة من دم لعلمتم كيف تأخذ سيوف اللّه منكم مأخذها، وقد نقضتم

العهد بيننا وبينكم، وأبطلتم ما اشترطنا عليكم لأنفسنا» (1).

ونقول:

لعل المراد بالعهد الذي نقضوه، وما اشترطوه لأنفسهم هو ما كان النبي «صلی اللّه علیه وآله» يوصي به أمته من حفظ أهل بيته، والكون معهم، ونصرتهم على أعدائهم ..

أو المراد به عهد الإمام الحسن «علیه السلام» في صلحه مع معاوية.

روايات تحتاج إلى بحث:

هنا روايتان تحتاجان إلى تأمل وتدقيق، وهما:

1- قالوا عن الحسن «علیه السلام»: إنه أوصى إلى أخيه الحسين: إذا أنا مت فاحفر لي مع أبي، وإلا ففي بيت علي وفاطمة، وإلا ففي البقيع. ولا ترفعن في ذلك صوتاً، فمات في شهر ربيع الأول سنة إحدى وخمسين، بعد ما مضى من إمارة معاوية عشر سنين، وهو ابن تسع وأربعين سنة.

وصلى عليه سعيد بن العاص، قدمه الحسين، وقال: تقدم، فلولا أنها سنة ما قدمتك.


1) الإرشاد للمفيد ج 2 ص 16 وكشف الغمة ج 1 ص 586 وبحار الأنوار ج 44 ص 157 وشرح الشافية لابن أمير الحاج ص 345 وروضة الواعظين ج 1 ص 168 وغير ذلك

ثم أمر الحسين أن يحفر له في بيت علي وفاطمة.

فبلغ ذلك بني أمية، فأقبلوا وعليهم الدروع، وقالوا: واللّه لا نتخذ القبور مساجد.

فنادى الحسين في بني هاشم، فأقبلوا بالسلاح. ثم ذكر الحسين قول أخيه: لا ترفعن في ذلك صوتا، فحفر له بالبقيع، ودفن هناك «علیه السلام» في أحسن مقام (1).

2- وقالوا أيضاً: حضر سعيد بن العاص ليصلى عليه، فقالت بنو هاشم: لا يصلي عليه أبداً إلا حسين.

قال: فاعتزل سعيد بن العاص، فواللّه ما نازعنا في الصلاة، وقال: أنتم أحق بميتكم، فإن قدمتموني تقدمت.

فقال الحسين بن علي: تقدم، فلولا أن الأئمة تقدم ما قدمناك (2).

ونقول:

يفهم من هاتين الروايتين أمور تحتاج إلى المزيد من التدبر والتدقيق، ونذكر ما يلي:

قبر النبي «صلی اللّه علیه وآله» وبيت علي «علیه السلام»:

لقد أمر الإمام الحسن أخاه «علیهما السلام» بأن يحفر له مع أبيه،


1) تاريخ الصحابة الذين روي عنهم الأخبار(ط دار الكتب العلمية) ص 66

2) ترجمة الإمام الحسن «علیه السلام» من طبقات ابن سعد ص87

والمقصود بأبيه هو رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله». لأنه هو المدفون بالمدينة، ولا يقصد به أباه عليا «علیه السلام» لأنه مدفون في ظاهر الكوفة بالعراق..

وهذا يسوقنا إلى سؤال آخر، وهو: أننا قد أثبتنا أن النبي «صلی اللّه علیه وآله» قد دفن في بيت فاطمة، لا في بيت عائشة.. فما معنى قوله: «فاحفر لي مع أبي، وإلا ففي بيت علي وفاطمة..»، فإن هذا الترديد يدل على التغاير بين موضع دفن أبيه، وهو رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» وبين بيت علي وفاطمة.

إلا أن يقال: إن النبي «صلی اللّه علیه وآله» قد دفن في حجرة من بيت فاطمة، فلعله كانت هناك حجرة أخرى.

وعلى فرض أنه لم يكن فيه إلا حجرة واحدة، فلعل المقصود هو الدفن في الدار، أو في أي موضع كان ضمن بيت فاطمة وعلي.

ومما يؤيد أن بيت فاطمة كان يضم أكثر من حجرة أننا نعرف: أن الذين كانوا يعيشون في بيت فاطمة لا تسعهم حجرة واحدة، فقد كان يعيش في ذلك البيت علي وفاطمة والحسنان، وزينب، وأم كلثوم، وفضة.. فهل تسع الحجرة التي دفن فيها رسول اللّه «صلی اللّه علیه وآله» كل هؤلاء، والحال أنهم يقولون: إنها لم تتسع لدفن أربعة أشخاص، فكيف يعيش في تلك الحجرة ضعف هذا العدد؟! فهم يأكلون ويشربون، ويصلون، ويتحركون وينامون، وما إلى ذلك..

صلاة سعيد بن العاص على الإمام الحسن:

وتضمن النص المتقدم: أن الذي صلى على جنازة الإمام الحسن «علیه السلام» هو سعيد بن العاص..

مع أن من المعلوم - كما تقدم:

أولاً: أن الإمام لا يصلي عليه إلا إمام.

ثانياً: إن سعيد بن العاص كان عدوا لعلي «علیه السلام» وأهل بيته، كما أشرنا إليه فيما سبق.

ثالثاً: لا توجد سنة تقضي بأن يكون الأمير هو الذي يصلي على الميت.

لا نتخذ القبور مساجد:

وفي الرواية تبرئة صريحة للمجرمين، بإطلاق كذبة، شوهاء عرجاء بلهاء، فقد تضمنت الاعتراف بأن بني أمية قد لبسوا الدروع، وأقبلوا للمنع من دفن الإمام الحسن «علیه السلام» في بيت علي وفاطمة. ولكنها قالت: إن بني أمية حين أتوا قالوا: «واللّه لا نتخذ القبور مساجد».

وهو كلام غريب.

أولاً: لأن بيت علي وفاطمة لم يكن مسجدا، بل هو ملك لذريتهما..

ثانياً: إن دفن الإمام الحسن «علیه السلام» في بيت أمه وأبيه لا

يلزم منه أن يتخذ أحد القبور مساجدَ، لا من بني أمية ولا من غيرهم..

ثالثاً: إن النبي «صلی اللّه علیه وآله» مدفون في بيت فاطمة أيضاً، وقد دفنوا معه أبا بكر وعمر أيضاً، ولم تتخذ القبور مساجد، فلماذا لم يمنعوا من دفن أبي بكر وعمر هناك، بحجة أن لا تتخذ القبور مساجد؟!

الفهرس

الفصل الرابع: أحداث وأشخاص:... 7

على من تحل الصدقة؟: ...9

الوضوء للتعليم: ...11

ألم يكن الحسين «علیه السلام» يعرف ذلك ؟!: ...13

کرم بني هاشم: ... 16

الحسنان يرفضان تزويج سعيد بن العاص: ... 21

للتذكير فقط: ... 26

البدوية المغتلمة: ... 27

الفصل الخامس الحسنان ومعاوية: ...34

الحسنان وجوائز معاوية: ...36

المراد بالجائزة: ...39

الحسنان إمامان: ...40

بغي معاوية: ...41

الشروط المالية في الصلح الحسني«علیه السلام»: ...42

لماذا خصوص دارا بجرد؟:...43

لماذا لم يذكر أيتام أهل النهروان؟!:...44

العطاءات والصلات ليست ثمن موقف: ...44

نتيجة ما تقدم: ... 45

الإمام يرد صلة معاوية: ...46

لم يكن معاوية صادقاً: ...47

خذاها، وأنا بن هند: ...47

رواية عن الإمام الكاظم «علیه السلام»: ...49

لعن اللّه أخملنا ذكراً ...53

ابن جعفر يحتج على معاوية: ...56

معاوية لا يخجل من قول الباطل...59

معاوية لا يهتم لما سيقوله ابن جعفر: ...61

تناقض كلام معاوية: ...61

أقسى ما سمعه معاوية ...61

الأموال التي أعطاها للحسنين «علیهما السلام»...62

الفصل السادس: روايات لا تستقيم...64

الصلاة على أم كلثوم...69

التناقضات تثير التساؤلات: ...67

متى توفيت أم كلثوم؟!...69

من الذي صلى على أم كلثوم؟!:...70

ظن أن الحسين «علیه السلام» هو الحسن «علیه السلام»:...71

كيف ضل الحسن «علیه السلام» طريقه؟!...72

الحسن «علیه السلام» لا يخلف موعده:...72

الراعي لم يميز الحسن من الحسين «علیه السلام»:...73

مكافأة الراعي:...74

الحسنان «علیهما السلام» لا يتهاجران:...75

لماذا يهجر شخص أخاه:...76

أنت أحق بالفضل مني:...77

متى كان هذا التهاجر ؟!:...77

أي هذين هو الصحيح؟!:...78

وددت أن لسانك لي، وقلبي لك:...79

الخلاف بين الحسين «علیه السلام» وابن الحنفية:...80

خير المال ما وقي به العرض:...83

الفصل السابع مروان بنظر الحسين «علیه السلام»:...85

مروان يتحدى والحسين «علیه السلام» يرد:...87

يا ابن الزرقاء:...90

تهديد مبعوث مروان:...92

لماذا لم يسأل الحسين أخاه؟!:...93

هل عاند الحسين أخاه؟!:...94

أنت صبي لا عقل لك:...95

مروان: الخوارج زهاد وعلماء:...96

الإمام الحسن يفخر بنفسه لا بغيره:...97

ابن على «علیه السلام» وابن النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏):...97

كلاهما لي ورغماً:...98

العدالة في إمام الجماعة:...98

الباب الثالث: الحسين في استشهاد أخيه الفصل الأول: شهادة الإمام الحسن «علیه السلام»:...106

إن الحسن «علیه السلام» نعيت إليه نفسه:...108

القصر الأخضر، والقصر الأحمر:...111

حديث السم وحديث السيف متلازمان:...112

عن أي معراج تتحدث الرواية؟!:...114

حياء جبرائيل:...115

الاحتضار:...117

أريد أن أعلم حالك:...118

لم يشكا في حديث جدهما:...120

من الذي صلى على الإمام الحسن «علیه السلام» ؟!:...120

التجهيز والدفن:...124

الحسين يرثي أخاه:...126

زيارة القبر عشية كل جمعة:...127

الفصل الثاني: الوصية المكذوبة وأكاذيب أخرى:...131

ليس هذا صحيحاً:... 133

الحسن «علیه السلام» يستأذن عائشة !!:... 141

دفن إلى جنب أمه فاطمة:... 147

الحسين «علیه السلام» يتذكر ليلة عاشوراء:...148

مروان يحمل سرير الإمام الحسن:...148

شماتة معاوية بموت الحسن «علیه السلام»:...150

الفصل الثالث: استشهاد الحسن «علیه السلام» في رواية الكافي:....157

وصايا الحسن «علیه السلام» ومراسم دفنه:...159

يحدث عهداً برسول اللّه(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏):...163

أين دفنت فاطمة «علیها السلام» ؟!:...164

الحسن «علیه السلام» يخبر عن صنيع عائشة:...165

فخرجت على بغل بسرج:...169

نحوا ابنكم عن بيتي:...172

أدخلت بيت النبي من لا يحب:...173

لو جاز دفن الحسن مع أبيه:...178

الحسن ابن الرسول:...178

ابن الحنفية يتصدى لعائشة:...179

تحقير عائشة لابن الحنفية:...180

دفاع الحسين «علیه السلام» عن أخيه:...181

أين دفن الحسين أخاه؟!:...182

الفصل الرابع: استشهاد الحسن «علیه السلام»:...183

في رواية الأمالي وعيون المعجزات:...183

للتوضيح والبيان:...185

رواية الأمالي:...185

إضافة من عيون المعجزات:...190

مع رواية الأمالي، وسواها: رأيت كبدي في الطست:...196

ما أنت صانع به يا أخي؟!:...197

إيصاء الحسن «علیه السلام» بالدفن مع جده:...198

من الذي غسل الإمام الحسن ؟!:...202

الثأر لعثمان:...203

جواب الإمام الحسين:...203

أتينا به قبر أمه فاطمة:...205

المرأة تأمرهم بالقتال:...206

لكي لا يتهم الحسين !!:...206

الفصل الخامس روايات تحتاج إلى تمحيص:...209

لابد من التدقيق والتأمل:...210

هل مرض الحسن، أم دس إليه السم؟!:...211

اعتزال سعيد بن العاص:...212

حلف الفضول:...212

دفن الحسن برواية القاضي النعمان:...213

الوصية إلى الحسين «علیه السلام»:...216

حمل بني أمية السلاح أولاً:...217

الحسين «علیه السلام» حمي واهتاج:...217

صلاة سعيد بن العاص على الحسن:...218

لولا السنة ! ما المراد بها ؟!:...219

تعابير مسمومة:...220

تشكيك الرواية بدور عائشة:...221

عروة يروي ويحرض :...222

إحتقار مروان لأبي هريرة:...224

عائشة أرادت حل الإشكال:...225

معاوية أمر مروان:...225

ليس هذا صحيحاً:...226

ما هو العهد الذي نقضه بنو أمية؟!:...227

روايات تحتاج إلى بحث:...228

قبر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وبيت علي «علیه السلام»:...229

صلاة سعيد بن العاص على الإمام الحسن:...231

لا نتخذ القبور مساجد:...231